عقيلة بني هاشم

المؤلِّف: علي بن الحسين الهاشمي الخطيب


هوية الكتاب

الشابك: isrn 964 - 6390 - 24 - 2

الكتاب: عقيلة بني هاشم عليها‌السلام

المؤلِّف: السيد علي الهاشمي الخطيب

الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة

عدد الصفحات والقطع: 80 صفحة وزيري

عدد المطبوع: 1000 نسخة

سنة الطبع: 1377

الطبعة: الاُولى

المطبعة: أمير - قم


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يكن له ندٌّ ولا ولد، ثمَّ الصلاة على نبيه المصطفى، وآله الميامين الشرفا، الذين خصّهم الله بآية التطهير. يقول تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .


بسم الله الرحمن الرحيم


عقيلة بني هاشم

زينب الكبرى

ولادتها

ولدت زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام في الخامس من جمادى الأولى في السنة الخامسة من الهجرة، وذكر جلال الدين السيوطي في رسالته (الزينبية) قال: ولدت زينب في حياة جدِّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

تسميتها وكنيتها

سماها جدّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله زينب. اسم اختاره لها جدّها سيد البشر صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتكنى اُمّ كلثوم، واُمّ الحسن. ويقال لها: زينب الكبرى؛ للفرق بينها وبين مَن سُمّيت باسمها من أخواتها.

وتلقّب بالصدّيقة الصغرى؛ للفرق بينها وبين اُمّها الصدّيقة الكبرى فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين. وتلقّب أيضاً بالعقيلة (1) ، وعقيلة بني هاشم، وعقيلة

____________________

(1) العقيلة: هي المرأة الكريمة على قومها، العزيزة في بيتها.


الطالبيِّين، وتلقب بالموثّقة، والعارفة، والعالمة غير المعلمة، والفاضلة، والكاملة، وعابدة آل علي عليه‌السلام .

زينب اُولى بنات أمير المؤمنين عليه‌السلام ولدتها فاطمة الزهراء بعد الحسنين السبطين عليهما‌السلام ، ومما يؤكّد ذلك أن الرواة في أيام الاضطهاد كانوا إذا رووا رواية عن علي عليه‌السلام يقول الرجل: هذه الرواية عن أبي زينب، كما ذكر ذلك ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وإنّما كنّوا أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذه الكنية؛ لأنّ زينب كانت الأكبر من ولده بعد الحسنين عليهما‌السلام ، ولم يُعرف بهذه الكنية عند أعدائه.

أبوها

أبوها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، القرشي الهاشمي، أبو السبطين الحسن والحسين عليهما‌السلام . ولد في بيت الله الحرام في الثالث عشر من شهر رجب قبل المبعث بعشرة سنين. كان أوّل الناس إسلاماً، وأعظمهم إقداماً، وأقواهم شكيمة، وأشدّهم عزيمة.

كيف لا يكون كذلك وقد تربّى في حجر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وآزره وحامى عنه وهو ابن عشر سنين، وأخذ عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كلَّ العلوم، واقتبس من قبس النبوة حتّى قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( خير أعمامي أبو طالب عليه‌السلام ، وخير اُخواني علي عليه‌السلام )) .

وفداه بنفسه ليلة مبيته على الفراش، وشهد مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مشاهده كلَّها، وقد زوّجه من ابنته فاطمة الزهراء عليها‌السلام ؛ إذ


ما كان لها كفواً إلاَّ ابن عمها علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، فولدت له الحسن والحسين، ومحسن السقط، وزينب الكبرى، وزينب الصغرى اُمّ كلثوم عليهم‌السلام .

وكان علي عليه‌السلام أشجع أصحاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأعلمهم بالفرائض والسنن، وما أشكلت على المسلمين قضية إلاّ وجدوا عند عليٍّ عليه‌السلام حلّها، حتّى قال عمر بن الخطاب: لولا علي لهلك عمر .

وكان من الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله بمنزلة هارون من موسى، قال الحميري:

سـائل قريشاً به إذ كنت ذا عمهٍ

مَـن كان أثبتها في الدين أوتادا

مَـن كـان أقدم إسلاماً وأكثرها

عـلماً وأطـهرها أهلاً وأولادا

مَـن وحّـد الله إذ كانت مكذبةً

تـدعو مـع الله أوثاناً وأندادا

مَن كان يقدم في الهيجاء إذ نكلوا

عـنها وإن بخلوا في أزمةٍ جادا

مَـن كان أعدلها حكماً وأبسطها

كـفّاً وأصـدقها وعـداً وإيعادا

إن يصدقوك فلن يعدوا أبا حسنٍ

إن أنـت لم تلق للأبرار حسادا


إن أنت لم تلق أقواماً ذوي صلفٍ

وذا عـنـادٍ لـحقِّ الله جـحّادا

ضُرِبَ عليه‌السلام على قرنه، ضربه عبد الرحمان بن ملجم المرادي الخارجي بسيفه وهو يؤدّي الفرض لله تعالى ليلة تسعة عشر من شهر رمضان، في أفضل الأماكن من القطر العراقي (مسجد الكوفة)، وفي أفضل الشهور (شهر رمضان المبارك)، وفي أفضل الأوقات (بين الطلوعين)؛ طلوع الفجر وطلوع الشمس، وفي أفضل الأمكنة (محرابه).

ضربه وهو مشغول بالصلاة لله في أول ركعة من صلاة الفجر بين السجدتين، قال المغفور له السيد حيدر الحلي:

قـتلتم الـصلاةَ فـي محرابِها

يا قاتليه وهـو فـي مـحرابهِ

وشقّ رأسَ العدل سيفُ جورِكمْ

مُـذ شقّ منه الرأس في إهابهِ

فليبكِ جـبريلُ لـه ولينتحبْ

فـي الملأ الأعلى على مصابه

اُمّها

اُمّها سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء بنت الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كانت تلقّب بالزهراء، واُمّ أبيها، والبتول، والصدّيقة، والطاهرة، والزكية، والمحدّثة، وهي أصغر بنات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، واُمّها خديجة بنت خويلد (رضوان الله عليها).


ولدت فاطمة عليها‌السلام في جمادى الآخرة وعمر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله آنذاك خمس وثلاثين سنة.

نشأت في حجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وتربّت في كنفه، وزوّجها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً عليه‌السلام . ويروى أنها بكت يوم زواجها، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( ما لكِ تبكين يا فاطمة، فوالله لقد أنكحتك أكثرهم علماً، وأفضلهم حلماً، وأوّلهم سلماً؟! )) . فولدت له الحسن والحسين وزينب الكبرى واُمّ كلثوم ومحسن السقط عليهم‌السلام .

وقد انقطع نسل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ من فاطمة، وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ينوّه على المنبر بفضلها وشرفها وحبّه لها، وكان يقول: (( فاطمة بضعة منّي، يؤذيني ما يؤذيها، ويريبني ما يريبها. يرضى الله لرضا فاطمة، ويغضب لغضبها )) .

توفّيت سيدة النساء فاطمة عليها‌السلام بعد أبيها بخمسة وتسعين يوماً، واُلحدت ليلاً بوصية منها، ودفنها عند قبر أبيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، واليوم يقال لموضع قبرها: بيت فاطمة، فقال علي عليه‌السلام يرثيها:

[ها] قد قبرتُك وانصرفتُ مودّعاً

بأبي ونفسي جسمكِ المقبورُ

أَمّا القُبورُ فَإِنَّهُنَّ أَوانِسٌ

بِجُوارِ قَبرِكَ وَالدِيارُ قُبورُ

نشأتها

نشأت هذه الكريمة في حضن النبوة، ودرجت في بيت الرسالة، ورضعت لبان الوحي من ثدي بضعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الزهراء البتول عليها‌السلام ، وغذيت بغذاء الكرامة من كفِّ والدها ابن عمِّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛


فنشأت نشأة قدسية، وربيت تربية روحانية، متجلببة جلباب الجلال والعظمة، مرتدية رداء العفاف والحشمة؛ فالخمسة أصحاب العبا عليهم‌السلام هم الذين قاموا بتربيتها وتثقيفها وتهذيبها، وكفاك بهم مؤدّبين ومعلمين.

ذكر العلامة محمد علي أحمد المصري في رسالته، قال: السيدة زينب نشأت نشأة حسنة، كاملة فاضلة عالمة، من شجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وكانت على جانب عظيم من الحلم والعلم ومكارم الأخلاق، ذات فصاحة وبلاغة، تفيض من يدها عيون الجود والكرم.

وقد جمعت بين جمال الطلعة وجمال الطوية حتّى أنها اشتهرت في بيت النبوة. ولقّبت بصاحبة الشورى، وكفاها فخراً أنها فرع من شجرة أهل بيت النبوة الذين مدحهم الله في كتابه العزيز... إلى آخر ما كتب عنها.

شرف نسبها وفضلها

جدّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد المرسلين، ووالدها علي أمير المؤمنين عليه‌السلام ، واُمّها فاطمة سيدة نساء العالمين عليها‌السلام ، وجدتها خديجة الكبرى اُمّ المؤمنين عليها‌السلام ، وأخواها الحسن والحسين عليهما‌السلام سبطا رسول ربِّ العالمين، وأعمامها طالب وعقيل وجعفر فخر الهاشميين، والعمّة اُمّ هاني بنت عبد مناف شيخ الأباطح، وخالاتها أبناء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

نسبٌ كأنّ عليه من شمسِ الضحى

نـوراً ومـن فلقِ الصباح عمودا


وقال آخر:

أبوها عليٌّ أثبت الناس في اللقا

وأشجعُ ممّن جاء من صلب آدمِ

فماذا يكون هذا الشرف، وإلى أين ينتهي شأوه ويبلغ مداه؟!

وإذا أضفنا إلى شرف نسبها علمَها وفضلَها، وتقواها وكمالَها، وزهدَها وورعها، وكثرة عبادتها ومعرفتها بالله تعالى كان هناك الشرف الذي لا يجاريه شرف.

ذكر النيسابوري في رسالته العلوية قال: كانت زينب بنت علي عليهما‌السلام في فصاحتها وبلاغتها، وزهدها وعبادتها كأبيها المرتضى واُمّها الزهراء عليهما‌السلام .

واقرأ ما دبّجته يراعة البحاثة الكبير (فريد وجدي)، يقول: السيدة زينب بنت علي رضي‌الله‌عنهما ، كانت من فضليات النساء، وشريفات العقائل، ذات تقى وطهر وعبادة.

وحسب القارئ ما أملاه الاُستاذ حسن قاسم في كتابه (السيدة زينب) قال: السيدة الطاهرة الزكية بنت الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، ابن عمّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وشقيقة ريحانتيه، لها أشرف نسب، وأجلّ حسب، وأكمل نفس، وأطهر قلب، فكأنّها صيغت في قالب ضمّخ بعطر الفضائل.

فالمستجلي آثارها يتمثّل أمام عينيه رمز الحق، رمز الفضيلة، رمز الشجاعة، رمز المروءة، فصاحة اللسان، قوة الجنان، مثال الزهد والورع، مثال العفاف والشهامة، إنّ في ذلك لعبرة... إلخ.


وذكر العلامة محمّد علي أحمد المصري في رسالته السيدة زينب رضي‌الله‌عنها : هي بنت سيدي الإِمام علي (كرّم الله وجهه)، وبنت فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي من أجلّ أهل البيت حسباً، وأعلاهم نسباً، خيرة السيدات الطاهرات، ومن فضليات النساء، وجليلات العقائل، التي فاقت الفوارس في الشجاعة، واتّخذت طول حياتها تقوى الله بضاعة.

وكان لسانها الرطب بذكر الله على الظالمين عضباً، ولأهل الحق عيناً معيناً، كريمة الدارين، وشقيقة الحسنين، بنت الزهراء التي فضّلها الله على النساء، وجعلها عند أهل العزم اُمّ العزائم، وعند أهل الجود والكرم اُمّ هاشم.

وإليك ما ذكره عمر أبو النصر في كتابه (فاطمة بنت محمّد) قال: وأمّا زينب بنت فاطمة فقد أظهرت أنها من أكثر أهل البيت جرأة وبلاغة وفصاحة، وقد استطارت شهرتها بما أظهرت يوم كربلاء وبعده من حجة وقوة، وجرأة وبلاغة حتّى ضُرب بها المثل، وشهد لها المؤرّخون والكتَّاب.

ومن فضلها وشرفها أنّ الخمسة أهل العبا (عليهم سلام الله) كانوا يحبّونها حبّاً جمّاً، حتّى ورد في بعض الأخبار أنّ الحسين عليه‌السلام كان إذا زارته زينب يقوم إجلالاً لها، وكان يجلسها بمكانه.


