المؤلف في سطور
هو الخطيب البارع والأديب اللامع المغفور له السيد علي ابن الحسين الهاشمي النجفي عطّر الله تربته وعلّى في الجنان رتبته.
ولد - كما ذكر ذلك من ترجم له - في عاصمة العلم والدين النجف الأشرف على مُشرّفها آلاف التحيّة والثناء عام 1326 هجرية وفيها نشأ وترعرع.
تلقّى رضوان الله عليه تحصيله العلمي ودراسته الدينيّة على أيدي استاتذة مبرّزين معروفين كان من بينهم:
1 - السيد مهدي الأعرجي.
2 - الشيخ علي ثامر.
3 - الشيخ علي كاشف الغطاء
تلقّى مبادىء الخطابة على جملةٍ من أماثل خطباء المنبر الحسيني الشريف منهم الخطيبان البارعان:
1 - السيّد صالح الحلي
2 - الشيخ محمد حسين الفيخراني
وقد لازم الهاشمي الأخير ردحاً من الزمن حتّى انفرد بنفسه.
لم يكن المترجم له خطيباً مفوهاً وكاتباً مبدعاً ومحققاً يشار إليه بالبنان فحسب، بل كان طاب ثراه وجعل الجنّة مثواه بالإضافة إلى ما تقدّم شاعراً مجيداً نظم الكثير من القصائد الممتعة والقطع الرائعة التي تكشف ولا شك عن شاعرية مرنة.
وبودي أن احيلك - قارىء العزيز - على كتابين جليلين لتقف من خلالهما على نماذج من شعره الرائق وهما:
1 - شعراء الغري للشيخ علي الخاقاني.
2 - معجم الخطباء للسيّد داخل السيّد حسن
حيث حوى كلُّ من الكتابين المذكورين ترجمة للهاشمي مع نماذج من شعره رحمه الله.
له عليه الرحمة والرضوان مؤلفات قيمة وكتب نافعة أستطيع القول أنّها ملأت فراغاً في المكتبتين العربية والإسلامية، إليك أسماء بعض منها:
1 - الحسين في طريقه إلى الشهادة
2 - قبور الصحابة في العراق
3 - عقيلة بني هاشم
4 - محمد ابن الحنفية
5 - شرح ميمية أبي فراس
6 - واقعة الجمل
7 - كميل ابن زياد النخعي
8 - موسى الكاظم عليهالسلام
9 - الهاشميات - يضمّ هذا الكتاب ما بين دفتيه قسماً من شعره الدارج ـ.
10 - المطالب المهمة في تأريخ النبي والزهراء والأئمة
11 - سعيد ابن جبير
12 - ثمرات الأعواد وهو الكتاب الماثل بين يديك أخي القارئ ويعدّ هذا الكتاب المنيف من أشهر وأنفس مؤلفاته رحمه الله.
وقد طُبع عدّة طبعات في العراق وايران وغيرهما من البلدان غير أنّه لم يكن في تلك الطبعات خالياً من الأخطاء والإشتباهات التحريف والتصحيف فعزَّ ذلك على أخينا وعزيزنا خادم العترة الطاهرة الاستاذ الفاضل محمّد صادق الكتبي دام عُلاه فطلب إليّ مشكوراً أنّ أتولى مُراجعة الجزء الثاني من الكتاب وأن أرجع ما ورد فيه من نصوص شريفة وأخبار منيفة إلى مصادرها فكان الذي أراد حيث أرجعت أغلب الأخبار وأكثر النصوص إلى منابعها الأصلية مع ذكر أرقام الآيات البيّنات وأسماء سورها وبيان اسم الشاعر الذي استشهد المؤلف بشعره ما وسعنى ذلك.
وهنا يجمل بي أن اشير إلى أنّ الجزء الأوّل من الكتاب كان قد تولى تحقيقه ومراجعته تجل المؤلّف البارّ الأخ العزيز حجّة الإسلام السيد رأفت الهاشمي وفّقه الله لخير الدارين وسعادة النشأتين إلّا أنّ ظروفاً قاهرةً حالت بينه وبين إتمام الجزء المذكور حيث انتهى به العمل إلى المجلس 47 فقمت بتحقيق ما تبقّى منه والحمد لله.
استأثرت بروحه الرحمة الإلهيّة في الثالث والعشرين من شهر صفر من سنة 1396 هجرية في مدينة الكاظيمة المقدسة وحمل جثمانه الطاهر إلى النجف الأعلى حيث أقبر بجوار جدّه أميرالمؤمنين ومولى الموحدين علي بن أبي طالب عليه صلوات الله وتسليماته.
10 / ربيع الأول 1420 قم المقدسة - هادي الهلالي |
في ولادة الحسينعليهالسلام
ولد الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام لثلاث ليال من شعبان (1) أو لخمس منه (2) ، سنة أربع من الهجرة (3) ، وكانت مدة حمله ستة أشهر، ولم يولد لستة أشهر، إلّا عيسى بن مريم والحسين، وقيل: يحيى بن زكريا عليهمالسلام (4) .
ولما ولد الحسين عليهالسلام هبط الأمين جبرائيل على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه ألف ملك يهنئونه بولادة الحسين عليهالسلام ، ثم جئ به إليه فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثم حنكه بريقه، وغذاه من لعاب فمه، ودعا له (5) .
وروي عن الصادق عليهالسلام أنّه قال: (لم يرتضع الحسين من ثدي فاطمة ولا من انثى، بل كان يؤتى به النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فيضع ابهامه في فيه، فيمص منها ما يكفيه
__________________
(1) مسار الشيعه: 61، مصباح المتهجد: 758.
(2) إرشاد المفيد: 2 / 27، مناقب ابن شهر اشوب: 4 / 76، مقاتل الطالبين: 78، اُسد الغابة: 2 / 18، الفصول المهمة لابن الصباغ: 170.
(3) انظر ما تقدّم في (1) و (2).
(4) انظر تاريخ الخميس: 1 / 417.
(5) مناقب ابن شهر اشوب: 4 / 82.
اليومين والثلاث، فنبت لحم الحسين من لحم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ودمه من دمه) (1) .
وعن أبي الحسن الرضا عليهالسلام (أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يؤتى بالحسين فيلقمه لسانه، فيمصه فيجتزئ به، ولم يرضع من انثى) (2) .
وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:
لله مرتضع لم يرتضع أبداً |
من ثدي انثى ومن طه مراضعه |
|
يعطيه إبهامه طوراً وآونة |
من ريقه فاستوت منه طبائعه |
|
سر به خصه باريه إذ جمعت |
واودعت فيه عن أمر ودائعه |
|
غرس سقاه رسول الله من يده |
وطاب من طيب ذاك الأصل فارعه |
نعم ما رضع الحسين عليهالسلام عند ولادته من ثدي اثنى أربعين يوماً وليلة، كما ذكر ذلك ابن شهر اشوب في المناقب. قال: إعتلت فاطمة عليهاالسلام لما ولدت الحسين وجف لبنها، فطلب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مرضعة فلم يجد، فكان يأتيه فيلقمه إبهامه يمصها ويجعل الله في إبهام رسوله رزقاً يغذيه (4) ، ففعل ذلك أربعون يوماً وليلة، فانبت الله لحمه من لحم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم (5) .
ولما كان اليوم السابع سماه حسيناً (6) وعق عنه كبشاً، وأمر اُمه أن تحلق
________________
(1) اُصول الكافي: 1: 386 / 4.
(2) المصدر السابق: ذيل الحديث.
(3) الأبيات.
(4) في المصدر زيادة:
ويقال: بل كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يدخل لسانه في فيه، فيغره كما يغر الطير فرخه، فيجعل الله له في ذلك رزقا.
(5) مناقب آل أبي طالب: 4 / 57.
(6) ذكر علي بن عيسى الأربلي عن عمران بن سليمان، قال: «إنّ الحسن والحسين (إسمان) =
رأسه وتتصدق عنه بوزن شعره فضة كما فعلت لأخيه الحسن عليهالسلام ، فأمتثلت ما امرها به النبي (1) .
وبقي مع جدّه رسول الله صلّى الله عليه وآله ثماني سنين، ومع أبيه أمير المؤمنين عليهالسلام ثمانية وثلاثين سنة، وبعد أخيه الحسن عليهالسلام عشر سنين (2) .
وكان حبيباً لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقال ابن عباس: (كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يحبه ويحمله على كتفه ويقبل شفتيه وثناياه (3) .
وذكر في كتاب كشف الغمة (لعلي ابن عيسى الأربلي)، (وابن عساكر) في التأريخ الكبير، عن اُمّ الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث (4) - زوجة العباس بن
________________
= من أسماء أهل الجنة، لم يكونا في الجاهلية»
اقول: لم نعثر عليه في مصنف علي بن عيسى الأربلي (كشف الغمة)، وذكره ابن عساكر في تأريخه في ترجمة الامام الحسن عليهالسلام ، 17، وذكره أيضاً ابن سعد في ترجمة الامام الحسن عليهالسلام : تحقيق العلامة المحقق الكبير عبد العزيز الطباطبائي رحمه الله من القسم غير المطبوع من كتاب الطبقات الكبير والذي نُشر في مجلة تراثنا (ع 11 - سنة 1408 هـ) ص 128، وفيه أيضاً من عمران بن سليمان.
(1) الفصول المهمة لأبن الصباغ: 170.
(2)
(3)
(4) لبابة بنت الحارث ابن حزن الهلالية، الشهيرة بأُمّ الفضل، زوجة العباس بن عبد المطلب، أنجت له سبعة منهم الفضل وعبدالله وعبيد الله وغيرهم، ويُقال: أنّها أوّل امرأة أسلمت بعد مولاتنا خديجة الكبرى عليهاالسلام (على قول ابن سعد)، وكانت امرأة جليلة ولها موقف المؤرخون: وهم ضربتها (لأبي لهب) بعمود الحجرة وشج رأسه، ومات بعدها على اثر تلك الضربة بسبعة أيام، وذلك رداً عليه حين رأته يضرب (أبا رافع) مولى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وحجرة زمزم بعد وقعة «بدر»، وكان رسول الله يكرمها ويزورها ويقيل في بيتها وروت عنه أحاديث، انظر ترجمتها في: الإصابة 4 / 398 في - (رقم: 942) و 4 / 483 - (رقم: =
عبدالمطلب - قالت: رأيت فيما يرى النائم كأن عضواً من أعضاء رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم سقط في حجري فلمّا انتبهت اتيت إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وقلت له: يا رسول الله رأيت في منامي كذا وكذا؛ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : (خيراً رأيت يا أُمّ الفضل، ستلد ابنتي فاطمة ولداً فترضعيه بلبن ابنك قثم) قالت: فولدت فاطمة الحسين فكفلته. قالت: وتركته يوما عند جده النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ومضيت لاتيه بماء، فلما رجعت وجدت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يبكي فقلت له: بأبي انت وأمي مم بكائك؟ قال: (يا ام الفضل هذا جبرائيل يخبرني أنّ ولدي هذا يقتل، تقتله اُمتي، لا أنالهم الله شفاعني يوم القيامة). (1)
ولمّا أتت على الحسين عليهالسلام سنة كاملة هبط على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم اثنا عشر ملك، محمرة وجوههم، وباكية عيونهم وقد نشروا أجنحتهم وهم يقولون: (يا محمد إنّه سينزل بولدك الحسين بن فاطمة ما نزل بهابيل وقابيل، وسيعطى مثل أجر هابيل، ويحمل على قاتله مثل وزر قابيل)، ولم يبق في السماوات ملك إلّا ونزل على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ويعرض عليه تربته، والنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: (اللهم اخذل من خذله، واقتل من قتله، ولا تُمتّعه بما طلبه) (2) .
ولمّا أتى على الحسين عليهالسلام من مولده سنتان خرج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في سفر له، فوقف في بعض الطريق ثم استرجع فدمعت عيناه، فسُأل عن ذلك، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : (هذا جبرائيل يخبرني عن أرض بشط الفرات يقال لها كربلاء، يقتل فيها ولدي الحسين بن فاطمة)؛ فقيل له: يا رسول الله ومن يقتله: قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «رجل يقال له
__________________
= 1448)، والإستيعاب (بهامش الإصابة) 4 / 398 و 4 / 482، وسيرة ابن هشام (طبعة الحلبي): 2 / 302 و 3 / 58، والروض الأنف: 2 / 78، والاعلام للزركلي: 5 / 239.
(1) تأريخ ابن عساكر: 14 / 114 و 196 و 197 وكشف الغمة: 2 / 7، والملهوف للسيد ابن طاووس رحمه الله: 91.
(2) مقتل الحسين عليهالسلام للخوارزمي: 1 / 163، والملهوف للسيد ابن طاووس رحمه الله 92.
يزيد (لا بارك الله في نفسه) (1) ، وكأني انظر الى مصرعه ومدفنه» (2) .
ولمّا رجع من سفره صعد صلىاللهعليهوآلهوسلم على المنبر مهموماً ومغموماً، فخطب الناس ووعظهم وكان الحسن والحسين عليهمالسلام بين يديه، فلمّا فرغ من خطبته وضع يده اليمنى على رأس الحسن واليسرى علي رأس الحسين عليهمالسلام ، ثم رفع رأسه الى السماء وقال: «اللّهمّ إنّ محمداً عبدك ورسولك ونبيك، وهذان اطائب عترتي وخيار ذريتي، وأرومتي ومن اخلفهما في أُمتي، وقد أخبرني جبرائيل أنّ ولدي هذا مخذول ومقتول، اللّهمّ فبارك له في قتله، واجعله من سادات الشهداء، اللّهمّ ولا تبارك في قاتليه وخاذليه».
قال الراوي: فضج الناس بالبكاء، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم أتبكونه ولا تنصرونه؟! ثم رجع وهو متغير اللون، محمر الوجه، فخطب خطبة اُخرى موجزة وعيناه تهملان دموعاً، ثم قال:
«أيها الناس اني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، وإني لا اسالكم في ذلك إلّا ما أمرني ربي أن اسألكم، المودة في القربى، فانظروا أن لا تلقوني غداً على الحوض وقد أبغضتم عترتي وظلمتوهم» (3) .
__________________
(1) زيادة اوردناها من المصدر.
(2) في المصدر زياده بعد (ومدفنه): «بها وقد أهدي رأسه، والله ما ينزر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلّا خالف الله بين قلبه ولسانه». (يعني): ليس في قلبه ما يكون بلسانه من الشهادة...
(3) انظر مقتل الحسين عليهالسلام للخوارزمي: 1 / 164، وللخبر بقية في المصدر. وذكره السيد ابن طاووس في الملهوف: 7، وابن نما في مثير الاحزان: 17، وعنه في البحار: 44 / 264 - الحديث (46).
وكان صلىاللهعليهوآلهوسلم لا زال يوصي بعترته إذ انّه يعلم ما يصيبهم من شرار أُمته من بعده من قتل الرجال، وسبي العيال من بلد إلى بلد، وليته يرى ولده الحسين يوم عاشوراء وقد مثلوا به أهل الكوفة بكل مُثلة، قطع الشمر رأسه، وبجدل إصبعه، والجمال يديه، وأخذ ابن سعد درعه، وسلبه ابحر ابن كعب ثوبه، وتركوه مجدلاً عفيراً، كما قال السيد رحمه الله:
عفيراً متى عاينته الكماة |
يختطف الرعب ألوانها |
|
تريب المحيا تظن السما |
بأن على الأرض كيوانها (1) |
وقال الآخر:
عاري اللباس قطيع الرأس منخمد |
الأنفاس في جندل كالجمر مضطرم |
__________________
(1) انظر أسرار الشهادات للفاضل الدربندي: 3 / 124.
(2) وزينب عليهاالسلام كأني بلسان حالها:
(نصاري)
يبو روح العزيزة اشلون ساجم |
ابهالشمسة وعلى التربان نايم |
|
ثلث تيام عن الماي صايم |
عاري امگطّع امخضّب امعفّر |
(دكسن)
يخويه ابيش اضمّك وين اودّيك |
يخويه اشلون اصد عنّك وخليك |
|
تراني اتحيّرت يا مهجتي بيك |
يخويه ابيش اضلّلك عن الحر |
ولسان حال الحسين لشيعته:
(بحراني)
شيعتي كثر البچه حگّي عليكم والنّحيب |
شفتو مثلي بالخلگ مذبوح عطشان أو غريب |
|
والچفن سافي ياشيعه وبالدمه شيبي خضيب |
والحراير نصب عيني من خدرها امشتّته |
(تخميس)
فان يمس فوق الترب عريان لم تقم |
له ماتماً تبكيه فيه محارمه |
|
فأيّ حشىَّ لم يُمس قبراً لجسمه |
وفي أيّ قلب ما أقيمَت مأتمه |
في كرم الحسينعليهالسلام
قال محمد ابن ابي طلحة الشافعي في (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول)؛ في الفصل السابع - في كرم الإمام الحسين عليهالسلام وجوده:
قد اشتهر النقل عنه عليهالسلام بأنه يكرم الضيف، ويمنح الطالب، ويصل الرحم، وينيل الفقير، ويسعف السائل، ويكسو العاري، ويشبع الجائع ويعطي الغارم، ويشد من الضعيف، ويشفق على اليتيم، ويعين ذي الحاجة، وقل أن وصله المال إلّا فرقه (1) .
وكان عليهالسلام يقول: (شر خصال الملوك الجبن عن الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل على الإعطاء) (2) .
ذكر صاحب «عقد اللال في مناقب الآل»: إنّ الحسين عليهالسلام كان جالساً في مسجد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بعد وفاة اخيه الحسن عليهالسلام وكان عبد الله بن الزبير جالساً في ناحية المجلس، وعتبة ابن سفيان (3) أخرى، فجاء أعرابي على ناقة فعقلها
__________________
(1) مطالب السؤول في مناقب آل الرسول: 2 / 28.
(2) مناقب ابن شهر اشوب: 4 / 65.
(3) عتبة ابن ابي سفيان: أخو معاوية لأمه وأبيه، ولد على عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يكنى ابا
بباب المسجد ودخل، فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلم عليه فردّ عليهالسلام ، فقال له الأعرابي: إني قتلت ابن عم لي، وطولبت بالدية، فهل لك أن تعطيني شيئاً؟ فرفع رأسه إلى غلامه وقال، ادفع اليه مائة درهم، فقال الأعرابي: ما اُريد الّا الدية تماماً؛ ثم تركه وأتى عبد الله ابن الزبير، وقال له مثل ما قال لعتبة، فقال عبدالله لغلامه: ادفع مائتي درهم، وقال الأعرابي: ما اُريد الّا الدية تماماً، ثم تركه واتى الحسين عليهالسلام فسلم عليه، وقال: يابن رسول الله إني قلت ابن عم لي وقد طولبت بالدية، فهل لك أن تعطيني شيئاً؟ فقال: يا أعرابي نحن قوم لا نعطي المعروف إلّا قدر المعرفة، فقال: سل ما تريد؟ فقال له الحسين: يا أعرابي ما
__________________
الوليد اُمه: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد الشمس، وكانت تذكر في مكة بفجور وعُهر ومن ذوات الرايات، وقالوا: إنّ عتبة كان يُعزى الى الصباح؛ مُغنٍ كان لعمارة ابن الوليد، وكان أيضاً اجيرا لأبي سفيان، وكان شاباً وسيماً، فدعته هند إلى نفسها فغشيها: وقالوا ايضا: ان هند كرهت تضعها في بيتها، فخرجت إلى أجياد فوضعته هناك، وفي هذا المعنى يقول حسان بن ثابت أيام المهاجاة بين المسلمين والمشركين في حياة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم قبل عام الفتح:
لِمَن الصّبيّ بجانب البَطحا |
في التُرب ملقىً غَيرَ ذي مَهد |
|
نجلت به بيضاء آنِسَةٌ |
مِن عَبد شمس صَلتَه الخدّ |
وفي زمن خلافة عمر بن الخطاب ولاه عمر المدينة الطائف، وشهد يوم الدار مع عثمان، وشهد يوم الجمل مع عائشة وفقئت عينيه، وفي زمن خلافة معاوية حج بالناس سنتين (41 - 42 هـ)، ثم ولاه معاوية زمناً على المدينة والطائف والموسم، واخيرا ولاه مصر بعد هلاك عمرو بن العاص، فهلك هو الاخر ودفن فيها، وكان هلاكه في سنة أربع وأربعين، وقدمه الى مصر وتوليه امرها كان سنة ثلاث وأربعين للهجرة.
انظر: الاستيعاب (بهامش الاصابة): 3 / 121، رغبة الآمل من كتاب الكامل: 4 / 33 و 8 / 153 - 271، والنجوم الزاهرة: 1 / 122، والأعلام للزركلي: 4 / 200، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 336. وديوان حسان بن ثابت: 157.
النجاة من الهلكة؟ قال: التوكّل على الله عزوجل، فقال: وما الهمة؟ قال: الثقة بالله، ثم سال الحسين غير ذلك فاجابه الأعرابي، فأمر الحسين بعشرة الآف درهم، وقال له: هذه لقضاء ديونك وعشرة الآف درهم اُخرى، وقال: هذه تلمّ بها شعثك وتحسن بها حالك وتنفق منها على عيالك، فأنشأ الأعرابي ويقول:
طربت وما هاج لي معبق |
ولا لي مقام ولا معشق |
|
ولكن طربت لال الرسول |
فلذّ لي الشعر والمنطق |
|
هم الأكرمون هم الأنجبون |
نجوم السما بهم تشرق |
|
سبقت الأنام الى المكرمات |
وأنت الجواد وفلا تلحق |
|
ابوك الذي ساد بالمكرمات |
فقصر عن سبقه السبق |
|
به فتح باب الله باب الرشاد |
وباب الفساد بكم يغلق (1) |
وعن أنس، قال: كنت عند الحسين عليهالسلام فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحان فحيته بها، فقال لها: أنت حرة لوجه الله تعالى، فقلت له جارية تجيئك بطاقة ريحان فتعتقها؟ فقال: كذا أدبنا الله فقال تبارك وتعالى: ( وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدّوهَا ) (2) وكان أحسن منها عتقها (3) .
وجنى بعض مواليه بعض جناية توجب التأديب فأمر بتأديبه، فقال: يا مولاي قال الله تعالى: ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) (4) قال عليهالسلام : خلوا عنه فقد كظمت غيظي، فقال: ( وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ ) (5) فقال عليهالسلام : قد عفوت عنك، قال: ( وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ ) (6)
__________________
(1) عن مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 155 (باختلاف يسير).
(2) سورة النساء 4: 86.
(3) كشف الغمة 2 / 31.
(4 - 6) سورة آل عمران 3: 134.
قال: أنت حر لوجه الله تعالى، وأجازه بجائزة سنية (1) .
وذكر «ابن عساكر» في تأريخه، قال: إنّ سائلاً خرج يتخطى أزقة المدينة حتى أتى باب الحسين عليهالسلام فقرع الباب وأنشأ يقول:
لم يخب اليوم من رجاك ومن |
حرَّك من خلف الباب بابك الحلقه |
|
أنت ذوالجود أنت معدنه |
أبوك قد كان قاتل الفسقة |
وكان الحسين واقفا يصلي، فخف من صلاته، فخرج الى الأعرابي فرأى عليه أثر ضرّ وفاقة، فرجع ونادى بقنبر فأجابه: لبيك يابن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: ما تبقى معك من نفقتنا؟ قال: مائتا درهم أمرتني بتفريقها على اهل بيتك؛ فقال عليهالسلام : هاتها فقد أتى من هو أحق بها، فأخذها وخرج يدفعها إلى الأعرابي وانشأ عليهالسلام يقول:
خذها فأني اليك معتذر |
واعلم بأني عليك ذو شفقه |
|
ولو كان في سيرنا الغداة عصى |
كانت سمانا عليك مندفقه |
|
ولكن ريب الزمان ذو غير |
والكف مني قليلة النفقه |
ومن شعره المنسوب له عليهالسلام :
إذا جاءت الدنيا بك فجد بها |
على الناس طراً قبل أن تتفلت |
|
فلا الجود يفنيها اذا هي اقبلت |
ولا البخل يبقيها اذا هي ولت (2) |
وجاء أعرابي اليه يوماً فقال له: يابن رسول الله قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن أداءها، فقلت في نفسي أسأل أكرم الناس وأنا ما رأيت اكرم من أهل بيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أحد؛ فقال الحسين عليهالسلام : يا أخا العرب أسألك عن ثلاث
__________________
(1) كشف الغمة: 2 / 31.
(2) تاريخ ابن عساكر: 14 / 185.
مسائل فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، وإن أجبت عن اثنين أعطيتك ثلثي المال، وان أجبت عن الكلّ اعطيتك المال كلّه؛ فقال الأعرابي: يابن رسول الله أمثلك يسأل مثلي وأنت ابن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم !! فقال الحسين عليهالسلام : بلى سمعت جدي رسول الله يقول: «المعروف بقدر المعرفة» فقال الأعرابي: سل عمّا بدا لك، فإن أجبت وإلّا تعلمت منك ولا قوة إلّا بالله، فقال الحسين عليهالسلام : أي الأعمال أفضل؟ فقال الأعرابي: الإيمان بالله، فقال الحسين عليهالسلام : فما النجاة من الهلكة؟ فقال الأعرابي: الثقة بالله، فقال الحسين عليهالسلام : فما يزين الرجل؟ فقال الأعرابي: علم مع حلم، فقال عليهالسلام : فإن أخطأ ذلك؟ قال: مال معه مروءة، فقال عليهالسلام : فان أخطأ ذلك؟ فقال: فقر معه صبر، فقال الحسين عليهالسلام : فان أخطأ ذلك؟ فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء وتحرقه فأنه أهل لذلك؛ فضحك الحسين عليهالسلام ورمى اليه بصره فيها ألف دينار؛ وقيل وأعطاه خاتمه وقيمته مائة درهم، وقال له: اعطي الذهب إلى غرمائك واصرف هذا الخاتم في نفقتك، فأخذ الأعرابي ذلك كلّه، وقال: الله يعلم حيث يجعل رسالته (1) .
وكان للحسين عليهالسلام ثلاث خواتم، الخاتم الأول: الذي أعطاه لهذا الأعرابي كما سمعت، والخاتم الثاني: الذي أعطاه لولده علي الكبر يوم عاشوراء، وقد رجع إليه من الحرب وهو يقول: أبه العطش قد قتلني، وثقل الحديد قد الجهدني، فهل إلى شربة ماء من سبيل اتقوى بها على العداء؟ فقال له الحسين عليهالسلام : «يعز والله على أبيك أن تدعوه فلا يجيبك، بني هات لسانك، فاخذ لسانه فمصه ودفع إليه خاتمه الشريف، وقال له بني امسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوك» (2) فرجع
__________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي: 1 / 157.
(2) أسرار الشهادات للّفاضل الدربندي: 2 / 641.
علي الأكبر إلى الحرب... الخ. وأمّا الخاتم الثالث: فقد اخذه بجدل بن سليم الكلبي (1) وأقسم بالله لو أن بجدل طلب من الحسين عليهالسلام هذا الخاتم لجاد به عليه كما جاد على ذلك الأعرابي، ولكن ابى اللعين إلّا فعل الاراذل، طلب قطعة سيف وحز به خنصر الحسين عليهالسلام وقد جمد عليه الدم واستخرج الخاتم.
لهفي على تلك الأنامل قطعت |
ولو أنّها اتصلت لكانت ابحرا (2) |
__________________
(1) اسرار الشهادات للفاضل الدربندي: 3 / 124.
(2)
(بحراني)
فعل بجدل يا خلق ما صار مثله او لا جرى |
هيّج احزاني عليه ويفت گلبي امن اذكره |
|
ما كفاه اتقطعت اوصاله ولا حز الوريد |
او لا ترضض جثّته ابخيل العدى فوگ الصعيد |
|
او عاين الخاتم يلوح ابخنصر احسين الشهيد |
جامده عليه الدما واحنا يحز ابمخنجره |
|
وعلى التكه ويح گلبي گطع جماله الكفوف |
عاينه اموزع على التربان من ضرب السيوف |
|
او عاين التكه ولزمه أولا دخل قلبه الخوف |
ما دره احسين اية الله واهو جثّه امطبّره |
|
مد ابو سكنه يمينه او گطعه او مد الشمال |
اورد براها ولكوان تزلزلت والعرش مال |
|
او نزل خير الرسل طه والوصي فخر الرجال |
والحسن والزاكيه اُمّه والشعور امنشّره |
(نصاري)
من عادت البلمعركه يطيح |
لو بي سلامه لخوته ايصيح |
|
او لو مات ما يبگه طريح |
يشيلوه ويسوون له اظريح |
|
مشفنة اليگع بين المجاريح |
وامسبّح ابدم راسه تسبيح |
|
يبكه ابمچانه محّد ايزيح |
عنّه العدى او يمسى ذبيح |
(تخميس)
فادح شبَّ في الحشى بأوار |
ومصاب قد حَطّ كُلّ مناري |
يوم نادى العلاء والدمع جار
قوضي يا خيام عليا نزار |
فلقد قَوَّضَ العمادُ الرفيعُ |
في حب النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمللحسينعليهالسلام
روى ابن ماجة في «السنن» وابن عساكر في «التاريخ»، وأبو الحسن علي بن عيسى الأربلي في «كشف الغمة» عن يعلي بن مرة العامري (1) أنه قال: خرج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى طعام دعوا له، فأذا الحسين في السكة مع غلمان يلعب، فتقدم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يضاحكه حتى أخذه فوضع أحدى يديه تحت قفاه والاُخرى تحت ذقنه وقبله، وقال: «حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط» (2) .
__________________
(1) يعلى بن مرّة بن وهب العامري، ويكنى: أبو المرازم الثقفي، من ثقيف، وهو يعلي بن سيابة وهي اُمه، شهد مع النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الحديبية وخيبر والفتح والطائف وحنين، وروي عنه وعن أمير المؤمنين عليهالسلام وعن أبيه مرّة، وأولاده عبدالله وعثمان ورووا عنه، وكان صحابياً فاضلاً في عداد أهل الكوفه، وقيل: له دار بالبصرة، وله ثلاث أحاديث صحيحة ذكرها العامة في كتبهم في فضائل سيد الشهداء الامام الحسين عليهالسلام وانظر مصادر الترجمة: طبقات ابن سعد: 6 / 40، وتاريخ الدوري: 2 / 683، وطبقات خليفه: 53 / 131 و 182 ومسند احمد: 4 / 170، وتاريخ البخاري الكبير: 8 / 3536، وتهذيب أهل الكمال: 32: 398 / 7118، والاستيعاب (بهامش الاصابه): 3 / 665، والاصابة: 3: 669 / 9361.
(2) سنن إبن ماجة: 1: 51 / 144 - باب (11)، وتاريخ ابن عساكر: 14 / 148 و 149، وكشف الغمة: 2 / 6.
وذكر صاحب «الاستيعاب» عن أبي هريرة أنّه قال: أبصرت عيناي هاتان، وسمعت اُذناي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو يقول: «ترق عين بقه» (1) ، قال: فرقى الغلام حتى وضع قدميه على صدر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ثم قال له رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : افتح فاك ثم قبله، ثم قال: «اللّهمّ أحبه فأنّي اُحبّه» (2)
وروى صاحب «ينابيع المودة» عن أبي هريرة أيضاً، قال: كان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يدلع لسانه للحسين فيرى الصبي حمرة لسانه فيهش اليه، فقال عينية ابن بدر: أراه يصنع هذا فوالله إنّ لي ولد فما قبّلته قط، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم «من لا يَرحم لا يُرحم» (3) .
وعن البراء بن عازب (4) قال: رأيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حامل الحسين بن علي
__________________
(1) البقة (البعوضة) كأنّه يقول اصعد يا صغير الجثة.
(2) الإستيعاب في معرفة الأصحاب: 1 / 397.
(3) ينابيع المودة: 2: 204 / 590.
(4) البرآء بن عازب: صحابي، ولد قبل الهجرة بعشر سنين، وقيل: بإثنتي عشر سنه، شهد مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم خمس عشرة غزوة أوّلها غزوة (اُحد)، وشهد مع امير المؤمنين عليهالسلام «الجمل وصفين والنهروان»، وممن كتم الشهادة لأمير المؤمنين عليهالسلام بخصوص «حديث الغدير بخم» - في محضر أميرالمؤمنين عليهالسلام - في قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، فقال أمير المؤمنين عليهالسلام لجمع من صحابة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : هل تشهدون على ذلك؟ فشهد من حضر وكتم شهادته البرآء بن عازب وأنس بن مالك فدعى عليهم أمير المؤمنين عليهالسلام ، فأصاب البرآء عمى، وأصاب أنس البرص، وروى الشيخ المفيد رحمه الله في الارشاد: أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام قال للبرآء بن عازب ذات يوم بالأبواء: «يقتل إبني الحسين وأنت حي لا تنصره». فلمّا قتل الحسين عليهالسلام كان البرآء بن عازب يقول: صدق والله علي بن ابي طالب، قتل الحسين ولم أنصره. ثم يظهر الحسرة على ذلك والندم. مات البرآء في الكوفة سنة إحدى وسبعين أو أثنتي وسبعين. انظر: ترجمة «البرآء بن عازب» في تاريخ من دفن في العراق من الصحابة: 57.
على عاتقه وهو يقول: «اللّهمّ إني احبه فأحبّه» (1) .
وربما كان صلىاللهعليهوآلهوسلم يحمل الحسنين على كتفيه تارة وفي حجرة اُخرى، بل وكان يصعدهما معه على منبره، كما يروى عن بريدة أنّه قال: كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يخطبنا، إذ جاء الحسن والحسين عليهمالسلام وعليهما قميصان احمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من المنبر فحملهما بين يديه، ثم قال: «صدق الله حيث قال ( أَنّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ ) (2) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما» (3) .
وكان صلىاللهعليهوآلهوسلم ينوه على الأشهاد بحبهما، وعن أسامة بن زيد قال: طرقت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو مشتمل على شيء لا أدري ما هو، فلمّا فرغت عن حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ فكشفه فأذا الحسن والحسين على وركيه، فقال: «هذان إبناي وإبنا إبنتي، اللّهمّ إنّي أُحبّهما فأحبّهما وأحب من يحبهما» (4) .
وفي «الأصابة» عن مسند ابي يعلى بسنده: كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فأذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فإذا قضى الصلوة وضعهما في حجره، فقال: «من أحبني فليحب هذين» (5) .
_________________
(1) ينابيع المودة: 2 / 35 / 9.
(2) سورة الانفال: 8 / 28.
(3) تاريخ ابن عساكر: 14 / 161.
(4) تاريخ ابن عساكر: 4 / 155.
(5) الإصابة في تمييز الصحابة: 2 / 12.
وعن أبي هريرة (1) أيضاً قال: خرج علينا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه الحسن والحسين هذا على عاتقه وهذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة حتى إنتهى إلينا، فقال: «من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني» (2) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «من أحب الحسن والحسين احببته، ومن أحببته أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضته، ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار» (3) .
وعن زيد بن أرقم (4) : أن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم قال لعلي وفاطمة والحسن والحسين:
__________________
(1) أبو هريرة الدوسي: من صحابة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحاله معروف في صناعة الأخبار والأحاديث الملفقة ونسبتها إلى الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذلك لمصالحه الشخصية وإرضاءاً لبني اُميه «عليهم جميعاً لعنة الله».
انظر تدوين السنة الشريفة: 297، 486.
(2) نفس المصدر السابق.
(3) تاريخ ابن عساكر: 14 / 156 وزاد فيه: وله عذاب مقيم.
(4) زيد بن أرقم: الانصاري، الصحابي الجليل، ولد قبل الهجرة على ما يبدو، فقد شهد (معركة اُحد) واستضغر، وشهد مع رسول الله سبع عشرة غزوة، ويقال أول مشاهده «غزوة بني المصطلق» او «المريسيع» وهي قرية من ناحية «قديد» بأطرف مكة، وشهد مع أمير المؤمنين عليهالسلام صفين، وقال الكشي: من السابقين الذين رجعوا إلى امير المؤمنين، وله مواقف عديدة تظهر حسنه ومنزلته العالية، منها: موقفه في سقيفة بني ساعدة على ما ذكره مفصلاً في «زهر العيون وجلاء القلوب»، وما ذكره ابو الفرج في «الأغاني» ومن ردّه على المغيره بن شعبة واعتراضه على سبّه لأمبر المؤمنين عليهالسلام ، وذكر ابن مزاحم المنقري، في «وقعة صفين»، أنّه دخل على معاوية فأذا عمرو ابن العاص جالس معه على السرير، فلمّا رأى ذلك جاء حتى رمى بنفسه بينهما، فقال له عمرو ابن العاص: أما وجدت لك مجلساً إلّا أن تقطع بيني وبين أمير المؤمنين؟ فقال زيد: إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم غزا غزوة وانتما معه، فرآكما مجتمعين، فنظر إليكما. فقال: صلىاللهعليهوآلهوسلم في اليوم الثالث: إذا رأيتم معاوية وعمرو بن
«أنا سلم لمن سالمتم، وحرب لمن حاربتم» (1) .
وممّا جاء في فضلهما ما روي عن الصادق عليهالسلام : أنّه اصطرع الحسن والحسين بين يدي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال رسول الله: «أيها حسن خذ حسيناً، فقالت فاطمة: يا رسول الله أتستنهض الكبير على الصغير؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم هذا جبرائيل يقول إيها حسين خذ حسناً » (2) .
وعن صحيح الترمذي بسنده، قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنه» (3) .
وعن عبدالله ابن شدّاد، عن أبيه، أنه قال: خرج علينا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في
_________________
العاص مجتمعين ففرقوا بينهما، فأنهما لم يجتمعا على خير».
وذكر المنقري أيضا: أن زيد أبن أرقم قال: قال النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : «ألا أدلكم على ما إنّ تسالمتم عليه لم تهلكوا؟ إن وليكم وامامكم علي بن ابي طالب، فناصحوه وصدّقوه، فإنّ جبرائيل أخبرني بذلك». هذا وقد روى زيد ابن أرقم الكثيرة من الأحاديث، ومنها «حديث الثقلين».
وكان قد سكن الكوفة وابتنى بها له داراً في كندة، وقد ردَّ على ابن زياد حين نكث ثغر الحسين عليهالسلام بقضيبه وشهادته بأنّه رأى شفتي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عليهما، وتوفي زيد ابن أرقم بالكوفة ودفن فيها، ولا يعرف له قبر اليوم في الكوفة فقد عُفي أثره، وكانت وفاته سنة ثمان وستين وقيل: ست وستين وقيل: بعد مقتل سيد الشهداء عليهالسلام ، رضياللهعنه وأرضاه فقد كان يُعدّ في خواص امير المؤمنين عليهالسلام وكان محباً لأهل البيت عليهم السلام.
مصادر الترجمة كشذرات الذهب للحنبلي: 1 / 74، الطبقات الكبير لأبن سعد: 6 / 18، النجوم الزاهرة: 1 / 181، الأغاني: 6 / 2، وقعة صفين: 218، تاريخ الاسلام للذهبي: 3 / 18، سير أعلام النبلاء: 3 / 112، رجال الكشّي: 38 / 78، تاريخ من دفن في العراق من الصحابة: 181.
(1) تاريخ ابن عساكر: 14 / 157 و 158 - رواه بأربعة طرق ـ.
(2) كشف الغمة: 2 / 7 وذكره في اسد الغابة: 1 / 497.
(3) الجامع الصحيح للترمذي: 5: 656 / ح 3768 - باب 31
إحدى صلاتي العشاء وهو حاملا حسناً أو حسيناً، فتقدم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم فوضعه ثم تقدم كبّر للصلاة، فأطال سجدة الصلاة، فرفعت رأسي فأذال الصبي على ظهر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وهو ساجد، فرجعت الى سجودي فلمّا قضى الصلاة قيل له: يا رسول الله إنّك سجدت بين ظهري صلاتك سجدة اطلتها، حتى ظننا أنّه قد حدث أمر وأنّه يوحي إليك، قال: «كل ذلك لم يكن ولكن إبني إرتحلني فكرهت أن أعجله حتى ينزل هو» (1) .
نعم هكذا كان حبه لولده الحسين وريحانته، قالت اُمّ سلمة: دخل ذات يوم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في حجرتي ونام، فأقبل الحسين وجلس على صدر جده رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فأتيت إليه وأردت أن أرفعه عن صدر جده لئلا ينتبه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ففتح النبي عينيه وقال: «لا يا اُمّ سلمة، دعي ولدي على كبدي» (2) .
وروى ابن الصباغ في «الفصول المهمة» عن زيد بن أبي زياد، قال: خرج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من بيت عائشة، فمر على بيت فاطمة فسمع صلىاللهعليهوآلهوسلم حسيناً يبكي، فقال «ألم تعلمي أن بكائه يؤذيني» (3) .
كان يؤذيه بكائه وهو وفي المهد رضيع
بابنه قدما فداه وهو ذوالشأن رفيع
ليته اليوم يراه وهو في الرمضى صريع (4)
_________________
(1) تاريخ ابن عساكر: 14 / 160، وآخره: حتى يقضي حاجته.
(2) تاريخ ابن عساكر: 14 / 160 وآخره: حتى يقضي حاجته.
(3) الفصول المهمة لابن الصباغ: 171؛ ذكره ابن شهر آشوب في المناقب: 4 / 71، عن كتاب فضائل العشرة لأبو السعادات، قال يزيد ابن أبي زياد:... (وساق الحديث).
(4) نعم نظرت اليه الحوراء زينب عليهاالسلام وهو على أرض كربلاء فخاطبت جدها صلىاللهعليهوآلهوسلم وا محمّدا
_________________
صلى عليك مليك السما هذا حسينك بالعرى مقطّع الأعضاء ولسان حالها:
(نصاري)
يجدّي مات محد وگف دونه |
ولا نغّار غمّضله اعيونه |
|
وحيد ايعالج ومنخطف لونه |
ولا واحد ابحلگه ماي گ طّر |
(دكسن)
يجدي مات محد مدد ايديه |
ولا واحد يجدّي عدل رجليه |
|
يعالج بالشمس محد گرب ليه |
يحطله اظلال يا جدّي من الحر |
(عاشوري)
يجدّي الرمح بفّاده تثنه |
يجدّي أو بالوجه للسيف رنّه |
|
يجدي وشيبه ابدمّه تحنّه |
يجدّي وبالرمل خدّه تعفّر |
* * *
أحسين هل وافاكَ جدك زائراً |
ورآك مقطوع الوريد معفّرا |
في بكاء الأنبياء على الحسينعليهالسلام
روى المجلسي عن كتاب الدُرّ الثمين، قال: في تفسير قوله تعالى ( فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِمَاتٍ ) (1) يروى أنّ آدم عليهالسلام رأى على ساق العرش اسم النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة عليهمالسلام ، فلقنه جبرائيل بها، وقال له: قل يا حميد بحق محمد، يا علي بحقّ علي، يا فاطر بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن والحسين، [ومنك الاحسان] (2) . فلمّا ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، فقال: أخي جبرائيل مالي إذا ذكرت الخامس ينكسر قلبي وتسيل عبرتي؟ فقال جبرائيل: ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب، قال: يقتل عطشاناً وغريباً وحيداً، ولو تراه يا آدم هو ينادي وا عطشاه حتى يحول العطش بينه وبين السماء كالدخان، فبكى آدم (3) .
وروى أنّ زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة، فهبط جبرائيل فعلّمه إياها، فكان زكريا عليهالسلام اذا ذكر الحسين عليهالسلام خنقته العبرة، فقال ذات يوم الهي
_________________
(1) سورة البقرة 2: 37.
(2) أثبتناه من المصدر.
(3) بحار الأنوار: 44: 245 / 44 - باب (30).
ما بالي اذا ذكرت اربعة منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي، واذا ذكرت الحسين عليهالسلام تدمع عيني؟! فأنبأه الله تعالى عن قصته، وقال: ( كهيعص ) (1) فالكاف: اسم كربلاء، والهاء: هلاك العترة الطاهرة، والياء: يزيد وهو ظالم للحسين عليهالسلام ، والعين: عطش الحسين عليهالسلام ، والصاد: صبره، فلما سمع زكريا علا بكاءه وزاد (2) .
ويروى أنّ رجلاً من بني اسرائيل سأل موسى ابن عمران أن يسأل ربه ليعفو عنه، فسأل موسى ربه فقال عزّ من قائل: يا موسى اغفر لكلّ من سألني إلّا لقاتل الحسين عليهالسلام ، فقال موسى: ومن يقتله؟ قال: تقتله اُمّة جدّه، عطشاناً غريباً، وينهب رحله، وتسبى نسائه، وتقتل أصحابه؟، وتشهر رؤسهم على أطراف الرماح، يا موسى صغيرهم يميته العطش، وكبيرهم جلده منكمش؛ فبكى موسى ولعن قاتل الحسين عليهالسلام (3) .
ومن مناجاة موسى عليهالسلام قال: يارب، بم فضلّت اُمّة محمد على سائر الامم؟ فقال الله تعالى لعشر خصال، فقال موسى، وما تلك الخصال التي يعملونها: قال تعالى: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والجمعة، والجماعة، والقرآن، والعلم، والعاشوراء، قال موسى: يا ربي وما العاشوراء؟ قال: البكاء والتباكي على سبط محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والمرثية والعزاء على مصيبته، يا موسى ما من عبد من عبيدي في ذلك الزمان بكى أو تباكى وتعزى على سبط محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم إلّا وكانت له الجنة خالداً فيها، ومن أنفق من ماله في محبة ابن بنت نبيه درهماً أو
_________________
(1) سورة مريم 19: 1.
(2) بحار الأنوار: 44: 223 / 1 - باب (30).
(3) بحار الانوار: 44 / 308.
ديناراً إلا وباركت له في دار الدنيا، الدرهم بسبعين، وكان منعّماً في الجنة، وغفرت له ذنوبه، يا موسى وعزتي وجلالتي ما من رجل من امتي أو أمة من إمائي جرت من دموع عينيه قطرة واحدة إلّا وكتبت له أجر مائة شهيد (1) .
وروي أنّ نوحاً عليهالسلام لما ركب السفينة طافت به جميع الدنيا، فلمّا مر بكربلاء أخذه الموج، وخاف نوح الغرق وفدعى ربه، فنزل جبرائيل وقال: يا نوح في هذا الموقع يقتل الحسين عليهالسلام سبط محمّد خاتم الأنبياء، فبكى نوح: وقال: يا جبرائيل ومن قاتله؟ قال: لعين أهل السماوات والأرض؛ فلعنه نوح وسارت السفينة (2) .
وروي أنّ إبراهيم عليه السلم مرّ بكربلاء وهو راكب على فرسه، فعثرت به الفرس فسقط إلى الارض وشجّ رأسه وسال دمه، فأخذ يكثر من الأستغفار وقال: الهي أي شئ حدث منّي؟ فنزل عليه جبرائيل وقال: يا إبراهيم ما حدث منك ذنب، ولكن هنا يقتل سبط خاتم النبيين، فسال دمك موافقة لدمه، فبكى إبراهيم ثم قال: يا جبرائيل ومن القاتل له؟ قال: لعين أهل السماوات والأرض، فرفع إبراهيم يديه الى السماء وقال: اللّهمّ العن قاتل الحسين عليهالسلام (3) .
وروي أنّ إسماعيل كانت أغنامه ترعى بشط الفرات، فأخبره الراعي إنّها لا تشرب الماء من هذه المشرعة، فسأل إسماعيل ربه عن سبب ذلك، فأوحي الله اليه: سل غنمك فإنّها تجيبك عن سبب ذلك، فقال لها إسماعيل لم لا تشربين من هذا الماء؟ فأجابته بلسان فصيح: قد بلغنا إنّ ولدك الحسين عليهالسلام سبط
_________________
(1) ذكره الفاضل الدربندي في أسرار الشهادات: 1 / 210، قائلاً: ذكر جمع من العلماء حديثاً... (وساق الحديث).
(2) بحار الأنوار: 44: 243 / 38 - باب (30) عنه باختصار.
(3) بحار الأنوار: 44: 243 / 39 - باب (30) عنه باختصار.
محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم يقتل هنا عطشاناً، فنحن لا نشرب من هذه المشرعة؛ فبكى إسماعيل وسألها عن قاتله، قالت: هو لعين أهل السماوات والأرض، فقال إسماعيل: اللّهمّ العن قاتل الحسين عليهالسلام (1) .
وروي أنّ سليمان كان يجلس على بساطه ويسير به في الهواء، فمرّ ذات يوم بأرض كربلاء، فأدار الريح بساطه ثلاث دورات حتى خاف سليمان السقوط ثم سكنت الريح، فنزل البساط في أرض كربلاء، فقال سليمان للريح: لم سكنتي؟ فقالت: إنّ هنا يقتل الحسين عليهالسلام ، قال: ومن يكون الحسين؟ قالت: هو سبط محمد خاتم الأنبياء فبكى سليمان، ولعن قاتله، فهبت الريح وسار البساط (2) .
وروي أنّ عيسى عليهالسلام كان سائحاً في البراري ومعه الحواريون، فمرّوا بكربلاء، فرأوا أسداً كاسراً قد أخذ الطريق، فتقدم عيسى إلى الأسد وقال له: لم جلست في هذا الطريق ولا تدعنا نمرّ فيه؟ فنطق الأسد بكلام فصيح وقال: إني لا أدعكم تمرّون حتى تلعنوا يزيد بن معاوية قاتل الحسين؟ [فقال عيسى عليهالسلام ومن يكون الحسين؟] قال: هو سبط محمّد النبي الأُمي، فبكى عيسى ومن معه، ثم قال: ومن يقتله قال: لعين أهل السماوات والأرض، فلعنه عيسى ولعنه الحواريون، فتنحى الأسد عن طريقهم فساروا لقصدهم (3) .
فالحسين عليهالسلام بكاه آدم وجميع الأنبياء عليهمالسلام ، وهو إذ ذاك بساق العرش، وأمّا بعد ولادته بكاه جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وأبوه علي وأُمّه فاطمة عليهماالسلام ، وأما بعد قتله
_________________
(1) بحار الأنوار: 44: 243 / 40 - باب (30).
(2) بحار الأنوار: 44: 244 / 42 - باب (30).
(3) بحار الأنوار: 44: 244 / 43 - باب (30).
فقد بكته الملائكة والشمس والقمر، بل وكلّ العلوية والسفلية وكلّ ما خلق الله. ما يرى وما لا يرى، فكيف إذاً لا تبكيه عيون المؤمنين إلى يوم القيامة:
على مثل هذا الرزء يستحسن البكا |
وتقلع منّا أنفس من سرورها |
وهو القائل: أنا عبرة كل مؤمن ومؤمنة، ويحق للموالي أن يقول:
تبكيك عيني لا لأجل مثوبة |
لكنّما عيني لأجلك باكيه (1) |
_________________
(1)
(ابوذيه)
نياب الدهر عضني ولاچن |
على الظل باشمس لا ظل ولا چن |
|
ما لجل الثواب ابچيت لچن |
لجل شخصك يبن حامي الحميّه |
(بحراني)
يلّي تناشدني عليمن تهمل العين |
كلّ البكا والنوح والحسرى على احسين |
|
حبّه ابگلبي وتظهره ابصبها ادموعي |
مجبور في حبّه ولاشوفة ابطوعي |
|
ياليت گبل اضلوعه انرضّت ضلوعي |
ومن گبل خدّه اتعفّرت منّي الخدّين |
|
ابكي علي مصابه بكل صبح مسيّه |
وانحب واساعد على البكا الزهرة الزكيه |
|
ولا زال تندب يا ضحايا الغاضريّة |
يا حسين يبني يا عزيزي يا گرّة العين |
* * *
أفدي الذي رزؤه أبكى السماء دماً |
وزعزع الدين والأركان والحرما |
يا من بخيل الأعادي صدره حطما
أي المحاجر لا تبكي عليك دما |
أبكيت والله حتى محجر الحجر |
في بكاء فاطمةعليهاالسلامعلى ولدها الحسينعليهالسلام
روى فرات بن إبراهيم في تفسيره عن الصادق عليهالسلام ، أنّه قال: كان الحسين ابن علي عليهالسلام مع امه تحمله فأخذه النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: لعن الله قاتلك، ولعن الله سالبك، وأهلك الله المتوازرين عليك، وحكم بيني وبين من أعان عليك، فقالت فاطمة يا أبة أي شيء تقول؟ قال: يا بنتاه ذكرت ما يصيبه بعدي وبعدك من الأذى والظلم والغدر [البغي] (1) وهو يومئذ في عصبة كأنهم نجوم السماء يتهادون الى القتل وكأني أنظر إلى معسكرهم وإلى موضع قتلهم (2) وتربتهم. قالت: يا أبة وأين هذا الموضع الذي تصف؟ قال: هو موضع يقال له كربلاء وهي [دار] كرب وبلاء علينا وعلى الأُمة، يخرج عليهم شرار أُمتي وإن أحدهما لو يشفع فيه السماوات والأرض ما شفعوا له، وليأتيه قوم من محبينا ليس في الأرض أعلم بالله ولا أقوم بحقنا منهم، اُولئك مصابيح الدجى وهم الشفعاء يوم القيامة، واردون حوضي غداً، أعرفهم إذا وردوا عليه بسيماهم فبكت فاطمة عليهاالسلام ، فقال لها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا بنتاه إنّ أفضل أهل الجنة هم الشهداء الذين بذلوا أنفسهم
_________________
(1) أثبتناه من المصدر.
(2) في المصدر: رحالهم.
في مرضاة الله، فما عند الله خير من الدنيا ومافيها، ومن كتب عليه القتل خرج إلى مضجعه، ومن لم يقتل فسوف يموت، يا فاطمة بنت محمد أما تحبين إذا تأمرين غذاً بأمر فتطاعي في هذا الخلق؟ أما ترضين أن يكون ولدك من حملة العرش؟ أما ترضين أن يكون أبوك يأتونه فيسألونه الشفاعة؟ أما ترضين أن يكون بعلك من يذود الخلق يوم العطش الأكبر عن الحوض كما يذاد البعير الصادر عن ثناء فيسقي منه أوليائه ويذود عنه أعدائه؟ يا فاطمة بنت محمد أما ترضين أن يكون بعلك قسيم الجنة والنار؟ يأمر النار فتطيعه، يخرج منها من يشاء ويترك من يشاء، يا فاطمة بنت محمد أما ترضين أن تنظري إلى الملائكة على أرجاء السماء ينظرون إليك وإلى ما تأمرين به؟ وينظرون إلى بعلك قد حضر الخلائق وهو يخاصمهم عند الله؟ فما ترين الله صانعاً بقاتل الحسين عليهالسلام وقاتليك وقاتلي بعلك؟ يا فاطمة بنت محمد أما ترضين أن الملائمه تبكي على ولدك؟ أما ترضين أن يكون من أبّن ولدك زائراً في ضمان الله؟ ويكون من أتاه بمنزلة من حج البيت واعتمر؟ ولم يخل من الرحمه طرفة عين، وإذا مات مات شهيداً، وإن بقى لم تزل الحفظة تدعوا له ما بقي، ولم يزل في حفظ الله أمانه حتى يخرج من الدنيا؟ قالت فاطمة عليهالسلام : يا أبة سلمت ورضيت بذلك (1) .
وفي خبر آخر قالت عليهالسلام : يا أبة متى يكون ذلك؟ قال: في زمان خال مني ومنك ومن بعلك، فاشتد بكاءها، وقالت: يا أبة فمن يبكي عليه، ومن يلتزم بإقامة العزاء عليه؟ فقال لها: بنية إن نساء امتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال اهل بيتي، ويجددون العزاء جيلا بعد جيل في كل سنة، فإذا كان يوم القيامة تشفعين أنت للنساء، وأنا أشفع للرجال، وكل من يبكي
_________________
(1) تفسير فرات الكوفي: 1: 1717 / 219.
منهم على مصاب الحسين أخدناه بيده وأدخلناه الجنة، يا فاطمة كل عين باكية يوم القيامة إلّا عين بكت على مصاب الحسين عليهالسلام فإنّها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة (1) .
وروي: أن فاطمة عليهاالسلام لما دنت منها الوفاة دعت ابنتها زينب، فشمّتها من نحرها، وقبلتها في صدرها، وقالت لها: هذه وديعة لي عندك، فإدا رأيت اخاك وحيداً فريداً شمّيه في نحره، وقبّليه في صدره، فإن نحره موضع سيف ابن ذي الجوشن وإنّ صدره موضع حوافر خيول بني أميه، قال: فامتثلت الحوراء زينب ذلك، ولما كان يوم عاشوراء وبقي الحسين وحيداً فريداً، أراد أن يودع العيال ويمضي إلى القتال، أقبلت إليه اُمّ المصائب وقالت له اخي اكشف لي عن صدرك وعن نحرك، فكشف له الحسين عليهالسلام عن صدره، قلته في صدره وشمّته في نحره، ثم وجّهت وجهها نحو المدينة صائحة: يا اماه قد إسترجعت الوديعة وأخذت الأمانة، فتعجّب الحسين من كلامها فقال لها: أخية ومن الأمانة؟ قالت: اعلم يابن اُمّ لمّا دنت الوفاة من اُمّنا فاطمة، قربتني اليها وشمّتني في نحري وقبّلتني في صدري، وقالت لي: يا بنيّة هذه وديعة لي عندك، فإذا رأيت أخاك الحسين وحيداً فريداً شميه في نحره وقبليه في صدره. قال الراوي: فلمّا سمع بذكر اُمّه بكى! وسمع مناد ينادي بين السماء والأرض: والولداه وا حسينا.
فالزهراء تبكي على ولدها، بل وتحضر جميع المآتم كما روى: أن فضيل صنع مآتماً للحسين عليهالسلام ، ولم يخبر به إمامنا الصادق عليهالسلام ، فلمّا كان اليوم الثاني أقبل إلى الإمام روحي فداه، فقال له: يا فضيل اين كنت البارحة؟ قال: سيدي شغل عاقني، فقال: يا فضيل لا تخفي عليَّ، أما صنعت مأتماً وأقمت بدارك عزاء في
_________________
(1) بحار الأنوار: 44 / 292 - الحديث (37).
مصاب جدّي الحسين عليهالسلام ؟ فقال: بلى سيدي، فقال عليهالسلام : وأنا كنت حاضراً، قال: سيدي إذا ما رأيتك؟! أين كنت جالس؟ فقال عليهالسلام : لما أردت الخروج من البيت أما عثرت بثوب أبيض؟ قال: بلى سيدي، قال عليهالسلام : انا كنت جالسا هناك، فقال له: سيدي لم جلست بباب البيت ولم ما تصدرت في المجلس؟ فقال الصادق عليهالسلام : كانت جدتي فاطمة بصدر المجلس جالسة، لذا ماتصدرت إجلالا لها.
ففاطمة عليهالسلام تحضر في كل عزاء يعقد لولدها الحسين عليهالسلام ، كما حضرت مصرعه فرأته يوم عاشوراء بعد الظهر بساعة.
تريب المحيا تظن السما |
بأن على الأرض كيوانها (1) |
_________________
(1)
(نصاري)
لون حاضرة يحسين يمّك |
وابوك النفل والطيّار عمك |
|
چا ما راح اضياع دمّك |
وظلّيت متحيرة بلمّك |
(بحراني)
تناديه يبني من گطع راسك والكفوف |
من كسر اضلوعك يعقلي بضرب السيوف |
|
ومن گطع اوصالك يعيني بضرب السيوف |
يا مهجتي مذبوح لا مطلب ولا دين |
|
يحسين گلّي من گطع بالسيف نحرك |
يا نور عيني من وطا بالخيل صدرك |
|
ومن سلّب ايتامك ويا هو حر گ خدرك |
ويا هو الذي شتّت بناتي اشمال ويمين |
(عاشوري)
مني الوالدة يحسين يبني |
ويمن ريت ذبّاحك ذبحني |
|
أسعدني على ابني يلتحبني |
مصابك بهض حيلي وكتلني |
* * *
فالمعالي بالعَزا قائمة |
ودموع الأنبيا ساجمة |
وعليه حورها لاطمة
ميت تبكي له فاطمة |
وأبوها وعليّ ذو العُلى |
في بكاء الأئمّة وشيعتهم على الحسينعليهالسلام
قال الله تعالى: ( إِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السّماوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافّةً وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ مَعَ الْمُتّقِينَ ) (1) ، وهذه الأشهر الأربعة هي: رجب - الذي بين جمادي وشعبان - الملقب: بالأصم، وذوالقعدة، وذوالحجة، ومحرم (2) .
فهذه الأشهر الأربعة كانت محترمة في الجاهلية، لا يوقعون فيها قتالا، وإذا تنافسوا فيما بينهم جعلوا عدّة الأشهر غيرها، بل وحرموا القتال فيها إحتراما لها، فهذه الأشهر الأربعة محترمة سواء كانت في الجاهلية أو في الأسلام، حتى حكي: أنّ ضبّة بن أركان كان له ابنان، أحدهما يسمى «سعد» والثاني «سعيد» فخرجا إلى سفرٍ فهلك سعد ورجع سعيد، فخرج والدهما مفتشاً عن إبنه الهالك في الأشهر الحرم ومعه الحارث بن كعب، فبينما هما ذات يوم سائران يتحدثان، إذ مرّا بمكان، فقال الحارث لقيت في هذه المكان شابّا صفته كذا وكذا فقتلته، وهذا
_________________
(1) سورة التوبة 9: 36.
(2) انظر تفسير الطبري: 14 234.
سيفه، فقال ضبّة: «الحديث ذو شجون» اي - حديثك محزن - فذهب قوله مثلاً، ثم إنّ ضبة قتل الحارث فلامه الناس على إستحلال الأشهر الحرم، فقال: «سبق السيف العذل» (1) فهكذا كانوا يحترمون الأشهر الحرم.
وذكر ابن أبي الحديد: أنّ العرب تسمى آخر يوم من شوّال فلتة، من حيث إنّ كل من لم يدرك ثأره فيه فاته، لأنّهم إذا كانوا إذا دخلوا الأشهر الحُرم لا يطالبون الثأر، وذوالقعدة من الأشهر الحرم (2) .
في البحار عن إبراهيم ابن أبي محمود قال: قال الرضا عليهالسلام : إنّ المحرّم شهر كان أهل الجاهلية «في مامضى» يحرّمون فيها القتال فاستحلّت فيه دماؤنا وهتكت فيه حرمتنا، وسُبي فيه ذرارينا ونسائنا، وأضرمت النيران في مضاربنا، وانتهب منها ثقلنا، ولم ترع لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فيه حرمة في أمرنا.
ثم قال عليهالسلام : إنّ يوم الحسين اقرح جفوننا، [ وأسبل دموعنا ]، واذلّ عزيزنا، بأرض كرب وبلاء وأورثنا الكرب والبلاء إلى يوم الإنقضاء، فعلى مثل الحسين عليهالسلام فليبك الباكون، فأنّ البكاء عليه يحط الذنوب العظام.
ثم قال الرضا عليهالسلام : كان أبي إذا دخل شهر المحرّم لا يرى ضاحكاً وكانت الكآبة تغلب عليه حتى تمضي عشرة أيام، فإذا كان يوم العاشر كان ذلك اليوم مصيبته وحزنه وبكائه، ويقول: هو اليوم الذي قتل فيه الحسين عليهالسلام (3) .
وعن الريان بن شبيب قال: دخلت على الرضا عليهالسلام في أول يوم من المحرّم، فقال لي: يابن شبيب، أصائم أنت؟ فقلت: لا، قال: إنّ هذا اليوم هو اليوم الذي
_________________
(1) جمهرة الأمثال: 1: 377 / 566.
(2) شرح نهج البلاغة: 2 / 26.
(3) أمالي الصدوق: 190 / 199 - المجلس (27) - الحديث (2).
دعا فيه زكريا عليهالسلام ربه عزوجل ، فقال: «رَبّ هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ذُرّيّةً طَيّبَةً إِنّكَ سَمِيعُ الدّعَاءِ» (1) فاستجاب الله له، وأمر الله ملائكته فنادت زكريا، وذلك قوله تبارك وتعالى: ( فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فِي الْمَحْرَابِ أَنّ اللّهَ يُبَشّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللّهِ وَسَيّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصّالِحِينَ ) (2) فمن صام في هذا اليوم ثم دعا الله فإنّه يستجيب له، كما استجاب لزكريا عليهالسلام .
ثم قال يابن شبيب، إنّ المحرم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته، فما عرفت هذه الاُمّة حرمة هذا الشهر ولا حرمة نبيها صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته، وسبوا نساءه، وانتهبوا ثقله، فلا غفر الله لهم ذلك أبداً، يابن شبيب، إن كنت باكياً لشئ فابك على الحسين عليهالسلام ، فأنّه ذبح كما يذبح الكبش، وقتل معه من أهل بيته ثمانية عشر رجلاً، ما لهم في الأرض شبيه، لقد بكت السماوات السبع والأرضون السبع لقتله، ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة لآلاف ملك لنصرته فلم يأذن لهم (3) .
وفي العيون والخبر الآخر، أنهم نزلوا فوجدوه قد قتل، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم صاحب الأمر فيكونون من أنصاره، وشعائرهم: يا لثارات الحسين (4) .
وكان الصادق عليهالسلام أذا هل المحرم لا يرى شاحطاً قط، وكذلك الأئمة واحداً بعد واحد، بل وهذه سيرة سارت في مواليهم وشيعتهم إذا هل عاشوراء اجتمعت
_________________
(1) سورة ال عمران 3: 38.
(2) سورة ال عمران 3: 39.
(3) أمالي الصدوق: 192 / 202 - المجلس (27) - الحديث (5).
(4) عيون أخبار الرضا عليهالسلام : 1: 299 / 58 - الباب (28). وانظر المصدر السابق أيضاً.
عليهم الأحزان والكروب؛ ولعل الخبر يشير إلى ذلك:
«شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بنور ولايتنا، يصيبهم ما أصابنا، يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا» (1) وكانوا عليهم الصلاة والسلام يجلسون للعزاء كما تجلس شيعتهم اليوم.
وكان الرضا عليهالسلام يجلس في كل عشرة من المحرم كئيباً حزيناً، ويعقد مجلساً للعزاء، ويجلس نساءه وراء الستار، وكان إذا دخل عليه أحد من الشعراء يأمره بالإنشاد على جده الحسين عليهالسلام ، كما في قصة دعبل الخزاعي لما دخل عليه وقال له: أنشدني، فأنشده التائية التي منها:
أفاطم لو خلت الحسين مجدلاً |
وقد مات عطشاناً بشط فرات (2) |
وكذلك الصادق عليهالسلام لما دخل عليه هارون المكفوف، فقال عليهالسلام : أنشدني في جدي الحسين عليهالسلام ، فأنشأ يقول:
أمرر على جدث الحسين |
وقل لأعظمه الزكية |
فبكى الصادق عليهالسلام وقال: أنشدني كما تنشدون بالرقة فقال:
يا مريم نوحي على مولاك |
وعلى الحسين ألا أسعدي ببكاك |
فصاحت ابنة الصادق عليهالسلام : واجداه واحسيناه (3) .
وهكذا ساير أهل البيت عليهمالسلام ولا زالوا صارخين معولين عطاشا جائعين من أوّل شهر محرم إلى يوم العاشر.
وقيل للصادق عليهالسلام : سيدي جعلت فداك، إنّ الميت يجلسون له بالنياحه بعد
_________________
(1) أورده الفاضل الدربندي في أسرار الشهادة: 1 / 104، في كلامٍ للإمام الصادق عليهالسلام .
(2) بحار الأنوار: 45 / 257 - الحديث (15).
(3) انظر ثواب الأعمال للشيخ الصدوق: 109 / 1 / باب (146).
موته أو قتله، وأراكم تجلسون أنتم وشيعتكم من أوّل الشهر بالمأتم والعزاء على الحسين عليهالسلام !! فقال عليهالسلام : «يا هذا إذا هل هلال محرم نشرت الملائكة ثوب الحسين عليهالسلام وهو مخرق من ضرب السيوف، وملطخ بالدماء، فنراه نحن وشيعتنا بالبصيرة لا بالبصر، فتنفجر دموعنا».
وقال عليهالسلام فيما قال لمسمع كردين: «يا مسمع ما من عين بكت على الحسين عليهالسلام إلّا ونعمت بالنظر إلى الكوثر، أو شربت منه إلى يوم القيامة) (1) .
فأي عين لا تبكي عليك يا أبا عبدالله، السلام على من دمه غسله، والتراب كافوره، ونسج الرياح أكفانه، والرماح الخطية نعشه، وفي قلب من والاه قبره:
إن يبقي ملقى بلا دفن فإنّ له |
قبراً بأحشاء من والاه محفورا (2) |
_________________
(1) بحار الأنوار: 44 / 289 - الحديث (31) - من حديث طويل.
