دليل الكتاب
المقدّمة 5
التحوّل المذهبي 7
حوار حول أسباب تشيّع هؤلاء 34
الحلقة الأُولى: شيّعني الأمل الحقيقي الذي يعيشه الشيعة بخصوص ظهور الدين على يد المصلح العظيم المهدي المنتظر ( عجّل الله تعالى فرجه ) 36
الحلقة الثانية: مظلومية الزهراء عليهاالسلام وأهل البيت عليهمالسلام عناصر تشيّعي 42
الحلقة الثالثة: عقيدة أهل البيت عليهمالسلام في التوحيد هي التي شيّعتني 54
الحلقة الرابعة: عقيدة أهل البيت عليهمالسلام في النبوّة هي التي شيّعتني 63
الحلقة الخامسة: شيّعني حديث الاثني عشر خليفة 69
الحلقة السادسة: حديث انقسام الأمة والفرقة الناجية هو الذي شيّعني 76
الحلقة السابعة: الكذب على الشيعة هو الذي شيّعني 85
الحلقة الثامنة: شيّعتني آية الوضوء 96
الحلقة التاسعة: شيّعتني الصلاة البتراء 102
الحلقة العاشرة: شيّعتني البسملة 109
الحلقة الحادية عشر: شيّعني حديث الطائفة الظاهرة على الحق 114
الحلقة الثانية عشر: مودّة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله عند الشيعة هي التي شيّعتني 121
الحلقة الثالثة عشر: شيّعتني الحجج التي في كتب السنّة المعتمدة 131
الحلقة الرابعة عشر: شيّعني حديث الثقلين 142
الحلقة الخامسة عشر: حديث الغدير وحادثته هما اللذان شيّعاني 151
الحلقة السادسة عشر: النظر في المذاهب الإسلاميّة هو الذي شيّعني 159
الحلقة السابعة عشر: رزيّة الخميس هي التي شيّعتني 170
الحلقة الثامنة عشر: مسألة الاصطفاء في القرآن هي التي شيّعتني 182
الحلقة التاسعة عشر: شيّعني كتاب علل الشرائع 191
الحلقة العشرون: إهمال السنّة النبويّة المطهّرة، وإفراغ القرآن الكريم من معانيه، هما اللذان شيّعاني 198
الحلقة الحادية والعشرون: اتّصال الاجتهاد وبقاء بابه مفتوحاً عند الشيعة هو الذي شيّعني 207
الحلقة الثانية والعشرون: فوجئت بحقيقة الشيعة والتشيّع.. فتشيّعت 214
الحلقة الثالثة والعشرون: مناهضة الشيعة للظالمين على مرّ التاريخ هو الذي شيّعني 221
الحلقة الرابعة والعشرون: شيّعني الحسين عليهالسلام 233
الحلقة الخامسة والعشرون: وسطية الشيعة، ودعوتهم إلى الوحدة الإسلامية، والعمل من أجلها، هما عوامل تشيّعي 247
الحلقة السادسة والعشرون: تناقض القائلين بالشورى في الحكم هو الذي شيّعني 258
الحلقة السابعة والعشرون: شيّعتني روحيّة أئمة أهل البيت عليهمالسلام 275
الحلقة الثامنة والعشرون والأخيرة: شيّعتني فطرتي وكتاب المراجعات 293
المصادر 306
مقدّمة المركز
التحوّل المذهبي
بقلم الشيخ محمد الحسون
الحمدُ لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير المرسلين، نبيّنا وحبيب قلوبنا، أبي القاسم محمّد، وعلى أهل بيته الطّيّبين الطاهرين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
الحمدُ لله على إكمال الدين وإتمام النعمة، والحمدُ لله الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين عليهمالسلام .
وبعد، عند وفاة النبي محمّد صلىاللهعليهوآله انقسم المسلمون إلى قسمين:
الأول: قال بإمامة وخلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام ، ومن بعده بإمامة ولديه الحسن والحسين عليهماالسلام ، وبعدهما بإمامة التسعة المعصومين من أولاد الحسين عليهمالسلام .
ورفضوا خلافة أبي بكر، ومن بعده عمر بن الخطّاب، ثمّ عثمان بن عفان، ومن بعدهم خلفاء بني أميّة وبني العباس.
الثاني: قالوا بخلافة الثلاثة: أبي بكر وعمر وعثمان، ثمّ علي بن أبي طالب عليهالسلام ، حكّام بني أُميّة وبني العباس. ورفضوا إمامة علي بن أبي طالب وأولاده المعصومين عليهمالسلام .
والقسم الأوّل يسمّون بـ «الشيعة»، و «أتباع مدرسة أهل البيت عليهمالسلام ». وسمّوهم المخالفون لهم بـ «الرافضة»؛ لأنّهم رفضوا خلافة الثلاثة.
والقسم الثاني يسمّون بـ «السنّة»، و «أتباع مدرسة الخلفاء». وسمّوهم المخالفون لهم بـ «العامّة»؛ لأنّهم ليسوا من خاصة الناس.
ونتيجة لأسباب عديدة - لسنا بصدد ذكرها - انقسم الشيعة إلى عدّة فرق
ومذاهب، انقرض أكثرها، ولم يبق في عصرنا الحاضر إلّا ثلاث:
الأولى: الإماميّة الاثنا عشرية، وهم الذين يقولون بإمامة علي بن أبي طالب وأولاده الأحد عشر عليهمالسلام ، وقد يسمّون بـ «الجعفرية» نسبة إلى الإمام جعفر الصادق عليهالسلام ( ت 148 هـ )، وهم أكثر الشيعة انتشاراً في العالم.
الثانية: الزيديّة، وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين عليهماالسلام ، استشهد سنة 122 هـ أيام حُكم هشام بن عبد الملك الأموي، وهم قلّة يعيشون في اليمن.
الثالثة: الإسماعيليّة، نسبة إلى إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام ( ت 133 هـ )، وهم أيضاً قلّة يعيشون في الهند.
أمّا السنّة فقد انقسموا أيضاً إلى فرق ومذاهب كثيرة متشعّبة، وشاءت سياسة الحكّام حصر هذه المذاهب بأربعة فقط دون غيرها، وهي:
الاولى: الحنفيّة، نسبة لأبي حنيفة النعمان بن ثابت ( ت 150 هـ ).
الثانية: المالكيّة، نسبة لمالك بن أنس ( ت 179 هـ ).
الثالثة: الشافعيّة، نسبة لمحمّد بن ادريس الشافعي ( ت 204 هـ ).
الرابعة: الحنبليّة، نسبة إلى أحمد بن حنبل ( ت 240 هـ ).
والذي يطالع التاريخ وكتب التراجم والسير، يلاحظ أنّ عمليّة، التحوّل المذهبي، بدأت من القرن الأول الهجري، أي حصل هنالك انتقال من مذهب إلى مذهب آخر، أو فلنقل من مدرسة إلى مدرسة اُخرى، لأنّ بوادر التحوّل المذهبي حصلت قبل حصر المذاهب السنيّة بالأربعة التي ذكرناها، ففي القرن الأول الهجري كان المسلمون منقسمين إلى مدرستين فقط: أتباع أهل البيت عليهمالسلام ، وأتباع الخلفاء.
ونستطيع أن نقسّم التحوّل المذهبي إلى أربعة أقسام، لا خامس لها:
الأوّل: التحوّل المذهبي ضمن الدائرة الشيعيّة.
الثاني: التحوّل المذهبي ضمن الدائرة السنيّة.
الثالث: التحوّل المذهبي من الدائرة السنيّة إلى الدائرة الشيعيّة الإمامية.
الرابع: التحوّل المذهبي من الدائرة الشيعيّة إلى الدائرة السنيّة.
القسم الأوّل: التحوّل المذهبي ضمن الدائرة الشيعيّة
قلنا قبل قليل: إنّ المذهب الشيعي حصل فيه عدّة انقسامات مذهبيّة؛ إلّا أنّ جميعها قد انقرضت، ولم يبق منها إلّا ثلاثة: الإماميّة، والزيديّة، والإسماعيلية.
وقد حصل انتقال كبير من المذهب الزيدي إلى الإمامي، وكذلك من المذهب الإسماعيلي إلى الإمامي.
فمن علماء الزيديّة الذين أصبحوا إماميّة:
1) إبراهيم بن محمّد الثقفي ( ت 283 هـ ).
له مصنّفات كثيرة منها: كتاب المبتدأ، السيرة، معرفة فضل الأفضل، بيعة علي عليهالسلام ، قيام الحسين عليهالسلام ، مقتل الحسين عليهالسلام ، فدك، المودة في ذوي القربى، الحوض والشفاعة كتاب في الإمامة كبير (1) .
2) علي بن خالد ( ت أوائل القرن الثالث ).
قال ابن شهرآشوب: «كان علي بن خالد زيديّاً فقال بالإمامة لمّا رأى ذلك وحسن اعتقاده» (2) .
3) محمّد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان، أبو الفضل الجعفي الكوفي، المعروف بالصابوني ( ت القرن الرابع ).
له كتب منها: كتاب الفاخر، تفسير معاني القرآن، صلاة الغدير، المتعة، اللعان، الطلاق، الجهاد، التوحيد والإيمان، مبدأ الخلق (3) .
_________________
(1) رجال النجاشي: 16 / 19، الفهرست للشيخ الطوسي: 37 / 7.
(2) المناقب لابن شهرآشوب 3: 499. وانظر الإرشاد 2: 291، نقد الرجال 3: 259 / 3564.
