القصص التربوية
التجميع كتب الأخلاق
الکاتب عند الشيخ محمد تقي فلسفي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

القَصص التربويَّة

عند الشيخ محمَّد تقي فلسفي


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ


القَصَص التربويَّة

عند الشيخ محمد تقي فلسفي

لطيف الراشدي



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

مُقدِّمة

الحمد لله الواحد المنَّان، الذي خلق الإنسان، وعلَّمه البيان ووضع الميزان، والصلاة الأبد، والسلام السرمد على مَن بُعث إلى الخلائق بالقرآن، وعلى آله الأطهرين، الذين هم أمناء الرحمان.

أمَّا بعد:

فلا يخفى على أحد، أنَّ التربية جزء لا يتجزَّأ مِن الحياة الإنسانيَّة، وقد مَنَّ الله تعالى على عباده؛ إذ بعث فيهم رسولاً، يتلو عليهم آياته، ويُزكِّيهم ويُعلِّمهم الكتاب والحِكمة.

ولا ريب، بأنَّ الله تعالى أنزل القرآن هُدىً للمُتَّقين، الذين يؤمنون بالغيب و...

وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنَّ قومي اتَّخذوا هذا القرآن مهجوراً...)، وفي كلام آخر قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنِّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعِترتي، ما إنْ تمسَّكتم بهما لن تضلوا...).

والتربية للإنسان، هي الهداية والنجاة مِن الضلالة. وغنيٌّ عن البيان، بأنَّ التربية الإسلاميَّة، هي الطريق والسبيل الوحيد للنجاة مِن الضلالة؛ فيجب على مَن يطلب السعادة في الدارين، أنْ يتمسَّك بالتربية والشريعة الإسلاميَّة.

فنجد في هذه الشريعة المُقدَّسة رجالاً، يتمثَّلون تعاليم هذه الشريعة المُقدَّسة، قد أدَّبهم الله فأحسن تأديبهم، والتزموا هذا الأدب والتربية الإلهيَّة.


وعلى الذين يرغبون في الحياة النبيلة، والعَيش الهنيء أنْ يتَّبعوا خُطاهم وحياتهم السامية. وها نحن نَقصُّ حياتهم وسيرتهم، تحت عنوان (القَصص التربويَّة) ، آملين تطبيقها في حياتنا؛ لكي نفوز بالدارين... والله عنده حسن المآب...

دعواهم فيها سبحانك اللَّهمَّ وتحيَّتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أنْ الحمد لله رَبِّ العالمين.

العبد

لطيف محمد علي مُطوَّف الراشدي


لا إفراط ولا تفريط

كان في مدينة البصرة أخوان أحدهما يُدعى: العلاء بن زياد الحارثي، والآخر: عاصم. وكانا كلاهما مِن المُخلصين لعليٍّ (عليه السلام)، ولكنْ كانا مُختلفيَن في السُّلوك، فعلاء مُفرِط في حُبِّه للدنيا وجمعه للمال... أمَّا عاصم، فكان على العَكس منه مُدْبِراً ظهره للدنيا، صارفاً جُلَّ وقته في العبادة وتحصيل الكمالات الروحيَّة، وفي الواقع كانا كلاهما قد تجاوز الطريق المُستقيم، وانحرف عن الصراط السويِّ...

وذات يوم مَرِض العلاء، فذهب علي (عليه السلام) لعيادته، وما أنْ استقرَّ به الجلوس، حتَّى التفت الإمام إلى سِعة عَيشه، وإفراطه في سَعيه وراء الدنيا؛ فخاطبه قائلاً: (وماذا تصنع - يا علاء - بهذه السِّعة المُفرِطة مِن العَيش؟ إنَّك إلى تحصيل وسائل سعادتك المعنويَّة أحوج، فاسعِ في ذلك الجانب أيضاً...)، ثمَّ قال (عليه السلام): (اللَّهمَّ إلاَّ أنْ تكن عملتَ ذلك كلَّه؛ لتمهيد طريق السعادة المعنويَّة؛ لتتمكَّن مِن استقبال الضيوف في بيتك، وتستطيع صِلة أرحامك، وأداء حقوق إخوانك بأكمل وجه) (1) .

لقد أثَّر هذا الدرس البليغ، بأسلوبه الهادئ المَتين في علاء كثيراً، وجاشت به العواطف للشكوى مِن تفريط أخيه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك عاصم بن زياد.

قال: (وما له؟).

قال: لبس العَباء، وتخلَّى عن الدنيا.

قال: (عليَّ به!).

وبعد أنْ حضر عاصم بين يدي الإمام، وبَّخَه الإمام قائلاً: (يا عُدَيَّ نفسه، لقد استهام بك الخبيثُ! أما رحمتَ أهلك ووِلدَك؟! أترى الله أحلَّ لك الطيِّبات وهو يكره أنْ تأخُذها؟! أنت أهون على الله مِن ذلك...).

____________________

(1) مُلاحظة: لمعرفة نصِّ الكلام راجع نهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) جمعه الشريف الرضيِّ.


مِن خِلال هذه القِصَّة التاريخيَّة؛ يتَّضح لنا مدى استقامة المنهج الإسلامي، الذي نطق به الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو يُعبِّر عن تعاليم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحكم الله عَزَّ وجَلَّ...

لكن بقيت في نفس عاصم بن زياد مُشكلةٌ لم يجد لها حَلاً، وهي كيفيَّة التوفيق بين كلام الإمام (عليه السلام) وعمله؛ حيث قد زهد في الدنيا، وترك الملاذَّ.

فاندفع لسؤاله، وما أسرع أنْ قال:

(... يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة مَلبسك وجُشوبة مأكلك؟!).

فقال الأمير: (إنِّي لستُ كأنت... إنَّ الله فرض على أئمَّة الحَقِّ أنْ يُقدِّروا أنفسهم بضَعَفَة الناس؛ كي لا يتبيَّغ بالفقيرة فقره...) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


الخال أحد الضجيعين

كان محمد بن الحنفية بن الإمام علي (عليه السلام)، حامل اللواء في حرب الجَمل، فأمره عليٌّ بالهجوم فأجهز على العدوِّ، لكنَّ ضربات الأسنَّة، ورشقات السِّهام منعته مِن التقدُّم فتوقَّف قليلاً... وسرعان ما وصل إليه الإمام، وقال له: (احمل بين الأسنَّة)؛ فتقدَّم قليلاً ثمَّ توقَّف ثانية، فتأثَّر الإمام مِن ضُعف ابنه، فاقترب منه، و(... ضربه بقائم سيفه، وقال له: (أدركك عِرقٌ مِن أُمِّك).

مِن الواضح هنا، أنَّ الجُبن الذي ظهر واضحاً في ابنه محمد، ليس موروثاً منه (عليه السلام)؛ لأنَّه لم يَعرف للجُبن مَعنى قَطّ، فلا بُدَّ وأنْ يكون مِن أُمِّه؛ لأنَّها لم تكن مِن الفضيلة بدرجة، تكون معها بمنزلة الصِّدِّيقة الزهراء (عليها السلام) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


كلُّ إنسان بينه وبين آدم صِلة

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (أتى رجُلٌ مِن الأنصار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: هذه ابنة عَمِّي وامرأتي، لا أعلم منها إلاَّ خيراً، وقد أتتني بولدٍ شديد السواد، مُنتشِر المِنخر، جَعْدٌ، قَطَطٌ، أفطس الأنف، لا أعرف شَبَهه في أخوالي ولا في أجدادي.

فقال لامرأته: ما تقولين؟

قالت: لا والذي بعثك بالحق نبيَّاً، ما أقعدت مقعده مِنِّي - مُنذ ملكني - أحداً غيره)

قال: (فأطرق رسول الله رأسه مَليَّاً، ثمَّ رفع بصره إلى السماء، ثمَّ أقبل على الرجل، فقال: يا هذا، إنَّه ليس مِن أحد إلاَّ بينه وبين آدم تسعة وتسعون عِرقاً، كلُّها تضرب في النسب، فإذا وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العُروق، وسألتْ الله الشَّبَه لها، فهذا مِن تلك العُروق التي لم تُدركها أجدادك ولا أجداد أجدادك، خذ إليك ابنك!).

فقالت المرأة: فرَّجت عنِّي يا رسول الله (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


صِفات الابن مِن الأب أو الأُمِّ

عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) قال: (أقبل رجل مِن الأنصار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله، هذه بنت عمي وأنا فلان بن فلان.. حتَّى عَدَّ عشرة مِن آبائه، وهي بنت فُلان... حتَّى عَدَّ عشرةً مِن آبائها، ليس في حَسبي ولا حَسبها حَبشيٌّ، وإنَّها وضعت هذا الحبشيَّ، فأطرق رسول الله طويلاً، ثمَّ رفع رأسه، فقال: إنَّ لك تسعة وتسعين عِرقاً، ولها تسعة وتسعين عِرقاً، فإذا اشتملت اضطربت العُروق وسأل الله عَزَّ وجَلَّ كلَّ عِرقٍ منها أنْ يذهب الشَبَه إليه. قُمْ، فإنَّه وَلَدُك، ولم يأتك إلاَّ مِن عِرقٍ منك أو عِرقٍ منها.

قال: فقام الرجل، وأخذ بيد امرأته وازداد بها وبولدها عجباً) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


الاستعمال يكون بعد التجربة

سأل المأمون العباسي بعض خواصِّه ومَحارمه يوماً، سبب ما يُلاقيه مِن: جَفاء، وخيانة، وقِلَّة إنصاف مِن بعض أصحابه وأقاربه، الذين كان قد قلَّدهم مناصب عاليةً، ورُتباً مُهمَّة في الدولة، في حين أنَّ المفروض أنْ يُقابلوا إحسانه بالإحسان لا الإساءة.

فقال له أحدهم: إنَّ المَعنيِّين بأمر الحَمْام الزاجل، والمُهتمِّين بتربيته، يتحقَّقون عن أصله وفَصيله الذي ينتمي إليه، وعندما يطمئنُّون إلى عَراقة نسبه يهتمُّون بتربيته كثيراً، ويَجنون مِن ذلك فوائد كثيرة... وأنت يا أمير المؤمنين، تأخذ أقواماً مِن غير أُصول ولا تدريج، فتبلغ بهم الغايات، فلا يكون منهم ما تؤثِره.

فمِن الطبيعي أنْ لا يكون مَن يتمُّ اختيارهم لأشغال ومناصب، دون امتحان ولا نظر في أصولهم وأحسابهم وأنسابهم على حالة غير مرضيَّة مِن حيث الإخلاص والأمانة والوفاء...

إنَّ الإسلام يرى في سُلوك الآباء والأُمَّهات، تأثيراً كبيراً على سلوك أبنائهم، الذين يرثون صفاتهم الصالحة أو الطالحة؛ ولذلك نجد القرآن الكريم يحكي على لسان نوح هذه الحقيقة الناصعة؛ حيث يقول - بعد أنْ يئس مِن هداية قومه، طِيلة تسعمئة وخمسين عام (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


الجُملة العصبيَّة هي الأساس

جاءت امرأة في زمن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولدت مِن زوجها طفلاً له بدنان ورأسان على حُقوٍ واحدٍ، وتحيَّرت هي وقومها في حِصَّته مِن الإرث، هل يُعطى حِصَّة واحدة أم حِصَّتين؟

فصاروا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) يسألونه عن ذلك؛ ليعرفوا الحكم فيه، فكان جواب الإمام (عليه السلام): (اعتبروا إذا نام ثمَّ نبِّهوا أحد البدنين والرأسين، فإنْ انتبها معاً، في حالة واحدة؛ فهُما إنسان واحد، وإنْ استيقظ أحدهما والآخر نائم؛ فهُما اثنان وحَقُّهما مِن الميراث حَقُّ اثنين).

والسِّرُّ في هذا القضاء العادل، والحكم الدقيق واضح؛ لأنَّه اعتبر مِلاك الحُكم هو المركز العَصَبي؛ إذ عليه المُعوَّل في توجيه الإنسان، فإنْ كانت قيادة واحدة توجِّه البدنين والرأسين؛ فهو شخصٌ واحدٌ، ولكنْ إذا كان كلُّ قسم يُدار مِن قِبَل جهازٍ عصبيٍّ مُستقلٍّ عن الآخر، فهما بدنان (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


الفَرق بين قضاء الله وقَدَره

عن ابن نُباتة، قال: إنَّ أمير المؤمنين عدل مِن عند حائط مائل إلى حائط آخر.

فقيل له: يا أمير المؤمنين، تَفرُّ مِن قضاء الله؟!

قال: (أفرُّ مِن قضاء الله إلى قَدَر الله عَزَّ وجَلَّ) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


بأبي وأُمِّي مَن لم ينخل له طعام

يقول سويد بن غفلة: دخلت على الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) يوماً، وقد حان وقت طعامه، فرأيته جالساً على جانب مائدة، وفي يده رغيف أرى قِشار الشعير في وجهه، فذهبت إلى خادمته، وقلت لها:

يا فضة، ألا تتَّقين الله في هذا الشيخ؟! ألا تنخلون له طعاماً مِمَّا أرى فيه مِن النِّخالة؟!

فقالت: قد تقدَّم إلينا أنْ لا ننخل له طعاماً...

فرجع سويد إلى الإمام ثانية، وذكر قِصَّته مع فِضَّة، فتبيَّن أنَّ الإمام (عليه السلام) قد أخذ هذا الأُسلوب مِن النبيِّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)... ثمَّ ذكر عظمة النبي قائلاً: (بأبي وأُمِّي، مَن لم يُنخل له طعامٌ) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


عن مِثل هذا الرجُل أخبرتك

بينما المنصور بن أبي عامر في بعض غزواته، إذ وقف على نَشزٍ مِن الأرض مُرتفعٍ، فرأى جيوش المسلمين مِن بين يديه، ومِن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله قد ملؤوا السهل والجَبل، فالتفت إلى مُقدَّم العسكر وهو رجل يُعرَف بابن المضجعي.

فقال له: كيف ترى هذا العسكر أيُّها الوزير؟

قال: أرى جمعاً كثيراً، وجيشاً واسعاً كبيراً.

فقال له المنصور: تُرى، هل يكون في هذا الجيش ألف مُقاتل مِن أهل الشجاعة والنجدة والبَسالة؟

فسكت ابن المَضجعي.

فقال له المنصور: ما سكوتك؟! أليس في هذا الجيش ألف مُقاتل؟!

قال: لا.

فتعجَّب المنصور، ثمَّ قال: فهل فيهم خمسمئة مُقاتل مِن الأبطال المَعدودين؟

قال: لا.

فحَنَق المنصور، ثمَّ قال: أفيهم مِئة رجل من الأبطال؟

قال: لا.

قال: أفيهم خمسون رجُلاً مِن الأبطال؟

قال: لا.

فسبَّه المنصور، وأغلظ عليه وأمر به، فأُخرِج على أسوأ حالٍ، فلمَّا توسطَّوا بلاد الورم، اجتمعت الروم وتصادف الجَمعان، فبرز عِلْجٌ مِن الروم بين الصَّفَّين شاكي السلاح، وجعل يكرُّ ويفرُّ ويقول: هل مِن مُبارز؟!

فبرز إليه رجل مِن المسلمين فتجاولا ساعة، فقتله العِلْجُ؛ ففرِح المُشركون وصاحوا، واضطرب المسلمون له. ثمَّ جعل العِلْج يموج بين الصَّفَّين ويُنادي: هل مِن مُبارز؟! اثنين لواحد

فبرز إليه


رجل مِن المسلمين، فتجاولا ساعة، فقتله العِلْج، وجعل يكرُّ ويحمل ويُنادي ويقول: هل مِن مُبارز؟! ثلاثة لواحد!!

فبرز إليه رجل مِن المسلمين فقتله العِلْج، فصاح المُشركون وذَلَّ المسلمون، وكادت أنْ تكون كَسرة.

فقيل للمنصور: ما لها إلاَّ ابن المضجعي، فبعث إليه، فحضر، فقال له المنصور: ألا ترى ما صنع هذا العِلْج... منذ هذا اليوم.

فقال: لقد رأيته، فما الذي تُريد؟

قال: أنْ تكفي المسلمين شَرَّه.

قال: الآن يُكفى المسلمون شَرَّه، إنْ شاء الله تعالى.

ثمَّ قصد إلى رجال يعرفهم، فاستقبله رجل مِن أهل الثغور، على فرس قد تَهرَّت أوراكها هَزالاً، وهو حامل قِربة ماء بين يديه على الفرس، والرجل في حليته ونفسه غير مُتصنِّع.

فقال له ابن المضجعي: ألا ترى ما يصنع هذا العِلْج مُنذ اليوم؟!

قال: قد رأيته، فما الذي تُريد؟

... أنْ تكفي المسلمين شَرَّه؟

قال: حُبَّاً وكَرامة.

ثمَّ إنَّه وضع القِربة على الأرض، وبرز إليه غير مُكترث به، فتجاولا ساعة، فلم يرَ الناس إلاَّ والمسلم خارجاً إليهم يركض، ولا يدرون ما هناك، وإذا برأس العِلْج يلعب بها في يده، ثمَّ ألقى الرأس بين يدي المنصور.

فقال له ابن المضجعي: عن هؤلاء الرجال أخبرتك... ثم رد المنصور إلى ابن المضجعي منزلته وأكرمه، ونصر الله جيوش المسلمين وعساكر الموحِّدين (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


الذاكرة الخارقة

أبو زكريَّا التبريزي، تلميذ أبي العلاء المَعرِّي، وقد تَلمذ على يده سنوات عديدة، ولمَّا كان أبو العلاء مكفوف البصر، فقد كان لا يستطيع القراءة. وفي أحد الأيَّام كان أبو زكريَّا يقرأ لأبي العلاء كتاباً له في مسجد المَعرَّة. وفي الأثناء حضر مُسافر مِن تبريز إلى الجامع ليُصلِّي، فسَرَّ أبو زكريَّا لرؤيته كثيراً، وتوقَّف عن قراءة الكتاب عِدَّة لحظات، فسأله الأستاذ عن السبب، فأخبره بمجيء صاحبه، فأمره أبو العلاء بأنْ يذهب إليه ويتحدَّث معه.

فقال له: أمهلني أكمل الصفحة.

قال: لا، وسأنتظرك حتَّى تُنهي حديثك.

فجلس أبو زكريَّا مع صاحبه، على بُعْد خَطوات مِن أبي العلاء، وأخذ يتحدَّث معه باللغة التركيَّة المحلِّيَّة في تبريز، ويسأله عن بعض القضايا فيُجيبه، وعندما رجع إلى أستاذه سأله: أيَّ لغة هذه؟

قال: لغة آذربايجان!

فقال: إنِّي لم أفهم ما جرى بينكما مِن حديث، ولكنِّي حفظت ما قلتماه، وأعاد جميع الألفاظ بلا زيادة أو نُقصان، فتعجَّب صاحب أبي زكريَّا مِن حافظة أُستاذه بشِدَّة، وكيف أنَّه حَفِظ تلك الألفاظ بسُرعة، دون أنْ يفهم معانيها (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


واعمراه لولا عليٌّ لهَلك عمر

قال: سمعت غلاماً بالمدينة، وهو يقول: يا أحكم الحاكمين، أُحكم بيني وبين أُمِّي! فقال له عمر بن الخطاب: يا غلام، لمَ تَدْعُو على أُمِّك؟!

فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّها حملتني في بطنها تسعاً، وأرضعتني حولين كاملين، فلمَّا ترعرعتُ وعرفت الخير مِن الشَّرِّ ويميني مِن شِمالي طردتني، وانتفت مِنِّي، وزعمت أنَّها لا تعرفني.

فقال عمر: أين تكون الوالدة؟

قال: في سقيفة بني فلان.

فقال عمر: عليَّ بأُمِّ الغُلام. فأتوا بها مع أربعة أخوة لها، وأربعين قَسَّامة يشهدون لها أنَّها لا تعرف الصبي، وأنَّ هذا الغُلام مدَّعٍ ظالم، يُريد أنْ يفضحها في عشيرتها، وأنَّ هذه جارية مِن قريش لم تتزوَّج قطُّ؛ لأنَّها بخِتام ربِّها.

فقال عمر: يا غُلام، ما تقول؟

فقال: يا أمير المؤمنين، هذه - والله - أُمِّي! حملتني في بطنها تسعاً، وأرضعتني حولين كاملين، فلمَّا ترعرعت وعرفتُ الخير والشَّرَّ، ويميني مِن شمالي طردتني، وانتفت مِنِّي، وزعمتْ أنَّها لا تعرفني!

فقال عمر: يا هذه، ما يقول الغُلام؟

فقالت: يا أمير المؤمنين، والذي احتجب بالنور، فلا عين تراه، وحَقِّ محمد وما ولد، ما أعرفه ولا أدري مِن أيِّ الناس هو! وإنَّه غلام يُريد أنْ يفضحني في عشيرتي، وأنا جارية مِن قريش، ولم أتزوَّج قطُّ، وإني بخاتم ربِّي.

فقال عمر: ألكِ شهودٌ؟


فقالت: نعم هؤلاء، فتقدَّم الأربعون قَسامة، وشهدوا عند عمر أنَّ الغُلام مُدَّعٍ، يُريد أنْ يفضحها في عشيرتها، وأنْ هذه جارية مِن قريش لم تتزوَّج قَطُّ، وأنَّها بخاتم رَبِّه.

فقال عمر: خذوا بيد الغُلام وانطلقوا به إلى السِّجن، حتَّى نسأل عن الشهود، فإنْ عَدْلت شهادتهم جَلدته حُدَّ المُفتري. فأخذوا بيد الغُلام، وانطلقوا به إلى السِّجن، فتلقَّاهم أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) في بعض الطُّرق، فنادى الغُلام: يا ابن عَمِّ رسول الله، إنِّي غُلام مظلوم، وأعاد عليه الكلام الذي تكلَّم به عند عمر، ثمَّ قال: وهذا عمر قد أمر بي إلى السِّجن.

فقال عليٌّ (عليه السلام): (ردُّوه إلى عمر).

فلمَّا ردُّوه قال لهم عمر: أمرت به إلى السِّجن فرددتموه إليَّ!

فقالوا: يا أمير المؤمنين، أمرنا عليُّ بن أبي طالب أنْ نرُدَّه إليك، وسمعناك تقول: لا تعصوا لعليٍّ أمراً.

فبينا هم كذلك، إذ أقبل عليٌّ (عليه السلام)، فقال: (عليَّ، بأمِّ الغُلام)، فأتوا بها.

فقال عليٌّ (عليه السلام): (يا غُلام، ما تقول؟).

فأعاد الكلام على عليٍّ (عليه السلام).

فقال علي لعمر: (أتأذن لي أنْ أقضي بينهم؟).

فقال عمر: سبحان الله، وكيف لا، وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أعدلكم عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام).

ثمَّ قال للمرأة: (يا هذه المرأة، ألك شهود؟).

قالت: نعم، فتقدَّم الأربعون قَسَّامة، فشهدوا بالشهادة الأُولى.

فقال عليٌّ (عليه السلام): (لأقضينَّ اليوم بينكم بقضيَّة، هي مرضاة الرَّبِّ مِن فوق عرشه، علمنيها حبيبي رسول الله).

فقال لها: (ألك وليٌّ؟).

قالت: نعم، هؤلاء إخوتي.


فقال لإخوتها: (أمري فيكم وفي أُختكم جائز؟).

قالوا: نعم يا ابن عم محمد، أمرك فينا وفي أُختنا جائز.

فقال عليٌّ (عليه السلام): (أُشهِد الله، وأُشهِد مَن حضر مِن المسلمين، أنِّي قد زوَّجت هذا الغُلام مِن هذه الجارية بأربعمائة درهم والنقد مِن مالي. يا قنبر! عليَّ بالدراهم). فأتاه قنبر فصبَّها في يَد الغُلام.

فقال: (خُذها وصُبَّها في حِجر امرأتك, ولا تأتنا إلا وبك أثر العِرس). (يعني: الغسل)، فقام الغُلام فصبَّ الدراهم في حِجر المرأة، ثمَّ تَلْبَبَها وقال لها: قومي.

فنادت المرأة: النار! النار! - يا ابن عَمِّ محمد - أُتريد أنْ تزوِّجني مِن ولدي؟! هذا - والله - ولدي! زوَّجني إخوتي هجيناً فولدت منه هذا، فلمَّا ترعرع وشبَّ أمروني أنْ أنتفي منه وأطرده، هذا - والله - ولدي وفؤادي يتقَّلى أسفاً على ولدي.

قال:... ثمَّ أخذت بيد الغُلام وانطلقت.

ونادى عمر: واعمراه لولا عليٌّ لهلك عمر (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


اتَّق الله الذي خلقك ثمَّ يُميتك

أتى إلى أبي عبد الله (عليه السلام) رجل فقال: يا ابن رسول الله، رأيت في منامي كأنِّي خارج عن مدينة الكوفة في موضع أعرفه، وكأنَّ شيخاً أو رجُلاً منحوتاً مِن خشب، على فرسٍ مِن خشب يلوح بسيفه، وأنا أُشاهده فزعاً مرعوباً.

فقال (عليه السلام) له: (أنت رجل تُريد اغتيال رجل في معيشته، فاتَّق الله الذي خلقك ثمَّ يُميتك).

فقال الرجل: أشهد أنَّك قد أوتيت علماً، واستنبطته مِن مَعدنه، أُخبرك يا ابن رسول الله، عمَّا قد فسَّرت لي: إنَّ رجلاً مِن جيراني، جاءني وعرض عليَّ ضَيعة، فهممت أنْ أملكها بوكس كثير، لمَّا عرفت أنَّه ليس لها طالب غيري (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


تفسير حُلْم

جاء رجل إلى ابن سيرين، ومعه جراب، فقال له: رأيت في النوم كأنِّي أسُدُّ الزُّقاق سَدَّاً وثيقاً شديداً.

فقال له: أنت رأيت هذا!

قال: نعم!

فقال لمَن حضره: ينبغي أنْ يكون هذا الرجل يَخنق الصبيان، ورُبَّما يكون في جِرابه آلة الخنق، فوثبوا عليه، وفتَّشوا الجِراب، فوجدوا فيه أوتاراً وحلقاً، فسلَّموه إلى السلطان (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


الحُلْم وكشف الحقائق

ما أكثر الأشخاص، الذين توصَّلوا إلى اكتشاف حقائق مجهولة، في الماضي والحاضر، عن طريق الأحلام، ولطالما أخبر الحُلْم بصراحة، أو بشيء مِن الاختلاف، وبمُساعدة التفسير عن بعض الحقائق، التي لم تكن تخطر على بال الحالم، أو ضميره الباطن! وإنَّ هذه الطائفة مِن الأحلام مِن الكثرة، بمقدار أنَّها لا تقبل الإنكار والتكذيب، وهناك في الأُسر الشرقيَّة والغربيَّة أفراد عديدون، تقع لهم أمثال هذه الأحلام.

فقد توفِّيت زوجة أحد العلماء القديرين المُعاصرين، وكانت تطلب في أيَّام حياتها مبلغاً مُهمَّاً مِن المال مِن شخصٍ ما، ويوجد عندها سند يُثبت الدَّين، والمَدين طالبهم بالسند الرسمي، فقامت ابنة المُتوفَّاة بالبحث عن السند في البيت كلِّه ولم تجده، ولم يكن المَدين مُستعدَّاً لدفع دينه، دون أنْ يقبض السند الرسمي، إلى أنْ يئس الورثة مِن استحصال الدَّين، وفجأة رأت الخادمة في الحُلْم، أنَّها رأت سيَّدتها المُتوفَّاة تأمرها بأنْ تُخبر ابنتها بأنَّ السند في جيب الثوب الفلاني، فذهبت النبت إلى مكان ذلك الثوب، ووجدت السند فيه تماماً كما أُخبرت به الخادمة (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


وإذا بُشِّر أحدهم بالأُنثى ظَلَّ وجهه مُسودَّاً

يُنقل عن المهدي العباسي، أنَّه رأى في المنام أنَّ وجهه قد اسودَّ، فسأل مُعبِّري الأحلام عن تفسير ذلك فعجزوا، إلاَّ إبراهيم الكرماني، فإنَّه قال: توجد لك بنت.

قالوا: مِن أين عملت ذلك؟

قال: لقوله تعالى: ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً ) (النحل: 58) أعطاه المهدي ألف درهم، ولما حصل له بنت زاد عليه ألف درهم آخر (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


هارون الرشيد يَحنِث بأيمانه

يُحكى أنَّ هارون الرشيد، حَجَّ ماشياً؛ وسبب ذلك أنَّ أخاه موسى الهادي، كانت له جارية تُسمَّى غادر، وكانت أحظى الناس عنده، وكانت مِن أحسن النساء وجَهاً وغِناءً، فغنَّت يوماً وهو مع جُلسائه على الشراب، إذ عرض له سَهو وفكر، وتغيَّر لونه، وقطع الشراب.

فقال الجُلساء: ما شأنك، يا أمير المؤمنين؟

ـ لقد وقع في قلبي أنَّ جاريتي غادر يتزوَّجها أخي هارون بعدي.

ـ فقالوا: أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وكلُّنا فِداؤه.

ـ فقال: ما يُزيل هذا ما في نفسي...

وأمر بإحضار هارون وعرَّفه ما خطر بباله، فاستعطفه وتكلَّم بما ينبغي أنْ يتكلَّم به في تطييب نفسه، فلم يقنع بذلك.

ـ وقال: لا بُدَّ أنْ تحلُف لي!

ـ قال: لأفعل.

وحلف له بكلِّ يمين يحلف بها الناس: مِن طلاقٍ، وعِتاق، وحجٍّ، وصدقة، وأشياء مؤكَّدةٍ، فسكن.

ثمَّ قام فدخل على الجارية، فأحلفها بمثل ذلك، ولم يلبث شهراً ثمَّ مات.

فلمَّا أفضت الخلافة إلى هارون، أرسل إلى الجارية يخطبها...

ـ فقالت: يا سيِّدي كيف بأيمانك وأيماني؟!!

ـ فقال: أحلف بكلِّ شيء حلفت به: مِن الصدقة، والعتق وغيرهما إلاَّ تزوَّجتك


فتزوَّجها، وحجَّ ماشياً ليمينه، وشُغف بها أكثر مِن أخيه، حتَّى كانت تنام فيُضجع رأسها في حِجره، ولا يتحرَّك حتَّى تتنبه، فبينما هي ذات ليلة، إذ انتبهت فزعة...

فقال لها: ما لك؟!

فقالت: رأيت أخاك في المنام الساعة وهو يقول:

أخـلـفت وعـدك بـعدما

جـاورت سُـكَّان الـمَقابر

ونـسيتني وحـنثت فـي

أيـمانك الـكذب الـفواجر

فـظللت فـي أهـل البلاد

وغدوت في الحور الغرائز

ونـكحت غـادرة أخـي!

صـدق الـذي سمَّاك غادر

لا يـهنك الإلـف الـجديد

ولا تـدُر عـنك الـدوائر

ولـحقت بـي قبل الصباح

وصرت حيث غدوتُ صائر

... والله - يا أمير المؤمنين - فكأنَّها مكتوبة في قلبي، ما نسيت منها كلمة.

فقال الرشيد: هذه أضغاث أحلام.

فقالت: كلاَّ، والله ما أملك نفسي... وما زالت ترتعد حتَّى ماتت بعد ساعة (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


مَعدِن العلم

كان علي بن الحسين (عليه السلام) في الطواف، فنظر في ناحية المسجد إلى جماعة، فقال: (ما هذه الجماعة؟).

قالوا: هذا محمد بن شهاب الزهري، اختلط عقله فليس يتكلَّم، فأخرجه أهله؛ لعلَّه إذا رأى الناس أنْ يتكلَّم.

فلمَّا قضى (عليه السلام) طوافه خرج، حتَّى دنا منه، فلمَّا رآه محمد بن شهاب عرفه، فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): (ما لك؟).

قال: ولِّيت ولاية، فأصبت دماً فدخلني ما ترى.

فقال له علي بن الحسين: (لأنا عليك مِن يأسك مِن رحمة الله، أشدُّ خوفاً مِنِّي عليك مِمَّا أتيت).

ثمَّ قال له: (أعطهم الدِّيَّة).

قال: فعلتُ فأبوا.

قال: (اجعلها صرراً، ثمَّ انظر مواقيت الصلاة فألقها في دارهم) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


الظُلم مِن كوامن النفوس:

القوَّة تُبديه والضُعف يُخفيه

كان عبد الملك بن مروان يعيش حياة هانئة في شبابه، وكان رحيماً وشفوقاً يعطف على الناس، ولا يُحاول إيذاءهم، ولا يتحدَّث عن أحد بشَرٍّ.

أيْ: كانت رغباته النفسيَّة، وميوله الغريزيَّة مخفيَّة؛ وذلك لعدم وجود مجال لظهوره... ولم يكن يتصوَّر أنْ سيُمسك بزمام الحُكم في الدولة الإسلاميَّة الواسعة، ويتصرَّف في مُقدَّرات ملايين المسلمين في يوم مِن الأيَّام.

ومَرَّت الأيَّام بالتدرُّج، حتَّى ظهرت الأوضاع والتحوُّلات المُفاجئة، التي أدارت سير الزمن لصالحه، فقد ترَّبع أبوه - الذي كان والياً في يوم ما على المدينة ثمَّ عُزل مِن ولايته عليها - على دفَّة الخلافة، على أثر للتطوُّرات السياسيَّة المعروفة، ونصَّب عبد الملك ذلك الشابَّ العطوف ولياً للعهد...

ولم تمضِ أشهُر قليلة، حتى دَسَّ السُّمَّ إلى مروان ومات، فجلس عبد الملك على كرسيِّ الخلافة بعده... وهنا استيقظت ميوله وشهواته، ووجدت لها مجالاً واسعاً للتحقُّق والتطبيق.

لقد كان الوجدان يحكُم إلى الأمس القريب، في سلوك عبد الملك دون مُعارض أو مُعاند؛ ولذلك كان يجتنَّب الظلم والأفعال اللاَّ إنسانيَّة.

أمَّا اليوم فقد استيقظت غرائزه، وتعالت ألسنة نيرانها، حتَّى اضطرَّ وجدانه إلى الانسحاب والاندحار أمام تلك الأوضاع، وكأنْ لم يكُن في باطن عبد الملك وجدان أصلاً! فقد ولغ هو وولاته في دماء الناس، في أرجاء البلاد الإسلاميَّة، وارتكبوا الجرائم الفظيعة، التي لا حَدَّ لها ولا حَصر.

يذكر لنا المؤرِّخون: أنَّه لمَّا أرسل يزيد جيشاً إلى مَكَّة، لقتل عبد الله بن الزبير، كان


عبد الملك يقول - مُستنكراً ومُستهجناً ـ: العياذ بالله، أيُجهِّز أحد جيشاً لمُحاربة بيت الله الحرام؟!

أمَّا عندما تولَّى الخلافة بنفسه، فقد أرسل جيشاً أعظم مِن جيش يزيد، بقيادة الحَجَّاج بن يوسف (المجرم المعروف) إلى مَكَّة، وقتل كثيراً مِن الناس في حرم الله؛ ليقبض على عبد الله بن الزبير، وقد حَزَّ رأسه، وأرسله إلى عبد الملك في الشام، وعَلَّق جُثَّته على عمود المِشنقة!

حينئذ يقول عبد الملك: إنِّي كنت أتمانع مِن قتل نملة ضعيفة. أمَّا الآن، فعندما يُخبرني الحَجَّاج عن قتل الناس، لا أجد أيَّ قَلقٍ أو تأثُّر في نفسي!

وقد قال الزهري - أحد العلماء - يوماً لعبد الملك: سمعت أنَّك تشرب الخمر!

فأجابه: نعم، والله أشرب الخمر، وأشرب دِماء الناس أيضاً (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


بَشِّر الصابرين

خرجت مع صديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا بنا نرى إلى يمين الطريق خيمة، فقصدناها وسلَّمنا، فإذا امرأة ردَّت علنيا السلام، فقالت: مَن أنتم؟

قلنا: ضالِّين قصدناكم لنأنس بكم.

فقالت: أديروا وجوهكم؛ حتَّى أعمل مِن حَقِّكم شيئاً.

ففعلنا، فبسطت لنا مسحاً، وقالت: اجِلسوا حتَّى يجيء ابني، وكانت ترفع طرف الخيمة وتنظر، فرفعتها مَرَّة فقالت: اسأل الله بركة المُقبِل... أمَّا الناقة، فناقة ابني، وأمَّا الراكب فليس هو! فلمَّا ورد الراكب عليها.

قال: يا أُمَّ عقيل، عظَّم الله أجرك بعقيل.

قالت: ويحك، مات عقيل؟!

قال: نعم.

قالت: بما مات؟!

قال: ازدحمت الناقة، وألقته في البئر.

فقالت له: انزل وخُذ زِمام القوم، فقرَّبت إليه كبشاً فذبحه، وصنعت لنا طعاماً، فشرعنا في أكل الطعام ونحن نتعجَّب مِن صبرها، فلمَّا فرغنا خرجت إلينا وقالت: أيُّها القوم، أفيكم مَن يُحسن في كتاب الله شيئاً؟

قلت: بلى!

قالت: اقرأ عليَّ آيات أتسلَّى بها مِن موت الولد.

قلت: يقول الله عز وجل: ( وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا


لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة: 155 - 157).

قالت: أهذه الآية في كتاب الله هكذا؟!

قلت: إيْ والله، إنَّ هذه الآية في كتاب الله هكذا.

فقالت: السلام عليكم، فقامت وصلَّت رَكعتين. ثمَّ قالت: اللَّهمَّ، إنِّي فعلت ما أمرتني به، فأنجِز لي ما وعدتني به.

أيُّ قوَّة غير قوَّة الإيمان بالله، قادرة على تهدئة خاطر امرأة ثَكلى بهذه السرعة والسلامة؟! وأيُّ قُدرة غير الاعتقاد الديني، تستطيع إطفاء لهب الحُزن والويل، مِن روح أُمٍّ فُجعت بموت ولدها الشابِّ بهذه الفوريَّة؟!! (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


فبما رَحمةٍ مِن الله لِنتَ لهم

لقد كانت عَلاقات النبي مع المسلمين ليِّنة هادئة، إلى درجة أنَّ بعض الأشخاص، كانوا يتمازحون معه بالمزاج، الذي يصعب قبوله مِن الأفراد العاديِّين.

نهى (عليه السلام) أبا هريرة عن مِزاح العرب، فأخذ أبو هريرة نَعل النبي، ورهنه بالتمر وجلس بحذائه يأكل... فقال (عليه السلام): يا أبا هريرة ما تأكُل؟

قال: نعل رسول الله.

أيُّ حاكم يجرؤ على مُمازحته فردٌ عاديٌّ، فيرهن حِذاءه عند بقَّالٍ لِقاء شيء مِن التمر؟! لقد عَدَّ الله هذه الفضيلة الخلقية للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن مراتب رحمته وعنايته: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ... ) (آل عمران: 159) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


سوء الخُلق يُسبِّب ضغطة القَبر

كان سعد بن مَعاذ أحد صحابة الرسول الأعظم الوقورين، وعند وفاته مَشى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه في جَنازته، حتَّى إنَّه حملها على كتفه عِدَّة مِرَّات، وحفر القبر بنفسه، وشَقَّ له اللحد ودفنه فيه... فلمَّا وجدت أُمُّ سعد ذلك غبطته على تلك المنزلة.

فقالت: يا سعد، هنيئاً لك الجَنَّة.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أُمَّ سعد! مَه! لا تجزمي على ربِّك؛ فإنَّ سعداً قد أصابته ضَمَّة..

وعندما سُئل عن سبب ذلك؛ قال: إنَّه كان في خُلقه مع أهله سوء (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


يزيد يرتكب الجرائم الواحدة تِلو الأُخرى

قتل يزيدُ الإمام الحسين (عليه السلام)؛ لتثبيت قُدرته وتحكيم أُسس حكومته؛ فأحدث فاجعة كربلاء بذلك الوضع المُزري، الذي بعث الاشمئزاز منه، في جميع أرجاء الدولة الإسلاميَّة، وقام الناس في المدينة مُطالبين بعزل يزيد عن الخلافة بكلِّ صراحة، فكان رَدُّ فعله أنْ أقدم على جريمة جديدة، فولغ في دماء أهل المدينة وأعراضهم، مِن خلال الجيش الجرَّار، الذي بعث به إلى الشام، ففعلوا ما فعلوا مِمَّا يَندى له جبين الإنسانيَّة.

يذكر لنا المؤرِّخون: أنَّ أحد جنود الشام، دخل إلى بيت امرأة قريبة عهد بوضع حملها، حيث كانت ترقد في الفراش، فطلب منها مالاً، فأقسمت المرأة التي كانت قد فقدت كلَّ شيء في غارة أهل الشام على المدينة: بأنَّها لا تملِك شيئاً، ثمَّ خابت وليدها قائلة: والله، لو كنت أملِك مِن حِطام الدنيا شيئاً، لافتديت به، وحقنت به دمك. وهنا وجَم الجندي قَسيُّ القلب، البعيد عن الإيمان؛ إذ يَئِس مِن الحصول على المال، فاختطف الطفل مِن أُمِّه وهي تُرضعه، ورمى به إلى الجدار بشِدَّة؛ فتهشَّم مُخَّه.. (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


ذِمَّة المسلم واحدة حُرَّاً كان أم عبداً

خرج فضيل بن زيد الرقاشي مع جنوده؛ لمُحاصرة قلعة تُسمَّى بـ: (سهرياج) ، في أيَّام عبد الله بن عامر بن كريز، وقد سار إلى فارس فافتتحها. وكان الجيش قد صَمَّم على أنْ يفتح القلعة في يوم واحد.

يقول فضيل في ذلك:

(... كنَّا قد صَمَّمنا أنْ نفتحها في يومنا، وقاتلنا أهلها ذات يوم، فرجعنا إلى مُعسكرنا، وتخلَّف عبد مَملوك مِنَّا، فراطنوه؛ فكتب لهم أماناً ورمى به في سَهمٍ.

قال: فغدونا إلى القتال، وقد خرجوا مِن حِصنهم، وقالوا: هذا أمانكم).

لم يكن إعطاء الأمان مِن مسلم إلى الكفَّار بالأمر المُستبعَد في نظر الجيش، ولكنْ شُكَّ في كون الأمان الصادر مِن العبد، كالأمان الصادر مِن الحُرِّ...

فكتبنا بذلك إلى عمر، فكتب إلينا: إنَّ العبد المسلم مِن المسلمين، ذِمَّته كذِمَّتكم فليُنفَّذ أمانه... فأنفذناه (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


حِفظ الوديعة أيَّاً كانت

حصل أحد موالي الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، الذين أعتقهم على ثروة لا بأس بها، نتيج جهوده ونشاطه. وفي بعض الأيَّام تعرَّض الإمام (عليه السلام) لضائقة ماليَّة شديدة، فطلب مِن مولاه الذي أعتقه أنْ يُقرِضه مبلغاً مِن المال، قدرُه عشرة آلاف درهم، يدفعه إليه عند الاستطاعة، فطلب المولى مِن الإمام سنداً أو وثيقة.

مَدَّ الإمام يده إلى طرف ردائه، واستخرج هُدبَة خيط منه، وقال له: (هذه وثيقتي عندك، إلى أنْ أرُدَّ إليك مالك).

ثقل على المُقرض أنْ يوافق على وثيقة كهذه، ولكنَّه سلم المال نظراً إلى شخصيَّة الإمام (عليه السلام) وأخذ الهُدبة ووضعها في عُلبة صغيرة. ثمَّ وافق أنَّ الإمام تيسَّرت أُموره بعد مُدَّة قصيرة، فردَّ المبلغ إلى صاحبه... ثمَّ قال له: (قد أحضرت إليك المبلغ، فهات وثيقتي).

فقال مولاه له: جُعلت فِداك ضيَّعته.

قال: (إذاً، لا تأخذ مالك مِنِّي، ليس مِثلي يُستَخفُّ بذِمَّته).

قال: فأخرج الرجل الحَقَّ، فإذا فيه الهُدبة، فأعطاه عليُّ بن الحسين (عليه السلام) الدراهم، وأخذ الهُدبة فرمى بها وانصرف.

إنَّ خيطاً مِن رِداء لا قيمة له، ولكنْ عندما يكون الخيط رمزاً لتعهُّدٍ، صادرٍ مِن شخصٍ شريفٍ، فإنَّ قيمته ترتفع، إلى أنْ يُصبح وثيقة لدَين عن عشرات الآلاف، مِن الدراهم والدنانير، ويتقبَّله الدائن بكلِّ ثِقة واطمئنان (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


المؤمن إذا وعد وفى

بعد وقعة صِفِّين، ظهر حزب جديد باسم الخوارج، ضَمَّ رجالاً جُهلاء بحقيقة الدين والعلم، قاموا بجرائم عظيمة طوال سنين طويلة. وقامت السُّلطات الزمنيَّة بقمع هذا الحزب، فأُحضروا إلى مجلس الحَجَّاج؛ ليُعاقبهم على ذلك، فعين لكلِّ عقوبته.. وعندما وصل إلى آخر رجل منهم، رفع المؤذِّن الأذان، مُعلناً دخول وقت الصلاة، فقام الحَجَّاج وسلَّم المُتَّهم إلى أحد الحاضرين واسمه عنبسة، وقال له: خُذه معك إلى البيت، وأحضره لي غداً حتَّى أُقرِّر عقوبته. فنفَّذ عنبسة الأمر، وأخرجه معه مِن قصر الإمارة.

في الطريق قال المُتَّهم لعنبسة: هل يُرجى مِنك خير؟

فقال له عنبسة: ما تُريد؟ لعلِّي أوفَّق لأعمل لك خيراً.

فقال المُتَّهم: والله، لستُ خارجيَّاً ولم أشهر سيفي على أحد، وأنا بريء مِن هذه التُّهمة المنسوبة لي. ورغم أنَّهم قبضوا عليَّ وأنا بريء، فإنَّ أملي برحمة الله كبير، وأعلم أنَّ فضله سيشملني، ولا أُعذَّب مِن دون ذنب، ولكنْ أرجوك أنْ تسمح لي بالذهاب إلى أهلي هذه الليلة؛ لأودِّعهم وأوصيهم بوصايا، وأؤدِّي حقوق الناس وسأحضر إليك غداً صباحاً.

يقول عنبسة: استغربت مِن هذا الطلب، فلم أجبه، فكرَّر عليَّ السؤال، حتَّى أثَّر كلامه في نفسي، وخطر في بالي أنْ أتوكَّل على الله، وأنزل عند رغبته؛ فصمَّمت على ذلك، وقلت له: اذهب، ولكنْ يجب أنْ تُعاهدني على الرجوع غداً.

فقال الرجل: عاهدتك على أنْ أحضر غداً صباحاً، وأُشهِد الله على هذا العهد.

ثمَّ ذهب حتَّى غاب عن عيني، ولكنْ ما إنْ عُدُّت إلى نفسي، حتَّى اضطربت اضطراباً شديداً، وندمت على ما فعلت، فقد عرَّضت نفسي لغضب الحَجَّاج دون


سبب، ولازَمَني الاضطراب حتَّى ذهابي إلى البيت، فذكرت ذلك لأهلي فلاموني... ولكنْ لاتَ حين مَناصٍ.

لم أنَم تلك الليلة، فكنت أتململ تملُمل السليم، وأتقلَّب كالثَّكلى. وعند الصباح وفَّى الرجل بعهده، فتعجَّبت مِن مَجيئه، وقلت له: لماذا حضرت؟!

قال: مَن آمن بالله، وأعتقد قُدرته وعظمته، وعاهد على أمرٍ، وجعل الله شهيداً على عهده؛ فلا يُخلِف عهده.

فأخذته إلى قصر الإمارة في الساعة المُقرَّرة، وذكرت للحَجَّاج ما جرى بيني وبينه في الليلة السابقة، فتعجَّب مِن إيمان الرجل ووفائه بعهده. ثمَّ قال: أتُريد أنْ أعفو عنه لأجلك.

فقلت: لو تكرَّمت عليَّ بذلك، فلك المِنَّة بذلك.

فعفا الحَجَّاج عن المُتَّهم، وأخرجه عنبسة مِن دار الإمارة، وقال له بلُطف ولين: اذهب فأنت حُرٌّ.

ذهب الرجل دون أنْ يشكر لي جميل صنعي، ودون أنْ يُقابل الإحسان ولو بكلمة شُكراً، فتألَّمت مِن هذا الجَفاء والتنكُّر للمعروف، وقلت في نفسي: لعلَّه مجنون!

وفي اليوم الثاني، حدث ما لم يكن بالحُسبان، فقد حضر الرجل، وشكرني على إنقاذه مِن الورطة التي وقع فيها، ثمَّ قال: إنَّ المُنقذ الحقيقي هو الله تعالى، وكنتَ أنت الواسطة في ذلك، فلو أنَّني شكرتك بالأمس على إحسانك، لكنت قد أشركتك بالله في النعمة التي أنعمها عليَّ؛ وهذا ليس بمُستحسن، فرأيت مِن الواجب عليَّ أنْ أذهب لأداء واجب الشُّكر والحمد بين يدي الله تعالى أولاً، ثمَّ أحضر لأداء واجب الشُّكر لك. ثمَّ شكر لي جميل صُنعي وإحساني، واعتذر وانصرف (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


التوبة مِن الكذب أوَّلاً

أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلٌ فقال: إنِّي رجل لا أُصلِّي، وأرتكب المحارم، وأكذِب، فمِن أيِّ شيءٍ أتوب؟!

قال: (مِن الكَذِب).

فاستقبله فعاهد أنْ لا يَكذِب، فلمَّا انصرف وأراد الفاحشة، قال في نفسه: إنْ قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هل زنيت بعدما عاهدت؟ فإنْ قلت: لا؛ كذبت، وإنْ قلت: نعم؛ ضربني الحَدّ (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


الصدق مَنجاة

ما أكثر الأفراد الذين التزموا الصدق، في المواقع الحرجة، والمآزق الشديدة؛ وكان ذلك سبب خلاصهم.

لا يجهل أحد، مدى الجرائم التي قام بها الحَجَّاج بن يوسف الثقفي، والدماء التي أراقها بغير حَقٍّ.

وفي يوم مِن الأيَّام، جيء بجماعة مِن أصحاب عبد الرحمان مأسورين، وكان قد صمَّم على قتلهم جميعاً، فقام أحدهم واستأذن الأمير في الكلام، ثمَّ قال:

إنَّ لي عليك حَقَّاً! فأنقذني وفاءً لذلك الحَقَّ.

قال الحَجَّاج: وما هو؟

قال: كان عبد الرحمان يسبُّك في بعض الأيَّام، فقمت ودافعت عنك.

قال الحَجَّاج: ألك شهود؟

فقام أحد الأُسارى وأيَّد دعوى الرجل، فأطلقه الحَجَّاج، ثمَّ التفت إلى الشاهد، وقال له: ولماذا لم تُدافع عنِّي في ذلك المجلس؟

أجاب الشاهد - في أتمِّ صراحة ـ: لأنِّي كنت أكرهك.

فقال الحَجَّاج: أطلقوا سراحه لصدقه (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


احِفظ الله يَحفظك

خطب الحَجَّاج مَرَّة فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة، فإنَّ الوقت لا ينتظرك، والرَّبَّ لا يعذرك، فأمر بحبسه، فأتاه قومه، وزعموا أنَّه مجنون، وسألوه أنْ يُخلِّي سبيله، فقال: إنْ أقرَّ بالجنون خلَّيت سبيله.

فقيل له، فقال: مَعاذ الله، لا أزعم أنَّ الله ابتلاني، وقد عافاني.

فبلغ ذلك الحَجَّاج فعفا عنه لصدقه (1) .

____________________

(1) الطفل، ج1.


المَنطق السليم

بلغ المنصور الدوانيقي، أنَّ مَبْلغاً ضَخماً مِن أموال بني أُميَّة مُودعة عند رجل، فأمر الربيع بإحضاره.

يقول الربيع: فأحضرت الرجل، وأخذته إلى مجلس المنصور.

فقال له المنصور: بلغني أنَّ أموال بَني أُميَّة مودَعة عندك، ويجب أنْ تُسلِّمني إيَّاها بأجمعها.

فقال الرجل: هل الخليفة وارث الأُمويِّين؟!

فأجاب: كلاَّ.

فقال: هل الخليفة وصيُّ الأُمويِّين؟!

فقال المنصور: كلاَّ.

فقال الرجل: فكيف تُطالبني بأموال بَني أُميَّة؟!

فأطرق المنصور بُرهةً، ثمَّ قال: إنَّ الأُمويِّين ظلموا المسلمين، وانتهكوا حُقوقهم، وغصبوا أموال المسلمين وأودعوها في بيت المال.

فقال الرجل: إنَّ الأُمويِّين امتلكوا أموالاً كثيرة، كانت خاصَّة بهم، وعلى الخليفة أنْ يُقيم شاهداً عدلاً، على أنَّ الأموال التي في يدي لبَني أُميَّة، هي مِن الأموال التي غصبوها وابتزُّوها مِن غير حَقٍّ.

فكَّر المنصور ساعة، ثمَّ قال للربيع: إنَّ الرجل يصدق.

فابتسم بوجهه، وقال له: ألك حاجة؟!

قال الرجل: لي حاجتان:


الأُولى: أنْ تأمر بإيصال هذه الرسالة إلى أهلي بأسرع وقت؛ حتَّى يهدأ اضطرابهم، ويذهب رَوعهم.

والثانية: أنْ تأمر بإحضار مَن أبلغك بهذا الخبر؛ فو الله، لا توجد عندي لبَني أُميَّة وديعة أصلاً، وعندما أُحضرت بين يدي الخليفة، وعلمت بالأمر، تصوَّرت أنِّي لو تكلَّمت بهذه الصورة كان خلاصي أسهل.

فأمر المنصور الربيع بإحضار المُخبِر.

وعندما حضر نظر إليه الرجل نظرة، ثمَّ قال: إنَّه عبدي سَرَق مِنِّي ثلاثة آلاف دينار وهرب.

فأغلظ المنصور في الحديث مع الغلام، وأيَّد الغلام كلام سيِّده في أتمِّ الخَجَل، وقال: إنِّي اختلقت هذه التُّهمة لأنجو مِن القَبض عليَّ.

هنا رَقَّ قلب المنصور لحال العبد، وطلب مِن سيِّده أنْ يعفو عنه، فقال الرجل: عفوت عنه، وسأُعطيه ثلاثة آلاف أُخرى، فتعجَّب المنصور مِن كرامة الرجل وعظمته.

وكلَّما ذُكِر اسمه كان يقول: لم أرَ مثل هذا الرجل (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


النبي أولى بالمسلمين مِن أنفسهم

وزَّع رسول الله غنائم حُنين - تبعاً لمصالح مُعيَّنة - على المُهاجرين فقط، ولم يُعط الأنصار سَهماً واحداً...

ولمَّا كان الأنصار قد بذلوا جهوداً عظيمة، في رُفعة لواء الإسلام، وخدمات جليلة في نُصرة هذا الدين؛ فقد غَضب بعضهم مِن هذا التصرُّف، وحملوه على التحقير والإهانة، فبلغ الخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمر بأنْ يُجمع الأنصار في مكان ما، وأن لا يشترك معهم غيرهم في ذلك المجلس، ثمَّ حضر هو وعلي (عليهما السلام)، وجلسا في وسط الأنصار، ثمَّ قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لهم: (أُريد أنْ أسألكم عن بعض الأمور فأجيبوني عليها).

قال الأنصار: سَلْ، يا رسول الله.

قال لهم: (ألم تكونوا في ضَلال مُبين، وهداكم الله بيَّ؟).

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: (ألم تكونوا على شَفا حُفرة مِن الهلاك والنار، والله أنقذكم بيَّ؟).

قالوا: بلى.

قال: (ألم يكن بعضكم عدوَّ بعض، فألَّف الله بين قلوبكم على يديَّ؟).

قالوا: بلى.

فسكت لحظة، ثمَّ قال لهم: (لماذا لا تُجيبونني بأعمالكم؟).

قالوا: ما نقول؟!

قال: (أما لو شِئتم لقُلتم: وأنت قد جئتنا طريداً فآويناك، وجئتنا خائفاً فآمنَّاك، وجئتنا مُكَذَّباً فصدَّقناك...).

هذه الكلمات الصادرة عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) أفهمت الأنصار


أنه لا يُنكَر فضلهم، ولا يُنسى جهودهم، ولم يكن ما صدر منه تِجاههم صادراً عن احتقار أو إهانة...

ولذلك فقد أثَّر فيهم هذا الكلام تأثيراً بالغاً، وارتفعت أصواتهم بالبُكاء، ثمَّ قالوا له: هذه أموالنا بين يديك، فإنَّ شِئت فاقسمها على قومك، وبهذا أظهروا ندمهم على غضبهم واستغفروه.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللَّهمَّ اغفر للأنصار، ولأبنا الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


الكريم يَسأل عن الكريم

في إحدى الغزوات، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يُصلِّي في مُعسكره، فمَرَّ بالمُعسكر عِدَّة رجال مِن المسلمين، وتوقَّفوا ساعة، وسألوا بعض الصحابة عن حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعوا له، ثمَّ اعتذروا مِن عدم تمكُّنهم مِن انتظار النبي حتَّى يفرغ مِن الصلاة فيُسلِّموا عليه؛ لأنَّهم كانوا على عَجلٍ، ومضوا إلى سبيلهم. فانفتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) مُغضباً، ثم قال لهم: (يقف عليكم الركب ويسألونكم عنِّي، ويُبلِّغوني السلام، ولا تعرضون عليهم الطعام!).

ثمَّ أخذ يتحدَّث عن جعفر الطيار، وعظمة نفسه، وكمال أدبه، واحترامه للآخرين... (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


مَن كانت أفعاله كريمة اتَّبعه الناس

ليست فضيلة احترام الناس، وتكريمهم في الشريعة الإسلاميَّة الغرَّاء، خاصَّة بالمسلمين فيما بينهم فقط، فإنَّ غير المسلمين أيضاً، كانوا ينالون هذا الاحترام والتكريم مِن المسلمين، فقد تصاحب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع رجل ذِمِّيٍّ خارج الكوفة، في أيَّام حكومته، وكان الذِمِّيُّ لا يعرف الإمام، فقال له: أين تُريد يا عبد الله؟

قال الإمام علي (عليه السلام): (أُريد الكوفة).

ولمَّا وصلا إلى مُفترق الطُّرق المؤدِّية إلى الكوفة، توجَّه الذِّمِّيِّ إلى الطريق الذي يُريده، وانفصل عن الإمام (عليه السلام)... ولكنَّه لم يَخطُ أكثر مِن بِضع خُطوات، حتَّى شاهد أمراً عَدَّه غريباً؛ فقد رأى أنَّ صاحبه الذي كان قاصداً الكوفة، ترك طريقه وشايعه قليلاً. فسأله ألست تقصد الكوفة؟

قال الإمام: (بلى؟).

قال الذِّمِّيُّ: (ذلك هو الطريق المؤدِّي إلى الكوفة).

قال الإمام: (أعلم ذلك).

سأل الذِّمِّيُّ باستغراب: ولماذا تركت طريقك؟

قال الإمام (عليه السلام): (هذا مِن تمام حُسن الصُّحبة، أنْ يُشيِّع الرجل صاحبه هُنيَّهة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبيِّنا).

قال الذِّمِّيُّ: هكذا أمر نبيُّكم؟!

قال الإمام: (أجلْ).


قال الذِّمِّيُّ: لا جَرَمَ، أنَّما تبعه مَن تبعه لأفعاله الكريمة.

ثمَّ ترك طريقه الذي كان يقصده، وتوجَّه مع الإمام (عليه السلام) إلى الكوفة، وهما يتحدَّثان عن الإسلام وتعاليمه العظيمة، فأسلم الرجل (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


انزل عن مِنبر أبي!

زيد بن علي، عن أبيه: (إنَّ الحسين بن علي (عليهما السلام) أتى عمر بن الخطاب، وهو على المنبر يوم الجمعة، فقال: انزل عن مِنبر أبي، فبكى عمر، ثم قال: صدقت - يا بُني - مِنبر أبيك لا منبر أبي. وقام عليٌّ (عليه السلام).

وقال: ما هو - والله - عن رأيي.

قال: صدقت! والله، ما اتَّهمتك يا أبا الحسن).

هذا دليل على أنَّ عمر أيضاً، كان يعرف أنَّ الحسين ذو شخصيَّة مُمتازة، وله إرادة مُستقلَّة، وليس كلامه صادراً عن تلقين مِن أبيه، بل هو نِتاج فِكره (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


يَفرُّ مَن أخطأ!

قصد المأمون بغداد بعد وفاة الإمام الرضا (عليه السلام)، وخرج يوماً للصيد، فمَرَّ في أثناء الطريق برَهط مِن الأطفال يلعبون، ومحمد بن علي الجواد (عليه السلام) معهم، وكان عمره يومئذٍ إحدى عشرة سنة فما حوله... فلمَّا رآه الأطفال فرُّوا، بينما وقف الجواد (عليه السلام) في مكانه ولم يَفرَّ. مِمَّا أثار تَعجُّب المأمون؛ فسأله:

لماذا لم تلحق بالأطفال حين فرُّوا؟

ـ يا أمير المؤمنين، لم يكن بالطريق ضِيقٌ لأوسِّعه عليك بذهابي، ولم يكن لي جريمة فأخشاها، وظنِّي بك حَسنٌ أنَّك لا تضرب مَن لا ذنب له فوقفت.

تعجَّب المأمون مِن هذه الكلمات الحكيمة، والمنطق الموزون، والنبرات المُتَّزنة للطفل فسأله: ما اسمك؟

ـ محمد.

ـ محمد ابن مَن؟

ابن عليٍّ الرضا...

عند ذاك ترحَّم المأمون على الرضا (عليه السلام)، ثمَّ ذهب لشأنه (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


رِفقاً بالحسين!

روي عن أُمِّ الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب، مُرضعة الحسين (عليه السلام) أنَّها قالت: أخذ مِنِّي رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسيناً أيَّام رضاعه، فحمله فأراق شيئاً على ثوبه، فأخذتُه بعنف حتَّى بكى. فقال (صلى الله عليه وآله): (مَهلاً يا أُمَّ الفضل، إنَّ هذا مِمَّا يُطهِّره الماء، فأيُّ شيء يُزيل هذا الغبار عن قلب الحسين؟!) (1).

____________________

(1) الطفل، ج2.


كرهت أنْ أُعجِّله!

دعا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى صلاة، والحسن مُتعلِّق، فوضعه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جانبه وصلَّى، فلمَّا سجد أطال السجود، فرفعت رأسي مِن بين القوم، فإذا الحسن على كتف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمَّا سلَّم قال له القوم: يا رسول الله، لقد سَجدت في صلاتك هذه سَجدةً ما كنت تسجدها! كأنَّما يوحى إليك؟!

فقال: (لم يوحَ إليَّ، ولكنَّ ابني كان على كتفي، فكرهت أنْ أُعجِّله حتَّى نزل).

هذا العمل مِن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تجاه ولده الصغير، أمام ملأٍ مِن الناس، نموذج بارز مِن سلوكه في تكريم الطفل.

إنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عمل أقصى ما يُمكن مِن احترام الطفل، في إطالته سجدته، وأرشد الناس ضمناً إلى كيفيَّة بناء الشخصيَّة عند الطفل (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


تكريم الطفل

عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال: (صلَّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالناس الظهر، فخفَّف في الرَّكعتين الأخيرتين.

فلمَّا انصرف قال له الناس: هل حدث في الصلاة شيء؟!

قال: وما ذاك؟

قالوا: خفَّفت في الرَّكعتين الأخيرتين.

فقال لهم: أما سمعتم صُراخ الصبي؟!).

هكذا نجد النبي العظيم، يُطيل في سجدته تكريماً للطفل تارة، ويُخفِّف في صلاته تكريماً للطفل أيضاً تارة أُخرى، وهو في كلتا الحالتين، يُريد التأكيد في احترام شخصيَّة الصبي، وتعليم المسلمين طريق ذلك (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


هلاَّ ساويتَ بينهما؟!

نظر النبي (صلى الله عليه وآله) إلى رجل له ابنان، فقبَّل أحدهما وترك الآخر.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (فهلاَّ ساويت بينهما!).

وفي حديث آخر: (اعدلوا بين أولادكم، كما تُحبُّون أنْ يعدلوا بينكم).

إنَّ الأمل الوحيد للطفل، ومبعث فرحه ونشاطه، هو عطف الوالدين وحنانهما، ولا يوجد عامل يُهدِّئ خاطر الطفل، ويبعث فيه الاطمئنان والسكينة، مِثل عَطف الوالدين، كما لا يوجد عامل يبعث فيه القَلق والاضطراب، مِثل فُقدان جزء مِن حَنان الوالدين أو جميعه.

إنَّ حسد الولد تِجاه أخيه الصغير، الذي وِلد حديثاً لا غرابة فيه؛ لأنَّه يشعر بأنَّ قِسماً مِن العناية، التي كانت مُخصَّصة له، قد سُلِبت منه، والآن لا يُستأثر باهتمام الوالدين. بلْ إنَّ الحُبَّ والحنان يجب أنْ يتوزَّع عليه وعلى أخيه الأصغر (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


التصابي مع الصبي

عن يعلى العامري: أنَّه خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى طعام دُعي إليه، فإذا هو بحسين (عليه السلام) يلعب مع الصبيان، فاستقبل النبي (صلى الله عليه وآله) أمام القوم، ثمَّ بسط يديه، فطفر الصبي ههنا مَرَّة وههنا مَرَّة أُخرى، وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يُضاحكه حتَّى أخذه، فجعل إحدى يديه تحت ذِقنه، والأُخرى تحت قَفاه، ووضع فاه على فيه وقبَّله.

إنَّ نبيَّ الإسلام العظيم، يُعامل سِبطه بهذه المُعاملة أمام الناس؛ لكي يُرشد الناس إلى ضرورة إدخال السرور على قلوب الأطفال، وأهميَّة اللعب معهم، فضلاً عن قيامه بواجب تربوي عظيم (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


أو ما ترضى أنْ تحمل بدناً حمله الرسول؟!

عن أبي رافع، قال: كنت أُلاعب الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) وهو صبيٌّ بالمَداحي، فإذا أصابت مِدحاتي مِدحاته؛ قلت احملني فيقول: (ويحَك! أتركب ظهراً حمله رسول الله؟!)، فأتركه.

فإذا أصابت مُدحاته مُدحاتي قلت: لا أحملك كما لا تحملني!

فيقول: (أوَ ما ترضى أنْ تحمل بدناً حمله رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟!)، فأحمله.

مِن هذا الحديث يظهر جليَّاً إباء الحسن (عليه السلام)، وعِزَّة نفسه، وعُظم شخصيَّته.

إنَّ الطفل الذي يُربيه الإسلام في حِجره، ويُحيي شخصيَّته النفسيَّة، يعتقد بسموِّ مقامه، ولا يرضى التكلُّم بذلَّة وحقارة (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


وا حيائي مِنك يا أمير المؤمنين!

رأى الإمام علي (عليه السلام) امرأة في بعض الطُّرقات، تحمل قِربة مِن الماء، فتقدَّم لمُساعدتها، وأخذ القِربة وأوصلها إلى حيث تُريد، وفي الطريق سألها عن حالها، فقالت: إنَّ عليَّاً أرسل زوجي إلى إحدى النواحي فقُتِل، وقد خلَّف لي عِدَّة أطفال، لا أقدر على إعالتهم؛ فاضطررت للخدمة في بعض البيوت. فرجع عليٌّ (عليه السلام) وأمضى تلك الليلة في مُنتهى الانكسار والاضطراب، وعند الصباح حمل جِراباً مَملوءاً بالطعام، واتَّجه إلى دار تلك المرأة. وفي الطريق كان بعض الأشخاص يطلبون منه أنْ يَحمل عنه الجراب فيقول لهم: (مَن يحمل عني أوزاري يوم القيامة؟).

وصل إلى الدار، وطرق الباب، فقالت المرأة: مَن الطارق؟

قال: (الرجل الذي أعانك في الأمس على حمل القِربة. لقد جئتك ببعض الطعام لأطفالك).

فتحت الباب وقالت: رضي الله عنك، وحكم بيني وبين علي بن أبي طالب!

فقال لها: (أتخبزين أم تُسكِّتين الأطفال فأخبز؟).

قالت: أنا أقدر على الخبز، فقُم أنت بتسكيت الأطفال.

أخذتْ المرأة تعجن الدقيق، وأخذ عليٌّ (عليه السلام) يخلط اللَّحم بالتمر، ويُطعم الأطفال منه، وكلَّما ألقم طفلاً لقمة قال له برفق ولين: (يا بُني، اجعل علي بن أبي طالب في حِلٍّ).

ولمَّا اختمر العجين، أوقد عليٌّ (عليه السلام) التنور، وفي الأثناء دخلت امرأة تعرفه، وما أنْ رأته حتَّى صاحت بصاحبة الدار ويحَك! هذا أمير المؤمنين!

فبادرته المرأة، وهي تقول: وا حيائي منك يا أمير المؤمنين!

فقال: بلْ وا حيائي منكِ - يا أمة الله - فيما قصَّرت مِن أمرك (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


لو كنتم تؤمنون بالله ورسوله لرحمتم الصِّبيان

ورد في الحديث: أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يُصلِّي يوماً في فِئة، والحسين صغير بالقُرب منه، فكان النبي إذا سجد جاء الحسين (عليه السلام) فركب ظهره، ثمَّ حرَّك رجليه فقال: (حَلٍ، حَلٍ!).

فإذا أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنْ يرفع رأسه، أخذه فوضعه إلى جانبه، فإذا سجد عاد إلى ظهره، وقال: (حَلٍ، حَلٍ!)، فلم يزل يفعل ذلك حتَّى فرغ النبي مِن صلاته.

فقال يهودي: يا محمد، إنَّكم لتفعلون بالصبيان شيئاً ما نفعله نحن.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أما لو كنتم تؤمنون بالله ورسوله لرحمتم الصبيان).

قال: فإنِّي أؤمن بالله وبرسوله؛ فأسلم لمَّا رأى كرمه مع عظيم قدره (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


أين الدُّرُّ والذهب مِن سورة الفاتحة؟

كان عبد الرحمان السلمي، يُعلِّم وَلداً للإمام الحسين (عليه السلام) سورة الحمد، فعندما قرأ الطفل السورة كاملة أمام والده مَلأ الإمام فمَ مُعلِّمه دُّرَّاً، بعد أنْ أعطاه نقوداً وهدايا أُخَر. فقيل له في ذلك!

