علم الكلام

ضرورات النهضة ودواعي التجديد



بسم الله الرحمن الرحيم



الفهرس

المقدِّمة 7

الفصل الأوَّل .17

علم الكلام الجديد .19

علم الكلام الجديد .59

الفصل الثاني .94

سبيل الله الواحد أم سُبُله المتعدِّدة 96

نظرة إلى التعدُّدية في الأديان .130

دور الخيال في التعدُّدية الدينية 165

الفصل الثالث ..189

التقييم الكلامي للحداثة 191

حوار الإسلام والحداثة 219



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

المقدِّمة

ربَّما يمكن القول بأنَّ الآية الأولى التي نزلت على محمد (صلَّى الله عليه وآله)، كانت اللُّبنة الأولى في بناء صرح علمٍ عُرف - بعد أن شُيِّدت أركانه - بـ: علم الكلام. ولا يبدو أنَّ في هذه الدعاوى مبالغةً أو إغراقاً؛ فقد عَرَّف المتكلِّمون علمهم بأنَّه العلم الذي يبحث "عن الله وصفاته وأفعاله" . ودعوى النبي (صلَّى الله عليه وآله) للنبوة تتضمَّن دعوى أخرى، هي: وجود كائن أسمى من عالم المادة، له صفات جمالية وكمالية؛ منها: صفة الهادي، اقتضت أنْ يستنقذ مخلوقاته من تيه الضلالة، وينقلهم إلى شاطئ الحق، فاختار لهم رسولاً من أنفسهم، يُزكِّيهم ويُعلِّمهم الكتاب والحكمة. وما هذه الدعاوى - مقرونة بالبرهان والبحث والنقاش - إلاّ بداية لعلم الكلام، وموضوعاً له.

وقد لاقت دعوة الإسلام نفوساً عطشى للهداية، وأقربَ ما تكون إلى الفطرة، فكانت تُربة صالحة لنمو غراس العقيدة؛ ما لم يفسح المجال لتطوُّر الجدل حول تلك المعتقدات في تلك الفترة من عمر الدعوة الإسلامية. و الأمر الآخر هو أنَّ ثقل حضور النبي (صلَّى الله عليه وآله) ألقى بظلِّه على تلك المعتقدات، فأغناها عن الاستدلال؛ حيث كان له (صلَّى الله عليه وآله) من الأثر في نفوس أتباعه أنَّه كان يأمر


فيطاع، ويُصدَّق دون مطالبة بالدليل في كثير من الأحيان. ولم يكن الجدل حول العقيدة الإسلامية إلاّ مع الآخر من أهل الأديان الأخرى، أو مع المشركين. وقد استجاب القرآن لهم، وحاورهم حول أهمِّ أصول الإسلام وأركانه، بل قرَّر أرقى الآداب المطلوب مراعاتها في المحاورة: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (1) إلى غير ذلك ممَّا تزخر به آي القرآن من آداب الحوار وضوابطه.

وما أن انتقل الرسول (صلَّى الله عليه وآله) إلى جوار ربِّه، حتى دبَّ الخلاف بين المسلمين. وأبرز ما اختلفوا فيه هو الإمامة ؛ ومن هنا يرى بعض الباحثين أنَّ الخلفيَّة الأولى لعلم الكلام هي خلفية سياسية، مُطعَّمة في بعض الأحيان بألوان دينية (2) . ويدعم وجهة النظر هذه ارتباط كثير من مسائل علم الكلام بالسياسة، أو على الأقل ربطها المتأخِّر بها، ومن ذلك مسألة القضاء والقدر وربطها بمصدر السلطة؛ حيث يُدَّعى أنَّ نظرية الجبر وخلق الله لأفعال الإنسان تخدم السلطة السياسية، وتُوجِد لها مبرِّراً شرعياً لكل ما تمارسه على المحكومين. وكذلك مسألة خلق القرآن التي أرادها المأمون حجة للنيل من خصومه السياسيين، وهم الفقهاء وأهل الحديث، إلى غير ذلك ممَّا يحتاج إلى بحث مستقل ليس هذا مجاله.

وسواء صَدَقَت هذه التحليلات أم لم تصدق،

____________________

(1) العنكبوت: 46.

(2) الموسوعة الفلسفية العربية، مادة: كلام.


فإنَّ علم الكلام وُلد في ظل هذه الظروف والأجواء، ومع القرون الأولى للإسلام. وكان - كما يبدو للمنصِف - وليد البيئة الإسلامية، ومستجيباً لحاجات داخلية، اقتضتها طبيعة الحياة الدينية الإسلامية وظروفها.

موضوع علم الكلام وغاياته

وقد اختار علماء الكلام البحث عن الذات الإلهية، وما يتعلق بها من صفات وأفعال، موضوعاً لعلمهم. واختاروا الدفاع عن الدين، وردِّ الشُّبهات الواردة على أصول الدين ومفرداته الاعتقادية، غايةً لهم وهدفاً.

يقول ابن خلدون مُعرِّفاً علم الكلام: "هو علم يتضمَّن الحِجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية، والردَّ على المبتدِعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السُّـنَّة" (1) . وفي مورد آخر يقول - مبيِّناً موضوع علم الكلام -: "فموضوع علم الكلام، عند أهله، إنَّما هو العقائد الإيمانية، بعد فرضها صحيحة من الشرع؛ من حيث يمكن أن يُستدل عليها بالأدلة العقلية، فترفع البدع وتزول الشكوك والشُّبه عن تلك العقائد" (2) .

وتجد هذا الوعي لموضوع علم الكلام في كثير من عبارات المتكلِّمين، المتقدِّمين منهم والمتأخرين. ولكن طُرح مُؤخَّراً رأي يفترض أنَّ علم الكلام علم لا موضوع له، حيث إنَّ الهمَّ الأول للمتكلِّمين هو الدفاع عن الدين؛

____________________

(1) ابن خلدون، المقدِّمة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص 458.

(2) المصدر نفسه، ص 466.


وبالتالي معالجة الشُّبهات الواردة عليه. وينتج عن هذا، أنَّ هذه الشبهات هي موضوعه، ومن الطبيعي أنَّها ليست ثابتة، بل هي كل يوم بلبوس

جديد. وقد نُوقش هذا الرأي من قبل بعض الباحثين، ولا مجال للتفصيل.

تطوُّر علم الكلام عِبر التاريخ

عرف تاريخ علم الكلام فترات ازدهار وفترات ركود؛ نتجت في بعض الأحيان عن التشكيك في مدى مشروعية البحث الكلامي، حيث رأى بعض الفقهاء في البحث الكلامي فتحاً لباب البدعة، ودخولاً في ما لا ينبغي الدخول فيه، فيُنقل عن مالك بن أنس قوله: "... أهل البدع الذين يتكلَّمون في أسماء الله وصفاته، ولا يسكتون عمَّا سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان" (1) .

وفي نصٍّ آخر عن الشافعي يقول فيه: "لقد أطَّلعتُ من أهل الكلام على شيء ما توهَّمتُه قط، ولأن يُبتلي المرء بجميع ما نهى الله عنه سوى الشرك؛ خيرٌ من أن يُبتلى بالكلام" (2) .

____________________

(1) جلال الدين السيوطي، صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، ص 96.

(2) فخر الدين الرازي، مناقب الإمام الشافعي، مخطوطة في مكتبة الأزهر، تحت رقم 3936، ورقة 65.


هذا ورغم التشكيك في علم الكلام ومشروعيته، نما هذا العلم وتشكَّلت مدارسه واتجاهاته، وكان يحتضن، كما غيره من العلوم، بعض السلبيات وكثيراً من الإيجابيات.

وأهمُّ السلبيَّات التي تُؤخذ على علم الكلام:

1ـ تحوُّله إلى أساس لتقسيم المسلمين إلى فِرق وأحزاب، ما أدَّى إلى البُعد عن المنهجية في كثير من موارد النزاع بين المتكلِّمين؛ حيث كفَّر بعضهم بعضاً، وأُلِّفت كتب تحمل في ثناياها هجوماً وتجريحاً أكثر ممَّا تحمل نقاشاً منهجياً علمياً، وانعكس ذلك حتى في عناوين بعض الكتب. وفي هذا المجال يمكن الإشارة إلى كتاب موجز بعنوان: "رسالة إبليس إلى إخوانه المناحيس" حيث تقوم فكرة الكتاب على رسالة شكر يُوجِّهها إبليس إلى الأشاعرة.

الإغراق في النظريات البعيدة عن الواقع ؛ بحيث صار المتكلِّم ينحت مسائله من داخل علمه، ومن مخزون فكره، بدل الرجوع إلى الواقع ومعالجة قضاياه، لبيان موقف الإسلام منها. ولذلك نجد أنَّ فكرةً ما ربَّما شغلت عقول المتكلِّمين لسنوات، وذُكِرت في أكثر كتبهم الكلامية، رغم عدم وجود مَن يُؤمن بها. هذه الأمور وغيرها دعت كثيراً من الباحثين، إلى الإحساس بضرورة إحداث نُقلة في مراحل تطوُّر هذا العلم، بوحي من مستجدات طرأت على الفكر الإنساني عموماً، والفكر الديني خصوصاً.


تجديد الكلام؛ دواعيه ومساربه

عند الحديث عن دواعي التحديث في علم الكلام، يمكن الإشارة إلى السلبيات التي واجهت علم الكلام في مسيرته التاريخية، ومنها ما أشرنا إليه أعلاه. وأمَّا مداخل التجديد في هذا العلم، فمنها:

1ـ تجديد المسائل:

إذا كان علم الكلام يهدف إلى شرح وجهة نظر الإسلام حول بعض القضايا الكلِّـيَّة الكبرى، التي تواجه الإنسان ولا تدخل ضمن مجال علم آخر من العلوم الإسلامية الأخرى كالفقه أو غيره من العلوم، وأمثلة ذلك كثيرة، فإنَّا نُشير إلى بعضها في بعض دراسات هذا الكتاب، ومنها:

أ - العلاقة بين الدين والعلم.

ب - الدين والأدلجة.

ج - الدين والأسطورة.

د - الدين والمرأة.

2ـ تجدُّد المناهج:

استخدم علم الكلام الجدل منهجاً في أكثر استدلالاته في مرحلة النشأة، ثُمَّ بعد أن تعرَّف المسلمون على الفلسفة والمنطق، طوَّروا منهج هذا العلم


واستفادوا من العلوم الواردة في استدلالاتهم. ويُسجَّل للخواجة نصير الدين الطوسي، أو عليه، حسب تقييم بعض الدارسين، تحويله علم الكلام إلى فلسفة بعد اعتماد مناهج الفلاسفة وطرائق استدلالهم. وفي هذا العصر يمكن الإشارة إلى السيد الشهيد الصدر (رحمه الله) بوصفه فاتحاً لاستخدام منهج الاحتمال في علم الكلام، في كتابه الذي لم يُعطَ حقَّه في الأوساط العلمية حتى الآن "الأسس المنطقية للاستقراء" ، وقد استخدم هذا المنهج وطبَّقه في دراسة كلامية طُبعت بعنوان: "المُرسِل، الرسول، الرسالة" .

3 ـ تجدُّد اللغة:

بين الفكر واللغة علاقات ووشائج لا يمكن تجاوزها أو تجاهل دورها. ولا شك في أنَّ اللغة كائن حي، يتطوَّر باستمرار نتيجة الخبرات التي تُضاف إلى رصيد الإنسان الفكري. وعلم الكلام - كما غيره من العلوم - علم يُؤدَّى باللغة، وتُصاغ أفكاره بوساطتها، فمن الطبيعي أن يتجدَّد مع تجدُّد اللغة وتطوُّرها.

نشأة المصطلح وإشكاليَّاته

لا يتَّفق الباحثون على التسمية؛ حيث يرى فيها بعضهم نوعاً من القطيعة مع التراث، ومن هؤلاء الشيخ عبد الله جوادي آملي ، حيث لا يرى مُبرِّراً لهذه


التسمية رغم موافقته على ضرورة التجديد، ويطرح سؤالاً يبدو له مبرِّراته المنطقية؛ وهو: ماذا نُسمِّي علم الكلام بعد مدَّة من الزمن؟ (1) .

وفي مقابل هذه النظرة هناك مَن يرى بأنَّ علم الكلام الجديد هو علم آخر، يختلف عن علم الكلام القديم في منهجه ومسائله ولغته. وبالتالي هو علم يجد في التراث ما ينفعه ويغنيه، وبالتالي لا ينقطع عن الموروث الإسلامي، بل ربَّما لا يمكنه ذلك، ولكنَّه - على أيِّ حال - علم جديد؛ لا تطوير للعلم القديم عينه. وبعبارةٍ أخرى، سوف تبقى الحاجة إلى علم الكلام القديم، والحاجة إلى تطويره كذلك، ولكنَّنا نحتاج إلى علم جديد هو هذا العلم، الجديد في كل شيء حتى في هندسته المعرفية (2) .

وسواء تمَّ تبنِّي هذه النظرة أو تلك، فإنَّ هذا المصطلح استُخدم وراج بغض النظر عن المعنى المراد منه في كثير من الأحيان، وأكثر ما راج في الأوساط الثقافية في الجمهورية الإسلامية. ويُرجع بعضُ الباحثين اشتقاق هذا المصطلح إلى العالم الهندي شبلي النعماني في كتاب له حمل اسم: "علم الكلام الجديد"، وتُرجم هذا الكتاب إلى الفارسية وطُبع عام 1950 بالعنوان نفسه، ولم أعثر على ترجمة عربية لهذا الكتاب بعد محاولات للبحث عنه. وبعده صدرتْ كتب أخرى تُمثِّل محاولات متفرِّقة للنهوض بعلم الكلام وتجديده، إلا أنَّها لم

____________________

(1) ندوة عُقدة في قم، وطبعت في كتاب بعنوان: "كلام جديد در گذر انديشه ها"، ص 22 - 25.

(2) إشارة إلى كتاب د. أحد قراملكي، الهندسة المعرفية لعلم الكلام الجديد، دار الهادي، بيروت.


تُمثِّل حركة واضحة المعالم، وضمن هذا الخط لا يمكن إغفال الدور الذي لعبه كل من الشهيد مرتضى مطهري والشهيد محمد باقر الصدر .

وفي العقد الأخير من القرن العشرين وما بعده، فُتح باب البحث على مصراعيه في هذا المجال في الجمهورية الإسلامية في إيران، ونُشرت دراسات في المجلاَّت الفكرية الدورية، وفي كتب مستقلَّة، وعُقدت ندوات عدَّة ومؤتمرات، تُرجم بعضها إلى العربية، وما بقي غير مترجم أكثر. وفي ترجمته إغناء للمكتبة العربية الإسلامية نتمنَّى أن يُقيَّض لهذا العمل مَن ينجزه.

الحياة الطَّـيِّبة



الفصل الأوَّل

* علم الكلام الجديد - تمهيد وعرضي تاريخي................... عبد الجبار الرفاعي

* علم الكلام الجديد - قراءة أولية.......................................... حيدر حب الله



علم الكلام الجديد

الشيخ عبد الجبار الرفاعي *

تمهيد تاريخي

تبلورت النواة الأولى لعلم الكلام في فضاء بعض الاستفهامات، وما اكتنفها من جدلٍ وتأمُّلٍ في دلالات بعض الآيات القرآنية المتشابهة، التي تتحدَّث عن الذات والصفات، والقضاء والقدر، ثُمَّ اتسع بالتدريج إطار هذه الأسئلة والتأمُّلات، فشملت مسائل أخرى تجاوزت قضية الإلوهية والصفات إلى الإمامة، فور التحاق النبي الكريم (صلَّى الله عليه وآله) بالرفيق الأعلى. وما فتئت قضية الإمامة تستأثر باهتمام العقل الإسلامي وقتئذٍ، حتى أضحت من أهمِّ مسائل التفكير العقائدي في حياة المسلمين.

وقد كان للحروب الداخلية في المجتمع الإسلامي أثر هامٌّ في تطوير النقاش في الموضوعات العقائدية، وفي توالُدِ أسئلة جديدة تتمحوَرُ حول حكم مرتكب الكبيرة، وخلق أفعال العباد، وحرية المكلَّف واختياره، وغير ذلك من المسائل.

____________________

* رئيس تحرير مجلَّة قضايا إسلامية معاصرة.


كذلك عملت الفتوحات على إدخال شعوب عدَّةٍ في الإسلام، لبثت مدَّة طويلة في نِحلٍ كتابيَّةٍ أو وثنيَّةٍ، ولم تستطع حركة الدعوة العاجلة تحرير وعي هؤلاء المسلمين من ترسُّبات أديانهم ونِحَلِهم السَّابقة. فنجم عن ذلك شيوع مناخٍ فكريٍّ مضطرب، يموج برؤى متقاطعة وسجالات صاخبة، غدَّتها في فترة لاحقة أفكار المنطق والفلسفة ومقولاتهما، التي تدفَّقت من مراكز الترجمة، وبخاصة في عصر المأمون العبَّاسي.

في هذا الفضاء الثقافي تشكَّل علم الكلام، وصار واحداً من الإبداعات المعرفية للحضارة الإسلامية، وانخرط في دراسته وتدريسه والتأليف فيه قطاع كبير من العلماء المسلمين، منذ نهاية القرن الهجري الأول، وبلغ ذلك ذروته في القرن الرابع. وصار تنوُّع الأقوال في علم الكلام، هو الأساس لوجود الفِرق والاتجاهات المختلفة في الإسلام. فميلاد أيَّة فرقة، ونموِّها وتأثيرها في مسار الحياة الإسلامية، بات يتوقَّف على بنائها لآراء وتصوُّرات مستدَلَّة في القضايا العقائدية؛ ولهذا عملت الفِرق التي ظهرت بدوافع سياسة على صياغة فهمٍ عقائدي خاص بها، وشدَّدت على أفكار محدَّدة، استندت إليها بوصفها مرجعية في سلوكها السياسي. أمَّا الجماعات التي أخفقت في تكوين منظومة عقيدية، تصدر عنها مواقفها السياسية، فإنَّها انطفأت باكراً، وإنْ خطف وهجها الأبصار عند ظهورها.

إنَّ علم الكلام تحكَّمت في نشأته وتطوُّره مجموعة ظواهر سياسية واجتماعية وثقافية، كانت سائدة في المجتمعات الإسلامية آنذاك، فأمدَّت عقل


المتكلِّم بعناصر وأدوات خاصة، هي نتاج تلك البيئة؛ ولذلك تجلَّت البيئة التاريخية للمتكلِّم وأبعادها المعرفية في تراث الكلام الإسلامي. وظلَّت البنية الأولى للفكر الإسلامي تُموِّن التفكير الكلامي، وتقوده في نسقها المحدَّد، فتكرَّرت في المؤلَّفات الكلامية - منذ نضوج علم الكلام - الأفكارُ ذاتها، وأنماط الاستدلال، والموضوعات، ودخل هذا العلم مساراً مسدوداً، دأب فيه على العودة إلى المشكلات والتحديات نفسها التي بحثها السلف، ومكث يتحرَّك في مداراتها، يبدأ دائماً من حيث انتهى، وينتهي من حيث بدأ، من دون أن يتقدَّم في حركته خطوة إلى الأمام. ومع وفرة ما أُلِّف في هذه الحقبة، غير أنَّه لم يكن سوى شروح وهوامش على المتون التقليدية.

تسمية علم الكلام:

تداول الباحثون مجموعة أسماء لدراسة العقيدة، اشتهر منها: "علم أصول الدين"، وهو العلم الذي يدور حول بيان أصول الدين الإسلامي والاستدلال عليها والدفاع عنها. وقد عنون بعض المؤلِّفين أعمالهم بهذا الاسم، مثل الرازي (606هـ) في كتاب "المحصَّل في أصول الدين"، وقبله الجويني (478هـ) في كتاب "الشامل من أصول الدين" .


كما سُمِّي "الفقه الأكبر"، ونُقلت هذه التسمية عن الفقيه أبي حنيفة؛ لأنَّ النظر في أحكام الدين وعقائده كان يُسمَّى فقهاً، ثُمَّ خُصَّت الاعتقادات باسم الفقه الأكبر، فيما خُصَّت الأحكام العملية بالفقه الأصغر (1) .

كذلك أطلقوا اسم "علم التوحيد"، بمعنى العلم الذي يجعل قضية التوحيد هي المحور ومنها تنبثق سائر المعتقدات، وهي تسمية للشيء بأشرف أجزائه. وقد جعل الشيخ محمد عبده (1323هـ) هذا الاسم عنواناً لكتابه في العقيدة "رسالة التوحيد". وقبل ذلك ألَّف المتكلِّم المعروف الماتريدي (333هـ) كتاباً في الكلام سمَّاه: "علم التوحيد" .

وعبَّر عنه بعض بـ: "علم الذات والصفات"؛ حيث جعل الذات المقدَّسة وصفاتها هي ركيزة هذا العلم، وكل مباحثه ترجع إليها، ويتحدَّد في ضوء ذلك القول بالصفات، وهل هي عين الذات أم زائدة عليها.

وعبَّر عنه آخرون بعلم "العقائد"؛ ووجه ذلك أنَّه العلم الذي يتكفَّل بمعرفة العقائد الإسلامية، والبرهنة عليها. وهذا الاسم اتخذه جماعة عنواناً لمؤلَّفاتهم الكلامية، فأطلق الجويني على كتابه: "العقائد النظامية"، والنسفي (642هـ): "العقائد النسفية"، وعضد الدين الإيجي (657هـ): "العقائد العضدية"، وقبل هؤلاء سمَّى الطحاوي (321هـ) كتابه الكلامي : "العقيدة الطحاوية" .

____________________

(1) دي بور. ت. ج، تاريخ الفلسفة في الإسلام، نقله إلى العربية: د. محمد عبد الهادي أبو ريدة، بيروت، دار النهضة العربية، ص 48 (الهامش).


لكن أشهر الأسماء المعروفة لدراسة العقيدة ومسائلها هو "علم الكلام". ويورد الدارسون اجتهادات شتّى في تحليل مدلول هذه التسمية وتاريخ استعمالها (1) .

وقد جمع صاحب "شرح العقائد النسفية" (2) أسباب تسمية هذا الفن بعلم الكلام، فذكرها وفق التسلسل الآتي:

1ـ لأنَّ عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا.

2ـ ولأنَّ مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه، وأكثر نزاعاً وجدالاً، حتى أنَّ بعض المتغلِّبة قتل كثيراً من أهل الحق لعدم قولهم بخلق القرآن.

3ـ ولأنَّه يُورث قدرة على الكلام من تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، كالمنطق للفلسفة.

4ـ ولأنَّه أوَّل ما يجب من العلوم التي تُعلم وتُتعَلَّم بالكلام؛ فأُطلق عليه هذا الاسم لذلك، ثُمَّ خُصَّ به ولم يُطلق على غيره تمييزاً له.

____________________

(1) حول "علم الكلام" راجع:

ـ المصدر السابق، ص 48 (الهامش).

ـ التهانوي، محمد علي، كشَّاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ط 1، تحقيق: علي دحروج، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 1996م، ج 1، ص 29.

ـ عبد النبي بن عبد الرسول، الأحمدنكري، جامع العلوم في اصطلاحات الفنون (المعروف بدستور العلماء)، ط 3، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1975م، ج 3، ص 133.

ـ سعد الدين، التفتازاني، شرح العقائد النسفية، طبعة حجرية، 1304هـ، ص 5 - 7.

(2) التفتازاني، شرح العقائد النسفية، مصدر سابق، ص 5 - 7.


5ـ ولأنَّه إنَّما يتحقَّق بالمباحثة وإدارة الكلام بين الجانين، وغيره قد يتحقَّق بالتأمل ومطالعة الكتب.

6ـ ولأنَّه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً؛ فيشتدُّ افتقاره إلى الكلام مع المخالفين والردِّ عليهم.

7ـ ولأنَّه لقوَّة أدلَّته صار كأنَّه هو الكلام دون ما عداه من العلوم، كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام.

8ـ ولابتنائه على الأدلة القطعية المؤيَّد أكثرها بالأدلة السمعية، أشدُّ العلوم تأثيراً في القلب وتغلغلاً فيه؛ فسُمِّي بالكلام، المشتق من الكَلْم؛ وهو الجُرح.

وأضاف الشيخ مصطفى عبد الرازق احتمالين إلى ما تقدَّم، استظهرهما من الأحاديث والآثار، وذهب في الاحتمال الأول إلى أنَّ تسمية الكلام جاءت من كون "الكلام ضد السكوت، والمتكلِّمون كانوا يقولون حيث ينبغي الصمت اقتداءً بالصحابة والتابعين الذين سكتوا عن المسائل الاعتقادية لا يخوضون فيها" (1) .

أمَّا الاحتمال الآخر، فيُرجِع منشأ التسمية إلى أنَّ الكلام مقابل الفعل "كما يُقال: فلان قوَّال لا فعَّال. والمتكلِّمون قوم يقولون في أمور ليس تحتها

____________________

(1) مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ص 267.


عمل، فكلامهم نظري لفظي، لا يتعلَّق به فعل، بخلاف الفقهاء الباحثين في الأحكام الشرعية العملية" (1) .

ويبدو أنَّ الاحتمال الأخير الذي ذكره الشيخ عبد الرازق هو أقرب الوجوه إلى نشأة هذا العلم تاريخياً؛ لأنَّ قضايا علم الكلام اكتسبت طابعاً نظرياً تجريدياً منذ ولادتها، وإنْ نشأ بعضها في أفق أسئلة أفرزتها التجربة العملية السياسية، كمسألة حكم مرتكب الكبيرة. وترسَّخت النزعة التجريدية في علم الكلام بمرور الزمن، وظلَّت على الدوام أحد المنابع الأساسية لعجز علم الكلام وقصوره عن الالتحام بواقع المسلم.

إلاّ أنَّ بعض الباحثين يميل إلى أنَّ سبب التسمية نشأ من الاحتمال الثاني؛ أي (لأنَّ مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه وأكثرها نزاعاً وجدلاً...). وأمَّا سائر الاحتمالات المذكورة، فلا تخرج عن كونها (مماحكات لفظية لا معنى لها) (2) . ويبدو هذا القول وجيهاً لولا أنَّ مصطلح الكلام والمتكلِّمين ورد في بعض الآثار قبل احتدام الجدل حول كلام الله، ومن ثُمَّ تطوَّرت هذه المسألة إلى ما عُرف بخلق القرآن في ما بعد.

فقد أشارت نصوص تنتمي إلى ما قرب من منتصف القرن الثاني الهجري إلى هذه التسمية، منها ما ورد في قصية تردُّد ابن أبي العوجاء عن مناظرة الإمام الصادق (عليه السلام) لمَّا جاء لمناظرته، فقال له الإمام: "لماذا لا

____________________

(1) المصدر نفسه، ص 268.

(2) عبد الرحمن بدوي، مذاهب الإسلاميين، ط 3، بيروت، دار العلم للملايين، 1983م، ج 1، ص 23.


تتكلّم؟" فأجاب بقوله: "إنِّي شاهدتُ العلماء، وناظرت المتكلِّمين، فما تداخلني هيبة قطّ مثلما تداخلني من هيبتك" (1) .

وهذا يدعونا لاستبعاد ما ذكره أحمد أمين (2) أيضاً، تبعاً لصاحب المِلَل والنِحل (3) ، من أنَّ تسمية الكلام تأخَّرت عن نقل التراث الفلسفي اليوناني إلى العربية أيَّام المأمون؛ لأنَّ هذه التسمية شاعت في الحياة العلمية وأصبحت عَلَماً على طائفة من الدارسين المهتمين بالشأن العقائدي - مثلما يحكي لنا النصّ المتقدِّم وغيره من النصوص - قبل أن تُترجَم الفلسفة اليونانية.

مناهضة علم الكلام:

منذ الأيَّام الأولى لولادة التفكير الكلامي انبرى لمناهضته مجموعة من رجال الحديث، الذين قاوموا أيَّة محاولة لتدبُّر النصوص المتشابهة وتأويلها، وأسرفوا في إلصاق شتَّى التُّهم بمَن يحاول ممارسة هذا اللون من التفكير، بقطع النظر عن النتائج التي ينتهي إليها، حتى أمسى شعارهم "فرَّ من الكلام، في أيِّ صورة يكون، كما تفرُّ من الأسد" (4) ، بل نُقل عن الإمام مالك بن أنس (179هـ) حظر السؤال في بعض المسائل، واعتبار مثل هذا السؤال بدعة،

____________________

(1) محمد بن يعقوب الكليني، الكافي، ج 1، ص 59 - 606 (كتاب التوحيد).

(2) أحمد أمين، ضحى الإسلام، بيروت، دار الكتاب العربي، ج 3، ص 10.

(3) الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 23.

(4) أجناس جولد تسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف موسى وصاحبيه، القاهرة، دار الكتاب المصري، 1946م، ص 114.


فحين سُئِل عن كيفية الاستواء على العرش؟ أجاب: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" (1) ؛ ولهذا وسم مالك بن أنس جميع الذين يتعاطون التفكير والحديث في ذات الباري وصفاته بالمبتدعين، وكان يُحذِّر من هذه البدع ويقول: "إيَّاكم والبدع، قيل: يا أبا عبد الله، وما البدع؟ قال: أهل البدع الذين يتكلَّمون في أسماء الله وصفاته، ولا يسكتون عمَّا سكت عنه الصحابة والتابعون لهم بإحسان". وكان يقول: "مَن طلب الدين بالكلام، فقد تزندق" (2) .

وعقيب مالك، ناهض الإمام الشافعي (204هـ) أيضاً المنحى الكلاميَّ في التفكير، فشنَّ حملة عنيفة على المتكلِّمين، وبالغ في التشنيع على هذا اللون من التفكير، فنُقل عنه قوله بعد مناظرته مع أحد هؤلاء: "لقد أطلعتُ من أهل الكلام على شيء ما توهَّمته قط، ولأن يُبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه، سوى الشرك، خير من أن يبتلى بالكلام" (3) . كما نُقل عنه قوله: "ولو يعلم الناس ما في علم الكلام من الأهواء، لفرُّوا منه فرارهم من الأسد" ، وقوله أيضاً: "حكمي في أهل الكلام، أن يُضربوا بالجريد، ويُطاف بهم في العشائر والقبائل، ويُقال: هذا جزاء من ترك السُّـنَّة وأخذ في الكلام" (4) .

____________________

(1) عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، القاهرة، 1909م، ج 3، ص 126.

(2) جلال الدين السيوطي، صوت المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، ص 96.

(3) فخر الدين الرازي، مناقب الإمام الشافعي، مخطوطة الأزهر بالقاهرة، برقم خاص 3936 وعام 1617، ص 65 - 66.

(4) أحمد طاشكبرى زاده، مفتاح السعادة، طبعة حيدرآباد، ج 2، ص 26.


وينسب للشافعي قولٌ حانقٍ يحذر فيه أبا إبراهيم المزني لمَّا سأله بمسائل نهج فيها منهج أهل الكلام، فقال له الشافعي: "يابني! هذا علم إنْ أنت أصبت فيه لم تُؤجر، وإنْ أنت أخطأت فيه كفرت..." (1) .

ثُمَّ جاء من بعده أحمد بن حنبل (142هـ) فاقتفى السبيل نفسه، وأسرف في مقارعة التفكير الكلامي، حتى زجَّ نفسه بسجالات ومماحكات صاخبة مع المتكلِّمين، قادته في خاتمة المطاف إلى أن يُضرب بالسوط في مناظرته مع ابن أبي داود حول مسألة خلق القرآن (2) . ونُقلت عن ابن حنبل أقوال تكفيرية قاسية في ذم الكلام والمتكلِّمين، منها قوله: "لا يفلح صاحب كلام أبداً، ولا ترى أحداً ينظر في الكلام إلاّ وفي قلبه مرض" (3) . وقوله: "علماء الكلام زنادقة" (4) .

وواصل الحنابلة مناهضة علم الكلام تبعاً لنهج شيخهم، فخاضوا صراعات حادَّة مع أصحاب الكلام، وتوكَّأوا على سلاح التكفير في هذا الصراع، وبات تراثهم رافداً تُستقى منه فتاوى تكفير فِرق المسلمين، تلك الفتاوى التي عملت على تعميق انقسامات الأمة، وظلَّت إلى الآن تُجهض مساعي الحوار الإسلامي.

____________________

(1) السبكي، طبقات الشافعي، مصدر سابق، ج 1، ص 241.

(2) أحمد بن يحيى المرتضي، طبقات المعتزلة، تحقيق: سوسنة ديفلد - فلزر، بيروت، دار المنتظر، ط 2، 1988م، ص 124 - 125.

(3) كبرى زاده، مفتاح السعادة، مصدر سابق، ج 2، ص 26.

(4) أبو حامد الغزالي، قواعد العقائد، ص 87.


وقد تغلغلت أفكار التيار المناهض للكلام في وعي عامة المسلمين، فبدأ الكثير منهم ينظر بارتياب، بل تنامت هذه الحالة، وصارت العلوم العقلية برمَّتها يُنظر إليها وإلى الفكر الكلامي بتوجُّس وريبة، وأشيع حول هذه العلوم مناخ مُشبَع بالتهمة، حتى اضطر ذلك بعض المهتمِّين بها للتمسُّك بالتقية والتكتُّم على معارفه، خشية إثارة حنق العامة، خصوصاً وأنَّ بعض خصوم الكلام عمدوا إلى صياغة خطاب تحريضي ضد علم الكلام ومَن يتعاطاه، وهذا ما ظهر في أسماء كتبهم، مثلاً: كتب أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (481هـ) كتاباً بعنوان "ذم الكلام وأهله"، وكتب الغزالي (505هـ) كتاب "إلجام العوام عن علم الكلام"، وكتب موفَّق الدين بن قدامة المقدسي (ت 620هـ) كتاب "تحريم النظر في كتب أهل الكلام" .

ركود علم الكلام:

تأثُّر علم الكلام - كغيره من العلوم الإسلامية - في نشأته ومساره بمجمل الأحوال السياسية والاجتماعية في الحياة الإسلامية، فعندما تكون الأمة في حالة نهوض، وفي ظل تشكُّل الإطار الاجتماعي الملائم لنمو المعرفة وتطوُّر العلوم، ينمو ويتكامل التفكير الكلامي كما غيره من أبعاد التفكير الإسلامي الأخرى. أمَّا إذا دخلت الأمة في مسار الانحطاط، فسوف يتداعى الإطار الاجتماعي لنمو المعرفة، وتسود حالة من تشتُّت العقل وتشوُّه رؤاه، تدخل معها معارف الأمة وعلومها مسار الانحطاط، تبعاً لِمَا عليه أحوال الأمة،


فيتراجع دور العقل، ويضمحل التفكير الكلامي، وتغدو المحاولات الجديدة استئنافاً للمحاولات الماضية، لا تتخطَّى إشكاليَّاتها ومسائلها، بل وبيانها وأساليب تعبيرها.

وإنَّ مراجعة سريعة لمسار التفكير الكلامي عبر أربعة عشر قرناً، تدعونا للوقوف عند مراحل عدَّة مرَّ من خلالها هذا التفكير. ففي المرحلة الأولى، التي امتدت من القرن الهجري الأول إلى القرن الثالث، كان الفكر الكلامي يتحرَّك في مدارات ما يستجد من استفهامات، ويسعى لصياغة المفاهيم واستنباط قواعد ومرتكزات أساسية للاعتقاد. ومنذ القرن الثالث انتهج المتكلِّمون منهجاً آخر، توغَّل معه الفكر الكلامي في أفق جديد، ودُشِّنت فيه مرحلة تالية اشتغل فيها المتكلِّمون ببناء علم الكلام، وتأسيس مدارسه واتجاهاته المعروفة في التاريخ الإسلامي.

وتمخَّضت جهود علماء الكلام عن تبلور المدارس الثلاث الكبرى في الكلام، المعتزلة والشيعة والأشاعرة.

لكن ازدهار التفكير الكلامي لم يمضِ في درب لاحب، من دون أن يدخل في متاهات من الجدل والسجالات، التي أسهم فيها مناوئو علم الكلام بدور تحريضي واسع، مضافاً إلى تسييس المواقف الكلاميَّة، وانتقال المناظرات من دور العلم - وهي المساجد وقتئذٍ - إلى قصور السَّلاطين، مثلما جرى في مسألة خلق القرآن وغيرها، حتى انتهى ذلك إلى تصفية مدرسة الاعتزال والقضاء عليها قضاءً تاماً بقرار سياسي في فترة لاحقة.


غير أنَّ هذا المخاض الذي التهم التفكيرَ الكلاميَّ، واستنزف الطاقة العقلية لعلمائه سنوات طوال، لم يعطِّل هذا التفكير، وإنَّما استطاع التفكير الكلامي أن يجتاز هذا المخاض بمعاناة بالغة وجهود شاقة، وظهرت في القرون: الرابع والخامس والسادس والسابع، أهمَّ المدوَّنات الكلامية مثل "المغني" للقاضي عبد الجبار الهمداني (ت 415هـ)، وأخيراً "التجريد" لنصير الدين الطوسي (ت 672هـ)، الذي كان خاتمة للمرحلة الثانية في مسار التفكير الكلامي، ولعب دوراً بارزاً ومدهشاً في تأسيس الفلسفة الكلامية، التي تبدو كأنَّها خالية من شوائب وزيادات وإضافات المتكلِّمين المصطرعة مع تيار الفلسفة، حتى امتد تأثيره إلى زمان يتاخم عصرنا الحديث. ولقد صار كتاب "التجريد" منذ الربع الأخير للقرن السابع نموذجاً يترسمه المؤلِّفون في كتاباتهم الكلامية، ككتاب "المواقف" لعضد الدين الإيجي (ت 756هـ)، وكتاب "المقاصد" لسعد الدين التفتازاني (ت 792هـ)، وكتاب "المجلي" لابن أبي جمهور الإحسائي (ت 901هـ) (1) .

ولم يشهد التأليف في علم الكلام أعمالاً إبداعيةً بعد ظهور كتاب الطوسي "التجريد"، وظلت سائر المؤلَّفات المتأخِّرة عنه إمَّا شروحاً له ولمتون الكلام السابقة، وإمَّا مدوَّنات ومتوناً جديدة، غير أنَّها ما فتئت تستعيد آراء تلك المدوَّنات ومسائلها.

____________________

(1) د. عبد الأمير الأعسم، الفيلسوف نصير الدين الطوسي مؤسِّس المنهج الفلسفي في علم الكلام الإسلامي، ط 2، بيروت، دار الأندلس، 1980م، ص 149 - 154.


وكان ذلك إيذاناً بانتقال علم الكلام إلى مرحلة ثالثة، بدأت بركود التفكير الكلامي واستئنافه للتراث الكلاسيكي، وتواصلت مدة طويلة تناهز خمسة قرون؛ من القرن التاسع إلى نهاية الثالث عشر الهجري، تجمَّد فيها التفكير الكلامي، ولم تتجاوز اهتمامات الدارسين ألفاظ التراث الكلامي ومُعمَّياته وألغازه، فأسرفوا في تدوين الهوامش والشروح التوضيحية، وبهرتهم براعة القدماء في اختزال الأفكار وتكثيف النصوص، فشاع لديهم شعور موهوم بأنَّ الآراء التي تحكيها تلك النصوص هي آراء أبديَّة، يجب تعميمها لكل زمان، ولا يجوز أبداً التفكير خارج مداليلها وفحواها، واستحالت مهمَّة المهتمِّين بهذا العلم إلى حراسة متونه، والمبالغة في إطرائها وتهويل مضمونها، ومقاومة أيَّة محاولة للتفكير خارج مداراتها.

لكن التفكير الكلامي استيقظ في نهاية القرن الثالث عشر، ودبَّت الحياة من جديد في علم الكلام، فغادر حالة السكون التي لبث فيها عدَّة قرون، واستهلَّ المهتمُّون بدراسة هذا العلم عهداً جديداً، بدأ بإحياء علم الكلام واستدعائه إلى العصر الحديث، ثُمَّ تلا ذلك العمل على إعادة بنائه وتجديده.

عجز الكلام التقليدي:

قبل أنْ نمضي في الحديث إلى المرحلة الجديدة "مرحلة الإحياء والتجديد" التي انتقل إليها التفكير الكلامي، نودُّ أن نُلمِح بإيجاز إلى شيء من مناشئ عجز علم الكلام التقليدي عن الوفاء بالمتطلَّبات العقيدية للمسلم المعاصر.


وهنا ينبغي التذكير بما وردت الإشارة إليه في فقرة سابقة، وهو أنَّ علم الكلام - كغيره من العلوم الإسلامية - تحكَّمت في مساره وتحديد وجهته مجموعة المكوِّنات والعناصر التي واكبت نشأته، وتلك العناصر، كما هو معلوم، تنتمي إلى عصر مضى وانقضى، ولم يبقَ منه سوى ما حفظه لنا التاريخ. ولم يكن الفكر الكلامي الذي ولد في ذلك العصر إلاّ مرآة ارتسمت فيها الأسئلة والتحديات والهموم المتداولة آنذاك، فلماذا نسعى لتعميم الآراء والمفاهيم الكلامية التي تبلورت في فضاء تلك الأسئلة والتحديات، لأسئلة تطرحها حياتنا الراهنة، وتنبثق من تحدياتٍ تختلف عن التحديات الماضية اختلافاً تاماً؟!.

في ضوء ذلك ينبغي أن نشير إلى أبرز أبعاد القصور في التراث الكلامي، بغية اكتشاف البواعث الموضوعية للدعوة لتجاوز الكلام التقليدي، وإعادة بناء التفكير الكلامي في إطار استفهامات العصر ومعارفه. وهو ما نسعى لإيجازه في ما يأتي:

1ـ هيمنة المنطق الأرسطي:

بالرغم من رفض المتكلِّمين الفلسفةَ وطرائق تفكير الفلاسفة، لكنَّهم قبلوا قضايا المنطق الأرسطي، وتعاملوا معها بوصفها مسلَّماتٍ أساسية في البحث الكلامي، واستندوا إلى المنطق في بناء علم الكلام، وركَّزوا على القياس الأرسطي وأشكاله، كقوالب أساسية في الاستدلال على المسائل والآراء؛


بحيث أضحى الخصمان يحاول كلٌّ منهما نقض حجَّة الآخر بالتوكؤ على أساليب المحاججة الأرسطية ذاتها، فقاد ذلك إلى خطأ المتكلِّمين في استعمال هذا المنطق، "فجعلوا حكم الحدود الحقيقية وأجزائها مطَّرِداً في المفاهيم الاعتبارية، واستعملوا البرهان في القضايا الاعتبارية التي لا مجرى فيها إلاّ القياس الجدلي. فتراهم يتكلَّمون في الموضوعات الكلامية كالحسن والقبح، والثواب والعقاب، والحبط والفضل، في أجناسها وفصولها وحدودها، وأين هي من الحد؟! ويستدلُّون في المسائل الأصولية والمسائل الكلامية من فروع الدين بالضرورة والامتناع. وذلك من استخدام الحقائق في الأمور الاعتبارية، ويبرهنون في أمور ترجع إلى الواجب تعالى، بأنه يجب عليه كذا، ويقبح منه كذا، فيُحكِّمون الاعتبارات على الحقائق، ويعدُّونه برهاناً، وليس هو بحسب الحقيقة إلاّ من القياس الشعري" (1) .

ولبث المتكلِّم منذ ترجمة المنطق الأرسطي حتى اليوم يعتبر مقولات هذا المنطق ومناهجه في الاستدلال حقائق نهائية، يرقى بعضها إلى البديهيات التي لا نقاش فيها. بالرغم من تجدُّد الحياة وتوالد مشكلات معرفية وعملية متنوِّعة كل يوم في وعي الناس، إلاّ أنَّ بنية علم الكلام ظلَّت تترسَّخ باستمرار في إطار ذلك المنطق وأدواته وأساليبه، وكأنَّ كلَّ شيء يتغيَّر ما خلا آراء أرسطو، فإنَّها أفكار أبدية لا تقبل المراجعة والتقويم.

____________________

(1) السيد محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، موسسة الأعلمي للمطبوعات، 1991م، ج 5، ص 286.


ولقد اتسعت مآسي الإنسان المسلم، واضطربت حياته، وتشوَّه وعيه، واهتزت منظومة معارفه، فلم يعد المنطق الأرسطي يفي بمقتضيات حياته المتجدِّدة، وخصوصاً إذا لاحظنا أنَّ هذا المنطق لا يهتم بالواقع، وإنَّما ترتبط الحقيقة لديه بتناسق المعطيات والمفاهيم في ما بينها في الذهن، وإن كانت لا علاقة لها بالواقع، بل ولو كانت مخالفة للواقع (1) .

2ـ النزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل:

تقدَّمت الإشارة إلى أنَّ موضوعات الكلام الأولى تبلورت في سياق أسئلة انبثقت إثر الصراعات السياسية في العهد الإسلامي الأول، غير أنَّ إسراف المتكلِّمين في استعارة منهج المنطق الأرسطي، وتوظيف مفاهيمه في صياغة علم الكلام في ما بعد، نجم عنه تشرُّب التفكير الكلامي بمنهج هذا المنطق، فانحرفت وجهته، وراح يفتِّش عن عوالم ذهنيةٍ مجرَّدةٍ، بعيدةٍ عن الواقع وتداعياته ومشكلاته، فتغلَّبت بالتدريج النزعة التجريدية الذهنية على المنحى الواقعي في التفكير الكلامي، وتحوَّل علم الكلام إلى مشاغل عقلية تتوغَّل في صناعة آراء ومفاهيم لا علاقة لها بحركة الحياة وشجونها، وأمست مهمة المتكلِّم التفتيش في عوالم أخرى غير الحياة البشرية وعالمها، والتدقيق في

____________________

(1) عبد المجيد النجار، واقعية المنهج الكلامي ودورها في مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة، مجلَّة المسلم المعاصر، ع 60 (شوال 1411هـ - مايو 1991م)، ص 162.


مسائل افتراضية ترتكز على محاججات منطقية، من دون أن يكون لها ارتباط بالواقع.

ولم يقتصر أثر العقلية التجريدية على التفكير الكلامي فحسب، وإنَّما امتدَّ أثرها إلى المشاغل الأخرى للعقل الإسلامي، فتجلَّى بوضوح في العلوم الإسلامية، وما برح الفكر الإسلامي ينوء بعبء هذه النزعة إلى اليوم، فلا يكاد يتخطَّى عوالم الذهن، ويطلُّ على الواقع، ويواكب التجربة البشرية وما تزخر به من رؤى وآفاق.

بل كان إيغال العقل الإسلامي في التجريد منشأً لتغليب النظر على العمل، واعتبار العلوم النظرية أرفع من المعارف العملية، والحطِّ من شأن الطبيعيات بالمقارنة مع علوم الحكمة الأخرى. وبالرغم من أنَّ الطبيعيات أُدرجت في أقسام الحكمة النظرية، لكنَّ الاهتمام بها ودراستها كان مدعاة لأسف بعض الفلاسفة. فكان ملا صدرا الشيرازي مثلاً، يعيب على الشيخ الرئيس ابن سينا استنزاف جهوده في مثل هذه العلوم، حتى أنَّه أرجع ما تبدَّى له من أخطاء ابن سينا في الإلهيات إلى صرف وقته في هذه العلوم الثانوية غير الضرورية. كتب ملا صدرا: "فهذه وأمثالها من الزلاَّت والقصورات، إنَّما نشأت من الذهول عن حقيقة الوجود، وأحكام الهويَّات الوجوديَّة، وصرف الوقت في علوم غير ضروريَّة، كاللغة، ودقائق الحساب، وفن أرثماطيقي، وموسيقى، وتفاصيل المعالجات في الطب، وذكر الأدوية المفردة، والمعاجين، وأحوال الدرياقات، والسموم، والمراهم، والمسهِّلات، ومعالجة القروح


والجراحات، وغير ذلك من العلوم الجزوية، التي خلق الله لكل منها أهلاً، وليس للرجل الإلهي أن يخوص في غمرتها" (1) .

إنَّ هذا اللون من التفكير ظلَّ أحد القيم السائدة لدينا قروناً طويلة، ولمَّا تزلْ آثاره تطبع حياتنا الثقافية، فنبجِّل رجل التأمُّل على رجل التجربة والعمل، من دون أن نتدبَّر عطاء كلِّ واحد منهما ودوره في خدمة الناس وتنمية حياة المجتمع، خلافاً لمنظور القرآن الكريم الذي يُعلي من شأن العمل، ويجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم الأعلون.

3ـ تفريغ علم الكلام من محتواه الاجتماعي:

أراد القرآن للتوحيد أن يكون صبغة لسائر مرافق حياة الإنسان: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً) (2) ، أي أنَّ تفكير الإنسان، وفعالياته، وسلوكه اليومي، يجب أن يصطبغ ويتلوَّن بالتوحيد، حتى تصير "كل قضية، علمية كانت أو عملية، هي التوحيد، قد تلبس بلباسها وتظهر في زيِّها، وتنزل في منزلها، فبالتحليل ترجع كل مسألة وقضية إلى التوحيد، وبالتركيب يصيران شيئاً واحداً، لا مجال للتجزئة ولا للتفريق بينهما" (3) .

____________________

(1) صدر الدين الشيرازي، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، قم، مكتبة المصطفوي، 1368هـ.ش، ج9، ص 199.

(2) البقرة: 138.

(3) محمد حسين الطباطبائي، علي والفلسفة الإلهية، طهران، مؤسسة البعثة، 1402، ص 19.


ولقد كانت العقيدة التي يستوحيها المسلم من القرآن طاقة تنتج الإيمان، وتوجِّه السلوك؛ لأنَّها تجعل الإيمان معطىً عملياً ناجزاً، مفعماً بالحيوية؛ عبر دمج النظر بالعمل، وعدم الفصل بين الإيمان بوصفه حالة وجدانية وبين السلوك الإنساني، الذي يتجلَّى من خلاله المحتوى الاجتماعي للتوحيد. غير أنَّ علم الكلام الذي تمَّت صياغته لاحقاً بالاستناد إلى أدوات المنطق الأرسطي، لم يقتصر على تعميق البعد النظري في العقيدة، بل تجاوزه إلى تفريغ التوحيد من مضمونه العملي، والتعامل مع المعتقدات بوصفها مفاهيم ذهنيَّة مجرَّدة لا صلة لها بالواقع (1) . ولم تعد مظاهر السلوك المختلفة تندفع في تلقائية ووضوح من مرجعيَّتها العقيدية، وغدت حقائق العقيدة تشبه أن تكون تصديقات ذهنية، غايتها في ذاتها، وضَعُف الشعور بغاياتها السلوكية. وأنَّ حقيقة التوحيد التي كانت في عهود الازدهار الإسلامي تطبع حياة المسلمين كلها، تشريعاً وآداباً وفنوناً وعمارةً، أصبحت بعد ذلك منحسرة في أذهان المسلمين إلى بُعدٍ واحد تجريدي، هو وحدانية الله، وتقلَّص أثرها في مناحي الحياة العملية (2) .

____________________

(1) الشهيد محمد باقر الصدر، موجز في أصول الدين، تحقيق: عبد الجبار الرفاعي، قم، مكتبة سعيد بن جير، 1417هـ، ص 12 (مقدِّمة المحقِّق).

(2) النجار، واقعية المنهج الكلامي ودورها ي مواجهة التحديات الفلسفية المعاصرة، مصدر سابق، ص 161.


غير أنَّ هذا التصوُّر لتجديد علم الكلام لا يتضمَّن رسم حدود دقيقة بين علم الكلام وفلسفة الدين، مضافاً إلى أنَّه يخلط بين الكلام الجديد، والإلهيات المسيحية الحديثة. علاوة على أنَّه لمَّا يزل في طور البناء؛ ولذا تنوَّعت الاجتهادات في بيان هويته، والكشف عن أسسه ومرتكزاته.

ومع ذلك كله، يبدو هذا التصوُّر أجلى من تصوُّرات أخرى، تسعى إلى إيضاح مفهوم تجديد علم الكلام، لكنَّها تختصر التجديد في بُعدٍ واحد، أو تتخبَّط، فلا نكاد نستخلص منها مفهوماً متميِّزاً للتجديد.

وهم التأسيس:

من هو مؤسس علم الكلام الجديد؟

في ضوء المعطيات المذكورة آنفاً لمفهوم التجديد، يغدو القول بوجود فرد واحد مؤسِّس لهذا العلم، قولاً يقفز على حقائق التاريخ، ويجهل المدلول الحقيقي لتجديد الكلام؛ ذلك أنَّ حركة التجديد مخاض عسير، وولادة شاقة، لم تبلغ غاياتها بقرار تصدره مؤسَّسة أو فرد، أو خطبة حماسية تصدر من مرجع علمي، أو مقال، بل ولا كتاب يُنشر، وإنَّما هي مجموعة جهود معرفية، وعلمية، وعملية جريئة، تنطلق في بيئة تتوفَّر على العناصر والمقوِّمات الضرورية لاستنبات الفكرة ونموها.

