التشيُّع

نشأتُهُ.. معالمُهُ



التشيُّعُ

نشأتُهُ.. معالمُهُ

هاشم الموسوي

إصدار

مركز الغدير للدراسات الإسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم



الإهداء

إلى مَن بُعث رحمةً للعالَمين

إلى داعيَ الحقّ محمّد (صلّى الله عليه وآله)

نتقدّم بهذا الجُهد المتواضع، راجين القبول والشفاعة يوم الحساب



تصدير

الحمد لله ربِّ العالَمين، والصلاة والسلام على سيّد المرسَلين وخاتم النبيّين محمّد وآله الطيبين الطاهرين.

وبعد:

فهذا الكتاب الذي يقدّمه (مركز الغدير للدراسات الإسلامية) للقرّاء فاتحةً لأعماله، لمؤلّفه السيّد هاشم الموسوي يعبّر - فيما نحسب - بدرجةٍ كافيةٍ عن هدف المركز ومنهجه، فيما يتناول مِن بحوثٍ ودراسات.

أمّا الهدف: فهو التعريف بالتشيّع الذي نعني به الإسلام، كما حملته إلينا العترة الطاهرة المطهّرة مِن أهل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وتصحيح الأَوهام والمفاهيم الخاطئة التي كوّنتها ظروف السياسة، وعمّقتها الأقلام والألسُن المأجورة، والاتّجاهات المتعصّبة، حَول أصله ومحتواه.

وأمّا المنهج: فهو التزام الموضوعية والأمانة العِلمية في البحث، والنظر في ما يطرح مِن أحداثٍ ومواقفَ تاريخية، وقضايا فكرية لها صِلة بدِيننا وعقيدتنا؛ نظرةً نقْديةً بنّاءةً بعيدةً عن التعصّب، غايتها الوصول بالقارئ المسلم إلى الحقّ فيما يخصّ دِينه وعقيدته ورسالته في هذه الحياة، مع تبنّي مبدأ


التقارب والتفاهم بين المسلمين جميعاً، على أُسس الإسلام وأُصوله المشتركة. ذلك هو الكتاب.

وأمّا الكاتب: فهو يستحقّ منّا الشُكر خالصاً ومضاعَفاً على وفائه بالعمل، الذي أُنيط به هدفاً ومنهجاً. وإذا كان لنا مِن كلمةٍ نذكرها عنه، فهي أنَّ كتابه هذا ثمرة جُهدٍ عِلميٍّ، وتجربةٍ في الكتابة، وتفاعلٍ مع أجواءٍ إسلامية مختلفة الاتّجاه والرؤى المذهبيّة، وهو تتويج لبحوثٍ له كثيرةٍ قدّمها لقرّائه بصمْتٍ وتواضعٍ حول نفْس الموضوع، مِن خلال مؤسّسة البلاغ، ومنظّمة الإعلام الإسلامي.

نسأل المولى جلّ شأنه أن يُبارك له عمله هذا، ويأخذ بيده وأيدينا في طريق الدفاع عن الحقّ، وإعلاء كلمة الإسلام، وجمْع كلمة المسلمين. إنّه نِعم المولى ونِعم النصير.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية


المقدَّمةُ

الحمّد لله ربّ العالَمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين محمّد وآله الطاهرين.

القارئ العزيز:

إذا كان الإسلام هو الخطاب الإلهي الموجّه إلى البشريّة في كلّ زمانٍ ومكان، وأنّه الأمل والمنقذ والهادي في متاهات المسير. فإنّ هذا الخطاب الإلهي بما حوى مِن كتابٍ وسُنّة، والعمل به، وقيادة البشَرية على أساسه قد واجَه مشكلتَين رئيستين هما:

مشكلة الفَهْم، ومشكلة الأمانة العِلمية والأداء الموضوعي النزيه. فقد أفرز الفَهْم البشَري المتعامل مع هذا الخطاب أخطاء اجتهادية وآراء شطّ بها المنهج، أو القصور العِلمي أحياناً، وهوى النفْس أحياناً أُخرى عن روح النصّ، ومراد الخطاب.

وإذا كان الفَهْم البشَري قد أفرز تراكمات مِن الخطأ والانحراف، فإنّ غياب الأمانة العِلمية، وتزوير التاريخ والسنّة، وتغييب الشاهد مِن وثائقهما، والعبَث بالحقيقة، قد أورثت مشاكل ساهمت بدَورها في إرباك الفَهْم وتضليل


التفكير، وتعميق الخطر.

وبهذه الأسباب مجتمعة تفرّقت وحدة المسلمين، وتمزّق شملهم، وتعدّدت كلمتهم.

وإنّ لِمُعضلةِ الخلاف الفكري والسياسي التاريخية هذه امتدادها المعاصر، وأثَرها على الأجيال الشاهدة، في وقتٍ يواجه فيه المسلمون ظرفاً سياسياً وحضارياً عصيباً، يواجهون فيه محنة الغزو الفكري والاحتلال الصليبي والخطر الصهيوني.

ومع تراكم حالات المحنة، وعُمق الجراح في قلب الأُمّة وكرامتها، نشاهد بعض الأقلام والألسُن تعمل جاهدةً على توسيع دائرة الخلاف بين المسلمين، وشنّ حملات دعائية وتضليليّة هدّامة، في الوقت الذي يشعر فيه كلّ مسلمٍ غيورٍ على عقيدته وأُمّته بالخطر، الذي يهدّد كيان الأُمّة مِن جهةٍ، وبالأمل الذي بدأت طلائعه تترى في أُفق التحوّل التاريخي في العالَم الإسلامي، باتّجاه المشروع القرآني لبناء المجتمع والدولة والحضارة مِن جهةٍ أُخرى، ممّا يدعو الكتّاب والمفكّرين الإسلاميين وعلماء الإسلام ودعاته إلى حشْد الجهود والطاقات؛ لمواجهة الخطر الفكري والسياسي الذي يهدّد الكيان الإسلامي، وتعميق روح الوعي والأصالة، وهَمّ العودة إلى الذات والهوية، والتعريف بالمشروع الإسلامي العظيم؛ لإنقاذ الإنسـان، وحلّ مشاكله، بدلاً مِن الاشتغال بالصراع والخلاف.

وهذا الإحساس.. الإحساس بوجوب الدعوة إلى وحدة المسلمين، وتصحيح الفهْم، وتوظيف الجهود؛ لإقامة المجتمع الإسلامي الذي يتفيّأ ظلال القرآن والسنّة، ويستلهم صفاءه ووحدته مِن المجتمع النبويّ الكريم.. هذا الإحساس هو الذي دفعني إلى تأليف كتاب (التشيّع: نشأته - معالمه)؛


لإيضاح حقيقة هذا الكيان الإسلامي الأصيل، ذي التاريخ والفاعلية في حركة الأُمّة وحضارتها. بعد أن عُرِّض لحمْلةٍ عدوانيةٍ تشويهيةٍ ظالمةٍ مِن بعض الكتّاب والألسُن؛ نتيجة الجهل والعصبيّة، وعَرَض هذه الحياة الزائلة.

كتبتُ هذا الكتاب للمساهمة في ترشيد الرأي العامّ الإسلامي، وتعريف المسلمين بعضهم ببعض، وإزالة الحاجز النفسي، والضباب التاريخي عن حقائق يجهلها الكثير مِن المسلمين؛ لذلك ابتدأت بالحديث الموضوعي الأمين عن نشأة التشيّع كأقدم اتّجاه إسلامي وأعرَقه، ثمّ عرَّفت بمنهج البحث والتفكير الذي يبني هذا الكيان صرْحه الفكري على أساسه؛ ليتّضح للقارئ مستوى الأصالة والتماسك البُنيوي في هذا الصرْح الإسلامي الشامخ.

بعد ذلك عرَّفت بأبرز مرتكزات البناء الإيماني والتشريعي والسلوكي، وهي مرتكزات العقيدة، ومصادر الفكر والاستنباط، ومنهج الفَهْم والاجتهاد، نظرية السلوك والفهْم العمَلي للإسلام في هذه المدرسة؛ لتتكامل الرؤية لدى القارئ عن نشأة ومعالِم هذا الكيان الإسلامي.

وقد التزمتُ في كلّ ذلك بالموضوعية والأمانة العِلمية، والأخْذ مِن المصادر المعتمدة والموّثقة عند أصحابها. رائدنا في كلّ ذلك خدمة العقيدة، وتوحيد الأمّة وتصحيح الفهْم.

لا بدّ لي مِن أن أُثبّت أنّ كتاب (التشيّع: نشأته - معالمه) - الذي قام (مركز الغدير للدراسات الإسلامية) بنشْره مشكوراً - جاء تجاوباً مع جهود المركز المخلصة؛ لتوحيد الصفّ الإسلامي، والتعريف بمنهج الإسلام كما فهمته مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، في خضمّ تعدّد الرؤى ومدارس الفهْم الإسلامي، فواصلتُ العمل على تأليف هذا الكتاب، حتّى أتممتُه بعَون


الله، مسجّلاً كلمة الشكر والتقدير لجهود السادة العلماء المشرفين على توجيه هذا المركز واهتمامهم المخلص، لا سيّما ما أبداه سماحة آية الله السيّد محمود الهاشمي المشرف العامّ على المركز مِن متابعةٍ وتوجيهات ومناقشاتٍ، كان لها الأثَر الطيّب في إنضاج بحوث الكتاب وتعميقها.

سائلين المولى القدير أن يأخذ بأيدينا إلى ما فيه خير الأمّة وصلاحها، إنّه سميع مجيب.

المؤلّف

10 / صفر / 1414 هـ


المَدخلُ

الوحدة في ظِلّ النبوّة

شاء الله سبحانه أن يبعث في هذه البشَرية رسوله محمّداً (صلّى الله عليه وآله) بالهدى ودين الحق؛ لهداية البشَرية، وإخراجها مِن ظلمات الجهل والتخلّف والفُرقة والضلال، وتحريرها مِن ظُلم الطواغيت واستعباد الإنسان؛ ليفتح أمامها آفاق العِلم، ويضعها على طريق الهدى، ويُحطّم أغلال العبودية، ويقضي على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

وتمّت كلمة الله وانتصر الحقّ وتحرّر الإنسان، واتّضح المسار، وحقّق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عملية التغيير والبناء، وأقام المجتمع والدولة، وحمل الدعوة إلى العالَم أجمع، وتحدّدت معالِم الحياة على هدْيِ الكتاب والسنّة النبويّة المطهّـرة.

فكان المسلمون أمّةً واحدةً، تؤمن برسالتها، ولا تختلف في شيءٍ مِن فهْمها


أو العمل بها، فإنّ فيهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهو مبلّغ الوحي، والمخاطَب بالقرآن، والعالِم بكلّ ما أراد الله أن يبلّغه لعباده، فكان المسلمون يأخذون أحكام دِينهم، ويفهمون ما يتعذّر عليهم فهْمه مِن كتاب الله وشؤون الحياة، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فهو المرجـع، والمُفتي، والمُبَيِّن للشريعة والعقيدة وفهْم الحياة وما استجدّ مِن وقائع ومشاكل حياتية وقضايا عبادية وفكرية.

فلمْ يعرف المسلمون الاختلاف في الأحكام والعقيدة، ولمْ يكن هناك آراء ولا اجتهادات في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بل هو عصْر التبليغ والبيان النبويّ المعبّر عن الحقّ والواقع، كما اطّلع عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأخبره ربُّ العزّة.

فعاشت الأُمّة في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ظِلّ وحدةٍ فكريةٍ وعقيديةٍ وتشريعيةٍ كاملةٍ، وكان القرآن يوجّههم إلى ذلك ويرشدهم، كلّما رأى خلافاً في الرأي، أو حَيرةٍ وبَلبلةٍ.

( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ ) (1) .

( مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (2) .

وإلى جانب الوحدة الفكريّة والتشريعيّة هذه كانت هناك الوحدة القيادية والسياسية، والاجتماع الموحّد تحت لواء القيادة والولاية النبويّة، فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو المبلّغ والحاكم ووليّ الأمر، وهو أَولى بالمؤمنين مِن أنفسهم، فلم يكن هناك نزاع سياسي، ولا خلاف حَول الولاية والإمامة، ولا انقسام في صفوف الأُمّة، ولا تكتّلات سياسية مناوئة للقيادة النبويّـة، غير تكتّل المنافقين المتستّر.

____________________

(1) سورة النساء: آية 59.

(2) سورة الحشر: آية 7.


وهكذا كانت الأُمّة تعيش في ظِلّ وحدةٍ فكريةٍ وتشريعيةٍ وقياديةٍ، غير أنّ هذه الوحدة المتمركزة حَول محوَر النبوّة، كانت تحمِل في طيّاتها الاستعداد للانقسام والصراع والخلاف، في الرأي، والتمحْوُر حول اتّجاهات وشخصيات؛ لعدم تحقّق النُضج الكامل والتجانس في فهْم الإسلام، والتفاعل معه لدى الجميع بدرجةٍ متساوية، لا سيّما الذين دخلوا الإسلام متأخّرين، أو خضعوا لقوّة التيّار الإسلامي وانتصار الدعوة.

ويحدّثنا التاريخ عن عنايةٍ نبويّةٍ خاصّةٍ، بإعداد الرسول طليعة مِن أصحابه، وتأهيلها لمواصلة المسيرة الإسلامية الخالدة، كان في مقدّمتها الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) الذي حظيَ بإعدادٍ وتربيةٍ نبويّةٍ متميّزة، منذ نشأته وتربيته الأُولى، فأثّر هذا الإعداد وتلك العناية بتكوين شخصيّته ووَعيه للرسالة؛ لذا كان له دَور متميّز في نصرة الدعوة، ومواقف الجهاد والبطولة يوم بدْرٍ وأُحُدٍ والأحزاب وخيبر وحُنين، فوَرد على لسان الوحي والرسول مِن المديح والثناء على شخصه ما لم يرِد بحقّ شخصٍ آخَر مِن الصحابة.

وينقل لنا المؤرّخون وأرباب السيَر أنّ ظهور هذه الشخصية في مسيرة الدعوة، والعناية النبويّة بها أفرز نمَطاً مِن الحركة والاهتمام وردود الأفعال المتفاوتة تجاهها، فكان البعض ينظر إلى عليّ (عليه السلام) كمُنافسٍ وقوّةٍ قياديةٍ تُعَدُّ لمستقبل الأيّام، وآخَر يراه محوَراً وقُدوةً. فكانت تلك المرحلة هي بداية ظهور الولاء والتشيّع له.

وإلى جانب هذه الرؤى كان هناك التجمّع الأمويّ، الذي كان لعليٍّ الدَور البارز في ضرْبه وتدميره في مواقع الصراع كلّها، يوم بدْرٍ وأُحُدٍ والأحزاب، وتحطيم القيادة الأمويّة المعادية للدعوة الإسلامية ورسولها وطلائعها، بقيادة أبي سفيان آنذاك.


ظهور المحوَرية السياسية في الصفِّ الإسلامي

وشاء الله سبحانه أن يتوفّى نبيّه، ويلتحق الرسول بالرفيق الأعلى، وتبدأ مرحلة جديدة بعد مرحلة النبوّة، وهي مرحلة الخلافة والقيادة الفكرية والسياسية، مرحلة قيادة الدولة والأُمّة، ومواصلة حمْل الدعوة إلى العالَم مِن قِبَل إمامٍ أو (خليفةٍ)، فكانت السقيفة، وكان الاجتماع التاريخي الذي حدث فيها.

اجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، واختارت سعد بن عبادة زعيماً ورئيساً للمسلمين، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا يزلْ على المغتسَل، والإمام عليٍّ وبنو هاشم مشغولون بتجهيزه، وتناهى خبر الاجتماع ومبايعة سعد، إلى عُمَر بن الخطّاب وأبي بكر وأبي عبيدة بن الجرّاح وعبد الرحمن بن عوف، فأقبلوا مسرعين، وبدأ الجدَل والحوار مع الأنصار المجتمعين في السقيفة، وتحوّل الحوار إلى خلافٍ في الرأي وتهديدٍ بالقتل، فعمَر وأبو بكر وأبو عبيدة يرَون أنّ الخلافة يجب أن تصير في أحدهم، وقد خاطبوا الأنصار بقولهم:

(يا معشر الأنصار منّا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ونحن أحقّ بمقامه) (1) .

وأكّد أبو بكر هذا المفهوم في خطبته في السقيفة بقوله: (وهُم - المهاجرون - أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمْر) (2) .

وحين اشتدّ الجدَل والخلاف، بدأ التّراجع في تكتّل الأنصار، فقالوا: (منّا أميرٌ

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 123.

(2) تاريخ الطبري 3: 208.


ومنكم أمير) (1) .

واستمرّ الحوار بين الطرفين، وبدأ اسم عليّ بن أبي طالب يظهر في السقيفة على أَلسُن القادة البارزين في التكتّلين، كمرشّح للخلافة والإمامة، رغْم عدم حضوره، ورغم أنّه لمْ يكن يعلم بما يجري في السقيفة، وأوّل مَن ذكَره عبد الرحمن بن عوف مِن المهاجرين، والمنذر بن أرقم مِن الأنصار.

خاطب عبد الرحمن بن عوف الأنصار بقوله: (يا معشر الأنصار إنّكم وإن كنتم على فضْل، فليس فيكم مثل أبي بكرٍ وعمَر وعليٍّ، وقام المنذر بن الأرقم فقال: ما ندفع فضْل مَن ذكَرت، وإنَّ فيهم رجُلاً لو طلب هذا الأمْر لمْ ينازعه فيه أحد، يعني عليّ بن أبي طالب) (2) .

ونقل الطبري نصّاً آخَر جاء فيه: (فقالت الأنصار، أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ عليّاً) (3) .

وبعد أن تطوّر الجدَل والحوار وثَبَ بشير بن سعد، فبايع أبا بكر، ثمّ بايعه أُسَيْد بن حضير، هما مِن الأنصار، وهكذا بدأت البيعة، وبايع الحاضرون في السقيفة عدا سعد بن عبادة الذي امتنع عن البيعة، فقال عمَر: (اقتلوا سعداً، قتَل الله سعداً) (4) .

ولمْ ينتهِ الأمْر في داخل السقيفة، بل كان ذلك الاجتماع الخطير بدايةً لمرحلةٍ تاريخيةٍ، وصراعٍ رهيبٍ، وانشقاقٍ وتكتّلات تركت آثارها على مسيرة التاريخ الإسلامي بأسْره، فقد انطلق الصحابي البراء بن عازب إلى بني هاشم، وأخبرهم بما جرى في السقيفة، فقال بعضهم: (ما كان المسلمون يُحْدِثون حَدَثاً نغيب عنه، ونحن أَولى بمحمّد. فقال العبّاس فعَلوها، وربّ الكعبة) (5) .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 123.

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 123.

(3) تاريخ الطبري 3: 198.

(4) تاريخ اليعقوبي 2: 124، تاريخ الطبري 3: 210.

(5) تاريخ اليعقوبي 2: 124.


وهكذا تعكس عبارة العبّاس: (فعَلوها وربّ الكعبة) ما كان مستبطناً في أعماق الموقف، الذي جرى في السقيفة.

وحين تسلّم عليّ (عليه السلام) أنباء تلك الحوادث، حدَّد هو وجمْع مِن الصحابة موقفهم منها، فرفضوا نتائجها.

وظَلّ عليٌّ (عليه السلام) يخاطب المهاجرين والأنصار ومعه فاطمة بنت رسول الله، ويتّصلون بهم؛ لتغيير الموقف، وإعادة النظر، حتّى وفاة فاطمة (عليها السلام)، فكانت تلك الحوادث والمواقف إيذاناً بميلاد التكتّل حول عليّ (عليه السلام)، كما ظهر التكتّل حَول سعد بن عبادة وأبي بكرٍ في السقيفة.


الفصل الأوَّل

نشأةُ التشيّع



تقديمٌ

لقد تناول كثير مِن الباحثين في قضايا الفكر والمذاهب والآراء الإسلامية، الكيان الشيعي بالبحث والدراسة مِن حيث النشأة والبُنية والمحتوى والأثَر السياسي والحضاري في تاريخ الإسلام، غير أنّ مِن المؤسف أنّ معظم تلك الدراسات، لا سيّما دراسات المستشرقين والمتتلمذين على أفكارهم، حملَت الدسّ والتشويه والخلْط بعيداً عن الإنصاف والموضوعية العِلمية، فكانت تعبّر في كثير مِن فصولها عن جهل الكاتب أو تعصّبه، أو تسخير فكره وقلَمِه لخدمة الأغراض الاستعمارية، التي اكتشفت جوانب القوّة والفاعلية في الفكر والموقف الشيعي، على مدى التاريخ الإسلامي.

ويهمّنا في هذا الفصل مِن الكتاب أن نعرّف بنشأة التشيّع، كمصطلحٍ وبذرةٍ في إطار الحياة الإسلامية، وتطوّر هذه البذرة إلى كيانٍ فكريٍّ وسياسيٍّ على يد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)؛ ليصبح مِن أكثر الكيانات المذهبيّة والاتّجاهات المدرسيّة الإسلامية أثراً وفاعليةً، في حياة المسلمين وحركة تاريخهم ووضْعهم الحضاري.


معنى الشيعة في اللغة:

قال ابن منظور: (والشيعة: القوم الذين يجتمعون على أمْرٍ، وكلّ قومٍ اجتمعوا على أمْرٍ فهُم شيعة، وكلّ قومٍ أمْرهُم واحد يتبع بعضهم رأي بعض...

قال الزجّاج: والشيعة، أتباع الرجُل وأنصاره...

قال الأزهري: والشيعة، قوم يهْوون هوى عترة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ويوالونهم.

وقد غلَب هذا الاسم على مَنْ يتولّى عليّاً وأهل بيته (رضوان الله عليهم أجمعين)، حتّى صار لهم اسماً خاصّاً، فإذا قيل: فلان مِن الشيعة عُرف أنّه منهم، وفي مذهب الشيعة كذا، أي عندهم، وأصل ذلك مِن المشايعة، وهي المتابعة والمطاوعة) (1) .

وفي قاموس المعجم الوسيط:

(الشيعة: الفرقة والجماعة، والأتباع والأنصار، ويقال هم شيعة فلان، وشيعة كذا مِن الآراء.

والشيعة: فرقة كبيرة مِن المسلمين، اجتمعوا على حبِّ عليٍّ وآله وأحقّيتهم بالإمامة).

ولقد استعمل القرآن الكريم كلمة الشيعة بمعنى الأنصار والأتباع الفِكريّين، فقال: ( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ) (2) .

وهكذا نعرف أنّ معنى الشيعة في اللغة: هُم الأتباع المجتمعون على فكرٍ

____________________

(1) لسان العرب 8: 188 - 189 (مادّة شيع).

(2) سورة الصافّات: آية 83.


واحدٍ، وموقفٍ موحّد.

وإذا كان هذا هو معنى (الشيعة في اللغة)، وأنّ علماء الأُمّة المنصفين، وأصحاب الفكر والمعرّفين الموضوعيّين للألفاظ والمصطلحات والمعاني قد عرّفوا الشيعة: بأنّهم أتباع أهل البيت وأحباؤهم، فلنتابع التشيّع وتطوّره في الحياة الإسلامية.


البذرة الأُولى

لقد تجنّى كثير مِن الباحثين على نشأة التشيّع وبدْء ولادته، حتّى قاد البعض هذا التجنّي إلى اتّهام الشيعة: بأنّهم فِرقة أُسّست بأفكارِ عبد الله بن سَبأ اليهودي الأصل والمحتوى، بينما ذهب بعض الباحثين إلى أنّ التشيّع نشأ في خلافة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

وذهب فريق آخَر إلى أنّ التشيّع وُلِد بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم انعقاد السقيفة، حيث اجتمع عدد بارز مِن الصحابة في بيت عليٍّ وفاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، تؤيّدهم فاطمة بنت محمّد، والعبّاس بن عبد المطّلب عمّ الرسـول (صلّى الله عليه وآله)، فكان هذا الاجتماع أوّل تشيّع ظهر حَول عليٍّ وأهل بيته.

ويذهب فريق آخَر إلى أنّ التشيّع نشأ حَول عليٍّ في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) هو الذي أطلق هذا الاسم على مؤيّدي عليٍّ وأتباعه.

نذكر مِن تلك الآراء ما نقله السيّد محسن الأمين عن أبي محمّد الحسن بن موسى النوبختي في كتابه الفِرق والمقالات: (الشيعة هُم فِرقة عليّ بن أبي طالب، المسمّون بشيعة عليّ في زمان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وما بعده، معروفون بانقطاعهم إليه، والقول بإمامته) (1) .

أمّا أبو حاتم السجستاني، فيقول: (إنّ لفظ الشيعة كان على عهد رسول الله، لقَبٌ لأربعةٍ مِن الصحابة، سلمان وأبي ذرّ والمقـداد وعمّـار) (2) .

____________________

(1) السيّد محسن الأمين / الشيعة بين الحقائق والأَوهام: ص41.

(2) المصدر السابق.


أمّا العالِم المفسّر السيوطي، فيقول في تفسير قوله تعالى: ( أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، يقول: (أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فأقبل عليّ، فقال النبيّ: والذي نفْسي بيده إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة، قال وأخرج ابن مردويه عن عليٍّ، قال: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ألمْ تسمع قول الله: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (1) ، أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الأُمم للحساب تدعون غرّاً محجّلين) (2).

ونقل ابن الأثير ما نصّه: (وفي حديث عليّ (عليه السلام): ستقدم على الله أنت وشيعتُك، راضين مرضيّين، ويقدِم عليَّ عدوَّك غِضاباً مقمحين، ثمّ جمَع يده إلى عُنقه، يريهم كيف الإقماح) (3).

ونقل الشبلنجي أنّ ابن عبّاس (رضي الله عنه) قال: (لمّا نزلت هذه الآية: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لعليٍّ: هو أنت وشيعتُك تأتي يوم القيامة أنت وهُم راضين مرضيّين، ويأتي أعداؤك غضاباً مقمَحين) (4).

وتحدّث ابن حجر عن نُطق النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بهذا المصطلح، فقال: (الآية الحادية عشرة قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) .

أخرج الحافظ جمال الدِين الزرندي عن ابن عبّاس: أنّ هذه الآية لمّا نزلت،

____________________

(1) سورة البينة: آية 7.

(2) جلال الدين السيوطي / الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور 6: 279.

(3) ابن الأثير / النهاية في غريب الحديث والأثَر 4: 106 (باب القاف مع الميم).

(4) الشبلنجي / نور الأبصار في مناقب آل بيت النبيّ المختار: ص80.


قال (صلّى الله عليه وآله) لعليٍّ (عليه السلام): هو أنت وشيعتُك يوم القيامة، راضين مرضيّين، ويأتي عدوّك غضاباً مقمَحين) (1) .

أمّا الشهيد الصدر فيتحدّث عن نشأة التشيّع وظهور الشيعة، ككيانٍ حَول عليٍّ (عليه السلام)، فيوضّح أنّ هناك اتّجاهين نشآ في صفوف الصحابة في عهد الرسول الكريم:

الأوّل: اتّجاه يتقيّد بالنصّ في كلّ مجالٍ مِن مجالات الحياة، ولا يرى مِن حقّ أحدٍ بعد البيان النبويّ أن يجتهد مقابل النصّ، سواء في مجال العبادة أو السياسة أو شؤون الحرب... الخ.

الثاني: اتّجاه يؤمن بإمكانية الاجتهاد مقابل النصّ في بعض المجالات.

وهذان الاتّجاهان قد تجسّدا بشكل تيّارَين، عندما واجَها النصّ النبويّ على أطروحة إمامة عليٍّ (عليه السلام)، فاجتهد ذلك الفريق مقابل النصّ، والتزم الفريق الآخَر بالنصّ، وبذا وُلِد الكيان النصّي مِن حَول الإمام عليّ (عليه السلام).

ثمّ يوضّح ذلك بنصّ قوله: (وهذان الاتّجاهان اللذان بدأ الصراع بينهما في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، قد انعكسا على موقف المسلمين مِن أطروحة زعامة الإمام عليّ (عليه السلام) للدعوة بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فالممثّلون للاتّجاه التعبّدي وجدوا في النصّ النبويّ على هذه الأطروحة سبباً مُلزماً لقبولها دون توقّف أو تعديل.

وأمّا الاتّجاه الثاني، فقد رأى أنّه بإمكانه أن يتحرّر مِن الصيغة المطروحة مِن قِبَل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، إذا أدّى اجتهاده إلى صيغةٍ أُخرى أكثر انسجاماً في تصوّره مع الظروف، وهكذا نرى أنّ الشيعة وُلدوا منذ وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) مباشرةً، متمثّلين في المسلمين الذين خضعوا عمليّاً

____________________

(1) ابن حجر / الصواعق المحرقة: 161.


لأطروحة زعامة الإمام عليّ (عليه السلام) وقيادته، التي فرَض النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الابتداء بتنفيذها مِن حين وفاته مباشرةً.

وقد تجسّد الاتّجاه الشيعي منذ اللحظة الأُولى، في إنكار ما اتّجهت إليه السقيفة مِن تجميدٍ لأطروحة زعامة الإمام عليّ (عليه السلام)، وإسناد السلطة إلى غيره) (1).

وبذا يرى الشهيد الصدر (قدّس سرّه) أنّ المسلمين الذين تحوّلوا عن زعامة الإمام عليّ (عليه السلام)، كان تحوّلهم يعود إلى منهج التفكير وطريقة التعامل مع النصّ، وتجويز الاجتهاد مقابل هذا النصّ الذي تواتر لدى المسلمين على هذه الأطروحة.

وهكذا نصل إلى حقيقةٍ كبرى في معرفة جذور التشّيع، ونشأة المصطلح وميلاده على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأنّ مشاهير علماء المسلمين مِن محدّثين ومفسّرين ولُغَويّين يوضّحون: أنّ الشيعة هُم أتباع أهل البيت وأولياؤهم، وأنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى، هو الذي سمّى أتباع عليٍّ بهذا الاسم.

مِن ذلك نفْهم أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان يمهّد للتعريف، وإلفات النظر إلى مستقبل الأحداث والتطوّرات في حياة أُمّته مِن بعده، كجزءٍ مِن البيان والتبليغ؛ ليحدّد للمتنازعين مِن بعده أين يجب أنْ يقفوا، ولمَن يشايعون، ومَن يتّبعون.

إنّ هذه الحقائق العلميّة تلغي كلّ تفسيرٍ وتخرّصٍ وتشويهٍ لنشأة التشيّع وهويّته الحقيقية. فالبذرة الأُولى لنشأة التشيّع إذن، نشأتْ على عهد رسول الله

____________________

(1) الشهيد الفقيه السيّد محمّد باقر الصدر / بحث حَول الولاية: ص78 - 79.


(صلّى الله عليه وآله)، غير أنّه تطوّر يوم وفاته (صلّى الله عليه وآله) إلى تكتّلٍ سياسيٍّ، وخطٍّ فكريٍّ حَول الإمام عليّ (عليه السلام) يستلهم مِن ذلك البيان النبويّ فِكرَه وموقفَه، فسمّي هذا التكتّل بالشيعة.


ظهور التكتّل الشيعي

بدأ اسم عليٍّ يظهر خارج السقيفة كمرشّح للخلافة، وكأحقِّ شخصٍ بها، كما ظهر في داخل السقيفة، وفي وسط المتحاورين، فبعد أن خرج المهاجرون والأنصار المجتمعون في دار رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ لانتشار خبر السقيفة، قام الفضل بن العبّاس، فخطَب الناس المجتمعين هناك قائلاً: (يا معشر قريش، إنّه ما حقّت لكم الخلافة بالتمويه، ونحن أهلها دونكم وصاحبنا(*) أَولى بها منكم) (1) .

وهكذا بدأ التكتّل حَول عليٍّ، والمناداة بإمامته في اليوم الأوّل مِن وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وبدأ التشيّع الفكري والسياسي يظهر ككُتلةٍ وكيانٍ، يحدّثنا اليعقوبي عن ذلك بقوله:

(وتخلّف عن بيعة أبي بكرٍ قوم مِن المهاجرين والأنصار، ومالوا مع عليّ بن أبي طالب، منهم العبّاس بن عبد المطّلب، والفضل بن العبّاس، والزبير بن العوّام بن العاصّ، وخالد بن سعيد، والمقداد بن عمرو، وسلمان الفارسي، وأبو ذرّ الغفاري، وعمّار بن ياسر، والبراء بن عازب، وأُبيّ بن كعب) (2) .

وبدأ هذا التكتّل المتشيّع لعليٍّ يواصل مساعيه السياسية واجتماعاته، ويطالب بإعادة النظر فيما جرى في السقيفة. ويحدّثنا المؤرّخون عن الاجتماع السياسي، الذي جرى في بيت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ للتباحث في موضوع الخلافة والإمامة بعد الذي جرى في سقيفة بني ساعدة، فقد نقل

____________________

(*) وصاحبنا: يعني عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 124.

(2) المصدر السابق.


اليعقوبي ذلك بقوله:

(وبلَغ أبا بكر وعُمَر أنَّ جماعة مِن المهاجرين والأنصار، قد اجتمعوا مع عليِّ ابن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول الله، فأتَوا في جماعةٍ، حتّى هجموا الدار..) (1).

أمّا ابن قتيبة، فقد روى خبر هذا الاجتماع السياسي بالنصّ التالي:

(وإنّ أبا بكر (رضي الله عنه) تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليٍّ (كرَّم الله وجهه)، فبعث إليهم عمَر، فجاء فناداهم، وهُم في دار علـيٍّ، فأبَوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب، وقال: والذي نفْس عمَر بيده لتخرُجُنَّ أو لأحرقَنّها على مَن فيها) (2) .

وإذن، نستطيع أن نؤرّخ لظهور التشيّع ككيانٍ سياسيٍّ وفكريٍّ متميّز منذ الساعات الأُولى، التي تلَت وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، حينما احتدم الجدَل حَول المرشّح للخلافة والإمامة، وبذا نفْهم أنّ التشيّع وُلِد في صفوف الصحابة في المدينة المنوّرة؛ وحفظاً لوحدة المسلمين وتماسكهم آثَر عليّ (عليه السلام) الانسحاب مِن المواجهة السياسية، ومال إلى العزلة أيّام الخليفتَين أبي بكرٍ وعمَر، واكتفى بإبداء النُّصح والمشورة، والمشاركة في تسديد المسيرة الإسلامية.

ولقد سجّل له التاريخ أروَع تعبيرٍ عن التضحية والإيثار، حين عَبّر عن موقفه بقوله: (والله لأسلمنّ ما سلِمت أمور المسلمين) (3) .

غير أنَّ الاتّجاه والرؤى والجماعة المُشايعة لعليٍّ بدأت بالظهور، كقوّةٍ سياسيةٍ وفكريةٍ، وكحزبٍ له وجْهات نظرٍ في سياسة الدولة وجهازها الحاكم، عندما تسلّم عثمان الخلافة، وتسلّط الحزب الأمويّ على السلطة، فاستأثر بخيرات الأُمّة

____________________

(1) المصدر السابق: ص126.

(2) ابن قتيبة الدينوري / الإمامة والسياسة 1: 19.

(3) نهج البلاغة / الخطبة 74.


وكوّن طبَقةً متميّزةً، وبدأ النقْد مِن الصحابة في المدينة المنوّرة، وبقية المسلمين في الأقطار الإسلامية كمصر والعراق، فانضمّ إلى موقف النقْد والمعارضة لسياسة عثمان: كتلةُ عائشة زوج الرسول، وطلحة والزبير، فكانوا أشدّ الناس نقْداً لسياسة عثمان وتحريضاً عليه، وقد ذكَر اليعقوبي ذلك بقوله: (وكان أكثر مَن يؤلِّب عليه طلحة والزبير وعائشة) (1).

وروي أيضاً: (فإنَّ عثمان يوماً ليخطب، إذ دلّت عائشة قميص رسول الله، ونادت يا معشر المسلمين: هذا جلباب رسول الله لمْ يَبْلَ، وقد أبلى عثمان سنّته) (2) .

وكانت تقول لمروان، عندما طلب منها أن تتدخّل لإصلاح الأمْر بين عثمان وحركة المعارضة الواسعة، التي اشترك فيها أهل المدينة ومصر والعراق يقودهم طلائع الصّحابة، وفيهم الأنصار والمهاجرون، ردّت عليه قائلة: (لعلّك ترى أنّي في شكٍّ مِن صاحبك، أما والله لوَددتُ أنّه مقطّعٌ في غرارة مِن غرائري، وأنّي أُطيق حمْله، فأطرحه في البحر) (3) .

وهكذا كان الجوّ السياسي مكْفَهرّاً، والصراع محتدماً بين عثمان والحزب الأمويّ مِن جهةٍ، وبقيّة المسلمين مِن جهةٍ أُخرى، وكان طوال فترة حُكم عثمان التي ظهر فيها التراجع عن التطبيق الإسلامي، وعبَث الحزب الأمويّ بشؤون المسلمين، كان أبو ذرّ الغفاري وعمّار بن ياسر وعمرو بن الحمق الخزاعي والمقداد ابن عمرو ومحمّد بن أبي بكر ومالك الأشتر، وهُم مِن أركان المتشيّعين للإمام عليّ، كانوا مِن قادة المعارضة السياسية لعثمان والتسلّط الأمويّ على شؤون الأُمّة، فنفى

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 175.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق: 176.


عثمان أبا ذرّ الغفاري إلى الربذة، ومات هناك وحيداً إلى جوار ابنته.

ومع اشتداد المعارضة ازداد تجمّع الصحابة وتشيُّعهم لعليٍّ (عليه السلام)، وقد وَصف اليعقوبي تلك الظاهرة بقوله: (ومالَ قوم مع عليِّ بن أبي طالب، وتحاملوا في القول على عثمان) (1) .

وصوّر ابن الأثير اجتماع المعارضة، ولجوءها إلى عليٍّ بقوله:

(فاجتمع الناس فكلّموا عليَّ بن أبي طالب، فدخَل على عثمان، فقال له: الناس ورائي، وقد كلّموني فيك) (2) .

غير أنّ الإمام عليّاً لمْ يشارك في عملية الصراع هذه، وحاول أن ينصح عثمان، ويدفع محنة الصراع الدموي، والتمزّق عن وحدة الأمّة.

إنّ دراسة وتحليل بُنية المرتكزات الأساسيّة للتشيّع والمتشيّعين لعليٍّ (عليه السلام) في تلك المرحلة، توصلنا إلى أنّ هذه المرتكزات تتلخّص في:

1 - الإيمان بأحقّية عليّ بالخلافة والإمامة، ووجوب البيعة له.

2 - الدعوة إلى العمل بكتاب الله وسنّة رسول الله، ويمثّل هذان المبدآن المرتكز الأساس للمعتقد الشيعي على امتداد التاريخ، وهما خلاصة التشيّع وجوهره.

وقد ظهر ذلك واضحاً جليّاً في تصريحات وجوه الصحابة، الذين أجمعوا على البيعة لعليٍّ بعد مقتل عثمان، وفي تصريحات عليٍّ وولَديه الحسن والحسين مِن بعده ومَن شايعهم مِن الصحابة والتابعين.

____________________

(1) المصدر السابق: ص163.

(2) ابن الأثير / الكامل في التاريخ 2: 275.


مصطلح التشيُّع في لُغة السياسة

وبعد مقتل عثمان، واندفاع الأُمّة بالبيعة لعليٍّ، وإجماع الصحابة والأقطار الإسلامية على ذلك، عدا معاوية الذي انفرد بالشام وشقَّ عصا الطاعة على إمام المسلمين، الذي تمَّت له البيعة والخلافة. بعد ذلك تميّزَت (شيعتان)، هما: شيعة (أتباع) بني أميّة، وشيعة آل البيت، وكثُر استعمال كلمة (شيعة) لكِلا الفريقين، نذكر فيما يلي بعضاً مِن هذه الاستعمالات التاريخية:

وقع حوار بين معاوية بن أبي سفيان، وبين الإمام السبط الشهيد الحسين بن عليّ بن أبي طالب [ عليه السلام ]، وكان كلٌّ منهما يستعمل كلمة (شيعة):

(وقال معاوية للحسين بن عليّ: يا أبا عبد الله، أعلمتَ أنّا قتلنا شيعة أبيك، فحنّطناهم، وكفّنّاهم وصلّينا عليهم، ودفنّاهم؟

فقال الحسين (عليه السلام): حِجرك وربِّ الكعبة، لكنّا والله إنْ قتلنا شيعتك ما كفّنّاهم، ولا حنّطناهم، ولا صلّينا عليهـم، ولا دفنّاهم) (1) .

ومِن هذه الاستعمالات:

(وروي أنّه - أي زياد بن أبيه - كان أحضر قوماً، بَلَغَهُ أنّهم شيعة لعليٍّ؛ ليدعوهم إلى لعْن عليٍّ والبراءة منه، أو يضرب أعناقهم، وكانوا سبعين رجُلاً) (2) .

ومِن الاستعمالات التاريخية لهذا المصطلح، ما ورَد في كتاب أهل العراق سنة (50 هـ) إلى الإمام الحسين بن عليّ (عليه السلام)، قال اليعقوبي:

____________________

(1) المصدر السابق: ص231.

(2) المصدر السابق: ص235.


(ولمّا توفّيَ الحسن بن عليّ وبلَغ الشيعة ذلك، اجتمعوا بالكوفة في دار سليمان بن صُرَد، وفيهم بنو جعدة بن هبيرة، فكتبوا إلى الحسين بن عليّ يعزّونه على مصابه بالحسن: بسم الله الرحمن الرحيم: للحسين بن عليّ، مِن شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين، سلام عليك، فإنّا نحمَد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو، أمّا بعد:

فقد بلَغَنا وفاة الحسن بن عليّ، يوم وُلد ويوم يموت ويوم يُبعث حيّاً، غفر الله ذنبه، وتقبّل حسناته، وألحقه بنبيِّه، وضاعف لك الأجْر في المُصاب به، وجبَر بك المصيبة مِن بعده، فعند الله نحتسبه، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ما أعظم ما أصيب به هذه الأُمّة عامّة، وأنت وهذه الشيعة خاصّة...) (1) .

وعندما تولّى يزيد بن معاوية الخلافة بالقوّة والوراثة خلافاً لمبدأ الحُكم في الشريعة، ورفض الإمام الحسين بن عليّ (عليه السلام) والشخصيّات الإسلامية البارزة آنذاك، بيعة يزيد؛ لعدم أهليته للخلافة، وانحرافه عن الخطّ الإسلامي القويم، اجتمع زعماء أتباع أهل البيت في العراق، فكتبوا للإمام الحسين (عليه السلام):

(بسم الله الرحمن الرحيم: للحسين بن عليٍّ، مِن شيعته المؤمنين والمسلمين، أمّا بعد فحيّ هلا، فإنّ الناس ينتظرونك، لا إمام لهم غيرك، فالعجَل ثمّ العجَل والسّلام) (2) .

وتحدّث ابن الأثير عن تلك الأحداث، فقال:

(ولمّا بلَغَ أهل الكوفة موت معاوية، وامتناع الحسين وابن عُمَر وابن الزبير عن البيعة، أرجفوا بيزيد، واجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فذكروا مسير الحسين إلى مكّة، وكتبوا إليه عن نفرٍ، منهم: سليمان بن صُرَد الخزاعي،

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 228.

(2) المصدر السابق: ص 242.


والمسيّب بن نَجَبة، ورفاعة بن شدّاد، وحبيب بن مظاهر، وغيرهم) (1) .

وفي كتاب عبد الله بن مسلم الذي كتَبه إلى يزيد بن معاوية، وهو مِن أنصار بني أُميّة، نقرأ في هذا الكتاب استعمال مصطلح (شيعة)، وهو يُطلقه على ذلك الكيان والتكتّل الذي بايع الحسين.. جاء في الكتاب:

(وأمّا بعد فإنّ مسلم بن عقيل قد قدِم الكوفة، وبايعته الشيعة للحسين بن عليّ بن أبي طالب، فإن يكُ لك في الكوفة حاجة، فابعث إليها رجُلاً قويّاً...) (2) .

وهذا معاوية بن أبي سفيان يستعمل كلمة (شيعة)، ويصف أتباع عثمان بأنّهم شيعته، عندما أوصى المغيرة بن شعبة يوم ولاّه الكوفة سنة (41هـ)، جاء في تلك الوصيّة:

(... ولست تاركاً إيصاءك بخصلةٍ: لا تتحامَ عن شتْم عليٍّ وذمّه، والتّرحّم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب عليّ، والإقصاء لهم، وترْك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان (رضوان الله عليه) والإدناء لهم، والاستماع منهم) (3) .

وهذا يزيد بن معاوية عندما كتب إلى عبيد الله بن زياد، وعيّنه والياً على الكوفة، نجده يستعمل كلمة (شيعة) معبّراً بها عن أتباعه وشيعته (شيعة بني أُمية)، ممّا يؤيّد استعمال هذا المصطلح في تلك الفترة، بمعنى التكتّل السياسي والأنصار العقائديّين، جاء في هذا الكتاب:

(أمّا بعد، فإنّه كتَب إليّ شيعتي مِن أهل الكوفة، يخبرونني أنّ ابن عقيل فيها يجمع الجموع...).

____________________

(1) ابن الأثير / الكامل في التاريخ 2: 533.

(2) الشيخ المفيد / الإرشاد: ص 205.

(3) تاريخ الطبري 4: 188 / حوادث سنة 51 هـ.


وجاء في نصّ اليعقوبي: (وخلّف أهل الشام عبد الملك، فأقبل مسرعاً إلى دمشق؛ خوفاً مِن وثوب عمرو بن سعيد، واجتمع الناس عليه، فقال لهم: إنّي أخاف أن يكون في أنفسكم منّي شيء، فقام جماعة مِن شيعة مروان، فقالوا: والله لتقومَنَّ إلى المنبر، أو لنضربَنَّ عُنقك، فصعد المنبر وبايعوه) (1) .

وهكذا يتّضح لنا أنّ معنى التشيّع: هو متابعة أهل البيت (عليّ وبَنِيه)، وأنّ بذرته الأُولى قد وُلدَت على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثمّ ظهر في المدينة المنوّرة في صفوف الصحابة الأوائل، حَول عليّ وفاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كتكتّل يدعو إلى أحقّية عليّ بالخلافة، بعد أن كان حبّاً ووَلاءً لشخصه في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

ثمّ امتدّ مذهباً عقيدياً وفقهيّاً وسياسيّاً؛ نتيجةً لِما يحمِل مِن فهْمٍ ووعْيٍ متميّزٍ للإسلام، استمدّه مِن فهْم ووعي الإمام عليّ وبَنِيـه (عليهم السلام)، فتبلوَر هذا المنهج العقيدي والفقهي، على يد الإمامين محمّد الباقر وولده جعفر الصادق (عليهما السلام)، المعاصرَين لأبي حنيفة ومالك بن أنس وغيرهما مِن أصحاب المذاهب الفقهية.

وينبغي أنْ نشير هنا إلى أنّ المذهب: هو عبارة عن طريقةٍ ومنهجٍ لفَهْم الإسلام، والكشف عن محتواه في المجالات العقيدية والتشريعية والسياسية.

وعندما تبلور هذا الكيان الشيعي، واتّسع عند اشتداد الصراع بين عليٍّ (عليه السلام) ومعاوية، انضمّ إلى صفوف عليٍّ البدريون والمهاجرون والأنصار، وأصحاب بيعة الرضوان، وقاتلوا معه معاوية بن أبي سفيان في معركة صِفّين... ذكَر اليعقوبي ذلك بقوله: (وكان مع عليٍّ يوم صِفّين مِن أهل بدْر سبعون رجُلاً، وممّن بايع تحت الشجرة سبعمئة رجُل، ومِن سائر المهاجرين والأنصار أربعمئة رجُل، ولمْ يكن مع

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 258.


معاوية مِن الأنصار إلاّ النعمان بن بشير ومسلمة بن مخلّد...) (1) .

وقد انقسم الصفّ الإسلامي آنذاك إلى أربعة أحزاب سياسية هي:

1 - الحزب الأُمَويّ، ويقوده معاوية بن أبي سفيان.

2 - حزب عائشة وطلحة والزبير بن العوّام.

3 - حزب الخوارج الذين انفصلوا عن جيش الإمام عليٍّ؛ ولذا عدّهم أصحاب الفِرق مِن الشيعة.

4 - حزب عليّ بن أبي طالب، الذي كان يمثّل الخلافة الشرعية ويقود الأُمّة.

وبعد استشهاد عليٍّ (عليه السلام) استمرّ التشيّع كحزبٍ سياسيٍّ، وخطٍّ فكريٍّ حَول الحسن بن عليّ (عليه السلام)، فبايعه المسلمون، وتجمّعوا حَوله، غير أنّ الظروف السياسية اضطرّت الإمام الحسن إلى مصالحة معاوية، والتنازل عن الخلافة له (2) ، وفْق شروطٍ ومبادئ اتّفق عليها الطرفان، فنكث معاوية عهده هذا، ونصّب ابنه يزيد خليفةً للمسلمين، خلافاً للعهد الذي أبرمه مع الإمام الحسن (عليه السلام)، وخلافاً لمبدأ الحُكم الذي نصَّت عليه الشريعة الإسلامية.

ونقرأ في كتاب الصُلح بين الحسن بن عليّ ومعاوية بن أبي سفيان شرطاً، اشترطه الحسن لحماية شيعة آل البيت، ودفْع التسلّط الأمويّ عنهم، ويكشف هذا الكتاب امتداد كتلة التشيّع، كقوّة سياسية وفكرية يحرص أهل البيت على حمايتها، والحفاظ عليها؛ لأنّها كانت قوّة المعارضة المستهدَفة مِن قِبَل الحزب الأمويّ.

غير أنّ معاوية لمْ يفِ بذلك، وعانت شيعة أهل البيت أشدّ المعاناة مِن الإهانة والقتْل والتعذيب والملاحقة والحرمان، ما ضجَّ به التاريخ... فقد قتَل معاوية عدداً

____________________

(1) المصدر السابق 2: 188.

(2) جلال الدِين السيوطي / تاريخ الخلفاء، اشترط الإمام الحسن على معاوية (على أن تكون له الخلافة مِن بعده... فأجابه معاوية إلى ما طلب): ص179.


مِن طلائع شيعة عليّ (عليه السلام) الذين كانوا مِن أفضل الصحابة والتابعين، نذكر منهم حجْر بن عدي وستة معه مِن أصحابه، وعمرو بن الحمق الخزاعي، وعبد الله بن يحيى الحضرمي، ورشيد الهجري، وجويرية بن مهر العبدي، وأوفر بن حصين، وكثير غيرهم.

وعندما بدأ الحزب الأمويّ يُسلِّط الإرهاب على شيعة آل البيت في عهد الحسن والحسين، كان الاحتجاج يصدر مِن السبطين، ولكن دون جدوى... فلمّا استشهد الحسن بن عليّ (عليهما السلام) مسموماً على يد معاوية بن أبي سفيان، تجمّع الشيعة حَول الإمام الحسين، وطالبوه بالثورة على معاوية، إلاّ أنّه رفض ذلك، وطلب منهم الالتزام بعهد الصُلح، حتّى موت معاوية، غير أنّ معاوية خالف ميثاق الصلح، وعقد البيعة لابنه يزيد، وحوّل الحُكم الإسلامي إلى حُكمٍ ملَكيٍّ وراثي في الحزب الأمويّ، فرفض الحسين ووجوه الصحابة والتابعون بيعة يزيد.

وبدأت المواجهة المسلّحة، وأعلن الحسين بن عليّ (عليهما السلام) الثورة على حكومة يزيد بعد موت معاوية، وقاد الكفاح كإمامٍ للمسلمين ومسؤولٍ عن حفظ الأُمّة والرسالة.

ونشاهد مصطلح الشيعة يتكرّر في هذه الحقبة، ويبرز التشيّع كتكتّلٍ سياسيٍّ وخطٍّ فكريٍّ معارض مِن حَول الإمام الحسين بن عليّ، كما كان يتحرّك مِن حَول أبيه عليٍّ وأخيه الحسن (عليهم السلام)، ويجسّد هذا الوجود السياسي الكتاب الذي وجّهه أهل العراق إلى الإمام الحسين بن عليّ، فقد جاء فيه:

(بسم الله الرحمن الرحيم: للحسين بن عليٍّ أمير المؤمنين، مِن شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام): فإنّ الناس ينتظرونك، لا رأي لهم غيرك، فالعجَل يا ابن رسول الله، فقد اخضرّ الجَنَاب، وأينعت الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فاقدِم علينا إذا شئت، فإنّما تقدِم على جُندٍ مجنَّدة لك، والسّلام


عليك ورحمة الله وبركاته، وعلى أبيك مِن قبلك) (1) .

فتوجّه الحسين مِن المدينة المنوّرة إلى العراق، ووقعت المواجهة بينه وبين الجيش الأمويّ، واستشهد الإمام الحسين وثمانية وسبعون مِن أصحابه وأهل بيته، وحلّت الفاجعة بآل البيت النبويّ، ونشبت الفتن والثورات، وانطوت مرحلة قيادة المواجهة المسلّحة مِن جانب أئمّة أهل البيت بعد عليٍّ والحسن والحسين [ عليهم السلام ].

وباستقراء وقائع الكفاح السياسي والفكري، الذي استمرّ طيلة حياة الإمام عليٍّ وولَدَيه السِبْطين، الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومَن تابعهم وجاهد معهم، نلاحظ أنَّ دعوتهم تركّزت حَول المطالبة بالتمسّك بكتاب الله وسنّة رسول الله والعمل بهما؛ لإيضاح وبلوَرة هويّة التشيّع لأهل البيت (عليهم السلام)، وجوهر حركتهم الفكرية.

ويتجسّد ذلك واضحاً في المواقف والتصريحات، التي صدرت عن الأئمّة وآبائهم. مِن ذلك ما ورَد في كتاب الصُلح الذي ثبّت فيه الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، واشترط على معاوية: (أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة نبيّه) ، ويظهر ذلك واضحاً في الرسالة التي كتبها الإمام الحسين (عليه السلام) لأهل العراق: (... وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله، وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت، وأنّ البِدْعة قد أُحييَت، وإنْ تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدِكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته).

وهكذا يتّضح لدينا ظهور شيعتَين متواجهتين: شيعة آل البيت بقيادة عليٍّ والحسن والحسين، وشيعة بني أُميّة خلال حكومة معاوية وابنه يزيد وما تلاها مِن فترة الحُكم الأمويّ.

____________________

(1) السيّد ابن طاووس / مقتل الإمام الحسين: ص 15 - 16.


التَشرذم والخروج عن الخطّ الشيعي

في معركة صِفّين التي وقعت بين عليّ ومعاوية، والتي انتهت بالتحكيم، انشقَّ جيش عليٍّ، وخرجت منه جماعة محتجّة على التحكيم، وسمّيت هذه الفِرقة بالخوارج، ويعدّها علماء الفِرق فِرقةً شيعيّةً، غير أنّ الدراسة الموضوعية تنفي انتساب هذه الفِرقة إلى الشيعة؛ ذلك لأنّهم انشقّوا على الإمام عليّ مؤسّس التشيّع، ورفضوا إمامته، وقاتلوه واغتالوه، ثمّ تحوّلوا إلى كيانٍ سياسي، وأصحاب عقائدٍ خاصّةٍ بهم، تختلف عن الآراء العقيدية التي يحملها أئمّة أهل البيت وأتباعهم، كما أصبح لهم فِقْه ونظرية سياسية في الحُكم والإمامة، تختلف عن فقْه أهل البيت ونظريّتهم في الحُكم والسياسة.

وبعد مقتل الإمام الحسين (1) في العاشر مِن المحرّم سنة (61 هـ)، انسحب الإمام عليّ بن الحسين زَين العابدين (عليهما السلام)، إمام أهل البيت في تلك الفترة مِن المواجهة المكشوفة والكفاح المسلّح، الذي سلكَه آباؤه الأطهار؛ لعدم توفّر الظروف المناسبة لذلك، فواصل قيادة وتنظيم الكيان الشيعي بصورةٍ سرّية، كما واصل مهامّه العِلمية والفكرية في حِفْظ الرسالة والدفاع عن نقائها وأصالتها القرآنية، وبيان أحكامها ومعارفها.

وفي تلك المرحلة نشأت فِرق وتكتّلات شيعية ذات أهداف سياسية، ظهرت في ميدان الصراع ضدّ الحُكم الأمَويّ، فظهرت جماعة التوّابين، وأتباع المختار بن عبيدة الثقفي، ثمّ أتباع زيد بن عليّ بن الحسين (رضي الله عنه) الذين سمُّوا بالزيدية.. نسبةً إليه، وقد أعلن زيد الثورة على هشام بن عبد الملك الأمَويّ، الذي قتَل زيداً وصلَبه سنة (121 هـ).

____________________

(1) سنعرض جانباً مِن مأساة أهل البيت في كربلاء في موضوع (لماذا التقية) مِن هذا الكتاب.


ولمْ تزل تلك الفِرقة الشيعية موجودة حتّى الآن، ويكثر أتباع زيد في اليمن، وتعتقد هذه الفِرقة بإمامة زيد بن عليّ بن الحسين، ثمّ الإمامة هي في وُلد فاطمة لمَن اتّصف بالعِلم والشجاعة منهم، وتصدّى للقيادة بالثورة على الظلم.

وفي فترة حياة الإمامَين الباقر والصادق (عليهما السلام) بدأت تظهر النظريات الفكرية والسياسية، والاختلافات في فَهْم الإمامة وتحديد شخص الإمام، في الصفّ الشيعي. وبدأ الانحراف والضلال يسوق فِرقاً كثيرةً انتسبت إلى التشيّع كالمغيرية والخطّابية وغيرها مِن فِرَق الغُلاة والمفوّضة، وقد عدّها كُتّاب الفِرق مِن فِرَق الشيعة، غير أنّ أهل البيت تبرّؤوا منهم ولَعَنوهم وطردوهم.

في حين استمرّ خطّ التشيّع بنقائه وأصالته المعهودة أيّام عليّ والحسن والحسين وعليّ بن الحسين، يكافح كفاحاً عِلمياً ضدّ انحراف تلك الفِرق وغيرها مِن الفِرَق الضالّة، التي وُلدَت في البيئة الإسلامية، وقد قاد الكفاح مِن أجْل النقاء والأصالة الإسلامية أئمّةُ التشيّع في تلك الفترة محمّد الباقر (عليه السلام)، ثمّ ابنه جعفر الصادق (عليه السلام)، ثمّ ابنه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، ثمّ ابنه عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام)، ثمّ ابنه محمّد بن عليّ الجواد (عليهما السلام)، ثمّ ابنه عليّ بن محمّد الهادي (عليهما السلام)، ثمّ ابنه الحسن بن عليّ (عليهما السلام).. ثمّ انتهت مسيرة التشيّع إلى قيادة محمّد بن الحسن المهدي (عجّل الله فرَجَه).

والحديث عن التشيّع في هذه المرحلة، هو حديث عن خطّ أهل البيت ومذهبهم بنقائه وأصالته القرآنية.

وسنعرف فيما هو آتٍ مِن البحث هذا المذهب الإسلامي - مذهب أهل البيت - الذي سُمّيَ بمذهب الشيعة الإمامية؛ لاعتقاده بإمامة اثني عشر إماماً مِن سادة أهل البيت (عليهم السلام)، وسُمّيَ كذلك بالمذهب الجعفريّ نسبةً إلى الإمام


جعفر الصادق؛ لِما أظهر مِن العِلم والفقْه، كما نسبت المذاهب الفقهية إلى أصحابها، كالمذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والزيدي... الخ.


الفصل الثاني

منهج البحث والتفكير

في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)



تقديمٌ

منهج البحث والتفكير، عبارة عن الطريقة التي يسلكها الباحث أو المفكّر في تنظيم وإجراء أبحاثه؛ للوصول إلى النتائج المرجوّة مِن البحث، وقد عرّف منهج البحث بأنّه: (الطريقة التي يتّبعها العلماء في وضْع قواعد العِلم، وفي استنتاج معارفه على ضوء تلك القواعد) (1) .

ومِن الواضح أنّ لكلّ عِلمٍ ومعرفةٍ بشَريّةٍ منهجها الخاصّ بها، رغم وجود عناصر مشتركة بين منهاج العلوم والمعارف البشرية كافّة.

إنّ المتأمّل في العلوم والمعارف الإسلامية، يجد علماء الإسلام قد ساروا في دراساتهم وأبحاثهم، وتحديد عطائهم العِلمي وفْق أُسُسٍ منهجيّةٍ منظّمةٍ ومحدّدة؛ لذا كانت البُنية النظرية لكلّ عِلمٍ ومعرفةٍ، كعِلم التوحيد والأخلاق والحديث والفقْه والتصوّف والعِرفان بُنية منسّقة، قائمة على أساس منهج بحثٍ متّسق الخُطى، متوافق النتائج، إلاّ ما أخطأ الباحث في تطبيقه، كما كان لكلّ اتّجاهٍ مذهبيٍّ وحدته

____________________

(1) عبد الهادي الفضلي / خلاصة المنطق: ص 123.


المنهجيّة، ومبانيه الأساسية التي ساهمت في تصميم شخصيّته الفكرية.

وعند تحليل الاتّجاه العامّ في كلّ بُنيةٍ منهجيّةٍ مِن بُنى العلوم والمعارف الإسلامية، والاتّجاهات الفكرية والمذهبية، نجد أنّ هناك أُسُساً ومنطلقات آمَن بها كلّ فريقٍ إيماناً شرعياً، أو عقلياً، فانطلق منها يحدّد بُنية المنهج العِلمي الذي يثبّت أُسس وقواعد ذلك العِلم، أو البحث في تلك المسألة. ومِن المفيد أن نستعرض بشكلٍ موجز تعريفاً بمناهج البحث الأساسية، التي اتّبعها علماء أهل البيت في المجالات الآتية:

1 - المنهج المعرفي (نظرية المعرفة).

2 - المنهج العقيدي.

3 - منهج الفقْه والاستنباط (1) .

4 - المنهج السلوكي (2) .

وتشمل هذه المناهج المساحة العِلمية، والعطاء الحضاري بمختلف حقوله: (المعرفة، والإلهيّات، والطبيعة، والقيَم، والسلـوك، والشريعـة)، وتصنع منه منظومةً فكريّةً متناسقةً في كلّ اتّجاهٍ مذهبيٍّ ومدرسةٍ فكريّةٍ. وجدير ذِكره: أنّ المعارف والعلوم والأفكار الإسلامية مرّت بعدّة مراحل هي:

1 - مرحلة النصّ (الكتاب والسنّة).

2 - مرحلة التفسير.

3 - مرحلة التنظير.

4 - مرحلة الفلسفة.

____________________

(1) و (2) سنبحث منهج الفقْه والاستنباط والمنهج السلوكي، في المكان المناسب مِن هذا الكتاب في فصلَين مستقلَّين.


ولا يخفى أنّ مراحل التفسير والتنظير والفلسفة، وبشكلٍ خاصٍّ مرحلة التنظير والفلسفة، تأثّرت بمخلّفات الشعوب وأفكارها، كالفكر اليوناني والفكر الفارسي والفكر البوذي وأفكار أصحاب الديانات المحرّفة، كالفكر المسيحي واليهودي، وقد حدث هذا التأثّر بدرجاتٍ متفاوتة، فكان سبباً في نشأة عشرات الفِرَق، وحدوث الانحرافات الفكريّة.

وقد جاهد أئمّة أهل البيت، وبصورةٍ خاصّةٍ في عهد الإمامين محمّد الباقر (عليه السلام) وولده جعفر الصادق (عليه السلام) جهـاداً مستمرّاً، وعلى كلّ صعيدٍ مِن أصعدة الفكر والمعرفة، مِن أجل صيانة الفكر والتفكير الإسلامي، والحفاظ على نقاء العقيدة والشريعة، وأصالة الفهْم والاستنباط بشتّى حقوله ومراتع روّاده.

وفيما يلي مِن البحث ننقل عن أساطين الفكر الإمامي الآراء والأُسُس والأُصول، التي ثبّتوها في هذا المجال؛ لنعطي لمحةً تعريفيّةً بالمعالم الأساسية، وبالأُسس العِلمية لبُنية هذه المدرسة المذهبيّة العريقة، التي نشأت في الصفّ الإسلامي، كما نشأت المدارس المذهبية الأُخرى في المعرفة والعقيدة والفقْه والاستنباط والسلوك.

سنلاحظ مِن عَرض المرتكزات الأساسية لمنهج البحث والتفكير الإمامي، أنّه انطلق في مسلّماته الأساسية مِن الشرع والعقل، ونسّق بينهما وفْق منهج القرآن وتوجيهه، فحصل على منهج بحثٍ أصيل ملتزم ومعطاء مُنتِج، بعيدٍ عن الخرافة والتوقّف والتحجّر، فحقّق النموّ والتوالد والالتزام في آنٍ واحد، فكان منهجاً خصباً وأصيلاً، ينطلق مِن الشرع، ويحترم العقل ويوظّفه كما يوظّف الحسّ والتجربة، ويستخدم الاستقراء والاحتمال والقياس استخداماً منهجياً دقيقاً، وإليك هذه الآراء والأُسس:


1 - المنهج المعرفي (نظرية المعرفة):

لقد تحدّث الشيخ المفيد وهو مِن أساطين الفكر الإمامي في القرن الرابع والخامس الهجريّين، وتوفّيَ سنة (413 هـ)، عن الأُسس العامّة لنظرية المعرفة، التي تقود إلى الإيمان بقضايا ومسائل عقيدية، قد لا توصل النظريات الأُخرى إلى تلك النتائج والمعطَيات، كما نقرأ ذلك واضحاً في النصّ الآتي:

(أقول: إنّ العِلم بصحّة جميع الأخبار طريقه الاستدلال، وهو حاصل مِن جهة الاكتساب، ولا يصحّ وقوع شيءٍ منه بالاضطرار، والقول فيه كالقول في جملة الغائبات (1) . وإلى هذا القول يذهب جمهور البغداديّين (2) ، ويخالف فيه البصريّون والمشبّهـة وأهـل الإجبـار (الأخبار خ)) (3) .

ونقرأ في ما عرَضه العلاّمة الحِلّي بلوَرةً وتنظيراً لنظرية المعرفة والبحث في المنهج الإمامي، الذي يقود إلى الخروج بنتائج مذهبية محدّدة، تختلف عن عطاء غيره مِن المناهج، قال (رحمه الله):

(لمّا كان الإدراك أعرَف الأشياء وأظهرها على ما يأتي، وبه تُعرَف الأشياء، وحصل فيه مِن مقالاتهم أشياءً عجيبةً غريبةً، وجَب البدْء به؛ فلهذا قدّمناه. اعلم أنّ الله تعالى خلَق النفْس الإنسانية في مبدأ الفطرة، خالية عن جميع العلوم (*)

____________________

(1) جملة الغائبات: مختلف القضايا المجهولة لدى الإنسان، والتي يراد اكتشافها.

(2) يقصد بهم مدرسة الاعتزال البغدادية، التي افترقت في بعض متبنّياتها عن مدرسة الاعتزال البصرية، التي هي الأصل في مدرسة الاعتزال.

(3) الشيخ المفيد / أوائل المقالات: ص 104.

(*) قسّم العلماء العلوم والمعارف البشرية على قسمين هما:

1 - العلوم الضرورية: وهي العلوم التي لا يحتاج التصديق بها إلى الاستدلال، مثل استحالة اجتماع النقيضين، ومثل الكلّ أكبر مِن الجزء.

2 - العلوم النظرية: وهي العلوم التي تحتاج إلى إثباتٍ برهانيٍّ واستدلال، مثل وجود الله، وكُرَويّة الأرض.


بالضرورة، قابلة لها، وذلك مُشاهَد في حال الأطفال.

ثمّ إنّ الله تعالى خلَق للنفْس آلات، بها يحصل الإدراك، وهي القوى الحسّاسة، فيحسّ الطفل في أوّل ولادته بحسّ لمْس ما يدركه مِن الملموسات، ويميّز بواسطة الإدراك البَصَري، على سبيل التدريج بين أبويه وغيرهما، وكذا يتدرّج في العلوم وباقي المحسوسات إلى إدراك ما يتعلّق بتلك الآلات.

ثمّ يزداد تفطّنه، فيدرك بواسطة إحساسه بالأُمور الجزئية الأُمورَ الكلّية، مِن المشاركة، والمباينة، ويعقل الأُمور الكلّية الضرورية بواسطة إدراك المحسوسات الجزئية.

ثمّ إذا استكمل العلوم، وتفطّن بمواضع الجدال، أدرك بواسطة العلوم الضرورية العلوم الكَسْبية، فقد ظهر مِن هذا أنّ العلوم الكسْبية فرعٌ على العلوم الضروريّة الكلّية، والعلوم الضروريّة الكلّية فرعٌ على المحسوسات الجزئية، فالمحسوسات إذن هي أصول الاعتقادات، ولا يصحّ الفرع إلاّ بعد صحّة أصله، فالطعن في الأصل طعنٌ في الفرع.

وجماعة الأشاعرة الذين هُم اليوم كلّ الجمهور مِن الحنفية، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، إلاّ اليسير مِن فقهاء ما وراء النهر، أنكروا قضايا محسوسة على ما يأتي بيانه، فلزِمَهم إنكار المعقولات الكلّية التي هي فرع المحسوسات، ويلزمهم إنكار الكَسْبيّات...) (1) .

وهكذا يتّضح لنا مِن خلال التأمّل في هذه النصوص المنهجية، أنّ المنهج الإمامي يرتّب نظرية المعرفة كالآتي:

1 - الإيمان بأنّ المعارف الحسّية، هي أصل المعرفة البشرية، فالإنسان يحصل مِن خلال أدَوات الحسّ - عن طريق الممارسة والتجربة - على الجزئيّات الحسّية.

____________________

(1) العلاّمة الحِلّي / نهْج الحقّ وكشْف الصدْق: ص 39 - 40.


2 - إنّ العقل ينتزع مِن تلك المعارف الحسّية الجزئيّة معارف كليّة عامّة.

3 - إنّ الحصول على المعارف الكلّية مِن تلك الجزئيات، هي عملية استقرائية، وهي المعبّر عنها بمنهج الاستقراء، الذي عُرّف بأنّه:

(عبارة عن دراسة جزئيّاتٍ عديدةٍ يستنبط منها حُكم عامّ).

4 - تتوفّر لدى الإنسان عن طريق إدراك المحسوسات الجزئية، المعلومات الضروريّة الكلّية.

5 - إنّ العلوم الضروريّة تُسلَك كأُسُس؛ لتحصيل المعارف والعلوم الكسْبية والبناء عليها، وبذا تكون العلوم والمعارف التي يحصل عليها الإنسان، وبمختلف فروعها المادّية والعقلية والإنسانية، إنّما هي فرع على العلوم الضرورية الكلّية.

6 - ينتج مِن هذا التسلسل المنطقي في بُنية نظرية المعرفة في المدرسة الإمامية، أنّ الإيمان بالله وما يرتبط به مِن معارف وعلوم إلهيّة، إنّما يبتني التصديق بها والبرهنة عليها على أوّليات منتزعة مِن المعارف الحسّية، فمبدأ العلّية والسببيّة الذي يوصل إلى الإيمان بالله، إنّما أُنتزع مِن جزئيات حسّية في بدْء تكوّنه في ذهن الإنسان، فالإنسان يشاهد في عالَم الحسّ والطبيعة، أنّ الأشياء مرتبطة بعللِها وأسبابها، فأوصله هذا المبدأ إلى الإيمان بعلّة الوجود وخالق الكون، اعتماداً على مبدأ القياس.

وصوّر أبو إسحاق إبراهيم النوبختي - صاحب كتاب (الياقوت) الكلامي - صوّر العلاقة بين التفكير وإنتاج العلم، كالعلاقة بين السبب والنتيجة، منطلقاً مِن مبدأ الإيمان بقانون العلّية، الذي آمنت به الإمامية، وأنكرته الأشاعرة، قال: (والنظر يولّد العِلم، كسائر الأسباب المولّدة لمسبباتها).

وعلّق الشارح - العلاّمة الحِلّي - على ما أَورده النوبختي، قائلاً: (أقول:


اختلف الناس في ذلك، فقالت المعتزلة: النظر الصحيح يولّد العِلم.

وقال الأشاعرة: إنّ العِلم يحصل عقيبه لمجرّد العادة مِن فِعل الله تعالى، كالعاديّات.

وقال أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرَمين - الجويني ـ: إنّ العِلم ما يلزم النظر لزوماً واجباً، إنْ لمْ يتولّد عنه) (1).

وهكذا يتحدّد مرتكز أساس في الفكر الإمامي، وهو أنّ التفكير يولّد المعرفة، كما تولِّد الأسباب نتائجها، وهي مِن فِعل الإنسان، خلافاً لنظرية الأشاعرة التي أنكرت قانون السببيّة، وفسَّرت العلاقة بين الأشياء بالعادة؛ إذ ردّت الأفعال كلّها إلى الله سبحانه مباشرة.

2 - المنهج العقيدي:

بعد أنْ تحدّدت نظرية المعرفة بمرتكزاتها الكلّية، وأنّها نظرية شاملة لمعرفة الطبيعة والفكر والإلهيات والمعارف الإنسانية جميعها، وأوضح العلماء - كما مرَّ علينا - العلاقة بين هذه النظرية وبين الإيمان بالله، صار واضحاً لدينا أنّ معرفة الله ورُسُله ودِينه ليس بوِسع العقل أن يستقلّ بإدراكها إدراكاً كاملاً، بل لا بدّ له مِن وحي وشريعة يكمّلان تشخيصه، فهو يستطيع أن يُثبت وجود خالقٍ عالِمٍ قدير، خلَقَ هذا الوجود، وإن لم يكن هناك وحي ورسل، ولكنّه يعجز عن تشخيص عالَم الآخِرة وحساب القبر والجزاء، وكثير من المسائل التي بشّر بها الرسل، كما أنّه عاجز عن تشخيص كثير مِن الأحكام والتكاليف، كوجوب الصوم ووجوب صلاة الظهر، وأنّها أربع ركعات، وإيضاح تفصيلات كثيرة، ليس بوِسعه أن يكتشفها مع عدم وجود بيان شرعي، أو ليس بوِسعه أن يدركها بصورةٍ مطلقة.

____________________

(1) العلاّمة الحِلّي / أنوار المَلَكوت في شرح الياقوت: ص 15.


لذا فإنّ مدرسة أهل البيت انطلقت مِن مبدأ: أنّ الإيمان بالله قضية نظرية - أي تحتاج إلى استدلال - فلا بدّ مِن إقامة الدليل والبرهان، ولا يصحّ فيها تقليد الغير، كالأنبياء وغيرهم؛ لأنّ تصديق النبيّ يحتاج إلى دليلٍ للعقل البشري، فبعد الدليل نصدّق الرُسُل، ونؤمن بالله سبحانه، وأنّهم رُسُله حقّاً.

ونورد هنا ما سجّله العلاّمة الحلّي في كتابه (الباب الحادي عشر) في هذا المجال، قائلاً:

(وجوب معرفته تعالى بالدليل لا بالتقليد) (1) .

قال الشارح: (ولمّا وجبَت المعرفة، وجَب أن تكون بالنظَر والاستدلال) (2) .

ثمّ عرّف النظَر، فقال: (والنظَر: هو ترتيب أُمورٍ معلومةٍ للتأدّي إلى أمرٍ آخَر) (3).

ثمّ قال: (ولا يجوز معرفة الله تعالى بالتقليد) (4).

وقد مرَّ علينا في نظرية المعرفة، كيف يُولَد الإنسان صفحةً بيضاء خاليةً مِن المعارف والعلوم، فيتدرّج الإنسان مِن معرفة الحسّي الجزئي إلى الكلّي المجرّد، ثمّ تتّسع آفاقه، وينطلق مِن الأوّليّات البسيطة؛ ليبرهن على القضايا الكبرى والمعقّدة، كقضية الإيمان بالله تعالى وصفاته بطريقةٍ عقلية، ويصدّق بمعجزة الرُسل، فيذعن لِما جاؤوا به عن الله سبحانه؛ لذا جاء الخِطاب الإلهي في القرآن الكريم داعياً إلى التأمّل في خلْق السماوات والأرض، وفي النفْس البشرية، وفي عوالم الطبيعة؛ للوصول إلى تصديق الأنبياء، والإيمان بالله تعالى:

____________________

(1) المقداد السيوري / شرح الحادي عشر: ص 3 - 4.

(2) المصدر السابق: ص 4.

(3) المصدر السابق.

(4) المصدر السابق.


( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ ) (1).

وهكذا نصل إلى أنّ الإيمان بالله قضية برهانية استدلالية، يجب على كلّ فردٍ أن يمارسها بأيّ مستوىً مِن المستوَيات الموصِلة إلى النتيجة، فهي واجب عَيني، وليس واجباً كفائياً؛ لذلك قال المقداد السيوري - شارح الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي - بعد أن قسّم الواجب على قسمين: عيني وكفائي، قال: (والمعرفة مِن القِسم الأوّل) (2) .

ولذلك قال العلاّمة في حديثه: (يجب على عامّة المكلَّفين) (3).

وتحدّث الشيخ المفيد عن طريق العِلم بالله تعالى، فسجّل لنا الأُسُس المنهجية لرحلة البحث عن الإيمان بالله سبحانه، وحصول اليقين به، فقال (رحمه الله): (أقول إنّ العِلم بالله (عزّ وجلّ)، وبأنبيائه، وبصحّة دِينه الذي ارتضاه، وكلِّ شيءٍ لا تدرَك حقيقته بالحواسّ، ولا يكون المعرفة قائمةً به في البداية، وإنّما يحصل بضرْبٍ مِن القياس، لا يصحّ أن يكون مِن جهة الاضطرار، ولا يحصل على الأحوال كلّها إلاّ مِن جهة الاكتساب، كما لا يصحّ العِلم بما طريقه الحواسّ مِن جهة القياس، ولا يحصل العِلم في حالٍ مِن الأحوال بما في البداية مِن جهة القياس، وهذا قد تقدّم وزِدنا فيه شرحاً هنا للبيان، وإليه يذهب جماعة البغداديين، ويخالف فيه البصريون مِن المعتزلة والمشبّهة وأهل القدر والإرجاء) (4).

ويشرح هذا المنهج العقيدي في موضعٍ آخَر، فيقول: (إنّ المعرفة بالله تعالى

____________________

(1) سورة آل عمران: آية 190.

(2) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 6.

(3) المصدر السابق: ص 2.

(4) الشيخ المفيد / أوائل المقالات: ص 103.


اكتساب، وكذلك المعرفة بأنبيائه، وكلّ غائب، وأنّه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شيءٍ ممّا ذكرناه، وهو مذهب كثير مِن الإمامية والبغداديين مِن المعتزلة خاصّة، ويخالف فيه البصريون مِن المعتزلة والمجبّرة والحشوية مِن أصحاب الحديث) (1).

ويربط الشيخ المفيد بين العقل والشرع؛ لإكمال معارف الإنسان الإلهية، فيقول: (اتّفقت الإمامية على أنّ العقل يحتاج (محتاج) في عِلمه ونتائجه إلى السمع - أي إلى ما جاء به الرسول - وأنّ العقل غير منفكٍّ عن سمعٍ ينبّه الغافل، على كيفية الاستدلال، وأنّه لا بدّ في أوّل التكليف وابتدائه في العالَم، مِن رسول) (2).

فالعقل إذن يحتاج في اكتساب المعارف التفصيلية في قضية الإيمان بالله، وبيان التكاليف إلى السمْع، أي إلى الوحي والشرائع الإلهية.

وهكذا يكون منهج المعرفة العقيدي قائماً على العقل والشرع، والشرع هو الضابط والمصحّح، ومبدأ الاستدلال والتصديق هو العقل، ثمّ يتولّى الشرع بيان معارف العقيدة، وضبط مسار العقل في هذا المجال؛ لذا كان على العقل أنْ يُذعن لكلّ ما جاء به الشرع، بعد أن ثبَت لديه بالدليل والبرهان وجود الله سبحانه وصدْق الرُسُل.

وتأسيساً على ذلك انتقد الشيخ المفيد، بما ورَد عنه مِن نصٍّ تحت عنوان: (القول في أنّ العقل لا ينفكّ عن سمْعٍ، وأنّ التكليف لا يصحّ إلاّ بالرُسُل)، انتقد منهج المعتزلة والخوارج والزيديّة الذين: (زعموا بأنّ العقول تعمل بمجرّدها مِن السمْع والتوفيق...).

ويوضّح الشريف المرتضى منهج الإمامية في الإيمان بالله سبحانه، فيقول جواباً على سؤال ورَد عليه: (قد سأل يرحمه الله، عن الطريق إلى معرفة الله، بمجرّد العقل، أو مِن طريق السمْع (3).

