ثمرات الأعواد- الجزء 2
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب علي بن الحسين الهاشمي الخطيب
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404




المطلب الأوّل

في مسير السبايا والرؤوس إلى الكوفة

أي يوم أدمى المدامع فيه

حادث رائع وخطب جليل

يوم عاشور الذي لا أعان الصّـ

حبُ فيه ولا أجار القبيل

يا ابنَ بنت النبي ضيّعت العهـ

د رجال والحافظون قليل

ما أطاعوا النبي فيكَ وقد ما

لت بأرواحهم إليك الذحول

يا جواداً أدمى الجواد من الطعـ

ـن وولى ونحره مبلول

يا حساماً فلّت مضاربه الها

م وقد فله الحسام الصقيل

أَتُراني ألذّ ماءً ولما

يُروَ من مهجة الإمام الغليل

أتراني أعير وجهي صوناً

وعلى وجهه تجول الخيول

قبّلته الرماح واتّصلَت فيـ

ـه المنايا وعانقته النُّصول

غسّلته دماؤه قلّبته

أرجل الخيل كفّنته الرمول

والسبايا على النجائب تستا

ق وقد نالت الجيوب الذيول

وتشاكين والشكاة بكاء

وتنادينَ والنداء عويل (1)

__________________

(1) من قصيدة عامرةٍ للشريف الرضي رحمه‌الله استهلها بقوله:

راحل أنت واللّيالي نزولُ

ومُضرُّ بك البقاءُ الطويلُ



إنّ أعظم الرزية وأجلّ المصيبة حلّت بآل الرسول وبنات الزهراء البتول بعد قتل الحسين عليه‌السلام وذويه وأنصاره ونهب رحله وحرق مضاربه هي تسيير عيالاته اسارى من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام كما ذكر المرحوم السيد حيدر بقصيدته النونية (1):

وأجلّ يوم بعد يومك حلّ في

الإسلام منه يشيب كلّ جنين

يوم سرت أسرى كما شاء العدى

فيه الفواطم من بني يس

إتفق أرباب المقاتل على أنّ أهل الكوفة ساروا ببنات الرسالة وصبية الحسين عليه‌السلام من كربلاء يوم الحادي عشر من المحرم بعد الزوال، كما ذكر ذلك السيد بن طاووس في اللهوف (2) وغيره، أقام عمر ابن سعد بقية يومه - أي يوم عاشوراء - واليوم الثاني إلى زوال الشمس، ثم رحل بمن تخلف من عيال الحسين وحمل نساءه على أحلاس (3) أقتاب الجمال بغير غطاء ولا وطاء، ولمّا حملوا النساء اُسارى مرّوا بهن على الحسين عليه‌السلام وأصحابه وهم صرعى فصحن النسوة وصاحت الحوراء زينب: يا محمداه صلى عليك مليك السماء، هذا الحسين مزمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، وبناتك سبايا، وذرّيّتك مقتّلة تسفى عليها الصبا (4) .

قال الراوي: فأبكت كلّ عدوّ وصديق (5) .

__________________

(1) المثبتة في ديوانه المطبوع وإليك مطلعها:

إن ضاعَ وتركَ يابن حامي الدّينِ

لا قال سيفك للمنايا كونِ

(2) انظر الملهوف على قتلى الطفوف: 189.

(3) الأحلاس مفردها حلس بكسر الحاء والحلس كل ما يوضع على ظهر الدابة تحت السرج أو الرحل.

(4) مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 39.

(5) تأريخ الطبري: 4 / 348.


وقيل: أرادت أن ترمي بنفسها من على ظهر الناقة ناداها السجاد: عمّه ارحمي حالي، ارحمي ضعف بدني، عمّه إذا رميت بنفسك من يركبك وأنا مقيّد؟ قالت: يابن أخي أريد أن اُودع أخي الحسين عليه‌السلام . فقال لها: عمّه ودعي أخاك وأنت على ظهر الناقة، فجعلت تنادي: أخي أودعتك الله السميع العليم، يابن أُم والله لو خيروني بين المقام عندك أو الرحيل عنك لاخترت المقام عندك ولو أن السباع تأكل لحمي، قال المرحوم السيد رضا:

همّت لتقضي من توديعه وطراً

وقد أبى سوط شمر أن تودعه

ففارقته ولكن رأسه معها

وغاب عنها ولكن قلبها معه

هذا وقد أمر ابن سعد بأن تحمل الرؤوس على رؤوس الرماح وتسير السبايا، فأقبلوا يجدون السير حتى وافوا القائم (1) فوضعوا هناك رأس الحسين عليه‌السلام وهو أول منزل انزل به الرأس الشريف، فباتوا ليلتهم حتى الصباح، وأدخلوا على ابن زياد، ولمّا أدخلوا السبايا الى الكوفة، كان ابن زياد قد أمر في ذلك اليوم أن لا يخرج أحد من أهل الكوفة بسلاحه، هذا وقد عين عشرة ألاف فارس وأمرهم أن يأخذوا السكك والطرقات خوفاً من السواد من أن تحركهم الحمية والغيرة على أهل البيت، إذا رأوهم بهذه الصفة اسارى؛ وأمر أن تجعل الرؤوس في أوساط المحامل فوضعت، فلمّا نظرت أم كلثوم إلى رأس أخيها الحسين بكت وأنشأت تقول:

__________________

(1) القائم هو اليوم مسجد الحنانة انزل فيه رأس الحسين عليه‌السلام وفيه يزار الحسين، وكان قبل هذا يقال له القائم ويسمّى بالعلم، وكان أمير المؤمنين عليه‌السلام يأتي الى هذا الموضع في الليالي المظلمة ويصلّي فيه، حتى روي عن المفضل ابن عمر، أنّه قال: جاز الصادق عليه‌السلام بالقائم المائل في طريق الغري فصلّى ركعتين، فقيل له: ما هذه الصلاة؟ قال: هذا موضع رأس جدي الحسين عليه‌السلام وضعوه هنا، وذلك لمّا توجهوا به من كربلا.


ماذا تقولون إذ قال النبي لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الامم

بعترتي أهل بيتي بعد مفتقدي

منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم

ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم

أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم

قال: وأنشأت زينب بنت أمير المؤمنين عليهما‌السلام أيضاً في ذلك اليوم مخاطبة أهل الكوفة:

قتلتم أخي صبراً فويل لاُمّكم

ستجزون ناراً حرها يتوقد

سفكتم دماء حرّم الله سفكها

وحرّمها القران ثم محمد

ألا فابشروا بالنار إنكم غداً

لفي سقر حقاً جميعاً تخلدوا

وإني لأبكي في حياتي على أخي

على خير من بعد النبي سيولد

بدمع غزير مستهل مكفكف

على الخد مني دائماً ليس يحمد

وكذلك أنشأ السجاد في ذلك اليوم، وهو في حالة السقم مخاطباً أهل الكوفة:

يا اُمّة السوء لا سقياً لربعكم

يا اُمّة لم تراع جدنا فينا

لو إننا ورسول الله يجمعنا

يوم القيامة ما كنتم تقولونا

تسيرونا على الأقتاب عارية

كأننا لم نشيد فيكم دينا

نعم، سيروهم على أقتاب الإبل بغير غطاء ولا وطاء كما قال الشاعر:

اسارى بلا فاد ولا من ماجد

يعنفها حاد ويشجى مركب (1)

__________________

(1) (فائدة) قال أرباب المقاتل: ولمّا قتل الحسين عليه‌السلام أرسل عمر ابن سعد رأسه من يومه أي يوم عاشوراء - إلى ابن زياد مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي، وأمر عمر بن سعد برؤوس أصحاب الحسين عليه‌السلام وأهل بيته فقطّعت وكانت أثنين وسبعين رأساً، وسرّح بها مع شمر ابن ذي الجوشن وقيس من الأشعث، وعمرو بن الحجاج، وعروة بن قيس، ليقدموا بها على ابن زياد فحملوها على أطراف الرماح.


المطلب الثاني

يتضمّن خطبة العقيلة زينب واُختها اُم كلثوم عليهما‌السلام في الكوفة (1)

لمّا أدخلوا السبايا والرؤوس إلى الكوفة وخرج أهلها للنظر والتفرج عندئذ خطبت عقيلة بني هاشم ابنة علي عليه‌السلام تلك الخطبة البليغة فأعجبتهم ببلاغتها وحيّرتهم بفصاحة منطقها، وذكرتهم أيّام أبيها سيد البلغاء حتى قال بشير بن خزيم الأسدي: نظرت الى زينب ابنة علي عليه‌السلام يومئذ ولم أر خفرة (2) والله أنطق منها كأنّما تنطق وتفرغ من لسان علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، وقد أومأت الى الناس أن اسكتوا، فارتدّت الأنفاس وسكنت الأجراس، ثم قالت:

(أبدأ بحمد الله والصلاة والسلام على نبيّه محمّد، أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختر (3) ألا فلا رقأة العبرة، ولا هدأة الرنّة؛ إنّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، تتّخذون إيمانكم دخلاً بينكم، ألا وهل فيكم إلا

__________________

(1) ذهب العلامة الكبير الشيخ المجلسي المتوفي سنة 1111 هـ مثبتا في كتابه (بحار الأنوار) في مجلد العاشر منه أنّها لزينب الكبير وأيّده جميع مؤلّفوا المقاتل، غير أنّ أبا الفضل أحمد ابن أبي طاهر المتوفي سنة 204 ذكر في كتابه (بلاغات النساء) أنّها لأختها اُم كلثوم عليهما‌السلام .

(2) الخفر بفتحتين شدة الحياء، جارية خفرة، بكسر الخاء مختار الصحاح.

(3) الختر بفتح الخاء وسكون التاء وسكون الراء الغدر، يقال: خترة فهو ختّار.


الصلف (1) والشنف (2) وملق الإماء، وغمزة الأعداء، وهل أنتم إلا كمرعى على دمنة، أو كقصّة * على ملحوده، ألا ساء ما قدمت أنفسكم ان سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، أتبكون: اي والله فابكوا وإنّكم والله أحرياء بالبكاء، فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، فلقد بؤتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها (3) بغسل بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتل سليل خاتم النبوة، ومعدن الرسالة وسيّد شباب أهل الجنة، ومَنار محجّتكم، ومدرّة حجّتكم، ومفزع نازلتكم، فتعساً ونكساً، لقد خاب السعي، وخسرت الصفقة، وبؤتم (4) بغضب من الله وضربت عليكم الذلة والمسكنة ( لّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السّماوَاتُ يَتَفَطّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقّ الأَرْضُ وَتَخِرّ الْجِبَالُ هَدّاً ) (5) أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم؟ وأي كريمة له أبرزتم؟ وأي دم له سفكتم؟ لقد جئتم بها شوهاء، وخرقاء، شوهاء كطلاع الأرض والسماء، أفعجبتم أن قطرت السماء دما ( وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى‏ وَهُمْ لاَ يُنصَرُونَ ) (6) فلا يستخفنّكم المهل فإنّه لا تحفزه المبادرة، ولا يخاف عليه فوت الثار، كلّا إنّ ربك لنا ولهم بالمرصاد)، ثم ولّت عنهم الناس حيارى وقد ردّوا أيديهم إلى افواههم، ورأيت شيخاً كبيراً من بني جعف وقد أخضلّت لحيته من دموع عينيه وهو يقول:

__________________

(1) زعم الخليل أنّ الصلف مجاوزة قدر الظرف والإدّعاء فوق ذلك تكبّراً فهو رجل صلف وبابه فرح.

(2) شنف له كفر ابغضه وتنكّره، ومنه الشانف المعرض.

(*) القصة: بالفتح الجص لغة حجازية.

(3) رحض يده وثوبه غسّله وبابه قطع.

(4) بؤتم أي رجعتم.

(5) سورة مريم: 89 - 90.

(6) سورة فصلت من الآية 16.


كهو لكم خير الكهول ونسلهم

إذا عدّ نسل لا يبور ولا يخزى

قال السيد ابن طاووس (1) : وخطبت أم كلثوم بنت علي عليهما‌السلام في ذلك اليوم من وارء كلتها رافعة صوتها بالبكاء، فقالت:

(يا أهل الكوفة سوئه لكم، مالكم خذلتم حسيناً وقتلتموه، وانتهبتم أمواله وورثتموه، وسبيتم نساءه ونكبتموه، فتبّاً لكم وسحقا، ويلكم أتدرون أيّ دواه دهتكم؟ وأيّ وزر على ظهوركم حملتم، وأيّ دماء سفكتموها، وأيّ كريمة أصبتموها، وأيّ حبية سلبتموها، وأيّ أموال انتهبتموها، قتلتم خير الرجالات بعد النبي، ونزعت الرحمة من قلوبكم ( ألا إن حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ وحزب الشيطان هم الخاسرون ) (2)

أقول: نعم نزعت الرحمة من قلوبهم فلم يراعوا طفلة لبكائها، ولم يرقّوا على طفل لحنينه، بل كانوا يوجعونهم ضربا، كما قالت سكينة: وإذا دمعت من أحدنا عين قرعوا رأسها بالرمح.

فإن يبكي اليتيم أباه شجوناً

مسحن سياطهم رأس اليتيم (3)

وقال آخر:

وإذا حن بالسبايا يتيم

جاوبته أرامل ويتامى

__________________

(1) في ص 198 من كتابه الملهوف على قتلى الطفوف.

(2) سورة المجادلة / 19.

(3) من قصيدة للمغفور له السيد مهدي الأعرجي رحمه‌الله مطلعها:

سقت ربعاً بسلع فالغميم

غوادي الدمع للغيث العميمِ


المطلب الثالث

في خطبة فاطمة بنت الحسين عليهما‌السلام بالكوفة

في البحار يروي عن زيد بن موسى، قال: حدثني أبي عن جدّي عليه‌السلام قال: خطبت فاطمة الصغرى بعد أن وردت من كربلاء فقالت:

(الحمد لله عدد الرمل والحصى، وزنة العرش إلى الثرى، أحمده وأؤمن به وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله الّا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده رسوله وأنّ أولاده ذبحوا بشط الفرات، بغير ذحل ولا تراث، اللّهمّ إني أعوذ بك أن أفتري عليك الكذب، أو أن أقول خلاف ما أنزلت عليه، من أخذ العهود لوصيّة علي بن أبي طالب عليه‌السلام المسلوب حقّه، المقتول من غير ذنب، كما قتل ولده بالأمس، في بيت من بيوت الله، فيه معشر مسلمة بألسنتهم، تعساً لرؤوسهم، ما دفعت عنه ضيماً في حياته، ولا عند مماته، حتى قبضته إليك محمود النقيبة، طيب العريكة، معروف المناقب، مشهور المذاهب، لم تأخذه فيك اللهم لومة لائم، ولا عذل عاذل، هديته اللّهمّ للإسلام صغيراً، وحمدته مناقبه كبيراً، ولم يزل ناصحاً لك ولرسولك، حتى قبضته إليك زاهداً في الدنيا، غير حريص عليها، راغباً في الآخرة، مجاهداً في سبيلك، رضيته فاخترته، وهديته الى صراط المستقيم.

أمّا بعد: يا أهل الكوفة، يا أهل المكر والغدر والخيلاء، إنّا أهل البيت ابتلانا


الله بكم، وابتلاكم بنا، فجعل بلاءنا حسناً، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا، فنحن عيبة علمه، ووعاء فهمه، وحكمته وحجّته على الأرض في بلاده لعباده، أكرمنا الله بكرامته، وفضّلنا بنبيه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، على كثير ممن خلق تفضيلا بيّناً، فكذّبتمونا وكفرتمونا، رأيتم قتالنا حلالاً، وأموالنا نهباً، كأنّنا أولاد ترك وكابل، كما قتلتم جدنا بالأمس، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت، لحقد متقدم قرّت لذلك عيونكم، وفرحت قلوبكم، افتراء على الله ومكراً مكرتم والله خير الماكرين، فلا تدعونّكم أنفسكم الى الجذل (1) بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فإنّ ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة، في كتاب قبل أن نبرءها ( إِنّ ذلِكَ عَلَى‏ اللّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى‏ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (2) تبّاً لكم فانتظروا اللعنة والعذاب، فكأنّ قد حل بكم وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم (3) بعذاب، ويذيق بعضكم بئس بعض، ثم تخلدون في العذاب الأليم يوم القيامة، بما ظلمتمونا ألا لعنة الله على الظالمين، ويلكم أتدرون أيّة يد طاعتنا منكم؟ وأيّة نفس نزعت إلى قتالنا؟ أم بأيّة رجل مشيتم إلينا؟ تبغون محاربتنا، والله لقد قسمت قلوبكم وغلظت أكبادكم، وطبع على افئدتكم، وختم على سمعكم وبصركم، وسوّل لكم الشيطان، وأملى لكم، وجعل على بصركم غشاوة، فأنتم لا تهتدون، فتباً لكم يا أهل الكوفة، أيّ ترات لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبلكم، وذحول له لديكم، بما عندتم بأخيه علي بن أبي طالب عليه‌السلام جدّي وبنيه وعترته الطيبين الأخيار، فافتخر بذلك مفتخركم قائلا:

__________________

(1) الجذل الفرح.

(2) سورة الحديد: 22 - 23.

(3) يسحتكم أي يهلككم ويستأصلكم.


نحن قتلنا عليّاً وبني علي

بسيوف هندية ورماح

وسبينا نساءه سبي ترك

ونطحناهم فأيّ نطاح

بفيك أيّها القائل الكثكث والأثلب (1) افتخرت بقتل قوم زكاهم الله وطهرهم، وأذهب عنهم الرجس، فاكظم واقع كما أقعى (2) أبوك فإنّما لكلّ امرء ما اكتسب وما قدمت يداه، احسدتمونا ويلكم على ما فضلنا الله به.

فما ذنبنا إن جاش دهراً بحورنا

وبحرك ساج ما يواري الدعامصا (3)

ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)

قال: فارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب، وقالوا: حسبك يا ابنة الطيبين، فقد احرقت قلوبنا، وأنضجت نحورنا، وأضرمت أجوافنا، فسكتت ويحق للقائل أن يقول:

بنات آكلة الأكباد في في كلل

والفاطميات تصلى في الهواجير

وللسيد حيدر الحلي رحمه‌الله :

من كلّ باكية تجاوب مثلها

نوحاً بقلب الدين منه اوار

شهدت قفار البيد إنّ دموعها

منها القفار غدون وهي بحار

__________________

(1) والكثكث والأثلب بالضم والكسر فيهما فتات الحجارة والتراب.

(2) الإقعاء جلوس الكلب على إسته.

(3) دعامص جمع دعموص وهي دويبة تغوص في الماء والبيت للاعشى.


المطلب الرابع

في خطبة السجاد زين العابدين عليه‌السلام بالكوفة

ذكر أرباب المقاتل: أنّ السجاد زين العابدين عليه‌السلام خطب خطبة بالكوفة، غير أنّهم اختلفوا متى خطبها؛ فبعضهم يرويها عند دخوله إلى الكوفة مع الأسارى، وهو في حالة الأسر يوم الثالث عشر من المحرم، وبعضهم ذكر: أنّها كانت بعد الأسر عند رجوعه من الشام إلى كربلاء ومنها توجه إلى المدينة فكان طريقه على الكوفة وخطب هذه الخطبة.

قال الطبرسي رحمه‌الله في كتابه الإحتجاج: ثم نزل علي بن الحسين وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ودخل الفسطاط، قال: هذا حذيم بن بشير الأسدي، خرج زين العابدين الى الناس، وأومى إليهم ان اسكتوا فسكتوا، وهو قائم فحمد الله وأثنى عليه، وذكر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فصلّى عليه ثم قال:

«أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي، أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، أنا ابن من انتهكت حرمته وسلبت نعمته (1) ، وانتهب ماله، وسبي عياله، أنا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات، أنا ابن من قتل صبراً، وكفى بذلك فخراً، أيها الناس أنشدكم الله هل

__________________

(1) وفي نسخة أخرى: وسلب نعيمه، والظاهر وسلبت عمّته.


تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه واعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة وقاتلتموه، فتبّاً لما قدمت لأنفسكم وسوأة لرأيكم بأية عين تنظرون إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذ يقول لكم: قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي؟ فلستم من أُمّتي).

قال الراوي: فارتفعت الأصوات من كلّ ناحية ويقول بعضهم لبعض: هلكتم وما تعلمون.

فقال عليه‌السلام : (رحم الله امرءاً قبل نصيحتي وحفظ وصيتي، في الله وفي رسوله وأهل بيته، فإنّ لنا في رسول الله أسوة حسنة).

فقالوا بأجعمهم: نحن كلّنا يابن رسول الله سامعون ومطيعون، حافظون لذمامك غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك، فمرنا بأمرك يرحمك الله فإنّا حرب لحربك وسلم لسلمك، لنأخذنّ وترك ووترنا ممن ظلمك ونبرأ منه.

فقال عليه‌السلام : (هيهات هيهات أيّتها الغدرة المكرة، حيل بينكم وبين شهوات أنفسكم، أتريدون أن تأتوا إليّ كما أتيتم إلى آبائي من قبل؟ كلّا وربّ الراقصات فإنّ الجرح لما يندمل، قتل أبي بالأمس وأهل بيته معه، ولم ينس ثكل رسول الله وثكل أبي وبني أبي ووجده بين لهاتي (1) ومرارته بين حناجري، وحلقي وغصصه تجري في فراشة (2) صدري، ومسئلتي أن تكونوا لا لنا ولا علينا، ثم قال عليه‌السلام :

لا غرو إن قتل الحسين فشيخة

قد كان خيراً من الحسين وأكرما

فلا تفرحوا يا قوم ما كان بالذي

اُصيب الحسين كان ذلك أعظما

قتيل بجنب النهر روحي فداؤه

جزاه الذي أرداه نار جهنّما

وفي البحار يروي مرسلاً عن مسلم الجصاص، قال: دعاني ابن زياد لعنه

__________________

(1) اللهاة اللحمة التي تكون في أقص الفم.

(2) الفراشة كل رقيق من العظم.


الله لإصلاح دار الأمارة بالكوفة، فبينا أنا أجصص الأبواب وإذا بالزعقات قد ارتفعت من جنباب الكوفة، فأقبل عليَّ خادم كان معنا، فقلت: مالي أرى الكوفة تضجّ؟ قال: الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد، فقلت: من هذا الخارجي؟ فقال: الحسين بن علي، قال: فتركت الخادم حتى خرج، لطمت وجهي حتى خشيت على عينيّ أن تذهبا، وغسلت يدي من الجص وخرجت من ظهر القصر، وأتيت الى الكناس، فبينا أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس، وإذا بالمحامل نحو ثمانين شقة تحمل على أربعين جملا فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة الزهراء وإذا بعلي بن الحسين عليه‌السلام على بعير بغير وطاء وأوداجه تشخب دماً، وهو يبكي ويقول:

يا أُمّة السوء لا سقياً لربعكم

يا أُمّة لم تراع جدّنا فينا

لو أنّنا ورسول الله يجمعنا

يوم القيامة ما كنتم تقولونا

تسيّرونا على الأقتاب عارية

كأنّنا لم نشيّد فيكم دينا

تصفقون علينا كفّكم طرباً

وأنتم في فجاج الأرض تسبّونا

أليس جدّي رسول الله ويلكم

أهدى البرية من سبل المضلّينا

والذي عظم على بنات الرسالة وزاد أشجانها وهو إن نساء الأنصار اللاتي ترملن يوم كربلاء وجئ بهن مع عيال الحسين عليه‌السلام اسارى الى الكوفة تشفعوا فيهن ذوي رحمهن عند ابن زياد (لعنه الله) فأمر بتسريحهن وبقيت بنات رسول الله فوصفها الشاعر بقوله:

لا من بني عدنان يلحضها

ندب ولا من هاشم بطل

إلّا فتى نهبت حشاشته

كفّ المصاب وجسمه العلل

وقال الآخر:

ذاب فما في جسمه مفصل

إلّا وفيه ألم ثابت

رقّ له الشامت ممّا به

ما حال من رقّ له الشامت


المطلب الخامس

في دخول السبايا على ابن زياد لعنه الله بالكوفة

قال الشيخ المفيد رحمه‌الله (1) : لمّا وصل رأس الحسين عليه‌السلام بالكوفة ووصل ابن سعد من غد يوم وصوله، ومعه بنات الحسين عليه‌السلام وأهله، جلس ابن زياد للناس في قصر الإمارة وأذن للناس إذناً عاماً، وأمر بأحضار الرأس فوضع بين يديه، وجعل ينظر إليه ويتبسم، ودخلت زينب أخت الحسين عليه‌السلام في جملتهم متنكرة عليها أرذل ثيابها.

وفي نفس المهموم عن الطبري والجزري: لبست زينب ابنة فاطمة عليهما‌السلام أرذل ثيابها وتنكرت وحفّت بها إماؤها فقال: فقال ابن زياد: من هذه التي انحازت ناحية ومعها النساء؟ وقيل: قال: من هذه المتنكّرة؟ فلم تجبه زينب عليها‌السلام ، فأعادها ثانية وثالثة، فقالت له بعض إمائها: هذه زينب ابنة فاطمة بنت رسول الله. فأقبل عليها ابن زياد لعنه الله وقال: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب اُحدوثتكم. فقالت زينب عليها‌السلام : الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وطهّرنا من الرجس تطهيراً، إنّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر وهو غيرنا يابن مرجانة.

وقال في اللهوف: فقال لها ابن زياد: كيف رأيت صنع الله بأخيك الحسين

__________________

(1) في ج 2 ص 114 من كتابه الإرشاد.


وأهل بيتك؟ فقالت: ما رأيت إلّا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذٍ، ثكلتك أُمّك يابن مرجانة.

قال الراوي: فغضب ابن زياد وهو بها ليضربها، فقال له عمرو بن حريث: إنّها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها، ولا تذم على خطابها، فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعصاة المردة من أهل بيتك. فقالت عليها‌السلام : لعمري لقد قتلت كهلي وقطعت فرعي واجتثثت اصلي، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت. فقال ابن زياد: هذه سجّاعة ولعمري لقد كان أبوها شاعراً سجاعاً. فقالت: يابن زياد: ما للمرأة والسجاعة، إن لي عن السجاعة لشغلا (1) وإني لأعجب ممن يشتفي بقتل أئمته وهو يعلم أنهم منتقمون منه في آخرتها.

وتكلّمت أم كلثوم بمثل هذا الكلام، وقالت: يابن زياد إن كان قد قرّت عينك بقتل الحسين عليه‌السلام فقد كانت عين رسول الله تقر برؤيته، وكان يقبله ويمصّ شفتيه ويحمله وأخاه على ظهره فاستعد غداً للجواب.

فقال السجاد لابن زياد: إلى كم تهتك عمّتي زينب بين من يعرفها ومن لم يعرفها؟! فقال ابن زياد: من هذا المتكلّم؟ فقال: أنا علي بن الحسين. فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟ فقال علي عليه‌السلام : قد كان لي أخ يقال له علي بن الحسين قتله الناس، فقال: بل الله قتله، فقال علي بن الحسين عليه‌السلام ( اللّهُ يَتَوَفّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ) (2) . فقال ابن زياد: لك جرأة على رد جوابي، يا غلمان خذوا هذا العليل واضربوا عنقه.

__________________

(1) انظر مقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 42.

(2) سورة الزمر من الآية 42.


قال الراوي: فتعلّقت به عمّته زينب والتفتت الى ابن زياد (لعنه الله) وقالت: حسبك يابن زياد من دمائنا ما سفكت، أترك لنا هذا العليل. فإن أردت قتله فاقتلني قبله، فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة، ثم قال: عجباً للرحم، والله لأظنّها ودّت أني قتلتها معه، دعوه فإنّي أراه لما به. فقال السجاد لعمّته: اسكتي يا عمّة حتى اُكلّمه، ثم أقبل عليه، وقال له: أبالقتل تهدّدني يابن زياد؟ أما علمت أنّ القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة؟!

قال الراوي: ثم أمر ابن زياد بعلي ابن الحسين عليه‌السلام فغل وحمل مع النسوة إلى دار كانت إلى جنب المسجد الأعظم. فقالت زينب بنت علي: لا تدخل علينا عربية إلّا اُم ولد أو مملوكة فإنّهنّ سبين كما سبينا.

قال: وأمر ابن زياد (لعنه الله) برأس الحسين عليه‌السلام فطيف به في سكك الكوفة كلها وقبائلها، قال زيد ابن أرقم (1) : مرّوا علي برأس الحسين عليه‌السلام وهو على الرمح وأنا في غرفة لي، فلمّا حاذاني سمعته يقرأ هذه الآية ( أَمْ حَسِبْتَ أَنّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ) (2) فوقف والله شعري، وناديت: يابن رسول الله، والله إنّ أمرك أعجب وأعجب. ولمّا فرغوا من التجوال به في السكك والطرقات، أمر ابن زياد أن ينصب على خشبة بالصيارفة، وهو أول رأس صلب في الاسلام على خشبة.

قال: فتنحنح الرأس وقرأ سورة الكهف الى قوله تعالى: ( آمَنُوا بِرَبّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً ) (3) .

__________________

(1) زيد بن أرقم الأنصاري من أهل بيعة الرضوان.

(2) سورة الكهف 9.

(3) سورة الكهف من الآية 13.


وعن سلمة بن كهيل، قال: سمعت رأس الحسين عليه‌السلام وهو على الرمح يقرأ هذه الآية: ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (1) .

وتارة يسمعونه يقرأ هذه الآية: ( وَسَيَعْلَمُ الّذِينَ ظَلَمُوا أَيّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ ) (2) .

وعن الحارث بن وكيدة، قال: كنت فيمن حمل رأس الحسين عليه‌السلام ، فسمعته يقرأ سورة الكهف، فجعلت أشك في نفسي وأنا أسمع نغمة صوت أبي عبدالله عليه‌السلام : (يابن وكيدة أما علمت أنّا معاشر الأئمّة أحياء عند ربنا نرزق؟!) قال ابن وكيدة: فقلت في نفسي: أسرق رأسه الشريف، فناداني: (يابن وكيدة ليس لك الى ذلك سبيل، إنّ سفكهم دمي أعظم عند الله من تسييرهم إياي ( فذرهم فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ ) (3) .

ألم تعه يتلوا الكتاب ونوره

يشقّ ظلام الليل والليل مسدف

رأس ابن بنت محمّد ووصيه

للناظرين على قناة يرفع

والمسلمون بمنظر وبمسمعٍ

لا منكر منهم ولا متفجّع

كحلت بمنظرك العيون عماية

واصمّ رزؤك كلّ اُذن تسمع

__________________

(1) سورة البقرة من الآية 137.

(2) سورة الشعراء من الآية 227.

(3) سورة غافر: 71.


المطلب السادس

في خطبة ابن زياد بالجامع وجواب عبدالله بن عفيف له

ومقتل عبدالله رحمه‌الله

قال أرباب المقاتل والسير: لمّا قتل الحسين عليه‌السلام أظهر ابن زياد الفرح والشماتة بقتله، وأمر مناديه أن ينادي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس في المسجد الأعظم وصعد هو على المنبر وقد لاح الفرح والسرور في وجهه المشوم، فخطب، وقال في خطبته: الحمدلله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين وأشياعه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب.

قال الراوي: فما زاد على هذا الكلام شيئاً حتى قام إليه عبدالله بن عفيف الأزدي، وكان من خيار الشيعة وزهادها، وكانت عينه اليسرى قد ذهبت يوم الجمل والاخرى يوم صفين، وكان يلازم مسجد الأعظم يصلّى فيه إلى الليل، فقال: يا ابن زياد الكذّاب وابن الكذّاب أنت وأبوك، ومن استعملك وأبوه، يا عدوّ الله اتقتلون أبناء النبيين، وتتكلّمون بهذا الكلام على منابر المسلمين؟!

قال الراوي: فغضب ابن زياد، وقال: من هذا المتكلم؟ فقال أنا المتكلم يا عدوّ الله، أتقتل الذريّة الطاهرة التي أذهب الله عنهم الرجس وتزعم أنك على دين الإسلام؟! وا غوثاه أين أولاد المهاجرين والأنصار لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن


اللعين على لسان رسول رب العالمين.

قال الراوي: فازداد غضب ابن زياد حتى انتفخت أوداجه، وقال: عَلَيَّ به، فتبادرت إليه الجلاوزة من كلّ ناحية ليأخذوه، فقام الأشراف من الأزد من بني عمّه فخلصوه من أيدي الجلاوزة واخرجوه من باب المسجد وانطلقوا به إلى منزله، فقال ابن زياد: اذهبوا إلى هذا الأعمى، أعمى الأزد أعمى الله قلبه كما أعمى عينية فأتوني به.

قال: فانطلقوا إليه فلما بلغ ذلك الأزد اجتمعوا واجتمعت معهم قبائل اليمن ليمنعوا صاحبهم.

قال: وبلغ ذلك ابن زياد فجمع قبائل مضر وضمهم إلى محمد بن الأشعث وأمره بقتال القوم.

قال الراوي: ووصل أصحاب ابن زياد إلى دار عبدالله بن عفيف فكسروا الباب واقتحموا عليه فصاحت بنته: يا أبه لقد أتاك القوم من حيث تحذر، فقال: لا عليك، ناوليني سيفي، فناولته إيّاه فجعل يذب عن نفسه وهو يقول:

أنا ابن ذي الفضل عفيف الطاهر

عفيف شيخي وابن اُمّ عامر

كم دارع من جمعكم وحاسر

وبطل قد جدّلته مغادر

قال: وجعلت ابنته تقول: يا أبه ليتني كنت رجلاً اخاصم بين يديك هؤلاء الفجرة، قاتلي العترة البررة.

قال: وجعل القوم يدورون عليه من كلّ جهه وهو يذب عن نفسه فلم يقدر عليه أحد، وكلّما جاؤوه من جهة صاحت ابنته يا أبه جاؤوك من جهة كذا، حتى تكاثروا عليه وأحاطوا به، فقالت ابنته: وا ذلّاه يحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به، فجعل يدير سيفه ويقول:

أقسم لو يفتح لي عن بصري

ضاق عليكم موردي مصدري


قال الراوي: فما زالوا به حتى أخذوه، وادخل على ابن زياد، فلمّا رآه قال: الحمدلله الذي أخزاك، فقال له عبدالله بن عفيف: يا عدو الله وبماذا أخزاني الله، والله لو فرج لي عن بصري، ضاق عليكم موردي ومصدري، فقال ابن زياد: يا عدوّ الله ما تقول في عثمان بن عفان؟فقال: ياعبد بني علاج يابن مرجانة، - وشتمه - ماأنت وعثمان بن عفان؟ أساء أو أحسن وأصلح أو أفسد، والله تبارك وتعالى وليّ خلقه يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحق، ولكن سلني عن أبيك وعنك وعن يزيد وأبيه. فقال ابن زياد: والله لا سألتك عن شيء أو تذوق الموت غصّة بعد غصّة. فقال: عبدالله بن عفيف: الحمدلله ربّ العالمين، أمّا إنّي قد كنت أسأل ربي أن يرزقني الشهادة من قبل أن تلدك اُمّك، وسألت الله أن يجعل ذلك على يد ألعن خلقه وأبغضهم إليه، فلمّا كفّ بصري يئست من الشهادة والآن فالحمد لله الذي رزقنيها بعد اليأس منها، وعرّفني الإجابة في قديم دعائي، فقال ابن زياد: اضربوا عنقه، فضربت عنقه وصلب في السبخة.

أقول: يا لها من سعادة، لئن لم يرزق الشهادة بين يدي سيّده الحسين فقد رزقها بعده وقتل على محبّة الحسين عليه‌السلام وأبيه، غير إنّ المصيبة على ابنته كانت نتظر إليه بالدار وقد أحاطوا به يريدون أخذه كما نظرت سكينة أباها الحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء وقد أحاط به القوم ضرباً بالسيوف، وطعناً بالرماح، رمياً بالسهام، ورضخاً بالحجارة، قال الشيبي:

فوجّهوا نحوه في الحرب أربعة

السهم والسيف والخطّي والحجرا


المطلب السابع

في إرسال الرؤوس والسبايا الى الشام

قال المفيد رحمه‌الله (1) : بعث عبيدالله ابن زياد برأس الحسين عليه‌السلام فدير في سكك الكوفة وقبائلها، ولمّا فرغ القوم من الطوائف به في الكوفة، ردّوه إلى باب القصر فدفعه ابن زياد الى زجر بن القيس (2) ودفع إليه رؤوس أصحابه وسرّحه إلى يزيد ابن معاوية وأنفذ معه أبا بردة بن عوف الأزدي، وطارق بن أبي ضبيان في جماعة من أهل الكوفة حتى وردوا بها على يزيد ابن معاوية بدمشق، ثم إن عبيدالله بن زياد بعد أنفاذه رأس الحسين عليه‌السلام أمر بنسائه وصبيانه فجهزوا وأمر بعلي بن الحسين عليه‌السلام فغلّ بغلّ إلى عنفه، ثمّ سرح في أثر الرؤوس مع محقر ابن ثعلبة العايد، وشمر بن ذي الجوشن، فانطلقوا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرأس الشريف.

قال الراوي: ولمّا ساروا بالسبايا وقد أخذوا جانب الفرات حتى إذا وردوا الى المنزل وكان منزلاً خرباً فوجدوا هناك مكتوباً على الجدار:

أترجوا أُمّة قتلت حسيناً

شفاعة جدّه يوم الحساب

فلا والله ليس لهم شفيع

وهو في يوم القيامة في العذاب

__________________

(1) في ج 2 ص 117 في كتابه الإرشاد.

(2) ذكر بعضهم زحر بن قيس الحاء المهملة.


ففزعوا وارتاعوا ورحلوا من ذلك المنزل، وجعلوا يجدّون السير إلى أن وافوا ديراً في الطريق، وفيه راهب، فنزلوا ليقيلوا به فوجدوا أيضاً مكتوباً على جدرانه أترجوا اُمّة قتلت حسيناً إلى آخره، فسألوا الراهب عمّن كتب هذا الشعر؟ فقال: هذا ههنا من قبل أن يبعث نبيّكم بخمسمائة عام، ففزعوا من ذلك ورحلوا على غير الجادة متنكّبين طريق العام خوفاً من قبائل العرب أن يخرجوا عليهم ويأخذوا الرأس منهم.

وكلّما مرّوا على حيّ من الأحياء طلبوا منهم العلوفة ويقولون معنا رأس خارجي، فلمّا وصلوا إلى تكريت (1) كتبوا الى عامليها بأن يستقبلهم، فلمّا وصل الكتاب إليه فأمر بالبوقات فضربت والأعلام فنشرت والمدينة فزيّنت، ودعى الناس من كلّ جانب ومكان من جميع القبائل، فخرجوا لاستقبالهم، وكان كل من سألهم يقولون: هذا رأس خارجي خرج علينا بأرض العراق في أرض يقال لها كربلاء، فقتله الأمير عبيدالله بن زياد (لعنه الله) وأنفذ برأسه معنا الى الشام. ثم رحلوا من تكريت وسارواعلى طريق البر حتى نزلوا بوادي النخلة، فلمّا كان الليل سمعوا بكاء نساء الجن على الحسين عليه‌السلام وهنّ يقلن:

نساء الجن يبكين شجيّات

يسعدن بنوح للنساء الهاشميات

ويلطموا خدوداً كالدنانير نقيّات

ويندبن حسيناً عظمت تلك الرزيّات

ثم رحلوا من وادي النخلة وساروا حتى وصلوا إلى لينا (2) وكانت عامرة بالناس فخرجت المخدرات والكهول والشباب ينظرون إلى رأس الحسين عليه‌السلام

__________________

(1) تكريت بلدة مشهورة بين بغداد والموصل، وهي إلى بغداد أقرب، قيل سميت بتكريت بنت وائل، فتحها المسلمون في أيام عمر ابن الخطاب سنة 16 هـ.

(2) لينا، قال ياقوت: أكبر قرية من كورة بين النهرين التي بين الموصل ونصيبين.


ويصلّون عليه وعلى جدّه وأبيه، ويلعنون من قتله ويقولون: يا قتلة أولاد الأنبياء اخرجوا من بلدنا، فخرجوا منها واجتازوها يجدون السير حتى وافوا عسقلان (1) وأمر أميرها فزينوها فرحاً وسروراً بقتل الحسين عليه‌السلام ، ثم ساروا منها حتى وصلوا نصيبين (2) وكان الوالي عليها منصور بن الياس فزيّن البلدة، ونصبوا الرؤوس في الرحبة من الظهر الى العصر.

قال الراوي: وبات حاملي الرؤوس فيها تلك الليلة حتى الصباح ثم رحلوا منها إلى قنسرين (3) وكانت عامرة بأهلها ثم غادروها جادّين بالسير حتى وافوا كفر طاب (4) وكان حصناً صغيراً فلم يدخلوه لأنّ أهل الحصن منعوهم وسألوهم الماء فلم يسقوهم فرحلوا عنها وأتوا سيبور (5) ففعلوا كما فعل أهل كفر طاب وعمدوا إلى قنطرة كانت قرب بلدهم فهدموها لأن لا يدخلها قتلة الحسين عليه‌السلام .

قال الراوي: وشهروا السلاح عليهم فقال لهم خولي: إليكم عنّا، فحملوا عليه وعلى أصحابه وقاتلوهم قتالاً شديداً، فلمّا نظرت اُم كلثوم ذلك قالت: ما

__________________

(1) عسقلان مدينة حسنة على ساحل بحر الشام من أعمال فلسطين يقال لها عروس الشام، ولها سوران، وهي ذات بساتين وثمار، بها مشهد رأس الحسين عليه‌السلام وهو مشهد عظيم وفيه ضريح الرأس والناس يتبركون به، بنيت في أيام عمر بن الخطاب وخربها السلطان صلاح الدين الأيوبي سنة 583.

(2) نصيبين قرية من قرى حلب.

(3) قنسرين مدينة بينها وبين حلب مرحلة من جهة حمص بقرب بالعواصم وكانت عامرة بأهلها إلى أن كانت سنة 351 تفرق عنها أهلها خوفاً من الروم. قال ياقوت: فليس بها اليوم إلا 8 خان ينزله القوافل، وعشار السلطان وفريضة صغيرة.

(4) كفر طاب بلدة بين المعرة ومدينة حلب في برية معطشة ليس لهم شرب إلّا ما يجمعونه من مياه الأمطار.

(5) سيبور موضع معروف.


اسم هذه المدينة؟ فقيل لها: سيبور، فقالت: أعذب الله شرابهم وأرخص أسعارهم ورفع أيدي الظلمة عنهم.

قال الراوي: فلو إن الدنيا كلها ظلماً وجوراً لما نالهم إلا قسط عدل، ثم ساروا الى أن وصلوا حماة (1) فغلق أهلها الأبواب في وجوههم وصعدوا على سورها، وقالوا: والله لا تدخلون بلدتنا ولو قتلنا عن آخرنا، فلما سمعوا ذلك ارتحلوا منها فوصلوا الى حمص (2) وكان الأمير خالد بن نشيط، فزين البلدة فرحاً وسروراً..

قال الراوي: ووقعت حادثة بين أهل حمص وبين حاملي الرؤوس، فجعل أهل حمص يرمونهم بالحجارة حتى قتل في ذلك اليوم ستة وعشرون فارساً، ثم أغلقوا الباب في وجوههم، فقال بعضهم: يا قوم أكفر بعد إيمان، فخرجوا وتحالفوا أن يقتلوا خولي بن يزيد ويأخذوا منه الرأس ليكون فخر لهم الى يوم القيامة، فبلغهم ذلك فرحلوا عنهم خائفين وأتوا بعلبك (3) فأظهر أهلها الفرح

__________________

(1) حماة بالفتح مدينة كبيرة عظيمة كثيرة الخيرات رخيصة الأسعار وهي قديمة جاهلية ذكرها امرؤ القيس في شعره.

(2) حمص بلد مشهور قديم مسور وفي طرفه القبلى قلعة حصينة على تل عال كبيرة، وهي بين دمشق وحلب في نصف الطريق، يذكر ويؤنث، وبحمص من المزارات والمشاهد: مشهد علي بن أبي طالب عليه‌السلام فيه موضع إصبعه، وقبر سفينة مولى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واسم سفينة مهران - ويقال بها قبر قنبر مولى علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، ويقال أن قنبر قتله الحجاج وقتل إبنه ميثماً التمار بالكوفة، (أما قبر ميثم فهو الآن مشيد يزار بالكوفة) وبحمص قبور لأولاد جعفر بن أبي طالب عليه‌السلام إلى غير ذلك من المشاهد.

(3) بعلبك مدينة قديمة فيها أبنية عجيبة وآثار عظيمة، وهو اسم مركب من بعل اسم صنم وبك أصله عنقه أي دقها، وتباك القوم أي ازدحموا، قيل بعلبك كانت مهر بلقيس وبها قصر سليمان بن داود عليه‌السلام وهو مبني على أساطين الرخام، وبها قبر إلياس النبي عليه‌السلام وبقلعتها مقام إبراهيم الخليل عليه‌السلام وبها قبر أسباط.


والسرور واستقبلوا حاملي الرؤوس بالماء والفقاع والسويق والسكر، وهم يغنّون ويصفقون له فرحين بقتل الحسين عليه‌السلام ، فلمّا نظر السجاد إلى ذلك أنشأ يقول:

هو الزمان فلا تفنى عجائبه

عن الكرام ولا تفنى مصائبه

فليت شعري إلى كم ذا تجاذبنا

صروفه وإلى كم ذا نجاذبه

يسيّرونا على الأقتاب عارية

وسائق العيس يحمي عنه غاربه

كأنّنا من اُسارى الروم بينهم

أو كلّما قاله المختار كاذبه

وقال الآخر:

فمن بلدة تسبى إلى شرّ بلدة

ومن ظالم تهدي إلى شرّ ظالم (1)

__________________

(1) وهو المرحوم السيد صالح بن السيد مهدي القزويني البغدادي طاب ثراه المتوفى سنة 1306 والبيت من قصيدة ممتعة مطلعها:

طريق المعالي في شدوق الأراقم

ونيل الأماني في بروق الصوارِم


المطلب الثامن

في وصول السبايا والرؤوس إلى دمشق الشام

قال أرباب المقاتل في الحوادث التي جرت في طريق الشام على السبايا منها أنهم لمّا وصلوا إلى جبل جوشن (1) بالسبي أسقطت زوجة الحسين عليه‌السلام ولداً كانت قد سمته محسنا، فدفنوه هناك، ولمّا وصلوا إلى دمشق الشام وكان اليوم الأول من شهر صفر، ذكر البهائي في كتابه الكامل، قال: وأوقفوا أهل الشام الدفوف والطبول، فلمّا بلغ السبي جيرون (2) كان يزيد على سطح قصره فلاحت له الرؤوس والسبايا أنشأ قائلاً:

لما بدت تلك الرؤوس وأشرقت

تلك الشموس على ربى جيرون

نعب الغراب فقلت نح أو لا تنح

فلقد قضيت من النبي ديون

__________________

(1) جوشن جبل مطل على حلب في غربها، وفي سفحه مقابر ومشاهد للشيعة. هكذا ذكر ياقوت في المعجم، قال: ومنه كان يحمل النحاس الأحمر وهو معدنه، ويقال إنّه بطل منذ عبر عليه سبي الحسين بن علي رضي‌الله‌عنه ونساؤه وكانت زوجة الحسين حاملاً، فأسقطت هناك، فطلبت من الصناع خبزاً أو ماء فشتموها ومنعوها، فدعت عليهم فمن ذلك اليوم من عمل فيه لا يربح، وذكرت هذا الخبر في كتابي - الدعوات المستجابة - وفي قبلى الجبل مشهد يعرف بمشهد السقط ويسمى مشهد الدكة والسقط يسمى محسن بن الحسين رضي‌الله‌عنه .

(2) جيرون بناء عند باب دمشق من بناء سليمان بن داود عليه‌السلام ، وقيل: إن من بنى دمشق جيرون بن عاد بن أروم بن سام بن نوح، وبه سمي باب جيرون، وقال أبو عبيدة: جيرون عمود عليه صومعة، «معجم البلدان».


وفي البحار (1) قال السيد رحمه‌الله ، فلمّا قربوا من دمشق الشام دنت اُم كلثوم من الشمر، فقالت له: لي إليك حاجة، فقال لها: ما حاجتك؟ فقالت: إذا دخلت بنا البلد فاحملنا في درب قليل نظّاره، وتقدّم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل فقد خزينا من كثرة النظر إلينا، ونحن في هذه الحالة، فأمر اللعين في جواب سؤالها بالعكس أن تجعل الرؤوس على الرماح ما بين المحامل بغياً منه وكفراً، وسلك بهم بين النظّارة على تلك الصفقة، حتى أتى بهم باب دمشق فوقفوا على درج المسجد - الجامع - حيث يقام السبي.

قال سهل الساعدي (2) : دخلت الشام فرأيت الأسواق معطلة والدكاكين مقفّلة والناس في فرح وسرور، فقلت في نفسي: الأهل الشام عيد لا أعرفه؟ قال: فرأيت جماعة يتحدّثون، فقلت: مالي أرى الناس في فرح وسرور؟ فقالوا: كأنّك غريب؟ قلت: نعم، فقالوا: ما أعجبك أنّ السماء لا تمطر دماً والأرض لا تنخسف بأهلها؟! قلت: ولم ذاك؟ قالوا: هذا رأس الحسين عليه‌السلام يهدى من العراق. فقلت: وا عجباه يهدى رأس الحسين والناس يفرحون، ثم قلت لهم: من أيّ باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب يقال له باب الساعات.

قال: فبينا أنا كذلك وإذا بالرايات يتلوا بعضها بعضها وإذا نحن بفارس يحمل سناناً عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن خلفه النساء على الجمال بغير غطاء ووطاء، فدنوت من إحدى النساء، وقلت لها: يا جارية من أنت؟ فقالت: أنا سكينة ابنة الحسين عليه‌السلام . فقلت لها: ألك حاجة فأقضيها سيّدتي؟ أنا سهل الساعدي ممّن رأى جدّك رسول الله وسمع حديثه. قالت: يا سهل، قل لحامل هذا الرأس أن يقدّم الرؤوس أمامنا حتى يشغل الناس بالنظر إليها

__________________

(1) انظر ج 45 ص 172.

(2) سهل بن سعد الساعدي: كان من جملة الصحابة، من الحفاظ وكان آخر من مات بالمدينة من الصحابة رحمه‌الله .


قال: فدنوت من حامل الرأس فقلت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ منّي أربعمائة دينار؟ قال: وما هي؟ قلت: تقدّم الرأس أمام المحامل ففعل ذلك، ودفعت إليه ما وعدته.

قال الراوي: وجاء شيخ إلى السجاد عليه‌السلام وقال: الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح البلاد منكم وأمكن أمير المؤمنين يزيد منكم، فقال علي بن الحسين عليه‌السلام : يا شيخ هل قرأت القرآن؟ قال: نعم، فقال عليه‌السلام : هل قرأت هذه الآية ( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، قال عليه‌السلام : فنحن ذوالقربى، فهل قرأت هذه الآية ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ؟ قال الشيخ: قد قرأت ذلك، فقال السجاد عليه‌السلام ، نحن أهل البيت الذي خصصنا بآية التطهير، فبقي الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلم به، ثم قال: بالله إنكم هم؟ فقال علي بن الحسين عليه‌السلام : تالله أنا هم، فبكى الشيخ ورمى بعمامته ورفع رأسه الى السماء وقال: اللّهم إني أبرء إليك من عدوّ آل محمد من الجنّ والإنس. ثم قال: سيّدي هل لي من توبة؟ فقال علي السجاد عليه‌السلام : نعم إن تبت تاب الله عليك، وأنت معنا، قال: أنا تائب، ويروى أنه بلغ ذلك يزيد فأمر بقتله.

قال الراوي: وأنشأ السجاد عليه‌السلام يقول:

اُقاد ذليلاً في دمشق كأنّني

من الزنج عبد غاب عنه نصير

وجدّي رسول الله في كل مشهد

وشيخي أمير المؤمنين أمير

فياليتني أُمّي لم تلدني ولم أكن

يراني يزيد في البلاد أسير

وقال الشاعر:

مالي أراك ودمع عينك جامد

أوما سمعت بمحنة السجّاد

ويصيح وا ذُلّاه أين عشيرتي

وسُراة قومي أين أهل ودادي

منهم خلت تلك الديار وبعدهم

نعب الغراب بفرقتي وبعاد


المطلب التاسع

في دخول السبايا والسجّاد والرأس الشريف على يزيد

روى المجلسي رحمه‌الله (1) في البحار قال: واُدخلوا السبايا على يزيد، وكان يزيد جالساً على السرير، وعلى رأسه تاج مكلّل بالدرر والياقوت، وحوله كثير من مشايخ قريش، فلمّا دخل حامل الرأس أنشأ يقول:

أوقر ركابي فضّة أو ذهبا

إنّي قتلت السيد المحجّبا

قتلت خير النّاس اُمّاً وأبا

وخيرهم إذ ينسبون النسبا

وذكر المفيد (2) ، وابن نما (3) ، روي عن عبدالله بن ربيع الحميري، قال: أنا لعند يزيد بن معاوية بدمشق، إذ أقبل زجر بن قيس حتى دخل عليه، فقال له يزيد: ويلك ما وراءك وما عندك؟ قال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستّين من شيعته فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا، أو ينزلوا على حكم الأمير عبيدالله، أو القتال فاختاروا القتال على الإستسلام، فغدونا عليهم مع شروق الشمس وأحطنا بهم من

__________________

(1) انظر ج 45 ص 128.

(2) في ج 2 ص 118 من إرشاده.

(3) في ص 98 من كتابه مثير الأحزان.


كلّ ناحية، حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من القوم جعلوا يهربون إلى غير وزر ويلوذون منا بالآكام والحفر لوذاًكما لاذ الحمام من الصقر، فوالله يا أمير المؤمنين، ما كان إلّا جزرة جزور أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم مرمّلة، وخدودهم معفّرة، وتصهرهم الشمس وتسفي عليهم الرياح زوارهم الرخم والعقبان، فأطرق يزيد هنيئة، ثم رفع رأسه، وقال: قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، أمّا أنّي لو كنت صاحبه لعفوت عنه.

وعن ربيعة بن عمرو الجرشي: قال: وكنت أنا عند يزيد إذ سمعت صوت مخفر يقول: هذا مخفر بن ثعلبة أتى باللئام الفجرة، فأجابه مجيب: ما ولدت أُم مخفر شرّ وألأم منه.