(3) رجال النجاشي: 374 / 1022.
4) السيّد الثائر بالله ابن المهدي ابن الثائر بالله الحسيني الجبلي ( ت أوائل القرن الخامس ).
وهو جعفر بن محمّد بن الحسين بن علي العسكري بن الحسين بن عمر الأشرف.
قرأ على المرتضى علم الهدى، وله كتاب «الحجّة» في الإمامة، وكتاب «منهاج الرشاد» في الاُصول والفروع (1) .
5) أبو الحسن علي بن عبد الله بن علي الوكيل الهوشمي ( ت قبل القرن السادس ) قال عنه الشيخ منتجب الدين في الفهرست: «فقيه، صالح، محدّث، كان زيديّاً فاستبصر» (2) .
6) السيّد الواثق بالله ابن أحمد بن الحسين الحسيني الجبلي ( ت القرن السادس ).
قال عنه الشيخ منتجب الدين في الفهرست: «فقيه مناظر صالح، قرأ على الشيخ المحقّق رشيد الدين عبد الجليل الرازي فاستبصر» (3) .
7) عطاء الله الرودسري الجيلاني ( ت القرن الحادي عشر ).
له مؤلّفات عديدة منها: حاشية على الحاشية الجلالية على شرح التجريد، حاشية على الجواهر والأعراض، حاشية على شرح حكمة العين، حاشية على شرح المطالع (4) .
وهناك عدد كبير من الزيدية المعاصرين الذين اعتنقوا المذهب الإمامي، منهم:
8) السيد محمّد العمدي «معاصر».
_________________
(1) الفهرست لمنتجب الدين: 34 / 64.
(2) الفهرست لمنتجب الدين: 121 / 258، وانظر أمل الآمل 2: 174.
(3) الفهرست لمنتجب الدين: 195 / 521.
(4) مواقف الشيعة للميانجي 3: 247، الذريعة 1: 178.
له مؤلّفات عديدة منها: واستقرّ بي النوى، الزيديّة والإماميّة جنباً إلى جنب، اليمن المعاصر في تقرير شامل «مخطوط» (1) .
9) السيد يحيى طالب مشاري «معاصر».
له مؤلّفات عديدة منها: في ظلال الإسلام - السرّ الكامن وراء الاختلاف بين المسلمين (2) .
10) السيدة حسينة حسن الدريب «معاصرة»
لها عدّة مؤلّفات منها: وعرفت من هم أهل البيت عليهمالسلام ، وولاية أهل البيت بالعقل والنقل.
وهناك عدد كبير من الإسماعيلية، تحوّلوا إلى الإمامية منهم: غلام مصطفى خليل، ومحمد آصف أكبري، وقاري أحمد ( علي أكبر سلطاني )، وعبد المعبود خدايار عطائي (3) .
القسم الثاني: التحوّل المذهبي ضمن الدائرة السنيّة
قلنا قبل قليل بأنّ أتباع مدرسة الخلفاء انقسموا إلى فرق ومذاهب كثيرة متشعّبة، حُصرت هذه المذاهب بأربعة فقط، لكنّنا نشاهد أيضاً انتقالاً داخل هذه المذاهب الأربعة، نذكر بعضهم على سبيل المثال؛ ومن شاء فليراجع كتب التراجم والسير عنهم وعن غيرهم:
1) الإمام أبو ثور ( ت 240 هـ ) كان حنفياً ثمّ أصبح شافعياً بعد لقائه بالشافعي في العراق.
2) الإمام الكرابيسي الشافعي - خصم الحنابلة - كان حنفياً ثمّ تشفّع.
_________________
(1) موسوعة من حياة المستبصرين 3: 333.
(2) موسوعة من حياة المستبصرين 3: 573.
(3) انظر ترجمتهم في موسوعة من حياة المستبصرين، المجلّد الثالث.
3) ابن عبد الحكم المصري ( ت 268 هـ ) كان مالكياً ثمّ أصبح شافعياً، ثمّ عاد إلى المذهب المالكي.
4) الإمام الطحاوي المصري ( ت 321 هـ ) صاحب العقيدة الطحاوية المنسوبة إليه، كان شافعياً ثمّ أصبح حنفياً.
5) ابن حبّان صاحب الصحيح ( ت 354 هـ ) كان ظاهرياً ثمّ أصبح شافعياً.
6) أبو حيّان التوحيدي النحوي المشهور، كان ظاهرياً ثمّ تشفّع.
7) الإمام ابن حزم الظاهري المشهور ( ت 456 هـ ) كان شافعياً، ثمّ أصبح إمام الظاهرية.
8) الخطيب البغدادي، صاحب تاريخ بغداد ( ت 463 هـ ) كان حنبلياً ثمّ تشفّع.
9) ابن عبد البرّ، الإمام المشهور صاحب التصانيف المعروفة ( ت 463 هـ ) كان ظاهرياً، ثم اتبع مذهب مالك مع اجتهاده.
10) المنذري المعروف صاحب الترغيب والترهيب ( ت 656 هـ ) كان حنبلياً ثم تشفّع.
11) ابن تيميّة، أحمد بن عبد الحليم، الحافظ المشهور ( ت 728 هـ )، كان حنبلياً ثمّ اجتهد.
12) إبراهيم بن برهان الحلبي الناجي ( ت 820 هـ ) كان حنبلياً ثمّ تشفّع، وذكر السخاوي أنّ سبب تسميته بـ «الناجي» أنّه نجا من المذهب الحنفي إلى الشافعي.
13) المقريزي، صاحب الخطط ( ت 845 هـ ) كان حنفياً ثمّ تشفّع.
14) ابن حجر العسقلاني ( ت 852 هـ ) صاحب فتح الباري وغيره من الكتب، كان شافعياً طيلة عمره، وقال الكتاني: إنّه في آخر عمره انتقل لمذهب مالك.
15) محمّد بخيت المطيعي ( ت 1354 هـ ) العالم المصري المعروف، كان مالكياً ثمّ تحنّف.
القسم الثالث: التحوّل المذهبي من الدائرة السنيّة إلى الدائرة الشيعية الإمامية
والذي يعبّر عنه في أيامنا هذه بـ «الاستبصار» إذ يُطلق هذا الاسم على الشخص الذي ترك مذهبه الذي كان عليه واختار مذهب أهل البيت عليهمالسلام ، لقيام الحجّة عنده على أحقيّة هذا المذهب دون المذاهب الإسلاميّة الاُخرى.
لذلك نشاهد أنّ المستبصر يمرّ بعدّة مراحل مهمّة وخطرة في حياته، وهي مرحلة التشكيك بما كان عليه، ثمّ مرحلة البحث والتنقيب عن المذهب الصحيح، ثمّ مرحلة الاختيار، ثمّ الإعلان والإفصاح عن اعتناقه مذهب أهل البيت عليهمالسلام .
وبإعلانه هذا يكون المستبصر قد جنّد نفسه لما سيلاقيه من مضايقات، بل قطيعة كاملة من أقرب الناس إليه أهله وعشيرته، بل يتعرّض لحملة تسقيط شعواء، يحاول المخالفون فيها إلصاق شتّى التهم به.
وهنا يبدأ الامتحان الإلهي لهذا المؤمن الجديد الذي حباه الله بهذه النعمة العظيمة، ولاية أمير المؤمنين عليهالسلام .
وقد يتصوّر البعض أنّ ظاهرة الاستبصار في العالم جديدة، حدثت في العقدين أو الثلاثة الأخيرة، وأنّها نتيجة طبيعيّة للأحداث السياسيّة التي شهدتها الساحة السياسيّة الشيعيّة وهذا التصوّر غير صحيح وإن كنّا لا ننكر الدور المهم الذي فعلته تلك الأحداث، وكذلك تطوّر وسائل الاتصال في العالم كالفضائيات والأنترنيت، في تعريف العالم بمذهب أهل البيت عليهمالسلام .
فالذي يطالع التاريخ بدقّة يجد أنّ ظاهرة الاستبصار والتحوّل إلى مذهب أهل البيت عليهمالسلام حصل ابتداءً من القرن الأوّل الهجري وإلى يومنا هذا، وإذا أردنا أن نثبّت كافة الأسماء التي تعرّفنا عليها من المستبصرين القدماء، فإننا نخرج عن منهج هذه المقدّمة المبنيّ على الاختصار، بل نحتاج إلى مجلّد أو عدّة مجلّدات لاستيعاب ذلك، ونشير هنا إلى بعضهم على سبيل المثال:
1) زهير بن القين ( المستشهد سنة 61 هـ ):
قال ابن الأثير: «وكان زهير بن القين البجلي قد حجّ، وكان عثمانياً، فلمّا عاد جمعهما الطريق، وكان يساير الحسين من مكّة إلّا أنّه لا ينزل معه، فاستدعاه يوماً الحسين، فشقّ عليه ذلك، ثُمّ أجابه على كرهٍ، فلمّا عاد من عنده نقل ثقله إلى ثقل الحسين ثُمّ قال لأصحابه: من أحبّ منكم أن يتبعني وإلّا فإنّه آخر العهد، وسأحدّثكم حديثاً، غزونا بلنجر ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا، وكان معنا سلمان الفارسي فقال لنا: إذا أدركتم سيّد شباب أهل محمّد فكونوا أشدّ فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم، فأمّا أنا فاستودعكم الله، ثمّ طلّق زوجته وقال لها: الحقي بأهلك» (1) .