ولقد حدّث يحيى المازني عن خفارتها وصونها، قال: كنت مجاوراً لأمير المؤمنين عليه‌السلام في المدينة مدة مديدة، وكنت بالقرب من البيت الذي تسكنه زينب ابنته، فلا والله ما رأيت لها شخصاً، ولا سمعت لها صوتاً، وكانت إذا أرادت أن تزور قبر جدها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تخرج ليلاً؛ الحسن عليه‌السلام عن يمينها، والحسين عليه‌السلام عن شمالها، وأبوها أمير المؤمنين عليه‌السلام أمامها، فإذا قربت من الروضة النبوية سبقها أبوها أمير المؤمنين فأخمد ضوء القناديل، فسأله الحسن عليه‌السلام عن ذلك مرة، أجابه عليه‌السلام : (( أي بني، إنّي أخشى أنّ هناك أحداً ينظر شخص اُختك زينب )) .

هذا هو الشرف، وهذا هو الصون الذي حفظه التاريخ لهذه السيدة العقيلة.

عبادتها

قلنا: إنّ السيدة زينب بنت الإمام علي عليهما‌السلام كانت تشبه أباها عليّاً واُمها الزهراء عليهما‌السلام بالعبادة، كانت تؤدي النوافل كاملة في كلِّ أوقاتها، حتّى إنّ الحسين عليه‌السلام عندما أوصاها ليلة العاشرة من المحرم، فمن جملة وصاياه أن قال لها: (( اُختاه يا زينب، واُوصيك أن لا تنسيني في نافلة الليل )) ، كما ذكر ذلك الفاضل البيرجندي، وهو مدوّن في كتب السير والمقاتل.

ولم تغفل عن نافلة الليل قطّ حتّى ليلة العاشرة من


المحرم؛ فلقد جاءت الرواية عن فاطمة بنت الحسين عليهما‌السلام قالت: أمّا عمتي زينب فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة - أي ليلة عاشوراء - في محرابها، تستغيث إلى ربها، والنساء ما هدأت لهنّ عين ولا سكنت لهنّ رنّة.

كانت (سلام الله عليها) من القانتات العابدات اللواتي وقفن حركاتهنّ وسكناتهنّ وأنفاسهنّ للباري تعالى، وبذلك حصلن على المنازل الرفيعة، والدرجات العالية التي حكت برفعتها منازل المرسلين ودرجات الأوصياء (عليهم الصلاة والسّلام) (1) .

تهجّدها وأدعيتها

كانت عقيلة بني هاشم كثيرة العبادة والتهجّد، تصلّي النوافل، ولا زالت تتلو القرآن الكريم، وملازمة له، ولن يفتر لسانها عن ذكر الله قط، تدعو الله بعد كلِّ صلاة وتسبّحهُ.

فمن أدعيتها التي كانت تقرأها بعد صلاتها وحال القنوت، وقد أخذت هذه الأدعية عن جدِّها المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبيها المرتضى عليه‌السلام ، واُمّها الزهراء عليها‌السلام ، من الأدعية التي كانت زينب تدعو بها (2) :

____________________

(1) هذه الجملة نقلناها من كتاب (زينب الكبرى) لاُستاذنا الشيخ جعفر نقدي (رحمه الله).

(2) ورد في بعض الأخبار: (( مَن واظب على قراءة هذا الدعاء كفاه الله هموم دنياه، وكان له نوراً في اُخراه )).


(( يا عمادَ مَن لا عماد له، ويا ذُخر مَن لا ذُخر له، ويا سند مَن لا سند له، ويا حرز الضعفاء، ويا كنز الفقراء، ويا سميع الدعاء، ويا مجيب دعوة المضطرّين، ويا كاشف السوء، ويا عظيم الرجاء، ويا منجي الغرقى، ويا منقذ الهلكى، يا مُحسن يا مجمل، يا منعم يا مفضل، أنت الذي سجد لك سوادُ الليل، وضوءُ النهار، وشعاعُ الشمس، وحفيفُ الشجر، ودوي الماء .

يا الله يا الله الذي لم يكن قبله ولا بعده، ولا نهاية ولا حدّ، ولا كفؤ ولا ندّ، بحرمة اسمك الذي في الآدميين معناه، المرتدي بالكبرياء والنور والعظمة، محقق الحقائق، ومطلّ الشرك والبوائق، وبالاسم الذي تدوم به الحياة الدائمة الأزلية التي لا موت معها ولا فناء، وبالروح المقدّسة الكريمة، وبالسمع الحاضر النافذ، وتاج الوقار، وخاتم النبوة، وتوثيق العهد، ودار الحيوان، وقصور الجمال، يا الله لا شريك له )) .

ومن الأدعية والتسبيحات التي كانت تواظب عليها‌السلام على قراءتها، هو: (( سبحان مَن لبس العزَّ وتردّى به، سبحان مَن تعطّف بالمجد والكرم، سبحان مَن لا ينبغي التسبيح إلاّ له (جلّ جلاله)، سبحان مَن أحصى كلَّ شيء عدداً بعلمه وخلقه وقدرته، سبحان ذي العزّة والنعم.

اللهمَّ إنّي أسألك بمعاقد العزِّ من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك،


وباسمك الأعظم، وجدّك الأعلى، وكلماتك التامات التي تمّت صدقاً وعدلاً أن تصلّي على محمّد وآل محمّد الطيبين الطاهرين، وأن تجمع لي خيرَ الدنيا والآخرة بعد عمر طويل. اللهمَّ أنت الحيّ القيوم، أنت هديتني، وأنت تطعمني وتسقيني، وأنت تميتني وتحييني برحمتك يا أرحم الراحمين )) .

ومن أدعية أبيها الذي كانت تدعو به بعد صلاة العشاء، وهو: (( اللهمَّ إنّي أسألك يا عالمَ الاُمور الخفيّة، ويا مَن الأرض بعزّته مدحيّة، ويا مَن الشمس والقمر بنور جلاله مشرقة مضيئة، ويا مقبلاً على كلِّ نفس مؤمنة زكيّة، يا مسكّن رعب الخائفين وأهل التقيّة، يا مَن حوائج الخلق عنده مقضيّة، يا مَن ليس له بوّاب يُنادي، ولا صاحب يُغشى، ولا وزير يُؤتى، ولا غير ربٍّ يُدعى، يا مَن لا يزداد على الإلحاح إلاّ كرماً وجوداً، صلِّ على محمّد وآلِ محمّد، وأعطني سؤلي إنّك على كلِّ شيء قدير )) .

وممّا كانت تناجي ربها به هذه الأبيات، وهي من مناجاة أبيها أمير المؤمنين عليه‌السلام :

لك الحمدُ يا ذا الجود والمجد والعُلا

تـباركتَ تُـعطي مَن تشاءُ وتمنعُ

إلـهي وخـلاّقي وحرزي ومَوئلي

إلـيكَ لـدى الإعسار واليسرِ أفزعُ


إلـهي [لئن] جلّت وجمّت خـطيئتي

فـعوفك عـن ذنـبي أجلّ وأوسعُ

إلـهي لـئن اُعطيت نفسيَ سؤلها

فـها أنـا في روضِ الندامة أرتعُ

إلـهي تـرى حالي وفقري وفاقتي

وأنـت مـناجاتي الـخفية تـسمعُ

إلـهي فـلا تقطع رجائي ولا تزغْ

فـؤادي فلي في سيب جودك مطمعُ

إلـهي لئن خيّـبتني أو طردتـني

فمن ذا الذي أرجو ومن ذا أشـفعُ

إلـهي أجـرني مـن عذابك إنّني

أسـيرٌ ذلـيلٌ خـائف لك أخضعُ

إلـهي فـآنسني بـتلقينِ حـجّتي

إذا كان لي في القبر مثوىً ومضجعُ

إلـهي أذقـني طـعم عفوك يوم لا

بـنـونٌ ولا مـالٌ هـنالك يـنفعُ

إلـهي لـئن لم ترعني كنت ضائعاً

وإن كـنت تـرعاني فلست اُضيّعُ

إلـهي إذا لم تعفُ عن غير محسنٍ

فـمَـن لـمسيء بـالهوى يـتمتع


إلهي لئن فرّطت في طلب التقى

فـها أنـا أثـر العفو أقفو وأتبعُ

إلـهي لئن أخطأت جهلاً فطالما

رجـوتك حتّى قيل ما هو يجزعُ

إلهي ذنوبي بذّت الطودَ واعتلتْ

وصـفحك عن ذنبي أجلّ وأرفعُ

إلـهي ينحّي ذكر طولك لوعتي

وذكـر الخطايا العين منيَ يدمعُ

إلهي أقلني عثرتي وامحُ حوبتي

فـإنّي مُـقرٌّ خـائفٌ مـتضرعُ

إلـهي أنـلني منك روحاً وراحةً

فـلست سوى أبوابِ فضلك أقرعُ

إلهي لئن أقصيتني أو أهنتني

فما حيلتي يـا ربِّ أم كيف أصنعُ

إلهي حليفُ الحبِّ في الليل ساهرٌ

يـناجي ويـدعو والمغفّل يهجعُ

إلـهي وهـذا الخلقُ ما بين نائمٍ

ومـنـتبهٍ فـي لـيله يـتضرّعُ

وكـلهمُ يـرجو نـوالك راجـياً

لرحمتك العظمى وفي الخُلد يطمعُ

إلـهي يـمنّيني رجـائي سلامةً

وقـبحُ خـطيئاتي عـليَّ يشنّعُ


إلـهي فإن تعفو فعفوك منقذي

وإلاّ فـبالذنب الـمدمّر اُصرعُ

إلـهي بـحقِّ الـهاشميِّ محمّدٍ

وحـرمةِ أطهارٍ همُ لك خضّعُ

إلهي بحقِّ المصطفى وابنِ عمِّه

وحـرمةِ أبـرار همُ لك خشّعُ

إلـهي فأنشرني على دين أحمدٍ

مـنيباً تـقياً قـانتاً لك أخضعُ

ولاتـحرمنّي يـا إلهي وسيدي

شـفاعته الكبرى فذاك المشفّعُ

وصـلِّ عليهم ما دعاك موحّدٌ

ونـاجاك أخـيارٌ بـبابك ركّعُ

وكانت لم تزل تلهج بهذه الأبيات، وهي لأبيها عليه‌السلام :

وكـم لـله من لطفٍ خفيٍّ

يـدقّ خفاه عن فهمِ الذكيِّ

وكم يُسرٍ أتى من بعد عسرٍ

وفـرّج كربةَ القلبِ الشجيِّ

وكـم أمرٍ تساء به صباحاً

فـتأتيكَ الـمسرّة بـالعشيِّ

إذا ضاقت بك الأحوال يوماً

فـثق بـالواحدِ الفردِ العليِّ

تـوسّل بالنبيِّ فكلّ خطبٍ

يـهون إذا تـوسّل بالنبيِّ

ولا تـجزع إذا ما ناب أمرٌ

فـكم لـله مـن لطف خفيِّ

من غُررِ كلامها

ذكر أحمد بن أبي طاهر - طيفور - قال: كانت زينب


بنت علي عليهما‌السلام تقول: مَن أراد أن لا يكون الخلق شفعاؤه إلى الله فليحمده؛ ألم تسمع إلى قولهم: سمع الله لمن حمده؟ فخف الله لقدرته، واستحِ منه لقربه منك.

خطبتها في الكوفة

حدّث حذلم بن كثير قال: قدمتُ الكوفة في المحرم سنة إحدى وستّين عند منصرف علي بن الحسين عليه‌السلام والسبايا من كربلاء، ومعهم الأجناد يحيطون بهم، وقد خرج الناس للنظر إليهم، فلمّا أقبل بهم على الجمال بغير وطاء، خرجن نسوة أهل الكوفة يبكين وينشدن.

وذكر الجاحظ في (البيان والتبيين) عن خزيمة الأسدي قال: ورأيت نساء أهل الكوفة يومئذ قياماً يندبن، متهتّكات الجيوب.

قال حذلم بن كثير: فسمعت علي بن الحسين عليه‌السلام يقول بصوت ضئيل ضعيف، وقد أنهكته العلة، والجامعة في عنقه، والغل في يديه، ويداه مغلولتان إلى عنقه: (( إنّ هؤلاء النسوة يبكين، إذاً فمن قتلنا؟! )) .

قال: ورأيت زينب بنت علي عليهما‌السلام ، ولم أرَ خفرة (1) أنطق منها، كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين عليه‌السلام .

____________________

(1) الخفر (بالتحريك): شدة الحياء، ومن قولهم: تخفّرت المرأة، اشتد حياؤها. (لسان العرب)


قال: وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدت الأنفاس وسكنت الأصوات، فقالت: الحمد لله والصلاة على محمّد وآله الطيبين الأخيار، أمّا بعد يا أهل الكوفة، يا أهل الختر (1) والغدر! أتبكون؟! فلا رقأت الدمعة، ولا هدأت الرنّة، إنما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً (2) ، تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم (3) .

ألا وهل [فيكم] إلاّ الصلف (4) والنطف (5) ، والكذب والشنف (6) ، وملق الإماء وغمز الأعداء، أو كمرعى على دمنة (7) ، أو كقصة (8) على ملحودة، ألا ساء ما قدّمت لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.

