دراسة عامة في الامامة
التجميع الإمامة
الکاتب العلامة الشيخ إبراهيم الأميني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

دراسة عامّة في الإِمامة

تأليف

العلاّمة الشيخ إبراهيم الأَميني

ترجمة

كمال السيد



دراسة عامّة في الإِمامة

تأليف

العلاّمة الشيخ إبراهيم الأَميني

ترجمة

كمال السيد


بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيْمِ


محتويات الكتاب

مقدّمة المترجِم .9

مقدّمة الطبعة الثالثة 11

تمهيد .15

الفصل الأوّل: الإمامة 35

ما هي الإمامة؟ 37

الخلافة والإمامة: 39

بدء الإمامة: 41

بداية التشيّع: 41

إثارة: 48

الإمامة في القرآن .51

أُولو الأمر 55

رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان يجمع المنصبَين معاً: 58

الانفصال: 59

موقف علي: 62

الاعتراف: 64

اعتراف الخلفاء بعدم عصمتهم: 67

أُولو الأمر في القرآن .69

وكان بعضهم يعترض: 71

معركة أُحد: 71

مصاديق أُولي الأمر 75

خلاصة القول: 79

وَلِيّ الأَمْر فِي ضَوء الرُوَايَات ..85


الفصل الثاني: الإمامة في ضوء العقل .91

النبوّة العامّة 93

القانون الذي يكفل سعادة الإنسان: 101

مقوّمات المشرِّع: 102

استنتاج: 105

سرّ التفوّق في الشرائع الإلهية: 106

الدين: 109

الأدلّة العقليّة على الإمَامَة 110

ضرورة الإمام في ضوء الأحاديث ..129

الفصل الثالث: العصمة 141

عِصْمَة الإمَام 143

استدلال هشام: 146

العصمة في ضوء العقل .148

حدود العصمة: 152

العصمة قبل فترة الإمامة: 152

العصمة في ضوء العقل .155

آية التطهير: 157

أسباب النزول: 158

الشهود: 161

أهل البيت (عليهم السلام) 166

القادة: 168

تفسير آية التطهير .171

الإرادة: 173

العصمة في ضوء الأحاديث ..178


الفصل الرابع: العِلْم .185

معرفة الأحكام 187

عِلْم الإمام في ضَوء الأَحاديث: 188

وأحاديث أُخرى: 190

مصادر علوم الإمام 193

الكتب المصدر الأوّل: 193

علي في مدرسة الوحي: 194

منزلته العلميّة: 195

أكثر الصحابة روايةً: 197

شهادة الرسول: 198

ويدوّن علوم النبوّة: 198

كتابُ علي: 199

الجفر والجامعة: 199

جامع للأحكام: 200

القرآن المصدر الثاني .202

عالم الغيب المصدر الثالث ..205

وأحاديث أُخرى: 207

وأحاديث أُخرى أيضاً: 209

الفرق بين الإمام والنبي .212

شواهد: 214

عالم الشهادة: 217

عالم الغيب: 218

الغيب والشهود: 219

الغيب والشهادة في القرآن: 220

هل أنّ عِلْم الغيب من مختصّات الله عزّ وجل؟ 222

الإمام وعلم الغيب: 225


أحاديث: 226

وأحاديث أُخرى: 228

أنباء الغيب ..230

وطائفة من الأحاديث ثالثة: 230

وأنباء أُخرى عن سائر الأئمّة (عليهم السلام): 236

علم الغيب ..240

الأئمّة ينفون علمهم بالغيب: 242

الإمام وسائر العلوم: 246

الفصل الخامس: الإعجاز 249

المعجزة: 251

هل المعجزة أمر ممكن؟ 251

مَن الذي يقوم بالمعجزة؟ 253

إثبات الإعجاز: 255

إنكار المعجزات: 258

الفرق بين المعجزة والسحر 264

الإعجاز وما يقوم به المرتاضون: 266

المعجزة والكرامة: 267

الفصل السادس: أفضليّة الإمام وطريقة الانتخاب   269

أفضليّة الإمام 271

انتخاب الإمام 273

الشورى: 277

الاستخلاف: 283

تخرّصات مُغْرِضَة: 284

مصادر الكتاب ..286


مقدّمة المترجِم

كانت مسألة الإمامة وما تزال تُثير جَدَلاً واسعاً في الأوساط المسلمة؛ لأهمِّيَّتها البالغة سياسيّاً واجتماعيّاً، وفوق هذا وذاك موقعها في صياغة المعتقد الديني، ودوره في الحياة، والإجابة عن أسئلة الإنسان.

فالإمامة تُمثّل ركناً هامّاً في الصرح الإسلامي، وفي تكوينه الفكري والسياسي، واستمراراً في روح التغيير والبناء الاجتماعي والإداري بعد غياب النبوّة.

ومن هنا نفهم مغزى ذلك الاهتمام العميق بشخص الإمام علي (عليه السلام) من لدن الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وإعداده لدور مستقبلي هو في الحقيقة امتداد لمهامّ الرسالة من أجل الحفاظ على الشريعة ومسؤوليّة تطبيقها في واقع الحياة، ولقد أفرز هذا الاهتمام النبوي الفريد فهماً خاصّاً لدى فريق من الصحابة، فانجذبوا إلى عليّ والتفّوا حوله، وكان لهم موقف إزاء النتائج المريرة التي تمخّض عنها مؤتمر السقيفة، الذي يعدّ أساساً للفواجع التي عصفتْ بالأُمّة الإسلاميّة، ومهّدت لكارثة صِفِّين ومن ثمّ مأساة كربلاء، وإذا كانت الخلافات حول الإمامة قد بدأت أوّل ما بدأت في إطار من الجدل الفكري


والعلمي، فإنّها سرعان ما تحوّلتْ بعد ذلك إلى موجات من الاضطهاد السياسي والإرهاب الفكري، وسلسلة عنيفة من المواجهات الدامية، إضافة إلى ما رافق ذلك من حملات دعائيّة واتهامات ظالمة للتيّار الشيعي الذي رفع لواء التمسّك بقيادة أهل البيت (عليهم السلام).

ولأهمِّيَّة الإمامة وموقعها الحسّاس في العقيدة الدينيّة، فقد انتهج المذهب الإمامي - في إثباتها كأصل ديني - أُسلوبه في التعامل مع أصول الدين والتأسيس لها عقليّاً.

وبشكل عام فإنّ النظريّة الشيعيّة تنهض على أساس يجعل من الإمامة عهداً إلهيّاً، كما هو الحال في النبوّة، وتطرح لإثبات ذلك أدلّتها العقليّة.

ولقد أُثيرت في الآونة الأخيرة زوبعة فكريّة حول الإمامة، وأُطلقت الاتّهامات جُزَافاً دون تأمّل أو موضوعيّة، ومن المؤسِف حقّاً اتّهام المذهب الإمامي بإهمال المنهج العقلي في التأسيس لأصل الإمامة.

ولعلّ في هذه الدراسة ما ينهض في وضع ملامح عامّة لنظرية الإمامة في ضوء المذهب الشيعي، حيث يحتلّ العقلُّ مساحة واسعة فيها.

فالدليل العقلي في إثبات الإمامة هو الأساس والقاعدة، فيما يدخل الدليل الشرعي لمجرّد دعم وتعزيز موقف العقل لا أكثر.

ويَطرح هذا الكتاب - الذي بين يديك عزيزي القارئ - نظريّة الإمامة في التفكير الشيعي على ثلاثة أعمدة هي:

1 - العقل.

2 - والقرآن الكريم.

3 - والسنة الشريفة.

كمال السيّد


مقدّمة الطبعة الثالثة

- هل أضحت مسألة الإمامة بحثاً تاريخيّاً لا جدوى من ورائه؟

- وهل تبقى - مهما بلغت من الأهمِّيَّة - في إطارها التاريخي القديم، الذي عفا عليه الزمن؟!

- فماذا يجدي طرحها في هذا العصر؟ ناهيك عن أضرارها؛ لأنّها ستُجدِّد وتَبعث من جديد الخلافات بين السُنّة والشيعة.

ومسألة طائفيّة كهذه لا بدّ وأنْ توجِّه ضربة قاصمة لوحدة الأُمّة الإسلاميّة، وهي في أمسّ الحاجة إليها الآن وأكثر من أيّ وقت مضى.

أليس من الأفضل الإعراض عن هذه المسائل، والبحث في مسائل أكثر ضرورة؟

قد تُثار مثل هذه التساؤلات هنا أو هناك، وإذا أردنا الجواب عنها فيمكن القول: أنّ البحث في مسألة الإمامة يخرج عن إطاره التاريخي القديم إلى مجاله الأرحب ليكون من أشدّ المسائل حياتيّة، ليس لمحتواها العقائدي فحسب، بل لمعطياتها الفكريّة في الحياة الإنسانيّة؛ انطلاقاً من جانبها السياسي ونظريّتها في الإدارة والحُكم.

وإذن، فمسألة الإمامة لا ترتبط بزمن مضى، بل إنّها تواكب كلّ الأزمنة حاضراً ومستقبلاً.


ومن هنا فقد أضحتْ - وعلى مدى التاريخ الإسلامي - مجالاً حيويّاً للبحث، وكانت واحدة من محاور علم الكلام، وفاقتْ بذلك غيرها من المسائل الإسلاميّة الأُخرى، حتى أُلّفت حولها مئات بل آلاف الكتب.

* وفي الأحاديث نجد أنّ مسألة الإمامة قد احتلّتْ مساحة واسعة لتكون معرفة الإمام الحق واتّباعه ضرورة من الضرورات:

- وقد قال سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (مَنْ مَاتَ بِغَيْرِ إِمَامٍ مَاتَ مِيْتَةً جَاهِلِيَّة) (1) .

- وعن الراوي قال: سألتُ أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) عن قول رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ لَهُ إِمَامٌ فَمِيْتَتُهُ مِيْتَةٌ جَاهِلِيَّة).

قال قلتُ: ميتة الكفر؟

قال: مِيْتَة ضَلاَل.

قلتُ: فمَن مات اليوم وليس له إمام فميتته ميتة جاهليّة؟

فقال: نعم (2) .

- وعن آخر قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (مَن مات لا يعرف إمامه مات مِيْتَة جاهليَّة)؟

قال: (نعم.

قلت:ُ جاهليّة جهلاء أو جاهليّة لا يعرف إمامه؟

قال: جَاهِلِيّة كُفْر وَنِفَاق وَضَلاَل) (3) .

- وقال الإمام الرضا(عليه السلام) في حديث له: (إنّ الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين، إنّ الإمامة أُسّ الإسلام النامي وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد وتوفير الفَيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف. إنّ الإمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرام الله ويذبّ عن دين الله) (4) .

____________________

(1) مسند أحمد: ج4 ص96 / الكافي: ج1 ص376.

(2) الكافي: ج1 ص376.

(3) المصدر السابق: ص377.

(4) الكافي: ج1 ص200.


- وعن محمّد بن مسلم قال: سمعتُ أبا جعفر(عليه السلام) يقول: (كلّ من دان الله عزّ وجلّ بعبادة يُجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله، فسَعْيه غير مقبول، وهو ضالّ متحيّر، والله شانئٌ لأعماله، ومثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها، فهجمتْ ذاهبة وجائية يومها فلمّا جنّها الليل بصرتْ بقطيع غَنَم مع راعيها، فحنّت إليها واغترّتْ بها، فباتتْ معها في مربضها، فلمّا أنْ ساق الراعي قطيعه أنكرتْ راعيها وقطيعها فهجمتْ متحيِّرة تطلب راعيها وقطيعها فبصرتْ بغنم مع راعيها فحنّت إليها واغترّت بها، فصاح بها الراعي، الْحَقِي براعيك وقطيعك فأنتِ تائهة متحيّرة عن راعيك وقطيعك، فهجمتْ ذَعِرَة متحيِّرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردّها، فبينا هي كذلك إذ اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها. وكذلك والله يا محمّد مَن أصبح مِن هذه الأُمّة لا إمام له من الله عزّ وجل ظاهر عادل أصبح ضالاًّ تائهاً، وإنْ مات على هذه الحالة مات ميتةَ كفر ونفاق. واعلم يا محمّد إنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله، قد ضلّوا وأضلّوا،فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّتْ به الريح في يوم عاصف، لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد) (1) .

* ويُستفاد ممّا تقدّم أنّ بحث الإمامة يعدّ في صميم المسائل الإسلاميّة العامّة، وعليه تتوقّف معرفة الإمام الحقّ وصفاته، وهي مسألة مصيريّة بالنسبة للأُمة الإسلاميّة في مجالات عديدة:

- فإلى مَن يرجع المسلمون في أَخْذ أحكام دينهم وحلّ مشكلاتهم الفكريّة، إلى أهل بيت النبي من الأئمّة المعصومين حَمَلَة الرسالة، أَمْ إلى علماء الرأي والقياس والاستحسان؟

____________________

(1) الكافي: ج1 ص183.


- وبِمَن يتأسّى المسلمون وبِمَن يقتدون، بعترة الرسول أَمْ بغيرهم؟

- وما هو شكل الحكومة الإسلاميّة، وما هي مقوّمات الحاكم الإسلامي، وهل أنّ الحكم الإسلامي حقّ مشروع للأئمّة المعصومين المعيَّنين من لدن الله عزّ وجل، أَمْ لكلّ مَن أراد الحكم حتّى لو كان ظالماً جاهلاً؟

وكلّ هذا وغيره يندرج في بحث الإمامة.

فإذا ما بُحثت الإمامة بشكل علمي وفي إطار الخُلق الإسلامي - بعيداً عن التعصب والإساءة إلى مقدّسات الطرف الآخر - فإنّها لن تكون باعثاً على تأجيج النَفَس الطائفي، بل سيكون لها الأثر البالغ في رَدْم هوّة الخلاف، والتقريب بين المذاهب.

* وفي الختام نذكر بأنّ بحث الإمامة يمكن أنْ يتمّ في محورَين:

الأول: بحوث عامّة في الإمامة، من قبيل:

- ضرورة وجود الإمام.

- شروطه وصفاته: كالعلم والعصمة والإعجاز.

- وكيفية انتخابه، وغيرها.

الثاني: تطبيقات الإمامة وبحث مصاديق الأئمّة وإقامة الأدلّة في إثبات إمامة كلّ منهم. وقد اعتمد الكتابُ المحورَ الأوّل.

ولا أنسى التأكيد على ضرورة تأليف كتاب آخر يعتمد المحور الثاني.

وتبقى الإشارة إلى أنّ الكتاب الحاضر كان قد أُلّف قبل (25 سنة) أي قبل انتصار الثورة الإسلاميّة، وقد أُجريتْ عليه بعض التعديلات اللازمة ليكون في شكله الحالي بين أيدي القرّاء الكرام، سائلاً المنّان الرضا والقبول.

إبراهيم الأميني

خريف 1415هـ


تمهيد

الإسلام نظام اجتماعي كامل يستوعب كلّ شؤون الحياة الإنسانيّة، فهو نظام يرسم للإنسان طريق السعادة في الآخرة، ويحدّد أسلوب الحياة في الدنيا بشكل يضمن له الطمأنينة والرفاه.

وهو في كلّ ذلك لا يجعل بين الدنيا والآخرة حدوداً، بل يجعل من الدنيا طريقاً للآخرة.

ومن هنا فلا يكون المسلم مسلماً حقّاً حتّى يكون مسؤولاً في حياته الاجتماعيّة، ويكفي لإثبات ذلك أنْ يُلقي المرء نظرة على سعة وتنوّع الأحكام الاجتماعيّة.

فالقانون والقضاء يحتلّ مساحة واسعة من الإسلام، الذي يَعتبر إقرار النظام ومَنْع الفوضى والعدوان على حقوق الآخرين أمراً واجباً لا مناص منه، حتّى ليجد المرء نظاماً متكاملاً للقضاء، لا يهتم بإقامة العدل فحسب، بل يتشعّب ذلك ليضمن حقوق العاملين فيه من رؤساء ومرؤوسين، ويحدّد واجباتهم.

كما نجد الجهاد في سبيل الله - كوسيلة لتثبيت دعائم الإسلام ونشره - يحتلّ مساحة واسعة من الشريعة؛ ليقف في الصدارة من القوانين والأحكام الدينية.


فالمسلمون مُلْزَمون ومسؤولون عن الدفاع في وجه المُغِيْرِين الذين ينهبون الأموال العامّة بالباطل، ويطغَون في الأرض.

وقد قال الله سبحانه: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ ) (1) .

وقال عزّ وجلّ: ( وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ ) (2) .

وقال تعالى: ( قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (3) .

وإذاً، فالمسلمون ملزَمون بأمرِ الله والتعبئة العامّة؛ من أجل تأسيس جيش قويّ مجهّز بأفضل الأسلحة حتّى يمكّنه مواجهة العدوّ الذي يتربّص بأهل الإسلام الدوائر.

قال سبحانه وتعالى: ( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ ) (4) .

من هنا فإنّ وزارة للحرب - بكلّ ما يلزمها من مؤسّسات ومعاهد وكلِّيَّات للضبّاط، وكلّ مراكز الإنتاج الحربي لتغطية مستلزمات الدفاع - هي جزء من الإسلام ومن واجبات المسلمين.

____________________

(1) الصف: الآية 4.

(2) البقرة: الآية 193.

(3) التوبة: الآية 24.

(4) الأنفال: الآية 60.


وهناك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يُعدّ في طليعة الواجبات الدينيّة العامّة، التي تستلزم جهازاً منظّماً يقوم بها ويضمن تنفيذها في الحياة الاجتماعية؛ ليكون المجتمع الإسلامي مصداقاً لقوله تعالى: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) (1) .

* ثمّ هناك القانون الجنائي الذي:

- يعيّن الحدود والديّات.

- ويعاقب القاتل.

- ويقطع يد السارق.

- ويجلد الزناة أو يرجمهم.

وكلّ العقوبات المقررة في الإسلام هي لمنع الفساد في المجتمع.

* وهناك القانون العام الذي:

- يضمن الميزانية العامّة في البلاد.

- ويحدّد الضرائب، حيث الزكاة والخمس يشكّلان رقماً كبيراً في هذا المضمار.

* وهناك الخدمات العامّة التي يتكفّلها القانون من قبيل:

- بناء المستشفيات والمدارس ومراكز التحقيق.

- وتأسيس المساجد والمراكز الصحِّيَّة.

- والإنفاق على المحتاجين.

- ودعم مراكز التبليغ والإرشاد.

- ومكافحة الفساد.

كلّ ذلك وغيره ممّا يمكن النهوض به اعتماداً على الخمس والزكاة، اللتَين لو تمّت الاستفادة منهما بشكل صحيح وسليم لأمكن القيام بكلّ ما ذُكر، بل لفاض عليه.

إنّ التأمّل في مجموع القوانين الإسلاميّة - والتي أشرنا إلى قسم منها - لتكشف بوضوح إلى أنّ هدف الإسلام وغايته الكبرى هو أنْ يتحقّق وجود مجتمع إسلامي، ينهض على أساس سليم في ضمان الحقوق، وتحديد الواجبات، وتنفيذ الشريعة الإلهيّة في الحياة البشريّة.

ومن المستحيل منطقيّاً أنْ يكون الإسلام على هذه الدرجة الكبرى من

____________________

(1) آل عمران: الآية 104.


الاهتمام بشؤون الحياة وعلى المستويات كافّة من سياسة واقتصاد واجتماع، ثمّ يغفل جانباً هامّاً فيها وهو القيادة التي تدخل في الصميم.

فكلّ هذه النُظُم الدقيقة - فيما يتعلّق بتأسيس جيش قوي يتناسب ومتطلّبات العصر ويتكفّل حماية الأُمّة والبلاد والدفاع عن حريم الوطن - شاهد على أنّ الشريعة لا يمكن أنْ تُهمل جانباً هامّاً في الحياة، وتحديد المسؤول عن كلّ ذلك.

- والقضاء - كجهاز - أَلاَ يُلْزِمُهُ هو الآخر مسؤول أعلى يُشْرِف على تطبيق الأحكام الإلهيّة؟

- والخمس والزكاة أَلاَ تلزمهما أجهزة إداريّة تنهض بتنظيم الجِبَاية وكيفيّة الإنفاق؟

- ألم يُشِر القرآن حتّى إلى موارد صرفهما ولم يغفل حتّى عن القائمين عليها؟

وبشكل عام فإنّ التشريع الإسلامي - بكلّ تفاصيله - لا بدّ وأنْ يحتاج إلى مسؤول يضمن تنفيذه، وأنّ مجموع الوزارات والدوائر الإسلاميّة تحتاج إلى فرد موظّف ينهض بأعمالها، ويكون مسؤولاً عن سَيْر الأعمال فيها بشكل ينسجم مع الشريعة الإلهيّة وقوانين السماء.

فالإسلام ليس ديناً مُنْزَوِيَاً، وهو لا يضع فواصل بين الدين والدنيا، بل إنّ المرء ليكتشف أنّ الإسلام يمزج بينهما بشكل يجعلهما كُلاًّ واحداً يصعب التفريق بينهما.

ومن خلال كلّ هذا نكتشف أنّ مسألة الحكومة هي في الصميم من التشريع الإسلامي، حيث ينهض أفراد مُعَيّنون بهذه المسؤوليّة من أجل ضمان تنفيذ الأحكام الإلهيّة.


ومن غير المنطقي القول إنّ الأديان السماويّة لا علاقة لها بشأن الحُكْم، وأنّه ليس من حقّها التدخّل في ذلك.

إنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والأئمّة من آله هم أسمى وأرفع من أنْ يُعرِضوا عن هذه المسألة الحسّاسة.

* هل من المنطقي أنْ نقول إنّ مسؤوليّة النبي والإمام تتوقّف عند التشريع فحسب؟ وإنّ مسألة إقامة الشريعة أمر لا يعنيهما؟

إنّ جهاد الأنبياء وعلى مدى التاريخ الإنساني كان منصبّاً على تنفيذ أحكام السماء في حياة البشر، ولقد سَعَوا جميعاً في هذا الطريق في ضوء ما توفّر لديهم من ظروف عامّة مناسبة.

- قال سبحانه في محكم قرآنه: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ ) (1) .

- وقال بشأن نبي الله لوط (عليه السلام): ( وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ) (2) .

- وفي يوسف (عليه السلام): ( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ) (3) .

- وعن لسانه: ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ) (4) .

- وفي داود (عليه السلام) قال عز من قائل: ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي

____________________

(1) البقرة: الآية 213.

(2) الأنبياء: الآية 74.

(3) يوسف: الآية 22.

(4) يوسف: الآية 101.


الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ) (1) .

- وعن سليمان(عليه السلام) قال سبحانه: ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي ) (2) .

وقد وقف موسى بوجه حكومة فرعون الذي كان يستعبد بني إسرائيل، وكانت رسالة موسى لإنقاذهم من العبوديّة وتحريرهم من نَيْر فرعون وحكمه، ومِن أجل هذا وقف موسى بوجه فرعون.

- قال تعالى عن لسان موسى بن عمران (عليه السلام): ( فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ ) (3) .

* كان رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قائداً أعلى:

أجل، كان سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في قمّة الهَرَم القيادي، وكان مسؤولاً أعلى في إدارة شؤون المسلمين، وكان في ذلك القائد العام المفوّض من قِبل الله عزّ وجل.

- قال تعالى: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) (4) .

- وهو بهذا مسؤول عن تطبيق حكم الله في الأرض: ( فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ ) (5) .

ولم يكن هذا بعد الهجرة بل كان في مطلع الدعوة الإسلاميّة، فعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (لما نزلتْ: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) ، دعاني

____________________

(1) ص: الآية 26.

(2) ص: الآية 35.

(3) طه: الآية 47.

(4) الأحزاب: الآية 6.

(5) المائدة: الآية 48.


النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فقال: يا علي إنّ الله أمرني أنْ أنذر عشيرتي الأقربين... واجْمَع لي بني عبد المطّلب حتّى أُكلِّمهم وأُبلِّغهم ما أُمِرْتُ بِهِ... إلى أنْ قال: ثمّ تكلّم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فقال: يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جِئْتُكُم به. قد جِئْتُكُم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أنْ أدعوكم إليه فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أنْ يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟

فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلتُ وإنّي لأَحْدَثُهم سِنّاً، وأرمصهم عيْناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً: أنا يا نبيّ الله، أكون وزيرك عليه. فأخذ برقبتي ثمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا. قال: فقام القوم يضحكون، فيقولون لأبي طالب: قد أمرك أنْ تسمع لابنك وتطيع) (1) .

ودعا رسول الله ربّه قائلاً:

إلهي (إنّي أَسْأَلُكَ يَا سَيِّدِي وَإِلَهِي أَنْ تَجْعَلَ لِي مِنْ أَهْلِي وَزِيْرَاً أَشُدّ به عَضُدِي فَاجْعَلْ لِي عَلِيّاً وَزِيْرَاً وَأَخَاً) (2) .

* وقد بعث سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أفراداً كقضاة في مختلف البلدان الإسلاميّة، وكان علي بن أبي طالب أحدهم.

- وقد روى ابن عبّاس أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعث علي بن أبي طالب إلى اليمن قاضياً (3) وزوّده بتعليماته.

- وعن مسروق أنّ ستّة أشخاص تولَّوا مسؤوليّة القضاء أيّام النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهم كلّ مِن علي (عليه السلام) وعبد الله بن مسعود وأُبي

____________________

(1) الكامل في التاريخ: ج2 ص63 / تاريخ الطبري ج2 ص321.

(2) ينابيع المودّة: ص71.

(3) التراتيب الإداريّة: ج1 ص257.


ابن كعب وزيد بن ثابت وعمر بن الخطّاب وأبي موسى الأشعري (1) .

* كما بعث وُلاته إلى مختلف الأمصار الإسلاميّة، ونصّب عمّاله في العديد من المُدُن، فكان:

- عتاب بن أسيد أميراً على مكّة، وباذان حاكماً على اليمن، ثمّ عامر الهمداني، وعلى بني تغلبة عبد الله بن عمرو، وعلى بعض نواحي اليمن أبو موسى الأشعري، والحارث بن بلال على أجزاء من طَي، والحارث على بعض نواحي مكّة، وسعيد بن خفاف على تميم، وصيفي بن عامر على بني ثعلبة، وعلاء بن الحضرمي على البحرين، ومروة بن نفاثة على بني سلول، والمنذر بن ساوى على هَجَر، وسواد البلوي على خَيْبَر، وخالد بن الوليد على صنعاء، ومغافر بن أبي أُميّة على كِنْدَة، وزياد بن لبيب على حضرموت وأبو سفيان على نَجْرَان (2) .

وكان لكلّ من هؤلاء وظائفه المحدّدة من قِبل النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو لم يغفل عن إصدار مرسوم سمّى فيه والي مكّة الجديد، وكان ذلك بعد الفتح مباشرة.

ولقد كان سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يراقب بنفسه أحياناً ما يجري في المدينة، أو يبعث مّن ينوب عنه في ذلك، فقد أوفد سعيد بن العاص مثلاً للإشراف على أسواق مكّة.

وروى ابن عمر أنّ بعض الصحابة كانوا يستقبلون التجّار الوافدين خارج المدينة، فتدخّل النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأوصى بمنع ذلك (3) .

____________________

(1) المصدر السابق: ص258.

(2) التراتيب الإداريّة: ج1 ص240 - 246.

(3) التراتيب الإداريّة: ج1 ص285.


وكانت لعمر مهمّة الإشراف على أسواق المدينة (1) .

ولم يكن رسول الله ليغادر المدينة إلاّ ويستخلف عليها أحداً، فاستخلف في (تبوك) ابن عمّه علي بن أبي طالب(عليه السلام).

* وقد تعاقب على إدارة المدينة في غياب النبي العديد من الصحابة، منهم:

لبابة، وبشير بن منذر، وعثمان بن عفّان، وعبد الله بن أُم مكتوم، وأبو ذر، وعبد الله بن عبد الله بن أبي سلول، وسباع بن عرفطة، ونحيلة بن عبد الله، وعريف بن أضبط، ومحمّد بن مسلمة بن الأنصاري، وزيد بن حارثة، وسائب بن عثمان، وأبو سلمة بن عبد الأسد، وسعد بن عبادة، وأبو دجانة الساعدي (2) .

* وكانت القوّات الإسلاميّة تتحلّى بأسمى درجات الانضباط العسكري والنظام، وكان الجيش الإسلامي يتحرّك بدقّة متناهية، محافظاً على تنظيمه الحربي المقسّم إلى خمس فرق:

المقدّمة والقلب والجناح الأيمن والجناح الأيسر والمؤخّرة.

* وكان هناك:

حامل للراية، ومشاة، وفرسان، ورصد، واستخبارات.

* وكان هناك نظام دقيق لإدارة مصادر المال، من:

زكاة، وجِزْيَة، وغنائم، وخِرَاج.

* وتولّى بعض الصحابة مسؤوليّة استحصالها كـ:

خالد بن سعيد بن العاص، معاذ بن جبل، عدي بن حاتم، الزبرقان بن بدر، عمر بن الخطّاب، الأرقم بن أبي الأرقم، كافية بن سبع، حذيفة بن اليمان، كهل بن مالك، خالد بن برصاء، خزيمة بن عاصم، رافع بن مكيت، سهل بن منجاب، عكرمة بن أبي جهل، مالك بن نويرة، متمم بن نويرة، ومرداس بن مالك (3) .

* كما تولّى الصدقات:

الزبير بن العوّام، والجهم

____________________

(1) المصدر السابق: ص287.

(2) المصدر السابق: ص313 - 391.

(3) المصدر السابق: ص396 - 398.


بن صلت، وحذيفة بن اليمان (1) .

* وكان أبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ممّن تولّوا استلام الجزية (2) .

وخلاصة القول:

أنّ مطالعة سيرة سيّدنا محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) تكشف عن جانب مشرق في هذا المضمار، فلم يكن رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مبلِّغاً للشريعة فحسب، بل مسؤولاً عن تنفيذها وعن التأسيس؛ لبناء مجتمع يقوم على قواعدها، وهي مهمّة معيّنة من لَدُن الله عزّ وجل، كما في قوله تعالى:

- ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ) (3) .

- ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ) (4) .

- ( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ ) (5) .

فإضافة إلى تبليغ الشريعة كان سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مسؤولاً عن أُمّته في إدارة شؤونها وقيادتها.

قال تعالى:

- ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ) (6) .

- ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) (7) .

____________________

(1) المصدر السابق: 398.

(2) المصدر السابق: 392.

(3) الأنعام: الآية 65.

(4) التوبة: الآية 73.

(5) النساء: الآية 105.

(6) الأحزاب: الآية 6.

(7) النساء: الآية 59.


- ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ ) (1) .

- ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ ) (2) .

وهناك العديد من الآيات التي توجب طاعة النبي كطريق لطاعة الله سبحانه.

فطاعة الله تتجسّد في تنفيذ أحكامه والائتمار بأوامره، واجتناب نواهيه، ولمّا كان النبي هو مرجع المسلمين في التشريع والوحي، فطاعته واجبة، والانقياد إليه جزء من طاعة الله.

ومن هنا فإنّ النبي - إضافة إلى مهمّته في إبلاغ الشريعة - مسؤول عن تطبيقها في حياة الناس، وهو ما يتجلّى في إطار الحكومة والقيادة.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ) (3) .

وإنّ الإيمان بالله وطاعته يتجسّد في ما ترمي إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ) (4) .

ونجد في حوادث فتح مكّة أنّ أبا سفيان قد امتلأ دهشةً وخوفاً وهو يراقب كتائب الجيش الإسلامي وهي تزحف باتّجاه مكّة، فهتف مأخوذاً وهو يخاطب العبّاس عمّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيماً. فقال العبّاس: وَيْحَكَ إنّها النبوّة (5) .

____________________

(1) الأنفال: الآية 47.

(2) النساء: الآية 64.

(3) الأحزاب: الآية 45.

(4) النساء: الآية 65.

(5) الكامل في التاريخ: ج2 ص246.


* وبعد أنْ رحل رسول الله(ص):

لقد تضافرتْ النصوص لدى الشيعة والسُنّة على أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد استخلف عليّاً (عليه السلام) ونصّبه إماماً للناس، وقد ذكرنا آنفاً في الحديث المعروف بحديث الدار يوم نزلتْ الآية: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) أنّ سيّدنا محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال لعشيرته وهو يُشير إلى علي: (إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فِيْكُم فَاسْمَعُوا لَهُ وأَطِيْعُوا) (1) .

وفي غدير خم لدى عودة النبي من حجّة الوداع، قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وقد أخذ بِيَدِ علي(عليه السلام): (ألستُ أَولى بالمؤمنين مِن أنفسهم؟

قالوا: بلى يا رسول الله.

فقال: مَنْ كُنْتُُ مَوْلاَهُ فَعَليٌ مَوْلاَهُ.

ثمّ قال: اللهم والِ مَنْ والاه وعادِ مَنْ عاداه).

فلقيه عمر بن الخطّاب فقال: هنيئاً لك يابن أبي طالب أصبحتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة (2) .

وهناك نصوص كثيرة من هذا القبيل تُشير إلى خلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأنّه قائد المسلمين بعد النبيّ(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

ولمّا كان سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، واستشهد المسلمين بذلك، فقد جعل لعليّ بن أبي طالب ذات المسؤوليّة في الولاية، وقد أدرك عمر بن الخطّاب ذلك وهنّأ عليّاً قائلاً:

هنيئاً لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة

وقد أوردتْ بعض الأحاديث تفاصيل أُخرى حول ذلك تُشير إلى بيعة

____________________

(1) الكامل في التاريخ: ج2 ص63.

(2) ينابيع المودّة: ص297.


العديد من الصحابة لعليّ في تلك المناسبة.

وبالطبع فإنّ البيعة لا تعني شيئاً غير الطاعة للقيادة، ليس في بيان الشريعة فحسب، بل في سائر ما كان يقوم به النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من وظائف أُخرى، وما ينهض به من مسؤوليّات.

* كما أنّ مجموع الحوادث التي أعقبتْ رحيل الرسول الأكرم يُشير:

- إلى قيام مجموعة من الصحابة بالالتفاف على الخلافة.

- ومصادرة حقّ عَلِي فيها.

وليس امتناع علي عن البيعة - شهوراً - واحتجاجه واستنكاره إلاّ دليل على ذلك، ولقد كان الخلفاء لمّا استتبّتْ لهم الأُمور يراجعونه في كثير من المعضلات والمشاكل والأَزَمَات التي تعصف بالأُمّة الإسلاميّة.

وقد اعترف عمر بن الخطّاب بذلك أكثر من مرّة وأقرّ بأعلميّة علي، وطالما سُمع يردِّد:

(لَوْ لاَ عَلِي لَهَلَكَ عُمَر)

* وهتف عليٌّ في خِضَمّ تلك الحوادث المؤسفة: (الله الله يا معشر المهاجرين لا تُخرجوا سلطان محمّد في العرب من داره وقَعْر بيته، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به لأنّا أهل البيت ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم) (1) .

* وكتب علي (عليه السلام) إلى أخيه: (فقد قطعتْ قريش رحمي، وظاهرتْ عَلَيَّ وسلبتْني سلطان ابن عمّي) (2) .

ولو كان الأمر غير ذلك، فكيف نفسّر الحوادث التي أعقبتْ وفاة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ومواقف علي وفاطمة(عليهما السلام) وبعض الصحابة.

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ج1 ص12.

(2) المصدر السابق: ص55.


وعندما انتخبتْه الجماهيرُ للخلافة بعد خمسة وعشرين سنة من الإقصاء، نهض بمسؤوليّاته في الحكم والإدارة ، فنصّب وُلاة جدداً، ونصّب قضاة آخرين، وعبّأ قوّاته لإعادة النظام والاستقرار للبلاد.

* وقال في إحدى المناسبات: وقد قال قائل إنّك على هذا الأمر يا بن أبي طالب لحريص، فقلت: (بل أنتم لأحرص وأبعد، وأنا أخصّ وأقرب، وإنّما طلبتُ حقّاً لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلمّا قَرَعْتُهُ بالحجّة في الملأ الحاضرين هبّ كأنّه بُهِتَ لا يدري ما يُجيبني به) (1) .

ولم تكن حرب الجمل سوى اعتراض من طلحة والزبير على حكومة عَلِي التي لم تنسجم ومصالحهما، وقد قال طلحة قبل اشتعال المعركة:

فاعتزل هذا الأمر ونجعله شورى بين المسلمين (2) .

كما لم يكن تمرّد معاوية هو الآخر إلاّ من أجل ذلك، ولقد كان صراع معاوية مع علي؛ لأنّ الأوّل كان يتشبّث بالحكم والزعامة، وكان علي يريد تنفيذ حكم الله في الأرض وتطبيق الشريعة الإسلاميّة.

وكما استخلف النبي(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عليّاً ونصّبه إماماً للناس، فقد قام علي(عليه السلام) باستخلاف ابنه الحسن سبط النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ليقوم مقامه، ولقد بايع الكوفيّون حفيد الرسول قائداً وخليفة، واستمرّ عصيان معاوية واعتراضه على حكومة الحسن (عليه السلام)، لا لأنّ الحسن أمين على الشريعة وداعٍ للصلاة، فليس لمعاوية شأن بالصلاة؛ بل لأنّ الحسن كان حاكماً ومسؤولاً أعلى في الحكومة الإسلاميّة.

____________________

(1) نهج البلاغة: ج1 ص37.

(2) الإمامة والسياسة: ج1 ص75.


وقد استخلف الحسن (عليه السلام) أخاه الحسين في ميراث الإمامة. وبالرغم من عدم تسنّم الإمام للخلافة واستشهاده في كربلاء، إلاّ أنّه يُعَدّ الإمام الثالث والخليفة الثالث لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فيما يظلّ معاوية ويزيد مجرّد غاصبَين للحق.

* قال الإمام الحسين مخاطباً معاوية:

(ورأيتُك عرضتَ بنا بعد هذا الأمر ومَنَعْتَنَا عن آبائنا تُراثاً، ولقد - لعمر الله - أَوْرَثَنَا الرسولُ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ولادة) (1) .

* كما خاطب الجيش الذي اعترض طريقه في كربلاء:

(أمّا بعد أيُّها الناس فإنّكم إنْ تتَّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجَور والعدوان) (2) .

وعن داود بن فرقد، قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) قول الله عزّ وجلّ: ( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ) فقد أتى الله بني أُميّة الملك.

فقال: (ليس حيث يذهب الناس إليه، إنّ الله آتانا الملك وأخذَه بنو أُميّة، بمنزلة الرجل يكون له الثوب ويأخذه الآخر، فليس هو للذي أخذه) (3) .

واستناداً إلى هذا كان لهم الحق في التصرّف في أموال الخمس والزكاة.

ومن هنا نُدرك أنّ قيادة المعصوم هي من الصميم في الدين، وجزء لا يتجزّأ من رسالة الأنبياء، وهو أمر يتعدّى أهليّتهم لذلك إلى اعتباره تكليفاً إلهيّاً.

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ج1 ص186.

(2) الكامل في التاريخ: ج4 ص47.

(3) روضة الكافي: ص222 / بحار الأنوار: ج3 ص288.


وما أسمى أنْ ينتخب الله إنساناً معصوماً؛ ليكون عالماً بالشريعة أميناً عليها مسدَّداً من لدنْه في تنفيذ أحكام السماء.

* وفي زمن الغيبة:

إنّ مسألة القيادة والحكم ظاهرة عريقة في حياة البشريّة، ومن ضرورات الحياة الاجتماعيّة، ولا يشكّ في ذلك عاقل، وبدون نظام للحكم وللإدارة تعمّ الفوضى ويختلط الحابل بالنابل.

وإنّ وجود فرد أو أفراد في قمّة الهَرَم الاجتماعي لقيادة الحياة اجتماعيّاً - وتكون مهمّتهم إقامة العدل ومنع العدوان وكفالة الحقوق العامّة - أمر في غاية الضرورة، ومسألة بديهيّة لا تحتاج إلى جَدَل.

وبالطبع، فإنّ الإسلام لم يؤيّد هذه الظاهرة العقلائيّة في الحياة الإنسانيّة فحسب، بل إنّه جعل من النبي واثني عشر إماماً - من أهل بيته - قادة للمسلمين، وأوجب طاعتهم على الجميع.

ولقد بلغتْ هذه المسألة درجة من الأهمِّيَّة البالغة لا يمكن إهمالها في كلّ العصور وفي كلّ الظروف، حتّى لو لم تبلغ الأُمّة درجة من الوعي الذي يجعلها على قناعة بذلك، فإنّ قائداً كهذا يبقى على قوّته ومتانته لإقامة العدل، وبناء نظام يقوم على معادلة الحق والواجب المتبادل بين أفراد المجتمع.

وحتّى في غياب المعصوم أو الإمام، فإنّ مسألة إقامة النظام الإسلامي مهمّة عامّة تتطلّب من الأُمّة الاستجابة لها كتكليفٍ إلهي، وانتخاب الفرد الصالح الذي ينطوي على مقوّمات القيادة.

قال تعالى: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَّاتَ أَوْ


قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) (1) .

وقد نزلتْ هذه الآية في معركة أُحد عندما تعرّض المسلمون إلى هجوم عنيف شنّه فرسان المشركين في عمليّة التفاف، إثر عصيان الرُمَاة لتعليمات النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وترك مواقعهم في جبل (عينين) ، وقد أُشيع وَقْتَهَا بأنّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد قُتل، وسرعان ما فعلتْ هذه الشائعة فِعْلها الخطير في نفوس المسلمين، الذين بدأوا فرارهم من ساحة المعركة ولولا صمود بعض الصحابة والتفافهم حول الرسول لَقُتِل (صلوات الله عليه وآله).

وشيئاً فشيئاً عادتْ للمسلمين ثقتهم، وبدأوا تجمّعهم حول النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد أنْ تبيّن لهم كذب الشائعات.

وقد نزلتْ هذه الآية في تلك الظروف العصيبة تخاطب المسلمين، وتستنكر هزيمتهم وتخلّيهم عن الرسالة، فهل يكون قتل النبي أو وفاته مدعاة للانقلاب والتقهقر؟

وفي هذه الآية تأكيد على حفظ النظام الاجتماعي باعتباره ضرورة عقليّة، وبالتالي استمرار الجهاد حتّى في غياب النبي(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

ولقد كانت مسألة الحكومة من البديهيّات لدى المسلمين، وهذا ما ظهر جليّاً في الجدل الذي احتدَّ في سقيفة بني ساعدة، عشيّة دَفْن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حول مسألة الخلافة.

فقد قال الأنصار: فينا الإمارة.

وقال المهاجرون: مثل قولهم.

وقال الأنصار: منّا أمير ومنكم أمير.

وقال المهاجرون: نحن الأُمراء وأنتم الوزراء!

____________________

(1) آل عمران: الآية 144.


ولكنّ أحداً لم يتفوّه أبداً ليقول: لا ضرورة للخلافة وإنّ الحياة الاجتماعيّة لا تتطلّب ذلك، ولم يقل علي والصحابة الذين امتنعوا عن البيعة إنّه لا ضرورة للخليفة، بل قال: إنّ الخلافة حقّه وميراثه من الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، الذي جعله وصيّاً وخليفة له من بعده، وكان هذا رأي بعض الصحابة الذين وقفوا إلى جانبه في محنته.

ولم يقف علي(عليه السلام) بعد ذلك موقفاً سلبيّاً من جهاز الخلافة طيلة حياته، بل تعاون معهم بالقدر الذي يدعم الوجود الإسلامي ويرسّخه في الحياة، ولم يسعَ إلى إضعاف مركزهم، وكان يدعم مواقفهم أحياناً، وكانت له مواقفه المشهودة في الأزمات العاصفة، وقد اشترك ابناه الحسن والحسين(عليهما السلام) في حروب الفتح الإسلامي .

والتاريخ يذكر مقولته المشهورة عندما رفع الخوارجُ شعارَهم الخطير (لا حكم إلاّ لله) فقال:

(كلمةُ حقٍّ يُرَادُ بِها باطل. نعم، إنّه لا حُكْمَ إلاّ لله، ولكن هؤلاء يقولون: لا إمرة إلاّ لله، وأنّه لا بدّ للناس من أمير بَرِّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به الفيء، ويقاتل به العدوّ، وتَأْمَن به السُبُل ويُؤْخَذ به للضعيف من القوي، حتّى يستريح برّ ويُستراح مِن فاجر) (1) .

وفي الختام ينبغي القول إنّ مسألة الحكم الإسلامي وتشكيل الدولة الإسلاميّة أمرٌ لا ينحصر بفترة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وحياته الشريفة، بل إنّ ضرورة استمرارها وإقامتها يستوعب جميع العصور، حتّى في زمن غياب المعصوم (عليه السلام).

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 40.


وإنّ مسألة القيادة والزعامة من حتميّات الإسلام، وإنّها احتلّتْ مركزاً حسّاساً بالغ الأهمِّيَّة، بحيث يكون القائد فرداً معصوماً من الخطأ مطهَّراً من الذنوب.

ومن هنا، فإنّ الذين يعتقدون بضرورة القيادة كواجب ديني مقدّس وتكليف الهي أكيد لا بدّ وأنْ يُوْلُوْهَا أهمِّيَّة فائقة، فإنْ وُجِدَ المعصوم فهو، وإلاّ توجّب السعي الحثيث من أجل انتخاب الفرد الصالح، الذي يتمتّع بمقوّمات القيادة ونيابة المعصوم في ذلك.

ومن المثير للدهشة أنّ الأُمّة التي تعتقد بضرورة القيادة كواجب ديني مقدّس نراها تُهْمِل عمليّاً هذا الجانب الحياتي، بل وتتحفّظ من الذين يتدخّلون فيها!

وتعتقد الأُمّة أنّ منزلة القيادة تبلغ من حسّاسيّتها درجة لا تَرى سوى المعصوم فرداً يمكنه أنْ يشغلها، ومع كلّ هذا نجدها لا تكترث أبداً في حياتها العمليّة، وفي حالة غياب المعصوم في أمر يتوقّف عليه مصيرها ومصير الرسالة التي تؤمِن بها.

قم      

إبراهيم الأميني  

خريف 1350 هـ. ش



الفصل الأوّل

الإمامة



ما هي الإمامة؟

* تعني الإمامة في اللغة:

القيادة والريادة، فكلّ من اتّبعتْه فئةٌ من الناس في فِكْره وَعَمَلِهِ كان إماماً لها.

وإمام الجماعة: من اقتدى به المأمومُ في الصلاة، وتابعه في حركاته وسكناته، وجعله مِعْرَاجاً له في رحلته الروحيّة تلك.

* وقد يكون الإمام إماماً لـ:

- مجموعة أو فئة من الناس.

- وربّما كان لعامّة الأُمّة.

- وربّما اقتصرت إمامته على عمل محدّد.

- وربّما كانت مطلقة شاملة.

- وقد يكون الإمام إماماً للناس في شؤونهم الاجتماعيّة فقط أو السياسيّة.

- وربّما اقتصرتْ إمامتُه لهم في الأخلاق فقط.

أمّا الإمام - مطلقاً - فلا تُطْلَق على أحد إلاّ إذا كان مرجعاً عامّاً للناس جميعاً في كلّ شأن من شؤون الرسالة، فهو الأمين على الشريعة، والمسؤول الأوّل عن تنفيذ أحكام الله، وهو الذي يقتدي به الناسُ في كلّ شؤونهم السياسيّة والاجتماعيّة، فَعَنْهُ يأخذون ومنه يصدرون، وهو قائد الأُمّة يقودها كما تُريد السماء، يطبّق أحكام الدين ويُقيم بناء الإسلام، ويدعو الناس إلى ذلك.

وخلاصة القول: إنّه الفرد الذي يجسّد مَثَل الدين، ويسير في هُداه على


صراطه المستقيم، وهذا هو الإمام. إنّه يسير إلى الله، ويدعو الناس إلى اقتفاء إثره والسير على خُطاه. ومن هنا وجبتْ له الطاعة والإقتداء بأفكاره وأعماله وسيرته.

فالإمام مَنْ تتحقّق فيه مصاديق الإمامة، ولا تُطلق على مَن يكتفي بدعوة الناس كلاماً ما لم يجسّد ما يدعو إليه في حياته الشخصيّة، وعندها يكون إماماً في القول والعمل.

وانطلاقاً من كلّ هذا، يمكن القول: إنّ الإمامة هي الرئاسة العامّة في كلّ شؤون الدين والدنيا.

* ومن هنا يتّضح أنّ مفهوم الإمامة لدى أهل السُنّة وبعض الشيعة يبقى ناقصاً ومتخلِّفاً عن معناها الحقيقي في اللغة:

- فهي مثلاً في رأي البعض: خلافة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وحفظ الدين وحوزة المسلمين.

- وهي في رأي آخر: الرئاسة العامّة في أُمور الدين والدنيا (1) .

- وفي رأي ابن خلدون: أنّ الخلافة نيابة صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا، فيُقال لِمَن تصدّى إلى ذلك إماماً أو خليفة (2) .

- أو هي عبارة عن: الرئاسة العامّة الإلهيّة، ونيابة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في شؤون الدين والدنيا (3) .

وكلّ هذه التعريفات لا تنهض بحقيقة معنى الإمامة، بشموليّتها المطلَقة واستيعابها للأُمّة. وقصارى القول إنّها تكشف عن جانب منها لا أكثر.

____________________

(1) المواقف: طبعة القسطنطينيّة 1239هـ ص603.

(2) مقدّمة ابن خلدون: ص191.

(3) كفاية الموحّدين: ج2.


الخلافة والإمامة:

* تعني الخلافة:

نيابة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عند غيابه في إدارة شؤون المسلمين، ويجعل أغلب علماء السُنّة الخلافة بمنزلة الإمامة، والخليفة إمام كما أنّ الإمام خليفة.

يقول ابن خلدون:

(وقد بيّنا حقيقة هذا المذهب نيابة عن صاحب الشريعة في حفظ الدين وسياسة الدنيا به تسمّى خلافة وإمامة، والقائم به خليفة وإماماً، فأمّا تسميته إماماً فتشبيهاً بإمام الصلاة في اتّباعه والاقتداء به) (1) .

وبالطبع فإنّ هذا لا يستوعب بشكل كامل معنى الإمامة بأبعادها الحقيقيّة.

فالإمام:

مَن يُجسّد عملُه قولَه، لا أنْ ينوب أحدُهم النبيَّ في إدارة أُمور المسلمين عند غيابه حتّى لو لم يطابق قولُه عملَه؛ لأنّ الخلافة تعني نيابة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

ونحن لا نبحث هنا شروط الخلافة ومواصفات الخليفة، بقدر ما نريد أنْ نحدّد معنى الإمامة والخلافة.

وعلى هذا فإنّ الخلافة والإمامة تختلفان في المعنى، فقد يتحقّق معناهما في فرد ما، فمثلاً لو انتخب النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) صحابيّاً ما وجعله خليفة له وسلّمه زمام الأُمور سياسيّاً واجتماعيّاً في الحفاظ على الشريعة والدين، فإنّ شخصاً كهذا سيكون إماماً وخليفة في آن واحد؛ لأنّه أمين على الشريعة ومنفّذ لها.

وربّما يصبح خليفة للنبي ولكنّه ليس بإمام، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى مخاطباً سيّدنا إبراهيم (عليه السلام):

____________________

(1) مقدّمة ابن خلدون: ص191.


( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) (1) ، فلقد كان نبيّاً ورسولاً.

كما أنّ فرداً ما قد تتحقّق فيه أحكام الشريعة وتتمثّل فيه الرسالة وكانت سيرته كما يرسمها الدين، ويقتدي به المؤمنون ويتّخذون مِن فعله وقوله وتقريره سُنّةً لهم، فيكون - ذلك الشخص - إماماً في الإطار اللغوي، ولكنّه ليس خليفة.

* وقد تكون خلافة أحدهم صادقة ولكن لا إمامة له، فمثلاً:

لو استخلف النبي صحابيّاً وأوكل إليه إنجاز سلسلة من الأعمال المحدّدة يقوم بها أثناء غيابه، فيمكن أنْ نسمّي هذا الشخص خليفة، ولكنّه ليس بإمام يقتدي به الناس في كلّ شؤونهم، ولو أنّ أفراد الأمة انتخبوا من بينهم فرداً يقوم مقام النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأوكلوا إليه إدارة الأُمور، فيمكنهم أنْ يسمّوه خليفة للنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو أمر ينسجم مع معطيات المعنى اللغوي لمفهوم الخلافة، ولكنْ أنْ يكون إماماً فلا؛ لأنّه لا يجسّد معاني الإمامة.

وعلى كلّ حال، فإنّ مصطلح الإمام إنّما يُطلق على شخص تكون له النيابة العامّة في قيادة الناس، ولا يوجد ما يقيّده في ذلك وعلى جميع المستويات.

قا ل الإمام الرضا معرّفاً الإمامة:

(هل يعرفون قدر الإمامة، ومحلّها من الأُمّة فيجوز فيها اختيارهم؟

إنّ الإمامة منزلة خصّ الله بها إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) بعد النبوّة والخلّة مرتبة ثالثة، وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره، فقال عزّ وجل:

( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) .

قال الخليل مسروراً بها: ( وَمِن ذُرِّيَّتِي * قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .

فأبطلتْ هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة، وأبقتها في الصفوة) (2) .

____________________

(1) البقرة: الآية 124.

(2) أصول الكافي: ج1 ص199.


ويقول(عليه السلام): (إنّ الإمام زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين) (1) .

بدء الإمامة :

* يُستفاد من بعض الأحاديث أنّ سيّدنا محمّداً نصّب عليّاً للإمامة في حياته منها:

- قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، في علي(عليه السلام): (إنّ عَلِيّاً رَايَةُ الهُدَى وَإِمَامُ أَوْلِيَائِي) (2) .

- وقوله مخاطباً أُمّ سَلَمَة: (عليٌّ سَيِّدُ المسلمين وإمامُ المُتَّقِيْنَ) (3) .

وغيرها من الأحاديث التي تُشير إلى أنّ عليّاً (عليه السلام) كان يجسّد معاني الإمامة في عصر النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وكان بعض الصحابة يقتدون به ويتّبعون خُطاه، ولا يعني هذا سوى كونه نموذجاً ومثالاً يُحْتَذَى به، ولا خليفة ولا إمام منصّب في إطاره الاصطلاحي.

وفي ضوء هذه الأحاديث الشريفة المرويّة عن سيِّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فإنّ عليّاً كان إماماً وكان يجسّد معاني الإمامة، وإنّ رسول الله خاطبه بهذه الصفة، وهذا الموضوع لا يولّد إشكالاً عقليّاً، وليس هناك ما يدعو أنْ نحمل الأحاديث إلى أنّ إمامته تبدأ بوفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله).

بداية التشيّع:

* يختلف العلماء حول بداية وظهور التشيّع:

* فقد قالوا: إنّه بدأ بعد وفاة النبي

____________________

(1) المصدر السابق: ص200.

(2) ينابيع المودّة: ص89.

(3) ينابيع المودّة: ص93.


(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): وما رافق ذلك من حوادث حول شخص الخليفة الذي سيحلّ محلّ النبي(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في إدارة البلاد.

وتشير الحوادث التاريخية في تلك الفترة إلى وجود ثلاثة فصائل رئيسيّة، كانت لها مواقف مصيريّة حول هذه المسألة الخطيرة.

1 - فهناك الأنصار: الذين اعتبروا الخلافة حقّاً طبيعيّاً لهم؛ لأنّهم نصروا النبيّ وقاتلوا مِن أجله.

2 - وهناك المهاجرون: الذين ادّعوا بأنّهم شجرة النبي وأصله، وأنّهم أَوْلَى بهذا الميراث من غيرهم، وقد سجّل التاريخ وقائع ما احتدم من جدل حول ذلك في السقيفة.

3 - وهناك بنو هاشم: وهم يمثّلون الفصيل الثالث الذي كان له رأيه وحجّته حول خلافة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وفي رأيهم أنّ علي بن أبي طالب هو المؤهّل الوحيد لهذا المنصب، ولا يقف بنو هاشم وحدهم بل التفّ حولهم وحول علي بالذات جمعٌ من الصحابة الأجلاّء، كان في طليعتهم:

سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري والمقداد وعمّار بن ياسر والبراء بن عازب، وآخرون.