قال السيد رحمه‌الله (1) : أدخل ثقل الحسين عليه‌السلام ونساءه ومن تخلّف من أهله على يزيد وهم مقرّنون بالحبال، فلمّا وقفوا بين يديه وهم على تلك الحالة، قال له علي بن الحسين عليه‌السلام : أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولو يرانا على هذه الحالة؟

قال: فأمر يزيد (لعنه الله) بالحبال فقطعت، ثم وضع رأس الحسين عليه‌السلام بين يديه وأجلس النساء خلفه لأن لا ينظرون إليه.

قالت فاطمة ابنة الحسين عليه‌السلام : وقام شامي أحمر، والتفت إلى يزيد وقال له: يا أمير هب لي هذه الجارية تكون خادمة لي، يعنيني بذلك، فأرعدت وظننت إن ذلك جايز لهم، فأخذت بثياب عمّتي زينب، وقلت لها: عمة اُوتمت على صغر سنّي واستخدم لأهل الشام؟! وكانت تعلم أنّ ذلك لا يكون، فقالت له عمّتي: ما كان ذلك لك ولا لأميرك. فقال يزيد: كذبت والله إن ذلك لي لو شئت أن أفعل

__________________

(1) ابن طاووس رحمه‌الله في ص 213 من كتابه الملهوف على قتلى الطفوف.


لفعلت. قالت: كلّا ما جعل الله لك ذلك إلّا أن تخرج عن ملتنا وتدين بغير ديننا، فاستطار يزيد غضباً، وقال: تستقبليني بهذا الكلام، إنّما خرج عن الدين أبوك وأخوك، قالت زينب عليها‌السلام : بدين الله ودين جدّي وأبي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً. قال: كذبت يا عدوة الله، قالت عليها‌السلام له: أنت أمير تشتم ظالما، وتقهر بسلطانك، فكأنّه استحى وسكت، فأعاد الشامي مقالته، هب لي هذه الجارية. فقال له يزيد: اعرب عن هذا وهب الله لك حتفاً قاضياً (1) ، ثم إنّ يزيد جعل ينكث ثنايا الحسين عليه‌السلام وهو يقول:

نفلق هاماً من رجال أعزّة

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

__________________

(1) انظر تاريخ الطبري: 4 / 353.


المطلب العاشر

في خطبة العقيلة زينب عليها‌السلام في مجلس يزيد

لما جيء بالسبايا والرؤوس إلى يزيد (لعنه الله) جعل ينكث ثنايا الحسين عليه‌السلام بقضيب الخيزران (1) ، وهو يتمثل بأبيات بن الزبعري، وزاد عليها قائلاً:

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّوا واستهلوا فرحاً

ثم قالوا يا يزيد لا تشل

لعبت هاشم بالملك فلا

خبر جاء ولا وحي نزل

قد قتلنا القرم من ساداتهم

وعدلنا ميل بدر فاعتدل

وأخذنا من علي ثارنا

وقتلنا الفارس الشهم البطل

لست من خندف إن لم أنتقم

من بني أحمد ما كان فعل

قال السيد رحمه‌الله (2) وغيره: فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب عليهما‌السلام ، وقالت: (الحمدلله ربّ العالمين وصلّى الله على رسوله وآله أجمعين، صدق الله

__________________

(1) انظر تأريخ الطبري: 4 / 356، وتذكرة الخواص: 290، ومقتل الحسين للخوارزمي: 2 / 57، والفصول المهمة: 194.

(2) في ص 215 من كتابه الملهوف على قتلى الطفوف.


سبحانه حيث يقول: ( ثُمّ كَانَ عَاقِبَةَ الّذِينَ أَسَاءُوا السّوءى‏ أَن كَذّبُوا بِآيَاتِ اللّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ ) (1) أظننت يا يزيد حيث اخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء فأصبحنا نساق كما تساق الإماء أنّ بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة، وإنّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك، جذلان مسروراً حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والامور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا، فمهلا مهلا لا تطش جهلا، أنسيت قول الله تعالى ( وَلاَ يَحْسَبَنّ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (2) أمن العدل يابن الطلقاء، تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا، قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوهنّ وصحلت أصواتهنّ، تحدوا بهنّ الأعداء من بلد الى بلد، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل، ويتصفح وجوههن القريب والبعيد، والشريف والدني ليس معهنّ من رجالهنّ ولي، ولا من حماتهنّ حمي، وكيف تُرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء، ونبت لحمه من دماء الشهداء، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والأضغان، ثم تقول غير متأثّم ولا مستعظم، داعياً بأشياخك: ليت أشياخي ببدر شهدوا، منحنياً على ثنايا أبي عبدالله الحسين سيّد شباب أهل الجنّة، تنكتها بمخصرتك، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونجوم الأرض من آل عبدالمطلب، أتهتف بأشياخك زعمت أنّك تناديهم، فلتردنّ وشيكا موردهم ولتودّنّ أنّك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت، اللّهمّ خذ لنا بحقّنا، وانتقم ممّن ظلمنا، واحلل غضبك بمن

__________________

(1) سورة الروم 10.

(2) سورة آل عمران 178.


سفك دمائنا، وقتل حماتنا، فوالله يا يزيد ما فريت إلّا جلدك، ولا حززت إلّا لحمك، ولتردنّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيته، وانتهكت من حرمته، في عترته ولحمته، حيث يجمع الله شملهم ويلمّ شعثهم ويأخذ بحقهم ( وَلاَ تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1) وحسبك بالله حاكما وبمحمّد خصيما، وبجبريل ظهيراً، وسيعلم من سوّل لك ومكنّك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلا، وأيّكم شرّ مكاناً وأضعف جندا يزيد، ولئن جرت عَلَيَّ الدواهي مخاطبتك، إنّي لأستصغر قدرك، واستعظم تقريعك واستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرّى، ألا فالعجب كل العجب، لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطف من دمائنا والأفواه تتحلّب من لحومنا وتلك الجثث الطواهر الزواكي، تنتابها العواسل، وتعفرّها اُمّهات الفراعل، ولأن اتّخذتنا مغنماً، ولتجدنّ وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك، وما ربّك بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى، وعليه المعوّل، فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك فوالله لا تمحوا ذكرنا ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها وهل رأيك إلّا فند، وأيامك إلّا عدد، وجمعك إلّا بدد، يوم ينادي منادي ألا لعنة الله على الظالمين، فالحمدلله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله تعالى أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، إنّه رحيم ودود، وحسبنا الله ونعم الوكيل).

__________________

(1) سورة آل عمران 169.


فقال يزيد في جوابها (1) :

يا صيحة تحمد من صوائح

ما أهون النوح على النوائح

قال الشاعر:

وأعظم ما يُشجي الغيور دخولها

إلى مجلس ما بارح اللهو والخمرا

يقارضها فيه يزيد مسبّة

ويصرف عنها وجهه معرضا كبرا (2)

__________________

(1) كما في ج 2 ص 66 من كتاب مقتل الحسين للخوارزمي.

(2) من قصيدة عامرة للشاعر المحلّق الشيخ محمد كمونة المتوفى سنة 1282 هـ استهلها بقوله:

عرا فاستمرّ الخطب واستوعب الدّهرا

مصابٌ أهاج الكَرب واستأصل الصّبرا


المطلب الحادي عشر

في خطبة علي بن الحسين في مجلس يزيد

ذكر صاحب كتاب بحر المصائب: إنّ يزيد بن معاوية دعا بخطيب وكان فصيح اللسان قليل المعرفة بربّه، فقال له: أجمع الناس بالجامع واصعد المنبر فسب علياً وأولاده، ففعل ما أمر به وزاد وأكثر في مدح يزيد، فلمّا سمعه زين العابدين عليه‌السلام ، قام قائماً على قدميه، وقال: (أيّها الخطيب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق فتبوّء مقعدك من النار)، ثم التفت إلى يزيد (لعنه الله) وقال: (أتأذن لي حتى أصعد هذه الأعواد وأتكلم في كلمات لله فيهنّ رضاً ولهؤلاء الجلساء فيهنّ أجر وثواب؟).

قال: فأبى يزيد عليه، فقال له الناس: يا أمير المؤمنين أئذن له فليصعد المنبر، فلعلّنا نسمع منه شيئاً، فقال: إذا إنّه صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وفضيخة آل أبي سفيان، فقيل له: يا أمير وما قدر ما يحسن هذا العليل؟ فقال: إنه من أهل بيت قد زُقّوا العلم زقّاً.

قال: ولم يزالوا به حتى أذن له، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وذكر النبي فصلّى عليه، ثم قال: (أيّها الناس أحذركم الدنيا فإنّها دار زوال، وهي أفنت القرون الماضية، وهم كانوا أكثر منكم أموالاً وأطول أعماراً، وقد أكل التراب لحومهم، وغيّر


أحوالهم، أفتطمعون بعدهم بالبقاء، هيهات هيهات، لابد باللحوق والملتقى، فتذكّروا ما مضى من أعماركم، وما بقي، وأفعلوا فيه ما سوف يلتقى عليكم بالأعمال الصالحة قبل انقضاء الأجل، وفروغ الأمل، فعن قريب تؤخذون من القصور إلى القبور، وبأفعالكم تحاسبون، فكم والله من فاجر قد استكملت عليه الحسرات، وكم من عزيز قد وقع في مسالك الهلكات، حيث لا ينفع الندم، ولا يغاث من الظلم ( ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحدا ) (1) .

ثم قال: أيها الناس اُعطينا ستّاً وفُضّلنا بسبع: اعطينا العلم، والحلم، والسماحة، والفصاحة، والشجاعة، والمحبة في قلوب المؤمنين، وفُضِّلنا بأنّ منا النبي المختار، ومنّا الصديق ومنّا الطيار، ومنّا أسد الله وأسد رسوله، ومنّا سبطا هذه الأُمّة، ومنّا مهديّها.

أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي، أيها الناس أنا بن مكة ومنى، أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الرداء، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى، أنا ابن خير من انتعل واحتفى، أنا ابن خير من طاف وسعى، أنا ابن خير من حج ولبّى، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، أنا من بلغ به جبريل إلى سدرة المنتهى، أنا ابن من دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى، أنا ابن من صلى بملائكة السماء مثنى مثنى، أنا ابن من أوحى إليه الجليل وما أوحى، أنا ابن محمد المصطفى.

أنا ابن علي المرتضى، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا أله إلّا الله، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بسيفين، وطعن برمحين، وهاجر

__________________

(1) الكهف من الآية 49.


الهجرتين، وبايع البيعتين، وقاتل ببدر وحنين، ولم يكفر بالله طرفة عين، أنا ابن صالح المؤمنين، ووارث النبييّن، وقامع الملحدين، ويعسوب المسلمين، ونور المجاهدين، وتاج البكائين، وزين العابدين، وأصبر الصابرين، وأفضل القائمين من آل طه وياسين، رسول ربّ العالمين، أنا ابن المؤيد بجبريل، المنصور بميكائيل، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين، وقاتل المارقين، والناكثين والقاسطين، والمجاهد أعداءه الناصبين، وأول من استجاب لله ولرسوله من المؤمنين، وأول السابقين ومبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان حكمة العابدين، وناصر دين الله، وولي أمر الله، وعيبة علمة، سمح سخي بهي، بهلول زكي، أبطحي، رضي، مقدام همام، صابر صوّام، مهذّب قوّام، قاطع الأصلاب ومفرّق الأحزاب، أربطهم عنانا، وأمضاهم عزيمة، وأشدّهم شكيمة، أسد باسل، يطحنهم بالحروب إذا ازدلفت الأسنّة، واقتربت الأعنّة طحن الرحا، ويذورهم فيها ذرو الريح الهشيم، ليث الحجاز، وكبش العراق، مكّي، مدني، خيفي، عقبي، بدري، أحدي، مهاجري، من العرب سيّدها، ومن الوغى ليثها، وارث المشعرين، أبو السبطين الحسن والحسين، ذاك جدّي علي بن أبي طالب عليه‌السلام .

ثم قال: أنا ابن فاطمة الزهراء، أنا ابن سيدة النساء، أنا ابن خديجة الكبرى، أنا ابن المقتول ظلما، أنا ابن محزوز الرأس من القفا، أنا ابن العطشان حتى قضى، أنا ابن طريح كربلاء، أنا ابن مسلوب العمامة والرداء، أنا ابن من بكت عليه ملائكة السماء، أنا ابن من ناحت عليه الجن في الأرض والطير في الهواء، أنا ابن من رأسه على سنان يهدى، أنا ابن من حرمه من العراق الى الشام تسبى).

فلم يزل يقول أنا أنا حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب وخشي يزيد أن تكون فتنة فأمر المؤذن فقطع عليه الكلام فلمّا قال الله اكبر، قال علي عليه‌السلام : لا شيء


أكبر من الله، فلمّا قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلّا الله، قال علي عليه‌السلام : شهد بذلك لحمي وعظمي ودمي، فلمّا قال المؤذن: أشهد أنّ محمداً رسول الله، التفت السجاد عليه‌السلام من فوق المنبر إلى يزيد، وقال: يايزيد، محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنه جدّك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنّه جدّي فلم قتلت عترته وسبيت نساءه؟! ثم التفت الى المجلس، وقال: معاشر الناس هل فيكم من جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ فَعَلَتِ الأصوات بالبكاء والنحيب.

وعلى يزيد ضحّى بمجلسه

قد أوقفتها المعشر السفل

لا من بني عدنان يلحضها

ندب ولا من هاشم بطل

إلّا فتى نهبت حشاشته

كفّ المصاب وجسمه العلل


المطلب الثاني عشر

في ذكر بعض ما جرى في مجلس يزيد لعنه الله

ذكر السيّد بن طاووس رحمه‌الله قال: يروى أنّه كان في مجلس يزيد بن معاوية حبر من أحبار اليهود، فقال: من هذا الغلام؟ فقال له يزيد؟ هو علي بن الحسين، قال: ممّن علي بن الحسين؟ قال: ابن علي ابن أبي طالب، قال: فمنّ أمه؟ قال: اُمّه فاطمة بنت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال الحبر: يا سبحان الله فهذا ابن بنت نبيكم قتلتموه؟! بئسما خلّفتم نبيكم في ذريته، والله لو ترك فينا موسى بن عمران سبطاً من صلبه لظننت إنّا كنّا نعبده من دون ربّنا، وأنتم بالأمس فارقتم نبيكم ووثبتم اليوم على ابنه فقتلتموه، سوءة لكم من اُمّة.

قال: فأمر يزيد به فوجئ في حلقه ثلاثاً، فقام الحبر وهو يقول: إن شئتم فاضربوني واقتلوني فإنّي أجد في التوراة أنّ من قتل ذرية نبي لا يزال ملعوناً أبداً ما بقي، فإذا مات يصليه الله نار جهنّم.

وروي عن زين العابدين قال: لمّا أتى برأس الحسين الى يزيد بن معاوية كان يتّخذ مجالس الشراب ويأتي برأس الحسين عليه‌السلام ويضعه بين يديه ويشرب عليه، فحضر في مجلسه ذات يوم رسول ملك الروم وكان من أشراف الروم وعظمائهم، فقال: يا أمير هذا رأس من؟ فقال يزيد: مالك ولهذا الرأس؟ فقال: إنّي إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كلّ شيء رأيته، فأحببت أن اخبره بقصّة هذا


الرأس وصاحبه حتى يشاركك في الفرح والسرور. فقال يزيد: هذا رأس الحسين ابن علي بن أبي طالب، فقال الرومي: ومن اُمّه؟ فقال: فاطمة بنت رسول الله. فقال الرومي: اُفّ لك ولدينك، لي دين أحسن من دينك، إنّ أبي من أحفاد داود وبيني وبينه آباء كثيرة والنصارى يعظمونني ويأخذون التراب من تحت قدمي تبركاً بي حيث أنّي من أحفاد داود، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله، ما بينه وبين نبيكم إلّا واحدة، فأيّ دين دينكم؟!

ثم قال ليزيد: هل سمعت حديث كنيسة الحافر؟ فقال له: قل حتى أسمع، فقال: بين عمان والصين بحر مسيرة سنة، ليس فيه عمران إلّا بلدة واحدة في وسط الماء، طولها ثمانون فرسخاً في ثمانين، وما على وجه الأرض بلدة أكبر منها، ومنها يحمل الكافور والياقوت وأشجارها العود والعنبر، وهي بلدة في أيدي النصارى، لا ملك لأحد من الملوك سواهم، وفي تلك البلدة كنايس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر، فيها حقّة من الذهب معلّقة، فيها حافر يقولون إنّ هذا حافر حمار كان يركبه عيسى، وقد زيّنوا الموضع حول الحقّة بالذهب والديباج يقصدها في كل عام عالم من النصارى ويطوفون حولها ويقبّلوها ويطلبون حوائجهم من الله فيها، هذا شأنهم ودأبهم وتقديرهم لحافر حمار يزعمون أنّه حافر حمار كان يركبهم عيسى نبيّهم، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم، فلا بارك الله تعالى فيكم ولا في دينكم.

فقال يزيد: اُقتلوا هذا النصراني لئلا يفضحني في بلاده، فلمّا أحس النصراني بذلك قال له: تريد أن تقتلني؟ قال: نعم، قال: اعلم إني رأيت البارحة نبيكم في المنام يقول لي: يا نصراني أنت من أهل الجنّة، فتعجبت من كلامه، وأنا الآن أشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمداً رسول الله، ثم وثب الى رأس الحسين عليه‌السلام فضمه إلى صدره، وجعل يقبله ويبكي، حتى قتل رضوان الله عليه.


وذكر المجلسي قال: ثم أقبل يزيد على أهل مجلسه وقال: إنّ هذا يعني (الحسين) كان يفخر ويقول: أبي خير من أب يزيد، وجدّي خير من جدّه، وأنا خير منه، فهذا الذي قتله، فأمّا قوله بأنّ أبي خير من أب يزيد، فلقد حاجّ أبي أباه فقضى الله لأبي على أبيه، أمّا قوله لأنّ اُمّي خير من اُم يزيد فلعمري لقد صدق إنّ فاطمة بنت رسول الله خير من اُمّي، أما قوله جدّي خير من جدّه فليس لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر يقول بأنّه خير من محمّد، وأمّا قوله بأنّه خير مني فلعلّه لم يقرأ هذه الآية ( قل اللهم مالك المكلك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير ) (1) ثم جعل ينكث ثنايا الحسين عليه‌السلام بالخيزرانة ويفرّق بين شفتيه * .

وإنّ ثغراً رسول الله يلثمه

بالخيزران يزيد الرجس يقرعه

ولثغره يعلو القضيب وطالما

شغفاً به كان النبي مقبّلا

__________________

(1) آل عمران 26.

(*) (فائدة) عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا عليه‌السلام يقول «لمّا حمل رأس الحسين الى الشام، أمر يزيد بن معاوية فوضع في طشت ونصبت عليه المائدة، فأقبل هو وأصحابه يأكلون ويشربون الفقاع، فلمّا فرغوا أمر بالرأس فوضع تحت سرير وبسط عليه رقعة الشطرنج وجلس يلعب بالشطرنج، ويذكر الحسين وأباه وجدّه صلوات الله عليهم ويستهزئ بذكرهم، فمتى قمر صاحبه تناول الفقاع وشرب منه ثلاثاً وصب فضلته ممّا يلي الطشت من الأرض - الفقاع - الشراب يتّخذ من الشعير سمّي به لما يعلوه من الزبد.


المطلب الثالث عشر

في ما جرى على السبايا في مجلس يزيد

ذكر صاحب نفس المهموم (1) عن المناقب وغيره: روي أنّ يزيد بن معاوية أقبل على عقيلة الهاشميين زينب بنت علي عليهما‌السلام وسألها أن تتكلّم، فأشارت العقيلة إلى علي بن الحسين عليه‌السلام وقالت: هو سيّدنا وخطيب القوم، فأنشأ السجاد عليه‌السلام يقول:

لا تطمعوا إن تهينونا فنكرمكم

وإن نكف الأذى منكم وتؤذونا

الله يعلم إنّا لا نحبكم

ولا نلومكم إن لم تحبّونا

فقال يزيد: صدقت يا غلام، ولكن أراد أبوك وجدّك أن يكونا أميرين، والحمد لله الذي قتلهما وسفك دماءهما. فقال السجاد عليه‌السلام : يا يزيد لم تزل النبوة والإمرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد، ولقد كان جدّي علي بن أبي طالب عليه‌السلام في يوم بدر واُحد والأحزاب، في يده راية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وأبوك وجدّك في أيديهما رايات الكفّار. فقال اللعين: أبوك قطع رحمي وجهل حقّي، ونازعني

__________________

(1) في ص 442، ونفس المهموم هذا كتابٌ جليل وهو من مؤلفات المحقق الثبت المغفور له الشيخ عباس القمي رحمه‌الله .


سلطاني ففعل الله به ما رأيت، ثم تلا هذه الآية ( وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (1) . فقال علي بن الحسين: كلّا ما هذه فينا نزلت، أنما نزلت فينا ( مَا أَصَابَ مِن مُصِيَبةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَا إِنّ ذلِكَ عَلَى‏ اللّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى‏ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللّهُ لاَ يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) (2) فنحن الذين لا نأس على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا منها.

فغضب يزيد، وجعل يلعب بلحيته وشاور جلساءه في أمره، فأشاوا عليه بقتله، فابتدر أبو جعفر الباقر عليه‌السلام بالكلام وله من العمر ثلاث سنين فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال ليزيد:

(يا يزيد، أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار جلساء فرعون عليه، حيث شاورهم في أمر موسى وهارون فإنّهم قالوا: ( أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلّ سَحّارٍ عَلِيمٍ ) (3) وقد أشار هؤلاء عليك بقتلنا ولهذا سبب). فقال يزيد: وما السبب؟ فقال عليه‌السلام : (إنّ هؤلاء كانوا لرشدة، وهؤلاء لغير رشدة، ولا يقتل الأنبياء وأولادهم إلّا أولاد الأدعياء). فأمسك يزيد مطرقاً ومتعجّباً من كلام أبي جعفر عليه‌السلام كما أعجب الحاضرون لنباهته لصغر سنّه.

وذكر المجلسي في البحار، أنّه لمّا حمل علي بن الحسين عليه‌السلام الى يزيد (لعنه الله) وهمّ يزيد بضرب عنقه، فأوقفه بين يديه، وهو يكلّمه ويستنطقه بكلام ليوجب به قتله، وعلي عليه‌السلام يجيبه حيث ما يكلّمه، وكانت في يد السجاد عليه‌السلام سبحة صغيرة يديرها بأصابعه وهو يتلكم، فقال له يزيد (لعنه الله) أنا اُكلمك وأّت

__________________

(1) سورة الشورى 30.

(2) سورة الحديد 23.

(3) سورة الشعراء 37.


تجيبني وفي يدك سبحة تلهو بها فكيف يجوز لك ذلك؟ فقال عليه‌السلام : حدثني أبي عن جدّي أنه كان إذا صلّى الغداة انتفل لا يكلّم أحداً حتى يأخذ سبحة بيديه، فيقول: اللّهم إنّي اصبحت اُسبّحك وأحمدك واُهلّلك واُكبّرك واُمجّدك بعدد ما اُدير به سبحتي، ويأخذ السبحة في يده ويديرها وهو يتكلّم بما يريد من غير أن يتكلم بالتسبيح، وذكر أن ذلك محتسب له وهو حرز له، إلى أن يأوي الى فراشه، فإذا آوى إلى فراشه قال مثل ذلك القول، ووضع السبحة تحت رأسه فهي محسوبة له من الوقت الى الوقت، وأنا أفعل اقتداء بجدّي. فقال يزيد مرّة بعد اخرى: لست اُكلّم أحداً منكم إلّا ويجيبني بما يفوز به.

قال الراوي: وعفا عنه، ووصله وأمر بإطلاقه.

وفي رواية اُخرى: إنّ يزيد لمّا عزم على قتل عليّ بن الحسين عليه‌السلام قام رجل شامي وقال: يا أمير ائذن لي حتى أضرب عنقه، فلمّا سمعت زينب قوله القت بنفسها عليه وقالت: يا يزيد حسبك من دمائنا، وقال له السجاد عليه‌السلام : يا يزيد، إذا كنت قد عزمت على قتلي فابعث من يردّ هذه النسوة الى المدينة.

قال الراوي فرّق يزيد وعفا عنه، وقال الشاعر:

رقّ له الشامت ممّا به

ما حال من رقّ له الشامت


المطلب الرابع عشر

في ما جرى للسبايا بالخربة في الشام

قال السيد في اللهوف (1) : أمر يزيد بن معاوية بهم - أي سبايا الحسين عليه‌السلام - إلى منزل لا يكنّهم من الحر ولا يقيهم من برد، فأقاموا به حتى تقشّرت وجوههم، وكانوا مدة إقامتهم في البلد المشار إليه - أي الشام - ينوحون على الحسين عليه‌السلام .

قال الصدوق في أماليه (2) : ثمّ إنّ يزيد لعنه الله أمر بنساء الحسين عليه‌السلام فحبسن مع علي بن الحسين عليه‌السلام في محبس لا يكنّهم من حرّ ولا قرّ، حتى تقشّرت وجوههم.

وقال ابن نما في مقتله: وأُسكّن في مساكن لا يقين من حرّ ولا برد، حتى تقشّرت الجلود وسال الصديد بعد كنّ الخدور، وظلّ الستور، والجزع مقيم والحزن لهنّ نديم.

وفي تلك الخربة ماتت رقية بنت الحسين عليه‌السلام ، ذكرها صاحب نفس المهموم، عن الكامل البهائي والسيّد في الإيقاد، في زيادة ونقصان يروون أنّه كانت للحسين بنت صغيرة لها من العمر أربع سنين، فانتبهت ليلة من منامها وقالت:

__________________

(1) انظر ص 219.

(2) انظر ص 231 من أماليه رحمه‌الله .


أين أبي الحسين؟ فإنّي رأيته في المنام، فلمّ سمعن النسوة ذلك جعلن يبكين وبكى معهنّ سائر الأطفال، وارتفع العويل والصراخ، فانتبه يزيد من نومه، وقال: ما الخبر؟ فحقّقوا عن هذا الصراخ وأخبروه أنّ بنتاً للحسين رأت أباها في منامها فانتبهت وهي تطلبه، فأمرهم أن يذهبوا برأس أبيها إليها، فلمّا أتوا بالرأس الشريف وجعلوه في حجرها قالت: ما هذا؟ فقيل لها: رأس أبيك الحسين، ففزعت الطفلة وصاحت: وا أبتاه من ذا خضّبك بدمائك، يا أبتاه من الذي قطع وريديك، يا أبتاه من الذي ايتمني على صغر سنّي، يا أبتاه من لليتيمة حتى تكبر، يا أبتاه من للنساء الحاسرات والأرامل المسبيّات، يا أبتاه ليتني لك الفداء، يا أبتاه ليتني قبل هذا اليوم عميا.

قال الراوي: ثم وضعت فمها على فم أبيها وجعلت تئنّ حتى غشي عليها وسكن أنينها، فحرّكوها فإذا بها ميتة، فارتفعت الأصوات وعلا الصراخ من السبايا حتى الصباح، وأُخبر يزيد بوفاة الطفلة، فأمر بغسلها وكفنها ودفنها (1) .

قال الراوي: ومكثوا في تلك الخربة أيّاماً، وربما كان السجاد يخرج خاج الخربة، حتى قال المنهال بن عمر، كنت أتمشي في أسواق دمشق، وإذا أنا بعلي ابن الحسين عليه‌السلام يمشي ويتوكّأ على عصى في يده ورجلاه كأنّهما قصبتان، والصفرة قد غلبت عليه، قال: فخنقتني العبرة لمّا رأيته بتلك الحال، فقلت له: سيدي كيف أصبحت يابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: (يا منهال وكيف يصبح من كان أسيراً ليزيد بن معاوية، يا منهال أصبحت العرب تفتخر على العجم بأنّ محمداً

__________________

(1) إن لهذه الطفلة وهي رقية بنت الحسين عليه‌السلام مشهد معروف بدمشق الشام وضريح مشهد يزار، ويتبرك به المسلمون، في عاصمة الأُموييّن، وكلّ من يزورها تهيمن عليه الأحزان وتأخذ الكئابة منه مأخذها فيخشع قلبه وتجري دموعه على ضريحها المنوّر.


منها، وأصبحت قريش تفتخر على سائر العرب بأنّ محمداً منها، وإنّا عترة محمّد أصبحنا مقتولين مذبوحين مأسورين مشرّدين شاسعين عن الأمصار، كأنّنا أولاد ترك أو كابل، هذا صاحبنا أهل البيت)، ثم قال: (يا منهال إنّ الحبس الذي نحن فيه ليس له سفق والشمس تصهرنا فأفر سويعة لضعف بدني وأرجع إلى عمّاتي وأخواتي خشية على النساء).

قال المنهال: فبينا أخاطبه ويخاطبني وإذا أنا بإمرأة قد خرجت من الحبس وهي تناديه فتركني ورجع إليها، فحققت عنها فقيل لي هي عمّته زينب، وهي تقول له: إلى أين تمضي يا قرّة عيني.

يعظّمون له أعواد منبره

وتحت ارجلهم أولاده وضعوا

بأي حكم بنوه يتبعونكم

وفخركم أنّكم صحب له تبع


المطلب الخامس عشر

في إظهار ندم يزيد وإنكاره على ابن مرجانة

لم ينجح يزيد بن معاوية بما دبّره في بادئ الأمر عند دخول السبايا إلى دمشق الشام، وما موّه به على أهلها وما أشاعه من البهتان والكذب الصريح بأنّ هؤلاء السبايا خوارج، خرجوا عليه فقتل رجالهم وسبي ذراريهم واتضح للناس خداعه ومكره وذهب عمله سدى لما ظهرت من الكرامات للرأس الشريف، وتلاوته للآيات، وكلام السجاد مع الشامي الذي قال له: الحمد لله الذي فضحكم فأجابه السجاد على رؤوس الأشهاد: الحمد لله الذي أكرمنا نبيّه محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسؤاله: هل قرأت هذه الآية ( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) فعلم كلّ من سمع أنّ هؤلاء آل رسول الله، والقضايا التي صدرت في مجلسه من خطبة الحوراء زينب عليها‌السلام وخطبة السجاد عليه‌السلام ، وكلام أبي جعفر الباقر عليه‌السلام ، وكلام السجاد عليه‌السلام مع المنهال بن عمر، الى غير ذلك من القضايا المذكورة، في كتب التاريخ والسير، فما مضى على تمويه يزيد على أهل الشام إلّا أيّام حتى تحقق لأهل الشام أجمع أنّ هؤلاء ذرية رسول الله وقد قتل يزيد رجالهم وسبي نساءهم وأسر أطفالهم، فخاف بن ميسون آنئذ عاقبة أمره، وخشي على تحطيم عرشه، فقلب عند ذاك ظهر المجن وراح يظهر للناس أنّ الذي قتل الحسين عليه‌السلام هو ابن مرجانة،. وهو بريئ من عمله الذي عجله بالحسين وأهل


بيته، وأراد أن يدفع عنه هذا الأمر فأفرغ للسبايا داراً من دوره، وأمر أن تنقل إليها بعد أن حبسهم في تلك الخربة، وكان الذي دعاه إلى ذلك، أنّ زوجته هند لمّا علمت بأنّ هؤلاء آل بيت رسول الله، دخلت عليه وهي تولول قد شقَّت جيبها حاسرة الرأس، فلمّا رآها على هذا الحال قام إليها وألقى عليها رداءه، وقال لها: إعولي يا هند وابكي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش، فقد عجّل عليه ابن زياد فقتله قتله الله، ثم قال لها: ادخلي الحرم. قالت: والله لا أدخل حتى أدخل بنات رسول الله معي. فأمر يزيد بهنّ إلى منزله وأنزلهنّ في دار من دوره، فلمّا دخلن الهاشميات استقبلتهنّ نساءآل أبي سفيان، وقبلن أيديهن وأرجلهنّ وهنّ ينحن ويبكين وألقين ما عليهنّ من الثياب والحلل.

قال الراوي: وأقمنّ المأتم ثلاثة أيّام، وقيل أقمن المأتم سبعة أيّام وما كان يزيد يجلس على مائدة إلّا ويحضر السجاد عليه‌السلام معه.

وذكر السيد في اللهوف: إنّ يزيد قال لعلي بن الحسين يوماً: اذكر لي حاجتك. فقال السجاد عليه‌السلام : اُريد منك أوّلاً أن تريني وجه أبي الحسين فأتزوّد منه، والثانية أن ترد علينا ما أُخذ منّا، والثالثة إن كنت عازماً على قتلي فوجّه مع هذه النسوة من يردهنّ إلى حرم جدّهنّ. فقال اللعين: أمّا وجه أبيك فلن تراه أبداً، وأمّا قتلك فقد عفوت عنك، وأمّا النساء فلا يردهنّ غيرك إلى المدينة، وأمّا ما اُخذ منكم يوم الطف فأنا اُعوضكم عنه اضعافه. فقال السجاد عليه‌السلام ، أمّا مالك فلا نريده، وهو موفّر عليك وإنّما طلبت ما اخذ منّا لأنّ فيه مغزل جدتي فاطمة بنت محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومقنعتها وقلادتها وقميسها.

قال الراوي: فأمر برّد ذلك كلّه.

وقال أرباب المقاتل: وأشار عليه مروان بن الحكم بإرجاعهم إلى المدينة، فأمر يزيد بن معاوية بالمحامل أن تحضر، فأُحضرت وبعث على السجاد زين


العابدين عليه‌السلام وبعد أن جلس السجاد تكلّم معه يزيد وقال: لعن الله ابن مرجانة حيث قتل أباك، أما والله لو كنت صاحبه ما سألني خصلة إلّا أعطيتها إيّاه ولدفعت عنه الحتف بكلّ ما قدرت عليه ولو بهلاك بعض ولدي، ولكنّ الله قضى ما رأيت تكاتبني من المدينة وارفع إليّ حوائجك.

قال: وأمر بإحضار كسوة له ولأهله فاحضرت، ثم أمر بالأنطاع ففرشت وصبت عليها الأموال، وقال: يا ام كلثوم خذوا هذه الأموال عوض ما أصابكم. فقالت اُم كلثوم: يا يزيد ما أقلّ حياءك وأصلف وجهك، تقتل أخي وأهل بيتي وتعطيني عوضهم مالاً، والله لا كان هذا أبدا.

أقول: والله لو أن الجبال تكون ذهباً ما كانت تساوي أنملة من أنامل عبدالله الرضيع الذي ذبخ على صدر أبيه الحسين يوم عاشوراء.

هبوا أنّكم قاتلتم فقتلتم

فما ذنب أطفال تقاسي نبالها

رجالهم صرعى وأسرى نساؤهم

وأطفالهم في السبي تشكو حبالها


المطلب السادس عشر

في رجوع السبايا من الشام ووصولهم الى كربلاء

اختلفت العلماء في ذكرهم لسبايا الحسين عليه‌السلام ؛ فبعضهم يقول: مكثوا بالشام (1) وعادوا إلى كربلاء، ومنهم من قال: رجعوا بسنتهم، والخبر الثاني أقرب للوضع، حيث إنّ مروان بن الحكم أشار على يزيد عليه اللعنة، أن يرجعهم إلى المدينة وأخذ يهيّئ لهم يزيد كلّما يحتاجون في طريقهم من المحامل والخيم

__________________

(1) ذكر السيد ابن طاووس رحمه‌الله في الإقبال، قال: وجدت في المصباح - مصباح المجتهد للطوسي رحمه‌الله : إنّ حرم الحسين وصلوا كربلاء مع مولانا علي بن الحسين عليه‌السلام يوم العشرين من صفر وفي غير المصباح: إنّهم وصلوا كربلاء أيضاً في عودتهم من الشام يوم العشرين من صفر، وكلاهما مستبعد لأنّ عبيدالله بن زياد (لعنه الله) كتب إلى يزيد يعرفه ما جرى ويستأذنه في حملهم، ولم يحملهم حتى عاد الجواب إليه، وهذا يحتاج الى نحو عشرين يوماً، وأكثرمنها، ولأنّه لمّا حملهم إلى الشام روي أنّهم لمّا أقاموا فيها شهراً في موضع لا يكنّهم من حر ولا من برد وصورة الحال تقتضي أنهم تأخّروا أكثر من أربعين يوماً من قتل الحسين عليه‌السلام إلى أن وصلوا العراق أو المدينة، وأمّا جوازهم في عودتهم على كربلاء فيمكن ذلك، ولكنه ما يكون وصولهم إليها يوم العشرين من صفر لأنّهم اجتمعوا على ما روي مع جابر بن عبدالله الأنصاري، فإن كان جابر قد وصل زائراً من غير الحجاز فيحتاج وصول الخبر إليه ومجيئه أكثر من أربعين يوماً، وعلى أن يكون جابر وصل من غير الحجاز من الكوفة أو غيرها


والطعام والقرب والأواني، ووجّه معهم النعمان بن بشير الصحابي (1) ومعه ثلاثون رجلاً وأمره أن يكون بأمر السجاد زين العابدين عليه‌السلام في حلّهم وترحالهم، فخرجوا من دمشق الشام، فكان النعمان بن بشير يسايرهم بحيث يرونهم ويراهم، وإذا نزلوا نزل ناحية عنهم هو وأصحابه، وصاروا لهم كهيئه الحرس، وكان بين حين وآخر يأتي وحده إلى السجاد ويسأله عمّا يحتاجونه ويلطف به، حتى إذا وصلوا إلى مفرق طريقين أحدهما ينتهي إلى المدينة والأخر إلى العراق، قالوا للدليل: مر بنا على كربلاء، فامتثل الدليل أمرهم، فوصلوا إلى كربلاء في العشرين من شهر صفر، فوجدوا بها جابر بن عبدالله الأنصاري (2) قد ورد كربلاء لزيارة قبر الحسين عليه‌السلام .

قال الأعمش بن عطية الكوفي: خرجت مع جابر بن عبدالله الأنصاري زائراً قبر الحسين عليه‌السلام ، فلمّا ورد كربلاء دنا من شاطئ الفرات فاغتسل، ثم خرج وقد ائتزو بإزار وارتدى بآخر، ثم فتح صرّة فيها سعد (3) فنثرها على بدنه، ثم مشى إلى القبر الشريف حافياً، وكان لايخطو خطوة إلّا ذكر الله تعالى فيها، حتى إذا دنا من القبر الشريف، قال: ألمسنية يا ابن عطية. قال: فألمسته القبر، فخرّ على القبر

__________________

(1) النعمان بن بشير الأنصاري الخزري يكنى أبا عبدالله وهو مشهور، له ولأبيه صحبة. قال الواقدي: كان أول مولود في الاسلام من الأنصار، بعد الهجرة بأربعة عشر شهراً، وعن أبي الزبير، قال: كان النعمان بن بشير أكبر منّي بستة أشهر، استعمله معاوية على الكوفة فبقى حتى دخلها مسلم بن عقيل، ودخلها أيضاً عيبدالله بن زياد، قتل النعمان سنة خمس وستين.

(2) جابر بن عبدالله الأنصاري شهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحضر جل غزواته، وكف بصره في آخر عمره، توفي في المدينة سنة أربع وسبعين ويقال سنة سبع وسبعين، عاش أربع وتسعين سنة.

(3) السعد: طيب معروف بين الناس، ومنه الحديث: اتخذوا السعد لأسنانكم فإنه يطيب الفم. (مجمع البحرين)


مغشياً عليه، فرششت عليه الماء، فلمّا أفاق صاح: يا حسين يا حسين حتى قالها ثلاثاً، ثم قال: حبيب لا يجيب حبيبه.

ثم قال: وأنى لك بالجواب وقد شخبت أوداجك على أثباجك (1) ، وفرّق بين رأسك وبدنك، أشهد أنّك ابن سيّد النبيين، وابن سيد الوصيين، وابن حليف التقى وسليل الهدى، وخامس أصحاب الكساء، وابن سيد النقباء، وابن فاطمة الزهراء سيدة النساء، وكيف لا تكون هكذا وقد غذّتك كفّ سيد المرسلين وربيت في حجور المتقين، ورضعت من ثدي الإيمان، وفطمت بالإسلام، فطبت حيّاً وطبت ميّتاً، غير أنّ قلوب المؤمنين غير طيّبة لفراقك، ولا شاكة في حياتك، فعليك سلام الله ورضوانه، أشهد أنّك مضيت على ما مضى عليه أخوك يحيى بن زكريا.

ثم أجال ببصره نحو القبور - قبور الشهداء - وقال: السلام عليكم أيتها الأرواح التي حلّت بفناء قبر الحسين عليه‌السلام وأناخت برحله، أشهد أنّكم اقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وجاهدتم الملحدين وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين، والذي بعث محمداً بالحق لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.

قال ابن عطية: فقلت لجابر: فكيف تقول ذلك ونحن لم نهبط وادياً ولم نعل جبلاً ولم نضرب بسيف، والقوم قد فرق بين رؤوسهم وأبدانهم، واُوتمت أولادهم، وأرملت أزواجهم؟ فقال لي: يابن عطية سمعت حبيبي رسول الله يقول: من أحب قوماً حشر معهم، ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم، والذي بعث محمداً بالحق إنّ نيتي ونية أصحابي على مضى عليه الحسين وأصحابه،

__________________

(1) الثبج: ما بين الكاهل إلى الظهر. (المنجد)


حذو النعل بالنعل، ثم قال: خذوني نحو أبيات كوفان.

قال ابن عطية: فلمّا صرنا في بعض الطريق فقال لي: يابن عطية هل اُوصيك وما أظن أنني بعد هذا السفر ملاقيك، أحبّ محبّ آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على ما اُحبّهم وأبغض مبغض آل محمّد على ما أبغضهم، وإن كان صوّاماً قوّاماً، وارفق بمحبّ آل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فإنّه إن تزلّ قدم بكثر ذنوبهم، ثبتت أخرى بمحبتهم، فأنّ محبّهم يعود إلى الجنة ومبغضهم يعود إلى النار.

ويروى في بعض المقاتل، قال ابن عطية: بينا نحن بالكلام وإذا بسواد قد أقبل علينا ومن ناحية الشام، قفلت: يا جابر إني أرى سواداً عظيماً مقبلاً علينا من ناحية الشام، فالتفت جابر إلى غلامه، وقال له: انطلق وانظر ما هذا السواد، فإن كانوا من أصحاب عبيدالله بن زياد ارجع إلينا حتى نلتجأ إلى مكان، وأن كان هذا سيّدي ومولاي زين العابدين أنت حرّ لوجه الله. فانطلق الغلام بأسرع من أن رجع إلينا وهو يلطم وجهه وينادي: قم يا جابر واستقبل حرم الله وحرم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فهذا سيدي ومولاي علي بن الحسين عليه‌السلام قد أقبل بعمّاته وأخواته ليجدّدوا العهد بزيارة الحسين عليه‌السلام . فقام جابر ومن معه واستقبلوهم بصراخ وعويل، يكاد الصخر أن يتصدّع منه، ولمّا دنى من الإمام انكب على قدميه يقبّلهما وهو يقول: سيّدي عظّم الله لك الأجر بمصاب أبيك الحسين، وعظّم الله لك الأجر بعمومتك واخوتك. فقال الامام عليه‌السلام : أنت جابر؟ قال: نعم سيّدي أنا جابر، فقال عليه‌السلام : يا جابر ههنا ذبحت أطفال أبي.

هنا رأيت أبي في التراب منعفرا

وصحبه حوله صرعى على الترب


المطلب السابع عشر

في ترجمة جابر بن عبدالله الأنصاري

كان جابر بن عبدالله الأنصاري (1) من جلة الصحابة جليل القدر، عظيم الشأن، انقطع إلى أهل البيت عليهم‌السلام ، شهد مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمانية عشر غزوة، وشهد مع علي صفين، وكان من المكثرين الحديث والحافظ للسنن.

قال شيخاً في المستدرك: جابر الأنصاري، هو من السابقين الأولين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين، حامل سلام رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى باقر علوم الأولين والآخرين.

قال أرباب التاريخ: خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غازياً وجابر بن عبدالله معه على ناقة له وقد تخلّفت ناقته لأنّها كانت عجفاء، فالتفت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الى خلفه فلم ير

__________________

(1) هو أبو عبدالله، جابر بن عبدالله الأنصاري، مفتي المدينة في زمانه، كان آخر من شهد ببيعة العقبة في السبعين من الأنصار، وحمل عن النبي علماً كثيراً نافعاً، وله منسك صغير في الحج، وأراد شهود ببدر وشهود احد، فكان أبوه يخلفه على أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الرضوان. وعنه قال: استغفر لي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ليلة البعير خمساً وعشرين مرة، وقليل: إنّه شهد بدراً، وكان يميح الماء، عمّر أربعاً وتسعين سنة، وكانت وفاته سنة ثمان وسبعين رحمه‌الله - الذهبي - تذكرة الحفاظ.


جابراً، فسأل أصحابه، فقيل له: يا رسول الله إنّ ناقته عجفاء، فرجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إليه وهمز الناقة برجله فجعلت تهفّ هفيفاً خفيفاً، حتى سبقت ناقة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا جابر بكم اشتريت هذه الناقة؟ فقال: بأبي واُمّي يا رسول الله اشتريتها بأربعمائة دينار، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا رجعنا من غزوتنا بعها عليَّ، فقال هي لك يا رسول الله، ثم سأله هل عليك ديون؟ قال: بلى يارسول الله عَليَّ دين كثير، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هل عندك شيء تفي به؟ قال: بلى عندي تميرات اقسمها على غرمائي، والذي يبقي له من الدين أستمهلهم إلى السنة الأُخرى. فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : إذا حضرت وقت ايفائك لهم احضرني على التمر، ولمّا رجع النبي من غزوته إلى المدينة، أقبل جابر بناقته فعقلها بباب المسجد، وصاح: يا رسول الله هذه الناقة قد جئتك بها. فقام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ودفع له أربعمائة دينار، وقال له: يا جابر الدنانير لك والناقة لك. ولمّا صار أوان التمر أحضر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأخذ النبي الميزان بيده وجعل يزن التمر ويقسمه على غرماء جابر، حتى وفى عنه جميع ديونه، وزاد من التمر ببركة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وروي أنّه دخل جابر يوماً على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فسلّم عليه، فردّ النبي عليه‌السلام ، فقال: يا رسول الله أخبرني عن منزلة سلمان الفارسي، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سلمان منّا أهل البيت. ثم قال: يا رسول الله أخبرني عن منزلة عمّار، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عمّار منّا أهل البيت. فقال يا رسول الله أخبرني عن منزلة المقداد، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : المقداد منّا أهل البيت. فقال: أخبرني عن منزلة أبي ذر، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أبو ذر منّا أهل البيت. ثم انصرف جابر، فصاح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، يا جابر أقبل إليَّ، فأقبل إليه فقال له النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : سألتني عن هؤلاء الأربعة ولم تسألني عن نفسك؟! فأطرق برأسه إلى


الأرض حياء من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فقال له: أخبرني عن نفسي يا رسول الله، فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنت منّا أهل البيت، فلهذا انقطع جابر إلى أهل البيت وحضر مع علي صفين، وكان من خواص أصحابه، وكان يحدّث عن فضلائه ومناقبه.

حتى روي عن أبي الزبير المكي قال: سألت جابر بن عبدالله فقلت: أخبرني أي رجل كان علي بن أبي طالب عليه‌السلام ؟ قال: فرفع حاجبه عن عينيه، وقد كان سقط على عينيه، قال: فقال: ذاك خير البشر، أما والله إنا كنّا لنعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ببغضهم إيّاه.

وكان يقعد في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو معتم بعمامة سوداء وكان ينادي: يا باقر العلم يا باقر العلم، وكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، وكان يقول: لا والله لا أهجر، ولكنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّك ستدرك رجلاً من أهل بيتي اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقراً فذاك الذي دعاني إلى ما أقول، فبينا جابر يتردّد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ رأى في ذلك الطريق كتاب (1) وفيه محمّد بن علي بن الحسين عليه‌السلام ، فلمّا نظر إليه قال: يا غلام أقبل، فأقبل، ثم قال: أدبر فأدبر، فقال: شمائل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والذي نفس جابر بيده، يا غلام ما اسمك؟ فقال: اسمي محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فأقبل إليه يقبّل رأسه، وقال: بأبي أنت وأمي رسول الله جدّك يقرئك السلام. قال: فرجع محمد بن علي إلى أبيه وهو ذعر، فأخبره الخبر، فقال له: يا بني قد فعلها جابر؟ قال: نعم. قال: يا بني ألزم بيتك، فكان جابر يأتيه طرفيّ النهار، وكان أهل المدينة يقولون: وا عجباه لجابر يأتي هذا الغلام طرفيّ النهار.

__________________

(1) لعله مكان معلم الأولاد.


وكان جابر يحب الحسين عليه‌السلام ويحمله على كتفيه وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إذا حمل الحسين عليه‌السلام وجاء جابر ورآه الحسين عليه‌السلام يرمي بنفسه عليه، وكان يقال له: حبيب الحسين، وهو من جملة من دخل إلى الحسين عليه‌السلام يومئذ بمكة، وذلك لمّا أراد الخرج منها الى العراق، وقال له فيما قال: سيدي إنّ أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، فقال: (يا عم يا جابر إنّ تكليفي من الله غير تكليفي أخي الحسن عليه‌السلام ، ولو كان أخي الحسن عند أربعين رجلاً لمّا صالح معاوية، وها أنا ذا معي ما ينوف على الأربعين غير الذي يلحقونني).

قال الراوي: فجعل جابر يبكي ويقول: سيّدي بحقّ جدّك ألا ما عدلت عن الوجه، لما رأى تصميم الحسين عليه‌السلام على الخروج إلى العراق ودّعه ودموعه تجري، ولمّا خرج الحسين عليه‌السلام من مكّة خرج جابر إلى البصرة، وجعل كل يوم يخرج خارج البصرة ويسأل القادمين من الكوفة عن الحسين عليه‌السلام ، حتى استخبر بقتل الحسين عليه‌السلام فجعل يلطم وجهه ويبكي، ونام ليلته فرأى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في المنام وهو أشعث مغبر مكشوف الرأس، فقال: مالي أراك يا رسول الله أشعث؟ فقال: يا جابر الآن رجعت من دفن ولدي الحسين عليه‌السلام ، ثم تجهّز جابر للمسير إلى كربلاء، فجاء ومعه الأعمش بن عطية وغلامه حتى وافى كربلاء يوم التاسع عشر من شهر صفر وبات عند قبر الحسين عليه‌السلام ليلته، حتى أصبح الصباح أقبل زين العابدين عليه‌السلام بعمّاته وأخواته من الشام، ولمّا لاح للهاشميات قبر الحسين عليه‌السلام وقبور الشهداء ألقين بأنفسهن على القبور ولسان حال الحوراء زينب عليها‌السلام يقول:

يا نازلين بكربلا هل عندكم

خبر بقتلانا وما أعلامها

ما حال جثة ميت في أرضكم

بقيت ثلاثا لا يزار مقامها

بالله هل رفعت جانزته وهل

صلى صلاة الميّتين أمامها


قال أرباب المقاتل: وانكبت فاطمة بنت الحسين عليها‌السلام على قبر أبيها حاضنه له وهي تبكي حتى غشي عليها، وجاءت سكينة ووقعت على قبر أبيها، وهكذا درن الهاشميات على قبر الحسين عليه‌السلام لاطمات الخدود، صارخات معولات، واجتمعن إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا الى ذلك أيّاماً.

قم وجدد الحزن في العشرين من صفر

ففيه ردت الرؤوس الآل للحفر (1)

__________________

(1) (فائدة) كان جابر بن عبدالله الأنصاري ممن شهد العقبة وعمي في آخر عمره، ومات بالمدينة سنة 78 هـ وقليل ثمان وتسعين، وقد أدرك من امامه الباقر عليه‌السلام ثلاث سنين بالمدينة، وكان أخر من بقي من أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وكان من السبعين الذين بايعوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في عقبه منى. وعن الفضل بن شاذان أنه من السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام بعد النبي، وهو ممن مدحه الصادق عليه‌السلام . وعن فضيل بن عثمان عن الزبير قال: رأيت جابراً يتوكّأ وهو يدور في سكك المدينة ومجالسهم، وهو يقول: علي خير البشر فمن أبى فقد كفر، يا معاشر الأنصار أدبوا أولادكم في حب علي عليه‌السلام ومن أبى فالينظر في شأن أمه.


المطلب الثامن عشر

في موضع دفن الرأس الشريف

اختلف أرباب التاريخ في موضع دفن رأس الحسين عليه‌السلام كاختلافهم في موضع دفن الزهراء سيدة النساء صلوات الله عليها، وقبر عبدالله الرضيع ابن الحسين عليهما‌السلام ، الذي رماه حرملة بن كاهل بسهم يوم عاشوراء وذبحه من الوريد الى الوريد، نعم إنّ للمؤرخين أقوال كثيرة في موضع دفن الرأس حيث ذكر كلّ منهم ما وقف عليه، واستند إمّا على السماع أو على رواية رواها من غيره، أو نقلها من مصدر من المصادر.

ذكر المؤيد صاحب حماة في تاريخه، وعمر بن الوردي في تاريخه: قيل إنّ رأس الحسين عليه‌السلام جهز إلى المدينة ودفن عند أُمّه، وكذلك ذكر السمهودي في (وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى) عن محمد بن سعيد: أنّ يزيد بن معاوية بعث برأس الحسين عليه‌السلام إلى عمر بن العاص، وكان عامله على المدينة، فكفنه ودفنه بالبقيع عند قبر اُمّه فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1) ، فهؤلاء المؤرخين ذهبوا على أنّ الرأس الشريف حمل إلى المدينة ودفن بالبقيع أو عند قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

__________________

(1) وكذلك ابن سعد ذكر هذه الرواية في طبقاته الكبرى ورواية البخاري في تاريخه.


وممن قال أنه دفن بعسقلان (1) مجبر الدين الحنبلي في - الأنس الجليل - قال: وبها أي بعسقلان مشهد عظيم بناه بعض الفاطميين من خلفاء مصر على مكان زعموا أنّ فيه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام .

