المذاهب الإسلامية
التجميع أديان وفرق
الکاتب الشيخ جعفر السبحاني
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

المذاهب الإسلاميّة

جعفر السبحاني



بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

قال تعالى:

( إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الْإِسْلاَمُ )

آل عمران: 19

وقال تعالى:

( وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا )

العنكبوت: 69



بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأفضل بريته محمد وآله الطيّبين الطاهرين، ومن اهتدى بهداهم من الأوّلين والآخرين، سلاماً ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.

أمّا بعد؛ فهذه وجيزة في المِلل والنِّحل، لخّصتها من موسوعتنا الكبيرة (بحوث في المِلل والنِّحل)، لِمَا وجدتُ من أنّ الجيل الحاضر إلى الإيجاز أميل وعن الإسهاب أعرض، واستعرضت فيها الملل والفرق بما لها من أُصول وعقائد، وتركتُ التعرُّض لما يتفرّع عنها، كما تركتُ التعرّض إلى التحليل والنقد، إلاّ شيئاً يسيراً يقتضيه الحال. واقتصرت على دراسة المذاهب الموجودة، وأعرضتُ عن ذكر الفِرَقِ البائدة الّتي أكل عليها الدهر وشرب، ومن ابتغى التحليل والنقد لهذه الفرق، فليرجع إلى موسوعتنا المذكورة.

وقبل الخوض في البحث، نقدِّم بحوثاً تمهيديّة تُنير السبيل لهذا العلم.

المؤلف



بحوث تمهيديَّة

وقبل الخوض في صلب الموضوع، نقدّم أُموراً تمهيديّة تنير السبيل لروّاد هذا العلم:

1. الملّة والنحلة في اللغة:

الملّة بمعنى: الطريقة المقتبسة من الغير، يقول سبحانه: ( بَلْ مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) (1) .

وأمّا النحلة، فهي بمعنى: الدعوى والدِّين، ولكن تستعمل كثيراً في الباطل، يقال: انتحال المبطلين. وفي المصطلح: المناهج العقائدية لأُمّة خاصّة أو جميع الأُمم، سواء كانت حقّاً أم باطلاً.

2. الصلة بين علم العقائد وعلم الملل والنحل:

إنّ علم الكلام يبحث عن المسائل العقائدية الّتي ترجع إلى المبدأ والمعاد، ويوجِّه عنايته إلى إثبات فكرة خاصة في موضوع معيّن، ولكن علم الملل والنحل يسرد المناهج الكلاميّة وعقائد الأقوام، دون أن يتحيّز إلى منهج دون منهج، وهمّه عرض هذه الأُسس الفكرية على روّاد الفكر والمعرفة؛ فنسبة هذا العلم إلى علم العقائد نسبة تاريخ العلم إلى نفسه.

____________________

(1) البقرة: 135.


3. تعريفه، موضوعه، مسائله، غايته:

إنّ علم الملل والنحل كسائر العلوم، له: تعريفه، وموضوعه، ومسائله، وغايته.

أمّا تعريفه: فهو العلم بتاريخ نشوء المذاهب والديانات عبر القرون، ومقارنتها مع بعض.

وأمّا موضوعه: فهو عقائد الأُمم الّذي يعبَّر عنه بالملل والنحل.

وأمّا مسائله: فهي الاطّلاع على آراء أصحاب الديانات.

وأمّا غايته: فتتَّحد غايته مع تاريخ العلوم على وجه الإطلاق، وهي إعطاء البصيرة للمحقّق الكلامي في نشوء العقائد واشتقاق بعضها من بعض.

4. المصنّفات في الملل والنحل:

إنّ ما كُتب في هذا المجال على قسمين: قسم منه: يتناول جميع أديان البشر أو أكثرها. وقسم منه: يختصّ بالفرق الإسلامية.

أمّا القسم الأوّل، فهو:

1. (الآراء والديانات): تأليف حسن بن موسى النوبختي (المتوفّى 298هـ).

2. (المقالات): تأليف محمد بن هارون الورّاق البغدادي (المتوفّى سنة 347هـ).

يصفه النجاشي بقوله: كتاب كبير، حسن، يحتوي على علوم كثيرة، قرأت هذا الكتاب على شيخنا أبي عبد الله (1) .

3. (أُصول الديانات): لأبي الحسن علي بن الحسين المسعودي (المتوفّى عام 345هـ) صاحب مروج الذّهب، يذكر فيه كتابه هذا.

4.(الملل والنحل): لابن حزم الظاهري (المتوفّى عام 456هـ).

____________________

(1) رجال النجاشي: برقم 146.


5. (الملل والنحل): لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479 - 548هـ).

وأمّا القسم الثاني، فنظير:

1. (مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين): لشيخ الأشاعرة: أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (260 - 324هـ).

2. (التنبيه والرد): لأبي الحسين الملطي (المتوفّى عام 377هـ).

3. (الفرق بين الفرق): تأليف الشيخ عبد القاهر البغدادي التميمي (المتوفّى عام 429هـ).

4. (التبصير في الدين): الطاهر بن محمد الاسفرايني (المتوفّى عام 471هـ).

5. (فرق الشيعة): الشيخ أبي القاسم سعد بن عبد الله القمي (المتوفّى 299هـ). وربّما يُنسب هذا الكتاب إلى حسن بن موسى النوبختي.

وكتابنا هذا يركّز البحث على الفرق الإسلامية وما يمت إليها بصلة، وإن لم يكن في الحقيقة منها.

5. علل تكوّن الفرق الإسلامية:

لبّى النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) دعوة ربّه وانتقل إلى جواره وترك لأُمتّه ديناً قيِّماً، عليه سمات من أبرزها بساطة العقيدة ويسر التكليف. كما ترك للاهتداء بعده: كتاب الله لعزيز الّذي فيه ( تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْ‏ءٍ ) (1) ، وسنّته الوضّاءة المقتبسة من الوحي (2) السليم من الخطأ، وعترته الطاهرة قرناء الكتاب (3) .

وكان الجدير بالمسلمين التمسّك بالعروة الوثقى وتوحيد الكلمة في عامّة

____________________

(1) النحل: 89.

(2) النجم: 4.

(3) حديث الثقلين.


المواقف، إلاّ فيما كان الاختلاف فيه أمراً ضرورياً لا يُجتنب، ولكن مع الأسف، نجم بينهم فرق ومذاهب يختلف بعضها عن بعض في جوهر الإسلام وأُصوله.

وأمّا ما هو العامل أو العوامل لتكوِّن الفِرَق؟ ؛ نشير إليها إجمالاً:

العامل الأوّل: الاتجاهات الحزبية والتعصّبات القبلية:

إنّ أعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف في قضيّة الإمامة، وما سلّ سيف في الإسلام وفي كلّ الأزمنة على قاعدة دينية مثلما سلّ على الإمامة.

ومع أنّ الرسول لم يترك الأُمّة سدى؛ بل نصب خليفة للمسلمين ومن يقوم بوظائف النبوّة بعده، وإن لم يكن نبيّاً بل إماماً منصوصاً،لكن مع الأسف، اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة - قبل تجهيز النبيّ ومواراته - ثمّ التحق بهم نفر من المهاجرين؛ لا يتجاوز عددهم الخمسة، فكثُر الاختلاف والنزاع بينهم، فكلُّ طائفة كانت تحاول جرّ النّار إلى قُرصها؛ فيقول مندوب الأنصار رافعاً عقيرته: يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست في العرب، إلى أن قال: استبدّوا بهذا الأمر دون الناس.

وقال نفر من المهاجرين: من ذا الّذي ينازع المهاجرين في سلطان محمّد وإمارته، وهم أولياؤه وعشيرته.

فصارت المناشدة في السقيفة، الحجر الأساس للتفرق وانثلام الكلمة ونسيان الوصية الّتي أدلى بها النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في غير واحد من المواقف، منها يوم الغدير.

العامل الثاني: سوء الفهم واللجاج في تحديد الحقائق:

ثار أهل العراق والحجاز ومصر على عثمان نتيجة الأحداث المؤلمة الّتي ارتكبها عُمّاله في هذه البلاد، وانتهى الأمر إلى قتله وتنصيب عليّ مكانه، وقد


قام عليّ (عليه السّلام) بعزل الولاة آنذاك، عملاً بواجبه أمام الله سبحانه وأمام المُبايعين له، غير أنّ معاوية قد عرف موقف عليّ بالنسبة إلى عمال الخليفة، فرفض بيعة الإمام، ونجم عن ذلك حرب صفّين، بين جيش عليّ وجيش معاوية، فلمّا ظهرت بوادر الفتح لصالح عليّ (عليه السّلام)، التجأ معاوية وحزبه إلى خديعة رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم القرآن بين الطرفين، فصار ذلك نواة لحدوث الاختلاف في جبهة عليّ (عليه السّلام)، وقد أمر الإمام بمواصلة الحرب، وقام بتبيين الخدعة، غير أنّ الظروف الحاكمة على جيش الإمام، ألجأته إلى وقف الحرب وإدلاء الأمر إلى الحَكَمين وإعلان الهدنة.

ومن عجيب الأمر أنّ الّذين كانوا يُصرّون على إيقاف الحرب، ندموا على ما فعلوا، فجاءوا إلى الإمام يُصرّون على نقض العهد، غير أنّ الإمام وقف في وجههم؛ لِمَا يتضمّن اقتراحهم من نقض العهد، وعند ذلك ظهرت فرقة باسم المحكِّمة؛ حيث زعموا أنّ مسألة التحكيم تخالف قوله سبحانه: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلّا للّهِ ) ؛ وما هذا إلاّ نتيجة سوء الفهم واعوجاج السليقة، لأنّ الإمام أرجأ المسألة إلى حكم الحَكَمين على ضوء القرآن والسنّة، فكيف يكون ذلك مخالفاً لقوله سبحانه: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلّا للّهِ ) ، فإنّ الحكم على وفقها حكم لله سبحانه، وقد صار هذا الاعوجاج مبدأً لظهور الخوارج بفرقها المختلفة على ساحة التاريخ.

العامل الثالث: المنع عن كتابة الحديث:

قد منع الخلفاء بعد رحيل الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عن كتابة الحديث وتدوينه، بل التحديث عنه، إلى أواخر القرن الأوّل، بل إلى عهد المنصور العباسي، مع أنّ حديث الرسول عِدْل القرآن الكريم؛ فالقرآن وحي بلفظه ومعناه، وسنته


وحي بمعناه لا بلفظه. وقد اعتمدوا في منع كتابة السنّة ونشرها على روايات مزوّرة؛ مخالفة للكتاب والسنّة الثابتة.

وقد ترك هذا المنع آثاراً سلبية؛ أقلّها حرمان الأُمّة من السنّة النبويّة الصحيحة قرابة قرن ونصف، فظهر الوضّاعون والكذّابون بين المسلمين، فرووا عن لسان الرسول ما شاءوا وما أرادوا، وصارت هذه الحيلولة سبباً لازدياد الحديث؛ حتّى أخرج محمد بن إسماعيل البخاري صحيحه عن ستمائة ألف حديث. وأين حياة الرسول، المليئة بالأحداث، من التحديث بهذا العدد الهائل من الأحاديث؟!، ولذلك غربلها البخاري، فأخرج منها ما يقارب ألفين وسبعمائة وواحداً وستين حديثاً، ولا يقلّ عنه صحيح مسلم وكُتب السُّنن.

العامل الرابع: فسح المجال للأحبار والرهبان:

إنّ الفراغ الّذي خلّفه المنع عن نقل أحاديث الرسول، أوجد أرضيّة مناسبة لتحديث الأحبار والرهبان عن العهدين، فصاروا يحدّثون عن الأنبياء والمرسلين بما سمعوه من مشايخهم أو قرأوه في كتبهم.

يقول الشهرستاني: وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الإسلام أحاديث متعددة في مسائل التجسيم والتشبيه، وكلّها مستمدة من التوراة (1) .

ويقول الكوثري: إنّ عدّة أحبار اليهود ورهبان النصارى ومؤابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين، ثم أخذوا بعدهم في بثِّ ما عندهم من الأساطير (2) .

____________________

(1) الملل والنحل: 1/16.

(2) مقدّمة تبيين المفتري: 30.


ولو كان نشر الحديث وتدوينه وتحديثه أمراً مسموحاً، لما وجد الأحبار والرهبان مجالاً للتحديث عن كتبهم المنحرفة، ولانشغل المسلمون عن سماع ما يبثّون من الخرافات بالقرآن والسنّة، ولكنّ الفراغ الّذي خلّفه المنع أعان على تحديثهم واجتماع الناس حولهم، ومن قرأ سيرة كعب الأحبار، ووهب بن منبه اليماني، وتميم بن أوس الداري وغيرهم، يقف على دورهم في نشر الأساطير وإغواء الخلفاء بها.

العامل الخامس: الاحتكاك الثقافي:

التحق النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالرفيق الأعلى، وقام المسلمون بفتح البلدان والسيطرة عليها، وكانت الأُمم المغلوبة ذات حضارة وثقافة في المعارف والعلوم والآداب.

وكان بين المسلمين رجال ذوو دراية ورغبة في كسب العلوم وتعلُّم ما في هذه البلاد من آداب وفنون، فأدّت هذه الرغبة إلى المذاكرة والمحاورة أوّلاً، ونَقْل كتبهم إلى اللغة العربية ثانياً، حتّى انتقل كثير من آداب الرومان والفرس إلى المجتمع الإسلامي، ولا شكَّ أنّ من تلك المعارف ما يُضَاد مبادئ الإسلام، وكان بين المسلمين من لم يتدرّع في مقابلها، ومنهم من لم يتورّع عن أخذ الفاسد منها، فصار ذلك مبدأً لظهور ديانات وعقائد على الصعيد الإسلامي، عندما صبغوا ما أخذوه من الكتب بصبغة الإسلام.

العامل السادس: الاجتهاد في مقابل النص:

إذا كانت العوامل الخمسة سبباً لنشوء المذاهب الكلامية، فهناك


عامل سادس صار مبدأً لتكوّن المذهب الكلامي والمذهب الفقهي، وهو تقديم الاجتهاد - لمصلحة مزعومة - على النّص.

إنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد أوصى المسلمين بعترته وشبّههم بسفينة نوح، وقال في محتشد عظيم: (يا أيّها النّاس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي) (1) . ومع ذلك استأثر القوم بالأمر يوم السقيفة، وقضوا أُمورهم من دون مشورة أو حوار مع أهل البيت، فصار ذلك سبباً لظهور مذاهب فقهيّة مبنيّة على تقديم المصلحة المزعومة على نص النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وعلى هذا الأساس منعوا من متعة الحج ومتعة النساء وتوريث الأنبياء إلى غير ذلك من المذاهب الفقهيّة، كما حدثت مذاهب كلاميّة، لأجل الاستبداد بفكرهم، من دون عرضها على الكتاب والسنّة.

هذه هي العوامل الستة الّتي صارت سبباً لظهور المذاهب بين الإسلاميين. ومن حسن الحظ أنّ أغلب الطوائف تشترك في الأُمور الّتي بها يناط الإسلام والإيمان، وإن كانوا يختلفون في مباحث كلاميّة أو مسائل فقهيّة.

إلى هنا تمّت البحوث التمهيديّة، وسنشرع في سرد المذاهب.

____________________

(1) كنز العمال: 1/44، باب الاعتصام بالكتاب والسنّة.


1

أهل الحديث والحشويّة

إنّ للحديث النّبويّ من علو الشأن وجلالة القدر ما لا يختلف فيه اثنان، ولا يحتاج في إثباته إلى برهان، إذ هو الدعامة الثانية - بعد الذكر الحكيم - للدين والشريعة والحكم والأخلاق.

وهذه المنزلة الرفيعة تقتضي المزيد من الاهتمام بالمنقول عنه، ودراسته وتمحيصه بأفضل نحو حتّى يتميّز الصحيح عن السقيم، والمعقول عن غيره، وموافق الكتاب عن مخالفه.

وذلك لِما دقَّ رسول الله جرس الإنذار وقال: (من كذب عليَّ متعمِّداً، فليتبوّأ مقعده من النار). وذلك يعرب عن أنّ الرسول كان يعلم بإذن الله أنّ أعداء دين الإسلام وسماسرة الحديث سيكذبون عليه، ويضعون الحديث على لسانه.

وقد صدق الخُبر الخبرَ؛ حيث وضع الوضّاعون أحاديث على لسانه، وبثّوها بين صفوف المسلمين بأساليب مختلفة، فصار تمييز الصحيح عن غيره أمراً بعيد المنال.

وقد كان لمنع كتابة الحديث وتحديثه ما يزيد على قرن، مضاعفات جمّة؛


أهمّها انتهاز الوضّاعين لوضع الحديث وجعله ونشره بين المسلمين، فلمّا وقف المحدّثون على مدى الخسارة الّتي مُني بها الحديث، أخذوا بتقييد وضبط كلِّ ما دبّ وهبّ بحرص شديد، سواء وافق العقل أم خالفه، وافق الكتاب أم خالفه، إلى حد تجاوزت منزلة الحديث، الكتاب العزيز، ويُعلم ذلك من الأُصول الّتي اتّخذها أهل الحديث مقياساً لأخذ الحديث وجمعه، فقالوا:

1. إنّ السنّة لا تُنسخ بالقرآن، ولكن السنّة تَنسخ القرآن وتقضي عليه، والقرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها. (1)

2. إنّ القرآن أحوج إلى السنّة، من السنّة إلى القرآن. (2)

3. إنّ القول بعرض الأحاديث على الكتاب، قول وضعه الزنادقة. (3)

والّذي يُعرب عن كثرة الموضوعات، اختيار أئمة الحديث أخبار تآليفهم الصحاح والمسانيد من أحاديث كثيرة هائلة، والصفح عن ذلك الهوش الهائش. قد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث، وقال: انتخبته من خمسمائة ألف حديث.

ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألفي حديث وسبعمائة وواحداً وستين حديثاً، اختارها من زهاء ستمائة ألف حديث.

وفي صحيح مسلم أربعة الآف حديث أُصول، دون المكرَّرات، صنّفها من ثلاثمائة ألف.

____________________

(1) مقالات الإسلاميين: 2/251.

(2) جامع بيان العلم: 2/ 234.

(3) عون المعبود في شرح سنن أبي داود: 4/429.


وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد أنتخبها من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث، وكتب أحمد بن الفرات (المتوفّى 258هـ) ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيرها. (1)

ثم إنّ الإمام أحمد بن حنبل (164 - 241هـ) قد كتب رسالة بيّن فيها عقائد أهل الحديث تحت بنود خاصة.

قال في مقدّمته: هذه مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر، وأهل السنّة المتمسّكين بعروقها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى يومنا هذا، وأدركتُ من أدركت من علماء الحجاز والشام عليها؛ فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طغى فيها أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة وزائل عن مذهب السنّة وسبيل الحق.

ثم شرع في بيان الأُصول. (2)

كما كتب أبو الحسين محمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى377هـ) عقائد أهل الحديث في كتابه المعروف بـ (التنبيه والرَّد) (3)

وقد سرد الإمام الأشعري عقيدة أهل الحديث في كتابيه: الإبانة ومقالات الإسلاميّين، ولعلّ ما كتبه أحسن تناولاً ممّا كُتب قبلَه، ونحن نستعرض جملة من أقواله المبيّنة لعقائد أهل الحديث حيث يقول:

____________________

(1) خلاصة التهذيب: 9، الغدير: 5/292 - 293.

(2) السنّة: أحمد بن حنبل، 44 - 50.

(3) التنبيه والرد: 14 - 15.


وجملة قولنا:

1. إنّا نُقرّ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، لا نُرِدُّ من ذلك شيئاً.

2. وإنّ الله عزّ وجلّ إله واحد لا إله إلاّ هو، فرد صمد لم يتَّخذ صاحبة ولا ولداً.

3. وإنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ.

4. وإنّ الجنّة والنار حقّ.

5. وإنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَن في القبور.

6. وأنّ الله استوى على عرشه؛ كما قال: ( الرّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) . (1)

7. وإنّ له وجهاً بلا كيف؛ كما قال: ( وَيَبْقَى‏ وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ ) . (2)

8. وإنّ له يدين بلا كيف؛ كما قال: ( خَلَقْتُ بِيَدَيّ ) . (3) ، وكما قال: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) . (4)

9. وإنّ له عيناً بلا كيف؛ كما قال: ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) . (5)

10. وإنّ من زعم أنّ أسماء الله غيره، كان ضالاً.

____________________

(1) طه: 5.

(2) الرحمن: 27.

(3) ص: 75.

(4) المائدة: 64.

(5) القمر: 14.


11. وإنّ لله علماً؛ كما قال: ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) . (1) ، وكما قال: ( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى‏ وَلاَ تَضَعُ إِلّا بِعِلْمِهِ ) . (2)

12. ونُثبت لله السمع والبصر، ولا ننفي ذلك، كما نفته المعتزلة والجهميّة والخوارج.

13. وثبت أنّ لله قوّة؛ كما قال: ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّ اللّهَ الّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدّ مِنْهُمْ قُوّةً ) . (3)

14. ونقول: إنّ كلام الله غير مخلوق، وإنّه لم يخلق شيئاً إلاّ وقد قال له: كن فيكون؛ كما قال: ( إِنّمَا قَوْلُنَا لِشَيْ‏ءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) . (4)

15. وإنّه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلاّ ما شاء الله، وإنّ الأشياء تكون بمشيئة الله عزّ وجلّ. وإنّ أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله الله.

16. ولا نستغني عن الله، ولا نقدر على الخروج من علم الله عزّ وجلّ.

17. وإنّه لا خالق إلاّ الله، وإنّ أعمال العبد مخلوقة لله مقدورة؛ كما قال: ( وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) . (5)

وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً، وهم يخلقون؛ كما قال: ( هَلْ منْ خَالِقٍ غَيْرُ اللّهِ ) . (6) ، وكما قال: ( لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ) . (7) ، وكما قال:

____________________

(1) النساء: 166.

(2) فاطر: 11.

(3) فصلت: 15.

(4) النحل: 40.

(5) الصافات: 96.

(6) فاطر: 3.

(7) النحل: 20.


( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاّ يَخْلُقُ ) . (1) ، وكما قال: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‏ءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) (2) ، وهذا في كتاب الله كثير.

18. وإنّ الله وفَّق المؤمنين لطاعته، ولطف بهم، ونظر إليهم، وأصلحهم وهداهم، وأضلَّ الكافرين ولم يهدهم، ولم يلطف بهم بالإيمان، كما زعم أهل الزيغ والطغيان، ولو لطف بهم وأصلحهم لكانوا صالحين، ولو هداهم لكانوا مهتدين، كما قال تبارك وتعالى: ( مَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) . (3)

وإنّ الله يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم، حتّى يكونوا مؤمنين، ولكنّه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وإنّه خذلهم وطبع على قلوبهم.

19. وإنّ الخير والشر بقضاء الله وقدره. وإنّا نؤمن بقضاء الله وقدره، خيره وشرّه، حلوه ومرّه، ونعلم أنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأنّ ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأنّ العباد لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً، إلاّ ما شاء الله، كما قال عزّ وجلّ: ( قُل لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلّا مَا شَاءَ اللّهُ ) (4) ، وإنّا نلجأ في أُمورنا إلى الله، ونثبت الحاجة والفقر في كلّ وقت إليه.

20. ونقول: إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر.

21. وندين بأنّ الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

____________________

(1) النحل: 17.

(2) الطور: 35.

(3) الأعراف: 178.

(4) الأعراف: 188.


ونقول: إنّ الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال الله عزّ وجلّ: ( كَلّا إِنّهُمْ عَن رَبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) . (1) وإنّ موسى (عليه السّلام) سأل الله عزّ وجلّ الرؤية في الدنيا، وإنّ الله تعالى تجلّى للجبل، فجعله دكّاً، فاعلم بذلك موسى أنّه لا يراه في الدنيا.

22. وندين بأن لا نكفّر من أهل القبلة بذنب يرتكبه كالزنى والسرقة وشرب الخمر، كما دانت بذلك الخوارج وزعمت أنّهم كافرون.

ونقول: إنّ من عمل كبيرة من هذه الكبائر، مثل: الزنا والسرقة وما أشبههما، مستحلاًّ لها غير معتقد لتحريمها، كان كافراً.

23. ونقول: إنّ الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كلّ إسلام إيماناً.

24. وندين بأنّ الله تعالى يقلّب القلوب، (وأنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن) (2) ، وأنّه سبحانه (يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع) (3) كما جاءت الرواية عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من غير تكييف.

____________________

(1) المطففين: 15.

(2) رواه مسلم رقم (2654) في القدر: باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء، وأحمد: 2/168 و173، من حديث عبد الله بن عمرو، وابن ماجة برقم (3834) في الدعاء: باب دعاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والترمذي رقم (2141) في القدر: باب ما جاء أنّ القلوب بين أصبعي الرحمن من حديث أنس بن مالك، وأحمد: 6/302 و315، والترمذي رقم (3517) في الدعوات، باب 89 من حديث أُمّ سلمة، وأحمد: 6/251 من حديث عائشة 302، 315.

(3) أخرجه البخاري: 13/335، 336، 369 و397 في التوحيد: باب قوله تعالى: ( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ ) وباب قوله تعالى: ( إِنّ اللّهَ يُمْسِكُ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ ) ، وباب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء، و8/423 وفي التفسير: باب قوله تعالى: ( وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ


25. وندين بأنّ لا ننزل أحداً من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا ناراً، إلاّ من شهد له رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا معذَّبين.

ونقول: إنّ الله عزّ وجلّ يخرج قوماً من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة محمّد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؛ تصديقاً لما جاءت به الروايات عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). (1)

26. ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وإنّ الميزان حقّ، والصراط حقّ، والبعث بعد الموت حقّ، وإنّ الله عزّ وجلّ يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين.

27. وإنّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، الّتي رواها الثقاة، عدل عن عدل، حتّى تنتهي الرواية إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

28. وندين بحُب السلف، الذين اختارهم الله عزّ وجلّ لصحبة نبيّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ونثني عليهم بما أثنى الله به عليهم، ونتولاهم أجمعين.

____________________

الْقِيَامَةِ )، ومسلم رقم (2786) (21) في المنافقين: باب صفة القيامة والجنة والنار، والترمذي رقم (3236) و(3238) في التفسير: باب: (ومن سورة الزمر)، كلّهم من حديث عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه).

(1) خروجهم من النار بعد أن امتحشوا وحديث الشفاعة، رواه البخاري: 13/395 - 397 في التوحيد: باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. و13/332 باب قوله تعالى ( لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ ) . و13/398 باب قوله: ( وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَى‏ تَكْلِيماً ) . و8/122 في تفسير سورة البقرة: باب ( عَلّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلّهَا ) . ومسلم رقم (193) من حث أنس بن مالك. والبخاري: 6/264 و265. ومسلم (194) في الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها من حديث أبي هريرة. والبخاري: 11/367 و371 من حديث جابر.


29. ونقول: إنّ الإمام الفاضل بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أبو بكر الصديق (رضوان الله عليه)، وإنّ الله أعزّ به الدين وأظهره على المُرتدِّين، وقدَّمه المسلمون للإمامة، كما قدمه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) للصلاة، وسمّوه بأجمعهم خليفة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان، وإنّ الذين قتلوه، قتلوه ظلماً وعدواناً، ثمّ علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، فهؤلاء الأئمّة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وخلافتهم خلافة النبوّة.

ونشهد بالجنّة للعشرة الذين شهد لهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بها، ونتولّى سائر أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ونكفُّ عمّا شجر بينهم، وندين الله بأنّ الأئمّة الأربعة خلفاء راشدون مهديُّون فضلاء، لا يوازيهم في الفضل غيرهم.

30. ونُصدِّق بجميع الروايات الّتي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأنّ الربّ عزّ وجلّ يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر) (1) ، وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل.

31. ونُعوِّل فيما اختلفنا فيه على كتاب ربّنا تبارك وتعالى وسنّة نبيّنا (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم.

____________________

(1) رواه مسلم (758) (170) (172) في صلاة المسافرين: باب الترغيب والدعاء والذكر في آخر الليل. وللحديث صيغ أُخرى رواها البخاري في التهجّد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل. وفي الدعوات: باب الدعاء نصف الليل وفي التوحيد: باب قوله تعالى: ( يُرِيدُونَ أَن يُبَدّلُوا كَلاَمَ اللّهِ ) ومسلم (758) (168) (169). وأبو داود رقم (4733 في السنّة. والترمذي رقم (3493) في الدعوات. وأحمد: 2/258 و267 و282 و419 و3687 و504 و521 من حديث أبي هريرة.


32. ونقول: إنّ الله عزّ وجلّ يجيء يوم القيامة كما قال: ( وَجَاءَ رَبّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ) (1) ، وإنّ الله عزّ وجلّ يقْرب من عباده كيف شاء كما قال: ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) (2) ، وكما قال: ( ثُمّ دَنَا فَتَدَلّى‏ * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى‏ ) (3) .

33. ومن ديننا أن نصلّي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كلّ برّ وفاجر، كما رُوي عن عبد الله بن عمر: إنّه كان يصلّي خلف الحجّاج.

34. وإنّ المسح على الخُفّين سنّة في الحضر والسفر، خلافاً لقول من أنكر ذلك.

35. ونرى الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين بإنكار الخروج عليهم بالسيف، وترك القتال في الفتنة.

36. ونقرّ بخروج الدجّال، كما جاءت به الرواية عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). (4)

37. ونؤمن بعذاب القبر، ومنكر ونكير ومساءلتهما المدفونين في قبورهم.

____________________

(1) الفجر: 22.

(2) ق: 16.

(3) النجم: 8 - 9.

(4) صحيح البخاري: 13/87 في الفتن: باب ذكر الدجال، وفي الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل، و13/89 - 91، وفي فضائل المدينة: باب لا يدخل الدجال المدينة. ومسلم (2933) في الفتن: باب ذكر الدجال وصفته ومن معه ولغاية (2947)، والترمذي (2235) لغاية (2246) في الفتن، وأبو داود (4315) في الملاحم ولغاية (4328)، وأحمد في (المسند): 1/4، 7؛ 2/33، 37، 67، 104، 108، 124، 131، 237، 349، 429، 457، 530؛ 3/42؛ 5/32، 38، 43، 47. وابن ماجة من (4071) ولغاية (4081) في الفتن باب فتنة الدجال.


38. ونصدّق بحديث المعراج. (1)

39. ونصحّح كثيراً من الرؤيا في المنام، ونقرّ أنّ لذلك تفسيراً.

40. ونرى الصدقة عن موتى المسلمين والدعاء لهم، ونؤمن بأنّ الله ينفعهم بذلك.

41. ونصدّق بأنّ في الدنيا سحراً وسحرة، وأنّ السحر كائن موجود في الدنيا.

42. وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة؛ برّهم وفاجرهم وتوارثهم.

43. ونقرّ أنّ الجنة والنّار مخلوقتان.

44. وإنّ من مات أو قتل، فبأجَله مات أو قتل.

45. وإنّ الأرزاق من قبل الله عزّ وجلّ يرزقها عباده حلالاً وحراماً.

46. وإنّ الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويتخبطه، خلافاً لقول المعتزلة والجهمية، كما قال الله عزّ وجلّ: ( الّذِينَ يَأْكُلُونَ الرّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ ) (2) ، وكما قال: ( مِن شَرّ الْوَسْوَاسِ الْخَنّاسِ * الّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ * مِنَ الْجِنّةِ وَالنّاسِ ) . (3)

____________________

(1) رواه البخاري: 13/399 - 406 في التوحيد: باب ما جاء في قوله عزّ وجلّ: ( وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَى‏ تَكْلِيماً ) ، وفي الأنبياء: باب صفة النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ومسلم رقم (162) في الإيمان: باب الإسراء برسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى السماوات، والنسائي: 1/221 في الصلاة: باب فرض الصلاة، والترمذي رقم (3130) في التفسير: باب ومن سورة بني إسرائيل.

(2) البقرة: 275.

(3) الناس: 4 - 6.


47. ونقول: إنّ الصالحين يجوز أن يخصّهم الله عزّ وجلّ بآيات يظهرها عليهم.

48. وقولنا في أطفال المشركين: إنّ الله يؤجّج لهم في الآخرة ناراً، ثمّ يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الروايات. (1)

49. وندين الله عزّ وجلّ بأنّه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون.

50. وبطاعة الأئمّة ونصيحة المسلمين.

51. ونرى مفارقة كلّ داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتجّ لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه ممّا لم نذكره، باباً باباً وشيئاً شيئاً، إن شاء الله تعالى. (2)

***

____________________

(1) اختلف العلماء قديماً وحديثاً في أولاد المشركين على أقوال، منها: القول الّذي ذكره الأشعري أنّهم يمتحنون في الآخرة؛ بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، ومن أبى عذّب. رواه البزّار من حديث أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري (رضي الله عنهما)، ورواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل (رضي الله عنه).

قال الحافظ في (الفتح)، 3/195: وقد صحّت مسألة الامتحان في حقّ المجنون ومن مات في الفترة، من طرق صحيحة. ومن الأقوال: إنّهم في الجنة. قال النووي: وهو المذهب الصحيح الّذي صار إليه المحقّقون؛ لقوله تعالى: ( وَمَا كُنّا مُعَذّبِينَ حَتّى‏ نَبْعَثَ رَسُولاً ) . وانظر (الفتح): 3/195 - 196.

(2) الإبانة: 8 - 12، باب: في إبانة قول أهل الحق والسنّة، مقالات الإسلاميين: 320 - 325.


نظرنا في بعض هذه الأُصول:

1. ما ذكره في الأُصول الثلاثة: السابع والثامن والتاسع؛ من أنّ لله وجهاً ويدين وعيناً بلا كيف، حاول بذلك الجمع بين أمرين مهمين:

أ - إثبات هذه الصفات لله سبحانه بمعانيها اللغوية حذراً من تأويل المعتزلة.

ب - الاحتراز من وصمة الجمسانيّة؛ وذلك بإضافة قيد (بلا كيف)، وبذلك جمع بين الإثبات بالمعنى اللُّغوي والتنزّه عن صفات الجسمانيّة.

وهذه المحاولة وإن كانت مقبولة في بدء النظر، ولكنّه عند الإمعان ينقض أحدهما الآخر، فإنّ إثبات اليد لله سبحانه بمعانيها اللُّغويّة يلازم الكيفيّة، إذ واقع اليد هو كيفيتها المشتركة بين الإنسان والدواب. هذا من جانب.

ونفي الكيفية من جانب آخر نفيُ إثبات هذه الصفات بمعانيها اللغوية، وهذا ظاهر لمن دقّق النظر، وأمّا ما هو الصحيح في إثبات الصفات الخبرية، فسيوافيك في الفصول الآتية.

2. ما ذكره في الأصل السابع عشر: من أنّ أعمال العباد مخلوقة لله مقدورة كما قال: ( وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (1) . إنّ الاستدلال بالآية غفلة عن سياقها، إذ ليس المراد من (ما) الموصولة أعمال الإنسان؛ بل الأصنام الّتي كان يعمل فيها العباد بالنحت والتسوية، يقول سبحانه: ( قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (2) .

____________________

(1) فاطر: 3.

(2) الصافات: 95 - 96.


3. ما ذكره في الأصل الحادي والعشرين: بأنّا ندين بأنّ الله يرى في الآخرة بالأبصار، وهذا تعبير آخر عن كونه سبحانه متحيّزاً يرى في جهة، وذلك لأنّ المرئي يوم القيامة إمّا كلّه سبحانه أو قسم منه، فعلى الأوّل يكون متحيّزاً وعلى الثاني يكون مركّباً، فالقول بالرؤية من العقائد اليهوديّة المستوردة، وقد حيكت الروايات على منوال تلك العقيدة ونسبت إلى النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

4. ما ذكره في الأصل الخمسين: (وبطاعة الأئمة ونصيحة المسلمين) كلام لا يقبل على إطلاقه، وقد ذهب أبو الحسين الملطي إلى لزوم الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم من عدل وجور، وإنّه لا يخرج على الأمراء بالسيف وإن جاروا. (1)

وقد قال أحمد بن حنبل في إحدى رسائله:

السمع والطاعة للأئمة وأمير المؤمنين البَرّ والفاجر، ومن ولّي الخلافة فأجمع الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسُمّي أمير المؤمنين. والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة، البَر والفاجر. وإقامة الحدود إلى الأئمة، وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم. ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنه، براً كان أو فاجراً. وصلاة الجمعة خلفه وخلف كلّ من ولّي، جائزة إقامته، ومن أعادها، فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنّة.

ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين، وكان الناس قد اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه، أكان بالرضا أو بالغلبة، فقد شقَّ الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فإن مات الخارج عليه، مات ميتة جاهليّة. (2)

____________________

(1) لاحظ: التنبيه والرد، 14 - 15.

(2) تاريخ المذاهب الإسلامية، أبو زهرة، 2/322.


وأين هذه العقيدة ممّا نقله السبط الشهيد، أبو الشهداء، الحسين بن علي، عن جدِّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، حينما خطب أصحابه وأصحاب الحرّ، قائد جيش عبيد الله بن زياد آنذاك، فحمد الله وأثنى عليه، ثُمّ قال:

(أيّها الناس: إنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يُغيِّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله، وأنا أحق من غيّر). (1)

إكمال:

كان أصحاب الحديث قبل تصدّر أحمد بن حنبل لمنصَّة الإمامة في مجال العقائد على فِرَق وشيع، والأُصول الّتي كتبها الإمام ووحّدهم على تلك الأُصول لم تكن مورد قبول القدامى منهم، وقد أخذت هذه الأُصول بالانتشار والشيوع عندما انقلب الوضع في أيام المتوكل لصالح الإمام أحمد.

والشاهد على ذلك أنّ جلال الدين السيوطي في كتابه (تدريب الراوي)، يذكر الفرق المختلفة لأصحاب الحديث الّذين لم يكونوا على وتيرة واحدة كما صاروا كذلك بعد الإمام أحمد، بل كان أصحاب الحديث بين:

مرجئي يرى أنّ العمل ليس جزءاً من الإيمان وأنّه لا تَضرُّ معه معصية، كما

____________________

(1) تاريخ الطبري: 4/304، حوادث سنة 61.


لا تنفع مع الكفر طاعة. ونقدّم إليك بعض أسمائهم؛ من الذين عاشوا قبل إمامة أحمد أو عاصروه، نظراء:

1 - إبراهيم بن طهمان. 2 - أيوب بن عائذ الطائي. 3 - ذر بن عبد الله المرهبي. 4 - شبابة بن سوار. 5 - عبد الحميد بن عبد الرحمن. 6 - أبو يحيى الحماني. 7 - عبد المجيد بن عبد العزيز. 8 - ابن أبي رواد. 9 - عثمان بن غياث البصري. 10 - عمر بن ذر. 11 - عمر بن مرة. 12 - محمد بن حازم. 13 - أبو معاوية الضرير. 14 - ورقاء بن عمر اليشكري. 15 - يحيى بن صالح الوحاظي. 16 - يونس بن بكير.

إلى ناصبي لعلي وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام)، نظراء:

1 - إسحاق بن سويد العدوي. 2 - بهز بن أسد. 3 - حريز بن عثمان. 4 - حصين بن نمير الواسطي. 5 - خالد بن سلمة الفأفاء. 6 - عبد الله بن سالم الأشعري. 7 - قيس بن أبي حازم.

إلى متشيّع يحب علياً وأولاده، ويرى الولاء فريضة نزل بها الكتاب، ويرى الفضيلة لعلي في الإمامة والخلافة، نظراء:

1 - إسماعيل بن أبان. 2 - إسماعيل بن زكريا الخلقاني. 3 - جرير بن عبد الحميد. 4 - أبان بن تغلب الكوفي. 5 - خالد بن محمد القطواني. 6 - سعيد بن فيروز. 7 - أبو البختري. 8 - سعيد بن أشوع. 9 - سعيد بن عفير. 10 - عباد بن العوام. 11 - عباد بن يعقوب. 12 - عبد الله بن عيسى. 13 - ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى. 14 - عبد الرزاق بن همام. 15 - عبد الملك بن أعين. 16 - عبيد الله بن موسى العبسي. 17 - عدي بن ثابت الأنصاري. 18 - علي بن الجعد. 19 - علي بن هاشم


بن البريد. 20 - الفضل بن دكين. 21 - فضيل بن مرزوق الكوفي. 22 - فطر بن خليفة. 23 - محمد بن جحادة الكوفي. 24 - محمد بن فضيل بن غزوان. 25 - مالك بن إسماعيل أبو غسان. 26 - يحيى بن الخراز.

إلى قدري ينسب محاسن العباد ومساويهم ومعاصيهم إلى أنفسهم، ولا يسند فعلهم إلى الله سبحانه، نظراء:

1 - ثور بن زيد المدني. 2 - ثور بن يزيد الحمصي. 3 - حسان بن عطية المحاربي. 4 - الحسن بن ذكوان. 5 - داود بن الحصين 6 - زكريا بن إسحاق. 7 - سالم بن عجلان. 8 - سلام بن مسكين. 9 - سيف بن سلمان المكي. 10 - شبل بن عباد. 11 - شريك بن أبي نمر. 12 - صالح بن كيسان. 13 - عبد الله بن عمرو. 14 - أبو معمر عبد الله بن أبي لبيد. 15 - عبد الله بن أبي نجيح. 16 - عبد الأعلى بن عبد الأعلى. 17 - عبد الرحمن بن إسحاق المدني. 18 - عبد الوارث بن سعيد الثوري. 19 - عطاء بن أبي ميمونة. 20 - العلاء بن الحارث. 21 - عمرو بن زائدة. 22 - عمران بن مسلم القصير. 23 - عمير بن هاني. 24 - عوف الأعرابي. 25 - كهمس بن المنهال. 26 - محمد بن سواء البصري. 27 - هارون بن موسى الأعور النحوي. 28 - هشام الدستوائي. 29 - وهب بن منبه. 30 - يحيى بن حمزة الحضرمي.

إلى جهمي ينفي كلَّ صفة لله سبحانه، ويعتقد بخلق القرآن وحدوثه، نظير: بشر بن السري.

إلى خارجي ينكر على أمير المؤمنين مسألة التحكيم، ويتبرأ منه ومن عثمان ومن طلحة والزبير وأُم المؤمنين عائشة ومعاوية وغيرهم، نظراء:


1 - عكرمة مولى ابن عباس. 2 - الوليد بن كثير.

إلى واقفي لا يقول في التحكيم أو في القرآن بشيء من الحدوث والقدم، وإنّه مخلوق أو غير مخلوق، نظير: علي بن هشام.

إلى متقاعد يرى لزوم الخروج على أئمة الجور ولا يباشره بنفسه، نظير: عمران بن حطان (1) .

إلى غير ذلك من ذوي الأهواء والآراء؛ الذين قضى عليهم الدهر وعلى آرائهم ومذاهبهم بعد ما وصل أحمد بن حنبل إلى قمّة الإمامة في العقائد. فصار أهل الحديث مجتمعين تحت الأُصول الّتي استخرجها أحمد، وجعل الكلّ كتلة واحدة، بعد ما كانوا على سُبل شتى.

هذه ملحمة أهل الحديث وسلفهم وعقيدتهم، والأسف أن المفكّرين من أهل السنّة يتخيَّلون أنّ هذه الأُصول الّتي يدينون بها هي نفس الأُصول الّتي كان عليها المسلمون الأُول إلى زمن الإمام أحمد.

وهذا التاريخ الواضح يفرض على المفكّرين المتعطّشين لمعرفة الحق دراسة هذه الأُصول من رأس؛ حتّى لا يعبأوا بما جاء في هذه الكتب ممّا عليه ماركة (عقيدة السلف) أو (عقيدة الصحابة والتابعين) أو تابعي التابعين.

والّذي يوضح ذلك، هو أنّ كلّ واحد من هذه الأُصول ردٌ لمذهب نجم في القرون الأُولى، فلأجل التبرّي منه صار خلافه شعاراً لمذهب أهل الحديث. وعقائد أهل الحديث كأنّها مركّبة من عدة ردود للفرق وأصحاب المقالات.

____________________

(1) تدريب الراوي: 1/328.


2

السّلفيّة

السلف في اللغة: كلّ من تقدّمك من آبائك وذوي قرابتك، وربّما يستعمل جمعاً للسالف بمعنى: الماضي.

وفي المصطلح: عبارة عن جماعة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين؛ حيث تُعدُّ اجتهاداتهم وآراؤهم في الأُصول والفروع أسوة للآخرين، ولا يجوز الخروج عنها قيد شعرة، ويجب التمسّك بها والدعوة إليها على أنّها مظهر الدين الحق، وعنوان العقيدة الصحيحة، معتمداً على ما رواه الشيخان من رواية عبد الله بن مسعود: (خير الناس قرني، ثمّ الّذين يلُونهم، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته). (1)

ولا شك أنّ المراد من الخيريّة؛ هو خيريّة أهل القرون الثلاثة من المسلمين؛ لا نفس الزمان، فالّذين يمثّلون الحلقة الأُولى من تلك السلسلة هي حلقة الصحابة، والحلقة الثانية تمثّل التابعين الّذين لم يستضيئوا بنور النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مباشرة، ولكن غمرهم ضياء النبوّة باتّباعهم لأصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والاهتداء بهدهم.

____________________

(1) السلفيّة، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، ص11.


وأمّا الحلقة الثالثة فهي تمثّل تابعي التابعين، وبعد انتهاء هذه الحلقات الثلاث ظهرت البدع ظهوراً فاشياً، وتتابعت الفِرق الضالّة الّتي تشذ عن صراط تلك العصور الثلاثة، كلّ فِرقة تشقُّ لنفسها من ذلك الطرف العريض سبيلاً متعرجة تقف على فمه وتدعو إليه، مخالفة بذلك قول الله عز وجل: ( وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَتَتّبِعُوا السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُم بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ ) (1) .

فهذا هو السلف، والسلفيّة عبارة عن الخَلف الّذين يقتدون بهم في الأُصول والفروع، ولا يخرجون عمّا رأوا من الفعل والترك قيد شعرة.

والسلفية بهذا المعنى تعتمد على رواية عبد الله بن مسعود، فلنتناولها بالبحث والتمحيص، فنقول:

القرن في اللغة أهل زمان واحد، المقدار الّذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمالهم وأحوالهم، يقال: هو على قرني، أي على سنّي وعمري.

وأمّا إطلاقه على مائة سنة، فاصطلاح جديد، لا يُحمل عليه الكتاب والسنّة.

وعلى ضوء ذلك، فلا محيص عن حمل الحديث على الصحابة وتابعيهم وتابعي تابعيهم.

ولكن ابن تيميّة وأتباعه راحوا يحدّدون السلفية بثلاث قرون، أي 300 سنة، فكلّ ما حدث في هذه الحقبة من الزمان، فهو مظهر دين الحق، وعنوان العقيدة الصحيحة.

____________________

(1) الأنعام: 153.


وبذلك يبرّرون أعمالهم في تحريم البناء على قبور الأولياء؛ بأنّه حدثَ بعد القرون الثلاثة.

وربّما يؤيّد الحديث بما رُوي عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، إنّه قال:

«وإنّ بني إسرائيل تفرّقت على اثنتين وسبعين ملّة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة، كلّهم في النار إلاّ ملّة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي». (1)

أقول: أوّلاً: لا يمكن الركون إلى هذا المؤيِّد؛ لأنّ النصوص هنا مختلفة.

روى الحاكم (2) وأبو داود (3) وابن ماجة (4) بأنّ النبيّ قال: إلاّ واحدة وهي الجماعة، أو قال: الإسلام جماعتهم.

وروى الحاكم أيضاً أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حدّد أعظم الفِرق هلاكاً، وقال: «ستفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فرقة قوم يقيسون الأُمور برأيهم، فيحرّمون الحلال ويحلّلون الحرام». وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (5)

وروى صاحب الروضات، عن كتاب الجمع بين التفاسير: إنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: «هم أنا وشيعتي». (6)

____________________

(1) سنن الترمذي: 5/26، كتاب الإيمان، الحديث 2641، ونقله الشهرستاني في الملل والنحل: 1/13.

(2) المستدرك: 1/128.

(3) سنن أبي داود: 4/198، كتاب السنّة.

(4) سنن ابن ماجة: 2/479، باب افتراق الأُمم.

(5) المستدرك: 4/430.

(6) روضات الجنان: 508، الطبعة الحجريّة.


وعلى هذا لا يمكن الاعتماد على هذا النقل.

وثانياً: إنّ المعيار الوحيد للهلاك والنجاة هو شخص النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأمّا أصحابه فلا يمكن أن يكونوا معياراً للهداية والنجاة، إلاّ بقدر اهتدائهم واقتدائهم برسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وإلاّ فلو تخلّفوا عنه قليلاً، فلا يكون الاقتداء بهم موجباً للنجاة.

وعلى ذلك فعطف (وأصحابي) على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لا يخلو من غرابة!!

***

هذا ما يرجع إلى دراسة الرواية من حيث اللفظ، وأمّا دراستها من حيث المعنى، فنقول:

أوّلاً: إنّ إضفاء القداسة على جماعة خاصة، على نحو يكون رأيهم في الأُصول والفروع حجة لغيرهم، ولا يجوز الخروج عنه قيد شعرة، بمثابة حجيّة قولهم في مجالي الأفعال والتروك، مع أنّه لم يدلّ دليل عليها، غاية الأمر أنّ قول الصحابي أو التابعي حجّة لهما، لا لغيرهما.

وبعبارة جامعة: قول الثقة إذا نقله عن النبيّ الصادع بالحق حجة، وإلاّ فقول الصحابي فضلاً عن التابعي بما هو هو ليس بحجة، سواء أكان من القرون الثلاثة الأُولى أم ما بعدها.

وثمّة كلمة قيّمة للإمام الشوكاني، نذكرها بنصها:

والحق إنّه - رأي الصحابي - ليس بحجة، فإنّ الله لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبيّنا محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وليس لنا إلاّ رسول واحد وكتاب واحد، وجميع الأُمّة مأمورة


باتّباع كتابه وسنّة نبيه، ولا فرق بين الصحابة ومن بعدهم في ذلك، فكلّهم مكلّفون بالتكاليف الشرعية وباتّباع الكتاب والسنّة، فمن قال: إنّها تقوم الحجة في دين الله عزّ وجلّ بغير كتاب الله تعالى وسنّة رسوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وما يرجع إليها، فقد قال في دين الله بما لا يثبت. (1)

ثانياً: إنّ الخيريّة الّتي أخبر عنها الرسول حسب الرواية، هل يراد منها أنّها ثابتة لجميع أفراد هذه القرون الثلاثة، ممّن يُظلّلهم الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، أو أنّها ثابتة لمجموع المسلمين في تلك العصور الثلاثة؟

أمّا الأفراد فقد لا تنطبق الخيرية على بعضهم، قال ابن حجر:

هل هذه الأفضليّة بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟، محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأوّل قول ابن عبد البر.

وقال أيضاً: واتّفقوا أنّ آخر من كان من أتباع التابعين؛ ممّن يقبل قوله، مَن عاش حدود 220هـ، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهوراً فاشياً، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتُحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيّرت الأحوال تغيّراً شديداً لم يزل في نقص إلى الآن، وظهر قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «ثمّ يفشو الكذب ظهوراً بيّناً، حتّى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات». (2)

فعلى ضوء ما ذكره، آخر ما بقي من تابعي التابعين أصل انتهاء الخيريّة، وبدأ الشرِّ بعده.

____________________

(1) إرشاد الفحول: 214.

(2) فتح الباري: 7/4.


أمّا الوجه الأوّل، أي كون الخيريّة لأفراد هذه الأُمة قاطبة، فدون إثباتها خرط القتاد؛ إذ كيف يعقل خيريّة كلِّ من عاش بعد رحيل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى نهاية عام 220هـ، وقد ظهر فيهم الفساد ودبّت فيهم نار الفتنة والشقاق!!

ومن استقرأ تاريخ الإسلام وتاريخ العقائد، يقف على أنّ تلك البرهة من الزمان من أحلك العصور ظلمة، ولنستعرض النماذج التالية:

1. قاد جماعة من الصحابة والتابعين حملة شعواء ضد عثمان، حتّى انتهى الأمر إلى الإطاحة به وقتله، وقد بلغ من غضب الثوّار على عثمان بمكان أنّ الإمام أمير المؤمنين وأبناءه لم يتمكنّوا من صدّهم عنه، فهل الخير كان إلى جانب الثوّار أو إلى جانب عثمان؟!

2. هذا هو طلحة والزبير قد جهّزا جيشاً جرّاراً لحرب الإمام عليّ (عليه السّلام)، وأعانتهما أُمّ المؤمنين عائشة، فقُتل جرّاء ذلك خلق كثير عند هجومهما على البصرة، وعند قتالهما للإمام (عليه السّلام)، فهل الخير كان إلى جانب جيش الإمام أو إلى جانب طلحة والزبير؟!

3. كما صنع معاوية نظير ذلك؛ حيث حارب الإمام في صفِّين، وكان مع عليّ (عليه السّلام) من البدريّين جماعة كثيرة، حاربوا جيش الشام وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، فهل الخير كان إلى جانب الإمام وجيشه أو إلى جانب جيش معاوية، وقد ذهب ضحيّة تلك الحرب سبعون ألفاً (1) من العراقيّين والشاميّين؟!

____________________

(1) مروج الذهب: 2/404.


وهل يمكن لأحد أن يصف الفئة الباغية بالخير؟!؛ وقد قال النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مخاطباً عمّار: (إنّك لن تموت حتّى تقتلك الفئة الباغية الناكبة عن الحق، وإنّ آخر زادك من الدنيا شربة لبن). (1)

4. إنّ معاوية أوّل من بدّل نظام الحكم الإسلامي من الشورى إلى النظام الملكي الّذي ساد بين الأُمويّين ما يقرب من ثمانين عاماً، فهل تعدّ تلك العصور الدمويّة المليئة بالقتل وسفك الدماء خير القرون؟!

نقل صاحب المنار: إنّه قال أحد علماء الألمان في الآستانة لبعض المسلمين، وفيهم أحد شرفاء مكّة: إنّه ينبغي لنا أن نُقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا في عاصمتنا (برلين)، قيل له: لماذا؟، قال: لأنّه هو الّذي حوّل نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطيّة إلى عصبيّة الغلب (الملك لمن غلب)، ولو لا ذلك لعمّ الإسلام العالم كلّه، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أُوربا عرباً مسلمين. (2)

وبكلمة جامعة، إنّا إذا استعرضنا العهد الأُمويّ الّذي تسلّم فيه الأُمويّون منصّة الخلافة، ابتداءً من معاوية بن أبي سفيان، فيزيد بن معاوية، فمروان بن الحكم، ثم أبنائه الأربعة، فهل يمكن أن نعدَّ هذه الحقبة من التاريخ خير القرون، وقد قُتل فيها سبط النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؛ الحسين بن عليّ (عليه السّلام)، وأُبيحت دماء أهل المدينة وأعراض نسائهم، وحوصرت مكّة وهتكت حرمتها على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، واستُعبد أبناء المهاجرين والأنصار، ونُقش على أيديهم كما يُنْقش على

____________________

(1) الكامل في التاريخ: 3/157.

(2) تفسير المنار: 11/269، في تفسير سورة يونس.


أيدي غلمان الروم، إلى غير ذلك من الجرائم البشعة الّتي يندى لها جبين الإنسانيّة؟!

فإذا كان هذا حال الأفراد، فيعلم منه حال المجموع، فكيف يمكن أن يقال: إنّ المجموع في هذه القرون الثلاثة أفضل من بقية مجاميع سائر القرون؟!، ولا يقول ذلك إلاّ من غضَّ الطرف عن قراءة التاريخ والحوادث المريرة الّتي جرت في العصور الأُولى.

وثالثاً: إنّ ابن حجر يذكر: بأنّ البدع ظهرت بعد (220) سنة، وأطلقت المعتزلة ألسنتها ورفعت الفلاسفة رؤوسها... الخ، ولكنّه لم يقرأ تاريخ العقائد، فإنّ قسماً كبيراً من المناهج الثلاثة، سواء أصحّت أم لم تصحّ، قد وُضِعت لبناتها الأُولى في هذه الحقبة من الزمان.

فهذه هي المحكّمة الّذين يكفّرون عامّة المسلمين ظهرت في مختتم العقد الرابع من القرن الأوّل في مسألة التحكيم، ودامت حروب الخوارج من عصر عليّ إلى قرون متمادية، وزهقت خلالها نفوس كثيرة.

ثم ظهرت المرجئة في العقد التاسع من القرن الأوّل، وهم الذين يقدّمون الإيمان ويؤخّرون العمل، وكانت عقيدتهم ردّ فعل لما عليه المحكّمة. لأنّهم كانوا يكفّرون مرتكب الكبيرة، فالمرجئة تتسامح في كل ذلك، وتعدّ الجميع من أهل النجاة والفلاح، لأنّ المهم هو الإيمان دون العمل.

ثمّ ظهر الاعتزال عام 105هـ على يد واصل بن عطاء (المتوفّى عام 131هـ) وزميله عبيد بن عمرو (المتوفّى 143هـ).


وفضلاً عن ذلك فقد ظهرت الزنادقة والملاحدة في أواخر العهد الأُمويّ وبداية العهد العباسيّ.

ورابعاً: السلفيّة بهذا المعنى تضفي الحجيّة الشرعيّة لأقوال السلف وأفعالهم، وإنّها كاشفة عن قول النبيّ وفعله، والحجيّة مسألة أُصوليّة لا تَثبت إلاّ بدليل قطعي، وما رُوي في المقام من أخبار الآحاد، وإن نُقل عن عمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود (1) ، إلاّ أنّها لا تخرج عن أخبار الآحاد.

____________________

(1) فتح الباري: 7/4 - 6.


3

الأشاعرة

المؤسّس هو: أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق، وهو من أحفاد أبي موسى الأشعري، الصحابي المعروف، ولذلك اشتهر بالأشعري؛ منتسباً إلى جده الأعلى.

قال ابن الأثير: كان أبو موسى الأشعري عامل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) على زبيد وعدن، واستعمله عمر على البصرة، ثمّ أقرّه عثمان عليها، ثمّ عزله، فصار هو من البصرة إلى الكوفة حتّى استعمله عثمان مرة ثانية على الكوفة، فلم يزل عليها حتّى قُتل عثمان، فعزله عليّ (عليه السّلام) عنها.

لم يكن عزل عليّ إيّاه عنها اعتباطاً، بل لأجل أنّه كان يخذّل الناس عن الإمام (عليه السّلام) عند حربه (عليه السّلام) مع الناكثين في أطراف البصرة.

اختلف المترجمون في ميلاد أبي الحسن الأشعري، والأظهر أنّه وُلد عام 260هـ في البصرة وتوفّي سنة 324هـ، وتخرّج في كلام المعتزلة على أبي علي الجبائي الّذي انتهت إليه رئاسة المعتزلة في البصرة، ولمّا مات قام مقامه ابنه أبو هاشم في التّدريس والتّقرير.

وقد بالغ بعض المترجمين في فضائله، نذكر منها مقتطفات:


روى ابن عساكر عن أبي الحسين السروي، قال: كان الشيخ أبو الحسن قريباً من عشرين سنة يصلّي صلاة الصبح بوضوء العتمة!!

نحن لا نُعلّق على هذه الفضيلة المزعومة بشيء، ولكن نُضيف: إنّه قلّما يتّفق لإنسان أن لا يكون مريضاً ولا مسافراً ومعذوراً طيلة عشرين سنة، حتّى يصلّي فيها صلاة الصبح بوضوء العتمة!!

إنّ سهر الليالي في هذه المدّة الطويلة مخالف للعقل والشرع، وقد قال سبحانه: ( هُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنّهَارَ مُبْصِراً ) (1) .

وروى ابن عساكر عن أبي عبد الله بن دانيال، يقول: سمعت بندار بن الحسين - وكان خادم المترجم - قال: كان أبو الحسن يأكل من غلّة ضيعة وقفها جدّه بلال بن أبي بردة بن موسى الأشعري على عقبه، وكانت نفقته في كلّ سنة 17 درهماً. (2)

وهذا المبلغ لا يفي بقرطاس كتبه وحبرها ويراعها!!، والعجب أنّ الكاتب المعاصر عبد الرحمن بدوي حسب الرواية حقيقة راهنة، وأخذ بالمحاسبة الدقيقة، وخرج بهذه النتيجة: إنّ الأشعري كان يُنفق في السنة 17 درهماً، والدرهم يساوي 95ر2 غراماً من الفضة، فكان مقدار ما ينفقه في العام هو ما يساوي 15ر50 غراماً من الفضة، ثمّ قال: فما كان أرخص الحياة في تلك الأيام!! (3)

____________________

(1) يونس: 67.

(2) التبيين: 142.

(3) مذاهب الإسلاميّين: 503 - 504.


مؤلفاته: قد ذكر الشيخ الأشعري فهرس كُتبه في كتاب سمّاه (العُمدة)، كما فهْرَسَ غيره، مثل: ابن عساكر، وقد بلغ عدد كتبه 98 كتاباً، غير أنّ أكثر هذه الكتب عصفت بها عواصف الدهر، فلم يصل إلينا منها إلاّ القليل.

أمّا كتبه الموجودة المطبوعة، فهي:

1. الإبانة عن أُصول الديانة.

2. مقالات الإسلاميّين: والكتاب يتناول البحث عن الفِرق الإسلامية.

3. اللُّمع في الرّدِّ على أهل الزيغ والبدع.

رجوعه عن الاعتزال:

وقد تخرّج في كلام المعتزلة على أُستاذه أبي علي الجبائي (235 - 303هـ)، ولكنّه بعد سنتين من وفاة أُستاذه (305هـ) أعرض عن الاعتزال، وأعلن براءته في جامع البصرة عن مذهبه السابق، وعندما تسنّم المنبر في البصرة، نادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه نفسي، أنا فلان بن فلان، كنتُ قلتّ بخلق القرآن، وإنّ الله لا يرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للرد على المعتزلة؛ وخرج بفضائحهم ومعايبهم. وكان فيه دعابة ومزح كبير. (1)

وأمّا ما هو المبرّر لعدوله عن الاعتزال، على الرغم من أنّه شبّ وشاب على مذهب الاعتزال، فقد اختلفت فيه كلمات المؤرّخين، ويمكن أن يتلخصّ في الوجهين التاليين:

____________________

(1) فهرست ابن النديم: 271. وفيّات الأعيان: 3/285.


1. الدافع السياسي:

إنّ الخلفاء العباسيّين من عصر المأمون إلى المعتصم إلى الواثق بالله كانوا مع أهل التعقّل والتفكير، فكان للاعتزال في تلك العصور رُقيّ وازدهار، فلمّا توفّي الواثق بالله عام 232هـ وأخذ المتوكّل بزمام السلطة، انقلب الأمر وصارت الشوكة لأصحاب الحديث، ولم تزل السيرة على ذلك حتّى عهد المقتدر من عام 295هـ إلى 320هـ، وفي تلك الفترة أظهر أبو الحسن الأشعري التوبة والإنابة عن الاعتزال، والانخراط في سلك أهل الحديث؛ بغية التقليل من الضغوط المتزايدة الّتي كانت تُمارس من قبل الجهاز العباسي الحاكم على أصحاب مذهب الاعتزال.

2. فكرة الإصلاح في عقيدة أهل الحديث:

إنّ الغالب على فكرة أهل الحديث يومذاك هو القول بالتجسيم والجهة والجبر من العقائد المستوردة إلى أوساط المسلمين عن طريق الأحبار والرهبان، فحاول الإمام الأشعري برجوعه عن الاعتزال والتحاقه بأهل الحديث، أن يصلح عقيدة أهل الحديث وتنزيهها تحت غطاء أنّه منهم، فصار الرجوع عن مذهب الاعتزال شبه واجهة لتقبُّل أهل الحديث.

لكن هذا الوجه قابل للملاحظة والتأمّل فيما ذكره في كتبه الثلاثة؛ ليدفع عنها سهام النقد:

الأوّل: إنّ أهل الحديث يرون فعل الإنسان مخلوقاً لله تبارك وتعالى، وليس له فيه دور، وعند ذلك يعترض عليهم: بأنّه إذا كان الواقع كذلك، فما معنى


الثواب والعقاب؟!، والشيخ الأشعري - لدفع هذا الإشكال - أضاف كلمة؛ وقال: (والله خالق، والعبد كاسب).

وظلّت هذه الكلمة عبر القرون مخبوءة تحت قراءات مختلفة حتّى عُدَّت من الألغاز.

الثاني: قال أهل الحديث: القرآن قديم بلفظه ومعناه، والأشعري قال: بأنّ كلامه سبحانه ليس المقروء الملفوظ إذ هو حادث، وإنّما كلامه القديم هو الكلام النفسي القائم بالله.

ومع أنّه أفرغ عقيدة أهل الحديث في قوالب خاصة ذكرها في كتابيه: (الإبانة) و(مقالات الإسلاميين)، ولكنّ أهل الحديث لم يقبلوا منه التعديل، كالحسن بن علي بن خلف البربهاري.

حكى علي بن أبي يعلى في طبقاته بطريق الأهوازي، حيث قال: قرأتُ على علي القومسي، عن حسن الأهوازي، قال: سمعت أبا عبد الله الحمراني، يقول: لمّا دخل الأشعري بغداد جاء إلى البربهاري، فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضتُ عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس، وقلت وقالوا، وأكثر الكلام؛ فلمّا سكت قال البربهاري:

وما أدري ممّا قلت، لا قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلاّ ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل.

قال: فخرج من عنده وصنّف كتاب (الإبانة)، فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها. (1)

____________________

(1) تبيين كذب المفتري: قسم التعليقة،ص 391.


عقائد الأشاعرة:

وعلى كلِّ حال، فالشيخ الأشعري قد امتاز عن أهل الحديث باستحسان الخوض في المسائل الكلاميّة، والاستدلال بالدليل والبرهان والآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة، وقد ألفّ في ذلك رسالة مفصّلة، وقف في وجوه أهل الحديث الّذين كانوا يحرمون الخوض في هذه المسائل، وعلى ذلك الغرار ألفّ كتابه الثالث (اللُّمع)، وقد طُبعت الرسالة السابقة في ذيل كتاب اللُّمع.

ثم إنّ مذهبه وإن لم يكن رائجاً بين الناس، ولكن تلاميذه أو تلاميذ تلاميذه قد أحكموا أُصوله حتّى انتشر انتشاراً واسع النطاق، إلى أن صارت عقيدة الشيخ الأشعري عقيدة أهل السنّة اليوم، حتّى أنّهم يقدّمون رسائله العقائدية على عقيدة الطحاوي (المتوفّى عام 321هـ)، علماً أنّ الثانية أقرب إلى عقائد أهل الحديث.

قد طرح الشيخ في كتاب (اللُّمَع) العناوين التالية:

1 - استدلاله على وجوده سبحانه.

2 - البارئ لا يشبه المخلوقات.

3 - استدلاله على وحدانية الصانع.

4 - إعادة الخلق المعدوم جائز.

5 - الله سبحانه ليس بجسم.

6 - صفاته الذاتيّة.

7 - صفاته قديمة لا حادثة.

8 - صفاته زائدة على ذاته.

9 - رأيه في الصفات الخبريّة.

10 - أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه.


11 - الاستطاعة مع الفعل لا قبله.

12 - رؤية الله بالأبصار في الآخرة.

13 - كلام الله سبحانه هو الكلام النفسي.

14 - كلامه سبحانه غير مخلوق أو قديم.

15 - عموميّة إرادته لكلّ شيء.

16 - آثار التحسين والتقبيح العقليين (التعديل والتجوير).

***

هذه هي الأُصول الستة عشر.

لا يمكن لنا في هذا المختصر نقل كلمات الأشعري فيها، بل نقتصر على بعض الأُصول الخاضعة للنقاش.

1. أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه:

قال في (الإبانة): إنّه لا خالق إلاّ الله، وإنّ أعمال العبد مخلوقة لله ومقدورة كما قال: ( وَاللّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) (1) ، وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً، وهم يخلقون، كما قال سبحانه: ( هَلْ منْ خَالِقٍ غَيْرُ اللّهِ ) (2) . (3)

وقال في (مقالات الإسلاميّين)، في حكاية جملة قول أهل الحديث وأهل السنّة: (وأقرّوا انّه لا خالق إلاّ الله، وأنّ سيئات العباد يخلقها الله، وأنّ أعمال العباد يخلقها الله عزّ وجلّ، وأنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا منها شيئاً). (4)

____________________

(1) الصافات: 96.

(2) فاطر: 3.

(3) الإبانة: 20.

(4) مقالات الإسلاميين: 1/321.


لا شك أنّ القول بالتوحيد في الخالقيّة، وأنّه لا خالق في صّفحة الكون إلاّ الله سبحانه، من روائع الأُصول الّتي طرحها في عقائده، خلافاً للمعتزلة؛ حيث نفوا خالقيّته سبحانه لفعل العبد؛ وبذلك اعترفوا بالثنويّة، فالله خالق كلِّ شيء إلاّ فعل الإنسان، والإنسان خالق لأفعاله، إلاّ أنّ تفسير التوحيد بالخالقيّة بشكل يسفر عن الجبر وسلب الاختيار ونفي العلل الطبيعية أمرٌ غير صحيح، فالتوحيد في الخالقية يجب أن يفسَّر على نحو ينسجم مع اختيار الإنسان أوّلاً، ومسؤوليّته ثانياً، كما ينسجم مع ما كشف عنه العلم وما زال يكشف عن الأسباب والمؤثِّرات الطبيعية.

والّذي يمكن أن يقال، هو: أنّ العوالم الممكنة من عاليها إلى سافلها متساوية النسبة إلى قدرته سبحانه، فالجليل والحقير، والثقيل والخفيف عنده سواسية، لكن ليس معنى الاستواء هو قيامه تعالى بكل شيء مباشرة، وخلع التأثير عن الأسباب والعلل، بل يعني أنّ الله سبحانه يُظهر قدرته وسلطانه عن طريق خلق الأسباب، وبعث العلل نحو المسبَّبات والمعاليل، والكلّ مخلوق له، ومظاهر قدرته وحوله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

فالأشعري خلع الأسباب والعلل - وهي جنود الله سبحانه - عن مقام التأثير والإيجاد، كما أنّ المعتزلي عزل سلطانه عن ملكه، وجعل بعضاً منه في سلطان غيره، أعني: فعل العبد في سلطانه.

والحق الّذي عليه البرهان ويصدّقه الكتاب، هو كون الفعل موجوداً بقدرتين، لكن لا بقدرتين متساويتين، ولا بمعنى علّتين تامّتين، بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأُولى وشؤونها وجنودها ( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلّا


هُوَ ) (1) ، وقد جرت سنّة الله تعالى على خلق الأشياء بأسبابها، فجعل لكلّ شيء سبباً، وللسبب سبباً، إلى أن ينتهي إليه سبحانه، والمجموع من الأسباب الطويلة علّة واحدة تامّة كافية لإيجاد الفعل، والتفصيل يُطلب من محلّه، ونكتفي في المقام بكلمة عن الإمام الصادق (عليه السّلام): «أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً، وجعل لكلّ سبب شرحاً». (2)

ثم إنّ الشيخ الأشعري فراراً من مضاعفات القول بأنّه سبحانه خالق لأفعال البشر وأنّه ليس له دور في أفعاله، أضاف نظرية الكسب، وقال: (الله خالق، والإنسان كاسب)، وقد اختلفت كلمة الأشاعرة من تلاميذ منهجه في تفسير الكسب، وأوضح تفسير له ما ذكره الفاضل القوشجي الأشعري في المقام؛ حيث قال:

والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته وإرادته من دون أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً له، ومعنى ذلك: إنّ الفعل صادر من الله، غاية الأمر كون الإصدار منه تقارن مع وصف من صفات العبد، وهو: إنّه إذا صار ذات قدرة غير مؤثرة وإرادة، كذلك يصدر الفعل من الله سبحانه مباشرة، فلا يكون للعبد دور سوى كونه محلاًّ له. (3)

يُلاحظ عليه: إنّه إذا لم يكن للعبد دور إلاّ مقارنة الصدور من الله بوجود الاستطاعة في العبد والإرادة، فهل يكون ذلك مسوّغاً لتعذيبه وتثويبه، والمفروض أنّ القدرة غير مؤثّرة، وإرادته أيضاً فعل الله سبحانه، وليس له دور

____________________

(1) المدثر: 31.