وقد امتنع هؤلاء عن بيعة أبي بكر، ووقفوا إلى جانب علي في محنته تلك، ومن هنا كانت بذرة التشيّع وظهور فريق إسلامي يساند عليّاً.

ولقد تخلّف عن بيعة أبي بكر جمعٌ من المهاجرين والأنصار، وكان هواهم مع عليّ بن أبي طالب، منهم:

العبّاس بن عبد المطّلب والفضل بن عبّاس والزبير بن العوّام وخالد بن سعيد والمقداد وسلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري وعمّار بن


ياسر.

- والبراء بن عازب.

- وأُبي بن كعب (1) .

* وقال بعضهم:

إنّ التشيّع إنّما ظهر في أواخر خلافة عثمان ، وبالتحديد في الفترة التي ظهرتْ سياسته في توزيع الثروات، وتقريبه بني أُميّة وتسلّطهم على شؤون البلاد ورقاب العباد، فقد نجم عن سياسته التعسّفيّة تلك تململٌ، وأبدى كثيرون اعتراضهم وغضبهم جرّاء ذلك، ووقفوا في تلك الفترة إلى جانب علي، وبدأوا بحركة دعائيّة واسعة في مختلف المُدُن والحواضر الإسلاميّة، وكان عبد الله بن سبأ أحد الناشطين فيها، وأنّ تلك الحقبة من الزمن قد شهدتْ ميلاد التشيّع.

* ويقول آخرون:

إنّ التشيّع بدأ مع تسنّم علي (عليه السلام) منصب الخلافة.

* وفي رأي ابن النديم:

أنّ التشيع ظهر إبّان حركة طلحة والزبير ، بعد نكثهما البيعة، واشتعال حرب الجَمَل بذريعة الطلب بدم عثمان، حيث أُطلق على الذين وقفوا إلى جانب عليّ (عليه السلام) اسم الشيعة (2) .

* ويرى البعض أنّ ظهور التشيّع ككيان فكري:

كان بعد حرب صفّين وحدوث أخطر انشقاق في جيش الإمام علي (عليه السلام)، والذي حمل اسم الخوارج ، الذين أعلنوا آراءهم قبل مسألة التحكيم وبعدها، وتمادَوا في عصيانهم للشرعيّة بتكفيرهم الإمام، وقالوا بكفر كلّ مَنْ يحكم في أمر الله، متَّخِذِيْنَ من الآية الكريمة غطاءً لحركتهم: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) وأنّه لا ضرورة للخلافة ولا للإمامة، ولا أنْ يكون الخليفة أو الإمام قرشيّاً بالضرورة.

وفي مقابل هذه الآراء المتهوّرة أبدى أنصار الإمام عقائد مناهضة وأعلنوا:

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي: ج2 ص124.

(2) فهرست ابن النديم: ص263.


- عصمة الإمام.

- وأنّ الإمامة ضرورة دينيّة.

- وأنّ سيِّدنا محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) نصّب عليّاً للإمامة والخلافة.

- وقالوا إنّ الإمام لا بدّ وأنْ يكون من قريش ومن بني هاشم، وهذه أُولى بذور التشيّع.

* فيما ينادي آخرون: بأنّ التشيّع ظهر بعد مذبحة كربلاء ومصرع الإمام الحسين وأنصاره وأهل بيته على شواطئ الفرات. فلم يخطر على بال المسلمين قبلها أنْ يصل جهاز الخلافة في انحرافه حدّاً يجنح فيه إلى قتل سبط الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) على ذلك النحو الفجيع، وأَسْر بنات محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) واقتيادهنّ سبايا.

وفي تلك اللحظة الدامية أدرك المسلمون أنّ المُلْكَ عقيم، وكان لتلك الحادثة الرهيبة الأثر العميق في انبعاث الضمير الإسلامي في أعماقهم، وتغلغل حبُّ أهل البيت في نفوسهم، وآمنوا أنّ الخلافة والإمامة حقّ مشروع لأهل البيت دون غيرهم.

وخلاصة القول: أنّ الدم الحسيني الطاهر ودماء أهل بيته وأنصاره هو المؤسّس للتشيّع في التاريخ.

* وهناك مَن يقول: إنّ التشيّع ظهر في الإمام الصادق (عليه السلام)، حيث ظهرتْ فرقة الإماميّة وتبلورتْ عقائدها وآراؤها الفقهيّة، وأصبح لها كيان خاص يميّزها عن سائر المسلمين.

* وفي مقابل كلّ ذلك: هناك من يرى أنّ التشيّع ظهر في زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ونشأ على يديه، ويقولون إنّ الشيعة أُولى الفرق الإسلاميّة، وكانت تُشايع عليّاً منذ زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وتعتقد بإمامته، وكان من بينهم صحابة أجلاّء كـ:

- المقداد.

- وسلمان.

- وأبي ذر.

- وعمّار.

والشيعة اصطلاح قرآني:

فقد كان لنوح


شيعته، ولإبراهيم وموسى وعيسى (1) . وإنّ كلمة (شيعة) ظهرتْ في زمن النبي وأُطْلِقَتْ على أتباع علي بن أبي طالب(عليه السلام) كسلمان وأبي ذر والمقداد وعمّار (2) .

هذا استعراض سريع لآراء المؤرّخين والعلماء حول بدء التشيّع، ولا يسعنا هنا تفصيل ذلك في تحليل حوادث التاريخ.

* وما يمكن مناقشته هنا هو ما يرتبط ببحوث الكتاب:

* إنّ مسألة ظهور التشيّع يمكن بحثها في إطارين:

الأوّل:

إنّ الشيعة تعني اقتفاء آثار علي (عليه السلام)، والبحث في بداياته الأُولى، ومتى أصبح عليّ مثالاً يُحْتَذَى به؟

والثاني:

بحث التشيّع ككيان اجتماعي، يؤمِن بخلافة علي إيماناً قاطعاً، وبعبارة أُخرى: إنّ الشيعة اصطلاح يُطلَق على مَن يعتقد بخلافة علي (عليه السلام) وإمامته، ويُعَدّ ذلك جزءاً من عقائده الخاصّة.

وفي بحث المحور الأوّل:

ينبغي القول بأنّ بدء التشيّع وظهور الشيعة كان في عهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؛ ذلك أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين اصطلاحي (الإمامة) و (التشيّع) ، فالإمام يعني (القائد) ، والشيعة يعني ( الاتّباع )، وفي ضوء الأحاديث التي ذُكرتْ آنفاً كان علي يحمل مواصفات الإمامة في عهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولمّا كان علي (عليه السلام) إماماً فهذا يعني وجود مأمومين.

وهناك حشد من الأحاديث التي تزخر بها كتب السُنَّة والشيعة تفيد بأنّ لفظ الشيعة إنّما أطلقه النبيّ (صلى الله عليه وآله) على أتباع علي (عليه السلام).

____________________

(1) المقالات والفرق: ص25 / فرق الشيعة: ص39.

(2) حاضر العالم الإسلامي: ج1 ص188.


- فعن ابن عباس قال:

لمّا نزلتْ هذه الآية: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، قال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) (لعليّ) :

(هم أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين، ويأتي عدوّكم غِضَابَاً مُقْمَحِيْن) (1) .

- وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال:

كنّا عند النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فأقبل عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: (قد أتاكم أخي)، ثمّ التفتَ إلى الكعبة فضربها بيده، ثمّ قال:

(والذي نفسي بيده إنّ هذا وشيعتَه هم الفائزون يوم القيامة) (2) .

- وقال عليٌّ (عليه السلام):

(سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول:( ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) . ثمّ التفتَ إليّ وقال: أنت يا علي وشيعتك، وميعادك وميعادهم الحوض، تأتون غُرّاً مُحَجَّلِيْنَ) ) (3) .

وغير ذلك من الأحاديث التي تُشير إلى وجود طائفة من الصحابة كانوا يحبّون عليّاً (عليه السلام)، ويتولّونه، ويعدّونه إماماً لهم يقتدون به.

إنّ أقلّ مطالعة في كتب التاريخ التي تناولتْ حُقْبَةَ صَدْرِ الإسلام، تكشف بشكل جَلِي عن وجود فريق من الصحابة كانوا يوالون عليّاً (عليه السلام) ويحبّونه، ولم يكن ذلك عن تعصّب فارغ، بل عن رويّة وتعمّق؛ لِمَا رأوه من وفاء علي وإخلاصه وتقواه لله ورسوله، وقد سمّاهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله

____________________

(1) غاية المرام: ص327.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.


وسلَّم) شيعةً لعلي (عليه السلام)، ولا يمكن تأويل الأحاديث التي كانت تبشّر عليّاً وشيعته بأنّها نوع من الإخبار عن المستقبل.

ولا ينبغي أنْ يفسَّر كلامنا هذا عن وجود التشيّع في زمن النبي، بوجود فرقة متميّزة مستقلّة عن سائر المسلمين، فالمسلمون في زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كانوا كتلة واحدة، ولم يكن هناك وجود حزبي أو فئوي، وقصارى ما يمكن قوله:

إنّ هناك من بين صحابة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فريقاً كانوا يَكنّون لعليّ (عليه السلام) حبّاً عميقاً، ويعدّونه مثالاً يُقتدى به؛ لأنّه كان يجسّد الدين الذي يعتقدون به، وعليّ هو ربيب صاحب الرسالة ورسول السماء.

أمّا بحث التشيّع في المحور الثاني، فيمكن القول:

إنّ ظهور الشيعة ككيان سياسي ظهر عقب وفاة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وموقف فريق من الصحابة وبني هاشم في تأييدهم لحقّ علي ورفْضهم بيعة أبي بكر.

ومن نافلة القول: إنّ الشيعة كوجود سياسي وإحصائي كان يتراوح قوّة وضعفاً متأثِّراً بالحوادث، فلم يكن عددهم بعد وفاة النبي سوى أفراد يعدّون بالأصابع، ثمّ تنامى عددهم بعد ممارسات الخلفاء وسياستهم، خاصّةً في عهد عثمان الذي انتهج سياسة ماليّة كلّها استئثار لأموال المسلمين وتسليط بني أُميّة على مقدّرات المسلمين، ممّا أوجد ردود فعل عنيفة دفعتْ بالكثير إلى الاتّجاه صوب عليّ، الذي ظلّ يمثّل في رأيهم امتداداً للرسول الكريم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). وقد تصاعدت وتيرة الحوادث حتّى وصلت الذروة بمصرع عثمان واتّجاه الجماهير نحو علي ومبايعته.


ويمكن اعتبار فترة خلافة الإمام علي بمثابة فترة تمحيص، كشفتْ عن نوايا الكثير ممّن وقفوا إلى جانب علي لمصالح شخصيّة، ولمّا اكتشفوا أنّ الإمام من النوع الذي لا يُساوم أحداً على دينه تمرّدوا عليه وأثاروا فتناً داخليّة أدّت إلى ثلاثة حروب، هي:

1 - الجَمَل.

2 - وصِفِّيْن.

3 - والنَهْرَوَان.

وتأتي فاجعة كربلاء بكلّ مأساويّتها لتبلور الوجود الشيعي وتجذّره سياسيّاً وفكريّاً وعقائديّاً.

ولقد كشفت (كربلاء) وبشكل سافر مظلوميّة أهل البيت وانحرافات الخلافة الخطيرة، ثمّ ميلاد الضمير الشيعي الذي يمثّل الخطّ الإسلامي الأصيل.

ثمّ يأتي عهد الإمام الصادق(عليه السلام)، حيث نشهد في عصره ظهور التشيّع بمظهر الفرقة الإماميّة كإحدى الفرق الإسلاميّة، التي تنهض على قاعدة فكريّة وعقائديّة وفقهيّة، لها ملامحها الخاصّة.

وإذاً، يمكن القول: إنّ بذرة التشيّع بدأتْ في زمن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ثمّ نَمَتْ وتَرَعْرَعَتْ خلال الحوادث التاريخيّة المتعاقبة؛ ليكون للتشيّع كيان يحمل ملامحه الخاصّة به.

إثارة:

من اللافت للنظر تاريخيّاً أنّ الجدل الذي احتدم في السقيفة بعد وفاة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حول مَن يتولّى إدارة البلاد لم يتضمّن أيّة استفادة من مصطلح (الإمام) و (الإمامة) ، وإنّما دار الحديث حول شخص الخليفة فقط ووليّ الأمر، فلم يَقُل الأنصارُ مثلاً: إنّ الإمامة فينا، كما لم يقل المهاجرون: إنّ الإمامة ضرورة إسلاميّة ونحن أولى بها من غيرنا.


- فهل حدث ذلك مصادفة أو لِعِلَّةٍ ما؟

- هل كانت للإمامة شروطها التي لم تتوفّر فيهم؟ أَمْ أنّ الإمامة كانت تتجسّد في شخص واحد هو عليّ بن أبي طالب، ولم يكن بالإمكان منازعته في ذلك؟

وفي كلّ الأحوال فإنّ ما دار في السقيفة مِن جَدَل، وما أسفر عنها من حوادث ونتائج، كانت حول الرئاسة والحكم ومَن سيخلف النبي في الحكم؟ فيما تمّ إغفال مسألة الإمامة بشكل نهائي.

* ولكنّنا نجد - وبعد أنْ تعاقب الخلفاء على الحكم - نجد موضوع الإمامة يُطرح شيئاً فشيئاً، حتّى وصل الأمر أنْ نجد أفراداً مثل معاوية يتحدّث عن نفسه كإمام:

* ولقد ذكّر الإمامُ عليٌّ - في إحدى رسائله - معاويةَ بأنّه من الطُلَقَاء الذين لا يصلحون للخلافة:

(واعلم يا معاوية أنّك من الطلقاء الذين لا تحلّ لهم الخلافة، ولا تعقد معهم الإمامة، ولا تعرض فيهم الشورى) (1) .

* ومن اللافت للنظر أيضاً:

أنّنا نجد كتب التاريخ تتحدّث عن الخلافة والخلفاء - سواء الراشدين منهم أو خلفاء بني أُميّة أو بني العبّاس - في الوقت الذي نجد فيه إغفالاً للإمامة والإمام، فلم يُستخدم هذا الاصطلاح إلاّ في نطاق ضيّق، بينما نجد مسألة الإمامة تتصدّر البحوث الكلاميّة، إذ نجد الشيعة يطلقون على عليّ (عليه السلام) وقادتهم من أولاده مصطلح الأئمّة، ولم يكونوا يستخدمون مصطلح الخليفة إلاّ في ما يخصّ عليّ وعلى نطاق ضيّق فقط، وحين يكون الحديث عن الخلفاء الذين سبقوه.

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ج1 ص93.


وفي مقابل هذا نجد اهتمام السُنّة منصبّاً على مسألة الحكم وخلافة النبيّ في الحكم والإدارة، أمّا الإمامة فلم تحظَ باهتمام يُذْكَر.

وبينما نجد الشيعة يتحدّثون عن فضائل وكمالات شخص الإمام ومدى ضرورتها عقائديّاً، وأنّه المؤهّل الوحيد لخلافة النبي في القيادة، نجد صمتاً مطبقاً في الجانب السُنّي عن ذلك، وبذلك سجّل الشيعة تقدّماً في هذا الموضوع.

فقد ذكر ابن النديم:

- أنّ علي بن إسماعيل بن ميثم التمّار هو أوّل من ألّف وبحث في الإمامة (1) .

- وقال في هشام بن الحكم إنّه من أصحاب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وإنّه من متكلِّمي الشيعة، بَحَثَ في الإمامة وفتح الباب في ذلك على مصراعيه، وكتب في المذهب مؤلّفات عديدة، منها: (كتاب في الإمامة) (2) .

وإذاً، فإنّ الإمامة لدى الشيعة تحتلّ منزلة سامية، وهي مقام شامخ رفيع، فيما تبقى الخلافة لديهم مسألة ثانويّة، ويبقى الخلفاء - في رأيهم - أفراداً شغلوا مناصب ليست من شأنهم، ولا هم أهلٌ لها.

وقد ظلّ مصطلح الخليفة فاقداً لقيمته لديهم، فلم يتسنّم أيٌّ مِن أئمّة الشيعة باستثناء علي (عليه السلام) هذا المنصب، وكان ذلك لمدّة قصيرة، فظلّوا محرومين منها طوال القرون المتعاقبة مع التأكيد على أنّ خلافة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هي من حقّ الإمام، وأنّه الفرد الوحيد المؤهّل لقيادة الأُمّة.

____________________

(1) فهرست ابن النديم: طبعة مصر - ص263.

(2) المصدر السابق.


الإمامة في القرآن

ورد ذكر الإمامة والأئمّة في موارد متعدّدة في القرآن الكريم، وكلّها ترجع إلى ذات المعنى اللغوي، وهو أنّه عندما ينجذب فريق من البشر إلى فردٍ ما يتّخذونه مثالاً ونموذجاً وقائداً لهم، فهم يترسّمون خُطاه ويسيرون في خطّه، بغضّ النظر عن حقيقته واتّجاهه.

- قال تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (1) .

- وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) (2) .

فربّما كانوا صالحين، وربّما كانوا أشراراً ظالمين.

- قال تعالى في فرعون ومَلَئِهِ: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ) (3) .

____________________

(1) الأنبياء: الآية 73.

(2) الفرقان: الآية 74.

(3) القصص: الآية 41.


- وقال سبحانه: ( فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) (1) .

- وربّما يصبح الكتاب إماماً هادياً كما نرى ذلك في قوله تعالى: ( وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَاماً وَرَحْمَةً ) (2) .

- وقال تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (3) .

ويُستفاد من الآيات القرآنيّة أنّ كلّ مجموعة بشريّة - سواء كانت على حقّ أو باطل - تتّبع فرداً وتتّخذه قدوةً تتمثّل سيرته وفكره وَرُؤَاهُ، فإنّه يُعَدّ إماماً لها، وسَتُحشر معه يوم القيامة، فإنْ كان محسناً قادَ قومه إلى الجنّة، وإنْ كان مسيئاً هوى بنفسه وبأتباعه إلى قرار الجحيم.

- قال تعالى: ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ) (4) .

ولقد كان الأنبياء وعلى امتداد التاريخ أئمّة صالحين، وكان زعماء الكفر ورؤوس الاستكبار أئمّة طالحين، وستستمرُّ هذه الظاهرة إلى يوم الدين، مع التأكيد أنّ إمامة المتّقين والصالحين لنْ تكون نصيب المنحرفين عن التقوى والصلاح وكانوا ظالمين.

- قال تعالى: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ

____________________

(1) التوبة: الآية 12.

(2) الأحقاف: الآية 13.

(3) يس: الآية 12.

(4) الإسراء: الآيتان 71 - 72.


إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) .

*وتنطوي هذه الآية على دلالات عديدة؛ منها:

* إنّ إحراز مقام الإمامة يتطلّب استعداداً ذاتياً وصفاءً روحيّاً عالياً، إذ لا يمكن أنْ تكون نصيب كلّ مَن هبّ ودبّ، ولم ينلها إبراهيم (عليه السلام) إلاّ بعد أنْ رأى ببصيرته ملكوت السموات والأرض، وسما إلى مرتبة اليقين، ولقد ابتلاه الله بنار النمرود ، ثمّ بذبح ابنه إسماعيل، وامتحانات أُخرى اجتازها الخليلُ بنجاح، حتّى أصبح أهلاً للإمامة فنصّبه الله لها.

* إنّ الآية تشير إلى أنّ مقام الإمامة شأن إبراهيم، وكانت أسمى من النبوّة؛ لأنّها جاءت متأخّرة عن النبوّة بل في شيخوخته.

وما ذكرناه يتعلّق بإبراهيم الخليل (عليه السلام) ولا يعني أبداً أنّ كلّ إمامة هي أسمى من منزلة النبوّة؛ ذلك أنّ لكلّ منهما درجات ومراتب، فقد تسمو نبوّة بعض الرسل على إمامة غيرهم، ومن الممكن أنْ تكون نبوّة سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أسمى من إمامة إبراهيم الخليل (عليه السلام).

* ويستفاد من الآية أيضاً احتمال اجتماع الإمامة مع النبوّة في شخص واحد، كما رأينا ذلك جليّاً في إبراهيم الخليل (عليه السلام)، فيكون هذا الشخص:

- مرتبطاً بالله بطريق الوحي، يتلقّى عنه حقائق العالَم.

- ومرتبطاً بالناس والأمّة، على صعيد العمل كقدوة وأُسوة.

* إنّ من شروط الإمامة انتفاء المعاصي والذنوب عن شخص الإمام، وهو ما يصطلح عليه بـ (العصمة) ، فَمَنْ كان ظالماً لا يكون أهلاّ للإمامة.

____________________

(1) البقرة: الآية 124.


* إنّ سيِّدنا إبراهيم نال درجة الإمامة بعد أنْ كان نبيّاً، وكان مبلِّغاً للوحي والشريعة وأحكام الله ثمّ اختاره الله إماماً. ومِن هنا نفهم أنّ مقام الإمامة للناس هي هداية خاصّة تختلف عن هداية الأنبياء.

* إنّ الإمامة عهد إلهي يَثْبُت بالنص، وهي ليست من خيارات البشر وآرائهم.

قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (1) .

فالإمامة درجة رفيعة تتطلّب صلاحاً وأهليّة وقابليّة ذاتيّة، فمَن أراد أنْ يكون إماماً يتوجّب عليه أنْ يطوي مراحل من الخلوص الروحي والصفاء النفسي. والآية الكريمة تنطوي على إشارتَين حول هذا الموضوع:

الأولى:

إنّ إحراز الإمامة يتطلّب صبراً عظيماً وثباتاً كبيراً في مواجهة المِحَن والابتلاءات الإلهيّة، والتحلِّي بأقصى درجات ضبط النفس والاستقامة الكاملة في الحياة وفي كلّ الظروف.

الثانية:

إنّها تتطلّب يقيناً عالياً وإيماناً عميقاً، تندمج فيه عوالم الشهادة بالغيب فتتفتّح البصيرة لترى كما يرى البصر الأشياء، وهو ما عبّرت عنه الآية الكريمة: ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (2) .

____________________

(1) السجدة: الآية 24.

(2) الأنعام: الآية 75.


أُولو الأمر

احتدم الجدل في سقيفة بني ساعدة حول مسألة الخلافة وشخص الخليفة، وأبدى كلّ فريق حججه وأدلّته في إثبات حقّه ومحاولة حسم الصراع في صالحه، ودارتْ المناقشات الحامية التي ندر فيها استخدام لفظ الإمام، فيما نجد كلمات أُخرى كَثُر استخدامها من كلا الفريقين، من قبيل:

الأمر.

أولو الأمر وأحقّ بالأمر.

وصاحب الأمر.

ولهذه الكلمة جذورها العميقة منذ فجر الدعوة الإسلاميّة يوم كان سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يدعو قومه إلى الإسلام في مكّة، فقد دعا رسول الله عشيرته الأقربين وأَوْلَمَ لهم طعاماً، ثمّ خطب فيهم وبيّن لهم رسالته، وقال: (أيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أنْ يكون أخي ووصيّي وخليفتي؟).

فأحجم الجميع والتزموا الصمت، وعندها نهض عليُّ بن أبي طالب وكان يومها فتىً، فهتف بحماس الشباب: (أنا يا نبيّ الله أكون وزيرك).

وعندها أخذ النبيّ برقبته وقال: (إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسْمَعُوا لَه وأَطِيْعُوا) (1) .

ويوم جاء المشركون إلى أبي طالب يطلبون منه أنْ يكفّ ابن أخيه وأَلاَّ

____________________

(1) الكامل في التاريخ: ج2 ص63.


يتعرّض إلى آلهة قريش بسوء، فقال رسول الله لعمِّه: (يا عمّاه لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمرَ في يساري على أنْ أَتْرُكَ هذا الأمر ما تَرَكْتُهُ حتّى يُظْهِره الله أو أُهْلَكَ دُوْنَه) (1) .

* ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان يتمتّع بمقامين:

الأوّل:

كمبلِّغ للرسالة والوحي وشريعة السماء كما أنزلها الله سبحانه.

والثاني:

كحاكم وقائد للمسلمين، ومسؤول عن تنفيذ أحكام الله وتطبيق الشريعة في الأرض، وإدارة المجتمع الإسلامي وهدايته باتّجاه الصلاح وخير الدارَين.

وكان هذا جزءاً من نبوّته ورسالته، حتّى يُمكن القول: إنّ (الأمر) الذي أشار إليه سيِّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) منذ فجر دعوته هو هذا الجانب من الرسالة، ومن المنطقي أنْ نفهم أنّ هذه المسؤوليّة كان يتحمّلها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وحده ما دام حيّاً لا يشاركه فيها أحد؛ ولذا أسلم المسلمون إليه واستجابوا له مطيعين، فلمّا الْتَحَقَ بالرفيق الأعلى، شبّ النزاع وانفجر الصراع.

وبعد أنْ تمّتْ البيعة لأبي بكر قال أبو عبيدة لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام):

يابن عمّ إنّك حديث السنّ وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مِثْل تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به، فسلِّم لأبي بكر هذا الأمر، فإنّك إنْ تَعِشْ ويَطُلْ بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك

____________________

(1) تاريخ الطبري: ج2 ص67.


ونسبك وصهرك.

- فقال علي كرّم الله وجهه: (الله الله يا معشر المهاجرين لا تُخْرِجُوا سلطان محمّد في العرب عن داره وقَعْر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهلَه عن مقامه في الناس وحقّه) (1) .

- وقال معاوية لابن عبّاس: يابن عبّاس، إنّا كنّا وإيّاكم في زمان لا نرجو فيه ثواباً، ولا نخاف عقاباً؛ وكنّا أكثر منكم، فوالله ما ظلمناكم ولا قهرناكم ولا أخّرناكم عن مقام تقدّمناه، حتّى بعث اللهُ رسولَه منكم، فسبق إليه صاحبكم، فوالله ما زال يكره شركنا ويتغافل به حتّى وَلِيَ الأمر علينا وعليكم، ثمّ صار الأمر إلينا وإليكم فأخذ صاحبنا على صاحبكم لسِنِّه) (2) .

- وقال معاوية لعلي وسائرَ الناس: ليسلبنّ أمركم وليُنقلنّ المُلْك من بين أَظْهُرِكُم (3) .

- وكتب عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) إلى أخيه: (فقد قطعتْ قريش رحمي، وظاهرتْ عَلَيَّ وسلبتْني سلطان ابن عمّي) (4) .

- وجاء في رسالة للإمام الحسن إلى معاوية: (فلمّا توفي رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) تنازعتْ سلطانَه العربُ، فقالتْ قريش: نحن قبيلتُه وأُسرتُه وأَولياؤه ولا يحلّ لكم أنْ تنازعونا سلطان محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وحقّه، فرأتْ العربُ أنّ القول كما قالتْ قريش وأنّ الحجّة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فأنْعَمَتْ لهم العربُ وسلَّمتْ

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ج1 ص12.

(2) المصدر السابق: ص28.

(3) المصدر السابق: ص30.

(4) المصدر السابق: 55.


ذلك) (1) .

وفي السقيفة كان عمر بن الخطّاب يهدر بكلمات، مستنكِراً موقف الأنصار:

مَن ينازعنا سلطان محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته إلاّ مدلّ بباطل أو متجانف لإثم أو متورّط في هَلَكَة (2) .

وهكذا نجد (الأمر) لا ينفك عن كلّ حديث يتناول خلافة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في الحكم والإدارة، ويمكن القول إنّ (الأمر) هو بمعناه الأساس الذي يفيد إصدار الأوامر، ومِن هنا جاء توظيفه في اصطلاحات متعدِّدة، مثل:

- صاحب الأمر.

- و(أولو الأمر).

- ومَن تكون أوامره نافذة.

- واجبة الطاعة.

ويمكن القول إنّه بمعنى الشأن ، فصاحبه شخص ينهض بمسؤوليّة قيادة الأُمّة ورئاستها.

رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان يجمع المنصبَين معاً:

إنّ المتأمّل في كتب السيرة النبويّة والكتب التاريخيّة التي تناولتْ فترة صدر الإسلام لا بدّ وأنْ يُدرك أنّ سيّدنا محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) - وبعد أنْ أَسَّس دولتَه في المدينة المنوّرة بعد الهجرة - كان يتحرّك ويتصرّف كحاكم يتمتّع بصلاحيّات مطلقة، وكان يقود المسلمين في مواجهة المشركين كافّة، فكان يُصدر الأوامر ويقود الجيوش ويُعيِّن القُضاة، وكان المسلمون لا يصدرون إلاّ عن

____________________

(1) مقاتل الطالبيّين: ص35.

(2) الإمامة والسياسة: ج1 ص8.


أمره ولا يرجعون إلى أحدٍ سواه.

وإلى جانب شخصيّته ودوره كحاكم فقد كان مبلِّغاً للرسالة والوحي والأحكام الإلهية.

وخلاصة القول:

إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان يجمع المهمَّتَين معاً، فهو مبلِّغ للشريعة مسؤول عن تنفيذها وتطبيقها في الحياة.

وإنّ نبوّته تنطوي على المهمَّتَين في آنٍ واحد.

الانفصال:

وبعد أنْ الْتَحَقَ سيِّدُنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالرفيق الأعلى، تصدّى لخلافته أفراد لم يدّعوا أبداً النبوّةَ ولا الاتّصال بالسماء، كما لم يَدَّعوا الإمامة أيضاً بإطارها المعنوي والروحي أيضاً، وكانوا يُدْرِكون تماماً أنّ مستوياتهم العلميّة والأخلاقيّة لا تؤهِّلهم ليكونوا أئمّةً هداة ومثالاً للمسلمين.

ولقد أُهْمِلَ هذا الجانب تماماً أثناء الجدل المحتدم في السقيفة، وكان النزاع يدور حول الجانب السياسي والإداري في الزعامة وقيادة المسلمين، وكانوا متحمّسين له بحيث أهملوا جميع الأعمال الأُخرى حتّى مواراة الجثمان الطاهر لسيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وكان الهمُّ الوحيد هو الاستحواذ على الحُكْم بكلّ وسيلة وبأيّ ثَمَن.

* فقد احتجّ المهاجرون: بـ:

- أنّهم شجرة النبي وأصله.

- وأنّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مكّي المولد والمنشأ.

- وأنّ فيهم مَن هاجر مع النبي ومَن أَمَّ المسلمين يَوْمَ مَرَضِهِ.

- وأنّ الخلافة حقّ قريش وميراثها.

* أمّا أنْ يكون الخليفة:

- عالماً بالقرآن.

- متبحّراً في الأحكام.

- ومدركاً للحلال والحرام.

- مثالاً في الإيمان والإسلام، فهذا ما لم يتطرّق إليه أحد ولم يذكره فرد.


ولم يقل أحد إنّ رسول الله كان معصوماً عن الخطأ، منزّهاً عن الإثم، وإنّ خليفته لا بُدّ وأنْ يكون نظيراً له في ذلك.

لم يقل أحد إنّ رسول الله لم يسجد لصنم، ولم يفعل منكراً حتّى قبل بعثته، وكان تاريخه ناصعاً مشرقاً بالرغم من غمرة الظلام.. ظلام الجاهليّة الأُولى، وأنّ خليفته يجب أنْ يكون كذلك، مثالاً في الإنسانيّة؛ ليكون قدوة للمسلمين وأُسوة للمؤمنين.

لم يذكر ذلك أحد سوى شخص واحد هو عليّ بن أبي طالب(عليه السلام).

كان سعد بن عبادة يصول في السقيفة بالرغم من مرضه وعلّته، قائلاً:

يا معشر الأنصار إنّ لكم سابقة في الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب. إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخَلْع الأوثان فما آمن به مِن قومه إلاّ قليل. والله ما كانوا يقدرون أنْ يمنعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ولا يعرفوا دينه، ولا يدفعوا عن أنفسهم، حتّى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصّكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والمنع له ولأصحابه، والإعزاز لدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ الناس على مَن تخلّف عنه منكم، وأثقله على عدوّكم مِن غيركم، حتّى استقاموا لأمر الله تعالى طوعاً وكرهاً، وأعطى البعيد المقادة صاغراً داحراً، حتّى أثخن الله تعالى لنبيّه بكم الأرض، ودانتْ له بأسيافكم العرب، وتوفّاه الله تعالى وهو راضٍ عنكم قرير العين، فشدّوا أيديكم بهذا الأمر، فإنّكم أحقّ الناس وأولاهم به) (1) .

وتشاء الأقدار أنْ يكتشف أبو بكر وعمر اجتماع الأنصار، فأسرعوا إلى

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ج1 ص5.


السقيفة لإحباط خطط الأنصار في الاستيلاء على الخلافة.

وقال أبو بكر فيما قاله مدافعاً عن حقّ المهاجرين في الخلافة:

(فهم أوّل مَن عَبد الله في الأرض، وأوّل مَن آمن بالله ورسوله، وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ الناس بالأمر مِن بعده، لا ينازعهم فيه إلاّ ظالم).

وأردف مسجّلاً أوّل تفوّق في الاستدلال:

(فنحن الأُمراء وأنتم الوزراء لا نفتات دونكم بمشورة ولا تنقضي دونكم الأمور) (1) .

وقال عمر ردّاً على الحباب بن منذر الأنصاري:

(إنّه والله لا ترضى العرب أنْ تؤمّركم ونبيّها مِن غيركم، ولكنّ العرب لا ينبغي أنْ تولي هذا الأمر إلاّ مَن كانت النبوّة فيهم وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على مَن خالفنا من العرب الحجّة الظاهرة والسلطان المبين. مَن يُنازعنا سلطان محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وميراثه ونحن أولياؤه وعشيرته؟) (2) .

وقال بشير بن سعد الأنصاري مستسلماً:

(إنّ محمّداً رسول الله رجل من قريش وقومه أحقّ بميراثه وتولّي سلطانه، وأيم الله لا يراني الله أُنازعهم هذا الأمر أبداً) (3) .

وهنا تدخّل أبو بكر ليحسم الصراع لصالحه، فقال بعد أنْ دعاهم إلى الجماعة ونهاهم عن الفرقة:

(إنّي ناصح لكم في أحد هذين الرجلين: أبي عبيدة بن الجرّاح أو عمر

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ج1 ص7.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق: ص8.


فبايعوا مَن شئتم منهما).

فقال عمر:

معاذ الله أنْ يكون ذلك وأنت بين أظهرنا، أنت أحقّنا بهذا الأمر، وأقدمنا صحبة لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأفضل منّا في المال، وأنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين، وخليفته على الصلاة، والصلاة أفضل أركان دين الإسلام. فَمَنْ ذا ينبغي أنْ يتقدّمك، ويتولّى هذا الأمر عليك؟ ابْسِط يَدَكَ أُبايعك (1) .

وهنا اندفع بشير بن سعد الأنصاري إلى بيعته، وانهارتْ بذلك جبهة الأنصار، وغادر أبو بكر السقيفةَ خليفةً غير منازع.

وبالرغم من أن انتصار جبهة المهاجرين جاء على أساس احتجاج قبلي صرف، فإنّ موقفهم القويّ هذا سجّل على نفسه نقطة ضعف قاتلة في مقابل علي (عليه السلام)، الذي يعدّ أقرب الناس إلى رسول الله في كلّ شيء حتّى القرابة فهو ابن عمّه وأخوه وصهره.

موقف علي :

* وسعى الإمام علي إلى الاحتجاج عليهم بذات المنطق الذي انتصروا فيه على الأنصار، فقال عشيّة سماعه أنباء السقيفة مخاطباً المهاجرين:

(الله الله يا معشر المهاجرين لا تُخرجوا سلطان محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به؛ لأنّا أهل البيت ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القاري لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالِم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعيّة، المدافع عنهم الأمور السيِّئة، القاسم بينهم

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ج1 ص9.


بالسويّة. والله إنّه لفينا فلا تتّبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحق بُعْدَاً) (1) .

وفي هذا إثارة قويّة لجانب أُغفل متعمّداً في مسألة زعامة المسلمين وقيادتهم. وقد أكّد الإمام ذلك مرّة أُخرى عندما اقْتِيد إلى أبي بكر لغرض البيعة.

قال(عليه السلام):

(أنا أولى برسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حيّاً وميتاً، وأنا وصيّه ووزيره ومستودَع سرّه وعلمه، وأنا الصدّيق الأكبر والفاروق الأعظم، أوّل مَن آمن به وصدّقه، وأحسنكم بلاءً في جهاد المشركين، وأعرفكم بالكتاب والسُنّة، وأفقهكم في الدين، وأعلمكم بعواقب الأُمور، وأذربكم لساناً، وأثبتكم جناناً، فعلام تنازعونا هذا الأمر؟) (2) .

ويقول بشأن الخلافة:

(إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر الله) (3) .

ويقول الإمام الحسن سبط رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

(إنّ الأئمّة منّا، وإنّ الخلافة لا تصلح إلاّ فينا، وإن الله جعلنا أصلها في كتابه وسُنّة نبيّه، وإنّ العلم فينا، ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه بحذافيره، وإنّه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتّى إرش الخدش إلاّ وهو عندنا مكتوب بإملاء رسول الله صلَّى الله عليه وآله وبخطّ علي) (4) .

وتلا عليّ الآية الكريمة: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ج1 ص12.

(2) الاحتجاج للطبرسي: ج1 ص95.

(3) نهج البلاغة: ج2 ص104.

(4) الاحتجاج: ج2 ص6.


عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (1) .

وقال (عليه السلام) في إحدى المناسبات:

(والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة، ولكنّكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها، فلمّا أفضتْ إليّ نظرتُ إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتَّبَعْتُهُ، وما استنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فاقْتَدَيْتُهُ) (2) .

وقال في مناسبة أُخرى:

(اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسةً في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردّ المعالم من دينك، ونُظهِر الإصلاح في بلادك فيأمَنُ المظلومون من عبادك، وتُقام المعطّلة من حدودك) (3) .

وقال في رسالة إلى معاوية:

(.. فإنّ أولى الناس بأمر هذه الأُمّة قديماً وحديثاً أقربها من الرسول وأعلمها بالكتاب، وأفقهها في الدين، أوّلها إسلاماً، وأفضلها جهاداً، وأشدّها بما تحمله الأئمّة من أمر الأُمّة اضطلاعاً، فاتّقوا الله الذي إليه تُرجعون، ولا تَلْبِسُوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحقّ وأنتم تعلمون) (4) .

الاعتراف:

أجل، وحده عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) وأبناؤه بلغوا المرتبة الرفيعة من الكمال والتقوى والعلم؛ ولذا عَدّوا أنفسَهم دون غيرهم أهلاً للخلافة

____________________

(1) الاحتجاج: ج1 ص253.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 206.

(3) المصدر السابق.

(4) شرح ابن أبي الحديد: ج3 ص210.


والإمامة، فلم يكن ليعترّض أحدٌ يومذاك أو يجد منقصةً أو مثلبة في شخص علي. لقد كان (عليه السلام) يجسّد المثال الإسلامي بكلّ أبعاده ورموزه.

* أَلَم يقل أبو عبيدة لعليّ (عليه السلام) وهو يحثّه على بيعة الخليفة الأوّل:

فسلِّم لأبي بكر هذا الأمر، فإنّك إنْ تَعِشْ وَيَطُلْ بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك (1) .

* أَوَلَم يقل عمر لعليّ (عليه السلام) في مرضه:

(وما يمنعني منك يا علي إلاّ حرصك عليها وإنّك أحرى القوم إنْ وليتكها أنْ تُقيم على الحقّ المبين والصراط المستقيم - إلى أن قال - يا علي لعلّ هؤلاء يعرفون حقّك وشرفك وقرابتك من رسول الله وما أتاك الله من العلم والفقه والدين فيستخلفوك فإنْ ولّيت هذا الأمر فاتّق الله يا علي فيه ولا تحمّل أحداً من بني هاشم على رقاب الناس) (2) .

* وقد قال زفر بن قيس لقومه:

(إنّ الناس بايعوا عليّاً (عليه السلام) بالمدينة، غير محاباة ببيتعهم لعلمه بكتاب الله ويرى الحقّ فيه) (3) .

* وفي رسالة لمعاوية إلى علي (عليه السلام) جاء فيها:

(وأمّا فضلك في الإسلام وقرابتك من النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فلعمري ما أدفعه ولا أنكره) (4) .

ولقد كان عمر بن الخطّاب يدرك أهليّة الإمام علي وأحقّيّته بالخلافة، يكشف عن ذلك ما ورد في كتب التاريخ بعد حادثة اغتياله والتفكير في مصير الخلافة، فقد أعلن على الملأ إثر تعيينه للشورى قائلاً لقد اخترتُ لكم أحد

____________________

(1) الإمامة والسياسة: ج1 ص12.

(2) الإمامة والسياسة: ج1 ص25.

(3) الإمامة والسياسة: ج1 ص90.

(4) المصدر السابق: ص102.


هؤلاء الستّة؛ لأنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) رحل عن هذه الدنيا وهو راضٍ عنهم!.

* ثمّ استدعاهم وراح يعدّد مواصفاتهم، فالْتَفَتَ إلى الزبير وقال:

أمّا أنت يا زبير: فوعق لقس، مؤمن الرضا كافر الغضب، يوماً إنسان ويوماً شيطان، لو أفضت إليك الخلافة فلعمري مَن يكون للناس يوم تكون شيطاناً.

والْتَفَتَ إلى طلحة وقال: لقد مات رسول الله ساخطاً عليك؛ للكلمة التي قُلْتَها يوم نزلتْ آية الحجاب.

وقال لسعد بن أبي وقاص: إنّما أنت صاحب قنص وقوس، وما لزهرة والخلافة.

وقال لعبد الرحمن: ليس هذا الأمر لِمَنْ فيه ضعف كضعفك وما لزهرة وهذا الأمر.

واتّجه إلى عثمان قائلاً: كأنّي بك وقد تقلّدتَ هذا الأمر وحملتَ بني أُميّة وبني أبي معيط على رقاب الناس وآثرتهم بالفيء.

ثمّ التفتَ إلى علي وقال: أمّا أنت فوالله لو وليتَها لحملتهم على الحقّ الواضح والمحجّة البيضاء.

* وطالما سُمِعَ عمر يقول: (عليٌّ أقضانا) (1) .

* وقال علي (عليه السلام) لأبي بكر محاجِجَاً: (أخبرني عن الذي يستحقّ هذا الأمر بِمَ يستحقّه؟

فقال أبو بكر: بالنصيحة، والوفاء، ودفع المداهنة، وحسن السيرة، وإظهار العدل، والعلم بالكتاب والسُنّة وفصل الخطاب، مع الزهد في الدنيا وقلّة

____________________

(1) طبقات ابن سعد: ج3 ص339 / مناقب الخوارزمي: ص47.


الرغبة فيها، وانتصاف المظلوم من الظالم للقريب والبعيد. ثمّ سكت.

فقال علي: والسابقة والقرابة؟

فقال أبو بكر: والسابقة والقرابة.

فقال علي: أنشدك يا أبا بكر في نفسك تجد هذه الخصال أو فيّ؟

فقال أبو بكر: بل فيك يا أبا الحسن) (1) .

* وقال عمر:

(عجزتْ النساء أنْ تَلِدْنَ مثل علي بن أبي طالب. لو لا علي لهلك عمر) (2) .

اعتراف الخلفاء بعدم عصمتهم:

* اعترف أبو بكر وعمر أكثر من مرّة أنّهما ليسا بِمَأْمَنٍ عن الخطأ وحصن عن الخطيئة:

يقول أبو بكر في إحدى خطبه:

أيُّها الناس إنّي لم أجعل لهذا المكان أنْ أكون خيركم ولوددتُ أنّ بعضكم كفانيه ولئنْ أخذتموني بما كان الله يقيم به رسوله من الوحي ما كان ذلك عندي، وما أنا إلاّ كأحدكم فإذا رأيتموني قد استقمتُ فاتّبعوني، وإنْ زِغْتُ فقوّموني واعلموا أنّ لي شيطاناً يعتريني أحياناً فإذا رأيتموني غضبتُ فاجتنبوني) (3) .

وقال في مناسبة أُخرى:

(أيُّها الناس قد وُلِّيْتُ عليكم ولستُ بخيركم، فإنْ أحسنتُ فأعينوني، وإنْ أسأتُ فقوِّمُوْنِي) (4) .

وقال معاوية لأبي هريرة:

(لستُ أزعم أنّي أَوْلَى بهذا الأمر من علي) (5) .

____________________

(1) الاحتجاج: ج1 ص159.

(2) مناقب الخوارزمي: ص39.

(3) الإمامة والسياسة: ج1 ص16.

(4) تاريخ الطبري: ج3 ص224.

(5) الإمامة والسياسة: ج1 ص108.


أجل، لقد كان هناك اتجاهٌ عامٌّ حول خلافة رسول الله في الحكم فقط، أي في الجانب السياسي لا غير؛ ولهذا لم يثيروا أبداً شروطاً ذاتيّة في شخص الخليفة، باستثناء بعض المواصفات التي لا تنطوي على دلالة عميقة، مثل: الهجرة والنصرة والسن ، مع أنّ موضوعاً كهذا ينبغي أنْ يكون حسّاساً للغاية. فالذي يريد أنْ ينهض بمسؤوليّات النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد رحيله ينبغي أنْ يكون امتداداً له في أبعاده الشخصيّة وقابليّاته الذاتيّة.

* وهذه كتب السيرة التي تحدّثنا عن بعض الزعامات، الذين عرضوا على سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حمايته والدفاع عن دعوته، شريطة أنْ يورثهم سلطانه، وكان النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يجيبهم أنّ ذلك ليس من صلاحيّته:

عن الزهري قال:

أتى رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بني عامر، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم نفسه.

فقال له رجل منهم: أرأيتَ إنْ نحن تابعناك فأظهرك الله على مَن خالفك أيكون لنا الأمر بعدك؟

قال النبي(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): الأمر لله يضعه حيث يشاء.

قال الرجل: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا ظهرتَ كان الأمر لغيرنا (1) ؟

وهكذا نجد كلمة الأمر متداولة منذ فجر الدعوة وحتّى حوادث السقيفة وبعدها.

____________________

(1) تاريخ الطبري: ج2 ص350 / سيرة ابن هشام: ج2 ص66.


أُولو الأمر في القرآن

اكتسبت مسألة أُولي الأمر أو صاحب الأمر أهمِّيَّتها الفائقة لدى الصحابة، ربّما انطلاقاً من هذه الآية الكريمة في قوله تعالى:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (1) .

* وتدور محاور الطاعة في هذه الآية حول ثلاثة:

* الله عزّ وجلّ:

وطاعته حكم عقلي ووجداني، فالعقل يؤيّد وجوب الاستجابة لله عزّ وجل دون قيد أو شرط؛ لأنّه خالق الوجود ومالك الموجودات، وكلّ شيء في قبضته، وأوامره نافذة.

ولأنّ أحكامه - سبحانه - من أوامر ونواهٍ لا تصل البشر مباشرةً، بل بواسطة الوحي والأنبياء الذين يبلِّغون رسالات الله، وهم لا يشرّعون مِن أنفسهم بل يبلِّغون الشريعة كما أنزلها الله عزّ وجل، فالنبي لا يبدع بل يبلِّغ ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) (2) .

* الرسول:

وطاعته واجبة؛ لأنّ الله قَرَنَ طاعته بطاعة النبي الذي بعثه، ومن

____________________

(1) النساء: الآية 59.

(2) النجم: الآية 3 - 5.


هنا يستشفّ أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) له قراراته وأحكامه الخاصّة به، فإنّ له - إضافةً إلى مهمّته - في تبليغ الرسالة مهمّة أُخرى تتعلّق في تطبيق شرع الله في أرضه وبين عباده، وهو مسؤول عن إقرار النظام وإرساء قواعد العدل وقيادة المجتمع في طريق الخير والحقّ وإعلاء كلمة الإسلام، وهي مهمّة إلهيّة لا يمكن القيام بها إلاّ من خلال تشكيل جهاز حكومي متكامل يستوعب كلّ شؤون الحياة الإنسانيّة.

ومن هنا فإنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يتحرّك في هذا الإطار بعنوان حاكم وقائد ورئيس، حيث يتمتّع - بناءً على ذلك - بأحكام خاصّة تُدْعى أحكام الرئاسة ، فهو يتّخذ القرارات المناسبة التي تنسجم ومصالح المسلمين ومنافع المجتمع الإسلامي؛ ولهذا كانت طاعته واجبة. قال تعالى:

- ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (1) .

- ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ ) (2) .

- ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) (3) .

- ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (4) .

- ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (5) .

- ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) (6) .

____________________

(1) آل عمران: الآية 132.

(2) التغابن: الآية 12.

(3) المجادلة: الآية 13.

(4) النساء: الآية 80.

(5) النساء: الآية 64.

(6) الأحزاب: الآية 6.


وكان بعضهم يعترض:

يمثّل سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قمّة الهرم في التشكيل الحكومي الإسلامي، حيث ينقاد له المسلمون طائعين، على أنّ التأمّل في الحوادث والآيات الكريمة يكشف لنا أنّ بعض المسلمين يشكّكون أو يعترضون حول امتياز النبي في وجوب طاعته أوّلاً وأخيراً. لنتأمل في هذه الآية الكريمة من قوله تعالى:

( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) (1) .

معركة أُحد:

لكي نستكشف معاني الآية الكريمة من الضروري أنْ نعرف أسباب نزولها وطبيعة الحادثة التي رافقتْها أو سبقتْها.

أُحيط النبي علماً بتحرّكات قريش وزحفها باتّجاه المدينة، فاجتمع سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالمسلمين وأطلعهم على آخر الأنباء، وكان رأي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) التحصّن بالمدينة.

وتظاهر المنافق عبد الله بن أبي سلول بتأييد النبي، ولكنّ الشباب المتحمّسين - خاصّة أولئك الذين لم يشاركوا في معركة بدر - وجدوا هذه المناسبة فرصة للاندفاع ورفض فكرة التحصّن في المدينة، وأيّدهم في ذلك

____________________

(1) آل عمران: الآية 154.


سعد بن معاذ ، وسيطر شعار: (النصر أو الشهادة إحدى الحسنَيَيْن) على أجواء الجدل، وكان على النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنْ يحسم الموقف، فدخل إلى منزله وخرج وهو يسوّي لأْمَةَ القتال.

وهنا شعر المتحمّسون أنّهم قد فرضوا رأيهم على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فشعروا بالندم قائلين:

استكرهنا رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ثمّ اعتذروا وقالوا: اصنع ما شئتَ با نبيّ الله.

فقال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (لا ينبغي لنبي أنْ يلبس لأْمَتَهُ فيضعها حتّى يقاتل). وأصدر أمرَه بالتحرّك لمواجهة العدوان.

عبّأ النبيُّ قوّاته للاشتباك، وأمر خمسين من أَمْهَر الرُماة بالتمركز فوق سفوح جبل (عينين) لحماية ظهر الجيش الإسلامي من حركة التفاف يقوم بها العدوّ. وقال لابن جبير قائد الرماة:

- (انضحوا الخيل بالنبل لا يأتونا مِن خلفنا).

والتفتَ إلى جموع الرماة مؤكّداً:

- (احموا لنا ظهورنا. لا يأتونا من خلفنا. وارشقوهم بالنبل، فإنّ الخيل لا تقدم على النبل، إنّا لا نزال غالبين ما لبثتم مكانكم.. اللّهم إني أُشهدك عليهم).

وللمرّة الأخيرة أوصاهم النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

- (إنْ رأيتمونا تتخطّفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتّى أُرسِل إليكم، وإنْ رأيتمونا ظهرنا على القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا مكانكم حتّى أُرسِل إليكم، وإنْ رأيتمونا غَنِمْنَا فلا تشركونا، وإنْ رأيتمونا نُقْتَل فلا تغيثونا ولا تدافعوا عنّا).

وعندما اشتعلتْ المعركة كان النصر للمسلمين أوّلاً حيث ولّى المشركون


الأدبار، وفي تلك اللحظات الحسّاسة ترك الرماة مواقعهم رغم تحذير القائد الذي كان مرابطاً مع اثني عشر ملتزمين بأوامر النبي(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

وهنا انتهز سلاح الفرسان بقيادة خالد بن الوليد الفرصة وشنّ هجوماً كاسحاً في حركة التفاف سريعة، وفَاجَأَ بذلك مؤخّرة الجيش الإسلامي، فحدثتْ الفوضى في صفوف القوّات الإسلاميّة، وتغيّر الموقف لصالح المشركين الذين راحوا يطاردون المسلمين.

ولولا صمود المخلصين وفي طليعتهم الإمام علي بن أبي طالب، لبقي الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وحيداً، ولتعرّضتْ حياتُه للخطر.

وفي تلك اللحظات أدرك المسلمون عواقب مخالفتهم لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

وبرزتْ تساؤلات حول قيادة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) المطلقة، وهل أنّ للمسلمين في ذلك رأياً، فجاء الوحي الإلهي لِيُجِيْب: ( قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ) .

وقال فريق من المسلمين: ( لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) .

فجاءتْ الجواب الإلهي: ( قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) .

ثمّ جاء تفسير الهزيمة في أُحد في قوله سبحانه: ( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ) (1) .

____________________

(1) آل عمران: الآية 152.


وأدرك المسلمون موقع الرسول في القيادة من خلال قوله تعالى: ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) (1) . مع التأكيد على أهمِّيَّة الشورى وبقاء القرار النهائي بيد النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (2) .

ومن هنا نفهم سيرة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فهو قائد، إضافةً إلى دوره في تبليغ الشريعة والوحي، ويبقى مساره في أوامره وقراراته ضمن دائرة القانون الإلهي والشريعة السماويّة.

____________________

(1) الجاثية: الآية 18.

(2) آل عمران: الآية 159.


مصاديق أُولي الأمر

* ثمّ يأتي التسلسل الثالث لأولي الأمر بعد الله عزّ وجلّ والرسول(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لتكون طاعته واجبة:

فأولي الأمر وطبقاً للآية التي تصدّرت البحث يقومون مقام الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في تسلّم زِمام الأُمور وإدارة شؤون المسلمين، فهم أُمناء على الشريعة ومسؤولون عن تنفيذها وتطبيقها في الحياة، وهم امتداد لرسول الله، وفي سيرتهم امتداد لسيرته.

ولعلّ تكرار فعل ( أَطِيعُوا ) في الآية جاءت اعتباراً من ذلك، فقد سبق ( أَطِيعُوا ) لفظ الجلالة ( الله ) ثمّ ( الرسول ) ، فيما اكتفت بالنسبة لأُولى الأمر بعد الرسول بـ (واو) العطف فقط. وفي كلّ الأحوال فإنّ طاعة أولي الأمر واجبة كما هي للرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

* ومن أجل تحديد أولي الأمر نسوق هذه الاحتمالات:

* الاحتمال الأوّل:

إنّ المقصود من أُولي الأمر هم مَن في رأس الحكومة الإسلاميّة ومَن بيدهم مقاليد الأُمور.


فكل مَن أصبح في قمّة الهرم الرئاسي كان وليّاً للأمر، وبالتالي تجب طاعته، فلا يحقّ لأحد عصيانه أو التمرّد عليه.

ومن هنا وانطلاقاً من هذه الرؤية، يكون الحاكم هو وليّ الأمر بالنتيجة، حتّى لو تربّع على الحكم فوق جماجم الضحايا، بل حتّى لو كان منافقاً يستميت من أجل الاحتفاظ بالسلطة ويرتكب مئات المذابح.

وبالطبع، فإنّ الآية الكريمة لا يمكن أنْ تتضمّن هذه النظريّة بأيّة صورة؛ لأنّ روح الآية الكريمة يأبى هذا الظلم.

وقد يُقال:

إنّ الطاعة مطلوبة في حدود معيَّنة، حتّى لو أصدر الحاكم قراراً يخالف النصوص الشرعيّة والأحكام الإلهيّة مخالفةً صريحةً وكان حكمه بالنتيجة نوعاً من محاربة القرآن.