2) المختار بن أبي عبيدة بن مسعود الثقفي ( ت حدود 67 هـ ):
قال ابن حجر: «كان قد طلب الإمارة وغلب على الكوفة حتّى قتله مصعب بن الزبير بالكوفة سنة سبع وستّين، وكان قبل ذلك معدود في أهل الفضل والخير إلى أن فارق ابن الزبير، وكان يتزيّن بطلب دم الحسين.. ويقال: إنّه كان في أوّل أمره خارجياً، ثمّ صار زيديّاً، ثمّ صار رافضيّاً..» (2) .
3) زرارة بن أعين ( ت 150 هـ ):
قال الشيخ المامقاني: «إنّ زرارة كان في الأصل عاميّاً ثمّ اهتدى إلى الحقّ، كما يكشف عن ذلك ما مرّ نقله في ترجمة الحكم بن عيينة عن الكشّي عن علي بن الحسن بن فضّال أنّه قال: كان الحكم من فقهاء العامة وكان أستاذ زرارة وحمران والطيّار قبل أن يروا هذا الأمر، وببالي أنّي وجدتُ في البحار أيضاً أنّ زرارة كان في ابتداء أمره عاميّاً ثمّ استبصر واهتدى» (3) .
_________________
(1) الكامل في التاريخ 4: 42.
(2) الإصابة 6: 275.
(3) تنقيح المقال 1: 445، وانظر الفهرست: 133.
4) السيّد الحميري، إسماعيل بن محمّد بن يزيد بن ربيعة ( ت 178 هـ ):
قال الذهبي: «كان السيّد هذا شاعراً محسناً، إلّا أنّه رافضي جلد، زائغ عن الحقّ، له مدائح جمّة في أهل البيت عليهمالسلام .. قيل: كان أبواه يبغضان عليّاً عليهالسلام » (1) .
وقال عبد الحسين الشبستري في الفائق في رواة أصحاب الإمام الصادق عليهالسلام نقلاً عن عدة مصادر: «ولد بعمان ( كورة على بحر اليمن ) سنة 105 هـ من أبوين أباضيين خارجيين، ترك دين أبويه وصار كيسانياً ثمّ عرف الحقّ وصار إمامياً مخلصاً، توفي ببغداد وقيل: بواسط» (2) .
5) عبد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني ( ت 221 هـ ):
قال ابن حجر: «.. قال جعفر الطيالسي: سمعت ابن معين قال: سمعت من عبد الرزاق كلاماً استدللت به على ما ذكر من المذهب. فقلت له: إنّ أساتيذك الذين أخذت عنهم ثقات كُلّهم أصحاب سنّة، محمّد ومالك وابن جريح والثوري والأوزاعي، فعمن أخذت هذا المذهب ؟
قال: قدم علينا جعفر بن سليمان فرأيته فاضلاً حسن الهدي فأخذت هذا عنه.
وقال محمّد بن أبي بكر المقدامي: وجدت عبد الرزاق ما أفسده غير جعفر، يعني في التشيّع» (3) .
6) محمّد بن سعيد بن كلثوم المروزي ( ت القرن الثالث الهجري ):
قال ابن داود في رجاله: «كان متكلّماً، وذكر أبو عبد الله علي الجرجاني أنّ محمّد بن سعيد كان خارجيّاً ثمّ تشيّع بعد مبايعته على الخروج بالسيف» (4) .
_________________
(1) تاريخ الإسلام 11: 158.
(2) الفائق في رواة أصحاب الإمام الصادق عليهالسلام 1: 183.
(3) تهذيب التهذيب 6: 313.
(4) رجال ابن داود: 173.
7) علي بن مهزيار ( ت 250 هـ ):
قال الكشّي: «عن يوسف بن السخت البصري قال: كان علي بن مهزيار نصرانياً فهداه الله، وكان من أهل هندكان قرية من قرى فارس، ثمّ سكن الأهواز فأقام بها» (1) .
8) جعفر بن محمّد بن مسعود العياشي ( ت 320 هـ )، صاحب التفسير المعروف:
قال الشيخ عبّاس القمّي: «قال مشايخ الرجال: إنّه ثقة صدوق، عين من عيون هذه الطائفة وكبيرها، جليل القدر، واسع الأخبار، بصير بالرواية، مضطلع بها، له كتب كثيرة تزيد على مائتي مصنّف.. وكان في أوّل عمره عاميّ المذهب، وسمع حديث العامّة وأكثر منه، ثمّ تبصّر وعاد إلينا، وهو حديث السنّ.. وأنفق على العلم والحديث تركة أبيه سائرها وكانت ثلاثمائة ألف دينار، وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل أو قار أو معلّق» (2) .
9) مهيار بن مرزويه الديلمي ( ت 428 هـ ):
قال الزركلي: «شاعر كبير، في معانيه ابتكار، وفي أسلوبه قوة.
قال الحرّ العاملي: جمع مهيار بين فصاحة العرب ومعاني العجم.
وقال الزبيدي: شاعر زمانه، كان فارسي الأصل، من أهل بغداد... وكان مجوسياً وأسلم سنة 394 هـ على يد الشريف الرضي فيما يقال، وهو شيخه، وعليه تخرّج في الشعر والأدب.
وتشيّع وغلا في تشيّعه وسبّ بعض الصحابة في شعره، حتّى قال له أبو القاسم ابن برهان: يا مهيار، انتقلت من زاوية من النار إلى أُخرى فيها، كنت مجوسياً فأسلمت فصرت تسبّ الصحابة...» (3) .
_________________
(1) اختيار معرفة الرجال 2: 825.
(2) الكنى والألقاب 2: 490.
(3) الأعلام 7: 317.
10) يوسف بن قزغلّي الواعظ المؤرّخ شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي ( ت 654 هـ ):
قال الذهبي: «روى عن جدّه وطائفة، وألّف كتاب مرآة الزمان، فتراه يأتي فيه بمناكير الحكايات، وما أظنّه بثقة فيما ينقله.. ثمّ إنّه ترفّض، وله مؤلّف في ذلك، نسأل الله العافية.
مات سنة أربع وخمسين وستمائة بدمشق.
قال الشيخ محيى الدين السوسي: لمّا بلغ جدي موت سبط ابن الجوزي قال: لا رحمه الله كان رافضيّاً.
قلت: كان بارعاً في الوعظ ومدرساً للحنفية» (1) .
11) جلال الدين محمّد بن سعد الدواني ( ت 907 هـ أو 917 هـ ):
قال الشيخ عبّاس القمّي: «المنتهى نسبه إلى محمّد بن أبي بكر، الحكيم الفاضل الشاعر المدقّق، صاحب أنموذج العلوم، وهو كتاب لطيف يحتوي على مسائل من كل علم، وله شرح على متن التهذيب، وعلى العقائد العضدية، وله الحاشية القديمة والجديدة على شرح التجريد للفاضل القوشجي.. وإنّه كان في أوائل أمره على مذهب أهل السنّة ثمّ صار شيعياً، وكتب رسالة بعد ذلك سمّاها نور الهداية، وهي مصرّحة بتشيّعه» (2) .
12) ملا أحمد الهندي ( ت 996 هـ ):
قال إسماعيل باشا البغدادي: «كان حنفيّاً ثمّ تشيّع، وتوفي بلاهور سنة 996 هـ ست وتسعين وتسعمائة، له تاريخ ألف في الوقائع العمومية..» (3) .
_________________
(1) ميزان الاعتدال 7: 304.
(2) الكنى والألقاب 2: 230.
(3) هدية العارفين 1: 150.
قسم المستبصرين في مركز الأبحاث العقائدية
لا نبالغ إن قلنا: إنّ مركز الأبحاث العقائدية هو أوّل مؤسسة اهتمّت بالمستبصرين في إيران، فيوجد فيه قسم خاصّ يعنى بشؤون المستبصرين والاهتمام بهم.
فكلّ مستبصر يتمّ التعرّف عليه، يُفتح له ملف خاص به، ويقوم بملىء استمارة خاصّة، يبيّن فيها اسمه وعنوانه، ومستواه العلمي، ونشاطه الثقافي، ومؤلّفاته، وسبب استبصاره، والأشخاص الذين تأثّر بهم، والكتب التي طالعها وكان لها دور فعّال في تغيير معتقده، وغيرها من المعلومات الخاصة به.
ويتمّ نشر هذه المعلومات في موقع المركز على الانترنت بعد موافقة المستبصر على ذلك، وكذلك تطبع في كتاب «موسوعة من حياة المستبصرين».
ويتمّ تشجيع المستبصرين الذين لديهم قدرة على الكتابة، ويقوم المركز بطبع نتاجهم العلمي بعد مراجعته من قبل لجنة خاصة في المركز، في سلسلة تحت عنوان «الرحلة إلى الثقلين».
كما يستقبل المركز المساهمات الثقافية للمستبصرين وينشرها في حقل خاص في موقع المركز على الانترنيت.
كذلك يقوم المركز بالإجابة على أسئلتهم العقائدية ورفع الشبهات التي لا زالت عالقة في أذهانهم، ويرسل لهم الكثير من الكتب العقائدية وغيرها، ويحاول دوماً مساعدتهم في مجالات شتى.
ونتيجة لذلك فقد تجمّعت لدينا ملفّات كثيرة، وتعرّفنا على عدد كبير من المستبصرين، منتشرين في بقاع العالم، وتقسّم هذه الملفّات إلى قسمين:
الأوّل: ملفّات الأشخاص الذين زاروا المركز أو اتصلوا به بشكل مباشر، ولدينا معهم تواصل دائم، وأكثرهم من العلماء والمثقّفين وأصحاب القلم.