(2)
(ابوذية)
لو لاك الفرض يحسين ماتم |
وحگ گلبك المنة ثلث ماتم |
|
إلك ابگلوبنا يحسين ماتم |
نجيمة ابكل صباح وكل مسيّة |
(بحراني)
وحق راسك المقطوع يا شمس المضية |
للحشر ما ننسا مصابك والرزيّة |
|
ننسى وسهم الصاب گلبك يا ذرانا |
ذللنة وفت اگلوبنا ونكس لوانا |
|
وتگطيع جسمك بالثرى گطع امعانا |
وخيل الوطت صدرك على حر الوطيّة |
|
داست يبنى حيدر علي صدور المحبين |
وبگلوبنا انخليك عاري بغير تكفين |
|
وذبح الطفل ننساه هذا محال يحسين |
ولا ننسى اركوب الوديعة اعلى المطيّة |
* * *
غَدَت ربّة الأخدار ولهى أسيرةً |
تقاذفُها البيدا ضُحىً وظهيرةً |
وتهتف بالحامي الجوار مشيرةً
أترضى وأنت الثاقب العزم غيرةً |
يلاحظها حسرى القناع يزيدُ |
في بكاء النبيصلىاللهعليهوآلهوسلمعلى الحسينعليهالسلام
وأنّ البكاء والرقّة من شأن المعصوم
العجب كل العجب ممن يزعم أنّ المعصوم عليهالسلام لا يبكي، أو أنّ البكاء لا يليق له وليس من شأنه، فاذا خطر مثل هذا في البال فهو وهم صرف، إذ أنّ البكاء والرقة من صفات المعصوم عليهالسلام ، كما أنّ الرحمة والرقة مودوعة في قلب كل نبي وكل معصوم، بل وكل مؤمن فضلاً عن النبي والمعصوم، اُنظر الى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وقد دلت الأخبار المتواترة أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم بكى في مواطن كثيرة، كان أولها «يوم اُحد»، وذلك لما رأى عمّه الحمزة عليهالسلام قتيلاً ورأى ما مثل به شهق (1) .
ذكر ابن أبي الحديد: أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يومئذٍ إذا بكت عمّته صفيّة يبكي، وإذا انشجت ينشج، وكذلك لما رأى ابنته فاطمة عليهاالسلام تبكي على عمّها بكى (2) .
وذكر أحمد ابن حنبل: أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لما رجع من «احد» فجعلت نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «ولكن عمّي حمزة لا
_________________
(1) المستدرك الحاكم: 3 / 195، وانظر أيضاً: المحب الطبري في ذخائر العقبى: 180، والهيثمي في مجمع الزوائد: 6 / 118 - باب مقتل حمزه عليهالسلام .
(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 15 / 17 - الباب (19).
بواكي له»، ثم نام وانتبه وهنّ يبكين: قال: «فهنّ اليوم اذا بكين يندبن بحمزة» (1) .
ومنها: بكى على جعفر بن أبي طالب عليهالسلام يوم «مؤتة» لمّا قتل (2) ، ومنها: لمّا اُصيب زيد ابن حارثة انطلق النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى منزله فلمّا رأته إبنة زيد أجهشت بالبكاء، فسالت دمعته (3) .
ومنها: عند موت ولده إبراهيم بكى، فقيل له: أتبكي وأنت رسول الله؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّما أنا بشر مثلكم، تدمع العين ويحزن القلب، ولا أقول ما يغضب الرب، وأنا بفراقك يا إبراهيم لمحزون». ذكره البخاري في «صحيحه في الجزء الأوّل منه» (4) .
ومنها: يوم ماتت إحدى بناته جلس على قبرها وعيناه تدمعان، هكذا ذكر البخاري أيضاً (5) .
ومنها: يوم مات صبي لأحدى بناته، إذ فاضت عيناه يومئذٍ فقال له سعد: ما هذا يا رسول الله؟! قال: «هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنّما يرحم من عباده الرحماء». هكذا في الصحيحين أيضاً (6) .
وأخرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس - في الجزء الأوّل من مسنده - من جملة حديث ذكر فيه موت رقية بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبكاء النساء عليها،
_________________
(1) مسند أحمد ابن حنبل: 7 / 98 - الحديث (4984).
(2) تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 488 و 884، وانظر أيضاً: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور: 6 / 73 و 12 / 73.
(3) تاريخ الإسلام للذهبي: 2 / 496.
(4) صحيح البخاري (بشرح الكرماني): 7: 96 / 1228.
(5) صحيح البخاري (بشرح الكرماني): 7: 81 / 1213.
(6) صحيح مسلم: 2: 635 /، وصحيح البخاري (بشرح الكرماني): 7: 80 / 1212.
قال: فجعل عمر يضربهنّ بسوطه: فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «دعهنّ يبكين». ثم قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «مهما يكن من القلب والعين فمن الله الرحمة». وقعد على شفير القبر وفاطمة إلى جنبه تبكي قال: فجعل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يسمح بعين فاطمة بثوبه رحمة لها (1) .
وممّا يعاضد ذلك بكاؤه على الحسين عليهالسلام في مواطن كثيرة، منها قبل ولادته وهبك عليه جبرائيل، قال: يا محمد يولد لك تقتله شرار اُمّتك، فبكى صلىاللهعليهوآلهوسلم وقال: «لا حاجة لي فيه» فقال جبرائيل: يا رسول الله إن الإمامة تكون فيه وفي ولده؛ فسكت صلىاللهعليهوآلهوسلم (2) .
وبكى عند ولادته، وذلك لمّا جاءت به صفية بنت عبد المطلب تحمله أخذه وشمه ثم بكى، فقالت له صفية: يا رسول الله وما هذا البكاء؟! فقال لها صلىاللهعليهوآلهوسلم : «إنّ ولدي هذا تقتله شرار اُمّتي، لا تخبري ابنتي فاطمة فإنّها جديدة عهد بولادتها».
ومنها: بكاءه صلىاللهعليهوآلهوسلم لمّا دخل على فاطمة ورأى الحسين عليهالسلام يبكي في المهد، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم «بني سكتيه فأنّ بكاءه يؤذيني»؛ ثم بكاه، وكان صلىاللهعليهوآلهوسلم كلّما نظر إليه يبكي، وإذا رآه في يوم عيد يبكي، واذا رآه يلعب يبكي.
وكان صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «حسين منّي»، «حسين طمئنينتي»، «حسين روحي التي بين جنبي»، «حسين منّي وأنا من حسين»، «أحب الله من أحب حسيناً».
قال (3) : ودخل الحسن واخوه الحسين عليهماالسلام على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يوماً فشمَّ الحسن عليهالسلام في فمه، وشمَّ الحسين عليهالسلام في نحره، فقام الحسين وأقبل إلى اُمّه،
_________________
(1) مسند الإمام أحمد: 5: 41 / 3103.
(2) اصول الكافي: 1: 386 / 4، والبحار: 44: 232 /، الحديث.
(3) والكلام لابن عباس.
فقال لها: اُمّاه شمي فمي، هل تجدين فيه رائحة يكرهها جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فشمّته في فمه فإذا هو أطيب من المسك، ثم جاءت به إلى أبيها فقالت له: أبه لم كسرت قلب ولدي حسين عليهالسلام ؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : ممَّ؟ قالت: تشمّ أخاه في فمه وتشمّه من نحره، فلمّا سمع صلىاللهعليهوآلهوسلم بكى، وقال: «بنية أمّا ولدي الحسن عليهالسلام فإنّي شممته في فمه لأنّه يسقى السم فيموت مسموماً، وأمّا الحسين عليهالسلام فإني شممته من نحره لأنّه يذبح من الوريد إلى الوريد»؛ فلمّا سمعت فاطمة بكت بكاءاً شديداً وقالت: أبة متى يكون ذلك؟ فقال: «بنية في زمان خال مني ومنك ومن أخيه وأخيه» فاشتدّ بكاؤها ثم قالت: أبه فمن يبكي عليه؟ ومن يلتزم بإقامة العزاء عليه؟ فقال له: «بنية فاطمة إنّ نساء أمتي يبكون على نساء أهل بيتي ورجالهم يبكون على ولدي الحسين عليهالسلام وأهل بيته، ويجددون عليه العزاء جيلاً بعد جيل، فإذا كان يوم القيامة أنت تشفعين للنساء وأنا أشفع للرجال وكل من يبكي على ولدي الحسين عليهالسلام أخذنا بيده وأدخلناه الجنة» (1) .
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «على الحسين فلتشق القلوب لا الجيوب».
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «ألا وصلّى الله على الباكي على ولدي الحسين عليهالسلام ».
فرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم تراه تارة يدعو للباكي على ولده الحسين واُخرى يخبر بفضل الباكي عليه وما له يوم القيامة من الأجر، لقوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «كل عين باكيه يوم القيامة إلّا عين بكت على ولدي الحسين، فإنّها ضاحكة مستبشرة بنعيم الجنة» (2) .
_________________
(1) الخبر ذكره الفاضل الدربندي رحمه الله في أسرار الشهادات: 2 / 720، وهو خبر طويل ومفصّل وأورده هنا المؤلف رحمه الله على وجه الاختصار.
(2) انظر أسرار الشهادات للدربندي: 2 / 496.
وروى المجلسي رحمه الله قال:
حكى السيد علي الحسيني قال: كنت مجاوراً في مشهد علي بن موسى الرضا عليهالسلام مع جماعة من المؤمنين فلما كان يوم العاشر من المحرم عقدنا مأتماً للحسين عليهالسلام فابتدأ رجل منا يقرأ مقتل الحسين عليهالسلام فقرأ رواية عن الباقر عليهالسلام إنه قال: «من ذرفت عيناه بالدموع على مصاب الحسين عليهالسلام ولو كان مثل جناح البعوضة غفر الله ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر»، وكان في المجلس معنا رجل يدعي العلم ولا يعرفه، فقال: ليس هذا صحيح وأنّ العقل لا يقبله.
قال: وكثر البحث بيننا ثم افترقنا وهو مصرّ على ماهو عليه، فلمّا نام تلك الليلة رأى في منامه كأنّ القيامة قد قامت وحشر الناس في صعيد واحد، وقد نصبت الموازين وامتد الصراط، ووضع للحساب ونشرت الكتب، واسعرت النيران وزخرفت الجنان، واشتد الحر عليه وعطش عطشاً شديداً، فجعل يطلب الماء فلا يجده، فالتفت هناك وإذا بحوض عظيم الطول والعرض، فقال في نفسه: هذا هو الكوثر؛ فأقبل إليه وإذا عليه رجلان وامرأة أنوارهم مشرقة لابسين السواد، قال: فسألت عنهم فقيل لي: هذا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا علي عليهالسلام ، وهذه فاطمة عليهاالسلام ، فقلت: اذا لماذا لابسين السواد فقيل لي أليس هذا اليوم يوم قتل فيه الحسين عليهالسلام ، قال: فدنوت إليهما وقلت لفاطمة: سيدتي إني لعطشان، فنظرت إليّ شزراً، وقالت لي: أن الذي تنكر فضل البكاء على ولدي الحسين عليهالسلام ، لن تذوق منه قطرة واحدة حتى تتوب ما أنت عليه؛ قال: فانتبه من نومه فزعاً مرعوباً وجاء إلى أصحابه، وقص عليهم رؤياه وقال والله يا أصحابي أنا ندمت ممّا صدر منّي، وأنا تائب عمّا كنت عليه (1) .
__________________
(1) بحار الأنوار: 44 / 293 - الحديث (38).
أقول: فليتها كانت حاضره يوم عاشوراء ومعها جرعة من ماء الكوثر وتسقي ولدها الحسين عليهالسلام ، لمّا نادى: يا قوم وحق جدّي أنا عطشان. قال رجل من القوم: رأيت شفتيّ أبي عبد الله تتحركان بكلام لم أفهمه، فقلت: إن كان الحسين عليهالسلام يدعو علينا هلكنا ورب الكعبة. فأقبلت إليه فسمعته ينادي إسقوني جرعة من الماء، وقال: فأتيت إلى ابن سعد (لعنه الله) وقلت له: يا أمير إنّ الرجل قد ضعف عن القتال ولا قابلية له على حمل السلاح، ما يضرك لو سقيته جرعة من الماء؟ قال: فسكت اللعين، فعلمت أنّ السكوت من الرضا، فأقبلت إلى خيمتي وأخذت ركوة فملئتها ماء وأتيت مسرعاً إلى الحسين فبينا أنا في بعض الطريق وإذا بالكون قد تغيّرت، وهبت ريح سوداء مظلمة، وتزلزلت الأرض، وإذا بالمنادي ينادي: قتل الإمام ابن الإمام أخو الإمام أبو الأئمّة. فنظرت وإذا برأس الحسين عليهالسلام على رأس رمح طويل.
وشيبته مخضوبة بدمائه |
يلاعبها غادي النسيم ورائحه (1) |
__________________
(1) وزينب عليهاالسلام كأني بلسان حالها:
(نصاري)
يشيال راسه لا تلوحه |
وهبّط من بگايا الروس رمحه |
|
أخاف ايفوت ريح الهوى بجرحه |
وجرحه عليه يگوم يسعر |
(دكسن)
يشال راس حامينه او ولينه |
دريّض خلي اتودّعه اسكينه |
|
ليش احسين ساچت عن ونينه |
گلّي تعب لو جرحه تخدّر |
كأني بها تخاطب رأس الحسين عليهالسلام بلسان الحال:
(عاشوري)
يحسين لا تلتفت لينه |
واتشوفنه نشگف بدينه |
|
نسوان تدري وانولينه |
وعليلك المچتّف ولينه |
في مكارم أخلاق الحسينعليهالسلام
جمع الحسين بن علي عليهالسلام الفضائل أجمع، كالعلم وأسراره، وفصاحة اللسان وبيانه، ومنتهى الشجاعة، وأقصى غاية الجود والعدل والصبر والحلم والعفاف والمروءة والورع والزهد ومكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، كما خصّه الله عزوجل بسلامة الفطرة، وجمال الخلقة، ورجاحة العقل، وقوة الجسم، وأضعف إلى هذه المحامد كلّها كثرة العبادة، وأفعال الخير، كالصلاة والصوم والحج، والجهاد في سبيل الله، والأحسان للناس، وكان عليهالسلام سخياً بماله، متواضعاً للفقراء، معظماً عند الخلفاء، مواصلاً للصدقة على الأيتام والمساكين، منتصفاً للمظلومين، وكان عليهالسلام علم المهتدين، وهدى للمسترشدين بأنوار محاسنه وآثار فضله.
أمّا علمه فإنّه كان يغر العلم غرا، وأنه ورث العلم من جده رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن أبيه علي عليهالسلام ، ومن كان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم معلمه ومن كان ابوه علي بن أبي طالب
__________________
(تخميس)
رأت الرمح زينبُ حين مالا |
وعليه رأس الحسين تلالا |
خاطبته مذ راح يزهو هلالا
يا هلالاً لما استتم كمالا |
غاله خسفه فأبدى غروبا |
واُمّه فاطمة الزهراء ناشئاً في أصحاب جدّه وتلامذة أبيه فلا شك أنّه كان يغرُّ العلم غرّاً، ومنه أخذ علم الجفر والجامعة الأئمّة التسعة صلوات الله عليهم.
وكان الناس يقدمون على الحسين عليهالسلام وينتفعون بما يسمع منه، ويضبطون ما يروون عنه من الأحاديث والفتيا.
وأمّا فصاحته، ناهيك عن خطبته التي خطبها بالمدينة ومكّة قبل خروجه إلى العراق، والتي سجلها له التاريخ في كربلاء، فمن خطبته الشهيرة بمكّة إذ يقول في أولها:
«خطّ الموت علي ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة... إلى آخرها» (1) .
وخطبته يوم عاشوراء التّي في أولها يقول:
«ألا إنّ الدعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين، بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك، ورسوله، والمؤمنون، وحجور طابت، وبطون طهرت، واُنوف حميّة، ونفوس أبيّة، من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام» (2) .
وأمّا شجاعته فصارت يضرب بها المثل، قال صاحب اسعاف الراغبين: «كان الحسين شجاعاً مقداماً من حين كان طفلاً» (3) .
وروى ابن أبي الحديد في شرح النهج قال: فيما أفتخرت به بنو هاشم على بني أُميّة قولهم: من مثل الحسين بن علي عليهالسلام يوم الطف، ما رأينا مكثوراً (4) قد فرق من اُخوته وأهله وأنصاره أشجع منه، كان كالليث الوجوب يحطم الفرسان حطماً، وما ظنك برجل أبت نفسه الدنيا الدنيه وأن يعطي بيده، فقاتل حتى قتل
__________________
(1) كشف الغمة في معرفة الأئمة: 2 / 29.
(2) الملهوف على قتلى الطفوف: 155، واظر تاريخ ابن عساكر: 317.
(3) اسعاف الراغبين: 202 «بهامش نور الأبصار للشبلنجي».
(4) المكثور: المغلوب.
هو وبنوه واُخوته وبنو عمّه، بعد بذل الأمان لهم والتوثقة بالإيمان المغلظة، وهو الذي سنّ للعرب الإباء، واقتدى به أبناء الزبير وبنو الملهب، وغيرهم (1) .
وقال ابن أبي الحديد أيضاً: سيد أهل الإباء، الذي علّم الناس الحميه والموت تحت ظلال السيوف، اختيارا له على الدنية، أبو عبدالله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهماالسلام ، عرض عليه الأمان وأصحابه، فأنف من الذل وخاف من ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنه لا يقتله، فاختار الموت على ذلك، قال: وسمعت النقيب أبا زيد يحيى ابن زيد العلوي البصري يقول كأبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت الى في الحسين عليهالسلام :
وقد كان فوت الموت سهلا فرده |
إليه الحفاظ المر والخلق والوعر |
|
ونفس تعافي الضيم حتى كأنه |
هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر |
|
فأثبت في مستنقع الموت رجله |
وقال لها من تحت أخمصك الحشر |
|
تردّى ثياب الموت حمراً فما أتى |
لها الليل إلّا وهي من سندس خضر |
وقال صاحب كشف الغمة: شجاعة الحسين يضرب بها المثل، وصبره في الحرب أعجز الأواخر والأول - وأمّا سخاءه وجوده، فإنّه كان يهب الألوف من الدنانير حتى عد من سادات أجواد العرب، (3) .
روى «ابن عساكر» في تأريخه عن أبي هشام القناد أنّه كان يحمل إلى الحسين عليهالسلام بالمتاع من البصرة، ولعلّه لا يقوم حتى يهب عامته، ودخل عليهالسلام يوماً على اُسامة بن زيد وهو مريض فسمعه يقول: واغمّاه، فقال له الحسين عليهالسلام : وما غمّك يا أخي؟ قال: ديني وهو ستون ألف درهم؛ فقال الحسين عليهالسلام : هو عليَّ، قال: إني
__________________
(1) و (2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
(3) كشف الغمة في معرفة الأئمة: 2 / 20.
أخشى أن أموت؟ فقال عليهالسلام : لن تموت حتى أقضيها عنك، فقضاها قبل موته (1) .
أما جماله وحسنه: فقد كان يشبه جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بجمال وجهه الشريف، قال «صاحب الخزانة» في ترجمة «عبيدالله ابن الحر الجعفي» أنّه قال: ما رأيت أحداً قط أحسن ولا املأ للعين من الحسين عليهالسلام (2) .
وعن أنس بن مالك: أتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي عليهالسلام ، فجعل في طشت فجعل ابن زياد ينكث ثناياه، وقال في حسنه شيئاً: رحمك الله يا حسين فلقد كنت حسن الثغر، فقال أنس إبن مالك: كان أشبههم برسول الله صلىاللهعليهوسلم (3) .
وأمّا عبادته: فإنّه كان ينهج نهج أبيه أمير المؤمنين عليهالسلام في عبادته، فقد ذكر «الملك المؤيد أبو الفداء» في تاريخه قال: كان الحسين يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وقد حج خمس وعشرين حجّة ماشياً على قدميه ونجائبه تقاد بين يديه، إلى غير ذلك من عبادته (4) .
وأمّا تواضعه: فقد ذكر «ابن عساكر» في التأريخ الكبير: أنّ الحسين عليهالسلام مرّ بمساكين يأكلون في الصفة، فقالوا: الغداء؛ فنزل عليهالسلام وقال: إنّ الله لا يحب المتكبرين، فتغدى، ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فمضى بهم إلى منزله وقال للرباب خادمته: اخرجي ما كنت تدخّرين (5) .
أقول يظهر من الرواية أنّ ابن عساكر اشتبه في الرباب خادمة الحسين عليهالسلام ،
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر.
(2) خزانى الادب للبغدادي: 1 / 298.
(3) انظر تاريخ ابن عساكر «ترجمة الإمام الحسين عليهالسلام »: 46 / 49، 50، 51.
(4) تاريخ أبي الفداء. وذكر ذلك ايضا: ابن عساكر في تأريخه) ترجمة الامام الحسين عليهالسلام (: 215 و 216.
(5) تاريخ ابن عساكر (ترجمة الامام الحسين عليهالسلام ): 218 / 198.
وما سمعنا أنّ للحسين خادمة اسمها رباب، لكن رباب زوجته وهي بنت امرء القيس الكندي الذي يقول فيها:
لعمرك إنني لأحب داراً |
تحل بها السكينة والرباب |
|
أحبهما وأبذل جل مالي |
وليس لعاتب عندي عتاب (1) |
__________________
(1) كتاب الأغاني: 16 / 138.
نعم، إنّ الحسين عليهالسلام آلت ان لا تستظل تحت ظل بعد شهادة أبي عبد الله عليهالسلام وذلك لمّا رجعت مع النسوة إلى المدينة أمرت البناء أن يرفع السقف وكان لها بكاء ونحيب على فقد الإمام الحسين عليهالسلام وولدها عبدالله الرضيع، ولسان حالها:
(الموشح)
دايك ما يطيب وداي أبوك النوب |
داي اللي يفلّش ولو سبع اگلوب |
|
حسبت احساب واحسابي طلع مگلوب |
سكنة اميسّرة وانته الفگد يرجاي |
|
يا رجواي يلغيّرك بعد ما لوليت |
اخلاف احسين عيب اگعد تحت ظل بيت |
|
يبني لكربلا يبني عسن لاجيت |
يبني اتموت يبني ما شربت الماي |
(تخميس)
سألت ربع الندى والدمع ينهملُ |
عن معشر هاهنا عهدي بهم نزلوا |
أين استقلّوا عن الأوطان وارتحلوا
بالأمس كانوا معي واليومَ قد رحلوا |
وخلّفوا في سويد القلب نيرانا |
في ترجمة يزيد وكفره
ذكر «القرماني» في تأريخه: عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «أوّل من يبدل سُنّتي رجلٌ من بني اُمية يقال له يزيد ابن معاوية واُمّه ميسون الكلبية» (1) .
وذكر أرباب التاريخ: انه دخل معاوية ابن أبي سفيان يوما على زوجته ميسون بنت بجدل بن أنيف الكلبي فسمعها تنشد هذه الابيات:
للبس عباءة وتقرّ عيني |
أحب إليّ من لبس الشفوف |
|
وبيت تخفق الارياح فيه |
أحب إليّ من قصر منيف |
|
وبكر يتبع الأضعان صعب |
أحب إليّ من بغل زفوف |
|
وكلب ينبح الأضياف دوني |
أحب إليّ من هرٍّ ألوف |
|
وخرق من بني عمّي فقير |
أحب إليّ من علج عنيف |
فقال لها معاوية: مارضيت يا ابنة بجدل حتى جعلتيني علجا عنيفاً، إلحقي بأهلك. فمضت إلى أهلها مع عبد أبيها (2) .
وروى المداءني في كتاب بهجة المستفيد: أن يزيد ابن معاوية اُمّه ميسون
__________________
(1) و (2) أخبار الدول وآثار الاول للقرماني: 130.
بنت بجدل الكلبية امكنت عند أبيها من نفسها فحملت بيزيد، وإلى هذا أشار النسابة البكري من علماء السنة بقوله:
فإن يكن الزمان أتى علينا |
لقتل الترك والموت الوحيي (1) |
|
فقد قتل الدعي وعبد كلب |
بأرض الطف أولاد النبي |
اراد بالدعي عبيد الله ابن زياد، فإنّ أباه زياد بن سمّية، وهذه كانت عاهرة ذات علم، ولدت زيادا على فراش أبي عبيد من بني علاج، فادعى معاوية أنّ أبي سفيان زنى بام زياد وأنه أخوه وكان اسمه «الدعي» حتى أن عايشة كانت تسميّه زياد ابن ابيه لأنّه ليس له أب معروف، (2) ومراده بعبد كلب وهو يزيد بن معاوية لأنّه من عبد بجدل الكلبي.
وكانت ولادته في أيام عثمان ابن عفان، سنة خمس وعشرين في بادية طب بني أخواله، وهم نصارى، وتربى هناك تربيه نصرانية حتى إذا ترعرع جيء به إلى أبيه، وكان لا يشابه أباه، ضخم الجسم، كثير اللحم، اسمر، في وجهه اثار الجدري، ولقد بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه معاوية، وكانت ولايته ثلاث سنين وستة أشهر.
ففي السنة الأولى: قتل الحسين بن علي بي أبي طالب عليهمالسلام سيد شباب أهل الجنة.
__________________
(1) موت وحي [أي] سم حي: سريع: انظر:
(2) نقول: قال الذهبي في سير أعلام النبلاء:
يقال: «إن أبا سُيان أتى الطائف، فَسكر، فطلب بغيّاً، فواقع سُميّة، وكانت مزوّجةً بعبيد، فولدت من جُماعه زيادا، فلما رآه معاوية من أفراد الدهر، أستعطفه وادّعاه، وقال: نزل من ظهر أبي». انظر سير اعلام النبلاء للذهبي: 3 / 495.
وفي صحيح البخاري في (الفرائض) / باب (من ادعى الي غير أبيه): 8 / 194، وفيه: قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «من ادّعى الى غير أبيه وهو يعلم أنّه غير أبيه فالجنة عليه حرام».
وفي السنة الثانية: نهب المدينة، وأباحها ثلاثة أيّام، وفتك الفتك العظيم بأهلها حتى قتل في الوقعة (1) جماعة من الصحابة، ولم يبقي بدري بعد ذلك، وقتل من سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف، وافتضت ألف عذراء (2) .
وفي السنة الثالثة: غزا الكعبة فهدمها.
قال المسعودي: شمل الناس جور يزيد بن معاوية وعمّاله، وعمّهم الظلم وما ظهر من فسقه، ومن قتل ابن بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما ظهر من شرب الخمور، وسيرته سيرة فرعون، بل كان فرعون أعدل منه في الرعية (3) (4) .
وقال محمد بن علي - المعروف بالطقطقي - في كتابه «الفخري»: إنّ يزيد بن معاوية كان موفر الرغبة في اللهو، والقنص، والخمر، والنساء، والشعر (5) .
وفي أيامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة، واستعملت الملاهي (6) ، ومن قوله في الخمرة:
__________________
(1) انظر أخبار «وقعة الحرّة» في: الفخري في الآداب السلطانية.
(2) قال ياقوت في معجم البلدان (حرة): واستباحوا الفروج، وحملت منهم ثمانمئة حرة وولدن وكان يقال لأولئك الأولاد أولاد الحرة.
(3) مروج الذهب للمسعودي: 3 / 68.
(4) وروى ابن سعد في «الطبقات» - ترجمة عبدالله بن حنظلة:
«أنّه بايع أهل المدينة - ليلة الحرة - على الموت، وقال: ياقوم، اتقوا الله وحده لا شريك له، فوالله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنّ رجلاً ينكح الامهات والبنات والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة، والله لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت لله فيه بلاءاً حسناً». انظر طبقات ابن سعد: 5 / 66.
(5) الفخري في الآداب السلطانية: 98.
(6) مروج الذهب للمسعودي: 3 / 67.
أقول لصحب ضمت الكأس شملهم |
وداعي صبابات الهوى يترنّم |
|
خذوا بنصيب من نعيم ولذه |
فكلٌّ وإن طال المدى يتصرّم |
وهو القائل لما نهاه أبوه عن شرب الخمر الكثير:
أمن شربة من ماء كرم شربتها |
غضبت عليَّ اليوم طاب لي الخمر |
|
سأشرب فاسخط او رضيت كلاهما |
حبيب إلى قلبي عقوقك والسكر |
يروى أنّ معاوية أرسل سرية إلى قسطنطنية الروم وأمّر عليها سفيان بن عوف ثم ورد الخبر أنهم أصابهم جوع ومرض شديد، فأنشأ يزيد يقول:
إذا ارتفعتُ على الأنماط مصطبحاً |
بِدَير مُرّان عندي اُمّ كُلثُوم |
|
فَما اُبالي بما لاقَت جُنودُهم |
بالغَذ قَذونة من حُمّى ومُوم (1) |
وكان له قرد يكنى بأبى قيس، يحضره في مجلس منادمته، ويطرح له متكأ، وكان قرداً خبيثاً، وكان يحمله على أتان وحشية، قد ريّضت وذُللّت لذلك بسرج ولجام، وكان يسابق بها الخيل يوم الحلبة ' فجاء في بعض الأيام سابقاً، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل، وعلى أبي قيس قباء من الحرير الأحمر والأصفر، منقوش يلمع بأنواع الألوان، فقال في ذلك بعض شعراء الشام:
تمسك أبا قبيس بفضل عنانها |
فليس عليها إن سقطت ضمان |
|
ألا من رأى القرد الذي سبقت به |
جياد امير المؤمنين أتان (2) |
وقال المسعودي في «مروج الذهب»: كان يزيد صاحب طرب، وجوار، وكلاب، وقرود، وفهود، ومنادمة علي الشراب، وجلس ذات يوم على شرابه
__________________
(1) انظر كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: 17 / 210.
(2) مروج الذهب للمسعودي: 3 / 68.
وعن يمينه عبيد الله بن زياد (1) ، وذلك بعد قتل الحسين عليهالسلام فأقبل على ساقيه فقال:
أسقني شربة تروي حشاشتي |
ثم قم فاسق بعدها ابن زياد |
|
صاحب السر والأمانة عندي |
ولتسديد مغنمي وجهادي |
|
قاتل الخارجي اعني حسيناً |
ومبيد الأعداء والحساد |
ويروى أيضاً إنّه لمّا جيء أليه برأس الحسين عليهالسلام وهو في طشت من لجين وضع بين يديه، فجعل يشرب الخمر ويصب فضلته حول الطشت ألذي فيه رأس الحسين عليهالسلام وهو يتمثل بأبيات ابن الزبعري:
ليت اشياخي ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الأسل (3) |
ويروى أنّه لمّا وضعوا الرؤوس بين يدي يزيد وفيها رأس الحسين عليهالسلام جعل يقول:
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت |
قواظب في ايماننا تقطر الدما |
|
نفلق هاماً من رجال أعزة |
علينا وهم كانوا أعق وأظلما |
__________________
(1) هوعبيد الله بن زياد: كان يكنى أبا حفص، وكان أباه زياد قد طلّق اُمّه (مرجانة) وزوّجها من شيروية الأسواري ودفع اليها عبيد الله، فنشأ بين الأساورة ومن هنا جاءته اللكنة، وكان ولّاه معاوية خراسان ثم ولي البصرة خمس سنين، ولمّا هلك أبوه ضمت اليه الكوفة فكانت ولايته على العراقيين ثمان سنين، بعد هلاك يزيد أخرجه أهل البصرة من داره واستجار بمسعود بن عمرو الأزدي، ولما قتل مسعود هرب الى الشام فكان مع مروان بن الحكم وكان يوم «مرج راهط» على إحدى مجنبتي عسكره، فلمّا ظفر مروان بالضحاك بن قيس الفهري وقتله وردّه مروان إلى العراق فبينا هو قد قرب من الكوفة إلتقى به إبراهيم بن الأشتر النخعي على جيش من جيوش المختار بن عبيد الثقفي فناجزه الحرب فظفر به وقتله، وكان قتله يوم عاشوراء سنة (67 هـ). راجع ترجمة (عبيدالله بن زياد) في:
(2) مروج الذهب للمسعودي: 3 / 67.
(3) هذه الأبيات نسبها السيد ابن طاووس في اللهوف إلى ابن الزبعري.
فقام يحيى بن الحكم وهو يقول:
لهام بجنب الطف أدنى قرابة |
من ابن زياد النغل ذي الحسب الوغل |
|
سميّة أمسى نسلها عدد الحصى |
وبنت رسول الله ليست بذي نسل |
وجعل يزيد ينكث ثنايا الحسين عليهالسلام بعود الخيزران بمنظر من بناته وأخواته.
أتضربها شلّت يمينك إنّها |
وجوه لوجه الله طال سجودها (1) |
__________________
(1) وزينب عليهاالسلام كأني بها:
(نصاري)
يحسين راسك حين شفتة |
تلعب عصى ايزيد على شفته |
|
ذاك الوكت وجهي لطمتة |
صدّيتله ابحرگه وندهتة |
شلت يمينك يالضربته
(ابوذية)
هضمنه ما جرى اعلى احد وشافه |
برى بينه العدو وجرحه وشافه |
|
على راس السبط تلعب وشافه |
عصى ايزيد ويسب حامي الحميّه |
* * *
أيهدى إلى الشامات رأس ابن فاطم |
وينكته بالخيزرانة كاشحه |
في سبب عداوة يزيد بن معاوية مع الحسينعليهالسلام
الأضغان أصلية وفرعية، أمّا الأصلية فهي ما وقع بين هاشم وعبد شمس، لأنّهما ولدا توأمين وقد إلتصقت إبهام رجل هاشم بجبهة عبد شمس، ففرق بينهما بالسيف وخرج الدم فتفؤل بوقوع عداوة بين ذريتهما، ومن هنا كانت العداوة بين حرب ابن اُمية وبين عبد المطلب بن هاشم، وبين النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وبين أبي سفيان بن حرب، وبين علي عليهالسلام وبين معاوية.
وأمّا سبب عداوة يزيد بن معاوية مع الحسين فأنّها فرعية (1) .
يروى أنّه كانت امرأة تسمة ارينب بنت اسحاق زوجة لعبد الله بن سلام، بارعة في الجمال، وكانت مثلاً لأهل زمانها لحسنها وجمالها، فعشقها يزيد بن
__________________
(1) ذكر هذه القصة «محمّد بن مسلم بن قتيبة» في كتاب) الإمامة والسياسة) و (النويري) في (نهاية الإرب)، وذكرها صاحب (المستطرف) وغيرهم من المؤرخين على اختلاف بسيط شأن أرباب التاريخ، انظر: الامامة والسياسه: 1 / 216، وثمرات الاوراق (بهامش المستطرف): 1 / 169، ونهاية الإرب: 6 / 180 - 185، وتاريخ الطبري: 2 / 252 - 254، وطبقات ابن سعد: 1 / 76، والمستطرف: وفصل النزاع والتخاصم فيما بينى بني اُميه وبني هاشم المقريزي: (6، 18، 38)، والنصائح الكافية للشريف اليمني السيد ابن عقيل: (هامش ص 97)، والأرجوزه اللطيفة لأحمد خيري: 20 - 21 (الأبيات 37 - 39).
معاوية وهام بها حتى مرض مرضا ً شديداً، فلمّا نظر إليه معاوية وهو بتلك الحالة ظن أنّه قد أصابه مرض اعيى الأطباء عن معالجته، وقد قيل له: إنّ ولدك هذا عاشق، ولا تنفعه معالجتنا، وهو لا يبرء حتى تأتيه بطلبته، فانظر ما بُغيته وما طلبته، فاذا أتيت به إليه فإنه يبرء؛ فدعا معاوية عبداً له يدعى سرجون، وقال له: اختل مع يزيد واسأله ما بغيته وما طلبته؟ فاختلى به سرجون وأخبر فأطلعه يزيد على ذلك، فجاء سرجون وأخبر معاوية أنّه عاشق لأرينب بنت إسحاق، فاخذ معاوية يدبر الحيلة في إيصالها له بكل طريق، فأرسل الى زوجها عبدالله بن سلام «أني قلبت الأمر ظهراً لبطن (1) ونظرت فرأيت أنّ أهل الشام أوباش، وأنّهم لا يليقون لهذا الأمر وقد وجدتك مستحقاً للخلافة فأقدم إلينا حتى أجعلك ولي عهدي».
فلما ورد الكتاب على عبدالله بن سلام فرح وسرّ سروراً عظيماً، وتجهز من وقته وساعته وجعل يجدّ السير ليلاً ونهاراً، حتى إذا وصل الشام وبلغ معاوية قدومه خرج لاستقباله هو وحفدته كأبي الدرداء وأبي هريرة ونظائرهما، فلمّا نظر عبدالله إلى ذلك اطمأن قلبه وفرح، ثمّ جيء به الى دار من دور معاوية فأنزل فيها، وبقى في الشام مدّة من الزمن، فقال له معاوية يوماً: أريد أن أزوّجك أبنتي حتى تكون الخلافة لك من بعدي، - وكان ذلك على يد أبي الدرداء (2) وأبي هريرة ـ
__________________
(1) يعني أمر الخلافة وولاية العهد.
(2) أبو الدرداء هو: عامر بن زيد الانصاري ' كان صحابياً وكان يعد من ثلاثة علماء أهل الأرض قال بن قتيبة: إنّ أبا الدرداء وأبي هريرة جاءا لعلي - ولقد بعثهما معاوية - فقالا لعلي: إنّ لك فضلاً لا يدفع، وقد سرت مسيرة فتى الى سفيه من السفهاء، ومعاوية يسألك أن تدفع إليه قتلة عثمان، فإن فعلت ذلك وقاتلك كنا معك؛ فقال عليهالسلام : أتعرفانهم:؟ قالا: نعم، فقال عليهالسلام : فخذاهم، فأتيا محمد بن أبي بكر وعمّار بن ياسر والأشتر فقال: أنتم من قتلة عثمان قد أمرنا بأخذكم، قال: فخرج إليهم أكثر من عشرة الاف رجل فقالوا: نحن قتلة
فقبل عبدالله، فأخبر معاوية بذلك وجاء معاوية إلى ابنته وقال لها: إذا أتاك أبو الدرداء وأبو هريرة ليخطباك لعبدالله فقولي لهما: إن عبد الله كفؤ كريم، وقريب حميم، غير أنه تحت ارينب بنت إسحاق وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء، فأتولي منه ما أسخط الله فيه فيعذبني عليه، ولست بفاعلة حتى يفارقها، وإذا طلقها رضيت به بعلاً.
ثم إنّ أبي الدرداء وأبي هريرة جاءا إلى معاوية وقالا له: قد أخبرنا عبدالله وسر سروراً عظيماً، فقال لهما معاوية، أن ادخلا على إبنتي وكلماها في هذا الأمر؛ فدخلا عليه، وعرضا عليه ما ارتضاه لها أبوها، فقالت لهما بالذي علمها أبوها، فجاءا لمعاوية وأخبراه بذلك، قال: أمضيا وأعلماه عبد الله ببغيتها؛ فدخلا على عبد الله وأعلما ببغيتها قال: نعم إنّ زوجتي بنت اسحاق طالق، فطلقها بشهادتهما فرجعا لمعاوية وأخبراه، ولما بلغ لارينب الخبر اعدت بعدتها، وبقي عبد الله باشام راجياً أن يزوجه معاوية ابنته وأن يجعله ولي عهده، فصار معاوية بعد ذلك لا يعبأ به ولا يلتفت إليه.
ولما أن قضت عدت ارينب، دعا معاوية أبي الدرداء وقال له: تمضى إلى المدينة خاطبا ارينب لولدي يزيد، وليكن المهر حكمها بالغاً ما بلغ؛ فسار أبو الدرداء حتى إذا وصل المدينة فقال في نفسه: والله لا ابتدأ بشيء قبل أن ازور قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجاء ودخل مسجد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فزار النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ثم خرج وقال في نفسه: لأمضين إلى زيارة سيدي ومولاي الحسين عليهالسلام ، فلمّا رآه رحب به وقال
__________________
عثمان فقالا: لنرى امراً شديداً.
وذكر نصر بن مزاحم أنّ أبا الدرداء رجع من صفين ولم يشهد القتال. انظر: الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 128، ووقعة صفين للمنقري: 190.
له: من أين أقبلت يا أبا الدرداء؟ قال؟ سيدي من الشام، فقال له الحسين عليهالسلام : ما حاجتك؟ قال: خاطباً اُرينب ليزيد ابن معاوية، فقال له الحسين عليهالسلام : أجل اذكرني عندها، واجعل مهرها حكم لسانها بالغاً ما بلغ؛ فقال: اعرض عليها انشاء الله.
ثم خرج من عند الحسين عليهالسلام ، فلقيه القثم بن العباس ابن عبد المطلب (1) ، فسأله عن سبب مجيئه فأخبره بما جاء فيه، فقال: اذكرني عندها؛ ثم لقيه عبدالله بن الزبير فسأله عن سبب قدومه الى المدينة، فأخبره بذلك فقال له: اذكرني عندها؛ قال: افعل. ثم أقبل حتى دخل عليها، فسلم فردت عليهالسلام ، ورحّبت به، فلمّا استقرّ بها المجلس قال لها: يا اُرينب إني اتيت خاطباً لك؛ قالت: لمن؟ قال: لأربعة نفر للحسين بن علي بن ابي طالب، وليزيد ابن معاوية، وللقثم بن العباس، ولعبد الله بن الزبير، والصداق ما تحكمين به أنت بالغاً ما بلغ. فتبسمت، فقال لها: لا تتبسمي ولي فيك رغبة، فقالت له: أستشيرك والمستشار لا يخون، فقال: أنا أشير عليك، واعرض لك الحقيقة، أمّا اذا أردت الدنيا بلا لآخرة فعليك بيزيد ابن معاوية، وإن كنت تريدين الجمال والبهاء فعليك بالقثم ابن العباس، وإن كنت تريدين الشجاعة والبسالة فعليك بابن الزبير إلّا أنّه بخيل، وإن كنت تريدين شرف الدنيا والآخره فعليك بالحسين بن علي بن ابي طالب عليهالسلام ، وان كنت
__________________
(1) القُثَم ابن العباس بن عبد المطلب: ولد على عهد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وليست له رواية عنه لأنّه كان صغيراً، وكان من خواص امير المؤمنين عليهالسلام ، وكان عامله على مكّة، وكتب إليه في بعض كتبه: «اقم للناس الحج، وذكرهم بأيّام الله، واجلس لهم العصرين، فأفت المستفتي وعلّم الجاهل وذاكر العالم... إلى اخر كلامه عليهالسلام » ومنها يُعرف جلالة قدره وعدالته وثقة أمير المؤمنين عليهالسلام به، [انظر نهج البلاغة: 3: 140 / 67]. وفي رجال الشيخ الطوسي؟ 55 / 7، وفيه: في بعض النسخ المعتبرة قبره بسمرقند؛ وفي المعارف: 122، قال ابن قتيبة: قتل بسمرقند.
تريدين لا دنيا ولا آخرة فعليك بي. قالت: إعقدها للحسين بن علي عليهالسلام ؛ فعقدها أبو الدرداء للحسين عليهالسلام ، وبذل لها الحسين أموالاً جزيرة، وأفرغ لها داراً وأعزّها وأكرمها، ولم يصل إليها ولم يدخل بها، وأمّا عبد الله بن سلام فإنّ معاوية تركه وقكع عنه روافده لسوء قوله فيه، وأسقط ما في يديه، فرجع الى المدينه وقد بلغه ما فعل الحسين عليهالسلام سرَّ سروراً عظيما، حيث انها لم تصل الى ليزيد ابن معاوية فصادف الحسين عليهالسلام في الطريق فسلّم عليه وقبل يده، فقال له الحسين عليهالسلام : يا عبد الله ما فعل بك معاوية؟ قال: سيدي ما لا خفاء به عليك. فقال له الحسين: ألك حاجة عند اُرينب؟ قال: نعم، أودعت عندها حُقاً، وفيه شئ من الدر، سيدي أسألها لعلها ترده عليَّ،. وكان يظن أنّها تجحده لطلاقها من غير سبب كان منها له، فقال له الحسين عليهالسلام : امض بنا إليها، فمضى عبد الله يمشي خلف الحسين عليهالسلام ، حتى وافيا المنزل فصاح الحسين عليهالسلام : ربة الخدر أرسلي عليك جلبابك؛ فأرسلت عليها جلبابها ثم سألها الحسين عليهالسلام عن الحق، قالت: نعم هو عندي ولا أعلم بما فيه، وانه مختوم بخاتمه. ثم قامت ودخلت الحجرة وجاءت بالحق فوضعته بين يدي الحسين عليهالسلام ، فلما نظر اليه عبدالله والى ختمه على حالته بكى، فقال له الحسين: مم بكاؤك؟ قال: سيدي لحسن وفائها وأنّها لم تخنّي بشيء قط منذ كانت عندي، وأبكي أسفاً على ما ابتليت به. فقال له الحسين عليهالسلام : أتحب؟أن ترجع إليها؟ فسكت عبد الله؛ فقال الحسين عليهالسلام : أشهد الله أنّها طالق ثلاثاً، اللّهمّ إنك تعلم أنّي لم استنكحها رغبة في مالها ولا في جمالها ولكنّي أردت احلالها لبعلها.
قال الراوي: ولم يأخذ الحسين عليهالسلام مما ساق لها من مهرها قليلاً ولا كثيراً، وكان عبدالله سأل ارينب التعويض على الحسين عليهالسلام ، فأجابته إلى ذلك شكراً لما صنعه، فلم يقبل الحسين عليهالسلام وقال: الذي أرجو عليه الثواب خير لي منه؛ فلمّا
انقضت اقراؤها تزوجها عبدالله بن سلام، وعاشا متحابين حتى قبضهما الله تعالى (1) .
قال الراوي: ولمّا بلغ يزيد ابن معاوية صنع الحسين عليهالسلام عظم ذلك عليه، وبقي قبله يغلي على الحسين عليهالسلام كالمرجل، وكادت شضايا قالبه أن تخرج مع نفسه، لذا لمّا هلك معاوية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وكان والياً على المدينة أن خذ من أهل المدينة البيعة لي عامة، ومن الحسين خاصة، وإن أبى فليكن جواب كتابي هذا مع رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام .
ولمّا خاف الحسين عليه السام أن تهتك حرمة جدّه خرج من المدينة بأهله وعياله، كما قال السيد جعفر رحمه الله:
خرج الحسين من المدينة خائفاً |
كخروج موسى خائفاً يتكتم |
أقول فلو كان الحسين خائفا من أحد للزم غير الجادة، كما فعل ابن الزبير وأخوه فأنهما هربا على طريق الفرع، والحسين عليهالسلام أشاروا عليه في ذلك وقالوا له: لو تنكبت الطريق كما فعل ابن الزبير لئلا يلحقك الطلب؟ فقال: لا والله، لا افارق الطريق الأقوم حتى يقضي الله ما هو قاض.
ولكنّه إنّما خرج ليلاً خوفاً على حرمه لئلّا تقع عليهنّ عيون الأجانب، لذا قال السيد جعفر:
خرج الحسين من المدينة خائفاً |
كخروج موسى خائفاً يتكتّم |
|
وقد انجلى عن مكّة وهو ابنها |
وبه تشرفت الحطيم وزمزم |
__________________
(1) انظر الإمامة والسياسة لابن قتيبة: 1 / 216، وثمرات الأوراق في المحاضرات: 1 / 196.
لم يدر أين يريح بدن ركابه |
فكأنما المأوى عليه محرم (1) (2) |
__________________
(1) انظر ديوان السيد جعفر الحلي رحمه الله.
(2)
(حدي)
يوم الذي راعي الشيم |
انوه يشد الراحله |
|
جاب المحامل للحرم |
كل فرد وجّه فرد حيد اله |
|
طب لعد زينب مبتسم |
عباس راعي المرجله |
|
گاللها يا ضنوة علي |
گومي نريد لكربله |
|
گالتله خويه محملي |
يا هو الذي يتچفّله |
|
گاللها عيناچ ابشري |
امرچ نود نتمثّله |
|
طلعن اوعباس ايحدي |
والزمل ضج اهلاهله |
|
كل ساع وعباس ونزل |
محمل الحرّه ايعدّله |
|
صد له لحسين وناشده |
شنهي نزلتك بالفله |
|
گله يخويه نزلتي |
تدري بختنه امدلّله |
|
ما تحمل الذل والهظم |
نشات على العز والعله |
|
ريتك ياعباس اتحضر |
يوم اطلعت من كربله |
|
سترت وجهها اچفوفها |
والدمعه على الخد سايله |
(نصاري)
آنه بگيت امحيّره واصفگ باليدين |
لا عباس يبرالي ولا احسين |
|
سضربوني من ابچي وتدمع العين |
وتبگه عبرتي ابصدري تكسّر |
(تخميس)
هذه زينت ومن قبل كانت |
بفنا دارها تحطُّ الرحال |
|
أضحت اليوم واليتامى عليها |
يالقوم تصدّق والأنذال |
في مراسلة أهل الكوفة للحسين ووصية معاوية ليزيد
وروى المفيد رحمه الله قال: لمّا قضى الحسن بن علي عليهماالسلام اجتمع نفر من أهل الكوفه في دار سليمان بن صرد الخزاعي (1) ، وكتبوا إلى الحسين عليهالسلام كتاباً يعزونه
__________________
(1) سليمان بن صرد الجون الخزاعي:
كان صحابياً، اسمه في الجاهليه: يسار، فسماه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم سليمان ويكنى أبا المطرف، ونقل الكشي عن الفضل بن شاذان: أنّه كان من التابعين الكبار ورؤسائهم وزهادهم، وقال ابن الأثير في اُسد الغابة في «ترجمة سليمان»: وكان له قدر وشرف في قومه، وشهد مع علي بن أبي طالب مشاهده كلها، وهو الذي قتل حوشباذاظليم الألألهاني بصفين مبارزة، وكان فيمن كتب إلى الحسين عليهالسلام بعد هلاك معاوية يسأله القدوم إلى الكوفة، فلمّا قدمها كان في حبس ابن زياد، فلمّا قتل الحسين عليهالسلام ندم هو والمسيب بن نجية الفزاري وجميع من خذله ولم يقاتل معه، وقالوا ما لنا توبه إلا أن نطلب بدمه، وخرجوا من الكوفة مستهل ربيع الآخر سنة اربع وستين، وولو أمرهم سليمان وسموه أمير التوابين، وساروا الى عبيد اله بن زياد، وكان قد سار من الشام في جيش كثير يريد العراق فالتقوا بعين الوردة من أرض الجزيرة وهي رأس عين، قتل سليمان ومسيب وكثير ممن معهما، وحمل رأسيهما إلى مروان بن الحكم بالشام وكان عمر سليمان حين قتل ثلاثاً وتسعين سنة. انظر رجال الكشي: 96 / 124، واُسد الغابة: 2 / 351، والإصابة: / رقم (3450)، وتاريخ الإسلام للذهبي: 3 / 17، والأعلام للزركلي: 3 / 127، وتاريخ من دفن في العراق من الصحابة (للمؤلف رحمه الله): 219.
فيه بوفاة أخيه الحسن عليهالسلام ، وهو:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام .
من شيعته وشيعة أبيه، أما بعد...
«فقد بلغنا وفاة أخيك الحسن عليهالسلام ، فرحمه الله، وضاعف حسناته بدرجة جدّه محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأبيه علي عليهالسلام ، وضاعف لك الأجر بالمصاب، فعند الله نحتسبه، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ممّا اصيب بهذه الامّة عامة، ورزيت به خاصة، فاصبر يا أبا عبد الله، فإن ذلك من عزم الاُمور، وإنّك والحمد لله خلف من كان قبلك، وإنّ الله يعطي رشده لمن كان سبيلك، ونحن شيعتك المحزونون بحزنك، والمسرورون بسرورك، والمنتظرون لأمرك، والسلام» (1)
ثم صار الناس يقولون: إن هلك معاوية لن نبدل بالحسين أحداً، وصاروا يختلفون إليه، فبلغ ذلك معاوية، فكتب للحسين عليهالسلام كتاباً يقول فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من معاوية بن أبي سفيان
إلى الحسين بن علي بن أبي طالب... أمّا بعد...
«فقد بلغني عنك أشياء قد انتهت إليّ، واظنّها باطلة، ولعمري إن كان ما بلغني عنك كما ظننت، فأنت بذلك أسعد، وبعهد الله أوفى، ولا تحملني على أن أقطعك، فأنك متى تكدني أكدك، ومتى تكرمني أكرمك، ولا تشق عصى هذه
__________________
(1) نقول: لم نعثر على هذه المكاتبة في كتاب الإرشاد في كتاب المفيد رحمه الله، وذكره اليعقوبي في تأريخه باختلاف يسير: انظر تاريخ اليعقوبي: 2 / 216.
الأُمة فقد خبرتهم وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك، والسلام» (1) .
فلمّا وصل الكتاب إلى الحسين كتب إليه:
أمّا بعد... فقد وصلني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، ومعاذ الله أن أنقض عهداً عهده إليك أخي الحسن عليهالسلام ، وأمّا ما ذكرت من الكلام، فإنّما أوصله اليك الوشاة الملقون بالنمائم، فإنهم والله يكذبون، والسلام.
ولمّا وصل الكتاب الى معاوية امسك عنه، ولم يجبه إلى أن أحسّ بدنوّ أجله، وكان نغله يزيد غائباً، فدعى بدواة وبياض، وكتب له وصيّة، وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم
أمّا بعد... فإنّ الله خلق كل شيء لميقات يوم معلوم، ولو خُلّدَ في هذه الدنيا أحد، لكان رسول الله أولى بذلك، يا بني اُوصيك بوصية لا تزال بخير ما دمت حافظاً عليها، اُوصيك بأهل الشام فإنهم منك وأنت منهم، فمن قدم عليك منهم فأكرمه: وإذا دهمك عدو سر بهم إليه، وإذا ظفرت فردهم الى بلدهم، فإنهم متى أقاموا بغير بلدهم فسدوا عليك، لأنهم لا يعقلون، وانظر يا بني إلى اهل العراق في امورهم، فان سألوك ان تعزل عنهم في كل يوم عاملاً فافعل، فإن عزل العامل أهون عليك من شق العصى، واعلم يا بني إنّي قد وطئت لك البلاد، وذلّلت لك رقالب العباد، ولا اخشى عليك إلّا من أربعة أنفار، فإنّهم لا يبايعونك، أولهم: عبد الرحمن بن أبي بكر، فأنّه صاحب الدنيا، فمدّه بدنياه، وأعطه ما يريد.
والثاني: عبد الله بن عمر (2) ، فإنه صاحب محراب وقرآن، وقد تخلّى من
__________________
(1) الإمامة والسياسة: 1 / 201.
(2) هو عبدالله بن عمر بن الخطاب، كان يكنّى أبا عبد الرحمن، أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير، يروى أنّه دخل على الحجاج أيام عبد الملك بن مروان وقال له: مد يدك اُبايعك لعبد الملك،
الدنيا ولا أظنه ينازعك في هذه الأمر.
والثالث عبد الله ابن الزبير، فإنه يراوغك مراوغة الثعلب، ويجثوا لك جثو الأسد، فإن حاربك فحاربه، وإن سالمك فسالمه، وإن أشار عليك فاقبل مشاورته.
والرابع: الحسين بن علي بي أبي طالب، يا بني فإنّ الناس لا يدعونه حتى يخرج عليك، فإن ظفرت به فاحفظ قرابته من رسول الله، واعلم يا بني أنّ أباه خير من أبيك، وأنّ اُمّه خير من اُمّك، وإن جدّه خير من جدّك، وللمرء ما بقلبه، وهذه وصيّتي إليك والسلام (1) .
أقول: لو أمعنا النظر إلى هذه الوصيّة التى اوصا بها معاوية نغله لوجدناها في الحقيقة كما يقال: (كلمة حقّ يراد بها باطل)، كأنه يريد أن يقول: لا يعزب عنك أنّ الحسين بن رسول الله وأبوه أمير المؤمنين واُمّه سيّدة نساء العالمين، وهو حي يرزق، والأبصار شاخصة له، وله الأهلية للخلافة، لشرفه وفضيلته، فالناس لا يتركونه حتى يبايعون له، ويخرج الأمر من يدك، فإذا ظفرت به فاقتله.
لذا كتب الى الوليد كتاباً في أخذ البيعة له من الحسين وإن أبى فليكن رأس الحسين مع جواب الكتاب، وبعدها كتب إلى ابن زياد في أمر الحسين عليهالسلام ، وكتب ابن زياد إلى قائد جيش الظلال وهو عمر ابن سعد: فإذا قتلت حسينا فأوطئ
__________________
فمدّ الحجاج اليه رجله - وكان نائماً - وقال له: إصفق على هذه، وبعد هذا دسّ إليه الحجاج رجلاً من جنده فسم زجَّ رمحه والتقى معه في الطريق، فزحمه وطعنه في ظهر قدمه بالزج المسموم، فتورّمت قدمه وسرى السم في جسمه فمات. انظر ترجمة (عبدالله بن عمر) في: طبقات ابن سعد: 4 / 105 - 138، تهذيب الأسماء: 1 / 278، الأعلام: 4 / 108
(1) ذكر الجاحظ في كتابه البيان والتبين وصيّة معاوية بتحريف، منها: وأمّا الحسين فإني أرجو أن يكفيك الله بمن قتل أباه وخذل أخاه. انظر: البيان والتبين: 2 / 106.
الخيل صدره وظهره، فإنّه عات ظلوم، فكان كل ذلك بايعاز من يزيد بن معاوية، إذ أنّ ابن زياد لا يستبد برأيه، وامثال القائد بما أمره به زياد، فلمّا قتل الحسين أعطى الجيش إرادة لازمة برض الجسد الشريف، ونادى باعلى صوته، من ينتدب للحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره؟ فانتدب إليه عشرة عشرة يقدمهم الأخنس عليه اللعنه، وداسوا صدر الحسين بحوافر خيولهم بمرئ من الحوراء زينب:
يا عقر الله تلك الخيل اذ جعلت |
اعضاءه لعواديها مضاميرا |
|
رضت جياد الخيل صدري ان سلى |
بالطف قلبي رضّ تلك الأضلع (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
نادى ابن سعد گوموا يفرسان |
العبوا فوگ صدر احسين ميدان |
|
تعنّت خيل عشره الفخر عدنان |
خبوها اعلى صدره اشلون جاسين |
(دكسن)
داست خيلهم ظهر المچنّة |
بحوافرها يويلي جلبنّة |
|
ظهره فوگ صدره رضرضنّه |
ردّن من بعد ما فعلن الشين |
وزينب وكأني بها:
(عاشوري)
يخويه فوگ اصاويبك يرضّوك |
ولا راعوا شرف جدّك ولا ابوك |
|
عطشان من الورد منعوك |
وچثته امعفّرة فوگ الوطيّة |
(ابوذيّة)
اليمة تنصب ابعاشور عشره |
على الداست اضلوعة اخيول عشره |
|
متنسه الشابچه اعلى الراس عشره |
لو متنسه اچفوف ابو فاضل وخيّة |
* * *
ولصدره تطأ الخيول وطالما |
بسريره جبريل كان موكلا |
في بعض وصية معاوية وتخلف يزيد
وكتابه إلى الوليد بن عتبة بالمدينة
قال أهل السير: إنّ معاوية لمّا دنا أجله بعث على نغله يزيد، وكان والياً على حمص (1) ، يأمره بالقدوم إليه، فأقبل إليه الرسول وكان يزيد على سطح الدار، فسمع النحيب، نظر إلى سطح الدار فرأى الرسول واقفاً، فقال له ويلك مات معاوية؟ قال: لا، فأنشأ [يزيد] يقول:
جاءَ البَريدُ بِقِرطاسٍ يحثُّ به |
فأوجس القلبُ من قِرطاسه جزعا |
|
قلنا: لك الويلُ ماذا في صحيفتكم؟ |
قال الخليفةُ أضحى مدفنا وَجعا |
__________________
(1) في ولاية يزيد (لعنه الله) على حمص، قال بها الذهبي في تاريخ دول الإسلام: 37.
حمص: مدينة مشهورة قديمة وكبيرة، بناها رجل يقال له: حمص بن المهر، وتقع في بلاد الشام بين دمشق وحلب، وتعتبر من المدن الاسلامية المهمّة، فيها مشهد أمير المؤمنين علي عليهالسلام ، فيه عمود عليه موضع إصبعه عليهالسلام ، (هكذا يقال) ويقال ايضاً: أنّ فيها قبر (قنبر) مولى أمير المؤمنين عليهالسلام ، وقبر سفينة مولى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبها قبور لأولاد جعفر الطيار عليهالسلام ، وإن شئت التفصيل أكثر فراجع معجم البلدان للحموي: 2 / 302 وفيه: إنّ يزيد بن معاوية كان والياً عليها في خلافة أبيه.
فمادت الأرض أو كادت تميد بنا |
حتى كأن قوى أركانها قلعا |
ثم تهيأ للمسير من وقته وساعته، وسار إلى الشام فوجده حياً، وكان معاوية قد كتب له وصية كما تقدم، وقد كتب له في أمر الأربعة وكيف يعاملهم، وهم الحسين بن علي بن ابي طالب، وعبدالرحمن ابن ابي بكر، وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير؛ فقال ارباب التاريخ:
ولما فرغ يزيد من دفن أبيه جلس للعزاء فدخل عليه الناس وهم لا يدرون يعزونه ام يهنئونه، فتقدم اليه عبدالله بن همام السلوي، وقال: آجرك الله يا أمير على الرزية، وبارك لك في العطية، فاشكر الله على عطيته، واصبر على عظيم رزيته، ثم أنشأ يقول:
اصبر يزيد لقد لاقيت معظلة |
واشكر أيادي الذي للملك أعطاكا |
|
لا رزء أعظم والأقوم قد علموا |
لقد رزيت ولا عقباً كعقباكا |
|
أصبحت والي جميع الناس كلّهم |
فأنت ترعاهم والله يرعاكا |
ودخل عليه الضحاك بن قيس الفهري، وقال: يا أمير أصبحت خليفة ورزيت بخليفة، هنيئت بالعطية وأجرت على الرزية.
ولما تمت له الاُمور كتب إلى الوليد ابن عتبة ابن أبي سفيان، كتاباً يأمره بأخذ البيعة له من أهل المدينة عامة، ومن الحسين بن علي، وعبد الرحمن ابن أبي بكر، وعبدالله ابن عمر، وعبدالله ابن الزبير، خاصة (1) .
وقال اليعقوبي في تأريخه: كتب إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وهو عامل المدينة:
__________________
(1) المنتظم لابن الجوزي: 5 / 322، تاريخ الاُمم والملوك للطبري: 5 / 338 - 328، وانظر كتاب التعازي والمراثي لابن المبرد: 119 - 121.
إذا أتاك كتابي هذا فأحضر الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة، فان امتنعا فاضرب عنقيهما، وابعث إليّ برأسيهما، وخذ الناس بالبيعة، فمن امتنع فانفذ فيه الحكم، وفي حسين بن علي وعبدالله ابن الزبير، والسلام (1) .
فلما وصل اليه الكتاب بعث على مروان بن الحكم، فأحضره واستشاره في أمر هؤلاء الأربعة، فقال له مروان: الرأي أن ترسل إليهم في الليل، وتدعوهم إلى البيعة، فإن فعلوا فذاك، وإلّا فاضرب عنقهم. ولمّا جنّ الليل أنفذ الوليد إليهم رسولاً، فذكر له أنهم مجتمعون عند قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فجاء إليهم وقال لهم: إنّ الأمير يدعوكم؛ فقالوا له: انصرف، نحن نأتي خلفك. فلمّا أنصرف الرسول قال ابن الزبير للحسين عليهالسلام : يابن رسول الله أتدري ماذا يريد منا الوليد؟ قال عليهالسلام : نعم إنّ معاوية قد مات، وقد خلف نغله يزيد من بعده، وولاه الأمر، وقد وجّه في طلبكم ليأخذ منكم البيعة له، فما أنتم قائلون؟ فقال عبد الرحمن ابن بي بكر: أما أنا فأدخل داري وأغلق عليَّ الباب ولا أبايعه؛ وقال عبد الله بن عمر: أما أنا فعليَّ بقرآءة القرآن ولزوم المحراب؛ وقال ابن الزبير: أما أنا فلا اُبايع، حتى يصير السيف والرمح بيني وبينه؛ وقال الحسين عليهالسلام : أما أنا فأجمع فتيتي وأتركهم بباب الدار وأدخل على الوليد، فأناظره ويناظرني، وأطالب بحقّي.
قال الراوي: ثم تفرّقا، وجاء الحسين عليهالسلام إلى داره وجمع مواليه وإخوته، وهم تسع عشر، وخرج حتى وافى دار الوليد، فقال لإخوته: أنا داخل على هذا الرجل فاجلسوا أنتم على الباب، فإن سمعتم صوتي قد علا فهجموا عليه لتمنعوه عنّي؛ ثم دخل عليه فوجد عنده مروان بن الحكم، فقام الوليد إجلالاً له، ورحّب به وأجلسه إلى جنبه، ثم أخرج إليه كتاب يزيد، ونعى إليه معاوية، ودعاه إلى
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 229.
البيعة.
فقال الحسين عليهالسلام : إنا لله وإنا إليه راجعون، إذن مثلي لا يبايع سراً، ولا أظنكم تردون منّي في السر، ولكن إذا خرجت إلى الناس ودعوتهم الى البيعة كنت أول مبايع. وكان الوليد يحب حسن العواقب في الُامور، فقال له: انصرف يا أبا عبد الله على اسم الله، حتى تأتينا غداً. فقال له مروان: إن فاتك الثعلب لم تر إلّا غباره فلا تدعه يخرج حتى يبايع أو تضرب عنقه؛ فلمّا سمع الحسين كلامه وثب إليه قائماً على قدميه، وقال له: يابن الزرقاء (1) أنت تقلتني أم هو؟! كذبت والله واثمت؛ ثم التفت الحسين عليهالسلام إلى الوليد، وقال له: يا أمير نحن أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، بنا فتح الله، وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أيّنا أحقّ بالبيعة والخلافة.
فبينا هو كذلك اذ دخلوا اُخوة الحسين مجرّدين سيوفهم، وكأني بهم يقدمهم أبو الفضل العباس شاهراً سيفه، منتظراً أمر أخيه الحسين.
قال الراوي: ثم خرج الحسين من عند الوليد وقد احدقت به اُخوته، وهو يقول:
لا ذعرت السوافي فلق الصبح |
مغيراً فلا دعيت يزيدا |
__________________
(1) الزرقاء: هي جدّة مروان وكانت مشهورة بالفجور، وكانت لمروان مع الحسين عليهالسلام مواقف كثيرة، وكان شديد العداوة للحسين عليهالسلام ، منها: أنّه صعد يوماً على المنبر بالمدينة وقال: يا بني هاشم إنّما فخركم بامرأة وهي فاطمة وكان الحسين عليهالسلام جالساً فقام إليه ولوى عمامته في عنقه حتى خرج الدم من انفه، ثم أراد قتله فأقسم الناس عليه بجده رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إن يتركه فتركه. انظر: تاريخ الطبري: 4 / 338، وتاريخ اليعقوبي: 2 / 229، وتاريخ الخميس: 2 / 297، وتاريخ ابن خلدون: 3 / 19، والكامل في التاريخ لأبن الأثير: 4 / 14.
يوم أعطي مخافة الموت ضيماً |
والمنايا يرصدنني أن أحيدا |
أقول: أجل أين كانت عنه هذه الفتية من بني هاشم لما افترق عليه أهل الكوفة أربعة فرق، نعم كانوا بقربة مجزّرين كالأضاحي:
على الأرض صرعى من كهول وفتية |
فرادا على حرِّ الصفا وتوام (1) |
__________________
(1) وكأنّي بالحسين عليهالسلام لمّا نظر إلى أصحابه صرعى مجزّرين على أرض كربلاء:
(بحراني)
ظل يناديهم يفرساني تخلّوني وحيد |
شالسبب عفتوا مخيّمكم او نمتوا على الصعيد |
|
لا ولد ليه بقه يحمي حريمي او لا عضيد |
اوابن سعد بعدي يسير هالحراير نّيتة |
|
واشلون يا عباس تتركني او حريم امحيّره |
عايف الخيمة يبوفاضل ونايم بالثرى |
|
وهاي زينب عگب عينك بالحرم متمرمره |
او تدري باليفگد عضيده اتقل يخويه حيلته |
(موشح)
صاح يا زهير او يا مسلم يا هلال ويا حبيب |
صحبتي كلكم نسيتوها وتركتوني غريب |
|
ما تجون الها اليتامه ذوبوني امن النحيب |
ظلّت اجثثهم تموج وتضطرب من نخوته |
|
تصيح سامحته يبو سكنه ترى احنا مصرّعين |
شوفنا هذا كفوفه امگطّعه وهذا طعين |
|
صاح معذورين يالي على التراب امجزّرين |
واگبل على امخيمه عزمه يودّع نسوته |
(تخميس)
لهفي عليهم وبحد السيف قد صرعوا |
وبعدهم لأسى والحزن ارتضعُ |
بالله هل لهم في رجعةٍ طمعُ
نذرُ عليَّ لئن عادوا وإن رجعوا |
لأزرعنَّ طريق الطف ريحانا |
في موبقات معاوية
ذكر ابن عساكر في تأريخه، قال:
«أربعة خصال كنّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنّ إلّا واحدة لكانت موبقة (1) : إنتزاءه على هذه الاُمة بالسفهاء حتى ابتزّها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوالفضيلة (2) ، واستخلافه إبنه [يزيد] بعده سكّيراً خمّيراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادّعاؤه زياداً. ( وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» - وقتله حجر ابن عدي؛ فيا ويلاً له من حجر، ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر» (3) .
__________________
(1) قوله تعالى ( وجعلنا بينهم موبقا ) أي: مهلكاً، ويوبقهنّ (أي): يهلكهنّ، ومنه: «اعوذ بك من موبقات الذنوب»، اي: مهلكاتها، من إضافة الصفة الى الموصوف، أي: الذنوب المهلكة: الموبق: واد في جهنّم؛ انظر سورة الكهف 18: 52، ومجمع البيان: 6 / 735، ومجمع البحرين.