وممن قام بدمشق ياسين بن المصطفى الفرضي قال في (النبذة اللطيفة في المزارات الشريفة) في المزارات المشهورة للصحابة بدمشق ونواحيها، والمشهور منهم بتربة باب الفراديس المسمّاة بمرج أبي الدحداح الآن سمّي مسجد الرأس داخل باب الفراديس في أصل جدار المحراب لهذا المسجد رأس الملك الكامل.

وأما الذين يذكرون انه مدفون بمصر منهم الصبان في أسعاف الراغبين قال: واختلفوا في رأس الحسين عليه‌السلام بعد مسيره إلى الشام أين صار وفي أيّ موضع استقر؟ فذهبت طائفة إلى أنّ يزيد أمر أن يطاف برأسه الشريف في البلاد فطيف به حتى انتهى إلى عسقلان فدفنه أميرها بها، فلمّا غلب الإفرنج على عسقلان افتداه منهم الصالح طلائع وزير الفاطميين بمال جزيل ومشى إلى لقائه من عدة مراحل ووضعه في كيس حرير أخضراً على كرسي من خشب الأبنوس وفرش تحته المسك والطيب وبنى عليه المشهد الحسيني المعروف بالقاهرة.

وذكر شيخ عبدالوهاب الشعراني في طبقات الأولياء عند ذكره الحسين عليه‌السلام : دفنوا رأسه ببلاد المشرق ثم رشا عليها طلايع بن زريك بثلاثين ألف دينار ونقله إلى مصر وبنى عليه المشهد الحسيني، وخرج هو وعسكره حفاة

__________________

(1) عسقلان مدينة على ساحل البحر من أعمال فلسطين كان يقال لها عروس الشام لحسنها وهي ذات بساتين وثمار، بها مشهد رأس الحسين عليه‌السلام وهو مشهد عظيم وفيه ضريح الرأس والناس يتبركون به وبنيت عسقلان في أيام عمر بن الخطاب.


إلى نحو الصالحية من طريق الشام يتلقون الرأس الشريف، ثم وضعه طلايع في كيس من حرير أخضر على كرسي آبنوس وفرشوا تحته المسك والعنبر والطيب قدر وزنه مراراً (1) .

وممّن ذكر أنّه مدفون بالرقة عبدالله بن عمر الوراق في كتاب (المقتل)، قال: ولمّا خضر الرأس بين يدي يزيد بن معاوية قال: لأبعثنه إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان، وكانوا بالرقة، فبعثه إليهم فدنوه في بعض دورهم، ثم اُدخلت تلك الدار في المسجد الجامع، قال: وهو إلى جانت سدره هناك، وقيل: إنّ الفاطميين نقلوه من باب الفراديس إلى عسقلان ثم نقلوه إلى القاهرة.

ومنهم من قال: أنه دفن بالثوية حيث الآن يسمى بمسجد (الحنانة) شرقي النجف عن يسار الذاهب إلى الكوفة وبالقرب من قبر العبد الصالح كميل بن زياد النخعي، وقال الآخرون: إنّه دفن عند أبيه أمير المؤمنين عليه‌السلام وتوجد الآن غرفة في الرواق الحيدري، مما يلي الرأس الشريف من جهة الغرب وهي مزركشة، وقد كتب على جدرانها بعض اللوائح بخط جميل.

يا أبا عبدالله الحسين عليه‌السلام ، هذه الأقوال كلّها لم تكن عليها عمل الطائفة، بل الذي عليه العمل وهو القول الفصل إنّ السجاد زين العابدين عليه‌السلام جاء به إلى كربلاء ودفنه مع الجسد الشريف.

__________________

(1) وممن قال أن الرأس الشريف بالمشهد الذي بالقاهرة نقل إليها من عسقلان، علي بن أبي بكر المشهور بالسائح الهروي المتوفى سنة 611، قال في الإشارات إلى أماكن الزيارات عند كلامه على عسقلان: وبها مشهد الحسين عليه‌السلام ، وكان رأسه بها فلمّا أخذته الفرنج نقله المسلمون إلى مدينة القاهرة سنة 549.

وحكى ابن أبي دنيا، قال: وجد رأس الحسين عليه‌السلام في خزانة يزيد بدمشق فكفّنوه ودفنوه بباب الفراديس وكذا ذكره البلاذري في تاريخه، قال: هو بدمشق.


ذكر صاحب كتاب حبيب السير: أنّ يزيد بن معاوية سلم رؤوس الشهداء إلى علي بن الحسين عليه‌السلام فألحقها بالأبدان الطاهرة يوم العشرين من صفر.

وقال السبط ابن الجوزي بعد تعدد الأقوال قال: وأشهرها أنه رد إلى كربلاء مع السبايا إلى الجسد الشريف فدفن معه.

لا تطلبوا قبر الحسين

بأرض شرق أو بغرب

ودعوا الجميع وعرجوا

نحوي فمشهده بقلبي


المطلب التاسع عشر

في رجوع السبايا الى المدينة

قال ابن الأثير والبياسي والطبري في روايته عن أبي مخنف: أنّه لمّا أراد يزيد أن يسيّرهم إلى المدينة أمر النعمان بن بشير أن يجهّزهم بما يصلحهم ويسير معهم رجلاً أميناً من أهل الشام، وأن يبعث معه خيلاً وأعوانا.

وقال المفيد: ندب النعمان بن بشير، وقال له: تجهز لتخرج بهؤلاء النسوة الى المدينة، وأنفذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولاً تقدّم إليه أن يسير بهم في الليل ويكونوا أمامه، حيث لا يفوته طرفه، فإذا نزلوا تنحّى عنهم وتفرّق أصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم بحيث إن أراد إنسان من جماعتهم وضوءاً أو قضاء حاجة لم يحتشم.

قالوا جميعاً: ودعا يزيد، زين العابدين عليه‌السلام ليودّعه، وقال له: لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أنّي صاحب أبيك ما سألني خصلة أبداً إلّا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكلّ ما استطعت، ولو بهلاك بعض ولدي، ولكن الله قضى ما رأيت، يا بني كاتبني من المدينة، وإنّه إلي كلّ حاجة تكون لك، وتقدّم بكسوته وكسوة أهله وأوصى بهم هذا الرسول، فخرج بهم الرسول.

قال المفيد: وسار بهم في جملة النعمان فكان يسايرهم ليلاً فيكونون أمامه بحيث لا يفوتون طرفه، فإذا نزلوا تنحى عنهم هو وأصحابه وكانوا حولهم كهيئة


الحرس، وكان يسألهم حاجتهم ويلطف بهم، كما وصّاه يزيد حتى دخلوا المدينة، ولمّا وصلوا قالت فاطمة بنت علي (أي ام كلثوم) لاختها زينب: لقد أحسن هذا الرجل إلينا، فهل لك أن نصله بشيء، فقالت: والله ما معنا نصله به إلّا حليّنا، فأخرجتا سوارين ودملجين لهما، فبعثتا به إليه واعتذرتا فرد الجميع، وقال: لو كانت صنعت للدنيا لكان هذا يرضيني ولكن والله ما فعلته إلّا لله، ولقرابتكم من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وقال بشر بن حذلم: ولمّا قربنا من المدينة، نزل علي بن الحسين عليه‌السلام فحطّ رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه، وقال: يا بشر رحم الله أباك فلقد كان شاعراً، فهل أنت تحسن الشعر؟ فقلت: بلى يا سيّدي، وإنّي لشاعر، فقال عليه‌السلام : قم الآن وادخل المدينة وانعى الحسين عليه‌السلام ولو ببيتين من الشعر.

قال بشر: فقمت وركبت فرسي وجئت حتى دخلت المدينة، فلمّا بلغت مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرج

والرأس منه على القناة يدور

قال: فضجّ الناس بالبكاء والنحيب، ثم قلت: هذا علي بن الحسين عليه‌السلام مع عماته واخواته قد حلّوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله إليكم اُعرّفكم مكانه.

قال بشر: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلّا وبرزن من خدورهنّ ضاربات الصدور، ناشرات الشعور، وهن يدعين بالويل والثبور، قال: فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم.

قال بشر: وسمعت في طريقي جارية تنوح وتنشد:

نعى سيّدي ناع نعاه فأوجعا

وأمرضني ناع نعاه فأفجعا


اعينيّ جودا بالدموع واسكبا

وجودا بقان مثل دمعكما معا

على من دهى عرش الجليل فزعزعا

وأصبح أنف الدين والمجد أجدعا

على ابن نبي الله وابن وصيه

وإن كان عنّا شاحط الدار اشسعا

ثم قالت: أيها الناعي جددت حزناً بأبي عبدالله، وخدشت منّا قروحاً لما تندمل، فمن أنت يرحمك الله؟ فقلت: أنا بشر بن حذلم، وجهني مولاي علي بن الحسين عليه‌السلام وهو نازل موضع كذا وكذا مع العيال والأطفال.

قال: فتركوني الناس ومضوا يهرعون حتى إذا وصلت قريباً من الموضع والناس قد أخذوا الطريق والمواضع، فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس، حتى قربت من الفسطاط، وكان علي بن الحسين عليه‌السلام داخل الفسطاط، ثم خرج وبيده منديل يمسح به دموعه وخلفه خادم معه يحمل الكرسي، ثم وضعه له بين الناس وهو لم يتمالك من العبرة، وارتفعت الأصوات بالبكاء والنحيب، وقام الناس يعزونه من كل ناحية، فضجّت تلك البقعة ضجّة واحدة، ثم أومأ بيده إلى الناس أن اسكتوا، فسكنت فورتهم، فقال:

«الحمد لله رب العالمين مالك يوم الدين، بارئ الخلائق أجمعين، الذي بعد فارتفع في السماوات العلى، وقرب فشهد النجوى، ونحمده على عظائم الأُمور، وفجائع الدهور، وألم الفجائع، ومضاضة اللواذع، وجليل الرزء، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظمة الفادحة الجائحة، أيها القوم إنّ الله وله الحمد ابتلانا بمصائب جليلة، وثلمة في الإسلام عظيمة، قتل أبو عبدالله الحسين عليه‌السلام وعترته وسبي نساءه وصبيته، وداروا برأسه في البلدان من فوق عال السنان، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية، أيها الناس فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله؟ أم أي فؤاد لا يحزن من أجله؟ أم أية عين منكم تحبس دمعها وتضلّ عن أنهما لها؟ فلقد بكت السبع الشداد بقتله، وبكت البحار بأمواجها، والسماوات بأركانها، والأرض


بأرجائها، والأشجار بأغصانها، والحيتان في لجج البحار، والملائكة المقربون، وأهل السماوات أجمعون، أيها الناس أيّ قلب لا ينصدع لقتله؟ أم أيّ فؤاد لا يحنّ عليه؟ أم أيّ سمع يسمع هذه الثلمة التي ثملت في الإسلام؟ أيها الناس أصبحنا مطرودين مشردين مذودين، شاسعين الأوطان، كأنّنا أولاد ترك وكابل، من غير جرم أجرمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها، ولا سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، إنّ هذا إلا اختلاق، والله لو أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوا، فإنا لله وإنا إليه راجعون، من مصيبة ما أعظمها وأوجعها وأفجعها وأكظّها وأفظعها وأمّرها وأفدحها، فعند الله نحتسب فيما أصابنا، وما بلغ بنا فإنّه عزيز ذوانتقام».

قال: فعلت الأصوات بالبكاء والعويل.

وروى في المنتخب (1) : إن ام كلثوم عليها‌السلام حين توجهت الى المدينة جعلت تبكي وتقول:

مدينة جدنا لا تقبلينا

فبالحسرات والأحزان جينا

خرجنا منك بالأهلين جمعاً

رجعنا لا رجال لا وبنينا

__________________

(1) انظر ج 2 ص 499.


المطلب العشرون

في ملاقاة السجاد عليه‌السلام مع عمّه محمّد

ذكر صاحب الدمعة الساكبة قال: لمّا دخل بشر بن حذلم الى المدينة وأخبر الناس بقتل الحسين عليه‌السلام وضج الناس بالبكاء والنحيب، وكان محمّد بن الحنفية مريضاً، ولم يكن له علم بذلك الخبر الشنيع، فسمع اصواتاً عالية ورجّة عظيمة، فلم يقدر أحد أن يخبره لخوفهم عليه من الموت لأنّه قد أنحله المرض، فألح عليهم بالسؤال. فتقدم إليه أحد غلمانه، وقال: جعلت فداك يابن أمير المؤمنين، إنّ أخاك الحسين عليه‌السلام قد أتى من الكوفة وقد غدر أهل الكوفة بابن عمّك مسلم بن عقيل، فرجع عنهم وأتى بأهله وأصحابه، فقال له لم لا يدخل علي أخي؟ قال: ينتظر قدومك إليه.

قال: فنهض فوقع وجعل تارة يقوم وتارة يسقط، وهو يقول: لا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم، فكأنّ حس قلبه بالشر، فقال: إنّ فيها والله مصائب آل يعقوب، ثم قال: أين أخي؟ أين ثمرة فؤادي؟ أين الحسين؟ ولم يعلم بقتله، فقالوا: يا مولانا أخوك بالموضع الفلاني. قال: قدّمو لي جوادي، فقدّم له الجواد، واركبوه على جواده وحوله خدّامه، حتى إذا خرج خارج المدينة فلم ير إلّا أعلاماً سودا، فقال: ما هذه الأعلام السود، والله قتل بنو اُمية الحسين، فصاح صيحة عظيمة، وخرّ عن جواده إلى الأرض مغشياً عليه، فركض الخادم إلى زين


العابدين عليه‌السلام وقال له: يا مولاي أدرك عمّك قبل أن تفارق روحه الدنيا، فخرج وبيده منديل يمسح بها دموعه الى أن أتى إلى عمّه فأخذ رأسه ووضعه في حجره، فلمّا أفاق قال: يابن أخي أين أخي؟ أين قرّة عيني؟ أين نور بصري؟ أين أبوك؟ أين خليفة أبي؟ أين أخي الحسين؟ فقال علي عليه‌السلام : أتيتك يتيماً ليس معي إلّا نساء حاسرات في الذيول عاثرات، ناعيات نادبات، وللمحامي فاقدات، يا عمّاه لو تنظر إلى أخيك يستغيث فلا يغاث، ويستجير فلا يجار، قتل وهو عطشان والماء يشربه كلّ حيوان. فصرخ محمّد بن الحنفية حتى عشي عليه مرّة ثانية ولمّا أفاق من غشيته قال: يابن أخي قص علي ما أصابكم.

قال الراوي: فكان السجاد يقص على عمّه ودموعه تجري وهو يمسحها بمنديل كان في يده، فقال محمد بن الحنفيه: يعزّ عليَّ يا أبا عبدالله، يا أخي كيف طلبت ناصراً فلم تنصر، ومعيناً فلم تعن، ثم نهض ودخل داره ولم يخرج إلّا بعد ثلاثة أيام، ولما كان اليوم الرابع خرج للناس وهو شاك في سلاحه وقد اشتمل ببردة واستوى على جواده وقصد ناحية الجبل، فلم يظهر للناس إلا عند خروج المختار (1) .

قال الراوي: وسمعت اُم لقمان بنت عقيل صراخ للنساء، وخرجت ومعها أترابها اُم هاني، وأسماء بنت علي عليه‌السلام وجعلن يندبن الحسين عليه‌السلام .

قال الراوي: وكان دخولهم المدينة يوم الجمعة والخطيب يخطب الناس، فذكروا الحسين عليه‌السلام وما جرى عليه، فتجددت الأحزان، واشتملت المصائب وصار كيوم مات فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

__________________

(1) الظاهر أنه اعتزل الناس حداداً على أبي عبدالله الحسين عليه‌السلام .


قال الراوي: وأقبلت اُم كلثوم إلى مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي باكية العين، حزينة القلب، فقالت: السلام عليك يا جدّاه، إني ناعية إليك ولدك الحسين عليه‌السلام ، وجعلت تمرغ خديها على المنبر والناس يعزونها.

وفي البحار وغيره، أمّا فخر المخدرات زينب عليها‌السلام فإنها لمّا دخلت المدينة ووقع طرفها على قبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم صرخت وبكت وأخذت بعضادتي باب المسجد ونادت: يا جدّاه إنّي ناعية إليك أخي الحسين عليه‌السلام وهي مع ذلك لا تجف لها عبرة ولا تفتر من البكاء والنحيب.

قال: وأقبلت اُم كلثوم الى قبر اُمها فاطمة الزهراء، ورمت بنفسها على القبر وهي تقول: يا اُمّاه اُعزّيك بولدك الحسين عليه‌السلام فقد قتلوه عطشانا:

أفاطم لو خلت الحسين مجدلا

وقد مات عطشانا بشط فرات

إذاً للطمت الخد فاطم عنده

وأجريت دمع العين في الفلوات (1)

قال أرباب المقاتل: ولبسن نساء بني هاشم السواد والمسوح، وكنّ لا يشتكين من حر ولا برد، وما اكتحلت هاشمية ولا اختضبت ولا رؤي في دار هاشمي دخان خمس حجج، كل ذلك حزناً على أبي عبدالله الحسين عليه‌السلام ، وكانت رباب زوجة أبي عبدالله الحسين عليه‌السلام تبكي الليل والنهار على أبي عبدالله، وأمرت بسقف البيت فاقتلعوه، وكانت تجلس في حرارة الشمس وتنوح على الحسين عليه‌السلام ، وقد خطبها يزيد بن معاوية والأشراف من قريش، فقالت: لا والله ما

__________________

(1) البيتان من القصيدة التائية الشهيرة وهي للشاعر العملاق دعبل بن علي الخزاعي المتوفى سنة 246 هـ ومطلعها كما في ديوانه:

تجاوبن بالأرنان والزفرات

نوائح عجم اللفظ والنطقات


كنت لأتخذ حماً آخر بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم (1) وكانت ترثي الحسين عليه‌السلام بأشجى رثاء فمن قولها:

إن الذي كان نوراً يُستضاء به

بكربلاء قتيل غير مدفون

سبط النبي جزاك الله صالحة

عنّا وجنبت خسران الموازين

قد كنت لي جبلاً صعباً ألوذ به

وكنت تصحبنا بالرحم والدين

من لليتامى ومن للسائلين ومن

يغني ويأوى إليه كل مسكين

والله لا أبتغي صهراً لصهركم

حتى اُوسد بين الرمل والطين

وأمّا اُم البنين اُم العباس فإنّها كانت ترثي الحسين عليه‌السلام وترثي أولادها وتندبهم بأشجى ندبة، وكانت تخرج إلى البقيع كلّ يوم فيجتمع الناس لسماع رثائها وفيهم مروان بن الحكم فيبكون لشجي الندبة، فمن قولها:

لا تدعوّني ويك اُمّ البنين

تذكريني بليوث العرين

كانت بنون لي ادعى بهم

واليوم اصبحت ولا من بنين

أربعة مثل نسور الربي

قد واصلوا الموت بقطع الوتين

تنازع الخرصان أشلاءهم

فكلّهم أمسى صريعاً طعين

يا ليت شعري أكما أخبروا

بأنّ عباساً قطيع اليمين

ومن رثاها في ولدها العباس عليه‌السلام عليه‌السلام :

يا من رأى العباس كر

على جماهير النقد (2)

__________________

(1) قيل: إن الرباب عاشت سنة بعد الحسين عليه‌السلام ثم ماتت كمداً ولم تستظل بسقف أبداً.

(2) النقد - بالتحريك - قسم من الغنم قصار الأرجل قباح الوجوه.


ووراءه أبناء حيدر

كلّ ليث ذي لبد (1)

اُنبئت أنّ ابني اُصيب

برأسه مقطوع يد

ويلي على شبلي أما

ل برأسه ضرب العمد

لو كان سيفك في يد

يك لما دنا منه أحد

بلى والله يا اُمّ البنين، إن ولدك العباس:

قطعوا يديه وهامه فضخوه في

عمد الحديد فخر خير طعين (2)

__________________

(1) اللّبد - بفتحتين - الصوف المتلبد أو الشعر الكثير.

(2) من قصيدة عصماء في رثاء مولانا أبي الفضل العباس عليه‌السلام للمغفور له الشيخ حسن قفطان المتوفى سنة 1269 هـ ومطلعها:

هيهات أن يجفو السُهاد عيوني

أو أنّ داعية الأسى تجفوني


المطلب الحادي والعشرون

في واقعة الحرّة (1)

قال ابن جرير الطبري في تاريخه (2) وابن الأثير في الكامل: أنّه لمّا قتل الحسين عليه‌السلام وثار نجدة بن عامر الحنفي باليمامة، وثار ابن الزبير بالحجاز، وفي سنة احدى وستين عزل يزيد بن معاوية عمر بن سعد عن أمرة الحجاز، وبعث الوليد بن عتبة، ثم في سنة اثنتين وستين عزل الوليد بن عتبة، وولّى عثمان بن محمد بن أبي سفيان، وهو حدث غر، فبعث إلى يزيد وفداً من أهل المدينة، فلمّا قدموا على يزيد أكرمهم ولمّا رجعوا إلى المدينة قاموا فأظهروا عيب يزيد وشحّه، وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين، يشرب الخمر ويضرب بالطنابير ويعزف عنده القيان، ويلعب بالكلاب، ويسمر عنده الخراب وهم اللصوص. وكان أحد اُولئك النفر الوفد عبدالله بن حنظة الأنصاري رحمه‌الله وكان شريفاً فاضلاً عابداً وكانوا يدعونه ابن غسيل الملائكة، وكانت عنده ثمانية بنين، فقال: قد جئتكم من عند رجل لو لم أجد إلّا بنيّ هؤلاء لجاهدته لهم، وقد اعطاني وما قبلت عطاءه إلّا لأتقوّى به.

__________________

(1) في القاموس - الحرّة - موضع بظاهر المدينة، وبها كانت واقعة الحر أيّام يزيد بن معاوية.

(2) انظر ج 4 ص 367.


قال: فخلع الناس يزيد بن معاوية، وولّوا عليهم عبدالله بن حنظلة الغسيل، ودخلت سنة ثلاث وستّين، فأخرج أهل المدينة عثمان بن محمّد بن أبي سفيان، ومن المدينة من بني اُمية ومواليهم وهم أكثر من ألف رجل، فلمّا سمع يزيد بن معاوية خرج بعد العتمة ومعه شمعتان شمعة عن يمينه وشمعة عن يساره، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد، يا أهل الشام فإنّه كتب إليّ عثمان بن محمد أنّ أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة، ووالله لإن تقع الخضراء على الغبراء أحبّ إليّ من هذا الخبر، ثم نزل، وكان معاوية قد أوصاه، وقال له: إنّ دهمك أمر عليك بأعور بني مرّة فاستشره - يعني مسلم بن عقبة المرّي - فأرسل على مسلم بن عقبة المرّي، وقال له إنّي مرسلك إلى أهل المدينة.

قال أرباب التاريخ: وجهز له ثلاثين ألفا، وقال له: سر إليهم (1) .

قال: وقبل أن يخرج من الشام مرض مسلم بن عقبة، فدخل عليه يزيد يعوده، وقال له: قد كنت وجهتك لهذا البعث، وكان أمير المؤمنين - يعني معاوية - أوصاني بك وأراك مدفناً وليس فيك سفر. فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله أن لا تحرمني أجراً ساقه الله إليّ، انما أنا امرؤ وليس بي بأس، ثم أمر فحمل على سرير وسار بالجيش حتى وافوا المدينة، ومرّوا بمكان أرادوا النزول به، فقال مسلم: ما اسم هذا المكان؟ فقيل له: البتراء. فقال: لا تنزلوا به، ثم ساروا به حتى نزلوا الحرّة وأحدق الجيش بالمدينة، فوجدوا أهل المدينة قد خندقوا وأجلسوا الرجال على أفواه الخنادق.

__________________

(1) قال ابن كثير في البداية والنهاية: وقد أخطأ يزيد في أمر مسلم بن عقبة بأباحته المدينة ثلاثة أيام خطأ كبيراً، فإنه وقع في هذه الأيام الثلاثة من المفاسد العظيمة في المدينة النبوية ما لا يحد ولا يوصف ممّا لا يعلمه إلّا الله عزّوجلّ، وقد أراد بإرسال مسلم بن عقبة توطيد سلطانه ودوام أيّام فعوقب بنقيض قصده، فقصمه الله قاصم الجبابرة وأخذه أخذ عزيز مقتدر.


قال الراوي: وجاء مروان بن الحكم وكلّم رجلاً من بني حارثة، وقال له: افتح لنا طريقاً فإن فعلت ذلك أكتب إلى يزيد بن معاوية وأضمن لك شطر ما كان يبذل لأهل المدينة بالعطاء، ففتح له طرقاً، واقتحمت خيل أهل الشام، فجاء الخبر إلى عبدالله بن حنظلة، فأقبل ومعه أهل المدينة فاقتتلوا ساعة حتى لحق الجيش وانهزم أهل المدينة بعد جلاد عظيم، فلمّا رأى عبدالله بن حنظلة، ذلك أخذ يقدم بنيه واحداً بعد واحد، حتى قتلوا بين يديه، وكان عليه يومئذ درعان طرحهما، وجعل يقاتل وهو حاسر، حتى قتل، فلمّا قتل عبدالله بن حنظلة صار أهل المدينة كالأغنام بلا راع، وجعل مسلم يقول لأصحابه: من جاء برأس رجل فله كذا وكذا، وجعله يغري قوماً لا دين لهم، فقتلوا وظهروا على أكثر المدينة، وجالت خيولهم فيها، وجعلوا يقتلون وينهبون.

قال الراوي: فما تركوا شيئاً ما نهبوه حتى الحمام والدجاج، وكانوا يدخلون في البيت ويقتلون الرجال ويهتكون النساء.

قال أبو معشر: ودخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء نساء الأنصار، ومعها صبي فقال لها: هل من مال؟ قالت: لا والله ما تركوا لي شيئاً، فقال: والله لتخرجين إليّ شيئاً أو لأقتلنّك وصبيّك هذا، فقالت له: ويحك بايعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم بيعة الشجرة على أن لا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان افتريه، فما أتيت شيئاً فاتّق الله فيّ وفي ولدي، ثم قال لابنها: يا بني والله لو كان عندي شيء لافتديتك به. قال: فأخذ الشامي برجلي الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها وضرب به الحائط، فانتثر دماغه في الأرض. قال: ولم يخرج من البيت حتى اسودّ وجهه.

وقال ابن أبي الحديد، لمّا قدم جيش الحرة إلى المدينة وعلى الجيش مسلم بن عقبة المرّي، أباح المدينة ثلاثاً واستعرض أهلها بالسيف جزراً، كما


يجزر القصّاب الغنم حتى ساخت الأقدام بالدم، وقتل أبناء المهاجرين والأنصار وذرّية أهل بدر، وأخذ البيعة ليزيد بن معاوية على كل من استبقاه من الصحابة والتابعين على أنه عبد قنّ لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية.

قال ابن أبي الحديد: هكذا كانت صورة المبايعة يوم الحرّة إلّا علي بن الحسين بن علي عليه‌السلام ، فإنّه اعظمه وأجلسه معه على سريره وكان ذلك بوصية من يزيد بن معاوية.

وذكر أبو المؤيد أبو الفداء في تاريخه قال: وأباح مسلم مدينة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثلاثة أيام يقتلون فيها الناس ويأخذون ما بها من الأموال ويفسقون بالنساء.

وعن الزهري: أنّ قتلى الحرّة كانوا سبعمائة من وجوه الناس من قريش والمهاجرين والأنصار، وعشرة آلاف من وجوه الموالي (1) .

هذه أفعال يزيد وأتباعه بالاُمّة، وكان قد حكم ثلاث سنين، ففي السنة الأولى قتل الحسين بن علي سيد شباب أهل الجنّة وريحانة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وفي السنة الثانية أباح المدينة وقتل فيها أولاد المهاجرين والأنصار، وأكثر فيها السفك والهتك، وفي السنة الثالثة رمى الكعبة بالمنجنيق حتى أحرق أستار الكعبة. (2)

__________________

(1) كانت وقعة الحرّة يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستّين من الهجرة.

(2) (فائدة): كان جابر بن عبدالله الأنصاري يومئذ قد ذهب بصره، فجعل ينادي في أزقّة المدينة: بعس من أخاف الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقال له رجل: ومن أخاف الله ورسوله؟ قال: سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: من أخاف أهل المدينة فقد أخاف ما بين جنبي، فحمل رجل عليه بالسيف فترامى عليه مروان فأجاره أن يدخله منزله ويغلق عليه بابه.

(فائدة): وهجموا على أبي سعيد الخدري داره، وكان الذي هجم عليه نفر من أهل الشام. فقالوا له: أيها الشيخ من أنت؟ قال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فقالوا: ما زلنا نسمع عنك قبحظك أخذت في تركك قتالنا، وكفّك عنا، ولزوم بيتك، ولكن أخرج =


لم أدر أين رجال المسلمين مضوا

وكيف صار يزيد بينهم ملكا

العاصر الخمر من لؤم بعنصره

ومن خساسة طبع يعصر الودكا (1)

* * *

أيمسي يزيد رافلا في حريره

ويمسي حسيناً عارياً في حرورها

معرى بالهجيرة لا يواري

مخلّاً عن قريب أو حبيب

__________________

= إلينا ما عندك، قال: والله ما عندي شيء من المال. قال الراوي: فنتفوا لحيته وضربوه ضربات، ثم أخذوا كلّما وجدوه في بيته حتى النوم حتى زوج حمام كان له.

(فائدة): وقال شاعر المدينة مخاطباً بني أمية وهو محمّد ابن أسلم:

فإن تقتلونا يوم حرّة وأقم

فنحن على الإسلام أوّل من قتل

ونحن تركناكم ببدر أذلّة

وإبنا بأسياف لنا منكم تفل

(1) للشاعر الماهر السيد جعفر الحلي رحمه‌الله المتوفى 1315 هـ والبيتان من قصيدبه المشهورة التي استهلها بقوله:

الله أي دم في كربلاء سُفِكا

لم يجرِ في الأرض حتّى أوقف الفلكا


المطلب الثاني والعشرون

في مكاتبة ابن عباس ويزيد لعنه الله

ذكر السبط بن الجوزي في كتابه التذكرة (1) ، قال: لمّا وصل خبر قتل الحسين عليه‌السلام إلى مكة، وبلغ عبدالله بن الزبير، خطب بمكة وقال: أمّا بعد، ألا إنّ أهل العراق قوم غدر وفجر، ألا وإنّ أهل الكوفة شرارهم، أنّهم دعوا الحسين ليولّوه عليهم وليقيم أُمورهم، وينصرهم على عدوّهم ويعيد معالم الإسلام، فلمّا قدم عليهم ثاروا عليه فقتلوه، وقالوا له: إن لم تضع يدك في يد الفاجر الملعون ابن زياد فيرى فيك رأيه قتلناك ومن معك، فاختار الوفاة الكريمة على الحياة الذميمة، فرحم الله حسينا، وأخزى قاتليه ولعن من أمر بذلك ورضي به، أفبعد ما جرى على أبي عبدالله يطمئن أحد إلى هؤلاء، أو يقبل عهود الفجر والغدر، أما والله لقد كان عليه‌السلام صوّاماً بالنهار، وقواماً بالليل، وأولى بنبيّهم من الفاجر بن الفاجر، والله ما كان يستبدل بالقرآن الغناء، ولاببكاء من خشية الله الحدآء، ولا بالصيام شرب الخمور، ولا بقيام الليل الزمور، ولا بمجالس الذكر الركض في طلب الصيد واللعب بالقرود، قتلوه فسوف يلقون غيّاً، ألا لعنة الله على الظالمين.

قال أرباب التاريخ: ودعا ابن الزبير بعد قتل الحسين عليه‌السلام عبيدالله بن عباس

__________________

(1) انظر ص 267.


ليبايعه، فامتنع ابن عباس أشدّ الامتناع، فبلغ امتناعه يزيد بن معاوية، فكتب إليه كتاباً يشكره فيه على امتناعه من البيعة لابن الزبير، ويقول فيه: أمّا بعد فقد بلغني أنّ الملحد ابن الزبير دعاك الى بيعته والدخول في طاعته لتكون له على الباطل ظهيراً، وفي المآثم شريكا، وإنّك اعتصمت ببيعتنا وفاءاً منك لنا، وطاعة لله لما عرّفك من حقّنا، فجزاك الله عن ذي رحم ما يجزي الواصلين لأرحامهم الموفين بعهودهم، وإن أنس شيئاً من الأشياء فلست بناس برّك وتعجيل صلتك بالذي أنت له أهل من القرابة من الرسول، فانظر من طلع عليك من الآفاق ممّن سحرهم ابن الزبير بلسانه، وزخارف قوله فأعلمهم برأيك فإنّهم منك أسمع ولك أطوع، من المحلّ للحرم المارق.

ولما ورد على ابن عباس كتاب يزيد، كتب إليه: أمّا بعد، فقد جاءني كتابك، تذكر دعاء ابن الزبير إيّاي إلى بيعته، والدخول في طاعته، فإن يكن ذلك كذلك فإنّي والله لا أرجوا بذلك برّك ولا حمدك، ولكن الله بالذي أنوي به عليم، وزعمت أنّك غير ناس برّي وتعجيل صلتي، فاحبس أيها الإنسان برّك وتعجيل صلتك، فإنّني حابس عنك ودّي، فلعمري ما تؤتينا مالنا قبلك من حقّنا إلّا اليسير، وإنّك لتحبس عنا منه العرض الطويل، وسألت أن أحثّ الناس إليك، وأن آخذ لهم من ابن الزبير، فلا ولاء ولا سرور، ولا حباء، إنّك تسئلني نصرتك وتحثّني على ودّك وقد قتلت حسيناً عليه‌السلام وفتيان عبدالمطلب مصابيح الهدى ونجوم الأعلام، وغادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد، مرمّلين بالدماء مسلوبين بالعراء، لا مكفّنين ولا موسّدين، تسفي عليهم الرياح وتنتابهم عرج الضباع، حتى أتاح الله بقوم لم يشركوا في دمائهم، واروهم بالتراب، وجلست مجلسك الذي جلست، فإن أنس من الأشياء فلست بناس طردك حسيناً عن حرم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى حرم الله، وتسييرك إليه الرجال لتقتله في الحرم، فما زلت بذلك وعلى ذلك حتى


أشخصته من مكة إلى العراق، فخرج خائفاً يترقب، فزلزلت به خيلك عداوة منك لله ولرسوله وأهل بيته، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، ونحن اُولئك لا آباؤك الأجلاف الجفاة الطغاة الكفرة الفجرة أكباد الإبل والحمير، أعداء الله ورسوله الذين قاتلوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في كلّ موطن، ثم إنّه بعد ما نزل بالعراق طلب إليكم الموادعة وسئلكم الرجعة فاغتنمتم قلّة أنصاره، واستيصار أهل بيته، وتعاونتم عليه كأنّكم قتلتم أهل بيت من الترك والديلم، فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودّي، وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي، وأنت أحد ثاري فإنشاء الله لا يبطل لديك دمي، ولا تسبقني بثاري، وإن سبقتني في الدنيا فقبل ذلك قد قُتل النبيون وآل النبيين، فيطلب الله بدمائهم فكفى بالله للمظلومين ناصراً ومن الظالمين منتقما، فلا يعجبك إن ظفرت بنا اليوم فلنظفرنّ بك يوماً، وذكرت وفائي وما عرّفتني من حقّك فإن يك ذلك كذلك، فقد والله بايعتك ومَن قبلك وإنّك لتعلم أنّي وولد أبي أحق بهذا الأمر منك، ولكنّكم معشر قريش كابرتمونا عن حقّنا، وولّيتم الأمر دوننا فبعداً لمن تحرّى ظلمنا واستغوى السفهاء علينا، كما بعدت ثمود وقوم لوط وأصحاب مدين، ألا وإنّ من أعجب الأعاجيب وما عسى أن أعجب حملك بنات عبدالمطلب وأطفالا صغاراً من ولده إليك بالشام، كالسبي المجلوبين، ترى الناس أنّك قهرتنا وأنت تمنّ علينا، وفي ظنّك أنّك أخذت بثار أهلك الكفرة الفجرة يوم بدر، وأظهرت الأنتقام الذي كنت تخفيه والأضغان التي تكمنها في قلبك، كمون النار في الزناد، وجعلت أنت وأبوك دم عثمان وسيلة إلى ظهارها، فالويل لك من ديّان يوم الدين، ولعمري والله فلا كنت تصبح آمناً من جراحة يدي، إنّي لأرجو أن يعظُم الله جرحك من لساني ونقضي وإبرامي وبغيّك ولكثكث، وأنت المفنّد المثبور، ولك الأثلب، وأنت المذموم، والله ما أنا بآيس من بعد قتلك ولد رسول الله أن يأخذك الله أخذاً أليما ويخرجك من الدنيا مذموماً


مدحورا، فعش لا أباً لك ما استطعت، فقد والله ازددت عند الله أضعافاً واقترفت مأثماً والسلام على من اتبع الهدى.

يقول ابن عباس في كتابه هذا: يا يزيد، وإن أنس من الأشياء فلست بناس طردك حسيناً عن حرم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى قوله: ومن أعجب الأعاجيب وما عسى أن أعجب حملك بنات عبدالمطلب وأطفالاً صغاراً من ولده إليك، بلى والله لقد حملوهنّ على أعجاف الإبل اسارى بلا محام ولا كفيل.

حملت على الأكوار بعد خدورها

الله ماذا تحمل الأكوار (1)

__________________

(1) من قصيدة عامرة لأمير شعراء الرثاء السيد حيدر الحلي رحمه‌الله مطلعها:

لا تحذرن فما يقيك حذارُ

إن كان حتفك ساقَهُ المِقدارُ


المطلب الثالث والعشرون

في ثورة العراقيين على ابن زياد لعنه الله

قال ابن قتيبة (1) : كان ابن زياد أول من ضم إليه الكوفة والبصرة، وكان أبوه زياد كذلك قبله، ولما هلك يزيد بن معاوية وأظهر ابن الزبير أمره وخلع أهل البصرة طاعة بني أمية وبايعوا ابن الزبير، خرج عبيد الله بن زياد إلى المسجد، وقام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس إن الذي كنا نقاتل على طاعته قد مات، واختلف أمر الناس وتشتّت كلمتهم وانشقّت عصاهم، فإن أمّرتموني عليكم حبّبت فيكم وقاتلت عدوّكم وحكمت بينكم وأنصفت مظلومكم، وأخذت على يد ظالمكم، حتى يجتمع الناس على خليفة.

فقام يزيد بن الحارث، بن رويم اليشكري، وقال: الحمد لله الذي أراحنا من بني أمية واُخرى من ابن سمية، لا والله ولا كرامة. قال: فأمر عبيدالله فلبّب ثم انطلق به إلى السجن، فقام بكر بن وائل فحال بينه وبين ذلك، ثم خرج الثانية عبيدالله بن زياد الى المنبر فخطب الناس فحصبه الناس ورموه بالحجارة وسبّوه وقام قوم فدنوا منه فنزل، واجتمع الناس في المسجد فقالوا: نؤمّر رجلاً حتى تجتمع الناس على خليفة، وكان الذين قاموا بأمره هذا الحي الذي من كندة فبينما

__________________

(1) في ج 2 ص 19 من كتابه الأمامة السياسة.


هم على ذلك إذ أقبل النساء يبكين وينعين الحسين عليه‌السلام وأقبلت همدان حتى ملؤا المسجد فأطافوا بالمنبر متقلّدين بالسيوف، وأجمع رأي أهل الكوفة والبصرة على عامر بن مسعود بن أُمية، فأمروه عليهم حتى يجتمع الناس، وكتبوا إلى عبدالله بن الزبير يبايعونه بالخلافة، فوجّه لهم عاملاً مكث عندهم سنة كاملة، فبلغ أهل البصرة ما صنع أهل الكوفة فاجتمعوا وأخرجوا الرايات، فلم يبق أحد إلّا وخرج وذلك لسوء آثار عيبدالله ابن زياد فيهم، يطلبون قتله، فلمّا رأى عبيدالله ابن زياد ذلك لم يدر كيف يصنع وخاف تميما وبكر بن وائل أن يستجير بهم، ولم يأمن غدرهم، فأرسل إلى الحارث بن قيس الجهمي من الأزد، فدخل عليه الحارث، فقال له يا حارث قد أكرمتم زياداً وحفظتم منه ما كنتم أهله، وقد استجرت بكم فأنشكم الله فيَّ، فقال الحارث: أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا لما أرى من سوء رأي العامة فيك مع سوء آثارك من الأزد.

قال: فتهيّأ عبيدالله ولبس لباس امرأة في خمرتها وعقيصتها أردفه الحارث خلفه فخرج به على الناس، فقالوا: يا حارث ما هذه؟ قال: تنحّوا رحمكم الله هذه امرأة من أهلي كانت زائرة لأهل ابن زياد أتيت أذهب بها، فقال عبيدالله للحارث: أين نحن؟ قال: في بني سليم، فقال: سلمنا الله، قال: ثم سار قليلاً ثم قال: أين نحن؟ قال: في بني ناجية من الأزد، وجاء به إلى دار مسعود بن عمرو الأزدي، فقال له: يا أبا قيس، قد جئتك بعبيدالله مستجيراً، قال: ولم جئتني بالعبد؟ قال: اشهد الله لقد اختارك على غيرك، فلمّا رآهم عبيدالله يتراضون ويتناشدون، قال قد بلغني الجهد والجوع، فقال مسعود: يا غلام أنت البقال، فآتنا من خبزة وتمره.

قال الراوي: فجاء به الغلام فوضع وأكل، وإنّما أراد ابن زياد أن يتحرّم بطعامه، ثم قال: ادخل فدخل ومنارات الناس يومئذ من القصب وكان منزل مسعود يومئذ قاصية، قال: فكأن عبيدالله خاف على نفسه، فقال: يا غلام اصعد


إلى السطح بحزمة من قصب فاشعل أعلاه ناراً، ففعل ذلك في جوف الليل، فأقبلت الأزد على الخيل، وعلى أرجلها، حتى شحنوا السكك وملئوها، فقال: ما لسيّدنا؟ قال: شيء حدث في الدار، قال: فعرف عبيدالله عزته وما هو عليه، هذا والله العز والشرف، فأقام عنده أياماً وعنده امرأتان من الأزد وامرأة من عند عبد قيس، فكانت العبدية تقول: أخرجوا العبد، وكانت الأزدية تقول: استجار بك على بغضه إيّاك وجفوته لك، وتحدّث الناس أنّه لجأ ابن زياد إلى مسعود بن عمرو، فاجتمعت القبائل في المسجد وتكلّموا في أمر مسعود، وأنّه أجار ابن زياد، فلمّا سمع مسعود، قال: ما ظنّي إلّا خارجاً إلى البصرة معتذراً إليهم من أمر عبيدالله، ثم قال: وكيف آمن عليه وهو في منزله، ولكنّي أبلغه أمنه ثم أمضي وأعتذر اليهم، وكان قد أجار ابن زياد أربعين ليلة، وخرج ابن زياد من عنده متجهاً إلى الشام على طريق السماوة، متخفياً فكان لا يمر على ماء ولا على اناس قط.

قال الراوي: وأقبل مسعود على برذون له وحوله عدة من الأزد عليهم السيوف، وقد عصب رأسه بسير أحمر - وكانت العرب تصنعه إذا أراد الرجل الاعتذار من الذنب عصب رأسه بالسير ليعلموا أنه معتذر ـ. قال: فأقل مسعود حتى انتهى إلى باب المسجد ومعه أصحابه، وكان لم يستطع النزول لكبره، ودخل المسجد بدابته، فبصرت به القبائل فظنوا أنه عبيدالله فأقبلوا نحوه وجال الناس عليه جولة فضربوه بأسيافهم حتى مات ووقعت الوقعة بين قبيلته الأزد وبين مضر، فهذا مسعود كان سبب قتله، أن أجار ابن زياد الفاسق، وإن كان قتلهم له خطأ ولا يلام هو على ذلك، إذ أن العرب هذا دينهم وهذه سجيّتهم، يجيرون من استجار بهم إلّا اللعين ابن زياد خرم هذه القاعدة، استجار مسلم ابن عقيل بالكوفة فلم يحفظ جواره، لا هو ولا أهل الكوفة بل قاتلوه وقتلوه ورموه من أعلى القصر إلى الأرض.

لو كان في الكوفة غير مسلم

من مسلم ما قطعوه إربا


المطلب الرابع والعشرون

في ذكر التوابين

قال ابن جرير الطبري (1) ، وابن الأثير، وابن كثير في البداية والنهاية: لمّا قتل الحسين عليه‌السلام رأى الشيعة بالكوفة أنّهم أخطأوا خطأ كبيراً، وارتكبوا ذنباً عظيماً بعدائهم الحسين عليه‌السلام وتركهم نصرته، وأن لا كفّارة في ذلك إلّا الاستماتة دون ثاره، وسموا أنفسهم التوابين لتوبتهم من عظيم ذنبهم، فكانوا أول ما ابتدأوا به أمرهم سنة إحدى وستين جمع آلة الحرب والإستعداد، ودعاء الناس في السرّ إلى الطلب بدم الحسين عليه‌السلام ، ولم يزالوا على ذلك إلى أن هلك يزيد بن معاوية لأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأوّل سنة أربع وستّين، وكان بين قتل الحسين عليه‌السلام وهلاك يزيد ثلاث سنين وشهران وأربعة أيام، وأمير العراق يومئذ عبيدالله بن زياد، وهو بالبصرة، وخليفته بالكوفة عمرو بن حريث المخزومي.

وكان من عيون الشيعة فيها سليمان بن صرد الخزاعي (2) والمسيب بن نجبة

__________________

(1) في ج 4 ص 426 من كتابه تأريخ الأمم والملوك.

(2) كان سليمان بن صرد الخزاعي صحابياً كبيراً جليلاً عابداً روى عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أحاديث في الصحيحين وغيرهما، وشهد مع علي عليه‌السلام صفين، وكان أحد من يجتمع الشيعة في داره لبيعة الحسين عليه‌السلام وكتب إليه في من كتب للقدوم إلى العراق.


الفزاري، وعبدالله بن سعد بن نفيل الأزدي، ورفاعة بن شداد البجلي، وعبدالله بن وال تميمي، فاجتمع هؤلاء في دار سليمان بن صرد الخزاعي ومعهم اُناس كثير، فبدأ سليمان بالكلام، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أمّا بعد فقد ابتلينا بطول العمر والتعرّض للفتن، وقد قال علي عليه‌السلام : العمر الذي أعذر الله فيه ابن آدم ستّون سنة، وليس فينا إلّا من بلغها، وكنّا مغرمين بتذكية أنفسنا ومدح شيعتنا، حتى أبلى الله خيارنا فوجدنا كذّابين في نصرة ابن بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولا عذر دون أن تقتلوا قاتليه، فعسى ربنا أن يعفوا عنّا.

فقام رفاعة بن شداد وقال: قد هداك الله إلى صواب القول، ودعوت إلى رشد الأمور جهاد الفاسقين، وإلى التوبة من الذنب، فمسموع منك مستجاب لك مقبول منك، ثم التفت إلى الحاضرين وقال: فإن رأيتم وليّنا هذا شيخ الشيعة وصاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سليمان بن صرد. فقال المسيب: أصبتم ووفّقتم، وأنا أرى الذي رأيتم، فاستعدّوا للحرب، فقاموا وبايعوا سليمان بن صرد.

قال الراوي: وكتب سليمان كتاباً إلى من كان بالمدائن من الشيعة من أهل الكوفة، وبعثه مع عبدالله بن مالك الطائي، الى سعد بن حذيفة بن اليمان، يدعوهم إلى أخذ الثار، فلمّا وقفوا على الكتاب قالوا: رأينا مثل رأيهم، فكتب سعد بن حذيفة الجواب بذلك، وكتب سليمان أيضاً إلى المثنى بن محزمة العبدي كتاباً، فكتب المثنى الجواب، أمّا بعد فقد قرأت كتابك وأقرأته إخونك فحمدوا رأيك واستجابوا لك، فنحن موافوك للأجل الذي ضربت والسلام عليك، وكتب في أسفل كتابه:

تبصر كأنّي قد أتيتك معلما

على أبلغ الهادي أجش هزيم


طويل القرا نهداً أشق مقلص

ملحّ على قاري اللجام رؤم

بكل فتى لا يملأ الدرع نحره

محثّ لنار الحرب غير سؤم

أخي ثقة يتغي الإله بسعيه

ضروب بنعل السيف غير أثيم

وكتب أيضاً كتاباً إلى البصرة.

قال الراوي: وقوي أمرهم واشتدّت شوكتهم، وصادف أن دخل المختار إلى الكوفة في تلك الأيام راجعاً من مكة، فجعل الناس يقولون: هذا المختار ما قدم إلّا لأمر، ونرجوا به الفرج، ثم إنّه جعل يبعث إلى وجوه الشيعة ويدعوهم لنفسه، فقالوا له: أنت أهل لذلك غير الناس قد بايعوا سليمان بن صرد الخزاعي، فهو شيخ الشيعة اليوم فلا تعجل في أمرك، فسكت المختار وأقام ينتظر ما يكون من أمر سليمان والشيعة حينئذ يريدون أمرهم خوفاً من عبدالملك بن مروان وعبدالله بن الزبير، وكان خوف الشيعة من أهل الكوفة أكثر، لأنّ أكثرهم قتلة الحسين عليه‌السلام .

وصار المختار يخذل الناس عن سليمان ويدعوهم إلى نفسه حتى بايعه جماعة، وكان عبدالله بن الزبير قد جعل من قبله عبدالله بن يزيد وإبراهيم بن محمّد بن طلحة، فقال لهما عمر بن سعد وشبث بن ربعي: إنّ المختار أشدّ عليكما، لأنّ سليمان إنّما خرج يقاتل عدوّكما، والمختار إنّما يريد أن يثبت عليكما، فسيروا إليه وأوثقوه بالحديد وخلّدوه في السجن، فما شعر المختار إلّا وقد أحاطوه بداره واستخرجوه، فقال إبراهيم بن محمد بن طلحة لعبدالله بن يزيد: أوثقه كتافاً ومشّه حافياً، فقال له: لم أفعل هذا برجل لم يظهر لنا عداوة ولا حرباً، إنّما أخذناه على الظنّ، فأتى ببلغة له دهماء فركبها وادخلوه السجن.


قال: وخرج سليمان بن صرد ليرحل، فرأى عسكره، فاستقبله فبعث إلى حكيم بن منقذ الكندي، والوليد بن حصين الكناني، في جماعة وأمرهما بالنداء في الكوفة وفي الجامع الكبير: يا لثارات الحسين عليه‌السلام ، فخرج جمع كثير إلى سليمان، وكان معه ستة عشر ألف مثبتة أسماؤهم في ديوانه، فلم يحضر منهم سوى أربعة آلاف، فخرج بهم وسار لمحاربة عبيدالله بن زياد (لعنه الله)، فقال له عبدالله بن سعد: إنّ قتلة الحسين كلّهم بالكوفة، منهم عمر بن سعد ورؤوس الأرباع والأشراف والقبائل، وليس بالشام سوى عبيدالله بن زياد، فلم يعبأ برأيه دون أن سار بالرجال عشية الجمعة لخمس مضين من شهر ربيع الثاني، فباتوا ليلتهم بدير الأعور، ثم ساروا فنزلوا على أقساس مالك على شاطئ الفرات وأصبحوا عند قبر الحسين عليه‌السلام ، فأقاموا يوماً وليلة يصلّون، ويستغفرون، وينوحون، ويضجّون ضجّة واحدة بالبكاء والعويل، فلم ير يوماً أكثر بكاء، وازدحموا عند الوداع على قبره كازدحام الناس على الحجر الأسود، وقام وهب ابن زمعة الجعفي باكياً على القبر وأنشد أبيات عبدالله بن الحر الجعفي حيث يقول:

يبيت النشاوي من أمية نوماً

وبالطف قتلى لا ينام حميمها

وأضحت قناة الدين في كف ظالم

وإذا أعوج منها جانب لا يقيمها

فأقسمت لا تنفكّ نفسي حزينة

وعيني تبكي لا يجفّ سجومها

حياتي أو تلقى أمية خزية

يذلّ بها حتى الممات قرومها

أقول: فليت هؤلاء الصفوة حضروا إمامهم يوم عاشوراء وقد أحاطت به أعداؤه وهم سبعون ألف، وهو وحيد فريد بلا ناصر ولا معين، قال الشاعر:


يرى قومه صرعى وينظر نسوة

تجلببن جلباب البكاء والمآتم

وقال الآخر:

وأضحى يدير السبط عينيه لا يرى

سوى جثث منهم على الترب ركد (1)

__________________

(1) (فائدة): قال ابن جرير الطبري: لما انتهى سليمان بن صرد وأصحابه الى قبر الحسين عليه‌السلام نادوا صيحة واحدة: يا رب إنّا قد خذلنا ابن بنت نبيّنا فاغفر لنا ما مضى، وتب علينا إنّك أنت التوّاب الرحيم، وارحم حسيناً وأصحابه الشهداء والصدّيقين، وإنّا نشهدك يا رب أنّا على مثل ما قتلوه عليه فإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين.

(فائدة): كان دخول المختار بن أبي عبيدة الثقفي الكوفة في النصف من شهر رمضان، وقدم عبدالله بن يزيد الأنصاري أميراً على الكوفة من قبل ابن الزبير لثمان بقين من شهر رمضان، وقدم ابراهيم بن محمّد بن طلحة ومعه على خراج الكوفة الكوفة فأخذ المختار يبكي الحسين عليه‌السلام ويذكر مصابه فأحبّه الناس وصار يدعوهم الى قتال قتلة الحسين عليه‌السلام ويقول: جئتكم من عند المهدي محمّد بن الحنفية، فرجع إليه طائفة من الشيعة ثم حبسه عبدالله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة.


المطلب الخامس والعشرون

في تتمة قضية التوّابين

لمّا خرج سليمان بن صرد الخزاعي من الكوفة بالرجال والعدّة قاصدين الشام، كان مع الناس عبدالله بن عوف الأحمر على فرس كميت يتأكّل تأكّلا وهو يقول:

خرجن يلمعن بنا إرسالا

عوابسا وتحمل الأبطالا

نريد أن نلقى بها الإقبالا

الفاسقين الغدر الضلّال

وقد رفضنا الأهل والأموالا

والخفرات البيض والحجالا

نرجوا به التحفة والنوالا

لنرضي المهيمن المفضالا

قال: فساروا حتى أتو هيت ثم خرجوا منها حتى أتوا قرقيسيا، وبلغهم أنّ أهل الشام في عدد كثير، فساروا سيراً مغذا حتى وردوا عين الوردة عن يوم وليلة، ثم قام سليمان بن صرد فوعظهم وذكّرهم دار الآخرة، وقال: إن قتلت فأميركم المسيب بن نجبة، فإن اُصيب فالأمير عبدالله بن سعد بن نفيل، فإن اصيب فأخوه خالد بن سعد، فإن قتل فالأمير عبدالله بن وال، فإن قتل فأميركم رفاعة بن شدّاد، ثم بعث سليمان المسيب بن نجبة في اربعة آلاف فارس وأمره أن يشن عليهم الغارة.