الثاني: ملفّات المستبصرين السابقين المنتقلين إلى رحمة الله تعالى، أو الذين لم يتمّ الاتصال بهم بشكل مباشر لحدّ الآن، وإنّما تعرّفنا على أسمائهم بطرق مختلفة.
علماً بأنّ في مكتبتنا في المركز مكاناً خاصاً لمؤلّفات المستبصرين، نورد أسماء بعضهم وأسماء بعض مؤلّفاتهم، ردّاً على أولئك الذين ينكرون ظاهرة الاستبصار العالمية، ويقولون: إنّها أسماء وهمية:
* أحمد حسن العنثري، اليمن.
1 - الإمامة في الميزان، اختيار الله أم اختيار البشر ؟
2 - الجواب المبين في الردّ على المروّجين.
* أحمد حسين يعقوب، الأردن.
1 - النظام السياسي في الإسلام.
2 - نظرية عدالة الصحابة والمرجعية السياسية في الإسلام.
3 - مرتكزات الفكر السياسي.
4 - الخطط السياسية لتوحيد الأُمّة الإسلامية.
5 - طبيعة الأحزاب السياسية العربية.
6 - الوجيز في الإمامة والولاية.
7 - المواجهة مع رسول الله وآله.
8 - مساحة للحوار، من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة.
9 - كربلاء، الثورة والمأساة.
10 - الهاشميون في الشريعة والتاريخ.
11 - حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر.
12 - أين سنّة الرسول، وماذا فعلوا بها ؟
13 - الاجتهاد بين الحقائق الشرعية والمهازل التاريخية.
14 - المرجعية السياسية في الإسلام.
15 - مختصر المواجهة.
* الدكتور أحمد راسم النفيس، مصر.
1 - الطريق إلى مذهب أهل البيت عليهمالسلام .
2 - على خطى الحسين عليهالسلام .
* ادريس هانى الحسيني، المغرب.
1 - لقد شيّعني الحسين عليهالسلام .
2 - الخلافة المغتصبة أزمة تاريخ أم أزمة مؤرّخ.
3 - هكذا عرفت الشيعة.
4 - محنة التراث الآخر، النزعات العقلانية في الموروث الإمامي.
وله مقالات كثيرة.
* الأسعد بن علي، تونس.
1 - التجديد الكلامي عند الشهيد الصدر.
2 - المنهج الجديد في تدريس العقائد.
3 - فصول في ثقافة الانتظار.
* أسعد وحيد القاسم، فلسطين.
1 - أزمة الخلافة والإمامة وآثارها المعاصرة.
2 - حقيقة الشيعة الاثني عشرية.
3 - تحليل نظم الإدارة في الإسلام.
* امتثال الحبش، سوريا.
1 - الإمامة في القرآن والسنّة.
* باسل بن خضراء الحسني، سوريا.
1 - ومن النهاية كانت البداية.
وله مقالات عديدة.
* الدكتور تاج الدين الجاعوني، الأردن.
1 - الإنسان هذا الكائن العجيب، أطوار خلقه وتصويره في الطب والقرآن.
* جمال محمّد صالح اليوزبكي، العراق.
1 - غضبة الفلاسفة أو الغضبة المتعالية.
2 - وانتهت أوهام العمر.
وله كتب ومقالات اُخرى.
* حسن أحمد الحياري، الأردن.
1 - أسرار الوجود وانعكاساتها التربوية.
2 - معالم الفكر التربوي للمجتمع الإسلامي.
* حسين الرجا، سوريا.
1 - دفاع من وحي الشريعة ضمن دائرة السنّة والشيعة.
* خالد محيي الدين الحليبي الحسيني، مصر.
1 - القضاء المنظر أو كشف الغطاء عن أهل السماء.
2 - الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
3 - توحيد أمير المؤمنين عليهالسلام .
4 - الدين القيم.
5 - تفسير القرآن.
* الدمرداش بن زكى العقالي، مصر.
1 - دعائم المنهج الإسلامي.
2 - محاضرات عقائدية.
3 - الإمام الحسين عليهالسلام في سفر الشهداء.
4 - انتخاب الطريق من الظلمات إلى النور.
5 - من هم الشيعة.
* سعيد أيوب، مصر.
1 - معالم الفتن، نظرات في حركة الإسلام وتاريخ المسلمين.
2 - الانحرافات الكبرى، القرى الظالمة في القرآن الكريم.
3 - ابتلاءات الأُمم وتأملات في الطريق إلى المسيح الدجال والمهدي المنتظر في اليهودية والمسيحية والإسلام.
4 - الطريق إلى المهدي المنتظر.
5 - الرساليون.
6 - زوجات النبي صلىاللهعليهوآله .
7 - عقيدة المسيح الدجال في الأديان، قراءة المستقبل.
8 - في ظلال أسماء الله الحسنى.
9 - الظلّ الممدود في الصلاة على النبي وأهل بيته.
10 - وجاء الحق.
11 - الأوائل في أحداث الدنيا وأخبار الآخرة.
* سعيد السامرائي، العراق.
1 - حجج النهج، المختار من نهج البلاغة.
2 - الطائفية في العراق، الواقع والحل.
3 - صدام وشيعة العراق.
* سعيد يعقوب، فلسطين.
1 - معراج الهداية، دراسة حول الإمام علي ومنهج الإمامة.
2 - آفاق النفس البشرية.
3 - علم النفس والطب النفسي عند العرب.
4 - السيرة التاريخية للحضارة العربية.
5 - جدلية النفس والشعر عند العرب.
6 - علم نفس الأطفال.
7 - دراسة في آيات التلاؤم النفسي.
وله مقالات كثيرة أُخرى، وقد توفي أخيراً في شهر ذي الحجّة 1427 هـ في حادث مؤسف رحمهالله .
* سليم البشري، مصر.
1 - حاشية تحفة الطلّاب لشرح رسالة الآداب.
2 - حاشية على رسالة الشيخ علي في التوحيد.
3 - شرح نهج البردة.
4 - الاستئناس في بيان الأعلام وأسماء الأجناس.
* صائب عبد الحميد، العراق.
1 - منهج في الانتماء المذهبي.
2 - ابن تيمية، حياته، عقائده.
3 - تاريخ الإسلام الثقافي والسياسي.
4 - حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي.
5 - تاريخ السنّة النبوية، ثلاثون عاماً بعد الرسول صلىاللهعليهوآله .
6 - ابن تيمية في صورته الحقيقية.
7 - الزيارة والتوسّل.
8 - الوهابية في صورتها الحقيقية.
9 - خلافة الرسول بين الشورى والنص.
وله مقالات كثيرة.
* صالح الورداني، مصر.
1 - عقائد السنّة وعقائد الشيعة، التقارب والتباعد.
2 - الكلمة والسيف، محنة الرأي في تاريخ المسلمين.
3 - الشيعة في مصر من الإمام علي عليهالسلام حتّى الإمام الخميني.
4 - السيف والسياسة، صراع بين الإسلام النبوي والإسلام الأموي.
5 - أهل السنّة شعب الله المختار.
6 - دفاع عن الرسول صلىاللهعليهوآله ضد الفقهاء والمحدّثين.
7 - الخدعة، رحلتي من السنّة إلى الشيعة.
8 - زواج المتعة حلال، محاكمة المنهج الفقهي عند أهل السنّة.
9 - فقهاء النفط، راية الإسلام أم راية آل سعود.
10 - الحركة الإسلامية والقضية الفلسطينية.
11 - فتاوى ابن باز.
12 - المناظرات بين فقهاء السنّة وفقهاء الشيعة.
13 - النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم.
14 - مدافع الفقهاء، التطرّف بين فقهاء الخلف وفقهاء السلف.
15 - تثبيت الإمامة.
16 - علي سيف الله المسلول، التاريخ الجهادي للإمام علي عليهالسلام .
17 - فرق أهل السنّة ( جماعات الماضي وجماعات الحاضر ).
* صباح علي البياتي، العراق.
1 - لا تخونوا الله والرسول.
2 - حقيقة التشيّع.
3 - الصحوة ( رحلتي إلى الثقلين ).
4 - التبرّك.
5 - أهل الحديث.
6 - عقائد السلفية.
* صبري أحمد علي موسى، مصر.
1 - علامات القيامة ونهاية العالم في الديانات السماوية والمذاهب الإسلامية.
2 - ترقبوا ظهور منقذ البشرية الإمام المهدي عليهالسلام قريباً جداً.
3 - احذروا خروج المسيح الدجال الزعيم المنتظر للصهيونية العالمية في القريب العاجل.
4 - ترقبوا نزول السيّد المسيح عليهالسلام في عصر الإمام المهدي عليهالسلام وإقامة الدولة الإسلامية العالمية.
5 - موسوعة العقائد الإلهية بين الأديان السماوية والمذاهب الإسلامية الكبرى، مخطوط.
* طارق زين العابدين، السودان.
1 - دعوة إلى سبيل المؤمنين.
* عاطف سلام، مصر.
1 - فقهيات بين السنّة والشيعة.
* عامر سلو رشيد، العراق.
1 - من الظلمات إلى النور.
* عبد الله علي مطهّر الديلمي، اليمن.
1 - موجز مناقب الرسول وأهل بيته عليهمالسلام .
2 - تهذيب الأزهار في فقه الأئمة الأطهار.
* عبد الباقي قرنة، الجزائر.
1 - قراءة في سلوك الصحابة.
2 - معاوية.
* السيّد عبد المحسن السراوي، سوريا.
1 - فاطمة الزهراء عليهالسلام في الأحاديث النبوية.