فقال (عليه السلام): (وأين يقع هذا مِن عطائه)، يعني: تعليمه (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


مَن كان مع الله فليس في غُربة!

يوسف الصِّدِّيق ابن النبي يعقوب، هذا الطفل المحبوب، تلقَّى درس الإيمان بالله مِن أبيه العظيم، ونشأ طفلاً مؤمناً في حِجر يعقوب... ولقد نقم إخوته الكِبار منه، وصمَّموا على إيذائه؛ فأخذوا الطفل معهم إلى الصحراء، وبعد أساليب مؤلمة ووحشيَّة فكَّروا في قتله، ثمَّ انصرفوا عن هذه الفكرة إلى إلقائه في البئر...

وكانت النتيجة أنْ بيع الطفل في مِصر بثمنٍ بخسٍ.

ولمعرفة عمره عندما ألقي في البئر يقول أبو حمزة: قلت لعليِّ بن الحسين (عليهما السلام): ابنُ كمْ كان يوسف، يوم ألقوه في الجُبِّ؟

فقال: (ابن تِسع سنين).

ماذا يُتوقَّع مِن طفل، لا يتجاوز عمره التِّسع سنوات، في مِثل هذه الظروف الحَرِجة والمؤلمة؟!

أليس الجواب هو الجَزع والاضطراب؟! في حين أنَّ قوَّة الإيمان، كانت قد منحت يوسف حينذاك مَقدرةً عجيبةً، وتطامناً فائقاً، ففي الحديث: (لمَّا أُخرج يوسف مِن الجُبِّ واشتري، قال لهم قائل: استوصوا بهذا الغريب خيراً.

قال لهم يوسف: مَن كان مع الله فليس في غُربة).


كهذا...

عاش الجاحظ في القَرن الثالث الهِجري، وله كتب وآثار كثيرة، وقد كان قبيح المنظر جِدَّاً، مُقرَّباً عند الخلفاء العباسيِّين؛ لعداوته لعليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد قال يوماً لتلاميذه: إنَّه لم يُخجلني طيلة عمري أحد، كما فعلت امرأة ثريَّة، فقد لقيت امرأة في بعض الطُّرق، وسألتني أنْ أصحبها ففعلت، حتَّى أتت بي إلى مَحلِّ صانع للتماثيل وقالت له - مُشيرة إليَّ ـ: كهذا... فبقيتُ حائراً مِن أمرها، ولمَّا انصرفت سألت الصائغ عن القِصَّة، فقال: لقد سألتني هذه المرأة أنْ أصوغ لها تِمثالاً للشيطان، فقلت لها: إنِّي لم أرَ الشيطان؛ كي أصوغ تِمثاله، فطلبت مِنِّي أنْ أنتظر حتَّى تجيء بتِمثاله... واليوم جاءت بك إليَّ وأمرتني أنْ أصوغه شبيهاً لمنظرك (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


... لَتركت القاضي يأكلك!

ونموذج آخر مِن السُّخرية بالأشخاص المُصابين ببعض العيوب الظاهريَّة، نجده في قِصَّة القاضي المصري، رشيد بن الزبير، فقد كان مِن القُضاة الماهرين والكتَّاب العِظام في عصره، وكان ذا خُبرة كافية في علوم الفِقه، والمنطق، والنحو، والتاريخ... عاش في القَرن السادس الهِجري، وقد كان ذا قامة قصيرة، أسود اللون، ذا شفتين غليظتين، وأنفٍ كبيرٍ، ومَنظرٍ قبيحٍ جِدَّاً، كان يعيش في شبابه في القاهرة، ويسكن مع عبد العزيز الإدريسي، وسليمان الديلمي في بيتٍ واحد.

فخرج يوماً وتأخَّر في العودة إلى منزله، وعندما عاد سأله زُملاؤه عن سبب تأخُّره، فأبى أنْ يُجيبهم حتَّى ألحوا عليه، فقال: كنت أعبر مِن المحلِّ الفلاني، فصادفت امرأة ذكيَّةً، كانت تنظر إليَّ بعين الإعجاب، فذهلت مِن شِدَّة الفرح وبتُّ أرقب سَيرها، فأشارت إليَّ بطرف عينها؛ فتبعتها في السِّكَك الواحدة بعد الأُخرى، حتَّى انتهينا إلى دار، ففتحت الباب ودخلت، وأشارت إليَّ بالدخول فدخلت، فكشفت النقاب عن وجهها، وإذا به قِطعة مِن القمر... لم تمضِ فترة طويلة، حتَّى صفقت بيدها، ونادت باسم فتاة، فإذا بطفلة في غاية الجمال نزلت مِن الطاق العُلوي، فخاطبتها المرأة قائلة: لو تبوَّلت في فِراشك هذه المَرَّة؛ فسأُعطيك إلى هذا القاضي ليأكلك؛ فبلغ الخوف والهَلع مِن الطفلة مبلغه، وبلغ الارتباك والاضطراب مِنِّي مبلغه أيضاً. ثمَّ التفتت إليَّ قائلة: لا أعدمني الله إحسانه بفضل سيِّدنا القاضي أدام الله عِزَّه... فخرجتُ مِن الدار مُطأطئاً رأسي خَجلاً؛ ولفَرط ما أصابني مِن خَجلٍ وذهولٍ؛ ولشِدَّة تأثري تِهتُ الطريق إلى البيت، وبقيت أجوب الأزقَّة... ولهذا تأخَّرت في العَودة (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


سَعد وحِلم

فقد النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أمَّه يوم كان رضيعاً، ولم يقبل ثدي مُرضعة قَطُّ، وكان هذا مَبعث حزن وألم في البيت الهاشمي... إلى أنْ جاءت حليمة السعديَّة فعرضت ثديها عليه فقبله، وتكفَّلت برضاعه. عندئذٍ عَمَّ البيت السرور والفرح إلى أقصى حَدٍّ، فقال عبد المُطلَّب مُخاطباً إيَّاها:

ـ مِن أين أنتِ؟

ـ مِن بني سعد.

ـ ما اسمُك؟

ـ حليمة.

ـ بَخٍ بَخٍ، خلقان حسنان... سَعدٌ وحِلم ٌ (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


مُعاوية اسم للأُثنى مِن الكِلاب

كان أحد رؤساء عشائر الشام يُسمَّى: (جارية) وكان رجلاً قويَّاً صريح اللَّهجة، وكان يُبطِن لمُعاوية حِقداً وعداءً. فسمع مُعاوية بذلك، فأراد أنْ يحتقره أمام مَلأٍ مِن الناس، ويجعل مِن اسمه وسيلة للاستهزاء به والسُّخرية منه، وصادف أنْ التقيا في بعض المجالس، فقال له مُعاوية:

ـ ما كان أهونك على قومك؛ أنْ سمّوك جارية؟

ـ وما كان أهونك على قومك؛ إذ سمّوك مُعاوية، وهي الأُنثى مِن الكِلاب.

ـ اسكُت لا أُمَّ لك!

ـ لي أُمٌّ ولدتني! أمَّا والله، إنَّ القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لفي أيدينا، وإنَّك لم تُهلكنا قسوة ولم تملكنا عَنوة... ولكنَّك أعطيتنا عهداً وميثاقاً، وأعطيناك سَمعاً وطاعة، فإنْ وَفَيت لنا وفَينا لك، وإنْ نزعت إلى غير ذلك فإنَّا تركنا وراءنا رجالاً شِداداً وأسنَّة حِداداً.

ـ لا كثر الله في الناس مِثلك، يا جارية (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


أُميَّة تصغير أمَة

كان شريك بن الأعور سيِّداً في قومه وكبيراً لهم، عاصر مُعاوية... وفي أحد الأيَّام دخل مجلس مُعاوية، فأراد هذا أنْ يحتقره ويسخر به؛ لقُبح اسمه واسم أبيه وللنقص الذي فيه، فقال له:

والله إنَّك لشريك، وليس لله مِن شريك، وإنَّك ابن الأعور، والصحيح خيرٌ مِن الأعور، وإنَّك لدميم والوسيم خيرٌ مِن الدميم، فبم سوَّدك قومك؟!

فقال له شريك: والله، إنَّك لمُعاوية، وليست مُعاوية إلاَّ كَلبة عوت فاستعوت فسُمِّيت مُعاوية، وإنَّك ابن حرب، والسلم خيرٌ مِن الحرب، وإنَّك ابن صَخر، والسهل خيرٌ مِن الصخر، وإنَّك ابن أُميَّة، وما أُميَّة إلاَّ أمة صُغِّرت فسُمِّيت أُميَّة، فكيف صرت أمير المؤمنين؟!

فقال له مُعاوية: أقسمت عليك إلاَّ ما خرجت عنِّي (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


مُقوُّم الناقة

ربَّما تقع قضايا طيِّبة أو سيِّئة للأشخاص، في أيَّام عمرهم؛ فتترك أثراً حَسناً أو قَبيحاً في الأذهان، ثمَّ يُلخِّص الناس ذلك الأثر في كلمة أو جملة، ويجعلون منها لَقباً لصاحبه. ومِن هذا القبيل ما نُلاحظه في قِصَّة عبيد الله بن الزبير، حيث كان والياً على المدينة مِن قِبَل أخيه عبد الله بن الزبير، وقد شغل هذا المنصب بكلِّ قوَّة وكفاءة... وفي يوم مِن الأيَّام أخطأ في كلامه، أمام جمع غفير مِن الناس، وهو على المنبر، فبينما كان يعظ الناس تطرَّق لقِصَّة ناقة صالح، وظُلْمِ قومه لها، فقال لهم: قد ترون ما صنع الله بقوم في ناقة قيمتها خمسة دراهم؛ فسُمِّي (مُقوُّم الناقة) . لقد كانت الموعظة بذاتها صحيحة، إلاَّ أنَّ تقويمه للناقة كان خطأً؛ فلقَّبه الناس بـ: مُقوُّم الناقة، وشاع هذا اللقب، ولهج به الناس وأورد نقصاً عظيماً في شخصيَّته، فخلعه عبد الله بن الزبير وولَّى مكانه مصعباً. في هذا المثال، نجد أنَّ والي المدينة يسقط مِن الأنظار إثر سَبق لسان بسيط، ولقَّبه الناس بمُقوِّم الناقة؛ مستهزئين به، وذاكرين ذلك في كلِّ مُنتدى ومَجلس.

إنَّ الوالي الذي يتعرَّض لتحقير الناس وإهانتهم، ويشعر في نفسه بالحَقارة؛ لا يتمكَّن مِن مُمارسة السُّلطة والحُكم مَهْما كان ذا سَطوة وقوَّة (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


في أوائل القَرن الثالث الهِجري، كان هناك رجل في العراق، يُكنَّى بـ: (أبي حفص) ، ولبعض أعماله لقَّبه الناس بـ (اللُّوطي) ، فكانوا يُحقِّرونه بهذا اللقب في غيابه. وقد أدَّت شُهرته هذه بين الناس إلى تأثُّره الشديد، وأوردت على شخصيَّته نقصاً غير قابل للتدارك، فمرض جارٌ له، فعاده أبو حفص والمريض في غاية الضعف، فسأله أبو حفص عن صِحَّته، وقال له: أتعرفني؟

فأجاب المريض بصوت خافت جِدَّاً: ولِمَ لا أعرفك؟ أنت أبو حفص اللُّوطي!

فدهش أبو حفص مِن هذا اللَّقب؛ ومُصارحة المريض له به.

فقال له: لقد جاوزت حَدَّ المعرفة، أرجو أنْ لا تقوم مِن مرضك هذا أبداً...

ثمَّ قام مِن عنده وخرج (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


قيمة كلِّ امرئ ما يُحسنه

ما أكثر الرجال العلماء والمُثقَّفين، الذين كانت لهم الكفاءة لتسلُّم مناصب عالية في الدولة، والحصول على مقامات شامخة في المُجتمع، لكنَّهم فقدوا جميع قيمهم الاجتماعيَّة؛ إثر لَقبٍ قبيح، أو شُهرة سَيِّئة، وأخذ الناس ينظرون إليهم بعين الانتقاص والاحتقار... وبالتالي لم يستفيدوا مِن المواهب التي كانت تُميِّزهم، بلْ لم يستطيعوا الاستمرار في الحياة كأفراد عاديِّين، فكابدوا الضغط الروحي دائماً، وقضوا حياتهم في حِرمان وشعور بالحَقارة والدناءة.

وكمثال على ذلك، نذكر ما جرى لابن النديم بهذا الصدد، فقد كان إسحاق بن إبراهيم، المعروف بابن النديم، مِن العلماء الذين قَلَّ نظيرهم في عصره، وكان قد أجهد نفسه في علوم كثيرة: كالكلام، والفقه، والنحو، والتاريخ، واللغة، والشعر، وبرع في جميع ذلك بَراعةً تامَّةً، وكان عِملاقاً عظيماً في المُناظرات العلميَّة، وكثيراً ما كان يتغلَّب على فُضلاء عصره، وله في مُختلَف العلوم ما يقرب مِن أربعين مُجلَّداً وآثاره المُهمَّة باقية حتَّى اليوم.

كان ابن النديم ذا صوتٍ جميلٍ، ورغبةٍ شديدةٍ بالغناء، وكثيراً ما كان يشترك في مجالس طربِ الخُلفاء ورجال الدولة، ويؤنس الحاضرين بغنائه المُطرِب، ويجذب قلوبهم نحوه... ولاستمراره في هذا العمل تضاءلت قيمة ثقافته العلميَّة شيئاً فشيئاً؛ حتَّى عُرف في المُجتمع بهذه الصِفة، ولقبه الأساس بـ: (المُغنِّي) و (المُطرِب) .

لقد أوردت هذه الشُّهرة ضربة قاصمة على شخصيَّته، ولم يتمكَّن فيما بعد، أنْ يَعُدَّ نفسه في المُجتمع كرجل عالمٍ مُطلع، وأنْ يُظهر كفاءته العلميَّة... وبالرغم مِن قُربه مِن الخُلفاء والوجهاء، فإنَّهم لم يعهدوا إليه بمُهمَّة أو عمل خطير في الدولة؛ وذلك حَذراً مِن اضطراب الرأي العامّ.


فكان المأمون العبَّاسي يقول: لو لم يشتهر ابن النديم بالطَّرب والغِناء، لولَّيته القَضاء؛ لأنَّه يفوق قُضاة الدولة، بالفضل، والعلم، وهو أكثرهم استحقاقاً لهذا المنصب (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


أهل الكَرَم والجُود

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لمَّا حضر محمد بن أُسامة الموت، دخلت عليه بنو هاشم.

فقال لهم: قد عرفتم قَرابتي ومَنزلتي منكم، وعليَّ دَيْنٌ، فأُحبُّ أنْ تضمنوه عنِّي.

فقال عليُّ بن الحسين (عليه السلام): أما والله، ثُلُثُ دَيْنك عليَّ.

ثمَّ سكت فسكتوا.

فقال عليُّ بن الحسين (عليه السلام): عليَّ دَيْنك كلُّه.

ثمَّ قال عليُّ بن الحسين: أما إنَّه لم يمنعني أنْ أضمنه أوَّلاً، إلاَّ كراهيَّة أنْ يقولوا: سبقنا) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


إمَّا المَنُّ وإمَّا القتل

غَضب عبد الملك بن مروان، على عبَّاد بن أسلم البكري يوماً، فكتب إلى واليه على العراق الحَجَّاج بن يوسف الثقفي أنْ يقتله، ويبعث برأسه إلى الشام، فأرسل الحَجَّاج إلى عبَّاد، يطلب حضوره؛ لتنفيذ ما أمر عبد الملك بشأنه.

تألَّم عبَّاد مِن معرفة الخبر، واضطرب كثيراً، وأقسم على الحَجَّاج أنْ يتخلَّى عن قتله؛ لأنَّه يُعيل أربعاً وعشرين امرأة وطفلاً؛ وبقتله سوف تَختلُّ شؤونهم وتضطرب حياتهم؛ فرقَّ الحَجَّاج لكلامه، وأمر بإحضار عائلته إلى دار الإمارة، وعندما حضر أولئك إلى دار الإمارة، واطَّلعوا على ما عزم عليه الحَجَّاج، وشاهدوا الحالة المُزْرية، التي كان عليها وليُّهم بدأوا بالبكاء والعويل... وفجأة قامت طفلة صغيرة مِن بينهم، كانت في غاية الجَمال، وأرادت أنْ تتكلَّم، فقال لها الحَجَّاج: ما هي صِلتك بعبَّاد؟!

قالت: أنا ابنته.

ثمَّ قالت له بكلِّ جُرأة:

يا أمير اسمع ما أقول... وأنشأت تقول:

أحَـجَّاجُ إمَّا أنْ تَمنُّ بتركه

عـلنيا وإمَّـا أنْ تُقتِّلنا معاً

أحَجَّاجُ لا تفجع به إنَّ قتلته

ثماناً وعشراً واثنتين وأربعاً

أحَجَّاجُ لا تترك عليه بناته

وخالاته يندُبنه الدهر أجمعاً

هذه الكلمات الصريحة والقويَّة، مِن هذه الطفلة الجريئة، أبكت حَجَّاجاً القاسي، وجعلته ينصرف عن قتل عبَّاد، ويُكاتب عبد الملك بشأنه، حتَّى حصل له على عفو الخليفة عنه (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


بَلاغة صَبيٍّ

لمَّا آلت الخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، أخذت الوفود تتقاطر عليه مِن أنحاء البلاد لتهنئته... وكان مِن تلك الوفود وفد الحِجاز. وكان في ذلك الوفد صبيٌّ صغير، قام في مجلس الخليفة ليتكلَّم، فقال له الخليفة: ليتكلَّم مَن هو أكبر مِنك سِنَّاً.

فقال الطفل: أيُّها الخليفة، إنْ كان المقياس للكفاءة كِبَر السِّنِّ؛ ففي مجلسك مَن هو أحَقُّ بالخلافة مِنك.

تعجَّب عمر بن عبد العزيز مِن هذا الكلام، ثمَّ أذِنَ له بالكلام، فقال:

لقد قصدناك مِن بلدٍ بعيد، وليس مَجيئنا لطمع فيك، أو خوف مِنك... لأنَّنا مُتنعِّمون بعدلك، ومُستقرُّون في بيوتنا بأمن واطمئنان... ولا نخاف منك؛ لأنَّنا نجد أنفسنا في أمن مِن ظلمك، وإنَّ مجيئنا إليك إنَّما هو لغرض التقدير والشكر.

فقال له عمر بن عبد العزيز: عِظْني.

قال الصبي: لقد أُصيب بعضٌ بالغرور؛ لنعم الله عليهم، وأُصيب آخرون بذلك؛ لمدح الناس إيَّاهم؛ فاحذر مِن أنْ يبعث هذان الأمران الغُرور فيك؛ فتنحرف في تدبير شؤون الدولة.

سُرَّ عمر بن عبد العزيز لهذا الكلام كثيراً، وسأل عن عمر الصبي.

فقيل له: هو ابن اثنتي عشرة سنة (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


تضرُّع الأعرابي

رأى النبي (صلى الله عليه وآله) أعرابيَّاً يدعو في صلاته، ويتضرَّع إلى الله تعالى بعبارات عميقة ومضامين عالية. فأثَّرت كلماته المتينة، وعباراته المُشيرة إلى وعي صاحبها، والكاشفة عن درجة الإيمان والكمال التي هو عليها في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فعيَّن شخصاً لانتظار الأعرابي، حتَّى يفرغ مِن صلاته، فيأتي به إليه. وما أنْ فرغ الأعرابي حتَّى مَثُل بين يديه، فأهداه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قطعة مِن الذهب، ثمَّ سأله مِن أين أنت؟

ـ مِن بني عامر بن صَعصعة.

ـ هل عرفت لماذا أعطيتك الذهب؟! إنَّ للرحم حَقَّاً، ولكنْ وهبته لك لحُسن شأنك على الله عَزَّ وجَلَّ.

يبعث استحسان النبي وتشجيعه، الرغبة في عمل الخير في نفس الأعرابي، أكثر مِن السابق هذا مِن جِهةٍ، ومِن جِهة أُخرى يؤدِّي إلى أنْ يُقتدي الآخرون به (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


عقل العباس وزينب

كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) جالساً يوماً في بيته، وقد جلس إلى جانبيه طِفلان صغيران: العباس، وزينب.

قال علي ٌّ(عليه السلام) للعباس: (قُلْ: واحد).

ـ واحد.

ـ (قُلْ: اثنان).

ـ أستحيي أنْ أقول باللسان الذي قُلت به: واحد، أنْ أقول اثنان!

ـ فقبَّل عليٌّ (عليه السلام) عينيه... ثمَّ التفت إلى زينب، وكانت على يساره فقالت: يا أبتا، أتُحبُّنا؟

ـ (نعم يا بُنيَّتي، أولادُنا أكبادُنا!).

ـ يا أبتاه، حُبَّان لا يجتمعان في قلب المؤمن: حُبُّ الله، وحُبُّ الأولاد، وإنْ كان لا بُدَّ، فالشَّفقة لنا والحُبُّ لله خالصاً.

فازداد عليٌّ (عليه السلام) بهما حُبَّاً.

إنَّ تقبيل الإمام (عليه السلام) عيني طفله الصغير، على صراحته واستقامته، وازدياد حُبِّه له ولأُخته الصغيرة، مُكافأة جميلة لهما؛ على ما صدر منهما. وفي الواقع فإنَّ بيت عليٍّ (عليه السلام) كان طافحاً بالتوحيد والإيمان، مليئاً بالحُبِّ الإلهيِّ والفَناء في ذاته... ولذلك؛ فإنَّ الأطفال قد تلقُّوا تربيةً سليمة، وطفحت قلوبهم كأبيهم - بحُبِّ الله وتوحيده (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


عِزُّ الإسلام

لقد أنقذ الإسلام كثيراً مِن المسلمين، الذين كانوا ينتمون إلى عوائل وضيعة، بمنعه مِن ذَمِّ بعضهم البعض، وهكذا نجد أنَّ هؤلاء يتواصلون مع الناس، ويُعاشرونهم دون شعور بالخَجل والانحطاط، وإذا كان أحدٌ مِن المسلمين يوجِّه الذَّمَّ نحوهم، فإنَّ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمنعه مِن ذلك بصراحة.

كلُّنا نعلم ما كان يقوم به أبو جهل في صدر الإسلام، مِن مُعارضة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في نشر دعوته، وقد اشتهر بسبب ما أضمر، وفظاعة الجرائم التي قام بها، بالخيانة والدنس بين المسلمين.

وقد حضر ابنه عكرمة بعد موت أبيه، بين يدي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) واعتنق الإسلام، فقبل النبي إسلامه، واحتضنه وأثنى عليه، لكنْ لمَّا كان عكرمة ينتمي إلى أُسرة أصرَّت على الكُفر، واشتهرت بسوء السُّمعة بين المسلمين، فإنَّ ذلك كان داعياً إلى احتقاره مِن قبل المسلمين، وفي رواية أنَّ المسلمين كانوا يقولون: (هذا ابن عدوِّ الله أبي جهل؛ فشكا ذلك إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فمنعم مِن ذلك، ثمَّ استعمله على صدقات هوازن) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


أستحيي أنْ تَغلب مسألته جودي

كان أبو هريرة مِن المُعارضين لحكومة الإمام (عليه السلام)، وقد كان في الأسابيع الأُولى مِن خلافة الإمام، يجلس على مَقربة مِن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويتكلَّم مع أصحابه بكلمات يشوبها الطعن، وكان يُصرُّ على الكلام بصوت عالٍ جِدَّاً، بحيث يسمع الإمام تلك الكلمات.

كان أصحاب الإمام يُشاهدون هذا المنظر ويتألَّمون، وفي يوم مِن الأيَّام جاء أبو هريرة إلى الإمام طالباً بعض الحوائج، فلبَّى الإمام جميع حوائجه.

عند ذلك عاتب أصحاب أمير المؤمنين على ذلك، فقال:

(إنِّي لأستحيي أنْ يغلب جَهله عِلمي، وذنبه عفوي ومسألته جودي).

إنَّ عليَّاً (عليه السلام) أعظم مِن أنْ يتغلَّب عليه أمثال أبي هريرة، بالكلمات المشوبة بالطعن والسُّخرية.. (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


قيمة مُعاوية عند علقمة بن وائل

توجَّه علقمة بن وائل إلى المدينة المنوَّرة؛ للقاء النبي (صلى الله عليه وآله)، فتشرَّف بحضرته، وعرض عليه حاجته، ثمَّ قصد الذهاب إلى دار أحد كبار الأنصار في المدينة، ولكنَّه لم يكن يعرف الدار، وكان مُعاوية بن أبي سفيان حاضراً في المجلس، فأمره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإرشاد علقمة إلى دار الأنصاري.

يقول مُعاوية: خرجت بصحبة علقمة مِن عند النبي، فركب ناقته، وأخذت أسير بقدمين حافيتين على شِدَّة الحَرِّ، فقلت له في أثناء الطريق: لقد احترقت قدماي مِن شِدَّة الحَرِّ؛ فأردفني خلفك.

قال علقمة: إنَّك لا تليق بأنْ تركب رِدف السلاطين والعُظماء.

قلت: أنا ابن أبي سفيان.

قال علقمة: أعلم ذلك. لقد ذكر لي النبي هذا الأمر مُسبقاً.

ـ إذا كنت لا تسمح لي بالركوب خلفك، فانزع خُفَّيك لألبسهما وأتَّقي وَهَج الأرض.

قال علقمة: إنَّ خُفَّي أكبر مِن قدميك... ولكنْ أسمح لك بالسير في ظِلِّ ناقتي، وفي هذا تسامح كبير مِنِّي تِجاهَك، وفي نفس الوقت مُدعاة للفخر والاعتزاز لك، فتستطيع التباهي أمام الناس، أنَّك سِرت في ظِلِّ ناقتي (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


الفَرق بين المجنون والمُبتلى

روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري، أنَّه قال: مَرَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) برجل مصروع، وقد اجتمع عليه الناس ينظرون إليه، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (علامَ اجتمع هؤلاء؟).

فقيل: على مجنون يُصرع.

فنظر إليه فقال: (ما هذا بمجنون، ألاْ أُخبركم بالمجنون حَقَّ الجنون!).

قالوا: بلى يا رسول الله.

قال: (إنَّ المجنون حَقَّ الجنون، المُتبختر في مشيه، الناظر في عِطفيه، المُحرِّك جنبيه بمنكبيه، فذاك المجنون، وهذا المُبتلى) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


الذُّباب يذلُّ الجَبابرة

كان المنصور الدوانيقي، مِن الخُلفاء المُتجبِّرين في الأُسرة العباسيَّة، وقد جعلت ذُبابة يوماً وجهه مَسْرَحاً لنشاطها وتنقُّلها، فأخذت تطير مِن شَفته إلى عينيه، ومِن عينيه إلى أنفه، ومِن أنفه إلى جَبهته، حتَّى ضاق بها ذَرعاً، وتألَّم كثيراً؛ فقال لخَدمه: انظروا مَن ينتظرنا بالباب؟

فقالوا له: مُقاتل بن سلمان.

كان مُقاتل هذا، مِن كبار المُحدِّثين والمُفسِّرين في ذلك العصر، فأمر المنصور بالسَّماح له في الدخول. وما أنْ دخل حتَّى وجَّه له المنصور السؤال التالي:

هل تعلم لماذا خَلق الله الذباب؟!

قال: نعم؛ لُيذلَّ الجبابرة!

... فسكت المنصور.. (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


الإنسان أوَّله نُطفة وآخره جِيفة

ونموذج آخر نجده في قِصَّة المهلب بن أبي صفرة، والي عبد الملك على خُراسان، فقد كان في بعض الأيَّام مُرتدياً ثوباً مِن الخَزِّ، ويسير بكِبرياء في الطريق ويتبختر، فقابله رجل مِن عامَّة الناس، وقال له: يا عبد الله، إنَّ هذه المشية مَبغوضة مِن قِبَل الله ورسوله.

فقال له المهلب: أما تَعرِفني؟

قال: بلى أعرفك... أولك نُطفة مَذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تَحمل العَذرة.

فمضى المهلب، وترك مشيته تلك دون أنْ يتعرَّض للرجل بسوء (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


يجمع كلَّ الناس خير الآباء آدم وأفضل الأديان الإسلام

روي عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، أنَّه مَرَّ برجل مِن أهل السَّواد، دميم المنظر، فسلَّم عليه، ونزل عنده، وحادثه طويلاً، ثمَّ عرض عليه القيام بحاجته إنْ عُرِضت له، فقيل له: يا ابن رسول الله، أتنزل إلى هذا، ثمَّ تسأله عن حوائجه، وهو إليك أحوج؟!

فقال (عليه السلام): (عبد مِن عبيد الله، وأخٌ في كتاب الله، وجارٌ في بلاد الله، يجمعنا وإيَّاه خير الآباء آدم، وأفضل الأديان الإسلام) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


الرَّبُّ واحد والجزاء بالأعمال

عن رجل مِن أهل بَلخ قال: كنت مع الرضا (عليه السلام) في سفره إلى خراسان، فدعا يوماً بمائدة له، فجمع عليها مواليه مِن السودان وغيرهم.

فقلت: جُعلت فداك، لو عزلت لهؤلاء مائدة!!

فقال: (مَه، إنَّ الرَّبَّ تبارك وتعالى واحد، والأُمُّ واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


قولوا السَّداد مِن القول ولا تغلوا

عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج على نفرٍ مِن أصحابه، فقالوا:

مرحباً بسيدنا ومولانا.

فغضب رسول الله غَضباً شديداً، ثمَّ قال:

لا تقولوا: هكذا، ولكنْ قولوا: مرحباً بنبيِّنا ورسول رَبِّنا، قولوا السَّداد مِن القول، ولا تغلوا في القول فتمرقوا) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


أخاف أنْ يَدخلني ما دخلك

لقد كان أكثر أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فُقراء في صدر الإسلام، لكنَّ القرآن الكريم تعهَّد بتربيتهم على عِزَّة النفس، وقوَّة الشخصيَّة؛ بحيث لم يكونوا يخسرون أنفسهم مُقابل الزَّخارف المادِّيَّة، بالرَّغم مِمَّا كانوا عليه مِن الفَقر.

وكشاهد صريح على ما أقول، نذكر القصة التالية: روي أنَّ رجلاً موسِراً، دخل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمَّ دخل رجل فقير، وجلس إلى جنبه، فجمع الموسِر ملابسه...

كان النبي مُنتبهاً إلى ذلك، فسأل الموسِر: (أخشيت مِن اتِّصال فقره بك؟!).

ـ كَلاَ.

ـ (أخشيت مِن انتقال شيءٍ مِن ثروتك إليه؟!).

ـ كَلاَ.

ـ (أخشيت مِن تلوِّث ملابسك؟!).

ـ كَلاَ.

ـ (فلِمَ جمعت ملابسك؟).

ـ الثروة التي تُلازمني في كلِّ حين، منعتني مِن رؤية الحَقِّ، وحبَّبت إليَّ عيوبي؛ ولأتدارك هذا فقد وهبت له نِصف ما أملِك.

فقال رسول الله للفقير: (أتقبل؟).

قال: لاَ.

فقال له الرجل: ولِمَ؟!!

قال: أخاف أنْ يدخلني ما دخلك!! (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


الطِّيرَة ليست بحَقٍّ

ولِدت طفلة في اليوم الثالث عشر مِن الشهر، وعندما شَبَّت وترعرعت، وعلمت بأنَّ ولادتها تُصادف اليوم الثالث عشر؛ بدأ الاضطراب يَدبُّ في نفسها.

كانت تتصوَّر أنَّ نحوسة يوم ولادتها (اليوم الثالث عشر) تؤدِّي إلى تعاستها، وقد اضطرَّ الوالدان؛ لتهدئة الفتاة إلى أخذها إلى عيادة طبيب نفساني، وبَذَلَ الطبيب كلَّ جهوده؛ لاقتلاع جذور القَلق مِن نفس الفتاة، ولكنَّ جهوده باءت بالفَشل في جميع مُحاولاته.

تزوَّجت هذه الفتاة بعد إنهاء دراستها الجامعيَّة، وولدت طفلاً، ولكنَّها بقيت تحترق بنار القَلق والاضطراب.

وصادف يوماً أنْ كانت في سيَّارتها، بصُحبة زوجها وطفلها، حين شاهدها الطبيب النفساني، فاستوقفهم واقترب مِن الشابَّة، وقال لها: أرأيت كيف صَدقت أقوالي فيك، وأنَّ اضطرابك كان لا مُبرِّر له؟

انظري كيف أنَّك سعيدة بجوار زوجك وطفلك.

أجهشت الشابَّة بالبكاء، وقالت: سيِّدي الطبيب، إنِّي مُتيقِّنة مِن أنَّ نَحْس العدد (13) ستؤدِّي إلى تعاستي ودماري!!

يعتقد علماء النفس، أنَّ التشاؤم وليد جهل الإنسان، وليس خطراً حقيقيَّاً، أو آفة واقعيَّة، إنَّهم يقولون: إنَّه عِبارة عن إيحاء مؤلِم، يؤدِّي إلى إضعاف الروح، ويُسيطر على قلب المُعتقد به وفكره.

كذلك الأئمَّة عليهم السلام، فإنَّهم اعتبروا التشاؤم حقيقة نفسيَّة، قد تؤدِّي إلى أمراض ومشاكل كثيرة.

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (الطِّيرَة ليست بحَقٍّ) (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


يا رَبِّ أنت حولي ومِنك قوَّتي

أبو طيَّار تاجر مِن تُجَّار الكوفة، وتدهور وضعه المالي مَرَّة، فذهب إلى المدينة، وتشرَّف بلقاء الإمام الصادق (عليه السلام)، وذكر حالته له، وطلب مِن الإمام عِلاجاً لذلك.

أوَّل سؤال بَدأ به الإمام (عليه السلام)، هو أنَّه: (هل عندك حانوت في السوق؟).

قال: نعم، ولكنِّي هجرته مُنذ مُدَّة؛ لأنَّي لا أملك ما أبيع فيه.

فقال (عليه السلام): (إذا رجعت إلى الكوفة، فاقعُد في حانوتك واكنسه).

لا يوجد طريق لتدارك التدهور الاقتصادي، الذي أصاب تاجراً، بغير استعادة العمل والنشاط، وهذا لا يحصل مع اليأس والتردُّد، بلْ لا بُدَّ مِن العَزْم والاستقرار؛ ولذلك فإنَّ الإمام (عليه السلام) قال له: (إذا أردت أنْ تخرج إلى سوقك، فصَلِّ رَكعتين، ثمَّ قُلْ في دُبُر صلاتك:

توجَّهت بلا حول مِنِّي ولا قوَّة، ولكنْ بحولك يا رَبِّ وقوَّتك، فأنت حولي ومِنك قوَّتي).

عَمِل أبو طيَّار بوصيَّة الإمام (عليه السلام)، ففتح حانوته، ولم تمض ساعة حتَّى جاء إليه بزَّاز، وطلب منه أنْ يؤجِره نِصف حانوته، فوافق على ذلك شَريطة أنْ يدفع أُجرة الحانوت كلِّه، فجاء البزَّاز وبسط أمتعته في نِصف الحانوت، وهذا جعل الحانوت يبدو بشكل جديد.

كان البزَّاز يملك عِدَّة عِدول مِن القماش لم تفتح بعد، فطلب أبو طيَّار منه أنْ يسمح له ببيع عِدل منها، على أنْ يأخذ الأُجرة لنفسه، ويُعيد لجاره قيمة العِدل، فوافق على ذلك، وسلَّمه عِدلاً، فأخذ أبو طيَّار العدل وعرضه في النِّصف الآخر مِن الحانوت، وصادف أنَّ الجوَّ أصبح بارداً جِدَّاً في ذلك اليوم، بحيث أقبل الناس على


السوق يشترون الأقمشة؛ لوقاية أجسامهم مِن البرد، وما أنْ غرُبت الشمس، حتَّى كانت الأقمشة كلُّها قد بيعت.

وفي هذا يقول أبو طيَّار: فما زلت آخذ عِدلاً وأبيعه وآخذ فضله، وأردُّ عليه رأس المال، حتَّى ركبت الدوابَّ واشتريت الرَّقيق وبنيت الدور (1) .

____________________

(1) الطفل، ج2.


في أحد الأيَّام، وبينما كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يُصلِّي بالناس صلاة الصبح في المسجد، وعندما فَرغ مِن الصلاة، التفت إلى شابٍّ كان يُصلِّي خلفه، وقد اصفرَّ وجهه، وبدا عليه التعب مِن كثرة السَّهر، وبدا عليه أنَّه لم يَنمْ طوال الليل، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:

(كيف أصبحت يا حارث؟).

فأجابه الشابُّ: لقد أصبحت وأنا على يقين.

فتعجَّب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن كلام الشابِّ وقال له: (إنَّ كلَّ يقين يقترن بحقيقة، فما هي حقيقة يقينك؟).

قال الشابُّ: يا رسول الله، إنَّ يقيني هو ما دعاني أنْ أسهر الليل، وأنْ أتغاضى عن مُغريات الدنيا. كأنِّي أنظر إلى عرش رَبِّي قد نصب للحساب، وحَشر الخلائق لذلك، وأنا فيهم، وكأنِّي أنظر إلى أهل الجَنَّة يتنعَّمون فيها ويتعارفون على الأرائك مُتَّكئين، وكأنِّي أنظر إلى أهل النار، فيها مُعذِّبون ويصطرخون، وكأنِّي أسمع الآن زفير النار يدور في مسامعي.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (هذا عبد نوَّر الله قلبه بالإيمان)، ثمَّ قال له: (إلزم ما أنت عليه).

فقال الشابُّ: ادعُ الله لي يا رسول الله، أن أُرزق الشهادة معك.

فدعا له بذلك، فلم يلبث أنْ خرج في بعض غزوات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاستُشهد بعد تسعة نفرٍ وكان هو العاشر (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


جاءت مجموعة مِن قريش بينهم العتبة بن ربيعة، وأُبي بن خلف، والوليد بن المغيرة، والعاص بن سعيد جاؤوا إلى النبي، وتحدَّثوا أمامه عن المعاد بطريقة تنمُّ عن إنكارهم له، ثمَّ تقدَّم أُبي بن خلف نحو النبي، وهو يحمل بيده قطعة عَظم فهشَّمها بين أنامله بقوَّة، ثمَّ نفخ فيها فتناثرت ذرَّاتها في الهواء وقال:

أتزعم أنَّ رَبَّك يُحيي هذا بعد ما ترى؟!

لقد تصوَّر أُبيّ بن خلف، أنَّ تهشيمه قطعة العَظم، ونثر ذرَّاتها في الهواء، قد أقام الدليل القاطع على عدم وجود المَعاد واستحالته؛ ولهذا نراه يقول للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): بعد الذي شاهدته، هل لازلت مُصرَّاً على رأيك، بأنَّ الناس يُبعثون يوم القيامة؟

وهنا جاء الرَّدُّ الإلهي مِن خِلال القرآن الكريم: ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (يس) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


لقِّنوا موتاكم شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله والولاية

عن أبي بصير، عن أبي جعفر الباقر (عليهما السلام) قال: كنَّا عنده، وعنده حَمران، إذ دخل عليه مولى له، فقال: جُعلت فِداك هذا عَكرمة في الموت.

وكان يرى رأي الخوارج، وكان مُنقطعاً إلى أبي جعفر.

ـ (أنظروني حتَّى أرجع إليكم).

فقلنا: نعم. فما لبث أنْ رجع.

فقال: (أما إنِّي لو أدركت عَكرمة، قبل أنْ تقع النفس موقعها لعلَّمته كلمات ينتفع بها، ولكنِّي أدركته، وقد وقعت النفس موقعه).

قلت: جُعلِت فِداك، وما ذاك الكلام؟

قال: (هو - والله - ما أنتم عليه، فلقِّنوا موتاكم شهادة أنْ لا إله إلاّ الله والولاية).

فالإمام الباقر (عليه السلام) يقول: لو أنِّي وصلت إلى عَكرمة، قبل أنْ تصل روحه إلى مكانها وموقعها الروحاني، في عالم ما بعد الموت، لعلَّمته كلمات يستفيد منها، وهنا سأله أبو بصير:

وما هو الكلام الذي أردت أنْ تُعلِّمه له؟

فقال الباقر (عليه السلام): والله، أردت أنْ أُعلِّمه الذي تؤمنون به أنتم، أيْ: إنَّ الإمام أراد أنْ يُعرِّف السائل، ويُلفت انتباهه إلى المقام الشامخ لولاية علي (عليه السلام)، ويُطلعه على الخطأ الذي ارتكبه الخوارج بحَقِّ عليٍّ (عليه السلام)، لعلَّه يرجع عن تأييده لموقف الخوارج، ويُنزِّه ويُطهِّر ضميره مِن سوء الظَّنِّ بالإمام عليٍّ (عليه السلام)، ويُغادر هذه الدنيا بقلب سليم ونقي ٍّ (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


مَن يتَّقِ الله يجعل له مَخرجاً

ذكر أحد القُضاة في مدينة همدان: أنَّه تعرَّف إلى شخصٍ مرموقٍ في هذه المدينة، واقترض هذا مبلغاً مِن المال مِن أحد الأشخاص، وأعطاه إيصالاً بخطِّ يده، تعهَّد فيه بتسديد مبلغ القرض في التاريخ الفُلاني، وفي التاريخ المُحدَّد أحضر المَدين المبلغ الذي اقترضه، وجاء إلى الدائن؛ ليُسلِّمه المبلغ، ويسترجع منه الإيصال، ولكنَّ الدائن قال له: إنِّي لا أدري أين وضعت إيصالك، وإذا توافق فإنِّي أُعطيك إيصالاً آخر، بدل إيصالك القديم. ووافق المَدين واستلم الإيصال مِن الدائن.

يقول القاضي: إنِّي كنت على علم بهذه القضيَّة، وبعد فترة توفِّي صديقي، وبعدها عثر الشخص الذي أُعطي القرض (الدائن) على الإيصال، الذي سبق أنْ أعطاه له المَدين (المُتوفَّى) فأخذ الإيصال، وذهب إلى زوجة المُتوفَّى، وطالبها بالمبلغ المذكور في الإيصال، وبما أنَّ الزوجة كانت على علم بالأمر، قالت للدائن: إنَّ زوجي عندما كان على قيد الحياة، دفع لك ما بذمَّته واستلم منك إيصالاً بذلك. فقال لها الدائن: إذنْ، أعطيني إيصالي. ولكنَّ الزوجة لم تعثر على الإيصال، فأقام الدائن دعوى أمام المحكمة ضِدَّ المَدين (المُتوفَّى) ، وطلب مِن قاضي المحكمة - وهو صديق المُتوفَّى - النظر في القضيَّة، والقاضي كان يعلم بأنَّ صديقه قد سَدَّد دينه، ولكنَّه وافق على النظر في القضيَّة؛ استناداً إلى القوانين القضائيَّة، وأبلغ زوجة صديقه المُتوفَّى بأنَّ عليها أنْ تعثر على إيصال المُدَّعي، وتُسلِّمه إلى المحكمة.

بحثت الزوجة كثيراً عن الإيصال، ولكنْ دون جدوى، وكان القاضي على وَشك أنْ يُصدِّر حُكمه لصالح المُدَّعي، عندها رأت الزوجة زوجها في المنام وسألته: هل سَدَّدت قرض فُلان؟


فقال لها: نعم، سَدَّدت الدَّين، واستلمت إيصالاً مِن الدائن، فسألته زوجته: إذنْ، أين الإيصال؟ لقد فتَّشت جميع أرجاء البيت ولم أعثر عليه.

قال لها الزوج: الإيصال ليس في البيت، لقد أعطيته لفلان المُحامي، الذي وضع الإيصال داخل كتاب الدُّعاء، اذهبي إليه وخُذي الإيصال منه.

وفي صباح اليوم التالي، ذهبت الزوجة إلى بيت المُحامي، الذي أخرج الإيصال مِن الكتاب، كما أخبر بذلك زوجها، وسلَّمه للزوجة التي سلَّمته بدورها للمَحكمة، وأُغلق بذلك ملفَّ القضية (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


إنْ كان كما نقول نجونا ونجوتَ

ابن أبي العوجاء، كان دهريَّاً معروفاً في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، وكان يعيش في المدينة، وكثيراً ما كان يتشرَّف بلقاء الإمام الصادق (عليه السلام)، ويطرح عليه بعض الأسئلة، ويستفيد مِن الأجوبة التي كان يُقدِّمها الإمام. وكان ابن أبي العوجاء في بعض السنين، يذهب إلى مَكَّة في موسم الحَجِّ، لكي يُشاهد ما يفعله الناس. ولكنَّه بقي ماديَّاً حتَّى آخر حياته، ولم يؤمن بالله خالق هذا الكون، كما لم يؤمن بتعاليم الإسلام، وفي آخر سنة مِن حياته ذهب إلى مَكَّة أثناء موسم الحَجِّ، وكانت هي المَرَّة الأُولى التي يلتقي فيها بالإمام، وهو في طريقه إلى الحَجِّ، حيث أدَّى واجب الاحترام وخاطبه عبارة: (يا سيدي ومولاي) .

فقال له الإمام: (ما جاء بك إلى هذا الموضع؟).

قال: عادة الجَسد، وسُنَّة البلد؛ ولننظر ما الناس فيه مِن الجنون والحَلق ورمي الحِجارة.

قال الإمام: (أنت بعد على عتوِّك وضلالك يا عبد الكريم).

فذهب يتكلَّم، فقال الإمام له: (لا جِدال في الحَجِّ)، ونفض رِداءه مِن يده وقال: (إنْ يكن الأمر كما تقول - وليس كما تقول - نجونا ونجوت، وإنْ يكن الأمر كما نقول - وهو كما نقول - نجونا وهلكت).

فأقبل عبد الكريم على مَن معه فقال: وجدت في قلبي حَزازة فردُّوني.

فردُّوه فمات (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


لو عاينتم ما قد عاين مَن مات منكم

لجزعتم ووهلتم وسمعتم وأطعتم

قبل سنوات تعرَّفت على رجل مُثقَّف ومؤمن، كان يُتقن ثلاث لُغات، ويُحبُّ المُطالعة كثيراً، وكان يُحاول دائماً الحصول على مزيد مِن الكتب والمَجلاَّت العلميَّة، التي تصدر في مُختلف دول العالم؛ ليطَّلع مِن خلالها على الاختراعات والاكتشافات العلميَّة الجديدة في العالم، ولأنَّه كان رجلاً مُتديِّناً ومؤمناً؛ فإنَّه كان يأتي إلى بين الحين والآخر؛ ليسألني حول موضوع جديد قرأه في الكُتب والمَجلاَّت، وما إذا كان القرآن الكريم والأئمَّة (عليهم السلام) قد تطرَّقوا إلى مِثل هذا الموضوع أم لاَ.

وفي ظهيرة أحد أيَّام الصيف الحارَّة اتَّصل بي، وقال: أُريد أنْ أراك بسُرعة؛ حيث لديَّ موضوع جديد، أُريد أنْ أُطلعك عليه.

وبعد عِدَّة ساعات جاءني الرجل، وهو يحمل في يده مَجلَّة أجنبيَّة، ثمَّ فتح المَجلَّة وإذا فيها صورة رجل جالس على كرسيٍّ، وعلى رأسه قُبَّعة خاصَّة، تتفرَّع منها أسلاك عديدة تتَّصل بلوحة قريبة مِن الكُرسي، وفي نفس الصفحة مِن المَجلَّة عدد مِن لوحات الحفر الزنكوكرافي (الغرافر) مساحة كلَّ واحد منها، كمساحة علبة كبريت، وتظهر على كلِّ واحد منها خطوط بيضاء مُنكسرة، عريضة ورفيعة، ورفيعة جِدَّاً مُتباعدة ومُتقاربة، ومُتقاربة جِدَّاً، وهي تختلف مِن حيث قطرها وسماكتها وأشكالها.

لقد قاموا بتصميم وصنع هذه الأجهزة؛ لتقوم بتسجيل الموجات المُنبعثة مِن دماغ المريض، على شريط مِن ورق، يوضع تحت تصرُّف الطبيب؛ ليتمكَّن بواسطته مِن التعرَّف على طبيعة المرض الدماغي، الذي يُعاني منه المريض، وبالتالي وصف العلاج الذي تتطلَّبه حالة المريض، ولكنَّ لوحات الغرافر المطبوعة في هذه المجلَّة


لا تصلح لأمراض الدماغ، بلْ إنَّهم قاموا بتسجيل هذه الموجات الدماغيَّة؛ ليعرفوا كيف تكون عليه موجات دماغ الإنسان، في حالات الهيجان: كالغضب، والخوف، والاضطراب، والتألُّم وسائر الحالات الأُخرى المُماثلة.

إذاً، فعمليَّة تخطيط الدماغ أو الرأس (وهي عمليَّة تسجيل الموجات الكهربائيَّة المُختلفة المُنبعثة مِن أجزاء الدماغ) تتمُّ لهذا الغرض، فهم قد أخذوا أجزاءً صغيرة مِن الأشرطة، المُسجَّلة عليها هذه الموجات الدماغيَّة الكهربائيَّة، على شكل لوحات الحفر الزنكوكرافي (الغرافر)، وطبعوها في هذه المجلَّة، وكتبوا تحت كلِّ لوحة مِن لوحات الكرافر عبارة: هذا هو شكل الموجات الدماغيَّة، لشخص في حالة الغضب، أو في حالة الخوف، أو في حالة الاضطراب، أو في حالات أُخرى مُشابهة.

وكتب أيضاً في تلك الصفحة مِن المجلَّة، بأنَّه مِن المُمكن إجراء تخطيط لدماغ إنسان، وهو في حالة النوم، وبالتالي التأكُّد مِمَّا إذا كان هذا الشخص النائم، هو في عالم الرؤيا، أو في وضع عادي، أو في حالة اضطراب وقلق وهيجان، وهل أنَّه يرى الآن أحلاماً مُزعجة ومُرعبة (كوابيس) أم لا؟

والأمر المُثير للانتباه، هو أنَّ الصفحة الأخيرة مِن تلك المِلَّة، تضمَّنت لوحة الحفر الزنكوكرافي - الكليشية - وعليها خطوط تختلف مِن حيث العدد، ومِن حيث الشكل مع تلك المرسومة على سائر اللوحات الغرافر الأُخرى، بحيث إنَّ لوحة الغرافر هذه محشوَّة ومُكتظَّة بالخطوط الكثيرة، وكتب تحتها عبارة هذه موجات دماغ إنسان مُحتضر (يُنازع الموت).

الوضع الاستثنائي، الذي كان يُشير إليه المُخطَّط البياني (الغرافر)، للشخص الذي يُنازع الموت، يُشير إلى هذه الحقيقة: وهي أنَّ الضغوط التي يتعرَّض لها الفرد المُحتضر، هي مِن الشِّدَّة والقوَّة، بحيث لا يُمكن مُقارنتها مع أقوى الضغوط التي يتعرَّض لها الإنسان، نتيجة الغضب والخوف والألم، وسائر الاضطرابات التي يواجهها خلال حياته.

وبعد أنْ قدَّم هذا الصديق المُحترم، توضيحاته حول لوحات الغرافر سألني


قائلاً: ماذا تقول الروايات والأحاديث المنقولة عن الأئمَّة (عليهم السلام) عن مصاعب وشدائد الموت؟

قلت له: هناك روايات وأحاديث كثيرة في هذا المجال، مذكورة في نهج البلاغة، وفي سائر كتب الحديث، وقرأت عليه هذه الكلمة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام):

(... فإنَّكم لو عاينتم ما قد عاين مَن مات منكم؛ لجزعتم ووهلتم، وسمعتم وأطعتم، ولكنْ محجوب عنكم ما قد عاينوا، وقريب ما يُطرح الحِجاب) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


إنَّ الله يُحبُّ عبداً إذا عمل عملاً أتقنه

أُخبِر رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم مِن الأيَّام، بأن سعد بن معاذ قد توفِّي؛ فنهض الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن مكانه على الفور، ولحق به الصحابة الذين كانوا معه، فأمر بتغسيل سعد وتكفينه، وسار خلف جنازته، وهو يحمل الطرف الأيسر مِن النعش تارة، والطرف الأيمن تارة أُخرى، حتَّى وضعوا الجنازة إلى جانب القبر، فنزل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه إلى داخل القبر، وأخذ جسد سعد ووضعه في اللحد، وأخذ يُغطِّي اللحد بالحَجر والطين، ويَسدُّ المنافذ الموجودة فيه.

لعلَّ البعض مِن الذين شاهدوا ما قام به رسول الله، تساءلوا مع أنفسهم:

ما الفائدة مِن سَدِّ منافذ القبر بالأحجار والطين، طالما أنَّ اللِّحد سوف ينهار ويتلاشى تلقائيَّاً، عندما يُغطَّى بالأحجار والتراب؛ وذلك بسبب ثقل هذه الطبقة مِن الأحجار والتراب؟

بعد أنْ انتهى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن وضع التراب على القبر، قال للحاضرين ما معناه: إنِّي أعلم بأنَّ القبر سينهار ويتلاشى، ولكنَّ الله يُحبُّ عبداً إذا عمل عملاً أتقنه .

في أحد الأيَّام كنت أتحدَّث على المنبر، فقرأت هذا الحديث الشريف، وكان المجلس يعجُّ بالحاضرين، فجلست قليلاً حتَّى يفتح الطريق ويخفُّ الازدحام، وفي هذه الأثناء جاءني أحد الأشخاص، مِن الذين حضروا المجلس، وسلَّم عليّ وقال لي: إنِّي لم أفهم حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشكل جَيِّد، وأرجو أنْ توضِّح لي هذا الحديث.

فقلت: لا بأس، اجلس إلى جانبي.


ثمَّ قلت له: إنَّني غالباً ما أسأل الأشخاص الذين لديهم أسئلة، يُريدون طرحها عليَّ، غالباً ما أسألهم عن طبيعة أعمالهم ومِهنهم التي يعملون فيها؛ وذلك لكي أذكر لهم بعض الأمثلة مِن نفس المجال، الذي يعملون فيه، الأمر الذي يُساعدهم على فهم الأجوبة التي أُعطيها لهم، فهل توافق على أنْ أسألك عن طبيعة عملك؟

قال: إنِّي أعمل طبيباً جرَّاحاً.

فكَّرت للحظة، وقلت في نفسي: إنَّ المِهنة التي يُزاولها هذا الشخص، يُمكن أنْ تُعينني على توضيح هذا الحديث، وبالتالي إفهامه فقلت: يا دكتور، إنَّ الشخص المحكوم عليه بالإعدام مِن قِبَل المحكمة، إذا أُصيب بمرض قبل تنفيذ حُكم الإعدام، تتمُّ مُعالجته ثمَّ يُنفَّذ فيه حُكم الإعدام، وهو بصحَّة جَيِّدة. والآن نفترض أنَّك رئيس قسم الجراحة في المَشفى، والشخص المحكوم مِن المُقرَّر أنْ يُعدم في الساعة الرابعة فجراً، ولكنَّه في الساعة العاشرة مساءً استلزم نقله إلى المَشفى، بعارضٍ مرضيٍّ شديد، فذهبت إلى المَشفى، ونُقل المريض إلى غرفة العمليَّات، فهل تُجري له العمليَّة الجراحيَّة بشكل دقيق، ووفقاً للأصول العلميَّة والطبيَّة المُتعارفة أم لا؟

أجاب الجراح: نعم بالتأكيد.

قلت: ولماذا تُجري له العمليَّة بدِقَّة وعناية، أليس هذا الشخص يجب أنْ يُعدم بعد عِدَّة ساعات؟

أجاب: إنَّ الإعدام لا عَلاقة له بعملي، فالعمليَّة الجراحيَّة يجب أنْ تتمَّ بصورة صحيحة ودقيقة، سواء أُعْدِم الشخص بعد ذلك أم لاَ.

قلت له: إنَّ هذا هو ما يُريد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنْ يقوله؛ فهو يُريد القول: بأنَّ خراب وانهيار القبر لا عَلاقة له بعملي؛ لأنَّ الله يُحبُّ عبداً إذا عَمِل عملاً أنْ يُتقنه، ومِثل هذا الشخص الذي يُحبُّه الله لا يتخلَّى عن التدريب على إتقان العمل، تحت أيِّ ظرفٍ مِن الظروف.


شكرني الطبيب الجرَّاح، على الجواب الذي قدَّمته له وانصرف.

وبعد أنْ انتهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن دفن سعد بن معاذ، خاطبت أُمُّ سعد ولدها قائلة له: هنيئاً لك الجَنَّة.

فقال رسول الله: (يا أُمَّ سعد، مَهْ، لا تجزمي على رَبِّك، فإنَّ سعداً قد أصابته ضَمَّة).

ورجع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والمُشيِّعون مِن المقبرة، فسأله البعض: يا رسول الله، لقد بالغت في إكرام سعد بن معاذ، وقُمتَ مِن أجله بعمل لم تَقُمْ بمثله مع أحدٍ غيره، وقلت بعد ذلك: إنَّ سعداً تعرَّض لضغطة القبر!

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم، إنَّه كان في خُلُقه مع أهله سوء) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


قول الله أصدق مِن قولك

زرارة قال: دخلت أنا وحمران على أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، فقلت له: مَن وافقنا مِن علويٍّ أو غيره تولَّيناه، ومَن خالفنا مِن علويٍّ أو غيره برِئنا منه.

فقال لي: (يا زرارة، قول الله أصدق مِن قولك، فأين الذين قال الله عَزَّ وجَلَّ: ( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيل ) (1).

أين المُرجَون لأمر الله؟!

أين الذين خلطوا عَملاً صالحاً وآخر سيِّئاً؟!

أين أصحاب الأعراف؟!

أين المُؤلَّفة قلوبهم؟!) (2) .

____________________

(1) النساء: 98.

(2) المعاد، ج1.


...............................

إنَّ سعد بن عبادة قال: إنَّ بَكراً أخا بني ساعدة، توفِّيت أُمَّه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله، إنَّ أُمِّي توفِّيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها إنْ تصدَّقت بشيء عنها؟

قال: (نعم).

قال: فإنِّي أُشهِدك أنَّ حائط المَخْرَف صدقة عليها.

الولد الصالح كالصدقة الجارية، مصدر أجر وثواب للوالدين في عالم البرزخ، فالولد الصالح يستغفر أحياناً لوالديه، وهذا الأمر يجعل الوالدين يتمتَّعان بالعفوِّ الإلهي، والرحمة الإلهيَّة في عالم البرزخ، أو أنَّ الولد الصالح، ونظراً لأنَّ تربيته تربية صالحة مِن قِبَل أبويه، هي التي جعلته يقوم بهذا العمل الصالح الحسن؛ فإنَّ ثواب وأجر هذا العمل الصالح، الذي قام به الولد يعود إلى والديه في عالم البرزخ.

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

مَرَّ عيسى بن مريم (عليه السلام) بقبر يُعذَّب صاحبه، ثمَّ مَرَّ به مِن قابل، فإذا هو ليس يُعذَّب، فقال: (يا رَبِّ مررت بهذا القبر عامَ أوَّلٍ فكان صاحبه يُعذَّب؟!).

فأوحى الله عَزَّ وجَلَّ إليه: (يا روح الله، إنَّه أدرك له ولد صالح، فأصلح طريقاً وآوى يتيماً؛ فغفرت له بما فعل ابنه) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


كرامة عبد المُطَّلب جَدُّ النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)

قام إبراهيم الخليل، وابنه إسماعيل، بأمر مِن الله ببناء الكعبة، وإقامة ذلك البيت المَقْدس، وأقام إسماعيل في مَكَّة، وكان إبراهيم (عليه السلام) يأتي إلى مَكَّة في مواسم الحَجِّ، وكان إسماعيل يشكو لوالده شُحَّ المياه، وطلب منه أنْ يُساعده للتغلُّب على هذه المُشكلة، فأوحى الله إلى إبراهيم أنْ يقوم بحفر بئر لتأمين مِياه الشِّرب للحجيج، وتوفير سُبل الراحة لهم، وبالطبع فإنَّ عمليَّة حَفر البئر في تلك المنطقة، والوصول إلى الماء لم تكن عمليَّة سهلة، فأمر الله جبرائيل أنْ يُحدِّد نقطة مُعيَّنة، أو مكان مُعيَّن يُحفر فيه البئر، وهذا المكان هو الذي يقع فيه اليوم بِئر زمزم.

قاموا بالفعل بحفر البئر، وخلافاً للتوقُّعات، وصلوا إلى الماء على عُمقٍ قليل، وفرحوا كثيراً لهذه العناية الإلهيَّة.

بعد ذلك، طلب جبرائيل مِن إبراهيم أنْ ينزل إلى داخل البئر، وتبعه جبرائيل الذي طلب مِن إبراهيم أنْ يضرب بفأسه في كلِّ زاوية مِن الزوايا الأربع، في قعر البئر، وأنْ يذكر اسم الله في كلِّ مَرَّة يضرب فيها بمِعوله، وكان إبراهيم يفعل ذلك، فكان الماء يتدفَّق مِن كلِّ زاوية مِن زوايا البئر.

فقال جبرائيل: (يا إبراهيم، اشرب الآن مِن ماء البئر وادع لولدك بالبركة)، ثمَّ خرج إبراهيم وجبرائيل مِن البئر.

وفي فترة كانت قبيلة جُرهم تُسيطر على مدينة مَكَّة، وتتولَّى سَدانة الحرم الإلهي، حيث كان المسؤولون عن شؤون الكعبة، يستلمون الهدايا والقرابين، التي كان الناس في الجاهليَّة يهدونها ويُقدِّمونها إلى آلهتهم، التي كانت موجودة في داخل الكعبة، ويحتفظون بها في مكان خاصٍّ يخضع لإشرافهم.

كان في الكعبة غَزالان مِن ذهب، وخمسة أسياف فلمَّا غلبت خُزاعة جُرهم على


الحرم، ألقت جُرهم الأسياف والغزالين في بِئر زمزم، وألقوا فيها الحِجارة، وطمُّوها وعموا أثرها، فلمَّا غلب قُصي على خُزاعة، لم يعرفوا موضع زمزم وعَمِيَ عليهم، وبقي مكان بئر زمزم مجهولاً لا يعرفه أحد، حتى جاء دور السيادة لعبد المُطَّلب جَدِّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي كان يحظى بمكانةٍ عظيمة، وموقعٍ اجتماعيٍّ كبيرٍ بين القبائل العربيَّة في ذلك الوقت؛ بحيث إنَّهم كانوا يفرشون له البساط لكي يستريح عليه في ظِلِّ جِدار الكعبة، ولم يكونوا يفعلون ذلك لأحدٍ مِن قبله، وفي إحدى المَرَّات، عندما كان عبد المُطَّلب نائماً عند جدار الكعبة، رأى في المنام أنَّ شَخصاً جاء إليه، وقال له: احفر زمزم واعلم أنَّه يوجد في مكان زمزم غُراب أبيض الجناحين، ووَكر للنمل، وكان بالفعل يوجد في مكان بئر زمزم صخرة، تحتها وَكْر للنمل، وفي النهار عندما كان النمل يخرج مِن وكره، كان يأتي غراب أبيض الجناح، ويلتقط النمل بمنقاره ويأكله.

وقد عرف عبد المُطَّلب مكان بئر زمزم، استناداً إلى تلك الرُّؤيا الحقيقية؛ فقام هو وأبناؤه بحفر ذلك المكان، وأزالوا عنه الحِجارة والرِّمال، حتَّى عثروا على الماء، فكبَّروا الله.

مِن خلال هذه الرُّؤيا ظهر مكان بئر زمزم، الذي كان يجهله الناس في ذلك الوقت، ظهر بصورة حقيقيَّة كما هو، وتعرَّف عبد المُطَّلب - بموجب تلك الرُّؤيا - على مكان البئر المجهول، وأُلهِم بحقيقة كانت مَخفيَّة وغير معروفة، دون أنْ تكون هناك حاجة إلى تفسير هذه الرؤيا (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


عبد المُطَّلب وحُلْم الشجرة التي تنبت في ظهره

كان عبد المُطَّلب في إحدى الليالي إلى جانب الكعبة، بالقُرب مِن الحَجر الأسود، فرأى حُلْماً بَدَّاً عَجيباً بنظره، فسيطر عليه الخوف والهلع؛ فذهب إلى أحد مُفسِّري الأحلام، وأخبره بما رآه في المنام، وقال: رأيت في المنام أنَّ شجرة نبتت في ظهري، امتدَّت أغصانها إلى عِنان السماء، وغطَّت أوراقها وأغصانها الشرق والغرب، ثمَّ رأيت نوراً ينبعث مِن تلك الشجرة، وهو أكثر بريقاً مِن نور الشمس وضوئها، ورأيت الناس مِن العرب والعَجم يسجدون لهذه الشجرة، وكلُّ يوم كان يمرُّ كانت هذه الشجرة تزداد نوراً، ورأيت أنَّ جماعة مِن قريش جاءت لكي تجتثُّ تلك الشجرة، وتقتلعها مِن جذورها، ولكنْ كلَّما اقتربوا مِن تلك الشجرة بهدف الإساءة إليها، كان يظهر شابٌّ حَسَن الملبس والمظهر، فيصدُّهم عنها، ويقصم ظهورهم، ويقتلع عيونهم، وقد مدْدْت يدي لكي آخذ غِصناً مِن أغصانها؛ فصاح بي الشابُّ الوسيم قائلاً: أنْ أيضاً ليس لك نصيب مِن هذه الشجرة، فقلت له: ومَن هم الذين لهم نصيب منها؟

فقال: إنَّ هذه الشجرة هي مِلك للذين يتمسَّكون بها، ويُمسكون بأغصانها؛ فتغيَّر وجه الشخص الذي كان يستمع إلى هذه الرؤيا مِن عبد المُطَّلب واضطربت أحواله.

ثمَّ قال: لئِن صدقت، ليخرجَنَّ مِن صُلْبك وَلد يَمْلك الشرق والغرب، ويُنبِّأ في الناس... وكان أبو طالب يُحدِّث بهذا الحديث، والنبي قد خرج ويقول: كانت الشجرة - والله - أبا القاسم الأمين.

ووفقاً لما قاله الشخص، الذي فسَّر هذه الرؤيا، فإنَّ الرؤيا المذكورة تتضمَّن مجموعة مِن الأنباء الغيبيَّة، بدأت تتحقَّق بصورة تدريجيَّة بعد ذلك بعشرات السنين، ففي بداية الأمر يُرزَق عبد المُطَّلب بولدٍ.


وثانياً: هذا الولد يَحُكم الشرق والغرب.

وثالثاً: يقوم بنشر وترويج التعاليم الإلهيَّة بين الناس.

ورابعاً: هذا المولود يرتفع نجمه، وتزداد شُهرته، وتتعزَّز مكانته يوماً بعد يوم.

خامساً: مجموعة مِن قريش تبدأ في مُناهضته ومُعارضة رسالته، وبالتالي فهي تسعى للقضاء عليه.

سادساً: إنَّ شابَّاً ينبري للدفاع عن هذه الشجرة، ويقضي على المُعارضين، وهذا الشاب ليس سوى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).

سابعاً: إنَّ يَد عبد المُطَّلب لا تصل إلى أغصان الشجرة؛ لأنَّه يُفارق الحياة قبل أنْ يُبعث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


إيَّاكم وتعلُّم النجوم إلاَّ ما يُهتدى به في بَرٍّ أو بحر

عندما أعدَّ عليٌّ (عليه السلام) جنوده لمُحاربة الخوارج، واستعدَّ للانطلاق، تقدَّم إليه رجل، وقال له: إذا ذهبت إلى الحرب في هذا الوقت بالذات، أخاف أنْ لا تحقَّق هدفك، وتعود مُنهزماً، وقد عرفت ذلك عن طريق الحسابات الفلكيَّة، والتدقيق في أوضاع الكواكب والنجوم في السماء.

فقال (عليه السلام): (أتزعم أنَّك تهدي إلى الساعة، التي مَن سار فيها صُرِف عنه السوء، وتُخوِّف مِن الساعة، التي مَن سار فيها حاق به الضُّرُّ؟! فمَن صَدَّقك بهذا؛ فقد كَذَّب القرآن؛ واستغنى عن الاستعانة بالله في نيل المَحبوب، ودفع المكروه، وتبتغي في قولك للعامل بأمرك أنْ يُولْيك الحمد دون رَبِّه؛ لأنَّك بزعمك أنت هديته إلى الساعة التي نال فهيا النفع وأمن الضُّرَّ).

ثمَّ أقبل (عليه السلام) على الناس فقال: (أيُّها الناس، إيَّاكم وتعلُّم النجوم، إلاَّ ما يُهتدى به في بَرٍّ أو بحرٍ؛ فإنَّها تدعو إلى الكَهانة، والمُنجِّم كالكاهن، والكاهن كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، سيروا على اسم الله) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


ما مؤمن يموت..

إلاَّ قيل لروحه: الحَقْي بوادي السلام

عن حبَّة العَرني قال: خرجت مع أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الظهر، فوقف بوادي السلام، كأنَّه مُخاطب لأقوام، فقُمت بقيامه حتَّى أعييت، ثمَّ جلست حتَّى مَلَلت، ثمَّ قُمت حتَّى نالني مِثل ما نالني أوَّلاً، ثمَّ جلست حتَّى مَلَلت، ثمَّ قُمت وجمعت ردائي، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنِّي قد أشفقت عليك مِن طول القيام فراحة ساعة.

ثمَّ طرحت الرداء ليجلِس عليه، فقال لي: (يا حبَّة، إنْ هو إلاّ مُحادثة مؤمن أو مُؤانسته).

قلت: يا أمير المؤمنين، وإنَّهم لكذلك؟!

قال: (نعم، ولو كُشِف لك لرأيتهم حلقاً حلقاً، مُحتَبين يتحادثون).

فقلت: أجسام أمْ أرواح؟

فقال: (أرواح، وما مؤمن يموت في بُقعة مِن بِقاع الأرض، إلاَّ قيل لروحه: الحقي بوادي السلام، وإنَّها لبُقعة مِن جَنَّة عَدْنٍ) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


سلمان وتكليم المَيِّت له

عيَّن أمير المؤمنين (عليه السلام) سلمان الفارسي والياً على المَدائن.