قال حميد بن مسلم: كنت معهم فسرنا يومنا كلّه وليلتنا حتى إذا كان السحر


نزلنا وهومنا، ثم ركبنا وصلّينا الصبح ففرّق العسكر، وبقي معه مائة فارس، فلقي اعرابيا فقال له: كم بيننا وبين القوم؟ قال: ميل (1) وهذا عسكر شراحبيل بن ذي الكلاع من قبل عبيدالله بن زياد في أربعة آلاف، ومن ورائهم الحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، ومن ورائهم الصلب بن ناجية الغلابي وأربعة آلاف وجمهور العسكر مع عبيدالله بن زياد بالرقة.

قال: فساروا حتى أشرفوا على عسكر الشام، فقال المسيب لأصحابه: كرّّوا عليهم، فحمل عليهم عسكر العراق فانهزموا وقتل منهم خلق كثير وغنموا منهم غنيمة عظيمة.

قال: وأمرهم المسيب بالعودة فرجعوا إلى سليمان ووصل الخبر إلى عبيدالله بن زياد فسرّح إليهم الحصين بن نمير وأتبعه بالعساكر حتى نزل في عشرين ألف، وعسكر العراق يومئذ ثلاثة آلاف ومائة لا غير، ثم تهيّأت العساكر للحرب، فكان على ميمنة أهل الشام عبدالله بن الضحاك بن قيس الفهري، وعلى ميسرتهم مخارق بن ربيعة الغنوي، وعلى الجناح شراحبيل بن ذي الكلاع الحميري، وفي القلب الحصين بن نمير السكوني، ثم جعل أهل العراق على ميمنتهم المسيب بن نجبة الفزاري، وعلى ميسرتهم عبدالله بن سعد بن نفيل الأزدي، وعلى الجناح رفاعة بن شداد البجلي، وعلى القلب الأمير سليمان بن صرد الخزاعي، ووقف العسكر فنادى أهل الشام: ادخلوا في طاعة عبدالملك بن مروان، ونادى أهل العراق: سلموا لنا عبيدالله بن زياد، وأن يخرج الناس من طاعة عبدالملك وآل الزبير، ويسلم الأمر الى أهل بيت نبيّنا، فأبى الفريقان وحمل بعضهم الى بعض وجعل سليمان بن صرد يحرضهم على القتال، ويبشّرهم

__________________

(1) الميل أربعة آلاف ذراع وكل ثلاثة أميال فرسخ.


بكرامة الله، ثم كسر جفن سيفه وتقدم نحو أهل الشام وهو يقول:

إليك ربي تبت من ذنوبي

وقد علاني في الورى مشيبي

فارحم عبيدا غرما تكذيب

واغفر ذنوبي سيّدي وحوبي

قال حميد بن مسلم: حملت ميمنتنا على ميسرتهم، وحملت ميسرتنا على ميمنتهم، وحمل سليمان في القلب فهزمناهم، وظفرنا بهم، وحجز الليل بيننا وبينهم، ثم قاتلناهم في الغد وبعده حتى مضت ثلاثة أيّام، ثم أمر الحصين بن نمير أهل الشام برمي النبل، فأتت السهام كالشرار المتطاير، فقتل سليمان بن صرد، ثم أخذ الراية المسيب بن نجبة، فجعل يقاتل ويقول:

قد علمت ميّالة الذوائب

واضحة الخدّين والترائب

إنّي غداة الروع والتغالب

أشجع من ذي لبدة مواثب

قطّاع أقران مخوف الجوانب

* * *

فلم يزل يقاتل حتى تكاثروا عليه فقتلوه، ثم أخذ الراية عبدالله بن سعد بن نفيل، فحمل على القوم وهو يقول:

ارحم الهي عبدالله التوّابا

ولا تؤاخذه فقد أنابا

وفارق الأهلين والأحبابا

يرجو بلك الفوز والثوابا

فلم يزل يقاتل حتى قتل، ثم تقدم أخوه خالد بن سعيد بالراية، وحرّض أصحابه على القتال، وقاتل حتى قتل، وتقدم عبدالله بن وال، فأخذ الراية وقاتل حتى قطعت يده اليسرى، ثم استند إلى أصحابه ويده تشخب دماً، ثم كرّ عليهم وهو يقول:

نفسي فداكم اذكروا الميثاقا

وصابروهم واحذرو النفاقا

لا كوفة نبغي ولا عراقا

لا بل نريد الموت والعناقا


قاتل حتى قتل، فبينا هم كذلك إذ جائتهم النجدة مع المثنى بن مخرمة العبدي من البصرة، ومن المدائن مع كثير بن عمرو الحنفي، فاشتدت قلوب أهل العراق بهم، واجتمعوا وكبّروا وأشتد القال حتى بان في أهل العراق الضعف والقلّة وتحدّثوا في ترك القتال، فبعضهم وافق وبعضهم قال: إن وليّنا ركبنا السيف فلا نمشي فرسخاً حتى لا يبقى منّا واحد، وإنّما نقاتل حتى يأتي الليل ونمضي، ثم تقدم عبدالله بن عوف إلى الراية فرفعها واقتتلوا أشد قتال فقتل جماعة من أهل العراق، وجاء أدهم بن محرز الباهلي في نحو عشرة آلاف مدداً من ابن زياد، فاقتتلوا يوم الجمعة إلى ارتفاع الضحى، ثم إنّ أهل الشام كثروا أصحاب سليمان وتعطّفوا عليهم من كل جانب، وانفلت الجموع وافترق الناس، وبان الإنكسار بأهل العراق فتراجعوا حتى وصلوا قرقيسا في جانب البر، وجاء سعد بن حذيفة إلى هيت، فلقيه الأعراب فأخبروه بما لقي الناس، ثم عاد أهل المدائن وأهل الكوفة إلى بلادهم، وقد أدّوا ما عليهم، فمن استشهد منهم سعد في الدارين ومن لم يقتل منهم فقد أدّى ما عليه (1) لكنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه أصحاب أبي عبدالله الحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء فإنّهم جاهدوا دونه حتى جزروا على الأرض فوقف عليهم الحسين عليه‌السلام وجعل يناديهم بأسمائهم ولسان حاله يقول:

أحبّاي لو غير الحمام أصابكم

عتبت ولكن ما على الموت معتب

__________________

(1) قتل سليمان بن صرد ومن قتل معه من التوابين بعين الوردة في ربيع الآخر سنة خمس وستّين.

(فائدة): قال السبط ابن الجوزي في التذكرة: كان سليمان بن صرد له شرف في قومه، ولمّا قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تحوّل فنزل الكوفة وشهد مع علي عليه‌السلام الجمل وصفين، وكان في الذين كتبوا الى الحسين عليه‌السلام أن يقدم إلى الكوفة غير أنّه لم يقاتل معه حيث سجنه ابن زياد وكان سن سليمان بن صرد يوم قتل ثلاثاً وتسعين سنة.


المطلب السادس والعشرون

في تتمة ذكر التوّابين

ذكر الطبري (1) عن عبدالرحمن بن غزية قال: لمّا انتهينا إلى قبر الحسين عليه‌السلام بكى الناس بأجمعهم وسمعت جلّ الناس يتمنون أنّهم كانوا اُصيبوا معه، فقال سليمان: اللّهمّ ارحم حسيناً الشهيد بن الشهيد، المهدي بن المهدي، الصدّيق بن الصدّيق، اللّهمّ إنّا نشهدك أنّا على دينهم وسبيلهم وأعداء قاتليهم، وأولياء محبّيهم.

قال: فأقاموا عنده يوم وليلة، يصلّون عليه ويبكون ويتضرعون، فما انفكّ الناس من يومهم ذلك يترحّمون عليه وعلى أصحابه حتى صلّو الغداة عنده قبره وزاده ذلك حنقاً، ثم ركبوا فأمر سليمان الناس بالمسير فجعل الرجل لا يمضي حتى يأتي قبر الحسين عليه‌السلام فيعول عليه ويترحم عليه، ويستغفر له.

قال الراوي: فوالله لرأيتهم ازدحموا على قبره أكثر من ازدحام الناس على الحجر الأسود.

قال: ووقف سليمان عند قبره فكلّما دعا قوم وترحموا عليه قال لهم المسيب بن نجبة وسليمان بن صرد: الحقوا بإخوانكم رحمكم الله، فما زال

__________________

(1) انظر ج 4 ص 456.


كذلك حتى بقي نحو من ثلاثين من أصحابه، فأحاط سليمان بالقبر، فقال سليمان: الحمدلله الذي لو شاء أكرمنا بالشهادة مع الحسين عليه‌السلام ، اللّهمَّ إن حرمتناها معه، فلا تحرمناها فيه بعده.

قال: ثم إنّ سليمان سار من موضع قبر الحسين عليه‌السلام وسرنا معه فأخذنا على الجصاصة ثم على الأنبار، ثم على الصدود، ثم على القيارة وجاؤوا يجدّون السير حتى وافوا هيت، وجاءهم كتاب من عبدالله بن يزيد من الكوفة يحذّرهم المسير، ويدعوهم إلى اتباع ابن الزبير، فكتب إليه سليمان:

بسم الله الرحمن الرحيم

للأمير عبدالله بن يزيد من سليمان بن صرد ومن معه من المؤمنين؛ سلام عليكم

أمّا بعد... فقد قرأنا كتابك وفهمنا ما نويت، فنعم والله الوالي ونعم الأمير، ونعم أخو العشيرة أنت، والله من نأمنه بالغيب ونستنصحه في المشورة، ونحمده على كلّ حال إنّا سمعنا الله عزوجل يقول في كتبه: ( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ ) إلى قوله: ( وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (1) إنّ القوم قد استبشروا ببيعتهم التي بايعوا، أنّهم قد تابوا من عظيم جرمهم إلى الله وتوكّلوا عليه، ورضوا بما قضى الله، ( رَبّنَا عَلَيْكَ تَوَكّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) (2) والسلام عليك.

فلمّا أتاه هذا الكتاب قال: استمات القوم أول خبر يأتيكم عنهم قتلهم، وأيم الله ليقتلنّ كراماً مسلمين، لا والذي هو ربهم، لا يقتلهم عدوّهم حتى تشتدّ شوكتهم وتكثر القتلى فيما بينهم.

__________________

(1) سورة التوبة: 111.

(2) سورة الممتحنة: 4.


قال عبد الرحمن بن غزية: وخرجنا من هيت وانتهينا إلى قرقيسا، فلمّا دنونا منها وقف سليمان بن صرد فعبأنا تعبئة حسنة حتى مررنا بجانب قرقيسيا فنزلنا قريباً منها وبها زفر بن الحارث الكلابي قد تحصّن بها من القوم، ولم يخرج إليهم فبعث سليمان المسيب بن نجبة، فقال: أئت ابن عمّك هذا، فقل له: فليخرج إلينا سوقا فأنّا لسنا إيّاه نريد، إنّما صمدنا لهؤلاء المحلّين فخرج المسيب ابن نجبة حتى انتهى إلى باب قرقيسيا، فقال: افتحوا الباب ممّن تحصنون! فقالوا: من أنت؟ قال: أنا المسيب بن نجبة، فأتى الهذيل بن زفر إياه، فقال: هذا رجل حسن الهيأة يستأذن عليك وسألناه من هو، فقال: المسيب بن نجبة، قال: وأنا إذ ذلك لا علم لي بالناس ولا أعلم أي الناس هو، فقال لي أبي: أما تدري أي بني من هذا؟ هذا فارس مضر الحمراء كلّها، وإذا عدّ من أشرافها عشرة كان أحدهم، وهو بعد رجل ناسك له دين، إئذن له.

قال: فأذن له ودخل فأجلسه أبي إلى جانبه وسأله ولا طفه في المسألة، فقال المسيب بن نجبة: ممّن تحصن، إنّا والله ما إيّاكم نريد، وما اعترينا إلى شيء إلّا أن تعيننا على هؤلاء القوم الظلمة المحلّين، فاخرج لنا سوقاً فإنّا لا نقيم بساحتكم إلّا يوماً أو بعض يوم، فقال له زفر بن الحارث: إنا لم نغلق هذه الأبواب إلّا لنعلم أيّانا اعتريتم أم غيرنا، إنّا والله ما بنا عجز من الناس ما لم تدهمنا حيلة، وما نحبّ أنّا بلينا بقتالكم، وقد بلغنا عنكم صلاح وسيرة حسنة جميلة، ثم دعى ابنه فأمره أن يصنع لهم سوقاً، وأمر المسيب بألف درهم وفرس، فقال له المسيب: أمّا المال فلا حاجة لي فيه، والله ما له خرجنا ولا إيّاه طلبنا، وأمّا الفرس فإني أقبله لعليّ أحتاج إليه إن ظلع فرسي أو غمز تحتي، فخرج به حتى أتى أصحابه، وأخرجت لهم السوق فتسوّقوا.

وبعث زفر بن الحارث إلى المسيب بن نجبة بعد اخراج السوق والأعلاف


والطعام الكثير بعشرين جزوراً، وبعث إلى سليمان بن صرد مثل ذلك، وقد كان زفر أمر ابنه أن يسأل عن وجوه أهل العسكر، فسمّي له عبدالله بن سعد بن نفيل وعبدالله بن وال، ورفاعة بن شداد، وسمّي له امراء الأرباع، فبعث إلى هؤلاء الرؤوس الثلاثة بعشر جزائر، وعلف كثير وطعام، وأخرج للعسكر عيراً عظيمة وشعيراً كثيراً، فقال غلمان زفر: هذه عير فاجتزروا منها ما أحببتم، وهذا شعير فاحتملوا منه ما أردتم، وهذا دقيق فتزودوا منه ما أطقتم، فظلّ القوم يومهم ذلك مخصبين، لن يحتاجوا إلى شراء شيء من هذه الأسواق التي وضعت، وقد كفّوا اللحم والدقيق والشعير إلّا أن يشتري الرجل ثوباً أو سوطاً.

ثم ارتحلوا من الغد وبعث إليهم زفر أني خارج إليكم مشيعكم، فأتاهم وقد خرجوا على تعبئة حسنة فسايرهم، فقال زفر لسلمان: إنّه قد بعث خمسة امراء، قد فصلوا من الرقة، فيهم الحصين بن نمير السكوني وشرحبيل بن ذي الكلاع، وأدهم بن محرز الباهلي، وأبو مالك بن أدهم، وربيعة بن المخارق الغنوي، وجبلة بن عبدالله الخثعمي، وقد جاءكم في مثل الشوك والشجر أتاكم عدد كثير وحدّ حديد، وأيم الله لقلّ ما رأيت رجلاً أحسن هيأة ولا عدّة ولا أخلق لكلّ خير من رجال أراهم معك، ولكنّه قد بلغني أنّه قد أقبلت إليكم عدّة لا تحصى، فقال ابن صرد: على الله توكّلنا وعليه يتوكّل المتوكلون.

ثم قال له زفر: فهل لكم في أمر أعرضه عليكم لعل الله أن يجعل لنا ولكم فيه خيراً، إن شئتم فتحنا لكم مدينتنا فدخلتموها، فكان أمرنا واحد وأيدينا واحدة، وإن شئتم نزلتم على باب مدينتنا وأخرجنا معسكرنا إلى جانبكم فإذا جاءنا هذا العدو قاتلناهم جميعا، فقال سليمان لزفر: قد أرادنا أهل مصرنا على ما أردتنا عليه، وذركوا مثل الذي ذكرت، وكتبوا إلينا به بعد ما فصلنا، فلم يوفقنا ذلك فلسنا فاعلين. فقال زفر: فانظروا ما اُشير به عليكم فاقبلوه وخذوا به فإنّي للقوم عدوّ وأحبّ أن يجعل الله عليهم الدائرة وأنا لكم وادّ، أحبّ أن يحوطكم الله


بالعافية، إن القوم قد فصلوا من الرقة فبادروهم إلى عين الوردة، فاجعلوا المدينة في ظهوركم، ويكون الرستاق والماء والمادة في أيديكم، وما بين مدينتنا ومدينتكم، فأنتم له آمنون، والله لو أنّ خيولي كرجالي لأمددتكم أطووا المنازل الساعة إلى عين الوردة، فإنّ القوم يسيرون سير العساكر، وأنتم على خيول، والله لقلّ ما رأيت جماعة خيل قط أكرم منها تأهّبوا لها من يومكم هذا، فإنّي أرجوا أن تستبقوهم إليها، وإن بدرتموهم إلى عين الوردة، فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم فإنّهم أكثر منكم، فلا آمن أن يحيطوا بكم فإنّه ليس لكم مثل عددهم، فإن استهدفتم لهم لم يلبثوا أن يصرعوكم ولا تصفّوا لهم حين تقاتلوهم، فإنّي لا أرى معكم رجاله، ولا أراكم كلكم إلّا فرساناً، والقوم لاقوكم بالرجال والفرسان، فالفرسان تحمي رجالها، والرجال تحمي فرسانها، وأنتم ليس لكم رجال تحمى فرسانكم، فالقوهم في الكتائب والمقانب، ثم بثوّها ما بين ميمنتهم وميسرتهم، واجعلوا مع كل كتيبة كتيبة إلى جانبها فإن حمل على إحدى الكتيبتين ترجّلت الأخرى فنفست عنها الخيل والرجال، ومتى ما شاءت كتيبة ارتفعت، ومتى ما شاءت كتيبة انحطّت، ولو كنتم في صفّ واحد فزحفت إليكم الرجال فدفعتم عن الصفّ انتقض وكانت الهزيمة، ثم وقف فودّعهم، وسأل الله أن يصحبهم وينصرهم، فأثنى الناس عليه ودعوا له. فقال له سليمان بن صرد: نعم المنزول به أنت، أكرمت النزول وأحسنت الضيافة ونصحت في المشورة.

وهذه سجايا العرب وأهل الشرف إذ حلّ بهم ضيف ونزل بساحتهم أجاروه وأكرموه ونصحوا له - لعن الله أهل الكوفة فلقد نزل بساحتهم سيّد شباب أهل الجنة وحلّ بين ظهرانيهم فبدل أن يحسنوا له حلؤه هو وأطفاله عن ماء الفرات وأخذوا عليه الشرائع وتركوا أطفاله يتضاغون من العطش حتى قتلوه عطشاناً...

فعزّ أن تتلظّى بينهم عطشا

والماء يصدر عنه الوحش ريّانا


المطلب السابع والعشرون

في تتمة قضية التوّابين

لما ارتحل سليمان بن صرد بأصحابه من قرقيسيا، أقبلوا يجدّون السير وجعلوا كلّ مرحلتين مرحلة.

قال الراوي: فمررنا بالمدن حتى بلغنا ساعا، ثم إنّ سليمان بن صرد عبّأ الكتائب وأقبل حتى انتهى إلى عين الوردة، فنزل في غربّيها، وسبق القوم إليها فعسكر، وأقام بها خمساً لا يبرح، واستراحوا واطمأنّوا وأراحوا خيولهم.

قال: وأقبل أهل الشام في عساكرهم، حتى كانوا من عين الوردة على مسيرة يوم وليلة، فلمّا سمع ذلك سليمان قام خطيباً في أصحابه، وقال: أمّا بعد، فقد أتاكم الله بعدوّكم الذي دأبتم في المسير إليه، آناء الليل والنهار تريدون فيما تظهرون التوبة النصوح، ولقاء الله معذورين، فقد جاءكم بل جئتموهم أنتم في دارهم وحيزهم، فإذا لقيتموهم فاصدقوهم، واصبروا إنّ الله مع الصابرين، ولا يوّلّينهم امرؤ دبره إلّا متحرفاً لقتال أو متحيّزاً إلى فئة لا تقتلوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً من أهل دعوتكم إلّا أن يقاتلكم بعد أن تأسروه أو يكون من قتلة إخواننا بالطف رحمة الله عليهم، فإن هذه كانت سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام في أهل هذه الدعوة، ثم بعث المسيب بن نجبة في أربعمائة فارس، وقال له: سر حتى تلقى أول عسكر من عساكرهم، فشنّ فيهم الغارة فإذا رأيت ما تحبه، وإلّا انصرفت إليَّ في أصحابك، وإيّاك أن تنزل أو تدع


أحداً من أصحابك أن ينزل.

فسار المسيّب بن نجبة بالعسكر حتى إذا جن عليهم الليل باتوا ثم ساروا وإذا هم برجل، قالوا له: من أين أنت؟ قال: من تغلب. فقال المسيب: غلبنا ورب الكعبة، ثم سأله كم بيننا وبين أدنا هؤلاء القوم منّا، قال: أدنا عسكر من عساكرهم منكم ابن ذي الكلاع على رأس ميل، فتركنا الرجل وأقبلنا نحوهم مسرعين، فوالله ما شعروا حتى أشرفنا عليهم وهم غارون، فحملنا في جانب عسكرهم فوالله ما قاتلوا كثيراً حتى انهزموا، فأصبنا منهم رجالاً وجرحنا فيهم، فأكثرنا الجراح وأصبنا لهم دواباً وخرجوا من عسكرهم وخلّوه لنا، فأخذنا منه ما خفّ علينا، فصاح المسيب فينا الرجعة، إنّكم قد نصرتم وغنمتم وسلّمتم، فانصرفوا فانصرفنا حتى أتينا سليمان.

وبلغ ذلك ابن زياد فسرّح إلينا الحصين بن نمير مسرعاً، حتى نزل في اثني عشر ألفا، فخرجنا إليهم يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادي الأُولى، فجعل سليمان بن صرد عبدالله بن سعد بن نفيل على ميمنته، وعلى ميسرته المسيب بن نجبة، ووقف هو في القلب وجاء الحصين بن نمير وقد عبّأ لنا جنده، فجعل على ميمنته جبلة بن عبدالله، وعلى ميسرته ربيعة بن مخارق الغنوي، ثم زحفوا إلينا، فلمّا دنوا دعونا الجماعة إلى عبدالملك بن مروان إلى الدخول في طاعته، ودعوناهم الى أن يدعوا لنا عبيدالله بن زياد فنقتله ببعض من قتل من إخواننا، وأن يخلعوا عبدالملك بن مروان، وإلى أن يخرج من بلادنا من آل ابن الزبير، ثم نرد هذا الأمر إلى أهل بيت نبيّنا الذين آتانا الله من قبله بالنعمة من قبلهم بالنعمة والكرامة، فأبى القوم وأبينا، فحملت ميمنتنا على ميسرتهم وهزمتهم، وحملت ميسرتنا على ميمنتهم، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم فهزمناهم حتى اضطررناهم إلى عسكرهم، فما زال الظفر لنا عليهم، حتى حجز الليل بيننا وبينهم، ثم انصرفنا عنهم وقد احجزناهم في عسكرهم.


فلمّا كان الغد صبّحهم ابن ذي الكلاع في ثمانية آلاف أمدّهم عبيدالله بن زياد، وبعث إليه ليشتمه ويقع فيه ويقول: إنّما عملت عمل الأغمار وتضيّع عسكرك ومسالحك، سر إلى الحصين بن نمير حتى توافيه وهو على الناس، فجاءه فغدوا علينا وغاديناهم، فقاتلناهم قتالاً لم ير الشيب والمرد مثله قط، يومنا كلّه لا يحجز بيننا وبين القتال إلّا الصلاة، حتى أمسينا فتحاجزنا، وقد والله أكثروا فينا الجراح وأفشيناها فيهم، ولمّا كان اليوم الثالث وهو يوم الجمعة قاتلناهم أشدّ قتال، حتى ارتفع الضحى؟، ثم إنّ أهل الشام كثرونا وتعطفوا علينا من كلّ جانب، ورأى سليمان بن صرد ما لقي أصحابه، فنزل ونادى: عباد الله من أراد البكور إلى ربّه والتوبة من ذنبه والوفاء لعهده فإليّ، ثم كسر جفن سيفه ونزل معه ناس كثير فكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه وانزوت خيولهم حتى اختلطت مع الرجال، فقاتلوهم حتى نزلت الرجال تشتدّ مصلته بالسيوف، وقد كسروا الجفون، فحمل الفرسان على الخيل ولا يثبتون، فقاتلوهم وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة، وجرحوا فيهم فأكثروا الجراح، فلمّا رأى الحصين بن نمير صبر القوم وبأسهم بعث الرجال ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل والرجال فقتل سليمان بن صرد، وأخذ الراية المسيب بن نجبة، وقال لسليمان بن صرد: رحمك الله يا أخي فقد صدقت ووفيت بما عليك وبقي ما علينا.

أقول: ما أشبه كلامه هذا بكلام حبيب بن مظاهر يوم عاشوراء حين وقف على مصرع مسلم بن عوسجة الأسدي، وقال له فيما قال: أبشر يا مسلم بالجنّة، فقال مسلم: بشرّك الله بخير. فقال له حبيب: يا أخي يا مسلم لو لم أعلم أنّي بالأثر لأحببت أن توصي إليّ بجميع ما أهمك، قال له: اُوصيك بهذا الغريب - وأشار بيده إلى الحسين عليه‌السلام - قاتل دونه حتى تقتل.

أوصى ابن عوسجة حبيباً قال قا

تل دونه الحمام تذوقا

نصروه أحياءاً وعند مماتهم

يوصي بنصرته الشفيق شفيقا


المطلب الثامن والعشرون

في واقعة التوّابين

لمّا تقابل الفريقان جيش سليمان بن صرد الخزاعي ومن معه من التوابين، وجيش عبدالملك بن مروان بعين الوردة (1) ، وتجالدوا ثلاثة أيام، وقتل شيخ الشيعة سليمان بن صرد رحمه‌الله أخذ الراية مسيب بن نجبة، فشد على القوم فقاتل ساعة، ثم رجع، ثم شد بها، فقاتل ثم رجع، ففعل ذلك مراراً يشدّ ثم يرجع، حتى قتل رحمه‌الله .

قال الراوي: والله ما رأيت أشجع منه إنساناً قط ولا من العصابة التي كان فيهم، ولقد رأيته يوم عين الوردة، يقاتل قتالاً شديداً، ما ظننت أنّ رجلاً واحداً أن يبلي مثل ما أبلى، ولا ينكأ في عدوّة مثل ما نكأ، لقد قتل رجالاً شذاذا.

قال: وسمعته يقول قبل أً يقتل وهو يقاتلهم:

قد علمت ميّالة الذوائب

واضحة الخدّين والترائب

إنّي غداة الروع التغالب

أشجع من ذي لبد مواثب

قطّاع أقران مخوف الجوانب

قال الراوي: ولمّا قتل المسيب بن نجبة، أخذ الراية عبدالله بن سعد بن

__________________

(1) عين الوردة


نفيل، ثم قال: رحم الله أخوي، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلاً، وأقبل بما كان معه من أزد، فحفّوا برايته.

قال: وحمل علينا ربيعة بن المخارق، حملة منكرة فاقتتلنا قتالاً شديداً، ثم إنّه اختلف هو وعبدالله بن سعد بن نفيل بضربتين، فلم يصنع سيفهما شيئاً، واعتنق كلّ منهما صاحبه فوقعا على الأرض، ثم قاما فاضطربا وحمل أبن أخي ربيعة بن الخارق على عبدالله بن سعد، فطعنه في ثغره ونحره فقتله، وحمل وقال خالد بن سعد بن نفيل: أروني قاتل أخي، فأريناه ابن أخي ربيعة بن المخارق، فحمل عليه فقنّعه بالسيف.

قال: ثم شدّ أهل الشام على أهل الكوفة وتعطفوا عليهم من كل جانب حتى بلغوا هم مكانهم وتولّى قتال أهل الكوفة حينذاك أدهم بن محرز الباهلي، وقتل بعدها عبدالله بن وال، وكان من فقهاء أهل العراق، الذين كانوا يكثرون الصلاة والصيام ويفتون الناس، وقتل بعده عبدالله بن حازم، وقع الى جنبه، وأخذ أهل الشام يتنادون أنّ الله قد أهلكهم، فاقدموا عليهم فافرغوا منهم قبل الليل، فأخذوا يقدمون عليهم فيقدمون على شوكة شديدة ويقاتلون فرساناً شجعاناً، ليس فيهم سقط رجل وليسوا لهم بمضجرين، فيتمكّنوا منهم فقاتلوهم حتى العشاء قتالاً شديداً.

قال الراوي: وخرج عبدالله بن عزيز الكندي ومعه ابنه محمّد غلام صغير، فقال: يا أهل الشام هل فيكم أحد من كندة؟ فخرج إليه منهم رجال فقالوا: نعم نحن هؤلاء، فقال لهم: دونكك أخيكم فابعثوا به الى قومكم بالكوفة، فأنا عبدالله بن عزيز الكندي، فقالوا له: أنت ابن عمّنا فإنك آمن. فقال لهم: والله لا أرغب عن مصارع اخواني الذين كانوا للبلاد نوراً وللأرض أوتاداً، وبمثلهم كان الله يذكر، فأخذ ابنه يبكي في أثر أبيه فقال: يا بني لو أنّ شيئاً آثر عندي من طاعة ربّي إذاً


لكنت أنت، وناشده قومه الشاميّون لمّا رأوا من جزع ابنه وبكائه في أثره وأروا الشاميون له ولابنه رقّة شديدة حتى جزعوا وبكوا، ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منهم قومه فشدّ على صفّهم عند المساء فقاتل حتى قتل، ولمّا أمسى الناس ورجع أهل الشام إلى معسكرهم نظر رفاعة إلى كل رجل قد عقر به والى كل جريح لا يعين على نفسه فدفعه إلى قومه، ثم سار بالناس ليلته كلّها حتى أصبح بالتنينير فعبر الخابور وقطع المعابر ثم مضى لا يمرّ بمعبر إلّا قطعه وأصبح الحصين بن نمير، فبعث عيناً له فوجدهم قد ذهبوا فلم يبعث في آثاره أحد، وساروا حتى مروا بقرقيسيا من جانب البر، فبعث إليهم زفر من الطعام والعلف مثل ما كان بعث إليهم في المرّة الأولى، وأرسل إليهم الأطباء، وقال: أقيموا عندنا ما أحببتم فإنّ لكم الكرامة والمواساة، فأقاموا ثلاثاً، ثم زوّد كلّ امرىء منهم ما أحبّ من الطعام والعلف.

قال: وجاء سعد بن حذيفة بن اليمان حتى انتهى إلى هيت، فاستقبله الأعراب وأخبروه بما لقي الناس، فانصرف فتلقى المثنى بن مخرمة العبدي بصندوداء فأخبره، فأقاموا حتى جاءهم الخبر أنّ رفاعة قد أظلّكم، فخرجوا حين دنا من القرية فاستقبلوه فسلّم الناس بعضهم على بعض، وبكش بعضهم إلى بعض، وتناعوا إخوانهم فأقاموا بها يوماً وليلة، وانصرف أهل المدائن إلى المدائن، وأهل البصرة إلى البصرة، وأقبل أهل الكوفة إلى الكوفة، ولمّا ورد البشير على عبدالملك بن مروان ببشارة الفتح، قال: فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد.. فإنّ الله قد أهلك من رؤوس أهل العراق ملقح فتنة ورأس ضلالة سليمان بن صرد، ألا وإنّ السيوف تركت رأس المسيب بن نجبة خذاريف، ألا وقد قتل الله من رؤوسهم رأسين عظيمين ضالّين مضلّين، عبدالله ابن سعد أخا الأزد، وعبدالله بن وال أخا بكر بن وائل، فلم يبق بعد هؤلاء أحد عند


دفاع ولا امتناع، فكأنّه الشماتة والفرح والسرور بقتل التوّابين كما أظهر الفرح والسرور سلفه يزيد بن معاوية لمّا جاءه البشير بقتل الحسين عليه‌السلام ، وبقدوم السبايا إلى الشام، ولمّا قربوا بالسبايا من الشام صعد يزيد على سطح قصره ونظر إلى الرؤوس على أطراف الرماح، وقد صعدوا بها على جبل جيرون فأنشأ يقول:

لمّا بدت تلك الرؤوس وأشرقت

تلك الشموس على ربا جيروني

نعب الغراب فقلت نح أو لا تنح

فلقد قضيت من النبي ديوني

نعم لقد تقاضى ابن ميسون ديونه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتل ريحانته لأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكره أسلافه على دين الإسلام وأجبرهم على تركعب الغراب فقلت نح او لا تنح فلقد قضيت من النبي ديوني نعم لقد تقاضى ابن ميسون ديونه من النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقتل ريحانته لأن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أكره أسلافه على دين الإسلام وأجبرهم على ترك عبادة الأصنام، والإقرار بالوحدانية لله، فاعتنق جده وأباه دين الإسلام كرهاً منهم، فهذا دينه من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تقاضاه بقتل أولاده وسبي بناته من بلد إلى بلد، وقد نسى ابن الخنا أيادي رسول الله على أسلافه يوم فتح مكة وما مَنّ به على آل أبي سفيان فكان جزاء رسول الله أن ساق عيالاته كالإماء وأوقفهنّ في مجلسه وهنّ مربقات بالحبال!

بنات آكلة الأكباد في كلل

والفاطميات تصلى في الهواجير


المطلب التاسع والعشرون

في قضية المختار بن أبي عبيدة الثقفي رحمه‌الله

كان نزول مسلم بن عقيل في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي وتذاكر الناس أمر المختار، وألقى ابن زياد القبض على المختار، ولمّا دخل عليه رفع القضيب واعترض وجه المختار فخبط به عينه فشترها، وقال: أولى لك أم والله لو لا شهادة عمرو بن حريث لك لضربت عنقك، وانطلقوا به الى السجن، فانطلقوا به الى السجن، ولم يزل محبوساً حتى قتل الحسين عليه‌السلام ، ثم ان المختار بعث الى زائدة بن قدامة فسأله أن يسير الى عبدالله بن عمر بالمدينة، فيسأله أن يكتب له إلى يزيد بن معاوية، فكتب الى يزيد بن معاوية بتخلية سبيله، فركب زائدة إلى عبدالله بن عمر، فقدم عليه فبلّغه رسالة المختار وعلمت صفية اُخت المختار بحبس أخيها، وهي تحت عبدالله بن عمر، فبكت وجزعت، فلمّا رأى ذلك عبدالله بن عمر كتب مع زائدة إلى يزيد بن معاوية: أمّا بعد... فإنّ عبيدالله بن زياد حبس المختار وهو صهري، وأنا أُحبّ أن يعافى ويصلح حاله، فإن رأيت رحمنا الله وإيّاك أن تكتب إلى ابن زياد فتأمره بتخلتيه فعلت والسلام عليك.

قال: فلمّا قرأه ضحك، ثم قال: يشفع أبو عبدالرحمن وأهل لذلك هو، فكتب إلى ابن زياد: أمّا بعد... فخل سبيل المختار بن أبي عبيدة حين تنظر في كتابي، والسلام عليك. فأقبل به زائدة حتى دفعه إلى ابن زياد، فدعا ابن زياد


المختار فأخرجه، ثم قال له: قد أجلتك ثلاثاً، فإن أدركتك بالكوفة بعدها فقد برئت منك الذمة، فخرج إلى رحله، وقال ابن زياد: والله لقد اجترأ عَلَيَّ زائدة حين يرحل إلى أمير المؤمنين حتى يأتيني بالكتاب في تخلية رجل قد كان من شأني أن اطيل حبسه على ما به، فمرّ به عمرو بن نافع أبو عثمان، كاتب لأبن زياد وهو يطلبه، وقال له: النجاء بنفسك واذكرها يداً لي عندك.

قال: فخرج زائدة فتوارى يومه ذلك، ثم إنّه خرج في اناس من قومه حتى أتى القعقاع بن شور الذهلي، ومسلم بن عمرو الباهلي، فأخذ له الأمان، وخرج المختار من الكوفة وتوجه إلى الحجاز.

حدّث ابن العرق وهو مولى لثقيف قال: أقبلت من الحجاز حتى إذا كنت بالبسيطة من وراء واقصة، استقبلت المختار خارجاً يريد الحجاز فرحّبت به وعطفت عليه، ولمّا رأيت شتر عينه استرجعت له، وقلت له: بعد ما توجّعت له ما بال عينك صرف الله عنك السوء؟ فقال: خبط عيني ابن الزانية بالقضيب خبطة صارت الى ما ترى، فقلت له: ماله شلّت أنامله؟ فقال الختار: قتلني الله إن لم أقطع أنامله وأباجله (1) وأعضاءه إرباً إرباً. قال: فعجبت لمقالته، فقلت له: ما علمك بذلك رحمك الله؟ فقال لي: ما أقول لك فاحفظه عنّي حتى ترى مصداقه. قال: ثم طفق يسئلني عن عبدالله بن الزبير وأنا أخبره، فقال: يابن العرق إنّ الفتنة قد أرعدت وأبرقت، وكأن قد انبعثت فوطئت في خطامها، فإذا رأيت ذلك وسمعت به، بمكان قد ظهرت فيه فقيل إنّ المختار في عصائبه من المسلمين يطلب بدم المظلوم الشهيد المقتول بالطف سيّد المسلمين وابن سيّدها الحسين بن علي عليه‌السلام فوربّك لأقتلنّ بقتله عدّة القتلى على دم يحيى بن زكريا عليه‌السلام . قال:

__________________

(1) أباجل مفردها أبجل، والأبجل عرق غليظ في الرجل أو في اليد.


فقلت له: سبحان الله وهذه اعجوبة مع الاُحدوثة الاُولى، فقال: هو ما أقول لك، فاحفظه عنّي حتى ترى مصداقه، ثم حرك راحلته فمضى، ومضيت معه ساعة أدعوا الله له بالسلامة وحسن الصحابة، ثم ودّعته وانصرفت عنه.

ولمّا قدم المختار مكة جاء الى عبدالله بن الزبير فسلم عليه فرد عليه‌السلام ورحّب به وأوسع له، وقال: حدّثني عن الناس بالكوفة يا أبا إسحاق. قال: هم لسطانهم في العلانية أولياء، وفي السرّ أعداء. وبقي المختار على هذا ونحوه بمكة المكرمة حتى إذا جاء جيش يزيد بن معاوية بقيادة الحصين بن نمير السكوني، وحاصر ابن الزبير ووقع القتال بين الفرقين، فكان المختار يحارب جيش يزيد دفاعاً عن البيت، ثم التفت في ذلك اليوم، ونادى: يا أهل الإسلام إليّ إليّ أنا ابن أبي عبيدة بن مسعود، وأنا ابن الكرار لا الفرار، وأنا ابن المقدمين غير المحجمين، إليّ إليّ يا أهل الحفاظ وحماة الأوتار، فحمى الناس يومئذ وأبلى وقاتل قتالاً حسناً، ثم أقام مع ابن الزبير في ذلك الحصار حتى كان يوم اُحرق البيت (1) فقاتل المختار يومئذ في عصابة معه نحو من ثلاثمائة أحسن قتال قاتله أحد من الناس، إن كان ليقاتل حتى يتبلّد ثم يجلس ويحيط به أصحابه فإذا استراح نهض فقاتل، فما كان يتوجّه نحو طائفة من أهل الشام إلّا ضاربهم حتى يكشفهم، فما كان في ذلك اليوم رجلاً أحسن بلاءاً من المختار، ولمّا انقضى الحصار بعد هلاك يزيد ورجع أهل الشام، أقام مع ابن الزبير خسمة أشهر، وخرج بعدها إلى الطائف، ثم رجع الى مكة.

وكان أهل الكوفة قد اصطلحوا على عامر بن مسعود يصلي بهم حتى يجتمع الناس على إمام يرضونه، وصار يطلب البيعة لابن الزبير، فخرج المختار

__________________

(1) احرق يوم السبت لثلاث مضين من شهر ربيع الأول سنة 64 هـ.


آنئذ من مكة متوجها إلى الكوفة لقيه رجل من همدان، فقال له: حدّثني الناس بالكوفة، قال: عمّ كغنم ضل راعيها، فقال: أنا المختار أنا أحسن رعايتها وأبلغ نهايتها. فقال له الهمداني: اتّق الله واعلم أنك ميت مبعوث ومجزي بعملك إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر، ثم افترقا وأقبل المختار حتى انتهى إلى بحر الحيرة (1) فنزل واغتسل فيه وكان يوم الجمعة وأدهن دهناً يسيراً، ولبس ثيابه وأعتمّ وتقلّد سيفه، ثم ركب راحلته فمرّ بمسجد السكون، وجبانة كندة، وصار لا يمرّ بمجلس إلّا سلّم على أهله، وهو يقول: ابشروا بالنصر والفلح أتاكم ما تحبّون، ومرّ ببني ذهل وبني حجر وبني كندة، ومرّ ببني هند، وجهينة، ثم جاء إلى باب الفيل، فأناخ راحلته ودخل المسجد، واستشرف له الناس، وقالوا: هذا المختار، قد قدم المختار الى جنب سارية من سواري المسجد فصلّى عندها، حتى اقيمت الصلاة فصلى مع الناس، ثم ركد إلى ساريه اُخرى، فصلّى ما بين الجمعة العصر، ثم خرج من المسجد، ومرّ على حلقة همدان، وعليه ثياب السفر: فقال: ابشروا فإنّي قد قدمت عليكم بما يسرّكم، ومضى حتى نزل داره.

فكانت الشيعة تختلف إليه وجعل يسألهم عن الناس بالكوفة فأخبروه باجتماع الناس على سليمان بن صرد الخزاعي رئيس التوابين، وقد كان مسجوناً معه في سجن ابن زياد، لأنّ ابن زياد لمّا قتل مسلما أخذ يسجن جماعة من أهل الكوفة من جملتهم سليمان هذا، والمختار، ولمّا قتل الحسين عليه‌السلام وجيء برأسه إلى ابن زياد فأخفاه تحت السرير، وأمر بإخراج المختار من السجن فاخرج إليه وهو مكبل بالحديد، فجعل يستهزئ عليه فقال له المختار: يابن زياد أتستهزئ عليَّ وقد قرب فرجي. وقال: من أين يأتيك الفرج يا مختار؟ قال: بلغني أن سيّدي

__________________

(1) هو بحر النجف، وكان بحراً متلاطم الأمواج، جف وإلى اليوم على اسمه - أرض البحر ـ.


ومولاي الحسين قادماً إلى العراق وسيكون خلاصي على يده، فقال له ابن زياد: خاب ظنّك إنّا قد قتلنا الحسين. فقال الختار: صه ومن يقدر على قتل سيّدي ومولاي، فعند ذلك أخرج إليه رأس الحسين عليه‌السلام ، فلمّا رآه المختار جعل يلطم على وجهه وهو ينادي: وا حسيناه.

أحين ترجّيناك تستأصل العدى

يفاجئنا الناعي بقتلك يهتف


المطلب الثلاثون

في تتمة قضية المختار

لمّا دخل المختار بن أبي عبيدة الثقفي الكوفة اجتمع عليه بعض الشيعة، وكان آنئذ يجتمع الناس عند سليمان بن صرد الخزاعي وهو شيخ الشيعة، وكان يتهيأ للخروج على بني اميّة، ولمّا خرج سليمان بالشيعة من الكوفة بقي المختار بها وقد اشتدت شوكته، وقوي أمره، فاجتمع جماعة من وجوه أهل الكوفة، وهم عمر بن سعد بن أبي وقاص، وشبث بن ربعي، ويزيد بن الحارث بن رويم، وصاروا إلى عبدالله بن يزيد الحظمي، وإبراهيم بن محمد بن سليمان بن عبيدالله (1) فتكلموا فيما بينهم على أنّ المختار أشدّ عليكم من سليمان بن صرد، إنّ سليمان إنّما خرج يقاتل عدوكم ويذللهم لكم، وقد خرج عن بلادكم، وإن المختار إنما يريد أن يثب عليكم في مصركم، فسيروا إليه فأوفقوه بالحديد وخلّدوه في السجن حتى يستقيم أمر الناس، فخرجوا إليه في الناس، فما يشعر بشيء حتى أحاطوا به وبداره فاستخرجوه، فلمّا رأى جماعتهم، قال: ما بالكم فوالله بعد ما ظفرت أكفّكم.

قال الراوي: واُوتي المختار ببغلة دهماء يركبها، فقال إبراهيم لعبدالله بن

__________________

(1) كانا من قبل ابن الزبير بالكوفة أرسلهما إليها قبل عبدالله بن مطيع.


يزيد: ألا تشدّ عليه القيود؟ فقال: كفى له بالحبس قيداً.

حدّث يحيى بن عيسى قال: دخلت عليه مع حميد بن مسلم الأزدي، ونزوره ونتعاهده، فرأيته مقيّداً، قال: فسمعته يقول: أما وربّ البحار والنخيل والأشجار المهامة والقفار والملائكة الأبرار والمصطفين الأخيار لأقتلنّ كلّ جبّار بكلّ لدن خطار، ومهند بتار في جموع من الأنصار، ليس بميل أغمار، ولا بعزل أشار، حتى إذا أقمت عمود الدين ورأيت شعب صدع المسلمين، وشفيت غليل صدور المؤمنين وأدركت بثار النبيين لم يكبر عَلَيَّ زوال الدنيا، ولم أحفل بالموت إذا أتى.

قال: فكان إذا أتيناه وهو في السجن ردّد علينا هذا القول حتى خرج منه، ولمّا قدم التوابين إلى الكوفة بعد واقعتهم كتب إليهم المختار، أمّا بعد؛... فإنّ الله أعظم لكم الأجر وحطّ عنكم الوزر بمقارعة القاسطين وجهاد المحلّين، إنّكم لم تنفقوا نفقة ولم تقطعوا عقبة ولم تخطوا خطوة إلّا رفع الله لكم بها درجة، وكتب لكم بها حسنة، إلى ما لا يحصيه إلّا من التضعيف، فابشروا فإنّي لو قد خرجت إليكم قد جرّدت فيما بين المشرق والمغرب في عدوّكم السيف بإذن الله، فجعلتهم بإذن الله ركاماً وقتلهم فذا وتوأما، فرحّب الله بما قارب منكم واهتدى ولا يبعد الله إلّا من عصى وأبى، والسلام يا أهل الهدى.

فجائهم بهذا الكتاب سيحان بن عمرو من بني ليث، من عبدالقيس قد أدخله في قلنسوته فيما بين الظهارة والبطانة، فأتى بالكتاب رفاعة بن شداد، والمثنى بن مخربة العبدي، وسعد بن خذيفة بن اليمان، ويزيد بن أنس، وأخمر بن شميط الأحمسي، وعبدالله بن شداد البجلي، وعبدالله بن كامل فقرأه عليهم الكتاب، فبعثوا إليه ابن الكامل، فقالوا: قل له قد قرأنا الكتاب ونحن حيث يسرّك، فإن شئت أن نأتيك حتى نخرجك فعلنا، فأتاه فدخل عليه السجن فأخبره بما اُرسل


به فسرّ باجتماع الشيعة له، وقال لهم: لا تريدوا هذا فإنّي أخرج في أيّامي هذا.

وكان المختار قد بعث الى عبدالله بن عمر بن الخطاب وكتب إليه: أمّا بعد فإنّي قد حبست مظلوماً وظنّ بي الولاة ظنوناً كاذبة، فاكتب فيَّ يرحمك الله إلى هذين الظالمين كتاباً لطيفاً عسى الله ان يخلّصني من أيديهما بلطفك وبركتك وبمنّك والسلام عليك. فكتب إليهما عبدالله بن عمر، أمّا بعد:... فقد علمتما الذي بيني وبين المختار بن أبي عبيدة من الصهر، والذي بيني وبينكما من الود، فأقسمت عليكما بحق ما بيني وبينكما، لما خليتما سبيله حين تنظران في كتابي هذا، والسلام عليكما ورحمة الله.

فلمّا أتى عبدالله بن يزيد وإبراهيم بن محمّد بن طلحة كتاب عبدالله بن عمر، دعوا للمختار بكفلاء يضمنونه بنفسه، فأتاه اُناس من أصحابه كثير، فقال يزيد بن رويم لعبدالله بن يزيد: ما تصنع بضمان هؤلاء كلّهم ضمنه عشرة منهم أشرافاً معروفين ودع سائرهم، ففعل ذلك، فلمّا ضمنوه دعا به عبدالله بن يزيد وإبراهيم بن محمّد بن طلحة، فحلّفاه بالذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم لا يبغيهما غائلة، ولا يخرج عليهما ما كان لهما سلطان، فإن هو فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة ومماليكه كلهم ذكرهم وانثاهم أحرار فحلف لهما بذلك، ثم خرج فجاء في داره (1) واختلفت إليه الشيعة واجتمعت

__________________

(1) عن حميد بن مسلم، قال: سمعت المختار بعد ذلك يقول: قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أنّي أفي لهم بأيمانهم هذه، أمّا حلفي لهم بالله فأنّه ينبغي لي إذا حلفت على يمين فرأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير، واُكفّر يميني وخروجي عليهم خير من كفي عنهم واُكفّر يميني، أما هدي ألف بدنه فهو أهون علي من بصفة وما ثمن ألف بدنة فيهولني، وأمّا عتق مماليكي، فوالله لوددت أنّه قد استتب لي أمري ثم لم أملك مملوكاً أبداً.


عليه، واتفق رأيها على الرضى به، وكان الذي يبايع الناس وهو في السجن خمسة نفر: السائب بن مالك الأشعري، ويزيد بن أنس، وأحمر بن شميط، ورفاعة بن شداد الفتياني، وعبدالله بن شداد الجشمي، ولم يزل أمره يقوى ويشتد، حتى عزل ابن الزبير عبدالله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة وبعث عبدالله بن مطيع إلى الكوفة عاملاً عليها، هذا والمختار تكثر أصحابه، فجاء إياس بن مضارب إلى ابن مطيع وقال له: إنّ السائب بن مالك من رؤساء أصحاب المختار، ولست آمن المختار، فابعث إليه فليأتك فإذا جاءك فاحبسه في سجنك حتى يستقيم أمر الناس، فإن عيوني قد أتتني وأخبرتني أنّ أمره قد استجمع له، وكأنه قد وثب بالمصر.

فبعث إليه ابن مطيع رجلان، فدخلا عليه، فقالا: أجب الأمير، فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته، فلمّا رأى زائدة بن قدامة ذلك قرأ هذه الآية ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (1) ففهمها المختار، فجلس ثم ألقى ثيابه عنه ثم قال: ألقوا عَلَيَّ القطيفة ما أراني إلّا وقد وعكت، إنّي لأجد قفقفة شديدة، ثمّ تمثل بقول الشاعر:

إذا ما معشر تركوا نداهم

ولم يأتوا الكريهة لم يهابوا

والتفت إلى الرجلين، وقال: ارجعا إلى ابن مطيع واعلماه حالي التي أنا عليها.

ولما عزم المختار على النهوض بالكوفة قال الطبري: بعث الى أصحابه وأخذ بجمعهم في الدور حوله وأراد أن يثب بالكوفة في المحرم، فجاء رجل إلى أصحابه من شبام وكان عظيم الشرف يقال له عبدالرحمن بن شريح، فلقي جماعة

__________________

(1) سورة الأنفال: 30.


من أصحابه وفيهم قدامة بن مالك الجشمي، فاجتمعوا في منزل أحدهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد... فإنّ المختار يريد أن يخرج بنا وقد بايعناه ولا ندري أرسله ألينا ابن الحنيفة أم لا، فانهضوا بنا إلى ابن الحنفية فلخبره بما قدم علينا به، وبما دعانا إليه، فإن رخص لنا في أتباعه أتبعناه وإن نهانا عنه اجتنبناه، فوالله ما ينبغي أن يكون شيء من أمر الدنيا آخر عندنا من سلامة ديننا، فقالوا له: أرشدك الله فقد أصبت ووفّقت، اخرج بنا إذا شئت، فأجمع رأيهم على أن يخرجوا من أيّامهم، فخرجوا ولحقوا بابن الحنفية ووكان إمامهم عبدالرحمن بن شريح، فلمّا قدموا عليه سألهم عن حال الناس، فأخبروه عن حالهم وما هم عليه، ثم قالوا له: إنّ لنا إليك حاجة. قال: فسّر هي أم علانية؟ قال: قلنا: لا بل سرّ. قال: فرويداً إذاً، فمكث قليلاً ثم تنحّى جانباً فدعانا فقمنا إليه فبدأ عبدالرحمن بن شريح وتكلّم فحمدالله وأثنى عليه، ثم قال: أمّا بعد... فإنّكم أهل بيت أخصّكم الله بالفضيلة وشرفكم بالنبوة، وعظّم حقّكم على هذه الأُمّة، فلا يجهل حقكم إلّا مغبون الرأي مخسوس النصيب، قد أصبتم بحسين رحمة الله عليه عظمت مصيبة ما خصّكم بها فقد عمّ بها المسلمون، وقد قدم علينا المختار ابن أبي عبيدة يزعم لنا أنّه قد جاءنا من تلقائكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والطلب بدماء أهل البيت والدفع عن الضعفاء فبايعناه على ذلك، ثم إنّا رأينا أن نأتيك فنذكر لك ما دعنا إليه وندبنا له فإن أمرتنا باتّباعه إتّبعناه، وإن نهيتنا عنه اجتنبناه.

قال: ثم تكلّمنا واحداً واحداً بنحو ما تكلّم به صاحبنا وهو يسمع حتى إذا فرغنا حمدالله وأثنى عليه وصلّى على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثم قال: فأمّا ما ذكرتم ممّا خصّنا الله به من فضل، فإنّ الله يؤتيه من يشاء والله ذوالفضل العظيم، فلله الحمد، وأمّا ما ذكرتم من مصيبتنا بحسين، فإنّ ذلك كان في الذكر الحكيم، وهي ملحمة كتبت عليه وكرامة اهداها الله له رفع بما كان منها درجات قوم عنده ووضع بها آخرين


وكان أمر الله مفعولاً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وأمّا ما ذكرتم من دعاء من دعاكم الى الطلب بدمائنا فوالله لوددت أن الله أنتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم.

قال: فخرجنا من عنده ونحن نقول: قد أذن لنا قد قال: لوددت أن الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه، ولو كره لقال: لا تفعلوا.