(2) الكافي: 1/183، باب معرفة الإمام، الحديث 7.

(3) شرح التجريد، القوشجي، 445.


سوى كونه محلاًّ لوجود شيئين: إيجاد الإرادة من الله في ضميره، والفعل في الخارج؟!

وبما أنّهم اختلفوا في تفسير الكسب، قال الشاعر:

مـمّا يـقال ولا حـقيقة عنده

مـعقولة تـدنو إلـى الأفـهام

الكسب عند الأشعري، والحال

عند البهشمي، وطفرة النظام (1)

2. كلام الله سبحانه هو الكلام النفسي:

أجمع المسلمون، تبعاً للكتاب والسنّة، على كونه سبحانه متكلّماً، وقد شغلت المسألة بال المفكّرين في عصر الخلفاء، وحدثت بسببها مشاجرات، بل مصادمات دامية سجلّها التاريخ.

ثم إنّ الاختلاف في كلامه سبحانه واقع في موضوعين:

الأوّل: ما هو حقيقة الكلام؟، وهل هو من صفات ذاته كالعلم والقدرة والحياة، أو من صفات فعله كالإحياء والإماتة والخلق والرزق؟

الثاني: هل هو قديم أو حادث؟، هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟. فنحن ندرس في المقام نظريّة الحنابلة، ثُمّ الأشاعرة، وقد عرفتَ أنّ الأشعري أجرى الإصلاح في عقائد أهل الحديث في موارد، منها: تكلّمه سبحانه.

ذهبت الحنابلة إلى أنّ كلامه حرف وصوت يقومان بذاته، وأنّه قديم، وقد بالغوا فيه حتّى قال بعضهم جهلاً: إنّ الجلد والغلاف قديمان. (2)

____________________

(1) القضاء والقدر: 185.

(2) المواقف: 293.


ولمّا كانت تلك النظريّة تشوّه سمعة القائل بها، قام الشيخ الأشعري إلى تصحيحها، فأخرج كلامه سبحانه عن المعنى السخيف الّذي تتبنّاه الحنابلة إلى معنى آخر، وهو القول بالكلام النفسي القائم بذات المتكلّم، وهذه النظريّة مع اشتهارها من الشيخ أبي الحسن الأشعري لم نجدها في (الإبانة) ولا في (اللُّمَع)، وإنّما ركّز فيهما على المسألة الثانية، وهي أنّ كلامه سبحانه غير مخلوق، ولم يبحث عن حقيقة كلامه، ومع ذلك فقد نقلها عنه الشهرستاني، وقال:

وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانيّة، وبذات المتكلّم، وليس بحروف ولا أصوات، وإنّما هو القول الّذي يجده القائل في نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف الّتي في اللسان كلاماً حقيقياً تردد، أهو على سبيل الحقيقة أم على طريق المجاز؟، وإن كان على طريق الحقيقة، فإطلاق اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك (1) .

ثم إنّ الأشاعرة اختلفت في تفسير الكلام النفسي، وأحسن ما قيل في تفسيره ما ذكره الفاضل القوشجي في شرح التجريد، قال:

إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك، يجد في نفسه معاني يعبر عنها، نسمّيها بالكلام الحسّي، والمعنى الّذي يجده ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع على موجبه، هو الّذي نسمّيه الكلام (2) .

____________________

(1) نهاية الإقدام: 320.

(2) شرح التجريد، القوشجي: 420.


يلاحظ عليه: أنّ القائل بالكلام النفسي يعدّ التكلّم صفة ذاتية وراء العلم والإرادة، ولذلك اعتقدوا أنّ في الإخبار - حتّى في الأذهان البشرية - وراء العلم صفة باسم الكلام النفسي، وفي الإنشائيات، كالأمر والنهي وراء الإرادة والكراهيّة، شيء آخر باسم الكلام النفسي، فلابدَّ أن يُفسَّر الكلام النفسي بوجه يختلف عن العلم في الإخبار والإرادة والكراهية في الإنشاء، مع أنّ ما ذكره يرجع إلى العلم، لأنّ المعاني الّتي تدور في خلد المتكلّم، ليست إلاّ تصوّر المعاني المفردة أو المركبة أو الإذعان بالنسبة، فيرجع الكلام النفسي في الجمل الخبرية إلى التصوّرات والتصديقات، فأيّ شيء هنا وراء العلم حتّى نسمّيه بالكلام النفسي؟. كما أنّه عندما يرتّب المتكلّم المعاني الإنشائية، فلا يرتب إلاّ إرادته وكراهته أو ما يكون مقدّمة لهما، كتصوّر الشيء والتصديق بالفائدة، فيرجع الكلام النفسي في الإنشاء إلى الإرادة والكراهة، فأيّ شيء هنا غيرهما حتّى نسمّيه بالكلام النفسي؟، وعند ذلك لا يكون التكلّم وصفاً وراء العلم في الإخبار، أو وراء الإرادة والكراهة في الإنشاء، مع أنّ الأشاعرة يُصرّون على إثبات وصف ذاتي باسم التكلّم وراء العلم والإرادة، ولأجل ذلك يقولون: كونه متكلّماً بالذات، غير كونه علْماً ومريداً بالذات.

3. آثار التحسين والتقبيح العقليّين:

قد عَنْوَن الشيخ الأشعري هذه المسألة باسم التعديل والتجوير، وهذه المسألة تُعدُّ الحجر الأساس لكلام الأشعري، والشيخ تبعاً لأهل الحديث والحنابلة، صوّر العقل أقلّ من أن يُدرك ما هو الحسن وما هو القبيح، قائلاً: بأنّ تحكيم العقل في باب التّحسين والتقبيح يستلزم نفي حريّة المشيئة الإلهية،


وتقيّدها بقيد وشرط؛ إذ على القول بهما يجب أن يفعل سبحانه ما هو الحسن عند العقل، كما عليه الاجتناب عمّا هو القبيح عندَه؛ فلأجل التحفّظ على إطلاق المشيئة الإلهية، قالوا: لا حسَن إلاّ ما حسّنه الشارع، ولا قبيح إلاّ ما قبّحه، فله سبحانه أن يؤلم الأطفال في الآخرة، ويعدّ ذلك منه حسناً.

فإن كنت في ريب من هذا، فلنذكر من كلامه في إنكار الحسن والقبح العقليين: يقول في كتاب (اللُّمَع):

فإن قال قائل: هل لله تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة؟

قيل له: لله تعالى ذلك، وهو عادل إن فعله - إلى أن قال: - ولا يقبح منه أن يعذّب المؤمنين ويدخل الكافرين الجنان، وإنّما نقول إنّه لا يفعل ذلك، لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين، وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره. (1)

يُلاحظ عليه:

أوّلاً : نحن نسأل الشيخ الأشعري، إذا أُولِمَ طفله في الآخرة وعُذِّبَ بألوان التعذيب ورأى هو ذلك بأُمّ عينيه، فهل يرى ذلك عين العدل، ونفس الحسن، أو أنّه يجد ذلك الفعل في صميم ذاته أمراً منكراً؟!

ومثله ما لو فُعل بالأشعري نفس ما فعل بطفله، مع كونه مؤمناً بالله، فهل يرضى بذلك في باطنه ويراه نفس العدل، بذريعة أنّ الله سبحانه مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء؟!

وثانياً: إنّه لا شك في أنّه سبحانه مالك الملك والملكوت، يقدر على كلِّ أمر ممكن، من غير فرق بين الحسن والقبيح، فعموم قدرته لكلّ ممكن ممّا لا

____________________

(1) اللُّمع: 116 - 117.


شبهة فيه، لكن حكم العقل، بأنّ العمل الفلاني قبيح لا يصدر عن الحكيم، ليس تحديداً لملكه وقدرته، وهذا هو المهم في حل عقدة الأشاعرة الّذين يزعمون أنّ قضاء العقل وحكمه في أفعاله سبحانه نوع تدخل في شؤون رب العالمين، ولكنّ الحق غير ذلك، وذلك للفرق بين كون العقل كاشفاً عن مشيئته وعلمه سبحانه، وبين كونه حاكماً وفارضاً عليه سبحانه، بل العقل في مجال الحسن والقبح يكشف عن أنّ الموصوف بما له من الحكمة والغنى لا يصدر منه القبيح ولا يُخلُّ بما هو حسن.

وبتعبير آخر: إنّ العقل يكشف عن أنّ الموصوف بكلِّ كمال، والغنيّ عن كل شيء يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح، لتحقّق الصارف عنه وعدم الداعي إليه، وهذا الامتناع ليس امتناعاً ذاتياً حتّى لا يقدر على الخلاف، ولا ينافي كونه تعالى قادراً عليه بالذات، ولا ينافي اختياره في فعل الحسن وترك القبيح، فإنّ الفعل بالاختيار كما أنّ الترك به أيضاً، وهذا معنى ما ذهبت إليه العدليّة من أنّه يمتنع عليه القبائح، ولا تهدف به إلى تحديد فعله من جانب العقل، بل الله، بحكم انّه حكيم، التزم وكتب على نفسه أن لا يخلَّ بالحسن ولا يفعل القبيح، وليس دور العقل هنا إلاّ دور الكشف والتبيين بالنظر إلى صفاته وحكمته.

ولعلّ هذا المقدار بالبحث حول التحسين والتقبيح العقليّين كافٍ لمن أراد الحق.

4. رؤية الله بالأبصار في الآخرة:

إنّ رؤية الله تعالى في الآخرة ممّا اهتمّ الأشعري بإثباتها اهتماماً بالغاً


في كتابيه: (الإبانة) و(اللُّمع)، وركَّز عليها في الأوّل من ناحية السمع، وفي الثاني من ناحية العقل.

قال في (الإبانة): وندين بأنّ الله تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، كما جاءت الروايات عن رسول الله. (1)

وقال في (اللُّمع): إن قال قائل: لِمَ قلتم إنَّ رؤية الله بالأبصار جائزة من باب القياس؟، قيل له: قلنا ذلك لأنّ ما لا يجوز أن يوصف به الله تعالى ويستحيل عليه، لا يلزم في القول بجواز الرؤية. (2)

إنّ رؤية الله تبارك وتعالى فكرة مستوردة وبدعة يهوديّة؛ نقلها الأحبار إلى الأوساط الإسلاميّة، وحيكت الأخبار على منوالها، ويشهد على ذلك ما في العهد القديم، وإليك بعض المقتطفات منه:

1 - رأيت السيّد جالساً على كرسي عال، فقلت: ويل لي؛ لأنّ عينيَّ قد رأتا الملك رب الجنود. (3) والمقصود من السيّد هو: الله جلّ ذكره.

2 - كنت أرى أنّه وضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي، وعرشه لهيب نار (4) .

ولمّا كان القول بالرؤية في الآخرة يستلزم المقابلة مع المرئي وكونه في جهة ومكان، عمَد كثير من الأشاعرة، منهم التفتازاني، إلى تجريد الرؤية عن هذه السلبيات.

____________________

(1) الإبانة: 21.

(2) اللُّمع: 61 بتلخيص.

(3) اشعيا: 6/1 - 6.

(4) دانيال: 7/9.


يقول التفتازاني: ذهب أهل السنّة إلى أنّ الله تعالى يجوز أن يُرى، وأنّ المؤمنين في الجنة يرونه منزّهاً عن المقابلة والجهة والمكان. (1)

وهذه القيود الّتي ذكرها التفتازاني، وإن كانت غير واردة في كلام صاحب المنهج، ولكن الفكرة بهذه الصورة قد نضجت في طوال قرون متمادية، إنّما الكلام في إمكان وقوع هذه الرؤية، أي أن تتحقّق الرؤية بالأبصار، ولكن مجردة عن المقابلة والجهة والمكان، وهذا ما يصعب تصوّره للإنسان، فتحقُّق الرؤية - سواء أقلنا بأنّها تتحقّق بانطباع صورة المرئي في العين كما عليه العلم الحديث، أو بخروج الشعاع كما عليه بعض القدماء - في غير هذه الظروف أشبه بترسيم أسد بلا رأس ولا ذنب على جسم بطل.

أدلّة القائلين بالرؤية:

إنّ أفضل ما استدلّ به القائلون بالرؤية هي الآية التالية:

قوله سبحانه: ( كَلاّ بَلْ تُحِبّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نّاضِرَةٌ * إِلَى‏ رَبّهَا نَاظِرَةٌ * وَوَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ * تَظُنّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) (2) .

قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: الدليل على أنّ الله يُرى بالأبصار، قوله تعالى ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نّاضِرَةٌ * إِلَى‏ رَبّهَا نَاظِرَةٌ ) والنظر بالوجه هو نظر الرؤية الّذي يكون بالعين الّتي في الوجه، فصح أنّ معنى قوله تعالى: ( إِلَى‏ رَبّهَا نَاظِرَةٌ ) رائية. (3)

____________________

(1) شرح المقاصد: 2/111.

(2) القيامة: 20 - 25.

(3) اللُّمع: 64.


وقد شغلت الآية بال الأشاعرة والمعتزلة، فالفرقة الأُولى تُصرّ على أنّ النظر هنا بمعنى الرؤية، والثانية تُصرّ على أنّها بمعنى الانتظار لا الرؤية، ولكنّ الحق أنّ الآية لا تدلّ على نظرية الأشاعرة، حتّى ولو قلنا إنّ النظر فيها بمعنى الرؤية؛ إذ يُعْرف مفاد الآيات بمقارنة بعضها مع بعض، وإليك البيان:

إنّ الآية الثالثة تقابل الآية الأُولى، كما أنّ الرابعة تقابل الثانية، وعند المقابلة يُرفع إبهام الثانية بالآية الرابعة، وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:

أ - ( وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نّاضِرَةٌ ) يقابلها ( وَوَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ ) .

ب - ( إِلَى‏ رَبّهَا نَاظِرَةٌ ) يقابلها ( تَظُنّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) .

وبما أنّ المقابل للآية الثانية واضح المعنى، فيكون قرينة على المراد منها؛ فإذا كان المقصود من المقابل أنّ الطائفة العاصية تظنُّ وتتوقّع أن ينزل بها عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها، يكون المراد من عِدْله وقرينه عكسه وضده، وليس هو إلاّ أنّ الطائفة المطيعة تكون مستبشرة برحمته، ومتوقِّعة لفضله وكرمه، لا النظر إلى جماله وذاته وهويَّته، وإلاّ لخرج المقابلان عن التقابل، وهو خلف.

وبعبارة أُخرى: يجب أن يكون المتقابلان - بحكم التقابل - مُتَّحدي المعنى والمفهوم، ولا يكونا مختلفين في شيء سوى النفي والإثبات، فلو كان المراد من المقابل الأوّل - أعني: ( إِلَى‏ رَبّهَا نَاظِرَةٌ ) - هو رؤية جماله سبحانه وذاته، فيجب أن يكون الجزاء في قرينه - أعني: ( تَظُنّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ ) - هو حرمان هؤلاء عن الرؤية، أخذاً بحكم التقابل، وبما أنّ تلك الجملة - أعني: القرين الثاني - لا تحتمل ذلك المعنى - أعني: الحرمان من الرؤية - بل


صريحة في انتظار العذاب الفاقر، يكون ذلك قرينة على المراد من القرين الأوّل؛ وهو رجاء رحمته وانتظار فرجه وكرمه.

إلى هنا تمّت دراسة عقائد الأشاعرة على وجه الإجمال.

***

أعيان الأشاعرة:

ثم إنّ هناك رجالاً ارتبطت أسماؤهم ببلورة المذهب الأشعري، ولولاهم لما قام لهذا المذهب عمود ولا اخضرّ له عود، وإليك أسماء أعلامهم عبر التاريخ:

1 - أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403هـ).

2 - أبو منصور عبد القاهر البغدادي (المتوفّى 429هـ).

3 - إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (419 - 478هـ).

4 - حجة الإسلام الإمام الغزالي (450 - 505هـ).

5 - أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (479 - 548هـ).

6 - أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي فخر الدين الرازي (544 - 606هـ).

7 - أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي (551 - 631هـ).


8 - عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين الإيجي (708 - 756هـ).

9 - مسعود بن عمر بن عبد الله المعروف بسعد الدين التفتازاني (712 - 791هـ).

10 - السيِّد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيِّد الشريف (المتوفّى 816هـ).

11 - علاء الدين علي بن محمد السمرقندي القوشجي (المتوفّى 879هـ).

هذا بعض الكلام في المذهب الأشعري، وقد صار مذهباً رسميّاً لأكثر أهل السنّة.


4

الماتريدية

في الوقت الّذي ظهر مذهب الإمام الأشعري بطابع الفرعيّة لمذهب أهل الحديث، ظهر مذهب آخر بهذا اللون والشكل لغاية نصرة السنّة وأهلها، وإقصاء المعتزلة عن الساحة الإسلامية، وهو مذهب الإمام محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي (المتوفّى 333هـ)؛ أي بعد 9 أو ثلاثة أعوام من وفاة الإمام الأشعري.

والداعيان كانا في عصر واحد، ويعملان على صعيد واحد، ولم تكن بينهما أيّة صلة، فالإمام الأشعري كان يكافح الاعتزال ويناصر السنّة في العراق، متقلّداً مذهب الشافعي في الفقه، والماتريدي ينازل المعتزلة في أقصى الشرق الإسلامي (ماوراء النهر)، متقلّداً رأي الإمام أبي حنيفة في الفقه، فكانت البصرة يومذاك محط الأهواء والعقائد ومَعْقَلِها، كما كانت أرض خُراسان مأوى أهل الحديث ومهبطهم.

منهج الإمام الماتريدي موروث عن أبي حنيفة:

المنهج الّذي اختاره الماتريدي، وأرسى قواعده، وأوضح براهينه،


هو المنهج الموروث عن أبي حنيفة (المتوفّى 150هـ) في العقائد، والكلام، والفقه ومبادئه، والتاريخ يحدثنا أنّ أبا حنيفة كان صاحب حلقة في الكلام قبل تفرّغه لعلم الفقه، وقبل اتّصاله بحمّاد بن أبي سليمان الّذي أخذ عنه الفقه.

وليس الماتريدي نسيج وحده في هذا الأمر، بل معاصره أبو جعفر الطحاوي صاحب (العقيدة الطحاوية) (المتوفّى 321هـ) مقتفٍ أثر أبي حنيفة، حتّى عَنْوَن صدر رسالته المعروفة (بالعقيدة الطحاوية) بقوله: (بيان عقيدة فقهاء الملّة): أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن. (1)

لمحة إلى سيرة الماتريدي:

اتفق المترجمون له على أنّه توفّى عام 333هـ، ولم يعيّنوا ميلاده، لكن القرائن تشهد أنّه من مواليد عام 248هـ، وقد ولد بـ (ماتريد)، وهي من توابع سمرقند في بلاد في ماوراء نهر جيحون، ويوصف بالماتريدي تارة، وبالسمرقندي أُخرى، ونسبه ينتهي إلى أبي أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري مضيّف النبيّ في دار الهجرة.

مشايخه:

قد أخذ العلم عن عدّة من المشايخ، هم:

1 - أبو بكر أحمد بن إسحاق الجوزجاني.

2 - أبو نصر أحمد بن العياضي.

____________________

(1) شرح العقيدة الطحاوية: 25.


3 - نصير بن يحيى، تلميذ حفص بن سالم (أبو مقاتل).

4 - محمد بن مقاتل الرازي.

قال الزبيدي: تخرّج الماتريدي على الإمام أبي نصر العياضي. ومن شيوخه الإمام أبو بكر أحمد بن إسحاق بن صالح الجوزجاني صاحب الفرق والتمييز، ومن مشايخه محمد بن مقاتل الرازي قاضي الريّ.

والأوّلان من تلاميذ أبي سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني، وهو من تلاميذ أبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني.

وأمّا شيخه الرابع - أعني: محمد بن مقاتل ـ؛ فقد تخرَّج على تلميذ أبي حنيفة مباشرة، وعلى ذلك، فالماتريدي يتّصل بإمامه تارة بثلاثة وسائط، وأُخرى بواسطتين، فعن طريق الأوّلين بوسائط ثلاث، وعن طريق الثالث بواسطتين. (1)

تلاميذه:

تخرّج عليه عدة من العلماء، منهم:

1 - أبو القاسم إسحاق بن محمد بن إسماعيل الشهير بالحكيم السمرقندي (المتوفّى 340هـ).

2 - أبو الليث البخاري.

3 - أبو محمد عبد الكريم بن موسى البزدوي، جدّ محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي مؤلّف (أُصول الدين).

____________________

(1) إتحاف السادة المتّقين: 2/5.


مصنّفاته:

سجَّل المترجمون للماتريدي كُتُباً له تعرب عن ولعه بالكتابة والتدوين والإمعان والتحقيق، غير أنّ الحوادث لعبت بها، ولم يبقَ منها إلاّ ثلاثة:

1 - كتاب (التوحيد) وهو المصدر الأوّل لطلاّب المدرسة الماتريديّة وشيوخها، الّذين جاءوا بعد الماتريدي، واعتنقوا مذهبه، وهو يستمد في دعم آرائه من الكتاب والسنّة والعقل، ويعطي للعقل سلطاناً أكبر من النقل.

وقد قام بتحقيق نصوصه ونشره الدكتور فتح الله خليف عام 1390هـ، وطبع الكتاب في بيروت مع فهارسه في 412 الصّفحة.

2 - (تأويلات أهل السنّة) في تفسير القرآن الكريم، وهو تفسير في نطاق العقيدة السنّية، وقد مزجه بآرائه الفقهيّة والأُصوليّة وآراء أُستاذه الإمام أبي حنيفة، فصار بذلك تفسيراً عقائديّاً فقهيّاً، وهو تفسير عام لجميع السور، والجزء الأخير منه يفسّر سورة المنافقين إلى آخر القرآن، وقد وقفنا من المطبوع منه على الجزء الأوّل وينتهي إلى تفسير الآية 114 من سورة البقرة.

حقّقه الدكتور إبراهيم عوضين، وطبع في القاهرة عام 1390هـ.

وأمّا كُتبه الأُخرى، فإليك بيانها:

3 - المقالات.

4 - مآخذ الشرائع.

5 - الجدل في أُصول الفقه.


6 - بيان وهم المعتزلة.

7 - رد كتاب الأُصول الخمسة للباهلي.

8 - كتاب رد الإمامة.

9 - الرد على أُصول القرامطة.

10 - رد تهذيب الجدل للكعبي.

إذا عرفت مؤسّس المذهب وشيوخه وتلامذته ومؤلّفاته، فلنعرج على أُصول المذهب الماتريدي، فنقول:

إنّ المذهب الأشعري والماتريدي يتحرّكان في فلك واحد، وكانت الغاية هي الدفاع عن عقيدة أهل السنّة والوقوف في وجه المعتزلة، ومع ذلك لا يمكن أن يتّفقان في جميع الأُصول الرئيسيّة، فضلاً عن التفاريع؛ وذلك لأنّ الأشعري اختار مذهب الإمام أحمد، وطابع منهجه هو الجمود على الظواهر وعدم العناية بالعقل والبرهان.

وأمّا الماتريدي، فقد تربّى على منهج تلامذة الإمام أبي حنيفة، ويعلو على ذلك المنهج الطابع العقلي والاستدلالي، كيف ومن أُسس منهجه الفقهي هو العمل بالقياس والاستحسان.

وعلى ضوء هذا فلا يمكن أن يكون التلميذان متوافقين في الأُصول.

والّذي تبيّن لي بعد التأمّل في آراء الماتريدي في كثير من المسائل الكلاميّة، أنّ منهجه كان يتمتّع بسِمَات ثلاث:

1 - إنّ الماتريدي أعطى للعقل سلطاناً أكبر، ومجالاً أوسع، وذلك هو الحجر الأساس للسِمَتين الأخيرتين.


2 - إنّ منهج الماتريدي أبعد عن التشبيه والتجسيم من الأشعري، وأقرب إلى التنزيه.

3 - إنّه وإن كان يّشُنُّ هجوماً عنيفاً على المعتزلة، ولكنّه إلى منهجهم أقرب من الإمام الأشعري.

وإليك بيان بعض الفوارق بين المنهجين:

1. معرفته سبحانه واجبة عقلاً:

اختلف المتكلّمون في وجوب المعرفة، فالأشعري وأتباعه على أنّه سمعي؛ بمعنى أنّه أمَرَ سبحانه بمعرفته، والمعتزلة على أنّه عقلي.

وأمّا الماتريدي، فيقول: هو كالمعتزلة في وجوبها عقلاً، قال البياضي:

ويجب بمجرد العقل في مدَّة الاستدلال، معرفة وجوده تعالى، ووحدته، وعلمه، وقدرته، وكلامه، وإرادته، وحدوث العالم، ودلالة المعجزة على صدق الرسول، ويجب تصديقه، ويحرم الكفر والتكذيب به، لا من البعثة (1) وبلوغ الدعوة. (2)

إنّ القول بوجوب هذه الأُمور من جانب العقل مِن قَبْل أن يجيء الشرع دفعاً لمحذور الدور، يُعرب عن كون الداعي أعطى للعقل سلطاناً أكبر ممّا أعطاه الأشعري له.

____________________

(1) كذا في المصدر، والظاهر زيادة (لا)؛ والصحيح: (من البعثة).

(2) إشارات المرام: 53.


2. الاعتراف بالتحسين والتقبيح العقليّين:

قد أنكر الشيخ الأشعري التحسين والتقبيح العقليّين حذراً من أنّ القول به تحديد لقدرة الله سبحانه وإرادته، ولكنّ الماتريدي قال بالتحسين والتقبيح العقليّين في الجملة، قال البياضي:

والحسن بمعنى استحقاق المدح والثواب، والقبيح بمعنى استحقاق الذم والعقاب على التكذيب عنده (أبو منصور الماتريدي) إجمالاً عقلي، أي يُعْلَم به حُكْم الصانع - إلى أن قال: ويستحيل عقلاً اتّصافه تعالى بالجور وما لا ينبغي، فلا يجوز تعذيب المطيع ولا العفو عن الكفر عقلاً، لمنافاته للحكمة، فيجزم العقل بعدم جوازه. (1)

وعلى ضوء ذلك فقد اعترف الماتريدي بما هو المهم في باب التحسين والتقبيح العقليّين؛ أعني:

أوّلاً: استقلال العقل بالمدح والذم في بعض الأفعال .

وثانيا ً: استقلال العقل بكونه سبحانه عادلاً، فلا يجوز عليه تعذيب المُطيع.

نعم أنكر الشيخ الماتريدي إيجاب العقل للحسن والقبح.

3. التكليف بما لا يطاق:

ذهب الأشعري إلى جواز التكليف بما لا يُطاق، ولكن الماتريدي يقول

____________________

(1) إشارات المرام، فصل الخلافيّات بين الماتريدية والأشاعرة، 54.


بخلافه، قال البياضي: ولا يجوز التكليف بما لا يُطاق لعدم القدرة أو لعدم الشرط. (1)

هذا ما نقله البياضي عن الماتريدية، وأمّا نفس الإمام أبي منصور الماتريدي، فقد فصَّل في كتابه (التوحيد)، بين مضيّع القدرة فيجوز تكليفه، وبين غيره فلا يجوز.

قال: إنّ تكليف من مُنِع عن الطاقة فاسد في العقل، وأمّا من ضيَّع القوة، فهو حق أن يُكلَّف مثلُه، ولو كان لا يُكلَّف مثلُه، لكان لا يُكلَّف إلاّ من مطيع. (2)

4. أفعال الله سبحانه معلّلة بالأغراض:

ذهبت الأشاعرة إلى أنّ أفعاله سبحانه ليست معلّلة بالأغراض، وأنّه لا يجب عليه شيء، ولا يقبح عليه شيء، واستدّلوا على ذلك بما يلي:

لو كان فعله تعالى لغرض، لكان ناقصاً لذاته، مستكْمِلاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من عدمه، وهو معنى الكمال. (3)

وقالت الماتريدية: أفعاله تعالى معلّلة بالمصالح والحِكَم؛ تفضّلاً على العباد، فلا يلزم الاستكمال ولا وجوب الأصلح. واختاره صاحب المقاصد. (4)

____________________

(1) المصدر السابق: 54.

(2) التوحيد: 266.

(3) المواقف: 331.

(4) إشارات المرام: 54.


5. الصفات الخبرية:

إنّ تفسير الصفات الخبرية - كالاستواء واليد والعين - أوجد اختلافاً عميقاً بين المتكلّمين، فأهل الحديث والأشاعرة من المثبتين لها، ولذلك اشتهروا بالصفاتيّة، في مقابل المعتزلة الّذين يؤوّلونها، ولا يثبتونها بما يتبادر منها في ظواهرها.

وأقصى ما عند الأشاعرة في إثباتها لله سبحانه هو إثباتها بلا كيفيّة، وإنّه سبحانه مستوٍ على العرش بلا كيفيّة، وله يد بلا كيفيّة، وهكذا سائر الصفات الواردة في الكتاب والسنّة. وهم في هذا المقام يتذرّعون بقولهم: (بلا كيف، وبلا تشبيه).

وأمّا الماتريدية، فالظاهر أنّ منهجهم هو التنزيه، ظاهراً وباطناً، ولكنّهم بين مفوِّضٍ معانيها لله سبحانه أو مفسِّرٍ لها مثل العدليّة الّذين سمّتهم الأشاعرة بالمؤوِّلة.

مثلاً؛ يقول أبو منصور - أحد أقطاب الماتريدية: ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من مكان - للجلوس أو القيام - شرف ولا علوّ، ولا وصف بالعظمة والكبرياء، كمن يعلو السطوح والجبال فإنّه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر، فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه، مع ما فيها من ذكر العظمة والجلال، إذ ذكر في قوله تعالى: ( إِنّ رَبّكُمُ اللّهُ الّذِي خَلَقَ السّماوَاتِ والْأَرْضَ ) (1) ، فذلك على تعظيم العرش. (2)

____________________

(1) الأعراف: 54.

(2) التوحيد: 69 و70.


وفي خاتمة المطاف نلفت نظر القارئ إلى ما ذكره الكاتب المصري أحمد أمين حول عقيدة الأشاعرة في الصفات الخبريّة، قال:

وأمّا الأشاعرة، فقالوا: إنّها مجازات عن معان ظاهرة، فاليد مجاز عن القدرة، والوجه عن الوجود، والعين عن البصر، والاستواء عن الاستيلاء، واليدان عن كمال القدرة، والنزول عن البرد والعطاء، والضحك عن عفوه. (1)

وما ذكره هو نفس عقيدة المعتزلة، لا الأشاعرة ولا الماتريدية، فالمعتزلة هم المؤوِّلة، يؤوّلون الصفات بما ذكره، والأشاعرة من المثْبِتة، لكن بقيد (بلا كيف)، والماتريدية هم المفوِّضة، يفوّضون معانيها إلى قائلها.

6. صفاته عين ذاته:

ذهبت الأشاعرة إلى أنّ صفاته سبحانه زائدة على ذاته، وأمّا الماتريدية فذهبوا إلى ما اختارته العدليّة من عينيّة الصفات للذّات، يقول النسفي - الّذي هو من الماتريدية:

ثُمَّ اعلم أنّ عبارة متكلّمي أهل الحديث في هذه المسألة، أن يقال: إنّ الله تعالى عالم بعلم، وكذا فيما وراء ذلك من الصفات، وأكثر مشايخنا امتنعوا عن هذه العبارة؛ احترازاً عمّا تُوهم أنّ العلم آلة وأداة؛ يقولون: إنّ الله تعالى، عالم، وله علم، وكذا فيما وراء ذلك من الصفات، والشيخ أبو منصور الماتريدي يقول: إنّ الله عالم بذاته، حيٌّ بذاته، قادر بذاته، ولا يُرِيد منه نفي الصفات؛ لأنّه أَثْبَت الصفات في جميع مصنّفاته، وأتى بالدلائل لإثباتها، ودفع شبهاتهم على وجه لا

____________________

(1) ظهر الإسلام: 4/ 94، ط الثالثة، عام 1964.


محيص للخصوم عن ذلك، غير أنّه أراد بذلك دفع وهم المغايرة، وأنّ ذاته يستحيل أن لا يكون عالماً. (1)

هذه نماذج ممّا اختلفت فيها الماتريدية والأشاعرة، وإن كان مورد الاختلاف أكثر من ذلك.

وبذلك ظهر أنّ جنوح الماتريدية إلى العدليّة أكثر من الأشاعرة.

أعيان الماتريدية:

قد عَرفت أنّ مؤسّس الماتريدي هو الإمام محمد بن محمد بن محمود الماتريدي السمرقندي (المتوفّى عام 333هـ)، وقد ربّى جيلاً وأنصاراً قاموا بنصرة المذهب ونشره وإشاعته، وإليك بعض أعلام مذهبه:

1 - القاضي الإمام أبو اليسر محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي (421 - 493هـ)، له كتاب (أُصول الدين).

2 - أبو المعين النسفي (المتوفّى 502هـ)، وهو من أعاظم أنصار ذلك المذهب، له كتاب (تبصرة الأدّلة) الّذي مازال مخطوطاً حتّى الآن، ويُعدّ الينبوع الثاني بعد كتاب (التوحيد) للماتريدية.

3 - الشيخ نجم الدين أبو حفص عمر بن محمد النسفي (المتوفّى 537هـ)، مؤلّف (عقائد النسفي)، ومازال هذا الكتاب محور الدراسة في الأزهر إلى يومنا هذا.

____________________

(1) العقائد النسفيّة: 76.


4 - الشيخ مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفّى 791هـ)، أحد المتضلّعين في العلوم العربيّة والمنطق والكلام، وهو شارح (العقائد النسفيّة).

5 - الشيخ كمال الدين محمد بن همام الدين الشهير بابن الهمام (المتوفّى 861هـ)، صاحب كتاب (المسايرة) في علم الكلام. نشره وشرحه محمد محيي الدين عبد الحميد، وطبع بالقاهرة.

6 - العلاّمة كمال الدين أحمد البياضي الحنفي، مؤلّف كتاب (إشارات المرام من عبارات الإمام)، أحد علماء القرن الحادي عشر الهجري، ويُعدّ كتابه هذا أحد مصادر الماتريدية.

7 - الشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري المصري (المتوفّى 1372هـ)، وكيل المشيخة الإسلاميّة في الخلافة العثمانيّة، أحد المتضلّعين في الحديث والتاريخ والملل والنحل.


5

المرجئة

وهو مأخوذ من الإرجاء، بمعنى: التأخير، وقد قيل في تسمية هؤلاء بالمرجئة أنّهم يقدّمون الإيمان ويؤخّرون العمل، فالإيمان عندهم عبارة عن مجرّد الإقرار بالقول، وإن لم يكن مصاحِباً للعمل، فأخذوا منه جانب القول وطردوا جانب العمل، فاشتهروا بالمرجئة؛ أي المؤخِّرة، وشعارهم: (لا تضرّ مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة)، وهؤلاء والخوارج في هذه المسألة على جانبي نقيض، فالمرجئة لا تشترط العمل في حقيقة الإيمان، وترى العاصي مؤمناً وإن ترك الصلاة والصوم، ولكن الخوارج يضيّقون الأمر، فيرون مرتكب الكبيرة كافراً مخلَّداً في النار.

ويقابلهما المعتزلة؛ فإنّ مرتكب الكبيرة عندهم لا مؤمن ولا فاسق، بل في منزلة بين الأمرين، فزعمت أنّها أخذت بالقول الوسط بين المرجئة والخوارج.

والمعروف بين المسلمين أنّ مرتكب الكبيرة مؤمن فاسق. وبتقييد الإيمان بالفسق خالفت المرجئةُ، وبوصفه بالإيمان خالفوا الخوارج والمعتزلة.

والحاصل: إنّ تحديد الإيمان بالإقرار دون العمل، أو تحديده بالمعرفة القلبية دون القيام بالأركان، يعدّ ركناً ركيناً لهذه الطائفة، بحيث


كلّما أُطلقت المرجئة، لا يتبادر منها إلاّ من تبنّى هذا المعنى.

ثم إنّهم رتّبوا على تلك العقيدة أُموراً:

1 - إنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنّ أمر التصديق دائر بين الوجود والعدم، ومثله تفسير الإيمان بالإقرار باللسان، فهو أيضاً كذلك، وليس العمل داخلاً في حقيقته حتّى يقال: إنّ العمل يكثُر ويقل.

2 - إنّ مرتكب الكبيرة مؤمن حقيقة؛ لكفاية التصديق القلبي أو الإقرار باللسان في الاتّصاف بالإيمان. وهؤلاء - في هذه العقيدة - يخالفون[ طائفتي] الخوارج والمعتزلة.

أمّا الأُولى: فلأنّهم يعدّون العمل عنصراً مؤثِّراً في الإيمان؛ بحيث يكون تارك العمل كافراً، وقد اشتهر عنهم بأنّ مرتكب الكبائر كافر، وليس المؤمن إلاّ من تحرّز من الكبائر.

وأمّا الثانية: فلأنّهم يعتقدون أنّ مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. والمعتزلة أخفُّ وطأة من الخوارج، وإن كانت الطائفتان مشتركتين في إدخال العمل في حقيقة الإيمان.

3 - إنّ مرتكب الكبيرة لا يخلَّد في النار وإن لم يتب، ولا يُحكم عليه بالوعيد والعذاب قطعاً؛ لاحتمال شمول عفوه سبحانه له، خلافاً للمعتزلة الّذين يرون أنّ صاحب الكبيرة يستحقّ العقوبة إذا لم يتب، وإنّ من مات بلا توبة يدخل النار، وقد كتبه الله على نفسه، فلا يعفو. (1)

____________________

(1) لاحظ: مقالات الإسلاميين، 126 - 147.


مؤسّس المرجئة:

إنّ التاريخ لم يسجّل مبدأ تكوّن فكرة الإرجاء، والمؤرّخون ينسبونه إلى الحسن بن محمد بن الحنفية (المتوفّى عام 99هـ)، ولكنّه بعدُ غيرُ ثابتٍ، وعلى فرض ثبوته، فالإرجاء الّذي قال به غير الإرجاء المعروف، فقد نقلوا عنه أنّه تُكُلِّم في عليّ وعثمان وطلحة والزبير في محضره، فأكثروا وهو ساكت، ثم تكلَّم؛ فقال: قد سمعت مقالكم، أرى أن يُرجأ عليّ وعثمان وطلحة والزبير، فلا يُتولّى ولا يُتبرّى منهم. (1)

غير أنّ الإرجاء الّذي تكلّم فيه الحسن بن محمد غير الإرجاء المعروف عند أهل السنّة المتعلّق بالإيمان، فإنّ الإرجاء عند أهل السنّة هو تقديم الإيمان وتأخير العمل، ولعل الحافز لابن الحنفية إلى ترويج الإرجاء بالمعنى المذكور، هو إيقاف الهجمة على جدِّه أمير المؤمنين، والله أعلم.

ولعلّ الإرجاء بالمعنى الأوّل، الّذي صدر عن ابن الحنفية عن غاية صحيحة، صار أساساً للمعنى الثاني، أمّا تقديم الإيمان وتأخير العمل، فقد استعمله الأُمويّون؛ لتبرئتهم حيث كانوا غارقين في العصيان والفساد.

وبذلك يُعلم أنّ أصل الإرجاء هو التوقّف وترك الكلام في حق بعض الصحابة، لكن نُسي الإرجاء بهذا المعنى وأخذ أصل آخر مكانه، وهو تحديد الإيمان بالإقرار دون العمل، أو المعرفة القلبية دون القيام بالأركان.

____________________

(1) تاريخ ابن عساكر: 4/346، ط دمشق، 1332هـ.


ولمّا كان كلا الأصلين لصالح الأُمويّين؛ حيث يلزم التوقّف في حق عثمان وأعماله؛ كما أنّه يبرِّر ما اقترفه الأُمويّون من الجرائم، أخذوا يروّجونه بحماس.

خطر المرجئة على أخلاق المجتمع:

إنّ تجريد الإيمان من العمل فكرة خاطئة، تَسير بالمجتمع - وخصوصاً الشباب - إلى الخلاعة والانحلال الأخلاقي وترك القيم، بحجّة أنّه يكفي في اتّصاف الإنسان بالإيمان وانخراطه في مسلك المؤمنين الإقرار باللسان أو الإذعان بالقلب، ولا نحتاج وراء ذلك إلى شيء من الصوم والصلاة، ولا يضرّه شرب الخمر وفعل الميسر، ويجتمع مع حفظ العفاف وتركه.

ولو قُدِّر لهذه الفكرة أن تسود في المجتمع، لم يبق من الإسلام إلاّ رسمه ومن الدين إلاّ اسمه، ويكون المتديّن بهذه الفكرة كافراً واقعيّاً، اتّخذها واجهة لما يكنّ في ضميره.

ولقد شعر أئمَّة أهل البيت (عليهم السّلام) بخطورة الموقف، وعلموا بأنّ إشاعة هذه الفكرة بين المسلمين عامّة، والشيعة بوجه خاص، سترجعهم إلى الجاهليّة، فقاموا بتحذير الشيعة وأولادهم من خطر المرجئة، فقالوا:

«بادروا أولادكم بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة». (1)

وفكرة الإرجاء فكرة خاطئة، تضرُّ بالمجتمع عامّة، وإنّما خصّ الإمام منهم الشباب؛ لكونهم سريعي التقبّل لهذه الفكرة، لما فيها من إعطاء الضوء الأخضر

____________________

(1) الكافي: 6/47، الحديث 5.


للشباب باقتراف الذنوب، والانحلال الأخلاقي، والانكباب وراء الشهوات، مع كونهم مؤمنين.

ولو صحّ أنّ ما ادّعته المرجئة في الإيمان والمعرفة القلبيّة، والمحبّة لإله العالم، لوجب أنّ تكون لتلك المحبة القلبيّة مظاهر في الحياة، فإنّها رائدة الإنسان وراسمة حياته، والإنسان أسير الحب وسجين العشق، فلو كان عارفاً بالله محباً له، لاتبع أوامره ونواهيه، وتجنّب ما يسخطه وتبع ما يرضيه، فما معنى هذه المحبّة للخالق وليس لها أثر في حياة المحب؟!، ولقد وردت الإشارة إلى التأثير الّذي يتركه الحب والود في نفس المحب في كلام الإمام الصادق (عليه السّلام)؛ حيث قال: «ما أحبَّ الله عزّ وجلّ من عصاه» ، ثُمَّ أنشد الإمام (عليه السّلام)، قائلاً:

تعصي الإله وأنت تُظهر حبّه

هـذا مـحال في الفعال بديع

لـو كان حبك صادقاً لأطعته

إنّ المحبَّ لمن يُحبُّ مطيع (1)

____________________

(1) سفينة البحار: 1/199، مادة حبب.


6

القدريّة

إنّ لفظ القدريّة منسوب إلى القدَر، ومقتضى القاعدة النحويّة أن يُفسّر بالمنسوب إلى القدر، أي التقدير والقضاء، فالقدريّة: هم القائلون بالقضاء والقدر. كما أنّ العدليّة هم القائلون بالعدل، لا نُفاته.

ولكن أصحاب المقالات فسّروه بنفاة القدر، وهو في بابه غريب، إذ لم يثبت هذا النوع من الاستعمال.

ثُمَّ إنّ الّذين اتّهموا بالقدرية في أيام الأُمويّين كانوا دعاة الحرّيّة، ويقولون بأنّ الإنسان مخيّر في تفكيره وعمله، وليس بمسيّر، فاستنتج المخالفون لهؤلاء الجماعة أنّهم من نُفاة القضاء والقدر، وكأَنّ القول بالحرّية لا يجتمع مع القول بالتقدير.

ثُمَّ إنّهم لم يقتصروا على ذلك، فرووا عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، أنّه قال: «القدرية مجوس هذه الأُمّة»، فقالوا المراد هذه الطائفة، أي دعاة الحرّية، ونُفاة الجبر.

إنّ العصر الأُموي كان يسوده القول بالجبر؛ الّذي يصوّر الإنسان والمجتمع أنّهما مسيّران لا مخيّران، وأنّ كلّ ما يجري في الكون من صلاح وفساد، وسعة


وضيق، وجوع وكظّة، وصلح وقتال بين الناس، أمر حتمي قُضي به عليهم، وليس للبشر فيه أيّ صنع وتصرّف.

وقد اتّخذت الطغمة الأُمويّة هذه الفكرة غطاءً لأفعالهم الشنيعة؛ حتّى يسدّوا بذلك باب الاعتراض على أفعالهم، بحجّة أنّ الاعتراض عليهم اعتراض على صنعه سبحانه وقضائه وقدره، وأنّ الله سبحانه فرض على الإنسان حكم ابن آكلة الأكباد وابنه السكّير، فأبناء البيت الأُموي الخبيث يعيشون عيشة رغد ورخاء وترف، ويعيش الآخرون حياة البؤس والشقاء.

وعلى ذلك، فمن سُجِّلت أسماؤهم في القدريّة، لم يكن لهم ذنب سوى أنّهم كانوا دعاة الحرّية ونُفاة الجبر، نظراء:

1 - معبد بن عبد الله الجهني البصري (المتوفّى عام 80هـ).

2 - غيلان بن مسلم الدمشقي، المصلوب بدمشق عام 105هـ.

3 - عطاء بن يسار (المتوفّى 103هـ).

إنّ نضال هؤلاء الثلاثة في العهد الأُموي كان ضد ولاة الجور؛ الّذين كانوا يسفكون الدماء وينسبونه إلى قضاء الله وقدره، فهؤلاء الأحرار قاموا في وجههم، وأنكروا القدر بالمعنى الّذي استغلته السلطة وبرّرت به أعمالها الشنيعة، وإلاّ فمن البعيد جداً،من مسلمٍ واعٍ، أن ينكر القضاء والقدر الواردين في الكتاب والسنّة على وجه لا يَسْلِب الحرّية من الإنسان ولا يجعله مكتوف الأيدي.

إنّ هذا التاريخ يدلّنا على أنّ رجال العيث والفساد، إذا أرادوا إخفاء دعوة الصالحين اتّهموهم بالكفر والزّندّقة ومخالفة الكتاب والسنّة.


والحاصل: إنّ تفسير القدرية في حق هؤلاء؛ بتفويض الإنسان إلى نفسه وأفعاله، وأنّه ليس لله أي صنع في فعله، هو تفسير جديد حدث بعد هؤلاء، فلم يكن لمعبد الجهني وغيلان الدمشقي والقاضي عطاء بن يسار وغيرهم إلاّ نقد الفكرة الفاسدة؛ وهي كون الإنسان والمجتمع مسيّراً لا مخيّراً، لا يُسأل عن أفعاله، ومن عجيب الأمر أنّ عبد الله بن عمر روى أنّ رسول الله قال: «إنّ القدرية مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم». (1)

فكلّ من دعاة الحرّية والجبر فسروه بالمخالف، ولكنّ الحديث ضعيف سنداً جداً، ولفظ الحديث حاك أنّه صُنع بعد رحيل الرسول، كما كثُر ما يُروى في هذا المقام.

ثمَّ إنّ للصاحب بن عباد (326 - 385هـ) رسالة في الردّ على القدريّة بمعنى المجبِّرة، نشرناها في كتابنا (بحوث في الملل والنحل) الجزء الثالث من الصّفحة 132 إلى 138؛ كما أنّ للحسن بن محمد بن الحنفية، والقاضي حسن بن يسار المعروف بالحسن البصري، رسالة في نفي القدر بمعنى الجبر نشرناها في نفس الكتاب.

***

ولمّا كانت دعوة معبد الجهني وأضرابه دعوة إلى الحرّية والتفكير، ظهرت آنذاك حركات رجعيّة تُعرقل الأُمّة عن التقدّم، ونشير إلى هذه الدعوات والنحل المخالفة لمبادئ الإسلام بصورة موجزة.

____________________

(1) جامع الأُصول: 10/526.


الحركات الرجعيّة

1

7

الجهميّة

قد عرفت أنّ المتّهمين بالقدرية كانوا دعاة الحرّية، لا نُفاة القضاء والقدر، بل كانوا قائلين بأنّه سبحانه تبارك وتعالى قدّر وقضى، ومع ذلك، لم يسلب الاختيار عن الإنسان، فخيّره بين الإيمان والكفر، بين الخير والشّر، فلو قدّر الخير فلعلم منه بأنّه يختار الخير عن اختيار، أو قدّر الشر فلعلم منه أنّ الفاعل يختار الشر كذلك، وهو نفس صميم الإسلام ولبّه، قال سبحانه: ( فَمَن شَاءَ فَلْيُوْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكُفُرْ ) (1) .

لكن ظهرت في القرن الثاني والثالث حركات رجعيّة استهدفت أركان الإسلام والعودة بالأُمّة إلى الأفكار الجاهلية الّتي سادت قبل الإسلام، من القول بالجبر والتجسيم، وإليك أبرز ممثّلي هذه الحركات الرجعية.

____________________

(1) الكهف: 29.


الجهميّة:

إنّ سمات الجهميّة، هي: القول بالجبر والتعطيل، أسّسها جهم بن صفوان السمرقندي (المتوفّى 128هـ).

قال الذهبي: جهم بن صفوان أبو محرز السمرقندي الضال المبتدع، رأس الجهميّة في زمان صغار التابعين، وما علِمْته روى شيئاً، لكنّه زرع شرّاً عظيماً.

وقال المقريزي: الجهميّة،أتباع جهم بن صفوان الترمذي، مولى راسب، وقُتل في آخر دولة بني أُميّة، وتتلخّص عقائده في الأُمور التالية:

1 - ينفي الصفات الإلهيّة كلّها، ويقول: لا يجوز أن يوصف الباري بصفة يوصف بها خَلْقه.

2 - إنّ الإنسان لا يقدر على شيء، ولا يوصف بالقدرة ولا بالاستطاعة.

3 - إنّ الجنّة والنّار يفنيان، وتنقطع حركات أهلهما.

4 - إنّ من عرف الله ولم ينطق بالإيمان لم يكفر؛ لأنّ العلم لا يزول بالصمت، وهو مؤمن مع ذلك.

وقد كفّره المعتزلة في نفي الاستطاعة، وكفّره أهل السنّة بنفي الصفات وخلق القرآن ونفي الرؤية.

5 - وانفرد بجواز الخروج على السلطان الجائر.

6 - وزعم أنّ علم الله حادث لا بصفة يوصف بها غيره. (1)

____________________

(1). الخطط المقريزيّة: 3/349، ولاحظ: ص351.


أقول: الظاهر أنّ قاعدة مذهبه أمران:

الأوّل: الجبر ونفي الاستطاعة، فجهم بن صفوان رأس الجبر وأساسه، ويُطْلق على أتباعه الجبريّة الخالصة، في مقابل غير الخالص منها.

الثاني: تعطيل ذاته سبحانه، عن التوصيف بصفات الجلال والجمال، ومن هنا نجمت المعطّلة.

وأمّا غير هذين الأمرين فمشكوك جداً.

التطورات الّتي مرّ بها مفهوم الجهمي:

لمّا كان نفي الصفات عن الله والقول بخلق القرآن ونفي الرؤية ممّا نسب إلى منهج الجهم، صار لفظ الجهمي رمزاً لكلِّ من قال بأحد هذه الأُمور، وإن كان غير قائل بالجبر ونفي القدر؛ ولأجل ذلك ربّما تطلق الجهميّة ويراد بها المعتزلة أو القدريّة، يقول أحد بن حنبل:

والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله ووقف، ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل، ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي، ومن لم يكفّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم. (1)

____________________

(1) السنّة: 49.


الحركات الرجعيّة

2

8

المجسّمة

إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد، والبرهان عن التفكير، ألحق أضراراً جسيمة بالمجتمع الإسلامي، حيث ظهرت فيه حركات هدّامة ترمي إلى تقويض الأُسس الدينية والأخلاقيّة.

ومن تلك الحركات المجسّمة؛ الّتي رفع لواءها مقاتل بن سليمان المجسم (1) (المتوفّى عام 150هـ)، ونشر أقاصيص الأحبار والرهبان في القرن الثالث، فهو وجهم بن صفوان، مع تشاطرهما في دفع الأُمّة الإسلامية إلى حافة الجاهلية،على طرفي نقيض في مسألة التنزيه والتشبيه.

____________________

(1) مقاتل بن سليمان بن بشر الأزدي بالولاء، البلخي، أبو الحسن، من المفسرين، أصله من بلخ، انتقل إلى البصرة ودخل بغداد وحدّث بها، وتوفّي بالبصرة، كان متروك الحديث، من كتبه (التفسير الكبير)، و(نوادر التفسير)، و(الرّد على القدريّة)، و(متشابه القرآن)، و(الناسخ والمنسوخ)، و(القراءات)، و(الوجوه والنظائر)، [الأعلام: 7/281].


أمّا صفوان، فقد بالغ في التنزيه حتّى عطّل وصف ذاته بالصفات.

وأمّا مقاتل، فقد أفرط في التشبيه فصار مجسّماً، وقد نقل المفسرون آراء مقاتل في كتب التفاسير.

فليعرف القارئ مكانه في الوثاقة وتنزيه الربّ عن صفات الخلق.

قال ابن حبّان: كان يأخذ من اليهود والنصارى - في علم القرآن - الّذي يوافق كتبهم، وكان يشبّه الربّ بالمخلوقات، وكان يكذب في الحديث.

وقال أبو حنيفة: أفرط جهم في نفي التشبيه، حتّى قال إنّه تعالى ليس بشيء، وأفرط مقاتل في الإثبات حتى جعله مثل خلقه. (1)

____________________

(1) لاحظ: ميزان الاعتدال، 4/173. وراجع تاريخ بغداد، 13/166.


الحركات الرجعية

3

9

الكرّاميّة

وهذه الفرقة منسوبة إلى محمد بن كرام السجستاني (المتوفّى عام 255هـ) شيخ الكرامية.

قال الذهبي: ساقط الحديث على بدعته، أكَثَر عن أحمد الجويباري، ومحمد بن تميم السعدي؛ وكانا كذّابين.

وقال ابن حبّان: خذل، حتّى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها... وجعل الإيمان قولاً بلا معرفة.

وقال ابن حزم: قال ابن كرام: الإيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه، فهو مؤمن. ومن بِدَع الكرّاميّة قولهم في المعبود تعالى إنّه جسم لا كالأجسام، وقد سقت أخبار ابن كرّام في تاريخي الكبير، وله أتباع ومؤيّدون، وقد سجن في نيسابور لأجل بدعته ثمانية أعوام، ثُمَّ أُخرج وسار


إلى بيت المقدس، ومات بالشام سنة 255هـ. (1)

إنّ للكرّامية نظريات في موضوعات أُخر، ذكرها البغدادي، وقد بلغت جُرأتهم في باب النبوّة حتّى قال بعضهم: إنّ النبي أخطأ في تبليغ قوله[ تعالى]: ( وَمَنَاةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرَى ) ، حتّى قال بعده: (تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتها لترتجى). (2)

مع أنّ قصة الغرانيق أُقصوصة ابتدعها قوم من أهل الضلالة، وقد أوضحنا حالها في كتابنا (سيد المرسلين (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم».

ونكتفي بهذا النزر في بيان عقائدهم، وكلّها وليد إقصاء العقل والمنطق عن ساحة العقائد، والاكتفاء بالروايات مع ما فيها من أباطيل وترّهات وضعها الأعداء واختلقتها الأهواء، فهي من أسوأ الحركات الرجعيّة الظاهرة في أواسط القرن الثالث.

____________________

(1) ميزان الاعتدال: 4/21.

(2) الفرق بين الفِرق: 222.


الحركات الرّجعيّة

4

10

الظاهرية

وهذا المذهب منسوب إلى داود بن علي الأصفهاني الظاهري (200 - 270هـ).

وقد أسّس مذهباً في الفروع، فالمصدر الأصلي في الفقه عنده هو النصوص، بلا رأي في حكم من أحكام الشرع، فهم يأخذون بالنصوص وحدها، فإذا لم يكن بالنص، أخذوا بالإباحة الأصليّة.

ما هو السبب لظهور هذا المذهب؟

إنّ إقصاء العقل عن ساحة العقائد يستلزم طرده عن ساحة الفقه بوجه أولى، لأنّ أساسه هو التعبُّد بالنصوص، وعدم الإفتاء بشيء لا يوجد له أصل في الكتاب والسنّة، لكن الجمود على حرفيّة النصوص شيء، والتعبّد بالنصوص وعدم الإفتاء في مورد لا يوجد فيه أصل ودلالة في المصدرين الرئيسيّين شيء آخر،


فالظاهرية على الأوّل، والفقهاء على الثاني، ولأجل إيضاح الحال نأتي بمثالين:

1 - إنّ الشكّل الأوّل من الأشكال الأربعة ضروري الإنتاج، من غير فرق بين الأُمور التكوينيّة أو الأحكام الشرعيّة؛ فكما أنّ الحكم بحدوث العالم نتيجة حتمية لقولنا: العالم متغيّر وكلّ متغيّر حادث، فهكذا الحكم بحرمة كلّ مسكر، نتيجة قطعيّة لقولنا: الفقاع مسكر، وكل مسكر حرام، فالفقاع حرام؛ لكنّ الظاهري يقبل المقدّمتين، ولكن لا يفتي بالنتيجة؛ بحجة أنّها غير مذكورة في النصوص.

2 - ما يسمّيه الفقهاء بلحن الخطاب، وإن كان شيئاً غير مذكور في نفس الخطاب، لكنّه من اللوازم البيّنة له، بحيث يتبادر إلى الذّهن من سماعه، فإذا خاطبنا سبحانه بقوله: ( فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍ ) (1) ، يتوجّه الذهن إلى حرمة ضربهما وشتمهما بطريق أولى، ولكن الفقيه الظاهري يأبى عن الأخذ به بحجّة كونه غير منصوص.

قال سبحانه: ( قُل لِلّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنّتُ الْأَوّلِينَ ) (2) .

فالموضوع للحكم (مغفرة ما سلف عند الانتهاء)؛ وإن كان هو الكافر، لكن الذهن السليم يتبادر إلى فهم شيء آخر، لازم لهذا الحكم بالضرورة، وهو تعميم الحكم إلى المسلم أيضاً بوجه آكد، ولكنّ الظاهري يتركه؛ بحجة أنّه غير مذكور في النص.

____________________

(1) الإسراء: 23.

(2) الأنفال: 38.


وهذا النوع من الجمود يجعل النصوص غير كافلة لاستخراج الفروع الكثيرة، وتصبح الشريعة ناقصة من حيث التشريع والتقنين، وغير صالحة لجميع الأجيال والعصور، وفاقدة للمرونة اللازمة الّتي عليها أساس خاتميّة نبوّة نبيّناً محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وكتابه وسنّته.

ثمَّ إنّ الاكتفاء بظاهر الشريعة؛ وأخذ الأحكام من ظواهر النصوص؛ له تفسيران: أحدهما صحيح جداً، والآخر باطل، فإن أُريد منه نفي الظنون؛ الّتي لم يدلّ على صحة الاحتجاج بها دليل، فهو نفس نص الكتاب العزيز، قال سبحانه: ( قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ) (1) ، فالشيعة الإماميّة، وبفضل النصوص الوافرة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) المتّصلة اسنادها إلى الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، استطاعت أن تستخرج أحكام الحوادث والموضوعات الكثيرة منها، وامتنعت عن العمل بالقياس والاستحسان وغيرهما من الأدلّة الظنية؛ الّتي لم يقم الدليل القطعي على صحّة الاحتجاج بها، بل قام الدليل على حرمة العمل على بعضها، كالقياس، وقد ورد في نصوص أئمتهم (عليهم السلام): «إنّ السنّة إذا قيست مُحق الدين» (2) .

وإن أُريد بها لوازم الخطاب؛ أي ما يكون في نظر العقلاء، كالمذكور أخذاً بقولهم: (الكناية أبلغ من التصريح)، ويكون التفكيك بينهما أمراً غير صحيح، فليس ذلك عملاً بغير المنصوص. نعم ليس عملاً بالظاهر الحرفي، ولكنّه عمل بها بما يفهمه المخاطبون بها.

____________________

(1) يونس: 59.

(2) الوسائل: 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10.


أُفول نجمه:

إنّ هذا المذهب لأجل حرفيته قد أفل نجمه بسرعة.

نعم قد تبعه فقيه آخر باسم ابن حزم (384 - 458هـ)، وأعاد هذا المذهب إلى الساحة، وألّف حوله كتباً ورسائل، وخدمه بالتآليف التالية:

1 - الإحكام في أُصول الأحكام: بيّن فيه أُصول المذهب الظاهري.

2 - النُّبَذ: وهو خلاصة ذلك الكتاب.

3 - المحلّى: وهو كتاب كبير نشر في عشرة أجزاء، جمع أحاديث الأحكام وفقه علماء الأمصار، طبع في بيروت بتحقيق أحمد محمد شاكر، وله آراء شاذة - كبطلان الاجتهاد في استخراج الأحكام الفقهية، وجواز مس المصحف للمجنب، وقاتل الإمام عليّ كان مجتهداً - ذكرناها في موسوعتنا. (1)

وقد ذكرنا هذا المذهب، مع أنّه فقهي؛ لأجل اشتراكه مع ما سبق في الرجعيّة، وإقصاء العقل عن ساحة الاجتهاد الفقهي.

____________________

(1) بحوث في الملل والنحل: 3/141 - 146.


11

المعتزلة

المعتزلة بين المدارس الكلاميّة المختلفة؛ مدرسة فكريّة عقليّة أعطت للعقل القسط الأوفر، ومن المؤسف أنّ هوى العصبية، بل يد الخيانة، لعبت بكثير من مخلّفاتهم الفكريّة، فأطاحت به فأضاعتها بالخرق والتمزيق، فلم يبق فيما بأيدينا من آثارهم إلاّ الشيء القليل، وأكثرها يرجع إلى كتب عبد الجبار المعتزلي (المتوفّى عام 415هـ)، ولأجل ذلك فقد اعتمد في تحرير هذا المذهب غير واحد من الباحثين على كتب خصومهم كالأشاعرة، ومن المعلوم أنّ الاعتماد على كتاب الخصم لا يُورث يقيناً.

وقد اهتمّ المستشرقون في العصور الأخيرة بدراسة مذهب الاعتزال، ولقد أُعجبوا بمنهج الاعتزال في حرّية الإنسان وأفعاله، وصار ذلك سبباً لرجوع المعتزلة إلى الساحة من قبل المفكّرين الإسلاميّين، ولذلك نُشرت في هذه الآونة الأخيرة كتباً حول المعتزلة.

ومؤسّس المذهب هو واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري، نقل الشهرستاني أنّه دخل شخص على الحسن البصري، فقال: يا إمام الدين!، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم تُخرج به


عن الملّة، وهم وعيديّة الخوارج، وجماعة يُرجئون أصحاب الكبائر، ويقولون لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأُمّة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟

فتفكّر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر، ثُمّ قام واعتزل إلى اسطوانة المسجد؛ يقرّر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه: معتزلة. (1)

سائر ألقاب المعتزلة:

إنّ للمعتزلة ألقاباً أُخر:

1 - العدليّة: لقولهم بعدل الله سبحانه وحكمته.

2 - الموحّدة: لقولهم لا قديم مع الله، وينفون قدم القرآن.

3 - أهل الحق: لأنّهم يعتبرون أنفسهم أهل الحق.

4 - القدريّة: يُعبَّر عن المعتزلة في الكتب الكلاميّة بالقدريّة، والمعتزلة يطلقونها على خصومهم، وذلك لما رُوي عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «أنّ القدريّة مجوس هذه الأُمّة». فلو قلنا بأنّ القدريّة منسوبة إلى القدر؛ عِدْل القضاء، فتنطبق على

____________________

(1) الملل والنحل: 1/62.


خُصَماء المعتزلة؛ القائلين بالقدر السالب للاختيار. ولو قلنا بأنّها منسوبة إلى القدرة؛ أي القائلين بتأثير قدرة الإنسان في فعله واختياره وتمكّنه في إيجاده، فتنطبق - على زعم الخُصَماء - على المعتزلة؛ لقولهم بتأثير قدرة الإنسان في فعله. وقد طال الكلام بين المتكلّمين في تفسير الحديث وذِكْر كلِّ طائفة وجهاً لانطباقه على خصمها. (1)

5 - الثنويّة: ولعلّ وجهه ما يتراءى من بعضهم من نسبة الخير إلى الله والشر إلى العبد.

6 - الوعيدية: لقولهم إنّ الله صادق في وعده، كما هو صادق في وعيده، وإنّه لا يغفر الذنوب إلاّ بعد التوبة، فلو مات بدونها يكون معذّباً قطعاً ويخلَّد في النار.

7 - المعطّلة: لتعطيل ذاته سبحانه عن الصفات الذاتية، ولكن هذا اللقب أُلصق بالجهميّة، وأمّا المعتزلة فلهم في الصفات مذهبان:

أ - القول بالنيابة، أي خلو الذات عن الصفات، ولكن تنوب الذّات مكان الصفات في الآثار المطلوبة منها، وقد اشتهر قولهم: (خُذ الغايات واترك المبادئ)، وهذا مخالف لكتاب الله والسنّة والعقل. فإنّ النقل يدلّ بوضوح على اتّصافه سبحانه بالصفات الكماليّة، وأمّا العقل، فحدِّث عنه ولا حرج؛ لأنّ الكمال يساوق الوجود، وكلّما كان الوجود أعلى وأشرف، تكون الكمالات فيه آكد.

____________________

(1) كشف المراد: 195، شرح المقاصد للتفتازاني: 2/143.


ب - عينيّة الصفات مع الذّات واشتمالها على حقائقها، من دون أن يكون ذات وصفة، بل الذّات بلغت في الكمال إلى درجة صار نفس العلم قدرة.

8 - الجهميّة، وهذا اللّقب منحه أحمد بن حنبل لهم، فكل ما يقول: قالت الجهميّة، أو يصف القائل بأنّه جهميّ؛ يُريد به المعتزلة، لِمَا وجد من موافقتهم الجهميّة في بعض المسائل.

9 - المفنية.

10 - اللّفظيّة.

وهذان اللّقبان ذكرهما المقريزي وقال: إنّهم يوصفون بالمفنية، لما نسب إلى أبي الهذيل من فناء حركات أهل الجنة والنار؛ واللفظية لقولهم: ألفاظ القرآن مخلوقة. (1)

الأُصول الخمسة عند المعتزلة:

اشتهرت المعتزلة بأُصول خمسة، فمن دان بها فهو معتزلي، ومن نقص منها أو زاد عليها فليس منهم، وتلك الأُصول المرتبة حسب أهميتها عبارة عن: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فمن دان بها، ثُمَّ خالف بقية المعتزلة في تفاصيلها، لم يخرج بذلك عنهم.

وإليك تفصيل هذه الأُصول بنحو موجز:

____________________

(1) الخطط المقريزيّة: 4/169.


إيعاز إلى الأُصول الخمسة

وقبل كلّ شيء نطرح هذه الأُصول على وجه الإجمال، حتّى يُعلم ماذا يريد منها المعتزلة، ثُمَّ نأخذ بشرحها واحداً بعد احد؛ فنقول:

1 - التوحيد: ويراد منه العلم بأنّ الله واحد، لا يشاركه غيره فيما يستحقُّ من الصفات نفياً وإثباتاً على الحدّ الّذي يستحقّه. والتوحيد عندهم رمز لتنزيهه سبحانه عن شوائب الإمكان ووهم المثليّة وغيرهما ممّا يجب تنزيه ساحته عنه، كالتجسيم والتشبيه وإمكان الرؤية وطروء الحوادث عليه. غير أنّ المهمّ في هذا الأصل؛ هو الوقوف على كيفيّة جريان صفاته عليه سبحانه، ونفي الرؤية، وغيرهما يقع في الدّرجة الثانية من الأهمية في هذا الأصل؛ لأنّ كثيراً منها لم يختلف المسلمون فيه، إلاّ القليل منهم.

2 - العدل: إذا قيل إنّه تعالى عادل، فالمراد أنّ أفعاله كلّها حسنة، وأنّه لا يفعل القبيح، وأنّه لا يَخِلّ بما هو واجب عليه. وعلى ضوء هذا: لا يكذب في خبره، ولا يجور في حكمه، ولا يعذِّب أطفال المشركين بذنوب آبائهم، ولا يُظهر المعجزة على أيدي الكذّابين، ولا يكلِّف العباد وما لا يطيقون، وما لا يعلمون، بل يُقْدِرهم على ما كلّفهم، ويعلِّمهم صفة ما كلّفهم، ويدلّهم على ذلك، ويبيّن لهم ( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ وَيَحْيَى‏ مَنْ حَيّ عَنْ بَيّنَةٍ ) (1) ، وأنّه إذا كلّف المكلّف وأتى بما كلّف على الوجه الّذي كُلِّف، فإنّه يثيبه لا محالة، وأنّه سبحانه إذا آلم وأسقم، فإنّما فعله لصلاحه ومنافعه، وإلاّ كان مخلاًّ بواجب...

3 - الوعد والوعيد: والمراد منه أنّ الله وعد المطيعين بالثواب، وتوعّد

____________________

(1) الأنفال: 42.


العصاة بالعقاب، وأنّه يفعل ما وعد به وتوعّد عليه لا محالة. ولا يجوز الخُلف، لأنّه يستلزم الكذب. فإذا أخبر عن الفعل، ثُمَّ تركه، يكون كذباً. ولو أخبر عن العزم، فبما أنّه محال عليه، كان معناه الإخبار عن نفس الفعل، فيكون الخُلف كذباً. وعلى ضوء هذا الأصل، حكموا بتخليد مرتكب الكبائر في النار؛ إذا مات بلا توبة.

4 - المنزلة بين المنزلتين: وتلقّب بمسألة الأسماء والأحكام؛ وهي أنّ صاحب الكبيرة ليس بكافر كما عليه الخوارج، ولا منافق كما عليه الحسن البصري، ولا مؤمن كما عليه بعضهم، بل فاسق لا يحكم عليه بالكفر ولا بالإيمان.

5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: والمعروف: كلّ فعل عرف فاعله حسنه أو دلّ عليه، والمنكر: كلّ فعل عرف فاعله قبحه أو دلّ عليه. ولا خلاف بين المسلمين في وجوبهما؛ إنّما الخلاف في أنّه هل يُعلم عقلاً أو لا يُعلم إلاّ سمعاً؟، ذهب أبو عليّ (المتوفّى 303هـ) إلى أنّه يُعلم عقلاً وسمعاً، وأبو هاشم (المتوفّى 321هـ) إلى أنّه يُعلم سمعاً، ولوجوبه شروط تُذكر في محلّها، ومنها أن لا يؤدّي إلى مضرّة في ماله أو نفسه، إلاّ أن يكون في تحمّله لتلك المذلّة إعزاز للدّين.

قال القاضي: وعلى هذا يحمل ما كان من الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)؛ لِمَا كان في صبره على ما صبر، إعزاز لدين الله عزّ وجلّ، ولهذا نباهي به سائر الأُمم، فنقول: لم يبق من ولْد الرّسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلاّ سبط واحد، فلم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتّى قتل دون ذلك. (1)

____________________

(1) الأُصول الخمسة: 142، نقلاً عن، بحوث في الملل والنحل: 3/254 - 255.


سبب الاقتصار على هذه الأُصول الخمسة:

هناك سؤال يطرح نفسه، وهو:

لماذا اقتصروا على هذه الأُصول، مع أنّ أمر النبوّة والمعاد أولى بأن يُعدَّ من الأُصول؟

وقد ذكروا في وجه ذلك أُموراً لا يُعتمد عليها، والحق أن يقال: إنّ الأُصول الخمسة الّتي يتبنّاها المعتزلة، مؤلّفة من أُمور تعدُّ من أُصول الدين كالتوحيد والعدل على وجه، ومن أُصول كلاميّة أنتجوها من البحث والنقاش، وأقحموها في الأُصول لغاية ردِّ الفرق المخالفة؛ الّتي لا توافقهم في هذه المسائل الكلامية.

وعند ذلك يستنتج القارئ أنّ ما اتّخذته المعتزلة من الأُصول، وجعلته في صدر آرائها، ليست إلاّ آراء كلاميّة لهذه الفرقة، تظاهروا بها للردّ على المجبّرة والمشبّهة والمرجئة والإماميّة وغيرهم من الفرق، على نحو لو لا تلكم الفِرَق لما سمعت من هذه الأُصول ذكراً.

أئمة المعتزلة:

المراد بأئمتهم؛ مشايخهم الكبار؛ الّذين نضج المذهب بأفكارهم وآرائهم، ووصل إلى القمة في الكمال.