أتبكون وتنتحبون؟! إي والله، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً،

____________________

(1) الختر: الخديعة بعينها، وقيل: هو أسوء الغدر وأقبحه. وفي التنزيل العزيز: ( كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ) ، وفي الحديث: (( ما ختر قومٌ بالعهد إلاّ سلّط عليهم العدو )) . (لسان العرب)

(2) أي لا تكونوا كالتي غزلت ثمَّ نقضت غزلها، يقال: كانت امرأة حمقاء تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار، ثمّ تأمرهنّ أن ينقضن ما غزلن، ولا يزال ذلك دأبها.

(3) أي خيانة ومكراً.

(4) الصلف: الادّعاء تكبراً.

(5) النطف: التلطّخ بالعيب.

(6) الشَّنَف (بالتحريك): البغض والتنكّر.

(7 الدمنة: ما تدمنه الإبل والغنم بأبوالها وأبعارها.

(8) القَصَّة بالفتح: بناية مجصّصة على قبرٍ. كأنها تقول: أنتم كقصّة على جيفة، فشبّهت أجسامهم بالقصة المجصصة على الميتة.


فلقد ذهبتم بعارها وشنارها، ولن ترحضوها بغسلٍ بعدها أبداً، وأنّى ترحضون قتلَ سليل خاتم النبوّة، ومعدن الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنّة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، ومنار محجّتكم، ومدره سنتكم؟! ألا ساء ما تزرون، وبعداً لكم وسحقاً! فلقد خاب السعي، وتبّت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبُؤتم بغضب من الله، وضُربت عليكم الذلة والمسكنة.

ويلكم يا أهل الكوفة! أتدرون أي كبد لرسول الله فريتم، وأي كريمة له أبرزتم، وأي دم له سفكتم، وأي حرمة له انتهكتم؟! ولقد جئتم بها صلعاء (1) عنقاء، سوداء فقماء، خرقاء شوهاء، كطلاع الأرض (2) أو ملاء السماء، أفعجبتم أن أمطرت السماء دماً، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تُنظرون! فلا يستخفّنكم المهل؛ فإنّه لا يحفزه البدار (3) ، ولا يخاف فوت الثار، وإنّ ربكم لبالمرصاد.

قال الراوي: فوالله، لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون، وقد وضعوا أيديهم على أفواههم، ورأيت شيخاً واقفاً إلى جنبي يبكي حتّى اخضلّت لحيته بالدموع، وهو يقول: بأبي أنتم واُمّي! كهولكم خير [الكهول، وشبابكم خير] الشباب، ونساؤكم

____________________

(1) الصلعاء: الداهية. وما بعدها صفات لها في القبح والشدة.

(2) طلاع الأرض: ملؤها.

(3) الحفز: الحث والإعجال.


خير النساء، ونسلكم خير نسلٍ لا يخزى ولا يبزى (1) .

كلامها مع ابن زياد

ذكر أرباب التاريخ كالسيد ابن طاووس وغيره أنّ ابن زياد جلس في القصر، وأذن للناس إذناً عامّاً، وجيء إليه برأس الحسين عليه‌السلام فوُضع بين يديه في طشت، واُدخلت عليه نساء الحسين وصبيانه، وجاءت زينب ابنة علي أمامه وهي متنكرة، فسأل ابن زياد: مَن هذه المتنكرة؟

فقيل له: هذه زينب ابنة علي.

فأقبل عليها بوجهه، فقال: الحمد لله الذي فضحكم وأكذب اُحدوثتكم (2) .

فقالت عليها‌السلام : الحمد لله الذي أكرمنا بالنبوة، وطهّرنا من الرجس تطهيراً، إنما يُفتضح الفاجر، ويُكذب الفاسق، وهو غيرنا.

فقال: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟

فقالت: ما رأيت إلاّ خيراً، هؤلاء قوم كُتب عليهم القتل فبرزوا على مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم، فتحاج وتخاصم، فانظر لمن الفلج يومئذ، ثكلتك اُمّك يابن مرجانة!

فغضب اللعين وهم أن يضربها، فقال له عمرو بن حريث: إنّها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها.

____________________

(1) لا يبزى: أي لا يُغلب ولا يُقهر.

(2) يريد بالاُحدوثة دينَ جدِّها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وما جاء به من عند الله تعالى.


فقال لها ابن زياد: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين، والعصاة المردة من أهل بيتك.

فقالت: لعمري، لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فان كان هذا شفاؤك فلقد اشتفيت.

فقال (لعنه الله): هذه سجّاعة، ولعمري لقد كان أبوها سجّاعاً شاعراً.

فقالت: يابن زياد، ما للمرأة المسبية والسجاعة! وإنّ لي عن السجاعة لشغلاً.

خطبتها في مجلس يزيد

واستمع الآن إلى خطبتها في مجلس يزيد بن معاوية. روى الشيخ الصدوق، وابن طيفور، وغيره من أرباب التاريخ، قال: لما اُدخل علي بن الحسين عليه‌السلام وحرمه على يزيد (لعنه الله)، وجيء برأس الحسين عليه‌السلام ووُضع بين يديه في طشت، وجعل يضرب ثناياه بمخصرة كانت في يده، وهو يتمثّل بأبيات ابن الزبعري المشرك:

يـا غرابَ البين ما شئت فقلْ

إنّـما تـذكر شيئاً قـد فُعلْ

لـيت أشـياخي ببدرٍ شهدوا

جزعَ الخزرج من وقع الأسلْ

حـين حـكّت بقباء بركَها

واستحرَّ القتلُ في عبد الأشلْ

لأهـلّـوا واسـتهلوا فـرحاً

ثـمّ قـالوا يـا يزيدَ لا تُشلْ

لـعبت هـاشمُ بـالملك فلا

خـبرٌ جـاء ولا وحيٌ نزلْ

لـستُ من خندف إن لم أنتقمْ

مـن بـني أحمدَ ما كان فعلْ


قـد قـتلنا الفخر من ساداتهمْ

وعـدلنا مـيلَ بـدرٍ فاعتدلْ

وأخـذنا مـن عـليٍّ ثـأرنا

وقتلنا الفارس الشهم البطلْ (1)

فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، واُمّها فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقالت: الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على رسوله محمّد وآله أجمعين. صدق الله سبحانه حيث يقول: ( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون ) .

أظننت يا يزيد، حيث أخذت علينا أقطار الأرض، وآفاق السماء، فأصبحنا نُساق كما تُساق الإماء، أنّ بنا على الله هواناً، وبك عليه كرامة، وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده، فشمخت بأنفك، ونظرت في عطفك، تضرب أصدريك فرحاً، وتنفض مذوريك مرحاً (2) جذلان مسروراً، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة (3) ، والاُمور متّسقة، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا؟!

فمهلاً مهلاً (4) ، لا تطش جهلاً، أنسيت قول الله تعالى: ( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا

____________________

(1) ذكر ابن هاشم في سيرته قصيدة ابن الزبعري بكاملها.

(2) تضرب أصدريك: أي منكبيك، وتنفض مذوريك: المذوران جانبا الأليتين، ولاواحد لهما، وقيل هما طرفا كل شيء، كما يقال: جاء فلان ينفض مذوريه، إذا جاء باغيا يتهدد،وكذلك، اذا جاء فارغا من غير شغل.

(3) مستوسقة: أي مجتمعة، ومتسقة أي منتظمة.

(4) يقال: مهلا للرجل، وكذا للانثى والجمع بمعنى امهل.


نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (1) ؟

أمن العدل يابن الطلقاء (2) تخديرك حرائرك وإماءك، وسوقك بنات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سبايا، قد هتكت ستورهنّ، وأبديت وجوههنّ، وصحلت أصواتهنّ (3) ، تحدو بهنّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد، والشريف والدني، ليس معهنّ من رجالهنّ ولي، ولا من حماتهن حمي؟!

وكيف يُرتجى مراقبة ابن مَن لفظ فوه أكباد الأزكياء (4) ، ونبت لحمه من دماء الشهداء؟! وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت مَن نظر إلينا بالشَّنف والشنآن، والإِحن والأضغان؟!

ثمَّ تقول غير متأثّم ولا مستعظم، داعيا بأشياخك: ليت أشياخي ببدر شهدوا ، منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنّة تنكثها

____________________

(1) سورة آل عمران / 178.

(2) الطلقاء: هم أبو سفيان، ومعاوية، وبقية الاُمويِّين الذين أطلقهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عام الفتح، يوم ورد صلى‌الله‌عليه‌وآله مكة المكرمة فاتحاً، وقد أيسوا من أنفسهم، وما يدرون ما يصنع بهم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأمرهم أن يجتمعوا وخطبهم، وقال في آخر خطبته: (( اذهبوا فأنتم الطلقاء )) . فهكذا صاروا عبيداً لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هم وذرّيتهم إلى يوم القيامة.

(3) صحل صوته: بُح وحسن، فهو صحِل.

(4) إشارة إلى هند اُمِّ معاوية حين شقّت بطن حمزة وهو قتيل، ولاكت بأسنانها أمعاءه.


بمخصرتك (1) ، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة (2) ، واستأصلت الشأفة (3) بإراقتك دماء ذرّية محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ونجوم الأرض من آل عبد المطلب؟!

أتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم؟! فلتردن وشيكاً (4) موردهم، ولتودّن أنك شُللت وبُكمت، ولم تكن قلت ما قلت، وفعلت ما فعلت. اللهمَّ خذ لنا بحقّنا، وانتقم ممّن ظلمنا، واحلُل غضبك بمَن سفك دماءنا، وقتل حماتنا.

فوالله يا يزيد، ما فريت (5) إلاّ جلدك، ولا حززت إلاّ لحمك، ولتردنّ على رسول الله بما تحمّلت من دماء ذرّيته، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته، حيث يجمع الله تعالى شملهم، ويلمّ شعثهم، ويأخذ بحقّهم، ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (6) . وحسبك بالله حاكماً، وبمحمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله خصيماً، وبجبرئيل ظهيراً، وسيعلم مَن سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ( بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ) (7) ،

____________________

(1) المخصرة (بكسر الميم): كالوسط، أو كلّما اختصره الإنسان بيده فأمسكه من عصا ونحوها.

(2) نكأت القرحة: أي وسعت مكان جراحها.

(3) الشأفة: قرحة تخرج في أسفل القدم فتكون وتذهب، والأصل استأصل الله شافته، أذهبه كما تذهب تلك القرحة، أو أزاله من أصله.

(4) وشيكاً: أي سريعاً.

(5) الفري: القطع.

(6) سورة آل عمران / 169.

(7) سورة الكهف / 50.


وأيّكم شَرٌّ مَكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً.

يزيد، ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك (1) ، إني لاستصغر قدرك، واستعظم تقريعك، واستكثر توبيخك، لكن العيون عبرى، والصدور حرى. ألا فالعجب كلّ العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء! فهذه الأيدي تنطف (2) من دمائنا، والأفواه تتحلب من لحومنا (3) ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل (4) ، وتعفرها اُمّهات الفراعل (5) .

ولئن اتّخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجد إلاّ ما قدمت يداك، ( وما ربّك بظلاّمٍ للعبيدِ ) (6) ، وإلى الله المشتكى، وعليه المعوّل. فكد كيدك، واسعَ سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلاّ فند (7) ، وأيامك إلاّ عدد، وجمعك إلاّ بدد، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.

فالحمد لله ربِّ العالمين الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والمغفرة، ولآخرنا بالشهادة

____________________

(1) الدواهي: جمع داهية، وهي النازلة بالإنسان من بلاء وغيره.

(2) تنطف (بكسر الطاء وضمها): أي تقطر.

(3) تنحلب عينه وفوه: أي سالا. (القاموس)

(4) العواسل: الذئاب السريعة العدو.

(5) اُمّهات الفراعل: تريد بها الضباع، جمع فرعل، وهو ولد الضبع.

(6) سورة فصلّت / 46.

(7) الفند: الكذب، ويقال لضعف الرأي: الفند.


والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد، ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فقال يزيد في جوابها:

يا صيحةً تُحمد من صوائحِ

ما أهون النوح على النوائحِ

جوابها ليزيد في مجلسه

لما أدخلوا سبايا أهل البيت على يزيد (لعنه الله)، دعا بنساء أهل البيت والصبايا فاُجلسوا بين يديه، في مجلسه المشؤوم، فنظر شامي إلى فاطمة بنت الحسين عليه‌السلام ، فقام إلى يزيد وقال: يا أمير، هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي.

قالت فاطمة بنت الحسين عليهما‌السلام : فارتعدت فرائصي، وظننت أن ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب عمتي زينب عليها‌السلام وقلت لها: عمّة، اُوتمت على صغر سني واُستخدم لأهل الشام!

فقالت عمتي للشامي: ما جعل الله ذلك لك ولا لأميرك.

فغضب يزيد وقال: إنّ ذلك لي، ولو شئت أن أفعل لفعلت.