____________________

(1) المصدر نفسه، ص 10 - 12.


وليس تجديد علم الكلام بدعاً من ذلك، وإنَّما هو مشروع تظافرت في احتضانه وتطويره مبادرات، وجهود أسهم فيها كثيرون من أعلام المسلمين في العصر الحديث، وإن كان دور الريادة يبقى نصيب عدد محدود منهم.

أمَّا نشأة مصطلح علم الكلام الجديد، فيبدو أن هذا المصطلح ظهر للمرَّة الأولى كعنوان لكتاب العالم الهندي المسلم شبلي النعماني (المتوفَّى سنة 1332هـ)، ثُمَّ نقله إلى الفارسية محمد تقي فخر داعي الكيلاني، وطبعه في طهران (سنة 1329ش/1950م) بالعنوان نفسه.

إلاّ أنَّنا لا نستطيع أن نجزم بأنَّ شبلي النعماني هو أوَّل مَن نحت هذا المصطلح، الذي أضحى عنواناً للاتِّجاه الحديث في إعادة بناء علم أصول الدين. لكنَّه - أي النعماني - كان من أوائل الداعين إلى تجديد علم الكلام؛ بغية الردِّ على الشبهات الحديثة، والدفاع عن الشريعة. فقد ذكر شبلي النعماني في مطلع كتابه هذا: "إنَّ علم الكلام القديم يُعنى ببحث العقائد الإسلامية؛ لأنَّ شبهات الخصوم كانت ترتكز على العقائد فقط، بينما يجري التأكيد هذا اليوم على الأبعاد الأخلاقية والتاريخية والاجتماعية في الدين، وتتمحور الشبهات حول المسائل الأخلاقية والقانونية من الدين، وليس حول العقائد، فإنَّ الباحثين الأوربيين يعتبرون الدليل الأقوى على بطلان الدين هي مسائل تعدُّد الزوجات، والطلاق، والأسرى، والجهاد. وبناءً على ذلك سيدور البحث في علم الكلام الجديد حول مسائل من هذا القبيل، حيث تعتبر هذه


المسائل من اختصاص علم الكلام الجديد" (1) . ولذا أدرج النعماني في هذا الكتاب مسائل جديدة مثل: حقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والإرث، والحقوق العامة للشعب، بجوار مباحث وجود الباري، والنبوة، والمعاد، والتأويل، وغير المحسوسات، كالملائكة والوحي وغيرها، والعلاقة بين الدين والدنيا.

ثُمَّ صدر في طهران كتاب بعنوان: أربع مقالات: الفلسفة أو الكلام الجديد، تأليف جواد تارا، غير أنَّ مباحث هذا الكتاب لا علاقة لها بعلم الكلام الجديد، وإنَّما يحتوي الكتاب على أربع مقالات، بحث المؤلِّف في الأولى منها مفهوم الوجود، فيما تحدَّث في الثانية عن وحدة الوجود وعلاقة الوجود بالماهية، وفي الثالثة حول الحق والحكم، وفي الأخيرة استعرض الأدلة على عودة الأرواح.

وفي مقدِّمة كتابه "الإسلام يتحدى"، أوضح العالم الهندي المسلم وحيد الدين خان، عام 1946م المبرِّرات التي دعته لتأليف كتابه هذا، فشدَّد على ضرورة التحرُّر من منهج علم الكلام القديم؛ لأنَّ "طريقة الكلام وأسلوبه قد تغيَّرا بتغيُّر الزمن، ولذلك علينا أن نأتي بعلم كلام جديد لمواجهة تحدِّي

____________________

(1) شبلي النعماني، علم كلام جديد، ترجمه للفارسية: سيد محمد تقي فخر داعي كيلاني، طهران 1329ش، ص 42.


العصر الحديث" (1) . وقد استطاع وحيد الدين خان وصْل ما بدأه المفكِّر المسلم محمد إقبال من قبل في "تجديد التفكير الديني في الإسلام"، فكان كتابه "الإسلام يتحدَّى" إنجازاً رائداً في تشييد الكلام الجديد، إلاّ أنَّه ظلَّ مهملاً في المشرق الإسلامي، فلم يهتم به الباحثون، مع أنَّه تُرجم إلى العربية ونشر قبل ثلاثين عاماً.

وبعد ذلك بسبعة أعوام أصدر وحيد الدين خان كتابه الكلامي الثاني "الدين في مواجهة العلم" (2) ، وأردفه بعد فترة بدراسة أعدَّها بعنوان: "نحو علم كلام جديد"، ألقاها في ندوة "تجديد الفكر الإسلامي"، التي عقدتها الجامعة الملِّية الإسلامية بدلهي في 27 ديسمبر 1976م (3) .

أمَّا لدى الباحثين العرب، فقد ذكر مصطلح "الكلام الجديد" الدكتور فهمي جدعان سنة 1976م، في كتابه "أسس التقدُّم عند مفكِّري الإسلام في العالم العربي الحديث"، في الفصل الرابع الذي عقده للحديث عن "التوحيد المتحرِّر" ، وبواعث التفكير الكلامي الجديد لدى بعض المفكِّرين المسلمين المحدثين، الذين "راحوا يبحثون عن علم كلام جديد - إنْ أمكن القول - علم

____________________

(1) وحيد الدين خان، الإسلام يتحدّى: مدخل علمي للإيمان، تعريب: ظفر الإسلام خان، مراجعة وتحقيق: د. عبد الصبور شاهين، الكويت، دار البحوث العلمية، ط 6، 1981م، ص 42.

(2) نقل هذا الكتاب إلى العربية نجل المؤلِّف: ظفر الإسلام خان، ونشرته دار الاعتصام بالقاهرة سنة 1972م.

(3) نقل هذه الدراسة إلى العربية نجل المؤلِّف: ظفر الإسلام خان، ونشرتها دار النفائس في بيروت، في كتاب يضمُّ دراسات أخرى للمؤلِّف بعنوان "الإسلام والعصر الحديث" سنة 1983م.


للكلام يكون للتوحيد فيه وظائف جديدة، ويكون علماً "محرِّراً" للإنسان، وعلماً صافياً من الشوائب والأكدار" (1) .

ويعود استخدام مصطلح "التوحيد المتحرر" إلى المستشرق البريطاني "جيب"، الذي أشار إلى "اللاَّهوت المتحرِّر" ونسبه إلى أحد اللاَّهوتيين الكبار، في سياق حديثه عن الاتجاهات الحديثة في الإسلام، في المحاضرات التي ألقاها في "مؤسَّسة هاسكل لدراسة الأديان المقارنة" في مطلع هذا القرن، ونشرها في ما بعد في كتاب "الاتجاهات الحديثة في الإسلام" (2) .

وفي إيران ظهر مصطلح "علم الكلام الجديد" مع ترجمة كتاب شبلي النعماني المذكور ونَشْرِه سنة 1950م، لكن تبلور اتجاه جديد في التفكير الكلامي تجلَّى بوضوح في آثار العلاَّمة محمد حسين الطباطبائي ، وتلميذه الشهيد الشيخ مرتضى المُطَهَّري . فقد سعى الأخير سعياً حثيثاً لإرساء أسس منهجية لتجديد علم الكلام، وكتب تصوُّرات أولية بشأن تلك الأسس، كما اهتم بترسيم مفهوم علم الكلام الجديد، وتعاطى مع المصطلح في آثاره؛ ففي سياق بحثه لوظيفة علم الكلام، يُحدِّد له المُطَهَّري وظيفتين، تتمثَّل ا لأولى في دحض الشبهات الواردة على أصول الدين وفروعه، والثانية في بيان الأدلة

____________________

(1) د. فهمي جدعان، أسس التقدُّم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث، ط 3، عمَّان - الأردن، دار الشروق، 1988م، ص 195.

(2) هـ. أ. ر. جيب، الاتجاهات الحديثة في الإسلام، ترجمة: هاشم الحسيني، بيروت، دار مكتبة الحياة، ص 411، ولاحظ أيضاً حول ولادة المصطلح، الصفحات 89، 102، 110، 113.


على الأصول. ثُمَّ يشير إلى أنَّ اقتصار الكلام القديم على هاتين الوظيفتين يعني غيابه عن الشبهات المستجدَّة في عصرنا، فضلاً عن أنَّ الشبهات الماضية أمست بلا موضوع في هذا العصر. كذلك وفَّر التقدُّم العلمي الكثير من الأدلَّة والبراهين الجديدة التي لم يعهدها العقل سابقاً. أضف إلى ذلك، أنَّ الكثير من الأدلة المتداولة بالأمس فقدت قيمتها، من هنا يشدَّد المُطَهَّري على لزوم (تأسيس كلام جديد) (1) .

وفي ضوء هذا لا ينبغي أن تُمنح "براءة" تحديث علم الكلام لرجلٍ واحد؛ لأنَّ روَّاد الإصلاح أسهموا جميعاً في إعادة بناء هذا العلم، فمنهم مَن عمل على تحديث المسائل، وآخر عمل على تحديث المباني، وثالث عمل على تحديث اللغة، ورابع أسهم في كل منها بنصيب.

أزمنة علم الكلام الجديد:

سنشير باختصار إلى الأزمنة التي تكشَّفت لنا بعد استقراء آثار الكلام الجديد. وأمَّا ما نعنيه بالزمن هنا، فهو تلك الفترة التي تتَّسم الآثار الكلامية فيها بسمات مشتركة، تتميَّز بها عن الأعمال السابقة واللاَّحقة. وفي ما يلي بيان هذه الأزمنة:

____________________

(1) مرتضى مطهري، وظايف اصلى ووظايف فعلى حوزه هاى علميه، (الوظائف الأساسية والوظائف الفعلية للحوزات العلمية)، ص 49.


1ـ إحياء علم الكلام أو تأسيس المُعْتَقَد على العقل والعلم:

يمكن أن نُؤرِّخ لهذه الفترة بالنصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين. وممَّا تميَّزت به هذه الفترة الدعوة لإحياء علم الكلام؛ ببعث شعاب الإيمان الساكنة في النفوس، عبر التذكير بأصول الدين، والموعظة بوازعه ودافعه، وإيقاظ الفكر من حالة السبات، وإثارة طاقات الحركة، والدعوة لإصلاح الأفكار الفاسدة (1) ، وتطهير وجدان الأمة من الخرافات، وتأكيد دور العقل والعلم بوصفهما رافدين رئيسيين لتغذية المُعْتَقَد.

أمَّا أبرز أعلام هذه الفترة، فهم: السيد جمال الدين الأفغاني ، وتلميذه محمد عبده، و عبد الرحمن الكواكبي ، و شبلي النعماني ، و محمد الطاهر بن عاشور ، و هبة الدين الشهرستاني ، و حسين الجسر ، و محمد جواد البلاغي ، و محمد حسين كاشف الغطاء ،... وغيرهم.

2ـ تجديد علم الكلام أو التأسيس الفلسفي لعلم الكلام:

تبدأ هذه الفترة بجهود المفكِّر الهندي المسلم محمد إقبال، وخصوصاً محاضراته الست التي ألقاها في مدارس بالهند عام 1928م، ثُمَّ أتمَّها بعد ذلك في الله آباد في عليكره، وصدرت في ما بعد في كتابه الشهير "تجديد التفكير

____________________

(1) د. حسن عبد الله الترابي، قضايا التجديد... نحو منهج أصولي، الخرطوم، معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، ط 2، 1995م، ص 19.


ومع أنَّ المسلم أصرَّ على التمسُّك بالإيمان بالله وبوحدانيته، ولم يتخلَّ عن إيمانه، غير أنَّ هذا الإيمان فقد إشعاعه الاجتماعي، وتجرَّد من فاعليته؛ فلم يتجسَّد في نزوع للوحدة والمؤاخاة في حياة المجتمع المسلم، باعتبار أنَّ عقيدة التوحيد تُوحِّد المجتمع، في التصورات، والغايات، والشعور، وأنماط السلوك؛ وإنَّما تعرَّض المجتمع إلى انقسامات شتى، وأمسى جماعاتٍ وفِرقاً متعدِّدة، أهدرتْ الكثير من قدرات الأمة في سجالات أفضت إلى مواقف عدائية، وأقحمت الأمة في حروب أهلية في بعض الفترات. وهكذا يضمحل دور العقيدة حيث تُفرغ من محتواها الاجتماعي، فلا تحول دون اقتتال الأمة الواحدة، كما ولا تكون منبعاً للوحدة.

4ـ تراجع دور العقل وشيوع التقليد في علم الكلام:

مع أنَّ الكلام والفلسفة كليهما يُصنّف في خانة المعارف العقلية، إلاّ أنَّ هناك فَرقاً شاسعاً في نوع المنهج الذي يتعاطاه المتكلِّم والمنهج الذي يتعاطاه الفيلسوف، فالثاني ينتهج البرهان الذي يرتكز على مسائل مسلَّمة تستند إلى مقدِّمات يقينية، ويرى أنَّ الحقيقة هي ما ينتهي إليه البرهان؛ بمعنى أنَّه ليس هناك حقائق قبلية خارج إطار البحث والبرهان. بينما يتعاطى المتكلِّم منهجاً مختلفاً يبتني على الإيمان بمسلَّمات قبلية، ثُمَّ يستدل عليها بمقدِّمات، قد تكون يقينية وقد تكون غير ذلك؛ لذلك يكون القياس المستعمل في البحث الكلامي جدلياً، أي يعتمد على مقدِّمات تتألَّف من المشهورات والمسلَّمات، بغية


إثبات ما هو مسلَّم الثبوت قبلاً. أمَّا القياس المستعمل في البحث الفلسفي، فيكون قياساً برهانياً يعتمد على مقدِّمات يقينية، بغية إثبات الحقيقة، والتي هي ما ينتهي إليه الدليل، لا ما هو مسلَّم قبل الدليل.

إنَّ انتهاج هذا المنهج في الأبحاث الكلامية أدَّى إلى تراجع دور العقل بالتدريج في علم الكلام، وترسُّخ نزعة تقليد أعلام المتكلِّمين في كل مذهب. ومع أنَّ المعروف هو عدم جواز التقليد في أصول الدين، غير أنَّ التمسُّك بآراء الأشعري في أصول الدين مثلاً، شاع بنحو أضحي الدفاع عنها دفاعاً عن الدين، والتفكير خارجها تفكيراً خارج الدين، فجنَّد طائفة واسعة من دارسي الكلام أنفسهم لمحاربة أيَّة محاولة للخروج على فكر الأشعري، ووصموا مثل هذه المحاولات بالابتداع والمروق من الدين.

وهكذا الحال مع غير الأشعري، مع أعلام المتكلِّمين الذين أضحى تقليدهم واقتفاء أثرهم أحد الأعراف المتوارثة في القرون المتأخرة، وأفضى ذلك إلى تعطيل العقل الكلامي، وتوقُّف الإبداع والاجتهاد في علم الكلام.

وهذه هي النتيجة الطبيعية للنهج الذي اختطَّه التفكير الكلامي والذي قاد إلى تقليد رجال المذهب. وحسب تعبير العلاَّمة الطباطبائي: "سيكون الاعتقاد بأصل المسألة متَّكئاً على تقليد رجال المذهب. أمَّا البحث والاستدلال الكلامي، فلا يعدو في نطاق هذا المنهج إلاّ أن يكون ضرباً من ضروب اللهو، أو الرياضة الفكرية، أو اللعب. وسرُّ ذلك أنَّ المنهج البحثي الذي يقوم على افتراض ثبات المدلول أولاً، ثُمَّ يبحث ثانياً عن الدليل الذي يدل على المدلول


المفترض، لا يستحق أن يوصف بأكثر من كونه لهواً أو رياضة فكرية أو تلاعباً بالحقائق. إنَّ اعتماد هذا المنهج في البحوث العلمية يشبه من الزاوية العرفية، أن يتَّخذ المرء قراراً إزاء عمل معين، ثُمَّ يبادر بعد ذلك لطلب المشورة" (1) .

ثُمَّ يمضي الطباطبائي في بيان أثر منهج المتكلِّمين في استبعاد العقل واستبداله بإجماع أتباع المذهب، فيقول: "كان فيما ترتَّب من آثار هذا المنهج، أن اتخذ أتباع كل مذهب من المذاهب الإسلامية، إجماع أهل ذلك المذهب على ما هو متداول بينهم من عقائد، حجَّة تكون رديفة للكتاب والسُّـنَّة. وبهذا الترتيب سقطت حُجِّـيَّة العقل - حتى لو كان بديهياً كلياً - عن الاستقلال، ولم تعد له قدرة على الفعل والحركة" (2) .

أمَّا النتائج السلبية التي خلَّفها منهج المتكلِّمين في الحياة الإسلامية، فتتلخَّص باشتمال المؤلَّفات الكلامية على "نظريات وأقوال يأسف العقل السليم لوجودها" (3) ، مضافاً إلى "افتراض أهل كل مذهب إجماعات ومسلَّمات مذهبهم من الضروريات، وعليه عدُّوا كل مَن لم يذعن من المسلمين لنظرياتهم ومسلَّماتهم منكراً للضروري ومن المبتدعين" (4) .

____________________

(1) محمد حسين الطباطبائي، الشيعة. نص الحوار مع المستشرق كوربان، قم، مؤسَّسة أم القرى للتحقيق والنشر، 1416هـ، ص 82 - 83.

(2) المصدر نفسه.

(3) المصدر نفسه.

(4) المصدر نفسه.


وبذلك دخل علم الكلام مرحلة السُّبات، وحيل بين العقل المسلم وبين ممارسة النقد، وانطفأ النقاش الحرُّ الذي ساد الحياة العقلية عند المسلمين في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية. ولمَّا يزل الفكر الإسلامي ينوء بتركة تلك المرحلة، ولمَّا تزل سلطة السلف تقمع المبادرات الجادة في تقويم مسار التفكير الإسلامي، والتعرُّف على العناصر المعيقة للعقل المسلم.

وممَّا ينبغي التذكير به هنا، أنَّ قصور علم الكلام التقليدي، وعجزه عن الوفاء بالمقتضيات العقيدية للمسلم، لا يعود فقط إلى ما مرَّ من مشكلات، وإنَّما يُضاف إلى ذلك مشكلات أخرى، غير أنَّ جلَّ هذه المشكلات تتفرَّع من تلك، وإن كانت ربَّما تبدو للوهلة الأولى مستقلة عنها في أثرها.

ومن هذه المشكلات، اعتماد الكلام القديم على الطبيعيات الكلاسيكية، والاستناد إلى معطياتها بوصفها حقائق نهائية، بينما نسخت العلوم الطبيعية الحديثة معظم الأفكار والقوانين التي قامت عليها الطبيعيات بالأمس، وبرهنت الاكتشافات الحديثة لقوانين الطبيعة على أنَّ الكثير من قوانين تلك الطبيعيات وأفكارها أوهام محضة.

كما أنَّ الكلام التقليدي اقتصرت أبحاثه على مجموعة مسائل، ولبث الخَلَف يُكرِّر هذه المسائل ذاتها، ويُفكر في داخلها، حتى تكوَّنت لها حدود صارمة، لم يجرؤ أحد على تخطِّيها، وصار مدلول العقيدة هو تلك المسائل خاصة، واتخذ المتكلِّمون نسقاً محدَّداً في ترتيبها، وظلَّ هذا النسق هو هو في المدوَّنات الكلامية.


وقد أدَّى ذلك إلى حجب مباحث هامة في علم الكلام، لعلَّ من أبرزها مبحث الإنسان؛ حيث لم يدرج في مؤلَّفات المتكلِّمين مبحث خاص بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدِّد موقع الإنسان في سُلَّم المخلوقات؛ أي منزلته وقيمته بالنسبة إلى غيره من المخلوقات، كالملائكة والجنّ وغير ذلك، والهدف من وجوده، وطبيعة وظيفته، وأنماط حياته، وثقافته، وعيشه، وعلاقتها بما يتشكَّل لديه من رؤية كونية، وما يرتبط بذلك من مسائل؛ بينما نجد أنَّ قضية الإنسان تتصدَّر القضايا التي يعالجها القرآن.

على أنَّ أهمية هذه القضية تتنامى مع تطوُّر الحياة الاجتماعية، وشيوع ألوان القهر والاستبداد، وامتهان الإنسان، وإهدار كرامته، وتدجينه على المفاهيم والقيم الرديئة، فما لم نتوفَّر على صياغة رؤية كونية تفصح لنا عن مكانة الإنسان، وتحدِّد نوع علاقته بالدين، وتؤكِّد أنَّ الدين جاء لتكريم الإنسان وترشيده وخدمته، تغدو دعواتنا لتحريره مجرَّد شعارات لا مضمون لها (1) .

عصر إحياء علم الكلام

في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، حدث أوَّل لقاء مباشر بين المسلمين في الشرق والأوربيين، وذلك عندما غزا نابليون مصر سنة 1798م، وجلب معه المطبعة، وبعض مقتنيات الحضارة الأوربية الحديثة، فضلاً عن مجموعة من

____________________

(1) المصدر، موجز في أصول الدين، مصدر سابق، ص 21 - 25 (مقدِّمة المحقِّق).


الخبراء والأكاديميين. ثُمَّ تلا ذلك بعثُ محمد علي باشا لجماعة من الطلاَّب المصريين إلى فرنسا في سنة 1826م، وكانت البعثة تضم في البداية اثنين وأربعين دارساً، ثُمَّ تكامل عددها فبلغ 114، بعد أن التحق بهم آخرون، فكانت أكبر بعثة دراسيَّة توفدها مصر إلى أوروبا حينذاك. وقد لعب أفراد هذه البعثة بعد تأهيلهم العلمي دوراً رائداً في بناء الدولة المصرية، غير أنَّ الدور الأهم هو الذي لعبه أحد الأفراد، والذي لم يكن أول الأمر طالباً في البعثة، وإنَّما كان مرشداً أو إماماً دينياً للبعثة، وهو الشيخ رفاعة الطهطاوي، لكنَّه شرع بالدراسة فور وصوله، وتعلَّم اللغة الفرنسية، وكان يهدف إلى ترجمة العلوم إلى العربية. وبعد عودته إلى مصر سنة 1831، بادر الطهطاوي إلى ترجمة الكثير من الكتب، وبموازاتها كتب رحلته وانطباعاته ووعيه للحضارة الغربية، في كتابه الذائع الصيت "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، ومؤلَّفات غيرها.

لقد كان لترجمات الطهطاوي ومؤلَّفاته، وجهود آخرين تالية لجهوده، أثر حاسم في تدشين عهد جديد للفكر في مصر وما يحيطها من البلاد العربية، وهو العهد الذي تعرَّف فيه المسلمون على شيء من معارف أوروبا وعلومها الجديدة.

وما حدث في مصر سبقه التقاء المسلمين الأتراك بالفكر الأوربي، وقارنه في النصف الأول من القرن التاسع عشر تعرُّف المسلمين في شبه القارة الهندية على أوربا وبعض معارفها، وتلاه اتصال الدولة القاجارية في إيران بها أيضاً.


ولقد اتسم تعرُّف النخبة في العالم الإسلامي على أوربا آنذاك بالانبهار والذهول، فمثلاً كان السير سيد أحمد خان يدعو المسلمين في الهند للانخراط في الحضارة الغربية، وبغية تحقيق ذلك أصدر مجلَّة "تهذيب الأخلاق"، وهي مجلَّة تهتم بالتبشير بدعوته، كما أنشأ مجمعاً علمياً للترجمة والتأليف والنشر، ومؤسَّسة تعليمية هامة سنة 1875م، هي "جامعة عليكره الإسلامية"، كذلك ألَّف عدَّة كتب، من أشهرها تفسيره للقرآن، الذي نحا فيه منحى تأويلياً، واهتم فيه بالتلفيق بين مداليل القرآن والعلوم الحديثة، فقدَّم في هدى هذا المنهج فهماً بديلاً لبعض العقائد، واقترح في كتابه "تبيان الكلام" نظرية جديدة اصطلح عليها بإنسانية الأديان (1) .

لقد أشاعت آراء أحمد خان، ونظراته التأويلية للمفاهيم العقائدية، ودعوته للمذهب الطبيعي، عاصفة من الجدل والمناظرات، أيقظت التفكير الكلامي الساكن، وأقحمت العقل الكلامي في فضاء قلق مضطرب يموج بإشكالات واستفهامات مختلفة، لم يألفها هذا العقل في متون الكلام الكلاسيكية، فانبرى للردِّ على آرائه السيد أكبر حسين الإله آبادي، والسيد جمال الدين الأفغاني، وغيرهم (2) .

____________________

(1) عبد الجبار، الرفاعي، المقدِّمات التأسيسية للتقريب في المجتمعات الإسلامية: مثال الهند، التوحيد، ع 60 (محرَّم 1413هـ - تموز 1992م)، ص 90 - 96.

(2) المصدر نفسه، ص 94 - 95.


إنَّ آراء أحمد خان وآراء مفكِّرين آخرين ظهروا في تركيا وإيران ومصر والمشرق العربي، عملت على تأجيج قلق عقائدي، مهَّد السبيل لبعث الروح في علم الكلام وإحيائه من جديد، فعادت الحياة لتدبَّ في التفكير الكلامي، وبدأ وعي المتكلِّم يتحرَّر من الحواشي والشروح، التي لبث محتجباً في مداراتها عن العالم مدَّة طويلة.

مفهوم تجديد علم الكلام:

ماذا يعني مصطلح علم الكلام الجديد؟ ومَن هو مجدِّد علم الكلام في هذا العصر؟

حتى هذه اللحظة ما زال هناك نقاش بين المهتمين حول هاتين المسألتين، فقد ذهب بعض إلى أن تجديد علم الكلام لا يعني سوى إلحاق المسائل الجديدة واستيعابها في إطار المنظومة الموروثة لعلم الكلام، فمتى ما انضمت مسائل أخرى لعلم الكلام تجدَّد هذا العلم. فيما ذهب آخرون إلى أنَّ مفهوم تجديد علم الكلام لا يقتصر على ضمِّ مسائل جديدة فحسب، وإنَّما يتَّسع ليشمل التجديد في: المسائل، والهدف، والمناهج، والموضوع، واللغة، والمباني، والهندسة المعرفية (2) .

____________________

(1) الشيخ جعفر السبحاني، مدخل مسائل جديد در علم كلام (مدخل إلى المسائل الجديدة في علم الكلام)، قم، مؤسَّسة الإمام الصادق، 1375ش، ص 6 - 8.

(2) د. أحد فرامرز قراملكي، تحليل مفهوم التجدد في الكلام الجديد، ترجمة: حبيب فيَّاض، مجلَّة المنطلق، ع 119 (خريف وشتاء 1997 - 1998)، ص 18 - 23.


فالتحديد في المسائل يعني توالد مسائل جديدة، نتيجة للشبهات المستحدثة، ينجم عنها نمو وتطوُّر علم الكلام نفسه.

أمَّا التجديد في الهدف، فيعني تجاوز الغايات المعروفة لهذا العلم، التي تتلخَّص في الدفاع عن المعتقدات، إلى تحليل حقيقة الإيمان ومجمل التجربة الدينية.

كما أنَّ التجديد في المناهج يعني التحرُّر من المنهج الأحادي، والانفتاح على مناهج متعدِّدة في البحث الكلامي، تشمل المناهج الهرمنيوطيقية [علم تفسير النصوص]، والسيميائية [علم الدلالة]، والتجريبية، والبرهانية، مضافاً إلى ظواهر النصوص، والحقائق التاريخية (1) .

بينما يعني التحوُّل في الموضوع، الخروج من الاهتمام بقضايا وجود الباري وصفاته، والنبوة العامة والخاصة، والمعاد، إلى نطاقٍ واسعٍ يستوعب كافَّة القضايا الموجودة في النصوص المقدَّسة، سواء منها الناظرة إلى الواقع أم الناظرة إلى الأخلاق والقيم (2) .

أمَّا التجديد في اللغة، فيتحقَّق بالانتقال من لغة المتكلِّمين القديمة، ومعمياتها وألغازها، إلى لغة حديثة تُعبِّر بيسر وسهولة عن المداليل، ويفهمها المخاطب من دون عناء؛ لأنَّها لغة معاملاته وحياته اليومية.

____________________

(1) المصدر نفسه، ص 17 - 22.

(2) مصطفى ملكيان، دفاع عقلائى از دين (الدفاع العقلائي عن الدين)، مجلَّة نقد ونظر، ع 2 (ربيع 1374.ش)، ص 36.


وبموازاة ذلك لابدّ من التجديد في المباني، فالمتكلِّم اهتمّ سابقاً بترسيم مبانٍ خاصة في المعرفة، تستند إلى المنطق الأرسطي، وشيء من ميراث الفلسفة اليونانية، وجعلها ممهِّدة للمباحث الكلامية، بينما انهارت بعض تلك المباني حين افتتحت الفلسفة الأوروبية الحديثة ثغرات اخترقت جدار الواقعية الأرسطية، وتزايد الحديث عن واقعيَّات معقَّدة، كالواقعية التخمينية، وتعرُّض المفهوم التقليدي للعقل إلى عاصفة نقدية، استهلَّها الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانط"، واكتست من بعده صياغات متنوِّعة، مستنِدة في ذلك إلى معطيات فلسفة العلم والفيزياء الجديدة. ذلك كله يدعو إلى استئناف النظر في المباني الماضية لعلم الكلام؛ لأنَّ التجديد في المسائل، والموضوع، والهدف، والمناهج، واللغة، يتطلّب تجديداً في المباني.

فإذا طال التجديد جميع الأبعاد السابقة، فإنَّ الهندسة المعرفية لعلم الكلام ستشهد تحديثاً؛ لأنَّ أبعاد كل علم تشكَّل نسيجاً متكاملاً فيما بينها، ويُوحِّدها التأثير المتبادل؛ أي أنَّ أيَّ تحوُّل في أحدها يستتبعه تحوُّل في سائر الأبعاد، وهذا يعني تخلخل المنظومة السابقة للعلم، وحدوث منظومة بديلة، يأخذ فيها كلُّ بُعدٍ من أبعاد العلم موقعه الملائم، ويُعاد نظم المسائل في إطار يتَّسق مع التحوُّلات الجديدة في: المسائل، والغايات، والموضوع، والمناهج واللغة، والمباني، ومعنى ذلك تجديد الهندسة المعرفية لعلم الكلام (1) .

____________________

(1) د. أحد فرامرز قراملكي، تحليل مفهوم التجدُّد في الكلام الجديد، مصدر سابق، ص 22 - 23.


الديني في الإسلام"، وتمتدُّ هذه الفترة التي اشتهر فيها كتاب "الظاهرة القرآنية" لمالك بن نبي ، الذي صدر للمرة الأولى باللغة الفرنسية في باريس سنة 1946م، ودرس مالك فيه التجربة الدينية، وظاهرة الوحي، والمعجزة، دراسة مبتكرة معمَّقة، وكتاب "الدين: بحوث ممهِّدة لدراسة تاريخ الأديان" لمحمد عبد الله درَّاز، الذي كتبه سنة 1952م، وعالج فيه معالجة تحليلية دقيقة الفكرة الدينية من الوجهتين الموضوعية والنفسية، والعلاقة بين الدين والأخلاق والفلسفة وسائر العلوم، ونزعة التديُّن وأصالتها في الفطرة، ونشأة العقيدة الدينية. وبعبارة أخرى، تناول الكثير من مباحث ما يُعرف بفلسفة الدين بأسلوب منهجي تحليلي.

ومن الكتب التي اشتهرت في هذه الفترة كتاب "أصول الفلسفة والمنهج الواقعي" للعلاَّمة محمد حسين الطباطبائي والتعليقات عليه لتلميذه الشيخ مرتضى المُطَهَّري، فقد صدر الجزء الأول سنة 1953م. وهذا الكتاب، وإن كان كتاباً فلسفياً، انصبَّ البحث فيه على بيان مسألة المعرفة والإدراك، وتفسير حقيقة المعرفة البشرية، ومصادرها، وحدودها. لكنَّه جاء ليقرِّر جملة من القواعد والمرتكزات الأساسية في الفلسفة الإسلامية، وينطلق منها لمحاكمة الاتجاه التجريبي في الفلسفة الأوربية، والفلسفة المادية، والمادية الديالكتيكية منها بالذات، التي وفدت إلى العالم الإسلامي ساعتئذٍ.

وفي سنة 1959م صدر كتاب "فلسفتنا" للمفكِّر الشهيد محمد باقر الصدر ، وهذا الكتاب كسابقه "أصول الفلسفة" يمثِّل محاولة جادة للتأسيس


الفلسفي لعلم الكلام، فإنَّه يعالج قضية المعرفة أولاً، ثُمَّ ينطلق منها لتحديد الرؤية الكونية للإسلام.

وقد شهدت هذه الفترة انتقال علم الكلام من طور الإحياء إلى طور التجديد؛ فالإحياء كما مرَّ آنفاً يعني البعث والإيقاظ والإثارة، فيما يعني التجديد إعادة بناء علم الكلام وتطويره؛ أي تكييفه لطور جديد من أطوار التاريخ، يستجيب فيه لمتطلَّبات الحياة المتجدِّدة (1) .

3ـ التأسيس المنهجي لعلم الكلام:

تبدأ الفترة الثالثة من تطوُّر علم الكلام الجديد بصدور كتاب "الأسس المنطقية للاستقراء" سنة 1971م، وتستمر حتى اليوم. و السمة المميِّزة لهذه الفترة من عمر التفكير الكلامي، هي حدوث منعطف منهجي في مسار حركة علم الكلام .

فللمرَّة الأولى يتحرَّر التفكير الإسلامي من قوالب المنطق الأرسطي، ويستند إلى منهج الاستقراء القائم على حساب الاحتمالات، بعد أن اكتشف الشهيد الصدر مذهباً جديداً في تفسير نمو المعرفة وتوالدها، غير ما كان معروفاً في المذهبين التجريبي والعقلي، وأسماه "المذهب الذاتي للمعرفة"، وقد

____________________

(1) المصدر نفسه، ص 20.


توكَّأ عليه في تدوين "موجز في أصول الدين" الذي جعله مدخلاً لرسالته العملية "الفتاوى الواضحة" (1) .

كما حصل انفتاح في مرحلة لاحقة على مناهج متنوِّعة في البحث الكلامي، فاستعان بعض الباحثين بفلسفة العلم المعاصر في أوروبا، وعمل على توظيف معطياتها في تحليل المعرفة الدينية، وتأكيد تاريخية هذه المعرفة (2) ، فيما استعان آخرون بالهرمنيوطيقيا "تفسير النصوص"، والسيمياء "علم الدلالة" في تفسير النصوص وتأويل مدلولاتها (3) . واستعار فريق ثالث مناهج ومعطيات متنوِّعة من العلوم الإنسانية الغربية، والإلهيات المسيحية ودشَّنها بمجموعها في تفسير النصوص، وتحليل التجربة الإيمانية، والمعرفة الدينية، حتى قاد ذلك إلى ما يشبه الفوضى المنهجية التي أفضت إلى نتائج متناقضة في تقرير أيَّة قضية.

____________________

(1) الصدر، موجز في أصول الدين، مصدر سابق، 45 - 47.

(2) عبد الكريم سروش، قبض وبسط تئوريك شريعت، طهران، صراط، 1372ش.

(3) محمد مجتهد شبستري، هرمنوتيك كتاب وسنت (هرمنيوطيقا الكتاب والسنة)، طرح نو، 1375ش.


علم الكلام الجديد

قراءة أوَّليَّة

حيدر حب الله *

لعب علم الكلام دوراً رئيساً في المنظومة المعرفيَّة لأيِّ دينٍ، كما أنَّه يحتل مركزاً حسَّاساً فيها، ومن الطبيعي - وفقاً لهذه الموقعيَّة التي يتميَّز بها - أن يمثِّل التنامي أو التغييرات، أو التعديلات الطارئة على هذا العلم، تغيُّراً بنيوياً بالنسبة لكافَّة خطوط الخارطة المعرفية الأخرى.

ومن هنا، قد يكون هناك مجال للتحفُّظ إزاء عمليَّات إعادة النظر أو البناء التي تمارس في نطاق المسائل الفقهية والقانونية، أو المسائل الأخلاقية والتربوية...؛ وذلك بمعزل عن ملاحظة التعديلات التي طرأت وتطرأ، أو التي لابد أن تطرأ على علم الكلام؛ لأنَّ هذا العلم يشتمل على جملة من المبادئ التصديقية للمعارف الأخرى، فلابد أن تكون الانطلاقة من القاعدة وصولاً حتى رأس الهرم، دون العكس؛ إذ هذا ما تقتضيه طبيعة العلاقة بين هذه العلوم والمعارف، وهذا ما يفرض وضع التنمية الشاملة لعلم الكلام في موقعها الصحيح في سلَّم

____________________

* رئيس تحرير مجلَّة المنهاج.

(1) راجع: د. حسن جار، مجلَّة "المنطلق"، ع 119، ص 5.


الأولويات الفكرية والثقافية؛ لأنَّ قضية إعادة ترتيب الأولويات بما يناسب الظروف الثقافية الراهنة، وعدم التقيُّد بالترتيب السابق لهذه الأولويات الذي اقتضته ظروفٌ سابقةٌ مختلفةٌ، تُعدُّ واحدةً من أهمِّ ما ينبغي تحديده للتوصُّل إلى نموٍّ صحيحٍ بدلاً من التورُّط بحالات تورُّم.

ومن هنا نلاحظ أنَّ الظروف - كما تُؤكِّد ذلك أعداد المصنَّفات وأعداد المتكلِّمين والفقهاء - التي فرضت شيئاً من تهميش الكلام لصالح الفقه والأصول منذ القرن التاسع الهجري، والتي ربَّما فرضتها الأوضاع السياسية التي رافقت أو أعقبت ظهور الدولة الصفويّة، وفتحت ميدان السياسة والاجتماع أمام الفقهاء، ما اضطرهم لإثبات حضورٍ قانوني فاعلٍ ساهم - في ظلِّ تسارع وتائر الظروف السياسية وغيرها - في إعطاء أولويةٍ للعقل، شكَّل لدى البعض انحساراً لدور النص، دفعه لثورةٍ على هذا الواقع دفاعاً عن التراث من الضياع، فتعزَّزت بذلك صراعاتٌ واسعةٌ تمركزت في السياق الأصولي والفقهي الأخباري والاجتهادي على حساب المجال الكلامي ونحوه.

هذه الظروف قد تغيَّرت - كما سنلاحظ - وصارت تستدعي اهتماماً مناسباً أكثر - وليس من الضروري أن يكون أكبر نسبياً - بالمسائل الكلامية.

وفي هذا السياق، يأتي مشروع علم الكلام الجديد، والذي جرى ويجري التركيز عليه في المحافل الفكرية والدينية المعاصرة، ولا سيما في العقد الميلادي الأخير؛ إذ يحاول هذا المشروع أن يضع حدَّاً لحالات الركود التي سيطرت على الدراسات الكلامية في القرون الأخيرة، ويعيد بعث النتاج الكلامي من


جديد، ضمن آليات عمل متناغمة مع تطوُّرات المعرفة الإنسانية، وخصوصاً تلك الحاصلة بفعل تأثيرات العاصفة الغربية التي ضربت العالم من أقصاه إلى أقصاه؛ وذلك بهدف تحقيق التنمية الفكرية لهذا العلم ووضعه في سياقه المناسب له فعلاً.

آفاق التجديد في علم الكلام:

هناك رؤيةٌ (1) تُؤمن بأنَّ التجديد في علم الكلام، هو بتحويل الجهد الكلامي إلى مؤسَّسة، أو مأسسة علم الكلام؛ وذلك من خلال الاهتمام بمجموعة أمورٍ، من قبيل تشكيل مؤسَّساتٍ ولجانٍ لتصحيح التراث الكلامي وإخراجه من المكتبات القديمة وعالم المخطوطات، وتحقيق هذه الكتب وطباعتها طباعةً عصريةً. وكذلك إقامة المؤتمرات الدورية، والملتقيات، والمنتديات التي تُعنى بالفكر الكلامي، وتأسيس مكتباتٍ كلاميَّةٍ متخصِّصةٍ تتوفَّر فيها جميع المصادر والمراجع الكلامية القديمة والحديثة. وكذلك تأسيس بنوكِ معلوماتيةٍ كلاميَّةٍ تُؤمِّن للباحثين المادة الكلامية، وتحويل علم الكلام إلى عالم الانترنت والكمبيوتر ونحوها. وبالإضافة إلى كلّ ذلك الاهتمام بالإصدارات الكلامية المتخصِّصة من مجلاَّتٍ ونشريَّاتٍ ودوريَّات. وكذلك تهيئة معاجم مفهرَسة، ومعاجم مصطلحات، ودائرة معارف وموسوعة.

كما تجدر الإشارة هنا إلى دور مراكز الترجمة التي تنقل الفكر الآخر، كما تُعرِّف

____________________

(1) أكبر قنبري، مجلَّة "نقد ونظر"، ع 9، ص 2 - 9.


الآخر بالفكر الكلامي الإسلامي و... وهكذا - ولا سيَّما على المستوى الحوزوي - من الضروري تأسيس مراكز تعليمية تتَّخذ الكلام مادةً أساسيةً، وتُلحَق بها ما صار يلاصقها من علومٍ ومعارف أخرى، كعلم المعرفة والنفس، والهرمنيوطيقا، والاجتماع، والألسنية، وتاريخ العلوم، والأسطورة و... وغير ذلك من المشاريع والبرامج الكثيرة.

هذه الرؤية موجودة لدى الكثيرين اليوم، سواءٌ صرَّحوا بذلك في كتاباتٍ أو لا، فهي رؤيةٌ يعيشها الكثير من الذين يحملون الهمَّ الفكري على الصعيد الديني عموماً.

ومع القبول الكامل لهذا المشروع الكبير، والذي تُوجد اليوم نشاطاتٌ موفَّقةٌ إلى حد كبيرٍ تتحرَّك في إطاره، إلاّ أنَّ الذي ينبغي ملاحظته هو أنَّ التجدُّد والتغيُّر الذي حصل يستدعي إصلاحاتٍ كبيرةٍ وعميقةٍ في العقل الكلامي نفسه. فالملاحظ أنَّ التجدُّد الذي حصل كان على أكثر من مستوى، وعلى أكثر من صعيد، ممَّا يمكن إيجازه هنا:

1ـ تجدُّد المسائل: إنَّ قسماً كبيراً من مسائل علم الكلام لم يعد له اليوم وجودٌ، بمعنى أنَّه لم يعد يشكِّل القضية التي تشغل اهتمام الباحثين والمفكِّرين، بل إنَّ بعض الأفكار والأدلة والرؤى صار بطلانها اليوم غير محتاجٍ إلى توجيهٍ وتفسيرٍ؛ نظراً إلى انهيار كل الأعمدة التي انبنت عليها تلك الأفكار عبر الزمن، حتى أنَّ مذاهب ومدارس كلامية بأكملها صار حالها كذلك، وهذا أمر طبيعي ومترقب.

وفي مقابل كل ذلك، ظهرت أفكارٌ جديدةٌ ومذاهب


كلامية جديدة، قد يصح لنا أن نقول إنَّها أكثر بكثير ممَّا ذهب وتنحَّى عن حلبة الصراع. وهذه الاتجاهات لم تَستخدم نفس آليات البحث التي كان يتم الاعتماد عليها سابقاً، بل استقت لنفسها أنماط تفكيرٍ أخرى، وهذا تحوُّلٌ جذري وأساسي في مساحات العمل وأفق التفكير الطارئة على علم الكلام.

2ـ تجدُّد المبادئ: بمعنى أنَّ كثيراً من دراسات علم المعرفة والوجود، وكذلك العلوم الإنسانية والطبيعية، والأبحاث الرياضية، قد تبدَّلت وتغيَّرت من أساسها. ومن هنا، فإنَّ بقعةً كبيرةً من اهتمامات وأدلّة ونقاشات المتكلّمين صارت بلا معنى في ظلِّ التحولات العلمية العظيمة، وهذا نحو مهم من أنحاء التجدُّد الحاصل.

3ـ تجدُّد المنهج: وهو أهمُّ أنواع التجدُّد، فقد كان المنهج المتَّبع سابقاً في علم الكلام - وسنشير إلى ذلك لاحقاً - هو المنهج الجدلي القائم على القضايا المسلَّمة والمشهورة لدى الطرفين، ثُمَّ حصل تطوُّرٌ في زمن "نصير الدين الطوسي"، و "فخر الدين الرازي" تمَّ على إثره حصول التزاوج بين الفلسفة والكلام بعد قرونٍ من التخاصم. أمَّا اليوم، ففضلاً عن أنَّ الفلسفة نفسها قد خضعت لتحوُّلاتٍ بنيويةٍ - مع الأخذ بعين الاعتبار التحوُّلات العالمية لها - فإنَّ العلوم الأخرى قد تعرَّضت هي الأخرى، أيضاً، لانقلاباتٍ منهجيَّةٍ، بل صار المنهج نفسه عرضةً للنقد والتحليل كذلك، وهذا كلُّه يستدعي موقفاً عملياً من الكلام المعاصر تجاهه. فالمسألة هي مسألة العقل الكلامي بالدرجة الأولى، والتحوُّلات الموجودة تستدعي تطوير هذا العقل بصورةٍ أساسيَّةٍ.


4ـ التجدُّد في الهندسة المعرفية (1) : فالتغييرات التي تعرَّضت العلوم لها، لم تكن محصورةً في نطاق المسائل والمنهج والمبادئ، بل تعدَّتها لتشمل مجموع هذه الأمور، أي وصل التحوُّل إلى مرحلةٍ أشبه بالكلّية والشاملة، فصارت بنية العلم هي المتحوِّلة والمعدَّلة، وهذا أيضاً واقعٌ يُطالِب علم الكلام بتقديم أجوبةٍ عمليَّةٍ لنفسه عليه.

ومن هنا - وبملاحظة ما سيأتي أيضاً - فإنَّ التجديد في علم الكلام أو علم الكلام الجديد، هو من العمق والسعة بمكانٍ؛ بحيث لا يفي به مجرَّد بناء المؤسَّسات بالشكل المتقدَّم، وإن كانت لازمةً له.

إنَّ التعديلات المنصبَّة على العقل المتحكِّم في علمٍ ما، هي من أهمِّ التعديلات الجوهرية فيه؛ لأنَّ كافَّة التعديلات الأخرى إنَّما تُمثِّل تطويرات جانبية إذا ما قيست برتبة العقل العلمي نفسه، والتعديل المتوجِّه إلى العقل العلمي يمكنه - بدرجةٍ أكبر - أن يمنح المفكِّر نمط معالجةٍ مختلفاً، وأسلوباً تحليلياً آخر، وخطَّاً منهجياً جديداً، وأفقاً أكثر سعةً ورحابةً. والأفق والمنهج والمدى أمورٌ لا تتعلَّق بالكمِّ المعرفي بقدر ما تتعلَّق بالمستوى العلمي نفسه.

عرض موجز لتاريخ علم الكلام الجديد:

تعود بذور التفكير الكلامي الجديد على الساحة الإسلامية إلى القرن التاسع عشر الميلادي؛ أي إلى زمن شروع التحديِّات الفكرية والثقافية الغربية

____________________

(1) علي الحاج حسن، راجع مجلَّة "پيام صادق"، ع4، 1997م، ص 4.


التي رافقت الاستعمار الغربي الفرنسي والبريطاني للعالم الإسلامي. وقد كان للمستشرقين دورٌ فاعلٌ في تكوين هذا الجوّ العام؛ نتيجة الانتقادات الحادّة التي وجَّهوها إلى كافَّة مرافق الفكر الإسلامي، لا سيَّما السُّـنَّة النبوية الشريفة.

وقد انبرى جيلٌ من العلماء في تلك الفترة لمواجهة هذا الواقع الفكري المرفوض في الوسط الديني، وكان أبرز هؤلاء السيد "جمال الدين الأفغاني" في ردِّه على الدهريين.

وجاء بعد ذلك جيلٌ آخر تمثَّل بالشيخ " محمد عبده "، والشيخ محمد رشيد رضا، وغيرهم، فسجَّلوا أبحاثاً هامة على هذا الصعيد، إلى أنَّ وصل الأمر إلى أمثال العلاَّمة "الطباطبائي"، وتلميذه الشهيد "مرتضى مطهري"، إلى الدكتور "علي شريعتي"، و "سيِّد قطب"، والسيد "محمد باقر الصدر"، و "مالك بن نبي"، وغيرهم، فأغنوا علم الكلام بالكثير من الدراسات والأبحاث القيِّمة، مع عشراتٍ من العلماء الآخرين في شتّى أنحاء العالم الإسلامي.

وقد أدَّى انتصار الثورة الإسلامية في إيران - كما يُشير بعض الباحثين (1) - إلى تشكُّل واقعٍ ضاغطٍ على علم الكلام؛ فأثيرت، وبصورةٍ مكثَّفةٍ، العديد من التساؤلات الكلامية على أكثر من صعيد، وقد دفع هذا الأمر إلى تعاظم حجم المسؤوليات المُلقاة على كاهل هذا العلم، فانبرت جماعةٌ من العلماء لسدِّ الثغرة الحاصلة، وأثَّر ذلك في حدوث تطوُّرات متسارعة على هذا الصعيد.

____________________

(1) أحمد قراملكي، مجلَّة "قضايا إسلامية معاصرة"، ع 14، 2001م.


لقد أدَّى انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وما تلاه من حركةٍ إسلاميةٍ عالميّةٍ في شتّى البلدان، إلى تحوُّل المشكلات الكلامية من طابع الإجابة على أسئلةٍ واستفهاماتٍ وملاحظاتٍ أثارتها ظاهرة الاستشراق، أو الظاهرة العلمانية والقومية المتعاظمة، أو التيار الماركسي... إلى تقديم صياغاتٍ متكاملةٍ لمشاريع فكرية كبرى صارت تمثِّل تحدّيات. فلم تعد القضية بحيث إنَّنا نجيب على تساؤلٍ وإشكاليّةٍ واردةٍ، وإنَّما صارت هناك مسؤوليةٌ جدِّيةٌ لتقديم مكوَّنٍ متكاملٍ في موضوعةٍ ما. فالظاهرة الدينية ككل، صارت بحاجةٍ إلى تفسيرٍ فلسفي متكاملٍ وشاملٍ، وموضوعة المرأة مثلاً، ليست كامنةً في إشكاليّة الحجاب أو الستر... وإنَّما في عرض نظريةٍ متكاملةٍ متناغمةٍ متناسقةٍ حول هذا العنصر البشري.

هذا التحدي ضغط بثقله على النشاط الكلامي عقيب المد الإسلامي، ولا سيَّما بعد حرب الخليج الثانية، التي أعادت رسم الخرائط في المنطقة الإسلامية، والتي لا ينعزل علم الكلام عنها وعن أحداثها، فحال علم الكلام الجديد ما قبل الثمانينيات وما بعدها كحال علم الكلام القديم قبل الطوسي والغزالي والفخر الرازي و... وبعدهم، أو كحال علم الحديث قبل الموسوعات الكبرى كالكافي وصحيح البخاري و... وبعد هذه الموسوعات.


وظائف الكلام الجديد:

إنَّ الوظائف الرئيسة التي يمارسها علم الكلام، تتمثَّل - وفق ملاحظات جملة من الباحثين (1) - في أمور ثلاثة:

أـ محاولة شرح وتبيين المفاهيم الاعتقادية بالصورة المناسبة، القادرة على احتواء واستيعاب المضمون إلى أبعد الحدود، ونقله بأمانةٍ ودقَّةٍ. وبالتالي تحجيم وتقليص الأخطاء والاشتباهات، التي يمكن أن يسبِّبها سوء أو قصور الخطاب والعرض الكلامي. ويأتي هنا دور تحديد المصطلح السليم الذي يبعد عن حدوث التداخلات والاختلاطات؛ بحيث يعكس بوضوحٍ ما يُريد أن يحكي عنه بأقلّ قدر ممكن من الانفلاش والتضيُّق.

ب - محاولة إثبات المفاهيم الاعتقادية وإقامة الأدلة والبراهين عليها ، من خلال توظيف مختلف أنواع الإثبات المنطقية والمعتبرة؛ قياساً واستقراءاً و.. على المستوى العقلي، أو النصّي، أو التاريخي، أو التجريبي، أو غير ذلك.