نعم، في مقابل أئمة المذهب، أعلامهم الّذين كان لهم دور في تبيين هذا المنهج من دون أن يتركوا أثراً يستحق الذكر في الأُصول الخمسة، وها نحن نذكر من الطائفيتن نماذج:


1. واصل بن عطاء (80 - 131هـ):

أبو حذيفة واصل بن عطاء، مؤسّس الاعتزال، المعروف بالغزّال، يقول ابن خلّكان: كان واصل أحد الأعاجيب، وذلك أنّه كان ألثغ، قبيح اللثغة في الرّاء، فكان يُخلِّص كلامه من الرّاء ولا يُفطن لذلك، لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه، ففي ذلك يقول أبو الطروق؛ يمدحه بإطالة الخطب واجتنابه الراء على كثرة تردّدها في الكلام، حتّى كأنّها ليست فيه.

عـليم بـإبدال الحروف وقامع

لـكلّ خطيب يغلب الحقَّ باطلُه

وقال الآخر:

ويـجعل البرّ قمحاً في تصرّفه

وخالف الرّاء حتّى احتال للشعر

ولـم يطق مطراً والقول يعجله

فـعاذ بالغيث اشفاقاً من المطر

من آرائه ومصنّفاته:

إنّ واصل هو أوّل من أظهر المنزلة بين المنزلتين؛ لأنّ الناس كانوا في أسماء أهل الكبائر من أهل الصلاة على أقوال: كانت الخوارج تسمّيهم بالكفر والشرك، والمرجئة تسمّيهم بالإيمان، وكان الحسن وأصحابه يسمّونهم بالنفاق.

مؤلّفاته:

ذكر ابن النديم في (الفهرست)، وتبعه ابن خلّكان: إنّ لواصل التصانيف التالية:


1 - كتاب أصناف المرجئة.

2 - كتاب التوبة.

3 - كتاب المنزلة المنزلتين.

4 - كتاب خطبه الّتي أخرج منها الرّاء.

5 - كتاب معاني القرآن.

6 - كتاب الخُطب في التوحيد والعدل.

ومن المحتمل أنّه قام بجمع خطب الإمام عليّ (عليه السّلام) في التوحيد والعدل فأفرده تأليفاً.

7 - كتاب ما جرى بينه وبين عمرو بن عبيد.

8 - كتاب السبيل إلى معرفة الحق.

9 - كتاب في الدعوة.

10 - كتاب طبقات أهل العلم والجهل. (1)

2. عمرو بن عبيد (80 - 143هـ):

وهو الإمام الثاني للمعتزلة بعد واصل بن عطاء، وكان من أعضاء حلقة الحسن البصري، مثل واصل، لكن التحق به بعد مناظرة جرت بينهما في مرتكب الكبيرة.

روى ابن المرتضى، عن الجاحظ، أنّه قال: صلَّى عمرو أربعين عاماً صلاة

____________________

(1) فهرست ابن النديم: 203، الفن الأوّل من المقالة الخامسة.


الفجر بوضوء المغرب. وحجّ أربعين حجّة ماشياً، وبعيره موقوف على من أحصر، وكان يحيي اللّيل بركعة واحدة، ويرجّع آية واحدة.

وقد روى نظيره في حق الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقد قلنا: إنّه من المغالاة في الفضائل، إذ قلّما يتّفق لإنسان ألاّ يكون مريضاً ولا مسافراً ولا معذوراً طيلة أربعين سنة، حتّى يصلّي فيها صلاة الصبح بوضوء العتمة.

مناظرة هشام مع عمرو بن عبيد:

روى السيّد المرتضى في أماليه، وقال: إنّ هشام بن الحكم قدم البصرة، فأتى حلقة عمرو بن عبيد، فجلس فيها وعمرو لا يعرفه، فقال لعمرو: أليس قد جعل الله لك عينين؟، قال: بلى، قال: ولِمَ؟، قال: لأنظر بهما في ملكوت السماوات والأرض فأعتبر، قال: وجعل لك فماً؟، قال: نعم، قال: ولِمَ؟، قال: لأذوق الطعوم وأُجيب الداعي، ثُمَّ عدّد عليه الحواس كلّها.

ثُمَّ قال: وجعل لك قلباً؟، قال: نعم، قال: ولِمَ؟

قال: لتؤدّي إليه الحواس ما أدركته، فيميّز بينها.

قال: فأنت لم يرض لك ربُّك تعالى إذ خلق لك خمس حواس حتّى جعل لها إماماً ترجع إليه، أترضى لهذا الخلق الّذين جشأ بهم العالم ألاّ يجعل لهم إماماً يرجعون إليه؟، فقال له عمرو: ارتفع حتّى ننظر في مسألتك، وعَرِفه. ثُمَّ دار هشام في حلق البصرة، فما أمسى حتّى اختلفوا. (1)

____________________

(1) أمالي المرتضى: 1/176 - 177.


أقول: ما أجاب به عمرو بن عبيد هشام بن الحكم، يدلّ على دماثة في الخُلق وسماحة في المناظرة، مع أنّه طعن في السنّ، وهشام بن الحكم كان يُعدّ في ذلك اليوم من الأحداث، وقد استمهل حتّى يتأمّل في مسألته، ولم يرفع عليه صوته وعقيرته بالشتم والسَّب، كما هو عادة أكثر المتعصِّبين، ولم يرمه بالخروج عن المذهب.

وأخيراً روى السيّد المرتضى أنّ أبا جعفر المنصور مرَّ على قبر عمرو بن عبيد بمرّان - وهو موضع على ليال من مكّة على طريق البصرة ـ، فأنشأ يقول:

صـلى الإله عليك من متوسّد

قـبراً مـررت به على مرّان

قـبراً تضمّن مؤمناً متخشعاً

عَـبَدَ الإلـه ودان بـالفرقان

وإذا الرجال تنازعوا في شبهة

فـصل الخطاب بحكمة وبيان

فلو أنّ هذا الدهر أبقى صالحاً

أبـقى لنا عُمْراً أبا عثمان (1)

وفود عمرو على الإمام الباقر (عليه السّلام)

رُوي أنّ عمرو بن عبيد وفد على محمّد بن عليّ الباقر (عليه السّلام)؛ لامتحانه بالسؤال عن بعض الآيات، فقال له: جعلت فداك، ما معنى قوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) (2) ، ما هذا الرتق والفتق؟

فقال أبو جعفر (عليه السّلام): «كانت السماء رتقاً لا يُنْزل القطر، وكانت الأرض رتقاً

____________________

(1) أمالي المرتضى: 1/178؛ وفيّات الأعيان: 2/462.

(2) الأنبياء: 30.


لا تُخْرج النبات، ففتق الله السماء بالقطر، وفتق الأرض بالنبات».

فانطلق عمرو ولم يجد اعتراضاً، ومضى.

3. أبو الهذيل العلاّف (135 - 235هـ):

إنّ أبا الهذيل محمد بن الهذيل العبدي، المنسوب إلى عبد القيس، الملقَّب بالعلاّف؛ لنزوله العلاّفين في البصرة، أحد أئمة المعتزلة، وقد وصفه ابن النديم؛ وقال: كان شيخ البصريِّين في الاعتزال، ومن أكبر علمائهم، وهو صاحب المقالات في مذهبهم، وصاحب مجالس ومناظرات.

نقل ابن المرتضى، عن صاحب المصابيح، أنّه كان نسيج وحده وعالم دهره، ولم يتقدّمه أحد من الموافقين ولا من المخالفين. كان إبراهيم النظّام من أصحابه، ثُمَّ انقطع عنه مُدَّة، ونظر في شيء من كتب الفلاسفة، فلمّا ورد البصرة كان يرى أنّه قد أورد من لطيف الكلام ما لم يسبق إلى أبي الهذيل. قال إبراهيم: فناظرت أبا الهذيل في ذلك، فخيّل إليَّ أنّه لم يكن متشاغلاً إلاّ به؛ لتصرّفه فيه، وحذقه في المناظرة فيه. (1)

قال القاضي: ومناظراته مع المجوس والثنوية وغيرهم طويلة ممدودة، وكان يقطع الخصم بأقلّ كلام، يقال أنّه أسلم على يده زيادة على 3000 رجل.

قال المبرّد: ما رأيت أفصح من أبي الهذيل والجاحظ، وكان أبو الهذيل أحسن مناظرة. شهدتُه في مجلس، وقد استشهد في جملة كلامه بثلاثمائة بيت...، وفي مجلس المأمون استشهد في عرض كلامه بسبعمائة بيت. (2)

____________________

(1) فهرست ابن النديم: 225 - 226.

(2) المنية والأمل: 26 - 27.


تآليفه:

حكى ابن المرتضى، عن يحيى بن بشر، أنّ لأبي الهذيل ستين كتاباً في الرّدِّ على المخالفين في دقيق الكلام. (1)

وذكر ابن النديم في باب الكتب المؤلّفة في متشابه القرآن، أنّ لأبي الهذيل العلاّف كتاباً في ذلك الفن. (2)

وقال ابن خلّكان: ولأبي الهذيل كتاب يعرف بالميلاس، وكان ميلاس رجلاً مجوسيَّاً وأسلم، وكان سبب إسلامه؛ أنّه جمع بين أبي الهذيل وبين جماعة من الثنوية، فقطعهم أبو الهذيل، فأسلم ميلاس عند ذلك. (3)

وذكر البغدادي كتابين لأبي الهذيل؛ هما: (الحجج)، و(القوالب)، والثاني ردٌّ على الدّهريّة. (4)

4. النظّام (160 - 231هـ):

إبراهيم بن سيّار بن هانئ النظّام، هو الشّخصيّة الثالثة للمعتزلة، ومن متخرّجي مدرسة البصرة للاعتزال.

قال الشريف المرتضى: كان مقدّماً في علم الكلام، حسن الخاطر، شديد

____________________

(1) المنية والأمل: 25.

(2) الفهرست، ابن النديم: 39، الفن الثالث من المقالة الأُولى.

(3) وفيّات الأعيان: 4/266.

(4) الفَرق بين الفِرق: 124.


التدقيق والغوص على المعاني، وإنّما أدّاه إلى المذاهب الباطلة الّتي تفرّد بها واستشنعت منه، تدقيقه وتغلغله، وقيل: إنّه مولى الزياديين من ولْد العبيد، وأنّ الرّق جرى على أحد آبائه. (1)

وذكره القاضي عبد الجبار في طبقات المعتزلة، وقال: إنّه من أصحاب أبي الهذيل، وخالفه في أشياء. (2)

رُوي أنّه كان لا يكتب ولا يقرأ، وقد حفظ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وتفسيرها، مع كثرة حفظه الأشعار والأخبار واختلاف النّاس في الفُتْيا. (3)

وقال الجاحظ: الأوائل يقولون: في كلِّ ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحاً، فهو أبو إسحاق النظّام. (4)

وقد تعرّض لهجوم الأشاعرة، وردود بعض المعتزلة، ممّا يُعرب عن شذوذ في منهجه، وانحراف في فكره.

النظّام ومذهب الصِرْفَة في إعجاز القرآن:

من الآراء الباطلة الّتي نسبت إلى النظّام، هو حصر إعجاز القرآن في الإخبار عن المغيّبات، وأمّا التأليف والنظم، فقد كان يجوّز أن يقدر عليه العباد، لولا أنّ الله منعهم بمنع. وقد نقل عنه البغدادي في (الفَرق)؛ بقوله: إنّه أنكر إعجاز القرآن في نظمه. (5)

____________________

(1) أمالي المرتضى: 1/187.

(2) فضِّ الاعتزال وطبقات المعتزلة: 264.

(3) المنية والأمل: 29.

(4) المنية والأمل: 29.

(5) الفَرق بين الفِرق: 132.


وقال الشهرستاني: قوله في إعجاز القرآن: إنّه من حيث الإخبار عن الأُمور الماضية والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبراً وتعجيزاً، حتّى لو خلاّهم، لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله؛ بلاغة وفصاحة ونظماً. (1)

أقول: لا شكَّ أنّ مذهب الصِرْفة في إعجاز القرآن مذهب مردود بنص القرآن وإجماع الأُمّة، لأنّ مذهب الصِرفة يرجع إلى أنّ القرآن لم يبلغ في مجال الفصاحة والبلاغة حدّ الإعجاز؛ حتّى لا يتمكّن الإنسان العادي من مباراته ومقابلته، بل هو في هذه الجهة لا يختلف عن كلام الفصحاء والبلغاء، ولكنّه سبحانه يحول بينهم وبين الإتيان بمثله، إمّا بصرف دواعيهم عن المعارضة، أو بسلب قدرتهم عند المقابلة.

ومن المعلوم أنّ تفسير اعجاز القرآن بمثل هذا، باطل للغاية، لأنّ القرآن عند المسلمين مُعْجِز بكونه خارقاً للعادة؛ لِمَا فيه من ضروب الإعجاز في الجوانب الأربعة:

1 - الفصاحة القصوى.

2 - البلاغة العليا.

3 - النظم المهذَّب.

4 - الأسلوب البديع.

فقد تجاوز عن حدّ الكلام البشري، ووصل إلى حدّ لا تَكْفي في الإتيان بمثله القدرة البشرية.

____________________

(1) الملل والنحل: 1/56 - 57.


مؤلّفاته:

مع أنّه كَثُر اللَّغط حول آراء النظّام، إلاّ أنّ طبيعة الحال تقتضي، أن يكون له تصانيف عديدة، غير أنّه لم يصل من أسماء مؤلّفاته إلاّ نزراً يسيراً:

1 - التوحيد.

2 - العالم (1) .

3 - الجزء (2) .

4 - كتاب الرّدُّ على الثنوية. (3)

5. أبو علي الجبائي (235 - 303هـ):

إنّ أبا علي محمد بن عبد الوهاب الجبّائي أحد أئمة المعتزلة في عصره، وهو من بلدة جبّاء بلد أو كورة من خوزستان، يعرّفه ابن النديم في فهرسته، يقول: وهو من معتزلة البصرة، ذلّل الكلام وسهّله، ويسّر ما صعب منه، وإليه انتهت رئاسة البصريّين، لا يدافع في ذلك. وأخذ عن أبي يعقوب الشّحّام. وَرَد البصرة وتكلّم مع من بها من المتكلّمين، وصار إلى بغداد، فحضر مجلس أبي... الضرير، وتكلّم، فتبين فضله وعلمه، وعاد إلى العسكر. (4)

وقال ابن خلّكان: إنّه أحد أئمة المعتزلة، كان إماماً في علم الكلام، وأخذ

____________________

(1) ذكرهما أبو الحسين الخيَّاط في الانتصار: 14 و172.

(2) مقالات الإسلاميّين: 2/316.

(3) الفَرق بين الفِرق: 134.

(4) فهرست ابن النديم: 217 - 218.


هذا العلم عن أبي يوسف يعقوب بن عبد الله الشحّام البصري؛ رئيس المعتزلة بالبصرة في عصره. له في مذهب الاعتزال مقالات مشهورة، وعنه أخذ الشيخ أبو الحسن الأشعري علم الكلام، وله معه مناظرة روتها العلماء.

تأليفاته:

يظهر ممّا نقله ابن المرتضى أنّه غزير الإنتاج، قال: قال أبو الحسين: وكان أصحابنا يقولون: إنّهم حرَّروا ما أملاه أبو عليّ، فوجدوه مائة ألف وخمسين ألف ورقة، قال: وما رأيته ينظر في كتاب، إلاّ يوماً نظر في زيج الخوارزمي. ورأيته يوماً أخذ بيده جزءاً من الجامع الكبير، لمحمد بن الحسن، وكان يقول: إنّ الكلام أسهل شيءٍ؛ لأنّ العقل يدلّ عليه. (1)

لمحة من أحواله:

روى ابن المرتضى وقال: قال أبو الحسن: وكان من أحسن الناس وجهاً وتواضعاً - إلى أن قال: وكان إذا روى عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال لعلي والحسن والحسين وفاطمة: «أنا حرب لمن حاربكم، وسلم لمن سالمكم» ، يقول: العجب من هؤلاء النوابت (2) ، يروون هذا الحديث، ثُمَّ يقولون بمعاوية. (3)

وروى عن عليّ (عليه السّلام)، أنّ رجلين أتياه، فقالا: ائذن لنا أن نصير إلى معاوية،

____________________

(1) المنية والأمل: 47.

(2) النوابت تُطلق على الحشويّة ومن لفّ لفّهم.

(3) المنية والأمل: 47.


فنستحلّه من دماء من قتلنا من أصحابه، فقال عليّ (عليه السّلام): «أمَا إنّ الله قد أحبط عملكما بندمكما على ما فعلتما». (1)

قال أبو الحسن: والرافضة لجهلهم بأبي عليّ ومذهبه يرمونه بالنصب، وكيف وقد نقض كتاب عبّاد في تفضيل أبي بكر، ولم ينقض كتاب الإسكافي المسمّى (المعيار والموازنة) في تفضيل علي على أبي بكر. (2)

6. أبو هاشم الجبّائي (277 - 321هـ):

عبد السّلام بن محمد بن عبد الوهاب بن أبي علي الجبّائي، قال الخطيب: شيخ المعتزلة، ومصنّف الكتب على مذاهبهم. سكن بغداد إلى حين وفاته. (3)

وقال ابن خلّكان: المتكلّم المشهور، العالم بن العالم، كان هو وأبوه من كبار المعتزلة، ولهما مقالات على مذهب الاعتزال، وكتب الكلام مشحونة بمذاهبهما واعتقادهما، وكان له ولَد يسمّى أبا عليّ، وكان عاميّاً لا يعرف شيئاً. فدخل يوماً على الصاحب بن عبّاد، فظنّه عالماً، فأكرمه ورفع مرتبته، ثُمَّ سأله عن مسألة، فقال: لا أعرف نصف العلم، فقال له الصاحب: صدقت يا ولدي، إلاّ أنّ أباك تقدّم بالنصف الآخر. (4)

وقال القاضي، نقلاً عن أبي الحسن بن فرزويه، أنه بلغ من العلم ما لم يبلغه رؤساء علم الكلام. وذكر أنه كان من حرصه يسأله أبا عليّ (والده) حتّى يتأذى

____________________

(1) المصدر السابق: 47.

(2) المصدر نفسه.

(3) تاريخ بغداد: 11/55.

(4) وفيّات الأعيان: 3/183.


منه، فسمعت أبا عليّ في بعض الأوقات يسير معه لحاجة، وهو يقول: لا تؤذنا، ويزيد فوق هذا الكلام. (1)

كان أبو هاشم أحسن الناس أخلاقاً، وأطلقهم وجهاً. واستنكر بعض الناس خلافه مع أبيه في المسائل الكلاميّة، وليس خلاف التابع للمتبوع في دقيق الفروع بمستنكر، فقد خالف أصحاب أبي حنيفة إيّاه، وقال أبو الحسن بن فرزويه في ذلك شعراً، وهو قوله:

يـقولون بـين أبـي هـاشم

وبـين أبـيه خـلاف كـبير

فـقلت: وهـل ذاك من ضائر

وهـل كـان ذلك ممّا يضير

فـخلّوا عن الشيخ لا تعرضوا

لـبحر تـضايق عنه البحور

فإنّ أبــا هـاشم تـلوه

إلـى حـيث دار أبـوه يدور

ولـكن جرى في لطيف كلام

كـلام خـفي وعـلم غـزير

فـايّـاك ايّـاك مـن مـظلم

ولا تعد عن واضح مستنير (2)

تأليفاته:

ذكر ابن النديم فهرس كتب أبي هاشم، وقال: وله من الكتب:

1 - الجامع الكبير. 2 - كتاب الأبواب الكبير. 3 - كتاب الأبواب الصغير. 4 - الجامع الصغير. 5 - كتاب الإنسان. 6 - كتاب العوض. 7 - كتاب المسائل

____________________

(1) طبقات المعتزلة، القاضي، 304.

(2) طبقات المعتزلة، القاضي، 305.


العسكريات. 8 - النقض على أرسطوطاليس في الكون والفساد. 9 - كتاب الطبايع والنقض على القائلين بها. 10 - كتاب الاجتهاد. (1)

انتشار مذهبه:

يظهر من الخطيب البغدادي أنّ مذهبه كان منتشراً في أوائل القرن الخامس في بغداد، وقد سمّى أتباعه بالبهشميّة، وقال: هؤلاء أتباع أبي هاشم الجبائي، وأكثر معتزلة عصرنا على مذهبه؛ لدعوة ابن عباد وزير آل بويه إليه. (2)

7. قاضي القضاة عبد الجبار (324 - 415هـ):

هو عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني الأسدآبادي، الملقّب بقاضي القضاة، ولا يُطلق هذا اللّقب على غيره.

قال الخطيب: كان ينتحل مذهب الشافعي في الفروع، ومذاهب المعتزلة في الأُصول، وله في ذلك مصنّفات، وولِّي قضاء القضاة بالرَّي، وورد بغداد حاجّاً وحدّث بها. (3)

ّ

قرأ على أبي إسحاق ابن عياش أوّلاً، ثُمَّ على الشيخ أبي عبد الله البصري، وكلاهما من الطبقة العاشرة من طبقات المعتزلة، وقد أطراه كلّ من ترجم له.

____________________

(1) فهرست، ابن النديم، الفن الأوّل من المقالة الخامسة، 222.

(2) تاريخ بغداد: 11/113.

(3) تاريخ بغداد: 11/113.


وفي مقدّمة كتاب (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة) ترجمة وافية له، ومن أشهر تآليفه: كتاب (المُغني)؛ الّذي يقع في عشرين جزءاً ممّا أملاه على تلاميذه، ولمّا فرغ من كتاب (المُغني)، بعث به إلى الصاحب بن عباد، فقرّره الصاحب بما هو مذكور في كتاب شرح العيون للحاكم الجشمي. (1)

قال الحاكم: إنّ له أربعمائة ألف ورقة ممّا صنّف في كلّ فن، وكان موفَّقاً في التصنيف والتدريس، وكتبه تتنوّع أنواعاً، فله كتب في الكلام لم يسبق إلى تصنيف مثلها في ذلك الباب، ثُمَّ سرد أسماء كتبه البالغة إلى 43، أشهرها (المُغني) كما سبق، و(الأُصول الخمسة)، والأخير أحسن ما أُلف في عقائد المعتزلة.

وأمّا المطبوع من كتبه وراء (المُغني)، ووراء (الأُصول الخمسة)، فكتابه (تنزيه القرآن عن المطاعن)، فقد أجاب فيه عن كثير من الأسئلة الّتي تدور حول الآيات.

وكتابه الآخر (متشابه القرآن)، وقد طُبع في القاهرة، في جزءين.

وكتاب (المحيط في التكليف)، حقّقه السيّد عزمي، وطُبع بمصر.

إلى هنا تمَّ ما نُريد من ذكر أئمة المعتزلة، وهناك من يُعَدّ من أعلامهم، وهم شاركوا الأئمة في نضج المذهب ونشره، ولكنّهم دونهم في العلم والمنزلة، منهم:

1 - أبو سهل بشر بن المعتمر (المتوفّى عام 210هـ)، مؤسّس مدرسة اعتزال بغداد، وذكره الشريف المرتضى في أماليه. (2)

____________________

(1) لاحظ شرح العيون: 369 - 371.

(2) أمالي المرتضى: 186 - 187.


2 - معمّر بن عبّاد السلمي (المتوفّى عام 215هـ)، خرّيج مدرسة اعتزال البصرة.

3 - شمامة بن الأشرس النميري (المتوفّى عام 213هـ)، خرّيج مدرسة اعتزال بغداد.

وصفه ابن النديم، بقوله: نبيه، من أجلّة المتكلّمين المعتزلة. (1)

4 - أبو بكر بن عبد الرحمن بن كيسان الأصم (المتوفّى 225هـ)، خرّيج مدرسة اعتزال البصرة.

5 - أبو موسى عيسى بن صبيح المزدار (المتوفّى 226هـ).

6 - أبو جعفر محمد بن عبد الله الإسكافي (المتوفّى 240.

يعرّفه الخطيب، بقوله: محمد بن عبد الله، أبو جعفر المعروف بالإسكافي، أحد المتكلّمين من معتزلة بغداد، له تصانيف معروفة. (2)

وقد أكثر ابن أبي الحديد النقل عنه في شرح النّهج، قال: كان شيخنا أبو جعفر الإسكافي (رضي الله عنه) من المتحقّقين بموالاة عليّ (عليه السّلام)، والمبالغين في تفضيله؛ وإن كان القول بالتفضيل عاماً شائعاً في البغداديّين من أصحابنا كافّة، إلاّ أنّ أبا جعفر أشدّهم في ذلك قولاً، وأخلصهم فيه اعتقاداً. (3)

7 - أحمد بن أبي دؤاد (المتوفّى عام 240هـ)، عرّفه ابن النديم بقوله: من

____________________

(1) فهرست، ابن النديم، الفن الأوّل من المقالة الخامسة، 207 .

(2) تاريخ بغداد، 5/416.

(3) شرح ابن أبي الحديد، 4/63.


أفاضل المعتزلة، وممّن جرّد في إظهار المذهب والذب عن أهله والعناية به. (1) ولكن الأشاعرة وأهل الحديث يبغضونه كثيراً، لأنّه هو الّذي حاكم الإمام أحمد في قوله بقدم القرآن أو كونه غير مخلوق، فأفحمه.

8 - أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفّى عام 255هـ).

هو الّذي جمع إلى علم الكلام والفصاحة، العلم بالأخبار والأشعار والفقه، وله كتب، أحسنها: كتاب (الحيوان) في أربعة أجزاء، و(البيان والتبيين) في جزءين، و(البخلاء)، و(مجموعة الرسائل)، وأردأ كتبه كتاب (العثمانيّة).

وقال المسعودي في (مروج الذهب)، عند ذكر الدولة العباسية: وقد صنّف الجاحظ كتاباً استقصى فيه الحِجاج عند نفسه، وأيّده بالبراهين، وعضَّده بالأدلّة فيما تصوّره من عقله، وترجمه بكتاب (العثمانية)، يُحلّ فيه عند نفسه فضائل عليّ (عليه السّلام) ومناقبه، ويحتج فيه لغيره؛ طلباً لإماتة الحق ومضادة لأهله، والله متم نوره ولو كره الكافرون.

ثُمَّ لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب (العثمانية) حتّى أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروانيّة وأقوال شيعتهم، ورأيته مترجماً بكتاب إمامة أمير المؤمنين معاوية في الانتصار له من عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه) وشيعته الرافضة، يذكر فيه رجال المروانية ويؤيد فيه إمامة بني أُميّة وغيرهم.

ثم صنّف كتاباً آخر ترجمه بكتاب (مسائل العثمانية)، يذكر فيه ما فاته ذكرُه ونقضُه عند نفسه من فضائل أمير المؤمنين (عليه السّلام) ومناقبه فيما ذكرنا. وقد نقَضْتُ عليه ما ذكرنا من كتبه لكتاب العثمانية وغيره.

____________________

(1) فهرست ابن النديم: 212.


وقد نقضها جماعة من متكلّمي الشيعة، كأبي عيسى الورّاق، والحسن بن موسى النخعي، وغيرهما من الشيعة، ممّن ذكر ذلك في كتبه في الإمامة، مجتمعة ومتفرقة. (1)

9 - أبو الحسين عبد الرحيم بن محمد المعروف بالخيّاط (المتوفّى 311هـ)، خرّيج مدرسة بغداد.

ترجمه القاضي في فضل الاعتزال، وقال: كان عالماً فاضلاً من أصحاب جعفر، وله كتب كثيرة في النقوض على ابن الراوندي وغيره، وهو أُستاذ أبي القاسم البلخي، ومن أشهر كتبه (الانتصار)، فيه رد على كتاب (فضيحة المعتزلة) لابن الراوندي، وطُبع بالقاهرة.

10 - أبو القاسم البلخي الكعبي (المتوفّى 317هـ)، خرّيج مدرسة بغداد.

عبد الله بن أحمد بن محمود أبي القاسم البلخي، قال الخطيب: من متكلّمي المعتزلة البغداديين، صنّف في الكلام كتباً كثيرة، وأقام ببغداد مدة طويلة، وانتشرت بها كتبه، ثُمَّ عاد إلى بلخ، فأقام بها إلى حين وفاته.

مؤلّفاته:

قد استقصى فؤاد السيّد، في مقدّمته على كتاب (ذكر المعتزلة) لأبي القاسم البلخي، أسماء كتبه، وأنهاها إلى 46 كتاباً.

وقد نقل النجاشي في ترجمة محمد بن عبد الرحمن بن قبة، مكاتبته مع

____________________

(1) مروج الذهب: 3/237 - 238.


البخلي، قال: نقل شيخنا أبو عبد الله المفيد، قال: سمعت أبا الحسين السوسنجردي، وكان من عيون أصحابنا وصالحيهم المتكلّمين، وله كتاب في الإمامة معروف به، وكان قد حجّ على قدميه خمسين حجّة، يقول: مضيت إلى أبي القاسم البلخي إلى بلخ، بعد زيارتي الرضا (عليه السّلام) بطوس، فسلّمت عليه، وكان عارفاً، ومعي كتاب أبي جعفر بن قبة في الإمامة، المعروف بالإنصاف، فوقف عليه، ونقضه بـ (المُسْتَرْشِد في الإمامة)، فعدت إلى الرَّي، فدفعت الكتاب إلى ابن قبة، فنقضه بـ (المُسْتَثْبِت في الإمامة)، فحملته إلى أبي القاسم، فنقضه بـ (نقض المستثبت)، فعدت إلى الرَّي، فوجدت أبا جعفر قد مات. (1)

أُفول المعتزلة:

لقد ابتسم الدهر للمعتزلة في عصر أبي جعفر المنصور (136 - 158هـ)، وقد كان بينه وبين عمرو بن عبيد صلة وثيقة، ولمّا هلك المنصور لم يُر للمعتزلة بعد زمانه نشاط يُذكر، خصوصاً في أيّام المهدي؛ الّذي كان عدوّ المعتزلة، إلى أن أخذ المأمون زمام الحكم، وكان محباً للعلم والتعقّل، فنرى في عصره رجالاً من المعتزلة يتّصلون ببلاطه، وكان لهم تأثير بالغ عليه، ولمّا استفحلت دعوة المحدّثين إلى قدم القرآن، كتب المأمون (عام 218هـ) إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدّثين في خلق القرآن، فأحضر إسحاق بن إبراهيم المحدّثين، فأقرّوا بحدوث القرآن فخلّى سبيلهم، ثم أحضرهم مرة أُخرى، وبلغ عددهم إلى 26، فسأل عن عقيدتهم في خلق القرآن، فأقرَّ أكثرهم - تقية - بحدوث القرآن، إلاّ قليلاً منهم، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل.

____________________

(1) رجال النجاشي: برقم 1023.


ثُمَّ دعا المنكرين مراراً، وفي كلِّ مرَّة يستجيب عدد آخر ويقرّ بحدوث القرآن، حتّى لم يبق منهم إلاّ أربعة أشخاص، فدعاهم إسحاق بن إبراهيم مرّة أُخرى، فأقرّ اثنان منهم بحدوث القرآن، وبقى شخصان - أعني: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح - على قولهما، فشُدّا بالحديد وبُعثا إلى طرسوس وكُتب معهما كتاباً، فلمّا صار إلى الرّقة، بلغتهم وفاة المأمون، فأمر والي الرّقة بإرجاعهم إلى إسحاق بن إبراهيم، فأمرهم إسحاق بلزوم منازلهم، ثُمَّ أطلق سراحهم. (1)

ولمّا تسلّم المعتصم مقاليد الحكم، ضرب أحمد بن حنبل 38 سوطاً ليقول بخلق القرآن، وكان ذلك عام 219هـ.

وهذا هو المعروف بمحنة أحمد أو محنة خلق القرآن.

قضى المعتصم نحبه وخلفه ابنه الواثق (227 ‌232هـ)، وكان للمعتزلة في عصره شوكة، ولمّا قضى الواثق نحبه قام مقامه المتوكِّل، فأمر الناس بترك النظر والبحث، وترك ما كانوا عليه في أيام الخلفاء الثلاثة، وأمر شيخ المحدِّثين بالتحديث وإظهار السنّة، ومن هنا أخذ نجم المعتزلة بالأُفول، وإقصائهم عن الساحة الفكرية، وفسح المجال للمحدّثين، وكانوا يجلسون في المساجد ويروون الأحاديث ضد الاعتزال ويكفّرون المعتزلة. سأل أحدهم أحمد؛ عمّن يقول: إنّ القرآن مخلوق، فقال: كافر، قال: فابن دؤاد؟ قال: كافر بالله العظيم. (2)

ثمّ إنّ ممّا أعان على انقراضهم، هو تشتّت مذاهبهم وفرقهم. فإنّ القوم تفرّقوا إلى مدرستين: مدرسة معتزلة بغداد، ومدرسة معتزلة البصرة، ولم تكن

____________________

(1) تاريخ الطبري: 7/195 - 206، بتلخيص.

(2) تاريخ بغداد: 3/285.


ـ حتّى في نفس كلِّ واحدة منهما - وحدة في التّفكير، فصاروا فِرقاً تنوف على العشرين، وعند ذلك بلغوا الى درجة من الضّعف والانحلال، وإن كان ينجم بينهم رجال مفكّرون، كأبي عليّ الجبّائي (المتوفّى 303هـ)، وولده أبي هاشم (المتوفّى 321هـ).

وجاءت الضّربة الأخيرة من جانب أبي الحسن الأشعريّ، الّذي كان ربيب أبي عليّ الجبّائي وتلميذه، ورجوعه عن الاعتزال بالتحاقه بأهل الحديث، فقد رقى في البصرة يوم الجمعة كرسيّاً، ونادى بأعلى صوته: (من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا أعرّفه بنفسي: أنا فلان بن فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأنّ الله لا تراه الأبصار، وأنّ أفعال الشّرّ أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع، معتقد للردّ على المعتزلة، مخرج لفضائحهم ومعايبهم) (1) .

فقد كان لرجوع من كان من أكابر تلاميذ أبي عليّ الجبّائي أثر بارز في النّفوس، وبذلك أخذ الدهر يقلب عليهم ظهر المجنّ، تقلّب لجّة البحر بالسفن المشحونة والفلك المصنوعة، بين بالغ إلى ساحل النّجاة وهالك في أمواج الدّهر.

هذا هو القادر بالله، أحد خلفاء العبّاسيين، قام في سنة (408هـ) بنفس العمل الّذي قامت به المعتزلة في عصر المعتصم والواثق. يقول الحافظ ابن كثير: وفي سنة (408هـ)، استتاب القادر بالله الخليفة، فقهاء المعتزلة، فأظهروا الرّجوع؛ وتبرّأوا من الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذت خطوطهم بذلك، وأنّهم متى خالفوا، أحلّ فيهم من النّكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم،

____________________

(1) فهرست، ابن النديم، الفن الثالث من المقالة الخامسة، 231، وفيّات الأعيان: 3/275.


وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك، واستنّ بسنّته في أعماله الّتي استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها؛ في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيليّة والقرامطة والجهميّة والمشبّهة وصلبهم وحبسهم، ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر، وأبعد جميع طوائف أهل البدع ونفاهم عن ديارهم، وصار ذلك سنّة في الإسلام. (1)

قال الخطيب: (وصنّف القادر بالله كتاباً في الأُصول، ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يُقرأ كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، ويحضر النّاس سماعه). (2)

____________________

(1) البداية والنهاية: 12/6.

(2) تاريخ بغداد: 4/37 و38.


12

الخوارج

ارتحل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ملبّياً دعوة ربه في العام الحادي عشر من هجرته، بعدما بذل كلّ جهده لتوحيد الأُمّة ورصّ صفوفها، منادياً فيهم بقول الله سبحانه: ( إِنّ هذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (1) .

غير أنّ المسلمين اختلفوا بعد رحيله - وجثمانه بعد ما واراه التراب - في مسألة الخلافة والولاية، فِرقة تبنّت مبدأ التنصيص على الشخص المعين، وفِرقة تبنّت فكرة الشورى واختيار القائد من خلالها، غير أنّ الفرقة الثانية غلبت على الفرقة الأُولى؛ وأخذت بزمام الحكم، فقام أبو بكر بأعباء الخلافة، ثمَُّ قام بعده عمر بن الخطاب والمسلمون يجتازون البلاد ويفتحون القلاع ويعيشون بسيرة من تقدّمهم. فلمّا أحسّ عمر بن الخطاب بموته جعل الخلافة في جماعة من قريش؛ وهم: عليِّ، وعثمان، وطلحة، والزُّبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، فلمّا دُفن عمر، اجتمع هؤلاء في بيت، غير أنّ تركيب الأعضاء كان يُعرب عن حرمان عليّ ونجاح غيره، فتمّ الأمر لصالح عثمان، فقام في أيام خلافته بأُمور نُقِمَ بها عليه وأوجد ضجّة بين المسلمين، نظير:

أ - تعطيل الحدود الشرعية.

____________________

(1) الأنبياء: 92.


ب - عطيّاته الهائلة لبني أُمية من بيت المال.

ج - تأسيس حكومة أُمويّة.

د - مواقفه العدائيّة تجاه لفيف من الصحابة.

هـ - إيوائه طريد رسول الله؛ الحكم بن العاص.

إلى غير ذلك من الأُمور الّتي أغضبت جمهور المسلمين وأثارت حفيظتهم، حتّى اجتمعت طوائف من المصريّين والكوفيّين والبصريّين وجمهور المهاجرين والأنصار للاحتجاج عليه، ولمّا شعروا أنّه لا ينفعه النُّصح، انفجرت ثورتهم عليه، ولم تخمد إلاّ بقتله في عقر داره.

قُتل الخليفة بمرأى ومشهد من الصحابة، وتركت جنازته في بيته حتّى اجتمع المهاجرون والأنصار في بيت علي، وطلبوا منه قبول الخلافة، فلمّا عرضوا عليه مسألة القيادة الإسلامية، أعرض عن قبولها، وقال بجد وحماس: «دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت له العقول» . (1)

غير أنّ القوم ألحّوا عليه، فقال الإمام: «إذا كان لابد من البيعة، فلنخرج إلى المسجد حتّى تكون بمرأى ومسمع من الناس»، فجاء المسجد، فبايعه المهاجرون والأنصار، في مقدّمتهم:

الزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، ولم يتخلّف من البيعة إلاّ قليل، لا يتجاوز عدد الأنامل، كأُسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص.

____________________

(1) نهج البلاغة: 181، الخطبة 92، ط عبده.


ولم يكن هدف المبايعين إلاّ إرجاع الأُمّة إلى عصر الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ليقضى على الترف والبذخ. ولمّا تمَّت البيعة، خطبهم في اليوم الثاني، وبيّن الخطوط العريضة للسياسة الّتي ينوي الالتزام بها طيلة ممارسته للخلافة، فقال في قطايع عثمان الّتي قطعها الخليفة لأقربائه وحاشيته: «والله لو وجدته قد تُزوّج به النساء وملك به الإماء، لرددته، فإنّ في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل، فالجور عليه أضيق». (1)

قال الكلبي: ثُمَّ أمر عليّ (عليه السّلام) بكلّ سلاح وجد لعثمان في داره ممّا تقوّى به على المسلمين، فقُبض، وأمر بقبض نجائب كانت في داره من إبل الصدقة، فقُبضت، وأمر بقبض سيفه ودرعه، وأمر ألاّ يعرض لسلاح وُجد له لم يقاتل به المسلمين، وبالكفِّ عن جميع أمواله الّتي وجدت في داره وفي غير داره، وأمر أن تُرتجع الأموال الّتي أجاز بها عثمان حيث أُصيبت أو أُصيب أصحابها.

فبلغ ذلك عمرو بن العاص، وكان بـ (إيلة) في أرض الشام، أتاها حيث وثب الناس على عثمان، فكتب إلى معاوية: ما كنتَ صانعاً فاصنع، إذ قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه، كما تُقشر عن العصا لحاها. (2)

ما مارسه الإمام لتحقيق المساواة، من خلال رد قطائع عثمان، كان جَرس إنذار في أسماع عَبَدة الدنيا؛ حيث وقفوا على أنّ علياً لا يساومهم بالباطل على الباطل، ولا يتنازل عن الحق لصالح خلافته، فبدأوا يتآمرون على خلافته الفتيّة في نفس المدينة المنوَّرة وفي مكّة المكرّمة والشامات.

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 15.

(2) شرح نهج البلاغة: 1/270.


قتال الناكثين:

فأوّل من رفع راية الخلاف الشيخان الزبير وطلحة، فنكثا بيعة الإمام وتبعهما طوائف من الناس، فخرجا من المدينة بنيّة العمرة، وهما يحتالان للخروج على الإمام، وقد وصل في ذلك الظرف القاسي كتاب معاوية يدعوهما إلى نكث البيعة (1) ، وأنّ أهل الشام بايعا لهما إمامين مترتبين، فاغترا بالكتاب.

ولمّا اطّلع يعلى بن أُميّة على نيّة طلحة والزبير، أعطى الشيخين أربعمائة ألف درهم وكراعاً وسلاحاً، وبعث إلى عائشة بالجمل المسمّى عسكراً، وقد اشتراه باليمن بمائتي دينار، فأتى القوم البصرة، فزحف إليهم عثمان بن حنيف والي البصرة من قبل عليّ، فمانعهم، وجرى بينهم قتال، فلمّا كان في بعض الليالي بيَّتوا عثمان بن حنيف، فأسّروه وضربوه ونتفوا لحيته، فلمّا أرادوا بيت المال، مانعهم الخزّان والموكّلون، إلى أن استولوا عليها بعد حرب طاحنة.

ولمّا وقف الإمام على خروجهم من مكّة متوجّهين إلى البصرة، خرج من المدينة في سبعمائة راكب؛ منهم أربعمائة من المهاجرين والأنصار، منهم سبعون بدرياً وباقيهم من الصحابة، فلمّا تقابل الفريقان، نشبت بينهما حرب طاحنة، قُتل على أثرها طلحة والزبير، ووضعت الحرب أوزارها لصالح عليّ. وكانت الوقعة لعشر خلون من جمادى الآخرة. وقد قُتل فيها من أصحاب عليّ خمسة آلاف، ومن أصحاب الجمل 13 ألف رجل، وانتهت بذلك فتنة الناكثين.

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 1/201.


قتال القاسطين:

ولمّا وقف معاوية على أنّ مؤامراته ضد عليّ أُحبطت، وأنّ الشيخين قُتلا في المعركة، واستتب الأمر للإمام، أخذ القلق يساوره، فلمّا قدم النعمان بن بشير بكتاب زوجة عثمان وقميصه المخضّب بالدم إلى معاوية، قرأ معاوية الكتاب، ثُمَّ صعد المنبر وجمع الناس، ونشر عليهم القميص، وذكر ما صنعوا بعثمان، فبكى الناس وشهقوا؛ حتّى كادت نفوسهم أن تزهق، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل الشام، فقالوا: هو ابنُ عمِّك وأنت وليه، ونحن الطالبون معك بدمه... فبايعوه أميراً، وبعث الرُّسل إلى كور الشام، حتّى بايعه الشاميّون قاطبة، إلاّ من عصمه الله. (1)

ولمّا اطّلع الإمام على استعداد معاوية للحرب، قام خطيباً على منبره، فحمد الله وأثنى عليه، ثُمَّ قال: «سيروا إلى أعداء الله، سيروا إلى أعداء السُّنن والقرآن، سيروا إلى بقيّة الأحزاب، قتلة المهاجرين والأنصار». (2)

يقول المسعودي: كان مسير عليّ (عليه السّلام) من الكوفة إلى صفّين لخمس خلون من شوّال سنة ست وثلاثين، واستخلف على الكوفة أبا مسعود، عقبة بن عمرو الأنصاري، فاجتاز في مسيره بالمدائن، ثُمَّ أتى الأنبار حتّى نزل الرقة، فعقد له هنالك جسر، فعبر إلى جانب الشام، وقد اُختلف في مقدار من كان معه من الجيش، والمتّفق عليه من قول الجميع تسعون ألفاً.

____________________

(1) الكامل في التاريخ: 3/141.

(2) وقعة صفّين: 92 - 93.


وسار معاوية من الشام إلى جانب صفّين، وقد اُختلف في مقدار من كان معه، والمتّفق عليه من قول الجميع خمسة وثمانون ألفاً. (1)

أصبح عليّ يوم الأربعاء، وكان أوّل يوم من شهر صفر، فعبّأ الجيش وأخرج الأشتر أمامه، فأخرج إليه معاوية، حبيب بن مسلمة الفهري،وكان بينهما قتال شديد، وأسفر عن قتلى بين الفريقين جميعاً.

امتدت الحرب كلَّ يوم إلى عاشر ربيع الأوّل عام سبعة وثلاثين، وكان النصر حليفه في كلِّ يوم، إلى أن لم يبق للعدو إلاّ النفس الأخير.

فلمّا أحسّ معاوية وعمرو بن العاص الهزيمة النكراء، التجأوا إلى خديعة نادرة، حيث أمروا بالقُرّاء أن يربطوا مصاحفهم برباط، واستقبلوا عليّاً بخمسمائة مصحف منادين: يا معشر العرب، الله الله في نسائكم وبناتكم، فمن للروم والأتراك وأهل فارس غداً إذا فنيتم؟، الله الله في دينكم!، هذا كتاب الله بيننا وبينكم!

فقال عليّ: «اللّهم إنّك تعلم أنّهم ما الكتاب يريدون، فاحكم بيننا وبينهم، إنّك أنت الحكيم الحق المبين». فاختلف أصحاب عليّ في الرَّأي. فطائفة قالت: القتال، وطائفة قالت: المحاكمة إلى الكتاب، ولا يحلّ لنا الحرب وقد دُعينا إلى حكم الكتاب، فعند ذلك بطلت الحرب ووضعت أوزارها.

وقد أثّرت تلك المكيدة في همم كثير من جيش عليّ (عليه السّلام)؛ حيث زعموا أنّ

____________________

(1) مروج الذهب: 3/121.


اللجوء إلى القرآن لأجل طلب الحق، ولم يقفوا على أنّها مؤامرة ابن النابغة وقد تعلّم منه ابن أبي سفيان، وأنّها كلمة حق يراد بها باطل، وأنّ الغاية القصوى منها، إيجاد الشقاق والنفاق في جيش عليّ وتثبيط هممهم؛ حتّى تخمد نار الحرب الّتي كادت أن تنتهي لصالح عليّ وجيشه، وهزيمة معاوية وناصريه.

ولكنّ الذريعة كانت قد وجدت لها طريقاً في جيش العراق، حتّى سُمع من كلِّ جانب الموادعة إلى الصلح والتنازل لحكم القرآن، فلمّا رأى عليّ (عليه السّلام) تلك المكيدة، وتأثيرها في السذّج من جيشهن قام خطيباً، وقال:

«أيّها الناس إنّي أحق من أجاب إلى كتاب الله، ولكنّ معاوية، وعمرو بن العاص، وابن أبي معيط، وحبيب بن مسلمة، وابن أبي سرح؛ ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، إنّي أعرف بهم منكم؛ صحبتهم أطفالاً وصحبتهم رجالاً، فكانوا شرّ أطفال وشرّ رجال، إنّها كلمة حق يراد بها باطل، إنّهم والله ما رفعوها لأنّهم يعرفونها ويعملون بها، ولكنّها الخديعة والمكيدة، أعيروني سواعدكم وجماجمكم ساعة واحدة، فقد بلغ الحق مقطعه، ولم يبق إلاّ أن يقطع دابر الّذين ظلموا». (1)

وقد كان لخطاب عليّ أثر إيجابي في قلوب المؤمنين الواعين؛ حيث أدركوا ماذا خلف الكواليس من مؤامرات وفِتن، وحجبت البساطة فهم ذلك على قلوب القشريّين من أهل البادية، الّذين ينخدعون بظواهر الأُمور، ولا يتعمّقون ببواطنها، ففوجئ عليّ (عليه السّلام) بمجيء زهاء عشرين ألفاً، مقنّعين في الحديد، شاكين سيوفهم، وقد اسودّت جباههم من السجود، يتقدّمهم مسعر بن

____________________

(1) وقعة صفين: 560، تاريخ الطبري: 4/34 - 35.


فدكي، وزيد بن حصين، وعصابة من القرّاء الّذين صاروا خوارج من بعد، فنادوه باسمه، لا بإمرة المؤمنين، وقالوا: يا عليّ، أجب القوم إلى كتاب الله إذا دُعيت، وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفّان، فو الله لنفعلنّها إن لم تجبهم.

فقال الإمام لهم: «ويحكم، أنا أوّل من دعا إلى كتاب الله، وأوّل من أجاب إليه، وليس يحلُّ لي، ولا يسعني في ديني، أن أُدعى إلى كتاب الله فلا أقبله، إنّي إنّما قاتلتهم ليدينوا بحكم القرآن، فإنّهم قد عصوا الله فيما أمرهم، ونقضوا عهده، ونبذوا كتابه، ولكنّي قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم، وأنّهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون»، قالوا: فابعث إلى الاشتر ليأتينّك، وقد كان الأشتر صبيحة ليلة الهرير قد أشرف على عسكر معاوية ليدخله.

فلم يجد عليّ (عليه السّلام) بدّاً من بعث رسول إلى الأشتر ليأتيه، فأرسل إليه عليّ، يزيد بن هاني أن ائتني، فأتاه، فأبلغه، فقال الأشتر: ائته فقل له: ليس هذه بالسَّاعة الّتي ينبغي لك أن تزيلني عن موقفي؛ إنّي قد رجوت الفتح فلا تعجلني، فرجع يزيد بن هاني إلى عليّ (عليه السّلام) فأخبره، فما هو إلاّ أن عَلَت الأصوات من قبل الأشتر، وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق، ودلائل الخذلان والإدبار لأهل الشام، فقال القوم لعليّ (عليه السّلام): والله ما نراك أمرته إلاّ بالقتال، قال عليّ (عليه السّلام): «أرأيتموني ساررت رسولي إليه؟، أليس إنّما كلّمته على رؤوسكم علانية وأنتم تسمعون؟» ، قالوا: فابعث إليه فليأتك، وإلاّ فو الله اعتزلناك، فقال الإمام: «ويحك يا يزيد، قل له أقبل، فإنّ الفتنة قد وقعت»، فأتاه فأخبره.

فقال الأشتر: أبرفع هذه المصاحف؟، قال: نعم، قال: أما والله لقد ظننت أنّها حين رفعت ستوقع خلافاً وفرقة، إنّها من مشورة ابن النابغة، ثُمَّ قال ليزيد


ابن هاني: ويحك ألا ترى إلى الفتح؟، ألا ترى إلى الّذي يصنع الله لنا؟، أينبغي أن ندع هذا وننصرف له؟!

فقال له يزيد: أتُحبُّ أنّك ظفرت هاهنا، وأنّ أمير المؤمنين بمكانه الّذي هو به يُفرج عنه، ويسلّم إلى عدوّه؟، قال: سبحان الله، لا والله، لا أحبّ ذلك، قال: فإنّهم قد قالوا له، وحلفوا عليه: لتُرسِلنّ إلى الأشتر فليأتينّك، أو لنقتلنّك بأسيافنا كما قتلنا عثمان، أو لسنلّمنّك إلى عدوّك.

فأقبل الأشتر حتّى انتهى إليهم، فصاح: يا أهل الذلّ والوهن، أحين علوتم القوم، وظنّوا أنّكم قاهرون، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها؟، وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، وتركوا سنّة من أنزلت عليه، أمهلوني فواقاً، فإنّي قد أحسست بالفتح؟

قالوا: لا نُمهلك، فقال: أمهلوني عدوة الفرس، فإنّي قد طمعت في النصر؟، قالوا: إذاً ندخل معك في خطيئتك.

قد أثرّت مكيدة رفع القرآن فوق الرماح إلى حدٍّ لم يجد الإمام بدّاً من إيقاف الحرب وتسليم الأمر إلى حكم القوم كُرهاً، إلى أن انتهى الأمر ببعث عليّ قرّاء أهل العراق، وبعث معاوية قرّاء أهل الشام، إلى الاجتماع بين الصفّين، وأجمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن، وأن يُميتوا ما أمات القرآن، ثمَُّ رجع كلّ فريق إلى أصحابه وقال الناس: رضينا بحكم القرآن.

ففرضوا على عليّ (عليه السّلام) أن يبعث أبا موسى الأشعري من جانبه، وأن يبعث معاوية من أراد؛ حتّى يدَّارسوا حكم القرآن في دومة الجندل، فكتبوا في ذلك صحيفة اتفاق مذكورة في التاريخ. وجاء في آخر الاتّفاق، أنّ اللاّزم على


الحكمين الإدلاء برأيهما إلى انقضاء موسم الحجّ من عام 37هـ، وكتبت الاتفاقيّة لثلاثة عشر بقيت من شهر صفر لسنة 37. (1)

نشوء الخوارج بمخالفتهم لمبدأ التحكيم:

ثُمَّ لمّا تمّ الاتّفاق بإمضاء عليّ ومعاوية، وشهد بالكتاب من أصحاب الطرفين أكابرهما، ندمت الزمرة الّتي فرضت على عليّ إيقاف الحرب والتسليم برأي الحكمين، فحاولوا أن يفرضوا على عليّ نقض العهد، قائلين: بأنّ عملنا هذه يخالف قوله سبحانه: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلّا للّهِ ) !!، فقال عليّ (عليه السّلام):

«أبعد الرضا والميثاق والعهد نرجع؟!؛ أو ليس الله تعالى قال: ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) ، وقال: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) ؟!»، فأبى عليّ أن يرجع، وأبى هؤلاء إلاّ تضليل التحكيم والطعن فيه.

جاءت عصابة من قرّاء العراق، وقد سلّوا سيوفهم واضعيها على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما ننتظر بهؤلاء القوم أنّ نمشي إليهم بسيوفنا حتّى يحكم الله بيننا وبينهم بالحق.

فقال لهم عليّ (عليه السّلام): «قد جعلنا حكم القرآن بيننا وبينهم، ولا يحلّ قتالهم حتّى ننظر بما يحكم القرآن». (2)

____________________

(1) تاريخ الطبري: 4/52.

(2) وقعة صفّين: 569.


انسحاب عليّ إلى الكوفة:

لمّا تمّت الاتفاقيّة، وشهد عليها شهود، وقرئت على الناس، انسحب معاوية إلى الشام، وتوجّه الإمام نحو الكوفة مع جيشه وأصحابه، ورافقه المعترضون على التحكيم؛ الّذين عرفوا بالمحكّمة، فدخل الإمام الكوفة؛ دار هجرته، وامتنعت المحكّمة عن الدخول، وذهبوا إلى قرية (حروراء)، كما ذهب قسم منهم إلى معسكر نخيلة؛ اعتراضاً على علي وحكمه. وقد أعربوا بعملهم هذا أنّهم متخلّفون عنه، وعن أوامره، وخارجون عن طاعته، ولقد كان لهم ألوان متفاوتة في مخالفتهم، ولكن الجميع يشتركون في كونها ردود فعل لِمَا آل له التحكيم، ونذكر أبرزها:

1 - التظاهر ضد عليّ (عليه السّلام) بقولهم: «لا حكم إلاّ لله» في المسجد وخارجه، خصوصاً عند قيام الإمام بإلقاء الخُطب.

2 - تكفير عليّ (عليه السّلام) وأصحابه الّذين وفوا بالميثاق.

3 - تأمين أهل الكتاب، وإرهاب المسلمين، وقتل الأبرياء.

ولكن الإمام (عليه السّلام) قابلهم بالحنان والشفقة، ومن نماذج عطفه، ما رواه الطبري: إنّه قام عليّ في الناس يخطبهم ذات يوم، فقال رجل من جانب المسجد: لا حكم إلاّ لله، وقام آخر فقال مثل ذلك، ثمَُّ توالى عدّة رجال يحكمون!!

فقال عليّ: «الله أكبر كلمة حقّ يراد بها باطل، أما إنّ لكم عندنا ثلاثاً ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه، ولا نمنعكم الفيء ما


دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتّى تبدؤنا». ثُمَّ رجع إلى مكانه الّذي كان من خطبته. (1)

نهاية التحكيم:

صالح الإمام (عليه السلام) معاوية، وأوكل الأمر إلى الحكمين؛ ليرفعا ما رفع القرآن ويخفضا ما خفض القرآن، ولكن اتّفق الحكمان سرّاً على أن يخلعا علياً ومعاوية عن الحكم؛ حتّى يولّي المسلمون بأنفسهم والياً، ولمّا أرادا الإدلاء برأيهما، خدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري، فقال له: تقدّم وأدلي برأيك، فقال: يا أيّها الناس، إنّا قد نظرنا في أمر هذه الأُمّة، فلم نر أصلح لأمرها، ولا ألمّ لشعثها، من أمر قد جمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو أن نخلع عليّاً ومعاوية، وتستقبل هذه الأُمّة الأمر، فيولّوا منهم من أحبّوا عليهم، وإنّي قد خلعت عليّاً ومعاوية، فاستقبلوا أمركم وولّوا عليكم من رأيتموه لهذا الأمر أهلاً.

ثُمَّ تنحّى، وأقبل عمرو بن العاص فقام مقامه. فحمد الله وأثنى عليه، وقال: إنّ هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه، وأثبتُ صاحبي معاوية؛ فإنّه وليُّ عثمان بن عفَّان والطالب بدمه وأحقّ الناس بمقامه.

فقال أبو موسى: مالك لا وفّقك الله غدرت وفجرت، إنّما مثلك مثل الكلب؛ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث.

قال عمرو: إنّ مثلك مثل الحمار يحمل أسفاراً.

فلمّا بلغ علياً ما جرى بين الحكمين، من الحكم على خلاف كتاب الله

____________________

(1) تاريخ الطبري: 4/53.


وسنّة رسوله، وغدر عمرو بن العاص، وانخداع أبي موسى، قام خطيباً رافضاً ما حكم به الحكمان الجائران، وقال:

«ألاّ إنّ هذين الرجلين اللّذين اخترتموهما حكمين، قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما، وأحييا ما أمات القرآن، واتّبع كلّ واحد منهما هواه بغير هدى من الله، فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين، استعدّوا وتأهّبوا للمسير إلى الشام وأصبحوا في معسكركم إن شاء الله». وقد لبّى دعوة عليّ من البصرة وحوالي الكوفة جمعٌ كثير، وقد اجتمع تحت رايته ثمانية وستون ألفاً ومائتا رجل، واستعد للمسير إلى الشام.

وكان الإمام على أهبة الخروج، فجاءته الأخبار عن الصّفحة الشنيعة للخوارج الّذين كانوا مجتمعين في النهروان، فألحّ الواعون من كبار قؤّاده على مناجزة هؤلاء، ثُمَّ المسير إلى الشام.

وصلت الأخبار إلى عليّ أنّهم يعترضون الطريق، وقد قتلوا عبد الله بن خباب وامرأته، وهي حبلى متم. فخرج الإمام مع جيشه حتّى بلغ جانب النهر، ووقف عليه، فخاطبهم بقوله: «ألم تعلموا أنّي نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أنّ طلب القوم إيّاها منكم دهن ومكيدة لكم، ونبّأتكم أنّ القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، فعصيتموني، حتّى إذا أقررت بأن حكمت، فلمّا فعلت شرطت واستوثقت، فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا وخالفا حكم الكتاب والسنّة، فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الأوّل».

ولمّا أتمّ الإمام الحجَّة عليهم، ورأى أنّ آخر الدواء الكي، عبّأ


الناس لقتالهم، وانتهت الحرب لصالح عليّ، وإبادة الخوارج.

كانت الخوارج من أهل القبلة، ومن أهل الصلاة والعبادة، وكان الناس يستصغرون عبادتهم عند صلواتهم، فلم يكن قتالهم واستئصالهم أمراً هيّناً، ولم يكن يجترئ عليه غير عليّ (عليه السّلام)؛ ولأجل ذلك قام بعد قتالهم، فقال: «أمّا بعد، حمد الله والثناء عليه، أيّها الناس فإنّي قد فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري، بعد أن ماج غيهبها، واشتدّ كلبها». (1)

ومع ذلك فللإمام كلمة في حق الخوارج بعد القضاء عليهم، قال: «لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه». (2)

تنبّؤ الإمام في حرب النهروان:

قال المبرد: لمّا وافقهم عليّ (عليه السّلام) بالنهروان، قال: «لا تبدوهم بقتال حتّى يبدأوكم». فحمل منهم رجل على صف عليّ (عليه السّلام)، فقتل منهم ثلاثة، فخرج إليه علي،ّ فضربه فقتله، ومال ألف منهم إلى جهة أبي أيوب الأنصاري، وكان على ميمنة عليّ، فقال عليّ (عليه السّلام) لأصحابه: «احملوا عليهم، فو الله لا يقتل منكم عشرة، ولا يسلم منهم عشرة». فحمل عليهم فطحنهم طحناً، قتل من أصحابه (عليه السّلام) تسعة، وأفلت من الخوارج ثمانية. (3)

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 93.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 60.

(3) الكامل: 2/139 - 140.


تنبّؤ آخر:

لمّا قُتل الخوارج وأفلت منهم من أفلت، قال بعض أصحاب الإمام: يا أمير المؤمنين: هلك القوم بأجمعهم.

فقال: «كلاّ، والله إنّهم نطف في أصلاب الرجال وقرارات النساء، كلّما نجم منهم قرن قُطع، حتّى يكون آخرهم لصوصاً سلاّبين». (1)

ذكر المؤرّخون قضايا وحوادث تعرب عن أنّ القوم صاروا بعد ذلك لصوصاً سلاّبين، فإنّ دعوة الخوارج اضمحلّت، ورجالها فنيت، حتّى أفضى الأمر إلى أن صار خلفهم قطّاع طرق، متظاهرين بالفسوق والفساد في الأرض.

لقد كانت حرب الإمام في النهروان، حرباً طاحنة، قُتل رجال العيث والفساد، واستأصل شأفتهم، وقضى على رؤوسهم، ولكن لم يكن الخوارج كلّهم متواجدين فيها، بل كانوا متفرّقين في البصرة، ونقاط مختلفة من العراق، فقاموا بانتفاضات ضد عليّ (عليه السّلام) وعمّاله، وكانت الحسرة والخيبة نصيبهم، ولا داعي إلى سردها توخّياً للإيجاز.

الأُصول الفكرية للخوارج:

كانت الخوارج على رأي واحد إلى عصر عبد الله بن الزبير عام 64هـ، وكانت آراؤهم تنحصر في أُصول بسيطة، تتلخّص في:

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 59.


1 - تكفير مرتكب الكبيرة.

2 - إنكار مبدأ التحكيم.

3 - تكفير عثمان، وعلي، ومعاوية، وطلحة، والزبير، ومن سار على دربهم ورضي بأعمال عثمان وتحكيم عليّ. على هذه الأُصول نشأوا إلى عهد ابن الزبير.

قال الكعبي: إنّ الّذي يجمع الخوارج إكفار عليّ وعثمان والحكمين وأصحاب الجمل، وكلّ من رضي بتحكيم الحكمين، والخروج على الإمام الجائر، وإكفار من ارتكب الذنوب. (1)

وقال الأشعري: أجمعت الخوارج على إكفار عليّ بن أبي طالب؛ لأنّه حكّم، وهم مختلفون هل كفره شرك أم لا؟، وأجمعوا على أنّ كلّ كبيرة كفرن إلاّ النجدات، فإنّها لا تقول بذلك، وأجمعوا على أنّ الله سبحانه يعذّب أصحاب الكبائر عذاباً دائماً، إلاّ النجدات. (2)

وما ذكره من الاستثناء، دليل على أنّ أكثر هذه الأُصول برزت بينهم في العصر الزبيري وما بعده، لا في عهد الإمام عليّ، ولا في عهد معاوية.

فرق الخوارج:

وقد ظهر ممّا ذكرنا، أنّ الخوارج حركة سياسيّة ظهرت على الساحة

____________________

(1) الفَرق بين الفِرق: 1/73، نقلاً عن الكعبي.

(2) مقالات الإسلاميين: 1/86.


التاريخيّة، ولم يكن لها جذور كلاميّة، خلافاً لسائر الفِرق؛ ولذلك نرى أنّهم افترقوا إلى فرق مختلفة لفوارق بسيطة، وبما أنّ فرق الخوارج قد بادت كافّة، ولم يبق لها إلاّ فِرقة واحدة - أعني: الإباضيّة، نقتصر على ذكر أسماء الفِرق، ثُمَّ نعرِّج على الفِرقة الباقية (الإباضيّة):

1 - الأزارقة، وهم أتباع نافع بن الأزرق، المقتول سنة 65هـ.

2 - النجديّة، وهم أتباع نجدة بن عامر الحنفي.

3 - البيهسيّة، وهم أتباع أبي بيهس، واسمه هيثم بن جابر، طلبه الحجاج أيام الوليد، فهرب إلى المدينة. قتله واليها عثمان بن حيان المزني بأمر الوليد. (1)

4 - الصفريّة، والمعروف أنّهم أتباع ابن صفار، وذهب الأشعري والشهرستاني إلى أنّهم من أتباع زياد بن أصفر.

هذه هي الفِرق البائدة، والفِرقة الباقية هي الإباضيّة، الّتي تقطن اليوم في نواحي من عُمان وزنجبار وشمال إفريقيا، وهم أتباع عبد الله بن إباض التميمي، وقد عاصر معاوية، وعاش إلى أواخر أيام عبد الملك بن مروان، وهم يفترقون عن سائر الفِرق؛ حيث إنّ مرتكب الكبيرة عند عامّة الفِرق كافر حقيقة، ولكن الإباضيّة ذهبوا إلى أنّ المراد من الكفر هو الكفر بالنعم، نظير قوله سبحانه: ( وَللّهِ‏ِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنّ اللّهَ غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ ) (2) .

____________________

(1) الملل والنحل: 1/125.

(2) آل عمران: 97.


ثُمَّ إنّ كتّاب الإباضية في العصر الحاضر وما قبله، يتحرّجون من أن يُعدّوا من فِرق الخوارج، وإن كانوا يتّفقون معهم في بعض المبادئ، ولكن يخالفونهم في كثير من المبادئ والعقائد، ويعتقدون أنّه مذهب نجم في أواخر القرن الأوّل، بيد مؤسسه عبد الله بن إباض وجابر بن زيد العُماني، فكان الأوّل قائداً مخطّطاً، والثاني قائداً دينياً.

يقولون: إنّ الخوارج هم المتطرفون كالأزارقة، الّذين كانوا يكفّرون المسلمين ويعدّونهم مشركين، ويستبيحون أموالهم ويستحيون نساءهم، وأمّا غيرهم، الّذين لا يعتنقون هذا المبدأ وما شابهه، فليسوا من الخوارج.

وقد بذلت الإباضيّة في العصور الأخيرة جهوداً في سبيل تنزيههم عن الانتساب إلى هذه الطائفة.

وأمّا عقائد الإباضيّة وأُصولهم، فلا تتجاوز الثمانية:

1 - تخطئة التحكيم، أي إدلاء الأمر إلى الحكمين في حرب صفّين، بعد رفع المصاحف فوق الرماح. وهذا الأصل يتّفق فيه عامّة فِرق الخوارج، ويتميّزوا به عن كافة فرق المسلمين.

2 - عدم اشتراط القرشيّة في الإمام.

3 - صفات الله ليست زائدة على ذاته.

4 - امتناع رؤية الله في الآخرة.

5 - القرآن حادث غير قديم.

وفي هذه الأُصول الثلاثة الأخيرة يتّفقون مع العدليّة المعتزلة والإماميّة،


وهي أُصول مشرقة في مذهب الإباضية،وإن كان المتأخّرون منهم لا يُولُون لها أهمية.

6 - الشفاعة دخول الجنّة بسرعة.

7 - مرتكب الكبيرة كافر نعمة، لا كافر ملة.

8 - التولّي، والتبرّي، والوقوف.

قد اتّخذ الإباضيّون (التولّي) و(التبرّي) نحلة، ولهما أصل في الكتاب والسنّة، وهما ممّا يعتنقه كلّ مسلم إجمالاً، ولكن التفسير الإباضي لهذين المفهومين، يختلف تماماً مع تفسير الجمهور.

آراء الإباضيّة في الصحابة:

المعروف بين كتّاب الفِرق، أنّ الإباضيّة يحبّون الشّيخين ويبغضون الصهرين، غير أنّ كتّاب الإباضيّة في هذا العصر، ينكرون هذه النسبة، ويقولون: إنّ الدعاية الّتي سلّطها المغرضون على الإباضيّة، نبذتهم بهذه الفِرية، وذهب علي يحيى معمّر في نقد النسبة وتزييفها، إلى نقل الكلمات الّتي فيها الثّناء البالغ على الصّهرين، ينقل عن أبي حفص؛ عمرو بن عيسى، قوله:

وعـلى الـهادي صلاة نشرها

عـنبر مـا خـبّ ساع ورمل

وســلام يـتـوالى وعـلـى

آلـه والصحب ما الغيث هطل

سيّما الصدّيق والفاروق والجامع

الـقـرآن والـشـهم الـبطل

وينقل عن ديوان البدر التلاتي ما يلي:


بـنت الـرسول زوجها وابناها

أهـل لـبيت قـد فـشا سناها

رضـى الإلـه يـطلب التلاتي

لـهم جـميعاً ولـمن عناها (1)

نحن نرحِّب بهذا الودِّ الّذي أمر الله سبحانه به في كتابه بالنسبة إلى العترة الطاهرة؛ إذ قال: ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2) .

ولكن لا يمكننا التجاهل بأنّهم يحبّون المحكِّمة الأُولى، ويعتبرونهم أئمة، وهم قُتلوا بسيف عليّ!. وهل يمكن الجمع بين الحبّيَن والودّيَن؟!، وقد قال الله سبحانه: ( مّا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) (3) ، وهل يجتمع حب عليّ وودّه، وحب من كان يكفّر علياً ويطلب منه التوبة؟!، كيف وهؤلاء هم الّذين قلّبوا له ظهر المجن، وضعّفوا أركان حكومته الراشدة؟!

الفتاوى الشّاذة من الكتاب والسنّة:

المذهب الإباضي يدّعي أنّه يعتمد في أُصوله على الكتاب والسنّة، ويتّفق في كثير من أُصوله وفروعه مع مذاهب أهل السنّة، ولا يختلف معها إلاّ في مسائل قليلة.

وما كان اعتماد المذهب الإباضي على الكتاب والسنّة، وعدم تباعده عن مذاهب السنّة، إلاّ لأنّ مؤسّسه، جابر بن زيد، قد أخذ عن الصحابة الّذين أخذ عنهم

____________________

(1) الإباضيّة بين الفِرق الإسلاميّة: 2/50.

(2) الشورى: 23.

(3) الأحزاب: 4.


أصحاب هذه المذاهب، من الحنفيّة والشّافعيّة والمالكيّة والحنابلة، بل إنّه يمتاز عن أصحاب هذه المذاهب في أنّه أخذ عن الصحابة مباشرة، بينما هم لم يأخذوا في معظمهم إلاّ من التابعين.

كما أنّ الأحاديث الّتي جمعها هو وغيره من علماء وفقهاء وجَمّاع الأحاديث من الإباضيّة؛ كالرّبيع بن حبيب وغيره، ليست إلاّ أحاديث وردت في البخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الحديث؛ كأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدار قطني، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم من أهل السنّة.

إنّ الإباضيّة لا يعترفون بالتقليد فيما يأخذون أو يدّعون، حتّى لفقهائهم أنفسهم، والمشهور عنهم، أنّهم يقولون: إنّهم رجال تقييد لا تقليد؛ أي أنّهم يتقيّدون بالكتاب والسنّة، وبما تقيّد والتزم به السلف الصالح، ولا يقلّدون أصحاب المذاهب أو أصحاب الأقوال، إلاّ إذا كانت أقوالهم موافقة للكتاب والسنّة.

وقد حاز العقل في المذهب الإباضي على أهميّة واسعة، وهو عندهم حجّة؛ كالكتاب والسنّة، وليس ذلك أمراً خفيّاً على من سبر كتبهم العقائديّة والفقهيّة، وقد اشتهر عنهم، لا سيّما في القرون الأُولى، بإغناء العقل عن السمع في أوّل التكليف.

وهذا النوع من الاعتماد على العقل، يُعدّ نوع مغالاة في القول بحجّيته، ولأجل هذا التطرف، نجد أنّ لهم فتاوى فقهيّة شاذّة، لا توافق الكتاب والسنّة؛ وإليك نماذج منها:

1 - قد بلغت السماحة وحب السلام أنّ فقهاءهم فضّلوا الصلح بين


أي فئتين من المؤمنين وقع القتال بينهما، وأنّه لا ينبغي لأحد أن يفضّل أي فئة منهما على الأُخرى، حتّى لا تحدث فتنة. (1)

2 - حرّمت الإباضيّة الزواج بين من ربطت بينهما علاقة إثم، وقد كانوا في تحريمهم لهذا الزواج يستندون إلى روح الإسلام الّذي يحارب الفاحشة. (2) وقد انفردوا به من بين سائر المذاهب.