(2) قال المبرّد في الكامل: ويروى انّ يزيد ابن معاوية قال لمعاوية في يوم بويع له على عهده، فجعل الناس يمدحونه ويقرظونه: يا أمير المؤمنين انخدع الناس أم يخدعوننا؟ فقال له معاوية: كل من أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ حاجتك فقد خدعته. انظر الكامل للمبرد: 305.
(3) تاريخ ابن عساكر. ونقله فضيلة الاستاذ المرحوم أحمد خيري عن ابن الأثير والطبري
قال أرباب التأريخ: أمّا سبب قتله حجر بن عدي، فإنّه كان المغيرة بن شعبة والي الكوفة من قبل معاوية، فكان يلعن علي بن ابي طالب عليهالسلام في خطبته، فيقوم له حجر بن عدي الكندي ويقول له: إنّ الفقراء محتاجون، فلو قسمت مال المسلمين عليهم لكان خير من هذا - وغرضه أن يهيّج عليه، حتى يمتنع من سب أمير المؤمنين عليهالسلام - فقيل له: لو ضربت عنقه فقد أهاج الناس عليك، فقال: إنّه رجل صحابي وتابعي، وما أحب أن ألقى الله بدمه، وسيأتي غيري، فيفعل معه مثل ما يفعل بي، فيتولي قتله.
حتى إذا ولى المصرين زياد ابن أبيه - وهما الكوفة والبصرة - صار يلعن أمير المؤمنين عليهالسلام أمام خطبته، فيقوم له حجر ويقول له مثل ما كان يقوله للمغيرة: قسم المال على الفقراء فإنّهم محتاجون، ودع لعن علي بن أبي طالب.
فأمر زياد (لعنه الله) بقبضه، فقبض ومعه ثلاثون رجلاً وبعثه إلى معاوية، فلمّا وصلوا «مرج عذراء» (1) حبسا هناك، فاُخبر معاوية بوصولهم، فأمر معاوية بقتل حجر وبعض من كان معه وعفى عن الباقين لتشفع اقوامهم بهم، فلمّا قدموا
__________________
وايضاً عن ابن عبد ربه، وذلك في ارجوزته اللطيفة: 19 / البيت (35).
انظر: الكامل للتأريخ لابن الأثير: 3 / 209، وتاريخ الطبري: 6 / 157، والإستيعاب (بهامش الإصابة): 1 / 134.
وفي خزانة الأدب للبغدادي نقله ايضاً، وأضافة بعدها ما نصه: (وروي عن الشافعي أنه أسرّ إلى الربيع أن لا يقبل شهادة أربعة، وهم: معاوية وعمرو ابن العاص والمغيرة وزياد). انظر خزانة الأدب للبغدادي: 2 / 519.
(1) مرج عذراء: قرية بغوطة دمشق فتحها حجر بن عدي الكندي، وقتل بها (رضوان الله عليه)، وقبره بها وفيها يقول الشاعر:
وكم من قتيل يوم عذراء لم يكن |
لصاحبه في أوّل الدهر قاليا |
انظر معجم البلدان للحموي: 4 / 91.
للقتل، قال حجر: أمهلوني حتى اُصلّي لربّي ركعتين، فأمهلوه، فقام حجر فتوضّأ وصلّى ركعتين، أطال فيهما ليرى الناس أنه مسلم موحد، فَبِم يستحلّ معاوية قتله؟ فلم ير في ذلك اليوم من يقول له: هذا مسلم وموحّد، بم تستحلّ قتله؟ ولما قتله؟ فسمعت ابنة حجر بقتل أبيها فأنشأت تقول:
ترفع أيها القمر المنير |
لعلك أن ترى حجراً يسير |
|
يسير إلى معاوية بن حرب |
ليقتله كما زعم الأمير |
|
تجبرت الجبابر بعد حجر |
وطاب لها الخورنق والسدير |
|
وأصبحت البلاد به محولاً |
كأن لم يأتها يوم مطير |
|
ألا ياحجر حجر بن عدي |
تلقتك السلامة والسرور |
|
أخاف عليك ما أردى عدياً |
وشيخاً في دمشق له زئير |
|
فأن يهلك فكلّ عميد قوم |
إلى هلك من الدنيا يصير (1) |
وحدث زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق قال: أدركت الناس وهم يقولون: إنّ أوّل ذلٍّ دخل الكوفة هو لمّا مات الحسن بن علي عليهالسلام وقتل عدي بن حجر الكندي (2) .
إذ أنّ حجر كان ثقة، معروفاً صحابياً وتابعاً، شهد مع علي عليهالسلام صفين،
__________________
(1) قيل هذه الأبيات لهند بنت زيد الأنصارية قالتها حينما ساروا بحجر إلى معاوية، وذكر بعضهم أنّ هذه الأبيات لأخت حجر، ورثاه أيضاً عبدالله بن خليفة الطائي بقوله:
أقول ولا والله أنسى فعالهم |
سجين الليالي أو أموت فاقبرا |
وكذلك رثاه قيس ابن فهدان بقوله:
يا حجر يا ذاالخير والأجر |
يا ذالفضائل نابه الذكر |
انظر: ترجمة «حجر بن عدي» من بغية الطالب لابن العديم: 151، 159.
(2) تاريخ الطبري: 5 / 279، وفي آخره: ودعوة زياد. (أي): ادّعاه معاوية لزياد واستلحاقه بأبي سفيان.
والنهروان، والجمل، وكان من رجاله المشهورين، ولمّا قتله معاوية ندم على ما فعل، فدخل عليه رجل من الناس، وقال له: أين صار عنك أبي سفيان؟ قال له: حين غاب عنّي مثلك (1) .
وكان معاوية بعدها يقول، ما قتلة أحداً إلّا وأنا أعرف فيم قتلته، وما خلا حجراً فإنّي لا أعرف بأي ذنب قتله.
وروى اليعقوبي في تاريخه: قال معاوية للحسين بن علي عليهالسلام : يا أبا عبدالله علمت أنّا قتلنا شيعة أبيك فحنطناهم، وكفناهم، وصلّينا عليهم، ودفناهم، فقال الحسين عليهالسلام : حججتك ورب الكعبة، لكنّا والله إن قتلنا شيعتك، ما كفناهم، ولا حنطناهم، ولا صلّينا عليهم، ولا دفناهم (3) .
أقول: لا يخفي على العارف مغزى جواب الحسين عليهالسلام ، كأنّه يقول: إنّ أصحاب أبي إسلام، وأصحابك ليسوا بإسلام.
وذكر اليعقوبي أيضاً: قالت عائشة لمعاوية حيث حج، ودخل إليها: يا معاوية أقتلت حجراً وأصحابه؟ فأين عزب حلمك عنهم؟ أمّا إنّي سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: «يقتل بمرج عذراء نفر يغضب لهم أهل السماوات (4) قال: لم يحضرني رجل رشيد يا أم المؤمنين. ويروى أنّ معاوية كان يقول: ما أعدّ نفسي
__________________
(1) انظر ترجمة حجر بن عدي الكندي في كتاب الصاحب كمال الدين عمر بن أحمد بن أبي جرادة، المعروف «بابن العديم» المتوفي (سنة 660 هـ) والمطبوع مستلاً من كتابه: بغية الطلب في تاريخ حلب، بتحقيق الدكتور سهيل زكّار.
(2) وكان قتل حجر سنة احدى وخمسين، وقيل سنة ثلاث وخمسين من الهجرة.
انظر: المنتظم لابن الجوزي: 5 / 241، وتاريخ الطبري: 5 / 253، والكامل في التأرخ لابن الأثير: 3 / 209.
(3) تاريخ اليعقوبي: 2 / 219.
(4) كنز الكمال للمتقي الهندي: 11 / 30887، مثله.
حليماً بعد قتلي حجراً وأصحاب حجر (1) .
وأما استلحاقه زياد بن أبيه وقد كان زياد يدّعي لجماعة، وكان أخطب الناس وألسنهم فخاف معاوية عاقبة أمره لأنه كان يتشيع ويرى ولاية علي بن أبي طالب، ولمّا قتل أمير المؤمنين عليهالسلام استمال الناس لولده الحسن عليهالسلام ، فخاف منه معاوية، فاستلحق زياداً به لأنّ أباه أبا سفيان كان من جملة الذين وقعوا على اُمّه سمية - فكان ما كان من أمرها - فرغبه معاوية بالمال وألحقه به (2) ، ونسى قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» (3) .
وأمّا استخلافه يزيد (لعنه الله) من بعده وأخذ البيعة له، فقد رواه المؤرخون كمحمّد بن عبدالله بن مسلم بن قتيبة في كتاب الإمامة والسياسة، قال:
لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن بن علي عليهالسلام إلّا يسيراً حتى بايع ليزيد بالشام، وكتب بيعته إلى الآفاق وإلى عمّاله، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم، فكتب له يأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة، ثم ليبايعوا يزيداً.
فلمّا قرأ مروان كتاب معاوية أبى ذلك، وأبته قريش، فكتب له، إنّ قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك يزيد، فأرني رأيك، والسلام. فلمّا بلغ معاوية كتاب مروان عرف أنّ ذلك من قبله، فعزله واستعمل سعيد ابن العاص (4) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي: 2 / 219 - 220.
(2) تاريخ اليعقوبي: 2 / 207 - 208.
(3) رواه الترمزي في سننه: 5: 433 / 2120 و 434 / 2121 - الباب (5) - كتاب الوصايا.
ورواه السيوطي في الجامع الصغير: 2: 723 / 9688، وغيرهما باسانيد اُخرى، وهو من الأحاديث المتواترة والمسلم على صحتها عند المسلمين عامة وخاصة.
(4) الإمامة والسياسة: 1 / 197.
قال أهل السير: وأمر معاوية ان يأتيه من كل مصر وفد إليه، فلما إن وفدت عليه الوفود قال للضحاك بن قيس الفهري: لما تجتمع الوفود عندي، أتكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو الى بيعة يزيد، وتحثّني عليها، فلمّا جلس معاوية للناس، وتكلم فعظّم الإسلام وحرمة الخلافة وحقّها، وما أمر الله بها، ثم ذكر يزيد وفضله وعلمه بالسياسة، وعرض بيعته عليهم، فقام الضحاك وقال: يا أمير المؤمنين انه لابد للناس من وال بعدك، ويزيد ابن أمير المؤمنين في حسن هديه، وقصد سيرته، وهو من افضلنا علماً، وحلماً، فولّه عهدك، واجعله علماً لنا بعدك؛ قال:
وقام عمرو بن سعيد الأشدق وتكلّم بنحو من ذلك؛ وقام يزيد بن المقفع العذري، فقال: هذا أمير المؤمنين - وأشار إلى معاوية - فإن هلك فهذا - وأشار الى يزيد (لعنه الله) - ومن أبي فهذا - وأشار الى سيفه ـ، فقال معاوية: إجلس فأنت سيد الخطباء.
وقال معاوية للأحنف بن قيس (1) : ما تقول يا أبا بحر؟ فقال: نخافكم إن صدقنا، ونخاف الله إن كذبنا، وأنت يا أمير أعلم بيزيد في ليله ونهاره، وسره وعلانيته (2) .
وروى أبو جعفر الطبري، قال:
بايع الناس ليزيد بن معاوية (لعنه الله)، غير الحسين بن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبدالله الزبير، وعبدالرحمن ابن أبي بكر (3) .
__________________
(1) هو أبو البحر: واسمه الضحاك، قيل صخر بن قيس بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن مناة بن تيم التميمي السعدي، والأحنف إنّما كان لقبه لأنّ برجليه حنف - اي اعوجاج رجليه - وكان مع أمير المؤمنين عليهالسلام في صفين وتوفي سنة (67)، انظر تاريخ من دفن في العراق من الصحابة: 13.
(2) الكامل في التاريخ لأبن الأثير: 3 / 507.
(3) في المصدر زيادة: وابن عباس، انظر تاريخ الطبري: 5 / 303.
أمّا ابن الزبير فإنّه هرب إلى مكة على طريق الفرع هو وأخوه جعفر، وليس معهما ثالث، وأرسل الوليد خلفه أحد وثمانين راكباً فلم يدركوه، وخرج الحسين من المدينة الى مكة فسمع يزيد (لعنه الله) بذلك، فغضب على الوليد لصنعه، وعزله عن المدينة، وولّاها عمر بن سعيد الاشدق، فدخلها في شهر رمضان سنة ستين من الهجرة، وأمّا الحسين فإنّه خرج من المدينة بفتيتة كما قال الشاعر:
في عصبة من هاشم علوية |
طهرت أرومتهم وطاب المولد |
|
ساروا ولو لا قضاء الله يمسكهم |
لم يتركوا لبني سفيان من أثر (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
طلعوا آل هاشم عن وطنهم |
وظل خالي حرم جدّهم بعدهم |
|
ساروا ابليلهم وابعد ظعنهم |
ولن صوت العليلة ابگلب محتر |
|
دريضوا هنا يهلنه للعليلة |
يهلنه افراگكم مل ليش حيلة |
|
يهلنه بعدكم ما نام ليلة |
او عيني من بعدكم دوم تسهر |
|
يهلنه خلّوا خوية الطفل بالله |
يظل عندي وارحوا وداعة الله |
|
يهلنه من المرض گلبي تگلّة |
يهلنه خلّوا خوية الطفل وسدر |
|
بچن ويلي ونادنها دخلّيه |
اهلها وابحضن امّه درديّه |
|
طفل وفراگ اُمّه يصعب عليه |
ولا اُمّه على فرگاه تصر |
|
صاح يا حسين يا فاطم دردّي |
دردي للمدينة وطن جدي |
|
اودّي لچ على ابني او چبدي |
ولابد ما تجي يمچ امخبر |
(دكسن)
ردّت للمدينة وسار أبوها |
او ظلّت ترتقب عمها وابوها |
|
ظنّت فاطمة لنهم يجوها |
اخوها والبطل عمها المشكّر |
(تخميس)
مَن منشد عن صحب هُنا نزلوا |
مثل البدور بها الأنوار تشتعل |
من طيبةٍ طلعوا من كربلاء أفلوا
بالأمس كانوا معي واليوم رحلوا |
وخلّفوا في سويد القلب نيرانا |
في زيارة الحسينعليهالسلامقبر جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلمووداعه
ذكر صاحب مدينة المعاجز وغيره:
لمّا همّ الحسين عليهالسلام على الخروج من المدينة إلى مكة أقبل في نصف الليل إلى قبر جده رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وقف باكياً، وقال: «السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة، فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلّفتني من اُمّتك، فاشهد عليهم يا رسول الله أنّهم قد خذلوني، وضيّعوني، ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك». ثم قام عليهالسلام وصف قدميه، ولم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً، وراكعاً وساجداً.
وأرسل الوليد إلى منزله رسولاً لينظر أخرج الحسين عليهالسلام من المدينة أم لا، فجاء الرسول فلم يصبه في منزله، ورجع وأخبر الوليد بذلك فقال: الحمد لله الذي اخرجه ولم يبتلني بدمه.
قال الراوي: وعند الصباح رجع الحسين عليهالسلام الى منزله، وفي الليلة الثانية خرج الى القبر ايضاً، فصلى عنده ركعات، ولمّا فرغ من صلاته جعل يقول: (اللّهمّ ان هذا قبر نبيك محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنا ابن بنت نبيك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللّهمّ إنّي أحبّ المعروف وأنكر المنكر، وأنا اسألك ياذاالجلال والإكرام بحق القبر ومن فيه، إلّا اخترت لي ما هو لك رضى ولرسولك صلاح». ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريباً من الصباح وضع رأسه على القبر فأغفى،
فإذا برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قد أقبل في ركباً من الملائكة ورعيل (1) من الأنبياء، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وبين يديه، حتى ضمّ الحسين إلى صدره، وقبّل ما بين عينيه، وقال: (حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مزملاً بدمائك، مذبوحاً بأرض كرب وبلاء، في عصابة من أُمّتي، وأنت مع ذلك عطشاناً لا تسقى، وظمئاناً لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة، حبيبي يا حسين إنّ أباك وعمّك وأخاك قدموا عليَّ، وهم مشتاقون اليك، وإنّ لك في الجنان درجات لن تنالها إلّا بالشهادة».
قال الراوي: فجعل الحسين عليهالسلام يبكي، ويقول: يا جداه لا حاجة لي بالرجوع إلى الدنيا، خذني إليك وأدخلني معك في قبرك:
ضمني عندك يا جداه في هذا الضريح |
علي يا جد من بلوى زماني أستريح |
|
ضاق بي يا جد من فرط الاسى كل فسيح |
فعسى طود الأسى يندك بين الدكتين |
|
جدُ صفو العيش من بعدك بالأكدار شيب |
وأشاب الهم رأسي قبل أبان المشيب |
|
فعلى من داخل القبر بكاء ونحيب |
ونداء بافتجاع يا حبيبي يا حسين |
|
أنت يا ريحانة القلب حقيق بالبلا |
إنما الدنيا أعدت لبلاء النبلا |
|
لكن الماضي قليل بالذي قد أقبلا |
فاتخذ درعين من حزم وعزم سابغين |
|
ستذوق الموت ظلماً ظاميا في كربلاء |
وستبقى في ثراها ثاوياً منجدلا |
|
وكأن بلئيم الأصل شمر قد علا |
صدرك الطاهر بالسيف يحز الوجدين |
|
وكأني بالأيامي من بناتي تستغيث |
لغباً تستعطف القوم وقد عز المغيث (2) |
|
قد برى اجسامهن الضرب والسير الحثيث |
بينها السجاد في الأصفاد مغلول اليدين (3) |
__________________
(1) الرعيل: اسم كل قطعة متقدمة من خيل أو رجال أو طير، جمعه: رعال. انظر: القاموس المحيط.
(2) لغب: «وتلغّب السيرُ فلاناً» أتعبه أشد التعب. انظر: مجمع البحرين.
(3) للدمستاني رحمه الله، انظر: ديوان الدمستاني.
فقال له النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم : لابد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة وما قد كتب الله لك فيها من الثواب الجزيل والثناء الجميل، حبيبي يا حسين فإنّك وأباك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلون الجنة.
قال الراوي: فانتبه الحسين عليهالسلام من نومه فزعاً مرعوباً، ورجع إلى منزله وقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب أهل بيت أشد غمّاً من آل بيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولا أكثر باك وباكية، لأنهم يريدون أن يفارقوا سيدهم وزعيمهم، وهم مع ذلك يعلمون أن ذاك أمر من الله ومن رسوله، إذ يقول له جدّه في منامه: يا بني لابد لك من الرجوع الى الدنيا حتى ترزق الشهادة وما قد كتب الله لك فيها من الثواب الجزيل والثناء الجميل. فكأنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول له، أي بني إنّ حياة هذه الأُمّة بشهادتك.
في الحقيقة إنّ الحسين عليهالسلام صار هو المعلم الروحاني لأُمّة جده، فأخرج الناس من ظلمات الجهل إلى نور الهداية بقتله كما تشير بذلك الزيارة:
«أخرج عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة، والذي جرى عليه عليهالسلام نزلت به صحف مكرمة وذلك عند موت النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ».
يروى أنّه استدعى علياً، وأعطاه اثنى عشر صحيفة، وقال: «يا علي هذه الصحف مختومة من رب العزة لك وللأئمّة من ذريّتك، فانظر أنت ما في صحيفتك واعمل بها». فكان أمير المؤمنين عليهالسلام بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ينظر في صحيفته ويعمل على ما فيها.
ولمّا حضرته الوفاة استدعى ولده الحسن عليهالسلام ، وأعطاه أحد عشر صحيفة وأخبره بذلك، ولمّا أخذ الحسن عليهالسلام صحيفته عمل على ما فيها وبما أُمر به إلى أن حضرته الوفاة استدعى الحسين عليهالسلام وأعطاه عشرة صحائف وأخبره بذلك، فعمل الحسين على ما فيها وبما اُمر به، حتى إذا جاء كربلاء وقتلت إخوته واولاده وأنصاره وبقي وحيداً فريداً، ناداه منادي: «يا حسين أين المهد بع نفسك وأنا
المشتري». فقام عليهالسلام في ذلك المقام الرهيب ووقف تجاه أعدائه وهم يريدون قتله، ولمّا حمل عليهم ونازلهم، وقاتلهم مقاتلة الأبطال حتى دمّر فيهم وأزالهم عن مواقفهم، فقلب القلب على الجناحين، والظهير على الكمين، ولمّا نظر قائد الجيش إلى الشجاعة الحسينية قال لأصحابه وهو مشرف على الميدان ينظر إلى الحسين عليهالسلام : والله لإن بقي الحسين على هذه الحالة إفنانا عن آخرنا، انظروا كيف الحيلة إلى قتله؟
فقال شبث بن ربيعي: يا أمير الحيلة أن تأمر الجيش فيفترق عليه أربعة فرق، فرقة بالسيوف، وفرقة بالرماح، وفرقة باسهام، وفرقة بالحجارة؛ فأنفذ ابن سعد ما أشار عليه شبث بن ربيعي، ونادا منادى العسكر: افترقوا عليه اربعة فرق، فرق بالسيوف والرماح والسهام والحجارة.
فوجّهوا نحوه في الحرب أربعة |
والسيف والسهم والخطي والحجرا (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
دار العسكر على احسين يا حيف |
ناس بالرماح وناس باليسف |
|
يشبه دورها على الليث المخيف |
بياض العين بصبيها ايتدور |
|
تلگّه انبالها احسين ابوريده |
نوب بالضلوع ونوب بيده |
|
تلايم غيمها واثجل رعيده |
او بالزانات فوگ احسين يمطر |
|
ثگل ما يندره ابنشابها امنين |
يجيه اوزانها يخطف على احسين |
|
سهم بيده وسهم ابحاجب العين |
يويلي وافغرت روحه امن الحر |
(دكسن)
صار اشبيح بيه امن المنيّة |
ألف نبله يويلي او تسع ميّه |
|
وگف تبة نبل بالغاضريّة |
اوزور ارماح شابچ عيب ينطر |
* * *
وقف الطرف يستريح قليلاً |
فرماه القضا بسهمٍ مُتاحِ |
|
فهوى العرش للثرى وادلهمّت |
برمادِ المصابِ منها النّواحي |
في وداع الحسينعليهالسلامللهاشميين والهاشميات
وترجمة اُمّ سلمة
يا بنفسي مودّعين وفي العين |
بكاها وفي القلوب لظاها |
|
من بحور تضمّنتها قبور |
وبدورِ قد غيّبتها رباها |
|
ركبهم والقضا بأضغانهم يس |
ري وحادي الردى أمام سراها |
|
والمساعي من خلفهم نادبات |
والمعالي مشغولة بشجاها |
|
ساكبات الدموع لا تتلاقى |
بين أجفانها وبين كراها |
كان يوم خرج الحسين عليهالسلام من مدينة جدّه صلىاللهعليهوآلهوسلم أعظم يوم على الهاشميين والهاشميات، إذ إنّ الحسين كان سلوة لهم عن جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعن أبيه أمير المؤمنين عليهالسلام ، وعن أخيه الحسن عليهالسلام ، فأقبلت الهاشميات نساء بني عبد المطلب إلى دار الحسين عليهالسلام لوداعه والتزوّد به ووداع عيالاته وأطفاله، فجعلن يبكين ويندبن، فمشى فيهنّ الحسين عليهالسلام ، وقال: انشدكن الله أن لا تبدين هذا الأمر، لأنّه معصية لله ولرسوله. فقلن: يا أبا عبد الله فعلا من نتبقى النياحة والبكاء بعدك؟ وهذا اليوم عندنا كيوم مات فيه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعلي وفاطمة والحسن عليهمالسلام ، جعلنا الله فداك يا حبيب الأبرار.
قال الراوي: وجاءت اُمّ سلمة (1) وقالت له: يا بني لا تحزن بخروجك إلى
__________________
(1) اُمّ سلمة:
اسمها: هند، وهي من اُمّهات المؤمنين، بنت أبي اُمية بن المغيرة بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية واسم أبيها: حذيفة، وقيل: سيل، ويلقّب: زاد الراكب، لأنّه كان أحد الأجواد، فكان إذا سافر لا يترك أحداً يرافقه ومعه زاد بل يكفي رفقته من الزاد؛ واُمّها عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك الكنانية، من بني فراس، وكانت زوج ابن عمّها أبي سلمة، فمات عندها، وقد اسلمت قديماً هي وزوجها وهاجر إلى الحبشة فولدت له سلمة. ثم قدما مكة وهاجرا إلى المدينة فولدت له عمر، ودرة، وزينب؛ ولمّا أراد أن يهاجر بها زوجها إلى المدينة منعه رجال من بني المغيرة ونزعوا خطام البعير من يده، فنضب عند ذلك بنو عبد الأسد وهو والي سلمة، وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا سلمة حتى خلعوا يده وانطلق به عبد الأسد وتركها زوجها حتى لحق إلى المدينة ففرّق بينها وبين زوجها وابنه فكانت تخرج الى الأبطح تبكي وتولول سبعة أيام، فقال لها قومها: إلحقي بزوجك. فقصدت المدينة، وكان زوجها نازلاً في قرية بني عمرو بن عوف بقباء، فقصدته وقيل: إنّها أوّل امرأه خرجت مهاجرة الى الحبشة، واوّل ضعينة دخلت المدينة.
وقال أرباب التاريخ: ولمّا توفي زوجه وانقضت عدتها خطبها أبو بكر فلم تتزوجه، فبعث النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يخطبها، فقال للرسول: أخبر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إني امرإة غيري وإني امرإة مصيبة، وليس أحد من أوليائي شاهد. فقال: قل لها أما قولك إني امرأة غيري فساعدو الله فتذهب غيرتك، وأما قولك إني امرأه مصيبة فسلي صبيانك، وأما قولك ليس أحد من أوليائك شاهد فليس أحد من أوليائك شاهد وغاب يكره ذلك، فقالت لإبنها عمر: قم فزوج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ابنتها سلمة.
وأخرج ابن سعد من طريق عروة عن عائشة، قالت: لمّا تزوج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ام سلمة حزنت حزناً شديدا لما ذكر لنا من جمالها، فتلطفت حتى رأيتها، فرأيت والله أضعاف ما وصفت، فذكرت ذلك لحفصة فقالت: وما هي كما يقال، قالت: فرأيتها بعد ذلك فكان ما قالت حفصة، ولكنّي كنت غيري، وكانت امّ سلمة موصوفة بالجمال البارع والعقل البالغ والرأي الصائب، وأشارتها على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الحديبة تدل على وفور عقلها وصواب
العراق، فإني سمعت جدك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول: يقتل ولدي الحسين في العراق بأرض يقال لها كربلاء. فقال لها: يا اُمّاه والله إنّي أعلم ذلك وإني مقتول لا محالة وليس لي من هذا بد، وإني والله لأعرف اليوم الذي أقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعة التي أدفن فيها، وأعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا اُمّاه اريك حفرتي ومضجعي، قال: ثم أشار بيده الشريفة إلى جهة كربلاء.
قال صاحب مدينة المعاجز وإثبات الوصية قال: «بسم الله الرحمن الرحيم» فانخفضت الأرض بإذن الله تعالى حتى أراها مضجعه ومدفنه وموضع عسكره. فعند ذلك بكت اُمّ سلمة وسلّمت أمرها إلى الله، فقال لها الحسين عليهالسلام : يا اُمّاه قد شاء الله أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وحرمي ورهطي ونسائي مسبيين، وأطفالي مشردين.
فقالت ام سلمة: يا أبا عبد الله عندي تربة دفعها اليّ جدك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في قاروة، فقال عليهالسلام : والله إني مقتول كذلك، وإن لم أخرج الى العراق يقتلوني.
ثم انه عليهالسلام أخذ تربة وجعلها في قارورة وأعطاها إيّاها، وقال لها: اجعليها مع قارورة جدّي رسول الله، فإذا فاضتا دماً فاعلمي أنّي قد قتلت. فأخذتها اُمّ سلمة ووضعتها مع قارورة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم (1) .
ولمّا سار الحسين عليهالسلام إلى العراق جعلت ام سلمة كل يوم تتعهّد
__________________
رأيها.
قال صاحب الاستيعاب: شهدت اُم سلمة غزوة خيبر فقالت: سمعت وقع السيف في أسنان مرحب (يعني سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام ) وهي آخر امهات المؤمنين موتاً. توفّيت سنة 63 من الهجرة. انظر: الإستيعاب بهامش الإصابة، وطبقات ابن سعد
(1) إثبات الوصية للمسعودي: 166، ومدينة المعاجز للبحراني:
القارورتين حتى إذا كان يوم عاشوراء أقبلت على عادتها لتنظر إلى القارورتين فنظرتهما وإذا بهما دماً عبيطاً، صاحت وولوت وندبت الحسين، فاجتمعن عندها الهاشميات بخبرتهن بالخبر، ووقعت الصيحة بالمدينة، وصار كيوم مات فيه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وصار الناس ينتظرون البريد حتى إذا وافى البريد بقتل الحسين جدّدوا العزاء والنياحة على الحسين عليهالسلام ، وهكذا اتّصلت النياحة حتى يوم ورد السجاد وزين العابدين عليهالسلام بعمّاته وبخواته من أسر يزيد (لعنه الله) فاتّصلت الصيحات والنياحات على الحسين، ولمّا دخلت الحوراء زينب الى المدينة صارت إلى قبر جدّها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وقد حفّتها الهاشميّات مشقّقات الجيوب ينادين: وا حسينا. ودخلت زينب على قبر جدّها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم مناديه: يا جد إنّي ناعية إليك عزيزك الحسين.
قتلوه بعد علم منهم |
أنّه خامس أصحاب الكسا (1) |
__________________
(1) وزينب عليهاالسلام تخاطب جدّها صلىاللهعليهوآلهوسلم بلسان الحال:
(نصاري)
يجدّي احسينكم رضّوا اضلوعة |
او شاف الموت روعه بعد روعه |
|
يصد لعياله او تسچت ادموعه |
يخافنها عگب عينه تيسّر |
|
يجدّي احسينكم ذبحوا انصاره |
ابو فاضل تكوّر بالمعاره |
|
وجّ ابگلب اخوه حسين ناره |
دمع عينه على خدّه تخدّر |
(دكسن)
جدّي گوم ذاك احسين مذبوح |
على الشاطي وعلى التربان مطروح |
|
يجدّي ما بگت له من الطعن روح |
يجدّي گلب اخويه احسين فطّر |
(تخميس)
ولو أن أحمد قد رآك على الثرى |
لفرشن منه لجسمك الأحشاءُ |
|
أو في الطفوف رأت ظماك سقتك |
من ماء المدامع اُمّك الزهراءُ |
في هيئة سفر الحسينعليهالسلامإلى العراق
لا يعذر الله ابن أحمد أن يرى |
عزّ الرشاد بذلة وخضوع |
|
حتى يغض له الوجود مصائبا |
تبكي السماء له بحمر دموع |
قال أرباب التاريخ: لمّا اراد الحسين عليهالسلام الخروج من المدينة جمع أولاده وإخوته، وأولاد أخيه وبنو عمومته، ومواليه وجواريه، ثم أمر بإحضار ماءتين وخمسين مركب من الخيل والجمال، لمّا أن احضرت أمر أن تحمل عليها الأثقال ما يحتاجه في الطريق ولوازم السفر، كالخيم والمراجل والأواني والقرب، وكل ما هيئه من الأمتعة، حتى الزعفران والورس، وكثير من الصناديق المملوءة من البرود اليمانية والحلل السندسية، عدا الصناديق التي مُلئت بالدنانير والدراهم، وأمر أيضاً بخمسين شقة من الهوادج حملت على النوق التى أعدها لحمل العائلة من النساء والأطفال والخدم والجواري، وأحضر كل من الهاشميين جواده ثم أمر بإحضار فرس رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وكان يدعى «المرتجز» (1) فركبه
__________________
(1) المُرتجز: «اسم فرس لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، سمّي بذلك لجهارة صهيله وحسنه، وكان رسول
هو عليهالسلام ، والمرتجز هو الفرس الذي شهد به خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وكان صاحبه رجلاً من بني مُرّة (1) ، اشتراه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم منه بالمدينة بعشرة أوراق، وقيل: اشتراه رسول الله بأربعة آلاف درهم، واُول غزوة غزا به صلىاللهعليهوآلهوسلم عزوة «اُحد»، وكان من جياد الخيل على ما رواه بن قتيبة في «المعارف» (2) .
ثم لما قبض رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم انتقل هذه الجواد إلى علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وقد ركبه يوم صفين على مارواه نصر بن مزاحم في «كتاب صفين» (3) .
ثم صار من بعده إلى ولده الحسين، فركبه «يوم الطف» ووقف قبالة القوم فخطبهم ووعظهم فلم يتّعضوا، وقال عليهالسلام : «أنشدكم لله هل تعلمون ان هذه فرس رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنا راكبه؟ قالوا: اللّهمَّ نعم». ولمّا صرع الحسين عليهالسلام يوم الطف من على ظهره، جعل يحوم حول الحسين عليهالسلام ، ثم مرّغ ناصيته بدم الحسين ونحا نحو خيم العيال يصهل ويحمحم معلناً بقتل الحسين عليهالسلام .
قال الراوي: ثم أمر باحضار سيف رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فتقلّد به، وكان اسمه البتّار، وقيل الرسوب، وقيل العضب، وقيل الحتف (4) ، وكان مكتوبا عليه هذا البيت:
__________________
الله صلىاللهعليهوآله قد اشتراه من الأعرابي، وشهد له خزيمة بن ثابت». انظر لسان العرب: 5 / 352 (مادة: رجز).
(1) انظر الكامل في التأريخ لابن الأثير: 2 / 214، واُسد الغابة للجزري: 1 / 30.
(2) المعارف لابن قتيبة: 149.
(3) وقعة صفين: 403.
(4) ذكر ابن الأثير في تأريخه «أنه كان لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم عدّة سيوف، منها: البتّار والحتف والرسوب والعضب»، انظرالكامل في تاريخ ابن الاثير: 2 / 316، وانظر لسان العرب: 1 / 418 ( مادة: رسب )، وانظر اسد الغابة: 1 30.
الجبن عار وفي الإقدام مكرمة |
والمرء بالجبن لا ينجوا من القدر |
وهو الذي أعطاه إلى علي عليهالسلام «يوم اُحد» على ما ذكره السمعاني «في كتاب الفضائل» وحمله أمير المؤمنين عليهالسلام في حروبه الثلاث، وقاتل به ثم انتقل بعده إلى ولده الحسين عليهالسلام وكان يحارب به «يوم الطف»، ولقد استشهد الحسين عليهالسلام على أهل الكوفة به في خطبته، إذ قال: «أنشدكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنا متقلده؟ قالوا: اللَّهمّ نعم». ولمّا إن قتل عليهالسلام تكاثرت القوم على سلبه، فأخذه جميع بن الخلق (لعنه الله).
ثم أمر بإحضار درع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فأفرغها على بدنه الشريف، وكان اسمها الصعديَّة، وقيل: فضة، وقيل: ذات الفضول، وقيل: ذات الوشاح (1) ، ولقد أعطاها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى علي عليهالسلام ، فأفرغها على بدنه الشريف أيضاً في حروبه الثلاث، البصرة وصفين والنهروان.
ثم من بعده انتقلت إلى ولده الحسين عليهالسلام ، وقد لبسها «يوم الطف»، ولمّا أن وعظ القوم وقال لهم فيما قال: «انشدكم الله هل تعلمون أنّ هذا درع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنا لابسها؟ قالوا: اللّهمّ نعم». ولمّا قتل سلام الله عليه أخذها عمر بن سعد قائد الجيش ولبسها، ودخل على عيالات الحسين عليهالسلام فتقدمت زينب عليهاالسلام وقالت: يا ابن سعد أيقتل أبو عبدالله وأنت تنظر إليه؟!
__________________
(1) قال ابن الأثير في تأريخه: «إنّه كان لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم درعاً يقال له «الصعديّة»، واُخرى يقال لها «فضة»، واُخرى يقال لها «ذات الفضول» واخرى يقال لها «ذات الوشاح»، انظر الكامل في التاريخ: 2 / 316.
وفي اُسد الغابة أيضاً قال عز الدين الجزري: كان له (دروع) تسمى: ذات الفضول، وذات الوشاح، وغيرها، انظر اسد الغابة: 1 / 30.
ثم أمر باحضار عمامة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان اسمها «السحاب» (1) وكانت من الخزّ دكناء، وكان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قد تعمم بها يوم «بدر» و «حنين»، ولمّا أن قبض صلىاللهعليهوآلهوسلم تعمّم بها أمير المؤمنين عليهالسلام «يوم صفين» على ما رواه نصر بن مزاحم في «كتاب صفين» (2) ، ولمّا ضربه ابن ملجم «لعنه الله» بسيفه وفضى نحبه ورثها ولده الحسن عليهالسلام ، ثم انتقلت بعد الحسن عليهالسلام الى الحسين فتعمم بها «يوم الطف»، ولمّا ناشد القوم في خطبته وقال فيما قال: «أيها الناس أنشدكم هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنا لابسها؟ قالوا: اللّهمّ نعم».
ثم أمر باحضار حربة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكانت حربة صغيرة تشبة العكازة يقال لها العنزة، وكانت تحمل مع رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في الاعياد، وتركز بين يديه فيصلّي بالناس صلاة العيد، وكان يصحبها في أسفاره، وذكرها عز الدين الجزري في «اُسد الغابة» (3) ، ثم لمّا توفي صلىاللهعليهوآلهوسلم ورثها أمير المؤمنين عليهالسلام ، وكانت معه «يوم صفين» يحملها كما ذكر ذلك «نصر بن مزاحم» (4) ، ثم لمّا استشهد عليهالسلام انتقلت إلى الحسن عليهالسلام ، ثم إلى الحسين عليهالسلام ، وكانت معه «يوم الطف» وكان اذا حمل على جيش أهل الضلال ورجع من الحرب الى مركز يتكئ عليها وهو يقول: «لا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم».
أقول: بهذه الهيئة وبهذه الصفة خرج ابن رسول الله من مدينة جدّه، وهو
__________________
(1) انظر اُسد الغابة: 1 / 30.
(2) وقعة صفين: 403.
(3) اُسد الغابة: 1 / 30.
(4) وقعة صفين.
يقدم ضعينته والفتية من بني هاشم مجرّدين سيوفهم شاهرين ماحهم قد احدقوا بالمحامل.
كب حجازيون بين رحالهم |
تسري المنايا انجدوا او اتهموا |
|
يحدون في هزج التلاوة عيسهم |
والكل في تسبيحه يترنّم |
|
متقلّدين صوارما هندية |
من عزمهم طبعت وليس تكهّم (1) |
__________________
(1)
(بحراني)
طوح الحادي والضعن هاج ابحنينة |
او زينب تنادي سفرة الگشرة علينه |
|
صاحت ابكافلها شديد العزم والباس |
شمر اردناك وانشر البيرق يا عباس |
|
چنّي اعاينها مصيبة اتشيب الراس |
ما ظنّتي نرجع ابدولتنا المدينة |
|
گلها يزينت هاج عزمي لا تنخين |
ما دام آنة موجود يختي ما تذلّين |
|
لو تنجلب شاماتهم ويالعراگين |
لطحن جماجمهم ونا حامي الظعينة |
|
لا تهيجيني اولا يدش ابگلبچ الخوف |
ميروعني الطعن والرماح او ضرب السيوف |
|
بس طلبي امن الله يسلّم لي هالكفوف |
لحمل على العسكر واذكّرهم ببونا |
|
گالت اعرفك بالحرب يا خوية وافي |
او قطع الزند هذا الذي منّه مخافي |
|
اليوم المعزّه او بعدكم مدري شوافي |
ياهو اليرد الخيل لو هجمت علينه |
* * *
فاين تلك البدورُ التُمّ لا غربوا |
وأين تلك البحور الفُعمُ لا نضبوا |
في ترجمة اُمّ هاني ووداعها للحسينعليهالسلام
لمّا بلغ خبر الحسين عليهالسلام إلى الهاشميات ونساء بني عبد المطلب صرن يأتين إلى دار الحسين عليهالسلام وينحن ويبكن، قتل [الراوي:]
وأقبلن عدّة من الهاشميات إلى عمّة الحسين «اُم هاني» (1) فأخبرنها الخبر، وكانت «أُم هاني» من النساء الجليلات القدر العظيمات الشأن، وكيف لا تكون كذلك وهي إبنة أبي طالب شيخ الاباطح، وأخت علي أمير المؤمنين عليهالسلام وشقيقته، وقد اختلف المؤرخين في إسمها فبعض يقول ان اسمها هند، وقال بعضهم: إنها فاطمة، وقال بعضهم: أنها فاختة وهو الأصح؛ واُمّها فاطمة بنت أسد اُم أميرالمؤمنين عليهالسلام ، وكان زوجها هبيرة المخزومي (2) ، وكان من المشركين ومن المبغضين لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن المؤلبين عليه والمساعدين على حربه، وما قامت راية لحرب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلا وهو في مقدمة من يحارب النبي فيها، وكان
__________________
(1) انظر ترجمة ام هاني في: اسد الغابة: 5 / 501، وكذلك في الإستيعاب: 4 / 517. هي اُم هاني بنت أبي طالب بن عبد الطلب بن هاشم اخت علي بن ابي طالب عليهالسلام كانت تحت هبيرة بن أبي وهب بن أبي عمر بن عائذ بن عمران بن مخذم اسلمت عام الفتح ولدت ام هاني لهبيره عمر وبه كان يكنى وهانئاً ويوسف وجعدة.
(2) انظر ترجمة «هبيرة المخزومي».
مع أبي سفيان حين تحزّبت الأحزاب على حرب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو من جملة الذين عبروا الخندق مع عمرو بن عبد ود العامري، ولمّا قتل عمرو فرّ هُبيرة منهزماً، وفي ذلك يقول لزوجته ام هاني:
لَعمرُك ما وليتُ ظهري محمّداً |
وأصحابه جُبناً ولا خيفةً القتلِ |
|
ولكننّي قلَّبت ظهري فلم أجد |
لسيفي غناء إنّ أن ضربتُ ولا نبلِ |
|
وقفتُ فلمّا خِفتُ ضيعةَ وقفتي |
رجعتُ لعودٍ كالهزيرِ أبا الشبل |
ولمّا فتح النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم مكة وذعنت له قريش فرّ هبيرة منهزماً من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى نجران ومات فيها كافراً وفي ذلك يقول:
الله يعلمُ ما تركتُ قِتالهم |
حتى رَموا فَرَسي بأشقر مزَيَد |
وكان الاسلامها «يوم الفتح» وقد استجار عندها جماعة من المشركين في ذلك اليوم لعلمهم بها إنّها تجيرهم، وكان من المستجيرين بها الحرث بن هشام، وقيس بن السائب، فجاء علي عليهالسلام وهو مقنع بالحديد لا يُرى منه إلا حدقتا عينيه، فطرق الباب عليها، فخرجت اليه اُم هاني وقالت له: ما تريد يا عبد الله؟ قال: اخرجوا من آويتهم؛ فقالت: إنصرف يا عبد الله إني ابنة عمّ محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، واخت علي عليهالسلام ؛ فلم يلتفت إليها وقال أن لم تخرجيهم وإلا هجمتُ عليهم الدار. وقالت: والله لأشكونّك إلى رسول الله؛ فلمّا سمع أمير المؤمنين عليهالسلام ذلك ألقى المغفر من على رأسه فعرفته، فألقت بنفسها عليه وقالت له: أخي فدتك اُختك تريد أن تخفر جواري بين العرب؟ ثم قالت: أخي إنّي حلفت أن اشكوك عند رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال لها: إمضي فإنّه في الوادي، فأقبلت اُم هاني فلمّا رآها صلىاللهعليهوآلهوسلم مقبله قال لها: مرحباً بك يا ام هاني، جئتيني تشكين علياً عندي فإنّه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله، ثم نادى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : انا قد أجرنا من أجارته اُم هاني.
نعم أسلمت اُم هاني في ذلك اليوم، ولمّا بلغ هبيرة زوجها خبر إسلامها
اغتاظ غيظاً شديداً، وفي ذلك يقول معاتباً لها:
لئن كنت قد تابعتي دين محمّد |
وقطعت الأرحام منك حبالها |
|
فكوني على أعلى سحيق بهضبة |
ممنعة لا يستطاع قلالها |
|
فإنّي من قوم إذا جد جدّهم |
على أي حال أصبح القوم حالها |
|
وإني لأحمي من وراء عشيرتي |
إذا كثرت تحت العوالي مجالها |
|
وطارت بأيدي القوم بيض كأنّها |
مخاريق ولدان تنوش ظلالها |
|
وإن كلام المرء من غير كُنهِهِ |
لنَبل تهوي ليس فيها نصالها (1) |
وكانت قد ولدت له أربعة أولاد: أحدهم جعدة بن هبيرة، وولدت له ثانياً فكنيت به، وعمرو فكنى به أبوه، ويوسف (2) ، أمّا جعدة فإنّه ولد على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وليست له صحبة وقال العجلي، إنه تابعي، وقيل: بل هو من الصحابة. قال ابن أبي الحديد في «شرح النهج»: أدرك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأسلم يوم الفتح مع اُمه «اُم هاني» (3) .
وشهد جعدة مع أمير المؤمنين عليهالسلام صفين (4) ، وأبلى بلاءاً حسناً، ودعاه يومئذ عتبة فناداه: يا جعدة فاستأذن جعدة من أمير المؤمنين عليهالسلام في الخروج إليه، فأذن له. واجتمع الناس لكلامهما، فقال له عتبة: يا جعدة إنه والله ما اخرجك علينا إلا حبك لخالك وعمك ابن أبي سلمة عامل البحرين، وإنا والله ما نزعم أنّ معاوية احق بالخلافة من علي [ عليهالسلام ]، ولو لا أمره في عثمان، ولكن معاوية احق بالشام لرضا أهلها به، فاعفوا لنا عنها، فوالله ما بالشام رجل به طرق إلّا هو إجدّ من
__________________
(1) الإستيعاب (بهامش الإصابة).
(2) انظر شرح نهج البلاغة لابن الحديد: 10 / 79.
(3) انظر شرح نهج البلاغة لابن الحديد: 10 / 77.
(4) وقعة صفين للمنقري: 463 - 465.
معاوية في القتال، ولا بالعراق من له مثل جدّ علي بن أبي طالب في الحرب، ونحن أطوع لصاحبنا منكم لصاحبكم، وما اقبح بعليٍّ أن يكون في قلوب المسلين أولى الناس بالناس، حتى إذا أصاب سلطاناً أفنى العرب. فقال جعدة: أمّا حبّي لخالي فوالله لو كان لك خال مثله لنسيت أباك، وأما ابن أبي سلمة فلم يصب أعظم من قدره، والجهاد احبّ إليّ من العمل، وأمّا فضل علي على معاوية فهذا ممّا لا يختلف عليه اثنان، وأمّا رضاكم اليوم بالشام فقد رضيتم بها أمس فلم نقبل، وأمّا قولك إنّه ليس بالشام من رجل إلّا وهو أجدُّ من معاوية وليس بالعراق لرجل مثل جدّ علي عليهالسلام فهكذا ينبغي أن يكون، مضى بعلي يقينه وقصر بمعاوية شكّه، وقصد أهل الحق خير من جهد أهل الباطل، وأمّا قولك نحن اطوع لمعاوية منكم لعلي عليهالسلام فوالله ما نسأله ان سكت ولا نرد عليه إن قال، وأمّا قتل العرب فإنّ الله كتب القتل والقتال فيمن قتله الحق فإلى الله، فغضب عتبة وفحش على جعدة، فلم يجبه جعدة وأعرض عنه وانصرفا جميعاً مغضبين، فلمّا انصرف عتبة جمع خيله فلم يستبق «منها» شيئاً، وجلّ اصحابة السّكون والصّدف والأزد، ويهيأ جعدة بما استطاع فالتقيا، وصبر القوم جميعاً، وباشر جعدة يومئذ القتال بنفسه، وجزع عتبة واسلم خيله وأسرع هارباً إلى معاوية، فقال له معاوية: فضحك جعدة وهزمتك، لا تغسل رأسك منها أبداً، فقال عتبة: لا والله، لا أعود إلى مثلها «أبداً»، ولقد أعذرت وما كان على أصحابي من عتب، ولكن أبى الله أن يديلنا منهم، فما أصنع وحضّي بها جعدة عند علي؛ فقال النجاشي فيما كان من شتم عتبة لجعدة وشعراً في ذلك اليوم:
إنّ شَتمَ الكَريم يا عُتبَ خَطبٌ |
فاعلَمنهُ من الخطوب عظيمُ |
|
اُمّه اُمّ هاني وأبوه |
مِن معدّ ومِن لَؤَيٍّ صميمُ |
|
ذاكَ منها هُبيرَةُ بن أبي وهب |
أقرَّت بِفَضلِه مخزومُ |
كانَ في حَربِكُم يُعدُّ بألفٍ |
حينَ تَلقى بها القُرُوم القُرُوم |
|
وإبنهِ جُعدةَ والخليفة مِنهُ |
هكذا يَخلُف الفروعَ الأرومُ |
|
كُلُّ شيءٍ تُريدُه فهو فيهِ |
حَسَبٌ ثاقبٌ ودينٌ قويمُ |
|
وَخَطيبُ إذا تَمَعَّرت الأو |
جُهُ يَشجى به الألدُّ الخصيمُ |
|
وَحليم إذا الحبى حَلّها الجَهـ |
لُ وخفّت من الرِّجال الحلومُ |
|
وَشكيم الحُروب قد عَلِمَ النَّا |
س إذا حُلَّ في الحروبِ الشَكيمُ |
|
مَا عَسى أن تقولَ للذّهب الأحـ |
مَرِ عَيباً هيهات مِنكَ النجومُ |
وقال الشّنيُّ في ذلك لعتبة:
ما زلت في عطفيك أبهةً |
لا يعرف الطَّرف مِنكَ التّية والصّلفُ |
|
لا تَسحبُ القومَ إلا فقع قرقرةٍ |
أو شحمة بزّها شاو لها نطفُ |
|
حتّى لقيت ابن مخزوم وأيّ فتىً |
أجيا مآثر آباء له سلفوا |
|
إن كان رَهَط أبي وهب جحاجحةً |
في الأوّلين فهذا منهم خلفُ |
|
أشجاك جعدة إذ نادى فوارسه |
حامَوا عن الدين والدنيا فما وقفوا |
|
حتّى رموك بخيل غير راجعةٍ |
إلا وسمر العوالي منكم تكفُ |
|
قد عاهدوا الله لن يثنوا أعنّتها |
عند الطّعان ولا في قولهم خلفُ |
|
لمّا رأيتهم صبحاً حسبتهم |
أشد العرين حمى أشبالها الغرفُ |
|
ناديت خيلك إذ عضّ الثّقاف بهم |
خيلي إليَّ، فما عَاجوا ولا عطفوا |
|
هلّا عطفت على قتلن مصرّعةٍ |
منها السّكون ومنها الأزد والصّدفُ |
|
قد كنت في منظر من ذا ومستمع |
يا عُتبَ لو لا سفاه الرّأي والسّرفُ |
|
فاليوم يُقرَع منكَ السّنُّ عن نَدَم |
ما للمبارز إلا العجز والنصفُ |
فهذان الشاعران مدحا جعدة بموقفه «يوم صفين» تجاه العدو، الموقف المشرف وحق لمثله أن يمدح تمثل هذا الشعر الرائق، وكان جعدة مازماً لخاله
أمير المؤمنين عليهالسلام إلى قتل أمير المؤمنين عليهالسلام ، فلازم بعده الحسن والحسين عليهمالسلام إلى أن توفي أيام معاوية، وكان جعدة يفتخر - ويحق له الفخر - ويقول:
أبي من بني مَخزوم إن كُنتَ سائلاً |
وَمِن هاشمٍ أُمّي لَخيرُ قَبيلِ |
|
فَمن ذا الذي يبني عَليَّ بخالهِ |
كخَالي علي ذي النّدى وعقيل (1) |
«ولقد كاتب الحسين عليهالسلام بعد وفاة أخيه الحسن عليهالسلام :
أمّا بعد فإنّ الشيعة متطلّعة أنفسها إليك، لا يعدلون بك الى أحد وقد عرفوا رأي أخيك الحسن في دفع الحرب، وعرفوك باللين لأوليائك والغلظة لأعدائك، فإن أحببت أن تطلب هذا الأمر لك فقد وطنّا أنفسنا على الموت معك».
فأجابه الحسين عليهالسلام غير أنّ جوابه يظهر كان لعموم الشيعة:
«أمّا بعد فإنّ أخي الحسن أرجو أن يكون الله قد وفقه وسدده، فيما يأتي، وأمّا أنا فليس رأيي ذاك، فألصقوا بالأرض واحترسوا عن الظنّة والتهمة ما دام معاوية حيّاً، فإن حدث به حادث كتبت إليكم برأي والسلام».
فأُم هاني على ما ذكرت كانت جليلة القدر، عظيمة الشأن، روت عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أحاديث كثيرة ذكرت في الصحاح؛ ولعظم شأنها أنّ الهاشميات إذا أصابتهن مصيبة أو نزلت بهنّ نازلة فزعن إليها، لذا لمّا بلغهن خبر سفر الحسين عليهالسلام الى العراق أقبلن إليها وقلن لها: يا اُم هاني أما علمت بما عزم عليه الحسين عليهالسلام ، فإنّه عزم على المسير إلى العراق، فهل لك أن تمضن لنودّع النسوة ونتزوّد من الحسين؟ فقامت اُم هاني - وهي امرأة عجوز محدوبة الظهر - حتى أقبلت إلى دار الحسين عليهالسلام ، وكان الحسين واقفاً على باب داره، فلمّا نظر أليها نظر إلى غلامة وقال له: من هذه المقبلة؟ فقال له: سيدي أظنّها عمّتك اُم هاني؛
__________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد.
فقال له: اضرب بيني وبينها ستراً، فوقف قبالة الحسين عليهالسلام ودخلت ام هاني على النساء وهي تبكي، فدخل الحسين عليهالسلام وقال لها: يا عمّة ما هذا البكاء؟ فقالت: عمّة عميت عين لا تبكي من بعدك. فقال لها الحسين عليهالسلام : عمّه لا تتطري، فقالت: والله لست بمتطيّرة ولكن سمعت البارحة هاتفاً يقول:
وإنَّ قتيل الطفّ من آلِ هاشمٍ |
أذلّ رقاباً مِن قريش فَذُلّت |
فقال لها عليهالسلام : عمّه لا تقولي من قريش ولكن قولي: «أذل رقابَ المسلمين فذلّت».
فقال الراوي: وعلا صراخ النساء وبكاؤهن، هذا والحسين نصب أعينهن. أقول: إذاً كيف حالهنّ لمّا دخل بشر بن حذلم المدينة ونادى:
يا أهل يثرب لا مقام لكم فيها |
قتل الحسين فأدمعي مدرار |
|
الجسم منه بكربلاء مضرّج |
والرأس منه على القناة يدار (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
يولي اتقابلن للنوح والون |
رباب اتعددّلهن وهن يبجن |
|
ظلمه دورها او بالحزن يدون |
وهن بالنوح دامن على الوقتين |
|
گومن جاي نلطم على الشبّان |
وسط الدور وا نغلّج البيبان |
|
بعد احسين وحشه هاي الوطان |
گومن جاي نتساعد على البنين |
وزينب عليهاالسلام :
يدور أهلي أعاينچن اباعين |
عگب عباس اخويه وعگب الحسين |
|
نعب بيجن اغراب الحزن والبين |
او عليچن يها الدور الحزن غيّم |
(تخميس)
أنقيمُ في جور الزمان وذُلّهِ |
يا منيةَ الباقي وكعبةَ نيله |
كم غائب سرّ الإله بوصله
يا ليت غائبنا يعودُ لأهله |
فنقول أهلاً بالحبيب ومرحبا |
في سبب عدم سفر محمّد بن الحنفية مع أخيه الحسينعليهالسلام
كان السبب لعدم خروج محمّد بن الحنفية مع أخيه الحسين عليهالسلام إلى العراق أمران:
أحدهما - على ما رواه المؤرخون وأهل السير - أنّه اُهدي درع للحسين فلمّا لبسه الحسين عليهالسلام فضل عليه مقدار أربعة أصابع، فأراد الحسين عليهالسلام أن يرسله إلى بعض الحدّادين ليقطع منه مقدار أربعة أصابع، وكان محمد بن الحنفية جالساً فأخذه ولواه على يديه وسرده، فأصابه بعض الحاضرين بنظرة فشلّت يده من وقتها وساعتها، وصار لا يقدر على حمل السلاح.
والأمر الثاني: هو أنّه إعتراه مرض الأغماء، وهذا الذي منعه عن الخروج مع أخيه الحسين عليهالسلام ، وكان أمير المؤمنين عليهالسلام يحبّه حبّاً شديداً، وشهد معه الجمل وصفين، وله فيهما المقام المحمود، وفي بعض أيّام صفّين قال لأبيه عليهالسلام : أبه لم لم تأذن لأخوي الحسنين بالبراز وتأذن لي؟ فقال له عليهالسلام : أنّ الحسن والحسين عيناي، وأنت يميني، فأنا اُدافع عن عيني بيميني.
وكان عالماً، فقيهاً، منطقياً، فارساً، شجاعاً، يكفي من شجاعته ما ظهر منه يوم الجمل وصفين، ويكفي من بلاغته خطبته المشهورة يوم صفين، وحتى أنّس
جماعة إلى الآن يدّعون بإمامته وهم «الكيسانيّة» (1) وبزعمهم أنه لم يمت وأنّه حي يرزق، وأنّه مقيم «بجبل رضوي» وأنّه هو المهدي من آل محمد، وأمّا من طرقنا فإنّ محمّد بن الحنفية مات ودفن «بابلة» أو «بالطائف» (2) وفي بعض الأخبار بالمدينة، مات وله من العمر خمس وستون سنة (3) .
وكان يحبّ الحسين حبّاً جمّاً، ولمّا علم أنّ الحسين عازم على الخروج من المدينة أقبل إليه وقال له: يا أخي أنت أحبّ الناس إليّ، وأعزّهم عليّ، ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق [إلّا لك] (4) ، وليس أحد أحق بها منك، (لأنّك زاج مائي ونفسي، وروحي وبصري، وبكير أهل بيتي، ومن وجبت طاعته في عنقي، لإنّ الله قد شرفك عليّ وجعلك من سادات أهل الجنّة) (5) ، تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت، ثم أبعث رسلك إلى الناس على فادعهم إلى نفسك، فإن بايعك (6) الناس حمدت الله على ذلك، وان اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك، أخي إنّي أخاف عليك أن تدخل مصراً من هذه الأمصار فيختلف الناس بينهم، فطائفة معك واُخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأوّل الأسنة غرضاً، فإذا خيرُ هذه الاُمة كلّها نفساً وأباً واُمّا اضيعها دماً وأذلّها أهلاً.
__________________
(1) انظر: رجال الكشّي: 94 / 149 و 96 / 152 و 127 / 204، وانظر: المعارف لابن قتيبة: 622، والملل والنحل: 1 / 131، وفرق الشيعة: 26 - 31، والفرق بين الفرق: 38 / 52، وتعليقة الوحيد البهبهاني: 410.
(2) انظر: محمّد بن الحنفية - للمؤلف - ص 82.
(3) انظر: كانت وفاته سنة احدى وثمانين في ايام عبد الملك بن مروان. محمّد بن الحنفية - للمؤلف.
(4) أثبتناها من المصدر.
(5) ما بين القوسين لم يرد في نسختنا أثبتناه من المصدر.
(6) في المصدر: تابعك.
فقال له الحسين عليهالسلام : «فأين أذهب يا أخي؟». قال: تخرج الى مكّة فإن اطمأنّت بك الدار بها فذاك وإلّا خرجت إلى اليمين، فإنّهم أنصار جدّك وأبيك، وهم أرأف الناس وأرقهم قلباً وأوسع الناس بلاداً، فإن إطمأنت بك الدار فذاك وإلّا لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وجزت من بلد إلى بلد حتى تنظر ما يؤل إليه أمر الناس، ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين، فإنك أصوب ما تكون رأياً حين تستقبل الأمر استقبالاً.
فقال الحسين عليهالسلام : «يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية». فقطع محمد بن الحنفية كلامه وبكى، وبكى الحسين معه ساعة ثم قال: «يا أخي جزاك الله خيراً فقد نصحت وأشفقت، وأرجوا أن يكون رأيك سديداً موفقاً، وأنا عازم على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك انا وأخوتي وبنو أخي، وشيعتي أمرهم أمري، ورأيهم رأيي، وأمّا أنت فلا عليك إلّا أن تقيم بالمدينة فتكون عيناً عليهم، ولا تخفي عنّي شيئاً من اُمورهم (1) .
ثم دعى الحسين عليهالسلام بدوات وبياض وكتب هذه الوصيّة لأخيه محمّد بن الحنفية:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا ما أوصي به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه المعروف «بابن الحنفية»...
«إنّ الحسين يشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحق، وأنّ الجنّة حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريت فيها، وأنّ الله يبعث من في القبور، وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمة جدّي محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم أريد أن آمر بالمعروف
__________________
(1) انظر: إرشاد المفيد: 2 / 34 - 35.
وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم وأبي علي بن أبي طالب عليهالسلام ، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين، هذه وصيّتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلّا بالله عليه توكلت وإليه انيب».
ثم طوى الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمد بن الحنفية ثم ودّعه وخرج من عنده (1) .
أقول: وصايا الحسين عليهالسلام أربع، الاُولى: الّتي أوصى بها محمّد بن الحنفية كما مرّ آنفاً، أوصاه بالنسبة إلى شؤون المدينة وأن يراسله في أمرها، وأن يكون عيناً له عليها.
والوصية الثانية: الّتي أوصى بها ولده السجّاد وهي بالنسبة للإمامة نصبه علماً للناس وإماماً من بعده وسلّمه مواريث الأنبياء (2) .
أمّا الوصيّة الثالثة: أوصى بها اخته الحوراء زينب ليلة العاشر من المحرم، فقد قال لها: اُخيّة إذا أنا قتلت فلا تسقّي عليّ جيباً ولا تخمشي عليَّ وجهاً... إلى آخرها (3) .
وأمّا الوصية الرابعة: أوصى بها شيعته جيلاً بعد جيل إلى يوم القيامة، وذلك ما روي عن سكينة بنت الحسين قالت: لمّا رميت بنفسي على جسد أبي الحسين أشمّه واوّدعه، سمعت الكلام يخرج من منحر أبي الحسين وهو يقول: «بني سكينة إقرأي شيعتي عنّي السلام وقولي لهم إنّ أبي الحسين قتل عطشاناً وقيل عن لسانه:
__________________
(1) محمد بن الحنفية - للمؤلف - ص 60.
(2) أسرار الشهادات للفاضل الدربندي: 2 / 779 - 784.
(3) أسرار الشهادات للفاضل الدربندي: 2 / 225، نقلها عن الإرشاد للشيخ المفيد: 2 / 93 - 94.
شيعتي مهما شربتم عذب ماء فاذكروني |
أو سمعتم بقتيل أو شهيد فاندبوني |
|
وأنا السبط الذي من غير جرم قتلوني |
وبجرد الخيل بعد القتل عمداً سحقوني |
صرت استسقي بطفلي فأبوا أن يرحموني (1)
وقال المؤلف مخمساً بيتين من قصيدة الشيخ صالح العرندس:
أيا زائراً قبراً على العرش قد علا |
تضمّن سبط المصطفى خيرة الملا |
|
اسل دمعك القاني وقل متمثّلا |
أيقتل عطشاناً حسين بكربلا |
وفي كلّ عضو من أنامله بحر
فمن مبلّغ الزهراء بضعة أحمد |
قضى نجلها ظام بمصارم ملحد |
|
أيقضي ظماً سبط النبي محمد |
ووالده الساقي على الحوض في الغد |
وفاطمة ماء الفرات لها مهر (2) (3)
__________________
(1) أسرار الشهادات للفاضل الدربندي: 3 / 282.
(2) ديوان الهاشميات للمؤلف رحمه الله: 69 - 70.
(3) ولسان حال الزهراء عليهاالسلام إلى ولدها ليلة الحادي عشر من المحرم:
(نصاري)
شافت الزهرة احسين محزوز الوريدين |
ليلة احد عشر وهي صاحت آه يحسين |
|
ما لومك او لشرة عليك او لا اعتبك |
ارخصت هالروح العزيزة الدين ربّك |
|
يبني أريد أشبگك وحط گلبي فوگ گلبك |
وبچي ونادي ساعدوني يلمحبين |
|
شلتك ابطني تسعة اشهر يا جنيني |
وسهرت ليلي او سيدتك عن يميني |
|
تالهيا مرمي اعله الثرى تنظرك عيني |
عگب الدلال اعلى الترب اتنام يحسين |
|
يحسين يبني مصرعك گطع اگليبي |
يا ريت دونك يذبحوني يا حبيبي |
|
ابروحي فديتك واشربت صافي حليبي |
او برباك يوليدي اسهرت يا گرّة العين |
(تخميس)
قضى ظامياً ما ذاق للماء برده |
بحرّ هجير تصهر الشمس خدّه |
فوالله لو يوماً تقومين بعده
إذا للطمت الخدّ فاطم عنده |
وأجريت دمع العين في الوجنات |
في كيفية خروج موسى من مدينة فرعون
وخروج الحسين عليهالسلام من مدينة جدّه صلىاللهعليهوآلهوسلم
كان خروج الحسين بن علي عليهالسلام من المدينة يوم الأحد ليومين بقين من رجب سنة ستين من الهجرة، وكان خرجه ليلاً خائفاً يتكتّم (1) ، كما قال المرحوم السيد جعفر الحلّي رحمه الله في قصيدته الغرّاء الميمية:
خرج الحسين من المدينة خائفاً |
كخروج موسى خائفاً يتكتّم (2) |
ولكن هناك فرق عظيم بين خروج الحسين عليهالسلام وخروج موسى عليهالسلام ، خرج من مدينة فرعون شرّ خلق الله والحسين عليهالسلام خرج من مدينة جدّه صلىاللهعليهوآلهوسلم خير خلق الله، وموسى خرج خائفاً على نفسه، والحسين عليهالسلام خرج خائفاً من أن يقتل بالمدينة وتهتك حرمة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وموسى عليهالسلام خرج وحده لم تكن معه عائلة ولا أطفال والحسين عليهالسلام خرج بعيالاته وأطفاله؛ قالت سكينة: خرج أبي بنا في ليلة ظلماء، وما كان أحد أشدّ خوفاً منّا.
__________________
(1) إرشاد المفيد: 2 / 34.
(2) ديوان السيد جعفر الحلي رحمه الله.
وموسى عليهالسلام لمّا وصل إلى «مدينة شعيب» أمن ونجا، والحسين عليهالسلام لمّا وصل إلى «مكّة» حرم الله وبيته لم يأمن على نفسه من القتل لأنّ يزيد بن معاوية كان قد دسّ له من الحاج ثلاثين شيطاناً من شياطين بني اُمية وقال لهم: اقتلوا الحسين أينما وجدتموه ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة.
موسى عليهالسلام لمّا وصل ألى «مدين» وجد بنتي شعيب على البئر يسقيان، فسقى لهنّ وكان الدلو لا يجره إلا عشرة فجره، وقد حكى الله ذلك في محكم كتابه المجيد: ( وَلَمّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمّ تَوَلّى إِلَى الظّلّ ) - وكان جائعاً خائفاً ( فَقَالَ رَبّ إِنّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (1) فأقبلتا إلى أبيهما بالماء وقد أسرعتا في الرجعة، وتعجّب شعيب وقال: أسرعتنّ؟! فقالت إحداهنّ: إن رجلاً صفته كذا وكذا سقى لنا قبل الناس؛ فبعث إحداهنّ خلفه، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله عزّ إسمه العظيم ( فَجاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنّ أَبِي يَدْعُوكَ ) (سورة القصص: 24) فمشى خلفها وجاءت الريح فحملت ثوبها فأدار موسى عليهالسلام وجهه عنها، وقال لها: إمشي خلفي ورام لي الحصاة على الطريق فإنّا قوم لا ننظر على أعجاز النساء؛ فصارت تمشي خلفه - ( فَلَمّا جَاءَهُ وَقَصّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) (2) .
فموسى عليهالسلام إستسقى بطريقة لبنات شعيب، والحسين عليهالسلام سقى في طريقه الحرّ وأصحابه الذين كانت عدّتهم ألف فارس عدا خيولهم؛ موسى عليهالسلام لمّا قصّ
__________________
(1) سورة القصص 28: 23، 24.
(2) سورة القصص 28: 25.
على شعيب قصّته وهو خائف قال له: ( لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) (سورة القصص: 25)، والحسين عليهالسلام لمّا قصّ قصّته للحرّ عند توجهه إلى العراق جعجع به الحرّ وارعبت العائلة؛ قال أرباب التفسير:
ولمّا جاء موسى إلى شعيب ورغبت فيه إحدى إبنتيه كما حكى الله تعالى ذلك ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ) (1)
والعلّة في خدمة موسى عليهالسلام لشعيب - وهو كليم الله - هي: أنّ شعيب عليهالسلام بكى من خشية الله حتى ذهب بصره فأعاد الله عليه بصره، فبكى ثانية فذهب بصره فأعاد الله عليه بصره ثلاثاً، فأوحى الله: «يا شعيب ممَّ بكاؤك طمعاً في جنّتي أعطيتك إيّاها، أو خوفاُ من ناري أمنتك»؛ فقال [شعيب]: «ربّي لا ذا ولا ذاك، ولكن رأيتك أهلاً أن تخشى»، فأوحى الله اليه: «وعزّتي وجلالي لأخدمنّك كليمي موسى».
( فَلَمّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا ) - وكانت زوجته حاملة - ( إِنّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلّي آتِيكُم مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلّكُمْ تَصْطَلُونَ ) (2) .
ويروى في ذلك الحين كان قد أخذها الطلق، فلمّا مضى الى النار وأراد أن يقتبس منها مالت عليه فولّى هارباً، وإذا بالنداء: ( يَامُوسَى إِنّي أَنَا اللّهُ رَبّ
__________________
(1) سورة القصص 28: 27.
(2) سورة القصص 28: 29.
الْعَالَمِينَ ) (1) وما أحسن ما قيل من باب المثل في ذلك: «رُبَّ أمرٍ ليس يُرجى لَكَ في الغَيبِ يخبي»، إنّ موسى عليهالسلام راح كي يطلب ناراً فتنّبى، وإذا بتلك النار هي نور الجلالة فبعثه الله الى فرعون.
أقول: خاف موسى عليهالسلام من تلك النار بمجرّد أن رأى الميلان صار عليه وهرب منها، والحسين عليهالسلام مالت عليه سيوف أهل الكوفة ورماحهم يوم «عاشوراء» ونار الحرب تستعر فلم يرع منها، بل كان ثابت الجنان، رابط الجأش، حتى شهد له العدو بذلك، فقال بعضهم: «والله ما رأينا مكثوراُ قط قتل ولده وأهل بيته أربط جأشاً من الحسين عليهالسلام ، ولقد كان يشد علينا وقد تكاملنا ثلاثين ألفاً فننكشف من بين يده إنكشاف المعزى إذا شدّ فيه الذئب، وهو يقول: والله لا اعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرّ لكم إقرار العبيد».
فأبى أن يعش إلّا عزيزاً |
أو تجلى الكفاح وهو صريع |
|
فتلقّى الجموع فرداً ولكن |
كلّ عضو في الروع منه جموع |
|
زوج السيف بالنفوس ولكن |
مهرها الموت والخضاب النجيع (1) |
__________________
(1) سورة القصص 28: 30.
(2)
لاح ابظهر غوجه احسين |
او سل سيفه وتعنّه الگوم |
|
صكها الحيد وراواها |
انجوم الظهر ذاك اليوم |
|
تجلّى الغيم من سيفه |
او تموت العده امن اتشوفه |
|
خطفها وخطف منه الروح |
ومن الخوف مخطوفه |
|
برض الغاضريّه احسين |
ابد ما ترك بالكوفه |
|
بيت إله النوايح بيه |
تنوح أو م چدر او مهموم |
__________________
لا چن لوله ما ينزل |
امن الباري العهد لحسين |
|
ناداه الوعد وينه |
او گال انچان هذا الدين |
|
أبد ما يستقيم الّه بچتلي |
اخذيني يا سيوف الحين |
|
يسيوف العده او دارت |
عليه أو كل كتر ملزوم |
|
حاطت بيه بس ترميه |
بحجار او نبل وسهام |
|
هذا ايطعنه بالخطي |
او ذاك ايضربه بالصمصام |
|
حال العطش عن شوفه |
او عن الماي بالطّف صام |
|
من كثر النبل والزان |
ما يگدر يولي ايگوم |
|
الف وتسعميت اصواب |
المثلث مرد گلبه |
|
او وگع للگاع ابو اليمه |
وعليه الدينا منجلبه |
|
گطع راسه الشمر بالسيف |
او فزعوا كلهم السلبه |
|
او لامت حربه سلبوها |
او عليه ما تركو من اهدوم |
|
عليه ما تركو من ثياب |
وموسد على التربان |
|
ورضّت خيلهم جسمه |
او راسه على سنان اسنان |
|
ظل عاري ثلث تيّام |
ابلياليها او گضه عطشان |
|
او ماي العذب مهر امّه |
او من عنده انچتل محروم |
(تخميس)
أيقتل ضمآناً حسين بكربلا |
وفي كل عضو من أنامله بحر |
|
ووالده الساقي على الحوض في غد |
وفاطمةُ ماء الفرات لها مهرُ |
في خروج الحسينعليهالسلاممن المدينة ودخوله مكة المكرمة
قال الشيخ المفيد رحمه الله: فسار الحسين عليهالسلام [من المدينة] إلى مكة [وهو يقرأ] (1) : ( خَائِفاً يَتَرَقّبُ ) - وهو يقول - ( رَبّ نَجّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) (2) ولزم الطريق الأعظم، فقال له أهل بيته: [لو تنكبت الطريق الأعظم كما صنع ابن الزبير] (3) لئلا يلحقك الطلب، فقال: « لا والله لا اُفارقه حتى يقضى الله ما هو قاض ».
ولمّا دخل [الحسين] (4) مكة المشرفة، وكان دخوله إياها يوم الجمعة لثلاث مضين من شعبان [سنة ستين من الهجرة] (5) ، ودخلها وهو يقرأ: ( وَلَمّا تَوَجّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السّبِيلِ ) (6) ثم نزل بها (فأقام بقية شعبان
__________________
(1) ما أثبتناه من المصدر.
(2) سورة القصص 28: 21.
(3) ما أثبتناه من المصدر، وفي الأصل: خَلِّ عن هذا...
(4) ما أثبتناه من المصدر.
(5) لم ترد في المصدر، وأثبته المؤلف رحمه الله نقلاً عن الملهوف للسيد إبن طاووس: 101.
(6) سورة القصص 28: 22.
وشهر رمضان وشوال وذي القعدة وثمان ليال خلون من ذي الحجة) (1) (وكان الناس يختلفون إليه وكان عبدالله) (2) بن الزبير (3) بها قد لزم جانب الكعبة [فهو قائم يصلي عندها ويطوف، ويأتي الحسين عليهالسلام فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين، ويأتيه بين كل يومين مرة] (4) ، وصار الحسين أثقل خلق الله لأنّه يعلم أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه ما دام الحسين عليهالسلام موجوداً بمكة، وأنّ الحسين أطوع للناس منه وأجلّ وأشرف (5) .
وكان ابن الزبير يسمى [حمامة الحرم] لأنّه يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكان [ضَبِّ خَب] (6) كما قال أمير المؤمنين عليهالسلام : «بنصب الآخرة حبائل للدنيا ويروم أمر فلا يدركه] (7) . وكان يتردد على الحسين عليهالسلام بين اليوم واليومين، ويقول له: يا أبا عبدالله إنّ أهل الكوفة شيعتك وشيعة أبيك؛ وكان الحسين عليهالسلام يعرض عنه فالتفت إليه ابن عباس يوماً وقال: يابن الزبير تريد أن يخلو لك
__________________
(1) ما بين القوسين من المؤلف رحمه الله، لم ترد في المصدر، وأثبتها عن السيد ابن طاووس: 101.
(2) ما بين القوسين من المؤلف رحمه الله، وفي المصدر: وأقبل أهلها يختلقون إليه، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق،...
(3) ولد عبدالله بن الزبير بعد الهجرة بعشرين شهراً - كما ذكر الواقدي ذلك - وكان يكنى: أبا بكر، وأبا حبيب، قتله الحجاج بعد أن حاصره بمكة وقد أصابته رمية فمات بها، وكان بخيلاً، وهو صاحب المثل «اكلتم تمري، وعصيتم أمري» حتى قال فيه الشاعر:
رأيت أبا بكر وربّك غالب |
على أمره، يبغي الخلافة بالتمر |
قتل وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وصلب حيث اصيب.
(4) ما أثبتناه من المصدر، لعلّه سقط في الأصل.
(5) إرشاد المفيد: 2 / 35.
(6) يقال: رجل خبّ ضبّ - أي - مراوغ، والضب - أيضاَ الحقد الخفي.
(7) الظاهر من كلامه عليهالسلام [انّه] يروم الخلافة فلا يحصل عليها، وهذه من المغيبات التي أخبر عنها أمير المؤمنين عليهالسلام .
الحجاز من الحسين؟ ثم التفت إلى الحسين عليهالسلام وقال له: «يا ابن العم إنّي أتصبّر ولا أصبر، أنت سيد أهل الحجاز فأقم في هذه البلد، وإن أبيت إلّا أن تخرج فاخرج الى اليمن فإنّهم أنصار جدّك وأبيك، وهم أرقّ الناس عليك فإنّي أخاف عليك أن تقتل ونساؤك واطفالك تنظر إليك». فقال الحسين عليهالسلام : إنّ جدّي رسول الله قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه» (1) .
ثم قال له عبدالله بن الزبير: يابن رسول الله قد حضر الحج وأنت ماض إلى العراق؟ فقال عليهالسلام : «لإن ادفن بشاطئ الفرات أحب إليّ من أن ادفن بفناء الكعبة، فإن أبي حدثني أنّ بها كبشاً يستحلّ حرمتها، فما أحب أن أكون ذلك الكبش» (2) .
قال السيد ابن طاووس رحمه الله في «الملهوف»: وجاء إليه محمد بن الحنفية فأجابه مثل ما أجاب عبدالله بن عباس (3) ،، وجاءه عبدالله بن عمر (4) فأشار عليه بصلح أهل الضلالة وحذره من القتل والقتال، فقال عليهالسلام : «يا أبا عبدالرحمن أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا
__________________
(1) انظر الملهوف للسيد ابن طاووس: 101
(2) وهذه من المغيبات التي أخبر عنها إمامنا أمير المؤمنين عليهالسلام ، فإنّ ابن الزبير حوصر بمكة خمسة أيام - حاصره الحجاج - ثم قتل في البيت، فكان هو الكبش، وأمر به الحجاج فصلب بمكة، وكان مقتله يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادي الأول سنة (73 هـ)
انظر: تاريخ ابن الأثير: 4 / 135، تاريخ الطبري: 7 / 202، فوات الوفيات: 1 / 210، تاريخ الخميس: 2 / 301، الأعلام للزركلي: 4 / 87، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:
(3) ابن عباس، حبر الأمة والصحابي الجليل رضياللهعنه ، ولد بمكة ولازم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم وروى عنه، وشهد مع أمير المؤمنين عليهالسلام الجمل وصفين ونهروان، كفّ بصره في آخر عمره وسكن الطائف وتوفي بها سنة (68 هـ). انظر: الإستيعاب، والإصابة، وصفة الصفوة: 1 / 314، حلية الاولياء: 1 / 314، نسب قريش: 26، المحبر: 98، الأعلام للزركلي: 4 / 95.
(4) عبدالله بن عمر: وكنيته أبو عبدالرحمن، آخر من توفي بمكة من الصحابة، وكانت ولادته بمكة. انظر: الإصابة، الإستيعاب، طبقات بن سعد: 4 / 105.
بني إسرائيل، أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأنهم لم يفعلوا شيئاً، فلم يجعل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام، اتّق الله يا أبا عبدالرحمن، ولا تدع نصرتي».
وقال: وسمع أهل الكوفة بقدوم الحسين عليهالسلام إلى مكة وامتناعه من البيعة ليزيد، فاجتموا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فلمّا تكاملوا قام [سليمان] فيهم خطيباً، وقال في آخر خطبته:
«[يا معشر الشيعة]، إنكم قد علمتم بأن معاوية قد هلك، وقد قعد في موضعه إبنه يزيد [شارب الخمور والضارب بالطنبور]، وهذا الحسين بن علي عليهالسلام قد خالفه وجاء الى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه من قبل، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدون دونه، فاكتبوا إليه وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغرّوا الرجل».
قال: فأجابوه بأننا نبايعه ونجاهد عدوّه، فقال: إذاً اكتبوا إليه كتاباً؛ فكتبوا إليه:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الحسين بن علي بن أبي طالب.
من سليمان بن صرد الخزاعي (1) ، والمسيب بن نجبة (2) ورفاعة بن
__________________
(1) تقدّمت ترجمته عن المؤلف رحمه الله، وذكرنا هناك مصادر ترجمته.
(2) المسيب بن نجمة الفزّاري: تابعي، وشهد القادسية وفتوح العراق، وشهد مع أمير المؤمنين عليهالسلام حروبه الثلاثة، وكان شجاعاً مقداماً، ومتعبداً ناسكاً، ثار مع التوابين في طلب دم الإمام الحسين عليهالسلام ، واستشهد مع سليمان بن صرد الخزاعي بالعراق في وقعة «عين الوردة»، وحمل رأسيهما إلى مروان بن الحكم (لعنه الله)، وكان الذي حمل رأسيهما هو
شدّاد (1) ، وحبيب ابن مظاهر، وعبدالله بن وائل، وشيعته من المؤمنين. سلام الله عليكم.
أمّا بعد، فالحمدلله الذين قصم عدوّكم وعدوّ أبيك من قبل، الجبار العنيد الغشوم الظلوم، الذي ابتزّ هذه الامة أمرها، وغصبها فيأها، وتأمّر عليها بغير رضى منها، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها، فبعداً له كما بعدت ثمود وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وعتاتها، فبعداً له كما بعدت ثمود.
ثمّ أنّه ليس علينا إمام غيرك، فأقبل لعلّ الله يجمعنا بك على الحق، والنعمان في قصر الإمارة، فإنّا لا نجتمع معه لا جمعة ولا جماعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو بلغنا قدومك لأخرجناه حتى يلحق بالشام، والسلام عليك و رحمهالله وبركاته (2) .
قال أهل السير: وجعلت الكتب تترى على الحسين عليهالسلام ومن اهل الكوفة حتى ملأ منها خرجين (3) ، وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله:
قد بايعوا السبط طوعاً منهم ورضى |
وسيّروا صحفاً بالنصر تبتدر |
|
أقدم فإنّا جميعاً شيعة تبع |
وكلّنا ناصر والكلّ منتظر |
|
أقبل وعجّل قد اخضرّ الجناب وقد |
زهت بنظرتها الأنهار والثمر |
__________________
أدهم بن بحير الباهلي (لعنه الله) وكانت وقعة «عين الوردة» في أول ربيع الآخر سنة (65 هـ). انظر: الكامل في التاريخ لابن الأثير: 4 / 68 والإصابة: رقم (8424)، الإعلام للزركلي: 7 / 225، تاريخ من دفن في العراق من الصحابة (للمؤلف رحمه الله): 220 (آخر ترجمة: سليمان بن صرد الخزاعي).
(1) رفاعة ابن شدّاد البجلي:
(2) الملهوف على قتلى الطفوف للسيد ابن طاووس: 102 - 105.
(3) الأخبار الطوال للدينوري: 229.
أنت الإمام الذي نرجوا بطاعته |
خلد الجنان اذا النيران تستعر |
|
لا رأي للناس إلّا فيك فأت ولا |
تخشى اختلافاً ففيك الأمر منحصر |
|
وأثموه إذا لم يأتهم فأتى |
قوماً لبيعتهم بالنكث قد خفروا |
|
فعاد نصرهم خذلاً وخذلهم |
قتلاً له بسيوف للعدى ادّخروا |
|
يا ويلهم من رسول الله كم ذبحوا |
ولداً له وكريمات له أسروا |
وكان آخر كتاب قدم عليه مع هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي، فضّه وقرأه وإذا فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
للحسين بن علي
من شيعته وشيعة أبيه أمير المؤمنين
أمّا بعد، فإنّ الناس ينتظرونك لا رأي لهم إلى غيرك، فالعجل العجل يابن رسول الله، فقد احضر الجناب، وأينعه الثمار، وأعشبت الأرض، وأورقت الأشجار، فأقدم علينا إذا شئت، فإنّما تقدم على جند لك مجنّدة، والسلام عليك وعلى أبيك من قبلك و رحمهالله وبركاته.
فقال الحسين عليهالسلام للرسول وهو هانئ بن هانئ السبيعي: «اخبرني من هؤلاء الذين كتبوا إلي هذا الكتاب؟» قال: يابن رسول الله هم شيعتك، فقال عليهالسلام : من هم؟ قال: شبث بن الربيعي، وحجّار بن أبجر، ويزيد بن رويم، وعروة بن قيس، وعمر بن الحجاج الزبيدي (1) ، وهؤلاء كلهم من اعيان الكوفة.
__________________
(1) الملهوف على قتلى الطفوف للسيد بن طاووس: 105 - 107، وفي الأخبار الطوال للدينوري: شبث بن ربيعي وحجار بن ابجر ويزيد بن الحارث وعزرة بن قيس وعمرو بن الحجاج ومحمّد بن عمير بن عُطارد، وكان هؤلاء الرؤساء من أهل الكوفة...؛ انظر ذلك ص 229.
اقول هؤلاء كلهم حضروا يوم الطف ورأوا الحسين عليهالسلام يستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجار، فما نصروه وما أجابوه، بل أعانوا عليه، أما شبث بن الربيعي فإنّه قال لابن سعد: يا أمير آمر العسكر أن يفترق عليه أربعة فرق ضرباً بالسيوف، وطعناً بالرماح، ورمياً بالسهام، ورضخاً بالحجارة؛ فافترقوا على الحسين اربعة فرق كما أشار شبث بن ربعي على ابن سعد، وهؤلاء ايضاً كلهم هجموا على خدره وانتهبوا ثقله واحرقوا خيمه وروّعوا عياله وأطفاله.
ومخدّرات من عقائل أحمد |
هجمت عليها الخيل في أبياتها |
|
وحائرات أطار القوم أعينها |
رعباً غدات عليها خدرها هجموا (1) |
__________________
(1) وزينب عليهاالسلام كأني بها تخاطب أخاها الحسين عليهالسلام بلسان الحال:
(ابوذية)
الحراير من لهيب النار هاجن |
ولعد جسمك يبو السجّاد هاجن |
|
يگلّنك علينه الليل هاجن |
وانته اموسد الغبرة رميّه |
* * *
يخوية النار بوسط الخيم تنهاب |
او وصلت خيلهم للخدر تنهاب |
|
الماعدها عشيرة اشلون تنهاب |
يليث الغاب ما تلحك عليه |
(طور عبود غفلة)
يفترن خوات احسين |
من خيمه لعد خيمه |
|
ينخن وين راحو اوين |
ما مش بالكفر شيمه |
|
كل خيمة تشبّ ابنار |
ردن ضربن الهيمة |
|
والسجاد اجو سحبوه |
ودمعه اعلى الوجه ساله |
(تخميس)
قلّبوه عن نطع مسجّى فوقه |
فبكت له أملاك سبع شداد |
|
ويصيح وا ذلّاه أين عشيرتي |
وسراة قومي أين أهل وداد |
في خطبة الحسينعليهالسلامقبل خرجه من مكة المشرفة
لقد دمعت عيون البيت حزناً |
لفقد منى قلوب العارفينا |
|
وطافت طائفوه طواف ثكلى |
وقد لبسوا السواد ملهّفينا |
|
وكانت تلبياتهم رثا رثاءاً |
لسبط كان خيرَ الناسكينا |
|
فقدنا ها هنا قصراً مشيداً |
وبيت العز والبلد الأمينا |
|
فقدنا ها هنا كهف الأيامى |
وسور المحتمين طور سينا (1) |
روي السيد في اللهوف وغيره قال:
لمّا همّ الحسين عليهالسلام ان يتوجّه إلى العراق قام خطيباً في أصحابه فقال:
«الحمد لله ماشاء ولا حول ولا قوة إلّا بالله، وصلّى الله على رسوله محمد وآله أجمعين، خطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه، وكأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأن مني اكراشاً جوفاً وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، حين تشذّ عن رسول الله لحمته، وهي
__________________
(1) هنا أشار عليهالسلام إلى ابن الزبير، فإن تقتله هتك حرمة الحرم، وهذه من معيباته التي أخبر عنها عليهالسلام .
مجموعة له في حظيرة القدس تقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده».
ثم قال عليهالسلام : «ألا ومن كان فينا باذلاً مهجته موطناً على لقاء الله نفسه فاليرحل معنا فإنّي راحل مصبحاً انشاءالله تعالى» (1) .
قال أرباب التاريخ: وجاء كتاب من ابن عمّه مسلم بن عقيل من الكوفة مع عابس بن شبيب الشاكري يقول فيه:
«أما بعد، فإنّ الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل، فعجّل الإقبال حين وصول كتابي، فإنّ الناس كلّهم معك، وليس لهم في آل معاوية [ آل أبي سفيان ] رأي ولا هوى والسلام» (2) .
وروي محمد بن داود القمي إسناده عن أبي عبدالله الصادق عليهالسلام قال: «وجاء بن الحنفية إلى الحسين في الليلة التي اراد الحسين الخروج من صبيحتها من مكة فقال له: يا أخي أنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنّك أعز من بالحرم وأمنعه» فقال له: يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يستباح به حرمة هذا البيت (3) .
فقال له ابن الحنفية: فإن خفت ذلك فصر إلى اليمين أو بعض نواحي البرّ، فأنك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد. [فقال الحسين عليهالسلام ] (4) : أنظر فيما قلت.
ولمّا كان السحر ارتحل الحسين عليهالسلام ، فبلغ ذلك محمد بن الحنفية فأتاه
__________________
(1) الملهوف في قتلى الطفوف للسيد بن طاووس: 126.
(2) الاخبار الطوال: 243.
(3) هنا أشار عليهالسلام إلى بن الزبير، فإنّ بقتله هتك حرمة الحرم، وهذه من مغيباته التي أخبر عنها عليهالسلام .
(4) أثبتناه من المصدر، والظاهر أنه سقط في الأصل.
وأخذ بزمام ناقته التي ركبها، وقال له: يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال: بلى، قال: إذاً فما حداك على الخروج عاجلاً؟ فقال له: يا أخي أتاني رسول الله بعد ما فارقتك وقال لي: يا حسين اُخرج قد شاء الله أن يراك قتيلاً، فقال ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون، أخي إذاً فما معنى حملك هذه النسوة وأنت تخرج على مثل هذه الحالة والصفة؟ قال له: أخي قد شاء الله أن يراهنّ سبايا على اقتاب المطايا» (1) .
أخي إن الله شاء بأن يرى |
جسمي بفيض دم الوريد مخضّبا |
|
ويرى النساء على الجمال حواسراً |
أسرى وزين العابدين سليبا |
|
فاكفف فقد خطّ القضاء بأنني |
أمسي بعرصة كربلاء غريبا |
وفي رواية أخرى قال له: «أخي اناشدك الله أن لا تسير إلى قوم غدروا بأبيك سابقاً، وغدروا بأخيك لاحقاً، وأبقوا عدوّكم، فأقم في حرم جدّك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وإلا فارجع إلى حرم الله، فإن لك فيها أعواناً كثيرة، فقال له: «لابدّ من المسير الى العراق»، فقال له محمد إنه ليفجعني ذلك، ثم بكى وقال: والله يا أخي لا أقدر ان أقبض على قائم سيفي ولا أقدر على حمل رمحي، ثم لا فرحت بعدك أبداً». ثم ودّعه وسار الحسين عليهالسلام .
قال الراوي: وعند خرجه من مكة لقيه رجل من أهل الكوفة يكنّى أبا هرة الأزدي، فسلّم عليه ثم قال له: يا بن رسول الله من الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال له عليهالسلام : «ويحك يا أبا هرة إن بني امية أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وايم الله ان تقتلني الفئة الباغية، وليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً، ويرسل عليهم سيفاً قاطعاً، وليسلّطنّ عليهم من يذلّهم حتى يكونوا أذلّ من قوم سبأ أذ ملكتهم إمرأة فحكمت في
__________________
(1) الملهوف للسيد ابن طاووس رحمه الله: 127.
أموالهم ودمائهم» (1) قال: ثم ودّعه وسار الحسين عليهالسلام ومن معه قاصدين العراق (2) .
ومقوّضين تحملوا وعلى |
مسراهم المعروف محتمل |
|
وكبوا إلى العزِّ الردى وحدى |
للموت فيهم سائق عجل |
|
وبهم ترامت للعلى شرفاً |
أبل المنايا السود لا الإبل |
|
نزلوا بأكناف الطفوف ضحى |
وإلى الجنان عشية رحلوا (3) |
__________________
(1) كلما ذكره الحسين عليهالسلام لأبي هرة جرى على أهل الكوفة من قبل المختار وأضرابه.
(2) الملهوف للسيد بن طاووس رحمه الله: 132.
(3)
(نصاري)
سار احسين واصحابه بلظعون |
وصلوا كربلا ووچب الميمون |
|
ركب ستة افراس امن اليسجون |
وگفوا وانشد اجموع الحمية |
|
شسم هالگاع گالوا شاطي الفرات |
وسمها نينوى والغاضريات |
|
رد انشد وگالوله المسنات |
ورض لعراگ يا شبل الزچيّه |
|
بچه اوگلهم دمع العين مذروف |
هم الها اسم گالوله الطفوف |
|
رجع سايل اسمها البيها معروف |
سكتوا والدموع اتكت هيه |
|
ناده احسين واليكم ترونه |
سايلكم وشو متجاوبونه |
|
گالوا كربلا واهلّت اعيونه |
او تحسّر والگلب ناره سرّيه |
(دكسن)
صاح احسين يصحابي انزلونه |
ابهاي الگاع كلنه ايذبحونه |
|
او بس يبگه علي ويگيدونه |
او طفلي ينذبح ما بين ايديّه |
|
يگومي ابهاي يتشتت شملنه |
او نبگه بالشمس والدم غسلنه |
|
او تسبى احريمنا او تندب يهلنه |
چه ترضون نتيسّر هديّه |
(تخميس)
يا من إذا ذكرت لديه كربلا |
لطم الخدود وللمدامع اهملا |
مهما مررت على الفرات فقل ألا
بعداً لشطّك يا فرات فمرّ لا |
تخلوا فإنّك لا هني ولا مري |
في استنصار الحسينعليهالسلام
إسنتصر الحسين عليهالسلام جماعة في طريقه الى كربلاء، وألقى عليهم الحجج وحذّرهم من سماع واعيته، وكان استنصاره لهم تارة بلسانه، وتارة بإرسال رسول من قبله إلى من يستنصره، وتارة بالكتب، فمنهم من أجاب ورزق الشهادة معه، وسُعد في الدارين بل وحضى السعادة الأبدية، ومنهم من اعتذر بتجارة له، ومنهم من لم يجبه على ذلك بشيء وبعدها أسف وندم على ما فاته من فضل الشهادة، فالذي أجاب الحسين عليهالسلام لمّا دعاه لنصرته هو «زهير بن القين البجلي رحمه الله»، وأرسل عليه الحسين أثناء الطريق وطلب منه النصرة، فأجاب ورزق الشهادة وحظي بالسعادة والذي اعتذر بتجارته هو «عمرو بن قيس المشرفي» - كما ذكره صاحب أسرار الشهادات - قال عمرو:
دخلت على الحسين عليهالسلام أنا وابن عمّ لي وهو في «قصر بني مقاتل» فسلّمنا عليه، فقال له ابن عمّي: يا أبا عبدالله هذا الذي أرى خضاب أو شعرك؟ فقال [ عليهالسلام ]: «خضاب، والشيب إلينا بني هاشم يعجل»، قال: ثمّ أقبل عليهالسلام علينا، وقال: جئتما لنصرتي؟ قال عمرو: وقلت له: سيدي إنّي رجل كبير السن، كثير الدين، كثير العيال، وفي يدي بضائع للناس ما أدري ماذا يكون من أمرك، وأكره أن اُضيّع أمانتي، وقال له ابن عمّي مثل ذلك: فقال لنا: «إذاً انطلقا ولا تسمعا لي
واعية، ولا تريالي سواداً، فإنّه من سمع واعيتنا أو شهد سوادنا ولم يعيننا كان حقاً على الله عزّوجلّ أن يكبّه من منخريه في النار) (1) . فهذا هو عمرو بن قيس وابن عمّه تقاعدا من النصرة واعتذرا للحسين عليهالسلام بالتجارة.
وأمّا الذي استنصره الحسين عليهالسلام وما أجابه وندم بعدها على عدم نصرته هو «عبيدالله بن الحر الجعفي» - كما ذكره صاحب درّ النظيم - عن أبي مخنف قال:
لمّا نزل الحسين عليهالسلام «قصر بني مقاتل» رأى فسطاطاً مضروباً فقال: لمن هذا الفسطاط؟ فقيل له: لعبيدالله بن الحرّ الجعفي، وكان مع الحسين عليهالسلام الحجاج ابن مسروق الجعفي وزيد بن معقل الجعفي، فأرسل الحسين عليهالسلام الحجاج ليدعوه إليه، فلمّا أتاه وقال له: يابن الحرّ أجب الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام ، فقال له: أبلغ الحسين عنّي وقل له إنّي لم أخرج من الكوفة إلّا فراراً من دمك، ولئلّا أعين عليك، والحسين ليس له ناصر بالكوفة ولا شيعة.
فجاء الحجاج وبلّغ الحسين عليهالسلام مقالته فعظم ذلك على الحسين عليهالسلام ، ثم أنّه دعى بنعليه وقد ركبها، وأقبل يمشي حتى دخل على عبيدالله وهو في الفسطاط، فلمّا رأى الحسين أقبل قام إجلالاً له وأوسع له عن صدر المجلس حتى أجلسه في مكانه - قال يزيد بن مرة: حدّثني بن الحر، قال: دخل عليَّ الحسين عليهالسلام ولحيته المباركة كأنّها جناح غراب، وما رأيت أحداً قط أحسن ولا أملأ للعين من الحسين، ولا رققت لأحد قط كرقّتي على الحسين حين رأيته يمشي وأطفاله حواليه (2) ـ، فألفت الحسين عليهالسلام ألى عبيدالله وقال له: «ما يمنعك يابن الحرّ أن
__________________
(1) أسرار الشهادات للفاضل الدربندي: 2 / 166 (المجلس الرابع).
(2) هذا الخبر جاء اعتراضي من المؤلف رحمه الله ضمن سرد خبر «الدرّ النظيم»، وسيعود إلى اتمامه بعد تمام هذا الخبر.
تخرج معي؟» فقال: لو كنت ممّن كتب لك مع من كتب لكنت معك ثم كنت من أشد أصحابك على عدوك، وأنا الآن أحب أن تعفيني من الخروج معك، ولكن هذه خيلي المعدّة والأدلاء من أصحابي وهذه فرسي «الملحقة» فوالله ما طلبت عليها شيئاً إلا أدركته، وما طلبني أحد إلا فلت، فدونكها فأركبها حتى تلحق بمأمنك، وأنا ضمين لك بالعيالات حتى أؤدّيهم إليك أو أموت أنا وأصحابي دونهم، وأنا كما تعلم إذا دخلت في أمر لا يضمني فيه أحد. فقال له الحسين عليهالسلام : «هذه نصيحة منك لي؟» قال: نعم فوالله الذي لا فوقه شئ، فقال الحسين عليهالسلام : «أني سأنصحك كما نصحتني، مهما استعطت أن لا تشهد وقعتنا ولا تسمع واعيتنا، فوالله لا يسمع اليوم واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلّا أكبّة الله على منخريه في النار» (1) .
وفي أمالي الصدوق رحمه الله: فقال له عليهالسلام : «لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك، - ثم تلا - ( وَمَا كُنتُ مُتّخِذَ الْمُضِلّينَ عَضُداً ) (2) ». قال: ولما قتل الحسين عليهالسلام ندم عبيدالله على عدم نصرته فأنشأ يقول:
فيا ندمى على أن لا أكون نصرته |
ألا كلّ نفس لا تسدّد نادمه |
|
سقى الله أرواح الذين تأزّروا |
على نصره سقياً من الغيث دائمه |
|
تأسوا على نصر ابن بنت نبيّهم |
بأسيافهم آساد غيل ضرغامه |
وله أيضاً قال متأسف على عدم نصرته للحسين عليهالسلام :
فيا لك حسرةً ما دمت حيّاً |
تردّد بين حلقي والتراقي |
|
حسين حين يطلب بذل نصري |
على أهل الضلالة والنّفاق |
__________________
(1) الدر النظيم.
(2) سورة الكهف / 51.
غداة يقول لي بالقصر قولاً |
أتتركنا وتزمع بالفراق |
|
ولو أنّي أواسيه بنفسي |
لنلت كرامة يوم التلاق |
|
مع ابن المصطفى نفسي فداء |
تولّى ثم ودع بانطلاق |
|
فلو فلق التلهّف قلب حيًّ |
لهم اليوم قلبي بانقلاق |
|
فقد فاز الاُولى نصروا حسيناً |
وخاب الآخرون ذوو النفاق |
فهذا عبيدالله بن الحر يتأسف ويتلهّف لعدم نصرته الحسين عليهالسلام ، وذلك لمّا رأى إنّ الذين نصروه سعدوا في الدارين، ونالوا بنصرته تلك المرتبة العالية والمنزلة السامية، قال الأعسم رحمه الله:
نصروا ابن بنت نبيّهم طوبى لهم |
نالوا بنصرته مراتب سامية |
وأي مرتبة هي أعظم وأرفع من هذه المرتبة بحيث يقف عليهم الصادق عليهالسلام ويخاطبهم بقوله: «بأبي أنتم وأمي، طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم، وفزتم والله فوزاً عظيماً».
صالوا وجالوا وادّوا حقّ سيدهم |
في موقف عقّ فيه الوالد الولد |
|
يتهادون الى الحرب سكارى |
طرباً فيه وما هم بسكارى (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
گضوا حگ العليهم دون الخيام |
ولا خلّوا خوات حسين تنضام |
|
لمّا طاحوا تفايض منهم الهام |
تهاهوا مثل مهوى النجم من خر |
(دكسن)
هذا الرمح بفّادة ايتثنه |
وهذا بيه للنشّاب رنّة |
|
وهذا الخيل صدره رضرضنّه |
وهذا وذاك بالهندي اموذّر |
(عاشوري)
ركب غوجه وتعنّه احسين ليها |
لگاها بس جثث وامسلّبيها |
في ترجمة مسلم بن عقيلعليهالسلام
روى المدائني وغيره، قال:
قال معاوية ابن أبي سفيان لعقيل بن أبي طالب يوماً: هل من حاجة فأقضيها لك؟ قال: نعم، جارية عرضت عليَّ وأبى أصحابها أن يبيعوها إلّا بأربعين ألفاً. فأحب معاوية أن يمازحه، فقال له: وما تصنع بجارية قيمتها أربعين ألفاً وانت أعمى وتجتزي بجارية قيمتها أربعون درهماً؟ فقال عقيل: أرجوا أن أطأها فتلد لي غلاماُ إذا أغضبته ضرب عنقك بالسيف؛ فضحك معاوية وقال: مازحناك يا أبا يزيد (1) ، وأمر فابتيعت له الجارية التي أولدها مسلماً (2) .
__________________
صبّ الدمع واتلهّف عليها |
وگال احتسب عند الله واصبر |
(تخميس)
يا عاذليّ اقطعوا ما عندكم ودَعوا |
أبكي على من بقلبي حبُهم طبعوا |
غابوا وعن ناظري طيب الكرى منعوا
نذرٌ عليّ لئن عادوا وإن رجعوا |
لأزرعنّ طريق الطفّ ريحانا |
(1) الشهيد مسلم بن عقيل للسيد المقرم ص 68.
(2) هي علّية النبطية من آل فرزندا، هكذا ذكرها بن قتيبة في المعارف. انظر: المعارف لابن قتيبة: 204، وطبقات ابن سعد: 4 / 29.
فلمّا أتت على مسلم سنين وقد مات أبوه عقيل وجاء إلى الشام وقال لمعاوية: إنّ لي أرضاً بمكان كذا من المدينة (1) ، وقد اُعطيت بها مائة ألف، وقد احببت أن ابيعك إياها فادفع لي ثمنها؛ فأمر معاوية بقبض الأرض ودفع الثمن إليه، فبلغ ذلك الحسين عليهالسلام فكتب إلى معاوية: «أمّا بعد فإنك أغررت غلاماً من هاشم فابتعت منه أرضاً لا يملكها فاقبض منه ما دفعته إليه واردد الينا أرضنا».
فبعث معاوية إلى مسلم فأقراه كتاب الحسين عليهالسلام وقال له: اردد علينا مالنا وخذ أرضك، فإنّك بعت مالا تملك. فقال مسلم: أمّا دون أن أضرب رأسك بالسيف فلا، فاستقلى معاوية ضاحكاً يضرب برجليه الأرض ويقول له: يا بني هذا والله ما قاله أبوك حين ابتاع اُمّك. ثم كتب إلى الحسين أن قد رددت أرضكم وسوّغت مسلماً ما أخذ (2) .
قال أهل السير: كان مسلم بن عقيل فارساً شجاعاً، شهد مع عمّه أمير المؤمنين عليهالسلام «صفين»، وكان من القواد الذين جعلهم أمير المؤمنين عليهالسلام على الميمنة «يوم صفين» (3) ، كان يوم بعثه الحسين عليهالسلام إلى الكوفة قد ذرف على الأربعين.
وروى أبو مخنف وغيره، أنّ أهل الكوفة لمّا كتبوا الى الحسين عليهالسلام دعا مسلماً وسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي وعبدالرحمن بن عبدالله وجماعة من الرسل، وأمره بتقوى الله وكتمان أمره واللطف، فإن رأي الناس مجتمعين
__________________
(1) وهي البغيبغة، وفيها عين ماء وهي للحسين، فباع مسلم قسم منها على معاوية وهي التي أراد الحسين عليهالسلام أن يعطيها لابن سعد عوض ملك الري الذي حرمه الله منه. انظر:
(2) شرح نهج البلاغة: 3 / 82 طبعة مصر.
(3) المناقب: 2 / 260.
[مستوثقين] (1) عجّل إليه بذلك (2) . وكتب الحسين عليهالسلام إلى أهل الكوفة كتاباً يقول فيه: «أمّا بعد، فقد أرسلت إليكم أخي وابن عمّي، وثقتي من أهل بيتي، مسلم بن عقيل، وأمرته أن يكتب لي إن رآكم مجتمعين، فلعمري ما الإمام إلّا من قام بالحق وما يشاكل هذا».
فخرج مسلم من مكة في نصف شهر رمضان (3) ، وأتى المدينة فصلّى في مسجد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وودّع أهله وخرج، فإستأجر دليلين من بني قيس، وودع قبر النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وسار، فلمّا أن صار في بعض الطريق ضلّا الدليلان وأصابهما عطش شديد، فقالا له: هذا طريق ينتهي بك إلى الماء فلا تفارقه. ثم ماتا، فكتب مسلم بن عقيل الى الحسين عليهالسلام من الموضع المسمى «بالمضيق»:
«أمّا بعد فإني ُخبرك يابن رسول الله إنّي قد أتيت مع الدليلين فضلّا عن الطريق واشتد بهما العطش فماتا، فتطيّرت من وجهي هذا». فلمّا وصل الكتاب الى الحسين عليهالسلام كتب جوابه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي بن أبي طالب
إلى ابن عمّه مسلم بن عقيل
«أمّا بعد، يابن العمّ إنّي سمعت جدّي رسول الله يقول «ما منّا أهل البيت من يتطيّر به» فإذا قرأت كتابي هذا فامض على ما أمرتك به، والسلام عليك و رحمهالله وبركاته».
__________________
(1) ما أثبتناه من المصدر.
(2) مقتل الحسين عليهالسلام لابي مخنف: 19.
(3) انظر مروج الذهب للمسعودي: 3 54.
فلمّا ورد الكتاب إلى مسلم وقرأه سار من وقته وساعته حتّى مر بماء «لطي» فنزل عليه، ورأى رجلاً قد رمى ظبية فصرعها فقال: نقتل عدوّنا هكذا انشاء الله تعالى. قال: وسار حتى وافى الكوفة، فدخلها ونزل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي (1) .
وقال ابن شهر آشوب: لمّا دخل مسلم الكوفة نزل في دار سالم بن المسيب، ولما دخل ابن زياد الكوفة انتقل من دار سالم إلى دار هاني بن عروة المرادي المذحجي (2) في جوف الليل (3) . وكان دخوله يوم الخامس من شوال سنة ستّين (4) .
فجعل الناس يختلفون إليه وجعل مسلم كلّما دخل عليه جماعة من أهل الكوفة قرأ عليهم كتاب الحسين عليهالسلام وهم يبكون، حتى بايعه في ذلك اليوم ثمانون ألف، وقيل: حتى صار مجلسه ثمانية عشر ألفاً (5) .
ويروى أنه بايعه ثمانية عشر ألف كما كتب الى الحسين عليهالسلام : «أما بعد فإنّ الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف فالعجل العجل بالإقبال حين يأتيك كتابي هذا، فإن الناس كلّهم معك وليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى». ثم أرسل الكتاب مع عابس بن شبيب الشاكري إلى مكة (6) .
__________________
(1) الشهيد مسلم بن عقيل: 14 عبدالرزاق المقرم.
(2) مذحج: كمجلس، أبو قبيلة من قبائل اليمن، وهو مذحج بن جابر بن مالك بن زيد كهلان ابن سبأ ومراد: بطن من مذحج، وكان هانئ بن عروة مرادياً. انظر:
(3) المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 91.
(4) مروج الذهب للمسعودي: 3 / 54.
(5) الملهوف على قتل الطفوف: 108.
(6) الاخبار الطوال للدينوري: 243.
قال: ولمّا سمع النعمان بن بشير الانصاري (1) بقدوم مسلم إلى الكوفة كتب كتاباً إلى يزيد: «أمّا بعد فإن مسلم بن عقيل قد دخل الكوفة وقد بايعه الناس فإن كانت لك في الكوفة حاجة فابعث إليها من ينفذ أوامرك».
وكتب - ايضاً - عبدالله بن شعبة الحضرمي (2) إلى يزيد: «أمّا بعد فإنّ مسلم بن عقيل ورد الكوفة وقد بايعه شيعة الحسين، فإن كانت لك في الكوفة حاجة فانفذ إليها رجلاً قويّاً فإنّ النعمان ضعيف أو يتضاعف».
وكتب له عمر بن سعد بنحو ذلك، فدعى يزيد بمولى له يقال له سرجون، فاستشاره بهذا الأمر، فقال له: لو نشر لك معاوية حيّاً لما عدا رأيه عن أبن زياد، قال: فكتب يزيد الى بن زياد وهو يومئذٍ والٍ على البصرة: «أمّا بعد فإنّي ولّيتك المصرين الكوفة والبصرة (3) ، فخذ بالرأي السديد واعمل النصح، ثم قد بلغني أن مسلم بن عقيل قد ورد الكوفة وقد اجتمع عليه الناس يبايعونه، فإني لا أجد سهماً أرمي به عدّوي أجرأ منك، فإذا قرأت كتابي هذا فسر من قوّتك وساعتك، وإيّاك والإبطاء والتواني، واجتهد ولا تبقي من نسل علي بن أبي طالب، واطلب مسلم بن عقيل طلب الخرزة واقتله، وابعث إليَّ رأسه والسلام».
__________________
(1) النعمان بن البشير: كان والياً على الكوفة من قبل معاوية فأقره يزيد عليها، واُمّه: عمره بنت رواحة اُخت عبدالله بن رواحة، قال ابن أبي الحديد في الشرح: كان النعمان بن البشير منحرفاً عنه - يعني علياً عليهالسلام - وعدوّاً لله وخاض الدماء مع معاوية خوضاً، وكان من أمراء يزيد بن معاوية حتى قتل وهو على حاله. ويروى أنّه قتله حمص في فتنة ابن الزبير، لأنّه كان والياً عليها. انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: «النعمان بن بشير».
(2) وكان أوّل ما كاتب يزيد في حرب الحسين عليهالسلام .
(3) أو يقال: العراقين، وهي البصرة والكوفة، وذكر ابن قتيبة وغيره أن أول من جُمع له (العراقين) هو زياد بن أبيه وذلك في زمن معاوية، ثم جاء يزيد بن معاوية فجمع (العِراقين) لابن زياد فكان ثاني من يجمع له (العِراقين). انظر: المعارف لابن قتيبة: 346، 347.
ودفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي (1) ، وقال له: إمض إلى البصرة وافع كتابي هذا إلى عبيدالله بن زياد. فأخذه اللعين وجاء به، فلمّا قرأه بن زياد «لعنه الله» صعد على المنبر خاطباً وقال: يا أهل البصرة إنّ الخليفة يزيد ولّاني الكوفة والبصرة، وقد عزمت على الرحيل إليها، وقد استخلفت عليكم أخي عثمان بن زياد، فاسمعوا له وأطيعوا له، وإياكم الأراجيف، فوالله ان بلغني أن رجلاً منكم خالف أمري لاقتلنّ عزيزه ولآخذّن الأدنى بالأقصى حتى تستقيموا.
ثم خرج من البصرة يريد الكوفة ومعه جماعة منهم: المنذر بن جارود العبيدي، وشريك الأعور الحارثي، ومالك بن مشيع، ومسلم بن عمرو الباهلي، ويقال: أن هؤلاء الثلاثة تكاسلوا في الطريق وما مضى معه الى الكوفة إلّا اللعين مسلم بن عمرو الباهلي، فجاء معه حتى دخلا الكوفة.
هذا اللعين (مسلم بن عمرو الباهلي) هو الذي قابل مسلم بن عقيل عليهالسلام
__________________
(1) مسلم هذا والد قتيبة بن مسلم أمير خراسان المشهور؛ باهلي، وباهلة: من قيس عيلان، وليس لهم في الشرف من ذكر، وعن أمالي الطوسي قال أميرالمؤمنين عليهالسلام : «فو الذي فلق الحبة وبرء النسمة ما لهم في الإسلام نصيب». يعني بهذا الكلام قبائلا منهم: باهلة.
وفي الكامل للمبرد: أنشد أبو العباس لرجل من عبد القيس:
أباهلي ينجي كلبكم |
وأسدكم ككلاب العرب |
|
إذا قيل للكلب يا باهلي |
عوى الكلب من لؤم هذا النسب |
وقال الآخر:
إذا ولدت حليلة باهلي اللئام |
غلاماً زيد في عدد |
انظر: أمالي الطوسي: 116 / 180 (المجلس الرابع - الحديث 34).
بكلمات حين جيء به مكتوفاً، فرأى قلّة (1) على باب القصر، فقال اسقوني ماء؟ فقال له اللعين مسلم بن عمرو الباهلي: والله لن تذوق منها قطرة واحدة حتى تذوق الحامية وتشرب من حميمها، فقال له مسلم عليهالسلام : لأُمّك الثُكل، ما أجفاك وأفضّك وأقسى قلبك: ثم قال له: من أنت؟ قال: أنا مسلم بن عمرو الباهلي، فقال له، يابن باهلة أنت أولى وأحق بالحميم من نار جهنم، ويلك أنا أرد على رسول الله وأشرب من الكوثر (2) .
ثم أدخل على ابن زياد وجراحاته تشخب دماً.
ومذ به شاء الإله ما به قد حكما |
للقصر أقبلوا به لهفي له يشكوا الظما (3) |
__________________
(1) القلة: إناء كبير يوضع فيه الماء، ويكون من الفخار لكي يبرد الماء فيه.
(2) انظر مروج الذهب للمسعودي: 3 / 59.
(3)
(نصاري)
ضرب وجهه يويلي نغل حمران |
او وصل گصر الإمارة وهو عطشان |
|
عليه آمر يچتلونه الخوّان |
او ذبّه من السطح لرض الوطيّة |
|
صعدوا بيه وهو زاد لونين |
او على صوب المدينة ايدير بالعين |
|
صله وصاح الله وياك يحسين |
او گطعوا راسه او أمسه رميّة |
(بحراني)
مصيبتهم مصيبة اتصدع الجبال |
من گبل المشيّب تشيب الاطفال |
|
شفت ميت يجرّونة بالحبال |
يصاحب لا تظن صارت مثلها |
(تخميس)
عين جودي لمسلم بن عقيل |
لرسول الحسين سبط الرسول |
|
لشهيد بين الأعادي وحيداً |
وقتيل لنصر خير قتيل |
في كيفية دخول ابن زياد الى الكوفة
قال أبو مخنف (1) :
كان دخول بن زياد الكوفة ممّا يلي البر، وعليه ثياب بيض وعمامة سوداء متلثّماً، وانتعل نعلين يمانيتين وتختّم بيده اليمنى، وكان راكباً على بغله شهباء، وبيده قضيب من الخيزران، وكان دخوله يوم الجمعة، هذا وقد انصرف الناس من الصلاة وهو يتوقعون قدوم الحسين عليهالسلام ، فلمّا رأوه ضنّوا أنه الحسين لتشبه به بلباسه فجعلوا يقولون: مرحباً بك يابن رسول الله، قدمت خير مقدم؛ وصار لا يمرّ على ملأ إلّا ويسلّم عليه بقضيبه وهم يستبشرون. فلمّا وصل إلى قصر الإمارة قال لهم مسلم بن عمرو الباهلي: تأخرّوا عن وجه الأمير، فليس هو طلبتكم؛ ثم أسفر ابن زياد عن وجهه، فلمّا رأوه وعرفوه تفرقوا عنه، فجاء وطرق باب القصر فأشرف النعمان وإذا على الباب ابن زياد، وصاح ابن زياد: ويلك افتح، لا فتحت حصنة دارك وضيعة مصرك. ثم دخل القصر، وبات مسلم بن عقيل والناس
__________________
(1) مقتل الحسين لأبي مخنف: 26، 28.
حوله، فلمّا أصبح الصباح دخل شريك بن الأعور (1) إلى الكوفة ونزل في دار هاني بن عروة المرادي فبقي عنده حتى مات.
وقال ابن زياد: فلينادي منادي الصلاة جامعة؛ فنادى المنادي واجتمع الناس في المسجد، فصعد ابن زياد على المنبر خطيباً وقال:
«أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا عبيدالله بن زياد، وإن الامير يزيد بن معاوية قد ولاني مصركم هذا، وأمرني بالانصاف للمظلوم، وإعطاء المحروم، والإحسان إلى محسنكم، والتجاوز عن مسيئكم، وأنا متّبع فيكم أمره، وأمرني أن أزيد في عطائكم، وأن أضع السيف في رقاب الذين يخالفوني». ثم نزل عن المنبر، وأمر مناديه أن ينادي في قبائل العرب أن اثبتوا على بيعة يزيد بن معاوية.
قال أبو محنف: فلمّا سمع أهل الكوفة جعل بعضهم يقول لبعض: مالنا الدخول بين السلاطين، ونقضوا بيعة الحسين عليهالسلام وبايعوا يزيد بن معاوية، وخرج مسلم عليهالسلام إلى المسجد ليصلي صلاة الظهر فلم يجد أحداً، فأذّن وأقام وجعل يصلي وحده، فلمّا فرغ من صلاته وإذا هو بغلام فقال له: يا غلام ما فعل أهل هذا المصر؟ قال: سيدي إنّهم نقضوا بيعة الحسين عليهالسلام وبايعوا يزيد بن
__________________
(1) قال ابن الاثير: كان شريك بن الأعور الحارثي كريماً على ابن زياد وعلى غيره من الامراء، وكان شديد التشيّع، وشهد مع أمير المؤمنين عليهالسلام «صفين» وله حكاية مشهورة مع معاوية حين قال له: أنت شريك وليس لله شريك.
وأبوه الحارث الهمداني رحمه الله الذي كان من خواص أميرالمؤمينين عليهالسلام ، وهو الذي قال له أمير المؤمنين عليهالسلام الكلمات التي نظمها السيد الحميري شعراً:
يا حار همدان من يمت يرني |
من مؤمن أو منافق قبلا الخ |
انظر: الكامل في التاريخ لابن الاثير: 4 / 26، ووقعة صفين للمنقري: 117، وتاريخ من دفن في العراق من الصحابة - للمؤلف.
معاوية، فلمّا سمع مسلم عليهالسلام صفق بين يديه وخرج من المسجد متّجهاً إلى دار هاني ابن عروة، فلمّا أتى عليها رأى على الباب جارية فقال لها: أمة الله أدخلي على هاني وقولي له أن على الباب رجل، فأن سألك عن إسمي فقولي له مسلم بن عقيل؛ فدخلت الجارية هنيئة وخرجت، فقالت: ادخل يا سيدي، وكان هاني بن عروة يومئذٍ عليلاً، فنهض ليعتنقه فلم يقدر وجلسا يتحدّثان.
قال الراوي: ولم يعلم ابن زياد بمكان مسلم بن عقيل عليهالسلام ، وضاع عليه خبره فجعل العيون على مسلم بن عقيل عليهالسلام ، ومن جملتهم مولاه «معقل» وكان داهية دهماء، وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له: خذ الدراهم واجعل نفسك من الموالين للحسين لعلّك تأتيني بخبر مسلم بن عقيل. فأخذ معقل الدراهم وجعل يدور في الكوفة ويسأل عن مكان مسلم، حتى أرشد إلى مسلم بن عوسجة، فجاء إليه وهو يصلي في المسجد، فلمّا فرغ من صلاته قام إليه معقل واعتنقه واظهر له الإخلاص، وقال له، أنا رجل شامي وقد أنعم الله عليَّ بحب أهل البيت، وعندي ثلاثة آلاف درهم وقد أحببت أن ألقى الرجل الذي بايع على يده الناس لابن رسول الله، وقد دللت عليك وأنا اريد منك أن تأخذ هذه الدراهم إليه وتدخلني عليه، فأنا ثقة من ثقاته وعندي كتمان أمره. فقال له مسلم بن عوسجة: يا اخا العرب أعزب عن هذا الكلام، مالنا وأهل البيت، وما أصاب الذي أرشدك الي؟ فقال له معقل: إن كنت لم تطمئن فخذ عليّ العهود والمواثيق، ثم حلف له الإيمان وأقسم عليه قسماً عظيماً أني لم أخبر بسرّه أحداً، ولم ينزل به حتى اطمئن منه مسلم بن عوسجة فادخله على مسلم بن عقيل عليهالسلام وأخبره بخبره، فوثق به مسلم عليهالسلام وأخذ منه البيعة للحسين عليهالسلام ، ثم أن مسلم عليهالسلام أعطى الدراهم لأبي ثُمامة
الصائدي وكان هو الذي يقبض الأموال ويشتري السلاح، وكان فارساً شجاعاً (1) .
قال الراوي: وصار معقل يأخذ أسرارهم حتى استقصى أسرارهم، فخرج من عند مسلم عليهالسلام وجاء إلى ابن زياد وأخبره بمكان مسلم وبثّ إليه أسراره، فصار ابن زياد جلّ همّه أن يحتال بهاني ويقبضه وقد أخبر أنه مريض، فأرسل إليه: أريد أن أعودك؛ فقال هاني لمسلم: أن ابن زياد بلغه أنّي مريض وهو يريد أن يعودني، فخذ هذا السيف وادخل المخدع فإذا جلس أخرج إليه وأقتله، وأحذر أن يفوتك، فإن فاتك فإنه يقتلني ويقتلك، انظر إذا أنا رميت عمامتي عن رأسي؛ فقال مسلم عليهالسلام : أفعل.
قال الراوي: ولما فرغ ابن زياد من صلاة العشاء أقبل يعود هانياً، ولم يكن معه سوى حاجبه، فلمّا صار على الباب استخبر هاني فقال لمسلم: خذ السيف وأدخل الى المخدع، فقام مسلم عليهالسلام ودخل المخدع، ودخل ابن زياد على هاني وسلم عليه وجلس إلى جنبه وجعل يحادثه ويسأله عن حاله، وهاني يشكو إليه الذي يجده وهو مع ذلك يستبطي خروج مسلم، فجعل هاني يأخذ معامته من على رأسه ويضعها على الارض مراراً مسلم لا يخرج، ثم وضعها على رأسه، ولم يزل يصنع هاني هكذا ثلاث مرّات ومسلم لا يخرج، فجعلُ هاني يتمثّل بهذه الأبيات وهي
ما الإنتظار بسلمى لا تُحييّها |
كأس المنية بالتعجيل اسقوها |
|
هل شربة عذبة أسقى على ظمأ |
ولو تلفت وكانت منيتي فيها |
|
فإن أحست سليماً منك داهية |
فلست تأمن يوماً من دواهيها |
فلم يزل هاني يردد هذه الأبيات ومسلم لم يخرج، فقال ابن زياد: ما بال
__________________
(1) تاريخ الطبري: 5 / 346.
الرجل؟ يهجر؟ فقيل له؟ بلى يهجر من شدّة المرض، ويقال إنه احسّ بشيء وقام من عند هاني وخرج وأقبل إلى قصر الإمارة. فقال هاني لمسلم: مالذي منعك عن قتله؟! قال سمعت خبراً عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: «لا إيمان لمن قتل مسلماً» فقال له شريك: ما منعك من قتله؟ قال: خلصتان: إحداهما كرهت أن يقتل في دارك، والثانيه لحديث حدّثنيه الناس عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: «الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن»؛ فقال لها هاني: أما والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً (1) .
وقال بعض المؤرخين: إنّ ابن زياد جاء ليعود شريكاً حيث لمّا ورد الكوفة ونزل في دار هاني بن عروة؛ هكذا روى أبو الفرج الأصفهاني والدينوري (2) .
أقول امتنع مسلم من قتل ابن الزاينة، لا والله بل القضاء والقدر حال بينهما، ولو لا القضاء والقدر لما أُدخل عليه مسلم بن عقيل عليهالسلام مكتوفاً، فلمّا أُدخل عليه لم يسلّم، فقال له الحرس: لم لا تسلّم على الأمير؟ فقال ما هو لي بالأمير، فقال له ابن زياد: لا عليك إن سلّمت أو لم تسلّم فإنك مقتول لا محالة، فقال مسلم: إن قتلتني فقد قتل من هو شرّ منك خير منّي، فقال ابن زياد: يا شاق أتيت الناس وهم جمع فشتّتّ كلمتهم وفرّقت جماعتهم، فقال مسلم: كلا ما لهذا أتيت، ولكن أهل هذا المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالمعروف وننهي عن المنكر؛ فجعل ابن زياد يشتمه ويشتّم عقيلاً والحسن والحسين ومسلم ساكت لا يتكلم.
أقول: كان اللعين ابن زياد هذا دأبه وهذه سجيًته وهذا دينده، يشتم
__________________
(1) انظر تاريخ الطبري: 5 / 360 - 363.
(2) مقاتل الطالبين: 98، الأخبار الطوال: 234.
أمير المؤمنين عليهالسلام ، حتى إذا جاؤا إليه بالسبايا صعد المنبر وتكلّم بكلمات الظفر وجعل يشتم أمير المؤمنين عليهالسلام والحسن والحسين عليهمالسلام .
أعلى المنابر تعلنون بسبّه |
وبسيفه نصبت لكم إعوادها (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
دشّت على ابن زياد زينب والخواتين |
وياهم السجاد يهمل دمعة العين |
|
والرجس فوگ التخت يتفرج عليها |
كلها بليا استار بستر بيديها |
|
بيده قضيب او ينكت ابمبسم وليها |
ويگول هاللي امغلل ابزنجيل من وين |
|
گالوا علي گلهم على يقولون مذبوح |
گالوا نعم الأكبر ابوادي الطف مطروح |
|
جذّام أبوه احسين ظل يعالج الروح |
وهذا الذي ظل من أولاد الهاشميين |
|
اتكلم وبو محمد يجيبه وابدمع سكّاب |
گلّه بعد تگدر عليه اتردّ الجواب |
|
وآمر يسحبونه ابقيده فوگ التراب |
وضجت الحاله بالبكا ذيك الخواتين |
|
او زينب تنادي وين عزنا ماخذينه |
گلبي اتقطّعت هالولد لا تسحبونه |
|
وانكان يا ظالم عزمكم تذبحونه |
گبله اذبحوني عيشتي گشري ابلا معين |
وكأني بمولاتي زينب عليهاالسلام تلتفت إلى رأس الحسين عليهالسلام ولسان الحال:
(عاشوري)
إن صحت خويه يضربوني |
وإن صحت بويه يشتموني |
(تخميس)
جور الزمان رماني منه بالعَجَب |
وحكمُهُ جار في السادات بالعطب |
لم يبق ذا حَسبٍ منّي ولا نسب
أخي ذبيح ورحلي قد اُبيح وبي |
ضاق الفسيح وأطفالي بغير حمي |
في كيفية قبض هاني بن عروة وقتله رحمه الله
كان هاني بن عروة هو وأبوه من وجوه الشيعة، يروى أنّه كان كأبيه صحابياً، وحضرا مع أمير المؤمنين عليهالسلام حروبه الثلاث، وهو القائل يوم الجمل شعراً:
بالك حرباً حثّها جمالها |
يقودها لنقصها ضلالها |
هذا علي حوله إقبالها (1)
وروى المسعودي في مروج الذهب: أنه كان شيخ مراد وزعيمها، وكان يركب في أربع آلاف دارع وثمانية آلاف راجل، فإذا تلاها أحلافها من كندة ركب في ثلاثين ألف دارع (2) .
وكان معمراً، ذكر بعضهم أنّ عمره كان ثلاث وثمانين سنة، وقيل: بضع وتسعين سنة، وكان يتوكأ على عصى بها زجّ، وهي التي ضربه ابن زياد بها.
وروى أبو مخنف: أنّ ابن زياد لمّا أخبره معقل بخبر هاني أرسل إليه محمد ابن الأشعث وأسماء بن خارجة وقال لهما: إءتياني به آمناً، فقالا، وهل أحدث
__________________
(1) انظر تاريخ من دفن في العراق من الصحابة: 466.
(2) مروج الذهب: 3 / 59.
حدثاً؟! قال: لا، فأتوه إليه جماعة، وقالوا له: ما الذي يمنعك من لقاء الأمير فإنّه قد ذكرك وقال: لو أعلم أنّه مريض لعدته ولكن بلغني أنّه يجلس في باب داره، وأنت تعلم إن الإستبطاء والجفاء لا يحتمله السلطان، فإنّا نقسم عليك إلّا ما ركبت معنا.
قال: فدعى هاني بثيابه فلبسها، ثم دعى ببغلته فركبها، وجاء معهم حتى إذا دنا من القصر كأن نفسه أحسّت ببعض الذي كان فقال لحسّان بن أسماء بن خارجة: يابن أخي إني والله لخائف من هذا الرجل، فقال له: اي عم والله ما أتخوّف عليك شيئاً ولِمَ تجعل على نفسك سبيلاً وأنت بريء (1) ؛ فأدخل هاني على ابن زياد فلمّا رآه عبيدالله بن زياد جعل يقول:
أتتك بخائن رجلاه تسعى |
يقود النفس منها للهوان |
وكان قد عرس عبيدالله بن زياد إذ ذاك بأم نافع ابنة عمارة بن عقبة المرادي، فلمّا دنا من ابن زياد وعنذه شريح القاضي إلتفت إليه وقال:
أريد حياته ويريد قتلي |
عذيرك من خليلك من مراد (2) |
فقال هاني: وما ذاك يا أمير؟ قال: ايه هاني ما هذا الأمور التي تربص في دارك، جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك، وجمعت له السلاح والرجال في الدور حولك، وظننت أنّ ذلك يخفي عليَّ؟ قال: يا أمير ما فعلت ذاك وليس عندي مسلم. قال: بل عندك؛ ولمّا كثر الكلام بينهم دعى ابن زياد معقلاً، فجاء اللعين والتفت ابن زياد إلى هاني وقال له، أتعرف هذا؟ قال: نعم؛ ثم أسقط ما في
__________________
(1) يقال إن حسان بن أسماء بن خارجة كان لا يعلم في أي شيء بعثه ابن زياد، وكان محمّد ابن الاشعث من جملة من كان معه.
(2) وهذا البيت لعمرو بن معدي كرب الزبيدي.
يده، وعلم أنّ هذا كان عيناً له، ثم أنّ نفسه راجعته وقال له: أسمع منّي وصدّق مقالتي فوالله لا أكذب، والله الذي لا إله غيره فإنّي آويت مسلماً وقد كان أمره الذي بلغك فإن شئت أعطيتك رهينة في يدك حتى أنطلق وآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء من الارض فأخرج من ذمامه وجواره، فقال: لا والله لا تفارقني حتى تأتيني به؛ قال: والله لا آتيك به.
فقام مسلم بن عمرو الباهلي وقال: يا أمير دعني أكلّمه؛ ثم أخذه واعتزل به بحيث إذا تكلّموا تارة يسمعهم ابن زياد وتارة لا يسمعهم، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي - ولم يكن شامي ولا بصري غيره - قال: سلّم له مسلماً فإنّي أخشى عليك من القتل - فقال هاني: والله لا أسلمه حتى أقتل؛ فسمع ابن زياد (لعنه الله) كلامه فصاح بمسلم بن عمرو: ادنه منّي، فأدناه منه فقال له ابن زياد: لتأتيني به أو لأضربنّ عنقك؟ فقال هاني: إذاً تكثر البارقة حول دارك. فقال: وا لهفتاه أبالبارقة تخوّفنيي - يظنّ أن عشيرته سيمنعونه - فقال ابن زياد: ادنوه منّي، فأخذ يدنوا إليه فاستعرض وجهه بالقضيب، فلم يزل يضرب وجهه وكسر أنفه وسال دماه على ثيابه حتى كسر القضيب، فضرب هاني يده على قائم سيف شرطي فجاذبه الشرطي ومنعه، قال ابن زياد (لعنه الله): خذوه واحبسوه في حجرة من هذه الحجر وأغلقوا عليه بابها: فأُخذ هاني وحبس.
فسمعت مذحج وسمعت عمرو بن الحجاج أن هانياً قد قبض، لأن روعة أخت عمرو ابن الحجاج تحت هاني بن عروة (1) فأقبلوا حتى أحاطوا بالقصر، ونادى عمرو بن الحجاج: أنا عمرو وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم تخلع طاعة ولم تفارق جماعة، فقيل لعبيدالله بن زياد: هذه مذحج بالباب! فقال لشريح
__________________
(1) وهي أم يحيى بن هاني الذي قتل بالطف مع اصحاب الحسين في الحملة الاُولى.
القاضي: أدخل عليه صاحبهم وانظر إليه ثم اخرج إليهم وأعلمهم بأنّ صاحبهم حي لم يقتل؛ فقام شريح ودخل على هاني في الحبس وتكلّم معه، فقال هاني: والله لو دخل عليَّ من مذحج عشرة لأنقذوني من هذا اللعين. ثم خرج شريح من عنده وأقبل حتى أشرف على مذحج وقال لهم: إن الأمير لما بلغه مكانكم ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه وخرجت لأخبركم أنه صحيح سالم، والذي بلغكم من موته كان باطلاً. فعند ذلك انصرفوا وهم يقولون فأمّا إذا لم يقتل فالحمدلله (1) .
وبقي هاني في السجن حتى إذا قبض على مسلم وقتل أمر ابن زياد بإخراج هاني إلى السوق الذي تباع فيه الأغنام، فأخرج مكتوفا فجعل ينادي: وا مذحجاه ولا مذحج لي اليوم.. وامذحجاه وأين عني مذحج...
فلمّا رأي أن لا ينصره أحد اجتذب يده من الكتاف فنزعها ثم قال: أما من عصا أو سكّيناً أو حجرا أو عظماً يذب به الرجل عن نفسه! فتواثبوا عليه وشدّوه وثاقاً فقيل له: امدد عنقك! قال: ما أنا بها مجدٍ سخيّ، وما أنا بمعينكم على نفسي! فضربه مولى لعبيدالله بن زياد (تركي) يقال له الرشيد (2) بالسيف فلم يصنع شيئاً، فقال هاني: إلى الله المعاد اللّهمّ إلى رحمتك ورضوانك (3) .
ثم حزّوا رأسه وجاؤا بجثّته وجثّة مسلم بن عقيل وربطوا برجليهما الحبال، وجعلوا يسحبونهما في الاسواق، وفي ذلك يقول عبيدالله بن الزبير الاسدي من
__________________
(1) مقتل أبي مخنف: 39 - 40.
(2) قال ابن الأثير في الكامل: لمّا كان يوم خازر نظر عبدالرحمن بن الحصين المرادي إلى رشيد التركي وقال قتلني الله إن لم أقتله أو أقتل دونه ثم حمل عليه بالرماح فقتله ورجع إلى موقفه. انظر الكامل لابن الاثير: 5 / 379.
(3) مقتل أبي مخنف: 56 - 57.
بني أسد - وكان يتشيّع ويقال أنّها للفرزدق - شعراً (1) :
إن كُنتَ لا تَدرينَ مالموتَ فانظري |
إلى هانىء بالسوق وابن عَقيلِ |
|
إلى بطل قد هَشَّمَ السّيفُ وَجهَهُ |
وآخرَ يهوي من طِمارٍ جَديلٍ |
|
أصابَهُما فَرَخ البغي فأصبَحا |
أحاديثَ من يسري بكلِّ سبيلِ |
|
ترى جسداً قَد غَيّرَ الموتُ لونَهُ |
وَنَضَجَ دمٍ قَد سأل أيُّ مَسِيلِ |
|
فتىً كان أحيا من فتاة حَييةٍ |
وأقطعَ مِن ذي شَفَرتين صَقيلِ |
|
أيركبُ أسماءُ (2) المهاليجِ آمناً |
وقد طَلَبتهُ مِذحجٌ بذُخُول |
|
وتُطيفُ حواليهِ مُرادٌ وكُلّهُم |
على رقبة من سائل ومسول |
|
فَإن أنتُم لَم تثأروا بِأخيكُم |
فَكونوا بَغَايا أرضيت بِقليلِ |
وكان قتل مسلم وهاني يوم التروية، قال: وأمر ابن زياد (لعنه الله) بجثّة هاني ومسلم فصلبتا بالكناسة، وبعث برأسيهما إلى يزيد بن الزبير بن الأروح التميمي وهاني بن أبي حيّة الوداعي (4) .