قال: فجئنا إلى الكوفة، فقال لهم المختار: وهم على رواحلهم: ما بالكم فتنتم وارتبتم؟ قالوا: أمرنا بنصرتك، فقال: الله أكبر، أنا أبو إسحاق، إجمعوا لي الشيعة، فجمع منهم من كان منه قريباً، فقال: يا معشر الشيعة إنّ نفراً منكم أحبّو أن يعلموا مصداق ما جئت به، فرحلوا إلى امام الهدى والنجيب المرتضى ابن خير من طشى ومشى حاشا النبي المجتبى فسألوا عمّا قدمت به عليكم، فنبّأهم أنّي قاتل المحلين وأطلّب بدماء أهل نبيّكم المصطفى.

بلى والله أخذ المختار بثأر الحسين عليه‌السلام وأهل بيته وشفى صدور الشيعة من قتلة الحسين عليه‌السلام ولكن والله لو قتل أهل الكوفة والشام أجمع ما كان يساوي قطع خنصر سيّد شباب أهل الجنّة الذي حزه بجدل الكلبي بقطعة السيف!!

لهفي على تلك الأنامل قطّعت

ولو أنّها اتّصلت لكانت أبحرا


المطلب الحادي والثلاثون

في تتمة قضية المختار

لمّا أظهر المختار دعوته بالكوفة، صار يطلب بثار الحسين عليه‌السلام ، أجابه جماعة من أشراف أهل الكوفة ولبّوا نداءه.

قال الطبري: عن عمر بن شعبي، قال: كنت أنا وأبي أول من أجاب المختار، واجتمع إليه من عيون جماعته، وقالوا: لو دعوت إبراهيم بن مالك الأشتر رحمه‌الله علينا لكان خير لك ولنا، ولرجونا القوة على عدونا، ولا يضرّنا خلاف من خالفنا فإنّه فتى شريف وابن رجل شريف، بعيد الصيت، وله عشيرة ذات عز وعدد. فقال لهم المختار: فألقوه وادعوه، واعلموا الذي أمرنا به من الطلب بدم الحسين عليه‌السلام وأهل بيته.

قال الشعبي: فخرجوا إليه، وأنا فيهم وأبي، فتكلم يزيد بن أنس فقال: إنّا قد أتيناك في أمر نعرضه عليك وندعوك إليه، فإن قبلته كان خيراً، لك وإن تركته فقد أدّينا إليك فيه النصيحة، ونحن نحبّ أن يكون عندك مستوراً فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: وإنّ مثلي لا تخاف غائلته، ولا سعايته ولا التقرب إلى سلطانه باغتياب الناس، أنّما اولئك الصغار الأخطار الدقائق همما. فقال له: إنّما ندعوك إلى أمر قد اجتمع عليه رأي الملأ من الشيعة إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والطلب بدماء أهل البيت، وقتال المحلّين والدفع عن الضعفاء.


قال الراوي: وأقبل القوم كلّهم عليه يدعونه الى أمرهم ويرغّبونه فيه، فقال لهم إبراهيم بن الأشتر: فإنّي قد أجبتكم إلى ما دعوتموني إليه من الطلب بدم الحسين عليه‌السلام وأهل بيته على أن تولّوني الأمر. فقالوا له: أنت لذلك أهل ولكن ليس إلى ذلك من سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل المهدي، وهو الرسول المأمور بالقتال، وقد أمرنا بالطاعة، فسكت عنهم ابن الأشتر، ولم يجبهم.

قال: فانصرفنا من عنده إلى المختار فأخبرناه بما رد علينا، قال: فغبر ثلاثاً ثم إنّ المختار دعا بضعة عشرة رجلاً من وجوه أصحابه، قال الشعبي: وأنا فيهم وأبي، قال: فسار بنا ومضى أمامنا يقدّ بنا بيوت الكوفة قدّاً لا ندري إلى أين يريد، حتى وقف بباب دار إبراهيم بن الأشتر، فاستأذنا عليه فأذن لنا، وألقيت لنا الوسائد، فجلسنا عليها وجلس المختار معه على فراشه، وطلب منه أن ينهض معه ويشدّ عضده بهذه الدعوة، فأجابه إبراهيم إلى ذلك.

قال أبو مخنف: حدّثني يحيى بن عيسى بن الأزدي، قال: كان حميد ابن مسلم الأسدي صديقاً لإبراهيم بن الأشتر، وكان يختلف إليه ويذهب به معه، وكان إبراهيم يروح في كلّ عشية عند المساء فيأتي المختار ويمكث عنده حتى تصوب النجوم، ثم ينصرف فمكثوا بذلك يديرون امورهم، حتى اجتمع رأيهم على أن يخرجوا ليلة الخميس لأربعة عشر من ربيع الأول سنة ست وستّين، ووطن على ذلك شيعتهم ومن أجابهم، هذا وقد هال أمر المختار والي الكوفة وهو عبدالله بن مطيع، فنظم الشرطة المسلحة على مفارق الطرق والسكك وفي الجبانين، وقد خرج إبراهيم ليلة من الليالي ومن حوله عشيرته وهم مدججون بالسلاح متقلدين السيوف قاصدين دار المختار، وكان إبراهيم فتى حدثاً شجاعاً.

قال الراوي: فأخذ إبراهيم على طريق باب الفيل، وإذا بياس بن مضارب ومعه الخيل والرجال قد أخذوا أفواه السكك، فصاح بإبراهيم: من هؤلاء؟ فقال إبراهيم: أنا إبراهيم بن مالك الأشتر، فقال له إياس، ما هذا الجمع معك وما


تريدون؟ والله إنّ أمرك لمريب، وقد بلغني إنّك تمرّ كلّ عشية ههنا وما أنا بتاركك حتى آتي بك الأمير فيرى فيك رأيه. فقال إبراهيم: لا أبا لغيرك خلّ سبيلنا. فقال: كلا والله لا أفعل وكان مع إياس رجل من همدان يقال له أبو قطن وكان صديقاً لابن الأشتر، فقال له ابن الأشتر: يا أبا قطن أدن منّي، وكان مع أبي قطن رمح طويل، فدنا منه أبو قطن ومعه الرمح، وهو لا يرى إلّا ابن الأشتر يطلب إليه أن يشفع له إلى ابن مضارب ليخلّي سبيله، فجاء إبراهيم فتناول الرمح من يده وقال: إنّ رمحك هذا لطويل، ثم حمل به على ابن مضارب فطعنه في ثغرة نحره فصرعه وقال لرجل من قومه: انزل فاحتزّ رأسه، فنزل إليه واحتزّ رأسه وتفرق أصحابه ورجعوا الى ابن مطيع، فبعث ابن مطيع ابنه راشد ابن إياس مكانه أبيه على الشرطة.

وأقبل إبراهيم بن الأشتر إلى المختار ليلة الأربعاء، فدخل عليه فقاله له إبراهيم: إنّا اتّعدنا للخروج للقابلة ليلة الخميس، وقد حدث أمر لابدّ من الخروج الليلة، قال المختار: وما هو؟ قال: عرض لي إياس بن مضارب في الطريق ليحبسني بزعمه فقتلته وهذا رأسه مع أصحابي على الباب. فقال المختار: بشرّك الله بخير، فهذا طير صالح، وهذا أوّل الفتح إن شاء الله. ثم قال المختار: قم يا سعد بن منقذ واشعل في الهرادي النيران، ثم ارفعها للمسلمين، وقم أنت يا عبدالله بن شدّاد فناد: يا منصور أمت، وقم أنت يا سفيان بن ليل وأنت يا قدامة بن مالك فناد: يا لثارت الحسين عليه‌السلام ، ثم قال المختار: عَلَيَّ بدرعي وسلاحي فأتى به وأخذ يلبس سلاحه وهو يقول:

قد علمت بيضاء حسناء الطلل

واضحة الخدّين عجزاء الكفل

إني غداة الروع مقدام بطل

ثم إنّ إبراهيم قال للمختار: إنّ هؤلاء الرؤوس الذين وضعهم ابن مطيع في الجبانين يمنعون أخواننا أن يأتوننا ويضيّقون عليهم، فلو إنّي خرجت بمن معي إلى قومي ودعوتهم فيأتيني كلّ من بايعك منهم وندفعهم عن مواطنهم. فقال له


المختار: نعم أخرج وإيّاك أن تسير إلى أميرهم تقاتله ولا تقاتل أحداً وأنت لا تستطيع أن لا تقاتل، واحفظ ما أوصيتك به إلّا أن يبدأك أحد بقتال.

قال الراوي: فخرج إبراهيم بن الأشتر من عنده في الكتيبة التي أقبل فيها حتى أتى قومه، واجتمع إليه جلّ من بايعه وأجابه ثم إنّه سار بهم في سكك الكوفة طويلاً من الليل، وهو في ذلك يتجنّب السكك التي فيها الأمراء حتى انتهى إلى مسجد السكون، فلقيته خيل وليس لهم قائد، فحملوا عليهم وحمل أبراهيم وأصحابه عليهم فكشفوهم حتى دخلوا جبانة كندة، وكانت شرطة ابن مطيع تعتدّ وتجتمع حتى انتهى ابراهيم جبانة أثير، وقف فيها طويلاً، ونادى أصحابه بشعارهم فجاءته الشرطة بالخيل والرجال وفي مقدّمتهم سويد بن عبدالرحمن المنقري، فلمّا رأى ذلك ابن الأشتر، قال لأصحابه: يا شرطة الله انزلوا فإنكم أولى بالنصر من الله من هؤلاء الفسّاق الذين خاضوا دماء أهل بيت رسول الله فنزلوا ثم شدّ عليهم إبراهيم فضربهم حتى أخرجهم إلى الصحراء وولّوا منهزمين يركب بعضهم بعضا، وهم يتلاومون فقال قائل منهم: إنّ هذا الأمر يراد، ما يلقون لنا جماعة إلّا هزموهم، فلم يزل يهزمهم حتى أدخلهم الكناسة، وقال أصحاب إبراهيم لإبراهيم: أتبعه وغنم ما قد دخلهم من الرعب فقد علم الله إلى الله من ندعوا وما نطلب وإلى من يدعون وما يطلبون، فقال إبراهيم: لا أفعل ذلك.

نعم إنّ إبراهيم لمّا حارب بالكوفة قتلة الحسين عليه‌السلام كان لا يتبع مدبراً ولا يأمر بالنهب، ولكن أهل الكوفة نهبوا يوم عاشوراء جميع ما كان في رحل الحسين عليه‌السلام وخيامه حتى الملاحف الأزر من على رؤوس الفاطميات!!

هذي تصيح أبي وتهتف ذي أخي

وتعجّ تلك بأكرم الأجداد (1)

__________________

(1) من قصيدة للشيخ أحمد النحوي المتوفى سنة 1183 هـ ومطلعها:

بأبي أبِّي الضيم لا يُعطي العدى

حذر المنيّة منه فضل قيادِ


المطلب الثاني والثلاثون

في محاربة المختار لأهل الكوفة

لمّا نهض المختار بالكوفة وشد أزره بإبراهيم بن الأشتر، فكان أوّل ما صنعه المختار أن قاتل رؤساء الشرطة الذين كانوا قد وظفهم عبدالله بن مطيع، وجعلهم على أفواه السكك، والطرقات والجبانين، ولمّا بان الضعف والعجز من أصحاب عبدالله بن مطيع أقبل شبث بن ربعي إلى عبدالله بن مطيع، وقال: ابعث إلى امراء الجنابين فمرهم فليأتوك، واجمع إليك جميع الناس ثم انهض إلى هؤلاء القوم (يعني المختار وأصحابه) وابعث إليهم من تثق به فليكفك قتالهم، فأنّ أمر القوم قد قوى، وقد خرج المختار وظاهر واجتمع له أمره، فلمّا بلغ ذلك المختار من مشورة شبث بن ربعي على ابن مطيع، خرج في جماعة من أصحابه حتى نزل في ظهر دير هند، ممّا يلي بستان زائدة في السبخة، ونادى مناديه بالكوفة: يا منصور أمت، يا لثارات الحسين عليه‌السلام ، ثم نادى المنادي: يا أيها الحي المهتدون، ألا إنّ أمير آل محمد ووزيرهم قد خرج فنزل دير هند، وبعثني إليكم داعياً ومبشّراً فاخرجوا إليه رحمكم الله.

قال الراوي: فخرجوا من الدور يتداعون يا لثارات الحسين عليه‌السلام وأقبلوا إلى المختار حتى نزلوا معه في عسكره، فتوافى إلى المختار في تلك الليلة ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفاً كانوا قد بايعوه، فاستجمعوا له قبل انفجار الفجر،


فأصبح وقد فرغ من تعبئته.

قال حميد بن مسلم: فلمّا أصبح استقدم فصلّى بنا الغداة بغلس، ثم قرأ والنازعات، وعبس وتولّى، قال: فما سمعنا اماماً أمّ قوماً أفصح لهجة منه، قال: وبعث ابن مطيع إلى أهل الجبانين يأمرهم أن ينظموا إلى أهل المسجد، وقال لراشد بن إياس بن مضارب ناد في الناس، فليأتوا المسجد فنادى المنادي: ألا برئت الذمة من رجل لم يحضر المسجد الليلة فتوافى الناس فلمّا اجتمعوا بعث ابن مطيع شبث بن ربعي في نحو ثلاثة آلاف إلى المختار، وبعث راشد بن إياس في أربعة ألاف من الشرطة.

قال أبو سعد الصقيل: ولمّا فرغ المختار من صلاة الغداة وانصرف سمعنا أصواتاً مرتفعة فيما بين بني سليم وسكة البريد، فقال المختار: من يعلم لنا هؤلاء ما هم؟ فقلت له: أنا أصلحك الله. فقال المختار: أما لا فألق سلاحك وانطلق حتى تدخل فيهم كأنّك نظّار، ثم تأتيني بخبرهم، قال: ففعلت فلمّا دنوت منهم إذا مؤذنّهم يقيم، فجئت حتى دنوت منهم، فإذا شبث بن ربعي معه خيل عظيمة وعلى خيله شيبان بن حريث الضبي، وهو في الرجّالة معه منهم كثرة، فلمّا أقام مؤذنّهم تقدّم فصلّى بأصحابه فقرأ أذا زلزلت الأرض زالزاها، فقلت في نفسي: أما والله إني لأرجو أن يزلزل الله بكم، وقرأ والعاديات ضبحاً، فقال له ناس من أصحابه: لو كنت قرأت سورتين هما أطول من هاتين شيئاً، فقال شبث: ترون الديلم قد نزلت بساحتكم وأنتم تقولون لو قرأت سورة البقرة وآل عمران.

قال: وكانوا ثلاثة آلاف، قال: فأقبلت سريعاً حتى أتيت المختار فأخبرته بخبر شبث وأصحابه وأتاه معي ساعة أتيته سعر بن أبي سعر الحنفي يركض من مراد، وكان ممّن بايع المختار، فلم يقدر على الخروج معه ليلة مخافة من الحرس.

قال: فسرح المختار إبراهيم بن الأشتر، قبل راشد بن إياس في تسعمائة،


ويقال: ستمائة فارس وراجل فمضى إبراهيم إلى راشد فلقيه في مراد ومعه أربعة آلاف، فقال إبراهيم لأصحابه، لا يهولنكم كثرة هؤلاء فوالله لرب رجل خير من عشر، ولرب فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، ثم قال: يا خزيمة بن نصر سر إليهم في الخيل، ونزل وهو يمشي في الرجال ورأيته مع مزاحم ابن الطفيل، فأخذ إبراهيم يقول له: ازدلف برايتك امض بها قدماً قدماً، قال: واقتتل الناس، فاشتد قتالهم وبصر خزيمة بن نصر العبسي براشد بن إياس فحمل عليه فطعنه وقتله، ثم نادى، قتلت راشداً وربّ الكعبة.

قال: وانهزم أصحاب راشد، وأقبل إبراهيم بن الأشتر وخزيمة بن نصر ومن كان معهم بعد قتل راشد نحو المختار، وبعث النعمان بن أبي الجعد يبشّر المختار بالفتح عليه وبقتل راشد، فلمّا أن جاءهم البشير بذلك كبّروا واشتدّت أنفسهم، ودخل أصحاب بن مطيع الفشل، وسرّح بن مطيع حسان بن فائد بن بكير العبسي في جيش كثيف نحو من ألفين، واعترض ابراهيم بن الأشتر فريق الحمراء ليردّه عن من في السبخة من أصحاب بن مطيع ومشى ابراهيم نحوه في الرجال.

قال الراوي: ما أطعنّا برمح ولا اضطربنا بسيف حتى انهزموا، رجع ابراهيم نحو المختار وإذا بشبث بن ربعي ويزيد بن أنس وأصحابه قد أحاطوا بالمختار، فلمّا أن رأوا إبراهيم جعلوا ينكصون روائهم رويداً رويداً حتى انهزموا وتراجعوا إلى ابن مطيع، وفي ذلك الحين استخبر ابن مطيع بقتل راشد بن أياس فأسقط في يده..

ثم إنّ المختار جمع أصحابه وانهدّ نحو المسجد والقصر، وكان هناك جند كثير، فحاربهم بمن معهم، وشتّت شملهم حتى دخل السوق هو وأصحابه وحصروا ابن مطيع في القصر ثلاثة أيام، وكان معه الأشراف من رؤوس العسكر


إلّا عمرو بن حريث، فإنّه أتى داره ولم يلزم نفسه الحصار ثم خرج حتى نزل البر، ثم جاء المختار ونزل جانب السوق وولّى حصار القصر ابراهيم بن الأشتر، ويزيد ابن أنس، وأحمر بن شميط، فكان ابن الأشتر مما يلي المسجد وباب القصر ويزيد بن أنس مما يلي بني حذيفة، وسكة دار الروميين وأحمر بن شميط ممّا يلي دار عمارة ودار أبي موسى، فلمّا اشتد الحصار على ابن مطيع وأصحابه كلّم الأشراف، وقام إليهم شبث فقال له: أصلح الله الأمير انظر لنفسك ولمن معك فوالله ما عندهم غناء عنك ولا عن أنفسهم. قال ابن مطيع: أشيروا عليّ برأيكم. فقال له شبث: الرأي أن تأخذ لنفسك من هذا الرجل أماناً ولنا وتخرج ولا تهلك نفسك ومن معك.

قال الراوي: ولمّا أن جنّ الليل خرج من القصر من نحو درب الروميين حتى أتى دار أبي موسى، وخلّى القصر وفتح أصحابه الباب فقالوا له: يا ابن الأشتر آمنون نحن؟ قال: أنتم آمنون، قال: وخرج من القصر عند ذلك وهو قصر الإمارة هذا هو القصر الذي أصعدوا مسلم بن عقيل على سطحه ورموه من أعلى السطح إلى الأرض، هذا هو القصر الذي أدخول فيه بنات الرسالة على ابن مرجانة والسجاد مغلل ومقيّد، فلمّا رأه ابن زياد (لعنه الله) قال: من هذا العليل؟ فقيل له: هذا علي بن الحسين. قال: أليس قد قتل الله عليّاً... الخ.


المطلب الثالث والثلاثون

في بيعة أهل الكوفة للمختار

ذكر الطبري في تاريخه (1) ، قال: بعد أن فتح الله على المختار وانهزم عبدالله ابن مطيع أمير الكوفة، وقد أخلى قصر الإمارة - جاء المختار حتى دخل القصر وبات به وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر، فخرج المختار وصعد المنبر فحمدالله وأثنى عليه، ثم قال: الحمدلله الذي وعد وليّه النصر وعدوّه الخسر، وجعله فيه إلى آخر الدهر وعداً مفعولاً وقضاء مقضياً، وقد خاب من افترى. أيها الناس إنّه رفعت لنا راية ومدّت لنا غاية، فقيل لنا في الراية أن ارفعوها ولا تضعوها وفي الغاية أن اجروا إليها ولا تعدوها، فسمعنا دعوة الداعي ومقالة الواعي، فكم من ناع وناعية لقتلي في الواعية، وبعداً لمن طغى وأدبر وعصى وكذّب وتولّى، ألا فادخوا أيها الناس فبايعوا بيعة هدى فلا والذي جعل السماء سقفاً مكفوفاً والأرض فجاجاً سبلا، ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب عليه‌السلام وآل علي أهدى منها، ثم نزل فدخل القصر ودخلنا عليه.

ودخل عليه أشراف الناس فبسط يده وابتدره الناس فبايعوه، وجعل يقول: تبايعوني على كتاب الله وسنة نبيه والطلب بدماء أهل البيت وجهاد المحلّين

__________________

(1) انظر ج 4 ص 487.


والدفع عن الضعفاء، وقتال من قاتلنا، وسلّم من سالمنا، والوفاء ببيعتنا لا نقيلكم ولا نستقيلكم، فإذا قال الرجل نعم بايعه.

قال موسى بن عامر العدوي: فكأنّي والله انظر الى المنذر بن حسان بن ضرار، إذ أتاه حتى سلّم عليه بالإمرة ثم بايعه، وانصرف عنه، فلمّا خرج من القصر استقبل سعيد بن منقذ الثوري في عصابة من الشيعة، واقفاً عند المصطبة، فلما رأوه ومعه ابنه حيان بن المنذر، قال رجل من سفائهم: هذا والله من رؤوس الجبارين فشدّوا عليه وعلى ابنه فقتلوهما، فصاح بهم سعيد بن منقذ لا تعجّلوا حتى ننظر ما رأي أميركم فيه.

قال: وبلغ المختار بذلك فكرهه، حتى رؤي ذلك وجهه، وأقبل المختار يمنّي الناس ويستجر مودّتكم ومودة الأشراف، ويحسن السيرة جهده قال: وجاء ابن كامل فقال للمختار: أعلمت أنّ ابن مطيع في دار أبي موسى، فلم يجبه بشيء، فأعاده عليه ثلاثاً فلم يجبه، فظن ابن كامل أنّ ذلك لا يوافقه وكان المختار قبل هذا صديقاً لابن مطيع، فلمّا أمسى بعث الى ابن مطيع بماءة ألف درهم، وبعث إليه تجهّز هذه الليلة وأخرج، فإنّي قد شعرت بمكانك وقد ظننت أنّه لم يمنعك من الخروج إلّا أنّه ليس في يديك ما يقويك على الخروج، فأخذها ومضى إلى البصرة وأصاب المختار تسعة آلاف ألف في بيت المال بالكوفة، فأعطى أصحابه الذين قاتل بهم حين حاصر ابن مطيع في القصر وهو ثلاثة ألف وثمانمائة رجل كل رجل خمسمائة درهم، وأعطى ستّة آلاف من أصحابه أتوه بعد ما أحاط بالقصر، فأقاموا معه تلك الليلة وتلك الثلاثة أيام حتى دخل القصر مائتين مائتين واستقبل الناس بخير ومناهم العدل وحسن السيرة، وأدنى منه الأشراف فكانوا جلساءه وحداثه، واستعمل على شرطته عبدالله بن كامل الشاكري، وعلى حرسه كيسان أبا عمرة مولى عرينة، فقام ذات يوم على رأسه فرأى الأشراف يحدثونه


ورآه قد أقبل بوجهه وحديثه عليهم، فقال لأبي عمرة بعض أصحابه من الموالي: أما ترى أبا إسحاق قد أقبل على العرب ما ينظر إلينا، فدعاه المختار، وقال له: ما يقول لك اولئك الذين رأيتهم يكلّمونك؟ فقال له وأسرّ إليه: شقّ عليهم أصلحك الله صرفك وجهك عنهم إلى العرب، فقال له قل لهم لا يشقّنّ ذلك عليكم، فأنتم منّي وأنا منكم، ثم سكت طويلاً ثم قرأ (إنا من المجرمين منتقمون) فسمعها الموالي منه، فقال بعضهم لبعض: ابشروا كأنّكم والله به قد قتلهم.

قال الراوي: لمّا ظهر المختار واستمكن، ونفى ابن مطيع، وبعث عمّاله إلى الآفاق (1) جعل يجلس للناس غدوة وعشية يمضي بين الخصمين، ثم قال: والله إنّ لي فيما إزاول وأحاول لشغلاً عن قضاء بين الناس، قال: فأجلس للناس شريحاً (2) وقضى بين الناس، ثم إنّه خافهم فتمارض وسمعهم يقولون: إنّه

__________________

(1) ذكر الطبري في تاريخه قال: أول رجل عقد له المختار راية عبدالله بن الحارث أخو الأشتر عقد له على أرمينية، وبعث محمد بن عمير بن عطارد على آذربيجان، وبعث عبدالله بن سعيد بن قيس على الموصل، وبعث اسحاق بن مسعود على المدائن وأرض جوخي، وبعث قدامة بن أبي عيسى بن ربيعة النصري وهو حليف لثقيف على بهقباذ الأعلى، وبعث محمد بن كعب بن قرطة على بهقباذ الأوسط، وبعث حبيب بن منقذ الثوري على بهقباذ الأسفل، وبعث سعد بن حذيفة بن اليمان على حلوان، وكان مع سعد بن حذيفة ألفا فارس بحلوان، قال: ورزقه ألف درهم في كل شهر وأمره بقتال الأكراد وبإقامة الطرق، وكتب إلى عماله في الجبال يأمرهم أن يحملوا أموال كورهم الى سعيد بن حذيفة بحلوان.

(2) شريح القاضي أبو أمية بن الحرث بن المشجع، كان من كبار التابعين، وأدرك الجاهلية، واستقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة، فأقام قاضياً خمس وسبعين، ولم يتعطل فيها إلّا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء في فتنة ابن الزبير، استعفى الحجاج بن يوسف من القضاه فأعفاه، ولم يقض بين اثنين حتى مات، ولم يكن على وجهه طاقة شعر، وسخط عليه أمير المؤمنين عليه‌السلام مرّة فطرده من الكوفة، ولم يعزله عن القضاء وأمره أن يقيم ببانقيا، =


عثماني، وإنه ممن شهد على حجر بن عدي، وإنه لم يبلغ عن هاني بن عروة ما أرسله به، وقد كان علي بن أبي طالب عليه‌السلام قد عزله عن القضاء، فلما أن سمع بذلك ورآهم يذمونه ويسندون إليه مثل هذا القول، تمارض وجعل المختار مكانه عبدالله بن عتبة بن مسعود (1) .

__________________

= وكانت قرية من الكوفة أكثر سكانها اليهود، وبالجملة فالأخبار في خباثة رأي هذا الرجل وسوء عاقبته كثيرة، توفي سنة سبع وثمانين من الهجرة وهو ابن مائة سنة وقيل سنة ست وسبعين وهو بن مائة وعشرين سنة (روضات الجنات).

(1) (فائدة): نظم عبدالله بن همام قصيدة وجاء بها إلى المختار بعد أن استتب الأمر بالكوفة يصف بها ثورة المختار، ومن تبعه من القبائل، فأنشدها بمجلس المختار منها:

وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى

ويلهيه عن رود الشباب شموع

دعا يا لثارات الحسين وأقبلت

كتائب من همدان بعد هزيع

ومن مذحج جاء الرئيس بن مالك

يقود جموعاً عبيت بجموع

ومن أسد وافى يزيد لنصره

بكل فتى حامي الذمار منيع

وجاء نعيم خير شيبان كلها

بأمر لدى الهيجاء أحد جميع

وما ابن شيمط إذ يحرض قومه

هناك بمخذول ولا بمضيع

ولا قيس نهد لا ولا ابن هوازن

وكل أخو اخباته وخشوع

وسار أبو النعمان لله سعيه

الى ابن أياس مصحراً لووقع

بخيل عليها بوم هيجا دروعها

وأخرى حسوراً غير ذات دروع

فكرّ عليهم كرة ثقفتهم

وشدّ بأولاها على ابن مطيع

فولّى بضرب يشدخ الهام وقعه

وطعن غداة السكتين وجيع

فحوصر في دار الإمارة بائياً

بذّل وارغام له وخضوع

فمن وزير ابن الوصي عليهم

وكان لهم في الناس خير شفيع

وآب الهدى حقاً إلى مستقره

بخير إياب آبه ورجوع

إلى الهاشمي المهتدى المهتدى به

فنحن له من سامع ومطيع

ولهذه القصيدة ذكر في تاريخ الطبري وما جرى بعد إلقائها اختلاف القول والثورة، راجعها في محلها للطبري: 7 / 111.


نعم كلّ ما تكلم أهل الكوفة في شريح القاضي فهو صحيح، وكأنّ فاتهم انه كان يجالس ابن زياد في قصر الإمارة وهو الذي ردّ مذحج عن ابن زياد، وكذب عليهم حين حبس عنده هاني بن عروة وهو أيضاً من جملة من أفتى بقتل الحسين عليه‌السلام ورضي بما فعله يزيد وابن مرجانة وأهل الكوفة بسيّد شباب أهل الجنّة، ولم ينكر عليهم لا بيده ولا بلسانه، قتلوا الحسين عليه السلام وأجروا الخيل على صدره وظهره، وقطعوا رأسه وحملوه على رأس رمح، فما أنكر الخيبث على أهل الكوفة فعلهم، وكذلك لمّا سبوا بنات الرسالة، وادخلوهنّ الكوفة مربّقات بالحبال ما أنكر ذلك، ورأى ابن مرجانة ينكث ثغر الحسين عليه‌السلام بعود الخيزران ما أنكر ذلك، قال الشاعر:

كحلت بمنظرك العيون عماية

وأصمّ رزئك كلّ اُذن تسمع

رأس ابن بنت محمّد ووصيّه

للناظرين على قناة يرفع

والمسلمون بمنظر وبمسمع

لا منكر منهم ولا متفجع (1)

__________________

(1) الأبيات للشاعر الكبير دعبل بن علي الخزاعي رحمه‌الله .


المطلب الرابع والثلاثون

في ثورة أهل الكوفة على المختار

لمّا جاء ابن زياد إلى حرب التوّابين، ووقعت واقعة وجرى ما جرى على التوابين، مكث ابن زياد في بادية الموصل، وفي ذلك الحين هلك مروان بن الحكم في مستهل شهر رمضان سنة خمس وستّين، وولّى بعده ابنه عبدالملك، فأقر ابن زياد على ما كان أبوه ولّاه، أقبل إلى الموصل وكان بها عبدالرحمن بن سعيد فكتب إلى المختار يخبره بدخول ابن زياد أرض الموصل، فندب المختار يزيد بن أنس الأسدي في ثلاثة آلاف اختارهم يزيد، وأمر المختار عبدالرحمن ابن سعيد أن خل بين يزيد وبين البلاد، فسار يزيد إلى المدائن، ثم إلى أرض الموصل، فنزل بها وبلغ خبره ابن زياد، فجز سريتين أحداهما مع ربيعة بن مخارق ثلاثة آلاف، والاخرى مع عبدالله بن حملة ثلاثة آلاف، فسبق ربيعة بن مخارق الى يزيد بن أنس فالتقيا في أرض الموصل، مما يلي الكوفة فتواقفا ويزيد ابن أنس مريض، ثم اقتتلوا هم والشاميون يوم عرفة سنة ست وستّين عند اضاءة الصبح، ففرّ الشاميون قتل أميرهم ربيعة، واحتاز جيش المختار ما في معسكرهم ورجع فرارهم، فلقوا الأمير الآخر عبدالله بن حملة فأخبروه فرجع بها وسار نحو يزيد بن أنس، فانتهى إليهم عشاءاً فبات الناس متحاجزين.

ولمّا أصبحوا يوم الأضحى من سنة ست وستّين اقتتلوا قتالاً شديداً، ثم


نزلوا فصلّوا الظهر، ثم عادوا إلى القتال، فهزم جيش المختار جيش الشام أيضاً وقتلوا أميرهم عبدالله بن حملة، واحتووا على ما في معسكرهم، وأسروا منهم ثلاثمائة أسير، فجاؤا بهم إلى يزيد بن أنس وهو بآخر رمق، فأمر بقتلهم فضربت أعناقهم، ومات يزيد بن أنس من يومه ذلك آخر النهار، وكان قد استخلف ورقاء بن عامر، فدفنه ورقاء وسقط في أيدي أصحابه وجعلوا يتسلّلون راجعين إلى الكوفة، واتّفق رأي الأمراء على الرجوع إلى الكوفة، فأرجف أهل الكوفة بالمختار، وقالوا: قتل يزيد بن أنس في المعركة وانهزم جيشه وعمّا قليل يقوم ابن زياد فيستأصلنا، وتمالؤوا على المختار وقتاله، وإخراجه من بين أظهرهم، وقالوا: هو كذّاب وانتظروا حتى خرج إبراهيم بن الأشتر فإنّه قد عيّنه المختار وأمره على سبعة آلاف للقاء عبيدالله بن زياد.

فلمّا خرج إبراهيم بن الأشتر اجتمع أشراف أهل الكوفة ممّن كان في جيش قاتلي الحسين عليه‌السلام وغيرهم في دار شبث بن ربعي (1) وكان شيخهم وكان

__________________

(1) شبث بن ربعي على مارواه ابن حجر العسقلاني في الإصابة روى الحديث عن أبيه مالكاً وإن مالك رواه عن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وذكر اليافعي في مرآة الجنان، قال سيّد نخع وفارسها وقد ناضل الأمويين بجهده حتى فتل في الواقعة بدير الجاثليق، من طسوج مسكن قريب من - أرانا - على نهر دجّيل في غربي بغداد، وقتل فيها مصعب بن الزبير وكانت سنة اثنتين وسبعين للهجرة، ولقد أحسن العلامة الشيخ محمد على الأردوبادي حيث يقول مادحاً لإبراهيم بن الأشتر رحمه‌الله :

في نجدة ثقفية يسطوا بها

في الروع من نخع هزبر ضاري

الندب إبراهيم من رضخت له

الصيد الأُباة بملتقى الآصار

من زانه شرف الهوى من سؤدد

وعلى يفوح لها إريح نجار

حشوا الدروع أخي حجي لم يحكه

هضب الرواسي الشم في المقدار

إن يحكه فالليث في حملاته

والغيث في تسكابه المدرار


جاهلياً إسلامياً وأجمعوا رأيهم على قتال المختار، ثم وثبوا فركبت كل قبيلة مع أميرها في ناحية من نواحي الكوفة، وقصدوا قصر الإمارة.

وبعث المختار قاصدا مجدّاً إلى إبراهيم بن الأشتر ليرجع إليه سريعاً، وأرسل المختار إلى اولئك يقول لهم: ماذا تنقموا مني، فإنّي اجيبكم إلى جميع ما تطلبون، وإنّما يريد أن يثبّطهم عن المناهضة، وقال: إن كنتم لا تصدقونني في أمر محمّد بن الحنفية فابعثوا من جهتكم وابعث من جهتي، ولم يزل يطاولهم حتى قدم ابراهيم بن الأشتر بعد ثلاث، فاقتسم هو وابراهيم الناس فريقتين تكفّل المختار بأهل اليمين وتكفّل إبراهيم ابن الأشتر بمضر، وعليهم شبث بن ربعي، واقتتل الناس من نواحي الكوفة قتالاً عظيماً، وكثرت القتلى بين الفريقين، وقتل جماعة من الأشراف منهم عبدالرحمن بن سعيد بن قيس الكندي وسبعمائة وثمانين رجل من قومه، وقتل من مضر بضعة عشر رجلاً في ذلك اليوم وكانت

__________________

او يحوه فقلوب آل محمّد

المصطفين السادة الأبرار

ما إن يحضّ عند اللقا في غمرة

إلّا وأرسب من سطا بغمار

أويمم الجلي بعزم ثاقب

إلّا ورد شواضها بأوار

المرتدي حلل المديج مطارفا

والممتطي ذللا بكلّ فخار

وعليه كلّ الفضل قصر كلّما

كلّ الثنا قصر على المختار

وابن عبدالبر في الإستيعاب وابن الأثير في أسد الغابة واللفظ لابن حجر قال: شبث بفتح أوّله والموحدة، ثم مثله ابن ربع التميمي اليربوعي، أبو عبدالقدوس، له أدراك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ورواية عن حذيفة وعن علي عليه‌السلام ، وقال الدار قطني: يقال إنّه كان مؤذّن سجّاع لمّا ادّعت النبوّة، ثم راجع الإسلام. وقال ابن الكلبي: كان من أصحاب علي عليه‌السلام في صفين، ثم صار مع الخوارج، ثم تاب، ثم كان فيمن قاتل الحسين بن علي عليه‌السلام . وقال الغجلي: كان أول من أعان على قتل علي بن أبي طالب، وبئس الرجل هو. وقال معمر عن أبيه عن أنس، قال: قال شبث: أنا اول من حرر الحرورية، وكان فيمن كتب إلى الحسين عليه‌السلام أمّا بعد: فقد أخضر الجناب وأينعت الثمار إلى آخره.


النصرة للمختار، وأسر خمسمائة فعرضوا عليه، فقال انظروا من كان منهم شهد مقتل الحسين عليه‌السلام فاقتلوه فقتل منهم مائتان وأربعون رجلا وقتل أصحابه مهم من كان يؤذيهم ويسيء إليهم بغير أمره، ثم أطلق من بقي منهم.

أقول: هذا أول يوم أخذ المختار فيه بثار الحسين عليه‌السلام من أهل الغدر والكفر، وبعدها أخذ يقتل كل من حضر طف كربلاء ويهدم داره. قال أرباب التاريخ: فتتبعهم حتى أكثر فيهم القتل، ولكنّنا ننتظر في الحقيقة اليوم الذي ينادي فيه المنادي: ظهر إمامكم فاتّبعوه يظهر عليه‌السلام ويأخذ بثارات أهل بيته.

متى ينجلي ليل النوى عن صبيحة

نرى الشمس فيها طالعتنا من الغرب


المطلب الخامس والثلاثون

في ما فعله المختار بقتلة الحسين عليه‌السلام

ذكر أرباب التاريخ أنّ المختار بن أبي عبيدة الثقفي، لمّا ثار عليه أهل الكوفة وحاربهم ونصره الله عليهم وقتل منهم من قتل، وأطلق من أطلق منهم، فنادى آنئذ مناديه: من أغلق بابه فهو آمن إلّا من شرك في دماء آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وتتبع المختار قتلة الحسين عليه‌السلام ، فكانوا يؤتون حتى يوقفوا بين يديه فيأمر بقتلهم أنواعا من القتلات بما يناسب ما فعلوا، ومنهم من أحرقه بالنار، ومنهم من قطع أطرافه وتركه حتى مات، ومنهم من رمى بالنبال حتى مات.

قال الراوي: وكان عمرو بن الحجاج الزبيدي ممّن شهد قتل الحسين عليه‌السلام ، فركب راحلته وهرب فلا يدري أين ذهب، وقيل: أدركه أصحاب المختار فذبحوه، لعنه الله.

قال: وهرب شمر بن ذي الجوشن، فبعث المختار في أثره غلاماً يقال له زريب، كما روى ابن كثير: قال الطبري: فقلته شمر وسار، وكتب إلى مصعب بن الزبير وهو بالبصرة يتذرع بقدومه عليه، وكان كل من فر من هذه الوقعة (وقعة الكوفة) يهرب إلى مصعب بالبصرة، وبعث شمر الكتاب مع علج آخر، وطلب


منه أن يذهب إلى سيّده، وكان أبو عمرة وهو صاحب المختار أرسله إلى قرية يقال لها الكلتانية، ليكون مسلحة بينه وبين أهل البصرة، فقصده أبو عمرة ودلّه العلج على مكانه في قرية بإزاء قريته، فلمّا كان الليل كابسه أبو عمرة وأصحابه فأعجلهم أن يلبسوا أسلحتهم، وطاعنهم شمر برمحه عريان وكان أبرص ثم دخل خيمته، واستخرج منها سيفاً، فناضل به حتى قتله أبو عمرة وألقى شلوه الى الكلاب، عليه اللعنة.

وبعث المختار إلى خولي بن يزيد الأصبحي الذي رام أن يحزّ رأس الحسين عليه‌السلام فأرعد فخرجت إليهم امرأته فسألوا عنه، فقالت: لا أدري أين هو، وأشارت بيدها إلى المكان الذي هو فيه مختب وهو بيت الخلاء، وكانت تبغضه من الليلة التي قدم بها إليها ومعه رأس الحسين عليه‌السلام واسمها (العيوف بنت مالك الحضرمي)، فدخلوا فوجدوه قد وضع على رأسه قوصرة (1) فحملوه الى المختار، فأمر بقتله قريباً من داره وأن يحرق بعد ذلك فقتلوه بجانب أهله، ثم دعا المختار بنار فحرقه، ولم يبرح المختار حتى عاد رماداً، لعنه الله، ثم انصرف إلى محلّه.

قالوا: ودلّ المختار على عبيدالله بن أسيد الجهني ومالك بن النسر (2) وحمل مالك المحاربي بالقادسية فأحضرهم فأمر بقطع يدي مالك بن النسر ورجليه وتركه يضطرب حتى مات، وقتل الآخرين.

قال الراوي: ثم أحضر زياد بن مالك الضبعي، وعمران بن خالد القشيري،

__________________

(1) القوصرة وعاء يكون من سعف النخيل للتمر.

(2) مالك بن النسر هو الذي ضرب الحسين عليه‌السلام بسيفه وكان على رأس الحسين عليه‌السلام برنساً فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسين عليه‌السلام لا أكلت بيمينك ولا شربت بها.


وعبدالرحمن بن أبي خشكارة البجلي، وعبدالله بن قيس الخولاني، وكانوا قد نهبوا الورس (1) الذي كان في خيم الحسين عليه‌السلام ، فقتلهم، عليهم لعائن الله.

واحضر عبدالله وعبدالرحمن ابني طلحة وعبدالله بن وهيب الهمداني ابن عم الأعشى فقتلهم.

وأحضر عثمان بن خالد الجهني، وأبا أسماء بشر بن شميط القابضي، وكانا مشتركين في قتل عبدالرحمن بن عقيل وسلبه، فقتلهما وحرقهما بالنار، عليهما لعنة الله.

وأمر بإحضار حكيم بن الطفيل الطائي السنبسي وكان هذا اللعين رمى الحسين عليه‌السلام بسهم وكان يقول: تعلّق سهمي بسرباله وما ضرّه، وأصاب سلب العباس بن علي عليه‌السلام ، قال الراوي: فاستغاث أهله بعدي بن حاتم، فازدحم عليه الشيعة وقتلوه قبل أن يصل الى المختار خوفاً من شفاعة عدي، فرموه بالس بن علي عليه‌السلام ، قال الراوي: فاستغاث أهله بعدي بن حاتم، فازدحم عليه الشيعة وقتلوه قبل أن يصل إلى المختار خوفاً من شفاعة عدي، فرموه بالسهام حتى صار كالقنفذ فهلك عليه اللعنة.

وبعث المختار على مرّة بن منقذ العبديى، قاتل علي بن الحسين الأكبر عليه‌السلام فأحاطوا بداره فدافع عن نفسه فضرب على يده اليسرى ونجى منهم لمّا هرب، ثم لحق بمصعب بن الزبير وقد شلت يده.

وأرسل المختار على زيد بن ورقاء الذي قتل عبدالله بن مسلم بن عقيل عليه‌السلام ، فلمّا أحاط الطلب بداره خرج يقاتلهم ودافع بالسيف عن نفسه فرموه بالنبل والحجارة حتى سقط وأحرقوه حيّاً، عليه لعنة الله.

وأرسل المختار خلف محمد بن الأشعث وكان في قرية إلى جنب

__________________

(1) الورس شيء أحمر يشبه سحيق الزعفران.


القادسية، فأرسل عليه المختار مائة رجل وأحاطوا بقصره، فخرج منه محمّد بحيث ما رآه أحد ولحق بمصعب بن الزبير، فعمد المختار إلى داره بالكوفة فهدمها.

وطلب عمرو بن صبيح الصيداني وكان يقول: إني طعنت برمحي يوم عاشوراء وجرحت وما قتلت منهم أحداً، فأحضر عند المختار وأمر به فطعن بالرماح حتى هلك، عليه اللعنة.

وتطلب سنان بن أنس الذي كان يدّعي قتل الحسين عليه‌السلام فوجدوه قد هرب الى البصرة.

وطلب آخرين من المتهمين بقتل الحسين عليه‌السلام فوجدهم قد هربوا إلى البصرة ولحقوا بمصعب بن الزبير، فامر المختار بهدم دورهم وهكذا صنع بكلّ من هرب من هؤلاء إلى البصرة والجزيرة فهدّمت داره حتى روي أنّه قتل ثمانية عشر ألفاً ممّن شرك في قتل الحسين عليه‌السلام .

وأمّا ما كان من أمر حرملة بن كاهل عليه اللعنة قاتل عبدالله الرضيع، حدّث المنهال بن عمر قال: دخلت على زين العابدين سيدي ومولاي اودّعه وأنا اُريد الأنصراف من مكة، فقال: يا منهال ما فعل حرملة بن كاهل؟ فقلت: تركته حيّاً بالكوفة، فرفع يديه جميعاً وقال: اللّهمّ أذقه حرّ الحديد، اللّهمّ أذقه حرّ النار. قال المنهال: ولمّا قدمت الكوفة والمختار بها، فركبت إليه فلقيته خارجاً من داره، فقال: يا منهال لم تشركنا في ولايتنا هذه؟ قال: فعرّفته أنّي كنت بمكة، فمشى حتى أتى الكناس ووقف كأنّه ينتظر شيئاً فلم ألبث أن جاء قوم وهم ينادون: البشرى أيها الأمير، فقد أخذ حرملة. قال: فجيء به، فقال له المختار: لعنك الله، الحمد لله الذي أمكنني منك، ثم صاح الجزار الجزار، فأُتي بجزار فأمر بقطع يديه


ورجليه، ثم قال: النار النار، فاتي بنار وقصب فأحرق، قال: فقلت: سبحان الله فالتفت إليّ المختار وقال: التسبيح حسن لم سبّحت؟ قال: فأخبرته بدخولي على زين العابدين ودعا، فنزل من دابته وصلى ركعتين وأطال السجود، ثم رفع رأسه وهو يقول: الحمدلله الذي استجاب دعاء سيدي على يدي، فقال: إنّ علي بن الحسين دعا بدعوات فأجابها الله على يدي ثم تدعوني إلى الطعام، هذا يوم صوم شكراً لله تعالى، فقلت له: أحسن الله توفيقك.

وليس يشفي غليلنا من هذا الرجس بعد ما رمى رضيع الحسين عليه‌السلام بسهم وذبحه من الوريد إلى الوريد.

هبوا أنّكم قاتلتم فقتلتم

فما ذنب أطفال تقاسي نبالها

ومذ رأته اُمّه أنشأت

تدعو بصوت يصدع الجلمدا

تقول عبدالله ما ذنبه

منفطماً آب بسهم الردى

لم يمنحوه الورد بل صيّروا

فيض وريديه له موردا


المطلب السادس والثلاثون

في مقتل عمر بن سعد عليه اللعنة

ذكر المؤرخون أنّ المختار ابن أبي عبيدة الثقفي لمّا أمكنه الله عزّ وجلّ من أهل الكوفة وأخذ بثار الحسين عليه‌السلام فقتل قاتليه والمتألبين عليه، فكان يقتل كلّ من حضر الطف وما نجا منه إلّا الذي هرب إلى البادية أو إلى البصرة ولاذ بابن الزبير، حتى ذكروا أنّ أسماء بن خارجة الفزاري كان ممّن سعى في قتل مسلم بن عقيل، فقال المختار: أما ورب الضياء والظلماء لتنزلنّ نار من السماء دهماء حمراء سخماء تحرق دار أسماء، فبلغ كلامه أسماء بن خارجة فقال: سجع أبو إسحاق، وليس ههنا مقام بعد هذا، وخرج من داره هارباً الى البادية، فبلغ المختار ذلك فهدم داره ودور بني عمه.

ويروى أنّه كان الشمر بن ذي الجوشن قد أخذ من الإبل التي كانت في رحل الحسين عليه‌السلام فنحرها وقسم لحمها على قوم من أهل الكوفة فأمر المختار فأحصوا كلّ دار دخلها من ذلك اللحم فقتل أهلها وهدمها، ولم يزل يتتبع قتلة الحسين عليه‌السلام حتى قتل خلقاً كثيراً وهدم الدور، وأنزلهم من المعاقل والحصون إلى المفاوز والصحون، حتى قتلت العبيد مواليها، وكان يسعى بمولاه فيقتله المختار.

قال الراوي: فلمّا خلا خاطره وانجلى ناضره اهتمّ بعمر بن سعد وابنه حفص، حدّث عمرو بن الهيثم قال: كنت جالساً عن يمين المختار والهيثم بن


الأسود عن يساره، فقال: والله لأقتلنّ رجلاً عظيم القدمين، غاير العينين، مشرف الحاجبين، يهمز الأرض برجليه، يرضى قتله أهل السماء والأرض، فسمع الهيثم قوله ووقع في نفسه أنّه اراد عمر بن سعد، فبعث ولده العريان فعرّفه قول المختار، وكان عبدالله بن جعدة بن هبيرة أعز الناس على المختار وقد أخذ لعمر أماناً من المختار حيث اختفى فيه وصورة الأمان هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا أمان المختار بن أبي عبيدة الثقفي لعمر بن سعد بن أبي وقاص، إنك آمن بآمان الله على نفسك وأهلك ومالك وولدك لا تؤاخذ بحدث كان منك قديماً ما سمعت وأطعت ولزمت منزلك إلّا أن تحدث حدثاً، فمن لقى عمراً من شرطة الله وشيعة آل محمد فلا يعترّضها له بسبيل خير والسلام ثم شهد فيه جماعة.

قال الباقر عليه‌السلام : إنّما قصد المختار أن يحدث حدثاً هو أن يدخل بيت الخلاء ويحدث.

فظهر عمر إلى المختار فكان يدينه ويكرمه ويجلسه معه على سريره، ولمّا تكلّم المختار بتلك الكلمات - الآنفة الذكر - علم اللعين أن قول المختار كناية عنه، فعزم على الخروج من الكوفة فأحضر رجلاً من بني تيم اللات اسمه مالك وكان شجاعاً وأعطاه أربعمائة دينار، وقال: هذه معك لحوائجنا وخرجا، فلمّا كان عند حمام عمر أو نهر عبدالرحمن وقف وقال: أتدري لم خرجت؟ قال: لا، قال: خفت المختار، فقال: ابن دومة - يعني اُم المختار - أضيق إستاً من أن يقتلك، وإن هربت هدم دارك وانتهب عيالك، وخرب ضياعك وأنت اعزّ العرب.

قال الراوي: فاغترّ عمر بن سعد بكلامه فرجعا على راحلتيهما ودخلا الكوفة مع الغداة، هذا قول المرزباني، وقال غيره: إنّ المختار علم بخروجه من الكوفة فقال: وفينا وغدر وفي عنقه سلسلة لو جهد أن ينطلق ما استطاع، فنام عمر على الناقة فرجعت به إلى الكوفة، وهو لا يدري حتى ردته إلى منزله، قال:


وأرسل عمر بن سعد ابنه حفص إلى المختار فقال له المختار: أين أبوك؟ قال: في المنزل، كان لا يجتمعان عند المختار خوفاً من فتكه، وإذا حضر أحدهما عند المختار غاب الآخر، فالتفت حفص إلى المختار وقال له: أبي يقول تفي لنا بالأمان. فقال: اجلس، فجلس عنده حفص، وطلب المختار أبا عمرة، وهو كيسان التمار، وأسرّه أن يمضي إلى عمر بن سعد ويقتله، وقال له: إذا دخلت عليه وسمعته يقول: يا غلام عليّ بطيلساني فاعلم أنه يريد السيف، فبادره واقتله، فمضى أبو عمرة، وما لبث أن جاء ومعه رأس عمر بن سعد، فقال حفص: إنّا لله وأنّا إليه راجعون، فقال له: أتعرف هذا الرأس؟ قال: نعم ولا خير في العيش بعده، فقال: لا تعيش بعده، ثم أمر بقتله فقتل واحتزّوا رأسه وجاءوا به إلى المختار فوضعه إلى جنب رأس أبيه عمر بن سعد، ثم قال المختار: رأس عمر برأس الحسين ورأس حفص برأس علي بن الحسين، لا والله لأقتلن سبعين ألفاً، كما قتل يحيى بن زكريا، ثم التفت إلى من حضر وقال: لو قتلت ثلاثة أرباع أهل الأرض لما وفوا بأنملة من أنامل الحسين عليه‌السلام .

قال أرباب السير: وجيء إليه بالعشرة الذين داسوا صدر الحسين عليه‌السلام وفي مقدمتهم الأخنس عليه اللعنة، فقالوا له: يا أمير هؤلاء رضوا جسد الحسين عليه‌السلام ، فصاح: اطرحوهم على الأرض واضربوا السكك الحديدية في ايديهم وفي أرجلهم، ففعلوا ذلك ثم أمروا جماعة من شرطته وركبوا خيولهم وجعلوا يدوسونهم بأرجلها حتى هلكوا جميعاً وقطعت أشلائهم (1) .

__________________

(1) (فائدة) روى المرزباني عن جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام أنّه قال: ما اكتحلت هاشمية ولا اختصبت ولا أدهنت ولا رؤي في دار هاشمي دخان حتى قتل عبيدالله بن زياد.=


أقول: هل يشفي قلوبنا هذا، لا والله بعد أن رضوا جسد أبي عبدالله بحوافر خيولهم، قال الأخنس: والله لقد جدّدنا نعالات خيولنا ورضضنا صدر الحسين وظهره:

يا عقّر الله تلك الخيول إذ جعلت

أعضاءه لعواديها مضاميراً

__________________

= (فائدة): عن يحيى ابن أبي راشد قال: قالت فاطمة بنت علي عليهما‌السلام : ما تحنّت امرأة منّا ولا أجالت في عينيها مروداً ولا امتشطت حتى بعث المختار إلينا برأس عبيدالله بن زياد لعنه الله.

(فائدة): كانت مدة ولاية المختار ثمانية عشر شهراً أولها أربع عشر ليلة خلت من ربيع الأول، سنة ست وستّين، وآخرها النصف من شهر رمضان من سنة سبع وستّين.


المطلب السابع والثلاثون

في مقتل عبيدالله بن زياد عليه اللعنة

قال أرباب التاريخ والسير: بعث المختار بن أبي عبيدة الثقفي إبراهيم بن الأشتر للكوفة لقتال عبيدالله بن زياد لعنه الله وأخرج معه فرسان أصحابه وأهل البصائر والتجربة، منهم، وشخص إبراهيم بن الأشتر لثمان بقين من ذي الحجة سنة ست وستّين، واستهلّت سنة سبع وستين وهو سائر لقصد بن زياد، وكان ابن زياد قد سار في معسكر عظيم من الشام، فبلغ الموصل وملكها، فالتقيا بمكان يقال له الخازر (1) بينه وبين الموصل خمس فراسخ، فبات ابن الأشتر ساهراً، فلمّا كان الفجر نهض فصلّى بأصحابه وعبّئ جيشه، وصار يحثّهم ويذكر لهم فعل ابن زياد بالحسين عليه‌السلام وأهل بيته، ثم زحف بجيشه وهو ماش في الرجالة حتى أشرف من فوق تل على جيش ابن زياد، فإذا هم لم يتحرّك منه أحد، فلمّا رأوهم نهضوا إلى خيلهم وسلاحهم مدهوشين، فركب إبراهيم بن الأشتر وجعل يقف على رايات القبائل فيحرضهم على القتال.