فقالت زينب عليها‌السلام : كلاّ والله، ما جعل الله ذلك لك إلاّ أن تخرج عن ملّتنا وتدين بغير ديننا. فاستطار يزيد غضباً وقال: إيّاي تستقبليني بهذا الكلام! إنّما خرج عن الدين أبوك وأخوك.

فقالت زينب عليها‌السلام : بدين الله ودين جدّي وأبي اهتديت أنت وأبوك إن


كنت مسلماً.

قال: كذبت يا عدوة الله.

قالت: يزيد، أنت أمير، تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك.

فكأنه استحى وسكت، فأعاد الشامي كلامه: هب لي هذه الجارية.

فقال له يزيد: اسكت! وهب الله لك حتفاً قاضياً.

وللمرحوم السيد حسن الخطيب البغدادي:

يا قلب زيـنب مـا لاقيت من محنٍ

فـيك الـرزايا وكلّ الصبر قد جمعا

لو كان ما فيك من صبرٍ ومن محنٍ

في قلب أقوى جبال الأرض لانصدعا

[يكفيك] صـبراً قـلوب الـناس كلهمُ

تـفـطّرت لـلذي لاقـيته جـزعا

شعرها

جاء في بطون الكتب والأسفار أنّ هذه الأبيات لزينب الكبرى حين رأت شقيقها الحسين عليه‌السلام سيد شباب أهل الجنّة [مطروحاً] على صعيد كربلاء:

لـقد حـطّ فينا من زماني نوائبُهْ

وفـرّقـنا أنـيـابه ومـخـالبهْ

وجار علينا الدهرُ في أرض غربةٍ

ودبّـت عـلينا بـالرزايا عقاربهْ

وأردوا أخـي بالقتل غدراً وغيلةً

ومـا خـلّفوا إلاّ الأسـى ونوائبهْ


وجـار علينا الدهر والقومُ شهّدٌ

وطـمّت رزاياه وحلّت مصائبهْ

حـسينٌ لـقد أمسى قتيلاً مجدّلاً

وأظـلم مـن ديـن الإله مذاهبهْ

فـلم يـبقَ لـي ركنٌ ألوذ بظلِّه

ومَن ذا يعاني الدهر من ذا يغالبهْ

وفـرّقنا هـذا الـزمان مـشتتاً

وأرحـت علينا الفاجعات نكائبهْ

* * *

ولها عليها‌السلام :

مـاذا تـقولون إن قال النبيُّ لكمْ

مـاذا فـعلتم وأنـتم آخـر الاُممِ

بـعترتي أهـلِ بيتي بعد مفتقدي

مـنهم اُسارى ومنهم ضرّجوا بدمِ

مـا كـان [هذا] جزائي إذ نصحت لكمْ

أن تخلفوني بسوءٍ في ذوي رحمي

تزويجها

إنّ العقيلة زينب بنت علي عليهما‌السلام خطبها الأشراف من قريش والرؤساء من القبائل، فكان علي عليه‌السلام يردهم ويقول: (( بناتي لأولاد إخوتي )) .

ويُروى أنّه خطبها الأشعث بن قيس، وكان من ملوك كندة، فزبره علي عليه‌السلام وردّه وقال له: (( يابن


الحائك (1) ! أغرّك ابنُ أبي قحافة حين زوّجك اخته؟! )). فخاب الأشعث مما به ورجع آيساً.

ولكن أمير المؤمنين عليه‌السلام كان بودّه أن يزوج بناته من أبناء أخيه؛ اقتداءً بقول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عندما نظر ذات يوم إلى أولاد علي وجعفر، قال: (( بناتنا لبنينا، وبنونا لبناتنا )) . فأعطى علي عليه‌السلام رقية لابن أخيه مسلم بن عقيل (2) ، وزوّج السيدة زينب عليها‌السلام من ابن أخيه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه‌السلام على صداق اُمّها سيدة النساء فاطمة عليها‌السلام على أربعمئة وثمانين درهماً، ووهب المهر علي عليه‌السلام إيّاه من خالص ماله.

زوجها

عبد الله بن جعفر هو أوّل مولود ولد في الإسلام بأرض الحبشة، ونشأ وترعرع في حجر عمّه أمير المؤمنين عليه‌السلام إلى أن زوّجه ابنته زينب الكبرى. وكان عبد الله بن جعفر بن

____________________

(1) الحائك هنا: يريد به المحتال، أو الذي يحوك الكلام كذباً، وكان أبو بكر قد زوّج اُخته اُمّ فروة بنت أبي قحافة من الأشعث؛ وذلك إنّ الأشعث ارتدّ فيمن ارتد من الكنديِّين، واُسر فاُحضر إلى أبي بكر، فأسلم، وأطلقه وزوّجه اُخته اُمّ فروة، فأولدها محمّد بن الأشعث، وكان محمّد من قوّاد جيش ابن زياد، وممّن حارب الحسين عليه‌السلام يوم الطفِّ.

(2) مسلم بن عقيل ابن عم الحسين عليه‌السلام ورسوله إلى أهل الكوفة، قتله ابن زياد، وأمر به فرموا جسده من على سطح قصر الإمارة إلى الأرض، وسحبوه بأسواق الكوفة، وقبره اليوم إلى جنب المسجد الأعظم بالكوفة يُزار ويُتبرك به.


أبي طالب عليه‌السلام جواداً كريماً تتغنى بذكره الركبان، وكان يكنى بأبي محمّد، وأبي جعفر.

أبوه جعفر الطيار بالجنّة مع الملائكة، وهو قتيل مؤتة. واُمّه أسماء بنت عميس الخثعمية، وهي اُخت ميمونة بنت الحرث اُمّ المؤمنين. كانت تحت جعفر بن أبي طالب عليه‌السلام فقُتل عنها، وبعده تزوّجها أبو بكر فأولدها محمداً، أنبل فتى في قريش، ولمّا توفي عنها أبو بكر تزوجها أمير المؤمنين عليه‌السلام فولدت له يحيى بن علي، [وقد] توفي في حياة أبيه أمير المؤمنين عليه‌السلام (1) على أشهر الروايات.

وكان عبد الله بن جعفر ممن صحب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وحفظ عنه أحاديث كثيرة، وجاء في الإصابة لابن حجر: قال ابن جريح: أنبأنا جعفر بن خالد بن سارة أنّ أباه أخبره عن عبد الله بن جعفر، قال: مسح رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله رأسي وقال: (( اللهمَّ اخلف جعفراً في ولده )) . وقد أخذه بيده: (( اللهمَّ اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه - قالها ثلاثاً ـ ، وأنا وليّهم في الدنيا والآخرة )).

ثمّ إنّ عبد الله لازم عمّه أمير المؤمنين وولديه الحسنين عليهم‌السلام ، وأخذ منهم العلم الكثير.

____________________

(1) هذه رواية أبي الفرج الإصبهاني في مقاتل الطالبيِّين.


وجاء في كتاب (الاستيعاب) أنّ عبد الله بن جعفر كان كريماً جواداً، ظريفاً خليقاً، عفيفاً سخياً يسمّى بحر الجود، وذكر ابن عساكر قال: روى الحافظ أنّ معاوية كان يقول: بنو هاشم رجلان؛ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لكلِّ خير ذُكر، وعبد الله بن جعفر لكلِّ شرف. والله لكأنّ المجد نازل منزلاً لا يبلغه أحد، وعبد الله بن جعفر نازل وسطه.

وقال الشعبي: دخل عبد الله بن جعفر على معاوية وعنده يزيد ابنه، فجعل يزيد يعرّض بعبد الله في كلامه وينسبه إلى الإسراف في غير مرضاة الله، فقال عبد الله ليزيد: إنّي لأرفع نفسي عن جوابك، ولو صاحب السرير [يكلّمني] لأجبته.

فقال معاوية: كأنك تظن أنك أشرف منه!

قال: إي والله، ومنك ومن أبيك وجدّك.

فقال معاوية: ما كنت أحسب أنّ أحداً في عصر حرب بن اُميّة أشرف من حرب بن اُميّة.

فقال عبد الله: بلى والله يا معاوية، إنّ أشرف من حرب مَن أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه.

قال: صدقت يا أبا جعفر.

ثمّ ذكر الشعبي معنى قول عبد الله (مَن أكفأ عليه إناءه)، وأنه عبد المطلب بن هاشم، في قضية ذكرها المؤرّخون في ما دوّنوه.

ونذكر من جود ابن جعفر وكرمه ما ذكره ابن عساكر في تاريخه، قال: جاء شاعر إلى عبد الله بن جعفر فأنشده هذه الأبيات:

رأيت أبا جعفرٍ في المنام

كـساني من الخزِّ درّاعهْ


فقال عبد الله لغلامه: ادفع إليه جبّتي الخز. ثمّ قال له: ويحك! كيف لم ترَ جبتي الوشي التي اشتريتها بثلاثمئة دينار منسوجة بالذهب؟

فقال: أغفى غفية اُخرى فلعلّي أراها في المنام.

فضحك منه عبد الله وقال لغلامه: ادفع إليه جبّتي الوشي أيضاً.

ويروى أنّ أحد الخلفاء أرسل إلى عبد الله بن جعفر ثلاثة آلاف، فلامه بعض الناس على عطائه هذا، فقال: والله، ما أعطيته هذا المال إلاّ لجميع أهل المدينة. ثمّ لازم الرجل له من صحبه، وابن جعفر لا يعرفه؛ لينظر ما يفعل، فرآه صار يفرّق ذلك المال على فقراء أهل المدينة، وزاد عليه من خالص أمواله أضعافه. وعوتب عبد الله في ذلك، فقال: إنّ الله عوّدني عادة، وعودت الناس عادة، فأنا أخاف إن قطعتُها قُطعت عنّي.

قيل ومدحه نصيبٌ فأعطاه إبلاً وخيلاً وثياباً ودنانير ودراهم، فقيل له: تعطي لهذا الأسود مثل هذا؟!

فقال: إن كان أسودَ فشعره أبيض، ولقد استحق بما قال أكثر ممّا نال، وهل أعطيناه إلاّ ما يبلى ويفنى، وأعطانا مِدَحاً تُروى وثناءً يبقى.

ولم يكن في أيامّه أجود منه إلاّ ابن عمّه الحسن بن


علي عليه‌السلام أول السبطين. هذه نبذة من أخبار جوده، ولنكتفي بها هنا خشية الإطالة.

وفاته

توفي عبد الله بن جعفر بالمدينة المنورة سنة ثمانين، وصلّى عليه أبان بن عثمان بن عفان، ودفن بالبقيع. هكذا ذكره الداودي في كتابه عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب.

ويروى أنه توفي عام الجحّاف - سيل كان ببطن مكة جحف بالناس فذهب بالحاج وأمتعتهم، والجمال بأحمالها - وذلك في خلافة عبد الملك بن مروان، وصلّى على جنازة عبد الله الإمامُ السجّاد أو الباقر عليهما‌السلام ، وأمير المدينة يومئذ أبان بن عثمان.

أولاده وأولادها

خلّف عبد الله بن جعفر عدّة أولاد، وذكر أسماءهم صاحب العمدة، قيل: عشرين ولداً، وقيل: أربعة وعشرين لاُمّهات شتى، ولكن المشهور عند أرباب التاريخ أنّ له من زينب أولاد أربعة؛ عون الأكبر، ومحمد، وعلي، واُمّ كلثوم.

أما محمّد وأخوه عون ابنا عبد الله بن جعفر الطيّار فقد خرجا مع خالهما الحسين عليه‌السلام واُمّهما زينب الكبرى إلى العراق، وقد أوصاهما أبوهما بخالهما، وأن لا يفارقاه.

فأقبلا في ركب الحسين عليه‌السلام إلى الطفِّ، وجاهدا بين يديه يوم عاشوراء


وقُتلا، واُمّهما زينب تنظر إليهما.

وكان قد تقدّم في ذلك اليوم محمّد بن عبد الله إلى خاله الحسين عليه‌السلام ، وأستأذن منه للبراز فأذن له الحسين عليه‌السلام ، فحمل وهو يرتجز قائلاً:

أشكو إلى الله من العدوانِ

فعالَ قومٍ في الردى عميانِ

قـد بـدّلوا معالم القرآنِ

ومُـحكمِ التنزيلِ و التبيانِ

فقتل عشرة من أهل الكوفة، وحمل عليه عامر بن نهشل التميمي فقتله، ومشى لمصرعه خاله الحسين عليه‌السلام ومَن معه، فحملوه من الميدان وجاؤوا به قتيلاً إلى الخيمة، وفيه يقول سليمان بن قتّة:

وسـميِّ النبيِّ غودر فيهم

قـد علوه بصارمٍ مصقولِ

فإذا ما بكت عيني فجودي

بـدموعٍ تـسيلُ كل مسيلِ

قال أرباب المقاتل: واستأذن الحسين عليه‌السلام من بعده أخوه عون بن عبد الله للبراز فأذن له، فحمل وهو يقول:

إن تـنكروني فأنا ابنُ جعفر

شهيدِ صدقٍ في الجنان أزهر


يطير فيها بجناح أخضر

كفا بهذا شرفاً في المحشر

وصار يقاتلهم حتّى قتل منهم ثلاثة فوارس وثمانية عشر راجلاً، ثمّ علاه بسيفه عبد الله بن قطنة الطائي فقتله، وفيه يقول سليمان بن قتة:

عـين جودي بعبرةٍ وعويلِ

واندبي إن ندبت آلَ الرسولِ

سـتّةٌ كـلُّهم لـصلبِ عليٍّ

قـد اُصـيبوا وسبعةٌ لعقيلِ

واندُبي إن ندبت عوناً أخاهمْ

لـيس فـيما ينوبهم بخذولِ

فلعمري لقد اُصيب ذو القربى

فـبكي على المصاب الجليلِ

ودُفنا مع شهداء الطالبيِّين (1) في حفرة واحدة عند رجلي الحسين عليه‌السلام .