أقول: وكان رأس مسلم أول رأس حمل من بين هاشم، وأول جثّة منهم صلبت وبعدها رأس الحسين عليهالسلام ورؤوس أخوته وأولاده وبنو عمومته وأصحابه، فلئن حمل رأس مسلم من الكوفة إلى الشام فقد حمل رأس الحسين عليهالسلام على قتاة من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام، بمرءى من
__________________
(1) نسبها في رياض المصائب: 268، إلى الفرزدق، انظر في ذلك ايضاً: الكامل في التاريخ (لابن الأثير): 4 / 15، الملهوف في قتلى الطفوف: 123، والأخبار الطوال للدينوري: 242، والإرشاد للشيخ المفيد: 2 / 64، ومثير الأحزان لابن نما: 37.
(2) هو أسماء بن خارجة الفزاري أحد الثلاثة الذين ذهبوا بهانىء بن عروة الى ابن زياد.
(3) مقتل أبي مخنف: 57 - 58.
(4) مقتل أبي مخنف: 59.
عيون أخواته وبناته، وهو يتلوا القرآن تارة ويدعوا على حامله اُخرى، وربما وعظ القوم. وقال زيد ابن أرقم: كنت في روشن لي فمرّوا عليَّ برأس الحسين بن علي عليهالسلام وهو على رأس رمح طويل فسمعته يتلو: ( أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ) (1) قال زيد: فضربت رأسي بالروشن وقلت: يابن رسول الله رأسك أعجب وأعجب (2) .
يتلوا الكتاب على السنان وإنّما |
رفعوا به فوق السنان كتابا |
|
ألم تعه يتلوا الكتاب ونوره |
يشق ظلام الليل والليل مسدف |
|
يا رأس مفترس الضياغم في الوغى |
كيف انثنيت فريسة الأوغاد (3) |
__________________
(1) سورة الكهف 18: 9.
(2) الإرشاد للمفيد: 2 / 117.
(3) وزينب عليهاالسلام كأني بلسان حالها:
(دكسن)
ما تدري يخوية اشلون حالي |
على راس الرمح راسك اگبالي |
|
كلمن شاف ذل حالي بچالي |
عدوانك عليَّ غدو يبچون |
(ابوذية)
راسك على الرمح يمشي ويتلي |
الكتاب ونار محنتكم ويتلي |
|
ابگلبي جارت الدنيا ويتلي |
المصايب من وصلت الغاضرية |
|
زجر يحسين من بعدك محنا |
ابسفر واعداك ما بيهم محنا |
|
على راس الرمح اشبيك محنا |
ابدماه او بس يدير العين ليّه |
(تخميس)
لك نور بجبهة الحسن لا لا |
بمحيّا كساه ربّي جمالا |
ضاء في الدهر حقبة ثم زالا
يا هلالاً لم استتمّ كمالا |
غاله خسفه فأبدى غروبا |
في غدر أهل الكوفة بمسلمعليهالسلاموهاني
روى الشيخ المفيد رحمه الله عن عبدالله بن خازم، قال: أنا والله أول رسول لابن عقيل أمضي إلى القصر وأنظر ما فعل بهاني، فمضيت حتى إذا ضرب وحبس، ركبت فرسي وكنت أول أهل الدار دخل على مسلم بن عقيل بالخبر، وإذا نسوة من مراد مجتمعات ينادين: يا عبرتاه! يا ثكلاه! فدخلت على مسلم وأخبرته بخبر هاني فأمرني أن أنادي في أصحابه وقد ملأ بهم الدور حوله، وكانوا أربعة آلاف رجل، فناديت: يا منصور أمت، فتنادى أهل الكوفة واجتمعوا إليه فعقد لعبدالله بن عزيز الكندي راية على ربع كندة، ويروى أنه عقد لحبيب بن مظاهر راية وبعثه إلى ركن من أركان الكوفة، وعقد راية لمسلم بن عوسجة، وعقد راية إلى المختار بن أبي عبيدة الثقفي، وعقد راية إلى عابس بن شبيب الشاكري (1) .
وخرج عليهالسلام ومعه ما ينوف على الألفين فجاءوا واحاطوا بالقصر، فخاف ابن زياد واضطرب وضاق عليه أمره فأخذ يفكّر ولا يدري ما يصنع، فاستشار محمد بن الأشعث وشبث بن ربعي فأشارا عليه أن يخرج لهم من القصر ثلاثين رجلاً شاكّين بالسلاح ويتفرّقون مع اصحاب مسلم بن عقيل ويتكلّم بعضهم مع
__________________
(1) الارشاد للمفيد: 2 / 51 - 52، ومقتل الحسين عليهالسلام لابي مخنف: 41 - 42.
بعض على أنّ الأمير قد بعث جيشاً جرّاراً إلى الكوفة لقتال مسلم بن عقيل بحيث يسمع أصحاب مسلم فإذا سمعوا ذلك فإنّهم يتفرّقون عن مسلم ويتخاذلون فيما بينهم. قال: وقام إليه أنس بن مالك، وقال: يا أمير الآن معك في قصرك ما ينوف على ثلاثمائة رجل فاخرج إليهم وقاتلهم؛ فالتفت إليه ابن زياد وقال له: اعرض عن هذا الكلام، والتفت إلى شبث بن ربعي وقال له: القول ما قلت أنت، فدعى ابن زياد ثلاثين رجلاً من اصحابه وقال لهم: إنزلوا جميعاً والحقوا بأصحاب مسلم بن عقيل؛ فنزلوا واختلطوا مع أصحاب مسلم، وجعلوا يسبّون ابن زياد ويزيد، وجعلم يكلم بعضهم بعضاً بأن الأمير يزيد بن معاوية قد بعث جيشاً جرّاراً لقتال مسلم بن عقيل، وصاح شبث بن ربعي من أعلي القصر: أيها الناس... إلحقوا بأهاليكم ولا تعجّلوا الشرّ ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فإن جنود أمير المؤمنين يزيد قد أقبلت من الشام، فإن صمّمتم على حربنا ولم تنصرفوا من عشيّتكم هذا فيحرم ذريّتكم العطاء ويفرّق مقاتلتكم؛ وتكلّمت الأشراف بنحو من ذلك فلما سمعوا أصحاب مسلم جعلوا يتشتتون ويتفرّقون عنه.
قال أبو مخنف: حدّثني مجالد بن سعيد، قال: إن المرأة كانت تأتي ولدها وأخاها فتقول له: انصرف فالناس يكفونك، ويأتي الرجل إلى إبنه وأخيه ويقول له: انصرف غداً يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر!! حتى يذهب به، فما زالوا يتخاذلون ويتفرقون حتى أمسى مسلم ولم يبقي معه إلا ثلاثون رجلاً، فدخل المسجد وصلى المغرب والعشاء وهم معه، ثم خرج من باب كندة فنظر وأذا عشرة، ثم صار في بعض الأزقة فنظر إلى ورائه فلم يجد أحداً منهم من يدّله على الطريق، فمضى على وجهه يتلدد في أزقة الكوفة ولا يدري إلى أين يذهب؟! حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة فمشى حتى انتهى إلى باب الدار وعليها أمرأة يقال لها «طوعة» ام ولد، وكانت تحت الاشعث بن قيس، ثم تزوّجها أسيد
الحضرمي فولدت له بلالاً، ومات أسيد عنها، فاستسقاها ماء فسقته، ثم وقف، فقالت له: ألم تشرب الماء؟! قال: بلى، فقالت له: إذاً فما وقفك على باب داري؟ فقال لها: ألا تجيريني ولعلي مكافئك به بعد اليوم، فقالت له: من أنت؟ قال أنا مسلم بن عقيل غدر بي أهل مصركم هذا، فقالت له: أنت مسلم رسول الحسين عليهالسلام ؟! قال: نعم، فقالت له: ادخل على الرحب والسعة. فدخل دارها وجعلته في بيت لها، ولمّا إن جاء إبنها بلال إلى الدار رأى أمه تكثر الدخول والخروج إلى تلك الحجرة، فسألها فلم تجيبه حتى ألح عليها، استحلفته أن لا يخبر أحداً بأمره، فعاهدها وأقسم لها أن لا يخبر أحداً، فقالت: هذا مسلم بن عقيل.
ويروى: إنه لما كان وقت الفجر جاءت طوعة إلى مسلم بالماء ليتوضأ، فقالت له: يا مولاي ما رأيتك رقدت هذه الليلة!! فقال: اعلمي أني رقدت رقدة ورأيت في منامي عمّي أمير المؤمنين وهو يقول: الوحا الوحا العجل العجل العجل ولا أظن إلّا وهذا اليوم هو آخر أيامي من الدنيا.
وأمّا ابنها بلال فإنّه بات ليلته ينتظر الصباح، حتى إذا أصبح خرج من الدار وأقبل إلى قصر الإمارة، فرأى ابن زياد جالساً وعنده الأشراف من أهل الكوفة وهو في حديث مسلم، فجاء وجلس إلى جانب محمد بن الأشعث وأخبره بخبر مسلم فقال ابن زياد: ما أسرك هذا الغلام؟ فأخبره بمقالته وأن امه أجارت مسلم بن عقيل في بيتها، فقال ابن زياد: طوّقوه بطوق من ذهب، فطوقوه من حينه بطوق من ذهب والتفت ابن زياد إلى محمد ابن الاشعث وقال له: قم فأتني به الساعة؛ فخرج محمد بن الأشعث في سبعين رجل حتى إذا وصلوا الدار خرج إليهم مسلم وهو يقول:
هُوَ الموتُ فاصنع وَيكَ ما أنتَ صانعُ |
فأنتَ لِكأسِ الموتِ لا شكَّ جارع |
|
فصبراً لأمر الله جلّ جلاله |
فحكم قضاء الله في الخلق ذايع |
قال الراوي: وجعل يضرب بسيفه فصاح محمد بن الأشعث يا مسلم لك الأمان لا تقتل نفسك فجعل يقول:
أقستُ لا أُقتلُ إلّا حُرّا |
وإن رأيتُ الموتَ شيئاً نُكراً |
|
كُلُّ امرءٍ يوماً ملاقٍ شَرّا |
أخاف أن اكذب أو أُغَرّا |
|
ردّ شعاع الشّمس فاستقرّا |
وتَخلِطُ الباردَ سُخناً مُرّا |
فقال له محمد بن الأشعث: يا مسلم لا تكذب ولا تقر أنت آمن، فقال له مسلم: لا أمان لكم أهل الكوفة!! فجعل يقاتلهم حتى قتل منهم جماعة، فأرسل محمد بن الأشعث لابن زياد أن مدّني بالخيل والرجال، فبعث إليه جند كثير فجعل مسلم يقاتلهم حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، فأرسل محمد بن الأشعث أن مدّني بالخيل والرجال، فبعث إليه ابن زياد: إنّما بعثتك على رجل واحد من بني هاشم فكيف لو بعثتك إلى من هو أشجع منه؟! يعني الحسين عليهالسلام فأرسل إليه [ابن الأشعث]: [أيّها الأمير أتظن أنك] بعثنتي على بقال من بقاقيل الكوفة أم إلى جرمقان (1) من جرامقة الحيلة؟! هذا مسلم بن عقيل عمّه على ابن أبي طالب، فمدّه ثلاثاً بالخيل والرجال ومسلم يقاتلهم حتى اثخن بالجراح، وكثرت عليه الحجارة والخشب والرماد من فوق الدور، وجعلوا يضرمون النار بأطناب (2) القصب ويرمونه عليه، فلمّا شاهدوا منه هذه البسالة وهذه الشجاعة قد دمّر فيهم عزموا أن يأخذوه غيلة، فحفروا له حفيرة وأسقفوها بجريد النخل والليف ووضعوا عليها التراب، ثم لمّا حمل عليهم انكسروا بين يديه، فأقبل يعدو خلفهم حتى سقط في الحفيرة، فلمّا سقط فيها اغمى عليه فجاء إليه بكر بن حمران
__________________
(1) الجرمقان: هو رقاع الأخذية.
(2) اطناب: جمع طنب والطنب الحزمة من الحطب.
الأحمري وبيده سيفه فضربه على شفته العليا فقطعها، ومضى السيف إلى السفلى، ثم ازدحموا عليه فقبضوه وقد ضعف حاله وأوثقوه كتافاً فأراد أن يمشي معهم فما استطع المشي، فجاؤو اليه ببغلة وأركبوه عليها واجتذبوا سيفه من يده، فجرت دموعه على خدّيه فكأنّه أيس من نفسه.
فقال عمرو السلمي: أن من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل هذا لا يبكي فقال: والله ما لنفسي بكيت ولا لها من القتل أرثى، وإن كنت لا أحب لها التلف طرفة عين ولكني أبكي لأهلي المقبلين، ابكي لحسين وآل الحسين.
بكتك دماً يابن عمّ الحسين |
محاجر شيعتك السافحة |
|
ولا برحت هاطلات العيون |
تحييك غادية رائحة (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
يمسلم وين ذاك اليوم عمّك |
يجيك ايعاينك غارگ ابدمّك |
|
يمسلم محّد من النّاس يمك |
وحيد ابهالبلد مالك ت چ يّة |
|
يمسلم وين ذاك اليوم عباس |
يجيك ابشيمته ومفرّع الراس |
|
يشوفك يوم صابك نغل الأرجاس |
وهويت من الگصر لرضّ الوطيّة |
(ابوذية)
عاد اليستجيره ايكون ينجار |
وعن چتله حليف الشرف ينجار |
|
مثل مسلم صدق بالحبل ينجار |
وتتفرّس ابچتله علوج أميّه |
* * *
ما شدّ لحييه من عمرو العلى أحدٌ |
كلّا ولا ندبته الأهل من أمم |
|
نائي العشيرة منبوذٌ بمصرعه |
مترّب الجسم من قرنٍ إلى قدم |
في شهادة مسلم بن عقيلعليهالسلام
لما جيء بسلم بن عقيل إلى قصر الأمارة مكتوفاُ التفت إلى محمد بن الأشعث وقال له: أتستطيع أن تبعث رجلاً عن لساني يبلغ حسيناً، فإنّي لا أراه إلّا وقد خرج إليكم اليوم، أو هو خارج غداً وأهل بيته معه وإن ما ترى من جزعي لذلك، فيقول الرسول: «إنّ مسلماً بعثني إليك وهو في قبضة القوم أسير لا يرى أن يمسي حتى يقتل وهو يقول ارجع بأهل بيتك ولا يغرّك أهل الكوفة فإنّهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، فإنّ أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذوب رأي». فقال محمد ابن الأشعث: افعل. إلّا أنّه ما فعل.
قال الراوي: وأقبلوا بمسلم بن عقيل إلى باب القصر وقد كضّه العطش لأنّه لم يشرب الماء يومين، فرأى قلة فيها ماء قال: اسقوني ماء، فقال له مسلم بن عمرو الباهلي: والله لن تذوق الماء حتى ترد الحميم من نار جهنم، فالتفت إليه مسلم وقال له: من أنت يا هذا؟! قال: أنا مسلم بن عمرو الباهلي الذي أطاع لأميره إذ عصيته، فقال: أنت يا يابن باهلة أولى بالحميم من نار جهنم، أنا أرد على رسول الله وعلى علي وعلى فاطمة وعلى الحسن فيسقوني من ماء الكوثر.
ثم أدخل على ابن زياد ولم يسلم بالإمرة على ابن زياد، فقال له الحرس: لم
لا تسلم على الأمير، فقال ابن زياد: دعه إن سلم أو لم يسلم فإنّه مقتول لا محالة، ثم التفت إليه وقال له: يا عاق يا شاق أتيت الناس وهم جمع فَشتَّتّ كلمتهم وفرقت جماعتهم، فقال مسلم: كلّا ما لهذا أتيت ولكن أهل هذا المصر زعموا أنّ أباك قتل خيارهم وسفك دمائهم، فأتيناهم لنأمر بالعدل وننهى عن الفحشاء والمنكر؛ فقال له ابن زياد: وما أنت وذاك يا فاسق كنت تشرب الخمر في المدينة. فقال مسلم: الفاسق من ولغ في دماء المسلمين ولغا؛ ثم قال له: لأقتلنّك شرّ قتلة، فقال: إن قتلتني فلقد قتل شرّ منك خيراً منّي.
قال الراوي: ثم أقبل عليه يشتمه ويشتم علياً وعقيلاً، ومسلم ساكت لا يتكلم ثم قال: يابن زياد إن كنت عازم على قتلي دعني أوصي بعض قومي، قال: افعل، فنظر مسلم إلى جلسائه فإذا فيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، فقال: يا عمر إن بيني وبينك لقرابة (1) ولي إليك حاجة وهي وصية؛ فأبى ابن سعد، فقال له عبيدالله: قم وانظر لحاجة بن عمّك، فقام معه وجلس بحيث ينظر إليه ابن زياد، فقال: أوصي، قال: وصيّتي «فأنا أشهد أن لا أله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله وأن علياً ولي الله ووصيّه وخليفته في اُمته، يابن سعد وإن عليّ دين بالكوفة استدنته منذ دخلت الكوفة، وهي سبعمائة درهم بع لامتي واقضها عنّي، استوهب جثّتي من ابن زياد فوارها، ثمّ ابعث إلى الحسين من يرّده، فإني كتبت إليه أعلمه أنّ الناس معه ولا أراه إلا مقبلاً).
فقال عمرو بن سعد لابن زياد: يا أمير أتدري ما قال لي؟! قال كذا وكذا فقال ابن زياد: ما خانك الأمين ولكن ائتمنت الخائن، ثم قال: أمّا درعه فبعها واقض بها
__________________
(1) كان ابن أبي وقاص بن وهيب والد آمنة وإنّ اُم عمر بن سعد وام علي بن الحسين عليهالسلام الأكبر اُمّهاتهنّ أخوات فمن هنا ادّعاه مسلم بالقربة.
دينه، وأمّا جثّته إذا قتلناه لا نعبأ بجثته، وأمّا الحسين فإنّه إن لم يردنا لم نرده، ثمّ صاح من الذي ضربه على وجهه؟ فقيل له: هو بكر بن حمران الأحمري قال: هو يتولّى قتله، فأمر بإحضاره فاحضر فقال له: اصعد به إلى أعلى القصر واضرب عنقه وارمه من أعلى القصر إلى الأرض واتبع رأسه جسده؛ فصعد به بكر بن حمران ومسلم يسبّح الله ويقدّسه ويكبّره ويستغفره وهو يقول: احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وذلّونا.
قال مسلم: يا بكر دعني اصلّي لربّي ركعتين، فقال: صلّ، فصلّي مسلم حتى إذا فرغ من الصلاة وجّه وجهه نحو مكّة وقال: «السلام عليك يا أبا عبدالله، السلام عليك يا بن رسول الله» فصيح به: يا بكر عجّل عليه، فشهر بكر سيفه وضرب عنق مسلم ورمى برأسه من أعلى القصر الى الأرض وأتبع جسده، وأراد أهل الكوفة في ذلك اليوم إرضاء ابن مرجانة بفعلهم فجاؤا لمسلم ولهاني ورضعوا الحبال برجليهما وجعلوا يسحبونهما في بالأسواق (1) .
بكتك دماّ يابن عمّ الحسين |
محاجر شيعتك السافحه |
|
ولا برحت هاطلات العيون |
تحييك غادية رائحه |
|
لأنّك لم تروَ من شربة |
ثناياك فيها غدت طائحه |
|
رموك من القصر إذا أوثقوك |
فهل سلمت فيك من جارحه |
__________________
(1) ولمّا قتل ابن زياد مسلماً وهانياً صلب جثتيهما ثلاثة أيام وبعث برأسيهما إلى يزيد بن معاوية مع هاني بن أبي حية الوادعي والزبير بن الأروح التميمي، وكان قتلهما في يوم الثامن من ذي الحجة يوم التروية في ذلك اليوم كان خرج الحسين من مكة المشرفة.
ويروى أنّه لمّا قتلا مسلم وهاني أمر ابن زياد باخراج جماعة من الحبس وقتلهم فقتلوا ويروى أنّه كان قبض مسلم على غير هذا وانهم أعطوه الأمان؛ راجع ابصار العين للسماوي: 48.
وسحباً تجرّ بأسواقهم |
ألست أميرهم البارحه |
|
أتقضي ولم تبكك الباكيات |
أما لك في المصر من نائحه |
|
لئن تقض نحباً فكم زرود |
عليك العشية من صائحه (1) |
__________________
(1) الابيات للمرحوم السيد باقر الهندي رحمه الله انتهى. ابصار العين للسماوي: 48.
وذلك لمّا وصل خبر الستشهاد مسلم عليهالسلام للحسين عليهالسلام وكان في زرود، كأني به استرجع قائلاً إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثم إنّه عليهالسلام عمد إلى خيمة النساء ونادى الحوراء زينب عليهاالسلام قائلاً ائتني بحميدة، فلمّا أقبلت إليه وضعها في حجره وأخذ يمسح على رأسها:
(نصاري)
أخذ بت مسلم من الخيم بيده |
يمسح على راسها ابحسره شديده |
|
وبالشر حسّت الطفله حميده |
گالتله يعمّي وسالت العين |
|
يعمّي لاحت ابوجهك علامه |
على راسي امسحت گلّي علامه |
|
السجيه هاي بس ويّه اليتامه |
أظن عودي گضه ويتّمني البين |
(دكسن)
غده يمسح دمعها ومحنّي ضلعه |
ابوچ آنه يگلها ويهل دمعه |
|
يعمّي النوح دلالي يصدعه |
وبطلي البچه وهوّدي لا تونّين |
(تخميس)
مسح الحسين برأسها فاستشعرت |
باليتم وهي علامة تكفيها |
|
لم يبكها عدم الوثوق بعمّها |
كلّا ولا الوجد المبرّح فيها |
|
لكنّها تبكي مخافة أنّها |
تمسي يتيمة عمّها وأبيها |
في استعلام الحسينعليهالسلامبقتل مسلمعليهالسلام
روى الصدوق في أماليه، باسناده عن ابن جبير، عن ابن عباس، قال: قال علي عليهالسلام يوماً لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : يا رسول الله إنّك لتحبّ عقيلاً؟ فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : «اي والله إنّي لأحبّه حبّاً لأبي طالب عليهالسلام ، إنّ ولده مقتول في محبّة ولدك، فتدمع عليه عيون المؤمنين وتصلّي عليه الملائكة المقرّبون» ثم بكى حتى جرت دموعه على خدّيه، ثم قال: إلى الله اشكوا ما تلقى عترتي من بعدي (1) .
ولعظم قدره بكاه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كيف لا يكون كذلك وهو رائد الحسين وسفيره عليهماالسلام والذي يدّلنا على جلالة قدره وعظيم شأنه كتاب الحسين عليهالسلام الذي كتبه إلى الكوفة: «أمّا بعد... فقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي، مسلم بن عقيل رأيه رأيي، أمره أمري، فأطيعوا له...». ورحم الله الأعرجي حيث أنشد:
أيا ابن عقيل ومن قد سمى |
فخاراً إلى الكوكب الثاقب |
|
لسرّ سليل النبي اصطفاك |
له دون آل أبي طالب |
|
هنيئاً فرفعة قدر المنوب |
تدلّ على رفعة النائب |
__________________
(1) أمالي الصدوق.
ولعظم قدره ومنزلته عند الحسين عليهالسلام وحبّه له فقد بكاه في مواطن عديدة وذلك لمّا استعلم بقتله، فالموطن الأول هو:
ما قد رواه أبو مخنف عن عبدالله بن سليمان والمنذر ابن المشعل الأسديان، قالا: لمّا قضينا حجّنا لم تكن لنا همّة إلا اللحاق بالحسين في الطريق للنظر ما يكون من أمره وشأنه، فأقبلنا ترقل بنا ناقتنا مسرعين حتى لحقناه بزرود، فلما دنونا منه وإذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين، قالا: فوقف الحسين وكأنّه يريده ثمّ تركه ومضى. فقال أحدنا لصاحبه امض بنا إليه لنسأله عن خبر الكوفة، قال: فانتهينا إليه وسلّمنا عليه، وانتسبنا له وانتسب لنا، فإذا هو بكير بن المثعبة الأسدي، فاستخبرناه عن الكوفة فقال: ما خرجت من الكوفة حتى رأيت مسلماً وهانياً قتيلين يجرّان من أرجلهما في الأسواق، قالا: ثم ودّعنا وسار فلحقنا بالحسين فسلّمنا عليه وسايرناه حتى نزل الثعلبيه ممسياً، فدخنا عليه وقلنا له: يا ابن رسول الله، إنّا عندنا خبراً إن شئت أخبرناك به سرّاً وإن شئت علانية؟ قال: فنظر إلى أصحابه وقال: مادون هؤلاء سرّ، فقلنا: رإيت الراكب الذي استقبلك عشية أمس؟ قال: نعم وقد أردت مسألته، فقلنا وقد استبرئنا لك خبره وكفيناك مسئلته، وهو امرء منّا ذوي رأي وصدق وفضل وعقل وقد حدّثنا يابن رسول الله قال: لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني، فاسترجع وقال: رحمهالله عليهما وكررهما مراراً، فقلنا: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلّا انصرفت فإنّه ليس لك في الكوفة ناصر بل نتخوّف أن يكونوا عليك؛ فالتفت إلى بني عقيل وقال: ما ترون يا بني عقيل: فقالوا: والله لا نرجع حتى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق مسلم، ثم التفت إلينا وقال: قبّح الله العيش بعد هؤلاء. فعلمنا أنه عزم على المسير فقلنا له: خار الله لك، قال: يرحمكم الله.
والموطن الثاني: وذلك لمّا ورد الحسين عليهالسلام زبالة أخرج كتاباً لأصحابه فقرأه عليهم، وفيه: «أمّا بعد... فقد أتانا خبر فضيع بأنّه قتل مسلم بن عقيل وهاني ابن عروة وعبدالله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا فمن أحبّ منكم الإنصراف فالينصرف فليس عليه منّا ذمام». قال: فتفرّق الناس عنه يميناً وشمالاً إلّا صفوته.
وروي في خبر آخر، إنّه لقيه رجل من شيعة أبيه في زبالة فسلّم عليه، فردّ السلام عليه عليهالسلام فقال له: يابن رسول الله كيف تركن لأهل الكوفة وهم الذين قتلوا بن عمّك مسلم بن عقيل؟! قال: فاستعبر الحسين عليهالسلام باكياً، وقال: رحم الله مسلماً فلقد صار إلى روح الله وريحانه وتحيته ورضوانه، ألا إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا، ثم أنشأ يقول:
فإن تكن الدّنيا تعدّ نفيسة |
فإنّ ثواب الله أعلى وأنبل |
|
وإن تكن الأبدان للموت أنشأت |
فقتل امرء بالسيف في الله أفضل |
|
وإن تكن الأرزاق قسماً مقدّراً |
فقلّة حرص المرء في الرّزق أجمل |
|
وإن تكن الأموال للترك جمعها |
فما بال متروك به المرء يبخل |
ثم قال: «اللّهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك، إنك على كلّ شيء قدير».
والموطن الثالث: يروى أيضاً عن زهير بن القين البجلي قال: بينا نحن جلوس في زرود إذ طلع علينا رجل من جهة الكوفة، وبيده لواء أسود فركزّ اللواء بباب خيمتي، ثم دخل وقال: السلام عليك يا أبا عبدالله الحسين، فقلت له: من تريد؟ قال: الحسين بن علي بن إبي طالب. فقال له الناس: وما تريد منه؟ قال: أريد أن أعلمه بقتل ابن عمّه مسلم بن عقيل، قال: فأشاروا له على خيمة الحسين. قال: فقام الرجل وأقبل الى الخيام فرأى حول الخيام أطفالاً يلعبون، فقال للأطفال: من يدلّني على خيمة الحسين؟ فقامت إليه بنت صغيرة وقالت: يا هذا
وما تريد منه؟ قال: أريد أن أعلمه بقتل ابن عمّه مسلم بن عقيل، فصاحت البنت: واأبتاه وامسلماه... ثم وقعت مغماً عليها، أقبل إليه الحسين وأقبلت بنو هاشم وقالوا للرجل: ما صنعت بها؟ قال: والله ما قلت له شيء إلّا أنّي قلت له إرشديني على خيمة الحسين، فقالت: وما تريد منه؟ فقلت لها: أريد أن اعلمه بقتل ابن عمّه مسلم بن عقيل، فقالوا: يا هذا إنّها إبنة مسلم.
قال الراوي: وأخذها الحسين إلى الخيمة فأجلسها في حجره فجعل يمسح على رأسها وناصيتها فقالت له: عم استشهد والدي مسلم؟ فقال لها: بنية أنا أبوك وبناتي إخوتك:
مسح الحسين برأسها فاستشعرت |
باليتم وهي علامة تكفيها |
|
لم يبكها بعدم الوثوق بعمّها |
كلا ولا الوجد المبّرح فيها |
|
لكنّها تبكي مخافة أنها |
تمسي يتيمة عمّها وأبيها |
أقول: ولا تسمّى هذه الطفلة يتيمة وإن كان اليتم للأب لكن بوجود عمّها الحسين لا تعد يتيمة، لأنّ الحسين عليهالسلام ما نزل إلّا ودعاها وأجلسها في حجره يلاطفها ويسلّيها، فهي عزيزة مكرّمة بوجود عمّها الحسين عليهالسلام ، وعمومتها من بني عقيل وبني هاشم واخوتها، بل اليتيمة سكينة لأنّها بعد قتل أبيها الحسين عليهالسلام لم تجد أحداً يسلّيها، بل كان يقرعها شمر برمحه ويضربها زجر بسوطه وهي القائلة «كلّما دمعت من أحدنا عين أو بكت منّا طفلة قرعوا راسها بالرمح».
يقنّعها بالسوط شمر وإن شكت |
يؤنّبها زجر ويوسعها زجراً |
|
تسوّد من ضرب السّياط متونها |
ووجوهها بلظى الهواجر تصطلي |
|
فإن يبكي اليتيم أباه شجواً |
مسحن سياطهم رأس اليتيم (1) |
__________________
(1) نعم سكينة بنت الحسين عليهالسلام كانت تضرب بكعب الرمح إذا دمعت لها عين.
في مقتل أولاد مسلم بن عقيل
ذكر الصدوق رحمه الله في أماليه:
«إنّه لمّا قتل الحسين عليهالسلام وهجم القوم على رحله، فرّت العيالات والأطفال كالطيور الهاربة من النار، فمن جملة من هرب من الاطفال طفلي مسلم بن عقيل، ولمّا ألقي القبض عليهما جيء بهما إلى الكوفة وادخلا على ابن زياد فأمر بهما أن يزجا في السجن، حتى إذا مرت عليهما سنة كاملة وهما في السجن، وقد ضاقت صدورهما، فقال الصغير ذات يوم لأخيه الكبير: أخي.. يوشك أن تفنى أعمارنا
__________________
(نصاري)
يسلّنها السياط ولوّعنها |
ومن ضرب السياط اسود متنها |
|
يتيمه اتيتّمت من زغر سنها |
يسيره او يالعده او ركبت هزلها |
(ابوذيّة)
سرى حادي الظعن بالحرم وحده |
ولا بالي بس على السجّاد وحده |
|
يسارى وبس تهل الدمع وحده |
يضربوها وتون ونّه خفيّه |
(تخميس)
كم دعاك اليتيم في قفر واد |
لم تُجبُه وكنتَ غوثَ المنادي |
يا أخي ندبه أذاب فؤادي
ما أذلَّ اليتيم حين ينادي |
بأبيه لا يراه مُجيبا |
في هذا السجن، فلم لا نخبر السجّان بخبرنا ونعرفه أنفسنا لقربنا من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ولمّا أن جاء إليهما السجّان بقوتهما قام إليه الصغير وقال له: يا هذا أتعرف محمد المصطفى نبي هذه الأمّة؟ قال: وكيف لا أعرف النبي!! فقال له: أو تعرف ابن عمّه علي بن أبي طالب عليهالسلام ؟ قال: وكيف لا أعرفه وهو إمامي!! فقال له: يا شيخ أو تعرف مسلم بن عقيل؟ قال: نعم، فقال له: يا هذا فنحن أولاده فمالك ومالنا لا ترحمنا لصغر سننّا؟! فلمّا سمع السّجان بكى وانكبّ عليهما ويقبلهما، وهو يقول: نفسي لكما الفداء، والله ما كان لي علم بأنكما أبني مسلم وإنّ أمير المؤمنين عمّكما، سيّدي هذا باب السجن مفتوح فخذا أي طريق شئتما وسيرا في الليل واكمنا في النهار.
قال الراوي: فأطلقهما من السجن وخرجا وهما لا يدريان إلى أين يتوجّهان، فجعلا يسيران في شوارع الكوفة حتى إذا كان وقت طلوع الفجر ودخلا في بستان هناك فكمنا، فمرّت عليهم جارية فسألتهما عن حالهما، فأقسما عليها أن لا تخبر أحداً بخبرهما، وعلما منها انّها موالية لعمهما، فقصا لها خبرهما فقالت لهما: سيّدي إمضيا معي فإن مولاتي موالية لعمّكما ومحبّة لكما. فجاءا معها حتى إذا وصلا سبقتهما الجارية على مولاتها وأخبرتها فلّما سمعت قامت لاستقبالهما وقالت لهما: ادخلا البيت على الرحب والسعة ورفّهت عليهما.
هذا وقد استخبر ابن زياد بخروجهما من السجن فأمر مناديه أن ينادي: من جائني بولدي مسلم له عند الأمير الجائزة العظمى. فصار أجلاف أهل الكوفة يفتّشون عليهما ويطلبونهما، ومن جملتهم زوج تلك المرأه التي جارتهما، قال: فلمّا جنّ الليل أقبل زوجها وقد أتعب نفسه في طلبهما رجاء الجائزة، فقالت له زوجته: أين كنت اليوم وأرى عليك آثار التعب؟! فحكى لها بما نادى منادي ابن زياد وقد أتعب نفسه في طلب الطفلين، فلمّا سمعت الحرّة قالت له: مالك وذريّة
عبد المطلب أما تخشى أن يكون محمّداً غداً خصمك؟ فقال لها: دعيني من هذا؛ فبينما هي تكلّمه ويكلّمها إذ سمع همهمة من داخل الحجرة فقال لها: أي شيء أسمعه هل عندنا أحد؟! فأعرضت وتلجلجت فقام اللعين وأخذ الضياء ودخل الحجرة وإذا بالطفلين قائمين يصليان حتى إذا فرغا قال لهما: من أنتما؟ فقالا: أولاد مسلم بن عقيل أجارتنا هذه الحرّه، فقال اللعين: أتعبت نفسي وفرسي في طلبكما وأنتما في داري!!
ثم رفع يده ولطم الكبير على وجهه وجاء لهما بالحبال واوثقهما كتافاً فقالا له: مالك تفعل بنا هذا الفعل وامرأتك أضافتنا؟ أما تخاف الله فينا، أما تراعي يتمنا وقربنا من رسول الله؟ فلم يعبأ اللعين بكلامهما ولا رقّ لهما فتركهما في الحجرة يبكيان حتى الصباح.
ثم أخرجهما من داره وتبعته امرأته وولده وعبده، هذا وامرأته تتوسّل به وتمانعه وتذكّره الله، حتى جاء بهما إلى جانب الفرات ليقتلهما فالتفت إلى عبده وقال له: خذ السيف واضرب عنقيهما وأثنى برأسيهما، فأخذهما العبد وأراد قتلهما فقالا له: يا هذا ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذن رسول الله... يا هذا لا تقتلنا فإنّك إن قتلتنا يخاصمك رسول الله يوم القيامة. فقال لهما: من أنتما؟! فقالا: نحن أولاد مسلم بن عقيل.
قال: فانكب العبد عليهما يقبّلهما ورمى السيف من يده وألقى نفسه في الفرات وعبر إلى جانب الآخر، فصاح به مولاه: عصيتني؟! فقال له: عصيتك لمّا عصيت الله، فقال اللعين: والله لا يتولّى قتلهما أحد غيري. فأخذ السيف وأتى إليهما فلمّا هم بقتليهما جاء إليه ابنه وقال له: أبه ارحمهما لقربهما من رسول الله ولصغر سنّهما، فلم يعبأ به فلمّا رأيا صنعه تباكيا ووقع كل منهما على الآخر يودعه ويعتنقه، والتفتا إليه وقالا له، يا هذا لا تدعنا نطالبك بدمنا أمام رسول الله يوم
القيامة خذنا حيّين إلى ابن زياد يصنع بنا ما يشاء، فقال: ليس إلى ذلك من سبيل، فقالا: يا هذا بعنا في السوق وانتفع بأثماننا ولا تقتلنا، فقال: لابد من قتلكما. فقالا له: أما ترحم يتمنا وصغر سننّا، وإن كنت عزمت على قتلنا فدعنا نصلّي لربّنا ركعتين. قال: صلّيا ما شئتما إن نفعتكم الصلاة، فلمّا فرغا من الصلاة شهر سيفه وقدّم الكبير ليضرب عنقه فقال له الصغير: أقتلني قبل أخي، فقال الكبير: إنّي لا أحبّ أن أرى أخي قتيلاً، فشهر سيفه وضرب الكبير فقتله فوقع عليه الصغير يتمرّغ بدم أخيه وهو ينادي: واأخاه ثم اجتذبه وضرب الصغير فقتله، وقطع رأسيهما وحملهما في مخلاة له ورمى بأبدانهما في الفرات، وسار برأسيهما إلى ابن زياد، فلمّا مثّل بين يديه ووضع المخلاة فقال له ابن زياد: ما معك؟ فأخرج إليه الرأسين فكشف عن وجهيما وإذا هما كالقمرين فقال له: لم قتلتهما؟ قال: طمعاً بالجائزة، فقال أين ظفرت بهما؟ قال: في داري وإن زوجتي أجارتهما، فقال له ابن زياد، ما عرفت لهما حق الضيافة وقتلتهما، ولو جئتني بهما أحياء لضاعفت لك الجائزة، ثم قال: ويلك ما قالا لك حين أردت قتلهما؟ قال: قالا: لي ارحم يتمنا ولا تقتلنا فيكون خصمك محمّداً يوم القيامة وامضي بنا إلى ابن زياد حيّين، وإن شئت فبعنا في السوق وانتفع بثمننا. فقلت لهما: لابدّ من قتلكما، فنظر ابن زياد إلى جلسائة وقال: ما أفضه وأجفاه.
قال الراوي: فامر ابن زياد بقتله فقتل عليه لعائن الله وأمر الرأسين أن يدفنا في المكان الذي قتلا به، وليت اللعين فعل هذا الفعل ودفن رأس الحسين ورؤوس أهل بيته مع الجثث، بل سير على أطراف الرماح من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام وفي مقدمة الرؤوس رأس إمامنا الحسين عليهالسلام كأنه البدر ليلة تمامه:
رأس ابن بنت محمّد ووصيّه |
للناظرين على قناة يرفع |
والمسلمون بمشهد وبمسمع |
لا منكر منهم ولا متفجّع |
|
يتلو الكتاب وما سمعت بواعظ |
تخذ القنا بدلاً عن الأعواد |
|
أحامل ذاك الرأس قل لي برأس |
من تمايل هذا السمهري الثقف (1) |
__________________
(1) وزينب عليهالسلام كأني بلسان حالها تخاطب رأس الحسين عليهالسلام وهو على الرمح:
(نصاري)
لحگتك على ريحة الخوّه |
أشوفك عفتني ابگاع شلوه |
|
بديرة غرب ما هي امروّه |
تدري الشمر بيّه اشسوّه |
سوطه على امتوني تلوّه
(بحراني)
ناداها من فوگ الرمح الله يرعاچ |
صبري يختي وسلّمي أمرچ المولاچ |
|
راسى على راس الرمح هالرايح اوياچ |
ويّاچ يبره العايله ويرعى اليطيحون |
|
يختي استعدّي للهظم والهظم جدّام |
ولابد يودّوك يساره الطاغي الشام |
|
ولابد تسمعون المسبّه ابمجلس العام |
ولابد تشوفون المذلّه الوان وافنون |
(تخميس)
خفراتِ الرسولِ في الأسر تَجلى |
أرملاتٌ في السبي جاوبن ثكلى |
من لها والحماة بالطف قتلى
فترفّق بها فما هي إلّا |
ناظرٌ دامع وقلبٌ مروعٌ |
في شهادة رسول الحسينعليهالسلامقيس رحمه الله
قال شيخنا المفيد: لمّا بلغ ابن زياد قدوم الحسين من مكة المشرفة يريد الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شرطته حتى نزل القادسية (1) ، ونظم الخيل والرجال ما بين القادسية إلى خفان (2) ، وما بين خفان إلى القطقطانية (3) ، وقال للناس: هذا الحسين يريد العراق.
__________________
(1) قال أبو عمر وقيل سمّيت القادسية بقادس هراة وقال المدايني كانت القادسية تسمى قدّيساً، وروى أبو عيينة قال: مر ابراهيم الخليل بالقادسية فرأى زهرتها ووجد هناك عجوزاً فغلست رأسه فقال قدّست من أرض فسمّيت القادسية وبهذا الموضع كان يوم القادسية بين سعد ابن أبي وقاص والمسلمين والفرس في أيام عمر بن الخطاب في سنة ستة عشر من الهجرة وقاتل المسلمون يومئذ وسعد في القصر ينظر إليهم فنسب إلى الجبن فقال رجل من المسلمين:
ألم تر أن الله نصره |
وسعد بباب القادسية معصم |
|
فأبنا وقد أمت نساء كثيرة |
ونسوة سعد ليس ليهنّ آيم |
(2) خفان بالخاء المعجمة والفاء المشدودة والألف والنون موضع فوق الكوفة قرب القادسية.
(3) قال أبو عبدالله السكوني القطقطانيه بينها وبين الرهيمة مغرباً نيف وعشرون ميلاً إذا خرجت من القادسية تريد الشام ومنه إلى قصر مقاتل وقال ياقوت في المعجم ورواه الأزهري بالفتح موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف كان به سجن النعمان بن منذر وقال السكوني وقصر مقاتل قريباً منها وهو منسوب إلى مقاتل بن حسان ولم يذكر قصر بني مقاتل وأما عين التمر فهي الآن تعرف بشفاثا.
وروى المفيد رحمه الله قال: لمّا بلغ الحسين الحاجر (1) من بطن الرمة (2) ، بعث قيس بن مصهر الصيداوي (3) ، وقيل: بعث أخاه من الرضاعة عبدالله بن يقطر (4) وكتب معه كتاباً يقول فيه:
«من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى إخوته المؤمنين،
سلام عليكم
أمّا بعد.. فإن كتاب مسلم بن عقيل قد جائني يخبر فيه بحسن رأيكم، واجماع ملّتكم على نصرنا، والطلب بحقّنا، فسئلت الله أن يحسن لنا الصنع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدّوا، فإنّي قادم عليكم في أيامي هذه والسلام»
ويروى أنّه كتب كتاباً غير هذا إلى أشراف أهل الكوفة ممن كان يظن أنه على رأيه، فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي بن أبي طالب...
__________________
(1) بحاء مهملة وجيم وراء مهملة اسم مكان.
(2) الرمة بضم الراء المهملة وتشديد الميم وقد تختلف قاع عظيم بنجد.
(3) أحد بني الصيداء وهي قبيلة من بني أسد وإيّاهم عنى الشاعر:
يا بني الصيداء ردّوا فرسي |
إنّما يفعل هذا بالذليل |
وقال علماء السير: كان قيس رجلاً شريفاً شجاعاً مخلصاً في محبة أهل البيت عليهمالسلام .
(4) روى عزالدين الجزري في أسد الغابة والعسقلاني في الإصابة كان عبدالله بن يقطر صحابياً لأنّه لدة الحسين واللدة الذي ولد مع الإنسان في زمان واحد لأنّ يقطر كان خادماً عند رسول الله وكانت زوجته ميمونة في بيت أمير المؤمنين عليهالسلام فولدت عبدالله قبل ولادة الحسين بثلاثة أيام وكانت حاضنة للحسين عليهالسلام .
إلى سليمان بن صرد الخزاعي والمسيّب بن نجيبة ورفاعة بن شدّاد وعبدالله بن وائل وجماعة المؤمنين...
«أمّا بعد... فقد علمتم أنّ رسول الله قد قال في حياته: «من رأى سلطاناً جائراً مستحلّاً لمحارم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثم لم يغير بقول ولا فعل كان حقيقياً على الله أن يدخله مدخله» وقد علمتم أنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتوانوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالغيّ، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وإنّي أحق بهذا الأمر لقرابتي من رسول الله، وقد أتتني كتبكم وقدمت عليَّ رسلكم ببيعتكم، أنّكم لا تسلّموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظّكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي وولدي مع أهليكم وأولادكم، فلكم بي اُسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخالفتم بيعتكم فلعمري ما هي منكم بنكر، لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي، والمغرور من اغترّ بكم، فحظّكم وأخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومن نكث فعلى نفسه، وسيغنينى الله عنكم».
ثم طوى الكتاب ودفعه لقيس بن مسهر الصيداوي، فسار قيس بكتاب الحسين عليهالسلام حتى إذا بلغ القادسية قبض عليه الحصين بن نمير ليفتّشه، فأخرج قيس الكتاب حرقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد بالكوفة، فلمّا مثل بين يديه قال له: من أنت؟ قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين. قال: لماذا أحرقت الكتاب؟ قال: لئلا تعلم بما فيه؛ قال: ممّن الكتاب وإلى من؟ قال: من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى جماعة لا أعرف أسمائهم.
قال: فغضب ابن زياد وقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء القوم، أو تصعد المنبر فتسب الحسين وأباه وأخاه، وإلا قطعتك بالسيف إرباً إرباً.
فقال قيس: أمّا القوم فلا اُخبرك بأسمائهم، وأمّا السب فأفعل - وحاشاه - قال: إذاً فاصعد المنبر.
[فصعد المنبر]، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلّى عليه، وأكثر من الترحّم على علي وولده، ثم لعن ابن زياد وأباه وأخاه، وعتات بني امية عن آخرهم، ثم قال: «أيّها الناس.. أنا رسول الحسين إليكم، وقد خلّفته بموضع كذا وكذا، فأجيبونني» فغضب ابن زياد وأمر أن يصعد به إلى أعلى القصر، وأن يوثّقوه كتافاً ويرموه من أعلى القصر إلى الأرض حيّاً فصعدوا به إلى أعلى القصر ورموه إلى الأرض فتكسرت عظامه، فوقع وبه رمق الحياة فأقبل إليه رجل من أهل الكوفة يسمّى عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه بمديه وعيب عليه بعد ذلك، فقال: أردت أن أريحه.
ولمّا بلغ خبره الحسين عليهالسلام فاستعبر باكياً، هذا وقد سمع بقتله ولم يسمع بأنه يجرّ من رجليه في الأسواق، إذاً ما حاله عليهالسلام حين سمع بخبر مسلم بن عقيل وقد رموه من أعلى القصر إلى الأرض ووضعوا الحبال في رجلي مسلم وهاني وسحبوهما في الأسواق:
ولو كان في الكوفة غير مسلم |
ومسلم ما قطّعوه إربا (1) |
__________________
(1)
اويلي اعلى ابو طاهر اويلاه |
يوم الذي خانت رعاياه |
|
واصبح غريب ابولية اعداه |
ومن اخوته ما واحد اوياه |
|
او يجر صارمه ويمنع اليدناه |
شالته الغيره أو يومه ساواه |
|
يشبه العمّه حامي احماه |
من ضعف والطاغي تلقّاه |
|
وبمرهفه وگع ثناياه |
أوجتفوا يساره فوگ يمناه |
|
وظل يلتفت ويدير عيناه |
أو لحسين ذيگ السا تمنّاه |
في كتب الحسينعليهالسلامإلى البصرة
قال السيد في اللهوف:
كتب الحسين عليهالسلام إلى أهل البصرة اثنى عشر كتاباً وحين أراد الخرج من مكة المشرفة مع مولى له يقال له: سليمان، ويكنّى: أبا رزين (1) ، يدعوهم إلى نصرته واللزوم تحت طاعته، منها: كتاب إلى يزيد بن مسعود النهشلي، ومنها: كتاب المنذر بن الجارود العبدي، ومنها: إلى الأحنف بن قيس، ومنها إلى مالك بن
__________________
يويلي أو لابن زياد من جاه |
فرحان متشمّت لگاه |
|
او من فوگ عالي القصر ودّاه |
وانوخذ ما واحد ترجّاه |
|
آه ولرجس يوم التولّاه |
گص راسه والجسمه رماه |
|
او للگاع صار النفل مهواه |
او بحبال سحبوه عالي الجاه |
* * *
قتلوه ثم رموه من أعل البنا |
وعلى الثرى سحبوه وهو قتيلُ |
|
ربطوا برجليه الحبال ومثّلوا |
فيه فليت أصابني التمثيلُ |
(1) أقول: سليمان المكنى بأبي رزين، مولى الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام ، أرسله بكتبه إلى رؤساء الأخماس بالبصرة حين كان بمكة، واُمّه كبشة كانت جارية للحسين اشتراها بألف درهم، وكانت تخدم في البيت ام اسحاق بنت طلحة بن عبدالله التميمية زوجة الحسين، ثم تزوج الجارية أبو رزين فولدت منه سليمان فهو مولى للحسين عليهالسلام .
مسمع البصري، ومنها: إلى قيس بن الهيشم... وغيرهم من الرؤساء والأشراف (1) .
فأمّا الأحنف بن قيس فإنّه كتب إلى الحسين عليهالسلام يصبرّه ويرجّيه، والباقون كتموا أسرارهم إلّا المنذر بن الجارود العبدي فإنّه خاف أن يكون دسيسة من عبيدالله بن زياد، فإنه جاء بالكتاب والرسول إلى ابن زياد وكانت بنت المنذر بحرية زوجة عبيدالله بن زياد. فأخذ عبيد الله ابن زياد الرسول فصلبه ثم صعد المنبر فخطب وتوعّد أهل البصرة على الخلاف وإثارة الأرجاف.
وأما يزيد بن مسعود النهشلي فإنّه جمع بني تميم وبني حنظلة وبني سعد، فلمّا حضروا عنده قام فيهم خطيباً وقال: يا بني تميم كيف ترون موضعي منكم وحسبي فيكم؟ فقالوا: بخ بخ أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر، حللت في الشرف وسطاً وتقدمت فرطاً. فقال: إني جمعتكم لأمر أريد أن اُشاوركم فيه واستعين بكم عليه. فقالوا: أما والله نمنحك النصيحة ونحمد لك الرأي، فقل نسمع ونطع. فقال: إنّ معاوية قد هلك فاهون به هالكاً ومفقوداً إلّا إنّه قد انكسر باب الجور وتضعضعت أركان الظلم، وقد كان أحدث بيعة ظن إنّه قد أحكمها، فهيهات الذي أراده اجتهد، ففشل وشاور فخذل، وقام من بعده نغلة يزيد شارب الخمور ورأس الفجور، يدعي للخلافة على المسلمين مع قلة علمه وقصر فهمه، لا يعرف من الحق موطىء قدمه، واقسم بالله قسماً مبروراً لجهاده على الدين
__________________
(1) وهذا ما كتبه إليهم:
بسم الله بالرحمن الرحيم
من الحسين بن علي بن أبي طالب
«أمّا بعد... فإنّ السنة قد اميتت، والبدعة قد اُحييت، فإن أجبتم دعوتي أهديكم إلى سبيل الرشاد والسلام».
وكان عليهالسلام إذا أراد أن يكتب كتاباً مثل هذا يوجز لأن «خير الكلام ما قلّ ودلّ».
افضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن علي ذي الشرف الأصيل والرأي الأثيل له فضل لا يوصف وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وقدمه، يحنو على الكبير ويعطف على الصغير، فأكرم به من راعي رعيه وإمام حق وجبت لله به الحجة، وبلغت به الموعظة، وقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل، فاغسلوها بخروجكم مع بن بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وها أنا قد لبست للحرب لامتها، وادرعت لها بدرعها، فمن لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله ردّ الجواب.
فتكلمت بنو حنظلة وقالوا: يا أبا خالد نحن نبل كنانتك وفرسان عشريتك، إن غزوت بها فتحت، لا تخوض غمرة إلا خضناها، ولا تلقى شدّة إلا لقيناها، ننصرك بأسيافنا ونقيك بأبداننا، فانهض لما شئت.
وتكلمت بنو تميم فقالوا: يا أبا خالد نحن بنو ابنك وحلفاؤك لا ترضى إن غضبت والأمر إليك إذا شئت.
وتكلمت بنو سعد فقالوا: يا أبا خالد إن أبغض الأشياء علينا خلافك والخروج من رأيك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال، فحمدنا أمره وبقى عزنا فينا، فأمهلنا حتى نراجع المشورة ونأتيك بالجواب.
فقال: والله يا بني سعد لإن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم ولا زال سيفكم فيكم أبداً.
ثم كتب إلى الحسين عليهالسلام كتاباً يقول فيه: أمّا بعد.. فقد وصل إليّ كتابك وفهمت ما ندبتني إليه، ودعوتني من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك، وإن لم يخل الأرض من عامل عليها بخبر وأنتم حجج الله على خلقه وأمناؤه على عباده، تفرّعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها، فاقدم سعدت بأسعد طائر، فقد ذللت لك أعناق بني تميم وتركتهم أشد تتابعاً في طاعتك من الإبل الظما لورود الماء في يوم خمسها، وذللت لك أعناق بني سعد،
وغسلت درن صدرهم بماء سحابة مزن حين استهل برفقها فلمع.
قال: ثم سرح الكتاب إلى الحسين عليهالسلام فورد على الحسين وهو إذ ذاك بكربلاء وحيداً فريداً وقد قتلت أصحابه وإخوته، فلمّا فض الكتاب وقرأه جعل يقول: مالك يابن مسعود آمنك الله يوم الخوف الأكبر.
قال الراوي: وتجهزّ يزيد بن مسعود، وخرج من البصرة بأثنى عشر ألف رجل، فلما صار في بعض الطريق بلغه خبر قتل الحسين عليهالسلام فشهق شهقة ومات.
هذا ولم ير ما صنع بإمامه، فيعزّ على ابن مسعود لو رأى سيده الحسين وقد احاطت به أعداؤه هذا يضربه بسيفه وهذا يطعنه برمحه وهذا يرميه بالحجارة.
ولقد غشوت فضارب ومفوّق |
سهماً إليه وطاعن متقصّد (1) |
__________________
(1) نعم هذا يزيد بن مسعود بلغه خبر قتل الحسين عليهالسلام فشهق شهقته ومات ساعد الله قلب الحوراء زينب عليهاالسلام حين نظرت إلى أخيها وفيه ألف وتسعمائة جراحة كأنها بها:
(نصاري)
يحسين خوية اشيوجعك گول |
او من يا جرح يا خوي معلول |
|
لو ناشدونة الناس شنگول |
يالچنت سور او سيف مسلول |
|
دون الحرم يا ريع المحول |
وسافه اعلى حگك تمسي مگتول |
|
مرمي اوعليك اتدوس الخيول |
او من فوگ صدرك گامت اتجول |
|
تمنّيت ألك من هاشم اشبول |
يشوفون جسمك على الرمول |
|
وراسك براس الرمح مشيول |
ويشوفنّه اشمنّه العد تنول |
(ابوذية)
الگلب شاجر على ابن امي وداوي |
تضعضع وانهدم سوري وداوي |
|
لا مجروح حتى اگعد وداوي |
ولا غايب وأگول ايعود ليه |
(تخميس)
قد كنت فينا في الشدائد معقلاً |
ولبيتنا السامي سراجاً مُشعلا |
واليوم مالك لم تُجبنا ثكّلا
ألمحنة شغلتك عنّا أم قلى |
حاشاك إنك ما برحت ودودا |
في من حظي بالشهادة من أهل البصرة
لمّا كاتب الحسين بن علي عليهالسلام أشراف أهل البصرة ورؤسائهم يدعوهم إلى نصرته؛ واللزوم تحت طاعته، أجابه من أجابه كيزيد بن مسعود النهشي، ومعه اثنا عشر ألف، لكنّهم فاتتهم نصرة الحسين عليهالسلام إذ إنّهم خرجوا من البصرة متّجهين إلى الحسين عليهالسلام فوافاهم خبر قتله في بعض الطريق، فرجعوا خائبين من نصرته.
وأما الذين سعدوا ورزقوا الشهادة فهم ستة كما ذكرهم أهل المقاتل، أولهم: عبدالله الفقعسي، وكان شيخاً كبيراً طاعناً في السن، وولده أربعة والسادس هو سعيد بن مرة التميمي، أمّا سبب خروج هذا الشيخ وولده (1) على ما يروى أنّه كان إمرأة من أهل البصرة تسمى مارية بنت منقذ العبدي، وكانت تتشيّع، وهي من ذوي البيوت والشرف، وقد قتل زوجها وأولادها يوم الجمل مع أمير المؤمنين عليهالسلام ، وقد بلغها أنّ الحسين عليهالسلام كاتب أشراف أهل البصرة ودعاهم إلى نصرته، وكان عندها ناد يجتمع فيه الناس فجائت وجلست بباب مجلسها وجعلت تبكي، حتى علا صراخها فقام الناس في وجهها وقالوا لها: ما عندك ومن
__________________
(1) اي: عبدالله الفقعسي.
أغضبك؟ قالت: ويلكم، ما أغضبني أحد، ولكن أنا إمرأة ما أصنع، ويلكم سمعت أنّ الحسين بن بنت نبيّكم استنصركم وأنتم لا تنصروه، فأخذوا يعتذرون منها لعدم السلاح والراحلة، فقالت: أهذا الذي يمنعكم؟ قالوا: بلى؛ فالتفتت إلى جاريتها وقالت لها: أنطلقي إلى الحجرة وآتيني بالكيس الفلاني، فإنطلقت الجارية وأقبلت بالكيس إلى مولاتها، فاخذت مولاتها الكيس وصبّته وإذا هو دنانير ودراهم، وقالت: فاليأخذ كل رجل منكم ما يحتاجه وينطلق إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين.
قال الراوي: فقام عبدالله الفقعسي وهو يبكي - وكان عنده أحد عشر ولداً - فقاموا في وجهه وقالوا: إلى أن تريد؟ قال: إلى نصرة ابن بنت رسول الله. ثم التفت إلى من حضر وقال: ويلكم هذه إمرأة أخذتها الحمية وأنتم جلوس؟ ما عذركم عند جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم القيامة.
قال: ثم خرج من عندها وتبعه من ولده أربعة فأقبلوا يجدون السير، حتى استخبروا بأن الحسين عليهالسلام ورد كربلاء، فجاء الشيخ بأولاده إلى كربلاء ورزقوا الشهادة.
وأما السادس: فهو سعيد بن مرّة التميمي، وكان سعيداّ شاباً له من العمر تسعة عشر سنة، فإنّه لما سمع بأن الحسين عليهالسلام يستنصر أشراف أهل البصرة في كتبه أقبل إلى اُمّه في صبيحة عرسه وصاح: امّاه علي بلامة حربي وفرسي.. قالت: وما تصنع بها؟! قال: اُماه قد ضاق صدري واريد ان أمضي خار البساتين، فقالت له: ولدي إنطلق إلى زوجتك ولاطفها، فقال: يا اُمّاه لا يسعني ذلك... فبينما هم كذلك إذ إقبلت إليه زوجته وقالت له: إلى أين تريد يا ابن العم؟ فقال لها: أنا ماضي إلى من هو خير منّي ومنك. فقالت له: ومن هو خير منك ومنّي؟! فقال لها: سيّدي ومولاي الحسين بن علي عليهالسلام . فلمّا سمعت أُمّه بكت وقالت له: ولدي
جزاك الله عن الحسين خيراً، ولكن يا ولدي أما حملتك في بطني تسعة أشهر؟ قال: بلى، قالت: أما سهرت الليالي في تربيتك؟ قال: بلى، وأنا لست بمنكر لحقّك عليَّ. قالت: إذاً عندي وصية، قال: وما هي يا أُمّاه؟ فقالت له: ولدي إذا أدركت سيد شباب أهل الجنّة إقرأه عنّي السلام وقل له فليشفع لي يوم القيامة. فقال لها: يا أُماه وأنا أوصيك بوصيّة، قالت: ماهي؟ قال: إذا رأيت شاباً لم يتهنّا بشبابه وعرّيساً لم يهنأ بعرسه اذكري عرسي وشبابي.
قال الراوي: ثم ودّعها وخرج من البصرة، وأقبل يجدّ السير في الليل والنهار واستخبر ببعض الطريق أنّ الحسين قد نزل كربلاء، وجعل يجدّ السير حتى وافى الحسين يوم العاشر من المحرم وحيداً فريداً، فلما رآه الحسين قال: سعيد هذا؟! قال: نعم سيدي، قال: يا سعيد ما قالت لك اُمّك؟ فقال: سيّدي تقرؤك السلام؛ فقال الحسين عليهالسلام : عليك و عليهاالسلام ، يا سعيد إنّ اُمك واُمي في الجنّة. ثم قال سعيد: سيّدي أتأذن لي أن اسلم على بنات الرسالة؟ قال: نعم؛ فأقبل سعيد حتى وقف بإزاء الخيام ونادى: السلام عليكم يا آل بيت رسول الله. فصاحت جاريه زينب: وعليك السلام، فمن أنت؟ قال: سيدتي أنا خادمكم سعيد بن مرّة التميمي، جئت إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين. فقالت: يا سعيد أما تسمع الحسين عليهالسلام ينادي هل من ناصر؟ هل من معين؟ قال: ثم سلّم عليهنّ ورجع إلى الحسين ووقف يستأذنه للبراز، فأذن له الحسين عليهالسلام ، فحمل على القوم وجعل يقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً، فعطفوا عليه أعداء الله فقتلوه، ولمّا قتل سعيد مشى لمصرعه الحسين فجلس عنده، وأخذ رأسه ووضعه في حجره، وجعل يمسح الدم والتراب عن وجهه، وهو يقول: أنت سعيد كما سمّتك أمك، سعيد في الدنيا وسعيد في الآخرة.
وكان عليهالسلام كلّما قتل منه قتيل يقف عند مصرعه ويؤبنّه إما بآية من القرآن، أو بكلمة تناسبه.
ولما صرع الغلام التركي مشى لمصرعه الحسين عليهالسلام ووضع خدّه على خّده، وكان الغلام مغمى عليه فلمّا أفاق رأي الحسين عليهالسلام واضعاً خدّه على خدّه فقال: من مثلي وابن رسول الله واضعاً خدّه على خدّي.
نصروا ابن بنت نبيهم طوبى لهم |
نالوا بنصرته مراتب سامية (1) |
__________________
(1)
(بحراني)
عاف العرس وگبل سعيد اوحيدته ليك |
اينادي ابلسانه والگلب يحسين لبيك |
|
ودِّع سعيد اُمّه وتعنّه الغاضرية |
ليل او نهار ايسير في صبح او عشيّه |
|
امن ابعيد شاف احسين مفرد بين اميّه |
اينادوه المن تنتظر يحسين يأتيك |
|
لن هالشباب ايصيح الك روحي فديّه |
عبدك سعيد اگبل رحت يحسين رجليك |
|
اووّدع احسين او صال بمجموع العساكر |
او خلّه الايادي اوية الجماجم بس تناثر |
|
ادّع العيله وطاح بالميدان عافر |
او ناده يبو سكنة سعيد ايسلّم عليك |
|
راح السبط مسرع او جابه يم الخيام |
او مدد سعيد ابصف علي الاكبر او جسّام |
|
او ناح او بچه او ناده الفواطم ويّه الايتام |
نوحوا وگولوا يا شباب الله يهنّيك |
|
هذا تره معرّس شباب وما تهنّه |
اُمّه وبت عمّه ابصباحه فارگنّة |
|
دارن عليه رمله وليله يندبنّه |
اوزينب تنادي اشلون من دمّك نحنّيك |
(تخميس)
كيف السلو ونار الحزن تشتعل |
تلهّبا ودموع العين تنهمل |
سحاً على جيرة في كربلا نزلوا
بالأمس كانوا معي واليوم قد رحلوا |
وخلّفوا في سويد القلب نيرانا |
في ترجمة زهير بن القين البجلي رحمه الله
ذكر صاحب إبصار العين، قال: كان زهير بن القين البجلي رجلاً شريفاً، شجاعاً له في المغازي مواقف مشهورة وكان أولاً عثمانياً، حجّ سنة ستين من الهجرة بأهله ثم عاد من الحج فوافق الحسين عليهالسلام في الطريق.
حدّث جماعة من فزارة وبجليه، قالوا: كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة نساير الحسين عليهالسلام ، فلم يكن شئ أبغض علينا من أن ننازله في منزل، فإذا نزل الحسين تقدم زهير، وإذا سار الحسين تخلف زهير، فلم نزل هكذا حتى صرنا في منزل لم نجد بدّاً من أن ننازله فيه، فنزل الحسين جانبا ونزل زهير إلى جانب آخر، فبينما نحن جلوس نتغذى إذا برسول الحسين قد أقبل علينا حتى دخل الخيمة، فسلم عينا فرددنا عليهالسلام ثم قال: يا زهير إنّ الحسين يدعوك. قال: فطرح كل انسان ما كان في يده، حتى كأن على رؤوسنا الطير.
قال ابو مخنف، حدّثتني دلهم بنت عمرو زوجه زهير، قالت: فقلت له يا سبحان الله أيبعث إليك الحسين ثم لا تجيبه؟! فأجبه واسمع منه كلامه ثم انصرف. قال: ثم مضى إليه زهير، فما لبث إن جاء مستبشراً وأمر بفسطاطه وثقله فقوّض وحمل الى الحسين عليهالسلام . ثم قال: أنت طالق، إلحقي بإهلك فإني لا
أحب أن يصيبك بسببي إلّا خيراً؛ ثم التفت إلى اصحابه وقال: من أحبّ منكم إن يتّبعني وإلّا فهذا آخر العهد؛ ثم التفت إليهم ثانياً وقال: إني اُحدّثكم بحديث:
غزونا بلنجر (1) ، فتح الله عينا، وأصبنا غنائم كثيرة، فقال لنا سلمان بن ربيعة الباهلي: أفرحتم بما فتح الله على ايديكم وأصبتم من الغنائم؟ قلنا: نعم، قال: إذا أدركتم سيد شباب أهل الجنة، فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه، فأمّا أنا فأستودعكم الله (2) .
ثم صار الى الحسين عليهالسلام ، وكان معه سلمان بن مضارب بن قيس - ابن عم
__________________
(1) في القاموس: بلنجر كغضنفر - بفتحين وسكون النون وجيم مفتوحة وراء - هي مدينة ببلاد الخزر خلف باب الابواب، فتحت في زمان عثمان في سنة اثنين وثلاثين على يد عبدالرحمن بن ربيعة الباهلي، كما ذكره أصحاب السير، وقال البلاذري: فتحها سليمان بن ربيعه الباهلي، وتجاوزها، ولقيه خاقان في جيشه خلف بلنجر، فاستشهد هو وأصحابه، وكانوا أربعة آلاف، وكان في أول الامر قد خافهم الترك وقالوا: إنّ هؤلاك ملائكة لا يعمل فيهم السلاح، فاتفق أنّ تركيا اختفي في غيضة ورشق مسلماُ بسهم فقتله، فنادا في قومه انّ هؤلاء يموتون كما تموتون فلِمَ تخافوهم، فاجترؤا عليهم ووقعوهم حتى استشهد عبد الرحمن بن ربيعة، وأخذ الراية أخوه سلمان بن ربيعة ولم يزل يقاتل حتى امكنه دفن أخيه بنواحي بلنجر، ورجع ببقية المسلمين على طريق جيلان، فيهم سلمان الفارسي وأبو هريرة، فقال عبدالرحمن بن جمانة الباهلي:
وإن لنا قبرين قبر بلنجر |
وقبر بأرض الصين يا لك من قبر |
|
فهذا الذي الصين عمّت فتوحه |
وهذا الذي يسقى به سبل القطر |
يريد أن الترك لمّا قتلوا عبد الرحمن بن ربيعة وأصحابه كانوا ينظرون في كل ليلة نوراً على مصارعهم، فأخذوا سلمان بن ربيعة وجعلوه في تابوت فيهم يستسقون به إذا اقطعوا، وإذا الذي بالصين فهو قتيبة ابن مسلم الباهلي. (أقول) فقول زهير قال لنا سلمان أي سلمان بن ربيعة الباهلي لأنّ سلمان الفارسي توفي في زمن الخليفة الثاني وبلنجر فتحت في زمن عثمان ولم يشهد سلمان الفارسي وقعة بلنجر.
(2) ابصار العين: 95.
زهير بن القين لحاً - فالقين أخو مضارب وأبوهما قيس، وكان سلمان حج مع ابن عمّه سنة ستين، ولما مال زهير مع الحسين عليهالسلام مال معه في مضربه، وقتل أيضاً يوم الطف (1) .
ولمّا بلغ الحسين عليهالسلام ذو حسم (2) ، قام خطيباً في أصحابه، فحمد الله واثنى عليه، وذكر النبي فصلّى عليه، ثم قال:
أمّا بعد، فإنّه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، ولم يبق منها الّا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقّاً، ألا وإنّي لا أرى الموت إلّا سعادة والحياة مع الظالمين إلّا برما.
قال: فقام إليه زهير بن القين البجلي رحمه الله، وقال لأصحابه: أتتكلّمون أم أتكلّم؟ فقالوا: بل تكلّم. فحمد الله واثنى عليه، ثم قال:
قد سمعنا هداك الله يابن رسول الله مقالتك، والله لو كانت الدنيا لنا باقية، وكنّا فيها مخلدين (3) ، لآثرن النهوض معك على الإقامة فيها. قال الراوي: فدعا له
__________________
(1) ابصار العين: 100.