وهذا لا يسلّم به عاقل، فكيف يرتضي العقل إنساناً منحرفاً - عن الدين وروحه، وعن الشريعة وأحكامها - أنْ يحكم باسم الدين، ثمّ تكون طاعته واجبة؟

كيف يمكن للعقل أنْ يوفّق بين المتناقضات؟ فَمِنْ جهة:

- يرى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وقد بُعث بشيراً ونذيراً ورحمةً للعالمين وقد جاء من ربّه بشريعة فيها سعادة الإنسان في الدارَين، ثمّ يَخْلِفُهُ رجالٌ يصبّون العذاب على الأُمّة، ويتعسّفون في حكمها وقيادتها، من قبيل خلفاء بني أُميّة وحكّام بني العباس، ثمّ يوجب الدين طاعتهم!! إنّ العقل يرفض ذلك مستنكِراً.

- هذا، إضافةً إلى ما ستتضمّنه الآية من المتناقضات، فإذا كانت طاعة الحاكم الفاسق واجبةً، فكيف نوفّق بينها وبين طاعة الله والانصياع لرسوله، ويا تُرى مَن سنتّبع في الطاعة إذا تناقضتْ أوامر الله مع أوامر الحاكم؟!


ولعلّ هناك مَن يقول:

إنّ الطاعة واجبة ما دام بيده زمام الأُمور يتحرّك ضمن إطار الشرعيّة، فهو في هذه الحالة واجب الطاعة، أمّا إذا حدث تصادم بين ما يأمر به الحاكم وما يرتضيه الشرع فعندها تنتفي طاعته وتتقدّم عليها طاعة الله ورسوله، وحقّ للأمّة أنْ تخالفه.

وهذا الرأي لا يصمد أمام النقاش أيضاً، للأسباب التالية:

أوّلاّ:

إنّ هذا لا يتحقّق إلاّ إذا كانت الأُمّة بأسرها على وعي كامل بالشريعة وأحكام الدين، أي أنْ يكون أفرادها جميعاً فقهاء لكي يدركوا طبيعة قرارات الحاكم وسيرته وإجراءاته.

ثانياً:

تقديم طاعة الله على طاعة الحاكم في حالة التصادم بين الأحكام، فهذا يعني بالحقيقة طاعة لله فقط، وهنا لا وجود لولاية الأمر ولولي الأُمور، وبالتالي إلغاء طاعة وليّ الأمر التي سبق أنْ أوجبتْها الآية الكريمة.

ثالثاً:

سيادة الفوضى وارتباك النظام؛ لأنّ كلّ فريق في الأُمّة قد يُفسّر أمراً ما بأنّه مخالفة للدين فيسوِّغ لنفسه الثورة والتمرّد، وبالتالي ارتباك النظام.

وبالطبع، فإنّ أُمّة تسودها الفوضى لا يمكنها أنْ تنتج أو تتقدّم في ركب الحضارة، وستكون المصالح الشخصيّة الباعث الأساس في الثورات بذريعة مخالفة الحاكم للدين، وهذا ما يؤدّي إلى دمار البلاد.

* الاحتمال الثاني:

لعلّ قائل يقول: إنّ تفسير الآية يمكن أنْ يُشير إلى أنّ وليّ الأمر رجل ينتخبه الشعب وتختاره الأُمّة، وعندها يكون وليّاً للأُمور فيتحقّق عند ذاك مفهوم الآية.

وهذا الاحتمال مردود أيضاً، وتفسير الآية على هذا الأساس تعسّف واضح؛


لأنّ خطاب الآية لا يتضمّن هذا المعنى أبداً، لم تقل الآية إنّ مَن ترتضون للحكم والقيادة سيكون وليّاً للأمر، وبالتالي ستكون طاعته واجبة.

ومعطيات الآية تشير إلى وجوب طاعة أُولي الأمر، أمّا مَن همّ فلم تتحدّث عنه الآية، إضافة إلى ما سَيَرِد من إشكالات أُشير لها في الاحتمالَيْن معاً.

* الاحتمال الثالث:

ويبقى الاحتمال الثالث وهو أنّ أُولي الأمر أُناس اختارهم الله لإمامة المسلمين، وبالتالي أصبحوا مصداقاً لمعنى الآية في وجوب طاعتهم، ومِن أجل توضيح ذلك نقول:

إنّ الأحكام والقوانين الإلهيّة لا تنحصر في الطقوس العباديّة، بل إنّها تستوعب جميع الشؤون الإنسانيّة؛ ذلك أنّ الأمّة يلزمها ومن أجل استمرارها وديمومتها قانون سياسي ونظام اقتصادي وجهاز قضائي وهي مسألة من بديهيات الحياة البشريّة. فالشريعة الإلهيّة لا يمكن تطبيقها إلاّ من خلال قانون ونظام للحكم، وإنّ غاية النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) - مِن بعثته - هو استمرار الشريعة الإسلاميّة وتجسّدها في حياة البشر.

ومِن هنا اقتضتْ الحكمة الإلهيّة والمشيئة الربّانية اختيار أفراد معيّنين لزعامة الأُمّة وولاية أمرها؛ من أجل الحفاظ على الشريعة وضمان تطبيقها في الحياة.

وهؤلاء الأفراد يجب أنْ يكونوا:

- معصومين عن الخطأ.

- منزّهين عن الذنب وارتكاب المعاصي.

- بعيدين عن الاشتباه.

- محفوظين من النسيان.

ولقد قرن الله طاعتهم بطاعته؛ لأنّهم استمرار لخطّ رسوله.

ولأنّهم معصومون؛ فقد وجبت طاعتهم دون قيد أو شرط. وفي هذه الحالة لنْ يحدث تناقض أو تصادم في سيرتهم مع أحكام الله وشريعته وما جاء به


رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مِن عند ربّه. وعندها تنتفي كلّ الإشكالات التي أُثيرت في الاحتمالَين الأوّل والثاني.

خلاصة القول:

إنّ صدر الآية يتضمّن إطلاقاً في طاعة الله وتسليماً كاملاً لأحكامه وشرائعه، وليس هناك قيد أو شرط، فكلّ حكم يتناقض مع أمر الله ونَهْيه يفقد كلّ اعتبار له؛ لأنّ الحاكميّة لله وحده، إضافةً إلى أنّ هذه المسألة تعدّ في الواقع ضرورة عقليّة لا مناص منها.

* وفي مقابل كلّ هذا نجد نهياً قرآنيّاً صريحاً عن طاعة الظالمين والمسرفين:

قال تعالى:

- ( فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ) (1) .

- ( وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) (2) .

* وفي سياق هذا نجد حشداً من الأحاديث الشريفة يتماشى وروح الآيات؛ من قبيل ما رواه:

- جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (مَنْ أَرْضَى سلطاناً بسخط الله خرج مِن دين الله) (3) .

- وعن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: (لا دينَ لِمَنْ دَانَ بِطَاعةِ مَنْ عَصَى الله، وَلا دِيْنَ لِمَنْ دَانَ بِفِرْيَة بَاطِل عَلَى الله، وَلاَ دِيْنَ لِمَنْ دَانَ بِجُحود شَيءٍ مِنْ

____________________

(1) الشعراء: الآية 150 - 151.

(2) الكهف: الآية 28.

(3) الكافي: ج2 ص273.


آيَاتِ اللهِ) (1) .

- وعن الصادق(عليه السلام) قال:

(لا تسخطوا الله برضى أحد مِنْ خَلْقِه، ولا تتقرّبوا إلى الناس بتباعد من الله) (2) .

- وعن سيدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال:

(لاَ طاعةَ لِمَخْلُوْقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ) (3) .

- وعن علي أمير المؤمنين(عليه السلام) قال:

(لاَ دِيْنَ لِمَنْ دَانَ بِطَاعَةِ مَخْلُوْقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ) (4) .

وسياق الآية الكريمة يتضمّن - بالضرورة - عدم التزاحم بين طاعة الله وطاعة أُولي الأمر، وعندما يكون وليّ الأمر معصوماً ينتفي التعارض بين الطاعتَين، وبالتالي تكون عصمة أُولي الأمر مسألة عقليّة.

تساؤل:

* قد يتساءل البعض قائلاً:

لماذا هذا الإصرار على تفسير أُولي الأمر بالمعصومين، في حين يمكن إطلاقه على كلّ مَن بيده زمام الأمور، وأنتم تقولون كيف يمكن تصوّر مَنْ بيده مقاليد الأمر أنْ يكون غير معصوم؛ لاحتمال الخطأ في أحكامه ومناقضتها لأحكام الشرع؟

وفي الجواب عن هذا التساؤل نقول:

بما أنّ تشكيل الحكومة ضروري للأُمّة، وبدونها لا يمكن إصلاح شأن

____________________

(1) المصدر السابق.

(2) وسائل الشيعة: ج11 ص422.

(3) مجمع الزوائد: ج5 ص226.

(4) وسائل الشيعة: ج11 ص422.


البلاد والعباد، فإنّ الله عزّ وجل جعل طاعة وليّ الأمر واجبة؛ حتّى تكون أحكامه نافذة، فلا يحدث خلل في النظام ولا يكون هناك مجال للفوضى.

وهنا يُقال:

من الممكن أنْ يصدر عن وليّ الأمر ما يتعارض وأحكام الدين، ولكنّ هذا ممّا يجعله مسوّغاً؛ لأنّ مصلحةً أكبر اقتضتْ تعطيل حكم من أحكام الشريعة، من أجل حفظ النظام العام، فيكون في ذلك جبرٌ لِمَا كُسِر.

و جواباً على ذلك نقول:

إنّ الإشكال الذي أوردناه في صدر البحث حول التعارض بين صدر الآية والختام ما يزال وارداً.

إنّ مفاد الآية يقطع بوجوب طاعة الله أوّلاً، وأنّه لا اعتبار لآمر يتعارض وحكم الله:

- فكيف يمكن اجتياز هذه النقطة إلى القول بطاعة وليّ الأمر، حتّى مع وجود تعارض في حكمه مع حكم الله؟!

- وكيف يمكن أيضاً تفسير الحشد الهائل من الأحاديث التي أوردنا أمثلة منها، والتي تستنكر طاعة مَن يعصي الله، انطلاقاً من:

(لاَ طاعةَ لِمَخْلُوْقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ)؟!

- وكيف نسوّغ لأنفسنا وجوب طاعة مَن يريد مَحْق القرآن وسَحْق أحكام الدين، ثمّ نبرِّر ذلك بذريعة مصلحة النظام وخدمة للصالح العام؟!

* إشكال:

قد يقول أحدُهم إنّ (أُولي الأمر) تفيد (مَن بِيَدِهِم زِمَام الأَمْر والقِيَادَة) ولا تعني (العِصْمَة) من قريب ولا بعيد، ثمّ إنّ سياق الآية يُشير إلى وجوب طاعة أُولي الأمر بعد طاعة الله سبحانه، وهذا يعني أنّ هناك إطاراً معيّناً لطاعتهم وهو في طاعة الله أوّلاً، وأنّ طاعتهم واجبة ما داموا مطيعين لله، وبالتالي وجود قيد يحدّد الإطلاق العام.


فمثلاً:

لو قام رئيس دولة بإصدار مرسوم يقضي بتنصيب محافظ أو حاكم لإحدى المُدُن، وتضمّن الحكم دعوة الشعب إلى تنفيذ أوامره وطاعته في تطبيق قوانين البلاد، فهنا سيفهم الشعب أنّ مِن بين هذَين الأمرَين - تنصيب الحاكم ودعوة الشعب إلى الانصياع لأوامره - أنّ طاعته ستكون في حدود قانون البلاد، وليس كلّ ما يصدر عنه حتّى لو تعارض مع الدستور الرسمي للدولة، وسيقولون له إنّك مأمور بتنفيذ القانون لا أنْ تصدر الأحكام جُزَافاً كما تشاء.

مثال آخر:

لو أصدر القائد العام للقوّات المسلّحة أمراً نصّب فيه ضابطاً ما قائداً لإحدى الفِرَق، وأمر أفراد الفرقة بالانصياع لأوامره، فإنّ الجنود وسائر أفراد الفرقة سوف يفهمون أنّ طاعته واجبة في حدود طاعته هو للقيادة العامّة.

ومِن هذَين المثالَين نفهم أنّ طاعة وليّ الأمر نافذة ما دامت في طاعة الله.

وعلى هذا فإنّ أوامر وليّ الأمر ستكون ملزِمة عندما لا تتعارض مع الشريعة، وبالتالي تجوز مخالفته وعصيانه إذا تصرّف تصرّفاً يناقض الشريعة ويُخالف أحكامَ الله.

وفي تلك الحالة يتمّ نصحه أوّلاً، فإذا لم يرعوِ وجب عزله وخلعه، وانتخاب شخص آخر غيره.

وهذا ما أشار إليه أبو بكر عشيّة تصدّيه للخلافة، فقد قال:

(أيُّها الناس قد وليت عليكم ولستُ بخيركم، فإنْ أحسنتُ فأعينوني، وإنْ أسأتُ فقوّموني... أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُ اللهَ ورسولَه فلا طاعةَ لي عليكم).

ومن هنا نفسّر بواعث الثورة ضدّ عثمان ، فلقد طلبوا منه اعتزال الخلافة


أوّلاً، فلمّا رفض ذلك اقتحموا قصرَه وقتلوه.

ولو افترضنا الإطلاق في الآية، فهي كسائر الإطلاقات الأُخرى، إذ هناك آيات تضع قيوداً تحدّد من الإطلاق العام من قبيل قوله تعالى:

- ( وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ) .

- ( وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ) .

وإذاً، فهناك قيود تحدّد مِن إطلاق آية الطاعة، وبالتالي فلا ضرورة للقول بِحَتْمِيّة عصمة أُولي الأمر.

* الجواب:

إنّ كلّ هذه التفاصيل لا يمكنها أنْ تَسلب الإطلاق العام في الآية كأمر إلهي، فهناك طاعة مطلقة لله وللرسول ولأُولي الأمر، وكلا الأمرَين يفيدان الإطلاق ويتمتّعان بنفس مستوى الوجوب، فما معنى ترجيح أمر على أمر مع أنّ مصدرهما واحد ويتمتّعان بنفس الامتياز.

إنّ انتفاء العصمة سيولّد تناقضاً لا يمكن حلّه، والحلّ الوحيد يكمن في عصمة أُولي الأمر.

ثمّ إنّ الآية لا تفيد شرعيّة وولاية مَن يتسلّط على رقاب العباد والبلاد بالقوّة، بل ولا تفيد أيضاً انتخاب الناس لوليّ الأمر، ويبقى هنا مَن يختاره الله سبحانه ويرتضيه لعباده.

كيف نتصوّر أنّ الله سبحانه - وهو مصدر الحكمة - يمنح الشرعيّة لأُناس غير معصومين، لهم ولِمَا يرتكبونه من ظلمٍ بحقّ عباده؟ أَلاَ يمكن استغلال هذه


النظريّة في إنزال أفدح الظلم بالناس مع ضمان سكوتهم إزاءه كَقَدَرٍ إلهي محتوم لا يمكن الاعتراض عليه أو التململ منه؟!

ومعنى هذا فتح الباب على مصراعيه لكلّ الطغاة، يعيثون في الأرض فساداً ويأتون على الدين فلا يُبقون له من باقية، كلّ هذا بذريعة وجوب طاعة وليّ الأمر.

ألم يُذبح الحسين وأهل بيته بذريعة خروجهم على خليفة عصرهم؟!

إنّ أقلّ مطالعة في تلك الحقبة من التاريخ ستشهد إلى أيّ مدى عاث بنو أُميّة وبنو العبّاس باسم الدين والخلافة، فارتكبوا آلاف الجرائم والمذابح.


وَلِيّ الأَمْر فِي ضَوء الرُوَايَات

* تُشدّد الأحاديث المرويّة في كتب الشيعة والسُنّة على أنّ أُولي الأمر هم أهل البيت:

- فقد جاء في كتابٍ لعلي (عليه السلام) إلى معاوية حول الآية: ( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) أنّها نزلتْ في أهل البيت (عليهم السلام) (1) .

- عن بريد بن معاوية في حديث له عن الإمام الباقر حول تفسير الآية: ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ، قال(عليه السلام): (إيّانا عَنَى خاصّة) (2) .

- وسئل الإمام الصادق عن تفسيرها فأجاب: قال: (أُولوا الفقه والعلم)، قيل أخاص أَمْ عام؟ فقال: (بل خاصّ لنا) (3) .

- وعن جابر قال سألتُ رسول الله عن تفسير: ( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ، فقال: (هم خلفائي يا جابر وأولياء الأمر بعدي، أوّلهم أخي

____________________

(1) إثبات الهداة: ج3 ص96.

(2) بحار الأنوار: ج23 ص290.

(3) جامع أحاديث الشيعة: ج1 ص177.


علي، ثمّ بعده ولده الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن الحسين، ثمّ محمّد الباقر، وستدركه يا جابر فإذا أدركتَه فاقرأه منّي السلام، ثمّ جعفر الصادق، ثمّ موسى الكاظم، ثمّ علي الرضا، ثمّ محمّد الجواد، ثمّ علي الهادي، ثمّ الحسن العسكري، ثمّ الخلف الحجّة القائم المنتظر المهدي أئمّة بعدي) (1) .

- وعن عمر بن سعيد قال: سألتُ أبا الحسن عن قوله تعالى: ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ، قال: (علي بن أبي طالب والأوصياء من بعده) (2) .

- وعن أبي بصير عن الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ، قال: (الأئمّة مِن وُلْدِ علي وفاطمة إلى أنْ تقوم الساعة) (3) .

- وعن جابر الجعفي قال: سألتُ أبا جعفر عن تفسير (الآية) فقال: (الأوصياء) (4) .

- وعن الحسين بن أبي العلاء قال: قلتُ لأبي عبد الله: الأوصياء طاعتهم مفترضة؟ فقال: (هم الذين قال الله فيهم: ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ) (5) .

- وعن سليم بن قيس قال: سمعتُ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (إنّما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر، وإنّما أمر بطاعة أُولي الأمر؛ لأنّهم معصومون

____________________

(1) إثبات الهداة: ج3 ص123.

(2) تفسير العيّاشي: ج1 ص253.

(3) إثبات الهداة: ج3 ص131.

(4) بحار الأنوار: ج23 ص300.

(5) المصدر السابق.


مطهّرون لا يأمرون بمعصيته) (1) .

- وعن حكيم، قال: قلتُ لأبي عبد الله: جعلتُ فداك أخبرني مَن أُولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم؟ فقال لي: (أولئك عليّ بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمّد بن علي وجعفر أنا، فاحمدوا الله الذي عرّفكم أئمّتكم وقادتكم حين جحدهم الناسُ) (2) .

- وعن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر (عليه السلام) سأله عن أُولي الأمر فقال: (هم في علي، والأئمّة جعلهم الله مواضع الأنبياء غير أنّهم لا يحلّون شيئاً ولا يحرّمونه) (3) .

- وعن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (أوصى رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى علي والحسن والحسين(عليهم السلام) وهما صبيّان، ثمّ قال: قال الله تعالى: ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) وأراد الأئمّة مِن وُلد علي وفاطمة (عليهما السلام) إلى أنْ تقوم الساعة) (4) .

- وعن أبان أنّه دخل على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: فسألتُه عن قول الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) فقال: (ذلك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، ثمّ سكت فلمّا طال سكوته. قلتُ: ثمّ مَنْ؟ قال: الحسن (عليه السلام)، قلتُ ثمّ مَنْ؟ قال: ثمّ علي بن الحسين وسكت، فلم يزل يسكت عند كلّ واحد حتّى أُعيد المسألة فيقول، حتّى سمّاهم إلى

____________________

(1) المصدر السابق: ج25 ص200.

(2) تفسير العيّاشي: ج1 ص252.

(3) تفسير العيّاشي: ج1 ص252.

(4) دلائل الإمامة: ص231.


آخرهم صلّى الله عليهم) (1) .

- وعن عيسى بن السري قال: قلت لجعفر الصادق (عليه السلام): حدِّثْني عمّا ثبت عليه دعائم الإسلام إذا أخذتُ بها زَكَا عملي ولم يضرّني جهلُ ما جهلتُ. قال: (شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وحق في الأموال من الزكاة، والإقرار بالولاية التي أمر الله بها آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (مَنْ مات لا يعرف إمامه مات ميتةً جاهليّةً). وقال الله عزّ وجل: ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) فكان علي صلوات الله عليه، ثمّ صار مِن بعده الحسن، ثمّ مِن بعده الحسين، ثمّ مِن بعده علي بن الحسين، ثمّ مِن بعده محمّد بن علي، وهكذا يكون الأمر أنّ الأرض لا تصلح إلاّ بإمام، ومَنْ مات لا يعرف إمامه ماتَ مِيْتَةً جاهليّةً. وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه هاهنا، وأهوى بيده إلى صدره، يقول: حينئذٍ لقد كان على أمر حسن) (2) .

ومن هنا يتبيّن أنّ المراد من أولي الأمر الذين أوجب القرآن الكريم طاعتهم هم الأئمّة المعصومون؛ لأنّهم منزّهون عن الخطيئة والخطأ وهم أُمناء الوحي ومعادن الرسالة.

ملاحظة:

إنّ ما سبق من الحديث لا يعني انتقاء ضرورة الحكم في زمن الغيبة، وإنّ المسلمين غير مكلّفين في تشكيل حكومة تنهض بإقامة دين الله.

كلاّ إنّ المسلمين شأنهم شأن سائر الأُمم الأُخرى، لا بدّ لهم من نظام

____________________

(1) تفسير العياشي: ج1 ص251.

(2) ينابيع المودة: ص137.


للحكم، يوفّر لهم أسباب الرخاء ويقيم حكم الله، ويمنع العدوان ويحدّد الواجبات ويعيّن الحقوق، وفي كلّ الأحوال يدافع عن الإسلام من غارات الأعداء.

كما أنّ ضرورة الحكم ليس أمراً ابتدعه الإسلام، بل إنّها ظاهرة عريقة بزغتْ مع بدء التاريخ الإنساني، وكانت في طليعة حاجات الإنسان اجتماعيّاً، والمسلمون لا يمثّلون استثناءً في هذه القاعدة أبداً.

صحيح، إنّ الشيعة يفسّرون أُولي الأمر بالأئمّة المعصومين، وإنّهم وحدهم المؤهّلون للقيادة والحكم، وإنّ الله سبحانه أوجب طاعتهم بعد أنْ اصطفاهم واختارهم لعباده، ولكن هذا لا يعني بطلان جميع الحكومات بذريعة غياب المعصوم، فالمسلمون في كلّ زمان ومكان مكلّفون بتشكيل حكم إسلامي إلهي مِن شأنه أنْ يدير شؤونهم ويحفظ مصالحهم.

من أجل هذا كان موقف علي بن أبي طالب إزاء الخوارج حازماً، بعد أنْ جعلوا الآية الكريمة: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ ) شعاراً لهم، فردّ الإمام قائلاً: (كلمة حقّ يراد بها باطل، نعم، إنّه لا حكم إلاّ لله ولكن هؤلاء يقولون لا إمرة إلاّ لله، وإنّه لا بدّ للناس مِن أمير بَرّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن، ويستمتع فيها الكافر، ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع به الفيء، ويُقاتل به العدو، وتأمَن به السُبُل، ويُؤخَذ به للضعيف من القوي حتّى يستريح برّ ويُستراح مِن فاجر) (1) .

وإذاً، فلا مناص من تشكيل حكم إسلامي حتّى في زمن غياب المعصوم؛ لأنّ الحكومة ضرورة اجتماعيّة وظاهرة رافقتْ التاريخ البشري منذ القِدَم.

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 40.



الفصل الثاني

الإمامة في ضوء العقل



النبوّة العامّة

تنسحب البراهين والأدلّة العقليّة التي تثبت وجوب النبوّة على الله عزّ وجل، على الإمامة في غياب الأنبياء والرسل.

فلا بدّ من وجود فرد معصوم اختاره الله واصطفاه لعباده؛ لإقامة الدين وتطبيق الشريعة في حياة الناس. ومن هنا فإنّ بحث مسألة النبوّة العامّة أمر ضروري للتمهيد من أجل بحث الإمامة في ضوء العقل.

* وقبل الخوض في البحث أجد من اللازم إثارة بعض النقاط كمقدّمة:

* الأولى:

أثبتتْ العلوم العقليّة أنّ الإنسان يتألّف من جسد وروح، وهو من ناحية الجسد ينتمي إلى عالم المادّة التي هي عرضة للتغيّر والتبدّل، وهو من ناحية الروح ينتمي إلى عالم المجرّدات، وهو في كلّ هذَين البُعْدَين كائن متوحّد.

وبتعبير أكثر دقّة: إنّ الإنسان في مَنْشَئِهِ ينتمي إلى عالمَين سُفْلِي وعُلْوِي:

- فالسفلي: ما ارتبط بالجسد وحاجاته وغرائزه.

- والعلوي: وثيق الصلة بأعمال الروح.

ولأنّ روح الإنسان متعلّقة بالمادّة، وهي ليست متجرّدة تماماً، فهي تنطوي على قابليّة التكامل والسمو، والروح التي هي واحدة لدى الإنسان في طفولته


تتفاوت مع روح الحكيم في منزلتها ودرجة تكاملها.

فالوجود الإنساني يبدأ من نطفة تفتقر إلى الإدراك والشعور، ثمّ تتّحد داخل الرحم لتبدأ حياة جديدة.. حياة جسديّة تنتمي إلى حياة الأُم، وتكون جزءاً من تكوينها البَدَنِي.

غير أنّ هذا الكائن المتناهي في الصِغَر يندرج في مسيرة التكامل، إلى أنْ تصبح له حياة حيوانيّة في إطار الحواس الخمس، ثمّ يتكامل شيئاً فشيئاً حتّى يرقى إلى الحياة الإنسانيّة التي تتسامى على حياة الحيوانات والنباتات، ويرتفع عن عالم المادِّيَّات وهو في حركة دائبة مستمرّة.

على أنّ روح الإنسان - وفي كلّ مراحل تكاملها - لا تعدو كونها حقيقة تتّجه لتحقيق وجودها. وهذا لا يعني أنْ نتصوّر بقاءها على أصلها وجوهرها، وأنّ الكمال أمر طارئ عليها، بل إنّ معنى التكامل هو نمو جوهري للذات وحقيقة الوجود باتّجاه الدرجة الأسمى. وإذن فإنّ طبيعة الخلق الإنساني إنّما تنطوي على قابليّة التكامل من درجة المادّة الفقيرة إلى مراحل الكمال، حيث يتغيّر الجوهر الذاتي شيئاً فشيئاً ليرتقي في عوالم الصفاء والنور والكمال.

* الثانية:

إنّ الإنسان مفطور على التكامل، مزوّد بقابليّة ذلك، وعليه ينبغي أنْ يكون ذلك ممكناً وميسّراً، وإلاّ كان الأمر عبثاً، وهو لا ينسجم مع حكمة الباري عزّ وجل. وكما أنّ كلّ موجود مادّي يتحرّك نحو كماله الممكن الذي أودعه الله في خلقه، فإنّ الإنسان هو الآخر ليس مستثنىً عن هذه القاعدة العامّة، وهو ليس محروماً من هذه النعمة الكبرى، بل إنّ حكمة الله سبحانه تقتضي أنْ تُيَسِّر للإنسان هذه الغاية.


* الثالثة:

إنّ الإنسان يتألّف من جسد وروح، وهو بهذا يعيش حياتين:

- إحداهما: دنيويّة ترتبط بالجسد وغرائزه وحاجاته.

- وأُخرى: روحيّة ومعنويّة تتعلّق بنفسه، ولكلّ منهما أسباب للسعادة وعوامل للشقاء.

وهو - شاء أَمْ أَبَى - يحيا هذَين المستَوَيَيْن من الحياة. فقد يستغرق في حياته المادِّيَّة غافلاً عن نفسه وروحه. وهو إذنْ يتحرّك نحو السعادة والكمال الإنساني أو ينحدر في هاوية الشقاء والعذاب.

فالأفكار الطاهرة والأخلاق الحميدة والأعمال الصالحة كلّها تنبع من عالم الوجود، وهي عوامل الرُقِيّ والكمال والسعادة. وفي مقابل هذا، العقائد الباطلة والأخلاق السيِّئة التي تتناقض مع ناموس الوجود، وتدفع بالإنسان عن جادّة الصراط إلى أَوْدِيَة الضياع والشقاء.

فالإنسان الذي يستقيم طريقه إنّما يتحرّك باتّجاه التكامل حيث تنموا ذاته، وتنصقل نفسه، ويتكامل جوهره، ويرتقي سلَّم الكمال الروحي والأخلاقي، بعد أنْ يقهر غرائزه الحيوانيّة المتحفِّزة في أعماقه.

* الرابعة:

إنّ العلاقة الوثيقة بين الروح والجسد تنعكس على مدى علاقة الحياتَين الدنيويّة والأخرويّة للإنسان، فتكسبها ذات الارتباط الوثيق.

- فالنشاط الحيوي للجسد - وكلّ الأفعال البدنيّة - لها تأثيراتها في روح الإنسان، وكذا فإنّ التقلّبات النفسيّة والتغيرات الروحيّة لها آثارها في حركات


الإنسان.

- والاستغراق في الآثام والمعاصي يلوّث النفس الإنسانية ويجعلها في جنوح دائم للانحراف، وعلى العكس تماماً فإنّ الاستمرار على أعمال الخير والإحسان يصقل النفس ويزيدها نقاءً وصفاءً، وتجعل قلب الإنسان مضيئاً، وتنمو في أعماقه ملكات الصلاح والخير.

ومن الممكن أنْ يصل الإنسان درجة يسمو فيها فلا يرى شيئاً سوى الصفاء والخير والإحسان، كما أنّ من المحتمل أنْ يتردّى الإنسان إثر ارتكابه الآثام والذنوب في هاوية السقوط، فلا يعرف شيئاً غير الشقاء والشرور.

فكلّ التغيّرات النفسيّة والتبدّلات الروحيّة تنعكس في أعمال جسديّة تنسجم مع طبيعتها وتتماشى مع سِنْخِيَّتِهَا.

فالفعل الإنساني ما هو إلاّ انعكاس للذات، كما المرآة تعكس ما يقابلها تماماً.

ومن هنا لا يمكن الفصل بين الحياتَين: الدنيويّة والأخرويّة، حتّى يمكن حساب كلّ واحدة بمنأىً عن الأُخرى.

فبدون الأعمال الصالحة ومواقف الخير لا يمكن أنْ يرتقي الإنسان إلى درجة التكامل الروحي، وبدون إصلاح النفس وتزكيتها لا يمكن أن ينهض الإنسان بأعمال الخير والإحسان.

ومخطئ مَن يقول إنّه لا جدوى من المداومة على أعمال الخير؛ لأنّ الأصل هو إصلاح النفس وطهارة القلب، فالقميص قد يصنع القِدِّيس إلى حدٍّ ما.

* الخامسة:

هناك مَن يتجاهل الجانب الهام في الإنسان، الجانب الذي يُعَدُّ الأساس في


شخصيّته، فلا يرى للكائن البشري سوى حياة تنحصر في إطار ضيّق يدور بين الأكل والنوم، متجاهلاً روحه العظيمة بكلّ ما يزخر فيها من مكنوّنات عميقة.

فمثلاً يقول أحدهم:

إنّ الإنسان إنّما وُجد ليعيش فَيُهيِّئ ما يأكل، ويُوفِّر ما يلبس، ويحافظ على حياته، ويقوم بأنشطته الاجتماعيّة. واذن ينبغي أن يكون الدين في هذا الإطار، فلا يتعدّى بدفع الإنسان إلى التفكير والتعمّق في أسرار الكون، وبالتالي إِلْهَائِهِ عن الحياة وخسارتها (1) .

ولا يحتاج هذا الرأي إلى تعليق، فهو يطيح بكرامة الإنسان وينزله من عليائه الشامخ إلى حضيض الحيوانيّة، التي لا تعرف شيئاً غير غرائزها وميولها ورغباتها.

غير أنّ العلم والفلسفة ترفض مثل هذه الرؤية، وتجعل للإنسان مرتبة سامية ومنزلة رفيعة.

ولقد أثبت العلم والفلسفة أنّ شخصيّة الإنسان إنّما تنهض على الروح، وأنّها الإطار العام الذي تتجسّد من خلاله إنسانيّة الإنسان.

وعلى هذا فإنّ سرّ الخَلْق وغائيّة الوجود الإنساني هي في التكامل الروحي والمعنوي، وإنّ إغفال هذا الجانب الهام في الكائن البشري هو مصادرة تَعَسُّفِيّة لجوهر الإنسان وكيانه العام؛ ذلك أنّ علّة الخَلْق تكمن في التكامل الروحي، وبدون ذلك يتعذّر على الإنسان وصوله إلى الغاية المنشودة.

* السادسة:

إنّ الإنسان وبفطرته يتطلّع إلى الكمال، ويبحث عن الحقيقة، ويسعى من

____________________

(1) روح القوانين: مونتسيكو: عن النسخة الفارسيّة ط5، ص678.


أجل الحصول عليها، بل إنّ أفعاله وحركاته تدور حول نيل الكمال لوجوده، فالكلّ يتحرّك في هذا الاتّجاه، وما يحصل مِن تخبّط إنّما ينشأ عن الخطأ في تشخيص الكمال الحقيقي، فقد يظنّ متوهِّماً أنّ كماله يكمن في أشياء لا تَمُتُّ إلى الحقيقة بشيء، فهو ينطلق في خياله خاطئاً.

فهناك مَن يرى كماله في المظاهر البرّاقة من الحياة، وهناك مَن يراه في ما يملكه من مساحات شاسعة مِن الأرض، وآخر يظنّه في الجاه والمنصب والنفوذ، وهناك مَن يتهالك على إشباع غرائزه فيندفع في هذا الطريق، ملبِّياً كلّ رغبة تشتغل في أعماقه وبأيّ ثمن.

وهكذا نرى تخبّطاً في مسار الإنسان وانحرافه عن جادّة الطريق... الطريق الذي يؤدّي إلى سعادته، فإذا به يسقط في هاوية الشقاء دون وعي.

* السابعة:

إنّ الإنسان لا ينطوي على غريزة اجتماعيّة أو هو ليس اجتماعيّاً بالذات، ولكنّه يميل إلى الحياة الاجتماعيّة ويخشى حياة الوحدة والعزلة، مقتنعاً بالحياة مع الآخرين.

وهنا سؤال عن طبيعة البواعث التي أدّت إلى أنْ يحيا الإنسان هذا الشكل من الحياة:

- فهل أنّ ذلك جاء نتيجةً لِمَيْلِهِ للإفادة والاستفادة من أبناء جنسه.

- أَمْ لأنّه يخاف الحيوانات المفترسة.

- أم شعوره بالعجز عن الحياة بمفرده وحاجته للآخرين في توفير متطلّبات العَيش.

- أو لأنّه يريد تسخير الآخرين لمصلحته؟

وبشكل أوضح: هل يهدف الإنسان وراء الحياة الاجتماعيّة مصلحته الخاصّة،


أَمْ التعاون وتقديم العون؟

هناك أجوبة عديدة قدّمها علماء الانثربولجيا، وتاريخ الأديان، وعلم النفس ، ولكلٍّ رؤيته وتفسيره في تحليل هذه الظاهرة.

غير أنّه يمكن القول أنّ الحقّ في جانب مَن ينادي بأنّ الإنسان يهدف من خلال حياته الاجتماعيّة الاستفادة من عون الآخرين في تأمين متطلّبات عَيشه.

ولتسليط الضوء أكثر ينبغي القول إنّنا وبالرغم من غيابنا عن تلك الحقبة من الزمن، حيث شهدتْ الأرض أوّل التجمّعات الإنسانيّة، حتى يمكننا اكتشاف ومعرفة بواعث هذه التجمّعات والظروف التي أدّت إلى ذلك، ولكنّ دراسة الإنسان في العصر الحاضر والإلمام بميوله وغرائزه وطريقة تفكيره والغوص في أعماقه ستدلّنا بلا شك على البدايات الأُولى، حيث فكّر الإنسان في أنْ يعيش مع أبناء جنسه في تجمّعات محدودة.

لقد وجد الإنسان نفسه جائعاً فراح يبحث عمّا يسدّ رَمَقَه، ثمّ شعر بالظمأ فراح يبحث عن الماء، ولعلّ هذا الدافع هو أوّل اكتشاف للإنسان وارتباطه الوثيق بما حوله من نباتات وأنهار، ولعلّه لجأ إلى الأغوار؛ لدفع غوائل البرد أو مُحْتَمِيَاً من الحرّ أو المطر، وهكذا بدأ يكتشف العالَم من حوله شيئاً فشيئاً.

ثمّ راح يفكّر بتسخير الحيوانات والاستفادة من لحومها وجلودها وفي تنقّله من مكان إلى آخر.

وبسبب وجود الغريزة الجنسيّة وطغيانها راح الرجل يبحث عن الأُنثى؛ لإطفاء تلك الشهوة المتأجِّجة في أعماقه.

وهكذا استولى الرجل على امرأة واحدة أو أكثر من أجل إشباع غريزته


الجنسيّة. وقد اضطرّ ومن أجل الاحتفاظ بالأُنثى إلى الدفاع عنها وتوفير ما تحتاجه من غذاء، ومن هنا بدأت أُولى أشكال التعاون بين أفراد النوع البشري.

فقد نتج عن الحياة المشتركة بين شخصَين ظهور الأُسرة التي تتألّف من الأب والأُم وحضانة صغارهما حتّى سن معيّنة.

وأعقب ظهور الأُسرة تبلور الاجتماع القَبَلِي، ثمّ ظهور التجمّع القروي، إلى ولادة المُدُن، إلى التجمّع على مستوى أكبر في إطار الدولة.

وفي كلّ مراحل التطوّر الاجتماعي هذه، تبرز المصلحة الشخصيّة ومحاولة تحقيق الفرد لذاته كباعث وحيد وراء ذلك.

يقول هويز:

يهدف البشر إلى تسخير بعضهم بعضا ً(1) .

ولأنّ غريزة الأنا غريزة ضاربة في كلّ أفراد الجنس البشري، وهي التي تحرّك الإنسان وتحدِّد سلوكه ومواقفه، فإنّ هذا يعني حدوث الفوضى وبالتالي تعذّر العَيش، فقد وجد الإنسان نفسَه مضطرّاً للحدّ من طغيان الأنانيّة، ثمّ التضحية ببعض مصالحه من أجل استمرار التشكيل الاجتماعي للحياة، وبهذا اختار الإنسان حياة التعاون والمصالح المتبادلة مع أفراد نوعه، وهكذا اضطرّ الإنسان إلى كَبْح النزعات الفرديّة أو التخفيف من حدّتها؛ من أجل استمرار النظام الاجتماعي الذي يحقّق مطامح الأفراد جميعاً.

* الثامنة:

إنّ من نتائج الحياة الاجتماعيّة الحتميّة بروز التصادم في رغبات وطموحات الأفراد؛ ذلك أنّ كلّ فرد يسعى لتحقيق ذاته ولو على حساب

____________________

(1) المصدر السابق: ص88.


الآخرين، تُحرِّكه في ذلك غريزة (الأنا) ، وهو بهذا يتحرّك من أجل تحقيق أكبر قدر من مصالحه الشخصيّة، ومن هنا فهو يحاول دائماً تسخير الآخرين واستغلال جهودهم واستثمار نشاطهم لصالحه. وهكذا تصطدم الرغبات وتتزاحم الإرادات.

وفي هذا المأزق اكتشف العقل البشري - ولكي يجتاز هذه المحنة - اكتشف القانون الاجتماعي الذي يحدّد حقوق الأفراد وواجباتهم تجاه بعضهم البعض، منعاً للظلم والعدوان أو سيادة قانون الغابة. ولعلّ الإنسان اكتشف أوّل ما اكتشف في حياته الاجتماعيّة ضرورةَ القانون والشريعة في تنظيم الحياة المشتركة في بداياتها الأُولى.

القانون الذي يكفل سعادة الإنسان:

* من نافلة القول إنّه لا شكّ في ضرورة القانون في الحياة الاجتماعيّة، ولكنّ السؤال هنا:

- ما هو القانون الذي يكفل سعادة الإنسان الحقيقية؟

- ما هو القانون الذي مِن شأنه أنْ يدير المجتمعات بصورة سليمة؟

- ما هو القانون الذي يمنع حدوث العدوان وانتهاك حقوق الإنسان؟

* إنّه من الطبيعي أنّ كلّ قانون لا يمكنه أنْ يرقى إلى هذا المستوى من الطموح، وإنّ هذا القانون المنشود ينبغي أنْ يشتمل على مقوّمات عديدة؛ منها:

- انسجامه مع ناموس الخلق الإنساني وإحاطته التامّة بالفطرة البشريّة، وما ينطوي عليه الإنسان من غرائز وميول وقِيَم ونزعات.

- أنْ يقود الإنسانيّة نحو الكمال والسعادة الحقيقيّة، لا سعادة الأوهام والخيال.


- أنْ يأخذ بنظر الاعتبار مصلحة البشريّة جمعاء وسعادتها بعين الاعتبار، لا سعادة طائفة أو مجتمع معيّن على حساب سائر المجتمعات.

- أنْ يبني الصرح الاجتماعي للبشريّة على أساس من الفضائل الإنسانيّة ويقودها نحو غاياتها السامية؛ من أجل أنْ تكون الدنيا مجرّد ممر وطريق للوصول.

- أنْ يستوعب بشكل شامل كلّ صور الحياة؛ لِيَحُوْل دون تغلغل صور الاستعمار، والاستغلال، والعبوديّة، وقهر الإنسان لأخيه الإنسان.

- أنْ لا يغفل بأيّ شكل من الأشكال الجانب الروحي والمعنوي للحياة، ولا يكتفي بهذا فحسب، بل يوفّر الجوّ والمناخ المناسب لنموّ القِيَم الأخلاقيّة والفضائل النفسيّة؛ ليكون كلّ ذلك ضماناً يحمي الإنسان ويحول دون انحرافه فرداً ومجتمعاً عن جادّة الصواب.

وإذا أدركنا شكل القانون العام الذي يلبّي طموحات البشريّة، فَمَنْ هو يا ترى يمتلك مقوّمات المشرِّع؟

فهل يوجد مَن ينطوي على هذه القابليّات التي تؤهّله أنْ يكون مشرِّعاً لقانونٍ ما، يمتلك كلّ تلك المواصفات التي مرّ ذكرها؟

ستكون الإجابة بالطبع: كلاّ. فأين كلّ هذه المُثل، وأين كلّ هذه الإحاطة والشموليّة والعمق من التفكير البشري في مَدَيَاتِهِ المحدودة. لننظر أوّلاً مزايا المشرِّع لتتوضّح الصورة أكثر.

مقوّمات المشرِّع:

أنْ يكون محيطاً إحاطة تامّة بعِلْم (الاناسة) أو الانثربولوجي ، خبيراً بكلّ


تفاصيل الإنسان - جسماً وروحاً - وبكلّ ما يزخر به من غرائز وما يموج به من عواطف وميول، فهل هناك مَن يعلم خفايا الإنسان ويعرف ما يضرّه وما ينفعه ويدرك آماله وآلامه وما يَكْتَنِفُهُ مِن أوهام وحقائق؟

* لو سلّمنا جدلاً أنّ الإنسان يمكنه الإحاطة بتفاصيل الحياة مادِّيَّاً، فما مدى تعمّقه في الجانب الآخر من الحياة.. في روحه التي يشقّ بل يستحيل على الإنسان أنْ يحيط بطبيعتها، وستبقى تأثيرات الروح وتقلّبات النفس مسألة عسيرة الفَهْم، صعبة الإدراك. وإذا عرفنا أنّ هذا الجانب عميق التأثير في حياة البشريّة، أدركنا النتائج التي تترتّب على إهماله أو الغفلة عنه.

* إنّ غاية ما يمكن للقانون الوضعي أنْ يفعله هو السيطرة على ظاهر الحياة ونشاط الإنسان المنظور، ولكنّه سيبقى عاجزاً عن الإشراف وضبط غرائزه وتحديد مساره الأخلاقي.

وإذا استوعبنا بأنّ القانون هو نتاج جهد بشري، وأنّ الإنسان ينطلق في مواقفه من قاعدة أخلاقيّة في أعماقه ومِن وَحْي غرائزه المتجذِّرة في نفسه، أدركنا مدى التصادمات التي قد تنجم عن محاولة فرض القانون الوضعي في حياة الإنسان.

* وعلى أساس ما ذكرنا آنفاً مِن تجذّر غريزة (الأنا)، وأنّها المحور الذي يفسّر السلوك الإنساني بشكل عام، حيث تكون المصلحة الشخصيّة هي الغاية الأساس في تحرّك الإنسان، سوف نتوقّع شكل القانون الذي يضعه بنفسه عندما يأخذ بنظر الاعتبار مصالحه الذاتيّة، بعيداً عن هموم الآخرين وطموحاتهم.

وربّما سيتّهمني القارئ الكريم بالتعصّب وضيق الأُفق، ولكنّ التأمّل فيما تخطّط له الدول الكبرى لاصطياد الدول النامية والصغيرة، وما تصنعه من أفخاخ


جميلة للإيقاع، سوف يدفعه لمشاطرة المؤلّف ذات الرؤية ويقف معه نفس موقفه.

ربّما يتمكّن الإنسان من تعديل القانون بين حين وآخر، فيحذف شيئاً ويضيف شيئاً آخر، ولكنّ ذلك سيبقى في نطاق محدود، وستبقى الأنانيّة والمصالح الشخصيّة - وفي أفضل الظروف - والمصالح القوميّة هي الأساس في كلّ المحاسبات القانونيّة؛ ولكلّ بلد تجربته المريرة في هذا الميدان، فهناك شرائح من المجتمع ستجد القانون إلى جانبها وأُخرى ضدّها، ويكاد يسحقها سحقاً، فأين هي البلاد التي ازدهرتْ في ظلّ قانونٍ ما، وما أكثر البلدان التي جرّت عليها الشرائع البشريّة سوء العذاب.

وها هو التاريخ البشري يقيم شواهده في مئات القوانين المشرَّعة وآلاف التعديلات والإلغاءات.

ولتكن العبوديّة مثالاً، فما أكثر القوانين واللوائح التي ندّدتْ بها ودعتْ إلى إلغائها، وأنّ الإنسان كائن يتمتّع بحقّه في الحرِّيَّة، وبالرغم من حجم الدعاية والتهويل الإعلامي فهل يتمتّع إنسان اليوم بالحرِّيَّة؟! إنّني أترك الإجابة لضمير القارئ.

فحتّى الإنسان الذي يعيش اليوم في ما يسمّى بالبلدان المتحضّرة ينظر إلى مواطنه ربّما كإنسان، ولكنّه وبمجرّد أنْ يعبر حدود بلاده سوف يتصرّف بطريقة أُخرى، خاصّة في البلدان النامية، وسيقفز لذهنه فوراً إصطلاح (الأهلي) الذي يعبّر عن روح استعماريّة، تجعل إنسان تلك البلدان يأتي بالدرجة الثانية التي قد تقترب من مستوى الحيوانات، ولنقل العبيد - في أحسن الأحوال - وهذا ما نراه اليوم من غارات منظَّمة وَجَشِعَة لنهب مقدّرات البلدان الضعيفة لحساب البلدان


(المتقدّمة) و (المتحضِّرة) .

وإذا كانت القوانين الوضعيّة قادرة على كَبْح جِمَاح غريزة (الأنا) في الذات البشريّة.

- فلماذا نرى تكدّس ثروات الشعوب الفقيرة في قبضة الدول القويّة؟

- ولماذا هذا التهالك على التسلّح وتكديس أسلحة الدمار؟!

وعلى حدّ تعبير هويز:

(إذا لم يكن البشر في حالة حرب، فلماذا يسلّحون أنفسهم، ولماذا يقفلون أبواب منازلهم) (1) .

* إنّ المشرّع البشري أو المشرِّعون إنّما يبدعون أو يقنّنون وِفْقَاً لعاداتهم وتقاليدهم ومصالحهم القوميّة في أفضل الأحوال، وهي - إذنْ - أُطر ضيّقة لا تنسجم مع طموحات البشريّة؛ وستبقى أسيرة لمصالح طائفة محدودة أو عرق معيّن، وإذا أصبحتْ الطبقة المرفّهة الغنيّة في موقع يمكنها من التشريع، فسوف تعمل على سَحْق سائر الطبقات والشرائح الاجتماعيّة الأُخرى.

ومن هنا ستبقى القوانين كحالة البحر، هادئة يوماً وهائجة يوماً آخر!

* إذا تمكّن القانون من التغلغل في وجدان المسؤولين عند تنفيذه، حتّى أنّهم يشعرون بالذنب إذا ما تخلّفوا عنه، فإنّ النجاح سيحالفه، وبالطبع فإنّ هذا من خصائص القانون الإلهي.

استنتاج:

والمحصّلة مِن كلّ ما تقدّم، أنّ القانون البشري مهما بلغ مستواه فإنّه سيبقى عاجزاً عن الأخذ بيد الإنسانيّة نحو شاطئ السعادة والكمال الحقيقي؛ لأنّه عاجز عن ضبط غريزة (الأنا) المتجذِّرة في الذات البشريّة.

____________________

(1) المصدر السابق، ص88.


إنّ الإنسان بطبيعته التكوينيّة عاجزٌ عن إبداع هكذا قانون، وإنّ الله خالق الإنسان هو وحده القادر على ذلك.

ولأنّ الله محيط بما خلق، مُدرِك ما يموج في أعمال خَلْقه من غرائز وميول، عارِف بمواطن سعادتهم وأسباب شقائهم، خبير بما يلزم الجسم وما تحتاجه الروح، وفوق كلّ هذا وذاك هو صانع المستقبل الحقيقي للإنسان في عالم الآخرة، وهو الله الذي فطر البشر ومنحهم نعمة الحياة، فهو يحبّهم جميعاً، لا يفرّق بين أحد منهم، ولا يتعصّب لطائفة دون أُخرى، يشملهم جميعاً برحمته، ولا تطرأ عليه انفعالات البشر ومحدوديّة أُفُقِهِم في التفكير والرؤية.

أجل، إنّ الله وحده هو مصدر القانون المثالي والشريعة الكاملة، وهو وحده مصدر الكمال.

ولقد اقتضتْ حكمته سبحانه أنْ يبعث رسلاً ويرسل أنبياء يحملون وَحْيَه ويبلِّغون رسالاته، ولقد انتخبهم مِن بين خَلْقه واصطفاهم؛ ليكونوا أمثلةً لعباده يدعونهم إلى جادّة الصواب وسبل الهداية والرشاد، وهم نماذج خالصة منزّهة عن الخطأ، بعيدة عن كلّ ما يشين الإنسان ويحطّ من منزلته وكرامته؛ كلّ هذا ليقتدي بهم الناس فيكونوا لهم معالم في طريق الكمال.

سرّ التفوّق في الشرائع الإلهية:

إنّ سرّ تفوّق القانون الإلهي ينطوي في ذات الأنبياء، فهم يبدأون عملهم في صياغة الإنسان نفسه حيث السعي في تجذير قانون أخلاقي في أعماق الذات البشريّة، وضبط الغرائز والميول والرغبات والحدّ من طُغْيانها، ثمّ تأتي مرحلة الإعداد لقبول الشريعة الإلهيّة من عبادات وقوانين اجتماعيّة، وسيكون الإيمان كفيلاً بتنفيذ شريعة الله في الحياة الإنسانيّة على أكمل وجه.


* يقول مونتسيكو:

(عندما تكون الأُمّة سامية أخلاقياً فإنّها ستكون في غنىً عن القوانين المعقدة وستكتفي بقوانين بسيطة) (1) .

* وكتب إفلاطون:

(كان (رادامانت) يحكم أُمّة متديِّنة، ولهذا كان يفصل في القضايا بيسر وسهولة؛ لأنّه يكتفي بِقَسَم أحد الطرفين المتخاصِمَين وتنتهي المشكلة) (2) .

* ويقول (هومو):

(إنّ قوّة القوانين الدينيّة تكمن في إيمان الناس واعتقادهم بها، فيما تبقى القوانين الحكوميّة مقترنة بخوف الناس وخشيتهم) (3) .

ويقول أيضاً:

إنّ القوانين الوضعية تنشد الحلّ المناسب، في حين تمثّل القوانين الإلهيّة الحلَّ الأفضل. وقد تتعدَّد الحلول المناسبة، فيما يبقى القانون الإلهي فريداً من نوعه، وهو إذنْ في مَأْمَن عن التغيير.

إنّ الإنسان يمكنه تغيير ما يسنّه من قانون؛ لأنّه يجده صالحاً في ظرف معيّن وغير صالح في ظرف آخر. أمّا الشريعة الدينيّة التي تمثّل القانون الأفضل فإنّها غير قابلة للتغيّر؛ لأنّه لا يوجد أفضل منها (4) .

____________________

(1) المصدر السابق: ص504.

(2) المصدر السابق: ص527.

(3) المصدر السابق.

(4) المصدر السابق.


* إشكال:

* قد يشكل القارئ قائلاً:

إذا كانت القوانين السماويّة تمتاز بكلّ ما ذُكِرَ من مواصفات، وإنّها صالحة للبشريّة جمعاء، وهي وحدها التي تحول دون هضم الحقّ وبروز العدوان، فـ:

- لماذا أخفق الإسلام وسائر الأديان السماويّة في مهمّتها؟

- لماذا لم ينهض الإسلام بمهمّته في إدارة المجتمع المسلم ولم ينهض برسالته في تقدّم الشعوب الإسلامية؟ أليس في هذا دليل على عجز الإسلام هو الآخر في ضبط الغرائز البشريّة، وأنها أقوى من أنْ يُكبح جِمَاحُهَا؟

* الجواب:

إنّ اختبار قانونٍ ما لنعرف مدى صلاحيّته هو في تطبيقه وتنفيذ موادّه بشكلٍ كامل، وعندها ستكون النتائج هي الأساس في الحكم سلباً وإيجاباً، ومن غير المنطقي الحكم على عدم جدوى قانونٍ ما من دون مَنْحه فرصةَ التطبيق.

فمتى أُتيح للإسلام أنْ يحكم.. أنْ يتدخّل بكلّ شؤون الحياة الإنسانيّة، ثمّ لم يسفر عن نتائج طيِّبة؟! أنْ ننتظر من شريعة الإسلام أنْ تنسل من بين بطون الكتب لتكون ساعة موقوتة تنفجر فجأة وتصلح شأن العالم وتعدّل من مسار الإنسانيّة.

امنحوا الفرصة للإسلام أنْ ينفّذ برامجه في السياسة والاقتصاد والمجتمع وفي الأخلاق ولو مدّة قصيرة، فإذا لم يثمر ولم يعطِ نتائج مُرْضِيَة، عندها يمكنكم الاستفادة من أطروحات الآخرين.

إنّنا وبالرغم من اعترافنا بعدم نجاح الأنبياء في توجيه المسار البشري الوجهة التي أرادتْ السماء، وما يزال العالَم غارِقاً في الظلم والعدوان، وما يزال


البشر حائرين يبحثون عن طريق للسعادة، وبالرغم من كلّ ذلك فإنّنا ينبغي أنْ نكون منصفين ونعترّف أيضاً أنّ ما هو موجود اليوم من ميراث أخلاقي حفظ للبشريّة إنسانيّتها إلى حدٍّ ما هو خلاصة لكفاح الأنبياء عبر التاريخ، ولو افترضنا غياب النبوّات عن مسار البشريّة، لما كانت المجتمعات الإنسانيّة كما هي عليه اليوم والأمس من احترامٍ للقِيَم والفضائل الإنسانيّة.

الدين:

إنّ الدين ما هو إلاّ نظام كامل للحياة، وهو مجموع الشرائع والنُظُم الأخلاقيّة والاجتماعيّة التي تنبثق عن عقائد سليمة هي حقيقة الناموس الطبيعي.. الذي ينهل عن عالَم الغيب فينزل على صدور الأنبياء، لينعكس في قوالب بشريّة لإبلاغ الناس جميعاً.