2 - مسند الإمام علي عليهالسلام .
3 - القطوف الدانية في ستة عشر مسألة خلافية.
4 - معرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحقّ على من عداهم.
* عبد المنعم الحسن، السودان.
1 - بنور فاطمة عليهاالسلام اهتديت.
* عصام علي يحيى العماد، اليمن.
1 - رحلتي من الوهابية إلى الاثني عشرية.
2 - المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابيين.
* علي الشيخ، العراق.
1 - هبة السماء، رحلتي من المسيحية إلى الإسلام.
* علي محمّد فتح الدين، باكستان.
1 - فلك النجاة في الإمامة والصلاة.
* لمياء حمادة، سوريا.
1 - أخيراً أشرقت الروح.
* محمّد بيومي مهران، مصر.
1 - السيرة النبوية الشريفة.
2 - السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام .
3 - الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام .
4 - الإمام الحسن بن علي عليهالسلام .
5 - الإمام الحسين بن علي عليهالسلام .
6 - الإمام علي بن الحسين عليهالسلام .
7 - الإمام جعفر الصادق عليهالسلام .
8 - الإمامة وأهل البيت عليهمالسلام .
9 - دراية حول التاريخ للأنبياء عليهمالسلام .
10 - تاريخ القرآن.
وله عشرات الكتب والمقالات.
* الدكتور السيّد محمّد التيجاني السماوي، تونس.
1 - ثمّ اهتديت.
2 - لأكون مع الصادقين.
3 - فاسألوا أهل الذكر.
4 - الشيعة هم أهل السنّة.
5 - اتقوا الله.
6 - اعرف الحقّ.
7 - كلّ الحلول عند آل الرسول.
8 - وسيروا في الأرض فانظروا.
* محمّد الرصافي المقداد، تونس.
صاحب هذا الكتاب، وله عدّة مقالات ستصدر من مركز الأبحاث العقائدية.
* محمّد سليم عرفة، سوريا.
1 - إفادات من ملفّات التاريخ.
* محمّد عبد الحفيظ، مصر.
1 - لماذا أنا جعفري.
* محمّد عصمت بكر، مصر.
1 - عبد الله بن عمر بين السياسة والدين.
* محمّد علي المتوكل، السودان.
1 - ودخلنا التشيّع سجّداً.
* محمّد الكثيري، المغرب.
1 - السلفية بين أهل السنّة والإمامية.
وله مقالات عدّة.
* محمّد كوزل الحسن الآمدي، تركيا.
1 - المسح في وضوء الرسول صلىاللهعليهوآله .
2 - الهجرة إلى الثقلين.
* محمّد مرعي الأمين الأنطاكي، سوريا.
1 - لماذا اخترت مذهب الشيعة، مذهب أهل البيت عليهمالسلام .
2 - الشيعة وحجتهم في التشيّع.
* مروان خليفات، الأردن.
1 - وركبت السفينة.
2 - أكرمتني السماء، العودة المباركة إلى النعمة الإلهية.
3 - النبي ومستقبل الدعوة.
4 - قراءة في المسار الأموي.
5 - مزامير الانتظار المقدس.
* معتصم سيد أحمد، السودان.
1 - الحقيقة الضائعة، رحلتي نحو مذهب أهل البيت عليهمالسلام .
2 - حوارات... تجربة عملية في الحوار الشيعي السنّي.
* معروف عبد المجيد، مصر.
1 - أحجار لمن تهفوا لها نفسي.
2 - أكاسيا للفراعنة.
3 - معلقة على جدار الأهرام.
4 - وينصبون عندها سقيفة.
5 - بلون الغار.. بلون الغدير.
* نور الدين الدغير الهاشمي، المغرب.
1 - تاريخ الشيعة بين الحقيقة والمؤرّخ.
* الهاشمي بن علي رمضان، تونس.
1 - الصحابة في حجمهم الحقيقي.
2 - حوار مع صديقي الشيعي.
* هشام آل قطيط، سوريا.
1 - وقفة مع الدكتور البوطي في مسائله.
2 - حوار ومناقشة كتاب عائشة أم المؤمنين للدكتور البوطي.
3 - ومن الحوار اكتشفت الحقيقة.
4 - محاكمة شيخ الأزهر - الأزهر بين فكّي كمّاشة، التيار السلفي وظاهرة التوظيف الديني.
5 - المتحوّلون - حقائق ووثائق، ظاهرة تحول تلك النخبة من العلماء والمثقفين نحو مذهب أهل البيت عليهمالسلام .
* ياسين المعيوف البدراني، سوريا.
1 - ياليت قومي يعلمون.
القسم الرابع: التحوّل المذهبي من الدائرة الشيعيّة إلى الدائرة السنيّة
يدّعي بعض المخالفين لنا من أتباع مدرسة الخلفاء: أنّ هناك عملية تحوّل مذهبي كبيرة من الدائرة الشيعيّة إلى الدائرة السنيّة يُطلقون عليها ظاهرة الهداية، وفي كلّ يوم تقريباً يخرج علينا شخص في إحدى غرف البالتوك السنيّة - التي لا تعرف معنىً للنقاش العلمي، وهي غرف ضلالة، تنال من أهل البيت عليهمالسلام وعقائدهم - يدعى أنّه كان شيعياً وأصبح سنياً، ولا يُعرّف نفسه بل يتكلّم بكنيته أو باسم مستعار، فهذا أبو عبد الرحمن، وذا أبو مصعب، وأبو عمر، وهكذا.
نحن نقول: إنّنا نشاهد ظاهرة استبصار عالميّة، لا يمكن لأي أحد أن ينكرها، حتّى صرّح بها كبار علماء السنّة وزعمائهم السياسيون، وحذّروا منها أتباعهم، واتهموا أتباع أهل البيت عليهمالسلام بأنّهم يقومون بالتبشير لمذهبهم داخل المجتمع السنّي.
والمستبصرون الذين يعدّون الآن بمئات الآلاف، يُعلنون تحوّلهم إلى مذهب أهل البيت عليهمالسلام وسط مجتمعهم السنّي، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، وهم يتحمّلون شتّى ألوان التُهم والمضايقة والمحاربة من قبل أهلهم وعشيرتهم، فضلاً عن المجتمع السنّي الذي يعيشون فيه.
فهم يخرجون في الفضائيات وغرف البالتوك بأسمائهم الواقعية، ويُعطون عناوينهم الكاملة لمن يريد أن يتصل بهم، بل أُسست غُرف خاصة بهم تُعرف بغرف المستبصرين، ولهم مواقع معروفة مثل: موقع شيعة فلسطين، وموقع شيعة الجزائر، وموقع شيعة مصر، وغيرها، بل اُلّفت موسوعات كبيرة تعرّف بهم، وبدولهم، ومستواهم العلمي، وغير ذلك من المعلومات المستقلة بهم.
إذاً لماذا لا يخرج «المهتدون» - أي الشيعة الذين أصبحوا سُنة، إذ يُطلقون عليهم هذا الاسم - في وسائل الإعلام، ويُعرّفون أنفسهم، ويبيّنون الأسباب التي دعتهم إلى ترك مذهب أهل البيت عليهمالسلام ؟
وهل سمعنا بأنّ أشخاصاً مثقّفين وعلماء شيعة وأصحاب شهادات عالية أصبحوا من السنّة ؟
إذا كانوا موجودين أين هم ؟
نحن - بحكم عملنا في مركز الأبحاث العقائدية وتخصّصنا في الدفاع عن مذهب أهل البيت عليهمالسلام وردّ الشبهات الواردة علينا - نبحث عنهم لنعرف هل في مذهبنا نقص ؟
نعم، قد يكون هناك عدد من الاُميين والجهلاء، الذين يسكنون في مناطق ريفيّة بعيدة، استغلّهم الوهابيّة ولبّسوا عليهم اُموراً لا تمت بالمذهب بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، بل أثاروا فيهم الروح القوميّة البغيضة، أو تأثروا ببعض الأحداث السياسيّة والتصرّفات التي صدرت من بعض المسؤولين الشيعة التي حُسبت على المذهب، فتحوّلوا ظاهراً إلى المذهب السنّي.
وهنا أتذكّر حادثة جرت في إحدى مناطق ريف العراق، والتي سمعناها مراراً، وهي:
أنّ أحد المبشّرين المسيحيين ذهب إلى منطقة ريفيّة فقيرة في جنوب العراق، وبدأ بالتبشير للدين المسيحي. وسط هؤلاء الفقراء، فلم ير أذناً صاغيه بدعوته.
فقام هذا المبشّر بإنشاء مستوصف صغير في تلك القرية لمداواة المرضى، وأعقبه بإنشاء مدرسة، ثمّ جمعية خيرية، وبدأ بتوزيع المساعدات على أهل تلك القرية الفقراء.
وكان نتيجة ذلك أن جذب إليه عدداً من أهل القرية، وفي أثناء ذلك كلّه كان
يعرّفهم بالدين المسيحي وأحكامه، وكان أهل القرية يظهرون التعاطف معه، فظنّ هذا المبشّر للمسلين أنهم أصبحوا مسيحيين، فكتب إلى كبير القساوسة في بغداد أنّه استطاع أن يدخل أهل هذه القرية في الدين المسيحي.
وبعد فترة دعى هذا المبشّر أهالي تلك القرية لزيارة الكنيسة في بغداد، فكانت المفاجأة بل الصدمة كبيرة عليه، إذ سمعهم يشترطون عليه إذا ذهبوا إلى بغداد يجب أن يزوروا مرقد الإمام موسى الكاظم عليهالسلام !!!