____________________

(1) المصدر السابق: ص 66.

(2) المصدر السابق: ص 50 - 51.

(3) السمْع: الرسالات الإلهية، وما يُبلَّغ، ويُسمَع مِن الأنبياء.


الجواب: إنّ الطريق إلى معرفة الله تعالى هو العقل، ولا يجوز أن يكون السمْع؛ لأنّ السمْع لا يكون دليلاً على الشيء إلاّ بعد معرفة الله وحكمته، وأنّه لا يفعل القبيح، ولا يُصدّق الكذّابين، فكيف يدلّ السمْع على المعرفة) (1).

وهكذا اعتمد المنهج الإمامي طريق العقل للاستدلال على وجود الله سبحانه، وإثبات نبوّة الأنبياء (عليهم السلام)، بعد أن آمَن بأنّ التفكير يوصِل إلى العِلم.

وبهذا المنهج أعطى العقل قيمته العِلمية، ونقل الأبحاث إلى أرقى مستويات المعرفة، وشاده على أساس البرهان والاستدلال الموصِلَين إلى اليقين الذي لا يتزعزع، معطياً الشرع دَور الموجّه والقائد للعقل، بعد استدلاله على أنّ الشرع صادر عن الخالق العليم.

وإذا كانت هذه آراء فريقٍ مِن العلماء الذين ساهموا في تأسيس منهج التفكير، وتثبيت معالِم نظرية المعرفة في المدرسة الإمامية، فإنّنا نجد الفكر الإسلامي في هذه المدرسة، قد بلَغَ مرحلته العُليا وصيغته المنظَّرة على يد الفقيه الفيلسوف الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه)، في تنظيره لنظرية المعرفة التي شيّدها في كتابه الفريد (الأُسُس المنطقية للاستقراء). فقد بنى الاستدلال في نظرية المعرفة على منهجين هما:

1 - المنهج الاستنباطي.

2 - المنهج الاستقرائي.

ثمّ فسّر الدليل الاستقرائي على أساس نظرية الاحتمال، واعتبر هذه النظرية نظريةً عامّةً للاستدلال على قضايا المعرفة جميعها، الطبيعية التجريبية، والإلهية، والرياضية، وغيرها.

____________________

(1) رسائل الشريف المرتضى / المجموعة الأُولى، المسألة التاسعة: ص 127.


وفي ذلك كتَب يقول: (يقسّم الاستدلال الذي يمارسه الفكر البشري عادةً إلى قسمين رئيسيين، أحدهما: الاستنباط، والآخَر: الاستقراء. ولكلٍّ مِن الدليل الاستنباطي، والدليل الاستقرائي منهجه الخاصّ وطريقه المتميّز.

ونريد بالاستنباط: كلّ استدلالٍ لا تكبّر نتيجته المقدّمات التي يكون منها ذلك الاستدلال، ففي كلّ دليلٍ استنباطيٍّ تجيء النتيجة دائماً مساوية أو أصغر مِن مقدّماتها...

فيقال مثلاً: محمّد إنسان، وكلّ إنسان يموت، محمّد يموت، ويقال أيضاً: الحيوان إمّا صامت وإمّا ناطق، والصامت يموت والناطق يمـوت، فالحيوان يموت.

ففي قولنا الأوّل استنتجنا أنّ محمّداً يموت بطريقةٍ استنباطية، وهذه النتيجة أصغر مِن مقدّماتها؛ لأنّها تخصّ فرداً مِن الإنسان وهو محمّد، بينما المقدّمة القائلة: كلّ إنسانٍ يموت، تشمل الأفراد جميعاً.

وبذلك يتّخذ التفكير في هذا الاستدلال طريقه مِن العامّ إلى الخاصّ. فهو يسير مِن الكلّي إلى الفرد، ومِن المبدأ العامّ إلى التطبيقات الخاصّة.

ويطلق المنطق الأرسطي على الطريقة التي انتهجها الدليل الاستنباطي في هذا المثال اسم القياس، ويعتبِر الطريقة القياسية هي الصورة النموذجية للدليل الاستنباطي.

ونريد بالاستقراء: كلّ استدلالٍ تجيء النتيجة فيه أكبر مِن المقدّمات التي ساهمت في تكوين هذا الاستدلال، فيقال مثلاً: هذه القطعة مِن الحديد تتمدّد بالحرارة، وتلك تتمدّد بالحرارة، وهذه القطعة الثالثة تتمدّد بالحرارة أيضاً، إذن كلّ حديدٍ يتمدّد بالحرارة.


هذه النتيجة أكبر مِن المقدّمات؛ لأنّ المقدّمة لمْ تتناول إلاّ كمّية محدودة مِن قِطع الحديد: ثلاثة أو أربعة أو ملايين، بينما النتيجة تناولت كلّ حديدٍ، وحكَمت أنّه يتمدّد بالحرارة؛ وبذلك شملت القِطع الحديدية التي لمْ تدخل في المقدّمات، ولمْ يجرِ عليها الفحص).

ويخلص الشهيد الصدر إلى القول بأنّ: (السَير الفكري في الدليل الاستقرائي معاكس للسَير في الدليل الاستنباطي الذي يصطنع الطريقة القياسيـة، فبينما يسير الدليل الاستنباطي - وفْق الطريقة القياسية - مِن العامّ إلى الخاصّ عادةً، يسير الدليل الاستقرائي - خلافاً لذلك - مِن الخاصّ إلى العامّ) (1) .

ثمّ يفسّر الشهيد الصدر (قدّس سرّه) الدليل الاستقرائي، على أساس نظرية الاحتمال، التي تقوم على أساس تراكم الاحتمالات، والوصول إلى اليقين المعرفي عن هذا الطريق.

وبعد ذلك يوظّف هذه النظرية - نظريّة الاستقراء - التي تقوم في مرحلةٍ منها على أساس الاستدلال الاستنباطي - كما أوضح ذلك - يوظّفها في الاستدلال على وجود الله سبحانه، ويعتبرها صادقةً ومنطقيةً في مجال الطبيعيات والمعارف الإلهية، كما هي صادقة ومنطقية في مجال الطبيعيات والمعارف الرياضية وغيرها.

وفي ذلك كتَب يقول: (إنّ الأُسس المنطقية التي تقوم عليها كلّ الاستدلالات العِلمية المستمدّة مِن الملاحظة والتجربة، هي نفْس الأُسس المنطقية التي يقوم عليها الاستدلال على إثبات الصانع المدبّر لهذا العالم، عن طريق ما يتّصف به العالَم مِن مظاهر الحكمة والتدبير، فإنّ الاستدلال كأيّ استدلالٍ عِلميٍّ آخَر، استقرائي بطبيعته

____________________

(1) المجموعة الكاملة لمؤلّفات السيّد الشهيد الصدر / الأُسس المنطقية للاستقراء: ص 6.


وتطبيق للطريقة العامّة التي حدّدناها للدليل الاستقرائي في كِلتا مرحلتيه (*) ، فالإنسان بين أمرين: فهو إمّا أن يرفض الاستدلال العِلمي ككلّ، وإمّا أن يقبل الاستدلال العِلمي، ويعطي للاستدلال الاستقرائي على إثبات الصانع نفْس القيمة التي يمنحها للاستدلال العِلمي.

وهكذا نبرهن على أساس أنّ العِلم والإيمان مرتبطان في أساسهما المنطقي) (1) .

وهكذا ينظّم الفكر الإمامي منهج البحث والتفكير في العلوم والمعارف جميعها، بما فيها إثبات الخالق والمعارف الغيبيّة التي خفيَت على الحواسّ البشرية.

ويكون بهذا قد ثبَّت منهجاً قرآنياً للبحث والتفكير، منهجاً متّسماً بالأصالة والخصوبة والدقّة العِلمية.

____________________

(*) يمرّ الاستقراء، كما يوضّحه الشهيد الصدر (قدّس سرّه) بمرحلتين هما:

1 - مرحلة التوالد الموضوعي للفكر، أو المرحلة الاستنباطية مِن الدليل الاستقرائي، ويقوم على أساس التلازم الموضوعي بين المعرفة المولِّدة، والجانب الموضوعي مِن المعرفة المتولّدة.

2 - مرحلة التوالد الذاتي، وهذه النظرية تعني إمكانية نشوء معرفة، وتولّد عِلمٍ على أساس معرفةٍ أخرى، دون أيّ تلازم بين موضوعَي المعرفتين، وإنّما يقوم التوالد على أساس التلازم بين نفْس المعرفتين. ووفْق هذا المنهج استنتج الفكر البشري مِن معرفته بعالَم المخلوقات والمعاجز والدلائل المختلفة، استنتج المعرفة بوجود الله سبحانه؛ لوجود التلازم بين المعرفتين.

(1) المجموعة الكاملة لمؤلّفات السيّد الشهيد الصدر / الأُسس المنطقية للاستقراء: ص 469.


بين الرأي والمعتقد في الفكر الإمامي

يمثّل الفكر العقيدي لدى المسلمين جميعاً الأساس والمنطلق في بناء الرسالة الإسلامية، والفكر العقيدي كالإيمان بوحدانية الله تعالى، وتصديق الأنبياء، وما ارتبط بذلك مِن مسائل وتفريعات، يقسّم بطبيعته إلى قسمين أساسيّين، هما:

1 - الأُسُس الثابتة التي لا اجتهاد فيها ولا رأي، كالإيمان بأنّ الله واحد أحد، متّصف بصفات الكمال منزّه عن النقص، وأنّه بعَث الأنبياء وأنزل الكتُب والشرائع، وأنّه يبعث مَن في القبور، وينصب الموازين العدْل ليوم الحساب والجزاء الذي وعد الخلْق به.

وتلك وأمثالها أُسُس ومسلّمات، ليست قابلة لتعدّد الرأي والاجتهاد لدى المسلمين جميعاً.

2 - هناك مسائل وتفريعات عقيدية اختلف المسلمون في فهْمها وتفسيرها، وتختلف خطورتها العقيدية مِن مسألةٍ إلى أُخرى، كما أنّ هناك تعدّداً في الرأي والفهْم في كثيرٍ مِن التفريعات والمسائل الفرعيّة، في داخل المدرسة العقيديّة الواحدة، كمدرسة الأشاعرة والكرامية والشيعة الإمامية والمعتزلة وغيرهم.

وقد طفحت كتُب الفلسفة الإسلامية والكلام والمناظرات العقيدية بالآراء وطرائق الفهْم، في كثير مِن المسائل الفرعية. والمدرسة الإمامية كغيرها مِن المدارس العقيدية الإسلامية، ينتظم بُنيتها العقيدية صِنفان مِن الفكر العقيدي: صِنف الأُصول والمسلّمات، كالتي ذكرناها آنفاً، وصِنف خضَع لتعدّد الرأي ووجْهات النظَر. فكما نرى للشيخ الصدوق مثلاً رأيه في تلك المسألة، نرى لآل نوبخت آراءهم، وللشيخ المفيد رأيه، ولنصير الدين الطوسي رأيه...


وهكذا فإنّ هناك أُصولاً تمثّل بُنية المذهب العقيديّة، وهناك آراء ووجْهات نظَر ومتبنّيات للعلماء والمتكلّمين والفلاسفة والعِرفانيين والمتصوّفة الإمامية؛ لذا فإنّ تلك الآراء تخضع للتمحيص العِلمي، ولا تمثّل جميعها الرأي المذهبي، بل تمثّل رأي مَن يذهب إليها ويتبنّاها.

وإنّ صحّة هذا الرأي أو ذاك خاضعة لمدى تطابقه مع الأصل الإسلامي، الذي جاء به الكتاب العزيز، أو بيّنتْه السُنّة المطهّرة، كما أشار أئمّة أهل البيت في مواضع كثيرةٍ مِن بياناتهم.

(إنّ المذهب الصحيح ما نزل به القرآن).

وكما ثبّتوا لتلامذتهم وأتباعهم مبدأ: (لا تجاوزوا ما في القرآن).

وثمّة مسألة حيويّة أُخرى تنبغي الإشارة إليها، وهي أنّ الاعتماد على العقل أو التأمّل الباطني دون الشرع، في فهْم العقيدة وتحديد رؤاها، مسألة يرفضها المنهج المذهبي في المدرسة الإمامية، كما أوضحنا ذلك في دراسة المنهج العقيدي الإمامي؛ لذا فإنّ كثيراً مِن البُنى العقلية المتطرّفـة، أو التأمّلات الباطنية التي أفرزتْها بعض الاتّجاهات والمناهج داخل المنهج والمدرسة الإمامية، لا تمثّل الرأي الإمامي، كرأيٍ يجب الاعتقاد به، كما يجب الاعتقاد بمسلّمات العقيدة.

وإذا كانت هذه ملاحظات على بعض المناهج وطرائق الفهْم وبعض حالات الاستنباط، فإنّ هناك ملاحظات منهجية ثبّتها علماء الحديث والرجـال، وهي وجوب التوثّق مِن الروايات والأحاديث والمناظرات، التي رُويَت عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، أو أئمّة أهل البيت [ عليهم السلام ] في المجال العقيدي، فإنّ هناك روايات مدسوسة وأُخرى ضعيفة في مجال العقيدة، وما ارتبط بها مِن مسائل وتفريعات، كما أشرنا إلى ذلك في بحث منهج قبول الحديث في المدرسة الإمامية؛ لذا فإنّ الأفكار العقيدية التي تُبنى على تلك الروايات، أفكار غير صحيحة وخارجة على المُتَبَنّى المذهبي في المدرسة الإمامية.


وثمّة ملاحظةٍ عِلميةٍ أُخرى وهي: أنّ المتبنّى العقيدي يجب أن يكون معلومةً يقينيّةً؛ لذا فإنّ أخبار الآحاد، لا يمكن الاعتماد عليها في توليد فكرٍ عقيديٍّ؛ لأنّها طريق ظنّيٌّ إلى المعرفة.



الفصل الثالث

التوحيد

في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)



تقديم

( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) (1) .

( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ ) (2) .

( قُل ادْعُواْ اللّهَ أَو ادْعُواْ الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى ) (3) .

( قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ... ) (4).

وأجاب الإمام الصادق (عليه السلام)على سؤالٍ مِن أحد أصحابه جاء فيه: (أنَّ قوماً بالعراق يصِفون الله بالصورة وبالتخطيط، فإن رأيتَ - جعلني الله فداك - أن تكتب إليَّ بالمذهب الصحيح مِن التوحيد؟ فكتب إليَّ: سألتَ (رحمك الله) عن التوحيد وما ذهب إليه مَن قبلك، فتعالى الله الذي ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، تعالى عمّا يصفه الواصفون المشبّهون الله بخلْقه، المفترون على الله، فاعلم (رحمك الله) أنَّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن مِن صفات الله (عزّ وجلّ)، فانفِ عن الله تعالى البطلان والتشبيه، فلا نفيَ ولا تشبيه، هو الله الثابت الموجود، تعالى الله عمّا يصفه الواصفون، ولا تعدوا القرآن فتضلّوا بعد البيان) (5) .

____________________

(1) سورة الإخلاص: آية 1 - 4.

(2) سورة آل عمران: آية 18.

(3) سورة الإسراء: آية 110.

(4) سورة الرعد: آية 36.

(5) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 100.


وعن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)، عن آبائه، عن أبيهم عليّ بن أبي طالب، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (قال الله (جلّ جلاله): إنّي أنا الله لا إله إلاّ أنا، فاعبدني وأقِم الصلاة لذِكري، مَن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلاّ الله بالإخلاص، دخل حِصني، ومَن دخل في حِصني أمِنَ عذابي) (1) .

التوحيد قاعدة الإسلام، وأساس الدِين، ومرتكز العقيدة في دعوات الأنبياء جميعاً: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (2) .

وعقيدة التوحيد هي الأصل الذي تتفرّع عنه العقائد والأفكار الإسلامية، وتبتني عليه البُنية الثقافية والحضارة ومنهج التفكير والسلوك الإنساني بأسْره.

فالإيمان بالوحي والنبوّة وبعالَم الآخِرة وبالقضاء والقدَر، وبالحلال والحرام وأداء العبادات وفعل الخير، كلّها قضايا ترتبط بالإيمان بالله، وبأنّه واحدٌ أحد خالق الخلْق، له الأسماء الحسنى، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وهو على كلّ شيءٍ قدير، متّصف بالكمال، منزّه عن الظلم والنقص والحاجة، مستحقّ وحده للطاعة والعبادة.

ولقد أوضح القرآن عقيدة التوحيد بأجلى صورها، وأدقّ معانيها، وبيّنها الهادي محمّد (صلّى الله عليه وآله) للبشرية بنقاء ويُسر، بعيداً عن التكلّف والتعقيد؛ لأنّها عقيدةُ الفطرة النقية، والمنطق السليم، والحسّ الوحداني الطليق، فخاطب القرآن العقول، وأثار في نفْس الإنسان الإحساس الوجداني العميق، والتأمّل الواسع في عالَم الوجود؛ ليستجلي آثار التوحيد، ويكتشف عظمة الخالق ومظاهر الصفات في نفْسه، وفيما حَوله..

وهكذا تلقّى جيلُ الدعوة النبوية عقيدته وأفكاره وآراءه ومشاعره، وطريقة تفكيره وسلوكه وعلاقته بالله، وفهْمه للكون والحياة.

____________________

(1) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص 25.

(2) سورة الأنبياء: آية 25.


وهكذا كان القرآن والبيان النبويّ هما مصدر الإلهام والفَهْم العقيدي، والتعريف بعقيدة التوحيد.

لذا رفَض علماء العقيدة الإمامية أن يوصَف الله سبحانه، أو يُسمّى بغير ما وصَف به نفْسه أو سمّاها في كتابه المجيد. وفي ذلك يوضّح المقداد السيوري قائلاً: (فإنّ صفاته تعالى وأسماءه توقيفية، لا يجوز لغيره التهجّم بها إلاّ بإذنٍ منه؛ لأنّه وإن كان جايزاً في نظر العقل، لكنّه ليس مِن الأدب، بجواز أن يكون غير جايز مِن جهةٍ لا نعلمها) (1) .

وازدادت المحنة شدّةً، والانحراف تبريراً، عندما لجأ كثير مِن أصحاب الفِرق والمعتقدات المنحرفة إلى التلاعب بمعاني القرآن وتفسير آياته، أو تأويلها بعيداً عن مراد الله سبحانه، ومحتوى الآية ودلالتها الحقّة؛ لإسناد آرائهم وتبرير انحرافهم، كما لجأت تلك الفِرق إلى وضْع الأحاديث والروايات ودسّها؛ لتعميق الانحراف وإضفاء الشرعية عليه..

وإلى جانب ذلك كان هناك الاتّجاه الخاطئ لفَهْم ظواهر القرآن ومعرفة المراد منها، فافرز أفكاراً ومعتقدات لا تنسجم وعقيدة التوحيد.

وفي خِضَم هذه المعركة الفكرية الصاخبة، مارس أئمّة أهل البيت وتلامذتهم دَورهم في بيان عقيدة التوحيد، والحفاظ على نقائها وأصالتها، فتبلوَر فهْمهم المدرسي المتميّز عن تلك الفِرق والمذاهب والآراء الاعتقادية.

وعند دراسة الاتّجاه والفهْم العقيدي في مدرسة التشيّع، نجده فهْماً قرآنياً قائماً على أساس الدعوة إلى الالتزام بالتوحيد القرآني، والردّ على كثيرٍ مِن الاتّجاهات الفلسفية والكلامية المنحرفة، والتفسيرات التي تلاعَب بها المنطق المنحرف والاندساس والتخريب.

____________________

(1) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 20.


فقد نادى أئمّة التشيّع بالالتزام بالقرآن لفهْم المسائل العقيدية، كصفات الله تعالى، والقضاء والقدَر، والهدى والضلال، والجبر والاختيار، وغيرها مِن المسائل الأُخرى.

وإنّ استقراء الروايات والمفاهيم والمناظرات الواردة عن أئمّة التشيّع، توضّح فهْم هذه المدرسة لعقيدة التوحيد، وتجسّد نقاءها وأصالتها القرآنيـة؛ مِن هذه الروايات والمناظرات ما رواه محمّد بن حكيم، قال: (كتب أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) إلى أبي: إنّ الله أعلى وأجلُّ وأعظم مِن أن يبلغ كُنْه صفته، فصِفوه بما وصَف به نفْسه، وكُفّوا عمّا سوى ذلك) (1) .

وعن الفضل قال: (سألت أبا الحسن عن شيءٍ مِن الصفة، فقال: لا تجاوزوا ما في القرآن) (2) .

وهكذا يتّضح أنّ فَهْم مدرسة التشيّع لعقيدة التوحيد، يبتني على أساس الالتزام بما جاء به القرآن، وأنّ مذهب التشيّع في التوحيد هو مذهب القرآن، كما جاء في قول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن) (3) .

وإذا كانت هذه الدعوة دعوة التمسّك بالتوحيد القرآني قد فصلت بين الاتّجاه الإسلامي الصحيح، واتّجاه تيّارات الغزو الثقافي، التي تمثّلت بالاتّجاهات الفلسفية الوافدة، وحالات الشطَط الكلامي، ومناهج الجدَل، التي أفرزت أفكاراً وتفسيرات للعقيدة الإسلامية بعيدةً عن نقاء التوحيد، وانتهت في بعض تفسيراتها واتّجاهاتها إلى: الشكّ والزندقة والغُلوّ والحلول والاتّحاد والتشبيه والتجسيم والجَبْر

____________________

(1) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 102 / ح6 / (كتاب التوحيد).

(2) المصدر السابق.

(3) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص 102.


والتفويض... الخ.

فإنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قد ثبّتوا الأُسس الصحيحة لفَهْم القرآن، وتوضيح معاني التوحيد الواردة في آياته؛ صيانةً لعقيدة التوحيد، وحفظاً لنقائها مِن التلاعب بمعاني القرآن، وإخضاع آياته لهوى العابثين والفهْم المنحرف، أو الجنوح للظاهرية أو الباطنية، أو الفهْم القاصر الذي يؤدّي إلى حمْل الآي القرآني على غير معناه.

ومَن يستقرئ ما ورَد عن أئمّة أهل البيت (أئمّة التشيّع) (عليهم السّلام) مِن تفسير للآيات المتشابهة (المُجملة)، التي اختلفت الآراء والتفسيرات فيها، واستنتاج المفاهيم العقيدية منها، يجد أنّ تفسير أئمّة أهل البيت لتلك الآيات يدور مدار التنزيه الكامل لله عن مشابهة الخلْق، وإثبات الكمال المطلَق له، ونفْيِ القبح عنه، متّخذاً الآيات المحكَمة والمرتكزات الأساسية - المُبَيَّنة في كتاب الله - محوراً وأساساً للتفسير، وتجليةً للمحتوى القرآني. فثبّتوا منهجاً للتفسير يقوم على أساس:

1 - تفسير القرآن بالقرآن والسنّة الذي حقّق الوحدة الموضوعية للفكر العقيدي، والربط بين مفاهيم الآيات التي تتحدّث عن موضوعٍ واحد، والنظر إليها كوحدة فكرية يُكمّل بعضها بعضاً؛ لأنّ الفهْم الجزئي في هذه الدراسة، هو تقطيع لمفاهيم القرآن، وتمزيق لمحتواه، وتكثيف لأجواء الغموض والانغلاق، التي تؤدّي إلى تضييق أفُق الفكر والمعرفة وإرباكه، وتساعد المغرضين على تحقيق مآربهم، وتمرير فهْمهم.

2 - تفسير القرآن وتأويل آياته بالعقل، الملتزم بالكتاب والسنّة، فقد ساهم التأويل الملتزم مساهمةً فعّالةً في كشف معاني الآيات، وبيان محتواها.

3 - تفسير القرآن عن طريق الفَهْم اللُغَوي، وفْق نظام اللغة، وما حوَت مِن


حقيقةٍ ومجاز، يُمكِّن الفهْم مِن تشخيص المعنى، واكتشاف المراد على الحقيقة أو المجاز.

وقد حقّق هذا المنهج التخلّص مِن مشكلتين خطيرتين، أحاطت بالمدارس العقيدية التي لمْ تتبنَّ هذا المنهج، وهما:

أ - التخلّص مِن ظاهرة تجميد دَور العقل والتوقّف عن الفَهْم العقلي والاستنباط، الذي دعا إليه الظاهريون.

ب - مشكلة تفسير القرآن وِفْق الرأي الشخصي، وجرّ معاني القرآن إلى المَيل المذهبي للمفسِّر، وتحميل القرآن بالتأويل ما لمْ يقصده (1) .

ولمّا كان القرآن الكريم قد تحدّث عن التوحيد وعن صفات الله وأسمائه المقدّسة، وخاطب الناس باللغة التي يفهمونها في عصر النزول؛ لذا لمْ يحدث لهم ارتباك في الفَهْم، أو اختلاف في التأويل إلاّ بشكلٍ محدود.

وعند حصول مثل هذا الاختلاف في الفهْم، فإنّ فيهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الذي يرفع الاختلاف والالتباس وسوء الفَهْم.

وبسبب تعدّد المناهج في فهْم القرآن والتفاوت في القدرات العِلمية، حدث الاختلاف في فهْمه وتأويل آياته، وبدأ ظهور المذاهب والآراء التي ابتعدت عن فهْم المحتوى القرآني، فأخطأت في التعامل مع ظاهره، أو التي لجأت إلى حمْل الظاهر وتأويله على ما لمْ يقصده.

وعند استقراء المدارس العقيدية التي ظهرت في المرحلة التي بدأت في النصف الثاني مِن القرن الأوّل الهجري، وما بعدها بسبب تلك الاتّجاهات والرؤى، نجد عدّة مدارس عقيدية حاولت تفسير العقيدة الإسلامية وفهْم مفرداتها، ومِن أبرز

____________________

(1) لجنة التأليف في مؤسّسة البلاغ / (سلسلة مفاهيم إسلامية) / الفكر الإسلامي 1: 34.


هذه المدارس:

1 - مدرسة أهل الظاهر مِن المحدّثين والمفسّرين.

2 - مدرسة المعتزلة.

3 - مدرسة أهل البيت (مدرسة التشيّع).

4 - مدرسة الغُلاة.

5 - مدرسة الأشاعرة.

6 - مدرسة الفلاسفة المتأثّرين بالفلسفة اليونانية والهندية والفارسية وغيرها.

7 - مدرسة المتصوّفة وأهل الباطن والعرفان.

ونلاحظ آراء وآثار تلك المدارس متميّزة في كتُبهم ومدوّناتهم العقيدية، أو فيما دوّن المنصفون مِن كتّاب الفِرق، أو ما نراه واضحاً في التفسير المتأثّر بمدارسهم العقيدية، أو في الروايات الموضوعة التي حاول الوضّاع أن يؤيّدوا بها اتّجاهاتهم المذهبية.

وقد ثبّت أهل البيت (عليهم السلام) معالم مدرستهم، بما وضّحوه وبيّنوه للناس آنذاك، بالإضافة إلى ما حوَت مناقشاتهم لتلك الاتّجاهات والتفسيرات العقيدية، فتبلوَرت مِن خلال كلّ ذلك موارد الاختلاف، وظهرت (مدرسة التشيّع) في التوحيد مبنيّة على أساس القاعدة الكبرى، التي وضّحها الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) بقوله: (إنّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن... ولا تعدوا القرآن، فتضلّوا بعد البيان).


التوحيد القرآني في مدرسة التشيّع

بعد أن دخل المنهج الفلسفي إلى الفكر الإسلامي، ونشأ عِلم الكلام، وتعدّدت الفِرق الكلامية، وبرز المنهج الظاهري لتفسير القرآن، وثار الجدَل حَول صفات الله سبحانه، ففي خِضَم هذا الصراع حدّد أهل البيت (عليهم السلام) منهجهم العقيدي، وأظهروا معارفهم العقيدية، ونادوا بوجوب إثبات التوحيد لله كما وصف نفسه في كتابه المجيد؛ لذا أثبتوا التوحيد لله، ونفي الشِرك عنه؛ لينزّه الباري (جلّ شأنه) عن شِرك الذات والصفات والأفعال والعبادة، كالآتي:

1 - توحيد الله في ذاته.

2 - توحيد الله في صفاته.

3 - توحيد الله في أفعاله.

4 - توحيد الله في العبادة.

1 - توحيد الله في ذاته:

وقد اعتبرت مدرسة التشيّع أنّ توحيد الله في ذاته هو الأساس الذي تقوم عليه أبنية العقيدة، فالمسلم يؤمن أنّ الله واحد في ذاته، لا يشبهـه شيء، منزّه عن مشابهة الخلْق، لا يحيط به الفكر، ولا يحويه التفكير، وقد وصَف نفْسه سبحانه بقوله: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيـرُ ) (1) .

ويوضّح أئمّة أهل البيت معنى توحيد الله في ذاته بنصوصٍ وبياناتٍ ملأت كتُب الرواية والتفسير والعقائد، نذكر منها:

____________________

(1) سورة الشورى: آية 11.


قول الإمام عليّ: (التوحيدُ ألاَّ تتوَهَّمَهُ، والعدْل ألاَّ تتَّهمَهُ) (1) .

وما ورد عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهم السلام): (ما عَرَف الله مَن شبّهه بخلْقه...) (2) .

وقد ثبّت الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) الأساس التوحيدي؛ لحماية الفكر البشري مِن الشِرك بتحذيره مِن استخدام القياس في معرفة الله، على ما يحمل الفكر البشري مِن معانٍ وتصوّرات منتزعة مِن عالَم المخلوقات.

قال (عليه السلام): (إنّه مَن يصِف ربّه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، ضالاًّ عن السبيل، قائلاً غير الجميل؛ أُعرِّفه بما عرَّف به نفْسه مِن غير رؤية، وأَصِفه بما وَصف به نفْسه مِن غير صورة، لا يُدرك بالحواسّ، ولا يُقاس بالناس، معروف بغير تشبيه، ومتدان مِن بُعده لا بنظير، لا يمثَّل بخليقته، ولا يجور في قضيّته...) (3) .

ويتحدّث الإمام الصادق (عليه السلام) عن توحيد الذات، فيُثبت التنزيه الخالص، والوحدانية المطلقة، وينفي ما التبس على أصحاب بعض الفِرَق والمذاهب العقيدية، وما اعترى تفكيرهم مِن سوء الفهْم للذات الإلهية المقدّسة.

فقد تأثّر مفهوم التوحيد لدى هؤلاء بفهْمهم البشري، وعجْزهم عن التجريد المطلق للذات الإلهية، فتصوّروا مفهوم التوحيد متأثّرين بالنظرة الحسّية والمادّية، فاعتقدوا أنّ لله جسماً وصورة، وأمثال ذلك مِن التصوّرات المادّية المجسّمة.

وقد اعتبر الإمام الصادق (عليه السلام) أنّ تشبيه الله بخلْقه شِركٌ؛ لذلك

____________________

(1) نهْج البلاغة: ص 558 / ح 470.

(2) الشيخ الصدوق / التوحيد: 47.

(3) المصدر السابق.


يقول: (مَن شبَّه الله بخلْقه فهو مُشرك، ومَن أنكر قدرته فهو كافر) (1) .

ولإيمان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ ذات الله حقيقة أحديّة لا تدرك كُنْهها العقول، حذّروا مِن التفكّر في ذات الله، ودعوا إلى معرفة خلْقه، واستقراء آثار صفاته المتجلّية في عالَم الوجود؛ لتكون دليلاً على عظمته، وداعياً إلى توحيده؛ لذلك نجد الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) يحذّر مِن التفكّر في ذات الله، ويوجّه العقول إلى التفكّر في عظيم خلْقه سبحانه، فيقول:

(إيّاكم والتفكّر في الله، ولكنْ إذا أردتُم أن تنظروا إلى عظمته، فانظروا إلى عظيم خلْقه) (2).

ويقول في موردٍ آخَر:

(تكلّموا في خلْق الله، ولا تتكلّموا في الله، فإنّ الكلام في الله لا يزداد صاحبه إلاّ تحيّراً) (3).

والإمام الصادق في هذا البيان والتوضيح العقيدي، إنّما يعبّر عن محتوى الآية الكريمة، ودلالتها المعبّرة عن هذه الحقيقة:

( ... وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) (4).

2 - توحيد الله في صفاته:

لقد بحث علماء الكلام وأئمّة الفِرَق والمفسّرون والفلاسفة وأصحاب المذاهب هذه المسألة العقيدية الخطيرة، بحثاً معمّقاً وطويلاً، فتشعّبت الآراء

____________________

(1) المصدر السابق: ص 76.

(2) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 93.

(3) المصدر السابق: ص 92.

(4) سورة الرعد: آية 13.


والاتّجاهات، في فهْم وتفسير صفات الله سبحانه، مِن هذه الآراء، آراء الشيعة الإمامية، والمعتزلة، والأشاعرة، والفلاسفة، والكرامية، وغيرهم.

وكانت أهمّ المسائل التي بُحثت في هذا المجال هي: هل صفات الله سبحانه، كالعِلم والقدرة هي عين ذاته، أو هي زائدة على ذاته. فهل هو عالِمٌ بعِلم، وقادرٌ بقدرة، وحيّ بحياة، أو لا؟.

قد أوضح الشيعة الإمامية رأيهم في هذه المسألة، وتحدّد هذا الرأي في: أنّ صفات الله مِن العِلم والقدرة والحياة، هي عين ذاته، فلا نفي لصفاته، ولا تشبيه بخلْقه، وفْق ما حدّده الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) بقوله: (إنّ المذهب الصحيح في التوحيد ما نزل به القرآن مِن صفات الله (عزّ وجلّ)، فانفِ عن الله تعالى البطلان والتشبيه، فلا نفيٍ ولا تشبيه).

روى الحسين بن خالد، قال: (سمعت عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) يقول: لمْ يزل الله تبارك وتعالى عليماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً، فقلت له: يا ابن رسول الله، إنّ قوماً يقولون: إنّه (عزّ وجلّ) لمْ يزل عالِماً بعِلم، وقادراً بقدرة، وحيّاً بحياة، وقديماً بقِدَم، وسميعاً بسمْع، وبصيراً ببصَر.

فقال (عليه السلام): مَن قال ذلك ودان به، فقد اتّخذ مع الله آلهةً أُخرى، وليس مِن ولايتنا على شيء، ثمّ قال (عليه السلام): لمْ يزل (عزّ وجلّ) عليماً قادراً حيّاً قديماً سميعاً بصيراً لذاته، تعالى عمّا يقول المشركون والمشبّهون عُلوّاً كبيراً) (1) .

وعن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: (مِن صفة القديم أنّه واحد، أحد، صمد، أحديُّ المعنى، وليس بمعانٍ كثيرةٍ، مختلفةٍ، قال: قلت: جعلت فداك، يزعم قوم مِن أهل العراق أنّه يسمع بغير الذي يُبصر، ويُبصر

____________________

(1) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص 140.


بغير الذي يسمع، قال: فقال: كذبوا وألحدوا وشبّهوا: تعالى الله عن ذلك، إنّه سميع بصير، يسمع بما يُبصر، ويُبصر بما يسمع، قال: قلت: يزعمون أنّه بصير على ما يعقلونه، قال: فقال: تعالى الله، إنّما يعقل ما كان بصِفة المخلوقين، وليس الله كذلك) (1) .

تقسيم الصفات:

استفادةً ممّا تتّصف به الذات الإلهية، وما يصدر عنها مِن آثار نشاهدها في عالَم الإمكان، ولبيان الفكر التوحيدي، ذهبت منهجية الدراسات العقيدية الإمامية إلى تقسيم الصفات الإلهية إلى قسمين:

1 - الصفات الثبوتية الكمالية (الجمالية) التي تُثبت له الكمال: كالعِلم والقدرة والإرادة والحياة وغيرها مِن الصفات، التي وصف الله بها نفْسه في كتابه المجيد، ولا يصحّ سلبها عنه سبحانه.

2 - الصفات السلبية، أو الصفات الجلالية: وهي كلّ صفةٍ لا تصحّ نسبتها إلى الله سبحانه، ويجب تنزيهه عنها لوجوب وجوده؛ ولأنّها صفات نقصٍ يتّصف بها عالَم الممكنات، وقد دخل الفكر الإمامي في جدَلٍ وخصامٍ دار حوْل صحّة نسبة بعض هذه الصفات إلى الله سبحانه، مع بعض الفِرَق الإسلامية، كالظاهرية والمجسّمة والقدْريّة والحشوية... الخ.

ولعلّ منشأ الخلاف كما يرى الشيعة الإمامية، هو خطأ المنهج وطريقة التعامل مع النصّ القرآني عند الآخَرين، وعدم فهْم المعنى علـى حقيقتـه؛ لذا نادت بضرورة تنقية التفكير العقيدي مِن الفهْم الذاتي البشري، وتوسّط ذلك الفهْم، أو القياس عليه، عند فهْم الصفات الإلهية.

فإنّ الفهْم الإنساني يميل بطبيعته إلى قياس الأشياء بعضها على بعض، دون أن

____________________

(1) المصدر السابق: ص 144.


يلاحَظ الفارق في القياس في كثيرٍ مِن الأحيان، خصوصاً عندما يستعمل اللفظ ذاته للتعريف بتلك المعاني.

وانطلاقاً مِن ذلك فهِمَت مدرسة أهل البيت التوحيد على أساس التنسيق: بين دلالات الآيات بالتأويل، والفهْم العقلي الملتزم. وحمل الخطاب القرآني في كثيرٍ مِن موارده على أساس المجاز، كاليد والكرسي والاستواء والعرش والغضب والأسف والحبّ، وغيرها مِن الصفات التي وصَف الله بها نفْسه.

فإنّ هذا المنهج هو المنهج السليم لفهْم النصّ القرآني، الذي تحدّث عن صفات الله سبحانه.

وقد تحدّثت مئات الأحاديث الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، في بيان صفات الله وأفعاله، ونفي ما لا يصحّ نسبته إليه مِن الصفات.

كما تناولت الدراسات الكلامية التي استخدمت لغةَ المنطق والحوار العقلي، والتي قام بها علماء التوحيد والعقيدة مِن أساطين الفكر والمعرفة في مدرسة أئمّة أهل البيت؛ لتجلية هذه المعاني، وتثبيت الأُصول العقيدية في كتُبهم ودراساتهم، التي دارت حوْل نفي ما يُنافي التنزيه والكمال مِن الصفات عنه سبحانه، عند الحوار والردّ على أصحاب الفِرَق والآراء المنحرفة، أو المخالفة للاتّجاه المستنير في فهْم أهل البيت التوحيدي، نذكر مِن تلك النصوص ما سجّله العلاّمة الحلّي في هذا الموضوع، قال متحدّثاً عن الصفات السلبية:

الصفة الأُولى: أنّه تعالى ليس بمركّب، وإلاّ لافتقر إلى أجزائه، والمفتقر ممكن.

الصفة الثانية: أنّه تعالى ليس بجسم، ولا عَرَض، ولا جوهر، وإلاّ لافتقر إلى المكان، ولامتنع انفكاكه مِن الحوادث، فيكون حادثاً، وهو محال.


وعلّق الفاضل المقداد، وهو الشارح لمَتْن الكتاب، قائلاً: (خلافاً للمجسّمة).

ثمّ قال العلاّمة: (ولا يجوز أن يكون في محلّ، وإلاّ لافتقر إليه، ولا في جهةٍ، وإلاّ لافتقر إليها)، وكما ينزّه العلاّمة الحلّي والشارح، الباري جلّ شأنه عن هذه الصفة في هذا الكتاب معبّرين عن اعتقاد الإمامية في ذلك، فإنّ العلاّمة الحلّي يؤكّد تنزيه الله عن الحلول في أيٍّ مِن الخلْـق، عند شرحه لكتاب تجريد الاعتقاد لنصير الدِين الطوسي، إذ يقول - معقّباً على قول نصير الدِين الطوسي، الذي نصّه: أنّه تعالى ليس بحالٍّ في غيره ـ: (فإنّ وجوب الوجود يقتضي كونه تعالى ليس حالاًّ في غيره، وهذا حُكمٌ متّفق عليه بين أكثر العقلاء.

وخالَف فيه بعض النصارى القائلين: بأنّه تعالى حالٌّ في المسيح، وبعض الصوفية القائلين: بأنّه تعالى حالٌّ في بدَن العارفين، وهذا المذهب لا شكّ في سخافته) (1) .

الصفة الثالثة: قال العلاّمة الحلّي: (ولا يصحّ عليه اللذّة والألم؛ لامتناع المزاج عليه تعالى) (2) .

الصفة الرابعة: (ولا يتّحد بغيره؛ لامتناع الاتّحاد مطلقاً) (3) .

ثمّ علّق الشارح المقداد قائلاً: (فقد قال بعض النصارى: إنّه اتّحد بالمسيح، فإنّهم قالوا اتّحدت لاهوتيّة الباري مع ناسوتيّة عيسى (عليه السلام)، وقالت،

____________________

(1) العلاّمة الحلّي / كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد / المقصد الثالث (الفصل الثاني): ص 293 مسألة (13).

(2) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 36.

(3) المصدر السابق: ص 37.


النصيرية: إنّه اتّحد بعليٍّ. وقال المتصوّفة: إنّه اتّحد بالعارفين) (1) .

الصفة الخامسة: (إنّه تعالى ليس محلاًّ للحوادث؛ لامتناع انفعاله عن غيره، وامتناع النقص عليه) (2) .

الصفة السادسة: (وإنّه يستحيل عليه الرؤية البصَرية) (3) .

الصفة السابعة: (نفي الشريك عنه؛ للسمْع وللتمانع).

(الوجه الأوّل: الدلائل السمعيّة الدالّة عليه، وإجماع الأنبياء وهو حجّة هنا؛ لعدم توقّف صدْقهم على ثبوت الوحدانية.

الوجه الثاني: دليل المتكلّمين، ويسمى دليل التمانع، وهو مأخوذ مِن قوله تعالى: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (4) ) (5).

الصفة الثامنة: (في نفي المعاني والأحوال عنه تعالى؛ لأنّه لو كان قادراً بقدرةٍ، وعالماً بعِلم ٍ(*)، وغير ذلك، لافتقر في صفاته تعالى إلى ذلك المعنى، فيكون ممكناً، هذا خُلف) (6) .

الصفة التاسعة: (إنّه تعالى غنيٌّ ليس بمحتاج؛ لأنّ وجوب وجوده دون غيره يقتضي استغناءه، وافتقار غيره إليه) (7) .

إنّ هذه الأفكار التوحيدية تؤكّد نفي النقْص والمشابهة بالخلْق، وتُثبت له

____________________

(1) المصدر السابق: ص 38.

(2) المصدر السابق.

(3) المصدر السابق: ص 39.

(4) سورة الأنبياء: آية 22.

(5) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 43.

(*) يقصد بذلك القدرة الزائدة على الذات، وكذا يقصد بالعِلم، العِلم الزائد على الذات.

(6) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 41، 42.

(7) المصدر السابق: ص 44.


الوحدانية والكمال بتنزيهه سبحانه عن صفات الخلْق والإمكان، ووصْفه كما وصَف نفْسه في كتابه المجيد، ووضّحته السُنّة النبويّة، وبيانات الأئمّة الهداة.

فإنّ هذه الأفكار التوحيدية والبُنية العقيدية هي ليست رؤى إنسانية، ولا مُتبنّيات فلسفية اخترعها الفلاسفة والعارفون مِن أتباع أهل البيت، وإنّما هي بيان لمحتوى الكتاب والسنّة، وتأسيسٍ عقليٍّ ملتزم على أُسس تلك القواعد والمبادئ التوحيدية.

فقد تشكّلت بُنية الفهْم الشيعي للعقيدة الإسلامية، وتبلوَرت صيغة كاملة للإلوهية والربوبية والعبودية والوحدانية مِن خلال الفهْم اللُغَوي، والتأمّل العقلي الملتزم بالأُسس والقواعد الواردة في الكتاب والسنّة.

3 - توحيد الله في أفعاله:

قال تعالى: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (1) .

إنّ صفات الله سبحانه وتعالى تُقسّم على قسمين هما: صفات الذات، كالعِلم والقدرة والحكمة... الخ، وهي الصفات التي يوصَف بها سبحانه في كلّ حين، قبل أن يَخلق الخلْق ويفعل الأشياء، ومع الخلْق وبعده، فهو يوصف بها وصْفاً ذاتياً؛ لأنّها عَين ذاته.

وصفات أُخرى تُسمّى صفات الفِعل، وهو سبحانه لا يوصَف بهذه الصفات إلاّ بعد أن يفعل الأشياء، كوَصفه بأنّه خالق، ورازق وراضٍ وساخط وغاضب، ومحبّ وكاره ومُحيي ومُميت... الخ. وكلّ تلك الصفات واقعة تحت صفات الذات مِن العِلم والقدرة والحكمة. وتوحيده سبحانه في أفعاله هو الإيمان بأنّه وحده قادر على

____________________

(1) سورة يس: آية 82.


فِعل أفعاله، كالخلْق والرزق والحياة والإماتة.

وإنّ هذا العالَم وما يجري فيه مِن توالدٍ وفَناءٍ وأحداث في عالَم الطبيعة والحياة، إن هو إلاّ فِعله سبحانه، وليس بوِسع أحد أن يفعل فِعله، أو يردّ إرادته أو يؤثّر في الخلْق.

وإنّ العِلل والأسباب المسيِّرة لعالَم الطبيعة والفِكر والحياة، والمؤثّرة فيه، إن هي إلاّ مِن فِعله وخلْقه.

فهو الذي جعل نظام الموجودات قائماً على أساس العِلل والأسباب؛ لذا فإنّ الإيمان بقانون العلّية والسببية لا ينافي توحيد الله في أفعاله، فالأسباب الطبيعية والبشرية هي القوى التي شاء الله سبحانه أن تكون هي المحرّكة والمؤثّرة، في مسبّباتها مِن الأحداث الطبيعية، والأفعال السلوكية البشرية، وأنّ كلّ ذلك جارٍ تحت قدرته وسلطانه، ووِفْق ما شاء وأراد.

وقد آمَن الفكر الإمامي بقانون العلّية في عالَم الطبيعة والفِعل البشري وحركة التاريخ، وأنكر الأشاعرة قانون السببية والعلّية، وفسّروا التلازم بين حدوث شيءٍ وشيءٍ آخَر بالعادة؛ ظناً منهم أنّ قانون العلّية ينافي توحيد الله في أفعاله، فأَوقعهم ذلك التفسير في مشكلة الجبْر، بإسناد فِعل الإنسان إلى الله سبحانه، ونفي دَور الإرادة البشرية كعلّةٍ مباشرة للفِعل الإنساني.

وثمّة قضية عقيدية أُثير الجدَل حَولها بين الفكر الإمامي والفكر الأشعري، يتعلّق بالغاية في الفِعل الإلهي، فذهب الفكر الإمامي إلى أنّ أفعال الله سبحانه كلّها مُغيّاة، ومُعلّلة بالمصالح للعباد، فالله سبحانه لا يفعل شيئاً إلاّ لغرضٍ وغاية، وهو منزّه عن الحاجة لأيّ علّةٍ أو غايةٍ تعود عليه، فهو غنيّ مفيض الخير على الخلائق كلّها.

أمّا الأشاعرة، فقد أنكروا أن تكون هناك غاية للفِعل الإلهي، سواءً الطبيعي التكويني منه، أو الاجتماعي الحادث في عالَم الإنسان، كالإيجاد والموت والغِنى


والفقر والقوّة والضَعف والابتلاء... الخ؛ متذرّعين بأنّ مَن يفعل لغايةٍ، يكون محتاجاً إليها.

وقد أجابت المدرسة الإمامية: بأنّ الحاجة هي في الخلائق، والمصلحة تعود عليها، والله غنيٌّ منزّهٌ عن ذلك، فشِكل الأرض الكُرَوي له غاية طبيعية، وفيها مصلحة للخلْق، ومستوى الضغط على سطح الأرض له غاية حياتية تعود على الإنسان نفْسه، وخلْق الإبهام وتكوينه مِن سلاميتَين له غاية مدنية وحركية يحتاجها الإنسان في حياته، ووجود الشُعَيرات داخل الأنف، لوجودها غاية ومنافع.

وابتلاء هذا الإنسان بالمرض أو الفقر له غاية، والحوادث التاريخية الكبرى التي وقعَت بقضاءٍ وقدَر إلهي لها غاية... الخ؛ ذلك لأنّ الفِعل الذي لا غاية له هو فِعل عابث، والخالق حكيم لا يعبث. وقد علّل الله سبحانه كثيراً مِن أفعاله في كتابه المجيد، وبيّن الغاية منها، كقوله تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (1) ، ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) (2) ، ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ) (3) ، ( ... وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ) (4) ، ( وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (5) ، ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ ) (6) . فإنّ التعليل القرآني للفِعل

____________________

(1) سورة الذاريات: آية 56.

(2) سورة الملك: آية 2.

(3) سورة الفرقان: آية 32.

(4) سورة آل عمران: آية 140 - 141.

(5) سورة الأعراف: آية 130.

(6) سورة الأنفال: آية 44.


الإلهي هو مصدر الإحكام في التفسير الإمامي للفعل الإلهي، وتثبيت قانون العلّية والغائية.

4 - توحيد الله في العبادة:

قال تعالى: ( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (1) . تشكّل العبادة جوهر الدِين وغاية الخلْق، فكلّ موجودٍ، سواءً كان حيّاً أو جماداً، هو عابدٌ لله سبحانه، بل الكون كلّه عابدٌ قدّيس، متّجه إلى بارئه ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (2).

وتوحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله يرتبط به توحيده في العبادة الاختيارية، فلا يُعبَد إلاّ الإله الخالق المنعِم المحيي المميت.

وإنّ مَن يُعبد مِن دون الله أو يُطاع في معصية الله، فهو صنَم وطاغوت؛ لذا توقّفت صحّة العبادة في الفقْه الإمامي على نيّة القربة لله تعالى.

وعلى هذا الأساس قسّم فقهاء الإمامية الأحكام إلى أحكام عبادات ومعاملات، وعُرِّفت العبادة: بأنّها الفِعل الذي تتوقّف صحّته على نيّة القربة الخالصة لله تعالى؛ ولذا أيضاً اعتُبرت العبادة التي يخالطها الرياء أو النفاق عملاً باطلاً، تجب إعادته.

____________________

(1) سورة الذاريات: آية 56.

(2) سورة الإسراء: آية 44.



الغلوّ والتجسيم

إنّ مَن يتابع الآراء والمذاهب العقيدية التي نشأت في المجتمع الإسلامي، ويدرس الاتّجاهات العقيدية والفكر العقيدي، يشاهد معركةً فكريةً صاخبةً بين الموحّدين ودعاة التوحيد مِن جهة، وبين اتّجاهات وفِرَق منحرفة قد خرجت بفكرها ومعتقدها على عقيدة التوحيد ومنهج القرآن مِن جهةٍ أُخرى، فدعت إلى الغلوّ والتفويض والتجسيم.

ويلاحظ المتتبّع لهذه الفِرَق والاتّجاهات، أنّ الغلوّ والتفويض نشأ في صفوف عناصر حاولت التستّر بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، والتظاهر بالانتماء إلى التشيّع.

كما برز اتّجاه التجسيم في صفوف عناصر وفِرَق نسبت نفْسها إلى المدرسة السنّية، وهذان الاتّجاهان هما اتّجاهان منحرفان متعاكسان في أفكارهما.

فالغلاة ينسبون الصفات الإلهية إلى البشَر ويغالون فيهم، ويدّعون لهم مِن الصفات والقدرة، ما يستحيل وصْف الإنسان به.

وأمّا المجسّمة، فإنّهم يصِفون الله بصفات المخلوقات، وينسبون إلى الله سبحانه ما تنزّه عنه مِن الصفات، كالجسم والمكان والحركة والانفعال... الخ.

وقد وقف أئمّة المسلمين وعلماؤهم ضدّ هذه التيّارات الضالّة المنحرفة، وكان في مقدّمة مَن خاض المعركة الفكرية ضدّ هذه الفِرَق والمذاهب، هم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وأصحابهم وتلامذتهم.

وسنوضّح فيما يأتي موقف أئمّة أهل البيت وعلماء المذهب الإمامي مِن


الغلوّ والتفويض والتجسيم.

ولقد لجأ المجسّمة والمشبّهة في إسناد آرائهم إلى الاستفادة مِن ظواهر الآيات، التي جاءت بصفة المجاز، كالعرش والكرسي واليد... الخ، كما اعتمدوا الروايات الموضوعة ذات الدلالة التجسيمية، في حين لجأ الغُلاة إلى التفسير الباطني لآيات القرآن، وتأويل آياته بعيداً عن مقاصدها، وصرْفها عن معناها ودلالاتها، بالإضافة إلى ما وضَعوه ودسّوه مِن أكاذيب في كتُب الحديث والرواية؛ لإسناد آرائهم وأفكارهم المنحرفة.


موقف أهل البيت مِن الغُلُوّ والغُلاة

يميل التفكير البشري في كثيرٍ مِن حالات فهْمه وتقويمه للأفكار والمبادئ والأشخاص والقضايا - وبصورة خاصّة تلك التي يحبّها ويرتبط بها - يميل إلى الغلوّ والمبالغة فيها، وقد ظهر الغلوّ في العقائد، وفي التفكير الديني عند أهل الكتاب مِن اليهود والنصارى، فألّهوا الأنبياء، وهُم بشَر، وغالوا في حقّهم، فذمّهم القرآن، ونهاهم عن هذا الشِرك والانحراف بقوله:

( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْراً لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَـهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً ) (1) .

وبقوله: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيراً وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيـلِ ) (2) .

وقد ظهر الغُلوّ في الصفّ الإسلامي مِن فِرَق ضالّة هدّامة، قد نقلت مفاهيم الغُلوّ مِن اليهود والنصارى، والعقائد البشرية المنحرفة، كالبوذية والزرادشتية وفلاسفة الهنود والفكر الروماني وغيره، وحاولوا إعطاء هذه الأفكار الضالّة صبغةً إسلامية؛ لتحريف الإسلام وهدْم عقيدة التوحيد، فنشأت فكرة الاتّحاد والحلول والتناسخ، وتأليه المخلوقات، وإضفاء صفةٍ فلسفيةٍ على هذه الأفكار الوَثَنية المنحرفة.

____________________

(1) سورة النساء: آية 171.

(2) سورة المائدة: آية 77.


وقد بدأ هذا التيّار الهدّام عمله التخريبي في جسم المجتمع الإسلامي، في عهد الإمام عليّ (عليه السلام)؛ لتحريف عقيدة التوحيد وطمس معالمه، وقد حاول الغُلاة التستّر بأئمّة أهل البيت، والاندساس في صفوفهم؛ لتحريف الإسلام، واستغلال القدسية والمكانة الكبرى التي حظِيَ بها أئمّة أهل البيت في النفْس؛ لتمرير تلك المؤامرة الفكرية على الإسلام، فظهر الغُلوّ كخطٍّ موازٍ لخطّ أهل البيت مِن عهد عليّ، وحتّى نهاية عهد الأئمّة وما بعده.

فقد سعى هذا الاتّجاه التخريبي إلى اختراق خطّ أهل البيت، والاندساس في صفوف تلك المدرسة الإسلامية الأصيلة، فبذل أئمّة الهدى جهوداً مُضنية مِن أجْل محاربة الغُلوّ والغُلاة، وتعريَتهم وإعلان البراءة منهم.

وقد استغلّ خصوم أهل البيت (عليهم السلام)، والساعون لتفريق الصفّ الإسلامي وتشتيت وحدة المسلمين، محاولات الاندساس في البُنية الموالية لأهل البيت (عليهم السلام) ومذهبهم، بما حملته تلك الفِرَق الضالّة مِن الغُلوّ والتفويض، حتّى غدا الكثير مِن المضلَّلين لا يفرّقون بين مذهب الشيعة الإمامية - مذهب أهل البيت (عليهم السلام) - وبين فِرَق تلك الغُلاة.

بل راح البعض يعدّها مِن فِرَق الشيعة، رغم ما ورَد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وعلمائهم مِن مواقف صريحة في البراءة مِن الغُلاة والمفوّضة، ولعْنهم وتكفيرهم، والحُكم بنجاستهم، وسنستعرض الموقف المبدئي لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وكبّار علماء المذهب الإمامي، مِن أولئك الغُلاة والمفوّضة، ولنبدأ بالتعريف الاصطلاحي لكلٍّ مِن الغُلاة والمفوّضة، كما أورده الشيخ المفيد والشيخ الصدوق، وهما مِن أبرز علماء المذهب الإمامي، وأكابر منظِّريه.

قال الشيخ المفيد: الغُلُوّ في اللغة: هو التجاوز عن الحدّ والخروج عن القصد، قال الله تعالى: ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ


الْحَقِّ ) (1) ، فنهى عن تجاوز الحدّ في المسيح، وحذّر مِن الخروج عن القصد في القول، وجعل ما ادّعته النصارى فيه غلوّاً؛ لتعدّيه الحدّ على ما بيّناه.

والغُلاة مِن المتظاهرين بالإسلام، هُم الذين نسبوا أمير المؤمنين والأئمّة (عليهم السلام) مِن ذرّيته إلى الإلوهية والنبوّة، ووصفوهم مِن الفضْل في الدِين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحدّ، وخرجوا عن القصد، وهُم ضُلاّل كفّار، حَكَم فيهم أمير المؤمنين (عليّ بن أبي طالب) بالقتْل والتحريق بالنار، وقضت الأئمّة (عليهم السلام) عليهم بالإكفار (بإكفارهم) والخروج عن الإسلام (2) .

ثمّ تحدّث الصدوق عن صنفٍ آخَر مِن الغُلاة وهُم المفوّضة، فعرّفهم، ووضّح الموقف الشرعي منهم بقوله: (والمفوّضة صنف مِن الغُلاة، وقولهم الذي فارقوا به مَن سواهم مِن الغُلاة، اعترافهم بحدوث الأئمّة وخلْقهم، ونفي القِدَم عنهم، وإضافة الخلْق والرزق مع ذلك إليهم، ودعواهم أنّ الله سبحانه وتعالى تفرّد بخلْقهم خاصّة، وأنّه فوّض إليهم خلْق العالَم بما فيه، وجميع الأفعال، والحلاّجية ضربٌ مِن أصحاب التصوّف، وهم أصحاب الإباحة والقول بالحلول.

وكان الحلاّج يتخصّص بإظهار التشيّع، وإن كان ظاهراً أمره التصوّف، وهُم قوم ملحدة (ملحدون) وزنادقة يُموّهون بمظاهرة كلّ فِرقة بدِينهم، ويدَّعون للحلاّج الأباطيل، ويجرون في ذلك مجرى المجوس، ودعواهم لزرادشت المعجزات، ومجرى النصارى في دعواهم لرهبانهم الآيات والبيّنات، والمجوس والنصارى أقرب إلى العمل بالعبادات منهم، وهُم أبعد مِن الشرائع والعمل بها مِن النصارى والمجوس) (3) .

وإذا كان هذا تعريف علماء الإمامية للغُلاة والمفوّضة، وتحديد الموقف

____________________

(1) سورة النساء: آية 171.

(2) الشيخ المفيد / شرح عقائد الصدوق: ص 238.

(3) المصدر السابق: ص 239.


الشرعي منهم، فلنستمع إلى أئمّة أهل البيت وهم يحدّدون الموقف مِن الغُلاة والمفوّضة، الذين نسبوا للأئمّة صفات الإلوهية، وخرجوا بهم عن مستوى البشَر.

وقد عدّ العلماء فِرَقاً عديدة مِن الغُلاة، مثل:

الخَطّابية: أتباع أبي الخطّاب، محمّد بن مقلاص.

والمغيرية: أتباع المغيرة بن سعيد العجلي، الذي خرج في الكوفة، فقتله خالد بن عبد الله القسري، وحرقه أصحابه سنة (119 هـ) (1) .

وقد حاولت هذه الفِرَق التستّر بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، والاندساس في البُنية الإسلامية عن طريق النفاق وادّعاء التشيّع لأهل البيت (عليهم السلام)، فكشفهم أهلُ البيت، ولعَنوهم وطردوهم، بل قام الإمام عليّ (عليه السلام) في عهد حكومته بقتْلهم وتحريقهم.

وعن المفضل بن مزيد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) وذكر أصحاب أبي الخطّاب والغُلاة، فقال لي: (يا مفضل لا تقاعدوهم ولا تؤاكلوهم ولا تشاربوهم ولا تصافحوهم ولا تؤاثروهم) (2) .

وروي عن الإمام الصادق قوله: (لعَن الله أبا الخطّاب، ولعَن مَن قُتِل معه، ولعَن مَن بقيَ منهم، ولعَن الله مَن دخل قلبه رحمـة لهـم) (3) .

وفي حديثٍ آخَر للإمام الصادق (عليه السلام)، تراه يثبّت أركان التوحيد القرآني، ويشجب آراء الغُلاة بقوله: (لعَن الله المغيرة بن سعيـد، إنّه كان يكذب على أبي (4) ، فأذاقه الله حَرّ الحديد، لعَن الله مَن قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا، ولعَن الله

____________________

(1) تاريخ الطبري 5: 241.

(2) رجال الكشّي 4: 586 / ح 525. وفي نسخة ولا توارثوهم.

(3) المصدر السابق: ص 584 / ح 521.

(4) الإمام محمّد الباقر (عليه السلام).


مَن أزالنا عن العبودية لله الذي خَلقَنا، وإليه مآبنا ومعادنا، وبيده نواصينا) (1) .

ولنستمع للإمام الصادق في موردٍ آخَر، وهو يتحدّث عن تخريب الغُلاة للعقيدة والشريعة، ودسّهم في مرويّات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) والكذِب عليهم، فانعكس هذا الموقف التصحيحي على موقف أصحابه مِن الأحاديث والمرويّات وتشدّدهم في قبول الحديث؛ صيانةً للعقيدة والفكر والتشريع الإسلامي.

فعَن محمّد بن عيسى بن عبيد بن يونس بن عبد الرحمن، أنّ بعض أصحابنا سأله، وأنا حاضر، فقال: يا أبا محمّد (2)، ما أشدّك في الحديث، وأكثر إنكارك لِما يرويه أصحابنا، فما الذي يحملك على ردّ الأحاديث؟ فقال: حدّثني هشام بن الحَكم، أنّه سمع أبا عبد الله [ عليه السلام ] يقول: لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة، أو تجدون معه شاهداً مِن أحاديثنا المتقدّمة، فإنّ المغيرة بن سعيد لعَنـه الله، دسّ في كتُب أصحاب أبي أحاديث لمْ يحدِّث بها أبي، فاتّقوا الله، ولا تقبلوا علينا ما خالَف قول ربِّنا تعالى وسنّة نبيّنا (صلّى الله عليه وآله). فإنّا إذا حدّثنا، قلنا قال الله (عزّ وجلّ)، أو قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله). قال يونس وافَيت العراق، فوجدت بها قطعة مِن أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)، ووجدت أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتُبهم، فعرضتها مِن بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون مِن أحاديث أبي عبد الله (عليه السلام)، وقال لي: إنّ أبا الخطّاب كذَب على أبي عبد الله (عليه السلام)، لعَن الله أبا الخطّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب، يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتُب أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إن تحدّثنا، حدّثنا بموافقة القرآن، وموافقة السنّة، إنّا

____________________

(1) رجال الكشّي 4: 590 / ح 542.

(2) هو يونس بن عبد الرحمن.


عن الله وعن رسوله نُحدِّث، ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا، إنّ كلام آخِرنا مثل كلام أوّلنا، وكلام أوّلنا مصدّق لكلام آخِرنا، فإذا أتاكم مَن يحدّثكم بخلاف ذلك، فردّوه عليه، قولوا أنت أعلم وما جئت به، فإنّ مع كلّ قولٍ منّا حقيقة، وعليه نوراً، فما لا حقيقة معه ولا نور عليه، فذلك مِن قول الشيطان (1) .

وعن يونس عن هشام بن الحكَم أنّه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (كان المغيرة بن سعيد يتعمّد الكَذِب على أبي، ويأخذ كتُب أصحابه، وكان أصحابه المتستّرون بأصحاب أبي، يأخذون الكتُب مِن أصحاب أبي، فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدسّ فيها الكُفر والزندقة، ويسندها إلى أبي (عليه السلام)، ثمّ يدفعها إلى أصحابه ويأمرهم أن يثبتوها في الشيعة، فكلّ ما كان في كتُب أصحاب أبي مِن الغُلوّ، فذاك ما دسّه المغيرة بن سعيد في كتُبهم) (2) .

ثمّ يكشف الإمام الصادق دَور هذا الأُسلوب في تحريف الرسالة الإسلامية، والدسّ فيها عن طريق استخدام أولئك الصنائع المنحرفين، فعَن عبد الرحمن بن كثير، أنّ جعفر بن محمّد الصادق [ عليه السلام ] قال يوماً لأصحابه: (لعَن الله المغيرة بن سعيد، ولعَن يهوديّةً كان يختلف إليها، يتعلّم منها السحر والشعبذة والمخاريق.

إنّ المغيرة كذَب على أبي (عليه السلام)، فسلَبه الله الإيمان، وإنّ قوماً كذبوا عليّ، مالَهم، أذاقهم الله حرّ الحديد، فو الله ما نحن إلاّ عبيد الذي خلَقَنا واصطفانا، ما نقدر على ضرٍّ ولا نفعٍ، وإن رحِمَنا فبرحمته، وإن عذّبنا فبذنوبنا، والله ما لنا على الله مِن حجّة، ولا معنا مِن الله براءة، وإنّا لميّتون ومقبورون ومنشورون ومبعثوون وموقوفون ومسؤولون، ويْلهم مالهم، لعنهم الله، فقد آذَوا الله وآذَوا رسوله في قبره...) (3) .

____________________

(1) رجال الكشّي 3: 489 / ح 401.

(2) المصدر السابق: ص 491 / ح 402.

(3) المصدر السابق: ص 491 / ح 409 ترجمة المغيرة بن سعيد.


وقد ثبّت الشهرستاني في كتابه المِلل والنِحَل موقف الإمام الصادق مِن الغُلوّ والغُلاة بقوله: (إنّ أبا الخطّاب عزى نفْسه إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق، فلمّا وقف الصادق على غُلوّه الباطل في حقّه، تبرّأ منه، ولعَنه، وأمَر أصحابه بالبراءة منه، وشدّد القول في ذلك، وبالغ في التبرّي منه، واللعْن عليه، فلمّا اعتزل عنه ادّعى الإمامة لنفْسه) (1) .

وتأسيساً على موقف الأئمّة الهداة مِن الغُلاة والمفوّضة، فقد حكَم فقهاء الإمامية بكفرهم ونجاستهم، وقد ثبّت هذا الحُكم الفقيه الإمامي المعروف السيّد كاظم اليزدي (رحمه الله)، في رسالته الفقهية الشهيرة (العروة الوثقى) بقوله: (لا إشكال في نجاسة الغُلاة)، وعلّق الفقيه الراحل السيّد محسن الحكيم - رحمه الله - على هذا المتْن في كتابه الاستدلالي (مستمسك العروة الوثقى)، ناقلاً دعوى الإجماع على ذلك مِن فقهاء الإمامية.

ثمّ أردف قائلاً: (وكذا الحال لو أُريد مِن الغُلوّ تجاوز الحدّ في صفات الأنبياء والأئمّة، مثل اعتقاد أنّهم خالقون أو رازقون أو لا يغفلون، أو لا يشغلهم شأن عن شأن، أو نحو ذلك مِن الصفات) (2) .

____________________

(1) الشهرستاني / المِلل والنِحَل: ص 76.

(2) السيّد محسن الحكيم / مستمسك العروة الوثقى 1: 386.


موقف أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مِن التشبيه والتجسيم

وكما كان لأئمّة أهل البيت وبقية علماء الإسلام ورجال الفكر والمعرفة الإسلامية، مواجهة فكرية وصراعٌ مع الغُلُوّ والتفويض، فقد كان لهم صراع عقيدي عنيف مع المشبّهة والمجسّمة، الذين شبّهوا الله بخلْقه.

ولنستمع إلى الإمام عليّ بن موسى الرضا [ عليه السلام ] الذي عاصر المأمون العبّاسي، وعاش في أواخر القَرن الثاني الهجري، حيث توفّيَ سنة (202 هـ)، في الفترة التي نشطت فيها الترجمة، وحَمِيَ وطيس الجدَل المذهبي، وتعدّدت الآراء والمدارس والفلسفات الفكرية، وتفلسف العقل الإسلامي.

لنستمع إليه وهو يردّ على التجسيم والتشبيه، ويدافع عن نقاء التوحيد:

روى محمّد بن يحيى بن عُمَر بن عليّ بن أبي طالب، قال سمعت أبا الحسن الرضا يتكلّم بهذا الكلام عند المأمون، ضِمْن خِطابٍ طويل، قال (عليه السلام):

(فليس الله عَرَف مَن عَرَف بالتشبيه ذاته... ولا إيّاه عَنى مَن شبَّهه) (1) .

ثمّ تحدّث في مواردٍ أُخرى مِن خطابه هذا، فقال: (ولا ديانة إلاّ بعد المعرفة، ولا معرفة إلاّ بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه) (2) .

وقام رجل إلى الإمام الرضا (عليه السلام)، فقال له: يا ابن رسول الله صِف لنا ربّك، فإنّ مَن قبلنا قد اختلفوا علينا، فقال الرضا (عليه السلام): (إنّه مَن يصِف ربّه بالقياس لا يزال الدهر في الالتباس، مائلاً عن المنهاج طاعناً في الاعوجاج، ضالاًّ

____________________

(1) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص35.

(2) المصدر السابق: ص40.


عن السبيل، قائلاً غير الجميل، أُعرّفه بما عرَّف به نفْسه مِن غير رؤية، وأصِفه بما وصَف به نفْسه مِن غير صورة، لا يُدرَك بالحواسّ، ولا يقاس بالناس، معروف بغير تشبيه، ومُتدانٍ في بُعده لا بنظير، لا يمثّل بخليقته، ولا يجور في قضيّته).

ثمّ قال: حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه عن أبيه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (ما عَرَف الله مَن شبّهه بخلْقه، ولا وَصَفه بالعدْل مَن نسَب إليه ذنوب عباده) (1) .

وقد هاجم الإمام الصادق (عليه السلام) المجسّمة والمشبّهة، فقال: (مَن شبّه الله بخلْقه فهو مشرِك، ومَن أنكر قدرته فهو كافر) (2) .

وعن حمزة بن محمّد، قال: (كتبت إلى أبي الحسن أسأله عن الجسم والصورة، فكتب: سبحان مَن ليس كمثله شيء، لا جسم ولا صورة) (3) .

وهكذا ردّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) على الفكر المنحرف عن توحيد القرآن وصفاته، وثبّتوا معالم تلك المدرسة وتفصيلاتها.

____________________

(1) المصدر السابق: ص 47.

(2) المصدر السابق: ص 76.

(3) المصدر السابق: ص 97.


المصطلح والخِلاف الفكري

مع تطوّر الفكر الإسلامي وتنامي المعرفة والعلوم الإسلامية، أفرزت الدراسات الإسلامية المختلفة مصطلحات في مختلف العلوم والمعارف، كعِلم الكلام والفلسفة والأصول والرجال والحديث... الخ.

والمصطلح:

اللفظ المستعمل في دلالةٍ خاصّةٍ عند أهل عُرفٍ معيّن.

وقد درس علماء أصول الفقه المصطلح في جملة الموضوعات التي درسوها في مباحث الألفاظ، فقسّموا استعمال الألفاظ إلى: استعمال حقيقة ومجاز، وقسّموا الحقيقة إلى ثلاثة أقسام هي:

1 - الحقيقة اللُغَوية: وعُرِّفت الحقيقة اللُغَوية بأنّها اللفظ المستعمل فيما وُضع له؛ ولذا كانت الحقيقة اللُغَوية هي اللفظ الذي حُدِّدت دلالته مِن قِبَل واضع اللغة، كلفظ الإنسان.

2 - الحقيقة الشرعية: هي اللفظ الذي حُدِّدت دلالته مشن قِبَل الشريعة الإسلامية، كلفظ الصلاة والصوم والحجّ... الخ.

3 - الحقيقة العُرفية: والحقيقة العُرفية هي اللفظ الذي حُدِّدت دلالته مِن قِبَل العُرف. فللعُرف الاجتماعي مصطلحاته، وللعلماء وأصحاب الفنون والاختصاص، كالأطباء والفلاسفة والفيزيائيين والمتكلّمين والفقهاء والأصوليين مصطلحاتهم الخاصّة بهم، ومِن الواضح أنّ واضع اللغة هو الذي وضَع الألفاظ، وجاء الاصطلاحيون فاستخدموها؛ لتدلّ على مقصودهم، فمصطلح الصلاة عند الشارع،


ومصطلح الجوهر عند الفلاسفة، ومصطلح البداء عند متكلّمي الشيعة، ومصطلح الرأي عند فقهاء الأحناف، ومصطلح المطلَق والمقيّد عند الأصوليين، ومصطلح الحسَن والضعيف عند علماء الحديث، لها دلالاتها اللُغَوية المحدّدة مِن قِبَل واضع اللغة، فنقلها الاصطلاحيون واستعملوها في معانٍ خاصّة في عُرفهم؛ لتدلّ على مقصودهم عند الإطلاق، وهذا الاستعمال يختلف في بعض جوانبه عن الاستعمال اللغَوي.

ولقد استعمل علماء الإسلام ومتكلّموهم وفلاسفتهم الألفاظ اللغَوية، استعمالاً اصطلاحياً يدلّ دلالاتٍ تختلف في بعض جوانبها عن الدلالات اللغَوية، فصارت تلك المصطلحات تستعمل بشكلٍ مُشاعٍ بين العلماء وأصحاب المعارف، بغضّ النظر عن المذهب والفِرقة والاتّجاه.

كما نشأت كذلك داخل المدرسة الفكريّة أو المذهب الواحد استعمالات اصطلاحية للألفاظ اللغَوية، لمْ يستعملها غيرهم مِن أتباع المدارس والمذاهب، في الدلالة على مقصود هذه المدرسة أو ذلك المذهب والاتّجاه؛ لذا تعدّد الفَهْم عند إطلاق المصطلح، ووقع الخلاف والنزاع بين الفِرَق والمختصّين وأصحاب المذاهب.

وممّا تطفح به كتُب المناظرات والخلاف الفكري، هو الاختلاف في فهْم المصطلح ودلالته عند واضِعه ومستعمله ومتلقّيه، كمصطلح البداء والتقيّة والاجتهاد، ومصطلحات تقسيم الحديث والعقل... الخ.

وسنرى مِن خلال دراستنا لمفهوم البداء والتقية، أنّ الخلاف بين الإمامية، وبين مَن خالَفَهم في البداء والتقية، هو خلاف لفظيّ، لا يتعدّى حدود استعمال المصطلح، واستخدام لفظٍ بدَلَ لفظٍ آخَر.

وإنّهم والإمامية متّفقون في المعنى، مختلفون في اللفظ والمصطلح، وكما حدث مثل هذا الخلاف بين أصحاب الفِرَق والمذاهب، فقد أحدثَتْ مسألة استعمال المصطلح مشكلةً خِلافيّةً داخل المدرسة المذهبية الواحدة أيضاً، فالمدرسة


الإمامية قد عانت مِن خلافٍ حادٍّ ولمدّةٍ طويلة، في تقبُّل مصطلح الاجتهاد والعقل، وتقسيم الحديث إلى صحيحٍ وحسَنٍ وموَثّقٍ وضعيف.

فمثلاً فَهِم بعضهم الاجتهاد بما يعني العمل بالقياس الذي رفضوا بعض تطبيقاته، ثمّ استمرّ الحوار والجدَل حتّى تبلوَر مفهوم الاجتهاد، وتحدّدت معالِمه العِلمية، وعُرف لديهم: بأنّه بذْل الجُهد لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية مِن أدلّتها التفصيلية، فسكتت العاصفة وتوارت رايات الخلاف بينهم.

وللسبب ذاته ثار الجدَل حوْل اعتبار العقل مصدراً للتشريع، فقد فَهِم بعضهم أنّ اعتبار العقل مصدراً في التشريع، يعني اعتباره مشرِّعاً، غير أنّ المدرسة الأصولية التي ثبّتت هذا المبدأ، عَرّفت العقل بأنّه: (كلّ قضية يدركها العقل، ويمكن أن يستنبط منها حُكماً شرعياً) (1) ، فالعقل لدى المدرسة الأصولية كاشف عن الحُكم، وليس مشرِّعاً للحُكم، في حين فَهِمَته المدرسة المعارضة بأنّه مشرّع، فرفضته، وناقشت فيه.

وهكذا نشاهد في القضايا العقيدية خلافاً بين الإمامية وغيرهم، في فَهْم مصطلح (البداء) و (التقية)، فقد فَهِم الآخَرون أنّ البداء يعني القول بتغيّر عِلم الله، وعدم عِلمه بما سيكون، تعالى عن ذلك عُلوّاً كبيراً.

وأنّ القول بالتقية يعني النفاق العقيدي والسياسي، بينما التقيّة في حقيقتها إجازة شرعية بدفْع الضرر والأخطار، كما نصّ القرآن على ذلك، وسنوضّح فيما يلي رأي المدرسة الإمامية بمفهومَي البداء والتقية.

____________________

(1) الشهيد محمّد باقر الصدر / دروس في عِلم الأُصول (الحلقة الثانية): ص 229.


البَداء

تقديمٌ

إنّ مِن المسائل الفكريّة التي أُثير حوْلها الجدَل والحوار بين الفكر الإسلامي الأصيل، والفكر اليهودي المحرّف، هي مسألة إمكانية حدوث النَسْخ في الشرائع الإلهية، سواء باستبدال شريعةٍ مكان شريعةٍ أُخرى، أو باستبدال حُكمٍ مكان حُكمٍ آخَر في الشريعة ذاتها.

وكما وقع الخلاف في مسألة النَسْخ والتبديل في التشريع والأحكام، وقع الجدال أيضاً في قدرة الله تعالى على التغيير والتبديل في عالَم التكوين، والخلائق.

فهاتان مسألتان عقيديّتان، مسألة النَسْخ التشريعي، والنَسْخ التكويني (البَداء)، قد دار الحوار والجدَل فيهما بين الفكر اليهودي المحرّف، وبين ما جاء به القرآن ونطق به الرسول الأمين (صلّى الله عليه وآله)، مِن أنّ النسْخ في الشرائع هو سنّة إلهية، وأنّ التغيير والتبديل في الأحكام ظاهرة طبيعية في الشرائع، كما أنّ التغيير والتبديل كائنٌ في عالَم الخلْق والتكوين الذي سُمّيَ بـ (البَداء).

أُستعمل مصطلح (البَداء) في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) للدفاع


عن الفَهْم الإسلامي مقابل الفهْم اليهودي، والفكر الفلسفي المتأثّر بالفلسفة اليونانية، وبعض المدارس الكلامية كمدرسة المعتزلة.

أثار هذا المصطلح شُبهةً فكريةً عقيدية لدى البعض مِن الكتّاب، وأصحاب الآراء والمذاهب العقيدية في الصفّ الإسلامي، ولمْ تقِف حدود هذه الشُبهة عند الاستفهام والمناقشة والردّ العِلمي، بل أُسيء فهْم المصطلح، وأُضيفت إلى إساءة الفهْم تصوّرات ناشئة عن روح الخِلاف والمواجهة القَبْلية بين هذه المدرسة، وبين مدارس فكريّة أُخرى.

ففُهِم القول بالبداء بأنّه قول بتغيّر عِلم الله؛ لخَفاء المصالح عليه، وبالتالي نسبة الجهل إليه سبحانه وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.

وهكذا تدخّل النزاع والخلاف في تشويه الحقيقة، وتحويل الموقف مِن خِلافٍ بين الفكر الإسلامي، الذي قاده أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وبين الفهْم اليهودي المحرّف وبعض الاتّجاهات الفلسفية والكلامية المنحرفة، إلى تُهمةٍ فكريّةٍ تُلصَق بأتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وفهْمها لهذه المسألة.

ولإيضاح هذه المفرَدة العقيدية، وبيان الفهْم التوحيدي في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، نعرّف ولو بإيجاز، بمعنى البَداء، ونشْأت المصطلح، ونِسْبة البداء إلى الله سبحانه.

البَداء في اللغة:

بدا الشيء بَدْواً وبَداءً: أي ظهر ظهوراً، قال الله تعالى: ( وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) (1) .

(البَداء، ظهور الرأي بعد أنْ لمْ يكن، واستصواب شيءٍ عُلِم بعد أن لمْ يُعلم.

____________________

(1) سورة الزمر: آية 47.