3 - منعت الإباضيّة المسلم من إراقة ماء الوجه والتعرّض لمذلّة السؤال؛ فإذا هانت عليه كرامته، وذهب يسأل الناس الزكاة، حَرُم منها عقاباً له على هذا الهوان، وتعويداً له على الاستغناء عن الناس، والاعتماد على الكفاح. (3)

مؤسّس المذهب الإباضي ودعاته في العصور الأُولى:

قد تعرّفت على عقائد الإباضيّة، فحان البحث عن أئمّتهم ودعاتهم في العصور الأُولى.

1 - عبد الله بن إباض، مؤسّس المذهب:

هو عبد الله بن إباض، المقاعسي، المري، التميمي، ابن عبيد، ابن مقاعس، من دعاة الإباضيّة، بل هو مؤسّس المذهب.

____________________

(1) انظر: الإباضيّة في مصر والمغرب: 61.

(2) الإباضيّة في موكب التاريخ: 111 - 112.

(3) الإباضيّة في موكب التاريخ: 116.


قد اشتهرت هذه الفِرقة بالإباضيّة من أوّل يوم، وهذا يدلُّ على أنّه كان لعبد الله بن إباض، دور في نشوء هذه الفِرقة وازدهارها.

2 - جابر بن زيد العماني، الأزدي:

جابر بن زيد، أبو الشعثاء، الأزدي، اليحمدي، البصري، مشهور بكنيته، فقيه الإباضيّة، مات سنة 93هـ، ويقال: مائة. يروي عن عبد الله بن عبّاس.

3 - أبو عبيدة، مسلم بن أبي كريمة (المتوفّى حوالي 158هـ):

مسلم بن أبي كريمة التميمي، توفّي في ولاية أبي جعفر المنصور المتوفّى سنة 158هـ، قال عنه ابن الجوزي: مجهول.

أخذ العلم عن جابر بن عبد الله، وجابر بن زيد، وضمار السعيدي، وجعفر السمّاك وغيرهم.

حمل العلم عنه الربيع بن حبيب الفراهيدي؛ صاحب المسند، وأبو الخطّاب المعافري، وعبد الرحمن بن رستم، وعاصم السدراتي، وغيرهم.

4 - أبو عمرو، ربيع بن حبيب الفراهيدي:

هو من أئمّة الإباضيّة، وهو صاحب المسند المطبوع، ولم نجد له ترجمة وافية في كتب الرجال لأهل السنّة، ويُعدّ في طليعة الجامعين للحديث والمصنّفين فيه.


5 - أبو يحيى عبد الله بن يحيى الكندي:

عبد الله بن يحيى بن عمر الكندي، من حضرموت، وكان قاضياً لإبراهيم بن جبلة؛ عامل القاسم بن عمر على حضرموت، وهو عامل مروان على اليمن، خرج بحضرموت والتفَّ حوله جماعة عام 128هـ، وبسط سيطرته على عُمان واليمن والحجاز، وفي عام 130هـ جهّز مروان بن محمد جيشاً بقيادة عبد الملك بن محمد بن عطيّة السعدي، فكانت بينهم حرب عظيمة، قُتل فيها عبد الله بن يحيى وأكثر من معه من الإباضيّة، ولحق بقيّة الخوارج ببلاد حضرموت.

دول الإباضيّة:

قد قام باسم الإباضيّة، عدد من الدول في أربعة مواضع من البلاد الإسلاميّة:

1 - دولة في عُمان، استقلّت عن الدولة العباسيّة في عهد أبي العباس السفّاح، سنة 132هـ، ولا تزال إلى اليوم.

2 - دولة في ليبيا، سنة 140هـ، ولم تعمّر طويلاً؛ فقد انتهت بعد ثلاث سنوات.

3 - دولة في الجزائر، قامت سنة 160هـ، وبقيت إلى حوالي 190هـ، ثُمَّ قضت عليها الدولة العبيديّة.


4 - دولة قامت في الأندلس، ولا سيّما في جزيرتي ميورقة ومينورقة، وقد انتهت يوم انتهت الأندلس.

هذه هي الإباضيّة، وهذا ماضيهم وحاضرهم، وقد قدّمنا إليك صورة موجزة من تاريخهم ونشأتهم وشخصيّاتهم وعقائدهم.


13

الشِّيعة الإماميّة

الشّيعة لغة واصطلاحاً:

الشيعة لغة هم: الجماعة المتعاونون على أمر واحد في قضاياهم، يقال تشايع القوم إذا تعاونوا، وربّما يطلق على مطلق التابع، قال سبحانه: ( فَاسْتَغَاثَهُ الّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الّذِي مِنْ عَدُوّه ) (1) ، وقال تعالى: ( وَإِنّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (2) .

وأمّا اصطلاحاً، فلها إطلاقات عديدة، بملاكات مختلفة:

1 - الشيعة: من أحبَّ عليّاً وأولاده باعتبارهم أهل بيت النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الّذين فرض الله سبحانه مودّتهم، قال عزَّ وجلَّ: ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلّا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) (3) . والشّيعة بهذا المعنى تعمّ كلّ المسلمين، إلاّ النواصب؛ بشهادة أنّهم يصلّون على نبيّهم وآله في صلواتهم وأدعيتهم، ويتلون الآيات النازلة في حقّهم صباحاً ومساءً، وهذا هو الإمام الشافعي يصفهم بقوله:

يـا أهل بيت رسول الله حبكم

فرض من الله في القرآن أنزله

____________________

(1) القصص: 15.

(2) الصافات: 83 - 84.

(3) الشورى: 23.


كـفاكم مـن عـظيم الشأن أنّكم

مَن لم يصلّ عليكم لا صلاة له (1)

2 - من يفضّل عليّاً على عثمان، أو على الخلفاء عامّة، مع اعتقاده بأنّه رابع الخلفاء، وإنّما يقدّم؛ لاستفاضة مناقبه وفضائله عن الرسول الأعظم، والّتي دوّنها أصحاب الحديث في صحاحهم ومسانيدهم.

3 - الشيعة من يشايع علياً وأولاده باعتبار أنّهم خلفاء الرسول وأئمة الناس بعده، نَصَبهم لهذا المقام بأمر من الله سبحانه، وذكر أسماءهم وخصوصيَّاتهم. والشيعة بهذا المعنى هو المبحوث عنه في المقام، وقد اشتُهر بأنّ عليّاً هو الوصيّ حتّى صار من ألقابه، وذكره الشعراء بهذا العنوان في قصائدهم، وهو يقول في بعض خطبه:

«لا يقاس بآل محمد من هذه الأُمّة أحد، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبداً، هم أساس الدين، وعماد اليقين، إليهم يفيء الغالي، وبهم يلحق التالي، ولهم خصائص حقِّ الولاية، وفيهم الوصيّة والوراثة». (2)

ومُجمل القول: إنّ هذا اللفظ يشمل كلَّ من قال إنّ قيادة الأُمّة لعليّ بعد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وإنّه يقوم مقامه في كلِّ ما يمتُّ إليه، سوى النبوّة ونزول الوحي عليه، كلّ ذلك بتنصيص من الرسول.

وعلى ذلك، فالمقوّم للتشيّع، وركنه الرّكين، هو القول بالوصاية والقيادة، بجميع شؤونها، للإمام (عليه السّلام)، فالتشيّع هو الاعتقاد بذلك، وأمّا ما سوى ذلك، فليس مقوّماً لمفهوم التشيّع، ولا يدور عليه إطلاق الشيعة.

____________________

(1) الصواعق: 148.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 2.


الفصل الأوّل:

مبدأ التشيّع وتاريخ تكوّنه

زعم غير واحد من الكتّاب القدامى والجدد، أنّ التشيّع كسائر المذاهب الإسلاميّة، من إفرازات الصراعات السياسيّة، وذهب بعض آخر إلى القول إنّه نتيجة الجدال الكلامي والصراع الفكري، فأخذوا يبحثون عن تاريخ نشوئه وظهوره في الساحة الإسلاميّة، وكأنّهم يتلقّون التشيّع كظاهرة طارئة على المجتمع الإسلامي، ويظنّون أنّ القطاع الشيعي من جسم الأُمّة الإسلاميّة، باعتباره قطاعاً تكوّن على مرّ الزمن؛ لأحداث وتطورات سياسيّة أو اجتماعيّة أو فكريّة، أدَّت إلى تكوين ذلك المذهب كجزء من ذلك الجسم الكبير، ثُمَّ اتسع ذلك الجزء بالتدريج.

وبعد أن افترض هؤلاء أنّه أمر طارئ، أخذوا بالفحص والتفتيش عن علّته أو علله، فذهبوا في تعيين المبدأ إلى كونه ردّة فعل سياسيّة أو فكريّة، ولكنّهم لو كانوا عارفين أنّ التشيّع وُلِد منذ عهد النبيّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؛ لَمَا تسرّعوا في إبداء الرأي في ذلك المجال، ولعلموا أنّ التشيّع والإسلام وجهان لعملة واحدة، وليس للتشيّع تاريخ ولا مبدأ، سوى تاريخ الإسلام ومبدئه، وانّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو الغارس لبذرة التشيّع في صميم الإسلام، من أوّل يوم أمَر بالصدع وإظهار الحقيقة، إلى أن لبىَّ دعوة ربه.


فالتشيّع ليس إلاّ عبارة عن استمرار قيادة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد وفاته، عن طريق من نصبه إماماً للناس وقائداً للأُمّة، حتّى يرشدها إلى النهج الصحيح والهدف المنشود، وكان هذا المبدأ أمراً ركّز عليه النبيّ في غير واحد من المواقف الحاسمة، فإذا كانّ التشيع متبلوراً في استمرار القيادة بالوصيّ، فلا نجد له تاريخاً سوى تاريخ الاسلام، والنصوص الواردة عن رسوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

والشيعة هم المسلمون من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان في الأجيال اللاحقة، هم الّذين بقوا على ما كانوا عليه في عصر الرسول في أمر القيادة، ولم يغيّروه، ولم يتعدّوا عنه إلى غيره، ولم يأخذوا بالمصالح المزعومة في مقابل النصوص، وصاروا بذلك المصداق الأبرز لقوله سبحانه: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّهِ وَرسُولِهِ وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) .

ففزعوا في الأُصول والفروع إلى عليّ وعترته الطاهرة، وانحازوا عن الطائفة الأُخرى؛ الّذين لم يتعبدوا بنصوص الخلافة والولاية وزعامة العترة؛ حيث تركوا النصوص وأخذوا بالمصالح.

إنّ الآثار المرويّة في حق شيعة الإمام عن لسان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ترفع اللّثام عن وجه الحقيقة، وتُعرب عن التفاف قسم من المهاجرين حول الوصيّ، فكانوا معروفين بشيعة عليّ في عصر الرسالة، وأنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وصفهم في كلماته بأنّهم هم الفائزون، وإن كنت في شك من هذا الأمر، فسأتلو عليك بعض ما ورد من النصوص في المقام.

____________________

(1) الحجرات: 1.


1 - أخرج ابن مردويه، عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله من أكرم الخلق على الله؟، قال: يا عائشة، أما تقرأين ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) (1) . (2)

2 - أخرج ابن عساكر، عن جابر بن عبد الله، قال: كنّا عند النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فأقبل عليّ، فقال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «والّذي نفسي بيده، إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة»، ونزلت: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) ، فكان أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، إذا أقبل عليّ قالوا: جاء خير البريّة. (3)

3 - أخرج ابن عدي، عن ابن عبّاس، قال: لمّا نزلت ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لعلي: «هو أنت وشيعتك يوم القيامة، راضين مرضيّين». (4)

4 - أخرج ابن مردويه، عن عليّ، قال: قال لي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «ألم تسمع قول الله: ( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيّةِ ) أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الأُمم للحساب تدعون غرّاً محج<لين». (5)

5 - روى ابن حجر في صواعقه، عن أُم سلمة: كانت ليلتي، وكان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عندي، فأتته فاطمة، فتبعها عليّ (رضي الله عنه)، فقال النبيّ: «يا عليّ أنت وأصحابك في الجنّة، أنت وشيعتك في الجنة». (6)

____________________

(1) البينة: 7.

(2 و3 و4 و5) الدر المنثور: 6/589.

(6) الصواعق: 161.


6 - روى أحمد في المناقب: إنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال لعليّ: «أمَا ترضى أنّك معي في الجنّة، والحسن والحسين وذريّتنا خلف ظهورنا، وأزواجنا خلف ذريّتنا، وشيعتنا عن أيماننا وشمائلنا». (1)

7 - أخرج الديلمي: (يا عليّ، إنّ الله قد غفر لك ولذريّتك ولولدك ولأهلك ولشيعتك، فابشر إنّك الأنزع البطين). (2)

8 - روى المغازلي بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «يدخلون من أُمّتي الجنة سبعون ألفاً لا حساب عليهم»، ثُمَّ التفت إلى عليّ، فقال: «هم شيعتك وأنت أمامهم». (3)

إلى غير ذلك من الروايات الّتي تُعرب عن أنّ عليّاً (عليه السّلام) كان متميّزاً بين أصحاب النبيّ؛ بأنّ له شيعة وأتباعاً، ولهم مواصفات وسمات كانوا مشهورين بها، في حياة النبيّ وبعدها.

الشيعة في كلمات المؤرّخين وأصحاب الفِرق:

قد غلب استعمال الشيعة بعد عصر الرسول، تبعاً له فيمن يوالي عليّاً وأهل بيته، ويعتقد بإمامته ووصايته، ويَظهر ذلك من خلال كلمات المؤرّخين وأصحاب المقالات؛ نشير إلى بعضها:

1 - روى المسعودي في حوادث وفاة النبيّ: إنّ الإمام عليّاً أقام ومن

____________________

(1) الصواعق: 161.

(2) المصدر نفسه.

(3) مناقب المغازلي: 293.


معه من شيعته في منزله، بعد أن تمّت البيعة لأبي بكر. (1)

2 - وقال النوبختي (المتوفّى 313هـ): إنّ أوّل الفِرق، الشيعة؛ وهم فِرقة عليّ بن أبي طالب، المسمّون شيعة عليّ في زمان النبيّ وبعده، معروفون بانقطاعهم إليه، والقول بإمامته. (2)

3 - وقال أبو الحسن الأشعري: وإنّما قيل لهم: الشيعة، لأنّهم شايعوا عليّاً، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). (3)

4 - ويقول الشهرستاني: الشيعة هم الّذين شايعوا عليّاً في الخصوص، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصيّةً. (4)

5 - وقال ابن حزم: ومن وافق الشيعة في أنّ عليّاً أفضل الناس بعد رسول الله وأحقّهم بالإمامة، وولْده من بعده. (5)

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، ممّا جاء في كلمات المؤرّخين وأصحاب المقالات، تُعرب عن أنّ لفيفاً من الأُمّة في حياة الرسول وبعده، إلى عصر الخلفاء وبعدهم، كانوا مشهورين بالتشيّع لعليّ، وأنّ لفظة الشيعة ممّا نطق بها الرسول وتبعته الأُمّة عليه.

____________________

(1) الوصيّة: 121.

(2) فِرق الشيعة: 15.

(3) مقالات الإسلاميّين: 1/65.

(4) الملِل والنحل: 1/131.

(5) الفصل في الملِل والنحل: 2/113.


رواد التشيع في عصر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

وإليك أسماء لفيف من الصحابة الشيعة المعروفين بالتشيّع:

1 - عبد الله بن عبّاس. 2 - الفضل بن العبّاس. 3 - عبيد الله بن العبّاس. 4 - قثم بن العبّاس. 5 - عبد الرحمن بن العبّاس. 6 - تمام بن العبّاس. 7 - عقيل بن أبي طالب. 8 - أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب. 9 - نوفل بن الحرث. 10 - عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. 11 - عون بن جعفر. 12 - محمد بن جعفر. 13 - ربيعة بن الحرث بن عبد المُطّلب. 14 - الطفيل بن الحرث. 15 - المغيرة بن نوفل بن الحارث. 16 - عبد الله بن الحرث بن نوفل. 17 - عبد الله بن أبي سفيان بن الحرث. 18 - العبّاس بن ربيعة بن الحرث. 19 - العبّاس بن عُتبة بن أبي لهب. 20 - عبد المُطّلب بن ربيعة بن الحرث. 21 - جعفر بن أبي سفيان بن الحرث.

هؤلاء من مشاهير بني هاشم، وأمّا غيرهم، فإليك أسماء لفيف منهم:

22 - سلمان المحمّدي. 23 - المقداد بن الأسود الكندي. 24 - أبوذر الغفاري. 25 - عمّار بن ياسر. 26 - حذيفة بن اليمان. 27 - خزيمة بن ثابت. 28 - أبو أيّوب الأنصاري. 29 - أبو الهيثم مالك بن التيهان. 30 - أُبي بن كعب. 31 - سعد بن عبادة. 32 - قيس بن سعد بن عبادة. 33 - عدي بن حاتم. 34 - عبادة بن الصامت. 35 - بلال بن رباح الحبشي. 36 - أبو رافع مولى رسول الله. 37 - هاشم بن عتبة. 38 - عثمان بن حُنيف. 39 - سهل بن حُنيف. 40 - حكيم بن جبلة العبدي. 41 - خالد بن سعيد بن العاص. 42 - أبو الحصيب الأسلمي. 43 - هند بن أبي هالة


التميمي. 44 - جعدة بن هبيرة. 45 - حجر بن عدي الكندي. 46 - عمرو بن الحمق الخزاعي. 47 - جابر بن عبد الله الأنصاري. 48 - محمّد بن أبي بكر. 49 - أبان بن سعيد بن العاص. 50 - زيد بن صوحان الزيدي.

هؤلاء خمسون صحابيّاً من الطبقة العليا للشيعة، فمن أراد التفصيل والوقوف على حياتهم وتشيّعهم، فليرجع إلى الكتب المؤلَّفة في الرجال.


الفصل الثاني:

شبهات حول تاريخ الشيعة

قد تعرّفت على تاريخ التشيع، وأنّه ليس وليد الجدال الكلامي، ولا إنتاج السياسات الزمنيّة؛ وإنّما هو وجه آخر للإسلام، وهما وجهان لعملة واحدة، إلاّ أنّ هناك جماعة من المؤرّخين وكتّاب المقالات، ظنّوا أنّ التشيّع أمر حادث وطارئ على المجتمع الإسلامي، فأخذوا يفتّشون عن مبدئه ومصدره، وراحوا يثيرون الشبهات حول تاريخه، وإليك استعراض هذه الشبهات نقداً وتحليلاً.

الشبهة الأُولى:

الشيعة ويوم السقيفة

إنّ مأساة السقيفة جديرة بالقراءة والتحليل، وقد تخيّل لبعض المؤرخين أنّ التشيّع ظهر بعدها.

يقول الطبري: اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة؛ ليبايعوا سعد بن عبادة، فبلغ ذلك أبا بكر، فأتاهم ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هذا؟، فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: منّا الأمراء ومنكم الوزراء - إلى أن


قال: - فبايعه عمر، وبايعه الناس، فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ عليّاً، ثُمَّ قال: أتى عمر بن الخطاب منزل عليّ، وفيه طلحة والزّبير ورجال من المهاجرين، فقال: والله لأحرقنّ عليكم أو لتخرجنّ إلى البيعة، فخرج عليه الزبير مسلطاً بالسيف فعثر، فسقط السيف من يده، فوثبوا عليه فأخذوه.

وقال أيضاً: وتخلّف عليّ والزّبير، واخترط الزبير سيفه، وقال: لا أغمده حتّى يُبَايَع عليّ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فقالا: خذوا سيف الزبير. (1)

يُلاحظ عليه: أنّ هذه النصوص تدلّ على أنّ فكرة التشيّع لعليّ، كانت مختمرة في أذهانهم منذ عهد الرسول إلى وفاته، فلمّا رأت الجماعة أنّ الحق خرج عن محوره، عمدوا إلى التمسّك بالحق بالاجتماع في بيت عليّ، الّذي أوصّاهم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) به طيلة حياته؛ إذ من البعيد جداً أن يجتمع رأيهم على عليّ في يوم واحد في ذلك اليوم العصيب، فالمعارضة كانت استمراراً لما كانوا يلتزمون به في حياة النبيّ، ولم تكن فكرة خلقتها الظروف والأحداث.

كان أبوذر وقت أخذ البيعة غائباً، ولمّا جاء، قال: أصبتم قناعة، وتركتم قرابة، لو جعلتم الأمر في أهل بيت نبيّكم، لَمَا اختلف عليكم اثنان. (2)

وقال سلمان: أصبتم ذا السن، وأخطأتم المعدن، أمّا لو جعلتموه فيهم، ما اختلف منكم اثنان، ولأكلتموها رغداً.

وروى الزبير بن بكار في الموفقيّات: إنّ عامّة المهاجرين، وجلّ الأنصار، كانوا لا يشكّون أنّ عليّاً هو صاحب الأمر.

____________________

(1) تاريخ الطبري: 2/443 - 444.

(2) تاريخ اليعقوبي: 2/103.


وروى الجوهري في كتاب السقيفة: إنّ سلمان والزبير وبعض الأنصار، كان هواهم أن يبايعوا عليّاً.

وروى أيضاً: إنّه لمّا بويع أبو بكر واستقرَّ أمره، ندم قوم كثير من الأنصار على بيعته، ولام بعضهم بعضاً، وهتفوا باسم الإمام عليّ، ولكنّه لم يوافقهم. (1)

ومن المستحيل عادة، اختمار تلك الفكرة بين هؤلاء، في يوم واحد، بل يُعرب ذلك عن وجود جذور لها، قبل رحلة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ويؤكد ذلك نداءاته الّتي ذكرها في حق عليّ وعترته، في مواقف متعدّدة، فامتناع الصحابة عن بيعة الخليفةن ومطالبتهم بتسليم الأمر إلى عليّ؛ إنّما هو لأجل مشايعتهم لعليّ زمن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وما هذا إلاّ إخلاصاً و وفاءاً منهم للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأين هو من تكوّن التشيع يوم السقيفة؟!

الشبهة الثانية:

التشيّع صنيع عبد الله بن سبأ

كتب الطبري في تاريخه يقول:

كان عبد الله بن سبأ يهوديّاً من أهل صنعاء، أُمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثُمَّ تنقّل في بلدان المسلمين يحاول إضلالهم، فبدأ بالحجاز، ثُمَّ البصرة، ثُمَّ الكوفة، ثُمَّ الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشّام، فأخرجوه حتّى أتى

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 6/43 - 44.


مصر، فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول: لعجب ممّن يزعم أنّ عيسى يرجع، ويكذِّب بأنّ محمّداً يرجع، وقد قال الله عز وجل: ( إِنّ الّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادّكَ إِلَى‏ مَعَادٍ ) (1) ، فمحمّد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فقُبل ذلك عنه، ووضع لهم الرجعة، فتكلّموا فيها، ثُمَّ قال لهم بعد ذلك: إنّه كان ألف نبيّ، ولكلّ نبيّ وصيّ، وكان عليّ وصيّ محمّد، ثُمَّ قال: محمّد خاتم الأنبياء، وعليّ خاتم الأوصياء، وإنّ عثمان غاصب حق هذا الوصيّ وظالمه، فيجب مناهضته لإرجاع الحق إلى أهله.

وقد بثّ عبد الله بن سبأ دُعاته في البلاد الإسلاميّة، وأشار عليهم أن يُظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والطعن في الأُمراء، فمال إليه وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين، فيهم الصحابي الكبير، والتابعي الصالح، من أمثال: أبي ذر، وعمّار بن ياسر، ومحمّد بن حذيفة، وعبد الرحمن بن عديس، ومحمّد بن أبي بكر، وصعصعة بن صوحان العبدي، ومالك الأشتر، إلى غيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم، فكانت السبئيّة تثير الناس على ولاتهم، تنفيذاً لخطة زعيمها، وتضع كتباً في عيوب الأمراءن وترسل إلى غير مصرهم من الأمصار، فنتج عن ذلك قيام جماعات من المسلمين؛ بتحريض السبئيّين، وقدومهم إلى المدينة، وحصرهم عثمان في داره؛ حتّى قتل فيها، كلّ ذلك كان بقيادة السبئيّين ومباشرتهم.

إنّ المسلمين بعدما بايعوا علياً، ونكث طلحة والزبير بيعتهما، وخرجا إلى البصرة، رأى السبئيّون أنّ رؤساء الجيشين أخذوا يتفاهمون، وأنّه إن تمّ ذلك

____________________

(1) القصص: 85.


سيؤخذون بدم عثمان، فاجتمعوا ليلاً وقرروا أن يندسّوا بين الجيشين، ويثيروا الحرب بكرة، دون علم غيرهم، وإنّهم استطاعوا أن ينفّذوا هذا القرار الخطير في غلس الليل، قبل أن ينتبه الجيشان المتقاتلان، فناوش المندسّون من السبئيّين في جيش عليّ، من كان بإزائهم من جيش البصرة، ففزع الجيشان وفزع رؤساؤهما، وظنّ كلّ بخصمه شرّاً، ثُمَّ إنّ حرب البصرة وقعت بهذا الطريق، دون أن يكون لرؤساء الجيشين رأي أو علم. (1)

إلى هنا انتهت قصة السبئيّة؛ الّتي ذكرها الطبري في تاريخه.

نظرنا في الموضوع:

1 - إنّ ما جاء في تاريخ الطبري من القصة، لا يصحّ نسبته إلاّ إلى عفاريت الأساطير ومردة الجن؛ إذ كيف يصحّ لإنسان أن يصدّق أنّ يهوديّاً جاء من صنعاء، وأسلم في عصر عثمان، استطاع أنّ يُغري كبار الصحابة والتابعين ويخدعهم، ويطوف بين البلاد، واستطاع أن يكوّن خلايا ضدَّ عثمان، ويستقدمهم إلى المدينة، ويؤلّبهم على الخلافة الإسلاميّة، فيهاجموا داره ويقتلوه، بمرأى ومسمع من الصحابة العدول ومن تبعهم بإحسان، هذا شيء لا يحتمله العقل، وإن وطّن على قبول العجائب والغرائب!!

إنّ هذه القصّة تمسّ كرامة المسلمين والصحابة والتابعين، وتصوّرهم أُمّه ساذجة؛ يغترّون بفكر يهوديٍّ وفيهم السادة والقادة والعلماء والمفكرون.

2 - إنّ القراءة الموضوعيّة للسيرة والتاريخ، تُوقفنا على سيرة عثمان بن

____________________

(1) انظر تاريخ الطبري: 3/378، نقل بتصرف وتلخيص.


عفّان، ومعاوية بن أبي سفيان، فإنّهما كانا يعاقبان المعارضين لهم، وينفون المخالفين ويضربونهم، فهذا أبوذر الغفاري نفاه عثمان من المدينة إلى الربذة؛ لاعتراضه عليه في تقسيم الفيء وبيت المال بين أبناء بيته، كما أنّ غلمانه ضربوا عمّار بن ياسر؛ حتّى أنفتق له فتق في بطنه، وكسروا ضلعاً من أضلاعه. إلى غير ذلك من مواقفهم من مخالفيهم ومعارضيهم، ومع ذلك نرى أنّ رجال الخلافة وعمالها، يغضّون الطرف عمّن يؤلّب الصحابة والتابعين على إخماد حكمهم، وقتل خليفتهم في عقر داره، ويجر الويل والويلات على كيانهم!!

3 - إنّ رواية الطبري، نقلت عن أشخاص لا يصحّ الاحتجاج بهم؛ مثلاً: السري؛ الّذي يروي عنه الطبري، إنّما هو أحد رجلين:

أ - السري بن إسماعيل الهمداني؛ الّذي كذّبه يحيى بن سعيد، وضعّفه غير واحد من الحفّاظ. (1)

ب - السري بن عاصم بن سهل الهمداني؛ نزيل بغداد (المتوفّى عام 258هـ)، وقد أدرك ابن جرير الطبري شطراً من حياته؛ يربو على ثلاثين سنة، كذّبه ابن خراش، ووهّاه ابن عدي، وقال: يسرق الحديث، وزاد ابن حبان: ويرفع الموقوفات؛ لا يحلّ الاحتجاج به، فالاسم مشترك بين كذّابين، لا يهمّنا تعيين أحدهما.

4 - عبد الله بن سبأ، أسطورة تاريخيّة، لأنّ القرائن والشواهد والاختلاف الموجود في حق الرجل ومولده، وزمن إسلامه، ومحتوى دعوته، يُشرف

____________________

(1) ميزان الاعتدال: 2/117.


المحقّق على القول: بأنّ عبد الله بن سبأ، شخصيّة خرافيّة، وضعها القصّاصون، وأرباب السمر والمجون، في عصر الدولتين: الأُمويّة والعباسيّة.

وفي المقام كلام للكاتب المصري الدكتور طه حسين، يدعم كون الرجل أسطورة تاريخيّة، حاكها أعداء الشيعة، نكاية بالشيعة؛ حيث قال:

وأكبر الظنِّ أنّ عبد الله بن سبأ هذا، إنّما قال ودعا إلى ما دعا إليه بعد أن كانت الفتنة، وعظم الخلاف، فهو قد استغلَّ الفتنة ولم يثرها.

إنّ خصوم الشيعة أيّام الأُمويّين والعباسيّين، قد بالغوا في أمر عبد الله بن سبأ هذا، ليشكّكوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان وولاته، من ناحية، وليشنعوا على عليّ وشيعته من، ناحية أُخرى، فيردوا بعض أُمور الشيعة إلى يهوديٍّ أسلم كيداً للمسلمين، وما أكثر ما شنّع خصوم الشيعة على الشيعة؟!، وما أكثر ما شنع الشيعة على خصومهم؛ في أمر عثمان، وفي غير أمر عثمان؟

فلنقف من هذا كلّه، موقف التحفّظ والتحرّج والاحتياط، ولنُكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم وسياستهم وعقولهم ودولتهم، رجل أقبل من صنعاء وكان أبوه يهوديّاً وكانت أُمّه سوداء، وكان هو يهوديّاً ثُمَّ أسلم لا رغباً ولا رهباً، ولكن مكراً وكيداً وخداعاً، ثُمَّ أُتيح له من النجاح ما كان يبتغي، فحرّض المسلمين على خليفتهم حتّى قتلوه، وفرّقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعاً وأحزاباً.

هذه كلّها أُمور لا تستقيم للعقل، ولا تثبت للنقد، ولا ينبغي أنّ تُقام عليها أُمور التاريخ. (1)

____________________

(1) الفتنة الكبرى: 134.


الشبهة الثالثة:

التشيّع فارسي المبدأ أو الصبغة

ثمّة شبهة طرحها المستشرقون؛ الّذين اعتقدوا بأنّ التشيّع ظاهرة طارئة على المجتمع الإسلامي، فأخذوا يفتّشون عن علّتها وسبب حدوثها، حتّى انتهوا إلى القول بأنّ التشيّع فارسي المبدأ أو الصبغة، والترديد بين الأمرين؛ لأجل أنّ لهم في المقام رأيين:

1 - إنّ التشيّع من مخترعات الفرس؛ اخترعوه لأغراض سياسية، ولم يعتنقه أحد من العرب قبل الفرس.

2 - إنّ التشيّع عربي المبدأ، وإنّ لفيفاً من العرب اعتنقوه قبل أن يدخل الفرس في الإسلام، ولمّا أسلموا، اعتنقوه وصبغوه صبغة فارسيّة، لم تكن له من قبل.

أمّا الأُولى، فقد اخترعها المستشرق دوزي، وحاصله: إنّ للمذاهب الشيعي نزعة فارسيّة، لأنّ العرب كانت تدين بالحرّيّة، والفرس تدين بالمُلك والوراثة، ولا يعرفون معنى الانتخاب، ولمّا انتقل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى دار البقاء، ولم يترك ولداً، قالوا عليّ أولى بالخلافة من بعده.

يُلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ التشيّع، حسب ما عرفتْ، ظهر في عصر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو الّذي سمّى أتباع عليّ بالشيعة، وكانوا متواجدين في عصر النبيّ وبعده، إلى زمن لم يدخل أحد من الفرس، سوى سلمان في الإسلام.


إنّ روّاد التشيّع في عصر الرسول والوصي، كانوا كلّهم عرباً، ولم يكن بينهم أيُّ فارسيٍّ، سوى سلمان المحمّدي، وكلّهم يتبنّون فكرة التشيّع.

وثانياً: إنّ التاريخ يدلّنا على أنّ الفرس دخلوا في الإسلام يوم دخلوا، بالصبغة السنيّة، وهذا هو البلاذري يحدّثنا في كتابه، ويقول:

كان ابرويز وجّه إلى الديلم، فأتى بأربعة الآف، وكانوا خدمه وخاصّته، ثُمَّ كانوا على تلك المنزلة بعده، وشهدوا القادسيّة مع رستم، ولمّا قُتل وانهزم المجوس، اعتزلوا، وقالوا: ما نحن كهؤلاء، ولا لنا ملجأ، وأثرنا عندهم غير جميل، والرأي لنا أنّ ندخل معهم في دينهم، فاعتزلوا. فقال سعد: ما لهؤلاء، فأتاهم المغيرة بن شعبة، فسألهم عن أمرهم، فأخبروه بخبرهم، وقالوا: ندخل في دينكم، فرجع إلى سعد، فأخبره، فأمنهم. فأسلموا وشهدوا فتح المدائن مع سعد، وشهدوا فتح جلولاء، ثُمَّ تحوّلوا فنزلوا الكوفة مع المسلمين. (1)

لم يكن إسلامهم يومذاك، إلاّ كإسلام سائر الشعوب، فهل يمكن أن يقال: إنّ إسلامهم يومذاك كان إسلاماً شيعيّاً.

وثالثاً: إنّ الإسلام كان يمشي بين الفرس بالمعنى الّذي كان يمشي في سائر الشعوب، ولم يكن بلد من بلاد إيران معروفاً بالتشيّع، إلى أن انتقل قسم من الأشعريّين الشيعة إلى قم وكاشان، فبذروا بذرة التشيّع، وكان ذلك في أواخر القرن الأوّل، مع أنّ الفرس دخلوا في الإسلام في عهد الخليفة الثاني - أي في سنة 17هـ، وهذا يعني أنّه قد انقضت عشرات الأعوام، ولم يكن عندهم أثر من التشيّع.

____________________

(1) فتوح البلدان: 279.


شهادة المستشرقين على أنّ التشيّع عربي المبدأ:

إنّ لفيفاً من المستشرقين وغيرهم، صرّحوا بأنّ العرب اعتنقت التشيّع قبل الفرس، وإليك نصوصهم:

1 - قال الدكتور أحمد أمين: إنّ الفكر الفارسيّ استولى على التشيّع؛ لقدمه على دخول الفرس في الإسلام، وقال: والّذي أرى؛ كما يدلّنا التاريخ، أنّ التشيّع لعليّ بدأ قبل دخول الفرس إلى الإسلام، ولكن بمعنى ساذج، ولكن هذا التشيّع أخذ صبغة جديدة بدخول العناصر الأُخرى في الإسلام، وحيث إنّ أكبر عنصر دخل في الإسلام، الفرس، فلهم أكبر الأثر في التشيّع. (1)

2 - قال المستشرق فلهوزن: كان جميع سكان العراق - في عهد معاوية - خصوصاً أهل الكوفة،شيعة، ولم يقتصر هذا على الأفراد، بل شمل، خصوصاً، القبائل ورؤساء القبائل. (2)

3 - وقال المستشرق جولد تسيهر: إنّ من الخطأ القول بأنّ التشيّع ومراحل نموّه، يمثّل الأثر التعديلي الّذي أحدثته أفكار الأُمم الإيرانيّة في الإسلام، بعد أن اعتنقته، أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية، وهذا الوهم الشائع؛ مبنيٌّ على سوء فهم الحوادث التاريخيّة؛ فالحركة العلويّة نشأت في أرض عربيّة بحتة. (3)

____________________

(1) فجر الإسلام: 176.

(2) الخوارج والشيعة: 113.

(3) العقيدة والشريعة: 204.


4 - يقول المستشرق آدم متز: إنّ مذهب الشيعة ليس كما يعتقد البعض رد فعل من جانب الروح الإيرانيّة يخالف الإسلام، فقد كانت جزيرة العرب شيعة كلّها عدا المدن الكبرى، مثل مكة وتهامة وصنعاء، وكان للشيعة غلبة في بعض المدن أيضاً، مثل عُمان وهجر وصعدة، أمّا إيران، فكانت كلّها سنّة ما عدا قم، وكان أهل اصفهان يغالون في معاوية حتّى اعتقد بعض أهلها انّه نبيّ مرسل. (1)

5 - يقول الشيخ أبو زهرة: إنّ الفرس تشيّعوا على أيدي العرب، وليس التشيّع مخلوقاً لهم، ويُضيف: وأمّا فارس وخراسان وما وراءهما من بلدان الإسلام، فقد هاجر إليها كثيرون من علماء الإسلام الذين كانوا يتشيّعون، فراراً بعقيدتهم من الأُمويّين أوّلاً، ثُمَّ العباسيّين ثانياً، وإنّ التشيّع كان منتشراً في هذه البلاد انتشاراً عظيماً قبل سقوط الدولة الأُموية بفرار أتباع زيد ومن قبله إليها. (2)

6 - قال السيِّد الأمين: إنّ الفرس الّذين دخلوا الإسلام لم يكونوا شيعة في أوّل الأمر إلاّ القليل، وجلّ علماء السنّة وأجلاّؤهم من الفرس، كالبخاري والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم النيسابوري والبيهقي، وهكذا غيرهم ممّن أتوا في الطبقة التالية. (3)

____________________

(1) الحضارة الإسلامية: 102.

(2) الإمام جعفر الصادق: 545.

(3) أعيان الشيعة: 1/33.


تحليل النظريّة الثانيّة:

إنّ هذه النظريّة وإن كانت تعترف بأنّ التشيّع عربي المولد والمنشأ، ولكنّها تدّعي أنّه اصطبغ بصبغة فارسيّة بعد دخول الفرس في الإسلام.

يقول فلهاوزن: إنّ آراء الشيعة كانت تلائم الإيرانيّين، أمّا كون هذه الآراء قد انبثقت من الإيرانيّين، فليست تلك الملائمة دليلاً عليه، بل الروايات التاريخيّة تقول بعكس ذلك؛ إذ تقول إنّ التشيع الواضح الصريح كان قائماً أوّلاً في الأوساط العربيّة، ثُمَّ انتقل بعد ذلك منها إلى الموالي، وجمع بين هؤلاء وبين تلك الأوساط.

ولكن لمَّا ارتبطت الشيعة العربيّة بالعناصر المضطهدة تخلّت عن تربية القوميّة العربيّة، وكانت حلقة الارتباط هي الإسلام، ولكنّه لم يكن ذلك الإسلام القديم، بل نوعاً جديداً من الدين. (1)

أقول: إنّ مراده أنّ التشيع كان في عصر الرسول وبعده بمعنى الحب والولاء لعليّ، لكنّه انتقل بيد الفرس إلى معنى آخر؛ وهو كون الخلافة أمراً وراثيّاً في بيت عليّ (عليه السّلام)، هذا هو الّذي يصرّح به الدكتور أحمد أمين ويقول: إنّ الفكر الفارسي استولى على التشيّع، والمقصود من الاستيلاء، هو جعل الخلافة أمراً وراثيّاً كما كان الأمر كذلك بين الفرس في عهد ملوك بني ساسان وغيرهم.

يلاحظ عليه: أنّ كون الحكم والملك أمراً وراثيّاً لم يكن من خصائص

____________________

(1) الخوارج والشيعة: 169.


الفرس، بل وراثيّة الحكم كانت سائدة في جميع المجتمعات، فالنظام السائد بين ملوك الحيرة وغسّان وحمير في العراق والشام واليمن كان هو الوراثة، والحكم في الحياة القبلية في الجزيرة العربيّة كان وراثيّاً، والمناصب المعروفة لدى قريش؛ من السقاية والرفادة وعمارة المسجد الحرام والسدانة، كانت أُموراً وراثيّة، حتّى أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يغيّرها، بل أنّه أمضاها، ومن هنا نرى أنّه قد دفع مفاتيح البيت لبني شيبة؛ لما كانت السدانة منصباً لهم أيّام الجاهليّة، فتخصيص الفرس بالوراثة وغمض العين عن غيرهم أمر عجيب!!، فعلى ذلك يجب القول إنّ التشيّع اصطبغ بصبغة فارسيّة وغسّانيّة وحميريّة وأخيراً عربيّة، فما معنى تخصيص فكرة الوصاية بالفرس - مع كونها آنذاك - فكرة عامّة عالميّة؟!


الفصل الثالث:

في بيان متطلّبات الظروف في

عصر الرسول في مجال القيادة الإسلاميّة

لا شك أنّ الدين الإسلامي دين عالمي، وشريعة خاتمة، وقد كانت قيادة الأُمّة من شؤون النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ما دام على قيد الحياة، ثُمَّ إنّه وقع الاختلاف بين أصحاب المقالات والفِرق في صيغتها بعد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فهل كانت متبلورة في صيغة النص أو في انتخاب الأُمّة؟

الشيعة ترى أنّ القيادة منصب تنصيصي، والّذي ينصّ على خليفة الرسول هو الله سبحانه عن طريقه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، بينما يرى أهل السنّة غير ذلك، ولكلّ من الاتّجاهين دلائل وبراهين، والمقصود هنا دراسة متطلّبات الظروف وتقييمها في عصر الرسالة، فهل كانت المصالح تكمن في تعيين القائد أو كانت تكمن في خلافه؟، فدراستها تسلّط الضوء على البحث الثالث وهو وجود النص من الرسول وعدمه، وإليك بيان ذلك:

إنّ الظروف السياسيّة الّتي كانت سائدة في المنطقة، كانت توجب على الرسول أن يعيّن القائد، وكانت المصلحة الإسلاميّة تقتضي ذلك؛ لأنّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثلاثي: الروم، الفرس، المنافقين؛


وخطرهم يتمثّل بشن هجوم مفاجئ كاسح، أو إلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين، فمصالح الأُمّة كانت توجب توحيد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر الخارجي والداخلي، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده، وبذلك يسدّ الطريق على نفوذ العدو في جسم الأُمّة الإسلاميّة والسيطرة عليها، وعلى مصيرها، وبذلك يخسر الّذين كانوا يتآمرون على ضرب الإسلام بعد وفاة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

أمّا العدو الأوّل، فقد كان الإمبراطورية الرومانيّة الّتي كانت تشكّل أحد أضلاع المثلّث الخطر الّذي كان يحيط بالكيان الإسلامي ويهدده من الخارج.

وكانت هذه القوة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربيّة، وكانت تشغل بال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) على الدوام، حتّى أنّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتّى لحظة الوفاة والالتحاق بالرفيق الأعلى.

وكانت أوّل مواجهة عسكريّة بين المسلمين والجيش الرومي، في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين، وقد أدتّ هذه المواجهة إلى مقتل القادة العسكريّين البارزين الثلاثة؛ وهم: جعفر الطيار، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة.

ولقد أدّى انسحاب الجيش الإسلامي بعد مقتل القادة المذكورين، إلى تزايد جرأة الجيش الرومي، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش.

من هنا خرج رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في السنة التاسعة للهجرة (غزوة تبوك) على رأس جيش كبير جداً إلى حدود الشام ليقود بنفسه المواجهة العسكرية، وقد


استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد للأُمّة الإسلامية هيبتها من جديد.

أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الّذي كان يهدد الكيان الإسلامي، فكان الامبراطوريّة الفارسيّة. وقد بلغ غضب هذه الامبراطوريّة على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومعاداتها لدعوته، أن أقدم إمبراطور إيران (خسروپرويز) على تمزيق رسالة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وتوجيه الإهانة إلى سفيره بإخراجه من بلاطه والكتابة إلى واليه في اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أو يقتله إن امتنع.

وخسرو هذا وإن قُتل في زمن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، إلاّ أنّ استقلال اليمن الّتي رزحت تحت استعمار الإمبراطورية الفارسيّة ردحاً طويلاً من الزمن، لم يغب عن نظر ملوك إيران آنذاك، وكان غرور أُولئك الملوك وتجبّرهم وكبرياؤهم، لا يسمح بتحمّل منافسة القوة الجديدة (القوة الإسلاميّة) لهم.

والخطر الثالث؛ وهو الأعظم؛ كان هو خطر حزب النفاق الّذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس، على تقويض دعائم الكيان الإسلامي من الداخل، إلى درجة أنّهم حاولوا اغتيال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في طريق العودة من تبوك إلى المدينة.

فقد كان بعض عناصر هذا الحزب يقول في نفسه: إنّ الحركة الإسلاميّة سينتهي أمرها بموت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ورحيله، وبذلك يستريح الجميع!

فهل مع وجود مثل هؤلاء الأعداء الأقوياء الّذين كانوا يتربّصون بالإسلام الدوائر، ويتحيّنون الفرص للقضاء عليه، يصحّ أن يترك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أُمّته


الحديثة العهد بالإسلام، الجديدة التأسيس، من دون أن يعيّن لهم قائداً دينيّاً سياسيّاً؟!

إنّ المعطيات الاجتماعيّة توحي بأنّه كان من الواجب أن يدفع رسول الإسلام، بتعيين قائد للأُمّة، ظهور أي اختلاف وانشقاق فيها من بعده، ويضمن بذلك استمرار وبقاء الأُمّة الإسلاميّة، وإيجاد حصن قوي وسياج دفاعي متين حولها.

إنّ تحصين الأُمّة وصيانتها من الحوادث المشؤومة، والحيلولة دون مطالبة كلّ فريق الزعامة لنفسه دون غيره، وبالتالي التنازع على مسألة الخلافة والزعامة، لم يكن متحققاً إلاّ بتعيين قائد للأُمّة، وعدم ترك الأُمور للأقدار.

إنّ هذه المحاسبة الاجتماعيّة تهدينا إلى صحّة نظريّة (التخصيص على القائد بعد الرسول)، ولعلّه لهذه الجهة ولجهات أُخرى، طرح الرسول مسألة الخلافة في بدء الدعوة، واستمر بذلك إلى آخر ساعة من عمره الشريف.

***

إنّ الرسول الأكرم لم تقتصر مسؤوليّاته على تلقّي الوحي الإلهي وإبلاغ الآيات النازلة عليه، بل كانت تتجاوز ذلك كثيراً، فقد كانت وظائف ثلاث تقع على عاتقه، بالإضافة إلى ما يقوم به من سائر الوظائف:

1 - كان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يفسّر الكتاب العزيز، ويشرح مقاصده، ويبيّن أهدافه، ويكشف رموزه وأسراره.


2 - وكان يبيّن أحكام الحوادث الجديدة الطارئة على المجتمع الإسلامي، عن طريق القرآن الكريم وسنّته.

3 - وكان يصون الدين من التحريف والدَّس، فكان وجوده مدار الحق وتمييزه عن الباطل، وكانت حياته ضماناً لعدم تطرّق الدسّ والتحريف إلى دينه.

ولا شكّ أنّ موت النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وفقدانه، سيوجدان فراغات هائلة في المجالات الثلاثة، فيجب إعداد قائد له القابليّة والصلاحيّة في سدّ تلك الفراغات، لا يقوم به إلاّ من كان يتمتّع به الرسول؛ عدا خصيصة النبوّة وتلقّي الوحي، فيكون وعاء علم النبيّ ومخزن أسراره ومودع حكمه حتّى يقوم بتلك الوظيفة العظيمة.

ومن الواضح أنّ هذه الكفاءات والمؤهّلات المعنويّة، لا تحصل لشخص بطريق عادي، ولا بالتربية البشرية المتعارفة، بل لابدّ من إعداد إلهي خاص، وتربية إلهيّة خاصّة، هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يمكن للأُمّة أن تتعرّف بنفسها على هذا الشخص، وتكتشف من تتوفّر فيه تلك المؤهّلات والكفاءات بالطرق العادية.

كلّ ذلك يُثبت نظريّة التنصيص وإنّه لا محيص عن تعيين القائد بتنصيص الرسول بأمر من الله سبحانه؛ أي تنصيب من يتّصف بتلك الكفاءات الّتي لا يكتسبها إلاّ من تربّى في حضن الرسالة والرسول.


الفصل الرابع:

ما هو مقتضى الكتاب والسنّة

في صيغة الخلافة بعد الرَّسول؟

إنّ مقتضى الكتاب والسنّة في صيغة القيادة بعد الرسول، هو التنصيص، لا التفويض إلى الأُمّة، ولا ترك الأمر إلى الظروف والصدف. فنقدّم الكلام في السنّة، فإنّها صريحة في التعيين، وأمّا الكتاب، فسيأتي البحث عنه.

فنقول: إنّ سيرة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ونصوصه، وفي مواقف مختلفة، تُثبت بوضوح أنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) غرس النواة الأُولى في أمر القيادة منذ أن أصحر بالدعوة وتعاهدها إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة.

وهذه النصوص من الكثرة والوفرة بحيث إنّه لا يمكن استيعابها ولا ذكر كثير منها، ويكفينا مؤونة ذلك الموسوعات الحديثيّة في المناقب والفضائل والمؤلفات الكلاميّة في أمر الولاية. ونحن نكتفي بالقليل من الكثير.

[ مرجعيَّة أهل البيت السّياسيَّة بعد الرسول: ]

1 - التنصيص على الخليفة في حديث بدء الدعوة:

بُعث الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لهداية الناس وإخراجهم من الوثنيّة إلى التوحيد، ومن


الشر إلى الخير، ومن الشقاء إلى السعادة، وكانت الظروف المحدقة به قاسية جداً؛ لأنّه بُعث في أُمّة عريقة في الوثنيّة، ويخاطبهم سبحانه: ( لِتُنذِرَ قَوْماً مّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) (1) ، فأخذ بالدعوة سرّا،ً ونشر دينه خفاء سنوات عديدة، إلى أن نزل قوله سبحانه: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (2) ، فعند ذلك أمر الرسول، عليّ بن أبي طالب؛ وهو شاب يافع يتراوح عمره بين 13 إلى 15 سنة، أمره رسول الله أن يعدّ طعاماً ولبناً، ثُمَّ دعا 45 رجلاً من سُراة بني هاشم ووجوههم، وبعد أن فرغوا من الطعام، قال رسول الله: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله الّذي لا إله إلاّ هو إنّي رسول الله إليكم خاصّة وإلى الناس عامّة، والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنّها الجنة أبداً أو النار أبداً».

ثُمَّ قال: «يا بني عبد المطلب، إنّي والله ما أعلم شابّاً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله عزَّ وجلَّ أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على هذا الأمر، على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم».

ولمّا بلغ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى هذا الموضع، وقد أمسك القوم وسكتوا عن آخرهم، قام عليّ (عليه السّلام) فجأة وقال: «أنا يا رسول الله أكون وزيرك على ما بعثك الله»، فقال له رسول الله: اجلس، ثُمَّ كرر دعوته ثانية وثالثة، وفي كلّ مرّة يحجم القوم عن تلبية دعوته، ويقوم عليّ ويعلن استعداده لمؤازرة النبيّ ويأمره رسول الله بالجلوس، حتّى إذا كان في المرّة الثالثة، أخذ رسول الله بيده، والتفت إلى

____________________

(1) يس: 6.

(2) الشعراء: 214.


الحاضرين من عشيرته الأقربين، وقال: «إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا». (1)

وينبغي الإشارة إلى نكتة؛ وهي أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أعلن وزيره وخليفته ووصيّه يوم أعلن رسالته، وكأنّهما فرقدان في سماء الوحي لا يفترقان، وما القيادة بعد النبيّ إلاّ استمرار لوظائف النبوّة، وإن كانت النبوّة مختومة؛ ولكن الوظائف والمسؤوليّات كانتا مستمرّتين.

2 - حديث المنزلة:

روى أصحاب السير والحديث، أنّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) خرج إلى غزوة تبوك وخرج الناس معه، فقال له عليّ: «أخرج معك؟» فقال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «لا»، فبكى عليّ، فقال له رسول الله: «أمَا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى؛ إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي، إنّه لا ينبغي أن أذهب إلاّ وأنت خليفتي».

أخرجه البخاري في صحيحه (2) ، والاستثناء يدلّ على ثبوت ما لهارون من المناصب لعلي، سوى النبوّة.

3 - حديث الغدير:

إنّ حديث الغدير من الأحاديث المتواترة؛ رواه الصحابة والتابعون والعلماء في كلّ عصر وجيل، ولسنا بصدد إثبات تواتره وذكر مصادره، فقد

____________________

(1) مسند أحمد: 1/111، تاريخ الطبري: 2/62 - 63، الكامل في التاريخ: 2/40 - 41.

(2) صحيح البخاري: 5/ باب فضائل أصحاب النبيّ، باب مناقب عليّ.


قام غير واحد من المحقّقين بهذه المهمّة، وإنّما الهدف إيقاف القارئ على نصوص الخلافة في حق عليّ، حتّى يقف على أنّ النبيّ الأعظم هو الباذر الأوّل لبذرة التشيّع والدعوة إلى عليّ بالإمامة والوصاية، وعلى أنّ مسألة التشيّع قد نشأت قبل رحلته، ونذكر في المقام ما ذكره ابن حجر، وقد اعترف بصحة سنده، يقول: إنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) خطب بغدير خم؛ تحت شجرات، فقال: «أيّها الناس؛ إنّه قد نبّأني اللطيف الخبير أنّه لم يعمر نبيّ إلاّ نصف عمر الّذي يليه من قبله، وإنّي لأظنّ أن يوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي مسؤول وإنّكم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟».

قالوا: نشهد إنّك قد بلّغت وجهدت ونصحت، فجزاك الله خيراً.

فقال: «أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، وأنّ جنّته حقّ، وأنّ ناره حقّ، وأنّ الموت حقّ، وأنّ البعث حقّ بعد الموت، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور؟».

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال: (اللّهم اشهد)، ثُمَّ قال: «يا أيّها الناس، إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا - يعني عليّاً - مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه».

ثُمَّ قال: «يا أيّها الناس، إنّي فرطكم وإنّكم واردون عليّ الحوض، حوض أعرض ممّا بين بصرى إلى صنعاء، فيه عدد النجوم قدحان من فضة، وإنّي سائلكم حين تردون عليّ عن الثقلين، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما، الثقل الأكبر كتاب الله عزّ وجلّ، سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فاستمسكوا به لا تضلّوا


ولا تبدلّوا، وعترتي أهل بيتي، فإنّه نبأنّي اللطيف الخبير أنّهما لن ينقضيا حتّى يردا عليّ الحوض». (1)

وأخرجه غير واحد من أئمة الحديث، منهم: الإمام أحمد في مسنده (2) ، والحاكم في مستدركه (3) ، والنسائي في خصائصه (4) .

ولو أردنا استقصاء مصادر الحديث ومسانيده ورواته، من الصحابة والتابعين والعلماء، لأحوجنا ذلك إلى تأليف مفرد، وقد قام بحمد الله أعلام العصر ومحقّقوه بذلك المجهود.

والمهمّ هو دلالة الحديث على الولاية العامّة والخلافة الكبرى لعليّ بعد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ويكفي في ذلك التدبّر في الأُمور التالية:

1 - إنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال في خطبته: «أنا أولى بهم من أنفسهم» ، ثُمَّ قال: «فمن كنت مولاه»، وهذه قرينه لفظيّة على أنّ المراد من المولى هو الأولى، فالمعنى: إنّ الله أولى بي من نفسي، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ومن كنت أولى به من نفسه، فعليّ أولى به من نفسه، وهذا هو معنى الولاية الكبرى للإمام (عليه السّلام).

2 - ذيل الحديث؛ وهو قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه»، وفي بعض الطرق: «وانصر من نصره، واخذل من خذله» ، فإنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لمّا نصبه إماماً

____________________

(1) الصواعق: 43 - 44.

(2) مسند الإمام أحمد: 4/372.

(3) مستدرك الحاكم: 3/109.

(4) الخصائص العَلَويّة: 21.


على الأُمّة بعده، كان يعلم أنّ تطبيق هذا الأمر رهن توفر الجنود والأعوان وطاعة أصحاب الولايات والعمّال، مع علمه بأنّ في الملأ من يحسده، وفيهم من يحقد عليه، وفي زمرة المنافقين من يضمر له العداء، فعاد يدعو لمن والاه ونصره، وعلى من عاداه وخذله، ليتمّ أمر الخلافة، وليعلم الناس أنّ موالاته موالاة الله، وأنّ عداءه عداؤه.

والحاصل: إنّ هذا الدعاء لا يناسب إلاّ من نصب زعيماً للإمامة والخلافة.

3 - إنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) صدّر كلامه بأخذ الشهادة من الحضّار بأن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، ثُمَّ قال: «إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم»، فقال: «فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه».

4 - إنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ذَكَر قبل بيان الولاية قوله: «كأنّي دعيت فأجبت» ، أو أما ما قرب من ذلك، وهو يُعرب أنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يبق من عمره إلاّ قليل، يحاذر أن يدركه الأجل، فأراد سدَّ الفراغ الحاصل بموته ورحلته بتنصيب عليّ إماماً وقائداً من بعده.

هذه القرائن وغيرها، الموجودة في كلامه، تُوجب اليقين بأنّ الهدف من هذا النبأ في ذلك المحتشد العظيم؛ ليس إلاّ إكمال الدين وإتمام النعمة، من خلال ما أعلن عنه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّ عليّاً قائد وإمام الأُمّة.

شبهتان واهيتان:

ثمّة لفيف من الناس؛ ممّن يعاند الحقيقة ولا يرضى بقبولها، أبدى شبهتين ضعيفتين، نذكرهما على وجه الإجمال:


الشبهة الأُولى:

إنّ المولى يُراد به معان مختلفة، فمنها المحبّ والناصر، فمِن أين عُلم أنّ المراد بها المتولِّي، والمالك للأمر، والأولى بالتصرّف؟

يُلاحظ عليه: أنّ لفظ المولى ليس له إلاّ معنى واحد وهو الأولى. قال سبحانه: ( فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ) (1) .

وقد فسّره غير واحد من المفسّرين؛ بأنّ المراد أنّ النار أولى بكم، غير أنّ الّذي يجب التركيز عليه؛ هو أنّ الأولى هو المعنى الوحيد للمولى، وأنّ كلّ ما ذكر من المعاني المختلفة له إنّما هي من موارد استعماله ومتعلّقاته.

الشبهة الثانية:

المراد أنّه أولى بالإمامة مآلاً، وإلاّ كان هو الإمام مع وجود النبيّ، ولا تَعَرُّض فيه لوقت المآل، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمّة الثلاثة عليه. (2)

وهذه الشبهة من الوهن بمكان، وذلك لأنّه لا يجتمع مع حكمة المتكلّم وبلاغته، ولا مع شيء من أفعاله العظيمة وأقواله الجسيمة، وهو يستلزم أن لا تعمّ ولايته جميع الناس والحضّار، فيخرج عن ولايته الخلفاء الثلاثة، مع أنّ الشيخين

____________________

(1) الحديد: 15.

(2) الصواعق المحرقة: 44.


حينما سمعا قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قالا له: بخٍ بخٍ لك يا عليّ، أمسيت مولاي ومولى كلَّ مؤمن ومؤمنة. (1)

مرجعية أهل البيت الفكريّة بعد الرّسول:

دلّت الأحاديث السابقة على أنّ الزعامة السياسية والخلافة بعد الرسول تتمثّل في عليّ وعترته، وهناك أحاديث متوفرّة تسوقنا إلى مرجعيّتهم الفكريّة، منها:

4 - حديث الثقلين:

إنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أيقظ الغافلين، وبيّن مرجع الأُمّة بعد رحلته بهتافه المدوّي، وقال: «يا أيّها الناس، إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي». (2)

وأخرجه غير واحد من كبار المحدّثين، منهم: الإمام أحمد في مسنده (3) ، والحاكم في مستدركه. (4)

5 - حديث السفينة:

إنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يشبّه أهل بيته بسفينة نوح، ويقول: «ألا إنّ مثَل أهل بيتي

____________________

(1) مسند أحمد: 4/281.

(2) كنز العمّال: 1/44.

(3) مسند أحمد: 5/182.

(4) المستدرك: 3/148.


فيكم مثَل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق». (1)

ومن المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق، لأنّ هذه المنزلة ليست إلاّ لحجج الله ولفيف من أهل بيته.

والمراد من تشبيهّهم (عليهم السّلام) بسفينة نوح: إن من لجأ إليهم في الدّين؛ فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمتهم الميامين نجا من عذاب الله، ومن تخلّف عنهم كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ ذاك غرق في الماء، وهذا غرق في الجحيم.

وفي هذه الأحاديث الخمسة غنى وكفاية لطلاّب الحق.

الأئمة الاثنا عشر في حديث الرسول:

إنّ هناك روايات تحدّد وتعيّن عدد الأئمّة بعد الرسول وإن لم تذكر أسماءهم، ولكنّها تذكر سماتهم، وهذه هي أحاديث الأئمة الاثني عشر، رواها أصحاب الصحاح والمسانيد، نذكرها إكمالاً للبحث:

1 - أخرج البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله، يقول: «يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: «كلّهم من قريش». (2)

2 - أخرج مسلم عنه أيضاً، قال: دخلت مع أبي على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فسمعته

____________________

(1) المستدرك: 3/151.

(2) صحيح البخاري: 9/101، كتاب الأحكام، الباب 51.


يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة»، قال: ثُمَّ تكلّم بكلام خفي علَيّ، قال فقلت لأبي: ما قال؟،[، فقال أبي:إنّه] قال: «كلّهم من قريش». (1)

3 - أخرج مسلم عنه أيضاً، يقول: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ، ثُمَّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟[، فقال أبي:إنّه] قال: «كلّهم من قريش». (2)

4 - أخرج مسلم عنه أيضاً، قال: انطلقت إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومعي أبي، فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة»، فقال كلمة صمَّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟[، فقال أبي:إنّه] قال: «كلّهم من قريش». (3)

5 - أخرج مسلم عنه أيضاً، قال: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يوم جمعة، عشيّة رجم الأسلمي، يقول: «لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش». (4)

إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أنّ الأئمّة بعد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) اثنا عشر، وقد جاء فيها سماتهم وصفاتهم وعددهم، غير أنّ المهم هو تعيين مصاديقها والإشارة إلى أعيانها وأشخاصها، ولا تعلم إلاّ بوجود السمات الواردة في هذه الأحاديث فيهم، وأمّا السمات الواردة فيها، فإليك مختصرها:

1 - لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة.

2 - لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً.

3 - لا يزال الدين قائماً.

____________________

(1 - 4) صحيح مسلم: 6/3 - 4.


وقد وردت سمات أخرى في أحاديث أُخرى، لم نذكرها هنا اختصاراً، وهي:

4 - لا يزال أمر أُمّتي صالحاً.

5 - لا يزال أمر هذه الأُمة ظاهراً.

6 - حتّى يمضي فيهم اثنا عشر.

7 - ما وليهم اثنا عشر خليفة، كلُّهم من قريش.

8 - عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل. (1)

وهذه السمات والخصوصيّات لا توجد مجتمعة إلاّ في الأئمّة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين. وتلك الأحاديث من أنباء الغيب ومعجزات النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، خصوصاً إذا ضمّت إليها أحاديث الثقلين والسفينة، وكون أهل بيت النبيّ أماناً لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء.

فالأئمّة الاثنا عشر المعروفون بين المسلمين، أوّلهم عليّ أمير المؤمنين وآخرهم المهدي، تنطبق عليهم تلك العلائم.

مقتضى الكتاب في صيغة القيادة بعد الرسول:

قد نزلت آيات في مجال القيادة بعد الرسول؛ أوضحها آية الولاية في سورة المائدة، فنحن نأتي بها مع ما يتقدّمها؛ حتّى تتّضح دلالتها: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبّهُمْ وَيُحِبّونَهُ

____________________

(1) راجع بحوث في الملل والنحل: 6/58 - 60.


أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالّذِينَ آمَنُوا فَإِنّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (1) .

وقبل الاستدلال بالآية، نذكر شأن نزولها.

روى المفسّرون عن أنس بن مالك وغيره، أنّ سائلاً أتى المسجد وهو يقول: من يُقرض المليّ الوفي، وعليّ راكع يشير بيده للسائل: اخلع الخاتم من يدي، فما خرج أحد من المسجد حتّى نزل جبرئيل بـ: ( إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا الّذِينَ يُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) .

وإليك تفصيل الآية:

1 - الولي والمولى والأولى بمعنى واحد، قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل». وقال: «يا عليّ، أنت وليّ كلّ مؤمن من بعدي» ، ولو أُطلق على الناصر والمحبّ، فهو كإطلاق المولى عليهما.

وقد عرفت أنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد وهو الأولى، فلو أُطلق على الناصر والمحبّ؛ فلأجل أنّ المحبّ أولى بالدفاع عن محبوبه والتزامه بنصرته، والصديق أولى بحماية صديقه، فتفسير الوليّ بالمحبّ والناصر والصديق من باب خلط المتعلّق بالمفهوم.

2 - لو كان المراد من الولي هو الناصر وما أشبهه يلزم الاكتفاء بقوله: ( إِنّمَا

____________________

(1) المائدة: 54 - 56.


وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا ) من دون حاجة إلى التقييد بإيتاء الزكاة حال الركوع.

3 - لو كان الوليّ بمعنى الناصر أو المحبّ يلزم وحدة الوليّ والمولى عليه في قوله: ( وَالّذِينَ آمَنُوا ) ، وما هذا إلاّ لأنّ كلّ مؤمن ناصر لأخيه المؤمن ومحبّ له، مع أنّ ظاهر الآية أنّ هناك ثلاثة أولياء، هم: الله، رسوله، المؤمنون بالشروط الثلاثة؛ ولا يتحقّق ذلك إلاّ بتقسيم الوليّ الزعيم والمتصرّف في شؤون المولّى عليه، فهؤلاء الثلاثة أولياء وغيرهم مولّى عليهم.

4 - فإذا كانت الحال كذلك، فلماذا أفرد الوليّ، ولم يجمعه؟ والجواب عنه واضح: وهو أنّه أفرده لإفادة أنّ الولاية لله على طريق الأصالة، وللرسول والمؤمنين على سبيل التبع، ولو قيل: إنّما أولياؤكم الله ورسوله والّذين آمنوا، لم يكن في الكلام أصل وتبع.

5 - إنّ قوله: ( الّذِينَ يُقِيمُونَ ) ، بدل من ( الّذِينَ آمَنُوا ) ، كما أنّ الواو في قوله ( وَهُمْ رَاكِعُونَ ) للحال، وهو حال من قوله ( َيُؤْتُونَ الزّكَاةَ ) ؛ معنى ذلك أنّهم يؤتونها حال ركوعهم في الصلاة.

6 - إذا كان المراد من قوله: ( الّذِينَ آمَنُوا ) هو الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، فلماذا جِيء بلفظ الجماعة؟

والجواب: جِيء بها ليُرغّب الناس في مثل فعله لينالوا مثل ثوابه؛ ولينبّه على أنّ سجيّة المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية؛ من الحرص على البرّ والإحسان وتفقّد الفقراء؛ حتّى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير وهم في الصلاة، لم يؤخّروه إلى الفراغ منها.


7 - إنّما ذَكَر من صفات الوليّ من الّّذين آمنوا إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ لأنّهما ركنان عظيمان للإسلام؛ ووظيفتان رئيسيّتان للقائد، وهو أن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة.

وعلى كل حال، فتقييد الوليّ من المؤمنين بالأوصاف الثلاثة، وتقييد إيتاء الزكاة بحال الركوع يجعل الكلّي مخصصاً في فرد واحد؛ وهو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام).

ونحن نكتفي من البرهنة على خلافة الإمام بهذه الآية، وهناك آيات استدلّ بها الأصحاب على ولاية الإمام ونفي ولاية الغير، أوضحنا مداليلها في مؤلّفاتنا الكلاميّة.


الفصل الخامس:

ما هو السرُّ

في مخالفة الجمهورنصَّ الرّسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؟

لقد ظهرت الحقيقة بأجلى صورها، وثبت أنّ الرسول لم يرحل عن أُمّته إلاّ بعد أن نصب عليّاً للخلافة والقيادة، ولكن هناك سؤال يطرح نفسه، وهو: إنّه لو كان الحق كما نطقت به النصوص كتاباً وسنّة، فلماذا أعرض الجمهور عمّا أُمروا أن يتمسّكوا به؟

والإجابة عن الشبهة سهلة لمن راجع التاريخ وسيرة الصحابة في عصر الرسول وبعده، فإنّ القرآن الكريم رغم أمره باتّباع الرسول وعدم التقدّم عليه، ورغم أمره بالتّسليم له وأنّ الإيمان رهنه، ورغم أنّه يندد ببعض المسلمين الّذين كانوا يتمنّون طاعة الرسول لهم في بعض المواقف، وقال: ( وَاعْلَمُوا أَنّ فِيكُمْ رَسُولَ اللّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتّمْ ) (1) . رغم كلّ ذلك، نُشاهد رجالاً يقفون أمام النبيّ في غير واحد من المواقف، ويخالفونه بعنف وقوّة، ويقدّمون الاجتهاد والمصالح الشخصيّة على أوامر الرسول في مواطن كثيرة، وإليك نزراً يسيراً منها، وبالإلمام بها تسهل

____________________

(1) الحجرات: 7.


عليك الإجابة عن السّر في مخالفة عدّة من الأصحاب لأمر النبيّ في مسألة الوصاية والقيادة.

1 - اختلافهم مع النبيّ في الأنفال والأسرى:

انتصر المسلمون في غزوة بدر وجمع غير واحد من المسلمين ما في معسكر العدو، فاختلف المسلمون فيه، فقال من جمعه: هو لنا، وقال الّذين يقاتلون العدو ويطلبونه: والله لو لا نحن ما أصبتموه، لنحن شغلنا عنكم القوم حتّى أصبتم ما أصبتم، وقال الّذين يحرسون رسول الله: ما أنتم بأحقّ به منّا، والله لقد رأينا أن نَقتل العدو إن منحنا الله أكتافهم، وقد رأينا أن نأخذ المتاع حين لم يكن دونه من يمنعه، فخفنا على رسول الله كرّة العدو فقمنا دونه، فما أنتم بأحقّ به منّا، فنزل قوله سبحانه: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ للّهِ‏ِ وَالرّسُولِ فَاتّقُوا اللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) (1) .

وأمّا اختلافهم في الأسرى، فيكفي في ذلك قوله سبحانه: ( مَا كَانَ لِنَبِيّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى‏ حَتّى‏ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسّكُمْ فِيَما أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (2) .

وهذه الآية تُعرب عن أنّهم اختلفوا إلى حدّ كانوا مستحقّين لنزول العذاب، لو لا سبق كتاب من الله.

____________________

(1) الأنفال: 1.

(2) الأنفال: 67 - 68.


2 - مخالفتهم لأمر الرسول في أُحد:

ورد رسول الله أُحد حين بلغه أنّ أبا سفيان يريد شنّ هجوم على المدينة، واستقبل الرسول المدينة، وجعل جبل العينين عن يساره، ونصب خمسين رجلاً نبّالاً على جبل عينين، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير، وقال له:« انضح الخيل عنّا بالنبل، لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتينَّ من قبلك».

ولمّا صار الانتصار حليف المسلمين، وأخذ العدو بالانسحاب عن ساحة القتال، مولّياً نحو مكّة، خالف الرماة أمر الرسول، وأخْلَوا مكانهم طمعاً في الغنائم، فكلّما نصحهم أميرهم بالبقاء وعدم ترك العينين خالفوه.

ولمّا رأى العدو المنهزم أنّ جبل العينين قد أضحى خالياً من الرماة، وكان جبل العينين يقع على ضفّتين يتخلّلهما معبر، فاستغلّ العدو الفرصة، فأدار خالد بن الوليد من معه من وراء المسلمين، فورد المعسكر من هذا المعبر على حين غفلة منهم، فوضع السيوف فيهم فقتل منهم لفيفاً، إلى أن تحوّل النصر إلى هزيمة، وكان ذلك نتيجة مخالفة المسلمين لوصية الرسول، وتقديماً للاجتهاد على النصّ، والرأي الخاطئ على الدليل، وكم له نظير في حياة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وبعد وفاته!!