وربما يتوهم البعض أنّ المرقد الذي بالقرب من كربلاء هو مرقد عون بن عبد الله، أو يزعم البعض أنه مرقد عون بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، واُمّه فاطمة

____________________

(1) انظر السيد جعفر بن السيد محمد الأعرجي المتوفّى سنة 1333 هـ [في] مناهل الضرب في أنساب العرب (مخطوط)، وتوجد نسخة منه لدى حفيده الاُستاذ السيد باقر الأعرجي حاكم [بلدية] البصرة اليوم، واُخرى عند العلامة آقا بزرك الطهراني.


بنت حزام الكلابية أحد إخوة العباس الثلاثة، وكلا القولين وهمُ صرف واشتباه، وإنّما هو قبر عون بن عبد الله بن جعفر بن مرعي بن علي بن الحسن البنفسج بن إدريس بن داود بن أحمد المسوّر بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، كان في الحائر المقدس الحسيني، وكانت له ضيعة على ثلاثة فراسخ عن بلد كربلاء، فخرج إليها وأدركه الموت فدُفن في ضيعته، فكان له مزار مشهور وقبّة عالية، والناس يقصدونه بالنذور وقضاء الحاجات... إلخ.

واليوم صار مرقده على الطريق العام الطريق المعبّد، يقع على الجانب الأيسر لمن يقصد كربلاء المقدسة للقادم من قضاء المسيب، ويبعد عن كربلاء خمسة أميال.

وذكر المؤرّخون أنه لمّا ورد نعي الحسين عليه‌السلام ونعيهما إلى المدينة كان عبد الله بن جعفر جالساً في بيته، والناس يدخلون عليه يعزّونه، فقال غلامه أبو اللسلاس: هذا ما لقيناه ودخل علينا من الحسين عليه‌السلام !

فحذفه عبد الله بنعله، وقال له: يابن اللخناء! أللحسين تقول هذا؟! والله، لو شهدته لما فارقته حتّى اُقتل معه. والله، إنه لممّا يسخي بالنفس عنهما ويهون عليّ المصاب بهما أنهما اُصيبا مع أخي وابن عمي، مواسين له صابرين معه.

ثمّ أقبل على جلسائه، وقال: الحمد لله، أعزز عليِّ بمصرع الحسين أن


لا أكن آسيت حسيناً بيدي فقد آسيته بولدي محمّد وعون.

وأمّا علي بن عبد الله فهو المعروف بالزينبي، نسبة إلى اُمّه زينب بنت علي عليه‌السلام . ذكروا أنه كان ثلاثة في عصر واحد، بني عمٍّ، يرجعون إلى أصل قريب كلّهم يسمى علياً، وكلّهم يصلح للخلافة، وهم: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام - السجاد عليه‌السلام ـ، وعلي بن عبد الله بن العباس، وعلي بن عبد الله بن جعفر الطيار. ولكن إمام المسلمين وقتئذ كان السجاد زين العابدين عليه‌السلام ؛ يعظّمه القريب والبعيد، وتعنوا له كبار المسلمين.

وقد تزوّج علي بن عبد الله لبابة بنت عبد الله بن عباس حبر الاُمّة، وكان نسل عبد الله بن جعفر منه. والسادة الزينبيّة كثيرون في العراق وفارس، ومصر والحجاز، والأفغان والهند، وقد جعل الله البركة في نسل هذه السيدة الطاهرة وطيّب سلالتها.

وذكر السيد الزبيدي في تاج العروس قال: والزينبيّون بطن من ولد علي الزينبي ابن عبد الله الجواد ابن جعفر الطيار، نسبة إلى اُمّه زينب بنت سيدنا علي عليه‌السلام ، واُمّها فاطمة عليها‌السلام .

وولد علي هذا أحد أرحام لآل أبي طالب الثلاثة، أعقب من ابنه محمّد والحسن، وعيسى ويعقوب، ومن عقبه أبو الحسن علي بن طلحة بن علي بن محمّد الزينبي، تولى الخطابة والنيابة بعد أبيه في زمن المستنجد، وتوفي سنة 561 هـ.


وأمّا اُمّ كلثوم بنت زينب فهي التي خطبها معاوية لولده يزيد كما ذكر ذلك ابن شهر آشوب (1) ، وذلك لما طلب معاوية بن أبي سفيان من مروان بن الحكم - وكان والياً على المدينة من قبله - أن يخطب اُمّ كلثوم بنت زينب، فقال أبوها عبد الله بن جعفر؛ إنّ أمرها ليس إليّ، إنّما هو إلى سيدنا الحسين عليه‌السلام ، وهو خالها.

فأخبر الحسين عليه‌السلام بذلك، فقال: (( استخير الله تعالى. اللهمَّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد )) .

فلما اجتمع الناس في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسين عليه‌السلام ، وقال: إن أمير المؤمنين - يعني معاوية - أمرني بذلك، وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، مع صلح ما بين هذين الحيِّين، مع قضاء دينه.

واعلم أنّ من يغبطكم بيزيد [أكثر ممّن يغبطه بكم. والعجب كيف يستمهر يزيد] (*) وهو كفؤ من لا كفؤ له، وبوجهه يستسقى الغمام! فرد خيراً يا أبا عبد الله.

فقال الحسين عليه‌السلام : (( الحمد لله الذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه... إلى آخر كلامه عليه‌السلام ، ثمّ قال: يا مروان، قد قلت فسمعنا؛ أمّا قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في بناته ونسائه وأهل بيته، وهو اثنتا عشرة أوقية، يكون أربعمئة وثمانين درهماً.

____________________

(1) انظر المناقب لابن شهر آشوب 2 / 171، الطبعة الاُولى.

(*) ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، وقد جئنا به من المناقب نفسها. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


وأمّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا؟!

وأمّا قولك: صلح ما بين هذين الحيِّين، فإنّا قوم عاديناكم في الله، ولم نكن نصالحكم للدنيا؛ فلعمري لقد أعيا النسب، فكيف السبب؟!

وأمّا قولك: والعجب كيف يستمهر يزيد! فقد استمهر مَن هو خير من يزيد، ومن أبِ يزيد، ومن جدِّ يزيد.

وأمّا قولك: إنّ يزيد كفؤ مَن لا كفؤ له، فمَن كان له كفؤ قبل اليوم فهو كفؤه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئاً.

وأمّا قولك: وجهه يستسقى به الغمام، فإنما كان ذلك وجه رسول الله.

وأمّا قولك: مَن يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا، فإنّما يغبطنا به أهلُ الجهل، ويغبطه بنا أهلُ العقل )).

ثمّ قال عليه‌السلام : (( فاشهدوا جميعاً أني قد زوّجت اُمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمِّها القاسم بن جعفر على أربعمئة وثمانين درهماً، وقد نحلتها ضيعتين بالمدينة - أو قال: أرضي بالعقيق ـ ، وإنّ غلتها بالسنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لها غنى إن شاء الله تعالى )) (1) .

قال الراوي: فتغيّر وجه مروان، وقال: أغدراً يا بني هاشم؟ تأبون إلاّ العداوة!

فذكّره الحسين عليه‌السلام خطبة الحسن عائشة وفعله، ثمّ قال: (( فأين موضع الغدر يا مروان؟ )) .

____________________

(1) وروي أنّه أنحلها ( البغيبغات )، وهي ثلاث عيون في ينبع، يقال لإحداها: خيف ليلى، وللثانية: خيف الأراك، وللثالثة: خيف البعاس.


فقال مروان:

أردنـا ودّكـمْ لـنجدّ ودّاً

قد اخلقهُ به حدثُ الزمانِ

فـلمّا جـئتكمْ فجبهتموني

وبحتم بالضمير من الشنانِ

فأجابه ذكوان مولى بني هاشم:

أمـاط اللهُ عنهم كلَّ رجسٍ

وطـهّرهم بذلك في المثاني

فـمالهمُ سـواهم من نظيرٍ

ولاكـفؤٍ هـناك ولا مداني

أتـجعل كـلَّ جـبّارٍ عنيدٍ

إلى الأخيار من أهل الجنانِ

فتزوّج اُمَّ كلثوم القاسمُ بن محمّد بن جعفر وأولدها فاطمة.

قال أحمد بن طيفور (1) : فاطمة بنت القاسم تزوجت طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر فولدت له رملة، تزوّجها هشام بن عبد الملك فلم تلد له، فقال لها هشام: أنت بغلة لا تلدين.

فقالت له رملة: يأبى كرمي أن يدنّسه لؤمك.

أسفارها

أجمع المؤرّخون على أنّ السيدة زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام سافرت أوّلاً مع أبيها أمير المؤمنين عليه‌السلام من المدينة إلى عاصمة حكمه الكوفة (العراق)، ورجعت إلى مسقط رأسها المدينة المنورة مع أخيها

____________________

(1) انظر أحمد بن أبي طاهر بن طيفور - بلاغات النساء / 143، طبع مصر.


الحسن سيد شباب أهل الجنة وأول السبطين عليهما‌السلام .

وفي عام ستّين للهجرة سافرت مع أخيها الحسين عليه‌السلام ريحانة رسول الله إلى كربلاء - العراق - للمرة الثانية، واُخذت من العراق بعد واقعة الطفِّ إلى الكوفة أسيرة مع السجاد زين العابدين عليه‌السلام ، وعيالات الحسين ومَن معهنّ من نساء الهاشميِّين والأنصار، ومنها سيّرت إلى دمشق الشام، ومكثت بالشام أسيرة، وبعدها رجعت إلى العراق مع السجاد زين العابدين عليه‌السلام - إلى كربلاء - لتجديد العهد بزيارة أخيها الحسين والشهداء معه من آل رسول الله (صلوات الله عليهم أجمعين)، ورجعت منها إلى المدينة في حالة مشجية.

والسفرة الأخيرة كانت مع زوجها عبد الله بن جعفر (رحمه الله) حين جاء بها إلى دمشق ليتعاهد اُمور ملكه في قرية راوية، وفي هذه السفرة توفّيت ودفنت في راوية من أعمال دمشق، والتي تبعد عنها من الجهة الشرقية الجنوبية ما يقرب من سبعة كيلو مترات، وتُعرف اليوم بقرية قبر الست، ولم يحدّثنا التاريخ عن غير هذه السفرات للسيدة زينب عليها‌السلام .


بعض ما قيل فيها شعراً

قصيدة للاُستاذ الكبير الشاعر الفحل السيد محمود الحبوبي نظمها أثناء طوافه حول ضريح السيدة الجليلة عقيلة الهاشميِّين زينب ابنة أمير المؤمنين علي عليه‌السلام ، وذلك عام 1950 هـ.