وأقبل ابن زياد في جيش كثيف وعلى ميمنته الحصين بن نمير وعلى

__________________

(1) قال البكري في معجم ما استعجم: خازر بفتح الزاي نهر الموصل عليه التقى إبراهيم بن مالك الأشتر من قبل المختار وعبيدالله بن زياد فقتله إبراهيم.


الميسرة عمير بن الحباب السلمي، وعلى خيل بن زياد شرجيل بن ذي الكلاع، وابن زياد في الرجّالة فما كان إلّا أن تواقف الفريقان حتى حمل الحصين بن نمير بالميمنة على ميسرة أهل الكوفة فهزمها وقتل أميرها علي بن مالك، فأخذ رايته بعده ولده محمد بن علي فقتل أيضاً، واستمرَّ - الميسرة ذاهبة فجعل ابن الاشتر يناديهم: إليّ إليّ يا شرطة الله، أنا ابن الأشتر، وكشف عن رأسه ليعرفوه، فاجتمعوا إليه ثم حملت ميمنة الكوفة على ميسرة أهل الشام فثبتوا لهم وقاتلوا بالرماح ثم بالسيوف وبالعمد ثم حمل إبراهيم بن الأشتر وحمل أصحابه حملة رجل واحد فانهزم بين يديه أصحاب ابن زياد، وهو يقتلهم كما يقتل الحملان وأتبعهم بنفسه ومن معه من الشجعان وثبت عبيدالله بن زياد في موقفه حتى اجتاز به ابن الأشتر فقتله وهو لا يعرفه.

ولمّا انهزم جيش ابن زياد عليه اللعنة قال أبراهيم ابن الأشتر لأصحابه: التمسوا في القتلى رجلاً ضربته بالسيف فنفحتني منه ريح المسك، شرقت يداه وغربت رجلاه، وهو واقف عند راية منفردة على شاطئ نهر خازر، فالتمسوه فإذا هو عبيدالله بن زياد وقد ضربه ابراهيم ابن الأشتر فقطّعه نصفين، فاحتزّوا رأسه وبعثوه إلى المختار بن أبي عبيدة إلى الكوفة، وبعث معه رؤوس قواده مع البشارة بالنصر والظفر بأهل الشام، وأحرقت جثّته وقتل من الرؤوس أيضاً شرجيل بن ذي الكلاغ والحصين بن نمير، عليهم لعائن الله.

وقال المختار رحمه‌الله فوطئ وجه ابن زياد بنعله، ثم رمى بها إلى غلامه، وقال اغسلها فإنّي وضعتها على وجه نجس كافر.

قال الراوي: وتبع أصحاب بن الأشتر المنهزمين من أهل الشام، فكان من غرق منهم في نهر الخازر أكثر ممّن قتل، وقالت الشعراء في ذلك اليوم تهجّوا ابن زياد وتذكّر الواقعة فمن قال شعراً سراقة البارقي يمدح ابن الأشتر:


أتاكم غلام من عرانين مذحج

جريء على الأعداء غير نكول

فيا ابن زياد بوء بأعظم هالك

وذق حد ماضي الشفرتين صقيل

جزى الله خيراً شرطة الله إنّهم

شفوا من عبيدالله أمس غليلي

وقال عمر بن الحباب يذم جيش ابن زياد:

ما كان جيش يجمع الخمر والزنا

محلّاً إذا لاقى العدوّ لينصرا

وقال ابن مفرغ حين قتل ابن زياد لعنه الله:

إنّ المنايا إذا ما زرن طاغية

هتكن أستار حجاب وأبواب

أقول بعداً وسحقاً عند مصرعه

لابن الخبيثة ابن الكودن (1) الكابي

لا أنت زوحمت عن ملك فتمنعه

ولا مننت إلى قوم بأسباب

قال أرباب التاريخ وأهل السير: منهم ابن سعد في الطبقات، قال: لما وصل رأس ابن زياد إلى المختار بالكوفة فجعله المختار في جونة (2) ثم بعث به إلى محمد بن الحنفية وعلي بن الحسين عليه‌السلام وسائر بني هاشم، فلما رأى عليّ بن الحسين عليه‌السلام رأس عبيدالله بن زياد ترحّم على الحسين عليه‌السلام وقال: اُتي عبيدالله بن زياد برأس الحسين عليه‌السلام وهو يتغذّى، وأتينا برأس عبيدالله ونحن نتغذّى (3) .

__________________

(1) الكودن الفرس الهجين.

(2) الجونة مغشاة أدماً، والأدم - الجلد ـ.

(3) (فائدة): عبيدالله بن زياد ولد سنة تسع وثلاثين، واُمّه كانت مرجانة مجوسية وأبوه زياد ابن أبيه، ويقال له زياد بن أبي سفيان، لأنّ معاوية أدناه إليه وقال له: أنت أخي وشهد من شهد بمحضر من معاوية أنهم رأوا أبا سفيان اجتمع بسميّة، وكان والياً على العراقين البصرة والكوفة، وكانت به جرأة وإقدام ومبادرة شأن ابن الزنا قتل الحسين عليه‌السلام وهو ابن ثمان وعشرين سنة، قال ابن قتيبة في المعارف في ترجمة زياد بن أبي سفيان أنه ابنه عبيدالله كان أرقط (يعني: فيه سواد وبياض يعني آثاراً في وجهه) أرقط جميلاً وكان زياد زوّج اُمّه مرجانة =


وروى الكشّي قال: لمّا أتى برأس عبيدالله بن زياد ورأس عمر بن سعد إلى السجاد خر ساجداً وقال: الحمدلله الذي أدرك لي ثاري من أعدائي وجزى الله المختار خيراً.

نعم أدخلوا الرأسين على السجاد وهو يتغذّى، وقال هذه المقالة، ولكن لمّا أدخلوا رأس الحسين على ابن زياد، كانت معه الاُسارى، والسجاد آنذاك مقيّد بالحديد، ومن خلفه عمّاته وأخواته مربّقات بالحبال وهنّ كما قال السيّد جعفر الحلي رحمه‌الله :

تمسّك باليسرى حشا قلبها

وتعقد باليمنى مكان الخمار

ولهانة تهتف في قومها

من شيبة الحمد وعليا نزار (1)

__________________

= من شيرويه الأسواري، ودفع إليها عبيدالله، ونشأ بالأساورة، وكانت فيه لكنة، ولى لمعاوية خراسان، ثم ولّى العراقين بعد أبيه ثمان سنين خمسة منها على البصرة فاستجار بمسعود بن عمرو الأزدي، ثم سار الى الشام فكان مع مروان بن الحكم، فلمّا ظفر مروان ردّه على العراق فلمّا قرب من الكوفة وجّه إليه المختار إبراهيم الأشتر فالتقوا بقرب الزاب، فقتل عبيدالله ولا عقب له، قال البياسي:

أقول وذاك من جزع اُوجد

أزال الله ملك بني زياد

وأبعدهم بما غدروا وخانوا

كما بعدت ثمود وقوم عاد

(1) (فائدة): روى عن الشعبي قال: لم يقتل قط من أهل الشام بعد صفين مثل هذه الوقعة.

(فائدة) اتفق أرباب التاريخ على أنّ هذه الوقعة التي وقعت بالخازر وأسفرت عن قتل ابن زياد كانت يوم العاشر من المحرم.

(فائدة) عن أبي طفيل عامر بن واثلة الكناني قال: وضعت الرؤوس عند السدة بالكوفة وعليها ثوب أبيض فكشفنا عنها الثوب فرأينا حيّة تغلغل في رأس عبيدالله بن زياد، ونصبت الرؤوس في الرحبة قال عامر: ورأيت الحية تدخل في منافذ رأسه وهو مصلوب مراراً.


المطلب الثامن والثلاثون

في تنزيه المختار عليه‌السلام

لفّق أشياع بني اُميّة وأرباب التاريخ الأقلام المأجورة وأهل الجهل والعصبية أخباراً كثيرة في ذمّ المختار بن أبي عبيدة الثقفي رحمه‌الله ، وافترى عليه من افترى منهم، ودسّوا فيه أخباراً كاذبة وقضايا مختلفة هو منها بريء وكلّما لفّقوه واختلقوه هو إزاء نضاله وبلائه دون عقيدته والأخذ بثار سيّد الشهداء ومقاومته للحكومة الأُموية لا أكثر، وكلّما ذكروه في ذمه عار من الحقيقة فما ذكروه:

أنه ادّعى النبوة وأنه يأتي إليه جبرئيل وحاشاه من هذا الإفتراء بل كان يدّعي بإمامة السجاد زين العابدين ويدعو الناس أيضاً الى امامة السجاد، فلو كان يدعي الوحي لما كان يدعو الناس أولا إذلى إمامة محمد بن الحنفية، ثم لما ظهر له الحق وانجلى عنه غسق الريب صار يدعوا الى إمامة السجاد، وهو الذي أرسل للسجاد عليه‌السلام مالاً كثيراً وأرسل أيضاً حورية اُم زيد بن علي بن الحسين عليهما‌السلام .

ومنها: أنهم ذكروا أنه أرسل إلى السجاد عليه‌السلام بمائة ألف درهم، وكره السجاد أن يقبلها منه، يجوز أنّ الإمام عليه‌السلام لمّا ورد عليه المال من المختار ولم يقبله كان خوفه من السلطة الجائرة من حكومة عبدالملك بن مروان، فاتّقى الإمام في ذلك.

ومنها: قالوا: إنّ الإمام علي بن الحسين عليه‌السلام لعنه وهذا صريح على الإمام غير معقول في مذهبنا هذا وكيف يلعن الإمام شخصاً مسلماً موحّداً يقول بنبوّة


محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويعترف بالبعث والنشر، وقد جاءت الرواية عن أبي سدير عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام : لا تسبوا المختار، فإنّه قتل قتلتنا وطلب بثارنا، وزوّج أراملنا، وقسّم المال فينا على العسرة، وروي مثله عن عبدالله بن شريك، قال: دخلنا على أبي جعفر عليه‌السلام يوم النحر، وهو متّكئ، وقد أرسل الى الحلّاق فقعدت بين يديه إذ دخل شيخ من أهل الكوفة فتناول يده ليقبلها فمنعه، ثم قال: أنا أبو محمّد الحكم ابن المختار بن أبي عبيدة، وكان متباعداً عن أبي جعفر، فمدّ يده إلى حتى كاد يقعده في حجره بعد منع يده، ثم قال: أصلحك الله إنّ الناس قد أكثروا في أبي، وقالوا والقول والله قولك، قال: وأي شيء يقولون؟ قال: يقولون كذاب ولا تأمرني بشيء إلا قبلته. فقال عليه‌السلام : سبحان الله، (أخبرني أبي والله أن مهر امي كان مما بعث به المختار، أو لم يبن دورنا، وقتل قاتلنا، وطلب بدمائنا، رحم الله أباك رحم الله أباك، ما ترك لنا حقّاً عند أحد إلّا طلبه، قتل قتلتنا وطلب بدمائنا).

فهذه الروايات كلّها واردة في حقه والرحمة عليه، معناه رضى الأئمّة عليه، ورضى الأئمّة رضى الله تعالى، أضف إلى ذلك ما رواه الأصبغ بن نباتة، قال: رأيت المختار على فخذ أمير المؤمنين عليه‌السلام وهو يمسح على رأسه ويقول: «يا كيس يا كيس (1) » ونحن نعتقد بأنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام يعلم مآل المختار وعاقبة

__________________

(1) ذهب بعض الناس إلى تسمية المختار بكيسان، حيث إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال له: يا كيس، هذا قول وقيل: هذه النسبة التي لحقت بالمختار من صاحب شرطته، حيث كان اسمه كيسان، سمّي باسم كيسان، مولى علي بن أبي طالب المكنى بإبي عمرة، وهو الذي كان يدله على قتلة الحسين عليه‌السلام وكان صاحب سرّه الغالب على أمره، وكان لا يبلغه شيء عن رجل من أعداء الحسين عليه‌السلام في دار أو موضع إلّا قصده وهدهم داره بأسرها، وقتل كلّ من فيها من ذي روح، وكان أهل الكوفة يضربون به المثل، فإذا افتقد منهم أحد قالوا: دخل بيته أبو عمرة، يعنون بذلك كيسان صاحب المختار بن أبي عبيدة الثقفي رحمه‌الله .


أمره، فلو كان ذلك كما ذكروا لما أجلسه أمير المؤمنين عليه‌السلام في حجره ومسح على رأسه، ولما قال هذه المقالة وتلطّف معه، وعلي أمير المؤمنين عليه‌السلام لا يخفي عليه أمر المختار، ودعاء ابن الحنفية له أيضاً يوضح لنا حبّه له، وحبّ محمّد له من حبّ الأئمة عليهم‌السلام ، وذلك لمّا أرسل الرؤوس الى السجاد عليه‌السلام ونظر إليها محمد بن الحنفية خر ساجداً ودعى للمختار وقال: جزاه الله خير الجزاء فقد أدرك ثارنا ووجب حقّه على كلّ من ولده عبدالمطّلب بن هاشم.

نعم شفى قلوب أهل البيت بأخذه الثار من أعدائهم وشفى غليله من أعدائهم وكان يأخذ بثارهم ويقتل أعدائهم فكان يقتلهم وهو يبكي كل ذلك حزناً على أبي عبدالله الحسين عليه‌السلام .


المطلب التاسع والثلاثون

في فضل الكوفة والأخبار الواردة فيها

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام من خطبة له: (كأنّي يا كوفة تمدّين مدّ الأديم العكاظي (1) وتركبين بالزلازل، وتعركين بالنوازل، وإنّي اعلم أنّه ما أراد بك جبار سوءاً إلّا ابتلاه الله بشاغل، أو رماه بقاتل).

قال ابن أبي الحديد: قد جاء في فضل الكوفة عن أهل البيت عليهم‌السلام شيء كثير نحو قوله عليه‌السلام : (نعمت المدرّة).

وقوله عليه‌السلام : (إنّه يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفاً وجوههم على صورة القمر).

وقوله عليه‌السلام : (هذه مدينتنا ومحلتنا ومقر شيعتنا).

وقول الصادق عليه‌السلام : (اللّهمّ أرم من رماها وعاد من عاداها).

وقوله: (تربة تحبّنا ونحبّها).

وأمّا ما همّ به الملوك وأرباب السلطان والجبابرة فيها من السوء ودفاع الله

__________________

(1) الأديم هو الجلد الذي يعمل جيّداً ويجلب إلى سوق عكاظ ويباع هناك، وسوق عكاظ: من قديم الأزمان كان يقام سوق بمكة في أيام الموسم مثل ما كان يقام بالبصرة سوق المربد وبالقطيف اليوم سوق الأربعاء وفي البحرين سوق الخميس.


عنها فكثير، قال المنصور للإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه‌السلام : إنّي هممت أن أبعث إلى الكوفة من ينقض منازلها ويجمر نخلها ويستصفي أموالها ويقتل أهل الربية منها فأشر عَلَيَّ، فقال: (يا أمير المؤمنين إنّ المرء ليقتدي بسلفه ولك أسلاف ثلاثة، سليمان اعطى فشكر، وأيّوب ابتلى فصبر، ويوسف قهر فغغر، فاقتد بأيهم شئت) فصمت قليلاً ثم قال قد غفرت.

ويروى: أنّ زياد بن أبيه لمّا حصبه أهل الكوفة وهو يخطب على المنبر قطع أيدي ثمانين منهم وهمّ أن يخرب دورهم ويجمر نخيلهم ثم جمعهم حتى ملأ بهم المسجد والرحبة ليعرض عليهم البراءة من علي بن أبي طالب عليه‌السلام وعلم أنهم سيمتنعون فيحتج بذلك على استأصالهم وإخراب بلدهم، فقال عبدالرحمن بن السائب الأنصاري: فإنّي مع نفر من قومي والناس يومئذ في أمر عظيم إذ هومت تهويمة، فرأيت شيئاً أقبل طويل العنق، له عنق مثل عنق البعير، أهدر أهدل فقلت: من أنت؟ فقال: أنا النقاد ذوالرقبة بعثت الى صاحب هذا القصر، قال: فاستيقظت فزعاً فقلت لأصحابي: هل رأيتم مثل ما رأيت؟ قالوا: لا، فأخبرتهم، قال: ثم خرج علينا خارج من القصر فقالوا، انصرفوا فإنّ الأمير يقول لكم إنّي عنكم اليوم مشغول وإذا بالطاعون قد ضربه فكان يقول: إنّي أجد في النصف من جسدي حر النار حتى هلك، فقال عبدالرحمن بن السائب:

ما كان منتهياً عمّا أراد بنا

حتى تناوله النقّاد ذو الرقبه

فأثبت الشقّ منه ضربة عظمت

كما تناول ظلما حاجب الرحبه (1)

هذا من الجبابرة الذين ابتلاهم الله بشاغل، ومن الجبابرة هذا الحجاج بن

__________________

(1) يريد بصاحب الرحبة أمير المؤمنين عليه‌السلام على ما ذكره شيخنا العلامة الشيخ عبدالواحد المظفري أيده الله في كتابه الأمالي المنتخبة.


يوسف الثقفي، فإنّه تولدت في بطنه الحيات واحترق دبره حتى هلك.

ومنهم عمر بن هبيرة وابنه يوسف رميا بالبرص.

ومنهم خالد القسري ضرب وحبس حتى مات جوعاً.

وممّن رمي بقاتل عبيدالله بن زياد ومصعب بن الزبير ويزيد بن المهلّب.

فالكوفة أفاضت الأخبار في فضلها وأنّ البلاء مدفوع عنها، وفي البحار عن الرضا عن آبائه عليهم‌السلام قال: (ذكر علي عليه‌السلام الكوفة فقال: يدفع البلاء عنها كما يدفع عن أخبية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ). وعن إبن نباتة قال: بينا نحن ذات يوم حول أميرالمؤمنين عليه‌السلام في مسجد الكوفة إذ قال: (يا أهل الكوفة لقد حباكم الله عزّوجلّ بما لم يحب به أحد، ففضل ملّاكم وهو بيت آدم وبيت نوح وبيت إدريس ومصلّى إبراهيم الخليل ومصلى أخي الخضر ومصلّاي، وإن مسجدكم هذا أحد المساجد الأربعة التي اختارها الله عزّوجلّ لأهلها، وكأنّي به يوم القيامة في ثوبين أبيض شبيه بالمحرم، يشفع لأهله ولمن صلّى فيه فلا ترد شفاعته، ولا تذهب الأيام حتى ينصب الحجر الأسود فيه (1) وليأتينّ زمان يكون مصلّى المهدي من ولدي ومصلّى كلّ مؤمن ولا يبقى مؤمن إلّا كان به أو حنّ قلبه إليه، فلا تهجروه وتقربوا إلى الله عزّوجلّ بالصلاة فيه

__________________

(1) وهذه من مغيّباته عليه‌السلام أشار إلى القرامطة ورئيسهم أبو طاهر سليمان بن الحسن القرمطي بعد أن أظهروا أمرهم بالبحرين سنة مائتين وثمانية وخمسين هجرية، ودخلوا مكة يوم الإثنين لسبع خلون من ذي الحجة سنة ثلاثمائة وسبعة عشر، في سبعمائة رجل فخرج إليهم والي مكة في جماعة من الأشراف فقتلهم القرامطة جميعاً ودخوا المسجد بخيلوهم وسلاحهم ووضعوا السيف في الطائفين والمصلّين والمحرمين إلى أن قتلوا في المسجد وشعاب مكة زهاء ثلاثين ألف إنسان، ركض ابو طاهر بفرسه في المسجد وسيفه مشهور بيده وأمر بالقتلى ورموهم في بئر زمزم وبقية الآبار وأقام بمكة أحد عشر يوماً ينهب ويقتل ثم اقتلع الحجر وأخذه معه وجاء به إلى الكوفة كما أخبر أمير المؤمنين عليه‌السلام من قبل.


وارغبوا إليه في قضاء حوائجكم، فلو يعلم الناس ما فيه من البركة لأتوه من أقطار الأرض ولو حبوا على الثلج).

وقال المؤلف سامحه الله في فضل مسجد الكوفة:

كوفان ما أسما وأعلى مسجداً

بك من أتاه مؤمّلاً لا يحرم

لله من بيت تعالى رفعة

فله على سمك الضراح تقدّم

بيت أتاه آدم من غابرا

لازمان حيث بفضله هو أعلم

بيت له روح الأمين وأحمد

وجميع رسل الله قد ما يممّوا

وأتاه شيخ المرسلين مصلياً

فيه وكل للإله يعظم

ولكم به كان الامام المرتضى

يقضي بحكم الله لما يحكم

فكأنه فلك لرفعت شأنه

وكأنما هذي المحارب أنجم

وكأن جل الأنبياء برحبه

قاموا الى فرض الصلاة وأحرموا

وعلي في محرابه متقدم

إن الإمام الى الصلاة يقدّم

وروي بحذف الأسناد عن اُسامة عن أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام قال: سمعته يقول: (الكوفة روضة من رياض الجنة فيها قبر آدم ونوح وإبراهيم وقبور ثلاثمائة وسبعين نبياً وستّمائة وصي، وقبر سيدالأوصياء علي أمير المؤمنين عليه‌السلام ).

وجاء إليه رجل قال له: سيّدي إنّي قد ضربت على كلّ شيء لي ذهباً وفضّة وبعت ضياعي فقلت: أنزل مكة. فقال عليه‌السلام : (لا تفعل فإنّ أهل مكة يكفرون بالله جهرة). قال: أنزل بالمدينة؟ قال: (هم شرّ منهم). قال: فأين أنزل؟ قال: (عليك بالعراق الكوفة فإنّ البركة منها على إثني عشر ميلاً هكذا وهكذا، والى جنبها قبر ما أتاه مكروب قطّ إلّا وكشف الله كربه ولا ملهوف إلّا وفرج الله عنه وهو قبر أمير المؤمنين عليه‌السلام ).

وقال: (حرمت النار على قدم تغبّرت في زيارة جدي أمير المؤمنين عليه‌السلام


بلى والله قبره حمى لجواره، قال الشاعر:

بقبرك لذنا والقبور كثيرة

ولكن من يحمي الجوار قليل

وقال الآخر:

إذا مت فادفنّي مجاور حيدر

أبي شبّر ومولى الورى وشبير

فعار على حامي الحمى وهو بالحمى

إذا ظلّ في البيدا عقال بعير

ولست أخاف النار عند جواره

ولا أختشي من منكر ونكير

نعم، هو حامي الجار يحمي جواره، ولذا سكينة قالت لحميد بن مسلم، إنّ لنا قبراً في بالنجف واريد الرواح إلى جدّي أمير المؤمنين عليه‌السلام فأشكوا إليه ما جرى علينا من أهل الكوفة.


المطلب الأربعون

في ما فعله السفّاح ببني أُمية

ذكر أرباب التاريخ وأهل السير: أنّه لمّا انهار كيان الدولة الأُموية وانهدم عرش جورهم على يد أبي مسلم الخراساني والمسوّدة، تربّع على كرسي الخلافة ابو السفاح (1) ، خافته الملوك والتجأت إليه الأُمم، وتشتت بنو أمية شرقاً وغرباً خوفاً من سطوته والفتك بهم.

قال أرباب التاريخ: ولمّا استتب له الأمر كتب إليه جماعة من الأمويين يطلبون منه الأمان ويسألونه التعطف والإحسان، وأنّه لا يؤاخذهم بما كان، وأن يجعلهم أهل بطانته، فأجابهم: أنه غير غني عنهم، وإنّه يحتاج الى خدمتهم، وضمن لهم الأموال والعطايا والأقطاع، واجتمع إليه الكبير والصغير من آل أبي سفيان واعقاب يزيد وآل زياد، فقربهم إليه، وجعل منهم أمراء وحجّاب وندماء ووكلاء حتى اختلفت فيه الأقوال، فمن قائل يقول: إنه عمل هذا سياسة منه،

__________________

(1) هو أبو العباس السفاح عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب، ولد في مستهلّ رجب سنة أربع ومائة، وبويع له بالكوفة يوم الجمعة لثلاث عشر ليلة خلت من ربيع الآخر، سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وكانت خلافته أربع سنين وثمانية أشهر، واُمّه ريطة بنت عبيدالله بن عبدالله بن عبدالمدان، توفي بالأنبار لثلاث عشر ليلة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وصلى عليه عمّه عيسى بن علي.


ومنهم من يقول: كيف صار يقرب أعداءه وقتلة آبائه.

قال أبو الحسن: فبينما السفاح ذات يوم جالس وحوله بنو أُمية عليهم الدروع المطرزة والعمائم الملوّنة، وقد تقلدوا بالسيوف المذهبة المحلّاة بالأحجار الكريمة إذ دخل عليه بعض حجابه وهو مذعور، فقال له: يا أمير المؤمنين إنّ على الباب رجل ذميم المنظر عظيم المخبر شاحب اللون رثّ الأطمار يريد الدخول عليك، فقلت له: امض واغسل بدنك وثيابك وتطيّب حتى أستأذن لك منه، فتدخّل عليه فنظر إلى شزراً، وقال: إني آليت أن لا أنزع ثوباً ولا أستعمل طيباً ولا ألذّ بعيش حتى أصل إلى أمير المؤمنين وها هو على الباب منتظر ردّ الجواب. قال: ولمّا سمع السفاح ذلك، قال: صاحبنا وعبدنا سديف (1) وربّ الكعبة أذنا له فليدخل.

قال الراوي: ولمّا دخل سديف وسلم على السفاح وأنشأ يقول:

أصبح الملك ثابت الأساس

بالبهاليل من بني العباس

طلبوا وتر هاشم فشفوها

بعد ميل من الزمان وباس

__________________

(1) سديف كان عبداً لبني هاشم، وكان فصيح اللسان، قوي الجنان، وكان يخرج في موسم الحج الى بيت الله الحرام، ويصعد على ذروة من الأرض ينادي: أيها الناس، فيجتمع إليه الناس، ويبسط لسانه بمدح بني هاشم ويهجو بني اُمية ويصغر ملكهم ويحرّض الناس عليهم، ليخلعوا الخلافة منهم ويجعلوها في بني هاشم الذي جعلها الله فيهم، وهم آل بيت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتى أنّه جاء في موسم الحج وصعد زمزم وصاح برفيع صوته: يا أهل الأرض، ويا أهل الأبطح والصفا وباب مكة والكعبة العليا، فدونكم فاسمعوا، والله على ما أقول وكيل، فتكلّم في بني امية ما استطاع، فقام إليه جماعة من بني أمية، وضربوه ضرباً موجعا حتى غشي عليه حتى ظنوا انّه مات، قال الراوي: فجاءت امرأة فسقته شراباً بعد أن أفاق، وجعلت تمرضه حتى برئ وخرج من مكّة الى الشعاب ورؤوس الجبال مثله في بحار الأنوار جلد العاشر منه.


قال أرباب السير: ويقال أنّ سديف لمّا دخل على السفاح وأنشأ يقول شعراً:

لا يغرنك ما ترى من رجال

إنّ بين الضلوع داءاً دويّا

فضع السيف وارفع الصوت حتى

لا ترى فوق ظهرها أمويّا

فقال له السفاح: يا سديف أهلاً بطلعتك ومرحباً برؤيتك، قدمت خير مقدم، وغنمت خير مغنم، فلك الإكرام والإنعام، وأمّا أنت ماله من الأعداء فالصفح أجمل، فإن أكرم الناس من عفا إذا قدر، وصفح إذا ظفر، ثم نادى: يا غلام عليَّ بتخت من الثياب وكيس من الورق (1) فأتاه بذلك، فقال الصفاح: يا سديف خذ هذه الثياب وغير ثيابك، واصلح بهذه الدنانير حالك، وعد إلينا في غد انشاءالله، فلك عندنا ما تحب وترضى.

قال الراوي: فعند ذلك خرج سديف من عند السفاح وأخذ بنو أُمية يحدّث بعضهم فالتفت إليهم السفاح، وقال لهم: يا بني امية لا يكبرن عليكم ما سمعتم من هذا العبد، وليس له رأي سديد ولا ينبغي أن نأخذ بأقواله، وإنّما قال لهم هذا ليرفع ما وقع في نفوسهم من الهلع والجزع.

قال الراوي: ولمّا كان غداة غد بكر إليه بنو أُمية على عادتهم فدخلوا وسلّموا عليه فردّ عليهم‌السلام ، وقرّب مراتبهم ورفع مجالسهم ففرحوا لذلك فرحاً شديداً وأخذ يحدّثهم ويلاطفهم، فبينا هو كذلك إذ دخل عليهم سديف، وقد غيّر ثيابه، فسلم على السفاح، فأشار السفاح إليه بيده وقال: نعم صباحك وبان فلاحك وظهر نجاحك، كشف الله بك رواكد الهموم وفداك أبي لأنّك آخذ بالثار وكاشف عن قومك وخيمة العار، وحاشاك أن تكون من الغافلين عن ثار قبيلتك فأغضب لعشيرتك يابن الرؤساء من هاشم، والسراة من بني عبد مناف.

__________________

(1) الورق الدراهم المضروبة جمعها أوراق ووراق.


قال الراوي: فلمّا سمع السفاح كلامه أطرق برأسه إلى الأرض، ثم رفع رأسه وقال له: يا سديف أحلم الناس من صفح عمّن ثلمه، وصان عرضه عمّن ظلمه، فلك عندنا افضل الكرامة والجزاء، فانصرف يا سديف، ولا تعد الى مثلها أبداً، فخرج سديف من عنده، والتفت السفاح إلى بني اُمية، وقال لهم: إنّي اعلم أنّ كلام هذا العبد قد أرجفكم، وقد أثر في قلوبكم، فلا تعبئوا بكلامه فإنّي لكم كما تحبّون وفوق ما تأملون، وسأزيد لكم العطاء وأقرب لكم الجزاء، وأقدّمكم على غيركم، فخرجوا من عنده وقد سكن ما بهم واجتمعوا للمشورة فيما بينهم، قال قائل منهم: هلمّوا بنا حتى ندخل على السفاح ونسأله ان يسلّم إلينا هذا العبد فنقتله، وامتنع الآخرون من هذا القول.

ولمّا أن أمسى المساء أرسل السفاح خلف سديف فأحضره عنده، فلمّا دخل عليه سديف قال له: ويلك يا سديف إنّك لعجول في أمرك، مفش لسرّك، ألا تستعمل الكتمان. فقال سديف: الكتمان قد قتلني، والتحمّل قد أمرضني، والنظر الى هؤلاء الظلمة قد أسقمني، ولكن يخفى عليك أمري وما حل بي وبأهلك وعشيرتك من قتل الرجال وذبح الأطفال وهتك النسوان حمل حريم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على الأقتاب بغير غطاء ولا وطاء يطاف بهم البلدان، فأيّ عين ترقا مدامعها وأيّ قلب لا ينفجع عليهم، فاستوف لهم الدماء، واضرب بحسامك العدا، وخذ بالثار من الظلمة لأئمّة الهدى ومصابيح الدجى وسادة الأحرار، ثم أنشأ يقول:

رجالكم قتلوا من غير ذي سبب

واهلكم هتكوا جهراً على البدن

بلى والله لقد قتلوا أبناء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأحفاده وأسروا كرائمه على عجف النياق بلا غطاء ولا وطاء.

رجالهم صرعى وأسر نساؤهم

وأطفالهم في السبي تشكوا حبالها


المطلب الحادي والأربعون

في بقية قضية السفاح وما فعله ببني أمية

ذكر المؤرخون وأهل السير: أنّ السفاح لمّا أراد أن يطهّر الأرض من الأرجاس ويقضي على بني أُمية ويستأصل شأفتهم، دعا سديفاً ليلة من الليالي وقال له: يا سديف، قد بلغ الكتاب أجله، وقرب ما كنت تؤمله، نم ليلتك قرير العين، وآتني غداة غداً اعطيك أملك وأبلغك رجاءك.

قال الراوي: فبات سديف تلك الليلة يدعو ربه ويسأله إتمام ما وعده به السفاح، قال: وأصبح السفاح وكان ذلك اليوم يوم النيروز، أمر مناديه فنادى: أن أمير المؤمنين أباالعباس السفاح قد بسط الإنطاع وصبّ عليه خزائنه، وقال: اليوم يوم عطاء وجزاء وجوائز ومواهب وضربت الطبول ونشرت الرايات، وقد زيّن قصر الخليفة ونصب كرسي الخلافة في وسطه وأمر السفاح بالإنطلاع فبسطت بين يديه وصبّ عليها الدنانير والدراهم والأسورة ومناطق الذهب والفضة، ثم دعا بأربعمائة من غلمانه من أشدّهم وأشجعهم وأعطاهم السيوف المذهّبة وقال لهم: كونوا في الأخبيئة والمخادع واسلبوا عليكم الستور وكونوا على استعداد من أمركم، فإذا رأيتموني ضربت بقلنسوتي الأرض فاخرجوا من المخادع وضعوا السيوف في رقاب الحاضرين وكلّ من ترونه ولو كان من بني عمّي.

قال الراوي: ولما تعالى النهار وجلس السفاح على سرير الخلافة، أقبلت


إليه الناس في الزينة والبهجة الحسنة للسلام عليه والعطاء، وأقبل بنو أُمية يرفلون بالحلل السندسية يجرّون أرديتهم زرافات ووحدانا حتى تكاملوا سبعين ألفاً من أمية وآل أبي معيط ومن يمت بهم وحاشيتهم، قال: فعند ذلك صعد السفاح إلى أعلى محل في قصره وهو متقلد بسيفه، والتفت إلى بني أُمية وقال: هذا اليوم الذي كنت أعدكم فيه للجزاء والعطاء، فبمن يكون البداء بالعطاء للأمويين أم للهاشميين؟ فقال كلّهم: يا خليفة رسول الله إنّ بني هاشم هم سادات العرب، فلا يتقدّم عليهم أحد ولن يقدّم العبد على سيده.

قال: فصاح السفاح بعبد له كان عن يمينه وكان فصيح اللسان: نادي ببني هاشم واحداً بعد واحد حتى نجزل لهم العطاء ونحسن لهم الجوائز، فنادى الغلام برفيع صوته: أين عبيدة بن الحارث بن عبدالمطلب بن هاشم هلمّ إلينا واقبض عطاءك، فقام سديف قال: وأين عبيدة بن الحارث؟ قال: وما فعل به؟ قال: قتله شيخ من هؤلاء يقال له عتبة بن ربيعة. فقال السفاح: يا غلام اضرب على اسمه وإتنا بغيره.

فنادى الغلام: أين أسد الله وأسد رسوله الحمزة بن عبدالمطلّب بن هاشم ابن عبد مناف، هلم علينا واقبض عطاءك. فقال سديف: وأين حمزة؟ قال: وما فعل به؟ قال: قتلته امرأة من هؤلاء القوم يقال لها هند بنت عتبة في احد وأقبلت بعد القتل ومثلث به فشقت جوفه وأخذت كبده لتأكلها فحوله الله حجراً في فمها فسمّيت آكلة الأكباد، ثم قطعت أصابعه وجعلتها قلادة في عنقها وجدعت أنفه وقطعت مذاكيره. فقال السفاح: يا غلام اضرب على اسمه، وائتنا بغيره.

فنادى الغلام: أين أوّل الناس إسلاماً وأفضل الوصيين ويعسوب الدين وأمير المؤمنين أين علي بن أبي طالب هلمّ إلينا واقبض عطاءك. فقال سديف: يا مولاي وأين علي بن أبي طالب، لقد قتله المرادي عبدالرحمن بن ملجم لعنه الله


وزيّن معاوية بن أبي سفيان الشام فرحاً لقتله. فقال السفاح: يا غلام اضرب على اسمه وأتنا بغيره.

فنادى الغلام: أين ابن بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيّد شباب أهل الجنّة الحسن ابن علي هلمّ إلينا واقبض عطاءك. وقال: يا مولاي وأين الحسن بن علي؟ قال السفاح: وما فعل به؟ قال: قتلته جعدة بنت الأشعث بسمّ دسّه معاوية إليه من الشام، فقال: يا غلام اضرب على اسمه وأتنا بغيره.

فنادى الغلام: أين مسلم بن عقيل بن أبي طالب هلمّ إلينا واقبض عطاءك. فقال سديف: يا مولاي وأين مسلم بن عقيل؟ قال: وما فعل به؟ قال: قتله هؤلاء القوم فأخذه عبيدالله بن زياد لعنه الله فقتله ورمي بجسده من اعلى القصر إلى الأرض وربطوا الحبال في رجليه وجعلوا يسحبونه بالأسواق. فقال السفاح: يا غلام اضرب على اسمه واتنا بغيره.

فنادى الغلام: أين ابن بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيّد شباب أهل الجنّة الحسين بن علي بن أبي طالب، هلمّ إلينا واقبض عطاءك، فبكى سديف وصرخ: وا حسينا ونادى: يا مولاي وأين الحسين؟ فقال السفاح: وما فعل بولد رسول الله؟ قال: قتله أمير هؤلاء الذين هم جالسون حولك وهم على كرسي الذهب والفضّة، قتله بأرض كربلاء عطشاناً وأخذوا رأسه على رمح طويل من كربلاء إلى الكوفة ومن الكوفة إلى الشام إلى يزيد بن معاوية. فقال السفاح: يا غلام اضرب على اسمه واتنا بغيره.

فنادى الغلام: وأين العباس بن علي هلمّ إلينا واقبض عطاءك. فقال سديف: يا أمير المؤمنين وأين العباس بن علي. قال: وما فعل به؟ قال: قتله هؤلاء في كربلاء بعد أن قطعوا يمينه وشماله وضربوا رأسه بعمود من حديد. فقال السفاح: يا غلام اضرب على اسمه واتنا بغيره.


فقال الغلام: أين زيد بن علي بن الحسين هلمّ إلينا واقبض عطاءك. فقال سديف: وأين زيد بن علي بن الحسين؟ فقال السفاح: وما فعل به؟ قال: قتله هشام بن عبدالملك وصلبه في كناسة الكوفة وبقي مصلوباً أربع سنين حتى عشعشت الفاختة في جوفه، ثم أنزلوه بعد ذلك وأحرقوه وسحقوا عظامه المحترقة وذروها في الهواء، ثم قتلوا ولده من بعده. فقال السفاح: يا غلام اضرب على اسمه وأتنا بغيره.

فنادى الغلام: أين إبراهيم بن علي بن عبدالله بن العباس هلمّ إلينا واقبض عطاءك، فسكت سديف، فقال السفاح: ويلك يا سديف سكَتّ عن الجواب؟ قال: يا أمير المؤمنين إني استحي أن اخبرك بما فعل هؤلاء القوم بأخيك. فقال السفاح: سألتك بالله اما أخبرتني ما فعل بأخي. فقال: يا أمير المؤمنين قبضه رجل من هؤلاء القوم يقال له مروان، وأدخل رأسه في جراب بقرة وركّب في أسفله كور الحدادين وأمر النافخ ينفخ والجلاد يجلد حتى ضربه عشرة آلاف سوط في ثلاثة أيام، فبكى وصاح صيحة واحدة وأخذ قلنسوته فضرب به الأرض ونادى: يا لثارات بني عبدالمطللب يا لثارات الحسين عليه‌السلام .

فخرج الغلمان من الأخبية والمخادع بأيديهم السيوف وجعلوا يضربون رقابهم، فكان بنو أمية كلّما انحازوا إلى جانب تلقتهم الغلمان من ذلك الجانب بضرب السيوف، فما كانت إلا ساعة حتى أتوا على آخرهم، وقد كان خدّامهم وعبيدهم حول القصر يحفضون لهم خيولهم وينتظرون خروجهم، وإذا هم يرون الدماء تسيل من كلّ ميزاب كأنّها السيل، فركب كلّ منهم جواد مولاه وهرب على وجهه.

قال الراوي: وأمر عند ذلك السفاح بالأشلاء فجمعت مثل المسبطة وفرشت فوقهم الأنطاع وجلس عليها السفاح وسديف وجماعة من بني هاشم،


ووجوه العباسيين، ثم أمر السفاح بالموائد فصبّت وقدموا الطعام، فأكل السفاح وقومه وسديف معهم.

قال: والتفت السفاح إلى سديف وقال له: يا سديف هل برد غليلك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أكلت أكلة أطيب من هذا اليوم ثم أنشأ سديف قائلاً:

الا مبلغ ساداة هاشم معشري

وجمع قريش والقبائل من فهري

وسادات مخزوم وأبناء غالب

قريباً من النور المغيب في القبر

ومن كان منهم في المدينة ثاوياً

وسكّان بيت الله والركن والحجر

ومن كان منهم في الغريين ثاوياً

وذلك علي صاحب النهي والأمر

ومن سكن الطف المعظم قدره

حسين الرضي المدفون بالبلد القفر

بأنّ سديفاً قد شفى الله قلبه

بسمر رماح ثم مرهفه بتر

وأنّ أبا العباس ثار لثارهم

فلم يبق موتوراً يطالب بالوتر (1)

وإنّ فعل أبوالعباس ما فعل ببني اُمية وقتل ما قتل منهم لم يبلغ معشار ما فعلوا بنو اُمية بأهل البيت فإنّهم:

أبادوهم قتلاً وسمّاً ومثلة

كأنّ رسول الله ليس لهم أب

كأنّ رسول الله من حكم شرعه

على آله أن يقتلوا أو يصلّبوا

__________________

(1) (فائدة): يروى مرسلاً أنّ السفاح قد فتك ببني أمية مرتين، ففي المرّة الاُولى كان على ما ذكرنا من قضيّة سديف، فبهذه الكيفية قتلهم، وأمّا المرّة الثانية فإنّه بنى لهم قصراً وجعل اُسس ذلك القصر من الملح، حتى إذا اكمل القصر دعاهم إليه فلما اجتمعوا فيه سلط عليهم الماء فأخذ جميع جهاته إلى أن ذاب الملح وانهدم عليهم القصر فهلكوا عن آخرهم.


المطلب الثاني والأربعون

في مقتل زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام

قال أبو الفرج الأصبهاني (1) : اشترى المختار بن أبي عبيدة الثقفي جارية بثلاثين ألف دينار، فقال لها: ادبري فأدبرت، ثم قال لها: اقبلي فأقبلت، فقال لها: والله ما أرى أحد احق بها من علي بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام ، فأرسها إليه وهي اُمّ زيد المصلوب.

وعن الصادق عليه‌السلام قال: (قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً للحسين: يخرج من يخرج من صلبك فتى يقال له زيد يتخطّا هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس ثم يدخلون الجنّة بغير حساب).

وقال علي بن الحسين عليه‌السلام لرجل من محبّيه: (بينا أنا ذات ليلة اُصلّي إذ ذهب بي النوم فرأيت نفسي كأنّي في الجنّة وكأن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلياً وفاطمة والحسن والحسين قد زوجوني جارية من الحور العين، فواقعتها ثم اغتسلت عند سدرة المنتهى وإذا بهاتف يهتف بي: ليهنّك بزيد ليهنّك بزيد، قال: ثم استيقضت من منامي فقمت وصلّيت صلاة الفجر، فلمّا فرغت وإذا بالباب تطرق، ففتحتها، وإذا برجل ومعه جارية وهي متجلبة بجلبابها، فسلّم عَلَيَّ وقال لي: أنا رسول

__________________

(1) في ص 124 من كتابه مقاتل الطالبين.


المختار إليك وهو يقرؤك السلام ويقول: وقعت هذه الجارية عندنا فاشتريتها وأحببت أن أهديها لكم، ثم أمرت الجارية فدخلت إلى الحرم وجلست مع نسائنا وانصرف ذلك الرجل، فأقبل عليها الإمام وقال لها: ما اسمك؟ قالت: حوراء، فعقد عليها وتزوجها فأولدها زيداً).

وقال بن قولويه: روى بعض أصحابنا قال: كنت عند علي بن الحسين عليه‌السلام فكان إذا صلّى الفجر لم يتكلّم حتى تطلع الشمس، فجاءه ذات يوم مولود، فبشّروه به بعد صلاة الفجر، قال: فالتفت إلى أصحابه وقال: ما اُسمّي هذا المولود؟ قال الراوي: فقال كلّ منهم سمّه كذا وكذا، فقال علي بن الحسين عليه‌السلام : عَلَيَّ بالمصحف، فأتوا به إليه فقبّله ووضعه في حجره ثم فتحه فنظر إلى اوّل السطر من الصفحة اليمنى، وإذا قوله تعالى: ( وَفَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى‏ الْقَاعِدِينَ أَجْرَاً عَظِيماً ) (1) ثم طبقه وفتحه فنظر فيه فإذا في أوّل الصفحة قوله ( إِنّ اللّهَ اشْتَرَى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (2) ، فقال عليه‌السلام ، (هو والله زيد فسمّي زيداً) (3) .

وقال خالد مولى الزبير: دخلت يوماً على علي بن الحسين عليه‌السلام فدعا بولده زيد فجاء إليه وكان يومئذ صبياً، فأقبل إليه يمشي فكبا لوجهه، فقام علي بن الحسين عليه‌السلام وأخذه ووضعه في حجره وجعل يمسح وجهه وهو يقول: (اُعيذك بالله يابني أن تكون زيداً المصلوب بالكناسة، فمن نظر إلى عورته متعمّداً صلى الله وجهه النار).

__________________

(1) سورة النساء من الآية 95.

(2) سورة التوبة 111.

(3) ولد زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام بالمدينة بعد طلوع الفجر سنة ست وستّين أو سبع وستّين من الهجرة، المجدي لأبي الحسن العمري النسّابة.


قال الراوي: ودخل زيد يوماً على هشام بن عبدالمطلب، فقال له هشام: أنت المؤهل نفسك للخلافة؟ وما أنت وذاك؟ وإنّما أنت ابن أمة، فقال زيد: إنّي لأعلم أحداً أحبّه الله مثل إسماعيل بن إبراهيم وهو ابن أُمة، وما تنكر من ابن امة وجدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأبوه أمير المؤمنين.

ويروي في مروج الذهب أن قال له: إنّ الامّهات لا يقعدون بالرجال عن الغايات وقد كانت اُم اسماعيل أمة لام إسحاق فلم يمنعه ذلك أن بعثه الله نبيّاً وجعل للعرب أباً فأخرج من صلبه خير البشر محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فتقول لي هذا وأنا ابن فاطمة وأبن علي عليهم‌السلام وقام وهو يقول:

شرّده الخوف فأزرى به

كذاك من يكره حرّ الجلاد

منخرق السربال يشكو الوجي

تنكبه أطراف سمر حداد

قد كان في الموت له راحة

والموت حتم في رقاب العباد

أن يحدث الله له دولة

يترك آثار العدا كالرماد

ثم خرج من عنده وهو يقول: لم يكره قوم قط حرّ السيف إلا ذلّوا، فلما وصل إلى الكوفة اجتمع عليه أهلها فلم يزالوا به حتى بايعه مائة ألف سيف، فلمّا قام بالحرب ونادى بشعار رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : يا منصور أمتك، نقضوا بيعته، فلمّا رأى ذلك قال: أين الذين بايعوني؟ فعلوها حسينية ثم أنشأ يقول:

أذلّ الحياة وعزّ الممات

وكلّاً أراه طعاماً وببلا

فإن كان لابدّ من واحد

فسيري إلى الموت سيراً جميلا

قال: واشتبك الحرب فاُصيب زيد بسهم في جانب جبهته اليسرى، فنزل إلى دماغه فأقبل إليه ورده يحيى فانكبّ عليه، وقال له: ابشر فإنّك ترد على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، قال: قال: أجل أي بني وما تصنع من بعدي؟ قال: اقاتلهم. فقال زيد: افعل يا بني فإنّك على الحق وهم على الباطل، ثم إنّ يحيى نزع السهم من جبهة أبيه وخرج الدم كالميزاب، ثم خرجت


روحه، فحملوه الى بستان فيه نهر ماء فقطعوا الماء الذي يجري فيه، وحفروا له حفيرة في وسط النهر فدفنوه وأجروا الماء عليه، وكان معهم سندي فذهب إلى يوسف بن عمرو الثقفي وأخبره، فجاء اللعين وأخرجه من قبره وصلبه في الكناسة بالكوفة، فمكث اربع سنين مصلوباً، حتى عشعشت الفاختة في جوفه، ونسج العنكبوت في جوفه على عورته.

ولمّا هلك هشام، كتب الوليد بن يزيد إلى يوسف ابن عمرو، أما بعد: إذا أتاك كتابي هذا فاعمد إلى عجل أهل الكوفة فاحرقه وأنسفه في اليم نسفاً (1) ، فأنزله اللعين وأحرقه وذراه في الهواء.

قال حمزة بن عمران: دخلت على أبي عبدالله الصادق عليه‌السلام فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من الكوفة، فبكى بكاء شديداً وجرت دموعه على لحيته حتى ابتلّت، فقلت له: ما يبكيك يابن رسول الله؟ قال: (ذكرت عمّي زيداً).

قلت: وما الذي أصاب جبهته، قال المرحوم الخطيب الشيخ يعقوب النجفي رحمه‌الله :

يبكي الإمام لزيد حين يذكره

وإنّ زيداً بسهم واحداً ضربا

فكيف حال عليّ بن الحسين وقد

رأى أباه لنبل القوم قد نصبا

وكان الصادق عليه‌السلام كلما ذكر السهم يبكي.

أقول: ما يصنع حين يذكر السهم الذي وقع في قلب جدّه الحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء وكلّما عالج أراد أن ينتزعه من موضعه ما تمكّن، انحنى على قربوس سرج فرسه وقائلاً: «بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله» فاستخرج السهم من قفاه وسال الدم كالميزاب، خرّ صريعاً إلى الأرض:

سهم أصابك يابن بنت محمّد

قلباً أصاب لفاطم وفؤادا

__________________

(1) انظر مقاتل الطالبين: 139.


المطلب الثالث والأربعون

في بقية قضية زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام

ذكر صاحب المقاتل: أنّه لمّا قتل زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام ودفنه ابنه يحيى في النهر، وأجرى عليه الماء، استخرجه يوسف بن عمرو بعد الدفن وقطع رأسه وبعث برأسه وبرؤوس أصحابه إلى هاشم بن عبدالملك مع زهير بن سليم، ودفع هشام لمن أتاه بالرأس عشرة دراهم ونصبه على باب دمشق.

ويروى أنه ألقى الرأس أمامه فأقبل الديك ينقر رأسه فقال بعض من حضر من الشاميين:

اطردوا الديك عن ذوابة زيد

فلقد كان لا يطاه الدجاج

قال الراوي: وبعث هشام بالرأس من الشام إلى مدينة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فنصب عند قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوماً وليلة، وكان العامل على المدينة محمد بن إبراهيم بن هشام المخزومي، فتكلم معه ناس من أهل المدينة أن ينزله، فأبى إلا ذلك، فضجت المدينة بالبكاء من دور بني هاشم، وكان كيوم الحسين عليه‌السلام ، ونظر إلى الرأس كثير بن المطلّب السهمي فبكى وقال: نظّر الله وجهك أبا الحسين، وقتل قاتليك، وكان كثير يميل الى بني هاشم لأن اُمّ أبيه المطلّب أروى بنت عبدالمطلّب ابن هاشم بن عبد مناف، فقال له الوالي: بلغني عنك كذا وكذا؟ قال: هو كما بلغك، فحبسه، وكتب إلى هشام بن عبدالملك يخبره، فقال كثير وهو في الحبس:


إنّ امرءاً كانت مساويه

حبّ النبي لغير ذي ذنب

وكذا بني حسن والدهم

من طاب في الأرحام والصلب

ويرون ذنباً إن أحبّكم

بل حبّكم كفّارة الذنب

وحدّث عيسى بن سوادة قال: كنت بالمدينة لمّا جيء برأس زيد ونصب في مؤخّر المسجد على رأس رمح، وأمر الوالي فنودي في المدينة برأت الذمّة من رجل بلغ الحلم لم يحضر المسجد، فحضر الناس الغرباء وغيرهم ولبثوا سبعة أيام كلّ يوم يخرج الوالي فيقوم الخطباء من الرؤساء فيلعنون علياً والحسين وزيداً وأشياعهم، فإذا فرغوا قام القبائل عربيّهم وأعجميّهم، وكان بني عثمان أول من قام الى ذلك، حتى إذا صلى الظهر وانصرف وعاد بالغد مثلها سبعة أيام، وقام رجل من قريش يقال له: محمد بن صفوان الجمحي فأمره الوالي بالجلوس، ثم عاد من غير أن يدّعي فقال له الوالي: اقعد، فقال: إن هذا مقام يقدر عليه أحد، فإذن له الوالي بالكلام، فأخذ في خطبته فلعن علياً وأهل بيته والحسين وزيداً ومن يحبهم، فبينا هو كذلك إذ وضع يده على رأسه ووقع على الأرض، فظننّا أنّ خطبته انتقضت فتبينّاه وإذا به يصيح من رأسه، ولم يزل كذلك حتى ذهب بصره.

قال الراوي: ثم سير الرأس الشريف إلى مصر، فنصب بالجامع فسرقه أهل مصر ودفنوه في مسجد محرس، قال الكندي: قدموا بالرأس الى مصر سنة اثنتين وعشرين ومائة يوم الأحد لعشر خلون من جمادي الآخرة، واجتمع عليه الناس في المسجد، ودفن في مصر وهو مشهد صحيح لأنه طيف به بمصر ثم نصب على المنبر بالجامع سنة أثنتين وعشرين ومائة.

ويحدّث ابن عبد الظاهر أنّ الأفضل أمير الجيوش لمّا بلغته حكاية رأس زيد بن علي عليه‌السلام أمر بكشف المسجد، وكان وسط الأكوام ولم يبق من معالمه إلّا محرابه، فوجد هذا العضو الشريف.


وذكر خطيب مصر أبوالفتوح ناصر الزيدي وكان من جملة من حضر الكشف أنّه رأى في جبهة زيد أثراً في سعة الدرهم، قال: فضمخ وعطر وحمل الى داره حتى عمر هذا المشهد.