3 - مخالفتهم في صلح الحديبية:

دخلت السنة السادسة للهجرة، واشتاق النبي إلى زيارة بيت الله، فأعدّ العدّة للعمرة ومعه جمع من أصحابه، وليس معهم من السلاح إلاّ سلاح المسافر، فلمّا وصلوا إلى أرض الحديبيّة، مُنعوا من مواصلة السير، فبعد تبادل الرسل بينه


وبين رؤساء قريش اصطلحوا على وثيقة ذكرها أصحاب السيرة في كتبهم، فكانت نتيجة تلك الوثيقة رجوع النبيّ إلى المدينة ومجيئه في العام القابل للزيارة، وقد ذكر فيها شروط للصلح أثارت حفيظة بعض المسلمين، حتّى أنّ عمر بن الخطّاب وثب فأتى أبابكر فقال: أليس برسول الله؟!، قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟!، قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟!، قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا!! (1)

فقد زعم الرجل أنّ البنود الواردة في صلح النبيّ تعني إعطاء الدنيّة في الدين!!، حتّى أنّ النبيّ أخبرهم حين الشخوص من المدينة؛ أنّ الله سبحانه أراه في المنام أنّ المسلمين دخلوا المسجد الحرام، فلمّا انصرفوا ولم يدخلوا مكة، قالوا: ما حلقنا ولا قصّرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فأنزل الله سبحانه قوله: ( لَتَدْخُلُنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللّهُ آمِنِينَ ) (2) .

ولو أراد المتتبّع أن يتعمّق في السير والتفاسير، يجد أنّ مخالفة القوم للرسول لم تكن مختصّة بموضوع دون موضوع.

4 - مخالفتهم في تجهيز جيش أُسامة:

اتّفق المؤرّخون على أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أمر بتجهيز جيش أُسامة، فقال: «جهّزوا جيش أُسامة، لعن الله من تخلّف عنه» ، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتدّ مرض النبيّ، فلا تسع قلوبنا

____________________

(1) السيرة النبويّة: 2/316 - 317.

(2) الفتح: 27.


مفارقته والحال هذه، فنصبر حتّى ننظر أيّ شيء يكون من أمره. (1)

وكتب الطبري يقول: لقد ضُرب بعث أُسامة، فلم يستتب لوجع رسول الله، وقد أكثر المنافقون في تأمير أُسامة، فخرج النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) على الناس عاصباً رأسه من الصداع لذلك، وقال:« وقد بلغني أنّ أقواماً يقولون في إمارة أُسامة، ولعمري لئن قالوا في إمارته لقد قالوا في إمارة أبيه من قبله، وإن كان أبوه لخليقاً بالإمارة وانّه لخليق لها، فأنفذوا بعد أُسامة».

فخرج أُسامة، فضرب بالجرف وأنشأ الناس في العسكر، ونجم طليحة وتمهّل الناس، وثقُل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فلم يستتم الأمر، ينظرون أوّلهم آخرهم حتّى توفّى الله عزّ وجلّ نبيّه. (2)

5 - مخالفتهم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في إحضار القلم والدواة:

عن ابن عبّاس قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وجعه، قال: «ائتوني بدواة أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده» ، قال عمر: إنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثُر اللّغط، قال(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع».

فخرج ابن عبّاس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وبين كتابه. (3)

____________________

(1) الملل والنحل: 1/29 - 30.

(2) تاريخ الطبري: 2/430 - 431.

(3) صحيح البخاري: 1/30 باب كتابة العلم، الطبقات الكبرى: 2/242، وجاء فيه: فقال بعض من كان عنده: إنّ نبيّ الله ليهجُر.


إنّ الراوي نقل الرواية بالمعنى كي يخفّف من شدّة الصدمة الّتي تحصل فيما لو نقل الرواية بألفاظها، والشاهد على ما نقول أنّ البخاري نفسه روى الرواية بشكل آخر أيضاً، فروى عن ابن عبّاس أنّه كان يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثُمَّ بكى حتّى بلَّ دمعه الحصى، قلت: يابن عباس، ما يوم الخميس؟، قال: اشتدّ برسول الله وجعه، فقال: ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده أبداً، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: ما له؟، أهجر، استفهموه.

فقال: «ذروني، فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه» ، فأمرهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة خير إمّا أن سكت عنها وإمّا أن قالها فنسيتها. (1)

ولعل الثالثة الّتي نسيها الراوي هو الّذي كان أراد النبيّ أن يكتبه حفظاً لهم من الضلال، ولكن ذكره شفاهاً عوض كتابته، لكن السياسة اضطرت المحدّثين إلى ادّعاء نسيانه.

ولعلّ النبيّ أراد أن يكتب في مرضه تفصيل ما أوجبه عليهم في حديث الثقلين، وتشهد بذلك وحدة لفظهما؛ حيث جاء في الثاني: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي».

وقد فهم الخليفة ما يريده رسول الإسلام، وحدّث به بعد مدّة من الزمن لابن عبّاس، فقال له يوماً: يا عبد الله إنّ عليك دماء البدن إن كتمتها، هل بقي في نفس عليّ شيء من الخلافة؟

____________________

(1) صحيح البخاري: 4/99، باب إخراج اليهود من جزيرة العرب.


قال ابن عبّاس: قلت: نعم، قال: أو يزعم أنّ رسول الله نصّ عليه؟، قلت: نعم.

فقال عمر: لقد كان من رسول الله في أمره ذروة من قول لا تُثبت حجة ولا تقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه، فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، فعلم رسول الله أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك. (1)

والعجب أنّ أحمد أمين، مع ما يكنّ للشيعة من عداء وقسوة، يعترف بما ذكرنا صراحة، ويقول:

أراد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في مرضه الّذي مات فيه أن يعيّن من يلي الأمر بعده، ففي الصحيحين، البخاري ومسلم، أنّ رسول الله لمّا أصفرّ قال: «هلمّوا أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطّاب، فقال عمر: إنّ رسول الله قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف القوم واختصموا، فمنهم من قال: قرّبوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من قال: القول ما قاله عمر، فلمّا أكثروا اللّغو والاختلاف عنده (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، قال: (قوموا)، فقاموا، وترك الأمر مفتوحاً لمن شاء، جعل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة. (2)

هذه نماذج من مخالفة القوم لصريح النصوص الصادرة عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وكلّ ذلك يُعرب عن فقدانهم روح التسليم للنبيّ ولأحكامه، فلم يكونوا

____________________

(1) شرح نهج البلاغة: 3/17.

(2) يوم الإسلام: 41.


ملتزمين بما لا يوافق أهواءهم وأغراضهم من النصوص.

نعم ربّما يوجد بينهم من كان أطوع للنبيّ من الظّل لذي الظّل، ولكنّ المتنفّذين لم يكونوا متعبّدين بالنصوص، فضلاً عن تعبّدهم بالإشارات والرموز، وربّما كانوا يقابلون النبيّ بكلمات عنيفة لا يقابَل بها من هو أقلّ منه شأناً.


الفصل السادس:

نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع

وهناك سؤال يطرحه كلّ من يؤمن بتواتر النصوص ووضوح دلالتها؛ لمّا يُشاهد المعارضة بينها وبين الأمر الواقع في السقيفة وما بعدها، وانثيال كثير من المهاجرين والأنصار إلى غير عليّ، فيقع في الحيرة والتعجّب، فيقول: لو كانت النصوص النبويّة على هذا المستوى، فلماذا أعرض عنها المسلمون؟!، ولماذا لم يطلب الإمام حقّه الشرعي؟!، ولماذا رضي بالأمر الواقع ولم ينبس فيه ببنت شفة؟!، وهذا هو الّذي نحاول الإجابة عنه في المقام، فنقول:

إنّ المهمّ هو بيان السرّ الّذي دفع الإمام إلى ترك المطالبة بحقّه بالقدرة والعنف، وأمّا إعراض المهاجرين والأنصار، أو في الحقيقة إعراض الرؤوس منهم، عن النصّ، وانثيال غيرهم إليهم، فليس هذا أمراً عجباً؛ فقد أعرضوا عن كثير من النصوص واجتهدوا تجاهها، كما تقدم البحث عن موارده، وإليك تشريح ما هو المهم:

إنّ الإمام لم يسكت طول حياته عن بيان حقّه وإرشاد الناس إليه، بل أظهر عدم رضاه بالأمر الواقع، وهو تعبير آخر عن غصب حقّه، يقف عليه كلّ من قرأ مأساة السقيفة في كتب التاريخ.

فلم يكن للإمام قدرة على المطالبة بحقّه. وعلى فرض وجودها، كانت


المصلحة تكمن يومذاك في إداء الأمر إلى متقمّصيها، وعدم المطالبة بها بالقهر والقوّة، وإليك ما يدلّ على ذينك الأمرين من خلال دراسة التاريخ:

1 - هذا ابن قتيبة يسرد تاريخ السقيفة وما فيه من مآسي، يقول: إنّ عليّاً (عليه السّلام) أُتي به إلى أبي بكر وهو يقول: «أنا عبد الله وأخو رسول الله»، فقيل له: بايع، فقال (عليه السّلام): «أنا أحق بهذا الأمر منكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبيّ، وتأخذوه منّا أهل البيت غصباً؟!، ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد فيكم، فسلّموا إليكم الإمارة، وأنا احتجّ عليكم بمثل ما احتججتم على الأنصار، نحن أولى برسول الله حيّاً وميّتاً، فانصفوا إن كنتم تؤمنون، وإلاّ فبؤوا بالظلم وأنتم تعلمون».

فقال له عمر: إنّك لست متروكاً حتّى تبايع، فقال له عليّ: «احلب حلباً لك شطره، وشدّ له اليوم، يردده عليك غداً - ثُمَّ قال: - والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أُبايعه».

فقال له أبوبكر: فإن لم تبايع فلا أُكرهك، فقال أبو عبيدة بن الجراح لعليّ (عليه السّلام): يا ابن عم، إنّك حديث السنّ، وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالأُمور، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك وأشدّ احتمالاً واستطلاعاً، فسلِّم لأبي بكر، فانّك إن تعش ويطل لك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وحقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك وسابقتك ونسبك وصهرك.

فقال عليّ (عليه السّلام): «الله الله يا معشر المهاجرين لا تُخرجوا سلطان محمد


في العرب من داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، وتدفعون أهله عن مقامه في الناس وحقّه، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أحقّ الناس به؛ لأنّا أهل البيت، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المتطلّع لأمر الرعيّة، الدافع عنهم الأُمور السيّئة، القاسم بينهم بالسويّة، والله إنّه لفينا، فلا تتبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحقّ بُعداً». (1)

فأي بيان أروع من هذا البيان، وأي بلاغ أصرح منه، فقد فنّد خلافة المتقمّص ببيان فقده مؤهّلاتها، وهي الأُمور التالية:

1 - ما كان فينا القارئ لكتاب الله.

2 - الفقيه في دين الله.

3 - العالم بسنن رسول الله.

4 - المتطلّع لأمر الرعيّة.

5 - الدافع عنهم الأُمور السيّئة.

6 - القاسم بينهم بالسويّة.

ومعنى ذلك أنّ المتقمّص ومؤيديه فاقدون لهذه الصلاحيّات.

2 - لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين أنباء السقيفة قال (عليه السّلام): ما قالت الأنصار؟، قالوا: قالت منّا أمير ومنكم أمير، فقال: «هلاّ احتججتم عليهم بأنّ رسول الله

____________________

(1) الإمامة والسياسة: 1/11 - 12.


وصّى بأن يحسن إلى محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم؟» ، قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟!، فقال (عليه السّلام): «لو كانت الإمامة فيهم، لم تكن الوصيّة»، ثُمَّ قال: «فماذا قالت قريش؟» قالوا: احتجّت بأنّها شجرة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فقال (عليه السّلام): «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة». (1)

3 - الإمام لم يكتف بهذه الجمل في بادئ الأمر، بل استمر على بيان الحق بأساليب مختلفة، منها:

احتجاجه بحديث الغدير في يوم الشورى سنة 23:

قال عامر بن واثلة: كنت على الباب يوم الشورى مع عليّ (عليه السّلام)، فسمعته يقول: «لأحتجّنّ عليكم بما لا يستطيع عربيّكم ولا أعجميّكم تغيير ذلك»، ثُمَّ قال:

«أنشدكم الله، أفيكم من وحّد الله قبلي» ، قالوا: لا، إلى أن قال: «فأنشدكم بالله، هل فيكم أحد قال له رسول الله من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللّهم والي من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره، ليبلغ الشاهد الغائب غيري؟، قالوا: اللّهم لا». (2)

4 - كما ناشد يوم الرحبة سنة 35، روى الأصبغ قال: نشد عليّ الناس في الرحبة: «من سمع النبيّ يوم غدير خم ما قال، إلاّ قام ولا يقوم إلاّ من سمع رسول الله يقول»؛ فقام بضعة عشر رجلاً، منهم: أبو أيّوب الأنصاري، وسهل بن

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 67.

(2) الصواعق المحرقة: 75، المناقب، للخوارزمي: 135 برقم 152.


حنيف، وخزيمة بن ثابت، وعبد الله بن ثابت الأنصاري، فقالوا: نشهد أنّا سمعنا رسول الله يقول: «ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه، وأحبّ من أحبّه وابغض من أبغضه، وأعن من أعانه». (1)

لم تكن المناشدة، منحصرة بهذين الموردين، بل ناشد الإمام في غير واحد من المواقف الأُخرى، كما ناشدت زوجته الصدّيقة الطاهرة بحديث الغدير، وبعدهما الحسنان السبطان، وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر.

هذه شواهد باهرة على عدم سكوته ولا رضاه بالأمر الواقع، بل استمرّ على هذا إلى أُخريات حياته، ويتّضح هذا بالرجوع إلى خطبته المعروفة بالشقشقيّة الّتي ألقاها في آخر خلافته.

وأمّا عدم القيام بأخذ الحق بالقوّة؛ فلأجل أنّ القيام فرع القدرة، ولم يكن يومذاك أيّ مِنْعة وقدرة للإمام، ويكفي في ذلك كلامه في خطبته الأخيرة: «فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتّى يلقى ربه». (2)

ولكن حتّى لو افترضنا وجود القدرة، فإنّ مصالح الإسلام كانت تكمن في المسالمة وإدلاء الأمر إليهم، يشير إليه الإمام تارة بالكناية وأُخرى بالتصريح؛ حيث يقول: «أيّها الناس، شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرّجوا عن طريق المنافرة، وضعوا تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح، هذا ماء آجن، ولقمة

____________________

(1) أسد الغابة: 3/307 و5/205.

(2) نهج البلاغة: الخطبة 3.


يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه،فإنّ أقلّ يقولوا: حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا: جزع من الموت، هيهات بعد اللّتيّا والّتي، والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أُمّه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطَويِّ البعيدة). (1)

وقد أوضح ما ذكره مجملاً في هذه الخطبة الّتي ألقاها بعد وفاة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بخطبته الّتي ألقاها بعد رجوع الناس إليه، وصرّح بأنّ مسالمته الخلفاء لأجل أخطار كانت تحدق بالمسلمين بعد موت النبيّ، فقال (عليه السّلام): «إنّ الله سبحانه بعث محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) نذيراً للعالمين ومهيمناً على المرسلين، فلمّا مضى (عليه السّلام) تنازع المسلمون الأمر من بعده، فو الله ما كان يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده عن أهل بيته، ولا أنّهم منحّوه عنّي من بعده، فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام؛ يدعون إلى محق دين محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم؛ الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه». (2)

____________________

(1) نهج البلاغة: الخطبة 5.

(2) نهج البلاغة: قسم الكتب 62.


الفصل السابع:

في عقائد الشيعة الإماميّة

إنّ عقائد الشيعة الإماميّة، ليست حصيلة الاحتكاك بالثقافات الأجنبيّة، ولا ما أنتجته البحوث الكلاميّة طوال القرون، وإنّما هي عقائد مأخوذة من الذكر الحكيم أوّلاً، والسنّة النبويّة ثانياً، وخُطب الإمام عليّ وكلمات العترة الطاهرة المأخوذة من النبيّ ثالثاً، فلأجل ذلك يحدد تاريخ عقائدهم بتاريخ الإسلام وحياة أئمتهم الطاهرين.

وهذا لا يعني أنّ الشيعة تتعبّد بالنصوص في أُصولها من دون تحليل وتفكير، بل يعني أنّ أُصول العقائد الواردة في المصادر المذكورة، أخذها علماؤهم منها وحرّروها بأوضح الوجوه، ودعموها بالبرهنة. نعم لا يعتمدون في مجال العقيدة على آحاد الروايات؛ بل يشترط فيها أن تكون متواترة، أو محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم واليقين؛ إذ ليس المطلوب في باب الاعتقاد مجرد العمل؛ بل المطلوب هو الإذعان والإيمان، ولا يحصل بآحاد الروايات.

وإليك عقائدهم في هذا الباب الّتي لخّصها الشيخ الطوسي ضمن خمسين مسألة في كتابه (العقائد الجعفريّة):

1 - معرفة الله واجبة على كلّ مكلّف؛ بدليل أنّه منعم فيجب معرفته.


2 - الله تعالى موجود؛ بدليل أنّه صنع العالم وأعطاه الوجود، وكلّ من كان كذلك فهو موجود.

3 - الله تعالى واجب الوجود لذاته؛ بمعنى أنّه لا يفتقر في وجوده إلى غيره، ولا يجوز عليه العدم؛ بدليل أنّه لو كان ممكناً لا فتقر إلى صانع كافتقار هذا العالم، وذلك محال على المنعم المعبود.

4 - الله تعالى - قديم أزلي؛ بمعنى أنّ وجوده لم يسبقه العدم، - باق أبدي؛ بمعنى أنّ وجوده لن يلحقه العدم.

5 - الله تعالى قادر مختار؛ بمعنى أنّه إن شاء أن يفعل فعل، وإن شاء أن يترك ترك؛ بدليل أنّه صنع العالم في وقت دون آخر.

6 - الله تعالى قادر على كلّ مقدور وعالم بكل معلوم؛ بدليل أنّ نسبة جميع المقدورات والمعلومات إلى ذاته المقدّسة المنزّهة على السويّة، فاختصاص قدرته تعالى وعلمه ببعض دون بعض ترجيح بلا مرجّح، وهو محال.

7 - الله تعالى عالم؛ بمعنى أنّ الأشياء منكشفة واضحة له، حاضرة عنده غير غائبة عنه؛ بدليل أنّه تعالى فعل الصّفحة المحكمة المتقنة، وكلّ من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة.

8 - الله تعالى يدرك لا بجارحة؛ بل بمعنى أنّه يعلم ما يدرك بالحواس، لأنّه منزّه عن الجسم ولوازمه؛ بدليل قوله تعالى: ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (1) .

____________________

(1) الأنعام: 103.


9 - الله تعالى حيّ؛ بمعنى أنّه يصحّ منه أن يقدر ويعلم؛ بدليل أنّه ثبتت له القدرة والعلم، وكلّ من ثبتت له ذلك فهو حيّ بالضرورة.

10 - الله تعالى متكلّم لا بجارحة؛ بل بمعنى أنّه أوجد الكلام في جرم من الأجرام أو جسم من الأجسام لإيصال عظمته إلى الخلق، بدليل قوله تعالى: ( وَكَلّمَ اللّهُ مُوسَى‏ تَكْلِيماً ) (1) ؛ ولأنّه قادر، فالكلام ممكن.

11 - الله تعالى صادق؛ بمعنى أنّه لا يقول إلاّ الحق الواقع؛ بدليل أنّ كلّ كذب قبيح، والله تعالى منزّه عن القبيح.

12 - الله تعالى مريد؛ بمعنى أنّه رجّح الفعل إذا علم المصلحة، بدليل أنّه ترك إيجاد بعض الموجودات في وقت دون وقت مع علمه وقدرته - على كلّ حال - بالسويّة؛ ولأنّه نهى، وهو يدلّ على الكراهة.

13 - إنّه تعالى واحد؛ بمعنى أنّه لا شريك له في الإلوهيّة؛ بدليل قوله: ( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ ) (2) ؛ ولأنّه لو كان له شريك لوقع التمانع، ففسد النظام كما قال: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلّا اللّهُ لَفَسَدَتَا ) (3) .

14 - الله تعالى غير مركّب من شيء؛ بدليل أنّه لو كان مركّباً لكان مفتقراً إلى الأجزاء، والمفتقر ممكن.

15 - الله تعالى ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر؛ بدليل أنّه لو كان أحد هذه الأشياء، لكان ممكناً مفتقراً إلى صانع، وهو محال.

____________________

(1) النساء: 164.

(2) الإخلاص: 1.

(3) الأنبياء: 22.


16 - الله تعالى ليس بمرئي بحاسة البصر في الدنيا والآخرة؛ بدليل أنّه تعالى مجرّد؛ ولأنّ كلّ مرئي لابدّ أنّ يكون له الجسم والجهة، والله تعالى منزّه عنهما؛ ولأنّه تعالى قال: ( لَنْ تَرَانِي ) (1) ، وقال: ( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ) (2) .

17 - الله تعالى ليس محلاًّ للحوادث؛ وإلاّ لكان حادثاً؛ وحدوثه محال.

18 - الله تعالى لا يتّصف بالحلول؛ بدليل أنّه يلزم قيام الواجب بالممكن، وذلك محال.

19 - الله تعالى لا يتّحد بغيره؛ لأنّ الاتّحاد صيرورة الشيء واحداً من غير زيادة ونقصان، وذلك محال؛ والله لا يتّصف بالمحال.

20 - الله تعالى منفي عنه المعاني والصفات الزائدة؛ بمعنى أنّه ليس عالماً بالعلم ولا قادراً بالقدرة (بل علم كلّه وقدرة كلّها)؛ بدليل أنّه لو كان كذلك لزم كونه محلاًّ للحوادث لو كانت حادثة، وتعدّد القدماء لو كانت قديمة، وهما محالان، وأيضاً لزم افتقار الواجب إلى صفاته المغايرة له، فيصير ممكناً، وهو ممتنع.

21 - الله تعالى غني؛ بمعنى أنّه غير محتاج إلى ما عداه؛ والدليل عليه أنّه واجب الوجود لذاته، فلا يكون مفتقراً.

22 - الله تعالى ليس في جهة، ولا مكان؛ بدليل أنّ كلّ ما في الجهة والمكان مفتقر إليهما؛ وأٍيضاً قد ثبت أنّه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، فلا يكون في المكان والجهة.

____________________

(1) الأعراف: 143.

(2) الأنعام: 103.


23 - الله تعالى ليس له ولد ولا صاحبة؛ بدليل أنّه قد ثبت عدم افتقاره إلى غيره، ولأنّ كلّ ما سواه تعالى ممكن، فكيف يصير الممكن واجباً بالذّات؟؛ ولقوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ ) (1) ،و ( مَثَلَ عِيسَى‏ عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ) (2) .

24 - الله تعالى عدل حكيم؛ بمعنى أنّه لا يفعل قبيحاً ولا يخلّ بالواجب؛ بدليل أنّ فعل القبيح قبيح، والإخلال بالواجب نقص عليه، فالله تعالى منزّه عن كلّ قبيح وإخلال بالواجب.

25 - الرضا بالقضاء والقدر واجب، وكلّ ما كان أو يكون فهو بالقضاء والقدر، ولا يلزم بهما الجبر والظلم؛ لأنّ القدر والقضاء هاهنا بمعنى العلم والبيان؛ والمعنى أنّه تعالى يعلم كلّ ما هو [كائن أو يكون].

26 - كلّ ما فعله الله تعالى فهو أصلح؛ وإلاّ لزم العبث، وليس تعالى بعابث؛ لقوله: ( أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ) (3) .

27 - اللّطف على الله واجب؛ لأنّه خلق الخلق، وجعل فيهم الشهوة، فلو لم يفعل اللّطف لزم الإغراء، وذلك قبيح، والله لا يفعل القبيح، فاللطف هو نصب الأدلّة وإكمال العقل، وإرسال الرسل في زمانهم وبعد انقطاعهم إبقاء الإمام لئلاّ ينقطع خيط غرضه.

28 - نبيّنا (محمّد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف)

____________________

(1) الشورى: 11.

(2) آل عمران: 59.

(3) المؤمنون: 115.


رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حقاً صدقاً؛ بدليل أنّه ادّعى النبوّة، وأظهر المعجزات على يده، فثبت أنّه رسول حقّاً، وأكبر المعجزات (القرآن الحميد)، والفرقان المجيد، الفارق بين الحق والباطل، باق إلى يوم القيامة، حجّة على النسمة كافّة.

ووجه كونه معجزاً: فرط فصاحته وبلاغته، بحيث ما تمكّن أحد من أهل الفصاحة والبلاغة حيث تحدّوا به؛ أن يأتوا ولو بسورة صغيرة، أو آية تامّة مثله.

29 - كان نبيّنا نبيّاً على نفسه قبل البعثة، وبعده رسولاً إلى النسمة كافّة؛ لأنّه قال: «كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين» ، وإلاّ لزم تفضيل المفضول، وهو قبيح.

30 - جميع الأنبياء كانوا معصومين، مطهّرين عن العيوب والذنوب كلّها، وعن السهو والنسيان في الصّفحة والأقوال، من أوّل الأعمار إلى اللحد؛ بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية أو يطرأ عليهم السهو، لسقط محلّهم من القلوب، فارتفع الوثوق والاعتماد على أقوالهم وأفعالهم، فتبطل فائدة النبوّة، فما ورد في الكتاب (القرآن) فيهم فهو واجب التأويل.

31 - يجب أن يكون الأنبياء أعلم وأفضل أهل زمانهم؛ لأنّ تفضيل المفضول قبيح.

32 - نبيّنا خاتم النبيّين والمرسلين؛ بمعنى أنّه لا نبيّ بعده إلى يوم القيامة، يقول تعالى: ( مَا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِن رّجَالِكُمْ وَلكِن رّسُولَ اللّهِ وَخَاتَمَ النّبِيّينَ ) (1) .

33 - نبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين؛ لأنّه ثبتت نبوّته، وأخبر بأفضليّته فهو

____________________

(1) الأحزاب: 40.


أفضل؛ لمّا قال لفاطمة (عليها السّلام): «أبوك خير الأنبياء، وبعلك خير الأوصياء، وأنت سيّدة نساء العالمين، وولْدك الحسن والحسين (عليهما السّلام) سيّدا شباب أهل الجنّة، وأبوهما خير منهما». (1)

34 - معراج الرسول بالجسم العنصري علانيّة، غير منام، حق؛ والأخبار عليه بالتواتر ناطقة، صريحة، فمنكره خارج عن الإسلام، وأنّه مرّ بالأفلاك من أبوابها من دون حاجة إلى الخرق والالتيام، وهذه الشبهة الواهية مدفوعة مسطورة بمحالها.

35 - دين نبيّنا ناسخ للأديان السابقة؛ لأنّ المصالح تتبدّل حسب الزمان والأشخاص كما تتبدّل المعالجات لمريض بحسب تبدّل المزاج والمرض.

36 - الإمام بعد نبيّنا، عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)؛ بدليل قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «يا عليّ أنت أخي ووارث علمي وأنت الخليفة من بعدي، وأنت قاضي ديني، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي» (2) . وقوله: «سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين، واسمعوا له وأطيعوا له، وتَعَلّموا منه ولا تُعَلّموه» (3) ، وقوله: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من والاه» (4) .

37 - الأئمّة بعد عليّ (عليه السّلام) أحد عشر من ذرّيته، الأوّل منهم ولده الحسن، ثُمَّ

____________________

(1) ينابيع المودّة: 434 - 436.

(2) صحيح مسلم: 7/120 - 121، باب فضائل عليّ (عليه السّلام)، وصحيح البخاري: 5/19 باب مناقب عليّ (عليه السّلام)، و6/3، باب غزوة تبوك، ومسند أحمد: 1/174 - 177 و3/32، و6/369.

(3) بحار الأنوار: 37/290 - 340.

(4) مسند أحمد: 1/84 و152 و4/281 و370 و372 و5/419، سنن الترمذي: 5/633.


الحسين، ثُمَّ عليّ بن الحسين، ثُمَّ محمّد بن عليّ، ثُمَّ جعفر بن محمّد الصادق، ثُمَّ موسى بن جعفر، ثُمَّ عليّ بن موسى، ثَمّ محمّد بن عليّ، ثُمّ عليّ بن محمّد، ثُمّ الحسن بن عليّ، ثُمّ الخلف الحجّة القائم المهدي الهادي بن الحسن صاحب الزمان، فكلّهم أئمّة الناس واحد بعد واحد، حقّاً؛ بدليل أنّ كلّ إمام منهم نصّ على من بعده نصّاً متواتراً بالخلافة، وقوله: «الحسين إمام، ابن إمام، أخو الإمام، أبو الأئمّة التسعة، تاسعهم قائمهم، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».

38 - يجب أن يكون الأئمّة معصومين مطهّرين من الذنوب كلّها، صغيرة وكبيرة، عمداً وسهواً، ومن السهو في الصّفحة والأقوال، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية لسقط محلّهم من القلوب، وارتفع الوثوق، وكيف يهدون بالضالّين المضلّين، ولا معصوم غير الأئمّة الاثني عشر إجماعاً، فثبت إمامتهم.

39 - يجب أن يكون الأئمّة أفضل وأعلم، ولو لم يكونوا كذلك للزم تفضيل المفضول، أو الترجيح بلا مرجّح، ولا يحصل الانقياد به، وذلك قبيح عقلاً ونقلاً، وفضل أئمّتنا وعلمهم مشهور، بل أفضليّتهم أظهر من الشمس وأبين من الأمس.

40 - يجب أن نعتقد أنّ آباء نبيّنا وأئمّتنا مسلمون أبداً، بل أكثرهم كانوا أوصياء، فالأخبار عند أهل البيت على إسلام أبي طالب مقطوعة، وسيرته أدلّة عليه، ومثله مثل مؤمن آل فرعون.

41 - الإمام المهدي المنتظر محمّد بن الحسن قد تولّد في زمان أبيه، وهو غائب حيّ، باق إلى بقاء الدنيا؛ لأنّ كلّ زمان لابدّ فيه من إمام معصوم؛ لِمَا


انعقد عليه إجماع الأُمّة على أنّه لا يخلو زمان من حجّة ظاهرة مشهورة، أو خافية مستورة؛ ولأنّ اللطف في كلّ زمان واجب، والإمام لطف، فوجوده واجب.

42 - لا استبعاد في طول عمره؛ لأنّ غيره من الأُمم السابقة قد عاش ثلاثة آلاف سنة فصاعداً، كشعيب ونوح ولقمان وخضر وعيسى؛ وإبليس والدجّال؛ ولأنّ الأمر ممكن، والله قادر على جميع الممكنات.

43 - غيبة المهدي لا تكون من قبل نفسه؛ لأنّه معصوم، فلا يخل بواجب، ولا من قبل الله تعالى؛ لأنّه عدل حكيم فلا يفعل القبيح؛ لأنّ الإخفاء عن الأنظار وحرمان العباد عن الإفادات قبيحان؛ فغيبته لكثرة العدو والكافر، ولقلّة الناصر.

44 - لابدّ من ظهور المهدي؛ بدليل قول النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «لو لم يبق من الدنيا إلاّ ساعة واحدة لطوّل الله تلك الساعة حتّى يخرج رجل من ذرّيتي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً» (1) . ويجب على كلّ مخلوق متابعته.

45 - في غيبة الإمام فائدة، كما تنير الشمس تحت السحاب، والمشكاة من وراء الحجاب.

46 - يرجع نبيّنا وأئمّتنا المعصومون في زمان المهدي مع جماعة من الأُمم السابقة واللاّحقة، لإظهار دولتهم وحقّهم، وبه قطعت المتواترات من

____________________

(1) راجع سنن أبي داود 4/106 - 107، كنز العمال 14/264 - 267.


الروايات والآيات؛ لقوله تعالى: ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمّةٍ فَوْجاً ) (1) ، فالاعتقاد به واجب.

47 - إنّ الله يعيد الأجسام الفانية كما هي في الدنيا، ليوصل كلّ حق إلى المستحقّين، وذلك أمر ممكن، والأنبياء أخبروا به، لا سيّما القرآن المجيد مشحون به ولا مجال للتأويل، فالاعتقاد بالمعاد الجسماني واجب.

48 - كلّ ما أخبر به النبيّ أو الإمام فاعتقاده واجب، كإخبارهم عن نبوّة الأنبياء السابقين، والكتب المنزلة، ووجود الملائكة، وأحوال القبر وعذابه وثوابه، وسؤال منكر ونكير، والإحياء فيه، وأحوال القيامة وأهوالها، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، وإنطاق الجوارح، ووجود الجنّة والنار، والحوض الّذي يسقي منه أمير المؤمنين العطاشى يوم القيامة، وشفاعة النبيّ والأئمّة لأهل الكبائر من محبّيه إلى غير ذلك؛ بدليل أنّه أخبر بذلك المعصومون.

49 - التوبة - وهي الندم على القبيح في الماضي، والترك في الحال، والعزم على عدم المعاودة إليه في الاستقبال - واجبة، لدلالة السمع على وجبها، ولأنّ دفع الضرر واجب عقلاً.

50 - الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجبان، بشرط تجويز التأثير والأمن من الضرر. (2)

***

____________________

(1) النمل: 83.

(2) طُبعت هذه الرسالة مع (جواهر الفقه) للقاضي ابن البرّاج، وفي ضمن الرسائل العشر للشيخ الطوسي (قدّس سره).


الفصل الثامن:

الفوارق بين الشّيعة وسائر الفِرق

ثمّة فوارق رئيسيّة بين الشّيعة وسائر الفِرق، تتلخّص بالأُمور التالية:

الأوّل: وجوب نصب الإمام على الله سبحانه:

اتّفقت الأُمّة الإسلاميّة على وجوب نصب الإمام إلاّ بعض الفِرق من الخوارج، فذهبت الشيعة الإماميّة إلى وجوب نصبه على الله سبحانه، وذهبت السنّة إلى وجوب نصبه على الأُمّة، وليس المراد من وجوبه على الله سبحانه، هو إصدار الحكم من العباد على الله سبحانه حتّى يقال: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلّا للّهِ ) (1) ؛ بل المراد كما ذكرنا غير مرّة أنّ العقل حسب التعرف على صفاته سبحانه من كونه حكيماً غير عابث، يكشف عن كون مقتضى الحكمة هو لزوم النصب أو عدمه، وإلاّ فالعباد اقصر من أن يحكموا على الله بشيء.

ثُمَّ إنّ اختلافهم في كونه فرضاً على الله أو على الأُمّة ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة عن رسول الله، فمن ينظر إلى الإمام كرئيس سلطة زمنيّة فقد قال بوجوب نصبه على الأُمّة.

____________________

(1) يوسف: 40.


وأمّا من قال بأنّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة (لا لنفس الرسالة فإنّها مختومة برحيل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم»، فمن المعلوم أنّ تقلّد هذا المقام يتوقّف على توفّر الصلاحيّات العامّة؛ التي لا ينالها الفرد إلاّ إذا حظي بعناية إلهيّة خاصّة، فيخلف النبيّ في علمه بالأُصول والفروع، وفي سدّ جميع الفراغات الحاصلة بموته.

الثاني: عصمة الإمام:

انفردت الإماميّة من بين الفِرق الإسلاميّة بوجوب عصمة الإمام من الذنب والخطأ، مع اتّفاق غيرهم على عدمه.

إنّ الاختلاف في لزوم وصف الإمام بالعصمة وعدمه، نابع من الاختلاف في تفسير الإمامة بعد الرسول؛ فمن تلقّاها بأنّها سلطة زمنيّة فشأنه شأن سائر الحكام، وأمّا من رأى الإمامة بأنّها استمرار لمنصب النبوّة والرسالة، وأنّ الإمام مكلّف بملء الفراغات الحاصلة بعد رحيل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فلا محيص له عن الالتزام بعصمة الإمام؛ لأنّ الغاية من الإمامة لا تحصل إلاّ بعناية إلهيّة.

وثمّة نكتة جديرة بالذّكر؛ وهي أنّه لا ملازمة بين العصمة والنبوّة، فكلّ نبيّ معصوم ولا عكس، بشهادة أنّ مريم (عليها السّلام) معصومة بنص الذكر الحكيم، وليست بنبيّة.

الثالث: الإمام المنتظر:

الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة تجمع سائر المسلمين، فقد تواترت البشارات عن النبيّ بظهور المهدي في آخر الزمان لإعلاء كلمة الحق


وإظهار الدين كلّه ولو كره المشركون. وإنّما اختلفوا في ولادته؛ فالشيعة بفضل الروايات المتواترة ذهبت إلى أنّه ولد في سُر من رأى (عام 255هـ)، وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده (عام 260هـ)، وهو يحيا حياة طبيعيّة كسائر الناس، والناس يرونه ولا يعرفونه، وسوف يظهره الله سبحانه ليحقّق عدله، وأمّا أهل السنّة فقد وافق لفيف منهم الشيعة، ولكن الأغلبيّة على أنّه سيولد في آخر الزمان.

وقد ألّف غير واحد من أعلام السنّة كتباً حول المهدي، وتضافرت الروايات عن طريقهم على ظهور المهدي في آخر الزمان، يقول الدكتور عبد الباقي في كتابه (بين يدي الساعة):

إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والأخبار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح. (1)

الرابع: القول بالبَداء:

إنّ القول بالبَداء وإن كان من عقائد الشيعة الإماميّة، ولكنّها في الواقع جزء من العقيدة الإسلاميّة؛ بشرط أنّ يفسّر بمعناه الصحيح. وحقيقة البَداء عبارة عن تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة.

وبعبارة أُخرى: ليس للإنسان مصير مقدّر واحد يصيبه على وجه القطع والبتّ، شاء أو لم يشأ، بل يتغيّر مصيره بالحسنات والسيئات وشكر النعمة وكفرانها، وبالإيمان والتقوى.

____________________

(1) بين يدي الساعة: 123.


يقول سبحانه: ( إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى‏ يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ) (1) .

وقال سبحانه: ( فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمَانُهَا إِلّا قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَمَتّعْنَاهُمْ إِلَى‏ حِينٍ ) (2) .

وقد تضافرت الروايات على أنّ الصدقة تدفع البلاء، وأنّ الاستغفار يجلب الرزق، وأنّ الدعاء يرد القضاء، إلى غير ذلك من الروايات، وإلى هذا الأصل ينظر قوله سبحانه: ( يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ ) (3) .

نعم تفسير البّداء بمعنى الظهور بعد الخفاء على الله سبحانه تفسير خاطئ لا يمتّ إلى القول بالبّداء عند الشيعة بصلة، وقد ورد في صحيح البخاري قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): إنّ ثلاثة في بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى بد الله أن يبتليهم... (4) .

والمراد من البّداء في الحديث هو نفس البّداء عند الشيعة؛ بمعنى تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة.

الخامس: الرجعة:

الرجعة عبارة عن عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيويّة قبل يوم القيامة، ثُمَّ موتهم وحشرهم مجدداً يوم القيامة. ولا شكّ في إمكانه؛ لأنّه قد أحيا سبحانه أشخاصاً ثُمَّ أماتهم في هذه الدنيا، وجاء تفاصيلهم في الذكر الحكيم:

1 - إحياء جماعة من بني إسرائيل. (5)

____________________

(1) الرعد: 11.

(2) يونس: 98.

(3) الرعد: 39.

(4) صحيح البخاري: 4/172، باب حديث أبرص وأعمى وأقرع من بني إسرائيل.

(5) البقرة: 55 - 56.


2 - إحياء قتيل بني إسرائيل (1) .

3 - موت أُلوف من الناس وبعثهم من جديد. (2)

4 - بعث عُزير بعد مائة عام من موته. (3)

5 - إحياء الموتى على يد عيسى (عليه السّلام). (4)

فلو كان الاعتقاد برجوع بعض الناس إلى الدنيا قبل القيامة محالاً، فما معنى هذه الآيات الصريحة في رجوع جماعة إليها؟

ثُمَّ إنّ بعض الآيات يدلّ على استحقاق البعض من الناس - وعلى وجه الإجمال - الرجوع إلى هذه الدنيا قبل يوم القيامة، وأمّا من هم؟، وفي أيّ وقت يرجعون؟، ولأيّ غرض يعودون إلى الدنيا؟، فليس هنا مقام بيانها، إنّما نكتفي ببيان هذه الآية الدالة على وقوعه قبل البعث.

قال سبحانه: ( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلّمُهُمْ أَنّ النّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمّةٍ فَوْجاً مّمّن يُكَذّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يوزَعُونَ ) (5) .

فالآية تدلّ على حشر فوج من كلّ جماعة قبل يوم القيامة، وأمّا الحشر في يوم القيامة، فهو يتعلّق بالجميع لا بالبعض؛ كما يقول سبحانه: ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ) (6) .

____________________

(1) البقرة: 72 - 73.

(2) البقرة: 243.

(3) البقرة: 259.

(4) آل عمران: 49.

(5) النمل: 82 - 83.

(6) الكهف: 47.


الفصل التاسع:

في الأئمّة الاثني عشر

إنّ الشيعة الإماميّة هي الفِرقة المعروفة بالاثني عشريّة، فهم يعتقدون باثني عشر إماماً من بني هاشم، وقد نصّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) على إمامتهم وقيادتهم واحداً بعد الآخر، كما نصّ كلّ إمام على إمامة من بعده نصّاً يخلو من الإبهام.

وقد عرفت فيما تقدم أنّه تضافرت الروايات عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه يملك هذه الأُمة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل، وقد ذكرنا أنّ هذه الروايات مع ما فيها من مواصفات لا تنطبق إلاّ على أئمة الشيعة والعترة الطاهرة، وإذا كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو الشجرة وهم أغصانها، والدوحة وهم أفنانها، ومنبع العلم وهم عيبته، ومعدن الحكم وهم خزائنه، وشارع الدين وهم حفظته، وصاحب الكتاب وهم حملته، فيلزم علينا معرفتهم، كيف وهم أحد الثقلين اللّذين تركهما الرسول، قدوة للأُمّة، ونوراً على جبين الدهر.

وقد ألّف حول الأئمة الاثني عشر كتب ورسائل كثيرة منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا، وسوف نستعرض في هذا المقام أسماءهم ومواليدهم ووفياتهم، ونحيل التفصيل إلى كتب السيرة.


وأئمّة الشيعة الاثنا عشر هم:

1. أميرُ المؤمنين عليٌّ بنُ أبي طالب (المولود قبل البعثة بعشر سنوات، والمستشهَد عام 40 هجري)، والمدفون في النجف الأشرف.

2. الإمامُ الحسَنُ بن عليّ (المجتبى) (3 - 50 هـ. ق)، المدفونُ في البقيع بالمدينة.

3. الإمامُ الحسين بن عليّ (سيدُ الشهداء) (4 - 61 هـ. ق)، المدفون في كربلاء.

4. الإمامُ عليُّ بن الحسينُ بن عليّ (زينُ العابدين) (38 - 94 هـ. ق)، المدفون في البقيع.

5. الإمامُ محمّدُ بن عليّ (باقرُ العلوم) (57 - 114 هـ. ق)، المدفون في البقيع.

6. الإمامُ جعفرُ بن محمّد (الصادقُ) (83 - 148 هـ. ق)، المدفونُ في البقيع.

7. الإمامُ موسى بنُ جعفر (الكاظمُ) (128 - 183 هـ. ق)، المدفونُ في الكاظميّة قرب بغداد.

8. الإمامُ عليُّ بن موسى (الرضا) (148 - 203هـ. ق)، المدفونُ في خراسان بإيران.

9. الإمامُ محمّدُ بن عليّ (الجوادُ) (195 - 220 هـ. ق)، المدفونُ في الكاظميّة.

10. الإمامُ عليُّ بن محمّد (الهادي) (212 - 254هـ)، المدفونُ في سامراء بشمال بغداد.


11. الإمامُ الحسنُ بنُ عليّ العسكريُ (233 - 260 هـ. ق)، المدفونُ في سامراء.

12. الإمامُ محمّدُ بنُ الحسن المعروف بـ(المهديِّ)، و(الحجّة)،عجلَّ الله فرجَه الشريف، وهو الإمامُ الثاني عشر، وهو حيٌّ حتّى يظهر بأمر الله (طبقاً للوعودِ الواردةِ في القرآنِ في سورة النور: 54، وسورة التوبة: 33، وسورة الفتح: 28 وسورة الصف: 9) ويقيم الحكومة الإِلهيّة على كلّ الكرةِ الأرضِيّةِ.(1)

____________________

(1) قد وقع بعض الاختلاف في تواريخ وفيّات ومواليد بعض الأئمة، وقد اخترنا أحدها، كما أنّ التاريخ يثبت أنّ أغلب هؤلاء الأئمّة قضوا شهداء.


فِرق الشيعة

بين

الحقائق والأوهام

إنّ الشيعة هم الّذين شايعوا عليّاً وولديه الحسن والحسين وكانوا متمسّكين بإمامتهم وقيادتهم، ولم يبرز أيّ اختلاف ديني بينهم إلى زمان الإمام الصادق (عليه السّلام)، وهذا ما يلمسه الإنسان من قراءة تاريخ الشيعة، ولكن نرى أنّ أصحاب المقالات يذكرون للشيعة فِرقاً كثيرة، وهم بين غلاة وغيرها، وقد ذكر الشهرستاني؛ تبعاً لعبد القاهر البغدادي، خمس فِرق: كيسانيّة وزيديّة وإماميّة وغلاة وإسماعيليةّ، ونحن نقف أمام هذا التقسيم وقفة قصيرة، فنقول:

إنّ الغلاة ليسوا من الشيعة ولا من المسلمين، وإنّ عدّهم من الطوائف الإسلاميّة جناية على المسلمين والشيعة على وجه الخصوص.

وأمّا الكيسانيّة فقد حقّقنا في محلّه أنّها لم تكن فِرقة ظهرت بين الشيعة؛ وإنّما خلقها أعداء أئمة أهل البيت ليستغلوها ويقضوا بها على تماسك الشيعة ووحدتهم، وأكثر ما يمكن أنّ يقال في المقام: إنّه كانت هناك شكوك وأوهام اعترت بعض السذّج في إمامة محمد بن الحنفيّة، ثُمَّ أُزيلت، فتجلّى الصبح لذي عينين.


فليس في الشيعة على أديم الأرض سوى الفِرق الثلاث: الإماميّة، الزيديّة، والإسماعيليّة.

نعم نسب كتّاب الفرق ومؤرّخو الملل والنحل إلى الشيعة فرقاً كثيرة، لا وجود لها إلاّ في عالم الخيال أو بين الكتب، وقد أوضحنا حالها في كتابنا (بحوث في الملل والنحل). (1)

إذا عرفت ذلك فلنعرج الكلام إلى البحث عن الزيديّة وعقائدها.

____________________

(1) بحوث في الملل والنحل: 7/7 - 55.


14

الزيديّة

نبذة مختصرة عن حياة زيد بن عليّ:

الزيديّة مذهب منتسب إلى الإمام زيد الشهيد بن زين العابدين عليّ بن سيد الشهداء الحسين بن مولى الموحّدين وسيّد الوصيّين عليّ؛ بن حامي الرسول والذائد عن حريمه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أبي طالب، ولد سنة 75هـ واستشهد سنة 120هـ، وفي عام ولادته وشهادته أقوال أُخرى أحجمنا عن ذكرها مخافة الإطناب.

وقد أدرك زيد الأئمّة الثلاثة:

والده الإمام عليّ بن الحسين (عليه السلام) (38 - 94هـ).

وأخوه الأكبر أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين (57 - 114هـ).

وابن أخيه الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السّلام) (83 - 148هـ).

أخذ عن أبيه ثُمَّ عن أخيه محمّد الباقر، وكان الإمام الباقر ينظر إليه نظر أخ عطوف ويثني عليه ويطريه ويقول في حقّه: «هذا سيّد أهل بيته والطالب بأوتارهم». (1)

____________________

(1) الأمالي للصدوق: 335، الحديث 11.


كما كانت أواصر الحبّ والودّ تجمعه بالإمام الصادق (عليه السّلام)، فلمّا بلغ نعيه إلى المدينة أخذ الناس يفدون إلى الإمام ويعزّونه. (1)

كما أخذ عن: أبان بن عثمان بن عفّان، وعبيد الله بن أبي رافع، وعروة بن الزبير.

وأمّا تلامذته، فقد روى عنه: الأجلح بن عبد الله الكندي، وآدم بن عبد الله الخثعمي، وإسحاق بن سالم، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي، وبسّام الصيرفي، وأبو حمزة ثابت بن أبي صفيّة الثمالي، وابنه حسين بن زيد بن عليّ، وخالد بن صفوان، وغيرهم.

آثاره العلمية:

كان وليد البيت العلويّ، مفسّراً للقرآن، عارفاً بالسنّة، ترك آثاراً علميّة؛ إمّا أملاها على تلاميذه، أو حررّها بقلمه ويراعه، ونأتي في المقام بما وقفنا عليه من الآثار:

1 - المجموع الفقهي.

2 - المجموع الحديثي.

3 - تفسير غريب القرآن.

4 - الصفوة، وهي دراسة قرآنيّة هادئة تتبنّى بيان فضائل أهل البيت (عليهم السّلام) وتقديمهم على سائر الناس في مختلف المجالات.

5 - رسالته إلى علماء الأُمّة، وهي رسالة بعثها الإمام الثائر إلى علماء

____________________

(1) الأغاني: 7/251.


الأُمّة مبيّناً فيها تفاصيل دعوته وبيان أهدافه الّتي خرج مجاهداً من أجلها.

6 - منسك الحجّ أو مناسك الحجّ، وهي رسالة في بيان أعمال الحجّ ومناسكه.

كلماته وخطبه:

كان زيد الشهيد فصيحاً، بليغاً، يأخذ بجوامع الكلم ويستعملها في موارده، وقد اعترف به الصديق والعدو، وقد كتب هشام بن عبد الملك إلى يوسف بن عمر: أشخص زيداً إلى المدينة، فإنّي أخاف أن يُخرجه أهل الكوفة؛ لأنّه حلو الكلام، شديد البيان، خليق بتمويه الكلام. (1)

وإليك نزراً يسيراً من خطبه وكلماته:

1 - روى أبو المؤيّد موفق بن أحمد المدعو بـ (أخطب خوارزم): قيل لزيد بن عليّ: الصمت خير أم الكلام؟، فقال: قبَّح الله المساكتة، ما أفسدها للبيان، وأجلبها للعيّ والحصر، والله للمماراة أسرع في هدم الفتن من النار في يبس العرفج، ومن السيل إلى الحدور. (2)

2 - ومن كلامه المعروف ما قاله لهشام: لم يكره قوم قط حدّ السيف إلاّ ذلّوا. (3)

3 - وروى ابن عساكر، أنّه قال: والله ما كره قوم الجهاد في سبيل الله إلاّ ضربهم الله تعالى بالذُّل. (4)

____________________

(1) تذكرة الخواص: 300، تاريخ اليعقوبي: 2/325.

(2) أعيان الشيعة: 7/123.

(3) إرشاد المفيد: 269.

(4) مختصر تاريخ دمشق: 9/151.


4 - وقال لهشام أيضاً: إنّه ليس أحد يكبر عن تقوى الله، ولا يصغر دون تقوى الله. (1)

إلى غير ذلك من الكلمات.

هل دعا زيد إلى نفسه؟

هذا هو بيت القصيد في حياة زيد، فالزيديّة عامّة على أنّ زيداً دعا إلى إمامة نفسه، وأمّا الإماميّة فيعتقدون أنّه دعا إلى الرضا من العترة؛ فقد كان هو بصدد تمهيد السبيل للإمام المفترض الطاعة من بيت النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

نعم، تضافرت الروايات على بيعة جماعة كثيرة معه، لكن بايعوه على الجهاد في سبيل الله تحت إمرته، لا على الإمامة بعد الظفر.

نعم، زعمت الزيديّة أنّه ادّعى الإمامة لنفسه، وكان الجهاد وسيلة لنيل ذلك الهدف، لكن كلمات زيد تخلو من أيّة إشارة إلى ذلك، بل كلّها تُعرب عن دعم الموقف الأوّل، وأنّه قام للرضا من آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

كلمات لزيد تعرب عن موقفه:

1 - الحمد لله الّذي أكمل لي ديني بعد أن كنت استحيي من رسول الله؛ أن أرِدَ عليه ولم آمر أُمّته بمعروف ولم أنه عن منكر. (2)

____________________

(1) مروج الذهب: 3/206.

(2) الروض النضير: 1/102.


2 - واعلموا أنّه ما ترك قوم الجهاد قط إلاّ حُقّروا وذلّوا. (1)

3 - أيّها الناس، أعينوني على أنباط الشام، فو الله لا يعينني عليهم منكم أحد إلاّ رجوت أن يأتيني يوم القيامة آمنا. (2)

ولأجل ذلك تضافرت الروايات من طرقنا على أنّ زيداً ما دعا إلى نفسه، وإنّما دعا إلى الرضا من آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنّه لو ظفر لوفى، ومعنى هذه الروايات أنّه كان يمهّد الطريق لولاية الإمام المنصوص عليه في كلام النبيّ والأئمّة الصادقين.

1 - قال الصادق (عليه السّلام): « إنّ زيداً كان مؤمناً وكان عارفاً وكان صدوقاً، أمَا لو ظفر لوفى، أمَا إنّه لو ملك عرف كيف يضعها». (3)

2 - وقال (عليه السّلام): « إنّ زيداً كان عالماً وكان صدوقاً، ولم يدعكم إلى نفسه، وإنّما دعاكم إلى الرضا من آل محمّد، ولو ظفر لوفى بما دعاكم إليه، وإنّما خرج إلى سلطان مجتمع لينقضه». (4)

ثُمَّ هاهنا نكتة جديرة بالإشارة؛ وهي أن زيداً قام موطّناً نفسه على الشهادة، ومستميتاً، متيقّناً بأنّه سوف يُقتل ويُستشهّد، وقد سمع من أبيه وأخيه وابن أخيه أنّه سوف يُقتل ويُصلب في الكناسة، وأنّه لم يكن شاكّاً ولا متردّداً في هذا الأمر، ومن كان هذا مآله ومستقبله فهل يمكن أن يدّعي الإمامة بالمعنى المعروف بين

____________________

(1) المصدر نفسه.

(2) المصدر نفسه: 1/127 - 128.

(3) الكافي: الروضة: الحديث 381.

(4) رجال الكشّي: 242 برقم 144.


المتكلّمين؟؛ أي قيادة الأُمّة في جوانب شتى إلى الصلاح والفلاح، فإنّ القيام بهذا الواجب فرع الحياة، وهو كان على الطرف الخلاف من هذا، فلم يبق إلاّ أن يكون أميراً في الجهاد قائداً في النضال، وإن قصُرت حياته وقلّ بقاؤه.

اعترافه بإمامة الإمام الصادق (عليه السّلام):

1 - إنّ زيداً كان معترِفاً بإمامة ابن أخيه جعفر الصادق (عليه السّلام) بلا كلام، وكان يقول: من أراد الجهاد فإليّ، ومن أراد العلم فإلى ابن أخي جعفر. (1)

2 - روى الصدوق في (الأمالي)، عن عمرو بن خالد: قال زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب: في كلّ زمان رجل منّا أهل البيت يحتجّ الله به على خلقه، حجّة زماننا ابن أخي جعفر بن محمّد، لا يضِلّ من تبعه، ولا يهتدي من خالفه. (2)

3 - روى محمد بن مسلم: دخلت على زيد بن علي وقلت: إنّ قوماً يزعمون أنّك صاحب هذا الأمر، قال: لا، ولكنّي من العترة، قلت: فلمن يكون هذا الأمر بعدكم؟، قال: سبعة من الخلفاء؛ المهديّ منهم.

قال محمّد بن مسلم: دخلت على الباقر محمّد بن عليّ (عليه السّلام) فأخبرته بذلك، فقال: « صدق أخي زيد، سبيل هذا الأمر بعدي سبعة من الأوصياء، والمهديّ منهم»، ثُمَّ بكى (عليه السّلام) وقال: « وكأنّي به وقد صُلب في الكناسة. يابن مسلم حدّثني أبي، عن أبيه الحسين، قال: وضع رسول الله يده على كتفي، قال: ياحسين،

____________________

(1) كفاية الأثر: 302.

(2) أمالي الصدوق: 542، بحار الأنوار: 46/173.


يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يُقتل مظلوماً، إذا كان يوم القيامة حُشر أصحابه إلى الجنة». (1)

هذا هو زيد الشهيد، وهذا علمه، وفقهه، ومشايخه، وتلامذته، وهذه خطبه، وكلماته الّتي تُعرب عن مواقفه في الجهاد والنضال واعترافه بإمامة الصادق (عليه السّلام).

موقف أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) من خروج زيد:

إنّ موقف أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) من خروج زيد كان إيجابياً، وكانوا يرون أنّ خروجه وجهاده جاء وفقاً للكتاب والسنّة، بمعنى أنّ الخروج حينذاك لم يكن تكليفاً إلزاميّاً على الإمام ولا على غيره، ولكنّه لو خرج مسلم لإزالة الطغاة عن منصّة الحكم، وتقويض الظلم والفساد، من دون أن يدعو إلى نفسه، كان على المسلمين عونه ونصرته، وإجابة دعوته.

وكان خروج زيد على هذا الخطّ الّذي رسمناه، وهذا ما يُستفاد من الروايات المستفيضة، وإليك بعضها:

1 - لمّا بلغ قتل زيد إلى الإمام الصادق (عليه السّلام) قال: « إنّا لله وإنّا إليه راجعون، عند الله أحتسب عمّي، إنّه كان نِعم العمّ. إنّ عمّي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا، مضى والله شهيداً كشهداء استشهدوا مع رسول الله وعليّ والحسين صلوات الله عليهم». (2)

____________________

(1) كفاية الأثر: 306.

(2) عيون أخبار الرضا: 1/252، الباب 25، الحديث 6.


2 - وقال أيضاً في حديث: « إنّ الباكي على زيد فمعه في الجنّة، فأمّا الشامت فشريك في دمه». (1)

3 - وقال الشيخ المفيد: لمّا قُتل زيد، بَلغ ذلك من أبي عبد الله (عليه السّلام) كلّ مبلغ، وحزن له حزناً عظيماً حتّى بان عليه، وفرّق من ماله في عيال من أُصيب معه من أصحابه ألف دينار، روى ذلك أبو خالد الواسطي، قال: سلّم إليّ أبو عبد الله (عليه السّلام) ألف دينار، أمرني أن أُقسّمها في عيال من أصيب مع زيد، فأصاب عيال عبد الله بن الزبير أخي فضيل الرسان أربعة دنانير. (2)

4 - روى الصدوق، عن عبد الله بن سيابة، أنّه أتى رسول بسّام الصيرفي بكتاب فيه: أمّا بعد، فإنّ زيد بن عليّ قد خرج يوم الأربعاء غرّة صفر، ومكث الأربعاء والخميس وقُتل يوم الجمعة، وقُتل معه فلان وفلان، فدخلنا على الصادق (عليه السّلام) فدفعنا إليه الكتاب، فقرأه وبكى، ثُمَّ قال: « إنّا لله وإنّا إليه راجعون. عند الله أحتسب عمّي، إنّه نِعم العمّ، إنّ عمّي كان رجلاً لدنيانا وآخرتنا ...» إلى آخر ما مرّ في الحديث الأوّل. (3)

5 - روى الكشّي في ترجمة السيّد الحميريّ، عن فضيل الرسان، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السّلام) بعدما قُتل زيد بن عليّ (عليه السّلام) فادخلت بيتاً في جوف بيت، وقال لي: «يا فضيل، قُتل عمّي زيد بن عليّ؟».

قلت: نعم جُعلت فداك، فقال: «رحمه الله، أمَا إنّه كان مؤمناً، وكان عارفاً،

____________________

(1) بحار الأنوار: 46/193، الحديث 63.

(2) الإرشاد: 269، الباب 175، حياة الإمام عليّ بن الحسين (عليه السّلام).

(3) عيون أخبار الرضا: 1/249، الباب 25.


وكان عالماً، وكان صدوقاً، أمَا إنّه لو ظفر لوفى،أمَا إنّه لو ملك لعرف كيف يضعها»، قلت: يا سيدي ألا أنشدك شعراً؟، قال: (أمهل)، ثُمَّ أمر بستور فسدلت، وبأبواب فتحت. ثُمَّ قال: أنشد.

فأنشدته:

لأُمّ عمرو باللّوى مربع

طامسة أعلامه بلقع (1)

هذه نماذج ممّا ورد عن أئمّة أهل البيت حول جهاد زيد واستشهاده، ولو ضُمّت إليها ما ورد عنهم من المدائح حال حياته وقبل ميلاده؛ ممّا تقدّم، لما بقي شكّ في أنّ ثائر أهل البيت كان رجلاً مثاليّاً، مُتّقياً، عادلاً، مخالفاً لهواه، لا يهمّه سوى تجسيد الإسلام بين الورى، وتبديد هياكل الظلم والطغيان.

____________________

(1) رجال الكشّي: 242، برقم 133.


ثورة زيد بن عليّ

كانت امتداداً لثورة الحسين (عليه السّلام)

إنّ نهضة الحسين بن عليّ (عليه السّلام)، ومنذ قيامها، صارت أُسوة وقدوة للمستضعفين، وقد لمس الثائرون مبدئيّة هذه النهضة، وأنّها قامت منذ البداية على مبادئ إلهيّة.

وقد أثارت وعي الأُمّة حتّى تتابعت ثورات عديدة ضد النظام الأُمويّ، نشير إلى عناوينها:

1 - ثورة أهل المدينة وإخراج عامل يزيد منها.

2 - ثورة عبد الله بن الزبير.

3 - ثورة التوّابين في الكوفة، بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، وكانت له صحبة مع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

4 - ثورة المختار بن أبي عبيدة الثقفي؛ الّتي أثلجت قلوب بني هاشم.

5 - ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث.

هذه الثورات الخمس كانت مستلهمة من ثورة الحسين نوعاً ما، إلى أن وصلت النوبة إلى زيد.

6 - ثورة زيد الشهيد؛ الّتي أنارت الطريق للثائرين الّذين أنهضهم زيد


بثورته للقضاء على النظام الأُمويّ في مدّة لا تتجاوز عشر سنين.

وقد تنبّأ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بثورته وقتله، واصفاً أصحابه بأنّهم يدخلون الجنّة بغير حساب، وإليك بعض ما نقل عنه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

1 - قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مخاطباً ولده الحسين (عليه السّلام): «يا حسين، يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يتخطّى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غرّاً محجّلين، يدخلون الجنّة بغير حساب». (1)

2 - قال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) - مشيراً إلى الحسين (عليه السّلام) ـ: «إنّه يخرج من ولده رجل يقال له زيد ويُقتل بالكوفة، ويُصلب بالكناسة، ويُخرَج من قبره نبشاً، تفتح لروحه أبواب السماء، وتبتهج به أهل السموات». (2)

3 - روى حذيفة، قال: نظر النبيّ إلى زيد بن حارثة، فقال: «المقتول في الله، والمصلوب في أُمّتي، المظلوم من أهل بيتي، سميّ هذا - وأشار بيده إلى زيد بن حارثة - ثُمَّ قال له: أُدن منّي يا زيد، زادك اسمك عندي حبّاً، فأنت سميّ الحبيب من أهل بيتي». (3)

4 - وقال أمير المؤمنين (عليه السّلام)، وقد وقف على موضع صَلبه بالكوفة، فبكى وأبكى أصحابه، فقالوا له: ما الّذي أبكاك؟، قال: «إنّ رجلاً من ولدي يُصلب في هذا الموضع، من رضى أن ينظر إلى عورته أكبّه الله على وجهه في النار». (4)

____________________

(1) عيون أخبار الرضا: 250، و251، الباب 25.

(2) السرائر: 3/ قسم المستطرفات.

(3) السرائر: 3/ قسم المستطرفات.

(4) الملاحم، ابن طاووس: الباب 31.


أهداف ثورة زيد:

إنّ دراسة ما نُقل عنه يوقفنا على أهداف ثورته، فقد أجهر بها في غير موضع من المواضع، حتّى أنّ الحاكم الأُموي هشام بن عبد الملك اتّهمه بالوقوف ضد النظام، وهذا يُعرب عن أنّه كان يبوح بأهدافه بين آونة وأُخرى، وإليك هذه الكلمات:

1 - إنّما خرجت على الّذين أغاروا على المدينة يوم الحرّة ثُمَّ رموا بيت الله بحجر المنجنيق والنار. (1)

ويُشير ثائرنا بكلامه هذا، إلى ما ارتكبه الحجاج قائد الجيش الأُموي، يوم التجأ ابن الزبير إلى البيت، فحصبه بالحجارة، مستعيناً بالمنجنيق الّذي نصبه الجيش على جبل أبي قبيس المشرف على الكعبة.

2 - إنّما خرجت على الّذين قاتلوا جدّي الحسين (عليه السّلام). (2)

3 - روى عبد الله بن مسلم بن بابك، قال: خرجنا مع زيد بن عليّ إلى مكّة، فلمّا كان نصف الليل واستوت الثريّا، فقال: يا بابكي، ما ترى هذه الثريّا؟، أترى أنّ أحداً ينالها؟، قلت: لا، قال: والله لوددت أنّ يدي ملصقة بها فأقع إلى الأرض، أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة وأنّ الله أصلح بين أُمّة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). (3)

إنّ هذه الكلمة إشراقة من كلام الحسين ووصيّته إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة:

____________________

(1) الفَرق بين الفِرق: 35 - 36.

(2) المصدر السابق.

(3) مقاتل الطالبيّين: 87.


«إنّي ما خرجت أشراً ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؛ أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين». (1)

نرى أنّ بين الكلمتين تقارناً، بل توافقاً، وهذا ما يدفعنا إلى القول بأنّ ثورته كانت امتداداً لثورة الحسين (عليه السّلام).

4 - أقام زيد الثائر بالكوفة، وبايعه أصحابه، وكانت بيعته الّتي يبايع عليها الناس: إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسواء، وردّ الظالمين، وإقفال المجمر، ونصرنا أهل البيت على من نصب لنا، وجهل حقّنا. أتبايعون على ذلك؟، فإذا قالوا نعم، وضع يده على يده، ثُمَّ يقول: عليك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله لتفينّ ببيعتي ولتقاتلنّ عدوي، ولتنصحنّ لي في السرّ والعلانيّة، فإذا قال: نعم، مسح يده على يده، ثُمَّ قال: اللّهم اشهد. (2)

5 - ومن كلامه: إنّا ندعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه، وإلى السنن أن تحيا، وإلى البدع أن تُدفع، فإن أنتم أجبتمونا سعدتم، وإن أنتم أبيتم فلست عليكم بوكيل. (3)

____________________

(1) بحار الأنوار: 44/329.

(2) تاريخ الطبري: 5/492.

(3) تاريخ الطبري: 5/498.


توطين النفس على الشهادة:

خرج زيد موطّناً نفسه على الشهادة، مقدّماً المنيّة على الدنيا الدنيّة، وقتْلة العزّ على عيش الذل، كيف وهو الّذي كان يترنّم بقوله:

فـأجبتها أن المنيّة منهل

لابدّ أن أُسقى بذاك المنهل

ومن كان هذا كلامه، ويترنّم بما ماثله أيضاً، لا يخرج لطلب المُلك والإمارة وكسب الجاه والمقام وهو مشرف على القتل، وطلب الجاه من شؤون من يريد البقاء والالتذاذ بلذائذ الدنيا لا من يُريد ركوب الرماح والأسنّة.

ومن أراد اتّهام زيد بطلب الإمارة والخلافة فلم يعرف نفسيّته ولا بيئته وظروفه المُحْدِقة به، فإنّها كانت تحتّم عليه الموت، وهو كان يرى الشهادة أمامه.

وهناك من يفسّر شهادة زيد بطلب الإمارة والخلافة، أو بسائر الأحداث الجزئيّة؛ كإهانة هشام له، إلى غير ذلك من الأُمور الّتي لا يتفوّه بها إلاّ الجاهل بتاريخ زيد وسيرته.

ثورته:

دخل زيد الكوفة في النصف الثاني من عام 120هـ، وأقام بها، وأقبلت الشيعة تختلف إليه وتأمره بالخروج، ويقولون: إنّا لنرجو أن تكون أنت المنصور، وكان لمكانته ومنزلته بين الناس تأثير بالغ في اجتذاب الناس والتفافهم حوله، ولمّا كان الداعي عالماً بارعاً، وفقيهاً ورعاً، يأخذ بمجامع القلوب، ويؤثّر في الشعوب، التفّ حوله جماعة من الفقهاء ونقلة الآثار، منهم:


1 - منصور بن المعتمر.

2 - النعمان بن ثابت (أبو حنيفة) (80 - 150هـ).

3 - سليمان بن مهران (الأعمش).

4 - محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري (74 - 148هـ).

5 - هلال بن حباب.

6 - زبيد بن الحارث اليامي.

7 - يزيد بن أبي زياد القرشي الهاشمي.

8 - قيس بن ربيع الأسدي (المتوفّى 168هـ).

9 - سلمة بن كهيل.

10 - هارون بن سعد العجلي.

11 - أبو هاشم الرماني.

12 - الحجّاج بن دينار.

13 - سفيان الثوري.

14 - مسعر بن كدام الفدكي.

ثُمَّ إنّه بثّ دعاته في الأطراف والأكناف، وقد سجّل التاريخ أسماءَهم، وهو ينم عن علو همّة زيد وسعة دعوته، وفي مقابل ذلك حذّره جماعة من القيام، ولكنّه اعتذر عن قبول نصائحهم، وإنّه موطّن نفسه على الشهادة، سواء أنال بغيته أم لا، وذلك لأنّ من أهدافه العالية إنهاض همم المسلمين إلى الثورة، ولو بقتله واستشهاده في سبيل الله، حتّى يُقوّضوا صرح حكم بني أُميّة.


الكوفة في مخاض الثورة:

كان يوسف بن عمر عامل هشام في العراق، وكان يسكن بالحيرة وهي بلدة بين الكوفة والنجف، وخليفته في الكوفة هو الحكم بن الصلت، ورئيس شرطته عمرو بن عبد الرحمن، ومع ما كان لهم من عيون وجواسيس، لم يطّلعوا على ما كان يجري في الكوفة وما والاها، وهذا يدلّ على حنكة الثائر؛ حيث صانها من الفشل والتسرّب إلى الخارج، وقد كان التخطيط دقيقاً للغاية، حيث كان الناس يبايعون زيداً ولا يعرفون مكانه، وذلك لأن معمر بن خيثم وفضيل بن الزبير يُدْخِلان الناس عليه وعليهم براقع لا يعرفون موقع زيد، فيأتيان بهم من مكان لا يبصرون شيئاً حتّى يدخلوا عليه ويبايعون. (1)

كانت الثورة تستفحل إلى أن وافت رسالة هشام إلى عامله؛ أطلعه على الأمر وشتمه وسفّهه، فلمّا اطّلع يوسف بن عمر على استفحال الثورة، وأنّ زيداً قد أزمع على الخروج في زمان محدود، أراد فصل الناس عن زيد والحيلولة بين القائد وقاعدته، فوقف زيد على انكشاف أمره، فعند ذاك عزم زيد على الخروج عالماً أنّه لو تأخر وتماهل في الخروج ربّما كشف العدو مخبأه، فاستعدّ للقتال بإلقاء خطب تحثّ الأشخاص للقيام، فقام خطيباً أمام الثوار:

أيّها النّاس، عليكم بالجهاد فإنّه قوام الدين وعمود الإسلام ومنار الإيمان، واعلموا أنّه ما ترك قوم الجهاد قط إلاّ حقروا وذلّوا.. ثُمَّ قرأ الفاتحة إلى قوله

____________________

(1) الروض النضير: 1/130.


( الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، وقال: الصراط المستقيم هو دين الله، وسنامه وقوامه الجهاد، ثُمَّ ذكر ما نزل من القرآن في فضل الجهاد من أوّل القرآن إلى آخره. (1)

روى الإمام المهديّ في (المنهاج)، والإمام أبو طالب في (الأمالي)، والسيّد أبو العبّاس في (المصابيح)، عن سعيد بن خثيم، قال: إنّ زيداً (عليه السّلام) كتَّب كتائبه، فلمّا خفقت راياته رفع يديه إلى السماء، فقال: الحمد لله الّذي أكمل لي دِيني، والله ما يسرّني أنّي لقيت محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ولم آمر في أُمّته بالمعروف ولم أنههم عن المنكر، والله ما أُبالي إذا أقمت كتاب الله وسنّة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن أُجِّجت لي نار ثُمَّ قُذفتُ فيها، ثُمَّ صرت بعد ذلك إلى رحمة الله تعالى، والله لا ينصرني أحد إلاّ كان في الرفيق الأعلى مع محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السّلام).