ج - محاولة ردِّ ودفع الإشكالات والشبهات الموجَّهة إلى المعتقدات الدينية والمذهبية .

____________________

(1) أشار إليها الدكتور عبد الكريم سروش في "قبض وبسط تؤريك شريعت"، ص 65 - 66، وأيضاً الشيخ مجتبى المحمودي، مجلَّة "الفكر الإسلامي"، ع 16، ص 208، وعلي أوجبي، "كلام جديد در ذر انديشه ها"، ص 42 - 43، ومحمد مجتهد الشبستري، "مدخل إلى علم الكلام الجديد" كتاب قضايا إسلامية معاصرة، ص 27 - 30، ترجمة: علاء زيد، وأبو القاسم فنائي، "درآمدي بر فلسفة دين وكلام جديد"، ص 97 - 99، وغيرهم.


ويعتقد هؤلاء الباحثين أنَّه لو قبلنا بعلم الكلام الجديد أو رفضناه، فإنَّ الوظائف المتوجِّبة على علم الكلام اليوم، هي نفسها الوظائف التقليدية الثلاث المتقدِّمة.

إنَّ هذا التوصيف أو تلك التوصية كأنَّها تفترض مسبَّقاً انتهاء علم الكلام من البناء الاعتقادي، ومن ثُمَّ يقوم هو، أو يجب أن يقوم، بتبيينه، أو إقامة الدليل عليه، أو الدفاع عنه، بردِّ الانتقادات الموجَّهة إليه، وهذا يستدعي أن يكون ثبوت المعتقد الديني أو المذهبي، لدى العقل الكلامي، أمراً مفروغاً عنه، ويُراد لعلم الكلام أن يعرضه أو يُبرهن عليه للآخر. وهذا يتطلَّب - معرفياً - أن نكون قد هيَّأنا ما يجهِّز لعلم الكلام هذه المعتقدات، ليقوم بدور خدمتها؛ إذ إنَّ المتكلِّم إذا خرج بنتيجةٍ تعارض المعتقد المذهبي مثلاً، فإنَّه سيخرج عن دائرة الكلام؛ أي عن دائرة الأنا، إلى دائرة الآخر، وبالتالي سيتم اعتباره خارجاً عن حريم علم الكلام؛ لأنَّ هذا العلم قد افترض فيه شيءٌ من الالتزام والتعهُّد، وهذا خللٌ منهجي علمياً؛ لأنَّ أهمَّ خصيصةٍ من خصائص العلمية اليوم هي خصيصة الموضوعية، وإقصاء الإسقاطات الذاتية والفئوية على الموضوع مادة البحث، فما لم يكن هناك علمٌ سابقٌ على علم الكلام، قادرٌ على تأمين المبادئ التصديقيّة له، بما في ذلك المعتقد نفسه الذي يدافع عنه علم الكلام - وفرض علمٍ كهذا لا يخلو من مشكلات - فإنَّ الكلام سوف يفقد المصداقية المعرفية التي يُراد له أن يتمتَّع بها، لا بمعنى إقحام الدوافع الذاتية للباحث في حكمنا على بحثه، بما لا نجد مبرِّراً صحيحاً له، بل بمعنى أنَّ البنية


الداخلية للعلم نفسه، إذا أُريد له أن يكون ديناميكياً، تتطلَّب عدم افتراض قبليَّات لم يجرَ تأمينها من قبل. وبالتالي، فنحن بحاجةٍ إلى كلام ديني ليس غرضه - من ناحية علمية صرفة، لا دينية - الدفاع عن الدين، بل غرضه البحث حول الدين.

وهذا التعديل في وظيفة علم الكلام يمكنه أن يُؤمِّن له:

أ - ديناميكية فعَّالة ناتجة عن إفساح المجال للتعدُّدية الفكرية في النطاق الكلامي ، وبالتالي إفساح المجال لتقبُّل أي تطوير جوهري؛ لأنَّ تكثير الخطوط الحمراء من الناحية العلمية يضرُّ بتقدُّم العلم تقدُّماً ملحوظاً.

ب - توسيع نطاق الأنا العلمي ؛ الأمر الذي يفعِّل من النقد الذاتي البنَّاء؛ لأنَّ الباحث لم يعد بحاجةٍ إلى تقمُّص شخصيةٍ أخرى عندما يريد نقد الكلام الإسلامي، أو اليهودي، أو غيره. أمَّا علم الكلام بشكله الحالي، فإنَّه يُضيِّق من مساحة النقد الذاتي، إذ يَفترض أنَّ قسماً كبيراً من عمليات النقد هي عمليات خارجية (أي من الخارج)، لا داخلية؛ لأنَّها تنقد الدين أو المذهب، وهذا قد يفقد علم الكلام في تركيبته الداخلية فرصاً للنقد الذاتي، والتنقُّل بين الأفكار بحريةٍ أكبر نتيجةً لذلك، الأمر الذي صار ضرورةً لنمو أيِّ علمٍ.

المثال التقريبي الذي يمكن توظيفه هنا لتأكيد هذه الفكرة، هو المسائل الجزئية الكلامية التي وقع اختلافٌ كبيرٌ بين المتكلِّمين فيها؛ فمثلاً مسألة البدن الذي يرافق الإنسان في عالم البرزخ، هل هو بدنٌ جسماني أو مثالي؟ في علم الكلام الشيعي لا يشعر المتكلِّمون بأنَّ الذي يرفض مقولتهم في هذه


المسألة خارجٌ عن علم الكلام الشيعي، بل يرونه متكلِّماً شيعياً؛ أي هو متخصّص في علم الكلام الشيعي. أمَّا إذا دخلت المسألة حيز المسائل الجوهريّة والأساسيّة، كمسألة الإمامية بعد الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، فإنَّ النتائج التي يخرج بها المتكلِّم، تجعله مصنَّفاً على جهةٍ دون أخرى؛ وبالتالي فهو خارجٌ عن إطار الكلام الشيعي؛ لأنَّ تشيُّع المتكلِّم كأنَّه جزءٌ دخيلٌ في قبوله كمتكلِّم شيعي؛ أي كأحد علماء علم الكلام الشيعي. أمَّا في الطب، فالقضية ليست كذلك؛ فإيمان الطبيب بأيِّ فكرةٍ، لا يصنِّفه إلا في حدود كونه مؤمناً بهذا الاتجاه الفكري لا أكثر.

ومن هنا، فإذا أُريد لعلم الكلام الجديد أن يتجاوز عقبة الإسقاطات والتطويع التي ابتليت بها المذاهب والمدارس الكلامية، عليه أن يُجري تعديلاً أساسياً - في ما أظن - في التوظيفات التي يُراد استخدام علم الكلام فيها، عِبر تحويله من علمٍ ملتزِمٍ مدافِعٍ إلى علمٍ باحثٍ محقِّقٍ. من دون أن يُلزمنا ذلك رفعَ اليد عن دينٍ أو مذهبٍ ما، فالحديث هنا يدور حول نمو علمٍ، لا خدمة دينٍ ، وإنْ كان نموَّ هذا العلم على المدى البعيد يصبُّ في خدمة الدين لا محالة.

إنَّ الواقع التاريخي لعلم الكلام يُدلِّل بوضوح على أنَّ هذا العلم قد اكتسب صبغةً ذرائعية، واتخذ لنفسه موقعيةً دفاعيةً، وليس معنى ذلك أنَّ القضايا الكلامية هي بحدِّ ذاتها قضايا ذرائعية غير قابلة للمحاكمة، بمعزلٍ عن هذه النزعة وهذه الهادفية، فإنَّ القضايا الكلامية، كغيرها من القضايا، ذات


طابع علمي، إنَّما المسألة هي في المسير الذي اتخَّذه المتكلِّمون عبر التاريخ، والذين لا يمكننا فصلهم تاريخياً عن القضايا والمعادلات الكلامية. وهذا يعني أنَّ القول بأنَّ علم الكلام لم يكن علماً دفاعياً ملتزِماً، هو قول يحاول - في قراءةٍ تاريخيةٍ واحدةٍ - أن يفصل بين القضايا المنتَجة وبين وسائل الإنتاج التي تتمثَّل في المتكلِّمين أنفسهم. إنَّ هذا الفصل هو مفارقةٌ منهجيةٌ؛ فنحن نتكلَّم عن علم الكلام كظاهرةٍ تاريخيةٍ، وليس عن القضايا الكلامية مجرَّدةً عن أيِّ ملابسات.

نعم، يمكن تجريد هذه القضايا عن هذا الطابع، وهذا يعني أنَّ الدراسات الكلامية ليست لصيقةً بالمنهج الذرائعي الملتزِم، وبالتالي، فلا يعني الخروج من هذا الإطار الهادفي - الذي التصق تاريخياً، لا واقعياً وعلمياً بعلم الكلام - واستبداله بإطارٍ آخر - من دون أن يُؤدِّي ذلك إلى نوعٍ من إفراغ هذا العلم من محتواه، أو إجراء تبديل جوهري فيه - تشويهاً لهذا العلم.

لقد كان يُرجى بعد عملية فلسفة الكلام - أي جعله فلسفياً - التي حصلتْ على يد نصير الدين الطوسي، أن يحدث هذا الأمر، ولعل بعض آثار هذا الحدث قد تجلَّت في علم الكلام، وهو أمر يحتاج إلى دراسة؛ فهل كان هذا الاندماج لصالح الكلام وكيف؟

لكن من المؤكَّد أنَّ علم الكلام لم يستطع أن يتحلَّى بالاستقلاليّة العلمية التامة، بل كان - كعلم الفلسفة - يعيش


قلق التوافق مع النص، ومن هنا تُوجَّه الدعوة إلى إنشاء الكلام الفلسفي (1) بُغية تحقيق فرص نمو أكبر لهذا العلم.

ونقصد بـ "الفلسفي" في هذه التسمية: صيرورة المنهج الكلامي فلسفياً ، يستهدف الحقيقية، من دون أن يصادرها - في إطار أو غيره - بصورةٍ مسبَّقةٍ كما هو الحال في المنهج الكلامي المعروف تاريخياً، والذي يفترض الحقيقة في جانبٍ من الجوانب، ثُمَّ يتحرَّك على أساس الدفاع عنها.

إنَّ فلسفة علم الكلام بهذا المعنى، يمكنها أن تُعطي هذا العلم الإمكانية الداخلية لعمليات إعادة النظر المتواصلة، وبالتالي الحدّ من التجمُّد على أخطاء لا مجال لتجاوزها، كما تُوسِّع من التنوُّعات الفكرية والثقافية داخل منظومة هذا العلم؛ ما يمنحه مزيداً من الحيوية والإثمار.

الكلام الجديد بين الإثبات والنفي - إشكالية التسمية:

يبدو - وكما صرَّح بعض الباحثين المتتبِّعين - أنَّ تسمية "علم الكلام الجديد" هي تسمية إسلامية، ولم تعهدها الدراسات الكلامية الغربية، لا اليهودية ولا المسيحية (2) وقد جرى استخدام هذه التسمية للمرة الأولى من قبل الباحث الهندي "شبلي النعماني" (1274 - 1332هـ ق) في كتابه "علم الكلام

____________________

(1) يراجع بصدد هذا المصطلح مقدِّمة المترجم لكتاب "كلام فلسفي"، إبراهيم سلطاني وأحمد نراقي، ص 7.

(2) علي أوجبي، كلام جديد در گذر انديشها، ص 35، ومحمد اسفندياري، كتاب شناسى توضيحى كلام جديد، مجلَّة نقد ونظر، ع 2، ص214.


الجديد" (1) ، وإنْ كان يبدو منه أنَّ هذا الاستعمال كان موجوداً في تلك الفترة في بلاد مصر والشام وغيرها أيضاً. وقد طرح الشهيد "مرتضى مطهري" هذه التسمية كذلك، وترك طرحه لها أثراً في تكوُّن هذا المشروع؛ حيث تمَّ تداول هذا المصطلح في العقد الميلادي الأخير على نطاقٍ واسعٍ، ولا سيَّما في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ حيث تمَّ تشكيل مادة دراسية تحت هذا العنوان في جامعة طهران، وقامت بعض الدروس تحت العنوان نفسه، وكذلك بعض الملتقيات في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدَّسة.

كما استخدم الدكتور "حسن حنفي" أيضاً مصطلح علم أصول الدين الجديد في إطار مشروعه الشامل (2) ، واعتُبر مشروعه في هذا الكتاب ونحوه، علمَ كلامٍ جديد (3) .

وقد وقعت هذه التسمية موقعاً للجدل، فتحفَّظ عليها البعض من أمثال الشيخ "عبد الله الجوادي الآملي"؛ استناداً إلى عدم وجود مبرِّرات لها، مستوحين من التسمية ثنائيةَ القطيعة بين الجديد والقديم، فيما دافع آخرون عنها لاعتباراتٍ عدَّةٍ من أمثال "أحد فرامرز قراملكي"، و "محمد اسفندياري" .

هذا القلق، أو ذاك الإصرار، لا يُلغي أنَّ هذه التسمية صارت بمثابة الأمر الواقع؛ فالجميع بات يستخدمها اليوم مهما كان موقفه منها، وبالتالي، فإنَّ

____________________

(1) عبد الجبار الرفاعي، "الاتجاهات الجديدة في علم الكلام - مدخل تاريخي"، مجلَّة "التوحيد"، ع 96، ص 33، ومجلَّة "نقد ونظر"، مصدر سابق، 214، وغيرهم.

(2) راجع: "من العقيدة إلى الثورة"، ج 1، ص 47، ط 1998م.

(3) راجع: مجلَّة "النور"، ع 100، 1999م، ص 50.


هذا المصطلح، قد دخل بالفعل قاموس المعرفة الدينية وصار لابد من تحديد موقف حياله.

ولا يعني الخلاف في التسمية خلافاً في الكلمة واللُّغة، وإنَّما يقوم، أو يجب أن يقوم، على خلفية واقع هذا العلم، فهل هو شيءٌ آخر غير الكلام القديم يستدعي هذه الثنائية معه، أو أنَّه هو نفسه مع تراكم المسائل والأبحاث، ممَّا هو طبيعي في كلِّ علم؟

القضية هي أنَّه ووفقاً لمقولة أنَّ علم الكلام قد توقَّف نموُّه، وغطَّ في سباتٍ عميقٍ منذ القرن التاسع الهجري، ومع غض النظر عن المشروعات الإحيائية التي ظهرت منذ أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، نظراً لافتقاد الكثير منها اليوم للمواصفات المطلوبة، فإنَّ العقل الكلامي المعاصر سيتواجه مواجهةً حادّةً - وربما تصادمية أحياناً - مع الموروث الكلامي؛ نظراً للفجوة الكبيرة التي تسبَّب بها ركود هذا العلم. هذه الفاصلة أحدثت تغيُّراً في الهوية يبرِّر التسمية، والسعي لتأسيس علمٍ جديدٍ.

هذه الفجوة تفضي عادةً إلى تشوُّهاتٍ حادَّةٍ في النتاج الكلامي اليوم، وفقاً لِمَا تستدعيه عيوب فترة الانتقال كأمر قد يصح لنا أن نُعبِّر عنه بالمحتوم، ليس في علم الكلام فحسب، بل في مجمل العلوم الإنسانية.

وتمثِّل القطيعة مع الموروث الكلامي واحدةً من أبرز أشكال هذه النتوءات، فقد اتسمت الكثير من الأفكار والمشاريع الأخيرة في القرنين الأخيرين بطابع القطيعة هذه، ما أفضى إلى طفو وبروز الثنائية التقليدية التي


عرفها عالمنا الإسلامي، وهي ثنائية القديم والجديد، والتقليدي والحداثي، والثابت والمتحوِّل، كعنصرين منفصلين يصعب وضع الجسور بينهما ليشكل أحدهما الامتداد الطبيعي للآخر. والتحقيب المتقدِّم لعلم الكلام، يكشف عن حدوث فراغٍ في العقل الكلامي في نفس الفترة التي بدأت فيها عمليات ظهور ونفوذ الفكر الآخر إلى بنية العقل الإسلامي، بل والديني ككل، ما أحدث فجوة عميقة بين الموروث القديم المبتني على تداعيات فكرية خاصة، وبين النتاج الحديث المنبثق من عمليات تلاقح شديدة ذات طابع جوهري وبنيوي في تأثيراتها، وهذا ما عزَّز الثنائيةَ المذكورةَ في علم الكلام بالخصوص، ودَعَم فرص هذه القطيعة.

وأمام هذا الواقع يقف الكلام المعاصر عند مفترق طرق؛ فالنزوع الطبيعي نحو الموروث، وضرورة إلغاء القطيعة معه، وأهمية الشروع من حيث وقف الآخر، لا من حيث انطلق، وأمورٌ أخرى، تسوق علم الكلام نحو عملية إعادة بعث لتاريخه، ومن ثُمَّ إعادة إنتاج ذاته وفقاً لذلك. ولكن على خط آخر، فإنَّ من الضروري هنا تنحية الخطاب الموروث عندنا، والذي يتداول عملية التواصل مع الماضي، أحياناً، كخطابٍ تعبوي ثوروي أكثر منه كخطاب علمي. وكنتيجةٍ لهذا الإقصاء للخطاب التعبوي تبرز الحاجة هنا لدراسة الفرص الواقعية التي تُؤكِّد منطقية - لا عبثية - محاولة العودة للتراث كأساسٍ أولي لأيِّ تغيير، لا مجرد عنصر مساعد. وهل هناك ما يحل المشكلة في هذه


الخطوة؟ هل سنتقدَّم خطوة أو خطوات إلى الأمام نتيجةً لذلك، أم أنَّنا سنعيد اجترار الماضي بأسلوبٍ آخر كما حصل أحياناً في مجالات أخرى؟

وهكذا نجد أنَّ هناك ما يبرِّر التسمية إلى حدٍّ ما إذا استطعنا أن نحدِّد الجواب على السؤال المتقدم، فهل التغيير الحاصل في المبادئ، والمسائل، والمنهج، بل والهندسة المعرفية، سيسمح بإعطاء الأولويّة للكلام القديم في الاستمداد منه كمصدرٍ وحيدٍ وأساس؟

إنَّ واقع التغيًُّرات الشاملة التي حصلت، يمكن القول إنَّها شطرت الكلام القديم وتشطره من جهة، كما أنَّها تلغي ثمار كثيرٍ من أبحاثه من

جهةٍ أخرى. الدراسات السياسية، ودراسات علم الاجتماع، وعلم النفس اليوم، كم تُهمِّش من أبحاث أساسية في الكلام؟ ولا سيَّما في ما يرتبط بأنظمة الحكم وأنماط تشكُّلها. كما أفرغ علمُ الفقه والأخلاق الكلامَ من مساحاتٍ واسعةٍ من عمله، وعاد التداخل الذي فرضته الفلسفة في أبحاث من قبيل أبحاث الوجود، بمثابة المبادئ التي يستمدُّها علم الكلام من غيره، بدل أن يعالجها هو والفلسفة معاً، بل إنَّ العلوم الطبيعية الحالية قد سَلخت عن علم الكلام حيزاً مهماً كان يشغله، وأفرغت كثيراً من تصوُّراته من مضمونها، وهكذا.

فالحقيقة أنَّ ما يريد أن يسعى له الكلام الجديد، قد لا ينفعه فيه الكلام القديم إلا كعنصرٍ من عناصر الإمداد إلى جانب عناصر أخرى. فمن المعلوم أنَّ التجربة المسيحية في الصراع مع الماديين والاتجاهات الفكرية المعارضة، أو المتقاطعة مع الدين في الغرب أو غير الغرب، يمكنها أن تمدَّ الكلام الجديد


بالكثير من الثراء والمعلومات، وهي تجربةٌ تستحقُّ أن تُقرأ. ومع ذلك، فهذا لا يجعل الكلام الجديد في الإطار الإسلامي امتداداً له في الإطار المسيحي، وهكذا العكس.

بهذا السياق يتمُّ الميل لصالح الاحتفاظ بالمصطلح من دون أن نخسر الماضي كعنصرٍ مهم من عناصر المدِّ والاستقاء.

وفي قبال ذلك تقف وجهة النظر المعارضة لهذه التسمية لتؤكِّد عدم وجود المبرِّر لهذه الطفرة، ولتشدِّد على أنَّ ما طرأ، ويطرأ، لا يصل إلى درجة تأسيس علمٍ في قبال علم الكلام القديم.

وقد ذكرتْ ثلاثة وجوهٍ مقرِّبةٍ لنفي موضوعية هذه التسمية، وهي:

1 - إنَّ تمايز العلوم إنَّما يكون بالأغراض ، لا بالموضوعات ؛ لعدم وجود موضوعٍ لبعض العلوم، كعلم الكلام؛ و لا بالمنهج ؛ لاشتراك سلسلة علومٍ في منهجٍ واحدٍ أحياناً، كالمنهج التجريبي بالنسبة إلى كثير من العلوم الطبيعية؛ ووفقاً لذلك، سوف لن يكون هناك أيُّ مبرِّرٍ منطقي للشروع في علم جديد ما دامت الأغراض المترقَّبة من علم الكلام الجديد هي بعينها الأغراض المنتظرة من علم الكلام القديم؛ وهي تبيين وإثبات المعتقدات الدينية، والمذهبية، ومن ثُمَّ الدفاع عنها (1) .

____________________

(1) أحمد واعظي، مجلَّة "نقد ونظر"، ع 9، ص 93 - 94، نقلاً عن الشيخ صادق لاريجاني في مجلَّة "انديشه حوزه"، ع 5، 1996م.


لكن هذا الوجه يمكن أن يُلاحظ عليه - تبعاً لِمَا اقتُرِح آنفاً من التعديل الوظائفي لعلم الكلام - أنَّ الغرض من علم الكلام الجديد ليس متطابقاً مع الغرض من علم الكلام القديم، وهذا ما يبرِّر لنا ثنائية القديم والجديد هنا؛ لأنَّ الدفاع عن الدين أو المذهب كان السمة المميِّزة لهدف الكلام القديم، بَيْدَ أنَّ ما يطبع الكلام الجديد إنَّما هو خاصية البحث في المُعتقَد، لا الدفاع عنه، وهذا لا يمنع من أن يدافع كل مَن يصل إلى نتيجةٍ عن تلك النتيجة التي توصَّل إليها، فهذه هي سمة العلوم والمعارف كافَّة، من دون أن يُؤثِّر ذلك في تحويل تلك العلوم من علوم مستوعِبة لكافَّة التوجُّهات إلى علومٍ منحصرةٍ في توجُّهٍ ديني، أو مذهبي معينٍ. وأظنُّ أنَّ هذا الفارق الجوهري في الغرض، يكفي لرفع الحيثية المذكورة في هذا الوجه.

2 - إنَّ فرضية الكلام القديم والجديد ترجع في الحقيقة إلى وقوع التباسٍ بين "فلسفة الدين" و "علم الكلام أو الإلهيَّات" ؛ فعلم "فلسفة الدين" يمتاز بمنهجه الفلسفي في قراءة الدين، كما أنَّه يطلُّ على الظاهرة الدينية إطلالة محايدة؛ بمعنى أنَّ الفيلسوف الديني لا يفترض نفسه من أتباع دين معيَّن، ثُمَّ يتكفَّل ويتعهَّد بالدفاع عن هذا الدين، وإنَّما يقرأ كل الأديان بنظرةٍ واحدةٍ متجاهلاً خاصية الحقانية والبطلان فيها، وهذا ما لا نلاحظه أبداً في علم الكلام، وعليه، فإذا نجحنا في القيام بعملية فرزٍ لهذين العلمين، فإنَّنا لن نجد حينئذٍ


فارقاً وجيهاً بين الكلام القديم والجديد، لا في الموضوع، ولا في المنهج، بل ولا في الغاية (1) .

ونحن هنا لو صرفنا النظر عن الرأي القائل بأنَّ ما يتسمَّى في الغرب بفلسفة الدين هو نفسه مشروع الكلام الجديد، كما يراه "اسْفَنْدياري" ، فإنَّه - ووفقاً لِمَا ذكرناه من التعديل الوظيفي للكلام - لا يكون هذا الوجه صحيحاً؛ لأنَّ علم فلسفة الدين، كغيره من الفلسفات المضافة، يقرأ الدين قراءة خارجية؛ لا تستهدف التوصُّل إلى نتائج لصالح هذا الطرف أو ذاك، وهذا ما لا نراه أصلاً في علم الكلام الجديد، فهو يستهدف الوصول إلى الحقيقة الدينية والمذهبية المتوفِّرة، وهو بهذا يصبح جزءاً من العلوم الداخلية، لا الخارجية، وتبعاً لذلك سيبقى الفاصل المطروح بين الكلام القديم والجديد على حاله مبرِّراً لهذه الثنائية.

3 - نحن نفترض - وهو افتراضٌ صحيحٌ - أنَّ تغييراتٍ طرأت على علم الكلام، ليس في حدود المسائل والمفردات فحسب، وإنَّما حتى في دائرة الأسلوب والمنهج، لكن هذا كلّه لا يبرِّر استحداث علمٍ جديدٍ؛ وذلك يتَّضح من خلال مراقبتنا لعلمٍ كعلم الفقه، فالجميع يعرف كيف كان هذا العلم في القرون الأربعة الهجرية الأولى، وكيف هو اليوم، وكم طرأ عليه من تحوُّلاتٍ بنيوية في نطاق المنهج والأسلوب والمواضيع وغير ذلك، ولكن مع ذلك لم يسمح الفقهاء لأنفسهم بإبراز تقسيمٍ ثنائي على غرار التقسيم المقترح لعلم

____________________

(1) أبو القاسم فنائي، مصدر سابق، ص 74 - 78 - 89.


الكلام، وهكذا الحال في علم الكيمياء أو الرياضيات.... وهذا ما يدفعنا إلى إبراز إشكاليَّةٍ في هذا التقسيم، تتمحور حول الضابط الموضوعي لجدَّة علم الكلام؛ لأنَّه بدون هذا الضابط المحدَّد سوف يصحُّ لنا أن نفترض علوماً كلامية عديدة؛ إذ إنَّ كل حقبةٍ زمنيةٍ تشتمل لا محالة على تغييراتٍ في هذا العلم، تسمح لنا بالتالي بوصفه بالجديد (1) .

وأعتقد أنَّ هذا الوجه يُركِّز كثيراً على وصف الجِدَّة والحداثة المأخوذ في التسمية، في حين أنَّ المطلوب هو التركيز على الفارق بين العلمين مهما كانت التسمية، فعلم الفقه لم يتبدَّل فعلاً تبدُّلاً جوهرياً على مستوى الهندسة المعرفية، كما هو الحال في المقترح هنا، وعلوم الرياضيات أو غيرها تتعامل فعلاً بقطيعةٍ ما إزاء الرياضيات القديمة وهكذا.... وبعبارةٍ أخرى هناك فرقٌ بين أن يُمثِّل علمٌ ما امتداداً طبيعياً لعلمٍ سابقٍ منقرضٍ عملياً؛ بحيث يقوم على أنقاضه، وبين أن يكون تعبيراً عنه نفسه في مرحلةٍ زمنيةٍ متقدِّمةٍ، وما نريده هنا هو معرفة أنَّ أمثال علم الرياضيات الحديثة هل قام على أنقاض العلم القديم؛ بحيث إنَّ المعرفة الرياضية القديمة لم يعد لها حضورٌ في الرياضيات الحديثة أصلاً، لا على مستوى المنهج، ولا على مستوى الأسلوب، أو الخارطة المعرفية كلها، أم لا؟ سواءٌ أطلق الرياضيون على الرياضيات الحديثة تسميةً معاصرةً، أم لم يفعلوا ذلك. وهل أنَّ علم الفقه بتطوُّراته قد أحدث نوعاً من

____________________

(1) الشيخ عبد الله الجوادي الآملي، كلام جديد در گذر انديشه ها، ص 22 - 25.


الثنائية في المرحليتن الزمنيتين القديمة والجديدة؟ هذه هي محورية المسألة، وليس أنَّ كل تطوُّرٍ يُبرَّر التسمية الحديثة المنبثقة عن واقعٍ علمي جديدٍ، ولا أنَّه لا مبرِّر لهذه التسمية حتى لو حصلت تطوُّراتٌ جذريةٌ تفرض قطيعةً كاملةً بين القديم والجديد.

لكن في تقديري، وإذا أردنا أن نخرج من هذه الجدالية وقمنا بقراءة التسمية من جهة أخرى، وهي الجهة التي تُلاحظ فيها أوّلاً ، التداعيات اللاشعورية للتسمية في الوعي العام، أو الخاص، ثانياً، التناسب المنطقي بين المقترح والاستجابات الواقعية الحاصلة له، فإنَّنا سوف نميل إلى التنازل عن هذه التسمية؛ وأمامنا مبرِّران - أحدهما يعالج التسمية نفسها، وثانيهما المسمَّى - وهما:

المبرِّر الأول: إنَّ القطيعة التي تُحدثها هذه التسمية بين الماضي والحاضر، قد صارت في الوعي العام ذات طابعٍ إلغائي، غير محايدٍ إطلاقاً، وهذا ما قد يجعلنا نخسر على المدى البعيد فرص استثارة الجهود السابقة على مستوى الاتجاهات كافّة، والتي لم تصل، في تقديري، إلى الدرجة التي يُسمح لنا فيها بالتعامل بفوقيّةٍ معها. والشيء الملاحظ، أحياناً، هو أنَّ بعض الباحثين المهتمِّين بدراسات علم الكلام الجديد - وكما تحكيه نتاجاتهم - لم تحضر في نتاجاته أيَّة نماذج من علم الكلام القديم، مع أنَّ بعض الموضوعات كان لعلم الكلام القديم فيها تحليلاتٌ ودراساتٌ معمَّقةٌ وموسَّعةٌ، لا يمكن التغاضي عنها بهذه


البساطة، وهذا ما يُؤكِّد القلق المنطقي من الإغراق في التسمية الجديدة؛ بحيث يُحدِث هذا الأمر نوعاً من فقدان الامتداد التاريخي للعلم نفسه.

نعم، إنَّ التسمية الجديدة المقترحة قد يكون فيها شيءٌ من التحفيز على ملاحقة الأبحاث الجديدة والاهتمام بها، وهو أمر قد يدفع إلى الحثِّ على خطواتٍ من هذا القبيل كما يراه "اسفندياري" (1) لكنَّ المشكلة هي في أنَّ التسمية والمصطلح إنَّما يُعبِّران عادةً عن مفهومٍ، أو مقولةٍ متقدِّمة، لم تستطع المصطلحات المتداولة الاستجابة لها، والتعبير عنها بخصائصها الجديدة. وعلم الكلام الجديد وإنْ عبَّر عن هذا المضمون من خلال إيحائه بالنظريات والمتابعات الحديثة، إلاّ أنَّ قطيعته مع الماضي أو القلق من هذه القطيعة المحتملة جداً، يجعل في تبنيه شيئاً من المخاطرة غير الضرورية، لا سيَّما وأنَّ هناك إمكانية للاستعاضة عنه بمصطلحٍ آخر أكثر جامعيةً وشموليةً.

المبرِّر الثاني: إنَّ المشروع المقترح على الرغم من عظمته، إلاّ أنَّه حتى الآن، وبالمقدار الذي أنجز منه، لا تبدو فيه مُقوِّمات الانفصال والتفرُّد. نعم، هو بصيغته المقترحة، يوجد فيه ذلك، لكن التسمية يجب أن تحاكي الواقع، لا الأمل؛ لأنَّ عدم محاكاة المصطلح والتسمية للواقع الحاصل، أو لمعطياتٍ تجعل من تشكُّل هذا الواقع أمراً ميسوراً، يحدث فراغاً داخل المنظومة المعرفية، ما يتسبَّب في حدوث مشكلاتٍ عديدةٍ. ومن هنا تنشأ العلوم الجديدة في الغرب

____________________

(1) مجلَّة " نقد ونظر"، ع 2، ص 214.


عندما تصل مجموعةٌ من الدراسات إلى مرحلةٍ من التضخُّم الحقيقي، تضطُّر العلماء إلى فرزها في علمٍ جديدٍ يكون أكثر قدرةً على استيعابها والتركيز عليها.

وأظن أنَّ ما ذكرناه يُبرِّر لنا تحييد هذه التسمية، أو لا أقل عدم الإصرار عليها والحفاظ على التسمية القديمة، أو استبدالها بتسميةٍ أخرى تحكي عن هذا العلم أيضاً على طول الخط، من دون اشتمالها على آثار سلبية كالتي ذكرناها. فإنَّ أساس تسمية العلم المتعلِّق بالعقائد الدينية، بأنَّه علم كلام مهما كانت أسبابه التاريخية والتي وقع جدلٌ طويلٌ معروفٌ فيها، هي تسميةٌ غير متناسبةٍ وغير حاكيةٍ عن مسمَّاها، فسواءٌ سُمِّي الكلام بالكلام لأجل قضية الكلام الإلهي، أو لكثرة الكلام فيه، أو لطبيعة عنونة المسائل قديماً فيه، أو غير ذلك، فلا ضرورة تقتضي الاحتفاظ بهذه التسمية ما دمنا نرى أنَّها لا تعكس لنا المضمون بقيمته ومستواه وأهمِّيته. وهذا ما يجعل من علم أصول الدين، أو علم العقيدة الدينية، أو علم النظريَّات العقديَّة - سواءٌ قبلنا هذه التسمية كجوابٍ نهائي أو لا - أنسبَ من التسمية بعلم الكلام، أو علم الذات والصفات، أو الفقه الأكبر، أو حتّى علم التوحيد وغيره - نظراً لافتقارها إلى عنصر الشمولية لكافَّة الموضوعات المستبطَنة فيه تارةً، أو لعدم تناسب المصطلح مع تسمية علمٍ من العلوم النظرية الفكريّة كتسمية "علم الكلام" التي تتناسب مع علم اللغة أكثر من العقيدة - وأكثرَ جامعيةً وقدرةً على


الاستيعاب؛ لِمَا يزيل الثنائية المفترضة حتّى إشعارٍ آخر، تتبدَّل فيه الواقعيات في هذا العلم، لا المقترحات.

ضرورة قراءة التجربة الكلامية القديمة:

في إطار هندسةٍ للكلام الجديد سالمةٍ إلى حد كبيرٍ، من الضروري الأخذ بعين الاعتبار تجربة الكلام القديم، وقراءتها قراءةً موضوعيةً فاحصةً؛ لتحديد عناصر القوة والضعف قدر الإمكان، بغية المحافظة على عناصر القوَّة وتفعيلها، وتفادي المشكلات والآثار الناجمة عن عناصر الضعف، وهذا بحثٌ - بطبعه اللائق به - طويلٌ، لكن نشير هنا إلى نماذج.

عناصر القوَّة:

ونذكر - على سبيل المثال لا الحصر - نماذج أربعة هي:

أ - الدقَّة والشموليّة التي قد يصحُّ التعبير عنها باللامتناهية في معالجة الأفكار . فالمتكلِّم القديم عندما يشتغل بمسألةٍ كلاميةٍ، نراه يتفحَّصها تفحصاً دقيقاً، ويعالجها معالجةً فاحصةً، والتراث الكلامي المدوَّن شاهدٌ ناطقٌ على حجم الجهود التي بذلها المتكلِّمون في دراساتهم المدوَّنة. إنَّ في نفس المصنَّفات الكلامية، أو في علم الأصول (1) وطريقة "إنْ قلتَ"، واحدةٌ من أبرز الطرق الشاهدة على هذا الأمر.

____________________

(1) لا بأس بالإشارة إلى أنَّ جملةً من دراسات علم الكلام، قد توزَّعت في الفترة الأخيرة بين علم أصول الفقه الإسلامي وعلم الفلسفة، ولا سيَّما الفلسفة المتعالية؛ فالإلهيَّات بالمعنى الأخص في علم


أمَّا علم الكلام الجديد، فقد تشوبه سرعة الحكم، وعدم الدقَّة وعدم الشمولية؛ فهو بحاجةٍ اليوم إلى عدم استعجال النتائج لكلّ الأمور، وعدم حرق المراحل الطبيعية.

وفي هذا السياق، أيضاً، يُلاحظ أنَّ بعض الدراسات الكلامية الجديدة مبتلاة بعدم الدقة والشمولية في النطاق اللغوي والاصطلاحي؛ فاللغة المتداولة لغةٌ مشوبةٌ، أحياناً، بالتشويش وعدم الشفافية وفتح الباب للاحتمالات العديدة، في حين صارت جامعيّة ومتانة اللغة ضرورة لإيجاد نمو صحيحٍ وتصاعدي لأيّ علم.

ب - المواكبة الدائمة للمستجدَّات الفكرية في المجتمع الإسلامي . وهذه ميزةٌ مهمةٌ في علم الكلام (1) ، فلا تكاد تسمع بطرح، أو كتاب، أو نقد، أو نظرية صدرت وتناقلتها الألسن في المحافل العلمية، حتى ينبري المتكلِّمون لتقييمها والردِّ عليها، أو تأييدها، وعلى كلّ حالٍ لإبداء رأيٍ فيها. وهذا امتيازٌ يطالب الكلام الجديد، اليوم، بإعادة تمثُّله وبصورةٍ أفضل. فدراسات كثيرة، مضى عليها اليوم قرن أو قرون، تُصنَّف لدى البعض بالحديثة جداً، أو الأحدث، وكأنَّها آخر ما تمخَّض عنه العقل البشري، في حين أنَّه - ومع ضرورة قراءتها بعمقٍ وجدّيةٍ، وخصوصاً الدراسات التأسيسية الغربية وغير الغربية -

____________________

الفلسفة من المسائل التي تعني المتكلِّم بالدرجة الأولى. أمَّا علم الأصول، فقد حدثت فيه اختلاطاتٌ موضوعيةٌ مضمونيةٌ، نُقلت على أثرها مجموعةٌ من مسائل علم الكلام إلى الأصول؛ بحيث إنَّ البحث المعمَّق حولها صار يراجعه الباحث في الأصول أكثر من الكتب الكلامية، وهذه مشكلةٌ حقيقيةٌ لها أسبابها الخاصّة التي لا مجال للبحث عنها الآن.

(1) أشار إليها سماحة السيد علي الخامنئي (حفظه الله تعالى) في خطابه للحوزة العلمية، يُراجع مجلَّة: "الفكر الإسلامي"، ع 16، ص 209.


فإنَّه لابد من التوجُّه إلى الدراسات الواسعة المعاصرة، ولا سيَّما في العقود الثلاثة الأخيرة على مستوى الساحة العربية والإيرانية والغربية، وبالأخص ما ظهر عقيب انهيار الاتحاد السوفياتي وبروز ظاهرة الأحاديّة القطبية.

ج - اتسم علم الكلام بإجاباته الحاسمة والمطمئِنَّة في تلك الآونة ليس لميزةٍ خاصةٍ به، بل لأنَّ العقل البشري قبل عصر النهضة كان كذلك. أمَّا اليوم، فإنَّ علم الكلام الجديد يُخشى عليه من النزعة التشكيكية الشاملة والمدمِّرة، وهذا يفقده دوره الحضاري في إشاعة الطمأنينة والاستقرار في نفوس المناصرين للاتجاهات الكلامية.

لا نريد العودة إلى عصر اليقين هذا؛ إذ يبدو من الصعب تحقيق ذلك، لكن علم الكلام اليوم مطالبٌ - وبالتعاون مع بقية العلوم، ولا سيَّما الفلسفة وعلوم الدين الأخرى - بالتفكير في حل لمشكلة الاضطراب والتذبذب النفسي، ولو بإجراء تعديلاتٍ على مفهوم اليقين العلمي، وإلا فإنَّ بقاء هذه الحالة سوف يساهم في إعاقة عملية التطوُّر الحضاري، وبخاصة القائمة والمعتمدة على الدين.

د - خصوصية الأصالة التي تمتَّع بها علم الكلام القديم لأسبابٍ عديدةٍ، فعلم الكلام هو من العلوم الإسلاميّة الأصيلة؛ لأنَّه ولد قبل عصر الترجمة، أي أنَّه لم يكن متأثِّراً في انطلاقته بالثقافة والفلسفة اليونانية ، بل إنَّ التاريخ الكلامي يُؤكِّد أنَّ هذا العلم قد وقف موقفاً حذراً إلى حدٍ بعيدٍ من التوجُّهات الفلسفية التي استقت أُسسها ومنطلقاتها وبناها التحتية من الفكر


اليوناني بالخصوص، وهو ما سبَّب - أو كان على الأقل أحد أسباب - الخلاف الفلسفي الكلامي في التاريخ الإسلامي، ولا سيَّما القرون الخمسة الأولى.

ولا يعني ذلك أنَّ علم الكلام لم يتأثَّر بالأفكار الواردة على العالم الإسلامي من شرق الأرض وغربها، وأنَّ كل ما كان عنده هو وليد مقولاتٍ وتصوُّراتٍ داخليةٍ لم تتلاقح مع أيِّ واردٍ خارجي، بل كانت في قمَّة القطيعة معه؛ و إنَّما المقصود هو أنَّ الطابع الذي حكم هذا العلم، ولا سيَّما في انطلاقته التي تعود إلى بدايات نشوء فرقة الخوارج في الإسلام، هو طابع الأصالة ، وبالتالي فكانت المزاوجة بينه وبين أيِّ فكرٍ خارجي، مزاوجةً إيجابيةً ومن الدرجة الثانية.

إنَّ المطلوب من الكلام الجديد اليوم هو التماهي مع هذا النمط الكلامي القديم؛ أي الانطلاق في التفكير بصورةٍ أصيلةٍ غير مثقلةٍ بالحمولات الأخرى، من دون أن يعني ذلك سدَّ باب التفاعل الطبيعي بين العلوم كلِّها، بما فيها علم الكلام، الأمر الذي يستدعي أن يقوم هذا العلم بإنشاء علاقةٍ وطيدةٍ مع العلوم الأخرى، وخصوصاً تلك التي تلتقي معه في طبيعة التخصُّص ومنهجه، كعلم الفلسفة وغيره، سواءٌ كانت هذه العلوم ذات نتاجٍ داخلي حضاري أو نتاجٍ خارجي من هذه الناحية.

إلاّ أنَّ المشكلة الحقيقية هنا تكمن في الأسباب المولِّدة لأصالة علم الكلام، وأبرز هذه الأسباب على ما يبدو، هو أنَّ المتكلِّم القديم كان يُفكِّر من موقع الفعل والصنع والإبداع؛ لأنَّه كان منتصراً من الناحية السياسية والعسكرية،


بل والأهم من ذلك من الناحية الحضارية. ولذلك، فلم يكن في تفكيره ملاحَقاً، لا زماناً ولا واقعاً؛ أي لم يكن هناك ما يفرض عليه العجلة في التوصُّل إلى نتائجه، أو يفرض عليه - لضرورات الواقع - إنتاج فكرٍ معينٍ، إلا إذا كان هناك سوء علاقةٍ معينةٍ بين المثقَّف والسلطة الحاكمة. وهذا الارتياح النفسي يُساهم، قبل كل شيء، في تجويد الإنتاج وتحسين الأداء، والأهم من ذلك في خلق المفاهيم والمقولات والمصطلحات كما يراه حسن

حنفي (1) .

أمَّا الكلام الجديد، فهو يعيش في إشكاليّةٍ غايةً في التعقيد على هذا المستوى؛ والسبب في ذلك يعود إلى أنَّ المتكلِّم الإسلامي لم يشارك في صنع الحداثة، ولم يخلق مفاهيمها ومقولاتها، ومن هنا تورَّط في استيرادٍ متواصلٍ للمفاهيم والمصطلحات، وأرهق نفسه في تتبُّعها في عملية شرحٍ وتفسيرٍ، وتبيئةٍ وتوظيفٍ لِمَا ينتجه الغربي بقطع النظر عن مدى الصوابية في هذا الإنتاج.

لم - وربَّما لن - يستطع المتكلِّم الجديد اليوم أن يلحق بالركب السريع الخطى لماكينة المفاهيم والمصطلحات الغربية؛ ولهذا، فإنَّ عقبته سوف تكون، حضارياً، في استغراقه في ردِّ الفعل، وفي استخدامه ما صنعه الآخر، وبالتالي فلن يتمكَّن من تمثُّل الأصالة والذات بهذه السهولة، أو تحقيق العلاقة الطبيعية والصحيّة بينه وبين العلوم الأخرى، حتى تلك الواردة من الغرب.

____________________

(1) حسن حنفي، مجلَّة "قضايا إسلامية معاصرة"، ع 14، الاتجاهات الجديدة في علم الكلام، ص 17.


إنَّ هذه المعادلة المعقَّدة في الواقع العملي، تُؤكِّد على ارتباط علم الكلام بالواقع السياسي للأمّة التي يُمثِّلها هذا العلم كما يطرحه الدكتور حنفي (1) ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة عدم قدرة هذا العلم على تخطِّي ولو بعض مشكلات هذه الغربة والازدواجية والانفصام، ولعل أوَّل ما يحتاجه المتكلِّم على الصعيد النفسي، هو الإحساس بالثقة وتبديد عوامل اليأس والإحباط، وهو أمرٌ تلعب التربية الاجتماعية أثراً بالغاً فيه.

عناصر الضعف:

ويمكن كنماذج ذكر ما يلي:

أ - النزعة التجريدية التي عاش الكلام القديم ردحاً طويلاً في مداراتها، هو وبقية أفراد أسرة المعرفة الدينية، من الفلسفة حتى الفقه والأخلاق؛ فأدَّى ذلك إلى انشغال الباحثين بأمور ومسائل، لا ترجع بالفائدة المتناسبة مع حجم الجهود المبذولة. كما وأدَّى إلى تولُّد عقلٍ فرضي يحاكي الصور والاحتمالات من دون أن يلحظها، أو يلحظ انعكاساتها في أفق الواقع، ما أحدث عزلةً نسبيةً للعقل الكلامي. ومن هنا، فإنَّ الكلام الجديد مطالبٌ بمتابعة الرؤى والأفكار، آخذاً بعين الاعتبار، أيضاً، التأثيرات الميدانية لمادَّة البحث ونتائجه، وهذا ما يستدعي إعادة فرزِ وترتيبٍ للموضوعات الكلامية، مع الأخذ بالنظر هذا الجانب كذلك.

____________________

(1) المصدر نفسه.


من المعروف أنَّه، ونتيجةً لتأثيرات المنطق الأرسطي، فقد جُعلت استقامة الفكر منفصلةً عن الواقع الخارجي العملي؛ لأنَّ هذا المنطق يرى أنَّ سلامة العمليات الاكتشافية العقلية تكمن في قدرتها على وضع القضايا والمعلومات في مكانها الذهني الصحيح، للمساهمة في ضمان صحَّة التوصُّل إلى النتيجة، وهذا يعني أنَّ الهدف الذي يتوخَّاه العقل الأرسطي هو الوصول العقلي إلى نتيجةٍ سليمةٍ ذهنياً، من دون النظر إلى التردُّدات العملية لهذه النتيجة (1) .

لكنَّه من المناسب هنا الإشارة إلى عدم الإفراط في ملاحقة هذه النزعة وإقصائها، إلى الحد الذي يفقدنا قيمة أبحاث وموضوعات قيِّمة، فالعملانية ضرورة غير نهائية . والسبب في إثارة هذه القضية هو أنَّ هناك نزعةً ملحوظةً سرت في الفترة الأخيرة في الأوساط الفكرية والثقافية الدينية، وتُعبِّر هذه النزعة عن حالةٍ من النقد الشديد للدراسات النظرية في الفكر الديني، والتي لا توجد تردُّداتٌ عمليةٌ لها، الأمر الذي يبرز واضحاً في علم أصول الفقه، وهذه النزعة يمكن الموافقة عليها والدفاع عنها للخلاص من الجهود الاستنزافية التي غرقت بها الدراسات الدينية في كثير من الأحيان. إلاّ أنَّ المشكلة هنا هي في ظاهرة تخطِّي هذه النزعة للحدود المنطقية، وتحوُّلها، أحياناً، إلى ظاهرة رفضٍ، فيه شيءٌ من الإطلاقية، وشعورٌ بحالةٍ من التأزُّم، وهو ما يُؤدِّي إلى ضياع الكثير من الجهود، وقطع مسار تواصلها وديمومتها.

ولعلَّ هناك مَن يتحدَّث

____________________

(1) راجع: عبد الجبار الرفاعي، ومحمد مجتهد الشبستري، مصادر سابقة.


اليوم عن علم أصول فقهٍ مصغّرٍ جداً، قد تُؤدِّي الموافقة عليه إلى شيءٍ من فقدان الدراسات التأسيسيّة الهامة، كما لعل هناك مَن يستبعد الكثير من الأفكار الاعتقاديّة الهامة لمجرَّد تحسُّسه أهميّة موضوعاتٍ أخرى في الفترة الراهنة تحسُّساً يمكن الوقوف معه غالباً، وهو ما يدعونا إلى التمييز بين لغْويّة بحثٍ ما من حيث المبدأ وزيادة أهمية بحثَ آخر عليه في فترةٍ معينةٍ.

ب - النزعة اليقينية (وهنا نقرأها من جانبٍ آخر غير ما تقدَّم) حيث ساهم المنطق الأرسطي - وغيره أيضاً - فيها، فإنَّه وِفق تصوُّره لليقين ووسائل الإثبات ساهم - كذلك - في تكوين عقلٍ دوغمائي جزمي، ينفي الآخر بمجرد إثبات ذاته، نفياً غير قابلٍ لاحتمال الخلاف. وهذه النزعة الدوغمائية المُشبَعة بشيءٍ من النرجسية أشبعت علم الكلام القديم بشكلٍ واضحٍ يُلاحظ بأدنى مراجعة للمتون الكلامية، ولا سيَّما تلك التي هي ذات طابعٍ مذهبي خالصٍ.

هذه النزعة قد لا يُوافق البعض على إجراء تعديلاتٍ فيها، غير أنَّ ذلك - في تقديري - صار لازماً عملياً لعلم الكلام الجديد؛ باستبدال العقل الدوغمائي بعقلٍ تعدُّدي احتمالي مُنفتح، يُوسِّع من هامش التنقُّل العلمي والمعرفي، ويُضيِّق من ضغوط اللاَّوعي.

ج - النزعة المذهبية التي اصطبغ بها الكلام القديم حتى صارت السمة الغالبة عليه. وهذا الاصطباغ مع ما فيه من حسناتٍ، إلاّ أنَّه حدَّ من حركة هذا العلم؛ لأنَّه أحاطه بجداليَّة لا متناهية في موضوعاتٍ محدودةٍ، وحكم عليه بأطرٍ محدَّدةٍ غير قابلة للتجاوز، تمَّ تلقِّيها على أنَّها خطوط حمراء، ومقدَّسات


غير قابلةٍ للبحث وإعادة النظر - بقطع النظر عن صحَّتها أو فسادها من حيث هي - ولا حاجة لكثير كلام - في ما أعتقد، ولا سيَّما في واقعنا الراهن - على سلبيات هذه النزعة، التي صار من الضروري استبدالها بعقلٍ منبسطٍ. فإنَّ واحدةً من آثار هذه النزعة وأشباهها، هو اعتماد المتكلِّمين على المنطق الجدلي؛ وهو منطق يتَّكئ بالدرجة الأولى على القضايا المشهورة والمسلَّمة، ويستهدف صرع الآخر أكثر من كشف حقيقةٍ، أو حلّ مشكلةٍ، في حين يحتاج الكلام اليوم إلى ركائز علمية، قبلها فلان أو لم يقبلها؛ لأنَّ هذا ما يحل المشكلة أو يُنير الطريق.

د - لعلَّه ولأسباب تاريخية، لم تُعط دراساتُ مقارنة الأديان حقَّها في الكلام القديم . أمَّا اليوم - ولا سيَّما بعد صيرورة العالم بحكم قريةٍ كونيةٍ واحدةٍ، واحتكاك المسلمين والمسيحيين واليهود على أكثر من صعيدٍ - فقد صار علم الكلام المقارن ضرورةً ملحَّةً، حتى يقوم الحوار بين الأديان على قواعد علمية تختزل الوقت وتغتنم الفرص؛ ولهذا لابد أن يُركَّز الكلام الجديد على مقارنة الأديان، وأن لا يقتصر على مقارنة المذاهب كما هو الحاصل فعلاً.

هـ - إنَّ تاريخ علم الكلام يكشف عن اعتماده على المنطق الأرسطي كمنطقٍ وحيدٍ ، وحَكَمٍ متفرِّدٍ في الجدل العلمي؛ حيث قُدِّم هذا المنطق على أنَّه حقائق ثابتة عامة شاملة كلية ويقينية، غير أنَّ تطوُّر المعارف البشرية كشف عن ثغراتٍ في هذا المنطق، لِأقول: إنَّ بوضعه الحالي، ليست لديه


قابلية لحل كل المشكلات اليوم .