قال صاحب العدل الشاهد: يزار مشهد زيد بمصر يوم الأحد من كل اسبوع يقصده عامة الناس ليلاً ونهاراً، وله مولد في كل عام يحضره الناس والظاهر أنّما يزار في كل أحد لأنّه كان الكشف عليه يوم الأحد تاسع عشر من ربيع الأول سنة خمس وعشرين وخمسمائة، وكان زيد عليه‌السلام من اُباة الضيم (1) ، قال الكواز رحمه‌الله :

وزيد قد كان الإباء سجيّة

لآبائه الغرّ الكرام الأطايب

__________________

(1) (فائدة) قال الراوي: وبينا زيد يقاتل أصحاب يوسف بن عمرة إذ انفصل رجل من كلب على فرس له رائع، وصار من قرب من زيد فشتم الزهراء فاطمة، فغضب يزيد، وبكى حتى ابتلّت لحيته، والتفت الى من معه، وقال: أما أحد يغضب لفاطمة؟ أما أحد يغضب لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ أما أحد يغضب لله؟ قال سعيد بن خيثم: أتيت إلى مولى لي كان معه مشمل (المشمل كمنبر سيف قصير يتغطى به تحت الثوب) فأخذته منه وتستّرت خلف النظارة والناس يومئذ فرقتين مقاتلة ونظارة ثم صرت وراء الكلبي وقد تحوّل من فرسه وركب بغلة فضربته في عنقه فرقع راسه بين يدي البغلة وشدّ أصحابه عَلَيَّ وكادوا يرهقوني، فلمّا رأى أصحابنا ذلك كبّروا وحملوا عليهم واستنقذوني، فركبت البغلة وأتيت زيداً فقبّل بين عيني، وقال: أدركت والله ثارنا، ادركت والله شرف الدنيا والآخرة وذخرهما، ثم أعطاني البغلة.

(فائدة): قال أرباب التاريخ: ولمّا جنّ الليل من ليلة الجمعة الثالثة من صفر سنة مائة وإحدى وعشرين، رمى زيد بسهم غرب أصاب جبهته ووصل إلى الدماغ، وكان الرامي له مملوك ليوسف بن عمرو اسمه راشد ويقال من أصحابه اسمه داود بن كيسان!

(فائدة): ولمّا اُصيب زيد عليه‌السلام بالسهم فجاء أصحابه إليه وأدخلوه بيت حرّان كريمة مولى بعض العرب في سكّة البريد في دور أرحب وشاكر وجاؤا إليه بطبيب يقال له شقير، وفي مقاتل الطالبيين اسمه سفيان، فقال له الطبيب: إن نزعته من رأسك مت، فقال: الموت أهون عَلَيَّ ممّا أنا فيه، فأخذ الكلبتين فانتزعه، وفي ذلك الحين مات رضوان الله عليه.


كأنّ عليه ألقى الشبح الذي

تشكّل فيه شبه عيسى لصالب

فقل للذي أخفى عن العين قبره

متى خفيت شمس الضحى بالغياهب

ولو لم تنمَّ القوم فيه إلى العدى

عليه لنمَّت عليه واضحات المناقب

كأنّ السما والأرض فيه تنافسا

فنال الفضا عفواً سنى الرغائب

عجبت وما إحدى العجائب فاجئت

بمقتل زيد بل جميع العجائب

وقال أحمد بك شوقي أمير الشعراء من مقصورة له:

وثار لثارات زيد بن علي

ابن الحسين بن الوصي المرتضى

يطلب بالحجة حقّ بيته

والحقّ لا يطلب إلّا بالقنا

فتى بلا رأي ولا تجربة

جرى عليه من هشام وما جرى

اتخذ الكوفة درعاً وقناً

والأعزل الأكشف من فيها احتمى

من تكفه الكوفة يعلم أنّها

لا نصر عند أهلها ولا غنى

سائل علياً فهو ذو علم بها

واستخبر الحسين تعلم النبا

فمات مقتولاً وطال صلبه

وأحرقت جثّته بعد البلا

* * *

أبادوهم قتلاً وسمّاً ومثله

كأنّ رسول الله ليس لهم أب

كأنّ رسول الله من حكم شرعه

على آله أن يقتلوا أو يصلبوا

* * *

فما بين مسموم ومشرد

وبين قتيل بالدماء مخلّق

فالقتيل الذي صار دماؤه خلوقا له بل غسلاً له هو سيد شباب أهل الجنة أبو عبدالله الحسين عليه‌السلام ، قال الشريف الرضي رحمه‌الله :

غسلته دماؤه قلّبته

أرجل الخيل كفنته الرمول


المطلب الرابع والأربعون

في واقعة الزاب بين الاُمويين والعباسيين

لمّا نزل مروان بن محمّد الحمار (1) بالزاب جرّد من رجاله من اختاره من أهل الشام والجزيرة وغيرهما مائة ألف فارس على مائة ألف قارح، وقال: إنّها عدّة ولا تنفع العدّة إذا انقضت المدّة، ولمّا أقبل عبدالله بن علي بن العباس يوم الزاب بالمسوّدة من قبل السفاح وفي أوّلهم البنود السود تحملها رجال على جمال البخت، وقد جعل لها عوض القتاد خشب الصفصاف والغرب، فقال مروان: أما ترون رماحهم كأنّها النخل غلظ؟ أو ما ترون أعلامهم فوق هذه الإبل كأنّها قطع الغمام السود؟

فبينا مروان ينظرها ويعجب إذ طارت قطعة من الغربان السود فوقعت على عسكر عبدالله، واتصل سوادها بسواد تلك الرايات والبنود، فقال لمن يقرب منه، أما ترون السواد قد اتّصل بالسواد حتى صار الكلّ كالسحب المتكاثفة؟ ثم التفت إلى رجل يقرب منه وقال له: ويلك ألا تخبرني من صاحب جيشهم؟ قال:

__________________

(1) آخر خلفاء بني أمية ولُقِّبَ بالحمار لأنّ العرب - وحسب ما جاء في ص 255 من كتاب تاريخ الخلفاء للسيوطي - تُسمّي كلّ مائة سنة حماراً ولمّا قارب مُلك بني أُميّة مائة سنة لقّبوا مروان هذا بالحمار لذلك.


هو عبدالله بن علي، فقال مروان: من ولد العباس هو؟ قال: نعم، قال مروان: وددت أنّ علي بن أبي طالب مكانه في هذا اليوم.

فقال: يا أمير المؤمنين أتقول هذا في علي بن أبي طالب عليه‌السلام وشجاعته التي ملأ الدنيا ذكرها؟ قال: نعم إنّ علياً مع شجاعته صاحب دين، وإنّ الدين غير الملك، وإنّا نروي عن قديمنا أن لا شيء لعلي ولولده في هذا الأمر - يعني الخلافة - ثم أرسل الى عبدالله سراً يقول له: يابن العم إنّ هذا الأمر صائر إليك، فاتق الله واحفظني في دمي وحرمي، فأرسل إليه عبدالله أنّ لنا الحق عليك في دمك، وأنّ لك الحق علينا في حرمك، ثمّ حرّك عبدالله أصحابه للقتال ونادى مروان في أهل الشام وأمر عبدالله أصحابه أن ينزلوا، ونادى: الأرض الأرض، فنزل الناس ورمت الرماة وأشرعت الرماح وجثوا على الركب.

فقال مروان لقضاعة: انزلوا، قال: ما ننزل حتى تنزل كندة، فقال لكندة: انزلوا، فقالوا: لا ننزل حتى تنزل سكاسك، فقال للسكاسك: انزلوا، فقال: لا ننزل حتى تنزل بنو سليم، فقال لبني سليم: انزلوا، فقالوا لا ننزل حتى تنزل بني عامر، فقال لعامر: انزلوا، فقالوا: لا ننزل حتى تنزل بني تميم، فقال لتميم: انزلوا، فقالوا: لا ننزل حتى تنزل بنو أسد، فقال لبني أسد: انزلوا، فقالوا لا ننزل حتى تنزل هوازن، فقال لهوازن: انزلوا، فقالوا: لا ننزل حتى تنزل غطفان، فقال لغطفان: انزلوا وقاتلوا، فقالوا: لا ننزل حتى تنزل الأزد، فقال للأزد: انزلوا: فقالوا لا ننزل حتى تنزل ربيعة، فقال لربيعة: انزلوا، فقالوا لا ننزل حتى تنزل بنو ليث، فقال لصاحب شرطته: ويلك احمل، قال: ما كنت لأجعل نفسي غرضاً للرماح، فقال مروان: أما والله لأسوءنّك اليوم. فقال: وددت أن الأمير يقدر على إساءتي في مثل هذا اليوم.

ثم إنّ عسكر عبدالله حمل على عسكر مروان وفّر عسكره، فلحقوا مروان


وقتلوه وقتلوا كلّمن كان معه من أهل بيته وبطانته وهجموا على الكنيسة التي فيها بنات مروان ونساءه فوجدوا خادماً وبيده سيفاً مشهوراً وهو يسابقهم الدخول على الكنيسة فقبضوه وسألوه من أمره، فقال: نعم إنّ أمير المؤمنين مروان أمرني إذا قتل هو أن أهجم على بناته وعياله وكلّ نساءه وأقتلهن قبل أن يصل إليهم العدو، وهذا على زعمه أنه غيرة منه على بناته وهو والله لا يعرف الغيرة فكيف حال علي بن الحسين... الخ (1) .

ولما قتل مروان ادخلت بناته ونساؤه على عمّ السفاح صالح بن علي، فتكلّمت ابنة مروان الكبرى وقالت: يا عمّ أمير المؤمنين حفظ الله من أمرك ما تحب حفظه، وأسعدك في أحوالك كلّها وعمّك بخواص نعمه، وشملك بالعافية في الدنيا والآخرة، نحن بناتك وبنات أخيك فليسعنا من عدلكم ما وسعنا من جروكم. فقال لها: أوّلاً لا نستبقي أحداً لأنّكم قتلتم زيد بن علي ويحيى بن زيد، ومسلم بن عقيل وقتلتم خير أهل الأرض حسيناً وقتلتم إخوته وأولاده وسبيتم عياله على نياق عجّف. فقالت: يا عمّ أمير المؤمنين فليسعنا من عدلكم إذاً، قال: أما هذا فنعم وإذا أحببت زوجتك من ابني الفضل بن صالح، فبكت وقالت: يا عم امير المؤمنين وأين ساعة عرس ترى ونحن بالحزن وبالكدر، بل تحملنا إلى حرّان، فحملهن إلى حرّان مكرّمات، وقيل: قدم النياق العجف، فقالت ابنة مروان

__________________

(1) (فائدة) قال الأندلسي في العقد الفريد أنّه: كان أشدّ الناس على بني أمية عبدالله بن علي، وأحناهم عليهم سليمان بن علي، وهو الذي كان يسميّه أبو مسلم كنف الأمان، وكان يجير كل من استجار به. قال: ومات سليمان بن علي وعنده بضع وثمانون حرمة لبني أمية.

(فائدة): ولمّا أتى الكتاب للسفاح بالهزيمة صلّى ركعتين، وأمر لمن شهد الوقعة بخمسمائة دينار، ورفع أرزاقهم إلى ثمانين، وكانت هزيمة مروان بالزاب يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من جمادي الآخرة سنة اثنتين وثلاثين ومائة.


الكبرى: يا عمّ امير المؤمنين ما تريد أن تصنع؟ قال: كما صنعتم ببنات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . قالت: يا عمّ أمير المؤمنين أترى ذلك حسن أم قبيح؟ قال: بل قبيح، قالت: إذاً أنت لا ترتكب القبيح (1) .

قال: ودخلت إحدى نساء بني أُمية على سليمان بن علي وهو يومئذ بالبصرة يقتلهم ويصلبهم على جذوع النخل ويسقيهم الخل والصبر والرماد، فقال: أيها الأمير إنّ العدل ليمل من الإكثار والإصرار فيه، فكيف أنت لا تمل من الجور وقطيعة الرحم، فأجابها شعراً:

سننتم علينا القتل لا تنكرونه

فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر

ثم قال: يا أمة الله أنتم أول من سنّها بين الناس، ألم تحاربوا علياً وتدفعوه عن حقّه؟ ألم تسمّوا حسناً وتنقضوا شرطه، ألم تقتلوا حسيناً وتسيّروا رأسه؟ ألم تسبّوا علياً على منابركم؟ ثم قال لها: هل من حاجة فتقضى لك؟ قالت: نعم قبض

__________________

(1) (فائدة) قال ابن الأثير: وفي هذه السنة قتل مروان بن محمد وكان قتله ببوصير، من أعمال مصر في كنيسة من كنائس النصارى وكان مختفيا بها لثلاث مضين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وعمره تسعاً وستين سنة، قتل بعد أن نازل عسكرالعباسيين، قال الراوي: وكان قد حمل رجل على مروان فطعنه وهو لا يعرفه، وصاح صائح: صرح أمير المؤمنين فابتدروه، فسبق إليه رجل من الكوفة، كان يبيع الرمّان فاحتز رأسه وبعث به إلى صالح، فلمّا وصل إليه أمر أن يقص لسانه فقطع لسانه، وأخذه فقال صالح: ماذا ترينا الأيام من العجائب والعبر، هذا لسان مروان قد أخذه هرّ، قال الشاعر:

قد فتح الله مصر عنوة لكم

وأهلك الفاجر الجعدي إذ ظلما

فلاك مقوله هرّ يجزّره

وكان ربّك من ذي الكفر منتقما

قال الراوي: وأرسل الرأس إلى أبي العباس بالكوفة فلمّا رآه سجد ثم رفع رأسه وقال: الحمدلله الذي أظهرني عليك وأظفرني بك ولم يبق لي ثاري قبلك وقبل رهطك أعداء الدين ثم تمثّل:

لو يشربون دمي لم يرو شاربهم

ولا دماؤهم للغيض ترويني


عمّالك أموالي فأمر بردّها وقضى حاجتها لا قضى الله حاجته.

ومن يصنع المعروف في غير أهله

يجد حمده ذمّاً عليه فيندم

ويله أما بلغه أنّ اُم كلثوم قالت للشمر بن ذي الجوشن: لي إليك حاجة. قال لها: وما حاجتك يا بنت علي؟ حاجتي إذا دخلت بنا الشام فاسلك بنا طريقاً قليلاً نظّاره، وقل لحامل الرؤس أن يخرجها من أوساط المحامل فلقد خزينا من كثرة النظر إلينا.

قال الراوي: فأمر اللعين بعكس سؤالها وسلك بهم كثير النظّارة!

يقنعها بالسوط شمر وإن شكت

يؤنّبها زجر ويوسعها زجرا


المطلب الخامس والأربعون

في ترجمة عيسى بن زيد وتخفيه

قال أبو الفرج الأصبهاني (1) : ولد عيسى بن زيد بن علي بن الحسين عليهم‌السلام في الوقت الذي أشخص فيه أبوه زيد بن علي إلى هشام بن عبدالملك، وكانت اُم عيسى بن زيد معه في طريقه فنزل ديراً ووافق نزوله إيّاه ليلاً وضربها المخاض فولدت تلك الليلة، فسمّاه أبوه عيسى باسم عيسى المسيح، وكان على ميمنة إبراهيم بن عبدالله بن الحسن المثنى، واختفى بعد مقتل محمد وإبراهيم، فتوارى بالكوفة، في دار علي بن صالح بن حي أخو الحسن بن صالح وتزوج ابنة له، فولدت منه بنتاً ماتت في حياته، وكان يقال له موتم الأشبال.

حدّث ابن أبي شيبة عن أبي منعم، قال: حدّثني من شهد عيسى بن زيد أنّه لمّا انصرف من واقعة باخمرى، وقد خرجت عليه لبوة معها أشبالها، فعرضت للطريق وجعلت تحمل على الناس، فنزل عيسى فأخذ سيفه وترسه ثم تقدّم إليها فقتلها فقيل له: أيتمت أشبالها يا سيدي، فصمد وقال: نعم أنا موتم الأشبال، فكان يقال: كذا فعل موتم الأشبال، وكذا موتم الأشبال.

قال يحيى بن الحسين بن زيد: قلت لأبي: يا أبه إني أشتهي أن أرى عمّي

__________________

(1) في ص 343 من كتابه مقاتل الطالبين.


عيسى بن زيد، فإنّه يقبح لمثلي أن لا يلقى مثله من أشياخه، فدافعني عن ذلك مدّة، وقال: إنّ هذا يثقل عليه، وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إيّاه فتزعجه، قال: فلم إزل به اداريه وألطف له حتى طابت نفسه لي بذلك فجهّزني إلى الكوفة، وقال لي: إذا صرت إليها فاسئل عن دور بني حي، فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية وسترى في السكة دار لها باب صفته كذا وكذا فاعرفه واجلس بعيداً منها إلى أول السكة، فإنّه سيقبل عليك من المغرب كهل طويل مسنون الوجه، قد أثر السجود في جبهته، عليه جبّة صوف يستقي الماء على جمل لا يضع قدماً ولا يرفعها إلّا ذكر الله عزّوجلّ ودموعه تنحدر، فقم وسلّم عليه وعانقه، فإنّه سيذعر منك كما يذعر الوحش، فعرّفه نفسك وانتسب له يسكن إليك ويحدّثك طويلاً، ويسألك عنّا جميعاً، ويخبرك بشأنه ولا يضجر بجلوسك معه، ولا تطل عليه وودّعه فإنّه سوف يستعفيك من العود إليه، فافعل ما يأمرك به، فإنّك إن عدت إليه توارى عنك واستوحش منك وانتقل عن موضعه، وعليه في ذلك مشقّة، فقلت: أفعل كما أمرتني، ثم جهّزني إلى الكوفة، وودّعته وخرجت.

فلمّا وردت الكوفة قصدت سكّة بني حي بعد العصر، وجلست خارجها بعد أن عرفت الباب الذي نعته لي، فلمّا غربت الشمس إذا أنا به قد أقبل يسوق الجمل وهو كما وصفه لي أبي، لا يرفع قدماً ولا يضعها إلّا حرّك شفتيه بذكر الله عزّوجلّ ودموعه ترقرق في عينيه وتذرف أحياناً، فقمت إليه وعانقته فذعر منّي كما يذعر الوحش من الإنس، فقلت: يا عمّ أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك، فضمّني إليه وبكى حتى قلت قد جاءت نفسه، ثم أناخ جمله وجلس معي فجعل يسألني عن أهله رجلا رجلا وامرأة امرأة وصبيّا صبيّا وأنا أشرح له أخبارهم وهو يبكي، قال: يا بني استقي على هذا الجمل الماء فاصرف ما اكتسب، يعني من أجرة الجمل إلى صاحبه واتقوّت باقيه، وربّما عاقني عن استقاء


الماء فأخرج إلى البرية يعني بظهر الكوفة فألتقط ما يرمي الناس من البقول فأتقوّت به، وتزوّجت ابنته وهو لا يعلم من أنا إلى وقتي هذا فولدت منّي بنتاً فنشأت وبلغت وهي لا تعرفني أيضاً ولا تدري من أنا، فقالت لي اُمّها: زوّج ابنتك بابن فلان السقاء لرجل من جيراننا يسقي الماء، فإنّه أيسر حالاً منّا وقد خطبها وألحّت عَلَيَّ فلم أقدر على إخبارهم بأنّ ذلك غير جائز ولا هو بكفؤ لها، فيشيع خبري، وجعلت تلحّ عَلَيَّ فلم أزل استكفي الله أمرها، حتى ماتت بعد أيام فما أحد آسى على شيء من الدنيا آساي على إنّها ماتت ولم تعلم بموضعها من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثم أقسم عَلَيَّ انصرف ولا أعود إليه، وودّعني.

فلمّا كان بعد ذلك صرت إلى الموضع الذي أنتظره فيه فلم أره، وكان هذا آخر عهدي به، ولمّا طال تخفيه وتواريه، وأمر المهدي العباسي أن ينادى في الكوفة بالأمان لعيسى، فسمع منادياً ينادي: ليبلّغ الشاهد الغائب أن عيسى بن زيد آمن في ظهوره وتواريه، فرأى عندئذ عيسى بن زيد بن الحسن بن صالح وقد ظهر فيه سرور بذلك، فقال له: كأنك قد سررت بما سمعت؟ فقال: نعم، قال له عيسى: والله لإخفاتي إيّاهم ساعة واحدة أحبّ إليّ من كذا وكذا.

وحدّث يعقوب بن داود قال: دخلت مع المهدي في قبّة في بعض الخانات في طريق خراسان، فإذا حايطها عليه أسطر مكتوب، فدنا ودنوت منه فإذا هي هذه الأبيات:

والله ما أطعم طعم الرقاد

خوفاً إذا نامت عيون العباد

شرّدني أهل اعتداء وما

أذنبت ذنباً غير ذكر المعاد

آمنت بالله ولم يؤمنوا

فكان زادي عندهم شرّ زاد

أقول قولاً قاله خائف

مطرد قلبي كثير السهاد

منخرق الخفّين يشكو الوجا

تنكبه أطراف سمر حداد


شرّده الخوف فأزرى به

كذاك من يكره حرّ الجلاد

قد كان في الموت له راحة

والموت حتم في رقاب العباد

قال يعقوب بن داود: فجعل المهدي يكتب تحت كل بيت: لك الأمان من الله ومني فاظهر متى شئت، حتى كتب ذلك تحتها أجمع، فالفتف فإذا هو دموعه تجري على خدّيه، فقلت له: من ترى قائل هذا الشعر يا أمير المؤمنين؟ قال: أتتجاهل عليَّ من عسى قائل هذا الشعر إلّا عيسى بن زيد.

وذكر أبو الفرج أنّ المنصور طلب عيسى طلباً ليس بالحثيث، وطلبه المهدي وجدّ في طلبه حيناً فلم يقدر عليه، فنادى بأمانه ليبلغه فيظهر، فبلغه فلم يظهر، وبلغه أنّ له دعاة ثلاثة، وهم: ابن علاق الصيرفي، وحاضر مولى لهم، وصباح الزعفراني، فظفر المهدي بحاضر فحبسه وعأّره ورفق به وأشتدّ عليه ليعرفه موضع عيسى، فلم يفعله فقتله، ومكث طول حياة عيسى يطلب صباحاً وابن علاق، فلم يظفر بهما حتى إذا مات عيسى عليه الرحمة، قال صباح للحسن ابن صالح: أما ترى هذا العذاب والجهد الذي نحن فيه بغير معنى، قد مات عيسى ابن زيد ومضى لسبيله، وإنّما نطلب خوفاً منه وإذا علم أنّه قد مات آمننا فدعني آتي هذا الرجل - يعني المهدي - وأخبره بوفاته حتى نتخلّص من طلبه لنا. فقال: لا والله لا نبشّر عدو الله بموت ولي الله وابن نبيّ الله ولا تقر عينه فيه ونشمته، فوالله إنّ ليلة أبيتها خائفاً منه أحبّ إليّ من جهاد السنة وعبادة بها.

قال أبو الفرج: ومات الحسن بن صالح بعد وفاة عيسى بشهرين، قال صباح الزعفراني: ولمّا مات الحسن بن صالح أخذت أحمد بن عيسى وأخاه زيداً وجئت بهما إلى بغداد فجعلتهما في موضع أثق به عليهما، ثم لبست أطماراً وجئت إلى دار المهدي، فسألت عن الربيع وأدخلت عليه وسألتي فقلت له: إنّ عندي بشارة تسرّ الخليفة وبعد السؤلات الكثيرة استأذن لي على المهدي، فأذن لي وأدخلت


عليه، فقال: أنت صباح الزعفراني؟ قلت: نعم، قال: فلا حيّاك الله ولا بيّاك ولا قرّب دارك يا عدوّ الله، أنت الساعي على دولتي والداعي على اعدائي، ثم تجيئني الآن؟ فقلت: إني جئتك مبشّراً ومعزياً. قال: مبشّراً بماذا ومعزياً بماذا؟ قلت: أمّا البشرى فبوفاة عيسى بن زيد، وأما التعزية فبه لأنّه ابن عمّك ولحمك ودمك.

قال: فحول وجهه الى المحراب وسجد ثم التفت إليّ وقال: إلى منذ كم مات؟ قلت: منذ شهرين. قال: أفلم تخبرني بوفاته إلى الآن، قلت: منعني الحسن ابن صالح. فقال: وما فعل الحسن؟ قلت: مات ولو لا ذلك ما وصل إليك الخبر، فسجد سجدة اُخرى وقال: الحمدلله الذي كفاني أمره، فلقد كان أشدّ الناس عليّ ولعلّه لو عاش لأخرج على غير عيسى، قال: ثم التفت إليّ وقال لي: سل حاجتك. قلت: والله لا أسألك شيئاً إلّا حاجة واحدة. قال: وما هي؟ قلت: ولد عيسى بن زيد، والله لو كنت أملك ما أعولهم به ما سألتك في أمرهم ولا جئتك بهم أطفال يموتون جوعاً وضرّاً وليس لهم الآن من يكفلهم غيري وأنا عاجز عن ذلك وهم عندي في ضنك وأنت أولى الناس بصيانتهم وأحقّ بحمل ثقلهم، فهم لحمك ودمك وأيتامك وأهلك، قال: فبكى حتى جرت دموعه ثم قال: إذاً يكونون والله عندي بمنزلة ولدي لا وأوثر عليهم أحداً.

قال: فجئت بهما إليه، فلمّا نظر إليهما جعل يبكي رقّة لهما وليتمهما.

فهذا المهدي لمّا نظر إلى ولدي عيسى بن زيد وهما صبييّن بكى رقّة لهما وليتمهما.

أقول: لعن الله أهل الكوفة فإنّهم ما رقّوا لأيتام الحسين عليه‌السلام ، قالت سكينة: كلّما دمعت من أحدنا عين قرعوا رأسها بالرمح:

وإذا حنّ في السبايا يتيم

جاوبته أرامل ويتاما


المطلب السادس والأربعون

في ترجمة يحيى بن زيد ومقتله عليه‌السلام

ذكر دعبل بن علي الخزاعي في قصيدته التائية قبور الأئمة وأولادهم عليهم‌السلام ، فمن تلك القبور قبر يحيى بن زيد بن علي بن الحسين عليهم‌السلام ، قال فيه:

واخرى بأرض الجوزجان محلّها

واُخرى بباخمرا لدى الغربات

فالذي في جوزجان (1) هو قبر يحيى بن زيد عليه‌السلام الذي خرج في زمن الوليد ابن يزيد الأموي عليه اللعنة.

ذكر أبو الفرج الأصبهاني في كتابه مقاتل الطالبيين قال: لمّا قتل زيد بن علي ابن الحسين عليه‌السلام ودفنه ابنه يحيى، رجع يحيى وأقام بجانبه السبيع وتفرّق الناس عنه، فلم يبق معه إلّا عشرة نفر، وقد خرج بهم بعد ذلك الى نينوى، ثم من نينوى إلى المدائن وهي إذ ذاك طريق الناس إلى خراسان، ولمّا بلغ ذلك يوسف بن عمر وسرّح في طلبه ابن أبي الجهم الكلبي، فورد المدائن وقد فاته يحيى ومضى حتى أتى إلى الري ثم إلى سرخس، ثم خرج منها وسار إلى بلخ، ونزل على الجريش ابن عبدالرحمن الشيباني، فلم يزل عنده حتى هلك هشام بن عبدالملك وولي بن

__________________

(1) الجوزجان اسم كورة واسعة من كور بلخ واقعة بين مروالروذ وبلخ، ويقال لقصبتها اليهودية.


يزيد لعنه الله، وكتب يوسف بن عمرو إلى نصر بن سيار، وهو عامل على خراسان يقول في الكتاب: ابعث إلي الجريش حتى يأخذ يحيى بن زيد أشدّ الأخذ.

فبعث نصر إلى عقيل بن معقل الليثي وهو عامل على بلخ أن يأخذ الجريش ولا يفارقه حتى تزهق نفسه أو يأتيه بيحيى بن زيد، فدعا به وضربه ستمائة سوط، وقال: والله لأزهقن نفسك أو تأتيني به، فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، فاصنع ما أنت صانع، فوثب قريش بن الجريش وقال لعقيل: لا تقتل أبي وأنا آتيك بيحيى! فوجّه جماعة فدلهم عليه وهو في بيت في جوف بيت فأخذ عقيل إلى نصر بن سيار فحبسه وقيّده وجعله في سلسلة من حديد وكتب إلى يوسف بن عمر فأخبره بخبره وقال عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر يهجوا بني ليث ويذكر ما صنع بيحيى بن زيد:

أليس بعين الله ما تفعلونه

عشية يحيى موثق بالسلاسل

ألم تر ليثاً ما الذي حتمت به

لها الويل في سلطانها المتزايل

لقد كشف للناس ليث عن استها

أخيراً وصارت ضحكة في القبائل

كلاب عوت لا قدّس الله أمرها

فجائت بصيد لا يحلّ لآكل

قال أبو الفرج: وكتب يوسف بن عمرو إلى الوليد (لعنه الله) يعلمه بذلك، فكتب إليه يأمره أن يؤمنه ويخلي سبيله وسبيل أصحابه، فكتب يوسف بذلك إلى نصر بن سيار فدعا به نصر وكلّمه وحذره الفتنة، فقال له يحيى: وهل في اُمّة محمد فتنة أعظم ممّا أنتم فيه، من سفك الدماء وأخذ ما لستم له بأهل؟ فلم يجيبه نصر بشيء، وأمر له بألفي درهم ونعلين بعد أن فصل السلاسل منه.

قال الراوي: ولمّا اطلق يحيى بن زيد وفكّ حديده صار جماعة من مياسير الشيعة إلى الحدّاد الذي فكّ قيده من رجله فسألوه أن يبيعهم الحديد، قال:


وتنافسوا وتزايدوا حتى بلغ عشرين ألف درهم، فخاف الحداد أن يشيع خبره فيؤخذ منه المال، فقال لهم: أجمعوا ثمنه بينكم فرضوا بذلك وأعطوه المال فقطّعه قطعة قطعة، وقسّم بينهم فاتخذوا منه فصوصاً للخواتيم يتبركون به.

وخرج يحيى الى أبر شهر، وقد اجتمع عنده أصحابه وهم سبعون رجلاً، وكان بأبر شهر عمرو بن زرارة، فأعطى يحيى ألف درهم نفقة له، ثم أشخصه إلى بيهق.

قال المسعودي: ولمّا رأى يحيى المنكر والظلم وما عمّ الناس من الجور أقبل يحيى من بيهق وهي أقصى عمل خراسان في سبعين رجلاً راجعاً إلى عمرو ابن زرارة، فبلغ نصر بن سيار ذلك فكتب إلى عبدالله بن قيس بن عباد البكري عامله بسرخس والحسن بن زيد عامله بطوس أن يمضيا إلى عمرو بن زرارة وهو عامله على أبر شهر وهو أمير عليهم، يقاتلون يحيى بن زيد.

قال الراوي: فأقبلوا إلى يحيى فاجتمعوا عليه حتى صاروا زههاء عشرة آلاف وخرج يحيى بن زيد وما معه إلّا سبعين فارساً، فقاتلهم يحيى فهزمهم وقتل عمرو بن زرارة واستباح عسكره وأصاب منه دواباً كثيرة، ثم أقبل حتى مرّ بهرات وعليها المعلس بن زياد، فلم يتعرّض أحد منهما لصاحبه، وسار حتى نزل بأرض الجوزجان، فأسر إليه نصر بن سيار وسلم بن حور في ثمانية ألف فارس من أهل الشام وغيرهم، فلحقه بقرية يقال لها: ارغوي، وعلى الجوزجان يومئذ حمّاد بن عمرو السعيدي، ولحق يحيى بن زيد أبو العجاريم الحنفي، والخشخاش الأزدي (1) .

قال الراوي: وعبّأ سلم جيشه وعبّا يحيى جيشه واقتتل الفريقان ودام القتال

__________________

(1) الخشخاش الأزدي هو الذي أخذ نصر بن سيار بعد ذلك فقطع يديه ورجليه وقتله.


ثلاثة أيام بلياليها أشدّ قتال حتى قتل أصحاب يحيى كلّهم، وكان يحيى في ذلك اليوم يتمثل بقول الخنساء:

نهين النفوس وهول النفو

س يوم الكريهة أوفى لها

قال الراوي: فكان يقاتل ويجالد أعداءه في ذلك اليوم. قال: وأتيت يحيى نشابة في جبهته فخرّ إلى الأرض قتيلاً، وجاء إليه بعد ذلك سورة بن محمّد فوجده قتيلاً فاحتزّ رأسه وبعثوا برأسه إلى الشام إلى الوليد بن زيد، وأخذ الذي رماه بالسهم سلبه وقميصه (1) وصلب يحيى بن زيد على باب مدينة جوزجان، حتى جاءت المسوّدة مع أبي مسلم الخراساني فأنزلوه وغسّلوه وكفّنوه وحنّطوه ودفنوه، وأراد أن يتبع قتلة يحيى فقيل له: عليك بالديوان فوضعه بين يديه، وكان إذا مرّ به اسم رجل ممّن أعان على يحيى قتله، حتى لم يدع أحداً قدر عليه ممّن شهد قتله إلّا قتله، فكأنّ أهل البيت كما قال الشاعر:

هذا قضى قتلاً وذاك مغيّبا

خوف العدو وذا قضى مسموما

__________________

(1) وهذان أعني سورة بن محمّد الذي قطع رأس يحيى والغزي الذي رماه بالسهم وقتله وسلب قميصه أخذهما بعد ذلك أبو مسلم بالخراساني وقطع أيديهما وأرجلهما وصلبها.


المطلب السابع والأربعون

في ترجمة محمد ذي النفس الزكية عليه‌السلام

قال أرباب التاريخ: ولد محمّد ذي النفس الزكية ابن عبدالله بن الحسن بن علي عليهم‌السلام سنة مائة.

وذكر أبو الفرج الأصبهاني: قال: ولد محمّد بن عبدالله وبين كتفيه خال أسود كهيئة البيضة عظما، فقال فيه الشاعر:

فإنّ الذي يروى الرواة لبين

إذا ما ابن عبدالله فيهم تجرّدا

له خاتم لم يعطه الله غيره

وفيه علامات من البرّ والهدى

وكان يقال له: صريح قريش، ويقال له: المهدي.

وقال أبو الفرج الأصبهاني في المقاتل: كان محمّد بن ذي النفس الزكية بن عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام أفضل أهل زمانه في علمه بكتاب الله وحفظه له وفقهه في الدين وفي شجاعته وجوده وبأسه وكلّ أمر يحمل بمثله.

قال أبو الفرج: حدّث عمير بن الفضل الخثعمي، قال: رأيت أبا جعفر المنصور يوماً، وقد خرج محمّد بن عبدالله بن الحسن من دار ابنه، وله فرس واقف على الباب مع عبد له أسود وأبو جعفر معه، فأخذ بردائه حتى ركب ثم سوّى ثيابه على السرج ومضى محمّد، فقلت: وكنت حينئذ أعرفه ولا أعرف محمّداً من هذا الذي أعظمته هذا الإعظام حتى أخذت بركابه وسوّيت عليه ثيابه؟ قال: أو


ما نعرفه؟ قلت: لا. قال: هذا محمّد بن عبدالله بن الحسن مهديّنا أهل البيت.

قال اليعقوب بن عربي: سمعت أبا جعفر المنصور يقول في أيام بني أمية وهو في نفر من بني أمية يقول: ما في آل محمد أعلم بدين الله ولا أحقّ بولاية الأمر من محمّد بن عبدالله، وبايع له وكان يعرفني بصحبته والخروج معه.

قال يعقوب: وحبسني بعد مقتل محمّد بضع عشر سنة وهو الذي بايع له رجال من بني هاشم من آل أبي طالب عليه‌السلام وآل العباس وسائر بني هاشم، وقد بايعوا له بالأبواء (1) مرّة وبالمدينة مرّة ثانية.

قال أبو الفرج: ثم إنّ بني هاشم اجتمعوا فخطبهم عبدالله بن الحسن فحمدالله وأثنى عليه، ثم قال: يا بني هاشم إنّكم أهل البيت قد فضلكم الله بالرسالة واختاركم لها وأكثركم بركة يا ذرية محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبنوا عمّه وعترته وأولى الناس بالفزع في أمر الله من وضعه الله موضعكم من نبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد ترون كتاب الله معطّلاً وسنّة نبيه متروكة، والباطل حيّاً والحق ميّتاً، قاتلوا لله في الطلب لرضاه بما هو أهله قبل أن ينزع منكم اسمكم وتهونوا عليه كما هانت بنوا إسرائيل وكانوا أحبّ خلقه إليه، وقد علمت أنّا لم نزل نسمع أنّ هؤلاء القوم إذا قتل بعضهم بعضاً خرج الأمر من أيديهم فقد قتلوا صاحبهم يعني الوليد بن يزيد، فهلمّ نبايع محمّداً فقد علمت أنّه المهدي. فقالوا: لم يجتمع أصحابنا بعد ولو اجتمعوا فعلنا ولسنا نرى أبا عبدالله جعفر بن محمد الصادق.

قال الراوي: وأرسل إليه عبدالله فأبى أن يأتي فقام وقال: أنا آتي به الساعة، فخرج بنفسه حتى أتى الصادق عليه‌السلام فدعاه وجاء معه إلى المحل الذي اجتمع به الهاشميون، وأوسع له عبدالله إلى جانبه ثم قال له: قد علمت ما صنع بنا بنو أمية

__________________

(1) الأبواء موضع بين مكة والمدينة، ولد فيه الإمام موسى بن جعفر عليه‌السلام .


وقد رأينا أن نبايع لهذا الفتى. فقال: لا تفعلوا فإن الأمر لم يأت بعد، فغضب عبدالله وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، ولكنّه يحملك على ذلك الحسد لابني. فقال الصادق عليه‌السلام : لا والله ما ذاك يحملني ولكن هذا وإخوته وأبناءهم دونكم وضرب يده على ظهر أبي السفاح، قال: ثم نهض فلحقه عبدالصمد وأبو جعفر المنصور، وقالا: يا أبا عبدالله أتقول ذلك؟ قال: نعم والله أقول وأعلمه ثم التفت إلى عبدالله وقال: والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنّها لهؤلاء، وإنّ ابنيك لمقتولان (1) . قال: وتفرّق المجلس ولم يجتمعوا بعدها.

وروى عن عبدالله بن جعفر بن المسور في حديثه قال: وخرج في ذلك اليوم جعفر الصادق يتوكّأ على يدي، فقال لي: أرأيت صاحب الرداء الأصفر - يعني أبا جفعر المنصور ـ؟ قلت: نعم، قال: فإنّا نجده يقتل محمّد. قلت: أو يقتل محمّداً؟ قال: نعم، فقلت في نفسي حسده وربّ الكعبة، قال: ثم ما خرجت والله من الدنيا حتى رأيته قتله.

وعن ابن داحة أنّ جعفر بن محمد عليه‌السلام قال لعبدالله بن الحسن: إنّ هذا الأمر والله ليس لك ولا إلى ابنيك وإنّما هو لهذا - يعني السفاح ـ، ثم لهذا - يعني المنصور - ثم لولده من بعده لا يزال فيهم حتى يوامروا الصبيان ويشاوروا النساء، فقال عبدالله: والله يا جعفر ما أطلعك الله على غيبه، ما قلت هذا إلا حسداً لابني. فقال: لا والله ما حسدت ابنك وإن هذا يعني - يعني أبا جعفر - يقتله على أحجار الزيبت، ثم يقتل أخاه إبراهيم بعده بالطفوف، وقوائم فرسه في الماء، قال: ثم قام مغضباً يجرّ رداءه فتبعه أبو جعفر المنصور فقال له: أتدري ما قلت يا أباعبدالله؟ قال: اي والله أدريه وإنّه لكائن.

__________________

(1) وهذه من مغيبات الإمام الصادق عليه‌السلام .


قال الراوي: حدّث من سمع من أبي جعفر المنصور إنّه لمّا انصرفت صرت لوقتي فرتبت عمالي وميزت أموري تميّز مالك لها، قال لي: فلمّا ولي أبو جعفر الخلافة سمي جعفر الصادق عليه‌السلام وكان إذا ذكره يقول: قال لي الصادق جعفر ابن محمد كذا وكذا، كان المنصور يتربض بإمامنا الصادق الدوائر حتى أشخصه من المدينة إلى بغداد مرّتين، وفي المرّة الثانية أوفقه بين يديه حافياً حاسراً وكان الإمام قد جاوز السبعين سنة حتى صار يراوحه برجليه يرفع اليمنى ويضع اليسرى، ويضع اليمنى ويرفع اليسرى حتى رفع راسه وكلّمه بكلام لا يطيق اللسان تردّده فكان مما قال له: تكتب إلى أهل خراسان وتدعوهم الى نفسك، والإمام يتعذر له من ذلك.

قال الراوي: ثم إنّ المنصور مدّ يده تحت الفراش وأخرج كتباً إلى الصادق عليه‌السلام فنظر إليها وقال: والله يابن العم ليست هذه كتبي ولا هذا خطّي ولا هذا توقيعي، صيّرني إلى بعض حبوسك حتى يأتيني الموت فإنّه منّي قريب، وأقسم بالله ما كان وقوف الصادق عليه‌السلام هذا بين يدي المنصور الدوانيقي إلّا فرع من وقوف جدّه السجاد بين يدي يزيد بن معاوية غير أنّ هناك فرق عظيم: الصادق وقف بين يدي المنصور وحده ولكن جدّه السجاد وقف بين يدي يزيد بن معاوية معه عمّاته وأخواته:

فهنّ على أكفائهنّ نوائح

كما هتف فوق الغصون الوراشن


المطلب الثامن والأربعون

في مقتل محمّد ذي النفس الزكية عليه‌السلام

لمّا تولّى المنصور الدوانيقي الخلافة ولزم اُزمّة الأمور، صار يطلب العلويين وكان أشدّ الطلب على محمد وإبراهيم ابني عبدالله المحض، فلمّا اشتدّ الطلب بمحمّد خرج قبل وقته الذي أوعد أخاه إبراهيم على الخروج فيه، وقيل: بل خرج محمّد لميعاده مع أخيه، وإنّما أخوه إبرهيم تأخّر، وكان محمّد بالمذار، وقد بلغ رياح والي المدينة أنّ محمداً يريد الخروج، فأرسل على جماعة من بني الحسن فحبسهم، فبينما هم عنده إذ سمعوا التكبير وقد ظهر محمّد وأقبل من المذار إلى المدينة في مائة وخمسين رجلاً، فأتى بني سلمة بهؤلاء تفاؤلاً بالسلامة وقصد السجن فكسر بابه وأخرج من فيه، وأتى دار الإمارة وهو يقول لأصحابه: لا تقتلوا إلّا أن يقتلوا، فامتنع منهم رياح والي المدينة، فدخولوا من باب المقصورة وأخذوا رياحاً أسيراً، ثم خرج محمّد إلى المسجد فصعد المنبر وخطب الناس واستمالهم، واستولى محمّد على المدينة.

قال الراوي: وسار رجل من بني عامر إلى المنصور مجداً حتى وصل إليه بعد تسعة أيام فوصله ليلاً وإستأذن عليه ودخل، فقال له: يا أمير المؤمنين خرج محمّد بن عبدالله بالمدينة. قال: أنت رأيته وعاينته؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمته على منبر رسول الله جالساً، وتواترت الأخبار بذلك. فقال المنصور لأبي أيوب


وعبدالملك مَن الرجل تعرفنانه بالرأي يجمع رأيه إلينا؟ قالا: بالكوفة بديل بن يحيى وكان السفاح يشاوره، فأرسل إليه وقال له: إنّ محمّداً قد ظهر بالمدينة. قال: فأشحن الأهواز بالجنود. قال: إنّه قد ظهر بالمدينة. قال: قد فهمت وإنّما الأهواز الباب الذي تؤتون منه.

قال الراوي: ودعا المنصور ابن أخيه عيسى بن موسى وأمره بالمسير الى المدينة لقتال محمّد وسيّر معه الجنود حتى إذا قرب من المدينة بلغ محمّداً ذلك، فاستشار أصحابه بالخروج من المدينة أو المقام بها فاستشار بعضهم بالخروج عنها وأشار بعضهم بالمقام بها لقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم رأيتني في درع حصينة فأوّلتها المدينة، فأقام بها، ثم استشار أصحابه في حفر خندق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فأشار بعضهم بتركه، فقال محمّد: إنّما اتبعنا في الخندق أثر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فلا يردني أحد عنه فلست بتاركه، وأمر به فحفر وبدأ هو فحفر بنفسه الخندق الذي حفره رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم للأحزاب.

قال: وسار عيسى حتى نزل الأعوص، وكان محمّد قد جمع الناس وأخذ عليهم الميثاق وحصرهم فلا يخرجون. قال: وأراد عيسى الى محمّد يخبره أنّ المنصور قد أمنه وأهله، فأعاد الجواب، يا هذا إنّ لك برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قرابة قريبة وأدعوك الى كتاب الله وسنّة نبيّه والعمل بطاعته واحذرّك نقمته وعذابه، وإني والله ما أنا منصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه وإيّاك أن يقتلك من يدعوك الى الله فتكون شر قتيل أو تقتله فيكون أعظم لوزرك، فلمّا بلغته الرسالة قال عيسى: ليس بيننا وبينه إلّا قتال. وقال محمّد للرسول: علام تقتلونني وإنّما أنا رجل فرّ من أن يقتل؟ قال: القوم يدعونك إلى الأمان فإن أبيت إلّا قتالهم قاتلوك.


قال الراوي: وجاء عيسى بجيشه ونزل بالجرف ثم وقف على سلع (1) فنظر إلى المدينة ومن فيها فنادى: يا أهل المدينة إنّ الله حرم دماء بعضنا على بعض فهلمّوا إلى الأمان، فمن قام تحت راياتنا فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، خلوا بيننا وبين صاحبنا فإمّا لنا وإمّا له: فشتموه وانصرف من يومه وعاد من الغد وقد فرّق القواد من سائر جهات المدينة وأخلى ناحية مسجد أبي الجراح، قال: ونشبت الحرب بينهم، وبرز محمّد في أصحابه.

قال الراوي: وقاتل محمّد يومئذ قتالاً عظيماً فقتل بيده سبعين رجلاً، وأمر عيسى حميد بن قحطبة فتقدّم في مائة كلّهم راجل سواه، فزحفوا حتى بلغوا جداراً دون الخندق عليه ناس من أصحاب محمّد، فهدم حميد الحائط وانتهى إلى الخندق ونصب عليه أبواباً، وعبر هو وأصحابه فألقوا الحقائب، وغيرها في الخندق وجعل الأبواب عليها وجازت الخيل فاقتتلوا أصحاب محمّد قتالاً شديداً، قال: وانصرف محمّد قبل الظهر فاغتسل وتحنّط، ثم رجع فقال له عبدالله ابن جعفر: بأبي أنت وأمي والله مالك بما ترى طاقة، فلو أتيت الحسن بن معاوية بمكة فإنّ معه جلّ أصحابك. فقال: لو خرجت لقتل أهل المدينة، والله لا أرجع حتى أقتل أو أُقتل، وأنت منّي في سعة فاذهب حيث شئت، فمشى معه قليلاً ثم رجع عنه جل أصحابه فلم يبق معه إلّا ثلاثمائة أو يزيدون قليلاً.

قال الراوي: والتفت إلى بقية أصحابه وقال لهم: نحن اليوم بعدّة أهل بدر، قال: وصلّى محمّد الظهر، والعصر، ثم تقدم وقد عرقب فرسه وعرقب بنو شجاع الخميسيون دوابّهم، ولم يبق أحد إلّا كسر جفن سيفه ودعا محمّد في ذلك اليوم

__________________

(1) سلع جبل في المدينة المنورة.


حميد بن قحطبة، وقال له: يا حميد بن قحطبة اُبرز إليّ فأنا محمد بن عبدالله. فقال حميد: قد عرفتك وأنت الشريف بن الشريف الكريم ابن الكريم لا والله لا اُبرز إليك وبين يدي من هؤلاء الأغمار أحد، فإذا فرغت منهم فسأبرز إليك، وكان محمّد إذا حمل هدّ الناس هدّا وكان أشبه الناس بقتال حمزة، فبينما هو يقاتل إذ رماه أحدهم بسهم فوقف إلى جدار، فتحاماه الناس، فلمّا وجد الموت تحامل على سيفه فكسره وطعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ونزل إليه واحتزّ رأسه، وجاء به إلى عيسى، فلمّا أتي عيسى برأس محمّد، قال لأصحابه: ما تقولون فيه فوقعوا فيه، فقال بعضهم: كذبتم ما لهذا قاتلناه، ولكنه خالف أمير المؤمنين وشقّ عصى المسلمين، وإن كان لصوّاماً قوّاماً فسكتوا. قال: وأرسل عيسى الرأس إلى المنصور فأمر به فطيف به بالكوفة، وسيّره إلى الآفاق (1) .

قال ابن الأثير: ولمّا قتل محمّد أخذ عيسى بني موسى أصحاب محمّد وصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن العزيز صفّين وبقي محمّد مصلوباً ثلاثاً (2) .

قال الراوي: وأرسلت زينت بنت عبدالله أخت محمّد وابنته فاطمة إلى عيسى أنكم قتلتموه وقضيتم حاجتكم منه فلو أذنتم لنا في دفنه، فإذن لها فدفن بالبقيع.

__________________

(1) (فائدة): ذكر ابن الأثير في تاريخه وغيره: أنّ محمداً بن عبدالله لمّا قتل وبلغ أخاه إبراهيم قتله يومئذ قد ظهر بالبصرة وتابعه الناس، وكان ذلك اليوم يوم عيد، فخرج إلى الصلاة بالناس ونعاه على المنبر وأظهر الجزع عليه وتمثل قائلاً:

أبا المنازل يا خير الفوارس من

يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا

الله يعلم أنّي لو خشيتهم

وأوجس القلب من خوف لهم جزعا

لم يقتلوه ولم أسلم أخي أحداً

حتى نموت جميعاً أو نعيش معا

(2) كان قتل محمد وأصحابه يوم الإثنين بعد العصر لأربع عشر خلت من شهر رمضان.


وصاحت زينب بنت علي يوم عاشوراء بعمر بن سعد: يابن سعد أيقتل أبو عبدالله الحسين وأنت تنظر إليه؟ ثم صاحت: يا قوم، أما فيكم مسلم يدفن هذا الغريب؟ أما فيكم موحّد يواري هذا العاري السليب؟

عريان يكسوه الصعيد ملابسا

أفديه مسلوب اللباس مسربلا

ولصدره تطأ الخيول وطالما

بسريره جبريل كان موكلا (1)

__________________

(1) من قصيدة جزلة لأبي الحسن علاء الدين المعروف بالشفيهيني المتوفى في الربع الأوّل من القرن الثامن ومطلعها:

يا من إذا عدّت فضائل غيره

رجحت فضائله وكان الأفضلا


المطلب التاسع والأربعون

في ترجمة إبراهيم ومقتله عليه‌السلام

كان إبراهيم بن عبدالله المحض عالماً عارفاً شاعراً شجاعاً مقداماً أيداً - أي قوياً ـ.

قال أبو الفرج بحذف السند: إنّ محمّداً وإبراهيم كانا عند أبيهما فوردت إبل لمحمّد فيها ناقة شرود، لا يردّ رأسها شيء، فجعل إبراهيم يحدّ النظر إليها، فقال له محمّد: كأنّ نفسك تحدّثك أنّك رادّها؟ قال: نعم، قال: فإن فعلت فهي لك، فوثب إبراهيم فجعل يتغيّر لها، ويتستر بالإبل حتى إذا مكنّته هايجها، وأخذ بذنبها فاحتملت وأدبرت تمخض بذنبها حتى غاب عن أبيه، فأقبل على محمّد، فقال: قد عرّضت أخاك للهلكة فمكث قليلاً، ثم جاء مشتملاً بإزار حتى وقف عليها. فقال محمّد: كيف رأيت، زعمت أنّك و ادّها وحابسها، فألقى إبراهيم ذنبها وقد انقطع في يده، فقال: ما أعذر من جاء بهذا!

قال ابن الأثير في تاريخه: كان ظهور محمّد وإبراهيم ابني عبدالله المحض بعد أن كان لا يقرّ لهما قرار من شدّة الطلب حتى حكت جارية لإبراهيم أنّه لم تقرّهم أرض خمس سنين، مرة بفارس ومرّة بكرمان ومرّة بالجبل ومرّة بالحجاز ومرّة باليمين، ومرّة بالشام، وربما كان إبراهيم يدخل جيش المنصور متخفياً ويجلس على مائدته - وهم لا يعرفونه - وجاء مرّة إلى بغداد ودخل عسكر


المنصور، وكان له مرآة ينظر فيها عدوه من صديقه، فنظر فيها فقال: يا مسّيب قد رأيت إبراهيم في عسكري وما في الأرض أعدى لي منه، فانظر أيّ رجل يكون.

فقدم البصرة واجتمع عليه أهلها، كان ذلك سنة خمس وأربعين ومائة بعد ظهور أخيه محمّد بالمدينة، دعا الناس الى بيعة أخيه محمّد فبايعه العلماء والوجهاء وسائر أهل البصرة حتى بلغ ديوانه أربعة آلاف وشهد أمره، فقالوا له: لو تحولت إلى وسط البصرة أتاك الناس وهم مستريحون، فتحوّل فنزل في دار أبي مروان مولى بني سليم، وكان الوالي على البصرة يومئذ من قبل المنصور سفيان بن معاوية وقد مالا على أمره، وقام إبراهيم بأمره في أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة فصلّى بالناس صلاة الصبح في الجامع وقصد دار الإمارة وبها سفيان متحصناً في جماعة، فحضره وطلب سفيان منه الأمان فأمنه إبراهيم ودخل الدار ففرشوا له حصيراً فهبت الريح فقلّبته قبل أن يجلس، فتطيّر الناس بذلك، فقال إبراهيم: إنّا لا نتطيّر، وجلس عليه مقلوباً، وجلس القوّاد، وسفيان بن معاوية في القصر وقيّده بقيد خفيف ليعلم المنصور أنّه محبوس.