هذا ضريحكِ يابنتِ الزهراءِ

أم روضــةٌ قـدسـيةُ الأشـذاءِ

جـئـنا لــه مـتبرّكين بـلثمهِ

وبـه حـططنا الـيوم كلَّ رجاءِ

حـرمٌ عـليه مـن الـنبوة هيبةٌ

تـحنى لـديها أرؤسُ الـعظماءِ

مـهـما سـعينا حـوله فـكأننا

نـسعى حـيال الكعبةِ الـغرّاءِ

ولـقد نـجا الـمتمسكون بـبابهِ

مـن كـلِّ شـرٍّ طـارقٍ وبلاءِ


غـمرت جوانبَه القداسةُ فاعتلى

شـرفاً تـجاوز موطن الجوزاءِ

نـورُ الـرسالة والإمامة ساطعٌ

مـنه سـطوعُ الكوكب الوضّاءِ

طـفنا به فأعاد ذكرى كربلا

مـخضوبة مـنكم بـخير دماءِ

لـله يـوم الطفِّ قلبك بعدما

شـاهدتِ مـصرع سيّدَ الشهداءِ

وبـجـنبه أبـناؤه وصـحابه

كـالبدر حـاطته نـجوم سماءِ

وحُملتِ بعدُ إلى دمشق أسيرةً

وأجـلّ مـن اُنـجبن من حواءِ

ولـقيتِ صـابرةً أمضّ فجيعة

بـالإخـوة الأطـهار والأبـناءِ

خُلقٌ من الهادي الأمينِ ورثتِهِ

ومـن الوصي وآلك الاُمناءِ

فتركتِ يا فخر العقائلِ في الملا

أسـمى فـخارٍ خـالدٍ وعـلاء

ترعاه عينُ الله فهو على المدى

بــاقٍ بـروعته بـقاء ذُكـاءِ

وعـليك مـنه صلاتُه وسلامُه

فـي كـلِّ صبحٍ مشرق ومساءِ


تيهي جلالاً يا بقاع الراوية

تـيـهي جـلالاً يـا بـقاع ( الـراويه)

وتـطاولي شـرفاً بـمثوى ( الـزاكيه)

أدريــتِ مَـن حـلّت ربـاكِ فـطهّرتْ

مـنك الربوعَ مـن الـكلابِ الـعاويه

تـلـك مـن حـلت العقيلة «زيـنب »

تنمى إلى شرف يطول على السماء الساميه *

فـلَـبضعة الـزهراء كـانت اُمّـها

حـدبت عـليها وهـي تُـدعى الـحانيه

وإلـى عـليٍّ وهـو خـيرُ اُرومـةٍ

نـسـبٌ تـبـلّج كـالـسماء الـضاحيه

والـجدّ أحـمدُ مـن أتـى بـشريعةٍ

تـهـدي الـبـرايا لـلـقيامة بـاقـيه

____________________

(*) هكذا ورد البيت في النسخة التي بين أيدينا، ولا يخفى ما فيه من خلل عروضي واضح. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


اِروي الـحديث وأنت بعضُ شهودِه

فـالقول منك مصدّق يا «راويه»

وتـحدّثي لـلجيل عن قومٍ مضوا

فـالجيل هـذا العصر اُذنٌ صاغيه

كـم بـالشئام عـجائبٌ مرت بها

بـالنافعات عـن القرون الماضيه

تـلك اللـظات تقصّ بعض حديثها

عـن زمـرةٍ حكمت فكانت طاغيه

قـرن مـن الأعـوام أثقل كاهلي

بـالفادحات فـعدتُ مـنها خـاويه

كـم ذا لـقيت مـن الإساءة والعنا

مـن صـبية ذرئـت لـنار حاميه

فـالخمرة الـصهباء مـلءُ بطونِها

وأكـفّها خـضبت دمـاءً زاكيه

نـزو القرود على منابر أحمدٍ

جهدت تـعيد الـشرك فيهم ثـانيه

قصرت بها الأنساب أقصى فخرها

شـيخٌ كـفور أو عـجوزٌ زانيه

صـخر وهـند والـفروع بأصلِها

هذا النجار وذي الاُصول كما هيه

يـا «راويـة» فاروي الحديثَ لاُمّةٍ

مـكبوتةٍ وتـعيش ظـمأى صاديه


وتـحدّثي عـن ذي القصور ولهوِها

أيـن الـقصورُ مضت وأين اللاهيه

قـالت مـعالمها دويـنك مـا ترى

يـكـفيك مـنّي مـا تـراها بـاقيه

فـاضرب بـطرفك أين بانيَ مجدها

ثــاوٍ بـأيـةِ حـفرة أو زاويه

فـإذا الـقصور ولا بـقاء لـرسمها

وإذا الــرؤوس ولا رمـيم بـاليه

وانـظر إلى القبر المشيد ضريحه

سامي الضراح علا بمثوى الزاكيه

ذيّــاك حـكـمُ الله يـأبي عـدله

إلاّ الإطـاحة بـالعروش الـخاويه

وتـكون عـقبى الـدار تـبقى دائماً

لـلـمـتّقين ولـلـعتاة الـهـاويه

* * *

يـا« راويـة» والقلب ماضٍ جرحُه

بـالفادحاتِ مـن الـمآسي الـقاسيه

وأشـدها وقـعاً مـصائب كـربلا

شــمُّ الـجبال لـهولها مـتداعيه

شاد الحسينُ صروح دين هُدّمت

وزيـنبٌ أوصـت تـتم الـباقيه!


فشقيقة السبطين خفّت بالذي

عن حمله كلُّ الرواسي واهيه

قد قابلت كلَّ الخطوب بصبرها

مهما تحيط بها الظروف العاتيه

وأتـمّت الـصرح الذي لبناتهُ

قـامت عليها فهي اُسُّ الزاويه

بـدماء زمـرتها تـشيّد اُسّه

وتـشيد أعـلاه دموعٌ جاريه

فـمحت بـها أثـار ملك أميةٍ

من دارها طرّاً فأضحت خاليه

كم موقفٍ بالشام لم تضرع به

صكّت به أسماع ذاك الطاغيه

وأذلّـت الـنفر الـلئام بقيلها

فـعنت لها بالذلِّ تلك الناصيه

وسـمتهمُ الـعار الشنار بسبّةٍ

حتّى هووا أعجاز نخلٍ خاويه

فصل الخطاب ويا له من حجةٍ

صـعقت لها تلك الجباه العاتيه

فحروف خطبتِها حروفٌ زاهية

وبـليغ حجتها صواعقُ داويه


إيها ربوع الشام هذي زينبٌ

وطئت ثراك وهي ليست راضيه

فـتعجّلت كـفُّ المنون بقبضها

لـمّا دعـت أن لا تـراكِ ثانيه

فـتُعيدي للنفس الجريحة مشهداً

يـحكي لها ذكرى المآسي الداميه

لـكنّ ربّـك وهـو عـدلٌ حاكمٌ

يقضي لتقضي في جوارك ناحيه

كـم حـكمةٍ لـله فـي تـقديرِه

فـتبين واضـحة واُخرى خافيه

فـأسيرة الـماضي تحطّم هيكلاً

ذرّ الـرماد فـماله مـن بـاقيه

وتـقـيم قـبّتها بـرغمِ اُنـوفهمْ

في أرضهم حيث القطوف الدانيه

وتدرّ زينب حيث يهمي فضلها

ثـرّاً عليك فعدت منها «راويه»

وتخط زينبُ للخلود سطورَها

ومـدادها تـلك الـدموع الغاليه

وطـوت يـدٌ بيضاء كلَّ صحيفةٍ

لاُمـيةٍ قـد سـوّدتها عـاصيه

هـذا هـو الفتح المبين بنصرةِ الـ

ـدين الحنيف وتلك عقبى الباقيه


وختامُ شعري في نشيد القافيه

تيهي جلالاً يا بقاع «الراويه»


كلمة الاُستاذ الكبير أحمد فهمي محمّد المصري وشعره

السيدة زينب بنت علي عليهما‌السلام ، العقيلة الطاهرة، والزهرة الناضرة، والكريمة الباتعة، والروضة اليانعة، سبطة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبضعة البتول، ونجيبة سيف الله المسلول، السيدة المباركة زينب بنت علي بن أبي طالب عليهم‌السلام .

هـي زيـنب الـمفاخر والـعلا (*)

وكـريـمةٌ آبـاؤهـا كُـرمـاءُ

هي ربّة الشورى وغوث ضريعها

وهـي الـعياذ ولـلعفاة رجـاءُ

وله أيضاً:

لـذ بالعقيلة بضعة الزهراءِ

مـتـوسّلاً بـكريمة الآبـاءِ

فهناك مهبطُ رحمة تحظى بها

وهـناك ما ترجو من الآلاءِ

____________________

(*) لا يخفى ما في المصراع من خلل عروضي بيّن. (موقع معهد الإمامين الحسنين)


وافتح بفاتحةِ الكتاب ضريحَها

واقـرأ سلامك ضارعاً بدعاءِ

حـتّى تنال الخير من نفحاتها

وتـرى شـعاعَ جلالةٍ وبهاءِ

فمزارها حرمٌ ومهبطها حمىً

وهـي الـلياذ لنا من اللأواءِ

فجوارحي تصبو لزورة قبرِها

وجـوانحي تـهفو لها بولاءِ

فالله شـرّف قـدرها ومقامَها

والله يـوفي الـخير للسعداءِ

وله أيضاً:

نـورُ الـعقيلة في الآفاق وضّاءُ

حـلّت دمشق فعم القطر أضواءُ

نـورُ الـنبوّة موصولٌ بمهبطها

والـنور فـي جنبات القبرِ لألاءُ

حـفّت بـه بركاتٌ فاض صيّبها

ونـفحةُ الله بـالروضات فيحاءُ

يا ساكني الشام بشراكمْ بمهبطِها

فـفي حـفافـيه لـلعافين آلاءُ

وقـبرُها حـرمٌ من يستجير به

تـنجاب عـنه بفضلِ الله لأواءُ

* * *


ولبعضهم:

هـذا ضـريح شقيقةِ القمرينِ

بـنتِ الإمـامِ شريفة الأبوينِ

وسـليلةِ الزهراء بضعة أحمدٍ

نـورُ الـوجود وسيّد الثقلينِ

نـسبٌ كريم للفصيحة زينبٌ

شمس الضحى وكريمة الدارينِ

* * *

للمرحوم الشيخ حسن سبتي:

عـيـبةُ عـلمٍ غـير أنّ عـلمَها

غـريـزةٌ ولـم يـكن مـكتسبا

عـالـمـةٌ عـامـلـةٌ لـربِّـها

طول المدى سوى التقى لن تصحبا

تـقيةٌ مـن أهـل بـيت عصمةٍ

شـقيقةُ الـسبط الحسينِ المجتبى

صـدّيقةٌ كـبرى وجـمّ عـلمِها

طـاشت بـها الألبابُ والفكر لبا

فـيا لـها داعـيةٌ إلى الـهدى

فـي حـلِّ كـلِّ مشكلٍ قد صعبا

ذات فـصـاحةٍ إذا مـا نـطقتْ

حـيناً تـخال المرتضى قد خطبا


سـل مجلس الشام وما حلَّ به

مُذ خطبت ماج بهم واضطربا

* * *

وللمرحوم الشيخ أحمد الكناني من مقطوعة:

لـذ فـي الـشدائد بابنةِ الزهراءِ

واقـصد حـماها فـوق كلِّ عناءِ

هـي زيـنبٌ ذات المقامات العلا

وكـريـمةُ الأجــداد والآبــاءِ

هي ربةُ الشورى وغوث مَن التجى

بـنت الإمـام وفـارس الـهيجاءِ

اُخـت الحسين وجدُّها خيرُ الورى

وهـمُ إذا عـزَّ الـرجاءُ رجـائي

* * *

للمغفور له الشيخ حسن سبتي:

لما أصابت ( يثرباً) مجاعةٌ

وشـدةٌ وعـامهم قـد قطبا

فسار عبد الله ينحو الشام في

عـياله يـحملهم و (زينبا )

لـكنّ وعثاءَ الطريق أثّرت

بـها فـكابدت عناءً نصبا


وعـنـدما تـذكّـرت دخـولَها

للشام حسرى وهي في أسر السبا

حـمت ومـا زالت تعاني سقماً

وسـقمها فـي جسمها قد نشبا

وعـام خـمسةٍ وخمسين قضت

صـابرةً بـالصبر حـازت رتبا

وقـد قـضت في رجب بنصفِه

يـاليت أنّـا لـم نـشاهد رجبا

* * * *

ولبعضهم:

نـفسي الفداء لمشهدٍ أسرارُه

مـن دونها سترُ النبوّة مسبلُ

ورواقُ عـزٍّ فيه أشرف بقعةٍ

ظلت تحار لها العقولُ وتُذهلُ

تغضي لبهجته النواظر هيبةً

ويـردّ عـنه طرفه المتأمّلُ

حسدت مكانته النجوم فودّ لو

أمسى يجاوره السماك الأعزلُ

وسـما عـلوّاً أن تقبّل تربَه

شـفةٌ فـأضحى بالجباه يُقبّلُ


للعلامة السيد مسلم الحلي (أيّده الله):

أزيـنب هـذي نـدبةٌ عزّ وقعها

على منطقي إذ موقع الرزء هائلُ

أذاقـكِ أنـواعَ المصائب موقفٌ

بـه الـسبط مـثكولٌ وإنك ثاكلُ

فـيا مـوقفاً ما كان أسماه موقفاً

بـه لـذوي الألباب لاحت دلائلُ

جـهادُ لـسانٍ قد حكى في جلالِه

جـهادَ سـنان والـجهادُ مراحلُ

رميت بني حرب بحرب صواعقٍ

قـنابلُ قـولٍ دونـهنّ الـقنابلُ

تـحطّم فـيه عـرشُهم وعريشهمْ

وهُـدّت حـصونٌ منهمُ ومعاقلُ

كـذا فليكن مَن كان للدين ناصراً

تـهونُ عـليه نـفسه والعواملُ

* * * *

للعلامة الشيخ حسن نجل الحجة الشيخ مرتضى أسد الله الكاظمي:

زينب بنت علي عليهما‌السلام

تسيل دموعُ العين حزناً وتسكبُ

إذا ذُكـرت اُمُّ المصائب زينبُ


هـي الـمثل الأعـلى لـكلِّ فضيلةٍ

وفي فضلها الأمثال في الناس تضربُ

تـقـوم لـها الـعليا وتـقعد كـلّما

تـبين لـها الـذكر الـحميد وتعربُ

وكـم حـيّرت فـي ذكرها كلَّ كاتبٍ

ومَـن أخـذته حـيرةٌ كـيف يكتبُ

وكـم أعـجزتْ في مدحها كلَّ شاعرٍ

وإن كـان يـحلو الشعر فيه ويعذبُ

فـمَن جـدّها أو مَـن أبـوها واُمّها

ومَـن أخـواها حـين تنمى وتنسبُ

قــد اكـتسبت أخـلاقها وتـأدّبتْ

بـآدابـهم يـا نـعم هـذا الـتأدّبُ

مـبـاركةٌ فـي كـلِّ أرض تـحلّها

فـتخضرّ منها الأرض يمناً وتخصبُ

وعـالـمةٌ لـكـن بـغـيرِ تـعـلّمٍ

وذا خـبرٍ يـروى ولـيس يُـكذّبُ

لـقـد أودعـت أسـرار آل محمّدٍ

فـتأخذ مـنها كـلَّ عـلم وتـكسبُ

وتـحبو بـها عـلماً وتوهب حكمةً

وطـوبى لـمن يُـحبا بهذا ويوهبُ

تـفـوق نـساء الـعالمين شـجاعةً

ومـنها رجـال الـعالمين تـعجبّوا


فـمـا تـرتاب الـبلايا جـميعها!