(2) ابصار العين: 100. (2) حسم بضمّتين وهو اسم لموضع وفي شعر النابغة:
أليلتنا بذي حسم أنيري |
إذا انتِ انقضيت فلا تحوري |
|
فإن يك بالذنائب طال ليلي |
فقد أبكى من الليلِ القصيري |
انظر نهاية الإرب: 15 / 401.
وقال لبيد:
بذي حسم قد عربت ويزينها |
دماث فليج وهو هاو المحافل |
(3) في المصدر زيادة: إلّا انّ فراقها في نصرك ومواساتك...
الحسين عليهالسلام وقال له: جزاك الله عن ابن بنت نبيك أخيراً (1) .
وقال كثير بن عبدالله الشعبي: لمّا زحفنا نحو (2) الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء، خرج إلينا زهير بن القين البجلي على فرس له ذنوب، ووقف بين الصفين ونادى بأعلى صوته:
يا أهل الكوفة نذاري لكم من عذاب الله، نذار إنّ حقّاً على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الان إخوة على دين واحد وعلى ملّة واحدة ما لم يقع بيننا وبينكم السيف (3) ،، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنّا أمة وكنتم امّة، أيها الناس (4) : أن الله قد ابتلانا وإيّاكم بذرية نبيه محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنّا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد (5) وعبيد الله بن زياد، فإنّكم والله لا تدركون منهما إلّا بسوء عمر سلطانهما كله، وإنهم والله ليسملان أعينكم، ويقطعان ايديكم وأرجلكم، ويصلبانكم على جذوع النخل، ويمثّلان بكم (6) ،، أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهاني بن عروة وأشياعه (7) .
قال: فسبوه، واثنوا على عبيدالله بن زياد فحمدوه، وقالوا: والله يا زهير لا تبرح حتى نقتل صاحبك - يعني الحسين عليهالسلام - ومن معه، أو نبعث به إلى ابن زياد سالماً. فقال زهير: ويلكم يا أهل الكوفة، إن ولد فاطمة أحقّ بالودّ من ابن سميّة، فإن لم تنصروه فأعيذكم بالله أن تقتلوه، فخلوا بين هذا الرجل وبين يزيد بن
__________________
(1) مقتل أبي مخنف: 86.
(2) في المصدر: قبل.
(3) في المصدر زيادة: وأنتم للنصيحة منّا أهل...
(4) أيها الناس، لم ترد في المصدر.
(5) يزيد، لم يرد في الصدر.
(6) في المصدر بعد (وأرجلكم): ويمثّلان بكم، ويرقعانكم على جذوع النخل، ويقتلان أمثلكم وقرّائكم،...
(7) في المصدر: وأشباهه.
معاوية، فلعمري إنّه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين.
قال الراوي: فرماه شمر (1) وقال: أسكت، أسكت الله نامتك، (2) ، أبرمتنا بكثرة كلامك، فقال له زهير: يا ابن البوّال على عقبيه، ما إياك أخاطب إنما أنت بهيمة، والله لا أظنّك تحكم من كتاب الله آيتين فابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فقال الشمر إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة، فقال زهير: أفبالموت تخوّفني، فوالله الموت معه أحبّ إليَّ من الخلد معكم.
قال: ثم أقبل على الناس رافعاً صوته، فقال: عباد الله لا يغرّنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فوالله لن ينالوا شفاعة محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم قط قوم أراقوا دماء ذريته وعترته، وقتلوا من نصرهم وذبّ عن حريمهم.
قال الراوي: فناداه رجل من أصحابه: يا زهير إن الحسين عليهالسلام يقول لك: أقبل، فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قوم، وابلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ. فرجع إلى الحسين عليهالسلام ، فقال له عليهالسلام : جزاك الله عن رسوله واله خيراً (3) .
قال (4) : ولمّا أتت نوبته حمل على القوم، فجعل يقاتل قتالاً شديداً لم ير مثله قط، ولم يسمع بشبهه، وهو يقول:
أنا زهير وأنا ابن القين |
أذودكم بالسيف عن حسين |
|
إنّ حسيناً احد السبطين |
من عترة البر التقي الزين |
ثم رجع ووقف الامام الحسين عليهالسلام ، وقال:
__________________
(1) في المصدر: بسهم.
(2) النامة: بالتشديد الصوت يقال ذلك كناية عن الموت وهو دعاء العرب مشهور، وأبرمتنا أي أضجرتنا بكثرة كلامك.
(3) مقتل أبي مخنف: 119 - 120، باختلاف بسيط.
(4) والكلام للراوي.
فدتك نفسي هادياً مهديّا |
اليوم ألقى جدك النبيا |
|
وحسنا والمرتضى وعليّاً |
وذاالجناحين الشهيد الحيّا |
فكأنّه ودعه، وعاد يقاتل حتى قتل مائة عشرين رجلاً، فشدّا عليه كثير بن عبدالله الشعبي ومهاجر بن اوس التميمي فقتلاه، ولمّا سقط الى الارض مشى لمصرعه الحسين عليهالسلام ووقف عنده، وتكلّم بكلمات، وقال: لا يبعدنّك الله يا زهير عن رحمته، ولعن قاتليك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير (1) .
جادوا بأنفسهم عن نفس سيّدهم |
والجود بالنفس اقصى غاية الجود |
ويروي في تذكرة ابن الجوزي: أنّه لمّا قتل زهير قالت امرأته لغلامه: إذهب وكفّن مولاك، فقال لها: أكفن مولاي وأدع الحسين؟! لا والله (2) .
ما غسّلوه ولا لفّوه في كفن |
يوم الطفوف ولا مدّوا عليه ردا (3) |
__________________
(1) انظر تاريخ الطبري: 6 / 253.
(2) تذكرة الخواص لابن الجوزي: 256، نقول: امرأة زهير إنّما قالت ذلك للغلام بعد مقتل الحسين عليهالسلام ، ومفاده أنه لا يريد أن يترك الحسين بلا كفن ويكفن مولاه.
(3) وزينب عليهاالسلام نادت القوم أمّا فيكم مسلم يواري هذا الغريب، اما فيكم مسلم يكفن هذا السليب فلم يجيبوها كأني بها التفتت إلى أهلها:
(نصاري)
تعالوا لبنكم غسّلوه |
ويّاكم كفنكم دجيبوه |
|
جيبو گطن للجرح شدّوه |
ثلث تيام مرمي بغير تغسيل |
(ابوذية)
ادمن للگلب يحسين يرحين |
وبس الهن دموع العين يرحين |
|
خواتك عالهزل للسير يرحين |
او يعوفن جثتك بالطف رميّة |
(تخميس)
يا سائلاً وشظايا القلب في شجن |
هل جهّزوا لقتيلٍ مات ممتحن |
أجبته بفؤادٍ خافقٍ وهن
ما غسّلوه ولا لفّوه في كفن |
يوم الطفوف ولا مدّوا عليه ردا |
في ملاقات الحسينعليهالسلامللحرّ وما جرى بينهما
روي عن عبدالله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: كنّا نساير الحسين عليهالسلام حتى نزل شراف (1) ، ولما كان السحرة أمر أصحابه أن يحملوا الماء وأن يكثروا، فلمّا أصبحوا ساروا من شراف حتى انتصف النهار، فبينما هم يسيرون إذ كبر رجل من اصحابه، فقال له الحسين عليهالسلام : الله اكبر، لم كبرت؟! قال: سيدي رأيت النخل، فقال له رجل من اصحابه: ما رأينا في هذا المكان نخلة واحدة!! فقال الحسين عليهالسلام : وما ترون؟ قالوا: والله لا نرى إلّا أسنّة الرماح، وآذان الخيل، فقال عليهالسلام : وأنا والله أرى ذلك، ثم قال عليهالسلام : ما لنا ملجأ نلجأ إليه ونجعله
__________________
(1) شراف بفتح اوله وآخره فاء وثانيه مخفف فعال من الشرف وهو العلو وقال أبو عبيدة السكوني ومن شرف إلى واقصة ميلان وهناك بركة تعرف باللوزة وفي شراف ثلاث آبار كبار رشاؤها أقل من عشرين قامة وماؤها عذب كثير وبها آبار كثيرة طيّبة الماء يدخلها ماء المطر وقيل شراف استنبطه رجل من العماليق اسمه شراف فسمّي به. وقال الكلبي: شراف وواقصة ابنا عمرو بن معتق بن زمرة بن عبيد بن عوص بن آدم بن سام بن نوح عليهالسلام . وقال زميل بن زامل الفزاري قاتل ابن داه:
لقد عضّني بالجو جو كثيفة |
ويوم التقينا من وراء شراف |
|
قصرت له الدعسى ليعرف نسبتي |
وأنبأته أني ابن عبد مناف |
خلف ظهورنا، ونستقبل القوم بوجه واحد؟ قالوا: بلى، هذا ذوحسم إلى جنبك، فمل إليه عن يسارك. فأخذت ذات اليسار، قالا: فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي (1) الخيل كأن أسنّتهم اليعاسيب (2) ، وكأن راياتهم أجنحة الطير.
فأمر الحسين عليهالسلام بالأبنية فضربت، وجاء القوم زهاء ألف فارس يتقدّمهم الحرّ (3) بن يزيد الرياحي، وكان مجيئه من القادسية (4) ، فنزل حذاء الحسين عليهالسلام في حر الظهيرة، والحسين وأصحابه جالسين متقلّدي أسيافهم، فقال الحسين عليهالسلام لفتيانه: اسقوا القوم [وارووهم من] (5) الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفا، فأقبلوا يملؤن القصاع والطساس ثم يدنونها من الفرس، فإذا عب فيها ثلاثاً أو أربعاً عزلت وسقى الآخرى، حتى سقوهم عن آخرهم. قال علي بن الطعان المحاربي: كنت يومئذ مع [الحرّ بن يزيد]، (6) ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه، فلما رأى الحسين عليهالسلام ما بي وبفرسي من العطش، قال لي: يا ابن أخي إنخ الجمل؛ فأنخته
__________________
(1) الهوادي جمع الهادي العنق والمتقدم وهنا يريد مقدمة الخيل.
(2) جمع يعسوب أمير النحل وذكرها يشبه لمعان الأسنّة بلمعان أجنحة اليعاسيت في الشمس.
(3) الحر بن يزيد الرياحي كان شريفاً في قومه جاهلية وإسلاماً فإنّ جدّه عتابا كان رديف النعمان بن المنذر وولد عتاب قيسا وقعنبا ومات عتاب فردف فقيس النعمان ونازعه الشيبانيون فقامت بسبب ذلك حرب يوم الطخلة والحر بن عم الاخوص الصحابي الشاعر.
(4) القادسية وحسبما جاء في ج 4 ص 291 من كتاب المعجم البلدان للحموي موضع بينه وبين الكونة خمسة عشر فرسخاً وبينه وبين العذيب أربعة أميال وبهذا الموضع كان يوم القادسية بين سعد ابن أبي وقاص والمسلمين والفرس في أيام عمر بن الخطاب وذلك سنة 16 من الهجرة.
(5 و 6) ما اثبتناه من المصدر.
فجعلت كلّما أشرب سال الماء (1) ، وسقيت فرسي (2) .
قال الراوي: وما زال الحر موافقاً للحسين عليهالسلام حتى حضرت وقت صلاة الظهر، فأمر الحسين عليهالسلام الحجاج بن مسروق الجعفي أن يؤذن، فأذّن، ثم خرج الحسين عليهالسلام والتفت إلى الحرّ، وقال: أتصلي بأصحابك؟ فقال الحرّ: كلا، بل تصلي ونصلّي بصلاتك، فصلّى بهم الحسين عليهالسلام ، فلمّا فرغ من صلاته اقبل عليهم بوجهه، فحمد الله وأثني عليه، وذكر النبي فصلّى عليه، ثم قال:
أيها الناس، إني لم آتيكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت عليَّ رسلكم فإن كتبتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه، فقال الحرّ: أنا والله لا أدري ما هذه الكتب والرسل!! فصاح الحسين عليهالسلام لعقبة بن سلمان، أخرج الخرجين المملوئين صحفاً، فأخرجها عقبة ونشرها بين يدي الحسين عليهالسلام والحرّ، فقال الحرّ: لست من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرت أن لا افارقك حتى ادخلك الكوفة، واضع يدك في يد ابن زياد.
فقال الحسين عليهالسلام : إذاً الموت أدنى إليك من ذلك. ثم أن الحسين عليهالسلام أمر أصحابه أن يسيروا، فحال الحرّ بينهم وبين المسير، فقال الحسين عليهالسلام : ثكلتك اُمّك، ما تريد منهم؟ فقال الحرّ: لو غيرك من العرب قالها لي وهو في هذا الحال الذي أنت عليه ما تركت ذكر اُمّه بالثكل كائناَ من كان، ولكن والله مالي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلّا بأحسن ما نقدر عليه. فقال الحسين عليهالسلام : إذاً ما تريد؟ قال: اُريد أن أنطلق بك إلى الكوفة إلى ابن زياد. فقال الحسين عليهالسلام : إذاً والله لا أتّبعك.
__________________
(1) هنا سقط في الاصل: من السقاء، فقال الحسين عليهالسلام : اخنث السقاء (أي) إعطفه. قال: فجعلت لا أدري كيف أفعل، فقام الحسين عليهالسلام فخنثه فشربت...
(2) عن أبي مخنف في مقتل الحسين عليهالسلام : 81 - 82.
فقال الحرّ: إذاً والله لا أدعك؛ فترادّا القول فيما بينهم ثلاث مرات، فخشي الحرّ الفتنة فقال: يا أبا عبدالله إني أمرت إذا لقيتك لا أفارقك، فإذا كان الأمر كذلك فخذ طريقاً لا يردك إلى المدينة ولا يدخلك الكوفة، ليكون بيني وبينك نصفاً، حتى أكتب إلى ابن زياد، فلعلّ الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه [العافيه] (1) من أن أبتلي بشيء من أمرك، فخذ هاهنا تياسراً من طريق العذيب والقادسية. فرضي الحسين بذلك، فساروا (2) .
فبينما هم يسيرون إذ التفت الحر الى الحسين عليهالسلام وقال له: يا أبا عبد الله إني أذكّرك الله في نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ. فقال له الحسين عليهالسلام : أفبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلونني؟ وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه، وهو يريد نصرة رسول الله فخوّفه ابن عمّه وقال له: أين تذهب؟ إنك مقتول، فأنشأ يقول:
اُقدّم نفسي لا أريد بقاءها |
لتلقي خميساً في الوغي وعرمرما |
|
سأمضي وما بالموت عار على الفتى |
إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما |
|
وواسى الرجال الصالحين بنفسه |
وفارق مثبوراً وودّع مجرما |
|
فإن عشت لم أندم وإن متّ لم أذم |
كفى بك ذلاً أن تعيش وترغما (3) |
قال: فلمّا رأى امتناع الحسين عليهالسلام سكت وجعل يسايره، فلمّا أصبح الصباح نزل وصلّى، ثم عجّل بالركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد ان يفرّقهم،
__________________
(1) ما أثبتناه من المصدر.
(2) انظر مقتل الحسين عليهالسلام لابي مخنف: 83 - 85. ومقتل الحسين عليهالسلام للخوارزمي: 1 / 231 - 233، والأخبار الطوال للدينوري: 249.
(3) مقتل الحسين عليهالسلام للخوارزمي: 1 / 233، وانظر انساب الأشراف: 3 / 171، وتاريخ الكامل لابن الأثير:
فيأتيه الحرّ وكان إذا ردّهم نحو الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه، فلم يزالوا يتياسرون كذلك حتى انتهوا الى نينوى (1) . (2)
ويروى أنّ زهير بن القين البجلي قال للحسين عليهالسلام : سيدي دعنا نقاتلهم، فإن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا بعدهم ما لا قبل لنا بهم، فقال الحسين عليهالسلام : ما كنت لأبدءهم بالقتال (3) . ثم قال: والتفت الحسين عليهالسلام إلى أصحابه وقال: من منكم يعرف الطريق على غير الجادة؟ فقال الطرماح (4) : أنا يابن رسول الله؛ فقال له الحسين عليهالسلام تقدّم، فتقدّم الطرماح أمام الركب وجعل يرتجز:
يا ناقتي لا تذعري من زجر |
واسر بنا قبل طلوع الفجر |
|
بخير فتيان وخير سفر |
وآل رسول الله آل الفخر |
|
السادة البيض الوجوه الزهر |
الضاربين بالسيوف البتر |
|
الطاعنين بالرماح السمر |
يا مالك النفع معاً والضر |
|
أيّد حسيناً سيّدي بالنصر |
على الطغاة من بقايا الكفر |
واخذل يزيد العهر ابن العهر
__________________
(1) نينوى: المكان الذي نزل به الحسين عليهالسلام ، وهي ناحية بسواد الكوفة، وقيل: قرية يونس بن متى. انظر معجم البلدان: 8 / 368.
(2) الارشاد للشيخ المفيد: 2 / 82، ومقتل الحسين عليهالسلام لابي مخنف: 92.
(3) مقتل الحسين عليهالسلام لابي مخنف: 94، ورواه في الارشاد: 2 / 84.
(4) هو الطرماح بن عدي: عدّه الشيخ الطوسي رحمه الله في أصحاب أمير المؤمنين عليهالسلام وقال: رسوله عليهالسلام إلى معاوية، وعدّه أيضاً في اصحاب الإمام الحسين عليهالسلام ، وقال المولى عناية الله القهباني: الطرماح بن عدي بن حاتم الطائي: وطرماح - كسنّمار - العالي النسب المشهور. انظر رجال الشيخ: 46 / 3، و 75 / 1، ومجمع الرجال: 3 / 229. انظر ترجمته في تنقيح المقال: 2 / 109.
أقول: وإنّما حدا الطرماح لغاية هناك رام أن تسير الإبل سيراً سهلاً على عادتها في الحداء، ولتسكن روعات النساء إذا سمعت بمدح عميدها الحسين عليهالسلام ، فسارت إلى كربلاء على هذه الحالة، قد حفّتها بنو هاشم وأصحابه الصفوة، والطرماح يحدوا بها، ولكنها يوم خرجت من كربلاء حفّت بها الأعداء من كل جانب، وسارت على حالة يحدو بها شمر بن ذي الجوشن وزجر بن قيس.
أيسقوها زجر بضرب متونها |
والشمر يحدوها بسبّ أبيها (1) |
__________________
(1) وزينب عليهاالسلام تخاطب أخاها الحسين عليهالسلام بلسان الحال:
(نصاري)
ودّعتك الله يا عيوني |
يردون عنّك ياخذوني |
|
او زجر او خوله اليباروني |
للكوفة انووا يمشّوني |
|
نخيّت اخوتي أو لا جاوبوني |
وابغصب عنكم فارگوني |
گطعت الرجه او خابت اظنوني
وكانّي بها توجهت إلى جهة العلقمي وخاطبت الجمّال:
(دكسن)
يجمال مر بينا اعلى عباس |
اخونة العجيد اليرفع الراس |
|
تگلّة تراهم گوم الارجاس |
خذونة وعلينة الشمر حرّاس |
تتفرّج على أحوالنا الناس
(تخميس)
مُخدّرةُ المختار من بعد مجدها |
تُسيّرها ابناء حرب لوغدها |
دعت مُذ نأى عن عينها بدر سعدِها
ونادت على الاقتاب من عظم وجدها |
أبا حسنٍ يا خير من ضمّه القبر |
في كيفية سعادة الحر ولحوقه بالحسينعليهالسلام
روي عن عقبة بن سمعان (1) قال: لمّا سار الحسين عليهالسلام من قصر بني مقاتل (2) سرنا معه، فبينا نحن نسير إذ خفق الحسين عليهالسلام وهو على ظهر جواده، ثم قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون [والحمد لله رب العالمين] (3) ؛ فأقبل عليه ولده علي الأكبر فقال له: أبه مم حمدت الله واسترجعت؟ فقال: يا بني أني خفقت برأسي
__________________
(1) عقبة بن سمعان: عدّه الشيخ الطوسي رحمه الله في أصحاب الحسين عليهالسلام (78 / 27)، وقيل: انه كان عبدا للرباب زوجة الامام الحسين عليهالسلام ، وأنّه كان يتولى خدمة أفراسه عليهالسلام وتقديمها له، فلمّا استشهد عليهالسلام أخذه أهل الكوفة أسيراً، ثم اُطلق سراحه، وجعل يروي واقعة الطف، ومنه اُخذت أخبارها، وروي عنه أبي مخنف بالواسطة، ويقول العلامة المامقاني رحمه الله: حاله مجهول، بل تخلّفه عن نصرة الإمام عليهالسلام يجعلنا في ريب منه. وقال السيد الخوئي رحمه الله: ممّن وقع التسليم عليه في الزيارة الرجبية، وأنّه استشهد معه عليهالسلام . انظر: معجم رجال الحديث: 14: 170 / 7736، تنقيح المقال: 2: 254 / 7969.
(2) قصر بني مقاتل: قال ياقوت الحموي: «قصر كان بين عين التمر والشام، وقال السكوني: هو قرب القطقطانة وسلام ثم القريات، وهو منسوب إلى مقاتل بن حسان بن ثعلبة بن أوس بن إبراهيم ابن أيوب بن مجروف بن عامر بن عصية امرىء القيس بن زيد بن مناة بن تميم». انظر معجم البلدان: 4 / 364.
(3) ما أثبتناه من المصدر.
خفقه فعنَّ لي فارس [على فرس] (1) وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا (تسير بهم إلى الجنة) (2) ، فقال علي بن الحسين: أفلسنا على الحق؟ قال: بلى والذي إليه مرجع العباد، فقال: أبه أذاً لا نبالي بالموت، فقال الحسين: أذاً جزاك الله [من ولد] (3) خير ما جزى ولداً عن والده (4) .
قال المفيد: ولمّا أصبح نزل وصلّى بأصحابه، ثم عجّل الركوب، فأخذ يتياسر، فورد كتاب ابن زياد الى الحرّ يلومه في أمر الحسين ويأمره بالتضييق عليه، فتعرّض له الحر وأصحابه ومنعوه من المسير، فقال له الحسين عليهالسلام : ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق؟ قال: بلى ولكن كتاب الأمير قد ورد إليَّ يأمرني بالتضييق عليك، وقد جعل عليَّ عيناً يطالبني بذلك (5) .
قال السيد رحمه الله في اللهوف، ثم إنّ الحسين ركب وصار كلّما أراد المسير يمنعونه تارة ويسايرونه اُخرى حتى ورد كربلاء في اليوم الثاني من المحرم (سنة أحدى وستّين فبينا هو يسير واذا بجواده قد وقف فقال الحسين) (6) : ما اسم هذه الأرض؟ فقيل له: (نينوى، فقال: ألها اسم غير هذا؟ فقيل له: الغاضريات، قال: ألها اسم غير ذلك؟ فقيل له: المسنّات، فقال: ألها اسم غير هذا؟ فقيل له) (7) : كربلا، قال: كرب وبلا، هاهنا محطّ رحالنا، هاهنا مقتل رجالنا، هاهنا تذبح
__________________
(1) ما أثبتناه من المصدر.
(2) ما بين القوسين لم يرد في المصدر وجاء فيه: تسري إليهم.
(3) ما أثبتناه من المصدر.
(4) مقتل الحسين عليهالسلام لأبي مخنف: 92، وأيضاً الإرشاد للشيخ المفيد: 2 / 82.
(5) الإرشاد للشيخ المفيد: 2 / 82 - 83 (باختلاف بسيط).
(6) ما بين القوسين لم يرد في نسختنا من المصدر، وجاء فيه: فلمّا وصلها، قال...
(7) ما بين القوسين لم يرد في نسختنا من المصدر.
أطفالنا؛ ثم أمر اصحابه بالنزول فنزلوا وأمر بأبنيته فضربت، ونزل الحرّ إلى جانب (1) .
فلمّا بلغ ابن زياد نزول الحسين عليهالسلام كربلاء جمع الجيوش والعساكر وأمّر عليهم عمر بن سعد، وجاءت تترى إلى كربلاء حتى تكاملت الجيوش سبعين ألف، فلمّا رأى الحرّ تصميم القوم على قتل الحسين عليهالسلام وأهل بيته أقبل على ابن سعد وقال له: أمقاتل أنت هؤلاء القوم؟ يعني الحسين، قال، اي والله، قتالاً أيسره أن تطيح فيه الرؤوس والأيدي؛ فرجع الحر ووقف مع اصحابه فأخذه مثل الإفكل، فقال له مهاجر بن أوس التميمي: إنّ أمرك لمريب! ما هذا الذي أراه منك؟ ولو قيل مَن اشجع العرب لما عدوتك. فقال له الحرّ: إنّ نفسي تخيّرني بين الجنّة والنار، فوالله لا اختار على الجنّة شيئاً ولو قطعت واُحرقت. ثم ضرب فرسه، ولحقه ولده حتى صارا قريباً من خيم الحسين عليهالسلام ، فنزل من على ظهر فرسه وقلّب ترسه وأغمد سيفه، ووضع يده على رأسه، وجاء الى الحسين عليهالسلام وهو يقول: «اللّهمّ إليك أتوب واليك اُنيب فتب عليَّ فقد ارعبت قلوب أولاد نبيّك». ثم سلّم على الحسين عليهالسلام ، فرد الحسين عليهالسلام ، وقال: سيدي أنا صاحبك الذي منعتك عن الرجوع، وجعجعت بك في الطريق، سيدي وما ظننت أنّ القوم يبلغون بك إلى ما أرى، سيدي أنا تائب إلى الله عليك، ثم قال: فهل ترى إليَّ من توبة؟ فقال له الحسين عليهالسلام : نعم إن تبت تاب الله عليك؛ فقال: سيدي كنت أوّل خارج عليك فأذن لي أن أكون أول قتيل بين يديك، فإذن له الحسين عليهالسلام للبراز، فبرز وهو يقول:
إني أنا الحر ومأوى الضيف |
أضرب في أعناقكم بالسيف |
عن خير من حلّ بأرض الخيف
__________________
(1) الملهوف على قتلى الطفوف: 139.
قال: ثم رجع إلى الحسين عليهالسلام وقال: سيدي إنّي اُحدّثك بشيء ثم أعود للحرب، اعلم لمّا وجّهني ابن مرجانة إلى الخروج إليك فخرجت من باب قصره سمعت منادياً ينادي: يا حرّ ابشر بالجنّة فالتفتّ إلى ورائي فلم أر أحد، فقلت في نفسي: سبحان الله بعثني هذا الطاغية إلى ابن بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فما هذا النداء؟ يا سيدي والآن تحقّق عندي أنّي اُرزق الشهادة بين يديك.
ثم ودّع الحسين عليهالسلام ، وحمل على القوم، فلم يزل يقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً، ثم عقروا فرسه وبقي يقاتل راجلاً، حتى قتل اربعين فارساً، وخمسة عشر راجلاً، فتعطّفوا عليه أعداء الله وقتلوه، ولمّا قتل مشى لمصرعه الحسين عليهالسلام ، وجلس عند رأسه وهو يقول: «انت كما سمَّتك اُمّك حرّ في الدينا وحرّ في الآخرة».
ورثاه علي بن الحسين قال:
لنعم الحرِّ حرِّ بني رياحِ |
صبورٌ عند مُشتبكِ الرماحِ |
|
ونعم الحرِّ إذا واسا حسيناً |
وجاد بنَفسهِ عندَ الصياحِ (1) |
ويروى أن الحسين عليهالسلام عصب جبينه بمنديل كان عنده.
أقول: أنا لا أدري لمّا صرع هو عليهالسلام من حضر عنده وعصب رأسه؟ نعم،
__________________
(1) توضيح: قال المفيد رحمه الله: اشترك رجلان في قتل الحر احدهم ايوب ابن مسرح ورجل آخر من فرسان أهل الكوفة انتهى. وقال صاحب الابصار: وإنّما دفنت بنو تميم الحر على نحو ميل من الحسين عليهالسلام حيث قبره الآن اعتناءً به ويقال إنّ بعض ملوك الشيعة وهو الشاه اسماعيل استغرب ذلك فكشف عن قبر الحر فوجده على صفته التي ترجم بها ورأسه غير مقطوع لأنّه لمّا أرادوا قطع الرؤوس منعت بنو تميم وقالوا: رأس الحر لا يقطع فدفن ولم يقطع رأسه ووجده ذلك الملك معصّباً بالعصابة التي عصّبه بها الحسين فطمع بها فحلّها ليأخذها تبرّكاً بها فأنبعث الدم من جبينه فخاف ذلك الملك فشدّها وخرج من القبر وصنع على قبره صندوقاً.
مالك بن النسر لما شهر سيفه وضرب الحسين عليهالسلام على اُمّ رأسه، وكان على رأسه برنس فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسين عليهالسلام ، لا أكلت بيمينك ولا شربت بها:
ولقد غشوه فضارب ومفرّق |
سهماً إليه وطاعن متقصّد (1) |
__________________
(1) ويروى أنّ الحسين عليهالسلام عصّب جيبته بمنديل كان عنده وبعد ذلك اقبلت عشيرته ووارته حيث قبره الآن، أسفي عليك يا أبا عبدالله مَن الذين عصَّب جبينك من الذي دفن جثمانك، وفي ذلك يقول الخضري:
(موشح)
جله اهموم الفواطم مجلة القتوت |
ورج الغاضرية او حامي البيوت |
|
وعگب ما شافت امن امذهبة الموت |
طاح او فيض دمّه على الثر يسيل |
|
اجاه احسين مثل الليث يهدر |
ينادي ودمع عينه عليه يحدر |
|
اُمّك ما خطت من سمّتك حر |
مسح عنه التراب ومدمعة ايسيل |
|
او من ناده الرجس يا خيلنه اوصاح |
عمامه ابغيض سلت بيض الصفاح |
|
ابذيج الخيل نادت كل بني رياح |
عميد الحر عجب ينداس بالخيل |
|
على خشوم الزلم رغماً نشيلة |
وكل مچتول تنهضله جبيله |
|
تسل بيض السيوف وتعتنيله |
لعند المعركه ولجثته اتشيل |
|
العيره شالته ابحّر الظهيره |
الكل منهم عليه شالته الغيره |
|
بس ظلّو الما عدهم عشيره |
ضحايا على الثرى من غير تغسيل |
(تخميس)
كان يستسقي به غيث السما |
فقضى روحي فداه بالضما |
وبخيل الكفر عدواً حُطما
غسلوه بدم الطعن وما |
كفنوه غير بوغاء الثرى |
في نصيحة كامل لابن سعد لعنه الله
لمّا وافى الحسين عليهالسلام ومعه الحرّ إلى كربلاء، فإذا هم براكب على نجيب له، وعليه السلاح متنكبّاً قوساً، مقبلاً عليه، فوقفوا جميعاً ينتظرونه، فلمّا انتهى إليهم سلّم على الحر ولم يسلّم على الحسين عليهالسلام ، ثم أخرج كتاباً من ابن زياد ودفعه إلى الحرّ، وإذا فيه:
أما بعد... فجعجع بالحسين، ولا تنزله إلا بالعراء، في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري.
وكان مع الحسين عليهالسلام يزيد بن مهاجر الكندي (1) ، فجاء الى رسول ابن زياد فعرفه فقال له: ثكلتك اُمّك، بماذا جئت؟ قال: أطعت إمامي ووفيت ببيعتي؛ فقال له ابن المهاجر: بل عصيت ربّك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك، وكسبت النار والعار، وبئس الإمام إمامك، كما قال عز من قائل: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَدْعُونَ إِلَى
__________________
(1) هو يزيد ابن زياد المهاجر الكندي، أبو الشعثاء البهدلي، من بني بهدلة، كان رجلاً شريفاً شجاعاً فاتكاُ، ويهدلة حي من كندة، وقد جاء ذكره في الزيارة الناحية المقدسة والتسليم عليه استشهد رضياللهعنه مبارزاً.
انظر ذخيرة الدارين: 239.
النّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ) فأمامك هذا منهم.
قال: ونزل الحسين عليهالسلام في كربلاء على غير ماء ولا كلاء، فقال زهير بن القين البجلي: يا بن رسول الله إن قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من يأتينا من بعدهم، فقال عليهالسلام : ما كنت لأبدئهم بالقتال.
قال: ولما بلغ ابن زياد نزول الحسين كربلاء صعد على المنبر وخطب الناس، وأمرهم بالخروج إلى حرب الحسين، ووفر لهم العطاء، وكان عدتهم سبعين ألف، وأراد أن يؤمر عليه أميراً فدعى ابن سعد وقال له، أريد أن أؤمرك على هذا الجيش، وان تتولى قتل الحسين ولك ولاية الري، فقال له ابن سعد أمهلني حتى اُراجع نفسي.
ثم انصرف إلى منزله متفكراً، فاستشار رجلاً يقال له (كامل) - وكان صديقاً لأبيه سعد، وكان على اسمه كاملاً - فقال له: ويلك يا ابن سعد تريد ان تقتل الحسين ابن بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟! اف لك ولدينك، اسفهت الحق وضللت الهدى؟! اما تعلم الى حرب من تخرج ولمن تقاتل؟! والله لو اعطيت الدنيا على أن أقتل رجلاً واحداً من امة محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ما فعلت، فكيف وأنت تريد أن تقتل ريحانة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما الذي تقوله لرسول الله إذا وردت عليه يوم القيامة وقد قتلت سبطه؟ وإني اقسم بالله لئن حاربته أو قاتلته أو أعنت عليه لا تلبث في الدنيا إلا القليل؛ فقال ابن سعد: أفبالموت تخوفني!! واني إذا فرغت من قتله أكون أميراً على سبعين ألف وأتولى ملك الري. فقال له كامل: إذاً اُحدثك بحديث، فقال ابن سعد: قل حتى اسمع. قال: إعلم إني سافرت مع أبيك سعد الى الشام فانقطعت عن أصحابي في الطريق وعطشت عطشاً شديداً، فلاح لي دير راهب
فملت إليه وأتيت إلى باب الدير، فقال لي الراهب: ما تريد يا هذا؟ قلت له: إنّي عطشان، فقال لي: أنت من أُمّة محمّد الذين يقتلون بعضهم بعضا على حب الدينا. فقلت له: أنا من الاُمّة المرحومة أُمّة محمد؛ فقال: إنّكم لشر اُمّة، فالويل لكم يوم القيامة، وإنّكم لتقتلون ابن بنت نبيّكم، وإنّ قاتله لعين أهل السماوات والأرض، اعلم يا هذا وإنّ قاتله لا يلبث بعده إلّا قليلاً؛ قال كامل: فقلت إنّي اُعيذ نفسي من أن أكون ممّن يقاتل إبن بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فقال لي: أن لم تكن أنت وإلّا فرجل قريب منك؛ ثم ردم الباب في وجهي ودخل الدير فركبت فرسي ولحقت بأصحابي.
[وحدّثت أباك بما جرى بيني وبين الراهب من الكلام]، فقال لي أبوك سعد: صدقت وأنا مررت بالراهب قبلك فقال لي من ولدك من يقتل ابن بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاحذر يا عمر ودع عنك هذا الامر فإنه خير لآخرتك ودنياك.
قال: فبلغ الخبر إلى بن زياد فاستدعى كاملاً فقطع لسانه، وعاش يوماً أو بعض يوم ثم مات رحمه الله.
قال: وجعل ابن سعد يفكّر في ولاية الري أو الخروج إلى حرب الحسين فصمّم رأيه أن يخرج إلى حرب وانشأ يقول:
فوالله لا أدري وإنّي لحائر |
اُفكّر في أمري على خطرين |
|
أأترك ملك الري والريّ منيتي |
أم أرجع مأثوماً بقتل الحسين |
|
حسين ابن عمّي والحوادث جمّه |
لعمري ولي في الري قرّة عين |
|
وإنّ إله العرش يغفر زلّتي |
ولو كنت فيها أظلم الثقلين |
|
ألا إنّما الدنيا لخير معجّل |
وما عاقل باع الوجود بدين |
يقولون إنّ الله خالق جنّة |
ونار وتعذيب وغلّ يدين |
|
فإن صدقوا فيما يقولون إنّني |
أتوب إلى الرحمن من سنتين |
|
وإن كذّبوا فزنا بدنيا عظيمة |
وملك عقيم دائم الحجلين |
قال: فأجابه القائل:
ألا أيها النغل الذي ليس مثله |
ويمضي من الدنيا بقتلة شين |
|
إذا أنت قاتلت الحسين بن فاطم |
وانت تراه أشرف الثقلين |
|
فلا تحسبنّ الري يا أخسر الورى |
تفوز به من بعد قتل الحسين |
قال الراوي: فما لبث أن خرج إلى حرب الحسين عليهالسلام وكان أوّل رام بسهم على حرم الحسين، فإنّه خرج من الخيمة بيده القوس فقال: اشهدوا لي عند الأمير فأنا أوّل رام. ثم رمى السهم نحو الحسين ورمت اصحابه حتى صار السهام كالمطر، وأنفذ اللعين أوامر ابن مرجانة بالحسين، منها: انه كتب له امنعه عن شرب الماء هو وأصحابه وعياله وأطفاله، فمنعهم ذلك.
ومنها: كتب إليه بعد قتله احرق مضاربه ومضارب من معه، فحرقها.
ومنها: كتب إليه إذا قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره وظهره وما أظن إنّ هذا يضرّ به بعد القتل شيئاً، ولكن على قول قد قلته فصنع اللعين ذلك.
والذي زاده هو من نفسه أنّه لمّا صرع الحسين عليهالسلام وأقبلوا على سلبه وسلبوه حتى تركوه عُرياناً، فأخذ بن سعد درعه ولبسها ودخل على حرمه، فلمّا رأينه وقد لبس درع الحسين عليهالسلام صحن: وا حسينا... وخرجت زينب من الخيمة واضعة عشر أصابعها على رأسها، تنادي: وا جدّاه وا محمّداه... يا جدّ هذا حسينك
بالعرا محزوز الرأس من القفا مسلوب العمامة والردا (1) .
__________________
(1)
(نصاري)
يجدّي اگعد وشوف ابنك رميّة |
خذوا راسه او جسمه اعلى الوطيه |
|
عليه اتجول گامت خيل اميّه |
او لا ظل بيه مفصل ما تهشم |
(دكسن)
يجدي شوف أصاويب البصدره |
تسع ميّه والف طعنه وطبره |
|
غير اللي تعدّى الخرز ظهره |
شبج فوگه او لعند الخرز فصّم |
(ابوذية)
لتوالي العمر ذاخرتك وريداك |
عفتني وذبل يبن اُمّي وريداك |
|
عسى سيف الگطع بالطف وريداك |
گطع مني الوريد وعمل بيّه |
(تخميس)
أخي ذا فؤادي سقيمٌ جريح |
وجفني عليك يابن اُمّي قريح |
ولم لا وأنت عفيرٌ طريح
أخي هُدَّ ركني وصبري استبيح |
وبُدّد شملي فلم يُجمع |
في اجتماع الحسينعليهالسلاممع ابن سعد
لمّا وافى ابن سعد كربلاء وضرب أبنيته أرسل إليه الحسين عليهالسلام «إنّي اُريد أن ألقاك». فامتثل لأمر الحسين عليهالسلام واجتمعا ليلاً، وتناجيا طويلاً، وكان الحسين عليهالسلام مع ولده علي الاكبر، وابن سعد مع ولده حفص، ثم رجع الحسين عليهالسلام إلى خيمته، وإنّ ابن سعد دعا بدوات وبيضا وكتب إلى زياد كتاباً يقول فيه:
«أمّا بعد... فإنّ الله أطفأ الثائرة وجمع الكلمة، وأصلح أمر الاُمّة، وهذا الحسين بن علي عليهالسلام قد أعطاني عهداً، أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه أو أن يسير إلى ثغر من الثغور، فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيرى رأيه فيه».
فلمّا ورد الكتاب الى ابن زياد قال: هذا كتاب ناصح مشفق؛ فقال الشمر: أتقبل هذا منه وقد حلّ بأرضك، فوالله لئن رحل من بلادك ليكوننّ اولى بالقوّة ولتكونن أولى بالضعف، فلا تعطه هذه المنزلة فإنّها من الوهن، ولكن فالينزل على حكمك؛ فقال ابن زياد: الرأي رأيك، اخرج بهذا الكتاب إلى ابن سعد
فليعرض على الحسين النزول على حكمي فأن فعل فليبعث إليَّ به وبأصحابه سلما، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع وإن أبى فأنت أمير الجيش.
ثم كتب إلى ابن سعد:
«أمّا بعد... فإني لم أبعثك الى الحسين لتمنيّه السلام أو البقاء، ولا لتكون له عندي شفيعاً، انظر فإن نزل الحسين على حكمي إبعث إليَّ به وبأصحابه سلما، وإن أبى فقاتله، وإن قتلت حسيناً فأوطئ الخيل صدره، ولا أرى الله أن هذا يضرّ بعد القتل شيئاً ولكن على قول قد قلته».
قال الراوي: فجاء الشمر بكتاب ابن زياد إلى كربلاء وعرضه على ابن سعد، فلمّا [نظر في الكتاب] قال له: مالك... ويلك يابن ذي الجوشن لا قرّب الله دارك، وقبّح الله ما قدمت به، والله لأظنّك أنت الذي نهيته عمّا كتبت به إليه، والله إنّ الحسين لا يبايع وإنّ نفس أبيه لبين جنبيه.
قال الراوي: ثم ضيّق على الحسين وقسّم الجيش، وجعل على المسنّاة أربعة آلاف وأمرهم أن يمنعوا الحسين وأصحابه من حمل الماء، وكتب الكتائب، فلمّا رأى الحسين عليهالسلام ذلك جلس في خيمته يصلح سيفه وهو يقول:
يا دهر اُفٍّ لك من خليل |
كم لك بالإشراق والأصيل |
|
من طالب بحقّه قتيل |
والدهر لا يقنع بالبديل |
|
وكلّ حيٍّ سالك سبيل |
ما أقرب الوعد من الرحيل |
وإنّما الأمر إلى جليل
وفي رواية عن الامام زين العابدين عليهالسلام : إنّ الحسين عليهالسلام قال هذه الأبيات عشيّة اليوم التاسع من المحرم، قال علي بن الحسين عليهالسلام :
«إنّي لجالس في تلك الليلة التي قتل أبي في صبيحتها وعندي عمّتي زينت تمرّضني وإذا اعتزل أبي في خباء له وعنده جون مولى أبي ذر الغفاري، وهو يعالج سيفه ويصلح وأبي ينشد هذه الأبيات فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى فهمتها، وعرفت ما أراد وخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت إن البلاء قد نزل، وأما عمتي لمّا سمعت وهي امرأة من شأن النساء الرقّة والجزع لم تملك نفسها دون أن وثبت تجر ثوبها حتى انتهت إليه نادت: وا ثكلاه... وليت الموت أعدمني الحياة... اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين. فنظر إليها الحسين عليهالسلام وقال لها: «يا اختاه لا يذهبنّ بحلمك الشيطان». فقالت: أخي نفسي لك الفداء، فردّت عليه غصّته وترقرقت عيناه بالدموع ثم قال: «لو ترك القطا ليلاً لنام»، فقالت: يا ويلتاه افتغصب نفسك اغتصاباً؟ فذلك اقرح لقلبي وأشدّ على نفسي..، ثم لطمت وجهها وأومت إلى جيبها فشقّته فخرجت مغشيّاً عليها، فقام إليها الحسين عليهالسلام فصب على وجهها الماء حتى أفاقت فقال لها الحسين: «يا اُختاه تعزّي بعزاء الله، فإنّ سكان السماوات يفنون، وأهل الأرض كلّهم يموتون، وجميع البرية يهلكون، وكل شيء هالك إلّا وجهه الذي خلق الخلق بقدرته، ويبعث الخلق ويعيدهم وهو فرد وحده، جدّي خير مني وأبي خير منّي وأخي خير منّي، ولي ولكم ولكلّ مسلم برسول الله اسوة، ثم قال لها: يا اُختاه إنّي أقسمت عليك فأبرّي قسمي، ولا تشقّي
عليَّ جبيناً، ولا تخمشي عليَّ وجهاً، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور».
أخت يا زينب أوصيك وصايا فاسمعي |
إنّني في هذه الأرض ملاق مصرعي |
|
واصبري فالصبر من شيم كرام المفزع |
كلّ حيّ سينجيه عن الأحياء حين |
|
واجمعي شمل اليتامى بعد فقدي وانظمي |
اطعمي من جاع منهم ثم روّي من ظمي |
|
واعلمي أنّي في حفظهم طلّ دمي |
ليتني بينهم كالبدر بين الفرقدين |
قال الراوي: ولما سكنت خرج الحسين عليهالسلام من الخيمة وجمع أصحابه ثم خطبهم وقال:
«اللهم احمدك على ما أكرمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا بالدين، فاجعلنا من الشاكرين - ثم قال ـ: أصحابي انطلقوا أنتم في حلٍّ مني، وإنّ القوم لا يريدون إلّا قتلي». فقالوا له اخوته واولاد عمّه: لم نفعل ذلك، أتحب أن نبقى بعدك عاراً في الناس؟ لا أرانا الله ذلك يا أباعبدالله...، وبدأهم في ذلك العباس بن علي، ثم التفت الحسين عليهالسلام الى بني عقيل وقال:
«يا بني عقيل... حسبكم من القتل بمسلم، فاذهبوا أنتم في حلِّ منّي». فقالوا: يا سبحان الله!! ما نقول للناس وما يقولون لنا لو نترك سيّدنا وبنو عمومتنا ولم نرم معهم بسهم ونطعن معهم برمح ولم نضرب معهم بالسيف، لا والله لا نفعل ذلك نفديك بأنفسنا ونقتل دونك حتى نرد موردك، قبّح الله العيش بعد يا أبا عبدالله.
وتكلّمت أصحابه، قالوا: أبا عبدالله.. نحن نخلّي عنك؟ وبماذا نعتذر الى الله في أداء حقّك؟ لا والله لا نفارقك حتى نطعن في صدورهم رماحنا ونقاتلهم
بأسيافنا.
أقول: بيّض الله وجههم، لقد بذلوا مهجهم دون أبي عبدالله الحسين عليهالسلام ولله درّ من قال:
جادوا بأنفسهم عن نفس سيّدهم |
والجود بالنفس أقصى غاية الجود (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
اطربوا عالمنايه او غدوا يحدون |
او دون ابنات وحي الله يحامون |
|
لمن طاحوا ضحايا ابخطة الكون |
او عليهم بالشهادة الباري أنعم |
|
غدوا هذا اعلى حرّ الگاع مطروح |
او ذاك ايعالج او دم منحره ايفوح |
|
وهذا من الطعن ما بگت بي روح |
او ذاك من الطبر جسمه تخدّم |
|
تعنّه احسين واوچب بالمعاره |
لگال امطرحه او دمعها ايتجاره |
|
صفگ بيده وتلهّف على انصاره |
او عليهم دمع عينه انحدر واسجم |
(ابوذية)
يحگ لي انصب على اهل المجد مأتم |
بدر تم بالبلوغ وبدر ما تم |
|
عجيد اصياح منهم أبد ما تم |
بس اديارهم أمست خلية |
* * *
أحبّاي لو غير الحمام أصابكم |
عتبتُ ولكن ما على الموت معتبُ |
في ما صدر في ليلة العاشر من المحرم
لمّا كانت الليلة العاشرة من المحرم جمع الحسين عليهالسلام أصحابه عند المساء، قال علي بن الحسين عليهالسلام : فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم، وان إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه:
«اُثني على الله أحسن الثناء وأحمده على السرّاء والضرّاء، اللّهمّ إنّي أحمدك على ما كرّمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفّقهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين، أمّا بعد... فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، وأهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، الا وإنّي أظنّ أنّ يوماً لنا من هؤلاء القوم، ألا وإنّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً، أنتم في حلّ منّي ليس عليكم منّي ذمام، وهذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً، وليأخذ كلّ واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي، وتفرّقوا في سواد هذا الليل، ودعوني وهؤلاء القوم، فإنّهم لا يريده غيري». فقالوا له إخوته وأبناءه وبنو أخيه وأبناء عبدالله بن جعفر؟ ولم تفعل ذلك لنبقي بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبداً.
فبدأهم بهذا القول العباس بن علي وأتبعه الجماعة عليه فتكلّموا بمثل هذا، ثم نظر إلى بني عقيل فقال: «حسبكم من القتل بمسلم إذهبوا فقد إذنت لكم».
فقالوا: يا سبحان الله، فما يقول الناس لنا؟ وماذا نقول لهم؟ إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله لا نفعل ذلك ولكنّا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهالينا.
وقام إليه مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نخلّي عنك وقد أحاط بك هذا العدو؟! وبماذا نعتذر إلى الله في أداء حقك؟ لا والله... لا يراني الله أبداً وأنا أفعل ذلك حتى أكسر في صدورهم رمحي، وأضاربهم بسيفي ما ثبت قائمة بيدي، ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به أقذفهم بالحجارة ولا افارقك أو أموت معك.
وقام سعيد بن عبدالله الحنفي فقال: لا والله يابن رسول الله لا نخلّيك أبداً حتى يعلم الله أنّا قد حفظنا فيك وصيّة رسوله محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والله لو علمت أنّي اُقتل فيك ثم أحيا ثم أُحرق حيّاً ثم أُذري ويفعل بي ذلك سبعين مرّة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، وكيف لا أفعل ذلك؟ وإنما هي قتلة واحدة ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً.
وقام زهير بن القين وقال: والله يابن رسول الله لوددت أنّي قُتلت ثم نُشرت ألف مرة، وإنّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من إخوتك وولدك وأهل بيتك.
وتكلّم جماعة من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً وقالوا: أنفسنا لك الفداء نقيك بأبداننا وأنفسنا، فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربّنا وقضينا ما علينا.
وكان من جملة أصحابه وهب بن عبدالله الكلبي، وكان رجلاً نصرانياً نازلاً على بئر اُم عمير بالكوفة، ولمّا بعث ابن زياد الجيوش إلى حرب الحسين عليهالسلام
جعل يسأل العسكر: إلى أين ماضين؟ فيقولون له: الى حرب الحسين؛ فسألهم: ابن من؟ فقالوا له: ابن بنت رسول الله. قال: فجاء هو واُمّه وزوجته حتى وافوا كربلاء، فجاء الى الحسين عليهالسلام فأسلم هو واُمّه وزوجته على يد الحسين، ولما كانت اليوم العاشر من المحرم أراد البراز فأقبلت زوجته تمانعه فصاحت به اُمّه: بني دع كلامها وانصر ابن بنت رسول الله، فتركها وحمل سيفه وأقبل إلى الحسين يستأذنه، فأذن له الحسين فحمل على القوم، فبينما هو يقاتل وإذا زوجته أتت إليه من خلفه وهي تنادي: وهب... قاتل دون الطيبين آل رسول الله؛ فرجع إليها وقال لها، ويلك الآن كنت تنهيني عن القتال؛ قالت: وهب لا تلمني إنّ واعية الحسين كسرت قلبي، ثم قال لها: ارجعي إلى خدرك، فلم ترجع لأنّها مدهوشة... أقبل وهب إلى الحسين وقال له: سيدي ارجعها. فجاء إليها الحسين وأرجعها، فحمل وهب على القوم وجعل يقاتل حتى قتل منهم مقتلة عظيمة، فتعطّفوا عليه أعداء الله وقتلوه واحتزوا رأسه رموا به نحو معسكر الحسين، فأخدته أمّه ووضعته في حجرها وجعلت تقول: بني وهب بيّض الله وجهك...، وحملت على القوم وجعلت تقول:
أنا عجوز في النسا ضعيفه |
خاوية بالية نحيفة |
|
اضربكم بضربة عنيفة |
دون بني فاطمة الشريفة (1) |
يقول الراوي: فأصابت رجلين فقتلتهما، نظر الحسين عليهالسلام وإذا بامرأة تقاتل فعندها أقبل إليها وقال لها: يا اُم وهب ارجعي إلى الخدر.
كتب القتل والقتال علينا |
وعلى المحصنات جرّ الذيول |
__________________
(1) توضيح ذكر صاحب الإبصار أنّ صاحبة الرجز هي اُم عمرو بن جنادة وإنّ ام وهب قتلها رستم غلام الشمر بعمود والله أعلم.
اقول: سيدي أبا عبدالله أشفقت على امرأة عجوز برزت بين العساكر!! إذاً كيف حالك وما كنت صانعاً لو نظرت الى حال مخدراتك وقد أحاط بهنَّ العدو من كل جانب ومكان، وهنَّ يلذن ببعضهن وقد أشعلوا النار في خدورهنّ فخرجنّ من الخدور ناشرات الشعور مشققات الجيوب.
لقد فزعت من هجمة الخيل ولّهاً |
إلى ابن أبيها وهو فوق الثرى مغف |
|
ونادت عليه حين الفته عارياً |
على جسمه تسفى صبا الريح ما تسفي (1) |
__________________
(1)
(عاشوري)
لمّن لفتها الخيل غاره |
وعلى المخيّم غدت داره |
|
طلعت تحشّم للمعارة |
شافت وليها البي نماره |
|
عالگاع دم نحرة ايتجارة |
صاحت يابن حمّاي جاره |
|
گوم الخواتك سوي چاره |
ولتها العدى وظلت حياره |
(ابوذية)
انگطع بت گلبي من الحزن والتل |
على الهامت ابذاك الشعب والتل |
|
گوم احمي الحرم يحسين والتل |
جبتها ابشيمتك للغاضرية |
(تخميس)
أخي يا تاج عزّي وافتخاري |
ويا بدر المنير لكلّ ساري |
أخي كيف السلوّ وأنت عار
أخي لم لا يفارقني اصطباري |
وممَّ وكيف لا يعلوا نحيبي |
في ترجمة حبيب بن مظاهر رحمه الله
ذكر صاحب «إبصار العين» أنّه كان حبيب بن مظاهر الأسدي (1) صحابياً، وقيل: تابعياً، وكان من خواص أمير المؤنين عليهالسلام ، والمقتبسين علومه، فمن علومه ما رواه الكشّي، قال: مر ميثم التمار (2) على فرسٍ له فاستقبله حبيب بن مظاهر عند
__________________
(1) في ابصار العين: حبيب بن مظهر: قال أهل السير إنّ حبيباً نزل الكوفة وصحب علياً في حروبه كلّها، وكان من خاصته وحملة علومه.
انظر: إبصار العين: 56، وتاريخ من دفن في العراق من الصحابة.
(2) ميثم التمار: كان من حواري أمير المؤمنين عليهالسلام ، وقد أطلعه على علوم جمة وأسرار خفية، فكان ميثم يحدّث ببعض ذلك، فمنه ما يروى عن أبي خالد التمار قال: كنت مع ميثم التمار بالفرات يوم الجمعة، فهبّت ريح وهو في سفينة من سفن الرّمان، قال: فخرج ونظر إلى الريح وقال: شدوا برأس سفينتكم، أن هذا الريح عاصف مات معاوية الساعة، قال: ولمّا كانت الجمعة القادمة وقدم البريد من الشام فلقيته واستخبرته وقلت له: يا عبدالله ما الخبر؟ قال: الناس على احسن حال، هلك معاوية وبايع الناس يزيداً. قلت: أي يوم هلك؟ قال: يوم الجمعة.
وروى المفيد وقال: كان ميثم الثمار عبداً لأمرأة من بني أسد فاشتراه أمير المؤمنين عليهالسلام وأعتقه وقال: اسمك؟ فقال: سالم، فقال عليهالسلام : أخبرني حبيبي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم إن اسمك الذي أسماك به أبوك ميثم. قال: صدق رسول الله وصدقت يا أمير المؤمنين والله إنّه لاسمّي؛
مجلس بني أسد، فتحادثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال حبيب: لكأنّي بشيخ اصلع ضخم البطن يبيع البطّيخ عند سوق الطعام يصلب في حب آل البيت نبيّه وتبقر بطنه على الخشبة؛ وقال ميثم: واني لأعرف رجلاً أحمر له ضفيرتان يخرج إلى نصرة ابن بنت نبيّه فيقتل بين يديه ويجال برأسه في الكوفة معلّق بلبان الفرس؛ فضحكا وافترقا. قال أهل المجلس: ما رأينا أحد أكذب من هذين.
قال الراوي: ولم يفترق أهل المجلس حتى اقبل رشيد الهجري (1)
__________________
فقال عليهالسلام : ارجع الى اسمك الذي سمّاك به رسول الله ودع سالماُ. فرجع الى ميثم وكنّى بأبي سالم.
وقال له أمير المؤمنين عليهالسلام يوماً: كيف بك يا ميثم إذا دعاك دعيّ بني أمية عبيدالله ابن زياد إلى البراءة منّي؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين والله لا أبرء منك: قال عليهالسلام : إذاً والله يقتلك ويصلبك، قلت: اصبر فذاك في الله قليل. فقال: إذاً تكون معي في درجتي.
وحج ميثم في السنة التي قتل فيها، ولمّا رجع قبضه ابن زياد وحبسه مع المختار ابن أبي عبيدة الثقفي، ثم أخرجه وصلبه على خشبة حول باب عمرو بن حريث فجعل ميثم يحدّث بفضائل أمير المؤمنين، فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد، قال: الجموه، فكان ميثم أول من الجم في الإسلام، ولمّا كان اليوم الثامن طعن بالحربة ثم انبعث في آخر النهار فمه وانفه دماً فمات رحمه الله، كان قتله بعد شهادة مسلم بأيام قليلة، قال: وبقي مصلوباً حتى اجتمع سبعه من التمارين وسرقوا جثّته، وجاءوا به الى فيض ماء في مراد فدفنوه ورموا الخشبة في خربة هناك. انظر رجال الكشي: 80 / 135 و 83 / 139.
(1) كان رشيد الهجري من رجال أمير المؤمنين عليهالسلام ، ومن أعيان الشيعة المشهورين، وكان أمير المؤمنين عليهالسلام يسميه رشيد المنايا، علّمه أمير المؤمنين علم المنايا والبلايا، كان يقول: فلان يموت بموته كذا وكذا، وفلان يقتل بقتله كذا وكذا.
روى الشيخ الكشي رحمه الله في رجاله عن أبي حيان البجلي، عن قنواء بن رشيد الهجري رحمه الله، قال: قلت لها: اخبريني بما سمعت من أبيك، قالت: سمعت أبي يقول: أخبرني مولاي أمير المؤمنين عليهالسلام قال: يا رشيد كيف صبرك إذا ارسل إليك دعيّ بني أمية فقطع يديك
فطلبهما، فقالوا: له: افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا، فقال رشيد: رحم الله ميثماً، نسي ويزاد في عطاء الذي يجيء بالرأس مائة درهم، ثم أدبر.. فقال القوم: هذا والله اكذبهم.
فقال القوم: والله ما ذهبت الأيام والليالي حتى رأينا ميثماً مصلوباً على باب عمرو بن حريث، وكذلك قتل حبيب بن مظاهر مع الحسين عليهالسلام وجيء برأسه، ورأينا كلّما قالوه (1) .
وذكر أهل السير: أنّ حبيب بن مظاهر كان ممن كاتب الحسين عليهالسلام وحبّذ له القدوم الى الكوفة، وكان رحمه الله هو ومسلم بن عوسجة يأخذان البيعة للحسين في الكوفة، حتى إذا دخل عبيدالله ابن زياد الكوفة وخذل أهلها عن مسلم بن عقيل أخفوهما عشايرهما، ولمّا ورد الحسين عليهالسلام كربلاء خرجا إليه مختفيين يسران الليل ويكمنان النهار حتى وصلى إليه ليلة السابعه أو الثامنة من المحرم.
وذكر صاحب «أسرار الشهادة»: أنّه لمّا نزل الحسين عليهالسلام كربلاء عقد اثني
__________________
ورجليك ولسانك؟ فقلت: يا أمير المؤمنين آخر ذلك في الجنّة؟ فقال عليهالسلام : يا رشيد أنت معي في الدنيا والآخرة.
قالت: فوالله ما ذهبت الأيام والليالي حتى أرسل إليه عبيد الله بن زياد فدعاه الى البراءة من أمير المؤمنين عليهالسلام فأبى أن يتبرأ منه، فقال له الدعي: فأيّ ميتة قال لك مولاك تموت؟ فقال: أخبرني خليلي إنك تدعوني الى البراءة منه فلا أتبرأ، فتقدمني قتقطع يدي ورجلي ولساني، فقال: والله لأكذبن قوله فيك. قالت: فقدّموه فأمر به فقطعت يديه ورجليه وترك لسانه، فحملت أطراف يديه ورجليه فقلت له: يا أبتاه هل تجد ألماً أصابك؟ فقال: لا يا بنية إلا كالزحام بين الناس، فلمّا احتملناه واخرجناه من القصر اجتمع الناس حوله، فقال: ائتوني بصحيفة ودواة أملي لكم ما يكون الى يوم الساعة! فأرسل إليهم الحجام فقطع لسانه فمات في ليلته رحمهالله عليه، انتهى. انظر رجال الكشي: 75 / 131.
(1) رجال الكشي: 78 / 133.
عشر راية وقسّمها على أصحابه، فبقيت في يده راية واحدة فأقبل إليه رجل من أصحابه فقال له: سيّدي سلمني هذه الراية، فقال له الحسين عليهالسلام : انت نعم رجل ولكن لهذه الراية رجلاً يركزها في صدور القوم وهو يعرفني حق المعرفة وسأكتب إليه كتاباً يأتي ان شاء الله تعالى؛ فقال له: سيدي ومن تعني بذلك؟ فقال له عليهالسلام : أعني حبيب بن مظاهر الأسدي، فقال: انه لكفؤ كريم.
قال الراوي: ثم دعى الحسين عليهالسلام بدواة وبياض وكتب إليه كتاباً يقول فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
من الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام ...
إلى أخيه النجيب حبيب...
أمّا بعد... يا حبيب فقد نزلنا كربلاء وقد بانت من أهل الكوفة الخيانة كما خانوا بأبي سابقاً، وبأخي لاحقاً، فإن كنت يا حبيب تروم أن تحظى بالسعادة الأبدية فبادر الى نصرتنا والسلام.
ثم ختم الكتاب بخاتمه الشريف ودفعه الى رجل من أصحابه فأقبل به يجد السير حتى دخل الكوفة، وكان حبيب حينئذ قد قدّمت اليه زوجته طعاماً يتغذّى به وهي واقفة على رأسه تروّح له، فبينا هو يأكل تغير لونه، فقالت له زوجته: مالي أراك كففت عن الاكل وتغيّرت؟! فسكت رحمه الله، ثم قالت: إن صدق ظنّي الان يأتيك رسول من الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام ، فبينا هما بالكلام وإذا بالباب تطرق فقام حبيب وفتح الباب، وإذا برسول الحسين عليهالسلام سلّم فرد عليهالسلام ثم قال: الله الله صدقت الحرّة بمقالتها، ثم دخل الرسول الى الدار وخرج الكتاب وسلّمه إلى حبيب.
فضه وقرأه، ولما علم بما فيه جرت دموعه على شيبته ووضع الكتاب على عينيه وعلى رأسه وقال: أفديه بنفسي وأهلي وولدي، ثم قال لرسول، ابلغ سيدي عني السلام وقل له يأتي خلفي ان شاء الله.
ثم خرج الرسول من عنده فجاءت اليه زوجته وقالت له: يا أبا القاسم سمعت كلمات حدّثك بها الرسول، فقال حبيب: اسكتي لا يشعر بسرّنا أحد، فقالت له: كأنّك خائف من أخبر أحداً، والله يا حبيب إن لم تمض إلى نصرة سيدي ومولاي الحسين عليهالسلام لألبسن ملبوس الرجال وأنا أمضي الى نصرته.
قال الراوي: وكان حبيب في كل يوم يخرج خارج البساتين في زي المتنزه فالتفت ذلك اليوم إلى عبده وقال له: خذ الجواد وامض به خارج البساتين وانتظرني هناك، فخرج العبد بالجواد فودّع حبيب أهله واولاده ثم خرج حتى إذا صار قريباً من العبد سمع العبد يخاطب الجواد وهو يقول: والله إن لم يأت إليك صاحبك ويركبك لأنا أركبك وأمضي الى نصرة سيدي ومولاي الحسين.
فلما سمع حبيب ما سمع من العبد بكى وقال: بأبي أنت واُمّي يا أبا عبدالله العبيد تريد نصرتك ومؤازرتك فكيف بنا؟
قال: فجاء إليه حبيب وأخذ منه الجواد وقال له: انطلق أنت حر لوجه الله، فوقع العبيد على قدميه وهو يقول: سيّدي أيسرّك أن تمضي الى الجنّة وأنا أمضي إلى النار؟ لا كان ذلك أبداً بل أمضي معك الى نصرة سيّدي ومولاي الحسين عليهالسلام ، فقال له حبيب: امض بارك الله فيك.
قال: فجاء حبيب يجد السير ومعه عبده حتى ورد كربلاء في اليوم الثامن من المحرم، وكان الحسين عليهالسلام جالساً في خيمته ومعه أخوته وأولاده وأصحابه، إذ التفت الى اصحابه وقال لهم: هذا حبيب قد أقبل، ثم إنه لما قرب من خيم الحسين عليهالسلام نزل من على ظهر جواده الى الأرض وأقبل يمشي حتى دخل على الحسين عليهالسلام ووقع على قدميه يقبلهما وهو يبكي ويقول: سيدي لعن الله غادريك.
قال: واستبشر أصحاب الحسين بقدوم حبيب، وكذلك عيالات الحسين استبشرن بقدومه.
(للشيخ قاسم محي الدين رحمه الله):
بنفسي أنصاراً فدوا سبط أحمد |
وجدّوا بنصر السبط في كلّ مشهد |
|
وفوا حيث وافوا طالبين لنصره |
وبالعزم كلّ والبسالة مرتدي |
|
وقد آثروا الموت الزؤام وورده |
بنصر ابن هاديها على كلّ مورد (1) |
__________________
(1)
گام ابنة الوصي البيه الكفاية |
عدل عسكره او شد الروايه |
|
جسمها اعلى اهلها او بگت رايه |
ذاخرها لعد ضنوة الطيبين |
|
ذاخرها لعد ذاك المچنّه |
حبيب اوليه الطارش من تعنة |
|
طلع ليه ايتلگّه وجذب ونّه |
يگله انته يطارش مگصدك وين |
|
يگلّه وينحب الطارش على الباب |
الك گاصد ومتعني ابهالكتاب |
|
گله اسدر او دمع العين سچّاب |
لبو اليمة أجي على الراس والعين |
|
هله صاحت حبيب احسين ينخاك |
أظن بالغاضريه اليوم يتناك |
|
بالله اعليك اخذني الزينب اوياك |
اشوفنها وشوف الهاشميين |
|
يگلها الهلچ روحي امودّعه اليوم |
گطع لرض الطفوف افجوع واحزوم |
|
وصل للطف وشاف الخيل والگوم |
كلها امدرچله او خيمت صوبين |
|
گصد يبچي او يهل دمعه على خدّه |
لمخيم الحسين اوياه عبده |
|
حب ايد الإمام او فاخ وجده |
هله ابجية حبيب ايصيح لحسين |
ولمّا سمعت بذلك مولاتنا زينب عليهاالسلام قالت: اقرؤه عني السلام، ولمّا بلغه ذلك استأذن من الحسين عليهالسلام في السلام على بنات الرسالة وقال: السلام عليكنّ يا بنات رسول الله، وعليك السلام يا عم يا حبيب وكأني بها:
(نصاري)
اوصيك يا عمّي بالحسين |
اولاده واهل بيته قليلين |
|
انا خايفه من هجمة البين |
على العباس يا عمّي والحسين |
(تخميس)
رجالٌ تواصوا حيث طابت أصولهم |
وأنفسهم بالصبر حتى قضوا صبراً |
|
حماةٌ حموا خدراً أبى الله هتكه |
فعظّمه شأناً وشرّفه قدرا |
|
فأصبح نهباً للمغاوير بعدهم |
ومنه بنات المصطفى ابرزت حسرى |
في استنصار حبيب بن مظاهر لبني أسد
ذكر صاحب «أسرار الشهادة»: أنّ حبيب بن مظاهر كان ذات يوم بالكوفة واقفاً عند عطّار يشتري صبغاً لكريمته، فمرّ عليه مسلم بن عوسجة فالتفت إليه حبيب وقال له: يا مسلم إنّي أرى أهل الكوفة يجمعون الخيل والرجال والأسلحة فبكى مسلم وقال: صمموا على قتال ابن بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؛ فبكى حبيب ورمى الصبغ من يده وقال: لا والله لا تصبغ هذه إلا من هذه. وأشار إلى نحره ثم سار حتى وافى كربلاء.
وذكر محمد بن أبي طالب في مقتله: إنّه لمّا رأى حبيب بن مظاهر كثرة العساكر وتصميمهم على حرب الحسين أقبل إلى الحسين وقال له: سيدي إنّ هاهنا حي من بني أسد أفتأذن لي أن أمضي إليهم وأدعوهم الى نصرتك؟ فقال له الحسين عليهالسلام : بلى امض. فانسل حبيب في جوف الليل حتى إذا جاء الى ذلك الحي اجتمعوا عليه ورحبوا به، ثم قالوا له: ما حاجتك؟ فقال: إني أتيتكم خير ما أتى به وافد على قومه، جئتكم أدعوكم الى نصرة ابن بنت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهذا ابن سعد أحاط به وأنتم عشيرتي أطيعوني تنالوا شرف الدنيا والآخرة، والله لا
يقتل احد منكم إلّا وكان لمحمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم رفيقاً يوم القيامة.