والدين ما هو إلاّ طريق للتكامل الإنساني والصراط المستقيم الذي يقود الإنسان إلى الله، والسعادة المطلقة في جنّة عرضها عرض السموات والأرض أُعِدَّتْ للذين يعبدون الله لا يشركون به أحداً.

فطريق الدين هو الطريق المستقيم الذي يرقى بالإنسان في مدارج الكمال.

أمّا المنحرفون الضالّون فسوف يسقطون في هوّة الضياع فيخسرون إنسانيّتهم في مطبّات مظلمة، غارقة في الحيوانيّة، حيث تشتعل الغرائز التي تمسخ إنسانيّة الإنسان وتحيله إلى حيوان مفترس عاجز عن الرقي والتكامل، فيبقى يدور في مدار مغلق حائراً ضالاًّ حتّى يتردّى في قَعْر الجحيم.


الأدلّة العقليّة على الإمَامَة

اسْتَمِيْحُ القرّاء عذراً عن البحث المطوّل الذي قد بعث في قلوبهم الملل، غير أنّ المرء يجد نفسه مضطرَّاً لذلك؛ لأنّ إثبات الإمامة يتوقّف على البحث.

الآن وقد أثبتنا ضرورة الوحي وبعْث الأنبياء، نلج معاً بحث الإمامة فنتطرّق أوّلاً إلى ضرورتها عقلاً.

وهنا طريقان للاستدلال:

الدليل الأوّل:

لقد عرفنا خلال البحوث السابقة أنّ أفراد النوع الإنساني يتحرّكون وبالفطرة في طريق التكامل، وأنّ هناك مساراً تكوينيّاً ينبغي أنْ يطوى ليصل الإنسان إلى عالَم النور والفرح والسرور والعودة إلى الله، وأنّ لذلك المسار مراتب ومنازل ودرجات، وكلّ حلقة ترتبط بحلقة أعلى، حتّى تصل إلى الغاية العليا حيث تنتهي قافلة الإنسانيّة، وهذا ما يصطلح عليه بالصراط المستقيم، الذي لا يعدو كونه سوى حقيقة يدلّ عليها استمرار وجود النوع الإنساني. ومن هنا نستدلّ أيضاً على وجود إنسان كامل موجود بين أفراد نوعه يتمتّع بالكمالات الممكنة بشريّاً، يجسّد واقع الشريعة الإلهيّة، وينطوي على مجموع الكمالات التي


جاء بها النبي من عند ربّه، وهذا الفرد المجتبى يتحرّك في جادّة الصراط المستقيم، لا ينحرف عن خطّّ الكمال، وهذا ما يُدْعَى بالإمام في لغة الشريعة. فالإمام فرد كامل يؤمن بكلّ العقائد الإلهيّة ويجسّد كلّ القِيَم الأخلاقيّة الرفيعة، ويمثّل الشريعة بكلّ أحكامها.

والإمام محلّ الفيض الإلهي وانعكاسه عن عالَم الغيب إلى عالم الشهادة، والإمام قائد القافلة البشريّة الذي يرمز إلى إمكانيّة تحقّق الكمال في الذات الإنسانيّة وقيادتها في مسيرة التكامل. ومن هنا نكتشف ضرورة وجود الإمام كفرد كامل يعيش بين ظَهْرَانِي البشر، مثالاً وقدوةً لهم يهديهم إلى الصراط المستقيم.

والإمام فرد يرتبط بعالم الربوبيّة الأقدس وقد فُتحت عليه أبواب الكمالات الغيبيّة، ويتحرّك بتسديد الهدى الإلهي المباشر لخالق الإنسان والكون والحياة.

وهو يجسّد الغاية الإلهيّة مِن خلق النوع البشري الذي يتحرّك باتّجاه هدف منشود، وإلاّ كان المسار الإنساني بلا غاية، لا علاقة له بالله عزّ وجل، ومعنى هذا انقراضه وفناؤه.

وختاماً اعترف بأنّ الدليل المذكور عسير الفَهْم إلى حدٍّ ما، وللقرّاء عذرهم في ذلك؛ لأنّ إثبات المطلق يحتاج إلى سلسلة من البحوث العقليّة الدقيقة البعيدة الغور. على أنّ القارئ الكريم إذا راجع موضوع النبوّة العامّة فسيجد عوناً له في سبْر غور الدليل المذكور وفهمه بشكل أوضح.

الدليل الثاني:

أثبتنا من خلال بحوث آنفة أنّ الله الحكيم قد أودع في الذات الإنسانيّة


قابليّة التكامل، وأنّه ليس من الحكمة أنْ يطوي الإنسان طريقاً يفتقد القدرة على سلوكه.

ولقد اقتضى اللطف اللانهائي لله عزّ وجل أنْ يُهيِّئ للإنسان برنامجاً كاملاً وقانوناً شاملاً يكفل للبشريّة - عند تنفيذه وتطبيقه - الحياة الأفضل في الدنيا والسعادة الأكمل في الآخرة.

ولقد جاء التشريع الإلهي بشكل يكفل نموّ الفضائل الأخلاقيّة، ويربِّي الروح الإنسانيّة ويُهيِّئ للإنسان أسباب الرُقيّ في مدارج الكمال، ومن هنا اقتضتْ حكمة الله أنْ يبعث رسله وأنبياءه.

ولكي تبقى حجّة الله قائمة بوجود الشريعة، وقوانين الدين دون حذف أو إضافة وفي متناول البشر جميعاً، ولأنّ الدين والدنيا وجودان لا ينفكّان عن بعضهما وأنّهما يتكاملان معاً, ولأنّ الحياة الدنيويّة لا تنفصل عن السعادة الروحيّة وأنّها على طريق واحد، ولكي تُطبّق أحكام الله، فإنّ من الواجب هنا وجود فرد بين ظَهرانيّ البشر ينهض بمسؤوليّة حفظ الشريعة، ويسعى إلى تطبيق شرع السماء في الأرض.

ولقد كان سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ينهض بالمهمَّتَين معاً:

1 - إبلاغ الرسالة.

2 - والسعي إلى تطبيقها في حياة المسلمين والناس جميعاً.

ولأنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كسائر البشر محكوم بالموت، توجّب أنْ يخلفه - في مهامّه - فردٌ يقوم مقامه في حفظ الشريعة وتنفيذ أحكام الله، وأنّ وجود مثل هكذا فرد ضرورة إلهيّة، حتّى يبقى الصراط المستقيم قائماً بين الناس يدعوهم إلى سلوك طريق التكامل.

ولأنّه معصوم عن الخطأ، منزّه عن الذنوب، فهو يجسّد ذات الصراط ويمثّل


حقيقة الأحكام، وهو مثال الكمال الإنساني. وعلى هذا يكون إماماً للناس، فهم يقتدون به ويأتمّون بأفعاله وأقواله وسيرته، وعليه تقع مسؤوليّة حفظ الشريعة والسعي لتنفيذها في إقامة المجتمع الأفضل والتأسيس لحياة إنسانيّة تنهض على شريعة الله، ومسؤوليّته أمام الخالق تبارك وتعالى، وبالتالي قيادة البشريّة نحو مستقبلها الحقيقي في الآخرة حيث السعادة الخالدة والنعيم الدائم.

إنّ الله - الذي خلق الناس وجعل دينهم في دنياهم - أنزل شريعة لتكون شاملة للحياة الدنيا والآخرة، فلا حاجز بين الحياتين حتّى يعيّن لكلّ حياة مَن يقودها، فاقتضتْ حكمته سبحانه أنْ يجعل للناس إماماً واحداً يتحمّل المسؤوليَّتَين معاً، فهو إمام للدنيا وإمام للآخرة، يحفظ الشريعة ويخطّط لتطبيقها في الحياة، وهذا الشخص المثال والمعصوم هو الإمام.

* إشكال:

* ربّما يقول أحدهم:

مِن الممكن أنْ نتصوّر وجود الشريعة واستمرارها بين الناس دون الحاجة إلى وجود الإمام المعصوم، فَمِن الممكن أنْ تتوزّع أحكام الشريعة عِلْمَاً وفِقْهَاً على أفراد الأُمّة فيكون كلّ فريق حافظاً لقسم منها، فتستمرّ الشريعة علماً وعملاً لدى أفراد النوع الإنساني، وبالتالي وجود الصراط المستقيم الذي يربط عالم الغيب بعالم الشهادة.

* الجواب:

كما ذكرنا سابقاً إنّ أحكام السماء إنّما أُنزلتْ لهداية الناس، ولذا ينبغي استمرارها في مأمن عن التحريف حذفاً وإضافةً، فلا يأتيها الباطل مِن بين يديها ولا مِن خَلْفها حتّى تكون - وعلى الدوام - في متناول البشريّة، يرجعون إليها


ويصدرون عنها.

وببركة هذه القوانين يبقى طريق التكامل الإنساني مفتوحاً لمَن يريد التدرج في سُلّم الكمال ونَيْل السعادة، وهذا لا يتحقّق إلاّ بوجود فرد معصوم من الخطأ منزّه عن الذنب والخطيئة والنسيان.

وعلى هذا يتهاوى الافتراض السابق؛ لأن كلّ فرد من أفراد الأُمّة قابل للخطأ غير معصوم عن الذنب وليس في مأمن عن الغفلة والسهو، وبالتالي فهم عمليّاً ليسوا بمنأى عن الوقوع في الخطأ، وهذا ما يؤدّي إلى جرّ الأحكام الإلهيّة إلى هاوية التحريف والضلال، وهم في كلّ الأحوال سيكونون معذورين؛ لأنّهم ليسوا معصومين في تَحَرِّي الحقّ والكشف عن الواقع ينسجم مع الشريعة الإلهيّة.

ويترتّب على هذا انحراف خطير عن الصراط المستقيم الذي لا يعدو كونه طريقاً وحيداً، وهو بذاته الذي يمكّن الإنسان من نيل الكمالات الإنسانيّة الممكنة وينقل ذلك من دائرة القوّة إلى دائرة الفعل. وستكون حركة النوع الإنساني بلا غاية لانعدام الطريق الذي يربط بين عالَم الغيب وعالم الشهود.

* إشكال آخر:

إنّكم تنادون بأنّ وجود الإمام ضرورة إلهيّة، وأنّ الله عَيَّن معصومين مِن أجل تطبيق الشريعة والمحافظة على استمرارها، وأنّ ذلك سيجسّد بالتالي طريق التكامل المرسوم للبشريّة.

ومِن هنا فإنّ الله سبحانه عيّن عليّاً ابن أبي طالب وأحد عشر فرداً من ذرِّيَّته أئمّة للمسلمين، وهذا يعني أنّ الله عزّ وجل قد فعل شيئاً لا فائدة من ورائه، ذلك


أنّ هؤلاء الأئمّة جميعاً - وباستثناء الإمام علي الذي حكم فترة وجيزة - ظلّوا بمنأى عن سِدّة الحكم وقيادة المسلمين.

فهل من المقبول عقلاً أنْ ننسب عملاً كهذا إلى الله وتعالى؟!

* الجواب:

لقد أثبتْنا خلال البحوث السابقة أنّ الحكمة الإلهيّة تقضي - ومن أجل استمرار مسيرة التكامل الإنساني - وجود فرد اجتباه اللهُ ليكون هادياً للبشريّة، وحتّى لا يكون للناس حجّة ولا عذر. فالأئمّة أفراد اجتباهم الله ليكونوا هداة للبشريّة ومعالم في الطريق إلى الله عزّ وجل.

وإذن، فبوسع البشريّة السعي لتهيئة الظروف المناسبة والأرضيّة الصالحة لتأسيس جهاز حكومي يكون الإمام في قمّته الهَرَمِيَّة، ولو حدث تقصير في ذلك وبقي الإمام مُسْتَبْعَدَاً عن ذلك، فليس هناك مَن يتحمّل مسؤوليّة التقصير سوى الناس أنفسهم؛ لأنّ الله عزّ وجل قد اختار للناس أئمّتهم وحدّد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أسماءَهم، إنّه ليس هنا مَن يتحجّج بخرق القانون الطبيعي الذي ينهض على الأسباب والمسبّبات وفرض حكومة المعصوم على الناس بالقوّة.

* وإضافة إلى كلّ ما ذكر، فإنّ الإمام يتمتّع بمزايا عديدة:

- إنّه مثال كامل للإنسانيّة في كلّ شؤون الدين، حيث يتجلّى فيه الفيض الإلهي بنحو كامل.

- إنّه أمين على الشريعة الإلهيّة كما نزلتْ على قلب سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وهو مبلِّغ للرسالة.


- إنّه منتخب من قِبل الله لخلافة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في قيادة الأُمّة الإسلاميّة، وإذا أخفق المسلمون بالاستفادة من مزيّة الإمامة الثالثة، فإنّ هذا يعود إلى سوء حظّهم وعدم أهليّتهم للاحتفاظ بالإمام كخليفة للنبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

* ولكنّهم لنْ يحرموا المزيَّتَين الأُولى والثانية :

- فالأُولى تكوينيّة: أدرك المسلمون ذلك أَمْ لا، نهض الإمام بمسؤوليّته في الحكم أَمْ أُقصي عنها.

- وفي الثانية: فلقد أثبت التاريخ أنّ أهل البيت كانوا حبل النجاة، وكانوا مرجعاً للمسلمين في كثير من المعضلات التي أَلَمَّتْ بهم، فلقد سعى أئمّة أهل البيت - وبالرغم من كلّ المضايقات - في نشر الإسلام وتعزيز الرسالة المحمّدية، وأحبطوا مؤامرات الأعداء بتضحياتهم.

وببركة وجود الأئمّة (عليهم السلام) أصبح للمسلمين ميراث ضخم من الأحاديث الشريفة في كلّ شؤون الدنيا والدين، فهناك آلاف الأحاديث في التفسير، وفي الأخلاق، وفي الفقه، وقليل من التأمّل يكشف للمرء الخدمات العلميّة الكبرى التي قدّمها أهل البيت (عليهم السلام)، وليكن نهج البلاغة مثالاً واحداً وشاهداً على الميراث الضخم الذي خلّفه الأئمّة (عليهم السلام).

* يقول ابن أبي الحديد:

ما أقول في رجل تُعْزَى إليه كلّ فضيلة، وتنتهي إليه كلّ فرقة، وتتجاذبه كلّ طائفة، فهو رئيس الفضائل وينبوعها وأبو عذرها وسابق مضمارها ومجلّي حلبتها، كلّ مَن بَزَغَ فيها بعده فَمِنْهُ أَخَذَ، وله اقتفى، وعلى مثاله احْتَذَى، ومِن كلامه اقتبس، وعنه نقل، وإليه انتهى، ومنه ابتدأ،

- فإنّ المعتزلة: - الذين هم أهل


التوحيد والعدل وأرباب النظر ومنهم تعلّم الناس هذا الفن - تلامذتُه وأصحابه؛ لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفيّة، وأبو هاشم تلميذ أبيه، وأبوه تلميذه (عليه السلام)،

- وأمّا الأشعريّة: فإنّهم ينتمون إلى أبي الحسن عليّ بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري وهو تلميذ أبي علي الجبائي، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة، فالأشعريّة ينتهون بآخرة إلى أُستاذ المعتزلة ومعلّمهم وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام).

- وأمّا الإماميّة والزيدية: فانتماؤهم إليه ظاهر.

ومن العلوم: علم الفقه وهو (عليه السلام) أصله وأساسه، وكلّ فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه:

- أمّا أصحاب أبي حنيفة: كأبي يوسف ومحمّد وغيرهما، فأخذوا عن أبي حنيفة.

- وأمّا الشافعي: فقرأ على محمّد بن الحسن، فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة.

- وأمّا أحمد بن حنبل: فقرأ على الشافعي فيرجع فقهه أيضاً إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمّد (عليه السلام)، وقرأ جعفر على أبيه (عليه السلام)، وينتهي الأمر إلى علي (عليه السلام).

- وأمّا مالك بن أنس: فقرأ على ربيعة الرأي، وقرأ ربيعة على عكرمة، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عبّاس، وقرأ عبد الله بن عبّاس على علي بن أبي طالب.

وأيضاً فإنّ فقهاء الصحابة كانوا عمر بن الخطّاب، وعبد الله بن عبّاس وكلاهما أخذ عن علي (عليه السلام):

- أمّا ابن عبّاس فظاهر.

- وأمّا عمر فقد عرف كلّ أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة،

وقوله غير


مرّة: لولا علي لهلك عمر .

وقوله: لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو الحسن .

وقوله: لا يَفْتِيَنّ أحدٌ في المسجد وعليّ حاضر .

وقد روت العامّة والخاصّة قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (أقضاكم علي)، والقضاء هو الفقه.

ومن العلوم علم تفسير القرآن:

وعنه أُخذ ومنه فُرِّع، وإذا رجعتَ إلى كتب التفسير علمتَ صحّة ذلك؛ لأنّ أكثره عنه وعن عبد الله بن عبّاس، وقد علم الناس حال ابن عبّاس في ملازمته له، وانقطاعه إليه، وأنّه تلميذه وخرّيجه.

وقد قيل له: أين علمك من علم ابن عمّك؟

فقال: كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط .

ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة، وأحوال التصوّف:

وقد عرفتَ أنّ أرباب هذا الفن - في جميع بلاد الإسلام - إليه ينتهون، وعنده يقفون، وقد صرّح بذلك:

الشبلي والجنيد وسريّ وأبو يزيد البسطامي، ويكفيك على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يسندونها بإسناد متّصل إليه (عليه السلام).

ومن العلوم: علم النحو والعربية:

وقد علّم الناس كافّة أنّه هو الذي ابتدعه وأنشأه وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله، ومن جملتها:

(الكلام كلّه ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف) (1) .

ونظرة في حياة الإمام الصادق تكفي للدلالة على سعة وشمول مدرسته في الحواضر الإسلاميّة، وعدد العلماء الذين تتلمذوا على يديه، فلم يُنقل عن غيره كما نُقل عنه من أحاديث، حتّى روى عنه أكثر من أربعة

____________________

(1) شرح ابن أبي الحديد: ج1 ص18.


آلاف راوٍ، كلّهم يقول (حدّثني جعفر بن محمّد) وفيهم أئمّة المذاهب وعلماء كبار كـ: مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان الثوري، وابن جريج، وعبد الله بن عمرو، وروح بن قاسم، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر، وحاتم بن إسماعيل، وعبد العزيز المختار، ووهب بن خالد، وإبراهيم بن الطحان.

كما أخذ عنه:

الشافعي، والحسن بن صالح، وأبو أيوب السجستاني، وعمر بن دينار، وأحمد بن حنبل (1) .

وانتشرتْ علوم الصادق (عليه السلام) بين المسلمين، ورُوِيَتْ عنه أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، وأخذ عنه علماء الإسلام مثل:

- يحيى بن سعيد، وابن جريج، ومالك بن أنس، والثوري وأبو حنيفة (2) .

وبلغ الإمام الصادق في علومه شأواً بعيداً، حتّى قال الجاحظ بأنّه ملأ الدنيا علماً (3) . وانتشرت علومه في المدن الإسلاميّة (4) وتتلمذ على يديه الكثير من علماء الإسلام.

* إشكال ثالث:

إنّ على الخليفة الحقِّ أنْ سعى في تعريف نفسه إلى الناس والمطالبة بالحكم، كما فعل ذلك رسول الله الذي ما فتئ يدعو الناس إلى نفسه.

____________________

(1) مناقب بن شهر أشوب: ج4 ص247.

(2) الفصول المهمّة: ص204.

(3) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ج1 ص55.

(4) المصدر السابق: ص56.


أليس من العجيب أنْ يُخفي الخليفة نفسه، وفي هذه الحالة ما يكون ذنب الناس وتقصيرهم في عدم القناعة به، فمِن بين الأئمّة الاثني عشر لا نجد غير علي بن أبي طالب حاكماً ولا نجد غير الحسين (عليه السلام) يطالب بالخلافة كحقّ طبيعي له، فيما نجد الحسن يستلم منصب الخلافة فلا يحتفظ بها، بل إنّنا نرى عليّ بن الحسين منزوياً منصرفاً عن الدنيا مفضّلاً حياة الدَعَة، حتّى عندما انتفض سكّان المدينة المنوّرة ثائرين على حكومة يزيد سنة 63هـ، نراه يُغادر المدينة في تلك الظروف العصيبة (1) .

* الجواب:

صحيح أنّ على الخليفة أنْ يسعى لتسنّم مكانه الطبيعي في الحكم والقيادة، على أنّ ذلك ينبغي أنْ يتم بوسائل خاضعة لموازين العقل، تكون مصلحة الإسلام العليا هي الأساس في المحاسبات جميعاً.

فدراسة الظروف العامّة والمناسبة لأيّ تحرّك نحو الهدف المنشود هي الإطار لموقف الإمام وأسلوبه في حفظ الشريعة.

ليس من الإنصاف ولا من المنطقي أنْ نتوقّع من الأئمّة ومن أجل استلام سِدّة الحكم أنْ يقدموا على ارتكاب أيّ عمل عنيف يرفضه العقل لعدم جدواه.

لقد كان علي بن أبي طالب هو الخليفة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وقد اغتُصِب حقّه، ولكنّه لم يتوسّل بكلّ شيء من أجل استرداد حقّه، وغضَّ النظر عن ذلك من أجل مصلحة الإسلام، بل وقف إزاء الخلفاء - وبالرغم من كلّ مواقفهم - موقفاً ايجابياً، ولم يكن ليبخل في تقديم العون لهم وقت

____________________

(1) داوري - باللغة الفارسيّة - أحمد كسروي، ص28.


الحاجة؛ لأنّ المُهِم لديه ليس الحكم بذاته بل استمرار الدين ومصلحة الإسلام العليا.

وخلال كلّ ذلك لم يكن الإمام (عليه السلام) ليسكت عن المطالبة بحقّه والاستدلال على أحقِّيَّته في الخلافة، وكان يحذّر الأُمّة من العواقب الوخيمة التي تترتّب على إقصائه عن الإدارة والقيادة، ولقد اكتشفتْ الأُمّة - بعد أنْ بلغ الانحراف ذَرْوَتَه - خَطَأَهَا، فاندفعتْ بعد مصرع عثمان إلى بيعة علي (عليه السلام).

وتسلّم الإمام الحسن الخلافة بعد استشهاد أبيه، ولكنّ معاوية الذي كان يخطّط منذ عشرين سنة للاستيلاء على الحكم، كان قد أحكم قبضته على الشام وأعدّ الأرضيّة المناسبة التي تُمَكِّنه الاستيلاء على الخلافة بالقوّة. ولقد أعرب الإمام الحسن (عليه السلام) منذ تولّيه الخلافة عن موقفه الحازم إزاء معاوية وأعدّ العدّة لمواجهته عسكرياً، ولكنّ تطورات الأحداث وما لَعِبَهُ معاوية من أدوار قذرة في خداع الناس، أفشلتْ خطط الإمام في الإعداد لحرب مصيريّة وتصحيح الأوضاع.

وكان لوسائل معاوية وإغراءاته الأثر الكبير في إحداث أكبر انشقاق في جيش الإمام الحسن وانحيازهم إلى قوّات معاوية، في أكبر حادث خياني دفع الإمام الحسن إلى تغيير مواقفه والتفكير بمصير الإسلام؛ خاصّة بعد تعرّضه إلى عدّة محاولات دنيئة لاغتياله، وتفكّك جيشُه، بل وإبداء البعض استعدادهم في التعاون مع معاوية وتسليم الحسن حيّاً. وفي خِضَمّ هذه الحوادث المثيرة والعاصفة، كيف يمكن للحسن (عليه السلام) أنْ يغامر بخوض حرب مصيريّة والتضحية بأخلص أنصاره أمام جيش منظّم قادر على اقتحام الكوفة متى شاء.

ولم يكن معاوية غبيّاً خلال تلك الفترة، فلقد كان يسعى إلى الاستيلاء على


الخلافة، وكان يعدّ نفسَه لأنْ يكون خليفةً للمسلمين، فكان يتظاهر بالدين وحماية المظلومين ورغبته في السلام.

وهكذا وجد الإمام الحسن نفسه مضطرّاً للاستجابة لدعوات السِلْم، التي ما فتئ معاوية يوجّهها يوميّاً.

إنّ مَن يتأمّل بنود الصلح الموقّعة بين الطرفين، يكتشف خطّة الإمام الحسن في فَضْح الوجه الحقيقي لمعاوية، الذي أخفاه طيلة تلك المدّة التي سبقتْ استيلاءه على الخلافة.

إنّ مطالعة تلك الحقبة العاصفة من الزمن، تُظهِر أنّ الإمام الحسن لم يتأخّر في العمل كلّ ما بوسعه من أجل تصحيح الأوضاع دون جدوى، ولكنّ الحوادث كانت تسير لصالح معاوية لحظة بعد أُخرى، فوجد الإمام نفسَه وحيداً تقريباً، فسلّم الأمر لمعاوية حقناً لدماء المسلمين أنْ تذهب هباءً في حرب خاسرة.

فهل من الإنصاف أنْ نتّهم الإمام الحسن (عليه السلام) بإخفاقه في الاحتفاظ بالخلافة، دون أنْ نتفهّم ظروف تلك الحقبة المريرة من التاريخ الإسلامي؟

لقد حوّل معاوية العراق آنذاك - والكوفة بالخصوص - إلى مسرح دمويّ رهيب لتصفية الوجود الشيعي، وبدأ سلسلة من الاغتيالات السياسية طالت العديد من الزعماء توّجها باغتياله للإمام الحسن مسموماً؛ كلّ ذلك من أجل احتفاظه بالسلطة وتمهيد الأُمور لابنه (يزيد) .. ذلك الشاب النَزِق، الذي لا يعرف غير القتل والخمرة وملاعبة القرود ، فارتكب وخلال مدّة حكمه القصيرة مذابح يندى لها جبين الإنسانيّة؛ بدأها:

- بمذبحة كربلاء، حيث قتل الحسين على نحو


مأساوي فجيع.

- وتلاه اجتياح المدينة، وانتهاك الأعراض، وقتل سبعمائة صحابي.

- ثمّ محاولة اقتحام مكّة بعد قصف الكعبة بالمنجنيق وإحراقها.

وهكذا أثبت الأمويّون أنّهم لا يتورّعون عن ارتكاب أيّ عمل مهما بلغتْ قذارته من أجل الاحتفاظ بالسلطة والتشبّث بالحكم.

وفي خضمّ تلك الحوادث المريرة ماذا كان بوسع الإمام زين العابدين أنْ يفعل؟ غير بثّ الوعي في ضمير الأُمّة، والسعي من أجل إيقاظها.

ولنتأمّل في رسالته إلى (الزهري) العالِم المشهور في عصره:

(فانظر أيّ رجل تكون غداً إذا وقفتَ بين يدي الله فسألك عن نعمته عليك، كيف رعيتها وعن حجّته عليك كيف قضيتها، ولا تحسبنّ الله قابلاً منك بالتعذير ولا راضياً منك بالتقصير، هيهاتَ هيهاتَ ليس كذلك أخذ الله على العلماء في كتابه، إذ قال تعالى في آل عمران:

( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ) .

واعلم، إنّ أدنى ما كتمتَ وأحقّ ما احتملتَ أنْ آنستَ وحشةَ الظالم وسهَّلتَ له طريق البَغْي بدنوّك منه حين دنوتَ، وإجابتك له حين دُعيتَ، فما أخوفني أنْ تَبُوْءَ غداً بإثمك مع الخونة، وأَنْ تُسْأَل عمّا أخذتَ بإعانتك على ظلم الظلمة، أخذتَ ما ليس لك ممّن أعطاك، ودنوتَ ممّن لا يردّ على أحد حقّاً ولم تَرُدّ باطلاً حين أدناك، وأحبَبْتَ من حادّ الله. جعلوك قطباً ولم تردّ باطلاً حين أدناك وأحببتَ من حادّ الله. جعلوك قطباً أداروا بك رَحَى مظالمهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلاياهم، وسُلّماً إلى ضلالتهم، داعياً إلى غيّهم، سالكاً سبيلهم، يُدخلون بك الشكّ على العلماء، ويقتادون بك الجهّال إليهم، فلا يبلغ أخصّ وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلاّ دون ما بلغتَ من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصّة والعامّة إليهم، فما أقلّ ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك، و ما أيسر ما عمّروا لك، فكيف ما خرّبوا عليك.


فانظر لنفسك فإنّه لا يَنظر لها غيرُك، وحاسبْها حساب رجل مسؤول، وانظر كيف شُكْرك لِمَنْ غذّاك بنعمه صغيراً وكبيراً، فما أخوفني أنْ تكون كما قال الله تعالى في الأعراف:

( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا ) .

إنّك لستَ في دار مُقام، أنت في دار قد آذنت بالرحيل، فما بقاء المرء بعد قرنائه. طوبى لِمَنْ كان في الدنيا على وَجَل ويا بؤس لِمَنْ يموت وتبقى ذنوبه من بعده) (1) .

من الظلم أنْ نتّهم الإمام السجّاد بالانزواء والإعراض عن الدنيا وما يجري فيها، دون أنْ نلقي نظرة على الظروف العاصفة التي اكتنفتْ حياته، والمخاطر المُحْدِقَة بالإسلام والمسلمين.

إنّ نظرة فاحصة في (الصحيفة السجّاديّة) تكفي للدلالة على أنّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) كان يعيش في قلب الهمّ الإسلامي، وكان يستخدم الدعاء كوسيلة متاحة لتجذير الإسلام وعقائده في القلوب المؤمنة.

إنّ الصحيفة السجّاديّة لوحدها تُعَدّ تراثاً إسلاميّاً رائعاً يحتلّ المرتبة الثانية بعد القرآن الكريم.

وليس من الإنصاف أبداً أنْ يتّهم الكاتبُ الإمامَ زين العابدين بأنّه كان منزوياً إلى حدٍّ ما، مفضّلاً حياة الدَعَة، وأنّه غادر المدينة المنوّرة لينجو بنفسه من مذابح الجيش الأموي.

* وإذا كان الأئمّة الأطهار في شغل شاغل عن هموم الخلافة، فـ:

- بماذا نفسّر اعتقال الإمام السجّاد وإرساله مخفوراً إلى الشام بأمر عبد الملك بن مروان؟!

____________________

(1) تحف العقول: ط طهران 1384: ص281.


- ولماذا أمر هشام بن عبد الملك باعتقال الإمام الباقر (عليه السلام) وإحضاره إلى دمشق؟

- ولماذا كان الدوانيقي يتوعّد الإمام الصادق (عليه السلام) بين فترة وأُخرى، ثمّ يأمر جلاوزته بإحضاره إلى العراق؟ وكم هي المرّات التي قرّر فيها قتله والتخلص منه؟

- ولماذا أمضى الإمام الكاظم سنوات طويلة من عمره الشريف في السجون والزنزانات المظلمة، إبّان تعاقب المهدي والهادي والرشيد على الحكم في بغداد.

- وبماذا نفسّر خُطَط المأمون في حصار الإمام الرضا في لعبة ولاية العهد، ثمّ تصفيته بالسمّ؟

- ولماذا اقتحم الجلاوزة بأمر المتوكّل منزل الإمام علي الهادي ليلاً وتفتيشه؟ ولماذا وُضع تحت الإقامة الجبريّة في سامرّاء كلّ تلك السنين؟ ولماذا حاول قَتْله مرّات ومرّات إلى أنْ تمّ اغتياله بالسمّ على يد المعتمد العبّاسي؟

- ولماذا وُضع الإمام الحسن العسكري تحت الإقامة الجبريّة والمراقبة المباشرة في منطقة عسكريّة في سامراء؟ ولماذا زُجّ في السجن المرّة بعد الأُخرى؟ ولماذا تعرّض منزله للتفتيش بعد وفاته؟!

فهل هناك مَن يظنّ بأنّ الخلفاء الذي شنّوا تلك الحرب التي لا هوادة فيها على الأئمّة، وأنّ كلّ تلك الضغوط والممارسات اللاإنسانيّة التي استهدفتْ تصفية أنصارهم كانت من أجل أنّ الأئمّة كانوا يمارسون دوراً ارشاديّاً وَعْظِيّاً؟ أَمْ إنّهم كانوا يشكّلون خطراً يتهدّد حكوماتهم بالزوال؟ هذا هو التاريخ يشهد بأنّ الأئمّة كانوا يرفعون لواء المقاومة ومواجهة الظلم بكلّ صوره وأشكاله، وكانوا يسعون


إلى إقامة حكم الله في الأرض.

* إشكال رابع:

- هل هناك جدوى من وجود إمام هو غائب في الأصل؟

- وهل قدّم حلاًّ لمشكلة ما؟

- هل بيّن حلالاً أو حراماً؟ إنّ مفهوم الإمام أنْ يكون بين الناس، لا غائباً عن الأنظار (1) .

* الجواب:

* لقد أشرنا فيما مضى لدى بحثنا أدلّة الإمامة إلى أنّ للإمام ثلاث مزايا تترتب على وجوده:

1 - إنّه فرد كامل، يجمع كلّ الفضائل الإنسانيّة، وإنّها تتجسّد فيه فعلاً؛ لتعكس إمكانيّة البشر على التكامل، وهو بهذا انعكاس للفيض الإلهي.

2 - إنّه حافِظٌ وأمينٌ على الشريعة، ومبلِّغ لها.

3 - إنّه قائد للمجتمع الإسلامي.

ولا شكّ أنّ الفائدة الأُولى قائمة حتّى في غياب الإمام، فالإمام ومن خلال الأدلّة العقليّة والأحاديث يمثّل وجوداً ضروريّاً لاستمرار وجود النوع الإنساني؛ لأنّه يمثّل الإنسان المثال الذي يجسّد غايته التحرّك البشري في طريق الكمال.

وهو محلّ انعكاس الفيض الإلهي وحلقة الوصل بين عالمَي الغيب والشهود.

وفي انتفاء وجوده التكويني تنتفي العلاقة بين العالَم المادّي والعالم الملكوتي، ويفقد النوع الإنساني مبرِّرات وجوده، وسيكون انقراضه أمراً حتميّاً.

____________________

(1) داوري: ص53.


ومن هنا فإنّ ضرورة الإمام قائمة سواء كان غائباً أم حاضراً بين الناس.

أمّا ما يتعلّق بالنقطتَين الأُخْرَيَيْن، فيمكن القول:

إنّ المجتمع الإسلامي والإنساني يعيش حرماناً بسبب غيابه الذي اضطرّ إليه اضطراراً، فقد اصطفاه الله واختاره للناس إماماً، ولكنّ الناس هم مَنْ يقع عليهم اللوم في عدم الاستفادة منه في إدارة شؤونهم وقيادتهم. وعندما يسعى المجتمع الإسلامي إلى إعداد الجوّ المناسب لحاكميّة الشريعة الإسلاميّة وظهور الإمام، فإنّ الغيبة ستنتهي وسيظهر الإمام للناس للقيام بمهمّته في تنفيذ شريعة الله في حياة البشريّة، وقيادة الإنسانيّة إلى هدفها النهائي (1) .

* إشكال خامس:

في ضوء نظرية الإمامة وقيادة المعصوم سيكون المجتمع الإسلامي غير مسؤول عن تشكيل الحكومة ووجود قائد يتولّى زمام الأُمور؛ لأنّ كلّ حكومة ستفتقد شرعيتها، وعليه ستبقى الأُمة الإسلامية بلا جهاز حكومي يدير شؤونها!!

* الجواب:

إنّنا لم نقل أبداً ولنْ نقول بانتفاء مسؤوليّة الأُمّة في تشكيل حكومة إسلاميّة عند غياب المعصوم، أو رَفْض كلّ حكومة تنهض خلال الغيبة، كلاّ لا يمكن قبول ذلك، كلّ الشعوب والمجتمعات البشرية تتّفق ومن خلال محاسبات عقليّة صِرْفَة على ضرورة وجود قانون وحكومة ونظام، وبدون هذا تعمّ الفوضى

____________________

(1) لمزيد من التفصيل يراجع كتاب (دادگستر جهان) للمؤلّف نفسه، وقد تُرجم إلى العربيّة تحت عنوان (حوارات حول المنقذ) - المترجم.


والفساد كلّ ميادين الحياة. هذا من جهة.

ومن جهة أُخرى: فإنّ المتأمّل في أصل الخلقة الإنسانيّة يُدْرِك أنّ البشر وُلِدُوا أحراراً، وأنّه لا حقّ لأيٍّ كان بالتدخّل في فرض أسلوب للحياة معيّنٍ على الآخرين، وإنّ استخدام القوّة في تسخير الآخرين هو ظلم محض، حتّى لو ادّعى رعاية المصلحة العامّة في ذلك.

فالعقل الإنساني يعتقد قاطعاً أنّ الله سبحانه وحده الذي له الحقّ في انتخاب أسلوب الحياة المناسب للبشرية؛ لأنّ الناس جميعاً هم عباده، وهو الخالق والمالك لهم، فله الحقّ في التدخّل في حياتهم.

ولو أوكل الله سبحانه ذلك إلى غيره فهو مطلق التصرّف في ذلك، يحكم كيف يشاء، ولقد أثبتْنا خلال بحوث سابقة أنّ الله عزّ وجل أوكل قيادة الإنسانيّة إلى الأئمّة المعصومين الذين عيّنهم من قَبل، وعرّفهم سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) للمسلمين، وجعل لهم حقّ الخلافة مِن بعده.

وإضافة إلى هذا: وما دامت مسألة الحكم وسيادة القانون ضرورة حياتيّة يتّفق عليها البشر جميعاً، فإنّ الإسلام لا يقف منها موقفاً سلبياً بل يؤكّد ضرورتها دينيّاً، وإنّ على المسلمين - كسائر الأُمم الأُخرى - السعي لتشكيل حكم إسلامي، فإذا وُجد الإمام المعصوم فهو أحقّ مِن غيره في قيادة الأُمّة، على المسلمين السعي لتعزيز موقعه وتثبيت حاكميّته؛ لأنّها حاكميّة الله عزّ وجل، وإلاّ فعليهم السعي أيضاً لتشكيل حكومة صالحة تنهض بمسؤوليّة تطبيق الشريعة الإلهيّة ما أمكن، وتهيئة المناخ المناسب لحكومة الإمام المعصوم.


ضرورة الإمام في ضوء الأحاديث

لقد تظافرتْ الأحاديث حول ضرورة الإمام في حياة البشريّة واستمرار النوع الإنساني، فكلاهما دالّ على الآخر، وقد بلغتْ كثرة الأحاديث في هذا المضمار حدّاً يمكن القول إنّها متواترةٌ قطعيّةُ الصدور، وهذه طائفة منها:

- عن الأعمش عن جعفر الصادق عن أبيه عن جدّه علي بن الحسين (عليه السلام) قال:

(نحن أئمّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجّلين، وموالي المسلمين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء) (1) .

ثم قال: (ولم تخل الأرض - منذ خلق الله آدم (عليه السلام) - من حجّة فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور).

قال الأعمش: كيف ينتفع الناس بالحجّة الغائب المستور؟

قال: (كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب).

- عن عبد الله بن سليمان العامري عن الصادق (عليه السلام) قال:

(ما زالتْ

____________________

(1) ينابيع المودّة: ص23.


الأرض إلاّ ولله فيها الحجّة، يعرّف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله) (1) .

- عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ الله أجلّ وأعظم مِن أنْ يترك الأرض بغير إمام عادل) (2) .

- عن الحسين بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام) تكون الأرض ليس فيها إمام؟

قال: (لا) (3) .

- عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ الله لم يدع الأرض بغير عالِم، ولولا ذلك لم يُعرف الحقّ من الباطل) (4) .

- عن أبي حمزة قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): أتبقى الأرض بغير إمام؟

قال: (لو بقيتْ الأرض بغير إمام لساخت) (5) .

- عن محمّد بن الفضيل قال: قُلْتُ لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): أتبقى الأرض بغير إمام؟

قال: (لا).

قلت: فإنّا نروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّها لا تبقى بغير إمام إلاّ أنْ يسخط الله تعالى على أهل الأرض أو على العباد.

فقال: (لا، لا تبقى إذاً لساخت) (6) .

- عن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (يا أبا حمزة يخرج أحدكم فراسخ فيطلب لنفسه دليلاً، وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص178.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق.

(4) المصدر السابق، ص179.

(5) المصدر السابق.

(6) المصدر السابق.


الأرض فاطلب لنفسك دليلاً) (1) .

- عن الحسن بن علي (عليه السلام) في حديث له قال:

(إنّ الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، ولا تخلو إلى يوم القيامة من حجّة الله على خَلْقه، به يَدفع البلاء عن أهل الأرض وبه يُنزِل الغيث وبه يُخرِج بركات الأرض) (2) .

- عن ابن الطيّار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (لو لم يبقَ في الأرض إلاّ اثنان لكان أحدهما الحجّة) (3) .

- عن كرام قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام): (لو كان الناس رَجُلَين لكان أحدهما الإمام).

وقال: (إنّ آخر مَن يموت الإمام، لئلاّ يحتجّ أحد على الله عزّ وجل أنّه تركه بغير حجّة لله عليه) (4) .

- عن يونس بن يعقوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعتُه يقول: (لو لم يكن في الأرض إلاّ اثنان لكان الإمام أحدهما) (5) .

- عن الفضيل قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجل: ( وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) فقال: (كلّ إمام هادٍ للقرن الذي هو فيهم) (6) .

- عن أبي محمّد قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن: ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) فقال: (رسول الله المنذِر، وعليّ الهادي، يا أبا محمّد هل مِن هادٍ اليوم؟).

قلت: بلى جُعلت فداكَ ما زال منكم هادٍ بعد هادٍ حتّى دُفِعَتْ إليك.

____________________

(1) إثبات الهداة: ج1 ص155.

(2) المصدر السابق: ص218.

(3) أصول الكافي: ج1 ص179.

(4) المصدر السابق: ص180.

(5) المصدر السابق.

(6) المصدر السابق: ص191.


فقال: (رحمك الله يا أبا محمّد لو كانت إذا نزلتْ آية على رجل ثمّ مات ذلك الرجل، ماتتْ الآية، مات الكتاب، ولكنّه حيّ يجري فِيْمَن بقي كما جرى فِيْمَن مضى) (1) .

- عن أبي بصير قال: قال الإمام الصادق (عليه السلام):

(الأوصياء هم أبواب الله عزّ وجل التي يُؤتَى منها، ولولاهم ما عُرف الله عزّ وجل، وبهم احتجّ الله تبارك وتعالى على خلقه) (2) .

- عن أبي خالد الكابلي قال: سألتُ أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: ( فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا ) .

فقال: (يا أبا خالد، النور - والله - الأئمّة (عليهم السلام)، يا أبا خالد لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار، وهم الذين ينوّرون قلوب المؤمنين، ويحجب الله نورهم عمّن يشاء فتظلمّ قلوبُهم ويغشاهم بها) (3) .

- عن الحرث بن المغيرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إنّ الأرض لا تترك إلاّ بعالِم يُحتاج إليه ولا يَحتاج إلى الناس، يعلم الحلال والحرام) (4) .

- وعن إسحاق بن غالب عن أبي عبد الله في حديث قال:

(إنّ الله ورسوله نصبا الإمام علماً لخلقه، حجّة على أهل عالمه، يمدّ بسبب إلى السماء لا تنقطع عنه مواده، ولا يقبل الله أعمال العباد إلاّ بولايته، لم يكن الله ليضلّ قوماً بعد إذْ هداهم حتّى يُبيّن لهم ما يتّقون، وتكون الحجّة عليهم من الله بالغة) (5) .

____________________

(1) المصدر السابق: ص192.

(2) المصدر السابق: ص193.

(3) المصدر السابق: ص195.

(4) إثبات الهداة: ج1 ص245.

(5) المصدر السابق: ص247.


- وعن زرارة والفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إنّ العلم الذي نزل مع آدم (عليه السلام) لم يُرفع والعلم يُتَوَارَث، وكان علي (عليه السلام) عالم هذه الأُمّة، وإنّه لم يهلك منّا عالِم قَط إلاّ خلفه مِن أهله مِن علم مثل عِلْمه، أو ما شاء الله) (1) .

- عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: (الحجّة قبل الخَلْق ومع الخَلْق وبعد الخَلْق) (2) .

- عن العلاء بن سيابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) قال: (يهدي إلى الإمام) (3) .

- عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ) قال: (هي الولاية) (4) .

- عن عمّار الساباطي قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عزّ وجل: ( أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ) .

فقال: (الذين اتّبعوا رضوان الله هم الأئمّة، وهم - والله يا عمّار - درجات للمؤمنين، وبولايتهم ومعرفتهم إيّانا يضاعف الله لهم أعمالهم ويرفع لهم الدرجات العلى) (5) .

- عن الإمام الصادق في خطبة له: (إنّ الله أوضح بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) دينّه وأبلج بهم باطن ينابيع علمه، فَمَنْ

____________________

(1) أُصول الكافي: ج1 ص222.

(2) كمال الدين: ج1 ص343.

(3) أصول الكافي: ج1 ص216.

(4) المصدر السابق: ص418.

(5) المصدر السابق: ص430.


عرف من الأئمّة واجب حقّ إمامِهِ وَجَدَ حَلاوَةَ إيمانه، وعَلِمَ فَضْل طلاوة إسلامه؛ لأنّ الله نصّب الإمام عَلَمَاً لخَلْقه وحجّة على أهل أرضه، أَلْبَسَهُ تَاجَ الوِقَار، وغَشَاهُ نور الجبّار، يمدُّه بسببٍ مِن السماء، لا ينقطع مواده، ولا يُنال ما عند الله إلاّ بجهة أسبابه، ولا يَقبل اللهُ معرفةَ العبادِ إلاّ بمعرفة الإمام، فهو عَالِم بِمَا يَرِدُ عليه من مُلْتَبَسَات الوحي ومعميات السنن ومشتبهات الفتن، فلم يزل الله تبارك وتعالى يختارهم لِخَلْقِهِ مِن وُلْد الحسين من عقب كلّ إمام يصطفيهم لذلك، وكلّما مضى منهم إمامٌ نصّب اللهُ لخَلْقِهِ مَن عَقِبَه إماماً عَلَمَاً بيّناً، ومناراً منيراً، أئمّة مِن الله يهدون بالحقّ وبه يَعْدِلُونَ، وخيرة مِن ذُرِّيَّة آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل (عليهم السلام)، وصفوة من عترة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، اصطنعهم اللهُ في عالَم الذَرِّ قَبل خَلْق جِسْمهم عن يمين عرشه، مخبوءاً بالحكمة في عِلْم الغيب عنده، وجعلهم الله حياةَ الأنام ودعائمَ الإسلام) (1) .

- عن أبي الصلت الهروي قال: قال الإمام الرضا ابن الإمام الكاظم (عليهما السلام): (وحيد دهره لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالِم، ولا يوجد منه بدل، ولا له مِثْل ولا نظير، فهو مخصوص بفضل الله مِن غير طلب منه وله، ولا اكتساب منه بل اختصاص من المفضل الوهّاب، فَمَنْ ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره، هيهاتَ هيهاتَ. ضلّت العقول وتاهت الحلوم وحارتْ الألباب وحسرتْ العيون وتصاغرتْ العظماء وتحيّرتْ الحلماء وتقاصرتْ الحكماء وحصرتْ الخطباء وكلّتْ الشعراء وعجزتْ الأُدباء وعمتْ البلغاء عن وصف شأن من شؤونه أو فضيلة من فضائله، فأقرّت بالعجز والتقصير، وكيف يُوصَف أو يُنْعَت بكنهه أو يُفْهَم شيء مِن أمره أو يوجد مَن يُقام مقامه، وكيف هو وأنّى هو

____________________

(1) ينابيع المودّة: ص26، و574.


بحيث يبلغه مدح المتناولين ووصْف الواصفين، فأين الاختيار من هذا، وأين إدراك العقول من هذا، وأين يوجد مثل هذا) (1) .

- (مثل آل محمّد مثل نجوم السماء كلّما غاب نجم طلع نجم) (2) .

- وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (لا تخلو الأرض من إمام) (3) .

- عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (لا تخلو الأرض من قائم بحججه، إمّا ظاهراً مشهوراً وإمّا خائفاً مغموراً؛ لِئَلاّ تبطل حجج الله وبيّناته، وكم ذا وأين. أولئك والله الأقلّون عدداً والأعظمون عند الله قدراً، بهم يحفظ الله حججه وبيّناته حتّى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم. هجم بهم العلم علواً حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المُتْرَفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم) (4) .

- وعن جابر عن أبي جعفر قال: قلتُ: لأيّ شيء يحتاج إلى النبي والإمام؟

فقال: (لبقاء العالَم على صلاحه؛ وذلك أنّ الله عزّ وجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبيٌ أو إمام. قال الله عزّ وجل: ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ، وقال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبتْ النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهلَ الأرض ما يكرهون) يعني بأهل بيته

____________________

(1) ينابيع المودّة: ص574.

(2) نهج البلاغة: ج1 ص194 الخطبة 96.

(3) دلائل الإمامة: ص231.

(4) ينابيع المودّة: ص624 / نهج البلاغة: ج3، الخطبة 147.


الأئمّة الذين قرن الله عزّ وجل طاعتهم بطاعته فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) ، وهم المعصومون المطهّرون الذين لا يذنبون ولا يعصون وهم المؤيّدون والموفّقون المسدَّدون، بهم يرزق الله عبادَه، وبهم يعمّر بلادَه، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم تخرج بركات الأرض وبهم يمهل أهل المعاصي ولا يعجّل عليهم العقوبة والعذاب، لا يفارقهم روح القدس ولا يفارقونه، ولا يفارقون القرآن ولا يفارقهم، صلوات الله عليهم أجمعين) (1) .

- عن ذريح المحاربي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعتُه يقول:

(والله ما ترك الله الأرض منذ قبض آدم إلاّ وفيها إمام يُهتدى به إلى الله عزّ وجل، وهو حجّة الله عزّ وجل على العباد، مَن تَرَكَهُ هَلَكَ، ومَنْ لَزِمَهُ نَجَا حقّاً على الله عزّ وجل) (2) .

- عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (إنّ الله جعل أُوِلي الأمر وأَمَرَ بطاعتهم لِعِلَلٍ كثيرة:

منها: إنّ الخلق لما وقفوا على حدّ محدود وأمروا أنْ لا يتعدّوا ذلك الحد لِمَا فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلاّ بأنْ يُجعَل عليهم أميناً يأخذهم بالوقف عندما أُبيح لهم، ويمنعهم من التعدّي والدخول فيما خطر عليهم؛ لأنّه لو لم يكن ذلك كذلك لكان أحد لا يترك لذّته ومنفعتَه لفساد غيره، فجعل عليهم قيّماً يمنعهم من الفساد، ويُقيم فيهم الحدود والأحكام.

ومنها: إنّا لا نجد فِرْقَةً من الفِرَق ولا ملّة من المِلَل بقوا وعاشوا إلاّ بقيِّم ورئيس؛ لَمّا لا بدّ لهم منه في أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أنْ يترك الخَلْق ممّا يعلم أنّه لا بدّ لهم منه، ولا قوام لهم إلاّ به، فيقاتلون به عدوّهم

____________________

(1) بحار الأنوار: ج23 ص19.

(2) المصدر السابق: ص23.


ويقسمون به فيئهم، ويُقيم لهم جمعتَهم وجماعتَهم، ويمنع ظالمهم من مظلومهم.

ومنها: إنّه لو لم يجعل لهم إماماً قيّماً أميناً حافظاً مستودعاً لدُرِسَتْ الملّة، وذهب الدين، وغُيّرت السُنّة والأحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه الملحدون، وشبّهوا ذلك على المسلمين؛ لأنّا قد وجدنا الخلق منقوصين محتاجين غير كاملين مع اختلافهم واختلاف أهوائهم، وتشتّت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم قيّماً حافظاً لما جاء به الرسول، فسدوا على نحوٍ ما بَيَّنَّا، وغُيّرت الشرائع والسنن والأحكام والإيمان، وكان ذلك فساد الخَلْق أجمعين) (1) .

- عن الفضيل بن يسار قال: سمعتُ أبا عبد الله وأبا جعفر(عليهما السلام): (إنّ العلم الذي أُهبط مع آدم لم يُرفع، والعلم يُتوارث، وكلّ شيء من العلم وآثار الرسل والأنبياء لم يكن من أهل هذا البيت فهو باطل، إنّ عليّاً (عليه السلام) عالِم الأُمّة، وإنّه لنْ يموت منّا عالِم إلاّ خَلَفَ مِن بَعْدِهِ مَنْ يَعْلَم مِثْل عِلْمه أو ما شاء الله) (2) .

- عن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله(عليه السلام) جماعة من الصحابة، منهم:

حمران بن أعين.

ومحمّد بن النعمان.

وهشام بن سالم.

والطيّار، وجماعة فيهم: هشام بن الحكم وهو شابّ، فقال أبو عبد الله(عليه السلام): (يا هشام أَلاَ تخبرني كيف صنعتَ بعمرو بن عبيد وكيف سألتَه؟

فقال: يابن رسول الله إني أجلّك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك.

فقال أبو عبد الله: (إذا أمرتُكُم بشيء فافعلوا).

قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة

____________________

(1) المصدر السابق: ص32.

(2) المصدر السابق: ص39.


فعظم ذلك عليّ، فخرجتُ إليه ودخلتُ البصرة يوم الجمعة، فأتيتُ مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شَمْله سوداء مُتَّزِر بها من صوف، وشملة مرتدٍ بها والناس يسألونه، فاستفرجتُ الناس فأفرجوا لي، ثمّ قعدتُ في آخر القوم على ركبتي،

ثمّ قلتُ: أيّها العالِم إني رجل غريب تأذن لي في مسألة؟ فقال لي: نعم. فقلتُ له: ألك عين؟ فقال: يا بني أيّ شيء هذا مِن السؤال؟ وشيء تراه كيف تسأل عنه؟ فقلتُ: هكذا مسألتي. فقال: يا بُنَي سلْ وإنْ كانت مسألتُك حمقاء. قلتُ: أجبني فيها. قال لي: سل. قلتُ: أَلَكَ عين؟ قال: نعم. قلتُ: فما تصنع بها؟ قال: أرى بها الألوان والأشخاص. قلتُ: فلك أنف؟ قال: نعم. قلتُ: فما تصنع به؟ قال: أشمّ به الرائحة. قلتُ: ألك فم؟ قال: نعم. قلتُ: فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم. قلتُ: فلك أُذن؟ قال: نعم. قلتُ: فما تصنع به؟ قال: أُميّز به كلّما ورد على هذه الجوارح والحواسّ. قلتُ: أوليس في هذه الجوارح غنىً عن القلب؟ فقال: لا. قلتُ: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بني إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردّته إلى القلب فيستيقن اليقين ويبطل الشك. قال هشام: فقلت له: فإنّما أقام الله القلب لشكّ الجوارح؟ قال: نعم. فقلتُ له: يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحَك حتّى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح ويتيقّن به ما شكّ فيه، ويترك هذا الخلق كلّهم في حيرتهم، ويُقيم لك إماماً لجوارحك تردّ إليه حيرتك وشكّك؟!

قال: فسكتَ ولم يقلْ لي شيئا. ثم التفت إليّ فقال لي: أنت هشام بن الحكم؟ فقلت: لا. قال: أَمِنْ جُلَسَائِهِ؟ قلت: لا. قال: فَمِنْ أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: فأنت إذاً هو. ثمّ ضمّني إليه، وأقعدني في مجلسه وزال عن مجلسه، وما نطق حتّى قمتُ.


قال: فضحك أبو عبد الله (عليه السلام)، وقال: (يا هشام من علّمك هذا؟

قلت: شيء أخذته منك وألّفته.

فقال: هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى) (1) .