ويقال بَدا لي في هذا الأمر بَداء، أي ظهر لي فيه رأي آخَر) (1) .

البَداء في الاصطلاح:

وإذا كان هذا معنى البداء في اللغة، فلنتابع استعمال كلمة (البَداء)، ونسبتها إلى الله سبحانه بلسان الشريعة ومصطلحها، وإذا شئنا مثل هذا التحقيق، فسنجد أنّ الرسول الكريم محمّداً (صلّى الله عليه وآله) هو أوّل مَن نسَب (البَداء) إلى الله سبحانه، في الحديث الآتي الوارد في البخاري: (عن أبي هُرَيْرَةَ رَضيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَمِعَ رُسُول اللهِ (صلّى الله عليه وآله) يَقُولُ: إِنَّ ثَلاثَةً في بَنِي إِسرائِيلَ: أَبْرَصَ وأَقْرَعَ وَأَعْمـى، بَدَا للهِ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكاً، فَأَتى الأَبْرَصَ فقال: أيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْك؟ قال َ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، قَدْ قَذِرَنِي النـاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ، فَأُعْطِيَ لَوْناً حَسَناً، وَجِلْداً حَسَناً، فَقَالَ: أَيُّ المَالِ أحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: الإِبِلُ - أَو قَالَ: البَقَرُ، هو شَكَّ في ذلك: أَنّ الأبرص والأقرع: قال أحدهما الإبل، وقال الآخَر البقر - فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: يُبَارَكَ لَكَ فِيهَا. وَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ: أيُّ شَيْءٍ أَحبُّ إِليْكَ؟ قال: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هذا، قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ، وأُعْطِيَ شَعراً حسناً، قالَ: فأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: البَقَرُ، قالَ: فَأَعْطَاهُ بَقَرَةً حامِلاً، وقالَ: يُباركُ لكَ فِيهَا. وَأَتى الأَعْمى فقال: أيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: يَرُدُّ اللهُ إِلَيَّ بَصَري، فَأُبْصِرُ بِهِ النَّاسَ، قالَ: فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللهُ إِلَيْهِ بَصَرهُ، قالَ: فَأَيُّ المَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قالَ: الغَنَمُ، فَأَعْطَاهُ شَاةً وَالِداً، فَأُنْتِجَ هذَانِ وَوَلَّدَ هذَا، فَكانَ لِهذَا وَادٍ مِنْ إِبِلٍ، وَلِهذَا وَادٍ مِنْ بَقَرٍ، وَلِهذَا وَادٍ مِنَ الغَنَمِ.

ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِين، تَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فَلاَ بَلاَغَ اليَوْمَ إِلاَّ بِاللهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الحَسَنَ وَالجِلْدَ الحَسنَ وَالمالَ، بَعيراً أَتَبلَّغُ عَلَيْهِ

____________________

(1) المعجم الوسيط.


في سَفَرِي. فَقَالَ لَهَ: إِنَّ الحقُوقَ كَثِيرَةٌ، فَقَال لَهُ: كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَص يَقْذَرُكَ النَّاسُ فَقِيراً فَأَعْطَاكَ اللهُ؟ فَقَالَ: لَقَدْ وَرِثْتُ لِكابِرٍ عَنْ كابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلَى ما كُنْتَ.

وَأَتَى الأَقْرَعَ في صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ما قالَ لهذَا، فَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ ما رَدَّ عَلَيْهِ هذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كاذِباً فَصَيَّرَكَ اللهُ إلَى ما كُنْتَ.

وأَتَى الأَعْمى في صُورَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، وَتَقَطَّعَتْ بِيَ الحِبَالُ في سَفَرِي، فلا بلاغَ اليومَ إلاّ باللهِ ثُمَّ بِكَ، أسأَلُكَ بالَّذِي رَدَّ عَليكَ بَصَرَكَ شاةً أَتبلَّغُ بِها في سَفَري، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمى فَرَدَّ الله بَصَرِي، وفَقِيراً فَقَدْ أَغْنَانِي، فَخُذْ ما شِئْتَ، فَوَ اللهِ لا أَجْهَدُكَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ أَخَذْتَهُ للهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مالَكَ، فَإِنَّمَا ابتُلِيتُمْ، فَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنْكَ، وَسَخِطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ) (1).

وروي عن أبي موسى الأشعري أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: (يجمع الله (عزّ وجلّ) الأُمم في صعيد يوم القيامة، فإذا بدا لله (عزّ وجلّ) أن يصدع بين الخلْق، مثّل لكلّ قومٍ ما كانوا يعبدون...) (2) .

وبذا نفْهم أنّ الرسول الهادي (صلّى الله عليه وآله) هو أوّل مَن استعمل كلمة البداء، وأضاف معناها إلى الله سبحانه.

ولنستمع إلى الشيخ المفيد وهو يوضّح معنى البداء، الذي آمنت به الإمامية واعتقدته، قال: (أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجْمعهم في النسْخ وأمثاله، مِن الإفقار بعد الإغناء والإمراض بعد الإعفاء والإماتة بعد الإحياء، وما يذهب إليه أهل العدْل خاصّة مِن الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال.

فأمّا إطلاق لفظ البداء، فإّنما صرتُ إليه بالسمْع الوارد عن الوسائط بين العباد وبين الله (عزّ وجلّ)، ولو لمْ يرِد به سمْع أعلم صحّته ما استجزت إطلاقه، كما أنّه لو لمْ يرِد

____________________

(1) صحيح البخاري 3: 1276 / كتاب الأنبياء - 14 - (باب 51) / ح 3277.

(2) مسند الإمام أحمد بن حنبل 4: 407.


عليّ سمْع بأنّ الله تعالى يغضب ويرضى ويحبّ ويعجب، لَما أطلقت ذلك عليه سبحانه، ولكنّه لمّا جاء السمْع به صرتُ إليه على المعاني التي لا تأباها العقول.

وليس بيني وبين كافّة المسلمين في هذا الباب خلاف، وإنّما خالَف مَن خالفهم في اللفظ دون ما سواه، وقد أوضحت مِن علّتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام، وهذا مذهب الإمامية بأسرها، وكلّ مَن فارقها في المذهب يُنكره على ما وصَفتُ مِن الاسم دون المعنى ولا يرضاه) (1) .

إلاّ أنّ إساءة فهْم المصطلح قد جرّت إلى حوارٍ طويلٍ بين الشيعة الإمامية، والذين اختلفوا معهم مِن الفِرَق الإسلامية كالأشاعرة وغيرهم، خلافاً لفظياً في استعمال هذا المصطلح، هذا المصطلح الذي بُني على أساس استعمال الرسول الكريم محمّد (صلّى الله عليه وآله) له.

أمّا دلالته ومعناه، فإنّ الرأي الإمامي انطلق في فهْمه مِن الردّ على الفكر اليهودي المحرّف، الذي يذهب إلى أنّ يَد الله مغلولة: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ... ) (2) ، وهو غير قادر أن يُحدِث شيئاً في الخلْق بعد أن فرغ منه وخلَقه، واتّخذ طابعه النهائي، فرفضوا الإيمان بقدرة الله على التغيير في الخلْق ما يشاء، وكما رفضوا الإيمان بقدرة الله على التغيير في الخلْق، رفضوا أيضاً النسْخ في التشريع، كأساسٍ عقيدي لرفض الإيمان بنبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) القائمة على أساس نسْخ الشرائع السابقة، ووجوب اتّباع شريعة القرآن.

وقد استدلّ الشيعة الإمامية بالحديث النبويّ الآنِف الذِكر، على استعمال المصطلح لفظاً ومعنىً، وعلى الآيتين الكريمتين آية النسْخ في التشريع: ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا... ) (3) ، وآية المَحْو الشاملة للتشريع والتكوين: ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ

____________________

(1) الشيخ المفيد / أوائل المقالات: ص 92 - 93.

(2) سورة المائدة: آية 64.

(3) سورة البقرة: آية 106.


وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (1) .

والنسْخ هو بَداءٌ تشريعي، أي تغيير في التشريع، والمَحْو هو بداءٌ تكويني، أي تغيير في التكوين، إذ لا ينسَخ إلاّ ما هو كائن ومثبّت في عالَم التحقّق التكويني.

وهكذا يتّضح أنّ الشيعة الإمامية استعملت مصطلح البداء، بعد أن استعمله الرسول الكريم محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وفهِمَته بأنّه مرادف للمَحْو والنسْخ والتغيير، وقد قال الله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (2) ، فقد أوضح سبحانه أنّه يمْحو ويغيّر أوضاع الناس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والبلاء الشخصي... الخ، إذا ما غيّروا ما بأنفسهم.

وجاء في الحديث الشريف: أنّ الله سبحانه يبسط الرزق، ويُنسئ في الأجَل لمَن يصِل رحِمَه، فأوضح بذلك أنَّ التبديل والتغيير متوقّف على فِعل هذا المعروف، وذلك هو مصداق البَداء الذي قالت به الإمامية.

روى أبو هريرة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: (سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول: مَن سرّه أن يُبسَط له في رزقه، وأن يُنَسأ له في أثره، فلْيَصِل رحِمَه) (3) .

ولنقرأ جملةً مِن بيانات الإمام الصادق (عليه السلام) لمفهوم البَداء، وتفسيره للآية التي تحدّثت عنه.

عن منصور بن حازم قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام): هل يكون اليوم شيء لم يكن في عِلم الله تعالى بالأمْس؟

____________________

(1) سورة الرعد: آية 39.

(2) سورة الرعد: آية 11.

(3) صحيح البخاري: ص 2232 / ح 5639 (باب مَن بسط له في الرزق بصِلة الرحِم).


قال: لا، مَن قال هذا فأخزاه الله.

قلت: أرأيت ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة، أليس في عِلم الله؟ قال: بلى، قبل أن يخلق الخلْق) (1) .

وروي عنه قوله (عليه السلام): (مَن زعم أنّ الله (عزّ وجلّ) يبدو له في شيءٍ لمْ يعْلمه أمْس، فابرؤوا منه) (2) .

وعن عبد الله بن سنان، أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ما بدا لله في شيءٍ إلاّ كان في عِلمه قبل أن يبدو له) (3) .

وعنه (عليه السلام) أنّه قال: (مَن زعم أنّ الله بدا له في شيءٍ بداء ندامةٍ، فهو عندنا كافر بالله العظيم) (4) .

وعن ميسّر بن عبد العزيز قال: قال لي أبو عبد الله الصادق [ عليه السلام ]: (يا ميسّر ادع، ولا تقل إنّ الأمْر قد فُرغ منه...) (5) .

وقال (عليه السلام): (إنّ الله (عزّ وجلّ) لَيَدفع بالدعاء الأمْر الذي عَلِمه إن يُدعى له فيستجيب، ولولا ما وفّق العبد مِن ذلك الدعاء، لأصابه منه ما يجثّه مِن جديد الأرض) (6) .

ثمّ أوضح معنى البَداء بقوله (عليه السلام): (إنّ الله لمْ يُبْدَ له مِن جهل) (7) .

وقد تحدّث القرآن عن البَداء كمعنىً ومفهوم، دون أن يستعمل لفظه في موارد

____________________

(1) الشيخ الصدوق / التوحيد (باب البداء).

(2) المجلسي / بحار الأنوار 4: 111.

(3) الكليني / الأُصول مِن الكافي 1: 148 / ح 9 (باب البداء).

(4) الشيخ الصدوق / الاعتقادات في دِين الإمامية: ص 20.

(5) الكليني / الأُصول مِن الكافي 2: 466 / ح 3.

(6) المصدر السابق: ص470 / ح9.

(7) المصدر السابق 1: 148 / ح 10.


كثيرةٍ مِن آيه وبياناته، كقوله تعالى: ( لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (1) .

وكقوله تعالى: ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (2) .

وقوله تعالى: ( يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) (3).

وقوله تعالى: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ... ) (4) .

وقوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ) (5) .

وقوله تعالى: ( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاء الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ) (6) .

( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ... ) (7) .

( لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ... ) (8) .

____________________

(1) سورة الرعد: آية 38، 39.

(2) سورة البقرة: آية 106.

(3) سورة الرحمن: آية 29.

(4) سورة المائدة: آية 64.

(5) سورة الأنعام: آية 2.

(6) سورة الصافات: آية 102 - 107.

(7) سورة الرعد: آية 11.

(8) سورة الروم: آية 4.


( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) (1) .

( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ) (2) .

( أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ... ) (3) .

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ، الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (4) .

وهكذا يتحدّث القرآن عن التغيير والتبديل؛ بسبب الدعاء المخلِص لله، أو بسبب ضَعف المؤمنين الصادقين، ورحمته بهم، وعِلمه بضَعفهم الذي انكشف فيهم بعد التكليف الأوّل، وهو سبحانه عالِم بكلّ ذلك قبل أن يكلّف المقاتلين المؤمنين بمقاتلة الكافرين، الذين يفوقونهم عشرة أضعاف عددهم.

وقد فسّر الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وأوضح معنى البَداء الذي ورَد في الآيات، فقد فسّر قول الله تعالى: ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً

____________________

(1) سورة الأنبياء: آية 83، 84.

(2) سورة الأنبياء: آية 89، 90.

(3) سورة النمل: آية 62.

(4) سورة الأنفال: آية 65، 66.


وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ) (1)، (وقال: الأجَل المقضي، هو المحتوم الذي قضاه الله وحتَمه، والمسمّى هو الذي فيه البَداء، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء، والمحتوم ليس فيه تقديم ولا تأخير) (2) .

وفسّر الصادق (عليه السلام) قول الله (عزّ وجلّ): ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ... ) (3) ، فقال: لمْ يعنوا أنّه هكذا، ولكنّهم قالوا: قد فرغ مِن الأمْر، فلا يزيد ولا ينقص. فقال الله (جلّ جلاله) تكذيباً لهم: ( غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ... ) (4) .

ألم تسمع الله (عزّ وجلّ) يقول: ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (5).

وفسّر قوله تعالى: ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ... ) بقوله: (وهل يمحو الله إلاّ ما كان، وهل يُثبت إلاّ ما لمْ يكن) (6) .

وفسّر قصّة أمْر الله لإبراهيم بأن يذبح ولَده إسماعيل، وتبديل ذلك الأمْر، وفدْيه بذِبحٍ عظيم، فسّره بأنّه مِن أوضح مصاديق البداء بقوله: (ما بدا لله بداء كما بدا له في إسماعيل أبي، إذ أمَر أباه بذبحه، ثمّ فداه بذِبحٍ عظيم) (7) .

____________________

(1) سورة الأنعام: آية 2.

(2) عليّ بن إبراهيم / تفسير القمّي 1: 194.

(3) سورة المائدة: آية 64.

(4) سورة المائدة: آية 64.

(5) سورة الرعد: آية 39.

انظر المجلسي / بحار الأنوار 4: 104 ط - مؤسسة الوفاء - بيروت.

(6) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص 333 (باب البَداء).

(7) المصدر السابق: ص 336.


البَداء في تحليل العلماء:

وقد تناول علماء أهل البيت (عليهم السلام) مفهوم البداء بالدراسة والتحليل، فكشفوا غوامضه العقيدية، وأوضحوا محتوى الفكرة ومضمون المصطلح، نذكر مِن ذلك البيان: حديث الشيخ الصدوق عن البَداء، الذي أوضح لنا معناه، كما أوضح أنّ البداء هو ردّ على الفهْم اليهودي المحرّف، فقال (رحمه الله):

(ليس البَداء كما يظنّه جهّال النّاس بأنّه بداء ندامةٍ، تعالى الله عن ذلك، ولكن يجب علينا أن نقرّ لله (عزّ وجلّ) بأنَّ له البداء، معناه أنَّ له أن يبدأ بشيءٍ مِن خلْقه فيخلُقه قبل شيء، ثمَّ يعدم ذلك الشيء ويبدأ بخلْق غيره، أو يأمر بأمْرٍ، ثمَّ ينهى عن مِثله، أو ينهى عن شيءٍ، ثمَّ يأمر بمِثل ما نهى عنه، وذلك مثل نسْخ الشرايع، وتحويل القِبلة، وعدَّة المتوفّى عنها زوجها.

ولا يأمر الله عباده بأمْرٍ في وقتٍ ما، إلاّ وهو يعلم أنَّ الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك، ويعلم أنَّ في وقتٍ آخَر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مِثل ما أمرَهم به، فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم.

فمَن أقرَّ لله (عزّ وجلّ) بأنَّ له أن يفعل ما يشاء، ويعدم ما يشاء ويخلُق مكانه ما يشاء، ويقدِّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشـاء، ويأمر بما شاء كيف شاء، فقد أقرَّ بالبَداء.

وما عُظِّم الله (عزّ وجلّ) بشيءٍ أفضل مِن الإقرار بأنَّ له الخلْق والأمْر، والتقديم، والتأخير، وإثبات ما لمْ يكن، ومَحْو ما قد كان.

والبداء هو ردٌّ على اليهود؛ لأنّهم قالوا: إنَّ الله قد فرغ مِن الأمْر، فقلنا: إنَّ الله كلَّ يومٍ هو في شأن، يُحيي ويُميت ويرزق ويفعل ما يشاء، والبداء ليس مِن ندامةٍ، وإنّما هو ظهور أمْرٍ.

يقول العرب: بدا لي شخص في طريقي، أي ظهر، قال الله


(عزّ وجلّ): ( وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ) (1) ، أي ظهر لهم، ومتى ظهر لله (تعالى ذِكره) مِن عبدٍ صِلةً لرحِمِه زاد في عمره، ومتى ظهر له منه قطيعةً لرحِمِه نقَّص مِن عمره، ومتى ظهر له مِن عبدٍ إتيان الزِّنا نقَّص مِن رزقه وعمره، ومتى ظهر له منه التعفّف عن الزِّنا زاد في رزقه وعمره) (2) .

وتحدّث السيّد الداماد في نبراس الضياء، وهو مِن فلاسفة الشيعة وعلمائهم البارزين في القرن الحادي عشر، تحدّث عن البداء، فقال: (البداء منزلته في التكوين منزلة النسْخ في التشريع، فما في الأمْر التشريعي والأحكام التكليفية نسْخ، فهو في الأمْر التكويني والمكوّنات الزمانية بَداء، فالنسْخ كأنّه بَداءٌ تشريعي، والبداء كأنّه نسْخٌ تكويني.

ولا بداء في القضاء (3) ، ولا بالنسبة إلى جناب القدس الحقّ... وإنّما البداء في القدَر (4) ، وفي امتداد الزمان الذي هو أُفق التقضّى والتجدّد...

وكما حقيقة النسْخ عند التحقيق انتهاء الحُكم التشريعي وانقطاع استمراره، لا رفْعه وارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذا حقيقة البَداء عند الفحْص البالغ انبتات (5) استمرار الأمر التكويني، وانتهاء اتّصال الإفاضة.

ومرجعه إلى تحديد زمان الكون، وتخصيص وقت الإفاضة، لا أنّه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه، وبطلانه في حدّ حصوله) (6) .

وتحدّث العلاّمة المجلسي عن البداء، وعن أصالة الفكر الإمامي، ودفاعه عن

____________________

(1) سورة الزمر: آية 47.

(2) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص 335 (باب البَداء).

(3) القضاء: إبرام الشيء والحُكم بإيجاده.

(4) القدَر: هو تقدير الشيء: مِن الشكل والصورة والبقاء والفناء... الخ.

(5) انبتات: انقطاع.

(6) المجلسي / بحار الأنوار 4: 126 - 128.


عقيدة التوحيد بتثبيت مفهوم البداء، فقال: (فنقول - وبالله التوفيق ـ: إنّهم إنّما بالغوا في البداء ردّاً على اليهود الذين يقولون: إنّ الله قد فرغ مِن الأمْر، وعلى النظّام، وبعض المعتزلة الذين يقولون: إنّ الله خلَق الموجودات دفعةً واحدةً على ما هي عليه الآن: معادن ونباتاً وحيواناً وإنساناً، ولمْ يتقدّم خلْق آدم على خلْق أولاده، والتقدّم إنّما يقع في ظهورها، لا في حدوثها ووجودها.

وإنّما أخذوا هذه المقالة مِن أصحاب الكُمون والظهور مِن الفلاسفة القائلين بالعقول والنفوس الفلَكية، وبأنّ الله تعالى لمْ يُؤثِّر حقيقةً إلاّ في العقل الأوّل، فهُم يعزلونه تعالى عن مُلكه، وينسبون الحوادث إلى هؤلاء.

فنفَوا ذلك، وأثبتوا أنّه تعالى كلّ يومٍ في شأن، مِن إعدام شيءٍ، وإحداث شيءٍ آخَر، وإماتة شخصٍ، وإحياء آخَر، إلى غير ذلك؛ لئلاّ يترك العباد التضرّع إلى الله ومسألته وطاعته، والتقريب إليه بما يُصلح أُمور دنياهم وعُقْباهم. وليرجوا عند التصدّق على الفقراء وصِلة الأرحام وبرّ الوالدين والمعروف والإحسان، ما وُعدوا عليها مِن طول العمر وزيادة الرزق وغير ذلك) (1) .

وتحدّث المرجع الديني السيّد أبو القاسم الخوئي (قدّس سرّه) عن البداء، وعن قدرة الله ومشيئته وعِلمه سبحانه، فقال: (لا رَيب في أنّ العالَم بأجمعه تحت سلطان الله وقدرته، وأنّ وجود أيّ شيءٍ مِن الممكنات منوطٌ بمشيئته تعالى، فإن شاء أوجده، وإن لمْ يشأ لمْ يوجده.

ولا رَيب أيضاً في أنّ عِلم الله سبحانه قد تعلّق بالأشياء كلّها منذ الأزل، وأنّ الأشياء بأجمعها كان لها تعيّن عِلميٌّ في عِلم الله الأزلي، وهذا التعيّن يعبّر عنه بـ (تقدير الله) تارةً، وبـ (قضائه) تارةً أخرى... فمعنى تقدير الله تعالى للأشياء وقضائه بها: أنّ الأشياء جميعها كانت متعيّنة في العِلم الإلهي منذ الأزل، على ما هي عليه مِن أنّ وجودها معلّق على أن تتعلّق المشيئة بها،

____________________

(1) المصدر السابق ص 129 - 130.


حسَب اقتضاء المصالح والمفاسد، التي تختلف باختلاف الظروف، والتي يحيط بها العِلم الإلهي) (1).

ثمّ أوضح بعد ذلك موقف الفكر اليهودي المنحرف، مِن قدرة الله تعالى، فقال: (وذهب اليهود إلى أنّ قلم التقدير والقضاء حينما جرى على الأشياء في الأزل، استحال أن تتعلّق المشيئة بخلافه؛ ومِن أجْل ذلك قالوا: يَد الله مغلولة عن القبْض والبسْط والأخذ والإعطاء، فقد جرى فيها قلم التقدير، ولا يمكن فيها التغيير) (2) .

وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء: ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) ، ( لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِـن بَعْـدُ ) (4) .

ثمّ أوضح رأي الشيعة الإمامية في البداء بقوله: (موقع البداء عند الشيعة الإمامية: ثمّ إنّ البداء الذي تقول به الشيعة الإمامية، إنّما يقع في القضاء غير المحتوم، أمّا المحتوم منه فلا يتخلّف، ولا بدّ مِن أن تتعلّق المشيئة بما تعلّق بـه القضـاء) (5) .

ثمّ استدلّ لذلك بتفسير أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، الإمام الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام)، لقول الله (عزّ وجلّ): ( فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ ) (6) ، (أي يقدِّر الله كلّ أمْرٍ مِن الحقّ ومِن الباطل، وما يكون في تلك السنّة، وله فيه البداء والمشيئة، يقدّم ما يشاء، ويؤخّر ما يشاء مِن الآجال والأرزاق والبلايا والأعراض والأمراض، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء...) (7) .

____________________

(1) السيّد الخوئي / البيان في تفسير القرآن: ص 407 - 408.

(2) المصدر السابق: ص 408.

(3) سورة الرعد: آية 39.

(4) سورة الروم: آية 4.

(5) السيّد الخوئي / البيان في تفسير القرآن: ص 409.

(6) سورة الدخان: آية 4.

(7) السيّد الخوئي / البيان في تفسير القرآن: ص 411.


ثمّ يلخّص رأي الشيعة الإمامية بقوله: (وخلاصة القول: أنّ القضاء الحتْمي المعبّر عنه باللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب، والعِلم المخزون عند الله، يستحيل أن يقع فيه البداء، وكيف يتصوّر فيه البداء؟...).

وإنّ الله سبحانه عالِم بجميع الأشياء منذ الأزل، لا يعزُب عن عِلمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء.

روى الصدوق في (كمال الدِين)، بإسناده عن أبي بصير، أو سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (مَن زعم أنّ الله (عزّ وجلّ) يبدو له في شيءٍ لمْ يعلَمْه، فابرأوا منه).

وروى العياشي عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): (إنّ الله يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء، ويمحو ما يشاء ويُثبت ما يشاء وعنده أُمّ الكتاب. وقال: فكلّ أمرٍ يريده الله، فهو في عِلمه قبل أن يصنعه، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، إنّ الله لا يبدو له مِن جهل) (1) .

ثمّ أوضح بعد ذلك، لماذا البحث في مسألة البداء، فقال: (فالقول في البداء هو الاعتراف الصريح بأنّ العالَم تحت سلطانه وقدرته في حدوثه وبقائه، وإنّ إرادة الله نافذة في الأشياء أزلاً وأبداً...

والقول بالبداء يوجِب انقطاع العبد إلى الله وطلبه إجابة دعائه منه، وكفاية مهمّاته وتوفيقه للطاعة وإبعاده عن المعصية، فإنّ إنكار البداء، والالتزام بأنّ ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - دون استثناء - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه...

والسرّ في هذا الاهتمام: أنّ إنكار البداء يشترك بالنتيجة مع القول، بأنّ الله غير

____________________

(1) المصدر السابق: ص 412 - 413.


قادر على أن يغيّر ما جرى عليه قلم التقدير. تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً) (1) .

وجرْياً على هذه القاعدة، ناقش الخواجه نصير الدِين الطوسي الفلاسفة الذين نفَوا عِلم الله بالجزئيات بقوله: (وتغيّر الإضافات ممكن).

وعلّق الشارح العلاّمة الحلّي على ذلك بقوله:

(أقول: هذا الجواب عن اعتراض الحكماء القائلين بنفي عِلمه تعالى بالجزئيات الزمانية، وتقرير الاعتراض: أنّ العِلم يجب تغيّره عند تغيّر المعلوم؛ وإلاّ لانتفت المطابقة، لكن الجزئيات الزمانية متغيّرة، فلو كانت معلومة عند الله تعالى، لزم تغيّر عِلمه تعالى، والتغيّر في عِلم الله تعالى محال. وتقرير الجواب: أنّ التغيّر هذا إنّما هو في الإضافات لا في الذات، ولا في الصفات الحقيقية...) (2) .

وهكذا يتّضح الرأي الإمامي في مفهوم البداء، وتتحدّد معالِمه الأساسية مِن خلال ما بيّنه أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وعرَضه وناقشه علماء ومتكلّموا الإمامية.

فهو لا يعني تغيّر عِلم الله تعالى، ولا نقْض إرادته، بل إنّ عِلمه سابق لِما سيكون وسيحدث مِن تغيير موقوف على تغيير المصالح والأوضاع البشرية، كأن يغيّر الإنسان ما بنفْسه مِن سوءٍ أو خير، فيغيّر الله ويُحدِث له وضعاً آخَر، أو يُحدِث الإنسان طاعةً كالدعاء أو الصدقة أو البِرّ والإحسان، فيدفع الله عنه السوء والمكروه، ويُنجز له طلِبَته.

فإنَّ الأمر لا يخرج مِن يَد الله ومشيئته، واستدلّوا لذلك بقوله تعالى: ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ ) (3) ، ( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ

____________________

(1) السيّد الخوئي / البيان في تفسير القرآن: ص 414 - 415.

(2) العلاّمة الحلّي / كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 222.

(3) سورة الرعد: آية 39.


مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) (1) .

وبقوله: ( لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ) (2) ، ( إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ) (3) .

وبعد قراءة بيان الفكر الإمامي لمفهوم البَداء في العقيدة الإسلامية، نلخّص أبرز ما جاء في هذا الفهْم والبيان فهو:

1 - إنّ أوّل مَن استعمل مصطلح البَداء هو الرسول الكريم محمّد (صلّى الله عليه وآله).

2 - إنّ البَداء في عالم التَكوين، كالنسْخ في عالَم التشريع.

3 - إنّ المسلمين جميعاً يقولون بالبَداء كمعنىً، ويختلفون في إطلاق المصطلح على هذا المعنى، وبعد أن ثبت استعمال الرسول لهذا اللفظ، يكون الإشكال اللفظي قد حلّ، ولمْ تُعدّ هناك مشكلة عقيدية في استعمال المصطلح.

4 - إنّ إبراز عقيدة البَداء مِن جانب الفكر الشيعي بهذا الشكل المكثّف، جاء ردّاً على الفكر اليهودي المنحرف، الذي ادّعى بأنّ الله سبحانه قد خلَق الخلْق، وفرغ منه، وهو غير قادر على أنْ يُحدث فيه شيئاً آخَر، أو يغيّر في الخلْق ما يشاء.

كما جاء ردّاً على أصحاب الفكر المنحرف مِن الفلاسفة المتأثّرين بالفكر اليوناني، وبعض متكلّمي المعتزلة الذين شطّ بهم الفهْم عن الرؤية التوحيدية الأصيلة.

5 - إنّ البَداء لا يعني تغيّر عِلم الله سبحانه، بل إنّ الله عالِم بما يحدث ويتغيّر

____________________

(1) سورة البقرة: آية 106.

(2) سورة الروم: آية 4.

(3) سورة الرعد: آية 11.


في الخلْق عِلماً أزليّاً.

6 - إنّ ما جاء في القرآن الكريم مِن إجابة دعاء الأنبياء والمضطرّين وتغيير ما بهم، وما تحدّثت به السُنّة المطهّرة مِن حثٍّ على الصدقة والبرّ وصِلة الأرحام، وتأثير ذلك في إطالة العمر، ورفْع البلاء، وتغيير ما بالإنسان، إن هو إلاّ مصداق لمفهوم البداء. ولا يُقصد بالبداء إلاّ هذا التغيير وأمثاله.

7 - إنّ ما يثبت في أُمّ الكتاب - اللوح المحفوظ - أي العِلم المخزون الذي لمْ يُطلِع الله سبحانه عليه أحداً مِن ملائكته أو رسُله، هو الأصل الثابت الذي لا تغيير فيه ولا تبديل، إنّما يقع التبديل والتغيير فيما يجري تنفيذه في عالَم الخلائق، الذي عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ) (1) .

وقوله سبحانه: ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (2) .

فقد ورَد في تفسير وبيان أهل البيت (عليهم السلام)، أنّ في ليلة القدر تُقدَّر أُمور الخلائق مِن بداية تلك الليلة، وحتّى الليلة الآتية مِن العام الذي يتلوها.

____________________

(1) سورة القدر: آية 1 - 5.

(2) سورة الدخان: آية 3 - 6.


الفصل الرابع

العدْل الإلهي



( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قائِمَاً بِالْقِسْطِ... ) (1) .

العدْل صِفة مِن صفات الله تعالى، وليست أصلاً مستقلاًّ بذاته، غير أنّ علماء التوحيد أفردوا هذه الصفة في دراساتهم العقيدية، كمبحث مستقلّ مِن مباحث أُصول الدِين؛ لأهمّية هذه الصفة، وارتباط مسائل وقضايا عقيدية كثيرة بها، بل يرتبط بهذه الصفة أصْلا النبوّة والمعاد؛ لأنّ النبوّة جاءت بالتكليف، ومِن مقتضيات التكليف أن يكون هناك جزاء، وأنّ الجزاء واقع في عالَم الآخِرة.

وهذا الجزاء الوفاق هو مِن أبرز مصاديق العدْل الإلهي، ولولاه لتساوى المُحسن والمسيء في الحساب، وهو خلاف العـدْل، تنزّه الله عن ذلك.

عرّف المقداد السيوري العدْل بقوله: (هو تنزيه الباري تعالى عن فِعل القبيح والإخلال بالواجب) (2) .

فهو سبحانه مُنزَّه عن فِعل القبيح، كالكذب، والظلم، والعقاب بلا بيان، والتكليف فوق الوِسع والطاقة، وفِعل الشرّ، كما أنّه لا يخلّ بواجب، أي لا يترك

____________________

(1) سورة آل عمران: آية 18.

(2) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 25.


شيئاً ثبتت مصلحته للعباد في حكمته، كإرسال الشرائع والأنبياء... الخ.

ولعلّ مِن أبرز مباحث العدْل الإلهي، هو مبحث الجبْر والاختيار، وقدرة الإنسان على الفِعل والتأثير؛ لارتباط المسؤولية والجزاء بذلك، فقد بُحثت هذه المسألة العقيدية الخطيرة بحثاً واسعاً، فانقسم الفهْم والتفسير لدَور الإرادة البشرية، وعلاقة إرادة الله بالفِعل الإنساني، على ثلاثة اتّجاهات مدرسيّة رئيسة هي:

1 - مدرسة المعتزلة.

2 - مدرسة الأشاعرة.

3 - مدرسة أهل البيت.

فكان لكلّ مدرسة تفسيرها وتحليلها لإرادة الإنسان واختياره وتأثيره في الأفعال الصادرة عنه، مِن الطاعة والمعصية.

وقد تحدّث - شارح الباب الحادي عشر - أبو الفتح بن مخدوم الحسيني ملخِّصاً هذه الاتّجاهات بقوله: (المبحث الثاني - مِن المباحث الستّة - في إنّا فاعلون بالاختيار: اعلم أنّهم اختلفوا في أفعال العباد اختلافاً عظيماً، فذهب جمهور المعتزلة إلى: أنّ المؤثّر فيها قدرة العباد فقط على سبيل الاختيار.

والفلاسفة وإمام الحرَمَين إلى: أنّ المؤثّر فيها قدرتهم فقط، لكن على سبيل الإيجاب وامتناع التخلّف (1) .

والجَبرية إلى: أنّ المؤثّر فيها قدرة الله تعالى فقط، مِن غير قدرة لهم أصلاً.

وأكثر الأشاعرة إلى: أنّ المؤثّر فيها قدرة الله تعالى فقط، مع مقارنة قدرتهم مِن غير تأثير لها، والإسناد إلى مجموع تأثير القدرتين في أصل الفِعل، والقاضي إلى تأثير قدرة الله تعالى وقدرة العبد، في وصْفه مثل كونه طاعة ومعصية) (2) .

____________________

(1) الإيجاب وامتناع التخلّف: الجبْر وحتمية وقوع الفِعل، غير أنّ كلّ ذلك يقع بقدرتهم.

(2) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 155.


وعلّق المقداد السيوري على نصّ العلاّمة الحلّي، الذي قال فيه: (إنّا فاعلون بالاختيار. والضرورة قاضية بذلك؛ للفَرْق الضروري بين سقوط الإنسان مِن السطح، ونزوله منه على الدرج. ولامتناع تكليفنا بشيء، فلا عصيان. ولقبح أن يخلُق الفِعل فينا، ثمّ يعذّبنا عليه؛ للسمْع (*) ).

علّق على هذا النصّ قائلاً: أقول: ذهب أبو الحسن الأشعري، ومَن تابعه إلى: أنّ الأفعال كلّها واقعة بقدرة الله تعالى، وأنّه لا فِعل للعبد أصلاً. وقال بعض الأشعرية: إنّ ذات الفِعل مِن الله، والعبد له الكسْب. وفسّروا الكسْب بأنّه كون الفِعل طاعة أو معصية.

وقال بعضهم: معناه أنّ العبد إذا صمّم العزْم على الشيء، خلَق الله تعالى الفِعل عقيبه) (1) .

وجدير ذِكره أنّ التفسير الأشعري كان ينطلق في الأساس مِن مبدأ توحيد الله، وأنّه وحده الخالق والمؤثّر، غير أنّ هذا التفسير اختلط عليه الأمْر، فنفى دَور الإنسان كفاعلٍ ومؤثّر وِفْق القانون الإلهي في الوجود؛ فقاده هذا الاختلاط إلى مصادرة إرادة الإنسان، وفرض الجبْرية عليه.

أمّا المعتزلة والزيديّة والإمامية، فذهبوا إلى: (أنّ الأفعال الصادرة مِن العبد وصفاتها، والكسْب الذي ذكروه، كلّها واقعة بقدرة العبد واختيـاره، وأنّه ليس بمجبور على فِعله، بل له أن يفعل، وله أن لا يفعل، وهو الحقّ...) (2) .

وقد دخلت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في حوارٍ مع التفسير الأشعري، الذي أسند الفِعل الإنساني إلى الله سبحانه؛ معلّلاً ذلك بأنّ لا مؤثّر في

____________________

(*) السمْع: الآيات والروايات.

(1) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 27.

(2) المصدر السابق.


الخلْق إلاّ الله؛ منطلقاً مِن أساسٍ فلسفيٍّ يقوم على نكران السببيّة والعلّيّة في عالَم المخلوقات، وأنّ الإنسان ليس له إلاّ الكسْب، فقدّم الفهْم الأشعري أكثر مِن تفسير للكسْب، فكان بعضها يرى الكسْب عبارة عن: (خلْق الله تعالى الفِعل عقيب اختيار (1) العبد الفِعل، وعدمه عقيب اختيار العدم، فمعنى الكسْب إجراء العادة بخلْق الله الفِعل عند اختيار العبد.

وقال بعضهم: إنّ معنى الكسْب: هو أنّ الله تعالى يخلُق الفِعل مِن غير أن يكون للعبد فيه أيّ أثَرٍ البتّة، لكن العبد يؤثّر في وصف كون الفِعل طاعة أو معصية، فأصل الفِعل مِن الله تعالى، ووصف كونه طاعة أو معصية مِن العبد) (2) .

وقد ردّت المدرسة الإمامية على هذا التفسير: بأنّ (الاختيار والإرادة مِن جملة الأفعال، فإذا جاز صدورهما مِن العبد، فليجز صدور أصل الفعل عنه) (3) .

وبنَت المدرسة الإمامية رأيها هذا على أساسٍ تفسيريٍّ أعمق، وهو الإيمان بمبدأ العِلّيّة والسببية في عالَم الموجودات بأسرها، وأنّ إرادة الإنسان وفِعله هما العِلّة والسبب في إيجاد الأفعال الصادرة عنه، وليس الإنسان محلاًّ لجريان الحوادث، كما يكون النهَر محلاًّ لمجرى الماء.

وبذا انتهى التفكير الأشعري إلى الجبْرية، ومصادرة إرادة الإنسان واختياره، كما انتهى غيره مِن الظاهريّين وغيرهم إلى القول بالجبْرية.

وكما نوقش موضوع صدور الفِعل مِن الإنسان، وقدرته على أن يكون فاعلاً، ودَور الإرادة والاختيار الإنساني في الفِعل، ناقشوا موضوع المتولّد مِن أفعال

____________________

(1) يقصد بالاختيار هنا: تحديد الموقف النفْسي الداخلي مِن الأشياء، دون القدرة على التنفيذ وإيقاع الفعل الخارجي.

(2) العلاّمة الحلّي / نهْج الحقّ وكشْف الصدق: ص 126.

(3) المصدر السابق.


الإنسان، فالإنسان عندما يتحرّك حركات فِعلية معيّنة، ينتج عنها نتائج وِفْق قوانين الطبيعة ونظام الحياة، كالقتْل والكتابة والزنا وإيقاف نزف الجريح... الخ، ناقشوا في هذا المتولّد (الناتج عن حركة الإنسان الاختيارية): هل يسند إلى الإنسان أو لا؟.

(فذهبت الإمامية إلى أنّ المتولّد مِن أفعالنا مستند إلينا... وذهبت الأشاعرة إلى أنّ المتولّد مِن فِعل الله...

وذهب معمر (ثمامة بن الأشرس): أنّه لا فِعل للعبد إلاّ الإرادة، وما يحصل بعدها، فهو مِن طبْع المحلّ (1) ، وقال بعض المعتزلة: لا فِعل للعبد إلاّ الفكر) (2) .

وهكذا نشأت ثلاثة اتّجاهات تفسيريّة للفِعل الإنساني وهي:

1 - تفسير ينتهي إلى أنّ الأمر مفوّض إلى الإنسان، وأنْ لا علاقة لقدرة الله بالفِعل، ولا تأثير، بل يذهب بعض هذه الآراء إلى أنّ الله غير قادر على أن يمنع الإنسان مِن ممارسة الفِعل، وهذا هو مذهب مُعظم المعتزلة.

2 - تفسير ينتهي إلى الجبْر، وأنّ الإنسان مجْبر على فِعله، وليس للإنسان اختيار مؤثّر في الخلْق، وليس بوِسْعه أن يفعل، ولا يُسند إليه نتيجة فِعله؛ لأنّ الله وحده هو القادر على الفِعل والتأثير في الخلْق، وهو مذهب الأشاعرة وكثير مِن أصحاب الظاهر.

3 - تفسير يذهب إلى أنّ الإنسان مُريدٌ مختارٌ فاعلٌ، تُسند إليه أفعاله وما يتولّد عنها خارج ذاته. كالقتْل والزنا وشفاء المريض بعد علاجه... الخ.

وأنّ دَوره دَور المُعِدّ والمحرِّك باختياره، وإرادته للأفعال وقدرته على

____________________

(1) أي إنّما يجري هو نتاج الأوضاع الطبيعية لذلك الشيء.

(2) العلاّمة الحلّي / نهج الحقّ وكشف الصدق: ص 132.


تحريكها وسلوكه، دَور السببية في عالَم الطبيعة، وليس دور الخلْق للأفعال بمعناها الصادر عن الله تعالى؛ ولتمتّعه بالاختيار والقدرة على إيقاع الأفعال، كان مسؤولاً عن فِعله، ومحاسَباً عليه؛ ولذلك أسند القرآن الفِعل إليه، ورتّب الجزاء عليه.

كقوله تعالى: ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (1) .

( ... كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ) (2) .

( ... هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (3) .

( وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى... ) (4) .

( فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ... ) (5) .

ولنقرأ ما ورَد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في مسألة تفسير الفِعل الإنساني، وعلاقة الإرادة والاختيار البشَري بإرادة الله سبحانه، فقد أوضح أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الإنسان ليس مجْبراً على فِعله، كما أنّ الأمْر ليس مفوّضاً إليه، بل هناك تفسير دقيق للاختيار والإرادة والفِعل الإنساني، وعلاقة ذلك بإرادة الله سبحانه، جاء تفسيره كالآتي:

روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قوله: (إنّ الله (عزّ وجلّ) خلَق الخلْق، فعَلِم ما هم صائرون إليه، وأمَرهم ونهاهم، فما أمَرهم به مِن شيءٍ، فقد جعل لهم السبيل إلى الأخْذ به، وما نهاهم عنه مِن شيءٍ، فقد جعل لهم السبيل إلى

____________________

(1) سورة الزلزلة: آية 7، 8.

(2) سورة الطور: آية 21.

(3) سورة النمل: آية 90.

(4) سورة الإسراء: آية 94.

(5) سورة الكهف: آية 29.


تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلاّ بإذن الله) (1) .

وعن الإمامين محمّد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام)، أنّهما قالا: (إنَّ الله (عزّ وجلّ) أرحم بخلْقه، مِن أن يجْبُر خلْقه على الذنوب ثمّ يعذّبهم عليها، والله أعزّ مِن أن يريد أمْراً فلا يكون. فسُئلا (عليهما السلام): هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا: نعم، أوسع ممّا بين السماء والأرض) (2) .

وأجاب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) على سؤال محمّد بن عجلان، حين سأله قائلاً: (فوّض الله الأمر إلى العباد؟! فقال: الله أكرم مِن أن يفوّض إليهم. قلت: فأجبر الله العباد على أفعالهم؟ فقال: الله أعدَل مِن أن يجبر عبداً على فِعلٍ ثمّ يعذّبه عليه) (3) .

وروى الحسن بن عليّ الوشّا عن الرضا (عليه السلام): (قال سألته، فقلت: الله فوّض الأمر إلى العباد؟ قال: الله أعزّ مِن ذلك، قلت: فجبَرهم على المعاصي؟ قال: الله أعدَل وأحكَم مِن ذلك، قال: ثمّ قال: قال الله: يا ابن آدم أنا أَولى بحسناتك منك، وأنت أَولى بسيّئاتك منّـي، عملتَ المعاصي بقوّتي التي جعلتها فيك) (4) .

وسُئل الإمام الصادق عن الجبْر والقدْر، فقال: (لا جبر ولا قدر (5) ، ولكن منزلة بينهما، فيها الحقّ التي بينهما، لا يعلمها إلاّ العالِم، أو مَن علّمها إيّاه العالِم) (6) .

وروى الزهري أنّ رجُلاً سأل الإمام عليّ بن الحسين (عليهما السلام) عن

____________________

(1) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص 359.

(2) المصدر السابق: ص 360.

(3) المصدر السابق: ص 361.

(4) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 157.

(5) يقصد به تفويض الفِعل إلى العباد مِن غير أن يؤثّر الله فيه.

(6) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 159.


القضاء والقدر، فقال له: (جعلني الله فداك، أبِقدَرٍ يصيب الناس ما أصابهم أمْ بعمل؟

فقال (عليه السلام): (إنَّ القدر والعمل بمنزلة الروح والجسد، فالروح بغير الجسد لا تحسّ، والجسد بغير روح صورة لا حراك بها، فإذا اجتمعا قويا وصلُحا، وكذلك العمل والقدر، فلو لمْ يكن القدر واقعاً على العمل، لمْ يعرف الخالق مِن المخلوق، وكان القدر شيئاً لا يحـسّ، ولو لمْ يكن العمل بموافقةٍ مِن القدر لمْ يمض ولمْ يتمّ، ولكنّهما باجتماعهما قويا، ولله فيه العَون لعباده الصالحين...) (1) .

وتحدّث الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) عن الجبْر والتفويض، فقال: (ألا أعطيكم في هذا أصلاً لا تختلفون فيه، ولا تُخاصمون عليه أحداً إلاّ كسرتموه، قلنا: إنْ رأيت ذلك، فقال: إنّ الله (عزّ وجلّ) لمْ يُطَعْ بإكراه، ولمْ يُعْصَ بغلَبة، ولمْ يهمل العباد في مُلكه، هو المالك لِما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإنْ ائتمر العباد بطاعته لمْ يكن الله عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإنْ ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحُول بينهم وبين ذلك فعَل، وإنْ لمْ يحُل وفعلوه، فليس هو الذي أدخلهم فيه، ثمّ قال (عليه السلام): مَن يضبط حدود هذا الكلام، فقد خصَم مَن خالَفه) (2) .

وقد أوضح الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) آيتين مِن كتاب الله (عزّ وجلّ)، قد تشابه المعنى فيهما على كثير ممّن لا يعي محتوى الكتاب، (فقال في تفسير قوله تعالى: ( وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ) ، قال: إنّ الله تبارك وتعالى لا يوصَف بالترْك، كما يوصَف خلْقه، ولكنّه متى عَلِم أنّهم لا يرجعون عن الكفر والضلال، منعهم المعاونة واللطف، وخلّى بينهم وبين اختيارهم.

وسُئل عن معنى قوله تعالى: ( خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ ) ، فقال:

____________________

(1) الشيخ الصدوق / التوحيد: ص 366 - 367.

(2) المصدر السابق: ص 361.


الختْم هو الطبع على قلوب الكفّار عقوبة لهم على كُفرهم، كما قال عزّ وجلّ: بل يطبع الله عليها بكفرهم، فلا يؤمنون إلاّ قليلاً) (1) .

وقد تحدّث الفقيه الراحل السيّد أبو القاسم الخوئي في هذه المسألة العقيدية الخطيرة، فأوضح رأي المدرسة الإمامية قائلاً: (ولنذكر مثلاً تقريبياً يتّضح به للقارئ حقيقة الأمْر بين الأمْرين، الذي قالت به الشيعة الإمامية، وصرّحت به أئمّتها، وأشار إليه الكتاب العزيز.

لنفرض إنساناً كانت يده شلاَّء لا يستطيع تحريكها بنفْسه، وقد استطاع الطبيب أن يوجد فيها حركة إرادية وقتيّة بواسطة قوّة الكهرباء، بحيث أصبح الرجل يستطيع تحريك يده بنفْسه متى وصلها الطبيب بسِلك الكهرباء، وإذا انفصلت عن مصدر القوّة لمْ يمكنه تحريكها أصلاً، فإذا وصل الطبيب هذه اليد المريضة بالسلك للتجربة مثلاً، وابتدأ ذلك الرجُل المريض بتحريك يده، ومباشرة الأعمال بها - والطبيب يمدّه بالقوّة في كلّ آن - فلا شُبهة في أنّ تحريك الرجُل ليده في هذه الحال مِن الأمْر بين الأمْرين، فلا يستند إلى الرجُل مستقلاًّ؛ لأنّه موقوف على إيصال القوّة إلى يده، وقد فرضنا أنّها بفِعل الطبيب، ولا يستند إلى الطبيب مستقلاًّ؛ لأنّ التحريك قد أصدره الرجُل بإرادته، فالفاعل لمْ يُجبَر على فِعله؛ لأنّه مُريد، ولمْ يفوّض إليه الفِعل بجميع مبادئه؛ لأنّ المدَد مِن غيره.

والأفعال الصادرة مِن الفاعلين المختارين كلّها مِن هذا النوع. فالفِعل صادر بمشيئة العبد، ولا يشاء العبد شيئاً إلاّ بمشيئة الله. والآيات القرآنية كلّها تشير إلى هذا الغرض، فهي تبطل الجَبْر - الذي يقول به أكثر العامّة - لأنّها تثبت الاختيار، وتبطل التفويض المحْض - الذي يقول به بعضهم - لأنّها تسند الفِعل إلى الله.

وسنتعرّض إن شاء الله تعالى للبحث تفصيلاً، ولإبطال هذين القولين حين تتعرّض الآيات لذلك.

____________________

(1) المصدر السابق: ص 160.


وهذا الذي ذكرناه مأخوذ عن إرشادات أهل البيت (عليهم السلام) وعلومهم، وهم الذين أذهب الله عنهم الرجْس وطهّرهم تطهيراً) (1) .

وبذا يتحدّد الفهْم الإمامي لأعْقَد مسألة مِن مسائل الحياة، وهي مسألة تفسير الفِعل الإنساني، فجاء تفسيراً مبنيّاً على أنّ لا جَبْر ولا تفويض، وإنّما الإنسان كائن مُريد مختار وفاعل، وبه يرتبط ما يتولّد عن فِعله، هو مسؤول عنه؛ وبذا صحّ أن يُجازى على فِعله.

ويمكننا أن نستخلص مِن مجْمَل ما عُرِض مِن بيان الأئمّة والعلماء، أهمّ المبادئ المتعلّقة بموضوع الاختيار الإنساني والعدْل الإلهي، وهي:

1 - الإيمان بمبدأ العِلّيّة والسببية الطبيعية والاجتماعية، وأنّ الإنسان يسلك كسببٍ مؤثّر في هذا الوجود.

2 - الإنسان يملك القدرة والاستطاعة على الفِعل، خيراً كان أو شرّاً، قبل أن يفعل الفِعل.

3 - إنَّ الله لا يكلّف فوق الوِسع والطاقة، بل جاءت التكاليف بأجمعها بمستوى طاقة الإنسان وقدرته.

4 - الإنسان فاعل، وعنه يصدر فِعله، وإليه يُنسَب ما يتولّد مِن فِعله مِن أثَرٍ في العالَم الخارجي، وليس محلاًّ لجريان الحوادث. وقد صرّح القرآن بذلك في العديد مِن آياته، ودلّ الوجدان عليه، فكلّ إنسان يُدرك بوضوحٍ كامل أنّه قادر على فِعل العديد مِن الأفعال، كما أنّه قادر على ترْكها، وهو في كلّ ذلك مُعِدّ وسبب، وليس خالقاً لفِعله، بل لدَوره السببي وقدرته على الفِعل والترْك كان مسؤولاً، وسببيّته هي بذاتها جزء مِن نظام الوجود الذي خلَقه الله سبحانه؛ وبذا تتضح العلاقة

____________________

(1) السيّد الخوئي / البيان في تفسير القرآن: 102 - 103.


بين إرادة الله وإرادة الإنسان.

5 - الإنسان مريد مختار؛ لذا استحقّ العقاب والثواب، وأنّ هذا الاختيار لا يعني تفويض الأمْر إليه بشكلٍ تتجرّد الإرادة الإلهية عن التأثير، وتنعزل عن القدرة على منْعه، بل هو أمْر بين أمْرين، كما سبق وأن تمّ إيضاحه.



الفصل الخامس

النبوَّةُ



( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (1) .

( رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً، لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً ) (2) .

( قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (3) .

( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ

____________________

(1) سورة البقرة: آية 213.

(2) سورة النساء: آية 165ـ 166.

(3) سورة آل عمران: آية 84 - 85.


حَسِيباً، مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) (1) .

( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) (2) .

(النبيّ هو الإنسان المخبِر عن الله تعالى بغير واسطة أحدٍ مِن البشَر) (3) .

يشكّل الإيمان بالنبوّة الأساس الثاني بعد الإيمان بالله سبحانه، وهو فرع على الإيمان بوجود الله وعنايته بخلْقه، والعقل البشري بعد أن آمَن بالله سبحانه بالدليل والبرهان القاطع، قاده هذا الإيمان إلى التصديق بالنبوّة والأنبياء، وإنزال الكتُب والشرائع.

وقد تناول المتكلّمون والفلاسفة وأهل العرفان والمتصوّفة والمفكّرون الإسلاميون، هذه المسألة العقيدية الخطيرة الشأن بالبحث والدراسة والتحليـل، كأبرز ظاهرة غيبية في عالَم الحسّ والمادّة على هذه الأرض، فهي تعني اتّصال عالَم الغيب بعالَم الشهادة، والفيض الربّاني بعالَم الإنسان.

وقد دار البحث بشكلٍ رئيسي في مسألة النبوّة على عدّة أُسس هي:

1 - حاجة البشرية إلى النبوّة، وهل هي واجبة على الله سبحانه.

2 - منهج إثبات صدق دعوات الأنبياء.

3 - عصمة الأنبياء.

4 - إثبات نبوّة نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وأنّه خاتم النبيّين.

____________________

(1) سورة الأحزاب: آية 39 - 40.

(2) سورة الصفّ: آية 6.

(3) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 34.


5 - حالات الوحي التلقّي النبويّ.

وعند دارسة هذه المفردات وغيرها مِن مسائل النبوّة ومتفرّعاتها، نلاحظ تعدّد الآراء والتفسيرات وتباينها بشكلٍ واسع وعميق، حتّى أنّ بعض تلك الآراء والتفسيرات خرجت على الأصل الإسلامي، والمرتكز الأساس في حقيقة النبوّة والمعجزة.

وقد كان لمدرسة الشيعة الإمامية الرأي الواضح، والدراسة الوافرة في كلّ مسألة مِن مسائل النبوّة التي أشرنا إليها، ملتزمين بمنهجهم العقيدي في التوحيد والإيمان بمسائل الغيب، التي أشرنا إليها عند بحث منهج المعرفة والإيمان العقيدي. فدخلوا في حوارٍ طويل مع الفِرَق الإسلامية، التي شكّلت آراء مغايرة لتلك الآراء، كما خاضوا ملحمة دفاعٍ حامية عن مسألة النبوّة ضدّ الزنادقة والملاحدة، ومدّعي النبوّة، حفظتها لنا كتُب المناظرات والعقيدة والحديث والتفسير.

ونوضّح فيما يلي رأي المدرسة الإمامية في الأُسس التي دار البحث حولها، وهي كالآتي:

1 - حاجة البشرية إلى النبوّة، وهل هي واجبة على الله سبحانه؟

لقد تناولت المدرسة الإمامية مسألة حاجة البشرية إلى الأنبياء والشرائع الإلهية، بالبحث والدراسة، وأجابت عليها: بأنّ النبوّة ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، ويجب أن تكون في عالَم الإنسان.

تحدّث العلاّمة الحلّي في وجوب النبوّة وحاجة البشرية إليها، فقال: (اختلف الناس هنا، فقالت المعتزلة: إنّ البِعثة واجبة. وقالت الأشاعرة: إنّها غير واجبة. احتجّت المعتزلة بأنّ التكاليف السمعية ألطاف في التكاليف العقلية، واللطف واجب،


فالتكليف السمعي واجب، ولا يمكن معرفته إلاّ مِن جهة النبيّ، فيكون وجود النبيّ واجباً؛ لأنّ ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب، واستدلّوا على كون التكليف السمعي لطفاً في العقلي، بأنّ الإنسان إذا كان مواظباً على فِعل الواجبات السمعيّة، وترْك المناهي الشرعية... وهذا معلوم بالضرورة لكلّ عاقل) (1) .

وعلّق الفاضل المقداد على تعريف العلاّمة الحلّي للنبوّة في كتابه الباب الحادي عشر، قائلاً: (إذا تقرّر هذا، فاعلم: أنّ النبوّة مع حُسنها - خلافاً للبراهمة - واجبة في الحكمة خلافاً للأشاعرة، والدليل على ذلك، هو أنّه لمّا كان المقصود مِن إيجاد الخلْق هو المصلحة العائدة إليهم، كان إسعافهم بما فيه مصالحهم، وردعهم عمّا فيه مفاسدهم واجباً في الحكمة، وذلك أمّا في أحوال معاشهم، أو أحوال معادهم...

ثمّ قال: فاقتضت الحكمة وجود عدْلٍ يفرض شرعاً، يجري بين النوع، بحيث ينقاد كلّ واحدٍ إلى أمره، وينتهي عند زجْره... ثمّ قال: وذلك الشخص المفتقر إليه في أحوال المعاش والمعاد، هو النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، والنبيّ واجب في الحكمة، وهو المطلوب) (2) .

وهكذا ترى المدرسة الإمامية: أنّ النبوّة ضرورة لحياة البشرية، وأنّ مصلحة البشرية وإصلاحها متوقّفة عليها، ولا يمكن للبشرية أن تهتدي وتعيش في خير وسعادة، وتربح رضوان الله، إلاّ بالنبوّة والأنبياء، وأنّ ذلك ثابت برحمة الله، ولا يمكن أن يتركه؛ لأنّه يريد هداية الإنسان وإصلاحه، ولو لمْ يرسل الأنبياء (عليهم السلام)، ولمْ يُنزل الشرائع؛ لنقض ما يريده، وهو منزّه عن ذلك.

هذا هو معنى قولهم: إنّ النبوّة لطف واجب على الله سبحانه مِن باب حكمته، وليس معنى الوجوب على الله سبحانه، هو المعنى المتعارف في عالَم الإنسان، كما يتبادر إلى

____________________

(1) العلاّمة الحلّي / كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 375 / (المسألة الثانية في وجوب البِعثة).

(2) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 34.


أذهان البعض مِن الناس.

2 - منهج إثبات صدق دعوات الأنبياء:

مِن خلال إلقاء نظرة على مسيرة الفكر البشري، والصراع العقيدي والاجتماعي يتشخّص لنا عُمق ذلك الصراع، واتّساع الملحمة بين الفكر الإلحادي والفكر الإلهي، الذي آمَن بالوحي والنبوّة، واتّصال النبيّ الإنسان بعالَم الغيب والملكوت الأعلى، وكان إنكار النبوّة وتكذيب الأنبياء - ولمْ يزل - هو محنة الإنسان ومصدر شقائه وعنائه على هذه الأرض.

وهذه المسألة العقلية الخطيرة في حياة الإنسان، رغم سهولة الإيمان بها والتصديق بما حملته للإنسان من معارف وهداية، فهي لمْ تزل لدى التفكير المادّي مِن أعقد مسائل الفكر، وأكثرها صعوبة.

ولقد ركّز القرآن الكريم في جانبٍ واسع مِن خطابه، على محاكمة التفكير المنكِر لصِدق الأنبياء (عليهم السلام)، وسَوق الأدلّة على وجود الله سبحانه وقدرته، ودخل في حوارٍ طوال سنين الوحي مع الجاحدين والكافرين بالنبوّة - كظاهرة غيبية في عالَم الإنسان - أو مع المنكرين لنبوّة النبيّ الهادي محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، ولقد كان لأئمّة أهل البيت وبقيّة علماء الإسلام، نضال فكري ضدّ الزنادقة والملحدين ومنكري نبوّة نبيّنا محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، خصوصاً بعد أن تمنطق التفكير في المجتمع الإسلامي، وامتدّت مَوجة الفكر المترجم، وانتشرت مناهج الشكّ.

وقد نهض الفكر الإمامي بالعبء الطليعي في الدفاع عن النبوّة، كظاهرة غيبية بصورة عامّة، وعن نبوّة نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وخلود رسالته ومعجزته بصورة خاصّة، وتحتفظ المكتبة الإسلامية بتلك المناظرات والمساجلات والآراء والدراسات، والأبحاث القائمة على أُسس الحجّة والدليل والبرهان، عِبر مستويات


التفكير البشري خلال أربعة عشر قرناً، فكان حصّة الفكر الإمامي في الدراسات العقيدية وافراً وناصعاً، واتّسم بالأصالة والعقلانية.

فقد اعتمد المنهج الإمامي في إثبات صدق النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، على المنهج العقلي الذي يرتكز على أنّ دعوى النبوّة كأيّة دعوى عِلمية تحتاج إلى دليل إثبات، وأنّ الطريق إلى تصديق النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو العقل والاستدلال العقلي، الذي يتوصّل إلى الإثبات عن طريق المعجزة الدالّة على بِعثة النبيّ، وتأييده بها مِن الله تعالى.

يتّضح مِن أحاديث أئمّة أهل البيت، ونصوص الدراسات العقيدية في الفكر الإمامي، أنّ الإمامية ترى وجوب النبوّة، وأنّ مَن ادّعى النبوّة وأيّدته المعجزة، فهو نبيّ يجب تصديقه، وأنّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) هو خاتم النبيين، قد أيّده الله بالمعجزة الخالدة - القرآن - وبمعاجز مؤيّدة كثيرة.

وقد كتب الخاجة نصير الدين الطوسي في هذا الشأن، قائلاً: (في الطريق إلى معرفة صدق النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وطريق معرفة صدقه، ظهور المعجزة على يده، وهو ثبوت ما ليس بمعتاد، أو نفي ما هو معتاد، مع خرق العادة ومطابقة الدعوى) (1) .

أمّا الشريف المرتضى، فقد كتب يقول: (صِدْق مدّعي النبوّة لا يثبت إلاّ بالمعجز الخارق للعادة، على وجهٍ لا يتقدّر معه إضافته إلى مُحدَث بحُسنه أو صفته المخصوصة؛ ليعلم الناظر اختصاصه بالقديم تعالى، الذي لا يجوز منه تصديق الكذب) (2) .

____________________

(1) العلاّمة الحلّي / كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 377 / (المسألة الرابعة).

(2) رسائل الشريف المرتضى / (المجموعة الثانية): ص 323.


ويرى الفكر الإمامي أنّ التصديق بالأنبياء قضية استدلالية، ومعرفة تحتاج إلى اكتساب، كما تكتسب المعارف الأُخرى المجهولة لدى الإنسان، وطريق الاستدلال هو العقل، الذي يُصدّق ويذعن بعد مشاهدة المعجزة، فإذا جاء النبيّ بما يعجز البشر عن الإتيان به، آمن الناس بأنّه معجز مِن الله سبحانه، وأنّ المؤيّد به نبيّ مرسل.

ولقد كتب الشيخ الصدوق موضّحاً طريق المعرفة بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، قائلاً: (أقول: إنّ المعرفة بالله اكتساب، وكذلك المعرفة بأنبيائه، وكلّ غائب... الخ) (1) .

وقد نشأ جدال بين أصحاب المذاهب والآراء العقيدية والفلسفية في: هل تكليف النبيّ بالنبوّة هو تفضّل مِن الله عليه، عندما اختصّه بها دون غيره، أمْ استحقاق استحقّه ذلك الشخص لخصال خاصّة به...؟ فانقسم الفلاسفة والمتكلّمون الإسلاميون على فريقين اثنين:

قال الشيخ المفيد موضّحاً ذلك: (أقول: إنّ تكليف النبوّة تفضّل مِن الله تعالى على مَن اختصّه بكرامته؛ لعِلمه بحميد عاقبته، واجتماع الخلال الموجبة في الحكمة بنبوّته في الفضل عمّن سواه، فأمّا التعظيم على القيام بالنبوّة والتبجيل وفرض الطاعة، فذلك يستحقّ بعِلمه الذي ذكرناه.

وهذا مذهب الجمهور مِن أهل الإمامة، وجميع فقهائنا أهل النقل منّا، وإنّما خالف فيه أصحاب التناسخ المُعْتَزين إلى الإمامية وغيرهم، ووافقهم على ذلك مِن متكلّمي الإمامية بنو نوبخت، ومَن اتّبعهم بأسره مِن المنتمين إلى الكلام، وجمهور المعتزلة على القول بالتفضّل فيها، وأصحاب الحديث بأسرهم على مثل هذا المقال) (2) .

____________________

(1) الشيخ المفيد / أوائل المقالات: ص 66.

(2) المصدر السابق: ص 71 - 73.


3 - عصمة الأنبياء:

العصمة في اللغة: (العصمة في أصل اللغة: هي ما اعتصم به الإنسان مِن الشيء، كأنّه امتنع به عن الوقوع فيما يكره، وليس هي جنساً مِن أجناس الفِعل) (1) .

العصمة في المصطلح: (والعصمة في اصطلاح المتكلّمين هي: (لطفٌ خفيٌّ يفعله الله تعالى بالمكلّف، بحيث لا يكون له داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية، مع قدرته على ذلك) (2) .

ويوضّح الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) المعنى الاصطلاحي للمعصوم، فيقول: (المعصوم هو الممتنع بالله مِن جميع محارم الله) (3) .

إنّ مِن الأفكار والعقائد الأساسية التي وقع الحوار والجدَل فيها، هو عصمة الأنبياء (عليهم السلام)، أي اتّصافهم بالكمال البشري؛ نتيجةً لِما يحملون مِن مَلَكات نفسية وقوّة إرادية ووضوح في الفهْم والرؤية، مسدّدين مِن الله سبحانه بما آتاهم مِن لطف وتوفيق؛ ليكونوا قدوَةً للبشرية في القول والعمل، وهداةً للمسيرة الاجتماعية، ونموذجاً إنسانياً للمبادئ والقيَم الإلهية التي يدعون إليها.

إنّ اتّصاف الأنبياء الدعاة بالاستقامة السلوكية، والممارسة السَوية في الحياة - أي اتّصافهم بالعصمة - أمر ضروري لنجاح الدعوة، وقبول البشرية بمبادئ الرسالة؛ لذا كان هذا اللطف بالأنبياء - في حقيقته - لطفاً بالبشرية، لطف هدايةٍ وتقريبٍ مِن الاستقامة والصلاح.

فالنبيّ الداعي إلى الحقّ والخير والاستقامة، لا يمكن أن يصدّقه أحد أو يتبعه

____________________

(1) المصدر السابق: ص 150.

(2) المقداد السيوري / شرح الحادي عشر: ص 37.

(3) المجلسي / بحار الأنوار 25: 194.


إنسان، إذا ما شاهده يخالف بسلوكه الدعوة والمبادئ التي يدعو إليها.

والله سبحانه لمْ يكن يأمر البشرية بالاقتداء بالأنبياء، لولا أنّه عَلِم أنّ ما يصدر عنهم مِن فِعلٍ وقولٍ سيكون ممثّلاً للشريعة والرسالة التي أرسلوا بها.

لذا نجد القرآن الكريم قد أمر البشرية بالاقتداء بالنبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله)، اقتداءً كاملاً بقوله: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) (1) .

وبقوله: ( ... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا... ) (2) .

وتأسيساً على ذلك كانت السنّة النبويّة مصدراً مِن مصادر التشريع، قولاً وفعلاً وتقريراً، وقد درس الفكر الإسلامي هذه المسألة دراسة علمية مستفيضة، على ضوء مبادئ الشريعة والسلوك العملي للرسول الكريم، وتقييم العقل لهذه الصفة.

وكان أبرز محاور الدراسة تدور حول: هل الأنبياء معصومون مِن الكبائر والصغائر قبل البعثة وبعدها، أو لا؟

وإذا كان الأنبياء معصومين، فهل هذه العصمة خاصّة بما يُبَلّغونه عن الله سبحانه، أي في مجال الشريعة وحسب، أو هي عصمة في كلّ فِعلٍ وقولٍ يصدر عنهم في أُمور الدين والدنيا؟ فهم لا يقولون ولا يفعلون إلاّ الصواب، الذي أباحته أو أوجبته الشريعة، ولا يقولون ولا يفعلون شيئاً مِن شؤون الحياة، إلاّ ما كان متطابقاً مع الحقيقة العِلمية ووِفْق قانون الطبيعة، الذي تسير وفْقه الحياة.

ويشرح الشيخ المفيد (3) معنى العصمة بشكلٍ محدّد بقوله: (العصمة مِن الله

____________________

(1) سورة الأحزاب: آية 21.

(2) سورة الحشر: آية 7.

(3) الشيخ المفيد / شرح عقائد الصدوق: ص 235 - 236. (مطبوع في آخِر كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد).


لحُججه: هي التوفيق واللطف، والاعتصام مِن الحُجج بهما عن الذنوب والغلط في دِين الله تعالى.

العصمة تفضّل مِن الله تعالى على مَن عَلِم أنّه يتمسّك بعصمته والاعتصام فِعل المعتصم، وليست العصمة مانعة مِن القدرة على القبيح، ولا مضطرّة للمعصوم إلى الحسَن، ولا مُلجئة له إليه، بل هي الشيء الذي يعلم الله تعالى أنّه إذا فعَله بعبد مِن عبيده، لمّ يُؤْثِر معه معصية له، وليس كلّ الخلْق يعلم هذا مِن حاله، بل المعلوم منهم ذلك هُم الصفوة والأخيار.

قال الله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ) (1) ، وقال سبحانه: ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَـى الْعَالَمِيـنَ ) (2) ، وقال سبحانه: ( وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ ) (3) .

ويشرح العلاّمة الحلّي وجوب العصمة التامّة في الأنبياء، ويبيّن أهمّيتها في قبول الدعوة وتصديق النبوّة، فيقول: (العصمة لطفٌ خفيٌّ يفعله الله تعالى بالمكلّف، بحيث لا يكون له داعٍ إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية، مع قدرته على ذلك؛ لأنّه لولا ذلك لمْ يحصل الوثوق بقوله، فانتفت فائدة البِعثة، وهو محال) (4) .

ثمّ علّق الشارح المقداد السيوري بقوله: (أقول: اعلم أنّ المعصوم يشارك غيره في الألطاف المقرّبة، ويحصل له زائداً على ذلك، لأجْل ملَكةٍ نفسانية، لطفٌ بفِعل الله، بحيث لا يختار معه ترك الطاعة، ولا فِعل المعصية، مع قدرته على ذلك) (5) .

ويتحدّث الشيخ المفيد عن رأي الإمامية في عصمة الأنبياء، فيقول: (أقول: إنّ

____________________

(1) سورة الأنبياء: آية 101.

(2) سورة الدخان: آية 32.

(3) سورة (ص): آية 47.

(4) المقداد السيوري / شرح الباب الحادي عشر: ص 37.

(5) المصدر السابق: ص 37.


جميع أنبياء الله (صلّى الله عليهم) معصومون مِن الكبائر قبل النبوّة وبعدها، وممّا يستخفّ فاعله مِن الصغائر كلّها، وأمّا ما كان مِن صغيرٍ لا يستخفّ فاعله، فجائز وقوعه منهم قبل النبوّة، وعلى غير تعمّد، وممتنع منهم بعدها على كلّ حال. وهذا مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها تخالف فيه).

ثمّ قال: (أقول: إنّ نبيّنا محمّداً (صلّى الله عليه وآله) ممّن لمْ يعصِ الله (عزّ وجلّ)، منذ خلَقه الله إلى أنْ قبضه، ولا تعمّد خلافاً، ولا أذنب ذنباً على التعمّد ولا النسيان، وبذلك نطق القرآن، وتواتر الخبر عن آل محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وهو مذهب جمهور الإمامية، والمعتزلة بأسرها على خلافه.

وما يتعلّق به أهل الخلاف مِن قول الله تعالى: ( لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) ، وأشباه ذلك في القرآن، ويعتمدونه في الحجّة على خلاف ما ذكرناه، فإنّه تأويل بضدّ ما توهّموه، والبرهان يعضده على البيان، وقد نطق الفرقان بما قد وصفناه، فقال جلّ اسمه: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) (1) ، فنفى بذلك عنه كلّ معصية ونسيان) (2) .

ويتحدّث الإمام الصادق (عليه السلام) عن عصمة الرسول، فيقول: (إنّ رسول الله كان مسدّداً موفّقاً مؤيّداً بروح القدس، لا يزلّ ولا يخطئ في شيءٍ ممّا يسوس به الخلْق) (3) .

وبعد هذه القراءة في مدرسة الشيعة الإمامية المعرِّفة لعصمة الأنبياء، نستخلص الآتي:

أ - إنّ العصمة مَلَكة نفْسية راسخة لا تزول، تمنع صاحبها مِن الوقوع في

____________________

(1) سورة النجم: آية 1.

(2) الشيخ المفيد / أوائل المقالات: 69.

(3) يراجع السيّد عبد الله شبّر / حقّ اليقين في معرفة أصول الدِين 1: 94.


المعصية، بتوفيقٍ مِن الله ولطف لمستحقّ ذلك اللطف: ( وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ ) (1) ، ( وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِيـنَ ) (2) ، ( ... اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ... ) (3) .

ب - إنّ الأنبياء مسَّددون معصومون مِن الخطأ، بما يبلّغونه وبما يسوسون به البشَرية سياسة حياتية عامة، فلا يصدر عنهم معصية ولا خطأ فيما يبلّغونه عن الله سبحانه، ولا في أيّ فِعلٍ أو قول يمارسونه في الحياة، بتوفيقٍ مِن الله وتسديد.

ولولا ذلك لَما دعا القرآن إلى الاقتداء بهم والأخذ عنهم: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ... ) (4) ، ( ... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا... ) (5) ، ( أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ... ) (6) ، ( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) (7) ، ( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (8) ، ( اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ... ) (9) ، ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (10) .

4 - إثبات نبوّة نبيّنا محمّد، وأنّه خاتم النبيّين:

ويستدلّ الفكر الإمامي على نبوّة نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله)، والردّ على الزنادقة والمشركين وأصحاب الديانات السابقة، وعلى الإيمان بالله ووجوب بِعثة

____________________

(1) سورة (ص): آية 47.

(2) سورة الدخان: آية 32.

(3) سورة الأنعام: آية 124.

(4) سورة الأحزاب: آية 21.

(5) سورة الحشر: آية 7.

(6) سورة الأنعام: آية 90.

(7) سورة النجم: آية 2.

(8) سورة القلم: آية 4.

(9) سورة الأنعام: آية 124.

(10) سورة النجم: آية 3 - 4.


الأنبياء على الله سبحانه، بأنّ مِن ادّعى النبوّة، فصدّقته المعجزة فهو نبيّ، وأنّ نبيّنا محمّداً (صلّى الله عليه وآله) جاء بالقرآن المعجزة الخالدة، التي تحدّت البشرية جميعها، وأيّدته عشرات المعاجز التي جرَت على يده في عصره المبارك.

وممّا نطق به هذا القرآن الكريم، وبشَّر به عظماء الأنبياء مِن قَبْل، هو أنّ رسالات الله سبحانه قد خُتمت برسالة محمّد (صلّى الله عليه وآلـه)، فلا نبيّ بعده، ولا رسالة بعد رسالته.

( ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) (1) .

ومحمّد (صلّى الله عليه وآله) هو بشارة الأنبياء، الذي بشّر به موسى وعيسى (عليهما السلام)، وهو دعوة إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام)، وقد صرّح القرآن بذلك بقوله: ( ... الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ... ) (2) .

( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ ) (3) .

وفي دعاء إبراهيم وإسماعيل الذي نقله القرآن الكريم لنا نقرأ:

( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ

____________________

(1) سورة الأحزاب: آية 40.

(2) سورة الأعراف: آية 157.

(3) سورة الصفّ: آية 6.


الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) (1) .

ويأتي التصريح بجواب هذا الدعاء في سورة الجمعة: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) (2) .

وقد أوضح المفسّر الكبير أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي هذا المعنى بقوله: (وفي هذه الآية دلالة على أنّ إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) دعوا لنبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) بجميع شرائط النبوّة؛ لأنّ تحت التلاوة الأداء، وتحت التعليم البيان، وتحت الحِكمة السنّة، ودعَوا لأُمّته باللطف الذي لأجْله تمسّكوا بكتابه وشرْعه، فصاروا أزكياء؛ وهذا لأنّ الدعاء صدر مِن إسماعيل، فعلم بذلك أنّ النبيّ المدعو به مِن وُلدِه، لا مِن وُلد إسحاق، ولمْ يكن في وُلد إسماعيل نبيّ غير نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) سيّد الأنبياء) (3) .

وقد قال المفسّر الطبرسي قبل ذلك: (والمعني به بقوله: ( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ) ، هو نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله)، لِما روي عنه أنّه قال: أنا دعوة أبي إبراهيم (عليه السلام)، وبشارة عيسى (عليه السلام)، يعني قوله: ومبشّراً برسولٍ يأتي مِن بعدي اسمه أحمد، وهو قول الحسَن وقتادة وجماعة مِن العلماء، ويدلّ على ذلك: أنّه دعا بذلك لذرّيته الذين يكونون بمكّة وما حولها، على ما تضمنه الآية في قوله: ربّنا وابعث فيهم، أي في هذه الذرّية رسولاً منهم، ولمْ يبعث الله مَنْ هذه صورته إلاّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله)...) (4) .

____________________

(1) سورة البقرة: آية 127 - 129.

(2) سورة الجمعة: آية 2.

(3) الطبرسي / مجمع البيان في تفسير القرآن 1: 211.

(4) المصدر السابق: ص 210.


ويؤكّد القرآن الكريم نسْخه للشرائع والديانات بقوله: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (1) .

( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (2) .

( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ... ) (3) .

فشريعة الإسلام قد نسخَت الشرائع جميعها، وحملت مِن السِعة والشمول لِما يحتاجه الإنسان على امتداد الزمان والمكان، وتطوّر الفكر والمجتمع، ما يؤهّلها لقيادة الحياة البشرية، وحلّ مشاكل الإنسان المدنية والحضارية المتجدّدة، وقبولها لعملية الاجتهاد والتوالد التشريعي والمفهومي.

5 - حالات الوحي والتلقّي النَّبَوي:

( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (4) .

إنَّ مِن الأركان الأساسية في عقيدة التوحيد هو الإيمان بالوحي والنبوّة.

وقد تحدّث القرآن الكريم عن كيفيّات الوحي، كما تحدّث الأئمّة الهداة والرواة وكتّاب السِيَر عن كيفية نزول الوحي على الرسول (صلّى الله عليه وآله).

قال الشيخ المفيد: (وأصل الوحي هو الكلام الخفي، ثمّ قد يطلق على كلّ

____________________

(1) سورة التوبة: آية 33.

(2) سورة آل عمران: آية 85.

(3) سورة آل عمران: آية 19.

(4) سورة الشورى: آية 51.


شيءٍ قُصد به إلى إفهام المخاطب على الستر له عن غيره، والتخصيص له به دون مَن سواه، وإذا أُضيف إلى الله تعالى كان فيما يخصّ به الرُسل (عليهم السلام) خاصّة، دون مَن سواهم على عُرف الإسلام وشريعة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)) (1) .

ومِن استقراء حالات الوحي وتلقّي الأنبياء والرُسل في كتاب الله سبحانه، ومِن بيان الرسول وأئمّة المسلمين، نفهَم أنّ حالات التلقّي هذه تتلخّص في الصوَر الآتية:

أ - حالة الوحي المباشر: هي حالة إلقاء الكلمة الإلهية إلى الرسول بلا واسطة مَلَك، كما خاطب الله نبيّه محمّداً في معراجه إلى السماوات العُلى، وكما خاطب نبيّه موسى (عليه السلام): ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ) (2).

وقد شرح الإمام الصادق (عليه السلام) هذه الحالة بقوله: (كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، إذا أتاه الوحي مِن الله، وبينهما جبرئيل (عليه السلام)، يقول: هو ذا جبرئيل، وقال لي جبرئيل.

وإذا أتاه الوحي، وليس بينهما جبرئيل (عليه السلام) تصيبه تلك السبتة (3)) .