فقام إليه رجل يسمى عبدالله بن بشير، فقال: يا حبيب أمّا أنا فأول من يجيبك إلى هذه الدعوة، وها أنا ماض معك. قال: فتبادروا حتى اجتمعوا تسعون رجلاً وأقبلوا معه يريدون الحسين عليهالسلام .
قال: وخرج رجل من ذلك الحي وأقبل الى ابن سعد فأخبره، فدعى اللعين بالأزرق الشامي وضم إليه خمسمائة فارس ووجّههم معه إلى بني أسد، فاستقبلهم الأزرق ليلاً على شاطيء الفرات، فتصادموا معه بنو أسد سويعة، وصاح به حبيب: ويحك يا أزرق دع يشقى بنا غيرك؛ قال: ولمّا رأوا بنو أسد أن لا طاقة لهم على القوم تراجعوا الى حيّهم ورحلوا عن منازلهم، وبقي حبيب وحده فرجع الى الحسين عليهالسلام وأخبره بالخبر، فقال الحسين: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
قال الراوي:
واعترضه علي الأكبر فقال: يا عم حبيب إنّ أهل الكوفة قد تألبوا لقتال أبي الحسين واستلّوا سيوفهم عليه، ونحن اسرة قليلة لا تنهض بالدفاع عنه ولا عن سلامته، فلو إنّ أبي يسلم ونحن نقتل ما بالينا بالموت، فالله في هذه النسوة والأطفال إذا جن عليهم الليل وهم من غير محام ولا كفيل ولا حمى ولا ولي.
فأطرق حبيب رأسه إلى الأرض هنيئة ثم رفع رأسه وقال: ما الذي تريد يابن سيّدنا؟ قال: اريد منك أن تشير على والدي بالرجوع الى المدينة.
فقال حبيب: هيهات يابن سيّدنا قد جرى في علم الله ما تحاذر، ولأجل أبيك طلّقنا حلائلنا وفارقنا أهالينا وأعرضنا عن زهرة دنيانا، أمّا عمّك حبيب
فشيخ كبير قد أعرض عنه النعيم الفاني، أفلا تحب أن يرحل إلى النعيم الباقي؟ وما أشوقني أن أكون أول قتيل بين أيديكم ولا أسمع واعيتكم ولا أرى هاشمية تسبى.
فقال علي بن الحسين: أمّا أنت يا عم فقطب رحاها وليث وغاها وأنا إنّما استعملت خبرك بكلامي معك لأواجه به عمّتي زينب، فإنّها قالت لي، يابن أخي إنّ أباك الحسين خطب أصحابه وأذن لهم بالتفرق والموت، يابن أخي مُر وكربه مطعمه أفلا تتعرض لعمّك حبيب وترى ما عنده؟ وبقي حبيب على هذا الحال، وكان حبيب بوّاباً على خيمة الحسين عليهالسلام وحاملاً لوائه يوم عاشوراء.
قال: ولما كان اليوم العاشر من المحرم جلس حبيب بإزاء خيمة النساء واضعاً رأسه في حجره يبكي ثم رفع رأسه وقال: آه آه لو جدك يا زينب يوم تحملين على بعير ظالع يطاف بك البلدان ورأس أخيك الحسين أمامك، وكأنّي برأسي هذا معلق بلبان الفرس تضربه بركبتيها.
فضربت زينب رأسها بعمود الخيمة وقالت: بهذا أخبرني البارحة، لوددت أن أكون عمهاء (1) .
ثم جاء حبيب واستأذن الحسين عليهالسلام للبراز، فأذن له، فحمل على القوم وهو يقول:
أقسم لو كنّا لكم أعدادا |
أو شطركم ولّيتم اكتادا (2) |
ثم قاتل القوم فأخذ يحمل فيهم بسيفه وهو يقول:
__________________
(1) عمهاء: من العمة، (انظر لسان العرب 13 / 519).
(2) اكتاد جمع كتد وهو مجتمع الكتفين من الإنسان وغيره انتهى.
أنا حبيب وأبي مُظهَّر |
فارس هيجاء وليث قسور |
|
أنتم أعد عدة وأكثر |
ونحن أوفى منكم واصبر |
|
ونحن أعلى حجة وأظهر |
حقّاً، وأتقى منكم وأعذر |
ولم يزل يقاتل حتى قتل من القوم مقتلة عظيمة، فحمل عليه بديل بن صريم العقفاني (1) فضربه بسيفه، وحمل عليه آخر من تميم فطعنه برمح فوقع إلى الأرض، فذهب ليقوم فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فسقك إلى الارض، فنزل اليه الحصن فاحتزّ رأسه.
وروى عن أبي مخنف قال: لمّا قتل حبيب هدّ قتله الحسين عليهالسلام ، فجاء إلى مصرعه وقال: عند الله احتسب نفسي وحماة اصحابي، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قتل والله أسد من آساد الله، يذبّ عن حرم الله، رحمك الله يا حبيب، لقد كنت شجاعاً فاضلاً تختم القران في ليلة واحدة (2) .
وفي ذلك يقول الشيخ محمد السماوي رحمه الله:
إن يهدُّ الحسين قتل حبيب |
فلقد هدّ قتله كلّ ركن |
|
بطل قد لقى جبال الاعادي |
من حديد فردّها كالعهن |
|
لا يبالي بالجمع حيث توخّى |
فهو ينصب كأنصاب المزن |
|
أخذ الثار قبل أن يقتلوه |
سلفاً من منية دونَ منّ |
|
قتلوا منه للحسين حبيباً |
جامعاً للفعال من كلّ حسن |
(فائدة): وإنّما دفنت بنو أسد حبيباً عند رأس الحسين عليهالسلام اعتناء به، أو
__________________
(1) العقفاني بالعين المهملة والقاف والفاء نسبة الى عقفان بضم العين وهو (حي من خزاعة).
(2) مقتل أبي مخنف: 145 - 147.
ولكونه كان يوم الطف بوّاباً على خيمة الحسين عليهالسلام ، وكان لحبيب أولاد ثلاثة: محمد وعبدالله والقاسم أكبرهم، ولمّا أن سمعت زوجته بقدوم السبايا وأنّهم دخلوا الكوفة دعت ولدها القاسم وقالت له: ولدي إنطلق الى السبايا وقل لهم إنّ أُمي تقول: أبي حبيب بيّض وجوهنا أم لا؟
فأقبل الغلام حتى قرب من السبايا فرأى رأس أبيه معلّق بلبان الفرس، فجعل يصرخ ويبكي، ثم أقبل على الموكل برأس أبيه وقال له: إدفع لي هذا الرأس وأنا إعطيك مقداراً من الدنانير.
فقال اللعين: إنّ جائزة الأمير خير لي. ولمّا قاربوا دار حبيب رفع الغلام حجراً وضرب رأسه، ودخل على اُمّه باكياً يصيح: اُمّاه قومي واستقبلي رأس أبي. فخرجت أُمّه ولما رأت رأس زوجها معلق بلبان الفرس صاحت: حبيب بيّض الله وجهك كما بيّضت وجهي عند الزهراء عليهالسلام .
ويروى أنّ القاسم سأل عن قاتل أبيه فعرّفوه، فجعل يتربّص به الدوائر مدّة من الزمن إلى زمن مصعب بن الزبير، فلمّا غزا مصعب باجميرا (1) جاء القاسم ودخل في معسكر مصعب، فإذا قاتل أبيه في فسطاطه نائماً فجثى القاسم على صدره فانتبه اللعين، فقال له القاسم: أتعرفني من أنا؟ قال: لا، قال: أنا ابن حبيب بن مظاهر، فعرفه، ثم إن القاسم إحتزّ رأسه وأقبل به حتى دخل على مصعب بن الزبير فوقف أمامه وقال له: إعلم يا أمير ما نامت عيناي منعمة إلي إن أخذت ثاري
__________________
(1) باجمير الباء المفردة والجيم المضمومة والميم المفتوحة والياء المثناة والراء المهملة والألف المقصورة موضع من أرض الموصل كان مصعب ابن الزبير يعسكر في محاربه عبدالملك بن مروان حين يقصده من الشام أيّام منازعتهما في الخلافة. انظر معجم البلدان: 1 / 314.
من قاتل أبي، فقال له: من أنت؟ قال: أنا ابن حبيب بن مظاهر، فشكره ابن الزبير على صنعه وأطلقه.
أقول: أجل ومتى يؤخذ بثار الحسين عليهالسلام :
متى ينجلي ليل النوى عن صبحه |
نرى الشمس فيها طالعتنا من الغرب (1) |
__________________
(1)
(موشّح)
بحشاك النوايب خلّفت شطّار |
والهم جرح دلّالك يراعي الثار |
|
اول جرح كسر الضلع والبسمار |
ومغيبك يبدر العصر تاليه |
|
متى اتگوم او تجرد السيف من غمده |
ونشوف المنايا اتلوح ابحدّه |
|
حيدر من سجد ما تمم السجده |
وبن ملجم جسم هامته ابماضيه |
|
دلّالك تمرمر لون من مرمر |
چان انفطر من عظم الصبر وتفطّر |
|
من تذكر امصاب الحسن تتحسّر |
يالصاحب اومن تسمع ابطاريه |
|
مهر احسين انشده امن انچتل يمّه |
چله اشلون بالطف طاح ابو اليمّه |
|
يخربرك من تحنّت گصته ابدمّه |
وسدّر يصهل او زادت بواچيه |
|
گلبك خلص من كثر الهضم والهم |
من خلصوا هلك ما بين چتل وسم |
|
حتى الطفل يوم الطف سبح بالدم |
يالغايب شله ويالگوم من سيّه |
|
متى يابن الحسن تنهض او يمته اتگوم |
او تاخذ ثار طفل البسهم مفطوم |
|
يا يوم المبارك يا بدر مخزوم |
تروي السيف بالدم من بني اُميه |
* * *
ادرك تراتك أيها الموتور |
فلكم بكل يدٍ دمٍ مهدور |
|
ما صارم إلّا وفي شفراته |
نحر لآل محمّد منحور |
في ترجمة العباس بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام
ولد العباس بن علي عليهالسلام سنة ست وعشرين من الهجرة (1) ، واُمّه اُم البنين فاطمة بنت حزام الكلابية، وقد أشار عليه عقيل بأخذها كما رواه السيد الداودي في العمدة، قال:
إن أمير المؤمنين عليهالسلام قال لأخيه عقيل - وكان نسّابه عارفاً بأخبار العرب وأنسابهم ـ: اريد منك أن تختار لي امرأة من ذوي البيوت والشجاعة، حتى اُصيب منها ولداً ينصر ولدي الحسين بطفّ كربلاء، فأطرق عقيل برأسه إلى الأرض هنيئة، ثم رفع رأسه وقال له: أخي أين أنت عن فاطمة بنت حزام الكلابية، فإنه ليس في العرب اشجع من أبنائها (2) .
وفي آبائها يقول لبيد للنعمان ملك الحيرة:
نحن بنو ام البنين الأربعة |
ونحن خير عامر بن صعصعه |
الضاربين الهام وسط المعمعه
__________________
(1) انظر بحار الانوار: 45.
(2) عمدة الطالب: 357 (بتصرف).
فلا ينكر عليه أحد من العرب، ومن قومها ملاعب الأسنة أبو برآء (1) الذي لم يُعرف في العرب مثله في الشجاعة، والطفيل بن مالك فارس فرزل (2) ، وابنه عامر ابن الطفيل فارس للزنوق (3) .
قال: فتزوّجها أمير المؤمنين عليهالسلام فولدت له أربعة أولاد أنجبت بهم، وأول ما ولدت العباس، وبعده عبدالله، وبعده جعفر، وبعده عثمان (4) ، وعاش العباس مع أبيه أربعة عشر سنة، ومع أخيه الحسن أربعة وعشرين سنة، ومع أخيه الحسين أربع وثلاثين سنة، وذلك مدّة عمره وكان يلقب قمر بني هاشم، ويكنّى أبا الفضل، وقال المؤرخون: حضر العباس بن علي بعض حروب أبيه كالجمل وصفّين والنهروان ولم يقاتل، وكان يقال له السقّا.
ويروى أنّ امير الؤمنين عليهالسلام كان جالساً في المسجد وحوله الحسن والحسين عليهماالسلام والعباس، وإذ عطش الحسين عليهالسلام فقام العباس وهو صبي صغير وجاء إلى اُمّ البنين فقال لها: امّاه إن أخي الحسين عطشان، فقامت فاطمة اُمّ البنين وملئت له الركوة ووضعتها على رأس العباس، فجاء به الى المسجد والماء يتصبب على كتفيه حتى جاء به الى الحسين، فلما رآه امير المؤمنين عليهالسلام صاح: ولدي عباس أنت ساقي عطاشا كربلاء؛ فسمّي عند ذلك السقّاء.
ويقال إنّ أمير المؤمنين عليهالسلام لمّا عمّمه ابن ملجم (لعنه الله) بسيفه وحضرته
__________________
(1) انظر بطل العلقمي: 1 / 121.
(2) اسم فرس له، والفرزل: الضخم، وقيل: القيد، وقيل: المقراض (وهو الذي يقطع به الحداد الحديد): والرجل الفرزل: كالقنفذ الضخم. تاج العروس: 8 / 57، ولسان العرب: 11 / 518، وانظر ما كتبه الشيخ المظفر في ترجمته في كتاب بطل العلقمي: 1 / 118.
(3) اسم فرس له
(4) انظر بطل العلقمي: 1 / 91.
الوفاة، جمع أولاده وجعل يوصيهم واحداً بعد واحد، ثم دعى العباس وأوصاه بوصيّة خاصّة، فقال له: «ولدي أبا الفضل إذا كان يوم عاشوراء وملكت المشرعة لا تشرب الماء وأخوك الحسين عطشاناً».
قال: ولمّا كتب ابن سعد الى ابن زياد كتابه الذي يقول فيه: «الحمد لله الذي أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأُمّة، وهذا الحسين قد اعطاني عهداً أن يرجع إلى المكان الذي أتى منه». فقام إليه شمر ابن ذي الجوشن وتلّكم بما ذكرنا آنفاً، وكتب الى ابن سعد يعرض على الحسين عليهالسلام النزول على حكمه... إلى آخر الكتاب. فقام إليه عبدالله ابن أبي المحل بن حزام بن خالد - وكانت عمته اُم البنين - فطلب من عبيد الله كتاباً فيه أماناً للعباس وأخوته، فكتب عبيدالله له كتاباً فيه أماناً للعباس وأخوته وسلّمه الى الشمر فجاء به إلى كربلاء.
ولمّا كان اليوم التاسع من المحرم ركب جواده وجاء حتى وقف إزاء خيم الحسين عليهالسلام ، وصاح: أين بنو اختنا، أين العباس وأخوته؟ وكان العباس حينئذ جالساً بين يدي الحسين، فأطرق برأسه حياء من الحسين عليهالسلام ، فصاح الشمر ثانياً، وثالثاً، فالتفت الحسين إلى أخيه العباس وقال: أخي قم وانظر ما يريد هذا الفاجر؛ فقام العباس وركب جواده وأقبل إليه وقال له: ما تريد يا ابن ذي الجوشن؟ فقال: هذا كتاب من ابن زياد يذكر فيه إنك أنت الأمير على هذا الجيش، وأنت وإخوتك آمنون، فلا تعرض نفسك للقتل؛ فقال له العباس: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمّنا وابن رسول الله لا أمان له؟! ويلك أفبالموت تخوّفني؟! وأنا المميت خوّاض المنايا، أأترك من خلقني الله لأجله وأدخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء؟! ويلك أنا أدعوك الى الجنة وأنت تدعوني الى النار؟! يابن ذي الجوشن فأقبل نصيحتي، وكن مع غريب رسول الله ولك عند جدّه الجائزة العظمى.
فلما سمع الشمر كلام العباس لوى عنان جواده، ورجع أبو الفضل العباس
يتهدرس كالأسد الغضبان، استقبلته الحوراء زينب وقد سمعت كلامه مع الشمر، قالت له: يا أخي [اُريدُ] ان احدّثك بحديث؛ قال: حدّثيني يا زينب، لقد حلا وقت الحديث. قالت: اعلم يابن والدي لمّا ماتت اُمّنا قال أبي لأخيه عقيل: اُريد منك أن تختار لي امرأة من ذوي البيوت والشجاعة حتى اُصيب منها ولداً ينصر ولدي الحسين بطفّ كربلاء، وقد ادّخرك أبوك لمثل هذا اليوم، فلا تقصر يا أباالفضل. فلمّا سمع العباس كلامها تمطى في ركاب سرجه حتى قطعهما وقال لها: أفي مثل هذا اليوم تشجعيني وأنا ابن أمير المؤمنين عليهالسلام ، فلمّا سمعت كلامه سرّت سوراً عظيماً.
بطل إذا ركب المطهّم خلّته |
جبلاً أسمّ يخفّ فيه مطهّم |
|
بطل تورّث من أبيه شجاعة |
فيها أنوف بني الظلالة ترغم (1) |
__________________
(1)
بالطف صوّل العباس |
صولت علي الماصوفه |
|
سل سيفه وصرخ بيها |
او كوّر عسكر الكوفه |
|
كوّر كل رواياها |
او عملت بدر راواها |
|
چدسها اوتاه منواها |
وبالمذهب مناياها |
|
تموج الخيل خلاها |
او غوجه ايخوض بدماها |
|
الملازم والزلم والخيل |
طواها على المردوفة |
|
شبل المرتضى الكرار |
صوّل على الخيل او غار |
|
مشهر صارمه البتّار |
سم يگطر ويلهب نار |
|
بالطف حارب الكفّار |
حرب الماجره او لا صار |
|
أبدك الرمك ثار اغبار |
منه الشمس مكسوفه |
|
سم جتّال سل او داي |
ما خلّة بصير او داي |
|
صال اعلى الشريعه احماي |
صاح العلگمي بحماي |
(فائدة): زوجته لبابة بنت عبيدالله بن العباس بن عبدالمطلب، كان له من الأولاد خمسة: عبيدالله والفضل والحسن والقاسم، وبنتاً. وعدّ ابن شهرآشوب في الطف ولد له وهم: محمد وعبيدالله والفضل أمهما لبابة بنت عبيدالله.
__________________
خاضه والگلب حمّاى |
ذبّه او گال أضوگ الماي |
|
او عبدالله الطفل ظامي |
او روح السبط ملهوفه |
|
سل سيفه او لگف جوده |
او رمحه فصم اعجوده |
|
وفده من بحر جوده |
دون ابن النبي او جوده |
|
ابغفله گطعوا ازنوده |
او طر هامته ابعاموده |
|
الكندي او جاه ابو السجاد |
شافه المگطعه اچفوفه |
|
او عينه انطفت والهامه |
ابذاك العمد مخسوفه |
|
يروحي ويا ضوة اعيوني |
ناده او صبّن ادموعه |
|
گلت حيلتي او صبري |
او عليه اتحنّت اضلوعه |
(عاشوري)
تخوصر يم عضيده وصاح اويلي |
يشمس انهاري ويا بدر ليلي |
|
يبو فاضل يخويه اگطعت حيلي |
او طود الصبر من بعدك تهدّم |
(تخميس)
عباس يا حامي الضعينه والحرم |
بحماك قد نامت سكينه بالخيم |
صرخت ونادت يوم قد سقط العلم
اليوم نامت اعين بك لم تنم |
وتسهّدت اُخرى وعزِّ منامها |
في ترجمة العباس بن عليعليهماالسلامومصرعه
قال أهل السير: يروى عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه قال: «إن ولدي العباس زقّ العلم زقّاً» (1) .
وذكر المؤرخون: إنّ العباس بن علي كان أعلم أصحاب الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء، وأضجعهم وأصلبهم إيماناً، وكان بطلاً، فارساً، وسيماً، جسيماً، بين عينيه أثر السجود، وكان إذا ركب الفرس المطهم يخطّان رجلاه في الأرض خطّاً.
وبلغ من شجاعته في كربلاء أنّ عمرو بن خالد الصيداوي، وسعداً مولى حسان بن الحارث، وجمع بن عبيدة العائدي، حملوا على أعدائهم فلمّا وغلوا فيهم عطفوا عليهم واقتطعوهم من أصحابهم وأحاطوا بهم، وقال ابن الأثير:
فانتدب لهم العباس بن علي عليهالسلام وحده، وحمل على القوم ففرّقهم واستنقذ أصحابه، فلمّا رآهم وكانوا قد جرحوا عدّة جراحات، قويت به قلوبهم فتحاملوا بجراحاتهم وجعلوا يقاتلون القوم حتى رجع العباس إلى موقفه.
ومن صلابة إيمانه أنه عليهالسلام لمّا ضاق صدره [كان] - ونظر إلى حالة أخيه الحسين عليهالسلام ، وحالة أصحابه، وحالة عيالاته - ينظر الى الحسين عليهالسلام فيشاهده
__________________
(1) انظر أسرار الشهادات (للدربندي): 324، (الطبعة الحجرية).
حزيناً كئيباً، وينظر أصحاب أخيه فيشاهدهم مجزرين كالأضاحي، وينظر عيالاته فيشاهدهنّ يتصارخن من شدّة العطش، سئم الحياة ومنعه إيمانه أن يبرز بلا رخصة من أخيه الحسين عليهالسلام ، فجاء الى الحسين عليهالسلام وقال له، أخي قد ضاق صدري وسئمت الحياة واريد أن أطلب بثاري من هؤلاء المنافقين، فهل لي من رخصة؟ فقال الحسين عليهالسلام : أجل اطلب لهؤلاء الأطفال قليلاً من الماء؛ فذهب الى القوم ووعظهم وحذّرهم فما افاد الوعظ ولا التحذير، رجع الى الحسين وسمع الأطفال ينادون العطش، أقبل إلى الخيمة - ومعه الحسين عليهالسلام - ليودّع عياله ويأخذ القربة ليملأها لهم من الفرات، وقد كانت زينب قالت لأختها اُم كلثوم: اُخية في هذا اليوم كلّ فرد من أخوتنا إذا أراد البراز يأتينا الى المخيّم ويودّعنا، والآن لم يبق من اخوتنا الا الحسين والعباس، فإذا جاء إلينا نقسم عليه بالجلوس فإذا جلسا خذي أنت بطرف رداء العباس وأنا آخذ بطرف رداء الحسين، ولا ندعهما يخرجان من الخيمة. فلما رأتهما الحوراء زينب أقسمت عليهما بالجلوس، فجلسا فقامت زينب وجلست الى جنب إخيها الحسين، وكذلك ام كلثوم [جلست] وبيدها رداء العباس وهن يبكين، فبينما هم في هذا ونحوه إذا المنادي ينادي: يا حسين ويا أبا الفضل جبنتما عن الحرب وجلستما بإزاء النساء، فنبض العرق الهاشمي بين عيني العباس، فاجتذب رداءه من اُخته اُم كلثوم وقام، فتعلقت به اُم كلثوم، فناداها الحسين: اُخيّه دعيه يمضي فقد اشتاق الحبيب إلى حبيبه؛ فصاحت زينب: أمري وأمركما إلى الله، فقام العباس وركب جواده:
لا تنس للعباس حسن مقامه |
بالطف عند الغارة الشعواء |
|
واسا أخاه بها وجاد بنفسه |
في سقي أطفال له ونساء |
|
ردّ الاُلوف على الاُلوف معاً |
رضاً حدّ السيوف بجبهة غرّاء |
ويروى أنّه سمع الأطفال ينادون العطش، رمق السماء بطرفه وقال: «إلهي
اُريد أن أعتدُّ بعدّتي، وأملأ لهؤلاء الأطفال قربتي». فركب فرسه وحمل قربته على كتفه، وأخذ الرايه معه وقصد المشرعة، ونزل الى الفرات فلمّا أحسّ ببرد الماء وقد كضّه العطش، اغترف بيده غرفة ليشرب فذكر وصيّة أبيه أمير المؤمينين عليهالسلام وتذكّر عطش أخيه الحسين عليهالسلام وعيالاته، رمى الماء من يده وقال: لا والله لا أشرب الماء وأخي الحسين عطشان، ثم جعل يقول:
يا نفس من بعد الحسين هوني |
وبعده لا كنت أو تكوني |
|
هذا حسين وارد المنون |
وتشربين بارد المعين |
ثم ملأ القربة وحملها على كتفه وخرج من المشرعة، استقبله الكتائب وصاح ابن سعد: اقطعوا عليه طريقه، فلما رأى العباس عليهالسلام ذلك حمل عليهم بسيفه وهو يقول:
إنّي أنّا العباس اغدوا بالسقا |
ولا أخاف الشرَّ يوم الملتقى |
|
نفسي لنفس الطاهر الطهر وقا |
حتى أُوارى ميّتاً عند اللقا |
فجعل يقاتلهم مقاتلة الأبطال في ذلك المجال، حتى قتل منهم جماعة، فبينما هو يقاتل فجاء سهم الى القربه فأصابها واُريق ماؤها، فدمعت عيناه ووقف متحيراً، فبينما هو كذلك أذ أتاه السهم فوقع في عينه اليمنى، وضربه الحكيم بن الطفيل السنبسي على يمينه فقطعها، أخذ الواء بشماله وهو يقول:
والله إن قطعتموا يميني |
إنّي اُحامي أبداً عن ديني |
وعن إمامٍ صادق اليقين
فضربه زيد بن ورقاء الجهني على شماله فقطعها، فضمّ اللواء إلى صدره ببقيّة يده وهو يقول:
يا نفس لا تخشي من الكفّار |
وأبشري برحمة الجبّار |
|
مع النبيّ سيّد الأبرار |
مع جملة السادات والأطهار |
|
فقد قطعوا ببغيهم يساري |
فأصلهم يا ربّ حرّ النار |
فحمل عليه رجل تميمي من أبناء ابان بن دارم وبيده عمود من حديد فضربه على اُم رأسه، خر صريعاً إلى الأرض ونادى بأعلى صوته: ادركني يا أخي، فانقضّ عليه الحسين عليهالسلام كالصقر، فرآه مقطوع اليدين، مرضوض الجبين، السهم نابت في العين، المخّ سائل على الكتفين، نادى: الآن انكسر ظهري، الآن قلّت حيلتي، الان شمت بي عدوي.
ويقال: إنه عليهالسلام أخذ رأسه ووضعه في حجره، وكان العباس مغمى عليه، أفاق فظن أنّ رجلاً من الأعداء يريد حزّ رأسه، فقال العباس عليهالسلام : بالله عليك أمهلني حتى يأتي إليَّ ابن والدي، فقال له الحسين عليهالسلام : أخي أنا أخوك.
ثم أنّ الحسين وضع رأس العباس على الأرض، وقام ووضع يديه تحت ظهره أراد حمله إلى المخيم، فقال العباس: بالله عليك ألا ما تتركني في مكاني، فقال له الحسين عليهالسلام : لماذا يا أخي؟ فقال العباس: لحاليتين الاُولى فقد نزل بي الموت الذي لابد منه، والثانية إنّي واعدت سكينة بالماء والآن مستحي منها.
ثم فاضت نفسه الزكية، فقام الحسين عليهالسلام من عنده وأقبل الى المخيّم يكفكف دموعه بكمّه كي لا تراه النساء، استقبلته سكينة فقالت له: أين عمّي العباس؟ لعلّه شرب الماء ونسي ما وراه؛ فقال لها: بني عظّم الله لك الأجر بعمّك العباس، فصاحت: وا عمّاه وا عباساه، من للنساء الضائعات [من بعدك]:
عباس تسمع زينباً تدعوك من |
لي يا حماي إذ العدى سلبوني |
|
أو لست تسمع ما تقول سكينة |
عمّاه يوم الأسر من يحميني |
(فائدة): وفيه يقول: - رائياً - حفيده الفضل بن الحسن بن عبدالله بن العباس رضوان الله عليهما:
إني لأذكر للعباس موقفه |
بكربلاءَ وهام القوم تختطف |
|
يحمي الحسين ويحميه على ظمأ |
ولا يولّي ولا يثني فيختلف |
ولا أرى مشهداً يوماً كمشهده |
مع الحسين عليه الفضل والشرف |
|
أكرم به مشهداً بانت فضيلته |
وما أضاع له أفعاله خلف |
(فائدة): روى جماعة عن القاسم بن الأصبغ بن نباتة، قال: رأيت رجلاً من بني أبان بن دارم أسود الوجه، وقد كنت أعرفه قديماً شديد البياض جميلاً، فسألته عن سبب تغيّره، وقلت له: ما كدت أعرفك؟! فقال: إنّي حضرت كربلاء وقتلت وسيماً وجسيماً بين عينيه أثر السجود، فما بت ليلة منذ قتلته إلى الآن إلّا وجائني ذلك الرجل بالنوم وأخذ بتلابيبي وقادني إلى جهنّم، فيدفعني فيها فأضل أصيح فلا يبقي أحد في الحي إلّا ويسمع صياحي وتنتبه الناس من نومها، قال الاصبغ: والمقتول هو العباس بن علي بن إبي طالب عليهالسلام .
(فائدة): وأنّما دفن العباس في مكان مصرعه لأنّ بني أسد ما استطاعوا حمله لتوزيع أعضاءه كما إنّ الحسين عليهالسلام لم يحمله على العادة كما كان يحمل القتلى.
(فائدة)
بذلت أيا عباس نفساً نفيسة |
لنصر حسين عز بالمجد عن مثل |
|
أبيت التذاذ الماء قبل التذاذه |
فحسن فعال المرء فرع عن الأصل (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
خاض الماي بس هيّس ابرّده |
ترس چفّه ويروي عطش چبده |
|
تذكّر لن أخوه حسين بعده |
ذبّ الماي من چفّة اوتحسّر |
|
هذا الماي يجري ببطون حيّات |
وضوگة گبل اخوية احسين هيهات |
|
اظن طفله يويلي من العطش مات |
وظن موتي گرب والعمر گصّر |
|
شلون اشرب وخوي حسين عطشان |
وسكنه والحرم واطفال رضعان |
|
وظن گلب العليل التهب نيران |
يريت الماي بعد لا حله او مر |
في ترجمة علي الأكبرعليهالسلام
روى ابن إدريس في السرائر، قال: ولد علي الأكبر بعد وفاة جدّه أمير المؤمنين عليهالسلام بسنتين؛ ورواره المفيد ايضاً في الإرشاد.
وأمه ليلى بنت أبي مرّة بن عروة الثقفي، وقيل: ولد في أوائل خلافة عثمان؛ وروى الحديث عن جدّه أمير المؤمنين عليهالسلام ؛ وكان أشبه الناس خلقاً ومنطقاً برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
__________________
همته بس يوصل الماي لحسين |
لا گامن او گعدن الچفين |
|
همته اطفال موته بالصواوين |
عطاشى اگلوبهم تلهب امن الحر |
|
اجاه السهم للگربه او فراها |
وگف يبچي وسكنه ما نساها |
|
مواعدها على اميّه لحشاها |
او منها يستحي للخيم يسدر |
|
سمع حسّه الحسين او ركب وارزم |
غار اعلى العده من باب المخيم |
|
رد يمّه او شافه سابح ابدم |
تخوصر فوگ راسه والدمع خر |
|
حط راسه بحضنه او راد الوادع |
شاله وتربه عباس بالگاع |
|
رد احسين راسه ابگلب مرتاع |
شاله اردود للتربان والحر |
(تخميس)
نادى وقد ملأ البوادي صيحة |
صمّ الصخور لهو لها تتألم |
|
أأخي من يحمي بنات محمّد |
إن صرن يسترحمن من لا يرحم |
وروى أبو الفرج الأصبهاني: إنّ معاوية ابن أبي سفيان قال يوماً: من أحق الناس بهذا الأمر - يعني - الخلافة؟ فقال له جلساؤه: أنت! قال: لا، إنّ أولى الناس بهذا الأمر علي بن الحسين الأكبر لأنّ جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وفيه شجاعة بني هاشم وسخاء بني أمية وزهو ثقيف.
وكانت تقصده الوفود والشعراء، فممّا مدح به قول الشاعر:
لم تر عين نظرت مثله |
من محتف يمشي ومن ناعل |
|
يغلي نييء اللحم حتى إذا |
انضجّ لم يغل على الآكل |
|
كان إذا شبّت له ناره |
يوقدها بالشرف الطائل |
|
كيما يراها بائس مرمل |
أو فرد حي ليس بالآهل |
|
لا يؤثر الدنيا على دينه |
ولا يبيع الحق بالباطل |
|
أعني ابن ليلى ذاالسدى والندى |
أعني ابن بنت الحسب الفاضل |
وكان يكنى اباالحسن، ويلقّب بالأكبر، [لأنّه أكبر] أولاد الحسين عليهالسلام على ما رواه صاحب كتاب «الحدائق الوردية» في قول العقيقي وكثير من الطالبية، لأنّ أولاد الحسين عليهالسلام ثلاثة منهم اسمهم اسم أبيه علي عليهالسلام .
وعن كثير ابن شاذان: شهدت علي الأكبر وهو إذ ذاك صبي وقد اشتهى عنباً في غير أوانه، فقال لأبيه الحسين: أبه إنّي اشتهيت عنباً! فضرب الحسين عليهالسلام على يده إلى إسطوانة المسجد فأخرج له عنباً وموزاً في غير أوانه ودفع إليه وقال له: ولدي كل من فضل ما أنعم الله علينا. ثم التفت إلينا وقال: ما عندالله لأوليائه أكثر.
وذكر أرباب التأريخ في تأريخهم وأجمعوا على أن علي الأكثر شابه جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا بل شابه الأشباح الخمس وهم: رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وعلياً وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ، أما شباهه بجدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فكان إذا تلى آية أو
روى رواية شابه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في كلامه ومقاله، بل وفي خلقه وأخلاقه.
يروى: أنّه دخل رجل نصراني مسجد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال له الناس: أنت رجل نصراني اخرج من المسجد. فقال لهم: إني رأيت البارحة في منامي رسول الله ومعه عيسى ابن مريم، فقال عيسى ابن مريم: أسلم على يد خاتم الأنبياء محمد ابن عبدالله فإنّه نبي هذه الأمّه حقّاً؛ وأنا أسلمت على يده وأتيت الآن لاُجدّد إسلامي على رجل من أهل بيته. قال: فجاؤا به إلى الحسين عليهالسلام فوقع على قدميه يقبلهما، فلمّا استقرّ به المجلس قص له الرؤيا التي رآها في المنام فقال له: أتحبّ أن آتيك بشبيهه؟ قال: بلى سيدي؛ قال: فدعى الحسين عليهالسلام بولده علي الأكبر - وكان إذ ذاك طفل صغير وقد وضع على وجهه البرقع - فجيء به إلى أبيه، فلمّا رفع الحسين عليهالسلام البرقع من على وجهه ورآه ذلك الرجل وقع مغمى عليه، فقال الحسين عليهالسلام : صبّوا الماء على وجهه، ففعلوا فلمّا أفاق إلتفت إليه الحسين عليهالسلام وقال: يا هذا إنّ ولدي هذا شبيهاً بجدّي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ فقال الرجل: اي والله؛ فقال له الحسين عليهالسلام : يا هذا إذا كان عندك ولد مثل هذا وتصيبه شوكة ما كنت تصنع؟ قال: سيّدي أموت! فقال الحسين عليهالسلام : أخبرك إني أرى ولدي هذا بعيني مقطّعاً بالسيوف إرباً إرباً.
وأمّا شباهته بجدّه أمير المؤمنين عليهالسلام فإنّه شابهه عليهالسلام بالإسم والكنية وبالشجاعة وتعصّبه للحق، وناهيك عن شجاعته عمّا رواه شيخنا أبو جعفر ابن بابويه القمي قال: ولمّا حمل علي بن الحسين على القوم زحزحهم عن أماكنهم وأنهضهم عن مواضعهم، حتى قتل على عطشه مائة وعشرين رجلاً.
وروي: أنّه لمّا حمل على القوم يوم عاشوراء اختلف العسكر فيه وأخذ أصحاب ابن سعد كل يسأل من صاحبه: ابن من هذا؟! ومن يكون هذا الصبي؟! وأمّا الذين هم آخر الجيش فقد أخذتهم الدهشة حتى ظنّوا أنّ أمير المؤمنين عليهالسلام
قد خرج إليهم من قبره، فلمّا رأى علي بن الحسين عليهالسلام ذلك جعل يرتجز ويقول:
أنا علي بن الحسين بن علي |
نحن وبيتِ الله أولى بالنبي |
|
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي |
ضرب غلام هاشمي علوي |
فرجعت الخيل تسحق بعضها بعضاً.
قال بعض الرواة: وشد علي على الناس مراراً، وقتل منهم جمعاً كثيراً حتى ضج الناس من كثر من قتل منهم.
وفي بعض التواريخ إنّ حملاته بلغت إثني عشر حملة فهذه شباهته بجدّه أمير المؤمنين عليهالسلام .
وأمّا شباهته بالزهراء عليهالسلام فقد أجمع المؤرخون على أنّ الزهراء عليهاالسلام توفّيت ولها من العمر ثمانية عشر سنة، وكذلك علي الأكبر عليهالسلام قتل يوم كربلاء وله من العمر ثمانية عشر سنة.
وأمّا شباهته بعمه الحسن عليهالسلام فقد شابهه بالبهاء والهيبة. يروى أنّ الحسن عليهالسلام كان إذا مشى في الطريق لا يسبقه سابق، وإذا جلس بباب داره ينقطع الطريق لهيبته، وإذا جلس في البيت المظلم لا يحتاج الى ضياء، وكذلك علي الأكبر كان مهاباً يتلألأ وجهه نوراً.
وأمّا شباهته بأبيه الحسين عليهالسلام فقد شابهه بالإباء والكرم؛ يروى أنّ علي ابن الحسين بنى داراً للضيافة في زمن أبيه الحسين عليهالسلام بالمدينة وكانت تقصده الشعراء والوفود حتى قيل فيه:
يغلى نيء اللحم حتى إذا |
انضج لم يغل على الآكل |
قال أبو الفرج وغيره: كان علي الأكبر أول قتيل من بني هاشم من بعد الحسين عليهالسلام .
ويروى: إنه لما نظر إلى وحدة أبيه الحسين عليهالسلام تقّدم إليه وهو على فرس له
يدعى «ذاالجناح» فاستأذنه للبراز، وكان علي الأكبر من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً، فنظر إليه الحسين عليهالسلام نظر آيس وأرخى عينيه بالدموع وأطرق برأسه لئلّا يراه العدو فيشمت به، ثم رفع رأسه مشيراً بسبابتيه إلى السماء وقال:
«اللَّهم اشهد عليهم فقد برز إليهم أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسولك محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا على هذا الصبي، اللّهمّ امنعهم بركات الأرض وفرّقهم تفريقا، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضي الولاة عنهم أبداً، فإنّهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا»
قال: وصاح بعمر ابن سعد: ويلك يابن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي (1) ، ولا بارك الله لك في أمرك، وسلّط الله عليك من يذبحك على فراشك؛ ثم تلا قوله تعالى: ( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) .
قال الراوي: فكأنما علم الرخصة من أبيه فحمل على القوم وجعل يرتجز ويقول:
أنا علي بن الحسين بن علي |
نحن وبيتِ الله أولى بالنبي |
|
أضربكم بالسيف أحمى عن أبي |
ضرب غلام هاشمي علوي |
* * *
__________________
(1) كما قدمنا آنفاً لأنّ اُم ليلى واُم عمر بن سعد أخوات، لذا خاطبه الحسين عليهالسلام : قطع الله رحمك كما قطعت رحمي.
(فائدة): وإنّما جعل يوم الثامن مخصوصاً بعلي الأكبر ويلقى مصرعه فيه لأنّه جاء بالماء يوم الثامن من المحرم كما أنّ العباس جاء بالماء يوم السابع، وكما أن برير جاء بالماء يوم التاسع، انتهى.
[ولله درّ من قال]:
وعلي قدر من ذؤابه هاشم |
عبقت شمائله بطيب المحتد |
|
في بأس حمزة في شجاعة حيدر |
بأبا الحسين وفي مهابة أحمد |
|
وتراه في خلق وطيب خلائق |
وبليغ النطق كالنبي محمّد (1) |
__________________
(1)
(نصاري)
الأكبر لا ظهر الغوج وارزم |
او عليه احسين دمعه انحدر واسجم |
|
تچنّه ابوالده وعالخيل ذبها |
او يمنه الحرب عاليسرة گلبها |
|
چسب نوماسها وضيّع دربها |
او لف راياتها او للسرب حطم |
|
عگب ما بالطفوف ابده الفراسه |
او راواهم حرب حيدر او باسه |
|
العبدي غافله وصابه اعلى راسه |
او تغير نور وجهه بحمر الدم |
(دكسن)
شبگ على المهر لباله يودّيه |
لبوه حسين عنّ الگوم يحميه |
|
اويلي المهر للعدوان فر بيه |
واوچب آه بوسط العسكر |
|
هذا يگطع ابسيفه وريده |
او هذا بالخناجر فصل ايده |
|
وهذا يغط رمحه الحديده |
ابخاصرته وهو يعالج لو يفغر |
(عاشوري)
تعنّاله وعلى ابنيه تخوصر |
او صاح بصوت منّه الصخر ينطر |
|
على الدنيا العفه بعدك يالأكبر |
عگب عيناك ريت الكون يعدم |
|
يبويه من وصل ليك او تدنّاك |
او خضّب وجهك الشعّاع بدماك |
|
يبويه ريت روحي اتروح ويّاك |
او لا شوفك خضيب الوجه بالدم |
(تخميس)
لا طاب عيش بعد فقدك لا صفا |
واظلمّت الدنيا بعيني مذ خفا |
منها ضياؤك يا شبيه المصطفى
فلتذهب الدنيا على الدنيا العفا |
ما بعد يومك من زمان أرغد |
في شهادة علي بن الحسين الأكبرعليهماالسلام
ذكر أرباب المقاتل أنّه لمّا قتل أصحاب الحسين عليهالسلام فلم يبق معه إلّا أهل بيته، تقدم إليه ولده علي الأكبر فاستأذنه للبراز ثم حمل على القوم فجعل يرتجز ويقول:
أنا علي بن الحسين بن علي.... الخ
قال الراوي: فجعل يقاتل القوم مقاتلة الأبطال في تلك المجال، وناداه رجل من أهل الكوفة: يابن الحسين إنّ لك رحماً بأمير المؤمنين يزيد، فإن شئت آمنّاك؟ فقال له علي بن الحسين: ويلك لقرابة رسول الله أحقّ أن ترعى!!
قال: ولمّا رأى ابن سعد ما رأى من شجاعته وبسالته دعا طارق بن كثير - وكان شجاعاً فارساً مناعاً - فقال له: أنت الذي تأكل نعمة الأمير وتأخذ منه العطاء، فاخرج إلى هذا الغلام، وثنّى برأسه فقال له: يابن سعد أنت تأخذ ملك الري وأنا أخرج إليه؟! بل الواجب عليك أن تبارزه أنت أو أن تضمن لي عند الأمير إمارة الموصل. قال: فضمن له ذلك فخرج طارق إلى مبارزة علي بن الحسين، وتراجع الناس فحمل عليه علي الأكبر فضربه ضربة منكرة فرقع صريعاً يخور بدمه، فلمّا رآه أخوه وقد صرعه علي الأكبر وعطف عليه بضربة فوقعت على عينيه فخر صريعاً.
قال: وخرج ابن طارق ثائراً بأبيه وعمّه، فحمل عليه علي بن الحسين فقتله، ثم طلب البراز فلم يبرز إليه أحد فحمل على القوم وجعل [يضرب] فيهم بسيفه، هذا والحسين عليهالسلام واقف بباب الخيمة وليلى تنظر في وجه الحسين عليهالسلام تراه يتلألأ نوراً وسروراً بشجاعة ولده علي، فبينما هو كذلك إذ تغيّر لون وجهه، فقالت له ليلى: سيدي أرى لون وجهك قد تغيّر! هل اصيب ولدي؟ فقال لها: لا يا ليلى ولكن برز له من أخاف منه عليه، يا ليلى ادعي لولدك علي.
دخلت ليلى إلى الفسطاط، نشرت شعرها، جرّدت عن ثدييها، قائلة: الهي بغربة أبي عبدالله.. الهي بعطش أبي عبدالله.. يا راد يوسف إلى يعقوب اردد إليَّ ولدي علي.
قال الراوي: فاستجاب الله دعء ليلى ونصر علياً على بكر فقتله وحزّ رأسه، وجاء به إلى الحسين عليهالسلام وقد قتل مائة وعشرين فارساً، وهو ينادي: أبه العطش قد قتلني وثقل الحديد قد اجهدني (1) ، فهل إلى شربة ماء من سبيل اتقوّى بها على الأعداء؟ فقال الحسين عليهالسلام : بني هات لسانك، أخذ بلسانه فمصه ثم دفع إليه خاتمه الشريف وقال له، ولدي امسكه في فيك وارجع الى قتال عدوّك، فكأنّه ارتوى.
ويروى: أنه قال: ولدي دونك اُمّك في الخيمة فودّعها؛ فدخل علي الأكبر إلى الخيمة فتعلّقت به اُمّه وتعلقن به النسوة فصاح الحسين عليهالسلام : دعنه فقد اشتاق الحبيب إلى حبيبه.
__________________
(1) قوله وثقل الحديد قد اجهدني هل إن الحديد الذي كان معه أجهده كالسيف والدرع والدرقة قالوا لا وإنّما أراد بهذا القول حديد الجيش وسلاح الأعداء أو لكثرة العسكر والتعبير بالعسكر بالحديد تعبير شايع انظر الى قول الكشّي في حبيب ابن مظاهر إنّه كان من السبعين الذين نصروا الحسين ولقوا جبال الحديد.
قال الراوي: وأفلت علي الأكبر نفسه من النساء ورجع إلى الحرب وجعل يقاتل حتى قتل المائتين.
قال حميد بن مسلم: كنت واقفاً وبجنبي مرّة بن منقذ التميمي وعلي بن الحسين يشدّ على القوم يمنة ويسرة فيهزمهم، فقال مرّة: عليَّ آثام الحرب إن مرّ بي هذا الغلام ولم أثكل به أباه. فقلت: لا تقل هذا يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه؛ فقال: والله لأفعلنَّ.
قال: ومرّ بنا علي الأكبر وهو يطرف كتيبه أمامه فطعنه برمحه فانقلب على قربوس سرج فرسه، واعتنق الفرس فحمله الفرس الى معسكر الأعداء فاحتوشوه وقطعوه بسيوفهم إرباً إرباً، ولمّا بلغت روحه التراقي نادى رافعاُ صوته: أبه عليك منّي السلام هذا جدي رسول الله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة أظمأ بعدها أبداً، وهذا كأساً مذخورا لك حتى تشربه.
قالت سكينة: ولمّا سمع أبي صورت أخي علي جعل تارة يجلس وهو يقول: وا ولداه... ثم انحدر إليه الحسين عليهالسلام ومعه اهل بيته حتى وقف عليه، ورآه مقطعا بالسيوف إرباً إرباً، فقال يا بني قتل الله قوما قتلوك ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول. ثم استهلّت عيناه بالدموع وقال: ولدي على الدنيا بعدك العفا، أمّا أنت يا بني فقد استرحت من همّ الدنيا وغمها وبقي ابوك لهمّها ولكربها.
قال حميد بن مسلم: لكأنّي أنظر إلى امراة خرجت من الفسطاط وهي تنادي: يا حبيباه يا ابن اُخيّاه... فسالت عنها فقيل لي: هي عمّته زينيب. فجاءت حتى انكبّت عليه فاخذها الحسين بيده وردها الى الفسطاط ثم التفت الى فتيانه وقال: احملوا أخاكم.. فحملوه وجاؤا به الى الخيمة وهم يبكون، قيل: وارسلت ليلى إلى الحسين عليهالسلام قائلة: سيدي اُريد أن أبكي على ولدي، مر اهل بيتك أن
يخرجوا من الخيمة، فأمر الحسين عليهالسلام أهل بيته فخرجوا من الخيمة ودخلت ليلى الى الخيمة ودخلن النساء معها وجعلن ينحن على شبيه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
تقول ليلى بدر ليلى خبا |
منه ضياء باعتراض الظلام |
|
وددت أنّي لم أكن حاملاً |
أو أنّني أسقطت قبل التمام (1) |
(فائدة): قتل علي الاكبر عليهالسلام ولا عقب له.
(فائدة) اختلف أرباب المقاتل في عمره، ففي رواية كان عمره خمساً وعشرين سنة، والأصح: ثمانية وعشرين سنة، وذهب عليه أكثر الرواة.
__________________
(1)
فجيده يا علي يبني فجيده |
بعيده شوفتك صارت بعيده |
|
المدّ ايده عليك انشلّت ايده |
او شرابه ولا هنّه ولا طالبه الزاد |
|
هذا حسين ابوك امحنب اعليك |
عن للعده او عين التصد ليك |
|
اسمع يا علي وامّك تحاچيك |
يا رجواي بيك ارباي ما فاد |
|
تگلّه يا علي يبني شگلّك |
يذخري للكبر هذا محلّك |
|
دگلّي لو شفت شبّان حلّك |
اشو لن اصبر وهودن وثني الوساد |
* * *
وزينب قابلت ليلى وقالت |
أعيدي النوح يا ليلى أعيدي |
في ترجمة القاسم بن الحسن وشهادتهعليهالسلام
الشجاعة حالة طبيعية وهي عزيزة الحصول في البشر، وقلّ ما تراها في بعض الرجال، وفي الحقيقة هو فرع من الجنون، ولقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام : «جنونان لا أخلاني الله منهما الشجاعة والكرم». لان الشجاعة هي عبارة عن بذل النفس، وتوجّه الشجاع إلى العدم وهي تضحية تجاه الحياة السعيدة، وتسلم الشجاع نفسه للموت وعلى الأخص إذا كان المقابل له شجاعاً أعظم قوّة منه من حيث العدة والاستعداد، وهناك يعلم المنازل أنّ للحرب رحى طحانة تطحن الهام وتقضي على المهج، وبها تزهق النفوس الغالية، فهو لا يعبأ بها للغريزة التي فيه من الشجاعة.
وقد قيل: إن الشجاعة قسمان: غريزية وكسبية، فالكسبية تحصل بالتمرين والممارسة، فترى الرجل إذا باشر الحرب يحصل بعدها على القوّة في الجنان، ولا يعبأ بمنازلة الأقران. وأمّا الغريزية فهي من طبيعة الإنسان من حيث هو شجاع، وربما تكون الشجاعة وراثة خلفاً عن سلف، وقد جمعت الخصال الحميدة كلها في بني هاشم لاسيّما الشجاعة.
وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم الفتح: «رحم الله عمّي أبو طالب، لو أولد الناس كلّهم لكانوا شجعاناً». وناهيك عمّا أبدوه أشبال علي عليهالسلام في كربلاء مع قلّة عددهم وكثرة الأعداء ممّن شاهد منهم الحروب قبلاً ومن لم يشاهدها قبل يوم كربلاء كالقاسم بن الحسن عليهالسلام حتى قال حميد بن مسلم: خرج إلينا القاسم ابن حسن عليهالسلام وبيده سيفه، ووجهه كفلقة قمر طالع، وعليه قميص وإزار، وفي رجليه نعلان من ليف، فجعل يضرب هذا وقد تكاملوا عليه أهل الكوفة سبعين ألف رجل (1) .
أقول: ولو تصفّحت التاريخ لما وجدت غلاماً كهذا الغلام يبرز إلى سبعين ألف وعليه قميص وإزار، والحالة أنّ العرب كانوا لا يبرزون إلّا بعد الاستعداد ويفرغون عليهم الدروع والمغافر، حتى أنّ الرجل منهم كان لا يعرف لكثرة ما عليه من الحديد ومن لامة الحرب ولا يرى منه إلّا عيناه، والقاسم بن الحسن عليهالسلام برز يوم عاشوراء إلى الأعداء وعليه قميص وإزار كما سمعت، فأين هذا من ذاك؟! وأعجب من هذا أنّ القاسم لعدم مبالاته بكثرة الاعداء بحيث انقطع شسع (2) نعله وقف بين تلك الجموع يشدّه وهذا ممّا يغيض العدو، ولقد أجاد الشيخ السماوي رحمه الله حيث قال:
أتراه حين أقام يصلح نعله |
بين العدى كي لا يروه بمحتف (3) |
|
غلبت عليه شهامة حسنيّة |
أم كان بالأعداء ليس بمحتف (4) |
__________________
(1) مقتل أبي مخنف: 169.
(2) الشسع ما يدخل بين الاصبعين في النعل العربي ممتدّ الى الشراك.
(3) الإحتفاء هنا المشي بلا نعل.
(4) الإحتفاء هنا الإعتناء يقال احتف به ولم يحتف. انظر إبصار العين في أنصار الحسين: 36.
ولبسالته وصباحة وجهه قال بعض الأعداء: والله لو بسط إليَّ هذا الغلام يده وضربني لما رفعت يدي وضربته.
وللحرب قواعد وشؤون تعرف منها أنّه لابدّ أن يكون مع المحاربين سقاة وجرّاحون ومحرّضات، ولابدّ للجيش من مقدم وكمين وقلب وجناحين، ولكلّ واحدة من هذه الوظائف اناس يقومون بها لا يشاكلهم أحد، أمّا وظيفة السقاة فإنّهم يجعلون الماء بالقرب فإذا رجع المحارب سالماً استقبلوه بالماء، وإذا سقط جريحاً أدركوه بالماء. وحرب كربلاء خال من هذه الاشياء كلّها، أمّا الماء فقد منعوا اصحاب الحسين عليهالسلام من أن يصلوا إليه وعلى المشرعة أربعة آلاف محارب، فمن أين لهم الماء إذا رجع المحارب حتى يسقوه؟! أو إذا جرح المقاتل وسقط على وجه الارض؟!
وللمحارب أيضاً صفات خاصة وهي إذا برز لابدّ وأن تقوم أعمامه وأخواله أو إخوته وأولاده، ويقفون بمكان حيث يرونه خوفاً عليه من الغيلة او أن يجعل له ظهيراً كما صنع أمير المؤمنين عليهالسلام ذلك يوم صفين لولده محمد بن الحنفية.
والقاسم [بن الحسن] عليهالسلام لم يجد ظهيراً لمّا برز، وهناك فرق عظيم بين القاسم وبين عمّه محمّد بن الحنفية لأنّ محمد بن الحنفية شاهد حروباً جمّة والقاسم صبي لم يبلغ الحلم ولم يشاهد حرباً قبل يوم كربلاء.
ومنها أنّ محمد بن الحنفية برز وعليه لامة الحرب، والقاسم برز يوم كربلاء سافراً على ذراعيه.
ومنها أن محمد بن الحنفية كان إذا رجع من الحرب استقبله أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهمالسلام وأصحابه يحملون الماء له، والقاسم كان إذا رجع استقبلته
عمّته زينب صارخة باكية واُمّة رملة معولة.
ومنها أنّ محمد بن الحنفية كان إذا حمل على القوم وضايقه العدو أدركه المدد من أبيه بالأبطال والشجعان وإن ناداهم ادركوه، والقاسم حمل على القوم وهو ينظر إلى أصحاب عمّه مجزّرين كالاضاحي وينظر الى عمّه يستغيث فلا يغاث وينظر إلى النسوة بالخيمة وقد علا صرخهن.
ومنها أنّ محمد بن الحنفية تكعكع يوم الجمل لمّا رأى السهام ترشق عليه أراد حتى تنفذ سهام القوم، والقاسم أراد الحسين عليهالسلام تأخيره عن الحرب مراراً وهو يلحّ على عمّه ويقبل يديه ورجليه وهو يقول: يا عمّاه لا طاقة لي على البقاء وأرى بنو عمومتي وأخوتي مجزرين وأراك وحيداً فريداً، والحسين يقول له: ياابن أخي أنت الوديعة.
قال الأروي: فلم يزل يستأذن عمّه الحسين عليهالسلام حتى إذن له (1) .
أقول: فلو فكّر الإنسان إلى ما لاقاه القاسم يوم كربلاء لعرف بسالته وشجاعته تجاه العدو لمّا حمل على القوم وجعل يضربهم بسيفه، فهذه أفعاله يوم الطف، وأمّا أقواله فتبهر العقول وذلك هو لمّا ارتجز وهو في الميدان غايته أن يعرّفهم نفسه قائلاً بل مفتخراً:
إن تنكروني فأنا نجل الحسن |
سبط النبي المجتبى والمؤتمن |
|
هذا حسين كالأسير المرتهن |
بين اناس لا سقوا صوب المزن |
__________________
(1) لم نعثر عليه، وأحسبه من مصادر أبناء العامة حيثُ لم يذكره آغا بزرك رحمه الله في الذريعة، وأغلب الظن هو الشيخ إبراهم الآروي شارح مسند الشافعي المطبوع بالهند سنة 1305 هـ.
وكانت همّته أن يقتل حامل راية عمر ابن سعد فبينا هو يقاتل إذ انقطع شسع نعله اليسرى فوقف ليشدّها، فقال عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي: والله لأشدنّ عليه وأثكلنّ به اُمّه.
قال حميد بن مسلم: فقلت: سبحان الله وما تريد منه يكفيك هؤلاء الذين احتوشوه من كل جانب؟! فقال: والله لافعلن ثم حمل عليه فما ولّى وجهه حتى ضرب الغلام بالسيف على رأسه فوقع القاسم لوجه وصاح: أدركني يا عمّاه... فأتاه الحسين عليهالسلام ورآه يفحص بيديه ورجليه. قال: وحمل على قاتله فقتله ثم رجع إلى القاسم ووقف عليه قائلاً: يا ابن اخي بعداً لقومٍ قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة جدّك وأبوك... ثم قال: يابن أخى عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا ينفعك أجابته يوم كثر واتره وقل ناصره... ثم حمله على صدره ورجلاه يخطّان في الارض خطاً حتى جاء به الى المخيم ووضعه الى جانب ولده علي الأكبر وهو يقول: يا ابن أخي أنت الوديعة.
(فائدة): القاسم بن الحسن عليهالسلام لم أقف على تزويجه في كربلاء إلّا في منتخب الطريحي رحمه الله فإنّه يذكر قضية تزويجه نقلاً عن الغير، ولم يثبت هناك من مصدر معلوم، ومن المؤكّد أنّ هذا الخبر مرسل يأباه العقل السليم وتركه أولى من ذكره.
(فائدة): كان القاسم بن الحسن عليهالسلام أخصّ أولاده، وقد خصّه بالوصايا الأكيدة والنصائح الشديدة، وقد سأل القاسم عمّه الحسين عليهالسلام ليلة العاشر من المحرم عمّن يقتل، فجعل الحسين عليهالسلام يخبره، فقال له الحسين عليهالسلام : وكيف القتل
عندك يا قرّة عيني؟ فقال: يا عم فو حقّك إنّ القتل عندي أحلى من الشهد؛ فأخبره الحسين عليهالسلام بقتله فاستبشر القاسم عليهالسلام (1) .
__________________
(1) انظر مقتل أبي مخنف: 170 - 171، وإبصار العين في أنصار الحسين عليهالسلام : 36.
ثم حمله على صدره ورجلاه يخطّان في الأرض حتى جاء به إلى المخيم ووضعه الى جنب ولده علي الأكبر وهو يقول يابن أخي أنت الوديعة.
(دكسن)
جابه ومدّده ما بين اخوته |
بچه عدهم يويلي وهم موته |
|
بس ما سمعن النسوان صوته |
اجت رمله تصيح الله واكبر |
(نصاري)
يبني امهنّه ابطيب نومك |
عريان وامسلبه اهدومك |
|
حرّ الشمس غير ارسومك |
لون تنشره ابروحي لسومك |
|
وين الذي ياخذ اعلومك |
لبوك الحسن وهلك او گومك |
|
اويلاه يالغسلك ادمومك |
اويلاه يبني يوم يومك |
(ابوذية)
أنه ردتك ما ردت دنيا ولا مال |
تحضرني لو وگع حملي ولا مال |
|
يجاسم خابت اظنوني والآمال |
محل الضيج يبني اگطعت بية |
(بحراني)
شيبت راسي بالحزن يبني سجام |
شيبت راسي بالحزن يبني يجسام |
|
لما رأيتك على الثرى يبني رميّه |
حلحلت جسمي وهيّجت حزني عليّه |
|
عگبك يروحي ما دريت اشصار بيّة |
ويا هو اليركّبني عگب عينك يجسام |
* * *
خلفت والدة ولهى محيّرةً |
ترعى نجوم الدجى في الليل بالسهر |
في ما جرى في يوم التاسع من المحرم
روى صاحب أسرار الشهادة عن سكينة بنت الحسين عليهاالسلام قالت: عزّ ماؤنا يوم التاسع من المحرم حتى كظّنا العطش، فلمّا أمسى المساء عطشت أنا وبعض الفتيات والأطفال فقمت إلى عمّتي زينب كي أخبرها بعطشنا لعلّها قد ادخرت لنا ماء، فوجدتها جالسة في خيمتها وفي حجرها أخي الرضيع وهي تارة تقوم وتارة تجلس وأخي الرضيع يضطرب على يديها اضطراب السمكة في الماء وهو يصرخ وهي تقول: يابن أخي وأنّى لك الصبر وأنت على هذه الحالة يعزّ والله على عمّتك أن تراك عطشاناً.
قالت سكينة: فلمّا سمعت كلامها انتحبت باكية فالتفتت إليَّ وقالت لي: يا ابنة أخي ما يبكيك؟! فقلت لها؟ عمّة أبكي لحال أخي الرضيع. ولم أعلمها بعطشي خشية أن يزيد همّها، ثم قلت لها: عمّة لو أرسلت إلى بعض عيالات الأنصار أن يكون عندهم ماء؟ فقامت وأخذت الطفل بيدها فمرت بخيم عمومته وأولاد عمّه فلم تجد عندهم ماء، فرجعت وقد تبعها بعض أولاده رجاء أن تسقيهم الماء، ثم جلست في خيمة أولاد عمّي الحسن وأرسلت الى خيم الأصحاب لعل عندم ماء، فلم يكن عندهم شيئاً من الماء، فلمّا أيست رجعت إلى خيمتها ومعها ما يقرب من عشرين صبي وصيبة فأخذت بالعويل ونحن
نتصارخ بالقرب منها، فمرّ علينا رجل من أصحاب أبي الحسين يقال له «برير بن خضير الهمداني» فلمّا سمع بكاءنا رقّ لحالنا وجعل يبكي، فنادى أصحابه وقال لهم:
أصحابي ما رأيكم أيسرّكم أن تموت هذه الصبية عطشاً وفي أيدينا قوائم سيوفنا؟ لا والله لا خير في الحياة بعدهم بل نرد دونهم حياض الموت... أصحابي فاليأخذ كل واحد منا بيد فتاة من هذه الفتية ونهجم على المشرعة قبل أن يهلكوا من الظمأ، وإن قاتلنا القوم قاتلناهم.
فقال له يحيى المازني: إنّ الحرس يمنعونا ويقاتلوننا فإذا أخذنا الأطفال ربّما تنالهم بعض السهام فنكون نحن السبب لذلك، لكن الرأي أن نحمل معنا قربة ونملأها لهم فإن قاتلونا قاتلناهم ومن قتل منا يكون فداء لبنات رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
فقال له برير: شأنك..
ثم أخذوا قربة وساروا قاصدين الفرات وأقبلوا نحو المشرعة، فأحسّ بهم الحرّاس وصاحوا: من هؤلاء؟ فقال لهم برير: أنا برير وهؤلاء أصحابي وقد كظّنا العطش... فقالوا لهم: مكانكم حتى نخبر رئيسنا إسحاق بن حوية (لعنه الله).
ثم إنهم نزلوا إلى المشرعة ونزل برير فلمّا أحس ببرد الماء انتحب باكياً وقال: لعن الله ابن سعد هذا الماء يجري وأكباد الفاطميات تذوب من العطش... ثم صاح: أصحابي أذكروا ما وراءكم واملؤا القربة ولا تشربوا حتى ترووا أكباد الفاطميات.
فقال له أصحابه: والله يا برير لا نشرب قبل أطفال الحسين عليهالسلام .
قالت: فسمعه رجل من الحرس فصاح بهم ما كفاكم الورود حتى تحملوا الماء الى هذا الخارجي؟ والله لأخبرن بأمركم إسحاق بن حوية. فقال له برير: اكتم
عيلنا أمرنا... ثم دنى منه وهو يريد قبضه فولى منهزماً وأخبر إسحاق بذلك، فقال اللعين: إعترضوهم وآتوني بهم وإن أبوا فقاتلوهم.
فلما تعرضوا لهم وصاحوا بهم إن إسحاق بن حوية لا يرضى بحملكم الماء، فلم يلتفتوا، فصاحوا بهم ثانية إنّ فيه إراقة دمائكم، فقال برير: إراقة الدماء أشهى إلينا من إراقة الماء، والله ماذاق منا أحد طعم فراتكم وإنّما همتنا أن نروي أكباد أطفال الحسين، والله لا ندع الماء حتى تراق دماؤنا حول هذه القربة.
فقال أحدهم: إنّ هؤلاء مستميتون على يسير من الماء ولا يجدي لهم نفعاً؟ وقال بعضهم: لا تخالفوا حكم الأمير... ثم أحاطوا بهم فوضع برير وأصحابه القربة على الأرض ووقفوا دونها، وبرير يبكي دونها ويقول: وا لهفتاه على أكباد الفاطمياة، صدّ الله رحمته عمّن صدّ عنكم ياآل بيت رسول الله.
قالت: فحملها رجل منهم على عاتقه فأحسوا الحرس فجعلوا يرشقونهم بالسهام فأصاب حبل القربة سهم حتى خاطه الى عاتقه وسال الدم على ثوبه، فلمّا نظر إلى الدم يسيل من رقبته قال: الحمدلله الذي جعل رقبتي وقاء لقربتي. فلمّا رأى برير إنّ القوم غير تاركيه صاح بأعلى صوته: ويلكم يا أعواه آل أبي سفيان لا تثيروا الفتنة ودعوا أسياف بني همدان في مغامدها - وكان حول الحسين عليهالسلام جماعة - فقال رجل منهم: إني أسمع صوت برير ينتدب أصحابه تارة ويعضّ القوم اُخرى، فقال لهم الحسين عليهالسلام : إلحقوا به، فقام أبو الفضل العباس وتبعه بعضهم وركبوا، فلمّا رأوا الحرس إنّ العباس انحدر نحوهم انكشفوا عن برير وأصحابه.
قالت: وجاء برير بالقربة حتى دنا من الخيمة وقال: إشربوا يا آل بيت رسول الله، فتباشرت الأطفال بالماء وصحن الفتيات صيحة واحدة: هذا برير قد جاءنا بالماء، ورمين بأنفسهنّ على القربة هذه تحضنها والاُخرى تضع فؤادها
عليها والاُخرى تضمّها الى كبدها، ولمّا كثر ازدحام الأطفال على القربة انفلت وكاعها فأريق ماءها، فصحن الفتيات: أُريق الماء يا برير... فرجعن الى الخيمة باكيات صارخات.
قال الراوي: ولما أصبح الصباح وهو يوم عاشوراء جاءت الحوراء زينب إلى أخيها الحسين عليهالسلام تحمل عبدالله الرضيع فدفعته إلى الحسين وهي باكية وقالت له: أخي خذ طفلك هذا واطلب له قليلاً من الماء، فأخذه الحسين عليهالسلام وقد غارت عيناه من شدّة العطش حتى جاء به نحو الأعداء.
فدعى الأقوام يا لله للخطب الفضيع |
نبئوني أأنا المذنب أم هذا الرضيع |
|
لا حظوه فعليه شبه الهادي الشفيع |
لا يكن شافعكم خصماً لكم في النشأتين |
اختلف العسكر فيما بينهم، ومنهم من لعن عمر ابن سعد، ومنهم قال: إذا كان ذنب للكبار فما ذنب هذا الطفل؟
فلمّا رأى ابن سعد اختلاف العسكر صاح بحرملة بن كاهل: ويلك يا حرملة اقطع نزاع القوم. قال: ما أصنع؟ قال: إرم الطفل بسهم.
قال حرملة: فوضعت سهما في كبد القوس وتأمّلت أين أرمي الطفل، فرأيت رقبته تلمح على عضد أبيه الحسين عليهالسلام فرميت الطفل بسهمي وذبحته من الوريد الى الوريد، فلمّا أحسّ الطفل بحرارة السهم أخرج يده من القماط واعتنق أباه الحسين وجعل يرفرف كالطير المذبوح.
ثم ملأ الحسين عليهالسلام كفه من دمه ورمى به إلى السماء وقال: اللّهمّ لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح.
ويروى أنّه قال: «ياربّ إن كنت حبست عنّا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير منه وانتقم لنا من هؤلاء الضالمين». فنودي: دعه يا حسين فإنّ له مرضعاً في الجنة.
وروي عن الباقر عليهالسلام أنه قال: لم يقع من ذلك الدم إلى الأرض قطرة واحدة (1) .
ثم جاء به إلى المخيم، استقبلته سكينة قائلة: أبه لعلك سقيت أخي الماء وجئتنا ببقيته؟ فقال لها الحسين عليهالسلام : بنيّة خذي أخاك مذبوحاً... فلمّا رأته صاحت: وا أخاه وا عبدالله... وجاءت إليه أُمّه فرأته والسهم مشكوك في نحره صاحت: وا ولداه...