وعندما أخذهم إلى بغداد وأثناء استماعهم لنصائح كبير القساوسة في الكنيسة، انقطع التيار الكهربائي، وعندما عاد التيار الكهربائي بعد فترة، نادى الحاضرون بصوت عال: «اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد».
فعند ذلك عرف المبشّر، وكذلك كلّ من حضر في تلك الكنيسة، أنّ أهالي تلك القرية لم يتركوا دينهم الإسلامي وأنّه متأصّل في أنفسهم.
وعلى كلّ حال، فإنّنا نقول: يجري في العالم اليوم تحول مذهبي واسع من الدائرة السنيّة إلى الدائرة الشيعية الإماميّة الاثني عشرية، ولدينا على ذلك الأدلة الكثيرة، التي لا يمكن إنكارها.
والذي يدّعي أن هناك ظاهرة تحول مذهبي من الدائرة الشيعية إلى الدائرة السنيّة، عليه أن يثبت ذلك بالأدلة الواضحة، لا يذكر أسماء مستعارة مختلقة لا أساس لها.
والكتاب الذي بين أيدينا، هو أحد الأدلّة على ما ندّعيه، إذ ذكر المؤلّف الأخ الكريم المستبصر التونسي الاُستاذ محمّد المقداد الرصافي، عدداً من المستبصرين، وأسباب استبصارهم، وكيفيّة اعتناقهم لمذهب أهل البيت عليهمالسلام ، وذلك كلّه بعد أن التقاهم وتحدّث معهم، علماً بأنّه ذكر أسماءهم فقط، ولم يذكر ألقابهم ولا عناوينهم، وذلك لأسباب خاصة يعرفها القارىء اللبيب.
ختاماً نتمنّى للمؤلّف العزيز المزيد من الرقيّ العلمي، كما نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ من ساهم في إخراج هذا الكتاب من أعضاء مركز الأبحاث العقائدية، ونخصّ بالذكر الأخ الكريم فضيلة الشيخ حكمت الرحمة، الذي أخذ على عاتقه مراجعة هذا الكتاب، واستخرج كافة الموارد التي تحتاج إلى استخراج، وتقويم نصّه كاملاً، فللّه درّهم وعليه أجرهم، والحمد لله ربّ العالمين.
محمّـد الحسّون 9 جمادى الآخرة 1428 هـ Site aqaed.com / Mohammad Muhammad@aqaed.com |
مقدّمة المؤلّف:
حوار حول أسباب تشيّع هؤلاء
التقيت بهم على غير موعد، فقد كانوا تعوّدوا على الالتقاء في مكان واحد، يتحسّسون فيه الأُلفة والأُنس، وتبادل الراي، وتمتين رابطة الإخوّة، وأواصر الصداقة، في عصر قلّت فيه الإخوّة وهجرت الصداقة قلوب أغلب الناس، وانعدم الشعور بالراحة والأُنس والطمأنينة اتجاه الآخر، ولم يعد للرأي والمشورة نصيب، حتّى الدين الذي له من القداسة والخشية في القلوب، لقي من العنت والتطاول ما جعل الجرأة عليه أكثر من أيّ شي آخر، وقد كان للحكّام العرب على مرّ التاريخ دور كبير في إضعافه، وتحريف بعض أحكامه وتعطيل البعض الآخر، وكان الناس في ذلك تبعاً لهم، إلّا قليلاً من المؤمنين؛ لأنّ أغلبية البشر عبيد الدنيا، وقد قيل: يؤخذ بالسلطان ما لا يؤخذ بالقرآن، والناس على دين ملوكهم.
إذاً في عصر طغى فيه الاستبداد، وعمّت الأنانية حتّى ذهبت بفلسفة الخلق وطبيعة النشأة، فلم يعد يعني لوجود الإنسان الذي كرّمه الله تعالى، وفضّله على سائر مخلوقاته غير المظاهر المادية، وعلامات الترف والاستعلاء على الآخرين.
وسط تلك الأجواء كان اللقاء.. وكان التعارف، من أجل إحياء الروح الإيمانية التي تكاد تتلاشى من مجتمعاتنا الإسلامية، ومن أجل صياغة الفرد المؤمن، وبناء علاقة أساسها الحبّ في الله تعالى والبغض في الله، وما الدين في جوهره وحقيقته إلّا تولّياً وتبرّياً، ولم توجد على مرّ تاريخ البشريّة نماذج كثيرة من هذه
العلاقات، إذا استثنينا حركة المعصومين في مجتمعاتهم - وأعني بهم الأنبياء والأئمة عليهمالسلام أو مجالات تحرّك المرجعيات وعلماء الأُمة رضوان الله تعالى عليهم.
وطبيعي في هذه الحالة أن ينتابني شعور من الغبطة والاعتزاز والرضى وأنا أرمق تلك الوجوه المحيطة بي، قد زانها الله تعالى بنور الإيمان، وأسبغ عليها من فضله في إدراك ما لم يهتد إليه آخرون.
توجّهت في مفتتح اللقاء بسؤال عام وجّهته للجميع، ليتحدّثوا عن السبب الذي دفع بهم إلى الخروج عن معتقد المجتمع وموروث الأُسرة، والانتقال إلى فضاء اعتقادي آخر، يختلف في بعض تفاصيله، وكثير من بواطنه عمّا كانوا يتعبّدون به سابقاً، الغاية واحدة والأسباب كثيرة، متنوعة بتنوع عقول الناس وأفئدتهم، والنهج التعبدي الجديد امتلك من قوّة الدليل بحيث تنوّعت وتعدّدت أدلّته على أحقّيته في أن يكون له وحده الحقّ في أن يكون عنوان الإسلام المحمدي الصافي من كلّ الأدران التي أحكمت طوقها وأسرت جمعها، ورمت بهم إلى الشبهة والظنّ والهوى قامعة إياهم بمقامع الظالمين.
رأيت أن أجعل أسباب تشيّع هذه الثلّة، موضوع هذه الدراسة لعلّها تكون الدافع القوي لمن لم يطلع على العلل التي دفعت بكثير من المسلمين إلى تحريك عقولهم نحو نور الإيمان الحقّ، نور محمّد صلىاللهعليهوآله وفاطمة وعلي والحسن والحسين والأئمة التسعة الأطهار من ذريّة الحسين عليهمالسلام ، منهم فاضت معالم الدين الحقّ على المؤمنين..
الحلقة الأُولى
شيّعني الأمل الحقيقي الذي يعيشه الشيعة بخصوص ظهور الدين على يد المصلح العظيم المهدي المنتظر ( عجّل الله تعالى فرجه )
فرج، هو واحد من أولئك الذين اكتشفوا انحراف الطريق الذي كانوا يسلكونه، كان بعيداً كلّ البعد من أن يبحث تلقائياً عن الإسلام الذي اعتنقه وراثياً، لأنّه لم يكن يتصوّر أنّ هناك إسلام غير الذي وجد عليه آباءه وأجداده، الإسلام الأشعري ( السنّي ) الذي عليه الغالبية العظمى من المسلمين، أمّا بقية الفِرق كالخوارج والشيعة، فحسب ما قرأه عنهم تحريفيون، لا يمثّلون الإسلام الصحيح، بل أنكى من ذلك، فقد صوّر أصحاب خطّه الذي كان ينتمي إليه، الشيعة بصور مشينة وبشعة، هي للكفر والبعد عن الدين أقرب من أي شي آخر.
وقع بين يديه يوماً كتاب للسيّد سابق ( وهو سنّي مصري )، تناول فيه العقائد الإسلامية عند السنة، فقرأه وكان بداية للبحث عن الحقيقة، يقول فرج:
كنت من المغرمين بالمطالعة، رغم إنهائي لمرحلة التعلّم، ولم يصرفني عن ولعي بها شي آخر، مع تواجد المغريات التي قد تقطع السبيل على الكتاب وقراءته.
ذات يوم بينما كنت أتصفّح كتباً في مكتبة أحد الأقارب، إذ استرعى انتباهي كتاب السيّد سابق أحد روّاد الثقافة الإسلامية في مصر، تحدّث فيه عن الإسلام عقيدة، فأخذته على أساس مطالعته.
الكتاب ككلّ لم يكن من الكتب التي تأخذ باللب، أو تمنح الإضافة الكاملة إلى القارىء، مالفت انتباهي فيه، الباب الذي أفرده فيه كاتبه، وحدّث فيه عن أمر هام يتعلّق بمستقبل الدين الإسلامي، وهو المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف. اهتمامي بما أخرجه السيد سابق نبع من محصّلة كانت لديّ، قرأتها وسمعتها مراراً وتكراراً، تقول: لا مهدي غير المسيح عيسى بن مريم.
ودعاية جانب من مثقفي وقياديي الخطّ ( السنّي ) بما حوته أجنحته المعتدلة منها كجماعة التبليغ والدعوة والنهضة، أو المتطرّفة منها كالوهابية والسلفية، التي تنكر مسألة وجود المهدي المنتظر عليهالسلام إنكاراً شديداً، غير خافية على جميع من يتابع المسألة الإسلامية بجميع تفاصيلها.