ب - الوحي بواسطة تكليم المَلَك جبرئيل (عليه السلام): ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ) (4) .

جـ - الوحي عن طريق الإلقاء في نفْس النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لقوله:

____________________

(1) الشيخ المفيد - نقلاً عن الشيخ عبّاس القمّي / سفينة البحار (باب وحي) 2: 638.

(2) سورة طه: آية 11، 12.

(3) السبتة: نوم خفيّ كالغشية: (لسان العرب) 2: 37 (مادّة سبت).

(4) سورة الشعراء: 193 - 194.


(يا أيّها الناس إنّه قد نفث في رَوعي روح القدس، أنّه لن تموت نفْسٌ حتّى تستوفي رزقها) (1) .

د - الإيحاء بواسطة الرؤيا: فقد تحدّث القرآن عن هذه الحالة بقوله: ( لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ... ) (2) .

____________________

(1) الكليني / الفروع مِن الكافي 5: 80 - باب الإجمال في الطلب ـ.

(2) سورة الفتح: آية 27.


بدْء الوحي

نقل بعض المؤرّخين والمستشرقين صوَراً مشوّهة عن نزول الوحي على النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فتحدّثوا بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لمْ يفْهم ما رأى في غار حراء، وأنّ نزول الوحي في الغار قد أحدَث له اضطراباً وفزعاً، وكاد أن يلقي بنفْسه مِن أعلى الجبل، ممّا دعاه إلى أن يطلب تفسير ما حدث له مِن خديجة [ عليها السلام ]، التي أخذته إلى ورَقة بن نوفل، الذي قام بتفسير ما رأى الرسول (صلّى الله عليه وآله) في غار حراء، وهو الذي أفْهمه الذي جاءه هو مَلَك الوحي.

إنّها قصّة ملفّقة وتصوير مدسوس على الموقف النبويّ؛ فإنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان قبل نزول الوحي بزمن، يذهب إلى الغار؛ ليتعبّد فيه، ويتأمّل في ملَكوت السماوات والأرض، منتظراً ما سيأتيه مِن وحيٍ ونبوّة، وفيما أوضح الإمام الباقر (عليه السلام) ببيانٍ كافٍ للردّ على هذه الشُبهة، فقد أوضح أنّ الرسول أوّل ما بُدئ بالرؤيا الصادقة، وأنّ (رؤيا الأنبياء وحي)، كما ورد عن الإمام عليّ (عليه السلام)، وكما أوضح القرآن ذلك.

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، في بيان تلقّي النبيّ والرسول، أنّه قال: (الرسول الذي يأتيه جبرئيل قُبُلاً، فيراه ويكلّمه، فهذا الرسول، وأمّا النبيّ فهو الذي يرى في منامه نحو رؤيا إبراهيم، ونحو ما كان رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أسباب النبوّة قبل الوحي، حتّى أتاه جبرئيل (عليه السلام) مِن عند الله بالرسالة، وكان محمّد (صلّى الله عليه وآله) حين جُمع له النبوّة، وجاءته الرسالة مِن عند الله، يجيئه بها جبرئيل ويكلّمه بها قُبُلاً...) (1) .

____________________

(1) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 176 / (باب الفرْق بين الرسول والنبيّ).


وقد أوضحت عائشة زوج الرسول هذه الحقيقة بقولها: (إنَّ أوّل ما بُدئَ به رسول الله مِن الوحي، الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثل فلَق الصبح، ثمّ حُبِّبَ إليه الخلاءُ، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنّث فيه - وهو التعبّد - الليالي ذواتِ العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزوّدُ لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتّى جاءه الحقّ وهو في غار حراء...) (1) .

وشرح صاحب السيرة الحلبية هذه الحقيقة بقوله: (قال القاضي وغيره: إنّما ابتُدئ رسول الله بالرؤيا؛ لئلاّ يفجأه المَلَك الذي هو جبرئيل (عليه السلام) بالنبوّة: أي الرسالة، فلا تتحمّلها القوى البشرية...) (2) .

وهكذا يتّضح أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نُبّئ قبل أن يُكلَّم في الغار مِن قِبَل جبرئيل، وأنّه كان يذهب إلى الغار بعد أن كان يرى رؤيا الأنبياء منتظراً الوحي والرسالة، فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام)، فكان أوّل ما قرأ عليه مِن القرآن هو: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّـذِي خَلـَقَ... ) (3) .

ثمّ تتابع نزول القرآن نجوماً متفرّقة، طيلة مدّة حياته التي تلت هبوط الوحي في غار حراء، والتي تقدّر بثلاثة وعشرين سنة، حتّى اكتمل الوحي الإلهي، وختم بقوله تعالى: ( ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً... ) (4) ، على ما نقله كثير مِن المفسّرين والمعنّيين بتاريخ نزول الآيات.

____________________

(1) البخاري 1: 4 / (باب كيف كان بدْء الوحي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) / ح 3.

(2) المصدر السابق 1: 233 / باب بدْء الوحي له (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

(3) سورة العلق: آية 1.

(4) سورة المائدة: آية 3.



الفصل السادس

الإمامةُ



تعريف:

الإمامة في اللُغة:

(يُقال: إمام القوم، معناه المتقدّم لهم، ويكون الإمام رئيساً، كقولك: إمام المسلمين) (1) .

(الإمام: المؤتمّ به إنساناً، كأن يُقتدى بقوله أو فِعله، أو كتاباً، أو غير ذلك، محقّاً كان أو مبطلاً، وجمْعه أئمّة. وقوله تعالى: ( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ... ) (2) ، أي بالذي يقتدون به، وقيل بكتابهم...) (3) .

الإمامة في المصطلح:

عرَّف العلاّمة الحلّي الإمامة بقوله: (الإمامة رئاسة عامّة في أمور الدنيا والدِين، لشخصٍ مِن الأشخاص نيابةً عن النبيّ) (4) .

إنّ قراءة هذا النصّ وغيره مِن النصوص الواردة في تعريف الإمامة، توضّح لنا

____________________

(1) ابن منظور / لسان العرب 12: 26.

(2) سورة الإسراء: آية 71.

(3) الراغب الأصفهاني / المفردات في غريب القرآن: ص 24.

(4) العلاّمة الحلّي / الباب الحادي عشر: ص 69.


حقيقة أساسية في بُنية الفكر الإسلامي، وهي أهمّية الإمامة وولاية الأمر في الحياة الإسلامية؛ ذلك لأنّها مواصلة لمسيرة النبوّة في نشر الدعوة، وحِفظ أحكام الشريعة وقيادة الدولة، وأنّ الفكر الإمامي يربط بين الدِين والدنيا ربطاً وثيقاً مِن خلال العمل السياسي، والمعالجة الشاملة لشؤون الحياة التي يمارسها إمام المسلمين ويتحمّل أعباءها.

لذا عرّفت الإمامة: بأنّها نيابة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جانب مِن مهمّته في الحياة؛ ذلك لأنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان نبيّاً مُخبراً عن الله سبحانه، بغير واسطة أحد مِن البشَر، وكان إماماً للبشرية تقتدي بفِعله وقوله، وتخضع لولايته وقيادته، كولي أمر وقائد سياسي.

والإمام وفْق المعتقد الإسلامي ينوب عن الرسول في تحمّل مسؤولياته كافّة، عدا مهمّة تلقّي الوحي، فإنّها مِن خصائص النبوّة وحدها؛ لذلك عُرّفت الإمامة بأنّها نيابة عن الرسول في أُمور الدِين والدنيا.

ولأهمّية الإمامة وولاية الأمر في البناء الإسلامي، كما فهِمَته المدرسة الإمامية، نجد الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) يقول: (لو لم يكن في الأرض إلاّ اثنان لكان الإمام أحدهما) (1) .

ومِن هذا المنطلق يصف الإمام عليّ بن موسى الرضا الأئمّة بقوله: (الأئمّة خلفاء الله (عزّ وجلّ) في أرضه) (2) .

وروى أئمّة أهل البيت عن جدّهم الرسول الهادي محمّد (صلّى الله عليه وآله) قوله: (مَن مات، وهو لا يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية) (3) .

____________________

(1) الكليني / الأُصول مِن الكافي 1: 180.

(2) المصدر السابق: ص 191.

(3) الشيخ المفيد / عدّة رسائل المفيد: ص 3.


لمحة تعريفية:

تمثّل الإمامة ركناً أساساً مِن أركان بناء الإسلام، وإقامة صرحه الفكري والسياسي، ومواصلة عملية التغيير والبناء في المجتمع الإسلامي بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فهي امتداد طبيعي لمهام النبوّة وحِفظ الرسالة.

وبالعودة إلى دراسة ما جاء في كتاب الله سبحانه، وما صدر عن الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) مِن مواقف وأقوال وتوجيهات، تتحدّث عن الإمامة والحُكم والخلافة وولاية الأمر... الخ. نفهم أهمّية الإمامة للرسالة والمجتمع الإسلامي، وخطورة المهام المناطة بها.

ومِن هذا المنطلق - كما ترى المدرسة الإمامية - جاء التأكيد في الكتاب والسنّة على شخص الإمام عليّ وولَدَيه الحسن والحسين (عليهم السلام)، وتكوّنت عناية نبويّة خاصّة بالإمام عليّ (عليه السلام)، بشكلٍ يفصح عن اهتمام الرسول (صلّى الله عليه وآله) بتكوين شخصية إسلامية، تعي الإسلام بأجلى صوَر الوعي (1) ، وتترسّم خُطى الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأدقّ ما يمكن لإنسان أن يقتدي بشخصه الكريم؛ ليكون على مستوى مِن الإعداد الفكري والسلوكي، يؤهّله لمواصلة المسيرة التغييرية الكبرى، وتحمّل أعباء الإمامة بعد الرسول الهادي محمّد (صلّى الله عليه وآله).

فأفرز هذا الإعداد فهْماً معيّناً لدى فئة مِن الصحابة، قدّر لها أن تنتمي لعليّ دون سواه؛ لذا كان لها موقف مِن النتائج التي أفرزها مؤتمر السقيفة، وناقشتْ في تحديد الشخصيّة التي تلي أُمور المسلمين وتواصل مهامّ الإمامة، فحدث ذلك الانقسام التاريخي، الذي امتدّت آثاره إلى الأجيال الإسلامية اللاحقة، فكان انقساماً فكرياً وسياسياً نتج عنه وجودان وكُتلتان داخل الصفّ

____________________

(1) ذكر المفسّرون أنّ قوله تعالى: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) نزلت في عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).


الإسلامي، لكلٍّ منهما قناعاته الفكرية وفَهْمه للنصّ الشرعي والتعامل معه، وهما:

1 - شيعة الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، أي أتباعه وحزب الذين آمنوا بأنّ الخلافة حقّ لعليٍّ (عليه السلام) دون سواه، وأنّه رائد فكري وسياسي للأُمّة، وأنّ اجتماع السقيفة أخطأ في تنحية عليّ (عليه السلام) عن موقعه الطبيعي في هذه الأُمّة.

وقد امتدّ هذا الكيان الإسلامي، وواصل قيادته آلُ البيت النبويّ على شكل مدرسة فكرية وسياسية ومذهب فقهي؛ نتيجةً لِما يحمل مِن فهْم متميّز للإسلام، ورؤية مستلهَمة مِن عطاء قادته وأئمّة العِلم فيه، والذي أُطلق عليه فيما بعد اسم (مذهب الشيعة الإمامية).

2 - تكتّل أبي بكرٍ وعُمَر - رض - الذي تطوّر إلى مدرسة فكرية وفقهية وخطّ سياسي، حوَت مذاهب عدّة، أطلق عليها فيما بعد اسم مذاهب أهل السنّة.

وقد تحوّل - وبشكلٍ مؤسف - هذا الخلاف الذي كان مِن المفروض فيه أن يكون خلافاً فكرياً يخضع للحوار العِلمي في يومه الأوّل، تحوّل إلى اضطهادٍ سياسيٍّ وإرهابٍ فكريٍّ، وصراع، ومواجهات دموية رهيبة ترافقها حمْلات دعائية واتّهامات لحركة التشيّع وللموالين لآل البيت النبويّ الكرام، على امتداد قرون تاريخية طويلة.

ولأهمّية موضوع الإمامة والمسؤولية المناطة بها في مجال الفكر والحياة الإسلاميين، وما يترتّب عليها مِن آثار كُبرى في مسيرة الدعوة والتاريخ الإسلامي، تناولها العلماء والباحثون مِن متكلّمين وفلاسفة وفقهاء وغيرهم، بالبحث والدراسة والتنظير.

ويهمُّ الباحث المسلم اليوم، أن يتناول موضوع الإمامة كأصلٍ وأساسٍ عقيدي في بناء الحياة الإسلامية، وقيادتها الفكرية والسياسية، وتحويل الإسلام مِن دعوةٍ


ومبادئ إلى دولةٍ ونظام حياة، وتطبيقٍ اجتماعيٍّ، فهْماً يتّسم بالنقاء والأصالة؛ ليؤدّي دَوره، ويحقّق أهدافه، ويمارس مهمّته القيادية في حياة الإنسان، بعيداً عن الخلاف والنزاع التاريخي، الذي مزّق وحدة الأُمّة وشتّت شمْلها، خلافاً لدعوة القرآن ومنهجه في توحيد الأمّة وجمْع صفوفها.


الإمامة الفكرية والسياسية

مِن خلال التعريف اللُغَوي للإمامة، عرَفنا أنّ الإمام هو مَن يُؤتَمُّ به، إنساناً أو كتاباً؛ لذا وصف الله سبحانه القرآن بأنّه إمام، كما وصف كتاب موسى والكتُب التي تُحفظ فيها المعلومات، ويُرجع إليها في معرفة أُمور الخلْق، إماماً. قال تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِيـنٍ ) (1) .

( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَاماً وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ ) (2) .

وهكذا فإنّ الوحي سمّى القرآن والكتُب الإلهية الهادية للإنسان، التي تُثبّت له الخطّ الفكري، ومنهج العقيدة والشريعة، وطريقة التفكير، كما سمّى الإنسان المطبِّق للمنهج، والقائد في المسير العقيدي والسياسي إماماً.

بل سمّى مَن يقود الجماعة إماماً؛ لأنّه يدعو إلى منهجٍ فكريٍّ وخطٍّ عقيدي في ممارسته القيادية، سواءً كان على هدىً أو ضلال، وسمّى القرآن الأنبياء أئمّة؛ لأنّهم حَمَلَة رسالةٍ وفكرٍ ومنهجٍ يقتدي بهم النّاس، ويسيرون على خُطاهم ويرجعون إليهم، كما سمّى قادة الكفر والضلالة، أئمّةً؛ لاقتداء أتباعهم بما يدعون إليه.

قال تعالى مخاطباً إبراهيم (عليه السلام): ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي

____________________

(1) سورة يس: آية 12.

(2) سورة هود: آية 17.


الظَّالِمِينَ ) (1) .

وقال تعالى في وصفه للنبيّين (عليهم السلام): ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (2) .

وقال تعالى: ( ... فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) (3) .

وهكذا تتشخّص الإمامة الفكرية للبشرية على يَد الأنبياء (عليهم السلام)، تلك الإمامة التي تقابلها إمامة الضلال والطاغوت على امتداد التاريخ.

وقد فَهِم المنهج الإمامي الإمامةَ الإسلامية: بأنّها إمامة فكرية، وإمامة سياسية بشكلٍ متلائم ومترابط في شخص الإمام مِن أهل بيت النبوّة (عليهم السلام)؛ لذلك قالوا في صفة الإمام، إنّه يجب أن يكون أعلم أهل زمانه، ولذلك أيضاً رفضوا إمامة المفضول؛ لأنّ الإمام: حافظ للشرع، وداع إلى الله، ومبيّن للكتاب والسنّة، والقيّم على الخطّ الفكري، والمشخّص للمسير.

وهكذا كان أئمّة أهل البيت قادة الفكر وأساتذة العلماء ومرجع الفقهاء.

وسيتّضح لنا موقع أئمّة أهل البيت العِلمي عند الحديث عن مقامهم العِلمي في هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.

وهكذا تحمل الإمامة مسؤوليتين مِن المسؤوليات العقيدية، هما: مسؤولية الولاية أو القيادة السياسية، ومسؤولية الإمامة الفكرية والسلوكية.

وقد كرّس أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) جهدهم في جانب الإمامة

____________________

(1) سورة البقرة: آية 124.

(2) سورة الأنبياء: آية 73.

(3) سورة التوبة: آية 12.


الفكرية والسلوكية في الأُمّة مِن عهد الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام)، بعد شهادة أبيه السبط في شهر محرّم عام (61 هـ)، حتّى عهد الإمام محمّد بن الحسن المهدي، الذي امتدّ اتّصاله بأتباعه إلى عام (329 هـ)، عدا الفترة التي تسلّم فيها الإمام عليّ بن موسى الرّضا (عليهما السلام) ولاية العهد في خلافة المأمون العبّاسي عام (201 هـ)، عندما حِيْلَ بينهم وبين ولاية الأمر، أو الإمامة السياسية. فمارسوا دَورهم العِلمي في حِفظ الشريعة وبيان أحكامها والدفاع عنها، كما واصلوا السعي لاستعادة الإمامة السياسية والنهوض بأعباء القيادة والولاية.

وقد تحدّث الشهيد الصدر (قدّس سرّه) عن الإمامة الفكرية والسياسية، تحت عنوان (خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء)، بعد أن استعرض آيات الشهادة والخلافة مثل قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ... ) (1) .

وكقوله تعالى: ( وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (2) .

وقال تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء... ) (3) .

تحدّث الشهيد الصدر موضّحاً أنّ هناك خطّين، خطّ الخلافة وخطّ الشهادة، بقوله: (إنّ هذا الكائن الحرّ الذي اجتباه للخلافة، قابل للتعليم والتنمية الربّانية، وأنّ

____________________

(1) سورة البقرة: آية 30.

(2) سورة النحل: آية 89.

(3) سورة المائدة: آية 44.


الله تعالى قد وضع له قانون تكامله مِن خلال خطّ آخر، يجب أن يسير إلى جانب خطّ الخلافة، وهو خطّ الشهادة الذي يمثّل القيادة الربّانية، والتوجيه الربّاني على الأرض) (1) . ثمّ أوضح: أنّ خطّ الشهادة يتمثّل:

1 - في الأنبياء.

2 - في الأئمّة الذين يعتَبرون امتداداً ربّانياً للنبيّ في هذا الخطّ.

3 - في المرجعية (2) التي تعتبر امتداداً رشيداً للنبيّ والإمام في خطّ الشهادة.

والشهيد في تعريف الشهيد الصدر هو: (مرجع فكري وتشريعي مِن الناحية الأيديولوجية، ويُشرف على سَير الجماعة وانسجامه أيديولوجياً مع الرسالة الربّانية التي يحملها، ومسؤول عن التدخّل لتعديل المسيرة أو إعادتها إلى طريقها الصحيح، إذا واجه انحرافاً في مجال التطبيق) (3) .

ثمّ أوضح أنّ (خطّ الشهادة وخطّ الخلافة يندمجان في شخصٍ واحد، وهو النبيّ، فالنبوّة تجمع كِلا الخطّين؛ ولذا اشترط الإسلام في النبيّ العِصمة).

ثمّ أوضح (فالإمام كالنبيّ شهيد وخليفة الله في الأرض...) (4) .

وهكذا نستنتج أنّ خطّ الخلافة، وولاية الأمر والقيادة السياسية، وخطّ (الشهادة) القيادة الفكرية، يجتمعان في الأنبياء وفي الأئمّة (عليهم السلام)؛ لتكامل الأهداف التي يسعى إليها النوع البشَري في حياته المادّية والفكرية والنفْسية، في عالَمي الدنيا والآخِرة.

وتحدّث الشيخ الطوسي عن الإمامة الفكرية والسياسية، فقال: (وقولنا إمام

____________________

(1) السيّد الشهيد الصدر / خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: ص 12.

(2) يقصد بهم مراجع الفكر والفتوى، وهُم الفقهاء.

(3) المصدر السابق: ص 16.

(4) المصدر السابق: ص 32.


يستفاد منه أمران: أحدهما: أنّه مقتدى به في أفعاله وأقواله، مِن حيث قال وفعل؛ لأنّ حقيقة الإمام في اللغة هو المقتدى به، ومنه قيل لمَن يصلّي بالناس، إمام الصلاة.

والثاني: أنّه يقوم بتدبير الأُمّة وسياستها، وتأديب جناتها، والقيام بالدفاع عنها، وحرب مَن يعاديها، وتَولية ولاية مِن الأمراء والقضاة وغير ذلك، وإقامة الحدود على مستحقّيها) (1) .

وهكذا يحدّد الفكر الإمامي نظرية الإمامة، بأنّها إمامة فكرية وسياسية؛ لذا كان مِن الواجب في هذه النظرية أن يتمتّع الإمام بالمواصفات، التي تؤهّله ليتحمّل مسؤولية الخلافة والشهادة، أو القيادة الفكرية والسياسية في الأُمّة.

____________________

(1) الشيخ الطوسي / الرسائل العشرة: ص 111 - 112.


صفات الإمام

نستطيع أن نفْهم صفات الإمام بعد أن فَهِمنا أنّ الإمامة: هي قيادة فكرية وسياسية للبشَرية، وأنّ الإمام هو مَن يُقتدى بفِعله وقوله، وهو وليّ الأمر والقائد السياسي للأُمّة.

فبقدَر ما يحمل الإمام مِن صفات العِلم والالتزام الشرعي والكفاءة القيادية والتكامل النفْسي والأخلاقي، يستطيع أن يكون قائداً ورقيباً فكرياً ومطبّقاً رسالياً للقيَم والمبادئ الإسلامية؛ لذا اشترط الفكر الإمامي - لخطورة شخصية الإمام وأهمّية المسؤولية التي يتحمّلها - اشترط في الإمام الذي يخلف النبيّ، ويواصل مهمّة التطبيق والقيادة الفكرية، أن تتوفّر فيه كافّة الشروط التي تؤهّله؛ لأن يكون قُدوةً ورقيباً فكرياً ومبيّناً للكتاب والسنّة، ومثبّتاً للخطّ الفكري والسياسي للأُمّة، وقائداً عادلاً وسياسياً محنّكاً، مستفيداً ذلك مِن كتاب الله (عزّ وجلّ) وسنّة نبيّه الكريم.

فقد تحدّث القرآن الكريم عن صفة الشخص المستحقّ للإمامة، وقيادة الأُمّة، ورعاية شؤونها في مواضع كثيرةٍ مِن بيانه العقيدي والسياسي والسلوكي، مثل حديثه عن الأنبياء الذين جعلهم الله سبحانه أئمّة، في مجال الفكر والسلوك والسياسة وتدبير شؤون الولاية، بالإضافة إلى مهمّة النبوّة وتلقّي الوحي.

وفي موارد حديثه عن مستحقّ الخلافة والوراثة والإمامة والملْك، قال تعالى: ( وَإِذ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (1) .

____________________

(1) سورة البقرة: آية 124.


( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (1) .

( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (2) .

( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ، وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (3) .

( ... قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (4) .

( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) (5) .

( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) (6) .

____________________

(1) سورة السجدة: آية 24.

(2) سورة الأنبياء: آية 72 - 73.

(3) سورة النُّور: آية 54 - 55.

(4) سورة البقرة: آية 247.

(5) سورة الفرقان: آية 74.

(6) سورة ص: آية 26.


( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (1) .

( ... أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (2) .

إنَّ قراءة هذه المجموعة مِن الآيات تشخّص أمامنا ما يجب أن يتّصف به الإمام مِن صفات، سواءً كان نبيّاً يحكُم بين الناس ويلي أُمورهم، أو كان خليفة له يواصل مهمّة الولاية والحُكم والهداية.

فالآيات شخّصت الصفات الآتية:

* إنّ الظالم لا يناله عهد الإمامة.

* إنّ الأنبياء جُعِلوا أئمّة يهدون بأمر الله، لمّا صبروا وأيقنوا بآيات الله، وعملوا الصالحات وفعلوا الخيرات.

* لا يستخلف الله في الأرض إلاّ مَنْ آمَن وعمل الصالحات.

* إنّ الخليفة في الأرض يحكُم بين الناس بالحقّ، ويبتعد عن الهوى.

* إنّ المتّقين الصابرين هُم الذين يستحقّون الإمامة ووراثة الأرض.

* إنّ التفوّق في العِلم والشجاعة هما مِن مؤهّلات القيادة وإدارة الملْك.

وهكذا يتحدّث القرآن عن صفات الإمام، سواء كان نبيّاً أو خليفة له، فلا بدّ للإمام مِن أن يتّصف بالعِصمة (الاستقامة) السلوكية، وهي التمسّك بطاعة الله تمسّكاً تامّاً والابتعاد عن معصيته، بتوفيق الله ولُطْفه لمستحقّيه مِن عباده الصادقين.

____________________

(1) سورة الأعراف: آية 128.

(2) سورة يونس: آية 35.


ولا بدّ له مِن أن يتّصف بالعِلم والشجاعة والقدرة على إدارة شؤون الأُمّة؛ لذلك أخبر الله سبحانه إبراهيم: بأنّ الظالم لنفْسه أو لغيره، وهو العاصي والمخالف للحقّ والعدْل والاستقامة السلوكية، لا يناله عهد الإمامة، ولا يستحقّها.

كما أخبر الله سبحانه: أنّ مِن مؤهّلات القيادة التفوّق في العِلم والشجاعة.

وقد تحدّث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) عن صفات الإمام في مواطن كثيرةٍ، عِبْر ما يزيد على قرنين ونصف مِن الزمان منها: قول الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام)، في وصف الإمامة والإمام: (إنَّ الإمامة أُسّ الإسلام النامي وفرعه السامي) (1) .

(إنّ الإمامة زمام الدِّين ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين) (2) .

وقول الإمام الباقر (عليه السلام): (إنّ الإمامة لا تصلح إلاّ لرجُلٍ فيه ثلاث خصال: ورَع يحجزه عن المحارم، وحِلم يملك به غضبه، وحُسن الخلافة على مَن وُلّيَ، حتّى يكون له كالوالد الرحيم) (3) .

(الإمام عالِم لا يجهلُ، وراعٍ لا ينكِل، معدنُ القدسِ والطهارة، والنُسك والزهادة، والعِلم والعبادة... نامي العِلم، كاملُ الحلم، مضطلعُ بالإمامة، عالِم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائمٌ بأمر الله (عزّ وجلّ)، ناصحٌ لعباد الله، حافظٌ لدِين الله) (4) .

وكتب السبط الشهيد الحسين بن عليّ (عليما السلام) إلى أهل العراق، يحثّهم على الثورة على يزيد بن معاوية: (فلَعمري ما الإمامُ إلاّ الحاكم بالكتاب،

____________________

(1) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 200.

(2) المصدر السابق: ص 200.

(3) الشيخ الصدوق / الخصال: ص 116، المجلسي / بحار الأنوار 25: 137.

(4) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 202.


القائم بالقِسط، الداين بدِين الحقّ، الحابس نفْسه على ذلك لله) (1) .

ومِن هذه البيانات والأُسس التشريعية مجتمعة، فهمَت المدرسة الإمامية صفات الإمام، والشروط التي يجب توفّرها في شخصه.

كتب الشيخ المفيد موضّحاً صفات الإمام، كما تراها المدرسة الإمامية، فقال: (واتّفقت الإمامية على أنّ إمام الدِين لا يكون إلاّ معصوماً مِن الخلاف لله تعالى، عالِماً بجميع علوم الدِين، كاملاً في الفضل، بايناً مِن الكلّ بالفضْل عليهم في الأعمال التي يستحقّ بها النعيم المقيم) (2) .

انطلاقاً مِن هذا الفَهْم والمعتقَد عاش أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) طوال القرون، يمثّلون المعارضة للحكّام الذين لمْ تتوفّر فيهم الشروط القرآنية لإمامة الأُمّة، وتدبير شؤونها. في حين رضخت مذاهب عقيدية كثيرة للسلطة، وروّضت الفكر السياسي ونظّرته لصالح الأمر الواقع، الذي يمثّله حُكّامٌ طُغاة، وولاةٌ منحرفون.

____________________

(1) المجلسي / بحار الأنوار 44: 334 - 335.

(2) الشيخ المفيد / أوائل المقالات: ص 47.


وجوب الإمامة

وانطلاقاً مِن أهداف الإسلام العقيدية والاجتماعية والسياسية في الحياة، ووجوب استمرار الدعوة وإقامة المجتمع الإسلامي، وتوقّف كلّ ذلك على وجود الإمام وولاية الأمر في الأُمّة، أجمَع المسلمون على وجوب الإمامة، عدا مَنْ شذّ مِن الخوارج وبعض المعتزلة.

ولنستعرض نماذج مِن آراء علماء الإمامية في الإمامة، المعبِّرة عن فَهْم الإمامية لمحتوى الإسلام العقيدي والسياسي، وأهدافه في الحياة، الذي بنَوا عليه وجوب الإمامة وقيام السلطة السياسية في المجتمع الإسلامي.

قال أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت: (الإمامة واجبة عقلاً؛ لأنّها لُطفٌ يقرّب مِن الطاعة ويُبعّد عن المعصية... وواجبة سمعاً أيضاً؛ لقوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا ) (1) ، والأمر بالشيء أمْرٌ بما لا يتمّ ذلك الشيء إلاّ به. وبقوله (صلّى الله عليه وآله): (الأئمّة مِن قريش)، وهو إلزام. وإجماع الصحابة حجّة على ذلك) (2) .

ثمّ علّق الشارح - العلاّمة الحلّي - على هذا النصّ بقوله: (ذهبت الإمامية إلى أنّ الإمامة واجبة عقلاً وسمعاً، وهو مذهب الكعبي وأبي الحسن البصري وجماعة مِن المعتزلة، وذهب جمهور المعتزلة والأشاعرة إلى أنّها واجبة سمْعاً...) (3) .

____________________

(1) سورة المائدة: آية 38.

(2) العلاّمة الحلّي / أنوار الملكوت في شرح الياقوت: 202.

(3) المصدر السابق.


ثمّ أوضح العلاّمة: أنّ الاحتجاج بآية عقوبة السارق على وجوب الإمامة بأنّها مثال، على أنّ هناك مِن الأحكام ما يتوقّف تنفيذه على وجود الإمام (السلطة السياسية التي تملِك صلاحية القضاء والأمر والنهي)، وإلاّ تعطّلت تلك الحدود والقوانين السياسية؛ لذا كان وجوب تنفيذها يستدعي وجوب وجود إمامٍ عادل.

كما أوضح أنّ مِن الأدلّة على وجوب الإمامة هو: (إجماع الصحابة على ذلك، فإنّهم لمْ يخلوا مِن نصْب إمام، ولو لمْ تكن واجبة؛ لأخلّوا به في بعض الأوقات) (1) .

وممّا استدلّ به الإمامية على وجوب الإمامة، هو قول الرسول (صلّى الله عليه وآله): (مَن مات وهو لا يعرف إمام زمانه، مات ميتةً جاهلية) (2) .

وعبّر الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) عن وجوب الإمامة في الإسلام بقوله: (لو لمْ يكن في الأرض إلاّ اثنان، لكان الإمام أحدهما) (3) .

وهكذا، فالإمامة في الفَهْم الإمامي: هي قيادة لهداية الإنسان وإصلاح الفرد والمجتمع؛ لذا كانت أصلاً مِن أُصول الدِين وقواعده؛ ولهذا ورَد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أنّ مَن مات وليس عليه إمام، مات ميتةً جاهلية؛ ذلك لأنّ أهداف الإسلام بعد النبوّة لا تتحقّق إلاّ بالإمامـة، وبدونها تُقاد الأُمّة وتُساق نحو الجاهلية؛ ذلك لأنّ الرسالة الإسلامية، جاءت لتنظيم شؤون الفرد والمجتمع، وإصلاحهما وقيادة الجماعة البشَرية في خطٍّ مواجهٍ للخطّ الجاهلي.

وأنّ هذه القيادة تحتاج إلى نظام الإمامة لتنفيذ الجانب الاجتماعي مِن التشريع، الذي لا يقام إلاّ بوجود سلطة سياسية عادلة، كما تحتاجها الأُمّة لحماية الفكر والتشريع مِن الانحراف والسقوط في مهاوي الجاهلية؛ لذا كان هدْم الإمامة مشاركة في عودة

____________________

(1) المصدر السابق: ص 204.

(2) الشيخ المفيد / عدّة رسائل المفيد: ص 3.

(3) الكليني / الأُصول مِن الكافي 1: 180.


الإنسان إلى الحياة الجاهلية، فيتحمّل التارك لبيعة الإمام الحقّ، وِزر مَن يموت ميتةً جاهلية.

لذا قالت الإمامية إنّ الإمامة لُطف؛ لأنّ الدولة التي تقوم على أساس الإسلام، ويقودها الإمام العادل تقوم على أساس الحقّ والعدْل والإحسان، ومكافحة الجريمة والمعصية، بما تتبنّى مِن مناهج تربوية، وتنظيم إصلاحي للمجتمع، وتطبيق لمبادئ الحُكم والقضاء في الإسلام، فينشأ الفرد في بيئةٍ إسلامية نظيفة مِن المثيرات المحرّمة، ومظاهر المعصية التي تُغريه، مِن الفجور والخمور والفواحش ورذائل الأخلاق والفكر المنحرف والمعاملات المحرّمة، فيجد وسائل الطاعة متوفّرة في البيئة السياسية والفكرية والاجتماعية، في ظلّ دولة تُرَكِّز همّها على إصلاح الفرد والجماعـة، وقيادتهما في طريق الهدى والصلاح؛ لذا كانت الإمامة لطفاً يُقرِّب مِن الطاعة، ويُبعد عن المعصية، ويحقّق للإنسان خير الدنيا والآخرة.

فالإمامة لُطفٌ عند ممارسة الإمام للسياسة، كما هي لُطف عند ممارسته مهامّه الفكرية والعِلميّة.


طريقة تعيين الإمام

وبعد أن أجمَع المسلمون - إلاّ مَن شذّ عن هذا الإجماع ممّن لا يعتدّ برأيه - على وجوب الإمامة، اختلفوا في طريقة تعيين الإمام ونصْبه، فانقسموا إلى مدرستين كبيرتين هما:

1 - مدرسة النصّ.

2 - مدرسة الشورى.

وترى مدرسة النصّ أنّ الإمامة بعد النبيّ لا تكون إلاّ بالنصّ. وقد أسندت هذه المدرسة نظريّتها العقيدية والسياسية بأدلّة نصّية (مِن الكتاب والسنّة)، كما أسندت نظريتها هذه بأدلّة عقلية وتاريخية كثيرة.

وأمّا مدرسة الشورى، فترى أنّ نصْب الإمام وتعيينه يتمّ عن طريق الشورى، ويمثّل هذا التيّار كثير مِن المذاهب والفِرَق الإسلامية، التي آمنَت بوجوب الإمامة.

وقد برز الرأيان بشكلٍ متعارض في الساحة الإسلامية، عندما اجتمع الأنصار في السقيفة، واختاروا سعد بن عبادة خليفة للمسلمين، فداهمهم عدد مِن المهاجرين وهُم: أبو بكر وعُمَر بن الخطّاب وأبو عبيدة، معترضين على ذلك الاختيار ورافضين له، ومنادين بأحقّيّة المهاجرين بمنصِب الخلافة، فكان هذا الاختيار مبنيّاً على نظرية الشورى والبيعة في محاولتيه المتنازعتين، محاولة الأنصار عند اختيار سعد بن عبادة خليفة للمسلميـن، ومحاولة المهاجرين عند اختيار أبي بكر ومبايعته بالخلافة، كما ذُكر في مواضعه.

غير أنّ المجتمعين في السقيفة لمْ يحتجّوا بنصٍّ قرآني، ولا بموقف نبويّ، ولا برواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لتفسير البيعة


لسعدٍ أو أبي بكرٍ، بل احتجّوا بما لكلّ طرف مِن فضْلٍ في الجهاد، وخدمةٍ للدعوة، ونصرةٍ للنبيّ وللرسالة، كما احتجّ المهاجرون بسبْقهم إلى الإيمان بالرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وقرابتهم منه.

ولمْ تأت محاولة التنظير والاستدلال الفقهي، وإقامة الأدلّة مِن الكتاب أو السنّة على هذه النظرية، إلاّ في وقتٍ متأخّر، فجاء الرأي نظرية عقيدية لتفسير سلوكٍ سياسي وأمرٍ واقع.

بل اعتبرت بعض المدارس الفقهية، أنّ سيرة الصحابة هذه تشكّل بحدّ ذاتها دليلاً على صحّة الممارسة؛ ذلك لأنّ سيرة الصحابي تعتبر لدى فريق مِن المسلمين، تعبيراً عن سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وامتداداً لها، وتحمِل القوّة التشريعية والإلزامية ذاتها.

ومِن المفيد أن ننقل بعض نصوص الاحتجاج، التي أسند الأنصار - الذين اختاروا سعد بن عبادة للخلافة - موقفهم بها. والأُخرى التي احتجّ بها المهاجرون لإسناد رأيهم، في أنّ الإمامة يجب أن تكون فيهم، وبالذات فيمَن لهم علاقة نسَب وقرابة برسول الله (صلّى الله عليه وآله).

فقد جاء في خطاب أبي بكر في السقيفة كما نقله عُمَر: (أمّا بعد يا معشر الأنصار، فإنّكم لا تذكرون منكم فضلاً إلاّ وأنتم له أهل، وإنّ العرب لا تعرف هذا الأمر إلاّ لهذا الحيّ مِن قريش، وهُم أوسط داراً ونسَباً، ولكن قد رضيت لكم أحد هذين الرجُلين، فبايعوا أيّهما شئتم، فأخَذ بيدي - أي بيد عُمَر - وبيد أبي عبيدة) (1) .

وهذا الحبّاب بن المنذر الأنصاري يتحدّث عن سببٍ مِن أسباب استحقاقهم للخلافة، فيخاطب الأنصار: (املكوا عليكم أيديكم، إنّما الناس في فَيْئكم وظلِّكم، فإن أبى هؤلاء، فمنّا أمير ومنهم أمير). فردّ عليه عُمَر قائلاً: (هيهات لا يجتمع سيفان في غِمد، مَن ذا يخاصمنا في سلطان محمّدٍ وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته

____________________

(1) تاريخ الطبري 3: 205 - 206.


إلاّ مُدلّ بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورّط في هلَكة).

وهكذا تكشِف لنا الخُطب والحوارات داخل السقيفة، أنّ كلّ طرَفٍ كان يدّعي الفضل لنفْسه، بما تعارَف عليه الناس في ذلك العصر، ولمْ يستدلّ أحد بنصٍّ قرآنيّ ولا بنصٍّ نبويّ؛ لذا ردّ أتباع الإمام عليّ (عليه السلام): بأنّ الخلافة إذا كانت تُستحقّ بالقربى والوراثة والسابقة في الإسلام، فعليٌّ أقرب الناس لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأَولاهم بها ، لا سيّما وأنّ آل النبيّ، وفي مُقدّمتهم العبّاس بن عبد المطلّب، قد نادوا بالبيعة له (عليه السلام).

وإذا كانت المدرسة الإمامية قد آمنت بأنّ نصْب الإمام بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يجب أن يكون بالنصّ، فإنّ المدرسة الأُخرى (مدرسة الشورى)، وهي المدرسة السنّية، قد وُلدت في أحضانها تيّارات واتّجاهات معاكسة لمتبنّياتها، فأوردت عليها المدرسة الإمامية إشكالات؛ بسبب عجْزها عن التطبيق لنظام الشورى، والبيعة، وعدم تحديد هذا المفهوم بشكلٍ واضح، ونشوء تلك التيّارات المصادرة لنظرية الشورى والبيعة، ودعْم المصادرة بنظريات فقهية، ودفاعٍ مُنَظَّرٍ مِن قِبَل فقهاء بارزين في هذه المدرسة.

وقد ناقشت المدرسة الإمامية هذا التناقض في الفكر، الذي تَبَنّته مدرسة الشورى والبيعة في بداية ميلادها، وفيما يلي نلخّص أبرز الردود والمناقشات وهي:

1 - إنّ الأُمّة التي أُعطيت الحقّ في اختيار الإمام بعد النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، غير محدّدة في مفاهيم هذه المدرسة، فهي مرّة تعطي الأُمّة كلّها هذا الحقّ، وأُخرى تجعل الاختيار لأهل الحلّ والعقد والاجتهاد، بل قالت: بانعقادها بمبايعة اثنين وحتّى بمبايعة واحد.

2 - إنّ هذه المدرسة تحوّلت إلى قبول إمامة مَن يستولي على السلطة بالقهر والغلَبة، بدَلاً مِن نظرية الشورى والبيعة، التي نادت بها. فقد قال الإمام أحمد بن


حنبل: (ومَن غلبهم بالسيف صار خليفة، وسُمّيَ أمير المؤمنين، ولا يحلّ لأحد يؤمِن بالله واليوم الآخِر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه... بَرّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين) (1) .

وسجّل الاسفرائيني الشافعي في كتاب الجنايات هذا التحوّل، فقال: (وتنعقد الإمامة ببيعة أهل الحلّ والعقد - إلى أن قال - وبالقهر والاستيـلاء، ولو كان فاسقاً أو جاهلاً أو أعجمياً.

ونقل أيضاً عن صاحب الوقاية في فقْه الحنفيّة، أنّه قال: لا يُحدّ الإمام حدّ الشُرب؛ لأنّه نائب عن الله تعالى.

ونقل عن شارح عقائد النسفية، أنّه قال: لا ينعزل الإمام بالفِسق والجَور؛ لأنّه قد ظهر الفِسق والجَور مِن الأئمّة والأُمَراء بعد الخلفاء، والسلَف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجُمَع والأعياد بإذنهم) (2) .

3 - إنّ الشورى التي جرت في السقيفة لمْ تكن تمثّل إلاّ عدداً قليلاً مِن الصحابة، لا يمثّلون الأُمّة جميعها، كما أنّ الخلافة بعد أبي بكرٍ - رضي الله عنه - قد نقلت إلى الخليفة عُمَر - رضي الله عنه - بعهدٍ مِن أبي بكر، وأنّ عُمَر أوصى بها إلى ستّة أشخاص، كانت مقيّدة بقيود، كان إفرازها لخلافة عثمان أمراً حتميّاً، فهي شبيهة بالنصّ عليه والعهد إليه.

وهكذا ابتعدت هذه المدرسة على يد الكثيرين مِن منظّريها عن نظرية الشورى، بل أوجبت قبول إمامة الجائر، الذي يستولي بالقهر والقوّة على شؤون السلّطة والخلافة، كما هو صريح العبارات التي وردت آنفاً.

ونعود بعد التعريف بنظرية الشورى، فنعرض أدلّة مدرسة النصّ، واستشهادها بما ورَد مِن القرآن الكريم والسنّة النبويّة، على أحقّيّة أهل البيت بالإمامة.

____________________

(1) نقلاً عن عبد الكريم الخطيب / الخلافة والإمامة: ص 299.

(2) الشيخ محمّد حسن المظفّر في تعليقه على كتاب (دلائل الصدق) للعلاّمة الحلّي 2: 20.


إمامة أهل البيت (عليهم السلام)

يُشكّل مبدأ الإمامة ركناً أساساً مِن أركان العقيدة والفكر في مذهب الشيعة الإمامية، واتّجاههم السياسي والفكري، وما هو واضح فإنّ سبب تسميتهم بالإمامية؛ هو إيمانهم بإمامة اثني عشر إماماً مِن أهل بيت النبيّ، بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهُم عليّ ووَلداه السبطان، الحسن والحسين، وتسعة مِن ذرّية الحسين (عليهم السلام) على التعاقب.

وقد استدلّت الإمامية على أحقيّة أهل البيت (عليهم السلام) بالإمامة وولاية الأمر، بأدلّةٍ مِن الكتاب والسنّة والعقل والتجربة العملية. وفيما يلي مِن البحث نسوق هذه الأدلّة للبيان كالآتي:

1 - الأدلّة مِن القرآن الكريم:

لقد اعتمدت المدرسة الإمامية أدلّة مِن القرآن الكريم؛ لإثبات صحّة نظريتها والبرهنة على آرائها، إذ استدلّوا بإجماع المفسّرين وعلماء المسلمين بمختلف مذاهبهم، أنّ القرآن الكريم قد شهد بفضْل أل البيت بصورةٍ عامّة، وبفضْل الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بصورةٍ خاصّة.

وهذه الشهادة الصادرة عن ربّ العزّة تقوم دليلاً على الأفضلية والأحقّيّة؛ ذلك لأنّ بعضها قد تحدّث عن ولاية عليّ للمسلمين، وبعضها الآخَر تحدّث عن السبْق بالإيمان، والفضل في العِلم والأخلاق، واستقامة السلوك، والثناء على شخصه ومواقفه المرضية عند الله سبحانه، ممّا يؤهّله للإمامة الفكرية والسياسية بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتولّي أمر المسلمين.


والآيات الواردة في هذا الشأن كثيرة، كما ذكرها المفسّرون والمهتمّون بأسباب النزول، نذكر بعض ما احتجّ به علماء الإمامية على أحقّيّة الإمام عليّ بالإمامة.

مثل قوله تعالى: ( ... إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

تُشَكِّل هذه الآية الكريمة إحدى أقوى الأدلّة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام)، في استدلال الشيعة الإمامية؛ ذلك لأنّ الإمامية اشترطوا وجوب طهارة (عِصمة) الإمام مِن الذنوب والمعاصي، كما مَرّ علينا.

وإنّ هذه الآية تؤكّد طهارة أهل البيت مِن الرجْس، وهي الذنوب والمعاصي، ولمْ يكن أحد مِن رجال المسلمين مشمولاً بهذه الآية غير عليّ والحسن والحسين (عليهم السلام).

فقد أوضح المفسّرون، وتواترت الأخبار عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، أنّ هذه الآية نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام).

فقد فسّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هذه الآية بقوله وفِعله، وأوضح للأُمّة: أنّ المقصود بها هُم: (عليّ وفاطمة والحسن والحسين)، فنقل الرواة والمفسّرون ذلك:

منها ما ورَد في الدُرّ المنثور للسيّوطي في تفسير هذه الآية: (أخرج الطبراني عن أُمّ سلَمة: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لفاطمة: ائتيني بزوجك وابنيه، فجاءت بهم، فألقى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليهم كساءً تركياً، ثمّ وضع يده عليهم، ثمّ قال: اللهمَّ هؤلاءِ أهل محمّد - وفي لفظ آل محمّد - فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمّد، كما جعلتها على آل إبراهيم، إنّك حميد مجيد...

____________________

(1) سورة الأحزاب: آية 33.


قالت أُمّ سلَمة: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه مِن يدي، وقال: إنّكِ على خير ).

وأكّد سبب نزول هذه الآية في تلك الكوكبة الطاهرة مِن أهل البيت (عليهم السلام)، ما رواه كلّ مِن الحاكم الحسكاني (1) والطحاوي (2) وأحمد بن حنبل (3) وابن الأثير (4) والنسائي (5) والطبري (6)، وكثير غيرهم مِن مفسّرين ورواة مِن مختلف المذاهب والاتّجاهات المذهبية في الإسلام.

ولكي يؤكّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تعريفه للأُمّة بأهل البيت (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرجْس، كان يقف على باب عليٍّ وفاطمة ستّة أشهر، ثمّ ينادي: الصلاة أهل البيت... الصلاة... إنّما يريد الله ليُذهب عنكم الرجْس ويطهّركم تطهيرا ً (7) .

وقوله تعالى: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (8) .

لقد أجمع المفسّرون على أنّ هذه الآية نزلت في الإمام عليّ بن أبي طالب عندما كان راكعاً في صلاته، فتصدّق بخاتمه على سائل جاء يسأل النّاس في المسجد

____________________

(1) شواهد التنزيل 2: 26 - 27.

(2) مشكل الآثار 1: 332 - 339.

(3) مسند أحمد 4: 107.

(4) أُسد الغابة 4: 29.

(5) النسائي / السنن الكبرى (كتاب الخصائص): ص 4.

(6) تفسير الطبري 22: 5، 6، 7.

(7) ابن مردويه عن ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحَسَّنة. وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصحّحه، وابن مردويه عن أنس. نقلاً عن العلاّمة الطباطبائي / تفسير الميزان: آية التطهير.

(8) المائدة: آية 55 - 56.


ولمْ يعطه أحد شيئاً.

ولمزيد مِن الإيضاح ننقل نصّ المفسّر الكبير الزمخشري في تفسيره الكشّاف: (وأنّها نزلت في عليّ (كرّم الله وجهه)، حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه، كأنّه كان مَرجاً في خنصره، فلم يتكلّف خلْعه كثير عمل يُفسد صلاتـه.

فإنْ قلت: كيف صحّ أن يكون لعليّ (رضي الله عنه) واللفظ لفظ جماعة؟ قلت: جيء به على لفظ الجمْع، وإن كان السبب فيه رجُلاً واحـداً؛ ليرغب الناس في مثل فِعله، فينالوا مثل ثوابه، ولِيُنَبّه على سجيّة المؤمنين، يجب أن تكون له على هذه الغاية مِن الحرص على البِرّ والإحسان وتفقّد الفقراء، حتّى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير، وهُم في الصلاة، لمْ يؤخّروه إلى الفراغ منها).

وذكر الواحدي في أسباب النزول: (أنّ آخِر هذه الآية في عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)؛ لأنّه أعطى خاتمه سائلاً، وهو راكع في الصلاة) (1) .

وقد ذكر أئمّة الحديث في الصحاح الستّة: أنّ هذه الآية نزلت في عليّ (عليه السلام)، وهو راكع في صلاته.

وبالتأمّل في دلالة هذه الآية يتّضح أنّ ولاية المؤمنين قد انحصرت بقوله تعالى: ( إِنَّمَا ) بعليٍّ (عليه السلام)، فاستحقّ أن يتولّى أُمور المسلمين، وينهض بولايتهم، كما أفادت الآية ذلك. كما وأنّ الآية وجّهت المسلمين إلى موالاة أُولئك الذين آمنوا وآتَوا الزكاة وهُم راكعون ومتابعتهـم، فإنّهم حزب الله الغالبون.

وقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (2) .

وكما اقترنت آية التطهير بالتفسير الفِعلي واللفظي مِن قِبَل رسول الله (صلّى

____________________

(1) الواحدي / أسباب النزول، سورة المائدة: الآية 55.

(2) المائدة: آية 67.


الله عليه وآله)، فقد تمّ بيان محتوى هذه الآية ودلالتها بالفِعل واللفظ النبويّين، وقد اعتبر مَن ذهبوا إلى أحقّيّة عليّ بالإمامة، هذه الآية مِن الشواهد الأساسيّة في بناء المعتقد الإمامي، بعد أن تواترت الأخبار مِن مختلف أئمّة الحديث والتفسير والسِيَر، أنّها نزلت في عليٍّ في مكّة في حجّـة الوداع (1) .

ولمزيدٍ مِن الإيضاح ننقل صورة الأحداث، كما رواها المؤرخّون: (ولمّا كان يوم النفر دخل - النبي - البيت، فودّع ونزل عليه: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) . وخرج ليلاً منصرفاً إلى المدينة، فصار إلى موضع بالقرب مِن الجُحفة يُقال له غدير خم، لثماني عشرة ليلة خلَتْ مِن ذي الحجّة، وقام خطيباً، وأخذ بيد عليّ بن أبي طالب، فقال: ألستُ أَولى بالمؤمنين مِن أنفسهم؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فمَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه وعادِ مَن عاداه) (2) .

وروى ابن ماجة (3) في صحيحه ما نقله اليعقوبي. كما روى أحمد بن حنبل ذلك، وأضاف: (أنَّ عُمَر بن الخطّاب (رضي الله عنه) لقِيَ عليّاً بعد ذلك، فقال له: هنيئاً لك يا ابن أبي طالب، أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلّ مؤمنٍ ومؤمنة) (4) .

وقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (5) .

____________________

(1) روى الواحدي في أسباب النزول: ص 135، والسيّوطي في الدرّ المنثور: ج 2 ص 198، عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: نزلت هذه الآية في عليّ بن أبي طالب: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) .

(2) تاريخ اليعقوبي 2: 112.

(3) باب فضائل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) / ص 12.

(4) مسند أحمد 4: 281، وروى الترمذي في صحيحه 3: 298: أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: في خطبته: (مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه).

(5) سورة البيّنة: آية 7.


واستدلّ علماء الإمامية على فضْل عليّ وتقدّمه على غيره مِن الصحابة، بأنّ الله وصَفه بأنّه خير البريّة، فاستحقّ أن يكون إماماً وهادياً للمسلمين بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

فقد روى عدد مِن المفسّرين ورواة الحديث عن ابن عبّاس وجابر بن عبد الله الأنصاري، أنّ هذه الآية نزلت في فضل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). ومَن تابعه مِن أُولئك المحدّثين والمفسّرين: السيّوطي وابن حجر والطبري والشبلنجي والحاكم الحسكاني وغيرهم، وقد مرّ في الفصل الأوّل مِن هذا الكتاب بيان تلك المصادر.

وقوله تعالى: ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) .

لقد أجمع المفسّرون والرواة أنّ المعنيّ بقوله تعالى: ( وَأَنفُسَنَا ) هو محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعليّ بن أبي طالب. والمعنيّ بقوله تعالى: ( وَنِسَاءنَا ) هي فاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله).

والمعنيّ بقوله تعالى: ( أَبْنَاءنَا ) هما: الحسن والحسين (عليهما السلام).

فقد سجَّلَ رواة التاريخ والحديث والمفسّرون، حادثة تاريخيّة مشهورة في تاريخ الإسلام، تشهد بمعجزة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وصِدق دعوته، ومكانة عليّ وفاطمة والحسن والحسين عند الله سبحانه.

وقد جرت أحداث المباهلة عندما جاء وفدٌ مِن نصارى نجران، ليحاور رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ويُحاججه في صِدق نبوّته، وفي معتقدهم في المسيح

____________________

(1) سورة آل عمران: آية 61.


(عليه السلام)، فأمَر الله سبحانه نبيّه أن يُثبت لهم صِدق بِعْثته بمعجزة إجابة دعوته، بأن يخرجوا إلى المباهلة، هو وأهل بيته، عليّ وفاطمة والحسن والحسين، ويخرج النصارى، هُم ونساؤهم وأبناءهم، ثمّ يبتهلوا؛ أي يدعو كلُّ فريقٍ باللعنة على الفريق الكاذب، فينتظروا بمَن يحلّ العذاب، فهو الفريق الكاذب.

وقد نقل الزمخشري في تفسير الكشّاف تلك الأحداث قائلاً: (إنّهم لمّا دعاهم إلى المباهلة، قالوا للعاقب - وكان ذا رأيهم - يا عبد المسيح، ما ترى، فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمّداً نبيّ مرسَل، وقد جاءكم بالفصل مِن أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبيّاً قطّ، فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتُم لتهْلَكُنَّ، فإن أبيتم إلاّ إِلْفَ دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجُل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد غدا محتضناً الحسين، آخذاً بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوتُ فَأَمِّنوا).

ثمّ واصل الزمخشري حديثه في تفسير آية المباهلة، وبيان مقام أهل البيت (عليهم السلام) قائلاً: (وقدّمهم في الذِكر على الأنفس؛ لينبّه على لُطف مكانهم، وقُرب منزلتهم، وليؤذن بأنّهم مقدّمون على الأنفس مُفَدَّون بها...

وفيه دليل لا شيء أقوى منه، على فضْل أصحاب الكساء (1) . وفيه برهان واضح، على صحّة نبوّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه لمْ يَرْوِ أحد مِن موافق ولا مخالف، أنّهم أجابوا إلى ذلك).

ويتطابق تفسير الفخر الرازي مع الزمخشري هذا، وبعد أن أَورد الأحداث

____________________

(1) أصحاب الكساء هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين، الذين جمعهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ودخل معهم تحت كساءٍ له، فنزلت آية التطهير: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .


ذاتها، علّق قائلاً: (واعلم أنّ هذا كالمتّفق على صحّته بين أهل التفسير والحديث) (1) .

إنَّ دراسة المحتوى والمضمون والدلالة التي حملتها هذه الآية، تؤكّد للمسلمين مقام أهل البيت (عليهم السلام)، وقُربهم مِن الله سبحانه، وانتخاب الله سبحانه لهم؛ ليباهل بهم عدوّه، وتَعِد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بإجابة الدعوة، فجعل الحسن والحسين أبناءً لرسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وجعل عليّاً كنفْس رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وهذا الاختيار الإلهي هو شهادة بتأهيل عليّ والحسن والحسين للإمامة، وتعريف الأُمّة بمقامهم وكرامتهم على الله سبحانه. وحَقّ لمَن يباهل الله سبحانه به أعداءه أنْ يقود المسلمين في صراعهم مع أعداء الله، وتحمّل أعباء الدعوة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والنهوض بمسؤولية الحُكم وإدارة شؤون الأُمّة، ومواصلة عملية التغيير والبناء الإسلامي.

وهكذا استدلّت الشيعة الإمامية على أنّ عليّاً وبَنِيْهِ، قد شهد القرآن لهم بالفضْل والطهارة والولاية، وعرَّفَهُمْ للأُمّة بأنّهم المطهّرون، وخير البريّة، وأحبّاء الله الذين يباهل بهم عدوّه، وأولياء المؤمنين، إلى آخِر ما وصفهم القرآن به مِن أوصاف.

وما نزل بفضْلهم مِن آيات كثيرة، كسورة هل أتى على الإنسان حين مِن الدهر، وكآية المودّة: ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) . فقد أجمع المفسّرون: أنّهما نزلتا في عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام).

وكآية الصلاة على النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، التي فسّرها الرسول (صلّى الله عليه وآله) بالصلاة عليه وعلى آله، فصارت الصلاة عليه وعلى الآل جزءاً واجباً مِن الصلاة.

____________________

(1) التفسير الكبير / آية المباهلة.

(2) سورة الشورى: آية 23.


2 - الأدلّة مِن السنّة النبويّة الشريفة:

وإذا كان المنادون بأحقّيّة أهل البيت بالإمامة قد استشهدوا بآي الوحي، كما تقدّم، فإنّهم استشهدوا أيضاً بما ورَد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مِن قولٍ وفِعلٍ يؤكّدان مقام عليٍّ وبنِيه، ويفيدان تقديمهم على بقيّة المسلمين.

ولكي يكتمل التصوّر لدى القارئ عن احتجاج مدرسة الشيعة الإمامية بذلك، نورِد بعضاً مِن تلك الاستشهادات:

إنّ دراسة السيرة النبويّة، وعلاقة عليّ (عليه السلام) برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، تعرِّفنا أنّ عليّاً نشأ في حِجْر النبوّة، وتربّى في ظِلال الوحي، واستوحى خُلُق الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأدبه، فتشكلّت شخصيته، وتكوّنت في بيئة تلك الأُسرة النبويّة الطاهرة، فقد تكفّل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تربية عليّ منذ نعومة أظفاره، وتعهّد بإعداده وتوجيهه، فنشأ وترعرع في بيته، ونَما تحت ظِلّه وكنفه؛ لذلك كان يصف هذه العناية والتربية والإعداد النبويّ لشخصه الفذّ، فيقول:

(وقَدْ عَلِمْتُمْ مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلّى اللهُ عليهِ وآلِهِ - بِالقَرَابَةِ القَرِيبَةِ، والمَنزِلَةِ الخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي في حِجْرهِ وَأَنا وَلَدٌ، يَضُمُّنِي إلى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي في فَرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وكان يَمْضَغُ الشَّيءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وما وَجَدَ لي كَذْبَةً في قَوْلٍ، ولا خَطْلَةً في فِعْلٍ...

ثمّ قال (عليه السلام): ولقد كنت أتبعُه اتّباع الفصيل أثَر أمّه، يرفع لي كلّ يوم مِن أخلاقه عَلَماً، ويأمرني بالإقتداء به، ولقد كان يجاورُ كلّ سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولمْ يجمع بيت أحد يومئذٍ في الإسلام غير رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمّ ريح


النبوّة...) (1) .

وهكذا احتضن النبيّ عليّاً، وهو لمّا يزل في ظِلّ الفطرة النقيّة، التي لمْ تتلوّث بأدران الجاهلية، ولمْ تتأثّر برواسب البيئة الوثنيّة، فلمْ يسجد لصنمٍ قطّ، ولمْ يمارس لوناً مِن ألوان السلوك المحرّم، فقد عصم الله فطرته بتوفيقٍ منه، وأكمل الرسول تربيته؛ لذا خصّه المسلمون بالوصف بالتكريم ودأبوا على التعقيب بقولهم (كرّم الله وجهه) كلّما ذُكر اسمه الشريف؛ لِما خصّه الله بكرامة التطهير مِن رجْس السجود للوَثنية، والتأثّر بعاداتها وتقاليدها.

وقد تحدّث عليّ (عليه السلام) في موارد أُخرى، عن علاقته التربوية والإعدادية برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فنقل الرواة تلك الأحاديث، وذلك الاختصاص النبويّ بعليّ، منها:

أخرج النسائي عن ابن عبّاس عن عليٍّ، أنّه قال: (كانت لي ساعة مِن السحَر أدخل فيها على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فإن كان في صلاته سبَّح، فكان ذلك إذنه لي، وإن لمْ يكن في صلاته أذِن لي) (2) .

وقال عليّ (عليه السلام): (كان لي مِن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مدخلان: مدخل بالليل ومدخل بالنهار، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي) (3) .

وأخرج النسائي أيضاً عن الإمام عليّ (عليه السلام)، أنّه قال: (كنت إذا سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعطاني، وإذا سكتُّ ابتدأني) (4)،

____________________

(1) الإمام عليّ (عليه السلام) / نهْج البلاغة (تنظيم صبحي الصالح): ص 300 خطبة 192.

(2) النسائي / السُنن الكبرى (كتاب الخصائص) 5: 141 (باب 36) / ح 8500 / 2.

(3) المصدر السابق 5: 141 / ح 8502 / 2.

(4) المصدر السابق 5: 141 (باب 37) / ح8504 / 4، والمستدرك على الصحيحين للحاكم 3: 125، وكذلك رواه المتّقي الهندي في كنز العمّال 13: 120.


ورواه الحاكم في المستدرَك، وقال: صحيحٌ على الشيخين، ولمْ يُخرجاه (1) .

وبالإضافة إلى تلك الشواهد مِن السيرة العملية، فإنّ هناك ممارسات مهمّة قد مارسها رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ ليُثبت للأُمّة مقام عليّ (عليه السلام) وقدره في الأُمّة والرسالة، وهي: مؤاخاة رسول الله لعليٍّ دون غيره مِن الصحابة، عندما آخى بين المهاجرين والأنصار، فجعل عليّاً أخاً له.

ولتلك المؤاخاة والرابطة بين عليّ ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) معناها ودلالتها، المرجّحة لشخص عليّ، والمعرِّفة بمقامه بين المسلميـن، فالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) لا يرتبط برباط الأخوّة العقيدية والنفْسية، إلاّ مع شخصٍ مؤهّل لأن يؤاخي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ويحتلّ هذا الموقع العظيم.

وروى المتّقي الهندي أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) آخى بين الناس وترَك عليّاً حتّى بقيَ آخِرهم، لا يرى له أخاً، فقال: (يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) آخيت بين أصحابك وتركتني؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): إنّما تركتك لنفْسي، أنت أخي، وأنا أخوك، فإن حاجَّك أحدٌ، فقل: أنا عبد الله وأخو رسوله (صلّى الله عليه وآله)، لا يدّعيها بعدك إلاّ كذّاب) (2) .

ومِن الأدلّة التي استدلّ بها الإمامية على استحقاق عليّ (عليه السلام) للإمامة، هو استخلاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) له في أهله وعلى المدينة في غزوة تبوك، عندما خرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقود جيش المسلمين، فترك عليّاً والياً على المدينة.

وروى أحمد بن حنبل في مسنده مِن عدّة طُرُق، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم) حين خرج في غزوة تبوك استخلف عليّاً (رضي الله عنه) على المدينة، فقال عليّ: (يا رسول الله: ما كنت أحبّ أن تخرج وجهاً إلاّ وأنا

____________________

(1) مستدرك الحاكم 3: 125 / كتاب معرفة الصحابة، (باب فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)).

(2) كنز العمّال 13: 140 / ح 36440.


معك، فقال: أو ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون مِن موسى، غير أنّه لا نبيَّ بعدي) (1) .

كما روى مسلم هذه الشهادة النبويّة، بأنّ عليّاً قال لرسول الله (صلّى الله عليه وآله): (ما كنت أُوثر تخرج في وجه، إلاّ وأنا معك، فقال له (صلّى الله عليه وآله): أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون مِن موسى، إلاّ أنّه لا نبيَّ بعدي) (2) .

لقد تناول الباحثون هذا النصّ النبويّ المقرون بالفِعل، بالتحليل والدراسة، لا سيّما وأنّ هذا القول جاء قرينةً مفسّرة للفِعل النبويّ، وهما مُنصبّان على حقيقةٍ واحدة، وهي الاستخلاف، فهارون خليفة موسى، وعليّ يوضع بنفْس الموضع في التصريح النبويّ؛ ليحمل مهمّة هارون ذاتها بعد موسى (عليه السلام)، وهي الاستخلاف الفِعلي، نيابةً عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في مَن كان له الولاية عليهم.

وكما جَسَّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للأُمّة موقع عليّ منه، عندما استخلفه في المدينة المنوّرة، كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مكّة المكرّمة قد وعد عليّاً بالخلافة مِن بعده، جاء ذلك عندما أمَر بأن يُنذر عشيرته بقول الله تعالى: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) (3) ، فدعا ثلاثين رجُلاً مِن عشيرته، وأطعمهم، فلمّا انتهوا مِن تناول الطعام، قال لهم: (مَن يضمن عنّي ديني، ومواعيدي، ويكون خليفتي، ويكون معي في الجنّة؟ فقال عليّ: أنا، فقال: أنت) (4) .

وشهادة رسول الله لعليٍّ (صلّى الله عليهم) يوم خيبر، يوم اُمتحن عدد مِن

____________________

(1) مسند أحمد 1: 177.

(2) صحيح مسلم 2: 360 - 361 / طبع دار الكتُب العِلمية / كتاب فضائل الصحابة (باب فضائل عليّ بن أبي طالب). صحيح البخاري 4: 1602. كتاب المغازي 67 (باب 74) / ح 4153. والترمذي 5: 598 - 599 (كتاب المناقب): 250 (باب 21) / ح 3731. ومسند أحمد 1: 179، 3: 32. والسُنن الكبرى للنسائي 5: 44 (كتاب المناقب) باب 4 / ح 8143.

(3) سورة الشعراء: آية 214.

(4) مسند أحمد 1: 111، تاريخ الطبري 2: 321، شواهد التنزيل 1: 543.


الصحابة في ذلك الموقف العسير، فقد روى النسائي في السُنن الكبرى: (عن أبي بريدة، يقول: حاصرْنا خيبر، فأخذ اللواء أبو بكر، ولمْ يُفتح له، وأخذ مِن الغد عُمَر، فانصرف ولمْ يُفتح له، وأصاب الناس يومئذٍ شدّة وجهد، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّي دافعٌ لوائي غداً إلى رجُلٍ يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، لا يرجع حتّى يُفتح له.

وبتْنا طيّبة أنفسنا أنّ الفتْح غداً، فلمّا أصبح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صلّى الغداة، ثمّ قام قائماً، ودعا باللواء، والناس على مصافّهم، فما منّا إنسان له منزلة عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلاّ هو يرجو أن يكون صاحب اللواء، فدعا عليّ بن أبي طالب، وهو أرمد، فتفَل في عينيه، ومسح عنه، ودفع إليه اللواء، وفتح الله له، قال: وأنا فيمَن تطاول لها) (1) .

وتحدّث الرسول (صلّى الله عليه وآله) في موقعٍ آخَر عن عليّ (عليه السلام)؛ ليعرّف علاقته بحامل الرسالة، وبالأُمّة مِن بعده، فقال: (إنّ عليّاً منّي وأنا مِن عليّ، لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا أو عليّ) (2) .

وهكذا كوّن الرسول (صلّى الله عليه وآله) خلال المواقف والأحداث والمناسبات بأقواله وأفعاله، تعريفاً خاصّاً بعليّ، وإبرازاً واضحاً لشخصه.

فهو (صلّى الله عليه وآله) نقله مِن بيت أبيه أبي طالب إلى بيته الشريف؛ ليعيش في بيئة النبوّة، ويتعلّم مِن سلوكه وأدبـه، وكان يختصّ به فيعلمه ويبصّره في الأُمور والوقائع، ويؤاخيه ويزوّجه ابنته فاطمة (عليها السلام)، ويقول لها: (.. فلقد

____________________

(1) النسائي / في السُنن الكبرى 5: 109 (كتاب الخصائص) / ب 4 ح 8402 / 7. وفي معناه أحمد في مسنده 5: 353، 358 / 1: 99. والبخاري 4: 1542 (كتاب المغازي) 67، ب 36 / ح 3972، 3973. ومسلم 2: 360 - 361 (كتاب فضائل الصحابة) باب فضائل الإمام عليّ. والترمذي 5: 596 (كتاب المناقب) (50) / ح 3723.

(2) مسند أحمد 4: 164، 165. سنن الترمذي 5: 594 (كتاب المناقب) (50) باب 21 / ح 3719. والنسائي في السنن الكبرى 5: 45 (كتاب المناقب) باب 4 / ح 8147 / 11.


زوجتكِ أعظمهم حلماً، وأكثرهم عِلماً) (1) .

ثمّ ينادي في المسلمين، وفي جموع الناس: هو أخي وخليفتي ووارثي ووليّ المؤمنين بعدي، وهو منّي بمنزلة هارون مِن موسى، يُحبّ الله ورسوله ويحبّانه. وهو أوّل الناس إسلاماً وأكثرهم عِلماً وجهادا ً.

3 - الأدلّة العقلية:

ويعرض الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في كتابه (بحث حول الولاية)، مشكلة الولاية والإمامة والاختلاف فيها، فيناقشها نقاشاً عقلياً وعُرفياً وتحليلياً، فيقول: (وقد خَطا القائد الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بعملية التغيير، خطوات مدهشة في برهةٍ قصيرة، وكان على عملية التغيير أن تواصل طريقها الطويل، حتّى بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، الذي أدرك منذ فترة قبل وفاته أنّ أجَله قد دنا، وأعلن ذلك بوضوح في (حجّة الوداع)، ولمْ يفاجئه الموت مفاجأة.

وهذا يعني أنّه كان يملِك فرصة كافية للتفكير في مستقبل الدعوة بعده، حتّى إذا لمْ نُدخل في الموقف عامل الاتّصال الغيبي والرعاية الإلهية للرسالة عن طريق الوحي. وفي هذا الضوء يمكننا أنْ نلاحظ أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان أمامه ثلاث طُرُق، بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة.

الطريق الأوّل: أن يقف مِن مستقبل الدعوة موقفاً سلبياً، ويكتفي بممارسة دَوره في قيادة الدعوة وتوجيهها فترة حياته، ويتركها في مستقبلها للظروف والصدف. وهذه السلبية لا يمكن افتراضها في النبيّ (صلّى الله عليه وآله)) (2) .

ثمّ يستشهد الشهيد الصدر (قدّس سرّه) باستخلاف أبي بكرٍ لعُمَر، وبعهد

____________________

(1) كفاية الطالب / للشافعي الكنجي: ص 303 / (باب 81).

(2) الشهيد محمّد باقر الصدر / المجموعة الكاملة (بحث حول الولاية) 11: 15.


عُمَر إلى جماعةٍ معيّنة؛ لاستشعارهم بحاجة الأُمّة إلى خليفة، فكيف يغفل الرسول عن ذلك؟!

الطريق الثاني: أن يخطّط الرسول القائد لمستقبل الدعوة بعد وفاته، ويتّخذ موقفاً إيجابياً، فيجعل القيمومة على الدعوة وقيادة التجربة للأُمّة الممثّلة، على أساس نظام الشورى في جيلها العقائدي الأوّل (1) .

وبعد أن يعرض الشهيد الصدر (قدّس سرّه) هذا الافتراض، يدحضه مستدلاًّ بأنّ الرسول لمْ يقم بعملية الإعداد والتوعية، لبناء القيادة على أساس الشورى؛ لذا فإنّ المراقب لا يشاهد أيّ أثَرٍ عمليّ لهذه النظرية في التفكير الشعبي، ولا في التيّار الطليعي، وأنّ التيّارين البارزين في الصحابة هما:

1 - تيّار أهل البيت، وهو التيّار الذي كان يؤمِن بالنصّ.

2 - تيّار السقيفة، الذي كان مِن أبرز قادته أبو بكر وعُمَر اللذان لجئا إلى التعيين، والعهد إلى أشخاص معيّنين مِن بعدهـم، دون أن يتركا الأمر لشورى الأُمّة.

وهو يستنتج مِن ذلك أنّ أوعى تيّارين في الأُمّة، لمْ يكونا ليؤمِنا بالشورى لتعيين الإمام، وأنّ الاتّجاه الشعبي كان يغلب عليه الطابع القبَلي؛ لذا فهو يستنتج أنّ الطريق الثالث، هو الطريق الوحيد للحفاظ على مستقبل الدعوة. لذلك يقول:

الطريق الثالث: وهو الطريق الوحيد الذي بقيَ منسجماً مع طبيعة الأشياء، ومعقولاً على ضوء ظروف الدعوة والدعاة، وسلوك النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وهو أن يقف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مِن مستقبل الدعوة بعد وفاته موقفاً إيجابياً، فيختار بأمْرٍ مِن الله سبحانه وتعالى شخصاً، يرشّحه عُمق وجوده في كيان الدعوة، فيعدّه إعداداً رسالياً وقيادياً خاصّاً؛ لتتمثّل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية

____________________

(1) الشهيد محمّد باقر الصدر / المجموعة الكاملة (بحث حول الولاية) 11: 21.


للتجربة (1) .

ثمّ يجيب بعد ذلك عن سبب الموقف مِن النصّ النبويّ، وتحوّل الخلافة عن شخص عليٍّ (عليه السلام)، فيوضّح أنّ المشكلة كانت تكمُن في نشوء اتّجاهين في الصفّ الإسلامي:

أوّلاً: الاتّجاه الذي يؤمِن بالتعبّد بالدِين وتحكيمه، والتسليم المطلق للنصّ الديني في كلّ جوانب الحياة.

ثانياً: الاتّجاه الذي لا يرى أنّ إيمانه بالدِين يتطلّب منه التعبّد، إلاّ في نطاقٍ خاصّ مِن العبادات والغيبيات، ويؤمِن بإمكانية الاجتهاد، وجواز التصرّف على أساسه بالتغيير والتعديل في النصّ الديني، وفْقاً للمصالح في غير ذلك النطاق مِن مجالات الحياة (2) .

ثمّ يستطرد قائلاً: وقد انعكس كِلا الاتّجاهين في مجلس الرسول، في آخِر يوم مِن أيّام حياته:

فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عبّاس، قال: لمّا حضرت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عُمَر بن الخطّاب، قال النبيّ: هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده. فقال عُمَر: إنّ النبيّ قد غلَب عليه الوجَع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم مَن يقول: قرّبوا يكتب لكم النبيّ كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم مَن يقول ما قال عُمَر، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبيّ، قال لهم: قوموا.

هذه الواقعة وحدها كافية للتدليل على عُمق الاتّجاهين، ومدى التناقض والصراع بينهما. ويمكن أن نضيف إليها - لتصوير عُمق الاتّجاه ورسوخه - ما حصل مِن نزاعٍ وخلاف بين الصحابة حول تأمير (أُسامة بن زيد) على الجيش، بالرغم مِن

____________________

(1) الشهيد محمّد باقر الصدر / المجموعة الكاملة (بحث حول الولاية) 11: 39.

(2) المصدر السابق: ص 47 - 48.


النصّ النبويّ الصريح على ذلك، حتّى خرج الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهو مريض، وخطب الناس وقال: (يا أيّها الناس ما مقالة بلغَتني عن بعضكم في تأمير أُسامة، ولئن طعنتُم في تأميري أُسامة، لقد طعنتم في تأميري أباه مِن قبْله، وأيم الله إنّه كان لخليقاً بالإمارة، وأنّ ابنه مِن بعده لخليق بها).

وهذان الاتّجاهان اللذان بدأ الصراع بينهما في حياة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، قد انعكسا على موقف المسلمين مِن أطروحة زعامة الإمام للدعوة بعد النبيّ.

فالممثّلون للاتّجاه التعبّدي وجدوا في النصّ النبويّ على هذه الأطروحة سبباً مُلزماً لقبولها، دون توقّف أو تعديل، وأمّا الاتّجاه الثاني، فقد رأى أنّه بإمكانه أنْ يتحرّر مِن الصيغة المطروحة مِن قِبَل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، إذا أدّى اجتهاده إلى صيغةٍ أُخرى أكثر انسجاماً في تصوّره مع الظروف (1) .

وهكذا يعرض الشهيد الصدر (قدّس سرّه) تحليلاً وتفسيراً لِما جرى بعد وفاة الرسول، رغم ما بين الأيدي مِن نصٍّ وبيان نبويّ كافٍ.

كلّ تلك الحقائق جعلت اتّجاهاً مِن المسلمين، منذ عهد الدعوة، يرى أحقيّة عليّ وأهل بيته (عليهم السلام) بالإمامة، وخلافة رسول الله، والإشراف الفكري على الخطّ والمسيرة الإسلامية، فكانوا شيعةً لآل البيت (عليهم السلام)، ظهروا وتكتّلوا بعد أحداث السقيفة.

وإنّ لهذا الاتّجاه مدرسته الفكرية الإسلامية القائمة على أساس الكتاب والسنّة، ورؤيتهم العِلمية ومنهجهم في فَهْم الإسلام وتنظيم الحياة على أساسه، كما كان لإخوانهم الذين سُمُّوا أهل السنّة اتّجاهُهم ومدرستهم في فهْم الإسلام ووعْيه.

وبعد قرونٍ مِن تاريخ الأُمّة وامتداد المسلمين كاتّجاهين أساسين، حريٌّ بهم

____________________

(1) السيّد محمّد باقر الصدر / المجموعة الكاملة (بحث حول الولاية) 11: 49.


أن يكونوا كما دعاهم الله ورسوله أُمّة واحدة، تعمل بكتاب الله وتهتدي بهدْيِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بعيداً عن الفُرقة والخلاف.

وجدير ذِكره، أنّ ماتمّ إيضاحه مِن تعريف بالتشيّع والشيعة، كان لتكوين صورةٍ حقيقيةٍ عن نشأة التشيّع وتكوّن الشيعة، وليعرف المسلمون بعضهم بعضاً في ظِلّ أخْوَة الإيمان، ووعْيِ الكتاب والسنّة بعيداً عن الجهل والعصبية.

وهناك حقيقة إسلامية كبرى يجب أن يعِيَها المؤمنون برسالة القرآن ودعوته، وهي: أنّ المسلمين الصادقين بإسلامهم يجب أن يكونوا جميعاً أهل السنّة والمتمسّكين بها، وشيعةً لآل البيت النبويّ وأتباعاً لهم.

فإنّ الالتزام بالسنّة ومجانبة البدعة هو الركن الأساس، بعد كتاب الله في بُنية الدِين وكيان رسالته، وأنّ حبّ أهل البيت (عليهم السلام) ومشايعتهم هو مِن أبرز خصائص الإيمان، ومِن فرائض الإسلام على المسلمين جميعاً.

وذلك هو منهج أهل البيت (عليهم السلام) ومَن شايَعَهم، وهو منهج كلِّ مسلمٍ صادق الإيمان، إذ كافح أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) (عليّ وبنوه) مِن أجْل الحفاظ على السنّة وإحيائها، ومحاربة البِدَع وتنقية التفكير الإسلامي منها.

فالسنّة المطهّرة في فَهْم مدرسة أهل البيت، هي المصدر الثاني بعد القرآن في التشريع والفكر والمعرفة الإسلامية، وهي أداة فَهْم القرآن وبيانه، وهُم الدعاة إلى التمسّك بالسُنّة، وتنقية الفهْم والتفكير والممارسة الإسلامية، مِن البدعة؛ لذلك جاء التأكيد على محاربة البِدَع والالتزام بالسُنّة.

فقد ورَد في روايات أهل البيت (عليهم السلام): أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: (إذا ظهرت البِدَع في أُمّتي، فليُظهر العالِم عِلمه، فمَن لمْ يفعل،


فعليه لعنة الله) (1) .