ومن هنا - ونظراً لتجدُّد الكثير من الإشكاليَّات ذات الطابع المنطقي المختلف - فإنَّه من الضروري للكلام الجديد الاتكاء على مخزون منطقي أكبر، يشمل - إلى جانب المنطق الأرسطي - المنطق الاستقرائي ، و الرياضي ، و التجريبي، و الذاتي، و الديالكتيكي و.. وإلاّ فإنَّ أزمة تخاطبٍ ستنشأ تبعاً للهوَّة الحاصلة بين الهيكلية المنطقية للأفكار والإشكاليات الجديدة، مع الهيكلية المنطقية التي تحكم علم الكلام.

لا يُراد هنا التنقيص من شأن المنطق الأرسطي بقدر ما يراد الإشارة إلى كون هذا المنطق جهداً بشرياً لا يتَّصف بالكمال.

و - إنَّ واحدةً من إفرازات نزعة اليقين والتمذهب، هي: الذاتية والتحيُّز، وبالتالي ضعف الموضوعية والحياد. وهي مشكلةٌ جديَّةٌ لا يخلو منها علم، لكن الكلام القديم - كبعض العلوم الأخرى - قد تجاوزت فيه الذاتية والتحيّز الحدَّ الطبيعي. ومن هنا، فعلى الكلام الجديد تجنُّب هذه المشكلة بواسطة رفع القيود، وتقليل الاعتبارات التي تُفضي بالمتكلِّم إلى الذاتية والأحكام المسبَّقة. وتقليل هذه الاعتبارات سيساهم في فتح الباب أمام صنوف الأفكار والآراء؛ الأمر الذي يُثري حركة الفكر، ويرفع رصيد علم الكلام، ويضاعف من إنتاجه (1) .

____________________

(1) بعض هذه النقاط ليست من مختصَّات الكلام، لكنَّه اتصف بها أيضاً.


الفصل الثاني

سبيل الله الواحد أم سُبُله المتعدِّدة.......................................... محمد حسن زراقط

نظرة إلى التعدُّدية في الأديان............................................ عبد الحسين خسروبناه

دور الخيال في التعدُّدية الدينية.............................................. دافيد س. سكوت



سبيل الله الواحد أم سُبُله المتعدِّدة

دراسة في بُنى التعدُّدية الدينية ومُرتَكَزاتها

الشيخ محمد حسن زراقط (*)

تمهيد

تنقَّل مصطلح التعدُّدية بين العلوم المختلفة، واكتسب تبعاً للمجال المستخدم فيه معنى جديداً (1) . وما نهدف إلى البحث عنه في هذه المقالة، هو التعدُّدية في مجال الدراسات الدينية، إلاّ أنَّه من المناسب للإحاطة بالموضوع، الإشارة إلى بعض هذه المعاني، والوقوف على المداليل المختلفة له في الدراسات الدينية، وفي غيرها. وسوف نلاحظ أنَّ التعدُّدية ببعض المعاني المقصودة من المصطلح قد تكون مقبولة، بل مندوباً إليها في الأدبيات الدينية الإسلامية. وسوف نستعرض بعض المباني والمنطلقات الفكرية أو الاجتماعية

____________________

* كاتب ومدرس في الحوزة العلمية - لبنان.

(1) انظر: حيدر حب الله، التعدُّدية الدينية، ط 1، بيروت، الغدير للدراسات والنشر، 2001م، ص 20، وما بعدها.


التي استندت إليها دعوة التعدُّدية. وقبل أيِّ شيء، أرى من المناسب الإطلالة على الأصل اللغوي لهذا المفهوم.

التعدُّدية في اللغة:

يبدو أنَّ مصطلح التعدُّدية من المفردات الوافدة على اللغة العربية رغم الجذر العربي الذي يشير إلى الكثرة والتعدُّد، إلاّ أنَّ هذا الاشتقاق لا يُلاحظ له أصل في اللغة. ومن هنا، خلت منه بعض المعاجم العربية غير المتخصِّصة (1) . وهو مصدر صناعي يراد به الدلالة على المذهب، أو الاتجاه، أو غير ذلك من المفاهيم المشابهة. وأمثال هذا المصطلح في اللغة كثير، منها: الاشتراكية، والعلمانية، والبيروقراطية... ومنها ما استحدثه الفلاسفة للتعبير عن مراداتهم، ككلمة ماهية، وكيفية، وغيرها.

التعدُّدية في الميتافيزيقا:

يُشير مصطلح التعدُّدية في مجال الميتافيزيقا (2) إلى تشكُّل العالم من مجموعة من العناصر يصل عددها إلى أربعة عند "أمبادوقليس" ، وهي: التراب ، والماء، والهواء، والنار. بينما لم يجد "أنكساغوراس" هذا العدد الضئيل من العناصر

____________________

(1) لاحظ: المنجد، ولسان العرب، ولكن لا يفتقد هذا النمط من الاشتقاقات إلى المشروعية اللغوية؛ فقد أشار بعض الباحثين في اللغة إلى الحاجة إليه في كثير من العلوم للتعبير عن مفاهيمها الخاصة بها والتي لا يوجد في أصل اللغة ما يدل عليها. (عبَّاس حسن، النحو الوافي، ط 4، القاهرة، دار المعارف، د ت، ج 3، ص 187).

(2) استخدمتُ هذا المصطلح هنا، لأنَّ الكلام عن أصل الكائنات وما وراء طبيعتها.


كافياً لتفسير الكثرة الموجودة في هذا العالم. ومن هنا، لم يحصرها بأربعة، مُبقياً عددها في دائرة اللامتناهي (1) .

وقد شقَّت نظرية العناصر الأربعة طريقها إلى الفلسفة العربية الإسلامية، ولاقت قبولاً من كثير من الفلاسفة المسلمين؛ حيث نجد إشارة إليها عند ابن سينا وشرَّاحه. يقول شارح الإشارات: "... والمراد من قوله: أمَّا التي لا يمكن فيها ذلك فهو الفلكيَّات... فالجسم البالغ في الحرارة بطبعه هو النار، والبالغ في البرودة بطبعه هو الماء، والبالغ في الميعان هو الهواء، والبالغ في الجمود هو الأرض. أراد أن يشير إلى أنَّ العناصر أربعة ويُعيِّنها..." (2) وبقيت هذه المقولة قيد التداول الفكري أيضاً إلى عصور متأخرة، فها هو نصير الدين الطوسي ينسج جزءاً من فلسفته الطبيعية على هديها، فيقول: "وأمَّا العناصر البسيطة، فأربعة: كرة النار، والهواء، والماء، والأرض. واستفيد عددها من مزاوجات الكيفيَّات الفعلية والانفعالية" (3) . ويشرح الحلِّي كلامه قائلاً: "... واعلم أنَّ البسائط العنصرية أربع، فأقربها إلى الفلك النار، ثُمَّ الهواء، ثُمَّ الماء، ثُمَّ الأرض..." (4) .

____________________

(1) معن زيادة وآخرون، الموسوعة الفلسفية العربية، ط 1، بيروت، معهد الإنماء العربي، 1988، مادة: تعدُّدية.

(2) شرح الإشارات، ص 251.

(3) نصير الدين الطوسي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، ط 1، بيروت، الأعلمي، 1979م، ص 156.

(4) الحسن بن يوسف الحلِّي، م. ن، ص 156.


وربَّما أصرَّ كثير من الفلاسفة على هذه الفكرة، وعضوا عليها بالنواجذ - بل فعلوا (1) - لولا أنَّ "مندلييف" (1834 - 1907 Mendeleyev ) فاجأهم بزعمه أنَّ العناصر تصل في عددها إلى ثمانية وسبعين عنصراً، وما زالت بعض الخانات في جدوله الأثير فارغة بانتظار مَن يملؤها باكتشاف عناصر جديدة. وهكذا اتضح أنَّ بسائط الفلسفة اليونانية أضحت مركَّبات كغيرها من المركَّبات.

وعلى أيَِّة حال، فإنَّ البحث عن هذا النمط من التعدُّدية لا يدخل في صميم غرضنا، وإنَّما أشرنا إليه رغبة في الوضوح؛ كونه أحد معاني المصطلح المبحوث عنه.

التعدُّدية السياسية:

يُقصد بمصطلح التعدُّدية عندما يستخدم في المجال السياسي: أنَّ يُسمح لفئات الشعب - على اختلاف اتجاهاتها وتياراتها؛ من أحزاب وتجمعات غير حزبية - أن تتداول السلطة، وأن تشارك في صناعة القرار السياسي. وهي بهذا المعنى من أهم الأسس التي يرتكز عليها النظام الديمقراطي. ولو رجعنا في تأمُّلنا للنسق الفكري السياسي، فلا نجد تنظيراً واضحاً لهذا المفهوم ولآليات ممارسته في الفلسفة السياسية الإسلامية، أو ما يُعرف في التراث الإسلامي بـ "الأحكام السلطانية"؛ حيث لم تكن فكرة الأحزاب بالمعنى السائد اليوم قد

____________________

(1) ربَّما يُستكشف القبول بهذه النظرية من إبراهيم الزنجاني في تعليقته على كشف المراد. انظر: م.ن، ص 156.


أبصرت النور، فالأحزاب التي عُرفت في التاريخ الإسلامي لم تكن سوى تكتُّلات تجمعها ولاءات دينية أو عصبية مختلفة.

ومن هنا، نجد أنَّ فكرة الحزب احتاجت إلى محاولات لإثبات مشروعيَّتها وعدم منافاتها للشريعة كطريقة للعمل السياسي أو الاجتماعي، قبل البحث حول جدواها وأهمِّيتها في أيِّ عملية نهوض بالأمة، أو تغيير لواقعها الراهن؛ حيث يُدَّعى أنَّ الحزبية نسق غربي يتضمَّن الكثير من السلبيات التي تمنع من اقتباسه في الإطار الإسلامي. مضافاُ إلى أنَّ القرآن الكريم يتحدَّث عن الحزبية بشكل سلبي، يقول تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنْ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ) (1) ، ويقول تعالى في موردٍ آخر: (فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (2) .

هذا، ولكنَّنا نجد على الجهة الأخرى أنَّه يتحدَّث (سبحانه) عن نمطٍ آخر من الحزبية بطريقة تُوحي بالرضا والقبول، فيقول سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْغَالِبُونَ) (3) .

إذاً، لا يمكن أن نستنتج من القرآن موقفاً قيميَّاً من العمل الحزبي، بل الأمر تابع للقيم التي يحملها الحزب نفسه، ومن هنا: "قد لا يجد الإنسان

____________________

(1) هود: 17.

(2) مريم: 37.

(3) المائدة: 56.


موضوعات الكلام الجديد:

لم يجرِ في علم الكلام الجديد تأسيس موضوعاتٍ لم يكن لها سابق بحثٍ وحضورٍ في الساحة الفكرية الإسلامية دائماً؛ بمعنى أنَّ أصحاب الاقتراح لم يقوموا بتأسيس مجموعةٍ من القضايا والمباحث الكلامية التي ليس لها سابق وجودٍ، وإنَّما نظَّموا مسائل علم الكلام الجديد على أساس عملية تجميعٍ لأبرز الموضوعات التي ظهرت أمام المفكِّرين المسلمين في الآونة الأخيرة، ومسَّت المسائل الفكرية والعقائدية الجذرية، من دون أن تكون محصورةً بعلمٍ معيَّنٍ كعلم الفقه، أو الأصول مثلاً؛ بحيث تكون مسألةً أصوليةً أو فقهيةً بطبيعتها. وهذا الأمر يُؤدِّي بطبيعته - إذا لم تجرِ عملية تحديدٍ مُسبَّقٍ لموضوع هذا العلم ومداه ودائرته - إلى حدوث خلطٍ مضموني في هذا العلم، وهذا خللٌ أساسي جدّاً؛ لأنَّ تحويل علم الكلام إلى علمٍ تجميعي لمسائل متفرِّقة، وهموم مختلفة، يُصيِّره على مرِّ الأيّام خليطاً متناقضاً من موضوعات واهتمامات لا رابط في ما بينها، وهذا ما قد يُؤدِّي على المدى البعيد إلى افتقاده المنهج الواضح الموحَّد، وكذلك التناسق المنطقي المتناغم.

وعلى أيِّ حال، فإنَّ أبرز النماذج المطروحة في مجال نشاط الكلام الجديد، هي - وبشكلٍ مُفهرسٍ وسريعٍ (1) - كالتالي:

____________________

(1) قد تتداخل بعض هذه الأبحاث وتنفرز أبحاث نقطة واحدة، كما أنَّنا تجاهلنا هنا الفرز الموجود عند البعض بين مسائل علم الكلام الجديد ومسائل علم فلسفة الدين.


1ـ نطاق الدين ومجاله: هل الدين محدود في دائرة الفرديات والأخلاقيات، أم أنَّه يمتد ليشمل النواحي السياسية والاقتصادية و... وحتى الطِّبية وأمثالها؟ وما هي تأثيرات الجواب عن ذلك على الفهم الديني ككل؟ ويقع هنا، في الحقيقة، ملتقى مجموعةٍ من النظريات، أبرزها نظرية "انتظارات وتوقُّعات البشر من الدين"، كما تُدرس هنا وبعمقٍ نظرية شمول الدين لكلّ وقائع الحياة وما هو شكل هذا الشمول، كما وتأتي هنا نظريةً أخيرةٌ عُرفت بنظرية "الدين بالحد الأعلى، والدين بالحد الأدنى"، أو ما يتعلَّق بنظريةٍ جديدةٍ أخرى تُسمَّى بنظرية "تكامل التجربة النبوية" ، والتي طرحها الدكتور "عبد الكريم سروش" في إيران.

2ـ اللغة الدينية: وهل هي لغة رمزية، أسطورية، واقعية، قصصية، بيانية؟... هل ترجع القضايا الدينية إلى مضمونٍ، أم أنَّها بلا معنى كما يقول الوضعيُّون؟ هل هي لغة إنشائية، أم إخبارية حقيقية، أم مجازية؟ هل للدين لغةٌ خاصَّةٌ به؟ كيف يمكن تقييم التوصيفات البشرية للدين، ولا سيَّما للباري تعالى؟...

3ـ النزعة الدينية: ما هي أسباب ظهور التديُّن؟ الخوف، أو الجهل، أو الطبقية، أو...، تحليل نظريات: ماركس، وسبنسر، ودوركمايم، وفرويد. هل البشر بحاجةٍ إلى الدين؟ وهل هو فطري؟ وما معنى وحقيقة الفطرة؟ هل الفطرة أمرٌ آخر غير البديهيَّات القبلية التي قرَّرها علم المنطق أم أنَّها ليست


سوى هذه القبليات الواضحة عقلياً؟ وبالتالي هل يمكن الاعتماد بصورةٍ مستقلَّةٍ على الفطرة في قبال الأدلّة والمعايير العلمية الأخرى، أم لا؟...

4ـ التجربة الدينية: ما هي حقيقة المشاعر والأحاسيس الدينية؟ وما هي عناصرها وميِّزاتها؟ وهل هناك فرق بين التجربة الدينية والأخلاقية؟ ما هو ميزان ضبط صدقيَّة التجربة الدينية؟ العلاقة بين التجربة الدينية والروحية والعرفانية؟...

5ـ عقلانية الدين: هل إثبات القضايا الدينية يكون بشكلٍ عقلاني أو شهودي؟ وهنا تُطرح نظريَّات الكانطيين في ما يرتبط بالعقل العملي، والإثبات الأخلاقي للدين، كما وتُقرأ المدارس الروحية والعرفانية لدى الأديان كافَّة أيضاً... الرابطة بين الدين والعقلانية؟ التعقُّل والتعبُّد في الدين ومساحاتهما وعلاقاتهما؟...

6ـ معنى الدين وحقيقته: ما هو تعريف الدين؟ وما هو الحد الفاصل بين الديني وغير الديني؟ وأساساً هل للدين تعريف محدَّد؟ وعلى تقدير ذاك، فهل هو ذو خصيصة معرفية، أم عاطفية، أم عملية، أم غير ذلك؟...

7ـ الجوهر والعرض في الدين: ما هو ذلك الذي يُمثِّل العنصر الذاتي في الدين؟ وما هو ذاك الذي يُمثِّل العنصر العرضي؟ كيف نُرتِّب سلسلة الدينيَّات من حيث الأهمية والرتبة؟ ومن أين نبدأ؟... الأخلاق، القانون، العقيدة، أم ماذا؟


8 - القاسم الديني المشترك: مميِّزات وقواسم الأديان والمذاهب، ما هي الحدود الواضحة والشفّافة بينها؟ هل يرجع الكل إلى منظومةٍ واحدةٍ أم لا؟ ما هو موقف الأديان من بعضها البعض؟ ما هي المقوُّمات الحقيقية - أخلاقياً ومعرفياً وميدانيَّاً - للحوار الديني والمذهبي؟ ما هي حقيقة هذا الحوار؟ وهل الحوار هو السبيل أم التصادم؟ وأين تكمن مظاهر من قبيل التكفير، واللعن، والسُّباب من هذه القضية؟...

9 - مناهج المعرفة الدينية: هل منهج المعرفة في الدين هو عقلي تركيبي، تفكيكي، نقلي، تجريبي، سلوكي، شهودي، أم أنَّ هناك تلفيقاً ما؟ ما هي طبيعة هذا التلفيق وكيف هو؟ ما هي حدود كل منهجٍ ونطاقه؟ هل علاقة الدين بمنطقٍ ما، ومنهج تفكيرٍ ما، علاقة خالدة؟...

10 - التعدُّدية الدينية: هل كل الأديان مصيبة؟ ما هي نسبة الإصابة والخطأ؟ هل الوصول يمكن أن يتمَّ عبر كل الطرق؟ هل يَعذر المتديِّنون بما دانوا به من دينٍ أو مذهبٍ، ولماذا؟ ما هي حدود اعتراف الأديان ببعضها؟...

11ـ الدور الديني: ما هو الأثر الذي يتركه الدين في حياة الفرد والجماعة؟ وما هي الأرقام حول هذا الموضوع؟ هل هو أثر نفسي، اجتماعي، سياسي، أو...، أو ملفَّق، أو مجموع؟ ما هو دور الدين في الصنع والفعل الحضاري؟ وما هي تأثيرات الدين في صنع القرارات السياسية؟ هنا تُدرس مسائل علم الاجتماع الديني، وعلم النفس الديني، وغيرهما من العلوم، وتُحدَّد العلاقة بين الدين وعلم الإحصاء والقراءات الميدانية...


12ـ المجتمع الديني: ما هي خصائص ومقوِّمات المجتمع الديني؟ ما هي العلاقة بين المجتمع الديني والمجتمع المدني بعد تحديدهما بشكل دقيق؟ ما هي بنية الاجتماع الديني؟ ما هي المعالم المميِّزة لهذا المجتمع؟ طبقة علماء الدين في المجتمع الديني؟ الطبقية والعشائرية والقبلية في المجتمع الديني؟ ومعالجة إشكاليَّات عديدة على هذا الصعيد، لعل أبرزها: مسألة الوضعيّة الاجتماعية والاقتصادية والحقوقيّة لذريَّة النبي محمّد (صلَّى الله عليه وآله).

13ـ المعرفة الدينية والبشرية: ما هي حدود التفاعل بينهما؟ أنواع هذا التفاعل؟ هل هو كلي أم محدود وجزئي، وكيف؟ ماذا ينجم عن قبول أو رفض نظرية التفاعل وتأثر المعرفة الدينية بالمعرفة البشرية؟ أين تقع الذاتية والموضوعية في القراءة الدينية؟ هل هناك إسقاطاتٌ دائمةٌ على النص الديني؟ هل المعرفة الدينية رهينة القارئ أم أنَّه هو رهين النص؟ ما هي العلاقة بين النص وقارئه على ضوء نظريات اللغة والهرمنيوطيقا الحديثة؟ وعلى أساس ذلك، ما هو المقدَّس، وأين هو في الدين؟ أم هل تنمُّ فكرة المقدًّس، أساساً، عن عقلٍ خائف أم لا؟...

14ـ الثبات والتحوُّل الديني: ما هي مساحات الثابت والمتحوِّل في الدين؟ هل يطرأ التحوُّل على كل شيء أم لا، وكيف؟ هل المتحوُّل هو المعرفة البشرية للدين، أم أنَّ الدين نفسه يخضع لتحوُّلاتٍ أيضاً؟ النظرة التاريخية للدين، واعتبار القرآن الكريم والتجربة النبوية ظاهرةً تاريخية وبشرية، ومضاعفات وملابسات هذه النظرة منهجياً ومضمونيَّاً، وهنا تُستعرض


نظريَّات أمثال "نصر حامد أبو زيد"، و "محمّد أركون"، و "عبد الكريم سروش" و...

15ـ الدين والعلم: وهذه أهمُّ مسألة في الكلام الجديد وفق نظرة الشيخ "محمد مجتهد الشبستري" (1) ؛ إذ يُتساءل هنا: هل يجب وضع المفاهيم الدينية أمام العلم كخط أحمر، ونتائجَ نهائية لا يُسمح له بتجاوزها، أم نمنح العلم حقَّ الاستقلال؟ هل نحن ملزَمون بالتوفيق بين النتائج العلمية، لا سيَّما تلك المتعلِّقة بالظواهر الكونية والخِلقة الإنسانية (ومن أبرزها نظريَّة تطوُّر الأحياء لداروين) ونظريات علم النفس والاجتماع...، وبين المفاهيم الدينية؟ وعلى تقديره، فما هو طريق التوفيق المنطقي والموضوعي؟ هل يُقدَّم أحدهما على الآخر، ما هو ولماذا؟ كيف يُجمع بين المعجزة والنظام الكوني، بين منطق التكليف العام وجبرية السلوك الإنساني على كل الصعد، أو على بعضها؟ فطرية الدين والغربة التي يعيشها المؤمن؟ هل الفارق هو في اللغة الدينية والعلمية، أم في الجوهر؟ ما هي حدود وأساليب وقوانين تطويع المتن الديني للعلم؟ هل نحن من حيث المبدأ عقلانيُّون أم نصيِّون؟... هذه الإشكالية أكثر ما تبرز صعوبتها بين العلوم الإنسانية والدين؛ إذ تتدخَّل العلوم الإنسانية كثيراً في الحقل الذي يدلي فيه الدين بدلوه، كالنفس البشرية، والمجتمع، والتربية، والاقتصاد، والأخلاق...

____________________

(1) محمد مجتهد الشبستري، مدخل إلى علم الكلام الجديد، الكتاب السادس لمجلَّة "قضايا إسلامية معاصرة"، عام 1998م، ص 51 - 58، حوار ترجمه وأعدَّه: جواد علي.


16ـ الدين والأخلاق: ما هي النظرية الأخلاقية الدينية؟ أين تقف مبادئ الحق والواجب والتكليف، والفرد والجماعة، والإلزام والنيَّة، والثواب والعقاب، وغيرها من هذه النظرية؟ هل الدين يدعم الأخلاق أم يتصادم معها؟ هل بالإمكان تصوُّر عالَم أخلاقي بلا دين؛ بحيث يكون التلازم بين مساري الدين والأخلاق تاريخياً، لا واقعياً حتميا ً، أم لا؟ ما هي الضمانات التي يُؤمِّنها الدين للأخلاق؟ ما هي نسبية الأخلاق وتأثيرها على الأخلاق الدينية؟ ما هي العلاقة بين الأخلاق والقانون؟ وبينهما وبين الدين؟ الجمال والجماليّات (ومنها: الأدب والفن) في التصوُّر الديني؟...

17ـ إنسانية الدين: هل الدين إنساني أم غير إنساني؟ أين تقف موضوعة حقوق الإنسان من الدين؟ الحرية والعدالة في الدين؟ التمايز الديني والعصبية الدينية؟ الدين ومفاهيم القومية والعرقية؟ مفهوم الأخوَّة والمساواة في الدين؟ قضية الأقليَّات؟ موضوعة المرأة وإشكاليَّاتها المعقَّدة؟ حقوق الطفل؟ حقوق العامل؟ الحقوق العامة وعلاقة مفهوم السلطة - بعد تحديده - بمفهوم الحق العام؟ نظام العقوبات الجنائية والجزائية في الدين، ولا سيَّما مسألتي الإعدام وأساليبه، والارتداد والتكييف الإنساني لهما؟...

18ـ الدين والأسطورة: العلاقة بينهما في الجوهر واللغة؟ السرُّ في نموِّ الأساطير في الساحة الدينية؟ ميِّزات الأسطورة والحقيقة الدينية؟ هل التشابه التاريخي بين الأديان والأساطير يجعلنا نصدر حكماً ما؟...


19ـ الدين والأيديولوجيا: الرابطة بين الدين والأيديولوجيا والنسبة بينهما؟ تعريف الأيديولوجيا تعريفاً واضحاً؟ موضوعة موت الأيديولوجيا وتأثيرها على الدين، وموقف الدين منها؟ النزعات البراغماتية وموقف الدين منها؟...

20ـ آفات الدين: هل للدين مساوئ؟ العصبية - التطرف الديني - التفرُّدية - الفوقية الدينية - الشخصانية - الحروب - الكبت الجنسي والفكري - الإرهاب بكل أشكاله - العنف والخشونة - وغيرها، وتحليلها تحليلاً علمياً، وتقديم إجابة وافية حولها...

21ـ الأبحاث التقليدية الكلامية: على النمط الحديث، كمسألة الروح، الجن، الشيطان، الباري تعالى، الوحي (وهو مسألة مهمَّة جداً)، المعجزة ورابطتها المنطقية الإثباتية، الملائكة، الإمامة، المهدويّة، الحسن والقبح، مسألة آدم (عليه السّلام) والخلافة الإلهية، وغيرها من المسائل العديدة...

22ـ التقليدية والحداثة في الدين: ما هي قابلية الدين لتحديث نفسه؟ ما هي أُطر هذا التطوير؟ كيف يتم إحياء الدين وتنميته؟ قراءات فاحصة ونقدية للتجارب الإحيائية للدين (جمال الدين الأفغاني - محمد عبده - عبد الرحمان الكواكبي - محمد حسين النائيني - روح الله الخميني - محمد باقر الصدر - مرتضى مطهَّري - علي شريعتي - محمد رشيد رضا - محمود شلتوت - محسن الأمين - محمد إقبال - مالك بن نبي... على المستوى الإسلامي، والبروتستانتية


بكل أشكالها على المستوى المسيحي...)، قابليَّة الدين للتكيُّف مع متغيِّرات الحياة...

وغيرها من المسائل التي لا مجال لذكرها هنا لضيق المجال، ممَّا بحثه الكلام الجديد فعلاً أو لم يبحثه حتى الآن.

ومن اللازم هنا الإشارة إلى أنَّ العناوين والموضوعات الكلامية الجديدة المتقدِّم بعضها، ذات تشعُّباتٍ عديدة، وذات قابلية للقراءة من أكثر من جانبٍ؛ فموضوعة حقوق الإنسان قضية تتَّصل بالفقه والقانون الإسلامي كما تتَّصل بالكلام الجديد. ومن هنا، فمن الضروري السعي لتحديد المحور الذي يُعنى به علم الكلام؛ حتى لا يتسبَّب ذلك في حصول حالة تسيُّبٍ منهجيةٍ واختلاطٍ موضوعي. فالمقصود - إجمالاً - من البحث الكلامي في هذه الموضوعات، هو الترسيم العام للخارطة الفكرية المتَّصلة بالبنية التحتية لهذه الموضوعات، لا البُنى الفوقية التي تتعلَّق بعضها بمسائل الفقه الإسلامي، أو بمسائل علم الأخلاق، أو التاريخ... ومن هنا تمكُن الملاحظة على ما يطرحه بعض الباحثين كموضوعاتٍ لعلم الكلام الجديد، ممَّا يتَّصل بالعلوم الدينية الأخرى بالدرجة الأولى، وكأنَّ علم الكلام الجديد اليوم مسؤولٌ عن كافَّة الموضوعات الجديدة التي تتَّصل بالفكر الديني عموماً.


حكماً شرعياً منافياً للعمل الحزبي، بحيث يُوجب حرمته، ليكون الإنسان العامل على هذا الخط مرتكباً لحرام شرعي، إلاّ في ما قد يحدث من تفاصيل؛ من الالتزام بما لا يجوز الالتزام به... فهي [الحزبية] تشبه في الدائرة العامة الالتزام بفتوى غير المجتهد أو المجتهد الفاسق... ممَّن لا يجوز تقليده، فهل يمكن أن نقول بأنَّ أسلوب الخط الفتوائي، أو خط التقليد، لا ينسجم مع الإسلام" (1) .

إلا أنَّ الواقع الإسلامي عبر التاريخ لم يخل من الأحزاب؛ بمعنى التجمُّعات ذات الطابع السياسي أو الديني أو العصبي العشائري، لكن العقل الإسلامي لم يتفتَّق عن ضوابط تحكم عملية تداول السلطة السياسية بشكل سلمي، منذ الثورة على عثمان في صدر الإسلام إلى ما يقرب من عصرنا هذا، بل وفيه أيضاً إلى حد كبير. ولولا التجربة الإسلامية الرائدة في إيران، لاستطعنا أن نُعمِّم الحكم ونطلقه، هذا رغم ما دوَّنه أصحاب الأحكام السلطانية من مقرَّرات وشروط ينعزل الإمام تلقيائياً لو افتقدها. (2)

____________________

(1) محمد حسين فضل الله، الحركة الإسلامية هموم وقضايا، ط 2، قم، إسماعيليان للطباعة والنشر، 1991م، ص 28.

(2) انظر: علي بن محمد الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، ط 2، بيروت، دار الكتاب العربي، 1994م، ص 53.


استدراك حول التعدُّدية السياسية:

يمكن الإشارة إلى نوع من التعدُّدية السياسية في المجتمع الإسلامي، عَنيْتُ بذلك ما يُعرَف في التاريخ الإسلامي بأهل الذمة وما يتعلق بهم من أحكام؛ وذلك أنَّه يُوجد نموذجان من العلاقة بغير المسلمين في الاجتماع السياسي الإسلامي:

أ - الاندماج الكامل:

وهو ما يعكسه كتاب النبي (صلَّى الله عليه وآله) في المدينة، بينه وبين اليهود. هذا الكتاب الذي يُعد وثيقة سياسية كأروع ما تكون الاتفاقيات السياسية، أو فَقُلْ: هو عقد سياسي اجتماعي ينظِّم العلاقة بين أهل الأمة الواحدة، ويُؤمِّن انصهارها رغم التباينات السائدة. وينص الكتاب على أنَّ أهل المدينة، من يهودٍ ومسلمين، أمةٌ واحدة من دون الناس. وفي تعبير الأمة إشارة واضحة من النبي (صلَّى الله عليه وآله) إلى القبول بالآخر رغم عدم الرضا بدينه.

يقول الكتاب النبوي:

"بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من محمد النبي، بين المؤمنين والمسلمين من قريش، وأهل يثرب، ومَن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنَّهم أمة من دون الناس..." (1)

ويعلِّق الشيخ محمد مهدي شمس الدين على هذا النص، قائلاً: "... وعلى كلا الاحتمالين تكون الأمة بالمعنى العقيدي قادرة على التشكُّل في مجتمع

____________________

(1) محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي، سيرة ابن هشام، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة، مكتبة محمد علي صبيح وأولاده، 1383، ج 2، ص 348.


سياسي متنوِّع، يتكوَّن منها ومن أمة أخرى قائمة على أساس عقيدي أو عرفي آخر... وهنا نلفت النظر إلى أمر عظيم الأهمية جداً، وهو: إنَّ هذا النص... يدل على أنَّه في الفكر الإسلامي لا يُوجد تلازم بين مفاهيم: وحدة الأمة (بالمعنى العقيدي)، ووحدة المجتمع السياسي، ووحدة الدولة" (1) .

ب - الكيان السياسي المستقل:

هذا ولم تأخذ العلاقة مع أهل الأديان الأخرى شكلاً واحداً، بل تطوُّرت إلى مفهوم جديد، هو: مفهوم أهل الذمة، كما أشرنا إلى ذلك سابقاً. وبغض النظر عن كثير من الالتباسات التي أحاطت بهذا المصطلح، فأخرجته عن معناه الإنساني الجميل الذي يعني نوعاً من الرعاية والإحساس بالمسؤولية تجاه الآخر؛ لجهة الحفاظ على كرامته الإنسانية أمام مَن يريد الانتقاص منها، وبغض النظر عن قبول المسيحيين اليوم لهذا النمط من التعاطي أو عدمه (2) ؛ بغض النظر عن كل هذا، أريد أن أشير إلى أنَّ عقد الذمة عندما كان يُقَر، كان يتضمَّن نوعاً من الاعتراف بالكيان السياسي لأهل الذمة المقيمين في الدولة

____________________

(1) محمد مهدي شمس الدين، في الاجتماع السياسي الإسلامي، ط 1، قم، دار الثقافة للطباعة والنشر، 1994م، ص 289 و290.

(2) ينقل أحد الأصدقاء أنَّ المطران جورج خضر قال في حوار مع أحد المفكِّرين المسلمين ما مضمونه: "إنَّ هذا النموذج في التعامل السياسي جميل جداً، وفي غاية الحسن، إلاّ أنَّنا لا نرضاه - نحن النصارى - لأنفسنا مهما حاولتم تجميله وتحسين صورته".


الإسلامية (1) ، وهو ما يمكن تسميته إلى حد ما بالحكم الذاتي باصطلاح الفكر السياسي المعاصر.

التعدُّدية الدينية:

لا يتَّفق دعاة التعدُّدية الدينية على مدلول محدَّد لدعوتهم، وإنَّما تختلف هذه الدعاوى باختلاف أصحابها. وسوف نعرض لبعض هذه المدَّعيات في محاولة للبحث عن مرتكزاتها ومنطلقاتها الفكرية والمعرفية.

1 - النظرية الأولى: الحوار بين الأديان (2)

وتهدف هذه المقولة إلى إثبات ضرورة قيام حوار فعلي بين الأديان المختلفة، وتَقبُّل كل منها الآخر؛ للوصول إلى أسس مشتركة، وترك موارد الاختلاف جانباً.

ويكثر دُعاة هذه النظرية في البلاد التي يُوجد فيها أديان متعدِّدة، أو مذاهب متعدِّدة من دين واحد. والنموذج الأبرز لموطن هذه الدعوة لبنان، إلى حد قيل: "إنَّ اللبنانيين يتحدَّثون عن الحوار أكثر ممَّا

____________________

(1) إنَّ عقد الذمة يكتسب مشروعيته القانونية من رضا أهل الذمة أنفسهم به، فهو عقد كسائر العقود التي يلزم الإنسان نفسه بها. وشروط الالتزام يُحدِّدها التوافق بين المتعاقدين، فربَّما تغيَّرت من زمن لآخر. لمزيد من التفاصيل حول كيفية عقد الذمة وشروطه، انظر: محمد بن الحسن النجفي، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ط 1، بيروت، دار المؤرَّخ العربي، 1992م، ج 7، ص[؟].

(2) انظر: عبد الحسين خسروبناه، كلام جديد، ط 1، قم، مركز مطالعات وپژوهشهاى فرهنگى حوزه علميه، 1379هـ.ش، ص 170.


يتحاورون!". ولا داعي للحديث عن فوائد الحوار في تخفيف حالة التوتر وتقريب وجهات النظر، أو خلق حالة من تَقبُّل الآخر، أو تفهُّمه إنْ

لم يُقبَل. وتنطلق هذه الدعوة من منابت متعدِّدة أهمُّها:

المنبت الاجتماعي:

تهدف هذه النظرية - كما يبدو منها - إلى حل مشكلة التنوُّع الديني في الواقع الاجتماعي، وما ينجم عن ذلك من توتُّر يحكم العلاقة بين أتباع الأديان المتعايشين - ولو كرهاً - في بلد واحد. ولا يُؤثِّر الكم في حل هذه المشكلة، فهي تبقى قائمة، سواء بلغ هذا التنوُّع درجة التساوي العددي أم كان هناك فئة تُمثِّل أقليَّة ضمن أكثرية. ومن هنا، عبَّر بعض المفكِّرين عن هذا التنوُّع بالمشكلة: "لم تُطرح مسألة الأقليات في أيِّة حقبة من حقب التاريخ العربي - الإسلامي بالحدة وبالخطورة التي تُطرح بهما اليوم" (1) .

وأُعلِّق هنا لأقول: إنَّ الإسلام قد اعترف بهذه المشكلة وعمل على حلها بطريقة تضمن للأقليِّات "المغلوبة" كثيراً من حقوقها، عِبر تشريعات

رائدة (2) ، وتوصيات قانونية ملزِمة بالتسامح مع أهل الأديان الأخرى ومراعاتهم: (ولا

____________________

(1) برهان غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليَّات، ط 1، بيروت، دار الطليعة، 1979م، ص 5.

(2) تقدَّمت الإشارة قبل قليل إلى فكرة أهل الذمة، ولا يُصرُّ المسلمون على هذا الحل، فربَّما يُعد عند بعضهم حلَّاً تاريخياً، يناسب فترة زمنية محدَّدة ولا يناسب أخرى. ومن هنا، لا نجد أثراً لهذه الصيغة القانونية في التجربة الإسلامية الإيرانية. انظر: دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، المادة التاسعة عشرة، والمادة الثالثة والعشرون.


تكونن عليهم سَبُعاً ضارياً، تغتنم أُكلهم؛ فإنَّهم صنفان، إمَّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق) (1) .

وحول الدعوة القرآنية إلى حوار الأديان يمكن الإشارة إلى قوله تعالى:

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) (2) .

وأعلى درجة من درجات الاحترام للآخر نجدها عند الإسلام؛ حيث ضمَّنت تشريعاته المساواة أمام القانون بين جميع الرعايا، من أيِّ دين كانوا وإلى أيِّ ملَّة انتموا، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)، عن رجل قتل رجلاً من أهل الذمة، فقال: "هذا حديث لا يحتمله الناس، ولكن يعطي الذمي دية المسلم، ثم يُقتَل به المسلم" (3) .

وقد ضمن لهم الإسلام حقوقهم وحرَّم الاعتداء عليهم، كما حرَّم الاعتداء على غيرهم من المواطنين في الدولة الإسلامية، ففي رسالة الحقوق المروية عن

____________________

(1) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، نهج البلاغة، من عهده إلى مالك الأشتر واليه على مصر، ج 3، ص 84.

(2) آل عمران: 64.

(3) الحر العاملي، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ط 1، قم، مؤسَّسة آل البيت لإحياء التراث، ج 29، ص 108.


الإمام زين العابدين (عليه السلام): (وحق الذمة أن تقبل منهم ما قبل الله (عزَّ وجلَّ)، ولا تظلمهم ما وفوا الله بعهدهم) (1) .

وقد تحرَّج أصحاب الأئمة من التصرف في أموالهم التي يبيحونها لهم تحت ضغط السلطان الجائر، فها هو أحدهم يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن قرية لأناس من أهل الذمة، لا أدري أصِلُها لهم أم لا، غير أنَّها في أيديهم وعليها خراج، فاعتدى عليهم السلطان، فطلبوا إليَّ، فأعطوني أرضهم وقريتهم على أن يكفيهم السلطان بما قلَّ أو كثر، ففضُل لي بعد ذلك فضل، بعد ما قبض السلطان ما قبض؟

فقال: (لا بأس بذلك، لك ما كان من فضل) (2) .

تكشف هذه الرواية عن دقة أصحاب الأئمة في التعامل مع أموال أهل الذمة، فأهل الذمة هم الذين أباحوا أموالهم وقريتهم، ولا يُعلَم إنْ كان أصلها لهم أم لا، ومع ذلك يتردَّد السائل في أخذ ما بقي من الأموال.

ولا يخفى ما بين هذا النص وما يدل من سماحة في التعاطي مع أهل الذمة وبين بعض فتاوى بعض الفقهاء من السنة والشيعة (3) التي تعكس تشدُّداً في التعاطي معهم؛ ولعل هذا التفاوت يعود إلى الأعراف السياسية التي سادت في المجتمعات الإسلامية، عبر عصور متلاحقة.

وعلى أية حال، يحتاج هذا الموضوع إلى بحث آخر ليس هنا محلُّه.

____________________

(1) المصدر نفسه، ج 15، ص 179.

(2) المصدر نفسه، ج 19، ص 58.

(3) من فقهاء الشيعة لاحظ: محمد بن الحسن الطوسي، المبسوط، ج 3، ص 44. ومن أهل السنة لاحظ: ابن قدامة، المغني، ج 1، ص 74.


ولعل من المناسب الإشارة إلى شهادتين حول التسامح الإسلامي مع أهل الأديان الأخرى، قبل أن أنتقل إلى بيان النظرية الثانية للتعدُّدية:

أ - يقول "لامارتين"، الشاعر والمستشرق الفرنسي المعروف: "إنَّهم [المسلمين] الشعب الأكثر تسامحاً على الأرض، وهو الأكثر تقديراً واحتراماً للعبادة والصلاة مهما تنوَّعت اللغات والطقوس؛ ذاك أنَّه لا يكره بالعمق سوى الإلحاد، وهو يعتبره... انحطاطاً للفكر الإنساني وازدراء للبشرية قبل أن يكون إهانة لله" (1) .

ب - ويقول صموئيل أتينجر: "اتسمت علاقات اليهود بالمجتمع المحيط بهم طيلة الفترة الواقعة بين القرن السادس عشر والقرن الثامن عشر بقدر كبير من الاستقرار، وكانت أماكن العمل طيلة هذه الفترة تجمع اليهود بإخوانهم من المسيحيين والمسلمين، وكان أبناء هذه الطوائف يلتقون معاً آنذاك خارج العمل أيضاً" (2) .

____________________

(1) لامارتين، نقلاً عن: جان جبور، النظرة إلى الآخر في الخطاب الغربي، ط 1، بيروت، دار النهار، 2001، ص 264.

(2) صموئيل آتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، سلسلة عالم المعرفة، الرقم 197، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1995، ص 208.


2 - النظرية الثانية: حقانية الأديان كلِّها

وهذه النظرية من أشدِّ الاتجاهات تطرُّفاً بين دعاة التعدُّدية، ويُقصد بها الدعوة إلى التعدُّد، وعدم التعلُّق بدين واحد وحصر الحق به دون غيره من الأديان. وقد ذهب هذا المذهب بعض الفلاسفة والعرفاء المسلمين؛ حيث يُنقل عن ابن عربي قوله:

لَقَد كُنتُ قَبلَ اليَومِ أنكِرُ صاحِبي   إِذا لَم يَكُن ديني إِلى دينِهِ داني

وَقَد صارَ قَلبي قابِلاً كُلَّ صورَةٍ   فَمَرعَى لِغزِلانٍ وَدَيرٌ لِرُهبان

وَبَيْتُ  أَوثانٍ  وَكَعبَةُ  طَائِفِ   تَوراةٍ   وَمُصحَفُ   قرآن

أَدينُ بِدينِ الحُبِّ أَنَّى تَوَجَّهَت   رَكائِبُهُ  فَالحُبُّ ديني وَإِيماني (1)

وتنطلق هذه الدعوة من منطلقات معرفية ودينية عدَّة، أشير إلى أهمِّها:

المنطلق المعرفي أو نسبية المعرفة:

بدأ الاشتغال الفلسفي على المعرفة الإنسانية لجهة البحث عن مصادرها وكيفية تكوُّنها وغير ذلك من المباحث المشابهة، في العصر الحديث من عصور الفلسفة الأوروبية، حتى قيل: إنَّ الفلسفة في العصر الحديث تحوَّلت إلى بحث عن نظرية المعرفة: "أمَّا الفلسفة الحديثة، فقد اتجهت إلى البحث في المعرفة، واهتمَّت بدراسة طبيعتها؛ للوقوف على حقيقة العلاقة التي تربط بين

____________________

(1) ابن عربي، نقلاً عن: سعاد الحكيم، مجلَّة الحياة الطِّـيِّبة، ع 9، ص 200.


فقد اعترفت هذه الآية لغير المسلمين بأديانهم، وأقرَّت لهم بعدم الخوف والحزن، وهذه هي دعوى التعدُّدية لا أكثر؛ حيث إنَّ المراد من التعدُّدية هو الاعتراف بأكثر من دين كوسيلة للتعبُّد، والوصول بالتالي إلى النجاة.

هذا ولم أجد أحداً من المفسِّرين فهم من هذه الآية أنَّ الله يقبل من المكلَّّف أيَّ دين يدين به. ولا أريد أن أقول: إنَّ ما فهمه المفسرون حجَّة، لا تجوز مخالفته. إنَّما أزعم أنَّ فهم أيَّ جزءٍ من كتاب، سواء أكان قرآنا أم غيره، لابد أن يتمَّ على أساس السياق العام الذي ورد فيه. ومن هنا، عندما نراجع القرآن، نجد إلى جنب هذه الآية عدداً كبيراً من الآيات تُؤكِّد أنَّ الدين واحد، وهو الإسلام، منها قوله تعالى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) (1) .

وإذا فهمنا من هذه الآية الإسلام بالمعنى اللغوي، فإنَّنا نجد الكثير من الآيات التي تدعو إلى اتباع النبي محمد (صلَّى الله عليه وآله)، ولا تجوِّز اتباع غيره، كقوله تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (2) .

____________________

(1) آل عمران: 85. وسوف يأتي لاحقاً المراد من الإسلام في هذه الآية.

(2) النساء: 65.


ب - قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا) (1) ، وكذلك قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) (2) .

وقد استدلَّ جمع من علماء الأصول (أصول الفقه) بهاتين الآيتين على عدم مسؤولية المكلَّف تجاه التكليف الذي لم يصله بأيِّ نحوٍ من أنحاء الوصول؛ وهذا ما يسمُّونه أصل البراءة في المصطلح الأصولي (3) .

وهذه الآيات لا يمكن استفادة التعدُّدية بهذا المعنى منها، بل هي دالة - عند مَن يرتضي دلالتها - على عدم المسؤولية في حالة الجهل وعدم وصول الرسول - عقلاً كان هذا الرسول أم شرعاً ووحياً - أي هي تدل على تعدُّد سُبُل النجاة.

ج - قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (والله، لو ثنيت لي الوسادة، لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم...) (4) .

وهذه الرواية تكشف عن الإمضاء لشريعة غير المسلمين، وإلاّ كيف يحكم الإمام بشريعة باطلة منسوخة؟ ولكن ربَّما يُعترض على الاستدلال بهذه الرواية بأنَّ الإمام في مقام الاحتجاج وإثبات معرفته الواسعة بالشرائع السابقة، لا

____________________

(1) الطلاق: 7.

(2) الإسراء: 15.

(3) محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، م.س، ص 13. قارن بمناقشة الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، م.س، ص 93. وقارن كذلك بـ: ابن حزم، الأحكام، تحقيق: أحمد شاكر، مطبعة العاصمة، ج 1، ص 94.

(4) المحمودي، نهج السعادة، ج 3، ص 431.


الاعتراف بحقَّانيَّتها.

أضف إلى ذلك أنَّ الإسلام يسمح لغير المسلمين، المقيمين في المجتمع الإسلامي، أن يطبِّقوا شرائعهم في ما بينهم (1) ، ولا يعني ذلك، بأيِّ وجه، إمضاء الإسلام لهذه الشرائع إلاّ عند أصحابها.

د - اشتهر على لسان كثير من علماء المسلمين مقولة: "الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق" (2) .

وهذه المقولة التي لا تستند، بحسب تتبُّعي، إلى نص مأثور عن النبي (صلَّى الله عليه وآله)، أو غيره من المعصومين (عليهم السلام).

ويمكن أن يُفهم منها أحد معنيين:

المعنى الأول:

هو أنَّ الله يقبل من الإنسان أيَّ دين يختاره للتديُّن به والوصول إليه، وهذا هو ما يريده دعاة التعدُّدية بهذا المعنى الذي نعالجه الآن. ولكن هذا التفسير هو أحد احتمالين، وليس المعنى الوحيد، بل لعلنا نجد في المأثور ما يتنافى معها، كالحادثة المشهورة عن النبي (صلَّى الله عليه وآله)؛ حيث يروي ابن مسعود: "خطَّ لنا

____________________

(1) نجم الدين المعروف بـ "المحقِّق الحلِّي"، شرائع الإسلام، ط 1، بيروت، مؤسَّسة الوفاء، 1983، ج 4، مج 2، ص 934. وقارن محمد رضا الكلبايكاني، الدر المنضود، ط 1، قم، دار القرآن الكريم، 1412هـ، ج 1، ص 943.

(2) وردت هذه العبارة عند كثيرين، منهم: محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ط 1، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج 64، ص 137. وملا هادي السبزواري، شرح الأسماء الحسنى، قم، بصيرتي، لا ت، ج 1، ص 145. ومصطفى الخميني، تفسير القرآن الكريم، ط 1، طهران، العروج، ج 2، ص 127. وقد وردت كعنوان لرسالة من تأليف أحمد بن عمر المعروف بنجم الدين الكبرى، في رسالة منسوبة إليه بعنوان: رسالة الطرق، افتتحها بقوله: "والطرق إلى الله بعدد أنفاس...".


رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يوماً خطَّاً، ثُمَّ قال: (هذا سبيل الله)، ثُمَّ خطَّ خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثُمَّ قال: (هذه سُبُل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)، ثُمَّ تلا قوله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (1) .

وكذلك قول الله سبحانه في القرآن: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ) (2) .

وكذلك الرواية المشهورة عن النبي (صلَّى الله عليه وآله)، حيث يقول: (اليمين والشمال مضلَّة، والطريق الوسطى هي الجادة) (3) .

المعنى الثاني:

ويبدو أنَّ الأوفق بالمعروف من الذهنية الإسلامية، بل كل أصحاب الأديان الذين يعتقدون أنَّ الدين الذي يؤمنون به هو الحق من عند ربهم، وبالتالي، لا يتسنَّى لهم القبول باتباع غيره من الأديان. وهذا المعنى هو أنَّ سُبُل الهداية إلى الله والدين الحق متعدِّدة، فمن الناس مَن يُؤمن بعد رؤية المعجزات، ومنهم مَن يُؤمن بعد التأمُّل الفكري في صحة المفردات التي يدعو

____________________

(1) الأنعام: 153. والرواية نقلها عدد من المحدِّثين، منهم: الدارمي في سُنَنِه، ج 1، ص 67، وأحمد في مسنده، ج 1، ص 425.

(2) آل عمران: 85.

(3) ابن أبي جمهور الإحسائي، عوالي اللآلي، ج 4، ص 110.


إليها هذا الدين، وهكذا.... وبناءً عليه، لا يمكن استفادة التعدُّدية بهذا المعنى من هذه المقولة.

3 - النظرية الثالثة: التعدُّد في سُبُل النجاة

يُراد من هذا المعنى من معاني التعدُّدية أنَّ الله - سبحانه - يقبل من المكلَّف الذي بذل جهده للوصول إلى الحق، واستنفد طاقاته المتاحة له لذلك، إلاّ أنَّه لم يحالفه التوفيق. ويبدو أنَّ هذا المعنى، من المعاني التي تملك مبرِّراتها في الإطار الإسلامي، بل هو من البديهيات الواضحة في بعض مصاديقه؛ وذلك لأنَّ الإسلام لم يحصر سُبُل النجاة بدين واحد - على الأقل - قبل بعثة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله).

ومن هذه الآيات: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ...) (1) ، وغيرها ممَّا قد يُعثر عليه المتتبِّع، إلاّ أنَّ هذه الآيات وردت في مقام الدعوة إلى الدين الحق وضرورة اتباعه.

وفي مثل هذا المقام، لا يمكن لأيِّ معتقِد بصحة أفكاره، إلاّ

____________________

(1) آل عمران: 19.


أن يبيِّن صَحَّتها وبطلان غيرها. والدعوة إلى الحق تقتضي ذلك أيضاً، ولكن هذا شيء، والحكم على بعض الناس الذين لم يتيسَّر لهم السير في طريق النجاة شيء آخر. وهذا الأخير هو محلُّ كلامنا.

الكنيسة والنجاة:

لقد آمنت الكنيسة المسيحية بأنَّ النجاة محصورة بالمسيح، وبالقيام ببعض الأفعال الخاصة، كالعمادة مثلاً. ومن هنا، فلم تحكم حتى على بعض الأنبياء الذين تحترمهم، بالنجاة والفلاح، كإبراهيم مثلاً؛ لأنَّه لم يُؤدِّ الطقس الكنسي الخاص (1) . ووُجِدت تياراتٌ وآراءٌ أكثر تساهلاً، لكنَّها، على أيِّ حال، حصرت النجاة بالمسيح عِبر مقولة المسيحيين المجهولين.