ويقول أصبغ بن نُباتة: كنت مع سلمان في المدائن، وكنت أُكثِر مِن زيارته ولقائه. وفي أحد الأيَّام ذهبت لعيادته عندما كان مريضاً، وهو المرض الذي أودى بحياته في نهاية الأمر، وكنت أعوده باستمرار، وأسأل عن حاله وشيئاً فشيئاً اشتدَّ به المرض، وأيقن بالموت، فالتفت إليَّ وقال لي: يا أصبغ، عهدي برسول الله يقول: (يا سلمان، سيُكلِّمك مَيِّت إذا دنت وفاتك)، وقد اشتهيت أنْ أدري أدنت أم لا؟.

فقال أصبغ: يا سلمان، اطلب ما تُريده فسأُنجزه لك.

فقال: تذهب الآن، وتُحضِر لي تابوتاً، وتفرش في داخله نفس البساط الذي يُفرش للموتى عندما يوضعون داخل التابوت، ومِن ثمَّ تُحضر معك أربعة أشخاص، فتحملوني إلى المقبرة، فقام أصبغ على عَجَلٍ، وعاد بعد ساعة وقد أحضر كلَّ ما طلبه منه سلمان الفارسي، وفعل كلَّ ما أمره به، وحمله إلى المقبرة، وعندما وصل إلى هناك وضع التابوت على الأرض.

فقال سلمان: ضعوني أمام القبلة؛ ففعلوا ذلك، عندها نادى سلمان بأعلى صوته:

السلام عليكم يا أهل عَرصة البلاء، السلام عليكم يا مُحتجبين عن الدنيا، فلم يسمع جواباً. ثمَّ كرَّر السلام عليهم قائلاً:

أقسمتكم بالله وبرسوله الكريم، أنْ يُجيبني واحد منكم، فأنا سلمان الفارسي صاحب رسول الله، وهو الذي أخبرني: بأنَّه إذا دنا أجلي، فإنَّ مَيِّتاً سيُكلِّمني، وإنِّي أُريد أنْ أعرف هل دنا أجلي أم لا؟

عندها سمع سلمان الجواب مِن الروح الذي رَدَّ السلام، وقال لسلمان:

لقد سمعنا كلامك، فاسأل ما تُريد.


فسأل سلمان الروح قائلاً: هل أنت مِن أهل الجَنَّة أمْ مِن أهل النار؟

فقال الروح: بلْ أنا مِن الذين شملتهم الرَّحمة والمَغفرة الإلهيَّة وفازا بالجَنَّة.

ثمَّ سأل سلمان الروح عن كيفيَّة مُفارقته الدنيا، وعن الأوضاع بعد الموت، وكان الروح يُجيب على أسئلة سلمان الفارسي واحداً واحداً، وبعد أنْ انتهى الحديث بين سلمان والروح، أخرجوه مِن التابوت، ووضعوه على الأرض فتوجَّه سلمان إلى الله قائلاً:

يا مَن بيده ملكوت كلِّ شيء، وإليه تُرجعون، وهو يُجير ولا يُجار عليه، بك آمنت ولنبيِّك اتَّبعت، وبكتابك صدقت، وقد أتاني ما وعدتني، يا مَن لا يُخلف الميعاد اقبضني إلى رحمتك، وأنزلني دار كرامتك (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


صَفاء الروح وقوَّة الحُلْم

قبل سنوات عديدة، كان يعيش في إحدى مُدن إيران رجل شريف ومؤمن، وكان ولده الأكبر أيضاً رجلاً صالحاً ومؤمناً، كوالده وكان الأب والابن يعيشان في منزلٍ عاديٍّ، في وضع ماديٍّ صعب؛ حيث كانا يقتصدان كثيراً في النفقات؛ لكي يُحافظا على سُمعتهما، ولا يمدَّا يد الحاجة إلى الآخرين، وقد بلغ بهما الوضع حَدَّاً، بحيث إنَّهما صارا يستعملا ماء الحنفيَّة في المنزل للشرب والطبخ فقط. أمَّا لغسل الملابس ومَلء الحوض الموجود في باحة المنزل، وسقي حديقة المنزل، فإنَّهما كانا يستعملان ماء البئر، كما أنَّهما قاما ببناء غرفة صغيرة فوق البئر؛ لكي تقي الأشخاص الذين يُريدون إخراج الماء، مِن البئر الحَرَّ، وأشعَّة الشمس المُحرقة في فصل الصيف، والبرد والأمطار والثلوج في فصل الشتاء، كما أنَّ وجود مِثل هذه الغرفة الصغيرة، يمنع سقوط الأجسام الغريبة، والقاذورات، والأحجار، وغيرها في داخل البئر، وبالتالي تُحافظ على نظافة البئر.

لقد كان الأب وابنه يقومان - بنفسهما - بسحب الماء مِن البئر، ولم يستأجرا أحداً للقيام بهذا العمل.

وفي أحد الأيَّام، لاحظ الأب وابنه أنَّ الطبقة الطينيَّة، التي تُغطِّي سقف هذه الغرفة مِن الداخل، يُمكن أنْ تسقط على الأرض، أو في داخل البئر، أو يُمكن أنْ تسقط على رأس أحد، يُصادف وجوده في الغرفة في تلك اللحظة، ونظراً لأنَّهما لا يملكان المال اللازم لاستخدام عمَّال بناء، يقومون بصيانة السقف وترميمه، فقد قررَّا أنْ يقوما بنفسيهما بهذا العمل في يوم عطلة.

وبالفعل قاما في اليوم المُتَّفق عليه بتغطية فوهة البئر، بقطع الأخشاب، وقطعة مِن البساط، وبدءا بإزالة الطبقة الطينيَّة مِن السقف، وقاما بتجميع هذه القطع في باحة


المنزل، وصبَّا عليها الماء، حتَّى أصبحت ليِّنة طريَّة، وأخذ الأب يقوم بعمل البناء، وابنه يُناوله الطين، حتَّى انتهى الأب مِن تغطية سقف الغرفة بأكمله، بالطين المخلوط بالقَشِّ أو التبن، وبعد انتهاء العمل لاحظ الأب أنَّ خاتمه ليس موجوداً في إصبعه، فاعتقد في بادئ الأمر أنَّه نسيه إلى جانب الحوض، عندما كان يغسل يديه، ولكنَّه لم يعثر عليه هناك.

وظلَّ الأب يبحث عن خاتمه، على مدى يومين كاملين في كلِّ مكان، ولكنَّه لم يعثر على أيِّ أثرٍ، وتأثَّر كثيراً لضياع خاتمه، ويئس مِن إمكانيَّة العثور عليه، وظلَّ لفترة مِن الوقت يتحدَّث مع أهله وعياله عن الخاتم المفقود، وكان يتأسَّف كثيراً على ذلك، وبعد عِدَّة سنوات مِن هذه القضيَّة توفِّي الأب إثر نوبة قلبيَّة.

يقول الابن: بعد فترة مِن وفاة والدي، رأيته يوماً في المنام، وكنت أعلم أنَّه ميِّت، فاقترب مِنِّي، وسلَّم عليَّ، وسألني عن أحوالي، ثمَّ قال لي: يا ولدي، إنَّني مَدينٌ للشخص الفلاني بخمسمائة تومان، فأرجو أن تخلصني مِن العذاب.

استيقظ الولد مِن نومه، ولم يكترث بالحُلْم الذي رآه، ولم يعمل بما طلبه منه أبوه، وبعد فترة رأى الابن والده مَرَّة أُخرى في المنام، وكرَّر ما سبق أنْ طلبه منه، وعاتبه على عدم تلبية طلبه، فقال له الابن - وهو في المنام ويعلم أنَّ والده مَيِّت ـ: أعطني عَلامة؛ حتَّى أطمئن بأنَّك والدي.

قال له: أتذكر قبل عِدَّة سنوات، أنَّنا قُمنا - معاً - بتغطية سقف غرفة البئر بالطين، وبعدها اكتشفت أنَّ خاتمي مفقود، وبحثنا عنه في كلِّ مكان، فلم نعثر عليه.

قال الابن: نعم، أذكر ذلك.

قال الأب: إنَّ الشخص عندما يموت، تتَّضح له كثير مِن القضايا والأُمور المجهولة، فلقد عرفت بعد موتي أنَّ خاتمي أضعته داخل الطين الذي أصلحت به سقف الغرف، حيث انزلق الخَاتم مِن إصبعي عندما كنت أعِجن الطين وأقلبه. ولكي


تطمئنَّ بأنِّي أبوك الذي أتحدَّث معك، عليك أنْ تُزيل الطين مِن السقف وتخلطه بالماء، حتَّى يُصبح طريَّاً عندها سوف تعثر على الخاتم.

في الصباح نفَّذ الولد ما قاله له أبوه، دون أنْ يُخبر أحداً بالأمر، فعثر بالفعل على خاتم والده.

يقول الابن: بعد ذلك ذهبت إلى السوق، للشخص الذي أخبرني به والدي، فسلَّمت عليه وسألته عن حاله، ثمَّ قلت له: هل أنَّ والدي مَدينٌ لك بمبلغ مِن المال؟

قال الرجل صاحب الدُّكَّان: لماذا تسأل مِثل هذا السؤال؟

قلت: أُريد أنْ أعرف حقيقة الأمر.

قال: أطلب والدك بخمسمائة تومان.

سألته: كيف كان ذلك؟

قال: جاءني أبوك يوماً إلى هنا، وطلب مِنِّي قرضاً بمبلغ خمسمائة تومان، فأعطيته المبلغ دون أنْ آخذ منه إيصالاً بذلك، وبعد فترة توفِّي والدك بالنوبة القلبيَّة.

ـ لماذا لم تُطالب بقرضك؟

قال الرجل: لأنِّي لم أكُن أملك وثيقة أو إيصالاً، ورأيت أنَّ مِن غير المُناسب أنْ أُطالب بالمبلغ، فقد لا تصدِّقونني.

سلَّم الابن المبلغ المذكور إلى الدائن صاحب الدُّكَّان، ونقل له القِصَّة مِن أوَّلها إلى آخرها (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


توقَّع الموت صباحاً ومساءً

جاء موسى العطَّار إلى أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، فقال له: يا ابن رسول الله، رأيت رؤيا هالتني: رأيت صِهراً لي مَيِّتاً، وقد عانقني، وقد خِفت أنْ يكون الأجل قد اقترب.

فقال: (يا موسى، توقَّع الموت صباحاً ومساءً؛ فإنَّه مُلاقينا، ومُعانقة الأموات الأحياء أطول لأعمارهم فما كان اسم صِهرك؟).

قال: حسين.

فقال: (أمَّا رؤياك تدلُّ على بقائك وزيارتك لأبي عبد الله الحسين { عليه السلام }) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج1.


ليس هناك ليلٌ وإنَّما هو ضوء ونور

قال رجل: يا رسول الله، هل في الجَنَّة مِن ليلٍ؟

قال: (وما هيَّجك على هذا؟).

قال: سمعت الله يذكر في الكتاب: ( ... وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً ) (مريم)، والليل مِن البُّكْرة والعَشيِّ.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ليس هناك ليلٌ، وإنَّما هو ضوء ونور يَرد الغُدوَّ على الرواح والرواح على الغدوِّ، وتأتيهم طرف الهدايا مِن الله لمواقيت الصلوات، التي كانوا يُصلُّون فيها في الدنيا، وتُسلِّم عليهم الملائكة) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج2.


امرأة تدخل النار في هِرَّة حبستها

وأُخرى تدخل الجَنَّة في كلب سقته

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (اطَّلعت ليلة الإسراء على النار فرأيت امرأة تُعذَّب، فسألت عنها: فقيل: إنَّها ربطت هِرَّة، ولم تُطعمها، ولم تُسقها، ولم تدعها تأكل مِن خَشاش الأرض حتَّى ماتت، فعذَّبها بها بذلك.

واطَّلعت على الجَنَّة، فرأيت امرأة مومس، فسألت عنها: فقيل: إنَّها مَرَّت بكلب يلهث مِن العطش، فأرسلت إزارها في بئر، فعصرته في حلقه حتَّى روي فغفر الله لها) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج2.


البئر صدقة

خَرج سعد يُرافقه عدد مِن الأشخاص يوماً مِن المدينة، مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في طريقهم إلى الحرب، وكانت أُمُّ سعد مريضة، حيث فارقت الحياة أثناء غياب ابنها، وكان سعد مُقاتلاً في جيش الإسلام ويُحبُّ والدته كثيراً، وعندما سمع بوفاتها لدى عودته تأثَّر كثيراً، فجاء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال له: أردت قبل سفري أنْ أُعطي صدقة عن والدتي، ولكنِّي لم أستطع، والآن حيث فارقت والدتي الدنيا هل ينفعها إذا قدَّمت صدقة عنها؟

فقال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم).

فقال سعد: ما هي أفضل صدقة أُقدِّمها لها؟

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (لقد رأيت أنَّ الجنود يُعانون أثناء الطريق مِن شَحَّة الماء، فبإمكانك أنْ تحفر بئراً في الطريق؛ لكي تستفيد منه القوافل التي تمرُّ مِن هناك، وتكون صدقة جارية لوالدتك).

فقام سعد - استجابة لأمر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) - بحفر بئر على نيَّة والدته، وأسماه: بئر أُمَّ سعد وجعلها وقفاً للجميع (1).

____________________

(1) المعاد، ج2.


غفر لك بالخوف فانظر كيف تكون فيما تستقبل

عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (صلوات الله عليهما) قال: (إنَّ رجلاً ركب البحر بأهله، فكُسر بهم فلم ينجُ مِمَّن كان في السفينة إلاَّ امرأة الرجل، فإنَّها نجت على لوح مِن ألواح السفينة، حتَّى لجأت إلى جزيرة مِن جُزر البحر، وكان في تلك الجزيرة رجل يقطع الطريق، ولم يَدَعْ لله حُرمَة إلاَّ وانتهكها، فلم يعلم إلاَّ والمرأة قائمة على رأسه، فرفع رأسه إليها، فقال: إنسيَّة أمْ جِنِّيَّة؟

قالت: إنسيَّة.

فلم يكلِّمها كلمة، حتَّى جلس منها مجلس الرجل مِن أهله، فلمَّا أنْ همَّ بها اضطربت، فقال لها: ما لك تضطربين؟

قالت: أفرق مِن هذا، وأومأت بيدها إلى السماء.

قال: وما صنعتِ مِن هذا الشيء، وإنَّما أستكرِهُك استكراهاً، فأنا - والله - أولى بهذا الفَرق والخوف أحقُّ منك.

[ قال: ] فقام ولم يُحدِث شيئاً، ورجع إلى أهله، وليست له هِمَّة إلاَّ التوبة والمُراجعة.

فبينا هو يمشي، إذ صادفه راهب يمشي في الطريق، فحميت عليهما الشمس، فقال الراهب للشابِّ: ادعُ الله يُظلُّنا بغَمامة، فقد حَميت علنيا الشمس.

فقال الشابُّ: ما أعلم أنَّ لي عند رَبِّي حسنة، فأتجاسر على أنْ أسأله شيئاً.

قال: فأدعو أنا، وتؤمِّن أنت؟

قال: نعم.

فأقبل الراهب يدعو والشابُّ يؤمِّن، فما كان بأسرع مِن أنْ أظلَّتهما غَمامة، فمشيا


تحتها مَليَّاً مِن النهار، ثمَّ تفرَّقت الجادَّة جادَّتين، فأخذ الشابُّ في واحدة، وأخذ الراهب في واحدة، فإذا السحابة مع الشابِّ، فقال الراهب: أنت خيرٌ مِنِّي، لك استُجيب، ولم يُستجَب لي، فأخبرني ما قِصَّتك، فأخبره بخبر المرأة.

فقال: غُفر لك ما مضى؛ حيث دخلك الخوف، فانظر كيف تكون فيما تستقبل) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج2.


المرء مع مَن أحبَّ

عن أنس قال: جاء رجل مِن أهل البادية - وكان يُعجبنا أنْ يأتي الرجل مِن أهل البادية يسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - فقال يا رسول الله: متى قيام الساعة؟

فحضرت الصلاة، فلمَّا قضى (صلى الله عليه وآله وسلم) صلاته، قال: (أين السائل عن الساعة؟).

قال: أنا يا رسول الله.

قال: (أعددت لها؟).

قال: والله، ما أعددت لها مِن كثيرِ عملٍ، صلاة ولا صوم، إلاَّ أنِّي أُحبُّ الله ورسوله.

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): (المرء مع مَن أحبَّ).

قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بعد الإسلام بشيء أشدُّ مِن فرحهم بهذا (1) .

____________________

(1) المعاد، ج3.


إنَّما تُقبل شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله مِن هذا ومِن شيعته

عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالساً، وعنده نفر مِن أصحابه، فيهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، إذ قال: (مَن قال لا إله إلاَّ الله دخل الجَنَّة).

فقال رجلان مِن أصحابه: فنحن نقول: لا إله إلاَّ الله.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنَّما تُقبل شهادة: أنْ لا إله إلاَّ الله مِن هذا ومِن شيعته الذين أخذ رَبُّنا ميثاقهم).

فقال الرجلان: فنحن نقول: لا إله إلاّ الله.

فوضع رسول الله يده على رأس عليٍّ (عليه السلام)، ثمَّ قال: (عَلامة ذلك أنْ لا تَحلاَّ عَقده ولا تجلسا مجلسه ولا تُكذِّبا حديثه) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج3.


مَن أحبَّ بقاء الظَّلمة فهو مِنهم وورد النار

عن صفوان بن مهران الجمَّال قال: دخلت على أبي الحسن الأوَّل (عليه السلام)، فقال لي: (يا صفوان، كلُّ شيء مِنك حَسَن جميل، ما خلا واحد).

قلت: جُعلت فِداك! أيُّ شيء؟

قال: (إكراؤك جِمالك مِن هذا الرجل)، يعني: هارون.

قلت: والله ما أكريته أشرَاً ولا بطراً، ولا للصيد ولا للهو، ولكنْ أكريته لهذا الطريق، يعني: طريق مَكَّة، ولا أتولاَّه بنفسي، ولكنْ أبعث معه غُلماني.

فقال لي: (يا صفوان، أيقع في كراؤك عليهم؟).

قلت: نعم، جُعلِت فِداك.

قال لي: (أتُحبُّ بقاءهم حتَّى يخرج كِراؤك؟).

قلت: نعم.

قال: (مَن أحبَّ بقاءهم؛ فهو منهم، ومَن كان منهم ورد النار).

قال صفوان: فذهبت وبعت جمالي عن آخرها.

فبلغ ذلك إلى هارون فدعاني، فقال لي: يا صفوان، بلغني أنَّك بعت جِمالك؟

قلت: نعم.

فقال: هيهات هيهات، إنِّي لأعلم مَن أشار عليك بهذا! أشار عليك بهذا موسى بن جعفر.

قلت: ما لي ولموسى بن جعفر.

فقال: دع هذا عنك، فو الله، لولا حُسن صُحبتك لقتلتك (1) .

____________________

(1) المعاد، ج3.


شيعتنا يُطهَّرون مِن ذنوبهم بالبلايا والرزايا

قال رجل لامرأته: اذهبي إلى فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاسأليها عنِّي أنا مِن شيعتكم؟

فسألتها، فقالت: (قولي: إنْ كنتَ تعمل بما أمرناك، وتُنهى عمَّا زجرناك فأنت مِن شيعتنا، وإلاَّ فلا).

فرجعت وأخبرته فقال: يا ويلا! ومَن ينفكُّ مِن الذنوب والخطايا، فأنا - إذاً - خالد في النار.

فرجعت المرأة، فقالت لفاطمة (عليه السلام) ما قال زوجها، فقالت فاطمة (عليها السلام): (قولي له ليس هكذا، إنَّ شيعنا مِن خيار أهل الجَنَّة، وكلُّ مُحبِّينا إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا ليسوا مِن شيعتنا، وهم مع ذلك في الجَنَّة بعدما يُطهَّرون، ولكنْ إنَّما يُطهَّرون مِن ذنوبهم بالبلايا والرزايا، أو عَرصات القيامة بأنواع شدائدها، أو في الطَّبق الأعلى في جَهنَّم بعذابها، إلى أنْ نستنقذهم بحُبِّنا منهم، أو ننقلهم بحضرتنا) (1) .

____________________

(1) المعاد، ج3.


لم يَنهَ عن تعذيب الديك فساخت به الأرض

كان شيخ ناسك يعبد الله في بني إسرائيل، فبينا هو يُصلِّي في عبادته، إذ بصر بغُلامين صَبيَّين، قد أخذا ديكاً وهما ينتفان ريشه، فأقبل على ما هو فيه مِن العبادة، ولم ينههما عن ذلك، فأوحى الله تعالى إلى الأرض: أنْ سيخي بعبدي، فساخت به الأرض (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


مَن كان هواه معنا فقد شَهِدنا

لما أظفر الله تعالى عليَّاً (عليه السلام) بأصحاب الجَمل، قال له بعض أصحابه:

وددت لو أنَّ أخي فُلاناً كان شهدنا؛ ليرى ما نصرك الله به على أعدائك.

فقال له (عليه السلام): (أهوى أخيك معنا؟).

قال: نعم.

قال: (فقد شَهِدنا، ولقد شَهِدنا في عسكرنا هذا أقوام، في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، سيرعف بهم الزمان، ويقوى بهم الإيمان) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


اليد التي تُنفق على العيال بالكَدِّ لا تمسَّها النار

روى أنس بن مالك: أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لما أقبل مِن غزوة تبوك، استقبله سعد الأنصاري، فصافحه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمَّ قال له: (ما هذا الذي أكنب يديك؟).

قال: يا رسول الله، اضرب بالمَرِّ والمسحاة فانفق على عيالي.

فقبَّل رسول (صلى الله عليه وآله) يده، وقال: (هذه يد لا تمسُّها النار) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


الطريق إلى جميع الكمالات الاستعانة بالحَقِّ على النفس

دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجل اسمه مُجاشع، فقال: يا رسول الله، كيف الطريق إلى معرفة الحَقِّ؟

فقال: (معرفة النفس).

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى رضا الحَقِّ؟

قال: (سَخط النفس).

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى وصل الحَقِّ؟

قال: (هَجْر النفس).

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى طاعة الحَقِّ؟

قال: (عصيان النفس).

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى ذكر الحَقِّ؟

قال: (نسيان النفس).

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى قُرب الحَقِّ؟

قال: (التباعُد مِن النفس).

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى أُنس الحَقِّ؟

قال: (الوَحشة مِن النفس).

فقال: يا رسول الله، فكيف الطريق إلى ذلك؟

قال: (الاستعانة بالحَقِّ على النفس) (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


انظر لنفسك.. ولا يُلهينَّك الأمل

قال البزنطي: بعث إليَّ الرضا (عليه السلام) فجئته إلى حَرباء، فمكثتها عامَّة الليل، ثمَّ أُوتيت بعِشاء، فلمَّا أصبحت مِن العِشاء قال: (ما تُريد، أتنام؟).

قلت: بلى، جُعِلت فِداك.

فطرح عليَّ المِلحفة والكِساء، ثمَّ قال: (بيَّتك الله في عافية)، وكنَّا على سَطحٍ، فلمَّا نزل مِن عندي قلتُ في نفسي: قد نِلتُ مِن هذا الرجل كرامة ما نالها أحدٌ قَطُّ.

فإذا هاتف يَهتف بي: يا أحمد، ولم أعرف الصوت، حتَّى جاءني مولىً له.

قال: فنظرت، فإذا هو مُقبل إليَّ، فقال: كفَّك. فنازلته كفِّي، فعصره، ثمَّ قال: إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أتى صعصعة بن صوحان عائداً له، فلمَّا أراد أنْ يقوم مِن عنده قال: (يا صعصعة بن صوحان، لا تفتخر بعيادتي إيَّاك، وانظر لنفسك وكأنَّ الأمر قد وصل إليك ولا يُلهينَّك الأمل أستودعك الله) (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


ليس لأحدٍ فضلٌٌ على أحدٍ إلاَّ بالتقوى

عن عقبة بن بشير الأسدي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أنا عقبة بن بشير الأسدي، أنا في الحسب الضَّخم مِن قومي.

قال: فقال: (ما تمنُّ علنيا بحَسَبك إنْ الله رفع بالإيمان مَن كان الناس يُسمُّونه وضيعاً إذا كان مؤمناً، ووضع بالكُفر مَن كان الناس يُسمُّونه شريفاً إذا كان كافراً، فليس لأحدٍ فضلٌ على أحدٍ إلاَّ بالتقوى) (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


لا تغضب

قال الصادق (عليه السلام): (إنَّ رجلاً جاء إلى عيسى بن مريم، فقال: يا روح الله، إنِّي زنيت فطهِّرني، فأمر عيسى (عليه السلام) أنْ يُناد في الناس: لا يبقى أحد إلاَّ خرج بتطهير فُلان.

فلمَّا اجتمع واجتمعوا، وصار الرجل في الحُفرة نادى الرجل في الحُفرة: لا يَحدُّني مَن لله تعالى في جَنبه حَدٌّ، فانصرف الناس كلُّهم إلاَّ يحيى وعيسى (عليهما السلام)، فدنا منه يَحيى، فقال له: يا مُذنب، عِظني.

فقال: لا تخلينَّ بين نفسك وبين هواها فتردى.

قال: زِدني.

قال: لا تُعَيِّرنَّ خاطئاً بخطيئته.

قال: زِدني.

قال: لا تغضب.

قال: حَسْبي) (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


كثرة الأكل تُعجِب الشيطان

قال يحيى (عليه السلام) (لإبليس): (فهل ظفرت بي ساعة قَطُّ؟).

قال: لا، ولكنْ فيك خِصلة تُعجبني.

قال يحيى: (فما هي؟).

قال: أنت رجل أكول، فإذا أكلت وبشمت، يمنعك ذلك مِن بعض صلاتك وصيامك بالليل.

قال يحيى (عليه السلام): (فإنِّي أُعطي الله عهداً، ألاَّ أشبع مِن الطعام حتَّى ألقاه).

قال له إبليس: وأنا أُعطي الله عهداً، ألاَّ أنصح مسلماً حتَّى ألقاه (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


أين شُكره على ما أنعم؟

عن الزهري قال: دخلت مع علي بن الحسين (عليهما السلام) على عبد الملك بن مروان، قال: فاستعظم عبد الملك ما رأى مِن أثر السجود بين عينَيْ علي بن الحسين (عليهما السلام)، فقال: يا أبا محمد، لقد بان عليك الاجتهاد، ولقد سبق لك مِن الله الحُسنى، وأنت بضِعةٌ مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قريب النسب، وَكْيد السبب، وإنَّك لذو فضل عظيم على أهل بيتك، وذوي عصرك، ولقد أوتيت مِن الفضل والعلم، والدين والورع، ما لم يؤتَه أحدٌ مِثلك ولا قبلك، إلاَّ مَن مضى مِن سلفك، وأقبل يُثني عليه ويُطريه.

قال: فقال علي بن الحسين (عليه السلام): (كلُّ ما ذكرته ووصفته مِن فضل الله سبحانه، وتأييده، وتوفيقه، فأين شُكره على ما أنعم؟!) (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


يا رَبِّ حَقِّي قد وهبته وأنت أجود مِنِّي

أتى رجل أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: إنَّ فلاناً ابن عَمِّك ذكرك فما ترك شيئاً مِن الوقيعة إلاَّ قاله فيك.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للجارية: (ايتيني بوضوء، فتوضَّأ ودخل).

فقلت في نفسي: يدعو عليه.

فصلَّى رَكعتيين، فقال: (يا رَبِّ، حَقِّي قد وهبته، وأنت أجود مِنِّي وأكرم، فهبه لي، ولا تؤاخذه لي ولا تقايسه).

ثمَّ رَقَّ، فلم يزل يدعو، فجعلت أتعجَّب (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


مَن أحياها فكأنَّما أحيا الناس جميعاً

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أُتي أمير المؤمنين (عليه السلام) برجل وِجِد في خَربة، وبيده سِكِّين مُلطَّخ بالدَّم، وإذا رجل مذبوح يتشحَّط في دَمِه.

فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما تقول؟).

قال: يا أمير المؤمنين، أنا قتلته.

قال: (اذهبوا به).

فلمَّا ذهبوا به أقبل رجل مُسرِع، فقال: لا تعجلوا، وردُّوه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فردُّوه.

فقال: والله - يا أمير المؤمنين - ما هذا صاحبه، أنا قتلته.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) للأوَّل: (ما حَمَلك على إقرارك على نفسك ولم تفعل؟).

فقال: يا أمير المؤمنين، وما كنت أستطيع أنْ أقول، وقد شَهِد عليَّ أمثال هؤلاء الرجال، وأخذوني وبيدي سِكِّين مُلطَّخ بالدَّم، والرجل يتشحَّط في دَمِه، وأنا قائم عليه، وخِفت الضرب فأقررت، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخَربة شاة، وأخذني البول؛ فدخلت الخربة؛ فرأيت الرجل يتشحَّط في دَمِه، فقُمت مُتعجِّباً، فدخل عليَّ هؤلاء فأخذوني.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (خذوا هذين، فاذهبوا بهما إلى الحسن، وقصُّوا عليه قِصَّتهما، وقولوا له: ما الحُكم فيهما؟).

فذهبوا إلى الحسن (عليه السلام)، فقصُّوا عليه قِصَّتهم، فقال الحسن (عليه السلام): (قولوا لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنْ هذا كان ذبح ذاك فقد أحيا هذا، وقد قال الله تعالى عَزَّ وجَلَّ: ( ... وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً... ) (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


المال يَفنى والبدن يَبلى والعمل يبقى

قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يا عمار، أنت رَبُّ مالٍ كثير؟).

قال: نعم، جُعلِت فِداك.

قال: (فتؤدِّي ما افترض الله عليك مِن الزكاة؟).

قال: نعم.

قال: (فتُخرِج المعلوم مِن مالك؟).

قال: نعم.

قال: (فتَصلْ قرابتك؟).

قال: نعم.

قال: (فتَصلْ إخوانك؟).

قال: نعم.

فقال: (يا عمار، إنَّ المال يفنى، والبدن يبلى، والعمل يبقى، والدَّيَّان حيُّ لا يموت. يا عمار، إنَّه ما قَدَّمت فلن يسبقك، وما أخَّرت فلن يَلحقك) (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


ربَّما سمعت مِن يَشتم عليٍّ...

فأمرُّ به فأُسلِّم عليه وأُصافحه

عن ابن مسكان قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): (إنِّي لأحَسبك إذا شُتِمَ عليٌّ (عليه السلام) بين يديك، لو تستطيع أنْ تأكل أنف شاتمه لفعلت!).

فقلت: إيْ والله - جُعِلت فِداك - إنِّي لهكذا وأهل بيتي.

فقال لي: (فلا تفعل، فوالله، لرُبَّما سمعت مَن يَشتم عليَّاً، وما بيني وبينه إلاَّ اسطوانة فأستتر بها، فإذا فرغت مِن صلاتي فأمرُّ به فأُسلِّم عليه وأُصافحه) (1) .

____________________

(1) شرح مَكارم الأخلاق، ج1.


مروءة أهل بيت النبوَّة

عمرو بن علي (عليه السلام)، قال: كان هشام بن إسماعيل يُسيء جواري، وقد لقي منه علي بن الحسين (عليهما السلام) أذىً شديد، فلمَّا عُزِل أمر به الوليد أنْ يوقَف للناس.

قال: فمَرَّ به علي بن الحسين (عليهما السلام)، وقد أوقِف عند آل مروان، قال: فسلَّم عليه.

قال: وكان علي بن الحسين (عليهما السلام) قد تقدَّم إلى خاصَّته أنْ لا يتعرَّض له أحد (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


الصبر على سوء خُلق الجار يورِث الفَرَج

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فشكا إليه أذى جاره، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): اصبِر.

ثمَّ أتاه ثانية، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): اصبر.

ثمَّ عاد إليه فشكاه ثالثة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) - للرجل الذي شكا ـ: إذا كان عند رواح الناس إلى الجمعة، فأخِّر مَتاعك إلى الطريق يراه مَن يروح إلى الجمعة، فإذا سألوك فأخبرهم.

قال: ففَعَل.

فأتاه جاره المؤذي له فقال: رُدَّ متاعك ولك الله عليَّ أنْ لا أعود (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


الحرب خديعة

في غزوة الأحزاب جرى بين عليٍّ (عليه السلام) وعمرو بن وِدِّ كلام فقال علي: يا عمرو، أما كفاك أنِّي بارزتك وأنت فارس العرب حتَّى استعنت عليَّ بظهير؟!

فالتفت عمرو إلى خلفه، فضربه أمير المؤمنين (عليه السلام) مُسرعاً على ساقيه فأطنَّهما جميعاً، وأقبل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تسيل الدماء على رأسه مِن ضربة عمرو وسيفه يقطر منه الدم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (يا علي، ما كَرْتَه؟!).

قال: نعم يا رسول الله، الحرب خديعة (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


ولا تَهِنوا في ابتغاء القوم

إنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لمَّا رَجِع مِن وقعة أحد ودخل المدينة، نزل عليه جبرائيل فقال: (يا محمد، إنَّ الله يأمرك أنْ تخرج في أثر القوم، ولا يخرج معك إلاّ مَن به جِراحة).

فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) مُنادياً يُنادي: يا معشر المُهاجرين والأنصار، مَن كانت به جِراحة فليخرُج، ومَن لم يكن به جِراحة فليُقِم.

فأقبلوا يُضمِّدون جِراحاتهم ويُداوونها، فأنزل الله على نبيِّه (صلى الله عليه وآله): ( وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ... ) (النساء: 104) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


لقد مُلئ قلبي منه رُعباً

عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: (إنَّ مسلم بن عقبة بايع الناس على أنَّهم عبيد ليزيد، ومَن أبى ذلك أمَرَّهُ مُسرف على السيف).

ونظر الناس إلى علي بن الحسين السجَّاد وقد لاذ بالقبر وهو يدعو، فأُتي به إلى مُسرف وهو مُغتاظ عليه، فتبرَّأ منه ومِن آبائه، فلما رآه وقد أشرف عليه ارتعد وقام له وأقعده إلى جانبه، وقال له: سَلني حوائجك، فلم يسأله في أحد مِمَّن قُدِّم إلى السيف إلاّ شفَّعه فيه، ثمَّ انصرف عنه.

وقيل لمسلم: رأيناك تسبُّ هذا الغُلام وسلفه، فلما أُتي به إليك رفعت منزلته؟!

فقال: ما كان ذلك لرأيٍ مِنِّي لقد مُلئ قلبي منه رُعباً (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


إنِّي أكره لكم أنْ تكونوا سبَّابين

سمع علي بن أبي طالب (عليه السلام) قوماً مِن أصحابه يسبُّون أهل الشام أيَّام حربهم بصِفِّين، فقال لهم: (إنِّي أكره لكم أنْ تكونوا سبَّابين، ولكنَّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم كان أصوب في القول وأبلغ في العُذر، وقلتم مكان سَبِّكم إيَّاهم:

اللَّهمَّ احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهْدِهم مِن ضلالتهم، حتَّى يعرف الحَقَّ مِن جَهله) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


سُبْحان الله! تقذف أُمَّه؟!

قال عمرو بن نعمان الجُعفيِّ: كان لأبي عبد الله (عليه السلام) صَديق لا يكاد يُفارقه أين يذهب، فبينا هو يمشي معه في الحذائين، ومعه غُلام له سِنديٌّ يمشي خلفهما، إذ التفت الرجل يُريد غُلامه ثلاث مَرَّات فلم يره، فلمَّا نظر في الرابعة، قال: يا ابن الفاعلة أين كنت؟

قال فرفع أبو عبد الله (عليه السلام) يده فصكَّ بها جَبهة نفسه، ثمَّ قال: (سبحان الله! تقذف أُمَّه؟! قد كنتُ أرى أنَّ لك ورعاً، فإذاً ليس لك ورعٌ!).

فقال: جُعِلت فِداك! إنَّ أُمَّه سِنديَّة مُشركة.

فقال: (أما علمت أنَّ لكلِّ أُمَّة نكاحاً؟! تنحَّ عنِّي).

فما رأيته يمشي معه حتَّى فرَّق الموت بينهما (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج1.


الله يُحبُّ المُحسنين

كانت جارية لعليِّ بن الحسين (عليهما السلام) تسكب له الماء، فسقط الإبريق مِن يدها، فشجَّه، فرفع رأسه إليها، فقالت:

إنَّ الله تعالى يقول: ( ... وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ... ) (آل عمران: 134).

فقال: (كظمت غيظي).

قالت: ( ... وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ... ) .

قال: (عفوتُ عنك).

قالت: ( ... وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ... ) .

قال: (اذهبي، فأنت حُرَّة لوجه الله) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


إصلاح ذات بَيْنِ المُوالين لأبي عبد الله

عن أبي حنيفة سائق الحاج قال:

مَرَّ بنا المُفضَّل وأنا وخَتني نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة، ثمَّ قال لنا: تعالوا إلى المنزل، فأتيناه، فأصلح بيننا بأربعمئة درهم، فدفعها إلينا مِن عنده، حتَّى إذا استوثق كلُّ واحدٍ مِنَّا مِن صاحبه.

قال: أما إنَّها ليست مِن مالي، ولكنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) أمرني إذا تنازع رجلان مِن أصحابنا في شيءٍ أنْ أصلِح بينهما، وأفتديهما مِن ماله، فهذا مِن مال أبي عبد الله (عليه السلام) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


اتَّبع النبي لأفعاله الكريمة

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (إنَّ عليَّاً صاحب رجلاً ذِميَّاً في طريق، فقال له: (الذِّمِّي أين تُريد يا عبد الله؟).

قال: أُريد الكوفة.

فلمَّا عدل الطريق بالذِّمِّي عدل معه عليٌّ، فقال الذِّمِّي له: أليس زعمت تُريد الكوفة؟!

قال: (بلى).

قال الذِّمِّي: فقد تركت الطريق.

قال عليٌّ (عليه السلام): (قد علمت).

فقال له: فلم عدلت معي وقد علمت ذلك؟!

فقال له علي: (هذا مِن تمام حُسن الصُّحبة أنْ يُشيِّع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه، وكذلك أمرنا نبيُّنا).

فقال له: هكذا أمركم؟!

قال: (نعم).

فقال الذِّمِّي: لا جَرَم، أنَّما اتَّبعه مَن تبعه لأفعاله الكريمة، وأنا أُشهدك أنِّي على دينك، فرجع الذِّمِّي مع عليٍّ، فلمَّا عرفه أسلم (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


صَدَّقَتني إذ كذَّبتم وآمنت بي إذ كفرتم

عن علي (عليه السلام) قال: ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) خديجة يوماً وهو عند نسائه وبكى، فقالت عائشة: ما يُبكيك على عجوز حمراء من عجائر بني أسد؟!

فقال: (صَدَّقتي إذ كذَّبتم، وآمنت بي إذ كفرتم، وولدت لي إذ عَقمتم).

قالت عائشة: فما زلت أتقرَّب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذكرها (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


.. والله هذا يفي بدماء أهل الأرض!

قال أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام): (إنَّ رجلاً جاء إلى علي بن الحسين (عليهما السلام) برجل يزعم أنَّه قاتل أبيه، فاعترف، فأوجب عليه القِصاص، وسأله أنْ يعفو عنه ليُعظِّم الله ثوابه، فكأنَّ نفسه لم تَطِبْ بذلك.

فقال علي بن الحسين (عليهما السلام) للمُدَّعي للدَّم - الولي المُستحقُّ للقِصاص ـ: إنْ كنت تذكر لهذا الرجل عليك فضلاً فَهب له هذه الجناية واغفر له هذا الذنب.

قال: يا بن رسول الله، له عليَّ حَقٌ، ولكنْ لم يبلغ أنْ أعفو عن قتل والدي.

قال: فتُريد ماذا؟

قال: أُريد القَود، فإنْ أراد لحَقِّه عليَّ أنْ أُصالحه على الدِّيَّة صالحته وعفوت عنه.

فقال علي بن الحسين: فماذا حَقُّه عليك؟

قال يا بن رسول الله: لقَّنني توحيد الله ونبوَّة محمد رسول الله وإمامة عليٍّ والأئمَّة.

فقال علي بن الحسين (عليهما السلام): فهذا لا يفي بدم أبيك؟! بلى - والله - هذا يفي بدماء أهل الأرض.

قال عليِّ بن الحسين للقاتل: أفتجعل لي ثواب تلقينك له حتَّى أبذل لك الدِّيَّة فتنجو بها مِن القتل؟

قال: يا بن رسول الله، أنا مُحتاج إليها وأنت مُستغنٍ عنها؛ فإنَّ ذنوبي عظيمة وذنبي إلى هذا المقتول أيضاً بيني وبينه لا بيني وبين وليِّه هذا.

قال علي بن الحسين (عليهما السلام): فتستسلم للقتل أحبُّ إليك مِن نزولك عن هذا التلقين قال: بلى - يا بن رسول الله ـ) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


حاجة المؤمن رحمة مِن الله لمَن طُلِبت منه

عن إسماعيل بن عمار الصيرفي قال:

قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جُعِلت فِداك! المؤمن رحمة على المؤمن؟

قال: (نعم).

قلت: وكيف ذاك؟

قال: (أيُّما مؤمن أتى أخاه في حاجة، فإنَّما ذلك رحمة مِن الله ساقها إليه وسبَّبها له، فإنْ قضى حاجته كان قد قبل الرحمة بقبولها، وإنْ ردَّه عن حاجته وهو يقدر على قضائها، فإنَّما ردَّ عن نفسه رحمة مِن الله جَلَّ وعَزَّ ساقها إليه، وسبَّبها له وذخر الله عَزَّ وجَلَّ تلك الرحمة إلى يوم القيامة حتَّى يكون المردود عن حاجته هو الحاكم فيها، إنْ شاء صرفها إلى نفسه، وإنْ شاء صرفها إلى غيره.

يا إسماعيل، فإذا كان يوم القيامة وهو الحاكم في رحمة مِن الله قد شُرعت له فإلى مَن ترى يَصرفها؟).

قلت: أظنَّ أنَّه لا يَصرفها عن نفسه.

قال: (لا تظنَّ، ولكنْ استيقن؛ فإنَّه لن يردَّها عن نفسه) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


خُذْها فإنِّي إليك مُعتذِر

قال الحسين (عليه السلام): (يا قَنبر، هل بقي مِن مال الحِجاز شيءٌ؟).

قال: نعم، أربعة آلاف دينار.

فقال: (هاتِها؛ جاءها مَن هو أحَقُّ بها منَّا).

ثمَّ نزع بُرْدَته ولفَّ الدنانير فيها، وأخرج يده مِن شَقِّ الباب؛ حياءً مِن الأعرابي وأنشأ:

خُذْها فإنِّي إليك مُعتذِر

واعلم بأنِّي عليك ذو شَفقة (1)

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


إيَّاكم والمُحقَّرات مِن الذنوب

قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نزل بأرض قَرعاء ما بها مِن حَطب.

قال: فليأت كلُّ إنسان بما قَدِر عليه.

فجاءوا به حتَّى رموا بين يديه بعضه على بعضٍ.

فقال رسول الله: هكذا تجتمع الذنوب.

ثمَّ قال: إيَّاكم والمُحقَّرات مِن الذنوب؛ فإنَّ لكلِّ شيءٍ طالباً ألاَ وإنَّ طالبها يكتب) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


أنفقوا عليه مِن بيت المال

مَرَّ شيخ كبير مكفوف البصر يسأل، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ما هذا؟).

قالوا: نصرانيٌّ.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (استعملتموه حتَّى إذا كَبر وعَجز منعتموه! أنفقوا عليه مِن بيت المال) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


مَن زار أخاً في الله مُحبَّاً له فقد زار الله ووجبت له الجَنَّة

قال النبي (صلى الله عليه وآله): (إنَّ مَلَكاً لقيَ رجلاً قائماً على باب دار، فقال له: يا عبد الله، ما حاجتُك في هذه الدار؟

فقال: أخٌ لي فيها أردت أنْ أُسلِّم عليه.

فقال: بينك وبينه رَحمٌ ماسَّة أو نزعتك إليه حاجة.

فقال: ما لي إليه حاجة، غير أنِّي أتعهَّده في الله رَبِّ العالمين، ولا بيني وبينه رَحم ماسَّة أقرب مِن الإسلام.

فقال له المَلَك: إنِّي رسول الله إليك، وهو يُقرؤك السلام، ويقول لك:

إيَّاي زُرت، فقد أوجبتُ لك الجَنَّة.

وقد عافيتك مِن غَضبي ومِن النار، لحُبِّك إيَّاه فيَّ) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


اتَّبع عليَّاً وحزبه فإنَّه مع الحَقِّ والحَقُّ معه

لمَّا كان يوم صِفِّين، خرج عمار بن ياسر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له: يا أخا رسول الله، أتأذن لي في القتال؟

قال: (مَهْلاً رحمك الله).

فلمَّا كان بعد ساعة أعاد (عليه السلام) فأجابه بمِثله.

فأعاد ثالثاً، فبكى أمير المؤمنين، فنظر إليه عمار.

فقال: يا أمير المؤمنين، إنَّه اليوم الذي وصفني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنزل أمير المؤمنين عن بَغلته، وعانق عمار، وودَّعه.

ثمَّ قال: (يا أبا اليقظان، جَزاك الله عن الله وعن نبيِّك خيراً، فنِعْمَ الأخُ كنت ونِعْمَ الصاحب كنت).

ثمَّ بكى (عليه السلام) وبكى عمار ثمَّ قال: والله - يا أمير المؤمنين - ما تبعتك إلاَّ ببصيرة، فإنِّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم حُنين:

(يا عمار، ستكون بعدي فِتنة وإذا كان ذلك فاتَّبع عليَّاً وحزبه؛ فإنَّه مع الحَقِّ والحَقُّ معه) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


لاستجابة الدعاء لا بُدَّ مِن الطريق الذي أمر الله به

عن عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) قال:

(مَرَّ موسى بن عمران برجل، وهو رافع يده إلى السماء يدعو الله، فانطلق موسى في حاجته، فغاب سبعة أيَّام، ثمَّ رجع إليه وهو رافع يده إلى السماء، فقال:

يا رب، هذا عبدك رافع يديه إليك يسألك حاجة مُنذ سبعة أيَّام لا تستجيب له.

[ قال: ] فأوحى الله إليه:

يا موسى، لو دعاني حتَّى تسقط يداه أو ينقطع لسانه ما استجبت له حتَّى يأتيني مِن الباب الذي أمرته) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


لا ترفع حاجتك إلاَّ إلى أحد ثلاثة..

جاء رجل مِن الأنصار يسأل أبا عبد الله حاجة، فقال (عليه السلام):

(يا أخا الأنصار، صِنْ وجهك عن بِذْلَة المسألة، وارفع حاجتك في رقعة، فإنِّي آتٍ فيها ما هو سارُّك إنْ شاء الله).

فكتب: يا أبا عبد الله، إنَّ لفلان عليَّ خمسمئة دينار وقد ألحَّ عليَّ، فكلِّمه يُنظرني إلى مَيسرة، فلمَّا قرأ الحسين (عليه السلام) الرُّقعة، دخل إلى منزله، فأخرج صُرَّة فيها ألف دينار، وقال (عليه السلام) له:

(أمَّا خمسمئة فاقض بها ذِمَّتك، وأمَّا خمسمئة فاستعن بها على دهرك؛ لا ترفع حاجتك إلاَّ إلى أحد ثلاثة: إلى ذي دَيْن أو مُروءة أو حسب) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


إذا وجَدْنا بذلنا وإذا فقدنا شكرنا

عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه مَرَّ يوماً على قوم، فرآهم أصحَّاء جالسين في زاوية المسجد، فقال (عليه السلام): (مَن أنتم؟).

قالوا: نحن المُتوكِّلون.

قال (عليه السلام): (لا، بلْ أنتم المُتأكِّلة، فإنْ كُنتم مُتوكِّلين، فما بلغ توكُّلكم؟).

قالوا: إذا وجدنا أكلنا، وإذا فقدنا صبرنا.

قال (عليه السلام): (هكذا تفعل الكلاب عندنا).

قالوا: فما نفعل؟

قال: (كما نفعل).

قالوا: كيف تفعل؟

قال (عليه السلام): (إذا وجَدْنا بذلنا، وإذا فقدْنَا شكرنا) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


لا تدعُ سِوى الله

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لمَّا أمر المَلِك بحبس يوسف في السِّجن، ألهمه الله تبارك وتعالى تأويل الرُّؤيا، فكان يُعبِّر لأهل السِّجن رؤياهم.

فقال صاحباه له: إنَّا رأينا رؤيا فعبِّرها لنا.

فقال: وما رأيتُما؟

قال أحدهما: إنِّي أراني أحمل فوق رأسي خُبزاً تأكل الطير منه.

وقال الآخر: إنِّي رأيت أنَّي أسقي المَلِك خمر.

ففسَّر لهما رؤياهما بما في الكتاب، ثمَّ قال - للذي ظنَّ أنَّه ناجٍ منهما ـ: اذكُرني عند رَبِّك.

قال: ولم يفزع يوسف في حاله إلى الله فيدعوه، فلذلك قال الله تعالى: ( ... فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ... ) .

قال أبو عبد الله (عليه السلام) قال الله ليوسف:

ألستُ الذي حبَّبتك إلى أبيك، وفضَّلتك على الناس بالحُسن؟! أوَ لستُ الذي سُقْت إليك السيَّارة وأنقذتك، وأخرجتك مِن الجُبِّ؟! أوَ لستُ الذي صرفت عنك كيد النِّسوة؟! فما حَمَلك على أنْ تدعو مَخلوقاً هو دوني؟! فالبث بما قلت بضع سنين ) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


.. وعِزَّتي وجَلالي لأقطعنَّ أمل كلِّ مؤمَّلٍ غيري

عن محمد بن عجلان قال: أصابتني فاقة شديدة وضائقة، ولا صديق لمَضيق، ولزمني دَيْنٌ ثقيل وغَريم يُلحُّ بقضائه، فتوجَّهت نحو دار الحسن بن زيد - وهو يومئذٍ أمير المدينة - لمعرفة كانت بيني وبينه، وشَعر بذلك مِن حالي محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين، وكانت بيني وبينه قديمُ معرفة، فلَقيني في الطريق، فأخذ بيدي، وقال لي: قد بلغني ما أنت بسبيله ولا تسعف بطلبتك، فعليك بمَن يقدر على ذلك وهو أجود الأجودين، فالتمسْ ما تؤمله مِن قِبَله، فإنِّي سمعت ابن عمِّي جعفر بن محمد (عليهما السلام) يُحدِّث عن أبيه عن جَدِّه، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أوحى الله عَزَّ وجَلَّ إلى بعض أنبيائه في بعض وحيه إليه: وعِزَّتي وجلالي، لأقطعنَّ أمل كلِّ مؤمَّل غيري بالإياس، ولأكسونَّه ثوب المَذلَّة ولأُبعدنَّه مِن فَرَجي وفَضلي، أيؤمِّل عبدي في الشدائد غيري والشدائد بيدي؟! أو يرجو سواي وأنا الغنيُّ الجَواد؟!).

فقلت له: يا ابن رسول الله، أعِدْ عليَّ هذا الحديث، فأعاده ثلاثاً، فقلت: لا والله، لا سألت بعد هذا حاجة، فما لبثت أنْ جاءني الله برزق وفضل مِن عنده (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


.. اللَّهمَّ لا تكلني إلى نفسي طَرفة عين أبد..

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بيت أُمِّ سَلمة في ليلتها، ففقدته مِن الفراش، فدخلها مِن ذلك ما يدخل النساء، فقامت تطلبه في جوانب البيت، حتَّى انتهت إليه، وهو في جانبٍ مِن البيت قائم رافع يديه يبكي، وهو يقول:

اللَّهمَّ، لا تنزع مِنَّي صالح ما أعطيتني أبداً.

اللَّهمَّ، ولا تكلني إلى نفسي طَرْفة عين أبداً.

اللَّهمَّ، لا تُشمِت بي عدوَّاً ولا حاسداً أبداً.

اللَّهمَّ، لا تُرِدْني في سوءٍ استنقذتني منه أبداً) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


إيَّاك أنْ تكون فحَّاشاً أو صخَّاباً أو لعَّاناً

عن سماعة قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال لي مُبتدئاً:

(يا سماعة، ما هذا الذي كان بينك وبين جمالك؟ إيَّاك أنْ تكون فَحَّاشاً أو صخَّاباً أو لعَّاناً).

فقلت: والله، لقد كان ذلك أنَّه ظلمني.

فقال: (إنْ كان ظلمك لقد أربيت عليه، إنَّ هذا ليس مِن فعالي ولا آمر به شيعتي. استغفرْ رَبَّك ولا تعُدْ).

قلت: أستغفر الله ولا أعود (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


إذا تناولتم المُشركين فعمُّوا ولا تخصُّوا

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

(خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعرض الخيل فمَرَّ بقبر أبي أُحيحة.

فقال أبو بكر: لعن الله صاحب هذا القبر. فوَ الله، إنْ كان ليصُدَّ عن سبيل الله، ويُكذِّب رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فقال خالد ابنه: ولعنَ الله أبا قحافة. فوالله، ما كان يُقري الضيف، ولا يُقاتل العدوَّ؛ فلعن الله أهونهما على العشيرة فقداً.

فألقى رسول الله (صلى الله عليه وآله) خِطام راحلته على غاربها، ثمَّ قال:

إذا أنتم تناولتم المُشركين فعمُّوا، ولا تخصُّوا فيغضب ولده) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


حَقُّ شكر الله أنْ تقول: الحمد لله

روي أنَّ الصادق (عليه السلام) قد ضاعت دابَّته، فقال:

(لئن ردَّها الله عليَّ لأشكرَنَّ الله حَقَّ شُّكره).

قال الراوي: فما لبث أنْ أُتي بها.

فقال: (الحمد لله).

فقال قائل: جُعِلت فداك! أليس قلت: لأشكرنَّ الله حَقَّ شُكره؟!

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (ألم تسمعني قلت: الحمد لله؟!) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


اذهب مع أخيك في حاجته ولو كنت في الطواف

عن أبان بن تغلب قال:

كنت أطوف مع أبي عبد الله (عليه السلام)، فعرض لي رجل مِن أصحابنا، يسألني الذهاب معه في حاجة، فأشار إليَّ، فكرهت أنْ أدع أبا عبد الله (عليه السلام) وأذهب إليه، فبينا أنا أطوف، إذ أشار إليَّ أيضاً، فرآه أبو عبد الله (عليه السلام) فقال:

(يا أبان، إيَّاك يُريد هذا؟).

قلت: نعم.

قال: (فمَن هو؟).

قلت: رجل مِن أصحابنا.

قال: (هو على مِثل ما أنت عليه؟).

قلت: نعم.

قال: (فاذهب إليه).

قلت: فأقطع الطواف؟

قال: (نعم).

قلت: وإنْ كان طواف الفريضة؟

قال: (نعم).

قال: فذهبت إليه (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


قضاء حاجة المؤمن كعبادة الله تسعة آلاف سنة..

عن ابن عباس قال:

كنت مع الحسن بن علي في المسجد الحرام، وهو مُعتكف يطوف بالكعبة. فعرض له رجل مِن شيعته فقال: يا ابن رسول الله، إنَّ عليَّ ديناً لفُلان، فإنْ رأيت أنْ تقضي عنِّي؟

فقال: (ورَبِّ هذه البنية، ما أصبح عندي شيء).

فقال: إنْ رأيت أنْ تستمهله عنِّي؛ فقد تَهدَّدني بالحبس.

قال ابن عباس: فقطع الحسن بن علي الطواف، وسعى معه.

فقلت: يا ابن رسول الله، أنسيت أنَّك مُعتكِف؟!

فقال: (لا، ولكنْ سمعت أبي (عليه السلام) يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآل) يقول:

مَن قضى أخاه المؤمن حاجة، كان كمَن عبد الله تسعة آلاف سنة، صائماً نهاره وقائماً ليله) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج2.


ادفعوا حُجَّة الله بقضاء حوائج إخوانكم

عن داود بن سرحان قال:

كنَّا عند أبي عبد الله (عليه السلام)، إذ دخل عليه سَدير الصيرفي، فسلَّم وجلس فقال له: (يا سدير، ما كثر مال رجل قطُّ إلاَّ عظمت الحُجَّة لله تعالى عليه، فإنْ قدرتم أنْ تدفعوها عن أنفسكم فافعلوا).

فقال له: يا بن رسول الله، بماذا؟

قال: (بقضاء حوائج إخوانكم في أموالكم) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


إنْ كان أعتقني لله فليدَعْني لله..

روي أنَّ بلالاً أبى أنْ يُبايع أبا بكر وأنَّ عمر أخذ بتلابيبه وقال له:

يا بلال، هذا جزاء أبي بكر منك، أنْ أعتقك فلا تجيء تُبايعه؟

فقال: إنْ كان أبو بكر قد أعتقني لله فليَدَعْني لله، وإنْ كان أعتقني لغير ذلك فها أنا ذا، وأمَّا بيعته فما كنت أُبايع مَن لم يستخلفه رسول الله، والذي استخلفه بيعته في أعناقنا إلى يوم القيامة!

فقال له عمر: لا أباً لك، لا تُقِمْ معنا.

فارتحل إلى الشام، وتوفِّي في دمشق بباب الصغير (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


إنَّ لله يوماً يخسر فيه المُبطلون

كان بالمدينة رجل بطَّال يُضحِك الناس، وقد أعياه علي بن الحسين (عليهما السلام) أنْ يُضحكه، فمَرَّ عليٌّ وخلفه موليان له. فجاء الرجل حتَّى انتزع رداءه عن كتفيه (صلوات الله وسلامه عليه)، ثمَّ مضى، فلم يلتفت إليه عليٌّ (عليه السلام)، فاتبعه غُلاماه وأخذا الرِّداء منه، وجاءا به فطرحاه عليه، فقال لهم: (مَن هذا؟).

قالوا: هذا رجل بطَّال يُضحك أهل المدينة.

قال: (قولوا له: إنَّ لله يوماً يخسر فيه المُبطلون) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


كتمان أمري أحبُّ إليَّ

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: كان علي بن الحسين (عليهما السلام) لا يُسافر إلاَّ مع رُفقة لا يعرفونه، ويشترط عليهم أنْ يكون مِن خَدم الرُفقة فيما يحتاجون إليه، فسافر مَرَّة مع قوم، فرآه رجل فعرفه فقال لهم: أتدرون مَن هذا؟

قالوا: لا.

قال: هذا عليُّ بن الحسين (عليهما السلام).

فوثبوا فقبَّلوا يده ورُجله، وقالوا: يا بن رسول الله، أردت أنْ تصلينا نار جَهنَّم؛ لو بدرت مِنَّا إليك يدٌ أو لسان، أما كنا قد هلكنا آخر الدهر فما الذي يحملك على هذا؟!

قال: (إنِّي كنت قد سافرت مَرَّة مع قوم يعرفونني، فأعطوني برسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لا أستحقُّ به، فإنِّي أخاف أنْ تُعطوني مِثل ذلك، فصار كتمان أمري أحبَّ إليَّ) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


ألا قلتَ: ربنا آتنا في الدنيا حسنة..؟!

روي أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل على مريض فقال: (ما شأنك؟).

قال صلَّيتَ بنا صلاة المغرب، فقرأت القارعة، فقلتُ: اللَّهمَّ إنْ كان لي عندك ذنب تُريد أنْ تعذِّبني به في الآخرة، فعجل ذلك في الدنيا، فصرت كما ترى.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (بِئْسَ ما قلتَ! ألا قلتَ: ربَّنا، آتنا في الدنيا حَسنة، وفي الآخرة حسنة وقِنا عذاب النار).

فدعا له حتَّى أفاق (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


البِرِّ ما اطمأنَّ به الصدر والإثم ما تردَّد فيه..

وابصة الأسدي أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: لا أدع مِن البِرِّ والإثم شيئاً إلاّ سألته عنه.

فلمَّا أتاه قال له بعض أصحابه: إليك - يا وابصة - عن رسول الله.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (دعه، ادْنُ يا وابصة).

قال: فدنوت فقال: (تسأل عمَّا جئتَ له أو أُخبرك؟).

قال: أخبرني.

قال: (جئتَ تسأل عن البِرِّ والإثم).

قال: نعم.

فضرب بيده على صدره، ثمَّ قال: (يا وابصة، البِرُّ ما اطمأنَّ به الصدر، والإثم ما تردَّد في الصدر وجال في القلب، وإنْ أفتاك الناس وأفتوك) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


إنَّما نجزع قبل المُصيبة

فإذا وقع أمر الله رضينا وسلَّمنا

عن قتيبة ابن الأعشى، قال: أتيت أبا عبد الله (عليه السلام) أعود ابناً له، فوجدته على الباب، فإذا هو مُهتمٌّ حزين.

فقلت: جُعِلت فداك! كيف الصبيُّ؟

فقال: (إنَّه لِما به).

ثمَّ دخل فمكث ساعة، ثمَّ خرج إلينا وقد أسفر وجهه وذهب التغيُّر والحُزن. فطمعت أنْ يكون قد صَلح الصبيُّ، فقلت: كيف الصبيُّ؟ جُعلت فِداك!

فقال: (قد مضى لسبيله).

فقلت: جُعِلت فداك! لقد كنتَ وهو حَيٌّ مُغتمَّاً حزيناً، وقد رأيت حالك الساعة - وقد مات - غير تلك الحال، فكيف هذا؟!

فقال: (إنَّا أهل البيت، إنَّما نجزع قبل المُصيبة، فإذا وقع أمر الله رضينا بقضائه وسلَّمنا لأمره) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


واهاً لمَن يُذلُّ المؤمنين!

قال الحسين بن أبي العلاء: خرجنا إلى مَكَّة نيِّفاً وعشرين رجلاً، فكنت أذبح لهم في كلِّ منزل شاة، فلمَّا أردت أنْ أدخل على أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

(واهاً - يا حسين - أتُذل المؤمنين؟!).

قلت: أعوذ بالله مِن ذلك.

فقال (عليه السلام): (بلغني أنَّك كنت تذبح لهم في كلِّ منزل شاة).

قلت: يا مولاي، والله، ما أردت بذلك إلاَّ وجه الله تعالى.

فقال (عليه السلام): (أما كنت ترى أنَّ فيهم مَن يُحبُّ أنْ يفعل مثل أفعالك، فلا يبلغ مقدرته ذلك فيتقاصر إليه نفسه).

قلت: يا ابن رسول الله.. أستغفر الله ولا أعود (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


يُقدَّر الرزق بالحلال فيُطلب بالحرام

دخل عليٌّ (عليه السلام) المسجد وقال لرجل: (امسِك عليَّ بغلتي).

فخلع لجامها وذهب به، فخرج عليٌّ (عليه السلام) بعدما قضى صلاته وبيده دِرهمان ليدفعهما إليه مُكافأة له، فوجد البغلة عطلى، فدفع إلى غُلامه الدرهمين ليشتري به لجام، فصادف الغُلام اللجام المسروق في السوق، قد باعه الرجل بدرهمين، فأخذه بالدرهمين وعاد إلى مولاه.

فقال عليٌّ (عليه السلام): (إنَّ العبد ليَحرم نفسه الرِّزق الحلال بترك الصبر، ولا يزداد على ما قدر له) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


أحاديث أهل مصرنا مُنذ دهرنا..!!

جاء رجل إلى الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد فقال: حدَّثني سفيان الثوريّ، عن محمّد بن المنكدر: أنَّه رأى عليَّاً (عليه السلام) على منبرٍ بالكوفة وهو يقول: (لئن أُتيت برجلٍ يُفضلِّني على أبي بكرٍ وعمر لأجلدنَّه حَدَّ المُفتري).

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (زِدْنا).

قال: حدَّثنا سفيان عن جعفرٍ أنَّه قال: حُبُّ أبي بكرٍ وعمر إيمانٌ وبغضهما كُفرٌ .

قال أبو عبد الله (عليه السلام): (زِدْنا).

قال: حدَّثنا سفيان الثوريّ، عن جعفر بن محمّدٍ أنَّ عليَّاً (عليه السلام): لمَّا قتلَ أهل صِفِّين بكى عليهم، وقال جمع الله بيني وبينهم في الجَنَّة.

فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): (مِن أيِّ البلاد أنت؟).

قال: مِن أهل البصرة.

قال: (هذا الذي تُحدِّث عنه وتذكر اسمه (جعفر بن محمّدٍ) هل تعرفه؟).

قال: لا.

قال: (فهل سمعت منه شيئاً قَطُّ؟).

قال: لا.

قال: (فهذه الأحاديث عندك حَقٌّ؟).

قال: نعم.

قال: (فمِنِّي سمعتها؟).

قال: لا أحفظ. ألاَّ أنَّها أحاديث أهل مِصرنا مُنذ دهرنا.


قال له أبو عبد الله (عليه السلام): (لو رأيت هذا الرجل الذي تُحدِّث عنه، فقال لك هذه التي ترويها عِنِّي كَذِبٌ، لا أعرفها ولم أُحدِّث بها، هل كنت تُصدِّقه؟).

قال: لا.

قال: (ولِمَ؟).

قال: لأنَّه شَهِد على قوله رجالٌ، لو شهد أحدهم على عِتق رجلٍ لجاز قوله (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


فعلت هذا اقتداءً بجَدِّي

روي أنَّه لمَّا حُمل عليُّ بن الحسين (عليهم السلام) إلى يزيد هَمَّ بضرب عُنقه، فوقَّفه بين يديه وهو يُكلِّمه ليستنطقه بكلمةٍ يوجب بها قتله، وعليُّ بن الحسين (عليه السلام) يُجيبه حيثما يُكلِّمه وفي يده سِبحةٌ صغيرةٌ يُديرها بأصابعه وهو يتكلَّم.

فقال له يزيد: أنا أُكلِّمك وأنت تُجيبني وتُدير أصابعك بسبحةٍ في يدك، فكيف يجوز ذلك؟

فقال: (حدَّثني أبي عن جَدِّي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنّه كان إذا صلَّى الغداة وانفتل لا يُكلِّم حتَّى يأخذ سِبحةً بين يديه، فيقول:

اللَّهمَّ، إنِّي أصبحت أُسبِّحك وأحمدك، وأُهلِّلك وأُكبِّرك، وأُمجِّدك بعدد ما أُدير به سِبحتي، ويأخذ السِّبحة في يده ويُديرها وهو يتكلَّم بما يُريد مِن غير أنْ يتكلَّم بالتَّسبيح، وذكر أنَّ ذلك مُحتسبٌ له، ففعلت هذا اقتداءً بجَدِّي).

فقال له يزيد مَرّةً بعد أُخرى: لست أُكلِّم أحداً منكم إلاَّ يُجيبني بما يفوز به (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


أبو الحسن وقضيَّة لم يَرد مثلها

قال الصادق (عليه السلام): (رجل مِن أهالي جَبَل - في زمن خلافة علي بن أبي طالب (عليه السلام) - قصد حَجَّ بيت الله الحرام وكان له غُلام معه. فارتكب الغُلام ذنباً وعندها ضرب المولى الغُلام تأديباً.

التفت الغُلام إلى مولاه وقال: أنت لستَ بمولاي بلْ أنا مولاك!

فقررا أنْ يذهبا إلى الكوفة. وعندما وصلا إلى الكوفة ذهبا إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال الذي ضرب الغُلام: أصلحك الله، هذا غُلامٌ لي، وإنَّه أذنب فضربته فوثب عليَّ.

وقال الآخر: هو - والله - غلامٌ لي، إنَّ أبي أرسلني معه ليُعلِّمني، وإنَّه وثب عليَّ يدَّعيني ليذهب بمالي.

قال: فأخذ هذا يَحلف، وهذا يَحلف، وهذا يُكذِّب هذا، وهذا يُكذِّب هذا.

قال فقال عليٌّ (عليه السلام): انطلقا فتصادقا في ليلتكما هذه، ولا تجيئاني إلاّ بحَقٍّ.

فلمَّا أصبح أمير المؤمنين (عليه السلام) قال لقَنبرٍ: اثقُب في الحائط ثَقبين.

قال: وكان إذا أصبح عقَّب حتَّى تصير الشَّمس على رمحٍ يُسبِّح.

فجاء الرَّجلان واجتمع النَّاس، فقالوا: لقد وردت عليه قضيَّةٌ ما ورود عليه مثلها لا يخرج منها.

فقال لهما: ما تقولان؟

فحلف هذا، إنَّ هذا عبده. وحلف هذا، إنَّ هذا عبده.

فقال لهما: فإنِّي لست أراكما تصدقان. ثمَّ قال لأحدهما: أدخِل رأسك في


هذا الثَّقب، وقال للآخر: أدخل رأسك في هذا الثَّقب.

ثمَّ قال: يا قنبر، عليَّ بسيف رسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عَجِّل اضرب رقبة العبد منهم.

قال: فأخرج الغلام رأسه مُبادراً.

فقال عليٌّ (عليه السلام) للغُلام: ألست تزعم أنَّك لست بعبدٍ؟

ومَكث الآخر في الثَّقب.

فقال: بلى، ولكنَّه ضربني وتعدَّى عليَّ.

قال فتوثَّق له أمير المؤمنين (عليه السلام) ودفعه إليه) (1).

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


ما قلَّ وكفى خيرٌ مِمَّا كثُر وألهى

مَرَّ رسول الله براعي إبلٍ فبعث يستسقيه، فقال: أمَّا ما في ضروعها فصَبوح الحَيِّ، وأمَّا ما في آنيتنا فغَبوقهم.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (اللَّهمَّ، أكثر ماله ووُلده).

ثمَّ مَرَّ براعي غنم، فبعث إليه يستسقيه، فحلب له ما في ضُروعها وأكفأ ما في إنائه في إناء رسول الله وبعث إليه بشاة، وقال: هذا ما عندنا وإنْ أحببت أنْ نزيدك زدناك.

فقال رسول الله: (اللَّهمَّ، ارزقه الكَفاف).

فقال له بعض أصحابه: يا رسول الله، دعوت للذي رَدَّك بدعاءٍ عامَّتُنا نُحبُّه، ودعوت للذي أسعفك بحاجتك بدعاءٍ كلُّنا نكرهه!

فقال رسول (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنَّ ما قلَّ وكفى خيرٌ مِمَّا كثُر وألهى، اللَّهمَّ، ارزق محمَّداً وآل محمّدٍ الكَفاف) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


ألَمْ يأنِ للَّذين آمنوا

أنْ تخشع قلوبهم لذِكر الله؟!