وروي عن الإمامين - الباقر والصادق - عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (كلّ بِدعة (2) ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار) (3) .

وسأل رجُل الإمام الصادق (عليه السلام) مسألةً، فأجابه فيها، فقال الرجُل: أرأيت إن كان كذا وكذا ما يكون القـول فيـها؟ فقال له: (مَه ما أجبتك فيه مِن شيءٍ، فهو عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لسـنا مِن: (أرأيت) فـي شـيء) (4) .

وسأل سماعة الإمام موسى بن جعفر (عليهم السلام) قال: (قلت له: أكلّ شيءٍ في كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله)؟ أو تقولون فيه؟

قال: بل كلّ شيءٍ في كتاب الله وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله)) (5) .

وروي عن الصادق (عليه السلام) قوله: (كلّ شيءٍ مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ حديثٍ لا يوافق كتاب الله، فهو زخرف) (6) .

____________________

(1) الكليني / الأُصول مِن الكافي 1: 54.

(2) البِدعة: هي كلّ ما أدخل في الدِين وهو ليس منه.

(3) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 56.

(4) المصدر السابق 1: 58.

(5) المصدر السابق 1: 62.

(6) المصدر السابق 1: 69.


العدالة وشرعية السلطة

إنّ مِن المرتكزات الأساسية في الفكر السياسي الإمامي، هي استقامة الحاكم السلوكية والتزامه بأحكام الشريعة والقانون الإسلامي في كلّ مجال مِن مجالاته، سواء الشخصيّة، أو العبادية، أو السياسية والاقتصادية وغيرها.

ولقد اشترط الشيعة الإمامية العِصمة في خلفاء الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وقالوا: بإمامة وعِصمة اثني عشر إماماً، هُم عليّ ووَلَداه الحسن والحسين (عليهم السلام) وتسعة مِن ذرّية الحسين (عليهم السلام)، معتمدين في فهْمِهم على أدلّةٍ مِن القرآن الكريم، وروايات مِن السنّة النبويّة المطهّرة.

أمّا في غير الأئمّة الاثني عشر المطهّرين، فقد اشترط الشيعة الإمامية شرطاً أساساً في تحقّق الولاية، وشرعية الحاكم ووجوب طاعته، هو صِفة العدالة.

فإنّ الحاكم الجائر الفاسق الذي لا يلتزم بقانون الشريعة وقِيَمها، ولا يمثّل الإسلام في سلوكه، هو حاكم منحرف، لا يملك الشرعية، وليس له ولاية على المسلمين، ولا يصلح لقيادتهم؛ فالإسلام بُني على الحقّ والعدْل والاستقامة، وهي دعوة القرآن وسيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومنطق الشريعة.

( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (1) .

( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن

____________________

(1) سورة النحل: آية 90.


تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ) (1) .

( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ... ) (2) .

( وَإِذ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (3) .

( وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ... ) (4) .

( وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ ) (5) .

وروي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) قوله: (لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله) (6) .

وروي عنه (صلّى الله عليه وآله): (أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر) (7) .

وقوله (صلّى الله عليه وآله): (مَن أرضى سلطاناً بما يسخط ربّه، خرج مِن دِين الله) (8) .

وقوله (صلّى الله عليه وآله): (سيّد الشهداء حمزة بن عبد المطلّب، ورجُل

____________________

(1) سورة النساء: آية 58.

(2) سورة النور: آية 55.

(3) سورة البقرة: آية 124.

(4) سورة هود: آية 113.

(5) سورة الشعراء: آية 151.

(6) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1/ 131، 66، 409. وتاريخ بغداد 3: 145، 10: 22. وكنز العمّال 5: 792 / ح 14401.

(7) المنذري / الترغيب والترهيب 3: 225 (كتاب الحدود) / ح 5. كنز العمّال 3: 64 (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) / ح 5511.

(8) المنذري / الترغيب والترهيب 3: 200 (كتاب ترهيب الحاكم) / ح 3. مستدرك الحاكم 4: 104.


قام إلى إمامٍ جائر، فأمره، فنهاه، فقتله) (1) .

وانطلاقاً مِن هذه المبادئ القرآنية، فهِمَت المدرسة الإمامية وجوب توفّر صِفة العدالة في الإمام، وحُرمة طاعة الحاكم الفاسق والجائر، ووجوب خلْعِه واستبداله بمَن تتوفّر فيه صفة العدالة، ويمثّل الإسلام بسلوكه الشخصي وممارساته السياسية.

والالتزام بولاية الحاكم العادل ووجوب طاعته هي مِن شرائط الإيمان وواجبات الإنسان المسلم الأساسية، فهي الركيزة الأساسية التي تُبنى عليها وحدة المسلمين، ويقام عليها كيانهم السياسي.

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ... ) (2) .

وتأسيساً على مبادئ القرآن، وسنّة الهادي محمّد (صلّى الله عليه وآله)، حدّدت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) موقفها الشرعي، مِن الحاكم الجائر والمنحرف عن أحكام الشريعة وقيَمها السلوكية، وتبنّت التعامل معه وفْق الآتي:

1 - المقاطعة وعدم التعاون مع الحاكم الظالم، أو التحاكم إليه، أو الاعتراف بولايته.

فإنّ مِن الأساليب والوسائل السياسية للمعارضة، هو أُسلوب المقاطعة وسحب الاعتراف مِن الحاكم الظالم.

وقد تبنّى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مقاطعة الحكّام المنحرفين، الذين عاشوا في عصرهم، ودعوا إلى عدم التعاون معهم؛ لردعهم عن الظلم والانحراف، ولتمكين الأُمّة مِن الضغط عليهم، والتمهيد للإطاحة بهم، واستبدالهم بسلطة سياسية تقوم على أساس الحقّ والعدْل.

____________________

(1) مستدرك الحاكم 3: 195. كنز العمّال 11: 675 / ح 33264.

(2) سورة النساء: آية 59.


فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (العامل بالظلم والمُعين له والراضي به، شركاء ثلاثتهم) (1) .

وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (مَن عذر ظالماً بظُلمه، سلّط الله عليه مَن يظلمه، فإن دعا لمْ يُستجب له، ولمْ يؤجره الله على ظلامته) (2) .

وروي عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام): (مَن مشى مع ظالم ليُعِينَهُ، وهو يعلم أنّه ظالم، فقد خرج مِن الإسلام) (3) .

وروي عن الصادق (عليه السلام) قوله: (إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الظلَمة، وأعوانهم، ومَن لاق لهم دواة، أو ربط كيساً، أو مَدَّ لهم مَدَّةَ قلم، فاحشروهم معهم) (4) .

وتناول فقهاء الإمامية بالدراسة والتحليل مسألة تولّي الوظائف للحاكم الظالم، فأجمعوا على تحريمها إلاّ في حالات محدّدة، ما لمْ ينتج عن تلك الحالات سفْك الدماء، فإن بلَغ الأمر سفْك الدماء ظلماً، فلا عُذر ولا إجازة لأحدٍ أن يتولّ تلك المهام والوظائف، وسنجد أيضاً لهذا الرأي عند قراءة بعض النصوص الفقهية، التي تحدّثت في هذا الموضوع.

قال ابن إدريس الحلّي (رحمه الله تعالى)، وهو مِن أعاظم فقهاء الإمامية في القرن السادس الهجري: (أمّا السلطان الجائر، فلا يجوز لأحدٍ أن يتولّى شيئاً مِن الأمور مختاراً، مِن قِبَله إلاّ مَن يعلم، أو يغلب على ظنّه، أنّه إذا توّلى ولايةً مِن جهته، تمكّن مِن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقِسمة الأخماس والصدقات

____________________

(1) الكليني / الأصول مِن الكافي 2: 333 / ح 16.

(2) المصدر السابق: ص 334 / ح 18.

(3) الطبرسي / مشكاة الأنوار (فصل الظلم): ص 315.

(4) المجلسي / بحار الأنوار 75: 372 / ح 17 (كتاب العِشرة).


إلى مستحقّيها، وصِلة الإخوان، ولا يكون في شيء مِن ذلك تاركاً لواجب، ولا مخلاًّ به، ولا فاعلاً لقبيح. فإنّه حينئذٍ مستحبّ له التعرّض لتولّي الأمر مِن جهته. فإنْ عَلِم أو ظنّ أنّه لا يتمكّن مِن ذلك، وأنّه لا بدّ له مِن الإخلال بواجب، أو أن يفعل قبيحاً، لمْ يجز له تولّي ذلك...) (1) .

وكتب الشهيد الأوّل محمّد بن جمال بن مكّي العاملي (عليه رضوان الله تعالى)، عند حديثه عن المكاسب المحرّمة قوله: (ومعونة الظالمين بالظلم، ثمّ أوضح الشهيد الثاني الشارح للمتْن هذا الرأي بقوله: كالكتابة لهم، وإحضار المظلوم ونحوه) (2) .

وكتب الإمام الخميني (قدّس سرّه) يقول: (معونة الظالمين في ظلمهم، بل في كلّ محرّم، حرامٌ بلا إشكال، بل ورَد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (مَن مشى إلى ظالم ليُعينه، وهو يعلم أنّه ظالم، فقد خرج مِن الإسلام) (3) .

وقد أعطت هذه التربية السياسية آثارها، في مواقف وسلوكية أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) على امتداد التاريخ، الماضي منه والمعاصر، وكوّنت تيّاراً يحمل روح الرفْض والمقاطعة للحاكم الظالم، ويأبى التعاون معه، والخضوع لولايته، فصنعت مواقف سياسية معارضة للظلم والطغيان، تُشكِّل عُمْق الوعي السياسي والفهْم السليم للحياة السياسية، في ظِلّ نظام الإسلام ودولته.

2 - الثورة على الحاكم الظالم والإطاحة به. وتبلغ المواجهة السياسية والعقيدية قمّتها ضدّ الحاكم الظالم والسلطة المنحرفة بإعلان الثورة عليه، واستعمال القوّة للإطاحة به، واستبداله بمَن تتوفّر فيه شروط الحاكم المسلم، التي اشترطتها

____________________

(1) ابن إدريس / السرائر 2: 202.

(2) الشهيد الثاني / الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية 3: 213.

(3) آية الله الإمام الخميني (قدّس سرّه) / تحرير الوسيلة (في المكاسب المحرّمة) 1: 497.


الشريعة، وربطت شرعيّة الولاية والسلطة بتوفّرها.

وإنّ قراءة تاريخ المواجهة الفكرية والسياسية في حياة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، للحكام المنحرفين عن تطبيق الشريعة، تكشِف لنا بوضوح تبنّي هذه المدرسة الإسلامية لتلك المواقف والآراء الإسلامية، المعبّرة عن روح الشريعة ونقاء دعوتها.

فإنّ أوّل رائد لأسلوب تغيير السلطة بالعُنف والثورة، مِن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) هو سِبط الرسول الشهيد الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، الذي انطلق في ثورته في محرّم عام (61 هـ)؛ ليعرّي حكومة يزيد بن معاوية، ويكشف زَيفها، وليثبّت للمسلمين فقْهاً سياسياً يؤمِن بالثورة على الحاكم الجائر والمنحرف.

فإنّ الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام) كان يمثّل في موقفه هذا ضمير الشريعة، ويجسّد الشرعية في شخصيته الإسلامية الفذّة، ثمّ توالَت مِن بعده ثورات علَوية، كثورة زيد بن عليّ عام (121 هـ) على الحاكم الأُمَوي هشام بن عبد الملك، وكثورة الحسين (صاحب فخ) عام (169 هـ).

تلك الثورات التي أقرّها وأيّدها أئمّة أهل البيت: الباقر والصادق والكاظم والجَواد (عليهم السلام)، ولإيضاح الأُسس والمرتكزات العقيدية، التي بُنيَ عليها موقف الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، نقرأ بعضاً مِن بياناته، عند إعلانه الثورة على يزيد، ودعوته المسلمين للإطاحة به، فقد ورَد في بعض خطاباته للأُمّة:

(أيّها الناس إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: مَن رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ لحرام الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلمْ يُغيّر ما عليه بفِعلٍ ولا قول، كان حقّاً على الله أن يُدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن،


وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله) (1) .

وفي بيان آخَر يبيّن للناس صفة الإمام المفترض الطاعة، ورفْض مَن يستولي على مقاليد الأُمور، وهو فاقد لهذه الصفات:

(فلعمْري ما الإمام، إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقِسط، الداين بدِين الحقّ، الحابس نفْسه على ذات الله) (2) .

ثمّ يصرّح للأُمّة بكشْف شخصية الحاكم المنحرف عن الإسلام يزيد بن معاوية؛ لبيان سبب الثورة ودواعيها، فيقول:

(ويزيد رجُل فاسق، شارب خمرٍ، قاتل نفْس، مُعلن بالفِسْق، فمِثْلي لا يبايع لمِثله) (3) .

ثمّ يقول (عليه السلام): (أيّها الناس إنّكم إن تتّقوا الله، وتعرفوا الحقّ لأهله، تكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وأَولى بولاية هذا الأمر عليكم مِن هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجَور والعدوان) (4) .

وفي خطابٍ آخَر وجّهه إلى أهل العراق مع مبعوثه مسلم بن عقيل [ عليه السلام ]، يبيّن أنّ سبب ثورته؛ هو إماتة السنّة النبوية، وانتشار البِدَع والانحرافات، فيقول:

(أمّا بعد، فإنّ الله اصطفى محمّداً (صلّى الله عليه وآله) على خلْقه، وأكرمه بنبوّته، واختاره لرسالته، ثمّ قبضَه إليه، وقد نصح لعباده، وبلَّغ ما أُرسل به (صلّى

____________________

(1) ابن الأثير / الكامل في التاريخ 4: 48. تاريخ الطبري 5: 403.

(2) الشيخ المفيد / الإرشاد: ص 204.

(3) الخوارزمي / مقتل الحسين 1: 184.

(4) الشيخ المفيد / الإرشاد: ص 224 - 225.


الله عليه وآله)، وكنّا أهله، وأولياءه، وأوصياءه، وورثته، وأحقّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا، وكرهنا الفُرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك المستحقّ علينا ممّن تولاّه، وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت، والبِدعة قد أُحيِيَت، فإن تسمعوا قولي أهدِكم إلى سبيل الرشاد) (1) .

وإذا كانت هذه مواقف أهل البيت (عليهم السلام) وفقهائهم التابعين لهم، مِن الحاكم الجائر والمنحرف، فإنّ لفقهاء وعلماء المذاهب الإسلامية الأُخرى، آراءً سياسية تخالف الفهْم القائم في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم مِن الحاكم الجائر والفاسق، فهم يرون وجوب الطاعة والخضوع لإرادة السلطة الظالمة والمنحرفة عن منهج الشريعة.

وقد صرّح جمْع مِن أولئك العلماء والفقهاء بهذه الآراء السياسية، أمثال النووي والباقلاني والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم، فقد جاء مِن هذه التصريحات: (وأمّا الخروج عليهم وقتالهم، فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنّة: أنّه لا ينعزل السلطان بالفِسْق...

وقال جماهير أهل السنّة مِن الفقهاء والمحدّثين والمتكلّمين: لا ينعزل بالفِسْق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يُخلَع، ولا يجوز الخروج عليـه بذلك، بل يجب وعْظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك) (2) .

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (قال الجمهور مِن أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام بفِسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الابشار، وتناول

____________________

(1) مِن كتابه إلى أهل البصرة.

(2) صحيح مسلم بشرح النووي 12: 229.


النفوس المحرّمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود. ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعْظه وتخويفه، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه مِن معاصي الله) (1) .

وقال الإمام أحمد بن حنبل: (ومَن غلبهم بالسيف صار خليفة، وسُمّي أمير المؤمنين، ولا يحلّ لأحدٍ يؤمِن بالله واليوم الآخِر أن يبيت ولا يراه إماماً عليه... بَرّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين) (2) .

أمّا شارح عقائد النسفية، فقد صرّح: (ولا ينعزل الإمام بالفِسق والجَور؛ لأنّه قد ظهر الفِسق والجَور مِن الأئمّة والأُمراء بعد الخلفاء، والسلَف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجُمَع والأعياد بإذنهم) (3) .

وهكذا تتحدّد المواقف والآراء في مجال الفقْه السياسي، ويبرز في هذا المجال فَهْمان متعارضان:

فَهْم أئمّة أهل البيت للسلطة والقيادة السياسية، والموقف مِن الانحراف والظلم والجَور.

وفَهْم أئمّة وفقهاء المدرسة الأخرى في هذا المجال.

وقد انعكس هذا الفَهْم على موقف أتباع أهل البيت [ عليهم السلام ]، فمارسوا المعارضة السياسية للسلطات، وقادوا ثورات عديدة، وفهِموا الإسلام معارضة للظلم السياسي والاجتماعي.

____________________

(1) التمهيد / باب ذِكر ما يوجب خلع الإمام وسقوط فرْض الطاعة.

(2) نقلاً عن عبد الكريم الخطيب / الخلافة والإمامة: 299.

(3) نقلاً عن الشيخ محمّد حسن المظفّر في تعليقه على كتاب (دلائل الصدْق للعلاّمة الحلّي) 2: 20.


المهدي المنتظر (عليه السلام)

على امتداد حركة التاريخ هناك صراع بين خطّين، خطّ الهدى وخطّ الضلال، وكانت العناية الإلهية دوماً إلى جنب الهدى والتصحيح والإصلاح، فكانت الرُسُل تترى، والرسالات تتتابع، وحركة التصحيح والصراع ضدّ الجاهلية والفساد، يقودها الأنبياء والرُسل (عليهم السلام). ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ... ) (1) .

وقد شاء الله سبحانه أن يكون محمّد بن عبد الله خاتم النبيين، وتمام عدَّة المرسلين، فلا وحي ولا نبوّة بعده.

وقد واصل قادة الفكر ودعاة الإصلاح مِن الأئمّة والعلماء والمُصلحين في هذه الأُمّة، السَير على خطّ النبوّة، ومارسوا مهمّة التصحيح والتغييـر، وتنقية الفكر الإسلامي مِن الشوائب والإفرازات الدخيلة، ودخلوا في ملحمة جهادٍ فكري دائمة ضدّ التيّار الجاهلي.

كما دخل المسلمون على امتداد التأريخ ملاحم الجهاد والدفاع المقدّس، ومع ذلك فإنّ المعسكر الجاهلي بفكره وسلوكه وحركته، كان دائماً قوّةً تتحدّى مسيرة الهدى ودعوة الرُسل. غير أنّ العناية الإلهية لن تغيب عن هذه الأرض، ووعْده الحقّ يجب أن يتحقّق: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (2) .

وبدراسة الروايات التي رواها المسلمون بشتّى مذاهبهم ومشاربهم، نجد أنّ العقيدة الإسلامية تُبشّر بمهديٍّ مُصلحٍ لهذه الأرض، بعد تراكم الفساد والضلال

____________________

(1) سورة الفرقان: آية 31.

(2) سورة الأنبياء: آية 105.


وقال السيّد عبد الله شبّر (رحمه الله) في إجماع المسلمين على الإيمان بالمهدي ما نصّه: (اعلم أنّه قد ورَد في روايات متواترة وأحاديث متظافرة، البشارة بالمهدي (عليه السلام)، وبأنّه تكون له غيبة، مِن طُرُق العامّة والخاصّة، وقد روى ذلك مِن العامّة: البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، ومؤلّف جامع الأصول، وغيرهم.

وقد ورد في كتُب العامّة مِن الروايات في القائم المهدي، ما يزيد على مئة وخمسين حديثاً، وفي الكتُب المعتبرة والأصول المقرّرة ما يزيد على ألف حديث.

وفي الصواعق المحرقة لابن حجَر في أحوال العسكري، ما لفظه: ولمْ يخلف غير ولَدِه أبي القاسم محمّد الحجّة (عجّل الله تعالى فرَجه)، وعُمُره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة، وسُمّي بالقائم المنتظر؛ قيل لأنّه سُتر بالمدينة وغاب، ولمْ يُعرف أين ذهب.

وذكر نحو ذلك غيره مِن العامّة، كابن خلكان، وصاحب الفصول المهمّة، ومطالب السؤول، وشواهد النبوّة...) (1) .

وقد كتب الشيخ عبد العزيز بن باز مفتي المملكة السعودية، موضّحاً عقيدة المسلمين في المهدي، فقال: (إنّ أمر المهدي أمرٌ معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة متعاضدة، فهي بحقّ تدلّ على أنّ هذا الشخص الموعود به، أمْره ثابت، وخروجه حقّ).

أمّا الشيخ عبد المحسن العباد - عضو هيئة التدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنوّرة - فقد ذكر في محاضرته، التي ألقاها بعنوان: (عقيدة أهل السُنّة والأثر في المهدي المنتظر)، ذكر أسماء الصحابة وأصحاب كتُب الحديث الذين روَوا أحاديث المهدي، أو خرّجوها، فقال: (جملة ما وقفتُ عليه مِن أسماء الصحابة، الذين روَوا أحاديث المهدي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ستة وعشرون، هم:

____________________

(1) السيّد عبد الله شبّر / حقُّ اليقين في معرفة أصول الدين 1: 222.


1 - عثمان بن عفّان رضي الله عنه.

2 - عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

3 - طلحة بن عبد الله رضي الله عنه.

4 - عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

5 - الحسين بن علي رضي الله عنه.

6 - أمّ سلَمة رضي الله عنها.

7 - أمّ حبيبة رضي الله عنها.

8 - عبد الله بن عبّاس رضي الله عنه.

9 - عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

10 - عبد الله بن عُمَر رضي الله عنه.

11 - عبد الله بن عمْرو رضي الله عنه.

12 - أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.

13 - جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

14 - أبو هريرة رضي الله عنه.

15 - أنس بن مالك رضي الله عنه.

16 - عمّار بن ياسر رضي الله عنه.

17 - عوف بن مالك رضي الله عنه.

18 - ثوبان مولى رسول الله رضي الله عنه.

19 - قرّة بن الياس رضي الله عنه.

20 - عليّ الهلالي رضي الله عنه.


21 - حذيفة بن اليمان رضي الله عنه.

22 - عبد الله بن الحارث بن حمزة رضي الله عنه.

23 - عوف بن مالك رضي الله عنه.

24 - عمران بن حصين رضي الله عنه.

25 - أبو الطّفيل رضي الله عنه.

26 - جابر الصدفي رضي الله عنه).

ثمّ ذكر في محاضرته القيّمة أسماء الأئمّة الذين خرّجوا الأحاديث والآثار، الواردة في المهدي في كتُبهم، فقال:

(وأحاديث المهدي خرّجها جماعة كثيرون مِن الأئمّة في الصّحاح والسّنن والمعاجم والمسانيد وغيرها، قد بلَغ عدد الذين وقفتُ على كتُبهم، أو اطّلعت على ذكر تخريجهم لها، ثمانية وثلاثين، هُم:

1 - أبو داود في سُننه.

2 - الترمذي في جامعه.

2 - ابن ماجة في سُننه.

4 - النسائي، ذكره السفاريني في لوامع الأنوار البهيّة، والمناوي في فيض القدير، وما رأيته في الصغرى، ولعلّه في الكبرى.

5 - احمد في مسنده.

6 - ابن حبان في صحيحه.

7 - الحاكم في المستدرك.

8 - أبو بكر بن أبي شيبة في المصنّف.

9 - نعيم بن حمّاد في كتاب الفِتَن.

10 - الحافظ أبو نعيم في كتاب المهدي، وفي الحُلية.


11 - الطبراني في الكبير والأوسط والصغير.

12 - الدارقطني في الأفراد.

13 - البارودي في معرفة الصحابة.

14 - أبو يعلى الموصلي في مسنده.

15 - البزّاز في مسنده.

16 - الحارث بن أبي أسامة في مسنده.

17 - الخطيب في تلخيص المتشابه، وفي المتّفق والمفترق.

18 - ابن عساكر في تاريخه.

19 - ابن منده في تاريخ إصبهان.

20 - أبو الحسن الحربي في الأوّل مِن الحربيات.

21 - تمام الرّزاي في فوائده.

22 - ابن جرير في تهذيب الآثار.

23 - أبو برّ المقري في معجمه.

24 - أبو عُمَر الداني في سُننه.

25 - أبو غنم الكوفي في كتاب الفِتَن.

26 - الديلمي في مسند الفردوس.

27 - أبو بكر الاسكاف في فوائد الأخبار.

28 - أبو الحسين بن المناوي في كتاب الملاحم.

29 - البيهقي في دلائل النبوّة.

30 - أبو عمَر المقري في سُننه.

31 - ابن الجوزي في تاريخه.

32 - يحيى بن عبد الحميد الحماني في مسنده.


33 - الروياني في مسنده.

34 - ابن سعد في الطبَقات.

35 - ابن خزيمة.

36 - الحسن بن سفيان.

37 - عُمَر بن شبه.

38 - أبو عوانة.

وهؤلاء الأربعة، ذكر السيوطي في العُرف الوردي، كونهم ممّن خرّج أحاديث المهدي دون عزو التخريج إلى كتابٍ معيّن) (1) .

ومِن المفيد أن نذكر بعض الروايات التي اعتمدها المسلمون جميعاً، في الإيمان بخروج المهدي، وثورته التغيريّة الكبرى.

قال الإمام أحمد بن حنبل: حدّثنا حجاج وأبو نعيم، قالا: حدّثنا قطر عن القاسم عن أبي الطفيل، قال حجاج: سمعت عليّاً (رضي الله عنه) يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لو لمْ يَبقَ مِن الدُّنيا إلاّ يوم، لبعث الله (عزّ وجلّ) رجُلاً منّا يَمْلؤها عَدْلاً، كما مُلئت جَوْراً) (2) .

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (المهدي منّا أهل البيت يُصلحه الله في ليلة) (3) .

وقال (صلّى الله عليه وآله): (المهدي منِّي أجْلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قِسطاً وعدلاً، كما مُلئت جَوراً وظلماً، يملك سبْع سنين) (4) .

وقال: (المهدي مِن عترتي، مِن وُلد فاطمة) (5) .

____________________

(1) مجلّة الجامعة الإسلامية / المدينة المنوّرة / العدد (3) / السنة الأُولى 1389 هـ: ص 126.

(2) مسند أحمد بن حنبل 1: 99 / مسند عليّ بن أبي طالب.

(3) مسند أحمد بن حنبل 1: 84. سُنن ابن ماجه 2: 1367 / ح 4085.

(4) سُنن أبي داود 2: 208. المستدرك للحاكم 4: 557.

(5) سُنن أبي داود 2: 208. سُنن ابن ماجه 2: 1368 / ح 4086. المستدرك للحاكم 4: 557.


وهكذا يتّضح لنا أنّ الإيمان بالمهدي عقيدة كلّ المسلمين، وليست هي عقيدة الشيعة الإمامية وحدهم، ولا خلاف بينهم إلاّ في تحديد شخصيته، ويوم يسمع المسلمون دعوته، ويشهدون حركته يختفي ذلك الخلاف، ويتّحد الجميع حول المُصلح العظيم.



التقيَّة

تقديمٌ

( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ) (1) .

( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ... ) (2) .

( مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (3) .

إنّ مِن المفاهيم العقيدية التي اتّفق المسلمون جميعاً على ورودها في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة هو مفهوم التقية، كما يتبيّن لنا ذلك مِن قوله تعالى: ( إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً ) ، وقوله: ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، وقوله: ( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) .

ومِن سيرة الرسول العملية، موقفه مِن عمّار بن ياسر، كما سيتبيّن لنا ذلك،

____________________

(1) سورة آل عمران: آية 28.

(2) سورة المؤمن (غافر): آية 28.

(3) سورة النحل: آية 106.


ومع هذا الوضوح والبيان، فإنّ هذا المصطلح العقيدي، قد أُسيء فَهْمه، وحاول بعض المغرضين والمسَخَّري لتفريق الصفّ الإسلامي، أنْ يثير الشُبُهات، ويحاول أن يصوّره نفاقاً فكرياً، وازدواجية غامضة، قد أَوْلدها الفكر المتبنّى في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، عندما لجأ أتباع هذه المدرسة إلى التقية في مراحل الإرهاب والاضطهاد السياسي المرير.

ولإيضاح هذا المفهوم وبيان مجالات العمل به، سنضعه في دائرة الضوء؛ لتبديد صورة الغموض والشُبهة العالقة به.

التقية في اللُغة:

(الوقاية: حِفظ الشيء ممّا يؤذيه ويضرّه، يقال وقيتُ الشيء أقيه وقايةً ووقاءً...) (1) .

(ووَقى الشيء وقياً ووقاية وواقية: صانه عن الأذى وحماهُ... والتقية: الخشية والخوف.

والتقية - عند بعض الفِرَق الإسلامية ـ: (إخفاء الحقّ، ومصانعة الناس في غير دولتهم؛ تحرّزاً مِن التلف) (2) .

(تقاة) أصله وقاة، فأُبدلت الواو المضمومة تاء استثقالاً لها؛ لأنّهم يفرّون منها إلى الهمزة تارةً، وإلى التاء تارةً أُخرى...

ووزن تقاة فُعَلَه، مثل تُؤَدة، وتخمة ونكأة، وهي مصدر اتّقى تقاة، وتقية، وتقوى، واتّقاء) (3) .

____________________

(1) الراغب الأصفهاني / المفردات في غريب القرآن.

(2) المعجم الوسيط.

(3) الطوسي / التبيان في تفسير القرآن 2: 434.


وهكذا يتّضح لنا معنى التقية في اللغة: وهو حِفظ الشيء ووقايته مِن الضرر.

التقيّة في الاصطلاح:

إنّ مصطلح التقية، هو مصطلح إسلامي قد نطق به الوحي لفظاً ومعنىً، مقترناً بحادثةٍ مُفسّرة، قال تعالى:

( لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ) (1) .

عند تفسير الشيخ الطوسي لهذه الآية قال: (روى الحسن: أنّ مسيلمة الكذّاب أخذ رجُلين مِن أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال لأحدهما أتشهد أنّ محمّداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أنّي رسول الله؟ قال: نعم، ثمّ دعا بالآخَر، فقال: أتشهد أنّ محمّداً رسول الله؟ قال: نعم، فقال له: أفتشهد أنّي رسول الله؟ قال: إنّي أصمّ - قالها ثلاثاً، كلّ ذلك تقية - فتقوّلَ ذلك، فضرب عُنقه، فبلغ ذلك(2)، فقال: أمّا هذا المقتول فمضى على صدْقه وتقيّته، وأخذ بفضله فهنيئاً له، وأمّا الآخَر فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه) (3) .

ثمّ علّق الشيخ الطوسي على هذه الرواية قائلاً: (فعلى هذا، التقية رخصة، والإفصاح بالحقّ فضيلة. وظاهر أخبارنا يدلّ على أنّها واجبة، وخلافها خطأ) (4) .

أمّا القرطبي، فقد فسّر آية التقية بقوله: (إلاّ أن تتّقوا منهم تقاة. قال معاذ بن

____________________

(1) سورة آل عمران: آية 28.

(2) يعني بلَغ النبيَّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله).

(3) الطوسي / التبيان في تفسير القرآن 2: 435.

(4) المصدر السابق.


جبل ومجاهد: كانت التقية في جِدّة الإسلام قبل قوةّ المسلمين، فأمّا اليوم فقد أعزّ الله الإسلام أنْ يتّقوا مِن عدوّهم.

قال ابن عبّاس: هو أن يتكلّم بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، ولا يُقتل ولا يأتي مَأْثَماً.

وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتْل.

وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحّاك: (إلاّ أن تتَّقُوا منهم تقيَّةً)، وقيل: إنّ المؤمن إذا كان قائماً بين الكفّار، فله أن يُداريهم باللسان، إذا كان خائفاً على نفْسه، وقلبُه مطمئنٌّ بالإيمان. والتقية لا تحِلّ إلاّ مع خوف القتْل أو القطع أو الإيذاء العظيم. ومَن أُكره على الكفر فالصحيح أنّ له أن يتصلّب ولا يجيب إلى التلفّظ بكلمة الكفر، بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في النحل) (1) .

حيث فسّر قوله تعالى: ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) (2) بقوله: (هذه الآية نزلت في عمّار بن ياسر في قول أهل التفسير؛ لأنّه قارب بعض ما ندبوه إليه. قال ابن عبّاس: أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمّه سُميّة وصُهَيبا وبلالاً وخبّاباً وسالماً فعذّبوهم، ورُبطت سُمية بين بعيرين ووجِيءَ قُبُلها بحَرْبة، وقيل لها: إنّكِ أسلمتِ مِن أجْل الرجال؛ فقُتلت وقُتِل زوجها ياسر، وهما أوّل قتيلين في الإسلام.

وأمّا عمّار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مُكْرَهاً، فشكا ذلك إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فقال له رسول الله (صلّى الله عليه[ وآله ] وسلّم): (كيف تجد قلبك)؟ قال: مطمئنّ بالإيمان. فقال رسول الله (صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم): (فإن عادوا فَعُدْ).

وروى منصور بن المُعْتَمِر عن مجاهد قال: أوّل شهيدة في الإسلام أمّ عمّار، قتلها أبو جَهْل، وأوّل شهيد مِن الرجال مِهْجع مولى عُمَر.

وروى منصور أيضاً عن مجاهد قال: أوّل مَن أظهر الإسلام سبعة: رسولُ الله (صلّى الله عليه وآله)، وأبو بكر، وبـلال، وخبّاب، وصهيب، وعمّار، وسُميّة أمّ عمّار. فأمّا

____________________

(1) القرطبي / الجامع لأحكام القرآن 4: 38.

(2) سورة النحل: آية 106.


رسول الله (صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم) فمنعَه أبو طالب، وأمّا أبو بكر فمنعَه قومه، وأخذوا الآخَرين فألبسوهم أدراع الحديد، ثمّ صهروهم في الشمس، حتّى بلغ منهم الجُهد كلّ مبلغ مِن حرّ الحديد والشمس، فلمّا كان مِن العشيّ أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يسبُّهم ويوبّخهم، وأتى سُميّة فجعل يسبّها ويرْفُث، ثمّ طعن فرْجَها حتّى خرجت الحربة مِن فَمِها فقتلها (رضي الله عنها).

قال: وقال الآخَرون ما سئلوا إلاّ بلالاً، فإنّه هانت عليه نفْسه في الله، فجعلوا يعذّبونه ويقولون له: ارجع عن دِينك، وهو يقول أحدٌ أحد؛ حتّى ملّوه، ثمّ كتّفوه وجعلوا في عُنقه حبلاً مِن ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخْشَبَيْ مكّة، حتّى ملّوه وتركوه،

قال: فقال عمّار: كلّنا تكلّم بالذي قالوا - لولا أنّ الله تدارَكنا - غير بلال، فإنّه هانت عليه نفْسه في الله، فهان على قومه حتّى ملّوه وتركوه. والصحيح أنّ أبا بكر اشترى بلالاً فأعتقه.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد، أنّ ناساً مِن أهل مكّة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمّد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بالمدينة: أن هاجروا إلينا، فإنّا لا نراكم منّا حتّى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة حتّى أدركتهم قريش بالطريـق، ففتنوهم، فكفروا مكرَهين، ففيهم نزلت هذه الآية. ذكر الروايتين عن مجاهد إسماعيلُ بن إسحاق.

وروى الترمذيّ عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): (ما خُيِّرَ عمّار بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما)، هذا حديث حسَن غريب.

وروي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): (إنّ الجنّة تشتاق إلى ثلاثة عليّ وعمّار وسلمان بن ربيعة). قال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ مِن حديث الحسن بن صالح.

الثالثة: لمّا سمح الله (عزّ وجلّ) بالكفر به وهو أصل الشريعة، عند الإكراه، ولمْ يؤاخذ به، حمَل العلماء عليه فروع الشريعة كلّها، فإذا وقع الإكراه عليها لمْ يؤاخذ به، ولمْ يترتّب عليه حُكم؛ وبه جاء الأثَر المشهور عن النبيّ (صلّى الله عليه[وآله] وسلّم): (رُفع عن أمّتي


الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) الحديث. والخبر وإنْ لمْ يصحّ سنده، فإنّ معناه باتّفاقٍ مِن العلماء، قاله القاضي أبو بكر بن العربيّ. وذكر أبو محمّد عبد الحقّ أنّ إسناده صحيح، قال: وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد، وابن المنذر في كتاب الإقناع.

الرابعة: أجمع أهل العِلم على أنّ مَن أُكرِه على الكفر، حتّى خَشِيَ على نفْسه القتْل، أنّه لا إثم عليه إن كفَر وقلبُه مطمئنّ بالإيمان، ولا تَبِين منه زوجته، ولا يُحكَم عليه بحُكم الكفر) (1) .

وهكذا يتّضح لنا أنّ القرآن الكريم قد تحدّث عن التقية، وأوضح أنّها للمكرَه، ولمَن تُلجئه الضرورة للدفاع عن النفْس والمال والعِرض، بعد أن نهى عن موالاة الكفّار وأعداء الإسلام، وأخبر بقطع العلاقة بين الله سبحانه وبين مَنْ يوالي أعداءه.

وعندما عُرّض عمّار بن ياسر وبعض الصحابة إلى التعذيب والأذى، اضطرّ إلى الاستجابة إلى أعداء الله، والنطق بما أرادوا مِن الثناء على آلهتهم، وذكر الرسول بسوء، فجاء وذكر ما حدث له للرسول (صلّى الله عليه وآله)، فأقرّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) على فِعله، وقال له: فإن عادوا فعُد.

وقد قرأنا ما ذكره المفسّرون في سبب نزول الآية الكريمة: ( إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ ) ، وعرفنا إقرار الرسول للتقية جرياً على إجازة القرآن الكريم لهذا الموقف الاضطراري.

وكما تحدّث الرسول (صلّى لله عليه وآله) عن التقية، وأقرّها للمكرَه والمضطرّ في حديث الرفْع المشهور بين المسلمين جميعاً، فقد روي عن الرسول

____________________

(1) القرطبي / الجامع لأحكام القرآن 10 - 119.


(صلّى الله عليه وآله) قوله: (رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطرّوا إليه، والحسد، والطيرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلْق ما لمْ ينطق بشفة) (1) .

وكما يُثبّت هذا الحديث الشريف قاعدة عامّة برفع المسؤولية عن المضطرّ والمكرَه، نجد كذلك في قول الرسول (صلّى الله عليه وآله): (لا ضرر ولا ضرار)، حُكماً في رفع الضرر عن النفْس والمال والعِرض، إذا كان الواقع يمكن رفعه بإظهار التوافق مع الوضع السياسي أو الفكري وأمثالهما، الذي يشكّل خطراً حقيقياً على النفْس والمال والعِرض، ما زال القلب مطمئنّاً بالحقّ، وثابتاً على الإيمان والإخلاص لإرادة الله سبحانه.

وعلى أساس كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله)، التزم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وفقهاؤهم بمبدأ التقية في المجال السياسي والفكري، عندما أصابهم الظلم والاضطهاد والتقتيل والتعذيب والتشريد، الذي أخبرهم به رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقوله:

(إنّا أهلُ بيتٍ اختار الله لنا الآخِرة على الدُنيا. وإنّ أهل بيتي سيلقونَ بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً...) (2) دفاعاً عن النفْس، وحمايةً لذلك الكيان الفكري والسياسي الأصيل، الذي كان يقوده أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، كقوّة معارضة للحُكمَين الأُمَوي والعبّاسي، اللذَين عُرِفا بالعداء والتنكيل بأئمّة أهل البيت وأتباعهم وفكرهم المعبّر عن الوعي الأصيل، والفهْم العميق، والموقف الرافض لتسلّط الحاكم الظالم، وقد أوضح علماء أهل البيت مجال انطباق التقية وتوظيفها.

روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): (التقية في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم

____________________

(1) الشيخ الصدوق / الخصال: ص 417 (باب 9).

(2) سُنن ابن ماجة 2: 1366 / ح 4082.


بها حين تنزل به) (1) .

وروي عنه قوله (عليه السلام): (إنّما جُعِلَتْ التقية ليُحقَنَ بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية) (2) .

وروي عنه قوله (عليه السلام): (التقية في كلّ شيء يضطرّ إليه ابن آدم، فقد أحلّه الله له) (3).

وهكذا يوضّح الإمام الباقر (عليه السلام)، أنّ التقية هي موقف دفاعي في حالة الضرورة والاضطرار وحفظ النفْس.

فالتقية كما اتّضح لنا ليست مِن اجتهاد الفكر الشيعي، إنّما هي نصٌّ إسلاميٌّ نطق به القرآن، وأقرّه الرسول (صلّى الله عليه وآله)، ومارسه الصحابة وأوضحه المفسّرون، مِن مختلف الاتّجاهات والآراء، كما قرأنا آنفاً؛ لرفع الضرر ومعالجة الضرورة، ولحقْن الدماء، كما أوضح الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) ذلك.

وتأسيساً على هذا المبدأ أفتى فقهاء الإمامية بوجوب التقية، فللمسلم أن يُبْطِنَ الحقّ مِن عقيدةٍ وموقفٍ سياسيٍّ وقناعةٍ تشريعية وعبادية، ويُظهر خلافها دفاعاً عن النفْس والمال والعِرض، كما أجاز له القرآن والسنّة ذلك.

قال الشيخ الطوسي: (والتقية - عندنا - واجبة عند الخوف على النفْس، وقد روي رخصةً في جواز الإفصاح بالحقّ عندها) (4) .

وعرَّف الشيخ المفيد التقية بقوله: (التقية: كتمان الحقّ، وسَتر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين، وترْك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدِين أو الدنيا، وفرْض

____________________

(1) الكليني / الأُصول مِن الكافي 2: 219.

(2) المصدر السابق: ص 220.

(3) المصدر السابق.

(4) الطوسي: التبيان في تفسير القرآن 2: 435.


ذلك إذا عُلِم بالضرورة، أو قويَ في الظنّ، فمتى لمْ يُعلَم ضرراً بإظهار الحقّ، ولا قويَ في الظنّ ذلك، لمْ يجب فرض التقية.

وقد أمَر الصادقون (عليهم السلام) جماعة مِن أشياعهم، بالكفّ والإمساك عن إظهار الحقّ والمباطنة والسَتر له عن أعداء الدِين، والمظاهرة لهم بما يزيل الرَيب عنهم في خلافهم، وكان ذلك هو الأصلح لهم.

وأمَروا طائفةً أُخرى مِن شيعتهم، بمكالمة الخصوم ومظاهرتهم ودعائهم إلى الحقّ؛ لعِلمهم بأنّه لا ضرر عليهم في ذلك.

والتقيّة تجب بحسب ما ذكرناه، ويسقط فرضها في مواضع أُخرى على ما قدّمناه) (1) .

____________________

(1) الشيخ المفيد / شرح عقائد الصدوق: ص 241.


لماذا التقية؟

ونستطيع أن نتفهّم ظروف التقية السياسية والفكرية، إذا فهِمنا محنة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم في العهدَين الأُمَوي والعبّاسي؛ بسبب معارضتهم الفكرية والسياسية للظلم السياسي، والعبث بأموال الأُمّة، وانحراف الحكّام والولاة عن السلوكية الإسلامية.

فقد نقل المؤرّخون صوَراً مروّعة مِن سياسة البطْش والإرهاب والقتْل والسجن، ابتداءً مِن عهد معاوية بن أبي سفيان الذي قتل عدداً مِن أتباع الإمام عليّ ووَلَديه الحسن والحسين (عليهم السلام)، أمثال الصحابي الجليل حجر بن عدي الذي وصفه الحاكم في المستدرك بقوله: (إنّه راهب أصحاب محمّد) (1) ، وشريك ابن شداد الحضرمي، وصيفي بن شداد الشيباني، وعمرو بن الحمق الخزاعي، ورشيد الهجري، وعبد الله بن يحيى الحضرمي، وعبد الرحمن بن حسّان العنزي، وعشرات أمثالهم.

وحين ولِيَ السلطة ابنه يزيد أقدَمَ على أفدح جريمة في تاريخ الإسلام، ضدّ أهل بيت النبوّة وصحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) والتابعين لهم بإحسان، حيث جرت مذبحة كربلاء المروّعة، التي قُتل فيها الإمام الحسين بن عليّ (عليه السلام) وسبع عشَر رجُلاً مِن أهل بيته، وستون مِن أصحابه، وهم كلّ الذين كانوا برفقته، ثمّ ديس جسد الحسين الطاهر بحوافر الخيل تشفيّاً وانتقاماً...

تلك المذبحة التي لمْ يقف فيها العدوان عند حدّ قتْل المقاتلين، وسلب أموالهم، بل ذبح الأطفال ومنعوا شُرب الماء، وأُحرقت خيام آل محمّد، وسيقت نساؤهم سبايا مِن العراق إلى الشام

____________________

(1) الحاكم / المستدرك على الصحيحين 3: 468.


وحُملت رؤوس الشهداء إلى دمشق الشام، على رؤوس الأعواد والرماح.

وحين امتدّ الصراع بين طلائع المسلمين، والمعارضين للحزب الأُمَوي، وانتفضت مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله) على سلطة يزيد بقيادة عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، بعد شهادة الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السلام)، فزحف الجيش الأُمَوي على المدينة في واقعة الحرّة، فسفَك الدماء، وانتهك الحُرُمات، وهتَك الأعراض، ونهب الأموال.

وقد نقل ابن قتيبة الدينوري صورة مِن تلك المأساة بقوله: (وذكروا أنّه قُتل يوم الحرّة مِن أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ثمانون رجُلاً، ولمْ يبقَ بدريّ بعد ذلك، ومِن قريش والأنصار سبعمائة، ومِن سائر الناس مِن الموالي والعرب والتابعين عشَرة آلاف، وكانت الوقعة في ذي الحجّة لثلاث بقين منها، سنة ثلاث وستين) (1) .

ويستمرّ الحزب الأُمَوي في الإرهاب وسفْك الدماء، على امتداد مراحل وجوده في السلطة، فيُسجّل لنا التاريخ حوادث أُخرى، تحكي أبشع صوَر الإرهاب والاستخفاف بقِيَم الحقّ والعدْل أيّام عبد الملك بن مروان، وقتْله سعيد بن جبير، وقد جاء في كتاب عبد الملك بن مروان، الذي ولّى فيه خالد بن عبد الله القسري:

(أمّا بعد: فإنّي ولّيتُ عليكم خالد بن عبد الله القسري، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلنّ امرؤ على نفْسه سبيلاً، فإنّما هو القتْل لا غير، وقد برِئَت الذمّة مِن رجُلٍ آوى سعيد بن جبير، والسلام. ثمّ التفت إليهم خالد، وقال: والذي نحلف به، ونحجّ إليه، لا أجده في دار أحدٍ إلاّ قتلته، وهدمتُ داره، ودار كلّ مَن جاوره، واستبَحْتُ حُرمته. وقد أجّلت لكم فيه ثلاثة أيّام...) (2) .

____________________

(1) ابن قيتيبة الدينوري / الإمامة والسياسة 1: 185.

(2) المصدر السابق 2: 42.


ثمّ يُلقى القبض على سعيد بن جبير، الذي كان مِن طلائع الموالين لآل البيت النبويّ، ويُسلَّم إلى الحجّاج السفّاح الشهير في تاريخ الإسلام، الذي قتَل عشرات الآلاف مِن معارضي السلطة، فيقتله.

وتستمرّ سياسة التعسّف والاضطهاد لجماهير الأُمّة، وطلائع المعارضة العلَوية، وتتراكم المِحَن وممارسة الإرهاب، فينطلق زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب بثورته سنة (121 هـ)، ويُقتَل في نفَرٍ مِن أصحابه، في خلافة هشام بن عبد الملك، فيُحرَق جسده الطاهر، ويذرّ في الفرات والبساتين، ويرتدّ أَثَرُ هذه الثورة على أخيه الإمام الباقر محمّد بن عليّ وولده الصادق (عليهما السلام)، فتفرَض الرقابة عليهم، ويسلّط الإرهاب والملاحقة؛ لتطويق حركتهما السياسية والفكرية في تلك المرحلة.

وقد حفظ لنا التاريخ نصّاً لأحد قادة المعارضة الموالية لأهل البيت، يصوّر عُمق المأساة والكوارث التي حلّت بالحزب العلَوي، وبأتباع آل محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فقد خاطب هذا الرجُل أصحابه يدعوهم إلى الثبات والاستمرار، على حمْل راية المعارضة والموالاة لآل محمّد (صلّى الله عليه وآله) قائلاً: (إنّكم كنتم تُقتَلون، وتقطع أيديكم وأرجلكـم، وتُسمَل أعينكـم، وتُرفعون على جذوع النخل في حبّ أهل بيت نبيّكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم) (1) .

وفي العهد العبّاسي لاقى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، ألوان المآسي والقتْل والتشريد، الذي تصاغر أمامه الإرهاب الأُمَوي.

وكان الإمام الصادق (عليه السلام) يوضع تحت المراقبة والرصد والملاحقة، وتُحصى عليه أنفاسه.

____________________

(1) تاريخ الطبري 7: 104 (حوادث سنة 65).


وفي عهد الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام)، تضطرّ الممارسات السُلطوية والإرهاب العبّاسي - ضدّ آل البيت وأتباعهم - الحسين بن عليّ بن الحسن، فينطلق في ناحية (فخ) في ثورة عارمة عام (168 هـ)، ضدّ الحاكم العبّاسي موسى الهادي، وتحلّ الفاجعة بآل البيت النبويّ، ويُقتل الحسين الثائر، ويُقتل معه نفَرٌ مِن أصحابه، فيصف الإمام محمّد الجواد هذه المأساة بقوله: (لمْ يكن لنا بعد الطفّ (1) مصرع أعظم مِن فخ) (2) .

ثمّ يُزَجّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) في سجون الرشيد الرهيبة سنين عديدة، حتّى يُستشهد في سجن السندي بن شاهك - مدير شرطة الرشيد - مسموماً معذّباً، في الخامس والعشرين مِن شهر رجب عام (183 هـ).

ولمْ تقف معاناة أئمّة أهل البيت وأتباعهم مِن الحكّام العبّاسيين عند هذا الحدّ، بل تستمرّ بأشدّ صوَرها، فيلاقي الإمامان عليّ الهادي وولده الحسن العسكريّ (عليهما السلام) مِن بعده، أشدّ المعاناة مِن الحكّام العبّاسيّين الذين عاصروهما.

ولنا أن نقرأ بعضاً مِن نصوص التاريخ في العهد العبّاسي؛ لنعرف أساليب الاضطهاد والإرهاب الموجّهة ضدّ أئمّة أهل البيت، فنفهم جانباً مِن حياة الاضطهاد والتعسّف والإرهاب، الذي اضطرّت أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم إلى الالتزام بالتقيّة في تلك المرحلة.

فقد وصف عليّ بن إبراهيم - أحد أصحاب الإمام الحسن العسكريّ - جانباً مِن تلك المعاناة بقوله: (اجتمعنا بالعسكر، وترصَّدنا لأبي محمّد (عليه السلام) يوم ركوبه، فخرج توقيعه: ألا لا يُسلِّمَنَّ عليَّ أحد، ولا يُشِر إليّ بيده، ولا يُومِئ؛ فإنّكم

____________________

(1) الطفّ: هو اسم مِن أسماء أرض كربلاء، التي قُتل فيها الإمام السبط الحسين بن عليّ (عليه السلام).

(2) العلاّمة المجلسي / بحار الأنوار 48: 165.


لا تأمنون على أنفسكم) (1) .

وروى أبو هاشم الجعفري عن داود بن الأسود وقّاد حمام أبي محمّد (عليه السلام)، قال: دعاني سيّدي أبو محمّد، فدفع إليّ خشبة، كأنّها رِجْل باب مدوّرة طويلة، مِلء الكفّ، فقال: صِرْ بهذه الخشبة إلى العمري، فمضيت، فلمّا صرت إلى بعض الطريق عرَض لي سقّاء معه بغْل، فزاحمني البغْل على الطريق، فناداني السقّاء: صِح على البغْل، فرفعت الخشبة التي كانت معي، فضربت البغْل، فانشقّت، فنظرتُ إلى كسرها، فإذا فيها كتب، فبادرت سريعاً، فرددت الخشبة إلى كُمّي، فجعل السقّاء يناديني ويشتمني، ويشتُم صاحبي، فلمّا دنَوت مِن الدار راجعاً، استقبلني عيسى الخادم عند الباب، فقال: يقول لك مولاي لِمَ ضربتَ البغْل، وكسرت رِجْل الباب، فقلت له: يا سيّدي، لَمْ أعلم ما في رِجْل الباب، فقال: ولِمَ احتجْتَ أن تعمل عملاً تحتاج أن تعتذر منه، إيّاك بعدها أن تعود إلى مِثلها، وإذا سمعت لنا شاتماً، فامضِ لسبيلك التي أُمرت بها، وإيّاك أن تجاوب مَن يشتمنا، أو تعرّفه، مَن أنت، فإنّنا ببلَدِ سوء، ومِصْر سوء، وامضِ في طريقك، فإنّ أخبارك أحوالك ترِد إلينا، فاعلم ذلك) (2) .

وروى محمّد بن عبد العزيز البلخي، قال: (أصبحت يوماً فجلست في شارع الغنم، فإذا بأبي محمّد (عليه السلام) قد أقبل مِن منزله، يريد دار العامّة، فقلت في نفسي: تُرى إنْ صحتُ أيّها الناس هذا حجّة الله عليكم فاعرفوه يقتلوني؟ فلمّا دنا منّي، أَومَأ بإصبعه السبابة على فِيه: أن اسكُت، ورأيته تلك الليلة يقول: إنّما هو الكتمان أو القتْل، فاتّق الله علـى نفْسـك) (3) .

____________________

(1) المصدر السابق 50: 269.

(2) ابن شهر آشوب / مناقب آل أبي طالب 4: 427 - 428.

(3) عليّ بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي / كشْف الغمّة في معرفة الأئمّة 3: 218 - 219.


ولعلّ مِن أهمّ الوثائق التاريخية المهمّة، التي تحكي مأساة آل البيت النبويّ واضطهاد السُلطات الأُمَوية والعبّاسية لهم، هو كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الأصفهاني، الذي عاش ما بين (284 - 356 هـ)، وقد بلغ حجم الكتاب (460) صفحة مِن القطع الكبير، كرّسها للحديث عن محنة أهل البيت وثوراتهم وسجونهم وأساليب قتْلهم.

وفي هذا الكتاب تحدّث أبو الفرج سطوراً عن موقف المتوكّل العبّاسي مِن آل البيت، فقال: (وكان المتوكّل (1) شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم، مهتمّاً بأمورهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظنّ والتُهمة لهم. واتّفق له أنّ عبيد الله بن يحيى بن خاقان - وزيره - يُسيء الرأي فيهم، فحسّن له القبيح في معاملتهم، فبلغ فيهم ما لمْ يبلغه أحد مِن خلفاء بني العبّاس قبله.

وكان مِن ذلك أن كَرَب قبر الحسين (عليه السلام)، وعفّى آثاره، ووضع على سائر الطُرُق مسالح له، لا يجدون أحداً زاره، إلاّ أتَوه به، فقتله أو أنْهكه عقوبة...

وكان قد بعث برجُل مِن أصحابه يقال له الديزج - وكان يهودياً فأسلم - إلى قبر الحسين، وأمره بكَرْب قبره ومحْوِه وإخراب كلّ ما حوله، فمضى إلى ذلك وخرّب ما حوله، وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مئتي جريب، فلمّا بلغ إلى قبْره لمْ يتقدّم إليه أحد، فأحضر قوماً مِن اليهود فكَرَبوه، وأجرى الماء حوله، ووكّل به مسالح، بين كلّ مسلحتَين ميل، لا يزوره زائر إلاّ أخذوه ووجّهوا به إليه...

ثمّ قال: واستعمل على المدينة ومكّة عُمَر بن الفرج الرخجي، فمنع آل أبي طالب مِن التعرّض لمسألة الناس، ومنع الناس مِن البِرّ بهم، وكان لا يبلغه أنّ أحداً أبَرّ أحداً منهم بشيءٍ وإن قلّ، إلاّ أنْهكه عقوبةً، وأثقله غرماً، حتّى كان القميص يكون بين جماعة مِن العلَويّات يُصلّين فيه، واحدةً بعد واحدة، ثمّ يرقّعنّه، ويجْلسْنَ على مغازلهِنّ عواري حواسر، إلى أن قُتل المتوكّل، فعطف المنتصر عليهم، وأحسن

____________________

(1) عاصر المتوكّل العبّاسي الإمام عليّ الهادي (عليه السلام).


إليهم) (1) .

وتحدّث في موردٍ آخَر عن إحدى حالات القتْل والتعذيب، التي مارسها أبو جعفر المنصور ضدّ آل عليّ بن أبي طالب، فقال: (أتى بهم أبو جعفر فنظَر إلى محمّد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فقال: أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم.

قال: أما والله لأقتلنّك قتْلةً ما قتلتُها أحداً مِن أهل بيتك، ثمّ أمَر باسطوانة مبنيّة فَفُرِقَت، ثمّ أُدخلَ فيها، فبُنِيَت عليه، وهو حيّ) (2) .

إنّ إلقاء نظرة تحليلية، وقراءة موضوعية أمينة، في تلك النصوص والعيّنات التاريخية، التي لا تساوي إلاّ جزءاً يسيراً مِن سياسة الاضطهاد والتقتيل والسجون والإرهاب والتشريد والملاحقة، التي مارسها الأُمَويون والعبّاسيون، ضدّ أئمّة أهل البيت وأنصارهم والمتأثّرين بتيّارهم الفكري والسياسي، تكشف لنا بوضوحٍ كامل: لماذا التزم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم بالتقية، أو الكتمان وإخفاء الموقف الفكري والسياسي المعارض لسياسة السلطة ومتبنّياتها.

ولعلّنا ندرك بصورةٍ أوضح موجِبات التقية الفكرية والسياسية، إذا تجاوزنا أحداث التاريخ الماضية، وانتقلنا إلى المعارضة الفكرية والسياسية المعاصرة التي تخوضها الحركات الإسلامية المعارضة، والتزامها بالسرّية والتنظيم السري، والتكتّم على خططها ومتبنّياتها؛ لحماية نفْسها مِن الظلم والتعسّف.

فما مِن حركة إسلامية معارضة، على امتداد التاريخ الماضي منه والمعاصر، تريد تغيير الأوضاع وإصلاح السلطة والمجتمع؛ إلاّ وتتبنّى التقية السياسية والتكتّم على أفكارها المعارضة لمتبنّيات السياسة الظالمة والمنحرفة عن منهج القرآن وسيرة النبوّة الخالدة.

____________________

(1) أبو الفرج الأصفهاني / مقاتل الطالبيين: ص 470 - 478.

(2) المصدر السابق: ص 181.


وذلك منطق العقل المتوافق مع حُكم الشريعة وإقرارها لمبدأ التقية، كما قرأنا في الكتاب والسنّة وآراء الفقهاء.

مِن ذلك كلّه نفهم أنّ التقية وسيلة دفاعية ضدّ الظلم والإرهاب، ومِن أجْل حماية الحقّ والحفاظ على الموقف الشرعي السليـم.


التقية والجهاد، وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

قد يتبادر إلى أذهان البعض ممّن لا يستوعب المفاهيم القرآنية، وتنظيم الشريعة للعلاقة بين الأحكام والمواقف:

والأمر الواقع أنّ التقية: فكرة تحوّل المسلم إلى إنسان متعايش مع الأمر الواقع، مع ما فيه مِن ظلم وفساد وانحراف.

وأنّها: تربية تفرز الإزدواجية واصطناع التوافق، فتقود إلى النفاق، والرضا بكلّ ما يحيط بها، فتنصرف عن مواجهة الظلم ومحاربة الفساد والانحراف تحت ستار الخوف على المال والنفس والكرامة.

غير أنّ هدف التقية هو معاكس لهذا الفهْم تماماً، إذ هي شرّعت لتمكّن المسلم الذي يعيش في ظروف القهر والإرهاب الفكري، وأجواء الانحراف المسلّطة عليه بالقوّة؛ شرّعت لتمكّنه مِن المقاومة والعمل على التغيير بشكل بعيد عن أعْيُن القوى المتحكّمة والمتسلّطة، فمفهوم التقية، هو مفهوم التكتّم والسرّية في العمل السياسي والفكري، الذي لا يروق للحكام المنحرفين والقوى المعادية للاتّجاه السليم.

ومفهوم التقية لا يلغي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يتحوّل عمل الفرد والجماعة التي ترى الفساد السياسي والفكري ولا تستطيع الإعلان عن مواجهته، يتحوّل العمل عندها إلى عملٍ سرّي، وإعداد بعيد عن أنظار المتسلّطين، فإذا توفّرت القدرة على التغيير، تمّ الإعلان عن المواجهة المكشوفة والصراع الواضح؛ لتغيير البناء السياسي والفكري والاجتماعي على أساس منهج القرآن ودعوته.

وعندما تكون التضحية بالمال والنفْس مُجدية للدفاع عن الحقّ وإقامة الإسلام، تجب التضحية عندئذٍ، ولا تقية في ذلك، فإنّ مِن أهداف الجهاد بالمال


والفكر والنفْس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو مواجهة الأوضاع غير الطبيعية في المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان المسلم؛ لذلك حرّم الفقْه الإسلامي التعاون مع الحاكم الظالم الفاسق، إذا كان في هذا التعاون وتولّي الوظائف للسلطة هدْم الإسلام وسفْكٍ للدماء، ولو كلّف الإنسان دمه وماله.

لذلك جاء في قول الإمام الباقر (عليه السلام): (فإذا بلغ الدم فلا تقية)، أي أنّ مِن حقّ المسلم المضطهَد والمكرَه أن يستجيب للأوضاع الاجتماعية، ولإرهاب السلطة، ويتعاون معها في حدود دفع الضرر الأعظم عن نفْسه، بالموازنة بين أهون الضررين، فإذا نتج عن تجاوبه وتعاونه مع السلطة المُكْرِهَةِ له سفْك دماء الآخَرين وهدْم الإسلام، فلا يُجاز له التعاون مع الطغاة والظلمة، ولو أدّى رفْضه إلى قتْله وسفْك دمه، ومصادرة أمواله.



الفصل السابع

الإيمان

بعالَم الآخِرة



تقديمٌ

إنّ المعضلة الكبرى في التفكير البشري هي معضلة الإيمان بعالَم الآخِرة والحياة فيها، رغم بداهة الإيمان بها بعد الإيمان بوجود الله وقدرته التي أوجد بها الخلائق مِن العدم، وقد ساق الوحي هذا البرهان الحسّي الميسّر، رادّاً على مُنكري عالَم الآخِرة. فقال الله تعالى: ( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) (1) .

ولقد كرَّس القرآن جانباً كبيراً مِن آيه وبيانه؛ لإثبات عالَم الآخِرة وما فيها مِن نعيم وعذاب.

وتتركّز القيمة الكبرى لدعوات الأنبياء في التصديق بعالَم الآخرة؛ لأنّه عالَم الجزاء على التكليف والآلام، المعبّر عن عدْل الله سبحانه وصدْقه ووفائه بوعده ووعيده، وبدون وجود عالَم الآخِرة، فلا قيمة للتكليف في عالَم الدنيا، ولا مبرّر للالتزام إلاّ بقدر ما يحقّق للإنسان مِن مصلحة في هذا العالَم.

ويعتبر التصديق بعالَم الآخرة الركن الأساس مِن أركان العقيدة الإسلامية

____________________

(1) سورة يس: آية 78 - 79.


التي بُني عليها الإسلام.

( لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُـمُ الْمُتَّقُـونَ ) (1) .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (2).

إنَّ دراسة الأبحاث المتعلّقة بعالَم الآخرة تتركّز بشكلٍ أساس في المحاور الآتية:

1 - وجود عالَم الروح وعلاقته بالبدن.

2 - عالَم البرزخ.

3 - القيامة والمعاد.

4 - الحساب والجزاء والشفاعة والعوض والآلام، وما يرتبط بها مِن مسائل.

ولقد كانت هذه الموضوعات مجالاً للبحث والحوار والخلاف، في الرأي بين الفلاسفة والمتكلّمين والمعنيّين بشؤون الفكر العقيدي مِن علماء الإسلام.

فكان لأئمّة أهل البيت وللفلاسفة والمتكلّمين المنتمين إلى مدرستهم، قصب السبْق في الدفاع عن هذا المعتقد الإسلامي، الذي يعطي الحياة الإسلامية

____________________

(1) سورة البقرة: آية 177.

(2) سورة النساء: آية 136.


والتفكير الإسلامي طابعهما الخاصّ، فإنّ الإيمان بهذه المسألة له الأثر البالغ في السلوك الفردي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي، وفي تنظيم المجتمع وتوجيه حركته.

وإنّه لَمِن أخطر مصادر الوَيلات على البشرية، نكران عالَم الآخرة.

ولنتناول بشيءٍ مِن الإيضاح تعريف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بهذه المسائل العقيدية على التوالي:

1 - وجود عالَم الروح وعلاقته بالبدَن:

إنّه لمِن الحقائق الواضحة لدى الفكر الإسلامي: أنّ معرفة حقيقة الروح وكُنهها قضية مجهولة لدى الإنسان، وليس بوِسع العقل البشري أن يشخّص ماهيّتها. وقد أجاب القرآن على السؤال الذي طُرح على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بقوله: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ) (1) .

ولقد بحث الفلاسفة والمفكّرون الإسلاميون كيفية نشأة الروح وعلاقتها بالبدَن، فكانت آراء ونظريات عديدة.

ولنستمع إلى الشهيد الصدر وهو يحدّثنا عن نظرية الفيلسوف الإمامي صدر المتألّهين، في نشأة الروح، وتأييده لهذه النظرية، قال: (وأخيراً وجَد تفسير الإنسان على أساس العنصرين الروحي والمادّي، تصميمه الأفضل على يد الفيلسوف الإسلامي صدر المتألّهين الشيرازي، فقد استكشف هذا الفيلسوف الكبير حركة جوهرية في صميم الطبيعة، هي الرصيد الأعمق لكلّ الحركات الطارئة المحسوسة التي تزخر بها الطبيعة.

وهذه الحركة الجوهرية هي الجسر الذي كشفه الشيرازي بين

____________________

(1) سورة الإسراء: آية 85.


المادّة والروح، فإنّ المادّة في حركتها الجوهرية تتكامل في وجودها، وتستمرّ في تكاملها حتّى تتجرّد عن مادّيتها ضمن شروط معيّنة، وتصبح كائناً غير مادّي أي كائناً روحياً، فليس بين المادّي والروحيّ حدود فاصلة، بل هما درجتان مِن درجات الوجود، والروح بالرغم مِن أنّها ليست مادّية، ذات نسب مادّي؛ لأنّها المرحلة العُليا لتكامل المادّة في حركتها الجوهرية.

وفي هذا الضوء نستطيع أن نفْهم العلاقة بين الروح والجسم، ويبدو مِن المألوف أن يتبادل العقل والجسم - الروح والمادّة - تأثيراتهما؛ لأنّ العقل ليس شيئاً مفصولاً عن المادّة بهوّةٍ سحيقة، كما كان يُخيّل لديكارت، حين اضطرّ إلى إنكار التأثير المتبادل، والقول بمجرّد الموازنة.

بل إنّ العقل نفْسه ليس إلاّ صورة مادّية عند تصعيدها إلى أعلى مِن خلال الحركة الجوهرية، والفَرْق بين المادّية والروحية فرْق درجة فقط، كالفَرْق بين الحرارة الشديدة والحرارة الأقل منها درجة.

ولكن هذا لا يعني أنّ الروح نتاج للمادّة وأثَر مِن آثارها، بل هي نتاج للحركة الجوهرية، والحركة الجوهرية لا تنبع مِن نفْس المادّة؛ لأنّ الحركة، كلّ حركة، خروج للشيء مِن القوّة إلى الفِعل تدريجياً - كما عرفنا في مناقشتنا للتطوّر عند الديالكتيك - والقوّة لا تصنع الفِعل، والإمكان لا يصنع الوجود، فللحركة الجوهرية سببها خارج نطاق المادّة المتحرّكة، والروح التي هي الجانب غير المادّي مِن الإنسان؛ نتيجة لهذه الحركة، والحركة نفْسها هي الجسـر بين المادّيـة والروحيّـة) (1) .

وإذا كان هذا تفسير نشأة الروح عند صدر المتألّهين، فلنتابع معه توضيح رأيه في انفصال الروح عن البدَن، وقدرتها على الاستقلال عنه. قال: (وبالجملة، النفْس والبدَن يتحرّكان معاً في التحوّلات الطبيعية، ويستكملان معاً في الكمالات التي

____________________

(1) الشهيد الصدر (قدّس سرّه) / فلسفتنا: ص 335 - 336.


تناسب كلاًّ منهما بحَسبِه، إلى أن يقع لها التفرّد بذاتها منسلخة عن البد!ن...) (1) .

أمّا الفقيه المحدِّث السيّد عبد الله شبّر، فقد نقل آراء الإسلاميين في مسألة تجرّد الروح، فقال: (وأكثر الفلاسفة والحكماء على تجرّدها، وعليه بعض قدماء المعتزلة والغزالي والراغب الأصفهاني والشيخ المفيد منّا والشيخ البهائي، وادّعى بعض المتأخّرين: أنّه يستفاد التجرّد مِن كثير مِن الأخبار) (2) .

2 - عالم البرزخ:

إنّ معنى البرزخ في اللغة الحاجزُ بين الشيئين (3) .

ويطلق في الاصطلاح: على ما بين الموت إلى يوم القيامة (4) ، فالحياة في عالَم الآخِرة تبدأ مِن الموت، إذ بالموت يولد الإنسان في عالَم الآخرة. كما يولد بالخروج مِن الرحم في عالَم الدنيا.

وقد جاءت الأحاديث والآيات الكريمة تتحدّث عن المساءلة في القبر والعذاب والنعيم في عالم البرزخ، الذي يبدأ مِن دخول جسد المرء إلى قبره، وعودة الروح فيه للمساءلة.

وقد بحث علماء الإمامية هذه المسألة، كما تصدّى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) لبيانها، معتمدين في ذلك على ما جاء في الكتاب والسنّة.

مِن هذه الروايات الدالّة على حياة البرزخ، ما روي عن الرسول الكريم محمّد (صلّى الله عليه وآله): (أنّه يوم بدر كان ينادي المقتولين، ويقول: هل وجدتم ما وعد ربُّكم حقّاً؟ فقيل:

____________________

(1) محمّد بن إبراهيم، صدر الدِين الشيرازي / أسرار الآيات: ص 148.

(2) السيّد عبد الله شبّر / حقّ اليقين في معرفة أُصول الدِين 2: 48.

(3) الراغب الأصفهاني / المفردات في غريب القرآن: ص 43 / (برزخ).

(4) المصدر السابق.


يا رسول الله إنّهم أموات فكيف تناديهم؟ فقال (صلّى الله عليه وآله): إنّهم أسمع منكم) (1) .

وقد تحدّث القرآن عن حياة البرزخ التي يحياها الشهداء إلى يوم القيامة، فقال: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (2) ، فقد فسّر الطبرسي - المفسّر الإمامي الكبير - هذه الآية بقوله:

قوله تعالى: ( بَلْ أَحْيَاء... ) فيه أقوال: أحدها - وهو الصحيح - أنّهم أحياء على الحقيقة إلى أن تقوم الساعة، وهو قول ابن عبّاس ومجاهد وقتادة، وإليه ذهب الحسَن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، واختاره الجبائي والرماني وجميع المفسّريـن (3) .

وقد روي عن الإمام (زين العابدين) عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، أنّه قال: (إنّ القبر روضة مِن رياض الجنّة، أو حفرة مِن حُفَر النيران) (4) .

وروي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله في سعد بن معاذ، بعد أن صلّى على جنازته وشيّعه ولحَّدَهُ في قبره، قال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): (إنّ سعداً قد أصابته ضَمَّة. قال: فقال (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): إنّه كان في خُلُقه مع أهله سوء) (5) .

وروى أبو بكر الحضرمي عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قوله: (لا يسأل في القبر إلاّ مَن محض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، فقلت له: فسائر الناس؟ فقال: يلهى عنهم) (6) .

____________________

(1) العلاّمة المجلسي / بحار الأنوار 6: 207.

(2) سورة آل عمران: آية 169.

(3) الطبرسي / مجمع البيان 1: 236.

(4) تفسير عليّ بن إبراهيم 2: 94 / (في تفسير الآية 100 مِن سورة المؤمنون).

(5) العلاّمة المجلسي / بحار الأنوار 6: 220.

(6) المصدر السابق: ص 235.


وعن أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): (إنّما يسأل في قبره مَن محض الإيمان والكفر محضاً، وأمّا ما سوى ذلك فيُلهى عنه) (1) .

وتحدّث العلاّمة المجلسي في كتابه الكبير (بحار الأنوار) عن عقيدة الإمامية في عالَم البرزخ، فقال: (ثمّ اعلم أنّ عذاب البرزخ وثوابه ممّا اتّفقت عليه الأُمّة، سلَفاً وخلَفاً، وقال به أكثر أهل المِلل، ولمْ ينكره مِن المسلمين إلاّ شرذمة قليلة لا عِبرة بهم، وقد انعقد الإجماع على خلافهم سابقاً ولاحقاً. والأحاديث الواردة فيه مِن طُرُق العامّة والخاصّة متواترة المضمون.

وكذا بقاء النفوس بعد خراب الأبدان مذهب أكثر العقلاء الملّيين والفلاسفة، ولمْ ينكره إلاّ فِرقة قليلة، كالقائلين بأنّ النفْس هي المزاج وأمثاله، ممّن لا يُعبأ بهم ولا بكلامهم...) (2) .

مِن ذلك يتّضح:

أ - أنّ الإمامية تعتقد اعتقاداً جازماً بمُساءَلة القبر بعد عودة الروح إلى الجسد - كلاًّ أو بعضاً ـ.

ب - أنّ المساءلة تشمل مَنْ محض الإيمان أو محض الكُفر، أمّا مَن خلطوا عملاً صالحاً بآخَر سيّئاً، فهم مؤجّلون إلى يوم القيامة.

جـ - في عالَم البرزخ يُنَعَّم المؤمِن، ويعذّب الكافر إلى يوم القيامة.

وهذا صريح قول الإمام زين العابدين (عليه السلام)، أنّ القبر روضة مِن رياض الجنّة، أو حفرة مِن حفر النيران.

____________________

(1) المصدر السابق: ص 260.

(2) المصدر السابق: ص 271.


3 - القيامة والمعاد:

تلقّى المسلمون عقيدة المعاد عن القرآن الكريم والنبيّ الأمين محمّد (صلّى الله عليه وآله)، دون الخوض في التفاصيل والجزئيات، فقد تحدّث القرآن عن نهاية هذا العالَم، والأحداث المروّعة التي تحلّ بنظام الوجود، وقيام الساعة والبعث والنشور... الخ.

وحين تفلسف العقل الإسلامي، وبحَث المسائل والقضايا، كالروح والنفْس والعقل والمعاد والعذاب والنعيم في عالَم الآخرة... الخ، بحثاً فلسفياً، وُلدت أفكار وتفسيرات فلسفية تتناقض في بعض اتّجاهاتها مع عقيدة التوحيد، أو تتطابق معها أحياناً أُخرى. كما حاول البعض الآخَر التوفيق الملفّق بين التفسير الفلسفي والتفسير الإيماني.

لذا فإنّ ما أنتجته الفلسفة مِن آراء وأفكار، لا يعتبر مصدراً لتكوين الرؤية العقيدية، ولا تفسيراً مُلزماً للإنسان المؤمن. ويبقى المقياس الصحيح ما جاء به الوحي، وبلّغه الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله).

ولقد شرح العلاّمة الحلّي رأي المدرسة الإماميّة في المعاد تحت عنوان: إنّ الحشر في المعاد لهذا البدن المشهود، فقال: (هذا أصل عظيم، وإثباته مِن أركان الدِين، وجاحده كافر بالإجماع، ومَن لا يثبت المعاد البدني، ولا الثواب والعقاب، وأحوال الآخرة، فإّنه كافر إجماعاً) (1) .

وكتب الفقيه المحدّث السيّد عبد الله شبّر عَرْضاً موجزاً لفكرة المعاد بقوله: (اعلم أنّ المعاد يطلق على ثلاثة معاني: أحدها المعنى المصدري مِن العود، وهو الرجوع إلى مكان. وثانيها وثالثها: مكان العود وزمانه. ومآل الكلّ واحد.

وهو جسماني وروحاني. فالجسماني عبارة عن أن الله تعالى يعيد أبداننا بعد موتها،

____________________

(1) العلاّمة الحلّي / نهج الحقّ وكشف الصدق: ص 376.


ويرجعها إلى هيأتها الأُولى. والروحاني عبارة عن بقاء الروح بعد مفارقة البدن سعيدة منعّمة أو معذّبة شقية، بما اكتسبته في الدنيا، وهذا هو الذي قال به الفلاسفة، وأوَّلوا الثواب والعقاب والجنّة والنار بهاتين الحالتين) (1) .

وقال العلاّمة الحلّي في شرح الياقوت: (اتّفق المسلمون على إعادة الأجساد خلافاً للفلاسفة) (2) .

وقال المحقّق الدواني: (اعلم أنّ المعاد الجسماني ممّا يجب الاعتقاد به، ويُكفّر منكره. أمّا المعاد الروحاني؛ أعني التذاذ النفْس بعد المفارقة، وتألّمها باللذّات والآلام العقلية، فلا يتعلّق التكليف باعتقاده، ولا يُكفّر منكره، ولا مُنِع شرعاً ولا عقلاً مِن إثباته) (3) .

وهكذا يتّضح لنا بعد التطواف على الآراء، أنّ هناك ثلاثة تفسيرات للمعاد هي:

1 - تفسير المعاد بأنّه جسماني.

2 - تفسير المعاد بأنّه روحاني فقط.

3 - تفسير المعاد بأنّه جسماني وروحاني.

ولنقرأ الرأي (4) الذي يذهب إلى أنّ المعاد هو جسماني وروحاني معاً: أقول: القول بالمعاد الجسماني والروحاني معاً أقوى المذاهب. وهو الذي دلّت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث المعصومية، وأيّدته المؤيّدات العقلية، حيث إنّ الكاسب للطاعات والمعاصي البدن والروح معاً، فينبغي عودهما معاً، وقد دلّ السمع (5) دلالةً قطعيةً على الجسماني، كما عرفت وستعرف، فهو حقّ، واستفاض

____________________

(1) السيّد عبد الله شبّر / حقّ اليقين في معرفة أُصول الدِين 2: 36.

(2) العلاّمة الحلّي / أنوار الملكوت في شرح الياقوت: ص 191.

(3) السيّد عبد الله شبّر / حقّ اليقين في معرفة أُصول الدِين 2: 38.

(4) المصدر السابق.

(5) السمع: الآيات والروايات.


النقل بأنّ الروح جوهر لطيف نوراني مغاير للبدَن، وأنّها تبقى بعد خرابه مبتهجة مسرورة حيّة مرزوقة، أو بالعكس، فالروحاني أيضاً حقّ.

قال تعالى: ( كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ ) (1) ، ( كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ ) (2) ، ( ... وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ ) (3) ، ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) (4) ، ( ... وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ... ) (5) ، ( ... وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ... ) (6) ، ( وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (7) .

وخلاصة القول أنّ المذهب الإمامي بأُصوله الاعتقادية، يذهب إلى الإيمان الجازم بالمعاد، وهو الإحياء بعد الموت، كما صرّح القرآن به، وأوضحه في العشرات مِن آياته، ودلّت عليه السنّة المطهّرة.

فالله - الخبير القدير - يُحيي الأجساد، ويعيدها كهيأتها الأُولى للحشر والحساب والجزاء العادل.

وأمّا ما ذهب إليه الفلاسفة والمتكلّمون مِن آراء ونظريات تفسيرية، فلا تمثّل الرأي الشرعي إلاّ بقدر ما تتطابق مع عقيدة القرآن وبيانه الحقّ.

ويرفض الأصل المذهبي في الاعتقاد الإمامي رفضاً مطلقاً، رأي الفلاسفة الذي أنكر المعاد الجسماني، وقال بالمعاد الروحاني فقط، وهو عبارة عن بقاء

____________________

(1) سورة البقرة: آية 25.

(2) سورة الدخان: آية 54.

(3) سورة الزخرف: آية 71.

(4) سورة السجدة: آية 17.

(5) سورة سبأ: آية 33.

(6) سورة الحديد: آية 2.

(7) سورة التوبة: آية 72.


الروح مجرّدة بعد الموت، وهي التي تعيش النعيم والعذاب الأبَدي دون الحياة الجسدية للإنسان، في عالَم الجنان أو العذاب.