- عن أبي عبيدة قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جُعلتُ فداك إنّ سالم بن أبي حفصة يلقاني ويقول لي ألستُم تروون من مات وليس له إمام فموتته موتة جاهليّة، فأقول له: بلى. فيقول: قد مضى أبو جعفر فَمَنْ إمامكم اليوم؟ فأكره - جُعلتُ فداك - أنْ أقول له جعفر فأقول له ما يزال أئمّتي آل محمّد(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فيقول: ما أراك صنعتَ شيئاً؟

فقال الصادق (عليه السلام): (ويح سالم بن أبي حفصة لعنه الله وهل يدري سالم ما منزلة الإمام. إنّ منزلة الإمام أعظم ممّا ذهب إليه سالم والناس أجمعون، فإنّه لنْ يهلك منّا إمام قط إلاّ ترك مِن بعده مَن يعلم علمه، ويسير مِثْل سيرته، ويدعو إلى مثل الذي دعا إليه، وإنّه لم يمنع الله عزّ وجل ما أعطى داود أنْ أعطى سليمان أفضل منه) (2) .

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص169.

(2) كمال الدين: ج1 ص340.



الفصل الثالث

العصمة



عِصْمَة الإمَام

تعتبر عصمة الإمام وخلافته لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إحدى أهمّ المسائل التي ما تزال حتى اليوم تثير جدلاً واسعاً بين المسلمين، فالشيعة الإماميّة يعدّون العصمة شرطاً أساسيّاً للإمامة، وبدونها لا يكون الإمام إماماً حقّاً، فيما يعتقد أهل السُنّة بخلاف ذلك فلا يرونها شرطاً لخلافة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فَمِن الممكن أنْ يكون الخليفة فاسقاً لجواز ذلك.

وللعصمة أكثر من تعريف، على أنّ أبرزها وأصحّها هو:

(إنّها عبارة عن ملكة وقوّة نفسية تنشأ عن مشاهدة حقائق الوجود ورؤية الملكوت، وبها يمتنع المعصوم عن ارتكاب المعاصي والذنوب أو الوقوع في الأخطاء) .

* فالعصمة تعني:

- تلقّي الحقائق وإدراك الواقع دون خطأ.

- حفظ الشريعة وانعدام الغفلة في شيء منها.

- تبليغ الشريعة وإظهار الأحكام كما أنزلها الله.

- سَداد في العمل واحتراز من كلّ خطأ.


ولا ننسى هنا أنْ نشير إلى أنّ انتفاء الذنوب والمعاصي في حياة المعصوم لا يعني انعدام قدرته على ارتكابها، كأنْ يجبره الله على الطاعة. فالمعصوم كسائر عباد الله مخيّر في عمله وسيرته فلا جبر ولا إلزام في طاعته، غير أنّ بصيرته قد بلغتْ أعلى درجات الإدراك حتّى أصبح في مأمن مِن إغواء الشيطان أو تأثير النفس الأمّارة بالسوء.

* إشكال:

لعلّ هناك مَن يُورد إشكالاً حول أصل العصمة، فيشكك قائلاً: كيف يمكن لإنسان عادي - تموج في أعماقه مثل سائر الناس الغرائزُ الحيوانيّة والميول والرغبات النفسيّة - أنْ يكون في مأمن من الوقوع في الذنب وارتكاب المعصية، حتّى لا يمكن احتمالها فيه أبداً؟!

* الجواب:

إنّ الإنسان مجبول على طلب الكمال، فهو ينشد تكامله وسعادته في كلّ حركاته ويسعى من أجل نيل ذلك ليل نهار، فكلّ ما يقوم به إنّما ينطلق من اعتقاده أو توهّمه بأنّ مصلحته وسعادته إنّما تكمن في ذلك، حتّى في ما يرتكبه من أخطاء، ويفعله من قبائح، بل:

- حتّى الذي يَقْدم على الانتحار؛ إنّما يفعل ذلك لأنّه يعتقد أنّ انتحاره سيضع حدّاً لآلامِهِ وحياته المريرة، ولو كان يدرك أنّ ما يفعله هو قبيح مستهجَن، لما فعل ذلك أبداً.

- واللص عندما يسرق لا يفعل ذلك وهو يستهجن عمله، بل إنّه يظن عمله مفيداً وضروريّاً في أنْ يعيش حياة هانئة.

- والمقامر يلعب لكي يربح مثلاً.

- والقاتل عندما يبرر فعله الشنيع.

وبشكل عام يبقى تفسير جميع أعمال الإنسان في ضوء هذه النظريّة تابعاً لاعتقاد


المصلحة أو توهّمها. فعلى ضوء ما يُدرك الإنسان من المضارّ والمنافع ومدى أهمِّيَّتها له، يَقدم الإنسان على عمل ما.

وربّما كانت درجة الرؤية لديه ضعيفة إنْ لم تكن مقلوبة، فقد يتصوّر القبيح قبيحاً ولكنّه لا يلمّ بكلّ صورته فيجعل من تلك الرؤية الناقصة مبرّراً لكبح رغباته وشهواته، إذ انّه لم يصل بعد الدرجة النهائية في الرؤية لكي يحصل عنده اليقين الكامل الذي يرتقي إلى مرحلة الشهود.

لقد أشرنا في بحوث سابقة وبشكل إجمالي إلى أنّ الإمام ينطوي على حالة من الرؤية الباطنيّة العميقة، وأنّه يشتمل على حقيقة الدين، ويدرك في حالة من الشهود الكامل المعاصيَ والقبائحَ ويراها كما هي لا كما تُصوِّرها الأوهام، وبالتالي فهو على بصيرة عالية وإيمان عميق يحجزه عن ارتكابها أو الوقوع في حبائلها، وهو في حصن حصين عن كلّ الآثام والذنوب بإرادة منه واختيار.

* إشكال آخر:

إنّ طبيعة الخلق الإنساني تنطوي على قابليّة الخطأ والنسيان، وبما أنّ الأئمّة والأنبياء بشر عاديّون فهم بالتالي لا يشكّلون استثناء لهذه القاعدة، فكيف يمكن أنْ نتصوّر إنساناً ما يتمتّع بإدراكات علميّة وجهاز عصبي وحدس كسائر البشر، وهو في مأمن عن الوقوع في الخطأ واحتمال الانحراف والنسيان.

* الجواب:

صحيح أنّ الأنبياء والأئمّة هم بشر عاديّون، ولكنْ سيتبيّن من خلال الأدلّة في بحوث قادمة أنّهم على مستويات علميّة عالية، وأنّهم في هذه الناحية يفوقون


سائر البشر بشكل ملحوظ.

إنّ علومنا التي نعرفها هي عبارة عن سلسلة من المفاهيم والتصوّرات التي نكتسبها عن طريق الحواس ووسائل المعرفة العقليّة؛ لذا فهي معرّضة للخطأ والنسيان.

أمّا النبي والإمام فهو على علاقة بعالَم الغيب وهو يطلّ على عالم الملكوت من خلال بصيرته النفّاذة، فهو يعيش عالم الحقائق الكبرى، فعلوم الأئمّة لا تتحصّل عن طريق الحواس بل إنّها تفور في ذواتهم كالينابيع المتدفّقة. إنّهم ينطوون على كنوز من المعرفة الحقيقيّة، ومثل هؤلاء الأفراد لا يحتمل النسيان والخطأ في حياتهم.

ثمّ إنّ النسيان والخطأ لا يشكّل ضرورة في أصل الخلقة البشريّة، فما هو المانع إذن في أنْ يَهَبَ الله الحكيم رُسُلَهُ وأوصياءهم مَلَكَةً تَعْصِمُهُم مِن آفة الخطأ والنسيان؟

إنّنا أمام حشد من الأدلّة العقليّة تؤيّدها الرواياتُ، بحيث لا يبقى مجال للشكّ في هذه المسألة الحسّاسة.

استدلال هشام:

لنتأمّل في هذه الرواية قليلاً، فقد تساعد على فَهْم جانب مضيء في حياة الأئمّة (عليهم السلام).

عن محمّد بن أبي عمير قال: ما سمعتُ ولا استفدتُ من هشام بن الحكم في طول صحبتي إيّاه شيئاً أحسن من هذا الكلام في صفة عصمة الإمام، فإنّي سألتُه يوماً عن الإمام: أهو معصوم؟

قال: نعم.

قلت له: فما صفة العصمة فيه؟


وبأيّ شيء تُعرف؟

قال: (إنّ جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص والحسد والغضب والشهوة فهذه منتفية عنه:

- لا يجوز أنْ يكون حريصاً على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه؛ لأنّه خازن المسلمين، فعلى ماذا يحرص؟

- ولا يجوز أنْ يكون حسوداً؛ لأنّ الإنسان إنّما يحسد مَن هو فوقه، وليس فوقه أحد، فكيف يحسد مَن هو دونه؟

- ولا يجوز أنْ يغضب لشيء مِن أُمور الدنيا إلاّ أنْ يكون غضبه لله عزّ وجل، فإنّ الله قد فرض عليه إقامة الحدود، وأنْ لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتّى يُقيم حدودَ الله عزّ وجل.

- ولا يجوز أنْ يتّبع الشهوات ويُؤْثِر الدنيا على الآخرة؛ لأنّ الله عزّ وجل حبّب إليه الآخرة كما حبّب إلينا الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا، فهل رأيتَ أحداً ترك وجهاً حسناً لوجه قبيح؟ وطعاماً طيباً لطعام مرّ؟ وثوباً ليِّناً لثوب خشن؟ ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟) (1) .

____________________

(1) بحار الأنوار: ج25 ص192.


العصمة في ضوء العقل

تنسحب أدلّة الإمامة كضرورة دينيّة في ضوء العقل على مسألة العصمة أيضاً؛ للتلازم الوثيق بين الإمام والعصمة كصفة جوهريّة في دور الإمامة دينيّاً واجتماعيّاً.

* ولأهمِّيَّة الموضوع نستعرض بشكل مختصر الأدلّة العقليّة مرّة أُخرى:

* ففي الدليل الأوّل تمّ إثبات:

- أنّ النوع الإنساني يتحرّك نحو تكامله.

- وأنّ الصراط المستقيم ما هو إلاّ روح الشرائع الإلهيّة التي حملها الأنبياء إلى البشر، وهي بذلك تمثّل الطريق الحقيقي الذي لا يقبل التفكيك بين درجاته وحلقاته.

- وأنّ غاية الحركة التكامليّة الممكنة بشريّاً تتجسّد في روح الشريعة ومنزلة الولاية والإمامة.

- وأنّ وجود فرد كامل بين ظهراني البشر ضرورة حياتيّة، لاستمرار وديمومة الوجود الإنساني بأسره؛ لأنّه المحل الذي ينعكس عنه الفيض الإلهي للحقّ تعالى، وهو يمثّل العلاقة بين عالمَي الغيب والشهادة.

وعلى هذا فإنّ العصمة ضرورة من ضرورات الإمامة؛ لأنّها التجسيد الحي لتكامل الإمام وكماله، واعتباره المثال الحي لإمكانيّة البشر في سلوك الطريق


القويم من خلال حركة تكامليّة يجسّد مسيرتها الإمامُ.

وما دام الصراط المستقيم يرتبط ارتباطاً وثيقاً لا يقبل الانفكاك مع أحكام الدين، فإنّ كلّ مَن يحيد عن حكم واحد سيكون خارجاً عن الصراط، وبالتالي فلنْ يمثّل هذا الفرد بأيّ حال من الأحوال تكامل الإنسان وغاية النوع الإنساني.

وهذا أيضاً ينسحب على الخطأ والنسيان وعدم احتمالهما في ذات الإمام؛ لأنّهما يقودان إلى ذات النتيجة الآنفة الذكر.

ولأجل استيعاب الدليل أكثر، أنصح القارئ بمراجعة الدليل الأوّل حول ضرورة الإمامة؛ لأنّه سيسلّط الضوء أكثر على جوانب الموضوع.

* الدليل الثاني:

قلنا في الدليل الثاني إنّ الهدف الإلهي لا ينحصر بمجرّد بعث الأنبياء وإبلاغ الرسل للشرائع؛ لأن ذلك لا يؤمّن المسيرة التكامليّة للنوع الإنساني، باعتبار أنّ فترة وجود النبي محدودة تنتهي بوفاته، بينما تبقى مسؤوليّته تطبيق الشريعة في حياة البشر بلا مسؤول. لقد اقتضى اللطف الإلهي أنْ يجتبي الله عزّ وجل أفراداً؛ من أجل تداوم غاية الأنبياء في حفظ الشريعة، ومسؤوليّة تنفيذها، وإقامة حكم الله.

ومن هنا يتوجّب أنْ يكون المسؤولون عن إقامة دين الله معصومين عن الخطأ منزّهين عن الذنب والعصيان والإثم؛ ليجسّدوا من خلال سيرتهم طريق الأنبياء وأهداف الشريعة، وهؤلاء الأفراد يتمّ اختيارهم من قِبل الله عزّ وجل، فهم واجبو الطاعة بناءً على ذلك.


* إشكال:

قد يورد البعض إشكالاً حول نظرية العصمة بلزوم القضاة والحكام لارتباطهم بالمعصوم في تنفيذ أحكام الدين، وإذا انتفى شرط عصمتهم في ذلك، فلماذا لا تنتفي ضرورة عصمة الإمام أيضاً؟

* الجواب:

إنّ الدليل نهض على ضرورة وجود إمام معصوم في رأس الهَرَم القيادي كمرجع يمثّل حقيقة الدين؛ ليكون بذلك ملاذاً للمسلمين إذا ما تشابهتْ عليهم الطرق، لأنّه يمثّل الصراط المستقيم، وبالتالي المَعْلَم المضيء الذي يحدّد طريق التكامل للإنسانيّة، ومدار بحثنا أنّ هناك مخاطر كبرى تترتّب على وجود إنسان غير معصوم في رأس الهرم القيادي لاحتمال انحرافه عن الطريق، وبالتالي الجنوح بالأُمة إلى هاوية الشقاء.

فوجود إمام معصوم سوف يكفل للأُمّة تشكيل حكومي صالح لقيادة المجتمع الإسلامي؛ لأنّه يُنصِّب مَن يشاء ويعزل مَن يريد، وغايته في كلّ ذلك تنفيذ وإقامة حكومة العدل الإلهي، بعيداً عن مطبّات الهوى ومزالق الأوهام.

* الدليل الثالث:

قلنا فيما سبق إنّ الأحكام والقوانين الإلهيّة إنّما جاءتْ لتكامل البشريّة وتأمين السعادة للإنسان في حياته الدنيا وفي الآخرة، ومِن هنا ينبغي بقاؤها سليمة من كلّ تحريف حذفاً أو إضافةً، وبشكلٍ تكون في متناول البشر، حتّى لا يبقى هناك عُذْر لِمُعْتَذِر، ومن هنا جعل الله للشريعة حَفَظة لا يتطرّق إليهم الخطأ


والنسيان، ولو كانوا كسائر البشر فإنّ الشريعة ستكون في معرض للتغيّر والتبدّل والانحراف.

والقرآن وحده لا يكفي لبيان الطريق؛ لأنّ في أحكامه تعميماً يصعب فهمه على سائر الناس، وفيه ما يحتاج إلى تفسير وتوضيح.

* الدليل الرابع:

الإمام معلّم للإنسانيّة، وقدوة لها، تتمثّل خطاه وتُنْتَهَل مِن سيرته وهداه، ولا يكفي للمرء أنْ يكون إمامه بليغاً في الحديث جميلاً في العرض والأسلوب، بل لا بدّ أنْ يكون ثقة معتمداً، له منزلة في القلوب.

والإمام لا يحتل قلوب الناس ولا يجتذب حبّهم إلاّ إذا أصبح قولُه فعلاً، وكانت سيرته مثالاً منسجماً مع كلماته؛ ليكون له في ذلك مصداق وشاهد على أَحَقِّيَّته. وفي هذا فقد يمكنه أنْ ينفذ إلى القلوب فيفجّر فيها كوامن العاطفة وينابيع الحبّ الصادق؛ لأنّ الناس لا يسحرهم الكلام فقط بل يتطلّعون إلى صاحب الكلام الجميل أنْ يكون جميلاً في عمله أيضاً، فالعمل والسلوك هو المعيار الوحيد للإنسان، وسيبقى الكلام الجذّاب وحده إذا لم يجسّده عمل، أسلوباً دعائيّاً عقيم التأثير، إنْ لم يكن سلبيّاً في أثره.

وجماهير الأُمّة حسّاسة تماماً في هذا المضمار تبحث في شخصيّة الإمام وسيرته لا أقواله ومواعظه، وإلاّ فما قيمة المواعظ مهما بلغتْ إذا كانت صادرة عن ظالم، يحذِّر الناس عواقب أعمالهم في الآخرة وهو غارق في الآثام، مستغرق في دنياه، يظلم وينهب ويغتصب؟!

ومن هنا تعيّن على الإمام أنْ يكون معصوماً عن الخطأ والغفلة والنسيان،


فإنْ جازتْ عليه هذه الصفات لم يبقَ من اعتبار لحديثه؛ لاحتمال الخطأ فيه، فتسقط الثقة عنه، بينما الهدف الإلهي هو إرشاد الإنسانيّة إلى جادّة الطريق.

حدود العصمة:

* يُستفاد من الأدلّة السابقة أنّ الإمام:

- معصوم عن المعاصي ومخالفة أحكام الله، فلا يرتكب ذنباً، وهو في طاعة مستمرّة لا يحيد عن أمر ولا يخرج عن نهي.

- في مأمن عن ارتكاب الصغائر من الذنوب أيضاً.

- في حرز حريز عن الخطأ والنسيان والغفلة في تعلّم أُمور الدين وإبلاغها، وفي حفظ الشريعة وأحكامها، وفي تطبيقها في حياة الأُمّة.

ومن خلال الأدلّة الأربعة هذه يتوضّح لنا - وبشكل قاطع - أنّ الإمام، وفي فترة تصدّيه لمسؤوليّته في قيادة البشريّة، لا بدّ أنْ يكون مصوناً عن كلّ خطأ، مسدّداً من لدن الله عزّ وجل في ذلك.

العصمة قبل فترة الإمامة:

هناك جدل قائم حول عصمة الإمام قبل فترة تصدّيه لهذه المسؤوليّة، فهل إنّ الإمام مصون عن الخطأ، معصوم عن الذنب حتّى قبل أنْ يصبح إماماً، أَمْ أنّه كسائر البشر في فترة ما قبل الإمامة؟

* يقول البعض:

إنّ الضرورة تقتضي عصمة الإمام في فترة إمامته فقط، وإنّه لا ضرورة لعصمته قبل الإمامة، ومن الممكن أنْ يكون الإمام معرّضاً للخطأ والمعصية في زمن ما قبل الإمامة، فإذا أصبح إماماً عصمه الله عن الذنب وحصّنه


عن المعصية، فالضرورة لا تقتضي ذلك إلاّ في فترة الإمامة فقط.

* وفي مقابل هذا الفريق يقول فريق آخر: إنّ العصمة لازمة في النبي مدى الحياة، منذ الولادة وحتّى الوفاة.

وأمام هذَين الرأيَين ينبغي استعراض أدلّة العصمة والاستفادة من مداليلها في هذه القضيّة.

* فمعطيات الدليل الأوّل هي:

وجود فرد كامل تتجسّد فيه كمالات الإنسانيّة الممكنة بشكل فعلي؛ ليكون مثالاً حيّاً على إمكانيّة الكمال لدى البشر، وهذا يؤكّد على وجود الإمام في متن الصراط المستقيم، كما قلنا، وهو يؤكّد تماماً عصمته حتّى قبل إمامته.

فالإمام مثال إنساني كامل ونموذج حيّ، ولو افترضنا إمكانيّة عدم عصمته واحتمال المعصية فيه وإنْ كان في مطلع عمره، فسوف يخلّ بهذا الجانب الهامّ في إمامته مستقبلاً. هذا بالنسبة للدليل الأول.

* أمّا الدليل الثاني والثالث:

فليست لهما معطيات ما في هذه المسألة؛ لأنّ الإمام قبل تصدّيه للإمامة ليس في مقام التبليغ للرسالة، ولا مسؤولاً عن تطبيقها وإقامة دين الله.

* وحول الدليل الرابع:

فإنّ استلاب عصمة الإمام قبل إمامته والطعن في تاريخ الإمام قبل تصدّيه لمسؤوليّته سوف يخدش الثقة المطلوبة التي يحتل بها قلوب الناس، والتأثير في نفوسهم، وستبقى صورته مقترنة بأعماله السابقة التي ستلقي ظلالها السوداء على كلّ كلمة يقولها وكلّ عمل يقوم به، وربّما يتهامس البعض أنّ هذا الذي يعظنا ويرشدنا اليوم قد فعل وفعل بالأمس، وهذا الذي ينهانا عن المعاصي قد ارتكب ما ارتكب منها في السابق.


وعلى كلّ حال فإنّ الإمامة أمر حسّاس، وإنّ العصمة جانب جوهري فيها على امتداد عمر الإمام الذي ينبغي أنْ يكون مثالاً، من المهد إلى اللحد. ومن الناحية الاستدلالية لا يمكن التعويل كثيراً على هذا الدليل؛ لأنّه لا يعدو أنْ يكون كلاميّاً ويبقى الدليل الأوّل هو الأساس في الدلالة على عصمة الإمام، حتّى قبل فترة الإمامة.


العصمة في ضوء العقل

( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) .

سبق وأنْ بحثنا في هذه الآية بعض المسائل التي لا داعي لتكرارها هنا، وفيما يلي نبحث المقطع الذي يتساءل فيه إبراهيم عن نصيب ذرِّيَّته من الإمامة، فجاء الجواب الإلهي قائلاً: ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .

وإذا ما أردنا أنْ نبحث في مفهوم الظلم ومصاديق الظالم نجد أنّ هذا الإصطلاح هو نقيض العدل، ويساوي وضع الشيء في غير موضعه، فما هو معنى العدل تحديداً؟

إنّ هذا الوجود ينهض على نظام خاص، حيث تنعم الأشياء فيه بقدر محدّد من الوجود، فالقوانين والشرائع الإلهيّة إنّما جاءتْ متناغمة مع الفطرة وناموس الطبيعة، فكلّ مَن يسير وِفق هذا الناموس كما خلقه الله عزّ وجل، وكانت أعماله وِفق ذلك، عُدّ عادلاً. فإذا انحرف عن مسار الفطرة وارتكب معصيةً ما، كان ظالماً.

____________________

(1) البقرة: الآية 124.


* وفي ضوء الرؤية القرآنيّة يمكن تقسيم الظلم إلى ثلاثة أنواع:

1 - ظلم العبد لربّه:

فمن أكبر الظلم الكفر والشرك والنفاق، قال تعالى: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (1) ، وقال عزّ وجل: ( فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (2) .

إنّ الله هو منشأ الوجود، والعبادة لله وحده، فمَن عَبَدَ غيرَه ظَلَم.

2 - ظلم الإنسان لأخيه الإنسان:

قال سبحانه: ( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (3) .

فالعدوان شكل من أشكال الظلم؛ لأنّه هضم لحقوق الآخرين، واعتداء على ناموس الطبيعة والفطرة.

3 - ظلم الإنسان لنفسه:

- قال سبحانه وتعالى: ( فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ) (4) . وقال عزّ وجل: ( وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ) (5) .

لقد أودع الله في الحياة الإنسانيّة طريقاً مستقيماً يتناغم مع فطرة الإنسان كأصل في قابليّته للتكامل، فَمَن ينحرف عن هذا المسير فهو يظلم نفسه.

____________________

(1) لقمان: الآية 13.

(2) آل عمران: الآية94.

(3) الشورى: الآية 42.

(4) فاطر: الآية 32.

(5) الصافات: الآية 113.


- قال تعالى: ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (1) .

- وقال سبحانه: ( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (2) .

وبالرغم من التقسيم السابق، فإنّ النوع الأوّل والثاني من الظلم هو شكل من أشكال ظلم الإنسان لنفسه أيضاً، فهو في جميع الأحوال يضرّ بنفسه، لا غير.

* وإذا أردنا أنْ نقسّم الناس على أساس ارتكاب المعاصي، فهم طوائف أربع:

- طائفة مستغرقة في المعاصي طوال الحياة.

- طائفة ارتكبتْ المعاصي في أوّل العمر، ثمّ أقلعتْ عن ذلك وتابت.

- طائفة لم تذنب في أوّل العمر، ثمّ انحرفتْ فاستغرقتْ في الذنوب في آخر عمرها.

- وطائفة طاهرة الثوب مِن أوّل العمر إلى آخره.

وعلى أساس إطلاق الآية الكريمة التي تصدّرت البحث، فإنّ الطوائف الثلاث الأُولى تنضوي جميعاً في إطار (الظالمين) الذين لا ينالهم عهد الله، وإذن لا يبقى هناك سوى الطائفة الرابعة، تلك التي لم ترتكب ذنباً في حياتها أبداً.

آية التطهير:

قال سبحانه في محكم كتابه الكريم: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (3) .

____________________

(1) الطلاق: الآية 1.

(2) البقرة: الآية 229.

(3) الأحزاب: الآية 33.


احتلّتْ هذه الآية الكريمة موقعاً حسّاساً في المباحث الإسلاميّة، وأضحتْ محوراً لجدل واسع حول مدلولها ومصداقها، واستند إليها علماء الإماميّة في استدلالهم على عصمة الأئمّة من أهل البيت (عليهم السلام)، فيما يقف أهل السنّة مواقف متحفّظة إزاء بعض تفاسيرها وما ترمي إليه من معاني ودلالات.

ولكي نسلّط الضوء أكثر فسنعرض باختصار البحث التالي:

أسباب النزول:

تضافرتْ الروايات والأحاديث بشكل لا يدع مجالاً للتشكيك في أنّ الآية نزلتْ في سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وعلي وفاطمة والسبطين الحسن والحسين (عليهم السلام)، وقد بلغتْ الأحاديث المرويّة عن طريق أهل السُنّة حدّاً يصل بها إلى القَطع واليقين الكامِلَين.

* وهذه أمثلة:

- عن عائشة قالت: (خرج النبي (صلَّى الله عليه وآله) غداة فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ جاءتْ فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثمّ قال: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

- وعن أُمّ سَلَمَة: أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) جلّل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءً، ثمّ قال: (اللّهم هؤلاء أهل بيتي وخاصّتي أَذْهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

فقالت أُمّ سَلَمَة: وأنا معهم يا رسول الله؟

قال: قفي في مكانك إنّك إلى خير) (2) .

____________________

(1) ينابيع المودّة: ص124 / الدرّ المنثور: ج5 ص198 / جامع الأُصول: ج10 ص101.

(2) ينابيع المودّة: ص125 / الدر المنثور: ج5 ص198.


- وعن عمر بن أبي سَلَمَة ربيب النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: نزلتْ: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) في بيت أُمّ سَلَمَة فدعا النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، وعلي خلف ظهره فجلّلهم بكساء ثمّ قال: (اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأَذْهِب عنه الرجسَ وطهّرهم تطهيراً.

قالتْ أُمّ سَلَمَة: وأنا معهم يا نبي الله؟

قال: أنتِ على مكانك وأنت إلى الخير) (1) .

- وعن زينب: أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لَمّا رأى الرحمة هابطة من السماء قال: (مَن يدعو لي عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً؟)

قالت زينب: أنا يا رسول الله، فدعتْهم، فجعلهم في كسائه، فنزل جبرئيل بهذه الآية ودخل معهم في الكساء (2) .

- عن شداد أبي عمّار قال: دخلتُ على وائلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليّاً (رضي الله عنه)، فلمّا قاموا قال: أَلاَ أخبرك بما رأيتُ من رسول الله؟

قلتُ: بلى.

قال: أتيتُ فاطمة (رضي الله عنها) أسألها عن علي، قالتْ: توجّه إلى رسول الله ومعه حسن وحسين، فجلست أنتظره حتّى جاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومعه حسن وحسين آخذ كلّ واحد منهما على فخذ، ثمّ لفّ عليهم ثوبه أو كساءه ثمّ تلا هذه الآية: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) وقال: (اللّهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحقّ) (3) .

- عن أبي سعيد الخدري قال: (نزلتْ هذه الآية في خمسة: النبي (صلَّى الله

____________________

(1) ينابيع المودّة: ص125 / جامع الأُصول: ج10 ص101.

(2) ينابيع المودّة: ص126 / مجمع الزوائد: ج9 ص167.

(3) مجمع الزوائد: ج1 ص167.


عليه وآله وسلَّم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) (1) .

- وعن الحسن بن علي(عليه السلام) قال في خطبته: (نحنُ أهل البيت الذين قال الله سبحانه فينا ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ) (2) .

- وعن وائلة بن الأسقع: (وأجلس النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حَسَنَاً على فخذه اليمنى وقبّله، وحُسَيْنَاً على فخذه اليسرى وقبّله، وفاطمة بين يديه، ثمّ دعا عليّاً فجاء، ثمّ أَغْدَفَ عليهم كساءً خيبريّاً ثمّ قال: (اللّهم هؤلاء أهل بيتي أَذْهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً).

فقيل لوائلة: ما الرجس؟

قال: الشكّ في الله عزّ وجلّ (3) .

- وعن أيضاً قال: كنتُ في البيت يوم الشورى فسمعتُ عليّاً وهو يقول: (استخلفَ الناسُ أبا بكر وأنا والله أحقّ بالأمر وأولى به منه، واستُخلف عمر وأنا والله أحقّ بالأمر وأولى منه إلاّ أنّ عمر جعلني مع خمسة وأنا سادسهم لا يعرف عليّ لهم فضلاً ولو شاء لاحتججتُ عليهم.

ثمّ قال: نشدتكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير على رسول ال له ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) فأخذ رسولُ الله كساءً خيبريّاً فضمّني فيه وفاطمة والحسن والحسين، ثمّ قال: يا ربّ إنّ هؤلاء أهل بيتي فأَذْهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

قالوا: اللّهم لا) (4) .

ولقد كان علي أحبّ الناس إلى رسول الله باعتراف عائشة.

____________________

(1) ينابيع المودّة: ص126.

(2) ينابيع المودّة: ص126 / مجمع الزوائد: ج9 ص172.

(3) غاية المرام: ص287.

(4) المصدر السابق: ص294.


- عن العوّام بن حوشب عن ابن عمٍّ له قال: دخلتُ مع أبي على أُمّ المؤمنين عائشة فسألتُها عن عليّ فقالتْ: تسألني عن رجل كان أحبّ الناس إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وكانت ابنته تحته، رأيتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) دعا عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً فألقى عليهم ثوباً فقال: (اللّهم هؤلاء أهل بيتي فأَذْهِب عنهم الرجسَ وطهّرهم تطهيراً، قالتْ فدنوتُ منهم فقلتُ: يا رسول الله وأنا من أهل بيتك؟ فقال: تنحّي إنّك على خير) (1) .

- عن أُمّ سَلَمَة: أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال لفاطمة: (ائتني بزوجك وابنَيك، فجاءتْ بهم، فألقى عليهم كساءً فدكيّاً ثمّ وضع يده عليهم وقال: اللّهمّ إنّ هؤلاء آل محمّد فاجْعلْ صلواتك وبركاتك على محمّد وعلى آل محمّد إنّك حميد مجيد.

قالت أُمّ سَلَمَة: رفعتُ الكساء لأدخل معهم فجذبه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وقال: قِفِي مكانك إنّك على خير) (2) .

وكلّ هذا الحشد من الروايات تدلّ دلالة أكيدة على أنّ سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) جمع مِن حوله سِبْطَيْهِ الحسن والحسين وابنتَه فاطمة وبَعْلَها عليّ بن أبي طالب وألقى عليهم كساءَه، وتلا آية التطهير ثمّ دعا لهم بأنْ يشملهم الله برحمته ويطهّرهم من الرجس.

ويبقى الحديث بأسانيده المتعدِّدة واحداً مِن أهمّ الأحاديث المتواترة في كتب المسلمين جميعاً.

الشهود:

وحادثة الكساء لها شهود عديدون يتمتّعون باحترام المسلمين وإجلالهم.

____________________

(1) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ج1 ص88.

(2) ذخائر العقبى: ص21.


* وهم:

- أُمّ سَلَمَة زوج النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، التي تكاد الأحاديث أنْ تُجمع نزول آية التطهير في منزلها.

- عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو أحد أصحاب الكساء، وقد روى الحادثة في مناسبات متعدِّدة.

- الحسن بن علي ، وهو أيضاً أحد أصحاب الكساء.

- عائشة زوج الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وقد روي عنها أنّها كانت أحد الشهود.

- عمر بن أُمّ سَلَمَة ، وهو ربيب النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

- زينب بنت أُمّ سَلَمَة وربيبة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وقد أمرها بدعوة علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام).

- ثوبان ، وهو مولى لرسول الله وكان ملازماً له في الحضر والسفر.

- وائلة بن الاسقع ، وكان يخدم في بيت النبي.

- سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو أصل الحادثة حيث روى لبعض أصحابه شأن نزول الآية.

* إضافةً إلى رواة آخرين من بينهم:

- أبو الحمراء.

- أنس بن مالك.

- أبو سعيد الخدري.

- وابن عبّاس، وهؤلاء قد يكونون شهوداً، أو رواةً لها فقط، سمعوها فيما بعد عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهم يروون أيضاً بل ويشهدون على أنّ سيّدنا محمّداً كان إذا مرّ بمنزل فاطمة تلا آية التطهير.

وقد يشير تكرار الأسانيد والاختلاف في بعض جوانب الحادثة إلى احتمال


تكرار الحادثة، الأمر الذي أراد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) - مِن ورائه - التأكيد على أهمِّيَّتها وتجذيرها في ذاكرة المسلمين، حتّى لا يبقى مجال للتشكيك ومحاولة تجييرها إلى نساء النبي، حيث وردتْ الآية في السياق العام من السورة أو اعتبارها أمراً عاديّا ً(1) .

تأكيد:

إنّ حادثة الكساء وآية التطهير وقعتْ في منزل النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وقد شهدها جماعة، غير أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) - ولكي لا تمرّ مروراً عابراً تنتفي من ورائه مداليلها المطلوبة - سعى إلى تأكيدها ومنحها بُعدَين هامّين:

* الأول:

تعيين مصداق الآية بشكل لا يُبقي مجالاً للشكّ والتأوّل وسدّ الطريق على محاولات تفسيريّة غير صحيحة.

* الثاني:

مَنَحَهَا الأهمِّيَّة الكافية لتكون محوراً أساسيّاً يرتبط بمستقبل الرسالة الإلهيّة، فتخرج عن إطارها كشأن عائلي عابر لتكون همّاً إسلاميّاً كبيراً، ومن هنا فقد ظلّ سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ولمدّة طويلة يمرّ بمنزل فاطمة (عليها السلام) كلّما ذهب إلى الصلاة فجراً فيتلوا آية التطهير، فكان يدعو قائلاً: (الصلاة يا أهل البيت)، ثمّ يتلو قوله: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

- وروي عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ظلّ مدّة ستّة أشهر يمرّ بمنزل فاطمة

____________________

(1) ورد حديث الكساء في مصادر معتبرة من كتب أهل السُنّة في طليعتها:

صحيح مسلم، مسند أحمد، الدرّ المنثور، مستدرك الحاكم، جامع الأصول، ذخائر العُقبى، الصواعق المحرِقة، ينابيع المودّة، كفاية الطالب، سنن الترمذي، نور الأبصار، إسعاف الراغبين، مجمع الزوائد، مناقب الخوارزمي.

وكذا في كتب الشيعة من قبيل:

أُصول الكافي، بحار الأنوار، كشف الغمّة، تفسير العيّاشي، تفسير نور الثقلَين غاية المرام.


فجراً ويدعوهم قائلاً: (الصّلاة يا أهل البيت)، ثمّ يتلو الآية الكريمة(1).

- وعن أبي الحمراء قال: رأيتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يأتي باب فاطمة ستّة أشهر فيقول: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .

- وعن أبي برزة قال: صلّيتُ مع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) سبعة عشر شهراً فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة فقال: (السلام عليكم ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ) (3) .

- وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يأتينا كلّ غداة فيقول: (الصلاة رحمكم الله الصلاة ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ) (4) .

- وعن ابن عبّاس قال: شهدنا رسول الله تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب علي (عليه السلام) عند وقت كلّ صلاة فيقول: (السلام عليكم أهل البيت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ) خمس مرّات (5) .

- وروي عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول الله ظلّ أربعين يوماً يتلو الآية كلّما مرّ بمنزل فاطمة لصلاة الفجر (6) .

وإذاً، فلقد كان النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يهدف من وراء هذا التأكيد

____________________

(1) جامع الأُصول: ج1 ص101.

(2) مجمع الزوائد: ج9 ص168.

(3) مجمع الزوائد: ج9 ص199.

(4) غاية المرام: ص195.

(5) الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: ج1 ص89.

(6) مناقب الخوارزمي: ص23.


منح المسألة أبعادها الحقيقيّة، حتّى لا تبقى شأناً عائليّاً عابراً، هذا أوّلاً.

وثانياً:

تعيين المصداق الحقيقي لأهل البيت وتبديد الشكوك التي قد تَرِد إلى الأذهان مستقبلاً، وأخيراً أنْ يكون للحادثة شهود كثيرون يُعَزِّزون الحقيقة ويشهدون بالحق، وينقلونها إلى الأجيال.


أهل البيت (عليهم السلام)

كان لكلٍ من نساء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حجرتها الخاصّة بها؛ ولهذا ورد في التاريخ: بيت عائشة، بيت أُمّ سَلَمَة، بيت زينب، بيت صَفِيَّة... الخ.

وأهل البيت الذين وردتْ فيهم آية التطهير لا تشمل كلّ بيوت النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؛ ذلك أنّ الألف واللام تُشير إلى بيت معهود، ولقد أكّدتْ الروايات المتضافرة أنّ آية التطهير نزلتْ في بيت أُمّ سَلَمَة، ولم يكن فيه سوى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين وأُمّ سَلَمَة.

وتؤكِّد الروايات أيضاً أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) غطّاهم بكساء له وتلا آية التطهير ليكونوا مصداقها الوحيد، حتّى إنّ أُمّ سلمة لمّا أرادتْ دخول الكساء منعها النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وقال: (قومي فتنحّي عن أهل بيتي).

قالتْ: فقمتُ وتنحَّيْتُ في البيت قريباً (1) .

ولقد اتّخذ النبي إجراءات من شأنها سَدّ الطريق أمام المدّعين حتّى من نساء النبي؛ باعتبارهم جزءاً من أهل البيت، نلمس ذلك بوضوح من خلال ما قامتْ به

____________________

(1) مجمع الزوائد: ج9 ص166.


أُمّ سَلَمَة مِن دخول الكساء، فمنعها النبي قائلاً: (أنتِ على مكانك وأنتِ على خير) (1) .

- عن أبي سعيد الخدري: عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (نزلتْ فيَّ وفي علي وفاطمة والحسن والحسين) (2) .

- وعن جابر بن عبد الله: أنّه لم يكن في البيت - لَمّا نزلت آية التطهير على رسول الله - غير علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) (3) .

- وعن شريك بن عبد الله قال: رأيتُ أمير المؤمنين ذات يوم وهو قائم وأصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) جلوس وهو يقول: (... فأُنشدكم الله هل فيكم مَن طهّره الله تعالى في كتابه حيث قال: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) غيري وأهل بيتي).

قالوا: لا (4) .

- وقال علي (عليه السلام) لأبي بكر: (يا أبا بكر تقرأ الكتاب؟

قال: نعم.

قال: فأخبرني عن قول الله تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، فِيْمَنْ نزلتْ؟ فينا أَمْ في غيرنا؟

قال: بل فيكم (5) .

- وذكّرهم الإمام يوم الشورى بذلك: محتجّاً بهذه الآية أيضاً (6) .

- وخطب الإمام الحسن في خلافته: (نحن أهل البيت الذين قال الله سبحانه

____________________

(1) ذخائر العُقبى: ص21.

(2) مجمع الزوائد: ج9 ص167.

(3) تفسير نور الثقلَين: ج4 ص277.

(4) غاية المرام: ص293.

(5) تفسير نور الثقلَين: ج4 ص271.

(6) المصدر السابق: ص372.


فينا: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ) (1) .

وهكذا اقتصرتْ كلمة (أهل البيت) بعد هذه الحادثة على مَن سمّاهم النبي في بيت أُمّ سَلَمَة، وأصبح لهم شأن في قلوب المسلمين. وطالما ذكّر علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) المؤمنين بذلك في مختلف المناسبات.

القادة:

* وإذن، فلا مجال للشكّ في أنّ مصداق أهل البيت هم الخمسة، ولقد قرن سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أهل البيت بالقرآن ليحتلّوا دورهم المنشود في الرسالة الإسلاميّة، فلقد أُريد لهم أنْ يكونوا قادة للمسلمين ومرجعاً عامّاً لهم في شؤون حياتهم.

- عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (إنّي تاركٌ فيكم الثقلَين كتاب الله حبلٌ ممدودٌ من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولنْ يفترقا حتّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوض) (2) .

- وقال سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أيضاً: (مَثَلُ أَهْل بَيْتِي كَمَثَلِ سفينة نوح مَن تعلّقَ بِها نَجَا ومَن تَخَلَّفَ عنها أُوْلِجَ النار) (3) .

- وقال صلوات الله عليه: (النجوم جُعِلَتْ أَمَانَاً لأهل السماء وإنّ أهل بيتي أمانٌ لأُمّتي) (4) .

____________________

(1) مجمع الزوائد: ج9 ص146.

(2) ينابيع المودّة: ص292.

(3) ينابيع المودّة: ص30.

(4) مجمع الزوائد: ج9 ص174.


* والسياق العام للأحاديث يدلّ على استمرار أهل البيت، وأنّهم لا ينتهون بوفاة الخمسة أصحاب الكساء، وأنّهم مقام ثابت بدليل اقترانهم بالقرآن إلى يوم القيامة:

- وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (إنّ الله عزّ وجل جعل ذرِّيَّة كلّ نبي في صلبه، وإنّ الله تعالى جعل ذرِّيَّتي في صُلْب عليّ بن أبي طالب) (1) .

- سُئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (إنّي مخلّفٌ فيكم الثقلَين: كتاب الله وعترتي) مَن العترة؟

فقال: (أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة مِن وُلد الحسين، تاسِعُهُم مَهْدِيُّهُم وَقَائِمُهُم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم، حتّى يَرِدُوا على رسول الله حوضَه) (2) .

- عن علي(عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (إنّي مخلّف فيكم الثقلَين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لنْ يفترقا حتّى يَرِدَا عَلَيَّ الحوض كَهَاتَيْن) - وضمّ بين سبّابَتَيْهِ - فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله ومَن عترتك؟ قال: (عليّ والحسن والحسين والأئمّة مِن وُلد الحسين إلى يوم القيامة) ) (3) .

- عن عبد الرحمن بن كثير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما عنى الله عزّ وجل بقوله: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ؟ قال: (نزلتْ في النبي وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة (عليهم

____________________

(1) المصدر السابق: ص172.

(2) بحار الأنوار: ج23، ص147 / غاية المرام: ص218.

(3) بحار الأنوار: ج23 ص147 / غاية المرام: ص222.


السلام)، فلمّا قبض الله عزّ وجل النبي، كان أمير المؤمنين إماماً، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ وقع تأويل هذه الآية: ( وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) ) (1) .

- وعن علي(عليه السلام) قال: (دخلتُ على رسول الله صلَّى الله عليه وآله في بيت أُمّ سَلَمَة وقد نزلتْ عليه هذه الآية: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ ... ) .

فقالُ رسول الله صلَّى الله عليه وآله: (يا علي هذه الآية فيك وفي سبطَيَّ والأئمّة مِن وُلدك).

فقلتُ: يا رسول الله وكم الأئمّة مِن بعدك؟

قال: (أنت يا علي، ثمّ الحسن والحسين، وبعد الحسين عليّ ابنه، وبعد عليّ محمّد ابنه، وبعد محمّد جعفر ابنه، وبعد جعفر موسى ابنه، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمّد ابنه، وبعد محمّد علي ابنه، وبعد علي الحسن ابنه، والحجّة مِن وُلد الحسن، هكذا أسماؤهم مكتوبة على ساق العرش، فسألتُ الله تعالى عن ذلك فقال: يا محمّد هذه الأئمّة بعدك مطهّرون معصومون وأعداؤهم ملعونون) ) (2) .

____________________

(1) غاية المرام: ص293.

(2) المصدر السابق.


تفسير آية التطهير

يَطلق العربُ على القذارة الظاهريّة والنجاسة اسم: (الرجس) ، وعلى الإثم والمعصية ووسوسة الشيطان كذلك.

- ففي (أقرب الموارد) تعني: القذارة والنجاسة والذنب الذي يجرّ إلى العذاب أيضاً.

- وفي (المنجد): القذارة والعمل القبيح أيضاً.

- ولدى (ابن الأثير) في (النهاية) الرجسُ: النجس والقذر، وتستخدم في العمل الحرام.

- ولدى (الراغب الأصفهاني) في (مفرداته) تعني: القذر والملوّث سواء في الطبع، أو في نظر العقل أو في نظر الشرع، وفي الثلاثة معاً.

* والرجس في ضوء القرآن الكريم له مفهومان:

1 - أحدهما ما يدلّ على النجاسة الظاهريّة، كالميتة والدم ولحم الخنزير كما في قوله تعالى: ( إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ) (1) .

2 - أو نجاسة معنويّة كتلوّث النفس بالآثام أو جرّاء الضلال، كما في قوله سبحانه: ( وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ

____________________

(1) الأنعام: الآية 145.


كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ) (1) .

وقوله أيضاً: ( وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ) (2) .

وقوله عزّ وجل: ( قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ ) (3) .

فالآيات السابقة تشير إلى رجس هو في الواقع ما يعتور النفس من ظلاميّة في التفكير والسلوك، وبتعبير القرآن مرض القلب الذي ينشأ عن غياب الإيمان، الذي يضيء النفس وينشر في أنحائها النور.

على أنّ الرجس الذي أشارتْ إليه آية التطهير لا يمكن أنْ يكون في إطار المعنى الاصطلاحي؛ ذلك أنّ وجوب اجتناب الرجس الظاهري هو أمر مطلوب من جميع (المكلّفين) بينما تصدّرتْ الآية: ( إنّما ) التي تفيد الحصر بأهل البيت.

ثمّ إنّ تنزّه أهل البيت عن النجاسات لا يمكن عدّه امتيازاً لأهل البيت، كما لا يحتاج إلى كلّ هذا الاهتمام البالغ الذي سعى رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى تأكيده في ذاكرة المسلمين، وهو امتياز جعل أُمّ سَلَمَة تطمح في الانضمام إلى أهل البيت، ولو كان معناه التطهّر من النجاسات ما افتخر به عليّ (عليه السلام) ولا احتجّ به الحسن والحسين (عليهما السلام).

وإذن، فالتطهّر من الرجس لا بدّ وأنْ يكون في أعماق الروح وجوانب النفس.

____________________

(1) الأنعام: الآية 125.

(2) التوبة: الآية 125.

(3) الأعراف: الآية 71.


الإرادة:

* الإرادة التي تطرّق إلى ذكرها القرآن الكريم نوعان:

الأوّل:

إرادة تكوينيّة، أي ما كانت في نظام الخلق وناموس الطبيعة من قبيل:

قوله تعالى: ( وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ ) (1) .

وقوله تعالى: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (2) .

ومعنى ذلك أنّ إرادة الله نافذة لا يقف في طريقها شيء، إنّها مشيئته سبحانه التي تعني الحتميّة.

الثاني:

إرادة تشريعيّة، وهي التي جعلها الله في شريعته وأحكامه الواجب تنفيذها من لدن الناس، كـ:

قوله سبحانه في تشريع الصوم مثلاً: ( فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) (3) .

وقوله عزّ وجل: ( مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ ) (4) .

* وفي ضوء ما تقدّم:

- فما هو المعنى الذي ترمي إليه آية التطهير، هل إرادة تشريعيّة أَمْ تكوينيّة؟

- بعبارة أُخرى هل كانت الإرادة مقرّرة في نظام التشريع فأصبح أهل البيت

____________________

(1) الرعد: الآية 11.

(2) يس: الآية 82.

(3) البقرة: الآية 185.

(4) المائدة: الآية 6.


المخاطب المعني بها؟

- وهل كان الخطاب القرآني يطلب من أهل البيت اجتناب الرجس والنجاسات ليكونوا طاهرين؟

وإذاً، سيكون معنى الآية الكريمة: أنّ الله يريد من أهل البيت أنْ يجتنبوا الرجس والنجاسة ليكونوا طاهرين. مع علمنا - جميعاً - أنّ هذا الأمر هو من الشمول بحيث يستوعب المسلمين كافّة. ونحن هنا نَحْتَكُم إلى وجدان القارئ في فهم مدلول الآية وما ترمي إليه.

- ولو كان الخطاب القرآني يرمي إلى هذه المعاني فما هو السرّ في اهتمام النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بذلك؟

- وما هي بواعث أُمّ سَلَمَة في محاولة الانضمام إلى أصحاب الكساء؟!

- وهل أنّ الله لم يرد مِن أُمّ سَلَمَة اجتناب الذنوب والمعاصي والآثام؟

إنّ آية التطهير وما رافقها من حوادث ومواقف تجعل لأصحاب الكساء وأهل البيت امتيازاً رفيعاً وفريداً، فلقد احتجّ بها علي بن أبي طالب في حواره مع أبي بكر حول مسألة (فَدَك) ، واستشهد بها يوم (الشورى) بعد مصرع عمر ، وافتخر بها الحسن في أوّل خطبة له في خلافته.

وهنا نحن نَحْتَكُم إلى وجدان القارئ وهو يستعرض حوادث التاريخ ومواقف الحسن والحسين والأئمّة من بعدهما، والجوّ العام المؤيّد للمضامين الحقيقيّة التي ترمي إليها الآية الكريمة؛ لأنّ التاريخ لم يذكر أبداً أنّ أحداً - حتّى من أولئك الذين وقفوا في الجانب الآخر من خطّ أهل البيت - وقف يوماً واعترض على مرامي الآية بأنّها لا تستحقّ كلّ هذه الضجّة؛ لأنّها مجرّد إرادة إلهيّة تشريعيّة تطلب من أهل البيت اجتناب المعاصي والذنوب ليكونوا طاهرين!

وبانتفاء الجانب التشريعي من الآية لا يبقى سوى التسليم بالإرادة التكوينيّة


المضمون الوحيد للآية من معنى الإرادة.

* وهذا ما أكّدتْه الرواياتُ والأحاديثُ:

- قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (إنّا أهل البيت قد أذهب الله عنّا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) (1) .

- وعنه صلوات الله عليه: (أنا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب إنّ الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم خلقاً، ثمّ جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم، ثمّ جعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم، فأنا خيركم خَلْقَاً، وخيركم قَبِيْلاً، وخيركم بيوتاً، وخيركم نفساً) (2) .

- وعن علي (عليه السلام) قال: (فضل أهل البيت لا يكون كذلك والله عزّ وجل يقول: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) فقد طهّرنا الله من الفواحش ما ظهر منها وما بطن على منهاج الحق) (3) .

* إشكال:

يعترض البعض على أنْ تكون آية التطهير دالّة على العصمة، ذلك أنّها جاءتْ في سياق آيات أُخرى تخاطب نساء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ممّا يوحي جوّها العام إلى أنّ نساء النبي مَعْنِيّات بخطاب الآية أيضاً، وإذا كانت آية التطهير دالّة على العصمة فلا بدّ أنْ تكون نسوة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) معصومات أيضاً، في حين أنّ أحداً لم ولن يدّعي ذلك، وأنّه لا مناص من شموليّة خطاب الآية لنساء الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وبالتالي انتفاء دلالتها على العصمة في كلّ الأحوال.

____________________

(1) ينابيع المودّة: ص292.

(2) المصدر السابق.

(3) غاية المرام: 295.


* الجواب:

كان السيِّد عبد الحسين شرف الدين (رضوان الله عليه) قد أثار نقاطاً عديدة أمام الإشكال أعلاه:

- إنّ الاحتمال المذكور سيكون اجتهاداً مقابل النص؛ ذلك أنّ الروايات التي بلغتْ حدّ التواتر تؤكِّد على انحصار آية التطهير بالنبي(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وعلي وفاطمة والحسن والحسين، وما عرف فيما بعد بأصحاب الكساء، وما ورد عن أُمّ سَلَمَة ومحاولتها الانضمام إلى أهل البيت حيث أجابها النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (مكانك وإنّك على خير).

- إنّ سياق الآيات التي تخاطب نساء النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كانت تعتمد نون النسوة بما لا يَدَع مجالاً للشكّ في أنّ المخاطَبين كانوا نساء النبي فقط، فيما نجد في آية التطهير تغيّراً واضحاً في ضمير المخاطب، ولو كانت النسوة محلاًّ لخطاب آية التطهير لكانت بالشكل التالي: إنّما يريد الله ليذهب عنكنّ الرجس أهل البيت ويطهّركنّ تطهيراً. لا بصيغة الجمع المذكّر الذي ورد في نصّ الآية الكريمة.

لقد كان شائعاً استخدام الجمل الاعتراضيّة لدى العرب، فنجد في سورة يوسف مثلاً جملة اعتراضيّة في السياق القرآني التالي: ( فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) (1) .

____________________

(1) يوسف: الآية 28 - 29.


فجملة: ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) جملةٌ اعتراضيّة، ومن هنا فما هو المانع من أنْ تكون آية التطهير جملة اعتراضيّة جاءتْ ضمن السياق القرآني، لتؤدّي دورها وتأثيرها المطلوب في احترام أهل البيت من قبل الجميع حتّى مِن لدن نسوة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

- بالرغم من إيماننا الكامل بعدم تحريف القرآن الكريم، وأنّ آيات الله هي هي كما نزلتْ على صدر سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لا يوجد فيها نقص أو إضافة، ولكنّ هناك سؤال حول تدوين القرآن والطريقة المتّبعة آنذاك في جمعه، ومن المحتمل أنّ تكون آية التطهير في سياق سورة أُخرى، ثمّ غُيِّر مكانها عمداً أو جهلاً (1) .

ملاحظة:

لقد سبق وأنْ تحدّثنا عن الموضوع، وأنّ قصّة الآية لم تكن عاديّة لتمرّ مرور الكرام، بل إنّ سيّدنا محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) جمع أهل بيته وهم: (علي وفاطمة والحسن والحسين) وغطّاهم بكساء خيبري تأكيداً على ذلك، ثمّ دعا لهم وتلا آية التطهير. وبذلك وضع حدّاً للتساؤلات حول المعنَيَين بأهل البيت، وأعقب ذلك استمرار النبي - ولشهور عديدة - في تلاوتها كلّما مرّ بمنزل فاطمة لِيَسْمَعَهُ الآخرون، حتّى بات البحث من البديهيّات آنذاك، وأصبحتْ الآية حقّاً مسلَّماً لعلي (عليه السلام) يحتجّ بها، وللحسن والحسين (عليهما السلام) يفتخران بشأنهما فيها.

____________________

(1) عن كتاب (الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء) للعلاّمة السيِّد عبد الحسين شرف الدين: ص213.


العصمة في ضوء الأحاديث

* كثيرة هي الأحاديث التي تؤكِّد على عصمة الإمام:

- فعن الرضا (عليه السلام) في حديث له قال: (وإنّ العبد إذا اختاره الله لأمور عباده شرح صدرَه لذلك، وأودع قلبه ينابيع الحكمة، وأَلْهَمَهُ العِلْم إلهاماً، فلم يَعْيَ بعده بجواب ولا يحير فيه عن الصواب. فهو معصوم، مؤيّد، موفّق، مسدّد، قد أَمِنَ من الخطايا والزلل والعِثَار، يخصّه الله بذلك ليكون حجّةً على عباده وشاهده على خلقه: وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (1) .

- وعن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث له قال: (فالإمام هو المنتجب المرتضى والهادي المنتجى والقائم المرتجى، اصطفاه الله بذلك واصطنعه على عينه في الذرّ حين ذَرَأَهُ، وفي البريّة حين بَرَأَهُ ظلاًّ قبل خلقه نسمة عن يمين عرشه، مَحْبُوّاً بالحكمة، في علم الغيب عنده، اختاره بعلمه وانتجبه لطهره، بقيّة من آدم (عليه السلام)، وخيرة من ذرّية نوح، ومصطفى من آل إبراهيم، وسلالة من إسماعيل، وصفوة من عترة محمّد صلَّى الله عليه وآله، لم يزل مَرْعِيّاً بعين الله يَحْفَظُهُ وَيَكْلَؤُهُ بِسِتْرِهِ، مطروداً عنه حبائل إبليس

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص202.