يُحكى أنَّ فضيلاً كان في أوَّل أمره يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وعشق جاريةً، فبينما يرتقي الجدران إليها سمع تالياً يتلو: ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ... ) ، فقال: يا رَبِّ، قد آن.

فرجع وآوى إلى خَربةٍ، فإذا فيها رُفقةٌ.

فقال بعضهم: نرتحل.

وقال بعضهم: حتَّى نُصبح؛ فإنّ فضيلاً على الطريق يقطع علينا.

فتاب الفضيل وآمنهم (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


مَن أراد أن يُظلِّه الله مِن فَوح جَهنَّم..

فليُنظِر مُعسِراً

رأى النبيُّ (صلى الله عليه وآله) رجلان يتنازعان، فاقترب منهما وسألهما عِلَّة نزاعهما.

فقال أحدهما: أقرضتهُ فلم يُعطني دَيْني.

فنظر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الآخر ماذا يقول؟

فقال الآخر: يا نبيَّ الله، له عليَّ حُقٌّ وأنا مُعسرٌ، ولا والله، ما عندي.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (مَن أراد أنْ يُظلِّه الله مِن فَوح جَهنَّم يوم لا ظِلَّ إلاَّ ظِلَّه، فليُنظِر مُعسِراً أو ليدَع له).

فقال الرجل عند ذلك: قد وهبت لك ثُلُثاً وأخَّرتك بثُلُثٍ إلى سنةٍ وتعطيني ثُلُثاً.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (ما أحسن هذا) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


لا تفعل يا عُثمان!

عن عليٍّ (عليه السلام) أنَّه قال:

(جاء عثمان بن مظعونٍ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، قد غلبني حَديث النَّفس ولم أُحدِّث شيئاً حتَّى أستأمرك.

قال: بمَ حدَّثَتك نفسك يا عثمان؟

قال: هممتُ أنْ أسيح في الأرض.

قال: فلا تُسح فيها؛ فإنّ سياحة أُمَّتي المساجد.

قال: هممت أنْ أُحرِّم اللَّحم على نفسي.

فقال: لا تفعل؛ فإنِّي لأشتهيه وآكله، ولو سألت الله أنْ يُطعمنيه كلَّ يومٍ لفعل.

قال: هممت أنَّ أجبَّ نفسي.

قال: يا عثمان، ليس مِنَّا مِن فعل ذلك بنفسه ولا بأحدٍ، إنَّ وجاء أُمَّتي الصِّيام.

قال: وهممت أنْ أُحرِّم خولة على نفسي (يعني امرأته).

قال: لا تفعل يا عثمان) (1) .

____________________

(1) شرح مكارم الأخلاق، ج3.


لا تَكمُل الكمالات إلاَّ بالإسلام

كان مصعب بن عمير مِن أصحاب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) الشباب قبل الهِجرة، وكان مصعب جميلاً ونبيلاً وهُماماً وسَخيَّاً، وكان عزيزاً عند أبويه، وكان أهل مَكَّة يكنُّون له الاحترام والتقدير، وكان يرتدي مِن الثياب أجملها، وكان يعيش في نعيم ورغد، وكان يستمع خُطب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وكلماته وينشدُّ إلهيا بكل كيانه، وقد أدَّت لقاءاته المُتكرِّرة بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وسماعه لآياتٍ مِن القرآن الكريم إلى اعتناقه الإسلام.

كانت مسألة الاقتداء بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) واعتناق الإسلام في تلك الأوضاع الخطيرة، التي كانت تسود مَكَّة بين قوم يعبدون الأصنام، ويغرقون في جهلهم - وضلالهم - تُعتبر ذنباً كبيراً يُعاقب عليه، وكان مَن يؤمن بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ورسالته ودعوته لا يجرؤ على الجَهر بإيمانه حتَّى أمام أهله وأقاربه. ومِن هذا المُنطلق لم يُفش مصعب أمر اعتناقه الإسلام لأحد، وكان يؤدِّي فرائضه الدينيَّة في الخَفاء.

وذات يوم وبينما كان مصعب يُصلِّي رآه عثمان بن طلحة فأيقن بإسلامه، ونقل الخبر إلى أُمِّ مصعب، ولم يمض وقت طويل حتَّى انتشر الخبر بين الناس، وأخذ الجميع يتحدَّثون عن اعتناق مصعب الإسلام، وقد أثار هذا الأمر غضب أُمِّ مصعب وأقاربه، مِمّا دفعهم إلى حبسه في المنزل؛ عسى أنْ يعدل عن رأيه ويَهجر الإسلام ويترك صُحبة محمّد (صلى الله عليه وآله).

لكنَّ هذا العقاب لم يترك أدنى أثر في نفس مصعب، ولم يستطع أنْ يثنيه عن مواصلة الدرب الذي اختاره لنفسه؛ لأنَّ مُصعباً الشابَّ قد اختار الإسلام على أساس مِن العقل والمنطق، واعتنقه وهو في كامل وعيه.


لقد بقي مصعب مُتمسِّكاً بإسلامه، مُقتدياً بالرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وبنهجه حتّى آخر عمره ((وشَهِدَ مُصْعَبٌ بَدراً معَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشَهِدَ أُحُداً ومَعَهُ لِواءُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقُتِلَ بأُحُدٍ شهيداً) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


أوّلُ مَنْ جَمَعَ الجُمعَةَ بِالمَدِينَةِ

ثابر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) على نشر دعوته في الخَفاء مُدَّة مِن الزمن، وبعد أنْ اعتنق عدد كبير مِن الناس الإسلام، ولبُّوا دعوة الرسول (صلى الله عليه وآله)، أشهر دعوته إلى الإسلام بأمر مِن الله سبحانه وتعالى، ومِن حينها بدأ بتلاوة القرآن في أوساط الناس في مَكَّة، وأخذ ينشر دعوته بينهم.

كان المُسافرون الوافدون على مدار السَّنَة إلى مَكَّة مِن الخارج للعبادة والزيارة، يُشارك غالبيَّتهم في المجالس العامَّة، التي كان يحضرها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ويستمعون إلى خُطبه ومواعظه، وبعد عودتهم إلى ديارهم كان كلٌّ منهم يروي لأهله وأقاربه ما شاهده مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسمعه منه، وأخذت دعوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) تنتشر تدريجيَّاً في كافَّة مناطق الجزيرة العربيَّة لا سِيَّما في المدينة المنوَّرة، وبدأ الناس يتعرَّفون على الإسلام، وعلى منهجيَّة هذا الدين السماويِّ المُقدَّس.

وكانت النتيجة أنْ ازداد عدد المؤيِّدين للإسلام، حتَّى إنَّ بعضهم قد انشدَّ إلى دعوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قبل أنْ يراه.

وذات يوم قَدِم إلى مَكَّة رجلان مِن أشراف المدينة مِن قبيلة الخزرج، هما أسعد بن زرارة وذكوان بن عبد قيس، ودخلا على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في ظروف صعبة للغاية، وبعد استماعهما لحديث الرسول (صلى الله عليه وآله) أعلنا إسلامهما صراحة. ثُمَّ قالا: يا رسول الله ابْعَثْ مَعَنا رَجُلاً يُعَلِّمُنا القُرآنَ ويَدْعُو النَّاسَ إلى أمْرِكَ.

وكانت المدينة يومها مِن أهمِّ مُدن جزيرة العرب، وكانت تقطنها قبيلتان معروفتان هُما الأوس والخزرج، وكانت هاتان القبيلتان - وللأسف - تتبادلان العِداء لبعضهما البعض، وتخوض كلٌّ منها معارك ضِدَّ الأُخرى استمرَّت سنين طويلة.


وقد كان هذا الطلب فُرصة مُناسبة ومُهمَّة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، والمسلمين الذين كانوا يعيشون ظروفاً صعبة، وكان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأنصاره وموالوه يُدركون - جَيِّداً - أنَّهم إذا استغلُّوا هذه الفرصة بشَكل جيِّدٍ، وإذا استطاع مبعوث الرسول (صلى الله عليه وآله) تعريف الإسلام إلى أهل المدينة بطريقة صحيحة وحكيمة، وجعلهم يعتنقونه ويؤمنون بما جاء به القرآن الكريم؛ فإنَّ نجاحاً عظيماً ومكسباً مُهمَّاً سيكون مِن نصيب المسلمين، الذين ستكون المدينة بالنسبة إليهم قاعدة مُهمَّة، ينطلقون منها لنشر دعوتهم وجهادهم ضِدَّ المُشركين، الذين كانوا يحكمون مَكَّة بالظلم والاستبداد، والكَبت والضغط، وسيكون بإمكان المسلمين التعاون مع أهل المدينة في نشر المعارف الإسلاميَّة، وزَلزلة كيان الشرك والظلم في مَكَّة.

وكانت المَرَّة الأُولى التي يطلب فيها أهل مدينة كبيرة يسودهم الخلاف مِن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) إرسال مبعوث لهم، وكانت المَرَّة الأُولى التي يُقرِّر فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إرسال مبعوث خارج مَكَّة.

مِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ الذي يتمُّ اختياره لهذه المُهمَّة الخطيرة، ينبغي أنْ يكون كفوءاً مِن جميع الجِهات، وأهلاً لهذه المُهمَّة؛ حتَّى يستطيع تسوية الخلافات المُزمنة بين قبيلتي الأوس والخزرج، ونشر جوٍّ مِن المَحبَّة والأخوَّة بين أفرادها مِن جِهة، ويعمل مِن جِهة ثانية على نشر الإسلام، والدعوة له بشكل صحيح يترك أثره في القلوب ويشدُّ إليه الألباب.

وقد اختار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مصعب بن عمير الشابَّ مِن بين كافَّة المسلمين - شيوخاً وشبَّاناً - ومِن بين جميع أصحابه وأنصاره، مبعوثاً له إلى المدينة لأداء هذا الأمر المُهمِّ. (فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ - وكانَ فَتى حَدثاً ـ.. وأمَرَهَ رسول الله بِالْخُرُوجِ مَعَ أسعد، وقد كان تَعَلَّمَ مِنَ القُرْآنِ كَثيراً).

وقد دخل مصعب المدينة وهو في عُنفوان شبابه، وقلبه مُفعم بالإيمان وبدأ مهامَّه


بشوق وخلوص نيَّة. وكان لبراعته في الخطابة وحرارة تلاوته القرآن، وحُسن أخلاقه في مُعاشرة الناس وتدبُّره في حَلِّ المشاكل وإزالة الخلافات، الأثر البالغ في نفوس الناس، الذين انشدُّوا إليه وإلى مَلكاته الحَسنة مِن حيث لا يشعرون.

ولم يمضِ وقت طويل حتَّى توجَّه إليه الناس نساءً ورجالاً، شيوخاً وشُبَّانً، رؤوساء عشائر وأفراد عاديِّين؛ ليُعلنوا اعتناقهم الإسلام ويتعلَّموا القرآن مُطهِّرين قلوبهم مِن الأحقاد والأضغان، مُتآلفين مُتآخين، وأقاموا صلاة الجماعة في صفوف مُتراصَّة.

لقد نفذ مصعب بن عمير الشابُّ مُهمَّته في المدينة على أفضل وجه، ونال فخراً عظيماً. (إنَّهُ أوّلُ مَنْ جَمَعَ الجُمعَةَ بِالمَدينَةِ، وأَسْلَمَ على يَدِهِ أُسَيْدُ بْنُ خُضَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ معاذٍ، وكَفى بِذلِكَ فَخْراً وأَثَراً في الإسلامِ).

لقد كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يعلم جيِّداً، أنَّ هناك في المدينة رجالاً مُسنِّين وشخصيَّات لها مكانتها مِن العصب جِدَّاً أنْ يَمتثلوا لأوامر شابٍّ بعمر مصعب، وكان بمقدور النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنْ يختار مِن بين أصحابه أكبرهم سِنَّاً ليكون مبعوثاً له إلى المدينة، أو أنْ يختار عدداً مِن الرجال يُشكِّلوا بعثة تتولَّى هذه المسؤوليَّة، ولكنَّ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يختر سوى مصعب بن عمير الشابَّ، لتحميله هذه المسؤوليَّة وإيفاده إلى المدينة، التي كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) - وقتها - يعتبرها بلداً مُهمَّاً، يثبت لأنصاره ومواليه أنَّ الشرط الأساسي، الذي يُخوِّل المرء لتسلُّم أهمِّ المناصب والمسؤوليَّات في الإسلام، هو اللياقة والكفاءة وليس سنوات العمر، فإذا ما وجد بين جيل الشابَّ لبلد ما مِن هم أفاء يجب الاعتماد عليهم وتسليمهم زمام الأمور لإدارة البلاد (1) .

____________________

(1) الشابَّ، ج1.


الكفاءة لا السِّن هي المقياس

أقدم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في أواخر عمره الشريف على تعبئة طاقات المسلمين لمُحاربة بلاد الروم، وشكَّل جيشاً عظيماً ضمَّ كِبار قادة الجيش وأُمرائه، وكِبار وجهاء المُهاجرين والأنصار وكافَّة رؤساء القبائل العربيَّة.

ويوم خرج الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مِن المدينة ليستعرض جيشه، لاحظ وجود كِبار وجهاء المسلمين في صفوف الجيش، (فَلَمْ يَبْقَ مِنْ وُجُوهِ المُهاجِرينَ والأنْصارِ إلاَّ انْتَدَبَ في تِلْكَ الغزاةِ، فِيهِم أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وسَعْدُ بنُ أبي وَقّاصٍ وسَعْدُ بْنُ زَيْدٍ وأَبُوا عُبَيْدَةَ وقَتادَةُ النُّعْمانِ).

مِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ قيادة جيش عظيم، كالذي شكَّله الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) لمُحاربة الروم، مسألة دقيقة وحسَّاسة للغاية؛ إذ كان على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنْ يختار - حتماً - الأنسب والأكثر كفاءة ولياقة لتعيينه قائداً للجيش.

فكان أنْ دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله أُسامَةَ بْنَ زَيدٍ، ونصبه قائداً للفرقة وشدَّ له الراية بيديه الشريفتين: (واسْتَعمَلَهُ النَبيُّ صلى الله عليه وآله وهُوَ ابْنُ ثَمانِيَ عَشَرَ سَنَةً).

ومثل هذا الاختيار - إنْ لم نقل: إنَّ التاريخ العسكري في العالم لم يشهد نظيراً له فلا بُدَّ مِن القول: - إنَّه يندر حصوله.

وبالرغم مِن أنَّ عالمنا المُعاصر، يولي اهتماماً بالغاً لجيل الشباب، ويوفِّر له الدعم الكامل، وبالرغم مِن أنَّ البُلدان المُتطوِّرة الأوروبيَّة والأميريكيَّة، تسعى جاهدة إلى تكليف شبابها بمسؤوليَّات جِسام، فإنَّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد أقدم قبل أربعة عشر قَرناً على خطوة عسكريَّة مُهمَّة؛ دعماً منه للشُبَّان الأكفَّاء، حيث ولَّى


شابَّاً في الثامنة عشرة مِن العمر قائداً لجيشٍ إسلاميٍّ عظيم، لمُحاربة إمبراطوريَّة الروم، ألا وهو أسامة بن زيد.

وكان على كبار القادة الذين خاضوا أصعب المعارك وأشدَّها أواراً، ورفعوا راية الإسلام خفَّاقة فوق أعظم قلاع العدوِّ استحكاماً، وكذلك كان على أشجع الفُرسان وأكثرهم بسالة مِمَّن خبروا شؤون الحرب، وعلى وجهاء العرب والشخصيَّات الإسلاميَّة البارزة، الذين جسَّدوا في أحلك الظروف لياقتهم وكفاءتهم، كان عليهم جميعاً أنْ يمتثلوا لأوامر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويُشاركوا في هذا الحشد العسكريِّ مُطيعين أوامر قائدٍ شابٍّ، وهذا ما كان يصعب عليهم تصديقه وتحمُّله.

مِثل هذا الاختيار قد أثار الدهشة والحيرة لدى كبار القادة والأُمراء، الذين تلقّوا النبأ بكثير مِن التعجُّب والقلق، وأخذوا يتبادلون نظرات الحيرة، وأفصح بعضهم عمَّا يختلج في نفسه وما يُضمره قلبه:

(فَتَكَلَّمَ قَوْمٌ وقالُوا: يُسْتَعْمَلُ هذا الغُلامُ عَلى المُهاجِرينَ الأَوَّلينَ؟!

فَغَضِبَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) غَضَباً شديداً، فَخَرَجَ فَصَعَدَ المنْبَرَ فَحَمِدَ الله وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ:

(أَمّا بَعْدُ أَيُّها النَّاسُ، فَما مَقالةٌ بَلَغَتني عَنْ بَعضِكُمْ فِي تَأمِيري أُسامَةَ؟

ولَئِنْ َطَعَنْتُمْ فِي تَأمِيري أُسامَةَ، فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي تَأمِيري أَباهُ قَبْلَهُ. وأيمُ الله، إنَّه كانَ للإمارَةٍ خَليقاً وإنَّ ابْنَهُ بَعْدَهُ لَخَليقٌ لإمارَةٍ) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


إنَّ الله يُحِبُّ إذا خَرَجَ عَبْدُهُ المؤمِنُ إلى أخيهِ

أنْ يَتَهيّأَ لَهُ وأنْ يَتَجَمَلَّ

عن الإمام الصادق (عليه السلام): (جاء رجل إلى بيت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) طالباً لقاءَهُ، وعندما هَمَّ النبي (صلى الله عليه وآله) بالخروج مِن حُجْرَتِهِ وقف عند وعاء فيه ماء داخل الحُجْرة، فنظر فيه ومَشَّط شَعره ولحيته المُباركة فدهشت عائشة لما رأت، وبعد عودة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) سألته قائلة:

يا رسول الله، لماذا وقفت عند وعاء الماء ومَشَّطت شَعرك ولحيتك قبل خروجك للرجل؟!

فقال صلَّى (صلَّى الله عليه وآله): يا عائِشَةُ، إنَّ الله يُحِبُّ إذا خَرَجَ عَبْدُهُ المؤمِنُ إلى أخيهِ أنْ يَتَهيّأَ لَهُ وأنْ يَتَجَمَلَّ) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


أستحيي مِن رَّبَّي أَنْ أتفضَّلَ عَلَيكَ

عن الإمام الباقر (عليه السلام):

(إنَّ أَميرَ المؤمِنينَ (عليه السلام) أَتى سوق البَزَّازينَ، فَقالَ لِرَجُلٍ: بِعْني ثَوْبَيْنِ.

فَقالَ الرَّجلُ: يا أَميرَ المؤمنينَ، عِنْدي حاجَتُكَ.

فَلَمَّا عَرَفَهُ مَضَى عَنْهُ، فَوَقَفَ على غُلامٍ فأَخَذَ ثَوْبَيْنِ أَحَدَهُما بِثلاثةِ دَرِاهمَ والآخرَ

رهمين، فقال: يا قَنبر خُذِ الذي بثلاثةٍ.

فقالَ قنبر: أنْتَ أَوْلى بِهِ، تَصْعَدُ المِنْبَرَ وتَخْطُبُ النّاسَ.

فَقالَ: وأَنتَ شابٌّ ولَكَ شَرَهُ الشّابِّ، وأَنا أَسْتَحْيي مِن رَبّي أَنْ أتفضَّل عليك؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ألبسُوهُمْ مِمَّا تلبسون وأطعموهم مِمَّا تأكلون) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


الأحْداث أَسْرَعُ إلى كُلِّ خَيْرٍ

دخل رجل يُدعى: (أبا جعفر الأحول) - وهو مِن أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) وعمل مُدَّة داعياً ومُبلِّغاً للمذهب الشيعي، لنشر تعاليم أهل بيت النبوَّة (عليهم السلام) ـ.. دخل يوماً على الإمام الصادق (عليه السلام)، فسأله الإمام (عليه السلام): (كَيْفَ رأَيْتَ مُسَارَعَةَ الناس إلى هذا الأمر ودخولهم فيه؟).

قال: والله، إنَّهم لقليل.

فقال (عليه السلام): (عَلَيْكَ بالأحْداثِ؛ فإنَّهُمْ أَسْرَعُ إلى كُلِّ خَيْرٍ) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


إذ هممت بأمر فتدبَّر عاقبتهُ

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

(إنَّ رجلاً أتى النبيَّ (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، أوصيني.

فقال له رسول الله: فهل أنت مُستوصٍ إنْ أنا أوصيتُكَ؟

حتَّى قال له ذلك ثلاثاً، وفي كُلّها يقولُ الرَّجُلُ: نَعَمْ، يا رسول الله.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

فإنِّي أوصيك إذا أنت هممت بأمرٍ فتدبَّر عاقبته، فإنْ يَكُ رُشداً فأمضه، وإنْ يَكُ غَيَّاً فانته عنه) (1) .

____________________

(1) الشاب، ج1.


لم يكن لي جريمة فأخشاها

بعد مضيِّ سنة على وفاة الإمام الرضا (عليه السلام) قَدِم المأمون العباسي إلى بغداد، وذات يوم اعتزم الخروج إلى الصيد، فمرَّ بأحد الأحياء المُحيطة بالمدينة، وكانت هناك مجموعة مِن الأولاد يلهون على الطريق، ومُحمد (الإمام الجواد) (عليه السلام) واقفٌ معهم، وكان عمره إحدى عشرة سنة فما حوله، فدنا المأمون منهم، ففرَّ الأولاد ولم يبقَ منهم سوى الإمام الجواد (عليه السلام) الذي لم يُحرِّك ساكناً، وشاهد الخليفة ما حصل، فدنا مِن الإمام (عليه السلام) وسأله عن سبب عدم فِراره مع بقيَّة الأولاد.

فقال الإمام (عليه السلام) مُسرعاً: (يا أمير المؤمنين، لم يكن بالطريق ضيق لأوسِّعه عليك بذهابي، ولم يكن لي جريمة فأخشاها، وظَنِّي بك حَسن، إنَّك لا تضرُّ مَن لا ذنب له فوقفت. فأعجبه كلامه ووجهه)، فقال له: ما اسمك؟

قال: (محمد).

قال: ابن مَن أنت؟

قال: (يا أمير المؤمنين، أنا ابن علي الرضا) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


أداء الأمانة زيادة في الرزق

كان في عهد عبد الملك بن مروان تاجر معروف بالصدق والعمل الصالح؛ ولحُسن سمعته في سوق دمشق واعتماد الناس عليه وثقتهم به؛ كانوا يودعونه مُمتلكاتهم وبضاعتهم ليبيعها لهم ويأخذ أجرته على ذلك.

وذات يوم انحرف التاجر في إحدى صفقاته عن قويم مسيره وخان الأمانة، فشاع الخبر وانتشر بسرعة البرق بين الناس، وأصبح الشغل الشاغل لألسنتهم، ففقد التاجر ثقة العامَّة والخاصَّة به واهتزَّت شخصيَّة، وسحب الناس ثقتهم به، فلم يأمنوه بعدها على بضاعتهم، حتَّى ساءت أُموره وتشتَّت تجارته، وأخذ دائنوه يُلحون في الطلب.

وكان للتاجر وَلد عاقل تبدو على ملامحه الفراسة والذكاء، قد اعتبر مِن تجربة أبيه المريرة، وتعلَّم منها درساً لا يُنسى، وعرف أنَّ مُجرد انزلاق أو خيانة واحدة قد تؤدِّي إلى القضاء على كرامة الإنسان وشرفه، وتُبدِّل حياة العِزِّ إلى الذِّلِّ والسوء، فقرَّر في قرارة نفسه أنْ يبتعد حتَّى عن مُجرَّد التفكير بالخيانة والذنب، ويضع على الدوام نُصب عينيه الطهارة والتقوى والنزاهة، وكان لسلوكه السليم هذا مردودٌ إيجابيٌّ عليه، فقد رفعه عِزَّاً وأدخله في جميع القلوب، واتَّفق أنْ بعث عبد الملك بن مروان جاراً له وهو قائد عسكريٌّ كبير بمَعيَّة جيش المسلمين في مُهمَّة لقتال الروم، فاستدعاه الجار قبل توجُّهه إلى ميادين القتال، وأودعه جميع ماله البالغ عشرة آلاف دينار مِن الذهب، وأوصاه بأنْ يحتفظ بالمال كأمانة لديه حتَّى عودته مِن القتال إنْ سَلِم، ووعده بأنْ يُعطيه أجراً على أمانته، وإذا لم يَعُد فأوصاه بأنْ يُسلِّم المبلغ إلى أُسرته متى ما ضاقت عليهم الأرض، بعد أنْ يقتطع منها عُشرها ليعيشوا حياة كريمة... وهكذا كان، فقد رحل القائد دون أنْ يعود.


وحينما علم والد الشابِّ - أيْ: التاجر المُفلس - بمقتل جاره قال لابنه: إنَّه لا أحد يعلم عن القطع الذهبيَّة المؤمَّنة لديه، وأنا - أيْ الأبّ - الآن على ما تراني في أشدِّ الضيق، وأطلب أنْ تُعطيني بعضها على أنْ أردَّها عليك متى صلح حالي وحَسنت عِيشتي.

فأجابه الشابُّ: يا أبتاه، إنَّ الخيانة والانحراف هو الذي أدَّى بك إلى ما أنت عليه مِن الشقاء. فبالله، لن أخون الأمانة لو قطعت إرباً إرباً، ولا أُعيد خَطأك ثانية؛ كي لا أشقى كما شقيت.

ومضت فترة، ساءت فيها أحوال ذوي القائد القتيل، فجاءوا إلى الشابِّ طالبين منه أنْ يكتب رسالة عنهم إلى عبد الملك بن مروان؛ يُعلمه فيها بفقرهم وشِدَّة حالهم، فلرُبَّما رثى لهم وأعانهم ببعض المال. فكتب لهم ما أمر به وسُلِّمت الرسالة ولكنْ دون جَدوى، فقد أجاب عبد الملك أنْ أيَّ شخصٍ يُقتل يُحذف اسمه مِن ديوان بيت المال.

ولمَّا علم الشابُّ بالجواب واليأس الذي سيطر على ذوي القائد القتيل، قال في نفسه: حانت الآن فرصة أداء الأمانة، فلا بُدَّ مِن أنْ أضع القطع الذهبيَّة تحت تصرُّفهم لإنقاذهم مِن الفَقر والفاقة، فدعا أُسرة القائد إلى منزله وقال لهم: إنَّ أباكم استودعني شيئاً مِن المال، وأوصاني أني أُسلِّمه إيَّاكم عند الحاجة الماسَّة إليه بعد أنْ أقتطع عُشْرَه، فطار أبناء القائد فَرحاً لدى سماعهم النبأ وقالوا: سنعطيك ضعف ما أوصى به أبونا.

جاء الشاب بالمال وسلَّمهم إيَّاه، فأعادوا إليه ألفي دينار وأخذوا ثمانية آلاف، ولم تمضِ أيَّام على هذه القضيَّة، حتَّى استدعى عبد الملك أُسرة القائد القتيل إلى بلاطه ليُحقِّق حول الرسالة، وسألم عن حالهم، فأخبروه بما جرى لهم مع الشابِّ، عندها استدعى عبد الملك الشابَّ فوراً، وأثنى عليه لأمانته وصدقه وسَلَّمه مسؤوليَّة خزينة البلاد قائلاً له: إنِّني لا أعرف أحداً قد قام بأداء الأمانة كما أدَّيتها أنت (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


تجربة الحدَّاد وفتح عمَّوريَّة

لمَّا خرج ملك الروم وفعل في بلاد الإسلام ما فعل، بلغ الخبر المُعتصم فاستعظمه وكَبُر لديه، وبلغه أنَّ امرأة هاشميَّة صاحت وهي أسيرة في أيدي الروم وامعتصاه، فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك.

ونهض مِن ساعته وصاح في قصره النفير النفير، وبلغه أنَّ عمَّوريَّة عَين النصرانيَّة وأشرف عندهم مِن القسطنطنيَّة؛ لتجهِّزها بما لم يُعهد مِن السلاح وحياض الأدم وغير ذلك، وفرَّق عساكره ثلاث فِرق، فخربوا بلاد الروم وقتلوا كثيراً وأحرقوا ووصلوا إلى ((أنقورية)) ثمَّ اجتمعوا في عمَّوريَّة وحاضروها ونصبوا عليها المجانيق، وكانت في غاية الحصانة، وقد ذكر الشيخ مُحيي الدين بن العربي في كتابه المسمى: (بالمسامرة) فتح عمَّوريَّة فقال: فتحها المُعتصم في رمضان سنة ثلاث وعشرين ومائتين.

وسبب فتحها أنَّ رجلاً وقف على المُعتصم فقال: يا أمير المؤمنين، كنت بعمورية وجارية مِن أحسن النساء أسيرة قد لطمها عِلجٌ في وجهها فنادت: وامعتصماه!

فقال العِلج: وما يقدر عليه المُعتصم؟ يجيء على أبلق ينصرك وزاد في ضربها.

فقال المُعتصم: وفي أيِّ جهةٍ عمَّوريَّة؟

فقال له الرجل: هكذا وأشار إلى جهتها.

فردَّ المُعتصم وجهه إليه، وقال: لبيك أيَّتها الجارية، لبيك هذا المُعتصم بالله قد أجابك، ثمَّ تجهَّز إليها في اثني عشر ألف فرس أبلق... فلمَّا حاصرها وطال مقامه عليها جمع المُنجِّمين، فقالوا: إنَّا نرى أنَّك ما تفتحها إلاَّ في زمان نضج


العِنب والتين، فبعُد عليه ذلك واغتمَّ له، فخرج ليلة مُتجسِّساً في العسكر يسمع ما يقوله الناس. فمَرَّ بخيمة حدَّاد يضرب نعال الخيل وبين يديه غُلام أقرع قبيح الصورة، يضرب نعال الخيل ويقول: في رأس المُعتصم.

فقال له مُعلِّمه: اتركنا مِن هذا، ما لك والمُعتصم؟

فقال: ما عنده تدبير، له كذا وكذا يوماً على هذه المدينة مع قوَّته ولا يفتحها، لو أعطاني الأمر ما بتُّ غداً إلاّ فيها، فتعجَّب المُعتصم مِمَّا سمع وانصرف إلى خيامه، وترك بعض رجاله موكَّلا بالغُلام، فلمَّا أصبح جاءوا به، فقال: ما حملك - يا هذا - على ما بلغني مِنك؟

فقال: الذي بلغك حَقٌّ، ولِّني ما وراء خبائك وقد فتح الله عمَّوريَّة.

قال: ولَّيتك. وخلع عليه وقدَّمه على الحرب.

فجمع الرُّماة واختار منهم أهل الإصابة وجاء إلى بدن مِن أبدان الصور، وفي البدن مِن أوَّله إلى آخره خَطٌّ أسود مِن خشب عرضه ثلاثة أشبار أو أكثر، فحمى السِّهام بالنار وقال للرُّماة: مَن أخطأ منكم ذلك الخَطَّ الأسود ضربت عُنقه، وإذا بذلك الخَطِّ خشب ساج فعندما حصلت فيه السهام المحميَّة قامت النار فيه واحترق، فنزل البدن فتح الطريق أمام جنود المسلمين فدخلوا القلعة مُكبِّرين (الله أكبر، الله أكبر) وصار الفتح والنَّصر مِن نصيبهم، وذلك قبل الزمان الذي ذكره المُنجِّمون. ولمَّا دخل المُعتصم القلعة راكباً الفرس الأبلق ومعه الرجل الذي بلغه حديث الجارية قال له: سِرْ بي إلى الموضع الذي رأيتها فيه تصيح (وامعتصماه)، فسار به وأخرجها مِن موضعها.

وقال لها: يا جارية، هل أجابك المعتصم؟ وملَّكها العِلْج الذي لطمها والسيِّد الذي كان يملكها وجميع ماله، وأقام عليها خمسة وخمسين يوماً وفرَّق الأسرى على القوَّاد، وسار إلى طرسوس، ثمَّ رجع إلى دار مُلكه.

لم يكن لهذا الغلام الشابِّ - صانع الحدَّاد - أيَّة ثروة علميَّة، لكنَّه انتفع مِن


مدرسة الحياة، وكان قد قضى جانباً مِن حياته في الحِدادة، واكتسب مِن مُشاهداته اليوميَّة دروساً كبيرة، فقَرن الحدادة والفلز المُنصهر، وشَرر النار واحتراق الخشب والاشتعال السريع لخشب الساج، وما إلى ذلك مِن معلومات اكتسبها ذِهن الحدَّاد الشابُّ وكوَّنت في ضميره تجارب مُفيدة.

فعندما عجز كبار الرجال والمُتعلِّمون عن فتح قلعة عمُّوريَّة، وحينما بات العُلماء وكبار الضباط في حيرة مِن أمرهم وغلبهم اليأس والقنوط، تدخَّل الغُلام الشابُّ وحَلَّ المُعضلة بسُرعة وسهولة فائقتين، مُستفيداً مِن تجاربه ومُشاهداته اليوميَّة أثناء عمله كحدَّاد (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


إنَّما اللَّوْمُ لَوْمُ الجاهليَّةِ

كان لعبد الملك بن مروان عين بالمدينة يكتب إليه ما يَحدث فيها، فكتب له يوماً أنَّ علي بن الحسين (عليه السلام) أعتق جارية له ثمَّ تزوَّجها.

فكتب عبد الملك إلى علي بن الحسين (عليه السلام):

أمَّا بعد: فقد بلغني تزويجك مولاتك، وقد علمت أنَّه كان في أكفائك مِن قريش مَن تُمجَّد به في الصهر، وتستنجبه في الوُلد، فلا لنفسك نظرت ولا على وُلدك أبقيت والسَّلام.

فكتب إليه الإمام عليُّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام):

(أمّا بعد: فقد بلغني كتابك تعنفني بتزويجي مولاتي، وتزعم أنَّه قد كان في نساء قريش مَن أتمجَّد به في الصهر، وأستنجبه في الوُلد، وإنَّه ليس فوق رسول الله (صلى الله عليه وآله) مُرتقى في مَجد ولا مُستزاد في كرم، وإنَّما كانت مِلك يميني ثمَّ خرجت مِن مِلكي، فأراد الله عَزَّ وجَلَّ أمراً ألتمس به ثوابه فارتجعتها على سُنَّته، ومَن كان زكيَّاً في دين الله فليس يُخلُّ به شيء مِن أمره، وقد رفع الله بالإسلام الخسيسة، وتمَّم به النقيصة، وأذهب اللوم، فلا لَوْمَ على امرِئٍ مُسْلِمٍ، إنَّما اللَّوْمُ لَوْمُ الجاهليَّةِ والسَّلام).

فلمَّا قرأ الكتاب رمى به إلى ابنه سليمان فقرأه، فقال: يا أمير المؤمنين، لشدَّ ما فخر عليك عليُّ بن الحسين!! فقال: يا بُنيَّ، لا تقل ذلك، فإنَّها ألسُن بني هاشم التي تفلق الصخر، وتغرف مِن بحر، إنَّ عليَّ بن الحسين (عليه السلام) - يا بني - يرتفع مِن حيث يتَّضع الناس (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


العَدل أساس المُلك

لّمَا صارَ محمد (صلى الله عليه وآله) ابْنَ سَبْعِ سِنينَ قالَ لأُمَّهِ حَليمَةَ: (يا أُمِّي، أَيْنَ إخْوَتي؟).

قالتْ: يا بُنيّ إنَّهُمْ يَرْعَوْنَ الغَنَمَ التي رَزَقَنا الله إيَّاها بِبَرَكَتِكَ.

قالَ: (يا أُمّاهُ، ما أَنْصَفْتِني!).

قالَتْ: كَيْفَ ذلِكَ يا وَلَدي؟!

قالَ: (أكُونُ أَنا في الظِّلِّ وإخْوَتي في الشَّمْسِ والْحَرِّ الشّديدِ وأنا أَشْرِبُ مِنها اللَّبَنَ!).

الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان وهو في سِنِّ السابعة يتحدَّث مع مُرضعته عن الإنصاف داخل مُحيط الأُسرة الصغير، ويُنمِّي في عقله الفتيِّ مفهوم العدل والإنصاف، وعندما بلغ (صلى الله عليه وآله) وشَبَّ ترسَّخ هذا المفهوم في ذهنه أكثر، وعمد إلى نقل هذا المفهوم مِن مُحيط الأُسرة المحدود وتطبيقه على مُحيط مدينة مَكَّة الواسع، فاجتمع (صلى الله عليه وآله) مع مجموعة مِن كِبار رجال العرب في حِلف سُمِّيَ بـ: (حلف الفضول) وذلك بهدف تحقيق العدالة وتطبيق العدل الاجتماعي، فتحالف معهم دفاعاً عن حقوق الناس، وكان ما كان كما نقله لنا التاريخ.

كان نفر مِن جُرْهم وقطوراء يُقال لهم: الفضيل بن الحارث الجُرهمي، والفضيل بن وداعة القطوريِّ، والمفضل بن فضالة الجرهمي اجتمعوا فتحالفوا أنْ لا يُقرُّوا ببطن مَكَّة ظالماً، وقالوا: لا ينبغي إلاَّ ذلك؛ لما عَظَّم الله مِن حَقَّها، فقال عمر بن عوف الجُرهمي:

إنَّ الفُضول تحالفوا وتعاقدوا

ألا يَـقرَّ بـبطن مَكَّة ظالم

أمـرٌ عليه تعاهدوا وتواثقوا

فـالجار والمعترُّ فيهم سالم


ثمَّ درس ذلك، فلم يبق إلاَّ ذِكره في قريش.

ثمَّ إنَّ قبائل مِن قريش تداعت إلى ذلك الحلف، فتلاقوا في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسِنِّه، وكانوا بني هاشم وبني عبد المُطَّلب وبني أسد بن عبد العِزَّى وزهرة بن كلاب وتيم بن مُرَّة، فتحالفوا وتعاقدوا أنْ لا يجدوا بمَكَّة مظلوماً مِن أهلها أو مِن غيرهم مِن سائر الناس، إلاّ قاموا معه وكانوا على ظلمه حتَّى تُردُّ عليه مظلمته، فسَّمت قريش ذلك الحِلف حِلف الفُضول.

كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يتجنَّب في فترة شبابه الاختلاط في ذلك العصر الجاهلي قدر الإمكان، ويمتنع عن مُجالستهم، لكنَّه (صلى الله عليه وآله) شارك في هذا الحِلف بكلِّ سرور ورَحابة صدرٍ، وتعاون مع الأشخاص الذين تعاهدوا وتواثقوا على بَسط العدل؛ لأنَّ هذا الحِلف جاء مُطابقاً لمرامه وطباعه (صلى الله عليه وآله) ونفسِهِ التَّوَّاقةِ للعدل.

فالذي يُفكِّر بالعدل مُنذ طفولته، ويتحدَّث عن الإنصاف مع مُرضعته وهو ابن سبع سنين، لا بُدَّ أنْ يترسَّخ هذا المفهوم في نفسه أكثر عندما يُصبح شابَّاً. وكان لا بُدَّ للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنْ يستفيد مِن كلِّ فُرصة تُسنح له، ويلجأ إلى اتِّباع شتَّى الأساليب لتطبيق العدل الاجتماعي، الذي يُشكِّل هدفاً مُقدَّساً بالنسبة له (صلى الله عليه وآله). وفعلاً حانت الفُرصة المُنتظرة، عندما قرَّر عدد مِن كبار رجال مَكَّة بذل ما بوسعهم لتطبيق العدل ووضع حَدٍّ للظلم والجور، فاغتنمها رسول الله (صلى الله عليه وآله) مُعلناً استعداده للتعاون معهم والانضمام للحٍلف، فكان ما كان.

وقد دعا الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) الناس قاطبة إلى العدل مُنذ بُعِث نَبيَّاً. وقد تخطَّت دعوته حدود مَكَّة وبلاد الحِجاز، وكان لها صدى واسع في جميع أنحاء المعمورة. ولم تَغِب ذِكرى حِلف الفضول عن بال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يتذكَّرها، فيسعد ويفخر بها.


فَقَالَ حِينَ أَرْسَلَهُ الله تعالى: (لَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ عُمومَتي حِلْفاً في دارِ عَبْدِ الله بنِ جَدْعانَ، ما أُحِبُّ أنَّ لي بهِ حُمْرَ النَّعّمِ، ولّو دُعِيتُ بهِ في الإسْلام لأَجَّبْتُ).

لا أحد يعلم - على وجه التحديد - كمْ مَرَّة نجح حِلف الفضول مُنذ قيامه في إحقاق الحَقِّ وبسط العدل بين الناس، ولكنْ هناك حالتان نوردهما بإيجاز حسبما وردت في التواريخ.

السبب في هذا الحِلف والحامل عليه أنَّ رجلاً مِن زبيد قدم مَكَّة ببِضاعة، فاشتراها منه العاص بن وائل، وكان مِن أهل الشرف والقَدر بمَكَّة، فحبس عنه حقَّه فاستعدى عليه الزبيدي الأحلاف: عبد الدار، ومخزوماً وجمح، وسهماً، وعدي بن كعب فأبوا أنْ يُعينوا على العاص وانتهروه - أيْ الزبيدي - فلمَّا رأى الزبيدي الشرَّ رقي على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة، فقال بأعلى صوته:

يـا آل فِـهرٍ لمَظلوم بضاعته

بـبطن مَكَّة نائي الدهر والقَفر

ومُحرم أشعث لم يقض عمرته

يا للرجال وبين الحِجر والحِجر

إنَّ الـحرام لمَن تمَّت مكارمه

ولا حـرام لثواب الفاجِر الغَدر

والحرام بمعنى الاحترام؛ فقام في ذلك الزبير بن عبد المُطَّلب مع عبد الله بن جدعان، واجتمع إليه مَن تقدَّم وتعاقدوا وتعاهدوا ليكونُنَّ يداً واحدة مع المظلوم على الظالم، حتَّى يؤدَّى إليه حَقَّه شريفاً أو وضيعاً، ثمَّ مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه.

وفي رواية أُخرى أنَّ رجلاً مِن خثعم قَدِم مَكَّة مُعتمراً أو حاجَّاً، ومعه بنت له جميلة فاغتصبها منه نبيه بن الحَجَّاج فقيل له: عليك بحِلف الفضول، فوقف عند الكعبة ونادى يا لحلف الفضول، فإذا هُمْ يعنقون إليه مِن كلِّ جانب، وقد انتضوا أسيافهم - أيْ جرَّدوها - يقولون: جاءك الغوث فما لك؟

فقال: إنَّ نَبيهاً ظلمني في بُنيَّتي فانتزعها مِنِّي قَسراً.


فساروا إليه حتَّى وقفوا على باب داره فخرج إليهم، فقالوا له: أخرج الجارية فقد علمت مَن نحن، وما تعاهدنا عليه.

فقال: أفعل، ولكنْ متِّعوني بها الليلة.

فقالوا: لا والله، ولا شَخْب لقحة - أيْ مُقدار زمن - فأخرجها إليهم (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


الأحداث أسرع إلى الخير

عندما خرج الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) شاهراً دعوته بين الناس في مَكَّة، دبَّت فورة عظيمة بين جيل الشابِّ، فتجمعَّوا بدافعٍ مِن ميولهم الفطريَّة حول الرسول (صلى الله عليه وآله) ينهلون مِن مَعين أحاديثه الشريفة، وقد أثار هذا الأمر خلافات بين الشباب وأُسرهم، ودفع بالمُشركين إلى الاحتجاج على ذلك عند الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله).

... فاجتمعت قريش على أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب، إنَّ ابن أخيك قد سبَّ آلهتنا، وأفسد شبابنا، وفرَّق جماعتنا.

لقد بلغت دعوة النبيِّ محمّد (صلى الله عليه وآله) أسماع كلِّ الناس مِن رجال ونساء، وشيوخٍ وشبابٍ، إلاّ أنَّ الشباب كانوا أكثر تأثُّراً بهذه الدعوة واندفاعاً لها؛ لأنَّ توقُّد الحِسِّ الديني لديهم خِلال مرحلة البلوغ، جعلهم مُتعطِّشين لتعلُّم فضائل الإيمان والأخلاق، ولهذا كانت كلمات الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) تنزل في نفوسهم كالماء السلسبيل، كما أنَّها كانت بالنسبة لهم بمثابة غذاء للروح، دون غيرهم مِن الشيوخ والطاعنين في السِّنِّ.

فلمَّا أوفد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مصعب بن عمير إلى المدينة، ليُعلِّم أهلها قراءة القرآن، وينشر بينهم التعاليم والمعارف الإسلاميَّة، كان الشباب أوَّل مَن لبَّى دعوته، حيث أبدوا رغبة شديدة في تعلُّم قراءة القرآن واكتساب التعاليم الإسلاميَّة.

وكان مصب نازلاً على أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كلِّ يوم ويطوف على مجالس الخزرج، يدعوهم إلى الإسلام فيُجيبه الأحداث (1).

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


الحِلم سيِّد الأخلاق

مَرّ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بِقَوْمٍ فيهِمْ رَجُلٌ يَرْفَعُ حَجَراً يُقالُ لَهُ: حَجَرُ الأَشِدَّاءِ وهُمْ يُعْجَبُونَ مِنْهُ.

فَقالَ: (ما هذا؟).

قالُوا: رَجُلٌ يَرْفَعُ حَجَراً يُقالُ لَهُ: حَجَرُ الأَشِدّاءِ.

قال: (أَفَلا أُخْبِرُكُمْ بِما هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ؟

رَجُلٌ سَبَّهُ رَجُلٌ فَحَلُمَ عَنْهُ، فَغَلَبَ نَفْسَهُ وغَلَبَ شَيْطانَهُ وشَيْطانَ صاحِبهِ).

يرى أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ غلبة النفس الأمَّارة، التي فيها يكمن عزم الإنسان وقُدرته، لتبعث على العِزَّةِ والفَخر. والفتى الذي يبحث عن حَقٍّ وصدق عمَّا يرفع به رأسه بين الناس، عليه أنْ يبني شخصيَّته على أساسٍ مِن الحِلم والصبر والثبات والإرادة وغلبة النفس، ليؤمِّن سعادته في الدنيا والآخرة (1).

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


في حلالها حساب وفي حرامها عِقاب

كان ليزيد بن مُعاوية وَلد يُدعى: مُعاوية، كان يُحبُّه حُبَّاً جَمَّاً، ويودُّ تربيته تربية تعينه على بلوغ مُنيته، فاختار له مؤدِّباً ومُعلِّماً فاضلاً يُدعى (عمو المقصوص)، وقد عُرف هذا المؤدِّب بإيمانه وورعه، وحُبِّه ومولاته لأمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام)، وبغضه الدفين لظلم وبغي مُعاوية بن أبي سفيان ووَلده يزيد.

وقد حرص هذا المُعلِّم الكفوء على تعليم وتربية مُعاوية بن يزيد على التعاليم الإسلاميَّة، وتحريم وتنمية حِسِّ الإيمان والعقل والرغبة في المعرفة الدينيَّة في كيانه، وقد أفلح فعلاً في أنْ يصنع مِن مُعاوية بن يزيد فرداً مؤمناً عاقلاً، ومُحبِّاً لعليٍّ وآله (عليهم السلام أجمعين).

وقد بُويع لمُعاوية بن يزيد بالخلافة يوم موت أبيه وهو في عنفوان شبابه، حيث لم يكن يتجاوز العشرين مِن عُمره.

إنَّ سِنّ العشرين هو مِن سِنيِّ الدورة الواقعة بين سِنِّ الـ 18 والـ 23، وهي مرحلة تبرز فيها الرغبات بقوَّة في أعماق الفتيان والشباب، ففيها تصل الشهوة الجنسيَّة إلى ذروتها، وتنفتح أحاسيس التفوُّق والشُّهرة، وحُبُّ المال والجاه في ذات الشابِّ بعُنفٍ.

وخلال هذه الدورة يُصبح الشابُّ مُتعطِّشاً لتحصيل اللذائذ وإشباع الشهوات، وقد يلجأ إلى سلوك الطريق الملتوية وغير المشروعة؛ لتحقيق أمانيه ورغباته الدفينة.

إنَّ خلافة يزيد وحكومة بلاد واسعة كانت بالنسبة لمُعاوية الشابِّ أفضل وسيلة لإشباع ميوله ورغباته؛ إذ كان بإمكانه إشباع نزواته الجنسيَّة، وأحاسيس التفوُّق، وحُبِّ المال والجاه وغيرها مِن الرغبات الجامعة التي تكمن في أعماق كلِّ شابٍّ


بصورة فطريَّة، فمُعاوية بن يزيد كان قادراً على استغلال وجوده على عرش الخلافة شَرَّ استغلال، في إرضاء غرائزه لو كان عبداً لهواه، ذليلاً لشهواته، لو لم يكن قد نشأ في ظِلِّ تربية إسلاميَّة صحيحة، وترعرع في كِنف مؤدِّبٍ كفوءٍ رسَّخ في نفسه روح الإيمان بالله والتعاليم الإسلاميَّة الحَقَّة؛ ليجعل منه إنساناً ذا إرادة قويَّة، مُتحرِّراً مِن قيود النفس الأمَّارة مُستقلَّاً لن يؤثِّر فيه منصب الخلافة بكلِّ عظمتها.

لقد أقام مُعاوية بن يزيد في الخلافة أربعين يوماً، نظر فيها في كلِّ ما ارتكبته حكومة أبيه وجَدِّه، مِن بغي وسوء فِعالٍ وجُرأة على الله سبحانه وتعالى، فأدرك عُظم الجرائم التي ارتكبها أبوه يزيد بن مُعاوية طيلة فَترة خلافته، الذي تجرَّأ على الله وبغى على مَن استحلَّ حُرمته مِن أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله).

فوجد مُعاوية بن يزيد أمام مُفترق طريقين، عليه أنْ يختار سلوك أحدهما، فإمَّا أنْ يستمرَّ في الخلافة ويسير على خُطى أبيه وجَدِّه في البغي والرذيلة، ومُمارسة الظلم بحَقِّ العباد، وإشباع جميع رغباته وغرائزه، وإمَّا أنْ يُطيع أوامر الله ويسلك طريق الحَقِّ والفضيلة، ويخلع نفسه عن الخلافة التي لن تعود عليه إلاّ بالذِّلِّ والعار.

وقد اتَّخذ مُعاوية بن يزيد قراره، واستطاع بقوَّة إيمانه والتربية السليمة، التي عاش في ظلِّها أيَّام طفولته وصباه، أنْ يتغلَّب على هواه ويُصمِّم على إقالة نفسه مِن الخلافة، فصعد المِنبر ثمَّ حمد الله وأثنى عليه وذكر النبي (صلى الله عليه وآله) بأحسن ما يذكر به، ثمَّ قال:

أيُّها الناس، إنَّ جَدِّي مُعاوية بن أبي سفيان قد نازع في أمر الخلافة مَن كان أولى بها منه ومِن غيره؛ لقَرابته مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعظم فضله وسابقته، أعظم المُهاجرين قدراً وأشجعهم قلباً، وأكثرهم علماً، وأوَّلهم إيماناً، وأشرفهم منزلة، وأقدمهم صُحبة، ابن عَمِّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصِهره وأخوه، زوَّجه (صلى الله عليه وآله) ابنته فاطمة وجعله لها بَعلاً وجعلها له زوجة، أبو سِبطيه سيِّدي شباب أهل الجَنَّة، وأفضل هذه الأُمَّة، فركب جَدِّي منه ما تعلمون وركبتم معه ما لا


تجهلون حتَّى انتظمت لجَدِّي الأُمور، فلمَّا جاءه القدر المحتوم واخترمته أيدي المَنون، بقي مُرتهناً بعلمه فريداً في قبره، ووجد ما قدَّمت يداه ورأى ما ارتكبه واعتداه.

ثمَّ انتقلت الخلافة إلى أبي يزيد - والكلام ما زال لمُعاوية - ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه، غير خليق بالخلافة على أُمَّة محمّد (صلى الله عليه وآله)، فركب هواه واستحسن خُطاه، وأقدم على ما أقدم مِن جُرأته على الله، وبغيه على مَن استحلَّ حُرمته مِن أولاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلَّت مُدَّته وانقطع أثره وضاجع عمله، وصار حليف حُفرته رهين خطيئته، وبقيت أوزاره وتبعاته.

ثمَّ اختنقته العبرة، فبكى طويلاً وعلا نحيبه، ثمَّ قال:

وما كنت لأتحمَّل آثامكم، ولا يراني الله جلَّت قدرته مُتقلِّداً أوزاركم وألقاه بتبعاتكم، فشأنكم أمركم فخذوه ومَن رضيتم به عليكم فولُّوه، فلقد خلعت بيعتي مِن أعناقكم والسَّلام.

فاضطرب المجلس، وقام مروان بن الحكم - وكان تحت المنبر - فقال له: أسنَّة عُمريَّة يا أبا ليلى؟!

فقال مُعاوية: اغدُ عنِّي، أعن ديني تخدعني؟! فو الله، ما ذقت حلاوة خلافتكم فأتجرَّع مرارتها. والله، لئن كانت الخلافة مَغنماً لقد نال أبي منها مَغرماً ومأثماً، ولئن كانت سوءاً فحسبه منها ما أصابها.

ثمَّ نزل عن المنبر وعيناه مُغرورقتان بالدموع.

ولمَّا رأى بنو أُميَّة ما حصل قالوا لمؤدِّبه عمر المقصوص:

أنت علَّمته هذا ولقَّنته إيَّاه، وصددته عن الخلافة، وزيَّنت له حُبَّ عليٍّ وأولاده، وحملته على ما وسمنا به مِن الظلم وحسَّنت له البِدع، حتَّى نطق وقال ما قال.


فقال: والله، ما فعلته ولكنَّه مجبول ومطبوع على حُبِّ عليٍّ، فلم يقبلوا منه ذلك وأخذوه ودفنوه حيَّاً حتَّى مات (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


جزاء مَن يتعدَّ حُرمات الله

كان الخليفة العباسي المُتوكِّل يبرز عِداءه الشديد وبُغضه للإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وعندما يذكره كان لا يُسمِّيه إلاِّ بـ: (أبو تراب)، ولا يتورَّع في المجالس العامَّة عن توجيه الإهانة له (عليه السلام)، لكنَّ وَلَده الشابَّ وولي عهده المُنتصر كان مُتألِّماً جِدَّاً مِن سُلوك أبيه إزاء الإمام علي (عليه السلام)، ولكنْ لم يكن يملك أمام هذا السلوك إلاَّ التزام الصمت، وقد جاء في كُتب التاريخ أنَّ المُتوكِّل كان يُبغض عليَّاً (عليه السلام) وينتقصه، فذكره وغَضَّ منه، فتمعَّر وجه ابنه المُنتصر لذلك، فشتمه المُتوكِّل وأنشأ يقول:

غَضِبَ الفَتى لابنِ عَمِّه

رَأسُ الفَتى في حَرِّ أُمِّهِ

لم يُطِق المنتصر هذه الإهانة التي سمعها مِن أبيه، وهو وليُّ العهد الذي كان آنذاك في الخامسة والعشرين مِن العمر، وتأثَّر كثيراً لانتقاص أبيه منه أمام المَلأ، فأضمر له أمراً يُعوِّض له عمَّا حَقَّره به وحَقد عليه، وقَرَّر الأخذ بالثأر الذي يمحو عنه إهانة أبيه، وأغراه ذلك على قتله، فخطَّط مع بعض الغُلمان على قتله في أوَّل فُرصة ووعدهم بالمال والمنصب.

فبينما المُتوكِّل جالس في قصره يشرب مع ندمائه وقد سَكر، إذ دخل بغاء الصغير وأمر النُّدماء بالانصراف، فانصرفوا ولم يَبقَ عنده إلاَّ الفتح بن خاقان، فإذا الغُلمان الذين عيَّنهم المُنتصر لقتل المُتوكِّل قد دخلوا وبأيديهم السيوف مُصلتة، فهجموا عليه، فقال الفتح بن خاقان: ويلكم! أتقتلون أمير المؤمنين؟! ثمَّ رمى بنفسه عليه، فقتلوهما جميعاً، ثمَّ خرجوا إلى المُنتصر فسلَّموا عليه بالخلافة (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج1.


المؤمن مُبتلى

كان أحد صحابة الإمام الصادق (عليه السلام) يُدعى يونس بن عمّار، وذات يوم أُصيب يونس بمرض البَّرص أو الجُذام، وغطَّت بُقعٌ بيضاء كامل وجهه، فأثَّرت في نفسه، وأخذت شخصيَّته تضمحلُّ شيئاً فشيئاَ فاقدة مكانتها الاجتماعيَّة، وقد قيل في حَقِّه: لو كان للإسلام به حاجة، أو كان لوجوده أدنى أثر أو قيمة لما ابتُلي بهذا البَلاء، فجاء يونس بن عمَّار إلى الإمام الصادق (عليه السلام) شاكياً لسان الناس، فقال له (عليه السلام): (لَقَدْ كانَ مُؤْمِنُ آلِ فِرعَوْنَ مُكَنَّعَ الأصابعِ فَكانَ يَقُولُ هكَذا ويَمُدُّ يَدَيْهِ ويَقُولُ: ( . .. يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ).

لقد رَدَّ الإمام الصادق (عليه السلام) بهذه العبارة القصيرة على أقاويل الناس الجَوفاء، حيث حاول (عليه السلام) أنْ يُثبت لنا إمكانيَّة ابتلاء المؤمن بالله وسُنَّة نبيِّه ببليَّة أو عاهة ما، مِثلما ابتُلي مؤمن آل فرعون بتلك العاهة. كما أنَّه (عليه السلام) قد ساعد في رفع معنويَّات يونس بن عمّار؛ حيث دعاه إلى عدم الابتعاد عن الناس بسبب البُقع البيضاء التي انتشرت في وجهه، وطلب منه الاستمرار بواجباته في التبليغ، كما كان يفعل مؤمن آل فرعون، حيث كان يمدُّ يده التي كانت تنقصها الأصابع ويقول: ( ... يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ) ، فتلك العاهة لم تَثنِ عزيمة مؤمن آل فرعون، ولم تُحبط معنويَّاته وشخصيَّته (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


لسانك حصانك إنْ صِنته صانك

كان ابن المقفع رجلاً ذكيَّاً ذا شأنٍ عظيمٍ في عصره، وكان يمتاز عن غيره بقوَّة عقله وحِدَّة ذكائه. وقد نجح في بداية شبابه في تلقِّي العلوم، وترجمة بعض الكُتب العلميَّة إلى اللغة العربيَّة لفطنته وكفاءته الفطريَّة، إلاّ أنَّ تفوّقه العقلي والفكري جعل منه إنساناً مَغروراً، وترك في سلوكه وأخلاقه آثاراً سيِّئة، مِمَّا جعله يواجه مَشاكل جَمَّة في عَلاقاته الاجتماعيَّة.

وكان ابن المُقفع يستهزئ بالناس ويُحقِّرهم بكلمات وألفاظ بذيئة؛ ليُثير في نفوسهم روح الحِقد والعِداء.

وكان سفيان بن مُعاوية - الذي نصَّبه المنصور الدوانيقي والياً على البصرة - مِن جُملة الأشخاص الذين لم يأمنوا لسان ابن المقفع، إذ كان هذا الأخير يستهزئ بسفيان بن مُعاوية أمام الناس.

وكان سفيان بن مُعاوية ذا أنف كبير قبيح الشَّكل، وكلَّما دخل عليه ابن المقفع في دار الولاية قال بأعلى صوته أمام الملأ: السَّلام عليكم، ويعني به: السَّلام عليك وعلى أنفك الكبير، وذات يوم رَدَّ عليه سفيان بالقول: إنَّني لستُ نادماً على التزامي الصمت حيالك، فقال له ابن المقفع: إنَّ مَن خِصلته التلعثُم في الكلام يجب أنْ لا يندم أبداً على التزام الصَّمت.

وأحياناً كان ابن المقفع يُعيِّر سفيان بن مُعاوية بأُمِّه، حيث كان يُناديه بأعلى الصوت وأمام الجميع (يابن المُغتلمة) أيْ: يا ابن المُنقادة للشهوة. وذات يوم أراد ابن المقفع أنْ يظهر جهل وسذاجة سفيان، فسأله في محفل عامٍّ عن رجل يموت ويُخلِّف زوجة وزوج، كيف يتمُّ تقسيم الميراث بينهما؟

آثار ابن المقفع ذلك الرجل الذكي الفطن بكلامه المُهين، النابع مِن غُروره وتكبُّره، حِقد سفيان عليه وعداءه له، وبات سفيان يتحيَّن الفُرص للانتقام مِن ابن المقفع شرَّ انتقام.


وصادف أنْ ادَّعى عبد الله بن علي الخلافة على ابن أخيه المنصور الدوانيقي، وخرج لقتاله. فطلب الخليفة المنصور مِن أبي مُسلم الخراساني الخروج إلى البصرة بجيش جرَّار لقتال عَمِّه، وأخيراً انتصر جيش أبي مسلم على جيش عبد الله بن علي، الذي لجأ إلى أخويه سليمان وعيسى مُتخفِّياً عندهم. وبعد فترة توجَّه الأخوان إلى المنصور، وطلبا منه الصَّفح عن أخيهما عبد الله، فقبل المنصور شفاعتهما، وقرَّر أنْ يَكتُبا عهد أمان ليوقِّعه المنصور الدوانيقي.

وبعد عودتهما إلى البصرة أوكلا إلى ابن المقفع، الذي كان يعمل حينها كاتباً لدى عيسى، كتابة عهد الأمان، وطلبا منه أنْ يكون الكتاب مِن القوَّة بمكان، بحيث يسلب الدوانيقي كلَّ قُدرة على إلحاق الأذى بأخيهما عبد الله، فكتب ابن المقفع عهد الأمان وغالى في تنظيمه، حيث ذكر فيه أنَّ المنصور الدوانيقي إذا ما مكر بعَمِّه عبد الله بن علي وألحق به الأذى، فإنَّ أمواله ستوزع على الرعيَّة، وسيعتق عبيده وجواريه ويُصبِح المسلمون في حِلٍّ مِن بيعته. وعندما دخلا على المنصور وهما يحملان كتاب الأمان ليوقِّعه، ثارت ثائرته فسأل عن الكاتب، فقيل له: إنَّه ابن المقفع، فأمر المنصور بعد أنْ امتنع عن التوقيع، أمر والي البصرة سِرَّاً بقتل ابن المقفع.

ولمَّا كان سُفيان والي البصرة يحمل ما يحمل في جوفه مِن عِداءٍ لابن المقفع، الذي طالما مَسَّ كرامته وجرح شعوره، ويتحيَّن الفرصة للانتقام، جاءت أوامر الخليفة المنصور بقتل ابن المقفع لتَثْلُج صدر سفيان الذي استغلَّ هذه الفُرصة المُناسبة للانتقام مِن غريمه.

فأمر سفيان بحبس ابن المقفع في حُجرة، فدخل عليه وقال له: أتذكر ما قتله في شأني وشأن أُمِّي؟ والله، إنَّ أُمِّي لمُغتلمة إنْ لم أقتلك قتلة لم ترَ الرعيَّة مِثلها مِن قبل، فأمر سفيان بإشعال التنُّور، وجيء بابن المقفع وكان حينها في السادسة والثلاثين مِن العُمر، فأخذ يقتطَّع مِن جسمه قطعة قطعة ويرميها أمام ناظريه داخل التنُّور، ومازال كذلك حتَّى قضى بهذه الطريقة المُفجعة (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


لا طاعة لمَخلوق

حتَّى لو كان أُمَّاً في مَعصية الخالق

لقد أحدثت كلمات الرسول (صلى الله عليه وآله) وخُطبه المؤثِّرة في بدايات الدعوة تحوُّلاً روحيَّاً عظيماً في جيل الشباب، ولمَّا كان الشباب بفطرتهم ثوريِّين ويرغبون في التجدُّد والحداثة، التفُّوا حول الرسول (صلى الله عليه وآله) مُعلنين انضواءهم تحت راية الإسلام، فبدأوا في ظِلِّ قيادته الرشيدة وتوجيهاته الحكيمة حملة ضِدَّ السُّنَن الفاسدة، والعادات والتقاليد المذمومة التي كانت سائدة آنذاك، مُعلنين عن مُخالفتهم للمُعتقدات والأفكار الباطلة أينما حلُّوا في أُسرتهم ومُجتمعهم، أو في حِلِّهم وترحالهم.

كان سعد بن مالك مِن الشباب النشيطين والمُتحمِّسين في صدر الإسلام، وقد اعتنق الإسلام على يد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وهو في سِنِّ الـ 17، وكان سعد قد أظهر وفاءه للإسلام ومُخالفته للجاهليَّة في أكثر مِن مكان وزمان، لا سِيَّما في الظروف الحرجة التي مَرَّ بها المسلمون قبل الهِجرة.

وكان أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله) إذا أرادوا الإتيان بالصلاة، ينزلون إلى شعاب مَكَّة ليتَّقوا شَرَّ المُشركين، فبينا سعد بن مالك في نفر مِن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شِعبٍ مِن شعاب مَكَّة، إذ ظهر عليهم نفر مِن المُشركين، فناكروهم وعابوا عليهم دينهم حتَّى قاتلوهم فاقتتلوا، فضرب سعد رجُلاً مِن المُشركين بلِحي جَمَل، فشجَّه فكان أوَّل دَمٍ أُريق في الإسلام.

وكان المُشركون في تلك الأيَّام في ذروة قوَّتهم وجَبروتهم، بينما المسلمون في نهاية الضعف والعجز، وأيُّ صِدامٍ بين الطرفين - آنذاك - كان يَجرُّ إلى أحداث خطيرة، ولكنَّ الشباب الذين أعدُّوا أنفسهم لتحمُّل شتَّى أنواع التعذيب والأذى لم


يخشوا عواقب الأُمور، أو المخاطر التي قد يواجهونها نتيجة دفاعهم عن حُرمة الإسلام.

يقول سعد: كنتُ رجلاً برَّاً بأُمِّي، فلمَّا أسلمت قالت: يا سعد ما، هذا الدين الذي أحدثت؟! لَتَدَعَنَّ دينك أو لا آكل ولا أشرب حتَّى أموت، وعيَّرتني، فقال: لا تفعلي يا أُمَّاه، فإنِّي لا أدع ديني، قال: فمكثتْ يوماً وليلة لا تأكل فأصبحت وقد جهدت وتصوَّرت أنَّ ابنها لو رآها على هذا الحال مِن الضعف سيترك دينه لبرِّه بها، وقد غاب عنها. إنَّ عطف الأُمِّ وبَرَّها لا يُمكنه أنْ يقف أمام الحُبِّ الإلهي لو تغلغل إلى النفس، ولهذا قال لها سعد في اليوم التالي:

والله، لو كانت لك ألف نفس، فخرجت نفساً نفساً ما تركتُ ديني.

ولمَّا رأت الأُمُّ التصميم القاطع لولدها، ويئست مِن تغيير مُعتقده عدلت عن قرارها بالإمساك عن الطعام.

وخُلاصة القول: إنَّ السلوك الثوري للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والخُطب الحماسيَّة كان لها الأثر الكبير في بناء شخصيَّة ثوريَّة للشباب، الذين ثاروا بالاتِّكال على الله وتوجيهات قائدهم العظيم ضِدَّ سُنَن الجاهليَّة الفاسدة، فحطَّموا الأصنام وهدُّوا بيوتها واقتلعوا جذور الظلم والعدوان، وقضوا على الآداب والتقاليد والعادات الباطلة والنُّظم الفاسدة، وأقاموا مكانها نظاماً جديداً قائماً على أساس العلم والإيمان، والعدل والحُرِّيَّة، والأخلاق والفضيلة، استطاع أنْ يُنقذ البشريَّة مِن الجهل والضلالة (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


مَن يَتَّقِ الله يجعل له مَخرجاً

مِن الأشخاص الذين آمنوا بما جاء به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في بداية البعثة، وفي ظلِّ أكثر الظروف قساوةً، عياش بن أبي ربيعة وزوجته أسماء بنت سلامة، فقد عانا الكثير مِن المشاكل والصعوبات والضغوطات في طريق إعلاء كلمة الحَقِّ.

كان لعياش شقيقان مِن أُمِّه هُما: أبو جهل، والحارث، وكان عندما اعتنق الإسلام في الثلاثين مِن عُمُره وزوجته في العشرين مِن العُمر، وما أنْ أعلن عياش إسلامه حتَّى ثارث ثائرة قومه، فحاولوا تعذيبه وإلحاق الأذى به؛ لمنعه مِن اتِّباع النبي (صلى الله عليه وآله)، إلاَّ أنَّ ذلك لم يؤثِّر به وبقي ثابتاً على إسلامه.

وهاجر عياش وزوجته بمعيَّة مجموعة مِن المسلمين إلى الحبشة، بأمر مِن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، لكنَّهما عادا إلى مَكَّة ثانية قبل الآخرين، فتعرَّضا مُجدَّداً لأذى المُشركين وتعذيبهم، حتَّى حان موعد هِجرة الرسول (صلى الله عليه وآله) والمسلمين إلى المدينة، فهاجرا وتخلَّصا مِن شَرِّ الأعداء.

وعندما علمت أسماء أُمُّ عياش بهجرة ولدها أقسمت اليمين، بأنَّها لن تدهن شَعرها ولن تجلِس في فَيء حتَّى يعود عياش، فشدَّ أبو جهل والحارث الرحال إلى المدينة، وأخبرا عياش بما أقسمت عليه أُمُّهم، وقالا له: إنَّك أكثرنا مكانة عند أُمِّنا، وإنَّك على دين يوصي ببَرِّ الوالدين، فعُدْ إلى مَكَّة واعبدْ ربَّك فيها كما تعبده هنا في المدينة.

فلمَّا سمع عياش بذلك تألَّم لحال أُمِّه وصَدَّق أخويه، فطلب منهما عهداً بعدم الخيانة إنْ هو عاد إلى مَكَّة، فغادر معهما المدينة، وما أنْ ابتعدوا عن المدينة حتَّى شرعا يُعذِّبانه ويؤذيانه، فربطاه ودخلا به مَكَّة نهاراً وهو على هذه الحال، وقالا:


(يا أهل مَكَّة، هكذا فافعلوا بسُفهائكم كما فعلنا بسفيهنا)، ثمَّ رميا به في حُجرة لا سقف له.

وبقي عياش سجيناً في مَكَّة لسنوات عديدة، لاقى خلالها شتَّى صنوف التعذيب، لكنَّه لم تظهر عليه علامات الضعف المعنوي والانهيار الروحي، فقد كان على اتَّصال بخالقه مُتسلِّحاً بقوَّة الإيمان في وجه المصائب والمصاعب.