4 - الحساب والجزاء:

( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (1) ، ( لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) (2) ، ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (3)، ( هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (4)، ( إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (5) ، ( وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ) (6) ، ( حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (7) ، ( لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) (8) ، ( اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ

____________________

(1) سورة الأنبياء: آية 47.

(2) سورة إبراهيم: آية 51.

(3) سورة الزلزلة: آية 6 - 8.

(4) سورة الجاثية: آية 29.

(5) سورة ق: آية 17 - 18.

(6) سورة الإسراء: آية 13 - 14.

(7) سورة فُصّلت: آية 20.

(8) سورة مريم: آية 87.


وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ) (1) ، ( يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِـيَ لَـهُ قَـوْلاً ) (2) .

يشكّل الإيمان بالحساب والجزاء في عالَم الآخرة، الأصل المهمّ والخطير مِن أُصول الدِين وبُنيته، فما مِن نبيٍّ إلاّ ودعا إلى الإيمان بالله، وأخبر عن عالَم الجزاء والحساب والمسؤولية.

ويبتني هذا الأصل على الإيمان بالله وبعدْله وبوَعْده وصِدْقه ووعيده، وقدرته على إحياء الموتى وخَلْق عالَم الآخرة.

وقد تحدّث القرآن والسُنّة المطهّرة عن حقائق كلّية ومجمَلة في هذا الأصل العقيدي، أَسَّس عليها الفكر الإمامي مبادئ العقيدة في عالَم الآخرة وهي:

1 - الإيمان بالمَلَكين المكلّفَين بتدوين فِعل الإنسان وتثبيت نسخة الفعل، وعدم مغادرة أيّ صغيرة أو كبيرة ممّا يصدر عن هذا الإنسان في عالَم الدنيا.

2 - نشْر الصحُف والكتُب، واطّلاع الإنسان على ما فيها يوم الحساب.

3 - نُطْق الجوارح وشهادتها على الإنسان.

4 - الإيمان بالميزان. وهو وزن الأعمال، وتقويمها بما يعادلها مِن جزاء.

5 - الإيمان بالحوض، وما ورَد فيه مِن بيان في السُنّة.

6 - الإيمان بالصراط والأعراف.

7 - الإيمان بالشفاعة والعَفْو الإلهي.

8 - الإيمان بالعَرض والحساب السريع.

9 - الإيمان بالجزاء الخالد لأهل النعيم.

____________________

(1) سورة البقرة: آية 255.

(2) سورة طه: آية 109.


10 - الإيمان بالعذاب الدائم للكافرين.

11 - الإيمان بالعقاب المؤقّت لأهل المعاصي مِن الموحّدين الذين لا يشملهم العفو والشفاعة، ثمّ الخروج منه إلى الجنان.

12 - العِوَض على الآلام التي تقع على الإنسان والحيوان بفِعل الله مِن غير عقوبة، أو التي تقع على الإنسان والحيوان ظلماً مِن الإنسان أو الحيوان الآخَر.


العِوَض والآلام

قال الله تعالى: ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (1) .

( ... فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ) (2) .

إنّ علاقة الإنسان بالأشياء جميعها - الحسّية والنفسية والعقلية - علاقة ألَمٍ ولذّة، فالإنسان عندما يمارس الأفعال، وينجذب إليها يفعل ذلك بدافع المتعة واللذّة، وهو عندما يرفضها ويبتعد عنها إنّما يبتعد بدافع الألَم والكراهية.

وهكذا فإنّ فلسفة اللذّة والألم توجّه سلوك الإنسان باتّجاه الدنيا والآخرة.

وللألم أثره في تربية الإنسان، وتغيير مجرى حياته وتفكيره، وتصعيد حركة التكامل النفسي والسلوكي عند الفرد والجماعـة؛ لذا كان ظاهرة طبيعية في الحياة.

وقد دُرس موضوع الألَم في حياة الإنسان دراسة عقيدية؛ لعلاقته بعدْل الله والجزاء، سيّما الذي يحدث بفِعل الله سبحانه، فانتهت الدراسة في النظرية الإمامية: إلى أنَّ وقوع الألَم على الإنسان بعضه حسَن، وهو ما يصدر مِن الله ومِن الإنسان، وبعضه قبيح يصدر مِن الإنسان خاصّة.

وقد تحدّث الخاجة نصير الدين الطوسي عن حُسن الألم وقُبحه، فقال: (وبعض الألم قبيح يصدر عنّا خاصّة، وبعضه حسن يصدر منه تعالى ومنّا، وحُسنه

____________________

(1) سورة البقرة: آية 216.

(2) سورة النساء: آية 19.


إمّا لاستحقاقه، أو لاشتماله على النفْع أو دفع الضرر الزائدين (*) ، أو لكونه عادياً، أو على وجه الدفع) (1) .

وقال العلاّمة الحلّي: (ذهبت الإمامية: أنّ الألَم الذي يفعله الله تعالى بالعبد، إمّا أن يكون على وجه الانتقام والعقوبة، وهو المستحقّ، لقوله تعالى: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) (2) ، وقوله تعالى: ( أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ ) (3) ، ولا عوَض فيه.

وإمّا أن يكون على وجه الابتداء، وإنّما يحسن فِعله مِن الله تعالى بشرطين:

أحدهما: أنْ يشتمل على مصلحة ما للمتألّم، أو لغيره وهو نوع مِن اللطف؛ لأنّه لولا ذلك لكان عبثاً، والله تعالى منزّه عنه.

والثاني: أن يكون في مقابلته عوَض للمتألّم يزيد على الألم، وإلاّ لزم الظلم والجَور مِن الله سبحانه على عبيده؛ لأنّ إيلام الحيوان (*) وتعذيبه على غير ذنب، ولا لفائدة تصل إليه، ظلم وجَور، وهو على الله تعالى محال) (4) .

وكتب أبو الفتح الحسيني يقول: (إنّه تعالى يجب عليه عوَض الآلام الصادرة عنه ابتداءً مِن غير سبْق استحقاق، كالأمراض والغموم المستندة إلى عِلم ضروري أو كسبي، يقيني أو ظنّي، وتفويت المنافع لمصلحة الغير، كالزكاة. والمضارّ الصادرة عن العباد بأمره، كالذبح في الهدْي والأُضحية. أو بإباحته، كالصيد. والمضارّ

____________________

(*) النفْع الذي يفوق الألم الواقع على الإنسان، أو يدفع عنه بذلك ضرراً أعظم مِن الألم الواقع عليه.

(1) العلاّمة الحلّي / كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص 329.

(2) سورة البقرة: آية 65.

(3) سورة التوبة: آية 126.

(*) يقصد الإنسان والحيوان معاً لاشتراكهما في الجِنس.

(4) العلاّمة الحلّي / نهج الحقّ وكشف الصدق: ص 137 - 138.


الصادرة عن غير عاقل بتمكينه، كالألم الصادر عن السباع المؤلمة.

وبالجملة كلّ ألم للعبد كان الله تعالى هو الباعث على حصوله ابتداءً، سواء كان لقدرة العبد واختياره مدخل فيه أو لا، فيجب عليه عوَضه تعالى) (1) .

وهكذا يخلُص الفهْم الإمامي للتوحيد واتّصاف الله بالعدل والحكمة، وتجلّيهما في فِعله سبحانه إلى وجوب العوَض على الآلام التي تقع على العبد مِن الله تعالى ابتداءً، وليس عقاباً، كالمرض والغمّ، أو تفويت المنافع عليه بسبب ممارسة فِعلٍ مباح... الـخ.

ويمكننا أن نلخّص الرأي الإمامي في الآلام والعوَض بالآتي:

1 - إنّ الآلام التي يستحقّها الناس انتقاماً وعقوبة، سواء العقوبات الفردية، كالعقوبات الجنائية. أو الجماعية، كعذاب الأُمم، إنّما تجري وفْق العدْل والحكمة والمصلحة، ولا عوَض عليها.

2 - إنّ الآلام التي تقع على الناس ابتداءً مِن الله سبحانه، كالمرض والغمّ والتعب والجراح وتفويت المنافع... الخ، إنّما تقوم على أساس المصلحة للإنسان واللطف به، كجَلْب النفع، ودفع الضرر الأعظم ممّا قاسى من الألم... الخ، وتأسيساً على قاعدة العدْل الإلهي: فإنّ الإنسان يستحقّ العوَض عليها.

3 - إنّ العوَض الذي يعوّض الله به عباده على ما يصيبهم مِن آلام، هو أعظم ممّا يقع عليهم منها، بحيث لو خُيِّر الإنسان بين الألم والعوَض لاختار الألم؛ لِما فيه مِن نتائج مرضية له عند ما تُكشَف له الحقائق.

4 - إنّ الله سبحانه عندما يحكم بين العباد يوم الحساب، ينتصف بعدْله للمظلوم مِن ظالمه، فيوصل إليه عوَض الألم الذي وقع عليه منه، وفي ذلك كتب أبو

____________________

(1) المقداد السيوري / مفتاح الباب وهو شرح الباب الحادي عشر: ص 167 - 168.


الفتح الحسيني يقول:

(واعلم أنّه كما يجب عليه تعالى إيصال العوَض الواجب عليه إلى المتألّم، كذلك يجب عليه إيصال العوَض الواجب على العباد إلى المتألّم، إمّا بأخذه منهم إن كان لهم عوَض، أو بالتفضّل مِن قِبَلهم إن لمْ يكن) (1) .

5 - ويحشر الله سبحانه الوحوش؛ ليوصل إليها ما تستحقّه مِن الأعواض على الآلام التي نالتها في الدنيا، وينتصف لبعضها مِن بعض (2) .

وهكذا تتكامل فكرة العدْل وتفسير الفِعل الإلهي بالغائية والمصلحة والجزاء والعوَض.

____________________

(1) المصدر السابق: ص 167 - 168.

(2) الطبرسي / مجمع البيان في تفسير القرآن / تفسير قوله تعالى: ( وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ) سورة التكوير: آية 5.


الشفاعة

إنّ الأصل العقيدي الذي بُنيَ عليه الجزاء في عالَم الآخرة، هو قوله تعالى: ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) .

وشاء الله بفضله ورحمته أن يجعل الشفاعة لبعض عباده في البعض الآخَر، فيُسقط عن المذنبين ذنوبهم، ويشملهم العفْو بسبب هذه الشفاعة.

وقد تحدّث القرآن الكريم والرسول الأمين عن الشفاعة، وبيّناها بشكلٍ محدّد وصريح، فمنها قوله تعالى: ( لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ) (1) ، ( يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ) (2) ، ( وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) (3) ، ( وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) (4) ، ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ) (5) ، ( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً ) (6) ، ( وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) (7) ،

____________________

(1) سورة مريم: آية 87.

(2) سورة طه: آية 109.

(3) سورة سبأ: آية 23.

(4) سورة الزخرف: آية 86.

(5) سورة الأنبياء: آية 28.

(6) سورة الأسراء: آية 48.

(7) سورة البقرة: آية 48.


( مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ) (1) .

وقد أوضح المفسّر الكبير الطبرسي في تفسير مجمع البيان معنى قوله تعالى: ( وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ) ، فسّرها بقوله: ( ( لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ ) قال المفسّرون: حُكم هذه الآية مختصّ باليهود؛ لأنّهم قالوا نحن أولاد الأنبياء، وآباؤنا يشفعون لنا، فأيأَسهم الله عن ذلك، فخرج الكلام مخرج العموم، والمراد به الخصوص.

ويدلّ على ذلك أنّ الأُمّة اجتمعت على أنّ للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) شفاعة مقبولة، وإن اختلفوا في كيفيّتها، فعندنا هي مختصّة بدفْع المضارّ وإسقاط العقاب عن مستحقّيه مِن مذنبي المؤمنين. وقالت المعتزلة: هي في زيادة المنافع للمطيعين والتائبين دون العاصين.

وهي ثابتة عندنا للنبيّ (صلّى الله عليه وآله) ولأصحابه المنتجبين، والأئمّة مِن أهل بيته الطاهرين، ولصالحـي المؤمنيـن، ويُنجّي الله تعالى بشفاعتهم كثيراً مِن الخاطئين.

ويؤيّده الخبر الذي تلقّته الأُمّة بالقبول، وهو قوله: (ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر مِن أمّتي)، وما جاء في روايات أصحابنا (رضي الله عنهم) مرفوعاً إلى النبيّ أنّه قال: (إنّي أُشَفَّع يوم القيامة فأشفع، ويُشَفَّع عليٌّ فيشفع، ويُشَفَّع أهل بيتي فيشفعون، وإنّ أدنى المؤمنين شفاعةً لَيشفع في أربعين مِن إخوانه، كلٌّ قد استوجب النار).

وقوله تعالى - مخبراً عن الكفّار عند حسراتهم على الغائب لهم، ممّا حصل لأهل الإيمان مِن الشفاعة ـ: ( فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ) ).

وروى أبو ذرّ الغفاري (رحمه الله) حديث الرسول الهادي محمّد (صلّى الله عليه وآله) عن الشفاعة، فقال: (صَلّى رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ليلة، فقرأ بآية حتّى أصبح يركع بها ويسجد بها: ( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ

____________________

(1) سورة البقرة: آية 255.


أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ، فلمّا أصبح قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتّى أصبحت تركع بها وتسجد بها، قال : إنّي سألت ربّي (عزّ وجلّ) الشفاعة لأُمّتي فأعطانيها، وهي نائلة إنْ شاء الله لمن لا يشرك بالله (عزّ وجلّ) شيئاً) (1) .

وروى الإمام عليّ (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله: (إنّما شفاعتي لأهل الكبائر مِـن أُمّتـي) (2).

وروي عن جعفر الصادق (عليه السلام) قوله: (مَن أنكر ثلاثة أشياء، فليس مِن شيعتنا: المعراج والمساءلة في القبر والشفاعة) (3) .

وورَد فيما كتَب الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) للمأمون في محْض الإيمان: (ومذنبوا أهل التوحيد يدخلون النار ويخرجون منها، والشفاعة جائزة لهم) (4) .

وروى أبو سعيد الخدري عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قوله: (إنّ الرجُل مِن أُمّتي ليشفع للفئام (5) مِن الناس، فيدخلون الجنّة بشفاعته، وإنّ الرجُل ليشفع للقبيلة مِن الناس، فيدخلون الجنّة بشفاعته، وإنّ الرجُل ليشفع للرجل وأهل بيته، فيدخلون الجنّة بشفاعته) (6).

إنّ قراءة وتحليل هذه المجموعة مِن الآيات والروايات، التي تحدّثت عن الشفاعة يوم القيامة، توصلنا إلى استنتاج الحقائق الآتية:

____________________

(1) مسند أحمد بن حنبل 5: 149.

(2) العلاّمة المجلسي / بحار الأنوار 8: 34 / ح 4.

(3) المصدر السابق: ص 37 / ح 13.

(4) المصدر السابق: ص 40 / ح 23.

(5) الفئام: الجماعة مِن الناس.

(6) مسند أحمد بن حنبل 3: 63.


1 - إنّ الشفاعة هي تدفع المضارّ، وإسقاط العقاب عن مستحقّيه مِن مذنبي المؤمنين.

2 - إنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) يشفع، وسائر الأنبياء والأئمّة يشفعون، والشهداء والصدّيقون يشفعون، والمؤمنون يشفعون. وهُم الذين ارتضى الله قولهم في الشفاعة.

3 - إنَّ الشَفَاعة لا تكون إلاّ مِن بعد أنْ يأذن الرحمن.

4 - إنّ الشفاعة تشمل أهل الكبائر مِن المسلمين.

ويتطابق مع هذه الحقائق ما أورده الاسفرائيني الشافعي، متحدّثاً عن عقيدة أهل السنّة بالشفاعة: (وقالوا بإثبات الشفاعة مِن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ومِن صُلحاء أُمّته للمذنبي مِن المسلمين، ولمَن كان في قلبه ذرّة مِن الإيمان، والمنكرون للشفاعة يُحرَمون الشفاعة) (1) .

وهكذا يجمع المسلمون بمختلف مذاهبهم على الشفاعة عند الله يوم القيامة، ويثبتونها كعقيدة يعوّلون عليها، مع العمل والإخلاص لله سبحانه.

____________________

(1) الاسفرائيني / الفَرْق بين الفِرَق: ص 270.


التوسّل بالصالحين

مِن مسلّمات العقيدة والإيمان في الإسلام، أنّ الخَلْق والأمر لله سبحانه، وأنّ لا شيء يجري في هذا العالَم إلاّ بإذنه ومشيئتـه، ولا فاعل ولا مؤثّر في الخلْق غيره. وهذا الإيمان لا يتنافى مع مبدأ العلّية والسببّية الجاريَين بإذن الله وحكمته ومشيئته.

والأسباب المؤثّرة في الحوادث منها: طبيعي، كقوانين الفيزياء والبيولوجيا والاقتصاد والطبّ... الخ.

ومنها: ارتضائي، ارتضاه الله سبحانه وأذِنَ به، كالشفاعة والدعاء والتوسّل إليه به، وبالصالحين مِن عباده، فقد شاء سبحانه بلُطفه وحكمته أن يغيّر قوانين الطبيعة، ويُجريَها وفْق أسباب ارتضائية، كما يجريها وفْق أسباب طبيعية.

وقد فَهِم المسلمون هذه الحقيقة وجَرَوا عليها، مؤمنين بأنّ المؤثّر في الخلْق والمغيّر هو الله سبحانه، وأنّ الشفعاء يُتوسّل بهـم؛ لقُربهم الإيماني مِن الله سبحانه، ولارتضائه شفاعتهم في عالَم الآخرة وعالَم الدُنيا، وليسوا هم المؤثّرين في الخلْق، ولا لأنّ الله بعيد عن سماع الآخَرين، وتحتاج العلاقة به إلى وسيط، فذلك فَهْمٌ مشرِك بعيد عن الإيمان.

ويحدّثنا التاريخ أنّ المسلمين الأوائل كانوا يتوسّلون إلى الله سبحانه بالصالحين مِن آل النبيّ (صلّى الله عليه وآله)؛ لاعتقادهم بعلُوّ منزلتهم، وحبّ الله لهم.

منها: ما رواه اليعقوبي عن توسّل عُمَر بن الخطّاب بالعبّاس عمّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قال: (وأصاب الناس جدب وقحط ومجاعة شديدة في عام الرمادة، وهي سنة (18هـ) فخرج عُمَر يستسقي، وأخرج الناس، وأخذ بيد العبّاس بن عبد


المطلّب، فقال: اللهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك، اللهمّ فلا تخيّب ظنّهم في رسولك؛ فأُسقوا) (1) .

وتؤيّد السُنّة هذا المفهوم وتؤكّده، فقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: (إذا دعا الرجُل لأخيه بظهر الغيب، قالت الملائكة آمين، ولك بمثل) (2) .

فهذا الحديث يؤكّد استحباب شفاعة المؤمن لأخيه في الدنيا، وتوسّطه في الدعاء له لدى الله سبحانه، ممّا يوصل إلى استنتاج صحّة توسّط الوسائل في الطلَب مِن الله سبحانه وليس التأثير، وكما يصحّ أنْ يتبرّع المؤمن ويكون وسيطاً في الدعاء ابتداءً؛ لحُرمته على الله ومقامه عنده، يصحّ أنْ يُتوسّل بدعاءه وحُرمته على الله سبحانه مِن قِبَل الآخَرين.

وبما أنّ التوسّل هو بالحُرمة والمقام، فلا فَرْق إذاً بين أن يكون المتوسَّل بحُرمته ومقامه عند الله، حيّاً أو ميّتاً؛ ذلك لأنّ حرمة المؤمن وكرامته محفوظة عند الله في حياته وبعد مماته.

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2: 150.

(2) سنن أبي داود 1: 240 / كتاب الصلاة (باب الدعاء بظهر الغيب).



الفصل الثامن

الاجتهاد ومصادر الأحكام

في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)



تقديمٌ

مِن الحقائق الثابتة لدى المسلمين جميعاً، أنّ جيل الصحابة كانوا على عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله)، يأخذون منه أحكام الشريعة ومفاهيم القرآن، فهو المبلّغ عن الله سبحانه، والمبيّن لِما هو غامض مِن محتوى النصّ القرآني، فلمْ تُعدّ هناك مشكلة تشريعية، ولمْ يُعدّ هناك خلاف في الأحكام بين المسلمين، فهُم يعملون بكتاب الله وسنّة نبيّه بإيضاحٍ نبويٍّ مباشر، أو منقول عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نقلاً أميناً، قبل أن يعبث به بعض الرواة والناقلين.

غير أنّ المسلمين بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) انقطع عنهم الوحي والبيان النبويّ، مع كمال الرسالة وشمولها لكلّ ما يحتاجه الإنسان في حياته، على امتداد الزمان والمكان، وتطوّر الحياة المدنية والعِلمية والعقلية.

ومِن الواضح لدينا جميعاً أنّ الحياة المدنيّة والحضارية بدأت بالتطوّر والنموّ، وأنّ وقائع وموضوعات ومشاكل إنسانية جديدة، بدأت تبرز في حياة الفرد والمجتمع والدولة، وفي مختلف شؤون الحياة السياسية والاقتصادية والقضائية والأُسَرية والعسكرية والتعبّديّة... الخ.


وبما أنّ الإنسان المسلم مكلّف بتحصيل الحُكم الشرعي، في أيّة مشكلة وقضية يواجهها في الحياة، وهو يؤمن بأنّ الرسالة الإسلامية رسالة شاملة لكلّ شأنٍ مِن شؤون الحياة، وقادرة على حلّ أيّة مشكلة تشريعية أو فكرية، أو أخلاقية يواجهها الإنسـان؛ لذا اتّجه المسلمون إلى علماء الصحابة لفَهْم النصّ - الكتاب والسنّة - وبيان الأحكام المختزنة فيه، لحلّ مشاكل العصر التشريعية والفكرية، وكان أبرز مَن يُرجع إليهم هو الإمام عليّ بن أبي طالب، وعبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن مسعود اللّذين تتلمذا على عليٍّ وأخذا عنه.

وكان مٍن الثابت تاريخياً أنّ الصحابة جميعاً كانوا يرون أنّ الإمام عليّاً (عليه السلام) هو أعْلمهم، ومرجعهم في الأحكام والمعارف الإسلامي وبيان ما لمْ يكن جليّاً مشخّصاً منها، بعد أن شخّص لهم الرسول (صلّى الله عليه وآله) هذه الحقيقة بقوله: (أقضاكم عليّ) (1) ، و(أنا مدينة العِلم وعليٌّ بابها) (2) .

وقد وصفته زوج الرسول (صلّى الله عليه وآله) عائشة بقولها: (أما إنّه أعلم الناس بالسنّة) (3) .

ونقل المفسّرون عن عليٍّ، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دعا له ربَّه بأن تكون أُذُنه هي الأُذُن الواعية لأحكام الشريعة وأصول الإسلام، عند نزول قوله تعالى: ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) (4) ، فقد قال: قال [لي] النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (سألتُ ربّي أن يجعلها أُذُنك يا عليّ) (5) .

____________________

(1) ابن عبد البرّ / الاستيعاب (المطبوع ضمن كتاب الإصابة) 3: 38. الجراحي / كشف الخفاء 1: 162 / ح 489.

(2) الحاكم / المستدرك 3: 137 / ح 4637. الحموئي / فرائد السمطين 1: 98 / ح 67.

(3) الطبري / ذخائر العقبى: ص 78. الحموئي / فرائد السمطين 1: 368 / ح 297.

(4) سورة الحاقّة: آية 12.

(5) أبي نعيم الأصفهاني / حُلية الأولياء 1: 67. الحموئي / فرائد السمطين 1: 198 / ح 155.


وحين شهدت حياة المجتمع الإسلامي تطوّراً مدنياً كبيراً، وتقدّماً اجتماعياً واسعاً، وجد المسلمون أنفسهم أمام مسائل وقضايا ووقائع جديدة، تحتاج إلى تنظيم وبيان الموقف الإسلامي منها، وتحديد التكليف الشرعي تجاهها.

وقد شهدت نهاية القرن الأوّل وبداية القرن الثاني، تطوّراً كبيراً في مجال الفكر والتشريع وعلوم التفسير، وما اتّصل بها مِن علوم ومعارف، فقد نشأت حركةً عِلميةً ومدارس فقْهية، وتبلوَرت حركة الاجتهاد بصيغتها المنظّرة.

وتشهد المرحلة التاريخية التي ظهرت فيها الآراء الفقهية والكلامية، بوجود عدّة مِن الفقهاء والمحدّثين وأصحاب الفِرَق الكلامية والآراء العقيدية.

في تلك الفترة ظهر الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام)، كرائدَي مدرسةٍ عِلميةٍ نادت بالالتزام بالكتاب والسنّة، وإعطاء العقل دَوره المناسب في عملية الفَهْم والمعرفة الإسلامية، والوقوف بوجه الدسّ والتحريف في الأحاديث النبوية، ودخلت بالإضافة إلى ذلك في حوارٍ عِلميٍّ موضوعي، مع فقهاء المذاهب، وأصحاب الاجتهاد ونظريات العمل بالرأي والقياس منهم خاصّة.

ويدلّنا تاريخ نشوء الفقْه والاجتهاد والمذاهب الفكرية، على أنَّ تميّز مدرسة أئمّة أهل البيت الفقهية، قد عُرِف بشكله الأكثر وضوحاً على يد هذين الإمامين (عليهما السلام).

وقد شهد علماء المسلمين وفقهاؤهم ورواتُهم ورجاليّوهم، بمقام الإمامَين الباقر والصادق العِلمي، وسبْقهم في التقوى والورع والعمل على نشر الإسلام والدفاع عنه.

وكما نُسبت المذاهب والآراء إلى أصحابها، فقيل: مذهب أبي حنيفة، ومذهب مالك، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد بن حنبل... الخ، نُسبت مدرسة


أئمّة أهل البيت إلى جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) فيما بعد؛ لكثرة ما ورَد عنه مِن علوم ومعارف ورواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتبيين لغوامض الشريعة ومفاهيم العقيدة، فسُمّيت (بالمذهب الجعفري).

ولمْ يكن الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام) علماء للشيعة فحسب، ولمْ يعرفوا هذا الانحياز في حياتهما العِلمية، بل كانت مدرستهم مدرسة إسلامية عامّة، تتلمذ عليها عدد مِن أئمّة المذاهب، فقد تتلمذ أبو حنيفة ومالك على الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).

وتتلمذ الشافعي على أبي حنيفة، وتتلمذ أحمد بن حنبل على الشافعي، وهكذا تنتهي سلسلة الأُستاذية في فقهاء المذاهب إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)، غير أنّ هؤلاء الفقهاء اجتهدوا فكوّنوا مذاهب فقهية، يختلف مذهب كلّ فقيه عن مذهب أُستاذه.

ومِن المفيد هنا أن نذكر بعضاً مِن شهادات العلماء وأئمّة الحديث والفقْه، في المذاهب الإسلامية والمدارس الأُخرى، التي توضّح مقام الإمامين الباقر والصادق العِلمي، وبقيّة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

وصف ابن سعد الإمام الباقر بقوله: (كان ثقة، كثير العِلم والحديث) (1) . ونقل سبط ابن الجوزي في (تذكرة الخواص) عن عطاء - أحد أعلام التابعين - وصْفه للإمام الباقر (عليه السلام) بقوله: (ما رأيت العلماء عند أحد أصغر عِلماً منهم عند أبي جعفر..) (2) .

ووصفه ابن العماد الحنبلي بقوله: (أبو جعفر محمّد الباقر، كان مِن فقهاء أهل المدينة، وقيل له الباقر؛ لأنّه بَقَرَ العِلم، أي شقّه، وعَرَف أصله وخفِيَّه، وتوسّع

____________________

(1) ابن سعد / الطبقات الكبرى 5: 324.

(2) سبط ابن الجوزي / تذكرة الخواص: ص 337 / فصل في ذِكر محمّد الباقر (عليه السلام).


فيه) (1) .

أمّا ولَده جعفر الصادق(عليه السلام) الذي سُمّي مذهب أهل البيت باسمه (المذهب الجعفري)، فقد تحدّث عنه علماء الرجال بما يناسب مقامه مِن العِلم والتقوى، فقد وصفه ابن حبّان في كتابه (الثقات) بقوله: (.. وكان مِن سادات أهل البيت فقْهاً وعِلماً وفضْلاً، روى عنه الثوري ومالك وشعبة والناس) (2) .

ونقل ابن حجر عن الساجي قوله في الإمام جعفر بن محمّد: (كان صَدوقاً مأموناً، إذا حدّث عنه الثقات، فحديثه مستقيم)...

وقال النسائي في الجرح والتعديل: (ثقة، وقال مالك اختلفتُ إليه زماناً، فما كنتُ أراه إلاّ على ثلاث خصال: إمّا مصلٍّ، وإمّا صائم، وإمّا يقرأ القرآن، وما رأيته يُحدِّث إلاّ على طهارة) (3) .

ولقد ألّف الشيخ محمّد أبو زهرة - شيخ الأزهر الراحل - كتاباً خاصّاً، مكوّناً مِن (567) صفحة مِن القطع الكبير، باسم (الإمام الصادق) نقتطف منه الآتي.

(أمّا بعد، فإنّنا قد اعتزمنا بعَون الله وتوفيقه أن نكتب في الإمام جعفر الصادق، وقد كتبنا عن سبعة مِن الأئمّة الكرام، وما أخّرنا الكتابة عنه؛ لأنّه دون أحدهم، بل إنّ له فضْل السابق على أكثرهم، وله على الأكابر منهم فضْلٌ خاصّ؛ فقد كان أبو حنيفة يروي عنه، ويراه أعلم الناس باختلاف الناس، وأوسع الفقهاء إحاطة، وكان الإمام مالك يختلف إليه دارساً راوياً.

ومن كان له فضْل الأستاذية على أبي حنيفة ومالك، فحسبه ذلك فضلاً. ولا يمكن أن يؤخَّر عن نقصٍ، ولا يُقدّم غيره عليه عن فضل. وهو فوق هذا حفيد عليّ زين العابدين الذي كان سيّد أهل المدينة في عصره فضلاً وشرفاً ودِيناً وعِلماً، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهري، وكثيرون مِن التابعين.

وهو ابن

____________________

(1) ابن العماد الحنبلي / شذرات الذهب 1: 149.

(2) ابن حبّان / كتاب الثقات 6: 131 / (باب الجيم).

(3) ابن حجر / تهذيب التهذيب 2: 89 / ت 156 (باب الجيم).


محمّد الباقر الذي بقَرَ العِلم ووصل إلى لُبابه، فهو ممّن جمَعَ الله تعالى له الشرف الذاتي، والشرف الإضافي بكريم النسَب، والقرابة الهاشمية، والعترة المحمّدية.

ونحن ممّن يرون أنّه إمام في الفقْه متّبع، وندرسه على ذلك الأساس، ندرسه على أنّه إمام صاحب منهاج، قد أخذ عن الذين سبقه مِن الصحابة والتابعين، وخصوصاً أهل بيته الكرام) (1) .

(إنّه بلا رَيب كان الإمام الصادق مِن أبرز فقهاء عصره، إن لمْ يكن أبرزهم، وقد شهد له بالفقْه فقيه العراق الإمام أبو حنيفة، الذي قال فيه الشافعي: الناس في الفقْه عيال على أبي حنيفة رضي الله عنه، وقد سأله أبو حنيفة عن أربعين مسألة في مجلسٍ واحد، فأجاب عنها بما عند العراقيين، وما عند الحجازيين، وما يختاره مِن قولهم، أو يرتئيه ممّا ليس عندهم، وقد قال أبو حنيفة بعد ذِكر ما كان بينه وبينه: (أعلم الناس هو أعلمهم باختلاف الناس).

وكان (رضي الله عنه) مع فقْهه عالِم رواية عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وقد تلقّى عنه المحدّثون مِن علماء السنّة رواياته، وتلقّوها بسندٍ متّصل به، فروى عنه المحدّثون والفقهاء الذين عاصروه، وروى عنه سفيان بن عُيينة، وروى عنه سفيان الثوري، وكان له مريداً يسترشد بقوله، وروى عنه مالك، وأبو حنيفة، ويحيى بن سعيد الأنصاري. وغيرهم كثير.

وروى عنه أصحاب السُنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني، وروى عنه مسلم، وكان مِن الثقات عند أهل الحديث. وقد قال فيه ابن حبّان: كان مِن سادات أهل البيت فِقْهاً وعِلماً، يُحتجّ بحديثه. وقال فيه الساجى: كان صدوقاً مأموناً، إذا حدّث عنه الثقات، فحديثه مستقيم) (2) .

____________________

(1) محمّد أبو زهرة / الإمام الصادق: ص 3 - 4 / (المقدّمة).

(2) المصدر السابق: ص 252.


وإذا كان هذا مقام جعفر بن محمّد الصادق وأبيه الباقر، فإنّ لعليّ بن الحسين - أبي محمّد الباقر - الذي سُمّي بزين العابدين؛ لعبادته وورعه، مِن الشرف والمقام العِلمي والورع والتقوى ما وضعه في موضع الإمامة والريادة.

فقد وصفه الزهري، وهو مِن أعلام التابعين والمحدّثين الفقهاء الذي تتلمذ عليه، وصفه بقوله: (ما رأيت هاشمياً أفضل مِن عليّ بن الحسين) (1) .

كما وصفه مرّةً أُخرى، فقال: (ما رأيت قُرَشياً أفضل مِن عليّ بن الحسين) (2) .

ووصفه الإمام مالك بقوله: (لمْ يَكُن في أهل البيت مِثل عليّ بن الحسين) (3).

وقال فيه الإمام الشافعي: (إنّ عليّ بن الحسين أفْقَه أهل المدينة) (4).

وإذا كان العلماء والفقهاء والمحدّثون يشهدون بما للإمام عليّ بن الحسين مِن عِلمٍ وورَعٍ وفضْلٍ، وبأنّه ما رُئيَ مَن هو أفضل منه عِلماً وعبادةً في عصره، فأبوه السبط الشهيد الإمام الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وأخوه الحسن بن عليّ، وأبوهما إمام المسلمين، عليّ بن أبي طالب. أولئك الأئمّة الأبرار الذين شَهِد القرآن والرسول والمؤمنون لهم، بالعِلم والفضْل والتقوى والإمامة والجهاد.

فتكون سلسلة أئمّة أهل البيت الرواة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الذين أُخذ عنهم الحديث والفقْه ومعارف الشريعة والعقيدة، ومنهج العمل السياسي والاجتماعي في مدرسة أهل البيت ومذهبهم، هُم:

1 - عليّ بن أبي طالب: وُلِد قبل البعثة النبوية بعَشر سنوات، واستُشهد في الحادي والعشرين مِن شهر رمضان عام (40 هـ).

____________________

(1) أبو الفرج الأصفهاني / الأغاني 15: 315.

(2) الزهري / تهذيب التهذيب 7: 269.

(3) نفس المصدر السابق.

(4) رسائل الجاحظ السياسية: ص 450. وابن أبي الحديد / شرح نهج البلاغة 15: 274.


2 - الحسن بن عليّ بن أبي طالب: وُلِد في سنة (3 هـ)، واستشهد مسموماً سنة (50 هـ).

3 - الحسين بن عليّ بن أبي طالب: وُلِد سنة (4 هـ)، واستُشهد في كربلاء في العاشر مِن المحرّم سنة (61 هـ).

4 - عليّ بن الحسين بن عليّ (زين العابدين): وُلِد سنة (38 هـ)، وتوفّيَ سنة (94 هـ)، وله مِن العُمُر (57) سنة.

5 - محمّد بن عليّ بن الحسين (الباقر): وُلِد سنة (57 هـ)، وتوفّيَ سنة (117 هـ)، وله مِن العمر (58) سنة.

6 - جعفر بن محمّد بن عليّ (الصادق): وُلِد سنة (80 هـ)، وتوفّي سنة (148 هـ).

7 - موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ (الكاظم): وهو الإمام السابع مِن أئمّة أهل البيت، وُلِد سنة (128 هـ)، واستُشهد في بغداد في سجن هارون الرشيد عام (183 هـ)، وله مِن العمر (55) سنة.

وكان محطّ أنظار العلماء والفقهاء، وسيّد أهل البيت في عصره، فقد وصفه الحافظ الرازي في موسوعته الرجالية بقوله: (موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، روى عن أبيه، روى عنه ابنه عليّ بن موسى، وأخوه عليّ بن جعفر، سمعت أبي يقول ذلك: حدّثنا عبد الرحمن، قال سُئل أبي عنه، فقال: ثقة صدوق، إمام مِن أئمّة المسلمين) (1) .

وعرّفه الذهبي الرجالي المعروف بقوله: (وقد كان موسى مِن أجواد

____________________

(1) الحافظ الرازي / الجرح والتعديل 8: 139 / (باب الجيم).


الحكماء، ومِن العبّاد الأتقياء، وله مشهد معروف ببغداد) (1) .

وعرّفه مؤمن الشبلنجي بقوله: (كان موسى الكاظم (رضي الله عنه) أعبد أهل زمانه وأعلمهم...) (2) .

8 - عليّ بن موسى الرضا: وُلِد في المدينة المنوّرة سنة (148 هـ) وقيل (153 هـ)، وتوفّي سنة (203 هـ).

وصفه العسقلاني، بقوله: (كان الرضا مِن أهل العِلم والفضْل، مع شرف النسَب (3) . ووصفه ابن حجر الهيتمي بقوله: (وهو - أي الرضا - أنبَهَهُم ذِكراً وأجلّهم قدراً) (4) .

وتولّى ولاية العهد للمأمون العبّاسي سنة (201هـ).

9 - محمّد بن عليّ الجواد: وُلِد سنة (195 هـ) في المدينة المنوّرة، وتوفّي سنة (220 هـ) ببغداد.

وصفه الصفدي بقوله: (محمّد بن عليّ هو الجواد بن الرضا بن الكاظم موسى بن الصادق جعفر (رضي الله عنهم). كان يُلقّب بالجواد وبالقانع وبالمرتضى، كان مِن سروات آل بيت النبوّة...) (5) .

10 - عليّ بن محمّد الهادي: وُلِد سنة (214 هـ)، وتوفّي سنة (254 هـ)، ودُفن في داره بسُرَّ مَن رأى.

____________________

(1) محمّد بن أحمد الذهبي / ميزان الاعتدال 4: 202.

(2) الشبلنجي / نور الأبصار: 151.

(3) العسقلاني / تهذيب التهذيب 7: 340.

(4) ابن حجر الهيتمي / الصواعق المحرقة: 204.

(5) الصفدي / الوافي بالوفيات 4: 105.


قال الذهبي فيه: (عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن زين العابدين، السيّد الشريف أبو الحسن العلَوي الحسينيّ الفقيه، أحد الاثني عشَر، وتلقّبه الإمامية بالهادي) (1) .

ووصفه ابن حجر بقوله: (كان عليّ الهادي وارث أبيه عِلماً وسخاءً) (2) .

وعرّفه العالِم الرجاليّ أبو الفلاح الحنبلي - عبد الحيّ - بقوله: (كان أبو الحسن عليّ بن الجواد محمّد بن الرضا عليّ بن الكاظم موسى بن جعفر الصادق العلَوي الحسيني المعروف بالهادي، كان فقيهاً إماماً متعبّداً...) (3) .

وعرّفه اليافعي الرجالي المعروف بقوله: (كان الإمام عليّ الهادي متعبّداً فقيهاً إماماً) (4) .

11 - الحسن بن عليّ العسكريّ: وُلِد سنة (232 هـ) في المدينة المنوّرة، وتوفّي (260 هـ).

وصفه سبط ابن الجوزي الحنفي بقوله: (وكان عالِماً ثقةً، روى الحديث عن أبيه عن جدّه) (5) .

12 - محمّد بن الحسن المهديّ ، الذي ورَدت فيه الروايات الكثيرة عن الرسول (صلّى الله عليه وآله)، كقوله: (لو لمْ يبقَ مِن الدهر إلاّ يوم، لبعَث الله رجُلاً مِن أهل بيتي، يملؤها عدْلاً، كما مُلئت جَوراً) (6) .

____________________

(1) الذهبي / تاريخ الإسلام: ص 218 (حوادث ووفيات سنة 251 - 260هـ).

(2) ابن حجر / الصواعق المحرقة: ص 207.

(3) ابن العماد الحنبلي / شذرات الذهب 2: 128 - 129 / (المجلّد الأوّل).

(4) اليافعي / مرآة الجنان 2: 160.

(5) سبط ابن الجوزي / تذكرة الخواص: ص 362.

(6) ابن الصباغ المالكي / الفصول المهمّة: ص 289.


وقال ابن خلَّكان: (أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكريّ بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد، ثاني عشَر الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجّة...) (1) .

وقد تحدّث الاسفرائيني الفقيه الأُصولي المتكلّم الشافعي عن أئمّة أهل البيت، ووجوب موالاتهم، فقال: (قولنا في السلَف الصالح مِن الأُمّة: أجمع أهل السُنّة على إيمان المهاجرين والأنصار مِن الصحابة...

ثمّ قال: وقالوا بموالاة الحسن والحسين، والمشهورين مِن أسباط رسول الله (عليه الصلاة والسلام)، كالحسن بن الحسـن، وعبد الله بن الحسن، وعليّ بن الحسين زين العابدين، ومحمّد بن عليّ بن الحسين المعروف بالباقر، وهو الذي بلّغه جابر بن عبد الله الأنصاري سلام رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وجعفر بن محمّد، المعروف بالصادق، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى الرضا،... وسائر مَن درج على سُنن آبائه الطاهرين...) (2) .

وهكذا يُعرِّف القرآن الكريم والرسول (صلّى الله عليه وآله) وأئمّة المسلمين وعلماؤهم، أئمّة أهل البيت، ويوضّحون للأمّة مقامهم العِلمي، والتزامهم كلمة التقوى واتّصافهم بالورع ومكارم الأخلاق، فاستحقّوا بذلك الإمامة الفكرية والسياسية، والشهادة على مسيرة الأُمّة وبيان خطّها الفكري وفهْمها للعقيدة والشريعة.

وقد استمرّت مدرسة أهل البيت تواصل العمل بالنصّ والاستفادة منه في عهد الأئمّة، منذ الإمام عليّ (عليه السلام) وحتّى الإمام محمّد بن الحسن المهدي (عجّل الله تعالى فرَجه).

فكان الأئمّة الأطهار منهلاً للعِلم والمعرفة ورواية الحديث عن رسول الله

____________________

(1) ابن خلكان / وفيات الأعيان 4: 176.

(2) عبد القاهر الاسفرائيني / الفَرْق بين الفِرَق: ص 280 - 281.


(صلّى الله عليه وآله)، فأخذَ عنهم الرواة والمحدّثون والفقهاء والدارسون، حتّى بلغ مَن أخذوا عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق، حوالي أربعة آلاف راوٍ، فقد جمَع الحافظ ابن عقدة الزيدي في كتاب رجاله أربعة آلاف رجُل مِن الثقات، الذين روَوا عن جعفر بن محمّد (1) .

وبعد هذه المرحلة بدأت مرحلة المحدّثين والرواة وفقهاء النصّ، التي تلَتْها مرحلة الاجتهاد المنظّر.

____________________

(1) محسن الأمين / أعيان الشيعة 1: 661.


مصادر الأحكام في مدرسة أهل البيت

لقد استقرّ الفكر الأُصولي ونظرية الاستنباط والاجتهاد في مدرسة الشيعة الإمامية، على تحديد مصادر التشريع بالآتي:

1 - الكتاب.

2 - السُنّة.

3 - العقل.

4 - الإجماع.

وسيتّضح لنا مِن خلال الحديث عن هذه المصادر، أنّ الكتاب والسُنّة وحدهما كافيان؛ لإغناء الحياة التشريعية، وأنّ ليس هناك مِن مسألة لا يمكن الحصول عليها مِن هذين المصدرَين. مع التسليم العِلمي بحجّية العقل، ومشروعية الاعتماد عليه في الاستنباط، وأخْذ الأحكام عنه.

وأمّا الإجماع فمع حجّيته، فهو ليس دليلاً على الحُكم، وإنّما هو كاشف عن الدليل.

ولبيان تلك الحقائق العِلمية الكبرى، فلنستمع للشهيد الصدر (قدّس سرّه) وهو يتحدّث لنا عن مصادر الفتوى والتشريع، التي اعتمدها في استنباط الفتاوى والأحكام، قال (رحمه الله):

(مصادر الفتوى: ونرى مِن الضروري أن نشير أخيراً بصورةٍ موجزة، إلى المصادر التي اعتمدناها بصورةٍ رئيسية في استنباط هذه الفتاوى الواضحة، وهي كما ذكرنا في مستهلّ الحديث عبارة عن: الكتاب الكريم، والسُنّة الشريفة المنقولة عن


طريق الثقات المتورّعين في النقل مهما كان مذهبهم. أمّا القياس والاستحسان ونحوهما، فلا نرى مسوّغاً شرعياً للاعتماد عليهـا.

وأمّا ما يسمّى بالدليل العقلي، الذي اختلف المجتهدون والمحدِّثون في أنّه: هل يسوغ العمل به أو لا، فنحن وإن كنّا نؤمن بأنّه يسوغ العمل به، ولكنّا لمْ نجد حُكماً واحداً يتوقّف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى، بل كلّ ما يثبت بالدليل العقلي، فهو ثابت في نفْس الوقت بكتابٍ أو سُنّة.

وأمّا ما يسمّى بالإجماع، فهو ليس مصدراً إلى جانب الكتاب والسنّة، وإنّما لا يعتمد عليه إلاّ مِن أجْل كونه وسيلةَ إثباتٍ في بعض الحالات.

وهكذا كان المصدران الوحيدان هما الكتاب والسنّة، ونبتهل إلى الله تعالى أن يجعلنا مِن المتمسّكين بهما، ومَن استمسك بهما: ( فَقَد اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) ) (2) .

إنّ دراسة مسألة التشريع ومصادر الأحكام في مراحلها التاريخية، توصلنا إلى أنّ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ظلّت تواصل خطّها، الذي اتّصل عن طريق أئمّتها (عليهم السلام) برسول الله (صلّى الله عليه وآله)، في الدعوة إلى الأخْذ مِن الكتاب والسنّة والردّ إليهما.

وعندما نشأ الاجتهاد المنظّر، وتكوّنت المذاهب والمدارس الفقهية، واعتمد العمل بالرأي والاستحسان... الخ، ولجأ بعض أئمّة المذاهب الفقهية، كأبي حنيفة إلى استنباط العِلل مِن الأحكام والقياس عليها، دخل أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مِن عهد الإمام محمّد الباقر (3) وولده جعفر الصادق (عليهما السلام) حتّى

____________________

(1) سورة البقرة: آية 256.

(2) السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر / الفتاوى الواضحة: ص 98.

(3) لُقّب بالباقر لتوسّعه في العلوم والمعارف.


آخرهم في حوارٍ عِلميّ مع أئمّة المذاهب الإسلامية حول المصادر التشريعية، ودعوا إلى التمسّك بالكتاب والسنّة، كمصدرَين كافيَين للتشريع والاستنباط.

وبقراءة ما ورَد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، نكتشف المبدأ الثابت القائل بأنّ مصدر التشريع في هذه المدرسة، هو الكتاب والسنّة، كما نكتشف الردَّ الضمني والصريح على مدرسة الرأي والقياس الحنفي.

وقد جمع الكليني تحت عنوان: (الردّ إلى الكتاب والسنّة، وأنّه ليس بشيءٍ مِن الحلال الحرام، وجميع ما يحتاج إليه الناس إلاّ وقد جاء فيه كتاب وسنّة)، جمع الكثير مِن الروايات التي وضعها تحت هذا العنوان.

وجدير ذكره أنّ هذا العنوان يعتبر تعبيراً عن رأي المدرسة الإمامية، في مصادر التشريع الإسلامي أيضاً.

روى الكليني أنّ الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) قال: (إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيء، حتّى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتّى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أُنزل في القرآن! إلاّ وقد أنزله الله فيه) (1) .

وروي عن الإمام محمّد الباقر قوله: (إنّ الله تبارك وتعالى لمْ يدَع شيئاً يحتاج إليه الأُمّة، إلاّ أنزله في كتابه وبيّنه لرسوله (صلّى الله عليه وآله)، وجعل لكلّ شيءٍ حدّاً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه، وجعل على من تعدّى ذلك الحدّ حدّاً) (2) .

وروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: (إذا حدّثتكم بشيءٍ، فاسألوني مِن كتاب الله، ثمّ قال في بعض حديثه: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نهى عن القيل والقال وفساد المال، وكثرة السؤال، فقيل له: يا ابن رسول الله أين هذا مِن

____________________

(1) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 59 / ح 1.

(2) المصدر السابق / ح 2.


كتاب الله؟ قال: إنّ الله (عزّ وجلّ) يقول: ( لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) (1) ، وقال : ( وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً ) (2) ، وقال: ( لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ) (3) ) (4) .

وروي عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) قوله: حين سأله سماعة - أحد أصحابه ـ: (أكلٌّ شيءٍ في كتاب الله وسنّة نبيّه؟ أو تقولون فيه؟ قال: بل كلّ شيءٍ في كتاب الله وسنّة نبيّه) (5) .

وروى الإمام الصادق عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله: (إنّ على كلّ حقٍّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالَف كتاب الله فدعوه) (6) .

وقال ابن أبي يعفور سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث، يرويه مَن نثق به، ومنهم مَن لا نثق به؟

قال: (إذا ورَد عليكم حديث فوجدتُم له شاهداً مِن كتاب الله، أو مِن قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وإلاّ فالذي جاءكم به أَولى به) (7) .

وعن أيوب بن الحر قال: (سمعت أبا عبد الله يقول: كلّ شيءٍ مردود إلى الكتاب والسنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف) (8) .

____________________

(1) سورة النساء: آية 114.

(2) سورة النساء: آية 5.

(3) سورة المائدة: آية 101.

(4) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 60 / ح 5.

(5) المصدر السابق: ص 62 / ح 10.

(6) المصدر السابق: ص 69 / ح 1.

(7) المصدر السابق / ح 2.

(8) المصدر السابق / ح 3.


وروي عن الإمام أبي جعفر الثاني - محمّد الجواد - في مناظرته ليحيى بن أكثم، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: (قد كثرت عَلَيَّ الكذّابة وستكثر بعدي، فمَن كذَب عَلَيَّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده مِن النار، فإذا أتاكم الحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله وسُنّتي، فما وافق كتاب الله وسنّتي فَخُذوا به، وما خالف كتاب الله وسنّتي فلا تأخذوا به) (1) .

وروى الصادق (عليه السلام): (إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خطب الناس بمِنى، فقال: أيّها الناس ما جاءكم عنّي يوافق كتاب الله فأنّا قلتُه، وما جاءكم يخالف كتاب الله فلمْ أقُلْه) (2) .

وروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (مَن خالف كتاب الله وسنّة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فقـد كفـر) (3).

وروي عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام): (كلّ مَن تعدّى السنّة رُدّ إلى السنّة) (4).

(قال يونس: وافيت العراق فوجدت بها قطعة مِن أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)، ووجدت أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) متوافرين، فسمعت منهم، وأخذت كتُبهم، فعرضتها مِن بعد على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فأنكر منها أحاديث كثيرة، أن تكون مِن أحاديث أبي عبد الله (عليه السلام)، وقال لي: إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله (عليه السلام)، لعن الله أبا الخطّاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب، يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا، في كتُب أصحاب أبي

____________________

(1) الطبرسي / الاحتجاج 2: 246.

(2) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 69 / ح 5.

(3) المصدر السابق: ص 70 / ح 6.

(4) المصدر السابق: ص 71 / ح 11.


عبد الله (عليه السلام)، فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن، فإنّا إذا تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن، وموافقة السنّة، إنّا عن الله وعن ورسوله نحدّث، ولا نقول: قال فلان، وقال فلان، فيتناقض كلامنا.

إنّ كلام أوّلنا مثل كلام آخِرنا، وكلام أوّلنا مصدّقٌ لكلام آخِرنا، وإذا أتاكم مَن يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه، وقولوا أنت أعلم وما جئت به، فإنَّ مع كلّ قولٍ منّا حقيقة، وعليه نوراً، فما لا حقيقة له، وما لا نور عليه، فذلك قول الشيطان) (1) .

وهكذا توضّح هذه الأصول والأُسس الأُصولية، أنّ مصدر التشريع والأحكام في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، هو الكتاب والسنّة.

وبذا؛ فإنّ الاجتهاد في هذه المدرسة: هو بذل الجُهد للاستنباط منهما أو على ضوئهما، فإنّ الكتاب والسنّة شاملان للأدلّة بالمصطلح الأُصولي، كما هما شاملان للأُصول العملية أيضاً، فما مِن أصل عمليّ يُلجَأ إليه في تحديد وظيفة المكلّف الشرعية إلاّ وفيه بيان قرآني، أو رواية مِن السنّة، كأصل البراءة والاستصحاب والتخيير والاحتياط.

وكما حدّثنا التاريخ والكفاح السياسي لأهل البيت (عليهم السلام)، فإنّهم ناضلوا وجاهدوا مِن أجْل الحفاظ على الكتاب والسنّة والتمسّك بهما، جهاداً كلّفهم ثمناً باهضاً؛ ذلك لأنّ مهمّة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الكبرى كانت هي الحفاظ على الكتاب والسنّة، والعمل بهما، ومِن أجْل ذلك قُتِل عليّ والحسن والحسين وموسى بن جعفر، وأُوذيَ بقيّة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

وبعد هذه المرحلة بدأت مرحلة المحدّثين والرواة وفقهاء النصّ، التي تلَتْها مرحلة الاجتهاد المنَظَّر.

____________________

(1) رجال الكشي 2: 489 / ح 401.


منهج الفَهْم والاستنباط مِن القرآن والسنّة:

وبعد أن تحدّد ووضُح لدينا أنّ القرآن الكريم والسنّة المطهّرة هما مصدر الأحكام، وأنّ الاجتهاد هو أداة الفهْم والاستنباط منهما، فمِن المفيد أن نُعرّف بشكلٍ موجز بمنهج الإمامية، في فهْم الكتاب والسنّة والاستنباط منهما كالآتي:

1 - القرآن الكريم: يعتبر القرآن في مدرسة أئمّة أهل البيت هو المصدر الأوّل والأساس للفقْه والتشريع. فقد ورَد في القرآن الكريم حوالي خمسمئة آية تشريعية، كما ويعتبر القرآن هو المقياس الدقيق؛ لإثبات صحّة ما وصلَنا مِن روايات منسوبة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، سواء وردت تلك الروايات عن طريق مَن روى عن أهل البيت (عليهم السلام)، أمْ عن طريق مَن رَوى عنه مِن طُرُق روائية أخرى.

فقد التزمت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بمنهجِ عَرْض الحديث الواصل إلينا على القرآن الكريم؛ للتأكّد مِن صحّة مطابقته للأصل والمنبع، فإن وافق مضمونه القرآن، ولمْ يخالفه، فهو حديث صحيح، وإن عارض مضمونه القرآن، فهو حديث مكذوب.

وقد ثبَّتَ الإمام الصادق (عليه السلام) هذا الأساس بقوله: (كلّ شيءٍٍ مردود إلى الكتاب والسنّة، فكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف).

حجّية الظاهر القرآني:

وتؤمن مدرسة الشيعة الإمامية بأنّ عملية الاستنباط الفقهي مِن كتاب الله سبحانه، تبتني على أساس الإيمان بأنّ القرآن نصّ إلهي محفوظ مِن الزيغ والتحريف، وهو بين أيدينا الآن، كما نزَل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وليس أمامنا مشكلة في إثبات صحّة النصّ القرآني، فقد حفظه الله سبحانه مِن التحريف


والتلاعب: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) .

أمَّا المنهج العِلمي لفهْم الأحكام الفقهية مِن القرآن، فيقوم في هذه المدرسة على أساس القول بحجيّة الظاهر القرآني؛ فالقرآن خطاب إلهي موجّه إلى البشرية جميعها في كلّ زمانٍ ومكان.

وإنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد بلّغه كاملاً غير منقوص، كما بلّغ كّل ما أُمِر بتبليغه مِن أحكام وتكاليف ومفاهيم، إلى أمّته ولمْ يُخفِ منها شيئاً أبداً، وقد قام بدور التبليغ والبيان على أكمل وجهٍ وأفضل صيغة، وإنّه لخطابٌ عربيٌّ ميسّر للفهْم والعمل.

قال تعالى: ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) (2) .

( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ... ) (3) .

لذا بُني منهج الفقْه والاستنباط في مدرسة الشيعة الإمامية، مِن القرآن على مبدأ حجّية الظهور، واعتُبر الظاهر القرآني حجّة، ولمْ يذهبوا إلى الباطنية والرمزية المعقّدة، والتفسير الباطني الذي تدّعيه بعض الاتّجاهات في الدائرة الإسلامية. وعلى ذلك بنَوا منهج الاستنباط بأكمله في الكتاب والسنّة، وثبّتوا ذلك البحث في عِلم أُصول الفقْه، ودرسوا الألفاظ دراسةً أُصولية تحليلية مستفيضة، بعد أن آمنوا بحجّية الظهور - أي ما يستفاد مِن ظاهر اللفظ مِن معنى ودلالة، وفْق أُصول الفهْم العربي العامّ في عصر النصّ النبويّ ونظامه اللغَويّ - وقد تحدّث الفقيه الكبير الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر عن حجّية الظهور كالآتي:

(الدليل الشرعي قد يكون مدلوله مردّداً بين أمرين، أو أمور، وكلّها متكافئة في نسبتها إليه، وهذا هو المُجْمَل، وقد يكون مدلوله متعيّناً في أمرٍ محدّد،

____________________

(1) سورة الحجر: آية 9.

(2) سورة القمر: آية 17.

(3) سورة إبراهيم: آية 4.


ولا يحتمل مدلولاً آخَر بدلاً عنه، وهذا هو النصّ، وقد يكون قابلاً لأحد مدلولين، ولكنّ واحداً منهما هو الظاهر عرفاً، والمنسبق إلى ذهن الإنسان العُرفي، وهذا هو الدليل الظاهر.

أمّا المجمل: فيكون حجّة في إثبات الجامع بين المحتملات، إذا كان له على إجماله أثَرٌ قابل للتنجيز، ما لمْ يحصل سبب مِن الخارج يُبطل هذا التنجيز...

وأمّا النصّ: فلا شكّ في لزوم العمل به...

وأمّا الظاهر: فظهوره حجّة، وهذه الحجّة هي التي تسمّى بأصالة الظهور، ويمكن الاستدلال عليها بوجوه:

1 - الاستدلال بالسنّة المستكشفة مِن سيرة المتشرّعين مِن الصحابة وأصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، حيث كان عملهم على الاستناد إلى ظواهر الأدلّة الشرعية في تعيين مفادها.

2 - الاستدلال بالسيرة العقلائية على العمل بظواهر الكلام، وثبوت هذه السيرة عقلائياً ممّا لا شكّ فيه؛ لأنّه محسوس بالوجدان...، ومع عدم الردْع الكاشف عن التقرير والإمضاء شرعاً، تكون هذه السيرة دليلاً على حجّية الظهور.

3 - التمسّك بما دلّ على لزوم التمسّك بالكتاب والسنّة والعمل بهما، بتقريب أنّ العِلم بظاهر الآية أو الحديث مصداق عُرفاً لِما هو المأمور به في تلك الأدلّة، فيكون واجباً، ومرجع هذا الوجوب إلى الحجّية...) (1) .

وقد دُرس هذا البحث دراسةً تفصيليةً دقيقةً في عِلم أُصول الفقْه، ووُضع له منهج عِلمي دقيق يساعد المستنبط على ضبط الفهْم والاستنباط؛ وبذا نفهم أنّ العقل الإمامي لا يتّفق مع الاتّجاه الباطني، الذي يلجأ إلى الرمزية واللعب بمعاني

____________________

(1) الشهيد الصدر / دروس في عِلم الأُصول / الحلقة الثالثة (القسم الأوّل): 263 - 266.


القرآن ومضامينه، حيث عَرّف الفكر الإمامي التفسير بأنّه: (كشف المراد عن اللفظ المشكل) (1) .

وقد وضُح لدينا كيف تعامَل منهج الاستنباط الإمامي مع اللفظ المُشكل، في اكتشاف معناه في القرآن والسنّة، وبالشكل الذي عرضه الفقيه الشهيد الصدر (رضوان الله عليه). وهو نموذج لآراء الفقهاء والأُصوليين جميعهم، مِن حيث حجّية الظهور، ووجوب العمل به.

2 - السنّة النبوية: هي اسمٌ يطلق على كلّ ما صدر عن النبيّ مِن قولٍ أو فِعلٍ أو تقرير (2) .

والمصدر الثاني مِن مصادر التشريع في الفقْه الإمامي هي السنّة المطهّرة.

وترى المدرسة الإمامية أنّ السنّة مبيِّنة للكتاب، وموضِّحة لأحكامه، والقرآن صريح في وجوب التمسّك بالسنّة، والعمل بهـا، قال تعالى: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) (3) .

فقد أمرنا الله سبحانه باتّباع رسوله، والأخْذ عنه، والرجوع إليه، والاقتداء به.

ولأهمّية السُنّة ودَورها في الشريعة، نرى القرآن يوجِب الأخْذ بسنّة الرسول والاقتداء به، كما نرى الرسول نفْسه يدعو إلى حفظ حديثه وكتابته وروايته، مِن ذلك قوله: (نضّر الله امرأً سمع مقالتي فبلّغها، فَرُبَّ حامل فقْهٍ غير فقيه، وَرُبَّ حامل فقْهٍ إلى مَن هو أفْقَه منه) (4) ، وقوله: (اللهمّ ارحم خلفائي، اللهمّ ارحم

____________________

(1) الطبرسي / مجمع البيان / المقدّمة (المجلد الأوّل): ص 13.

(2) الشهيد الصدر / دروس في عِلم الأُصول (الحلقة الأُولى): ص 82.

(3) سورة الحشر: آية 7.

(4) ابن ماجه / المقدّمة - باب 18 - (مَن بلّغ عِلماً) / ح 230.


خلفائي، اللهمّ ارحم خلفائي، قيل له يا رسول الله مَن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدي يَرْوون حديثي وسنَّتي) (1) .

وفي الحثّ على تدوين الحديث وكتابته رُوِيَت عنه (صلّى الله عليه وآله) أحاديث كثيرة منها: عن عمَر بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: (قلت: يا رسول الله إنّا نسمع منك أحاديث لا نحفظها، أفلا نكتبها؟ قال: بلى، فاكتبوها) (2) .

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: (كنت أكتب كُلَّ شيءٍ أسمعه مِن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أريد حفظه فنهتني قريش، وقالوا تكتب كُلَّ شيءٍ سمعته مِن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ورسول الله بشَر يتكلّم في الغضب والرضا، فأمسكتُ عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله، فأومأ بإصبعه إلى فِيه، وقال: اكتُب، فو الذي نفْسي بيده ما خرج منه إلاّ حقّ) (3) .

وتذكر الروايات والتحقيقات التاريخية الموقف مِن كتابة السُنّة وتدوينها، وانقسامه إلى قسمين بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، فكان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يرون ضرورة تدوين الحديث وحفظه؛ لئلاّ يضيع ويندرس، فيكثر الدس والتحريف والكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فكان عليّ وولَدُه الحسن يأمران بكتابة الحديث (4) وتثبيت سنده، يؤيّد ذلك ما رواه الديلمي عن عليّ (عليه السلام): (إذا كتبتُم الحديث فاكتبوه بسنده) (5) .

وقد قام عليٌّ بكتابة الحديث في صحيفته، التي ظلّ أئمّة أهل البيت يتوارثونها ابناً عن أب.

____________________

(1) الشيخ الصدوق / معاني الأخبار 374 - 375.

(2) مسند أحمد بن حنبل 2: 215.

(3) سنن الدارمي 1: 125. مسند أحمد 2: 162.

(4) السيوطي / تدريب الراوي بشرح النواوي، نقلاً عن كتاب الشيعة وفنون الإسلام / السيّد حسن الصدر.

(5) المصدر السابق: ص 63.


في حين تبنّى الخلفاء عُمَر و[أبو] بكر وعثمان النهي عن كتابة الحديث، وواصل الأُمَويون هذا النهي حتّى خلافة عمَر بن عبد العزيز (199 - 101 هـ).

فقد روى المؤرّخون: (أنّ عُمَر بن عبد العزيز كتب إلى أهل المدينة: انظروا حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاكتبوه، فإنّي قد خِفتُ دروسَ العِلم وذهاب أهله، وكان ابن شهاب الزهري أوّل مَن دوّن الحديث على رأس المئة، بأمر عمَر بن عبد العزيز، ثمّ كثر التدوين والتصنيف) (1) .

وقد جاءت الروايات عن نهي عُمَر وأبي بكرٍ وعثمان والخلفاء الأُمَويين عن الكتابة والتدوين، وتحريق ما كتبه بعض الصحابة آنذاك. وكان لموقف النهي أثره وضرره على المدرسة السُنّية، إذ وجدت نفسها - بسبب هذا النهي - قد فقدت الكثير مِن حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، كما وجدت مئات الآلاف مِن الأحاديث والروايات المكذوبة لا سيّما الاسرائيليات والأساطير. كما صرّح البخاري (2) وأحمد ومسلم وغيرهم بذلك، ممّا اضطرّ أئمّة الفقْه في هذه المدرسة، إلى القياس والاستحسان؛ لسدّ الفراغ التشريعي الذي شعرت به بسبب ضياع السنّة.

في حين بقيَ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) يدوِّنون السُنّة، ويتوارثونها الواحد عن الآخَر، فعن الإمام عليّ أخذ ولداه الحسن والحسين، وعنهما أخذ زين العابدين عليّ بن الحسين، وعنه أخذ ولده محمّد الباقر، وعن الباقر أخذ ولده جعفر الصادق... الخ.

أولئك الأئمّة الذين عَرَف المسلمون أمانتهم وصدْقهم.. وهكذا استمرّت

____________________

(1) العسقلاني / فتح الباري 1: 168 (باب كتابة العِلم).

(2) ذكر البخاري أنّه اختار صحيحه، الذي حوى سبعة آلاف ومئتين وخمساً وسبعين حديثاً مِن ستمئة ألف حديث / صحيح البخاري 1: 8، وقال أحمد بن حنبل: انتقيت المسند مِن سبعمئة ألف حديث وخمسين ألف حديث. السيوطي / تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي 1: 30.


سلسلة النقل والحفظ المدوَّن في نقل السنّة، فكانت أمينة محفوظة مِن الكذب والنقْص بيد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، ممّا جعلهم يستغنون بالكتاب والسنّة عن غيرهما مِن المصادر الأُخرى.


سُنّة الصحابي

مِن القضايا التشريعية الكبرى التي وقع الخلاف فيها هي حجّية سنّة الصحابي، واعتبارها مصدراً للأحكام بعد الكتاب والسُنّة النبويّة. ويتركّز الخلاف بين مدرسة الشيعة الإمامية وبين المذاهب الفقْهية الإسلامية الأُخرى حول:

1 - تعريف الصحابي.

2 - اعتبار ما صدر عن الصحابي سنّة واجبة الاتّباع، ومصدر هذا الوجوب.

ولنعرِض موجزاً للآراء ووجْهات النظر، التي تبنّاها العلماء على اختلاف نظرياتهم، عند بيان هذه المسائل وتعريفها كالآتـي:

1 - تعريف الصحابي: لقد تحدّثت معاجم اللغة عن الصُحبة والصاحب، فعرّفته: (الصاحب الملازم، إنساناً كان، أو حيواناً، أو مكاناً أو زماناً، ولا فَرْق بين أنْ تكون مصاحبته بالبدَن، وهو الأصل والأكثر، أو بالعناية والهمّة..، ولا يقال في العُرف إلاّ لمَن كثُرَت ملازمته) (1) .

وإذا كان هذا هو تعريف الصحابي في العُرف واللغة، فلنقرأ تعريف ابن حجر للصحابي، الذي يعتبر تعريفاً نموذجيّاً في الاتّجاه السُنّي، قال: (الصحابي مَن لقِيَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مؤمناً به، ومات على الإسلام، فيدخل في مَن لَقِيَه، مَن طالت مجالسته له أو قصرت، ومَن روى عنه أو لمْ يرو عنه، ومَن غزا معه أو لمْ يغزُ، ومَن رآه رؤية ولو لمْ يجالسه، ومَن لمْ يره لعارضٍ كالعمى) (2) .

____________________

(1) الراغب الأصفهاني / المفردات في غريب القرآن (كتاب الصاد): ص 275.

(2) الإصابة 1: 7 / (الفصل الأوّل) في تعريف الصحابي.


أمّا الشيعة الإمامية فقد اعترضوا على هذا التعريف، وناقشوه محتجّين بالعُرف واللُغة لمفهوم الصحابي والتجربة التاريخية، فرفضوا أن يسمّى مَن رأى النبيَّ مرّة، أو زاره أو جلس في مجلسه سائلاً، أو عاش في عصره وهو بعيد عنه... أن يسمّى صاحباً؛ ولهذا حصروا تسميَة الصحابي بمَن آمَن بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ولازمَه (صلّى الله عليه وآله) ملازمة - كما ينصّ التعريف اللُغَوي والفهْم العُرفي - وسمعه، وأخذ عنه واقتدى به، وشاركه في مسيرته المباركة مجاهداً وداعياً إلـى الله.

وليس هذا حسب، بل تصنّف الشيعةُ الإمامية الصحابة إلى درجاتٍ، مِن حيث العِلم والجهاد والتقوى والعدالة، ولا تضعهم في مستوى واحد، مستشهدين بالواقع التاريخي، وطبيعة التكوين البشري والسنّة النبويّة، وشهادة القرآن في عشَرات الآيات بتفاوت مَن أسلموا وعاشوا في عصر النبيّ، في التفاعل معه والاستجابة له، كقوله تعالى:

( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ) (1) ، ( وَمِنَ النَّاسِ (2) مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ) (3) ، ( يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً ) (4) ، ( وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ) (5) .

في حين يصف فريقاً آخّر، فيقول: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء

____________________

(1) سورة التوبة: آية 49.

(2) قال ابن عبّاس في نزول هذه الآية: كان الرجُل يقدِم المدينة، فإن ولدَتْ امرأته غلاماً ونتجَتْ خَيلُه، قال: هذا دِيـن صالح، وإنْ لمْ تلِد امرأته، ولمْ تنتج خَيْله، قال: هذا دِين سوء / صحيح البخاري 4: 1768 (ب 235) / ح 4465، تفسير سورة الحج.

(3) سورة الحج: آية 11.

(4) سورة الأحزاب: آية 13.

(5) سورة التوبة: آية 58.


مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ ) (1) .

كما يخصّص فئةً مِن المؤمنين بقوله تعالى: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (2) .

فكلّ أولئك كان قد آمَن بالنبيّ، ولَقيَه، وعاش معه. والقرآن صريح في الفَرْز والتصنيف، وسلَب صفة العدالة عـن البعض، ممّن يطلق عليهم تعريف ابن حجر اسم الصحابي.

وفي بيان الرسول (صلّى الله عليه وآله) تفسير لدلالة عشرات الآيات الدالّة على ذلك، فقد روي عنه قوله (صلّى الله عليه وآله): (ألا إنّه يجاء برجال مِن أُمّتي، فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول يا ربّ أصحابي، فيقال لا تدري ما أحدَثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: وكنتُ عليهم شهيداً ما دمتُ فيهم فلمّا توفّيتني كنتَ أنت الرقيب عليهم، فيقال: إنَّ هؤلاء لمْ يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم) (3) .

وهذا الإمام عليّ (عليه السلام) يقول لأبي سفيان بعد أحداث السقيفة: (إنّك والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وإنّك والله طالما بغيت الإسلام شرّاً، لا حاجة لنا بنصيحتك) (4) .

مِن ذلك كلّه خلُصت الدراسة التحليلية للمجتمع النبويّ في مدرسة الشيعة الإمامية، إلى أنّ ليس كلّ مَن أعلن إسلامه، ولقيَ الرسول (صلّى الله عليه وآله) يتّصف بالعِلم والعدالة، فأفراد ذلك المجتمع كغيرهم مِن أفراد المسلمين يخضعون

____________________

(1) سورة البقرة: آية 207.

(2) سورة الأحزاب: آية 23.

(3) صحيح البخاري 4: 1766 (ب232) /ح 4463، تفسير سورة الأنبياء. وروى مسلم والترمذي وابن ماجة هذا الحديث بألفاظ متقاربة.

(4) تاريخ الطبري 3: 209 / حوادث سنة 11 هـ.


للجُرح والتعديل، فمنهم العدول الأجلاّء العلماء، ومنهم مَن أخبر الرسول (صلّى الله عليه وآله) عنه في حديثه الآنف الذكر، ومنهم مَن يحتاج إلى مَن يبيّن له أحكام الشريعة، ويفسّر له محتواها.

ويتطابق مع فهْم الشيعة الإمامية للصحابي وعدالته، ما أورده ابن حجر العسقلاني الشافعي عن المازري مِن تعريف للصحابي في شرح البرهان، والذي نصّه: (لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول كلّ مَن رآه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوماً ما، أو زاره لُماماً، أو اجتمع به لغرض وانصرف عن كثب، وإنّما نعني به الذي لازموه وعزّروه ونصروه، واتّبعوا النور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون) (1) .

وأسّست الشيعة الإمامية على ذلك، أن ليس كلّ مَن يوصف بأنّه صحابي بمقتضى التعريف، الذي وضعه ابن حجر، يمكن الاعتماد على روايته والأخذ عنه، فضلاً عن اعتبار سنّته - مِن فتوى وعمل - مصدراً للاستنباط والفتوى، كما تذهب بعض المذاهب الفقهية الأخرى.

قال ابن القيّم الجوزية في أعلام الموقعين: أُصول الأحكام عند الإمام أحمد خمسة: (الأوّل: النصّ، والثاني: فتوى الصحابة، فعمل الصحابي على خلاف عموم القرآن دليل على التخصيص، وقول الصحابي بمنزلة عمله...) (2) . وقال أبو حنيفة: (فإن لمْ أجد في كتاب الله ولا سنّة رسول الله، أخذتُ بقول أصحابه، آخذ بقول مَن شئت، وأدع مَن شئت...) (3) .

ويستفاد مِن الاستدلال على وجوب الأخْذ بسنّة الصحابي، أنّه يعتمد بشكلٍ أساسي على حديث: (أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتُم اهتديتُم) (4) ، وهذا الحديث

____________________

(1) الإصابة في تمييز الصحابة 1: 10 - 11 / (خطبة الكتاب ومقدّمته).

(2) إعلام الموقّعين 1: 29 / فصل الأصول التي بُنيت عليها فتاوى ابن حنبل.

(3) الخطيب البغدادي / تاريخ بغداد 13: 368.

(4) إسماعيل بن محمّد العجلوني الجراحي / كشف الخفاء 1: 132 / ح 381.


قد ضعّفه علماء الرجال، فقد قال فيه ابن القيّم: (موضوع) (1) . وضعّفه الذهبي، وقال في راوي الحديث جعفر بن عبد الواحد الهاشمي - بعد أن نقل آراء العلماء في ضعفه وكِذبه ـ: (ومِن بلاياه حديث أصحابي كالنجوم) (2) . وقال ابن تيمية: (حديث أصحابي كالنجوم. ضعّفه أئمّة الحديث، فلا حجّة فيه).

وكما اعتُمد على حديث أصحابي كالنجوم في اعتبار ما صدر عن الصحابي سُنّة يجب الأخذ بها، اعتمد كذلك على حديث: (عليكم بسُنّتي، وسنّة الخلفاء الراشدين، المهديّين، عضّوا عليها بالنواجذ) (3) .

ولنقرأ سند هذا الحديث، ونحقّق في أحوال رواته، فهُم كالآتي: (حدّثنا عليّ بن حجر، حدّثنا بُقية بن الوليد عن بُجير بن سعد عن خالد بن معدان عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي عن العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوماً...)، ثمّ ذكر النصّ الآنف الذكر. وبدراسة سند الحديث يتّضح لنا أنّ بُقية بن الوليد غير موثّق، ومتّهم عند علماء الرجال نذكر مِن تلك الشهادات قول ابن عيينة: (لا تسمعوا مِن (بُقية) ما كان في سنّة...)

أمّا يحيى بن معين، فقد قال في بُقية بن الوليد: (إذا حدَّث عن الثقات مثل صفوان بن عمرو وغيره، فأمّا إذا حدّث عن أولئك المجهولين، فلا، وإذا كنّى ولمْ يُسمِّ اسم الرجُل، فليس يساوي شيئاً...).

وقال أبو مسهر: (بُقية أحاديثُهُ ليست نقية، فكن منها على تقية) (4) .

وقال ابن حجر عنه: (وقال البيهقي في الخلافيات: أجمعوا على أنّ بُقية ليس

____________________

(1) أعلام الموقعين 2: 223.

(2) محمّد بن عثمان الذهبي / ميزان الاعتدال 1: 412 - 413.

(3) الترمذي / سُنن الترمذي 5: 43 / ح 2676 (كتاب العِلم).

(4) الرازي / الجرح والتعديل 2: 435 / ح 1728.


بحجّة) (1) .

وأما عبد الرحمن بن عمرو السلمي، فنقل ابن حجر فيه: (زعم القطان الفاسي، أنّه لا يصحّ لجهالة حاله) (2) .

وهكذا يسقط هذا الحديث بسقوط سنده.

وفي دراستها لرواية الصحابي وفقْهه، ترى المدرسة الإمامية أنّ الصحابي راوٍ تخضع روايته للتحقيق العِلمي، وأن لا إلزام بعمله وفتواه، إلاّ بقدر ما يسندها الدليل مِن الكتاب أو السنّة النبويّة.

____________________

(1) ابن حجر العسقلاني / تهذيب التهذيب 1: 419.

(2) المصدر السابق 6: 216.


سنّة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)

قال الشيخ المفيد: (إنّ أصول الأحكام ثلاثة: الكتاب، والسنّة النبويّة، وأقوال الأئمّة) (1) .

ترى مدرسة الشيعة الإمامية، أنّ ما صدر عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) عليّ ووَلَديه الحسن والحسين والأئمّة التسعة مِن وِلْد الحسين، يجب الأخْذ به والاعتماد عليه في الاستنباط؛ لقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله): الذي أخرجه أحمد وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري: (إنّي أُوشَك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تاركٌ فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتّى يرِدا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) (2) .

ولِما ورَد مِن أحاديث سبَق ذِكرها عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، في أعلميّة الإمام عليّ (عليه السلام)، وتفوّقه على غيره مِن الصحابة في العِلم والمعرفة.

كقوله (صلّى الله عليه وآله): (أقضاكم عليّ)، و(أنا مدينة العِلم وعليّ بابها)، وغيرها مِن البيانات النبويّة الدالّة على ذلك.

وتُعزّز المدرسة الإمامية رأيها مِن الناحية العملية، بشهادة العلماء وأئمّة المذاهب على امتداد عصورهم، بأعلمية أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، كما اتّضح ذلك مِن الشهادات التي أوردناها في هذا الفصل، ممّا يوجِب اتّباعهم والأخذ بما صدر عنهـم، عندما يختلف معهم غيرهم، لشهادة الرسول (صلّى الله عليه وآله)،

____________________

(1) الشيخ محمّد رضا المظفّر / أصول الفقه 3: 122.

(2) السيوطي / إحياء الميّت: ص 241. الترمذي / الجامع الصحيح 5: 622. ابن الأثير / جامع الأصول 1: 178.


ولدلالة الواقع على ذلك في حال إثارة الشُبهة حول صدور البيان النبويّ.

وثمّة دليل آخَر قالت به الإمامية، هو الدليل التاريخي الذي يشهد بأنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، قد تلقّوا العِلم ابناً عن أب، حتّى تنتهي السلسلة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تلقّي عنايةٍ وتعليمٍ نبويٍّ للإمام عليٍّ، كما مرّ علينا في فصول الكتاب، فكان هذا التلقّي المتواصل سليماً نقيّاً مِن الخطأ والتزوير في النقل، كما كان نقيّاً في الفهْم والأخذ منه؛ ذلك لأنّ السنّة كانت بأيديهم مُدَّونة محفوظة.

لذا كان أئمّة أهل البيت يشعرون بالاستغناء بالكتاب والسنّة عن غيرهما مِن المصادر، وبالأخذ منهما أو على ضوئهما، أخذاً اتّصف بالصواب والمعرفة الواقعية بالحُكم غير الظاهر فيهما، وبين المحتوى والخزين فيهما؛ بسبب ما ورثوا مِن ثروة السنّة المدوّنة، ولِما مَنّ الله عليهم مِن توفيقٍ وتسديد - عصمة - في الفهْم والمعرفة، فجاءت أحكامهم مسدّدة مُصوَّبة...