وجنوده، مدفوعاً عنه وقوب الغواسق ونفوث كلّ فاسق، مصروفاً عنه قوارف السوء، مبرّءاً من العاهات، محجوباً عن الآفات، معصوماً من الزلاّت مصوناً عن الفواحش كلّها، معروفاً بالحلم والبرّ في يفاعه، منسوباً إلى العفاف والعلم والفضل عند انتهائه، مسنداً إليه أمر والده، صامتاً عن المنطق في حياته) (1) .

- وعن علي (عليه السلام) قال: (وقد علمتم أنّه لا ينبغي أنْ يكون الوالي على الفروج والدماء والمغانم والأحكام وإمامة المسلمين، البخيلَ، فتكون في أموالهم نَهْمَتُهُ، ولا الجاهل فيضلّهم بجهله، ولا الجافي فيقطعهم بجفائه، ولا الحائف للدول فيتّخذ قوماً دون قوم. ولا المرتشي في الحكم فيذهب بالحقوق ويقف بها دون المقاطع، ولا المعطّل للسُنّة فيُهلك الأُمّة) (2) .

- وعن علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) قال: (الإمام منّا لا يكون إلاّ معصوماً، وليستْ العصمة في ظاهر الخِلْقَة فيُعرف بها؛ فلذلك لا يكون إلاّ منصوصاً.

فقيل له: يابن رسول الله، فما معنى المعصوم؟

فقال: هو المعتصم بحبل الله، وحبل الله هو القرآن لا يفترقان إلى يوم القيامة، والإمام يهدي إلى القرآن والقرآن يهدي إلى الإمام، وذلك قول الله عزّ وجل إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) (3) .

- وعن سليم بن قيس قال: سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: (إنّما الطاعة لله عزّ وجل، ولرسوله، ولأُولي الأمر، وإنّما أمر بطاعة أُولي الأمر؛ لأنّهم معصومون مطهّرون لا يأمرون بمعصيته) (4) .

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص204.

(2) نهج البلاغة: ج2 ص19.

(3) بحار الأنوار: ج25 ص194.

(4) إثبات الهداة: ج1 ص232.


- وعن ابن عبّاس قال: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: (أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من وُلد الحسين مطهّرون معصومون) (1) .

- وعن الإمام الصادق في حديث له قال: (نحن خُزّان علم الله، نحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجّة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض) (2) .

- وعن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (الإمام المطهّر من الذنوب، والمبرّأ عن العيوب، المخصوص بالعلم) (3) .

- وعن سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال: (مَن سَرَّ أنْ ينظر إلى القضيب الياقوت الأحمر الذي غرسه الله بيده ويكون متمسّكاً به، فليتولّ عليّاً والأئمّة مِن وُلده، فإنّهم خيرة الله وصفوته، وهم المعصومون مِن كلّ ذنب وخطيئة) (4) .

- عن حسين الأشقر قال: قلتُ لهشام بن الحكم: ما معنى قولكم: إنّ الإمام لا يكون إلاّ معصوماً؟

قال: سألتُ أبا عبد الله عن ذلك فقال: (المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله وقد قال الله: ( وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) (5) .

- وعن الصادق (عليه السلام) قال: (الأنبياء وأوصياؤهم لا ذنوبَ لهم؛ لأنّهم

____________________

(1) ينابيع المودّة: ص534.

(2) أصول الكافي: ج1 ص269.

(3) المصدر السابق: ص200.

(4) بحار الأنوار: ج25 ص193.

(5) المصدر السابق ص194.


معصومون) (1) .

- وعن الإمام علي (عليه السلام) قال: (لا يُقاس بآل محمّد صلَّى الله عليه وآله من هذه الأُمّة أحد... هم أساس الدين وعماد اليقين... ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة) (2) .

- وعنه (عليه السلام) أيضاً: (وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيّكم، وهم أزمّة الحقّ وأعلام الدين وأَلْسِنَةُ الصِدْق، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن وردّوهم وُرُود الهِيْم العطاش) (3) .

وفي قوله (عليه السلام): (فأنزلوهم منازل القرآن) ما يدلّ على عصمتهم. أي اتّبعوهم كما تتّبعون القرآن. (4)

- وعن الباقر (عليه السلام) في جواب على عن سؤال سأله جابر: لأيّ شيء يُحتاج إلى النبي والإمام؟

فقال: (لبقاء العالَم على صلاحه، وذلك أنّ الله عزّ وجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيها نبي أو إمام. قال الله عزّ وجل: ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ) ، وقال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبتْ النجوم أتى أهلَ السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهلَ الأرض ما يكرهون، يعني بأهل بيته الأئمّة الذين قرن الله عزّ وجل طاعتهم بطاعته فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) ، وهم المعصومون المطهّرون الذين لا

____________________

(1) المصدر السابق: ص199.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 2.

(3) المصدر السابق: الخطبة 83.

(4) شرح ابن أبي الحديد: ج6 ص376.


يذنبون ولا يعصون، وهم المؤيَّدون الموفّقون المسدَّدون) (1) .

- وروى سليم بن قيس عن علي (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ الله تبارك وتعالى طهّرنا وعَصَمَنَا وجَعَلَنَا شهداء على خَلْقِهِ وَحُجَّته في أرضه، وجَعَلَنَا مَعَ القرآن، وجعل القرآن معنا لا نفارقه ولا يفارقنا) (2) .

ويبقى حديث الثقلَين في طليعة الأحاديث التي تؤكِّد عصمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو من الأحاديث المتواترة والمشهورة في كتب المسلمين جميعاً، ولا يمكن لأحد أنْ يُشكّك في صدوره عن سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) (3) .

- وعلى سبيل المثال ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعتُ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: (أيُّها النّاس إنّي تركتُ فيكم الثقلين إنْ أخذتُم بهما لن تضلّوا، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لنْ يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض) (4) .

* والتأمّل في الحديث يقود إلى الإيمان بما يلي:

- إنّ عترة النبي منزّهةٌ عن الخطأ والذنب؛ لأنّ سيّدنا محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: (إنْ أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي)، ولمّا كان اتّباعهم أماناً من الضلال والانحراف، فمعنى هذا عصمتهم عن الخطأ، وأنّهم قدوة للمسلمين

____________________

(1) بحار الأنوار: ج23 ص19.

(2) أصول الكافي: ج1 ص191.

(3) يتجاوز عدد الصحابة الذين رووا الحديث أكثر من ثلاثين صحابيّاً، وقد رُوي بعبارات مختلفة وأسانيد متعدِّدة ضبطتْها كتبُ الفريقَين، فهناك ما يربو على التسعة والثلاثين حديثاً في صحاح أهل السُنّة، واثنان وثمانين حديثاً ضبطتْها كتبُ الشيعة، وقد أفرد مير حامد حسين الهندي في كتابه (العبقات) جزءاً مستقلاًّ لهذا الحديث.

(4) ينابيع المودّة: ص36.


في عملهم وقولهم.

- إنّهم المرجع العلمي للمسلمين، وإنّ على المسلمين - حتى من الذين لا يعتقدون إمامتهم - الرجوع إليهم في شؤون دينهم.

- إنّ اقترانهم بالقرآن يعني بقاءهم إلى يوم القيامة، وإذنْ فجميع العصور لا تخلو من وجود إمام.

* إشكال:

لقد ورد في أدعية الأئمّة الأطهار ما يدلّ على اقترافهم الذنوب وطلبهم الغفران من الله عزّ وجل بل كانوا يبكون خوفاً من عذاب الله وجحيم الآخرة، ومع هذه الاعترافات الصريحة كيف ننسبهم إلى العصمة، وهم ينوحون خشيةً من عذاب الله يوم القيامة؟!

* الجواب:

لا يبقى بعد إثبات عصمة الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) في ضوء (الأدلّة العقليّة والقرآن الكريم والأحاديث الشريفة) سوى تأويل هذه الأدعية وفهمها في أُطر معيَّنة على افتراض صحّة أسانيدها، حيث يمكن تفسير ذلك من خلال ما يلي:

- إنّ الأئمّة (عليهم السلام) يعيشون حالة من الشهود الكامل، فهم قد وقفوا على قدرة الله وعظمته المطلقة، كما أنّهم يشعرون بفقرهم الذاتي في كلّ شيء، وأنّهم لا شيء أمام الله عزّ وجل، فكلّ شيء منه سبحانه، فَمَهْمَا عبدوا الله سبحانه ومهما تضرّعوا إليه فإنّهم لنْ يؤدّوا حقّه.


- إنّ الأئمّة (عليهم السلام) يسيرون في طريق الكمال ومدارج التكامل، فكلّما ارتقَوا درجة اشتدّتْ نصاعة نفوسهم، فيشعرون بتقصيرهم ويندمون على عباداتهم وطاعاتهم فيما مضى؛ لأنّها في نظرهم لا تليق بشأنه تعالى، فهم في حياء من الله وشعور بالذنب يدفعهم إلى طلب المغفرة.

- إنّ الأئمّة جعلوا من الدعاء وسيلة لإرشاد الأمّة، خاصّةً في الفترات الحرجة، حيث سيوف الجلاّدين تكاد تهوي على أعناقهم، فكانوا بدعائهم ينشرون معارف الإسلام ويرشدون المسلمين إلى جادّة الصواب، وهذا ما نراه جليّاً في تراث السجّاد (عليه السلام).

والأئمّة المعصومون هم مُعَلِّمُو الإنسانيّة، فربّما كانوا يهدفون من دعائهم تعليم الناس أدب الدعاء ولغة التضرّع إلى بارئ الإنسان وواهب الحياة. ومَن يقرأ أدعية المعصومين (عليهم السلام) يجدها قريبة إلى النفس، مؤثِّرة في القلب؛ لأنّها تنبع من طبيعة الإنسان المحتاج الفقير الغافل الذي يخاف سوء العاقبة ويرجو رحمةَ ربّه.

وأخيراً يمكن تفسير ظاهرة الدعاء لدى الأئمّة بأنّها نابعة من كلّ ما ذكرنا جميعاً.


الفصل الرابع

العِلْم



معرفة الأحكام

تعتقد الإماميّة بأنّ الإمام يجب أنْ يكون عالماً بالأحكام، محيطاً بالشريعة، عارفاً بأسباب السعادة وعلل الشقاء، خبيراً بطرائق الأخلاق، هادياً إلى سبيل الرشاد.

* وهي تسوق - من أجل إثبات ذلك أدلّتها - عبر طريقَين:

الأوّل:

وهو ذات الأدلّة التي ذُكرتْ في إثبات ضرورة الإمام، كصفة من صفاته، وبشكل سريع يمكن القول إنّ وجود فرد كامل يعكس بشكل فعلي قابليّة النوع الإنساني على التكامل والسير في طريق الكمال، وهو بهذا يجسّد غائيّة الوجود البشري. فكيف يمكن تصوّر فرد كهذا أنْ يكون جاهلاً بأحكام الشريعة، في حين يعيش حالة من الشهود الكامل لحقيقة الدين، وهو في ذات الوقت محلّ لتلقّي الفيض الإلهي الذي ينعكس عنه إلى سائر البشر.

الثاني:

إنّ الله الحكيم الذي خلق الإنسان وأودع فيه قابليّة التكامل والكمال، لم يتْركه سدى ليهوي في مطبّات الضلال، بل أعدّ له طريقاً تكامليّاً يكفل له السعادة في الدنيا وفي الآخرة، ومِن هنا بعث له أنبياء يدلّونه الطريق، ولأنّ وجود النبي محدود زمنيّاً فقد اقتضتْ حكمة الله ولطفه أنْ يبقى طريقه قائماً وصراطه دائماً وبابه مفتوحاً لداعيه، فكان وجود فرد معصوم يخلف النبي في تبليغ الرسالة وإقامة الدين وإرشاد الناس من لطف الله عزّ وجل. وحتّى لا


يبقى البشر بلا هداة والدين بلا دعاة وهو ما اصطُلح عليه بالإمام.

وإذا كانتْ مهمّة الإمام هي في حفظ الشريعة والأحكام، لزم أنْ يكون عالماً بها، محيطاً بأسرارها، حافظاً لمعارفها؛ فكيف يكون الإمام وهو مرجع الأنام عاجزاً عن حلّ مسائل الإسلام؟!

عِلْم الإمام في ضَوء الأَحاديث:

* في هذا المضمار أحاديث وروايات منها ما روي:

- عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوله: (فيهم كرائم القرآن، وهم كنوز الرحمن، إنْ نطقوا صدقوا، وإنْ صمتوا لم يسبقوا) (1) .

- وعنه (عليه السلام) قال: (هم عيش العلم وموت الجهل، يخبركم حلمهم عن علمهم، وظاهرهم عن باطنهم، وصمتهم عن حكم منطقهم، لا يخالفون الحقّ ولا يختلفون فيه) (2) .

- وعنه أيضاً قال: (بهم عاد الحق في نصابه، وانْزَاحَ الباطل عن مقامه، وانقطع لسانه من منبته، عقلوا الدين عقل وعاية ورعاية، لا عقل سماع ورواية، فإنّ رواة العلم كثير، ورعاته قليل) (3) .

- وعن عبد الله بن سليمان العامري عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ما زالتْ الأرض إلاّ ولله فيها الحجة يَعرِفُ الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله) (4) .

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 150.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 143.

(3) المصدر السابق: الخطبة 234.

(4) أصول الكافي: ج1 ص178.


- وعن زرارة وفضيل عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إنّ العلم الذي نزل مع آدم لم يُرفع، والعلم يتوارث، وكان علي (عليه السلام) عالم هذه الأُمّة، وأنّه لم يُهلك منّا عالم قط إلاّ خَلَفَه مِن أهله مَن عَلِم مثل عِلْمِهِ أو ما شاء الله) (1) .

- وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ الله عزّ وجل أوضح بأئمّة الهدى من أهل بيت نبيّنا عن دينه، وأبلج بهم عن سبيل منهاجه، وفتح بهم عن باطن ينابيع علمه، فَمَن عَرِف مِن أُمّة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) واجب حقّ إمامه، وجد طعمَ حلاوة إيمانه، وعَلِمَ فَضْل طلاوة إسلامه؛ لأنّ الله تبارك وتعالى نصب الإمام عَلَمَاً لِخَلْقِهِ، وجعله حجّة على أهل موادّه وعالمه، وأَلْبَسَهُ الله تاجَ الوقار وغشّاه من نور الجبّار، يمدّ بسبب إلى السماء لا ينقطع عنه موادّه، ولا ينال ما عند الله إلاّ بجهة أسبابه، ولا يقبل الله أعمال العباد إلاّ بمعرفته، فهو عالم بما يَرِدُ عليه من ملتبسات الدُجَى، ومعميات السنن، ومشتبهات الفتن، فلم يزل الله تبارك وتعالى يختارهم لخلقه من وُلد الحسين من عقب كلّ إمام) (2) .

- وعن الإمام علي (عليه السلام) قال: (اللّهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، لِئَلاّ تبطل حجج الله وبَيِّنَاته، كم ذا وأين أولئك، أولئك والله الأقلّون عدداً الأعظمون عند الله قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيّناته حتّى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين واستلانوا ما استوعره المُتْرَفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى. أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه (3) .

____________________

(1) المصدر السابق: ص222.

(2) ينابيع المودّة: ص26 و574 / أصول الكافي: ج1 ص203.

(3) نهج البلاغة: الخطبة 147 / ينابيع المودّة ص624 / مناقب الخوارزمي: ص264.


وأحاديث أُخرى:

- وعن الحسن بن علي (عليه السلام) قال: (إنّ الأئمّة منّا، وإنّ الخلافة لا تصلح إلاّ فينا، وإنّ الله جعلنا أَهْلَهَا في كتابه وسُنّة نبيّه، وإنّ العلم فينا ونحن أهله، وهو عندنا مجموع كلّه بحذافيره، وإنّه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة - حتّى أرش الخدش - إلاّ وهو عندنا مكتوب بإملاء رسول الله وبخط علي بيده) (1) .

- وعن محمّد بن مسلم عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إنّ العلم يتوارث، ولا يموت عالم إلاّ وترك مَن يَعْلم مِثْل عِلْمه أو ما شاء الله) (2) .

- وعن الحارث بن المغيرة قال: سمعتُ الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: (إنّ العلم الذي نزل مع آدم عليه السلام لم يُرفع، وما مات عالم إلاّ وقد ورث علمه، إنّ الأرض لا تبقى بغير عالم) (3) .

- وعن الصادق(عليه السلام) أيضاً قال: (نحن شجرة النبوّة، وبيت الرحمة، ومفاتيح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وموضع سرّ الله، ونحن وديعة الله في عباده، ونحن حرم الله الأكبر، ونحن ذمّة الله، ونحن عهد الله، فَمَن وَفَى بعهدنا فقد وفى بعهد الله، ومَنْ خفرها فقد خفر ذمّة الله) (4) .

- وعنه أيضاً قال: إن لله عزّ وجل علمين: (عِلْمَاً عنده لم يُطلِع عليه أحداً مِن خلقه، وعِلْمَاً نَبَذَهُ إلى ملائكته ورسله، فما نَبَذَهُ إلى ملائكته ورسله فقد

____________________

(1) الاحتجاج للطبرسي: ج2 ص6.

(2) أصول الكافي: ج1 ص222.

(3) أصول الكافي: ج1 ص223.

(4) المصدر السابق: ص221.


انتهى إلينا) (1) .

- وعنه أيضاً قال: (والله إنّا لخزّان علم الله في سمائه وأرضه لا على ذهب ولا فضة إلاّ على علمه)(2).

- وعن أيضاً قال: (إنّ الله خَلَقَنَا وصوّرنا فأحسن صورنا، وجعلنا خُزّانه في سمائه وأرضه، ولنا نطقتْ الشجرة، وبعبادتنا عُبِد الله ولولانا ما عُبد الله) (3) .

- وعن عبد الملك بن عطا عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (نحن أولو الذكر، ونحن أولو العلم، وعندنا الحلال والحرام) (4) .

- وعن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (يا أبا بصير نحن شجرة العلم ونحن أهل بيت النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وفي دارنا مهبط جبرئيل، ونحن خزّان علم الله، ونحن معادن وحي الله، مَن تَبِعَنَا نَجَا ومَنْ تَخَلّف عنّا هَلَكَ، حَقّاً على الله عزّ وجل) (5) .

- وعن علي (عليه السلام) قال: (نحن أنوار السموات والأرض، وسفن النجاة، وفينا مكنون العلم، وإلينا المصير) (6) .

- وعن الصادق (عليه السلام) قال: (نحن خزّان علم الله، نحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن حجّة الله البالغة على مَن دون السماء وفوق الأرض) (7) .

____________________

(1) المصدر السابق: ص255.

(2) غاية المرام: ص514.

(3) غاية المرام: ص514.

(4) المصدر السابق: ص517.

(5) المصدر السابق: 515.

(6) تذكرة الخواص: ص130.

(7) أصول الكافي: ج1 ص269.



مصادر علوم الإمام

الكتب المصدر الأوّل:

هناك مصادر متعدِّدة تشكّل بمجموعها شخصيّة الإمام العلميّة، فالمصدر الأوّل: الكتب، والصحف، التي ورثها الأئمّة عن رسول الله(صلَّى الله عليه وآله).

ولقد مرّت الدعوة الإسلاميّة بفصول ومنعطفات تاريخيّة مثيرة وخطيرة، منذ أنْ أشرق النور في مكّة وحتّى تشكيل الدولة الإسلاميّة بعد هجرة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى المدينة.

فالأوضاع المتأزّمة في مكّة، والحرب المعلنة، والتعذيب والحصار والمطاردات لم تَسمح للنبي ولا للذين آمنوا به سوى الدفاع عن النفس، والصمود بوجه أذى قريش ومحاولاتهم القضاء على الرسالة الجديدة.

والتأمّل في تلك الحقبة المريرة من الحصار والتعذيب والهجرة، واللجوء إلى بعض الدول، لم تترك فرصة في التفكير لتدوين الأحكام الدينيّة.

كما أنّ تشكيل الدولة الإسلاميّة بعد الهجرة إلى المدينة، والمسؤوليّات الكبرى في إقامة مجتمع جديد، والدفاع عن الكيان الإسلامي، جعل من المدينة قاعدة عسكريّة كبيرة على أهبة الاستعداد وفي حالة من الاستنفار الدائم، ويكفي أيضاً تصفّح تلك الفترة من التاريخ وإحصاء المواجهات والصِدامات الحربيّة ليُلقى الضوء على مدى استيعاب الهم الدفاعي في حياة المسلمين إلى أنْ


استتبَّ الوضع بانتصار الإسلام نهائيّاً في شبه الجزيرة.

وبالرغم من الجوّ العام الذي لم يكن يسمح بنشاط ثقافي واسع، فإنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يغفل هذا الجانب الحيوي، خاصّةً بعد شعوره باقتراب أَجَلِهِ.

علي في مدرسة الوحي:

كان سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يفكّر في المدى البعيد.. عندما يرحل عن الدنيا فيستيقظ المسلمون مِن غَفْلتهم.. يبحثون عمّن يُجيب عن أسئلتهم، ويعلّمهم أحكام دينهم فلا يجدونه، ومن هنا - وامتثالاً لأمر الله - كان الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يعدّ عليّاً خليفة له، فيودع لديه علوم الرسالة.

إنّ شخصيّة علي إنّما هي نتاج التربية المحمّديّة قبل الرسالة وبعدها، فمنذ أنْ أطلّ عليّ على الدنيا وجد نفسَه في أحضان محمّد(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ومنذ ذلك الوقت لم يُفارق عليٌّ أخاه وابنَ عمّه إلى أنْ أغمض عينَيه.

- قال رسول الله(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): (يا علي إنّ الله أَمَرَنِي أنْ أُدنيك وأُعلّمك لتعي، فأنزل الله هذه الآية: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ) (1) .

- وعن ابن عبّاس عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: (سألتُ ربِّي أنْ يجعلها أُذُنَ علي) ، وقال علي كرّم الله وجهه: (ما سمعتُ من رسول الله شيئاً إلاّ وحفظته ووعيتُه ولم أَنْسَهُ مدى الدهر) (2) .

- وعن علي (عليه السلام) قال في خطبة له: (وقد عَلِمْتُم موضعي مِن

____________________

(1) غاية المرام: ص367.

(2) مناقب الخوارزمي: ص200 / غاية المرام: ص367.


رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد، يضمّني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسّني جسده، ويشمّني عرفه، وكان يمضع الشيء ثمّ يُلْقِمْنِيْهِ، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل، ولقد قرن الله تعالى به (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من لدن أنْ كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته، يسلك به طرق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنتُ اتبعه اتّباع الفصيل إثر أُمّه، يرفع لي في كلّ يوم علماً من أخلاقه ويأمرني بالإقتداء به، ولقد كان يجاور في كلّ سَنَة بحراء فأراه ولا يراه غيري وغير خديجة، ولم يجمع بيت واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وخديجة وأنا ثالثهما أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة) (1) .

- وعن ابن عباس عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: (لمّا صِرْتُ بين يدي ربّي كلّمني وناجاني، فما علمتُ شيئاً إلاّ علّمتُه عليّاً، فهو باب علمي) (2) .

منزلته العلميّة:

لقد حبا الله عليّاً (عليه السلام) باستعدادات ذاتيّة ليكون مستودعاً لعلوم الرسالة وأسرار الوحي، وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يشرف على تربيته منذ نعومة أظفاره، ولقد واكب مسيرة الإسلام وهو ما يزال صبيّاً، وعاش جميع الظروف، ووقف إلى جانب صاحب الرسالة لم يفارقه لحظة واحدة.

- يقول (عليه السلام): (والله ما نزلتْ آية إلاّ وقد علمتُ فيما نزلتْ وأين

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 187 / ينابيع المودة: ص76.

(2) ينابيع المودة: ص79.


نزلت وعلى مَن نزلتْ، وإنّ ربّي وَهَبَ لي لساناً طلقاً وقلباً عقولاً) (1) .

- وعنه (عليه السلام) قال: (سلوني عن كتاب الله فإنّه ليس من آية إلاّ وقد عرفتُ بليل نزلتْ أَمْ نهار، أَمْ في سَهْل أَمْ في جَبَل) (2) .

- وعن سبط الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: (لمّا نزلتْ هذه الآية: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) ، قالوا: يا رسول الله هو التوراة أو الإنجيل أو القرآن قال: لا. فأقبل إليه أبي عليٌّ (عليه السلام) فقال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): هو هذا الإمام الذي أحصى فيه علم كلّ شيء) (3) .

- وعن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: (ما بين لوحي المصحف من آية إلاّ وقد علمتُ فيمَن نزلتْ وأين نزلتْ، وإنّ بين جوانحي لَعِلْمَاً جمّاً، فسلوني قبل أنْ تفقدوني. وقال: إذا كنتُ غائباً عن نزول الآية كان يحفظ عليّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ما كان ينزل عليه من القرآن، وإذا قدِمتُ عليه أَقْرَأنِيْه ويقول: يا علي أنزل الله بعدك كذا وكذا وتأويله كذا وكذا ويعلّمني تأويله وتنزيله) (4) .

- وعنه (عليه السلام) قال: (بل اندمجت على مكنون علم لو بحتُ به لاضطربتُم اضطراب الأرشية في الطوي البعيدة) (5) .

- وعن أيضاً قال: (إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) علّمني أَلْفَ باب،

____________________

(1) ينابيع المودة: ص79 / نظم درر السمطين: ص126 / مناقب الخوارزمي: ص46 / طبقات ابن سعد:ج2 ص101.

(2) مناقب الخوارزمي: ص46.

(3) ينابيع المودّة: ص87.

(4) المصدر السابق: ص83.

(5) نهج البلاغة: الخطبة 4.


وكلّ باب يفتح أَلْفَ باب، فذلك ألف ألف باب، حتّى علمتُ ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعلمتُ علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب) (1) .

- وعنه أيضاً قال: (إنّ في ههنا لَعِلْمَاً جَمّاً عَلَّمْنِيْه رسولُ الله، لو أجدُ له حفظةً يَرْعَوْنَه حقّ رِعَايته، وَيَرْوُونَه عَنِّي كما يسمعونه مِنِّي، إذاً أودعتُهم بعضَه، ليعلم به كثيراً من العلم مفتاح كلّ باب، وكلّ باب يَفتح له ألف باب) (2) .

أكثر الصحابة روايةً:

قيل لعلي (عليه السلام): مالك أكثر أصحاب رسول الله حديثاً؟ فقال: (إنّي كنتُ إذا سألتُه أنبأني، وإذا سكتُّ ابتدأني) (3) .

ولم يكن الصحابة كما ورد في كتب التاريخ ليجرأون على سؤال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، إمّا تهيُّباً منه، أو عجزاً عن إدراك الجواب، بل كان بعضهم يتمنّى حضور إعرابي قد يسأل النبي فيصغون إليه ليتعلّموا شيئاً.

- عن سعيد بن المسيب قال: لم يكن أحد من الصحابة يقول: سلوني إلاّ علي بن أبي طالب.

- وعن سعيد البحتري قال: رأيتُ عليّاً على منبر الكوفة وعليه مدرعة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وهو متقلّد بسيفه ومعتمّ بعمامته (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فجلس على المنبر فكشف عن صدره وقال: (سلوني قبل أنْ تفقدوني، فإنّما بين الجوانح مِنِّي علم جمّ هذا، سفط العلم، هذا لعاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هذا ما زقّني رسول الله زقّاً زقّاً) (4) .

____________________

(1) ينابيع المودّة: ص88.

(2) غاية المرام: ص518.

(3) طبقات ابن سعد، ج2، ق2، ص101.

(4) ينابيع المودّة: ص84.


شهادة الرسول:

ولقد بلغ الإمام علي درجة رفيعة، حتّى شهد النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعلوّ شأنها في قوله (صلوات الله عليه وآله): (ليهنئك العلم أبا الحسن، لقد شربتَ العلم شرباً ونهلته نهلاً) (1) .

- وعنه عليه الصلاة والسلام قال: (أنا دار الحكمة وعلي بابها) (2) .

- وعن أيضاً قال: (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فَمَنْ أراد العلم فليأت الباب) (3) .

- وعنه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: (يا علي، أنا مدينة العلم وأنت بابها، كذب مَن زعم أنّه يصل إلى المدينة إلاّ من قِبل الباب) (4) .

ويدوّن علوم النبوّة:

دعا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لعليّ ليكون الأذن الواعية، فلا يَنسى شيئاً ولا يُخطئ في شيء، فهو مستودع سرّه وأمين على علمه، فلم ينسَ شيئاً ممّا سمعه عن النبي، ولم يكن محتاجاً لأنْ يدوِّن ذلك إلاّ امتثالاً لأمر النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي أمره بتدوين علوم الوحي وأسرار الرسالة.

- عن علي (عليه السلام) قال: (قال رسول الله صلَّى الله عليه وآله: يا علي اكتب ما أُملي عليك قلت يا رسول الله أتخاف عليَّ النسيان؟ قال: لا وقد دعوتُ الله عزّ وجل أنْ يجعلك حافظاً ولكن اكتب لشركائك الأئمّة مِن وُلدك) (5) .

____________________

(1) ذخائر العقبى: ص78 / مناقب الخوارزمي ص41.

(2) ينابيع المودّة: ص81 / ذخائر العقبى: ص77.

(3) ينابيع المودّة: ص82 / مناقب الخوارزمي: ص40.

(4) ينابيع المودّة: ص82.

(5) ينابيع المودة: ص22.


كتابُ علي:

وبناءً على أمر الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وإملائه، راح عليّ (عليه السلام) يدوّن العلوم في كتاب؛ ليكون ميراثاً للأئمّة من بعده، وهناك أيضاً (الجامعة) ، و (صحيفة فاطمة) ، وهي كلّها من علوم النبوّة وأسرار الوحي والرسالة.

- عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ عندنا صحيفة طولها سبعون ذراعاً من إملاء رسول الله وخط علي بيده، فيها كلّ حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتّى الأرش في الخدش) (1) .

- عن محمّد بن مسلم قال: سألتُه عن ميراث العلم، أَجَوَامِع هو من العلم، أَمْ فيه تفسير كلّ شيء من هذه الأُمور التي يتكلّم فيها الناس من الطلاق والفرايض؟ فقال: (إنّ عليّاً (عليه السلام) كتب العلم كلّه: القضاء والفرايض، فلو ظهر أمرنا فلم يكن شيئاً إلاّ وفيه سُنّة نمضيها) (2) .

الجفر والجامعة:

- عن أبي عبيدة قال: سأل أبا عبد الله بعضُ أصحابنا عن الجفر فقال: (هو جلد ثور مملوء عِلْمَاً) قال فالجامعة؟ قال: (تلك صحيفة طولها سبعون ذراعاً في عرض الأديم مثل فخذ الفالج (الجمل العظيم ذو السنامين) فيها كلّ ما يحتاج الناس إليه، وليس مِن قضيّة إلاّ وهي فيها حتّى أرش الخدش) (3) .

- وعن بكر بن كرب الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (إنّ عندنا ما لا

____________________

(1) جامع أحاديث الشيعة: ج1 ص133.

(2) جامع أحاديث الشيعة: ج1 ص138.

(3) أصول الكافي: ج1 ص241.


نحتاج معه إلى الناس، وإنّ الناس ليحتاجون إلينا، وإنّ عندنا كتاباً إملاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وخط علي، صحيفة فيها كلّ حلال وحرام، وإنّكم لتأتون بالأمر فنعرف إذا أخذتم به ونعرف إذا تركتموه) (1) .

- وعن أبي مريم قال: قال لي أبو جعفر: (عندنا الجامعة، وهي سبعون ذراعاً، فيها كلّ شيء حتّى أرش الخدش، إملاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وخط علي وعندنا الجفر وهو أديم عكاظي قد كتب فيه حتّى ملئت أكارعه، فيه ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة) (2) .

جامع للأحكام:

- عن عذافر الصيرفي قال: (كنت مع الحكم بن عيينة عند أبي جعفر (عليه السلام) فجعل يسأله، وكان أبو جعفر له مكرماً فاختلفا في شيء، فقال أبو جعفر (عليه السلام): (يا بني قم فاخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه وجعل ينظر حتّى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر هذا خط علي وإملاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأقبل على الحكم وقال: يا أبا محمّد اذهب أنت وسلمة وأبو المقدام حيث شئتم يميناً وشمالاً فوالله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل) (3) .

- عن المعلى بن خنيس قال: عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ الكتب كانت عند علي (عليه السلام) فلمّا سار إلى العراق استودع الكتب أُمّ سَلَمَة فلمّا مضى عليّ كانت عند الحسن، فلمّا مضى الحسن كانت عند الحسين،

____________________

(1) المصدر السابق.

(2) جامع أحاديث الشيعة: ج1 ص132.

(3) جامع أحاديث الشيعة: ج1 ص8.


فلما مضى الحسين كانت عند علي بن الحسين، ثمّ كانت عند أبي) (1) .

- عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلتُ: أخبرني عن علم عالمكم؟ قال: (وراثة من رسول الله ومن علي، قال: قلتُ: إنّا نتحدّث أنّه يقذف في قلوبكم وينكت في آذانكم قال: أو ذاك) (2) .

ويُستفاد من مجموع الأحاديث أنّ سيّدنا محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد عمل على تدوين كتاب يضمّ مسائل الحلال والحرام ليكون ميراثاً للمسلمين، وأنّه أودعه لدى أوصيائه من بعده؛ لأنّهم ورثة علمه ومراجع المسلمين في قابل الأيّام، وأنّه قام بتربية علي وإعداده لتحمّل هذه المسؤوليّة الخطيرة؛ امتثالاً لأمر الله عزّ وجل، ومن هنا فإنّ هذه الكتب هي ميراث الأئمّة الأطهار عن جدّهم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فكلّ ما يحدّثون به هو في الواقع لا يمثّل آراءهم الخاصّة، بل هو من العلم الذي ورثوه عن صاحب الرسالة صلوات الله عليه.

عن هشام بن سالم وحمّاد بن عثمان وغيرهما عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين, وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين عليه السلام، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلَّى الله عليه وآله، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجل) (3) .

____________________

(1) المصدر السابق: 141.

(2) إثبات الهداة: ج1 ص248.

(3) أصول الكافي: ج1 ص53.


القرآن المصدر الثاني

اقترن ذِكْر أهل البيت (عليهم السلام) بالقرآن الكريم، فلا غرو أنْ نرى القرآن في حجورهم يدورون معه حيث دار، فهو نبعهم الصافي ينهلون منه أخلاقهم وعلومهم.

وقد حبا الله الأئمّة بالأُذُن الواعية، فسمعوه ووعَوه، وغاصوا في لُجَجِ بَحْرِهِ، واستخرجوا لآلئ علمه ومكنونات سِرِّه.

- عن المعلّى بن خنيس قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (ما من أمر يَختلف فيه اثنان إلاّ وله أصل في كتاب الله عزّ وجل، ولكن لا تَبْلُغُهُ عُقُولُ الرجال) (1) .

- وعن أبي الجارود قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (إذا حدّثْتُكم بشيء فسلوني من كتاب الله.

ثمّ قال في بعض حديثه: إنّ رسول الله صلَّى الله عليه وآله نهى عن القيل والقال، وفساد المال، وكثرة السؤال.

فقيل له: يا ابن رسول الله أين هذا من كتاب الله؟

قال: إنّ الله عزّ وجل يقول: ( لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) (2) .

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص60.

(2) المصدر السابق.


- وعن سماعة قال عن أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام) قال: قلت له: أَكُلُّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؟ أَوَ تقولون فيه؟ قال: (بل كلّ شيء في كتاب الله وسنّة نبيه) (1) .

- وعن علي أمير المؤمنين قال: (ذلك القرآن فاستنطقوه ولنْ ينطق لكم، أُخْبِرُكُم عنه، إنّ فيه علم ما مضى، وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحُكْم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتُمُوني عنه لعلّمْتُكم) (2) .

- وعن سلمة بن محرز قال: سمعتُ الباقر (عليه السلام) يقول: (إنّ مِن عِلْم ما أوتينا تفسير القرآن وأحكامه، وعلم تغيير الزمان وحدثانه، إذا أراد الله بقوم خيراً أسمعهم، ولو أسمع مَن لم يسمع لولّى مُعْرِضَاً كأنْ لم يسمع، ثمّ أمسك هُنَيْئَة ثم قال: ولو وجدنا أوعية لقلنا والله المستعان) (3) .

- وعن عبد الأعلى مولى آل سام قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (والله إنّي لأَعْلَمُ كتاب الله من أوّله إلى آخره، كأنّه في كفّي، فيه خبر السماء وخبر الأرض، وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، قال الله عزّ وجل: فيه تبيان كلّ شيء) (4) .

- وعن بريد بن معاوية قال: قلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): ( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) ؟ قال: (إيّانا عنى، وعلي أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلَّى الله عليه وآله) (5) .

____________________

(1) المصدر السابق: ص62.

(2) المصدر السابق: ص61.

(3) أصول الكافي: ج1 ص229.

(4) المصدر السابق: ص229 / ينابيع المودّة: ص26.

(5) أصول الكافي: ج1 ص229 / ينابيع المودّة: ص119.


- وعن إسماعيل بن جابر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: (كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخَبَر ما بعدكم، وفصل ما بينكم، ونحن نعلمه) (1) .

- وعن جابر قال: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (ما ادّعى أحدٌ مِن الناس أنّه جمع القرآن كلّه كما أُنزل إلاّ كذّاب، وما جمعه وحفظه كما نزّله الله تعالى إلاّ علي بن أبي طالب (عليه السلام) والأئمّة من بعده) (2) .

وفي النتيجة:

فإنّ الأخبار والروايات التي ذكرنا أمثلة منها تشير إلى أنّ الأئمّة الطاهرين كانوا ينهلون علومهم من القرآن الكريم (3) ؛ لأنّه نزل ( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) . وهم أعلم الناس بعلوم القرآن:

- ناسخه ومنسوخه.

- محكمه ومتشابهه.

- الخاص منه والعام المطلق والمقيّد، ومن أجل هذا تواتر الحديث عن سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والمعروف بحديث الثقلين: (إنّي تارك فيكم ما إنْ تَمَسَّكْتُم بِهِمَا لَنْ تَضِلّوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لَنْ يَفْتَرِقَا).

لقد كان النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يرمي من وراء ذلك إلى جعل الأئمّة مِن بعده مراجع للمسلمين؛ لأنّهم الامتداد الطبيعي له، وقد اصطفاهم الله لذلك وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

وأخيراً نؤكّد مرّة أُخرى - ومن خلال ما ورد من النصوص النبويّة الشريفة - أنّ طاعة الأئمّة واجبةٌ على كلّ المسلمين، وهي تشمل حتّى أولئك الذين لا يعتقدون بإمامتهم؛ لأنّ أقوالهم حجّة على الجميع.

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص61.

(2) المصدر السابق: ص228.

(3) وفي ضوء ذلك نفهم المعنى المنشود من الآية الكريمة حول القرآن الكريم ( لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) ، خاصّةً إذا أَخَذْنا بنظر الاعتبار المعنى الحقيقي لكلمة (المسّ). المترجم.


عالم الغيب المصدر الثالث

ولا تنحصر علوم الأئمّة بالمصدرَين السابقين فهناك مصدر ثالث يتمثّل بالارتباط بعالم الغيب، فالإلهام والفيض الإلهي لطف من الله سبحانه خصّ به عباده المطهّرين، فالعلم جذوة تتوقّد في أعماق الإمام، تنير له رؤيته وتطلّعه على حقائق العالم، وفي هذا جاءتْ الروايات.

* ومنها:

- عن الإمام موسى بن جعفر قال: (مبلغ علمنا على ثلاثة وجوه: ماضٍ، وغابر، وحادث، فأمّا الماضي فمفسّر، وأمّا الغابر فمزبور (مكتوب) وأمّا الحادث فقذْف في القلوب ونقْر في الأسماع) (1) .

- عن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلتُ: أخبرني عن علم عالمكم؟ قال: (وراثة مِن رسول الله ومِن علي، قال: قلتُ: إنّا نتحدّث أنّه يقذف في قلوبكم وينكت في آذانكم؟ قال: أو ذاك) (2) .

- وعن المفضل بن عمر قال: قلتُ لأبي الحسن (عليه السلام): روينا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ علمنا غابر، ومزبور، ونكْت في القلوب، ونقْر في الأسماع، فقال: أمّا الغابر فما تقدّم مِن عِلْمِنَا، وأمّا المزبور فما يأتينا،

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص264.

(2) المصدر السابق.


وأمّا النكْت في القلوب فإلهام، وأمّا النقْر في الأسماع فأمر الملك) (1) .

- عن صفوان بن يحيى قال: سمعتُ أبا الحسن (عليه السلام) يقول: (كان جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول: لولا أنّا نزداد لأنفدنا) (2) .

- وعن ذريح المحاربي قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (يا ذريح لولا أنّا نزداد لأنفدنا) (3) .

- عن زرارة قال: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (لولا أنّا نزداد لأنفذنا.

قال: قلتُ: تزدادون شيئاً لا يعلمه رسول الله؟

قال: أمّا أنّه إذا كان ذلك عُرض على رسول الله ثمّ على الأئمّة، ثمّ انتهى الأمر إلينا) (4) .

- وعن الصادق (عليه السلام) قال: (ليس يخرج شيء من عند الله حتّى يبدأ برسول الله، ثمّ بأمير المؤمنين، ثمّ بواحد بعد واحد؛ لكيلا يكون آخرنا أعلم مِن أوّلنا) (5) .

- وعن أبي يحيى الصنعائي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: (يا أبا يحيى، إنّ لنا في ليالي الجمعة لشأناً من الشأن.

قال: قلتُ: جُعلتُ فداك وما ذاك الشأن؟

قال: يُؤذَنْ لأرواح الأنبياء الموتى، وأرواح الأوصياء الموتى، وروح الوصيّ الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السماء حتّى توافي عرش ربّها، فتطوف به أُسبوعاً وتصلّي عند كلّ قائمة من قوائم العرش ركعتَين، ثمّ تُرَدُّ إلى الأبدان التي كانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملئوا سروراً، ويُصبح الوصي

____________________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق: ص254.

(3) المصدر السابق.

(4) أصول الكافي: ج1 ص255.

(5) المصدر السابق.


الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل جَمّ القفير) (1) .

- عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) ذات يوم وكان لا يُكنِّيني قبل ذلك: (يا أبا عبد الله .

قال: قلتُ لبَّيك.

قال: إنّ لنا في كلّ ليلة جمعة سروراً .

قلتُ: زادك الله وما ذاك؟

قال: إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله صلَّى الله عليه وآله العرش، ووافى الأئمّة معه ووافينا معهم، فلا تُرَدُّ أرواحنا إلى أبداننا إلاّ بعلم مستفاد ولولا ذلك لأنفدنا) (2) .

- وعن الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث له قال: (وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجل لأمور عباده شرح صدرَه لذلك، وأودع قلبَه ينابيعَ الحكمة، وأَلْهَمَهُ العلم إلهاماً، فلم يعي بعده بجواب، ولا يحير فيه عن الصواب، فهو معصوم مؤيَّد، موفَّق مُسَدَّد، قد أَمِنَ من الخطايا والزَلَل والعثار، يخصّه الله بذلك؛ ليكون حجّته على عباده وشاهده على خَلْقه، وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (3) .

وأحاديث أُخرى:

- عن المفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله: (إنّ سليمان وَرِثَ داود، وإنّ محمّداً وَرِثَ سليمان، وإنّا وَرِثْنَا محمّداً، وإنّ عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور، وتبيان ما في الألواح.

قال: قلتُ: إنّ هذا لهو العلم؟

قال: ليس هذا هو العلم، إنّ العلم الذي يحدث يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة) (4) .

- عن ضريس الكناسي قال: كنتُ عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده أبو

____________________

(1) المصدر السابق: ص253.

(2) المصدر السابق: ص254.

(3) أصول الكافي: ج1 ص202.

(4) المصدر السابق: ص224.


بصير، فقال أبو عبد الله: (إنّ داود وَرِثَ علم الأنبياء، وإنّ سليمان ورث داود وإنّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) ورث سليمان، وإنّا ورثنا محمّداً(صلَّى الله عليه وآله) وإنّ عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى، فقال أبو بصير: إنّ هذا لهو العلم، فقال: يا أبا محمّد ليس هذا هو العلم، إنّما العلم ما يحدث بالليل والنهار، يوماً بيوم وساعة بساعة) (1) .

- عن محمّد بن مسلم قال: ذكر المحدّث عن أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: (إنّه يسمع الصوت ولا يرى الشخص.

فقلتُ له: جُعلتُ فداك كيف يعلم أنّه كلام الملك؟

قال: إنّه يعطي السكينة والوقار حتّى يعلم أنّه كلام الملك) (2) .

- وعن حمران بن أعين عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: قال أبو جعفر: (إنّ عليّاً عليه السلام كان محدَّثاً.

فخرجتُ إلى أصحابي فقلتُ: جئتُكم بعجيبة.

فقالوا: وما هي؟

فقلتُ: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان عليٌّ محدَّثاً.

فقالوا: ما صنعتَ شيئاً، أَلاَ سَأَلْتَهُ مَن كان يُحَدِّثُهُ؟

فرجعتُ إليه فقلتُ: إنّي حدّثتُ أصحابي بما حدّثْتَنِي، فقالوا: ما صنعتَ شيئاً، أَلاَ سألتَهُ مَنْ كان يُحَدِّثُهُ؟

فقال لي: يُحدِّثه مَلَك.

قلتُ: تقول: إنّه نبي؟

قال: فَحَرَّكَ يَدَهُ - هكذا (أي نافياً) - أو كصاحب سليمان أو كصاحب موسى أو كَذِي القرنين، أَوَ مَا بَلَغَكُم أنّه قال: وَفِْيُكم مِثْلُه) (3) .

- وكتب الحسن بن العبّاس المعروفي إلى الرضا (عليه السلام) قال: جعلتُ فداك أخبرني ما الفرق بين الرسول والنبي والإمام؟

قال: فكتب أو قال: (الفرق بين الرسول والنبي والإمام: إنّ الرسول الذي ينزل عليه جبريل فيراه ويسمع

____________________

(1) المصدر السابق: ص225.

(2) المصدر السابق: ص271.

(3) المصدر السابق.


كلامه، وتنَزَّل عليه الوحي وربّما رأى في منامه نحو رؤيا إبراهيم. والنبي: ربّما سمع الكلام، وربّما رأى الشخص ولم يسمع. والإمام: هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص) (1) .

- وعن الأحول قال: سألتُ أبا جعفر(عليه السلام) عن الرسول والنبي والمحدّث قال: (الرسول: الذي يأتيه جبرئيل قبلاً فيراه ويكلّمه فهذا الرسول، وأمّا النبي: فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم ونحو ما كان من عند الله بالرسالة، وكان محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حين جمع له النبوّة وجاءتْهُ الرسالة من عند الله يجيئه بها جبريل ويكلّمه بها قبلاً، ومن الأنبياء مَن جمع له النبوّة ويرى في منامه ويأتيه الروح ويكلّمه ويحدّثه، من غير أنْ يكون يرى في اليقظة، وأمّا المحدَّث فهو الذي يُحدَّث، ولا يُعايِن ولا يرى في منامه) (2) .

- وعن جماعة بن سعد قال: كان المفضّل عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له المفضّل: جُعلتُ فداك، يفرض الله طاعة عبد على العباد ويحجب عنه خبر السماء؟

قال: (لا، الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده مِن أنْ يفرض طاعة عبد على العباد ثمّ يحجب عنه خبر السماء صباحاً ومساءً) (3) .

وأحاديث أُخرى أيضاً:

- عن أبي حمزة قال: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (لا والله لا يكون عالم جاهلاً أبداً، عالماً بشيء جاهلاً بشيء.

ثمّ قال: الله أجلّ وأعزّ وأكرم مِن أَنْ يفرض طاعة عبد يحجب عنه علم سمائه وأرضه.

ثمّ قال: لا يُحجب

____________________

(1) أصول الكافي: ج1، ص176.

(2) المصدر السابق.

(3) أصول الكافي: ج1 ص261.


ذلك عنه) (1) .

- وفي خطبة لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) جاء فيها: ولقد كان (سيّدنا محمّد صلَّى الله عليه وآله وسلّم) يجاور في كلّ سنة بحراء، فأَرَاهُ ولا يراه غيري، ولم يَجمع بيتٌ واحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله صلَّى الله عليه وآله وخديجة وأَنَا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ رِيْح النبوّة، ولقد سمعتُ رنّة الشيطان حين نزل الوحي عليه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). فقلتُ يا رسول الله ما هذه الرنّة؟

فقال: (هذا الشيطان قد أيس من عبادته. إنّك تَسمع ما أسمع وترى ما أرى، إلاّ أنّك لستَ بِنَبِي ولكنّك لَوَزِيْرٌ، وإنّك لعلى خير) (2) .

- عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إنّا نُزَادُ في الليل والنهار ولولا أنّا نُزَادُ لنفد ما عندنا.

فقال أبو بصير: جُعلتُ فداك مَن يأتيكم؟

قال: إنّ منّا لَمَنْ يُعَايِن معاينة، ومنّا مَن يُنقر في قلبه كيت وكيت، ومنّا مَن يَسمع بإذنه وقعاً كوقع السلسلة في الطست.

قال: قلتُ: جَعلني الله فداك مَن يأتيكم؟

قال: هو خلق أكبر من جبرائيل وميكائيل) (3) .

- عن الباقر (عليه السلام) قال: (كان علي (عليه السلام) يعمل بكتاب الله وسُنّة نبيّه، فإذا ورد عليه الشيء الحادث الذي ليس في الكتاب ولا في السُنّة أَلْهَمَهُ الله الحقّ فيه إلهاماً، وذلك والله من المعضلات) (4) .

- وعن عيسى بن حمزة الثقفي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّا

____________________

(1) المصدر السابق: ص262.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 187.

(3) بحار الأنوار: ج26 ص54.

(4) المصدر السابق: ص55.


نسألك أحياناً تتسرّع في الجواب وأحياناً تطرق ثمّ تجيبنا؟

قال: (نعم، إنّه ينكت في آذاننا وقلوبنا، فإذا نكت نطقنا، وإذا أمسك أمسكنا) (1) .

- عن الحسن بن يحيى المدائني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلتُ له: أخبرني عن الإمام إذا سُئل كيف يُجيب؟

فقال: (إلهام وسماع وربّما كان جميعاً) (2) .

- وعن الحارث بن المغيرة قال: قلتُ لأبي عبد الله: هذا العلم الذي يعلمه عالِمكم أَشَيء يُلقَى في قلبه أو ينكت في أُذُنِهِ؟

فسكت حتّى غفل القوم، ثمّ قال: (ذاك وذاك) (3) .

- عن سليمان الديلمي قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) فقلتُ: جعلتُ فداك سمعتُك وأنت تقول غير مرّة: (لولا أنّا نزاد لأنفدنا).

قال: (أمّا الحلال والحرام فقد والله أنزله الله على نبيّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بكماله، وما يزاد الامام في حلال ولا حرام) (4) .

وهذا غيض من فيض الروايات والأحاديث التي تُشير إلى أنّ الأئمّة من أهل البيت - وبما حَبَاهُم الله من الطهر، وجبلهم عليه من عصمة - كانوا محلاًّ لفيوضات الغيب، يستلهمون الحقائق وتتدفّق في قلوبهم ينابيع الحكمة والكمال والحقيقة.

____________________

(1) المصدر السابق: ص57.

(2) بحار الأنوار: ج26 ص58.

(3) المصدر السابق.

(4) بحار الأنوار: ج26 ص92.


الفرق بين الإمام والنبي

* إشكال:

قد يُثار إشكال مفاده: أنّه لا فرق إذن بين الإمام والنبي مادام كلاهما على ارتباط بعالم الغيب، وإذا كان هناك مِن فرق فما هو؟

وما هو موقفنا إزاء الروايات التي تؤكِّد انقطاع الوحي بوفاة سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله)؟

فعن علي (عليه السلام) قال: (أرسله على حين فترة من الرسل وتنازع من الألسن، فقضى به الرسل وختم به الوحي) (1) .

وقال في مناسبة أُخرى: (بأبي أنت وأُمي يا رسول الله، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والأنباء وأخبار السماء) (2) .

* الجواب:

هناك من الروايات ما يؤكِّد ظاهرة الإلهام، وأنّه من أشكال الارتباط بالغيب، خصّ الله الأئمّة المعصومين المطهّرين، وهي تؤكّد أيضاً الفوارق بين الإمام والنبي.

____________________

(1) نهج البلاغة: ج2 ص22.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 230.


الفارق الأوّل:

إنّ الروايات والأخبار تؤكّد على أنّ الإمام ليس مشرِّعاً، ومعنى هذا أنّه أخذ الشريعة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فلقد أولى سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عليّاً اهتماماً خاصّاً، وراح يعدّه خَلَفَاً من بعده، فعلّمه التنزيل والتأويل وفتح له آفاق المعرفة وفجّر له ينابيع العلم والحكمة.

وإذن، فقد أخذ عليٌّ علومَه عن رسول الله، ثمّ أورثها الأئمّة من بعده، فالأئمّة تابعون لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في كلّ ما جاء به من الحلال والحرام؛ ولذا كانوا يقولون: إنّا خزّان علم الرسالة وورثة علوم الوحي، ولقد كان رسول الله يُمْلِي وكان علي يخطّ بيده؛ ليكون ذلك ميراثاً للأئمّة عن صاحب الرسالة (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولذا كانوا أعلم الناس بـ:

- الناسخ والمنسوخ.

- والمحكم والمتشابه.

- والتأويل والتنزيل من آي الذكر الحكيم.

وكانوا يؤكّدون أنّ أحاديثهم إنّما هي أحاديث الآباء والأجداد عن علي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

الفارق الثاني:

بالرغم من أنّ الأحاديث تؤكّد حالة الوحي والإلهام للأئمّة (عليهم السلام)، ولكنّ هذه الحالة تختلف تماماً مع وحي الأنبياء:

فالنبي: مرتبط بالغيب بشكلٍ مباشر وهو يُشاهد الملك ويسمع صوته.

أمّا الإمام: فلا يرى الملك ولكن ما يحدث هو قذف في القلب، وإلقاء في النفس، أو وقع في الأُذُن.

وبتعبير الأئمّة نقر في الأذن ، وبهذه الوسيلة كانوا يطّلعون على عالم الحقائق، ومن هنا فوحي الأئمّة يشبه الوحي لـ (أُم موسى) و (ذي القرنين) وجليس سليمان (عليه السلام).

الفارق الثالث:

إنّ الأنبياء - وكما قلنا - على ارتباط مباشر بعالم الغيب ولم


يكونوا يحتاجون في ذلك إلى أحد، غير أنّ الأئمّة يستندون إلى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فَعَنْهُ أخذوا علوم الرسالة وأسرار الوحي والنبوّة، وهو الذي فجّر لهم ينابيع العلم والحكمة والمعرفة، فكل ما يفيض عن الإمام هو من النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، بل وكلّ ما يُلقى في روعه ويقذف في قلبه وفؤاده يُعرض على النبي أوّلاً ثمّ الإمام.

شواهد:

وهذا ما تؤكّده الأحاديث المرويّة، وهذه أمثلة:

- عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (إنّما الوقوف علينا في الحلال والحرام فأمّا النبوّة فلا) (1) .

- وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (إنّ عليّاً كان محدَّثاً . فقلتُ [الرواي]: فتقول إنّه نبي؟ قال: فحرّك بيده هكذا (نافياً) ثمّ قال: أو كصاحب موسى أو كذي القرنين. أَوَمَا بَلَغَكُم أنّه قال وفيكم مِثْلُه؟) (2) .