قرأت إذاً الأحاديث النبوية التي نقلها السيد سابق، والمتعلقة بالإمام المهدي عليهالسلام ، والتي أخرجها حفّاظ الخط ( السنّي )، وخاصّة منهم أصحاب من سمّوهم بالصحاح، فصدمت لنكران المنكرين من علماء مذهبي، وكانت المفاجأة ذات وقع شديد علي، شكّكني في كلّ ما ألقي إليّ من خلال بوابة التقليد الأعمى، فرأيت أن أعود بالبحث عن تلك الروايات وغيرها ممّا يمكن أن أعثر عليه على سبيل الصدفة، في المصادر المشار إليها، فازداد استغرابي واستهجاني للمساعي الباطلة التي ركبها المنكرون لشخص الإمام المهدي عليهالسلام ، بسبب كثرة طرق أحاديث البشارة التي أطلقها النبي صلىاللهعليهوآله عن منقذ البشرية عليهالسلام ، السيد سابق ناقل بعض تلك الروايات، لم يكن من المنكرين لخروج الإمام المهدي في آخر الزمان، ليملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً، وإنّما كان على الرأي التقليدي للأشاعرة من كونه يولد في آخر الزمان، مع ذكر بعض أوصافه وبعض العلامات الدالة على خروجه.
فآمنت بالفكرة، وتشوّقت لذلك المنقذ أيّما شوق، كيف السبيل إليه ؟ متى يخرج ليخلصنا من ظلم الظالمين ؟ كيف السبيل إلى معرفة المزيد عنه ؟ حاولت أن أجد عالماً أتحدث إليه، وأبثّه انشغالي وهمّي، فلم أجد، لأنّ جامعة الزيتونة التي كانت تفيض على البلاد بالمتعلمين والعلماء في شتّى اختصاصات الدين لم تعد موجودة بالمردود الذي كانت عليه من قبل خلو البلاد من العلماء المتخصصين في المجال الإسلامي، دفعني إلى الالتجاء لأشخاص أقلّ علماً ومعرفة، وهم أئمة جمعة المساجد، اقتربت من أحد أئمة المساجد لأسأله عن
المهدي عليهالسلام ، فقال: صحيح، لقد قرأت في بعض المصادر عدداً من الأحاديث التي أخبرت بالمهدي وخروجه، لكنها ضعيفة، ولم يأنس لها أكثر العلماء، والمسألة يدّعيها الروافض، ويروّجون لها، وهي من عقائدهم الهامّة. فقلت له: من هم هؤلاء ؟ فقال: هم الشيعة الذين يسبّون السلف الصالح، ويتبرءون من الشيخين. فقلت له: ألا تعتقد أنت بأنّ فكرة المهدوية وجيهة ومنطقية ؟ فأجاب قائلا وهو يتحرك منصرفا: لا مهدي بعد محمد صلىاللهعليهوآله .
أغلق الرجل بانصرافه متعجلاً باب السؤال والحوار، كأنّما يريد أن يغيّب عنّي الصورة التي حصلت لدي، ويُميّع القضيّة من الأساس، فوجدت نفسي مندفعاً للنظر في ذلك الخط الذي حذرني منه إمام الجماعة، فقد يكون ما يحمله عنهم خطأ، أو هو من الموروث الخاطىء الذي كنت متعلّقاً به دون شعور بانحرافه، وبمرور الأيام وتنوع مطالعاتي، بدأت أعتقد بصحّة فكرة المهدي المنتظر عليهالسلام ، رغم التقصير الأشعري ( السنّي ) في هذه النقطة.
أحاديث البشارة بخروج رجل من أهل بيت النبوّة آخر الزمان؛ ليقيم أسس الدين الإسلامي، ويحكم بشريعته أمم العالم التي أعيتها الشرائع الباطلة والمحرّفة، وأنهكها الظلم وأهله، تلك الأحاديث بلغت من الكثرة بحيث عدّها المتتبعون لها فكانت أكثر من ثمانين حديثا عند الخط الأشعري وآلاف الروايات عند خطّ أهل البيت عليهمالسلام ، وفي كلا الخطين فإنّ عددها لا يدلّ على أنّها من الأحاديث الضعيفة، بل العكس صحيح.
إذاً، تطوّرت فكرة الإمام المهدي عندي، قبل أن أقرأ عنه في كتب الشيعة، تلك الفرقة التي حاصرها الطغاة والجبابرة والظالمون، على مدى العصور، وعلى مرّ التاريخ، وقد عرّفني كتاب «الشيعة والحاكمون» للشيخ محمد جواد مغنية رحمهالله تعالى عليه، بالواقع المأساوي الذي عاشه الشيعة طيلة خمسة عشر قرنا، وعلى صغر حجم الكتاب، فإنّه قد أدى الفكرة، وأعطى بصورة مجملة ما كان يرجوه
مؤلفه من إبراز لمظالم تعرض لها شيعة أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، ولا يزالون كذلك إلى اليوم في العراق وفي باكستان، يدفعون ضريبة موالاة الأطهار عليهمالسلام ، ويتقرب بهم فسقة السلفية والوهابية إلى شياطينهم.
وكان دليلاً آخر، أعتمده عندي، ويقيناً إزداد لديّ، من أنّ الذي لا يراعي حرمة الإنسان، فضلاً عن كونه موحّداً ومؤمناً بالنبيّ الخاتم صلىاللهعليهوآله ، لا يصحّ اعتباره مسلما ولا حتّى إنساناً، بماذا سيبرّر هؤلاء القتلة أنفسهم يومٍ الحساب الأكبر، أمّا الحساب الأصغر فهو قريب منهم لا محالة، ولا أرى تكالبهم على المسلمين الشيعة، إلّا شعوراً منهم بالخطر الذي سيداهمهم وعقائدهم الفاسدة، ويعرّضهما للفناء، خروج ذلك المصلح العظيم، الذي تبرأوا منه لعلمهم بأنّه ليس من خطهم.
لقد جاء الإسلام كشريعة ودين خاتم، ليشيع الأمل ويبعث الرجاء بين معتنقيه، من أنّ هذا الدين سيكون في يوم من الأيام مهيمناً على الدين كلّه، فقوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (1) .
وبما أنّ الظهور الحقيقي بكلّ معانيه وأبعاده، لم يتحقق في عصر الرسالة وما تلاه، ولم تسعد البشرية كلّها تحت ظلّه، الذي لم يمتد ليعمّ الأرض بأكملها، فإنّ الأمل يحدونا في يوم حقيقي يخرج فيه ذلك المصلح العظيم عجّل الله تعالى فرجه، لينصر الدين الخاتم، وهو اليوم الذي تنبّأ به الوحي، وذكرته الآيات القرآنية مجملاً.
الروايات في أغلبها ذكرت بأنّ المهدي المنتظر هو من سلالة علي وفاطمة عليهما السلام، فقد أخرج أبو داود في سننه بإسناده عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال: «المهدي من عترتي من ولد فاطمة» (2) .
_________________
(1) التوبة: 33.
(2) سنن أبي داود 2: 310.
وهو آخر خلفاء الرسول صلىاللهعليهوآله الاثني عشر، الذين أخبر عنهم في حديثه، الذي عجّت به مصنفاتهم الروائية.
فقد قال النبي صلىاللهعليهوآله : يكون بعدي اثنا عشر خليفة، ثم تكلم بكلمة خفيّة ثم قال كلّهم من قريش (1) .
لكنهم أحجموا عن الإقرار بالحقيقة التي تقول إنّ هؤلاء هم أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، بل إنّ المتأمل في الحديث يُلاحظ تحريفاً واضحاً في متنه، حيث ادّعى الراوي أنّه قد خفيت عليه كلمة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، بعد ذكره لعدد الخلفاء، وما أرى ذلك إلّا تجنباً من الراوي لذكرهم، لأنّ النبي صلىاللهعليهوآله لم يعهد عنه أنّ كلامه ذو طبقات ترتفع وتخفت في مسألة حسّاسة كهذه، وما أمر الله تعالى له بالبلاغ وحرصه على أن يسمع المسلمين وغيرهم إلّا دليلين يدحضان خفاء كلامه عن مستمعيه، غير أنّ السياسة وما اقتضته من بتر وتحريف، كان لها الأثر السيئ في ضياع عدد من الحقائق، والأمثلة كثيرة في هذا المجال.
لذلك لم يكن من السهل على المخالفين لخطّ الإمامة، أن يقبلوا بمهدي من ولد علي عليهالسلام ، طالما أنّهم لم يقبلوا إمامة علي نفسه، وقدموا عليه من لا يساويه في شي، وأمرّوا عليه من كانوا تحت لوائه وإمرته على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وهو الذي لم يتأمر عليه أحد، سوى النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله .
إنّ العداء المعلن للصفوة الطاهرة عليهاالسلام ، تحت عناوين ومسميات مختلفة، قد أنهك الأمة الإسلامية وضيع وحدتها، وفرّق جمعها الذي كان على عهد النبي صلىاللهعليهوآله ، ولا أعتقد أنّ هناك فكرة تجمع المسلمين اليوم، وتدعوهم إلى الوحدة غير فكرة الإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف، ذلك المصلح الكبير والأمل الأكبر، الذي من شانه أن يبعث روحاً جديدة في جسد
_________________
(1) انظر الحديث بألفاظه المختلفة في: صحيح البخاري 8: 127، صحيح مسلم 6: 3 - 4، مسند أحمد 1: 398، 406. وغيرها من المصادر.
الأمّة الإسلامية، والتفافنا حوله كفكرة، وتوجّهنا إلى نهجه، الذي هو نهج آبائه الكرام البررة، الأئمة الأحد عشر الذين مضوا بعد أن قاموا بواجبهم تجاه الدين الإسلامي والأمة الإسلامية، وبقي دوره عليهالسلام ليعيد للدين عزّته، وينزله منزلته، فتقام به دولة العدل الإلهي، ويتحقق الوعد الذي أطلقه الله تعالى في كتابه بقوله تعالى: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (1) .