الإسلام والنجاة:

يمكن التنظير لمقولة النجاة لغير المسلمين في الإطار الإسلامي من خلال عدَّة منطلقات، بعضها يرجع إلى الموروث الديني المنقول، وبعضها يستند إلى اجتهادات كلامية أو أصولية تركِّز مقولة التعدُّدية بهذا المعنى الذي نبحث عنه راهناً في هذه المقولة:

____________________

(1) انظر: محمد لغنهاوزن، مجلَّة "كتاب نقد" الإيرانية، ع 4، ص 41.


قوى الإدراك، والأشياء المدرَكة" (1) ، مهمِلة سائر الموضوعات التي كانت الشغل الشاغل للفلاسفة في عصور سابقة، كالميتافيزيقا مثلاً.

ومن بين النظريات التي طُرحت في نظرية المعرفة نظرية نسبية المعرفة ، والدعوة إلى عدم الاطمئنان إلى أيِّ يقين يتوصَّل إليه الإنسان في بحثه عن المعرفة. وربَّما يمكن تصنيف عدد من الأفكار تحت هذا العنوان.

أ - الاتجاه الكانطي:

لقد ميَّز كانط (1724 - 1804) في مجال المعرفة بين أمرين، هما: "الشيء في ذاته" و "الشيء كما يبدو لنا"، وبناءً على هذا المبنى المعرفي لا يتيسَّر للإنسان معرفة ماهيَّات الأشياء وحقائقها كما هي، بل يعرفها من خلال ما تظهر له (2) . وبعبارةٍ أخرى، فَصَل كانط بين موضوع المعرفة وبين فاعل المعرفة (3) ، ويظهر جليَّاً من هذا الطرح الكانطي نوع من النسبية في المعرفة، أو على الأقل استفيد منها للوصول إلى ذلك.

ولعل المطَّلع على ما طرحه المناطقة المسلمون في باب التعريف، يجد نوعاً من التشابه بين كلامهم وكلام كانط؛ حيث إنَّهم اعترفوا بعدم إمكان الاطلاع على حقائق الأشياء للوصول إلى تعريف دقيق لها: "... إنَّ المعروف

____________________

(1) توفيق الطويل، أسس الفلسفة، ط 6، القاهرة، دار النهضة العربية، 1976، ص 51.

(2) مجاهد عبد المنعم مجاهد، الموسوعة الفلسفية العربية، م س، مج 1، ص 526.

(3) كريم مجتهدي، نگاهى به فلسفه هاى جديد ومعاصر در جهان غرب [نظرة إلى الفلسفات الحديثة والمعاصرة في الغرب]، ط 1، طهران، أمير كبير، 1373ه.ش، ص 142.


عند العلماء، أنَّ الاطلاع على حقائق الأشياء وفصولها من الأمور المستحيلة أو المتعذِّرة" (1) . وعلى هذا يبتني كل تصريح باليأس من العثور على تعريف لظاهرة ما (2) .

كما ويشبه كلام كانط أيضاً ما تفتَّقت عنه عبقرية الشهيد الصدر الفذَّة من ابتكاره لمصطلح اليقين الذاتي في مقابل اليقين الموضوعي. ويُقصد بالأول: اليقين بما هو حالة نفسية يتَّصف بها الإنسان المتيقِّن؛ سواء امتلك هذا اليقين مبرِّراً موضوعياً أم لم يمتلك. وبالثاني: اليقين الذي يستند إلى مُعطيات خارجية (3) .

والفرق بين هذه الموارد من الفكر الإسلامي وبين نظام المعرفة الكانطي أنَّها لا تتنافى مع إمكان المعرفة ضمن حدود معينة، بخلاف ما ينسب إلى كانط من إنكار إمكانية الوصول إلى معرفة صافية. ولا نريد في هذه المقالة التعرُّض للردود التي وُجِّهت إلى المذهب الكانطي في المعرفة، ولمَن يريد ذلك مراجعة الكتب المتخصِّصة في هذا المجال (4) .

ويتَّضح الموقف الفلسفي في الإطار الإسلامي بملاحظة تحليلات الفلاسفة المسلمين لمسألة الوجود الذهني؛ حيث لا يقبلون أيَّ نوع من الاختلاف بين عالم الواقع وعالم الذهن. ويرون في ذلك سفسطة وبُعداً عن الواقع، وجهلاً.

____________________

(1) محمد رضا المظفر، المنطق، لا ط، بيروت، دار التعارف، 1980م، ص 101.

(2) كاظم الخراساني، كفاية الأصول، ط 1، بيروت، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، ص 348.

(3) محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، ط 1، بيروت، دار المنتظر، 1985م، مج 2، ص 39.

(4) محمد باقر الصدر، فلسفتنا، ط 15، بيروت، دار التعارف، 1989، ص 126 وما بعدها.


يقول الطباطبائي في سياق ردِّه لنظرية مَن ينكر الوجود الذهني: "وهذا [القول بأنَّ العلم هو عبارة عن صورة تشبه الواقع المعلوم] في الحقيقة سفسطة ينْسَدُّ معها باب العلم بالخارج من أصله" (1) ؛ ويعلِّل ذلك في الهامش بقوله: "لمغايرة الصور الحاصلة عند الإنسان لِمَا في الخارج مغايرة مطلقة، فلا علم بشيء مطلقاً، وهو السفسطة" (2) .

ب - لا حتمية هايزنبرغ:

طرح هايزنبرغ في مجال الفيزياء نظريةً سَرَتْ إلى المعرفة والفلسفة، وتركت آثارها على الفلسفة المعاصرة بشكل واسع. وحاصل هذه النظرية، هو: إنَّنا لا نستطيع معرفة موقع الإلكترون الذي يدور حول نواة الذرة إلاّ إذا سلَّطنا عليه الضوء، وعندما يصطدم الإلكترون بالفوتون يأخذ قسطاً منه، فتزداد سرعته، فيلتبس علينا موقعه. ويشبِّه أحد الفيزيائيين هذه الظاهرة بقطة عالقة في قبوٍ مُظلم نريد معرفة موقعها في هذا القبو، ولا يمكننا ذلك إلاّ بتسليط الضوء عليها من ثقب صغير في باب القبو، ومن الطبيعي أنَّنا عندما نفعل ذلك سوف تهرب إلى زاوية أخرى غير التي كانت فيها (3) . والنتيجة الأبرز لهذه النظرية الفلسفية هي التنازل الكامل عن دعوى إمكانية تحصيل

____________________

(1) محمد حسين الطباطبائي، بداية الحكمة، بيروت، مؤسَّسة أهل البيت، 1986، ص 36.

(2) المصدر نفسه، ص 36.

(3) انظر: محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، ط 4، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، ص 381.


معرفة موضوعية، بل كل معرفة من المعارف؛ سواء في العلوم الطبيعية أم في غيرها من العلوم، يختلط فيها الذاتي بالموضوعي، ونتيجة المعرفة بأدوات قياسها ومقدِّمات الوصول إليها.

والتعليق الذي يمكن أن يوجَّه إلى الاستفادة المعرفية من هذه النظرية هو: أنَّه لا مبرِّر للخلط بين مجال الفيزياء وغيرها من المجالات العلمية الأخرى، فإذا كان موقع الإلكترون لا يتحدَّد إلاّ بعد تدخُّل أجهزة القياس، فلماذا نفرض الموقف نفسه على كل معرفة؟! وهذا الالتباس المعرفي هو عين ما وقعت بعد نظرية داروين في التطوُّر؛ حيث نُقِل التطوُّر - على فرض صحَّته - من عالم الطبيعة، إلى عالم الفلسفة والأخلاق وغيرها (1) .

المنطلق الديني للتعدُّدية:

قد يستند دعاة التعدُّدية الدينية - بهذا المعنى المبحوث عنه في هذا الفصل من المقالة - إلى مجموعة من الآيات القرآنية، سوف أحاول الإشارة إلى أهمِّها:

أ - قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (2) .

____________________

(1) لمزيد من التفاصيل راجع: عبد الكريم سروش، دانش وأرزش، ط 2، طهران، انتشارات ياران، 1385هـ.ش، ص 131.

(2) البقرة: 62.



نظرة إلى التعدُّدية في الأديان

عبد الحسين خسرو بناه (*)

تمهيد

إنَّ سعة ساحة الحوار والنقاش العلمي هي من العوامل المؤثِّرة في إغناء العلم والمعرفة في المجتمع، وإنَّ النمو الكمِّي والكيفي لأيِّ فكرٍ، هو وليد تضارب الآراء، وتبادل الأفكار. وتكامل علم الكلام، أيضاً، ليس استثناءً من هذه القاعدة. وقد أُتيح هذا المجال - بلطف الله - لمجتمعنا بعد انتصار الثورة، فاتسعت المساحة بشكل أكبر من خلال طرح الآراء والعقائد المختلفة في مجال علم الأديان وعلم الكلام الإسلامي، وخرجت هذه العلوم من حالة الخمود والجمود. وهذا النوع من التحرُّك العلمي أدَّى إلى التعمُّق أكثر في الأدلة والبراهين الدالة على وجود الله، وإلى دخول مسائل جديدة إلى ساحة علم الكلام الإسلامي، مثل: الوحي والإيمان، ومعيار الصدق في القضايا الدينية، ومسألة اللغة الدينية، وتعدُّدية الأديان، وغير ذلك.

____________________

* كاتب ومدرِّس في الحوزة العلمية - قم.


وهذه المقالة تحاول - باختصار - توضيح وتبيين ونقد، الآراء المختلفة في مجال الوحدة والكثرة في الأديان، رغم أنَّ تفصيل ذلك يحتاج إلى فرصة أخرى، ومقالات متعدِّدة.

إنَّ التعدُّدية ( Pluralism ) مذهب واتجاه أساسه ومبناه هو التعدَّد، والميل نحو الكثرة، والتعدُّدي ( Pluralist ) هو الشخص الذي يُؤمن بالكثرة، ووجود أكثر من حقيقة مطلقة، في مقابل مَن يعتقد بالوحدة، ويميل نحو نوع من الحصرية الدينية. وقد قُسِّم مذهب التعدُّدية هذا إلى: تعدُّدية أخلاقية ، وسياسية، ودينية .

تَعتبر التعدُّدية الأخلاقية أنَّ هناك أكثر من مبدأ ومعيار للحسن والقبح؛ ما يعني نسبية الأخلاق. وتبعاً لذلك، ضرورة التسامح والمداراة في ساحة العمل الفردي والجماعي. و التعدُّدية الاجتماعية هي إحدى مباحث فلسفة العلوم الاجتماعية، وهي تعتقد أنَّ المجتمع قائم على أساس مجموعات قومية، أو عرقية. وأمَّا التعدُّدية السياسية ، فهي أحد المبادئ الأساسية للديمقراطية الليبرالية، وهي تُؤمن بتقاسم السلطة السياسية بين الجماعات والمنظمات المستقلة عن الحكومة لتشارك في الساحة السياسية.

في العصور الماضية لم تكن الأديان والمذاهب تتعرَّف إلى بعضها، وإذا كان هناك فعل أو ردُّ فعل فيما بينها، كان عادة قائماً على نوع من التعارض والصراع الديني، وقلَّما كان هناك بحث وحوار بينها للوصول إلى معرفة عميقة، أو للوصول إلى تفاهم. لكن القرن الأخير شهد بحوثاً علمية من أجل


الوصول إلى معرفة أدق بالأديان؛ وكان أول دواعي هذه البحوث وجود الدعاوى المتعارضة بين الأديان. وفي النتيجة، دخلت إلى فلسفة الدين مسألة جديدة.

وإذا أردنا أن نتكلَّم بشكل ملموس أكثر، فإنَّنا نواجه هذا السؤال: مع وجود فرضية قبلية هي الحصرية ( Exdusirism ) في الأديان السماوية

وغيرها، كيف يمكن أن نفتح طريق الفلاح بالنسبة لسائر الأديان؟

فمن البديهي أنَّ أيَّ شخص يُولد في أيِّ بلد، سيختار الدين والمذهب السائد هناك ويتبعه، وآراء جميع الأديان تختلف في باب غاية البشر وسعادتهم، وفي تبيان الحقائق المتعلِّقة بالله والإنسان.

يقول جون هيك ( Jhon Hick ): "يعتقد البعض أنَّ كل دين يستدل بعدة أدلة تَثبت صحَّتُه، وهكذا يحكم بعدم صحة الدين الآخر. وبالنتيجة، فإنَّ كل دين يمتلك دوماً أدلة أكثر من أجل إبطال دعوى الدين الآخر أكثر ممَّا يمتلك أدلة لإثبات مدعَّياته" (1) .

والأهم من كل ذلك، أنَّ أيَّ متكلِّم يُدرك بشكل بديهي حقيقةَ أنَّ هناك أديان ومذاهب أخرى، غير دينه ومذهبه، وعليه أن يُبدي وجهة نظره تجاهها، وأن يعرف خصائصها المميِّزة لها والمشترِكة مع غيرها، وأن يُوازن بينها من خلال تحديد صحتها وسقمها، وأن يستخدم الأساليب الحكيمة المقبولة للدفاع العقلائي عن المعتقدات الدينية الموجودة في النصوص المقدَّسة

____________________

(1) جون هيغ، فلسفة الدين، ترجمة: بهرام راد، ص 226.


لدينه، وأن يجيب بشكل منطقي عن الشبهات والاعتراضات التي يطرحها أتباع سائر الأديان والمذاهب. وعليه كذلك، الإجابة عن هذه الأسئلة: هل هناك طريق محدَّد للفلاح والسعادة وبلوغ الحقيقة من خلال جميع الأديان أم لا؟ وهل يمكن افتراض وجود جوهر واحد لجميع الأديان؟ وهل يمكن التوفيق بين الآراء المتضاربة للأديان من خلال الحوار أو النسبية، أو ما شابه ذلك؟

والأمر الذي يستحق الاهتمام هو أنَّهم قسَّموا التعدُّدية الدينية إلى قسمين: داخل الدين ، و خارج الدين .

التعدُّدية داخل الدين الواحد تعتقد أنَّ جميع التفاسير المختلفة للدين الواحد، والتي أدَّت إلى ظهور مذاهب وفِرق مختلفة، كلها حقيقية وتًُؤدِّي إلى السعادة. ومثل هذا الكلام ما جاء في نظرية التصويب عند الأشاعرة والمعتزلة؛ والتي تُؤدِّي إلى نوع من الجمع بين النقيضين أحياناً.

والتعدُّدية خارج الدين هي: الاعتقاد بأنَّ جميع الأديان المختلفة تشتمل على الحقيقة، وتُؤدِّي إلى السعادة.

و التقسيم الآخر للتعدُّدية هو: اعتقاد البعض بأنَّ الهدف والحقيقة متعدِّدان، بينما اعتقد آخرون أنَّ الهدف واحد، لكن طرق الوصول إلى ذلك الهدف وتلك الحقيقة متعدِّدة...

بعد طرح المسألة وشرحها، نبدأ بتوضيح الاتجاهات والاستنتاجات المختلفة التي قدَّمها فلاسفة الدين والمتكلِّمون. وقد تناول البروفسور ريتشار غلين ( Richards Glyn ) (رئيس مركز الدراسات الدينية في جامعة سترلينغ)


معظم هذه التفسيرات في كتابه (نحو إلهيَّات تعدُّدية الأديان) (1) . وقد قدَّم أحد أساتذة الحوزة والجامعة عرضاً لهذا الكتاب في العدد الأول من فصلية (الحوزة والجامعة)، وما نورده هنا يُركز على تلك المقالة، رغم أنَّه يُعرِّج على آراء بعض علماء إيران أيضاً.

الاتجاه الأول

وهو اتجاه الحوار بين الأديان. ومن أنصار هذه النظرة: جون هيك ، نينيان سمارت ( Ninian Smart )، و ويلفرد كنت ، و ول سميث ( Wilfred Cant Well Smith )، و رايموند وبانيكار ( Raimund and Panikkar ). وتعتقد هذه الجماعة بلزوم عدم دعوى الحصرية لمصلحة أيِّ دين من الأديان. ولابد من الانتباه إلى أنَّ المشاركة الوجدانية في الحوارات لن تُؤدِّي إلى زوال الصفاء العقائدي لأتباع الأديان فحسب، بل سوف تزيد ثقافتهم الدينية غنى وعمقاً (2) .

ويبدو أنَّ هذا الاتجاه أقرب إلى التسامح والتساهل منه إلى البحث الفلسفي والكلامي. وبعبارةٍ أخرى، فإنَّ هذه النظرة هي نوع من اتجاه أخلاقي نفسي، وليس نتاجاً فلسفياً وكلامياً.

____________________

(1) Towards a Theology or Religions .

(2) راجع فصلية "حوزه ودانشگاه" [الحوزة والجامعة]، السنة 1، ع 1، ص 62، والسنة 2، ع 6، ص 53.


إنَّ مشكلتنا هي: هل سيتمكن جميع المؤمنين والمتدينين من نيل السعادة الحقيقية؟ أم أنَّ السعادة الحقيقية حكر على دين أو مذهب خاص؟ إنَّ اتجاه الحوار بين الأديان لن يقضي على الاختلافات القائمة في ميدان المعرفة الدينية مطلقاً؛ بل كل ما يُؤدِّيه هو إفادة بعض المتدينين، وإغناء المعرفة الدينية، والتقريب بين الأديان والمذاهب، وخلق نوع من التفاعل وسعة الصدر لدى الباحثين، وإزالة التوتُّر الاجتماعي لدى المتدينين، وفي النهاية يبقى سؤالنا من دون جواب.

والجدير بالذكر أنَّ أئمة الدين الإسلامي - وخصوصاً أئمة المذهب الشيعي - كانوا يولون المناظرة أهمية خاصة، وكانوا يحاورون ويناقشون معارضيهم بسعة صدر. يؤلِّبون أصحابهم إذا واجهوا معارضيهم بتصرف فظ أو غليظ. وفي هذا الجوِّ، ظهر علم المناظرة في التاريخ الكلامي الشيعي، عُرِّضت فيه الآداب الأخلاقية والمنطقية للحوار والمناظرة.

خلاصة الكلام، أنَّه ينبغي عدم الخلط بين التعدُّدية، والتسامح الديني؛ فالتسامح هو حل عملي من أجل التعايش المشترك، والسلم الاجتماعي. وبعبارةٍ أخرى، هو نوع من الحرية واحترام حقوق أتباع سائر الأديان، وهذا الحل يختلف عن التعدُّدية. نعم، الإنسان التعدُّدي ينجر في مقام العمل إلى نوع من التسامح أيضاً، وذلك لوجود الترابط النفسي بين المعتقَد والسلوك.


الاتجاه الثاني

ويطرح هذا الاتجاه جوابه عبر النسبية، فهذه الجماعة تخالف الإطلاق والاضطراد من جهة، ومن جهة أخرى - تبعاً لمعرفتها بالتحوُّلات التاريخية - تعتقد بأنَّ كل شيء عرضة للتحوُّل التاريخي، بما في ذلك الظواهر الثقافية، والآراء الدينية، والأخلاقية. وبعبارةٍ أخرى، فإنَّ جميع الأديان بأشكالها المختلفة، تُؤمِّن وسيلة النجاة والفلاح للبشر. وعليه، ليس على البشر أن يبحثوا في الخلافات، بل عليهم أن يهتمُّوا بالقواسم المشتركة في ما بينهم، واجتناب ما يُفرِّقهم.

طرح هذا الجواب من قبل جماعة؛ منهم: أرنست تروليتش ( Ernst Trroeltsch ) عالم الكلام والفيلسوف الألماني (1865 - 1923)، و آرنولد توينبي ( ِ Arnold Toynbee ) المؤرِّخ وفيلسوف التاريخ البريطاني (1889 - 1975). وقد واجه هذا الجواب إشكالات (علم - معرفية وكلامية) عدَّة، منها:

الإشكال الأول:

إذا كانت هذه الفئة تميل إلى التحوُّل التاريخي لكل الظواهر، وكذلك إلى النسبية الواقعية والخارجية؛ عندئذٍ يجب عدم الأخذ بمقولة تدَّعى النجاة والفلاح، في حين أنَّ هذه المفاهيم هي الهدف النهائي لجميع المتدينين؛ لأنَّ هناك تصوُّراً ثابتاً عن مفهوم الهدف النهائي، لا يتناسب مع التحوُّل الشامل لدعاة النسبية.


الإشكال الثاني:

إنَّ ذلك يستلزم عدم التناسب بين التحوُّل الشامل، وقبول القواسم المشتركة بين الأديان. ولو كانت جميع ظواهر العالم متحوِّلة ومتغيِّرة، فكيف يمكن إيجاد أمر أو عدَّة أمور، مشتركة وثابتة في جميع الأديان، حتى نوصي المتدينين بها، ونلفت نظرهم نحوها؟

الإشكال الثالث:

وهو إشكال مبنائي؛ وهو أنَّ التحوُّل العام بين الظواهر، مرفوضٌ من قبل جميع المفكِّرين الواقعيين؛ لأنَّ أول ضحايا هذا التحوُّل ستكون نظرية النسبية لأصحاب هذا الاتجاه، وسوف يتبدَّل التحوُّل الشامل إلى ثابت.

الإشكال الرابع:

حتى الآن لم يثبت وجود أمر مشترك بين جميع الأديان، رغم وجود أوجه مشتركة بين بعضها؛ كالاعتقاد المشترك - إلى حد ما - بوحدانية الله تعالى، الموجود في الدينين اليهودي والإسلامي. لكن هذا الفهم للوحدانية لا يتناسب مع الفكر المسيحي، فتفسير المسيحيين لوحدة الله يتناسب مع فكرة التثليث أو الثالوث.


الاتجاه الثالث

وهو اتجاه جماعة، منهم: شلاير ماخر ( ٍٍٍٍٍٍٍ Schleier Macher) ، و كارل غوستاف يونغ ( Carl Gustav Jung ). وهو جواب جوهري؛ حيث قبل أولئك بضرورة الدين في وجود جوهر الدين.

يقول شلاير ماخر : "إنَّ تعدُّد الأديان أمر ضروري من أجل إظهار شمولية وكمال الوحدة السامية للدين؛ لأنَّ كل دين خاص يُجسِّم جزءاً من ذات وجوهر الدين الأزلي الأيدي" .

بينما اعتقد بعض آخر - مثل: هوكينغ ( Howching ) - بأنَّ جوهر الدين هو العناصر المشتركة بين الأديان، من دون أن يُؤكِّد على خصائص الأديان.

ويونغ أيضاً - والذي كان له موقف إيجابي من الدين خلافاً لفرويد - اعتبر أنَّ جوهر الدين هو الصحة النفسية للإنسان، واعتبره من العناصر الطبيعية للحياة البشرية.

ترد على هذا الاتجاه عدَّة إشكالات:

أولها : ما هو الدليل على وجود جوهر واحد للأديان؟ وبأيِّ طريق يمكن اكتشاف الجوهر الواحد لجميع الأديان؟

و الإشكال الثاني، هو: إذا كان وجود الصَّدَف (الصدف في مقابل الجوهر) غير ضروري للأديان، فجوهر الدين لا يمكن أن يدوم كذلك. وبعبارةٍ أخرى: حتى لو قبلنا بالتمايز بين صَدَفِ الأديان وجوهرها، ولكن لا يمكننا إنكار وجود الصَّدَف؛ لأنَّ كل إنسان متديِّن إذا أراد أن ينال جوهر دينه،


فليس له مفر من نيله عن طريق الصَّدَف. من هنا، فإنَّ هذا الاتجاه لا يحقِّق ما تريده التعدُّدية أيضاً؛ إذ إنَّ كل دين يُفتي بانحصار الصواب بما في أصدافه.

وقد ظنَّ البعض أنَّ معنى نفي ضرورة وجود الأصداف، هو أنَّ أيَّ واحدة من أصداف الأديان تُوصل الإنسان المتديِّن إلى الجوهر المشترك. مثلاً: بإقامة العشاء الرباني، وبالصلاة، والسير والسلوك البوذي، وبإقامة الأعمال الدينية، يمكن الوصول إلى الجوهر المشترك للأديان؛ لذا فإنَّ التأكيد على هذه الأصداف أمر غير صحيح، بل إنَّه لغو لا طائل من ورائه.

لكن هذا القول ليس فقط لا يتناسب مع خاتمية الأديان، التي هي من ضروريات الدين الإسلامي، بل هو لا يتناسب مع نسخ الشرائع الذي تقرُّه معظم الأديان. لأنَّ أحد معاني نسخ الشرائع هو نسخ الأصداف، لا نسخ الجوهر المشترك. ونسخ الأصداف هذا نابع من مقتضيات الزمان؛ لذا فإنَّ زعماء المذهب الكاثوليكي وإنْ كانوا يرون أنَّ النجاة تكون في الأديان غير المسيحية أيضاً، لكنَّهم كانوا يرون أنَّ اللطف الوافر والنجاة الكاملة لا تكون إلاّ في اللجوء إلى التقليد المسيحي.

الإشكال الآخر، هو: أنَّ تفسير بعض المعتقدين بهذا الاتجاه المبني على فرض وحدة جوهر الأديان، كان مبنياً على أساس علم المعرفة، وأنَّ التمايز بين الواقعية الذاتية والواقعية الظاهرية، بمعنى أنَّ الواقعية الذاتية واحدة، إلا أنَّ الواقعية التي تظهر في الذهن ذات كثرة، وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار


جوهر الدين واحداً ومشتركاً، وإنْ كانت طرق الوصول إليه متفاوتة؛ بسبب اختلاف التقاليد، والثقافات، ومجالات المعرفة المختلفة.

واستناداً إلى هذا المبدأ المعرفي، فإنَّ مذهب التعدُّدية - القائم على افتراض وحدة جوهر الأديان - يأخذ منحى مثالياً ونسبياً؛ لأنَّ المذهب الواقعي مبني على شرطين: التمايز بين الذهن والواقع المحسوس، والتطابق العام للذهن مع الواقع المحسوس. وفي النتيجة، فإنَّ التمايز العام والكلي بين الواقعية الذاتية والواقعية الظاهرية، لا يُؤدِّي إلاّ إلى النسبية.

الاتجاه الرابع

وهو اتجاه التجربة الوحيانية والدينية. وقد طرح تفسير هذا الاتجاه بول تيليش ( Paul Tillich ) الفيلسوف وعالم الكلام البروتستانتي الألماني (1886 - 1956).

تستند هذه الرؤية إلى التجارب الوحيانية العامة التي لا تختص بشخص واحد أو دين محدَّد، فهو يعتقد أنَّ هناك ثلاثة عناصر أساسية في التجارب الدينية للبشر، وهي: عنصر السرّية والخفاء والغيب، و العنصر العرفاني، و عنصر النبوَّة. بحيث إذا تناسقت واتحدت العناصر الثلاثة المذكورة، أظهرت ما يُسمَّى بـ: دين الروح العينية . وهو ما تطلبه الأديان، ولم يظهر في كل دين تاريخي سوى جزء منه. إذاً، فالحُجِّـيَّة مطلقة، وغير منحصرة في فرد أو دين معيِّن (1) .

____________________

(1) مجلَّة [الحوزة والجامعة]، ع 1، ص 62.


وتوضيح الاتجاه المذكور هو أنَّ التجربة الدينية تعني ارتباط الإنسان بالله، وبمعنى أعم، تعني مواجهة الإنسان لأمر قدسي . هذا النوع من التجربة يشبه تماماً التجارب الحسيّة، ولها ثلاثة أركان هي: المجرِّب، و متعلَّق التجربة، و تحليل المجرِّب للتجربة .

وقبل تقييم هذا الاتجاه، نستعرض التفاوت بين التجربة الدينية والتجربة الحسيّة.

أولاً: إنَّ التجربة الدينية بعيدة المنال، وتظهر على يد النوادر من البشر. وبتعبيرٍ أفضل، لا يدركها إلاّ القليلون. وأمَّا التجربة الحسّية، فهي ميسورة لعامة الناس.

ثانياً: تفسير التجارب يختلف من حالة لأخرى، ولا تُوجد وسائل مشتركة ومتَّفق عليها بين جميع الأديان، ليتبيَّن بها صحة هذه التفسيرات من

عدمها. وسرُّ هذا الأمر هو أنَّ محلِّلي التجارب الدينية يعيشون داخل إطار ثقافات وتقاليد خاصة بمنطقتهم، وتُؤثِّر العوامل الاجتماعية وعوامل المحيط تأثيراً خاصاً في تحليلهم، وهذا ما يجعل تحليلاتهم مختلفة.

ثالثاً: إنَّ التجارب الحسّية هي نوع من العلوم المكتسَبة. وحسب بعض النظريات المقبولة في فلسفة العلم، فإنَّ العلوم التجريبية، أو التطبيقية، لا تنتج للمجرِّبين سوى الظن. أمَّا التجارب الدينية، فهي معلومات شهودية، ويرتبط العالم بها بشكل مباشر، وتُعطي المجرِّب يقيناً حقيقياً. بينما تحليل وتبيين هذين


المرتكزات النقلية:

أـ قوله تعالى: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (1) ، لقد وعد الله في هذه الآية بعض الأشخاص بالنجاة دون غيرهم من الذين كانوا احتجوا بالاستضعاف، إلاّ أنّ الله لم يقبل حجتهم، ودفعها بسعة أرض الله وتيسر الهجرة لهم (2) . وهذه الآية وإن كانت تشير إلى مَن لا حيلة له للكفر، كما لا حيلة له للإيمان كما ورد في تفسيرها (3) ، إلاّ أنّه وبتوسيع الملاك - كما يعبّر الأُصوليون - نستطيع أن نجزم بأنّ الضعف هو السبب في العذر، وأي ضعف أشد من ضعف مَن بذل الجهد ساعياً وراء الحقيقة، فلم تسفر له عن وجهها وتشبهت له بأُخرى، أفلا يعذر شخص كهذا بعد إيمانه بما قاده إليه الدليل؟!

ب - ما ورد عن أمير المؤمنين (ع): (... فأما من وحّد الله وآمن برسول الله (ص)، ولم يعرف ولايتنا ولا ضلالة عدونا، ولم ينصب شيئاً ولم يُحِلَّ ولم يُحّرِّم، وأخذ بجميع ما ليس بين المختلفين من الأمة فيه خلاف في أنّ الله أمر به أو نهى عنه... فهو ناجٍ) (4) .

____________________

(1) سورة النساء: الآية 98.

(2) سورة النساء: الآية 98.

(3) انظر: محمد بن مسعود العياشي، تفسير العياشي، ج1، ص 268.

(4) الإمام علي بن أبي طالب (ع)، كتاب سليم بن قيس، تحقيق: محمد باقر الأنصاري، ص 170.


ج - وعنه (عليه السلام) أيضاً: (لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس مَن طلب الحق فأخطأه، كمَن طلب الباطل فأدركه) (1) .

وهاتان الروايتان - وخاصة الأخيرة منهما - تشملان غير المسلم الذي خانه التوفيق في سعيه للبحث عن الحقيقة. ولا أُريد أنْ استقصي الأدلة النقلية الدالة على هذا المعنى هنا، وإنَّما حسبي الإشارة إلى بعضها. ولعل في ما ذكرتُ كفاية لإثبات إمكان القبول بنجاة غير المسلمين، أو بعبارةٍ عامة، عدم حصر النجاة بجماعةٍ خاصة، لا تعدوها إلى غيرها .

المرتكزات الأصولية:

تعرَّض علماء أصول الفقه لمباحث ربَّما يمكن ربطها بالتعدُّدية على مستوى النجاة، وسوف أشير إليها إجمالاً، وأترك التفصيل إلى مجالٍ آخر.

الأمر الأول: حُجِّـيَّة القطع واليقين:

آمن علماء أصول الفقه بأنَّ اليقين الذي يتشكَّل عند المكلَّف حجَّةٌ له وعليه؛ سواء كان مصيباً للواقع أم مخطئاً. وعلَّلوا ذلك بأنَّ الحُجِّـيَّة من ذاتيات اليقين التي لا تفارقه: "لا شبهة في لزوم العمل على وفق القطع (اليقين) عقلاً، ولزوم الحركة على طبقه جزماً، وكونه موجِباً لتنجز التكليف في ما أصاب باستحقاق الذم والعقاب على مخالفته، وعذراً في ما أخطأ قصوراً... ولا يخفى أنَّ ذلك لا يكون بجعل جاعل" (2) .

____________________

(1) الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، نهج البلاغة، بيروت، دار المعرفة، لا ت، ج 1، ص 108.

(2) الآخوند الخراساني، كفاية الأصول، م س، ص 258.


وهذا الكلام الأصولي لاقى قبولاً من أكثر الأصوليين، وإن ناقش بعضهم في سعته وشموله لليقين الناشئ من مناشئ غير عقلانية، وهو ما سمَّاه القطع الذاتي، في مقابل القطع الموضوعي ، ومثاله ما يُسميه الأصوليون بقطع القطَّاع؛ وهو مَن يحصل له اليقين من أسباب غير متعارفة. وحتى في هذه الحالة وُجد من الأصوليين مَن يُؤمن بحُجِّـيَّة القطع أيضاً (1) .

وقد طرح الأصوليون هذه الفكرة في مجال اكتشاف الحكم الشرعي الفرعى، وتوصَّلوا من خلالها إلى أنَّ المكلَّف لو تيقَّن بحكم شرعي، وقطع بأنَّ وظيفته وواجبه الشرعى هو كذا، ثُمَّ عمل بهذا اليقين، فهو معذور في ما لو تبين له الخطأ بعد ذلك.

والسؤال الذي أودُّ طرحه هنا هو: ألا يمكن أن نُوسِّع دائرة العذر والقبول إلى ما هو أوسع من إطار الأحكام الفرعية؟ أعتقد أنْ لا مبرِّر لتضييق رحمة الله وحصرها في دائرة الأحكام الفرعية. وربَّما نجد في الروايات الشرعية ما يُؤيِّد ما نذهب إليه، ومن ذلك قول النبى (صلَّى الله عليه وآله): (رُفع عن أمتي ما لا يعلمون...) (2) .

____________________

(1) أنظر: علي الهاشمي الشاهرودي، دراسات في علم الأصول، ط1، قم، مؤسَّسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، 1998، ج1، ص76. وقارن بمحمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، م. س، ج2، ص14.

(2) انظر: الكليني، الأصول من الكافي ، باب ما رفع عن الأمة، الحديث الثاني .


الأمر الثاني: الإجزاء

بحث الأصوليون أيضاً تحت عنوان الإجزاء عن كفاية غير الواقع عنه؛ بحيث لو امتثل المكلَّف أمراً وجِّه إليه في حالة استثنائية كالاضطرار، فهل يكتفى منه بذلك أم عليه إعادة الفعل بعد ارتفاع هذه الحالة الاستثنائية. مثلاً:

لو كان التكليف الأصلى هو الوضوء، ولكن مَنع عنه مرض أصاب المكلف، فأعاقه عن الوضوء، فنتقلت وظيفته إلي التيمم بالتراب. هنا قال جماعة من الأصوليين بأنَّ التكليف الاستثنائي يُغنى عن الوضوء، ولا داعى لإعادة الوضوء (1) ، وهذا ما سُمِّي في اصطلاح أصول الفقه بـ: إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي .

وتعرَّضوا بالمناسبة لفرضيةٍ أخرى، وهي: ما لو دلَّ الدليل على تكليف، ثُمَّ تبيَّن الخطأ في دلالة الدليل، فهل يُكتفى بالأمر الذي دلَّ عليه الدليل الخاطئ أم لا؟ وهذا ما بحثوه تحت عنوان: إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي. وهنا أيضاً وُجد مَن يقول بالكفاية والإجزاء، وناقش بعضهم في ذلك، إلاّ أنَّه لم يُوجد مَن حكم بتجريم المخطئ فيما لو لم يكن مقصِّراً (2) .

وهنا أكرِّر سؤالي السابق: لِمَ لا نُوسع دائرة هذه الرحمة إلي المعتقدات التي لم تتم عليها الحجة عند بعض الأشخاص، رغم سعيهم للوصول إليها؟!

____________________

(1) محمد كاظم الخراساني، كفاية الأصول ، م.س، ص 84.

(2) المصدر نفسه، ص 86.


تعريف الكافر:

تتردَّد كلمة الكفر ومشتقاتها بكثرة في الكتب الدينية، ومنها القرآن. وتتضمَّن هذه الكلمة، أحياناً، حكماً قيمياً، على الشخص المتَّصف بها، وأنَّه من أهل النار، ولا أمل له بالنجاة... إلى ما هنالك من الأحكام التي وُصف بها. والتساؤل الذي لابد من تقديم جواب عليه هو: من هو الكافر؟

يُقسِّم الشهيد مرتضى مطهرى الكفر إلى نوعين: نوع يتضمن العناد ؛ وهو ما يُسمَّى بالجحود، وهذا لا يُعذر صاحبه. ونوعٌ آخر، وهو الناتج عن الجهل و "عدم المعرفة الناتجة، عن غير تقصير من قبل المكلَّف، فهي تقع موقع عفو ورحمة الله سبحانه" (1) . ثُمَّ بعد توضيح طويل ينتهي إلى أنَّ الكافر الحقيقي هو مَن ينكر الحق عن عناد رغم المعرفة به . وبعد نقله لعبارة عن الفيلسوف الفرنسي ديكارت يقول فيها إنَّه يُؤمن بالمسيحية بعد أن وجدها أفضل الأديان التي تعرَّف عليها، ولكنَّه لا يستطيع القول إنَّها الأفضل على الإطلاق؛ وذلك لوجود بعض الأديان التي لا يعرف عنها شيئاً، ويذكر ديكارت إيران مثالاً للبلد التي لا يعرف عن دين أهلها شيئاً.

يُعلِّق مطهري على هذه العبارة قائلاً: "فأشخاص كديكارت لا يمكن تسميتهم بالكفار؛ لأنَّ هؤلاء لا يتَّصفون بالعناد، ولا يخفون الحق، وليس الكفر إلاّ العناد وتغطية الحقيقة. هؤلاء مسلمون بالفطرة، وإذا كنَّا لا نستطيع

____________________

(1) مرتضى مطهري، العدل الإلهي، ترجمة: محمد عبد المنعم الخاقاني، بيروت، دار التعارف، 1981، ص 330.


تسميتهم بالمسلمين، فنحن أيضاً لا نستطيع تسميتهم بالكافرين..." (1) . وبناءً على هذا، لا يكون غير المسلم دائماً كافراً ومن أهل النار...

الخاتمة:

ربَّما نستطيع القول - بعد هذا العرض المتواضع، الذي أعترف بحاجته إلى تأصيل أعمق قد لا أجد نفسي مُؤهَّلاً للخوض فيه - إنَّ الإسلام اعترف بشىء من التعدُّد على بعض المستويات، مع حفاظه على مقوله الحق والتمييز بينه وبين الباطل، ونَدْبِ أتباعه إلى الحرص على متابعة الحق مهما كان مصدره.

وقد اتسع صدر الإسلام والفكر الإسلامي للكثير من التنوُّع أو التعدُّد؛ وما المناظرات التي تنقل في التراث الإسلامي مع الزنادقة إلاّ شاهدُ صدقٍ على هذا المدَّعى (2) . وكذلك ضَمَن الإسلام التعدُّد على المستوى الاجتهادي، فلم يسدَّ طريق الوصول إلى الحكم الشرعى بفتحه لباب الاجتهاد. وعلى المستوى القضائى فسح المجال لنوع من الاختلاف بين المجتهدين، إلى درجة ضاق بها صدر ابن المقفَّع فنصح الخليفة بتوحيد النظام القضائى (3) . وسَمَح كذلك بالتعدُّد على المستوى التربوي أيضاً، ولم يرض للآباء أن يفرضوا قيمهم

____________________

(1) المصدر نفسه ، ص 336.

(2) راجع للاطلاع على بعض النماذج: الطبرسي، الاحتجاج ، ط 1، بيروت، مؤسَّسة الأعلمي للمطبوعات.

(3) عبد الله بن المقفَّع، رسالة الصحابة، ضمن مجموعة رسائل البلغاء، ص 126، بحيث يقول: "وممَّا ينظر أمير المؤمنين فيه من أمر هذين المصْرَين وغيرهما من الأمصار والنواحي، اختلاف هذه الأحكام المتناقضة..." .


الخاصة بهم على أولادهم؛ فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا تقسروا أولادكم على آدابكم؛ فإنَّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم) (1) .

وعندما نقارن هذه القيم بقيم الغرب، الذي يُمارس في هذا العصر نوعاً من القسر القيمي على صُعُد متعدِّدة، تحت عنوان العولمة ومحاربة الإرهاب وغيرها من الذرائع، نجد أنَّ صدر الإسلام كان أرحب بكثير ممَّا يدعو إليه هذا الغرب في مجتمعاته وينكره على الآخرين في مجتمعه وخارجه.

____________________

(1) ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة ، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج 20، ص 267.


النوعين من التجربة هو من صنف العلوم المكتسبة. ومن هنا، ليس هناك أي تفاوت بينهما.

رابعاً: كثير من التجارب الدينية تواجه مشكلة العجز عن توصيفها؛ أي أنَّها تأبى عن التأطير بإطار التعبير العادي. وهذا هو سبب وسرُّ وجود الشطح في التصوف. أمَّا التجارب الحسّية، فهي لا تعاني من هذه المعضلة.

خامساً: إنَّ السكينة والسعادة والصفاء، وكثير من الأوصاف الروحية الإيجابية، هي ثمرات التجارب الدينية التي ينالها صاحب التجربة. ولا ينال صاحب التجارب الحسّية أيَّاً من هذه الخصائص.

سادساً: إنَّ بعض التجارب الدينية تفرُّ من الأمور العقلية؛ أي أنَّ العقل لا يُطيق إدراكها وتحليلها. وإذا دخل العقل في تلك الساحة، فيكون - كما يُطلق عليه المتصوفة - "أبو الفضول". أمَّا التجارب الحسّية، فهي عادة إمَّا استنتاج عقلي، وإمَّا معقولات.

مع الأخذ بنظر الاعتبار وجوه الاشتراك والاختلاف بين التجربة الدينية والتجربة الحسّية (1) ، فهل يمكن إجراء تجربة واحدة، ومشتركة بين الأديان؟ وهل يمكن القبول بنوع من التعدُّدية الدينية، أو وحدة جوهر الأديان؟ يبدو أنَّ هذا الطريق لا يُؤدِّي إلى النتيجة المتوخاة. فكما أنَّ التحليلات المختلفة للتجربة الدينية تتأثَّر بالثقافة والتقاليد، والأوضاع الاجتماعية والروحية للأفراد، فإنَّ حقيقة التجربة الدينية التي تبدو للمجرِّب، ستتأثر

____________________

(1) راجع: فلسفة الدين، نورمان غيلر، ج 1، ص 39، ترجمة: آيت اللهي.


بالعوامل المذكورة آنفاً. وفي النتيجة، فإنَّ التجارب الدينية مختلفة كما أنَّ تفسير هذه التجارب مختلفة أيضاً.

وإذا كان الأمر كما قال بول تيليش : "كل دين ينال جزءاً من الروح العينية فقط"، فكيف وبأيِّ أسلوب سيتم إثبات وجود تلك الحقيقة، ليقال: إنَّ أيَّ دين بلغ جزءاً من الحقيقة. في الواقع لعل كل دين من الأديان حصل على واقعية مستقلة عن الأديان الأخرى. إذاً، فادِّعاء أنَّ جميع الأديان قد بلغت أجزاء مختلفة من حقيقة واحدة، هو ادعاء لا دليل عليه.

الاتجاه الخامس

وهو اتجاه "محورية الإنسان" ، أو "محورية المسيح". وهي عقيدة شرحها م.م. طوماس ( Thomas )، و ستانلي سامارثا ( Samartha. Stanley )، و بول أوفانادان ( Paul Oevanadan ).

وهذا الاتجاه يهتم بالمشتركات بيِّن الأديان في الشؤون المتعلقة بعالم الناسوت، وبالمشاكل المتعلقة بأنسنة الظروف الحياتية في العالم الحالي. وبتعبيرٍ آخر: يجب أنْ نبحث عن وجوه الاشتراك بين الأديان في الشؤون الدنيوية، من دون الاهتمام ببحوث علم اللاهوت والحياة في عالم الآخرة (1) .

واللافت للانتباه هنا هو: أولاً: أنَّ معظم الأديان - وخاصةً الأديان السماوية - تولي حياة ما بعد الموت وعالم اللاهوت أهمية قصوى، حتى أنَّ بعضها

____________________

(1) مجلَّة [الحوزة والجامعة] الفصلية، ع 1.


اعتبرها جوهراً للدين، فكيف يُمكن الغفلة عن ركن كهذا، وكيف تَقبل به الأديان؟

ثانياً: إنَّ الأديان نفسها تختلف اختلافاً أساسياً وأصولياً في قضايا عالم الناسوت والإنسان؛ بحيث يندر أن نجد وجهاً مشتركاً بين الأديان في هذا

الباب. وبعبارةٍ أخرى، فإنَّ لكل دين رؤية كونية خاصة به تختلف عن نظرات باقي الأديان بشكل كامل. وأهمُّ من ذلك كله، فإنَّ تحليلات محلِّلي الدين الواحد - من الناحية التاريخية وفي مجال المعرفة الدينية - ليست واحدة. فيعتبر البعض أنَّ الحياة الأخروية هي غاية الدين وجوهره، ولا يولون أهمية لجعل الدين دنيوياً؛ أي أنَّهم لا يميلون إلى علمنة الأديان، بينما يعارضهم آخرون في نظرتهم تلك (1) . وفي النتيجة، فإنَّ هذا الاتجاه وتوصياته لا تُؤدِّي إلى اقتران الأديان أو تَوحُّدها.

الاتجاه السادس

ويليام كريستين ( Chrstain. A. W ) في كتابه المعنى والحقيقة في الدين ( Meaning and truth in Religion )، حيث بيَّن الفرق بين الإيمان والمعرفة، قال: "إنَّ معتقدات الإيمان الديني مثل "المسيح هو المخلِّص"، و"الله غفور"، و"جميع البوذيين واحد"، رغم كونها مختلفة مع بعضها، لكن لا مانع من توحيدها. وبطبيعة الحال، فإنَّه يوجد اختلاف ديني صريح بين الأديان في

____________________

(1) راجع كتاب: الإسلام والدنيوية، د. العطَّاس، ترجمة: أحمد آرام.


بعض الأخبار والأمور. فالمسيحية تقول إنَّ عيسى هو المخلّص، في حين يقول اليهود خلاف ذلك، لكن عندما نُدقِّق في ما يريده الاثنان، يتّضح لنا أنَّهما لا ينقضان، أحدهما كلام الآخر؛ لأنَّ ما يقصده اليهود من المسيح هو الموجود غير الإلهي، وما يقصده المسيحييون من المسيح هو مخلِّص البشر المذنبين" .

إذن، لدينا هنا مفهومان متغايران عن المسيح؛ وبناءً عليه ثبت حكمان مختلفان أيضاً.

وحسب تعبير فيتنغشتاين يمكن القول: إنَّ لكل دين نوعاً من الصورة الحياتية الخاصة، وبتلاعب لغوي خاص، فالمسيحي والبوذي من فريقين مختلفين، ويتَّبعان مجتمعين، وتقاليدهما الدينية مختلفة، وينطقان بلغتين دينيتين مختلفة. وكلتا اللغتين لهما معناهما الخاص في إطار صورة حياتية دينية خاصة. وبهذه النظرية تُحل المسألة المثيرة للألم القائلة بوجود الاختلاف بين الأديان.

لكن ويليان كريستين اعتبر أن هذا الحل ظاهري؛ لأنَّ هناك بين اليهود والمسيحيين نوعاً من عدم التوافق الجدّي حول حقيقة عيسى؛ إذ اعتبر البعض أنَّ تلك الحقيقة هي التي تنجي بني إسرائيل، بينما رفض البعض الآخر ذلك.

وبشكل عام، فإنَّ هذا هو السبب الأول لانفصال المسيحية عن اليهودية. وبعبارةٍ أدق، فإنَّ كريستين يرى، أنَّ الاختلافات الدينية تنقسم إلى مجموعتين من الاختلافات:

المجموعة الأولى: هي من نوع المحمولات المختلفة على موضوع واحد.


و المجموعة الثانية: هي موضوعات مختلفة ترتبط بمحمول واحد. كالاختلاف الموجود بين مقولتي "الله هو مبدأ الوجود" و "الطبيعة هي مبدأ الوجود". وهو ما يُقسِّم المعتقدين بهاتين المقولتين إلى موحِّدين وغير موحِّدين. أمَّا نتيجة نظرية "كريستين" وإشكاله، فهي أنَّ هذا الاتجاه لا يحل المشكلة (1) .

الاتجاه السابع

هو نقد فكرة الدين الواحد التي طرحها ويلفرد كانت ويل سميث ( W . CantWell smith ) فی کتابه "معنى الدين وغايته"؛ حيث عارض بدقة مفهوم الدين الواحد، وقال:

"إنَّه انحراف جديد أن يظنَّ أحد بأنَّ المسيحية على حق، أو الإسلام على حق؛ وذلك لأنَّ المسيحية، والبوذية، والهندوسية، والإسلام، وغيرها من الأديان، هي من إبداع وخلق البشر. لذا، بدل أن نفكِّر في الأديان على قاعدة أنَّها أنظمة يمتنع اجتماعها، من الأفضل أن نعتبر الحياة الدينية للإنسان سلسلة قوية، توجد داخلها اختلافات عظيمة، ومقوِّمات جديدة للقوة، أوجدتها بقوة أقل أو أكبر.... فقد تحوَّلت المسيحية وتكاملت من خلال الفعل ورد الفعل المعقَّد للعوامل الدينية وغير الدينية، وتشكَّلت الأفكار المسيحية ضمن الجو الثقافي الذي أوجدته الفلسفة اليونانية. والكنيسة المسيحية كمؤسَّسة وقعت تحت تأثير إمبراطورية الروم ونظامها القانوني... وذهنية البروتستانت كانت انعكاساً لطبيعة العرق الألماني الشمالي، وهذا

____________________

(1) راجع كتاب: فلسفة الدين، جون هيغ، ترجمة: بهرام راد، ص 226 - 232.


يعني أنَّه لا يمكن الحديث عن صوابية أيٍّ من الأديان، أو عدم صوابيته؛ لأنَّ الأديان هي حركة دينية ثقافية، محدَّدة ومميَّزة داخل التاريخ الإنساني، وصدى لاختلاف الأجناس البشرية والطبائع والصور الفكرية.

فهذه الاختلافات بين الذهنيتين: الشرقية والغربية، والتي تجلَّت بصور مختلفة: عقلية، ولغوية، واجتماعية، وسياسية، وفنِّية، يحتمل وجودها - أيضاً - بين الأديان الشرقية والغربية.

إنَّ الاختلاف بين الأديان يمكن بحثه من جهات ثلاث:

1ـ الاختلاف من ناحية تجربة الحقيقة الإلهية.

2ـ اختلاف النظرية الفلسفية والكلامية في مجال تلك الحقيقة، أو في باب نتائج التجربة الدينية.

3ـ الاختلاف في التجارب الأساسية.

في الاختلاف بنوعه الأول، يُعتبر الأصل الغائي، أو الغاية، هي الخير بشكل محدَّد وواضح. وتُعرف الإرادة والغاية بأسماء مختلفة هي: يهوه، الرب، الله، كريشنا، شيفا. ولعلَّ تجارب الواقعية - المحدَّدة وغير المحدَّدة - للغاية العامة، يُكمِّل بعضها بعضاً، ولا مانع من الجمع بينها.

والنوع الثاني من الاختلاف هو - أيضاً - جزء من التاريخ المتكامل للفكر البشري؛ حيث تختفي هذه الاختلافات مع مرور الزمن؛ لأنَّها مرتبطة بالجانب التاريخي والثقافي المشروط للدين، وهي عُرضة للتغيير .


النوع الثالث من الاختلاف بين الأديان، يُعد من أكبر العوائق التي تقف في طريق الوفاق بين الأديان ووحدتها؛ لأنَّ كل دين يمتلك مؤسِّساً، وكتاباً مقدَّساً تتجلّى فيه الحقيقة الإلهية، ويَعِد أمراً مقدَّساً، ويتطلَّب من أتباعه إيماناً وعبادة دون تردُّد وتشكيك" (1) .