وكان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في المدينة يدعو له بالخلاص، وكان الناس مُتأثِّرين لما حَلَّ بعياش، وبعد مُدَّة تمكَّن أحد المسلمين - في خُطَّةٍ بارعةٍ - مِن التسلُّل إلى مَكَّة وإنقاذ عياش مِن السِّجن والعودة به إلى المدينة (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


قوَّة الإيمان أقوى مِن قوَّة الجَسد

مِن المسلمين الأوائل سعيد بن زيد وزوجته فاطمة، حيث اعتنق سعيد الإسلام وهو في العشرين مِن العُمر وزوجته تصغره بسنوات، كان سعيد وزوجته يحضران عند الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في ظروف مشحونة بالمخاطر لاكتساب تعاليم الإسلام وتعلُّم قراءة القرآن.

وكان لفاطمة شقيق حادُّ الأخلاق قويَّ الجِسم، شديد المُعارضة للإسلام. وذات يوم مِن أيَّام الصيف الحار التقى به رجل مِن قريش في أزقَّة مَكَّة، وقال له: أنت تزعم أنَّك هكذا؟ وقد دخل عليك هذا الأمر في بيتك وصبأت أُختك، فرجع غاضباً. وقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجمع الرجل والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوَّة، فيكونان معه ويُصيبان مِن طعامه. وقد كان ضُمَّ إلى زوج أُخته رجلين، فجاء وقرع الباب والقوم يقرأون القرآن في صحيفة معهم، فلمَّا سمعوا الصوت تبادروا واختفوا، وقامت المرأة وفتحت الباب، فقال لها: يا عدوَّة نفسها، قد بلغني أنَّك أسلمت، وصفعها بقوَّة فسال الدمُ مِن وجهها، فلمَّا رأت الدمَ كشفت عن السِّرِّ وقالت بكلِّ صَراحة وثَبات: ما كنتَ فاعلاً فافعل، فقد أسلمت.

لقد كانت النساء والبنات مُضطهدات في العصر الجاهليِّ ومحرومات مِن حُقوقهنَّ الإنسانيَّة والمدنيَّة، وكُنَّ يُعاملن أسوأ مِن مُعاملة العبيد والحيوانات، إلى أنْ جاء الإسلام حاملاً منهجه التربوي، الذي يضمن للمرأة شخصيَّتها ويمحنها قوَّة في الإرادة واستقلالاً في الفكر، استطاعت مِن خِلالهما فتاة شابَّة الوقوف بوجه أخيها دفاعاً عن إيمانها ومُعتقدها بكلِّ شجاعة (1).

____________________

(1) الشاب، ج2.


كَذِبَ المُنجِّمون ولو صدقوا

كان أمير المؤمنين عليٌّ (عليه السلام) قد جهَّز جيشاً لمُحاربة الخوارج، وعندما أراد (عليه السلام) الخروج بجيشه جاءه أحد أصحابه، وقال له: يا أمير المؤمنين، أخشى إنْ خرجت في هذه الساعة أنْ لا تبلغ مُرادك وأنْ تٌهزم أمام عدوِّك، وما خشيتي هذه إلاَّ نابعة مِن معرفتي بما سيحصل مِن خلال النجوم.

فقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام):

(أتَزْعَمُ أنَّكَ تَهْدي إلى السَّاعَةِ التي مَنْ سارَ فيها صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ؟!

وتُخَوِّفُ مِنَ السّاعَةِ التي مَنْ سارَ فيها حاقَ بهِ الضُّرُّ؟!

فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهذا فَقَدْ كَذَّبَ القُرْآنَ واسْتَغْنى عَنِ الاسْتِعانَةِ بِاللهِ في نَيْلِ المَحْبُوبِ ودَفْعِ المَكْرُوهِ، ويَنْبَغي في قَوْلِكَ لِلعامِلِ بِأمْرِكَ أنْ يُولِيَكَ الحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ؛ لأنَّكَ بِزَعْمِكَ أنْتَ هَدَيْتَهُ إلى السَّاعَةِ التي نالَ فيها النَّفْعَ وأمِنَ الضُّرَّ).

ثُمَّ أقْبَلَ (عليه السلام) على الناس فقال: (سيرُوا على اسْمِ اللهِ).

لقد تصوَّر هذا الرجل أنَّ باستطاعته مِن خلال المُحاسبات النجوميَّة أنْ يَعلم الغيب، وأنْ يُحيط الأشخاص بما سيواجهونه في المُستقبل مِن أحداث؛ ومِن هذا المنطلق جاء ليُعرب لأمير المؤمنين (عليه السلام) عن خشيته مِن هزيمة تتربَّص بجيشه إنْ خرج في الساعة الفُلانيَّة.

ولو كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كغيره مِمَّن يؤمنون بمِثل هذه الخرافات؛ لارتاب عند سماعه هذا الخبر وانصرف عن قراره بخروج الجيش في مِثل تلك الساعة، لكنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ترعرع في مدرسة الإسلام، ولم يُبالِ بما سمعه، ولم يدع الخوف والقلق يُسيطران عليه، فرفض بقاطعيَّة ما تفوَّه به الرجل، وخرج بجيشه في تلك الساعة مُتوكِّلا على الله، فتغلَّب على عدوِّه وعاد مُنتصراً ظافراً (1).

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


إنْ كان كما يكفيك لا يُغنيك فكلُّ ما فيها لا يُغنيك

عن حمزة بن حمران قال:

شكا رجلٌ إلى أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه يطلب فيُصيب ولا يقنع، وتُنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه، وقال: علِّمني شيئاً أنتفع به.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام):

(إنْ كان ما يكفيك يُغنيك فأدنى ما فيها يُغنيك، وإنْ كان ما يكفيك لا يُغنيك فكلُّ ما فيها لا يُغنيك).

ونستشفُّ أنَّ تضادَّ عدد مِن الغرائز والرغبات الطبيعيَّة، هو مِن جُملة العوامل التي تَحدُّ مِن حُرِّيَّة الإنسان، وتمنعه مِن تحقيق بعض أمانيه (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ

عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّ سُمرة بن جندب كان له عِذق في حائط لرجل مِن الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البُستان، فكان يمرُّ إلى نخلته ولا يستأذن، فكلَّمه الأنصاري أنْ يستأذن إذا جاء، فأبى سُمرة، فلمَّا أبى جاء الأنصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فشكا إليه وخبَّره الخبر، فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخبَّره بقول الأنصاري وما شكا، وقال:

(إذا أردت الدخول فاستأذن)، فأبى، فلمَّا أبى ساومه حتَّى بلغ مِن الثمن ما شاء الله، فأبى أنْ يبيع، فقال (صلى الله عليه وآله):

(لك بها عِذق مُذلَّل في الجَنَّة)، فأبى أنْ يقبل،

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأنصاري:

(اذْهَبْ فَاقْلَعْها وارْمِ بِها إلَيْهِ لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ).

يتَّضح لنا مِن خلال تحليل هذه القضيَّة والوقوف عند تفاصيلها، أنَّ القوانين الاجتماعيَّة في الإسلام لا تسمح للفرد بأنْ يتمادى بحُرِّيَّته الفرديَّة إلى ما يُسيء بحُرِّيَّة الآخرين (1).

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


الإسلام دين الشباب

في السنوات الثلاث الأُولى مِن بعثة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان النبي يدعو الناس سِرَّاً إلى الإسلام؛ وذلك لتجنُّب شَرَّ المُشركين وعَبدة الأصنام، وخلال هذه الفترة آمن بدعوته أربعون رجُلاً وامرأة، مُعظمهم مِن الصغار والمُراهقين والشباب، الذين تراوحت أعمارهم بين العاشرة والخامسة والعشرين عاماً.

وكان أصحاب الضمائر الحَيَّة والفِطرة الطاهرة، أكثر الناس لياقة لقَبول الدين الإسلامي؛ لأنَّ دعوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) جاءت مُتطابقة مع طبيعتهم الباحثة عن الحقيقة، والمَحبَّة للخير والفضيلة.

فقد آمن هؤلاء بدعوة النبي، وجذبتهم التعاليم الإسلاميَّة السامية، وترسَّخت الدعوة في أعماقهم حتَّى ارتضوا بالنبيِّ رسولاً وقائداً لهم، فتجمَّعوا حوله ليُشكِّلوا النواة المركزيَّة للإسلام.

ويُمكن القول: إنَّ دعوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) كان لها أثرها البالغ في صفوف الفتيان والشُبَّان، الذين كانون يحومون حوله كالفراشات، ويُنفِّذون تعاليمه بكلِّ حُبٍّ وإخلاص، ومِن هنا جاء تأييد النبي (صلى الله عليه وآله) للشابِّ.

وبعد فترة مِن الدعوة السِّرِّيَّة أمر الله سبحانه وتعالى نبيَّه (صلى الله عليه وآله) بأنْ يَجهر دعوته بين الناس، وينشر تعاليم هذا الدين السماويِّ أمام المَلأ، فكان الشباب أيضاً يُشكِّلون غالبيَّة مَن اعتنقوا الدين الإسلامي وآمنوا بدعوة الرسول (صلى الله عليه وآله).

وقد أثار استقبال الشباب المُتزايد لدعوة الرسول (صلى الله عليه وآله) واعتناقهم


الدين الإسلامي سَخط وغَضب الشيوخ الطاعنين في السِّن، الذين كانوا يغرقون في شِركهم وضلالهم نتيجة تعصبُّهم ولجاجتهم، حتَّى وصل بهم الأمر إلى اتِّهام المسلمين بالفساد والضلالة، وركَّزوا على هذا الاتِّهام في شكواهم مِن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وأعربوا بكلِّ صراحة عن قلقهم إزاء ما يجري.

قال عتبة - وهو مِن مُشركي مَكَّة - لأسعد بن زرارة: خَرَجَ فينا رَجُلٌ يَدَّعي أنَّهُ رَسُولُ اللهِ، سَفَّهَ أحْلامَنا وسَبَّ آلِهتَنَا، وأفْسَدَ شُبّانَنا وفَرَّقَ جَماعَتَنا.

ولمَّا اجتمع رجال قريش وشيوخ المُشركين في دار الندوة، لوضع مُخطَّط لمواجهة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والوقوف بوجه الانتشار السريع للإسلام، ومُحاربة أتباع الرسول (صلى الله عليه وآله)، توالت الخُطب العنيفة، ومِن جُملتها خُطبة ألقاها أبو جهل ركَّز فيها على عبارة: (أفسد شُبَّاننا) وأعرب عن قلقه العميق إزاء التأثير البالغ، الذي تتركه دعوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في نفوس شباب مَكَّة وفتيانها.

لقد بات اعتناق الشباب الدين الإسلامي حديث الساعة، ومَحطَّ اهتمام الناس في صدر الإسلام، فكان الآباء والأُمَّهات وعامَّة كِبار السِّنِّ في مَكَّة، غاضبين جِدَّاً مِن استجابة فتيانهم وشُبَّانهم لدعوة النبي (صلى الله عليه وآله) وتعاونهم معه بكلِّ حُبٍّ وإخلاصٍ. حتَّى إنَّهم لجأوا إلى استخدام شتَّى وسائل التعذيب والضغط بحقِّ أبنائهم لصَدِّهم عن اتِّباع الرسول، وثنيهم عن مسيرتهم وإجبارهم على العودة لعبادة الأصنام آلهة آبائهم وأجدادهم، إلاَّ أنَّ أساليب الضغط والتعذيب، التي استخدمها مُشركو مَكَّة لم يكن لها أدنى تأثير في نفوس الشباب المؤمن، ولم تستطع إرباك إيمانهم وصَدِّهم عن مسيرتهم في اتِّباع الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)؛ لأنَّ ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) هو أقرب إلى عقولهم وفطرتهم، وكان بمثابة الضالَّة التي تبحث عنها ضمائر الشباب الحيَّة والطاهرة، وقد جاء الرسول (صلى الله عليه


وآله) ليُخاطبهم بلسان القلب للقلب، ويَنفذ بالإسلام إلى أعماقهم، وكيف يستطيع التعذيب والتحقير والإهانة تغيير العقيدة التي ترسَّخت جُذورها في الأعماق، وتجريد النفس الطاهرة مِن فطرتها؟ (1)

____________________

(1) الشاب، ج2.


الحسَنُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍِ حَسَنٌ،

ومِن الموالين أَحْسنُ

كان رجل يُدعى الشقراني يُبرز حُبَّه للإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وكان يَعدُّ نفسه مِن مُحبِّي أهل البيت (عليهم السلام)، وكان الشقراني مُدمناً على الخمرة، فطلب مِن الإمام (عليه السلام) يوماً أنْ يشفع له عند المنصور الدوانيقي، فلبَّى الإمام طلبه، وأراد (عليه السلام) أنْ ينهاه عن الخمرة، فتحدَّث إليه بكلِّ أدبٍ ولينٍ، وبعيداً عن التوبيخ والتقريع وأنظار الناس، فقال (عليه السلام) له: (إنَّ الحَسَنَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ حَسَنٌ، وإنَّهُ مِنكَ أَحْسنُ لِمَكانِكَ مِنّا، وإنَّ القَبيحَ مِنْ كُلِّ أحدٍ قبيحٌ وإنَّهُ مِنْكَ أَقْبَحُ).

ونُخلص إلى أنَّ أُسلوب التوبيخ والتقريع في المدرسة التربويَّة الإسلاميَّة أُسلوب مذموم ومرفوض، وعلى المسلمين أنْ يتجنَّبوا هذه الطبيعة السيِّئة. أمَّا إذا كان الهدف مِن هذا الأُسلوب صيانة مصلحة الأُمَّة، كتطهيرها مِن شُرور العناصر الضَّالَّة، أو إنقاذها مِن دنس المُعتدِّين الجائرين، فإنَّه يُصبح جائراً شرعاً مَثله مَثل بعض أنواع الكذب والغيبة (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


ما أخْسَرَ المشَقَّةَ وَراءها العِقابُ!!

قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) - وقَدْ لَقِيَهُ عِنْدَ مَسيرِهِ إلى الشّامِ دَهاقينُ الأنْبارِ فَتَرَجَّلُوا لَهُ واشْتَدُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ ـ: (ما هذا الَّذي صَنَعْتُمُوهُ؟!).

فَقالوا: خُلْقٌ مِنَّا نُعَظِّمُ بِه أمراءَنا.

فَقالَ: (واللهِ، ما يَنْتَفِعُ بِهذا أمَراؤكُمْ، وإنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلى أنْفُسِكُمْ في دُنْياكُمْ وتَشْقَوْنَ بهِ في آخِرَتِكُمْ، وما أخْسَرَ المَشَقَّةَ وَراءها العِقابُ وأرْبَحَ الدِّعَةَ مَعَها الأمانُ مِنَ النّار) (1).

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


إنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ الرحيمُ

حينما أراد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إعداد الجيش لخوض معركة تبوك أعلن النفير العامَّ، وتهيَّأ المسلمون للقتال، فخرجوا في اليوم المُحدَّد مُتوجِّهين نحو جَبهة القتال، إلاَّ أنَّ ثلاثة مِن الأنصار هُم: كعب بن مالك، وهلال بن أُميَّة، وابن ربيع مكثوا في المدينة مُتخلِّفين عن المسلمين وما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) دون مُبرِّر.

ولمَّا عاد الرسول بجيشه إلى المدينة، دخل عليه هؤلاء الثلاثة طالبين منه الصَّفح عَمَّا بدا منهم، إلاَّ أنَّ الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يُحدِّثهم، ودعا المسلمين إلى مُقاطعتهم، حتَّى هجرهم جميع المسلمين بصغارهم وكبارهم حتَّى أُسرهم هجرتهم، وكانت تُقدِّم إليهم الطعام في مواقيته دون أنْ تتحدَّث معهم.

واستمرَّت المُقاطعة حوالي خمسين يوماً حتَّى ضاقت عليهم الأرض، فكانوا يُغادرون المدينة أحياناً لشدَّة ما حَلَّ بهم، ويلتجئون إلى التِّلال والمُرتفعات المُحيطة بالمدينة، فيستغفرون الله تعالى نادمين على فعلتهم طالبين منه العفو والصَّفح بأعيُن دامعة، حتَّى تقبَّل توبتهم وعفا عن خطاياهم.

قال تعالى: ( وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) .

وذات يوم وعقب صلاة الصُّبح أعلن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) عن قَبول الله سبحانه وتعالى توبة هؤلاء الثلاثة، وطلب إنهاء المُقاطعة ليعود هؤلاء إلى حياتهم الاجتماعيَّة، ويستعيدوا عِزَّتهم وكرامتهم، وقد أثار هذا النبأ موجة مِن البَهجة والسرور عمَّت أهالي المدينة.


إنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يُجازِ المُتخلِّفين الثلاثة بالسِّجن والتعذيب أو الإعدام، بلْ استغلَّ مسألة العِزَّة والكرامة الاجتماعيَّة، وعاقبهم بسوء السُّمعة والعار والفضيحة، وكان إعراض الناس عنهم ومُقاطعتهم لهم أصعب بالنسبة لهم مِن السِّجن وأشدَّ ألماً مِن أيِّ عِقاب، وبالرغم مِن أنَّهم كانوا أحراراً غير مُقيَّدين، إلاّ أنَّهم شعروا بأنَّ الأرض قد ضاقت عليهم نتيجة مُقاطعة الناس لهم (1).

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


فبِما كسبت أيديكم

إنَّ رجلاً مِن أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) لسَعَته حَيَّة، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): (أتدري لِما أصابك ما أصابك؟).

قال: لا.

قال: (أما تذكر حيث أقبل قنبر خادمي، وأنت بحضرة فُلان العاتي، فقمت له إجلالاً لإجلالك لي؟

فقال لك: أتقوم لهذا بحضرتي؟!

فقلتَ له: وما بالي لا أقوم! وملائكة الله تضع له أجنحتها في طريقه فعليها يمشي. فلمَّا قلتَ هذا له قام إلى قنبر وضربه وشتمه وآذاه، وتهدَّدني وألزمني الإغضاء على قَذى... فإنْ أردت أنْ يُعافيك الله تعالى مِن هذا فاعقد أنْ لا تفعل بنا ولا بأحدٍ مِن موالينا بحضرة أعدائنا ما يُخاف علينا وعليهم).

فلو كان ذلك الرجل المُخطئ في تصرُّفه فرداً عاقلاً حكيماً، لما قام بذلك العمل ولما أدَّى إلى إهانة قنبر وأذيَّته.

ومِن هنا نقول: إنَّ الصديق الجاهل يؤذي صديقه ويُتعبه، فهو يُحاول أنْ ينفعه فيضرُّه لجهله (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


مُشاورة الرجال مُشاركتهم في عقولهم

كان للمُعتصم العباسي وزير يُسمَّى: الفضل بن مروان، قد فاق أقرانه وأضحى موضع اهتمام الخليفة لكفاءته وجَدارته، وذات يومٍ دعا الوزير الخليفة للنزول عليه ضيفاً؛ مِن أجل أنْ يكشف للعامَّة منزلته عند الخليفة، الذي لبَّى بدوره دعوة وزيره المُقرَّب.

وكان الوزير قد أعدَّ قصره وزيَّنه بأفخم الأشياء، وفرشه بأثمن الفرش، وجَلب أوانٍ مِن الذهب وأُخرى مِن الفِضَّة، وهيَّأ أفخر الطعام ورتَّب مجلساً مِن أبهى ما يكون.

ولمَّا دخل الخليفة المجلس بُهت لكلِّ هذه الثروة وهذا الجلال، وأخذته الغيرة والحَسد مِن وزيره، فجلس للحظات والحَسد يعتصره، ثمَّ قام وخرج مِن المجلس بحُجَّة يُعاني مِن آلامٍ في بطنه. فاستبدَّ بالوزير القَلق مِمَّا حصل، وقاده التفكير إلى أنَّ هذا المجلس المشؤوم لا يُمكن أنْ يرفع منزلته عند الخليفة وقد يُطيح به، فأخذ يُفكِّر بما عليه فعله، إلاّ أنَّ اضطرابه قد شُلَّ مِن قُدرته على التفكير.

عند ذاك قرَّر أنْ يُسر صاحبه إبراهيم الموصلي، الذي كان حاضراً المجلس بحقيقة الأمر ليستنير بعقله، فتقدَّم منه وتحدَّث إليه بما جرى. فكَّر إبراهيم قليلاً ثمَّ قال للوزير: أنْ اذهب مع الخليفة ولا تنفصل عنه، واتبعه إلى البلاط لتوديعه والاطمئنان على حاله، وامكث هناك حتَّى تأتيك رسالتي، فإذا وصلتك فافتحها واقرأها بحضور المُعتصم، وإذا سألك عَمَّا في الرسالة أجبه.

نَفَّذ الوزير أمر صاحبه العاقل، وبلغته الرسالة وكان قد كتب فيها إبراهيم يقول:


إنَّ أصحاب الفرش والصُّحون الذهبيَّة والفضيَّة، قد جاؤوا يسألون عَمَّا كان مجلس ضيافة الخليفة، قد انتهى لكي يأخذوا حاجياتهم وأموالهم.

وحصل ما توقَّعه إبراهيم، فقد سأل المُعتصم عَمَّا تضمَّنته الرسالة، فقرأ عليه الوزير فحواها، فضحك الخليفة دون إرادة وزالت عُقدته الباطنيَّة، لمَّا عرف أنَّ كلَّ هذه الفخامة والأُبَّهة والثروة ليست مِلك الوزير، بلْ استقرضها مِن أصحابها، ثمَّ شكر الخليفة وزيره على حُسن الضيافة، وقد استطاع الصديق الذكيُّ اللبيب بتدبيره وحكمته إنقاذ صاحبه مِن خَطرٍ حقيقيٍّ.

إنَّ المدرسة التربويَّة الإسلاميَّة، تولي اهتماماً كبيراً لمسألة الصُّحبة، وضرورة أنْ يكون الصديق عاقلاً وحكيماً، بحيث إنَّها تُجيز مُصاحبة الإنسان العاقل والمُفكَّر، حتَّى وإنْ افتقد لبعض مكارم الأخلاق (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


الكادُّ على عياله كالمُجاهد في سبيل الله

عن أبي عَمْرو الشّيباني قال:

رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) وبيده مسحاة، وعليه إزارٌ غليظ يعمل في حائطٍ له والعَرق يتصابُّ عن ظهره.

فقلت: جُعِلت فِداك! أعطني أكفِك.

فقال لي: (إنِّي أُحبُّ أنْ يتأذَّي الرَّجُل بحَرِّ الشِّمس في طَلب المَعيشة) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


العمل باليد عمل النبيِّين والمُرسلين والصالحين

عن علي بن أبي حمزة قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يعمل في أرضٍ له قد استنقعت قَدماه في العرق.

قلت: جُعِلت فِداك! أين الرِّجال؟

فقال: (يا عليُّ، عَمِلَ باليد مَن هو خيرٌ مِنِّي ومِن أبي في أرضه).

فقلت له: ومَن هو؟

فقال: (رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأمير المؤمنين، وآبائي كلُّهم قد عملوا بأيديهم، وهو مِن عمل النَّبيِّين والمُرسلين والصَّالحين).

لقد كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يحترم العامل الكادح، ويُشجِّعه بشتَّى الطُّرق، ويحتقر العاطل عن العمل ويُبدي استياءه منه، وكلُّ ذلك كان بهدف حَثِّ المسلمين على العمل والمُثابرة وتحذيرهم مِن الكَسل والبطالة (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


يد الكادِّ على عِياله لا تمسُّها النار

أنس بن مالكٍ روى:

أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمَّا أقبل مِن غزوة تبوك، استقبله سعد الأنصاريِّ فصافحه النبي (صلى الله عليه وآله) ثمَّ قال له:

(ما هذا الذي أكنب يديك؟!).

قال: يا رسول الله، أضرب بالمَرِّ والمِسحاة فأُنفقه على عِيالي.

فقبَّل يده رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وقال: (هذه يَدٌ لا تمسُّها النَّار) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


احمل على رأسك واستغن عن النَّاس

زرارة عن الإمام الصادق (عليه السلام):

إنَّ رجُلاً أتاه فقال: إنَّني لا أُحسن أنْ أعمل عملاً بيدي ولا أُحسن أنْ أتَّجر وأنا مُحتاجٌ.

فقال (عليه السلام): (اعمل واحمل على رأسك واستغنِ عن النَّاس) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


مَن سعى على نفسه أو أبويه أو ذُرِّيَّته فهو في سبيل الله

كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) جالساً مع أصحابه ذات يوم، فنظر إلى شابٍّ ذي جَلدٍ وقوَّة وقد بكَّر يسعى.

فقالوا: ويحَ هذا! لو كان شبابه وجَلده في سبيل الله.

فقال (صلى الله عليه وآله): (لا تقولوا هذا، فإنَّه إنْ كان يسعى على نفسه ليكفَّها عن المسألة ويُغنيها عن النّاس فهو في سبيل الله، وإنْ كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذُرِّيَّةٍ ضعافاً ليُغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله، وإن كان يسعى تفاخراً وتكاثُراً فهو في سبيل الشيطان) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


ليس هذا طلب الدُّنيا

هذا طلب الآخرة!!

قال رجل لأبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام):

والله، إنّا لنطلب الدُّنيا ونُحبُّ أنْ نؤتاها.

فقال (عليه السلام): (تُحبُّ أنْ تصنع بها ماذا؟).

قال: أعود بها على نفسي وعيالي، وأصل بها، وأتصدَّق بها، وأحِجَّ وأعتمر، فقال (عليه السلام): (ليس هذا طلب الدُّنيا، هذا طلب الآخرة) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


مَهلاً يا أُمَّاه فإنَّ مَعي مَن يَحفظني

في قِصَّة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) مع مُرضعته حليمة السعديَّة، تقول حليمة لمَّا بلغ محمد (صلى الله عليه وآله) الثالثة مِن عُمره قال لي:

ـ (أُمَّاه، أين يذهب إخوتي نهار كلِّ يوم؟).

ـ يخرجون إلى الصحراء لرَعي الأغنام.

ـ (لماذا لا يَصحبونني معهم؟).

ـ هل ترغب في الذهاب معهم؟

ـ (أجل).

فلمَّا أصبح دهَّنته وكحَّلته وعلَّقت في عُنقه خيطاً فيه جزع يمانيَّة فنزعها، ثمَّ قال لي: (مَهْلاً يا أُمَّاه، فإنَّ معي مَن يَحفظني).

الإيمان بالله هو الذي يجعل الطفل في الثالثة حُرَّاً وقويَّ الإرادة بهذه الصورة (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


لن يُغلَبَ حِزبٌ فيه رسول الله

روي أنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) مَرَّ بقومٍ مِن الأنصار يترامون، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

(أنا مع الحِزب الَّذي فيه ابن الأردع).

فأمسك الحِزب الآخر وقالوا:

لنْ يُغلَب حِزبٌ فيه رسول الله.

فقال: (ارموا، فإنِّي أرمي معكما)، فرمى مع كلِّ واحدٍ منهم رَشقاً (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


تسود قريش ما دام مِثلُك فيها

قال الإمام الصادق (عليه السلام): (دخلنا (مع أبي { عليه السلام }) على هشام في الشام، وإذا قد قعد على سرير الملك، وجنده وخاصَّته وقوف على أرجُلهم سِماطين مُتسلِّحين وأشياخ قومه يرمون، فلمَّا دخلنا: أبي أمامي وأنا خلفه، نادى أبي وقال: يا محمد، ارِم مع أشياخ قومك الغرض.

فقال له: إنِّي قد كَبرت عن الرَّمي، فهل رأيت أنْ تعفيني؟

فقال: وحَقِّ مَن أعزَّنا بدينه ونبيِّه محمد (صلى الله عليه وآله) لا أعفيك، ثمَّ أومأ إلى شيخٍ مِن بَني أُميَّة أنْ أعطِه قوسك، فتناول أبي عند ذلك القوس مِن الشيخ، ثمَّ تناول منه سَهماً فوضعه في كَبد القوس، ثمَّ انتزع ورمى وسط الغرض، فنصب فيه ثمَّ رمى فيه الثانية فشقَّ فَواق سَهمه إلى نصله، ثمَّ تابع الرمي فشقَّ تسعة أسهُم بعضاً في جوف بعضٍ وهشام يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك إلى أنْ قال: أجدت يا أبا جعفر، وأنت أرمى العرب والعَجم، هلا زعمت أنَّك كَبرت عن الرَّمي؟

ثمَّ أدركته النَّدامة على ما قال... ثمَّ أقبل على أبي بوجهه فقال له:

يا محمد، لا يزال العرب والعَجم يسودها قريش ما دام مِثلك فيهم، لله دُرُّك، مَن علَّمك هذا الرمي وفي كَمْ تعلَّمته؟!

فقال: قد علمت أنَّ أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيَّام حَداثتي، ثمَّ تركته) (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


.. إلاَّ أنْ أُقيم حَقَّاً أو أدفع باطلاً

عبد الله بن عبّاسٍ قال:

دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قارٍ وهو يخصِف نعله.

فقال لي: (ما قيمة هذا النَّعل؟).

فقلت: لا قيمة لها.

فقال (عليه السلام): (والله، لهي أحبُّ إليَّ مِن إمرتكم، إلاّ أنْ أُقيم حَقَّاً أو أدفع باطلاً).

إنَّ الرئاسة والحكومة ما هي إلاَّ وسيلة لإشباع غريزة حُبِّ السلطة والتفوُّق، وواحدة مِن اللَّذات المادِّيَّة. أمَّا إقامة العدل وإزهاق الباطل فهُما دليلان على الإنسانيَّة، يُحقِّقان للإنسان لذَّة روحيَّة ومعنويَّة. فالذي لا يهدف إلاَّ إلى بلوغ لذَّة مادِّيَّة، فإنَّه يَسرُّ ويتلذَّذ بمُجرَّد وصوله إلى كُرسيِّ الرئاسة والسُّلطة. أمَّا ذاك الإنسان الواقعي فإنَّ لذَّته مِن الحُكم والسُّلطة هي في إقامة العدل، وإنْ لم يتمكَّن مِن ذلك فإنَّه لا يَجد أيَّ قيمة للسُّلطة، وإشباع غريزة حُبِّ السُّلطة (1) .

____________________

(1) الشابُّ، ج2.


ملعونٌ مَن جلس على مائدةٍ

يُشرَب عليها الخَمر

أقام أحد قادة جيش المنصور الدوانيقي مجلس ضيافة في الحِيرة بمُناسبة خِتان ولده، ودعا إليه جمعاً مِن الرجال بينهم الإمام الصادق (عليه السلام).

ولمَّا امتدَّ السِّماط وانهمك الجميع في تناول الطعام، طلب أحد المدعوِّين ماءً، فجيء إليه بكأس مِن الشراب، فما كان مِن الإمام الصادق (عليه السلام) إلاّ أنْ نهض وغادر المجلس، ولمَّا سأله صاحب الدعوة عن السبب، قال (عليه السلام):

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ملعونٌ مَن جلس على مائدةٍ يُشرَب عليها الخمر) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


ما أحببتَ أنْ يأتيه الناس إليك فأته إليهم

جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ (صلى الله عليه وآله) فقال:

يا رسول الله، علِّمني عملاً أدخل به الجَنَّة، فقال:

(ما أحببتَ أنْ يأتيه الناس إليك فأته إليهم، وما كرهت أنْ يأتيه الناس إليك فلا تأته إليهم) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


احترام الأبّ

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

(نظر أبي إلى رجل ومعه ابنه يمشي، والابن مُتَّكئ على ذِراع الأبِّ (قال:) فما كلَّمه أبي مَقتاً له حتَّى فارق الدنيا) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


المشي مع الراكب

مَفسدة للراكب ومَذلَّةً للماشي

ركب الإمام عليٌّ (عليه السلام) يوماً، فمشى معه قوم فقال (عليه السلام):

(أما علمتم أنَّ مشي الماشي مع الراكب مَفسدة للراكب ومذلَّةٌ للماشي، انصرفوا) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


الفَرَج بعد الشِّدَّة

خرج الإمام الصادق (عليه السلام) مع رفيقين له أحدهما (مرازم) والآخر (مصادف) وينقل محمد بن مرازم عن أبيه حادثاً وقع أثناء خروجهم، فيقول: خرجنا مع أبي عبد الله (عليه السلام) حيث خرج مِن عند أبي جعفر المنصور مِن الحِيرة، فخرج ساعة أذِنَ له وانتهى إلى السالحين (قرية تبعُد أربعة فراسخ عن بغداد) في أوَّل الليل، فعرض له عاشر مِن قبل الدولة، كان يستحصل رسوم الدخول في السالحين فقال له: لا أدعك تجوز فألحَّ عليه وطلب إليه، فأبي إباءً وأنا ومصادف معه، فقال له مصادف:

جُعِلت فِداك! إنَّما هذا كلب قد آذاك وأخاف أنْ يَرُدَّك، وما أدري ما يكون مِن أمر أبي جعفر وأنا ومرازم، أتأذن لنا أنْ نضرب عُنقه، ثمَّ نطرحه في النهر؟

فقال: (كُفَّ يا مصادف)، فلم يَزل يطلب إليه حتَّى ذهب مِن الليل أكثره فأذِنَ له فمضى.

فقال: (يا مزمار، هذا خيرُ أمْ الذي قلتماه؟).

فقال: هذا، جُعِلت فِداك.

فقال: (إنَّ الرجل يخرج مِن الذُّلِّ الصغير فيُدخِله ذلك في الذُّلِّ الكبير) (1).

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


عُقدة الحَقارة

كان شعس بن قيس مِن كُفَّار المدينة، وهو بالإضافة إلى ضعفه وعجز الشيخوخة كان يَشعر بالذِّلَّة والحَقارة مِن عِدَّة نواحٍ، فقد كان يرى المسلمين وقوَّتهم تزداد يوماً بعد يوم، والكُفَّار يتَّضعون ويتَّضعون، وكان يرى المسلمين وهم ينظرون إلى الكُفَّار بعين الاحتقار في كلِّ مكان، وأنَّ عليهم أنْ يستسلموا للحُكومة الإسلاميَّة وهُمْ صاغرون.

هذه وعوامل أُخرى أوجدت لدى شعس بن قيس عُقدة الحَقارة؛ ولذا كان يُريد أنْ يُبيِّن في فُرصة مُناسبة ردود فعلٍ مُؤثِّرة ليعوِّض عن حَقارته الباطنيَّة. وبما أنَّه كان شيخاً كبيراً في السِّنِّ وعنده تجارب، فقد استغلَّ اجتماع الأوس والخَزرج، واستطاع أنْ يُنفِّذ خُطَّة الاختلاف على أساس العصبيَّة القبليَّة بيد شابٍّ يهوديٍّ. وبلغت الخُطَّة مِن الخطورة أنْ أوشكت معها الدماء أنْ تُراق، لولا تدخُّل الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مُباشرة واتَّخاذه إجراءات مُباشرة لإخماد الفتنة (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


ليس مِنَّا

مَن لم يرحم صغيرنا ولم يوقِّر كبيرنا

جاء شيخ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأبطأوا عن الشيخ أنْ يوسِّعوا له، فقال (صلى الله عليه وآله):

(ليس مِنَّا مَن لم يرحم صغيرنا، ولم يوقِّر كبيرنا) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


هَلاَّ ساويت بينهما؟!

روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): أنَّه نظر إلى رجلٍ له ابنان، فقبَّل أحدَهما وترك الآخر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله):

(فَهَلاّ ساويت بينهما) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


القَناعة كنز لا يَفنى

عن حمزة بن حمران قال:

شكا رجل إلى أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه يطلب فيُصيب ولا يقنع، وتُنازعه نفسه إلى ما هو أكثر منه، وقال: علِّمني شيئاً أنتفع به.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام):

(إنْ كان ما يكفيك يُغنيك فأدنى ما فيها يُغنيك، وإنْ كان ما يكفيك لا يُغنيك فكلُّ ما فيها لا يُغنيك) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


ويحَ مَن لم يتزوَّج وهو يَقدر

عن عكاف بن وداعة الهلالي قال:

أتيت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لي: (يا عكاف، ألك زوجة؟).

قلت: لا.

قال: (وأنت صحيح موسِر؟).

قلت: نعم، والحمد لله.

فقال: (ويحَك - يا عكاف - تزوَّج فإنَّك مِن الخاطئين، تزوَّج فإنَّك مِن الخاطئين، تزوَّج وإلاَّ فأنت مِن المُذنبين، تزوَّج وإلاّ فأنت مِن رُهبان النصارى، تزوَّج وإلاَّ فأنت مِن إخوان الشياطين) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


ليس أحدٌ يسبق فاطمة

بنت محمد إلى الفضل

عن الرضا (عليه السلام):

(إنَّ امرأةً سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) فقالت: أصلحك الله، إني مُتبتلِّةٌ.

فقال لها: وما التبُّتل عندك؟

قالت: لا أُريد التزويج أبداً.

قال: ولِمَ؟

قالت: التمس في ذلك الفضل.

فقال: انصرفي، فلو كان في ذلك فضل لكانت فاطمة (عليها السلام) أحقَّ به منك، إنَّه ليس أحدٌ يسبقها إلى الفضل) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


مَن رَغب عن سُنَّتي فليس مِنِّي

حرَّم بعض صحابة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مُقاربة النساء، وإفطار النهار، ونوم الليل؛ طلباً لتزكية النفس والسُّمو بالروح، وكسب رضوان الله تبارك وتعالى،

فعلمت أُمُّ سلمة (رضوان الله عليه) فأخبرت الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بذلك، فخرج إلى أصحابه فقال:

(أترغبون عن النساء؟ إنَّي آتي النساء، وآكل بالنهار، وأنام بالليل. فمَن رَغب عن سُنَّتي فليس منِّي) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


المجنون مَن أبلى شبابه في غير طاعة الله

مَرَّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) رجلٌ وهو في أصحابه، فقال بعض القوم: مجنون. فقال (صلى الله عليه وآله):

(بلْ هذا رجل مُصابٌ، إنَّما المجنون عبدٌ أو أَمَةٌ أبليا شبابهما في غير طاعة الله) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


الذليل مَن ظَلَم

قال رجل لجعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): إنَّه وقع بيني وبين قوم مُنازعة في أمر، وإنِّي أُريد أنْ أتركه، فيقال لي: إنَّ تركك له ذِلٌّ. فقال جعفر بن محمد (عليه السلام): (إنَّ الذليل هو الظالم) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


قيمة السُّلطة بإقامة الحَقِّ ودفع الباطل

كان عليٌّ (عليه السلام) في ذروة سُلطته وقوَّتِهِ عندما ذهب مع جيشه لحرب البصرة، يقول ابن عباس: كنَّا في ذي قار عندما مَثلت بين يدي أمير المؤمنين، وكان يَخصف نعله فقال لي: (ما قيمة هذا النعل؟).

فقلت: لا قيمة له.

فقال (عليه السلام): (والله، لهي أحبُّ إليَّ مِن إمرتكم، إلاّ أنْ أُقيم حَقَّاً أو أدفع باطلاً) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


إذا كنت أشرب مِن دماء الناس

فكيف لا أشرب الخمر

كان الزُّهري مِن الشخصيَّات المعروفة في زمن عبد الملك، جاء يوماً وقال لعبد الملك: سمعت أنَّك تَشرب الخمر! فقال عبد الملك: أجلْ، إذا كنت أشرب مِن دماء الناس فكيف لا أشرب الخمر؟! (1)

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


لا والله أو يؤخَذ للمظلوم حَقَّه

رجع عليٌّ (عليه السلام) إلى داره في وقت القيظ، فإذا امرأة قائمة تقول: إنَّ زوجي ظلمني وأخافني، وتعدَّى عليَّ، وحلف ليضربني. فقال: (يا أَمَة الله، اصبري حتَّى يبرد النهار ثمَّ أذهب معك إنْ شاء الله).

فقالت: سيشتدُّ غضبه عليَّ.

فطأطأ رأسه بُرهة ثمَّ رفعه وهو يقول: (لا والله، أو يؤخَذ للمظلوم حَقَّه غير مُتعتع؟! أين منزلكِ؟).

فمضى إلى بابه فوقف فقال: السَّلام عليكم، فخرج شابٌّ، فقال عليٌّ (عليه السلام): (يا عبد الله، اتَّقِ الله؛ فإنَّك قد أخفتها وأخرجتها!).

فقال الفتى: وما أنت وذاك؟! والله لأحرقَّنها لكلامك، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (آمرك بالمعروف وأنهاك عن المُنكر، تستقبلني بالمُنكر وتُنكر المعروف؟!).

فأقبل الناس مِن الطُّرق يقولون: السلام عليكم يا أمير المؤمنين، فسقط الرجل في يديه فقال: يا أمير المؤمنين، أقلني مِن عَثرتي؛ فو الله لأكونَنَّ لها أرضاً تطؤني، فأغمد عليٌّ سيفه فقال: (يا أمَة الله، ادخُلي منزلك ولا تُلجئي زوجك إلى هذا وشبهه) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


ويلٌ لأولاد آخر الزمان مِن آبائهم

رُوي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنَّه نظر إلى بعض الأطفال فقال: (ويلٌ لأولاد آخر الزمان مِن آبائهم!).

فقيل: يا رسول الله، مِن آبائهم المُشركين؟

فقال: (لا، مِن آبائهم المؤمنين لا يُعلِّمونهم شيئاً مِن الفرائض، وإذا علَّموا أولادهم منعوهم ورضوا عنهم بعرضٍ يسير مِن الدنيا، فأنا منهم بريءٌ وهُمْ مِنِّي بُرآءُ) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


مَن سعى تفاخراً وتكاثُراً فهو في سبيل الشيطان

كان النبي (صلى الله عليه وآله) جالساً مع أصحابه ذات يوم، فنظر إلى شابٍّ ذي جَلدٍ وقوَّة وقد بكَّر يسعى.

فقالوا: ويحَ هذا! لو كان شبابه وجَلده في سبيل الله!

فقال (صلى الله عليه وآله): (لا تقولوا هذا؛ فإنَّه إنْ كان يسعى على نفسه ليكُفَّها عن المسألة ويُغنيها عن الناس فهو في سبيل الله.

وإنْ كان يسعى على أبوين ضعيفين و ذُرِّيَّةٍ ضعافٍ ليُغنيهم ويكُفَّيهم فهو في سبيل الله

وإنْ كان يسعى تفاخُراً وتكاثُراً فهو في سبيل الشيطان) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


تارك الطلب لا يُستجاب له دعوات

روى علي بن عبد العزيز، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال:

قال لي: (ما فعل عمر بن مسلم؟).

قلت: جُعِلت فِداك! أقبل على العبادة وترك التِّجارة.

فقال: (ويحَه، أما عَلم أنَّ تارك الطلب لا يُستجاب له دعوات؟!) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


أنا أصبِر عن اللَّحم

روي أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) مَرَّ بقصَّابٍ وعنده لحمٌ سَمين.

فقال: يا أمير المؤمنين، هذا اللَّحم سمين اشترِ منه.

فقال (عليه السلام): (ليس الثمنُ حاضراً).

فقال: أنا أصبر يا أمير المؤمنين.

فقال له: (أنا أصبر عن اللَّحم) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


اعمل واحمل على رأسك

واستغنِ عن الناس

جاء رجلٌ إلى الإمام الصادق (عليه السلام) فقال: إنَّه لا يملك يداً سالمةً، ولا مالاً ليُتاجر به، فأبى عليه أنْ يُضيِّع عِزَّته وشرفه بذل السؤال فقال له:

(اعمل واحمل على رأسك واستغنِ عن الناس) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


أحسن الناس مَعاشاً

قال علي بن شعيب: دخلت على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال لي: (يا عليُّ، مَن أحسن الناس معاشاً؟).

قلت: أنت - يا سيدي - أعلم به مِنِّي.

فقال (عليه السلام): (يا عليُّ، مَن حسن معاش غيره في معاشه) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


أسوأ حالٍ أنْ يُرى المعروف مُنكراً والمُنكر معروفاً

نبيُّ الإسلام (صلى الله عليه وآله) في حديث له، عن حالة الضلال الخطيرة هذه للمسلمين قال:

(كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفَسق شبَّانكم ولم تأمروا بمعروفٍ ولم تنهوا عن مُنكرٍ؟!).

فقيل له: ويكون ذلك - يا رسول الله ـ؟!

قال: (نعم، وشَرٌّ مِن ذلك، فكيف بكم إذا أمرتم بالمُنكر ونهيتم عن المعروف؟!).

فقيل: يا رسول الله، ويكون ذلك؟!

قال: (نعم، وشَرٌّ مِن ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف مُنكراً والمُنكر معروفاً؟!) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


لا حاجة للعِباد بالمُحرَّم مِن الأشياء

بعث محمد بن سنان رسالة إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، وسأله فيها عن تصوُّر بعض المسلمين أنَّ الحلال والحلال في الإسلام لا يستند على أساس مصلحة وفساد الناس، بلْ عِبادة وطاعة الله تبارك وتعالى، فكتب إليه الإمام (عليه السلام):

(قد ضَلَّ مَن قال ذلك ضَلالاً بعيداً).

وقال (عليه السّلام) ضمن الرسالة عن مُحرَّمات الإسلام:

(ووجدنا المُحرَّم مِن الأشياء لا حاجة للعباد إليه، ووجدناه مُفسداً داعياً إلى الفَناء والهلاك) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


الحلال والحرام لمَصلحة العباد

يقول المفضل بن عمر: سألت الإمام الصادق (عليه السلام):

لماذا حرَّم الله تعالى الخَمر، والمِيتة، والدَّم، ولحَم الخِنزير على الناس؟

فقال (عليه السلام):

(إنَّ حرام الله وحلاله لم يكن على أساس الرَّغبة والزُّهد، ولكنَّه خَلق فعَلِم ما تقوم به أبدانهم وما يُصلِحهم؛ فأحلَّه لهم واباحه تفضُّلاً منه عليهم لمصلحتهم، وعَلِم ما يضرُّهم فنهاهم عنه وحرَّمه عليهم) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


ترحيب المسلمين بتحريم الخَمر

ذات يوم دعا سعد بن أبي وقَّاص أحد الأنصار، وكان قد تآخى معه فتناولا الطعام والشراب وسكر الاثنان، وهُما في حالةِ السُّكر ذكرا مَفاخر الجاهليَّة، وبالتدريج وصل الأمر بينهما إلى الشِّجار، فتناول الأنصاري عِظام فَكِ بعيرٍ كان على المائدة وضرب به وجه سعد فَشَجَّ له أنفه.

بعد هذه الحادثة نزلت آية منع الخَمر: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) (المائدة: 90 - 91).

مع نزول آية التحريم زالت عادة شِرب الخَمر وصناعتها، ورحَّب الناس بهذا الأمر الإلهيِّ ترحيباً حارَّاً، وأراقوا الخمر التي في بيوتهم، وحطَّموا كوؤس الشراب، بحيث إنَّ رائحة الخَمر كانت تُشتُّم في طُرقات المدينة عِدَّة أيَّام.

عندما أعلن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أمر التحريم، كان هناك شابٌّ أسرع إلى المنزل ليُخبر والديه بالخبر، وعندما وصل إلى المنزل وجد أباه مع عددٍ مِن الضيوف يتساقون الخَمر، وكان الأبّ يُقرِّبُ قدح الخمر مِن فَمهِ، فصاح فيه الابن: لا تشرب يا أبه؛ لأنَّ الله سبحانه قد حَرَّم شِرب الخَمر، فأطاع الأبّ فوراً وجمع مائدة الشراب، وهكذا فعل بقيَّة المسلمين (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


هدانا الله بأحمدَ المهديِّ النبيِّ

كان عمرو بن الجَموح سيِّداً مِن سادات بني سلمة، وشريفاً مِن أشرافهم، وكان قد اتَّخذ في داره صَنماً مِن خشب يُقال له: (مَناة) كما كانت الأشراف تصنع، تتَّخذ إلهاً تُعظِّمه وتُقدِّسه، فلمَّا أسلم فتيان مِن بني سلمة، معاذ بن جبل، وابنه معاذ بن عمرو بن الجَموح، في فتيانٍ منهم مِمَّن أسلم وشَهِد العَقبة، كانوا يُدلجون بالليل على صنم عمرو ذلك، فيحملونه ويطرحونه في بعض حُفر بني سلمة - وفيها عذر الناس - مُنكَّساً على رأسه، فإذا أصبح عمرو قال: ويلَكم! مَنْ عدا على آلهتنا هذه الليلة؟

ثمَّ يغدو يتلمَّسه حتَّى إذا وجده غسله وطهَّرهُ وطيَّبه، ثمَّ قال: أما والله، لو أعلم مَن فعل هذا بك لأُخزينَّه، فإذا أمسى عمرو ونام عدوا عليه، ففعلوا به مِثل ذلك، فيغدو فيجده في مِثل ما كان فيه مِن الأذى، فيغسلهُ ويُطهِّره ويُطيِّبهُ، ثمَّ يعدون عليه إذا أمسى فيفعلون به مِثل ذلك، فلمَّا أكثروا عليه استخرجه مِن حيث ألقوه يوماً فغسلهُ وطَهَّرهُ وطَيَّبهُ، ثمَّ جاء بسيفه فعلَّقه عليه، ثمَّ قال: إنِّي - والله - ما أعلم مَن يصنع بك ما ترى، فإنْ كان فيك خير فامتنع، فهذا السيف معك.

فلمَّا أمسى عمرو ونام، عدوا عليه، فأخذوا السيف مِن عُنقه ثمَّ أخذوا كلباً مَيِّتاً فقرنوه به...، ثمَّ ألقوه في بئر مِن آبار بني سلمة فيها عَذر مِن عَذر الناس، ثمَّ غدا عمرو بن الجموح فلم يجده في مكانه الذي كان به.

فخرج يتبعه حتَّى وجده في تلك البئر مُنكَّساً مقروناً بكلبٍ مَيِّتٍ، فلمَّا رآه وأبصر شأنه، وكلَّمه مَن أسلم مِن قومه فأسلم برحمة الله، وحَسُنَ إسلامُهُ، فقال - حين أسلم وعرف مِن الله ما عرف، وهو يذكر صنمه ذلك وما أبصر مِن أمره، ويشكر الله تعالى الذي أنقذه مِمَّا كان فيه مِن العَمى والضلالة ـ:


والله لـو كـنت إلهاً لم تكنْ

أنت وكلبٌ وسْطَ بئرٍ في قَرَنْ

أفٍّ لـمَلقاك إلـهاً مُـسْتَدَنْ

الآن فتَّشناك عن سوء الغَبَنْ

الـحمد لـله العليِّ ذي المِنن

الـواهب الرزَّاق ديَّان الدِّيَنْ

هـو الـذي أنـقذني مِن أنْ

أكـون في ظُلْمَةِ قَبرٍ مُرتَهَنْ

بأحمدَ المهديِّ النبيِّ المؤتَمن (1)

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج1.


ما رأيت مُعلِّماً أرفق مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

كان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يتصرَّف برِفقٍ لهداية الناس، ويُذكِّرهم بالتعاليم الإصلاحيَّة بكلِّ أدبٍ ولين، وهذا العمل بحدِّ ذاته كان مِن عوامل نفوذ كلامه (صلى الله عليه وآله) في قلوب الناس.

عن هلال بن الحكم قال: لمَّا قَدِمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) علمت أُموراً مِن أُمور الإسلام، وكان فيما علمت، قيل لي: إذا عطست، فاحمد الله، وإذا عطس العاطس اطلب الرحمة له.

فبينا أنا في الصلاة خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ عطس رجل، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: ما لكم تنظرون إليَّ بعين شَزَر؟! فسبَّح القوم فلمَّا قضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلاته، قال: (مَن المُتكلِّم؟).

قالوا: هذا الأعرابي، فدعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال:

(إنَّما الصلاة للقراءة ولذكر الله عَزَّ وجَلَّ، وإذا كنت في الصلاة فليكُن ذلك حالك). قال: فما رأيت مُعلِّماً أرفق مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج2.


ليس لابنِ البيضاء على ابنِ السوداء فَضلٌ

كان أبو ذر الغفاري مِن الرجال الإلهيِّين، ومِن الأصحاب المُحترمين للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وذات يوم زلَّ في الكلام أمام الرسول (صلى الله عليه وآله) بحَقِّ بلال بن رباح الحبشي، فقال له: يا بن السوداء إشارة إلى أُمِّه.

غضب لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وألقاها في وجه أبي ذر عنيفةً مُخفية: (يا أبا ذر، طُفَّ الصَّاعُ! ليس لابنِ البيضاء على ابنِ السوداء فضل).

أيْ أنْ لا يتصوَّر البِّيض أنَّهم أفضل مِن السود، بلْ إنَّ جميعهم مُتساوون وأفضلهم مَن اتَّصف بالإنسانيَّة والعلم والتقوى، وسار في طريق الفضائل لنيل الكمال اللائق به (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج2.


مشورةٌ في وقتها

خالد البرمكي كان مِن أصحاب الرأي والمَشورة، وربطته مع قحطبة عَلاقات اجتماعيَّة. وقد استفاد قحطبة، خلال أيَّام حُكمه، مِن الآراء والأفكار الصائبة لخالد، ومنها:

عندما وصلت الأنباء عن استعداد ابن ضبارة لقتال قحطبة، وأنَّ جيشه عبر الحدود ودخل أراضي قحطبة، تلقَّى الأخير هذه الأنباء بقَلقٍ شديدٍ، فجهَّز خمسين ألف فارس تجهيزاً كاملاً، وتحرَّك حتَّى وصل قُرب الحدود، ولكنَّه لم يجد أثراً لجيش العدوِّ، فاطمأنَّ وأمر جنوده بالاستراحةِ في أرضٍ واسعةٍ مكشوفةٍ، وعزم على البقاء في تلك المنطقة عِدَّة أيَّام.

يقول خالد: ذات ليلة كنت جالساً في خيمتي، فإذا بغزال يُسرع فجأة نحو الخيمة خائفاً مُضطرباً، فقام مَن كان موجوداً في الخيمة للإمساكِ بالغزال، فأمرتهم أنْ يكفُّوا عن الغزال ويُسرعوا لوضع السروج على الخيول ويستعدُّوا للقتال؛ لأنَّ العدوَّ قريب مِنَّا. وأسرعتُ إلى قحطبة وقلت له: أصدر أمرك إلى الجنود ليستعدُّوا؛ فابن ضبارة وجيشه يقتربون مِنَّا. أصدر أوامره، وخرج الجنود مِن الخِيم، وأعدُّوا الخيول واستعدُّوا للقتال، ولم يطل الأمر حتَّى وصل جيش ابن ضبارة، وكان جنودنا مُستعدِّين، وفاجأوا جيش العدوِّ وهجموا عليهم، واحتدم قتال شديد، فقُتِل ابن ضبارة، وكان الانتصار الكبير مِن نصيب جيش قحطبة.

بعد انتهاء القتال سألني قحطبة: مَن أخبرك بقدوم جيش العدوِّ؟!

قلت: لم يُخبرني أحد، ولكنَّني رأيت غزالاً خائفاً في الليل يركضُ داخلاً خيمتي، وكنت أعلم أنَّ الغزال الوحشي يخاف مِن الإنسان، ولكنَّه لا يقترب منه إلاَّ في الأوقات التي يحسُّ فيها بخطر، ثمَّ إنَّ الغزال لا يترك مكانه ولا يبتعد عن


تلك المنطقة مُسرعاً في ظلام الليل، علمت أنَّ وراءه جيش كبير مُخيف يتحرَّك؛ ولذا التجأ إلينا مِن خوفه.

فتعجَّب قحطبة لذكاء خالد وسُرعة فَهمِهِ؛ فأثنى عليه كثيراً ومنحه الجوائز والعطايا وقرَّبَهُ إليه (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج2.


مَن يبخل بفضله يُستغَن عنه ويُذمَّ

كان هناك رجل قويٌّ حُكم منطقةً واسعةً مِن الهند، وكان مولعاً بجمع المال والثروة، مُعتقداً أنَّ الغِنى يعني القوَّة؛ ولذا يُحبُّ أنْ يسعى كثيراً ليزيد مِن ثروته، فيزيد بهذه الطريقة قُدرته وقوَّته.

كان لهذا الحاكم وزير عاقل وذكيٌّ مُخالف لطريقته، فكان يستغلُّ كلَّ فرصة تسنح لينصح الحاكم في أنْ يُعطي مِن ثروته للناس؛ ليكسب قلوبهم ويبعث فيهم السرور، ويجذب إلى نفسه الأنظار، فكان يقول له: ضَحِّ بشيءٍ مِن ثروتك؛ كي لا يتمرَّد عليك الجيش ويسوء حاله، فالمال لا يخلق الرجال ولكنْ بإمكان الرجل أنْ يحصل على الكثير مِن المال.

ورغم أنَّ الوزير عَلِم أنَّ الحاكم قد أغاظه تكرار نصحه، لكنَّه لم يكفَّ عن أداء واجبه واستمرَّ في تقديم نصائحه.

وذات يوم أصرَّ الوزير أكثر مِن الأيَّام السابقة على نصائحه، وبدون أنْ يُجيب الحاكم على الوزير أمر بإحضار قدح مِن العَسل، ثمَّ وضعه أمام الوزير، ولم يمضِ وقت طويل حتَّى اجتمع ذُباب كثير على العَسل، بعد أنْ شاهد الوزير ذلك طلب الإذن بالانصراف، وخرج مِن المجلس وهو يقول في نفسه: لقد عرفت ما يقصده الحاكم، فقد أراد إفهامي أنَّ الذهب كالعسل، فكما يجتمع الذُّباب على العسل، يجتمع الناس بوجود الذهب، ولهذا السبب بادرتُ إلى جمع الثروة.

وصبر الوزير حتَّى المساء، وعندما أرخى الليل سدوله مَلأ قدحاً بالعسل وأخذه إلى بيت الحاكم، وطلب اللقاء به لأمرٍ مُهمِّ، فَسُمِح له، ومَثُلَ أمام الحاكم ووضع قدح العسل أمامه على الأرض، وجلس هو على جانب في صمت وبما أنَّ الوقت كان ليلاً، لم تقترب ذُبابة واحدة مِن العسل، وبعد ساعةٍ تحدَّث الوزير


وقال: أيُّها الحاكم الكبير، إنَّ الناس يأتون لأخذ الذهب عندما يُعطى لهم، تماماً مِثل الذُّباب عندما يجتمع على العسل في النهار، أمَّا في غير وقتهِ فلا يوجد مَن يهتمُّ بالذهب تماماً، مِثل هذا الليل المُظلم لا توجد ذُبابة واحدة تحطُّ على العسل.

اهتزَّ الحاكم بشِدَّة لكلام الوزير الذكي، وانتبه لنفسه، وما كان منه إلاَّ أنْ أثنى عليه واستحسنه، وشمله بعطفه وعنايته الخاصَّة. بعد ذلك سلك الحاكم أُسلوباً جديداً، إذ بدأ يبذل ثروته في سبيل رفاه الناس وتحسين معيشة جنوده وموظَّفيه، وهكذا اكتسب قلوب الناس ومحبَّتهم له (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج2.


التحرُّز عن الزَّلل والخطأ أمام الأعداء

كان هناك رجل يُدعى جميل يعمل كاتباً لسنواتٍ طويلة في بلاطِ الساسانيِّين، وقد أدرك عصر الإمام علي (عليه السلام)، وفي زمن خلافته (عليه السلام) كان جميل قد بلغ أرذل العمر وعندما عاد أمير المؤمنين (عليه السلام) مِن النهروان، وسأل عن حال جميل أخبروه أنَّه لا زال على قيد الحياة، فأمر بإحضاره، وعند مثوله بين يدي الإمام علي (عليه السلام)، وجده الإمامُ (عليه السلام) يحتفظ بذكائِهِ، ولم يفقد إلاَّ بصره فسأله (عليه السلام): (كيف ينبغي للإنسانِ - يا جميل - أنْ يكون؟).

قال: يجب أنْ يكون قليل الصديق كثير العدوِّ.

ـ (أحسنتَ يا جميل، فقد أجمع الناس على أنَّ كثرة الأصدقاء أولى).

فقال: ليس الأمر على ما ظنُّوا؛ فإنَّ الأصدقاء إذا كُلِّفوا السعي في حاجة الإنسان لم ينهضوا بها كما يجب وينبغي.

فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (قد امتحنت هذا فوجدته صواباً. فما منفعة كثرة الأعداء؟).

قال: إنَّ الأعداء إذا كثروا يكون الإنسان مُتحرِّزاً أنْ ينطق بما يؤاخَذ عليه، أو تبدر منه زَلَّة يؤاخَذ عليها، فيبقى على هذه الحالة سليماً مِن الخطايا والزَّلل. فاستحسن ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) .

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج2.


كفرتْ بأنعُم الله فأذاقها لِبَاس الجُوع والخَوف

كانت الخيزران أُمُّ الهادي والرشيد في دارها المعروفة اليوم بأشناس، وعندها أُمَّهات أولاد الخُلفاء وغيرهنَّ مِن بنات بني هاشم، وهي على بساطٍ أرمنيٍّ وهُنَّ على نمارق أرمنيَّة، وزينب بنت سليمان بن علي أعلاهُنَّ مرتبة، فبينا هُنَّ كذلك إذ دخل خادم لها فقال:

بالباب امرأة ذات حُسنٍ وجَمال في أطمار رَثَّةٍ، تأبى أنْ تُخبر باسمها وشأنها غيركنَّ، وتروم الدخول عليكنَّ، وقد كان المهدي تقدَّم إلى الخيزران بأنْ تَلزم زينب بنت سليمان بن علي، وقال لها: اقتبسي مِن آدابها، وخُذي مِن أخلاقها؛ فإنَّها عجوز لنا قد أدركت أوائلنا، فقالت الخيزران للخادم: ائذَن لها، فدخلت امرأة ذات بَهاء وجَمال في أطمار رَثَّةٍ، فتكلَّمت فأوضحت عن بيان، قالوا لها: مَن أنت؟ قالت: أنا مُزنَة امرأة مروان بن محمد، وقد أصارني الدهر إلى ما تَرَيْنَ. ووالله، ما لأطمار الرثَّة التي عليَّ إلاَّ عارية، وإنَّكم لمَّا غلبتمونا على هذا الأمر وصار لكم دوننا، لم نأمَن مِن مُخالطة العامَّة على ما نحن فيه مِن الضرر على بادرة إلينا ذيل موضع الشرف، فقصدناكم لنكون في حِجابكم على أيَّة حالة كانت، حتَّى تأتي دعوة مِن له الدعوة، فاغرورقت عَيْنَا الخيزران ونظرت إليها زينب بنت سليمان بن علي، فقالت لها: لا خفّف الله عنك يا مزنة، أتذكرين وقد دخلت عليك بحرَّان وأنت على هذا البساط بعينه، ونساء قرابتكم على هذه النمارق، فكلَّمتك في جثّة إبراهيم الإمام، فانتهرتيني وأمرت بإخراجي، وقلت: ما للنساء والدخول على الرجال في آرائهم؟! فوالله، لقد كان مروان أرعى للحَقِّ منك؛ لقد دخلت إليه فحلف أنَّه ما قتله، وهو كاذب، وخيَّرني بين أنْ يدفنه أو يدفع إليَّ جُثَّته وعرض عليَّ مالاً فلم أقبله.

فقالت مزنة: والله، ما نظنُّ هذا الحالة أدَّتني إلى ما ترينه إلاّ بالفِعال التي كانت منِّي وكأنَّكِ استحسنتِه، فحرَّضت الخيزران على فعل مثله، إنَّما كان يجب أنْ تُحضيها على فعل الخير


وترك المُقابلة بالشَّرِّ؛ لتحرز بذلك نعيمها، وتصون بها دينها؛ ثمَّ قالت لزينب: يا بنت عم، كيف رأيت صنيع الله بنا في العقوق فأحببت التأسيِّ بنا. ثمَّ ولَّت باكية وكرهت الخيزران أنْ تُخالف زينب فيها فغمزت الخيزران بعض جواريها، فعدلت بها إلى بعض المقاصير، وأمرت بتغيير حالها والإحسان إليها، فلمَّا دخل المهدي عليها. وقد انصرفت زينب - وكان مِن شأنه الاجتماع مع خواصِّ حرمه في كلِّ عَشيَّة - قصَّت عليه الخيزران قِصَّتها، وما أمرت به مِن تغيير حالها، فدعا بالجارية التي ردَّتها، فقال لها: لمَّا رددتيها إلى المقصورة ما الذي سمعتيها تقول؟ قالت: لحقتها في المَمرِّ الفُلانيِّ وهي تبكي في خروجها مؤتسية، وهي تقرأ ( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ، ثمَّ قال للخيزران: والله والله، لو لم تفعلي بها ما فعلت ما كلَّمتك أبداً، وبكى بُكاءً كثيراً، وقال: اللَّهمَّ، إنِّي أعوذ بك مِن زوال النعمة. وأنكر فعل زينب، وقال: لولا أنَّها أكبر نسائنا لحلفت ألا أُكلِّمها. ثمَّ بعث إليها بعض الجواري إلى مقصورتها التي أُخليت لها، وقال للجارية: اقرئي عليها السّلام منِّي، وقولي لها: يا بنت عَمِّ، إن أخواتك قد اجتمعنَ عندي، ولولا أنَّي أغمك لجئناك؛ فلمَّا سمعت الرسالة علمت مُراد المهدي؛ وقد حضرت زينب بنت سليمان؛ فجاءت مزنة تسحب أذيالها؛ فأمرها بالجلوس، ورحَّب بها واستدناها، ورفع منزلتها فوق منزلة زينب بنت سليمان بن علي، ثمَّ تفاوضوا أخبار أسلافهم، وأيَّام الناس، والدول وتنقُّلها، فما تركت لأحد في المجلس كلاماً، فقال لها المهدي: يا بنت عم، والله، لولا أنِّي لا أُحبُّ أنْ أجعل لقوم أنت منهم مِن أمرنا شيئاً لتزوَّجتك، ولكنْ لا شيء أصون لك مِن حِجابي، وكونك مع أخواتي في قصري: لك ما لهنَّ، وعليك ما عليهنَّ، إلى أنْ يأتيك أمر مَن له الأمر فيما حَكم به على الخَلق، ثمَّ أقطعها مِثل ما لهنَّ مِن الإقطاع وأخدمها وأجازها، فأقامت في قصره إلى أنْ قُبِض المهدي وأيَّام الهادي وصدراً مِن أيَّام


الرشيد، وماتت في خلافته، لا يُفرَّق بينها وبين نساء بني هاشم وخواصِّ حرائرهم وجواريهم، فلمَّا قُبِضت جزع الرشيد والحَرم جزعاً شديداً.

لقد كانت مزنة في ذلك اليوم امرأة شابَّة تعيسة ومهزومة، بينما كانت زينب سيِّدة مُسنَّة ذات قُدرة ومكانة، وكانت مكارم الأخلاق والسجايا الإنسانيَّة تستوجب على زينب أنْ تُلاطفها وتحميها، أو على الأقل تسكت في هذا الوضع الحسَّاس، ولا تكون حَجر عَثرة يمنع الآخرين مِن إبراز مَحبَّتهم وعطفهم، لا أنْ تسعى للانتقام مِن خِلال ذكر حادثة مؤلمة، وتُحطِّم قلبها أكثر فأكثر، وبدل مُساعدتها تسعى لسحقها. لقد ارتكبت زينب المُسنَّة هذا الخطأ الكبير؛ فسقطت مِن عَليائها بعمل غير إنسانيٍّ، وفقدت قيمتها وأهميَّتها في عائلة العباسيِّين (1).

____________________

(1) الشيوخ والشباب، ج2.


طلب العلم مِن المَهد إلى اللَّحد

في الماضي والحاضر هناك الكثير مِن المُسنِّين المسلمين، مِن العلماء أو الأشخاص العاديِّين، الذين صرفوا مرحلة الشيخوخة في سبيل التكامُل الروحي، والسموِّ المعنويِّ لتأمين السعادة الأبديَّة عِبر العلم وأداء الفرائض والسُّنَن الإلهيَّة.

وقع العالم المشهور أبو ريحان البيروني طريح الفراش في ساعات عمره الأخيرة، وجاءه الفقيه أبو الحسن علي بن عيسى لعيادته، وبينما هو في تلك الحال سأل الفقيه عن مسألة فقال له الفقيه: أتسأل وأنت في هذا الحال؟!

فقال البيروني: يا رجل، قل لي: أيُّهما أفضل، أنْ أعرف هذه المسألة وأموت، أمْ أنْ أموت جاهلاً بها؟

قال الفقيه: ذكرت له المسألة وخرجت ولم أبتعد كثيراً حتَّى سمعت صوت البُكاء يتعالى مِن بيت أبي ريحان (1) .

____________________

(1) المصدر السابق.


ما الموت إلاَّ قَنطرةً

قال علي بن الحسين (عليه السلام):

(لمَّا اشتدَّ الأمر بالحسين (عليه السلام) نظر إليه مَن كان معه... وكان الحسين (عليه السلام) وبعض مَن معه مِن خصائصه تُشرق ألوانهم وتهدأ جوارحهم وتسكن نفوسهم، فقال بعضهم لبعضٍ: انظروا لا يُبالي بالموت!

فقال لهم الحسين (عليه السلام):

صبراً بني الكرام! فما الموت إلاَّ قنطرةٌ يعبر بكم عن البؤس والضرَّاء إلى الجِنان الواسعة والنعيم الدائمة).


السرور بلقاء الله

كان حبيب بن مظاهر الأسدي مِن المؤمنين ومِن الأصحاب الأوفياء للإمام الحسين (عليه السلام) وقد نال شرف الشهادة يوم عاشوراء. عندما كان هذا الشيخ الكبير يستعدُّ لمُنازلة الأعداء والخروج إلى ميدان القتال كان يبتسم.

فقال له يزيد بن حصين الهمداني - وكان أكبر قُرَّاء القرآن ـ: يا أخي، ليست هذه ساعة ابتسام!

قال: فأيُّ موضع أحقُّ مِن هذا بالسرور؟!

والله، ما هو إلاَّ أنْ تميل علينا هذه الطُّغاة بسيوفهم فنُعانق الحُور العين، ونذهب إلى مقرِّنا الأبديِّ عند الله سبحانه وتعالى (1) .

____________________

(1) المصدر السابق.