ومذ رأته أمه أنشأت |
تدعوا بصوت يصدع الجلمدا |
|
تقول عبدالله ما ذنبه |
منفطماً آب بسهم الردى |
|
لم يمنحوه الورد بل صيّروا |
فيض وريده له موردا |
وقال الآخر:
وكل رضيع يغتذى دّر اُمّه |
ويرضع من ألبانها ثمّ يفطم |
|
سوى أنّ عبدالله كان رضاعه |
دماه وغذّته عن الدرّ أسهم |
|
تبسّم لم جاء سهم حتفه |
وكلّ رضيع للحلوبة يبسم |
|
تخيّله ماءاً ليروي غليله |
ففاض عليه الغمر لكنّه دم (2) |
__________________
(1) مقتل أبي مخنف: 173.
(2) أقول: ساعد الله قلب الحسين عليهالسلام لما نظر إلى رضيعه كأني بلسان حاله:
(ابوذية)
مياتم للحزن ننصب ونبني |
فجعني حرملة ابسهمه ونبني |
|
الطفل عاده يفطمونه ونبني |
انفطم يا ناس بسهام المنيه |
(نصاري)
تلّگة احسين دمّ الطفل بيدة |
شحالة الينچتل ابحضنة اوليدة |
|
سال وترس چفّة من وريدة |
وذبّه للسما وللگاع ما خر |
(فائدة):
أقول: كان تبسمه لشيء آخر وهو أنّه لمّا أحس بحرارة السهم فتح عينه فرأى جدّته الزهراء عليهاالسلام فاتحة باعها ترحّب به فتبسّم لها.
وأمّا أُمّه الرباب فكأنّي بها:
هاي اُمّك يعبدالله انطفت عيني |
يا ظيها العلى دربي يجدّيني |
|
سهم الصابك الماذيك ماذيني |
ابنحرك ما نبت يبني نبت بحشاي |
|
يا زهرة الدنية الشلت راسي بيك |
لبوك احسين عين او عين تربي ليك |
|
حسبت احساب سالم ومك اتربّيك |
ومك سالمه او تخلف عليَّ ارباي |
(تخميس)
فمذ لاحّ السهم النحر ودّت لو أنّها |
تشاطره سهم الردى وتساهمه |
|
أقلّته بالكفّين ترشف ثغره |
وتلثم نحراً قبلها السهم لاثمه |
في ما جرى في ليلة العاشر من المحرم
روى صاحب الدمعة الساكبة: أنّه كان أخص الناس بالحسين عليهالسلام وأكثرهم ملازمة «نافع بن هلال الجملي» (1) ، وكان رجلاً حازماً بصيراً بالسياسة، قال:
__________________
(1) يجري على بعض الألسن ويذكر في بعض الكتب هلال بن نافع البجلي وهو غلط صرف وهو نافع بن هلال الجملي، كما هو مذكور في كتب التراجم والأنساب والرجال، والجملي ينسب إلى جمل بطن من مذحج، ذكره محمد بن مسلم بن قتيبة في كتاب المعارف، وما رأيت في كتب المقاتل هلال بن نافع بل نافع بن هلال بن نافع وهو مذكور في الناحية انتهى.
وذكره الشيخ محمد السماوي رحمه الله نافع بن هلال الجملي في إبصار العين، وكان نافع سيّداً شريفاً سريّاً شجاعاً وكان قارئاً كاتباً ومن حملة الحديث ومن أصحاب أمير المؤمنين عليهالسلام ، وحضر معه حربه الثلاث في العراق، وخرج الى الحسين عليهالسلام فلقيه في الطريق.
قال أبو مخنف: كان نافع قد كتب إسمه على أفواق نبله فجعل يوم العاشر من المحرم يرمي أعداء الله، فقتل إثني عشر منهم سوى من جرح حتى إذا فنيت نباله جرد سيفه وحمل عليهم وهو يقول:
أنا الهزبر الجملي |
أنا على دين علي |
فوثبوا عليه وأطافوا به يتضاربون حتى كسروا عضديه ثم أخذوه أسيراً الى ابن سعد فأمر ابن سعد بقتله، فجرد الشمر سيفه وقتله رحمه الله، انتهى.
انظر: المعارف لابن قتيبة: 105 - 106، ورجال الشيخ: 80 / 2، وإبصار العين للسماوي: 86، ومقتل أبي مخنف: 134.
ولما كانت الليلة العاشرة من المحرم خرج الحسين عليهالسلام في نصف الليل خارج الخيام حتى ابتعد، فتقلد نافع سيفه وخرج في أثره، فنظر الحسين عليهالسلام الى ورائه فرآه، قال: أنافع هذا؟ قال: نعم سيّدي، قال عليهالسلام : يا نافع ما أخرجك في هذا الليل؟ قال: سيّدي أزعجني خروجك الى معسكر هذا الطاغي الباغي، فقال: يا نافع خرجت اتفقّد هذا التلاع مخافة أن تكون مكاناً لهجوم الخيل يوم تحملون ويحملون، قال نافع: ثم رجع وهو قابض على يساري وهو يقول: والله وعد لا خلف فيه... ثم قال: يا نافع ألا تسلك ما بين هذين الجبلين وتنجو بنفسك؟ فوقع نافع على قدمي الإمام يقبّلهما وهو يقول: إذاً ثكلتني أُمّي.. سيدي إن سيفي بألف وفرسي بمثله فوالله الذي من عليَّ بهذا الموقف معك لا افارقك حتى يكلا عن فري وجري.
قال نافع: ثم فارقني ودخل خيمة اُخته الحوراء زينب، فوقفت بباب الخيمة ورجوت أن يسرع الحسين عليهالسلام في خروجه، فاستقبلته زينب ووضعت له متّكأ وجلس يحدثها سرّاً، فما لبث إن اختنفت بعبرتها وصاحت: وا أخاه وا حسيناه.. أخي اشاهد مصرعك وابتلى برعاية هذه المذاعير في النسوة؟ يعزّ والله عليَّ مصرعك ومصرع هؤلاء الفتية الصفوة.
ثم قالت له: أخي هل استعملت أصحابك من نيّاتهم فإنّي أخاف أن يسلّموك عند الوثبة واصطكاك الأسنّة؟ فقال لها الحسين عليهالسلام : أما والله يا زينب لقد لهزتهم وبلوتهم وليس فيهم إلّا الأسوش الاقعس، يستأنسون بالمنيّة دوني كاستئناس الطفل بمحالب أُمّه.
فلما سمع نافع بكى وقال: اي والله. ثم إنّ نافع رجع الى خيمته وجعل
طريقه على خيمة حبيب بن مظاهر الأسدي فوجده جالساً وبيده سيفه مصلّت وهو يصلحه ويقول:
أيّها الصارم استعد جوابا |
لسؤالي إذا العجاج أثيرا |
فدخل عليه نافع فسلّم، فرد حبيب السلام عليه، فقال له حبيب: أنافع هذا؟ قال: نعم، قال: يا نافع ما أخرجك في هذا الليل؟ قال نافع: فحكيت له القصة إلى أن بلغت إلى قول الحسين عليهالسلام لاُخته الحوراء زينب: يستأنسون بالمنية دوني كاستئناس الطفل بمحالب أُمّه.
فقال حبيب: اي والله لو لا انتظاره لهم لعاجلتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه بيدي، فقال نافع: يا حبيب إني قد فارقت الحسين عليهالسلام وهو عند اخته العقيلة زينب وهي في حال وجل ورعب وأظن إن النساء قد أفقن وشاركهن بالحسرة والزفرة فهل لك أن تجمع أصحابك وتواجههن بكلام يسكن قلوبهن ويذهب رعبهن؟ فقال: طوع إرادتك يا نافع.
ثم خرج حبيب ناحية ونافع الى جنبه ونادى:
يا أصحاب الحمية ويا ليوث الكريهة... فتطالعوا (1) من منازلهم كالليوث الضارية، يقدمهم أبوالفضل العباس عليهالسلام رام عمامتة من على رأسه، وهو يقول: ما تريد يا بن مظاهر؟ لمثل هذا ادّخرني والدي، فقال حبيب لبني هاشم: ارجعوا إلى مضاربكم لا سهرت عيونكم.
ثم إنّه خطب أصحابه وقال: أصحابي هذا نافع يخبرني بكيت وكيت وقد خلّف اُخت سيدكم وبقايا عيالاته وأهل بيته يتشاكين ويتباكين، أصحابي
__________________
(1) في بعض الرواياة: فتطالع الأنصار والهاشميون....
أخبروني عمّا أنتم عليه؟ فجردوا صوارمهم ورموا عمائمهم إلى الأرض وقالوا: يا حبيب والذي منّ علينا بهذا الموقف لئن زحف القوم إلينا لنحصدنّ رؤوسهم بأسيافنا ولنلحقنهم بأشياخهم أذلّاء صاغرين ولنحفظنّ وصية رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في أبنائه.
قال حبيب: إذاً هلمّوا معي... ثم قام حبيب يمشي وتبعه أصحابه حتى جاء ووقف بين أطناب الخيم ونادى: السلام عليكم يا أهلنا، السلام عليكم يا فخرنا، السلام عليكم يا سادتنا ويا معشر حرائر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، هذه صوارم فتيانكم آلو أن لا يغمدوها إلا في رقاب أعدائكم، وهذه أسنّة غلمانكم آلو أن لا يركزوها إلّا في صدور أعدائكم.
فخرجت إليهم [الحوراء] زينب وهي ملتحفة بملحفة اُمّها فاطمة الزهراء عليهاالسلام فبكت وبكت النسوة، فنادتهم امرأة من الأنصار: حاموا أيها الطيبون عن الطيبات حرائر رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: فاستقرّت عيالات الحسين تلك الليلة إلّا أنّه لم تنم لهم عين قط.
قال: وقام الحسين عليهالسلام وأصحابه تلك الليلة ولهم دويّ كدوي النحل ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد.
سمة العبيد من الخشوع عليهم |
لله أن ضمّتهم الأسحار |
|
وإذا ترجّلت الضحى شهدت لهم |
بيض القواضب أنّهم أحرار |
بيّض الله وجوههم لقد بذلو الجد والجهد دون سيدهم حتى كان الرجل منهم يتلقى السيوف والسهام والنبال بصدره ونحره بل كانوا يتسابقون إلى القتال،
فهذا مسلم بن عوسجة نصر الحسين عليهالسلام حيّاً وأوصى به ميتأً (1) .
قال ابن سعد في طبقاته: مسلم بن عوسجة كان صحابياً ممن رأى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم (2) .
وذكر غيره قال: كان مسلم بن عوسجة فارساً شجاعاً له في المغازي مواقف مشهورة، وفي الفتوح الإسلامية مواطن مشهودة، وكان ممّن كاتب الحسين ووفى له، ولمّا دخل عبيدالله بن زياد الكوفة وسمع به مسلم بن عقيل خرج اليه لمحاربته فعقد لمسلم بن عوسجة على ربع مذحج وأسد، ولابي تمامة على ربع تميم وهمدان، ولعبيد الله بن عمر بن عزيز الكندي على ربع كندة وربيعة، وللعباس بن جعدة الجدلي على أهل المدينة، فانهدوا إليه حتى حبسوه في قصره ثم إنّه فرّق الناس بالتخذيل عنه، قال أبو جعفر: وبعد أن قبض مسلم بن عقيل اختفى مسلم بن عوسجة ولمّا بلغه أنّ الحسين عليهالسلام قد نزل كربلاء فرّ بأهله إلى الحسين عليهالسلام فوافاه بكربلاء وفداه بنفسه.
قال أهل السير وأرباب المقاتل: لمّا التحم القتال حملت ميمنة عمر بن سعد (لعنه الله) على ميسرة الحسين عليهالسلام وفي ميمنة ابن سعد عمرو بن الحجاج الزبيدي وفي مسيرة الحسين عليهالسلام زهير بن القين البجلي، وكانت حملتهم نحو الفرات فاضطربوا ساعة، وكان مسلم بن عوسجة في الميسرة، فقاتل قتالاً شديداً لم يسمع بمثله قط، فكان يحمل على القوم وسيفه مصلت بيمينه وهو يقول:
__________________
(1) ممّن ذكر في ناحية المقدسة، انظر بحار الأنوار: 101 / 269، وهو أول قتيل من أنصار الحسين عليهالسلام ، انظر تارخ الطبري: 5 / 369، وبحار الانوار: 45 / 69.
(2) طبقات ابن سعد.
إن تسألوا عنّي فإنّي ذو لبد |
وإنّ بيتي في ذُرى بني أسد |
|
فمن بغاني حائد عن الرّشد |
وكافر بدين جبّار صمد |
ولم يزل يضرب فيهم بسيفه حتى عطف عليهم مسلم بن عبدالله الضبابي وعبدالرحمن بن خشكارة البجلي فاشتركا في قتله، وثارت لشدّة الجلاد غبرة عظيمة فلمّا انجلت الغبرة إذ هم بمسلم صريعاً، فمشى لمصرعه الحسين عليهالسلام وكان به رمق الحياة فقال له الحسين: رحمك الله يا مسلم ثم تلى ( فَمِنْهُم مّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدّلُوا تَبْدِيلاً ) (1)
ثم دنا منه حبيب وقال له: عزّ عليَّ مصرعك يا أخي يا مسلم أبشر بالجنّة، فقال له مسلم قولاً ضعيفاً: بشرّك الله بالخير، فقال له حبيب: لو لم أعلم أني بالأثر لأحببت أن توصني بجميع ما أهمك، فقال له: أخي اُوصيك بهذا الغريب - وأشار بيده الى الحسين عليهالسلام - فقال له حبيب: والله لأنعمنّك عيناً.
أوصى ابن عوسجة حبيباً قائلاً |
فقاتل دونه حتى الحمام تذوقا |
|
نصروه أحياء وعند مماتهم |
يوصي بنصرته الشفيق شفيقاً |
قال الراوي: فما كان بأسرع من أن فاضت نفسه فصاحت جاريته: واسيّداه وا ابن عوسجتاه، فتباشر أصحاب عمر بن سعد بذلك فقال لهم شبث بن ربعي: ثكلتكم اُمّهاتكم إنّما تقتلون أنفسكم بإيديكم وتذلّون أنفسكم لغيركم، أتفرحون أن يقتل مثل مسلم بن عوسجة؟ أما والذي اسلمت له لرب لموقف له قد رأيته في المسلمين كريم لرأيته يوم «سلق آذربايجان» قتل ستة من المشركين قبل أن تلتئم
__________________
(1) سورة الأحزاب 33: 23.
خيول المسلمين، أفيقتل منكم مثله وتفرحون بمثله؟! (1)
قال الراوي: والتفتت جاريته إلى غلامه فقالت له: كفن مولاك مسلماً؛ فقال لها: أكفن مسلماً وسيدي ومولاي الحسين لا يكفنه أحد؟! لا كان ذلك أبداً (2) .
وا صريعاً عالج الموت بلا |
شدّ لحيين ولا مدّ ردا |
|
غسّلوه بدم الطعن وما |
كفنوه غير بوغاء الثرى (3) |
__________________
(1) مقتل أبي مخنف: 136 - 138.
(2) إبصار العين للسماوي: 61.
(3) وزينب عليهاالسلام :
(نصاري)
عسه الويّاي كون الصار ويّاك |
عسه بحشاي سهم الصاب بحشاك |
|
عسه لعضاي خيل الداست اعضاك |
يخويه او روحي الروحك فده الها |
|
ولا واحد صديج البيه غيرة |
ولا حاضر جريب امن العشيرة |
|
يسوي الجثت ابن امي حفيره |
چفنها الذاري او دمها غسها |
(دكسن)
يا ناس ضيّعت البصيره |
وحيّرني زماني اشلون حيره |
|
ابن والدي ماله عشيره |
ولا من گرابه البيه غيره |
يسوون لبن امّي حفيره
(تخميس)
وأمين الله أدمى خدّه |
وجميع الرسل تبكي فقده |
وأبوه النوح أمسى ورده
لو رسول الله يحيى بعده |
قعد اليوم عليه للعزا |
في حالة الحسينعليهالسلامليلة العاشرة من المحرم
عن سكينة بنت الحسين: أنّه لما كانت الليلة العاشرة من المحرم - وكانت ليلة مقمرة - كنت جالسة في الفسطاط، وإذا أنا ببكاء ونحيب، فسكت خوفاً من أن يعلمن النسوة، فخرجت وأن أطأ أثوابي فأتيت إلى خيمة أبي الحسين فرأيته جالساً وأصحابه حوله، وهو يقول لهم:
«أصحابي أنتم جئتم معي لعلمكم بأنّي أذهب الى جماعة بايعوني قلباً ولساناً، والآن تجدونهم قد استحوذ عليهم الشيطان ونسوا ذكر الله، وقد لبّوا لقتلي وقتل من معي، فمن يكره نصرتنا فليذهب في هذه الليلة، ومن بقي ونصرنا بنفسه يكون معنا في الدرجات العالية من الجنان، ولقد أخبرني أبي عن جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : أنّ ولدي الحسين يقتل بطفّ كربلاء، إلا ومن نصره فقد نصرني ونصر ولده القائم، ومن نصرنا بلسانه فإنّه في حزبنا يوم القيامة».
قالت سكينة: والله ما تمّ كلامه حتّى تفرق منه أصحابه من عشرة ومن عشرين حتى لم يبق معه إلّا ما ينقص عن الثمانين، ورأيت أبي وقد أطرق برأسه، فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت ورفعت طرفي الى السماء وقلت:
«اللّهمّ إنّهم خذلونا فاخذلهم، ولا تجعل لهم في الأرض مساكناً، وسلّط عليهم الفقر ولا تنلهم شفاعة جدّنا».
ثم رجعت إلى الفسطاط وأنا أهمل دموعي، فنظرت إليّ عمّتي اُم كلثوم فقالت: مالك؟! فحكيت لها ما رأيت، فصاحت: وا جدّاه... وا محمّداه... وا أباه... وا عليّاه... وا حسناه... وا حسيناه... وا قلة ناصراه... وكيف الخلاص من الاعداء وليت الأعادي يقتلوننا بدلاً عن أخي الحسين عليهالسلام .
قالت سكينة: فاجتمعن النسوة وبكين، فسمع أبي بكاءنا فخرج من الفسطاط وقال: ممَّ هذا البكاء؟ فقربت إليه عمتي وقالت له: أخي ردنا إلى حرم جدنا؟ فقال: يا اُختاه كيف لي بذلك وقد أحاط بنا الأعداء؟ فقالت: أخي هل ذكّرتهم محل جدك وأبيك وجدّتك وأخيك؟ فقال: بلى ذكرتهم فلم يذكروا، ووعظتهم فلم يتّعظوا، وليس لهم رأي سوى قتلي، ولابدّ أن تريني على التراب جديلاً، ولكن يا أختاه اوصيكنّ بالصبر والتقوى.
وروى ابن شهر آشوب: إنّه لمّا كان وقت السحر خفق الحسين عليهالسلام خفقة واستيقظ وقال: أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة؟ قالوا: وما الذي رأيت يابن رسول الله؟ قال: رأيت كلاباً قد شدت عليَّ لتنهشني وفيها كلب أبرص ورأيته أشدّها عليّ، وأظنّ أنّ الذي يتولى قتلي رجل أبرص من هؤلاء القوم، ثم رأيت بعد ذلك جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي: يا بني أنت شهيد آل محمد، وقد استبشر بك أهل السماوات فاليكن إفطارك عندي الليلة، وهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ من دمك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيت.
وفي الخرائج والجرائح للراوندي، روي عن زين العابدين عليهالسلام أنه قال: لمّا كانت الليلة العاشرة من المحرم قام أبي الحسين في أصحابه خطيباً، فقال:
«يا أصحابي إنّ هؤلاء يريدونني دونكم، ولو قتلوني لم يصلوا إليكم، فالنجاة النجاة وأنتم في حلٍّ مني فإنّكم إن أصبحتم معي قتلتم كلّكم».
فقالوا: لا نخذلك ولا نختار العيش بعدك.
فقال عليهالسلام : إنّكم تقتلون حتى لا يفلت منكم أحداً.
فقالوا: الحمد لله الذي شرفنا بالقتل معك.
ثم أنّه دعا لهم، وقال: ارفعوا رؤوسكم وانظروا؛ فجعلوا ينظرون الى منازلهم في الجنّة.
ويروى أنّه قال في آخر خطبته: «أصحابي.. بنو عمومتي.. أهل بيتي ألا ومن كانت في رحله امرأة فاليبعث بها إلى أهلها، فإنّ نسائي تسبى وأخاف على نسائكم السبي». فقام من بينهم حبيب بن مظاهر الأسدي وأقبل إلى خيمته فتبسّمت زوجته في وجهه، فقال لها: دعينا والتبسّم قومي والحقي ببني عمّك من بني أسد، فقالت: لم يابن مظاهر؟ أهل فعلت معك مكروهاً؟ قال: حاشا لله، ولكن أما سمعت غريب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم خطبنا في هذه الساعة؟ قالت: بلى، ولكن سمعت في آخر خطبته همهمة لا أعرفها؟ قال: خطبنا وقال: ألا ومن كانت في رحله امرأة فليبعث بها الى أهلها، فلمّا سمعت الحرة نطحت رأسها بعود الخيمة وقالت: ما أنصفتني يابن مظاهر أيسرّك أنّ زينب يسلب إزارها وأنا أتزيّن بإزاري؟! أم يسرّك أنّ سكينة يسلب قرطها وأنا أتزين بقرطي؟! لا كان ذلك أبداً، بل أنتم تواسون الرجال ونحن نواسي النساء. فلمّا سمع منها ذلك رجع الى الحسين عليهالسلام فرآه جالساً ومعه أخوه العباس فسلّم عليهما وجلس، وقال: أبت الأسديّة أن تفارقكم.
أبت المروة أن تفارق أهلها |
وأبى العزيز أن يكون ذليلا |
فقال الحسين عليهالسلام : جزاكم الله خير الجزاء، ثم قام الحسين عليهالسلام ومعه أخوه العباس وأقبل الى خيمة السجّاد - وكان حينئذ مريض - وعنده عمّته زينب تمرّضه، فمّا نظر إلى أبيه قد أقبل نادى: عمّتاه سنّديني إلى صدرك فإنّ أبن
رسول الله قد أقبل. فسنّدته إلى صدرها فجعل الحسين والعباس يسئلانه عن حاله وعن مرضه والسجّاد يحمد الله ويشكره ثم قال: أبه أمقاتل أنت هؤلاء القوم في مكاننا هذا؟ قال: نعم يا بني، فقال: أبه دعنا نرحل عن مكاننا هذا؟ فقال له العباس: يابن أخي أتحب أن ترحل من هذا المكان؟ قال: نعم يا عم، فقال له: أمهلنا إلى غداة غد نرحل بأجمعنا فيصير الأمر إليك فلمّا سمعت زينب أختنقت بعبرتها وقامت، فقال لها الحسين عليهالسلام : إلى أين يا قرّة عيني؟ فقالت: أخي أنا ماضية إلى خيمتي أبكي بيني وبين ربّي.. أخي إنّ كلام العباس قطع نياط قلبي.
ثم إنّ الحسين عليهالسلام قام وتوضّأ ودخل إلى الخيمة قد صنع له محرابا، ولم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً، وراكعاً وساجداً إلى الصباح، وأمّا أصحابه فإنّهم إغتسلوا ولبسوا أكفانهم وباتوا تلك الليلة ولهم دويّ كدويّ النحل، ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد ينتظرون الصباح.
ادركوا بالحسين أكبر عيد |
فغدوا في منى الطفوف أضاحي (1) |
__________________
(1) وذلك بعد أن خطبهم ليلة العاشوراء وأراهم منازلهم من الجنّة لمّا عرف منهم الثبات وكانوا في حالة من الإستبشار بلقاء الله عزّوجلّ وحب الشهادة بين يدي الحسين عليهالسلام ، وكان لبنات الرسالة وخصوصاً زينب عليهاالسلام مع الحسين عليهالسلام لقاء خاص.
زينب لفت يم حسين |
لاچن گابعه بالهم |
|
تگلّة يا ضوه عيوني |
عليمن هالفزع ملتم |
|
تعنّت ليه للخيمة |
او تفسّر والصخر ونتها |
|
طبّت گعدت اگباله |
او عالخد تهل دمعتها |
|
تگلة اعليك ضلع اُمّك |
المظلومه او مصيبتها |
سولفلي يماي العين
لا تخفي عَلَي يحسين
عليمن هالفزع صوبين
__________________
واشوف ابكثر عجّ الخيل |
وادي كربلاء غيّم |
* * *
اويلي من سمعها حسين |
سالت دمعة اعيونه |
|
يگلها خاف اسولفلچ |
اوّجهچ ينخطف لونه |
|
چتلي او چتل أهل بيتي |
يختي الچوم يردونة |
او لابد ما تشوفينه
فوگ الثره امگطعينه
يزينب لا تنوحينه
عينچ عاليتامه النار |
لو شبّت بالمخيم |
* * *
تگله الكاتبك يحسين |
من هالناس چا وينه |
في تعبئة الحسينعليهالسلامأصحابه للقتال يوم عاشوراء
روى السيد بن طاووس (1) قال: لمّا أصبح الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء عبّأ أصحابه وجعل زهير بن القين البجلي رحمه الله في الميمنة، وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وأعطى الراية إلى أخيه العباس بن علي عليهالسلام ، وجلعوا البيوت في ظهورهم، وأمر الحسين بحطب وقصب كان من وراء البيوت أن يترك في الخندق الذي حفروه، وأن يضرم فيه النار مخافة أن تأتي القوم من ورائهم.
قال: وعبّأ عمر بن سعد لعنه الله اصحابه وجعل على الميمنة عمر بن الحجاج الزبيدي، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي، وأعطى الراية دريداً مولاه (2) .
وروى المفيد رحمه الله (3) قال: ولمّا صار يوم عاشوراء، ورأى الحسين كثرة الأعداء، رفع يديه الى السماء وقال: اللهم أنت ثقتي في كلّ كرب، وأنت رجائي في كلّ شدّة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من كرب يضعف فيه
__________________
(1) انظر الملهوف على قتلى الطفوف ص 158.
(2) مثير الأحزان لابن نما: 53.
(3) في ج 2 ص 96 من كتابه الإرشاد.
الفؤاد، وتقلّ عنه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبة مني إليك عمّن سواك ففرّجته وكشفته، فأنت وليّ كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كل رغبة.
قال علي بن الحسين عليهالسلام : فجعل القوم يجولون حول الخيم فرأوا الخندق وقد اضرمت فيه النار.
قال الراوي: ونادى شمر بن ذي الجوشن لعنه الله بأعلى صوته: تعجّلت بالنار يا حسين قبل يوم القيامة! فقال الحسين عليهالسلام : من هذا كأنه الشمر؟ فقيل له: نعم، فقال: يابن راعية المعزى، أنت أولى بها صليّاً.
قال: وأراد مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين عليهالسلام ، فقال له: سيدي دعني أرميه فإنّه فاسق، فقال له الحسين عليهالسلام : إنّي أكره أن أبدئهم (1) بالقتال.
وقال محمّد بن أبي طالب: وأمر الحسين بإحضار جواده، فقرب إليه واستوى عليه، وتقدّم في نفر من أصحابه وبين يديه برير بن خضير الهمداني (2) ، فقال له الحسين: يا برير كلّم القوم، فتقدّم برير وقال: يا قوم اتقوا الله فإنّ ثقل محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذريّته وعترته وبناته وحرمه، وما الذي تريدون أن تصنعون بهم؟ فقالوا: نريد أن نمكن منهم الأمير زياد - لعنه الله - فيرى
__________________
(1) نفس المهموم: 239.
(2) من أقادم أصحاب مولانا الحسين عليهالسلام ، وصفه الشيخ السماوي في ص 70 من كتابه الجليل «أبصار العين في أنصار الحسين» بقوله «كان بُرير شيخاً ناسكاً قارئاً للقران من شيوخ القراء...»
ووصفه الشيخ عباس القمي في ص 266 من الجزء الأول من كتابه «سفينة البحار» بقوله: «كان من عباد الله الصالحين، وكان شيخاً جليلاً من أشراف الكوفة من همدان الذين قال فيهم أمير المؤمنين عليهالسلام :
فلو كنتُ بوّاباً على باب جنّة |
لقلت لهمدان ادخلوا بسلام |
رأيه فيهم. فقال لهم برير: أفلا تقبلون أن يرجعوا إلى مكان الذي أتوا منه؟ ويلكم يا أهل الكوفة أنسيتم كتبكم التي كتبتموها وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها؟ ويلكم دعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنّكم تقتلون أنفسكم دونهم حتى إذا أتوكم أسلمتموهم عن ماء الفرات، بئسما خلفتم نبيّكم في ذريّته، مالكم لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم.
فقال رجل منهم: يا هذا ما ندري ما تقول. فقال برير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة، اللهم إني أبرء إليك من فعال هؤلاء القوم، اللهم إلق بئسهم بينهم حتّى يلقوك وأنت عليهم غضبان (1) .
قال: فجعل القوم يرمونه بالسهام: فرجع برير الى وراءه (2) ، وتقدّم الحسين حتى وقف بإزاء القوم، وجعل ينظر الى صفوفهم وكأنّهم السيل (3) ، ونظر الى ابن سعد لعنه الله واقفاً وحوله صناديد أهل الكوفة، فقال: الحمدلله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرّفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور عن غرّته، والشقي من قتلته، أيّها الناس فلا تغرنكم هذه الدنيا فإنّها تقطع رجاء من ركن إليها، وتخيب من طمع فيها، رأراكم قد اجتمعتم على أمر قد اسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنّبكم رحمته، فنعم الربّ ربّنا، وبئس العبيد أنتم، أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم ثم أنكم زحفتم على ذريته وعترته تريدون قتلهم، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبّاً لكم ولما تريدون وإنا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء
__________________
(1) مقتل الحسين اللخوارزمي: 1 / 252.
(2) تظلّم الزهراء: 180.
(3) البحار: 45 / 5.
قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين (1) .
فقال عمر بن سعد لعنه الله: كلّموه فإنه ابن أبيه ووالله لو وقف فيكم هذا يوماً كاملاً لما انقطع (2) . فتقدّم إليه شمر بن ذي الجوشن وقال: يا حسين مالذي تقول؟ أفهمنا حتى نفهم.
فقال عليهالسلام : أقول أتقوا الله ربك ولا تقتلونني فإنّه لا يحلّ لكم قتلي، ولا انتهاك حرمتي، فإنّي ابن بنت نبيكم، وجدّتي خديجة زوجة نبيّكم، ولعله قد بلغكم قول نبيكم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (3) .
فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول، ولكن أنزل على حكم الأمير ابن زياد.
فقال الحسين عليهالسلام : لا والله، لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لكم إقرار العبيد (4) .
رامت تسوق المصعب |
الهدار مستاق الذلول |
|
ويروح طوع يمينها |
قود الجنيب أبو الشبول |
|
خلط الشجاعة بالبرا |
عة فالصليل عن الدليل |
|
لفّ الرجال بمثلها |
وثنى الخيلول على الخيول |
|
لسانه ولسانه |
صدقان من طعن وقيل |
__________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب: 4 / 100.
(2) نفس المهموم: 245.
(3) بحار الأنوار: 45 / 6.
(4) الإيقاد: 103.
في خطبة الحسينعليهالسلاميوم عاشوراء
قال أهل السير: لمّا عبّأ الحسين عليهالسلام أصحابه وعبّأ ابن سعد أصحابه لمحاربة الحسين عليهالسلام ، ورتّب مراتبم وأقام الرايات في مواضعها، خرج الحسين عليهالسلام عند ذلك ممتطياً جواده حتّى أتى نحو القوم فاستنصتهم، فأبوا أن ينصتوا فصاح بهم: ويلكم، ما عليكم أن تنصتوا فتسمعوا قولي وإنّما أعدوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين، وكلّكم عاص لأمري غير مستمع لقولي، فقد ملئت بطونكم من الحرام، وطبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون، ألا تسمعون، فتلاوموا فيما بينهم وقالوا: انصتوا له (1) . فلمّا رآهم الحسين عليهالسلام قد سكتوا، قال:
تباً لكم أيّتها الجماعة وترحا، أحين استصرختمونا والهين، فاصرخناكم موجفين سللتم علينا سيفاً في إيمانكم، وحششتم علينا ناراً اقتدحناها على عدونا وعدوكم، فأصبحتم البا لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم، ولا أمل أصبح لكم، فهلّا لكم الويلات تركتمونا والسيف مشيم، والجأش طامن، والرأي لما يستحصف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدبى، وتداعيتم إليها كتهافت
__________________
(1) الإيقاد: 104.
الفراش، فسحقاً لكم يا عبيد الأُمّة، وشذاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الأنام، ومحرّفي الكتاب، ومطفىء السنن، وقتلة أولاد الأنبياء، ومبيري عترة الأوصياء، وملحقي العار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخ أئمّة المستهزئين، الذين جعلوا القرآن عضين، وأنتم على ابن حرب واشياعه تعتمدون، وإيّانا تخاذلون، أجل والله، غدر فيكم، وشجت عليه اُصولكم، ونازرت عليه فروعكم، فكنتم أخبث ثمر شجي للناظر، وأكلة للغاصب، ألا وإنّ الدّعي بن الدّعي قد ركز بين أثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منا الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، واُنوف حمية ونفوس أبيه من أن تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام، ألا وقد اعذرت، ألا قد أنذرت، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر، ثم أنشأ يقول:
فإن نهزم فهزّامون قدماً |
وإن تهزم فغير مهزّمينا |
|
وما إن طبّنا جبن ولكن |
منايانا ودولة آخرينا |
|
فقل للشامتين بنا أفيقوا |
سيلقى الشامتون كما لقينا |
ثم قال: أمّا والله لا تلبثون بعدها إلّا كريث ما يركب الفرس حتّى تدور بكم دوران الرحى، وتقلق بكم قلق المحور، عهد عهده إليَّ أبي عن جدّي، فأجمعوا أمركم وشركائكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمّة، ثم أقضوا إليّ ولا تنظرون ( إِنّي تَوَكّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَرَبّكُم مَا مِن دَابّةٍ إِلّا هُوَ آخِذُ بِنَاصِيَتِهَا إِنّ رَبّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ، اللّهم احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلط عليهم غلام ثقيف، يسقيهم كأساً مصبرة، ولا يدع فيهم أحداً إلّا قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي ولآبائي وأهل بيتي وأشياعي منهم، فإنّهم
__________________
(1) إقتباس من الآية 56 من سورة هود.
غرونا وكذبونا وخذلونا، أنت ربّنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (1) .
ثم قال عليهالسلام : أين عمر بن سعد لعنه الله؟ فجاء إليه فقال: يا عمر، أنت تقتلني وتزعم أنّه يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان؟! والله لا تتهنأ بذلك أبداً، عهد معهود، فاصنع ما أنت صانع، فأنت لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، وكأنّي برأسك على قصبة قد نصبت بالكوفة يتراماه الصبيان، ويتخذونه غرضاً بينهم.
فاغتاض اللعين من كلام الحسين عليهالسلام ثم صرف بوجهه عنه ونادى بأصحابه: ما تنتظرون، احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة (2) ، ثم أخذ سهماً ووضعه في كبد القوس ورمى به نحو مخيّم الحسين، وقال: اشهدوا لي عند الأمير ابن زياد - لعنه الله - فإني أول من رمى الحسين (3) ، ثم رمى العسكر كلّه.
قال الراوي: فما بقي من أصحاب الحسين أحد، إلّا وأصابه سهم أو سهمين، من تلك السهام (4) فقال الحسين عليهالسلام لأصحابه، قوموا رحمكم الله الى الموت الذي لابدّ منه، فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم (5) .
قال فحملوا أصحاب الحسين حملة واحدة، وجعلوا يقاتلون حتى اقتتلوا ساعة من النهار. قال الراوي: فقتل من أصحاب الحسين عليهالسلام خمسين رجلاً. قال: ثم أمر أصحابه أن يحملوا على القوم واحداً بعد واحد، وكان الرجل منهم إذا أراد البراز يستأذن الحسين عليهالسلام فيأذن له، ثم يقول: السلام عليك يا أبا عبدالله، فيقول الحسين: وعليك السلام، ثم يحمل على القوم حتى أن عابس بن شبيث
__________________
(1) الملهوف على قتلى الطفوف: 157.
(2) الإيقاد: 105.
(3) مثير الأحزان لابن نما: 56.
(4) تظّلم الزهراء: 158.
(5) نفس المهموم للشيخ عباس القمي: 250.
الشاكري (1) لشوقه واشتياقه للقتل، خرج من الخيام حاسراً (2) وانحدر نحو القوم، فقيل له: عابس أجننت؟ قال: نعم، إنّ حب الحسين عليهالسلام أجنني.
يتهادون الى الحرب سكارى |
طرباً فيه وما هم بسكارى |
__________________
(1) وصفه الشيخ المامقاني في ج 2 ص 112 من كتابه «تنقيح المقال» بقوله: «كان عابس من رجال الشيعة رئيساً شيخاً خطيباً ناسكاً متهجّداً...»
(2) مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 23.
في وحدة الحسينعليهالسلاموخطبته يوم العاشر
لمّا كانت اليوم العاشر من المحرم وتقدّمت أنصار الحسين عليهالسلام فقتلوا، ثمّ تقدمت إخوته وأولاده فقتلوا وبقي وحيداً فريداً، أقبل الى الخيمة ودعى أُخته الحوراء زينب، فجاءت فقال لها: اختاه عَلَيَّ بفرس رسول الله المرتجز (1) وسيفه وعمامته، فجاءت بها إليه فتعمّم بعمامة رسول الله وتقلّد بسيف رسول الله، وركب فرس رسول الله، ثم انحدر نحو القوم ونادى بأعلى صوته: أُنشدكم الله هل تعرفونني من أنا؟ قالوا: اللهم نعم، أنت ابن رسول الله حقّاً. قال أنشدكم الله هل تعلمون أنّ جدي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: اُنشدكم الله هل تعلمون أنّ أبي أبي عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ؟ قالوا: اللهم نعم. قال: انشدكم الله هل تعلمون أنّ اُمّي فاطمة بنت محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ قالوا. اللهم نعم. قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الاُمّة أسلاماً؟ قالوا: اللهم نعم. قال: انشدكم الله هل تعلمون أنّ جعفر الطيار في الجنّة عمّي؟ قالوا: اللهم نعم. قال. انشدكم الله هل تعلمون هذا سيف رسول الله أنا متقلّده؟ قالوا: اللهم نعم. قال: انشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنا لابسها؟ قالوا: اللهم نعم. قال: انشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب أول القوم إسلاماً
__________________
(1) الملهوف على قتل الطفوف: 158.
وأكثرهم علماً وأرجحهم حلماً وأنّه ولي كلّ مؤمن ومؤمنة؟ قالوا: اللهم نعم. قال إذاً بم تستحلّون دمي وأبي الذائد عن الحوض يذود عنه رجالاً كما يذاد البعير الصادر عن الماء، ولواء الحمد بيده يوم القيامة؟
قالوا: قد علمنا ذلك كلّه ونحن غير تاركيك حتّى تذوق الموت عطشاً. فأخذ الحسين بطرف كريمته المباركة وهو يومئذ ابن سبع وخمسين سنة، قال: اشتدّ غضب الله على اليهود حين قالوا العزيز ابن الله، واشتدّ غضبه على النصارى حين قالوا: المسيح ابن الله، واشتدّ غضبه على المجوس حين عبدو النار من دون الله، واشتدّ غضبه على قوم قتلوا نبيّهم، واشتدّ غضبه على هذه العصابة الذين يريدون قتل ابن بنت نبيهم (1) .
قال الراوي: ولمّا رأى الحسين إصرارهم على قتله أخذ المصحف ونشره على يده ونادى: يا قوم بيني وبينكم كتاب الله وسنّة جدي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يا قوم بم تستحلّون دمي؟ ألست أنا ابن بنت نبيّكم؟ أو لم يبلغكم قول جدّي فيّ وفي أخي الحسن، هذان ولداي سيّدا شباب أهل الجنّة، فإن لم تصدّقوني فاسئلوا جابر بن عبدالله الأنصاري، وزيد بن أرقم، وأبا سعيد الخدري، فوالله ما تعمّدت الكذب أبداً مذ علمت أنّ الله يمقت أهله، والله ليس في مشرق ومغرب ابن بنت نبيّ فيكم غيري.
فأجابه الشمر قائلاً: انزل على حكم ابن زياد. فقال الحسين عليهالسلام : لا والله ثمّ حمل عليهم بسيفه وهو يقول (2) .
أنا ابن علي الطهر من آل هاشم |
كفاني بهذا مفخراً حين أفخر |
|
وجدّي رسول الله أفضل من مشى |
ونحن سراج الله في الأرض نزهر |
__________________
(1) أمالي الشيخ الصدوق: 222 وما بعدها.
(2) كما في ج 45 ص 49 من بحار الأنوار للشيخ المجلسي.
فانكشفوا من بين يديه انكشاف المعزي إذا شدّ فيها الذئب، ثمّ انحدر نحو المشرعة وكان عليها أربعة آلاف، فكشفهم عن المشرعة واقتحم الفرس في الفرات ونزل في الماء. قال: فمدّ الحسين يده وغرف غرفة ليشرب وإذا بمنادي ينادي: يا حسين أتلتذ بالماء وقد هتكت حريمك؟ فرمى الماء من يده وخرج من الفرات (1) فحمل الى القوم فكشفهم على وجهه ونظر إلى الخيمة فإذا بها سالمة، فعلم إنّها مكيدة، وناداه رجل آخر: ألا ترى الفرات يجري في بطون الحيات والله لن تذوق منه قطرة حتّى تموت عطشا (2) ، ثم حمل على القوم مرّة ثانية وهو يقول:
أنا الحسين بن علي |
آليت أن لا أنثني |
فلم يزل يقاتل حتى قتل جمعاً كثيراً من الأعداء، ثمّ رجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم (3) .
قال: واصيب بجراحات عديدة، جاء إلى مخيمه وصاح بالنساء، فخرجت إليه الحوراء زينب، فقال لها: أُخيه، عَلَيَّ بالمنديل لأشدّ به هذا الجرح، فجاءت إليه بمنديل لتشدّ له جرحه، وإذا ببدنه كله يشخب دماً، فقالت له: أخي، ايّ جرح اشدّه لك، الجرح الذي في رأسك؟ أم الجرح الذي في جبهتك؟ أم الجرح الذي في صدرك؟ فرفع الثوب عن خاصرته وقال لها: اخية هذا الجرح ضرّني، فصاحت وا أخاه وا حسيناه.
سهم أصابك يابن بنت محمد |
قلباً أصاب لفاطم وفؤادا |
__________________
(1) البحار: 45 / 51.
(2) فقال الحسين عليهالسلام ، اللهم أمتُه عطشاً. قال الراوي: فكان ذلك اللعين يقول اسقوني ماء فيأتون إليه الماء فيشرب حتّى يخرج من فيه حتى هلك.
(3) نفس المهموم: 354.
بقية المجلس في حملات الحسينعليهالسلاميوم عاشوراء
بأبي ابن فاطمة والسيف في يده |
إنّ ابن ميمون سرّاً يعبد الصنما |
|
أو رأسه يتجلّى للهدى قمراً |
على الأسنّة يجلو نوره الظلما |
قال أرباب المقاتل: ولمّا أراد الحسين عليهالسلام أن يحمل على القوم حملته الأخيرة، جعل يودع عياله وأطفاله، فتصارخت العيال والأطفال ودرن حوله؛ فمنهنّ من تقبل رأسه، ومنهنّ من تقبل وجهه، ومنهنّ من تقبل يده ورجليه، وإذا بالمنادي ينادي من القوم: يا حسين، جبنت عن الحرب وجلست في خيمة النساء، فقام وركب الجواد وانحدر نحو القوم، فبينما هو يسير وإذا بصوت من خلفه: أبة لي إليك حاجة، التفت وإذا هي سكينة، فقال لها: بنيّة ما حاجتك؟ قالت: أبه حاجتي أن تنزل من على ظهر جوادك الى الأرض وأُريد أن أوَدِّعك وداع اليتامى. فنزل الحسين عليهالسلام من على ظهر جواده وجلس على الأرض فجعلت سكينة تبكي، فقال الحسين عليهالسلام :
سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي |
منك البكاء إذا الحمام دهاني |
|
لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة |
ما دام منّي الروح في جثماني |
|
فإذا قُتلت فأنت أولى بالذي |
تأتينه يا خيرة النسوان |
قال الراوي: وأقبلت إليه أخته الحوراء زينب، فقالت له أخي أكشف لي
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب: 4 / 109.
عن صدرك وعن نحرك، فكشف لها الحسين عليهالسلام صدره وعن نحره، شمّته في نحره وقبلته في صدره، ثمّ حوّلت وجهها نحو المدينة وصاحت: يا اُمّاه قد استرجعت الأمانة، فتعجّب الحسين عليهالسلام من كلامها، فقال لها: اُخية، وما الأمانة؟ قالت: اعلم يابن والدي، لما دنت الوفاة من اُمّنا فاطمة، قرّبتني إليها وشمّتني في نحري وقبلتني في صدري وقالت لي: بنية زينب، هذه وديعة لي عندك، فإذا رأيت أخاك الحسين وحيداً فريداً، شمّيه في نحره وقبليه في صدره؛ أمّا نحره فإنّه موضع السيف، وأمّا صدره فإنّه موضع حوافر الخيول.
قال الراوي: والله لقد سمعنا منادياً ينادي بين السماء والأرض، وا والداه وا حسيناه، ثم ودّعهم وحمل على القوم فجعل يضرب فيهم بسيفه وهو يقول (1) :
الموت أولى من ركوب العار |
والعار أولى من دخول النار |
قال بعض الرواة: ما رأيت مكثوراً (2) قط قد قتل منه ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً منه عليهالسلام ، وإن كانت الرجال لتشدّ عليه ويشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان يحمل عليهم وقد تكاملوا ثلاثين ألف، فينهزمون من بين يديه كالجراد المنتشر (3) ، ثم يرجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فكان كما قال المتنبي (4) :
واستعار الحديد لوناً وألقى |
لونه في ذوائب الأطفال |
هذا والعطش قد أثر بعينه حتّى صار لا يبصر بهما، وأثر بلسانه حتّى صار
__________________
(1) كما في صفحة 170 من كتاب «الملهوف على قتلى الطفوف».
(2) المكثور: المغلوب.
(3) تاريخ الطبري: 4 / 345.
(4) في قصيدته التي يمدح بها عبدالرحمن بن المبارك الإنطاكي ومطلعها:
حيلةُ الهجر لي وهجرُ الوصالِ |
نكّساني في السُّقمِ نُكسَ الهلالِ |
كالخشبة اليابسة، وأثر بأحشائه حتى صار الغبار يدخل في فيه وينزل الى جوفه ثمّ يخرج مثلما دخل، وأثر العطش في قواه وهو مع ذلك يضرب فيهم بسيفه، فصاح عمر بن سعد بأصحابه: الويل لكم يا حمقاء، أتدرون من تقاتلون، هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب، فاحملوا عليه حملة رجل واحد (1) . ثم إنّهم افترقوا عليه أربعة فرق: ضرباً بالسيوف، طعناً بالرماح، رمياً بالسهام، رضخاً بالحجارة والخشبة، فبينما هو كذلك إذ أتاه حجر مشوم فرقع في جبهته، وسالت الدماء على كريمته المباركة (2) ، أخذ ثوبه ليمسح الدم، بان صدره الشريف إلى الأعداء فرماه أبو الحتوف الجعفي لعنه الله بسهم محدّد مسموم له ثلاث شعب، فوق في لبّة قلبه (3) ، فرفع رأسه إلى السماء وقال: الهي أنت تعلم أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الارض ابن نبيّ غيره (4) ، وكلّما عالج وأراد أن ينتزعه من موضعه ما تمكّن، انحنى على قربوس سرج فرسه قائلاً: بسم الله وبالله وعلى ملّة جدّي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاستخرج السهم من قفاه وجرى الدم كالميزاب (5) .
قال الراوي: وخرج ثلثا كبده مع السم، فخرّ صريعاً إلى الأرض، فجعل جواده يدور حوله ويأخذ عنانه بأسنانه ويضعه بيد الحسين عليهالسلام مشيراً إليه بالقيام، فلمّا رأى الجواد أنّ الحسين لا قابلية له على النهوض، خضب ناصيته بدمه ورجع نحو خيمه كي يعلم النساء بقتله، وهو يصهل ويحمحم ويقول في صهيله:
__________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب: 4 / 110.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 34.
(3) تظلم الزهراء: 209.
(4) مثير الأحزان لابن نما: 73.
(5) الملهوف على قتلى الطفوف: 172.
الظليمة الظليمة الهضيمة الهضيمة من اُمّة قتلت ابن بنت نبيها (1) ، فدرن الهاشميّات حوله وجعلن يتصارخن ويبكين وكأنّي بالحوراء زينب تخاطبه:
يا جواد الحسين أين الحسين |
أين من كان لي عماداً ضلالا |
قال أرباب المقاتل: ولما صرع الحسين عليهالسلام سقط عن ظهر جواده إلى الأرض، وعمل له وسادة من التراب، فنام عليها ثلاث ساعات من النهار، ثمّ أنه عليهالسلام أراد النهوض فلم يتمكن، احتبى بحمائل سيفه وجلس محتبيا.
قال الراوي: وخرج غلام صغير من المخيّم وهو عبدالله بن الحسن عليهالسلام (2) وقرطاه يتذبذبان على خدّيه، فلحقته زينب بنت علي لتحبسه، فأبى وامتنع امتناعاً شديداً، فقال: لا والله، لا افارق عمّي الحسين حتّى إذا جاء الى مصرع عمّه الحسين عليهالسلام وجلس في حجره فصاح به الغلام: ويلك أتضرب عمّي، ثم رفع يده ليمنع الضربة عن عمّه فضربه اللعين فاتّقاها الصبي بيده فأطنها الى الجلدة وإذا هي مطلقة، فنادى الغلام: يا عمّاه، فأخذه الحسين وضمه إليه وقال له: يابن أخي أصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير، فإنّ الله يلحقك بآبائك الصالحين. قال: فرماه حرملة بن كاهل بسهم فوقع الغلام إلى جنب عمه الحسين قتيلاً (3) .
قال الراوي: ورمق الحسين عليهالسلام السماء بطرفه وجعل يقول:
تركت الخلق طرّاً في هواكا |
وأيتمت العيال لكي أراكا |
|
فلو قطّعتني بالحب أرباً |
لما مال الفؤاد الى سواكا |
__________________
(1) مقتل الحسين للمحقق الثبت السيد عبدالرزاق المقرم رحمه الله: 283.
(2) حسب ما جاء في ج 2 ص 110 من كتاب الإرشاد للشيخ المفيد.
(3) بحار الأنوار: 45 / 54.
ثمّ أُغمي على الحسين عليهالسلام ، هذا والأعداء واقفون بإزائه يحجمون عن الإقدام (1) ، ويختلفون في الكلام؛ فقائل يقول: إنّه عمل حيلة، والآخر يقول: ضعف ولا قابلية له على القيام، قال الشمر لعنه الله: فإن أردتم أن تعلموا ذلك فاهجموا على المخيّم؛ فإن كانت به قوّة فستنهض به غيرته للذبّ عن الحرم، فهجموا على المخيّم فتصارخت العيال وتهاتفت به؛ فصاح الحسين عليهالسلام : «ويلكم! أنا الذي أُقاتلكم وتقاتلونني والنساء ليس عليهن ذمام» (2) .
فصاح الشمر: دعوا النساء واقصدوا الرجل بنفسه، فلعمري لهو كفو كريم (3) ؛ فتركوا النساء ورجعوا إليه، فجاء إليه مالك بن النسر، أوّل ما صنع اللعين شتم الحسين عليهالسلام وضربه بالسيف على رأسه، وكان على رأس الحسين برنساً فأمتلأ البرنس دماً، وأخذ الحسين عليهالسلام من دم رأسه وخضّب به وجهه، وقال: «هكذا ألقى الله وأنا مخضّب بدمى» (4) . ثمّ جاء إليه سنان بن أنس وطعنه بالرمح في خاصرته، وطعنه صالح بن وهب في ترقوته، وضربه زرعة بن شريك على حبل عاتقه، ورماه حرملة بن كاهل بسهم فأُغمي عليه (5) .
قال: وصالح عمر بن سعد لعنه الله: مَنْ يأتيني برأس الحسين وله الجائزة؟
فانحدر إليه مالك بن النسر فأحسّ به الحسين فرمقه بطرفه، فرمى السيف من يده وولّى هارباً. فقال له شبث بن ربعي: أنا له، فقال ابن سعد لعنه الله: أنت له، فحمل سيفه وأقبل إلى الحسين عليهالسلام فرمقه الحسين بطرفه، فرمى السيف من يده
_________________
(1) الأخبار الطوال للدينوري: 358.
(2) الملهوف علي قتلي الطفوف: 171.
(3) نفس المهموم: 355.
(4) مقتل العلوالم للشيخ عبدالله البحراني: 296.
(5) نفس المصدر: 299.
وولّى هارباً (1) . فنادى ابن سعد لعنه الله: أما فيكم مَنْ يذبح الحسين ويأتيني برأسه؟!
فغضب الشمر وأقبل إلى الحسين، وكان الحسين يُغمى عليه تارة ويفيق أُخرى، فجاء إليه اللعين وتربّع على صدره، أفاق الحسين عليهالسلام من غشوته وفتح عينيه، وإذا بالشمر جاثٍ على صدره، فقال له الحسين عليهالسلام : «يابن ذي الجوشن أتعرفني مَنْ أنا؟!». قال: نعم، أعرفك، جدّك المصطفى، أبوك المرتضى، أُمّك الزهراء، أخوك الحسن، أقتلك ولا أُبالي (2) . فقال له الحسين عليهالسلام : «أجل، اسقني قطرة من الماء فقد تفتّت كبدي من الظماء». فقال اللعين: بل أسقيك كأس الحمام (3) . ثمّ وضع اللعين سيفه على رقبة الإمام، وأراد أن يحزّ نحره فلم يعمل السيف، فقيل له: ويلك هذا موضع شمّ رسول الله! اقلبه على وجهه، فقلب الحسين على وجهه.
وأقبل الشمر والهنديّ في يده |
فكان ما كان من إنفاذٍ مسطور |
وكان كلّما قطع عرقاً صاح الحسين: « واجداه وا محمداه ».
قال الراوي أدركت الحوراء زينب أخاها وشمر يحزّ نحره، فجعلت
_________________
(1) نعم، لا مبالغة في هذا، فهؤلاء أرباب المقاتل يقولون ما نصّه: «وكلّما انتهي رجلٌ من الناس إليه - أي إلي الحسين عليهالسلام - انصرف عنه» وقالوا أيضاً بعد كلام: «وقد تاواه الناس» كلّ ذلك خوفاً وفرقاً منه عليهالسلام ، يقول السيد حيدر الحلّي ولقد أحسن كلّ الإحسان:
عفيراً متي عافيته الكماة |
يختطف الرعبُ ألوانها |
|
فما أجلت الحربُ عن مثله |
صريعاً يجبّن شجاعتها |
(2) مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 37.
(3) أسرار الشهادة للدربندي: 426.
تمانعه وتوبّخه، وربما تتوسّل به، وتقسم عليه بجدّها رسول الله صلىاللهعليهوآله (1) ، فقام إليها اللعين وضربها، فخرّت مغشيّاً عليها، فلمّا أفاقت من غشوتها رأت رأس أخيها الحسين عليهالسلام (2) على رأس رمح طويل، والمنادي ينادي بين السماء والأرض: قُتل الإمام ابن الإمام أخو الإمام أبو الأئمّة (3) ، وكُسفت الشمس، وتزلزلت الأرض، وهبّت عجاجة سوداء مظلمة، وأخذت الناس الدهشة.
ولمّا قطع الشمر رأسه دفعه إلى خولي؛ ليوصله إلى ابن سعد، ثمّ أقبلوا على سلب الحسين؛ فأخذ قميصه إسحاق بن حوية، وأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ عمامته الأخنس الحضرمي، وأخذ نعليه الأسود بن خالد، وأخذ خاتمة بجدل بن سليم الكلبي وقطع أصبعه مع الخاتم، وأخذ قطيفة كانت له من خزّ قيس بن الأشعث، وأخذ درعه البترآء عمر بن سعد، وأخذ سيفه جميع بن الخلق الأزدي، وقيل: من بني دارم - وهؤلاء كلّهم انتقم الله منهم شرّ انتقام (4)، وصاح الشمر عَليَّ بالنار؛ لأحرق المخيّم، فهجموا على المخيّم وأشعلوا النار فيها؛ فخرجن الفاطميات ناشرات الشعور، لاطمات الخدود، مشقّقات الجيوب، ينادين: وا ضيعتنا بعدك يا أبا عبد الله، وجعل القوم ينتزعون الملاحف من على
_________________
(1) قال المغفور له الحاج هاشم الكعبي رحمهالله في إحدي قصائده العامرة:
وجاءت لشمرٍ زينبُ ابنةُ فاطم |
تعنّفه عن أمره وتُعذّلُ |
|
تدافعهُ بالكف طوراً وتارةً |
إليه بطه جدّها تتوسّل |
|
أيا شمرُ لا تعجل علي ابن محمّدٍ |
فذو ترةٍ في مثله ليس يَعجلُ |
|
أيا شمر هذا حجّةُ الله في الورى |
أعد نظراً يا شمرُ إن كنت تعفل |
|
فمرَّ يحزُّ النحر غير مراقب |
من الله لا يخشي ولا يتوجّلُ |
(2) أسرار الشهادة: 429.
(3) الإيقاد: 135.
(4) انظر بحار الأنوار: 45 / 57 وما بعدها.
ظهور الفاطميات (1) وهنّ يلذن بعضهنّ ببعض، ومنادي القوم ينادي: احرقوا بيوت الظالمين. قال: وجئن النسوة إلى مصرع الحسين عليهالسلام .
فواحدةٍ تحنو عليه تضمه |
وأُخرى عليه بالرداءِ تظلّلُ |
|
وأُخرى بفيضِ النحرِ تصبغُ وجهها |
وأُخرى لما قد نالها ليس تعقل (2) |
فائدة: وفي كتب بعض العلماء قال: إنّه لمّا خمدت النيران يوم عاشوراء افتقدت زينب الأطفال ففقدت طفلتين للحسين؛ فجعلت تدور في المعركة إلى أن وصلت إلى تلّ من الرمل، وجدت الطفلتين قد كشفتا عن صدريها، وقد حفرتا الأرض وجعلتا صدريها على الرمل الرطب من شدّة العطش، حركتهما وإذا بهما ميّتين. صاحت: يا أُمّ كلثوم! ويا فضّة! هلمن لنحملنّهما، فحملنهنّ إلى السجّاد وصحن صيحة واحدة، فاندهش العسكر. فسأل عمر بن سعد: ما الخبر؟ قالوا له: طفلتين ماتتا من العطش. فاجتمع رؤساء عسكره عنده وجعلوا يوبّخونه ويلومونه على منعه: ويلك! إن لم تسقِ الأطفال الماء يهلكوا عن آخرهم. فأمر السقائين أن يحملوا القرب، ويعرضوا عليهم الماء فأمر أربعمئة سقّاء فحملوا القرب، وجاؤوا بها إلى الأطفال والعيال [وهم] ينادون: هلمّوا واشربوا الماء. فلمّا رأوا الأطفال الماء وقد أُبيح لهم، تصارخوا وهرعوا في البيداء ينادون: نحن لا نشرب الماء وسيّدنا قُتل عطشانا. انتهى.
فائدة: ولقد رأوا ذلك اليوم شخصاً عليه طمار بيض يصرخ ويبكي، فقالوا له: أجُننت؟! قال: ما جُننت، ولكنّي أرى ما لا ترون، أرى رسول الله واقفاً
__________________
(1) انظر أمالي الشيخ الصدوق: 228.
(2) من قصيدةٍ عصماء لا زالت تُردّد من على صهوات المنابر للمغفور له الشيخ هاشم الكعبي رضوان الله عليه ومطلعها:
أما طلل يا سعدُ هذا فتسأل |
تزال فهذي الدار إن كنت تنزل |
على مصرع الحسين عليهالسلام واضعاً سبّابته في فيه، أخاف يدعو على هذه الأُمّة فتهلك وأهلك معها. فسُئل السجّاد عن هذا الشخص، قال: «ما أراه ألّا جبرئيل، ولو أُذن له لصرخ صرخة جعل عاليها سافلها».
فائدة: قال الراوي: وانتهبوا رحل الحسين وإبله وأثقاله، وسلبوا النساء وأخرجوهنّ من الخيام مسلّبات حافيات، حاسرات باكيات نادبات، يلذن بعضهنّ ببعض، وهجموا على زين العابدين اجتذبوا النطع من تحته، وألقوه على وجهه؛ هذا يقول: اقتلوه، وذاك يقول: دعوه، والآخر يقول: لا تبقوا لأهل هذا البيت بقيّة، ثمّ تركوه على حاله.
فائدة: روى أبو مخنف قال: قال عبد الله بن العباس: حدّثني مَنْ شهد الواقعة: أنّ فرس الحسين جعل يحمحم، ويتخطّى القتلى في المعركة، قتيلاً بعد قتيل حتى وقف على جثّة الحسين، فجعل يمرّغ ناصيته بالدم، ويلطم الأرض بيده، ويصهل صهيلاً حتى ملأ البيداء، فتعجّب القوم من فعاله، فلمّا نظر عمر بن سعد لعنه الله إلى فرس الحسين قال: يا ويلكم أتوني به. وكان من جياد خيل رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فركبوا في طلبه، فلمّا أحسّ الجواد بالطلب جعل يلطم بيده ورجليه، ويُمانع عن نفسه حتى قتل خلقاً كثيراً، ونكّس فرساناً من خيولهم ولم يقدروا عليه، فصاح عمر بن سعد لعنه الله: دعوه حتى ننظر ما يصنع. فلمّا أمن الجواد من الطلب أتى إلى جُثّة الحسين وجعل يمرّغ ناصيته بدمه، ويبكى بكاء الثكلى، وثار يطلب الخيمة.
فلمّا سمعت زينب بنت علي عليهالسلام صهيله أقبلت إلى سكينة وقالت لها: قد جاء أبوك بالماء، فخرجت سكينة فرحة بذكر أبيها فرأت الجواد عارياً، والسرج خالياً من راكبه، فهتكت خمارها، ونادت: وا أبتاه! وا حسيناه! وا قتيلاه! وا غربتاه! وا بعد سفراه! وا طول كربتاه! هذا الحسين بالعرى، مسلوب العمامة والردا، قد أُخذ
منه الخاتم والحذا، بأبي مَنْ رأسه بأرض وجثّته بأُخرى، بأبي مَنْ رأسه إلى الشام يُهدى، بأبي مَنْ أصبحت حرمه مهتوكة بين الأعداء، بأبي مَنْ عسكره يوم الإثنين مضى، ثمّ بكت بكاءً شديداً، وأنشأت تقول:
ماتَ الفخارُ وماتَ الجودُ والكرمُ |
واغبرّتِ الأرضُ والأفاقُ والحرمُ |
|
وأغلقَ اللهُ أبوابَ السماءِ فما |
ترقى لهم دعوةٌ تُجلى بها الغممُ |
|
يا أُختُ قومي انظري هذا الجوادَ أتى |
ينبئكِ أنّ ابن خيرَ الخلقِ محترمُ |
|
ماتَ الحسينُ فيا لهفي لمصرعهِ |
وصارَ يعلو ضياءَ الأُمّةِ الظلمُ |
فائدة: قال أبو مخنف: ولمّا ارتفع صياح النساء، صاح ابن سعد: ويلكم اكبسوا عليهنّ الأخبية واضرموهنّ ناراً، فاحرقوها ومَنْ فيها. فقال رجل منهم: ويلك يابن سعد! أما كفاك قتل الحسين وأهل بيته وأنصاره عن إحراق أطفاله ونسائه؟! كأنّك تريد أن يخسف الله بنا الأرض؟! فتبادروا إلى نهب النساء الطاهرات.
قالت فاطمة بنت الحسين: كنت في ذلك الوقت واقفة في الخيمة، إذ دخل رجل أزرق العين فأخذ ما كان في الخيمة، ونظر إلى قرطين كانتا في أُذني فجعل يعالجهما وهو يبكي حتى نزعهما، فقلت له: تسلبني وأنت تبكي؟! فقال: أبكي لمصابكم أهل البيت. فقلت له: قطع الله يديك ورجليك، وأحرقك الله تعالى بنار الدنيا قبل الآخرة.
فائدة: قال أبو مخنف: ثمّ إنّ عمر بن سعد لعنه الله قال: مَنْ يبادر إلى جسد الحسين فيوطأه، فابتدر إليه عشرة فوارس فحطّموا صدره وظهره.
إنتهي الجزء الأول من كتاب ثمرات الأعواد
الفهرس
المطلب الاول: في ولادة الحسين عليهالسلام ....6
المطلب الثاني: في كرم الحسين عليهالسلام ....13
المطلب الثالث: في حب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم للحسين عليهالسلام ....19
المطلب الرابع: في بكاء الأنبياء على الحسين عليهالسلام ....26
المطلب الخامس: في بكاء فاطمة عليهاالسلام على ولدها الحسين عليهالسلام ....31
المطلب السادس: في بكاء الأئمّة وشيعتهم على الحسين عليهالسلام ....35
المطلب السابع: في بكاء النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم على الحسين عليهالسلام ....40
المطلب الثامن: في مكارم أخلاق الحسين عليهالسلام ....46
المطلب التاسع: في ترجمة يزيد وكفره 51
المطلب العاشر: في سبب عداوة يزيد بن معاوية مع الحسين عليهالسلام ....57
المطلب الحادي عشر: في مراسلة أهل الكوفة للحسين ووصية معاوية ليزيد .64
المطلب الثاني عشر: في بعض وصية معاوية وتخلف يزيد .69
المطلب الثالث عشر: في موبقات معاوية 74
المطلب الرابع عشر: في زيارة الحسين عليهالسلام قبر جدّه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ووداعه 81
المطلب الخامس عشر: في وداع الحسين عليهالسلام للهاشميين والهاشميات ..85
المطلب السادس عشر: في هيئة سفر الحسين عليهالسلام إلى العراق .89
المطلب السابع عشر: في ترجمة اُمّ هاني ووداعها للحسين عليهالسلام ....94
المطلب الثامن عشر: في سبب عدم سفر محمّد بن الحنفية مع أخيه الحسين عليهالسلام ....101
المطلب التاسع عشر: في كيفية خروج موسى من مدينة فرعون .106
المطلب العشرون: في خروج الحسين عليهالسلام من المدينة ودخوله مكة المكرمة 111
المطلب الحادي والعشرون: في خطبة الحسين عليهالسلام قبل خرجه من مكة المشرفة 118
المطلب الثاني والعشرون: في استنصار الحسين عليهالسلام ....122
المطلب الثالث والعشرون: في ترجمة مسلم بن عقيل عليهالسلام ....126
المطلب الرابع والعشرون: في كيفية دخول ابن زياد الى الكوفة 133
المطلب الخامس والعشرون: في كيفية قبض هاني بن عروة وقتله رحمه الله .139
المطلب السادس والعشرون: في غدر أهل الكوفة بمسلم عليهالسلام وهاني .145
المطلب السابع والعشرون: في شهادة مسلم بن عقيل عليهالسلام ....150
المطلب الثامن والعشرون: في استعلام الحسين عليهالسلام بقتل مسلم عليهالسلام ....154
المطلب التاسع والعشرون: في مقتل أولاد مسلم بن عقيل .158
المطلب الثلاثون: في شهادة رسول الحسين عليهالسلام قيس رحمه الله .163
المطلب الواحد والثلاثون: في كتب الحسين عليهالسلام إلى البصرة 167
المطلب الثاني والثلاثون: في من حظي بالشهادة من أهل البصرة 171
المطلب الثالث والثلاثون: في ترجمة زهير بن القين البجلي رحمه الله .175
المطلب الرابع والثلاثون: في ملاقات الحسين عليهالسلام للحرّ وما جرى بينهما 181
المطلب الخامس والثلاثون: في كيفية سعادة الحر ولحوقه بالحسين عليهالسلام ....187
المطلب السادس والثلاثون: في نصيحة كامل لابن سعد لعنه الله .192
المطلب السابع والثلاثون: في اجتماع الحسين عليهالسلام مع ابن سعد .197
المطلب الثامن والثلاثون: في ما صدر في ليلة العاشر من المحرم 202
المطلب التاسع والثلاثون: في ترجمة حبيب بن مظاهر رحمه الله .206
المطلب الأربعون: في استنصار حبيب بن مظاهر لبني أسد .212
المطلب الواحد والأربعون: في ترجمة العباس بن علي بن أبي طالب عليهمالسلام ....218
المطلب الثاني والأربعون: في ترجمة العباس بن علي عليهماالسلام ومصرعه 223
المطلب الثالث والأربعون: في ترجمة علي الأكبر عليهالسلام ....228
المطلب الرابع والأربعون: في شهادة علي بن الحسين الأكبر عليهماالسلام .....234
المطلب الخامس والأربعون: في ترجمة القاسم بن الحسن وشهادته عليهالسلام ....238
المطلب السادس والأربعون: في ما جرى في يوم التاسع من المحرم 244
المطلب السابع والأربعون: في ما جرى في ليلة العاشر من المحرم 250
المطلب الثامن والاربعون: في حالة الحسين عليهالسلام ليلة العاشرة من المحرم 257
المطلب التاسع والأربعون: في تعبئة الحسين عليهالسلام أصحابه للقتال يوم عاشوراء 262
المطلب الخمسون: في خطبة الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء 266
المطلب الواحد والخمسون: في وحدة الحسين عليهالسلام وخطبته يوم العاشر 270
بقية المجلس في حملات الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء 273