ولنقرأ بيان الإمام الصادق (عليه السلام) لذلك، في قوله الذي رواه سَورة بن كليب قال: (قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بأيّ شيءٍ يُفتي الإمام؟ قال: بالكتاب، قلت: فما لمْ يكن في الكتاب؟ قال: بالسُنّة، قلت: فما لمْ يكن في الكتاب والسُنّة؟ قال: ليس شيء إلاّ في الكتاب والسُنّة.

قال: فكرّرت مرّتين أو اثنتين، قال: يسدّد ويوفّق (1) ، فأمّا ما تظنّ فلا) (2).

وعن جابر قال: قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): (يا جابر لو كنّا نُفتي الناس برأينا وهوانا، لَكُنّا مِن الهالكين، ولكِنّا نُفتيهم بآثار مِن رسول الله (صلّى الله

____________________

(1) علّق العلاّمة المجلسي على ذلك بقوله: يوفّق ويسدّد: أي لأن يعلم ذلك مِن الكتاب والسُنّة.

(2) العلاّمة المجلسي / بحار الأنوار 2: 175 (كتاب العِلم).


عليه وآله)، وأُصول عِلمٍ عندنا يتوارثها (1) كابرٌ عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم) (2) .

وعن الفضيل عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): (لو أنّا حدّثْنا برأينا ضلَلْنا، كما ضلّ مَن كان قبلنا، ولكِنّا حدّثنا ببيّنة مِن ربّنا بيّنها لنبيّه، فبيّنها لنا) (3) .

وينبغي أن لا نرتاب في أنّ التوفيق والتسديد الإلهي، لمَن اتّصف بطهارة الذات وصفاء النفْس والاتّجاه الكامل إلى الله سبحانـه، حقيقة يدركها الإنسان إدراكاً وجدانياً تجريبياً، فضلاً عن بيان القرآن وتوضيحه لهذه الحقيقة.

قال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ) (4) .

( وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً ) (5) .

( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ) (6) .

( إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ ) (7) .

( يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) (8) .

ونجد نظير هذه الحقيقة - التوفيق والتسديد في الحصول على الحُكم - الصواب الذي اصطلح عليه بالإلْهام - عند علماء الشيعة الإمامية - لدى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، ما تحدّث به الآمدي الحنبلي في تحليله للإجماع عند بيانه لكيفيّة

____________________

(1) نتوارثها ابناً عن أب عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

(2) العلاّمة المجلسي / بحار الأنوار 2: 173 / ح 4.

(3) المصدر السابق: ص 172 / ح 2.

(4) سورة العنكبوت: آية 69.

(5) سورة محمّد: آية 17.

(6) سورة النور: آية 35.

(7) سورة الحجر: آية 75.

(8) سورة إبراهيم: آية 27.


حصول المجمعين على الحُكم، فيجيب على سؤال: هل يحصل هؤلاء على ذلك الحُكم، مِن دليل ومستند مِن الكتاب أو السُنّة أو غيرهما مِن أُصول الاستنباط عندهم أو لا؟ يجيب بقوله: (لا يُشترط المستند، بل يجوز صدوره عن توفيق، بأنْ يوفّقهم الله تعالى لاختيار الصواب) (1) .

فهو يقرّر أنّ هناك توفيقاً وتسديداً للعلماء الباحثين عن الحُكم؛ للحصول على الصواب، مِن دون مستند مِن الكتاب أو السُنّـة.

وهكذا فهمت مدرسة الشيعة الإمامية السنّة النبويّة، وسُنّة الصحابي، وسُنّة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

وقبل أن نغادر الحديث في التعريف بالسُنّة، ينبغي أن نوضّح أنّ جزءاً مِن السنّة هو دليل لفظي، وأنّ فهْمه كما قرأنا في بيان الشهيد الصدر يعتمد على مبدأ حجّية الظهور، كمنهج فهْم القرآن تماماً.

أمّا الجزء العملي منها ففَهْم دلالته يحتاج إلى قرائن مبيّنة، فما فَعله الرسول أو الإمام أو أقرّه، نفْهم منه عدم الحُرمة فقط. أمّا إثبات الواجب والمباح منه، فيحتاجان إلى بيانٍ آخَر، يُلتمَس مِن أدلّة إضافية، وأنّ ما تركه الرسول أو الإمام يعني عدم وجوبه فقط، وأنّ إثبات حُرمته أو إباحته يحتاجان إلى دليلٍ وبيانٍ آخَر.

____________________

(1) الخضري / أُصول الفقْه، نقلاً عن محمّد تقي الحكيم / الأصول العامّة للفقْه المقارن: ص 256.


أُسُس للعمل بالروايات

ولمّا كانت السنّة المطهّرة هي مستودع الفقْه الإسلامي، وكان قد اعتراها الدّس والتحريف مِن بعض الرّواة الضِعاف والكذّابين، وأنّ هذا الكِِذب والدسّ في السنّة، قد بدأ على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؛ لذا حذّر أُمّته مِن هذه المؤامرة الخطيرة على الفكر والتشريع الإسلامي.

وللتخلّص مِن ذلك الخطر أسّس علماء أهل البيت (عليهم السلام) عِلم الرجال، لدراسة أحوال الرواة، ومعرفة الثّقات الذين يمكن الأخذ عنهم، والتأكّد مِن صحّة منقولاتهم، والتخلّص مِن الكذّابين والمجهولين والضِعاف.

لذلك نجدهم قد كتبوا الموسوعات الرجالية، التي تحوي أسماء الرواة بشكلٍ دقيقٍ ومنظّم، مشفوعاً بالنقد الرجالي الذي يبتني على مبدأ الجَرح والتعديل، أي مدح الراوي وتوثيقه أو الشهادة بعدالته، أو ذِكر ضعفه وفسوقه وعدم وثاقته... الخ، كما ثبّتوا الأُسُس العِلمية للتوثيق ومعرفة أحوال الرواة، واعتمدوا في ذلك على الشهادات والتوثيقات والتحقيقات في أحوال الرواة.

ومِن الأُصول الرجالية المعروفة: رجال الشيخ الطوسي، ورجال النجاشي، ورجال الكشّي، ورجال ابن الغضائري، وغيرها.

وينبغي الإشارة هنا إلى أنّ فقهاء المذاهب الإسلامية الأُخرى، قد دوّن كلّ مذهب منهم منهجه وقواعده؛ لمعرفة أحوال الرجال وأصول قبول الرواية، بشكلٍ يختلف في بعض الأحيان عن مناهج المذاهب الأخرى.

وقد أوصلت الدراسة التحقيقية للروايات، القائمة على أساس دراسة


السنَد والمَتْن، إلى إسقاط الكثير مِن الروايات والأحاديث المنسوبة إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أو إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فلا تُقبل الرواية إلاّ بعد أن يتمّ التوثّق مِن سندها ومتنها، وصحّة صدروها عن النبيّ أو الإمام.

ولذا فإنّ دراسة الحديث على أسُس رجالية، توصِل إلى عدم التسليم بوجود كتابِ حديثٍ يُحكَم بصحّة كلّ ما ورَد فيه، سواء كتُب الحديث المعتمدة في المذهب الجعفري، كالكافي، ومَن لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار، وغيرها. أمْ تلك الكتُب المعتمدة عند فقهاء المذاهب السنّية، كصحيح البخاري، وصحيح مسلم، وكتاب النسائي، وكتاب الترمذي، وكتاب ابن ماجة، وغيرها.

إنّ فقهاء المذهب الجعفري يرون، أنّ الحديث المدوّن في هذه الكتُب يتمّ قبوله إذا ثبتت وثاقة راويه، بغضّ النظر عن مذهبه الفقهي والعقيدي، التزاماً بالمنهج العِلمي والضابط الشرعي في هذا المجال؛ لذا فإنّ في رواة أحاديث الشيعة عدداً مِن الرواة الثقات التابعين إلى المدرسة السنّية، كمحمّد بن قيس، الذي لا يكاد باب مِن أبواب الفقْه الشيعي إلاّ ولمحمّد بن قيس نصيب فيه.

وقد مرّ علينا تعبير الشهيد الصدر عن هذا المنهج العِلمي، البعيد عن التعصّب، الذي جاء فيه: (ونرى مِن الضروري أن نُشير أخيراً، بصورةٍ موجزة إلى المصادر التي اعتمدناها بصورةٍ رئيسة في استنباط هذه الفتاوى، وهي كما ذكرنا في مستهلّ حديثنا، عبارة عن الكتاب الكريم والسنّة الشريفة المنقولة عن طريق الثقات المتورّعين في النقل، مهما كان مذهبهم...).

وجدير ذِكره أنّ المدرسة الإمامية تحوي في داخلها آراء ونظريات اجتهادية متعدّدة، لقبول الرواية والعمل بها، انعكست على الفقْه والاستنباط بشكلٍ واضح، ويمكن للمتتبّع مراجعتها في مظانّها.


غير أنّ هناك مرتكزات كُبرى وأُسساً لقبول الرواية وتقييم سندها ومتْنها والعمل بها، يمكن تركيز أبرزها بالآتي:

1 - ثبّتت مدرسة أهل البيت قاعدةً أساسية لمقياس صحّة الرواية، وهي عدم تعارضها مع كتاب الله تعالى.

2 - لا تقبل الرواية إلاّ مِن عدْلٍ أو ثقةٍ، يُطمأنّ إلى صدْقه وقدرته على تحمّل الرواية وأدائها بأمانة.

3 - بعد إحراز الصدق والوثاقة في الراوي، لا ينظر إلى مذهبه وعقيدته، فكلّ ثقة يُطمئنّ إلى صدقه تُقبَل روايته، بغضّ النظر عن مذهبه.

4 - إذا ورَد جرح مِن علماء الرجال لأحد الرواة، وورَد في ذلك الراوي تعديل يعارض الجرح، فعندئذٍ يقدّم الجرح على التعديل، بعد استقرار هذا التعارض.

5 - استقرّ الرأي في المدرسة الإمامية على العمل بأخبار الآحاد، بعد أن كانت هناك مدرستان في قبول رواية الآحاد: إحداهما ترفض العمل بأخبار الآحاد، ومِن أعلامها الشيخ المفيد والسيّد المرتضى وابن إدريس وغيرهم مِن علماء المذهب الإمامي. في حين تعارضهم المدرسة الثانية، التي كان يمثّلها الشيخ الطوسي وجمْع مِن علماء الإمامية.

6 - وفي القرن السابع الهجري في عهد السيّد ابن طاووس، المتوفّى (673 هـ) وتلميذه العلاّمة الحلّي، صُنّفت روايات الآحاد إلى أربعة أصناف، وبعد صراعٍ طويل حول هذه النظرية الحديثية، اعتُمد هذا التصنيف في مدرسة الشيعة الإمامية الأُصولية كمقياس لقوّة الرواية، حسب تسلسلها وتقديمها على معارضها مِن الروايات، إذا تعذّر الجمْع بينها، أو تقديمها على معارضها، مِن غير محاولة الجمع عند بعض الفقهاء، وقد كان هذا التقسيم معمولاً به في المدرسة السنّية قبل


المدرسة الإمامية.

علماً بأنّ علماء الإمامية قد رتّبوا روايات الآحاد حسب ما يتّصف به رجال السند، ممّا يوجِب الاعتماد عليهم أو عدمه بشكل متدرّج، كالعدْل أو الثقة أو الممدوح أو الضعيف... الخ، رتّبوها كالآتي:

أ - الصحيح.

ب - الحسَن.

جـ - الموثّق.

د - الضعيف.

وقال أصحاب هذه النظرية: إنّ العمل بأخبار الآحاد جائز، وإن كانت ظنّية الصدور؛ لوجود أدلّة قطعية تُثبت صحّة العمل بخبر الآحاد، مِن الكتاب والسنّة وعُرف الصحابة، وأوردوها في مواردها.

أمّا المتواتر (1) فقد أجمعوا على أنّه يفيد القطع بصحّة صدور الخبر عن مصدره - الرسول أو الإمام ـ، وقد فسّر بعض أعلام المذهب الإمامي، إفادة الأخبار المتواترة للعِلم بالآتي.

قال المحقّق الحلّي: (الخبر المتواتر مفيد للعِلم، أنكره السَمنية...

وأمّا كيفية حصول هذا العِلم: فذهب أبو هاشم وأتباعه (2) ، وجماعة مِن الفقهاء إلى كونه ضرورياً (3) . وقال المفيد، مِن أصحابنا: هو كسبي).

ثمّ عرض تفسيره لكيفية حصول العِلم مِن الأخبار المتواترة: (وتحقيقه: أنّا إذا سمعنا خبراً عن واحد، فقد أفادنا ظنّاً، ثمّ لمّا تكرر الإخبار بذلك قوِيَ الظنّ،

____________________

(1) قال الشهيد الثاني (قدّس سرّه): إنّ المتواتر هو ما بلغَت رواته في الكثرة مبلغاً، أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، واستمرّ ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدّد، فيكون أوّله كآخره، ووسطه كطرفيه، ولا ينحصر ذلك في عدد خاصّ / الدراية: ص 12 - 13.

(2) أبو هاشم المعتزلي.

(3) ضرورياً لا يحتاج إلى استدلال، والتسليم به كالتسليم بالقضايا البديهية.


حتّى يصير الاعتقاد عِلماً، فعند ذلك، إنْ ضُبط العدد كان ذلك هو المعتبر؛ لأنّ الإخبار هو المقتضي للعمل، والسبب لا يختلف بحسب محاله، إذا كان تامّاً) (1) .

أمّا الشهيد الصدر الذي جاء بعد سبعة قرون تالية للمحقّق الحلّي، فإنّه يفسّر التواتر بنفْس نظرية المحقّق الحلّي، فقد رأى الشهيد الصدر أنّ النتائج التي نحصل عليها مِن المتواتر، إنّما نحصل عليها بطريقة الاستقراء وحساب الاحتمالات، وفيما يلي نسجّل نصوصاً مِن تعبيره عن هذه النظرية.

قال رحمه الله بعدما ناقش تفسير المناطقة للتواتر:

(ولكن الصحيح أنّ اليقين بالقضية التجريبية والمتواترة، يقينٌ موضوعي استقرائي، وأنّ الاعتقاد بها حصيلة تراكم القرائن الاحتمالية الكثيرة في مصَبٍّ واحد، فإخبار كلّ مخبِر قرينة احتمالية)، ثمّ قال: (فإذا تكرّر الخبر أو الاقتران تعدّدت القرائن الاحتمالية، وازداد احتمال القضية المتواترة أو التجريبية، وتناقص احتمال نقيضها، حتّى يصبح قريباً مِن الصفر جدّاً، فيزول تلقائياً لضآلته...) (2) .

ثمّ قال: (وبهذا يظهر أنّ الإحراز في الخبر المتواتر يقوم على أساس حساب الاحتمالات) (3) .

7 - وجد المحقّقون المتأخّرون مِن علماء الإمامية روايات فيها رواة ضِعاف، أو مرسلة، أو شاذّة، قد اشتُهر العمل بها مِن قِبَل الفقهاء المتقدّمين عليهم، والمقاربين لعصر الأئمّة (عليهم السلام)، فحظيت هذه المسألة بالبحث والحوار العِلمي، فذهب فريق إلى أنّ عمل الفقهاء المتقدّمين بهذه الروايات يجبُر ضَعف السند؛ ذلك لأنّهم - حسب رأي هذا الفريق - قد اطَّلعوا على ما لمْ يطَّلع عليه

____________________

(1) المحقّق الحلّي / معارج الأصول: ص 138 - 139.

(2) الشهيد الصدر / دروس في عِلم الأصول / الحلقة الثالثة (القسم الأوّل): ص 200.

(3) المصدر السابق: ص 168.


المتأخّرون مِن موجِبات الوثوق بهذه الرواية، والعمل بها؛ لذلك يجب اعتبار ذلك والاعتماد عليه.

ورَدّ فريق آخَر هذه القاعدة، ولمْ يعتبر عمل المشهور جابراً لضَعْف السند.

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ هناك روايات قد رواها ثقات، ولكن مشهور الفقهاء قد أعرض عن العمل بها، فاعتُبر هذا الإعراض موجِباً لسقوطها عند بعض الفقهاء؛ لإعراض المشهور عنها. في حين رفض الفريق الآخَر هذه القاعدة أيضاً.

وهكذا فإنّ هناك نظريتين في إطار المدرسة الإمامية في هذا المجال، نظرية تُتابع المشهور في العمل بالرواية الضعيفة السند، أو الإعراض عن الأُخرى السليمة السند. ونظرية أُخرى ترى وجوب الاستقلال عن المشهور، والتعامل مع تلك الروايات على منهجٍ آخَر، قد ينتهي إلى موافقة المشهور أو مخالفته.

8 - رواية أصحاب الإجماع: نشأت بين فقهاء الإمامية المتأخّرين، وابتداءً مِن بداية القرن الرابع الهجري مِن عهد الكشّي المتوفّى سنة (340 هـ) (1) ، نظرية رجالية مفادها: أنّ هناك عدداً مِن أصحاب الأئمّة، وعددهم ثمانية عشر، ستّة منهم مِن أصحاب الباقر (عليه السلام)، وستّة مِن أصحاب الصادق (عليه السلام)، وستّة مِن أصحاب الكاظم والرضا (عليهما السلام)، هُم مِن فقهاء المذهب الإمامي، وممّن يوثَق بما روَوا، سواء أسندوا أمْ أرسلوا؛ لذا فقد صاغ الشيخ الطوسي، المتوفّى سنة (460 هـ)، هذه النظرية بالعبارة الآتية:

(وسوّت الطائفة بين ما يرويه محمّد بن أبي عمير، وصفوان بن يحيى، وأحمد بن محمّد بن أبي نصر، وغيرهم مِن الثقات - الذين عُرفوا بأنّهم لا يرْوون ولا يُرسِلون إلاّ عمّن يوثَق به - وبين ما أسنده غيرهم؛ ولذلك عملوا بمراسيلهم، إذا انفردت عن

____________________

(1) أعلام الزركلي 7: 201.


رواية غيرهم) (1) .

وقد علّق المحقّق النوري على أهمّية البحث بهذه النظرية - نظرية تصحيح ما صحّ عن أصحاب الإجماع - ودَورها في مجال الفقْه والعقيدة والفكر، في المدرسة الإمامية قائلاً: (إنّه مِن مهمّات هذا الفن - أي عِلم الرجال - إذ على بعض التقادير تدخل آلاف مِن الأحاديث الخارجة عن حريم الصحّة إلى حدودها، أو يجري عليها حُكمها) (2) .

غير أنّ فريقاً مِن الفقهاء والمحقّقين في عِلم الرجال والحديث يرفضون هذه النظرية، ولا يرون مجالاً لاستثناء ما رواه هؤلاء الثمانية عشر عن غيره مِن المَرْويات، ويوجِبون خضوع ما ثبتت روايتهم عنهم للتحقيق العِلمي، وإثبات ما يصمد منه، وإسقاط ما يتهاوى في عملية البحث والتحقيق.

ويوضح المرجع الدِيني الفقيه الراحل السيّد أبو القاسم الخوئي (رحمه الله)، النظرية المخالفة لهذه النظرية - تصحيح ما صحّ عن أصحاب الإجماع - بالنصّ الآتي: (بقيَ هنا شيء: وهو أنّه قد يقال: إنّ دعوى الإجماع على تصحيح ما يصحّ عن الجماعة المذكورين، لا ترجع إلى دعوى حجّية رواياتهم تعبّداً، كما ذهب إليه صاحب الوسائل، وإنّما ترجع إلى دعوى أنّ هؤلاء لا يرْوون إلاّ عن ثقة؛ وعليه فيُعتمد على مراسيلهم وعلى مسانيدهم، وإن كانت الوسائط مجهولة أو مهملة.

ولكنّ هذا القول فاسد جزماً، فإنّه لا يُحتمَل إرادة ذلك مِن كلام الكشّي. ولو سُلِّم أنّه أراد ذلك، فهذه الدعوى فاسدة بلا شُبهة، فإنّ أصحاب الإجماع قد رَووا عن الضعفاء في عدّة موارد، تقف عليها في تراجمهم في كتابنا هذا إنْ شاء الله تعالى،

____________________

(1) الشيخ الطوسي / عِدّة الأُصول 1: 386.

(2) مستدرك الوسائل 3: 757 (في الفائدة السابعة في ذِكر أصحاب الإجماع).


ونذكر جملة منها قريباً) (1) .

9 - وَثاقة مشايخ الإجازة، عَرّف الشهيد الثاني (زين الدِين العاملي) الإجازة بقوله: (وهي الإذن والتسويغ، فيقول: أجزت له رواية كذا، وأعلاها الإجازة لشخصٍ معيّن وكتاب معيّن، كقوله: أجزتك رواية الكتاب الفلاني، وبعدها في المرتبة أن يقول: أجزتك رواية مسموعاتي) (2) .

ونظام الإجازة هو مِن نُظم تحمّل الحديث ونقله، وقد اختلف العلماء في المدرسة الإمامية حول اعتبار وثاقة مشايخ الإجـازة، فقبلها بعضهم، ورفضها البعض الآخَر، وقد نقل السيّد أبو القاسم الخوئي هذا التعدّد في الرأي بقوله: (فقد اشتُهر أنّ مشايخ الإجازة مستغنون عن التوثيق) (3) .

وقد تحدّث الرجالي المعروف في المدرسة الإمامية الشيخ المامقاني بقوله: (أقول: رواية الثقات عن الضِعاف ليست بعزيـزة، فرواية الثقة عن غيره لا تكون قرينة على وثاقة هذا الغير، ولا فَرق في الرواية بين أن تكون بسماع أحد مِن آخَـر، أو بقراءته عليه، أو بإجازته عن كتاب، فافهم جيّداً) (4) .

ويذهب السيّد أبو القاسم الخوئي إلى المذهب ذاته، فيقول: (والصحيح أنَّ شيخوخة الإجازة لا تكشف عن وثاقة الشيخ، كما لا تكشف عن حُسنه) (5) .

10 - ثار حوارٌ عِلميٌّ عنيف داخل المدرسة الإمامية حول كتُب الحديث الأربعة، التي هي المصدر الأوّل للرواية في المدرسة الإمامية - الكافي للكليني، والاستبصار والتهذيب للطوسي، ومَن لا يحضره الفقيه للصدوق - وملخّص الحوار: هل كلّ ما جاء في هذه الكتُب الأربعة هو صحيح، يجب العمل به؛ لأنّ مصنّفي هذه

____________________

(1) معجم رجال الحديث 1: 63 (المقدّمة الرابعة في مستند أصحاب الإجماع).

(2) الشهيد الثاني / الدراية: 94.

(3) معجم رجال الحديث 1: 76 (المقدّمة الرابعة، السادس في شيخوخة الإجازة).

(4) معجم رجال الحديث 1: 77 (المقدّمة الرابعة، السادس في شيخوخة الإجازة).


الكتُب هُم مِن أعلام المذهب الإمامي، أو لا؟ وقد نشأ نتيجة لهذا الحوار اتّجاهان:

الاتّجاه الإخباري: ويرى أنَّ ما جاء في هذه الكتُب هو صحيح بأكمله، فبُنيت على ذلك نظرية تذهب إلى عدم الحاجة إلى عِلم الرجال؛ لعدم الحاجة إلى بحث أسانيد الروايات الواردة في هذه الكتُب، كما اعترضوا في الوقت ذاته على تصنيف الحديـث، الذي حدث في عصر السيّد ابن طاووس، بعد أن حقّقها وقَبِلها أولئك العلماء، وهُم الكليني والصدوق والطوسي.

في حين ذهب اتّجاه آخَر مناقض لهذا الاتجاه، وهو:

الاتّجاه الأُصولي: ويرى وجوب إخضاع كلّ رواية وردت في هذه الكتُب للتحقيق والتدقيق، على الرغم مِن وثاقة العلماء الثلاثة الذين جمَعا هذه الروايات وأودعوها في كتُبهم، التي عبّر عنها المرجع الديني الراحل، السيّد أبو القاسم الخوئي بقوله: (ذهب جماعة مِن المحدّثين إلى أنّ روايات الكتُب الأربعة قطعية الصدور. وهذا القول باطل مِن أصله؟ إذ كيف يمكن دعوى القطع بصدور رواية رواها واحد عن واحد، ولا سيّما أنّ في رواة الكتُب الأربعة مَن هو معروف بالكَذِب والوَضْع، على ما ستقف عليه قريباً، وفي موارده، إن شاء الله تعالى.

ودعوى القطع بصدْقهم في خصوص روايات الكتُب الأربعة - لقرائن دلّت على ذلك - لا أساس لها، فإنّها بلا بيّنة وبرهـان، فإنّ ما ذكروه في المقام، وادّعوا أنّها قرائن تدلّنا على صدور هذه الروايات مِن المعصوم (عليه السلام)، لا يرجع شيء منها إلى محصّل) (1) .

وهكذا آمنت المدرسة الأصولية بأنّ الكتُب الأربعة: هي مجامع حديثية وليست صحاحاً، وبذا فإنّ الرواية في الكتُب الأربعة خاضعة لمنهج البحث والتحقيق، ولا يعمل الفقهاء والعلماء إلاّ بما تثبت صحّته عندهم، فليس هذه

____________________

(1) معجم رجال الحديث 1: 22 (مبحث روايات الكتُب الأربعة ليست قطعية الصدور).


الكتُب إلاّ مجامع لتدوين ما انتهى إلى أصحابها مِن روايات.

وعلى ذلك، فلا يمكن بناء الفكر والتشريع على كلّ رواية وردت فيها.

وينطبق القول ذاته على كتُب الحديث لدى المذاهب الإسلامية الأُخرى، فإنّ محقّقي هذه الكتُب قد أثبتوا وجود أعداد كبيرة مِن الرواة الكذّابين والوضّاعين، وأنّ أعداداً عديدة مِن الروايات المنسوبة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، مدوّنة في هذه المجامع الحديثية هي مكذوبة لا أساس لها، كصحيح البخاري ومُسلم وغيرهما مِن كتُب الحديث المعتمدة لديها، فقد طعن علماء الجرح والتعديل، وأئمّة الرواية والحديث، في أكثر مِن أربعمائة شيخ وراوٍ مِن شيوخ ورواة البخاري، واختلفوا في وثاقتهم.

ومِن الذين طعنوا في أولئك الذين أخَذ عنهم البخاري:

أحمد بن حنبل والنسائي والشافعي، والدارقطني والزهري والذهبي والأوزاعي والثوري والدارمي وأبو داود والحاكم في المستدرك...

فقد أسقط هؤلاء وغيرهم أكثر مِن أربعمائة مِن رواة الصحيح، وقد ذكر ابن حجر العسقلاني أسماءهم، واختلاف الآراء فيهم في مقدّمة كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري )(1) .

وفي كتاب (تدريب الراوي بشرح النواوي) للسيوطي، نجد التأكيد على أنّ البخاري ومسلم، لمْ يلتزما بشروطهما في قبول الحديث، إضافةً إلى تضعيف أحدهما رواة الآخَر.

منها قوله: (قال شيخ الإسلام: والأعجب مِن ذلك ما ذكره الميانجي في كتاب (ما لا يسَع المحدّث جهله): شرط الشيخين في صحيحهما، أن لا يدخلا فيه إلاّ ما

____________________

(1) ابن حجر العسقلاني / فتح الباري في شرح صحيح البخاري: ص 382 وما بعدها.


صحّ عندهما، وذلك ما رواه عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) اثنان فصاعداً، وما نقله عن كلّ واحد مِن الصحابة أربعة مِن التابعين فأكثر، وأن يكون عن كلّ واحد مِن التابعين أكثر مِن أربعة... انتهى.

قال شيخ الإسلام: وهو كلامُ مَن لمْ يمارس الصحيحين أدنى ممارسة، فلو قال قائل ليس في الكتابين حديث واحد بهذه الصيغة لَما أُبعدْه) (1) .

وورَد أيضاً: (بأنّ الذين انفرد البخاري بالإخراج لهم دون مُسلم، أربعمئة وبضعة وثلاثون رجُلاً، المتكلّم فيهم بالضَعف منهم ثمانون رجُلاً، والذين انفرد مُسلم بالإخراج لهم دون البخاري ستمئة وعشرون، المتكلّم فيهم بالضَعف منهم مئـة وستـون) (2) .

وأوضح شيخ الإسلام أنّ (مُسند مالك) ليس بحجّة على جميع المسلمين، بكلّ ما جاء فيه، فقد قال: (كتابُ مالك صحيحٌ عنده، وعند مَن يقلّد على ما اقتضاه نظره، كالاحتجاج بالمُرسَل والمنقطع وغيرهما، لا على الشرط الذي تقدّم التعريـف بـه) (3) .

وهكذا فإنّ مشكلة الحديث والرواية لا تُحلّ إلاّ بالتحقيق والبحث العِلمي، وبذلك تُحَلّ كثير مِن المشاكل الخلافية، والتُهَم العقيدية والتشريعية.

ومِن ذلك نفهم أيضاً خطأ التجَنّي على الفكر الإمامي، باقتناص ما ورَد مِن روايات ضعيفة رفَضَها علماء الإمامية، واسقطوا حجّيتها. كما يفعل بعض مفرّقي الصفوف، ومُثيري الفِتَن بين المسلمين.

____________________

(1) السيوطي / تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي 1: 50.

(2) المصدر السابق: ص 69.

(3) المصدر السابق: ص 68.


11 - التعارض بين الروايات: عند دراسة الحديث وتصنيفه، وجد العلماء أنّ بعض الرّوايات التي تتوفّر فيها الحجّية الشرعية تتعارض (*) مع البعض الآخَر في دلالتها - أي أنّ بعضها يثبت ما ينفيه الآخَر ـ.

فمثلاً هناك روايات تقول بإباحة هذا الشيء، وأُخرى تنهى عنه أو تأمر به. وهناك بعض الروايات تقول بصحّة هذا العمـل، وأُخرى تتناقض معها أو تضادّها.

وعندما يواجه العلماء مثل هذه الروايات، وهي جميعها صحيحة السند مكتملة الحجّية عندهم يواجهون مشكلة عِلمية وتعبّديـة، وعليهم أن يقوموا بحلِّ هذا التعارض، والمسؤول عن حلّ هذا التعارض هو عِلم أصول الفقْه.

ويشترط في الدليلين المتعارضين أن يكون كلّ واحد منهما حجّة، ولولا معارضه لعُمِل به. وأن ينفي أحدهما ما يُثبته الآخَـر. وأن لا يكون أحدهما وارداً أو حاكماً على الآخَر (1) .

ولقد أفرد العلماء مبحثاً خاصّاً في عِلم أصول الفقْه تحت عنوان (التعارض)، بيّنوا فيه حقيقة التعارض، وأسبابه وطُرُق حلّه.

فالتعارض كما عرّفه العلماء هو: (تنافي مدلولَي الدليلين على وجه التناقض أو التّضاد) (2) .

عِلماً بأنّ مِن بديهيّات الفَهْم الإسلامي، أنّ محتوى الكتاب والسنّة لا يمكن أن يَحدُث فيه أيّ تعارضٍ أو تناقض، وإلى ذلك أشار القرآن الكريم بقوله: ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (3) . غير أنّ الكَذِب والدسّ في

____________________

(*) لا يقع التعارض إلاّ بين الأدلّة الظنّية نفسها، فلا يقع التعارض بين الدليل القطعي ودليلٍ قطعيٍّ آخَر، ولا بين دليلٍ قطعيٍّ وآخَر ظنّي، ولا بين دليلٍ قطعيٍّ وبين الأصول العملية كالاستصحاب والتخيير والاحتياط.

(1) العلاّمة محمّد جواد مغنية / عِلم أُصول الفقْه في ثوبه الجديد: ص 431.

(2) الشيخ الأنصاري / الرسائل 2: 750.

(3) سورة النساء: آية 82.


المروِيّات هو سبب التعارض الحقيقي الأوّل في الروايات. كما أنّ هناك أسباباً أُخرى وراء التعارض الظاهري كالنَسْخ، أو التخصيص والتقييد المتوجّهين إلى العامّ والمطلق...، ممّا اقتضى دراسة هذه المشكلة العِلمية في السُنّة، ووضْع منهجٍ عِلميٍّ لحلّها.


كيف يُعالَج التعارض؟

لقد وضع العلماء قواعدَ خاصّة لمعالجة الرّوايات، التي تأتي متعارضة - مختلفة الدِلالة - وتحديد الموقف منها كالآتي:

1 - عند دراسة الرّوايات المتعارضة، وُجد أنّ بعض هذا التعارض ليس تعارضاً حقيقياً، بل هو تعارض ظاهري، ممكن الحلّ والعلاج، كالتعارض بين رواية تعطينا حُكماً عامّاً وأُخرى تُخصّص هذا الحُكم، فعندئذٍ يُقدّم الخاصّ على العامّ؛ لأنّ الرواية جاءت لتُبيّن لنا هذا التخصيص، وليست مناقضة للرواية التي تبيّن حُكماً عامّاً.

2 - إذا ورَدت روايتان متعارضتان، وكان كلّ منهما قد توفّرت فيها شروط الحجّية، ولكن وجَدنا بعض المرجِّحات في السنَد أو المتْن، مثل أن تكون إحداهما موافقة للقرآن، أو موافقة لرواية ثابتة الصحّة، أو تكون هذه الرواية مشهور عنـد الرواة، فإنّها تُقدّم على مُعارِضتها، ويؤخَذ بها وتُترك الأُخرى بسبب هذه المرجّحات، وبذا فإنّ الرواية التي يوجد فيها مرجّح على الرواية التي تكذّبها، لا تُعتبر معارضة لها في حقيقتها؛ لأنّها تملك الرجحان عليها.

3 - إذا ورَدت روايتان متعارضتان ومتساويتان في كلّ شيء، ولا يوجد لأحدهما مرجّح على الأُخرى، ولا يمكن الجَمع بينهما، كما جُمع بين العامّ والخاصّ، فإنّ للعلماء رأيَين مختلفين لمعالجة هذا التعارض، وهما:

أ - التساقط: فقد قال فريق مِن العلماء: إذا ورَدت روايتان قد توفّرت في كلٍّ منهما شرائط الحجّية، ولا يمكن الجمْع بينهمـا، ولا مرجّح لإحداهما على الأُخرى،


فعندئذٍ تسقط هاتان الروايتان، ونعمل بالأصْل الموافق لإحداهما، كالتخيير مثلاً، حتّى كأنّنا لمْ نجد نصّاً في هذه القضية.

ب - التخيير: يرى فريق آخَر مِن العلماء: أنّه إذا ورَدت روايتان متعارضتان، قد توفّرت في كلٍّ منهما شرائط الحجّية، ولا يمكن الجمْع بينهما، ولا ترجيح لإحداهما على الأُخرى؛ لانعدام المرجّح، فإنّنا مخيّرون بالعمل بأيِّهما شئنا.

واحتجّوا بروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقد روى الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال: (قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة، فقال: ما جاءك عنّا فقِس على كتاب الله (عزّ وجلّ) وأحاديثنا، فإن كان يشبههما فهـو منّا، وإن لمْ يكن يشبههما فليس منّا. قلت: يجيئنا الرجُلان وكلاهما ثقة بحديثَين مختلفين، ولا نعلم أيّهما الحقّ. قال: فإذا لمْ تعلم فموَسّعٌ عليك بأيّهما أخذت) (1) .

وإذاً فالمنهج الأصولي في الفقْه الجعفري، في التعامل مع الروايات المتعارضة المتوفّر فيها شروط الحجّية، يدور بين الأساليب الآتية كلاًّ في موقعه، وهي:

1 - الترجيح بسبب بعض المرجّحات في السند أو المتْن أو مِن خارجهما، التي تتوفّر في إحدى الروايتين المتخالفتين، ولا تتوفّر في الأُخرى.

2 - الجمْع بين مدلولَي الروايتين، كالجمْع بين روايةٍ تنهى عن فِعلٍ وأُخرى تُبيحه. فإنّ الجمْع بين هاتين الروايتين يُفهِمنا أنّ المقصود هو الكراهة، وكالجمْع بين العامّ والخاصّ بتقديم الخاصّ على العامّ. واستنتاج أنّ لا تعارض حقيقياً بيـن الروايتيـن، بل هو تخصيصٌ للعام.

____________________

(1) الحُرّ العاملي / وسائل الشيعة 18: 87.


3 - التخيير بالعمل بأيِّهما شاء عند استقرار التعارض.

4 - إسقاط المتعارضَين معاً، والعمل بالأصْل الموافق لأحدهما عند استقرار التعارض أيضاً.


العلاقة بين الكتاب والسنّة

والسنّة - بما هي - المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله، فإنّ هناك علاقات تشريعية بين الكتاب والسنّة، كان أئمّة أهل البيت وعلماء هذه المدرسة قد بيّنوها بإيضاحٍ كامل، ويمكن إيجاز هذه العلاقة كالآتي:

1 - السنّة تبيِّن مُجمَل الكتاب: لقد جاءت كثير مِن أحكام القرآن الكريم مجمَلة غير مبيّنة ولا مفصّلة، كالوضوء والصلاة والحجّ وتفصيلات الزكاة... الخ.

لذا فقد قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ببيانها للأُمّة، وأوضح تفصيلاتها، وقد اصطلح العلماء على ما يحتاج إلى بيان (بالمُجمَل)، وعلى ما لا يحتاج إلى بيان (بالمُبَيَّن)، كما سمّوا ما يحتاج إلى بيان (بالمُبَيَّن) أيضاً بعد حصول هذا البيان.

وترى المدرسة الإمامية أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد بيَّن المُجمَل القرآني بالوسائل الآتية:

أ - بالقول: فكثير مِن المجملات قد وضّحها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقوله لأصحابه.

ب - بالكتابة: فقد كتب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عشَرات الرسائل والكتُب إلى عمّاله، وإلى الملوك والرؤساء، كما كتب العديد مِن المعاهدات والمواثيق، ففَهِم المسلمون منها مُجْمَلات كثيرة.

جـ - بالإشارة: فقد تمَّ الإيضاح والبيان بالإشارة، كما أوضح (صلّى الله عليه وآله) بقوله: الشهر: هكذا وهكذا بأصابعه العَشر، ثمّ أعاد وحبَس إصبعه في


الثالثة (1) .

د - بالفِعل: فقد يتمّ بيان المُجمَل بالفِعل النبويّ.

قال المحقّق الحلّي: وأنكر ذلك قوم، والأصحّ جوازه، كما بيّن النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الحجّ والوضوء بفِعْله، ولا يكون ذلك بياناً حتّى يُعلَم ذلك مِن قصده، أو كقوله (صلّى الله عليه وآله): (صلّوا كما رأيتموني أُصلّي)، أو بالدليل العقلـي، كما إذا فَعَل (صلّى الله عليه وآله) وقت الحاجة إلى بيان الخطاب (2) .

هـ - الترك: كأن يتركه (صلّى الله عليه وآله) بعد فِعله عمْداً، ويكن الخطاب متناولاً له ولأُمّته، يُعلَم خروجُه عن العموم (3) .

2 - السنّة تخصّص (4) عموم الكتاب: وتؤمِن مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، بأنّ السنّة تخصّص عموم الكتاب، وهناك مصاديق كثيرة توضّح أنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قد خصّص عموم الكتاب، وقد اعتنى الأُصوليّون ببحث العامّ والخـاصّ، وثبّتوه كأحد المباحث الأُصولية الهامّة، وعدّوا السنّة النبويّة إحدى المخصّصات لعموم الكتاب.

قال المحقّق الحلّي: (تخصيص الكتاب بالكتاب جائز... وكذلك تخصيص الكتاب بالسنّة قولاً، كتخصيص آية المواريث، بقوله (صلّى الله عليه وآله): (القاتل لا يرَِث). وفِعلاً، كتخصيص آية الجَلد برجْمِه (صلّى الله عليه وآله) ماعزاً) (5) .

3 - تقييد مطلق الكتاب (6) : مِن الواضح أنّ كثيراً مِن آيات القرآن الكريم، قد جاءت مفاهيمها وأحكامها مطلقة، وقد جرى تقييدها بآياتٍ أُخرى، كما جرى تقييدها بالسنّة النبويّة، مثال ذلك، قوله تعالى: ( أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ

____________________

(1) المحقّق الحلّي / معارج الأُصول: ص 109.

(2) و(3) و(4) و(5) و(6) المصدر السابق.


وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (1) .

فإنّه مقيّد بما جاء عن النبيّ: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله).

وبالجمْع بين الآية الكريمة وبين الحديث، نخلص بمفهومٍ فقهيٍّ جديد، وهو أنّ طاعة وليّ الأمْر مشروطة بطاعة الله.

4 - السنّة تنسَخ حُكم الكتاب: جوّز العلماء، أن تَنسَخ السنّة حُكم الآية الكريمة، كما تنسَخ الآية حُكم الآية الأُخرى، ولكن لمْ يكن هناك مثال واحد لهذا النسْخ، كما يذكر العلماء ذلك، عِلماً بأنّ هذا لا يثبت ادّعاؤه إلاّ بالسنّة المتواترة.

____________________

(1) سورة النساء: آية 59.


الدليل العقلي

جاء الإسلام ليفتح آفاق التفكير والفهْم العِلمي أمام العقل، ودعاه إلى التفكّر والتأمّل في ملكوت السماوات والأرض؛ لمعرفة الله سبحانه، واكتشاف عظمته، وصدق أنبيائه؛ لذا كان الإيمان بالله وتصديق الأنبياء نتيجة عِلمية لاكتشاف العقل، وممارسته عملية التفكير.

وإذا كان العقل هو الدليل على الإيمان بالله ورُسُله، فإنّ مِن صلاحية العقل أن يكون حجّة في إدراكه التامّ، لِما يمكن أن يُدركه مِن الأحكام الشرعية بصورةٍ مستقلّة، أو بواسطة البيان الشرعي، والدلالة عليها. وبذا صار أداة مِن أدوات الفهْم والاستنباط.

وقد آمنت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بدَور العقل التشريعي هذا، وَعدَّهُ علماء أُصول الفقْه مِن أدلّة الأحكام، فقسّموا الأدلّة إلى أدلّة: عقلية وشرعية.

وبذلك كتب الشهيد الصدر (قدّس سرّه) يقول: (والدليل المحرِز في المسألة الفقهية، سواء كان قطعيّاً أو لا، ينقسم إلى قسمين:

الأوّل: الدليل الشرعي، ونعني به: كلّ ما يصدر عن الشارع ممّا له دلالة على الحُكم الشرعي، ويشتمل ذلك على الكتاب وعلى السنّة، وهي قول المعصوم وفِعله وتقريره.

الثاني: الدليل العقلي، ونعني به: القضايا التي يُدركها العقل، ويمكن أن يُستنبَط منها حُكمٌ شرعي، كالقضية العقلية القائلـة: بأنّ إيجاب شيءٍ يستلزم إيجاب مقدّمته) (1) .

غير أنّ دخول هذا المصطلح إلى مجال المدرسة الفقهية، وتقبّله كدليل

____________________

(1) الشهيد الصدر / دروس في عِلم أُصول الفقْه (الحلقة الأُولى): ص 82.


للأحكام، لاقى معارضة حادّة في إطار فقهاء الشيعة الإمامية؛ لاختلاط المفهوم بغيره مِن المفاهيم المرفوضة في الفقْه الإمامي، إذ تصوّر الرافضون لهذا الدليل، أنّ معنى اعتبار العقل دليلاً مِن أدلّة الأحكام: هو جعْل العقل مشرّعاً، وهو بالتالي يعني العمل بالرأي، الذي رفضه أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وفقهاؤهم مِن بعدهم.

غير أنّه بالحوار العِلمي، ووضوح المصطلح بوضوح مصاديقه، ومجال الاستفادة منه، وتحديد ماهيّته، سكنَتْ العاصفة بعد قرونٍ مِن الجدَل، لا سيّما بين المدرسة الإخبارية الرافضة، وبين المدرسة الأُصولية المتبنّية لهذا الاتّجاه الفقهي.

ولكي يكون واضحاً معنى (الدليل العقلي) في الفقْه الإمامي، ننقُل عن علماء أُصول الفقْه الذين درسوا أدلّة الأحكام دراسةً تفصيليةً دقيقة، ننقل عنهم موجزاً توضيحياً لهذا الدليل.

تعريف الدليل العقلي:

عرّف الفقيه الشهيد الصدر (قدّس سرّه) الدليل العقلي بقوله: (الدليل العقلي: كلّ قضية يُدركها العقل، ويمكن أن يُستنبَط منها حكمٌ شرعي) (1) .

وعرّف الفقيه الراحل الشيخ محمّد رضا المظفّر دليل العقل بقوله: (فالذي يصلُح أن يكون مراداً مِن الدليل العقلي، المقابل للكتاب والسنّة هو: كلّ حُكمٍ للعقل يوجِب القطع بالحُكم الشرعي. وبعبارة ثانية هو: كلّ قضية عقلية يتوصّل بها إلى العِلم القطعي بالحُكم الشرعي) (2) .

وهكذا يتحدّد مقصود الفكر الأُصولي الإمامي مِن اعتبار العقل دليلاً مِن أدلّة الأحكام، وأن المقصود به هو العقل النظري أو البدهي. فالتعريف يوضّح أنّ

____________________

(1) المصدر السابق / (الحلقة الثانية): ص 229.

(2) الشيخ محمّد رضا المظفّر / أُصول الفقْه 3: 125.


المقصود بالعقل، هو الإدراك العقلي لأيّة قضية توصلنا إلى العِلم القطعي بالحُكم الشرعي، كإدراك العقل أنّ مقدّمة الواجب التي لا يتمّ إلاّ بها واجبة في حُكم الشرع، كوجوب قطع المسافة بين إقامة المكلّف، وأماكن تأدِيَة فريضة الحجّ، أو أداء صلاة العيد والجمعة مثلاً.

أنواع الحُكم العقلي:

وانطلاقاً مِن تعريف حُكم العقل لدى العلماء، بأنّه كلّ حُكمٍ عقليٍّ يوجِب القطع بالحُكم الشرعي، فقد قسّموا أحكام العقل إلى قسمين هما:

1 - المستقلاّت العقلية: و هي الأحكام التي يستقلّ العقل بالحُكم بها، كقُبح الظلم، وقُبح الفوضى، وقُبح العقاب بلا بيان، وهي الأحكام التي يشخّصها العقل بمفرده، دون الاستعانة بالبيان الشرعي.

2 - غير المستقلاّت: وهي الأحكام التي يُدركها العقل بالاستعانة بالبيان الشرعي، كإدراكه لوجوب مقدّمة الواجب شرعاً، بعد أن ثبّت الشرع ذلك الواجب، وهذا الاستنتاج مبنيٌّ على قاعدةٍ عقلية صِرفة، وهي وجوب الشيء يقتضي وجوب مقدّمته.

ومِن الأحكام الشرعية التي يُدركها العقل في هذه المسألة مثلاً، هو الحُكم أيضاً بحُرمة ما يَحُول دون أداء ذلك الواجب.

ولنقرأ أخيراً بيان الفقيه الراحل الشيخ محمّد رضا المظفّر لمقصود فقهاء الإمامية مِن الدليل العقلي، فقد كتب موضّحاً: (إنّنا نقصد مِن الدليل العقلي، حُكم العقل النظري بالملازمة بين الحُكم الثابت شرعاً أو عقلاً، وبين حُكمٍ شرعيٍّ آخَر،


كحُكمِه بالملازمة في مسألة الإجزاء (1) ، ومقدّمة الواجب ونحوهما، وكحُكمِه باستحالة التكليف بلا بيان، اللازم منه حُكم الشارع بالبراءة، وكحُكْمه بتقديم الأهمّ في مورد التزاحم بين الحُكمَين، المستنتج منه فِعلية حُكم الأهمّ عند الله، وكحُكمِه بوجوب مطابقة حُكم الله لِما حَكَم به العقلاء في الآراء المحمودة.

فإنّ هذه الملازمات وأمثالها أُمور حقيقية واقعية، يُدركها العقل النظري بالبداهة أو بالكسْب؛ لكَونها مِن الأوّليات الفطريات التي قياساتها معها، أو لكَونها تنتهي إليها، فيعلم بها العقل على سبيل الجزم) (2) .

ê هكذا يتّضح لنا أنّ العقل، هو مُ¯رِك وكاشف عن الملازمات بين حُكمٍ شرعيٍّ وحُكمٍ شرعيٍّ آخَر، أو بين حُكمٍ عقليٍّ وحُكمٍ شرعيّآ آخَر، فإنّ نت G اج هذا الإدراك هي حجّة يجب العمل بها.

ولا يقصدون بالعقل هو التأمّلات الشخصية، أو العمل بالرأي، أو أمثال ذلك مِن التصوّرات التي قد يفهمها البعض مِن مصطلح العقل. على أنّ هذا الدليل قد حُلِّل ودُرِس دراسةً عِلميةً مستفيضة، ووُضِعت لاستخدامه الضوابط المنهجية، وقوانين التطبيق والاستفادة العِلمية، مِن قِبَل علماء أُصول الفقْه الحاذقين في هذا العِلم.

وختاماً ننقل رأي الشهيد الصدر (قدّس سرّه) - وهو مِن أعاظم فقهاء الإمامية - في العقل كدليل للاستنباط، قال (رحمه الله): (وأمّا ما يسمّى بالدليل العقلي، الذي اختلف المجتهدون والمحدّثون في أنّه هل يسوغ العمل به أو لا؛ فإنّا

____________________

(1) الإجزاء: هو في اللغة الاكتفاء. وفي المصطلح العِلمي: هو اكتفاء الشارع بما أتى به المكلّف، وأوضح الشيخ المظفّر ذلك بقوله: (كلّ ما يأتي به، وهو مأمور به حال الاضطرار، يلزمه عقلاً الإجزاء عن المأمور به حال الاختيار).

(2) الشيخ محمّد رضا المظفّر / أُصول الفقْه 3: 127.


وإن كنّا نؤمن بأنّه يسوغ العمل به، ولكنّا لمْ نجد حُكماً واحداً يتوقّف إثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى، بل كلّ ما يثبت بالدليل العقلي، فهو ثابت في نفْس الوقت بكتابٍ أو سُنّة) (1) .

____________________

(1) الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر / الفتاوى الواضحة (المقدّمة): ص 98.


الإجماع

وبعد أن تحدّثنا عن مصادر الفتوى الثلاثة (الكتاب والسنّة والعقل)، فلنُعرِّف بالإجماع، كمصدر للفتوى.

الإجماع في اللغة: يعني العَزم والتصميم والاتّفاق،

أمّا في الاصطلاح : فقد اختلف العلماء في تعريف وتحديد المقصود به، حسَب مذاهبهم وفهْمِهم له.

فقد ذهبت بعض المذاهب إلى أنّ المقصود به اتّفاق مطلق الأُمّة. وذهب بعضها إلى أنّ المقصود هو اتّفاق المجتهدين منهم في عصر. وذهب (مالك) إلى أنّ المقصود هو اتّفاق أهل المدينة. وقال بعضهم هو اتّفاق أهل الحرمين (مكّة والمدينة)، أو (أهل المِصرين: الكوفة والبصرة). وذهب بعضهم إلى أنّ المقصود به هو اتّفاق الشيخين، أو الخلفاء الأربعة (1) .

أمّا مدرسة الشيعة الإمامية، فقد آمنت بحجّية الإجماع، واختلف علماؤها كذلك في تحديده وتفسير حجّيته.

وقد تحدّث الفقيه الشهيد الصدر (قدّس سرّه) عن الإجماع وحجّيته، فأوضح أنّ الإجماع كاشف عن وجود الدليل الشرعـي، وليس هو دليلاً شرعياً مساوياً للكتاب والسنّة.

فإنّ الإجماع: عبارة عن إجماع أهل الفتوى والنظر مِن فقهاء عصر الغيبة المتقدّمين على فتوى معيّنة، دون أن يُعلَم لهم مستند لفظي محدّد. فهم تلقّوا جوّاً عامّاً مِن الاقتناع والارتكاز الكاشف عن الدليل الشرعي، عن الطبقات السابقة مِن

____________________

(1) محمّد تقي الحكيم / الأُصول العامّة للفقْه المقارن: ص 255.


الفقهاء والمتقدّمين عليهم.

وقد فسّر الشهيد الصدر (قدّس سرّه) الإجماع على أساس حساب الاحتمال وتراكم القرائن. فتفسير الإجماع يقوم على أساس أنّ الفقيه لا يفي إلاّ بدليل، وإنْ لم يذكر مستنده، غير أنّ فتواه في هذه القضيّة معرّضة للخطأ والصواب، وعندما يفتي فقهاء آخَرون الفتوى نفْسها ويُجمعون عليها، تعتبر فتوى كلّ واحدٍ منهم قرينةً على صحّة الفتوى (وبتراكم الفتوى تتجمّع القرائن الاحتمالية، لإثبات الدليل الشرعي بدرجةٍ كبيرة تتحوّل بالتالي إلى يقين؛ لتضاؤل احتمال الخلاف) (1) .

____________________

(1) الشهيد الصدر / دروس في عِلم الأُصول (الحلقة الثالثة) 1: 213 وما قبلها في بحث الإجماع.


تعريف بالفقْه والاجتهاد

الفقه في اللغة:

الفقْه هو التوصّل إلى عِلمٍ غائبٍ بعِلمٍ شاهد، فهو أخصّ مِن العِلم.

يُقال فَقُهَ الرجلُ فقاهةً إذا صار فقيهاً.

وفَقِهَ، أي فهِم فَقَهاً.

وفقهه، أي فهمه، وتفقّه، إذا طلبه فتخصَّص به.

قال تعالى: ( لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ ) (1) .

(الفقْه: الفهْم،...

هذا أصله: ثمّ خصّ به عِلم الشريعة) (2) .

وأمّا الفقْه في الاصطلاح:

فـ (هو العِلم بالأحكام الشرعية الفرعية، أو تحصيل الوظائف العملية عن الأدلّة التفصيلية) (3) .

وإذا كان عِلم الفقْه هو العِلم بالأحكام الشرعية الفرعية، كأحكام الصلاة والصوم والتجارة والأُسرة والعلاقات الدولية والعقوبات والشِركة والإجازة وغيرها... الخ.

____________________

(1) الراغب الاصفهاني / المفردات في غريب القرآن (مادّة فَقَه): ص 384.

(2) الرازي / مختار الصحاح.

(3) الشيخ عليّ المشكيني / اصطلاحات الأُصول: ص 180.


فالفقيه إذن، هو مَن توفّرت له ملَكة عِلمية تُمكِّنه مِن استنباط الأحكام مِن أدلّتها التفصيلية، وبذا يكون الفقْه عبارة عن عملية فهْم الدليل والاستنباط منه.

وهكذا نَجد الترابط الوثيق بين الاجتهاد، الذي هو عبارة عن بذْل الجُهد مِن أجْل استنباط الحُكم الشرعي الفرعي، أو تحصيل الوظيفة العملية. وبين فهْم الدليل واستنباط الأحكام منه.

وبما أنّ الدليل: هو كلّ ما يوصِلُنا إلى الحُكم، مِن بيانٍ شرعيٍّ أو إدراكٍ عقليٍّ؛ لذا كان الاجتهاد ضرورياً لاستنباط الأحكام، بعد تحديد أدلّتها وفَهْم مؤدّاها.

أمّا الاجتهاد فقد عُرّف مِن قِبَل العلماء بمعنيَيه - اللغَوي والاصطلاحي ـ.

فالاجتهاد في اللغة:

هو (الجَهد والجُهد، الطاقة والمشقّة..

والاجتهاد، أخْذ النفْس ببَذْل الطاقة وتحمّل المشقّة، يقال جهدت رأيي وأجهدتُه، أتعبتُه بالفِكْر...) (1) .

الاجتهاد في الاصطلاح:

نقل الآخوند الخراساني تعريفاً للاجتهاد بقوله: (الاجتهاد في اللغة: تحمّل المشقّة، واصطلاحاً كما عن الحاجبي والعلاّمة، استفراغ الوسْع في تحصيل الظنّ بالحُكم الشرعي.

وعن غيرهما ملَكة يقتدر بها على استنباط الحُكم الشرعي الفرعي مِن الأصل، فِعلاً أو قوّة قريبة) (2) .

____________________

(1) الراغب الاصفهاني / المفردات في غريب القرآن (مادّة جَهَد): ص 101.

(2) الآخوند الخراساني / كفاية الأصول: ص 528.


ثمّ علّق الآخوند بقوله: (فالأَولى تبديل الظنّ بالحُكم، بالحجّة عليه)، فيكون تعريف الاجتهاد عند الآخوند - وهو مِن أعاظم العلماء الأُصوليين المتأخّرين - هو: (استفراغ الوسْع في تحصيل الحجّة على الحُكم الشرعي) (1) .

أمّا المحقّق الحلّي فقد عرّف الاجتهاد بقوله: (الاجتهاد: افتعال مِن الجُهد، وهو في الوضع: بذْل المجهود في طلب المراد مع المشقّة).

وهو في عُرف الفقهاء: (بذل الجُهد في استخراج الأحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام مِن أدلّة الشرع اجتهاداً) (2) . (فإن قيل: يلزم على هذا أن يكون الإمامية مِن أهل الاجتهاد.

قلنا: الأمر كذلك، لكن فيه (إيهام) (3) مِن حيث إنّ القياس مِن جملة الاجتهاد، فإذا استُثنيَ القياس، كنّا مِن أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطُرُق النظرية، التي ليس أحدها القياس) (4) .

وهكذا نفْهم أنّ الاجتهاد في الفقْه الجعفري يعني: عملية اكتشاف الأحكام والقوانين الإسلامية، التي لمْ ترِد صريحةً في الأدلّـة، وتحتاج إلى اكتشاف واستخراج مِن مصادرها (الكتاب والسنّة)، وتشخيص وظيفة المكلّف الشرعية، وليس عملاً برأي الفقيه واستنباطه العِلل والقياس عليها، أو استحساناته التي تنقدح في نفْسه.

فالفقيه وفْق هذا المنهج يمارس عمله الاستنباطي، كما يمارس عالِم الفيزياء والطِّب عمله الاستنباطي لقوانين الطِّب والفيزيـاء، والفقيه يُخطئ ويُصيب عندما يمارس عملية الاستنباط، كما يُخطئ أيّ عالِمٍ في الطِّب أو الفيزياء، مثلاً، عندما يحاول البحث عن قوانين العِلم واكتشافها.

____________________

(1) المصدر السابق: ص 529.

(2) المحقّق الحلّي: الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الحلّي / معارج الأُصول: ص 179.

(3) كذا الظاهر وفي بعض النُسَخ: (إبهام).

(4) المحقّق الحلّي / معارج الأُصول: ص 179.


وقد أسّس العلماء عِلم أُصول الفقْه، كنهجٍ لتنظيم عملية الاستنباط وصيانة التفكير الفقهي مِن الانحراف، بتحديد أدلّة الأحكـام، وكيفية الفهْم والاستنباط وتحديد الموقف، في حالة فقدان النصّ الشرعي... الخ.

وقد عُرّف عِلم أصول الفقْه بتعاريف كثيرة، منها: (هو عِلمٌ يُبحَث فيه عن قواعد استنباط أحكام التشريع الإسلامي مِن أدلّتها) (1) .

وعُرّف: (بالعِلم بالعناصر المشتركة في عملية استنباط الحُكم الشرعي) (2) .

وقد ثبَتت أصول هذا العِلم ومسائله ومباحثه على عهد الإمامَين العَلمَين، محمّد الباقر وولده جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام)، وأَمْليَا تلك المسائل والأصول على تلامذتهم.

فقد كتب العلاّمة السيّد حسن الصدر في كتابه: (تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام)، في سبْق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وتأسيسهم هذا العِلم وبيان مسائله، وأوضح ذلك بقوله:

(فاعلم أنّ أوّل مَن أسّس أصول الفقْه، وفتَح بابه، وفتَق مسائله، هو الإمام أبو جعفر الباقر للعلوم (عليه السلام)، ثمّ بعده ابنه الإمام أبو عبد الله الصادق، وقد أمْلَيا على أصحابهما قواعده، وجمعوا مِن ذلك مسائل، رتّبها المتأخّرون على ترتيب المصنّفين فيه، برواياتٍ مسندة إليهما، متّصلة الإسناد.

وكتُب مسائل الفقْه المروية عنهما موجودة بأيدينا إلى هذا الوقت بحمد الله، منها كتاب (أصول آل الرسول)، مرتّب على ترتيب مباحث أصول الفقْه الدائر بين المتأخّرين، جمَعه السيّد الشريف الموسوي هاشم بن زين العابدين الخونساري الأصفهاني (رضي الله عنه) نحو

____________________

(1) عبد الهادي الفضلي / مبادئ أُصول الفقْه: ص 7.

(2) الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر/ دروس في عِلم الأصول (الحلقة الأُولى): ص 38.


عشرين ألف بيت كتابة.

ومنها (الأصول الأصلية) للسيّد عبد الله العلاّمة المحدّث الشبري عبد الله بن محمّد الرضا الحسيني الغروي، وهذا الكتاب مِن أحسن ما روي فيه أصول الفقْه، يبلغ خمسة عشر ألف بيت.

ومنها (الفصول المهمّة في أصول الأئمّة) للشيخ المحدِّث محمّد بن الحسن بن عليّ بن الحرّ المشغري صاحب كتاب (وسائل الشيعة).

وحينئذٍ فقَول الجلال السيوطي في كتاب (الأوائل): أوّل مَن صنّف في أصول الفقْه الشافعي بالإجماع، في غير محلّه، إن أراد التأسيس والابتكار. وإن أراد المعنى المتعارف مِن التصنيف، فقد تقدّم على الإمامَ الشافعي في التأليف فيه هشامُ بن الحَكَم - المتكلّم المعروف - مِن أصحاب أبي عبد الله الصادق [عليه السلام].

وأوّل مَن صنّف فيه:

هشام بن الحَكم شيخ المتكلّمين في الأصوليين الإمامية، صنّف كتاب الألفاظ ومباحثها، وهو أهمّ مباحث هذا العِلم.

ثمّ يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين، صنّف كتاب (اختلاف الحديث ومسائله)، وهو مبحث تعارض الحديثين، ومسائل التعادل والترجيح في الحديثين المتعارضين، رواه عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام)، ذكَرهما أبو العبّاس النجاشي في كتاب (الرجال). والإمام الشافعي متأخّر عنهما) (1) .

ويؤرّخ العلاّمة السيوطي في كتاب الأوائل لنشأة عِلم أصول الفقْه عن المذاهب الأربعة، بالإضافة إلى تسميَته مَن ألَّف في تلك الفترة مِن فقهاء المذهب الجعفري في هذا العِلم، فيقول:

(أوّل مَن صنّف في أصول الفقْه: الشافعي، بالإجماع - يعني مِن الأئمّة الأربعة مِن أهل السنّة - ونظير كتاب الشافعي (رضي الله عنه) في صغر الحجم،

____________________

(1) السيّد حسن الصدر / تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: ص 310 - 311.


وتحرير المباحث كتاب: (أصول الفقْه) للشيخ المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان، المعـروف بابن المعلّم، شيـخ الشيعـة) (1) .

وقد نما هذا العِلم وتطوّر وبلَغ الغاية في النُضج والكمال، وأصبح مِن أعقد علوم الاستنباط، وأكثرها أهمّية.

فأُلّفت الموسوعات والمصنّفات، وبُذِلت الجهود للتحقيق والبحث في هذا العِلم، ولمْ يتوقّف الدرس والبحث والتأليف، بل ازدادت الحاجة والرجوع إليه؛ لأنّه أداة الاستنباط، ولأنّ باب الاجتهاد ما زال مفتوحاً في الفقْه الجعفري.

وقد تميّز عِلم أصول الفقْه في مدرسة الصادق (عليه السلام)، بكثيرٍ مِن مباحثه ومسائله ومسلّماته واتّجاهاته عن أصول المذاهب الفقهية الأُخرى، كما تختلف المذاهب الإسلامية الأُخرى، فيما بينها في كثيرٍ مِن مسائل هذا العِلم ومتبنّياته.

وفي هذا العِلم درس الأصوليون الجعفريون أدلّة الأحكام (الكتاب والسنّة والعقل والإجماع)، وناقشوا الأدلّة الأُخرى لدى المذاهب الفقهية، وبحثوا الأصول العملية التي يُرجَع إليها في تحديد الوظائف العملية للمكلّف، كالاستصحاب والبراءة والتخيير والاحتياط، عندما يتعذّر على الفقيه الحصول على الحُكم الشرعي مِن أدلّته.

ومِن الجدير ذِكره أنّ فقهاء المذاهب الأُخرى، قد تناولوا هذه الأبحاث والدراسات الأصولية أيضاً بالدراسة والمناقشة، وكان طبيعياً أنّ هذه الدراسات، يلتقي فيها الأصوليون مِن مختلف المذاهب الفقهية في بعض المسائل والموضوعات، ويختلفون في بعضها الآخَر.

____________________

(1) العلاّمة السيّد عليّ نقي الحيدري / أصول الاستنباط: ص 42.


الحُسن والقُبح

وكأساسٍ لتحديد ما ينبغي أن يفعله الإنسان، وما لا ينبغي أن يفعله، وما يصحّ أن يصدر عن الله سبحانه، وما لا يصحّ صدوره عنه مِن الأفعال، تناول علماء العقيدة وأصول الفقْه مسألة الحُسن والقُبح، أو المصلحة والمفسدة في الأشياء والأفعال، فأُثير سؤال بين أصحاب الفِرَق والمذاهب العقيدية الكبرى عند المسلمين، وهم المعتزلة، والإمامية، والأشاعرة.

والسؤال هو: هل للأشياء والأفعال وصْفٌ ذاتيّ ثابت تتّصف به مِن الحُسن والقُبح، أو المصلحة والمفسدة، يستطيع العقل البشري أن يشخّصها؟ أو أنّ الحُسن والقُبح شيئان اعتباريان، فالحُسن ما اعتبره الشارع حَسناً، والقبيح ما اعتبره الشارع قبيحاً.

وجاء السؤال بصيغة: هل الحُسن والقٌبح عقليّان أو شرعيّان؟.

فقالت الإمامية: بأنّ للأشياء حُسناً وقُبحاً ذاتيين، فالشيء يحمل بذاته صفةً حسَنة، أو قبيحة (ضارّة أو نافعة)، والعقل يستطيع أن يُشخّص موارد كثيرة مِن هذا الحُسن والقُبح بالاستقلال عن الشرع، كما أنّ هناك أفعالاً لا يستطيع العقل أن يشخّصها، بل الشرع وحده هو الذي يستطيع أن يُشخّص وَصْفها، ويحدّد ما إذا كان ينبغي فِعلها أو تركها.

أمّا الأشاعرة، فأنكروا أن يكون للأشياء والأفعال التي ينبغي أن تُفعَل أو تُترَك، وصفٌ ذاتيٌّ مِن القُبح والحُسن، وذهبت إلى أنّ الحُسن ما حسّنه الشارع، وأمَر به، والقبيح ما قبَّحه الشارع، ونهى عنه؛ ولولا ذلك لَما كان للأفعال البشَرية، كالصِدق وأداء الزكاة، وشُرب الخمْر والكذب والزنا والربا، حُسنٌ ولا قُبحٌ ذاتيّ توصَف به.


وبالإمكان أن يأمر الشارع، أو ينهى بخلاف ما أمَر به ونهى عنه، فيصير الحَسَن قبيحاً، والقبيح حَسناً.

ولنقرأ؛ لإيضاح هذه المسألة، ما كتَبه العلاّمة الحلّي في كتابه (نهج الحقّ وكشف الصدق) قال: (ذهبت الإمامية، ومَن تابعهم مِن المعتزلة، إلى أنّ مِن الأفعال ما هو معلوم الحُسن والقُبح بضرورة العقل، كعِلمنا بحُسن الصدق النافع، وقُبح الكذب الضارّ، فكلّ عاقل لا يشكّ في ذلك.

وليس جَزمه بهذا الحُكم بأدْوَن مِن الجزم بافتقار الممكن إلى السبب، وأنّ الأشياء المساوية لشيءٍ واحد متساوية. ومنها ما هو معلوم بالاكتساب أنّه حَسَن، أو قبيح، كحُسن الصدق الضارّ، وقُبح الكذب النافع. ومنها ما يعجَز العقل عن العِلم بحُسنه أو قبحه، فيكشف الشرع عنه كالعبادات.

وقالت الأشاعرة: إنّ الحُسن والقُبح شرعيّان، ولا يقضي العقل بحُسن شيءٍ منها، ولا بقُبحه، بل القاضي بذلك هو الشـرع، فما حسّنه فهو حسَن، وما قبّحه فهو قبيح. وهو باطل) (1) .

واستدلّ الإمامية على فهْمهِم التشخيصي هذا: بأنّ العقلاء الذين لا يؤمنون بدِين يذمّون مَن يكذب، ويظلم الناس، ومَن يخون الأمانة. ويمدحون الصادق والأمين والعادل... الخ.

ولَجاز أن يفعل الله أيّ فِعلٍ بالعباد، كالكَذِب عليهم، وعدم الوفاء لهم بما وعدهم، وتكليف العباد فوق الطاقة؛ ذلك لأنّ الأفعال لا توصَف بشيءٍ وصفاً ذاتياً، ولا تحمِل القُبح والحُسن الذاتي، ولكنّه منزّه عن ذلك، بل أمْره وإرادته تتعلّق بما هو حَسن ونافع في ذاته، فيُشخِّص لنا حُسنه بطلب فِعله.

كما يتعلّق نهْيُه بالشيء الضارّ بذاته، فيشخِّص لنا ضرره وقُبحه، ويأمرنا

____________________

(1) العلاّمة الحلّي / نهج الحقّ وكشف الصدق: ص 82 - 83.


بتَركه؛ لذلك عندما درس علماء أُصول الفقْه (الحُكم الشرعي) دراسةً تحليلية، وبيّنوا مبادئه، انتهوا إلى أنّ للحُكم الشرعي مبادئ ثلاثة يتقوّم بها، وهي:

1 - المِلاك.

2 - الإرادة.

3 - الاعتبار.

وقد عرَض الشهيد الصدر لهذا التحليل توضيحاً موجزاً ومؤدّياً، فلنقرأه بإمعانٍ؛ لربط أفكار الموضوع بعضها بالبعض الآخَر.

قال: (ونحن إذا حلّلنا عملية الحُكم التكليفي، كالوجوب - كما يمارسها أيّ مولى في حياتنا الاعتيادية - نجد أنّها تنقسم إلى مرحلتين: إحداهما: مرحلة الثبوت للحُكم، والأخرى مرحلة الإثبات والإبراز.

فالمولى في مرحلة الثبوت، يُحدّد ما يشتمل عليه الفِعل مِن مصلحة - وهي ما يسمّى بالمِلاك - حتّى إذا أدرك وجود مصلحة بدرجةٍ معيّنة فيه، تولّدت إرادة لذلك الفِعل بدرجةٍ تتناسب مع المصلحة المدرَكة، وبعد ذلك يصوغ المولى إرادته صياغةً جَعْليةً مِن نوع الاعتبار، فيعتبِر الفِعل على ذمّة المكلّف.

فهناك إذن في مرحلة الثبوت: مِلاك وإرادة واعتبار، وليس الاعتبار عنصراً ضرورياً في مرحلة الثبوت، بل يُستخدَم غالباً كعمل تنظيمي وصياغي، اعتاده المشرّعون والعقلاء، وقد سار الشارع على طريقتهم في ذلك) (1) .

وهكذا يفهم الفكر الفقهي الإمامي أنّ الاعتبار الشرعي يدور مدار المِلاك، وهو مقدار المصلحة أو المفسدة الذاتية في الفِعل، الداعية إلى تشريع الحُكم.

وجاءت الأبحاث والدراسات العِلمية، الطبيّة، والاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية... الخ، فكشفت لنا ضررَ أنماطٍ مِن السلوك والممارسات، وقُبحها قُبحاً ذاتياً،

____________________

(1) الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر / دروس في عِلم الأصول (الحلقة الثانية): ص 13 - 14.


ولا يمكن أن تكون حَسنة بذاتها، وإن اعتبرَها التشريع حسنة، فالخمْرُ ضارّ بالصحّة وسبب لأنواع الجرائم، والربا والاحتكار خطر اقتصاديّ مدمّر، وإنّ إباحة المشرِّع له لا تحوِّل مضارّه إلى منافع. وإنّ الزنا والشذوذ الجنسي وبالٌ وخطر على الصحّة البشَرية ونظام المجتمع بصورة ذاتية، وليس بسبب نهي التشريع عنه، بل جاء نهْيُ التشريع تشخيصاً لِما فيه مِن قُبحٍ ومفسدةٍ ذاتية.

وهكذا جاء الفَهم والتحليل العِلمي في الرؤية الإسلامية، التي رآها أتباع أئمّة أهل البيت مشخِّصاً للواقع العِلمي، ومتطابقاً مع ما توصّل إليه العِلم، وأدركه العقل ببداهته واستدلاله واستنتاجه.


الأصل والتكليف

أصالة البراءة:

إنّ الأساس الذي ينطلق منه الباحث عن الحُكم الشرعي، عندما يواجه مسألة مِن مسائل الحياة، عبادية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو غذائية أو غيرها، هو اللجوء إلى البحث في مصادر الأدلّة (الكتاب والسنّة)، فإن وجَد دليلاً على الوجوب أو الحُرمة عمل به، وأصبح ملزماً بالطاعة لله سبحانه.

أمّا إذا لمْ يجد دليلاً على ذلك، وبقيَ في مرحلة الشكّ والاحتمال لا يدري أواجبٌ هذا الفِعل مثلاً، أو أنّ ذلك الفِعل حرام في حال الشكّ في حُرمته، فما هو تكليفه في هذا الحال، هل حُكم هذه القضية المشكوك فيها أو تلك مِن الوجوب أو الحُرمة، هو منجّز بحقّه، وعليه أنْ يلتزم به في حال الشكّ والاحتمال، أو لا؟.

أجاب أكثر الفقهاء على هذا السؤال بنفْيِ المسؤولية عن كلّ تكليفٍ نشكّ في وجوبه أو حُرمته؛ محتجّين بأنّ العقل يحكم بقُبح عقاب المولى للمكلّف على تكليفٍ لمْ يصل إليه مِن قِبَله، وثبّتوا بذلك أصلاً تشريعياً باسم: (قُبح العقاب بلا بيان) أو (البراءة العقلية)، أي أنّ الأصل في التكليف هو (براءة الذمّة) ما لمْ يصل إلى المكلّف بيان بذلك، ولهذا الأصل العقلي ما يسنده مِن الكتاب والسنّة. كقوله تعالى: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (1) .

وكقول الرسول (صلّى الله عليه وآله): (رُفع عن أمّتي تسعة: الخطأ،

____________________

(1) سورة الاسراء: آية 17.


والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون وما لا يطيقون، وما اُضطرّوا إليه، والحسد، والطيَرة، والتفكّر في الوسوسة في الخلْق ما لمْ ينطق بشفة) (1) .

أصالة الحِلّ:

وكما ترى المدرسة الإمامية أنّ الأصل هو براءة الذمّة مِن التكليف المشكوك فيه، فإنّها تذهب أيضاً إلى أنّ الأصل في الأشياء والممارسات الإنسانية هو إباحتها للإنسان، ما لمْ يرِد دليل على الحُرمة. فثبّت الفقه الإمامي قاعدة (أصالة الحِلّ)، واستدلّ على ذلك بالكتاب والسنّة أيضاً، كقوله تعالى: ( قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (2) .

ممّا يدلّ على أنّ المحرّمات أشياء معدودة، حدّدها التشريع الإلهي، وبيّنها الله سبحانه للناس؛ لتبقى الأشياء والممارسات الأُخرى على أصلها المباح، فتتّسع دائرة المباح، وتفتح أبواب الحرّية والممارسة خارج دائرة المحرّم المحدّدة.

ويوضّح قول الإمام الصادق (عليه السلام) هذه القاعدة بقوله: (كلّ شيءٍ مطلق حتّى يرِد فيه نهي) (3) ، وقوله: (الأشياء مطلقة ما لمْ يرِد عليك أمْرٌ أو نهيٌ...) (4) .

____________________

(1) الشيخ الصدوق / الخصال: ص 417 (باب التسعة) / ح 9.

(2) سورة الأنعام: آية 145.

(3) الشيخ الصدوق / مَن لا يحضره الفقيه 1: 317 / ح 937. تهذيب الأحكام 7: 226 / ح 988.

(4) المصدر السابق.


أصالة الطهارة:

وإلى جانب هذين الأصلين (أصالة البراءة) و(أصالة الحِلّ)، ثبّتوا كذلك أنّ الأصل في الأشياء هو طهارتها، حتى يأتي الدليل القطعي على نجاستها أو تنجّسها، فقد جاء في الرواية الواردة عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام): (كلّ شيءٍ طاهر إلاّ ما علِمت أنّه قذر) (1) .

وبذا ثبتت الأُصول الثلاثة الكبرى؛ لتنظيم مسؤولية الإنسان ووظيفته الشرعية، فيما لمْ يرِد فيه دليل وبيان في هذه المجالات، وهي:

1 - إنّ الأصل براءة الذمّة مِن التكليف (أصالة البراءة).

2 - إنّ الأصل في الأشياء هو الإباحة (أصالة الحِلّ).

3 - إنّ الأصل في الأشياء هو طهارتها (أصالة الطهارة).

فالأصل في الذِمم البراءة، والأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، ما لمْ يرِد دليل وبيان على الوجوب أو الحُرمة أو النجاسة.

مسلك حقّ الطاعة:

وإلى جانب النظرية المشهورة (نظرية قُبح العقاب بلا بيان)، نجد مسلكاً آخَر، ذهب إليه الفقيه الكبير الشهيد السعيد السيّد محمّد باقر الصدر (رضوان الله عليه)، وقد أطلق على هذه النظرية اسم: (مسلك حقّ الطاعة).

وتقوم هذه النظرية على أساس اشتغال الذمّة في التكاليف المشكوك بها والمحتملة، ما لمْ يرِد ترخيص مِن الشارع بمخالفتهـا؛ ذلك لأنّ هذا المسلك يذهب إلى أنّ المولى سبحانه له حقّ

____________________

(1) الشيخ المفيد / المقنعة (الجوامع الفقهية): ص 3.


الطاعة على العباد، حتّى في التكاليف المشكوك في إلزاميّتها، ما لمْ يرِد دليل على الترخيص بها، فإن وجدنا دليلاً يرخّص لنا التحلّل مِن ذلك التكليف المحتمل، استطعنا بهذا الترخيص أن نتحلّل منه، وإلاّ فهو منجَّز بحقّنا، وعلينا أن نعمل به.


حَول مفهوم التخطئة والتصويب

عالجت الشريعة الإسلامية مختلف القضايا الفردية والاجتماعية التعبّدية والتنظيمية معالجةً تشريعية، فنظّمت شؤون المجتمع في مجالاته المختلفة، الأسرة والمال والاقتصاد والسياسة والقضاء والأرض... الخ، كما نظّمت شؤون العبادات، كالصلاة والصوم والحجّ، والمحلّل والمحرّم مِن الأطعمة والأشربة والسلوك الشخصي... الخ، فلمْ تكن هناك صغيرة، ولا كبيرة، إلاّ ولها حُكم شرعي يعالجها، أو يبيّن وظيفة المكلَّف وموقفه المحدّد منها.

وإلى هذا المعنى يشير الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بقوله:

(ما مِن شيءٍ إلاّ وفيه كتاب أو سنّة) (1) .

وقوله (عليه السلام): (إنّ الله تبارك وتعالى أنزل في القرآن تبيان كلّ شيءٍ، حتّى والله ما ترك الله شيئاً يحتاج إليه العباد، حتّى لا يستطيع عبد يقول: لو كان هذا أُنزل في القرآن؟ إلاّ وقد أنزله الله فيه) (2) .

وإلى هذا المعنى أيضاً تشير القاعدة القائلة: (ما مِن واقعة إلاّ ولله فيها حُكم حتّى أرش الخدْش).

فالفقْه الجعفري قائم في هذا المجال على أساس أنّ لله في كلّ واقعة - كلّ قضيّة فرديّة أو اجتماعية - حُكماً محدّداً، غير أنّ هناك قضايا تعبّدية واجتماعية لمْ تعالَج بشكلٍ واضح في نصّ الكتاب والسنّة، ولمْ تبيَّن أحكامها، فما الموقف مِن هذه القضايا؟ هل لها حُكمٌ واقعيٌّ في الشريعة الإسلامية قائم في عالم التشريع، أمْ

____________________

(1) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 59 / ح 4.