لا يجتمع الشَّراب مع العقل

كان المأمون العباسي، وبهدف الدراسة والتحقيق في المسائل العلميَّة، يعقد مَحفلاً للعلماء في يوم مِن أيَّام الأسبوع. وكان يُحتِّم على العلماء أنْ يجتمعوا في ذلك اليوم أمام الخليفة، كما كان يسمح لعلماء الولايات بالحضور أيضاً.

وفي يوم مِن أيَّام انعقاد هذا المجلس بحضور المأمون، دخل رجل ذو ثياب رَثَّة وجلس في نهاية صَفِّ الحاضرين، فأُلقيت مسألة في المجلس أجاب عليها ذلك الرجل إجابةً كاملة، بحيث اتَّجهت إليه الأنظار واستحسنه جميع العلماء، فأمر المأمون باستقدامه وإجلاسه في مُقدَّمة صفوف العلماء، وطُرِحت مسألة أُخرى أجاب عليها ذلك الرجل أفضل إجابة، فأمر الخليفة أنْ يُقدِّموه ويُجلسوه بالقُرب منه.

بعد ساعة انفضَّ المجلس وأخذ العلماء يُغادرون المكان، فنهض الرجل الفقير وتهيَّأ للذهاب، فأمره الخليفة بالبقاء. ولم يمضِ وقت طويل حتَّى جيء بالشراب وبدأ السُّقاة بتوزيعه، فبان القَلق على وجه الرجل العالم لمُشاهدة ذلك، فنهض وطلب الإذن بالانصراف وقال: إنَّني جِئت اليوم بحالة الفَقر والرِّداء القديم للمُشاركة في مجلس العلماء، وقد أوصلني عقلي القاصر مِن آخر المجلس إلى صفوف الكبار، وأجلسني إلى جوار الخليفة، فليس مِن اللائق أنْ أشرب الشراب، وأفقد عَقلي الذي رفع مقامي، ثمَّ إنَّني أخشى أنْ يُفقدني السُّكْر عِنان نفسي، وأرتكب عملاً غير مُناسب وأُصبح موضع تحقير أمام خليفة المسلمين. وسمع المأمون حديث الرجل العالم فأعفاه مِن الاشتراك في المجلس وأمر بمَنحه مئة ألف درهم (1) .

____________________

(1) كتاب آية الكرسي.


لا إله إلاَّ الله حِصني

حين وافى الإمام أبو الحسن الرضا (عليه السلام) نيسابور، وأراد أنْ يرحل منها إلى المأمون، اجتمع إليه أصحاب الحديث فقالوا: يا بن رسول الله، ترحل عنَّا ولا تُحدِّثنا بحديث نستفيده منك! وكان قد قعد في العماريَّة، فأطلع رأسه وقال:

(سمعت أبي موسى بن جعفر يقول: سمعت أبي جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي محمد بن علي يقول: سمعت أبي علي بن الحسين يقول: سمعت أبي الحسين بن علي يقول: سمعت أبي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: سمعت جبرئيل يقول: سمعت الله عَزَّ وجَلَّ يقول:

(لا إله إلا الله حِصني؛ فمَن دخل حِصني أَمِنَ مِن عذابي).

فلمَّا تحرَّكت الراحلة، نادى:

(بشروطها، وأنا مِن شروطها) (1) .

____________________

(1) كتاب آية الكرسي.


لا نسجد إلا لله عَزَّ وجَلَّ

قبل أنْ يُهاجر الرسول الكريم مِن مَكَّة، كان ضغط المُشركين الشديد على المسلمين قد جعل حياتهم مُرَّة لا تُطاق. فهاجر فريق منهم بموافقة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الحبشة لاجئين؛ لكي يأمنوا بعض الوقت مِن كلِّ ذاك الضغط وتلك الشِّدَّة.

فبعث المُشركون بعمارة بن الوليد، وعمرو بن العاص إلى الحبشة، مُحمَّلين بهدايا كثيرة لكي يُعيدوا المُهاجرين إلى مَكَّة فيستأنفوا تعذيبهم.

وصل الرجلان إلى الحبشة ووزَّعا الهدايا على حاشية المَلك، كما قدَّما للملك هدية تُليق به، وطلبا منه أنْ يأمر اللاجئين بالعودة إلى بلادهم.

كان النجاشي - ملك الحبشة - رجلاً حكيماً، فرفض تسليم المُهاجرين إلى المُشركين قبل أنْ يُحقِّق في أمرهم قائلاً: إنَّهم قد قصدوني مِن دون الآخرين. فلا بُدَّ أنْ أُقابلهم بنفسي، وأستمع إلى ما يقولون، وأتعرَّف على طِراز تفكيرهم، ومِن ثمَّ أُقرِّر ما أرى.

وأمر بالمُهاجرين فأحضروا بين يديه.

كان الارتماء على الأرض والسجود يُعتبَر غاية الخضوع والانكسار أمام الملك. غير أنَّ مدرسة الإسلام كانت قد علَّمت أتباعها في كلمة التوحيد درس العِزَّة والكرامة، وأفهمتهم أنَّ السجود لا يكون إلاَّ في حضرة الله تعالى، الذي هو خالق العالم ومالك كلِّ شيء في عالم الوجود، وأنَّ الإنسان المسلم ليس له أنْ يسجد لغير الله، ولا أنْ يُساوم على جوهرة الإيمان الثمينة وعِزَّة نفسه مَهْما تكُن الظروف.


سُئل أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): أيصلح السجود لغير الله تعالى؟ قال: (لا).

قيل: فكيف أمر الله الملائكة بالسجود لآدم؟!

فقال: (إنّ مَن سَجَدَ بأمر الله فقد سجد لله فكأنَّ سجوده لله؛ إذ كان عن أمر الله تعالى).

وكان يومئذ مِن الرسوم المالوفة أنْ يسجد للنجَّاشي كلُّ مَن يدخل عليه، كدليل على تذلُّل وخُضوعه له. وقد شقَّ ذلك على المُهاجرين؛ إذ كان السجود للنجّاشي يتعارض والحُرِّيَّة الإسلاميَّة، ويُناقض المبدأ الذي تقوم عليه كلمة التوحيد، كما أنَّ الامتناع عن السجود كان يُمكن أنْ يُثير غضب النجّاشي فيأمر بطردهم مِن البلاد، فكانت حياتهم بذلك تتعرَّض للخطر أو يتعرَّضون للانتقام والتعذيب على أيدي المُشركين. وهكذا كانوا على مُفترق طريقين، وكان عليهم أنْ يتَّخذوا القَرار فوراً. لقد كان الإيمان بالله وبالتوحد على درجة مِن الرسوخ والعُمق في نفوسهم بحيث إنَّهم قرَّروا عدم السجود للنجّاشي، وليكُن ما يكون بعد ذلك.

يقول جعفر الطيَّار - أحد هؤلاء المُهاجرين ـ:

دخلنا مجلس النجّاشي ولم نسجد، فقال مَن حضره: ما لكم لا تسجدون للملك؟

قلنا: لا نسجد إلاَّ لله عَزَّ وجَلَّ (1).

____________________

(1) كتاب آية الكرسي.


لا أفعل هذا أبداً ولا أسجد لغير الله

مِثل هذا وقع لدحية الكلبي في بلاد الروم. فقد بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أواخر أيَّامه برسائل إلى عدد مِن مُلوك الدول، كان منهم القيصر - ملك الروم - يدعوهم إلى الإسلام، فحمل كلَّ رسالة منها رسولٌ خاصٌّ لإيصاله. ووقع اختيار النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) على دحية الكلبي ليحمل رسالته للقيصر، وكان دحية مِن المؤمنين الذين تربُّوا في مدرسة الإسلام على هُدى كلمة التوحيد. فرحل حتَّى وصل عاصمة ملك الرُّوم.

فقال قوم مُلك الروم لدحية: إذا رأيت الملك فاسجد له، ثمَّ لا ترفع رأسك حتَّى يأذن لك.

قال دحية: لا أفعل هذا أبداً ولا أسجد لغير الله.

لقد أصبحت هذه الجُرأة والحُرِّيَّة مِن نصيب المسلمين في مدرسة الإسلام، وهي كلَّها مِن بركة الإيمان بالله والتوكُّل على قُدرة الله غير المحدودة (1) .

____________________

(1) المصدر السابق.


لو كان عبداً لأطاع مولاه

بشر بن الحارث الحافي، مِن أهالي مَرْو، كان قد أمضى شَطراً مِن عُمره في المعصية والانغماس في الشهوات غير المشروعة. في أحد الأيَّام مَرَّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في الزقاق الذي تقع فيه دار بشر هذا، فاتَّفق أنْ فُتح الباب وخرجت منه إحدى جواري بشر، فرأت الإمام وعرفته. وكان الإمام يعرف أنَّ هذه هي دار بشر، فسأل الجارية عن سيِّدها هل هو حُرٍّ أم عبد؟ فقالت: إنَّه حُرٌّ.

قال: (صحيح ما تقولين؛ إذ لو كان عبداً لوفَّى بشروط العبوديَّة وأطاع مولاه).

قال الإمام ذلك واستأنف السير في طريقه، فعادت الجارية إلى الدار ونقلت إلى سيِّدها ما قاله الإمام، فاضطربت حال بشر وثارت في داخله عاصفة مِن الانفعالات، وأسرع بالخروج مِن الدار يطلب الإمام حتَّى أدركه، وتاب على يديه، وهَجر ما كان يرتكبه مِن آثام، واتَّخذ طريق الله وإطاعته. وعندما خرج للِّحاق بالإمام كان حافي القدمين؛ لذلك ظلَّ منذ ذلك اليوم وحتَّى نهاية عُمره حافياً، إحياءً لذكرى تلك اللحظة واحتراماً للقائه بالإمام، واحتفاءً بعودته إلى الصراط المُستقيم، فعرف بـ (بشر الحافي) بعد ذاك (1) .

____________________

(1) المصدر السابق.


أين مُكوكبها؟

خرج أعرابي بالليل فإذا بجارية جميلة فراودها عن نفسها، فقالت:

أما لك زاجر مِن عقلك إذا لم يكُن لك واعِظ مِن دينك؟!

فقال: والله، ما يرانا إلاَّ الكواكب.

فأخجله كلامها، فقال لها: إنما كنت مازح.

إنَّ كلام هذه المرأة المسلمة الطاهر الصريح يُبيِّن هذه الحقيقة، وهي كيف أنَّ الإيمان بالله وبإحاطة علمه هو الضمان لتنفيذ القانون الإلهي، بحيث يستطيع أنْ يمنع الإنسان المؤمن مِن ارتكاب عملٍ منافٍ للعِفَّة، حتَّى في ليلة ظلماء وفي صحراء خالية (1) .

____________________

(1) المصدر السابق.


أبو ذر يعيش وحيداً ويموت وحيداً

كان أبو ذر الغفاري يقضي ساعات آخر عُمره في صحراء الرَّبذة، وكانت زوجته تبكي عنده فسألها أبو ذر:

ما يبكيك؟!.

فقالت: ستموت وحيداً في هذه الصحراء، فماذا أصنع بجُثَّتك؟! وأنّى لي ما أُكفِّنك به؟!

فقال لها أبو ذر: لا تبكي، فإنِّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم - وأنا عنده في نَفر - يقول: (ليَموتَنَّ رجلٌ منكم بفلاةٍ مِن الأرض تشهده عِصابةٌ مِن المؤمنين).

ثمَّ قال لها: إنَّ جميع مَن حضروا ذلك المجلس قد ماتوا وهم في الحاضرة بين أهاليهم، ولم يبقَ منهم سواي، وها أنا أموت في فَلاة. فانظري إلى الطريق وسوف ترين صدق ما أخبرتك به.

فقالت زوجته: كيف يُمكن أنْ يمرَّ أُناس في هذه الصحراء، وقد انتهى موسم الحَجِّ؟!

فقال لها أبو ذر: لم أكذِّبك الخبر أبداً. راقبي الطريق. ثمَّ أسلم الروح.

وما انقضت ساعة حتَّى ظهرت قافلة وتقدَّمت إلى صحراء الربذة، وقد كان فيها مالك بن الأشتر، فأخبرتهم زوجة أبي ذر بموت زوجها، فترحَّم عليه الجميع آسفين، ولكنَّهم فرحوا للتوفيق الذي نالوه بتجهيز أحد أولياء الله ودفنه فغسَّلوه وكفَّنوه، ووقف الجميع بإمامة مالك بن الأشتر يُصلُّون عليه ثمَّ دفنوه (1) .

____________________

(1) المصدر السابق.


عمَّار تقتله الفئة الباغية

كان عمّار بن ياسر مِن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد تحمَّل بعد إسلامه الكثير مِن العذاب على أيدي المُشركين.

وفي حرب صِفِّين كان عمّار بين صفوف وجند أمير المؤمنين (عليه السلام)، ونال الشهادة في تلك الحرب. كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حياته قد أخبر خبرين غيبيَّين عن عمّار، وبعد مضيِّ سوات طويلة تحقَّق الخبران.

الأول: هو أنَّه قال:

(إنَّ عمّاراً سوف تقتله الفئة الباغية).

وكان هذا الخبر قد سمعه أُناس كثيرون مِن النبي مُباشرة، أو مِمَّن سمعه مِن النبي الكريم، حتَّى إنَّ بعضهم اتَّخذ مِن ذلك وسيلة للتمييز بين أتباع الحَقِّ وأتباع الباطل في حرب صِفِّين.

شهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسُلُّ سيفاً. وشهد صِفِّين ولم يُقاتل، وقال: لا أُقاتل حتَّى يُقتل عمّار فأنظر مَن يقتله؛ فإنِّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (... تقتله الفئة الباغية).

فلمَّا قُتل عمّار قال خزيمة: ظهرت لي الضلالة. ثمَّ ندم وقاتل حتَّى قُتِل.

قال عمّار بن ياسر يوم صِفِّين: ائتوني بشربةٍ، فأُتي بشربة لبن فقال: إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (آخر شربة تشربها مِن الدنيا شربة لبن) (1) .

____________________

(1) المصدر السابق.


تأويل خُطبة الإمام عليٍّ (عليه السلام) المعروفة بالزوراء

نقل العلاَّمة الحلِّي (رضوان الله عليه) عن أبيه أنَّه قال: إنَّ ما منع أهل الكوفة والحلَّة وكربلاء والنجف أنْ يُقتلوا قَتلاً عامَّاً في فتنة المغول، ونجوا مِن هُجوم جنود هولاكو عليهم؛ هو أنَّه عندما وصل هولاكو إلى خارج بغداد، وقبل أنْ يفتحها، كان أكثر أهل الحلَّة قد دفعهم الخوف إلى ترك منازلهم واللجوء إلى البطاح، ولم يبقَ فيهم في المدينة إلاَّ القليل، كان منهم أبي، والسيِّد ابن طاوس، والفقيه ابن أبي العِزِّ. فقرَّر هؤلاء الثلاثة أنْ يكتبوا رسالة إلى هولاكو يُعلنون فيها إطاعتهم له.

كتبوا الرسالة وبعثوا بها مع شخصٍ غير عربيٍّ. وعند وصول الرسالة إلى هولاكو أصدر أمراً بأسمائهم وأرسله مع شخصين هما (نكله)، و(علاء الدين) وأوصاهما بأنْ يقولا لكاتبي الرسالة: إذا كان ما كتبتموه مِن صميم القلب، وأنَّ ما في قلوبكم يُطابق ما في رسالتكم، فاقدموا علينا.

جاء مبعوثا هولاكو إلى الحلَّة وأبلغا رسالة هولاكو إلى الثلاثة. إلاَّ أنَّهم شعروا بالخوف مِن لُقيا هولاكو؛ لأنَّهم لم يكونوا يعرفون عاقبة الأمر. فقال أبي للمبعوثين: ألا يكفي أنْ أذهب أنا وحدي إلى هولاكو؟ قالا: بلى، فسافر مع المبعوثيَن. ولم تكن بغداد قد فُتحت بعد، ولم يكن الخليفة العبَّاسي قد قُتل. وعندما وصل أبي إلى هولاكو سأله هذا: كيف بادرتم إلى مُكاتبتي؟ وكيف جئتني قبل أنْ تدري نتيجة الأمر بيني وبين الخليفة؟ أنَّى لكم الثقة بأنَّ الأمر بيني وبين الخليفة لا يؤدِّي إلى التصالح وأنِّي لن أتركه؟

فقال له أبي: كتابة الرسالة إليك ومُثولي بين يديك إنَّما كانا للرواية التي وصلتنا مِن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام).


قال في خطبة الزوراء:

(... وما أدراك ما الزَّوراء! أرض ذات أثلٍ، يشتدُّ فيها البُّنيان، وتكثر فيها السكَّان، ويكون فيها مخادم وخزَّان، يتَّخذها وُلد العباس موطناً، ولزخُرفهم مسكناً، تكون لهم دار لهو ولعب، يكون بها الجور الجائر، والخوف المُخيف، والأئمَّة الفَجرة، والأُمراء الفسقة، والوزراء الخونة، تخدمهم أبناء فارس والروم، لا يأتمرون بمعروف إذا عرفوه، ولا يتناهون عن مُنكرٍ إذا نكروه، تكتفي الرّجال منهم بالرجال، والنّساء بالنّساء، فعند ذلك الغمِّ العميم، والبُكاء الطويل، والويل لأهل الزّوراء مِن سطوات التُّرك، وهُمْ قومٌ صغار الحدق، وجوههم كالمَجانِّ المُطوَّقة، لباسهم الحديد، جردٌ مُردٌ، يَقدمهم ملكٌ يأتي مِن حيث بدا مُلكهم، جهوريٌّ الصَّوت، قويُّ الصّولة، عالي الهِمَّة، لا يمرُّ بمدينةٍ إلاّ فتحها، ولا تُرفع عليه رايةً إلاّ نكسها، الويل الويل لمَن ناوأه فلا يزال كذلك حتَّى يظفر).

بعد أنْ قرأ والد العلاَّمة الحلِّي الخُطبة قال لهولاكو: إنَّ الأوصاف التي ذكرها عليٌّ (عليه السلام) في الخُطبة نراها جميعاً فيك؛ ولهذا كتبنا الرسالة وسعيت إليك. فتقبَّل هولاكو آراءهم بحسن القَبول، وكتب له أمراً جعل فيه أهل الحلَّة موضع رعايته.

ولم يمضِ طويل وقت حتَّى فتح هولاكو بغداد وقتل المُستعصم، آخر خُلفاء بني العبَّاس. وحسبما يقول البستاني في دائرة معارفه: بأنَّه قَتَل في هذا الحدث الدمويِّ أكثر مِن مليوني شخصٍ، ونُهبت أموال كثيرة، وأُحرقت دور كثيرة. واتَّضح أخيراً أنَّ عُلماء الحلَّة الثلاثة كانوا قد فهموا خُطبة علي (عليه السلام) على حقيقتها وطبَّقوها على هولاكو وجنوده، فكان تمييزهم الصحيح وكتابتهم الرسالة في الوقت المُناسب قد أنقذوا أرواح أهل الحلَّة والكوفة والنجف وكربلاء مِن موت مُحقَّق، فنجوا مِن مذبحة جماعيَّة (1) .

____________________

(1) المصدر السابق.


لم يُقدَّم إلا بما عُهِد إليه فيه

غرفة الأزدي، يُقال له: (صحبة)، وهو مِن أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، ومِن أصحاب الصُّفَّة

، وهو الذي دعا له النبي (صلى الله عليه وآله) أنْ يُبارك له الله في صفقته، قال: دخلني شَكٌّ مِن شأن عليٍّ، فخرجت معه على شاطئ الفرات، فعدل عن الطريق ووقف ووقفنا حوله، فقال:

(هذا موضع رواحلهم، ومَناخ ركابهم، ومهراق دمائهم، بأبي مَن لا ناصر له في الأرض ولا في السّماء إلاّ الله!).

فلمَّا قُتِل الحسين (عليه السلام) خرجت حتَّى أتيت المكان الذي قُتِلوا فيه، فإذا هو كما قال، ما أخطأ شيئاً.

قال: فاستغفرت الله مِمَّا كان مِن الشَّكِّ، وعلمت أنَّ عليَّاً (رضي الله عنه) لم يُقدَّم إلا بما عُهِد إليه فيه) (1) .

____________________

(1) المصدر السابق.


مِثالان لخُلق الإنسان الكريم

في حرب اليرموك كان عدد مِن الجنود المسلمين يتقدَّمون إلى ميدان المُبارزة، وبعد بِضع ساعات مِن مُجالدة العدوِّ، يُقتل بعضهم، ويعود بعضهم سالمين أو مجروحين، ويبقى آخرون مُثقلين بالجراح مطروحين على أرض المعركة.

عن حذيفة العدوي أنَّه قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمٍّ لي بين القتلى ومعي شيء مِن الماء، وأنا أقول: إنْ كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى، فقلت: أسقيك؟

فأشار إليَّ أنْ: نعم.

فإذا برجل يقول: آه! فأشار إليَّ ابن عَمِّي أنْ: انطلق إليه واسقِه، فإذا هو هشام بن العاص.

فقلت: أسقيك؟

فأشار إليَّ أنْ: نعم، فسمع آخر يقول: آه! فأشار إليَّ أنْ: انطلق إليه.

فجئته فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمِّي فإذا هو قد مات.

لم يكُن شرب الماء أو عدم شربه ذا تأثير في حياة هؤلاء الجنود الثلاثة وموتهم؛ لأنَّ جراحهم كانت عميقة، والدماء التي نزفت منهم كانت قد اقتربت بهم مِن الموت، ولم يكُن ثَمَّة أملٍ في بقائهم أحياءً.

ولكنَّ العِبرة اللافتة للانتباه في هذه الحكاية التاريخيَّة والجديرة بالتمجيد، هي الأخلاق الكريمة التي تحلَّى بها هذان الجُنديَّان المسلمان في إيثار غيرهما بشرب الماء، على الرَّغم مِن عطشهما ونزف الدَّم منهما، فعاشا حتَّى آخر لحظات حياتهما إنسانين، وفارقا الدنيا وهما مِثالان لخُلق الإنسان الكريم (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


اُلامُ على السخاء وإنَّ هذا لأسخى مِنِّي!

خرج عبد الله بن جعفر يوماً إلى ضيعة له، فنزل على حائط به نخيل لقوم، وفيه غُلام أسود يقوم عليه، فأتى بقوته ثلاثة أقراص، فدخل كلب، فدنا مِن الغُلام، فرمى إليه بقُرص فأكله، ثمَّ رمى بالثاني والثالث فأكلهما، وعبد الله ينظر إليه، فقال: يا غُلام، كمْ قوتُك في اليوم؟

قال: ما رأيت.

قال: فلِمَ آثرت هذا الكلب؟

قال: أرضنا ما هي بأرض كلاب، وإنَّه جاء مِن مسافة بعيدة جائعاً، فكرهت أنْ أرُدَّه.

قال: فما أنت صانع اليوم؟

قال: أطوي يومي هذا.

فقال عبد الله بن جعفر: أُلامُ على السخاء وإنَّ هذا لأسخى مِنِّي.

فاشترى الحائط وما فيه مِن النخيل والآلات، واشترى الغُلام ثمَّ أعتقه ووهب له الحائط بما فيه.


أعتق مِن العبيد

بقدر ما قتلت مِن بناتك

كان قيس بن عاصم في الجاهليَّة، مِن رؤساء القبائل وأشرافها، أسلم بعد ظهور الإسلام، سعى في أواخر عمره إلى نيل المغفرة مِن الله تعالى على ما كان قد ارتكب مِن آثام، فحضر مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال:

في الماضي، دفعت الجاهليَّة الآباء إلى أنْ يدفنوا بأيديهم بناتهم البريئات وهُنَّ أحياء، وقمتُ أنا نفسي بوأد اثنتي عشرة مِن بناتي، في فترات مُتقاربة، أمَّا الثالثة عشرة فقد وضعتها زوجتي في الخفاء وأظهرت لي أنَّ الوليد نزل ميِّتاً، بينما أرسلت البنت إلى أهلها دون علمي.

مضت السنون حتَّى اتَّفق يوماً أني كنت عائداً مِن رحلة لي، فوجدت صبيَّة صغيرة في داري وإذا لاحظت شبهها الشديد بأولادي، راودني الشكُّ فيها.

وأخيراً علمت أنَّها ابنتي فأخذت بيد البنت وهي تصرخ باكية، وجرجرتها إلى مكانٍ بعيد، دون أنْ ألتفت إلى توسُّلاتها، والعهد الذي قطعته على نفسها بأنَّها سوف تعود إلى أخوالها، ولن تجلس على مائدتي أبداً، ولكنْ مع ذلك دفنتها حيَّة.

سكت قيس ينتظر جواباً.

كانت الدموع تنهمر مِن عيني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يقول هامساً:

(مَنْ لا يَرحم لا يُرحَم).

ثمَّ التفت إلى قيس وقال: (ينتظرك يوم سيّئٌ).

فسأله قيس: ماذا أفعل لأخُفِّف مِن آثامي؟

قال النبي: (أعتق مِن العبيد بقدر ما قتلت مِن بناتك) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


الأدب خير مِن الذهب

يقول علي الإسكافي:

كنت حاجب أمير بغداد، وكنت أؤدِّي وظائف الحجابة وقد ساءت أوضاعي وأخذ الأمير يشكُّ بي، فأصدر أمراً بسجني ومُصادرة أموالي كلِّها، وسُجنت فترةً مِن الزمن وعانيت الذِّلَّ واليأس والألم.

في أحد الأيَّام أخبرني شرطة السجن بمجيء إسحاق بن إبراهيم الطاهري، رئيس شرطة بغداد وذلك لإحضاري، فانتابني القلق كثيراً، وخفت على حياتي فيئستُ مِن الحياة، ثمَّ اقتادوني إليه فسلَّمت عليه باحترام.

ضحك إسحاق وقال: إنَّ أخي عبد الله بن طاهر بعث لي برسالة مِن خراسان يتشفع لك، وقد وافق أمير بغداد على شفاعتي.

أصدر الأمير أمراً بإطلاق سراحي مِن السجن وأرجع جميع أموالي، ثمَّ قال لي: الآن يُمكنك الذهاب إلى بيتك فشكرت الله، ومِن شِدَّة الفرح انهمرت دموعي.

في اليوم الثاني ذهبت لزيارة الأمير إسحاق الطاهري، وشكرته على صنيعه الحسن، ودعوت الله له بالخير وقلت له: إنِّي لم أحضر لزيارة عبد الله وهولا يعرفني، فما هو السبب في عَطفه عليَّ وعنايته بيَّ.

فقال: قبل عِدَّة أيَّام وصلت رسالة مِن أخي وكتب فيها ما يلي: كانت مكاتيب أمير بغداد قبل الآن تُشعر باللُّطف والمُودَّة والمحبَّة، وكان حاجب الأمير يكتب عبارات رائقة، وكانت تلك الرسائل السبب في استحكام العَلاقات الحَسنة وتقوية العواطف والأُلفة فيما بيننا، وبعد مُدَّة تغيَّرت لهجة الرسائل، وبدت فيها الخشونة والسماجة.

ويقول: إنَّ هذه التغيُّرات كانت مِن قِبَل الأمير، حيث عزل الحاجب وسجنه


واستبدل بغيره، ولكن الحاجب السابق كان شخصاً عارفاً بوظيفته، وله أُسلوب خاصٌّ بكتابة الرسائل، وكان يُراعي مراتب الأدب والاحترام؛ فتجب مُساعدته ومعرفة معصيته، فإذا كانت قبالة للعفو فأنا أعفو عنه، وإذا كانت لمال فيُسدَّد مِن حسابي. اطُلب مِن الأمير العفو عنه وإرجاعه إلى عمله السابق.

وأنا قد أدَّيت رسالة أخي إلى الأمير، ولحُسن الحظِّ فقد قُبلت شفاعته عند الأمير.

بعد هذا التفصيل مِن قبل إسحاق الطاهري، أعطاني عشرة آلاف درهم، وقال: هذه هديَّة الأمير لحُبِّه لك، وبعد عِدَّة أيَّام رجعت إلى عملي السابق حاجباً للأمير، ورجعت عِزَّتي مَرَّة أُخرى، وحُلَّت مشاكلي واحدة تلو الأُخرى (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


.. والعافين عن الناس

والله يُحبُّ المُحسنين

أخبرني أبو محمد الحسن بن محمد، قال: حدَّثني جَدَّي، قال: حدَّثني محمد بن جعفر وغيره، قالوا: وقف على علي بن الحسين (عليه السلام) رجل مِن أهل بيته، فأسمعه وشتمه، فلم يُكلِّمه. فلمَّا انصرف قال لجُلسائه: (قد سمعتم ما قال الرجل، وأنا أُحبُّ أنْ تبلغوا معي إليه حتَّى تسمعوا مِنِّي رَدِّي عليه).

قال: فقالوا له: نفعل، وقد كنَّا نُحبُّ أنْ تقول له وتقول، قال: فأخذ نعليه ومشى وهو يقول: ( ... وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .

فعلمنا أنَّه لا يقول له شيئاً.

قال: فخرج حتَّى أتى منزل الرجل، فنادى عليه، قال: (قولوا له: هذا علي بن الحسين).

قال: فخرج إلينا مُتوثِّباً للشَّرِّ، وهو لا يشكُّ أنَّه إنَّما جاء مُكافئاً له على ما كان منه: فقال له علي بن الحسين (عليه السلام):

(يا أخي، إنَّك كنت وقفت عليَّ آنفاً وقلت، فإنْ كنتَ قد قلتَ ما فيَّ، فأنا أستغفر الله منه، وإنْ كنتَ قلتَ ما ليس فيَّ، غَفر الله لك).

قال: فقبَّل الرجل ما بين عينيه وقال: بلى، قلت ما ليس فيك، وأنا أحقُّ به.

كان الإمام زين العابدين (عليه السلام) قادراً على التحدُّث مع ذلك الرجل بخشونة، وعلى معُاقبته بموجب الموازين الشرعيَّة، ولكنَّه - فَضلاً عن كونه لم يشتدَّ في الكلام معه ولم يُعاقبه، فإنَّه - واجهه بكلِّ نُبل وأدب، وقابل عمله السيِّئ بالإحسان، فناداه أوَّلاً بـ: (يا أخي)، فأوجد بذلك جوَّاً مِن المَحبَّة والتفاهُم، ومِن ثمَّ أشار إلى أقواله. وعلى الرغم مِن وضوح الحقيقة، ومِن معرفة كليهما بمَن هو المُذنب، فإنَّ الإمام السّجاد (عليه السلام) لم يتَّهمه بالذنب، بلْ طلب مِن الله المغفرة للمُذنب الحقيقيِّ، بادئاً بنفسه (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


ما دخلت المسجد إلاَّ لأستغفرنَّ لك

حُكي أنَّ مالكاً الأشتر كان يجتاز سوق الكوفة، وعليه قميص خام وعمامة منه، فرآه بعض السَّوقة فازدرى زيَّه، فرماه ببندقة تهاوناً به.

فمضى ولم يلتفت. فقيل له: ويلك! أتدري مَن رميت؟!

فقال: لا.

قيل له: هذا مالك، صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام) فارتعد الرجل ومضى إليه ليعتذر منه، فرآه وقد دخل مسجداً وهو قائم يُصلِّي فلمَّا انفتل، أكبَّ الرجل على قدميه يُقبِّلهما، فقال: ما الأمر؟

قال: أعتذر إليك مِمَّا صنعت.

فقال: لا بأس عليك؛ فوالله، ما دخلت المسجد إلاَّ لأستغفرنَّ لك (1).

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


مَن أنصف مِن نفسه لم يزده الله إلاَّ عِزَّاً

عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) قال:

(كان علي (عليه السلام) إذا صلَّى الفجر لم يزل مُعقبِّاً إلى أنْ تطلع الشمس، فإذا طلعت اجتمع إليه الفُقراء والمساكين وغيرهم مِن الناس فيُعلِّمهم الفقه والقرآن، وكان له وقت يقوم فيه مِن مجلسه ذلك، فقام يوماً فمَرَّ برجل فرماه بكلمةِ هجوٍ - قال: ولم يُسمِّه محمد بن علي (عليه السلام) - فرجع عَوده على بدئه، حتَّى صعد المنبر وأمر فنودي: الصلاة جامعة.

فحمد الله وأثنى عليه ثمَّ قال:

أيُّها الناس، إنَّه ليس شيء أحبُّ إلى الله، ولا أعمَّ نفعاً مِن حِلم إمام وفقهه.

ولا شيء أبغض إلى الله ولا أعمَّ ضرراً مِن جهل إمام وخرقِهِ.

ألاْ وإنَّه مَن لم يكن له في نفسه واعظ لم يكن له مِن الله حافظ.

ألاْ وإنَّه مَن أنصف مِن نفسه لم يزده الله إلاَّ عِزَّاً.

ألا وإنَّ الذِّلَّ في طاعة الله أقرب إلى الله مِن التعزُّز في معصيته.

أما إنِّي لو أشاء لقلت..

فقال رجل: أو تعفو وتصفح فأنت أهلٌ لذلك.

فقال: عفوت وصفحت).

كثيراً ما اتَّفق في حياة الإمام علي (عليه السلام) أنْ تَجرَّأ عليه بعض الجَهلة، وافتروا عليه بعض الأقاويل، فعفا عنهم الإمام وقابل إساءتهم بالإحسان؛ إذ إنَّ العفو عنهم


والتغاضي عن إساءاتهم لم يكن ليَنتج عنهما أيُّ ضررٍ، بلْ كانا أحياناً يُعتبران نوعاً مِن العقاب لهم على ترك هذه الرذيلة. ولكنْ في مثل هذه الحالات كان العفو مع السكوت يُسبب أضراراً، لأنَّ العفو مِن دون قيد ولا شرط كان كفيلاً بأنْ يُحمل على ضعف الإمام، وربَّما حمل المُسيء على المضيِّ في إساءاته أكثر؛ ولهذا عزم الإمام على تعنيف المُسيء وإخراج فِكرة الأعمال العدوانيَّة مِن رأسه (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


الإيمان عمل كلُّه والقول بعضه

عن أبي عمرو الزبيري، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: قلت له:

أيُّها العالِم، أخبرني أيُّ الأعمال أفضل عند الله؟

قال: (ما لا يقبل الله شيئاً إلاَّ به).

قلت: وما هو؟

قال: (الإيمان بالله الذي لا إله إلاّ هو أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حَظَّاً).

قال: قلت: ألا تُخبرني عن الإيمان، أهو قول وعمل، أم قول بلا عمل؟

فقال: (الإيمان عمل كلُّه، والقول بعض ذلك العمل، بغرض مِن الله بُيِّن في كتابه، واضح نوره، ثابتة حُجَّته، يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه).

قال: قلت: صِفه لي، جُعلت فداك! حتَّى أفهمه.

قال: (الإيمان حالات ودرجات وطبقات منازل، فمنه التامُّ المُنتهي تمامه، ومنه الناقص البيِّن نُقصانه، ومنه الراجح الزائد رُجحانه).

قلت: إنَّ الإيمان ليتمُّ وينقص ويزيد؟

قال: (نعم).

قلت: كيف ذلك؟

قال: (لأنَّ الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح (1) ابن آدم وقسَّمه عليها

____________________

(1) الجوارح في اللُّغة: هي الأعضاء التي بها يقوم الجسم بفعاليَّاته الإراديَّة، والتي يكسب بها الخير والشَّرَّ.


وفرَّقه فيه، فليس مِن جوارحه حاجةً إلاَّ وقد وكِّلت مِن الإيمان بغير ما وكِّلت به أُختها، فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم، وهو أمير بدنه الذي لا تَرِد الجوارح ولا تصدر إلاَّ عن رأيه وأمره...) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا فهو في سبيل الله

إنَّ أعرابيَّاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال:

يا رسول الله، الرجل يُقاتل للمَغنم، والرجل يُقاتل ليُذكر، والرجل يُقاتل ليُرى مكانه، فمَن في سبيل الله؟

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا فهو في سبيل الله) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


الأمر إلى الله يضعه حيثُ يَشاء

كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قبل الهِجرة، يغتنم فرصة تجمع القبائل والعشائر العربيَّة، التي كانت تَفِد على مَكَّة مِن كلِّ حَدبٍ وصوبٍ ليزورهم في مضاربهم يدعوهم إلى عبادة الأحد، وإلى التحرُّر مِن عبوديَّة الأصنام، ويُعلن لهم رسالة نبوَّته.

وذات مَرَّة، عندما كان التجمُّع قد اشتدَّ في مِنى، بدأ بإعلان دعوته، مُتَّجهاً أوَّلاً إلى مضارب بني كلب، ومِن ثمَّ إلى مضارب بني حنيفة، عارضاً على هاتين القبيلتين الدخول في الإسلام، ولكنَّهما رفضتا دعوته وردَّتاه، فاتَّجه إلى بني عامر وعرض عليهم الإسلام.

وكان رجل مِن رؤسائهم اسمه (بحيرة) قد جذبه مظهر الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ولهجته الرصينة النافذة، فقال: لو أُتيح لي أنْ أستميل هذا الرجل عن قريش إليَّ، لاستطعت وبقُدرته أُسيطر على العرب جميعاً وأستحوذ على طاعتهم.

ثمَّ التفت إلى رسول الله وقال: أرأيت إنْ نحن بايعناك على أمرك، ثمَّ أظهرك الله على مَن خالفك، أيكون لنا الأمر مِن بعدك؟

قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (الأمر إلى الله يضعه حيثُ يَشاء).

فقال له: أفتُهدَفُ نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه.

لم يكن بنو عامر يُدركون ما في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يفهموا معنى أنْ يكون الأمر لله يضعه حيثُ يشاء. ولو أنَّ نبيَّ الإسلام قَبِلَ - يومذاك - ما طلبه (بحيرة) لكان يَعد بني عامر مِن بعده، ويُحيي آمالهم بالمُستقبل، ولالتفَّ حوله أبناء تلك


القبيلة، يضعون تحت أمره كلَّ ما كان فيهم مِن قوَّة وسلاح، ولكنَّ الإسلام ينتشر بسُرعة، وكان هذا بذاته يُعدُّ نجاحاً كبيراً، وفائدة عُظمى. وكان قائد الإسلام، المبعوث مِن الله لتربية الإنسان، والقدوة في مكارم الأخلاق، ما كان ليخطو خُطوة لا تَّتفق وشرف الإنسانيَّة، ولا يَعِدُ بما لا حقيقة له (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


الماء لا يُمنَع عن أحد

صِفِّين أرض تقع غرب نهر الفرات بين (الرقة) و(بالس)، حيث دارت رحى حربٍ ضَروسٍ بين جيش الإمام علي (عليه السلام) وجيش مُعاوية، أصابت كلا الطرفين بخسائر كبيرة، فقد جاء في بعض الروايات أنَّ جيش علي (عليه السلام) ضَمَّ تسعين ألف جنديٍّ، بينما بلغ جيش مُعاوية مِئة وعشرون ألفاً.

كانت أرض صِفِّين مُرتفعة عن نهر الفرات، فكانوا يستخدمون الدلاء للاستقاء. ولكنْ في المناطق المزدحمة بالقوافل وبالأنعام والأغنام التي ترد الماء، لم يكن للدلاء نفع كبير، فكان الناس قد شقُّوا طريقاً في المناطق المُنخفضة للوصول إلى شريعة الماء بحيواناتهم وإبلهم فيَردِونها ويحملون مِن الماء ما يحتاجونه في رحلتهم.

في صِفِّين كانت الشريعة عريضة تَفي لسقي كلا الجيشين دون عناء، ولوصول الفُرسان إلى الماء، هُمْ وخيولهم، لحمل ما يحتاجون مِن الماء. وقبل اندلاع حرب صِفِّين، عزم مُعاوية بن أبي سفيان على الاستيلاء على شريعة الفرات، ومنع جيش علي (عليه السلام) مِن الوصول إلى الماء، للتضييق عليهم، والانتصار في الحرب. ونفَّذ معاوية عزمه، فوَكَل لحراسة الشريعة جيشاً قوامه أربعون ألف جنديٍّ بإمرة أبي الأعور؛ ليمنعوا جيش علي (عليه السلام) عن الماء.

وإذ حاول نفر مِن جنود الإمام الوصول إلى الماء، منعهم جنود مُعاوية، وتجالدوا ساعة، ثمَّ عاد جنود الإمام إلى مُعسكرهم دون ماء. وانتشر خبر ضرب الحصار على شريعة الفرات، فغضب جنود الإمام، وأرادوا أنْ يبدأوا الهجوم بأسرع ما يُمكن لطرد جيش مُعاوية عن شريعة الماء، ولكنَّ الإمام علي (عليه السلام) لم يكن يُريد أنْ يكون هو البادئ بالحرب، فيحتكم إلى السيف قبل إتمام الحُجَّة على مُعاوية وجيشه.


ولكي يُبيِّن الموقف، استدعى عبد الله بن بديل، وصعصعة بن صوحان وشبث بن ربعي، وطلب إليهم الذهاب إلى مُعاوية ليقولوا له: إنَّه لم يأت بجيشه ليُحارب على الماء، فليأمر مُعاوية جنوده بإخلاء طريقهم إلى الماء.

انطلق أعضاء الوفد إلى مُعاوية وأبلغوه رسالة الإمام (عليه السلام)، وتحدَّثوا بأنفسهم عن الأمر أيضاً، وراحوا يُحذِّرون مُعاوية مِن إراقة الدماء وإشعال الفتنة. كما أنَّ بعضاً مِن حاشية مُعاوية الذين حضروا المجلس أوردوا بعض الكلام، وكان بعضهم شديد المُعارضة لاحتكار الماء، غير أنَّ مُعاوية ظلَّ مُصرَّاً على موقفه وردَّ الوفد خائباً.

رجع أعضاء الوفد وشرحوا للإمام ما جرى في مجلس مُعاوية.

وإذ سمع الجيش بالخبر اشتدَّ به الغضب، وتهيَّأ لخوض معركة دامية. وبعد أنْ أرخى الليل سُدوله وغَطَّى الظلام كلَّ شيء، خرج الإمام علي (عليه السلام) مِن خيمته يتفقَّد العسكر، فسمع الجنود في خيامهم يتحدَّثون عن ظلم مُعاوية، ومُحاصرة شريعة الماء، ومُشكلة العطش. كانوا يترنَّمون بالشعر الحماسيِّ، ويتحاورون في شؤون الحرب وهم ينتظرن صدور الأمر بالحرب.

وعند عودته إلى خيمته، دخل عليه الأشعث بن قيس، ثمَّ مالك الأشتر وأخذا يشرحان ظروف فُقدان الماء واستعداد الجنود للمُباشرة بالحرب، وطلبا مِن الإمام أنْ يُصدِر أمره بالهجوم على جيش مُعاوية لتحرير شريعة الماء، وإنهاء هذه الحالة الشائنة. كان الإمام قد أوفد وفده إلى مُعاوية وأتمَّ الحُجَّة عليه دون أنْ ينصاع مُعاوية للحقِّ، فلم يجد الإمام (عليه السلام) بُدَّاً مِن أنْ يأمر ببدء الحرب، فخاطبهم قائلاً:

(فإن القوم قد بدأوكم بالظلم، وفاتحوكم بالبغي واستقبلوكم بالعُدوان).

عاد مالك والأشعث إلى جنودهما قائلين لهم: مَن لا يخاف الموت فليتهيَّأ لبزوغ الفجر. فتطوَّع لذلك نحو اثني عشر ألف جنديٍّ. وبدأت الحرب عند بزوغ


الشمس. وكانت حرباً شديدة، قُتِل فيها مِن الجانبين خَلق كثير، ولكنَّ قتلى جيش الشام كان أكثر عدداً. وانتصر جيش الإمام (عليه السلام)، ودُحر جيش مُعاوية وانهزم ووقعت شريعة الماء بيد جيش الإمام.

بعد هذه الهزيمة سأل مُعاوية عمرو بن العاص: ما رأيك؟ ألا ترى أنَّ عليَّاً سيمنع الماء عنَّا؟ فردَّ عليه عمرو بن العاص قائلاً: لا أرى عليَّاً يمنع الماء عن مخلوق.

مضى على ذلك يومان مِن دون حادث بشأن الماء. وفي اليوم الثالث أرسل مُعاوية وفداً مؤلَّفاً مِن اثني عشر رجلاً إلى الإمام علي (عليه السلام) يستجيزونه في الاستسقاء، فقال قائلهم في حضرة الإمام (عليه السلام): ملكتَ فامنح، وجُد علينا الماء، وأعفُ عمَّا سلف مِن مُعاوية.

فقال لهم الإمام (عليه السلام): عودوا إلى مُعاوية وأبلغوه أنَّ أحداً لا يمنعهم عن الماء. وأمر أنْ يُنادى بذلك بين الجنود. فاستتبَّ الهدوء على شطِّ الفرات ثلاثة أيَّام، يَرِده كلا الطرفين. ولكنْ عادت إلى مُعاوية فِكرة الاستيلاء على الشطِّ واحتكار الماء، فبادر إلى خدعة يبعد بها جنود الإمام عن مواضعهم عند الشريعة، ليحتلَّ مواضعهم. فأمر أنْ يكتب على شاخص خشبي: يُحذِّركم واحد مِن عباد الله المُحبِّين لأهل العراق مِن أنَّ مُعاوية ينوي كسر سَدِّ الفرات ليَغرق الجنود على الشطَّ، فكونوا على حذر.

وفي الليل وضِع الشاخص في قوس ورُمي به بين جنود العراق. وعند طلوع الفجر لاحظ جنديٌّ الشاخص وقرأ ما عليه، وناوله غيره، حتَّى أوصلوه إلى الإمام (عليه السلام)، فقال: (هذه خدعة مِن مُعاوية، يُريد إرعابكم ليُشتَّتكم).

وعند الصُّبح شاهد العراقيُّون مئتين مِن جنود مُعاوية الأشدَّاء يحملون المعاول والمجارف، يقدمون إلى حيث سدِّ الفرات، وبدأوا التخريب فيه وهُمْ يتصايحون،


فصدَّق العراقيُّون مقولة صاحب الشاخص، وأنَّه قد نصح لهم، فارتأى القادة ورؤساء القبائل أنْ الصلاح في ترك شريعة الماء لينجوا بأنفسهم مِن خطر مُحتمل. ولم يأت المغرب حتَّى كانت الشريعة قد أُخليت مِن الجند ومِمَّا حولها مِن الخيام والمرابض.

وعند مُنتصف الليل أمر مُعاوية جنوده باحتلال الشريعة، وأنْ ينصبوا خيامهم بمكان خيام جند الإمام (عليه السلام). وعند الصُّبح أدرك العراقيُّون أنَّ مُعاوية قد خدعهم، وخجلوا مِن عدم تصديق الإمام، وندموا على ما فرط منهم، وجاء بعض الرؤساء يطلبون العفو مِن الإمام، ووعدوه ببذل كلِّ ما يستطيعون لجبر هذا الكسر الشائن. وتقدَّم مالك والأشعث يخطبان في الجنود، الذين كانوا يشعرون بالخجل وبالغضب، فأثارتهم خُطبهما وأهاجتهم، حتَّى إنَّهم جرَّدوا سيوفهم مِن أغمادها وتعاهدوا على الموت، وانحدروا نحو الميدان كالأسود الهائجة، واشتبكوا مع جُند مُعاوية في حرب ضَروس دمويَّة، فقُتل عدد مِن الجانبين، ولم ينقض النهار حتَّى ضعف جنود مُعاوية على المُقاومة وولُّوا الأدبار حتَّى ثلاثة فراسخ، وانتصر جيش الإمام علي (عليه السلام)، واستعاد سيطرته على شطِّ الفرات.

وتقدَّم الأشعث إلى الإمام علي (عليه السلام) يُهنِّئه بالانتصار ويستأذنه في منع الماء عن جيش مُعاوية، فرفض الإمام ذلك وقال: إنَّ الماء يجب أنْ يكون في مُتناول الجميع. ولكيلا يظنَّ مُعاوية أنَّه ممنوع مِن الماء، لم ينتظر الإمام مجيء وفد مِن مُعاوية، بلْ بادر بإرسال مبعوث يُخبر مُعاوية بأنَّه لا يُقابل عمله القبيح بمثله، وله أنْ يستقي لجنوده كالسابق.


هي حُرَّة لِمَمْشاك

عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: (جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد بلي ثوبه، فحمل إليه اثني عشر درهماً فقال: يا علي خذ هذه الدراهم فاشتر لي ثوباً ألبسه.

قال علي (عليه السلام): فجئت إلى السوق، فاشتريت له قميصاً باثني عشر درهماً، وجئت به إلى رسول الله، فنظر إليه، فقال:

يا عليُّ غَيْرُ هذا أحبُّ إليَّ؛ أترى صاحبه يُقيلنا؟

فقلت: لا أدري.

فقال: انظُر.

فجئت إلى صاحبه، فقلت: إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد كره هذا، يُريد ثوباً دونه؛ فأقلنا فيه، فردَّ عليَّ الدراهم وجئت بها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمشى معي إلى السوق ليبتاع قميصاً، فنظر فإذا جارية تبكي، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما شأنك؟

قالت: يا رسول الله، إنَّ أهل بيتي أعطوني أربعة دراهم لأشتري لهم بها حاجة فضاعت، فلا أجسر أنْ أرجع إليهم.

أعطاها رسول الله أربعة دراهم وقال لها: إرجعي إلى أهلك.

ومضى رسول الله إلى السوق، فاشترى قميصاً بأربعة دراهم ولبسه وحمد الله. وخرج فرأى رجلاً عُرياناً يقول: مَن كساني كساه الله مِن ثياب الجَنَّة، فخلع رسول الله قميصه الذي اشتراه وكسا السائل، ثمَّ رجع إلى السوق فاشترى بالأربعة التي بقيت قميصاً آخر فلبسه وحمد الله.

ورجع إلى منزله فإذا الجارية قاعدة على الطريق.

فقال لها رسول الله: ما لك لا تأتين أهلك؟


قالت: يا رسول الله، إنِّي قد أبطأت عليهم وأخاف أنْ يضربوني.

فقال لها رسول الله: مُرِّي بين يديَّ ودُلِّيني على أهلك.

فجاء رسول الله حتَّى وقف بباب دارهم، ثمَّ قال:السلام عليكم يا أهل الدار. فلم يُجيبوه، فأعاد السلام فلم يُجيبوه، فأعاد السلام، فقالوا: عليك السلام يا رسول الله، ورحمة الله وبركاته، فقال لهم: ما لكم تركتم إجابتي في أوَّل السلام والثاني.

قالوا: يا رسول الله، سمعنا سلامك فأحببنا أنْ نستكثر منه.

فقال رسول الله: إنَّ هذه الجارية أبطأت عليكم فلا تؤاخذوها.

فقالوا: يا رسول الله، هي حُرَّة لممشاك) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


الآن يدخل كلامي في أُذنك

في القَرن السادس الهِجري وصل (ابن سلاَّر) - وكان ضابطاً في الجيش المصري - إلى مقام الوزارة، وراح يحكم الناس بكلِّ اقتدار.

كان هذا مِن جِهة شجاعاً نشيطاً ذكيَّاً، وكان مِن جِهة أُخرى أنانيَّاً فظَّاً ظالماً، وقد خدم أثناء حُكمه كثيراً، كما ظلم كثيراً.

عندما كان (ابن سلار) ضابطاً في الجيش، حكم عليه بدفع غرامة، فشكا الأمر إلى (أبي الكرم) مُحاسب الديوان وأوضح له الأمر. غير أنَّ أبا الكرم أهمل كلامه بحَقٍّ أو بدون حَقٍّ، وقال له: إنَّ كلامك لا يدخل في أُذني. فغضب ابن سلار منه وحقد عليه، وما أنْ تسلَّم مقام الوزارة حتَّى انتهز الفرصة للانتقام، فألقى القبض عليه، وأمر أنْ يدقَّ في أُذنه مسمار طويلاً، فدقَّ حتَّى خرج مِن أُذنه الأُخرى. ومع كلِّ صرخة مِن صرخات أبي الكرم عند طَرق المسمار في أُذنه، كان ابن سلار يقول له: الآن يدخل كلامي في أُذنك. ثمَّ أمر بشنق جُثَّته الهامدة بتعليقه مِن المسمار الداخل في رأسه.

لقد جرح أبو الكرم خاطر ابن سلار وأصاب قلبه بكلامه. ولو كان ابن سلار مِن ذوي السجايا الإنسانيَّة، سليم الفكر، لبرئ جُرح قلبه بعد بضعة أسابيع أو شهور، ولنَسي تلك الحادثة المُرَّة، ولكنَّه كان مُصاباً في فكره بفساد الأخلاق، فلم يلتئم جُرحه بسبب أنانيَّته وحِقده وحُبِّه للانتقام.

ولهذا، وبعد مرور عِدَّة سنوات ووصوله إلى الوزارة، ونيله فرصة للانتقام، انتقم مِن ذلك الكلام الجارح، وشفى غليله، ولكنَّه في سبيل ذلك ارتكب عملاً وحشيَّاً بعيداً عن الإنسانيَّة، فقتل رجلاً شَرَّ قتلة بسبب ما تفوَّه به (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


لم يُعطَ أحدٌ شيئاً أضرَّ له في آخرته

مِن طلاقة لسانه

أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعرابيٌّ وقال له:

ألستَ خيرنا أباً وأُمَّاً، وأكرمنا عقباً، ورئيسنا في الجاهليَّة والإسلام؟

فغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: (يا أعرابيُّ، كمْ دون لسانك مِن حجاب؟).

قال: اثنان، شَفتان وأسنان.

فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (فما كان في واحد مِن هذين ما يردُّ عنَّا غرب لسانك هذا؟ أما إنَّه لم يُعطَ أحد في دنياه شيئاً هو أضرُّ له في آخرته مِن طلاقة لسانه. يا عليُّ، قُمْ فاقطع لسانه).

فظنَّ النّاس أنَّه يقطع لسانه، فأعطاه دراهم.

لقد كان كلام الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بحيث إنَّ الحاضرين حسبوا أنَّ عليَّاً (عليه السلام) سوف يقطع لسانه فعلاً، ولكنَّ قائد الإسلام أعرب بكلماته الشديدة عن عدم استحسانه لما تفوَّه به الأعرابي مِن جِهة، وأفهم الحُضَّار، مِن جِهة أُخرى، أنَّ التملُّق والمُداجاة مِن العيوب الخلقية الكبيرة وأنَّ على المسلمين أنْ يحذروا التخلُّق بمثل هذا الخُلق المُذلِّ الشائن (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


المجالس بالأمانة

قيل لعلي بن الحسين (عليه السلام): إنَّ فلاناً ينسبك إلى أنَّك ضالٌّ مُبتدعٌ.

فقال للقائل: (ما رعيت حَقَّ مُجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أدَّيت حَقِّي حيث أبلغتني عن أخي ما لستُ أعلمه).

عندما يسمع البعض أحداً يغتاب صاحباً له ينقلون إليه الغيبة، بدلاً مِن أنْ يدافعوا عنه، ظانِّين أنَّهم بهذا يُقدِّمون خِدمة لصاحبهم مِن جِهة بإطلاعه على ما يُقال عنه، ويكشفون له، مِن جِهة أُخرى، مقدار ما يُكنُّونه له مِن حُبٍّ وصداقة، ولكنَّ الإمام السجاد (عليه السلام) اعتبر هذا العمل مُثيراً للفتنة ومِن العيوب المعنويَّة والسيِّئات الأخلاقيَّة، فقبَّح فعل النمَّام وانتقد عمله مِن جِهتين.


الابتعاد عن إيذاء المؤمنين

يقول الحسين بن أبي العلاء: كنَّا في نحو عشرين نفراً عزمنا على الحَجِّ إلى بيت الله الحرام في مصاريف مُشتركة. وكنت أذبح لهم شاة في كل منزل ننزل فيه. وفي يوم، ونحن في السفر، زرت الإمام الصادق (عليه السلام)، فقال لي: (يا حسين، أُتذلُّ المؤمنين؟!).

قلت: أعوذ بالله مِن ذلك.

فقال (عليه السلام): (بلغني أنَّك تذبح لهم في كلِّ منزل شاةً).

فقلت: يا مولاي، والله ما أردت بذلك غير وجه الله تعالى.

فقال (عليه السلام): (أما كنت ترى أنَّ فيهم مَن يُحبُّ أنْ يفعل مثل أفعالك فلا يبلغ مقدرته ذلك، فيتقاصر إليه نفسه؟!).

قلت: يا ابن رسول الله، أستغفر الله ولا أعود.

لم يكن الحسين بن العلاء يرى مِن عمله سوى قرى رفاق سفره، دون أنْ ينتبه لما في ذلك في تحقير للآخرين، فبيَّن له الإمام الصادق عيبه الأخلاقي، فتنبَّه الرجل إلى ذلك فوراً، ولم يعد لمثله (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


اتَّق الله ولا تَعجل

عن جرير بن مرزام قال:

قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): إنِّي أُريد العُمرة، فأوصني.

قال: (اتَّق الله ولا تَعجل).

فقلت: أوصني. فلم يزد على هذا.

إنَّ العجلة والتسرُّع كانا واضحين في أُسلوب تفكيره، فهو في أول منزل مِن منازل سفره يُصادف مجهولاً ويسمع منه ما لا يُحبُّ أن يسمع. وبدلاً مِن أنْ يُناقش الرجل ويُصحِّح له خطأه، يُقرِّر مُنازلته وقتله، ولكنَّه يلتزم وصية الإمام الصادق (عليه السلام) ويُمسك نفسه عن تنفيذ قراره.

كان مُعلِّم الأخلاق الإسلاميَّة يعرف عيب جرير الخلقي، فاستثمر فرصة طلبه النصح فأوصاه بعدم التسرّع الذي كان مِن أهمِّ عُيوبه، وبذلك نجَّاه مِن خطر السقوط.


الإسراف مذموم

كان منصور بن عمّار مارَّاً قرب بيت قاضي بغداد، وكان باب البيت مفتوح، فوقف منصور أمام الباب وأخذ ينظر إلى داخل البيت واسع وضخم، ولفت نظره الغرف المفروشة والأواني الفاخرة، وتعدُّد الغُلمان والخُدَّام، وتعجَّب مِن هذه الزخارف والزينة.

طلب منصور ماءً للوضوء، فملأ أحد الغُلمان إبريقاً كبيراً وجاء به إليه، وعندما جلس ليتوضَّأ أراق ماء الإبريق كلَّه، وشاهده قاضي بغداد فقال له:

يا منصور، لماذا هذا الإسراف في الماء؟

أجاب منصور: أيَّها القاضي، أنت تُحاسبي في الماء المُباح للوضوء، ولا تُحاسب نفسك على هذا الإسراف العجيب في البناء!

والله يعلم مِن أين جاءتك هذه الأموال، ولم تكتف بمنزل صغير وخادم؟!

لماذا كلُّ هذا الإسراف وتحمُّل المعصية؟!

انتبه قاضي بغداد مِن غفلته بسبب كلام منصور، واعتدل بعد ذلك في صرف الأموال (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


الشيطان لن ينصح مُسلماً

هناك حديث مرويٌّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) يدور حوله حوار يجري بين النبي يَحيى (عليه السلام)، وإبليس العدوِّ اللدود لبني آدم، فيُمعن النبيُّ يحيى (عليه السلام) النظر في أقوال إبليس ويستفيد منها.

قال يحيى: (فهل ظفرت بيَ ساعة قطُّ؟).

قال: لا، ولكنْ فيك خِصلة تُعجبني.

قال يحيى: (فما هي؟).

قال: أنت رجل أكول، فإذا أفطرت أكلت وبشمت، فيمنعك ذلك مِن صلاتك وقيامك بالليل.

قال يحيى: (فإنِّي أُعطي الله بهذا (عهداً) أنِّي لا أشبع مِن الطعام حتَّى ألقاه).

قال له إبليس: وإنِّي أُعطي الله عهداً أنِّي لا أنصح مسلماً حتَّى ألقاه (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ

أرسل الخليفة العباسي عبد الله بن طاهر والياً على خراسان، فدخل هذا بجنوده مدينة نيسابور، واستقرَّ بهم في المواضع المُخصَّصة لهم، إلا أنَّها لم تتَّسع لهم جميعاً، فوزَّع بعض جنوده على الأهالي وأجبرهم على استضافتهم، فأثار فيهم موجة مِن السخط والتذمُّر.

واتَّفق لأحد الجنود أنْ يسُكن مع رجل غيور زوجته جميلة، فاضطرَّ الرجل إلى أنْ يترك عمله ليبقى في البيت رقيباً لئلا تتعرَّض زوجه لاعتداء مِن الجنديِّ الشابِّ.

في أحد الأيَّام طلب الجندي من صاحب البيت أنْ يأخذ فرسه ليورده الماء غير أنَّ الرجل الذي لم يكن - مِن جِهة - يجرؤ على ترك زوجه مع الجنديِّ وحدهما في البيت، ويخاف - مِن جِهة أُخرى - رفض طلب الجندي، قال لزوجه أنْ تأخذ هي الفرس إلى الماء، ويبقى هو للمُحافظة على أثاث البيت، فأخذت الزوجة بزمام الفرس واتَّجهت نحو موضع الماء.

وفي تلك اللحظة اتَّفق أنْ مَرَّ عبد الله بن طاهر مِن ذلك المكان، فرأى امرأة وقوراً جميلة تقود فرساً نحو الماء، فعُجب مِن ذلك، واستدعى المرأة وقال لها: لا أراك مِن اللواتي يوردن الخيل، فما الذي دعاك إلى هذا؟!

قالت المرأة بغضب: هذا نتيجة عمل عبد الله بن طاهر الظالم، ثمَّ شرحت له الأمر.

تأثَّر عبد الله مِن قول المرأة وغَضب على نفسه؛ لأنَّه كان سبباً في أنْ يَشعر أهل نيسابور بالتعاسة والشقاء، فأمر المُنادين أنْ ينادوا في البلدة أنْ على جميع الجنود الخروج مِن المدينة حتَّى الغروب مِن ذلك اليوم، ومَن بات منهم في المدينة يُهدر


ماله ودمه.

وترك هو المدينة إلى (شادياخ) القريبة مِن نيسابور حيث لحق به جنوده، فبنى في تلك المنطقة الواسعة لنفسه قصراً ولجنوده مقرَّات يسكنونها.

هذه المرأة التي كانت حياتها عُرضة للخطر ذكرت عبد الله بن طاهر بالسوء، فكان مِن أثر هذا الكلام والذَّمِّ الموجع أنْ حلَّ العُقدة ورفع الظلم، لا عن نفسها وزوجها فحسب، بلْ إنَّه قد أنقذ سائر الناس مِن التعسُّف والجور، وَوُضِع حَدٌّ للحالة المُزرية التي مَرَّت بها مدينة نيسابور.

وهذا هو مصداق الآية القرآنيَّة: ( لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ... ) (النساء: 148) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


اللَّهمَّ إنِّي أمسيت عنه راضياً فارضَ عنه

ومثلما يسعى الناس بدافع مِمَّا فيهم مِن أنانيَّة ورغبة في الحياة، إلى مُعالجة أمراضهم الجسميَّة، ويبحثون عن الدواء والعلاج، كذلك يسعى الذين يتمسَّكون بالحياة الإنسانيَّة والمعنويَّة بدافع مِن حُبِّ الذات وعِشق السموِّ والكمال، مِن أجل إصلاح أفكارهم وأخلاقهم، ويُباشرون بإرادة قويَّة بمُعالجة أنفسهم، فيقومون بواجباتهم، دون أنْ يُبالوا بالمشقَّات والصعاب. هؤلاء يستطيعون تزكية أنفسهم بما يبذلونه مِن سَعي وجُهد، ويتخلَّقون بمكارم الأخلاق والسجايا الإنسانيَّة، ليبلغوا في النهاية الكمال اللائق بمقام الإنسان.

أمثال هؤلاء كثيرون بين المسلمين، مُنذ عهد الرسول حتَّى العصر الحاضر، مِن الرجال والنساء مِن ذوي الإرادة القويَّة والعزم الراسخ، وعلى الرغم مِن أنْ أكثريَّة هؤلاء مجهلون، إلاَّ أنَّ التاريخ احتفظ لنا ببعض الأسماء، وفيها اسم عبد الله ذي البِجادَين.

كان عبد الله مِن قبيلة (هزينة) وكان اسمه عبد العُزَّى - والعُزَّى هو أحد أصنام عرب الجاهليَّة - مات أبوه وهو صغير، فكفله عَمُّه العابد للأصنام فعَني به وربَّاه حتَّى بلغ سِنَّ الشباب، فوهب له بعض أمواله وأغنامه. يومئذ كان الإسلام قد بدأ يُثير الحماس والتحرُّك في الناس، وكان كلام يدور في كلِّ مكان على هذا الدين الجديد، فكان أنْ أخذ عبد العُزَّى الشابّ يبحث عن حقيقة أمر هذا الدين بكلِّ حَماس وعِشق، مُتابعاً جميع الشؤون الإسلاميَّة، وعلى أثر سماعه كلام نبيِّ الإسلام والتعرُّف على التعاليم الإلهيَّة، أدرك فساد المُعتقدات التي كان هو وقبيلته يتَّبعونه، فعافت نفسه الأصنام وعبادتها والعادات الجاهليَّة، وآمن في قلبه بدين الله ولكنَّه لم يُظهر ذلك علانيَّة رعاية لعَمِّه.


ظلَّت الحال على هذا المنوال بعض الوقت. وبعد فتح مَكَّة قال يوماً لعمِّه: ظللت أنتظرك طويلاً أنْ تعود إلى نفسك فتُسلِم وأُسلم معك، ولكنِّي أراك لا تُريد أنْ تترك عبادة الأصنام، وما تزال تُصرُّ على دينك الباطل، فاسمح لي أنْ أعتنق أنا الإسلام وألتحق بركب المسلمين. كان عَمُّه قد طرق سمعه مِن قِبل ميول ابن أخيه إلى الإسلام؛ لذلك غضب عند سماع كلامه غضباً شديداً، وقال: إنَّه لن يسمح له أبداً بذلك، وأقسم أنَّه إذا خالفه واعتنق الإسلام فسوف يسترجع منه كلَّ ما كان قد وهبه له.

كان الرجل يظنُّ أنَّ ابن أخيه الشابَّ سوف يرجع عن رأيه في الإسلام إذا هدَّده بانتزاع كلِّ شيء منه، وأنَّه سوف يطرد فكرة اعتناق الإسلام مِن رأسه، ويبقى عاكفاً على عبادة الأصنام. ولكنَّ الشابَّ كان مسلماً حقيقيَّاً، لا يُمكن أنْ تتزلزل عقيدته بالتهديد والوعيد، ولا أنْ يرجع عمَّا عزم عليه، فأعلن إسلامه بكلِّ جُرأة وصراحة، ولم يعبأ بالتهديدات الماليَّة.

عند ذلك لم يجد العمُّ إزاء مقالة الشابِّ إلاّ أنْ يُنفِّذ تهديده، فاسترجع منه كلَّ الأموال التي كان قد أعطاها له، ونزع عنه حتَّى الثوب الذي كان يرتديه، فانطلق الشابُّ عارياً إلى أُمِّه وقال لها: أحمل هوى الإسلام، ولا أطلب منك سوى إكساء العُريان. فأعطته أُمُّه قطعة مِن قماش كتَّان عندها، فشقَّها نِصفين كسا عُريِّه بهما واتَّخذ سبيله في الطريق إلى المدينة للتشرّف برؤية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

كان الفتى قد فُتِن بالحقيقة التي اكتشفها، فامتلأ قلبه بالثورة والحماس، والطهارة والخلوص، والصدق والصفاء. كان يغذُّ السير، كطائر أُطلق مِن سجنه وأصبح حُرَّاً يُحلِّق حيث يشاء، يُريد أنْ يرى رسول الإسلام بأسرع ما يستطيع؛ ليعُبَّ مِن عذب نمير تعاليمه الإلهيَّة المُحيية؛ ليصنع نفسه كما يليق به، ولينال السعادة الحقيقية والكمال الإنسانيِّ المنشود.

دخل المسجد بين الطلوعين عندما كان المسلمون قد اجتمعوا لأداء فريضة


صلاة الصبح، فأدَّاها جماعة معهم بإمامة رسول الله. وبعد الصلاة استدعاه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسأله عمَّن يكون، فقال له: اسمي عبد العُزَّى.

ثمَّ سرد عليه ما جرى له. فقال الرسول: (اسمك عبد الله).

وإذ رآه يلفُّ نفسه بتينك القطعتين مِن القماش لقَّبه بذي البِجادَين. ومُنذ ذلك اليوم عرفه الناس باسم عبد الله ذي البِجادَين.

وخرج عبد الله ذو البِجادَين مع المسلمين في حرب تبوك مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتوفَّاه الله في هذه الغزوة. وعند دفنه قام النبي بنفسه بإنزال جسده إلى القبر. وبعد الانتهاء مِن مراسم الدفن، اتَّجه إلى القبلة، ورفع يديه نحو السماء ودعا له قائلاً: (اللَّهمَّ، إنِّي أمسيت عنه راضياً فارضَ عنه).


التضرُّع إلى الله وأسباب الانتصار

في إحدى الحروب الإسلاميَّة حاصر جُند الإسلام إحدى قِلاع العدوِّ، بهدف الاستيلاء عليها بالقوَّة العسكريَّة، غير أنَّ القلعة كانت حصينة وطالت أيَّام الحصار. وعلى الرغم مِن أنَّ جُند الإسلام بذلوا خلال تلك المُدَّة جهوداً جبَّارة ومساعي حميدة؛ فإنَّهم لم ينجحوا في اقتحام الحِصن، فأخذت معنويَّات الجيش تهبط شيئاً فشيئاً، ويضعف عزمهم على الاستمرار .

وإذ وجد قائد الجيش أنَّ انتصاره في تلك الظروف مُستبعَد جِدَّاً، توجَّه إلى الله تعالى واستعاذ به مِن ذِلِّ النكوص فصام أيَّاماً، ورفع يديه بالدعاء إلى الله مُخلصاً صادقاً، طالباً الانتصار على العدوِّ، فتقبَّل الله تعالى دعواته، وسُرعان ما استجاب له .

كان القائد في أحد الأيَّام جالساً، فشاهد كلباً أسود يركض بين المُعسكر فشدَّ ذلك انتباهه وراح يُدقِّق فيه. وبعد ساعات وجد الكلب نفسه على حائط القلعة، فأدرك أنَّ للقلعة طريقاً إلى الخارج، وأنَّ الكلب يأتي مِن القلعة إلى المُعسكر بحثاً عن طعام ويعود إليه. فكلَّف بعض الجُند بتقصِّي مسير الكلب لمعرفة الطريق الذي يسلكه، ولكنَّهم لم يوفَّقوا للعثور على الطريق. فأمر بجراب أنْ يلوَّث بالسمن لإغراء الكلب به، ويملأ بالدفن ويُثقب في عِدَّة مواضع لينساب منه الحَبُّ فيما يجرُّ الكلب الجراب إلى حيث يُريد. ففعلوا ما أمر به، وألقوا بالجراب في المُعسكر في طريق الكلب .