ويحكم أمَا ترون هذا القرآن بين أظهركم، جاء به محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ونحن بنوه؟، يا معاشر الفقهاء، ويا أهل الحجا، أنا حجذة الله عليكم، هذه يدي مع أيديكم على أن نقيم حدود الله، ونعمل بكتاب الله، ونقسم فيئكم بينكم بالسويّة، فسلوني عن معالم دينكم، فإن لم أُنبّئكم عمّا سألتم، فولّوا من شئتم ممّن علمتم أنّه أعلم منّي، والله لقد علمتُ علم أبي عليّ بن الحسين، وعلم جدّي الحسين، علم عليّ بن أبي طالب وصيّ رسول الله وعيبة علمه، وإنّي لأعلم أهل بيتي، والله ما كذبت كذبة منذ عرفت يميني من شمالي، ولا انتهكت محرّماً لله عزّ وجلّ منذ عرفت أنّ الله يؤاخذني. (2)

____________________

(1) الروض النضير: 1/106.

(2) المصدر نفسه: 1/128.


تكتيب الكتائب والهجوم على الكوفة والحيرة:

غادر زيد ليلة الأربعاء، دار معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، واستقرّ خارج الكوفة فأمر برفع الهراوي، فكلّما أكل النار هروياً، رفعوا آخر، فما زالوا كذلك حتّى طلع الفجر، فلمّا أصبح، أمر بعض أصحابه بالنداء والشعار لغاية تقاطر المبايعين إلى النقطة الّتي استقرّ فيها لإرسال الكتائب منها إلى الكوفة والحيرة ولفتح البلدين، ومحاربة المانعين من أبناء البيت الأُمويّ وأنصارهم، فكان التخطيط تخطيطاً عسكريّاً بارعاً لولا أنّ القضاء سبق التدبير، وتسرّب أسرار الثورة إلى الخارج، وحال العامل وخليفته بينه وبين وثوب الناس واجتماعهم لديه.

أصبح زيد وتعجب من قلّة الحاضرين، وقال: أين الناس؟!، فقيل له: هم في المسجد الأعظم محصورون، فقال: لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر، ولم يجد بدّاً من القتال بمن معه، موطّناً نفسه على الاستشهاد. وقد ذكر المؤرّخون كيفية قتاله وقتال أصحابه الموفين بعهدهم وبيعتهم.

قال المسعودي: مضى زيد إلى الكوفة وخرج عنها ومعه القرّاء والأشراف، فحاربه يوسف بن عمر الثقفي، فلمّا قامت الحرب انهزم أصحاب زيد وبقي في جماعة يسيرة، فقاتلهم أشدّ قتال، وهو يقول متمثّلاً:

أذلّ الـحياة وعـزّ الـممات

وكــلاًّ أراه طـعاماً وبـيلا

فـإن كـان لابـدّ مـن واحد

فسيري إلى الموت سيراً جميلا

وحال المساء بين الفريقين، فراح زيد مثخناً بالجراح، وقد أصابه سهم


في جبهته، فطلبوا من ينزع النصل، فأُتي بحجّام من بعض القرى فاستكتموه أمره، فاستخرج النصل، فمات من ساعته، فدفنوه في ساقية ماء، وجعلوا على قبره التراب والحشيش وأُجري الماء على ذلك، وحضر الحجّام مواراته، فعرف الموضع، فلمّا أصبح، مضى إلى يوسف متنصّحاً فدلّه على موضع قبره، فاستخرجه يوسف وبعث برأسه إلى هشام، فكتب إليه هشام: أن اصلبه عُرياناً، فصلبه يوسف كذلك، ففي ذلك يقول بعض شعراء بني أُميّة يخاطب آل أبي طالب وشيعتهم في أبيات:

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة

ولم أر مهديّاً على الجذع يُصلب

وبنى تحت خشبته عموداً، ثُمّ كتب هشام إلى يوسف يأمره بإحراقه وذروه في الرياح. (1)

وفي معجم البلدان: وعلى باب الكورتين، مشهد زيد، فيه مدفن رأس زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، الّذي ق،تل بالكوفة، وأُحرق، وحُمل رأسه فطيف به الشام، ثُمَّ حُمل إلى مصر فدفن هناك. (2)

إنّ وعّاظ السلاطين، وشعراء البلاط الأُمويّ كانوا ينقمون من زيد، وينظمون القريض في ذمِّه، ولمّا صُلب قالوا في حقّه ما قالوا، ومنها ما عرفت من قولهم:

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة

ولم أر مهديّاً على الجذع يُصلب

____________________

(1) مروج الذهب: 3/207.

(2) معجم البلدان: 8/77، مادة مصر.


فردّ عليه شعراء الشيعة بقصائدٍ نذكر منها بعض ما جادت به قريحة سيدنا العلاّمة محسن الأمين، حيث قال:

فـإن تـصلبوا زيـداً عـناداً لجده

فـقد قُـتلت رُسـل الإله وصلّبوا

وإنّـا نـعدُّ الـقتل أعـظم فخرنا

بـيوم بـه شـمس النهار تُحجب

فـمالكم والـفخر بـالحرب إنّـها

إذا مـا انـتمت تنمى إلينا وتُنسب

هداة الورى في ظلمة الجهل والعمى

إذا غـاب مـنهم كوكب بان كوكب

كـفاهم فـخاراً أنّ أحـمد مـنهم

وغيرهم أن يدّعوا الفخر كذّبوا (1)

الثائرون بعد الإمام زيد:

إنّ ثورة زيد بن عليّ كانت ثورة عارمة بوجه الظالمين، هزّت وضعضعت أركان الدولة الأُمويّة، ولإيقاف القارئ على الأحداث الّتي أعقبت ثورته، نذكر أسماء الّذين نهجوا منهجه وساروا على دربه، وأخذوا بزمام الثورة وقادوها، وهم:

1 - يحيى بن زيد؛ الّذي شارك مع أبيه في الثورة وبقي بعد مقتل أبيه.

2 - محمّد بن عبد الله بن الحسن؛ المعروف بالنفس الزكيّة؛ الّذي استشهد عام 145هـ.

3 - إبراهيم بن عبد الله؛ الّذي استشهد في البصرة في العام الّذي استشهد فيه أخوه.

____________________

(1) زيد الشهيد: 78.


4 - إدريس بن عبد الله، حيث ذهب إلى المغرب بعد قتل محمّد بن عبد الله، فأجابه خلق من الناس.

5 - إدريس بن إدريس بن عبد الله بن الحسن؛ مؤسّس دولة الأدارسة في المغرب.

6 - عيسى بن زيد بن عليّ؛ أخو يحيى بن زيد، وقد توارى بعد ثورة أخيه، فمات متوارياً عام 166هـ.

7 - محمّد بن إبراهيم الطباطبا، فقد خرج في خلافة المأمون ودعا إلى الرضا من آل محمد، توفّي عام 199هـ.

8 - محمّد بن محمّد بن زيد بن عليّ، وكان أبو السرايا قائداً عاماً لجيشه، وكان قبل ذلك داعية لابن طباطبا.

9 - محمّد بن القاسم بن عليّ بن عمر الأشرف بن عليّ بن الحسين، فقد ظهر في طالقان عام 219هـ ودعا إلى الرضا من آل محمّد.

10 - يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد، خرج بالكوفة عام 250هـ.

11 - يحيى بن الحسين بن القاسم؛ المعروف بـ طباطبا، وقد دعا إلى نفسه بصعدة وبويع للإمامة، ثُمَّ إنّ الإمام يحيى بن الحسين أسّس دولة زيديّة باليمن وقام بأعباء الإمامة، ومن بعده أولاده إلى أن أُقصيت الزيديّة عن الحكم في اليمن بحلول الجمهوريّة، وذلك في شهر ربيع الأوّل من سنة 1382هـ.

ومن حاول أن يقف على أسماء الأئمة الّذين دعوا إلى أنفسهم، إلى الإمام


محمّد البدر، آخر أئمة الزيديّة، فليرجع إلى كتابنا (بحوث في الملل والنحل). (1)

فكما قامت للزيديّة دولة في المغرب واليمن، فهكذا قامت دولة زيديّة في طبرستان بين الأعوام (250 - 360هـ)؛ حيث ظهر الحسن بن زيد بن محمّد بن إسماعيل بن زيد بن الحسين في طبرستان أيّام المستعين الله، وتمكّن من بسط نفوذه على طبرستان وجُرجان، وقام بعده أخوه محمّد بن زيد، ودخل بلاد الديلم عام 277هـ، ثُمَّ ملك طبرستان بعد ذلك الناصر للحق الحسن بن عليّ المعروف بالأطروش، وجاء بعده الحسن بن القاسم، وبعده محمّد بن الحسن بن القاسم المتوفّى 360هـ.

هذه إلمامة موجزة وضعتها أمام القارئ عن ثوّارهم ودولهم.

عقائد الزيديّة

لم يكن زيد الشهيد صاحب نهج كلامي ولا فقهي، فلو كان يقول بالعدل والتوحيد ويكافح الجبر والتشبيه، فلأجل أنّه ورثهما عن آبائه (عليهم السّلام)، وإن كان يفتي في مورد أو موارد، فهو يصدر عن الحديث الّذي يرويه عن آبائه.

نعم، جاء بعد زيد مفكّرون وعاة، وهم بين دعاة للمذهب، أو بناة للدولة في اليمن وطبرستان، فساهموا في إرساء مذهب باسم المذهب الزيدي، متفتّحين في الأُصول والعقائد مع المعتزلة، وفي الفقه وكيفيّة الاستنباط مع الحنفيّة، ولكن الصلة بين ما كان عليه زيد الشهيد في الأُصول والفروع وما أرساه

____________________

(1) بحوث في الملل والنحل: 7/371 - 386.


هؤلاء في مجالي العقيدة والشريعة منقطعة إلاّ في القليل منهما.

ولا أُغالي إذا قلت: إنّ المذهب الزيدي مذهب ممزوج ومنتزع من مذاهب مختلفة في مجالي العقيدة والشريعة، ساقتهم إلى ذلك الظروف السائدة عليهم، وصار مطبوعاً بطابع مذهب زيد، وإن لم يكن له صلة بزيد إلاّ في القسم القليل.

ومن ثَمَّ التقت الزيديّة في العدل والتوحيد مع شيعة أهل البيت جميعاً، إذ شعارهم في جميع الظروف والأدوار رفض الجبر والتشبيه، والجميع في التديّن بذينك الأصلين عيال على الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، كما أنّهم التقوا في الأُصول الثلاثة: ـ

1 - الوعد والوعيد.

2 - المنزلة بين المنزلتين.

3 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. - مع المعتزلة حيث أدخلوا هذه الأُصول في مذهبهم ورتّبوا عليه:

1 - خلود مرتكب الكبيرة في النار إذا مات بلا توبة، وحرمانه من الشفاعة؛ لأنّها للعدول دون الفسّاق.

2 - الشفاعة؛ بمعنى ترفيع الدرجة، لا الحطّ من الذنوب.

3 - الفاسق في منزلة بين المنزلتين؛ فهو عندهم لا مؤمن ولا كافر بل فاسق.

فاستنتجوا الأمرين الأوّلين من الأصل الأوّل، والثالث من الأصل الثاني.


وأمّا الأصل الثالث، فهو ليس من خصائص الاعتزال، ولا الزيديّة، بل يشاركهم الإماميّة. هذه عقائدهم في الأُصول.

وأمّا الفروع فقد التفّت الزيديّة حول القياس والاستحسان والإجماع، وجعلوا الثالث بما هو هو حجّة، كما قالوا بحجيّة قول الصحابي وفعله، وبذلك صاروا أكثر فِرق الشيعة انفتاحاً على أهل السنّة.

ولكن العلامة الفارقة والنقطة الشاخصة الّتي تميّز هذا المذاهب عمّا سواه من المذاهب، ويسوقهم إلى الانفتاح على الإماميّة والإسماعيليّة، هو القول بإمامة عليّ والحسنين بالنصّ الجليّ أو الخفيّ عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والقول بأنّ تقدّم غيرهم عليهم كان خطأ وباطلاً.

وها نحن نأتي برؤوس عقائدهم الّتي يلتقون في بعضها مع المعتزلة والإماميّة:

1 - صفاته سبحانه عين ذاته، خلافاً للأشاعرة.

2 - إنّ الله سبحانه لا يُرى ولا تجوز عليه الرؤية.

3 - العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها.

4 - الله سبحانه مريد بإرادة حادثة.

5 - إنّه سبحانه متكلّم بكلام، وكلامه سبحانه فعله: وهو الحروف والأصوات.

6 - أفعال العباد ليست مخلوقة لله سبحانه.

7 - تكليف ما يطاق قبيح، خلافاً للمجبّرة والأشاعرة.

8 - المعاصي ليس بقضاء الله.


9 - الإمامة تجب شرعاً لا عقلاً، خلافاً للإمامية.

10 - النصّ على إمامة زيد والحسنين عند الأكثريّة.

11 - القضاء في فدك صحيح، خلافاً للإماميّة.

12 - خطأ المتقدّمين على عليّ في الخلافة قطعيّ.

13 - خطأ طلحة والزبير وعائشة قطعيّ.

14 - توبة الناكثين صحيحة.

15 - معاوية بن أبي سفيان فاسق لبغيه لم تثبت توبته.

هذه رؤوس عقائد الزيديّة استخرجناها من كتاب (القلائد في تصحيح الاعتقاد)، المطبوع في مقدّمة البحر الزخّار. (1)

فرق الزيديّة:

قد ذكر مؤرّخو العقائد للزيديّة فِرقاً، بين مقتصر على الثلاث، وإلى مفيض إلى ست، وإلى ثمان، منهم: الجاروديّة والسليمانيّة والبتريّة والنعيميّة، إلى غير ذلك من الفِرق، وبما أنّ هذه الفِرق كلّها قد بادت وذهبت أدراج الريح، مع بقاء الزيديّة في اليمن، ولا يوجد اليوم في اليمن بين الزيديّة من المفاهيم الكلاميّة المنسوبة إلى الفِرق كالجاروديّة أو السليمانيّة أو البتريّة أو الصالحيّة إلاّ مفهوم واحد، وهو المفهوم العام الّذي تعرفت عليه، وهو القول بإمامة زيد والخروج

____________________

(1) البحر الزخّار: 52 - 96.


على الظلمة، واستحقاق الإمامة بالطلب والفضل، لا بالوراثة، مع القول بتفضيل عليّ - كرم الله وجهه - وأولويتّه بالإمامة، وقصرها من بعده في البطنين الحسن والحسين.

وأمّا أسماء تلك الفِرق والعقائد المنسوب إليهم، فلا توجد اليوم إلاّ في بطون الكتب والمؤلَّفات في الفِرق الإسلاميّة كالمِلل والنحل ونحوها، فإذا كان الحال في اليمن كما ذكره الفضيل شرف الدين، فالبحث عن هذه الفِرق من ناحية إيجابيّاتها وسلبيّاتها ليس مهمّاً بعد ما أبادهم الدهر، وإنّما اللاّزم دراسة المفهوم الجامع بين فِرقهم.


15

الإسماعيليّة

الإسماعيليّة فِرقة من الشيعة القائلة بأنّ الإمامة بالتنصيص من النبيّ أو الإمام القائم مقامه، غير أنّ هناك خلافاً بين الزيديّة والإماميّة والإسماعيليّة في عدد الأئمّة ومفهوم التنصيص.

فالأئمّة المنصوصة خلافتهم وإمامتهم بعد النبيّ عند الزيديّة لا يتجاوز عن الثلاثة: عليّ أمير المؤمنين (عليه السّلام)، والسبطين الكريمين: الحسن والحسين (عليهما السّلام)، وبشهادة الأخير أغلقت دائرة التنصيص وجاءت مرحلة الانتخاب بالبيعة كما تقدم.

وأمّا الأئمّة المنصوصون عند الإماميّة فاثنا عشر إماماً آخرهم غائبهم يظهره الله سبحانه عندما يشاء، وقد حوّل أمر الأُمّة - في زمان غيبته - إلى الفقيه العارف بالأحكام والسنن والواقف على مصالح المسلمين على النحو المقرّر في كتبهم وتآليفهم.

وأمّا الإمامة عند الإسماعيليّة فهي تنتقل عندهم من الآباء إلى الأبناء، ويكون انتقالها عن طريق الميلاد الطبيعي، فيكون ذلك بمثابة نصّ من الأب بتعيين الابن، وإذا كان للأب عدّة أبناء فهو بما أُوتي من معرفة خارقة للعادة يستطيع أن يعرف من هو الإمام الّذي وقع عليه النص، فالقول بأنّ الإمامة عندهم بالوراثة أولى من القول بالتنصيص.


وعلى كلّ حال فهذه الفِرقة منشقّة عن الشيعة، معتقدة بإمامة إسماعيل بن جعفر بن الإمام الصادق (عليه السّلام)، وإليك نبذة مختصرة عن سيرة إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السّلام) (110 - 145هـ).

الإمام الأوّل للدعوة الإسماعيليّة:

إنّ إسماعيل هو الإمام الأوّل والمؤسّس للمذهب، فوالده الإمام الصادق (عليه السّلام) غنيّ عن التعريف وفضله أشهر من أن يُذكر، وأُمّه فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن الحسين الّتي أنجبت أولاداً ثلاثة هم:

1 - إسماعيل بن جعفر.

2 - عبد الله بن جعفر.

3 - أُم فروة.

وكان إسماعيل أكبرهم، وكان أبو عبد الله (عليه السّلام) شديد المحبّة له والبرَّ به والإشفاق عليه، مات في حياة أبيه (عليه السلام) (بالعريض) وحمل على رقاب الرّجال إلى أبيه بالمدينة حتّى دفنه بالبقيع. (1)

استشهاد الإمام الصادق (عليه السّلام) على موته:

كان الإمام الصادق حريصاً على إفهام الشيعة بأنّ الإمامة لم تُكتب لإسماعيل، فليس هو من خلفاء الرسول الاثني عشر الّذين كُتبت لهم الخلافة والإمامة بأمر السماء وإبلاغ الرسول الأعظم.

____________________

(1) إرشاد المفيد: 284.


ومن الدواعي الّتي ساعدت على بثّ بذر الشبهة والشكّ في نفوس الشيعة في ذلك اليوم؛ هو ما اشتهر من أنّ الإمامة للولد الأكبر، وكان إسماعيل أكبر أولاده، فكانت أماني الشيعة معقودة عليه، ولأجل ذلك تركّزت جهود الإمام الصادق (عليه السّلام) على معالجة الوضع واجتثاث جذور تلك الشبهة وأنّ الإمامة لغيره، فتراه تارة ينصّ على ذلك، بقوله وكلامه، وأُخرى بالاستشهاد على موت إسماعيل وأنّه قد انتقل إلى رحمة الله ولن يصلح للقيادة والإمامة.

وإليك نموذجاً يؤيّد النهج الّذي انتهجه الإمام لتحقيق غرضه في إزالة تلك الشبهة.

روى النعماني عن زرارة بن أعين، أنّه قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السّلام) وعند يمينه سيّد ولده موسى (عليه السّلام) وقدّامه مرقد مغطّى، فقال لي: «يا زرارة جئني بداود بن كثير الرقي وحمران وأبي بصير» ودخل عليه المفضّل بن عمر، فخرجت فأحضرت من أمرني بإحضاره، ولم يزل الناس يدخلون واحداً إثر واحد حتّى صرنا في البيت ثلاثين رجلا.

فلمّا حشد المجلس قال: «يا داود اكشف لي عن وجه إسماعيل»، فكشف عن وجهه، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا داود أحيٌّ هو أم ميّت؟» ، قال داود: يا مولاي هو ميّت، فجعل يعرض ذلك على رجل رجل، حتّى أتى على آخر من في المجلس، وانتهى عليهم بأسرهم، وكل يقول: هو ميّت يا مولاي، فقال: «اللّهم اشهد» ثُمَّ أمر بغسله وحنوطه، وإدراجه في أثوابه.

فلمّا فرغ منه قال للمفضّل: (يا مفضّل أحسر عن وجهه)، فحسر عن وجهه، فقال: «أحيُّ هو أم ميّت؟» فقال له: ميّت، قال(عليه السّلام): «اللّهم اشهد عليهم» ، ثُمَّ


حمل إلى قبره، فلمّا وضع في لحده، قال: «يا مفضّل اكشف عن وجهه»، وقال للجماعة: (أحيّ هو أم ميّت؟)، قلنا له: ميّت، فقال: «اللّهم اشهد، واشهدوا فانّه سيرتاب المبطلون، يريدون إطفاء نور الله بأفواههم - ثُمَّ أومأ إلى موسى - والله متمّ نوره ولو كره المشركون»، ثُمَّ حثونا عليه التراب، ثُمَّ أعاد علينا القول، فقال: «الميّت، المحنّط، المكفّن المدفون في هذا اللحد من هو؟» قلنا: إسماعيل، قال: «اللّهم اشهد». ثُمَّ أخذ بيد موسى (عليه السّلام) وقال: «هو حقّ، والحقّ منه، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها». (1)

هل كان عمل الإمام تغطية لستره؟

إنّ الإسماعيليّة تدّعي أنّ ما قام به الإمام الصادق (عليه السّلام) كان تغطية؛ لستره عن أعين العباسيّين، الّذين كانوا يطاردونه بسبب نشاطه المتزايد في نشر التعاليم الّتي اعتبرتها الدولة العباسيّة منافية لقوانينها. والمعروف أنّه توجّه إلى سلمية ومنها إلى دمشق فعلم به عامل الخليفة، وهذا ما جعله يغادرها إلى البصرة ليعيش فيها متستّراً بقيّة حياته.

مات في البصرة سنة 143هـ، وكان أخوه موسى بن جعفر الكاظم حجاباً عليه، أمّا وليّ عهده محمّد فكان له من العمر أربع عشرة سنة عند موته. (2)

ما ذكره أُسطورة حاكتها يدُ الخيال، ولم يكن الإمام الصادق (عليه السّلام) ولا أصحابه الأجلاّء، ممّن تتلمذوا في مدرسة الحركات السريّة، حتّى يفتعل موت ابنه بمرأى ومسمع من الناس وهو بعد حيّ يرزق، ولم يكن عامل الخليفة

____________________

(1) غيبة النعماني: 327، الحديث 8، ولاحظ؛ بحار الأنوار: 48/21.

(2) عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 180.


بالمدينة المنوّرة بليداً، يكتفي بالتمويه، حتّى يتسلّم المحضر ويبعث به إلى دار الخلافة العبّاسيّة.

والظاهر أنّ إصرارهم بعدم موت إسماعيل في حياة أبيه جعفر الصادق (عليه السّلام)، لأجل تصحيح إمامة ابنه عبد الله بن إسماعيل؛ حتّى يتسنّى له أخذ الإمامة من أبيه الحيّ بعد حياة الإمام الصادق (عليه السّلام).

لكن الحقّ أنّه توفّي أيّام حياة أبيه، بشهادة الأخبار المتضافرة الّتي تعرّفت عليها، وهل يمكن إغفال أُمّة كبيرة وفيهم جواسيس الخليفة وعمّالها؟!، وستْر رحيل إسماعيل إلى البصرة بتمثيل جنازة بطريقة مسرحيّة يُعلن بها موته، فإنّه منهج وأُسلوب السياسيّين المخادعين، المعروفين بالتخطيط والمؤامرة، ومن يريد تفسير فعل الإمام عن هذا الطريق فهو من هؤلاء الجماعة (وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح). وأين هذا من وضع الجنازة مرّات وكشف وجهه والاستشهاد على موته وكتابة الشهادة على كفنه؟!

والتاريخ يشهد على أنّه لم يكن لإسماعيل ولا لولَده الإمام الثاني، أيّة دعوة في زمان أبي جعفر المنصور ولا ولَده المهدي العبّاسي، بشهادة أنّ ابن المفضّل كتب كتاباً ذكر فيه صنوف الفِرق، ثُمَّ قرأ الكتاب على الناس، فلم يذكر فيه شيئاً من تلك الفِرقة مع أنّه ذكر سائر الفِرق الشيعيّة البائدة.

والحق إنّ إسماعيل كان رجلاً ثقة، محبوباً للوالد، وتوفّي في حياة والده وهو عنه راض، ولم تكن له أي دعوة للإمامة، ولم تظهر أي دعوة باسمه أيّام خلافة المهدي العبّاسي الّذي توفّي عام 169هـ، وقد مضى على وفاة الإمام الصادق (عليه السّلام) إحدى وعشرون سنة.


الخطوط العريضة للمذهب الإسماعيلي

إنّ للمذهب الإسماعيلي آراء وعقائداً:

الأُولى: انتماؤهم إلى بيت الوحي والرسالة:

كانت الدعوة الإسماعيليّة يوم نشوئها دعوة بسيطة لا تتبنّى سوى: إمامة المسلمين، وخلافة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) واستلام الحكم من العباسيّين بحجة ظلمهم وتعسّفهم، غير أنّ دعوة بهذه السذاجة لا يُكتب لها البقاء إلاّ باستخدام عوامل تضمن لها البقاء، وتستقطب أهواء الناس وميولهم.

ومن تلك العوامل الّتي لها رصيد شعبي كبير هو ادّعاء انتماء أئمّتهم إلى بيت الوحي والرسالة وكونهم من ذريّة الرسول وأبناء بنته الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السّلام)، وكان المسلمون منذ عهد الرسول يتعاطفون مع أهل بيت النبيّ، وقد كانت محبّتهم وموالاتهم شعار كلّ مسلم واع.

وممّا يشير إلى ذلك أنّ الثورات الّتي نشبت ضد الأُمويّين كانت تحمل شعار حبّ أهل البيت (عليهم السّلام) والاقتداء بهم والتفاني دونهم، ومن هذا المنطلق صارت الإسماعيليّة تفتخر بانتماء أئمّتهم إلى النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، حتّى إذا تسلّموا مقاليد الحكم وقامت دولتهم اشتهروا بالفاطميّين، وكانت التسمية يومذاك تهزّ المشاعر وتجذب العواطف بحجّة أنّ الأبناء يرثون ما للآباء من الفضائل والمآثر، وأنّ


تكريم ذريّة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) تكريم له (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فشتّان ما بين بيت أُسّس بنيانه على تقوى من الله ورضوانه وبيت أُسّس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم.

الثانية: تأويل الظواهر:

إنّ تأويل الظواهر وإرجاعها إلى خلاف ما يتبادر منها في عرف المتشرّعة هي السمة البارزة الثانية للدعوة الإسماعيليّة، وهي إحدى الدعائم الأساسيّة؛ بحيث لو انسلخت الدعوة عن التأويل واكتفت بالظواهر لم تتميّز عن سائر الفِرق الشيعيّة إلاّ بصرف الإمامة عن الإمام الكاظم (عليه السّلام) إلى أخيه إسماعيل بن جعفر، وقد بنوا على هذه الدعامة مذهبهم في مجالي العقيدة والشريعة، وخصوصاً فيما يرجع إلى تفسير الإمامة وتصنيفها إلى أصناف.

إنّ تأويل الظواهر والتلاعب بآيات الذكر الحكيم وتفسيرها بالأهواء والميول جعل المذهب الإسماعيلي يتطوّر مع تطوّر الزمان، ويتكيّف بمكيّفاته، ولا ترى الدعوة أمامها أي مانع من مماشاة المستجدات وإن كانت على خلاف الشارع أو الضرورة الدينيّة.

الثالثة: تطعيم مذهبهم بالمسائل الفلسفيّة:

إنّ ظاهرة الجمود على النصوص والظواهر ورفض العقل في مجالات العقائد، كانت من أهم ميّزات العصر العبّاسي، هذه الظاهرة ولّدت رد فعل عند أئمّة الإسماعيليّة، فانجرفوا في تيّارات المسائل الفلسفيّة وجعلوها من صميم


الدّين وجذوره، وانقلب المذهب إلى منهج فلسفي يتطوّر مع تطوّر الزمن، ويتبنّى أُصولاً لا تجد منها في الشريعة الإسلاميّة عيناً ولا أثراً.

يقول المؤرّخ الإسماعيلي المعاصر مصطفى غالب: إنّ كلمة (إسماعيليّة) كانت في بادئ الأمر تدلّ على أنّها من إحدى الفِرق الشيعيّة المعتدلة، لكنّها صارت مع تطوّر الزمن حركة عقليّة تدلّ على أصحاب مذاهب دينيّة مختلفة، وأحزاب سياسيّة واجتماعيّة متعدّدة، وآراء فلسفيّة وعلميّة متنوّعة. (1)

الرابعة: تنظيم الدعوة:

ظهرت الدعوة الإسماعيليّة في ظروف ساد فيها سلطان العبّاسيّين شرق الأرض وغربها، ونشروا في كلِّ بقعة جواسيس وعيوناً ينقلون الأخبار إلى مركز الخلافة الإسلاميّة، ففي مثل هذه الظروف العصيبة لا يُكتب النجاح لكلّ دعوة تقوم ضدّ السلطة إلاّ إذا امتلكت تنظيماً وتخطيطاً متقناً يضمن استمرارها، ويصون دعاتها وأتباعها من حبائل النظام الحاكم وكشف أسرارهم.

وقد وقف الدعاة على خطورة الموقف، وأحسّوا بلزوم إتقان التخطيط والتنظيم، وبلغوا فيه الذروة؛ بحيث لو قُورنت مع أحدث التنظيمات الحزبيّة العصريّة، لفاقتها وكانت لهم القدح المعلّى في هذا المضمار، وقد ابتكروا أساليب دقيقة يقف عليها من سبر تراجمهم وقرأ تاريخهم، ولم يكتفوا بذلك فحسب بل جعلوا تنظيمات الدعوة من صميم العقيدة وفلسفتها.

____________________

(1) تاريخ الدعوة الإسماعيليّة: 14.


الخامسة: تربية الفدائيّين للدفاع عن المذهب:

إنّ الأقلّية المعارضة من أجل الحفاظ على كيانها لا مناص لها من تربية فدائيّين مضحّين بأنفسهم في سبيل الدعوة؛ لصيانة أئمتهم ودعاتهم من تعرّض الأعداء، فينتقون من العناصر المخلصة المعروفة بالتضحية والإقدام، والشجاعة النادرة، والجرأة الخارقة ويكلّفون بالتضحيات الجسديّة، وتنفيذ أوامر الإمام أو نائبه، وإليك هذا النموذج:

في سنة 500 هـ فكّر فخر الملك بن نظام وزير السلطان سنجر، أن يُهاجم قلاع الإسماعيليّة، فأوفد إليه الحسن بن الصباح أحد فدائيّيه فقتله بطعنة خنجر، ولقد كانت قلاعه في حصار مستمر من قبل السلجوقيّين.

السادسة: كتمان الوثائق:

إنّ استعراض تاريخ الدعوات الباطنيّة السرّيّة وتنظيماتها رهن الوقوف على وثائقها ومصادرها الّتي تنير الدرب لاستجلاء كنهها، وكشف حقيقتها وما غمض من رموزها ومصطلحاتها، ولكن للأسف الشديد أنّ الإسماعيليّة كتموا وثائقهم وكتاباتهم ومؤلّفاتهم وكلّ شيء يعود لهم، ولم يبذلوها لأحد سواهم، فصار البحث عن الإسماعيليّة بطوائفها أمراً مستعصياً، إلاّ أن يستند الباحث إلى كتب خصومهم وما قيل فيهم، ومن المعلوم أنّ القضاء في حقّ طائفة استناداً إلى كلمات مخالفيهم خارج عن أدب البحث النزيه.


السابعة: الأئمّة المستورون والظاهرون:

إنّ الإسماعيليّة أعطت للإمامة مركزاً شامخاً، وصنّفوا الإمامة إلى رُتب ودرجات، وزوّدوها بصلاحيّات واختصاصات واسعة، غير أنّ المهمَّ هنا الإشارة إلى تصنيفهم الإمام إلى مستور دخل كهف الاستتار، وظاهر يملك جاهاً وسلطاناً في المجتمع، فالأئمّة المستورون هم الّذين نشروا الدعوة سرّاً وكتماناً، وهم:

1 - إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السّلام) (110 - 145هـ).

2 - محمّد بن إسماعيل الملقّب بـ (الحبيب) (132 - 193هـ)، ولد في المدينة المنوّرة وتسلّم شؤون الإمامة واستتر عن الأنظار خشية وقوعه بيد الأعداء. ولقّب بالإمام المكتوم لأنّه لم يعلن دعوته وأخذ في بسطها خفية.

3 - عبد الله بن محمّد بن إسماعيل الملقّب بـ (الوافي) (179 - 212هـ)، ولد في مدينة محمّد آباد، وتولّى الإمامة عام 193هـ بعد وفاة أبيه، وسكن السلمية عام 194هـ مصطَحباً بعدد من أتباعه؛ وهو الّذي نظّم الدعوة تنظيماً دقيقاً.

4 - أحمد بن عبد الله بن محمّد بن إسماعيل الملقّب بـ (التقي) (198 - 265هـ)، وتولّى الإمامة عام 212هـ، سكن السلمية سرّاً حيث أصبحت مركزاً لنشر الدعوة.

5 - الحسين بن أحمد بن عبد الله بن محمّد بن إسماعيل الملقّب بـ (الرضي) (212 - 289هـ) تولّى الإمامة عام 265هـ، ويقال أنّه اتّخذ عبد الله بن ميمون القدّاح حجّة له وحجاباً عليه.


الأئمّة الظاهرون:

6 - عبيد الله المهدي (260 - 322هـ) والمعروف بين الإسماعيليّة أنّ عبيد الله المهدي الّذي هاجر إلى المغرب وأسّس هناك الدولة الفاطميّة كان ابتداءً لعهد الأئمّة الظاهرين الّذين جهروا بالدعوة وأخرجوها عن الاستتار.

7 - محمّد بن عبيد الله القائم بأمر الله (280 - 334هـ)، ولد بالسلمية، ارتحل مع أبيه عبيد الله المهدي إلى المغرب وعهد إليه بالإمامة من بعده.

8 - إسماعيل المنصور بالله (303 - 346هـ)، ولد بالقيروان، تسلّم شؤون الإمامة بعد وفاة أبيه سنة 334هـ.

9 - معد بن إسماعيل المعزّ لدين الله (319 - 365هـ)، مؤسس الدولة الفاطميّة في مصر.

10 - نزار بن معد العزيز بالله (344 - 386هـ)، ولي العهد بمصر سنة 365هـ، واستقلّ بالأمر بعد وفاة أبيه، وكانت خلافته إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفاً.

11 - منصور بن نزار الحاكم بأمر الله (375 - 411هـ)، بويع بالخلافة سنة 386هـ وكان عمره أحد عشر عاماً ونصف العام، وهو من الشخصيّات القليلة الّتي لم تتجلّ شخصيّته بوضوح، وقام بأعمال إصلاحيّة زعم مناوئوه أنّها من البدع.

وأمّا عن مصير الحاكم، فمجمل القول فيه أنّه فُقد في سنة 411هـ، ولم يُعلم مصيره، وحامت حول كيفيّة اغتياله أساطير لا تتلاءم مع الحاكم المقتدر.


وبعد اختفائه انشقّت فِرقة من الإسماعيليّة ذهبت إلى إلوهيّة الحاكم وغيبته، وهم المعروفون اليوم بـ (الدروز) يقطنون لبنان.

12 - عليّ بن منصور الظاهر لإعزاز دين الله (395 - 427هـ)، بويع بالخلافة وعمره ستة عشر عاماً، وشنّ حرباً على الدروز محاولاً إرجاعهم إلى العقيدة الفاطميّة الأصيلة.

13 - معد بن عليّ المستنصر بالله (420 - 487هـ)، بويع بالخلافة عام 427هـ، وكان له من العمر سبعة أعوام، وقد ظلّ في الحكم ستّين عاماً، وهي أطول مدّة في تاريخ الخلافة الإسلاميّة.

إلى هنا تمّت ترجمة الأئمّة الثلاثة عشر الّذين اتّفقت كلمة الإسماعيليّة على إمامتهم وخلافتهم، ولم يشذّ منهم سوى الدروز الّذين انشقوا عن الإسماعيليّة في عهد خلافة الحاكم بأمر الله، وصار وفاة المستنصر بالله سبباً لانشقاق آخر وظهور طائفتين من الإسماعيليّة، بين مستعلية تقول بإمامة أحمد المستعلي بن المستنصر بالله، ونزاريّة تقول بإمامة نزار بن المستنصر.

وسنأتي بالحديث عن الإسماعيليّة المستعلية والنزاريّة فيما يلي.


الإسماعيليّة المستعلية

صارت وفاة المستنصر بالله سبباً لانشقاق الإسماعيليّة مرّة ثانية - بعد انشقاق الدروز في المرّة الأُولى - فمنهم من ذهب إلى إمامة أحمد المستعلي بن المستنصر بالله، ومنهم من ذهب إلى إمامة نزار من المستنصر بالله، وإليك الكلام في أئمّة المستعلية في هذا الفصل مقتصرين على أسمائهم وتاريخ ولادتهم ووفاتهم:

1 - الإمام أحمد بن معد بن عليّ المستعلي بالله (467 - 495هـ).

2 - الإمام منصور بن أحمد الآمر بأحكام الله (490 - 524هـ).

قال ابن خلّكان: مات الآمر بأحكام الله ولم يعقب، وربّما يقال: أنّ الآمر مات وامرأته حامل بالطيّب. فلأجل ذلك عهد الآمر بأحكام الله الخلافة إلى الحافظ، الظافر، الفائز، ثُمَّ إلى العاضد، وبما أنّ هؤلاء لم يكونوا من صلب الإمام السابق، بل كانوا من أبناء عمّه صاروا دعاة؛ حيث لم يكن في الساحة إمام، ودخلت الدعوة المستعلية بعد اختفاء الطيّب بالستر، وما تزال تنتظر عودته، وتوقّفت عن السير وراء الركب الإمامي واتّبعت نظام الدعاة المطلقين.

3 - الداعي عبد المجيد بن أبي القاسم محمّد بن المستنصر الحافظ لدين الله (467 - 544هـ).

4 - الداعي إسماعيل بن عبد المجيد الظافر بأمر الله (527 - 549 هـ).


5 - الداعي عيسى بن إسماعيل الفائز بنصر الله (544 - 555هـ).

6 - عبد الله بن يوسف العاضد لدين الله (546 - 567هـ).

ثُمَّ إنّ العاضد فوّض الوزارة إلى صلاح الدين الأيّوبي الّذي بذل الأموال على أصحابه وأضعف العاضد باستنفاد ما عنده من المال، فلم يزل أمره في ازدياد وأمر العاضد في نقصان، حتّى تلاشى العاضد وانحلّ أمره، ولم يبق له سوى إقامة ذكره في الخطبة، وتتبّع صلاح الدين جُند العاضد، وأخذ دور الأمراء وإقطاعاتهم فوهبها لأصحابه، وبعث إلى أبيه وإخوته وأهله، فقدموا من الشام عليه، وعزل قُضاة مصر الشيعة، واختفى مذهب الشيعة إلى أنّ نُسي من مصر، وقد زادت المضايقات على العاضد وأهل بيته، حتّى مرض ومات وعمره إحدى وعشرون سنة إلاّ عشرة أيام، وهو آخر الخلفاء الفاطميّين بمصر، وكانت مدّتهم بالمغرب ومصر منذ قام عبيد الله المهدي إلى أن مات العاضد 272 سنة، منها بالقاهرة 208 سنين.(1)

تتابع الدعاة عند المستعلية:

قد عرفت أنّ ركب الإمامة قد توقّف عند المستعلية وانتهى الأمر إلى الدعاة الّذين تتابعوا إلى زمان 999هـ، وعند ذلك افترقت المستعلية إلى فِرقتين: داوديّة، وسليمانيّة، وذلك بعد وفاة الداعي المطلق داود بن عجب شاه، انتخبت مستعلية كجرات داود بن قطب شاه خلفاً له، ولكن اليمانيّين عارضوا ذلك وانتخبوا داعياً آخر، يُدعى سليمان بن

____________________

(1) انظر الخطط المقريزيّة: 1/358 - 359.


الحسن، ويقولون: إنّ داود قد أوصى له بموجب وثيقة ما تزال محفوظة.

إنّ الداعي المطلق للفِرقة الإسماعيليّة المستعلية الداوديّة اليوم هو طاهر سيف الدّين، ويُقيم في بومباي الهند، أمّا الداعي المطلق للفِرقة المستعلية السليمانيّة فهو عليّ بن الحسين، ويقيم في مقاطعة نجران بالحجاز. (1)

جناية التاريخ على الفاطميّين:

لاشكّ أنّ كلّ دولة يرأسها غير معصوم لا تخلو من أخطاء وهفوات، وربّما تنتابها بين آونة وأُخرى حوادث وفتن تضعضع كيانها وتشرفها على الانهيار.

والدولة الفاطميّة غير مستثناة عن هذا الخط السائد؛ فقد كانت لديها زلاّت وعثرات، إلاّ أنّها قامت بأعمال ومشاريع كبيرة لا تقوم بها إلاّ الدولة المؤمنة بالله سبحانه وشريعته، كالجامع الأزهر الّذي ظلّ عبر الدهور يُنير الدرب لأكثر من ألف سنة، كما أنّهم أنشأوا جوامع كبيرة ومدارس عظيمة مذكورة في تاريخهم، وبذلك رفعوا الثقافة الإسلاميّة إلى مرتبة عالية، وتلك الأعمال جعلت لهم في قلوب الناس مكانة عالية.

غير أنّا نرى أنّ أكثر المؤرّخين يصوّرها بأنّها من أكثر العصور ظلاماً في التاريخ؛ شأنها في ذلك شأن سائر الفراعنة، وليس هذا إلاّ حدسيّات وتخمينات أخذها أصحاب أقلام السِّير والتاريخ من رُماة القول على عواهنه دون أن يُمعنوا فيه.

____________________

(1) عارف تامر: الإمامة في الإسلام: 162.


والّذي يدلّ على ذلك أنّ الفقيه عمارة اليمني كتب إلى صلاح الدين الأيّوبي قصيدة سمّاها: (شكاية المتظلّم ونكاية المتألّم) وهي بديعة رثى فيها أصحاب القصر الفاطمي عند زوال ملْكهم.

الإسماعيليّة النزاريّة

قد عرفت أنّ الإسماعيليّة افترقت فِرقتين بين مستعلية ونزاريّة، أمّا الأُولى فقد مضى الكلام فيها، وأمّا الثانية فقد قالوا بإمامة نزار بن معد، وبذلك استمرّ الركب الإمامي بعد وفاة المستنصر بالله، واتفقت النزاريّة قبل الانشقاق على إمامة الأئمّة التالية:

1 - المصطفى بالله نزار بن معد المستنصر.

2 - الإمام جلال الدين حسن بن أعلى محمّد.

3 - الإمام علاء الدين بن الإمام جلال الدين.

4 - الإمام ركن الدين فورشاه بن الإمام علاء الدين.

5 - الإمام شمس الدين بن ركن الدين.

وبعد وفاة الإمام شمس الدين بن ركن الدين ظهر اختلاف من نوع جديد، فالمعلوم أنّه كان للإمام محمّد شمس الدين ثلاثة أولاد، هم: مؤمن شاه، وقاسم شاه، وكياشاه.

فالمؤمنيّة اعترفت بإمامة مؤمن شاه وسارت وراءه وولْده من بعدهن حتّى آخرهم أمير محمد باقر سنة 1210هـ، والقاسميّة سارت وراء قاسم شاه وولْده الذين هم أُسرة آغا خان.


النزاريّة المؤمنيّة:

النزاريّة المؤمنيّة الّتي ذهبت إلى إمامة مؤمن بن محمّد ثُمَّ توالت الإمامة في نسله عبر العصور إلى أن انتقلت إلى الإمام محمّد بن حيدر (الأمير الباقر) (1179 - 1210هـ)؛ وهو آخر إمام من أُسرة مؤمن يَحتفظ الإسماعيليّون في سوريا بفرمان مُرسل منه، من بلدة اورنك آباد بالهند إلى الإسماعيليّين في سوريا، وفي عهده توقّف الفرع المؤمني النزاري عن الركب الإمامي، ودخلت الإمامة في الستر خلافاً للفرع الأخر النزاريّة القاسميّة الّتي ذهب إلى استمرار الإمامة إلى يومنا هذا، وبلغت قائمة الأئمّة النزاريّة المؤمنيّة إلى محمّد بن حيدر 22 إماماً.

النزارية القاسمية:

ذهبت النزاريّة القاسميّة إلى إمامة قاسم شاه، وتوالت الإمامة من عصره إلى يومنا هذا إلى أن وصلت النوبة إلى أُسرة آغا خان.

بلغ عدد الأئمّة النزاريّة القاسميّة من عصر نزار بن معد إلى يومنا هذا 31 إماماً.

وأمّا أئمّة الأُسرة الآغاخانيّة الّذين تحملوا عبء الإمامة، فهم:

1 - حسن علي شاه (1219 - 1298هـ)؛ وهو أوّل من لقّب بآغا خان.

2 - علي شاه (1246 - 1302هـ)، ولد في بلدة محلاّت.


3 - سلطان بن محمّد شاه (1294 - 1380هـ)، المعروف بآغا خان الثالث، ولد في محلّة شهر العسل بكراتشي.

4 - كريم بن عليّ بن محمّد (1938 ـ...) المعروف بآغا خان الرابع.

هؤلاء أئمّة النزاريّة القاسميّة الآغاخانيّة، وهم الفِرقة المنحصرة باستمرار الإمامة في أولاد إسماعيل، وفق المذهب الإسماعيلي، فالله سبحانه يعلم هل تستمر الإمامة بعد رحيله أو تدخل في كهف الغيبة؟!


الإسماعيلية والأُصول الخمسة

الإسلام عقيدة وشريعة، والإسماعيليّة كغيرها من المذاهب لها أُصول وفروع.

أمّا الفروع فلا يختلفون مع المسلمين في أُمّهاتها، وكفى في الوقوف عليها ما كتبه القاضي أبو حنيفة النعمان بن محمّد التميمي (المتوفّى 363هـ) باسم (دعائم الإسلام).

نعم، انفردوا في الاعتقاد بأنّ لكلّ حكم فرعي ظاهراً وباطناً، وقد ألّف القاضي المذكور كتاباً باسم (تأويل الدعائم) وسيمرّ عليك شيئاً من تأويلاته.

إنّما الكلام في عقائدهم وأُصولهم، لأنّ العثور عليها أمر صعب للغاية، وذلك لوجوه:

1 - الظنّة بكتبهم والتستّر عليها وإخفاؤها وعدم جعلها تحت متناول أيدي الآخرين.

2 - اتّخاذ الفلسفة اليونانيّة عماداً وسنداً للمذهب؛ فأدخلوا فيه أشياء كثيرة ممّا لا صلة لها بباب العقائد والأُصول، كالقول بالعقول العشرة والأفلاك التسعة ونفوسها، وأنّ الصادر الأوّل هو العقل، إلى أن ينتهي الصدور إلى العقل العاشر.

3 - إنّ المذهب الإسماعيلي لم يكن في بدء ظهوره مذهباً متكاملاً، وإنّما تكامل عبر الزمان، نتيجة احتكاك الدعاة مع أصحاب الفلسفة اليونانيّة.


واعتمدنا في عرض عقائدهم على كتابين:

1 - (راحة العقل)، تأليف: الداعي في عهد الحاكم، أعني: أحمد بن عبد الله الكرماني (352 - كان حياً سنة 411هـ)، الملقّب بحجّة العراقين، وكبير دعاة الإسماعيليّة في عصر الحاكم بالله.

2 - (تاج العقائد ومعدن الفرائد)، تأليف: الداعي الإسماعيلي اليمني المطلق عليّ بن محمّد الوليد (522 - 612هـ). وهذا الكتاب أسهل فهماً من (راحة العقل)؛ يتضمّن مائة مسألة في معتقدات مذهب الإسماعيليّة.


1

عقيدتهم في التوحيد

1 - عقيدتهم في توحيده سبحانه أنّه واحد لا مثل له ولا ضد:

يقول الكرماني في المشرع الخامس: إنّه تعالى لا ضدّ له ولا مثل. (1)

وفي تاج العقائد: إنّه تعالى واحد لا من عدد، ولا يعتقد فيه كثرة، أو ازدواج أشكال المخلوقات، واختلاف البسائط والمركّبات. (2)

2 - إنّه سبحانه ليس أيساً:

إنّ الأيس بمعنى الوجود، ولعلّ أوّل من استعمله هو الفيلسوف الكندي.

وتستنكر الإسماعيليّة وصفه سبحانه بالأيس، وجاء الدليل عليه في كتاب (راحة العقل) وحاصله: إنّه لو كان موصوفاً بالوجود، فبما أنّ الصفة غير الموصوف يحتاج في وصفه به إلى الغير، وهو تعالى غنيّ عمّا سواه.

____________________

(1) راحة العقل: 47.

(2) تاج العقائد ومعدن الفرائد: 21.


يُلاحظ عليه: أنّ ما جاء به الكرماني يُعرب عن عدم نضوج الفلسفة اليونانيّة في أوساطهم، فهم يتصوّرون أنّ الوجود أمر عارض على الواجب، فيبحثون عن مسبِّب العروض، مع أنّه إذا كانت ماهيّته انّيّته، وكان تقدّست أسماؤه عين الوجود، فالاستدلال ساقط من رأسه.

3 - في نفي التسمية عنه:

والمُراد من نفي التسمية عنه هو نفي الماهيّة عنه، وقد استدلّوا على ذلك بقولهم: إنّه تعالى ليس له صورة نفسانيّة ولا عقليّة ولا طبيعيّة ولا صناعيّة، بل يتعالى بعظيم شأنه، وقوّة سُلطانه عن أن يوسم بما يوسم به أسباب خلقته وفنون بريّته، وقد اتّفقت فحول العلماء على أنّه تعالى لم يزل ولا شيء معه، لا جوهراً ولا عرضاً. (1)

4 - نفي الصفات عنه:

ذهبت الإسماعيليّة إلى نفي الصفات عنه على الإطلاق، واكتفت في مقام معرفته سبحانه بالقول بهويّته وذاته دون وصفه بصفات حتّى الصفات الجماليّة والكماليّة. مع أنّه سبحانه يوصف نفسه في غير سورة من السور، بصفاته.

____________________

(1) تاج العقائد ومعدن الفوائد: 26، ولكن الجمع بين نفي الأيس عنه سبحانه ونفي التسمية (الماهيّة) أمر محال؛ لأنّ الواقع لا يخلو عن أحد الأمرين: فهو وجود محض، أو وجود ذو ماهيّة، فلاحظ.


5 - الصادر الأوّل هو الموصوف بالصفات العليا:

لمّا ذهبت الإسماعيليّة إلى نفي الصفات عنه سبحانه، لم يكن لهم بدّ من إرجاع تلك الصفات إلى المبدع الأوّل، الّذي هو الموجود الأوّل، وإليه تنتهي الموجودات، وهو الصادر عنه سبحانه بالإبداع، لا بالفيض والإشراق، كما عليه إخوان الصفا. (1)

قال الداعي الكرماني في هذا الصدد: فالإبداع هو الحقّ والحقيقة، وهو الوجود الأوّل، وهو الموجود الأوّل، وهو الوحدة، وهو الواحد، وهو الأزل، وهو الأزلي، وهو العقل الأوّل، وهو المعقول الأوّل، وهو العلم، وهو العالم الأوّل، وهو القدرة، وهو القادر الأوّل، وهو الحياة، وهو الحيّ الأول، ذات واحدة، تلحقها هذه الصفات، يستحقّ بعضها لذاته، وبعضها بإضافة إلى غيره، من غير أن تكون هناك كثرة بالذّات. (2)

____________________

(1) رسائل إخوان الصفا: 3/189.

(2) راحة العقل: 83.


2

عقيدتهم في العدل

قد تعرّفت في البحث السابق على أنّهم لا يصفونه سبحانه بوصف، ويعتقدون أنّه فوق الوصف، وأنّ غاية التوحيد نفي الوصف، وإثبات الهويّة، ولهذا لا تجد عنواناً لهذا الفصل في كتبهم حسب ما وصل بأيدينا، ولكن يمكن استكشاف عقيدتهم في عدله سبحانه من خلال دراستهم لفعل الإنسان، وهل هو إنسان مسيّر أو مخيّر؟

1 - الإنسان مخيّر لا مسيّر:

يقول الداعي عليّ بن محمّد الوليد: الإنسان مخيّر، غير مجبور فيما يعتقد لنفسه من علومه وصناعته، ومذاهبه ومعتقداته.

إلى أن قال: ولولا ذلك لَما كانت لها منفعة بإرسال الرُّسل وقبول العلم، وتلقّي الفوائد والانصياع لأوامر الله تعالى؛ إذ لو كانت مجبورة لاستغنت عن كلّ شيء تستفيده، ثُمَّ استدلّ بآيات. (1)

____________________

(1) تاج العقائد: 166 - 168.


2 - القضاء والقدر لا يسلبان الاختيار:

الإسماعيليّة تُثبت القضاء والقدر حقيقة لا مجازاً، ولكنّها تنفي كونهما سالبين للاختيار.

يقول الداعي عليّ بن محمّد الوليد: القضاء والقدر حقيقة لا مجاز، ولهما في الخلق أحوال على ما رتّب الفاعل سبحانه، من غير جبر يُلزم النفوس الآدميّة الدخول إلى النّار أو الجنّة.

إلى أن قال: إذ لو كان كذلك لذهبت النبوّات والأوامر المسطورات في الكتب المنزلة، في ذم قوم على ما اقترفوه ومدح قوم على ما فعلوه. (1) .

____________________

(1) تاج العقائد: 179.


3

عقيدتهم في النّبوّة

1 - النبوّة أعلى مراتب البشر:

النبوّة عبارة عن ارتقاء النفس إلى مرتبة تصلح لأن يتحمّل الوحي.

يقول الداعي عليّ بن محمّد الوليد: إنّ الرسول الحائز لرتبة الرسالة، لا ينبغي أن يكون كمالاً يفوق كماله، ولا علماً يخرج عن علمه، وإنّه الّذي به تكون سعادة أهل الدور من أوّله إلى آخره، وإنّ السعادة الفلكيّة والأشخاص العالية والمؤثّرات خدم له في زمانه. (1)

3 - الرسالة الخاصّة والعامّة:

ثُمَّ إنّهم يقسّمون الرسالة إلى ضربين: عامّة وخاصّة.

والمراد من الرسالة العامّة هنا هو العقل الغريزي، وهو الرسول الأوّل المعدّ لقبول أمر الرسول الثاني.

وأمّا المراد من الرسالة الخاصّة فهو عبارة عن الرسول المبعوث إلى الناس.

____________________

(1) تاج العقائد: 57 - 58.


أقول: إنّ تسمية العقل الإنساني بالرسول لا يخلو من شيء، والأولى تسميته بالحجّة الباطنة، في مقابل الحجة الظاهرة الّذي هو النبيّ.

4 - في أنّ الأنبياء لا يُولدون من سِفاح:

يقول عليّ بن محمّد الوليد: إنّ الأنبياء والأئمة (عليهم السّلام) لا يلدهم الكفّار، ولا يُولدون من سِفاح. ثُمَّ استدلّ ببعض الآيات. (1)

5 - في صفات الأنبياء:

يقول الداعي الكرماني: المؤيّد المبعوث مجمع الفضائل الطبيعيّة؛ الّتي هي أسباب في نيل السعادة الأبديّة، وهو فيها على أمر يكون به على النهاية في جميعها من جودة الفهم والتصور لِما يشار إليه ويومأ، إلى أن قال: ويكون عظيم النفس، كريماً، محبّاً للعدل، مبغضاً للظلم والجور، مؤثِراً لِما يعود على النفس منفعته من العبادة، مِقداماً في الأُمور، جسوراً عليها، لا يروعه أمر في جنب ما يراه صواباً بجوهره. (2)

6 - في المعجزات الّتي يأتي بها الرُّسل:

إنّ المعجزة عند الإسماعيليّة عبارة عن خرق العادة في تكوين العالم بظهور ما يعجز العقل عن وجوده من الأُمور الطبيعيّة، من ردّ ما في الطبيعة عن

____________________

(1) تاج العقائد: 51.

(2) راحة العقل: 421 - 422.


قانونه المعهود لقهر العقول، ودخولها تحت أمر المعقولات، ومن أجله يُعلم أنّه متّصل بالفاعل، الّذي لا يتعذر عليه متى أراد؛ إذ كلّما في العالم لا يتحرّك إلاّ بمادّته وتدبيره. (1)

7 - في أنّ الرسول الخاتم أفضل الرُّسل:

يفضّل رسول الله على سائر الرُّسل والأنبياء في وجوه؛ أفضلها الوجه التالي: هو أنّه سبحانه جعل شريعته مؤبّدة لا تُنسخ أبداً، وجعل الإمامة في ذريّته إلى قيام الساعة، ولم يُقدَّر ذلك لغيره. (2)

8 - في أنّ الشريعة موافقة للحكمة:

إنّ الحكمة والفلسفة العقليّة، هي والحكمة الشرعيّة سواء؛ لأنّ الله سبحانه خلق في عباده حكماء وعقلاء، ومحال أن يشرّع لهم شرعاً غير محكم وغير معقول، ولا يبعث برسالته وشرعه إلاّ حكيماً عاقلاً مدركاً مبيّناً لما تحتاجه العقول، ويكلّف لها بما يُسعدها ويقوّي نورها ويعظّم خطَرها. (3)

9 - في أنّ الشريعة لها ظاهر وباطن:

يقول عليّ بن محمّد الوليد: إنّ الشارع قد وضع أحكام شريعته وعباداتها

____________________

(1) تاج العقائد: 97.

(2) تاج العقائد: 59 - 60.

(3) تاج العقائد: 101.


من الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحجّ وغير ذلك، مضمّنة للأُمور العقليّة والأحكام والمعاني الإلهيّة، وما يتخصّص منها من الأُمور الظاهرة المشاكلة لظاهر الجسم، والأُمور الباطنة المشاكلة للعقل والنفس، وكلّ من حقّق ذلك كانت معتقداته سالمة. (1)

أقول: هذا المقام هو المزلقة الكبرى للإسماعيليّة المؤوَّلة؛ إذ كلُّ إمام وداع يسرح بخياله، فيضع لكلّ ظاهر باطناً ولكلّ واجب حقيقة، يسمّي أحدهما بالشريعة الظاهريّة والآخر بالباطنيّة، من دون أن يدلّ عليه بدليل من عقل أو نقل، فكلّ ما يذكرونه من البواطن للشريعة ذوقيّات، أشبه بذوقيّات العرفاء في تأويل الأسماء والصفات وغير ذلك، وكأنّ الجميع فروع من شجرة واحدة.

____________________

(1) تاج العقائد: 101.


4

عقيدتهم في المعاد وما يرتبط به

المعاد - بمعنى عود الإنسان إلى الحياة الجديدة، من أُسس الشرائع السماويّة، وهي لا تنفصل عن الإيمان بالله، ولذا نرى أنّ أصحاب الشرائع اتّفقوا على المعاد بعد الموت، ولولا القول به لَما قام للدين عمود ولا اخضرّ له عود.

1 - في أنّ المعاد روحاني لا جسماني:

نعم، اختلفوا في كونه جسمانيّاً أو روحانيّاً، وعلى فرض كونه جسمانيّاً، فهل الجسم المُعاد جسم لطيف برزخي أو جسم عنصري؟، فالإسماعيليّة على أنّ المعاد روحاني.

قال الكرماني، بعد بيان النشأة الأُولى في الدنيا: ثُمَّ الله ينشأ النشأة الآخرة بقوله تعالى: ( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النّشْأَةَ الْأُولَى‏ فَلَوْلاَ تَذَكّرُونَ ) (1) ، فهلاّ تتفكّرون وتوازنون وتعلمون أنّ النظام في الخلق والبعث واحد، وأنّ النشأة الآخرة هي خلق الأرواح وإحياؤها بروح القدس على مثال النشأة الأُولى.

____________________

(1) الواقعة: 62.


وقال الداعي عليّ بن محمّد الوليد: يُعتقد أنّ الله تعالى دعانا على ألسنة وسائطه بقبول أمره، إلى دار غير هذه الدار، فهذه الدار صوريّة وتلك ماديّة، وما بينهما صوري ومادي. (1)

2 - في التناسخ:

وهو عود الروح - بعد مفارقة البدن - إلى الدنيا عن طريق تعلّقها ببدن آخر، كتعلّقها بالجنين عند استعدادها لإفاضة الروح، وله أقسام.

وربّما يُنسب القول بالتناسخ إلى الإسماعيليّة، ولكن النسبة في غير محلّها.

3 - في الحساب:

الحساب تابع للبعث، وهو فعل يحدث عنه من النفس للنفس الثواب الّذي هو الملاذ والمسار، والعقاب الّذي هو الألم والعذاب والغم. وينقسم هذا الفعل إلى ما يكون وجوده في الدنيا، وإلى ما يكون وجوده في الآخرة.

4 - في الجنّة:

يقول الكرماني: إنّها موصوفة بالسرمد والأبد ووجود الملاذ فيها أجمع، وإنّها لا تستحيل ولا تتغيّر، ولا يطرأ عليها حال ولا تتبدّل. (2)

____________________

(1) تاج العقائد: 165.

(2) راحة العقل: 379.


5 - في الملائكة:

إنّ الملائكة على ضروب وكلّهم قد أُهّلوا لمنافع الخليقة؛ فلا يتعدّى أحد منهم بغير ما وكّل به، وإنّما اختلفت أسماؤهم لأجل ما وكّلوا به؛ فمنهم من هو في العالم العقلي، ومنهم من هو في العالم الفلكي، ومنهم من هو في العالم الطبيعي.

وقد أخفى الله سبحانه ذوات الملائكة عن النظر، وجعل المخلوق عن الطبائع محجوباً عنهم، لا يراهم حتّى يصير إمّا في منزلة النبيّ أو يخلص القبول من النبيّ بقرب الدرجة منه.

6 - في الجنِّ:

وتعتقد الإسماعيليّة أنّ الجنّ ذوات أرواح ناريّة وهوائيّة ومائيّة وترابيّة، وتعتقد أنّ الجنَّ صحيح لا ريب فيه، وهم على ضروب في البقاع والمصالح والمنافع والفساد والضرر.

ومنهم من هو في أرجاء العالم ممنوع عن مخالطة بني آدم، ومنهم من هو مخالط لبني آدم في أماكنهم. (1)

____________________

(1) تاج العقائد: 46.


5

عقيدتهم في الإمامة

تحتلّ الإمامة عند الإسماعيليّة مركزاً مرموقاً؛ حيث جعلوها على درجات ومقامات، وزوّدوا الأئمّة بصلاحيّات واختصاصات، ولتسليط الضوء على عقيدتهم فيها نبحث في مقامين:

المقام الأوّل: الإمامة المطلقة

إنّ درجات الأئمّة ورتبهم لا تتجاوز عن الخمسة، من دون أن تختص بالشريعة الإسلاميّة، بل تعمّ الشرائع السماويّة كلّها، وبما أنّ مذهب الإسماعيليّة أُحيط بهالة من لغموض عبر القرون، لم يكن من الممكن أن يقف أحد عليها إلاّ طبقة خاصّة من علمائهم، وكانوا يبخلون بآرائهم وكتبهم على الغير، غير أنّ الأحوال الحاضرة رفعت الستر عن كتبهم ومنشوراتهم، فقام المستشرقون وفي مقدّمتهم (ايفانوف) الروسي وتبعه عدد آخر من المحقّقين بنشر آثارهم، وعند ذلك تجلّت الحقيقة بوجهها الناصع، كما قام الكاتبان الإسماعيليّان عارف تامر ومصطفى غالب ببذل الجهود الحثيثة في نشر آثار تلك الطائفة، فكشفا النقاب عن وجه العقيدة الإسماعيليّة وبيّناها بوجه واضح خالياً من

الغموض والتعقيد الموجودين في عامّة كتب الإسماعيليّة، وإن كان بين الكاتبين اختلاف في بعض


الموارد، ونحن نعتمد في تفسير درجات الإمامة على كتاب (الإمامة في الإسلام) للكاتب عارف تامر، وإليك بيانه:

درجات الإمامة خمس؛ وهي:

1. الإمام المقِيم.

2. الإمام الأساس.

3. الإمام المتِم.

4. الإمام المستقِر.

5. الإمام المستودَع.

وربّما يضاف إليها رتبتان:الإمام القائم بالقوّة، والإمام القائم بالفعل.

فالمهمّ هو الوقوف على هذه الدرجات.

يعتقد عارف تامر في كتابه (الإمامة في الإسلام) أنّ هذه الدرجات ظلّت حقبة طويلة من الزمن مجهولة لدى الباحثين، إلاّ طبقة خاصّة من العلماء، أو لا أقلّ في التقيّة والاستتار والكتمان.

1. الإمام المقِيم:

هو الّذي يُقِيْم الرسول الناطق ويعلّمه ويربّيه ويدْرِجه في مراتب رسالة النطق، وينعم عليه بالإمدادات، وأحياناً يُطلقون عليه اسم (ربّ الوقت) و(صاحب العصر)، وتُعتبر هذه الرتبة أعلى مراتب الإمامة وأرفعها وأكثرها دقّة وسرّيّة.


2. الإمام الأساس:

هو الّذي يرافق الناطق في كافّة مراحل حياته، ويكون ساعده الأيمن، وأمين سرّه، والقائم بأعمال الرسالة الكبرى، والمنفِّذ للأوامر العليا، فمنه تتسلسل الأئمّة المستقرون في الأدوار الزمنيّة، وهو المسؤول عن شؤون الدعوة الباطنيّة القائمة على الطبقة الخاصّة ممّن عَرفوا (التأويل) ووصلوا إلى العلوم الإلهيّة العليا.

3. الإمام المتِم:

هو الّذي يتم أداء الرسالة في نهاية الدور؛ والدور كما هو معروف أصلاً يقوم به سبعة من الأئمّة، فالإمام المتم يكون سابعاً ومتمّاً لرسالة الدور، وأنّ قوته تكون معادلة لقوّة الأئمّة الستة الّذين سبقوه في الدور نفسه بمجموعهم. ومن جهة ثانية يُطلق عليه اسم ناطق الدور أيضاً؛ أي أنّ وجوده يشبه وجود الناطق بالنسبة للأدوار. أمّا الإمام الّذي يأتي بعده فيكون قائماً بدور جديد، ومؤسِّساً لبنيان حديث.

4. الإمام المستقِر:

هو الّذي يملك صلاحيّة توريث الإمامة لوِلْده، كما أنّه صاحب النصّ على الإمام الّذي يأتي بعده، ويسمّونه أيضاً الإمام بالجوهر والمتسلّم شؤون الإمامة بعد الناطق مباشرة، والقائم بأعباء الإمامة أصالة.


5. الإمام المستودَع:

هو الذي يتسلّم شؤون الإمامة في الظروف والأدوار الاستثنائيّة؛ وهو الّذي يقوم بمهمَّاتها نيابة عن الإمام المستقِر بنفس الصلاحيّات المستقِرّة للإمام المستقر، ومن الواضح أنّه لا يستطيع أن يورّث الإمامة لأحد من ولْده، كما أنّهم يطلقون عليه (نائب غيبة). (1)

والعجب أنّهم عندما بحثوا موضوع الإمامة لم يجعلوا تسلسلها من إسماعيل بن جعفر الصادق فحسب، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك؛ وحجتهم أنّ الإمامة إذا كانت قد بدأت من هذا العهد المبكّر فإنها ستكون محدَثة ولا يقوم وجودها على أساس، فذهبوا إلى عهد بدء الخليقة المعروف بعهد آدم وسلسلة الإمامة من عصر آدم إلى يومنا هذا، ثُمَّ أضافوا إلى ذلك قولهم بالأدوار والأكوار؛ فقد جعلوا كلّ دور يتألف من إمام مقِيم ورسول ناطق أو أساس له؛ ومن سبعة أئمّة يكون سابعهم متِم الدور، ويمكن أن يزيد عدد الأئمّة عن سبعة في ظروف أُخرى؛ وفي فترات استثنائيّة، وهذه الزيادة تحصل في عداد الأئمّة المستودَعين دون الأئمّة المستقِرّين، أمّا الدور فيكون عادة صغيراً وكبيراً؛ فالدور الصغير هو الفترة الّتي تقع بين كلّ ناطق وناطق، ويقوم فيها سبعة أئمّة. أمّا الدور الكبير فيبتدئ من عهد آدم إلى القائم المنتظر الّذي يسمّى دوره الدور السابع، ويكون بالوقت ذاته متمّاً لعدد النطقاء الستة.

يقول عارف تامر: إنّ هذا الموضوع من أدقِّ المواضيع وأصعبها، بل هو

____________________

(1) الإمامة في الإسلام: 143 - 144.


بالحقيقة من الدعائم المتينة في عقائد الإسماعيليّة، وقد يبدو لكلّ باحث فيها أنّ دعاتها حافظوا على سرّيّته التامّة طيلة العصور الماضية، وجعلوا معرفته مقتصرة على طبقة خاصّة من العلماء والدعاة. (1)

وها نحن نأتي في المقام بجدولين؛ أحدهما يرجع إلى الدور الأوّل، والآخر إلى الدور السادس الّذي لم يتم بعدُ.

____________________

(1) الإمامة في الإسلام: 141.


شجرة الإمامة الإسماعيليّة

منذ أَقدم العصور

الدور الأوّل:

(ويبتدئ من وقت هبوط آدم حتّى ابتداء الطوفان، ومدّته ألفان وثمانون عاماً وأربعة أشهر وخمسة عشر يوماً).

الإمام المستقر

الإمام المتم

أساس الدور

الرسول الناطق

الإمام المقيم

العدد

أنوش بن (2) شيث 435 -1385

 

هابيل130ـ

225

آدم

هُنيد (1)

1

قينان بن أنوش 625 - 1535

 

شيث

1144 -230

 

 

2

مهليئل بن قينان 795 - 1690

 

 

 

 

3

يارد بن مهليئل 960 - 1922

 

 

 

 

4

أخنوخ بن يارد 1122 - 1487

 

 

 

 

5

متوشالح بن اخنوخ 1287 - 2242

 

 

 

 

6

لامك بن متوشالح 1454 - 2346

لامك بن متوشالح

 

 

 

7

____________________

(1) إنّ هُنيد مربي آدم، وهو الإمام المقيم، فهل هو من جنس آدم أو ملَك أو جنّ أو غيرهما؟!، والعجب أنّه لم يأت اسمه في الذكر الحكيم، ولو كان له ذلك المقام الشامخ فأولى أن يكون معلم الملائكة لا آدم!! فتدبّر.

(2) وفي المصدر بنت، ولعلّ الصحيح ما أثبتناه .


الدور السادس:

(يبتدئ من تاريخ الهجرة المحمّديّة وينتهي بظهور القائم المنتظر، ولا يمكن تحديد مدّته. إنّ الدور الكبير قد أصبح مقسّماً إلى أدوار صغيرة).

الإمام المستقر

الإمام المتم

أساس الدور

الرسول الناطق

الإمام المقيم

العدد

علي بن أبي طالب

 

علي بن أبي طالب

محمد م571 - 634

عمران أبو طالب

1

الحسين بن علي

 

 

 

 

2

علي بن الحسين (زين العابدين)

 

 

 

 

3

محمد بن علي (الباقر)

 

 

 

 

4

جعفر بن محمد (الصادق)

 

 

 

 

5

إسماعيل بن جعفر

 

 

 

 

6

محمد بن إسماعيل

محمد بن إسماعيل

 

 

 

7

التعليقات:

في هذا الدور يظهر أنّ عمران أبا طالب، هو الإمام المقِيم في عهد الرسول الناطق محمّد، وأنّ الإمام محمّد بن إسماعيل هو الإمام السابع المتِم. ويلاحظ أنّ الإمام الحسن بن عليّ لم يذكر في شجرة النسب، لأنّه يعتبر إماماً مستودعاً لدى الإسماعيليّين، وهكذا محمّد بن الحنفية، وموسى بن جعفر (الكاظم).

ولهم جداول للدور الثاني والثالث والرابع والخامس والسادس أعرضنا


عن ذكرها روماً للاختصار، كما أعرضنا عن ذكر تتمّات الدور السادس الّتي تبتدأ من الإمام محمّد ابن إسماعيل وتنتهي إلى كريم علي خان (آغا خان الرابع).