ولهذا الاتجاه نقاش طويل، نشير إلى جزء منه:

أولاً: قد خلط سميث بين الدين والمعرفة الدينية؛ لأنَّ الأمر الذي يقبل التحوُّل والتغير، ويتأثر بالعوامل الدينية الخارجية، هو المعرفة الدينية، وليس الدين. فالدين - كنصوص دينية وكحقائق دينية - ثابت لا يتغيَّر، إلاّ إذا اعتبرنا أنَّ النص الديني قد تعرَّض للتحريف.

ثانياً: إنَّ الاختلاف بين الأديان - بنوعه الثالث - لا يمكن علاجه، بينما اعتبر سميث أنَّ الاختلافين الأول والثاني غير قابلين للعلاج. فعلاج الاختلاف بنوعه الأول غير ممكن، لعدم وجود دليل على أنَّ تجارب الأديان للحقائق الإلهية يُكمِّل بعضها بعضاً؛ وذلك لوجود احتمالين في تحليل هذه التجارب:

الاحتمال الأول هو أنَّ كل دين من الأديان قد جرَّب جزءاً من الحقيقة الإلهية. وفي هذه الحال يمكن اعتبار التجارب المختلفة للأديان، تُكمِّل بعضها بعضاً.

و الاحتمال الثاني هو أنَّ كل دين قد جرَّب حقيقة مستقلّة. وفي هذه الحالة لا يمكن لهذه التجارب أن تجتمع.

____________________

(1) المصدر نفسه، ص 232 وما يليها.


إذن، مع وجود هذين الاحتمالين، فإنَّ قبول أحدهما دون الآخر، هو ادعاء من دون دليل.

وعلاج الاختلاف بنوعه الثاني غير مجدٍ أيضاً؛ لأنَّ التاريخ يشير إلى تكامل الأفكار، وليس إلى إزالة الاختلافات فقط. وعلى العكس من ذلك، فهو يشير إلى وجود اختلافات كثيرة، وتكامل كمِّي للتعارض بين الأفكار، وظهور الميول المختلفة بين العلوم، دليل على المدّعى.

في الختام ، فإنَّ طريق الحل الذي طرحه المجمع الفاتيكاني الثاني ، والذي يقول: "إنَّ مَن لا يزال يجهل إنجيل المسيح خلافاً لرغبته، لكنَّه يطلب الله بإخلاص... يمكنه أن ينال السعادة الأبدية أيضاً" . هذا الطرح لا يمكنه أن يحل أيَّ معضلة سوى المشكلة الاجتماعية؛ أي أنَّه لا يعالج مشكلة تعارض آراء الأديان من ناحية معرفية وكلامية؛ لأنَّه على فرض كونه يحاول حل مشكلة السعادة لدى بعض معارضي المسيحية، لكن مشكلة الوصول إلى الحقيقة لا تحل به. فضلاً عن أنَّ بعض معارضي المسيحية - ممَّن رجَّحوا أي دين آخر لسبب ما - لن ينالوا السعادة الأبدية حسب ادعاء هذا المجمع!


الاتجاه الثامن

وهو التركيز على الإيمان بدل التركيز على الشريعة.

يقول محمد مجتهد شبستري في توضيحه لهذا الاتجاه:

"الشريعة مجموعة مقولات عقائدية، وآداب، وطقوس، ومناسك، وقوانين. وعندما تبرز المؤسَّسات والمراكز الدينية في مجتمعٍٍ ما، تصبح الأنظمة العقائدية والعملية على شكل قوانين جافة، وشعائر وآداب، وتنتج مجتمعاً مغلقاً، عديم المرونة. ومَن لا يعيش على أساس هذا النظام العقائدي يُنفى.

أمَّا المراد من الإيمان الديني، فهو التجربة الحيّة التي لا تقوم على رفض الآخرين. إنَّنا في التعدُّدية الدينية، نتحدَّث عن إمكانية وجود حقيقة في عدة أديان، ولا نتحدَّث عن وجود بديهي للحقيقة في هيكل جميع الأديان. إذاً، فالتعدُّدية الدينية معناها أنَّ من الممكن أن تتجلَّى الحقيقة النهائية في أشكال مختلفة، ولا تعني مطلقاً قبول جميع الحقائق الموجودة في جميع الأديان.

وفي النتيجة، لا بد من جود نقد مستمر يصاحب التعدُّدية الدينية؛ لأنَّ الحقيقة خافية، ومن واجب الإنسان المتديِّن أن يعيش مع النقد دوماً.

وبعبارةٍ أكثر صراحة: إنَّ الشريعة التي اصبحت آداباً وشعائر، ونظماً عقائدية واجتماعية، هي شريعة مرفوضة. أمَّا الشريعة التي تعيش بحيوية، التجلِّيات التاريخية والاجتماعية والجسمانية واللغوية لتلك التجربة الدينية الحيّة، فهي الشريعة المقبولة؛ لأنَّ هذا النوع من الشريعة يبقى حيَّاً ويتلاءم مع التجربة الإيمانية.


المسألة الأخرى هي: أن مفهوم القانون والنظام الاجتماعي، لم يكونا يعنيان في صدر الإسلام، علم الاجتماع وفلسفة الحقوق. فإذا استُعمل تعبير حكم الله، أو حلاله وحرامه، فلم يكن ذلك يعني نظام الأسرة أو النظام الاجتماعي، بل كان يعني تحديد العلاقة بين الله والإنسان؛ أي أنَّه إذا أراد الإنسان في أي مجال - كعلاقته بزوجته وابنه - أن يقوم بعمل يرضاه الله، فعليه أن يعمل على ذلك الشكل المحدَّد. وفي الحقيقة، فإنَّ أداء مثل هذه الأعمال تُؤدِّي إلى تقوية الإيمان، والعكس صحيح.

ولابد من وجود أنظمة حقوقية لتنظيم العلاقات الدنيوية للأفراد في ما بينهم ومع الحكومة، لكن اتباع هذا النظام الحقوقي ليس ديناً ولا تديُّناً. إنَّ ما يرتبط بالدين والتديّن هو توضيح هذا العمل، وهو ما يقوِّي التجربة الدينية أو يضعفها. وإنَّ الاختلاف بين البروتستانت والكاثوليك قائم بشأن هذا الأمر أيضاً؛ حيث تُولي الفئة الأولى التجربة الدينية أهمية أكبر. أمَّا الفئة الثانية، فتركز على قانونية الدين.

ونتيجة الكلام هي، يجب أن تخرج الشريعة من حالة الركود لتصبح نظاماً حقوقياً، واجتماعياً، وآداباً وسنناً، وبذلك تتجلَّى عملياً التجربة الدينية الإيمانية. عندئذ تكون الشريعة عبارة عن معايير لتصرُّف الإنسان التي تتغذى من التجربة الدينية، وتشمل جميع جوانب حياة الإنسان. وعندها لا تقف الشريعة في مواجهة الإيمان، بل تكون مكمِّلة له" (1) .

____________________

(1) راجع مجلَّة: كيان، السنة الخامسة، ع 28.


الحل الذي طرحه محمد مجتهد شبستري وإن كان في ظاهره ساحراً وجميلاً، لكن ترد عليه عدَّة إشكالات أيضاً:

الأول: إنَّ هذه النظرية لا تحل مشكلة تناقض الآراء والعقائد. فلو سلَّمنا أن الشريعة يجب أن لا تُقدَّم على أنَّها آداب وسنن منظمة، عقائدية واجتماعية، وأنَّه يجب أن تكون حيوية ومتناسبة مع التجربة الإيمانية والدينية، وهذه الحيوية يحصل عليها الدين من ناحية ملاءمته للمجتمع والثقافة السائدة بالطبع، فإنَّ ذلك الدين سيكون متناسباً مع المجتمع والثقافة، ومتأثِّراً بهما، وسوف يكون متناسباً مع التجربة الدينية التي ولدت في ذلك المجتمع. وبما أنَّ المجتمعات والثقافات مختلفة، فلا مفرَّ من حدوث اختلاف في أديانها وتجاربها الدينية. وعندها سنعود مجدَّداً إلى النزاع؛ أي إلى الحديث عن السعادة والوصول إلى الحقيقة، وعبر أي تجربة دينية ودين يمكن نيلها؟

الثاني: قال في فرضيته: "إنَّنا في التعدُّدية نتحدَّث عن إمكانية وجود حقيقة في الأديان المتعدِّدة، ولا نتحدَّث عن وجود بديهي للحقيقة في الأديان"، ويبدو أنَّ هذا الكلام لا يحل مشكلة التناقض بين الأديان؛ لأنَّ المراد من "الإمكان" هو الاحتمال العرفي أو الإمكان المنطقي، والإمكان لا ينفي العدم. ثُمَّ إنَّ هناك مقولات إخبارية كثيرة في النصوص الدينية للأديان تبدو متناقضة، وإمكانية وجود الحقيقة في جميع هذه القضايا يستدعي اجتماعي النقيضين. فالمسيحيون - مثلاً - يعتبرون أنَّ المسيح المعهود هو مخلِّص البشرية، بينما ينكر


اليهود والمسلمون ذلك. فهل يمكن تصوُّر إمكان وجود حقيقة في هذه الأديان رغم تناقض هذين الادعاءين؟

وكأنَّه يرى وجود التنافي بين العلاقة بالله وعلاقة البشر ببعضهم، وبين وجود نظام عقائدي وحقوقي ينمي التجربة الدينية. و الصحيح هو عدم وجود هذا التعارض، فلا مانع من كون الحلال والحرام في مجال الأسرة، محقِّقاً لأمور، هي: نظام الأسرة، وإنشاء علاقة مقبولة مع الله، وكذلك تقوية التجربة الدينية.

الاتجاه التاسع

وهو نظرية جون هيك في معرض ردِّه على سؤال: كيف يمكن أن تكون جميع تصوُّرات الأديان وتصديقاتها المختلفة عن الحقيقة الإلهية صادقة؟ وقد أجاب بأنَّ هناك فرقاً بين ما هو واقع في ذاته، وبين ما هو واقع عندنا. وسرُّ هذا الفرق يكمن في أنَّ الحقيقة الغائية والإلهية لا متناهية. لهذا فهي أوسع من إدراك الفكر والتعبير البشري. وقد شرح هذا الاتجاه وتكامل في الإطار الفلسطي الكانطي، حيث كان يفرِّق بين ما هو العالم في ذاته وبين عالم الذهن.

ويتمسَّك "جون هيغ" بالقصة المعروفة للرجال العميان والفيل؛ حيث يضع كل واحد منهم وصفاً للفيل. ويقول هيك: "إنَّ المتديِّنين بالأديان المختلفة يشبهون أولئك الرجال". ويستنتج أنَّه لا يحق لأي من الأديان


احتكار التدين، أو ادعاء حقانية خاصة؛ ذلك لأنَّ كل دين قد نال جزءاً من الحقيقة بصورتها الظاهرية.

أول إشكال يرد على جون هيك هو مشكلة نسبية نظريته؛ لأنَّ قبول الاختلاف بين "الحقيقة كماهي" و "الحقيقة كما تبدو"، وإنكار مطابقة الذهن للواقع الخارجي - وبتعبيرٍ آخر، عدم تطابق الفنومن مع النومن - هو أبرز ما في النسبية العلمية.

الإشكال الثاني: لماذا نفترض أنَّ جميع المتديِّنين كالرجال العميان، يصادفون حقيقة تُسمَّى "الفيل"؟ فلعل كل فئة منهم وجدت حقيقة خاصة قائمة بذاتها.

الإشكال الثالث: إذا كانت جميع اتجاهات التعدَّدية تُؤمن بتعدُّد الحقيقة، فإنَّ مثل هذه الاتجاه سيتجه نحو نسبية الحقيقة؛ ذلك أنَّ بعض هذه الحقائق متناقضة، وسيقع هذا الاتجاه في اجتماع النقيضين.

وإذا كانت الحقيقة واحدة، لكن طُرق الوصول إليها متعدِّدة، وهذه الطرق تحمل نوعاً من الافتراضات المعرفية المتعارضة معها، فإنَّ قبولها جميعاً يجرُّ الإنسان نحو نسبية المعرفة.

أمَّا إذا كان المفكِّر يعتقد بأنَّ الحقيقة واحدة، وأنَّ أي طريق، ولو لم ينته إلى الحقيقة الكاملة، لكنَّه سيحصل على مقدار منها؛ أي أنَّها ميسَّرة للجميع ويمكنهم الحصول على شكل من أشكالها، وما دامت هذه الطرق لا تستدعي التناقض واجتماع النقيضين فلن تبتلى هذه الفكرة بالنسبة.


الاتجاه العاشر

هو البحث المبني على المعرفة بالمصير ( Eschatological ) القائم على أساس معايير الصدق والحقانية، والذي يفصل بين الدين الحق والدين

الباطل. وبطبيعة الحال، فإنَّه يوجد اختلاف في تحديد معيار الصدق والحق؛ إذ اعتبر البعض أنَّ الأخلاق هي معيار الصدق، بينما اعتبر آخرون أنَّ التجارب والحالات الدينية هي المعيار، وذهب غيرهم إلى أن تأمين الحاجات الضرورية هو معيار الصدق، ورأى آخرون أنَّ المعيار هو مطابقة الواقع (1) .

يبدو أنَّ هذا الاتجاه هو أفضل جواب على الأسئلة التي طرحت في أول المقالة. علينا أن لا نصر على أنَّ جميع الأديان تسير بالإنسان نحو السعادة والحقيقة، بل علينا أن نحاول اكتشاف أحقية أي دين بالمعايير المنطقية، وعندما يثبت لنا ذلك، نُؤمن بأنَّ السعادة والحقيقة تكون في اتباعه؛ أي بعد إثبات ضرورة الدين والنبوّة العامة، نبحث في أحقية النبوّة الخاصة.

أمَّا بعض الطرق الموجودة لإثبات أحقية نبوَّة أي نبي ، فهي:

أن تكون أقواله موافقة للعقل.

أن لا يكون هناك تناقض بين أقواله.

أن يصل بالإنسان - حسب ما يراه - إلى الهدف السامي، ويُوفِّر له احتياجاته التي يتوخَّاها.

____________________

(1) مجلَّة [الحوزة والجامعة] الفصلية،ع 1، ص 62.


أن يُثبت علاقته بعالم الغيب بطريقٍ ما، كالمعجزة.

أمَّا كيف تُعرف أحقيَّة أي دين، فهو بحث مهم يستحق الدراسة، ولا مجال له في هذا المقام.

ومن ناحية أخرى، فإنِّي أرى أنَّ مسألة تعدُّد الأديان، أو وحدتها، ما زالت تعيش في ثقافتنا كجنين، نأمل أنَّ نساعد في نموها من خلال طرح البحوث المختلفة.



دور الخيال في التعدُّدية الدينية

د. دافيد س. سكوت *

حتى قبل وصول الأوروبيين إلى القارة التي أسموها أميركا ، كان التنوع الديني قد بات حقيقة هنا. ذلك أنَّ الطرائق الدينية لشعوب البلد الأصليين كانت أساساً متنوِّعة وحيَّة. والقادمون الأوروبيون جلبوا معهم التقاليد الدينية لأوروبا (1) .

صحيح أنَّه في بعض الحالات أنشأ هؤلاء المهاجرون مستعمرات لم يسمحوا فيها إلاّ بإحدى هذه التقاليد، ولكن في مستعمرات أخرى نشأت طوائف يهودية صغيرة في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر. كذلك، فإنَّه في وقت مبكر من تاريخنا، أُحضر العبيد إلى هذه الشواطئ ومعهم جاء الإسلام والتقاليد الدينية الأفريقية، وذلك على الرغم من أنَّ نظام الرق قضى على ممارسة هذه التقاليد الدينية؛ كجزء من نزع الصفة الإنسانية

____________________

* أستاذ كرسي الدين والثقافة في المعهد المتحد للاهوت بنغالور - الهند.

(1) أرى أنَّ تمييز ويلفرد كانتويل سميث في كتابه: معنى الدين وغايته، في "التقليد الديني" و"الإيمان الشخصي"، عنصرين مهمَّين في تكوين ما ندعوه بالدين.


للذين بيعوا واشتروا من أجل العمل أو التكاثر.

وهكذا فإنَّه - وقبل أن نفكِّر كشعب بإنشاء الحقيقة السياسية المسمَّاة: الولايات المتحدة الأميركية، وحتى قبل أنْ نبدأ بالتجربة الاجتماعية المستمرة والتي لا تزال نعيشها - كان التنوُّع الديني يشكّل واحداً من الخيوط التي لا نزال نحوك نسيجها الاجتماعي. فلم يعد المرء مضطرَّاً للسفر إلى الخارج للتعرف على العالم الإسلامي، فديترويت ، و هيوستن ، و شيكاغو ، و كليفلاند ، و واشنطن ، و سبرنغفيلد، و إنديانا - وهي بعض النماذج ليس إلاّ - باتت الآن داخل هذا العالم.

إلى ذلك، فإنَّ السيخ هم سائقو سيارات الأجرة والمحاسبون وأطباء الأسنان في بلادنا، في حين أنَّ البوذيين هم مدرِِّبو فِرَقنا لكرة السلة، كما هم أيضاً مستشارونا الماليون وبقَّالونا. والهنود هم أطبَّاؤنا، ومبرمجو حواسيبنا، وباحثونا في حقل الطيران.

لقد باتت تعدُّدية أميركا الدينية بادية للعيان أكثر من أي وقت مضى، وبات من الشائع أن ترى أناساً يرتدون لباسهم الديني المميَّز، أو أن تقرأ مقالات في الصحف عن الاحتفالات الدينية لمجموعة من الطوائف المختلفة.

ولعل الأمر الأكثر إثارة للدهشة، هو تنامي المؤشِّرات على التنوُّع الديني في المباني العامة. ففي أحياء الطبقة العاملة والوسطى في نيويورك ومن حولها، وفي بوسطن ولوس أنجلوس وغيرها من المدن، يمرُّ المرء بالقرب من مبانٍ تبدو عادية في شكلها الخارجي، ولكنَّها كناية عن معابد صغيرة للسيخ، أو أديرة متواضعة تضم قاعات للصلاة وغرف لإقامة الكهنة للمجموعات البوذية الصغيرة، سواء تلك السيرلانكية أم الفيتنامية أو اللاوية أو التيبتية.


وهناك في بيتسبرغ معبد هندوسي جميل يتربع على إحدى التلال، وهو في شموخه دليل واضح، قد لا يضاهى، على تنوُّعنا الديني. إلى ذلك، هنالك المسجد المقبَّب الذي يرتفع وسط حقول الذرة على الأوتوستراد، الذي يربط بين الولايات في ضواحي مدينة توليدو.

ولعل الصورة الأوضح لتنوُّعنا، هي تلك التي يمكن أن يشاهدها المرء وهو يقود سيارته على مدى بضعة أميال في شارع نيو هامشير في سيلفر سبرنغ، ماريلاند، في ضواحي العاصمة. هناك يجد المرء معبداً للبوذيين، ومسجداً ومركزاً إسلامياً كبيراً وجديداً، وكنيسة أرثوذكسية أوكرانية، وكنيسة لحوارييي المسيح، ومركزاً لإرسالية الشمنايا الهندوسية، وكنيسة كاثوليكية أوكرانية، ومعبداً هندوسياً جوجراتياً. هذا فضلاً عن وجود بعض الإسبانيين من أتباع مذهب العنصرة، والكاثوليك الفيتناميين، والإنجيليين الكوريين، الذين يتشاركون المباني نفسها مع كنائس أكثر تقليدية من روم كاثوليك ومشدويين وميشيخانيين (1) .

ولم يعد يقتصر الأمر على الظهور المادي، بل بات جزءاً من نسيجنا وحياتنا اليومية، إلى حد أنَّه بات من الغريب أنَّ الجيل السابق لم يعش هذا التنوع، فلقد عاش الكثير من الناس، وخصوصاً البيض في الماضي، في ظل تجانس ديني وثقافي. والآن فقط بتنا نُواجَه بهذا التنوُّع الديني والثقافي الذي صار من المستحيل تجاهله.

____________________

(1) جمعت ديانا إيك التي تعمل مع طلاَّبها على مشروع للتعدُّدية الدينية في جامعة هارفرد هذه الأمثلة وغيرها الكثير، من مواد مكتوبة أو غير مكتوبة للمظاهر المادية للتنوُّع الديني الجديد في الولايات المتحدة. والوسيلة الأكثر سهولة للحصول عليها تتمثَّل في الحصول على:

CD-Rom On Common Ground ) New York : Columbia University Press. 1997).


وكما قال كبير الكهنة في كنيسة ريفر سايد في مدينة نيويورك، جايمس فوريز، مذكِّراً بـ "القمة الدولية للرؤساء الروحيين" الذين اجتمعوا في أوائل أيلول 2000: "كنَّا في الماضي غرباء، ولكنَّنا بتنا جيراناً في القرية الكونية. ولكن ماذا يعني ذلك على المستوى الإنساني؟ الجواب عن هذا السؤال يتعلق بكلمة واحدة: نحن" .

إذا نظرنا إلى العالم عن كثب، ولنقل كقرية يسكنها نحو ألف نسمة، سيفرض علينا ذلك أن نواجه: ماذا نعني بهذه الـ (نحن) . وكما كاهن ويلفرد كانتويل سميث معتاداً على أن يقول: "يُشكِّل معنى كلمة "نحن" إحدى أهمِّ الحقائق المتعلِّقة بأيِّ شعب" (1) . فهل "نحن" هذه تعني نحن المسيحيين، نحن البروتستانت، نحن الأميركيين، نحن الكهنة، أم نحن البشر؟ فنحن هذه تشمل أناساً مختلفين في أوقات مختلفة، ولابد من أن نشير إلى ذلك في موعظاتنا وقداديسنا. ولكن إلى أيِّ حدٍ، وبأيِّ وتيرة تَضم هذه النحن أناساً من أديان أخرى، وأمماً وأعراقاً أخرى؟ وإلى أيِّ حد هذه النحن تجمع أكثر ممَّا هي تُفرِّق؟ قد تتحرك علاقتنا بالآخر بحسب التعابير التي نستخدمها، فأحياناً نتحدَّث "عنهم" (الآخر الموضوعي)، وأحياناً نتحدث "معهم" ، أو أحياناً تتَّخذ هذه العلاقة طابعاً شخصياً أكثر فنتحدث "إليكم". في حين أنَّه؛ لتطوير حوار

____________________

(1) Objectivity and the Human Sciences ". in Religious Diversity: ، W.C. Smith Essays by Wilfred Cantwell Smith, ed. E.G . Oxtoby (New York: Harner and Row, 1976 ), and P. 178.


حقيقي، يجب أن نتحدَّث "معكم" .

وأخيراً، فإنَّنا جميعاً نتحدث "عنَّا" ، و "عنَّا" جميعاً. وهذه هي المرحلة الأساسية التي ينبغي أن يصل إليها الحوار بين الأديان، إذا كنَّا نريد أن نعظ في شكلٍ ملائم لعالم متنوُّع ومستقل (1) .

هناك لغة "نحن" لدى كل طائفة دينية، ذلك أنَّ مسألة النحن ليست مجرد مسألة اجتماعية، بل هي مسألة ثيولوجية أيضاً، ومرتبطة في شكل لا فكاك منه بقيمنا الدينية. يتحدَّث الهندوس عن العالم كلِّه كعائلة واحدة. ويتحدَّث البوذيون عن جماعة السانغها ( Sangha ) الكهنوتية ذات الاتجاهات الكونية الأربعة. ويتبنَّى المسلمون تأويلات للأمة، الجماعة الإسلامية، بحيث تشمل بالمعنى العريض والواسع كل الذين أسلموا حياتهم لله. ويتحدَّث اليهود عن ميثاق الله مع نوح بوصفه ميثاقاً يشمل كل الذين يلتزمون بالمبادئ الأخلاقية الرئيسية. قد يكون هناك بعض الانعزاليين الذين ينظرون إلى المستقبل كمجال لتوسيع المسافة بين الـ "نحن" والـ "هم"، ولكن هناك في كل طائفة دينية تيارات في التفكير والتخيُّل تشكِّل محاولات نحو توسيع الـ "نحن"، بحيث تصبح جامعة لا مفرِّقة. فهناك في المسيحية لغة الـ Oikis أو البيت. يخبرنا أنجيل يوحنا 2: 14 - على سبيل المثال - عن بيت الله ذي المنازل المتعدِّدة. ومن هذه الكلمة كما هو معروف جاءت كلمات Oikoumene التي تعني "الأرض المسكونة في كلِّـيَّتها"، وبالتالي فإنَّه ليس من المستغرب أنَّ الحركة المسكونية المسيحية وجدت أنَّ هذا المصطلح

____________________

(1) المرجع نفسه.


يُعبِّر عن امتداد الكنيسة الكوني، البيت الكوني، ولكن من الواضح أنَّ هذه الأرض المسكونة ليست مسيحية (1) أو يهودية أو مسلمة أو هندوسية أو بوذية. ولكن من المؤكَّد - أيضاً - أنَّ هذا الكلام صحيح، وهو: "ثَمَّة من الحقيقة ما يكفي بالكاد لجعل المجتمعات آمنة، ولكن هناك من الأمن ما يكفي لضرب منطق الجماعة. وهذه هي الأحجية التي تعتمد عليها في شكلٍ أساسي حكمة العالم: الأخبار قديمة ولكنَّها أخبار كل يوم " (2) .

وكما رأينا، فإنَّ العادات المكتسبة منذ قرون، هي أيضاً قديمة بما فيه الكفاية. وتقف الحضارات والثقافات في موقف المدافع إزاء بقية الإنسانية، فهي مقتنعة بأنَّ هويَّتها هي عين الحقيقة، وهو إيمان يبعد في الوقت نفسه المنتسبين إليها عن الكل البشري الذي تنتمي إليه حقيقتهم. والحال أنَّ نزوعهم إلى الحفاظ على أنفسهم يجعلهم يدفعون الضغوط نحو انتماء أكبر. ولكن لا يمكننا بالتأكيد أن تكون لنا إنسانيتنا، ما لم نعترف بها للجميع. ففي النهاية، يشكل رفض الإنسانية المشتركة طعنة لإنسانيتنا الخاصة. وكما أنَّ الطبيعة لا تترك خصوصيات محدَّدة، فإنَّ التاريخ بدأ يُؤكِّد بعناد الدرس نفسه.

____________________

(1) في مكتب العلاقات الدولية في مقر WCC في جنيف، تذكر إحدى الملصقات أنَّ المسكونة هي كل الأرض المسكونة، وليس القسم المسيحي منها.

(2) مسرحية وليم شكسبير، العقاب، الفصل الثالث، المشهد الأول، السطر 214.


ففي إطار عالمنا المتعدِّد، وذي الاعتماد المتبادل في آن، يرى بيندكت أندرسون أنَّ الخيال يلعب دوراً حاسماً (1) . بل إنَّ أندرسون يحاجج أنَّ الطريقة الأقوى لرسم الحدود في العالم، ليست تلك التي يعتمدها الماسحون الجغرافيون أو الجيوش، بل هي ناتجة من القدرة على التخيُّل التي تُنشئ لنا حساً بالـ "نحن"، ربَّما كان قومياً أو دينياً أو ثقافياً أو متعدِّد الثقافات. والحال أنَّ التقاليد الدينية أكثر قدماً وتأثيراً في المجتمعات المتخيِّلة من الدول/ الأمم الحديثة.

يرسم الهندوس صورة للعالم كزهرة لوتس من أربع تويجات، تشكل الهند التويجة الجنوبية منها. أمَّا المسلمون، فلديهم إحساس قوي بالمركز الروحي - وليس الكنسي - يتمحور حول جماعة دينية عالمية. أمَّا الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، فلديها بدورها إحساس قوي بالمركز، إنَّما في شكل مختلف تماماً عن المسلمين؛ بحيث تعكس "روما" و "الفاتيكان" نظاماً وسلطة كنسيين متكاملين. في حين أنَّ التقليد البوذي لا مركزي جداً، وبالتالي فإنَّ جماعاته المتخيِّلة أكثر إثنية ممَّا هي كونية. أمَّا الإوجالا من سكان السهول العظيمة، فينظرون إلى أنفسهم كشعب واحد ضمن "المواقد السبعة" في السيوكس Siocuss . ويربط الأبورجينال في أستراليا جماعتهم المتخيَّلة بالأرض والزمن الذي يُسمُّونها الحلم " The Dreaming " . ويُشكِّل الجسد

____________________

(1) يبحث بيندكت أندرسون في "المجتمعات المتخيَّلة" (1983 London, Vrso ) (في العملية التي يتم من خلالها تفعيل الأم لنفسها وللآخرين. ويرى أنَّ هذه العملية هي التي تقوم عليها الأمم).


صورة مشتركة للعلاقة المتبادلة في المجتمع المتخيَّل. فلدى كل من المسيحيين والهندوس يُمثِّل الجسد صورة الكل ذي الاعتماد المتبادل. ففي التقليد المسيحي "جسد المسيح" هو الكنيسة؛ جسد واحد ذو أعضاء كثيرة. لا يمكن أن تقول العين لليد، ولا الرأس للأقدام: "لست في حاجة إليكم". كذلك تعتبر الترنيمة الفيداوية المشهورة ( Purush Sukta ) أنَّ النظام المخلوق كله، الزمني والأخلاقي - الاجتماعي، هو جسد الإنسان الكوني المنقسم في الأضحية الأولى التي تسبَّبت بالخلق.

ولئن كان الجسد هو الصورة الكلية للمجتمع، وهو في هذا المعنى شيء إيجابي، فهو أيضاً يمنع صورة تراتبية. فهناك رأس وهناك أقدام، ومهما كانت الأقدام مهمَّة، فإنَّ التراتيبية تبقى قائمة. وبالتالي، فإنَّ الصورة التراتبية لا تتناسب مع فكرتنا المتخيَّلة عن علاقاتنا كجماعات عقيدية في عالم ذي اعتماد متبادل. ففي تطويرنا للإحساس بـ "نحن" أكثر اتساعاً من "نحن" الدينية أو الثقافية، يبدو من الأهمية بمكان تحديد نوع العلاقات الإنسانية المتبادلة التي نودُّ أن ننشئها. ولدى أتباع كل تقليد ديني أحلام للعالم المثالي، ولكيفية ارتباطنا بعضنا ببعض على الرغم من اختلافنا.

وفي هذا الإطار، يُشكِّل النظر إلى أحلام بعضنا بعضاً خطوة مهمَّة في البدء بتخيُّل "النحن". فهل إنَّنا نتخيَّل أفقنا كجماعات منفصلة، مهتمة أساساً بحماية حقوق بعضنا في علاقة مدنية البناء أو كأسر دينية متعدِّدة؟ أم أنَّنا نتخيَّل أنفسنا كجماعات دينية تتنافس في الخير والصلاح، كما يقول القرآن. وإلى ذلك،


فإنَّ تخيُّل "نحن" أكثر اتساعاً لا يعني التخلِّي عن جماعاتنا المنفصلة، بل إنَّه يعني إيجاد وسائل من العيش سوياً كمجتمع المجتمعات. ولكي نفعل ذلك لابد من أن نتخيَّل معاً من نحن.

هناك للعديد من التقاليد الدينية رؤىً محدَّدة للمجتمع المتخيَّل المؤلَّف من الأمم المختلفة. فالصورة السائدة في التقليد المسيحي للجماعة التي ستقوم هي مملكة الله / المملكة التي يريدها الله، والتي لابد من أن نكون شركاء في صنعها. والعهد الجديد مليء بصور هذه المملكة.

والجماعة المتخيَّلة لن تكون الجماعة المسيحية، بل جماعة كل الأرض المسكونة. أمَّا تعبير المملكة، فيتعيَّن أن يُحمَل، سواء في زمن المسيح أم في زمننا الحالي، على معنى مختلف. فلقد قلب المسيح من فهمنا وتوقعنا لِمَا هي عليه المملكة، إذ باتت على صورة لا تشبه أي مملكة على الأرض. فلن تًعرَّف الجماعة المتخيَّلة أو تُحكم من فوق، بل هي ستنمو من أصغر البذور كما تنمو الدغل الكبيرة من بذور الخردل الصغيرة. وهي مملكة لن يرثها الأغنياء والأقوياء، بل الفقراء والأرامل والمشرَّدون والغرباء.

وهذه الجماعة لن تُثبت هويتها بالسيطرة أو بالإقصاء، ولكنَّها ستكون، كما هو متخيَّل، بيتاً مفتوحاً لكل أمم الأرض الآتين من كل الجهات الأربع؛ الشرق والغرب والشمال والجنوب، ليأكلوا من المائدة نفسها. والجماعة المتخيَّلة نفسها ليست متروكة إلى زمان ومكان إلهيين في المستقبل، إنَّها معنا


الآن في عالمنا هذا وفي داخلنا. كما أنَّها ليست في مكان آخر، بل في هذا المكان الذي ستسوده العدالة وسيملأه السلام حتى الثمالة.

ومملكة الله أوسع بكثير من الكنيسة المسيحية. أمَّا دور التابعين المباشرين للمسيح في تحقيق هذا العالم، فليس مُعبَّراً عنه بلغة ضخمة جزلة، بل بأبسط الكلمات وأكثرها تواضعاً. إذ يفترض أن نقوم نحن - كل رجال العقيدة - بلعب دور الخميرة للعجين، والملح للطعام، والنور للطريق.

وتُوحي صورة البيت للمهاتما غاندي ، ومارتن لوثر، كينغ جونيور ، ولكثيرين غيرهم، بعلاقتنا (بني البشر) البينية الوثيقة. فيبدأ كينغ - على سبيل المثال - حديثه عن "البيت العالمي"، بالكلمات الآتية:

قبل سنوات تُوفِّي كاتب روائي شهير، ووجدتُ بين أوراقه اقتراحات عدة لحبكات روائية

مستقبلية، لعل أهمَّها هي هذه: "ترث أسرة مشتَّتة إلى حد بعيد بيتاً عليها أن تعيش معاً فيه". وهذه هي المشكلة العظمي الجديدة للبشرية (هكذا في الأصل)، لقد ورثنا بيتاً كبيراً؛ بيتاً عالمياً "علينا أن نعيش فيه معاً، بيضاً وسوداً، شرقيين وغربيين، يهوداً وأحباراً، كاثوليكيين وبروتستانت، مسلمين وهندوس. أسرة منقسِمة - من غير داعٍ - في الأفكار والثقافة والمصلحة. وبما أنَّه لم يعد يسعنا أن نعيش منفصلين، فإنَّ علينا أن نتعلَّم كيف نعيش معاً في سلام" (1) .

ويجمع البيت عادةً أسرة كبيرة ومعقَّدة، تحوي على كل التنوُّعات في المزاج والشخصية التي يملكها البشر.

____________________

(1) Martin Luther King, Jr., Where Do we Go from here: Chaos or Community ?

Boston : Press, 1967)، P 167).


ومجتمع البيت هو مجتمع يتميَّز بالضيافة والتعاون في آن. وقد يحتوي البيت أيضاً على بعض التراتبية، ولكنَّها ليست تراتبية تكوينية كتراتبية الجسد، بل هي قابلة للتحدي والمفاوضة. وكذلك فإنَّه ليس هناك بيت من دون مشاحنات، ولكن قاعدة هذه المشاحنات هي الحب، ولغتها هي الحوار.

هل يمكننا تَخيُّل العالم محلياً ودولياً على مثال هذا البيت؟ هل يمكننا تصوُّر تنوُّع الأديان والعقائد على مثل هذا النحو؟ إنَّ تخيُّل الجماعة على مثال البيت يجعلنا نرى عن قرب أكثر التميزات في القرية الكونية ذات الألف نسمة. فالأغنياء سيرون بؤس الفقراء وجوعهم في غرف البيت نفسه؛ ذلك أنَّ العيش في بيت واحد سيجعلنا نقر، وبتعبير كينغ : "إن الحياة مترابطة في شكل جد واقعي، فعذاب الفقراء يُفقر الأغنياء. ونحن مسؤولون بالضرورة عن إخوَّتنا؛ لأنَّنا إخوة لهم. وما يُؤثِّر في أحدنا بشكل مباشر، يُؤثِّر في الآخرين في شكل غير مباشر" (1) .

ويتطلَّب إمكان تخيُّل مثل هذا البيت ما سمَّاه كينغ "ثورة في القيم" : "ذلك أنَّ ثورة حقيقية في القيم تعني - في التحليل الأخير - أنَّه يتعيَّن على ولاءاتنا أن تكون كونية، وليست فئوية. وعلى كل أمّة أن تكوِّن ولاءً طاغياً للإنسانية (هكذا في النص) لكي تحتفظ بما هو أفضل في مجتمعاتها" (2) .

وتشمل ثورة القيم هذه أنماط السلوك، وعلى رأسها السلوك الديني؛ ذلك أنَّه لا يمكن لأيِّ منزل أن يعمل على قاعدة الإقصاء والتميز، على رغم تميز

____________________

(1) Thomas Merton, The Asian Journal of Thomas Merton (New York: New ( Direcion, 1973 ), p 313.

(2) Ibid, P. 190.


كل جماعة في هذا البيت في بعض الأمور، كما في الطقوس المركزية.

كذلك فإنَّه لا يمكن لبيت أن يعمل على قاعدة الاشتمال أيضاً؛ ذلك أنَّه سيكون بيتاً لنا بصفة كوننا بشراً، وليس مسيحيين ومسلمين أو بوذيين، رغم أنَّ الجميع مرحَّب بهم. ولا يمكن لأيِّ جماعة أن تضع القواعد التي يتعين على الآخرين الالتزام بها. وبالتالي، فإنَّ القاعدة النهائية التي تُشكِّل أساس هذا البيت هي التعدُّدية. ففي المنزل الواحد يعيش الناس بعضهم مع بعض عن قرب؛ بحيث يعرف الهندوسي والمسيحي المسلمَ والبوذي اللذين يصحون في الفجر للصلاة أو للتأمل. ولسوف تسمع كل جماعة صلوات وعظات وأغنيات وحتى صمت الجماعات الأخرى، وكل جماعة تحترم الحياة الخاصة للجماعات الأخرى، وأحياناً هناك دعوات للدخول واحتفالات مشتركة.

وكذلك فإنَّ كل جماعة تسمع وترى نفاقات الجماعات الأخرى. وكما في كل بيت، فإنَّنا سنرى بعضنا في أحسن حالاتنا وفي أسوأها. ولا يمكن أن نتظاهر بالكمال. وسواء على الصعيد المحلي أو الكوني، فإنَّ البيت يُوفِّر البيئة لكي نفهم بعضنا بعضاً، ليس كأغراب، بل كجيران. وربَّما أدَّى الفهم المشترك إلى تحوُّل مشترك، وذلك عندما يأخذ كل منا يرى العظمة التي ينظر بها جاره إلى نفسه. وفوق ذلك كله، يُوفِّر البيت الإطار الذي يجعلنا نقوم بما تفرضه علينا التزامات أدياننا من أن نتعاون معاً لحل مشاكل عالمنا المشترك.

ولكن هل هذا ممكن في إطار الأديان المتعدِّدة؟ عن هذا السؤال يجيب توماس مرتون (أحد أهم المفكِّرين المؤمنين بالروحية المشتركة للأديان)،


بالإيجاب، وذلك في إطار ملاحظات أعدَّها لمحاضرة قبل وفاته المفاجئة، يقول: "أنا مقتنع بأنَّ التواصل في العمق عبر الخطوط التي كانت حتى الآن تفصلنا دينياً، لم يعد أمراً ممكنا ومرغوباً فيه فحسب، بل هو مهمّ جداً لمصائر رجل القرن العشرين" (1) (هكذا في الأصل).

أمَّا جون ديون - وهو بدوره أحد المبرَّزين في هذا المجال - فيُعبِّر عن اقتناع مماثل، وإن بشكل أكثر تصويراً: "إنَّ رجل الدين في زمننا لا يشبه جواتما أو المسيح أو محمد في قدرته على تأسيس دين عالمي، ولكنَّه يشبه شخصاً مثل غاندي، ينتقل من دينه إلى أديان الآخرين عبر التفهُّم المتعاطِف، ثم يعود وقد اكتسب رؤية جديدة لدينه. وهكذا يبدو أنَّ الذهاب إلى الأديان الأخرى والعودة هو مغامرة هذا العصر الروحية" (2) .

ومثل هذه المغامرة لا تُشكِّل إمكانية جديدة فحسب، بل هي ضرورة جديدة أيضاً. وذلك إذا أردنا أن نكون جيراناً في هذا التنوُّع الديني لقريتنا

الكونية. ولهذه المغامرة تأثير في عبادتنا وتأويلنا لكتبنا المقدَّسة ومواعظنا، وذلك ناجم عن رؤيتنا المشتركة للتجاور ضمن التنوُّع الديني في قريتنا الكونية. والحال أنَّ ما نتحدَّث عنه ذو علاقة مباشرة بالحوار بين الأديان. ولكن السؤال العملي لم نسأله بعد، ناهيك بالإجابة عنه: كيف نمضي بهذا الحوار، وخصوصاً أنَّ ذلك يتطلَّب أن يدخل المرء في تجربة الآخر؟ ولعل

____________________

(1) Thomas Merton, The Asian Journal of Thomas Merton (New York: New ( Direcion, 1973 ), p 313.

(2) John Dunne, The Way of all the Earth (New York: Macmillan , 1972.


التخيُّل الديني يمكن أن يوفِّر باب الدخول إلى قلب عقيدة الآخر. ولقد جرت في السنوات الأخيرة أحاديث كثيرة بين الثيولوجيين وأساتذة الدين حول ضرورة تخيُّل ديني خصب وفاعل. ولقد أدركنا أنَّ نور الوحي يمر بواسطة قناة المخيَّلة؛ بحيث يلعب التخيُّل دوراً حيوياً في وجود كل دين وفي استمراره. فإنْ باتت مخيَّلتنا الدينية باهتة وجافة، لابد من أن تفقد حياتنا الدينية الخاصة - فضلاً عن ممارستنا الدينية المؤسسية - أي معنى حيوي

لها (1) .

ويسع التخيُّل الديني - إضافة إلى أهمِّيته في روحانية الفرد والجماعة - أنْ يُشكِّل نقطة الانطلاق التي نقوم من خلالها بإسقاط أنفسنا في عالم الآخر الديني. ومن أهم الدراسات الأكاديمية والمقنِعة حول الدور المركزي لتخيُّل في محاولة التواصل مع دين وتقليد غريب عنا، هي دراسة دافيد ترايسي بعنوان: "التخيُّل التحليلي" (2) .

اعتبر ترايسي أنَّ الجهد لتأويل نص كلاسيكي، سواء من التراث الديني للفرد أم من تراث الغير، هو في شكل أساسي مماثل تماماً لِما نختبره أمام عمل فني حقيقي. فعند ذلك لابد لنا من أن نغامر بأن

____________________

(1) انظر على سبيل المثال:

ricoeur, Figuring the Sacred: Religion, Narrative and Imagination, David Pellauer, Teans. (Philadelphia: Augsber Fortress, 1995) Paul D.Avis, God and the Creative william Lynch, Images of Faith (London: Routledge,2000) of Nortre Dame Press, 1997), University Dayton Review, Fall, 1980

(2)

وأنظر الفصول التي يمكن عدُّها دليلك لكيفية التحاور مع التقاليد الدينية الأخرى، وهي تُظهر الدور المحوري للتخيُّل في هكذا حوار.


نلعب "لعبة" (1) . لعبة ستكون فيها الحقيقية على المحك؛ حقيقة معرفة واقعنا وآمالنا. لعبة يتعيَّن علينا فيها أن نتخلَّى عن انضباطنا كمثقَّفين، وعن وعينا بذواتنا، وأنْ ندع القياد لمشاعرنا وتخيُّلنا.

لكن ما الذي يمكن أن يبدو أقل جدية وأكثر خصوصية أكثر من الناتج الذاتي للعب؟ بَْيدَ أنَّ فهم ما نختبره فعلياً لدى لعب لعبة ما، قد يُسفر عن نتائج مذهلة. فإذا ما أصررتُ عندما أدخل لعبة على أن أتحكَّم بكل خطوة أخطوها، آنذاك لا أكون ألعب اللعبة نفسها، بل أكون ألعب لعبة أخرى يكون فيها الوعي بالذات هو القاعدة الوحيدة، في حين أنَّ قابليتي لتأثُّر وقدرتي على تجاوز ذاتي هما خطوات ممنوعة. فالذاتية الصرفة ربَّما تكون مسؤولة أحياناً عن عدم القدرة على اللعب، وعلى رفض التفاعل، وعلى استحالة الدخول في أيِّ لعبة، باستثناء الدور الذي رسمه المرء لنفسه. إنَّها اللعبة النرجسية التي يقوم بها المرء بالدور الوحيد، وهو أيضاً المتفرِّج الوحيد. إلاَّ أنَّ الذاتية المحضة لا يمكن أن تحلَّ محل الخبرة الفعلية التي يكتسبها المرء من لعب أي لعبة.

ذلك أنَّ لعب أي لعبة يجعل المرء يفقد الوعي بالذات ومركزيتها. فخلال اللعب يفترض أنْ أفقد نفسي، ولكن ليس في شكل سلبي، بل إنَّني في الحقيقة أكسب نفساً أخرى من خلال سماحي لنفسي بالدخول فعلياً في اللعبة.

____________________

(1) إنَّ دراسة جوهان هويزينغا: Johan Huzinga, Homo Ludens (Boston : Beacon Press, 1955)، هي الدراسة الكلاسيكية الحديثة حول الطبيعة اللعبية للوجود الإنساني. أمَّا غادامر، فهو يستخدم التجربة الفنية لفهم عملية التخيُّل. ومن الجدير بالملاحظة أنَّه في هذا النوع من اللعب، لابد من وجود المشاهد للعب اللعبة.


وبالتالي، فإنِّي أسمح لنفسي بأن تلعب لعبة، فأنتقل إلى القبول بـ "قوانين" اللعبة، وحركتها إلى الأمام وإلى الخلف؛ أي إلى العلاقات الداخلية للعبة نفسها.

وهكذا لا تعود اللعبة موضوعاً لذات واعية بذاتها، بل شكلاً من أشكال الانطلاق العلائقي الناتج من الوجود في العالم، والمختلف عن الوجود العادي غير اللاعب. فأنا في كل لعبة أدخل إلى العالم؛ حيث ألعب في شكل كامل إلى حدٍ أنَّ اللعبة نفسها تلعبني (1) . وفي هذا الإطار، إذا لعبنا لعبة التواصل مع دينٍ آخر، في شكل جدّي، فسوف يقود ذلك إلى تجربة نجد فيها أنفسنا، وقد حصلنا على واقع ربَّما لم نكن ندرك من قبل أنَّه موجود. والحال أنَّ التجربة الدينية الحقيقية تبدو وفقاً لكل الذين خاضوها وكأنَّها شعور ببروز قوة لا يمكن إنكارها. وهي ليست قوة المرء، ولا يُعبَّر عنها بلغة اليقين، بل بلغة الفضيحة والغموض. فالإنسان الديني لا يدَّعي أنَّه امتلك ناصية الحقيقة، بل هو يتحدَّث عن فقدان للضوابط التي كان يملكها، وأنّه يختبر شعوراً بالتحرُّر يوصله إلى حال من عدم الفهم، وإلى غموض فعلي مذهل ومخيف في آن؛ وهذا بالتأكيد هو لب التعبُّد الديني.

____________________

(1) Tracy, The Analogical Imagination حتى ص 113 - 115.

يُشدِّد ترايسي في تحليله لتصرُّفات اللاعبين، وهو تصرُّف - كما يصر غادامر عن حق - مرتبط أنطولوجياً بظاهر اللعبة نفسها، وهي التي تُحدِّد تصرف اللاعبين، وليس الوعي.


تعد طريقة جون ديون في الانتقال - والتي تحدَّثنا عنها أعلاه - من أكثر الطرائق شعبية وفاعلية في التواصل الديني / الاستماع إلى / والتعلُّم من التقاليد الدينية الأخرى.

يصف ديون في شكل عام ما يراه - وأنا أوافقه الرأي - فيقول:

"الانتقال إلى منطلقات بثقافة أخرى، وطريقة حياة أخرى، ودين آخر، تتبعها عملية مساوية ومعاكسة وإلى الخلف - يمكن أن نسميها "العودة" - تحمل رؤىً جديدة لثقافة المرء الخاصة، ولطريقة حياته ودينه" (1) .

ويبدو واضحاً من وصفه المفصَّل لهذه العملية، ومن كيفية تطبيقه الفعلي لها في الغوص في حيوات وثقافات وأديان أخرى، أنَّ جهد ديون يتمحور حول التخيُّل؛ إذ يدخل المرء إلى مشاعر مؤمنين آخرين عبر سماحه لرموزهم وسيرهم وتقاليدهم الدينية أن ترتسم صوراً في مخيَّلته. ثمَُّ يترك المرء نفسه مع هذه الصور، لاحقاً إيَّاها إلى حيث تأخذه. وخلال هذه التجربة الداخلية ثمَّة أمور يتعين على المرء أن يفكر بها - المعطيات التي تسمح له بالتوصُّل إلى رؤىً أو "نظريات" جديدة. ثُمَّ يعود المرء إلى تقليده الديني بهذه الرؤى الجديدة ويختبرها، بل لعله يتبناها ويدخلها في سياق حياته

الخاصة.

وهكذا فإنَّ تقنية الانتقال تقوم على الحصول على الصور التي تنتجها مشاعر المرء، ومن ثُمَّ تحويل هذه الصور إلى رؤىً، واعتماد هذه الرؤى كمرشد. وما يفعله المرء في عملية الانتقال هذه هو محاولة الدخول في شكل متعاطف إلى مشاعر شخص آخر. ومن ثُمَّ يصبح متلقِّياً للصور المعبِّرة عن

____________________

(1) Dunne, Way of All Earth


مشاعره وتحويل هذه الصور إلى رؤىً، والعودة مغتنياً بها، بما يسمح له بفهم حياته وتطوُّرها في المستقبل (1) .

ويشير ديون إلى أنَّ إمكان الانتقال إلى التقاليد الدينية الأخرى، يقوم على الاعتراف بنسبية كل المعتقدات والمواقف والأسس التي يستند إليها المرء. فهناك مهما تعلَّم الإنسان، أو عرف الكثير ممَّا لم يعرفه بعد. ولا يمكن لأيِّ موقف أو وجهة نظر يُؤمن بهما، أن يكونا نهائيين. إلاّ أنَّ هذه النسبية - كما يقول ديون - لا تفتح الباب واسعاً للنسبية الدينية، بل على العكس؛ فإنَّ تجربة الانتقال نفسها تمنعنا من الاستنتاج: بأنَّه ما دام كل معتقَدٍ نسبيَّاً، فإنَّه لا يمكن للمرء أن يعرف شيئاً، وينبغي أن يُشكِّك في أيِّ معرفة، بما فيها المعرفة الدينية.

فالانتقال يُبرهن أنَّه رغم عدم تمكُّن المرء من الوصول إلى جواب نهائي، إلاّ أنَّه يصل دائماً إلى أجوبة جديدة، وهي أجوبة فعلية. كذلك، فإنَّه في هذه العملية التي تنضوي على تحفيز المخيَّلة وتوسيع أفق المعرفة، لا ينظر إلى الانتقال كبحث عصبي عن اليقين، بل كسعي تحريري ومثير للفهم، مثله مثل الحياة نفسها: "إذا أبقيتُ في ذهني نسبية المواقف والمعتقدات، وأنا أنتقل من موقفٍ إلى آخر، فإنَّني أنفتح بذلك على الغموض" (2) . فعلى الرغم من أنَّ الانتقال هو

____________________

(1) المرجع نفسه، ص 53. في هذا الكتاب يحاول ذلك مع حيوات غاندي و جواتما و المسيح .

والدراسات الأخرى التي يستخدم فيها ديون منهجيته في الانتقال أو العبور هي:

A search for God in Time and Memory (University of Notre Dame Press, 1977).

The City of the Gods (University of Notre Dame Press, 1987).

(2) Dunn, Search for God, p. 7, also p. IX.


أساساً عمل تخيُّلي، إلاَّ أنَّه يتطلَّب في الوقت نفسه جهداً ذهنياً كبيراً. فتحوُّل رموز وتعاليم دين آخر إلى صور، ليس بالأمر السهل كما هو متصوَّر، بل يسبقه في العادة عمل تحضيري يجعل المرء قادراً على استيعاب الديانات الغربية عنه والتأثُّر بها. وهذا العمل التحضيري هو كناية عن الدراسة التاريخية والثقافية الاجتماعية والسيميائية الضرورية لفهم أي شخص، أو عمل كلاسيكي ينتمي إلى ثقافة مختلفة، أو زمن مختلف.