قال: وبلغ جعفراً ومحمّداً إبني سليمان بن علي ظهور إبراهيم، فأتيا في ستمائة رجل إليهما فأرسل إليهما إبراهيم خمسين رجلاً من أصحابه فهزمهما ونادى منادي إبراهيم: ألا لا يتبع مهزوم ولا يقضى على جريح، ولمّا استقرت له البصرة أرسل عماّله إلى الأهواز وإلى اصطخر وإلى واسط ولم يزل إبراهيم في البصرة يفرق الجيوش والعمال حتى أتاه نعي أخيه محمد قبل عيد الفطر، فخرج بالناس يوم العيد وفيه الإنكسار، فصلّى بهم وأخبرهم بقتل محمّد، فازدادوا في قتال المنصور بصيرة، وأصبح من الغد فعسكر واستخلف على البصرة غيلة وخلف ابنه حسناً معه وسار من البصرة متوجهاُ الى الكوفة، ولما بلغ المنصور


ظهور إبراهيم في قلّة من العسكر فقال: والله ما أدري كيف أصنع ما في عسكري إلّا ألفا رجل والباقون مع عيسى بن موسى، والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفاً، ثم كتب إلى عيسى بن موسى يأمره بالعودة مسرعاً، فأتاه الكتاب وقد أحرم بعمرة فتركها وعاد إليه، فوجهه إلى حرب إبراهيم وفي ذلك الحين اُهديت امرأتان إلى المنصور من المدينة، فلم ينظر إليهما، فقيل له في ذلك أنهما قد ساءت ظنونهما فقال: ليست هذه أيام نساء ولا سبيل إليهما، حتى أنظر إلى رأس إبراهيم لي أو رأسي له.

قال الراوي: وواصل إبراهيم سيره حتى نزل باخمرا وهي من الكوفة على ستّة عشر فرسخاً فنزل مقابل عيسى بن موسى وتصافّوا، فصفّ إبراهيم صفّاً واحداً واقتتل الناس قتالاً شديداً وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه، فأقبل حميد منهزماً، فقال له عيسى: الله الله والطاعة، فقال: لا طاعة في الهزيمة، ومرّ الناس فلم يبق مع عيسى إلّا نفر يسير، وجاء جعفر ومحمد ابنا سليمان بن علي من ظهر أصحاب إبراهيم ولا يشعر بهما باقي أصحابه الذين يتبعون المنهزمين حتى نظر بعضهم فرأى القتال من ورائهم فعطفوا نحوه ورجع أصحابه الذين يتبعون المنهزمين ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم، فكانت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، فلو لا جعفر ومحمّد لتمت الهزيمة لحميد.

قال الراوي: وفّر أصحاب إبراهيم وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه يبلغون ستّمائة وقيل أربعمائة، وقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرؤوس الى عيسى وجاء إبراهيم سهم غائر فوقع في حلقه فنحره فتنحّى عن موقفه وقال: أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه وهو يقول: (وكان أمر الله قدراً ومقدوراً) أردنا أمراً وأراد الله غيره، واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه، فقال حميد بن قحطبة


لأصحابه: شدّوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه فشدّوا عليه فقاتلوهم أشدّ قتالاً حتى أفرجوا عن إبراهيم ووصلوا إليه وحزّوا رأسه فأتوا به عيسى فأراه ابن أبي الكرام الجعفري، فقال: نعم هذا رأسه فنزل عيسى إلى الأرض وسجد، ولمّا بلغ المنصور خبر قتل إبراهيم تمثّل قائلاً:

فألقت عصاها واستقر بها النوى

كما قرّ عيناً بالإياب المسافر

قال الراوي: وأرسل عيسى رأس إبراهيم إلى المنصور بالكوفة فقال المنصور: احملوه إلى من في السجن من قومه، وكان في السجن أبو عبدالله بن الحسن بن الحسن وستّة من أهله (1) فجاء به الربيع إليهم فوضع الرأس بين أيديهم، فأخذه أحدهم ووضعه في حجره وقال: أهلاً وسهلاً يا أبا القاسم، والله لقد كنت من الذين قال الله عزوجل فيهم: ( الّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ) (2) إلى آخر الآية.

فقال الربيع: كيف أبو القاسم في نفسه؟ قال أحدهم: هو كما قال الشاعر:

فتى كان تحميه عن الضيم نفسه

ويكفيه من دار الهوان اجتنابها (3)

__________________

(1) قال أرباب السير: حجّ المنصور سنة مائة وأربع وأربعين وقبض على عبدالله بن الحسن ومعه ستّة من أبناء الحسن وأحفاده وسيّرهم الى العراق ومرّ المنصور بالربذة وهم على المحامل المكشّفة فصاح به عبدالله بن الحسن: يا أبا جعفر، ما هكذا فعلنا بكم يوم بدر، يشير إلى جدهم العباس بن عبدالمطّلب، فجاء بهم إلى الكوفة وحبسهم بالهاشميّة في طامورة تحت الأرض حتى ماتوا ومواضعهم الآن تزار، يقال لها: قبور السبعة، في قضاء الهاشمية من لواء الحلّة اليوم.

(2) سورة الرعد.

(3) (فائدة): كان قتل إبراهيم يوم الإثنين لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة خمس


فكأنّما القم الربيع بحجر، فليته حضر حين جاؤا برأس الحسين عليه‌السلام الى يزيد ليلقم يزيد بن معاوية بحجر وذلك لمّا أدخلوا رأس الحسين عليه‌السلام على يزيد وأخذه بيده وجاء به الى الرباب وقال: أتعرفين هذا الرأس؟ فبكت وكأنّ لسان حالها يقول:

عَلَيَّ عزيز أن تراه كما أرى

عليه عزيز أن يراك تراني

وإنّي لأستحييه والترب بيننا

كما كنت استحييه وهو يراني (1)

__________________

وأربعين ومائة، وكان عمره ثمانية وأربعين سنة.

(فائدة): ذكر المسعودي أنّ المنصور قال لجلسائه بعد قتل محمّد وإبراهيم: تالله ما رأيت رجلاً أنصح منالحجاج بني مروان، فقام المسيب بن زهرة الضبي فقال: يا أمير المؤمنين ما سبقنا الحجاج بأمر تخلّفنا عنه، والله ما خلق الله على جديد الأرض خلقاً أعزّ علينا من نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد أمرتنا بقتل أولاده فأطعناك، وفعلنا ذلك فهل نصحناك أم لا؟ فقال له المنصور: أجلس لا جلست!

(1) (فائدة): هذه هي الرباب إحدى الوفيات لأزواجهنّ، ذكر أرباب التواريخ قالوا: لمّا رجعت الرباب من الأسر إلى المدينة أمرت بسقف البيت فقلع، وجعلت تجلس هي وإبنتها سكينة تحت حرارة الشمس، وكانت زينب تأتي إليها وتقول لها: قومي يا رباب عن حرارة الشمس، فتقول لها: سيّدتي لا تلوميني إني رأيت جسد سيّدي الحسين تصهره الشمس في كربلاء!


المطلب الخمسون

في ترجمة الحسين بن علي عليه‌السلام قتيل فخ

قبور بكوفان واخرى بطيبة

واُخرى بفخّ نالها صلواتي

أشار دعبل بن علي الخزاعي بهذا البيت إلى قبر أمير المؤمنين عليه‌السلام بالكوفة، إذ أنّ الغري كان طرف جبانة الكوفة من الغرب، وذكر قبور الأئمّة الأربعة الذين هم بالبقيع، وطيبة هي المدينة المنورة، وأمّا القبور التي بفخّ فهي قبر الحسين بن علي بن الحسن المثلث بن الحسن بن الحسن السبط، وأصحابه الذين قتلوا بفخ، وفخ: بئر قريبة من مكة المكرمة، على فرسخ منها، ولقد أخبر عنه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا نزل بفخ وصلّى ركعتين وبكى، وبكت أصحابه، وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (نزل عَلَيَّ جبرئيل وقال: إنّ رجلاً من ولدك يقتل في هذا المكان وأجر الشهيد معه أجر شهيدين).

ومرّ الصادق بفخّ عند رواحه الى الحج، فنزل وتوضأ وصلى ثم ركب عليه‌السلام ، فقيل له: هذا من الحج؟ قال: (لا، ولكن يقتل ههنا رجل من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم الجنة).

وكانت وقعة فخ في أيام خلافة الهادي، رابع خلفاء بني العباس ولم تكن وقعة أعظم على أهل البيت بعد واقعة الطف من وقعة فخ، والحسين قتيل فخ رجل عظيم القدر، كان: جليلاً، عالماً، فاضلاً، كريماً.


ذكر أبو الفرج في كتابه - مقاتل الطالبيين - عن الحسن بن هذيل، قال: بعت للحسين بن علي صاحب فخ حائطاً بأربعين ألف دينار، فنثرها على بابه، فما أدخل إليه أهله منها حبّة، بل كان يعطيني منها كفّاً، فأذهب بها إلى فقراء أهل المدينة.

وقال الحسن أيضاً: قال لي الحسين بن علي صاحب فخّ: اقترض لي أربعة آلاف درهم، فذهبت إلى صديق لي فأعطاني ألفين وقال: إذا كان غداً إتني حتى أعطينك ألفين، فخرجت بالألفين، وأتيت الحسين فوضعها تحت حصير كان يصلّي عليه، فلمّا كان من الغد أخذت الألفين الآخرين، ثم جئت لطلب الذي وضعته تحت حصيره، فلم أجده، فقلت له: يابن رسول الله ما فعلت الألفين؟ قال: لا تسأل عنها فأعتذر، فقال: تبعني رجل من أهل المدينة، فقلت ألك حاجة؟ فقال: لا، ولكنّي أحب أن أصل جناحك، فأعطيته إيّاه، أمّا إنّي أحسبني ما أجرت على ذلك، لأنّي لم أجد لها حسنا، وقال الله تعالى: ( لَن تَنَالُوا البّرّ حَتّى‏ تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبّونَ ) (1) .

وقال إسماعيل بن إبراهيم الواسطي: جاء رجل إلى الحسين فسأله فلم يكن عنده شيء، فأقعده وبعث إلى داره، وقال: أخرجوا ثيابي ليغسلوها، فلما اجتمعت قال للرجل: خذ هذه الثياب.

وعن الحسن بن هذيل أيضاً قال: كنت أصحب الحسين بن علي صاحب فخّ، فقدم الى بغداد فباغ ضيعة له بتسعة آلاف دينار، فخرجنا ونزلنا سوق أسد، فبسط لنا على الباب الخان، فأتى رجل ومعه سلة فيها طعام، فقال له: مرّ الغلام أن يأخذ منّي هذه السلة، فقال له: ومن أنت؟ قال: أنا أصنع الطعام الطيّب، فإذا نزل

__________________

(1) آل عمران من الآية 92.


هذه القرية رجل من أهل المودة أهديته إليه، قال: يا غلام خذ هذه السلّة منه، وقال للرجل: عد إلينا لتأخذ سلّتك، قال: ثم أقبل علينا رجل عليه ثياب رثّة، وقال: أعطوني ممّا رزقكم الله، فقال لي الحسين: إدفع إليه السلّة، وقال له: خذ ما فيها وردّ الإناء، ثم أقبل عَلَيَّ وقال: إذا رد السائل السلة فادفع إليه خمسين ديناراً، وإذا جاء صاحب السلة فادفع إليه مائة ديناراً، فقلت: جعلت فدآك آنفاً بعث عيناً لتقضى بها ديناً عليك، فسألك سائل فأعطيته طعاماً وهو مقنع له، فلم ترض حتى أمرت له بخمسين ديناراً، فقال: يا حسن إن لنا ربّاً يعرف الحساب، إذا جاء السائل فادفع إليه مائة دينار، فإذا جاء صاحب السلة فادفع إليه مائتي دينار، والذي نفسي بيده إني لأخاف أن لا يقبل منّي الذهب والفضّة والتراب عندي بمنزلة واحدة، هذا ما كان من كرمه وجوده. وأمّا الأخبار في فضله متواترة ومشهورة.

وأمّا سبب خروجه، قالوا: إنّ الهادي رابع خلفاء بني العباس ولّى المدينة رجلاً من ولد عمر بن الخطاب، وهو عمر بن عبدالعزيز بن عبدالله بن عمر، فضيّق العمري على الهاشميين أشدّ التضييق، وكان ينال منهم بكل ما يستطيعه من الأذى والضرب، حتى ضرب الحسن بن محمّد بن عبدالله المحض يوماً مائتين سوطاً وضرب رجلين من خواصّه، ثم أمر فجعلوا الحبال في أعناقهم وطيف بهم في سكك المدينة مكشّفي الظهور، وأشاع في الناس بأنّه وجدهم على شراب، فجاء إليه الحسين بن علي صاحب فخّ فقال له: لقد خزيتهم، ولم يكن لك أن تضربهم فلم تطوف بهم؟ فأمر العمري بهم فقبض عليهم وزجّوا في السجن، فجاء الحسين وضمن له وكفلهم فأخرجهم من الحبس.

قال الراوي: فغاب الحسن بن محمد عن المدينة أيأماً لشغل له، فبلغ ذلك العمري فغضب وأحضر الحسين بن علي ويحيى بن عبدالله بن الحسن فأغلظ لهما وهدّدهما وقال: لتأتياني به أو لأسوأنّكما، فإنّ له ثلاثة أيام لم يحضر


العرض، وكان يطلب بني هاشم في كلّ يوم للعرض عليه، ليقف على أحوالهم وشؤونهم.

قال الراوي: فتضاحك الحسين في وجه العمري، وقال له: أنت مغضب يا أبا حفص، فقال العمري: استحقاراً بي تخاطبني بكنيتي، فقال له الحسين: قد كان أبو بكر وعمر هما خير منك يخاطبان بالكنى، فلا ينكران ذلك وأنت تكره الكنية وتريد المخاطبة بالولاية. فقال له: آخر قولك شرّ من أوّله، إنّما أدخلتك عَلَيَّ لتفاخرني وتؤذيني، ثم حلف العمري أن لا يخلّي سبيله أو يجيئه بالحسن بن محمد في باقي يومه وليلته، وإن لم يجيء به ليضربنّ الحسين ألف سوط، وحلف إن وقعت عينيه على الحسين بن محمّد ليقتله من ساعته.

قال: فخرج الحسين من عنده ووجّه إلى الحسن من جاء به فقال له: يابن العمّ قد بلغك ما كان بيني وبين هذا الفاسق، فامض حيث شئت. فقال الحسن: لا والله يابن العم، بل أجيء معك الساعة حتى أضع يدي في يده. فقال الحسين: لا والله ماكان الله ليطلع عَلَيَّ وإذا جاء إلى محمّد وهو خصيمي وحجيجي في أمرك لعلّ الله أن يقينا شرّه.

قال الراوي: ثم إنّ الحسين عليه‌السلام وجه إلى بني هاشم فاجتمعوا ستّة وعشرين رجلاً من ولد علي عليه‌السلام وعشرة من الحاج ونفر من الموالي، فحضروا عنده وهم طوع إرادته، فكان أول من أمره أن ثار بهؤلاء النفر، لكأنّه عمّه الحسين عليه‌السلام حيث بعث على إخوته في الليلة التي بعث عليه - الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - والي المدينة من قبل يزيد لعنه الله فاجتمعوا عنده وقد دخلوا عليه يقدمهم أبوالفضل العباس الخ.


المطلب الحادي والخمسون

في مقتل الحسين بن علي الحسني بفخ

لمّا كثر الأذى والجور من عمر بن عبدالعزيز بن عبدالله العمري والتضييق على العلويين، ورأى الحسين بن علي صاحب فخ ما رأى من الهوان عليه خاصّة، وجّه الى بني هاشم فاجتمعوا ستّة وعشرين رجلاً من ولد علي وعشرة من الحاج، ونفر من الموالي، فلمّا أذن أذان الصبح دخلوا المسجد وصعد عبدالله بن الحسن الأفطس على المأذنة التى عند رأس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقال للمؤذن: إذّن بحيّ على خير العمل، فلمّا نظر المؤذن إلى سيف في يده أذّن بها، وسمعه العمري، فأحسّ بالشر ودهش، ثم قام من وقته وهرب من المدينة، فصلّى الحسين بالناس الصبح، ودعى بالشهود العدول الذين كان العمري أشهدهم عليه بأن يأتي بالحسن إليه فقال للشهود: هذا الحسن قد جئت به، فهاتوا العمري، وإلّا والله خرجت من يميني وممّا عَلَيَّ، ثم خطب الحسين بعد صلاته، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أنا ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، على منبر رسول الله، وفي حرم رسول الله، أدعوا الى سنّة رسول الله، أيّها الناس أتطلبون آثار رسول الله في الحجر والعود، تمسحون بذلك وتضيّعون بضعة منه.

قال: فأتاه الناس وبايعوه على كتاب الله وسنة نبيّه والرضا من آل محمّد، فبلغ ذلك حماد البربري، وكان على مسلحة بالمدينة ومعه مائتين من الجند،


وجاء العمري ناس كثير حتى وافوا باب المسجد فاراد حماد أن ينزل، فبدر يحيى ابن عبدالله بن الحسن، وفي يده السيف فضربه على جبينه وعليه القلنسوة فقطع ذلك كلّه وأطار مخّ رأسه، فسقط عن دابّته وحمل على أصحابه فتفرّقوا وانهزموا، وكان بالمدينة مبارك التركي ومعه بعض الجند، فقاتل الحسين أشدّ القتال حتى منتصف النهار، ثم انهزموا، وقيل: إنّ مباركاً أرسل إلى الحسين يقول له: والله لأن أسقط من السماء فتخطفني الطير أيسر عَلَيَّ من أشوكك بشوكة، أو أقطع من رأسك شعرة فبيّتني فإنّي منهزم عنك.

قال: فوجّه إليه الحسين قوماً، فلمّا دنوا منه صاحوا صيحة واحدة وكبّروا فانهزم التركي هو ومن معه، وأقام الحسين بن علي وأصحابه يتجزون بالمدينة أحد عشر يوماً، وفرق ما كان في بيت المال على الناس وهي سبعون ألفاً، ويقول: ابايعكم على كتاب الله وسنّة نبيّه، وعلى أن يطاع الله ولا يعصى، وأدعوكم الى الرضا من آل محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعلى أن نعمل فيكم بكتاب الله وسنة نبيه، والعدل في الرعية، والقسم بالسويّة، وعلى أن تقيموا معنا وتجاهدوا عدوّنا، فإن نحن وفيناكم وفيتم لنا، وإن لم نف لكم فلا بيعة لنا عليكم.

قال: ثم خرج الحسين وأصحابه وهم زهاء ثلاثمائة لستّ بقين من ذي القعدة إلى مكة، واستخلف على المدينة دينار الخزاعي، هذا وقد بلغ خبره إلى الخليفة الهادي العباسي، وكان قد حج في تلك السنة رجال من أهل بيت الخليفة، منهم سليمان بن أبي جعفر عمّ الهادي، ومحمّد بن سليمان والعباس بن محمد وموسى وإسماعيل ابنا عيسى الدوانيقي، وقد التحق بهم مبارك التركي ومن معه فأمرهم الخليفة بتولية الحرب، وقد سرح لحرب الحسين الجيش.

قال: ولمّا بلغ الحسين وأصحابه فخّ تلقّتهم الجيوش من المسوّدة، وكان يوم التروية عند صلاة الصبح، فعرض العباس بن محمّد على الحسين الأمان


فقال: لا أمان لكم، وأبى الحسين أشدّ الإباء. قال لي موسى بن عيسى: إذهب إلى عسكرالحسين حتى تراه وتخبرني بكلّ ما رأيت. قال: فمضيت ودرت فما رأيت خللاً ولا فللاً ولا رأيت إلّا مصلياً أو مبتهلاً أو قارئ في المصحف أو معدّ للسلاح، قال: فجئته وقلت له: ما أظن القوم إلّا منصورين. فقال: وكيف ذلك يابن الفاعلة؟ قال: فأخبرته، فضرب يداً على يد وبكى حتى ظننت أنّه سينصرف، وقال: هم والله أكرم خلق الله وأحق بما في أيدينا منّا، ولكن الملك عقيم، ولو أنّ صاحب هذا القبر يعني النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نازعنا على الملك لضربنا خيشومه بالسيف.

قال الراوي: ولمّا تقابل الفريقان أقعد الحسين رجلاً على جمل ومعه سيف، يلوح به، والحسين بن علي يملي عليه حرفاً حرفاً، ونادى: يا معشر المسودّة، هذا الحسين بن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وابن عمّه يدعوكم إلى كتاب الله وسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

قال: فأمر موسى بن عيسى بتعبية العسكر فصار محمّد بن سليمان في الميمنة وموسى في الميسرة وسليمان بن أبي جعفر والعباس بن محمّد في القلب وكان أوّل من بدأهم موسى فحملوا عليه فاستطردهم شيئاً حتى انحدروا في الوادي وحمل عليهم محمد بن سليمان من خلفهم فطحنهم طحنة واحدة حتى قتل أكثر أصحاب الحسين وبقي الحسين في عدد يسير، فجعل يقاتل أشد القتال حتى أثخن بالجراح.

قال من حضر الوقعة: رأيت الحسين بن علي وقد دفن شيئاً ظننت أنّه شيء له قدر فلمّا كان من أمره ما كان نظرنا فإذا هو قطعة من جانب وجهه وقد قطع ودفنه، ثم عاد للقتال.

قال: وكان حمّاد التركي ممّن حضر الوقعة، فقال للقوم: أروني حسيناً،


فأروه إيّاه فرماه بسهم فقتله، فوهب له محمّد بن سليمان مائة ألف درهم ومائة ثوب.

قال: ولمّا قتل الحسين وأصحابه قطّعوا رؤوسهم وجاؤا بالرؤوس إلى موسى والعباس وسليمان وهي مائة رأس ونيّفاً وبين تلك الرؤوس رأس الحسين بن علي وبجبهته ضربة سيف طولاً وعلى قفاه ضربة اُخرى، وكان عندهم جماعة من ولد الحسن والحسين وسيّدهم موسى بن جعفر، فلمّا نظر موسى بن جعفر إلى رأس الحسين بكى وفقيل له: رأس الحسين، قال: نعم إنا لله وإنا إليه راجعون، مضى والله مسلماً صالحاً صوّاماً آمر بالمعروف ناهياً عن المنكر، ما كان في أهل بيته مثله، ثمّ حلمت الرؤوس والاُسارى إلى الهادي، وأمر بقتل بعض الاُسارى، ولمّا بلغ العمري قتل الحسين وهو بالمدينة عمد إلى داره ودور أهله فأحرقها وقبض نخيلهم وجعلها في الصوافي المقبوضة.

أقول لَإن أحرق العمري دار الحسين وأهله فلقد اقتدى بسلفه مع دار فاطمة والذين أحرقوا مضارب الحسين عليه‌السلام يوم عاشوراء حتى فررن منها الهاشميات كالطيور الهاربة من النار.

وحائرات أطار القوم أعينها

رعباً غداء عليها خدرها هجموا (1)

__________________

(1) من قصيدة عصماء للشاعر المحلق السيد حيدر الحلّي ومطلعها:

إن لم أقف حيث جيش الموت يزدحمُ

فلا مشت بي في طُرق العُلى قدمُ


المطلب الثاني والخمسون

في غيبة الحجة عليه‌السلام

ولد المهدي صاحب العصر والزمان ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين بسر من رأى (1) في أيام المعتمد العباسي.

وروى المفيد رحمه‌الله (2) قال: ولم يخلف أبوه ولد ظاهراً ولا باطناً غيره، وخلّفه غائباً مستتراً، وكان عمره عليه‌السلام عند وفاة أبيه خمس سنين، وقد آتاه الله فيها الحكمة وفصل الخطاب، وجعله آية للعالمين.

نعم، آتاه الله الحكمة كما آتاها يحيى صبيّاً، وجعله إماماً في حال الطفوليّة الظاهرة كما جعل عيسى بن مريم في المهد نبيّاً، واُمّه اُم ولد يقال لها نرجس، كانت خير أمة. وفي رواية أنّ اسمها الأصلي مليكة. وكنيته ككنية جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ويكنّى أيضاً بأبي جعفر، وألقابه: الحجة، والمهدي، والخلف الصالح، والقائم المنتظر، وصاحب الزمان، وأشهرها المهدي، ولقد بشّر به النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن بعده الأئمّة واحداً بعد واحد، حتى يوم ولادته عليه‌السلام وقبل أن يولد بساعات أخبر عنه أبوه العسكري عليه‌السلام .

__________________

(1) وفي رواية سنة ستّ وخمسين ومائتين، فيكون في الحروف الأبجدية (نور).

(2) في ص 339 من كتابه الإرشاد.


روى أبوالحسن المسعودي في كتاب اثبات الوصية لعلي بن أبي طالب عليه‌السلام ، روى لنا الثقاة من مشائخنا أنّ بعض أخوات أبي الحسن علي بن محمّد الهادي كانت له جارية ولدت في بيتها مربّيتها تسمّى نرجس، فلمّا كبرت وعبلت دخل أبو محمد الحسن العسكري عليه‌السلام فنظر إليها فأعجبته، فقالت له عمّته: أراك تنظر إليها. فقال عليه‌السلام : إني ما نظرت إليها إلّا متعجّباً أمّا إنّ المولود الكريم على الله جلّ وعلا يكون منها، ثم أمّرها أن تستأذن أباالحسن، ورفعها إليه ففعلت فأمرها بذلك.

وروى الصدوق في إكمال الدين بسنده عن المطهري عن حكيمة بنت الإمام محمّد عليه‌السلام قالت: كانت لي جارية يقال لها نرجس، فزارني ابن أخي يعني العسكري وأقبل يحدّ النظر إليها، فقلت له: سيدي لعلك هويتها فأرسلها إليك؟ فقال: لا يا عمّة لكنّي أتعجّب منها، سيخرج منها ولد كريم على الله عزّوجلّ الذي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً. فقلت: فأرسلها إليك يا سيّدي؟ فقال: استأذني أبي، فأتيت إلى منزل أبي الحسن فبدأني وقال: يا حكيمة ابعثي نرجس الى ابني أبي محمد، فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك. فقال: يا مباركة إنّ الله تبارك تعالى أحبّ أن يشركك في الأجر. قالت: فزيّنتها ووهبتها لأبي محمّد.

قالت: فمضى أبو الحسن جلس أبو محمّد مكانه، فكنت أزوره كما كنت أزور والده، قالت: فلمّا غربت الشمس صحت بالجارية، ناوليني ثيابي لأنصرف فقال عليه‌السلام : يا عمّتاه اجعلي افطارك الليلة عندنا، فإنّها ليلة النصف من شعبان، فإنّ الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجّته في أرضه. قالت: فقلت: ومن اُمّه؟ قال: نرجس. فقلت: جعلني الله فداك لا أرى بها أثر حمل! فقال: هو ما أقول لك. قالت: فجئت إليها، فلمّا سلّمت وجلست جاءت لتنزع


خفيّ وقالت لي: يا سيّدتي كيف أمسيت؟ فقلت: بل أنت سيّدتي وسيّدة أهلي، فأنكرت قولي وقالت: ما هذا يا عمّة؟ فقلت: يا بنيّة إنّ الله سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيّداً في الدنيا والآخرة.

قالت حكيمة: فجلست واستحيت، ثم قال لي أبو محمّد: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحمل لأنّ مثلها مثل اُمّ موسى لم يظهر بها الحمل ولم يعلم بها أحد الى وقت ولادتها، لأنّ فرعون كان يشق بطون الحبالى، في طلب موسى، وهذا نظير موسى عليه‌السلام .

قالت حكيمة: فلمّا فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت وأخذت مضجعي فرقدت، فلمّا كان في جوف الليل قمت الى الصلاة فصلّيت وفرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث، ثم جلست معقّبة انتبهت وقامت الى الصلاة، فدخلتني الشكوك، فصاح بي أبو محمد من المجلس: لا تعجلي يا عمة، فإن الأمر قد قرب. قالت: فقرأت الم سجدة، ويس فبينا أنا كذلك وإذا بنرجس انتبهت فزعة فوثبت إليها وقلت لها: اسم الله عليك، ثم قلت: أتحسين شيئاً؟ قالت: نعم، فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك، ثم أخذتني فترة وأخذتها فترة فانتبهت بحس سيدي فكشفت الثوب عنه فإذا به ساجد يتلقى الأرض بمساجده، فأخذته وضممته إلي، فإذا به طاهر مطهر، فصاح بي أبو محمد: هلمي الي ابني يا عمة، فجئت به إليه، فوضع يده تحت إليته وظهره ووضع قدميه على صدره ثم ادلى لسانه في فيه وأمر يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثم قال: تكلم يا بني، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً رسول الله، ثم صلّى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم.

قالت حكيمة: ولمّا أصبح الصباح جئت لأسلم على أبي محمّد عليه‌السلام فافتقدت سيّدي فلم أره، فقلت: جعلت فداك ما فعل سيّدي؟ فقال: استودعناه


الذي استودعته اُمّ موسى، فلمّا كان اليوم السابع، جئت إليه فقال: هلمّي إلي ابني، ففعل به كالأول ثم ادلى لسانه في فيه كأنّه يغذيه لبناً أو عسلا، ثم قال: تكلّم يا بني، فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وثنى بالصلاة على محمّد وعليّ أمير المؤمنين والأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين، حتى وقف على أبيه ثم تلا هذه الآية: ( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) (1) .

أقول: إذاً متى يا فرج الله.

طالت علينا ليالي الإنتظار فهل

يابن الزكي لليل الإنتظار غد

فاكحل بطلعتك الغرّا لنا مقلاً

يكاد يأتي على إنسانها الرمد (2)

__________________

(1) سورة القصص: 5 - 6.

(2) من قصيدة مشهورة للمغفور له السيد رضا الهندي طاب ثراه مطلعها:

أيّان تنجز لي يا دهرُ ما تعِدُ

قد عَشَّرَت فيك آمالي ولا تلدُ


المطلب الثالث والخمسون

في غيبة الحجة عليها‌السلام

الخلف الصالح له غيبتان: صغرى وكبرى، أمّا الغيبة الصغرى كانت مدّتها إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته بوفاة السفراء، وعدم نصب غيرهم، وهي أربع وسبعون سنة، ففي هذه المدّة كان السفراء يرونه وربّما رآه غيرهم، ويصلون إلى خدمته وتخرج على أيديهم توقيعات منه إلى شيعته في أجوبة مسائل، وفي أمور شتّى.

وأمّا الغيبة الكبرى فهي بعد الأولى إلى أن يأتيه الأمر من الله فيقوم بالسيف ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وقد جاء في بعض التوقيعات أنّه بعد الغيبة الكبرى لا يراه أحد وإنّ من ادعى الرؤية قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب، وجاء في بعض الأخبار أنّه يحضر الموسم كلّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه، فهو المنتظر لأمر الله.

عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لا تذهب الدنيا حتى يلي اُمّتي رجل من أهل بيتي يقال له المهدي».

وعن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».


وقد وردت روايات جمّة وأحاديث نبوية في الحجة عليه‌السلام .

وعن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: «المهدي رجل من ولدي، لونه لون عربي، وجسمه جسم إسرائيلي، على خدّه الأيمن خال كأنّه كوكب درّي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى بخلافته أهل الأرض وأهل السماء، والطير في الجوّ».

وفي حديث آخر: «يستخرج الكنوز، ويفتح مدائن الشرك».

وعن أبي هريرة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من أهل بيتي، يفتح القسطنطينية، وجبل الديلم، ولو لم يبق إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يفتحها».

ونحن لا نعبأ بقول من تعصب بعصابة العصبيّة، وراح يكيل الكلام الفارغ على هذه الطائفة، ولم يلتفت إلى الأحاديث الواردة في كتب الأئمّة والأخبار المروية عن علمائه بمناسبة غيبة الحجة المنتظر. بل حدا به حقده أن يقول افتراء علينا (1) :

ما آن للسرداب أن يلد الذي

صيّرتموه بزعمكم إنسانا

فعلى عقولكم العفاء إذ أنكم

ثلّثتم العنقاء والغيلانا

فأجابه شاعرنا مشطراً وهو المغفور له السيّد حيدر الحلّي:

ما آن للسرداب أن يلد الذي

فيه تغيب عنكم كتمانا

فعلى عقولكم العفاء لأنكم

أنكرتم بجحوده القرآنا (2)

__________________

(1) إذا لم يرو أحد من الشيعة أنه عليه‌السلام غاب بالسرداب.

(2) أشار بقوله: أنكرتم بجحوده القرآنا إلى قوله تعالى: ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه الى يوم يبعثون ) وهذه الآية أكبر دليل على بقاء المهدي عليه‌السلام ، وهو حي يرزق ينتظر الأمر بظهوره.


هو نور رب العالمين وإنّما

صيرتموه بزعمكم إنسانا

لو لم تثنّوا العجل ما قلتم لنا

ثلّثتم العنقاء والغيلانا

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي الإثنى عشر، أولهم علي وآخرهم ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلّي خلف المهدي، وتشرق الأرض بنور ربّها ويبلغ الكنوز ولا يبقى في الأرض خراب إلّا ويعمر».

وأمّا الحوادث التي تكون قبل خروجه منها: خروج السفياني، وقتل الحسني، وإختلاف بني العباس في الملك، وكسوف الشمس في النصف من شهر رمضان وخسوف القمر في آخره على خلاف العادة، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وركود الشمس من عند الزوال إلى وسط أوقات العصر، وطلوعها من المغرب، وقتل النفس الزكية بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام، وهدم حائط مسجد الكوفة، وإقبال رايات سود من قبل خراسان، وخروج اليماني، وظهور المغربي بمصر وتملّكه الشامات، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة.

وطلوع نجم بالمشرق يضيء كما يضيء القمر ثم ينعطف حتى يكاد يلتقى طرفاه، وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في آفاقها، ونار تظهر بالمشرق طولا وتبقى في الجو ثلاثة أيام أو سبعة، وخلع العرب أعنتها وتملكها البلاد، وخروجها عن سلطان العجم، وقتل أهل مصر أميرهم، وخراب الشام، واختلاف ثلاث رايات فيه، ودخول رايات قيس والعرب إلى مصر، ورايات كندة الى خراسان، وورود خيل من قبل العرب حتى تربط بفناء الحيرة، وإقبال رايات سود من المشرق نحوها، وثقب في الفرات حتى يدخل الماء أزقة الكوفة، وخروج ستّين كذاباً كلهم يدعون النبوة، وخروج أثني عشر من آل أبي طالب


كلّهم يدعي الإمامة لنفسه.

واحراق رجل عظيم القدر من شيعة بني العباس بين جلولا وخانقين، وعقد الجسر ممّا يلي الكرخ بمدينة بغداد، وارتفاع ريح سوادء بها في أول النهار، وزلزلة حتى ينخسف كثير منها، وخوف يشمل أهل العراق وبغداد، وموت ذريع ونقص في الأموال والأنفس والثمرات، وجراد يظهر في أوانه وفي غير أوانه حتى يأتي على الزرع والغلّات، وقلّة الريع لما يزرعه الناس، واختلاف صنفين من العجم، وسفك دماء كثيرة فيما بينهم، وخروج العبيد عن طاعة ساداتهم، وقتل مواليهم، ومسخ قوم من أهل البدع، حتى يصيروا قردة وخنازير، وغلبة العبيد على بلاد السادات، ونداء من السماء يسمعه أهل الأرض كلّ أهل لغة بلغتهم، ووجه وصدر يظهران من السماء للناس في عين الشمس، وأموات ينشرون من القبور حتى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون، ثم يختم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتصل فتحيي بها الأرض بعد موتها، وتعرف بركاتها وتزول بعد ذلك كلّ عاهة عن معتقدي الحق من شيعة المهدي فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكة ويتوجّهون نحوه لنصرته كما جاءت بذلك الأخبار.

قال: ويجمع الله عند ذلك أصحاب المهدي وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، عدد أهل بدر، فيبايعونه بين الركن والمقام ثم يخرج بهم من مكة فينادي المنادي باسمه وأمره من السماء حتى يسمعهم أهل الأرض كلّهم، ثم يأتي الكوفة فيطيل بها المكث ثم يتوجّه بعد ذلك إلى كربلاء:

كربلاء لا زلت كرب وبلا

ما لقي عندك آل المصطفى (1)

__________________

(1) مطلعُ قصيدةٍ مشهورة وهي من نظم الشريف الرضي أعلى الله مقامه وزاد في الخلد إكرامه المتوفى في السادس من شهر محرم الحرام من سنة 406 هـ.


المطلب الرابع والخمسون

في سفراء الحجة عليه‌السلام

للمهدي المنتظر من آل محمد عجّل الله فرجه غيبتان: صغرى وكبرى، كما جاءت بذلك الأخبار عن الأئمة الأطهار عليهم‌السلام ، فمن مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين الشيعة يعني إلى وفاة السمري رابع السفراء هي الغيبة الصغرى، وهي أربعة وسبعين سنة، ففي هذه الأربع وسبعين سنة كان السفراء يرونه ويجتمعون عنده وربما رآه غيره ويصلون إلى خدمته وتخرج على أيديهم توقيعات إلى شيعته في أجوبة مسائل شتى يسألون بها الإمام عليه‌السلام .

وأمّا الغيبة الكبرى فهي بعد الأولى وفي آخرها يقوم بالسيف، وقد جاء في بعض التوقيعات أنّه بعد الغيبة الكبرى لا يراه أحد، وأنّ من ادعى الرؤية قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب، وجاء في عدة أخبار أنه عليه‌السلام ، يحضر المواسم في كلّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه.

وأمّا السفراء الأربعة الذين كانوا بينه وبين شيعته: أولهم أبو عمروعثمان بن سعيد العمري، كان عثمان بن سعيد هذا من بني أسد، ونسب إلى جدّه أبي أُمّه جعفر العمري، ويقال العسكري، لأنّه كان يسكن العسكر، وهي المحلة التي كان يسكنها الإمامين عليهما‌السلام ، موضع قبورهم الآن، لأنّ قبورهم في دارهم، ويقال له السمان لأنّه كان يتجر بالسمن، تغطية للأمر، وكان الشيعة إذا حملوا إلى الحسن


العسكري ما يجب عليهم من المال، جعله أبو عمرو في زقاق السمن وحمله إليه خوفاً وتقيّة، وكان قد نصبه الإمام الهادي عليه‌السلام وكيلاً له، ثم ابنه الحسن العسكري، وبعدها كان سفيراً للمهدي عليه‌السلام إلى شيعته، وكان الهادي عليه‌السلام يقول في حقّه: (هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعنّي يقوله، ما أدّاه إليكم فعني يؤدّيه).

وسأله بعض أصحابه قال له: سيّدي لمن أعامل وعمّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال عليه‌السلام (العمري ثقتي فما أدّى إليك فعنّي يؤدّي وما قال لك فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنّه الثقة المأمون).

وقال العسكري بعد وفاة أبيه عليه‌السلام فيه: (هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي في الحياة والممات، فما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّاه إليكم فعنّي يؤدّي).

وأقبل إليه جماعة من الشيعة زهاء أربعين رجلاً وسألوه عن الحجّة من بعده، فإذا غلام كأنّه قمر طالع أشبه الناس بأبي محمّد العسكري عليه‌السلام فقال عليه‌السلام : (هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنّكم لا ترونه بعد يومكم هذا حتى يتمّ له عمر، فأقبلوا من عثمان ابن سعيد ما يقوله وانتبهوا إلى أمره وأقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه).

ولقد حضر عثمان بن سعيد تغسيل العسكري وتولى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه ودفنه، وكان مأموراً بذلك من قبل الإمام عليه‌السلام .

قال الشيخ الطوسي رحمه‌الله ، وكانت توقيعات الإمام تخرج على يده ويد ابنه محمّد إلى شيعته، وخواصّ أبيه العسكري عليه‌السلام ، بالأمر والنهي، وأجوبة المسائل بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن العسكري عليه‌السلام ، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالة عثمان بن سعيد حتى توفي رحمه‌الله وغسّله ابنه محمّد ودفن بالجانب الغربي من مدينة السلام في شارع الميدان.


والثاني من السفراء هو أبوجعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري رحمه‌الله فكانت الشيعة بعد موت أبيه لا تختلف بعدالته، ولا بإمامته والتوقيعات تخرج على يديه إلى الشيعة في المهمات طول حياته بالخط الذي كان يخرج في حياة أبيه عثمان رحمه‌الله ، وكانت لأبي جعفر محمد بن عثمان كتب في الفقه ممّا سمعه من أبي محمد الحسن العسكري عليه‌السلام ومنها كتب في الأشربة، وروى عنه رحمه‌الله : (والله إنّ صاحب الأمر ليحضر في الموسم كلّ سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه).

وقيل له: رأيت صاحب هذا الأمر؟ قال: نعم آخر عهدي به عند بيت الله الحرام، وهو يقول: (اللّهمّ انجز لي وعدي).

ودخل عليه بعض أصحابه فرآه وبين يديه ساجة ونقاش ينقش عليها آياً من القرآن، وأسماء الأئمّة على حواشيها، فقال: هذي لقبري أسند إليها، وقد فرغت منه وأنا كلّ يوم أنزل فيه فأقرأ جزءاً من القرآن، فإذا كان يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا صرت إلى الله ودفنت فيه، فكان كما قال رحمه‌الله .

وفي رواية: حفر لنفسه قبراً وقال: أمرت أن أجمع أمري، فمات بعد شهر ودفن عند والدته بشارع باب الكوفة في بغداد.

والثالث من السفراء أبوالقاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، أقامه أبو جعفر محمّد بن عثمان مقامه قبل وفاته بسنتين، وقد جمع وجوه الشيعة وشيوخها، وقال: إن حدث عَلَيَّ حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي فقد أمرت أن أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه وعولوا في أموركم عليه.


وكان الحسين بن روح وكيلاً لمحمّد بن عثمان سنين عديدة، وكان رضي الله عنه من أعقل الناس عند المخالف والمؤالف، وقد جعل من بعده للأمر أبو الحسن علي ابن محمد السمري رحمه‌الله ، ولمّا توفي رحمه‌الله دفن في النوبختية في الدرب النافذ إلى التل وإلى درب الآخجر وإلى قنطرة الشوك.

والرابع من السفراء علي بن محمد السمري رحمه‌الله روى الشيخ الطوسي رحمه‌الله عن أحمد ن إبراهيم بن مخلد، قال: حضرت بغداد عند المشايخ رحمه‌الله فقال الشيخ أبو الحسن علي بن محمّد السمري قدس الله روحه: ابتدأ منه قائلاً: رحم الله علي ابن الحسين بن بابويه القمي وهو والد الصدوق رحمه‌الله ، فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم، فورد الخبر أنه توفي في ذلك اليوم.

وفي رواية: قال لهم: آجركم الله فيه فقد قبض هذه الساعة فاثبتوا التاريخ، فلمّا كان بعد سبعة عشر يوماً أو ثمانية عشر يوماً ورد الخبر بوفاته في تلك الساعة التي أخبرنا بها علي بن محمّد السمري.

وذكر الشيخ الطوسي رحمه‌الله في كتاب الغيبة أنّ السمري رحمه أخرج قبل وفاته بأيام إلى الناس توقيعاً نسخته:

(بسم الله الرحمن الرحيم)

يا علي بن محمد عظم الله أجر إخوانك فيك فإنّك ميّت ما بينك وبين ستّة أيام فاجمع أمرك ولا توصي إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية فلا ظهور إلّا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلّا


بالله العلي العظيم).

قال الراوي: فلمّا كان اليوم السادي عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، وكانت وفاته في النصف من شعبان سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.

أقول: انتهت بموته الغيبة الصغرى فكانت الغيبة الكبرى حتى يأذن الله له بالظهور.

متى ينجلي ليل النوى عن صبيحة

نرى الشمس فيها طالعتنا من الغرب (1)

__________________

(1) من قصيدةٍ للشيخ عبدالحسين الأعسم رحمه‌الله مطلعها:

نري يدك ابتلّت بقائمةِ العضب

فحتّام حتّام إنتظارك للضَّرْبِ


المطلب الخامس والخمسون

في ما كان يصنعه ملوك الشيعة بمصر وبغداد يوم عاشوراء

اتخذ الناس يوم عاشوراء بعد مقتل الحسين عليه‌السلام يوم حزن وبكاء وهم ينصبون المأتم والعزاء كل ذلك مواساة لأهل البيت وتقرباً إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وإلى ذوي القربى، وينظمون القصائد في رثاء الحسين عليه‌السلام وتتلى على الأشهاد، أخذ الخلف عن السلف، هاك ما يحدّثنا التاريخ عن أيام الفاطميين في مصر وما كانوا يصنعونه يوم عاشوراء من إقامة الشعائر والمواكب.

قال المقريزي في الخطط: كانوا - يعني الفاطميين - ينحرون في ويم عاشوراء الإبل والبقر والغنم يكثرون النوح والبكاء، ويسبّون من قتل الحسين عليه‌السلام ، ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم.

وذكر في موضع آخر انه في يوم عاشوراء من سنة ثلاث وستّين وثلاثمائة انصرف خلق من الشيعة إلى قبر أم كلثوم ونفيسة ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالتهم بالنياحة والبكاء على الحسين عليه‌السلام .

وذكر المقريزي أيضاً: قال ابن الطوبر: إذا كان يوم العاشر من المحرّم احتجب الخليفة عن الناس، فإذا علا النهار ركب قاضي القضاة والشهود وقد غيروا زيهم فيكونون كما هو اليوم، ثم صاروا إلى المشهد الحسيني وكان قبل ذلك يعمل في الجامع الأزهر، فإذا جلسوا فيه ومن معهم من قرّاء الحضرة


والمتصدّرين في الجوامع جاء الوزير فجلس صدراً والقاضي والداعي من جانبيه والقرّاء يقرؤون بنوبة وينشد قوم من الشعر غير شعراء الخليفة، شعراً يرثون به أهل البيت عليه‌السلام ، ولا يزالون إلى أن تمضي ثلاث ساعات فيستدعون إلى القصر، فيركب الوزير إلى داره ويدخل قاضي القضاة والداعي ومن معهما إلى باب الذهب فيجدون الدهاليز قد فرشت مصاطبها بالحصر بدل البسط وينصب في الأماكن الخالية من المصاطب دكك لتلحق بالمصاطب وتفرش ويجدون صاحب الباب جالساً، فيجلس القاضي والداعي إلى جانبه والناس على اختلاف طبقاتهم فيقرأ القراء وينشد المنشدون أيضاً، ثم يفرش على سماط الحزن مقدار ألف زبدية من العدس والممحات والمخللات والأجبان والألبان الطاسجة، وأعسال النحل والفطير والخبز المغيّر لونه بالقصد، فإذا قرب الظهر وفق صاحب الباب وصاحب المائدة، وأدخل الناس للأكل فيدخل القاضي والداعي، ويجلس صاحب الباب نيابة عن الوزير المذكور أنّ إلى جانبه، وفي الناس من لا يدخل ولاه يلزم أحد بذلك فإذا فرغ القوم انفصلوا إلى أماكنهم ركباً، بذلك الزي الذي ظهروا فيه وطاف النواح بالقاهرة ذلك اليوم وأغلق البيّاعون حوانيتهم إلى جواز العصر، فيفتح الناس بعد ذلك وينصرفون، هذا ما كان يصنع في مصر يوم عاشوراء أيام الفاطميين.

وأما ما كان يصنعه آل بويه في بغداد فقد ذكره أرباب التاريخ، وذكر أبو الفداء في حوادث سنة ثلاثمائة واثنين وخمسين يوم عاشوراء المحرم أمر معزّ الدولة الناس أن يغلقوا دكاكينهم ويظهرون النياحة، وأن تخرج النساء منشرات الشعور مسودّات الوجوه قد شققن ثيابهنّ ويلطمنّ وجوههنّ على الحسين بن علي عليه‌السلام ، ففعل الناس ذلك.

وقال ابن كثير في البداية والنهاية: وقد أسرفوا في دولة بني بويه في حدود


الأربعمائة وما حولها، فكانت الدرادل (1) تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء ويذري الرماد والتبن في الطرقات، وتعلق المسوح (2) على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتذّ موافقة للحسين حيث قتل عطشاناً.

أقول: وكل هذه القضايا أخبر عنها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سيدة النساء فاطمة يوم ولادة الحسين عليه‌السلام حيث جاء النبي إلى بيت فاطمة وقال: عَلَيَّ بولدي الحسين، فأخذه وجعل ينظر إليه وهو يبكي، فقالت له فاطمة: يا أبة مالي أراك تنظر إلى ولدي الحسين وتبكي؟ فقال لها: بنية هذا جبرئيل يخبرني أنّ أُمّتي تقتله. فقالت فاطمة: يا أبتاه ومتى يكون ذلك؟ فقال لها: بنية في زمان خال منّي ومنك ومن أبيه أمير المؤمنين وأخيه الحسن. فقالت: أجل ومن يبكي على ولدي الحسين؟ فقال لها: (بنية يقيض الله له شيعة فيبكون على ولدي الحسين، جيلاً بعد جيل، وينصبون المأتم والعزاء عليه).

أقول:

يا رسول الله يا فاطمة

يا أمير المؤمنين المرتضى

عظّم الله لك الأجر بمن

كض أحشاه الظما حتى قضى

هذا ما تيسر لنا جمعه (الجزء الأول والجزء الثاني) من كتاب (ثمرات الأعواد)، وترقّبوا كتاب (المطالب المهمة) ملمّ بحياة الأئمّة الإثني عشر يحتوي على مطالب مرتّبة في ولاداتهم وفضائلهم ومناقبهم ووفياتهم وهو مائة مطلب وبالله التوفيق ومنه الأجر، تم سنة 1390.

__________________

(1) الدرادل: الطبول.

(2) المسموح الكساء من الشعر جمع مسح.


الفهرس

المطلب الأوّل: في مسير السبايا والرؤوس إلى الكوفة 4

المطلب الثاني: يتضمّن خطبة العقيلة زينب واُختها اُم كلثوم عليهما‌السلام في الكوفة(1) 9

المطلب الثالث: في خطبة فاطمة بنت الحسين عليهما‌السلام بالكوفة 12

المطلب الرابع: في خطبة السجاد زين العابدين عليه‌السلام بالكوفة 15

المطلب الخامس: في دخول السبايا على ابن زياد لعنه الله بالكوفة 18

المطلب السادس: في خطبة ابن زياد بالجامع وجواب عبدالله بن عفيف له ومقتل عبدالله رحمه‌الله 22

المطلب السابع: في إرسال الرؤوس والسبايا الى الشام 25

المطلب الثامن: في وصول السبايا والرؤوس إلى دمشق الشام 30

المطلب التاسع: في دخول السبايا والسجّاد والرأس الشريف على يزيد 33

المطلب العاشر: في خطبة العقيلة زينب عليها‌السلام في مجلس يزيد 36

المطلب الحادي عشر: في خطبة علي بن الحسين في مجلس يزيد 40

المطلب الثاني عشر: في ذكر بعض ما جرى في مجلس يزيد لعنه الله 44

المطلب الثالث عشر: في ما جرى على السبايا في مجلس يزيد 47

المطلب الرابع عشر: في ما جرى للسبايا بالخربة في الشام 50

المطلب الخامس عشر: في إظهار ندم يزيد وإنكاره على ابن مرجانة 53

المطلب السادس عشر: في رجوع السبايا من الشام ووصولهم الى كربلاء 56

المطلب السابع عشر: في ترجمة جابر بن عبدالله الأنصاري 60

المطلب الثامن عشر: في موضع دفن الرأس الشريف 65

المطلب التاسع عشر: في رجوع السبايا الى المدينة 69

المطلب العشرون: في ملاقاة السجاد عليه‌السلام مع عمّه محمّد 73

المطلب الحادي والعشرون: في واقعة الحرّة 78

المطلب الثاني والعشرون: في مكاتبة ابن عباس ويزيد لعنه الله 83

المطلب الثالث والعشرون: في ثورة العراقيين على ابن زياد لعنه الله 87

المطلب الرابع والعشرون: في ذكر التوابين 90


المطلب الخامس والعشرون: في تتمة قضية التوّابين 95

المطلب السادس والعشرون: في تتمة ذكر التوّابين 99

المطلب السابع والعشرون: في تتمة قضية التوّابين 104

المطلب الثامن والعشرون: في واقعة التوّابين 107

المطلب التاسع والعشرون: في قضية المختار بن أبي عبيدة الثقفي رحمه‌الله 111

المطلب الثلاثون: في تتمة قضية المختار 116

المطلب الحادي والثلاثون: في تتمة قضية المختار 122

المطلب الثاني والثلاثون: في محاربة المختار لأهل الكوفة 126

المطلب الثالث والثلاثون: في بيعة أهل الكوفة للمختار 130

المطلب الرابع والثلاثون: في ثورة أهل الكوفة على المختار 135

المطلب الخامس والثلاثون: في ما فعله المختار بقتلة الحسين عليه‌السلام 139

المطلب السادس والثلاثون: في مقتل عمر بن سعد عليه اللعنة 144

المطلب السابع والثلاثون: في مقتل عبيدالله بن زياد عليه اللعنة 148

المطلب الثامن والثلاثون: في تنزيه المختار عليه‌السلام 152

المطلب التاسع والثلاثون: في فضل الكوفة والأخبار الواردة فيها 155

المطلب الأربعون: في ما فعله السفّاح ببني أُمية 160

المطلب الحادي والأربعون: في بقية قضية السفاح وما فعله ببني أمية 164

المطلب الثاني والأربعون: في مقتل زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام 169

المطلب الثالث والأربعون: في بقية قضية زيد بن علي بن الحسين عليه‌السلام 173

المطلب الرابع والأربعون: في واقعة الزاب بين الاُمويين والعباسيين 177

المطلب الخامس والأربعون: في ترجمة عيسى بن زيد وتخفيه 182

المطلب السادس والأربعون: في ترجمة يحيى بن زيد ومقتله عليه‌السلام 187

المطلب السابع والأربعون: في ترجمة محمد ذي النفس الزكية عليه‌السلام 191

المطلب الثامن والأربعون: في مقتل محمّد ذي النفس الزكية عليه‌السلام 195

المطلب التاسع والأربعون: في ترجمة إبراهيم ومقتله عليه‌السلام 200

المطلب الخمسون: في ترجمة الحسين بن علي عليه‌السلام قتيل فخ 205

المطلب الحادي والخمسون: في مقتل الحسين بن علي الحسني بفخ 209


المطلب الثاني والخمسون: في غيبة الحجة عليه‌السلام 213

المطلب الثالث والخمسون: في غيبة الحجة عليها‌السلام 217

المطلب الرابع والخمسون: في سفراء الحجة عليه‌السلام 221

المطلب الخامس والخمسون: في ما كان يصنعه ملوك الشيعة بمصر وبغداد يوم عاشوراء 226