المقام الثاني: الإمامة الخاصّة:

قد تعرّفت على نظام الإمامة في مذهب الإسماعيليّة، والمهم هو الوقوف على ملامح الإمامة الخاصّة الّتي تصدّى لذكرها الداعي اليمني علي بن محمد الوليد في كتابه (تاج العقائد)، ونحن ننقل منه ما يبيّن عقيدتهم في ذلك.

1 - صاحب الوصيّة أفضل العالم بعد النبيّ في الدور:

إنّ صاحب الوصيّة هو من توجد عنده رموز شريعة النبيّ وأسرار ملّته وحقائق دينه ولا تتعداه ولا تؤخذ إلاّ منه، وإنّه المبرهِن عن أغراضه، والمفصح لأقواله، المبيّن لأفعاله، القائم بالهداية بعده، والحافظ لشريعته من الآراء المختلفة، وبذلك كان وصيّاً ولا يوجد في الأصحاب من يقوم مقامه.

2. في أنّ الإمامة في آل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

يَعتقد أنّ الإمامة في آل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من نسل عليّ وفاطمة فرض من الله سبحانه أكمل به الدين، فلا يتمّ الدين إلاّ به، ولا يصحّ الإيمان بالله والرسول إلاّ بالإيمان بالإمام والحجّة، ويدلّ على فرض الإمامة إجماع الأُمّة على أنّ الدين والشريعة لا يقومان ولا يُصانان إلاّ بالإمام، وهذا حقّ؛ لأنّه سبحانه لا يترك الخلق سدى.


وإنّ الرسول نصّ على ذلك نصّاً تشهد به الأُمّة كافة بقوله: «الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا، وأبوهما خير منهما» ، ولم يحوج الأُمّة إلى اختيارها في تنصيب الإمام، بل نصّ عليها بهذا؛ لأنّ بالإمامة كمال الدين.

3 - في أنّ الإمامة وارثة النبوّة والوِصاية:

الإمام يرث من النبوّة الظواهر والأحكام وجري الأُمور على ما علمه من النظام، ويرث من صاحب الوِصاية المعاني الّتي ورثها عن النبوّة؛ ليكون الكمال موجوداً لقاصده، ومُسَلَّماً في شريعته الّتي جعلها عصمة لمن التجأ إليها، وطهارة لمن التزم قوانينها، وسار على محجّتها، فتسلم له دنياه ويفوز في عقباه بالتجائه إلى من عنده علم النجاة وحقيقة الشريعة.

أقول: ولا يذهب عليك أنّ الإمام على هذا أفضل من النبيّ كما هو أفضل من الوحي؛ لأنّ الإمام جامع لظاهر الشريعة وباطنها، إلاّ إذا كان النبيّ رسولاً، ولا أدري من أين لهم هذه الضوابط والقواعد، وما هوالدليل على هذا التقسيم؟!

4 - في انقطاع الوصاية بعد ذهاب الوصي:

يَعتقد أنّ الوصيّ إنّما يوصيه الرسول على معالم شريعته، وأسرار ملّته، وعيون هدايته، وحقيقة أقواله، وحفظ أسراره، فإذا قام بها ومضى إلى دار كرامته استحال قيام وصيٍّ ثانٍ بعده؛ لأنّ الشريعة لم تتغيّر ولا تذهبت فتأتي أوامر جديدة تحتاج إلى من يوصّى بحفظها.


5 - في استمرار الإمامة في العالم دون النبوّة والوِصاية:

يَعتقد أنّ الإمامة مستمرّة الوجود في الأدوار جميعها؛ من أوّلها إلى آخرها؛ لأنّ الإمام هو الوارث لما جاء به النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من الشرع والوصيّ على البيان؛ لكونه حافظاً في الأُمّة على الهداية الّتي ورثها منهما، ولمّا كان أمر الرسول والوصيّ جارياً على أهل الدور من أوّله إلى آخره كان من ذلك حفظ درجة الإمامة على الدور بالاستمرار والتوالي؛ إذ لم يبق زيادة تستجد فتحتاج إلى منزلة مستجدَّة، فكانت هداية موروثة منسوبة إلى أصل الدور، ومعلم الشريعة والبيان، فلا تزال هذه الحالة مستمرّة إلى حين تأذن الحكمة الإلهيّة بتجديد شريعة ثانية، ولمّا كانت شريعة محمّد لا تُنسخ ولا يفقد حكمها حتّى قيام الساعة، بقيت الإمامة فيها موجودة ومحفوظة إلى حين قيام الساعة؛ فلهذا استمرّت الإمامة في العالم دون النبوّة والوِصاية.

6 - في أنّ الإمام لا تجوز غيبته من الأرض:

إنّ الإمام لا تجوز غيبته عن الأُمّة بوجه، ولا بسبب، وإن حدثت فترة فتكون خواص شيعته على اتّصال به ويعرفون مقامه، ويدلّون من خلصت نيّته إلى مقره.

7 - في الوصيّة بعد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى الوصيّ:

يَعتقد بوصيّة الرسول إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) من اثني عشر وجهاً، منها:


1 - قول النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «لا يحلّ لامرئ مسلم أن يبيت ليلتين إلاّ ووصيّته مكتوبة عند رأسه».

2 - إجماعنا على أنّ الرسول استخلف عليّاً في المدينة في غزوة تبوك مقتدياً باستخلاف موسى لأخيه هارون عند مُضيِّه لميقات ربِّه، وفي هذا الاستخلاف، قال له: «يا عليّ، أنت منّي بمنزلة هارون من موسى؛ إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».

3 - حديث الدار والإنذار، وقد ذكره المفسّرون في تفسير قوله سبحانه: ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) (1) . (2)

أقول: والعجب أنّه لم يذكر حديث الغدير الّذي اتّفقت الأُمّة على نقله!!

8 - في قعود عليّ عن الخلافة:

ويَعتقد أنّ قعود الوصيّ بعد الوصيّة لم يكن عن عجز ولا تفريط؛ وذلك لأنّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد أعلمه عن دولة المتغلّبين، وعقوبة الله عزَّ وجلَّ لهم في ذلك بقوله: «إنّ لك يا عليّ في أُمّتي من بعدي أمر، فإن ولّوك في عافية، وأجمعوا عليك في رضى، فقم بأُمورهم، وإن اختلفوا واتّبعوا غيرك، فدعهم وما هم فيه، فإنّ الله سيجعل لك مخرجاً».

____________________

(1) الشعراء: 214.

(2) تاج العقائد: 60 - 64.


9 - في فساد إمامة المفضول:

يَعتقد بفساد إمامة المفضول وإبطال المُشرِك الناقض؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ( وَإِذِ ابْتَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهُنّ قَالَ إِنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (1) .

فجلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه بيّن أنّ عهد الإمامة وخلافة الله تعالى لا تلحق من أشرك بالله طرفة عين، وإنّما يكون ميراثها في الطاهرين المصطفين؛ لقوله تعالى: ( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) (2) .

وقد ثبت أنّ كلّ من دخل في الإسلام من الجاهليّة فقد عبد الأصنام وتدنّس بالشرك، مع ما كانوا يفعلون برسول الله أيام حياته ممّا هو مشهور غير خفيّ.

وتوقّف كلّ واحد منهم بعده وحاجتهم إلى علم عليّ مع طهارته واصطفائه عليهم في حالتي العلم والجسم، وكونه لم يسجد لصنم، ولا توقّف عن أمر محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولا كانت له سابقة في الجاهليّة، ولا أشرك في الله طرفة عين، ولا تحمّل، ولا كذب، ولا داهن، ولا مال إلى مفضول بالرغم من ميل الغير عنه إلى كلّ مفضول، مع إقرار المفضول على نفسه، بقوله: (ولّيت عليكم ولست بخيركم)، وغير ذلك من قوله: (فإن غلطت فردّوني وإن اعوججت فقوّموني، فإنّ لي شيطاناً يغريني). (3)

____________________

(1) البقرة: 124.

(2) فاطر: 32.

(3) تاج العقائد: 75 - 76.


10 - في إبطال اختيار الأُمّة للإمام:

ويَعتقد أنّ اختيار الأُمّة لنفسها الإمام غير جائز؛ لأنّ إقامة الحدود على الأُمّة هي للإمام، ففيها بعض رسوم الشريعة المبسوطة إلى الإمام، من دون الأُمّة، فإقامة الإمام الّذي تتعلّق به كلّ أُمور الشريعة؛ لأنّه صاحب المقام العظيم، والمستخلَف أولى أن يكون بأمر الله، وإذا كان إقامة الإمام بأمر الله كان من ذلك الإيجاب بأنّ الاختيار من الأُمّة باطل. (1)

11 - في أنّ كلّ متوثّب على مرتبة الإمام فهو طاغوت:

ويَعتقد أنّ كلّ من دفع الإمام عن مقامه ومنزلته وعانده بعد وصيّة النبيّ له في كلِّ عصر وزمان، إنّما هو المشار إليه باسم الطاغوت، وهو رئيس الجائرين الحائدين عن أمر الرسول؛ المعني بالظالم، الّذي توجهت إليه الإشارة وإلى أمثاله في كلّ دور: ( وَيَوْمَ يَعَضّ الظّالِمُ عَلَى‏ يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتّخَذْتُ مَعَ الرّسُولِ سَبِيلاً ) (2) . (3)

12 - في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله فيها:

يَعتقد أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله فيها: من نبيّ، أو وصيّ، أو إمام يقوِّم المسائل، ويقيم الحدود، ويحفظ المراسيم، ويمنع الفساد في الشرع، ويقبل الأعمال، ويزكّي الصّفحة، وتقام به الحجّة على الطالب،

____________________

(1) تاج العقائد: 76.

(2) الفرقان: 27.

(3) تاج العقائد: 78 - 79.


ويزيل المشكلات إذا جلّت على المتعلمين، ويَرْكِز الأُمّة بعد غيبة نبيها. (1)

أقول: إنّ ما ذكره من أنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله حقّ، ولكن السبب ليس ما جاء في كلامه من إقامة الحدود، وحفظ المراسم، ومنع الفساد، فإن ذلك يقوم به سائر الولاة أيضاً، وإنّما الوجه أنّه الإنسان الكامل، وهو الغاية القصوى في الخِلقة، ويترتّب على وجود ذلك الإنسان الكامل بقاء العالم بإذن الله سبحانه وآخره لحصول الغاية.

13 - منع المبتدي عن الكلام:

ويَعتقد أنّ منع المبتدي عن الكلام في الدين، صفات، واقتداء بأفعال الله؛ وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعل الطفل يتكلّم عند خروجه وولادته، وإنّما تأخّر عن الكلام لحكمة أوجبها، لتكون لأبويه عنده فضيلة التنطيق والتعليم، وكذلك المبتدي يُمنع من المجادلة والنطق بما يشقُّ على غيره، ومتى تعلّم من شيخه أو معلّمه القائم له مقام الصورة فيعلّمه الأُصول الّتي يجب الاحتياط بها. (2)

14 - في أنّ القرآن لا ينسخه إلاّ قرآن مثله:

ويَعتقد أنّ القرآن لا ينسخه إلاّ قرآن مثله, والدلالة على ذلك موافقة السنّة للكتاب، قال الله تعالى: ( وَإِذَا بَدّلْنَا آيَةً مّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ قَالُوا إِنّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) (3) .

____________________

(1) تاج العقائد: 181.

(2) تاج العقائد: 181.

(3) النحل: 101.


وقال النبيّ في خطبة الوداع: «لا يقولنّ عليَّ أحد منكم ما لم أقله، فإنّي لم أُحلّل إلاّ ما أحلّه الله في كتابه، وكيف أُخالف كتاب الله و به هداني؟، و كيف أُخالف كتاب الله و به هداني وعليَّ أُنزل؟». (1)

15 - في تخطئة القياس والاستحسان:

اتّفقت الإسماعيليّة قاطبة على منع العمل بالقياس والاستحسان، والرأي غير المستنبط من الكتاب والسنّة.

قال الداعي علي بن محمد الوليد: أصل الشريعة ليس بقياس؛ لأنّه أخْذ عن الله تعالى بتعليم الملَك، وأخْذ من الرسول بتعليم دون قياس، وأخذ من الوصيّ بتعليم النبيّ، وأخذ من الإمام بتعليم الوصيّ، وأخذ الرجال بتعليم الإمام دون رأي من يرى، وقياس من قاس، واجتهاد من اجتهد، بالظنون الكاذبة، والرأي، والآراء المتناقضة. (2)

تأويلات الإسماعيليّة (نظرية المثل والممثول):

إنّ نظريّة المثل والممثول تعدّ الحجر الأساس لعامّة عقائد الإسماعيليّة الّتي جعلت لكلّ ظاهر باطناً، وسمّوا الأوّل مثلاً، والثاني ممثولاً، وعليها تبتني نظريّة التأويل الدينيّة الفلسفيّة؛ فتذهب إلى أنّ الله تعالى جعل كلّ معاني الدين في الموجودات؛ لذا يجب أن يُستدلّ بما في الطبيعة على إدراك حقيقة الدين،

____________________

(1) تاج العقائد: 98.

(2) تاج العقائد: 82 - 84.


فما ظهر من أُمور الدين من العبادة العمليّة، الّتي بيّنها القرآن معاني يفهمها العامّة، ولكن لكلّ فريضة من فرائض الدين تأويلاً باطناً، لا يعلمه إلاّ الأئمّة، وكبار حججهم وأبوابهم ودُعاتهم.

ولنذكر في المقام بعض تأويلاتهم في الشريعة:

1 - قال صاحب تأويل الدعائم في كتاب الطهارة: لا يُجزي في الظاهر صلاة بغير طهارة، ومن صلّى بغير طهارة لم تجزه صلاته، وعليه أن يتطهّر، وكذلك في الباطن لا تُجزي ولا تنفع دعوة مستجيب يدعى، ويؤخذ عليه عهد أولياء الله حتّى يتطهّر من الذنوب ويتبرّأ من الباطل كلّه ومن جميع أهله، وإن تبرّأ من الباطل بلسانه، مقيم على ذلك، لم تنفعه الدعوة، ولم يكن من أهلها، حتّى يتوب ويتبرّأ ممّا تجب البراءة منه، فيكون طاهراً من ذلك، كما قال تعالى: ( وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ) (1) . (2)

2 - وحول التيمّم يقول صاحب تأويل الدعائم: التيمّم وضوء الضرورة، هذا من ظاهر الدين، وأمّا باطن التيمّم لمن عُدِم الماء وأنّه في التأويل طهارة من أحدث حدثاً في الدين من المستضعفين من المؤمنين الّذين لا يجدون مُفيداً للعلم؛ ممّا يحدّثونه عند ذوي العدالة من المؤمنين من ظاهر علم الأئمّة الصادقين إلى أن يجد مُفيداً من المطلِقين.

3 - وحول الصلاة يقول صاحب تأويل الدعائم: الصلاة في الظاهر ما تعبّد الله عباده المؤمنين به؛ ليثيبهم عليه، وذلك ممّا أنعم الله عزّ وجلّ به عليهم، وقد

____________________

(1) الأنعام: 120.

(2) تأويل الدعائم: 1/76.


أخبر تعالى أنّه ( أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) ؛ فظاهر النعمة في الصلاة إقامتها في الظاهر بتمام ركوعها وسجودها وفروضها ومسنونها، وباطن النعمة كذلك؛ في إقامة دعوة الحقّ في كلّ عصر، كما هو في ظاهر الصلاة. (1)

4 - ويقول حول صلاة العيدين: ليس في العيدين أذان ولا إقامة، ولا نافلة، ويُبدأ فيهما بالصلاة قبل الخطبة، خلاف الجمعة، وصلاة العيدين ركعتان يجهر فيهما بالقراءة.

تأويل ذلك: إنّ مثَل الخروج إلى العيدين مثَل الخروج إلى جهاد الأعداء، وإنّ مثَل الأذان مثَل الدعوة والخروج إلى العدو، وليست تقام له دعوة؛ إذ تقدّم في دعوة الحقّ الأمر به، وإنّما يلزم الناس أن ينفروا ويخرجوا إليه، كما أوجب الله ذلك عليهم في كتابه.

هذه نماذج من تأويلات الإسماعيليّة في مجال الأحكام الشرعيّة، ومن أراد الاستقصاء فعليه بالرجوع - مضافاً إلى كتاب (تأويل الدعائم) - إلى كتاب (وجه دين) للرّحالة ناصر خسرو، فقد قام بتأويل ما جاء من الأحكام في غير واحد من الأبواب حتّى الحدود والديَّات والنكاح والسفاح.

____________________

(1) تأويل الدعائم: 1/177.


16

الوهّابيّة

لمحة إلى حياة مؤسّس الوهّابيّة:

تُنسب الطريقة الوهّابيّة إلى الشيخ محمّد بن عبد الوهّاب النجدي، وتُسمّى طريقته باسم أبيه (عبد الوهّاب). أمّا السبب في عدم تسميتها بـ (المحمّدية) نسبة إلى مؤسّسها محمّد؛ فهو - كما يقول البعض - للحذر من وقوع التشابه بينها و بين المسلمين أتباع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والحيلولة دون استغلاله. (1)

وُلد الشيخ محمّد عام 1115 هـ، في قرية (عُيينة) إحدى القرى التابعة لـ (نجد)، وكان والده قاضياً فيها.

كان محمّد بن عبد الوهّاب - منذ طفولته - ذا علاقة شديدة بمطالعة كتب التفسير والحديث والعقائد، وقد درس الفقه الحنبلي عند أبيه الَّذي كان من علماء الحنابلة. وكان - منذ شبابه - يستقبح كثيراً من الشعائر الدينيّة الّتي كان يمارسها أهالي نجد. ولم يقتصر ذلك على (نجد)؛ بل تعدّاه إلى المدينة المنوَّرة بعد ما انصرف من مناسك الحج، فقد كان يستنكر على الّذين يتوسّلون برسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عند مرقده المقدّس.

____________________

(1) دائرة معارف القرن العشرين، فريد وجدي: 10/871، نقلاً عن مجلة المُقتطف: 27/893.


ثُمَّ عاد إلى نجد، وبعدها ارتحل إلى البصرة - وهو في طريقه إلى الشام، وهناك في البصرة طفق يستنكر على الناس شعائرهم الدينيّة وينهاهم عنها، فثار عليه أبناء البصرة الغيارى وأخرجوه مدحوراً من ديارهم، فتوجَّه إلى مدينة الزبير.

وفي الطريق - بين البصرة والزبير - تعب من المشي ونال منه الحرُّ والعطش نيلاً شديداً بحيث كاد أن يهلك، فأدركه رجل من الزبير، فعطف عليه عندما رآه مرتدياً زيَّ رجال الدين، وسقاه الماء وأركبه وأوصله إلى المدينة.

كان محمّد بن عبد الوهّاب عازماً على السفر إلى الشام، لكنّه لم يكن يملك ما يكفيه من المال والزاد، فسافر إلى الأحساء ومنها إلى حريملة التابعة لـ (نجد).

في تلك السنة - وكانت سنة 1139هـ - انتقل والده عبد الوهّاب من عُيينة إلى حريملة فلازَم الولَد والده وتتلمذ على يده، وواصل حملاته المسعورة ضدّ الشعائر الدينيّة في نجد، ممّا أدّى إلى نشوب النزاع والخلاف بينه وبين أبيه من جهة، وبينه وبين أهالي نجد من جهة أُخرى، واستمرّت الحالة على هذه حتّى عام 1153هـ حيث توفّي والده. (1)

عند ذلك خلا الجوّ لمحمّد بن عبد الوهّاب، فراح يُعلن عن عقائده الشاذّة، ويستنكر على الناس ما يمارسونه من الشعائر الدينيّة، ويدعوهم إلى الانخراط في حزبه وتحت لوائه، فانخدع بعضٌ ورَفض آخرون، واشتهر أمره في المدينة.

____________________

(1) اقتطفناه من تاريخ نجد للآلوسي: 111 - 113.


عندها قَفل راجعاً إلى (عُيينة)، وكان يحكم عليها عثمان بن حمد، فاستقبله وأكرمه، ووقع القرار بينهما على أن يُدافع كلٌّ عن صاحبه؛ باعتبار أنّ لأحدهما السلطة التشريعيّة وللآخر السلطة التنفيذيّة، فحاكم عيينة يمدّه بالقوّة ومحمّد بن عبد الوهّاب يدعو الناس إلى طاعة الحاكم واتّباعه.

ووصل الخبر إلى حاكم الأحساء بأنّ محمّد بن عبد الوهّاب يدعو إلى آرائه ومبتدعاته، ويعضده حاكم عُيينة فأرسل حاكم الأحساء رسالة تحذيريّة إلى حاكم عُيينة، فاستدعى الحاكم محمّد بن عبد الوهّاب واعتذر من تأييده، فقال له ابن عبد الوهّاب: لو ساعدتني في هذه الدعوة لملكت نجد كلَّها، فرفضه الحاكم وأمره بمغادرة عُيينة مذموماً مدحوراً.

كان ذلك في عام 1160هـ عندما خرج ابن عبد الوهّاب من عيينة وتوجَّه إلى الدرعيّة الّتي كانت من أشهر المدن التابعة لنجد، وكان حاكمها - يومذاك - محمّد بن سعود - الجدّ الأعلى لآل سعود - فزاره الحاكم وأكرمه ووعده بالخير.

وبالمقابل بشَّره ابن عبد الوهّاب بالهيمنة على بلاد نجد كلّها، وهكذا وقع الاتّفاق المشؤوم. (1)

والجدير بالذكر: أنّ أهالي الدرعيّة كانوا يعانون من فقر مُدقع وحرمان فظيع، حتّى وصول ابن عبد الوهّاب وعقد الاتفاقيّة بينه وبين محمّد بن سعود.

يقول ابن بشر النجدي - فيما يرويه عنه الآلوسي ـ:

____________________

(1) لقد ذكر أحد المؤلّفين العثمانيّين - في كتابه تاريخ بغداد، ص152 - بداية العلاقة بين محمّد بن عبد الوهّاب وآل سعود بصورة أُخرى، ولكن الظاهر صحّة القول الَّذي ذكرناه في المتن.


... وكان أهل الدرعيّة - يومئذٍ - في غاية الضيق والحاجة، وكانوا يحترفون لأجل معاشهم...

ولقد شاهدتُ ضيقهم في أوّل الأمر، ثُمَّ رأيتُ الدرعيّة بعد ذلك - في زمن سعود - وما عند أهلها من الأموال الكثيرة والأسلحة المحلاّة بالذهب والفضَّة والخيل الجياد والنجائب العُمانيّات والملابس الفاخرة، وغير ذلك من أسباب الثروة التامَّة؛ بحيث يعجز عن عدّه اللسان ويكلُّ عن تفصيله البيان.

ونظرتُ إلى موسمها يوماً - في الموضع المعروف بالباطن - فرأيتُ موسم الرجال في جانب، وموسم النساء في جانب آخر، فرأيت من الذهب والفضّة والأسلحة والإبل والغنم والخيل والألبسة الفاخرة وسائر المآكل ما لا يمكن وصفه، والموسم ممتدٌّ مَدَّ البصَر، وكنت أسمع أصوات البائعين والمشترين وقولهم: بعت واشتريت كدويِّ النحل.... (1)

ولكن من أين كلّ هذه الثروات الهائلة؟!

إنّ (ابن بشر النجدي) لم يتعرّض لذكر مصدر هذه الثروات الهائلة، لكن المستفاد من التاريخ هو أنّ ابن عبد الوهّاب كان يحصل عليها من خلال الهجمات الّتي كان يشنّها - مع أتباعه - على القبائل والمدن الّتي ترفض الانجراف إليه، وكان يسلب أموالها وينهب ثرواتها ويوزّعها على أهل الدرعيَّة.

وكان محمّد بن عبد الوهّاب ينتهج أُسلوباً خاصّاً في تقسيم الغنائم - المسلوبة من المسلمين الرافضين للانحراف ـ؛ فقد كان يتصرّف فيها حسب

____________________

(1) تاريخ نجد: 117 - 118.


رغبته الشخصيَّة، فمرَّة كان يُقسّمها - رغم كثرتها - بين اثنين أو ثلاثة من أتباعه، وكان أمير نجد يأخذ نصيبه من الغنائم، بموافقة ابن عبد الوهّاب نفسه.

ومن أهمّ نقاط الانحراف في ابن عبد الوهّاب هو هذه المعاملة السيّئة مع المسلمين الّذين ما كانوا يخضعون لأهوائه وآرائه، فقد كان يُعاملهم معاملة الكافر المحارب، يُبيح أموالهم وأعراضهم.

وخلاصة القول: إنّ محمّد بن عبد الوهّاب كان يدعو إلى التوحيد، ولكن لتوحيد خاطئ من صُنع نفسه، لا التوحيد الَّذي يُنادي به القرآن الكريم، فَمن خضع له ولـ(توحيده) سلمتْ نفسه وأمواله، ومن أبى فهو كافر حربي، ودمه وماله هَدَر!!

وعلى هذا الأساس كان الوهّابيّون يشنَّون المعارك في نجد وخارجها - كاليمن والحجاز ونواحي سوريا والعراق ـ، وكانوا يبيحون التصرّف بالمُدن الّتي يسيطرون عليهاّ كيفما يشاءُون، فإن أمكنهم ضَمّ تلك الأراضي إلى ممتلكاتهم وعقاراتهم فعلوا ذلك، وإلاّ اكتفوا بنهب الغنائم منها. (1)

وكان قد أمر كلّ من ينخدع بدعوته أن يتقدَّم إليه بالبيعة، ومَن رفض البيعة وجب قتله وتوزيع أمواله!!

ولهذا عند ما رفض أهالي قرية الفصول - من ضواحي الأحساء - بيعةَ هذا الرجل الشاذّ هَجم عليهم وقتل ثلاثمائة رجل ونَهب أموالهم وثرواتهم! (2)

____________________

(1) جزيرة العرب في القرن العشرين: 341.

(2) تاريخ المملكة العربيّة السعوديّة: 1/51.


وأخيراً... مات محمّد بن عبد الوهّاب عام 1206هـ (1) ، ولكنّ أتباعه واصلوا طريقه وأحيوا بدعه وضلاله.

ففي عام 1216هـ أعدَّ الأمير سعود - الوهّابي - جيشاً ضخماً يتألّف من عشرين ألفاً وشنّوا هجوماً عنيفاً على مدينة كربلاء المقدّسة بالعراق. وكانت كربلاء - ولا زالت - مدينة مقدّسة، تتمتّع بشهرة بالغة ومحبَّة في قلوب المؤمنين، ويقصدها الزوّار بمختلف جنسيّاتهم من إيرانيين وأتراك وعرب وغيرهم، فحاصر الجيش الوهّابي هذه المدينة المقدّسة، ثُمَّ اقتحمها ودخلها وأكثر فيها القتل والنهب والخراب والفساد.

وقد ارتكب الوهّابيّون - في مدينة كربلاء المقدّسة - جرائم وفجائع لا يمكن وصفها؛ فقد قتلوا خمسة آلاف مسلم أو أكثر.

وعندما انتهى الأمير سعود من العمليّات الحربيّة هناك، عَمد إلى خزانة حرم الإمام الحسين بن عليّ (عليهما السّلام)؛ والّتي كانت مليئة بالذخائر النفيسة والهدايا القيّمة الّتي أهداها الملوك والأُمراء وغيرهم إلى الروضة المقدّسة، فابتزَّها نهباً.

وبعد هذه الفاجعة الأليمة اتّخذت مدينة كربلاء لنفسها طابع الحزن والكآبة، حتّى نظم الشعراء قصائد في رثائها. (2)

وكان الوهّابيّون يشنّون بين فترة وأُخرى - وخلال مدّة تتراوح بين اثني عشر عاماً - هجماتهم وغاراتهم الحاقدة على كربلاء المقدّسة وضواحيها،

____________________

(1) الأقوال متعدّدة في سنة ولادة محمّد بن عبد الوهّاب ومماته.

(2) تاريخ كربلاء، الدكتور عبد الجواد الكليدار.


وعلى مدينة النجف الأشرف، ويعودون ناهبين سارقين، وكانت البداية هي الهجوم على مدينة كربلاء عام 1216هـ، كما سبقت الإشارة إليه.

وقد اتّفقت كلمات المؤلّفين من الشيعة على أن ذلك الهجوم كان في يوم عيد الغدير المجيد؛ ذكرى تعيين النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الإمامَ عليّ بن أبي طالب خليفة له من بعده. (1)

يقول العلاّمة المرحوم السيّد محمّد جواد العاملي (2) :

(وقد منَّ الله سبحانه بفضله وإحسانه وببركة محمّد وآله - صلَّى اللهُ عليهم أجمعين ـ؛ لإتمام هذا الجزء من كتاب (مفتاح الكرامة)، بعد انتصاف اللّيل من اللّيلة التاسعة من شهر رمضان المبارك سنة 1225هـ على يد مصنّفه... وكان مع تشويش البال واختلال الحال، وقد أحاطت الأعراب؛ من عُنيزة القائلين بمقالة الوهّابيّ الخارجي، بالنجف الأشرف ومشهد الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد قطعوا الطّرق ونَهبوا زوّار الحسين (عليه السّلام) بعد منصرفهم من زيارة نصف شعبان، وقتلوا منهم جماعة غفيرة، وأكثر القتلى من العجم، وربّما قيل بأنهم مائة وخمسون، وقيل أقل...).

نعم، إنّ التوحيد الَّذي كان يدعو إليه محمّد بن عبد الوهّاب وجماعته - وكانوا يبيحون دماء وأموال مَن يرفض دعوتهم - هو القول بأنّ الله على العرش، يقول في الرسالة الحمويّة: إنّ الله سبحانه وتعالى فوق كلّ شيء، وعلى كلّ شيء، وإنّه فوق السماء.

____________________

(1) لمزيد من المعلومات عن عيد الغدير المجيد راجع: الغدير،ج1، الشيخ الأميني.

(2) في كتابه الفقهي القيّم مفتاح الكرامة: 7/653.


ثُمَّ يستدلّ على أنّه فوق السماء بقصة معراج الرسول إلى ربّه، ونزول الملائكة من عند الله وصعودهم إليه، إلى غير ذلك من الروايات.

ويستشهد بشعر عبد الله بن رواحة الّذي أنشده للنبيّ - حسب زعمه -:

شـهدت بـأنّ وعد الله حقّ

وأنّ الـنّار مثوى الكافرينا

وأنّ العرش فوق الماء طافٍ

وفوق العرش ربُّ العالمينا

إلى أمثال هذه الروايات الّتي استنتج منها أنّه سبحانه على العرش وله جهة. (1)

ونحن نقتصر على ذلك، فمَن حاول أن يقف على التوحيد الّذي دعا إليه فليرجع إلى الجزء الرابع من كتابنا (بحوث في الملل والنحل)، ولكن نقتصر في المقام بما ذكره ابن بطّوطة في رحلته، يقول: حضرتُ يوم الجمعة بدمشق المسجد الّذي يخطب فيه على منبر الجامع أحمد بن تيميّة، فكان من جملة كلامه: أنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يُعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه، وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً. (2)

ويظهر من كتاب (الردّ على الأخنائي) لابن تيميّة أنّه كان يعتبر الأحاديث المرويَّة في فضل زيارة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أحاديث موضوعة، ويصرّح بأنّ من يعتقد بحياة رسول الله بعد وفاته، كحياته زمن حياته فقد ارتكب خطأً كبيراً.

____________________

(1) الرسالة الحمويّة الكبرى: الرسالة 11 من مجموع الرسائل الكبرى، ابن تيميّة: 429 - 432.

(2) ابن بطّوطة، الرحلة: 95 - 96، ط دار صادر.


وهذا ما يعتقده محمّد بن عبد الوهّاب وأتباعه، وقد زادوا على ابن تيميّة في الانحراف والباطل.

لقد أدَّت معتقدات الوهّابيّين الباطلة ببعض الباحثين في الشأن الإسلامي إلى القول أن أولئك الّذين نظروا في كُتب الوهّابيّة وتعرَّفوا على الإسلام من مطبوعاتهم، اعتبروا الإسلام ديناً جامداً محدوداً لا يُنْتَفع به في كلّ العصُور والأزمان.

يقول (لو تروب ستو دارد) الأمريكي:

(... وقام على أثر ذلك عدد من النَّقَدة، اتّخذوا الوهّابية دليلاً لكلامهم، وقالوا: إنّ الإسلام - بجوهره وطبائعه - غير قابل للتكيّف على حسَب مقتضيات العصور ومُماشاة أحوال الترقّي والتبدّل، وليس إلفاً لتطوّرات الأزمنة وتغيّرات الأيّام...). (1)

ومن الجدير بالذكر أنّ علماء المذهب الحنبلي ثاروا ضدّ محمّد بن عبد الوهّاب وحكموا بانحرافه وبطلان عقائده منذ البداية.

وأوّل من تصدّى له وأعلن الحرب عليه هو أبوه الشيخ عبد الوهّاب، ثُمَّ أخوه الشيخ سليمان، و كلاهما من علماء الحنابلة.

وقد كتب الشيخ سليمان كتاباً بعنوان: (الصواعق الإلهيّة في الردّ على الوهّابيّة)، ردَّ فيه على أباطيل أخيه وخُزُعْبُلاته.

يقول زيني دحلان - ما معناه -:

(... وكان عبد الوهّاب - والد الشيخ محمّد - رجلاً صالحاً من أهل العلم،

____________________

(1) حاضِر العالَم الإسلامي: 1/264.


وكان الشيخ سليمان - أخو محمّد - من أهل العلم أيضاً، وبما أنّ الشيخ عبد الوهّاب والشيخ سليمان كانا من بداية الأمر - أي من يوم كان محمّد يواصل دراسته في المدينة المنوّرة - على علم بأفكار محمّد الشاذّة، لذلك كانا يلومانه على أقواله ويُحذّران الناس منه...) (1) .

ويقول عبّاس محمود العقّاد المصري: (... وأكبر مَن خالف الشيخ في ذلك أخوه الشيخ سليمان - صاحب كتاب الصواعق الإلهيّة - وهو لا يُسلّم لأخيه بمنزلة الاجتهاد والاستقلال بفهم الكتاب والسنّة...) (2) .

ويرى الشيخ سليمان أنّ البدَع التي يمرّ بها الأئمّة - جيلاً بعد جيل - ولا يُكفّرون أصحابها، لا يكون الكفر فيها من اللزوم الَّذي يوجب القطع به ويُستباح من أجله القتال، ويقول الشيخ سليمان في ذلك: إنّ هذه الأُمور حدثت من قبل زمن الإمام أحمد بن حنبل في زمان أئمّة الإسلام، وأنكرها من أنكرها منهم، ولا زالت حتّى ملأت بلاد الإسلام كلّها، وفُعلتْ هذه الأفاعيل كلّها الّتي تُكفِّرون بها، ولم يُروَ عن أحدٍ من أئمّة المسلمين أنّهم كفَّروا بذلك، ولا قالوا هؤلاء مرتدُّون، ولا أمروا بجهادهم، ولا سمُّوا بلاد المسلمين بلاد شرك وحرب كما قلتم أنتم، بل كفَّرتم من لم يُكفّر بهذه الأفاعيل وإن لم يفعلها...). (3)

____________________

(1) الفتوحات الإسلاميّة: 2/357.

(2) هذه الجملة تستدعي التوقّف والتأمّل، فمحمّد بن عبد الوهّاب كان يدّعي بلوغه درجة الاجتهاد والاستقلال بفهم الكتاب والسنّة، ولكن أخاهُ الشيخ سليمان كان يردّ عليه هذا الادّعاء ويعتبره دون منزلة الاجتهاد والاستقلال بالرأي - وأهل البيت أدرى بما فيه ـ؛ إذن: آراء محمّد بن عبد الوهّاب وأفكاره كلّها باطلة وخاطئة بشهادة أخيه الشيخ؛ لأنّها نابعة من علم ناقص وفكر هابط.

(3) الإسلام في القرن العشرين حاضره ومستقبله: 72 - 73، ط نهضة مصر.


هذا... وقد سبق أنّ محمّد بن عبد الوهّاب ليس أوّل مبتدع في آرائه وأفكاره؛ بل سبقه إلى ذلك - بقرون عديدة - ابن تيميّة الحرّاني وتلميذه ابن القيّم الجوزيّة وأمثالهما، إلاّ أنّ أفكارهم لم تتّخذ لنفسها طابع المذهب كما أحدث ذلك ابن عبد الوهّاب.

الردود على قائد الوهّابيّين:

إنّ حركة محمّد بن عبد الوهّاب هي امتداد لحركة أُستاذه ابن تيميّة الحرّاني الدمشقي الّذي خرج من (حرّان) دمشق في القرن الثامن الهجري، وقد تبنّى عقائد منحرفة وآراء شاذّة بلبلت أذهان المسلمين، ومزّقت وحدتهم، وفرّقت جماعتهم، وأوقدت نيران الفتنة في مجتمعهم، ونظراً لآرائه السقيمة وأفكاره المنحرفة فقد تصدّى علماء عصره لنقد آرائه والحكم بانحرافه، وخاصّة بعد ما كتب عقائده الباطلة ونشَرها بين الناس.

وقد تلخّصت الحرب الدينيّة ضدّ ابن تيميّة في نقطتين:

الأُولى: تأليف الكتب وكتابة الردود على أفكاره الباطلة، وتزييفها على ضوء القرآن والسنَّة الشريفة.

وكنموذج من ذلك نُشير إلى بعض ما صدر ضدّه من الكتب:

1 - شفاء السقام في زيارة قبر الإمام: بقلم تقيّ الدين السبكي.

2 - الدرّة المضيئة في الردّ على ابن تيميّة: بقلم المؤلّف السابق.

3 - المقالة المرضيّة: تأليف قاضي قضاة المالكيّة تقيّ الدين أبي عبد الله الأخنائي.


4 - نجم المهتدي ورجم المقتدي: بقلم فخر بن محمّد القرشي.

5 - دفع الشبهة: بقلم تقيّ الدين الحصني.

6 - التحفة المختارة في الردّ على منكر الزيارة: بقلم تاج الدين.

هذه بعض الردود الّتي كُتبت ضدّ عقائد ابن تيميّة وآرائه السقيمة، وكشفتْ عن سفاهتها وقشريَّتها.

الثانية: هجوم العلماء والفقهاء عليه، وإصدار الحكم والفتوى بفسقه تارةً، وبكفره تارةً أُخرى، والتحذير من البدَع الّتي أحدثها في الدين الحنيف.

ومنهم قاضي القضاة في مصر (البدر بن جماعة)، فقد كتبوا إليه رأي ابن تيميّة في زيارة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فكتب قاضي القضاة:

(إنّ زيارة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) سُنَّة مستحبّة، وقد اتّفق العلماء على ذلك، وكلّ من يرى حرمة زيارته يجب على العلماء زجره ونهيه عن مثل هذه الآراء، فإن لم يردعه ذلك لزم حبسُه وفضحه بين الناس حتّى لا يقتدوا به).

وليس هذا القاضي الشافعي في مصر وحيداً في فتواه هذه، بل أصدر قضاة المالكيّة والحنبليّة فتاوى مماثلة في تفسيق ابن تيميّة والحكم بضلاله وانحرافه. (1)

وبالإضافة إلى ذلك كلّه، فقد كتب الذهبي الَّذي يُعتبر من علماء القرن الثامن الهجري، وله تأليفات قيّمة في الحديث والرجال - وكان مُعاصراً لابن

____________________

(1) للتفصيل راجع: دفع الشبهة، تأليف: تقي الدين الحصني.


تيميّة - كتب رسالة ودّية إليه ينهاه فيها عن منكراته، وشبَّهه فيها بالحجّاج الثقفي في ضلاله وفساده. (1)

إلى أن أهْلك الله ابنَ تيميّة في عام 728هـ في سجن الشام، فحاول تلميذه ابن القيّم أن يواصل نهج أُستاذه، لكنّه لم يفلح في ذلك، فماتت أفكار ابن تيميّة بموته، وفنيتْ بفنائه، وزالت بزواله، واستراح المؤمنون من بدعه وضلالاته.

إلى أن ألقى الشيطان حبائله من جديد، فجاء محمّد بن عبد الوهّاب حاملاً أفكار ابن تيميّة البائدة واتفق مع آل سعود ليقوم كلّ منهما بتأييد الآخر، هذا في الحكم وذاك في التشريع، فعاد الضلال يَنشر خيوطه في (نجد) وانتشرت الوهّابيّة في بلاد نجد انتشار السرطان الأثيم في الجسم، فانخدع جمعٌ من الناس، وتحزَّبوا - ومع كلّ أسف - باسم التوحيد للقضاء على أهل التوحيد، وأراقوا دماء المسلمين باسم الجهاد مع المشركين، وراح الأُلوف من الناس - رجالاً ونساءً وصغاراً وكباراً - ضحيَّة لهذه البِدَع والأباطيل، وتوسَّعت شُقّة الخلاف بين المسلمين، وأُضيف على مذاهبهم المتعدّدة، مذهب جديد.

وقد بلغت المصيبةُ ذروتَها عندما سقط الحَرَمان الشريفان - مكّة والمدينة - في قبضة هذه الزمرة المنحرفة، وعَمد النجديّون الوهّابيّون - وبالتعاون مع بريطانيا الحاقدة الّتي كانت تهدف إلى تقسيم الدولة الإسلاميّة إلى دويلات صغيرة تحدُّها الحدود الجغرافيّة - عمدوا إلى محو الآثار الإسلاميّة في مكّة

____________________

(1) نُشرت هذه الرسالة في كتاب تكملة السيف الصقيل، ص190، كما نَشر نَصّها الشيخ الأميني في كتاب الغدير: 5/87 - 89، فراجع.


والمدينة، وهدْم قبور أولياء الله وهتك حرمة آل رسول الله، وغير ذلك من الجرائم والمنكرات الّتي يهتزّ لها ضمير المسلم.

يقول بعض المؤرّخين:

(بادر الوهّابيّون - لمّا استولوا على مكّة - بالمساحي فهدموا - أوّلاً - ما في (المعلّى)[من] مقابر قريش من اِلقباب، وهي كثيرة، منها قُبَّة سيّدنا عبد المطّلب جدّ النّبيّ(صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وقُبَّة سيّدنا أبي طالب (رضوان الله عليه)، وقبَّة السيدة خديجة (رضوان الله عليها)، كما هدموا قبَّة مولد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومولد أبي بكر ومولد الإمام عليّ (عليه السّلام)، وهدموا قبَّة زمزم والقباب التي حول الكعبة، وتتبّعوا جميع المواضع الّتي فيها آثار الصالحين فهدموها، وكانوا عند الهدم يرتجزون ويضربون بالطبول ويُغنُّون ويُبالغُون في شتم القبور... حتّى قيل إنّ بعضهم بال على قبر السيّد المحجوب!!...). (1)

قال العلاّمة المغفور له السيّد صدر الدين الصدر:

لـعمري إنّ فـاجِعةَ الـبقيع

يُـشيبُ لهولها فؤود الرضيع

وسـوف تكون فاتحة الرزايا

إذا لـم يُصحَ من هذا الهجوع

أمـا مِـن مـسلم لله يرعى

حـقوق نـبيِّه الهادي الشفيع

وقال آخر:

تـبّاً لأحـفاد اليهود بما جَنَوا

لـم يكسبوا من ذاك إلاّ العارا

____________________

(1) كشف الارتياب: 22، نقلاً عن تاريخ الجبرتي.


هـتكوا حـريم محمّدٍ في آلِه

يـاويلهم قـد خالفوا الجبّارا

هَدموا قبور الصالحين بحقدهم

بُعداً لهم قد أغضبوا المختارا

وانطلاقاً من قول النّبي - (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) -:«إذا ظهرت البِدَع فعلى العالِم أن يُظهر عِلمه، وإلاّ فعليه لعنة الله» فقد تصدّى علماء الشيعة - وعلماء السنّة أيضاً كما ذكرنا - لهذا الغزو الوهّابي الحاقد، وكتبوا الكتب ونشروا المنشورات، في فضح هذا الرجل - الَّذي جاء يُحقق أهداف بريطانيا في ثوب جديد - وكشف القناع عن حقيقته والردّ على آرائه الشاذّة.

وأوّل كتاب صدر في الردّ على ابن عبد الوهّاب هو كتاب (الصواعق الإلهيّة في الردّ على الوهّابيّة) بقلم أخيه الشيخ سليمان. كما أنّ أوّل كتاب صدر ضدَّه من علماء الشيعة هو كتاب (منهج الرشاد) للشيخ الكبير المرحوم الشيخ جعفر كاشف الغطاء (المتوفّى سنة 1228هـ)؛ وقد كتب كتابه هذا جواباً على رسالة بعثها إليه الأمير عبد العزيز بن سعود - أحد الأُمراء السعوديّين في وقته - وقد زيَّف في كتابه أفكار محمّد بن عبد الوهّاب وأثبت بطلانها على ضوء القرآن والسنّة. وقد طبع الكتاب في عام 1343هـ في النجف الأشرف في العراق.

ثُمَّ تتابَع الردّ والنقد في ظروف مختلفة، وصدرت الكُتب تترى واحدة تلو الأُخرى، حتّى زماننا هذا.


وفي عصرنا الحاضر صعَّد الوهّابيّون حَملاتهم المسعورة ضدّ مخالفيهم من المسلمين، بفضل الثروة الطائلة الّتي يجنيها آل سعود من أرباح البترول العائدة إليهم فقط.

لقد خصّصت السلطة السعوديّة جزءاً كبيراً من أرباح البترول لترويج هذا المذهب المفرِّق ونشره بين المسلمين، ولولا هذه الأموال الطائلة لمَا عاش هذا المذهب الواهي إلى هذا الوقت.

لقد وَجد الاستعمار ضالَّته في هذا المذهب، واتّخذه خير وسيلة لإلقاء التفرقة بين المسلمين وتشتيت صفوفهم، وضرْب بعضهم البعض.

وقد حقّق هذا المذهب أهداف الاستعمار الغاشم الأثيم، فتراه قد أوجد الفتنة بين المسلمين، هذا يُفسّق ذاك وذاك يُكفّر هذا... ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.


عقائد الوهابية

1

تحريم بناء القبور وهدم المشاهد عليها

إنّ مسألة بناء القبور وتشييد مراقد الأنبياء وأولياء الله الصالحين من المسائل الحسّاسة عند الوهابيّين، وقد كان ابن تيميّة، وبعده ابن قيّم، أوّل من أفتى بحرمة بنائها ووجوب هدمها، يقول ابن القيّم:

يجب هدم المشاهد الّتي بنيت على القبور، ولا يجوز إبقاؤها - بعد القدرة على هدمها وإبطالها - يوماً واحداً. (1)

وعلى هذا الأصل لمّا استولى السعوديّون على الحرمين الشريفين هدموا المراقد المقدّسة في البقيع، وبيوت أهل البيت (عليهم السّلام)، بعدما رفعوا سؤالاً إلى علماء المدينة المنوّرة، وإليك السؤال والجواب:

السؤال: (ما قول علماء المدينة المنوّرة - زادهم الله فهماً وعلماً - في البناء على القبور، واتّخاذها مساجد، فهل هو جائز أم لا؟، وإذا كان غير جائز بل ممنوع منهي عنه نهياً شديداً، فهل يجب هدمها ومنع الصلاة عندها أم لا؟، وإذا كان البناء في مسبلة كالبقيع، وهو مانع من الانتفاع بالمقدار المبني عليه، فهل هو غصب يجب رفعه لمَا فيه من ظلم المستحقّين ومنعهم استحقاقهم أم لا؟)

____________________

(1) زاد المعاد في هدي خير العباد: 661.


الجواب: (أمّا البناء على القبور فهو ممنوع إجماعاً، لصحّة الأحاديث الواردة في منعه، ولذا أفتى كثير من العلماء بوجوب هدمه، مستندين بحديث عليّ (رضي الله عنه) أنّه قال لأبي الهياج: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله، أن لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سوّيته. (1)

يُلاحظ على ما ذكره: إنّه كيف يدّعي إجماع المسلمين على حرمة البناء مع أنّ سيرة المسلمين وعملهم منذ أن ارتحل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى يومنا هذا هي البناء على القبور، فقد دُفن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في بيته الرفيع ولم يخطر ببال أحد من الصحابة الحضور أن البناء على القبر حرام، وأنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) نهى عنه نهياً شديداً، ولمّا كان البيت متعلّقاً بزوجته عائشة جعلوا في وسطه ساتراً، ولمّا توفّى الشيخان أوصيا بدفنهما في حجرة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) تبركاً بذاته ومكانه، ولم يخطر ببال أحد أنّه على خلاف الدين والشرع.

وأمّا الحديث الّذي استدلّ به، فلا يدلّ على ما رامه؛ لأنّ محلَّ الشاهد في الحديث هو قوله: «إلاّ سويته» ؛ وهو يستعمل على وجهين:

أ - يُطلق ويُراد منه مساواة شيء بشيء، فيتعدى إلى المفعول الثاني بحرف التعدية كالباء، قال سبحانه: ( إِذْ نُسَوّيكُم بِرَبّ الْعَالَمِينَ ) (2) .

أي نعدّ الآلهة المكذوبة متساوين مع ربّ العالمين، فنضيف إليكم ما نضيف إلى ربّ العالمين.

____________________

(1) جريدة أُم القرى، وقد نشرت نص الاستفتاء وجوابه في العدد الصادر بتاريخ 17 شوال 1344هـ.

(2) الشعراء: 98.


ب - يُطلق ويُراد منه ما هو وصف لنفس الشيء لا بملاحظة شيء آخر، فيكتفي بمفعول واحد، قال سبحانه: ( الّذِي خَلَقَ فَسَوّى ) (1) وقال سبحانه: ( بَلَى‏ قَادِرِينَ عَلَى‏ أَن نّسَوّيَ بَنَانَهُ ) (2) ، ففي هذين الموردين وضعت التسوية وصفاً لنفس الشيء بلا إضافة إلى غيره، وعندئذ يكتفي بمفعول واحد، ويكون المراد من التسوية حسب اختلاف الموارد تارة كمال الخلقة واستقامتها في مقابل نقصها واعوجاجها، وهذا هو المراد في الآيتين المذكورتين، وأُخرى تسطيحه مقابل اعوجاجه وبسطه مقابل كونه كالسنام.

إذا عرفت هذا فلنعد إلى الحديث ولنطبق الضابطة عليه، فبما أنّه استعمل مع مفعول واحد فلا يراد منه المعنى الأوّل، أي مساواته بالأرض، وإلاّ كان عليه أن يقول سويته بالأرض، بل يراد ما هو وصف لنفس القبر، والمعنى المناسب هو تسطيح القبر في مقابل تسنيمه، وبسطه في مقابل اعوجاجه، وهذا هو الّذي فهمه شرّاح الحديث.

قال القرطبي: قال علماؤنا: ظاهر حديث أبي الهياج منع تسنيم القبور ورفعها وأن تكون واطئة. (3)

وقال النووي في شرح الحديث: إنّ السنّة أنّ القبر لا يُرفع عن الأرض رفعاً كثيراً، ولا يسنّم، بل يرفع نحو شبر. وهذا مذهب الشافعي ومن وافقه. (4)

ويؤيّد ذلك أنّ مسلماً - صاحب الصحيح - ذكر الحديث تحت عنوان باب تسوية القبور. (5)

____________________

(1) الأعلى: 2.

(2) القيامة: 4.

(3) تفسير القرطبي: 2/380.

(4) صحيح مسلم بشرح النووي: 7/36، ط الثالثة.

(5) المصدر نفسه.


عقائد الوهابية

2

حرمة بناء المساجد على القبور والصلاة فيها

ذهبت الوهّابيّة إلى حرمة بناء المساجد على القبور، وحرمة قصد الصلاة فيها حتّى قال ابن تيميّة: إنّ المسجد والقبر لا يجتمعان (1) ؛ مستدلاًّ بما روي عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): لعن الله اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد. (2)

وقد استغلّت الوهّابيّة هذا الحديث وخرجوا بالنتيجة التالية:

حرمة بناء المساجد على القبور، وحرمة قصد الصلاة فيها.

وقبل تحليل الحديث نعرض المسألة على القرآن الكريم.

إنّ القرآن صادق مصدّق لا يأتيه الباطل، يذكر سبحانه فيه قصة أصحاب الكهف وأنّ القوم لمّا عثروا على أجسادهم الطريّة في الغار اختلفوا على قولين:

1 - ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ) .

2 - ( قَالَ الّذِينَ غَلَبُوا عَلَى‏ أَمْرِهِمْ لَنَتّخِذَنَ عَلَيْهِم مّسْجِداً ) .

____________________

(1) مجموعة الرسائل والمسائل: 1/59 - 60، زاد المعاد: 661.

(2) للوقوف على مصادر هذا الحديث وأشباهه راجع: صحيح البخاري: 2/111، كتاب الجنائز، سنن النسائي: 2/871، صحيح مسلم: 2/568.


فالآية صريحة في أنّ القوم بعدما عثروا عليهم اختلفوا في كيفيّة تكريمهم على قولين:

1 - البناء على قبورهم: ( ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً ) .

2 - بناء المسجد على قبورهم: ( لَنَتّخِذَنَ عَلَيْهِم مّسْجِداً ) .

والقرآن الكريم يذكر كلا القولين من دون ردّ وطعن، فلو كان كلّ من القولين خصوصاً القول الثاني على خلاف الهداية وفي جانب الضلالة لأشار إلى ردّه وطعنه، فسكوت القرآن تجاه هذين القولين ونقلهما عن القوم بصورة كونه عملاً مستحسناً؛ لأنّهم اقترحوا ذينك العملين لتكريم أصحاب الكهف، أقوى شاهد على جواز العمل في الأُمّة المحمديّة.

وقد اتّفق المفسرّون على أنّ القول الثاني كان للموحّدين، ويدلّ على ذلك ما جاء في التاريخ أنّ العثور على أصحاب الكهف وانكشاف أمرهم كان في عصر انتصار التوحيد على الشرك، وكان قادة المشركين الداعين إلى عبادة الأصنام - مندحرين مغلوبين، فاقتراح بناء المسجد على قبور الصالحين أو بجوارها علامة على الشرك، فلماذا صدر هذا الاقتراح من المؤمنين؟!

إنّ هذا تقرير من القرآن على صحّة اقتراح أُولئك المؤمنين، ومن المعلوم أنّ تقرير القرآن حجّة شرعيّة لا ينازعه شيء.

وأمّا الحديث الّذي استدلّت به الوهّابيّة على حرمة بناء المساجد على القبور، فالمراد بناء المساجد على القبور والسجدة لصاحب القبر أو اتّخاذه قِبلة؛


لا مجرد من اتخذ القبور مسجداً مجرداً عن أي شرك، أو إذا كانت إقامة الصلاة عند قبورهم من باب التبرّك بهم.

وممّا يدلّ على أنّ المراد هو بناء المساجد على القبور والسجود لهم أو إليها هو أنّ بعض الروايات وصفت هؤلاء بأنّهم شرار الناس، ففي حديث: فاعلموا أنّ شرار الناس الّذين اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد، إنّ توصيفهم بأنّهم شرار الخلق عند الله يميط الستر عن حقيقة عملهم، إذ لا يوصف الإنسان بالشرّ المطلق، إلاّ إذا كان مشركاً، قال سبحانه: ( إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِندَ اللّهِ الصّمّ الْبُكْمُ الّذِينَ لاَيَعْقِلُونَ ) (1) .

كلّ ذلك يكشف عن مغزى الحديث، وأنّ عملهم لم يكن عملاً مجرداً مثل صرف بناء المسجد على القبر والصلاة فيه، أو إقامة الصلاة عند القبور؛ بل كان عملاً مقترناً بالشرك بألوانه وصوره المختلفة كاتخاذ القبر إلهاً ومعبوداً أو قبلة عند الصلاة أو السجدة عليها بمعنى اتّخاذها مسجوداً.

وقد فهم غير واحد من العلماء نفس ما ذكرناه من الحديث، يقول القسطلاني في (إرشاد الساري) نقلاً عن البيضاوي:

لمّا كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجّهون في الصلاة نحوها واتّخذوها أوثاناً، لعنهم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومنع المسلمون عن مثل ذلك، فأمّا من اتّخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبرّك بالقرب منه - لا للتعظيم ولا للتوجه إليه - فلا يدخل في الوعيد المذكور. (2)

____________________

(1) الأنفال: 22.

(2) إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: 2/437 - 438، باب بناء المساجد على القبر.


هذا كلّه حول بناء المساجد، وأمّا الصلاة على القبور فلأجل أنّ لمشاهد الأولياء ومراقدهم شرفاً وفضيلة خاصّة لا توجد في غيرها.

إنّ القرآن الكريم يأمر حجاج بيت الله الحرام بإقامة الصلاة عند مقام إبراهيم وهي الصخرة الّتي وقف عليها إبراهيم لبناء الكعبة، فيقول:

( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاتّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّى ) (1) .

إنّ الصلاة في مقام إبراهيم لأجل التبرّك بمقام النبيّ إبراهيم. فلو كانت عبادة الله تبارك وتعالى مقرونة بالتبرّك بمكان المخلوق شركاً، فلماذا أمر به سبحانه، فهل هناك فرق بين مقامهم ومثواهم؟!إنّ المسلمين جميعاً يصلّون في حجر إسماعيل مع أنّ الحجر مدفنه ومدفن أُمّه هاجر، فأيّ فرق بين مرقد النبيّ ومدفن أبيه إسماعيل؟!

إذا كانت الصلاة عند القبر محرّمة في الشريعة الإسلاميّة، فلماذا قضت عائشة عمرها في البيت الّذي دُفن فيه الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؟

وإنّ السيّدة فاطمة الزهراء - الّتي قال في حقّها النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): إنّ الله يرضى لرضى فاطمة ويغضب لغضبها - كانت تزور قبر عمّها حمزة كلّ جمعة أو في كل أُسبوع مرّتين، فتصلّي وتبكي عنده. (2)

____________________

(1) البقرة: 125.

(2) سنن البيهقي: 4/78، المستدرك: 1/377.


عقائد الوهابية

3

جواز زيارة القبور وحرمة شدّ الرحال إليها

اتّفق المسلمون على استحباب زيارة القبور لما فيه من فوائد تربويّة ذكرها النبيّ في حديثه المعروف.

روى أصحاب السنن عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنّها تزهّد في الدنيا وتذكّر الآخرة». (1)

وقد اتّفق المسلمون أيضاً - غير ابن تيميّة - على استحباب زيارة قبر النبيّ خصوصاً، وأفضل دليل على ذلك هو السيرة المستمرَّة من عصر رحيل الرسول إلى يومنا هذا، مضافاً إلى الروايات المتوفرة من أنّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: «من زار قبري وجبت له شفاعتي». (2)

ولكن المروي عن محمّد بن عبد الوهّاب في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية: تسنّ زيارة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلاّ أنّه لا يُشدّ الرحال إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه.

____________________

(1) سنن ابن ماجة: 1/501، باب ما جاء في زيارة القبور.

(2) راجع مصادر هذا الحديث في وفاء الوفا: 4/1336.


والدليل الّذي يتمسّكون به في تحريم الزيارة هو الحديث المذكور في صحاحهم عن أبي هريرة أنّه قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم):

«لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام، والمسجد الأقصى».

وروي هذا الحديث بصورة أُخرى، وهي:

«إنّما يُسَافَر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيليا».

وروي أيضاً بصورة ثالثة، وهي:

«تُشدّ الرحال إلى ثلاثة مساجد...» . (1)

لكن مفاد الحديث لا يصلح للاستدلال؛ لأنّ الاستثناء في الحديث مُفْرَغ؛ بمعنى أنّ المستثنى منه غير مذكور، وبما أنّ المستثنى هو المساجد الثلاثة فيكون قرينة على أنّ المستثنى منه هو لفظة مسجد، فيكون معنى الحديث لا تشدُّ إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة، وأين هذا من شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبي؟!

نعم لو كان المستثنى منه - وهو لفظة مكان - لدلّ على ما يرتئيه الوهّابيّون من تحريم شدّ الرحال؛ فيكون معنى الحديث: لا تُشدّ الرحال إلى مكان من الأمكنة إلاّ إلى المساجد الثلاثة، ومن المعلوم أنّ هذا باطل، إذ لو كان الهدف حُرمة السفرات الدينيّة كافّة؛ باستثناء السفر إلى المساجد الثلاثة، فلماذا تشدّ الرحال إلى هذه المناطق؟

____________________

(1) أورد مسلم هذه الأحاديث الثلاثة في صحيحه: 4/126، باب لا تُشدّ الرحال من كتاب الحجّ.


مع أنّ القرآن الكريم أشار إلى بعض السفرات الدينيّة ورغَّب فيها، كالسفر لأجل الجهاد، وطلب العلم، وصلة الرحم، وزيارة الوالدين.

وفي الختام لابدّ من الإشارة إلى أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عندما قال: «لا تُشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد...» ، فإنّه لا يعني أنّ شدّ الرحال إلى المساجد الأُخرى حرام؛ بل معناه أنّ المساجد الأُخرى لا تستحقّ شدّ الرحال إليها وتحمّل مشاقّ السفر من أجل زيارتها؛ لأنّ المساجد الأُخرى لا تختلف من حيث الفضيلة مع الآخر اختلافاً كبيراً، فلا داعي إلى أن يشدّ الإنسان الرحال إلى المسجد، أمّا إذا شدّ الرحال إليه، فليس عمله هذا حرّاماً ولا مخالفاً للسنّة الشريفة، ويدلّ عليه ما رواه أصحاب الصحاح والسُّنن:

(كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين). (1)

ولنا أنّ نتساءل: كيف يمكن أن يكون شدّ الرحال وقطع المسافات من أجل إقامة الصلاة مخلصاً لله في بيت من بيوته سبحانه حراماً ومنهيّاً عنه؟!

إذا كانت الصلاة في المسجد مستحبة، فانّ الظاهر أنّ مقدّمة المستحب مستحبّة أيضاً.

____________________

(1) صحيح مسلم: 4/127.


عقائد الوهابية

4

حرمة التوسّل بالأنبياء والصالحين

يعتبر التوسّل بأولياء الله وأحبّائه من المسائل المعروفة بين المسلمين في أنحاء العالم كافّة، وقد وردت أحاديث كثيرة في جوازه واستحبابه، فهو ليس ظاهرة غريبة؛ بل هو أمر ديني تعارف عليه المسلمون منذ فجر الإسلام حتّى هذا اليوم، ولا تجد مسلماً ينكره.

وطوال أربعة عشر قرناً لم ينكره أحد سوى ابن تيميّة وتلاميذه في القرن الثامن الهجري، وبعد قرنين جاء محمّد بن عبد الوهّاب فاعتبر التوسّل بأولياء الله بدعة تارة وعبادة للأولياء أُخرى.

فنقول: إنّ القرآن الكريم حثّ المسلمين على الإتيان إلى النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وطلب الاستغفار منه، وهو نوع توسّل بدعاء النبيّ في حياته، قال سبحانه: ( وَلَوْ أَنّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرَوا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً ) (1) .

____________________

(1) النساء: 64.


وقال سبحانه: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رُسُولُ اللّهِ لَوّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدّونَ وَهُم مُسْتَكْبِرُونَ ) (1) .

وقال سبحانه ناقلاً عن أبناء يعقوب: ( يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنّا كُنّا خَاطِئِينَ ) (2) .

ولأجل هذا قبل الوهّابيّون التوسّل بدعاء النبيّ في حال حياته، وإنّما يمنعون موردين آخرين:

1 - التوسّل بدعاء النبيّ بعد رحيله.

2 - التوسّل بذات النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وجاهه وحرمته مطلقاً، سواء أكان النبيّ حيّاً أم ميّتاً.

وليس لهم دليل صالح على المنع، مع أنّ الأدلّة تؤيّد كلا التوسّلين، فإليك دراسة التوسّل بمقام النبيّ وذاته وجاهه وحرمته، ثُمَّ دراسة التوسّل بدعاء النبيّ بعد رحيله.

التوسّل بذات النبيّ ومنزلته:

إنّ الدعاء الّذي علّمه النبيّ للضرير جاء فيه التوسّل بذات النبيّ وقدسيّته، والحديث من الأحاديث الصحاح الّتي اعترف بها حتّى ابن تيميّة.

روى عثمان بن حنيف أنّه قال:

____________________

(1) المنافقون: 5.

(2) يوسف: 97.


إنّ رجلاً ضريراً أتى النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فقال: ادع الله أن يعافيني.

فقال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرتَ وهو خير».

قال: فادعه!، فأمره (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يتوضّأ فيحسن وضوءه، ويصلّي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء:

«اللَّهُم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرحمة، يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللّهم شفّعه فيّ».

قال ابن حنيف: والله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث، حتّى دخل علينا كأنّه لم يكن به ضر. (1)

إنّ دلالة الحديث على أنّ النبيّ أمر الضرير أن يتوسّل بنفس النبيّ، وفي الحقيقة أنّ حرمته ومكانته عند الله واضحة، وإليك بيانها:

1 - (اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك):

إنّ كلمة (بنبيّك) متعلّقة بفعلين: (أسألك) و(أتوجّه إليك)، والمراد من النبيّ نفسه المقدّسة وشخصه الكريم، لا دعاؤه.

إنّ من يقدّر كلمة (دعاء) قبل لفظ (نبيّك) ويصوّر أنّ المراد: أسألك بدعاء نبيّك أو أتوجّه إليك بدعاء نبيّك، فهو يتحكّم بلا دليل، ويؤوّل بلا جهة، ولو أنّ محدّثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجهميّة والقدريّة.

____________________

(1) سنن ابن ماجة: 1/444، برقم 1385، مسند أحمد: 4/138.


2 - (محمّد نبيّ الرحمة):

لكي يتّضح أنّ المقصود هو السؤال من الله بواسطة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وشخصه جاء بعد كلمة (نبيّك) جملة (محمّد نبيّ الرحمة)، لكي يتّضح الهدف بأكثر ما يمكن.

3 - (يا محمّد إنّي أتوجّه إلى ربّي):

إنّ هذه الجملة تدلّ على أنّ الرجل اتّخذ النبيّ نفسه وسيلة لدعائه، أي انّه توسّل بذات النبي لا بدعائه.

4 - (وشفّعه فيّ):

قوله هذا معناه: يا ربّ اجعل النبيّ شفيعي وتقبّل شفاعته في حقّي، وليس معناه تقبل دعاءه في حقّي.

التوسّل بدعاء النبيّ والصالحين بعد رحيلهم:

من أقسام التوسّل الرائجة بين المسلمين هو التوسّل بدعاء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أو الصالحين بعد رحيلهم.

ولكن ثمّة سؤالاً يطرح نفسه، وهو:

إنّ التوسل بدعاء الغير إنّما يصحّ إذا كان الغير حيّاً يسمع دعاءك ويستجيب لك ويدعو الله سبحانه لقضاء وطرك ونجاح سؤالك، أمّا إذا كان


المستعان به ميّتاً، فكيف يصحّ التوسّل بمن انتقل إلى رحمة الله وهو لا يسمع؟

والجواب: إنّ الموت - حسب ما يوحي به القرآن والسنّة النبويّة - ليس بمعنى فناء الإنسان وانعدامه؛ بل معناه الانتقال من دار إلى دار، وبقاء الحياة بنحو آخر والّذي يعبّر عنه بالحياة البرزخيّة.

وقد استوفينا الكلام في هذا الموضوع من كتابنا (بحوث قرآنيّة في التوحيد والشرك). (1)

____________________

(1) بحوث قرآنيّة في التوحيد والشرك: 116.


عقائد الوهابية

5

حرمة طلب الشفاعة من النبيّ

اتّفقت الأُمّة الإسلاميّة على أنّ الشفاعة أصل من أُصول الإسلام نطق به الكتاب والسنّة النبويّة وأحاديث العترة الطاهرة، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين وإن اختلفوا في بعض خصوصيّاتها.

وأجمع العلماء على أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أحد الشفعاء يوم القيامة، إلاّ أنّ الكلام في المقام هو في طلب الشفاعة من النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فهل يجوز أن نقول: يا رسول الله اشفع لنا عند الله، كما يجوز أن نقول اللّهم شفّع نبينا محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فينا يوم القيامة، أو لا يجوز؟

فلنذكر نصّ محمّد بن عبد الوهّاب في هذا الصدد:

إنّ طلب الشفاعة يجب أن يكون من الله لا من الشفعاء بأن يقول:

اللّهم شفّع نبيّناً محمّداً فينا يوم القيامة، أو اللّهم شفّع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك أو نحو ذلك ممّا يُطلب من الله لا منهم، فلا يقال: يا رسول الله أو يا وليّ الله أسألك الشفاعة أو غيرها ممّا لا يقدر عليه إلاّ الله، فإذا طلبت ذلك في أيّام البرزخ كان ذلك من أقسام الشرك. (1)

____________________

(1) الهديّة السنية: الرسالة الثانية: 42.


يلاحظ عليه: أنّ شفاعة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وسائر الشفعاء هي الدعاء إلى الله وطلب المغفرة منه سبحانه للمذنبين، والله سبحانه أذن لهم في الدعاء في ظروف خاصة، فيستجاب فيما أذن، وهم لا يدعون في غير ما أذن الله لهم.

وعلى هذا فالشفاعة هي دعاء الشفيع للمذنب، وطلب الشفاعة منه هو طلب الدعاء منه، وقد سمّي في الأحاديث: دعاء المسلم لأخيه المسلم شفاعة له.

هذا هو انس بن مالك يقول: سألتُ رسول الله يشفع لي يوم القيامة قال: «أنا فاعل...» (1) . ولو كان طلب الشفاعة شركاً، لزجره عنه.

روى مسلم في صحيحه، عن ابن عبّاس، عن النبيّ، أنّه قال: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله إلاّ شفّعهم الله فيه». (2)

دليل الوهّابيّين على حرمة طلب الشفاعة:

قد مرّ آنفاً أنّ طلب الشفاعة ليس إلاّ طلب الدعاء من الشفيع الّذي تُستجاب دعوته إذا أذن الله سبحانه، غير أنّ للوهّابيّين شبهة ربَّما يغترّ بها البسطاء؛ وهي أنّ المشركين كانوا يطلبونها من أصنامهم، فسمّى الله طلب الشفاعة منهم عبادة لهم، فيكون طلب شفاعة المسلم من النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عبادة له، يقول سبحانه: ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ إِتُنَبّؤُنَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعلَمُ فِي السّماوَاتِ وَلاَ فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى‏ عَمّا يُشْرِكُونَ ) (3) .

____________________

(1) تاريخ ابن عساكر: 9/360، لاحظ ذيل الحديث.

(2) صحيح مسلم: 3/54.

(3) يونس: 18.


والشاهد في قوله: ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ ) ، مع ملاحظة ما في ذيل الآية: ( وَيَقُولُونَ هؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ ) ، وكان وجه عبادتهم لهم هو قولهم: ( هؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا ) . (1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ظاهر الآية أنّهم كانوا يقومون بأمرين:

أ - كانوا يعبدونهم؛ ويدلّ عليه قوله: ( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ ) .

ب - يعتقدون بشفاعتهم، وبالتالي يطلبون منهم الشفاعة؛ ويدلّ عليه قوله ( وَيَقُولُونَ هؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا ) .

والعطف يدلّ على المغايرة؛ بمعنى أنّ هنا عبادة، وأنّ هناك أمراً آخر وهو طلب الشفاعة، فما هذا الخلط؟!

والحاصل: إنّ عبادتهم للأوثان شيء وطلب الشفاعة شيء آخر، وإلاّ لما عَطف الثانية على الأُولى.

وثانياً: نفترض أنّ عبادتهم للأوثان كانت متحقّقة بطلب الشفاعة منهم، ولكن هناك فرق بين طلب شفاعة المشرك من الأوثان وطلب شفاعة المسلم من النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فالمشرك كان يطلب الشفاعة من الوثن معتقداً بأنّه إله فُوِّض إليه أمر الشفاعة، وأمّا المسلم فكان يطلب الشفاعة معتقداً بأنّ النبيّ عبد مقرّب تستجاب شفاعته إذا أذن الله.

أفهل يمكن جعل القسمين على حدٍّ سواء؟!

____________________

(1) مجموعة الرسائل والمسائل: 1/15.


عقائد الوهابية

6

حرمة النذر للأنبياء والأولياء

ذهبت الوهّابيّة تبعاً لابن تيميّة إلى حرمة النذر للأنبياء والأولياء؛ يقول ابن تيميّة: وإذا كان الطلب من الموتى - ولو كانوا أنبياء - ممنوعاً خشية الشرك، فالنذر للقبور أو لسكان القبور نذر حرام باطل يشبه النذر للأوثان. (1)

أقول: يجب تفسير النذر شرعاً كي يتّضح الفرق بين نذر المشركين للأوثان والأصنام ونذر المسلمين للأنبياء والأولياء، فالمشابهة بينهما مشابهة لفظيّة وبينهما بون شاسع، فالنذر معناه أن يلزم الإنسان نفسه بأداء شيء معيّن إذا تحقّق هدفه وقُضيت حاجته، فيقول: لله عليَّ أن... ويذكر نذره إذا كان... ويذكر حاجته.