وفي اليوم التالي خرج الكلب مِن القلعة مُتَّجهاً إلى المُعسكر حتَّى وصل إلى الجراب المدهون، فعضَّ عليه بأسنانه وكَرَّ راجعاً إلى القلعة، مُخلِّفاً وراءه حبَّات الدفن التي كانت تسقط مِن ثقوب الجراب. وبعد ساعة تتبَّع الجُند آثار الدفن على الأرض حتَّى وصلوا في النهاية إلى نقب كبير كان


يسمح بالدخول إلى القلعة بيُسر وسهولة. فعيَّن القائد موعداً لجنده فاجتازوا النقب إلى داخل القلعة، وهاجموا العدوَّ الذي لم يجد بُدَّاً مِن الاستسلام، وانتهى الحصار بانتصار الإسلام .

لقد كان هذا الكلب دائم التردُّد على المُعسكر، ولكنَّ أحداً مِن الضباط والجنود لم يلتفت إليه؛ لأنَّ أحداً منهم لم يخطر له أنْ يكون هذا الحيوان سبباً لفتح القلعة ولانتصار المسلمين، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى عندما استجاب دعوة القائد، أوقع في قلبه أنْ يتنبَّه إلى الكلب كسبب مِن أسباب الانتصار، وبذلك أخرج المسلمين مِن مُشكلتهم الكُبرى، وفتح أمامهم باب الظفر، وأنقذهم مِن ذِلِّ الهزيمة والانكسار (1 ) .

____________________

( 1) الأخلاق، ج1 .


يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ

إنَّ الله تعالى قد يشاء أنْ يصون المؤمنين مِن الأخطار والبلايا، بطُرق خارقة للعادة عن طريق إزالة العِلَّة التي تتهدَّدهم بالخطر، ومِن ذلك صيانة خليل الرحمان مِن الاحتراق بنيران عَبدة الأصنام .

لقد حطَّم النبي إبراهيم (عليه السلام) أصنام المُشركين، فأثار غضبهم، فقرَّروا أنْ يُحرقوه دفاعاً عن أصنامهم، فأوقدوا ناراً عظيمة وألقوا به فيها .

في مثل هذه الحالة لم يكن أمام إبراهيم الخليل مفرٌّ مِن الاحتراق في تلك النيران ليستحيل رماداً، ولكنَّ الله لم يُرِدْ له ذلك، بلْ أراد أنْ يصونه مِن نيرانهم، فقال للنار: ( ... يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ) (الأنبياء: 69 ).

فانقلبت النار المُحرقة برداً وسلاماً عليه بمشية الله تعالى الخاصَّة، وتبدَّل ذلك السعير المُلتهب إلى جوٍّ مِن السلامة خالٍ مِن كلِّ خطرٍ، وانهارت خُطَّة المُشركين في إحراق نبيِّ الله، وظلَّ سليماً في حفظ الله وصيانته (1 ) .

____________________

( 1) الأخلاق، ج1 .


لا يَخرج الرجل عن مَسقط رأسه بالدَّين

إنَّ محمد بن أبي عمير كان رجلاً بزَّازاً فذهب ماله وافتقر، وكان له على رجل عشرة آلاف درهم، فباع داراً له كان يسكنها بعشرة آلاف درهم، وحمل المال إلى بابه، فخرج إليه محمد بن أبي عمير فقال: ما هذا؟

قال: هذا مالك الذي عليَّ .

قال: ورثته؟

قال: لا .

قال: وهِبَ لك؟

قال: لا .

قال: فهل هو ثمن ضيعة بعتها؟

قال: لا .

قال: فما هو؟

قال: بعت داري التي أسكنها لأقضي دَيني .

فقال محمد بن أبي عمير: حدَّثني ذريح المُحاربي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لا يخرج الرجل عن مَسقط رأسه بالدَّين) (1 ) .

____________________

( 1) الأخلاق، ج1 .


أذلُّ الناس مَن أهان الناس

عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: (أذلُّ الناس مَن أهان الناس ).

روي أنَّ عمر بن عبد العزيز دخل إليه رجل، فذكر عنده عن رجلٍ شيئاً .

فقال عمر: إنْ شئتَ نظرنا في أمرك، فإنْ كنت كاذباً فأنت مِن أهل هذه الآية: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا ) (الحجرات: 6)، وإنْ كنت صادقاً فأنت مِن أهل هذه الآية: ( هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ ) (القلم: 11)، وإنْ شئتَ عَفونا عنك؟

فقال: العفو، لا أعود إلى مثل ذلك أبداً (1 ) .

____________________

( 1) الأخلاق، ج1 .


البادئ أظلم

كان مُعاوية بن أبي سفيان مِن بني أُميَّّة، وعقيل مِن بني هاشم، وكان آل هاشم سادات قريش، مُكرَّمين ومُحترمين، بينما كان آل أُميَّة يشعرون قِبالهم بالصِّغار والضِّعة، فكان ذلك مُدعاة لحِقدهم على آل هاشم، والسعي لمُعاداتهم والانتقام منهم .

كان مجلس مُعاوية في الشام يوماً مُكتظَّاً بالحاضرين، ومنهم عقيل، فأراد مُعاوية أنْ ينتهز الفرصة لينتقص منه، فالتفت إلى الحاضرين وسألهم، أتدرون مَن أبو لهب؟ الذي قال عنه القرآن: ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ... ) (المسد: 1) إنَّه عَمُّ عقيل هذا .

فبادر عقيل قائلاً: أتدرون مَن كانت زوج أبي لهب؟ التي قال عنها القرآن: ( وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ) (المسد: 4 - 5) إنَّها عَمَّة مُعاوية هذا .

كان مُعاوية يومئذ في أوج سُلطانه وفي يده أزمَّة الأُمور في البلاد الإسلاميَّة الشاسعة، فلم يكن أحد ليجرؤ على إهانته، ولكنَّه بكلامه المُهين الذي قاله في عقيل، مزَّق ستار الاحترام عن نفسه وجرَّأ عقيلاً على أنْ يُكلِّمه بغِلظة، وأنْ يردَّ إهانته بمِثلها ويُحقِّره أمام الحاضرين (1 ) .

____________________

( 1) الأخلاق، ج1 .


لعنة الله على الظالمين

كان الحَكم مِن ألدِّ أعداء الإسلام، وساهم مع مُشركي مَكَّة في إيذاء الرسول والمسلمين، وبعد هِجرة الرسول إلى المدينة، ظلَّ الحَكم في صفوف أعداء الإسلام ولم يترك إيذاء المسلمين، وعندما فتح جُند الإسلام مَكَّة تظاهر باعتناق الإسلام، وترك مَكَّة إلى المدينة، ولكنَّه لم يكفَّ هناك عن أعماله القبيحة، فاضطرَّ الرسول إلى نفيه إلى الطائف حيث ظلَّ حتَّى حُكم عثمان .

بعد موت يزيد بن مُعاوية، تسلَّم مروان بن الحَكم كرسيَّ الخلافة في الشام، وراح يدير شؤون البلاد، غير أنَّ أهل مَكَّة والمدينة لم يُبايعوه؛ لأنَّهم كانوا قد بايعوا عبد الله بن الزبير بالخلافة على نجد والحِجاز .

وبعد موت مروان خَلَفه ابنه عبد الملك، فصمَّم هذا على القضاء علىخلافة عبد الله بن الزبير عن طريق الحرب؛ ليبسط سُلطانه على تلك البلاد أيضاً، فأرسل الحَجَّاج بن يوسف على رأس جيش إلى مَكَّة، حيث اندلعت حرب ضَروس، انتصر فيها الحَجَّاج، وقتل عبد الله بن الزبير، ودخلت منطقة نجد والحِجاز الواسعة في مُلك عبد الملك القويِّ .

كان لعبد الله بن الزبير ولد اسمه ثابت اشتهر بالخطابة، حتَّى سمَّوه بلسان آل الزبير، وفي أحد الأيَّام دخل ثابت على عبد الملك، خليفة بني مروان المُقتدر مبعوثاً مِن قبل شخصٍ ما. فبادر عبد الملك إلى تحقيره وذكر مثالب آل الزبير، وقال له: إنَّ أباك كان يعرفك يوم سبَّك وشتمك .

فغضب ثابت مِن كلامه، وقال له: يا خليفة، أتدري لِمَ كان أبي يسبُّني؟

قال: كلا .

قال ثابت: لأنِّي كنت أنصحه بألاَّ يدخل الحرب اعتماداً على مُساندة أهل مَكَّة؛ لأنَّ الله لا ينصر بهم أحد؛ ولأنَّ أهل مَكَّة هُمْ الذين آذوا الرسول وأخرجوه منها،


ثمَّ جاؤوا إلى المدينة واستمرُّوا في فسادهم وقبيح أعمالهم، حتَّى نفاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) منها عقاباً لهم .

كان هذا تعريفاً مِن ثابت بن عبد الله بالحَكم بن أبي العاص، جَدِّ عبد الملك قصد به رَدَّ إهانته والانتقام منه لما تفوّه به عنه، فغضب عبد الملك، وقال: لعنة الله عليك .

فردَّ ثابت في الحال: لعنة الله على الظالمين، كما لعنهم الله في القرآن الكريم .

وكان هذا تعريفاً آخر بعبد الملك، فاشتدَّ غضبه وأمر بسجن ثابت .

عبد الملك بن مروان، الخليفة القويُّ المُقتدر، بذكره مثالب ثابت بن عبد الله عرَّض نفسه لإهانته وتحقيره، وبلعنه زاد مِن جُرأة ثابت على رَدِّ اللعنة، وإنْ كان مِن دون تصريح، وبسجنه دلَّ على ضعفه وكَشف عن عجزه، وكأنَّه في الحقيقة قد اعترف بهزيمته (1 ) .

____________________

( 1) الأخلاق، ج1 .


ما كان أحسن ترتيبه لنفسه ولصاحبه

كان ليزيد بن أبي مسلم مقامٌ رفيعٌ في حكومة الحَجَّاج، إذ كان كاتبه الخاصَّ، ولكنَّه كان يتدخَّل في كلِّ أمر. وفي أيَّام خلافة سليمان بن عبد الملك طُرِد مِن وظيفته وأصبح غير مرغوب فيه .

وفي يوم مِن الأيَّام أُدخل على سليمان بن عبد الملك وهو مُكبَّل بالحديد، فلمَّا رآه ازدراه، فقال :

ما رأيت كاليوم قطُّ. لعنَ الله رجلاً أجرك رَسنه وحَكَّمك في أمره .

فقال له يزيد: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنَّك رأيتني والأمر عنِّي مُدبر، وعليك مُقبل، ولو رأيتني والأمر مُقبل عليَّ لأستعظمت منِّي ما استصغرت، ولأستجللت منِّي ما استحقرت .

قال: صدقت، فاجلِس، لا أُمَّ لك .

فلمَّا استقرَّ به المجلس، قال سليمان: عزمت عليك لتُخبرني عن الحَجَّاج، ما ظنُّك به؟ أتراه يهوي في جهنَّم، أمْ قد استقرَّ فيها؟

قال: يا أمير المؤمنين، لا تقلُ هذا في الحَجَّاج، فقد بذل لكم نصَفه وأحقن دونكم دمه، وأمَّن وليكم، وأخاف عدوَّكم، وإنَّ يوم القيامة لعن يمين أبيك عبد الملك ويسار أخيك الوليد، فاجعله حيث شئت .

فصاح سليمان: أُخرج عنِّي إلى لعنة الله .

ثمَّ التفت إلى جلسائه فقال: قبَّحه الله! ما كان أحسن ترتيبه لنفسه ولصاحبه، ولقد أحسن المُكافأة، خلُّوا سبيله (1 ) .

____________________

( 1) الأخلاق، ج1 .


لا تذيعَنَّ شيئاً على أخيك تَهدم به مروَّته

محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الأوَّل (عليه السلام)، قال :

قلت له: الرجل مِن إخواني يبلغني عنه الشيء الذي أكرهه، فأسأله ذلك فيُنكره، وقد أخبرني قوم ثقات .

قال لي: (يا محمد، كَذِّب سمعك وبصرك على أخيك، فإنْ شهد عندك قَسَّامة قالوا لك قولاً فصدِّقه وكذِّبهم، ولا تُذيعن عليه شيئاً تُشينه به وتهدم به مروَّته، فتكون مِن الذين قال الله تعالى فيهم: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ... ) ) (النور: 19) (1) .

____________________

( 1) الأخلاق، ج1 .


مُروءة قائدٍ

كان إسماعيل بن أحمد الساماني يحكُم بلاد ما وراء النهر، فعزم عمرو بن الليث الصفاري على أنْ يُحاربه، ويُخرجه مِن ما وراء النهر، ويضمَّ أرضه إلى أرض بلدته التي يحكمها، فجهَّز جيشاً كبيراً في نيسابور، ثمَّ انطلق نحو بلخ، فبعث إليه إسماعيل بن أحمد برسالة قائلاً:

إنَّك تحكم أرضاً واسعة بينما لا أحكم أنا إلاَّ على منطقة صغيرة مِن ما وراء النهر، فاقنع بما عندك واترك لي ما عندي. ولكن عمرو بن الليث لم يلتفت إلى قوله، وواصل سيره وعبر نهر جيحون وطوى المنازل حتَّى بلغ بلخ.

هناك اختار مكاناً لجيشه، حيث حفر الخنادق وأعدَّ المراصد وقضى بضعة أيَّام يتهيَّأ للقتال، بينما ظلَّت فرق جيشه تتوافد وتستقرُّ في المكان المُخصَّص لها.

أمَّا قوَّاد إسماعيل بن أحمد وحاشيته، الذين كانوا قد سمعوا بشجاعة عمرو بن الليث، فعندما شاهدوا كثرة جنوده المُدجَّجين بالسلاح ارتعبوا وتشاوروا فيما بينهم قائلين: إنَّنا إنْ دخلنا الحرب مع عمرو وجنوده الأشدَّاء فإمَّا أنْ نُقتل عن آخرنا، وإمَّا أنْ نولِّي الأدبار عندما يَحمى وطيس الحرب ونرضى بذِلِّ الفرار، وكلا هذين الأمرين ليس فيهما عقل ولا صلاح، فمِن الخير - إذنْ - أنْ نغتنم الفرصة فنتقرَّب إليه ونطلب منه الأمان قبل أنْ تقع الهزيمة المُحتَّمة فهو رجل عاقل وقويٌّ، ولا يُنتظر منه أنْ تشوَّه سمعته بقتل هذا وذاك وهو سلاح العجزة والحَمقى.

فقال أحد الحاضرين: هذا كلام معقول ونصحُ شفوق فلا بُدَّ مِن العمل به.

فتقرَّر أنْ يجتمعوا في ليلة مُعيَّنة؛ لينفذُّوا ما عزموا عليه، وفي الليلة المُعيَّنة اجتمعوا وكتب كلٌّ منهم رسالة إلى عمرو يَعرضون عليه إخلاصهم ووفاءهم له طالبين منه الأمان، ووصلت الرسائل إلى يد عمرو، فقرأها واطّلع على مضامينها، ووضعها في خُرجه وختمه بختمه وأرسل إليهم بالأمان الذي طلبوه.

ودارت رَحى الحرب وانتصر إسماعيل بن أحمد بخلاف ما كان قوَّاده يتوقَّعون،


إذ حاصر إسماعيل جيش عمرو، وما لبثوا أنْ هُزِموا وقُتل الكثير منهم، وأُسر منهم كثير وفر آخرون، وكان عمرو بن الليث مِن الفارِّين، ولكنَّه أُسِر ووقع ما كان عنده غنيمة بيد إسماعيل ومنها الخُرج. فلمَّا رآه مختوماً وقرأ ما كُتب عليه، أدرك ما هنالك وأنَّ الخُرج يحتوي على رسائل قوَّاده إلى عمرو، وهمَّ أنْ يفتح الخُرج ليطَّلع على الذين كتبوا تلك الرسائل، ولكنَّه بحِكمته الصائبة وتدبُّره العواقب، امتنع عن ذلك قائلاً في نفسه: لو أنَّني اطَّلعت على أسمائهم لساء ظنِّي بهم، كما أنَّهم إذا عرفوا انكشاف سِرِّ خيانتهم ونقضهم لعهودهم سوف يستولي عليهم الخوف، وقد يدفعهم ذلك إلى العصيان والثورة ومُحاولة اغتيالي أو قد يُشكِّلون مُعارضة تسعى للإخلال بالانضباط في الجيش، ويقلبون النصر إلى هزيمة مِمَّا يؤدِّي إلى مفاسد لا يُمكن تلافيها.

بناءً على ذلك أبقى الخُرج مَختوماً ثمَّ استدعى قادته وخواصَّ أصحابه، وأراهم الخُرج وعليه ختم عمرو وقال لهم: هذه رسائل كتبها بعض قادتي وأصحابي إلى عمرو يتقرَّبون إليه ويطلبون منه الأمان. أحلف أنْ أحِجَّ عشر حَجَّات إذا كنت أعلم ما في هذه الرسائل والذين كتبوه. فإذا كان ظَنِّي في أنَّهم قد طلبوا منه الأمان صحيحاً، فإنِّي أعفو عنهم، وإذا كان غير صحيح فإنِّي أستغفر الله على ظَنِّي. ثمَّ أمر بإحراق الخُرج بما فيه فأُحرق ولم يبقَ للرسائل مِن أثر.

فاستولت على كاتبي الرسائل الدهشة والحيرة، لما رأوه مِن إسماعيل مِن كرامة النفس والعفو الأخلاقي، وأحسُّوا بالراحة والاطمئنان بعد أنْ شاهدوا رسائلهم قد استحالت إلى رماد، وإنْ سِرَّهم قد قُبر إلى الأبد ولكنَّهم ندموا على ما بدر منهم، ومالوا إلى قائدهم الكريم وأحبُّوه وعزموا عزماً صادقاً مُخلصاً أنْ يبقوا على وفائهم له (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


أردت أنْ أعظك فوعظتني

محمد بن المنكدر قال:

خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارَّة، فلقيت محمد بن علي وكان رجلاً بديناً وهو مُتَّكئ على غُلامين له أسودين، فقلت في نفسي: شيخ مِن شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا، أشهد لأعظنَّه، فدنوت منه فسلَّمت عليه فسلَّم عليَّ وقد تصبَّب عرقاً.

قلت: أصلحك الله! شيخ مِن أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا! لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال.

خلَّى عن الغُلامين مِن يده ثمَّ تساند وقال: (لو جاءني - والله - الموت وأنا في هذه الحال، جاءني وأنا في طاعة مِن طاعات الله تعالى أكفُّ بها نفسي عنك وعن الناس، وإنَّما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على مَعصية مِن معاصي الله).

فقلت: يرحمك الله! أردت أنْ أعظك فوعظتني (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


خير لباس في كلِّ زمان لباس أهله

عن حماد بن عثمان قال:

حضرت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) وقال رجل: أصلحك الله! ذكرت أنَّ علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجديد.

فقال له:(إنَّ علي بن أبي طالب كان يلبس ذلك في زمانٍ لا يُنكر، ولو لبس مِثل ذلك اليوم شُّهِّر به؛ فخير لباس كلِّ زمان لباس أهله) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


الإسراف مذموم مِن أيٍّ كان

كان مسلمة بن عبد الملك أحد أُمراء الجيش في حرب الروم، وعندما تولَّى عمر بن عبد العزيز الخلافة سمح لمسلمة بزيارته كلَّ يوم.

في أحد الأيَّام وصل خبر إلى الخليفة بأنَّ مسلمة يُسرف كثيراً بتهيئة الطعام، فأدَّى هذا الخبر إلى عدم ارتياح الخليفة، وصمَّم على نصيحته وإرشاده، فأمر الخليفة في أحد الأيَّام بإعداد وجبة عشاء مُخصَّصة لمسلمة، وفي تلك الدعوة أمر الخليفة طبَّاخ القصر بتهيئة أنواع مُختلفة مِن الطعام، ومنها حَساء مِن العدس والبصل والزيتون، وأمره عندما يحين وقت العشاء أنْ يُقدِّم الحَساء وبعد فترة يقدم أنواع الأطعمة الأُخرى.

لمَّا حضر مسلمة بدأ الخليفة يسأل مسلمة عن أوضاع الروم، والحرب في تلك المنطقة فأجابه، وبعد ساعتين مِن وقت العشاء أمر الخليفة الطبَّاخ بجلب العشاء وأوَّل الأطعمة المطلوبة الحَساء، وكان مسلمة جائعاً فلم يستطيع انتظار بقيَّة الطعام، فقام بأكل الحَساء وشبع، وعندما قدَّموا بقيَّة الأطعمة المُختلفة لم يستطع مسلمة الأكل بعد ذلك.

سأله عمر بن عبد العزيز: لماذا لا تأكل؟

أجاب: لقد شبعت.

قال الخليفة: سبحان الله! أنت شبعت مِن هذا الحَساء الذي كلَّفنا درهماً واحد، أما لهذه المأكولات المُختلفة، فإنَّك تصرف آلاف الدراهم! خَف الله ولا تُسرف! يجب أنْ تُعطي هذه المبالغ إلى المُحتاجين لمرضاة الله.

وقد كانت نصيحة عبد العزيز لمسلمة مؤثِّرة طول حياته.

إنَّ تقديم النُّصح عَلناً والإشارة إلى الأخطاء أمام الناس، وتوبيخ الخاطئ على ما


فعل وتخطئته على رؤوس الأشهاد، وانتظار زلاَّته في حضور الآخرين، إنَّما هو في الحقيقة تحطيم لشخصيَّته، ومثل هذا النُّصح - فضلاً عن كونه لا يأتي بأيِّ أثر مُفيد فإنَّه - يبعث على العداوة والبغضاء، ويُثير الرغبة في الانتقام وتكون له نتائج ضارَّة (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


التعليم الذكي

الحسن والحسين (عليهما السلام) مرَّا على شيخ يتوضَّأ ولا يُحسن. فتظاهرا بالتنازع يقول كلُّ واحدٍ منهما للآخر: (أنت لا تُحسن الوضوء).

فقالا: (أيُّها الشيخ كُنْ حكماً بيننا، يتوضَّأ كلُّ واحدٍ منَّا)، فتوضَّآ.

ثمَّ قالا: (أيُّنا يُحسن؟).

قال: كلاكما تُحسنان الوضوء، ولكنَّ هذا الشيخ الجاهل - يعني نفسه - هو الذي لم يكن يُحسن، وقد تعلَّم الآن منكما، وتاب على يديكما وببركتكما وشفقتكما على أُمَّة جَدِّكما.

لم ينتقد الحسنان (عليه السلام) الشيخ انتقاداً مُباشراً، ولم يُجابهاه بجهله بطريقة الوضوء الصحيحة، ولم يذكرا وضوءه بسوء أو يصفاه بالبطلان، بلْ أجريا الوضوء بنفسيهما مُحتكمين إليه ليجلب انتباهه إلى كيفيَّة وضوئهما، بحيث يُدرك بطريقة غير مُباشرة خطأ وضوئه؛ فكان مِن نتيجة ذلك الانتقاد المؤدَّب العقلاني أنْ اعترف الشيخ بخطئه صراحة، وتعلَّم طريقة الوضوء الصحيحة وشكر لهما راضياً شفقتهما ومحبتهم (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


تحتقر الكلام وتستصغره؟!

عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال وقد كلَّمه رجل بكلام كثير:

(أيُّها الرجل، تحتقر الكلام وتستصغره!

اعلم أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لم يبعث رُسله، حيث بعثها ومعها ذهب ولا فضَّة، ولكنْ بعثها بالكلام، وإنَّما عُرِف الله جَلَّ وعَزَّ نفسه إلى خلقه بالكلام والدلالات عليه والأعلام).

هنا أيضاً لم يقل الإمام شيئاً عن الرجل الثرثار، ولم يجعله هدف انتقاده مُباشرةً، كما لم يُشر بشيء إلى ثرثرته، ولا انتقد فيه هذه الصفة المذمومة انتقاداً مُباشراً، بلْ اكتفى بذكر قيمة الكلام وأهميَّته وأنَّه ينبغي ألا يستصغر شأن الكلام، وألا يهدر رأسماله الثمين هذا عبثاً بحَقٍّ وبغير حَقٍّ.

وحثَّه على استثمار موهبته في الحالات المُقتضية وبالقدر اللازم، وهكذا انتقد الإمام بشكل مؤدَّب وحكيم وغير مُباشر ثرثرة الرجل (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


مُعاوية يأمر بسبِّ عليٍّ (عليه السلام) على المَنابر

عندما بدأ مُعاوية حُكمه على أرض الإسلام الواسعة، أمر بسبِّ علي بن أبي طالب في أرجاء البلاد، فارتكب بعمله الظالم والقذر هذا إثماً كبيراً لا يُغتفر، وكان بذلك يرمي إلى الإساءة إلى سُمعة الإمام، وحمل الناس على إساءة الظَّنِّ بالإمام وانتزاع مَحبَّته مِن قلوب الناس، ومحو دلائل عدالته ووقوفه بوجه الظلم مِن ذاكرتهم، وبذلك يُغطِّي مِن جهة وصمات العار وسوء السُّمعة التي تلطِّخ اسم مُعاوية وآل أُميَّة، وتكون له مِن جِهة أُخرى حُرِّيَّة إطلاق يده في الظلم والجور، دون أنْ يُقارن أحد بين حكومته وحكومة الإمام عليِّ (عليه السلام) مِن حيث ظلمه وعدل عليٍّ..

ولكي يعمل على الإسراع في انتشار سبِّ الإمام في إرجاء البلاد؛ أمر جميع كبار الضبَّاط وكبار أعضاء الحكومة في أنحاء البلاد أنْ يُنفِّذوا ذلك عن طريق ذكر اسم الإمام عليٍّ بالسوء في جميع المحافل والمجالس، وأن يقوم أئمَّة الجمعة في خُطب صلاتهم بسبِّه على المنابر، وطلب إلى الشعراء أنْ ينظموا القصائد في هَجوه وينشروها بين الناس، وهكذا جَنَّد جميع موظَّفي الدولة لتنفيذ هذه الخُطَّة دون هواد، بحيث يتعوَّد الناس على سبِّ عليِّ بن أبي طالب، وكأنَّه جزءٌ مِن تكاليفهم الشرعيَّة وبموازاة سَبِّ الإمام عليٍّ وشتمه خطَّط لقمع حركة التشيع ونفذه.

بدأ - أوَّلاً - بإلقاء القبض على أخلص أصحاب الإمام المعروفين، والثابتين على الولاء له، والمشهورين بالتقوى ومِن خيرة تلامذة مدرسة الإسلام، أهانهم وحطَّ مِن كراماتهم، وقتل بعضهم شرَّ قتلة، وعذَّب بعضهم عذاباً مُبرحاً حتَّى الموت، وألقى ببعض في غياهب السجون.

وبهذه الجرائم المُنكَرة المُتَّسمة بالإرهاب خَلَق جَوَّاً مِن الرُّعب والخوف، بحيث لم يعد أحد يَجرؤ على أنْ يُجاهر بولائه للإمام علي، ويتحدَّث عن فضائله أو أنْ


ينبري لتفنيد افتراءات مُعاوية ومأجوريه دفاعاً عن الإمام. وبقي الحال على هذا المنوال خلال حُكم مُعاوية.

وبعده واصل عدد مِن خُلفائه السيرة نفسها في الاستمرار على سبِّ الإمام علي. وظلَّ هذا الإثم الكبير شائعاً في طول البلاد وعرضها مُدَّة نِصف قَرن أو أكثر، دون أنْ يستطيع الناس الأخيار المؤمنون مُكافحته، وانتقاد تلك البِدعة الشائنة التي وضع مُعاوية لُبنته.

وفي سنة (99) هِجريَّة تسلَّم الخلافة عمر بن عبد العزيز، وأصبح قائد البلاد الإسلاميَّة لقد كان في شبابه - عندما كان يدرس في المدينة - مثل سائر المخدوعين يذكر عليَّاً بالسوء، ولكنَّه عرف الحقيقة مِن أحد العلماء، وأدرك منه أنَّ سَبَّ تلك الشخصيَّة خلاف للشرع وموجب لغضب الله تعالى، غير أنَّه لم يكن قادراً على بيان ذلك للناس لمنعهم مِن الذنب الذي يرتكبونه، وعندما تربَّع على كرسيِّ الخلافة قرَّر أنْ يستفيد مِن منصبه لإزالة تلك الوصمة مِن جَبين البلاد، بمنع سَبِّ الإمام عليٍّ (عليه السلام).

ولكنَّه لكيلا يتعرَّض في مُهمَّته لمُعارضة المُتعصِّبين مِن بني أُميَّة وأصحابه الأنانيِّين، فلا يقيمون عَقبة في طريقه قرَّر أنْ يُفاتحهم في الأمر، لكي يُهيِّئهم له ويلفت أنظارهم إلى ضرورة التعاون معه في غسل ذلك العار، فوضع لذلك خُطَّة استخدم فيها طبيباً شابَّاً يهوديَّاً كان في الشام، فاستدعاه سِرَّاً وأطلعه على تفاصيل خُطَّته، وطلب إليه الحضور إلى قصر الخلافة في يوم وساعة مُعينين لينفذ الخُطَّة.

وقبل اليوم المُحدَّد أرسل إلى كبار شخصيَّات بني أُميَّة وذوي النفوذ في الشام، للحضور في ذلك اليوم عند الخليفة. وفي الساعة المُحدَّدة دخل الطبيب اليهوديِّ بعد الاستئذان، فأثار دخوله انتباه الحاضرين جميعاً.

سأله الخليفة عن سبب حضوره؟

فقال: إنَّه جاء يخطب ابنة الخليفة.


سأله عمر: لمَن تخطبها؟

قال: لنفسي.

فبُهِت الحاضرون وراحوا ينظرون إليه باندهاش.

نظر إليه عمر وقال: ليس لي أنْ أوافقك على طلبك، فنحن مسلمون وأنت لستَ مسلماً، ومثل هذا الزواج غير جائز في الإسلام.

فقال الطبيب اليهودي: إذا كان هذا هو حُكم الإسلام، فكيف زوج نبيَّكم ابنته عليَّاً (عليه السلام)؟

فغضب الخليفة وقال له: عليٌّ (عليه السلام) كان مِن كبار المسلمين.

فقال اليهودي: إذا كنتم تعتبرونه مسلماً، فلماذا - إذن - تلعنونه وتسبُّونه في المجالس؟! فالتفت عمر إلى الحاضرين وقد بدا التأثُّر على ملامحه وقال لهم: أجيبوا على سؤاله.

سكت الجميع وأطرقوا برؤوسهم خَجلاً، وخرج الطبيب اليهودي دون أنْ يحظى بجواب (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


أيُّهما أفضل عليٌّ أم مُعاوية؟!

لمَّا وَلِي عمر بن عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة. واستعمل ميمون بن مهران على (قرقيس)) رجلاً يُقال له: (علاثة). فتنازع رجلان فقال أحدهما: مُعاوية أفضل مِن عليٍّ وأحقُّ. وقال الآخر: عليٌّ أولى مِن مُعاوية.

فكتب عامل (قرقيس) إلى ميمون بن مهران بذلك، فكتب ميمون بن مهران إلى عمر. فكتب عمر إلى ميمون بن مهران أنْ اكتب إلى عامل (قرقيس) أنْ أقم الرجل الذي قدَّم مُعاوية على عليٍّ بباب المسجد الجامع فاضربه مئة سوط، وانفه مِن البلد الذي هو به. فأخبر مَن رآه وقد ضرب مئة سوط وأخرج مُلبَّباً (أي: مأخوذاً بتلابيبه) حتَّى أُخرج مِن باب يُقال لها: باب الدين.

يبدو أنَّ عمر قد أدرك أنَّ الجدل في أفضليَّة مُعاوية كان خُطَّة جديدة للمُعاندين، وأنَّهم مِن هذا الطريق يُريدون أنْ ينالوا مِن مقام الإمام علي الشامخ، وأنْ يُسيئوا إليه ليُعيدوا السبَّ والشتم إلى الوجود بصورة أُخرى ويواصلوا أُسلوبهم الخبيث الظالم. إلاَّ أنَّ خليفة المسلمين أدرك سوء نيَّتهم هذه، فأحبط خُطَّتهم بأمره الصريح القاطع (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


التغاضي عن سفاسف الأُمور

حُكي أنَّ بهرام الملك خرج يوماً للصيد فانفرد عن أصحابه، فرأى صيداً فتبعه طامعاً في لحاقه حتَّى بَعُد عن عسكره، فنظر إلى راعٍ تحت شجرة فنزل عن فرسه لحاجة، وقال للراعي: احفَظ عليَّ فرسي حتَّى أعود، فعَمد الراعي إلى العنان - وكان مُلبَّساً ذهباً كثيراً - وأخرج سكِّيناً فقطع أطراف اللجام وأخذ الذهب الذي عليه.

نظر بهرام نظرة إليه فرآه، فغضَّ بصره وأطرق برأسه إلى الأرض، وأطال الجلوس حتَّى أخذ الرجل حاجته.

ثمَّ قام بهرام فوضع يده على عينيه وقال للراعي: قَدِّم إليَّ فرسي، فإنَّه قد دخل في عيني مِن سافي الريح فلا أقدر على فتحهما، فقدَّمه إليه فركب وسار إلى أنْ وصل عسكره فقال لصاحب مراكبه: إنَّ أطراف اللجام قد وهبتها فلا تتَّهمَنَّ بها أحداً.

هذا الراعي لم يكن سارقاً مُحترفاً، كما أنَّ ذلك المقدار مِن الذهب لم يكن ذا قيمة عند بهرام، فلو أنَّه كان قد أظهر علمه بما فعل الرجل وأمر عند عودته بالقبض عليه، واسترجاع الذهب منه ومُعاقبته على السرقة؛ لكان في ذلك تصغير لشخصه بالإضافة إلى تحطيم كرامة الراعي. ولكنَّه بهذا التغافل والتغاضي أخفى سِرَّ الراعي كما رفع مِن قيمة نفسه الإنسانيَّة وكرم أخلاقه (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


مُديرٌ حكيم

قبل سنوات كان هناك شخص قدير، يُدير إحدى شركات التصدير الكُبرى ذات الفروع في عدد مِن المُدن، وكان كلُّ سنة في موسم الشراء يُحوِّل إلى كلِّ فرع ما يحتاجه مِن الأموال، أُخبر هذا المدير يوماً بأنَّ مُحاسب الفرع الفلاني قد استغلَّ مركزه واختلس بعض الأموال المُرسلة إليه لشراء البضاعة.

لم يكن ذلك الفرع يبعُد كثيراً عن المركز، فقرَّر المدير أنْ يزوره في اليوم التالي، وطلب مِن مدير مكتبه أنْ يصحبه، وفي اليوم التالي سافرا إلى تلك المدينة ووصلاها عند الضحى، ودخلا على مُحاسب فرع الشركة مُباشرة دون إخبار أحدٍ.

وعندما سأل المُدير المُحاسب عن الوضع المالي في فرعه، فتح هذا دفتره أمام المُدير فوجد المُدير أنَّ الموجود في المصرف يقرب مِن 95% مِن المبلغ المُحوَّل إليه، بالإضافة إلى عدد مِن قوائم الشراء ومبلغٍ نقديٍّ في الصندوق.

عندما أخذ المُحاسب يحسب النقود في الصندوق قال له المُدير: هذا يكفي.

ثمَّ أثنى على نشاطه وصافحه وخرج مِن الشركة.

يقول مُدير المكتب الفرعي: في الطريق قلت للمُدير: إنَّ المبلغ الذي كان في الصندوق لم يكن يكفي لتسديد الحساب؛ فلو أنَّك تمهَّلت حتَّى يُنهي الحساب لعلمت أنَّ رصيد الصندوق ناقص.

قال المدير: لقد عرفت أنَّ ما في الصندوق لا يكفي لتسديد الرصيد، ولكنَّ سُمعة موظفٍ مُحترمٍ في الشركة أغلى بكثير مِن هذا المبلغ الزهيد. إنَّني أوقفت عَدَّ النقود؛ لئلا ينكشف أمر المُحاسب وتُهان كرامته. إنَّني ما سافرت إلاّ لأنَّي كنت قلقاً على مصير عِدَّة ملايين مِن أموال الشركة، فكنت أُريد أنْ أتحقَّق مِن الأمر بنفسي، وأتعرَّف على وضع الفرع المالي بأسرع ما يُمكن. وقد ظهر لي بمراجعة


الحسابات أنَّ أموال الشركة لم يُصبها ضرر يُذكر. وهذا العجز البسيط في الصندوق ليس دليلاً على خيانة المُحاسب فلرُبَّما اضطرَّ إلى استقراضه ليُسدِّد مصاريف وضع حمل زوجه، أو لمرض ابنه، أو لدفع إيجار بيته. فكان لا بُدَّ مِن التغافل عن ذلك للمُحافظة على ماء وجهه، ولستُ أشكُّ في أنَّه سوف يُسدِّد ما عليه في أوَّل فُرصةٍ تُتاح له، ولن يعود لمِثلها بعد ذلك ولن يُخاطر بتشويه سُمعته (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


إذا أكرمت اللئيم تمرَّد

استعمال مكارم الأخلاق يكون مع الأشخاص الذين يستحقُّون ذلك، فالوضيعون الذين تزيدهم العِفَّة جُرأة على ارتكاب السيِّئات، ليسوا جديرين بالعفو مِن جانب الكُرماء ذوي النفوس الرفيعة.

كذلك التغافل والتغاضي مِثل مكارم الأخلاق، يجب أنْ يوضعا في محلِّهما عند مَن يستحقَّهما، فإذا أراد أحد إساءة استغلال ذلك وأوغل في ارتكاب أعماله السيِّئة؛ فلا يجوز التغافل عنه، بلْ يجب أنْ يُصارح بسوء عمله ويؤاخذ ويُعاقَب عليه. وهذا ما فعله الرسول الكريم بحقِّ الحَكم بن أبي العاص الذي كان مِن كبار المُنافقين:

في سنة فتح مَكَّة استسلم الحَكم بن أبي العاص بسبب قُدرة المسلمين في ذلك الوقت، ولكنَّه كان يؤذي الرسول بأساليب مُختلفة، فبعض الأحيان كان يتجسَّس على النبي ويُخبر بذلك أعداءه، حيث كان يتجسَّس على الأماكن التي كان يقطنها الرسول مع عائلته ويسمع ما يتكلَّمون به، ويُخبر به المُنافقين بصورة سُخريَّة واستهزاء. بعض الأحيان كان يمشي وراء الرسول الأكرم مع جماعة مِن المُنافقين، ويسخر مِن مشية الرسول بتحريك رأسه ويده. وكان الرسول عارفاً بأقوال وتصرُّفات الحَكم بن أبي العاص، وكان يغضُّ النظر عنه؛ وذلك أنَّ الرسول يأمل أنْ يأتي يوم يُغيِّر هذا الرجل فيه تصرُّفاته القبيحة، ولكنَّ الرسول رأى منه عكس ذلك؛ حيث ازدادت جسارته على الرسول فصمَّم الرسول على تغيير أُسلوبه معه.

في أحد الأيَّام كان الرسول عابراً، فلاحظ الحَكم بن أبي العاص خلفه يسخر منه بَحكَّة رأسه ويده، وفجأة التفت الرسول الأكرم إليه وقال:

(كذلك فلتكُن، يا حَكم)، فلم ينتبه الحَكم بن أبي العاص لكلام الرسول فأُصيب


بضبَّة في روحه وأعصابه، اعترته الرعشة والحركات المُضحكة، وقد حَكم عليه بالإقامة الجبريَّة بالطائف وأُبعد عن المدينة (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


فِطنة أديب

كان يعيش في عصر الحَجَّاج بن يوسف رجل عالم وأديب اسمه (قبعثري) كان يوماً مع أصحاب له في جلسة أُنس في بعض البساتين خارج المدينة. وخلال تبادل الحديث جاء ذكر الحَجَّاج، فعرَّض به قبعثري في كلامه كناية مُظهراً عدم رضاه عنه، فوصل هذا إلى سمع الحَجَّاج؛ فعزم على مُعاقبته على التعريض به.

استحضره وقال له مُحتدَّاً: لأحملنك على الأدهم، أي: سأسجنك وأضع القيد في رجليك، (للأدهم في العربية معانٍ كثيرة، منها: تقييد الرجلين، ومنها الفرس الأسود).

أدرك قبعثري الأديب الأريب قصد الحَجَّاج، وعرف أنَّه يُهدِّده بالقيد والسجن، ولكنَّه لتجنُّب الخطر تغافل عن هذا المعنى ولم يُبدٍ أنَّه فهم المُراد، بلْ أظهر أنَّه فهم مِن (الأدهم) أنَّه يقصد الفرس الأسود، ولذلك قال له باسماً: مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب. أي أنَّ الأمير بما له مِن مقام كبير وقُدرة عظيمة قادر على أنْ يشمل الناس بعطفه وكرمه، فيرسلهم إلى أهليهم على الخيول السود والشهب.

فقال الحَجَّاج توضيحاً لقوله: أردت الحديد. وكان مِن باب المُصادفة أنَّ للحديد في العربيَّة معاني متعددة، منها: القيد، ومنها الذكاء والفطنة. فتغافل قبعثري مَرَّة أُخرى عن المقصود الحقيقي وقال: الحديد خير مِن البليد. قاصداً أنَّ الفرس الذكي خير مِن الفرس البليد.

لقد قلب قبعثري بهذا التغافل الأدبي الذي قلَّ نظيره - والذي مزجه بالتكريم والاحترام - الموقف رأساً على عقب؛ مِمَّا أطفأ نار غضب الحَجَّاج وأنقذه مِن السجن والحديد، بلْ استجلب رضى الحَجَّاج وعطفه؛ فلم يبخل عليه بعطيَّته (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


تغافل في مَحلِّه

كان هارون الرشيد يخرج إلى الصيد، وفي أحد المَرَّات وصل إلى بُستان معمور فسأل: لمَن هذا البُستان؟

قالوا: هو لرجل مجوسيٍّ.

فقال: أُريد هذا البستان، ولا بُدَّ مِن شرائه.

فقال الوزير: قد كلَّمناه في هذا الأمر عِدَّة مَرَّات فلم يوافق.

فقال هارون الرشيد: ما العمل حتَّى يصبح هذا البُستان مِن أملاكي؟

قال الوزير: نقول له: إنَّ الخليفة نزل في بُستانك، ونسأله لمَن هذا البستان؟

سوف يقول: إنَّه لحضرة الخليفة هارون الرشيد، وسوف نعتبر هذه الجُملة مُستمسكاً ونُعطيه المبلغ مع بعض جوائز.

وافق هارون على ذلك، ثمَّ نزل هارون في ذلك البُستان وبعد فترة جاء المجوسيُّ وأدَّى التحيَّة باحترام. وعندما سأله هارون: لمَن هذا البستان؟

قال: كان ملك أبي واليوم أصبح ملكي، ولا أعرف غداً لمَن يكون؛ فأثَّر كلام المجوسيِّ في نفس هارون الرشيد.

قال: إنَّك حفظت بُستانك بهذا الكلام وقد غلبتنا بالحيلة.

كان المجوسيُّ عارفاً بالآداب والأعراف، ويعلم أنَّه عندما يسأل هارون لمَن هذا البستان؟ يجب أنْ يُقال له: إنَّه لخليفة المسلمين. ولكنَّه تغافل عمَّا يعلم وأظهر أنَّه لا علم له بما جرت عليه العادة. وعلى أثر هذا التغافل المؤدَّب، الذي جاء في محلِّه أمكن حَلُّ المُشكلة، واستفاد المُتغافل مِن نتيجة تغافله الإيجابيِّ المُفيد (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج1.


إنَّما الطاعة في المعروف ولا طاعة في معصية

جهَّز رسول الله جيشاً لإحدى حُروبه وعيَّن قائداً للجيش، وأمر الجنود بإطاعته وتنفيذ أوامره.

قام هذا القائد في بداية مسيره بتجربة غريبة، ربَّما لكي يعرف مدى طاعة جنوده له، أو ليعلم درجات إدراكهم، أو لأيِّ هدفٍ آخر حيث أمر بنار فأُضرمت، ثمَّ أمرهم أن يُلقوا بأنفسهم فيها.

راح بعض الجنود يتهيَّأون لتنفيذ الأمر، ورأى آخرون أنَّ هذا الأمر غير صحيح ورفضوا إطاعته فيه.

فقال لهم شابٌّ: لا تعجلوا حتَّى تأتوا رسول الله، فهو إنْ أمركم أنْ تدخلوها فادخلوها، فأتوا رسول الله فقال لهم: (لو دخلتموها ما خرجتم منها أبداً. إنَّما الطاعة في المعروف ولا طاعة لمخلوقٍ في معصيته للخالق) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


لا يستهوينَّكم الشيطان لعنه الله

يقول ابن شهر آشوب: بعد أنْ صمَّم مُعاوية على القيام ضِدَّ الإمام عليٍّ خطر له أنْ يختبر أهل الشام؛ ليعرف مدى طاعتهم لأوامره، فاقترح عليه عمرو بن العاص طريقة لإجراء هذا الاختبار قائلاً له: اصدر أمرك إلى الناس بأنَّ عليهم أنْ يذبحوا القَرع كما يذبحون الشاة، فيذكُّوه قبل أنْ يأكلوه، فإذا أطاعوك فثق بتأييدهم وإسنادهم لك، وإلاّ فلا.

أصدر مُعاوية أمره بذلك فأطاعه الناس دون أيِّ اعتراض، وانتشرت هذه البِدعة الأموي في أرجاء الشام.

وسُرعان ما وصل خبر تلك البِدعة إلى أسماع أهل العراق، وراح الناس يتساءلون عن ذلك. فسُئل أمير المؤمنين عن القرع يذبح؟

فقال: (القَرع ليس يُذكَّى؛ فكلوه ولا تذبحوه ولا يستهوينَّكم الشيطان لعنه الله).

إنَّ المسلمين الذين أطاعوا أمر مُعاوية غير المشروع يومئذٍ، ونفَّذوه على مُخالفته أمر الله، هُمْ أشبه بذلك الفئة مِن أهل الكتاب الذين حَرَّم عليهم أحبارهم ورُهبانهم ما أحلَّ الله، وحلَّلوا لهم ما حرَّم الله، فكانوا يُطيعونهم إطاعة عمياء فيُشركون وهُمْ جاهلون (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


لا تَعمى الأبصار ولكنْ تَعمى القلوب

كان أحد جنود الكوفة قد حضر حرب صِفِّين على بعيره، فقرَّر عند رجوعه أنْ يُعرِّج على الشام؛ ليطَّلع عن كثب على نظام حكومة مُعاوية. وعند دخوله دمشق قابل جنديَّاً مِن جنود مُعاوية كان قد رآه في الحرب، ويعرف أنَّه مِن جنود الإمام علي (عليه السلام).

تقدَّم هذا نحوه وأخذ بخناقه زاعماً أنَّ الناقة التي يركبها له، وأنَّه قد انتزعها منه في حرب صِفِّين. فتجمَّع الناس واشتدَّ الكلام بينهما، حتَّى وصل بهما الأمر إلى الرجوع إلى مُعاوية.

عرض الشامي دعواه واستشهد خمسين شاهداً شهدوا جميعاً: بأنَّ الناقة له. فحكم مُعاوية له وأمر الكوفي بتسليمه الناقة.

عندئذ قال الكوفي لمُعاوية: ولكنَّ هذا جمل وليس ناقة، مع أنَّ الدمشقي كان مُنذ البداية قد زعم أنَّ الجمل ناقة وشهد له بذلك خمسون شاهداً.

في الحقيقة كان الكوفيُّ يُريد بهذا أنْ يُلفت نظر مُعاوية إلى أنَّ كلَّ تلك الضجَّة كانت فارغة، وأنَّ الحُكم الذي أصدره كان باطلاً ومُخالفاً للحَقِّ.

غير أنَّ مُعاوية لم يلتفت إليه، وقال: إنَّ الحُكم قد صدر ويجب تنفيذه.

انتهى مجلس القضاء وتفرَّق طرفا الدعوى والشهود، فأرسل مُعاوية سِرَّاً يستدعي الكوفي وسأله عن ثمن الجمل وأعطاه له وأكرمه.

وقال له: أبلغ عليَّاً أنِّي أُقابله بمئة ألف ما فيهم مَن يُفرِّق بين الناقة والجمل.

لقد كان الدمشقي والشهود الخمسون مِثل سائر أهل الشام يؤيِّدون مُعاوية


ويُطيعونه مِن دون قيد ولا شرط. ما كان فيهم مَن يُفكِّر في الحَقِّ والباطل، ولا في الحلال والحرام، ولا في رضى الله وسخطه. كلُّ ما كان يُهمُّهم هو أنْ يفعلوا ما يرضي مُعاوية وأصحابه، ويُصيب بالضرر عليَّاً (عليه السلام) وأصحابه (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


باع آخرته بدنيا غيره

كان أبو العلاء (يزيد بن أبي مسلم) أخاً في الرضاعة للحَجَّاج بن يوسف، ويُدير له ديوان المكاتيب لقاء مرتَّب شهريٍّ قدره ثلاثمئة درهم ما كانت تكفيه معيشته. ومع ذلك فقد كان يقتل الناس مِن أجل الحَجَّاج.

مَرِض الرجل يوماً فعاده الحَجَّاج في بيته، فرآه قد وضع أمامه كانوناً مِن طين وسراجاً مِن خشب.

قال له: يا أبا العلاء، لا أرى رزقك يكفيك.

فردَّ عليه قائلاً: لئن لم تكفني ثلاثمئه درهم فلن تكفيني ثلاثمئة ألف درهم.

يزيد بن أبي مسلم لم يكن رجل حَقٍّ وحقيقة، ولم يكن يتحمَّل ضنك العيش على سبيل الزُّهد والتقوى في مرضاة الله، بلْ كان هذا الإنسان ذو الحظ المنكود والمعيشة الشقيَّة عبداً مِن عبيد الحَجَّاج، يُريق دماء الأبرياء في سبيل توطيد أركان حُكمه الظالم الجائر. فهو قد اشترى رضى المخلوق بسخط الخالق، وداس بقدمه الكرامة الإنسانيَّة لتنفيذ أغراض غير مشروعة لشخص جبَّار. إنَّه - كما قال رسول الله: ـقد باع آخرته بدنيا غيره فلحق بركب أشقى الناس وأرذلهم (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


اشترى مرضاة المخلوق بسخط الخالق

بعد واقعة كربلاء الدمويَّة، وفي الوقت الذي كان فيه أهل بيت الإمام الحسين (عليه السلام) في الشام اجتمع الناس في يوم جمعة لأداء الصلاة، وكان قد حضره الإمام السجاد (عليه السلام).

دخل يزيد المسجد ليؤمَّ المُصلِّين، فأمر الخطيب أنْ يرقى المنبر. حمد الخطيب الله وأثنى عليه ثمَّ راح يسبُّ علي بن أبي طالب والحسين (عليه السلام)، وتجرَّأ في كلامه على مقاميهما الإلهيَّين.

ثمَّ أخذ يمدح مُعاوية ويزيد ويُمجِّدهما، ونسب إليهما الكثير مِن الصفات الحميدة والخصال المجيدة، فصاح به السجاد (عليه السلام): (ويلك أيُّها الخاطب! اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


ثِقْ بحُسن صِنع الله مِن حيث لا تدري

قال محمد بن أبي العتاهية حدَّثني أبي:

لمَّا امتنعت مِن قول الشعر وتركته، أمر المهدي بحبسي في سجن الجرائم، فأُخرجت مِن بين يديه إلى السجن، فلمَّا أُدخلته دُهشت وذهل عقلي ورأيت منظراً هالني، فرميت بطرفي أطلب موضعاً آوي إليه، أو رجلاً آنس بمجالسته، فإذا أنا بكهل هالني فرميت بطرفي أطلب موضعاً آوي إليه أو رجلاً آنس بمُجالسته، فإذا أنا بكهل حَسن السمت نظيف الثوب يُبيَّن عليه سيماء الخير فقصدته، فجلست إليه مِن غير أنْ أُسلِّم عليه أو أسأله عن شيء مِن أمره؛ لما أنا فيه مِن الجزع والحيرة، فمكثت كذلك مليَّاً وأنا مُطرق مُفكِّر في حالي، فأنشد هذا الرجل هذين البيتين. فقال:

تـعوَّدت مَـسَّ الضَّرَّ حتَّى ألفته

أسـلمني حُسن العزاء إلى الصبر

وحـيَّرني يـأسٌ مِن الناس واثقا

بحُسن صُنع الله مِن حيث لا أدري

فاستحسنت هذين البيتين وتبرَّكت بهما وثاب إليَّ عقلي، فأقبلت على الرجل فقلت له: تفضَّل - أعزَّك - الله بإعادة هذين البيتين.

فقال لي: ويحك يا إسماعيل! - ولم يُكنِّني - ما أسوأ أدبك وأقلَّ عقلك ومروءتك، دخلت إليَّ ولم تُسلِّم عليَّ بتسليم المسلم على المسلم، ولا توجَّعت لي توجُّع المُبتلى للمُبتلى، ولا سألتني مسألة الوارد على المُقيم، حتَّى إذا سمعت مِنِّي بيتين مِن الشعر الذي لم يجعل الله فيك خيراً ولا أدباً، ولا جعل لك معاشاً غيره لم تتذكَّر ما سلف منك فتتلافاه، ولا اعتذرت مِمَّا قَدَّمته وفرَّطت فيه مِن الحَقِّ حتَّى استنشدتني مُبتدئاً كأنَّ بيننا أُنساً قديماً ومعرفة شافية وصُحبة تَبسط المنقبض.

فقلت له: اعذرني مُتفضِّلاً؛ فإنَّ دون ما أنا فيه مُدهش.

قال: وفي أيِّ شيءٍ أنت؟! إنَّما تركت قول الشعر الذي كان جاهك عندهم وسبيلك إليهم، فحبسوك حتَّى تقوله، وأنت لا بُدَّ مِن أنْ تقوله فتُطلق، وأنا يُدعى بي الساعة فأُطالب بإحضار عيسى بن زيد ابن رسول الله، فإنْ دللت عليه فسوف يُقتل


وبذلك ألقى الله بدمه، وكان رسول الله خصمي فيه وإلاَّ قُتلت فأنا أولى بالحيرة منك وأنت ترى احتسابي وصبري.

فقلت: يكفيك الله، وأطرقت خَجلاً منه.

فقال لي: لا أجمع عليك التوبيخ والمنع، اسمع البيتين واحفظهما. فأعادهما عليَّ مِراراً حتَّى حفظتهما ثمَّ دُعي به وبيَّ، فلمَّا قُمنا قلت: مَن أنت أعزَّك الله؟

قال: أنا حاضر صاحب عيسى بن زيد.

فأُدخلنا على المهدي فلمَّا وقف بين يديه قال له: أين عيسى بن زيد؟

قال ما يُدريني أين عيسى، طلبته وأخفته فهرب منك في البلاد، وأخذتني فحبستني فمِن أين أقف على موضع هارب منك وأنا محبوس؟!

فقال له: فأين كان مُتوارياً؟ ومتى آخر عهدك به؟ وعند مَن لقيته؟

فقال: ما لقيته مُنذ توارى ولا أعرف له خبراً.

قال: والله، لتدُلَّني عليه أو لأضربَنَّ عُنقك الساعة.

قال: اصنع ما بدا لك! أنا أدلُّك على ابن رسول الله لتقتله فألقى الله ورسوله يُطالباني بدمه. والله، لو كان بين ثوبي وجلدي ما كشفت عنه.

ثمَّ دعاني فقال: أتقول الشعر أو ألحقك به.

فقلت: بلْ أقول الشعر.

فقال: أطلقوه.

تُجيز التعليمات الإسلاميَّة للمسلمين لكي يُحافظوا على حياتهم وعند الضرورة أنْ يرتكبوا بعض المُحرَّمات بقدر الضرورة، ولكنْ ما مِن مسلم يجوز له أنْ يُضحِّي بحياة أخيه في الدين مِن أجل نفسه هو، كأنْ يقتله أو يدفع به للقتل لينجو هو بحياته (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


المُسلم لا يمكر بالمُسلم

في أيَّام خلافة عبد الله بن الزبير في الحِجاز، ذهب حامل ختم الخليفة عبد الملك بن مروان مِن الشام إلى زيارة بيت الله الحرام، وهناك التقى مع أحد خواصِّ عبد الله بن الزبير ومِن خلال البحث والجدال تنازع الرجلان وافترقا.

وبعد دخول الحَجَّاج بن يوسف مَكَّة وقتل ابن الزبير، ثم القبض على أصحاب ابن الزبير وإلقائهم في السجن بعد إرسالهم إلى الكوفة، كان أحد الأشخاص الذين أُلقي القبض عليهم هو الشخص الذي تنازع مع حامل ختم الخليفة.

وكتب الحَجَّاج مِن العراق برسالة إلى عبد الملك حول مصير السُّجناء، فأمر عبد الملك حاجبه بالرَّدِّ على الرسالة، وذلك بتعيين عددهم وكتابة أسمائهم، فكانت العبارة: أحصهم واكتب أسماءهم. وبعد كتابة الرسالة وتوقيعها مِن قِبَل الخليفة أُعطيت لحامل ختم الخليفة لتدقيقها وختمها.

وكان حامل ختم الخليفة قد عرف أنَّ أحد السُّجناء المذكورين في الرسالة، هو الشخص الذي تنازع معه عند زيارته لبيت الله، فأراد انتهاز الفرصة والانتقام منه؛ ولذلك فكَّر بفكرة شيطانيَّة عجيبة. فقال بصوت عالٍ: لقد نسيت أنْ أضع نقطة على إحدى الكلمات، فهل لي الإذن بوضعها؟ فأُذن له فوضع نقطة على (ح) مِن كلمة أحصهم فأصبحت (أخصهم)، وبعد ذلك أُغلقت الرسالة وهيِّئت للتوشيح مع بقيَّة الرسائل.

وبذلك تغيَّر أمر الخليفة إلى خَصي خواصِّ عبد الله بن الزبير. وعند وصول الرسالة إلى الحَجَّاج تمَّ العمل الهَمجيِّ، وذلك بخصي السُّجناء وحرمانهم مِن الحياة الطبيعيَّة (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


مَن حَفر حُفرة لغيره وقع فيها

المنصور الدوانيقي (ثاني خُلفاء بني العباس) طرد خالداً البرمكي مِن منصبه في أعمال الديوان، ونصب أبا أيُّوب مكانه، وأرسل خالداً إلى ولاية فارس حيث ظَلَّ والياً عليها سنتين. إلاّ أنَّ أبا أيُّوب - الذي كان عارفاً بفضل خالد وعلمه - كان دائم القَلق مِن أنْ يُعيده الخليفة إلى منصبه السابق، ويُجرَّد هو مِن مقامه الرفيع. فخامرته فكرة الدسّ لخالد كي يحط من قدره عند الخليفة ويحافظ هو على مركزه بأي شكل من الأشكال.

نَجح أبو أيُّوب في دسائسه الخفيَّة وخُططه اللا إنسانيَّة، وأثار سوء ظنِّ المنصور في خالد، فعزله عن ولاية فارس وطالبه بدفع ثلاثة آلاف ألف درهم، فأطلع خالد المنصور على أنَّ كلَّ ما يملكه لا يتجاوز السبعمئة ألف درهم، غير أنَّ هذا رفض قبول ذلك وأمر باستحصال مبلغ الثلاثة ملايين منه.

فتقدَّم لإعانته صاحب المصر بمبلغ خمسين ألف دينار، والتركي بمبلغ ألف ألف درهم. كما أنَّ (الخيزران) أرسلت له عِقداً مِن الجواهر تصل قيمته إلى ألف ألف ومئتي ألف درهم؛ وذلك رعاية لأخوَّة (الفضل) ابن خالد بالرضاعة مع ابنها (هارون) وإذ عرف منصور بالأمر ووثق مِن صحة قول خالد عن مُقدار ما يملك تخلَّى عن مُطالبته بالمبلغ. فصعب ذلك على أبي أيَّوب استدعى صرَّافاً مسيحيَّاً وأعطاه بعض المال، وطلب إليه أنْ يعترف بأنَّ ذلك المال يخصُّ خالداً، ثمَّ أوصل إلى المنصور أنَّ خالداً يحتفظ ببعض المال عند فلان، فاستدعى المنصور الصرَّاف وسأله عن المال، فادَّعى الصرَّاف بأنَّ لخالد عنده بعض المال، فاستدعى المنصور خالداً وسأله عن ذلك المال، فأقسم خالد أنَّه لم يدَّخر مالاً وأنَّه لم يرَ ذلك الصرَّاف مِن قبل.


أمر المنصور خالداً بالبقاء في مجلسه، وطلب إحضار الصرَّاف وسأله عمّا إذا كان يعرف خالداً إذا رآه فردَّ هذا بالإيجاب قائلاً: إنَّه يعرفه إذا رآه، عندئذ التفت المنصور إلى خالد وقال لقد أظهر الله براءتك، وقال للنصراني هذا هو خالد، فكيف لم تعرفه؟

فقال الصرَّاف: يا أمير المؤمنين، أعطني الأمان لأذكر لك الحقيقة، فآمنه المنصور، فسرد له الحكاية كما حدثت، فتغيَّرت نظرة المنصور نحو أبي أيُّوب، وساء الظنُّ به ولم يعد يثق بأقواله (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان

وصل هارون الرشيد إلى مَكَّة، فقضى حَجَّه وشهد مناسكه ومشاعره ثمَّ انصرف قافلاً إلى بغداد، وذلك في آخر شهر ذي الحجة من سنة ثمانين ومئة، فلمَّا همَّ بالانصراف وذكر القفول إلى العراق. رفع إليه أهل مَكَّة كتاباً يسألونه فيه أنْ يولِّي عليهم قاضياً عادلاً، فأدخلهم على نفسه فقال: إنْ شئتم فاختاروا منكم رجلاً صالحاً أولِّيه قضاءكم، وإنْ أحببتم بعثت إليكم مِن العراق رجلاً لا آلوكم فيه إلاَّ خيراً، فخرجوا فاختاروا رجلاً فاختلفوا فيه، فاختارت طائفة منهم رجلاً واختارت أُخرى رجلاً آخر.

فلمَّا اختلفوا ارتفعوا إلى الرشيد يذكرون اختلافهم، فقال لهم هارون: أدخلوا عليَّ هذين الرجلين اللذين اختلفتم فيهما، فإذا برجلين أحدهما شيخ مِن قريش والآخر غُلام حديث مِن الموالي.

فلمَّا نظر إليهما الرشيد قال للشيخ: ادْنِ منِّي فدنا منه، فقال له الرشيد: أيُّها القاضي، إنَّ بيني وبين وزيري هذا خصومة ونزاعاً فاقض بيننا بالحَقِّ.

فقال الشيخ: قصَّا عليَّ قصَّتكما فقصَّا عليه.

فقال الشيخ: تُقيم البيِّنة - يا أمير المؤمنين - على ما ذكرته، أو يحلف وزيرك هذا.

فقال له هارون: إنَّ أخي لا يُدافعني ما أقول ولا يُنكر إلاَّ قليلاً مِمَّا أدَّعي، فلم يزالا يُردِّدان القول بيهما ويتنازعان حتَّى قضى القاضي لأمير المؤمنين على الوزير.

فقال له: قُمْ. فقام عنه.

ثمَّ دعا بالغُلام الحَدَث الذي دعته الطائفة الأُخرى فدخل عليه، فقال له: ادْن منِّي فدنا منه.


فقال له هارون: إنَّ بيني وبين وزيري تنازعاً وخصومة، فاسمع منَّا قولنا، ثمَّ اقض بيننا بالحَقِّ.

فقال لهما: إنَّ مقعدكما مُختلف ومجلسكما مُتنائي، وأخشى إذا اختلف مجلسكما أنْ يختلف قولكما، فإذا تفاضل مجلس الخصوم اختلف بينهما القول، وكان صاحب المجلس الأرفع ألحن بحُجَّته وأدحض لحُجَّة صاحبه، وكان إصغاء الحاكم إلى صاحب المجلس الأرفع أكثر إليه وأميل، ولكن تقومان مِن مَجلسكما هذا الذي قد استعليتما فيه فتجلسا بين يديَّ، ثمَّ أسمع منكما قولكما وأقضي لمَن رأيت الحقَّ له، ثمَّ لا أُبالي على مَن دار منكم.

فقال الرشيد: صدقت وبررت في قولك.

فقام الرشيد وقام عمرو بن مسعدة حتَّى صارا بين يديه جالسين، فلمَّا جلسا بين يديه ذهب الرشيد ليتكلَّم، فقال له القاضي: لو تركت هذا يتكلَّم؛ فإنَّه أسنُّ منك. فقال الرشيد: إنَّ الحقَّ أسنُّ منه.

فقال القاضي: بلى، ولكنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لحويصة ومحيصة كبر كبر، يُريد: ليتكلَّم عَمُّكما؛ لأنَّه أسنُّ منكما وأكبر، فتكلَّم عمرو بن سعدة ثمَّ تكلَّم الرشيد وتنازعا الخصومة وترافعا الحُجَّة بينهما، حتَّى رأى القاضي أنَّ الحقَّ لعمروٍ، وقضى لهبه على الرشيد فلمَّا قضى عليه قال لهما: عودا إلى مجلسكما.

فعادا، فعُجب الرشيد مِن قضائه وعدله، واحتفاظه وقِلَّة ميله، فالتفت إلى عمرو فقال: إنَّ هذا أحقُّ بقضاء القضاة مِن الذي استقضيناه.

فقال عمرو: بلى والله، ولكنَّ القوم أحقُّ بقاضيهم، إلاَّ أنْ يأذنوا فيه.

فدعا الرشيد برجال مَكَّة، فأدخلهم على نفسه وأجزل لهم العطاء، وأحسن على قاضيهم الثناء، ثمَّ قال لهم: هل لكم أنْ تأذنوا أولِّيه قضاء القُضاة فيسير إلى العراق يقضي بينهم؟

فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين، أنت أحقُّ به نؤثرك على أنفسنا.

فأرسل إليه الرشيد فقال: إنِّي قد ولَّيتك قضاء القُضاة، فسر إلى العراق لتقضي


بينهم وتولِّي القُضاة في البُلدان والأمصار مِن تحت يدك، وتوليتهم إليك وعزلهم عليك.

فقال القاضي: إنْ يُجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعاً وطاعة، وإنْ يُخيِّرني في نفسي اخترت العافية وجوار هذا البيت الحرام.

ـ خذ على نفسك، فإنِّي مُصبِح على ظهر إنْ شاء الله.

فخرج الرشيد ومعه الفتى حتَّى قَدِم العراق فولاَّه القضاء، وجعل إليه قضاء القُضاة، فلم يزل بها قاضياً حتَّى توفِّي، وذلك بعد ثلاثة أعوام مِن توليته، فلمَّا توفِّي اغتمَّ الرشيد وشَقَّ عليه، فجعل الناس يعزوُّنه فيه علماً منهم بما بلغ منه الغَمِّ عليه.

فسأل عن قاضٍ يولِّيه قاضي القُضاة والعراق بعد ذلك، فرُفعت إليه تسمية عشرة رجال مِن خِيار الناس وعلمائهم وأشرافهم.

فلمَّا دُفِعت إليه التسمية أمر بهم فأُدخلوا عليه رجلاً رجلاً، يتفرَّس فيهم مَن يولِّيه القَضاء، فنظر إلى رجل منهم توسَّم فيه الخير والعلم فأمر به فقُدِّم إليه، فلمَّا صار بين يديه قال له ما اسمك؟

قال: معشوق.

قال: فما كنيتك؟

قال: (أبو الهوى).

قال: فما نقشُ خاتمك؟

قال: دام الحُبُّ دام، وعلى الله التمام.

فقال له: قُمْ لا قُمْت.

ثمَّ دعا بالآخر وكان قد تفرَّس فيه ما تفرَّس في صاحبه، فقال له: ما نقشُ خاتمك؟

فقال: ما لي لا أرى الهدهد؟ أم كان مِن الغائبين؟


فقال: له اخرُج.

فدعا الرشيد بيحيى بن خالد بن برمك، وكان مِمَّن رَفَع إليه أسماءهم، فعنَّفه بهم وقال: رفعت إليَّ أسماء المجانين.

قال له: والله، ما في العراقييِّن أعقل مِن الرجلين اللذين سألت ولا أفضل منهم.

فقال: ويحك! إنِّي اختبرت منهما جُنوناً.

قال يحيى: إنَّهما - والله - كانا كارهين لما دعوتهما إليه، وإنَّما أرادا التخلُّص منك.

قال: ويحك! أعدهما عليَّ، فطُلبا فلم يوجدا (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


الرياء مُفسد للعمل

وقد حدَّثني أوثق مشايخي أنَّ رجلاً كان لا يقدر على الإخلاص في العمل وترك الرياء، فاحتال وقال: إنَّ في طرف البلد مسجداً مهجوراً لا يدخله أحد، فأمضي إليه ليلاً وأعبد الله فيه.

مضى إليه في ليلة مُظلمة، وكانت ذات رعد وبرق ومطر، فشرع في العبادة، فبينما هو في الصلاة إذ دخل عليه داخل، فأحسَّ به، فدخله السرور برؤية ذلك الداخل له، وهو على حالة العبادة في الليلة الظلماء، فأخذ في الجَدِّ والاجتهاد في عبادته إلى أنْ جاء النهار، فنظر إلى ذلك فإذا هو كلب أسود قد دخل المسجد مِمَّا أصابه مِن المَطر.

تندَّم الرجل على ما دخله حال دخوله وقال:

يا نفس، إنِّي فررت مِن أنْ أُشرك بعبادة ربِّي أحداً مِن الناس، فوقعت في أنْ أشركت معه في العبادة كلباً أسود يا أسفاه! ويا ويلاه على ذلك ! (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


أنا عبد لله أوَّلاً

كان أبو منصور وزير السلطان طغرل رجلاً عالماً وخائفاً مِن الله، وكان بعد كلِّ فريضة يجلس على السجَّادة، ويشتغل بالتسبيح والدعاء حتَّى طلوع الشمس، ثمَّ كان يذهب بعدها إلى السلطان طغرل.