ولا هـي من أعيائها تتهيبُ

تـشقّ عـلى الـناس الـصعاب وإنّما

يهون عـليها ما يشقّ ويصعبُ

ألـمّت بـها الأرزاء وهي كثيرةٌ

كـقطر السما ليست تُعدّ وتحسبُ

ولـله مـن قـلبٍ تـحمّل ثـقلَها

ولـو حـلّ قـلباً دونـه يتشعبُ

وما حُصرت في خطبة يوم روعِها

ويحصر يوم الروعِ مَن فيه يخطبُ

لـقد حـملت يوم الطفوفِ رسالةً

يـنوء بـها حـملاً سواها وينصبُ

فـأعطت جميعَ الواجبات حقوقَها

ومـا قـصرت فيها يحقُّ ويوجبُ

فـقامت بـأعباء الـرعاية كـلِّها

ومـا فـاتها فـي الأمر ما يتطلّبُ

لـها وقـفاتٌ صـامداتٌ صـليبةٌ

أشـد مـن الطود العظيم وأصلبُ

ولـيست تـبالي لـو تلوم عدوَّها

ولـو هـو مغتاظ عليها ومغضبُ

ومـا أظهرت شكوى إلى أحد ولو

ألـمّ بـها مـا لا يظن ويحسبُ


ولـم نـر مـغلوباً على كلِّ أمره

يـغالب بـالقول الـعدو فـيغلبُ

وإنّ وقـوع الـقول فوق نفوسِهمْ

أشـدّ عـليهم من سهامٍ وأصعبُ

تـجنبت الـشيء الـمخلّ بشأنها

وإنّ الـكريم الـحرَّ مَـن يتجنبُ

وكـم أغلظت بالقول دون تريّبٍ

أمـام الـذي مـن أمرها متريّبُ

أمـام عـبيدِ الله طـوراً وتـارةً

أمـام يـزيدٍ حـين قامت تؤنّبُ

فـيالَ مـقامٍ لـو يـقوم مـقامها

سواها قضى رعباً به حين يرعبُ

فـتلهب بـاللفظ النفوسِ حماسةً

وما هـي إلا جـمـرة تـتلهبُ

لـقد أنـشبت حرباً عليهم طويلةً

مداها وما زالت مدى الدهر تنشبُ

ولـو لـم يـكن إقدامُها وجهادُها

لـما كـان شـيء للوقيعة ينسبُ

ويـعجب مـن إقدامها كلُّ معشرٍ

ولا عـجبٌ مـنه إذا منه يعجبُ

تـقلّبت الأحـداثُ نصب عيونِها

ومـا أعـظم الأحداث إذ تتقلّبُ


فـمـنظر قـتلاها أمـام عـيونِها

وهـل مـنظرٌ مـنه أشـدّ وأرهبُ

فـهذا عـلى وجـه الـصعيدِ معفّرٌ

تـريبٌ وهـذا بـالدماء مـخضبُ

ومـا بـرحت طـول الحياة حزينةً

تـنوح عـلى قتلى الطفوف وتندبُ

فما الرزء ينسى لا ولا الحزن ينتهي

ولا النفس تسلو لا ولا الدمع ينضبُ

فـفي كـلِّ يـوم فـي السماء مآتمٌ

وفـي كـلِّ عـينٍ عـبرةٌ تتصبّبُ

وإنّ بـعـين الله كــلَّ وقـيـعةٍ

يـطيح بـها آلُ الـرسول ويعطبوا

فـتطعن بـالسمر العوالي صدورها

وأعـنـاقها بـالمشرفية تـضربُ

وإنّ بـعـين الله كــلَّ عـقـيلةٍ

لـهمُ فـي يد الأعداء تُسبى وتسلبُ

* * *

فطوبى لأرضِ الشام حيث تنزّلت

بـها بـركاتٌ تربها ليس يجدبُ


تـحلّ بـها من نسوةِ الوحي حرّةٌ

مـباركةٌ مـيمونةٌ هي «زينبُ»

تطيّب تُربُ الأرضِ من طيبها وكمْ

تـضوّع طـيباً تـربُها المتطيّبُ

فـمرقـدُها فـي كلِّ قلبٍ معظّمٍ

ومـشهدُها فـي كـلِّ نفسٍ محببُ

وتـختلف الـزوّارُ نـحو مزارِها

تـجيء إلـيه كـلَّ يـوم وتذهبُ

فـلا فـاته روحٌ مـن الله طـيّبٌ

ولا جـازه قطرٌ من السحب صيّبُ

* * *


تحقيق حول مشهدها الشريف في الشام أو في مصر

لا ريب أنّ الفاطميِّين هم من السلالة الطاهرة، ومن أبناء العلويِّين الذين ينتمون إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، وعلى رغم ما فعلته السلطة الجائرة من إنكار نسبهم الشريف، وقد قيل:

ولا تضرّ كلابُ السود أن نبحتْ

على الاُسود وأبدت كامنَ الضغنِ

فهذا ابن عمهم الشريف الرضي (رضوان الله عليه) يصدّق نسبهم بقوله:

أَلبَسُ الذُلَّ في دِيارِ الأَعادي

وَبِمِصرَ الخَليفَةُ العَلَوِيُّ

مَن أَبوهُ أَبي وَمَولاهُ مَولا

يَ إِذا ضامَني البَعيدُ القَصِيُّ

لَفَّ عِرقي بِعِرقِهِ سَيِّدا النا

سِ جَميعاً مُحَمَّدٌ وَعَلِيُّ (*)

وقد جهد الفاطميّون في عهدهم على أن يجعلوا مصر شيعية محضة موالية لآل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ومَن وجبت على الخلق محبتهم، وقاموا بأشياء توطئة لقصدهم، منها جلبهم

____________________

(*) وردت الأبيات هنا في غير هذا النحو، وفيها من الأخطاء العروضية والتغيير والتبديل الشيء الكثير، وقد أثبتنا ما هو موجود من أصل الديوان. (موقع معهد الإمامين الحسنَين)


الصندوق الذي فيه رأس الحسين عليه‌السلام من عسقلان (1) إلى مصر، وبنو عليه مسجداً فخماً، وحتّى اليوم يزار مسجد رأس الحسين عليه‌السلام .

ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني في طبقات الأولياء عند ترجمته للحسين عليه‌السلام ، قال: دفنوا رأسه ببلاد المشرق، ثمّ رشى عليه طلايع بن رزيك بثلاثين ألف دينار ونقله على مصر، وبنى عليه المشهد الحسيني، وخرج هو وعسكره حفاة إليه نحو الصالحية من طريق الشام ينقلون الرأس الشريف، ثمّ وضعه طلايع في كيس من الحرير أخضر على كرسي آبنوس وفرشوا تحته المسك والعنبر والطيب قدر وزنه مراراً.

وممن قال: إنّ الرأس الشريف بالمشهد الذي بالقاهرة اليوم، نقل إليها من عسقلان، علي بن أبي بكر المشهور بالسائح الهروي، المتوفّى سنة 611 هـ، قال [في] الإشارات إلى أماكن الزيارات عند كلامه على عسقلان: وبها مشهد الحسين رضي‌الله‌عنه ، كان رأسه بها، فلما أخذتها الفرنج نقله المسلمون إلى مدينة القاهرة سنة 549 هـ.

وذكر مجير

____________________

(1) عسقلان: مدينة كانت على ساحل بحر الشام من أعمال فلسطين، وكان يقال لها: عروس الشام؛ لحسنها، وهي ذات بساتين وضياع، بها مشهد رأس الحسين عليه‌السلام ، وهو مشهد عظيم، وفيه ضريح الرأس والناس يتبركون به، وقد نقل الفاطميّون رأس الحسين منها إلى مصر.


الدين الحنبلي في (الأنس الجليل) عند ذكر ه لعسقلان، قال: وبها - أي بعسقلان - مشهد عظيم بناه بعض الفاطميِّين من خلفاء مصر على مكان زعموا أنّ فيه رأس الحسين بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام .

كما وأنّهم شيّدوا مرقد السيدة نفيسة، ونوهوا بنسبها وعظم شأنها، وهو يزار حتّى اليوم، وكذلك شيدوا أيضاً قبر اُمّ كلثوم الملقّبة بزينب الصغرى، ونوّهوا بأنّ هذا هو مرقد السيدة زينب عقيلة بني هاشم.

وهاك ما كتب على باب المرقد: بسم الله الرحم الرحيم، ( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً ) ، هذا ما أمر به عبد الله ووليه أبو تميم أمير المؤمنين الإمام العزيز بالله (صلوات الله تعالى عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه المكرمين)، أمر بعمارة هذا المشهد على مقام السيدة الطاهرة بنت الزهراء البتول، زينب بنت الإمام علي بن أبي طالب (صلوات الله تعالى عليها وعلى آبائها الطاهرين، وأبنائها المكرمين).

وقد أخذ المؤرّخون على ما وجدوا من الكتابات على جدران مرقدها، والتي رقمت في أيام الفاطميِّين بعين الاعتبار، وجاء مؤلف كتاب (العدل الشاهد في تحقيق المشاهد)، مشاهد مصر، فذكر أنّ هذا هو قبر زينب الكبرى، وتبعه


المتأخّرون وأثبتوا ذلك في مؤلفاتهم، وهذا المقريزي (1) لم يذكر لزينب الكبرى مشهداً في مصر، وجلّ قوله في ما كان يعمل في يوم عاشوراء من سنة ثلاث وستين وثلاثمئة، قال: انصرف خلق من الشيعة وأشياعهم إلى المشهدين؛ قبر اُمِّ كلثوم ونفيسة، ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالاتهم بالنياحة والبكاء على الحسين عليه‌السلام ... إلخ.

وعند ذكره للشيعة (2) ، وقد كانت مصر لا تخلو منهم في أيام الإخشيدية والكافورية في يوم عاشوراء عند قبر اُمّ كلثوم وقبر نفيسة... إلخ، ذكر واقعة الطفِّ ومقتل الحسين في نفس المصدر، ويذكر زينب الكبرى ومواقفها يوم عاشوراء.

فالحقيقة هي أنّ المشهد الذي في مصر هو مشهد اُمّ كلثوم بنت علي عليه‌السلام ، والمشهد الذي بالشام هو مشهد زينب الكبرى، وقد تسلمته الشيعة عن بعيد، وجيلاً عن جيل، إذاً لا يرتاب أحد في ذلك أبداً.

وهذا الحجة الأكبر وإمام عصره سيدنا السيد عبد الحسين شرف الدين، فإنّ رأيه الصواب، وقوله الفصل يرى أنّ هذا هو مشهد العقيلة زينب الكبرى، وله مقالة مسهبة بمناسبة وصول الضريح الأثري الذي تبرّع به المرحوم محمّد حبيب الباكستاني، ونصب

____________________

(1) انظر الخطط المقريزيّة 2 / 289.

(2) المصدر نفسه / 290.


على قبر السيدة زينب في قرية الست من ضواحي الشام، وذلك بعد أن ذكر (عطّر الله مرقده) طرفاً من ترجمتها، والمقالة ذات فصول، وهذا عنوان مشهدها (مشهد العقيلة).

وهذه اُمّ المصائب عقيلة الوحي والنبوة، وخفرة علي وفاطمة عليهما‌السلام ، زينب، بلغ من عناية الله تعالى بها وكرامتها عليه أن كان مشهدها هذا منذ حلّت رمسه، كلّ سنة هو أفخم وأعظم منه في سابقتها، حتّى بلغ اليوم أوج العظمة والعلاء، يطوف المسلمون بهذا المشهد، ويعتصمون به، فإذا هو على الدوام أمل الراغب الراجي عفو ربّه [عن] ذنوبه، وأمن الراهب التائب الراجي في ستر عيوبه، ويقضي حوائجه، متوسلاً إليه تعالى باُمّ المصائب في سبيله (عزّ وجلّ).