مثلاً يقول: لله عليَّ أن أختم القرآن إذا نجحت في الامتحانات الدراسيّة.

هذا هو النذر الشرعي، ويجب أن يكون لله فقط، فإذا قال الناذر: نذرت لفلان، ففي قوله مجاز، والمعنى: نذرت لله على أن يكون ثوابه لفلان، وثواب النذر يقع على ثلاثة أقسام:

____________________

(1) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة: 103.


1 - أن يكون الثواب لنفس الإنسان الناذر.

2 - أن يكون لشخص حيّ.

3 - أن يكون لشخص ميّت.

فقد يخصّص الإنسان الناذر ثواب نذره لنفسه، أو لشخص حيّ - واحد كان أو أكثر ـ، أو لشخص ميّت واحد كان أو أكثر.

وهذه الأقسام الثلاثة كلّها جائزة، ويجب على الناذر الوفاء بنذره إذا قُضيت حاجته.

وقد تعارف بين المسلمين النذر لله وإهداء ثوابه لأحد أولياء الله وعباده الصالحين.

وهذه السيرة موجودة عبر القرون إلى يومنا هذا، ولم يقدح فيها إلاّ ابن تيميّة ومن تبعه؛ محتجّاً بأنّ عمل المسلمين كعمل المشركين، يقول ابن تيميّة:

من نذر شيئاً للنبيّ أو غيره من النبيّين والأولياء من أهل القبور، أو ذبح ذبيحة، كان كالمشركين الّذين يذبحون لأوثانهم وينذرون لها، فهو عابد لغير الله، فيكون بذلك كافراً. (1)

يُلاحظ عليه: وجود الفرق بين النذرين، فإنّ المشركين ينذرون للأصنام والأوثان فيكون المنذور له هو آلهتهم المزعومة، وأمّا المسلمون فإنّما ينذرون لله سبحانه؛ فيقول الناذر: لله عليَّ إن نجحت في امتحاني أن أذبح شاة للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، واللاّم في قوله (لله) يقصد بها وجه الله سبحانه، وأمّا اللاّم في قوله للنبيّ يقصد بها انتفاع النبيّ بإهداء ثوابه إليه، وابن تيميّة زعم أنّ اللاّم في قوله للنبيّ نفسها اللاّم

____________________

(1) فرقان القرآن، العزامي: 132.


في قوله لله، ولم يفرّق بين المضمونين، وأنّ اللام في الأوّل للغاية وفي الثاني للانتفاع، وقد ورد في الحديث أنّ سعداً سأل النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): أيُّ الصدقة أنفع يا رسول الله؟، فقال:«الماء».

فحفر بئراً، وقال: هذه لأُمّ سعد. (1)

واللاّم في قوله: (هذه لأُمّ سعد) هي اللاّم الداخلة على الجهة الّتي وجّهت إليه الصدقة، لا على المعبود المتقرَّب إليه، وهي كذلك في كلام المسلمين فهم سعديّون لا وثنيّون.

يقول الخالدي ردّاً على ابن تيميّة: إنّ المسألة تدور مدار نيّات الناذرين، وإنّما الأعمال بالنيّات، فإن كان قصد الناذر الميّت نفسه، والتقرّب إليه بذلك، لم يجز - قولاً واحداً، وإن كان قصده وجه الله تعالى وانتفاع الأحياء - بوجه من الوجوه - به، وإهداء ثوابه لذلك المنذور له - وسواء عيّن وجهاً من وجوه الانتفاع أو أطلق القول فيه، وكان هناك ما يطرد الصرّف فيه في عرف الناس، أو أقرباء الميت، أو نحو ذلك - ففي هذه الصورة يجب الوفاء بالنذور. (2)

ومن وقف على أحوال الناذرين يجد أنّهم ينذرون لله تعالى ولرضاه ويذبحون الذبائح باسمه عزّ وجلّ، لكن بهدف انتفاع صاحب القبر بثوابها وانتفاع الفقراء بلحومها، فلو قالوا: هذا نذر للنبيّ؛ أيّ هذا النذر لله سبحانه لغاية انتفاع النبيّ به بإهداء ثوابه إليه، فاللاّم في قوله للنبيّ كاللاّم في قوله: ( إِنّمَا الصّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ) (3) .

____________________

(1) سنن أبي داود: 2/130 برقم 1681، باب في فضل سقي الماء.

(2) صلح الإخوان، الخالدي: 102.

(3) التوبة: 70.


عقائد الوهابية

7

حرمة التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين

تعتقد الوهّابيّة بأنّ التبرّك بآثار أولياء الله شرك بالله، وتعتبر الّذي يُقّبل محراب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومنبره مشركاً وإن لم يأت بذلك بنيّة العبادة؛ بل كانت المحبّة والمودّة تجاه النبيّ الكريم هي الدافع له إلى التبرّك والاستشفاء بآثاره (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

إنّ المنع من التبرّك بآثار الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وتقبيل ضريحه المقدّس ومنبره الشريف هو من أشدّ الإجراءات الّتي يتّخذها الوهّابيّون ضدَّ المسلمين، وقد استخدموا مجموعة من الشرطة الإرهابيّين باسم (الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر) ووزّعوهم في مسجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) للحيلولة دون تقبيل ضريحه المقدّس ومنبره الشريف ومحراب مسجده المبارك، وهؤلاء الوهّابيّون يواجهون المسلمين الحجّاج بكلّ خشونة وصلافة ويمنعونهم عن التبرّك والتقبيل، وطالما أمسكوا بأيديهم العصا أو الأسلاك الغليظة، وطالما أراقوا في هذا السبيل دماء الأبرياء وهتكوا الأعراض والنواميس في حرم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) زعماً منهم أنّ التبرّك والتقبيل عبادة لصاحب القبر!!


القرآن والتبرّك:

إنّ النبيّ يوسف (عليه السّلام) أرسل قميصه إلى أبيه، وقال لإخوته: اذهبوا بقميصي هذا وأُلقوه على وجهه يرتدّ بصيراً. يقول سبحانه حاكياً عن النبيّ يوسف: ( اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذا فَأَلْقُوهُ عَلَى‏ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً ) (1) .

ثُمَّ يقول: ( فَلَمّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى‏ وَجهِهِ فَارْتَدّ بَصِيراً ) (2) .

فالآية صريحة بجواز التبرّك بآثار الأنبياء والأولياء حتّى لنبيّ آخر، فهذا النبيّ يعقوب يتبرّك بقميص النبيّ يوسف (عليه السّلام)، ومن الواضح أنّ الشفاء من الله سبحانه، فهو المؤثّر في الأشياء، إلاّ أنّ التبرّك بالقميص صار وسيلة للشفاء كما يكون الدواء كذلك بإذن الله تعالى.

التبرّك وسيرة المسلمين:

إنّ إلقاء نظرة سريعة على سيرة المسلمين بدءاً من الصحابة وانتهاءً إلى عصرنا الحاضر يكشف لنا عن السنّة الجارية بينهم، وهي التبرك بآثار النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الشريفة.

قال ابن حجر: كلّ مولود ولد في حياة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يُحكم بأنّه رآه. وذلك لتوفّر دواعي إحضار الأنصار أولادهم عند النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) للتحنيك والتبرّك، حتّى قيل: لمّا افتُتحت مكّة جعل أهل مكّة يأتون إلى النبيّ بصبيانهم ليمسح على رؤوسهم ويدعو لهم بالبركة. (3)

____________________

(1) يوسف: 93.

(2) يوسف: 96.

(3) الإصابة: 3/631.


إنّ النهي عن التبرّك بالضريح النبويّ الطاهر وآثار رسول الله كان من دأب الأمويّين، لا سيّما مروان بن الحكم اللّعين ابن اللّعين على لسان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

أخرج الحاكم في (المستدرك) عن داود بن صالح، قال:

أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته ثُمَّ قال: هل تدري ما تصنع؟، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: نعم، إنّي لم آت الحجر؛ إنّما جئت رسول الله ولم آت الحجر، سمعت رسول الله يقول: «لا تبكوا على الدِّين إذا وليه أهله، ولكن أبكوا على الدِّين إذا وليه غير أهله». (1)

هذا وقد نقل عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألته عن الرجل يمسّ منبر النبيّ ويتبرّك بمسّه ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك أو نحو هذا، يريد بذلك التقرّب إلى الله عزّ و جلّ، فقال: لا بأس بذلك. (2)

وقد روى ابن تيميّة في (الجواب الباهر) تقبيل منبر النبيّ عن ابن عمر. (3)

روى أبو بكر بن أبي شيبة في (المصنّف)، عن زيد بن الحباب، قال: حدّثني أبو مودود، قال: حدّثني يزيد بن عبد المطلب بن قسيط، قال: رأيت نفراً من أصحاب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رمّانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك. (4)

____________________

(1) المستدرك: 4/515.

(2) العلل ومعرفة الرجال: 2/492، برقم 3243.

(3) الجواب الباهر: 31.

(4) المصنف: 4/357، برقم 537، باب في مسّ منبر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).


إلفات نظر:

إنّ محقّق كتاب (العلل ومعرفة الرجال) لمّا كان من المتحمّسين لآراء ابن تيميّة ورأى أنّ ما نقله عن ابن شيبة يمسّ كرامة إمام مسلكه حاول أن يفسّر الرواية على نحو لا يمسّ كرامة المذهب؛ فقال:

وهذا [قوله: تقبيل رمّانة المنبر] كان لمّا كان منبره الّذي لامس جسمه الشريف، أمّا الآن بعد ما تغيّر لا يقال بمشروعيّة مسحه تبرّكاً به.

وأمّا جواز مسح قبر النبيّ والتبرّك به، فهذا القول غريب جداً، لم أجد أحداً نقله عن الإمام.

وقال ابن تيميّة في الجواب الباهر لزوّار المقابر: اتّفق الأئمّة على أنّه لا يمسّ قبر النبيّ ولا يقبّل، وهذا كلّه محافظة على التوحيد.

يلاحظ عليه: أوّلاً: إنّ التفريق بين المنبرين: المنبر الّذي لامس جسمه الشريف والمنبر الّذي لم يلامسه يُضادّ أُصول الوهّابيّة، فإنّهم لا يرون لما سوى الله سبحانه تأثيراً وعلّية وما شابه ذلك، فلو قلنا بأنّ لجسمه الشريف الملامس للمنبر تأثيراً في المنبر فهو على طرف النقيض من توحيد الربوبيّة.

و ثانياً: لو كان التبرّك منوطاً بملامسة جسم النبيّ فلماذا وصّى الشيخان بدفنهما في حجرة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، مع أنّ القبر الّذي دُفنا فيه لم يمسّ بترابه جسم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

و ثالثاً: كيف ينكر مسّ قبر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ويقول: اتّفق الأئمّة على أنّه لا


يُمسّ قبر النبيّ ولا يُقبّل، مع أنّ الصحابي العظيم مضيف النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان

يمسّ قبر النبيّ على رؤوس الأشهاد، وقد منع عنه مروان بن الحكم مناوئ النبيّ وأهل بيته.


عقائد الوهابية

8

حرمة تكريم مواليد أولياء الله ووفيّاتهم

إنّ من المنكرات والبدع عند ابن تيميّة وابن عبد الوهّاب هو تكريم مولد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالاحتفال وقراءة القرآن وإنشاد القصائد والأشعار، والإحسان إلى المؤمنين بالإطعام، إلى غير ذلك ممّا يُعدّ مجالي لحبّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وتكريمه ورفعه، كما رفعه الله سبحانه، وقال: ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) (1) .

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ:

وقد أحدث هؤلاء المشركون أعياداً عند القبور الّتي تُعبد من دون الله، ويسمّونها عيداً كمولد البدوي بمصر وغيره، بل هي أعظم لِمَا يوجد فيها من الشرك والمعاصي العظيمة. (2)

وقال محمد حامد الفقّي: والمواليد والذكريات الّتي ملأت البلاد باسم الأولياء، هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم. (3)

إنّ السبب الرئيسيّ من وراء كلّ هذه الانحرافات هي أنّ الوهّابيّين لم

____________________

(1) الانشراح: 4.

(2) قرّة العيون: 154.

(3) تعليق فتح المجيد: 154.


يحدّدوا معنى التوحيد والشرك والعبادة حتّى الآن، وبالتالي يعتبرون كلّ تكريم لأولياء الله عبادة لهم وشركاً بالله، وحتّى أنّ المؤلف الوهّابي (الفقّي) خبط خبطة عشواء فقرن بين كلمتي العبادة والتعظيم، وقد ذكرها كأنّهما مترادفان، ظنّاً منه أنّ المعنى فيهما واحد.

فالعبادة عبارة عن التعظيم أمام من يُعتقد بألوهيّته وربوبيّته، سواء أكان خالقاً للعالم أو كان مخلوقاً لكن فُوِّض إليه تدبيره، وبكلمة موجزة، إمّا أن يكون إلهاً حقيقيّاً أو إلهاً مزعوماً فُوِّض إليه أفعال الإله الحقيقي، وأمّا احترام الإنسان بما أنّه من عباد الله الصالحين، فهو تكريم له لا عبادة؛ وإلاّ لَمَا أمكن تسجيل اسم أحد في ديوان التوحيد لو فسرنا العبادة بالتكريم والتعظيم.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ القرآن الكريم يدعو المسلمين لتعظيم النبيّ؛ ويقول: ( فَالّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) . إنّ الكلمات الواردة في هذه الآية هي:

1 - ( آمَنُوا بِهِ ) .

2 - ( عَزّرُوهُ ) .

3 - ( نَصَرُوهُ ) .

4 - ( اتّبَعُوا النّورَ ) .

والمراد من قوله عزّروه هو التكريم والتعظيم، فالله سبحانه يريد أن يكون

____________________

(1) الأعراف: 157.


حبيبه المصطفى معظّماً ومكرّماً حتّى الأبد، وهذه الاحتفالات تجسيد لقوله سبحانه ( وَعَزّرُوهُ ) .

إنّ من أُصول الإسلام هو حبّ النبيّ، دلّت عليه الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة، يقول سبحانه: ( قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبّصُوا حَتّى‏ يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (1) .

1. وقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبَّ إليه من والده وولْده والناس أجمعين». (2)

2. قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «والّذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبَّ إليه من والده وولْده». (3)

3. قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان وطعمه: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، وأن يحبَّ في الله ويبغض في الله، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحبّ إليه من أن يشرك بالله شيئاً». (4)

وعلى ضوء ذلك فإقامة الاحتفالات والمهرجانات في مواليدهم، وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم، وذكر منزلتهم في الكتاب والسنّة، تجسيد للحبِّ الّذي أمر الله ورسوله به، شريطة أن لا تقترن تلك الاحتفالات بالحرام، ومن دعا

____________________

(1) التوبة: 24.

(2 و3 و4) جامع الأُصول: 1/237 - 238 برقم 20 و21 و22.


إلى الاحتفال بمولد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في أيّ قرن من القرون فقد انطلق من هذا المبدأ؛ أي حبّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الّذي أمر به القرآن والسنّة.

هذا هو الديار بكري مؤلّف (تاريخ الخميس) يقول في هذا الصدد: لا يزال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويُظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الشريف، ويظهر عليهم من كراماته كلّ فضل عظيم. (1)

وقال القسطلاني: ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم... فرحم الله امرئ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ليكون أشدَّ علّة على من في قلبه مرض وأعياه داء. (2)

***

هذه هي أُمّهات عقائد الوهّابيّة وأُصولهم الّتي يتدارسوها في جامعاتهم وينشرونها بين المسلمين بجدٍّ وحماس، وقد عرفت أنّها أُصول لا أساس لها, وكلّها رؤى شخصيّة انتُزعت من الكتاب والسنّة، وليس لها لمسة من الصدق أو مسحة من الحقّ.

____________________

(1) تاريخ الخميس: 1/323.

(2) المواهب اللّدنيّة: 1/27.


بقيت هنا أُصول ثانويّة أُخرى، نظير:

1 - حرمة الحلف على الله بحقّ الأولياء.

2 - حرمة الحلف بغير الله.

3 - حرمة إضافة العبد إلى غير الله.

4 - حرمة البكاء على الميّت.

ونظائرها، وكلّها محجوجة بنص الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين، وقد أوضحنا الكلام فيها في الجزء الرابع من موسوعتنا (بحوث في الملل والنحل)، فمن أراد التفصيل فليرجع إليها، وغيرها من الكتب الّتي ألّفناها حول هذه الفِرقة.

وأرجو من الله سبحانه أن يلمّ شعث المسلمين ويوحّد صفوفهم، لِمَا فيه خير الإسلام والمسلمين.


17

الدّروز

الدّروز هو جمع الدّرزي، والعامّة تتكلّم بضم الدال، والصحيح هو فتحها، والظاهر أنّ الكلمة تركيّة؛ بمعنى الخيّاط، وهي من الكلمات الدخيلة على العربيّة، حتّى يقال: درز يدرز درزاً، الثوب، خاطه، والدرزي: الخيّاط.

والدروز فِرقة من الباطنيّة لهم عقائد سريّة، متفرّقون بين جبال لبنان وحوران والجبل الأعلى من أعمال حلب.

ولم يُكتب عن الدروز شيء يصحّ الاعتماد عليه، ولا هم من الطوائف الّتي تنشر عقائدها حتّى يجد الباحث ما يعتمد عليه من الوثائق.

وقد سبق منّا الكلام في أنّ الإسماعيليّة كانت فِرقة واحدة وطرأ عليهم الانشقاق في عهد الإمام الحادي عشر الحاكم بالله، حيث ذهبت فِرقة الدروز إلى القول بغيبة الحاكم بالله وعدم موته، ذلك أنّ الحاكم استدعى الحمزة بن عليّ الفارسيّ الملقّب بالدرزي وأمره أن يذهب إلى بلاد الشام ليتسلّم رئاسة الدعوة الإسماعيليّة فيها ويجعل مقرّه (وادي التّيم)، ولقّبه الإمام بالسيّد الهادي، وتمكّن الدرزي في وقت قليل من نشر الدعوة الإسماعيليّة في تلك البلاد إلى أن وصلت إليه وفاة الإمام

الحاكم وتصدّي ابنه الظاهر لمقام الولاية، ولكنّ الدرزي


لم يعترف بوفاة الإمام الحاكم، بل ادّعى أنّه غاب، وبقي متمسّكاً بإمامته ومنتظراً لعودته، وبذلك انفصلت الدرزية عن الإسماعيليّة، وكان ذلك الانشقاق عام 411هـ. (1)

عقائد الدروز:

وقد تناولت موسوعات دائرة المعارف الإسلاميّة، جوانب من عقائد الدروز، غير أنّ الوقوف على واقع عقيدتهم أمر متعذّر بجريان عادتهم على الستر والتكتّم، ولخلو المكتبات من كتبهم.

ولأجل ذلك تضاربت أقوال المؤرّخين حول عقائدهم، وهذا هو البستاني فقد صوّر لهم صورة بيضاء ناصعة يطهّرهم عن كلّ ما ينسب إليهم من المنكرات (2) ، ونرى خلاف ذلك عند فريد وجدي في دائرة معارف القرن الرابع عشر (3) فقد نسب إليهم أُموراً منكرة ومشينة.

مثلاً: ينقل البستاني، ويقول:( إيمان الدروز أنّ الله واحد لا بداءة له ولا نهاية، وأنّ النفوس مخلَّدة تتقمّص بالأجساد البشريّة [التناسخ]، ولابدّ لها من ثواب وعقاب يوم المعاد بحسب أفعالها، وأنّ الدنيا تكوّنت بقوله تعالى: كوني فكانت، والأعمار مقدّرة بقوله: ( وَلَن يُؤَخّرَ اللّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ) (4) ، وأنّ الله عارف بكلّ شيء، وهم يكرّمون الأنبياء المذكورين في الكتب المنزلة، ويؤمنون

____________________

(1) انظر، تاريخ الدعوة الإسماعيليّة: 238.

(2) البستاني، دائرة المعارف: 7/675 - 677.

(3) فريد وجدي، دائرة معارف القرن الرابع عشر: 4/26 - 28.

(4) المنافقون: 11.


بالسيّد المسيح، ولكنّهم ينفون عنه الإلوهيّة والصلب، وأسماء بعض الأنبياء عندهم كأسمائهم في تلك الكتب، ولبعضهم أسماء أُخرى كالقديس جرجس، فإنّه عندهم الخضر، وأسماء أنبيائهم شعيب وسليمان وسلمان الفارسي ولقمان ويحيى، وعندهم أنّه لابدّ من العرض والحساب يوم الحشر والنشر، وتنقسم هذه الطائفة إلى: عقّال وجهّال.

فالعقّال هم عمدة الطائفة، ولهم رئيسان دينيّان يسمّيان بشيخي العقّال، والأحكام الدينيّة مفوضّة إليهم.

وقد أمر عقّالهم بتجنّب الشكّ، والشرك، والكذب، والقتل، والفسق، والزنا، والسرقة، والكبرياء، والرياء، والغش، والغضب، والحقد، والنميمة، والفساد، والخبث، والحسد، وشرب الخمر، والطمع، والغيبة، وجميع الشهوات والمحرّمات والشبهات، ورفْض كلّ منكر من المآكل والمشارب، ومجانبة التدخين والهزل والمساخر والهزء والمضحّكات، وجميع الصّفحة المغايرة لإرادته تعالى، وترك الحلف بالله صدقاً أو كذباً، والسب والقذف والدعاء بما فيه ضرر الناس). (1)

هذا وكما ترى أنّ البستاني ينقل عنهم صورة بيضاء، وليس فيما عزا إليهم شيء يخالف الشريعة الإسلاميّة إلاّ القول بالتناسخ ونبوّة سلمان الفارسي.

وفي مقابل ذلك نقل فريد وجدي عنهم صورة مشوّهة، وإليك جانباً من كلامه في هذا الصدد:

(من معتقداتهم أنّ الحاكم بأمر الله هو الله نفسه، وقد ظهر على الأرض

____________________

(1) البستاني، دائرة المعارف: 7/675 - 677.


عشر مرّات، أُولاها في العلى، ثُمَّ في البارز، إلى أن ظهر عاشر مرّة في الحاكم بأمر الله، وإنّ الحاكم لم يمت؛ بل اختفى، حتّى إذا خرج يأجوج ومأجوج - ويسمّونهم القوم الكرام - تجلّى الحاكم على الركن اليماني من البيت بمكّة ودفع إلى حمزة سيفه المُذهّب فقتل به إبليس والشيطان، ثُمَّ يهدمون الكعبة ويفتكون بالنصارى والمسلمين ويملكون الأرض كلّها إلى الأبد.

ويعتقدون أنّ إبليس ظهر في جسم آدم، ثُمَّ نوح، ثُمَّ إبراهيم، ثُمَّ موسى، ثُمَّ عيسى، ثُمَّ محمّد، وأنّ الشيطان ظهر في جسم ابن آدم، ثُمَّ في جسم سام، ثُمَّ في إسماعيل، ثُمّ في يوشع، ثُمَّ في شمعون الصفا، ثُمَّ في عليّ بن أبي طالب، ثُمَّ في قداح صاحب الدعوة القرمطيّة.

ويعتقدون بأنّ عدد الأرواح محدود، فالروح الّتي تخرج من جسد الميّت تعود إلى الدنيا في جسد طفل جديد.

وهم يسبّون جميع الأنبياء، يقولون: إنّ الفحشاء والمنكر هما: أبو بكر وعمر، ويقولون: إنّ قوله تعالى: ( إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ ) (1) يراد به الأئمّة الأربعة وأنّهم من عمل محمّد.

ويعتقدون بالإنجيل والقرآن، فيختارون منها ما يستطيعون تأويله ويتركون ما عداه، ويقولون: إنّ القرآن أُوحي إلى سلمان الفارسي فأخذه محمّد ونسبه لنفسه، ويسمّونه في كتبهم المسطور المبين.

ويعتقدون أنّ الحاكم بأمر الله تجلّى لهم في أوّل سنة (408هـ) فأسقط

____________________

(1) المائدة: 90.


عنهم التكاليف من صلاة وصيام وزكاة وحجّ وجهاد وولاية وشهادة.

لدى الدّروز طبقة تعرف بالمُنَزَّهين، وهم عباد أهل ورع وزهد، ومنهم من لا يتزوّج، ومن يصوم الدهر، ومن لا يذوق اللّحم، ولا يشرب الخمر). (1)

وبما أنّ معتقدات الدروز ظلّت طيّ الخفاء والكتمان، فلنقتصر على هذا المقدار إلى أن تنتشر كتبهم في هذا الصدد ونقف على حقيقة الحال. ونحن من المتوقّفين في ذلك؛ لا نحكم على تلك الطائفة بشيء حتّى تتبين احوالهم.

____________________

(1) محمد فريد وجدي، دائرة المعارف: 4/26 - 28.


18

النَّصيريَّة

الكتابة عن النصيريّة، وكسائر الفِرق الشيعيّة، أمر صعب، لا سيّما وأنّهم اضطرّوا إلى التخفّي والانطواء على أنفسهم، وعاشوا في ظلِّ التقيّة، ومن يتصفّح التاريخ يجد أنّه لا مندوحة لهم من التكتّم والتحفّظ في عقائدهم، فمعاجم الفِرق مليئة بذمّهم وتفسيقهم وتكفيرهم، وقد أخذ بعضهم عن بعض، ولا يمكن الاعتماد على ما نقلوه عنهم، إلاّ بالرجوع إلى كتب تلك الفِرقة أو العيش معهم في أوطانهم حتّى يتجلّى الحقّ، ليقف الإنسان على مكامن عقائدهم وخفايا أُصولهم.

وهي فِرقة أحدثها محمّد بن نصير النميري؛ وكان من أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السّلام)، فلمّا توفّي الإمام العسكري ادّعى الوكالة للحجّة، ولم يكتف بذلك؛ بل ادّعى أنّه رسول ونبيّ من قبل الله تعالى، وربّما ادّعى الربوبيّة وإباحة المحارم.

وقال الشيخ الأشعري في أصناف الغالية: إنّ فِرقة من الرافضة يقال لهم النميريّة أصحاب النميري، يقولون إنّ الباري كان حالاً في النميري. (1)

____________________

(1) مقالات الإسلاميين: 1/15.


وقد أوضح حاله الشيخ الطوسي حيث عقد فصلاً لمدّعي البابيّة عدّ منها: الشُّريعي، ومحمّد بن نصير النميري.

قال: كان محمّد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمّد الحسن بن عليّ (عليه السّلام)، فلمّا تُوفّي أبو محمّد، ادّعى مقام أبي جعفر محمّد بن عثمان أنّه صاحب إمام الزمان، وادّعى له البابيّة، وفضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والجهل، ولعْنَ أبي جعفر محمّد بن عثمان له وتبرّأه منه، واحتجابه عنه، وادّعى ذلك الأمر بعد الشُّريعي. (1)

والنصيريّة بهذا المعنى قد بادت ولا تجد أحداً يتبنّى أفكارها بين المسلمين، إلاّ إذا كان مغفّلاً أو مغرضاً، وربّما تكون بعض هذه النِّسب ممّا لا أصل له في الواقع، وإنّما اتُّهمت بها بعض فِرق الشيعة من قبل أعدائهم.

والحق يقال إنّ محمد بن نصير النميري شخصيّة قلقة يكتنفها كثير من الغموض.

فتارة يعدّونه من أفاضل أهل البصرة علماً وأنّه ضعيف. (2)

وأُخرى من أصحاب الإمام الجواد (عليه السّلام). (3)

وأُخرى أنّه من أصحاب الإمام العسكري (عليه السّلام) وأنّه غال. (4)

وطوراً عدّوه فهريّاً بصريّاً مع أنّ هذين لا يجتمعان. (5)

____________________

(1) غيبة الطوسي: 398 - 399.

(2) تنقيح المقال: 3/195.

(3) رجال الطوسي: أصحاب الإمام الجواد، رقم 10 و26.

(4) رجال الطوسي: أصحاب الإمام العسكري، رقم 20.

(5) رجال الكشّي، رقم 383.


وأخيراً تحيّروا في أمر هذا الرجل ووضعوا اسمه في قائمة المشتركات. (1)

العلويّون وأصل التسميّة بالنصيريّة:

إنّ هناك أقلاماً مغرضة حاولت أن تَنسب العلويّين المنتشرين في الشام والعراق وتركيا وإيران إلى فِرقة النصيريّة البائدة اعتماداً على أُمور ينكرها العلويّون اليوم قاطبة.

وأظنّ أنّ السبب في ذلك هو جور السلطات الظالمة الّتي أخذت تشوّه صحيفة العلويّين وتسّودها، فأقامت فيهم السيف والقتل والفتك والتشريد، ولم تكتف بذلك، بل أخذت بالافتراء عليهم لتنفّر الناس من الاختلاط بهم، وأنّهم زمرة وحشيّة همجيّة، ممّا زاد في انكماش هذه الطائفة على نفسها، لذا نجد من المناسب الكتابة عنهم حسب ما كتبوه عن أنفسهم.

أمّا سبب تسمية العلويّين بالنصيريّة؛ فلأنّه لمّا فتحت جهات بعلبك وحمص استمد أبو عبيدة الجراح نجدة، فأتاه من العراق خالد بن الوليد، ومن مصر عمرو بن العاص، وأتاه من المدينة جماعة من أتباع عليّ (عليه السّلام)؛ وهم من الأنصار ممّن حضروا بيعة غدير خم، وعددهم يزيد عن أربعمائة وخمسين، فسمّيت هذه القوّة الصغيرة نصيريّة، إذ كان من قواعد الجهاد تمليك الأرض الّتي يفتحها الجيش لذلك الجيش نفسه، فقد سمّيت الأراضي الّتي امتلكها جماعة النصيريّة جبل النصيريّة، وهو عبارة عن جهات جبل الحلو وبعض قضاء

____________________

(1) تنقيح المقال: 3/196.


العمرانيّة المعروف الآن، ثُمَّ أصبح هذا الاسم علماً خاصّاً لكلّ جبال العلويّين من جبل لبنان إلى أنطاكية. (1)

وهذا الرأي أقرب إلى الصواب؛ ذلك أنّ المؤرّخين الصليبيّين أطلقوا على هذا الجبل اسم (النصيرة)، ويبدو أنّ هذا الاسم قد حرّف إلى نصيريّة، والّذي يُعزّز القناعة بصحّة هذا الرأي هو أنّ إطلاق اسم نصيريّة على هذا الجبل لم يظهر إلاّ أثناء الحملات الصليبيّة؛ أي بعد عام 498هـ.

أهم عقائدهم:

حسب المصادر المطّلعة على حالهم، فإنّ عقائد العلويّين لا تختلف عن عقائد الشيعة الاثنا عشريّة الإماميّة، وهي معروفة مسجّلة، وتتلخّص في التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة والمعاد.

____________________

(1) محمد أمين غالب الطويل، تاريخ العلويّين: 87 - 88.


19

الشيخيّة

الشيخيّة هم طائفة من الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة، ولقّبوا بهذا الاسم نسبة إلى شيخهم ومعلّمهم الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي، وهم لا يختلفون في أُصول الدين وأُمّهات المسائل الشرعيّة عن سائر الشيعة الإماميّة، وليسوا أخباريّين كما ربّما يُتوهّم، نعم، لهم بعض الآراء والمعتقدات الخاصّة كما نشير إليها.

وهم اليوم موجودون في إيران والعراق والكويت والأحساء، وينقسمون إلى فِرقتين: (الركنيّة) و(الكشفيّة)، ولكلّ فِرقة آراؤها الخاصّة.

ومبدأ نشوء هذه الطائفة كان بعد بروز الشيخ أحمد الأحسائي في مطلع القرن الثالث عشر الهجري كعالم أوحد، متميّز، له بعض النظريّات والأفكار الجديدة في علم الفلسفة والعقائد الإسلاميّة. وحيث كان الشيخ ذا عبقريّة فذّة، وعُرف عنه الزهد والإغراق في العبادة - هذا بالإضافة إلى مقامه العلمي الشامخ ـ، لذا كان ذا جاذبيّة قويّة ومؤثّرة أدّت إلى وجود تيار جارف من الموالين والأنصار له، ومعظم أنصاره كان من إيران، وبعضهم من العراق ودول الخليج، وهؤلاء هم كانوا النواة والقاعدة الّتي تحوّلت فيما بعد إلى طائفة مستقلّة تسمّى بـ (الشيخيّة).

لذا، وقبل كلّ شيء، لابدّ أن نعرّج على سيرة وحياة الشيخ أحمد الأحسائي.


سيرة الشيخ أحمد الأحسائي: (1)

أحمد بن زين الدين بن إبراهيم بن صقر بن إبراهيم الأحسائي المطيرفي.

كان فقيهاً، إماميّاً، حكيماً، مشاركاً في فنون شتى، له شهرة وأتباع أسّسوا ما يُعرف بفِرقة الكشفيّة، ويقال لها أيضاً: الشيخيّة.

ولد في المُطيرف (من قرى الأحساء) سنة ست وستين ومائة وألف.

وتلقّى مبادئ العلوم عن محمّد بن محسن الأحسائي، وغيره.

ارتحل إلى العراق في سنة (1186هـ)، فحضر في كربلاء عند: محمّد باقر بن محمّد أكمل البهبهاني، والسيّد محمّد مهدي بن أبو القاسم الشهرستاني، والسيّد عليّ بن محمّد عليّ الطباطبائي، وفي النجف عند: الشيخ جعفر كاشف الغطاء.

وأجاز له أساتذته: الشهرستاني والطباطبائي وكاشف الغطاء، وآخرون مثل: السيّد محمد مهدي بحر العلوم، وأحمد بن حسن الدمستاني، وحسين بن محمد العصفوري البحراني.

وقد أقام في البحرين مدّة أربع سنين، ثُمَّ سكن البصرة بعد أن زار العتبات المقدّسة سنة (1212هـ).

____________________

(1) روضات الجنّات: 1/88 برقم 22، مستدرك الوسائل (الخاتمة): 2/121، قصص العلماء: 47، هديّة العارفين: 1/185، إيضاح المكنون: 1/205، أنوار البدرين: 406/ رقم 8، أعيان الشيعة: 2/589، ريحانة الأدب: 1/78، الذريعة: 7/124/ رقم 667، الكرام البررة: 1/88/ رقم 180، الأعلام: 1/129، معجم رجال الفكر والأدب في النجف: 1/89، معجم المفسرّين: 1/38، معجم المؤلِّفين: 1/228، فرهنگ بزرگان: 36.


وسافر إلى إيران، فلبث في يزد مدّة، ثُمّّ انتقل إلى كرمانشاه بطلب من محمّد عليّ ميرزا بن السلطان فتح عليّ شاه القاجاري، وزار عدّة مدن في إيران.

ثُمَّ ارتحل إلى العراق، فاستقرّ في كربلاء.

وكان مواظباً على المطالعة والبحث والتدريس، وعلى بثّ أفكاره ونشر طريقته بالخطابة والكتابة والتأليف والرحلات.

تتلمذ عليه وروى عنه جمع، منهم: ابناه محمّد تقي، وعليّ نقي، والسيّد كاظم بن قاسم الرشتي؛ وهو أشهر تلامذته وعميد طريقته، ومحمّد باقر بن حسن النجفي صاحب الجواهر، وأسد الله بن إسماعيل التستري صاحب المقابس، ومحمّد إبراهيم بن محمّد حسن الكلباسي، والميرزا عليّ محمّد الشيرازي الملقّب بالباب، وحسين بن مؤمن اليزدي الكرماني، وغيرهم.

وصنّف كتباً ورسائل جمّة، منها: الرسالة الحيدريّة في الفروع الفقهيّة، الرسالة الصوميّة، شرح (تبصرة المتعلّمين في أحكام الدين) للعلاّمة الحلّي لم يتم، أحكام الكفّار بأقسامهم قبل الإسلام وبعده وأحكام فِرق الإسلام، شرح مبحث حكم ذي الرأسين من (كشف الغطاء)، ذكر فيه أحكامه من أوّل الطهارة إلى الديّات، المسائل القطيفيّة، تحقيق القول بالاجتهاد والتقليد وبعض مسائل الفقه، جواز تقليد غير الأعلم وبعض مسائل الفقه، مباحث الألفاظ في الأُصول، أسرار الصلاة، تفسير سورة التوحيد وآية النور، شرح الزيارة الجامعة (مطبوع)، جوامع الكَلِم (مطبوع)، شرح (الحكمة العرشيّة) لصدر الدين محمّد بن إبراهيم الشيرازي المعروف بملاّ صدرا، كيفيّة السير والسلوك الموصلَين إلى درجات القرب والزلفى، معرفة النفس، معنى الكفر والإيمان، بيان أحوال أهل


العرفان والصوفيّة وطرائقهم وطرق الرياضات، رسالة في التجويد، رسالة في علم النجوم، شرح علم الصناعة، والفلسفة وأحوالها، وديوان شعر، وغير ذلك كثير.

توفّي حاجّاً بقرب المدينة في شهر ذي القعدة سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف، وحمل إليها، فدفن في البقيع.

اختلاف العلماء فيه:

وقد اختلف علماؤنا في صاحب الترجمة اختلافاً عظيماً، فمنهم من بالغ في مدحه والثناء عليه وتبيان علمه، ومنهم من أفرط في قدحه والتشنيع عليه، وطَعَن في علمه ودينه وعقيدته، ونكتفي هنا بنقل نماذج من كلمات المادحين له والقادحين فيه:

قال المحدث النيسابوري: أحمد بن زين الدين الأحسائي القاري، فقيه، محدّث، عارف، وحيد في معرفة الأُصول الدينيّة، له رسائل وثيقة، اجتمعنا معه في مشهد الحسين (عليه السّلام)، لا شكّ في ثقته وجلالته.

أوّل من قدح في علمه وردَّ عليه معاصره الشيخ محمّد إسماعيل بن السميع الأصفهاني المعروف بواحد العين، حيث قال في مقدّمة (شرح العرشيّة): وقد تصدى لشرحها المولى الجليل... الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي... فشرحها شرحاً كان كلّه جرحاً؛ لعدم فهمه ما هو المراد من الألفاظ والعبارات؛ لعدم اطّلاعه على الاصطلاحات، وإلاّ فهو عظيم الشأن.

وقال السيّد أبو تراب الخوانساري: إنّ الشيخ أحمد الأحسائي كان فقيهاً


فدخل في علم الحكمة وأخذ يطالع كتبها حتّى مهر فيها وألّف فيها كتباً، وحيث لم يحضر فيها على أُستاذ ماهر زلّت أقدامه، فضلّ وأضل.

ولعلّ أهم ما نسب إلى الشيخ من مؤاخذات هو الأُمور التالية:

1 - إنكاره المعاد الجسماني، ودعوى أنّ هذا الجسم المادي لا يمكن أن يعود بكلّ ما فيه من كثافة وكدورة.

2 - إنكاره المعراج الجسماني؛ أي أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يعرج إلى السماء بجسمه المادّي بكلّ ما فيه.

3 - إنكاره شق القمر المرئي الحقيقي؛ معجزة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) المتّفق عليها بين المسلمين، ودعوى أنّ الّذي انشق إنّما هو صورة القمر المنتزعة منه.

4 - الغلو في شأن أهل البيت (عليهم السّلام) وإعطاؤهم بعض المقامات الّتي لا تصحّ إلاّ لله تعالى، مثل القول بأنّ الله تعالى فوض كلّ ما في الكون إليهم من الخلق والرزق والحياة والممات وما إلى ذلك، والقول بأنّ علمهم حضوري وليس حصولي؛ يعني أنّهم يعلمون بكلّ ما كان وجميع ما يأتي، على نحو يكون ذلك كلّه حاضراً في ذهنهم وذاكرتهم في كلّ حين كما يرون العين.

حقيقة الشيخيّة:

ولم يكن في بادئ الأمر شيء باسم الشيخيّة، ولا كان في نيّة الشيخ تأسيس فِرقة جديدة أو الدعوة إلى مذهب جديد، ولكن المواجهة الحادّة، والجدال الّذي بلغ أوجه بين الشيخ ومعارضيه، واستمرَّ بعد وفاته بين أنصاره


ومخالفيهم، أدّى إلى تحيّز جمْع من العلماء وطائفة من الناس إلى جانب الشيخ، وتحمسّهم في الدفاع عنه والدعوة إليه، ثُمَّ تحوّل هؤلاء بشكل تدريجي إلى جماعة مستقلة منسوبة إلى الشيخ، تتبنّى أفكاره وتنشر كتبه وتدعو إلى خطّه، وعُرفوا حينها باسم الشيخيّة.

وقد اتّسعت رقعة الشيخيّة بعد وفاة الشيخ، وازداد أتباعها ومؤيّدوها، وكان الزعيم الأكبر لهم بعد الشيخ، خليفته السيّد كاظم بن السيد قاسم الحسيني الرشتي، الّذي كان يتّخذ من كربلاء مقرّاً لزعامته حتّى توفّي فيها سنة 1259هـ.

وكانت الشيخيّة في حياة السيّد متّفقة على زعامته ومرجعيّته، ولكن بعد وفاته، انقسمت غلى فرقتين: فِرقة تبعت الحاج محمّد كريم خان الكرماني، المتوفّى سنة 1288هـ، وعرفوا فيما بعد بالركنيّة، وفِرقة تبعت الميرزا حسن گوهر الحائري، ثُمَّ آل الاسكوئي من بعده، فعرفوا بالكشفيّة.

الطائفة الركنيّة:

أمّا الركنيّة فتتلخّص عقيدتهم في التالي:

يعتقدون أنّ الدّين قائم على أربعة أركان:

1 - معرفة الله.

2 - معرفة الرسول.

3 - معرفة الإمام.

4 - معرفة الفقيه الجامع للشرائط، الّذي يقوم مقام الإمام في زمن الغيبة.

وتجسّد الركن الرابع في الشيخ أحمد الأحسائي، ثُمَّ في السيّد كاظم الرشتي، ثُمَّ في الحاج كريم خان نفسه؛ ولهذا سمّيت هذه الطائفة بالركنيّة.

قال صاحب الذريعة: ولمّا شدّد عليهم الأصحاب النكير بعدم ما يسمّى


الركن الرابع في الإسلام، ألّف محمّد كريم خان الكرماني رسالة عام 1279هـ، أثبت فيها أنّ الركن الرابع هم رواة الأئمّة والعلماء جميعاً، ولا تختصّ الركنيّة بشخص معين.

ومن الناحية العمليّة أصبح الركن الرابع منصب تتوارثه سلالة الكرماني حتّى اليوم، باعتبارهم المصداق الحقيقي لهذا الركن.

وكان مقرّ زعامتهم مدينة كرمان بإيران، حيث يتواجد أحفاد الكرماني والأكثريّة من أتباعه، ولمّا قُتل مُرشدهم عام 1400هـ، انتقل مقرّ الزعامة إلى مدينة البصرة بالعراق؛ أهمّ معقل لهم بعد كرمان، ولا زال زعيمهم الحالي في مدينة البصرة حتّى اليوم، والركنيّة أكثر أتباعاً من منافسيهم الكشفيّة، ويتمركز وجودهم في مدينة كرمان بإيران، ثُمَّ مدينة البصرة، ويوجد قليل منهم في الكويت وبعض مناطق إيران الأُخرى.

ويمكن التعرّف على أفكارهم من خلال كتبهم، مثل: (رجوم الشياطين)، و(كشف المراد في علم المعاد)، و(هداية الأطفال)، و(هداية الصبيان)، و(إرشاد العوام)، و(الفطرة السليمة)، و(الفلسفيّة) للشيخ أبو القاسم الكرماني.

الطائفة الكشفيّة:

أمّا الطائفة الكشفيّة فيعتقدون أنّ الشيعة ينقسمون إلى قسمين: كاملي العقيدة، وناقصي العقيدة. والمعني بكاملي العقيدة هم الكشفيّة أنفسهم ومن يعتقد بعقيدتهم في أهل البيت (عليهم السّلام)؛ وأمّا ناقصي العقيدة فهم معظم الشيعة الإماميّة.


وتتلخّص عقيدتهم في أهل البيت (عليهم السلام) بأمرين:

الأوّل: الاعتقاد بأنّ علم الإمام حضوري وليس حصولي، يعني أنّ يعلم بما كان وما سيكون إلى يوم القيامة بإرادة الله تعالى؛ بحيث تكون جميع هذه المعلومات حاضرة في ذهنه دائماً؛ كمن يشاهد بالعيان.

الثاني: الاعتقاد بأنّ دم الإمام، وجميع فضلاته، طاهرة.

وعلى أساس هذا التقسيم للشيعة أصدر علماء الكشفيّة أحكاماً فقهيّة خاصّة، منها:

إنّه لا يجوز لمن كان كامل العقيدة أنّ يقلّد مرجعاً ناقص العقيدة، أو يصلّي خلف إمام ناقص العقيدة؛ أي من كان يعتقد بطهارة دم الإمام، وأنّ علمه حضوري، لا يجوز له أن يقلّد أو يصلّي خلف من لا يرى ذلك، فكمال العقيدة بهذا المعنى، شرط في مرجع التقليد وإمام الجماعة.

ويُعتقد أنّ تسميتهم بالكشفيّة؛ لادّعاء علمائهم أنّ خفايا بعض الأُمور تُكشف إليهم ببركات الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام).

ويتواجد الكشفيّة اليوم بشكل رئيسي في الكويت، وهناك مقر زعامتهم، كما يتواجد بعضهم في مدينة الهُفوف وبعض القرى بالأحساء، ولهم أيضاً بعض الأتباع في تبريز بإيران وبعض المدن الجنوبيّة بالعراق.

بقي أن نشير إلى أنّ كلاًّ من الركنيّة والكشفيّة يعتقد بانحراف الطائفة الأُخرى وضلالتها. ونكتفي بهذا التعريف الموجز للطائفة الشيخيّة. (1)

____________________

(1) نقل من كتاب (أعلام هجر)، بتلخيص وتصرّف، تأليف: هاشم محمّد الشخص.


وقد أُلِّف حول الشيخيّة، والطائفتين المنشقّتين منها، رسائل ومقالات، غير أنّ ما كتبه الأُستاذ هاشم محمّد الشخص من أوجز وأوثق ما كتب في الموضوع، وقد اقتبسنا في بيان ما يرجع إلى هذه الطائفة وفروعها من كتابه: (أعلام هجر من الماضين والمعاصرين).


20

القاديانيّة

ظهرت القاديانيّة على يد الميرزا غلام أحمد القادياني (1252 - 1316هـ) في إقليم البنجاب، وعاصمتها لاهور، وفي مديريّة غوردا سفور من هذا الإقليم، وفي قرية صغيرة فيها تسمّى قاديان، وُلد فيها مؤسِّس المسلك ميرزا غلام أحمد القادياني، وإليها كانت نسبته، وفيها نبتت نحلته.

سيرته الذاتيّة:

وُلد الميرزا غلام أحمد القادياني عام 1839م/ الموافق 1252هـ، في قرية قاديان، وكان والده يحترف الطبّ القديم في عهده، ويجيده، ولمّا بلغ الميرزا سنَّ التعليم، شرع في تلقّي مبادئ العلوم وقراءة القرآن وتعلّم اللغة العربيّة والفارسيّة إلى جانب معرفته بالأُرديّة، وتلقّى دروساً في المنطق والحكمة والعلوم الدينيّة والأدبيّة في مسقط رأسه (قاديان)، والطبّ القديم على والده، وعُرف بالعكوف على المطالعة والانقطاع إليها، وكان مهتماً بدراسة كتب التفسير والحديث والتدبّر في القرآن، وأُولع بمطالعة الأسفار القديمة من كتب الشيعة وأهل السنّة، وكتب الأديان الأُخرى.


الظروف الّتي أحاطت بدعوته:

1 - إنّ الهند بلاد مترامية الأطراف، نشأت بها منذ القدم أديان ومذاهب مختلفة، وشكّل هذا التنوّع الهائل في العقيدة قوام حياتها، وأساس نظمها، وأكبر مؤثّر في تاريخها، قديماً وحديثاً. فإلى جانب الديانة الهندوسيّة، هناك الإسلام والبوذيّة والمسيحيّة، وبجوار أُولئك مذاهب أُخرى لها من الأتباع القليل.

وفي بيئة كهذه؛ حيث طغى عليها التنوّع والتسامح، ظهرت القاديانيّة.

2 - لقد تعرّضت الهند إلى غزو الانجليز، الذين لم يكتفوا بذلك؛ بل حرصوا على غزوها ثقافيّاً من خلال إرسال بعثات تبشيريّة إليها.

وأثبت القساوسة والمبشّرون في القرى والمدن، ونشطوا في دعوتهم إلى المسيحيّة، مشنّعين على العقيدة الإسلاميّة، معلنين شامتين زوال دولة الإسلام وانقضاء عهده.

ولقد عمّقوا، عن عمد، الصراع الديني بين المسلمين وغيرهم من الطوائف؛ كالهندوس، ممّا أدّى إلى إبطاء الزحف الإسلامي.

ولقد أثاروا شبهات، وفتحوا جيوب مريبة؛ كلّ ذلك من أجل إضعاف المسلمين وتشتيت الفكر الإسلامي في عدة تيّارات، ينمّ كلّ منها عن هدف لهم مقصود.

ففي خِضَمِّ هذه الأحداث، ظهرت دعوة الميرزا وكان النصر حليفها في نفس الإقليم؛ وذلك لأنّ طبيعة البيئة ساعدت، إلى حد كبير، على ظهور دعوته


وانسياق الناس وراءها، لاسيّما في ظروف كانت الشبهات الملحدة والدعوات التبشيريّة تستهدف الإسلام والمسلمين.

نعم، وراء ذينك العاملين، ثمّة عامل ثالث، وهو أنّ دعوته تمّت باسم الإسلام، وأنّها دعوة إصلاحيّة يبغي وراءها نفض كثبان الجهل والخرافة عن وجه الدين، ففي ظلّ هذه العوامل الثلاثة ظهرت الدعوة القاديانيّة، الّتي يُعَبَّر عنها أحياناً بالأحمديّة، في القارة الهنديّة، ومنها انتشرت إلى سائر الأصقاع.

ومن الدلائل الواضحة على أنّه أخذ الإسلام غطاء و واجهة لنشر أفكاره ودعوته؛ هو أنّه قام بترجمة القرآن الكريم في مرحلة من مراحل دعوته، وصار ذلك سبباً لانجذاب السذّج من المسلمين إلى دعوته.

حقيقة دعوته:

إنّ دعوة الميرزا غلام أحمد القادياني مرّت بمراحل ثلاثة، يختلف بعضها عن بعض في المضمون والمحتوى، وربّما كانت المرحلة الأُولى من دعوته دعوة إصلاحيّة توافق الرأي العام الإسلامي، وقد أطلق على هذه المرحلة دعوى الإصلاح والتجديد، وقد بدأ دعوته في هذه المرحلة بتأليف كتاب (براهين أحمديّة) عام 1879م، ودار نشاطه فيها حول محور أبرزه وركّز عليه، وهو أنّ دعوته قائمة على إصلاح العالم، والدعوة إلى الإسلام وتجديده.

وتناول في هذه المرحلة التعريف بالإسلام وإثبات فضله، وبيان إعجاز القرآن وإثبات نبوّة النبيّ الخاتم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأسهب في الردّ على الديانات والنحل السائدة في الهند أنذاك.


وكانت تلك المرحلة بمثابة إعلان أخرجه من الخمول والعزلة الّتي كان يعيش فيها، إلى إلفات الأنظار وتجمّع بعض القلوب عليه، وذيوع خبره في بلاد الهند.

ومع أنّ هذه المرحلة لم تكن تخلو عن الشطحات والإلهامات والمنامات، إلاّ أنّها - وبصورة عامّة - كانت دعوة مطلوبة لأكثر الناس.

وأمّا المرحلة الثانية، فتتميّز عن سابقتها بأنّها تتضمّن الدعوة إلى أُمور، هي كالتالي:

1 - المسيح (عليه السّلام) تُوفّي في كشمير ودُفن هناك، وإنّ القبر المشهور بقبر (بوذاسف)، في (حارة خان يار)، هو قبر المسيح.

2 - بما أنّ المسيح (عليه السّلام) تُوفّي، فالمسيح الّذي وُعِدَ المسلمون برجوعه عند قيام المهديّ هو الميرزا، وقد طرح تلك الفكرة عندما كانت فكرة المهديّ والمسيح الموعود قد تغلغلت في المجتمع الإسلامي وتنتظر من يقوم بها، ليجد أرضاً خصبة ونفوساً مستجيبة.

وقد أَوّل نزول المسيح عند قيام المهديّ؛ بأن ليس المراد من النزول هو نزول المسيح؛ بل هو إعلام على طريق الاستعارة بقدوم مثيل المسيح، وأنّ الميرزا مصداق هذا الخبر حسب الإلهام.

3 - إنّه قد أُرْسِل لإصلاح الخلق؛ ليُقيم هذا الدين في القلوب من جديد، وليدكّ عقيدة الصليب ويكسرها، ويقتل الخنازير.


وأمّا المرحلة الثالثة، فقد أفصح عن نواياه عبر تكلّمه عن الإلهام والعلم الباطني والدعوة إلى النبوّة في تلك المرحلة.

هذه عصارة المراحل الّتي طواها الميرزا في دعوته.

ولمّا كانت دعوته عبر هذه المراحل مختلفة في الاعتدال والتطرّف؛ حيث تبتدئ من كونه رجل الإصلاح وتجديد الدين الإسلامي، وتنتهي بالدعوة إلى النبوّة، اختلفت آراء العلماء في حقيقة الدعوة القاديانيّة؛ فمنهم من أنكر أنّه ادّعى النبوّة، ومنهم من أثبته وشنّع عليه.

وها نحن نذكر نماذج من أقوالهم:

فالأُستاذ العقاد يقول: لم يثبت أنّه ادّعى النبوّة، وإنّما دعواه أنّه مجدّد القرن الرابع عشر للهجرة، وقد نُقل عنه أنّه قال: لا ادّعي النبوّة، وما أنا إلاّ محدّث. (1)

وعلى هذا الرأي محمّد إسماعيل الندوي: من الواضح البيّن عندنا، على ضوء قراءتنا لكتب القادياني، أنّه لم يدّع يوماً من الأيّام النبوّة الحقيقيّة، ولم ينسب نفسه نبيّاً حقيقيّاً بعد الرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ينسخ رسالته ويُبطل كونه خاتم الأنبياء؛ بل كلّ ما قاله أنّه هو المهديّ الموعود أو المسيح الموعود أو النبيّ وفق عقيدة التجسد. (2)

وهناك شخصيّات يدّعون أنّ ميرزا غلام أحمد القادياني ادّعى النبوّة بالمعنى الحقيقي التّامّ، وقد صرّح ميرزا غلام في كتبه بدعواه الرسالة والنبوّة، فكتب: دعوانا: أنا رسول ونبيّ.

____________________

(1) انظر: الإسلام في القرن العشرين: 144.

(2) القاديانيّة: 110.


كما كتب: أنا نبيّ، وفقاً لأمر الله، وأكون آثماً إن أنكرت ذلك، وإذا كان الله هو الّذي يسمّيني بالنبيّ، فكيف لي أن أنكر ذلك؟، إنّني سأقوم بهذا الأمر حتّى أمضي عن هذه الدنيا. (1)

ويرى الأُستاذ أبو الحسن الندوي أنّ الميرزا قد بذر بذور ادّعائه النبوّة في كتبه، ورسم الخطة لها من أوّل يوم، وكانت النتيجة الطبيعيّة لمنطقه ومقدّماته، فيما كتب، هي ادّعاؤه النبوّة والتصريح بها في يوم من الأيّام، وقد كانت دعواه العريضة بذلك، إذ يقول: إنّني صادق كموسى وعيسى وداود ومحمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وقد أنزل الله لتصديقي آيات سماويّة تربو على عشرة آلاف، وقد شهد لي القرآن، وشهد لي الرسول، وقد عيّن الأنبياء زمان بعثتي، وذلك هو عصرنا هذا. (2)

ويعتبر الأُستاذ إقبال اللاّهوري أنّ القاديانيّة ثورة على نبوّة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ومؤامرة ضدّ الإسلام، وديانة مستقلّة، وأنّها محاولة منظّمة لتأسيس طائفة جديدة على أساس نبوّة منافسة لنبوّة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنّها تُريد أن تنحت من أُمّة النبيّ العربيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أُمّة جديدة للنبيّ الهنديّ. (3)

عقائد القاديانيّة:

إنّ القاديانيّة كغيرها من المذاهب الإسلاميّة، تحترم كثيراً من العقائد الإسلاميّة، وها نحن نذكر موجزاً عن عقيدة مؤسّسها:

____________________

(1) المسألة القاديانيّة: 28، و29.

(2) القادياني والقاديانيّة: 67، و68.

(3) القادياني والقاديانيّة: 9 - 11.


1 - عقيدته في الإلوهيّة:

يقول: وممّا يجب على جماعتي اتبّاعه أن يعرفوا عن يقين أنّ لهم إلهاً قادراً وقيّوماً، وخالقاً للكون كلّه، أزلي الصفات وأبديّها، لا يخضع للتطور، ولا يلد ولم يولد.

2 - عقيدته في الرسول وشريعته:

إنّه ادّعى النبوّة والرسالة على النحو الّذي بينّاه، ومع ذلك ادّعى أنّ رسالته مؤيِّدة للإسلام؛ لا ناسخة لشريعته، يقول: أمّا ما يطلب الله منكم من ناحية العقائد، فهو أن تعتقدوا أنّ الله واحد لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله؛ وهو خاتم الأنبياء وأفضلهم أجمعين، فلا نبيّ بعده، إلاّ من خلع عليه رداء المحمديّة على وجه التبعيّة؛ لأنّ الخادم لا يغاير مخدومه، ولا الفرع بمنفصل عن أصله.

3 - عقيدته في القرآن الكريم:

قال: ألاّ تضعوا القرآن كالمهجور؛ لأنّ لكم فيه حياة، إنّ الّذين يُعظّمون القرآن سيلقون العزّة والكرامة في السماء، وإنّ الّذين يفضّلون القرآن على كلّ حديث ورأي، سيفضّلون في السماء.

4 - عقيدته في العبادات:

فأقيموا صلواتكم الخمس في تضرّع وانتباه كأنّكم في حضرته، وأتمّوا صيامكم لله في صدق، ومن استحقّت عليه الزكاة فليؤدّ زكاته، ومن وجَب


عليه الحجّ فليحج، إذا استطاع إلى ذلك سبيلا، قوموا بالعمل الصالح حذرين، وانبذوا المنكر متبرّئين.

5 - عقيدته في الجهاد:

لمّا ادّعى هو المسيح المنتظر فقد وضع الجهاد عن أتباعه، وقال: إنّ هذا الفتح المعذِّر للإسلام في آخر الزمان لا يتاح بالأسلحة المصنوعة بيد البشر؛ بل بالحرّيّة السماويّة الّتي تستعملها الملائكة.

أصدر عبد العزيز الدهلوي فتواه عام 1803م، ونادى فيها بوجوب الجهاد ضدَّ الانجليز، وسانده العلماء في فتواهم، ثُمَّ كانت ثورة 1857م وما انتهت إليه، وظلّ المستعمر في الهند آنذاك يخشى فكرة الجهاد والمجاهدين؛ لذا لجأ إلى بعض العلماء يصطنعهم لاستصدار فتاوى بشأن الجهاد في الهند، وهل يجوز أو لا؟

وفي هذا الظرف الّذي قام فيه المسلمون ضدّ الانجليز، أصدر فيه الميرزا فتواه بوضع الجهاد عن أتباعه، وأنّ الجهاد قد انتهى واستنفد أغراضه.

وهذا هو السبب لاتّهام الرجل بالتعاون مع المستعمرين وتعاطفه معهم، ويشهد له بعض كلماته في حقّ المستعمر.

***

وبما أنّ الدعوة القاديانيّة كانت بمقربة من الدعوة البابيّة والبهائيّة، وكلتا الدعوتين تهدفان إلى إنكار ختم الرسالة والنبوّة، وتأويل قوله سبحانه: ( وَخَاتَمَ


النّبِيّينَ ) بزينة النبيّين، يبعث الاطمئنان على أنّ الديانتين أو المسلكين كانا مؤيَّدين من قبل الاستعمار؛ فالبابيّة وليدة الاستعمار الروسي، والقاديانيّة وليدة حماية الاستعمار الانجليزي.

هذا بحث موجز عن القاديانيّة، اقتبسناها ممّا أُلّف حولها من الكتب. (1)

الحمد لله الّذي

بنعمته تَتُمُّ الصّالحات

____________________

(1) راجع: القاديانيّة نشأتها وتطورها، الدكتور عيسى عبد الظاهر، القاديانية، ابو الحسن عليّ الحسني الندوي/ وأبو الأعلى المودودي/ ومحمّد الخضر حسين، القاديانيّة والاستعمار الانجليزي، الدكتور عبد الله سلوم السامرائي.


الفهرس

بحوث تمهيديَّة 7

1. الملّة والنحلة في اللغة: 7

2. الصلة بين علم العقائد وعلم الملل والنحل: 7

3. تعريفه، موضوعه، مسائله، غايته: 8

4. المصنّفات في الملل والنحل: 8

5. علل تكوّن الفرق الإسلامية: 9

العامل الأوّل: الاتجاهات الحزبية والتعصّبات القبلية: 10

العامل الثاني: سوء الفهم واللجاج في تحديد الحقائق: 10

العامل الثالث: المنع عن كتابة الحديث: 11

العامل الرابع: فسح المجال للأحبار والرهبان: 12

العامل الخامس: الاحتكاك الثقافي: 13

العامل السادس: الاجتهاد في مقابل النص: 13

1- أهل الحديث والحشويّة 15

نظرنا في بعض هذه الأُصول: 27

إكمال: 29

2- السّلفيّة 33

3- الأشاعرة 42

رجوعه عن الاعتزال: 44

1. الدافع السياسي: 45

2. فكرة الإصلاح في عقيدة أهل الحديث: 45

عقائد الأشاعرة: 47

1. أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه: 48

2. كلام الله سبحانه هو الكلام النفسي: 51

3. آثار التحسين والتقبيح العقليّين: 53

4. رؤية الله بالأبصار في الآخرة: 55


4- الماتريدية 61

منهج الإمام الماتريدي موروث عن أبي حنيفة: 61

لمحة إلى سيرة الماتريدي: 62

مشايخه: 62

تلاميذه: 63

مصنّفاته: 64

1. معرفته سبحانه واجبة عقلاً: 66

2. الاعتراف بالتحسين والتقبيح العقليّين: 67

3. التكليف بما لا يطاق: 67

4. أفعال الله سبحانه معلّلة بالأغراض: 68

5. الصفات الخبرية: 69

6. صفاته عين ذاته: 70

أعيان الماتريدية: 71

5- المرجئة 73

مؤسّس المرجئة: 75

خطر المرجئة على أخلاق المجتمع: 76

6- القدريّة 78

7- الجهميّة 81

الجهميّة: 82

التطورات الّتي مرّ بها مفهوم الجهمي: 83

8- المجسّمة 84

9- الكرّاميّة 86

10- الظاهرية 88

ما هو السبب لظهور هذا المذهب؟ 88

أُفول نجمه: 91


11- المعتزلة 92

سائر ألقاب المعتزلة: 93

الأُصول الخمسة عند المعتزلة: 95

إيعاز إلى الأُصول الخمسة 96

سبب الاقتصار على هذه الأُصول الخمسة: 98

أئمة المعتزلة: 98

1. واصل بن عطاء (80 - 131هـ): 99

2. عمرو بن عبيد (80 - 143هـ): 100

3. أبو الهذيل العلاّف (135 - 235هـ): 103

4. النظّام (160 - 231هـ): 104

5. أبو علي الجبائي (235 - 303هـ): 107

6. أبو هاشم الجبّائي (277 - 321هـ): 109

7. قاضي القضاة عبد الجبار (324 - 415هـ): 111

أُفول المعتزلة: 116

12- الخوارج 120

قتال الناكثين: 123

قتال القاسطين: 124

نشوء الخوارج بمخالفتهم لمبدأ التحكيم: 129

انسحاب عليّ إلى الكوفة: 130

نهاية التحكيم: 131

تنبّؤ الإمام في حرب النهروان: 133

تنبّؤ آخر: 134

الأُصول الفكرية للخوارج: 134

فرق الخوارج: 135

آراء الإباضيّة في الصحابة: 138

الفتاوى الشّاذة من الكتاب والسنّة: 139

مؤسّس المذهب الإباضي ودعاته في العصور الأُولى: 141


1 - عبد الله بن إباض، مؤسّس المذهب: 141

2 - جابر بن زيد العماني، الأزدي: 142

3 - أبو عبيدة، مسلم بن أبي كريمة (المتوفّى حوالي 158هـ): 142

4 - أبو عمرو، ربيع بن حبيب الفراهيدي: 142

5 - أبو يحيى عبد الله بن يحيى الكندي: 143

دول الإباضيّة: 143

13- الشِّيعة الإماميّة 145

الشّيعة لغة واصطلاحاً: 145

الفصل الأوّل: مبدأ التشيّع وتاريخ تكوّنه 147

الشيعة في كلمات المؤرّخين وأصحاب الفِرق: 150

رواد التشيع في عصر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): 152

الفصل الثاني: شبهات حول تاريخ الشيعة 154

الشبهة الأُولى: الشيعة ويوم السقيفة 154

الشبهة الثانية: التشيّع صنيع عبد الله بن سبأ 156

الشبهة الثالثة: التشيّع فارسي المبدأ أو الصبغة 161

الفصل الثالث: في بيان متطلّبات الظروف في عصر الرسول في مجال القيادة الإسلاميّة 167

الفصل الرابع: ما هو مقتضى الكتاب والسنّة في صيغة الخلافة بعد الرَّسول؟ 172

[ مرجعيَّة أهل البيت السّياسيَّة بعد الرسول: ] 172

مرجعية أهل البيت الفكريّة بعد الرّسول: 179

الأئمة الاثنا عشر في حديث الرسول: 180

مقتضى الكتاب في صيغة القيادة بعد الرسول: 182

الفصل الخامس: ما هو السرُّ في مخالفة الجمهورنصَّ الرّسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؟ 186

1 - اختلافهم مع النبيّ في الأنفال والأسرى: 187

2 - مخالفتهم لأمر الرسول في أُحد: 188

3 - مخالفتهم في صلح الحديبية: 188


4 - مخالفتهم في تجهيز جيش أُسامة: 189

5 - مخالفتهم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في إحضار القلم والدواة: 190

الفصل السادس: نصوص الخلافة والركون إلى الأمر الواقع 194

احتجاجه بحديث الغدير في يوم الشورى سنة 23: 197

الفصل السابع: في عقائد الشيعة الإماميّة 200

الفصل الثامن: الفوارق بين الشّيعة وسائر الفِرق 210

الأوّل: وجوب نصب الإمام على الله سبحانه: 210

الثاني: عصمة الإمام: 211

الثالث: الإمام المنتظر: 211

الرابع: القول بالبَداء: 212

الخامس: الرجعة: 213

الفصل التاسع: في الأئمّة الاثني عشر 215

فِرق الشيعة بين الحقائق والأوهام 218

14- الزيديّة 220

نبذة مختصرة عن حياة زيد بن عليّ: 220

آثاره العلمية: 221

كلماته وخطبه: 222

هل دعا زيد إلى نفسه؟ 223

كلمات لزيد تعرب عن موقفه: 223

اعترافه بإمامة الإمام الصادق (عليه السّلام): 225

موقف أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) من خروج زيد: 226

ثورة زيد بن عليّ 229

كانت امتداداً لثورة الحسين (عليه السّلام) 229

أهداف ثورة زيد: 231

توطين النفس على الشهادة: 233

ثورته: 233


الكوفة في مخاض الثورة: 235

تكتيب الكتائب والهجوم على الكوفة والحيرة: 237

الثائرون بعد الإمام زيد: 239

عقائد الزيديّة 241

فرق الزيديّة: 244

15- الإسماعيليّة 246

الإمام الأوّل للدعوة الإسماعيليّة: 247

استشهاد الإمام الصادق (عليه السّلام) على موته: 247

هل كان عمل الإمام تغطية لستره؟ 249

الخطوط العريضة للمذهب الإسماعيلي 251

الأُولى: انتماؤهم إلى بيت الوحي والرسالة: 251

الثانية: تأويل الظواهر: 252

الثالثة: تطعيم مذهبهم بالمسائل الفلسفيّة: 252

الرابعة: تنظيم الدعوة: 253

الخامسة: تربية الفدائيّين للدفاع عن المذهب: 254

السادسة: كتمان الوثائق: 254

السابعة: الأئمّة المستورون والظاهرون: 255

الأئمّة الظاهرون: 256

الإسماعيليّة المستعلية 258

تتابع الدعاة عند المستعلية: 259

جناية التاريخ على الفاطميّين: 260

الإسماعيليّة النزاريّة 261

النزاريّة المؤمنيّة: 262

النزارية القاسمية: 262


الإسماعيلية والأُصول الخمسة 264

1- عقيدتهم في التوحيد 266

1 - عقيدتهم في توحيده سبحانه أنّه واحد لا مثل له ولا ضد: 266

2 - إنّه سبحانه ليس أيساً: 266

3 - في نفي التسمية عنه: 267

4 - نفي الصفات عنه: 267

5 - الصادر الأوّل هو الموصوف بالصفات العليا: 268

2- عقيدتهم في العدل 269

1 - الإنسان مخيّر لا مسيّر: 269

2 - القضاء والقدر لا يسلبان الاختيار: 270

3- عقيدتهم في النّبوّة 271

1 - النبوّة أعلى مراتب البشر: 271

3 - الرسالة الخاصّة والعامّة: 271

4 - في أنّ الأنبياء لا يُولدون من سِفاح: 272

5 - في صفات الأنبياء: 272

6 - في المعجزات الّتي يأتي بها الرُّسل: 272

7 - في أنّ الرسول الخاتم أفضل الرُّسل: 273

8 - في أنّ الشريعة موافقة للحكمة: 273

9 - في أنّ الشريعة لها ظاهر وباطن: 273

4- عقيدتهم في المعاد وما يرتبط به 275

1 - في أنّ المعاد روحاني لا جسماني: 275

2 - في التناسخ: 276

3 - في الحساب: 276

4 - في الجنّة: 276

5 - في الملائكة: 277

6 - في الجنِّ: 277


5- عقيدتهم في الإمامة 278

المقام الأوّل: الإمامة المطلقة 278

المقام الثاني: الإمامة الخاصّة: 285

تأويلات الإسماعيليّة (نظرية المثل والممثول): 292

16- الوهّابيّة 295

لمحة إلى حياة مؤسّس الوهّابيّة: 295

الردود على قائد الوهّابيّين: 305

عقائد الوهابية 311

1- تحريم بناء القبور وهدم المشاهد عليها 311

عقائد الوهابية 314

2- حرمة بناء المساجد على القبور والصلاة فيها 314

عقائد الوهابية 318

3- جواز زيارة القبور وحرمة شدّ الرحال إليها 318

عقائد الوهابية 321

4- حرمة التوسّل بالأنبياء والصالحين 321

عقائد الوهابية 326

5- حرمة طلب الشفاعة من النبيّ 326

عقائد الوهابية 329

6- حرمة النذر للأنبياء والأولياء 329

عقائد الوهابية 332

7- حرمة التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين 332

عقائد الوهابية 337

8- حرمة تكريم مواليد أولياء الله ووفيّاتهم 337

17- الدّروز 342

عقائد الدروز: 343


18- النَّصيريَّة 347

العلويّون وأصل التسميّة بالنصيريّة: 349

أهم عقائدهم: 350

19- الشيخيّة 351

سيرة الشيخ أحمد الأحسائي: 352

اختلاف العلماء فيه: 354

حقيقة الشيخيّة: 355

الطائفة الركنيّة: 356

الطائفة الكشفيّة: 357

20- القاديانيّة 360

سيرته الذاتيّة: 360

الظروف الّتي أحاطت بدعوته: 361

حقيقة دعوته: 362

عقائد القاديانيّة: 365

1 - عقيدته في الإلوهيّة: 366

2 - عقيدته في الرسول وشريعته: 366

3 - عقيدته في القرآن الكريم: 366

4 - عقيدته في العبادات: 366

5 - عقيدته في الجهاد: 367