فإذا كنا نتعامل مع أسطورة أو مع عقيدة، فعلينا أولاً أن نحاول فهم معناها عِبر موضعة النص، ومحاولة فهمه في إطار عمل أدبي أوسع، وفي عالمه التاريخي والثقافي. ثُمَّ نقوم بنقل رؤية هذا الفهم وصوره إلى مخيَّلتنا، وندع هذه المخيَّلة تأخذنا إلى حيث تريد - إلى رؤىً جديدة، إلى صور جديدة للعالم ولأنفسنا ولله، إلى أشكال جديدة من وجودنا في هذا العالم، وإلى مقاربات مختلفة لرموز ومعتقدات تقاليدنا الدينية نفسها.

والمسار الذي تتَّخذه هذه المغامرة هو في الحقيقة مسار ملحمي ، فهو يبدأ من موطن التقاليد الدينية للفرد ويمضي إلى أرض العجائب؛ أي إلى موطن التقاليد الدينية للآخرين، ومن ثُمَّ العودة إلى الموطن الأصلي. وإذا صحّ هذا كله، فإنَّ الكثير يعتمد على الوطن الذي تبدأ منه الرحلة وتنتهي إليه. فقد بدأ غاندي بالتقليد الهندوسي وانتهى إليه، مروراً في شكل خاص بالمسيحية وكذلك أيضاً بالإسلام، ولكنَّه كان دائماً يعود إلى التقليد الهندوسي.


وبحسب هذا السياق، فإنَّ المسيحي يبدأ من التقليد المسيحي، واليهودي من التقليد اليهودي، والمسلم من التقليد الإسلامي، والبوذي من التقليد البوذي. فإذا درسنا المسألة في عمقها، نجد أنَّ هناك نقطتي بداية ونهاية حتميتين، هما: حياة المرء نفسه. فعلى المرء أنْ ينتقل، وأن يُغيِّر نقطة انطلاقه - حتى ولو كان مسيحياً - لكي يدخل في حياة المسيح، ومن ثُمَّ هو في حاجة إلى أن يُغيِّر نقطة انطلاقه مجدَّداً ليعود إلى حياته.

وبالتالي من وجهة النظر هذه، فإنَّ التقاليد الدينية - حتى تلك التي ينتمي المرء إليها - تصبح جزءاً من أرض العجائب في هذه الملحمة، والوطن في هذه الحالة هو حياة المرء نفسها. والحيوات أيضاً هي جزء من أرض العجائب، وخصوصاً حيوات شخصيات كجواتما، والمسيح، ومحمد .

إنَّ الدخول إلى حيوات هؤلاء هو الذي يجعل المرء يدرك المعنى الحقيقي لكلماتهم. فغاندي على سبيل المثال، سمَّى مغامرته "تجارب مع الحقيقة". ولنطلق نحن على مغامرتنا الاسم نفسه، رغم أنَّنا قد نصل إلى نتائج مختلفة. وعندما ننتقل إلى حياته، سنجد أنَّ التجربة التي خاضها، قادته إلى تحويل العنف إلى قوة خلاّقة للحقيقة Satyaqraha . ولكن لكي ننتقل إلى حياة غاندي ، علينا أنْ نُدرك موقفنا الخاص من العنف. كذلك، فإنَّ حياته كانت حياة بسيطة، مثلها مثل حياة جواتما ، وكانت مكرَّسة لاستنباط الرؤى ومشاركتها مع الآخرين.

كذلك فإنَّ ما خبره جواتما في حياته ليس بالأمر غير الشائع؛ فهو عاش فترة في هذا العالم، ثُمَّ انزوى فترة في الجبال والبراري،


قبل أن يعود إلى المجتمع. ويكمن الجديد في تجربته في تقويمه ورؤيته لتجربته هذه؛ أي في إضاءته على هذه التجربة.

والانتقال إلى حياة جواتما يَفترض بنا أن ندرس حياتنا وعبورنا، ومن ثُمَّ عودتنا. وإذا كان ذلك حقيقياً، فإنَّه يَفترض أن يكون من الممكن أن نجد في داخلنا ما يجعلنا نفهم حيوات شديدة الغرابة بالنسبة إلينا، حياة رايموندو بانيكار - وهو أيضاً من المخضرمين في دائرة العلاقات بين الأديان - ذلك أن باطنيَّته الصعبة الفهم تجعل الرموز الصوفية هي المعطيات الرئيسية للتفاعل بين الأديان، وهي معطيات لا يمكن إدراكها والشعور بها إلاّ عبر الخيال. والطريقة الخلاّقة التي لعب بها خياله وتفاعل وتعلَّم من رموز وصور الديانات الأخرى واضحةٌ في كل أعماله، وخصوصاً في عمله الخالد "التجربة الفيداوية (منترامنجاري)" (1) .

ثَمَّة نوع آخر من الرؤية التخيُّلية في الإنجيل المسيحي. وفي المركز من هذه الرؤية مدينة مقدَّسة لا يُوجد فيها ظلام؛ لأنَّ عظمة الرب متمثِّلة في هذا النور الأزلي. وتنتفتح أبواب هذه المدينة في كل الاتجاهات، ولا تنغلق أبداً. ومن خلال هذه الأبواب يأتي الناس من كل مكان في العالم، جالبين معهم إلى هذه المدينة "عظمة الأمم وعزَّتها". إنَّ رؤية يوحنا هذه، مستمدَّة من

____________________

(1) ( Raimundo Panikkar, The Vedic Experience (Berkeley: University of California Press, 1977

أنظر أيضاً كيف تعمل مخيَّلته الخلاَّقة مع رموز الهندوس من البراهما والإيفارا في:

The Unknow Christ of Hinduism (Maryknoll, N.Y.: Orbis, 1981 ), P.P., 97-162


الرؤية التخيُّلية لنبي يهودي هو النبي حزقيل (47: 7 - 12)، الذي كان قد رأى المدينة والمعبد. وفي رؤية هذا النبي يتدفَّق نهر من تحت الباب الرئيسي لحرم المعبد تجاه الشرق، ويتحوَّل تدريجياً إلى نهر عظيم، مياه هي مياه الحياة، يتدفَّق هذا النهر من المعبد جالباً الحياة والوفرة والشفاء حيثما تدفَّق.

أمَّا يوحنا ، فقد رأى النهر الذي يحمل ماء الحياة، إلاّ أنَّه لم يرَ معبداً، بل الله وحده: "وأراني الملاكُ نهراً صافياً من ماء حياة، لامعاً كبلُّور، خارجاً من عرش الله والحمل، في وسط سوق المدينة، وعلى النهر - من هنا وهناك - شجرة حياة... وورق الشجر لشفاء الأمم" (1) .

إلى ذلك، فإنَّ مياه الحياة مجانية، يمكن لكل مَن يُريد أن يأخذ ماء الحياة كهدية... إنَّها صورة جميلة: لا يوجد معبد، بل نهر ماء الحياة والشفاء المتدفِّق من وجود الله نفسه. وما له دلالته أنَّ ديانا إيك تعترف بأنَّها بعدما عبرت من بيتها في بوزمان، مونتانا، إلى بنارس الهندوسية، فإنَّها لا تستطيع أن تقرأ الفصول الأخيرة من رؤية يوحنا التخيُّلية من دون أن ترى نهر Ganga Mai "الأم - الغانج" في عقلها. فهو بالنسبة غلى الأخوات والأخوة الهندوس نهر السماء المحيط بمدينة براهما المقدَّسة، المتدفِّق من قدم فيشنو Vishnu غاسلاً مدار القمر، والمندفعة مياهه إلى رأس الإله شيفا Shiva ، وتلمس الأرض في أعلى قممها جبل ميرو Meru ، وتنقسم بعد ذلك بكرم إلى

____________________

(1) رؤيا يوحنا اللاهوتي، 21 - 22.


أربع أقنية، تتدفَّق في الجهات وتسقي جميع أنحاء الأرض بأنهار البركة. تقول إيك : ويمضي نهر السماء الذي أعرفه جيداً جنوباً إلى الهند، وهو لا يزال إلى اليوم يعانق مدينة بنارس المقدَّسة حيث يأتي الحجاج ليستحمُّوا في الفجر. والأكيد أنَّ نهر الأردن هو أحد جداول نهر السماء - وكذلك نهر "جيلاتن" (1) .

____________________

(1) Dinan Eck Encountering God: A spiritual Journey from Bozeman to Benares Boston: Beacon Press, 1992, P. 231 Bozeman.



الفصل الثالث

التقييم الكلامي للحداثة..................................................... بي هورستن

حوار الإسلام والحداثة..................................................... كليم صديقي



التقييم الكلامي للحداثة

بي هورستن (*)

إنَّ محاولة دراسة النطاق الواسع للبحوث الكلامية المعاصرة قياساً إلى الحداثة ( Modernity سيكون ادعاءً مبالغاً فيه، إنْ لم يكن مستحيلاً. ومع هذا الدفاع عن جدوى هذه المفردة، ذلك أنَّ اللاهوت بأسره تقريباً - بشكل مباشر أو غير مباشر - يتَّخذ موقفاً من الحداثة، ولا مفر من اتخاذ الموقف هذا. وفي الحقيقة، فإنَّ الحداثة تترسَّخ عملياً في جميع أرجاء عالمنا على اختلاف في الدرجات. ومع هذا، فإنَّ مفهومها ليس بالشكل الذي يمكن تحليله بسهولة، وتحديد خصوصياته وقوانينه. فالحداثة نتاج ظاهرةٍ ما، ظاهرة تحديث ( Modernization ) العالم الناجمة عن معطيات العلم والإبداع في القرون الأخيرة. والنتيجة المترتِّبة على ظاهرة التغيير هذه، هي نظرة جديدة تماماً للعالم والمجتمع والإنسان. وإنَّ أبرز سمات الحداثة - كما يُحتمل - هو الاطلاع على التحوُّلات والارتباط بها وتقييمها الإيجابي، وهذا ليس مجرد

____________________

* (الهامش غير موجود في الأصل)


تحوُّل نسبي محدَّد ومؤقَّت، بل هو تحوُّل جذري وشامل بشكل لا يقبل التراجع عنه، ويترك أثره في جميع جوانب حياة الأفراد والمجتمعات.

وبطبيعة الحال، فإنَّ كل فترة من فترات التاريخ كان لها تقليديُّوها ومجدِّدوها. لقد كان فكر القرون الوسطى على معرفة بالطريق الجديد ( modernorum Via وكان ذلك الطريق الجديد في صِدام مع القضايا الفكرية الكلاسيكية. وخلال تلك الفترة كان للمعرفة تركيب ذو مراتب، وكانت العلوم بأسرها تابعة، وكان أسلوب القياس يُستخدم في كل الحالات؛ حيث كان يُخطط على أساس سلسلة من علاقات العلة والمعلول. وقد جعل هذا الأسلوبُ الدمجَ الواقعي للمعرفة ممكناً.

كان التركيب ( Synthesis ) يُفسِّر جميع المعرفة بالمفاهيم الكلية والثابتة، وكان مضمونه هو أنَّ العقل البشري له في جميع الأزمنة والأمكنة مفاهيم متساوية. وهنا ينبغي الانتباه إلى أنَّ علم اللاهوت المدرسي (العنوان الذي يُعرف به لاهوت القرون الوسطى في الغرب) كان يسعى لأجل تحقق الموضوعية قدر المستطاع، والانعتاق بشكل أكبر من قيود الزمان بالشكل الذي طرح قبل قليل باختصار، وطالما أنَّه أصبح مُعاداً، وربَّما غير منسجم، بل أكثر تنافراً كما يقال هذه الأيام.

والحداثة التي ارتبطت بمفهوم التطوُّر، تشتمل على نفي ذلك الاعتقاد الذي يعتبر أنَّ بلوغ الفهم الكامل مرةً واحدة هو أمر ممكن وإلى الأبد. وفي السعي لبلوغ حقيقة أكمل قدر المستطاع، تستدعي كل المعرفة للمنازلة بشكل مستمر.


بدأت هذه النهضة مصحوبة بالتحوُّلات العلمية والفنية والسياسية في القرن السادس عشر، وأصبح العلم تخصُّصياً بشكل متزايد، واعتبر شيئاً ذا حياة؛ بمعنى أنَّه لم يعد تكراراً وجزءاً من تركيب متناسق وشامل، وكانت هذه هي لحظة ظهور العلوم الاستقرائية التي تستند إلى الأدلة التجريبية. وفي هذا الوقت بالذات تكوَّن تدريجياً طريق جديد في تركيب الفلسفة، كانت فيه الذاتية ( Subjectivity ) و الفكر المنطقي ( Rational ) يقعان موقع تأكيد متزايد. كما نضج الاتجاه الحركي نحو الجبرية التاريخية لكل العقائد.

إلاّ أنَّ هذا الأمر أدى - عاجلاً أم آجلاً - إلى طرح قضية العلائقية ( Relativism ) و التطوُّرية ( Evolutionism ) على بساط البحث، كما كان ينبغي أن تُؤخذ هذه القضية بنظر الاعتبار من خلال قياسها إلى المعتقدات. وقد اصطحب الدور الأكثر فاعلية للفرد مفهوم الحرية معه. ونتيجةً لذلك، كان بالإمكان اختيار المستقبل المحدَّد بالحدود التي تعيَّن من قبل الأوضاع التاريخية. ولقد قلَّ الاتجاه إلى دراسة الظواهر الطبيعية والاعتماد على التفاسير السامية ( Transeendent ) لمصلحة التفاسير الباطنية ( Immanent ) التي تقود إلى وجهات نظر دنيوية.

وإنَّ انعدام المعيار الكامل الذي جرى تعريفه والثابت في سبيل التحكيم، يدعم الكثرة من الطرق المؤدِّية إلى الحل، وقد خلف من بعده التعدُّدية ( Pluralism ). وشيئاً فشيئاً بدأت البشرية بقبول هذا الافتراض المبدئي؛ من أن تقرير مصيرها ومصير العالم هو أمر بيدها حقاً.


القضية الأساسية هي قضية الحقيقة وكيفية تحقيقها ، التي حظيت مع ظهور الحداثة بأهمية خاصة، وكان العامل الحائز على أهمية فائقة والمرتبط بهذه القضية هو عامل اللغة. وإنَّ الباحثين في مجال العلوم الإنسانية ( Humanists ) على علم بحقيقة أنَّ الكلمات وحدها لا تُشكِّل الغلاف الخارجي

للعقائد. فكلام الإنسان دائماً مقيَّد بالحالات والأوضاع، ومرتبط إلى حدٍ ما باللغة التي هي بمثابة القالب له، ولا تُعتبر لغة اللاهوت والدين بدورها استثناء من هذه القاعدة.

وفي القرن السادس عشر الميلادي واجهت الكنيسة الكاثوليكية بروما، حركة الإصلاح الديني البروتستانتية ( Protestant Reformation هذه الحركة التي أولت اهتماماً للمسائل الكلامية. لكنَّها تزامنت مع ظهور تيار بعض الآراء الحديثة التي كان مقرَّراً لها أن تُشكِّل السمات المميَّزة للحداثة: قيمة الفرد ، عنصر الاختيار ، العلاقة باللغات ، سواء أكانت لغات الكتاب المقدَّس أم اللغات القومية، شكل جديد من المجتمع والتعدُّدية.

وفي ردِّ فعل منها على القضايا الكلامية لحركة الإصلاح الديني، بادرت الكنيسة الكاثوليكية في الحقيقة إلى إغلاق الباب أمام أيِّة مواجهة مع الآراء الجديدة الأخرى. وقد أدَّى هذا الأمر إلى أنْ يبتعد كل من الكنيسة والعالم المتجدِّد بشكل متزايد عن بعضهما، إلى الحد الذي اتضح معه أنَّ تصوُّر إمكانية هيمنة الجانب المادي للعالم على أساس هذه الحداثة، وفي الوقت نفسه المحافظة على المواقع الكلامية التي هي استمرار لمعطيات أسلوب ما قبل الحداثة في ميدان


الحياة والأعمال الدينية، إنَّما هو حلم طوباوي ( Utopian ) . وخلال ذلك أقدم المجمع الفاتيكاني الثاني على خطوة جريئة لمواجهة هذا التحدِّي، رغم أنَّ التعيير لم يكن اتجاهاً غير متوقع بشكل كامل، وقد كان كثير من المتكلِّمين ومفسِّري الكتاب المقدَّس قد مهَّدوا الطريق لذلك.

إنَّني هنا لا أريد تفسير النصوص ذات العلاقة بالمجمع الفاتيكاني الثاني ونقدها، ومع الآخذ بنظر الاعتبار ما قيل آنفاً، فإنَّني أريد فقط محاولة شرح بعض النقاط ذات الصلة.

كنتُ قد أشرت - في مجالٍ آخر - إلى التحوُّل؛ أي البعد التاريخي للبحث عن الحقيقة ، وسأسعى في هذه المقالة إلى إيضاح طريق جديد في ما يتعلَّق بالإلهيات ما اشتهر بعلم التأويل ( Hermeneutics ). وإلى جانب هذه المسألة المنهجية ( Methodological )، فسأتناول باختصار، الحديث عن موضوعين تمَّت الإشارة إليهما، سأذكِّر بـ: العلمنة ( Secularization ) و التعددية، وكيف أنَّ لاهوت اليوم يسعى للتعايش مع هذا الشكل من جوانب الحياة العصرية.

كما أنَّ إضافة موضوع آخر سيكون نافعاً؛ ألا وهو أنَّ هذه المقالة تنبري لبحوث اللاهوت المعاصر. وهذا يعني أنَّ بعض النقاط المطروحة على بساط البحث ما تزال في حال التجربة ومؤقَّتة، أو أنَّها لم تكتمل بعد. وربَّما لم يحن بعدُ الزمن الذي تُقدَّم فيه الحلول النهائية للقضايا التي طرحتها

الحداثة. وكما


سنرى، فإنَّ واحدة من القضايا المطروحة، والتي هي في الحقيقة "إلى أي حدٍّ" و "بأيِّ معنىً"، ما يزال بإمكانها أن تتوقَّع أجوبة حاسمة.

علم التأويل واللاهوت

إنَّ البعد التاريخي للمعرفة الإنسانية، وكذلك تنوُّع الطُّرق الموصِلة إليها ضمن الأطر اللغوية وأمثالها، قد أوضح لكثير من الناس أنَّ المعرفة الحقَّة والعلمية تستدعي المواجهة الناقدة والتأويلية للموضوع المطروح للبحث.

ولفنِّ التأويل تاريخ عريق وبعيد في ثقافة أوروبا الغربية، بدأ بتأويل آثار هوميروس ( Homer ). ومنذ البدء ظهر اتجاهان:

الأول: التأويل النحوي ( Grammatical ) الذي هو مفتاح المعنى؛ أي أن يتم البحث عن المعنى الظاهري في باطن النص نفسه.

و الثاني: التأويل المجازي ( allegorical ) الذي يبحث عن مفتاح كهذا في موضع آخر. إلاّ أنَّ تصوُّر كلا الفرضين يرى وجود ثغرة بين النص والقارئ، وفي سبيل سد هذه الثغرة فنحن بحاجة إلى توجيه علم التأويل .

وقد اضطر الكتاب المقدَّس إلى أن يصبح موضوعاً للتأويل، ويتمتَّع التأويل هنا بشفافية خاصة؛ ذلك أنَّ هذا النص اعتبر "كلام الله". وقبل ظهور المسيحية فإنَّ العهد القديم تم تأويله استناداً إلى مبدأين:

الأول: الهروب من المعنى الظاهري للنص واللجوء إلى قصر فهم النص ضمن إطار المعايير الكلامية.


الثاني: كتابة القواعد التي ينبغي أن تجعل للتأويلات الممكنة حدوداً معينة بشكل لا تُؤدِّي معه إلى تهديد أصالة إيمان المؤمنين بالمخاطر. وكانت المسيحية مجبرة على خوض مجابهة بتحدٍّ مضاعف في التأويل. وللوهلة الأولى، فقد كان ينبغي لنص العهد القديم أن يُقرأ من جديد في ضوء تجارب المسيحية وعقائدها.

كل هذا مع الإحساس بضرورة تدوين فهرست موثوق به لكتبه المقدَّسة، أي العهد الجديد ( The New Testament )، ووضع معايير وأُطر للتأويل السليم في مواجهة بدع المتقدِّمين.

ومع مرور القرون، تحوَّل الاهتمام بهدوء ممَّا اصطلح على تسميته بمادة النص إلى القلق الأرثوذكسي ( Orthodoxy )، الذي وافقت عليه الكنيسة الرسمية في التعاليم الشهيرة لفنسن اللوريني ( Vincent ) (تُوفِّي بعد 450 للميلاد): حول ضرورة بذل اهتمام خاص للتمسُّك - في كل مكان وزمان، ومن قبل الجميع - بكل ما هو ذو علاقة بالعقيدة.

وفي القرن السادس عشر قدَّمت حركة الإصلاح الديني البروتستانتي، عن طريق قراءة اللغات الأصلية للكتاب المقدَّس وترجمته إلى اللغات القومية، عناصر جديدة، فضلاً عن إعدادها ميداناً أكثر اتساعاً للأحكام الشخصية، رغم أنَّه مع مرور الزمان، قلَّت أهمية آخر سمات حركة الإصلاح الديني هذه.

وكان ردُّ فعل الكنيسة الكاثوليكية في روما على موقف البروتستانتيين هو التأكيد على نظرية أخذت مصدرين بنظر الاعتبار: الإيمان الأصيل الذي


يرى في الكتاب المقدَّس - وكذلك في تقاليد الكنيسة - مصدرين له.

ومرة أخرى نواجه رواية من شكلين اثنين جذريين في التأويل: أحدهما يبحث عن مفتاح الفهم في داخل النص، والآخر يبحث عنه في مكان آخر.

وخلال ذلك انبرى معتنقو الأديان الكتابية (1) ( Religions of the Book ) إلى التوسع المبدئي في التأويل الخاص بهم، وكان ينبغي لذلك أن يُؤدِّي إلى تفاعل واسع. وفي الوقت نفسه - وقبل قرن من هذا التاريخ - لم يكن هناك منهج منتظم للتأويل له مبادئ واضحة ويستخدم في اللاهوت. إنَّ واضع أساس علم التأويل العام هو فردريك شلاير ماخر (1768 - 1834م)، وأدخله ويليم ديلثي (1833 - 1911م) في نطاق الموضوعات العلمية.

وكان هدف شلاير ماخر هو تأسيس نظرية فلسفية عامة في علم التأويل، بينما كان هدف ديلتاي بلوغ فهم أفضل لحياة الإنسان التي تبدو في صور معقدَّة، فقد كان يعتقد بأهمية فائقة للماهية المجازية ( Analogical ) للفهم الإنساني، مّا أدَّى إلى أن يستخلص كل مفسِّر، من كل أمر، معنىً مختلفاً عمَّا يفهمه الآخرون تقريباً؛ وقد أدى ذلك إلى ظهور التعدُّدية. إلاّ أنَّ الأساس النهائي لفلسفة التأويل في القرن العشرين وُضع بواسطة آثار مارتن هايدغر (1889 - 1976م). وإنَّ جميع علماء الكلام المسيحيين الذين سعوا إلى أعمال التأويل في بحوثهم، بدءوا هذا العمل - عملياً - استناداً إلى الآراء والمبادئ التي كان هايدغر قد دوَّنها.


وقبل أنْ أنهمك في بحث الاتجاه الكلامي نحو علم التأويل، أودُّ أن أتحدَّث باختصار عن الدور الذي لعبته مبادئ علم التأويل في دراسات الكتاب المقدَّس. واستمراراً للمنهج العام في الاهتمام بالاتجاه التاريخي، شاع أسلوب جديد في القرن التاسع عشر لدراسة الكتاب المقدَّس، وما زال متواصلاً حتى اليوم، ذلك هو المنهج المعروف بالنقد التاريخي .

وقد وصف هذا المنهج بالتاريخي ليس لكونه يتعامل فقط مع النصوص القديمة (مثل الكتاب المقدَّس) باحثاً عن أهميتها التاريخية، بل فضلاً عن ذلك، وبشكل أساسي، لسعيه إلى إيضاح المعطيات التاريخية التي كانت سبب تبلور تلك النصوص.

كما أنَّ وصف "النقد" على هذا المنهج؛ فهو لأنَّه كان يريد من خلال استخدام المعايير العلمية تحقيق أقصى قدر ممكن من الموضوعية. وهذا الأسلوب التحليلي الذي يدرس الكتاب المقدَّس كما يدرس أي نصٍّ قديم آخر، يُفسره كواحد من الوثائق الخاصة بلغة الإنسان.

وبطبيعة الحال، فإنَّه على الرغم الانطلاق من هذه النقطة، كان هدفه الدائم هو بلوغ فهم أفضل لمضمون الوحي الإلهي. وفي الحقيقة، فالاتجاه الذي كان ينبغي أن يقصر نفسه على الوقائع التاريخية والقادر فقط على بلوغ الرؤية التاريخية، نجده لا يثير اهتمامنا بالتاريخ فحسب، بل بتاريخ الخلاص ( Salvation ) أيضاً. ولأجل أن نفهم التاريخ من جديد بوصفه تاريخ خلاص، ينبغي لنا أن نشاهده من خلال نسبته إلى الله والكتاب المقدَّس كما هو مستفاد من


التاريخ، التاريخ الذي ورد بشكل تجارب في علاقة الله بنا، الحوار المستمر بين الله والإنسان.

وعلى هذا، فإنَّ ما حدث في التاريخ يجد له معنىً أعمق؛ ولذا فإنَّ الكتاب المقدَّس وبدلاً من الحديث استناداً إلى الحقائق الثابتة، يُقدِّم عهد الله بوصفه الضمانة للاستمرارية من خلال كل تحوُّلات التاريخ، بمعنى أنَّنا ربَّما نستطيع القول: "إنَّ الحقيقة تحدث"، بدلاً من القول: "إنَّ الحقيقة لها وجود". ذلك أنَّ الله الصادق مع ذاته وبحسب وعده للإنسان وعهده معه، له حضور دائم خلال التاريخ. والعهد القديم والعهد الجديد هما النتاج المدوَّن لتأمُّلات كلامية مؤمنة، وتجارب التاريخ هنا هي بمثابة تاريخ للخلاص.

لا شك في أنَّ النقد التاريخي منهج ممتاز لبلوغ معرفة عميقة، وأكثر دقة ورصانة للمعنى الظاهري لنصوص الكتاب المقدَّس، وهذا المعنى هو نفسه الذي فُهم منه في الظروف التاريخية لتدوين نصوص الكتاب المقدَّس، لكن هذا المنهج لا يتناول المعاني الأخرى الكامنة التي كُشِفت طوال الفترات التاريخية اللاحقة لوحي الكتاب المقدَّس أو تاريخ الكنيسة، بينما الكتاب المقدَّس هو كلام الله ويُغطِّي جميع المراحل.

وينتج عن ذلك أنَّه توجد حاجة دائمة إلى إزالة الحاجز بين كتَّاب النصوص والمخاطبين بها من جهة، وبين القرَّاء اللاحقين من جهة أخرى. وهذا يعني أنَّ التفاسير التي تمَّت استناداً لمنهج النقد التاريخي مضطرة - وينبغي لها أن تكون كذلك - أن تكمل باتجاه تأويلي، إلى تفسير لعالم اليوم. وبطبيعة الحال، فإنَّ تفاسير كهذه يجب عليها إماطة اللثام عن المعنى الخاص لتاريخ الخلاص، وتكشف عن الغنى الكامن فيه.


ومن غير أنْ أدَّعي الدقة العلمية لهذه القاعدة، فإنَّني أعتقد بأنَّ رؤية الكتاب المقدَّس، من أنَّ الحقيقة هي تلك التي تحدث وليس الشيء الثابت الموجود، خلقت هذه المعضلات الفلسفية. ذلك أنَّ التقليد المألوف كان يرى أنَّ المعرفة الحقيقية ينبغي أن تكون ثابتة، والمعرفة المتغيِّرة ذات علاقة بالعقيدة، وليس بمجال المعرفة الحقيقية.

ومع ذلك لو أنَّ أحداً يقول مع هيغل (1770 - 1831م) بأنَّ: "الحقيقة لا تتجزأ" ( Ganze Das wahr ist das )، يمكن أنْ يقال له: إنَّ كل هذا القول، أيضاً، مكوَّن من قضايا جزئية، وإنَّ هذه القضايا الجزئية تساهم في تكوين تلك الحقيقة. ومع تجاوز رؤية هيغل، يمكن اعتبار هذا القول قابلاً للتعميم، بل يمكن اتخاه أفقاً، والحقائق - سواء أكانت مؤقَّتة أم خاضعة لشروط معينة - واقعة ضمن هذا الأفق. وعلى هذا، فإنَّ تصوُّر الحقيقة بأنَّها جبرية تاريخية ( bound History ) - كما وردت في الكتاب المقدَّس - لا يتلاءم مع بعض المفاهيم المعاصرة عن الحقيقة.

وهنا نصل إلى اللاَّهوت الجزمي حيث ستواجهنا قضية خاصة، ذلك أنَّ التعبيرات التقليدية للإيمان المسيحي هي نقطة البداية، بل المعيار للاهوت الجزمي وستبقى. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنَّه يُوجد بشكل متزايد حالة من عدم الانسجام في هذا النوع من اللاَّهوت النظري، بين النتائج العلمية التي تتمتَّع بالمستوى الراقي في مجال الدراسات ذات العلاقة بالكتاب المقدَّس، وبين متطلَّبات الموعظة المتناسبة مع حاجة المؤمنين. وفضلاً عن


هذا، فإنَّ اللاَّهوت في ما مضى كان يرفد فقط من إطار فلسفي ونظري محدَّد، بينما نرى اليوم حولنا وجود أنظمة فلسفية متنوِّعة كثيراً.

في الحقيقة، لم يعد هناك نظام ثقافي عام؛ ذلك أنَّه ستظهر، بالنتيجة، تعدُّدية كلامية لا محالة.

وأخيراً، إنَّ اللاَّهوت في هذه الأرضية العامة، لن يتمكن من الاستمرار في مجرد نقل مجموعة مدوَّنة من المعارف من غير أن يأخذ في الحسبان التجارب الحية لجماعة المؤمنين؛ إذ إنَّ هذا العمل سيكون مصحوباً بخطر عدم الانسجام التام.

وأخذ التجربة المتعلِّقة بجماعة المؤمنين في الحسبان يعني أنَّه سيصبح مستحيلاً بعد ذلك، الحديث عن الله بمثابة كونه ذا علاقة بالفكر الماوراء - طبيعي. ومن ناحية أخرى، لم يعد مقبولاً، أيضاً، أن نتناول الموضوع بشكل يبدو معه أنَّ ما هو عائد لله مقتصر على معنى يمكن أن يحصل لدى شخص مؤمن؛ حيث إنَّ الله أعلى من ذلك.

ووسط هذه الموضوعانية ( Objectivism ) الزائفة، واللاَّهوت الذي يُقلِّل من محورية الإنسان، هناك اللاَّهوت الصادق الذي يحافظ على الحقيقة الإنسانية عن طريق الاهتمام بتاريخ الخلاص، والبحث عن طريق للخلاص، وفي الوقت نفسه ينفتح بذاته في مواجهة التحديِّات.

وهنا ظهر اتجاهان أساسيان:

الأول يرى أنَّ الوجود الإنساني بمثابة موضوع البحث كلامي ينبغي أن يدرس في ضوء نظرة إيمانية، أي من وجهة نظر كلام الله، وعلى هذا لا يمكن - لأجل دراسته - اتباع منهج البحث


التاريخي هذا.

أمَّا الاتجاه الثاني، فهو لا يُفرِّق بين تاريخ الناسوت وتاريخ الخلاص، فالتاريخ من حيث هو تاريخ هو المكان الذي يتجلَّى فيه الله.

لكن مهما يكن، يبدو أنَّ اللاَّهوت اليوم يهتم بالكشف عن معنى خلود كلام الله بجميع أشكاله. وهنا نقطة البدء في أنَّه كيف يصل الإنسان - في ضوء التاريخ - إلى إدراك نفسه وعالمه؟ وفي الحقيقة، فإنَّ هذا الأمر يقودنا مرةً أخرى إلى علم التأويل: إنَّ الاهتمام باستخراج المعنى المعاصر لنص من قلب الماضي، الذي هو هنا الكتاب المقدَّس وتفاسيره التي ظهرت متعاقبة خلال تقاليد المؤمنين، يجعلنا في كل لحظة أكثر بُعداً عن الاتجاه إلى التفسير العقلاني لزعم نظري له - لا محالة - جواب واحد. صحيح أنَّه ينبغي للاتجاه التأويلي أن يمتنع عن خيانة الماضي، لكنَّه، أيضاً، لا يمكنه الإذعان بذريعة الوفاء لمعطيات ماضٍ ميت. فهدف التأويل - في أعلى درجاته - بلورة معنى الوحي الإلهي لعالم اليوم .

كنتُ - خلال البحث في الحقيقة - قد استخدمت كلمة "أفق"، ويمكن القول: إنَّ هدف علم التأويل هو توسيع أفق النص وأفق رؤية القارئ الجديد، إلى الحد الذي يمتزج فيه هذان الاثنان ليصبحا واحداً. وإنَّ أمراً كهذا يفرض على المتكلِّمين، أن يبتدعوا لغةً جديدة تُؤمِّن موضوعية النص، وفي الوقت نفسه، تنسجم مع ذهنية المفسِّر المعاصر.

وواضح أنَّ لاهوتاً كهذا سيكون مؤقَّتاً بشكل دائم؛ ذلك أنَّ المعرفة البشرية محدودة، وهذا يعني أنَّ اللاَّهوت سيبقى مفتوحاً بشكل دائم على المستقبل، اللاَّهوت أمل، أمل في تحقيق جميع


وعود الله. وإنَّ لاهوتاً يمنح فهماً كهذا، يفتح الطريق أمام عالمنا وفقاً لكلام الله، الكلام الذي لا يكون بمثابة وجود ثابت لا يتغيَّر، بل بوصفه طاقة متحرِّكة.

إنَّنا بعيدون جداً عن تصوُّر ساذج تقريباً كهذا، قائم على أساس أنَّنا نفهم النص بشكل أفضل ممَّا يفهمه مؤلِّفه (كما يمكن للبعض أن يستنتج ذلك من علم التأويل)، ولكنَّنا تجاوزنا، أيضاً، العمل لمجرد تبيان نصٍّ قادم إلينا من قلب الماضي. فعلم التأويل ينوي تفسير النص في موضوعيته، وفهمه كذلك، آخذاً بنظر الاعتبار ما يبينه الحاضر ممَّا هو ذو علاقة بالواقع. فعن طريق التأويل تفتح أمام النص آفاق جديدة، وهذا مغاير للكشف النوعي الجوهري الأبدي والثابت الذي ينتقل من عصرٍ إلى عصرٍ آخر.

ينبغي بلوغ المضمون المجرَّد والحقيقي للإيمان من خلال التأويل، وإنْ لم تُوضع حدود للتأويلات الممكنة، فسيؤدِّي ذلك إلى الذاتية ( Subjectivity ) المجردَّة. إلاَّ أنَّ هذه الحدود موجودة، وهي عبارة عن الإجماع الذي يظهر خلال تبادل وجهات النظر وتعارض الآراء. وبطبيعة الحال، فإنَّ المقصود بهذا الإجماع ليس ذلك الناتج عن أضعف أوجه الاشتراك، بل ذلك النابع من الانفتاح أمام الروح القدس.

واستناداً إلى هذه الرؤية، فإنَّ الإلهام القدسي لكلام الله، له علاقة بإيمان جماعة المؤمنين قبل أن يكون معتمداً على الكلمات نفسها.


من الواضح أنَّه باستثناء القضايا الخاصة التي نجمت عن الحداثة، فإنَّ طريق استجلاء اللاَّهوت قد تأثَّر بشكل كبير بتحديات الحداثة. ويتَّضح هذا الأمر من التلخيص التالي:

بدأ علم الكلام التقليدي عمله من خلال تفسيره رأياً؛ أي أمراً عقائدياً، ثُمَّ وضَّح هذا الأمر في المرحلة الأولى (التي كانت تمتاز بأهمية فائقة). كان هذا الرأي يُبرَّر بفتاوى مراجع التعليم الكنسي ( The Magisterium )، ثُمَّ أورد آباء الكنيسة ( Fathers of the Church ) وبعض المتكلِّمين العظام البراهين عليه، مستعينين بنقل نصوص من الكتاب المقدَّس. وأخيراً ومن خلال الردِّ على المعارضين لتلك الآراء في ذلك العصر أو العصور التي سبقته، تم إقراره بشكل نهائي.

أمَّا الكلام الذي كان له اتجاه تأويلي، فقد بدأ عمله بالاهتمام الجاد بأمر؛ ألا وهو: إنَّ كل حقيقة هي جبرية للتاريخ . وضمن هذا الاهتمام، أدرك هذا الأمرَ المهم، وهو أنَّه كان يُوجد شطر كبير من الكتابات والنصوص، كما اعتبر اللاَّهوت بوصفه أمراً يُحقِّق تدويناً جديداً للكتاب المنزَّل. وانطلاقاً من هذا، فقد بدأ من كتابات المتقدِّمين كما لو كان يُضيف حلقة جديدة إلى حلقات في سلسلة. وهذا الأمر الذي يتطلَّب في نفس الوقت، التزاماً تجاه القضايا المتقدِّمة، بحاجة إلى إبداع يتَّجه نحو المستقبل؛ ذلك أنَّ المطلوب من علم الكلام هذا، ليس عرض وإيضاح مبادئ العقائد الثابتة، بل استخراج المعاني الحقيقية لكلام الله في ضوء التجربة الجديدة وتاريخ الكنيسة والإنسان


المعاصر. ولبدء عمل كهذا، لا يدَّعي اللاَّهوت تقديم نوع من الحقيقة ممَّا وراء الطبيعة، بل يدَّعي تقديم اليقين القائم على ما يقوله كلام الله لنا اليوم.

ويبدو أنَّ هذا التحوُّل العظيم في الرؤية والاتجاه والمنهج حتى لو بدا - إلى حدٍّ ما - منتزعاً أو سرِّياً، فهو ذا أهمية فائقة، وقد هبَّ بشكل مباشر يصارع تحدِّي الحداثة.

أريد الآن أنْ أشير باختصار إلى قضيتين لا يمكن للاهوت إلاَّ مواجهتهما: العلمانية و التعدُّدية . وكلاهما ناجمان عن الحداثة، وإذا كان مقرَّراً لتلك الأخيرة أن تبقى، فإنَّ اللاَّهوت لابد له أنْ يجابه هذه القضايا ويُقدِّم أجوبة لأسئلتها.

العلمانية واللاَّهوت

العلمانية واحدة من تلك الحزمة من المصطلحات التي استخدمت - وما زالت - على نطاق واسع، رغم أنَّه لم يكن لها، غالباً، تعريف دقيق. وقد مرَّ وقت كان فيه مَن يقول: العلمانية من الكلمات الغامضة التي تظهر فجأة عندما يتخلَّى الناس عن التفكير العميق. وممَّا لا شك فيه، أنَّ هذه الظاهرة ذات علاقة حميمة بالحداثة.

ومع الأخذ بنظر الاعتبار هاتين المسألتين معاً - أي الاهتمام الواسع الذي يثيره هذا المفهوم حول نفسه، وعلاقته الحميمة بالحداثة - سنحصل على نموذج مفيد عن الكيفية التي يكون عليها ردُّ الفعل الموضوعي والملموس للاَّهوت تجاه واحد من أوجه الحداثة، وكذلك أيُّ شيء يمكن أن نتوقَّعه في المستقبل عن طريق ردِّ فعل اللاَّهوت.


ومن دون أن نخوض في جميع الأوجه الممكنة للتعريف، يكفي أن نقول: إنَّ الخطر هو تدمير الواقع أو العالم السامي الذي يضع بين أيدينا مصير كافَّة الأمور، والذي بفنائه لا يبقى لنا شيء سوى العالم التاريخي البشري والمحدود؛ أي ذلك الشيء الذي يقال له باللاتينية: ( Saeculum ). هذا الفناء الذي سيغطِّي - في مرحلة من المراحل - على كافَّة أوجه الحياة البشرية: المجتمع، والثقافة، والحياة الخاصة والدين، في ذلك الوقت الذي لا يمكن فيه العودة إلى واقعية أفضل وعقلانية مهيمنة، ويكون فيها الإنسان وعالمه مختارين، ويبدأ ذلك بتدهور قوة الدين وتأثيره، ثُمَّ يصبح الجانب المقدَّس للعالم والإنسان بعيداً عن الرؤية؛ ويُؤدِّي هذا، أخيراً، إلى الإلحاد ( Atheism ). إنَّ كل ذلك يعمل على مستوى المجتمع ومستوى الضمائر الفردية، رغم أنَّه من الممكن أن يكون صحيحاً أنَّ اللاَّهوت قدَّم ذات مرة صورة عن الله لم تكن مقبولة في ضوء العلم الحديث، إلاَّ أنَّ الذي لا شك فيه، أيضاً، أنَّ العلمانية - في كثير من البقاع - قد أفرغت العالم من محتواه.

إنَّ أول ردَّ فعل للاَّهوت - أو ردَّ فعل الدين المتكوّن - يمكن أن يُسمَّى بـ "المقاومة" : الإجراءات الحربية، مثل: ترتيب الصفوف ووضع الانضباط العقائدي المتشدِّد، ورعاية الديانة والعبادات التقليدية، وقيام تشكيلات دينية - مؤسَّساتية في ميادين الحياة المختلفة بهدف إفشال التشكيلات الدنيوية (العلمانية). إلاَّ أنَّ هذه السياسة كانت تبدو على المدى البعيد سلبية إلى الحد


الذي لم تكن معه قادرة على إعطاء أجوبة مقنعة حقاً، ردَّاً على التحديِّات المطروحة.

ويمكن تسمية ردَّ الفعل الآخر بـ "التسليم" : وقد وجَّه ردَّ الفعل هذا، اهتمامه إلى صور من اللاَّهوت (في محافل البروتستانت أولاً، ثُمَّ في أوساط المتكلِّمين الكاثوليك بروما)، كان يسعى من خلاله للوصول إلى تفسير جديد للمسيحية في ضوء عبادة الدنيا في الحياة الجديدة.

وقد استثمر البعض الفرق بين الإيمان والدين؛ حيث اعتبر الدين بمثابة الحاجز الذي لا يدع الإنسان يقيم الانسجام - بدون خوف - بين العمل بما تمليه عليه مسؤولياته، وبين انعدام اليقين المتعلِّق بالحياة في هذا العالم. لكن الإيمان الذي كان يُؤخذ بنظر الاعتبار، إنَّما يخرج العالم من فلك أسرار القداسة ليضعه في يد الإنسان، الإنسان الذي يستطيع أن يحصل على القوة والاستقلالية ليهيمن على عالمه ويمنحه شكله. بعدها اعتبر المتكلِّمون - من خلال التأكيد على علاقة الإنسان بالله - اعتبروا الإنسان فاعلاً مختاراً مستقلَّاً في العالم - من غير أن يأخذوا بنظر الاعتبار إيمانه المكوَّن من شكل معقَّد من العقائد التي ينبغي أن تتحقَّق في هذا العالم، بشكل موضوعي وملموس - ولم يعتبروا ظهور ملكوت الله في العلاقة العلّية بعمل الإنسان في هذا العالم.

غير أنَّ متكلِّمين آخرين أكَّدوا أنَّ الإنسان بلغ سن الرشد مع ظهور عيسى المسيح، وكان ينبغي له أن يضع جانباً الصورة الوهمية لإله يمنح


الطمأنينة ليتمكن بشكل حقيقي من القبول بتجلِّي الضعف والألم بوصفهما طريقاً نحو المسيحية.

لا أدعي أنَّني بهذه الإشارات البسيطة لبعض الخطوط العريضة للموضوعات المختلفة في الفكر الكلامي، أستطيع أن أوفِّي البحوث الكلامية المختلفة التي درست العلمانية حقَّها. وينتج عن ذلك، أنَّ نقد هذه الاتجاهات الكلامية استناداً إلى عرض ناقص كهذا، لن يكون ذا جدوى كبيرة، كما أنَّه لن يكون عادلاً. ومع ذلك أظن أنَّ عدداً كبيراً من المتكلِّمين يرون أنَّه لم يكن هناك طريق للفرار من مواجهة العلمانية؛ ولذا فإنَّ الدين في المجتمع الجديد، مضطر إلى أن يُهمِّش دوره يوماً بعد يوم. كما اعتبر البعض العلمانيةَ كما لو كانت شيئاً حسناً، رغم وقوفهم بوجه تأثيراتها الجانبية المزعجة؛ أي ذلك الذي يُدْعَى في مواجهة العلمانية بـ "عبادة الدنيا". وفي الحقيقة، فإنَّ كون العلمانية يمكن فصلها عن عبادة الدنيا، أو في ما يحتمل أنَّ أحدهما - بالضرورة - يتضمَّن الآخر، هو أمر ظل دائماً غير واضح.

والذي ينبغي أن يُقيَّم بشكل إيجابي، هو هذا الاعتقاد الراسخ للمكانة الجديدة للحياة المعاصرة التي تبحث عن لاهوت معاصر. وهذا يعني أنَّ علينا البدء من معرفتنا بكلام الوحي، ثُمَّ نسأل أنفسنا: كيف تصبح علومنا الدنيوية ومهاراتنا الفنية، من خلال التجسيد، بديلاً عن معرفتنا بكلام الله؟ وكما

أرى، فإنَّه رغم أنَّ هذا الكلام يبدو متناقضاً قليلاً، لكن كان علينا الإذعان بأنَّ الهروب من الدين ليس أمراً لا يمكن تجنُّبه؛ ذلك أنَّه ليس الجماعات المؤمنة


فحسب، بل حتى البشرية بصورة عامة، لا يمكنها أن تبقى بشكل مجتمع إنساني يليق به هذا الاسم من دون رجوعها إلى عقلانية أكثر عمقاً من مجرَّد الوضعية ( Positivistic ) والتجريبية. أي معنى ستُقدِّم هذه للاهوتنا المعاصر، وبما يتناسب وعصرنا، وأيُّة صورة عن الله ستُقدِّم بين يدي الإنسان المعاصر في اللاَّهوت المتأخر، فإنَّ عدَّة لقطات تعين على ظهور هذه الصورة الأكثر جدة عن الله، وكذلك عن معنى الله لدى الإنسان المعاصر.

في الماضي، غالباً ما كان يُستفاد من الله في تفسير الظواهر الغامضة أو الإعجازية، وقد فسَّر العلمُ الحديث كثيراً من الأشياء بتفاسير طبيعية، ويُحتمل أن يكون هناك ما هو أكثر في المستقبل؛ وينتج عن ذلك أنَّ الإنسان أصبح إله نفسه. نحن نواجه الآن مسألة العودة إلى الله الحقيقي، الذي ليس هو تجسيداً لحاجتنا إلى اليقين، العودة إلى الله الذي لا يندرج إطلاقاً ضمن أُطر إدراكنا؛ ذلك أنَّه أسمى من كل التصورات والمنظومات الفكرية، العودة إلى الله الذي كنَّا في انتظاره وفي طلبه، هذا الذي هو منتهى غاية كل آمالنا. ففي العالم المنحوت من العقلانية، نحن بحاجة إلى هذا الشوق إلى الله؛ كي ننظر إلى الصورة التي رسمناها عنه في أذهاننا بما يتناسب وحقيقتها.

يضع الإنسان في ذهنه الاستقلالية والكمال ( Self-Fulfillment ) وتحقيق الذات ( Self-Realization )؛ بوصفها السعادة القصوى التي يصبو إليها. ومع هذا، فإنَّه دائماً يُواجه، سواء في حياته أم في حياة الآخرين، المحن والظلم والموت. فعلى عاتق مَن تقع مهمة الدفاع عن الأبرياء الذين يعانون


العذاب؟ وأين ينبغي لنا أن نجد المعايير لتحقيق العدالة الأكبر والإنسانية في أسلوب حياتنا؟ وكيف يمكننا التحرُّر من "الدور" الباطل؛ بين الاستقلالية والتمحور حول الذات (الفردانية) ، من غير الانصياع لله، نصير الضعفاء والمساكين، ومن غير تحرير الإنسان من قيود العناد؛ وذلك من خلال القيم التي يمنحه إياها كي يتمكَّن الناس من التكاتف والتعاون لمواجهة الظلم؟

والمجتمع الحديث رغم كل فرديَّته، مستند بقوة إلى الطمأنينة والثقة، حتى ولو كانت هذه الثقة قد ظهرت إلى الوجود بسبب التخصص وتوزيع الوظائف. إنَّنا، جميعاً، نعلم كيف أنَّ هذه الثقة، قد أدت إلى الفضائح مراراً، وإلى أيِّ حدٍّ يمكن أن تُؤدِّي إلى الانهزامية، بل وحتى إلى الكآبة. وفي المجتمع الحديث تُوجد حاجة إلى أن نعلم عن حاجتنا إلى التوكُّل على الله؛ لنتمكن - ونحن على حافَّة اليأس - من التطلُّع إلى الأمام بشجاعة. إنَّ ما يُريده الله، هو أن ينال الإنسان التوفيق الحقيقي، في جميع التجارب التي يخوضها.

و المجتمع النفعي ( Utilitarian ) لا يُدرك معنى تقديم خدمة لا يتوقَّع تحقيق مكسب من ورائها، ما هو دليل على الإحسان للغير بلا عوض؛ ذلك أنَّ أبرز سمات الإحسان من دون توقُّع المقابل، هو التسامح. وينبغي تذكير المجتمع الإنساني بحقيقة أنَّ الله هو إله الرحمة، وأن الإنسان مستعد دائماً للتسامح، ليس من موقف ضعف، بل حباً بالقيمة السامية لخدمة الغير، وعلى الإنسان أيضاً أن يُعلِّم التسامح.


كانت تلكم فقط نماذج من الأجوبة الكلامية الممكنة في مواجهة تحديات العلمانية، ما يساعد الإنسان ليس من خلال رفض الحداثة ولا الاستسلام لها، بل من خلال اكتشاف طريق يمكن للإنسان بواسطته، أن يتحدَّث من جديد مع ربِّه، طريق يلبِّي أعمق حاجات الإنسان التي غالباً ما تكون لا شعورية.

التعدُّدية واللاَّهوت

عندما نتحدَّث عن التعدُّدية واللاَّهوت، فإنَّ ما نقصده ليس الإكثار من التعابير ذات العلاقة بلاهوت الدين المسيحي الواحد، وإنَّما الإشارة إلى تلك السمة من سمات الحداثة التي تُؤكِّد على الطبيعة الزمانية والمكانية للقضايا المثارة. ومن وجهة النظر هذه، فمن الممكن أن تبدو التعدُّدية في الأديان أمراً طبيعياً تماماً، فطوال تاريخ البشرية - بحدود الزمن الذي لدينا علم به - كان الوضع الواقعي للأمور هو هذا. وإنَّ ما يتمتَّع بالجدية بشكل أكبر، هو الزيادة المضطردة في مواقع التعدُّدية الدينية في بعض المجتمعات والدول، الناجمة عن حركة تنقُّل المجتمعات من مكانٍ إلى آخر، وعن تفكُّك عرى الانسجام الاجتماعي في المجتمعات الحديثة.

وربَّما كانت هذه التعدُّدية - بشكل من الأشكال - قد بدأت في مواجهة التخلي عن الدين في المجتمعات الحديثة التي تمت، إمَّا مع ظهور أشكال شتى من الانتقائية، وإمَّا خلال مجابهة الصور الجديدة للدين، عن طريق إحياء الرابطة الدينية؛ إلاّ أنَّ ما حوَّل التعدُّدية أخيراً إلى مشكلة حقيقية للاهوت هو ادعاء الإطلاق ( Absluteness ) من قبل المسيحية، الادعاء الذي تشترك به - من هذه الناحية - مع سائر أديان العالم.


وعندما نستخدم كلمة "الإطلاق"، لا نعني بها "المبرَّأ من القيود بشكل مطلق"، فالمعنى الدقيق والفلسفي لهذه الكلمة لا يصدق إلاَّ على الله؛ وإنَّما نستخدمها على الأغلب بمعنى "التام" أو "التحقُّق التام". وقد نظرت فلسفة هيغل الديالكتيكية بهذه النظرة إلى المسيحية، بوصفها التحقُّق التام لظاهرة الدين.