(2) المصدر السابق / ح 1.


ليس لها حُكمٌ واقعي عند الله سبحانه؟.

وقد انقسمت آراء علماء الإسلام في هذا المجال على قسمين، قِسم يرى: أنّ لله حُكماً واقعياً في كلّ قضيّة، قائماً في عالَم الجعْل والتشريع، سواء ما كان منها نصّياً مبيّناً بالنصّ الشرعيّ الوارد في القرآن أو السنّة، أو ما كان مستفاداً بالأدلّة ووسائل الإثبات الأخرى.

لذا فإنّ عمل المجتهد ينصَبّ على اكتشاف الحُكم الواقعي غير المبيّن، وهو في عمَله هذا يُخطئ الواقع تارةً، ويصيبه تارةً أخرى، شأنه شأن الباحثين في مجال العلوم والمعارف، كعلماء الطبّ والفيزياء والفلَك... الخ، فإنّهم يبحثون عن حقائق طبّيه وفيزيائية وفلَكية واقعية....الخ، وأنّ العالِم الباحث في هذا الحقل قد يستطيع اكتشاف الحقيقة والقوانين الواقعية، وقد يُخطئ في عملية الاكتشاف، فإن أصاب، فقد مثَّل اكتشافه الحقيقة والأمر الواقع، وإن أخطأ، فلا يمثِّل ما توصّل إليه التشريعَ الواقعي.

لذا فإنّ الفقهاء يعتبرون نتائج الاجتهاد أحكاماً ظنيّة بصورةٍ عامّة. إلاّ أنّ اجتهاد المجتهد في الشريعة - أصاب أو أخطأ - مجزٍ ومبرئ للذمّة؛ لأسباب ذكرها علماء الإسلام على مختلف مذاهبهم الفقهية، ويسمّى أصحاب الاتّجاه القائل بوجود حُكمٍ واقعيٍّ في كلّ قضية، وأنّ المجتهد يصيب هذا الحُكم تارةً، ويُخطئه أُخرى بـ (المُخطِّئة).

وهذا هو رأي فقهاء المذهب الجعفري؛ ذلك لأنّ الفقْه الجعفري يقوم على أساس أنّ لكلّ حُكمٍ مِلاكاً، أي لا بدّ مِن وجود مصلحة أو مفسدة في ذات الأشياء، تدعو إلى جعْل حُكمٍ يُبيح ذلك الشيء، أو يوجِبه، أو يحرّمه، أو يبيّن صحّته، أو بطلانه... الخ، مِن قِبَل الله تعالى، فالحُكم الشرعي: عبارة عن تعريف وإيضاح لهذه الحقيقة في عنوانه المحدّد بالحرمة أو الوجوب أو الإباحة أو الصحّة أو الفساد... الخ.

والحُكم الشرعي كما هو واضح، يمرّ بثلاث مراحل هي:


1 - مرحلة الجَعْل والتشريع مِن قِبَل الله سبحانه وتعالى.

2 - مرحلة التبليغ مِن قِبَل الرسول (صلّى الله عليه وآله).

3 - مرحلة الامتثال والتنفيذ (المرحلة الفعلية).

والرأي الذي يستند عليه علماء الفقْه الجعفري، هو أنّ كلّ قضية لها حُكم واقعي متمثّل في مرحلة الجعْل والتشريع، ولكنّه لمْ يصل إلينا أحياناً بسبب ضياعه تارةً، أو أنّ قدرتنا العِلمية قد قَصُرَت عن اكتشافه مِن مصادره الأساسية - كتاب الله والسنّة المطهّرة - تارةً أُخرى.

فإنّ السنّة المطهّرة لمْ تصل إلينا كاملة مِن جهة، ولا نقيّة مِن الدسّ مِن جهةٍ أُخرى؛ إمّا لعدم حفظها، أو بسبب الدسّ والكِذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مِن قِبَل البعض، بالإضافة إلى قصورنا العِلمي؛ لذلك يقول الإمام الصادق (عليه السلام):

(وما مِن شيءٍ إلاّ وفيه كتابٍ أو سنّة) (1) .

ولذا نلاحظ أنّ هناك مساحة شاغرة ليس لها أحكام محدّدة، بالنّص أو في دلالته الواضحة، فنحتاج إلى عمل المجتهد لاستنباطه وفْق الطُرُق والأصول العِلمية للاستنباط.

وقد تصوّر بعض فقهاء المذاهب الإسلامية، أنّ تلك المساحات الشاغرة تعني: أنّ ليس لله حُكم واقعي فيها.

وحُكم المجتهد يمثّل حُكم الله في هذه القضية، فهو دائماً مصيب بحُكمِه؛ ذلك لأنّه ليس هناك حُكم محدّد، فما يتوصّل إليه اجتهاد المجتهد فهو الحُكم، ويسمّى أصحاب هذه النظرية بـ (المصوّبة).

____________________

(1) الكليني / الأصول مِن الكافي 1: 59 / ح 4.


الحُكم وأقسامه

تعريف الحُكم:

عرّف الشهيد الصدر الحُكم الشرعي بأنّه: (التشريع الصادر مِن الله تعالى؛ لتنظيم حياة الإنسان وتوجيهه) (1) .

ونقل العلاّمة السيّد محمّد تقي الحكيم تعريفات للحُكم بقوله: (وقد ذكروا له تعريفات، لعلّ أنسَبُها بمدلوله هو: الاعتبار الشرعي المتعلّق بأفعال العباد، تعلّقاً مباشراً أو غير مباشر.

وإنّما فضّلنا كلمة (اعتبار) على ما جاء في تعريفه مِن أنّه: خطاب الشارع المتعلّق بأفعال المكلّفين، كما نقل ذلك الآمدي عن بعض الأصوليين، أو أنّه: خطابُ الله تعالى المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء، أو التخيير أو الوضْع، وهو الذي حكاه صاحب (سلّم الوصول) عن الأُصوليين؛ لأنّ كلمة خطاب لا تشمل الحُكم في مرحلة الجعْل، إنّما تختصّ بمراحله المتأخّرة مِن التبليغ والوصول والفعلية، لوضوح أنّها هي التي تحتاج إلى الخطاب؛ لأداء جعْل الشارع، واعتباره، فتعميمها إلى جميع مراحله أقرب إلى فنّية التعريف مِن وجْهة منطقية) (2) .

أقسام الحُكم:

وبعد أن قرأنا تعريف الإمامية للحُكم الشرعي ومصادر الحصول عليه، فمِن المفيد أن نعرّف بشكلٍ موجز بأقسام الحُكم الشرعي في المدرسة الإمامية؛ ليتّضح

____________________

(1) الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر / دروس في عِلم أُصول الفقْه (الحلقة الثانية): ص 13.

(2) محمّد تقي الحكيم / الأصول العامّة للفقْه المقارن: ص 55 - 56.


لدينا المنهج الفقهي، في تنظيم السلوك والعلاقات البشرية مع الله والنفْس والمجتمع والطبيعة وغيرها.

فالقاعدة التي ينطلق منها الفكر الإمامي في هذا المجال هي: (ما مِن واقعة إلاّ ولله فيها حُكم).

وقد قُسّم الحُكم عند العلماء المختصّين إلى قسمين:

1 - الحُكم التكليفي: وعُرّف بأنّه: (الاعتبار الصادر مِن المولى، مِن حيث الاقتضاء والتخيير) (1) .

2 - الحُكم الوضعي: وعُرّف بأنّه: (الاعتبار الشرعي الذي لا يتضمّن الاقتضاء والتخيير) (2)، وبذا فإنّ الحُكم الوضعي في الشريعة الإسلامية: هو كلّ حُكمٍ ليس بتكليفي، كالسببيّة، والمانعية، والشرطيّة، والصحّة، والفساد... الخ.

وقُسّم الحُكم التكليفي إلى خمسة أقسام، اثنان منها اقتضائيان - إلزاميان - وهما الوجوب والحُرمة. وثلاثة منها تخييرية، وهي الإباحة والكراهة والنَدْب.

وبذا تكون الأحكام التكليفية التي تنظّم العلاقات والنشاط والسلوك البشَري، في جانبه التكليفي في الفقْه الإمامي هي:

أ - الوجوب: (وهو الإلزام بالفِعل، فيكون معنى الواجب هو: الفِعل الذي ألزم الشارع بالإتيان به) (3) .

كالصلاة والصوم والحجّ والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر... الخ.

ب - الحرمة: (وهي إلزام المكلّف بترْك شيءٍ، فيكون معنى الفِعل المحرّم:

____________________

(1) مصباح الأُصول: ص 87، نقلاً عن السيّد محمّد تقي الحكيم (الأُصول العامّة للفقْه المقارن): 58.

(2) محمّد تقي الحكيم / الأصول العامّة للفقْه المقارن: ص 68.

(3) المصدر السابق: ص 58.


هو ما ألزم الشارع بترْكه، ولمْ يرخّص فيه) (1) ، كشرب الخمر، وقتْل النفْس المحترمة، والزنا، والغيبة... الخ.

جـ - المندوب: (ويراد به ما دعا الشارع إلى فِعل متعلّقه، ولمْ يُلزِمْ به) (2) ، كصلاة النافلة، وقراءة القرآن، وغُسل الجمعة، وإقراض المحتاج، وقضاء حاجته... الخ.

د - الكراهة: (هي ردْع الشارع للمكلّف عن الإتيان بشيءٍ مع ترخيصه بفِعله) (3) ، كالتبوّل في الماء الراكد، وشمّ الصائم للرياحين، والضحك في المقابر... الخ.

هـ - الإباحة: (ويراد بها تخيير الشارع المكلّفين بين إتيان فِعلٍ وترْكه، دون ترجيح مِن قِبَله لأحدهما على الآخَر) (4) ، كركوب الإنسان السيّارة أو الطائرة، أو اختيار نوع العمل... الخ.

وإذن فما مِن فعلٍ مِن أفعال الإنسان، إلاّ ويدخل في دائرة هذا التنظيم القانوني والالتزام التشريعي.

وهناك دراسات تفصيليّة معمّقة للحُكم وتقسيماته. ولعلّ أكثر الأحكام تفريعاً وتقسيماً هو (الوجوب)، الذي قُسّم على عدّة أقسام مثل: العيني والكفائي، والتعييني والتخييري، والمؤقّت وغير المؤقّت، والمطلق والمقيّد، والتعبّدي والتوصّلي، والنفْسي والغيري، والمحدّد وغير المحدّد.

____________________

(1) المصدر السابق: ص 64.

(2) المصدر السابق: ص 62.

(3) المصدر السابق: ص 65.

(4) المصدر السابق.


حالات وجود الحُكم:

وبعد أن عرّفت المدرسة الإمامية الحُكم بأنّه التشريع الصادر مِن الله سبحانه، اقتباساً مِن قوله تعالى: ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ) (1) .

وأسّست على هذا الفهْم والتعريف، أنّ التشريع والقانون لا يكون تشريعاً إسلامياً إلاّ إذا صدر عن الله سبحانه، فهو تعبير عن إرادة الله ولُطفه بالعباد، اللذَين تحقّقا فيما صدر عنه سبحانه مِن وحيٍ لنبيّه الكريم محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وما صدر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مِن سنّةٍ وبيان.

وبذا التزمت المدرسة الإمامية وآمنت بأنّ مصدر الأحكام والتشريع هو الكتاب والسنّة. وبما أنّ الكتاب والسنّة قد حمَلا التشريع إلى البشَرية بصيَغٍ تعبيرية متعدّدة؛ لذلك أصبحنا بحاجة إلى جُهدٍ عِلميٍّ لاستنباط الأحكام التي تحتاج إلى ذلك، ولعلّ أبرز حالات وجود الحُكم في مصادره هي:

1 - الحُكم الواضح الصريح (النصّ)، الذي لا إجمال فيه ولا معارض له، كحرمة الخمر، ووجوب الصلاة والصوم.

2 - الحُكم المجمَل الذي يحتاج إلى بيان.

3 - الحُكم الذي يحمل حالة التنازع والتعارض مع غيره، كورود النهي والإباحة في موردٍ واحد، وكالأمر بالشيء والنهي عنه.

4 - العمومات والإطلاقات التي تسلك كقواعد تشريعية عامّة تنطبق على

____________________

(1) سورة الشورى: آية 13.


مساحات غير محدودة ممّا يدخل تحت هذا العموم أو الإطلاق، وورود المخصّصات والمقيّدات للعموم أو الإطلاق.

5 - التشريع المعلّل، ووحدة المِلاك في بعض الأحكام والتشريعات، ممّا يسري حُكمها إلى مساوياتها مِن شؤون الحياة البشرية، كتعليل حرمة الخمر بالإسكار، وسريان الحُرمة إلى كُلِّ مُسكر... الخ.

6 - مجيء بعض النصوص الناهية عمّا هو أقل فُحشاً وقُبحاً وضرراً، ممّا يدرج تحتها ما يفوقها بالفُحش والقُبـح والضـرر، كقوله تعالى: ( فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ) (1) ، الذي يحمل النهي عمّا هو أعظم منه بالقُبح والمنكر، أو الإلزام بيسير مِن المعروف والمصلحة، ممّا يوحي باحتمال عدم الترخيص بترْك ما يفوق في الأهمّية.

7 - وجود نصوص تُثبت البراءة مِن التكليف في كلّ مجال نشكّ بوجود تكليفٍ فيه، والذي أُصطلح عليه في لُغة علماء أُصول الفقْه بـ (أصل البراءة). وإذا قرأنا مجموع حالات وجود الحُكم أو احتمالها في ثنايا الكتاب والسنّة، تأكّد لنا أنّا لا نستطيع الحصول على الحُكم الشرعي بشكلٍ ميسّر إلاّ في الحالة الأُولى، أمّا في بقيّة الحالات، فعملية استفادة الحُكم مِن مصدره لا تحصل إلاّ عن طريق الاجتهاد وبذْل الجُهد العِلمي.

مراحل إثبات القطع بالحُكم الشرعي:

لقد صوّر علماء أصول الفقْه وجود الدليل القطعي على الحُكم الشرعي بمرحلتين، هما:

1 - مرحلة الاستدلال المباشر: وهي مرحلة وجود دليل مباشر على الحُرمة

____________________

(1) سورة الإسراء: آية 23.


أو الوجوب، كدليل وجوب الصلوات الخمس، وكوجوب الصوم والحجّ، وكحرمة الخمر والزنا.

2 - مرحلة الاستدلال غير المباشر: ويقصد بها أن يرِد دليل قطعي على الإلزام بالعمل، بالأدلّة التي يستفاد منها أحكام ظنّيـة، كخبر الثقة وخبر العدْل الواحد.

فيمنح القطع الأوّل ذلك الدليل الظنّي درجة الاعتبار والإلزام، فيكون الظنّ بالحُكم الناتج عن هذا الدليل، ظنّاً شرعياً معتبـراً، يخرج مِن دائرة الظنّ الذي نُهي الإنسان عن العمل به، مثل قوله تعالى: ( وَمَا يَتَّبعُ أَكْثَرُهُمْ إلاَّ ظَنّاً إنَّ الظَّنَّ لا يُغني مِنَ الحقِّ شيئاً إنَّ اللهَ عليمٌ بما يَفْعَلُون َ ) (1)، وعندئذٍ يجب الالتزام والعمل بمؤدّى الدليل الظنّي، بعد أن اكتسب حجّيته مِن الدليل القطعي الدالّ على وجوب العمل به.

وهكذا اكتسبت أخبار الآحاد، والاستفادة مِن الظواهر اللفظية، وأمثالها مِن الأحكام الظنّية، اعتبارها الإلزامي.

مراحل البحث عن الحُكم:

إنّ رحلة البحث عن الحُكم الشرعي، كما صوّرها العلماء في فقْه الشيعة الإمامية - الفقْه الجعفري - تسير كالآتي:

1 - يبدأ العمل بالبحث عن الدليل القطعي الموصِل إلى الحُكم الشرعي، فإن وجَد الباحث هذا الدليل، كالخبر المتواتر مثـلاً، وجب العمل به، وسُمّي مَن توفّر له هذا الدليل بالعالِم أو القاطع.

2 - أمّا إذا لمْ يتوفّر له دليل قطعيّ، ولكنّه حصل على طريقٍ معتبَر إلى الحُكم، كخبر الثقة، أو العدْل، فإنّه ملزَم بهذا الحُكم أيضاً، وسُمّي هذا الباحث بمَن

____________________

(1) سورة يونس: آية 36.


قام عنده الطريق.

3 - أمّا أذا لمْ يقُم عنده دليل قطعيّ، ولمْ يحصل له طريق إلى الحُكم المبحوث عنه، فعندئذٍِ يسمّى الباحث بالشاكّ أو الجاهل، وعندئذٍ أرجَعتْه الشريعة الإسلامية إلى ما يسمّى بالأصول العملية، فهي التي تحدّد وظيفته الشرعية، وعليه أن يعمل بها وفْق معايير وأُسس محدّدة.


الأُصول العملية

وجدير ذِكره أنّ في كلّ مسألة مِن مسائل الحياة يوجد فيها أصل إلى جانب الحُكم الشرعي، فإن وُجد الدليل عليها عُمِل به، وإلاّ رجع المكلّف إلى العمل بذلك الأصل. وهذه الأصول العملية هي:

1 - الاستصحاب: ويعني إبقاء الحالة المتيقّنة السابقة، إذا شكّ في زوالها. كما لو كان على يقينٍ مِن أنّ هذه الأرض مغصوبة، ثمّ شكّ في زوال الغصب، فإنّه يبني على بقائه، فلا يتصرّف فيها.

وقد اعتمد فقهاء الإمامية تثبيتَ هذا الأصل، على ما ورَد عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مِن بيانات في هذا الشأن، كقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): (مَن كان على يقينٍ ثمّ شكّ، فليمضِ على يقينه، فإنّ الشكّ لا ينقض اليقين) (1) .

2 - البراءة: وهي أصل ينطبق عندما يشكذ الباحث عن الحُكم في أصل التكليف، فيشكّ في حُرمة شيءٍ أو وجوبه مثلاً؛ أي يشكّ هل هو مكلّف بهذا التكليف أو لا؟ ولمْ يقُم عنده دليل، ولا طريق على ثبوته، فعندئذٍ تكون ذمّته بريئة، ولا شيء عليه، كما أُوضح ذلك آنفاً.

3 - الاحتياط: هو لزوم الإتيان بما احتُمل وجوبه، وترْك ما احتُمل حرمته (2) . فالباحث عندما تحصل له شُبهة تحريمية أو وجوبيه؛ بسبب احتمال النصّ وعدم

____________________

(1) الحرّ العاملي/ وسائل الشيعة 1: 176/ ح 6 (باب 1 مِن أبواب نواقض الوضوء).

(2) عليّ المشكيني/ اصطلاحات الأُصول ومعظم أبحاثها: ص 42.


وضوحه، أو اشتباه المصاديق عليه، فلا يستطيع تمييزها، أو تعارض النصوص، أو عدم وجود نصّ على المقصود عندما يكون مردّداً بين شيئين أو أكثر، فعَليه أن يعمل بهذا الأصل، وفْق تفصيلات ثبّتها العلماء في مظانّها.

4 - التخيير: هو عبارة عن حُكم العقل بتخيير المكلّف بين فِعل شيءٍ أو تركه، أو تخييره بين فِعلين، مع عدم إمكان الاحتياط.

فالتخيير يأتي عندما يواجه المكلّف أمرين لا رجحان لأحدهما على الآخَر، وليس في الإمكان الاحتياط، فعندئذٍ يكون مخيّراً بين الفِعل والترك.


تقسيم الأُصول

ولتنظيم عملية الاستنباط ومنهجَة التفكير الأُصولي، درس علماء أُصول الفقْه الأُصول الأصلية دراسةً عِلميةً دقيقة؛ لأنّها مرجعهم عند الشكّ واليأس مِن العثور على دليل يوصلهم إلى الحُكم. فقسّموا الأُصول على قسمين هي:

1 - الأُصول العملية: كالاستصحاب، والبراءة، والاحتياط، والتخيير، وأصل الطهارة، والصحّة، والفساد... الخ.

وسميّت هذه الأصول بالأُصول العملية؛ لأنّ مجال انطباقها هو عمل المكلّف وتعيين وظيفته. فهي الأصل الذي يرجع إليه المكلّف عند الشكّ في التكليف، واليأس مِن العثور على دليل.

2 - الأُصول اللفظية: وسميّت أصولاً لفظية؛ لأنّ مجال انطباق هذه الأُصول أو القواعد الأساسية هو الألفاظ اللغَوية.

وتسمّى أيضاً بالأُصول اللفظية العقلائية؛ لأنّ مجال انطباق تلك الأُصول هو الألفاظ اللغَوية وفْق طريقة العقلاء، عندما يتعاملون مع كلام المتكلّم.

وقد جرى المشرّع على طريقتهم، فأقرّ بذلك هذه الطريقة، فاكتسبت الحجّية الشرعية.

ومِن الأُصول اللفظية: أصالة عدم الوضْع، وأصالة عدم الاشتراك، وأصالة عدم النقل، وأصالة عدم الإضمار، وأصالة الظهور، وأصالة الحقيقة، وأصالة العموم وأصالة الإطلاق... الخ.


فعندما نواجه نصّاً كلامياً، ونشكّ في ما أراده المتكلّم مِن كلامه:

هل أراد الحقيقة أو المجاز، فعندئذٍ يُبنى على أنّ مراد المتكلّم هو الحقيقة؛ لأنّ الأصل في الكلام هو الحقيقة، ما لمْ يثبت لدينا أنّه أراد المجاز. وإذا شككنا في ألفاظ العموم، هل أُريد منها عند استعمالها في هذا، الأعمّ أو الأخصّ، بُنيَ على أنّ المراد في هذا الكلام هو العموم؛ لأنّ الأصل في وضْعها هو إرادة العموم.

وإذا شككنا أنّ هذا اللفظ هو مشترك بين معنيَين مثلاً، أو هو خاصّ بهذا المعنى دون غيره، بُنيَ على أنّ اللفظ خاصّ بهذا المعنى وغير مشترك؛ لأنّ الأصل في وضع الألفاظ هو عدم الاشتراك، فيرجع إلى الأصل عند الشكّ. وهكذا يكون التعامل مع الأصول اللفظية جميعها.

وبتلك الدراسة نظّم عِلم أصول الفقْه عملية الرجوع إلى الأُصول الأصلية عند الشكّ، وانعدام الدليل المبيِّن للحُكم.

إنّ هذا الإتقان المنهجي في عملية الاستنباط، يكشف لنا عُمق ودقّة التفكير الفقهي في مدرسة الشيعة الإمامية، والحرص الشديد على فَهْم كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم، والأخْذ منهما لتنظيم الحياة البشَرية بشتّى مشاكلها وحوادثها واحتياج الإنسان إليها، ممّا يكشف عن الخصوبة التشريعية، والفهْم الأصيل، والوعي المتكامل، والارتباط الوثيق بخالق الوجود، والحرص على طاعته، والعمل بأحكامه.



الفصل التاسع

المنهج السلوكي

في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)



الرسالة الإلهية رسالة تربوية هدفها تربية الإنسان، وبناء شخصيته، وتنظيم سلوكه واتّجاهه الفكري والعملي في الحياة، وتكوين منهج وطريقة للفَهْم والسلوك.

ولقد كان الرسول (صلّى الله عليه وآله)، هو المربّي والمعلّم للإنسان وفْق منهج القرآن، الذي وعاه واستوعب أبعاده وأهدافه ومقاصده.

وبعد غياب الشخصية النبويّة بفترة زمنية، بدأ الانحلال التربوي، وبدأت عناصر عديدة تؤثّر في الفهْم الإسلامي لتربية الإنسان وسلوكيّته العامّة في الحياة، فكان هناك ثلاثة عناصر أساسية أثّرت تأثيراً بالغاً في الفهْم المنهجي، والنظرية السلوكية في المجتمع الإسلامي، وهي:

1 - السياسة.

2 - ثقافة الشعوب والأُمم التي تفاعلت مع الفكر والمجتمع الإسلاميين.

3 - الفهْم الذاتي والتكوين النفْسي للشخصيات التي حاولت أن تفْهم الإسلام، وتستنبط منه منهجاً سلوكياً، ونظريةً في الأخلاق والتربية والسلوك. ولتحديد النظرية السلوكية والمنهجية العملية أهمّية بالغة في حياة الأُمّة ووضْعها الحضاري.

فالإسلام، كما مارسه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، دِين عمليّ، ونظام


اجتماعيّ، ومنهج يربط بين الدنيا والآخِرة، ويرفض الفصل بين المادّة والروح، والعبادة والعمل، والأخلاق والمجتمع، ويدعو إلى تكوين وبناء الإنسان الاجتماعي بأخلاقه وسلوكه وعباداته وقوانينه.

ويستطيع الباحث والمحلّل الحضاري والاجتماعي أن يجد تأثير العوامل الثلاثة الآنفة الذِكر في تكوين المنهج السلوكي، وبُنية الفرد والمجتمع المسلم بشكلٍ واضحٍ وجليّ، فتأثير السياسة في التفكير والوعي والتربية والمنهج السلوكي واضح مِن خلال تأثير جهاز السلطة، الذي آمَن بفهْمٍ معيّن للإسلام، في مجال العقيدة والفقْه والحياة السياسية والأخلاق، وعمل على تعميمه ونشره، فانتهج وضْعاً تربوياً ورؤىً ونظريات لصالح الوضع السياسي القائم في العهدين الأُمَويّ والعبّاسي، كالجبرية والإرجاء وعزْل العلماء عن السياسة، والخضوع للسلطة القائمة بالقهْر والغلَبة، وتكريس نظرية طاعة الحاكم الجائر، وحُرمة الردّ عليه، أو نقض بيعة الظالم والثورة عليه.

كما صنع الوضعُ الإرهابي للسلطات ردَّ فِعلٍ سلبياً لدى البعض مِن الصلحاء والعلماء، فلجأ إلى العزلة والانكفاء على الـذات؛ فنشأت في ظِلّ الإرهاب السلطوي وانغماس الحكام في القتل والصراع الدنيوي، والاشتغال بالملاهي والملذّات والجواري، واكتناز الأموال والمجوهرات والنفائس، نشأت فكرة الفصل بين الدِين والدنيا، وبين التفكير والعمل للحياة، والتفكير والعمل للآخرة، وكان هذا الفهْم مِن أخطر الكوارث التي حلّت بالتفكير والمنهجية الإسلاميين.

كما ساهم تفكير الشعوب اليونانية والبوذية والنصرانية والصينية والهندية؛ فنشأت الاتّجاهات الصوفية الانعزالية والرهبانية التي ترفض الحياة، وتدعو إلى الابتعاد عن الدنيا والانطواء الفردي، فنشأت نظريات أخلاقية تدعو إلى الفردية وتكامل الذات الفردي، في زوايا التكايا والخلَوات وشِعَب الجبال، وتكميل الذات


بالمجاهدة الفردية والرياضات الروحية البعيدة عن المجتمع والحياة.

وتُعيننا التجربة والدراسات النفْسية، لاسيّما دراسات التحليل النفْسي على فهْم الشخصية واتّجاهها في الحياة، وتؤكّد أنّ النزعات الذاتية والتكوين النفْسي والعصبي، ومستوى قوى العقل مِن الوَهْم والخيال، والواقعية العِلمية تؤثّر في اتّجاه الشخصية في الحياة وقبولها لهذا المذهب السلوكي أو ذاك.

وقد نُظّرت كلّ تلك الاتّجاهات، وتحوّلت إلى فلسفات ونظريات سلوكية وأخلاقية وتربوية، ذات تأثير في الفكر والسياسة والممارسة الاجتماعية.

وكثيراً ما حاول أصحابُها التِماس الدليل الشرعي، بتطويع النصوص وتأويل المفاهيم مِن الكتاب والسنّة لصالح تلك النظريـات، وكانت هذه المحاولة المنهجية مِن أخطر المحاولات على فهْم الجانب العملي مِن الإسلام، بالإضافة إلى تحريف الفَهْم والنظرية.

وبما أنّ الوعي والمعرفة يتركان أثَرَهما الفعّال فّي السلوك والمنهج السلوكي، فإنّ الفَهْم والبُنية المَعرِفية التي أنتجَتْها مدرسة أهل البيت بفهْمِها ووعْيِها للرسالة الإسلامية، كانا قد بلوَرا نظريةً للسلوك متميّزة عن اتّجاهات إسلامية كثيرة، لاسيّما اتّجاه التصوّف، والعزلة الاجتماعية والأخلاقية الفردية.

فمثلاً كان الإيمان بوجوب الاستقامة التامّة في سلوكية الحاكم، والاعتقاد بالاختيار الإنساني، واعتماد الكتاب والسنّة مصدراً للفهْم والمعرفة، ونقاء التعامل معهما مِن الرواسب الفكرية الوافدة، واعتماد العقل والمنهج العقلي في بحث القضايا والاستدلال عليها، وقبول مبدأ التأويل الملتزم، ورفْض التفسير التبريري، كان قد أنتج شخصيةً لها اتّجاه سلوكي في الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، وساهم مساهمةً فعّالة في بناء الحياة الإسلامية وإعطاء القيَم الرسالية، الصفة الاجتماعية والعملية، لاسيّما المشاركة في


الحياة السياسية، وتبنّي دَور المعارضة للظلم والانحراف؛ فتبلور بذلك منهجٌ سلوكي لدى هذه المدرسة، يبتني على الأُسس الآتية:

1 - الإيمان بأنّ الإنسان كائنٌ مريدٌ مختار.

2 - العقلائية في الفَهْم، والتعامل مع المجتمع والغيب وظواهر الطبيعة والحياة، ممّا أبعد هذا الاتّجاه عن الخرافة والتخلّف والتحجّر الذهني.

3 - الإيمان بحُجّيّة الظهور في الكتاب والسنّة، والعمل بما أفاده ظاهر اللفظ وفْق نظام اللغة وقوانينها؛ ممّا أبعد الفكر والسلوك في هذه المدرسة عن الباطنية والتأويل، والتحريف والانحراف السلوكي.

4 - التربية الإيجابية تجاه مشاكل المجتمع السياسية والاجتماعية، مِن خلال العمل السياسي والمعارضة الفكرية والسياسية لحالات الانحراف.

5 - رفْض الفصل بين الدِين والسياسة، والدنيا والآخرة، مِن خلال الإيمان بمبدأ الإمامة، واتّحاد الخطّ الفكري والسياسي في شخصية الإمام.

6 - الوقوف بوجه السلوكية المنحرفة، التي فصلت بين عالَمَي المادّة والروح، والدنيا والآخرة، بالردّ على التصوّف والرهبانية والدخول في صراع فكري وسلوكي ضدّها.

وبذا بلورت مدرسة أهل البيت الخطّ السلوكي القويم للفرد والمجتمع والدولة، على أساس منهجٍ علميٍّ ورؤيةٍ عملية ومبدئية محدّدة، معبِّرة عن الوعي الإسلامي الأصيل والفهْم الكامل لمحتوى الرسالة الإسلامية وأهدافها؛ فانعكست على تربيتهم لإتباعهـم، وفي وصاياهم وحواراتهم ومناظراتهم لأصحاب المذاهب السلوكية، لاسيّما الجبريّة والمتصوّفة، والداعين إلى الرضوخ والطاعة للسلطان الجائر، والمتأوّلين لكتاب الله بالباطل، والمبتدعين للبِدَع والأضاليل.


مِن قراءة ما صدر عن أهل البيت (عليهم السلام) مِن روايات ومناظرات وتفسير ومراسلات، والتي بلغت عشرات الآلاف في كتُب الحديث والسِيَر والفقْه والتفسير والأخلاق والعقيدة، نعرف أنّ الإيمان في هذه المدرسة يعني العمل والالتزام بكتاب الله والاستنان بسنّة نبيّه (صلّى الله وعليه وآله).

وأنّ جهادهم الفكري والسياسي كان متّجهاً لتربية الإنسان، ومواصلة عملية التغيير والبناء الفكري والسلوكي، الذي انتهجه الرسول الكريم محمّد (صلّى الله عليه وآله)، ببناء فئةٍ وتيّارٍ مِن الأتباع الذين يحملون العِلم والوعي والعمل، فيكوّنون القوّة المغيّرة والحركة الفاعلة في تاريخ الأُمّة وعلاقتها بالرسالة.

وقد ترجم الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) هذا المفهوم بقوله: (لا يقبل الله عملاً إلاّ بمعرفة، ولا معرفة إلاّ بعمل، فمَن عرف دلّته المعرفة على العمل، ومَن لمْ يعمل فلا معرفة له، ألا إنّ الإيمان بعضه مِن بعض) (1) .

وبقوله: (مَنْ قال: لا إله إلاّ الله مخلصاً دخل الجنّة، وإخلاصه بها أن يحجبه لا إله إلا الله، عمّا حرّم الله) (2) .

وسأله أحد أصحابه، جميل بن درّاج عن الإيمان، فقال: (شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمّداً رسول الله، قال: قلت: أليس هذا (بـ) عمل، قال: بلى، قلت: فالعمل مِن الإيمان؟ قال: لا يثبت لـه الإيمان إلاّ بالعمل، والعمـل منـه) (3) .

وهكذا يرتبط العمل بالإيمان، كما يرتبط بالمعرفة، ويقوم على أساسها، ويتكامل معها، فالمعرفة بالله ووَعْيِ شريعته، والإيمان به، والعمل والالتزام، حقائق ثلاث مترابطة في البناء الفكري والعملي، كما يصوّرها الإمام

____________________

(1) الكليني/ الأُصول مِن الكافي 1: 44 / ح 2 (باب مَن عمل بغير عِلم).

(2) الصدوق/ صفات الشيعة 12.

(3) الكليني/ الأُصول مِن الكافي 2: 38/ ح 6 (باب في أنّ الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلّها).


الصادق (عليه السلام).

والإنسان مسؤول عن الإيمان والعمل والمعرفة معاً، وعليه أن يتابع مع نفْسه عملية التغيير الذاتي ومحاسبة النفْس، ومواصلة السَير التكاملي في حياته الفردية والاجتماعية.

يوضّح الإمام عليّ الهادي (عليه السلام) هذه الحقيقة، ويؤكّد أنّ مَن لمْ يلتزم بأحكام الإسلام وقِيَمه ويحاسب نفْسه، فليس منهم، ولا يملِك حقّ الانتماء إليهم.

قال (عليه السلام): (ليس منّا مَنْ لمْ يحاسب نفْسه في كلّ يوم، فإنْ عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيّئاً استغفر الله منه، وتاب إليه) (1) .

وتتّجه التربية العملية في مدرسة أهل البيت، إلى تربية الضمير الإيماني والوازع الذاتي بالمحاسبة، وبناء الذات الداخلي والإخلاص البعيد عن الرياء والنفاق.

فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (قال الله (عزّ وجلّ): مَنْ ذكرني سرّاً، ذكرته علانية) (2) .

وروي عنه (عليه السلام): (شيعتنا الذين إذا خلَوا ذكروا الله كثيراً) (3) .

ويؤكّد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ معنى التشيّع لهم هو الالتزام النموذجي بالإسلام، وليس الانتماء الشكلي، كانتماء الفرد إلى عشيرته، بل هو انتماء فكرٍ وسلوكٍ ومنهجٍ لوعْيِ الإسلام وفهْمِه؛ لذا يصف الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) ما يجب أن يكون عليه أتباع أهل البيت بقوله: (شيعتنا أهل

____________________

(1) الكليني/ الأُصول مِن الكافي 2: 453/ ح 2 (باب محاسبة العمل).

(2) المصدر السابق: ص 501/ ح 1 (باب ذِكر الله في السِرّ).

(3) المصدر السابق: ص 499/ ح 2 (باب ذِكر الله (عزّ وجلّ) كثيراً).


الورع والاجتهاد، وأهل الوفاء والأمانة وأهل الزهد والعبادة، أصحاب إحدى وخمسين ركعة (1) في اليوم والليلة، القائمون بالليل، الصائمون بالنهار، يزكّون أموالهم، ويحجّون البيت، ويجتنبون كلّ محرّم) (2) .

وفي موردٍ آخَر يصف شيعة آل محمّد (صلّى الله عليه وآله)، وما يجب أن يلتزموا به مِن الإيمان والعمل؛ ليكونوا قدوةً وقوّةً فكرية وحركية مؤثّرة ومُغَيِّرة في مسيرة الأُمّة، فيقول: (والله ما شيعة عليّ (صلوات الله عليه) إلاّ مَن عفَّ بطنه وفرجه، وعمل لخالقِه، ورجا ثوابه، وخاف عقابه) (3) .

ونقرأ للإمام الباقر (عليه السلام) ردّاً على المنحرفين، الذين شذّوا عن منهج أهل البيت، ممّن ادّعوا الانتساب إليهم، وقالوا بأنّ الانتماء إلى أهل البيت يكفي عن العمل والالتزام، فإنَّ موالاتهم وحدها ضمانة لدخول الجنّة.

قال (عليه السلام) لجابر الجعفي: (يا جابر: يكتفي مَن اتّخذ التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟! فوالله ما شيعتنا إلاّ مَن اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرَفون إلاّ بالتواضع، والتخشّع، وأداء الأمانة، وكثرة ذِكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعهّد للجيران مِن الفقراء، وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسُن عن الناس إلاّ مِن خير، وكانوا أُمناء عشائرهم في الأشياء.

قال جابر: يا ابن رسول الله ما نعرف أحداً بهذه الصفة، فقال لي: يا جابر لا تذهبنّ بك المذاهب، حسب الرجُل أن يقول أُحبّ عليّاً (صلوات الله عليه) وأتولاّه، فلو قال: إنّي أُحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ورسول الله خير مِن

____________________

(1) إشارة إلى أداء صلاة النافلة إضافة إلى الصلاة الواجبة.

(2) الشيخ الصدوق / صفات الشيعة: ص 9.

(3) المصدر السابق: ص 14.


عليّ، ثمّ لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتّقوا الله واعملوا لِما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحَبّ العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم له، وأعملهم بطاعته.

يا جابر ما يتقرّب العبد إلى الله تبارك وتعالى إلاّ بالطاعة، وما مَعَنا براءة مِن النار، ولا على الله لأحد منكم حجّة، مَن كان لله مطيعاً فهو لنا وليّ، ومَن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، ولا تنال ولايتنا إلاّ بالعمل والورع) (1) .

ثمّ يؤكّد الإمام الباقر (عليه السلام) مرّة أُخرى هذه الحقيقة بقوله: (... والله ما مَعَنا مِن الله براءة، وما بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجّة، ولا يتقرّب إلى الله إلاّ بالطاعة، فمَن كان فيكم مطيعاً نفعته ولايتنا، ومَن كان منكم عاصياً لمْ تنفعه ولايتنا) (2) .

ويتركّز منهج أهل البيت (عليهم السلام) في تربيتهم للأُمّة بصورةٍ عامّة، ولأتباعهم بصورة خاصّة، بالاقتداء بسيرة رسول الله وبنَهْجه في الحياة والالتزام بكتاب الله؛ لتكون تربية قرآنية نبويّة أصيلة.

لذا نجد الإمام الصادق (عليه السلام) يوصي أتباعه بقوله: (إنّ الله تبارك وتعالى خصَّ رسول الله بمكارم الأخلاق، فامتحنوا أنفسكم، فإنْ كانت فيكم فاحمدوا الله عزّ وجلّ، وارغبوا إليه في الزيادة منها، فذكرها عشرة: اليقين والقناعة والصبر والشكر والحلم وحُسن الخُلُق والسخاء والغيرة والشجاعة والمروءة) (3) .

ويؤكّد (عليه السلام) في موردٍ آخَر هذا الاتّجاه السلوكي، فيقول: (إنّي لأكره للرجُل أن يموت، وقد بقيَت عليه خِلَّة مِن خلال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمْ يأت بها) (4) .

____________________

(1) الشيخ الصدوق / صفات الشيعة: ص 18 - 19.

(2) الطبرسي / مشكاة الأنوار: ص 67.

(3) الشيخ الصدوق / صفات الشيعة: ص 49.

(4) الطبرسي / مكارم الأخلاق: ص 39.


ويتّجه اهتمام أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) نحو التربية القرآنية، وملازمة كتاب الله تعالى؛ لبناء جيلٍ قرآنيٍّ أصيل، مستقٍ ذلك مِن مَعين الرسول (صلّى الله عليه وآله) ودعوته.

روى الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام) عن الرسول الهادي محمّد (صلّى الله عليه وآله) قوله: (قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنَّ أحقَّ الناس بالتخشّع في السِرّ والعلانيّة، لَحامل القرآن. وإنَّ أحقَّ الناس في السرّ والعلانية بالصلاة والصوم، لَحامل القرآن.

ثمّ نادى بأعلى صوته: يا حامل القرآن تواضع به يرفعُك الله، ولا تعزَّز به فيُذِلّك الله. يا حامل القرآن تزيّن به لله يُزيّنك الله [به]، ولا تزيّن به للناس فيُشينك الله به.

مَن ختَم القرآن فكأنّما أُدرجت النبوَّة بين جنبيه، ولكنّه لا يوحى إليه. ومَنْ جمع القرآن فنوله (1) لا يجهل مع مَن يجهل عليه، ولا يغضب فيمَن يغضب عليه، ولا يحدُّ فيمَن يحدُّ، ولكنّه يعفو ويصفح ويغفر ويحلم لتعظيم القرآن. ومَن أُوتيَ القـرآن، فظنَّ أنّ أحداً مِن الناس أُوت أفضل ممّا أُوتي، فقد عظّم ما حقّر الله وحقّر ما عظَّم الله) (2) .

ثمّ يذكّر أصحابه المشتغلين بالتجارة، ويحثّهم على تلاوة كتاب الله؛ لئلاّ يستولي السوق والمال على اهتمامهم، فيقول لهم: (ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه، إذا رجع إلى منزله، أن لا ينام حتّى يقرأ سورة مِن القرآن، فتُكتَب له مكان كلّ آية يقرؤها عَشر حسنات، ويُمحى عنه عَشر سيّئات) (3) .

____________________

(1) مِن قولهم: نولك أن تفعل كذا؛ أي حقّك وينبغي لك، وأصله مِن التناول.

(2) الكليني / الأُصول مِن الكافي 2: 604.

(3) المصدر السابق: ص 611.



الخاتمة



( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً )

( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (1) .

( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (2).

( ... فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ... ) (3).

الإسلام هو الدِين الذي جاء به محمّد (صلّى الله عليه وآله) مِن عند الله إلى البشرية جميعها، وهي مخاطَبة بمختلف أجيالها وأزمانها، بهذه الرسالة الخالدة.

وإنّ مِن أُسس ومبادئ الإسلام الأساسية هي توحيد المسلمين، وبناء الأُمّة الإسلامية على أساس فكري، وتحت ظِلّ قيادة سياسية وبُنية اجتماعية واحدة. وهكذا عاشت الأُمّة موحّدة في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعيدة عن

____________________

(1) سورة الأنبياء: آية 92.

(2) سورة آل عمران: آية 103.

(3) سورة النساء: آية 59.


الخلاف الفكري والسياسي الذي يُشتّت جمْعها، ويمزّق وحدتها.

ولأهمّية الوحدة وعُمق أثرها في حياة المسلمين، كرّس القرآن الكريم والرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله) جزءاً كبيراً مِن خطابهما واهتمامهما التربوي؛ لتركيز دعائم الوحدة وحمايتها مِن التصدّع والفُرقة والخلاف. فإنّ مصير الأمّة والرسالة والحياة الإسلامية مرتّبة بوحدة الأمّة وتماسك بنائها.

لذلك أمَر الله المسلمين، أمْر وجوبٍ وإلزام، بالاعتصام بحبْله المتين (القرآن الكريم ودينه العظيم)، ونهاهم نهْيَ تحريم عن الفُرقة والخلاف، فإنّ عاقبة ذلك هو الضَعف والتمزّق والهزيمة أمام العدوّ الذي يتربّص بالمسلمين الدوائر.

( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (1) .

ولقد تدخّلت أسباب وعوامل عديدة، فأحدَثت الفُرقة والخلاف بين المسلمين، فمزّقت بُنيتهم الفكرية، وأوجدت الحواجز النفسية، وأجّجت نار الصراع. فصاروا كما أخبر الله سبحانه ضِعافاً يخافون أن يتخطّفهم الناس مِن حَولهم.

إنّ المسلمين اليوم هم أمّة مِن أعظم أُمم الأرض، بما تملِك مِن فكرٍ وعقيدةٍ وتشريعٍ وحضارةٍ وتاريخٍ مجيد، وثروات طبيعية ضخمة، وموقع استراتيجي فريد، وكتلة بشرية يزيد تعدادها على مليار إنسان.

إنّ هذه العناصر البشرية والفكرية والطبيعية لتؤهّل المسلمين لأن يكونوا أمّةً حضارية قائدة، غير أنّ مِحنة الفُرقة والخلاف والتمزّق المذهبي والقومي والإقليمي والسياسي، كانت مِن أخطر العوامل التي قوّضت قوّة المسلمين، وتسبّبت في ضعْفهم وتخلّفهم.

____________________

(1) سورة الأنفال: آية 46.


ويستطيع الباحث التاريخي والدارس لتاريخ الفكر ونشأة الفِرَق والمذاهب والآراء الفقهية، أن يشخّص عدّة قضايا في مسألة الخلاف وتعدّد الآراء، والتي مِن أبرزها:

1 - الخلاف في الإمامة والسياسة: يعتبر الخلاف في مسألة الإمامة والسياسة أوّل خلاف شطَر الصفّ الإسلامي. عندما اختلفوا يوم وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في سقيفة بني ساعدة حَول هذا المنصب، فكان لهم ثلاثة مرشّحين لإشغال هذا الموقع الخطير، وهُم: سعد بن عبادة، وأبو بكر، وعليّ بن أبي طالب.

وقد انتهى دَور سعد بن عبادة السياسي بانتهاء الاجتماع في سقيفة بني ساعدة، وبقيَ الإمام عليّ محوراً قيادياًَ على امتداد حياته، ينظر إليه الكثير مِن الصحابة كمرشّح للخلافة ومستحقّ لها، غير أنّ الإمام عليّاً آثر وحدة المسلمين وجمْع كلمتهم، فانسحب مِن المواجهة السياسية طيلة حياة الخلفاء الثلاثة، ومارس دَوره كمرشدٍ وموَجّهٍ وناصحٍ ومبيِّن للأحكام. وقال كلمته الخالدة: والله لأُسلِّمنّ ما سلِمتْ أمُور المسلمين.

ولمْ يسمَح بتحويل قضيّته إلى مواجهة ونزاع بين المسلمين، ويشهد التاريخ بردِّه العنيف على أبي سفيان، عندما حاول أن يجرّ الموقف إلى صراعٍ دمويٍّ بين المسلمين بقوله لعليّ: (ما بال هذا الأمْر في أقلّ حَيٍّ مِن قريش، والله لئن شئتَ لأملأنّها عليه خَيلاً ورجالاً....) (1) .

فيزجُرُه ويردّ عليه غاضباً بقوله المبدئي، الذي لا يعرف المساومة ولا إيثار الدنيا على المبادئ: (إنّك والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة، وإنّك والله طالما بغيت

____________________

(1) الطبري / تاريخ الأمم والملوك 3: 209.


الإسلام شرّاً، لا حاجة لنا في نصيحتك) (1) .

وهكذا فوّت عليٌّ الفرصة على المتصيّدين بالماء العكِر، ووقف بوجه الفتنة، وحافظ على وحدة الأُمّة.

غير أنّ مشكلة الفُرقة والخلاف عادت، فبرزَت عندما برز الحزب الأُمَوي كقوّة مؤثّرة في سياسة الدولة، في عهد الخليفة الثالث، ثمّ واصل هذا الحزب إصراره في مواجهة خطّ أهل البيت النبويّ، الذي قاده عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، بما يحمل مِن فكرٍ ورؤيةٍ نقية، ووعيٍ مبدئيٍّ للإسلام، ومعه المهاجرون والأنصار، والبدريون وأهل بيعة الرضوان.

ولقد عملت السياسة الأُمَوية بعد شهادة الإمام عليّ بن أبي طالب، واضطرار الإمام الحسن إلى التنازل عن الخلافة لمعاويـة، عملت على تركيز الفُرقة والخلاف، وتبنّي محاربة آل البيت النبويّ وأتباعهم، وشنِّ حَمْلة دموية ودعائية ضدّهم، وتعميم سبِّ الإمام عليّ بن أبي طالب على المنابر والمآذن، حتّى عهد عُمَر بن عبد العزيز الذي ألغى هذه السياسة العدوانية.

فكانت تلك الفترة هي فترة الفُرقة والخلاف بين المسلمين، وتأجيج نار العداوة، وشطْر المسلمين شطرين متواجهين (السُنّة والشيعة).

وامتدّ هذا الخلاف تُغذّيه السياسة والحكومات المتعاقبة على مَرّ العصور والأجيال، فتركّز كحاجزٍ نفْسي وموقف سلبي؛ نتيجة السياسات الحاكمة التي وظّفت الخلاف لصالح تسلّطها ومكاسبها الدنيوية.

وقد تعمّق هذا الخلاف في عهد الاحتلال الصليبي والاستعمار والصهيونية، يُنمّيه الحُكّام العملاء، والأقلام والألسُن المأجـورة؛ لإبقاء حالة الضَعْف والتمزّق

____________________

(1) المصدر السابق.


والصراع.

وحين انطلقت الثورة الإسلامية في إيران، وقام للمسلمين كيان سياسي ودولة، على أساس كتاب الله والسنّة المطهّرة، وبدأت مرحلة حضارية جديدة في العالم الإسلامي، شعَر الاستكبار العالَمي - وعملاؤه - بالخطر على تسلّطه في هذا العالم، كما شعر بالخطر على حضارته الجاهلية البغيضة، لاسيّما وأنّ الحركة الإسلامية والوعي الإسلامي قد تحوّلا إلى تيّارٍ شعبي، وحركة عميقة في وجدان الأمّة وعقلها في مساحات واسعة مِن العالَم.

فشَنّ أعداء الإسلام حملةً دعائيةً ضدّ وحدة المسلمين ونهضتهم الفكرية والسياسية، بشكلٍ مخطّطٍ ومدروس، موَظِّفين مسألة تعدّد المذاهب الفقْهية لدى المسلمين. فمِصر مثلاًَ تعتنق بشكلٍ أساس المذهب الشافعي، والجزيرة العربية تعتنق المذهب الحنبلـي، وشمال أفريقيا يعتنق المذهب المالكي، وإيران تعتنق المذهب الجعفري... الخ.

وإنّ الثورة الإسلامية انطلقت مِن إيران الشيعيّة، التي يعتنق شعبُها منهج أهل البيت الفقْهي والفكري؛ لذا تركَّزت الحملة الدعائية ضدّ الاتّجاه الشيعي الملتزم بمنهج أهل البيت (عليهم السلام)، خوفاً مِن قوّة المسلمين وانطلاقتهم الحضارية الكبرى، وعودة الدَور القيادي للأُمّة الإسلامية الموحّدة.

والمسلمون بمختلف مذاهبهم وآرائهم مَدْعوّون لتشخيص هذه الحقيقة والردّ عليها، وتجاوز الحواجز النفْسية التي وضعَتْها المصالح الدنيوية البعيدة عن الأهداف الإسلامية أو المعادية لها، والتمسّك بالوحدة والاعتصام بحَبْل الله.

2 - الخلاف العِلمي: وقد نشأ هذا الخلاف عندما نشأ اجتهاد الصحابة والتابعين، وعندما نشأت المذاهب الفقْهية والفِرَق الكلامية، التي تأثّرت نشأتها بعوامل عديدة، منها العوامل المقبولة لدى الفكر الإسلامي، ومنها الغريبة الدخيلة على روح الإسلام وعقيدته، ويعتبر الجانب السليم مِن الخلاف العِلمي، نتيجةً طبيعيةً لعملية الاجتهاد والبحث العِلمي. غير أنّ مِحنة هذا العمل الفكري لدى


الكثيرين هي القصور العِلمي، والإصرار على الخطأ، والتعصّب للرأي.

وللوَرَع والتقوى الأثر البالغ في تحديد موقف العالِم والمقلِّد له. فالعالِم الذي بذَل جُهده العِلمي؛ لاكتشاف الحُكم الشرعي أو المفهوم العقيدي أو الفكري، متى ما استحضر في نفْسه أنّه مسؤول أمام الله سبحانه عن عمله واكتشافه، وأنّه باحث عن الحقيقة شأنه شأن غيره مِن العلماء الباحثين، مِن خلال منهج بحثٍ وأدَوات عِلمية، وأنّ المقياس هو الدليل العِلمي، وهو الحُكم والقضاء العدْل بين الخصماء، استطاع أن يتقبّل الحقيقة وإن اكتشفها غيره، ( فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) (1) .

فإنّه مِن الواضح لدينا أنّ الرسالة الإسلامية هي عبارة عن (الكتاب والسنّة)، وأنّ الفكر الإسلامي بما فيه مِن آراء هو نِتاج عملية الاجتهاد والتنظير، الذي مارسه العقل والجُهد الإسلاميان مع النصّ الشرعي.

وأنّ التفاعل بين النصّ الإلهي (الكتاب والسنّة)، وبين الجُهد البشَري، قد أدّى إلى إيلاد نتائج وآراء ونظريات متعدّدة، كان لها الدَور الأكبر في ولادة الآراء الفقْهية والفِرَق الكلامية والفلسفية؛ فانقسم الفَهْم الإسلامي للخطاب الشرعي (الكتاب والسنّة)، وذهب كلّ فريق مِن العلماء إلى ما تكوّن لديه مِن فهْمٍ وقراءة لهذا الخطاب.

وتأسيساً على تعدّد الفهْم الاجتهادي، صار الخطاب الشرعي يُنظَر إليه مِن خلال الفهْم البشَري، بشكلٍ غدا مِن المتعذّر معه تشخيص الخطأ الاجتهادي عن الصواب المطلق، في فهْم هذا الخطاب.

وبما أنّ الدِين إيمان وعمل، يتساوى التكليف فيه بين العالِم في أرقى درجات العِلم، وبين الأُمّي الذي لا يعرف القراءة والكتابة.

____________________

(1) سورة الزمر: آية 17، 18.


( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) (1) .

كان على كلّ مسلم أن يلتزم بالإسلام فكراً وعملاً في العبادة والمعاملة؛ لذا فقد توزّع المسلمون كأتباع لنظريات فقْهية وعقيدية.

وانتهت العلاقة العِلمية بالخطاب الشرعي، إلى الاجتهاد والتقليد وتعدّد الآراء الفقهية والعقيدية، فوجَد المسلمون أنفسهم موزّعين على مذاهب شتّى، وأتباع لفقهاء متعدّدين.

ولمْ يقف التعدّد في الرأي عند هذا الحدّ، بل نجد آراء فقهية، واجتهادات متعدّدة في إطارات المذهب الواحد والمدرسة الفقهية والعقيدية الواحدة، وإذن فالخلاف الكبير الذي يواجهه المسلمون اليوم، هو خلاف فقْهي بشكلٍ أساس بين المذاهب والآراء الفقهية، والذي كان نتيجة لتعدّد مناهج الفقْه والاجتهاد. وليس خلافاً سياسياً على الخلافة والإمامة، ولا خلافاً بين السنّة والشيعة.

فالمسلمون اليوم لا يواجهون مِن الناحية العملية مشكلةَ الإمامة والخلافة بشكلها التاريخي، بين اتّجاهين، اتّجاه يرى أنّ أئمّة أهل البيت هُم أَولى بالخلافة والإمامة، واتّجاه آخَر لا يرى وجوب الالتزام بإمامة أهل البيت (عليهم السلام). بل يواجهون خلافاً فقْهياً بين مذاهب فقْهية متعدّدة.

والمفروض في مثل هذا الخلاف أن يكون خلافاً عِلمياً، يمكن مناقشته وحلّه بالطُرُق العِلمية، وسنجد المجال واسعاً للتلاقي، إذا انطلق العقل الإسلامي مِن نقاط اللقاء.

ولا يضرّ وحدة المسلمين أن يكون هناك تعدّد في الرأي والاجتهاد، إذا تغلّبوا على الأزمة والحواجز النفْسية التي صنعتها ظروف تاريخية.

ومِن المفيد أن نوضّح أبرز أسباب الخلاف الفقْهي بين المذاهب والفقهاء،

____________________

(1) سورة الأعراف: آية 158.


فنركّزها بالآتي:

1 - الاختلاف في مصادر الأحكام: مِن مسلّمات الفكر الإسلامي، هو إجماع المسلمين على الإيمان: بأنّ الكتاب والسنّة هما مصدر الأحكام والقوانين والفكر والمعرفة الإسلامية.

غير أنّهم اختلفوا، على تعدّد مذاهبهم وآرائهم، في اعتبار وقبول مصادر أُخرى للتشريع، مثل العمل بالقياس والرأي والاستحسان ومذهب الصحابي... الخ، هل هي مصادر صالحة للاستنباط أو لا؟ كما اختلفوا في منهج الاستنباط والمباني الأُصولية المعتمدة لدى هذا الفقيه أو ذاك.

ومثل هذا الخلاف وقع بين أصحاب المذاهب الإسلامية المختلفة، وليس بين سنّة وشيعة، كما قد يتصوّر البعض، بل وقع بين فقهاء المذهب الواحد، كما هو معروف لدى الجميع.

2 - الخلاف في إثبات السُنّة الصحيحة: وتشكّل مسألة قبول رواية هذا الراوي أو ذاك، مصدراً واسعاً للخلاف الفقْهي والفكري بين المسلمين، وقد سُقنا بعض الأمثلة في اختلاف العلماء في صحّة كلّ ما ورَد في كتُب الرواية، كصحيح البخاري، والكافي، وغيرهما مِن كتُب الرواية والحديث.

فكما اختلفوا في قبول هذا المصدر التشريعي وعدم قبوله، اختلفوا كذلك في إثبات صحّة الأخبار والروايات التي نُسبت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والموقف مِن الرواة، فتسبّب الاختلاف في مصادر الأحكام وفي قبول هذه الرواية أو تلك، في الاختلاف في الرأي والفتوى.

وينبغي أن يُفهم أنّ هذا الخلاف ليس هو خلافاً بين سنّة وشيعة، بل هو خلاف بين علماء المذاهب وأئمّة الفقْه والاجتهاد بمختلف اجتهاداتهم.


3 - ومِن أسباب الخلاف الأساسية بين الفقهاء هو الخلاف في المباني الأصولية، وفي فهْم الفقيه للنصّ وقدرته على الاستنباط منه، وتطبيق القواعد الفقهية والأُصولية، وغير ذلك مِن مسائل الفهْم والتطبيق المنهجي.

وواضح أنّ منشأ هذا الخلاف هو القدرة العِلمية، وليس الانتماء إلى سنّة أو شيعة.

4 - الخلاف في الفهْم اللُغَوي: ومِن أسباب الاختلاف بين الفقهاء - على اختلاف مذاهبهم - هو الخلاف بسبب العامل اللغَوي، كالاختلاف في الإعراب، أو في القراءة، أو في فهْم المعنى، كالاختلاف في تفسير آية الوضوء، وفي قراءة آية المحيض ( ... فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ... ) (1)، أو ( يَطَّهَّرْنَ ) ، أو تحديد معنى (القُرء)... الخ. فإنّ مثل هذا الخلاف نتَج عنه خلاف فقهي.

5 - الاختلاف في نَسْخ هذا الحُكم أو ذاك، كالاختلاف بين فقهاء الشيعة والسنّة في نسْخ تشريع زواج المُتعة، وعدم نسْخِـه.

وبما أنّ الخلاف بين المسلمين اليوم هو خلاف فقْهي وعقيدي في معظم جوانبه، فهُم مَدْعوّون إلى فتح باب الاجتهاد الذي أُغلق عند بعض المذاهب الإسلامية، واللجوء إلى الحوار العِلمي والمنهج النقدي بعقلٍ موضوعي، وتقدير للمسؤولية الشرعية، وإزالة الحواجز النفْسية بينهم وإعادة قراءة التاريخ، وتحقيق وقائعه وتقويمها تقويماً عِلمياً نزيهاً، واستفادة الدروس والعِبَر منها مِن غير أن تُجعَل سبباً للفُرقة والخلاف والعصبية.

وفي ختام حديثنا عن الوحدة والاتّحاد بين المسلمين نقترح تشكيل

____________________

(1) سورة البقرة: آية 222.


مجاميع عِلمية ولقاءات وحوارات بين العلماء؛ لإقامة دراسات عِلمية مشتركة، تنطلق مِن الأُسس المتّفق عليها.

وسيكون الحوار منتجاً وأكثر فاعلية، إذا ما دار حَول نظرية متكاملة للتوحيد بين المسلمين، عِلماً بأنّ تعدّد الرأي والاجتهاد مسألة عِلمية لا علاقة لها بالفُرقة والخلاف، وهي نتيجة طبيعية لإجازة عملية الاجتهاد بعد أن تتحدّد أدواته السليمة؛ لِيُدلي كلّ ذي رأيٍ برأيه، ويُقيم كلّ ذي حجّة حجّته. على أن يكون رائد الجميع هو الوحدة والائتلاف، بعيداً عن العصبية والدفاع عن الخطأ.

وبالالتزام بالمنهج العِلمي وروح التقوى، سيصل المسلمون إلى توحيد وانسجام فكري وفقهي وسياسي.

فإنّ المنهج وطريقة التفكير السليمة والوجدان العِلمي المجرّد مِن العصبية واللاشعور المتوارث، يوصِل إلى هذه النتائج.

وكمثال على ذلك: هاهما البحث والمنهج اللذان أَوصَلا كلاًّ مِن الشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمّد الفحّام، شيخي الأزهر الشريف، إلى اكتشاف الحقيقة، والتعرّف على مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فرأيا مِن واجبهما الشرعي أن يُعرّفا المسلمين بهذا المذهب الإسلامي، فدَعَيا إلى وجوب التخلّص مِن العصبية تجاهه، وأجازا العمل به، والانتقال إليه، كما هو مدوَّن في الفَتْوَيَين اللتين أصدراهما بذلك.

وختاماً، فليكن شعار المسلمين هو دعوة القرآن ونداءه الخالد: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ... ) .

*** وآخِر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالَمين***


المصادر



* القرآن الكريم.

* الاحتجاج: أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي (ت 620هـ)، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، 1386هـ - 1966م.

* إحياء الميّت بفضائل أهل البيت: جلال الدين عبد الرحمن السيوطي (ت 911هـ)، المطبعة الأدبية، مصر، 1326هـ.

* اختيار معرفة الرجال (رجال الكشّي): شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي (ت460هـ)، مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، مطبعة بعثت، قم، 1404هـ.

* الإرشاد: الشيخ المفيد (ت 413هـ)، منشورات مكتبة بصيرتي، قم.

* أسباب النزول: عليّ بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت 468هـ)، دار الكتُب العِلمية، بيروت.

* الاستيعاب في معرفة الأصحاب: أبو عمَر يوسف بن عبد الله النمري القرطبي (ت 463هـ)، دار إحياء التراث العربـي، بيروت، الطبعة الأولى، 1328هـ.

* أسد الغابة في معرفة الصحابة: عزّ الدين عليّ بن أبي الكرم الشيباني ابن الأثير (ت 630هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.


* الأُسس المنطقية للاستقراء: السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر (استُشهد سنة 1980م)، دار التعارف للمطبوعات، بيـروت، 1410هـ - 1990م.

* الإصابة في تمييز الصحابة: أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني الشافعي (ت 852هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأُولى، 1328هـ.

* اصطلاحات الأُصول: الحاج ميرزا عليّ المشكيني، مطبعة الهادي، قم، الطبعة الخامسة، 1413هـ.

* أُصول الاستنباط: السيّد علي تقي الحيدري، مطبعة مِهر، قم، الطبعة الأُولى، 1412هـ.

* الأصول العامّة للفقْه المقارن: محمّد تقي الحكيم، مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، قم، الطبعة الثانية، 1979م.

* أُصول الفقْه: الشيخ محمّد رضا المظفّر، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، الطبعة الثانية، 1386هـ.

* الأصول مِن الكافي: أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني (ت329هـ)، دار الكتُب الإسلامية، طهران، مطبعة حيدري.

* الاعتقادات في دِين الإمامية: الشيخ الصدوق أبو جعفر بن بابويه القمّي (ت381هـ)، المطبعة العِلمية، قم، 1412هـ.

* الأعلام: خير الدِين الزركلي، الطبعة الثالثة، 1389هـ - 1969م.

* إعلام الموقعين مِن ربّ العالَمين: ابن القيّم الجوزية (ت751هـ)، دار الجيل، بيروت.

* أعيان الشيعة: السيّد محسن الأمين (ت1371هـ - 1952م)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1403هـ - 1983م.

* الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني (ت356هـ)، دار الفكر للطباعة، الطبعة الأُولى، 1407 هـ - 1986م.

* الإمام الصادق: محمّد أبو زهرة، دار الفكر العربي.


* الإمامة والسياسة: ابن قتيبة الدينوري (ت276هـ)، مؤسّسة الحلبي وشركائه، 1378هـ - 1976م.

* أنوار الملَكوت في شرح الياقوت: العلاّمة الحلّي (ت736هـ)، مطبعة أمير، قم، الطبعة الثانية، 1405هـ.

* أوائل المقالات: الشيخ المفيد (ت413هـ)، تبريز، الطبعة الثانية، 1371هـ.

* بحار الأنوار: الشيخ محمّد باقر المجلسي (ت1111هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403هـ - 1983م.

* بحث حول الولاية: السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر (استُشهد سنة 1980م)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1410 - 1990م.

* البيان في تفسير القرآن: السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت1413هـ)، دار الزهراء للطباعة، بيروت، الطبعة الثامنة، 1401هـ - 1981م.

* تاريخ الإسلام: محمّد بن أحمد الذهبي (ت748هـ)، دار الكتاب العربي، الطبعة الثانية، 1410هـ - 1990م.

* تاريخ بغداد: أحمد بن عليّ الخطيب البغدادي (ت463هـ)، دار الكتُب العلمية، بيروت.

* تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، دار الفكر للطباعة، بيروت.

* تاريخ الطبري: محمّد بن جرير الطبري (ت310هـ)، دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية، 1387هـ - 1967م، وطبعة دار الفكر 1399هـ - 1979م.

* تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب (ت284هـ)، دار صادر، بيروت.

* تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام: السيّد حسن الصدر، شركة النشر والطباعة العراقية.

* التبيان في تفسير القرآن: شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت460هـ)، دار إحياء التراث العربي.


* تحرير الوسيلة: السيّد روح الله الموسوي الخميني (ت1410هـ)، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1390هـ.

* تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: جلال الدين السيوطي (ت911هـ)، دار الكتب العربية، بيروت، 1409هـ - 1989م.

* تذكرة الخواصّ: سبط ابن الجوزي (ت654هـ)، مكتبة نينوى الحديثة، طهران.

* الترغيب والترهيب: زكيّ الدِين عبد العظيم النذري (ت656هـ)، دار الفكر للطباعة، بيروت، 1408هـ - 1988م.

* تفسير القمّي: عليّ بن إبراهيم القمّي، مِن أعلام القرن الثالث الهجري.

* التفسير الكبير: فخر الدين الرازي (ت606هـ)، المطبعة البهية المصرية.

* التمهيد: محمّد بن الطيّب بن الباقلاني (ت403هـ)، دار الفكر العربي.

* تنقيح المقال في عِلم الرجال: الشيخ عبد الله المامقاني.

* تهذيب التهذيب: ابن حجر العسقلاني (ت582هـ)، دار الفكر للطباعة، بيروت، الطبعة الأُولى، 1404هـ - 1984م.

* التوحيد: الشيخ الصدوق (ت381هـ)، دار المعرفة للطباعة، بيروت.

* الثقات: محمّد بن حبان البستي (ت354هـ)، دار الفكر للطباعة، الطبعة الأُولى، 1393هـ - 1973م.

* جامع الأصول: مبارك بن محمّد بن الأثير الجزري (ت606هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403هـ - 1983م.

* الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي (ت327هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعـة الأُولـى، 1371هـ - 1952م.

* حقّ اليقين في معرفة أُصول الدين: السيّد عبد الله شبّر، مطبعة العرفان، صيدا، 1352هـ.


* حُلية الأولياء: أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصبهاني (ت430هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الخامسة، 1407هـ - 1987م.

* الخصال: الشيخ الصدوق أبي جعفر محمّد بن بابويه القمّي (ت381هـ)، منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العِلمية في قم، 1403هـ.

* خلاصة المنطق: عبد الهادي الفضلي.

* خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر (استُشهد سنة 1980م)، منشورات قِسم الإعلام الخارجي لمؤسّسة البِعثة، طهران.

* الخلافة والإمامة: عبد الكريم الخطيب، دار المعرفة للطباعة، بيروت، الطبعة الثانية، 1395هـ - 1975م.

* الدراية: الشهيد الثاني زَين الدين العاملي (استُشهد سنة 786هـ)، مطبعة النعمان، النجف الأشرف.

* الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي (ت 911هـ).

* دروس في عِلم الأُصول: السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر (استُشهد سنة 1980م)، مطبعة إسماعيليان، قم، الطبعة الثانية، 1408هـ.

* دلائل الصدق: الشيخ محمّد حسن المظفّر (ت1375هـ)، دار المعلّم للطباعة، الطبعة الأولى، 1396هـ - 1976م.

* ذخائر العُقبى: محبّ الدين الطبري الشافعي (ت694هـ)، مكتبة القدسي، القاهرة، 1356هـ.

* ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: أبو القاسم محمود بن عمَر الزمخشري (ت538هـ)، إحياء التراث الإسلامي - رئاسة ديوان الأوقاف، العراق.

* رسائل الجاحظ (الرسائل السياسية): أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الجاحظ (ت255هـ)، دار مكتبة الهلال، 1991هـ.

* الرسائل العَشرة: الشيخ الطوسي أبو جعفر محمّد بن الحسن (ت460هـ)، مؤسسة النشْر


الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم.

* رسائل الشريف المرتضى: أبو القاسم عليّ بن الحسن المرتضى (ت436هـ)، دار القرآن الكريم، مطبعة سيّد الشهـداء، قم، 1405هـ.

* الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: الشهيد السعيد زَين الدين الجبعي العاملي (استُشهد سنة 965هـ)، دار الهادي للمطبوعات، قم، 1403هـ.

* السرائر: أبو جعفر محمّد بن منصور بن إدريس الحلّي (ت598هـ)، مؤسّسة النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قـم، 1410هـ.

* سفينة البحار: الشيخ عبّاس القمّي، منشورات مكتبة سنائي.

* سُنن ابن ماجة: أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (ت275هـ)، دار الفكر، القاهرة.

* سُنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (ت275هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت.

* سُنن الترمذي: محمّد بن عيسى بن سورة (ت279هـ)، دار الفكر للطباعة، الطبعة الأُولى، 1356هـ - 1937م.

* سُنن الدارمي: أبو محمّد عبد الله بن بهرام الدارمي (ت255هـ)، دار الفكر، القاهرة، 1398هـ - 1978م.

* السُنن الكبرى: أحمد بن شعيب النسائي (ت303هـ)، دار الكتُب العِلمية، بيروت، الطبعة الأُولى، 1411هـ - 1991م.

* شذرات الذهب: عبد الحيّ بن عماد الحنبلي (ت1089هـ)، دار الفكر للطباعة، بيروت، 1409هـ - 1988م.

* شرح عقائد الصدوق (تصحيح الاعتقاد): الشيخ المفيد (ت413هـ)، تبريز، الطبعة الثانية، 1371هـ.

* شرح نهج البلاغة: عزّ الدين أبو حامد بن أبي الحديد (ت655هـ)، دار إحياء الكتب العربية، 1385هـ - 1965م.


* مجلّة الجامعة الإسلامية: المدينة المنوّرة، العدد (3)، السنة الأولى، 1389هـ.

* مجمع البيان في تفسير القرآن: أبو عليّ الفضل بن الحسن الطبرسي (ت548هـ)، منشورات مكتبة المرعشـي النجـفي، قم، 1403هـ.

* مختار الصحاح: محمّد بن أبي بكر الرازي (ت666هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت، 1401هـ - 1981م.

* مرآة الجنان: عبد الله بن سعد اليافعي (ت768هـ)، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.

* المستدرَك على الصحيحين: محمّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (ت405هـ)، دار الكتُب العِلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1411هـ - 1990م.

* مستدرَك الوسائل: الميرزا حسين النوري (ت1320هـ)، مؤسّسة إسماعيليان، قم.

* مستمسك العروة الوثقى: السيّد محسن الحكيم (ت1970م)، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، الطبعة الرابعة، 1391هـ.

* مسند أحمد: أحمد بن حنبل (ت241هـ)، دار صادر، بيروت.

* مشكاة الأنوار: أبو الفضل عليّ بن الحسن الطبرسي (المتوفّى أوائل القرن السابع الهجري)، منشورات المطبعة الحيدريـة، النجف الأشرف، 1385هـ - 1965م.

* مشكل الآثار: أبو جعفر الطحاوي (ت321هـ)، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر آباد الدكن، 1333هـ.

* معارج الأصول: المحقّق الحلّي نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الهذلي (ت676هـ)، مطبعة سيّد الشهداء، قم، الطبعة الأولى، 1403هـ.

* معاني الأخبار: الشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابوية القمّي (ت381هـ)، مؤسّسة النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم، 1982م.

* معجم رجال الحديث: السيّد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت1413هـ)، بيروت، الطبعة الثالثة، 1403هـ - 1983م.


* فرائد الأصول (رسائل الأنصاري): الشيخ مرتضى الأنصاري (ت1281هـ)، مؤسّسة النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم، 1407هـ.

* فرائد السمطين: إبراهيم بن محمّد بن المؤيّد الجويني (ت730هـ)، مؤسّسة المحمودي للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 1398هـ - 1978م.

* الفَرق بين الفِرَق: عبد القاهر بن طاهر الإسفراييني (ت429هـ)، دار الكتُب العِلمية، بيروت.

* الفصول المهمّة: ابن الصباغ عليّ بن محمّد المالكي (ت855هـ)، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ - 1988م.

* الفكر الإسلامي: سلسلة مفاهيم إسلامية - مؤسّسة دار البلاغ، طهران.

* فلسفتنا: السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر (استُشهد سنة 1980م)، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الخامسة عَشر، 1410هـ - 1989م.

* الكامل في التاريخ: ابن الأثير عزّ الدين الحسن بن أبي الكرم الشيباني (ت630هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1408هـ - 1989م.

* كشف الخفاء ومزيل الإلباس: إسماعيل بن محمّد العجلوني (ت1162هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، 1351هـ.

* كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: نصير الدين محمّد بن الحسن الطوسي (ت672هـ)، مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، الطبعة الأولى، 1399هـ - 1979م.

كفاية الأصول: الآخوند محمّد كاظم الخراساني (ت1329هـ)، مؤسّسة النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم، الطبعة الأولى، 1412هـ.

* كفاية الطالب: محمّد بن يوسف الكنجي (ت975هـ)، مؤسّسة الرسالة، بيروت، 1409هـ - 1989م.

* لسان العرب: محمّد بن مكرم بن منظور (ت 711هـ)، دار صادر، بيروت.

* مبادئ أُصول الفقْه: عبد الهادي الفضلي، مطبعة الغدير، قم، الطبعة الثانية، 1412هـ.


* شواهد التنزيل: عُبيد الله بن عبد الله الحاكم الحسكاني (مِن أعلام القرن الخامس الهجري)، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية، قم، الطبعة الأولى، 1411هـ.

* الشيعة بين الحقائق والأوهام: السيّد محسن الأمين (ت1371هـ)، منشورات دار الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الثالثة، 1397هـ - 1977م.

* صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري (ت256هـ)، مطبعة الهندي، 1976م.

* صحيح مسلم: مسلم بن الحجّاج القشيري (ت261هـ)، دار الكتُب العِلمية، بيروت.

* صحيح مسلم بشرح النووي: أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري (ت676هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت 1407هـ - 1978م.

* صفات الشيعة: الشيخ الصدوق محمّد بن عليّ بن بابويه القمّي (ت381هـ)، دار التوحيد، طهران، 1408هـ - 1988م.

* الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيتمي (ت974هـ)، شركة الطباعة الفنية المتّحدة، القاهرة، الطبعة الثانية، 1385هـ - 1965م.

* الطبَقات الكبرى: محمّد بن سعد (ت230هـ)، دار صادر، بيروت.

* عدّة الأُصول: أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت460هـ)، مؤسّسة آل البيت للطباعة، قم، الطبعة الأولى، 1403هـ - 1983م.

* عِلم أُصول الفقْه: محمّد جواد مغنية (ت1980م)، دار التيّار الجديد ودار الجواد، بيروت، الطبعة الثالثة، 1408هـ - 1988م.

* عدّة رسائل: الشيخ المفيد (ت413هـ)، منشورات مكتبة المفيد، الطبعة الثانية، قم.

* الفتاوى الواضحة: السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر (استُشهد سنة 1980م)، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، الطبعة السابعة، 1401هـ - 1981م.

* فتح الباري بشرح صحيح البخاري: أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني (ت852هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1408هـ - 1988م.


* المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1392هـ - 1972م، أُفسيت دار إحياء التراث العربي، بيروت.

* مفتاح الباب في شرح الباب الحادي عَشر للعلاّّمة الحلّي: أبو الفتح بن مخزوم الحسيني العربشاهي (ت976هـ)، آستانه مقدّس، مشهد، 1410هـ.

* المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني (ت502هـ)، مطبعة خدمات جابي، 1404هـ.

* مقاتل الطالبيين: أبو الفرج الأصفهاني (ت356هـ)، مؤسّسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الثانية، 1408هـ - 1987م.

* مقتل الإمام الحسين: السيّد جمال الدين أحمد بن موسى بن طاووس (ت673هـ).

* مقتل الإمام الحسين: الموفّق بن أحمد أخطب خوارزم (ت568هـ)، مكتبة المفيد، قم.

* المقنعة: الشيخ المفيد (ت413هـ)، منشورات مكتبة المرعشي النجفي، قم، الطبعة الثانية، 1408هـ 1987م.

* المِلل والنِحل: محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1375هـ.

* مَن لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق (ت381هـ)، مؤسّسة النشر الإسلامي، جماعة المدرّسين، قم، الطبعة الثانية، 1404هـ.

* ميزان الاعتدال: محمّد بن أحمد الذهبي (ت381هـ)، دار الفكر للطباعة، بيروت.

* الميزان في تفسير القرآن: السيّد محمّد حسين الطباطبائي (ت1981م)، دار الكتُب الإسلامية، طهران، الطبعة الثالثة، 1397هـ.

* النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر للعلاّمة الحلّي: الفاضل المقداد السيوري (ت826هـ)، آستانة مقدّس، مشهد، 1410هـ.

* نور الأبصار: الشيخ مؤمن بن حسن الشبلنجي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.


* النهاية في غريب الحديث: ابن الأثير الجزري (ت606هـ)، مؤسّسة إسماعيليان للطباعة، قم، الطبعة الرابعة، 1985م.

* نهج البلاغة للإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): تحقيق صبحي الصالح، مؤسّسة الهجرة، الطبعة الخامسة، 1412هـ.

* نهج الحقّ وكشف الصدق: الحسن بن يوسف (العلاّمة الحلّي) (ت736هـ)، مؤسّسة دار الهجرة، قم، الطبعة الأُولى 1407هـ.

* الوافي بالوَفيات: الصفدي، دار النشر فرانزشتانير بفيسبادن، الطبعة الثانية، 1381هـ - 1962م.

* وسائل الشيعة: الشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي (ت1104هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الرابعة، 1391هـ.

* وَفيات الأعيان: شمس الدين أحمد بن محمّد بن خلكان (ت681هـ)، دار صادر، بيروت 1968م.


الفهرس

المقدَّمةُ 11

المَدخلُ: الوحدة في ظِلّ النبوّة 15

الفصل الأوَّل: نشأةُ التشيّع .21

الفصل الثاني: منهج البحث والتفكير في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) 45

الفصل الثالث: التوحيد في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) 65

الفصل الرابع: العدْل الإلهي .119

الفصل الخامس: النبوَّةُ 133

الفصل السادس: الإمامةُ 155

الفصل السابع: الإيمان بعالَم الآخِرة 235

الفصل الثامن: الاجتهاد ومصادر الأحكام في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) 261

الفصل التاسع: المنهج السلوكي في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) 353

الخاتمة 365

المصادر 377