هذا شأن المخلصين لله تعالى في حفظ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في عترته من بعده، يعظمون شعائر الله تعالى: ( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ) (1) .

____________________

(1) سورة الحج / 32.


وذكر المغفور له الحجة السيد حسن الصدر (نوّر الله رمسه)، في كتاب (نزهة أهل الحرمين)، زينب الكبرى بنت أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكنيتها اُمّ كلثوم، قبرها قرب زوجها عبد الله بن جعفر الطيار خارج دمشق الشام معروف.

جاءت مع زوجها عبد الله بن جعفر أيام عبد الملك بن مروان إلى الشام سنة المجاعة، ليقوم عبد الله بن جعفر في ما كان له من القرى والمزارع خارج الشام حتّى تنقضي المجاعة، فماتت زينب هناك، ودُفنت في بعض تلك القرى.

قلت: واليوم تعرف القرية التي فيها مرقدها باسمها، قرية الست زينب. انتهى.

وجاء في كتاب (لواقح الأنوار): توفيت زينب بنت علي بن أبي طالب عليه‌السلام بدمشق الشام في سنة أربع وسبعين هجرية. انتهى.

وذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان 4 / 216 عند ذكر (راوية): قرية من غوطة دمشق، بها قبر اُمّ كلثوم... إلخ.

وجاء في رحلة ابن بطوطة عند سرده للقبور التي حوالي دمشق الشام، قال: وبقربه قبلي البلد، وعلى فرسخ منها مشهد اُمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة عليهم‌السلام ، ويقال: إنّ اسمها زينب، وكنّاها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله اُمّ كلثوم؛ لشبهها بخالتها اُمّ كلثوم بنت


رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعليه مسجد كريم، وحوله مساكن، وله أوقاف، ويسمّيه أهل دمشق قبر الست اُمّ كلثوم.... إلخ.

وذكر ابن جبير في رحلته عند عرض ذكره للمشاهد والقبور في دمشق الشام، قال: ومن مشاهد أهل البيت رضي‌الله‌عنهم مشهد اُمّ كلثوم ابنة علي بن أبي طالب رضي‌الله‌عنهما ، ويقال لها: زينب الصغرى، واُمّ كلثوم كنية أوقعها عليها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لشبهها بابنته اُمّ كلثوم رضي‌الله‌عنها ، والله أعلم بذلك.

ومشهدها الكريم بقرية قبلي البلد تُعرف بـ (راوية)، على مقدار فرسخ، وعليه مسجد كبير، وخارجه مساكن، وله أوقاف، وأهل هذه الجهات يعرفونه بقبر الست اُمّ كلثوم. مشينا إليه وبتنا به، وتبرّكنا برؤيته نفعنا الله بذلك.

وذكر الشيخ الشبلنجي في كتابه القيّم (نور الأبصار/ 238) ط العثمانية، في مناقب السيدة رقية المدفونة بدمشق الشام، قال: وقد أخبرني بعض الشوام أنّ للسيدة رقية بنت الإمام علي (كرّم الله وجهه) ضريحاً بدمشق الشام، وأنّ جدران قبرها كانت قد تعيبت، فأرادوا إخراجها منه لتجديده، فلم يتجاسر أحد أن ينزل من الهيبة، فحضر شخص من أهل البيت يدعى السيد ابن مرتضى، فنزل في


قبرها، ووضع عليها ثوباً لفّها فيه، وأخرجها فإذا هي بنت صغيرة دون البلوغ. وقد ذكرت ذلك لبعض الأفاضل، فحدّثني به ناقلاً عن أشياخه. انتهى كلام الشبلنجي.

قلت: لم يذكر التاريخ أن رقية بنت علي عليه‌السلام مدفونة بالشام، وإنّما المأثور والمنقول أنّ هذه هي الطفلة رقية بنت الحسين بن علي عليه‌السلام التي توفيت بالخربة، والذي يؤكّد ذلك قول الشبلنجي نفسه: (إذاً هي بنت صغيرة)، وقبرها اليوم في سوق الشام في الجامع المعروف باسمها، يزار ويتبرك به، وقد جدّدوا ضريحه قبل أعوام، وأرّخت عام تجديده (حول ضريح رقية).

وأمّا السيد [الذي] نزل في قبرها وأخرجها، ووضع عليها ثوباً لفّها فيه ثمّ دفنها بمكانها، هو جد الأسرة السادة آل مرتضى، وهم سدنة مرقد السيدة زينب بنت الإمام علي عليه‌السلام المدفونة في قرية (راوية)، وتُعرف اليوم بقرية الست زينب عليها‌السلام .

وسدانة هذا المرقد تقوم به اليوم هذه الأسرة العلوية والدوحة الهاشمية منذ مئات الأعوام، السادة أل مرتضى يتوارثون هذه السدانة وخدمة هذه العتبة المشرفة يداً عن يد، ويتسلّم مفاتيح هذه الروضة المباركة الخلف بعد السلف.

ولقد وفّق الله تعالى في الآونة الأخيرة حضرة الوجيه، والتاجر الشهير، المحب للخير، والقائم بشعائر الدين الحاج مهدي البهبهاني فكرّس أوقاته لتشييد وتعمير هذه العتبة،


وأمره مطاع لدى أرباب الخير وأبناء الإسلام، وتلّمذ عليه بهذه الخدمة الشريفة السيد الجليل السيد رضا الكاظمي، فحيّا الله منه هذه الشهامة الهاشمية، ووفّقه إلى أعمال البر والخير.

موالاة آل البيت عليهم‌السلام

قال أبو الأسود الدؤلي رضي‌الله‌عنه :

اُحـبّ مـحمّداً حـبّاً شديداً

وعـباساً وحـمزة والوصيّا

هوىً اُعطيته منذ استدارت

رحى الإسلام لم يعدل سويّا

بـنو عـمِّ الـنبي وأقربوه

أحـب الـناس كـلهمُ إليّا

فـإن يك حبُّهم رُشداً اُصبه

ولست بمخطئٍ إن كان غيّا

وقال الكعبي (رحمة الله عليه):

آلُ الرسول ونعم أكفاء الـ

ـعـلا آلُ الـرسولِ

خـيرُ الفروع فروعُهم

واُصولُهم خيرُ الاُصولِ

هم حبل الله، مَن اعتصم بهم نجا، وهم سفن النجاة لمحبيهم، يصل المحب لهم إلى شاطئ السعادة، وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( مثلُ أهل بيتي كسفينة نوح؛ مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق وهوى، وزجّ في النار زجاً )) .

وهم الذين مدحوا بآية التطهير، قال (جلَّت آلآؤه): ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) ، والمراد بأهل البيت فاطمة وبعلها علي،

____________________

(1) سورة الأحزاب / 33.


وولداهما الحسن والحسين عليهم‌السلام .

ولقد ذكر أرباب التفسير أن آية التطهير نزلت على الرسول الأعظم وهو في بيت اُمِّ سلمة، ويروى عن اُمّ سلمة قالت: لما نزلت هذه الآية الشريفة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله جلل على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساءً، وقال: (( اللهمَّ هؤلاء أهل بيتي وحامّتي، اذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً )) .

فقلت: يا رسول الله، وأنا معهم؟

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أنت مكانك، وأنت على خير )) .

وذكر الفخر الرازي في تفسيره قال: إنّ أهل بيته صلى‌الله‌عليه‌وآله ساووه في خمسة أشياء؛ في الصلاة عليه وعليهم في التشهّد، وفي السّلام، يقال في التشهد: السلام عليك أيها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال تعالى: ( سَلاَمٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ ) ، وفي الطهارة، قال تعالى: ( طه ) ، أي طاهر، وقال تعالى: ( وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) ، وفي تحريم الصدقة، وفي المحبة، قال تعالى: ( فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) ، وقال تعالى: ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( أحبوا الله لما يغذوكم به، وأحبوني لحبِّ الله، وأحبوا أهل بيتي بحبي )) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( لا يحبّنا أهل البيت إلاّ مؤمن تقي، ولا يبغضنا إلاّ منافق شقي )) .

____________________

(1) سورة الشورى / 23.


ولقد كان صلى‌الله‌عليه‌وآله يمرّ بباب فاطمة إذا خرج إلى صلاة الفجر، ويقول: (( الصلاة يا أهل البيت، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )) .

وقد قال علي عليه‌السلام في بعض خطبه: (( نحن شجرة النبوة، ومحط الرسالة، ومختلف الملائكة، ومعادن العلم، وينابيع الحكم؛ ناصرنا ومحبّنا ينتظر الرحمة، وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السطوة )) .

وإليك ما نظمه الشافعي محمّد بن إدريس (رحمه الله):

يـا آل بـيت رسولِ الله حبكمُ

فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ

كـفاكمُ مـن عظيم الفخر أنّكمُ

مَن لم يصلِّ عليكم لا صلاة لهُ

* * *

وله أيضاً:

همُ القوم مَن أصفاهم الودَّ مخلصاً

تمسّك في اُخراه بالسبب الأقوى

مـوالاتهمُ فـرضٌ وحبُّهم هدىً

مـحاسنهمْ تُحكى وآياتهم تُروى

وله أيضاً:

يا راكباً قفْ بالمحصبِّ من منى

واهتف بساكنِ خيفها والناهضِ


سحراً إذا فاض الحجيجُ إلى منى

فـيضاً كملتطم الفراتِ الفائضِ

إنْ كـان رفـضاً حبُّ آل محمّدٍ

فـليشهد الـثقلان أنّي رافضي

* * *

ولزبينا بن إسحاق النصراني:

* * *

وهذا ابن عباس حبر الاُمّة، جاء من طريقه أنه لما نزل قوله تعالى: ( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، قالوا: يا رسول الله، مَن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟

قال: (( عليٌّ وفاطمة وابناهما )).

وقد قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( إنّ الله جعل أجري عليكم المودة في أهل بيتي، وإنّي سائلكم غداً عنهم )) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( الزموا


مودتنا أهل البيت؛ فإنّه مَن لقي الله (عزّ وجلّ) وهو يودّنا دخل الجنة بشفاعتنا. والذي نفسي بيده، لا ينفع عبداً عمله إلاّ بمعرفة حقّنا )) .

وللشيخ محي الدين بن عربي (قدّس سره):

رأيـت ولائـي آلَ طـه فريضةً

على رغمِ أهل البُعد يورثني القُربا

فما طلب المبعوث أجراً على الهدى

بـتبليغه إلاّ الـمودة فـي القربى

* * *

والحديث المأثور ذكره أرباب الحديث والصحاح، (( مَن حفظني في أهل بيتي فقد اتّخذ عند الله عهداً )) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( استوصوا بأهل بيتي خيراً؛ فإني اُخاصمكم عنهم غداً، ومَن أكن خصمه أخصمه، ومَن أخصمه دخل النار )) .

هؤلاء هم آل رسول الله الذين وجبت على الناس محبتهم وولاؤهم والصلاة عليهم.

كان جابر بن عبد الله الأنصاري (رحمه الله) يقول: لو صلّيت صلاةً لم اُصلِّ فيها على محمّد وعلى آل محمّد ما رأيت أنها تُقبل.

وقد سُئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كيف الصلاة على أهل البيت، قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : (( قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك على محمّد وعلى آل


محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد )) .

فسلام الله على آل رسول الله الطيّبين الطاهرين، وسلام الله على عقيلة آل النبي الأمين، وابنة علي بن أبي طالب عليه‌السلام أمير المؤمنين، زينب الكبرى ورحمة الله وبركاته.

تاريخ الباب الذهبي لحرم العقيلة زينب الكبرى عليها‌السلام

حرمُ العقيلة زينبٍ حرمُ الهدى

بـفنائهِ زمـرُ الملائك عكّفُ

والـناسُ تـلثم منه عتبةَ بابِه

وجميعهم أرّخ « به تتشرفُ »

الكاظمية - علي الهاشمي الخطيب

والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين


الفهرس

عقيلة بني هاشم (زينب الكبرى) 5

ولادتها 5

تسميتها وكنيتها 5

أبوها 6

اُمّها 8

نشأتها 9

شرف نسبها وفضلها 10

عبادتها 13

تهجّدها وأدعيتها 14

من غُررِ كلامها 19

خطبتها في الكوفة 20

كلامها مع ابن زياد 23

خطبتها في مجلس يزيد 24

جوابها ليزيد في مجلسه 29

تزويجها 31

زوجها 32

وفاته 36

أولاده وأولادها 36

أسفارها 43

بعض ما قيل فيها شعراً 45

تيهي جلالاً يا بقاع الراوية 47

كلمة الاُستاذ الكبير أحمد فهمي محمّد المصري وشعره 53

زينب بنت علي عليهما‌السلام 58

تحقيق حول مشهدها الشريف في الشام أو في مصر 64

موالاة آل البيت عليهم‌السلام 72