- وعن بريد بن معاوية عن أبي جعفر أو أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلتُ له: ما منزلتكم ومَن تشبهون مِمَّن مضى؟

قال: (صاحب موسى وذو القرنين. كانا عالمين ولم يكونا نبيّين) (3) .

- عن محمّد بن مسلم قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (الأئمّة بمنزلة رسول الله إلاّ أنّهم ليسوا بأنبياء، ولا يحلّ لهم مِن النساء ما يحلّ للنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فأمّا ما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله صلَّى الله

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص268.

(2) المصدر السابق: 269.

(3) المصدر السابق.


عليه وآله) (1) .

- عن محمّد بن سليمان الديلمي عن أبيه قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) فقلتُ: جُعلتُ فداك سمعتُك وأنت تقول غير مرّة: (لولا أنّا نُزاد لأنفدنا.

قال: (أمّا الحلال والحرام فقد - والله - أنزله الله على نبيّه بكماله، وما يُزاد الإمام في الحلال والحرام) (2) .

- عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ ) .

قال: (هي في علي، والأئمّة جعلهم الله مواضع الأنبياء، غير أنّهم لا يحلّون شيئاً ولا يحرّمونه) (3) .

- عن سدير الصيرفي قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّ قوماً يزعمون أنّكم آلهة، يتلون علينا قرآناً: ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ ) ؟

فقال: يا سدير سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء براء وبَرِئَ الله منهم، ما هو على ديني ولا على دين آبائي، والله لا يجمعني الله وإيّاهم يوم القيامة إلاّ وهو ساخط عليهم.

قال: قلتُ: وعندنا قوم يزعمون أنّكم رسل يقرؤون علينا بذلك قرآناً: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) ؟

فقال: يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء وَبَرِئَ الله منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي، والله لا يجمعني الله وإيّاهم يوم القيامة إلاّ وهو ساخط عليهم.

قال: قلتُ: فما أنتم؟

قال: نحن خزّان علم الله، نحن تراجمة أمر الله، نحن قوم معصومون، أمر الله تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجّة البالغة على مَنْ دون

____________________

(1) المصدر السابق: ص270.

(2) بحار الأنوار: ج26 ص92.

(3) إثبات الهداة: ج3 ص48.


السماء وفوق الأرض) (1) .

- عن الصادق (عليه السلام) قال: (ليس شيء يخرج من الله حتّى يبدأ برسول الله صلَّى الله عليه وآله، ثمّ بأمير المؤمنين (عليه السلام)، ثمّ واحداً بعد واحد؛ لكي لا يكون آخرنا أعلم من أولنا) (2) .

- عن محمّد بن مسلم قال: ذكرتُ المحدَّث عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: (إنّه يسمع الصوت ولا يرى.

فقلت: أصلحك الله، كيف يعلم أنّه كلام الملك؟

قال: إنّه يعطى السكينة والوقار حتّى يعلم أنّه ملك) (3) .

- عن الصادق (عليه السلام) قال: (علّم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عليّاً ألف باب يُفتح من كلّ باب ألف باب) (4) .

ومن خلال هذه الأحاديث ينبغي أنْ نفهم أنّ كيفية التعليم تختلف في طريقتها عمّا هو متعارف بين الناس في أخذ العلوم واكتساب المعرفة، وإلاّ كيف يمكن أنْ نتصوّر أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) - وخلال زمن ربّما لم يستغرق ساعة - قد علّم عليّاً ألفَ باب من العلم، ينفتح عن كلّ بابٍ ألفُ باب؟

وإذن، فهناك طرق أخرى ربّما كانت تكوينيّة وهداية باطنيّة، ولعلّها طاقة النبوّة وفيض من الوحي انعكس عن قلب الرسول فأضاء قلب علي خليفته ووصيّه.

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص269.

(2) بحار الأنوار: ج26 ص92.

(3) المصدر السابق: ص68.

(4) بحار الأنوار: ج26 ص28.


عالم الغيب

عالم الشهادة:

* الغيب:

هو عكس الشهود، وعالم ما وراء الحواس الخمس، فكلّ ما تدركه الحواس يُعَدّ شهوداً، فالمادّة وخواصّها وكلّ ما هو قابل للإدراك من الموادّ ذاتها أو خواصّها وصفاتها تنطوي تحت عالم الشهادة، وهي:

- إمّا مرئيّة تُدرَك بالأبصار.

- أو سمعيّة تُدرَك من خلال الأسماع.

- أو رائحة تُدرَك بحاسّة الشمّ.

- أو لها طعم تُدرَك من خلال حاسّة الذوق.

- أو لَمِْسيّة تُدرَك باللمس، حتّى الطاقة الكهربائيّة والذرّة والجراثيم وغيرها هي الأُخرى تُعَدّ من عالم الشهادة، حتّى وإنْ تعذّرتْ الحواس من الإحاطة بها؛ لأنّها قابلة للرؤية وإنْ تعذّرتْ بسبب صغرها المتناهي، فلو أمكننا صُنْع أجهزة تكبير فائقة لأمكن رؤيتها، وإذن فهي قابلة للرؤية.

ومن هنا فإنّ بعض الموادّ وإنْ تعذّرتْ رؤيتها أو الإحاطة بها من خلال إحدى الحواس، إلاّ أنّها لا تُعَدّ جزءاً من عالم الغيب؛ لأنّ الإنسان مركّب بطريقة محدودة، أي إنّ لحواسّه قابليّات محدودة، ومن المحتمل جدّاً وجود حيوانات تفوق الإنسان في قابليّتها للسمع والرؤية والشمّ.

كما أنّ إدراك آثار تلك الأشياء وصفاتها يجعلها بالتالي ضمن عالم الشهود.


عالم الغيب:

وتنطوي فيه كلّ ما لا تدركه الحواس بذاته أو صفاته من قبيل يوم المعاد والقيامة، الجنّة، الجحيم، الثواب، والجزاء في الآخرة، صفات الله، والملائكة، فكلّ هذه الأشياء وغيرها ممّا لا تُدركه الحواس هو جزء من الغيب.

إنّنا لا يمكننا رؤية الملائكة؛ لأنّها خارجة عن حواسنا، لا لأنّها صغيرة متناهية الصغر، ولا لأنّها شفّافة بَالِغَة الشفافية، بل لأنّها موجودات أسمى من الحواس، وهي خارج إدراكاتنا المحدودة؛ لأنّنا موجودات زمانيّة وهي موجودات خارج الزمان، وإذن، فكلّ الموجودات التي لا يمكن للحواس البشريّة إدراكها هي جزء من عالم الغيب، ولا طريق لإدراكها إلاّ بالعقل وإرشاد من اطّلع على عالم الغيب ومن خلال الإيمان والعقيدة الدينيّة، وما نحصل عليه من معارف وعلوم هو ليس علم حضوري ولا شهودي، وهو من قبيل الإيمان بالجنّة والاعتقاد بالجحيم.

فنحن لا نملك عن عالم الغيب سوى سلسلة من المفاهيم والصور العلميّة التي لا يمكن تصوّرها والإحاطة بها، لا لقصور ذاتي فيها، بل لعجز حواسّنا عن إدراكها، وإذن يمكن القول إنّنا نحن الذين نعيش حالة الغياب عن حقائق العالم وحقيقته.

على أنّ إدراكنا للأجسام وخواصّها يأتي بسبب التناسب بينها وبين حواسنا، وبتعبير آخر بسبب توحّد سنخيَّتها.

فمثلاً:

إنّنا لا ندرك ظاهرة مادّية ما إلاّ في ذات الزمن الذي توجد فيه، فحادثة وقعتْ قبل ألفَي سنة أو بعد ألفَي سنة لا يمكن لحواسّنا إدراكها، كما إنّنا لا ندرك بصريّاً الأشياء التي تقع خارج مدياتالرؤية.


وقد نرى أشياء بعيدة جدّاً باستخدام النواظير المقرِّبة: وهي آلات تعزّز من قدرة الرؤية لدينا؛ أو إنّنا لا نُدرِك وجود الأشياء مع قربها؛ لوجود حواجز بيننا وبينها، وقد يمكننا اختراع آلات معيَّنة من شأنها رفع هذا الحاجز وتجعله عديم التأثير.

والخلاصة: فإنّ مديات الحواس وطبيعة إدراكاتها هي الأُخرى محدودة ومشروطة وخاضعة لدائرة معيَّنة، لا يمكنها أنْ تتجاوزها إلى نطاق مطلق أو بلا قيد أو شرط.

الغيب والشهود:

إنّ الحوادث التي تعدّ غيباً بالنسبة لحواسّنا، هي بالنسبة لخالق العالَم شهادة وحضور؛ ذلك أنّ وجوده لا تحدّه حدود بل هو محيط بما خَلَقَ، خارج عن إطار الزمان؛ لأنّه خالق الزمان والمكان، ولا معنى عنده للماضي والحاضر والمستقبل.

وإذن، فالطوفان الذي أغرق العالم زمن نوح هو بالنسبة لدينا من عالم الغيب، ولكنّه بالنسبة لله حضور وشهود، والحوادث التي ستقع بعد مئة ألف سنة هي غيب بالنسبة لنا وحضور بالنسبة لله، وكذا الجنّة والجحيم.

والخلاصة: فإنّ العلوم التي نكتسبها من خلال الحواس الخمس لا تُعدّ جزءاً من العلم بالغيب، أمّا المعارف التي نحصل عليها خارج إطار الحواس فهي من عالم الغيب.

وبتعبير آخر: إنّ البراهين العقليّة أثبتتْ في محلّها أنّ كل الحوادث والظواهر


في عالم المادّة لا تُفْنَى، وأنّها تحقّق بشكل أكمل في عالم آخر، عالم غير مرئي، عالم هو أسمى من العالم الذي نحيا فيه، وإذنْ، فالإنسان الذي يستخدم حواسّه حتّى يمكنه إدراك ظواهر الأشياء ويجد طريقه إلى عالم الواقع، فإنّ هذا العِلْم لا يُعدّ عِلْمَاً للغيب، أمّا إذا أعمل بصيرته وشاهد الملكوت وحقائق الأشياء، وطوى طريق الباطن ومرحلة الكمال ولم يكن لحواسّه في ذلك من دور، فإنّ عِلْمَاً كهذا هو علم للغيب.

الغيب والشهادة في القرآن:

* استخدم القرآن مصطلح الغيب في مقابل الشهادة كما في قوله تعالى:

- ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ) (1) .

- ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ) (2) .

- ( ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) (3) .

- ( عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ ) (4) .

* كما أشار إلى مرتبتَين وجوديَّتَين، حيث مرحلة الباطن هي الغيب، وهو من مختصّات الله سبحانه:

- ( وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) (5) .

- ( إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) (6) .

____________________

(1) الأنعام: الآية 73.

(2) الرعد: الآية 9.

(3) الجمعة: الآية 8.

(4) الزمر: الآية 46.

(5) هود: الآية 123.

(6) الحجرات: الآية 18.


- ( إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) (1) .

* كما عَدَّ القرآن الحوادث الماضية من أنباء الغيب، كقوله تعالى:

- ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) (2) .

- ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) (3) ، وقد جاءتْ هذه الآية في معرض الحديث عن قصّة يوسف (عليه السلام).

- ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ) (4) ، وهذه في معرض الحديث عن حوادث وقعت في زمن نوح (عليه السلام).

- ( أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ) (5) ، وهؤلاء كانوا الجنّ الذين سُخِّروا للعمل في خدمة سليمان (عليه السلام).

____________________

(1) البقرة: الآية 33.

(2) آل عمران: الآية 44.

(3) يوسف: الآية 102.

(4) هود: الآية 49.

(5) سبأ: الآية 14.


هل أنّ عِلْم الغيب من مختصّات الله عزّ وجل؟

لا ريب في أنّ الله محيط بعالم الوجود، والغيب والشهادة لديه سواء، ولا يبقى معنىً للزمان والمكان؛ لأنّ وجوده سبحانه مطلق لا يحدّه حدّ، لا يَغيب عن علمه مثقال ذرّة، كما هو محيط بعالم الشهود فهو محيط بعوالم الغيب؛ لأنّه الله خالق كلّ شيءٍ ربّ العالمين.

* والحديث هنا:

- هل هناك مَن يعلم الغيب غير الله؟

- وهل يمكن للإنسان الاتّصال والاطّلاع على عالم الغيب؟

* يقول البعض أنّ علم الغيب من مختصات الذات الإلهية لا يشاركه فيها أحد من العالمين حتى الأنبياء، ويستدلّون على ذلك بطائفة من الآيات الكريمة:

- ( وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ ) (1) .

- ( وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ) (2) .

- ( قُلْ لاَ يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) (3) .

____________________

(1) الأنعام: الآية: 59.

(2) يونس: الآية 20.

(3) النمل: الآية 65.


إضافة إلى آيات أُخرى تصرّح بعجز الأنبياء عن معرفة الغيب:

- ( قُلْ لاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) (1) .

- ( قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) (2) .

- ( وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ ) (3) .

* الجواب:

في معرض الإجابة عن هذا الإشكال نقول:

إنّ معطيات الآيات المذكورة وبشكل عام هي أنّ الغيب من مختصّات الله عزّ وجل لا يشركه فيه أحد، فلا يغيب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء، وإنّ الأنبياء لا يعلمون شيئاً إلاّ ما علّمهم الله سبحانه، ومن هنا فَمِن الممكن أنْ يُطْلِعَ اللهُ عزّ وجلّ بعضَ عباده على بعض المغيَّبات كجزء مِن فيضه عزّ وجل على رُسُلِهِ، وهناك من الآيات القرآنيّة ما يعضد ذلك كقوله تعالى:

- ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ) (4) .

- ( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ

____________________

(1) الأنعام: الآية 50.

(2) الأعراف: الآية 188.

(3) هود: الآية 31.

(4) الجن: الآية 26 - 27.


يَشَاءُ ) (1) .

- ( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآَهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) (2) .

- ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ) (3) .

- ( تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ) (4) .

وكثيرة هي الآيات التي تفيد بأنّ الغيب من مختصّات الله سبحانه يفيض بها على بعض عباده، بل إنّ ظاهرة الوحي والنبوّة هي شكل من أشكال العلاقة بين الإنسان وعالم الغيب التي لا يمكن فكّ رموزها، إذ يتعذّر علينا تفسير الطريقة التي يتمّ بها اتّصال الرسل بالملائكة وعالَم الغيب، وهي في كلّ الأحوال من ألطاف الله عزّ وجل تنعكس على القلوب المؤمنة التي طهّرها الله من الرجس.

ومهما بلغتْ مرتبة أولئك الأفراد من الشأن والمنزلة فليس بمقدورهم الاطّلاع على عالم الغيب بشكل مطلق. إنّهم يظلّون في دائرة محدودة وفي حدود المشيئة الإلهيّة والإرادة الربّانيّة.

ومن خلال الجَمْع بين الطائفتَين من الآيات التي تجعل إحداهما الغيب من مختصّات الذات الإلهية، والأُخرى التي تفيد بأنّ الرسل يطّلعون على جزء من الغيّبيات، نستخلص أنّ الله عزّ وجل يتلطّف على بعض عباده فيُطْلعهم على جزء من المغيّبات؛ من أجل صقل نفوسهم وإضاءة قلوبهم وتسديدهم في مهامّهم

____________________

(1) آل عمران: الآية 179.

(2) التكوير: الآية 19 - 24.

(3) آل عمران: الآية 44 / يوسف: الآية 102.

(4) هود: الآية 49.


الرساليّة.

وفي سوى ذلك يبقى الرسل والأنبياء كسائر البشر لا يعرفون شيئاً سوى الوحي وما تخبره السماء:

- ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) (1) .

- ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (2) .

- ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) (3) .

- ( مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإَِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) (4) .

الإمام وعلم الغيب:

بحثنا فيما مضى أنّ الله عزّ وجل هو عالِم الغيب والشهادة وأنّه سبحانه يفيض على بعض عباده بالمغيّبات، وأنّه من لطف الله انّه يوحي إلى عباده ويَصطفِي منهم، فيُطْلِعهم على عالَم الغيب.

* والسؤال هنا:

هل يمكن للإمام الارتباط بعالَم الغيب أَمْ لا؟

* إنّ الأحاديث التي تفيد بهذه الناحية تنقسم إلى طوائف:

____________________

(1) الأحقاف: الآية 9.

(2) التوبة: الآية 101.

(3) الإسراء: الآية 36.

(4) ص: الآية 69.


الأولى:

بحثناها في مصادر علم الإمام، وقلنا إنّ أحدها الإلهام، حيث يقذف الله الحقائق في قلب الإمام. فالإلهام يختلف عن وحي الأنبياء، والإمام لا يرى المَلَك ولكنّه يستمع إلى وقع في الأُذُن، وإنّ الأئمّة الطاهرين يُزادون، وإلاّ نفد ما عندهم، وإذنْ،فهناك شكل من أشكال الارتباط بعالم الغيب.

الثانية:

وتفيد بأنّ الأئمّة على ارتباط بأخبار السماء؛ لأنّ الله أكرم من أنْ يفرض على الناس طاعة بعض عباده ثمّ يحجب عنهم أخبار السماء.

أحاديث:

- عن ضريس الكناسي قال: سمعتُ أبا جعفر (عليه السلام) يقول - وعنده أُناس من أصحابه -: (عجبتُ من قوم يتولَّونا ويجعلونا أئمّةً، ويصفون أنّ طاعتنا مفترضة عليهم كطاعة رسول الله صلَّى الله عليه وآله، ثمّ يكسرون محبّتهم ويخصمون أنفسهم بضعف قلوبهم، فينقصونا حقّنا ويعيبون ذلك على مَن أعطاه الله برهان حقّ معرفتنا والتسليم لأمرنا، أترون أنّ الله تبارك وتعالى افترض طاعة أوليائه على عباده، ثمّ يُخفي عنهم أخبار السماوات والأرض ويقطع عنهم موادّ العلم فيما يَرِدُ عليهم ممّا فيه قوام دينهم؟!) (1) .

- وعن جماعة بن سعد الخثعمي أنّه قال: كان المفضّل عند أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له المفضل: جُعلتُ فداك يفرض الله طاعة عبد على العباد

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص261.


ويحجب عنه خبر السماء؟

قال: (لا، الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أنْ يفرض طاعةَ عبدٍ على العباد، ثمّ يحجب عنه خبر السماء صباحاً ومساءً) (1) .

- وعن صفوان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إنّ الله أجلّ وأعظم مِن أنْ يحتجّ بعبد من عباده، ثمّ يخفي عنه شيئاً من أخبار السماء والأرض) (2) .

- وعن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (سئل علي (عليه السلام) عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) فقال: علم النبي علم جميع النبيّين، وعلم ما كان وعلم ما هو كائن إلى قيام الساعة.

ثمّ قال: والذي نفسي بيده إني لأعلم علم النبي (صلَّى الله عليه وآله) وعلم ما كان وعلم ما هو كائن فيما بيني وبين قيام الساعة) (3) .

- وعن عبد الأعلى وعبيدة بن عبد الله بن بشر الخثعمي وعبد الله بن بشير أنّهم سمعوا أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إِّني لأعلم ما في السموات وأعلم ما في الأرضين، وأعلم ما في الجنّة، وأعلم ما في النار، وأعلم ما هو كائن وما يكون.

ثمّ مكث هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على مَن سَمِعَهُ فقال: علمتُ من كتاب الله أنّ الله يقول: فيه تبيان كلّ شيء) (4) .

- وعن أبي بصير قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): هل رأى محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ملكوت السموات والأرض كما رأى إبراهيم؟

قال: (نعم، وصاحبكم) (5) .

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص261.

(2) بحار الأنوار: ج26 ص110.

(3) بحار الأنوار: ج26 ص110.

(4) بحار الأنوار: ج26 ص111.

(5) بحار الأنوار: ج26 ص115.


- عن ابن مسكان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) قال: (كُشِطَ لإبراهيم (عليه السلام) السماوات السبع حتّى نظر إلى ما فوق العرش وكُشط له الأرض حتّى رأى ما في الهواء، وفُعل بمحمّد(صلَّى الله عليه وآله) مثل ذلك وإنّي لأرى صاحبكم والأئمّة من بعده قد فعل بهم مثل ذلك) (1) .

- وعن علي (عليه السلام) قال: (أيُّها الناس سلوني قبل أنْ تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض) (2) .

وأحاديث أُخرى:

- عن الصادق (عليه السلام) قال: (والله لقد أُعطينا علم الأوّلين والآخرين.

فقال له رجل من أصحابه: جُعلتُ فداك أعندكم علم الغيب؟

فقال: ويحك إنّي لأعلم ما في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وَيْحَكُم وسّعوا صدورَكم ولْتُبْصِر أَعْيُنُكُم وَلْتَعِ قُلُوبُكُم، فنحن حجّة الله تعالى في خَلْقه، ولَنْ يسع ذلك إلاّ صدرُ مؤمنٍ قوي قوّته كقوّة جبال تهامة إلاّ بإذن الله، والله لو أَرَدْتُ أَنْ أُحصي لكم كلّ حصاة عليها لأخبرتكم، وما مِن يوم وليلة إلاّ والحصى تلد إيلاداً كما يلد هذا الخلق، والله لتتباغضون بعدي حتّى يأكل بعضكم بعضاً) (3) .

- وعن أبي بكر الحضرمي قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): (يا أبا بكر ما يخفى عليّ شيء من بلادكم) (4) .

____________________

(1) بحار الأنوار: ج26 ص114.

(2) ينابيع المودّة: ص76.

(3) بحار الأنوار: ج26 ص27.

(4) المصدر السابق: ص136.


- وعن علي بن إسماعيل الأزرق قال: قال أبو عبد الله: (إنّ الله أحكم وأكرم وأجلّ وأعظم وأعدل مِن أَنْ يحتجّ بحجّة، ثمّ يغيّب عنه شيئاً من أمورهم) (1) .

- وعن أمير المؤمنين في حديث له مع رميلة قال: (يا رميلة ليس يغيب عنّا مؤمن في شرق الأرض ولا في غربها) (2) .

- وعن المفضّل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (أُعطيت تسعاً لم يعطها أحدٌ قبلي سوى النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): لقد فُتحتْ لي السُبُل، وعلمتُ المنايا والبلايا والأنساب وفصْل الخطاب، ولقد نظرتُ في الملكوت بإذن ربي فما غاب عنِّي ما كان قبلكم ولا ما يأتي بعدي، وأنّ بولايتي أَكمل اللهُ لهذه الأُمّة دينهم وأتمّ عليهم النِعَم ورضي لهم إسلامهم، إذ يقول يوم الولاية لمحمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يا محمّد أخبرهم أنّي أكملتُ لهم اليوم دينَهم وأتممتُ عليهم النِعَم ورَضِيْتُ إسلامهم، كلّ ذلك منّاً من الله عليّ فله الحمد) (3) .

____________________

(1) المصدر السابق: ص138.

(2) المصدر السابق: ص140.

(3) المصدر السابق: ص141.


أنباء الغيب

وطائفة من الأحاديث ثالثة:

وفيها حشد من الأحاديث والروايات والحوادث التاريخيّة المشهورة، التي تقطع بأنّ عليّاً (عليه السلام) والأئمّة مِن بعده كانوا يفصحون عن بعض المغيَّبات، وكان ذلك مثاراً لدهشة الناس وقتها.

- فعن محمّد بن علي قال: لمّا قال علي (عليه السلام): (سلوني قبل أنْ تفقدوني، فوالله لا تسألونني عن فئة تُضلّ مائة وتهدي مائة إلاّ أنبأتكم بناعقتها وسائقتها.

قام إليه رجل فقال: أخبرني بما في رأسي ولحيتي من طاقة شعر.

فقال له علي (عليه السلام): والله لقد حدّثني خليلي أنّ على كلّ طاقة شعر من رأسك مَلِكَاً يَلْعَنُك، وأنّ على كلِّ طاقة شعر مِن لحيتك شيطاناً يغويك، وأنّ في بيتك سخلاً يقتل ابن رسول الله صلَّى الله عليه وآله، وكان ابنه قاتل الحسين (عليه السلام) يومئذ طفلاً يحبو، وهو سنان ابن أنس النخعي) (1) .

- عن سويد بن غفلة: أنّ عليّاً (عليه السلام) خطب ذات يوم، فقام رجل مِن تحت منبره، فقال: يا أمير المؤمنين إنّي مررتُ بوادي القرى فوجدتُ خالد بن

____________________

(1) شرح ابن أبي الحديد: ج2 ص286.


عرفطة قد مات، فاسْتَغْفِر له.

فقال (عليه السلام): (والله ما مات ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة، صاحب لوائه حبيب بن حمار.

فقام رجل آخر من تحت المنبر، فقال: يا أمير المؤمنين، أنا حبيب بن حمار، وإنّي لك شيعة ومحبّ.

فقال: أنت حبيب بن حمار؟ قال: نعم. فقال له ثانية: والله إنّك لحبيب بن حمار؟ فقال: أي والله! قال: أَمَا والله إنّك لحاملها ولتحملنّها، ولتدخلنّ بها هذا الباب، وأشار بها إلى باب الفيل بمسجد الكوفة) (1) .

- وروى عثمان بن سعيد عن يحيى التيمي، عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء، قال: قام أعشى باهلة - (عامر بن الحارث صاحب المرثيّة المشهورة في أخيه) وهو غلام يومئذ حدث - إلى علي (عليه السلام)، وهو يخطب ويذكر الملاحم، فقال: يا أمير المؤمنين ما أشبه هذا الحديث بحديث خرافة!

فقال علي (عليه السلام): (إنْ كنتَ آثما فيما قلتُ يا غلام فرماك الله بغلام ثقيف. ثمّ سكت.

فقام رجال فقالوا: ومَن غلام ثقيف يا أمير المؤمنين؟

قال: غلام يملك بلدتكم هذه، لا يترك لله حرمة إلاّ انتهكها، يضرب عنق هذا الغلام بسيفه.

فقالوا: كم يملك يا أمير المؤمنين؟ قال: عشرين إنْ بلغها. قالوا: فيُقتل قتلاً أَمْ يموت موتاً؟ قال: بل يموت حتف أنفه بداء البطن، يثقب سريره لكثرة ما يخرج من جوفه.

قال إسماعيل بن رجاء: فوالله لقد رأيتُ بعيني أعشى باهلة ، وقد أُحضر في جملة الأسرى الذين أُسروا من جيش عبد الرحمن بن محمّد بن الأشعث بين يدي الحجاج فقرّعه ووبّخه، واستنشده شعره الذي يحرّض فيه عبد الرحمن على الحرب، ثمّ ضرب عنقه في ذلك المجلس) (2) .

____________________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق: ص289.


- عن شمير بن سدير الازدي، قال: قال علي (عليه السلام) لعمرو بن الحمق الخزاعي: (أين نزلتَ يا عمرو؟ قال: في قومي. قال: لا تنزلنّ فيهم. قال: فأنزلُ في بني كنانة جيراننا؟ قال: لا. فأنزل في ثقيف؟ قال: فما تصنع بالمعرّة والمجرّة؟ قال: وما هما؟ قال: عُنُقان من نار يخرجان من ظهر الكوفة، يأتي أحدهما على تميم وبكر بن وائل، فقلّما يفلت منه أحد، ويأتي العنق الآخر، فيأخذ على الجانب الآخر من الكوفة، فقلّ مَن يصيب منهم، إنّما يدخل الدار فيحرق البيت والبيتَين.

قال: فأين أنزل؟ قال: انْزِل في بني عمرو بن عامر، من الأَزْد. قال: فقام قوم حضروا هذا الكلام: ما نراه إلاّ كاهناً يتحدّث بحديث الكَهَنَة. فقال: يا عمرو إنّك لمقتول بعدي، وإنّ رأسك لمنقول، وهو أوّل رأس ينقل في الإسلام، والويل لقاتلك؛ أَمَا إنّك لا تنزل بقوم إلاّ أسلموك برمّتك إلاّ هذا الحيّ من بني عمر بن عامر من الأزد، فإنّهم لنْ يسلّموك ولنْ يخذلوك.

قال: فوالله ما مضتْ الأيّام حتّى تنقّل عمرو بن الحمق في خلافة معاوية في بعض أحياء العرب، خائفاً مذعوراً، حتّى في بني قومه من بني خزاعة، فأسلموه فَقُتِلَ وحُمِلَ رأسُه من العراق إلى معاوية بالشام، وهو أوّل رأس حمل في الإسلام من بلد إلى بلد) (1) .

- دخل جويرية - وكان من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) - على عليٍّ (عليه السلام): وهو مضطجع وعند قوم من أصحابه فناداه جويرية: أيّها النائم، استيقظ، فلتضربنّ على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك.

قال (الراوي): فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقال: (وأُحدّثك يا جويرية بأمرك، أَمَا والذي نفسي بيده لَتُعْتَلَنَّ إلى العُتُلّ الزنيم، فليَقطعنّ يدَك ورجلَك تحت جذع كافر.

____________________

(1) المصدر السابق ص290.


قال: فوالله ما مضتْ الأيّام على ذلك حتّى أَخذ زياد جويرية، فقطع يدَه ورجلَه وصَلَبَهُ إلى جانب جذع ابن مكعبر، وكان جذعاً طويلاً، فصلبه على جذع قصير جانبه) (1) .

- روى إبراهيم في كتاب (الغارات) عن أحمد بن الحسن الميثمي قال: إنّ علياً (عليه السلام) قال لميثم التمّار - وكان من أصحابه والمقرّبين إليه وقد أَطْلَعَهُ (عليه السلام) على عِلْمٍ كثير وأسرار خفيّة، فكان ميثم يُحدّث ببعض ذلك فيَشكّ فيه قومٌ من أهل الكوفة، وينسبون عليّاً في ذلك إلى المخرفة والإيهام والتدليس، حتّى قال له يوماً - بمحضر من خَلْقٍ كثير من أصحابه وفيهم الشاكّ والمخلص: (يا ميثم إنّك تُؤخَذ بعدي وتُصْلَب، فإذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دماً، حتّى تُخَضَّب لحيتُك، فإذا كان اليوم الثالث طُعِنْتَ بحربة يُقْضَى عليك، فانتظر ذلك، والموضع الذي تُصلب فيه على باب دار عمرو بن حريث، إنّك لعاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهّرة - يعني الأرض - ولأرينك النخلة التي تُصلب على جذعها، ثمّ أراه إيّاها بعد ذلك بيومين.

وكان ميثم يأتيها، فيصلّي عندها، ويقول: بوركتِ من نخلة لك خُلِقْتُ، ولي نَبَتِّ، فلم يزل يتعاهدها بعد قتل عليّ (عليه السلام) حتّى قُطعتْ فكان يرصد جذعها، ويتعاهده ويتردّد عليه، ويبصّره، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له: إنّي مجاورك فأحْسِن جواري، فلا يعلم عمرو ما يريد فيقول له: أَتُرِيْدُ أنْ تشتري دارَ ابن مسعود، أَمْ دارَ ابن حكيم؟

قال (الراوي): وحجّ في السنة التي قُتل فيها... فلمّا قدم الكوفة أُخذ وأُدخل على عبيد الله بن زياد وقيل له: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب.

____________________

(1) المصدر السابق.


قال: وَيْحَكُم هذا الأعجمي؟! قالوا: نعم. فقال له عبيد الله: أين ربّك؟ قال: بالمرصاد. قال: قد بلغني اختصاص أبي تراب لك. قال: قد كان بعض ذلك، فما تريد؟ قال: وإنّه لَيُقَال إنّه أخبرك بما سيلقاك. قال: نعم، إنّه أخبرني. قال: ما الذي أخبرك أنّي صانع بك؟ قال: أَخْبَرَنِي إنّك تصلبني عاشر عشرة، وأنا أقصرهم خشبة، وأقربهم من المطهّرة. قال: لأُخالفنّه. قال: وَيْحَكَ كيف تخالفه إنّما أَخبر عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأَخبر رسول الله عن جبرئيل، وأَخبر جبرئيل عن الله، فكيف تخالف هؤلاء؟!

أَمَا والله لقد عرفتُ الموضع الذي أُصلب فيه أين هو من الكوفة، وإنّي لأوّل خلق الله أُلْجَم في الإسلام بلجام كما يُلْجَم الخيل.

فَحَبَسَهُ وحَبَسَ معه المختار بن أبي عبيدة الثقفي .

فقال ميثم للمختار وهما في حبس ابن زياد: إنّك تَفْلِتُ وتَخرج ثائراً بدم الحسين (عليه السلام)، فَتَقْتُلُ هذا الجبّار الذي نحن في سجنه وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخدّيه.

فلمّا دعا عبيد الله بن زياد بالمختار ليقتله، طلع البريد بكتاب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد، يأمره بتخلّية سبيله.

وأمّا ميثم فأُخرج بعده ليصلب.

وقال عبيد الله: لأمضينّ حكم أبي تراب فيه.

فَلَقِيَهُ رجلٌ، فقال له: ما كان أغناك عن هذا يا ميثم؟

فتبسّم، وقال: لها خلقت ولي غذيت.

فلمّا رُفع على الخشبة، اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث، فقال عمرو: لقد كان يقول لي: إنّي مجاورك، فكان يأمر جاريته كلّ عشية أنْ تكنس تحت خشبته، وتجمّر بالمجمر تحته.

فجعل ميثم يحدّث بفضائل بني هاشم ومخازي بني أُميّة، وهو مصلوب على الخشبة، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد.

فقال: أَلْجِمُوْهُ، فَأُلْجِمَ، فكان أوّل خَلْق أُلْجِمَ في


الإسلام، فلمّا كان في اليوم الثاني فاضتْ منخراه وفمه دَمَاً، فلمّا كان في اليوم الثالث طُعِنَ بحربة فمات (1) .

- عن زياد بن النضر الحارثي، قال: كنتُ عند زياد، وقد أُتي برشيد الهجري - وكان من خواص أصحاب علي (عليه السلام) - فقال له زياد: ما قال خليلك لك إنّا فاعلون بك؟

قال: تقطعون يدي ورجلي، وتصلبونني.

فقال زياد: أَمَا والله لأُكذِّبنّ حديثه. خلّوا سبيله، فلمّا أراد أنْ يخرج قال: ردّوه لا نجد شيئاً أصلح ممّا قال لك صاحبك، إنّك لا تزال تبغي لنا سوءاً إنْ بَقِيْتَ، اقطعوا يدَيه ورجلَيه. فَقَطَعُوا يدَيه ورجلَيه وهو يتكلّم، فقال: اصلبوه خنقاً في عنقه.

فقال رشيد: قد بقي لي عندكم شيء ما أراكم فعلتموه.

فقال زياد: اقطعوا لسانه، فلمّا أخرجوا لسانه ليقطع.

قال: نفّسوا عنّي أتكلّم كلمة واحدة، فنفسوا عنه، فقال: هذا والله تصديق خبر أمير المؤمنين، أخبرني بقطع لساني، فقطعوا لسانه وصلبوه (2) .

- وقيل للإمام علي (عليه السلام) قبل اندلاع حرب النهروان: إنّ الخوارج قد عبروا الجسر.

فقال (عليه السلام): (والله ما عبروه، وإنّ مصارعهم لدون الجسر، ووالله لا يُقتل منكم عشرة ولا يَسلم منهم عشرة) (3) .

- وقال سلام الله عليه يُخبِر عن غرق البصرة: (كأنّي بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها وغرق مَن في ضمنها.

وفي رواية: وايم الله لتغرقنّ بلدتكم حتّى كأنّي أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة، أو

____________________

(1) المصدر السابق: ص291.

(2) المصدر السابق: ص294.

(3) الكامل في التاريخ: ج3 ص345 / شرح ابن أبي الحديد: ج5، ص3.


نعامة جاثمة.

وفي أُخرى: كجؤجؤ طير في لجّة بحر) (1) .

وأنباء أُخرى عن سائر الأئمّة (عليهم السلام):

- عن أبي أسامة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (خرج الحسن بن علي (عليه السلام) إلى مكّة سنة ماشياً، فَوَرِمَتْ قدماه، فقال له بعض مواليه: لو ركبتَ يسكن عنك هذا الورم.

فقال: كلا إذا أتينا هذا المنزل فإنّه يستقبلك أسود ومعه دهن فاشترِ منه ولا تماكسه.

فقال له مولاه: بأبي أنت وأُمي ما قدمنا منزلاً فيه أحد يبيع هذا الدواء.

فقال: بلى إنّه أمامك دون المنزل، فسار ميلاً فإذا هو بالأُسود.

فقال الحسن لمولاه: دونك الأسود فخذ منه الدهن واعطه الثمن.

فقال الأسود: يا غلام: لِمَنْ أردتَ هذا الدهن؟

فقال: للحسن بن علي.

فقال: انطلق بي إليه، إلى أنْ قال: إنّما أنا مولاك ولكن ادع الله أنْ يرزقني ذكراً سويّاً يحبّكم أهل البيت، فإنّي خلفت أهلي تمخض.

فقال: انطلق إلى منزلك فقد وهب الله لك ذكراً سويّاً وهو من شيعتنا) (2) .

- عن حذيفة قال: سمعتُ الحسين بن علي (عليه السلام) يقول: (والله ليجتمعنّ على قتلي بنو أُميّة، ويقدمهم عمر بن سعد، وذلك في حياة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

فقلت له: أنبأك بهذا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؟

قال: لا.

فأتيت النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فأخبرته فقال: (علمي علمه وعلمه علمي) ) (3) .

- كتب الحجّاج بن يوسف إلى عبد الملك بن مروان: إنْ أردتَ أنْ يثبت

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 13.

(2) إثبات الهداة: ج5 ص146.

(3) المصدر السابق: ص207.


ملكك فاقتل عليّ بن الحسين.

فكتب عبد الملك إليه: أمّا بعد فجنِّبْني دماء بني هاشم واحقنها فإنّي رأيتُ آل أبي سفيان لمّا ولعوا فيها لم يلبثوا أنْ أزال الله المُلك منهم، وبعث بالكتاب سرّاً إلى الحجّاج.

فكتب علي بن الحسين (عليه السلام) إلى عبد الملك في الساعة التي أنفذ فيها الكتاب إلى الحجّاج: (علمتُ ما كتبتُ في حقن دماء بني هاشم، وقد شكر الله لك ذلك وثبّت ملكك وزاد في عمرك)، وبعث مع غلام من مكّة بتاريخ تلك الساعة وسلّم إليه الكتاب.

فلمّا بصر عبد الملك في تاريخ الكتاب وجده موافقاً لتاريخ كتابه، فلم يشك في صدق زين العابدين ففرح بذلك وبعث إليه بوقر دنانير، وسأله أنْ يكتب إليه بجميع حوائجه وحوائج أهل بيته ومواليه (1) .

- عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام): أنّه كان في المسجد فدخل عمر بن عبد العزيز، فقال أبو جعفر (عليه السلام): (أَمَا والله لا تذهب الأيّام حتّى يملكها هذا الغلام، فيظهر العدل جهده ويعيش وينقص ثمّ يموت فتبكي عليه أهل الأرض، وتلعنه ملائكة السماء) (2) .

- ولمّا بايع الهاشميّون محمّد بن عبد الله بن الحسن قال لهم الإمام الصادق (عليه السلام): (لا تفعلوا فإنّ الأمر لم يأتِ بعد، وضرب بيده على ظهر أبي العبّاس السفّاح، ثمّ ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن، وقال: والله إنّها ما هي لك ولا إلى ابنَيك، ولكنّها لهم وإنّ ولديك لمقتولان).

وفي رواية أُخرى قال الإمام الصادق لعبد الله بن الحسن في مجلس ضمّ السفّاح والمنصور: (إنّ هذا الأمر والله ليس إليك ولا إلى ابنَيك، وإنّما هو لهذا

____________________

(1) المصدر السابق: 235.

(2) المصدر السابق: ص315.


ولهذا - وأشار إلى السفاح والمنصور - ثمّ لولده مِن بعده، ولا يزال فيهم حتّى يؤمّروا الصبيان ويشاوروا النساء.

ومضى يقول: وإنّ هذا - وأشار إلى المنصور - يقتله على أحجار الزيت (مكان خارج المدينة المنوّرة، قُتل فيه محمّد بن عبد الله بن الحسن سنة 145هـ) ) (1) .

- ولمّا عزم الحسين بن علي صاحب فخ على الثورة، استشار الإمام الكاظم فأخبره: (إنّك مقتول). وكان مصير الثورة كما أخبر به الإمام (عليه السلام) (2) .

- عن الحسين بن بشّار قال: قال الرضا (عليه السلام): (إنّ عبد الله يَقتل محمّداً.

فقلنا له: عبد الله بن هارون يَقتل محمّد بن هارون؟!

فقال لي: نعم، عبد الله الذي بخراسان يَقتل محمّد بن زبيدة الذي هو ببغداد) (3) .

- عن عمران بن محمّد الأشعري قال: دخلتُ على أبي جعفر الثاني (عليه السلام) وقضيتُ حوائجي، وقلتُ: إنّ أُمّ الحسن تُقرئك السلام وتسألك ثوباً من ثيابك تجعله كَفَنَاً لها.

فقال: (قد استغنتْ عن ذلك).

وخرجتُ لا أدري ما معنى ذلك؟! فأتاني الخبر أنّها قد ماتتْ قبل ذلك بثلاثة عشر يوماً (4) .

- عن خيران الاسباطي قال: لمّا قَدِمْتُ على أبي الحسن (عليه السلام) المدينة فقال لي: (ما خبر (الواثق) عندك؟

قلتُ: جُعلت فداك خلفته في عافية أنا أقرب الناس عهداً به عهدي به منذ عشرة أيّام.

قال: فقال لي: إنّ أهل المدينة يقولون إنّه مات.

فلمّا قال لي الناس علمتُ أنّه هو.

ثمّ قال لي: ما فعل جعفر؟

قلتُ: خلّفتُه أسوأ الناس حالاً في السجن.

قال: أَمَا إنّه صاحب الأمر، ما فعل ابن

____________________

(1) مقاتل الطالبيِّين: ص172.

(2) المصدر السابق: ص298.

(3) إثبات الهداة: ج6 ص65.

(4) المصدر السابق: ص186.


الزيات؟

قلتُ: جُعلت فداك الناس معه والأمر أمره.

قال: فقال: أما إنّه شوم عليه .

قال: ثمّ سكت وقال لي: لا بدّ أنْ تجري مقادير الله وأحكامه، يا خيران مات الواثق وقد قعد المتوكّل جعفر، وقد قُتل ابن الزيات.

قلت: متى جُعلت فداك؟

قال: بعد خروجك بستّة أيّام) (1) .

- عن أيّوب بن نوح قال: كتبتُ إلى أبي الحسن (عليه السلام): إنّ لي حَمْلاً، فَادْعُ الله لي أنْ يجعله ابناً.

فكتب إليّ: (إذا وُلد لك فسمّه محمّداً)

قال: فَوُلِدَ ابن وسمَّيتُه محمّداً (2) .

- عن أبي هاشم قال: كنتُ مضيّقاً فأردتُ أنْ أطلب دنانير في هذا الكتاب فاستحييتُ، فلمّا صرتُ إلى منزلي وجّه إليّ بمائة دينار وكتب إليّ: (إذا كانت لك حاجة لا تستحي ولا تحتشم واطلبها فإنّك ترى ما تحبّ إنْ شاء الله) (3) .

- عن محمّد بن علي بن شاذان قال: اجتمع خمسمائة درهم تنقص عشرين درهماً، فأنفتُ أنْ أبعث بخمسمائة درهم تنقص عشرين، فوزنْتُ من عندي عشرين درهماً وبعثتها إلى الأسدي، ولم أكتب مالي فيها، فورد: (وصلتْ خمسمائة درهم لك منها عشرون درهماً) (4) .

____________________

(1) إثبات الهداة: ج6 ص213.

(2) المصدر السابق: ص256.

(3) المصدر السابق: ص286.

(4) المصدر السابق: ص284.


علم الغيب

إنّ ارتباط الأئمّة الأطهار بعالَم الغَيب لا يعني أنّهم يحيطون ذاتيّاً بهذا العالم اللا متناهي من المغيّبات، إنّهم - وفي كلّ الأحوال - يستمدّون علمهم من الذات الأَحَدِيَّة، والمحدود كما يُقال لا يحيط بالمطلق، وما دام الإمام محتاجاً في وجوده فهو في علمه محتاج.

وميزتهم الوحيدة في هذا المضمار أنّهم يستطيعون الاستفادة من طاقة باطنيّة، فتنفتح لهم نافذة على عالم الغيب، وكلّ هذا فيض من عالِم الغيب والشهادة اللهِ ربِّ العالمين. فقد يحدث أنْ:

- يقذف في قلوبهم.

- أو ينقر في أسماعهم.

- أو هو علم وَرِثُوه عن جدّهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

* وهذه أحاديث تؤيد ذلك:

- عن عمّار الساباطي قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإمام يعلم الغيب؟

فقال: (لا، ولكنْ إذا أراد أنْ يعلم الشيء أعلمه الله ذلك) (1) .

- عن أبي الربيع الشامي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنّ الإمام إذا

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص257.


شاء أنْ يعلم أُعلم) (1) .

- وعن المدائني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إذا أراد الإمام أنْ يعلم شيئاً أَعْلَمَهُ الله ذلك) (2) .

- وعن معمر بن خلاد قال: سأل رجلٌ من أهل فارس أبا الحسن (عليه السلام) فقال: أتعلمون الغيب؟

فقال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (يبسط لنا العلم فنعلم، ويقبض عنّا فلا نعلم.

وقال: سرٌّ الله عزّ وجل أَسَرَّه إلى جبريل عليه السلام وأَسَرَّه جبريل إلى محمّد صلَّى الله عليه وآله وأَسَرَّه محمّد إلى مَن شاء الله) (3) .

- وسأل أحدُهم أميرَ المؤمنين (عليه السلام): لقد أُعطيتَ يا أمير المؤمنين علم الغيب؟

فضحك (عليه السلام) وقال للرجل وكان كلبيّاً: يا أخا كلب ليس هو بعلم غيب وإنّما تعلّم مِن ذي علم، وإنّما الغيب علم الساعة وما عدّد الله بقوله: ( إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) ، فيعلم سبحانه ما في الأرحام من ذكر وأُنثى، وقبيح أو جميل، وسَخِي أو بخيل، وشقي أو سعيد، ومَن يكون في النار حطباً أو في الجنان للنبيّين مُرافِقاً فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه أحدٌ إلاّ الله، وما سوى ذلك فَعِلْمٌ علّمه الله نبيَّه فعلَّمْنِيْه، ودعا لي بأنْ يَعِيْهِ صدري وتضطم عليه جوانحي) (4) .

- وعن سدير الصيرفي قال: سمعتُ حمران بن أعين يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله: ( بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ) .

قال أبو جعفر (عليه السلام): (إنّ الله عزّ وجل ابتدع الأشياء كلّها بعلمه على غير مثال كان قبله، فابتدع السماوات

____________________

(1) المصدر السابق: ص258.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق: ص256.

(4) نهج البلاغة: الخطبة 124.


والأرضين، ولم يكنْ قبلهنّ سماوات ولا أَرَضُون، أَمَا تسمع لقوله تعالى: ( وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) .

فقال له حمران: أرأيتَ قولَه جلّ ذكره: ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ) .

فقال أبو جعفر (عليه السلام): ( إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ) وكان - والله - محمّد ممّن ارتضاه، وأمّا قوله عالم الغيب فإنّ الله عزّ وجل عالم بما غاب عن خلقه فيما يقدّر من شيء ويقضيه في علمه قبل أنْ يخلقه وقبل أنْ يُفْضِيْه إلى الملائكة، فذلك يا حمران علم موقوف عند الله فيه المشيئة إذا أراد، ويبدو له فيه فلا يمضيه. فأمّا العلم الذي يقدّره الله فيقضيه ويمضيه فهو العلم الذي انتهى إلى رسول الله ثمّ إلينا) (1) .

وهناك طائفة أُخرى من الأحاديث التي تؤكّد أنّ الأئمّة لا يعلمون الغيب بالذات مستقلّين، ولكن نوافذ تنفتح عليهم بفيض إلهي.

الأئمّة ينفون علمهم بالغيب:

وتأتي هذه الأحاديث كقرائن على أنّ ما يخبرون به إنّما هو مغيّبات كُشفتْ لهم، لا أنّهم يعلمون الغيب بشكل مطلق.

* وهذه أمثلة:

- عن ابن المغيرة قال: كنتُ عند أبي الحسن (عليه السلام) أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسين، فقال يحيى: جُعلت فداك إنّهم يزعمون أنّك تعلم الغيب.

فقال: (سبحان الله، ضع يدك على رأسي فوالله ما بَقِيَتْ في جسدي شعرة ولا في رأسي إلاّ قامتْ.

ثمّ قال: لا والله ما هي إلاّ رواية عن رسول الله) (2) .

- عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّهم يقولون، قال:

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص256.

(2) بحار الأنوار: ج25 ص293.


(وما يقولون؟

قلتُ: يقولون: يَعْلَمُ قَطر المطر، وعدد النجوم، وورق الشجر، ووزن ما في البحر، وعدد التراب.

فرفع يديه إلى السماء وقال: سبحان الله، سبحان الله، لا والله ما يعلم هذا إلاّ الله) (1) .

- عن عنبسة بن مصعب قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (أي شيء سمعتَ من أبي الخطّاب؟

قال: سمعتُه يقول: إنّك وضعتَ يدك على صدره وقُلْتَ له: عه ولا تنس! وإنّك تعلم الغيب، وإنّك قلتَ له عيبة علمنا وموضع سرّنا أمين على أحيائنا وأمواتنا.

قال: لا والله ما مسّ شيء من جسدي جسده إلاّ يده، وأمّا قوله: إنّي قلتُ: أعلم الغيب، فوالله الذي لا إله إلا هو ما أعلم فلا آجرني الله في أمواتي ولا بارك لي في أحيائي إنْ كنتُ قلتُ له) (2) .

- عن سدير قال: كنتُ أنا وأبو بصير، ويحيى البزاز، وداود بن كثير، في مجلس أبي عبد الله (عليه السلام)، إذْ خرج إلينا وهو مغضب، فلمّا أخذ مجلسَه قال: (يا عجباً لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب، ما يعلم الغيب إلاّ الله عزّ وجل، لقد هَمَمْتُ بضرب جاريتي فلانة، فهربتْ منّي فما علمتُ في أي بيوت الدار هي.

قال سدير: فلمّا أنْ قام من مجلسه وصار في منزله دخلتُ أنا، وأبو بصير، وميسر، وقلنا له: جُعلنا فداك، سمعناك وأنت تقول كذا وكذا في أمر جاريتك، ونحن نعلم أنّك تعلم علماً كثيراً ولا ننسبك إلى علم الغيب.

قال: فقال: يا سدير: أَلَمْ تقرأ القرآن؟

قلتُ: بلى.

قال: فهل وجدتَ فيما قرأتَ من كتاب الله عزّ وجل: ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) ؟

قال: قلتُ:

____________________

(1) المصدر السابق: ص94.

(2) المصدر السابق: ص321.


جُعلت فداك قد قرأتُه.

قال: فهل عرفتَ الرجل؟ وهل علمتَ ما كان عنده من علم الكتاب؟

قال: قلتُ: أخبرني به؟

قال: قدر قطرة من الماء في البحر الأخضر، فما يكون ذلك علم الكتاب؟!

قال: قلت: جُعلتُ فداك ما أقلّ هذا؟

فقال: يا سدير: ما أكثر هذا، إنْ ينسبه الله عزّ وجل إلى العلم الذي أخبرك به يا سدير، فهل وجدتَ فيما قرأتَ من كتاب الله عزّ وجل: ( قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ) .

قال: قلتُ: قد قرأتُه جُعلتُ فداك.

قال: أَفَمَنْ عنده علم الكتاب كلّه ألهم، أَمْ مَنْ عنده علم الكتاب بعضه؟

قلتُ: لا، بل مَن عنده علم الكتاب كلّه.

قال: فأومأ بيده إلى صدره، وقال: علم الكتاب والله كلّه عندنا، علم الكتاب والله كلّه عندنا) (1) .

ومن مجموع هذه الأحاديث يتأكّد لنا أنّ الأئمّة لا يعلمون الغيب مطلقاً، وهم في كلّ الأحوال انعكاس للفيض الإلهي، وأنّهم إذا شاءوا علموا، وفي كلّ الأحوال فإنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ربّما كانوا يخبرون عن ضمائر الناس، أو يخبرون عن حوادث قبل وقوعها، ولا يعدّ ذلك علماً بالغيب، بل هو لطف من الله عزّ وجل، كما لا يعدّ شرطاً من شروط الإمامة والإمام.

لأن العلم بالغيب يتطلّب اطّلاعاً كاملاً ومطلقاً على عالم الغيب دون الحاجة إلى أحد، وهذا ما تبرأ منه الأئمّة (عليهم السلام).

* إشكال:

لقد كان سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والأئمّة من بعده يعيشون حياة طبيعيّة وعاديّة كسائر الناس، في أسلوب معيشتهم ومعاشرتهم مع غيرهم،

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص257.


ويتعاملون مع ما حولهم، بناءً على الظواهر، ويستشيرون أهل الخبرة في بعض شؤونهم الاجتماعيّة، ويراجعون الأطبّاء وقت المرض. ولهذا نجد عند مطالعتنا سيرتهم أنّهم يعيشون حياة عاديّة مثل سائر الناس، وليس هناك بُعْد غَيْبِي خارق للعادة يتدخّل في شؤونهم الاجتماعيّة.

وهذا تاريخ الإسلام شاهد على ما أَلَمّ بهم من كوارث ومصائب:

- فهناك معركة أُحد، وقد جُرح النبي بشدّة.

- واغتيل الإمام علي في المحراب.

- ومذبحة كربلاء، حيث لَقِيَ الحسين وأهل بيته مصارعهم.

- ناهيك عن التصفيات التي تعرّض لها الأئمّة عن طريق دَسّ السمّ، التي شملتْ أغلبهم (سلام الله عليهم)، أليس في هذا ما يتنافى مع علمهم الغيب. فلو كانوا يعلمون الغيب حقّاً فكيف يلقون بأنفسهم في التهلكة.

* الجواب:

إنّ أحداً لم يَدّعِ أبداً أنّ سيّدنا محمّداً والأئمّة من أهل بيته لم يكونوا بشراً عاديّين، فهم من الجانب التكويني بشر كسائر الناس يتّصلون بالعالَم مِن حولهم بذات الحواس الخمس التي يتمتّع بها غيرهم، وما داموا يعيشون حياتهم بشكل عادي فما هو الداعي لأنْ يستفيدوا من عالَم الغيب. غير أنّ الحياة بما تزخرُ به من أشياء متناقضة حيث الحرام يتربّص بالإنسان في كلّ خطوة، وقد يرتكب المرء فعلاً قبيحاً عن جهل، وأمر كهذا سيوجّه ضربة لمقام الإمامة مهما كانت الظروف، ومن هنا يأتي التسديد الإلهي ليعصم الإمام من الوقوع في الخطأ.

وهناك من المواقف ما يستدعي لإثبات إمامة الإمام لِمَنْ يشك فيه، كما نرى ذلك في حياة الأنبياء (عليهم السلام).

ثمّ إنّ علم الغيب والاطّلاع على بعض المغيّبات لن يغيّر من سير الحوادث.


إنّه مجرّد نافذة على جزء من عالم لا متناهي، وتبقى إرادة الإنسان هي الفاعلة في صنع الحوادث، كما إنّ الإخبار بالمغيّبات لا ينطوي على أيّ جانب تشريعي سواء في الأمر والنهي.

نعم، ربّما يطّلع الإمام على محاولة لاغتياله بالسمّ عن طريق دسّه في الطعام فيمتنع مثلاً عن تناوله ليأخذ موقفه، هذا شكل الإعجاز الخارق للعادة، ويكون بالتالي دالّة على مصداقيّة الإمام لا أكثر.