في أحد الأيَّام اتَّفقت حادثة مُهمَّة للسلطان قبل طلوع الشمس، فطلب الوزير فذهبت الخدم إلى منزله، فشاهده جالساً على السجَّادة مشغولاً بالذِّكر، فأبلغوه أمر السلطان العاجل بالحضور بين يديه، فلم ينتبه لهم.

كرَّروا له الأمر مَرَّتين وثلاث فلم ينتبه، فعزموا على الرجوع وقالوا للسلطان: بأنَّه رجل مغرور ومُتمرِّد لم يستجب لأمر السلطان وقوله.

وبهذا الكلام اشتعلت نيران غضب السلطان. وبعد طلوع الشمس وإتمام الوزير قراءة الأدعية ذهب إلى السلطان.

صرخ السلطان في وجهه وقال: لماذا أتيت متأخِّراً؟

أجاب الوزير: أيُّها السلطان، أنا عبد لله وخادم للسلطان طغرل: يجب عليَّ أوَّلاً أداء وظيفة العبودية لله، ثمَّ خدمتك.

خرج هذا الكلام مِن أعماق قلب الوزير بنيَّة خالصة، فأثَّر بشكل عميق بقلب السلطان وضميره ودمعت عيناه. وقام السلطان بمدح الوزير وقال: عبادة الله مُقدَّمة وببركة هذا العمل تنتظم أعمالنا وتُحرَس المَملكة (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


وضع جرَّة ماءٍ مسكورة وبرقع

كان الأصمعي مِن شُعراء العصر العباسي المشهورين، وكان أيضاً مُقتدراً وذو استعداد في قصصه المُضحكة والمزاح. وكان يُلقي القصائد في مجالس رجال الدولة، وأحياناً يحكي القصص الفكاهيَّة فيُضحك الحاضرين.

في أحد الأيَّام قال جعفر البرمكي رئيس وزراء هارون الرشيد لأحد خُدَّامه: اجلب لي ألف دينار، أُريد أنْ أذهب إلى منزل الأصمعي، فإذا حكى لي قصَّة وأضحكني سأضع كيس الذهب في حاشية قميصه.

دخل جعفر البرمكي ومعه أنس بن شيخ بيت الأصمعي، حيث حكى الأصمعي قَصصاً مُختلفة وكانت، كلُّ قصَّة تحكي جانباً مِن الحياة.

وبعد الخروج مِن البيت قال أنس لجعفر: لقد سعى الأصمعي لإضحاكك ولكنْ لم تضحك فلم يكن هدفك ذلك (إعطاء كيس الذهب للأصمعي)، قال جعفر: أُفٍّ لك! أرسلت له خمسمائة درهم قبل وصولنا إلى بيته لتهيئة الطعام، ولكنَّك شاهدته كيف وضع جرَّة ماء مسكورة وبرقع، وفرش سجَّادة قذرة.

حيث لاحظت وجود النعمة والإحسان والمدح على لسانه، ولكن لم أُلاحِظ ظهور الإحسان شكراً للنعمة، فلماذا نُعطيه المال؟

على الرغم مِن أنَّ الأصمعي كان مُوسراً، إلاَّ أنَّه أظهر نفسه وكأنَّه مِن أفقر الفُقراء. فهل كان هدفه مِن ذلك هو أنْ يَظهر بمظهر الزاهد الراغب عن الدنيا ليُلفت انتباه الآخرين إلى صلاحه وتقواه؟ أم أنَّ أنَّه كان يُريد أنْ يبدو في نظر القادمين فقيراً مسكيناً؛ لكي ينال شيئاً مِن عطاءاتهم السخيَّة، أمْ كان هناك ثَمَّة هدف آخر حمله على أنْ يفعل ما فعل؟

على كلِّ حال كان انطباع البرمكي عن الوضع الداخلي للأصمعي ومعيشته


انطباع مَن يرى شخصاً مُنافقاً ذا وجهين، فأساء به الظنَّ وبمُشاهدة ذلك المشهد المُصطنع انقبضت نفسه، وتألَّم أشدَّ الألم، بحيث إنَّ قصصه الفَكهة لم تستطع أنْ تنتزع منه ابتسامة، وغادر المنزل في النهاية بمرارة وتأثُّر (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


الرياء هو الشِّرك كلُّه

قال ابن أوس:

دخلت على رسول الله فرأيت في وجهه ما ساءني، فقلت: ما الذي أرى بك؟!

فقال: (أخاف على أُمَّتي الشِّرك).

فقلت: أيُشركون مِن بعدك.

فقال: (أما إنَّهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا وثناً ولا حجراً، ولكنَّهم يُراؤون بأعمالهم والرِّياء هو الشِّرك كلُّه).

فمَن يرجو لقاء ربِّه فليعمل عملاً صالحاً، ولا يُشرك بعبادة ربِّه أحداً) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


النفاق أشدُّ مِن الكُفر

في الأيَّام التي كان فيها مسلم بن عقيل (عليه السلام) في الكوفة مبعوثاً مِن قِبَل الإمام الحسين لأخذ البيعة له من الناس، وصل الكوفة عبيد الله بن زياد والياً عليها مِن قِبَل يزيد بن مُعاوية، وهدَّد الناس بالقتل إنْ هُمْ خالفوا أوامره، وأخذ العُرفاء أخذاً شديداً مُعِدَّاً نفسه لقمع حركة التشيُّع والقضاء عليها.

ولمَّا سمع مسلم بمجيء عبيد الله إلى الكوفة ومقالته التي قالها، وما أخذ به العُرفاء والناس قرَّر أنْ يترك دار المُختار - التي كان قد اتَّخذها مَقرَّاً لنشاطه - وينتقل إلى دار هاني بن عروة، فدخلها فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هاني على تستُّر واستخفاء مِن عبيد الله بن زياد وتواصوا بالكتمان.

دعا ابن زياد مولى له يُقال له: (معقل) وقال له: خُذْ ثلاثة آلاف درهم واطلب مسلم (عليه السلام) والتمس أصحابه، فإذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم، وقُلْ لهم: استعينوا بها على حرب عدوِّكم، وأعلمهم أنَّك منهم، فإنَّك لو أعطيتهم إيَّاها لاطمأنُّوا إليك ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئاً مِن أخبارهم، ثمَّ أغدُ عليهم وراوح، حتَّى تعرف مُستقرَّ مسلم (عليه السلام) وتدخل عليه.

ففعل ذلك وجاء حتَّى جلس على مسلم (عليه السلام) ابن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم وهو يُصلّي، فسمع قوماً يقولون هذا يُبايع للحسين (عليه السلام).

فجاء وجلس إلى جنبه حتَّى فرغ مِن صلاته، ثمَّ قال: يا عبد الله، إنِّي امرؤٌ مِن أهل الشام أنعم الله عليَّ بُحبِّ أهل البيت وحُبِّ مَن أحبَّهم وتباكى له، وقال:

معي ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنَّه قَدِم الكوفة، رجل يُبايع لابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكنت أُريد لقاءه فلم أجد أحداً يدلُّني عليه ولا أعرف مكانه. وإنِّي لجالس في المسجد الآن إذ سمعت نفراً مِن المؤمنين يقولون


: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت، وإنِّي أتيتك لتقبض منِّي هذا المال وتُدخلني على صاحبك، فإنِّي أخٌ مِن إخوانك وثقة عليك، وإنْ شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه.

فقال له ابن عوسجة:

أحمد الله على لقائك إيَّاي، فقد سرَّني ذلك لتنال الذي تُحبُّ ولينصر الله بك أهل بيت نبيِّه (عليه وعليهم السلام) ولقد ساءني معرفة الناس إيَّاي بهذا الأمر قبل أنْ يتمَّ مَخافة هذا (يعني ابن زياد).

وأخذ عليه المواثيق المُغلَّظة ليُناصحنَّ وليكتمنَّ، فأعطاه مِن ذلك ما رضي به، ثمَّ قال له: اختلفْ إليَّ أيَّاماً في منزلي، فإنِّي طالب لك الإذن على صاحبك.

وأخذ يختلف مع الناس فطلب له الإذن فأذن له، فأخذ مسلم (عليه السلام) بيعته وأمر أبا ثمامة الصائدي يقبض المال منه، وهو الذي كان يقبض أموالهم وما يُعين به بعضهم بعضاً، ويشري لهم السلاح وكان بصيراً وفارساً مِن فُرسان العرب ووجوه الشيعة.

وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم، فهو أوَّل داخل وآخر خارج، حتَّى فَهم ما احتاج إليه ابن زياد مِن أمرهم فكان يُخبر به أوَّلاً بأول.

إنَّ نفاق هذا المُنافق قد أدَّى إلى مفاسد كبيرة ما كان بالإمكان جبرها، كمَقتل مسلم (عليه السلام) وهاني بن عروة، والتمهيد لواقعة كربلاء الدامية التي قُتِل فيها الحسين (عليه السلام) وأصحابه العظام، وهُمْ مِن أكرم أبناء الإسلام، وبذلك مَكَّن لتوطيد سُلطان يزيد وأعماله الفاسدة (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


إنَّ ناساً كهؤلاء لا يُستعان بهم في سبيل الله

كان أبو جعفر (محمد بن القاسم العلوي) مِن أبناء رسول الله، ويصل نسبه مِن جانب أبويه في ثلاثة أظهر إلى الإمام السجاد (عليه السلام).

كان عالماً فقيهاً مؤمناً حُرَّاً شجاعاً، وكان يسكن الكوفة ويواصل نشاطه ضِدَّ حكومة المُعتصم العباسي الظالمة، وعندما عزمت سُلطات الحُكم على القضاء عليه، اضطرَّ إلى ترك الكوفة إلى أرض خراسان الواسعة.

هناك ظلَّ زماناً ينتقل مِن مدينة إلى أُخرى، حتَّى انتهى به الأمر إلى المقام في مدينة (مرو) حيث راح يُحرِّض الناس على حُكم المُعتصم، فتجمَّع حوله الناس المظلومون والمحرومون، وبايعه في فترة قصيرة أربعون ألف شخصٍ.

وفي إحدى الليالي جمع الجُند ليتحدَّث إليهم عن الانتفاضة، وليعدهم لمواجهة جنود المُعتصم، وقبل أنْ يُباشر الكلام ويشرح برنامجه للجند طرق سمعه صوت رجل يبكي، فعجب لذلك وسأل عن الباكي والسبب.

فظهر بعد التحقيق أنَّ أحد الجنود قد انتزع مِن أحدهم بساطه بالقوَّة، فأخذ هذا يبكي بصوت مُرتفع، فاستدعى محمد بن القاسم الجندي، وسأله عمَّا دفعه إلى القيام بذلك الأمر القبيح؟

فقال الجندي: لقد بايعناك لكي نتمكَّن مِن أخذ ما نشاء مِن أموال الناس، وأنْ نفعل ما نُريد!

فأمر محمد بإرجاع البساط إلى صاحبه، وحلَّ الجُند قائلاً: إنَّ ناساً كهؤلاء لا يُمكن أنْ يُستعان بهم في سبيل دين الله (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


صلَّى فأعجبني وصام فرامني

قد يسعى أشخاص خبُثت قلوبهم لنيل السُّمعة الحسنة، مِن أجل الوصول إلى أهدافهم غير المشروعة عن طريق إلقاء شباك الغِشِّ والرياء، ولبس لبوس المُتديِّنين الصادقين، والتظاهر بالتعبُّد الكاذب الخادع؛ ليتمكَّنوا مِن اجتلاب ثقة الناس واطمئنانهم؛ فيكون ذلك وسيلة لهم للاعتداء على أموال الناس وحقوقهم.

يُقال: إنَّ إعرابيَّاً دخل المسجد، فرأى رجلاً يُصلِّي بخشوع وخضوع فأعجبه ذلك فقال له: نِعْمَ ما تُصلِّي!

قال: وأنا صائم، فإنَّ صلاة الصائم بضعف صلاة المُفطر!

فقال له الأعرابي: احفَظ عليَّ ناقتي هذه، فإنَّ لي حاجة حتى أقضيها.

فخرج الأعرابي لحاجته فركب المُصلِّي الناقة وخرج، فلمَّا قضى الأعرابي حاجته رجع فلم يجد الرجل ولا الناقة، وطلبه فلم يقدر عليه فخرج وهو يقول:

صلَّى فأعجبني وصام فرامني * نَحِّ القلوص عن المُصلِّي الصائم (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


جزاء مَن استودِع ثمَّ جَحد

حُكي أنَّه قَدِم رجل إلى بغداد ومعه عِقد يُساوي ألف دينار فأراد بيعه فلم يتَّفق، فجاء إلى عطَّار موصوف بالخير والديانة فأودع العِقد عنده، وحَجَّ وأتى بهديَّة للعطَّار وسلَّم عليه، فقال العطَّار له: مَن أنت؟ ومَن يعرفك؟

فقال: أنا صاحب العقد!

فلمَّا كلَّمه رفسه وألقاه عن دُكَّانه فاجتمع الناس وقالوا:

ويلك! هذا الرجل صالح، فما وجدت مَن تُكذِّب عليه إلاَّ هذا!

تحيَّر الحاجُّ وتردَّد إليه فما زاده إلاَّ شتماً وضرباً، فقيل له: لو ذهبت إلى عضد الدولة لحصل لك مِن فراسته خير.

فكتب قصَّته وجعلها على قَصبة وعرضها عليه، فقال عضد الدولة له: ما شأنك؟

فقصَّ عليه فقال عضد الدولة: اذهب غداً واجلس في دُكَّان العطَّار ثلاثة أيَّام، حتَّى أمرَّ عليك في اليوم الرابع، فأُسلِّم عليك فلا ترُدَّ عليَّ إلاَّ السلام، فإذا انصرفت أعد عليه ذِكر العِقد، ثمَّ أعلمني بما يقول لك.

ففعل الحاجُّ ذلك، فلمَّا كان في اليوم الرابع جاء عضد الدولة في موكبه العظيم، فلمَّا رأى الحاجُّ وقف وقال: السلام عليكم.

فقال الحاجُّ: وعليكم السلام، ولم يتحرَّك.

فقال: يا أخي، تَقدِم مِن العراق ولا تأتينا ولا تعرض علينا حوائجك؟

فقال له: ما اتَّفق هذا. ولم يزده على ذلك شيئاً.

هذا والعسكر واقف بكماله؛ فانذهل العطَّار وأيقن بالموت، فلمَّا انصرف عضد


الدولة التفت العطَّار إلى الحاجِّ، وقال له: يا أخي، متى أودعتني هذا العِقد؟ وفي أيِّ شيء هو ملفوف؟ ذكِّرني لعلِّي أتذكَّر؟

فقال: مِن صفته كذا وكذا.

قام العطَّار وفتَّش ثمَّ فتح جُراباً وأخرج منه العِقد وقال:

الله أعلم أنَّني كنت ناسياً، ولو لم تُذكِّرني ما تذكَّرت.

فأخذ الحاجُّ العِقد ومضى إلى عضد الدولة فأعلمه، فعلَّقه في عُنق العطَّار وصلبه على باب دُكَّانه ونودي عليه هذا جزاء مَن استودِع ثمَّ جَحَد.

ثمَّ أخذ الحاجُّ العِقد ومضى إلى بلاده (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


الله أحقُّ أنْ يُجار عائذه مِن محمَّد

استقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل مِن بني فهد، وهو يضرب عبداً له والعبد يقول: أعوذ بالله فلم يُقلِع الرجل عنه، فلمَّا أبصر العبد برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قال: أعوذ بمحمد فأقلع عن ضربه.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

(يتعوَّذ بالله فلا تُعيذه! ويتعوَّذ بمحمَّدٍ فتُعيذه! والله أحقُّ أنْ يُجار عائذه مِن محمد).

فقال الرجل: هو حُرٌّ لوجه الله.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (والذي بعثني بالحقِّ نبيَّاً، لو لم تفعل لواقع وجهك حَرُّ النار).


يُنقل عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قصَّ على أصحابه الحكاية التالية:

(كان لمسلم صديق غير مسلم يسكن في جواره، وكان المسلم لا يفتأ يُحدِّثه عن دين الإسلام الإلهي، ويُرغِّبه في اعتناق الإسلام حتَّى استجاب جاره له واعتنق الإسلام، فما كان مِن المسلم في اليوم التالي إلاَّ أنْ نهض عند طلوع الفجر إلى المسجد لأداء صلاة الصبح جماعة.

انتهت الصلاة وتفرَّق الناس تدريجيَّاً، فاقترح المسلم على صاحبه أنْ يَبقيا في المسجد، يذكران الله حتَّى طلوع الشمس.

وطلعت الشمس فاقترح عليه أنْ ينويا الصوم لذلك اليوم، ويبقيا في المسجد حتَّى الظهر ليُعلِّمه القرآن، وحان الظهر فصلَّيا الظهر، ومِن ثمَّ صلَّيا العصر جماعة.

وإذ همَّ الجار بالخروج مِن المسجد، اقترح عليه صاحبه أنَّ مِن الأفضل له أنْ يبقى في المسجد حتَّى أداء صلاتي المغرب والعشاء، وقام الجار الحديث الإسلام مُتعباً وقد فقد صبره، فيمَّم شطر بيته مع جاره المسلم، وفي فجر اليوم التالي نهض الجار المسلم عازماً تَكرار برنامج اليوم السابق، فجاء يطرق باب جاره ليَصحبه إلى المسجد، فخرج إليه الرجل وقال له:

اتركني وشأني؛ إنَّ دينك هذا صعب لا طاقة لي به) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


رحم الله امرءاً عَرف قدره فوقف عنده

بن الهيثم مِن أشهر عُلماء القَرن الرابع الهجري، اختصَّ بالهندسة والرياضيَّات، وكان له إلمام بالعلوم العقليَّة والفلسفيَّة، وقد خلَّف مؤلَّفات ورسائل عديدة. كان يعيش في البصرة، ولكنَّ صدى شُهرته كان قد عمَّ الأرجاء، وكان حديث المحافل العلميَّة في كلِّ مكان.

كان حاكم مصر يومئذ رجلاً مُتعلِّماً ومُحبَّاً للعلوم، وكان يودُّ لو يجتمع بابن الهيثم عن قُرب ليستفيد مِن علمه. ولكنَّه لم يُوفَّق لذلك، وسمع يوماً أنَّ ابن الهيثم قال: لو كنت في مصر لبنيت سدَّاً على النيل لمنع إضراره بالناس عند طُغيانه ونقصانه، ففرح حاكم مصر بذلك وازداد تلهفُّاً لرؤية ابن الهيثم، فأرسل له سِرَّاً مصاريف سفره ورغَّب إليه أنْ يُسافر إلى مصر.

رحل ابن الهيثم مِن البصرة إلى مصر، وعند وصوله استقبله الحاكم خارج المدينة وأنزله بكلِّ احترام في الدار التي خصَّصها لسُكناه، وبعد بِضعة أيَّام مِن الاستراحة مِن وَعْثاء السفر جاء الحاكم لزيارته وذكَّره بوعده ببناء سَدٍّ على نهر النيل، فأعرب ابن الهيثم عن استعداده للوفاء بوعده، فتُقرِّر يوم مُعيَّن للسفر إلى حيث توجَد منطقة شلاَّل مُرتفع تصلح لإقامة السَّدِّ فيه.

وحلَّ اليوم الموعود وتوجَّه ابن الهيثم مع الحاكم، وعدد مِن المعمارين والعمَّال المَهرة، وجعلوا طريقهم على الأهرامات العجيبة والآثار العظيمة، التي شيَّدها المصريُّون القُدامى وفق حسابات هندسيَّة دقيقة، لكي يشهدها ابن الهيثم الذي بُهت لما رآه مِن الأعمال المُدهشة الرائعة، فاستقلَّ علمه وضعف أمله في استطاعته بناء سَدٍّ على النيل؛ إذ لو كان هذا مُمكناً عمليَّاً لما توانى عنه العلماء والمُهندسون المصريُّون في قديم الزمان. وعند وصولهم إلى حيث شلاَّل الماء في النيل راح


ابن الهيثم يتفقَّد جوانب النيل وسواحله، ثمَّ اعترف بعجزه عن بناء السَّدِّ، واعتذر عن بنائه واعتذر عن الوعد الذي قطعه وعاد مع الآخرين إلى القاهرة.

رأى حاكم مصر أنْ لا يُفلت فرصة وجود هذا العالم الكبير في بلده، فطلب إليه أنْ يبقى في مصر؛ ليعمل عنده في ديوان المكاتيب. ولكنَّ ابن الهيثم - الذي كان قد عرف طراز تفكير حاكم مصر ونفسيَّته - أصابه القلق لهذا الطلب؛ لأنَّه عرف في هذا الحاكم إنساناً حادَّ الطبع، سيِّء الأخلاق، مُتلوِّناً فظَّاً، يحب إراقة الدماء يغضب لأدنى حدث، ويُصدر أمره لأتفه سبب بقتل الناس الأبرياء، فمِن البديهي أنْ تكون الحياة مع مثل هذا الشخص محفوفة بالخطر المُحتَّم، ولكنَّه لخوفه اضطرَّ إلى إجابة الحاكم إلى ما يُريد، فاستوطن مصر وعمل في ديوان مكاتيب الحاكم.

مضت فترة على هذا المنوال، حيث كان ابن الهيثم يحضر في مَقرِّ عمله كلَّ يوم، ولكنْ لم يُفارقه القلق والخوف، ولم يغفل عن التفكير في طريقة ينجو بها بنفسه ويتحرَّر مِن هذا الهمِّ الدائم.

وأخيراً واتته الحيلة فتظاهر بالجنون، وإذ وصل خبر جنونه إلى الحاكم أمر بحَجره في بيته ووضع عليه مَن يُعنى به، وعهد بأمواله وأثاثه إلى مَن يوثَق بهم، وظلَّ ابن الهيثم في التظاهر بالجنون إلى أنْ مات الحاكم، وبعد أيَّام مِن موته استعاد ابن الهيثم عقله، وترك داره واختار سكناً بالقرب مِن الجامع الأزهر، واستعاد أمواله وانصرف مُطمئنَّ البال إلى التأليف والتصنيف، ولمَّا كان ذا خطٍّ جميل فقد انهمك في استنساخ بعض الكُتب العلميَّة يبيعها لإمرار معاشه.

حاكم مصر هذا لم يكن إنساناً مِن عامَّة الناس جاهلاً، بلْ كان مِن أهل العلم والمعرفة، مُؤهَّلاً للرئاسة وإدارة البلاد، ولكنَّه كان يفتقر إلى سلامة التفكير وصلاح الأخلاق، وكان يستعمل سلطته في أُمور غير مشروعة، ولهذا عاش الناس تحت حكمه عُرضة للخطر والإحساس بفُقدان الأمن؛ بحيث إنَّ عالماً مِثل ابن الهيثم اضطرَّ إلى التظاهر بالجنون للمُحافظة على حياته والخلاص مِن شَرِّه (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


قد أخطأتَ بهذا خمس عشرة خطيئة

صار المأمون إلى دمشق سنة... وكان بشر بن الوليد الكندي قاضي المأمون ببغداد فضرب رجلاً قرف (1) بأنَّه شتم أبا بكر وعمر وأطافه على جَمل.

فلمَّا قَدِم المأمون مِن رحلة الشام، وسمع بما فعل بشر أحضر الفقهاء فقال: إنِّي نظرت في قضيَّتك يا بشر، فوجدتك قد أخطأت بهذا خمس عشرة خطيئة، ثمَّ أقبل على الفقهاء فقال: أفيكم مَن وقف على هذا؟

قالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟

فقال: يا بشر، بم أقمت الحَدَّ على هذا الرجل؟

قال: بشتم أبي بكر وعمر.

قال: حضرك خصومه؟

قال: لا.

قال: فوكَّلوك؟

قال: لا.

قال: فللحاكم أنْ يُقيم حَدَّ القرفة بغير حضور خصم؟

قال: لا.

قال: وكنت تأمن أنْ يهب بعض القوم حصَّته فيبطل الحَدُّ؟

قال: لا.

قال: فأُمُّهما كافرتان أو مُسلمتان؟

قال: بلْ كافرتان.

قال: فيُقام في الكافرة حَدُّ المسلمة؟

قال: لا.

____________________

(1) قرفه بكذا نسبه إليه وعابه به.


قال: فهبك فعلت هذا بما يجب لأبي بكر وعمر مِن الحقِّ، أفشهد عندك شاهدا عدلٍ؟

قال: قد زكي أحدهما.

قال: فيقام الحَدُّ بغير شاهدين عدلين؟

قال: لا.

قال: ثمَّ أقمت الحَدَّ في رمضان، فالحدود تُقام في شهر رمضان؟

قال: لا.

قال: ثمَّ جلدته وهو قائم، فالمحدود يُقام؟

قال: لا.

قال: ثمَّ شبحته بين العقابين فالمحدود يُشبح؟

قال: ثمَّ جلدته عُرياناً فالمحدود يُعرى؟

قال: لا.

قال: ثمَّ حملته على جمل فأطفته فالمحدود يُطاف به؟

قال: لا.

قال: ثمَّ حبسته بعد أنْ أقمت عليه الحَدَّ، فالمحدود يُحبس بعد الحَدِّ؟

قال: لا.

قال: لا يراني الله أبوء بإثمك وأُشاركك في جُرمك، خذوا عنه ثيابه وأحضروا المحدود ليأخذ حَقَّه منه.

فقال له مَن حضر مَن الفُقهاء: الحمد لله الذي جعلك عاملاً بحقوقه، عارفاً بأحكامه تقول الحَقَّ وتعمل به، وتأمر بالعدل وتؤدَّب مَن رغب عنه، إنَّ هذا - يا أمير المؤمنين - حاكم اجتهد فأخطأ، فلا تفضح به الحُكَّام وتهتك به القضاء، فأمر به فحُبس في داره حتَّى مات (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


الدنيا يومان: يومٌ لك ويومٌ عليك

وصل البرامكة على عهد هارون الرشيد إلى أوَجِّ العظمة والسُّلطة، كان جعفر البرمكي رئيس الحكومة، وللبرامكة الآخرين مقامات عالية فيها، وظلُّوا يحكمون البلاد الإسلاميَّة الواسعة سنين طوالاً، كان خلالها جميع أفراد هذه العائلة مِن الرجال والنساء، والشباب والشيوخ، والكبار والصغار مُتنعِّمين بكلِّ النعم ووسائل الراحة والسلطة.

ولكنَّهم في النهاية واجهوا تغيُّراً، فقُتل فريق منهم، وفَقَد الذين بقوا أحياءً كلَّ شيء وزالت دولتهم.

يقول محمد بن عبد الرحمان الهاشمي: زرت أُمِّي في عيد الأضحى، فرأيت امرأة رثَّة الثياب تجلس إليها تُحادثها، فسألتني أُمِّي أتعرف هذه المرأة؟

فقلت: لا.

قالت: هذه عبادة أُمُّ جعفر البرمكي!

اقتربت منها وحادثتها وأنا في عَجب مِن أمرها، وسألتها عمَّا مَرَّ بها مِن عجائب حوادث الزمان، فقالت:

يا ولدي، مَرَّ عليَّ عيد مثل هذا وأربع جوارٍ يخدمنني، وكنت أقول: إنَّ ولدي جعفراً لم يؤدِّ حَقِّي في الجواري اللواتي أوقفهنَّ على خدمتي، واليوم أيضاً يوم عيد يَمرُّ عليَّ، وأنا أتمنَّى جِلدَي شاةٍ أفترش واحداً وأتغطَّى بآخر.

يقول محمد الهاشمي: فدفعت لها خمسمئة درهم، ففرحت فرحاً شديداً كاد أنْ يُهلكها (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


ألا كلُّ شيء ما خلا الله هالك

أرسل مُعاوية عبد الرحمان بن زياد عاملاً له على خراسان، فجمع خلال حُكمه أموالاً طائلة، فقال يوماً لكاتبه: ويلك! لست أدري كيف يغشاني النوم وعندي كلُّ هذه الأموال؟! فسأله الكاتب: كمْ هي؟

فقال: عددت ما عندي فعلمت أنِّي إذا صرفت كلَّ يوم ألف درهم كفاني مِئة سنة، فقال الكاتب: أيُّها الأمير أنام الله عينيك، لا أعجب مِن أنَّك تنام ولك هذه الأموال، بلْ أعجب إذا غمضت عيناك بعد أنْ تذهب منك.

ثمَّ لم يلبث طويلاً حتَّى ذهب كلُّ ذلك المال؛ فقد استدان بعضهم بعضه ولم يُعيدوه، وأنكر بعضٌ آخر أنَّه استأمنهم على البعض الآخر، وسرق خَدَمه وحَشمه ما لم يسرقه الآخرون، حتَّى بلغ به الأمر إلى أنَّه باع ما عنده مِن أدوات فضِّيَّة، وكان يركب حماراً صغيراً فتخطُّ رُجلاه الأرض، رآه يوماً مالك بن دينار وسأله: أين الأموال التي كنت تذكرها كثيراً؟

فأجابه: يا أبا يحيى، كلُّ شيء سوى ذات الله تعالى إلى فناء (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ

عندما أُحضر الإمام زين العابدين مع سبابا أهل البيت (عليهم السلام) إلى مجلس يزيد جرى كلام بينه وبين يزيد، كان منه أنَّ يزيد قال:

يا علي بن الحسين: ( وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ... ) (الشورى: 30).

فقال علي بن الحسين (عليه السلام): كلاَّ! ما هذه فينا نزلت، إنَّما نزلت فينا: ( مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لكَيلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (الحديد: 22 - 23) فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا مِن الدنيا ولا نفرح بما أتانا منها.

كان يزيد يُريد أنْ يعزو حادثة كربلاء الدمويَّة، وما أصاب أهل البيت فيها إلى أعمالهم، وأنَّه بريءٌ مِن دمهم بحسب مفهوم الآية التي قرأها، ولكنَّ الإمام ردَّ فِريته ودحضها (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


أحبُّكما إليَّ أحسنكما خُلقاً

روي أنَّ يحيى بن زكريَّا (عليه السلام) لقي عيسى ابن مريم، فتبسَّم عيسى في وجهه.

فقال يحيى: (ما لي أراك لاهياً كأنَّك آمن؟!).

فقال عيسى: (ما لي أراك عبساً كأنَّك آيس).

فقالا: (لا نبرح حتَّى ينزل علينا وحي!).

فأوحى الله تعالى إليهما: (أحبُّكما إليَّ أحسنكما خُلقاً).

وعن الإمام علي (عليه السلام) قال: (بُشر المؤمن في وجهه وحزنه في قلبه) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


الله أكرم مِن أنْ يسلب امرءاً كريمتيه ثمَّ يعذبه

جاء رجل كفيف البصر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

فقال: يا رسول الله، أدعُ الله أنْ يكشف بصري.

قال: (إنْ أحببت أنْ أدعو فعسى أنْ يكشف بصرك، وإنْ شئت تلقاه ولا حساب عليك).

فقال: ألقاه ولا حساب عليَّ.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (الله أكرم مِن أنْ يسلب امرءاً كريمتيه ثمَّ يُعذِّبه) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


الله يَهب ويأخذ

كانت أُمُّ سليم مِن المؤمنات على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكذلك كان زوجها أبو طلحة مِن المسلمين الصادقين ومِن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، شارك في غزوات بدر وأُحد والخندق وغيرها.

وكان يسكن المدينة أيَّام السِّلم يقضي جانباً مِن وقته في العبادة، وفي تعلُّم المعارف الإسلاميَّة، ويقضي الجانب الآخر لكسب المعاش على قطعة أرض صغيرة.

أنجب هذان الزوجان ولداً، ولكنَّه أُصيب وهو صبيٌّ بمرض ألزمه الفراش، وانهمكت الأُمُّ في العناية به وتمريضه. وكان الأب عند عودته مِن العمل يعود ابنه المريض، ثم َّينصرف إلى حجرته لتناول طعامه والإخلاد إلى الراحة.

في عصر يوم مِن الأيَّام توفِّي الفتى أثناء غياب الأبِّ، فغطَّت الأُمُّ المؤمنة جسد ابنها دون أنْ تظهر الجزع عليه؛ ولكيلا تُزعج زوجها عند رجوعه ليلاً قرَّرت أنْ تُخفي عنه خبر موته في تلك الليلة، لذلك فإنَّه عندما دخل الدار وأراد عيادة ابنه حسب مألوفه منعته أُمُّ سليم مِن ذلك، قائلة اتركه نائماً براحة وسكون، وكان في لهجتها ما يشعر بأنَّ المرض قد خفَّ عنه، فاطمأنَّ قلبُه بعض الشيء خاصَّة وأنَّها هي أيضاً كانت هادئة مُطمئنَّة بحيث إنَّهما ناما سويَّة في تلك الليلة.

عند الصباح خاطبت أبا طلحة قائلة:

إذا أعار أحد شيئاً لجاره فاستعمله هذا بعض الوقت، فماذا عساك تقول إذا جاء صاحب الشيء يطلب حاجته فيأخذ المُستعير بالبُكاء والعويل لذهاب الشيء مِن يديه؟

قال أبو طلحة: هذا إنسان به جُنَّة؟


فقالت أُمُّ سليم: إذنْ، علينا أنْ لا نكون مِمَّن بهم جُنَّة، فقد أخذ الله أمانته وتوفِّي ابننا، فاصبر على المُصيبة وأسلم لقضاء الله وهيَّئ الجنازة للدفن.

فأتى أبو طلحة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره الخبر، فتعجَّب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مِن أمرها ودعا لها، وقال: اللَّهمَّ بارك لهما في ليلتهما.

وحملت أُمُّ سليم مِن ليلتها ووُلِدَ لها ولد أسمته عبد الله، وربَّياه تربية دينيَّة سليمة، فعاش طاهراً ومات طاهراً، وكان عبيد الله بن أبي طلحة مِن أصحاب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


وكان الإنسان عَجولاً

كان (الحارث بن كلدة) مِن مشاهير الأطبَّاء في القَرن الأوَّل الهجري، وكانت له زوجة تُدعى (فارعة)، دخل فجر أحد الأيَّام عليها غرفتها فوجدها تسوُّك أسنانها، فاشمأزَّت منها نفسه، فطلَّقها هادماً بذلك حياته العائليَّة الحميمة.

وعندما سألته فارعة عن السبب الذي دعاه لتطليقها؟

قال لها: دخلت عليك فجراً فوجدتك تستاكين وكان هذا يعني أنَّك: إمَّا أنْ تكوني قد أكلت شيئاً لتوُّك، وامرأة بهذا النعم لا تليق بي، وإمَّا أنَّك بعد تناول طعامك في الليلة السابقة لم تستاكي فبقي شيء مِن الطعام بين أسنانك فأردت تنظيفها حينذاك، وامرأة على هذا القدر مِن الإهمال للأمور الصحيَّة لا تليق بي أيضاً كزوجة.

فردَّت عليه فارعة بهدوء وبرود قائلة: إنَّ سواكي أسناني فجر ذلك اليوم لم يكن لأيٍّ مِن السببين اللذين ذكرتهما، بلْ كنت أستخرج مِن بين أسناني ذرَّة مِن خيط السواك أحسست بها حينذاك.

لا شكَّ في أنَّ مقالة فارعة قد أخجلت زوجها أشدَّ الخَجل، بعد أنْ أدرك الخطأ الذي ارتكبه، فطلَّقها قبل أنْ يتثبَّت مِن حقيقة الأمر بتسرُّع وعَجلة، حارماً نفسه مِن دِفء الحياة العائليَّة.

وقد ندم على ما فعل، ولكنَّ القضاء كان قد حَلَّ أمام فارعة، فقد تركت زوجها العجول قصير النظر دون أنْ تأسَّف له وتزوَّجت غيره (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


التدبُّر قبل العمل يؤمنك مِن الندم

انتصر (معن بن زائدة) في الحرب الضروب التي وقعت على حدود مدينة كابل، فغنم الكثير وأسرَ العديد، وعسكر في (رخج) على مشارف كابل، حيث أنزل الجنود الأحمال وأراحوا الجياد مِن سروجها، وفجأة شاهدوا غباراً كثيفاً يرتفع إلى عنان السماء، فظنَّ معن أنَّ جيشاً مِن الأعداء يتقدَّم، فأمر بقتل جميع الأسرى فقتل بهذا الأمر نحو أربعة آلاف أسيراً.

يقول فرج بن زياد: إنَّني وأبي كنَّا مِن بين الأسرى، فأخفاني أبي تحت بعض أحداج الإبل. وقف أمامي قائلاً: إذا قتلت فقد أنجو أنا، ثمَّ لم يمض وقت طويل حتَّى تبيَّن أنَّ الغبار كان بسبب قطيع كبير مِن الحمر الوحشية، وهكذا قُتِل آلاف مِن الناس بسبب قرار مُتسرَّع غير مدروس، فذهب هؤلاء ضحايا العجلة الخرقاء.

قد تؤدِّي العَجلة - أحياناً - إلى إحاطة العقل بظلام كثيف، وتحويل الإنسان إلى كائن أعمى وأصمّ، بحيث لا يعود يُميِّز ما هو خير له مِمَّا هو شَرٌّ له.

عن الإمام علي (عليه السلام) أنَّه قال: (التدبير قبل العمل يؤمنك مِن الندم) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


بشِّر القاتل بالقتل ولو بعد حينٍ

كان (عبد الله الأفطس) مِن أحفاد الإمام السجَّاد (عليه السلام) رجلاً مؤمناً مُجاهداً ثوريَّاً، بذل جهوداً عظيمة لإنقاذ المُجتمع الإسلامي مِن نِير حُكم طُغاة بني العباس، فأمر هارون الرشيد بالقبض عليه وإرساله مخفوراً إلى بغداد، حيث ألقاه في السجن، وإذ طال أمدُ سجنه أخذ يزداد سَخطاً وغضباً، لما لحقه مِن الظلم والجور، فكتب رسالة إلى هارون الرشيد أسمعه فيها صرخات تظلمه في ألفاظ مِن الشتيمة والسُّباب.

فقرأ هارون الرسالة وقال: عبد الله الأفطس قد ضاق ذرعاً بالسجن، وبما يُعاني منه فيه مِن عذاب وتألُّم، فكتب إليَّ هذه الرسالة ليُثير غضبي فآمر بقتله وأُريحه مِن عذاب السجن، ولكنِّي لن أفعل ذلك أبداً، ثمَّ أحضر وزيره جعفراً البرمكي وأمره أنْ يقوم بنفسه بمُراقبة عبد الله وينقله إلى سجن آخر أوسع وأفضل.

صادف اليوم التالي عيد النوروز، وعندما جيء بعبد الله أمام جعفر البرمكي أخذ يُكرِّر ما كان قد كتبه في رسالته، مِن السُّباب والشتائم لهارون الرشيد ولحُكمه وحُكومته الجبَّارة، فغضب جعفر عند سماع تلك الشتائم فأمر فوراً بضرب عُنقه، فاحتزَّ رأسه وغسله ووضعه في طبق وأرسله إلى قصر الخليفة هارون مع سائر الهدايا، التي كان قد أعدَّها لتقديمها إليه بمُناسبة عيد النوروز، وإذ رفع هارون الغِطاء عن الطَّبق أثناء استعراضه الهدايا رأى رأس عبد الله الأفطس، فصرخ طالباً جعفراً البرمكي، وعند حضوره صاح في وجهه غاضباً: ويلك! لماذا قتلت عبد الله؟! كيف ترتكب هذا الخطأ الكبير؟!

فأجابه: لأنَّه شتم أمير المؤمنين.

فقال هارون: إنَّ قتل عبد الله مِن دون إذني أقبح بكثير مِن شتائم عبد الله!


ثمَّ أمر بتغسيل جُثَّة عبد الله وتكفينه ودفنه، وظلَّت هذه الحادثة تُراود خاطر هارون طول حياته.

ولم يمضِ وقت طويل حتَّى أخذ الشكُّ يُراود الخليفة نحو جعفر، وقرَّر أنْ يأمر جلاَّده مسرور السياف بقتله، وفي الليلة التي قرَّر أنْ يقتله فيها استدعى مسروراً، وأمره أنْ ينطلق فيقتل جعفراً بعد أنْ يُخبره بأنَّه يقتله بسبب قتله عبد الله الأفطس ابن عَمِّ الخليفة مِن دون إذنه (1).

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


الغاية لا تُبرِّر الوسيلة

في أيَّام المُعتصم كان هناك كاتب عاطل يبحث عن عمل، فكتب حاله بحروف كبيرة على ورقة بهذا المضمون: أنا كاتب وأرجو مِن الخليفة أنْ يستخدمني في عمل أخدم به خزينة الدولة وأنال به لقمة العيش، وأخذ يتردَّد كلَّ يوم على قصر المُعتصم، حتَّى إذا رأى الخليفة يُريد الركوب كان يفتح الورقة ويرفعها بين يديه ليراها الخليفة، حتَّى ضاق الخليفة ذرعاً بإلحاحه بأمر بتشغيله في عمل لا ينال منه شيئاً.

فقالوا: إنَّ المسجد الجامع في البصرة يحتاج إلى تبليط أرضه بالطابوق، لمنع تكوُّن الطين في الأيَّام الماطرة بسبب الأتربة، فإذا شاء الخليفة أنْ يكتب له أمراً ليقوم بتنفيذ تلك المُهمَّة، فوافق الخليفة على ذلك، فكُتِب الأمر ووقَّعه الخليفة، فأخذ الكاتب الأمر وسافر إلى البصرة.

في الطريق وقع بصره على صخرة ملوَّنة جميلة، فأخذها معه وعند وصوله إلى أبواب البصرة أرسل خادمه ليُخبر الناس بقدوم مأمور الخليفة ليستقبلوه، فحضر الناس وهُمْ يظنُّون أنَّ أمراً مُهمَّاً قد حصل ليُرسل الخليفة مأموراً يحمل أمراً منه.

راح الكاتب يعرض أمر الخليفة على الناس قائلاً: إنَّ أرض المسجد الجامع يجب أنْ تُبلَّط بالحَجر، فأبدى الناس طاعتهم لأمر الخليفة، وقالوا: إنَّ ذلك لم يكن يقتضي أمراً مِن الخليفة.

فأخرج الصخرة الملَّونة مِن جيبه وقال: إنَّ أمر الخليفة يوجب تبليط أرض المسجد بصخور مِن هذا النوع، فبُهت الناس، مِن أين يأتون بمِثل ذلك الحَجر؟! والكاتب يُصِرُّ على ذلك.

أخيراً وعلى أثر التماس الناس وإصرارهم وافق الكاتب على تقبُّل مبلغ مِن


المال يجمعه الناس فيما بينهم؛ لكي يصرف النظر عن إصراره على أنْ يكون تبليط المسجد مِن تلك الصخرة ويرضى بتبليطه بالطابوق العادي.

جمع الناس المال وأعطوه لمأمور الخليفة، وبدأوا بتبليط أرض المسجد الجامع وحمل الكاتب الأموال التي جمعها على عدد مِن الإبل واتَّجه إلى بغداد.

في موعد عبور الخليفة أوقف الجمال في طريقه ووقف على رأسها. وعند وصول الخليفة نادى: يا خليفة المسلمين، لمَن أُسلِّم هذه الأموال؟

فسأل المُعتصم: أيُّ أموال؟

فقال: هذا حاصل الوظيفة التي عهدت بها إليَّ، وهو يبلغ بضعة آلاف درهم فأمر بتسلمها.

سأل الخليفة بعض الحاشية عن الوظيفة التي يتحدَّث عنها الرجل؟

فقالوا: تبليط أرض المسجد الجامع في البصرة.

فقال المُعتصم: إنَّ مَن يستخرج هذا المبلغ مِن المال مِن مثل هذا العمل لجدير بأعمال كبيرة! فعيَّنه بمنصب كاتب في الديوان.

على الرغم مِن أنَّ هذا الرجل قد احتال لخُطَّته بذكاء وبتدبَّر النتائج والنظر إلى المُستقبل، فأثبت جدارته للعمل في حُكم المُعتصم فحَظي بمنصب كاتب في ديوان الخلافة، فإنَّ الأخلاق الإسلاميَّة ترى في هذا اللون مِن التدبير وتدبُّر العواقب المبنيِّ على الغِشِّ والخيانة عملاً غير مشروع وغير عقلاني؛ لأنَّ العقل هو حُجَّة الله تعالى؛ ولذلك فإنَّه لا يُمكن أنْ يقود الإنسان إلى طريق الإثم والفساد (1).

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


وحملها الإنسان إنَّه كان ظَلوماً جَهولاً

استدعى عبد الملك بن مروان يوماً ابن عيينة وقال له:

أُريد أنْ أولِّيك مصر وأعهد إليك بإدارة أُمورها.

وكان ابن عينية عارفاً بما يَحفُّ بهذه التولية مِن أخطار، ويُدرك أنَّ قَبولها مِن دون أنْ يتعرَّض لخطر التلوُّث بظلم أو جور غير مُمكن.

فقال لعبد الملك: يا أمير المؤمنين، إنَّني قد اعتزلت ولا قدرة لي على القيام بما تعهده إليَّ.

فغضب عبد الملك وقال مُحتدَّاً: إنَّها ولاية يبذل الآخرون الأرواح في طلبها، ويتسبَّبون لها الأسباب، فأعرضها عليك مِن دون طلب منك فترفضها!

فقال لعبد الملك: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي بكلمة؟

فقال: قُلْ.

قال: جاء في القرآن الكريم: ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ) (الأحزاب:)، فالله تعالى لم يغضب عندما أبين أنْ يحملنها، ولكنَّك غضبت إذ امتنعتُ عن قبول ولاية مصر؟

فزال غضب عبد الملك وأكرمه.

إنَّ العقل النَّيِّر والضمير اليقظ وكرامة النفس والوجدان الواعي، كلَّها توجِب على الإنسان أنْ يتدبَّر أعماله، وأنْ لا يحيد عن طرق الحَقِّ والفضيلة، وأنْ لا يقرب الأعمال غير الإنسانيَّة التي يأباها الضمير، وأن لا يلوِّث نفسه بالفساد والخبث، وأنْ لا يدوس على الكرامة الإنسانيَّة في سبيل الوصول إلى الدنيا عن طريق غير مشروع (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


ما أرضاني عنك إنْ أصلحت أمرك

كان الإمام (عليه السلام) أيَّام خلافته يطرق الأسواق يستطلع أمرها، ويوصي أصحابها، فمَرَّ يوماً في سوق التمَّارين، وإذا بصبيَّة تبكي فوقف وسألها عمَّا بها.

فقالت: أعطاني سيِّدي درهماً أشتري به تمراً، فاشتريته مِن هذا البقَّال وذهبت به إلى الدار فلم يُعجبهم، فجئت أردَّه عليه فأبى رَدَّه.

فالتفت الإمام إلى البقَّال وقال له: (هذه الصبيَّة خادمة وليس الأمر باختيارها، فخُذْ التمر ورُدَّ إليها نقودها).

فنهض البقَّال ووضع يده في صدر الإمام يدفعه عن محلِّه، أمام أنظار المارَّة وأصحاب السوق، فنهره بعضهم قائلاً: ويلك! ماذا تفعل؟! هذا أمير المؤمنين.

فخاف الرجل واصفرَّ لونه، وأسرع يأخذ التمر مِن الصبيَّة ويرُدُّ إليها درهمها، ثمَّ قال: يا أمير المؤمنين ارضَ عنِّي، فقال: (ما أرضاني عنك إنْ أصلحت أمرك) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


اجعل قوتَ عيالي نِصفاً شعيراً ونِصفاً حُنطة

عن معتب - الذي كان قائماً على إدارة شؤون منزل الإمام الصادق - قال: شحَّت المواد الغذائيَّة في السوق، فارتفعت الأسعار كثيراً، فقال لي الإمام (عليه السلام): (يا معتب، كَمْ لدينا مِن الطعام في الدار؟).

فقلت: ما يكفي لبضعة أشهر.

فقال: (بِعْه في السوق).

فعَجبت مِن قوله وقلت: ما هذا الذي تقوله يا سيديِّ؟!

فكرَّر أمره مؤكِّداً عليَّ أنْ أبيع كلَّ ما كان عندنا مِن الطعام.

فلمَّا بعته قال: (اشتر مع الناس يوماً بيومٍ).

وقال: (يا معتب، اجعل قوتَ عيالي نِصفاً شعيراً ونِصفاً حُنطة) (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


سيأتي مِن هنا رجل مِن أهل الجَنَّة

يقول أنس كنت يوماً في حضرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأشار إلى جِهة وقال: (سيأتي مِن هنا رجل مِن أهل الجَنَّة).

وما لبثنا حتَّى جاء رجل عجوز، وهو يُجفِّف ماء وضوئه بيده اليُمنى فيما علَّق نعلاه في إصبع مِن يده اليُسرى، تقدَّم وسلَّم.

بعد ذلك كرَّر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك العبارة عن الرجل في اليومين التاليين قبل وصوله بلحظات.

وكان (عبد الله بن عمرو بن العاص) حاضر المجلس في الأيَّام الثلاثة، وسمع مقالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فعزم على مُصاحبة الرجل؛ ليتعرَّف على عباداته وأعماله الصالحة، وليعلم ما الذي جعله مِن أهل الجَنَّة، ورفع مكانته إلى هذه المنزلة، فنهض وأدركه عند مُغادرته المجلس، وقال له: إنَّه قد خاصم أباه، وأقسم على أنْ لا يراه ثلاثة أيَّام بلياليها، وطلب أنْ يؤويه تلك المُدَّة عنده، فوافق الرجل وبقي عبد الله عند الرجل ثلاثة أيَّام.

يقول عبد الله: خلال تلك الليالي لم أرَ الرجل ينهض للعبادة أو للقيام بعبادة خاصَّة، سِوى أنَّه كان كلمَّا تقلَّب في فراشه ذكر الله، ثمَّ ينام حتَّى الفجر فينهض لصلاة الصبح، ولكنَّه خلال تلك المُدَّة كلِّها لم يذكر أحداً إلاَّ بالثناء عليه وذكر مَحاسنه.

ـ انقضت الأيَّام الثلاثة، وبدت أعمال الرجل في نظري تافهة، حتَّى كدت أنْ أحتقره ولكنِّي ملكت نفسي، وعند توديعه قلت له:

لم يكن قد حصل بيني وبين أبي أيُّ خِصامٍ، ولكنِّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول عنك كذا وكذا ثلاثة أيَّام؛ فأردت أنْ أعرفك وأعرف ما تقوم به مِن عبادات


وأعمال صالحات غير، أنِّي لم أرَ منك عبادة كثيرة، فلا أعلم ما الذي أوجب رفع منزلتك ليقول عنك النبي ما قال!

قال الشيخ: لا أقوم بغير ما رأيت مِن الأعمال.

تركه عبد الله وانصرف إلاَّ أن الشيخ ناداه وقال له:

أعمالي الظاهرة هي تلك التي رأيتها، ولكنِّي في دخيلتي لا أحمل لأحد حِقداً ولا سوءاً، ولا أحسد أحداً على ما أنعم الله عليه.

فقال عبد الله: إنَّها نيَّتك الحسنة وحُبَّ الخير للآخرين ما شملك برحمة الله وألطافه، وإنَّه ليصعب علينا نحن أنْ نكون على هذه الطهارة وهذا القدر مِن حُبِّ الآخرين (1) .

____________________

(1) الأخلاق، ج2.


الفهرس

مُقدِّمة 5

لا إفراط ولا تفريط .7

الخال أحد الضجيعين .9

كلُّ إنسان بينه وبين آدم صِلة 10

صِفات الابن مِن الأب أو الأُمِّ 11

الاستعمال يكون بعد التجربة 12

الجُملة العصبيَّة هي الأساس .13

الفَرق بين قضاء الله وقَدَره 14

بأبي وأُمِّي مَن لم ينخل له طعام 15

عن مِثل هذا الرجُل أخبرتك ..16

الذاكرة الخارقة 18

واعمراه لولا عليٌّ لهَلك عمر 19

اتَّق الله الذي خلقك ثمَّ يُميتك ..22

تفسير حُلْم .23

الحُلْم وكشف الحقائق .24

وإذا بُشِّر أحدهم بالأُنثى ظَلَّ وجهه مُسودَّاً 25

هارون الرشيد يَحنِث بأيمانه 26

مَعدِن العلم .28

الظُلم مِن كوامن النفوس: 29

القوَّة تُبديه والضُعف يُخفيه 29

بَشِّر الصابرين .31

فبما رَحمةٍ مِن الله لِنتَ لهم .33

سوء الخُلق يُسبِّب ضغطة القَبر .34

يزيد يرتكب الجرائم الواحدة تِلو الأُخرى .35


ذِمَّة المسلم واحدة حُرَّاً كان أم عبداً 36

حِفظ الوديعة أيَّاً كانت ..37

المؤمن إذا وعد وفى .38

التوبة مِن الكذب أوَّلاً .40

الصدق مَنجاة 41

احِفظ الله يَحفظك ..42

المَنطق السليم .43

النبي أولى بالمسلمين مِن أنفسهم .45

الكريم يَسأل عن الكريم .47

مَن كانت أفعاله كريمة اتَّبعه الناس .48

انزل عن مِنبر أبي! 50

يَفرُّ مَن أخطأ! 51

رِفقاً بالحسين! 52

كرهت أنْ أُعجِّله! 53

تكريم الطفل .54

هلاَّ ساويتَ بينهما؟! 55

التصابي مع الصبي .56

أو ما ترضى أنْ تحمل بدناً حمله الرسول؟! 57

وا حيائي مِنك يا أمير المؤمنين! 58

أين الدُّرُّ والذهب مِن سورة الفاتحة؟ 60

مَن كان مع الله فليس في غُربة! 61

كهذا... 62

... لَتركت القاضي يأكلك! 63

سَعد وحِلم .64

مُعاوية اسم للأُثنى مِن الكِلاب ..65

أُميَّة تصغير أمَة 66


مُقوُّم الناقة 67

قيمة كلِّ امرئ ما يُحسنه 69

أهل الكَرَم والجُود 71

إمَّا المَنُّ وإمَّا القتل .72

بَلاغة صَبيٍّ .73

تضرُّع الأعرابي .74

عقل العباس وزينب ..75

عِزُّ الإسلام 76

أستحيي أنْ تَغلب مسألته جودي .77

قيمة مُعاوية عند علقمة بن وائل .78

الفَرق بين المجنون والمُبتلى .79

الذُّباب يذلُّ الجَبابرة 80

الإنسان أوَّله نُطفة وآخره جِيفة 81

يجمع كلَّ الناس خير الآباء آدم وأفضل الأديان الإسلام 82

الرَّبُّ واحد والجزاء بالأعمال .83

قولوا السَّداد مِن القول ولا تغلوا 84

أخاف أنْ يَدخلني ما دخلك ..85

الطِّيرَة ليست بحَقٍّ .86

يا رَبِّ أنت حولي ومِنك قوَّتي .87

لقِّنوا موتاكم شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله والولاية 91

مَن يتَّقِ الله يجعل له مَخرجاً 92

إنْ كان كما نقول نجونا ونجوتَ ..94

لو عاينتم ما قد عاين مَن مات منكم .95

لجزعتم ووهلتم وسمعتم وأطعتم .95

إنَّ الله يُحبُّ عبداً إذا عمل عملاً أتقنه 98

قول الله أصدق مِن قولك ..101


كرامة عبد المُطَّلب جَدُّ النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) 103

عبد المُطَّلب وحُلْم الشجرة التي تنبت في ظهره 105

إيَّاكم وتعلُّم النجوم إلاَّ ما يُهتدى به في بَرٍّ أو بحر 107

ما مؤمن يموت.. 108

إلاَّ قيل لروحه: الحَقْي بوادي السلام 108

سلمان وتكليم المَيِّت له 109

صَفاء الروح وقوَّة الحُلْم .111

توقَّع الموت صباحاً ومساءً 114

ليس هناك ليلٌ وإنَّما هو ضوء ونور 115

امرأة تدخل النار في هِرَّة حبستها 116

وأُخرى تدخل الجَنَّة في كلب سقته 116

البئر صدقة 117

غفر لك بالخوف فانظر كيف تكون فيما تستقبل .118

المرء مع مَن أحبَّ ..120

إنَّما تُقبل شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله مِن هذا ومِن شيعته 121

مَن أحبَّ بقاء الظَّلمة فهو مِنهم وورد النار 122

شيعتنا يُطهَّرون مِن ذنوبهم بالبلايا والرزايا 123

لم يَنهَ عن تعذيب الديك فساخت به الأرض ..124

مَن كان هواه معنا فقد شَهِدنا 125

الطريق إلى جميع الكمالات الاستعانة بالحَقِّ على النفس ..127

انظر لنفسك.. ولا يُلهينَّك الأمل .128

ليس لأحدٍ فضلٌٌ على أحدٍ إلاَّ بالتقوى .129

لا تغضب ..130

كثرة الأكل تُعجِب الشيطان .131

أين شُكره على ما أنعم؟ 132


مَن أحياها فكأنَّما أحيا الناس جميعاً 134

المال يَفنى والبدن يَبلى والعمل يبقى .135

ربَّما سمعت مِن يَشتم عليٍّ... 136

فأمرُّ به فأُسلِّم عليه وأُصافحه 136

مروءة أهل بيت النبوَّة 137

الصبر على سوء خُلق الجار يورِث الفَرَج .138

الحرب خديعة 139

ولا تَهِنوا في ابتغاء القوم 140

لقد مُلئ قلبي منه رُعباً 141

إنِّي أكره لكم أنْ تكونوا سبَّابين .142

سُبْحان الله! تقذف أُمَّه؟! 143

الله يُحبُّ المُحسنين .144

إصلاح ذات بَيْنِ المُوالين لأبي عبد الله .145

اتَّبع النبي لأفعاله الكريمة 146

صَدَّقَتني إذ كذَّبتم وآمنت بي إذ كفرتم .147

حاجة المؤمن رحمة مِن الله لمَن طُلِبت منه 149

خُذْها فإنِّي إليك مُعتذِر 150

إيَّاكم والمُحقَّرات مِن الذنوب ..151

أنفقوا عليه مِن بيت المال .152

مَن زار أخاً في الله مُحبَّاً له فقد زار الله ووجبت له الجَنَّة 153

اتَّبع عليَّاً وحزبه فإنَّه مع الحَقِّ والحَقُّ معه 154

لاستجابة الدعاء لا بُدَّ مِن الطريق الذي أمر الله به 155

لا ترفع حاجتك إلاَّ إلى أحد ثلاثة.. 156

إذا وجَدْنا بذلنا وإذا فقدنا شكرنا 157

لا تدعُ سِوى الله .158

.. وعِزَّتي وجَلالي لأقطعنَّ أمل كلِّ مؤمَّلٍ غيري .159


.. اللَّهمَّ لا تكلني إلى نفسي طَرفة عين أبد.. 160

إيَّاك أنْ تكون فحَّاشاً أو صخَّاباً أو لعَّاناً 161

حَقُّ شكر الله أنْ تقول: الحمد لله .163

قضاء حاجة المؤمن كعبادة الله تسعة آلاف سنة.. 165

ادفعوا حُجَّة الله بقضاء حوائج إخوانكم .166

إنْ كان أعتقني لله فليدَعْني لله.. 167

إنَّ لله يوماً يخسر فيه المُبطلون .168

كتمان أمري أحبُّ إليَّ .169

ألا قلتَ: ربنا آتنا في الدنيا حسنة..؟! 170

البِرِّ ما اطمأنَّ به الصدر والإثم ما تردَّد فيه.. 171

إنَّما نجزع قبل المُصيبة 172

فإذا وقع أمر الله رضينا وسلَّمنا 172

واهاً لمَن يُذلُّ المؤمنين! 173

يُقدَّر الرزق بالحلال فيُطلب بالحرام 174

أحاديث أهل مصرنا مُنذ دهرنا..!! 175

فعلت هذا اقتداءً بجَدِّي .177

أبو الحسن وقضيَّة لم يَرد مثلها 178

ما قلَّ وكفى خيرٌ مِمَّا كثُر وألهى .180

ألَمْ يأنِ للَّذين آمنوا 181

أنْ تخشع قلوبهم لذِكر الله؟! 181

مَن أراد أن يُظلِّه الله مِن فَوح جَهنَّم.. 182

فليُنظِر مُعسِراً 182

لا تفعل يا عُثمان! 183

لا تَكمُل الكمالات إلاَّ بالإسلام 184

أوّلُ مَنْ جَمَعَ الجُمعَةَ بِالمَدِينَةِ 186

الكفاءة لا السِّن هي المقياس .189


إنَّ الله يُحِبُّ إذا خَرَجَ عَبْدُهُ المؤمِنُ إلى أخيهِ 191

أنْ يَتَهيّأَ لَهُ وأنْ يَتَجَمَلَّ .191

أستحيي مِن رَّبَّي أَنْ أتفضَّلَ عَلَيكَ ..192

الأحْداث أَسْرَعُ إلى كُلِّ خَيْرٍ .193

إذ هممت بأمر فتدبَّر عاقبتهُ 194

لم يكن لي جريمة فأخشاها 195

أداء الأمانة زيادة في الرزق .196

تجربة الحدَّاد وفتح عمَّوريَّة 198

إنَّما اللَّوْمُ لَوْمُ الجاهليَّةِ 201

العَدل أساس المُلك ..202

الأحداث أسرع إلى الخير .206

الحِلم سيِّد الأخلاق .207

في حلالها حساب وفي حرامها عِقاب ..208

جزاء مَن يتعدَّ حُرمات الله .212

المؤمن مُبتلى .213

لسانك حصانك إنْ صِنته صانك ..214

لا طاعة لمَخلوق .216

حتَّى لو كان أُمَّاً في مَعصية الخالق .216

مَن يَتَّقِ الله يجعل له مَخرجاً 218

قوَّة الإيمان أقوى مِن قوَّة الجَسد .220

كَذِبَ المُنجِّمون ولو صدقوا 221

إنْ كان كما يكفيك لا يُغنيك فكلُّ ما فيها لا يُغنيك ..222

لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ 223

الإسلام دين الشباب ..224

الحسَنُ مِنْ كُلِّ أَحَدٍِ حَسَنٌ، 227

ومِن الموالين أَحْسنُ .227


ما أخْسَرَ المشَقَّةَ وَراءها العِقابُ!! 228

إنَّ الله هُوَ التَّوَّابُ الرحيمُ .229

فبِما كسبت أيديكم .231

مُشاورة الرجال مُشاركتهم في عقولهم .232

الكادُّ على عياله كالمُجاهد في سبيل الله .234

العمل باليد عمل النبيِّين والمُرسلين والصالحين .235

يد الكادِّ على عِياله لا تمسُّها النار 236

احمل على رأسك واستغن عن النَّاس .237

مَن سعى على نفسه أو أبويه أو ذُرِّيَّته فهو في سبيل الله .238

ليس هذا طلب الدُّنيا 239

هذا طلب الآخرة!! 239

مَهلاً يا أُمَّاه فإنَّ مَعي مَن يَحفظني .240

لن يُغلَبَ حِزبٌ فيه رسول الله .241

تسود قريش ما دام مِثلُك فيها 242

.. إلاَّ أنْ أُقيم حَقَّاً أو أدفع باطلاً .243

ملعونٌ مَن جلس على مائدةٍ 244

يُشرَب عليها الخَمر 244

ما أحببتَ أنْ يأتيه الناس إليك فأته إليهم .245

احترام الأبّ ..246

المشي مع الراكب ..247

مَفسدة للراكب ومَذلَّةً للماشي .247

الفَرَج بعد الشِّدَّة 248

عُقدة الحَقارة 249

ليس مِنَّا 250

مَن لم يرحم صغيرنا ولم يوقِّر كبيرنا 250

هَلاَّ ساويت بينهما؟! 251


القَناعة كنز لا يَفنى .252

ويحَ مَن لم يتزوَّج وهو يَقدر 253

ليس أحدٌ يسبق فاطمة 254

بنت محمد إلى الفضل .254

مَن رَغب عن سُنَّتي فليس مِنِّي .255

المجنون مَن أبلى شبابه في غير طاعة الله .256

الذليل مَن ظَلَم .257

قيمة السُّلطة بإقامة الحَقِّ ودفع الباطل .258

إذا كنت أشرب مِن دماء الناس .259

فكيف لا أشرب الخمر 259

لا والله أو يؤخَذ للمظلوم حَقَّه 260

مَن سعى تفاخراً وتكاثُراً فهو في سبيل الشيطان .262

تارك الطلب لا يُستجاب له دعوات ..263

أنا أصبِر عن اللَّحم .264

اعمل واحمل على رأسك ..265

واستغنِ عن الناس .265

أحسن الناس مَعاشاً 266

أسوأ حالٍ أنْ يُرى المعروف مُنكراً والمُنكر معروفاً 267

لا حاجة للعِباد بالمُحرَّم مِن الأشياء 268

الحلال والحرام لمَصلحة العباد 269

ترحيب المسلمين بتحريم الخَمر 270

هدانا الله بأحمدَ المهديِّ النبيِّ .271

ما رأيت مُعلِّماً أرفق مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) 273

ليس لابنِ البيضاء على ابنِ السوداء فَضلٌ .274

مشورةٌ في وقتها 275


مَن يبخل بفضله يُستغَن عنه ويُذمَّ 277

التحرُّز عن الزَّلل والخطأ أمام الأعداء 279

كفرتْ بأنعُم الله فأذاقها لِبَاس الجُوع والخَوف ..280

طلب العلم مِن المَهد إلى اللَّحد .283

ما الموت إلاَّ قَنطرةً 284

السرور بلقاء الله .285

لا يجتمع الشَّراب مع العقل .286

لا إله إلاَّ الله حِصني .287

لا نسجد إلا لله عَزَّ وجَلَّ .288

لا أفعل هذا أبداً ولا أسجد لغير الله .290

لو كان عبداً لأطاع مولاه 291

أين مُكوكبها؟ 292

أبو ذر يعيش وحيداً ويموت وحيداً 293

عمَّار تقتله الفئة الباغية 294

تأويل خُطبة الإمام عليٍّ (عليه السلام) المعروفة بالزوراء 295

لم يُقدَّم إلا بما عُهِد إليه فيه 297

مِثالان لخُلق الإنسان الكريم .298

اُلامُ على السخاء وإنَّ هذا لأسخى مِنِّي! 299

أعتق مِن العبيد .300

بقدر ما قتلت مِن بناتك ..300

الأدب خير مِن الذهب ..301

.. والعافين عن الناس .303

والله يُحبُّ المُحسنين .303

ما دخلت المسجد إلاَّ لأستغفرنَّ لك ..304

مَن أنصف مِن نفسه لم يزده الله إلاَّ عِزَّاً 305

الإيمان عمل كلُّه والقول بعضه 307


مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا فهو في سبيل الله .309

الأمر إلى الله يضعه حيثُ يَشاء 310

الماء لا يُمنَع عن أحد .312

هي حُرَّة لِمَمْشاك .316

الآن يدخل كلامي في أُذنك ..318

لم يُعطَ أحدٌ شيئاً أضرَّ له في آخرته 319

مِن طلاقة لسانه 319

المجالس بالأمانة 320

الابتعاد عن إيذاء المؤمنين .321

اتَّق الله ولا تَعجل .322

الإسراف مذموم 323

الشيطان لن ينصح مُسلماً 324

لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ .325

اللَّهمَّ إنِّي أمسيت عنه راضياً فارضَ عنه 327

التضرُّع إلى الله وأسباب الانتصار 330

يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ .332

لا يَخرج الرجل عن مَسقط رأسه بالدَّين .333

أذلُّ الناس مَن أهان الناس .334

البادئ أظلم .335

لعنة الله على الظالمين .336

ما كان أحسن ترتيبه لنفسه ولصاحبه 338

لا تذيعَنَّ شيئاً على أخيك تَهدم به مروَّته 339

مُروءة قائدٍ .340

أردت أنْ أعظك فوعظتني .342

خير لباس في كلِّ زمان لباس أهله 343

الإسراف مذموم مِن أيٍّ كان .344


التعليم الذكي .346

تحتقر الكلام وتستصغره؟! 347

مُعاوية يأمر بسبِّ عليٍّ (عليه السلام) على المَنابر 348

أيُّهما أفضل عليٌّ أم مُعاوية؟! 351

التغاضي عن سفاسف الأُمور 352

مُديرٌ حكيم .353

إذا أكرمت اللئيم تمرَّد 355

فِطنة أديب ..357

تغافل في مَحلِّه 358

إنَّما الطاعة في المعروف ولا طاعة في معصية 359

لا يستهوينَّكم الشيطان لعنه الله .360

لا تَعمى الأبصار ولكنْ تَعمى القلوب ..361

باع آخرته بدنيا غيره 363

اشترى مرضاة المخلوق بسخط الخالق .364

ثِقْ بحُسن صِنع الله مِن حيث لا تدري .365

المُسلم لا يمكر بالمُسلم .367

مَن حَفر حُفرة لغيره وقع فيها 368

عند الامتحان يُكرم المرء أو يُهان .370

الرياء مُفسد للعمل .374

أنا عبد لله أوَّلاً .375

وضع جرَّة ماءٍ مسكورة وبرقع .376

الرياء هو الشِّرك كلُّه 378

النفاق أشدُّ مِن الكُفر 379

إنَّ ناساً كهؤلاء لا يُستعان بهم في سبيل الله .381

صلَّى فأعجبني وصام فرامني .382

جزاء مَن استودِع ثمَّ جَحد .383


الله أحقُّ أنْ يُجار عائذه مِن محمَّد .385

رحم الله امرءاً عَرف قدره فوقف عنده 387

قد أخطأتَ بهذا خمس عشرة خطيئة 389

الدنيا يومان: يومٌ لك ويومٌ عليك ..391

ألا كلُّ شيء ما خلا الله هالك ..392

لاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ .393

أحبُّكما إليَّ أحسنكما خُلقاً 394

الله أكرم مِن أنْ يسلب امرءاً كريمتيه ثمَّ يعذبه 395

الله يَهب ويأخذ .396

وكان الإنسان عَجولاً .398

التدبُّر قبل العمل يؤمنك مِن الندم 399

بشِّر القاتل بالقتل ولو بعد حينٍ .400

الغاية لا تُبرِّر الوسيلة 402

وحملها الإنسان إنَّه كان ظَلوماً جَهولاً .404

ما أرضاني عنك إنْ أصلحت أمرك .405

اجعل قوتَ عيالي نِصفاً شعيراً ونِصفاً حُنطة 406

سيأتي مِن هنا رجل مِن أهل الجَنَّة 407