كان يُوجد في التقليد الكاثوليكي بروما مثل يصل زمنه إلى القرن الثالث الميلادي، إلاًَّ أنَّه اشتهر غالباً بواسطة قاعدة منسوبة إلى فولجنتيوس الراسبي ( Fulgentius of Ruspe ) من القرن السادس، والمثل هو: "لن ينال أحد الخلاص خارج الكنيسة". كان هذا المثل بادئ الأمر بمثابة تحذير لأهل البدع، من أنَّه لا يمكن الحصول على أي شيء خارج وحدة الإيمان في ظل الكنيسة، إلاَّ أنَّ هذا المعنى تغيَّر تدريجياً إلى أنَّ عامة المسيحين من غير الكاثوليك، ومن ثُمَّ جميع المؤمنين بالأديان غير المسيحية - ولكونهم غير منتمين إلى الكنيسة الكاثوليكية بروما فحسب - محرومون من الخلاص. وأسوأ أنواع التفسير لهذا المثل تمَّ بشكل رسمي سنة 1949، إلاَّ أنَّ التحوُّل الحقيقي والمهم في التعامل مع الأديان غير المسيحية حدث في المجمع الفاتيكاني الثاني (1965)؛ حيث نقرأ في الإعلان المسمَّى "رجال عصرنا" (2) بشأن رأي الكنيسة في الأديان غير المسيحية: "إنَّ الكنيسة الكاثوليكية لا تنبذ ما هو حق ومقدَّس في هذه الأديان، وتحترم هذه الكنيسة أساليب الحياة، والسلوكيات، والتعاليم التي غالباً ما تتضمَّن قبساً من شعاع الحقيقة التي تنير نفوس جميع بني الإنسان، رغم أنَّ فيها اختلافات كبيرة في كثير من أوجهها


مع تعاليمها (أي تعاليم الكنيسة)" .

إنَّ هذا التعامل الأكثر إيجابية وانفتاحاً على الأديان غير المسيحية، الممتزج بحقيقة التعدُّدية الدينية المتزايدة في الدول، أدَّى إلى ظهور شكل من الفكر الكلامي الذي سُمِّي بـ "لاهوت جميع الأديان" ( Theology of Religious ). وهذا ليس صورة كلامية من علم الأديان ( Science of Religions )، بل هو حقاً فكر كلامي يهدف إلى تحقيق فهم أعمق للأديان غير المسيحية، وفهم العلاقة بين المسيحيين وغير المسيحيين، من الناحيتين النظرية والعملية. وأخيراً يُطرح هذا السؤال: في موضوع "الله للعالم"، كيف يمكن أن تكون أهمية التعدُّدية الدينية، وكيف يمكن البرهنة على هذا الأمر من منظور كلامي؟

غير أنَّه يُوجد عنصر يجعل هذا الجهد أكثر صعوبة؛ حيث يُواصل إعلان "رجال عصرنا" - الذي نقلنا شطراً منه آنفاً - كلامه، فيقول: "إلاّ أنَّها (أي الكنيسة) وبدون أدنى تردُّد - وكما هو قدرها - تُسبِّح المسيح الذي هو طريق الحقيقة والحياة، ففيه وحده يجد الإنسان كمال حياته الدينية، وفيه وبواسطته يتصالح الله مع جميع الأشياء" .

حينما يُريد أحد النظر في العلاقة بين الأديان، فإنَّه يواجه مسارين أساسيين، هما:

الأول: التحريم تجاه الآخر مع الأخذ بنظر الاعتبار الاختلافات بينهما.

الثاني: الالتزام تجاه النفس، أي تجاه هويَّته الدينية.

وبدون هذين الاثنين، فإنَّ العلاقة ستكون مجردَّة عن التناسب.

وإنَّ إشكالية اللاَّهوت تنبع من هذا


الأمر، الذي يرى فيه جمع من الناس، أنَّه لكي يكون هناك خطاب يتمتَّع بنسبةٍ أو نوعٍ من الوئام، فمن الضروري وجود مساواة مبدئية: لا ينبغي لأحد - منذ البدء - أن يدَّعي امتلاك الحقيقة النهائية ، لكن هذا هو ما تهتم به الأديان العالمية.

إنَّني أستطيع التكلُّم نيابة عن المسيحيين فقط، وأشير إلى الكيفية التي يسعى بها القول بفكرة "لاهوت جميع الأديان" لتبيان القضايا المطروحة. ربَّما ما يزال باكراً الادعاء بالعثور على جواب لهذه الإشكالية، بينما كان إصلاح التفسير المتعلِّق بالمثل القائل: "لن ينال أحد الخلاص خارج الكنيسة"، أمراً سهلاً.

والإشكالية الحقيقية التي تنجم عن هذا الأمر، وهي أنَّه من وجهة نظر مسيحية، فإنَّ أحداً لن ينال الخلاص خارج عيسى المسيح "ليس بأحد غيره الخلاص؛ لأنَّ ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس" (أعمال الرسل، 12). وهناك نصٌ آخر من الكتاب المقدَّس يُقرِّر بوضوح هذه

الإشكالية، وهو: "لأنَّ هذا حسن ومقبول لدى مخلِّصنا، الله الذي يريد أنَّ جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يقبلون"، ويواصل: "لأنَّه يوجد إله واحد، ووسيط واحد، بين الله والناس، الإنسان يسوع المسيح" (تيموثاوس الأولى، 2: 4 - 5) .

وقد أخذ المجمع الفاتيكاني الثاني - من خلال موقفه الإيجابي - بنظر الاعتبار، الوحدةَ الأساسية للجنس البشري بوصفها نقطة البدء في فهم فكرة

الله، وآمن بوجود "بذور الكلمة" ( Seeds of the Word )، ليس في قلوب كل فرد من بني الإنسان فحسب، بل حتى في التقاليد الدينية


غير المسيحية، والذي هو شكل من أشكال الوجود الخفي لسر المسيح المخلِّص. ومع هذا، فإنَّ المجمع الفاتيكاني الثاني لم يتقدَّم خطوة إلى الأمام ليعتبر التقاليد الدينية الأخرى "طرقاً للخلاص"، رغم أنَّ البعض يحملون الاعتقاد بأنَّ الخطوة الأولى بهذا الاتجاه قد بدأت.

ليس عجيباً أن تتركَّز أفكار تلك المجموعة من المتكلِّمين المسيحيين الذين يولون هذه القضايا عناية خاصة، على هذا القسم من اللاَّهوت الذي يدعى الكريستولوجيا ( Christology )؛ أي تلك التعاليم التي تتناول شخص عيسى المسيح، ممَّا كان بإمكانه أن يأخذ في زمن أقدم اسم: حصر محورية المسيح ( Christocentice Exclusivism )، ويسميه البعض: محورية الكنيسة؛ ذلك أنَّ هذا الدور المحوري قد نسب للكنيسة. ويعتمد هذا الموقف في الحقيقة على الرأي القائل بأنَّ الإيمان الواضح بعيسى المسيح والتمسُّك الراسخ بالكنيسة هما الشرطان اللازمان للخلاص.

وقد حلَّ هذا النهج الأقدم - وبشكل مضطرد - محلَّ النهج القائل بمحورية المسيح، الذي يُؤكِّد على حصر محورية المسيح، والذي يعتقد أنَّ الوحي المسيحي هو المعيار النهائي للأديان. إلا أنَّه يمكن العثور في هذه الأديان على قيم أصيلة يمكنها - على الأقل - أن تكون بمثابة "الخطوة الأولى" أو "معبِّدة الطريق للإنجيل"، ويمكنها أن تعين أتباع الأديان الأخرى على نيل فهم الحقيقة الكامنة في سرّ المسيح.


ومع ذلك، فإنَّ بعض المتكلِّمين يشعرون أنَّه حتى هذا النهج الشامل مفتقر إلى الانسجام الحقيقي؛ ذلك أنَّه لا يحمل على محمل الجد الاختلاف مع الأديان الأخرى، وهم يقولون: إنَّنا بحاجة إلى ثورة كوبرنيكية في اللاَّهوت. فكما أنَّ الفلكيين اضطروا في نهاية المطاف إلى نبذ النظرية الفلكية البطليموسية التي تجعل من الأرض محور العالم، واختاروا علم الفلك الكوبرنيكي الذي يجعل من الشمس محور العالم، فإنَّ على اللاَّهوت أيضاً أن يتخلَّى عن محورية المسيح من أجل محورية الله .

وفي هذا المنهج الفكري تبدو الأديان الكبرى في العالم بمثابة أجوبة متنوِّعة للحقيقة الإلهية التي لا مثيل لها، ومحورية الله هذه هي بمثابة المقولة الكلامية التي تُدعى أحياناً بالتعدُّدية، أو اللاَّهوت المتعدِّد. واستناداً إلى ما يعتقده بعض المتكلِّمين، فإنَّه يمكن الإيمان بنظرية محورية الله، التي يمكن أن تكون مفيدة في تبرير حقيقة التعدُّدية الدينية التي لها ربُّها المتناسب معها - استناداً إلى أدلتنا وإدراكنا - وفي نفس الوقت، الاعتقاد بدور مصيري للسيد المسيح في تدبير الخلاص. وهم من غير أن يُسمُّوا الأديان الأخرى بالطرق العادية للخلاص، يتحدَّثون، أحياناً، عن "الطرق المنفصلة للخلاص" . أمَّا بقية المتكلِّمين، فلا يرون حاجة لحفظ صورة عن "محوريَّة المسيح المعيارية" ( Normative ).

لا شك في أنَّ استخلاص النتائج النهائية من هذا البحث ما يزال مبكراً؛ حيث النقاش والبحث ما يزالان متواصلين. وأشعر - باسم الالتزام المخلص لهويَّتي المسيحية - أنَّه لابد للخصوصية المحورية للاَّهوت المسيحي، الأخذَ في


نظر الاعتبار، جميع الأديان أن تكون محورية للمسيح شاملة.

ومن ناحية أخرى، يبدو أنَّ التأكيد على أنَّ عيسى المسيح لن يحل محل الله، منسجم تماماً مع رؤية الكتاب المقدَّس: المسيح في قلب خلاصنا؛ ذلك أنَّ الله وضعه هناك. وهذا الأمر يهدينا إلى إمكانية منح محورية المسيح التي لدينا بعد محورية الله، حتى لو أُجِّل إلى المستقبل تبلور الشكل النهائي لهذا اللاَّهوت الآخذ بنظر الاعتبار جميع الأديان. وبغض النظر عمَّا سيحدث، فإنَّ ملاحظاتنا الأولية أعدَّتْنا لنتعامل - ضمن إطار معين - مع إمكانية المبادرة إلى طرق متعدِّدة للبحث في هذا السر.

في الختام، ربَّما أمكن إضافة هذا الأمر: إنَّ السعي لبلوغ حوار أصيل، يحتاج - إضافة إلى الالتزام الجاد من قبل جميع المشاركين في هذا الحوار - إلى صبر عظيم. ولمَّا كان اللاَّهوت المنظَّم ما يزال منهمكاً في البحث عن أجوبة رصينة لكثير من القضايا القائمة، فإنَّه - في نفس الوقت الذي نهتم فيه بصنع عالم أفضل - لا ينبغي لأيِّ شيء أن يكون حائلاً بيننا وبين أن نكون متحابِّين متوادِّين مع بعضنا.


حوار الإسلام والحداثة

الدكتور كليم صديقي (*)

تمهيد

يهدف هذا المقال إلى البحث عن إمكانية الوصول إلى فصل مشترك، أو نقطة التقاء، بين الحداثة والإسلام، من خلال علم اجتماع المعرفة. مع الأخذ بعين الاعتبار أنَّ الإسلام والحداثة، يشكلان قطبين متمايزين في ما يتَّصل بالنظر إلى المعرفة، والحقيقة، والشعب. والنظرة الكونية للحداثة، تتميَّز بالمحدودية، والنفعية، والانشطار، إلَّا أنَّنا نستطيع القول: إنَّ هناك نوعاً من التلاؤم في ما بينهما. فالحداثة باستطاعتها تنمية ثقافتها الموسَّعة، من خلال طرق مختلفة. والإسلام يقبل بهذا التخصيب، ويُحوِّل ذلك إلى جزء من بنائه القابل للتنمية المستمرة. وهذا لا يعني بتاتاً قبول الإسلام لكل منجزات الحداثة. إنَّ هذا المنهج يرفض كل ما لا يتَّفق مع قيمه، ونظرته العاطفية، وموازينه الاجتماعية، ومعاييره لمعرفة الجمال.

وفي هذا المقال نشرح باختصار


بعض المفاهيم الأساسية للحداثة والإسلام - تلك المفاهيم التي نرى أنَّها في تقابل قطعي في ما بينها - كي تتيسر الدراسة المقارنة لها. ومن ثُمَّ نسعى إلى إيجاد الصلة في ما بينها، وتعبيد الطريق أمام تجديد بناء الفكر الثيولوجي والقانوني للإسلام، في القضايا المطلوبة والضرورية. ومن الواضح أنَّ كل ما قلناه يتوقَّف على تعريفنا للحداثة والإسلام.

والهدف الآخر للمقال، هو إبراز تبعات إزالة القدسية عن العلم بواسطة الحداثة، وبيان صلة الدين بإنسان ما بعد الحداثة المتعطِش للمعنوية. الحداثة التي هي ظاهرة متنامية، وفي حركة مستمرة، وُلِدَ منها في مقابل إنسان العصور الوسطى، إنسان الحداثة والعلماني. ومع مرور الزمن، و - بعد مخاضٍ عسير - ولد إنسان ما بعد الحداثة من رحم العلمانية، والذي كان يتصف نفسياً بعدم الركون والطمأنينية والشعور بالوحدة. ومن وسط هذا الشقاء الروحي والمعنوي، نهض إنسان الثورة وما بعد الحداثة حتى يرجع - كما سوف نرى - إلى فكر وسلوك ما قبل الحداثة.

التلوُّث الفكري لآدم

الحداثة والدين نظرتان مختلفتان إلى الحياة، الحداثة لها توجُّه نفعي (إثباتي) علماني وميكانيكي إلى العالم، والدين يسعى إلى تكريس نظرة كونية متعالية، مقدَّسة وأخلاقية، ومؤمنة بالله. هذه الرؤية تعتبر من نتائج معرفة تختصّ بهذه الدوائر. إنَّ المعرفة التي تدافع عن نظرة كونية ميكانيكية، هي معرفة الحقائق الفاقدة للروح، والتي تنتج من خلال التجربة الحسيّة. إنَّ هذه


المعرفة التي يبتني عليها علم الحداثة الفاقد للإله، خالية من المعنى والهدف ومحايدة أمام القيمة، وكمثال نلفت انتباهكم إلى نظرية الانفجار الكبير، في ما يرتبط بالكون والحياة، و نظرية التكامل الأعمى .

والمعرفة التي تدافع عن النظرية الكونية الإلهية، معرفة متعالية أظهرها الله لأنبيائه. إنَّ هذه المعرفة التي يبتني عليها الدين ذات معنى وتُؤمن

بالقيم. وإنَّ الهدف الذي يكمن في هذه المعرفة، يُعطي للحقائق التجريبية والحياة معناها. فالمعنى، والهدف، والقيمة، هي أبعاد غير قابلة للانفصال عن هذه المعرفة. إنَّ الله لم يخلق الكون من أجل أن يلهو، بل خلقه ليرى مَن يُؤدِّي عملاً صالحاً (1) .

إنَّ المعرفة سلاح فعَّال للصراع من أجل الحياة. ولهداية الحياة على هذا الكوكب، نحتاج إلى معرفة الحقائق ومعرفة القيم معاً؛ ولهذا السبب زوَّد الله الإنسان بالمعرفة الملكوتية والمعرفة الأرضية معاً (2) . والنوع الثاني من المعرفة يلزم للمقاومة في الأرض؛ ولهذا لم تُزَوَّد به الملائكة.

إنَّ أهمية الإنسان تكمن في أنَّه رمز وحدة المعرفة الملكوتية والمعرفة الأرضية، ولا يستطيع عقل الإنسان من دون الوحي، أنْ يصل إلى الحقيقة النهائية. إنَّ الوحي يُزوِّد المعرفة الأرضية بالهدف، ويُعطي أفقاً روحانياً للحياة، ودواءَ كل أدواء إنسان ما بعد الحداثة يكمن في هذا التراث لآدم.

____________________

(1) الملك: 67: 2.

(2) البقرة: 2: 31.


المفاهيم الأساسية للحداثة

إنَّ الحداثة نشأت وسط نهوض العلم الذي عمل كقوة فكرية واجتماعية كبيرة. الحداثة انقلاب على كل سُنَّة وسلطة، سيَّما سلطة الدين. إنَّ العقل يأخذ مجال الإحساس. الحداثة عقلانية؛ بمعنى أنَّها تبحث عن معرفة كل شيء، وطبيعانية؛ بمعنى أنَّها تتولَّى تفسير الطبيعة الداخلية والخارجية من دون افتراض ما وراء الطبيعة. فمن جهة تتقيَّد بالعقلانية، ومن جهة أخرى تلتزم بالطبيعانية. تُؤكِّد الحداثة أنَّ العالم (الكون) نشأ نتيجة التجاور التلقائي للقوى الكونية العمياء، من دون هدف مسبَّق، وفي حركة ميكانيكية، ويتكامل، ومن ثُمَّ ينطلق كبالون قد انفصل عن خيطه، ليدور هنا وهناك.

يكمن أساس الحداثة في علم المعرفة (الإبستمولوجيا) التجريبية والعقلانية. وحسب رؤية الحداثة، فإنَّ التجربة الحسية هي المصدر الوحيد للوصول إلى الحقيقة، ولا صلة للوحي بالعقل، كما أنَّه لا يُعد من مصادر المعرفة. إنَّ "علم المعرفة" حسب الحداثة يميل إلى التضييق، ورؤيته إلى الحياة كليانية وشاملة. وعلى هذا الأساس، فإنَّ المعرفة الكونية لدى الحداثة مُضيَّقة أيضاً، وتبادر إلى تفسير جميع الظواهر من خلال المادة، وتعترف بالمادة معياراً للحقيقة مقابل الروح. إنَّ هذه الرؤية المعرفية المُضيَّقة تعتبر الأمر المتعالي شيئاً زائداً.

إنَّ الرؤية المعرفية والكونية المُضيَّقة كما سبق، تعتبر النظرة الأحادية والغائية سمتين أساسيتين للحداثة. وبالنتيجة، فإنَّ النظرة الكونية للحداثة


محدودة للغاية، كما أنَّها غير متماسكة وغير كاملة، ولها نظرة كليانية إلى الحياة.

وعلى هذا الأساس، فإنَّ النظرة المعرفية تنفصل عن النظرة الكونية (الأنطولوجية) في الحداثة، وتُعطي صورة مجتزأة وغير متماسكة عن الحقيقة. الحداثة لا تستطيع أن ترى العالم في كليِّته، وأنْ تجد صلة أساسية بين الوجود والمعرفة؛ لأنَّها لا تعتبر أنَّ العالم مخلوق لخالقٍ متعال.

إنَّ المعرفة التجريبية العقلانية - مصدر المعرفة والحداثة - تُعتبر غير نهائية، وعلى ضوء الأبحاث التالية، تتغيَّر وتُعدَّل. إنَّ عصرنا هو عصر انفجار المعرفة. وإنَّ الحركية والنشاط الذاتي للثقافة الغربية، تنشأ من إمكانياتها في التكيُّف مع الظروف المتغيِّرة للحياة. ليس هناك أي شيء في داخل هذه الثقافة أو في خارجها يُعد أمراً ثابتاً وقطعياً؛ بحيث لا يتغيَّر في عالم يتغيَّر باستمرار (1) . الحياة كلُّها تغيير وسيلان. وهناك عناصر ثابتة فيها، إلاَّ أنَّه في البناء المتغيِّر للحداثة لا يوجد شيء ثابت على الإطلاق.

مجتمع الحداثة مجتمع عنصري. فالعصبية المتصلة باللون، والعرق، واللغة، والإقليم، هي التي تحدِّد بناء الشعب؛ وتنتهي إلى الشوفينية والقومية المفرِطة. وباعتبار أنَّ العصبية القومية تُبشِّر بالحرية والإصلاحات للشعب، فإنَّها في الحقيقة تلعب دور الإله الجديد في مجتمع الحداثة. فيما تُصنَّف القومية في مرتبة أعلى من الإنسانية، فإنَّها تُحدِّد الأفق الاجتماعي للشعب.

____________________

(1) محمد إقبال، إحياء الفكر الديني في الإسلام، مؤسَّسة الثقافة الإسلامية، لاهور، 1986.


إنَّ الإنسان يُشكل قطب الحداثة. فالحداثة حركة إنسانية، وتُعتبر الصلات الإنسانية فوق الجميع. الإنسان معيار كل شيء، ومصدر المعارف و

القيم. والإنسان الذي تتحدَّث عنه الحداثة ليس هو الإنسان العالمي الذي يخلِف النبي آدم (عليه السلام)، بل هو ذاك الإنسان القومي وثمرة النهضة (الأوروبية)، الذي يتميَّز عن الإنسانية من خلال الحدود الفيزيقية، مثل: اللون، والعرق، واللغة، والإقليم. إنَّ برنامج الحداثة ينبني على التبشير بالحياة السعيدة في الدنيا؛ لأنَّها لا تستطيع أن تتصوَّر حياة وراء هذه الحياة الدنيا.

الأسس الفكرية للإسلام

المثال الإسلامي - المبني على وجود "إله واحد" - يُحدِّد الجهة المعرفية، والنفسانية، والسلوكية للمسلمين. الإنسان ذاك الروح المجسَّم؛ حيث خلق الله جسم الإنسان من الطين، ومن ثُمَّ نفخ فيه من روحه (1) . إنَّ التعايش المشترك بين المادة والروح، والاعتقاد بعدم الفصل بينهما، هو الأساس للحياة من وجهة نظر الإسلام. ويُعد أساساً ثابتاً للأصول الخُلُقية المتعالية له. وحسب القرآن الكريم، فإنَّ الحقيقة النهائية هي الجانب الروحي للإنسان مضافاً إلى نشاطه الدنيوي أيضاً. والروح تتجلَّى في صورة طبيعية، ومادية أيضاً.

وعلى هذا الأساس، فكل ما يُتصوَّر أنَّه مادي وعلماني، فإنَّ أساس وجوده أمر مقدَّس (2) . يقول إقبال اللاَّهوري: "لا وجود لعالم الكفر أساساً. وكل أبعاد

____________________

(1) السجدة: 32: 7 - 9.

(2) إقبال: المرجع السابق، ص 123.


العظمة في المادة من تجليِّات الروح" (1) . وحسب هذه النظرة الدينية إلى المادة، فإنَّ المعرفة التجريبية لا تُعتبر طبيعانية وفاقدة للأسس الخُلُقية، ومتَّسمة بالعلمانية والنفعية.

ومن جهة المعرفة الوجودية (الأنطولوجية)، يعتبر الإسلام الروح والمادة، معاً، وجهين غير منفصلين عن الحقيقة. إنَّ هذه المعرفة الوجودية "المادية - الروحية" تقف في مقابل المعرفة الوجودية الأحادية للحداثة؛ حيث إنَّها تحصر الحقيقة بالمادة فقط، ومن خلال النظرة الكليانية، فإنَّها أجنبية عن الحياة.

إنَّ المعرفة الوجودية في الإسلام تُولِّد المعرفة الإبستمولوجية (المعرفية)، وفي الحداثة فإنَّ المعرفة الإبستمولوجية التجريبية - العقلانية تُولِّد المعرفة الوجودية، المادية. إنَّ النظرة الثنائية إلى الحقيقة في الإسلام أوجبت أن لا تنحصر معرفته الإبستمولوجية بأيِّ مصدر من المصادر. ومن هنا، فإنَّها تستفيد من التجربة (2) ، والعقل (3) ، والوحي (4) ، والشهود (5) لكسب المعرفة في نطاق الأمور الحسّية والانتزاعية والروحانية.

إنَّ المعرفة الوجودية، والمعرفة الإبستمولوجية الجامعة للإسلام، قد حوَّلتاه إلى أيديولوجيا معتدلة ومتوازنة. إنَّ الحداثة المفرطة تعرف الإنسان من خلال

____________________

(1) المرجع السابق، ص 123.

(2) الملك: 67: 23.

(3) الآية نفسها.

(4) الآية نفسها.

(5) الشعراء: 26: 89، والصافَّات: 37: 84.


الفكر الاستقرائي، ولا تنصفه في جانبه العلمي والعاطفي، فيما ينتهي الفكر والعاطفة في الإسلام إلى العمل، ويُؤكِّد في السلوك على الاعتدال: (كُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (1) . و الوسطية أصل أخلاقي عام في الإسلام، وقد ورد في القرآن الكريم تسمية المجتمع المسلم بالأمة الوسط مراراً (2) ، أي المجتمع الذي يختار المنهج الوسط في القضايا كافة.

إنَّ المعرفة الإبستمولوجية في الإسلام - بخلاف الحداثة - جزء من المعرفة الوجودية، وليست منفصلة عنها. إنَّ الله هو خالق الكون، والعلم، ومصدر معرفتنا بالعالم.

وكما سبق في البداية فإن الحداثة انقلاب على التقاليد وكل أشكال السلطة. وعلى الحداثة أن تثني بـ(التغيير) كـ "أيديولوجيا" أساسية لها. وفي مقابل هذا الموقف الإفراطي، فإنَّ الإسلام يُحقِّق التوازن بين التقاليد والمتغيِّرات، فهو يدعو إلى حفظ الثقافة وصيانتها، ولكنَّه في الوقت عينه يدعو إلى تجديد بنائها لمعالجة الأمور الحياتية المتغيِّرة. إنَّ الاجتهاد والإجماع، في جنب الحركة الدائبة للحياة، يتقدَّمان إلى الأمام، ويسعيان لاستقطاب عناصر من الثقافات الأخرى. ويكفي أنْ نفتح (أمامنا) من جديد منفذ الاجتهاد الذي تم غلقه قبل ألف سنة.

تُعرِّف الحداثة الشعب انطلاقاً من وحدة اللون، واللغة، والإقليم. وفي مقابل هذه النظرة القومية المحدودة إلى المجتمع، فإنَّ المجتمع الإسلامي هو مجتمع

____________________

(1) الأعراف: 7: 31.

(2) البقرة: 2: 143.


الأخوة الموسَّع. نحن أبناء آدم وإخوة، وجميع العالم (المجتمعات الإنسانية) أسرة الله. هذه الفكرة تُجسِّد الوحدة العاطفية بين أفراد البشر.

وفي نطاق خاص، فنحن المسلمين، نُؤمن بهادٍ واحدٍ وهو القرآن الكريم، ونرى الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) قائداً لنا. وبهدف نيل رضى الله نبني حياتنا ونسمَّى "أمَّة". الأمة تقع في ما وراء القيود (والشؤون) الدنيوية.

إنَّ المفاهيم الدنيوية - كاللون، والعرق، واللغة، والإقليم - تُقسِّم الثقافة الإسلامية الأصيلة إلى الفئات الثقافية الفرعية. والقرآن الكريم يعتبر اختلاف الألسن والألوان (1) من آيات الله. ولا يريد الإسلام أن يُحوِّل العالم إلى نمط ثقافي واحد، بل يعترف بتنوُّع ثقافات الفئات المختلفة، إلاَّ أنَّه يعتبرها فاقدةً للقيمة النهائية. يقول القرآن الكريم:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (2) .

ويعتبر المسلمين أمة واحدة، لا بمعنى شعب واحد بمفهومه القومي، إنَّ الشعب له مفهوم دنيوي، والأمة لها معناها الأوسع من الحدود والقيود الدنيوية. إنَّ العنصرية والقومية مذمومتان في الإسلام، في حين أنَّ حب الوطن أمرٌ ممدوح. الإسلام يعتبر الدفاع عن الوطن - وإنْ أدَّى إلى فناء النفس - مسؤولية كل مسلم.

ويختلف حب الوطن عن القومية في الأساس؛ القومية تعني الإعجاب بالنفس، والنفرة

____________________

(1) الروم: 30: 22.

(2) الحجرات: 49: 13.


من باقي الشعوب والأوطان، وتُعتبر جناية على الإنسانية، بخلاف حب الوطن؛ حيث إنَّه مسؤولية أخلاقية واجتماعية بالمفهوم الديني.

إنَّ محور الحداثة هو الإنسان، في حين أنَّ محور الإسلام هو الله. إنَّ الحداثة والإسلام كلاهما يهتمان بالإنسان وسعادته مع الاختلاف في زاوية الرؤية، فإحداهما تنظر إليه من زاوية بشرية، والثانية ينظر من زاوية ربَّانية (1) .

الحداثة إثباتية (نفعية) بمفهومها الدنيوي، وفي المقابل، فإنَّ الإسلام يدعو إلى التعالي في الدنيا والآخرة، ولا يدعو إلى الآخرة فقط؛ لأنَّه لا يدافع عن الرهبانية والعزلة من الدنيا. وفي نفس الوقت، فإنَّه ليس دنيوياً بحتاً؛ لأنَّه لا يعتبر هذا العالم غايته الأخيرة.

ومن وجهة نظر الإسلام، فإنَّ أهمية الدنيا تكمن في كونها موطن العمل الصالح، وتكمن أهمية الآخرة في أنَّها مجال الحساب والجزاء. الإسلام يُؤكِّد على تنفيذ أحكام الله في الدنيا وعاجلاً. وقد أطلق "فضل الرحمان" على تأكيد الإسلام "سلوك الفرد في هذه الدنيا" بـ "الإثباتية (النفعية) الإسلامية" (2) . ويُضيف: "وهذا يعني أنَّ الإسلام دين لهذه الدنيا" (3) . إنَّ النفعية الإسلامية تختلف مع نفعية الحداثة (4) ، الإسلام يُبشِّر بالسعادة في الدنيا والآخرة، بينما الحداثة تحصر مجالها في الدنيا فقط.

____________________

(1) فضل الرحمن، الإسلام، ويدنفلد، نيكولسون، لندن، 1966، ص 12.

(2) فضل الرحمن، جذور الإسلام والأصولية الجديدة، جامعة سيراكوزا، نيويورك، 1981، ص 25.

(3) م. ن.

(4) نفسه، ص 26.


وممَّا سبق يتضَّح أنَّ الإسلام والحداثة - على الأقل في جملة من المواقف - ينتميان إلى قطبين مختلفين، لا التقاء بينهما. ولكن هناك موارد من التلاؤم بين الطرفين. يستطيع الإسلام أن يستقطب الرؤية المحدودة والغائية للحداثة حول العلم، ويزيل منها النفعية والعلمانية، ويصنفها ضمن إطاره القيمي الموسَّع، أو أن يُجدِّد بناء فكره المعرفي حول الله ونظامه القانوني على ضوء علم الحداثة؛ كما بادر إلى ذلك المجدِّدون المسلمون؛ أمثال: جمال الدين الأفغاني (1879)، ومحمد عبده (1905)، وسيد أحمد خان (1898)، وإقبال اللاَّهوري (1938)، وآخرين.

يقول إقبال : "يلزم على المسلمين الحداثويين أن ينظروا مجدَّداً إلى كل نظام الإسلام ويجدِّدوا بناءه، من دون أن يقطعوا صلتهم بالماضي (1) . وأن يملكوا نظرة نقدية ومستقلَّة أمام تقدُّم الفكر الإنساني" (2) .

ما هو التحديث؟

نحن نعيش في عصر الانفجار المعرفي، وبما أنَّ الثقافة من ثمرات المعرفة، فإنَّ معرفة الإنسان بنفسه سوف تُؤثِّر بشكل مباشر على الثقافة. إنَّ ظاهرة التغيير الاجتماعي - التي بدأت بهذه الصورة - يَسمى بالتحديث أو ظاهرة تجديد البناء الاجتماعي. التحديث ليس سبيلاً سويَّاً، ولا يمكن أن يتحقَّق سريعاً وبهدوء، إنَّه يتحقَّق ضمن مهلة زمنية مطوَّلة. والإنسان - الذي يُشكِّل

____________________

(1) إقبال، نفس المرجع، ص 78.

(2) نفس المرجع.


موضوع الحداثة - ينتمي إلى الأمور المرتبطة بالماضي العريق وبالحاضر معاً. من هنا، فإنَّه يعيش أزمةً داخلية، وعليه أنْ يشقَّ طريقه بدقة وحذر بالغين من خلال الاتجاهين المتقابلين.

الحداثة ثمرة الصراع بين المحافظة والليبرالية

يقول أحد المفكِّرين:

"إنَّ ظاهرة التغييرات المترابطة بعضها بالبعض، وفي مستويات متعدِّدة، في مجالات الاقتصاد والسياسة الثقافة، والتي تُؤدِّي إلى أن تكتسب المجتمعات غير النامية سمات المجتمعات النامية، تُسمَّى بـ (الحداثة)" .

وكما يبدو، فإنَّ هذا التعريف يُؤكِّد على التغيير السريع والشامل، إضافة إلى انتقال المؤسَّسات من البلدان النامية إلى بلدان غير نامية. كما أنَّ هذا التعريف يتَّسم بطابع ثقافي معين، ولا ينسجم مع الأهداف التي نتوخَّاها. وحسب هذا التعريف فإنَّ الحداثة هي تغريب باقي المجتمعات دون تحديثها.

ويقول "سي. بي بلاك" في تعريف الحداثة: "الحداثة هي الصورة الحركية من ظاهرة التجديد الضاربة في القدم، والتي أخذت هذه الصورة نتيجة التطوُّر الحاصل من انفجار المعرفة في القرون الأخيرة" .

وعلى هذا الأساس، فإنَّ خصوصيتي الحركية و العالمية ، وما تخلِّفان من الأثر على القضايا الإنسانية، تُعتبران ذاتي أهمية (1) .

إنَّ الحداثة وتيرة ذات أبعاد

____________________

(1) بلاك، ص 7.


متعدِّدة، تتكيَّف على ضوئها المؤسَّسات المتطوِّرة لتجسِّد الأدوار المتعدِّدة في عصور مختلفة (1) .

إنَّ التعريف يعتبر الحداثة وتيرة معقدَّة ومتعدِّدة الأبعاد، ويعترف بالدور التكاملي التاريخي، ويرفض بالمطلق النظرة المضيَّقة إلى الأمور. وتأكيده على تغييرات المؤسَّسات دون نقلها، يفتح المجال أمام التغييرات المختلفة. وعلى هذا الأساس، فلابد أن تسعى المجتمعات المختلفة إلى التحديث ضمن تركيبتها الثقافية الخاصة. إضافةً إلى ذلك، فإنَّ هذا التعريف عالج التقابل بين الحداثة والتقاليد أيضاً؛ لأنَّه يُعطي التكامل التاريخي دوراً مهماً.

يُضيف "بلاك" :

"ليس من الصحيح أن نعتبر التحديث عملية اجتياز بسيطة من التقاليد إلى الحداثة، التحديث جزء من الحركة اللاَّنهائية من الأيام الأولى إلى مستقبل غير مسمَّى" (2) .

ومن الواضح أنَّ رؤية بلاك الشاملة والمعتدلة، تنسجم مع الأهداف التي نتوخَّاها. وعلى هذا الأساس، نستطيع أن ندمج العلم الحديث في إطار الثقافة الإسلامية بعد تجديد بنائه وإخضاعه للانتقاء؛ فإنَّ الاستعارة الثقافية لها منحى انتقائي.

إنَّ الثقافة النامية يجب أن تتَّجه إلى انتقاء ما يتَّفق مع حاجاتها، وأن تمتنع عن استقبال واقتناء الثقافة الأجنبية من دون نقدها.

____________________

(1) نفسه، ص 6.

(2) نفسه، 54.


إسلام الحداثة في البحث عن علم كلام جديد

يعتبر القرآنُ الطبيعةَ و الآفاقَ و الأنفسَ مصادر أساسية للمعرفة الإنسانية، ويطلب منا أن نتدبَّر في الظواهر الطبيعية، مثل: الشمس، والقمر، والليل، والنهار. إنَّ هذا العمل الفكري - الذي أكد عليه القرآن - كان علم كلام الأيَّام الأولى من الإسلام. ومع مرور الزمن، تمَّت سيطرة الفلسفة - بدل الدين - على مجرى العلم. وبهذه الصورة، انفصل علم الكلام عن منطق القرآن الطبيعي.

وفي عصر الخلفاء العبَّاسيين تحقَّق تجديد بناء المنطق النظري اليوناني، بغرض التواصل مع العصر. وإنَّ واحداً من أهداف الكلام، هو: تبيين التعاليم الإسلامية بلغة العصر. والكلام العلمي كلام حركي، لا يتوقف عن السير. وعصرنا هو عصر العلم والثقافة. ومن الضروريات الأساسية لهذه المرحلة هي تجديد بناء "علم الكلام - القياسي" - وهو من تراث العصور الوسطى - وتبديله إلى "معرفة استقرائية" .

إنَّ أول مَن طرح ضرورة تجديد بناء هذا العلم هو السيد أحمد خان مؤسِّس الجامعة الإسلامية في عليكرة. إنَّه كان يعتبر أنَّ الأساس في علم الكلام الجديد، هو: معيار التطابق مع الطبيعة، والانسجام مع العقل (1) . إنَّ الدين الحقيقي لا يخالف الطبيعة، ولا العقل. وكان يعتقد أنَّ الدين هو كلام الله، والعلم هو فعل الله. ومن هنا، فلا يمكن للعلم والدين أن يعارضا بعضهما البعض. إنَّه في النهاية - وعلى رغم ما قاله - يُقدِّم العلم على

____________________

(1) السر سيد أحمد خان، مقالات السر سيد، ج 3، مجلس ترقى عرب، لاهور، 1961، ص17.


الدين (1) ، ويعتبر العقل مقدَّماً على الوحي. كما أنَّه - وبتأكيده استقلالية الطبيعة والقوانين التي تحكمها - اعتبر الدعاء غير ذي جدوى، ونفى المعجزة، ورأى أنَّ الله هو مصدر العلم.

ويُعتبر العلامة إقبال (1938)، الذي كان يعيش في شبه القارة الهندية، من الحداثويين المسلمين البارزين. ولقد كتب كلاماً جديداً، إلاّ أنَّه لم يُكرِّر خطأ سيد أحمد خان. ومن وجهة نظره، فإنَّ الوحي يُعتبر المعيار الأهم بالقياس إلى العقل. ويثني إقبال على العقل لكونه مصدراً للمعرفة الدنيوية، ومنظماً للحياة، ويتقدَّم إلى الأمام في هذا المجال إلى درجة أنَّه يقول: "إنَّ الدين يحتاج إلى العقل أكثر من الأصول العلمية الجازمة. إنَّ الإسلام ليس فقط لم يخالف العلم، بل هو الدين الوحيد الذي يدعو الإنسان إلى البحث في الطبيعة منطلقاً من العقل... وميلاد الإسلام.. ميلاد للعقل الإستقرائي" (2) . ويبدو أنَّ عبارته الأخيرة صحيحة إلى درجة ما، ولا يمكن إنكارها.

إنَّ المنهج المعرفي لإقبال مركَّب من التعاطي بين العقل والشهود. ولا يرى إقبال أنَّهما متقابلان، بل يعتبرهما متكاملين. إنَّ هذه الفكرة تمنح روحاً معنوية للمعرفة التجريبية. وأخيراً هو يعتبر "معرفة الطبيعة معرفة فعل الله" (3) .

____________________

(1) إشتياق حسين قريشي، التعليم والتربية في باكستان، معارف، كراتشي، ص 68.

(2) إقبال، نفس المرجع، ص 2.

(3) نفسه، ص 45.


إسلام الحداثة في البحث عن فقه جديد

لقد تمَّ تدوين جملة من عقائد الإسلام وأحكامه المتصلة بالقضايا المشتركة بين الناس في الفقه (القانون) الإسلامي. وانطلاقاً من رؤية "علم اجتماع المعرفة" ، يمكن القول إنَّه لم يتقدَّم علم الكلام ( Theology )، ولا الفقه، في موازاة التغييرات الزمنية ومتطلَّبات العصور. وبالنتيجة حصلت هوة عميقة بين التصوُّرات الثقافية القديمة والحقائق الاجتماعية الجديدة، ينبغي أن تتم معالجتها. الثقافة مرنة، وقابلة للتعديل والتكيُّف، تُهيِّئ إمكانية تلبية الحاجات المعنوية المادية للإنسان. فالثقافة التي لا تستطيع أن تقوم بهذا الدور الأساسي تفقد نشاطها، وقدرتها، واعتبارها، وتأثيرها. والثقافة الإسلامية المعاصرة تمرُّ بهذه المرحلة.

وتكمن في المفهوم الإسلامي للقانون نقطتان: الأولى: أنَّه قانون ديني. و الثانية : أنَّه يشتمل على الجانب المادي والجانب المعنوي من حياة الإنسان

معاً.

القانون له أساس إلهي في الإسلام، إلاّ أنَّ السلوك الذي يستلهم منه إنساني. تبتني إنسانية العمل والسلوك، على النية (1) التي يقوم عليها العمل. إنَّ الجانب الإلهي والإنساني للقانون، يُشكِّلان معاً، فلسفة القانون الإسلامي. إنَّ القانون يُوجب مسؤولية أخلاقية على الإنسان؛ لأنَّ أساس المسؤولية الأخلاقية إلهي، وليس بإنساني.

____________________

(1) فضل الرحمن، نفس المرجع، ص 68.


إن الشريعة تُوجِد أواصر الربط بين الله والإنسان والمجتمع. ومحتوى هذه الصلة غير قابل للتغيير، ويُعد من الأمور الأبدية والأزلية، إلاَّ أنَّ أساليبها تتغيَّر حسب المواقع والعوامل الزمكانية. وبعد ختم النبوة الأبدي، فإنَّ مسؤولية تفسير وتنفيذ قانون الشريعة في المواقف المختلفة، ترجع إلى فقهاء المسلمين. إنَّ الفقهاء الأوائل قد عرفوا مسؤولياتهم بشكل جيد، وعملوا بها. وقد نشأت من أواسط القرن الأول الهجري ولغاية القرن الرابع الهجري، ما يقرب من تسعة عشرة مدرسة فقهية؛ بغرض تلبية الحاجات المعنوية والمادية للحضارة النامية. وقد اشتهرت من بينها مدارس فقهية سنية أربعة - الشافعية، والحنفية، والحنبلية، والمالكية - لجهة نظرتها الفقهية؛ لأنَّ هذه المدارس اتجهت في تعبيراتها من النظرة القياسية إلى النظرة الاستقرائية (1) .

وإنَّ المدارس الفقهية التي نشأت في العصور الوسطى، ليس باستطاعتها أن تستجيب لحاجات المجتمعات الرازحة تحت سلطة العلم والثقافة؛ لذلك نحتاج إلى فقه جديد لهذا العصر، قد يتم تأسيسه على المنهج الاستقرائي. إنَّ تجديد البناء هذا، هو الثمن الذي ينبغي أن ندفعه في عصر الانفجار المعرفي للمحافظة على الفقه، ولا تستطيع الثقافة النامية أن تغضَّ النظر عن خطر الفناء، من دون أن تأخذ ذلك بالحسبان.

يعتقد "إف. شئون" أنَّ: "كافة الحضارات تؤول إلى الزوال، إلاّ أنَّ طريقة زوالها تختلف؛ فإنَّ زوال الحضارة الشرقية انفعالي، وزوال الحضارة الغربية فعَّال. إنَّ الشرق لا يُفكِّر لدى

____________________

(1) إقبال، نفس المرجع، ص 131.


ا لأفول، والغرب يُفكِّر حتى عند الأفول أيضاً، وقد يُخطئ في فكره. إنَّ الشرق نصب عينيه إلى الحقائق، وغرق في سبات عميق، والغرب يعيش في متاهات الأخطاء" (1) .

لقد تطرَّقنا إلى ضرورة التطوير في الشريعة، وتطابقها مع العصر. ولابد في هذا المجال أن يتم اختيار استراتيجية تحمي الاجتهاد من السقوط في المتاهات، و المقصود من الإستراتيجية، هو: المنهج الهرمينوطيقي الملائم للمؤسسة الفكرية ذات الطابع الديني. إنَّ هذا المنهج - الذي يُستعان به في مجال التفسير، وقد أوصى به فضل الرحمن - يتكوَّن على ضوء حركة فكرية متواصلة وجادة، وفي هذه الحركة الفكرية:

1ـ من الضروري الامتناع عن المواجهة الموردية والعينية للقرآن، والأخذ بعين الاعتبار الظروف المعيشية آنذاك، والاعتماد على الأصول العامة التي تلتقي عندها جميع أحكام وتعاليم الإسلام.

2ـ ينبغي التحرُّك من هذا الأفق الواسع والعام إلى الوراء، والاهتمام بتشريع القوانين الخاصة انطلاقاً من مكانة الحياة في العصر الحاضر.

وعلى أساس هذا المنهج الهرمينوطيقي، فإنَّ الاجتهاد بمقدوره أن يمنحنا قوانين عملية ومُؤثِّرة، تلك القوانين التي نستطيع من خلالها أن نتقدَّم إلى الأمام في قضايا الحياة، ونبادر إلى تنظيمها في أجواء الحداثة.

____________________

(1) إف، شئون، آفاق المعنوية في الحقيقة الإنسانية، لندن، 1954، ص 22.


إسلام ما بعد الحداثة

إنَّ القضية الأساسية لإسلام الحداثة، هي تجديد بناء الفكر الثيولوجي والقانوني الإسلامي على أساس استقرائية، وهذا ما لم يتم بعد. إنَّ قضية إسلام ما بعد الحداثة تختلف كلياً عن قضية إسلام الحداثة. إنَّ قضية إسلام ما بعد الحداثة هي بناء المعرفة على ضوء المعايير الإسلامية . إنَّ الحداثة تنقصها الأخلاقية التي بمقدورها أن تمنح القدرة لها؛ ولهذا السبب لم يكتب لها الانتشار في العالم الإسلامي. إنَّ الحداثويين المسلمين قد ذكَّروا بشكلٍ جاد - في هذه المسألة - وقرَّروا، أن يعالجوا هذه النقص في معرفة الحداثة. وكمثال على ذلك، فإنَّه قد تمَّ تأسيس المركز العالمي للفكر الإسلامي في

فيرجينيا / الولايات المتحدة الأميركية - سنة 1981، بإشراف إسماعيل الفاروقي. وكان الهدف لهذا المركز إعلاء وأسلمة المعرفة العلمانية الغربية. وبعد سنة، قام الفاروقي بنشر مشروع مؤسَّسة المعرفة الإسلامية ومجلَّة العلوم الاجتماعية الإسلامية في أميركا بعنوان: "أسلمة المعرفة" .

إنَّ مسؤولية مسلم ما بعد الحداثة هي تجديد بناء العلوم الطبيعية والاجتماعية على ضوء معرفة الوجود، وعلم المعرفة (الإبستمولوجيا) والمعرفة الكونية والمعرفة الاجتماعية ومعرفة القيم انطلاقاً من الإسلام.

بالنظر إلى معرفة الوجود، فإنَّ الله خلق الكون من العدم، وأقامه، وأنَّ الحياة لها قيمة متعالية، وتتجه إلى عالم الآخرة، والتأكيد على العمل في هذه الدنيا.


والإنسان هو أشرف المخلوقات، وخليفة الله في الأرض. ومن مسؤولياته أن ينطلق سلوكه من الخُلُقيات الرفيعة والمتعالية، ويسعى إلى إقرار الأمن والاستقرار في الأرض، وأن يُنظِّم حياته في ظل حاكمية الله، وأن يعيش تحت إرادته.

ولله في خلقه إرادتان تتجلَّيان في القانون الخُلُقي و القانون الطبيعي. يتحقق أحدهما في الحرية، والثاني في الضرورة. أحدهما ثابت قابل للنقض، والآخر ثابت لا يقبل النقض. والقانونان معاً أزليَّان، ويمنحان الوحدة للعالم. وإنَّ الوجود كله وحدة منسجمة؛ لأنَّه من خلق إله واحد.

العقل في الإسلام شريك الوحي، ومتَّحد معه، وليس عدواً له. ولا يمكن الوصول إلى حقيقة الوحي إلاّ من خلال العقل. يرى العقل آيات الله في الأنفس والآفاق. والمعرفة هي مجموع الوحي والعقل، ويبتني علم المعرفة الإسلامي على وحدة الاثنين معاً. الحقيقة لا تُصنع كما يتصوَّر البراغماتيون، بل هي ثابتة من البداية وواحدة. والقانون الخُلُقي و الطبيعي يرجعان إلى حقيقة واحدة، هي إرادة الله. وبما أنَّ الحقيقة واحدة، فالمعرفة أيضاً واحدة. ووحدة المعرفة من النتائج الحتمية لوحدة الحقيقة.

وإنَّ حياة الإنسان كل لا يتجزَّأ، ولا يمكن تقسيمها إلى "المنهج الإلهي" ، و "المنهج الإنساني". إنَّ قانون الشريعة يتضمن المعنى والمادة معاً؛ لأنَّه قد تمَّ بناؤه على الوحدة اللاَّمرئية التي تحكم الحياة.

وعلى المستوى الاجتماعي، فإنَّ التوحيد، ووحدة النظام الكوني، ووحدة المعرفة، ووحدة الحقيقة، ووحدة الحياة، ووحدة النوع الإنساني، والأهم من


ذلك الأخلاقيات المتعالية، هي أصول أساسية ينبغي أن يتم على أساسها تجديد بناء معرفة الحداثة الفاقدة للقيم، في الإطار القيمي للإسلام.

إنَّ الحداثة تتَّجه إلى ما بعد الحداثة، وما وراءها، وخصائص هذه المراحل الثلاثة هي ما يلي: التقدُّم، العبثية، و الرجوع إلى الدين .

الحداثة - التقدُّم

الحداثة تُؤمن بقُدرات العلم بشكل قاطع، وتنظر إلى حاضر الإنسانية ومستقبلها بنظرة تفاؤلية. وتُذعن بقدرة العلم على اجتراح الحلول لجميع قضايا الإنسان، وتقودنا عبر الصناعة والديمقراطية والتنمية، إلى عصر السلم والأمن، والتقدم والسعادة. إلاَّ أنَّ هذه الرؤيا لم تتحقَّق. وأنَّ الحربين الكونيتين المدمِّرتين، قد ساهمتا بشكل مؤثِّر في وهن فكرة التقدُّم. إنَّ الحداثة، وفي حربها ضد الفاشية في ألمانيا وإيطاليا؛ وبهدف الدفاع عن الديمقراطية، في الحقيقة حاربت نفسها؛ لأنَّ الفاشية والديمقراطية كلتيهما من نتائج الحداثة. وفي فيتنام أيضاً قد ارتكبت تلك المجازر الوحشية باسم الديمقراطية. إنَّ العلم الذي كان سبباً لغرور الإنسان، قد تحوَّل إلى آلة مدمِّرة؛ لأنَّها دنيوية وفاقدة للقيمة.

ما بعد الحداثة - العبثية

ما بعد الحداثة استمرار للحداثة، ونتيجة منطقية لدنيوية العلم، والانفجار المعرفي العلماني في السنوات الأخيرة. ثمرة ما بعد الحداثة هي الإذعان بنوع


من السيلان الأبدي. الحداثة هي اسم للتجديد والتحوُّل. ليس فيه ما يملك القرار، والثبات، والاستمرار. وفقدان اليقين في الحداثة، أدخلنا إلى عصر ما بعد الحداثة، التي من سماتها العبثية . إنسان الحداثة - من ناحية المادة - في رفاهية، وإنسان ما بعد الحداثة - من حيث المعنى - يعيش مشرَّداً ومنعزلاً ومتردِّداً. إنَّ القضية الكبرى بالنسبة إلى إنسان ما بعد الحداثة هي أن يجد طريقاً للحفاظ على إنسانية الإنسان، والحيلولة دون زوال القيم المعنوية والخُلُقية في عصر سيطرة العلم والتقانة.

ما وراء ما بعد الحداثة - الرجوع إلى الدين

كما أنَّ ما بعد الحداثة استمرار للحداثة، فإنَّ ما وراء ما بعد الحداثة أيضاً استمرار لِمَا بعد الحداثة. إنَّ ما وراء ما بعد الحداثة، هو السعي للوصول إلى محور روحاني ومعنوي، قد تمَّ ضياعه في دنيا العلمانية. إنَّ هذا الانتماء يُؤيِّد البُعد المعنوي والروحاني في الإنسان. يسعى الإنسان لملء الفراغ الحاصل من فقدان الإيمان، ولإحياء تراث آدم المركَّب من العلم والدين.