الإمام وسائر العلوم:

لقد بحثنا فيما مضى أنّ الإمام يجب أنْ يكون عالماً بأمور الدين، وبكلّ ما يلزم من شؤون القيادة والريادة وزعامة الأُمّة، ونبحث هنا مدى اطّلاع الإمام على سائر العلوم الأُخرى، وهل من الضرورة أنْ يكون الإمام القمّة فيها؟

يقول فريق:

إنّ الإمام ينبغي أنْ يكون عالماً بكلّ شيء، سواء في الطب أو علم الأحياء والجيولوجيا والهندسة والرياضيات والفلك والفيزياء والكيمياء وسائر حقول العلم الأُخرى، بل وأنْ يكون مُتْقِنَاً لسائر اللغات.

فيما يقول فريق آخر:

إنّه ليس من الضروري أنْ يكون الإمام كذلك.

إنّ من الثابت فقط هو أنّ الأئمّة خُزّان علم الله وحَمَلة علوم الرسالة، وهو أمر ضروري في استمرار الدين ومسؤوليّة إقامة حكم الله، فكلّ ما يتّصل بإرشاد الناس وهدايتهم إلى جادّة الحقّ متوفّر لدى الإمام وإلاّ انتفتْ طاعته، وبالتالي انتفاء الحجّة لله على الناس، وما عدا هذا فلم يثبت، إذ ليس من الضروري أنْ يكون الإمام طبيباً أو مهندساً أو رياضيّاً أو غير ذلك.

نعم لو توقّف إثبات إمامة الإمام على أحدها أو جميعها فستفتح على قلبه


نافذة من الغيب، ما يجعل الناس يسلّمون بإمامته ومصداقيّته.

ومن هنا نجد في التاريخ أخباراً عن الأئمّة حول صفات بعض النباتات وظواهر في السماء؛ لأنّ الإمام في كلّ الأحوال على ارتباط بعالَم الغيب وهو انعكاس للفيض الإلهي. وفي مقابل هذا نجد الأئمّة يراجعون الأطبّاء في بعض الأحيان، كما نرى ذلك جليّاً في حادثة اغتيال الإمام علي (عليه السلام)، حيث أشار الطبيب على الإمام بعد إجراء الفحوصات بأنْ يوصي؛ لأنّ الضربة بلغتْ مقتلاً (1) .

____________________

(1) هناك من الحوادث ما يؤيّد أنّ حياة النبي والأئمّة تسير في ضوء المعطيات الظاهريّة، فتأتي مواقفهم بناءً على بعض المحاسبات العامّة، ومَن يتأمّل في الحوادث التاريخيّة يجد أدلّة قاطعة على ذلك إلى جانب حشد من الأحاديث أيضاً منذ حادثة الافك، مروراً ببعض الحروب الهامّة، إلى عزل ونصب بعض القادة، ولعلّ ما نجم عن إسناد قيادة جيش الإمام الحسن إلى عبيد الله بن العبّاس الذي تسلّل مع ثمانية آلاف من الجنود ليلاً إلى معسكر معاوية! ما يؤيّد ذلك بقوّة.

وخلاصة القول:

إنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) والأئمّة (عليهم السلام) يعيشون حياتهم بشكل طبيعي، ولكنّهم يتّصلون بالغيب وقت الضرورات القُصْوَى، وإنّ عِلْمَهم بالغيب ليس ذاتيّاً ولا مستقلاًّ ولا مطلقاً، بل هو فيض إلهي من الله ربّ العالمين.



الفصل الخامس

الإعجاز



المعجزة:

المعجزة عبارة عن عمل خارق للمألوف، فالحياة تحكمها قوانين طبيعية تنهض على أساس من العلّة والمعلول والأسباب والنتائج، فتحوّل عصا إلى أفعى مثلاً يُعدّ خرقاً للقانون الطبيعي.

* ولإثبات الجانب الإعجازي في الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) نبحث أوّلاً ما يلي:

هل المعجزة أمر ممكن؟

يقول البعض باستحالة المعجزة أساساً، وإنّ كلّ ظاهرة طبيعيّة لا بدّ من وجود علّةٍ ما وراءها، فَمِن الثابت عقلاً:

- أنّ كلّ شيء يستقي وجوده من سلسلة من العلل.

- وأنّ هناك ارتباطاً قائماً بين العلّة والمعلول.

- وأنّ لكلّ معلول علّة خاصّة من نفس السنخ.

- وأنّ قانون العلِّيّة شامل يحكم العالم والوجود بأسره.

- وأنّه ليس هناك استثناء.

وإذن، كلّ ظاهرة لا بدّ وأنْ تستمد وجودها من علّة خاصّة بها؛ لأنّ من المحال عقلاً وجود معلول دون علّة.

* وفي ضوء ما تقدّم كيف يمكن أنْ تتحول عصا - وهي لا تملك مقوّمات وعلل التحوّل - إلى ثعبان؟!


وبناءً على ذلك فإنّ أمراً خارقاً للعادة أو المعجزة هو مستحيل عقلاً.

* وفي الجواب عن هذا الإشكال:

- إنّ المعجزة لا تشكّل نفياً لوجود العلل والأسباب؛ لأنّ تفسيرها يتضمّن ذلك أساساً.

ومن هنا ينبغي أنْ ننظر إلى المعجزة كظاهرة معيَّنة لها علّتها الخاصّة، وأنّ الله عزّ وجل جعل لها علّة للظهور والوجود، والفرق هنا في علّة المعجزة واختلافها عن سائر العلل المألوفة طبيعيّاً، ثمّ إنّ التحوّلات في الظهور والتغيّر لا تنحصر عقلاً بما هو معروف لدينا، فقد توجد علل أُخرى هي مجهولة لدى العقل البشري، ونحن لا نستبعد وجود مثل هذه القوّة الخارقة التي ينطوي عليها النبي والإمام، ذلك أنّ علم النفس يكشف عن وجود طاقات وقابليّات مدهشة ينطوي عليها الكائن الإنساني، ولعلّ الذاكرة البشريّة هي أفضل ما يمكن التأمّل فيه في هذا المضمار، والتي تكشف عن قابليّة عجيبة على خزن المعلومات عشرات السنين بكلّ تفاصيل الحياة من صور وأشياء وعواطف و... .

والنفس الإنسانيّة قادرة على الخَلْق والتصوّر في ضوء مشاهداتها الخارجيّة. ولأنّ قدرة الإنسان محدودة فإنّ تصوّراتها عن الأشياء الخارجيّة تكون فاقدة للآثار، فالنار التي تتصوّرها النفس تفتقد إلى الإحراق والدفء، والشمس التي تتصوّرها تفتقد أيضاً إلى آثارها في الإضاءة والحرارة أيضاً.

على أنّ النفس الإنسانيّة قابلة للتكامل، فقد تستطيع بعض النفوس ومن خلال الرياضة المشروعة في إطار العبادة والانقطاع إلى الله عزّ وجل أنْ تحصل على قوى ترتقي بها إلى مستويات أعلى من المادّة، فيمكنها حينئذٍ الارتباط والاتّصال بعالم الغيب، ومن خلال الاتّصال بهذا العالم الملكوتي تحصل على


قابليّات تُمكِّنها من تحويل العصا إلى ثعبان، وتبقى في صورتها الجديدة ما دامت النفس متوجّهة إلى معلولها، فإذا انصرفتْ عنه عادتْ العصا إلى شكلها الأصلي الأوّل.

ونَفْس النبي والإمام - وهي تستمدّ قدرتها من عالَم الغيب - يمكنها أنْ تتصرّف في جواهر الأشياء وبواطنها، فتتغيّر صورة العصا إلى صورة ثعبان، وكلّ ذلك بقدرة الله عزّ وجل واهب الصور، الذي يجعل من هذه الظواهر شواهد على صدق أنبيائه ورسله.

وخلاصة القول:

إنّ هناك طريقَين لبروز الظواهر الجديدة حيث تتغيّر صور الأشياء من شكل إلى آخر، فالطريق المتعارف هو مرور الشيء بسلسلة من الأسباب والعلل والتحوّلات الطبيعيّة المألوفة للبشر، وهذه - كما هو معروف - تستغرق زمناً طويلاً.

- الطريق الآخر هو الفيض الإلهي الذي لا يحتاج إلى زمن ما:

وهو ما يشكّل خرقاً للقانون المألوف، حيث تأتي إرادة الإمام والنبي لتختزل كلّ هذا الزمن الطويل في لحظة واحدة، وكلا الطريقَين هما في الحقيقة لهما أسبابهما وعللهما، ذلك أنّ الجوهر الملكوتي للأشياء هو المعيار في التحوّلات الصوريّة جميعاً.

مَن الذي يقوم بالمعجزة؟

- هل تتمّ المعجزة مباشرةً ومن دون الله، أَمْ يتوجّه النبي والإمام إلى الله أوّلاً في طلب ذلك؟

- أَمْ إنّها جزء من قابليّات النبي والإمام، وإنّ مجرّد إرادته في ذلك تتمّ المعجزة؟

* لنتأمّل هذه الطائفة من الآيات القرآنيّة:


فعن معجزات سيّدنا عيسى المسيح (عليه السلام) في قوله تعالى:

( أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ) (1) .

وفي موضع آخر من القرآن يخاطب الله عزّ وجل سيّدنا عيسى (عليه السلام) في قوله تعالى:

( وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي ) (2) .

وعن سيّدنا موسى (عليه السلام) في قوله عزّ مَن قائل:

( قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ) (3) .

ثمّ نجد في طائفة أُخرى من الآيات نسبة المعجزات إلى الله عزّ وجل مباشرةً، كما في قوله تعالى:

( وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ) (4) .

فالقرآن الكريم ينسب المعجزة تارة إلى الأنبياء وتارة الى الله سبحانه ثم نجد في ذلك تفسيراً يوضّح طبيعة الأمر قال تعالى:

( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ

____________________

(1) آل عمران: الآية 49.

(2) المائدة: الآية 110.

(3) الأعراف: الآية 106 - 108.

(4) البقرة: الآية 57.


وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ ) (1) .

من هذه الآية وآيات أُخرى نستدل على أنّ المعجزة كعمل خارق للقانون المألوف لا يمكن وقوعه إلاّ بإذن الله أوّلاً وآخراً، مع التأكيد على دور النفس النبويّة في حدوث المعجزة، والإشارة إلى أهمِّيَّتها في ذلك مع عدم استقلالها عن المشيئة الإلهيّة؛ لأنّ المعجزة هي إرادة الرسول التي تنعكس عن الفيض الإلهي وهو الأساس في كلّ شيء.

إثبات الإعجاز:

من المؤكّد أنّ القرآن الكريم يؤيّد حدوث المعجزات كأمور خارقة، وأنّها تأتي في سياق الآيات والبراهين على صدق الرسالات ومصداقيّة الأنبياء.

* والقرآن الكريم يزخر بالآيات التي تتحدّث عن وقوع معجزات محيّرة للعقول:

- فهناك مثلاً عصا موسى وانقلابها ثعباناً يلتهم حبال السحرة وعِصِيِّهم (2) .

- وهناك يده البيضاء، وتحوّل المياه التي يشربها ملأُ فرعون إلى دم، ومداهمة القمّل (3) .

- وهناك انشقاق البحر لموسى وعبور بني إسرائيل ونجاتهم ثمّ غرق فرعون وجيشه (4) .

- وهناك تحدّث المسيح في المهد، وإبرائه للأكمه والأبرص، وإحياء

____________________

(1) المؤمن: الآية 78.

(2) الأعراف: الآية 117 و107 / الشعراء: الآية 32 و45.

(3) النمل: الآية 12 / القصص: الآية 32 / الأعراف: الآية 133.

(4) الشعراء: الآية 63.


الموتى (1) .

- بل إنّ القرآن الكريم يطرح نفسه كمعجزة خالدة عبر العصور (2) .

ومن هنا، فإنّ الإيمان بالقرآن الكريم ككتاب سماوي يستلزم التصديق بالمعجزات التي أشار إليها، وإنّ أيّة محاولة لتفسير الآيات بشكل يتضمّن إنكار أصل المعجزات بمثابة إنكار للقرآن نفسه.

وإضافة إلى القرآن الكريم فإنّنا أمام كم هائل من الوثائق التاريخيّة التي تؤيّد وقوع حوادث خارقة للمألوف.

ولا ينحصر الإيمان بالمعجزات بالمسلمين وحدهم، بل إنّ سائر الأديان السماويّة تُؤمِن وتصدّق بمعجزات لأنبيائها.

وفي ما يخصّ الأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) سجّل التاريخ عشرات المعجزات والكرامات، ونقلها مئاتُ الرواة في أحاديثهم ومَرْويّاتهم، ولا يقتصر الأمر على كتب الشيعة وحدهم، بل هناك كتب لأهل السُنّة ضبطتْ فيها تلك الأعمال الخارقة للمألوف.

ومن مجموع تلك الأحاديث يثبت لنا بأنّ الأئمّة أيضاً كانت لهم معجزاتهم، وأنّهم وفي اللحظات الضروريّة كانوا يقومون بأعمال خارقة. ويعدّ إنكارها في إطار الإيمان بالمذهب الإمامي بمثابة إنكار للإمامة كأصل من أصول المذهب.

وَلِمَنْ يريد التحقيق في هذا المضمار يمكنه مراجعة الكتب المختلفة من قبيل:

- (عيون المعجزات).

- و(بحار الأنوار).

- و(إثبات الهداة).

- و(أُصول

____________________

(1) مريم: الآية 30 / آل عمران: الآية 49 / المائدة: الآية 110.

(2) التوبة: الآية 23 / الإسراء: الآية 88.


الكافي)، و(مدينة المعاجز)، و(مناقب ابن شهر آشوب)، و(إثبات الوصيّة)، و(شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد)، و(دلائل الإمامة) للطبري، وسائر كتب الحديث الأُخرى والكتب التاريخيّة.

جدير بالذكر التأكيد على أنّ كلّ ما ورد في كتب الحديث من معجزات للأئمّة لا يعدّ صحيحاً مئة بالمئة، فهناك ما هو مزوّر، ومجعول، والمهم لدينا أنّ مجموع الأحاديث يشكّل في النهاية دالّة على وجود المعجزة في حياة الأئمّة الاثني عشر، وأنّهم قاموا - وفي مناسبات معيّنة أَمْلَتْهَا الضرورة - بأعمال خارقة للمألوف (1) .

____________________

(1) الإنسان عالَم مجهول ينطوي على آلاف الأسرار والخفايا في روحه وجسمه ويتمتّع بطاقات مدهشة، حيث يمكن لمَن يريد تفجير طاقته الجسميّة أنْ يمنع سيّارة من الحركة، ولو أراد أنْ يفجّر في أعماقه قواه الروحيّة فسيمكنه القيام بأعمال خارقة ومدهشة. وإذا كان الجسم البشري قد تعرّض إلى فحوصات ودراسات دقيقة ألمّتْ بمعظم تفاصيله، فإنّ الروح البشريّة بقيتْ في ظلّ المجهول، وما تزال أسرارها بعيدة عن الكشوفات، بالرغم من أنّها تحدّد شخصية الإنسان وتمثّل كيانه وهويّته. والتأمّل في بعض ما سجّلتْه الكتب - من مشاهدات مدهشة حول ما يقوم به بعض المرتاضين في الهند - يثير أسئلة كبرى.

فمثلاً يمكن لبعضهم:

أنْ يغلي الماء بمجرّد أنْ يحدّ النظر فيه. أو يرفع منضدة في الهواء. أو يعلّق إنساناً في الفضاء. أو يرمي حبلاً في السماء فيبقى معلّقاً. أو يجعل نباتاً ما ينمو في ساعتَين بمقدار ما ينمو في مدّة شهرين في الظروف الطبيعيّة. أو يصوّب نظراته إلى فرد ما، فيحمله على الاستغراق في نوم عميق.

ومن أعمالهم الخارقة هو:

- إنّهم يستطيعون البقاء أيّاماً دون أنْ يتناولوا طعاماً أو شراباً.

- بل وحتّى دفنهم عدّة أيام.

ولقد أُجريتْ مثل هذه الأعمال بمراقبة حضوريّة من شخص الحاكم الإنجليزي في وقتها (كلوديوس فيد) في إحدى المدن الهنديّة، وكان يُشَكِّك في إمكانيّة ذلك.

- فقد تم دفن (هاريكلس) أحد فقراء الهنود، بعد أنْ خِيْطَ فَمُهُ وَسُدَّتْ ثُقُوبُ بَدَنِهِ بالشَمْع، ووُضِعَ في التابوت، ثمّ خُتِمَ عليه بالشمع أيضاً، ومرّت ستة أسابيع كان الجنود خلالها يحرسون القبر فيما تجمّع آلاف المريدين حول محلّ الدفن، وعندما حانتْ لحظة الامتحان واستخرج التابوت من الثرى وتمّ التأكّد من وجود الشمع سليماً، وجدوا ذلك الفقير الهندي في حالة عجيبة فقد تحوّلت عيناه إلى ما يشبه الزجاج كما تيبّست أطرافه وتجعّد جلده وتوقّف قلبه عن الخفقان، فتحوا فَمَهُ وأُذُنَيْه وأَنْفَهُ ثمّ صبّوا على رأسه الماء الدافئ وأجروا له تنفّساً اصطناعيّاً مرّت ثلاثون دقيقة لتعود الحياة مرّة أُخرى إلى عروق =


إنكار المعجزات:

ينكر بعضُ ذوي الأقلام المأجورة المعجزاتِ جملةً وتفصيلاً، ويحاولون المكابرة، مستشهدين ببعض آيات القرآن الكريم.

* يقول أحدهم (1) :

من المدهش أنّنا في الوقت الذي نرى فيه نبيّ الإسلام ينكر علمه بالغيب فإنّ هؤلاء (الشيعة) يدّعون باطّلاع أئمّتهم على الغيب، ويسردون في ذلك قصصاً عن علمهم بالغيب، وفي الوقت الذي نرى فيه اعتراف نبيّ الإسلام بعجزه عن الإتيان بالمعجزات والأعمال الخارقة، إذا هم ينسبون

____________________

= (هاريكلس) ويستيقظ مِن رقدة الموت. (نقلاً عن مجلّة (نور دانش) السنويّة لعام 1325هـ. ش ص329 - 330) .

وإذا كان هذا العمل الخارق يقوم به فرد هندي مرتاض أمام الأوربِّيِّين ممّا جعلهم يعتقدون بانطواء الكائن البشري على أسرار مدهشة، وأنّ هذا المخلوق إذا ما قام ببعض الرياضات النفسيّة قادر على إنجاز أعمال خارقة، فكيف نستبعد وجود المعجزات عن حياة الأنبياء والأئمّة وهم يسلكون أكثر الطرق تكاملاً ويعبدون الله حقّ عبادته، أفلا تنفتح لهم نوافذ الغيب ويفيض الله عزّ وجل عليهم من فيضه، فيقوموا بأعمال لا يمكن لسائر البشر أنْ يأتوا بمثلها؟!

(1) ظهر (أحمد كسروي) في إيران إبّان الأربعينيّات من هذا القرن كرأس حربة استعماريّة لهزّ القاعدة الفكريّة للأُمّة، ومهاجمة الأُسس الدينيّة من خلال أفكاره الهدّامة التي تُعدّ نسخة سخيفة للآراء التي راجتْ في أوربّا في القرن الثامن عشر فيما سُمِّيَ وقتها بـ (التجديد الديني) ، ويمكن مقارنتها أيضاً بالفكر الوهّابي الذي ظهر في فترة مقاربة.

ويدّعي (كسروي):

- أنّ الدين ضدّ العِلْم.

- وأنّ القرآن ليس كتاباً سماويّاً.

- وأنّه لا ينسجم مع معطيات العلم الحديث، وقام بإحراقه بكلّ وقاحة.

وكسروي ينكر معاجز الأنبياء، وارتباطهم بالله سبحانه، ويعتبرهم مجرّد مصلحين.

وقد تمادى في ضلاله دون أي وازع:

وتجرّأ على مهاجمة شخص الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله).

وحفيده الإمام الصادق (عليه السلام).

واعتبر الإسلام ديناً يقود إلى الضلال والجهل.

وتضمّنتْ كتبه (آيين أصول جديد) - قانون الأصول الجديد - و (صوفيگري وشيعيگري) - التصوّف والتشيّع - و (داورى) ، أفكاره الهدّامة التي تقف وراءها الماسونيّة؛ لتحقيق هدفها في تحطيم العقيدة الدينيّة في حياة الشعوب.

جدير بالذكر أنّ كسروي لم يستمرّ في تخريبه، إذْ صدرتْ فتاوى العلماء باعتباره مرتدّاً محكوماً بالموت، وقد نفّذتْ حركة (فدائيان إسلام) الثوريّة حكمَ الإسلام بحقّه وتمّتْ تصفيته بإطلاق الرصاص عليه في شباط من عام 1946م - المترجم.


لأئمّتهم أعمالاً خارقة. وفي الوقت الذي نرى الناس يواجهون نبي الإسلام: وقالوا لنْ نؤمن لك حتّى تفجّر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنّة من نخيل وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً. أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء، ولنْ نؤمن لرقيّك حتّى تُنزّل علينا كتاباً نقرأه أو تُسقِط السماء كما زعمتَ علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً.

فماذا كان جواب النبي، إنّه لم يزد على أنْ قال: سبحانك هل كنتُ إلاّ بشراً رسولاً.

ويقول في موضع آخر:

إنّ قانون الوجود ليس لعبة لِمَنْ يريد أنْ يعرض فنونه وأَلاَعِيْبَهُ، وما قيل عن موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء هو مجرّد أكاذيب، لقد اعترف نبي الإسلام بعجزه عن الإتيان بأعمال خارقة، وهو أعلى شأناً من موسى ومن عيسى وهذا القرآن بين أيدينا (1) .

* وفي معرض الردّ على مثل هذه التخرّصات نقول:

إنّ مَنْ يريد البحث في هذا المضمار عليه أنْ يبحث في جميع الآيات التي تخصّ الموضوع، ثمّ يناقشها بعيداً عن روح التعصّب لا أنْ تكون له أحكام مسبّقة ثمّ ينتقي الآيات التي تنسجم مع أفكاره ولو في الظاهر. إنّ التمسّك بآية واحدة ونَبْذ كلّ الآيات الأُخرى التي تؤكّد صراحةً ظاهرة الإعجاز في تاريخ النبوّات جميعاً هو ذروة التعسّف في إطلاق الأحكام جزافاً.

وإلاّ كيف نفسّر:

- تَكَلُّم عيسى (عليه السلام) في المهد.

- وإحيائه الموتى.

- وانقلاب عصا موسى (عليه السلام) إلى ثعبان.

- وطوفان نوح (عليه السلام).

- وخروج ناقة من قلب الجبل معجزة لسيّدنا صالح (عليه السلام).

إنّه لَمِنَ الوقاحة أن يقول الكاتب: (إنّ ما ذُكر عن موسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء هو مجرّد أكاذيب)!

____________________

(1) داوري: أحمد كسروى: ص31.


إنّه يستشهد بآية، في حين يترك الآية التي تسبقها تماماً وهي قوله تعالى:

( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (1) .

وفي هذا دلالة صريحة على أنّ القرآن الكريم معجزة خالدة في مقام التحدّي، ليس للبشر بل وللجنّ أيضاً.

ونرى الكاتب يغضّ النظر عن هذه الآية ليتمسّك بالآيات التي تليها، بالرغم من عدم دلالتها على نفي المعجزة؛ لأنّ سيِّدنا محمّداً(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) - ومن خلال الآية - يطرح القرآن كمعجزة، ويتحدّى الكفّار أنْ يأتوا بمثله، وفي مقابله هذا التحدّي وعجْز المشركين عن الاستجابة له راحوا يُكابِرون قائلين:

- لنْ نؤمن لك حتّى تفجّر لنا من الأرض ينبوعاً.

- أو تكون لك جنّة من نخيل وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيراً.

- أو يكون لك بيت من زخرف.

- أو ترقى في السماء.

- ولن نؤمن لرقيّك حتّى تُنزّل علنيا كتاباً نقرأه.

- أو تُسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً.

- أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً.

وفي مقابل هذه المكابرة - التي لا تنمّ إلاّ عن عنادٍ فارغٍ، وعقولٍ لا تريد الإصغاء لمنطق الحقّ - جاء جوابُ النبي:

____________________

(1) الإسراء: الآية 88.


- سبحانك هل كنت إلاّ بشراً رسولاً.

وإلاّ فهل هناك عاقل يطلب أنْ يأتي الرسول بالله عزّ وجل أو يطلب منه أنْ تُسقَط السماء عليه كسفاً. فما معنى هذا الطلب الذي ينطوي على تحطيم الوجود بأسره.

وبالرغم من انطواء بعض مطالبهم على أشياء ممكنة، ولكن ينبغي الانتباه إلى نقطتين:

الأُولى:

إنّه بالرغم من السموّ النفسي الذي يحظى به النبي والإمام، وإمكان ارتباطهم بعالَم الغيب وقيامهم بأعمال خارقة، لكنّ هذا لا يعني إلغاءً لحالتهم البشريّة وحاجتهم إلى الله عزّ وجل: ( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ ) (1) .

الثانية:

إنّ المعجزة تشكّل استثناءً في قانون ثابت للطبيعة ينهض على أساس العلّة والمعلول، فالمعجزة لا تحدث إلاّ في اللحظات الضروريّة كشاهد على مصداقيّة الرسول، بعيداً عن إشكال الاستعراض والعَبَث.

ومّن يتأمّل الآيات المذكورة يلاحظ تصعيداً في المطالب ينضح عناداً ومكابرةً، ولا ينمّ - من قريب أو بعيد - عن عقول حائرة أو قلوب تبحث عن الحق، ومثل هؤلاء عبّر عنهم القرآن بقوله تعالى: ( وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ) (2) .

____________________

(1) الرعد: الآية 38.

(2) الحجر: الآية 14 - 15.


* إشكال:

من الإشكالات التي تُثَار حول المعجزة هو:

انتفاء السنخيّة وغياب الارتباط بين الادّعاء والعمل. فَمَنْ يدّعي الطبابة مثلاً يتحدّاه الناس بمعالجة مرض مُزْمِن أو مرض مُسْتَعْصٍ، لا أنْ يقولون له: إذا كنتَ طبيباً حقّاً فهل بإمكانك التحليق في السماء؛ إذ لا توجد علاقة بين الطب والطيران في السماء.

ومَن يدّعي حمل الشريعة والأخلاق التي تُربِّي النفوس على الفضائل وهدايته للبشر وإنقاذهم من الضلال، فإنّ الناس لا يطلبون منه لإثبات صِدْقه أنْ يُحْيِيَ الموتى أو يُبْرِئ الأكمه.

وهذه المسألة تنسحب على الأنبياء والأئمّة، فَمَنْ يدّعي ذلك فإنّ الناس سيطلبون منه أنْ يُقدّم ما لديه من أنظمة وطقوس للعبادة، وأنْ ينفذّها، فإنّ وَجَدُوها تُطابق العقل وكان لها نتائج طيّبة في الحياة ثبتت لهم مصداقيّة المدّعي وصدْق الادِّعاء، لا أنْ يقولون له لِتَعْرج إلى السماء، أو تُحيي الموتى، أو ادْعُ هذه الشجرة لتأتي إليك بعروقها!

* الجواب:

للإجابة عن هذه الإشكالات نقول:

إنّ السنخيّة موجودة بين الادّعاء بالنبوّة وبين المعجزات، وإنّ العلاقة بينهما وثيقة للغاية؛ لأنّ كلا الأمرَين خارق للمألوف، فَمَنْ يدّعي أنّه على ارتباط بعالَم الغيب وأنّه رسول الله إلى الناس، فإنّ ظاهرة كهذه تُعدّ في حياة البشر أمراً خارقاً وادّعاءً ضخماً مِن لَدُن إنسان عادي يعيش بين الناس، يأكل مثل ما يأكلون، ويلبس مثل ما يرتدون، ويمشي مثلهم في الأسواق.


لهذا تأتي المعجزات كشواهد على صدق مَن يدّعي بذلك؛ لأنّ كلا الأمرَين - الوحي والمعجزة - ينبعان من مصدر واحد وهو الغيب، ولعلّ إشكال الكاتب المذكور يأتي من عدم استيعابه لظاهرة الوحي والنبوّة، واعتبار الأنبياء مجرّد مصلحين لا غير.


الفرق بين المعجزة والسحر

من الأمور التي يتوجّب بحثها هو تحديد الفرق بين المعجزة والسحر، فقد يتبادر للذهن أنّ الساحر يأتي بأعمال خارقة يعجز عن القيام بها غيره.

* فما هو الفرق بين السحر والمعجزة وما هو التفاوت بين النبي والساحر؟

* للإجابة عن هذا التساؤل نحدّد وجه الاختلاف بين الأمرَين:

* إنّ السحر لا يملك رصيداً من الحقيقة، وعمل الساحر ينصبّ فقط في الهيمنة على الحواس والذهن فتبدو الأوهام حقائق، وهذا ما يتجلّى واضحاً في قصّة سيّدنا موسى مع سحرة فرعون، فلقد ألقى السحرةُ حبالَهم وعصيِّهم وجاءوا بسحرٍ عظيم على حدّ تعبير القرآن الكريم، فبدتْ تلك الحبال والعصي لِمَنْ يراها أفاعي تسعى وتتلوّى، ولكنّ الحقيقة كانت غير ذلك، فالسحر يؤثّر على الحواس فقط؛ ولذا قال القرآن الكريم:

- ( فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ) (1) .

- ( فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ) (2) .

____________________

(1) الأعراف: الآية 116.

(2) طه: الآية 66.


ويعبّر القرآن الكريم عن السحر بأنّه مجرّد مكائد وأوهام ولا حقيقة لما يفعلونه؛ لذا أمر الله عزّ وجل سيّدنا موسى (عليه السلام) بقوله تعالى: ( وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى ) (1) .

والسحرة كانوا أوّل مَن أدرك حقيقة ما قام به موسى (عليه السلام)؛ ولهذا اهتزّوا بشدّة وآمنوا بالله الواحد القهّار وهَوَوا ساجدين لربّ موسى وهارون، ولم تُفْلِح تهديدات فرعون عن ثَنْيهم رغم آلام التعذيب الرهيبة.

وخلاصة القول: إنّ المعجزة تتدخّل في تكوين الأشياء ذاتها، فعيسى (عليه السلام) كان يُحيي الموتى ويُبرئ الأكمه، كما خرجتْ أمام الملأ من ثمود ناقةٌ من قلب الصخور ناقة حقيقيّة كانت تدرّ اللبن الوفير، فيما يبقى السحر محصوراً في دائرة ضيّقة من الأوهام والأباطيل.

* إنّ الساحر يقوم بسلسلة من الأعمال المبهمة التي لا غنى عنها؛ من أجل أنْ يؤثّر سحره في الناس، بينما المعجزة تحدث فجأة بمجرّد الإرادة، ويتكفّل الغيب في تنفيذها؛ انتصاراً للنبي وتعزيزاً لموقفه.

* إنّ النصر حليف المعجزات: فالمعجزة ظاهرة لا تقهر؛ لأنّها تستقي من نبع القدرة المطلقة، بينما السحر يبقى فنّاً من الفنون يتوقّف على مهارة الساحر الذي قد يأتي مَنْ يفوقه دائماً. كما غلب موسى (عليه السلام) سَحَرَةَ فرعون، وغلب الإمام الصادق (عليه السلام) سَحَرَةَ المنصور.

* إنّ السحر يبقى في دائرة محدودة، فلا يمكن للساحر أنْ يقوم بكلّ ما يطلب منه، فيما تبقى المعجزة تتمتّع بدائرة أوسع بكثير.

____________________

(1) طه: الآية 69.


* يبقى السحر جزءاً من قانون الطبيعة، وفنّاً من الفنون التي يمكن إتْقانها لِمَنْ يريد، ولا علاقة له بالغيب والسماء والله، أمّا المعجزات فأمر يختلف تماماً، إنّه لا يمتّ إلى قانون الطبيعة بصلة لا من قريب ولا من بعيد.

الإعجاز وما يقوم به المرتاضون:

نقرأ أحياناً في الصحف والمجلاّت وفي الكتب أو نسمع عن أُناس يقومون بأعمال خارقة لا يمكن لغيرهم أنْ يقوموا بها، وقد سبقتْ الإشارة إلى بعضها. فما هو الفرق بين ما يقومون به من أعمال خارقة وبين المعجزات؟

* لتحديد الفرق بين الظاهرتَين نشير إلى أنّ هؤلاء الأفراد الذين يقومون بتلك الأعمال يخضعون أنفسهم لسلسلة من التمارين النفسيّة العنيفة، تنطوي على تعذيب شديد للجسد والحرمان من اللذائذ، إلى أنْ يحصلوا على تلك القوّة الخفيّة، بينما يقوم الرسول أو الإمام بالمعجزة دون الحاجة إلى كلّ ذلك العذاب، بل قد يقوم به وهو في فترة الرضاعة كما حصل ذلك لدى سيّدنا عيسى (عليه السلام) إذ تكلّم في المهد.

* الفرق الآخر: إنّ دائرة المرتاضين تبقى محدودة دائماً، وتقتصر على بعض الأعمال، وفي مناسبات محدودة زماناً ومكاناً، فيما تتحرّك المعجزة في دائرة كبيرة وواسعة جدّاً من حيث الزمان والمكان.

* يبقى الارتياض هو الآخر فنّاً وطريقة ممكنة لِمَنْ يشاء لا علاقة لها بالإيمان بالله، بينما تبقى المعجزة كما قُلنا خارج نطاق الحقول العلميّة والظواهر الطبيعيّة تماماً.


المعجزة والكرامة:

هناك من الأمور الخارقة ما يتّخذ اسماً آخر هو الكرامة، والكرامة لطف من الله عزّ وجل يخصّ به بعضَ عباده، وقد أكّد القرآن وجودها في آيات عديدة، كما نجد ذلك لدى سيّدة النساء مريم ابنة عمران (عليها السلام):

( كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) (1) .

فقد جاء في التفاسير والروايات أنّه كان يجد عندها فاكهة الصيف في فصل الشتاء، وفاكهة الشتاء في فصل الصيف, وهناك في التاريخ الإسلامي روايات تُخبر عن كرامات عديدة لبعض الصحابة من بينهم: سلمان الفارسي، وأويس القرني، وفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين.

* وهناك أوجه شبه بين المعجزة والكرامة:

- إذ يشتركان بعلاقتهما بالغيب.

- وكونها أُموراً خارقة للمألوف.

- وإنّ صاحب الكرامة وصاحب المعجزة كلاهما أثيران لدى الله عزّ وجل ومقرّبان إليه سبحانه.

* والى جانب هذا التشابه توجد فروق بين المعجزات والكرامات منها:

- إنّ العبادة لله هي الملاك في حصول الكرامات لدى بعض عباد الله الذين سلكوا درب التكامل والخلوص لله عزّ وجل، بينما المعجزة أصل ذاتي في نفس النبي والإمام بالرغم من التشابه العام بين صاحب الكرامة وصاحب المعجزة في قربهما من الله سبحانه، ولكنّ الفرق واضح بين من حصل على الكرامة من خلال

____________________

(1) آل عمران: الآية 37.


خلوصه وعبادته لله، وبين مَن اختاره الله أساساً واصطفاه هادياً للناس جميعاً.

- إنّ المعجزة تقترن بالتحدّي دائماً، فالمعجزات ما هي إلاّ استجابة ايجابيّة للتحدّي، فهي انتصار الحق والحقيقة، بينما تظلّ الكرامة هبات إلهيّة تكريماً لعباده من الناس.


الفصل السادس

أفضليّة الإمام وطريقة الانتخاب



أفضليّة الإمام

من المسائل التي أثارتْ جَدَلاً بين الشيعة والسنّة هي مسألة أفضليّة الإمام، إذْ ينادي أهل السُنّة بجواز إمامة المفضول في وجود الفاضل، ويستشهدون على صحّة رأيهم بقصّة استخلاف أبي بكر وعمر، حيث تسنّما مقام الخلافة بوجود عليّ بن أبي طالب الذي يفوقهم في فضائله ومنزلته، قائلين في افتتاحيّات الكتب: الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل أي الحمد لله الذي قدّم أبا بكر على علي.

وفي مقابل هذا الرأي تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الإمام يمثّل الفرد الكامل بين سائر الناس، وأنّه لا يوجد له نظير في فضْله ومنزلته، ولقد بحثنا فيما مضى ضرورة الإمام الذي يمثّل ذروة الكمال الإنساني، وأنّ الله عزّ وجل الذي اصطفاه للإمامة لنْ يُقدّم آخر عليه؛ إذْ لا معنى لتقديم المفضول على الفاضل، وأنّ ما حصل هو إرادة البشر التي ضربتْ عَرْضَ الحائط رضا الله وإرادته فقدّمت المفضول على الفاضل.

ولا نريد هنا أنْ نكرّر ما بحثناه سابقاً، ولكنّ التأكيد على رؤوس الأقلام أراه ضروريّاً هنا.


إنّ الإمام فرد معصوم على ارتباط بعالَم الغيب، ينطوي على علْم واسع ومعارف شاملة، وعقيدته هي العقيدة الصحيحة السليمة لا يشوبها انحراف ولا يلابسها ضلال، والإمام شخص متكامل يمثّل ذروة الكمال البشري الممكن، وسيرته هي السيرة المثال في جميع المستويات.

والإمام على حدّ تعبير الإمام الرضا (عليه السلام) هو: (المطهّر من الذنوب والمبرّأ من العيوب، المخصوص بالعلم، الموسوم بالحلم، نظام الدين وعزّ المسلمين، وغيظ المنافقين وبوار الكافرين، الإمام واحد دهره، لا يُدانيه أحد ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل لا نظير. مخصوص بالفضل كلّه من غير طلب منه له ولا اكتساب، بل اختصاص من المفضّل الوهّاب) (1) .

____________________

(1) أصول الكافي: ج1 ص200.


انتخاب الإمام

تُعدّ الطريقة التي يتمّ فيها انتخاب الإمام مِن أقدم المسائل التي أثارتْ جَدَلاً في الأوساط الإسلاميّة، وهي المسألة التي انشعب عندها الصرح الإسلامي إلى فرقتَين شيعة وسُنّة.

* فالعقيدة الإماميّة ترى:

- أنّ مسألة الإمامة غاية في الحسّاسيّة والأهمِّيَّة، وأنّه ليس من حقّ الإرادة البشريّة التدخّل في ذلك، وأنّ الله عزّ وجل هو وحده له الحقّ في انتخاب الإمام من خلال رسوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

- وأنّ من صفات الإمام العصمة عن الذنب، والخطأ، والنسيان، والغفلة، وكلّ ما يَعْتَور التفكير والسلوك البشري من شوائب.

- ومِن صفاته أنْ يكون عالماً بالشريعة علماً شموليّاً، محيطاً بأحكامها ودقائقها، وقد بحثنا ذلك فيما مضى.

وفي ضوء العقيدة الإماميّة يكون انتخاب الإمام حقّاً لِمَنْ كان عالماً عين العلم وليس أحد سوى الله عزّ وجل؛ لأنّه وحده الذي يعرف الأعماق، وهو وحده علاّم الغيوب محيط بما خَلَق.

فَمِنْ أين للناس ذلك العلم الذي يحيط بسريرة الإمام ويعرف منزلته


الشامخة؟ الناس لا يرون سوى ظاهر من القول والفعل، وما أكثر الذين يظهرون بوجه لمّاع برّاق ظاهره الصلاح، وباطنه من قِبَلِهِ الفساد.

وما أكثر المتقدّسين الذين إذا رأيتهم حسبتهم ملائكة ولكنّهم ينطوون على نفوس أين منها الشياطين! يتذرّعون بالزهد ويتوسّلون بالدين من أجل تحقيق أهدافهم ومآربهم.

* وإذن، فإنّنا أمام ثلاث طرق يتمّ بموجبها معرفة الإمام:

- اختياره من لدن الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؛ لأنّه على ارتباط بالغَيب ولا ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحي يوحى.

- أو مَن ثَبَتَتْ إمامته من قَبْل فيختار الإمام الذي يليه.

- أو الإتيان بمعجزة وعمل خارق مِن شأنه إثبات إمامته وعصمته.

* أمّا آراء أهل السُنّة في انتخاب الخليفة، فهي تجعل ذلك حقّاً للأُمّة، إضافة إلى طرق أُخرى (1) :

* الإجماع:

وهي إحدى الطرق التي يتمّ من خلالها تعيين وانتخاب فرد ما للخلافة، ويكون الخليفة واجب الطاعة، ودليلهم في ذلك ما حصل بعد وفاة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فقد اجتمع المسلمون في (سقيفة بني ساعدة) واتّجهتْ الأبصار إلى أبي بكر، فرأوه أصلح الصحابة للخلافة فبايعوه، وإذنْ فإجماع الصحابة يضفي الشرعيّة على انتخاب فردٍ ما.

وهنا يَرِدُ إشكال: حول مسألة الإجماع؛ لأنّ منطق الحقائق يقول إنّ

____________________

(1) يستلهم أهل السُنّة مُجْمَل آرائهم من خلال إضفاء الشرعيّة الكاملة على كلّ الحوادث التي أعقبتْ وفاة النبي (صلَّى الله عليه وآله)، والطريقة التي حُسِمَتْْ بموجبها مسألةُ الخلافة، بالرغم من حدّة التناقضات التي حصلتْ فيها - المترجم.


المسلمين لم يُجْمِعوا على بيعة أبي بكر وانتخابه للخلافة. فهناك فريق من الصحابة ناهَضَ البيعة وامتنع عن المبايعة، وإذنْ فالإجماع منتفٍ هنا.

ويفرّ البعض من مواجهة هذا الإشكال: من خلال القول بأنّه لا ضرورة لحضور المسلمين جميعاً من أجل حصول الإجماع، بل إنّ أهل الحلّ والعقد خبراء في ذلك ينوبون المسلمين في هذه المهمّة، ولقد حصل ذلك في بيعة أبي بكر.

وتمادى آخرون بقولهم: لو أنّ شخصاً واحداً من أولئك بايع فرداً للخلافة توجّب على الجميع الإقتداء به؛ لأنّ عمر لمّا بايع أبا بكر، بايع سائر المسلمين اقتداءً به.

ويعترض الشيعة الإماميّة على الطريقة التي تمّ من خلالها انتخاب أبي بكر للخلافة وأنّها تفتقد إلى الشرعيّة للأسباب التالية:

أولاً:

ضرورة توفّر العصمة في الإمام؛ إذْ يتوجّب على الإمام أنْ يكون معصوماً من الخطأ منزّهاً عن الذنب، عالماً بالشريعة محيطاً بأحكامها، وإذنْ فاختيار مثل هكذا فرد لا يتمّ إلاّ مِمَّن هو عالم بظاهره وباطنه وهو الله عزّ وجل، وأنّ لا دَخْل للأُمّة في مسألة الاختيار، وأنّ الذي يصطفي للرسالة يصطفي للإمامة.

ثانياً:

إنّ طريقة انتخاب أبي بكر لا تُتَرْجِم حالة الإجماع أبداً ولا تعبّر عن إرادة عامّة للمسلمين، فلقد اقتصر اجتماع السقيفة على أفراد معدودين، إضافةً إلى ما رافقه من ملابسات عديدة، حتّى لقد فوجئ فريقٌ كبير من الصحابة بنتائج الاجتماع، بل وامتنع بعض مَنْ شارك في مداولات الاجتماع عن البيعة.

وإذنْ، فهناك قطّاع هام من الصحابة رفض البيعة لأبي بكر وفي طليعتهم:


- علي بن أبي طالب(عليه السلام)، العباس بن عبد المطلب، سلمان الفارسي، المقداد، أبو ذر الغفاري، عبد الله بن عبّاس، سعد بن عبادة، أبو سفيان، الحباب بن المنذر، الزبير، الفضل بن عبّاس، قيس بن أسعد، أسامة بن زيد، خالد بن سعيد، بريدة الأسلمي، عمّار بن ياسر، خزيمة بن ثابت، أبو أيّوب الأنصاري، عمرو بن سعيد، عبد الله بن مسعود، عثمان بن حنيف، أبيّ بن كعب، وآخرون، فأين هو الإجماع يا ترى؟

ثالثاً:

إنّ إجماعاً كهذا لا ينهض كدليل في حجّيته؛ لأنّ بيعة فرد واحد أو أكثر لا يلزم الآخرين بالبيعة، فما هو وجه الإلزام عند بيعة أهل الحل والعقد لغيرهم؟ وما هو موقفهم غير التسليم مضطرّين؟

يقول بعضهم بشرعيّة هذا الطريق وصحّة الطريقة؛ لأنّ الخليفة الأوّل تمّ انتخابه بها، وهذا استدلال على شرعيّة الطريقة من خلال ما وقع لا صحّة ما وقع من خلال شرعيّة الطريقة. ما هو الدليل يا ترى على حجّية هكذا إجماع؟!

وكيف يمكن الاستدلال على حجّية موقف عدّة من الصحابة غير المعصومين على غيرهم؟!

رابعاً:

إنّ التأمل في سيرة سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يكشف عن حرص الرسول البالغ واهتمامه الفائق بأمْن الدولة الإسلاميّة ومستقبل المجتمع الإسلامي وسلامة الإسلام، فلقد كان صلوات الله عليه وكلّما فُتحتْ مدينةٌ جعل عليها والياً لإدارتها، فإذا أرسل سريّة أو دوريّة عيّن قائداً أو قادةً على التعاقب تحسّباً لاستشهاد القائد، فإذا غادر المدينة عيّن حاكماً عليها لحين عودته.

- فكيف به يترك أُمّته ودولته الفتيّة دون خليفة؟؟

- وكيف لنا أنْ نتصوّر سيّدنا محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، مع حكمته السياسيّة وسيرته المضيئة


المشرقة، يترك الأُمّة في مهبّ العاصفة دون خليفة يقودها عبر المنعطفات الحادّة الدقيقة؟!

- أتكون عائشة أكثر إدراكاً من سيّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عندما تخاطب والدها في أخريات خلافته قائلة: لا تدع أُمّة محمّد بلا راع؟!

- ولو كان الأمر موكولاً للأُمّة أفلا يتوجّب على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي بيّن دقائق الشريعة وتفاصيلها أنْ يوضّح ذلك؛ حتّى لا تحدث فرقة واختلاف بين المسلمين؟!

الشورى:

وهو الطريق الثاني لدى أهل السُنّة في شرعيّة انتخاب الخليفة، حيث يجتمع كبار الزعماء والخبراء لترشيح فرد للخلافة، ويستشهدون في ذلك على الطريقة التي أُنتخب فيها عثمان للخلافة، فقد جعل عمر الخلافة في سِتّة نفر لينتخبوا من بينهم خليفة، وهم:

1 - علي بن أبي طالب.

2 - وعثمان بن عفان.

3 - وسعد بن أبي وقّاص.

4 - وعبد الرحمن بن عوف.

5 - والزبير بن العوام.

6 - وطلحة.

وقال للمقداد بن الأسود: إذا وضعتموني في حفرتي فاجمع هؤلاء الرهط في بيتي حتّى يختاروا رجلاً.

وقال لأبي طلحة الأنصاري: اختر خمسين رجلاً من الأنصار واستحث هؤلاء الرهط حتّى يختاروا رجلاً منهم.

وقال لصهيب: صَلِّ بالناس ثلاثة أيّام وأدْخل هؤلاء الرهط بيتاً وقم على رؤوسهم، فإنْ اجتمع خمسةٌ وأبى واحد فاشدخ رأسه بالسيف، وإنْ اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضرب رأسَيْهما، وإنْ رضي ثلاثة رجلاً وثلاثة رجلاً فحكّموا


عبد الله بن عمر، فإنْ لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين (1) .

وبهذه الطريقة تمّ انتخاب الخليفة الثالث!!

ويعترض الشيعة الإماميّة أيضاً على شرعيّة هذه الطريقة، ويستندون في ذلك إلى جهل أمثال طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص في انتخاب الخليفة الحقّ، الذي يتمتّع بمواصفات الإمام التي مرّ ذكرها في بحوث سابقة.

وإذا كانت مسألة تعيين الخليفة حقّاً لجميع المسلمين، فكيف يخوّل عُمَر لنفسه الحقّ في ترشيح سِتَّة أشخاص للخلافة ويحرم الآخرين؟ وكيف يصحّ حصر القرار في ستّة أفراد في مسألة مصيريّة مثل الخلافة؟!

إنّهم يتمسّكون بالآية الكريمة: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) ، ولكنّ الآية تشمل المؤمنين جميعاً وتَسِمَهُم بهذا المِيْسَم العام فلا تنحصر في ستّة نفر.

- وإذا كانت الآية تدلّ على الشورى والاستشارة فلماذا لم يستشر عُمَر أحداً عندما شكّل ذلك المجلس؟

- ولماذا لم يستشرِ أبو بكر أحداً عندما استخلف عمر؟!

الاستخلاف:

وهي الطريقة الثالثة في تعيين الخليفة لدى أهل السُنّة ويستمدّون شرعيَّتها من استخلاف أبي بكر لعمر؛ إذْ لم يعترض من المسلمين أحدٌ على هذه الخطوة، ويعترض الإماميّة على هذه الطريقة بقولهم إنّه لاحق لغير المعصوم في انتخاب الخليفة، وإلاّ فما هو امتيازه عن الآخرين ليكون له الحقّ في تقرير مصير الخلافة؟! إضافة إلى أنّ التاريخ سجّل اعتراض بعض الصحابة على موقف أبي

____________________

(1) الكامل في التاريخ: ج3 ص66 - 67.


بكر وامتعاضهم عن استخلافه لعمر.

وفي كلّ الأحوال يستمدّ أهل السُنّة نظريَّاتهم من خلال ما قام به بعضُ الصحابة في صدر الإسلام في معالجة موضوع الخلافة.

تخرّصات مُغْرِضَة:

كتب أحدهم قائلاً: إنّ المؤسّسة الشيعيّة تُصرّ على أنّ انتخاب الخليفة يتمّ من قِبل الله.

ونحن نسأل هنا: ما هو الدليل على هذا؟

إنّ القرآن هو كتاب الإسلام، فهل هناك آية تُشير إلى ذلك؟ بالطبع لا توجد آية، وتوجد بدل ذلك مواقف زعماء الإسلام الذين اجتمعوا بعد وفاة رجل العرب فانتخبوا أبا بكر للخلافة ليأتي عمر بعد وفاته، ثمّ يعقبه عثمان، وبعد قتل عثمان جاء علي. أليس في هذا دليل على ضعف رأيهم (العقيدة الإماميّة)؟

يدّعي الملالي:

أنّ الخليفة يجب أنْ يكون معصوماً عن الذنب، أعلم الناس وأعلاهم شأناً، وتحديد هذا يكون من قِبل الله. إنّنا نتساءل: مِن أين لكم بأنّ رأيكم حق، ولو كان حقّاً ما تقولون لقاله مؤسّس الإسلام لا ما تنسجه أحلامكم؟ (1) .

إنّنا نُحيل القُرّاء الكرام على بحوثنا السابقة؛ ليكتشفوا بأنفسهم تفاهة هذه التخرّصات المُغْرِضة، بعد أنْ يتأمّلوا في الخلفيّة القرآنيّة لمسألة الإمامة وحسّاسيَّتها.

إنّ الكاتب يتبجّح فَيَتَمَشْدَق بعدم وجود آية في القرآن حول آراء الإماميّة في هذا المضمار.

____________________

(1) داوري: أحمد كسروي: ص21 - 22.


ولكنْ لا يخفى على كلّ ذي علم بأنّ القرآن الكريم يتفرّد بأسلوب خاص يطرح فيه عموميّات المسائل والقضايا، فهناك حَشْد من العبادات والقضايا الأخلاقيّة والمعاملات لم تَرِد لها تفاصيل في القرآن، وتكفّلتْ السُنّة بتوضيحها وبيانها، ولا يمكن الاكتفاء بالقرآن الكريم في معرفة الشريعة وإلاّ أضحى لها شكل آخر.

ولو تضمّن القرآن موضوع الإمامة بشكل سافر لأصبح عرضة لغارات المُغِيرين، ولأصبح في مهبّ عواصف التحريف، ولتربّص له الذين قالوا لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عندما أراد أنْ يكتب لهم كتاباً لنْ يضلّوا بعده إنّه لَيَهْجُر فنسبوا الهذيان لسيّد وُلد آدم، وهو الذي قال الله عزّ وجل عنه: ( وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) .

وَلَهَمَّ به الذين قالوا في سعد بن عبادة: اقتلوا سعداً قتله الله. فكيف يسكتُ هؤلاء عن القرآن وهم يرون بعضَ آياته تصدح بإمامة مَن لا يريدون، وتُهَدِّد في كلّ لحظة زعاماتهم ونفوذهم بالزوال؟

ألنْ يقولوا بعد حذفها يكفينا هذا القِسْم من القرآن لا حاجةَ لنا بالباقي.

ولقد قال أحدهم في مناسبة مشابهة: حسبنا كتاب الله (2) . مِن أجل هذا وغيره لم تَرِد تفاصيل عن هذا الموضوع بشكل صريح في كتاب الله.

____________________

(1) النجم: الآية 3 - 4.

(2) شرح ابن أبي الحديد: ج2 ص25.


مصادر الكتاب

1 - القرآن الكريم

2 - نهج البلاغة

3 - وسائل الشيعة                                                                    الحرّ العاملي

4 - شرح نهج البلاغة                                                               ابن أبي الحديد

5 - بحار الأنوار                                                                          المجلسي

6 - إثبات الهداة                                                                     الحرّ العاملي

7 - غاية المرام                                                                            البحراني

8 - كشف الغُمّة                                                                          الأربلي

9 - كمال الدين وتمام النعمة                                                      الشيخ الصدوق

10 - الكافي                                                                              الكليني

11 - روضة الكافي                                                                        الكليني

12 - جامع أحاديث الشيعة                                                   بإشراف البروجردي

13 - صحيح مسلم                                                           النيسابوري (مسلم)

14 - مسند أحمد                                                                  أحمد بن حنبل

15 - المستدرك على الصحيحين                                          النيسابوري (أبو عبد الله)

16 - سنن الترمذي                                                               محمّد بن عيسى

17 - جامع الأصول                                                                    ابن الأثير

18 - مناقب الخوارزمي                                                  الخوارزمي (موفّق بن أحمد)

19 - تذكرة الخواص                                                                    ابن الجوزي

20 - الفصول المهمّة                                                                   ابن الصبّاغ

21 - الصواعق المحرقة                                                                    ابن حجر

22 - مجمع الزوائد                                                                      ابن حجر

23 - كفاية المطالب                                                                     الكنجي

24 - نور الأبصار                                                                     الشبلنجي

25 - اسعاف الراغبين                                                                     الصبّان


26 - نظم درر السمطين                                                         محمّد بن يوسف

27 - ينابيع المودّة                                                    سليمان بن إبراهيم القندوزي

28 - السيرة النبويّة                                                                     ابن هشام

29 - الطبقات الكبرى                                                                  ابن سعد

30 - الكامل في التاريخ                                                                 ابن الأثير

31 - تاريخ الطبري                                                      الطبري (محمّد بن جرير)

32 - المقدّمة                                                                         ابن خلدون

33 - تاريخ اليعقوبي                                                          أحمد بن أبي يعقوب

34 - مناقب آل أبي طالب                                                       ابن شهر آشوب

35 - دلائل الإمامة                                                                       الطبري

36 - مقاتل الطالبيين                                                        أبو الفرج الأصفهاني

37 - أوائل المقالات                                                                 الشيخ المفيد

38 - الاحتجاج                                                                        الطبرسي

39 - أصل الشيعة وأصولها                                                        كاشف الغطاء

40 - التراتيب الإداريّة                                                        الكتابي (عبد الحي)

41 - الدرّ المنثور                                                                        السيوطي

42 - الميزان                                                                          الطباطبائي

43 - تفسير البرهان                                                                      البحراني

44 - تفسير نور الثقلين                                                                  العروسي

45 - المواقف                                                     عضد الدين عبد الصمد بن أحمد

46 - فرق الشيعة                                                                         النوبختي

47 - المقالات والفرق                                                                   الأشعري

48 - الإمام الصادق والمذاهب الأربعة                                                 أسد حيدر

49 - أعيان الشيعة                                                           السيّد محسن الأمين

50 - روح القوانين                                                                    مونتسيكو

51 - ذخائر العقبى                                                    الطبري (أحمد بن عبد الله)