حتمية إتمام نور الله تعالى وعلوّ كلمته، وظهور دينه على الدين كلّه، تؤكّد على حتمية القائد الفذ القادر على رفع ذلك التحدي الكبير، وفي كلا الاعتقادين فإنّ الإمام المهدي واحد، ونهضته واحدة، ودولته واحدة، ودينه دين واحد هو دين جدّه أبي القاسم محمد بن عبد الله صلىاللهعليهوآله ، وفرضية عدم ولادته لا تدفع القول بولادته، لأنّ أغلب الروايات تحدثت عن خروجه، باستثناء الروايات الخاصّة بأهل البيت عليهمالسلام التي ذكر عدد منها ولادته عليهالسلام ، وإنّ أباه هو الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وهو تمام عدة أئمة أهل البيت عليهمالسلام .
من هاتين النقطتين «المهدي ومظلومية أهل البيت وشيعتهم» عرفتُ الحقّ، وسلكت نهج آل محمد عليهمالسلام ، موقناً أنّ الحقّ معهم منذ وفاة النبي صلىاللهعليهوآله ، لم يغادرهم لحظة إلى غيرهم، فحمدت الله تعالى على منّة الإيمان بولاية أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، وموالاة الإمام المهدي المنتظر عليهالسلام قبل خروجه، وأثني عليه مجدداً فبرحمته خرجتُ من ظلمات بعضها فوق بعض، تاركا أولئك الذين يدّعون الحقّ ولا يملكونه، بين ركام اختلط فيه السقيم بالسليم، وسط مجتمعات لا يتّبع أغلبهم فيها غير الظن، ( إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ) (2) . وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
_________________
(1) الانبياء: 105.
(2) النجم: 28.
الحلقة الثانية
مظلومية الزهراء عليهاالسلام وأهل البيت عليهمالسلام عناصر تشيّعي
كانت إجابة أحمد سريعة ومتحمسة، فقد انبرى قائلاً: الحمد لله تعالى الذي هداني إلى معرفة أهل ولايته، واستنقذني من عمى الضلالة، وتيه سبل الانحراف، لقد عرفت الحقيقة، ووقفت على صدق الدعوى التي رفعها النبي صلىاللهعليهوآله ، والأئمة الأطهار من أهل بيته عليهمالسلام ، رغم محاولات الطمس التي تعرضت لها قرون عديدة، صحيح إنّ تضافر الأدلة التي احتج بها أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم، على أحقيّة الأئمة الهداة في قيادة الأمة الإسلامية، بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآله ، لا تدع لمؤمن وجهة يقصدها غير أبواب الهداة الطاهرين، التي جعلها الله تعالى قبلة وملاذا للمسلمين، وأودع في بيوتهم العلم والحكمة ومكارم الأخلاق، ففاضت على العالمين خيراً وبركة.
كلّ الأدلّة التي قرأتها، وتثبتّ في صحة مصادرها، أقنعتني وزادتني تثبيتاً ويقيناً، من أنّ الحقّ هو في هذه الأمّة الموالية لأهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله قلباً وقالباً، وليس عنواناً يُدّعى بلا تطبيق، كما يمارسه مخالفوهم، غير أنّ التي أراحتني مطلقاً وهزّت مشاعري، وأوقفتني وحدها على الحقيقة، هي مظلومية السيدة فاطمة الزهراء بنت النبي صلىاللهعليهوآله ، وما لقيته من هضم وإجحاف ونقيصة وغميزة في حقّها، من طرف من كان يشاهد ويسمع ويرى ما كان يفعله ويقوله ويطبقه في شأنها، والدها النبي الأعظم صلىاللهعليهوآله .
فمن تكون فاطمة الزهراء عليهاالسلام ؟ وما هي خصائصها ؟ وكيف ظلمت ؟ ومن ظلمها ؟ ولماذا ظلمت ؟ لذلك يمكنني القول: بأنّ الزهراء عليهاالسلام ، هي التي فتحت
قلبي قبل عيني على الحقيقة التي تقول، بأنّ الإسلام المحمدي الأصيل والصافي، لا يوجد إلّا عند الصفوة الطاهرة وشيعتهم، الذين باركهم رسول الله صلىاللهعليهوآله في عدة أحاديث، من بينها قوله صلىاللهعليهوآله مشيراً لعلي عليهالسلام «هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة». وقد نقل هذه الرواية عدد من مفسّري وحفّاظ المخالفين لخط أهل البيت عليهمالسلام (1) . لكن قبل أن أقدم دليل استبصاري، اسمحوا لي بالتطرق ولو بإيجاز إلى هذه الفاضلة العظيمة عليهاالسلام ، وجعلنا الله من شفعائها يوم القيامة.
من هي فاطمة الزهراء عليهاالسلام ؟
هي بضعة المصطفى أبي القاسم محمّد خاتم الأنبياء والمرسلين صلىاللهعليهوآله ، وريحانته، ومهجته، وقلبه، وروحه التي بين جنبيه، حسب الأحاديث التي ذكرها النبي صلىاللهعليهوآله بخصوصها.
ولدت على أشهر الروايات في السنة الخامسة بعد البعثة، وقد استبشر أهل السماء بولادتها قبل أهل الأرض، وتولّت ذلك في مقاطعة وغياب نساء قريش، عدد من نساء أهل الجنّة، أرسلهنّ الباري تعالى ليكونوا أنساً وخدماً للوالدة والمولودة عليهماالسلام .
أمّا أمّها فهي السيّدة خديجة بنت خويلد، تلك الفاضلة التي واست النبي صلىاللهعليهوآله بنفسها ومالها، حتّى قال فيها: «ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة» (2) .
وهي التي بشّرها رسول الله صلىاللهعليهوآله بأنّها من سيّدات نساء أهل الجنّة (3) . بقيت تحت النبي صلىاللهعليهوآله إلى أنْ ماتت ولم يتزوج عليها، بينما تزوج على غيرها تسعاً، وبقيت أحبّ أزواجه إليه إلى أنْ مات صلىاللهعليهوآله ، ولم تنسه واحدة ممن تزوجهنّ بعدها ذكر خديجة وأيّام خديجة عليهاالسلام .
_________________
(1) انظر الرواية في المناقب للخوارزمى: 111، تاريخ ابن عساكر 42: 333، أنساب الأشراف، البلاذري 1: 182، شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني 2: 467، وغيرهم.
(2) الأمالي، الطوسي: 468.
(3) المستدرك على الصحيحين 3: 185 - 186.
خصائصها عليهاالسلام
خصائص الصديقة الطاهرة أكثر من أن تعد، فهي كما وصفها أبوها صلىاللهعليهوآله حوراء إنسيّة، قلباً وقالباً، روحاً وعقلاً، فهماً وعلماً، والشيء من مأتاه لا يستغرب كما يقولون.
ورغم كثرة تلك الخصائص، فإنّني لن أطيل في هذا المقام، لأنّ الجلسة لا تحتمل ذلك، لذلك سوف أذكر بعض الخصائص الكبرى المتفق عليها عند كلّ الفرق الإسلاميّة:
الخاصيّة الأولى: كونها سيّدة نساء العالمين
فقد ذكر النبيّ صلىاللهعليهوآله ذلك في عدد من الأحاديث منها ما صرحت به عائشة قالت: «أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقال: مرحباً بابنتي، ثمّ أجلسها عن يمينه ثمّ أسرّ إليها حديثاً فبكت، ثمّ أسرّ إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم أقرب فرحاً من حزن: فسألتها عمّا قال، فقالت: ما كنت لأفشي على رسول الله صلىاللهعليهوآله سرّه، فلمّا قبض سألتها فأخبرتني أنّه قال: إنّ جبريل كان يعارضني بالقرآن في كلّ سنة مرّة وإنّه عارضني العام مرتين، وما أراه إلّا قد حضر أجلي وإنّك أوّل أهل بيتي لحوقاً بي ونعم السلف أنا لك، فبكيت، فقال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين فضحكت» (1) . وتشترك السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام في هذه الخاصية مع أمّها السيّدة خديجة، لذلك فإنّنا نفتخر كمسلمين بأنّ لنا نصف سيدات نساء العالمين وأهل الجنّة اللاتي عدّتهنّ أربعة.
سيّدة النساء تفيد الكمال في هذا الإطار، والسيادة لا تعني في لغتنا غير العلو والرفعة والتميّز والتفوّق، وقد نالت فاطمة عليهاالسلام السبق في كلّ المكارم التي يمكن
_________________
(1) الإصابة في تمييز الصحابة 8: 265 - 266.
للكائن الإنساني أنْ يصلها، وهي زيادة على كونها بضعة من الرسول الخاتم صلىاللهعليهوآله ، ذلك الكائن الذي تمكن من مجاراة نسق طاعة النبي صلىاللهعليهوآله وطاعة الوصي، إمام الأمّة عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، فخرجت من بين القمّتين المستعصيتين قمّة أخرى لا تنال بلحظ ولا تدرك بعمل.
وهذا دليل آخر يمكن وضعه في خانة نسبة العصمة إلى فاطمة الزهراء عليهاالسلام .
الخاصيّة الثانية: كونَها أمّ أبيها
وقد لقبها أفضل المخلوقات بهذا اللقب؛ لأنّها كانت بالفعل، البنت والأمّ في نفس الوقت، وقد استطاعت بحنانها الفياض أنْ تملأ عليه الفراغ الهائل الذي تركته زوجته وحبيبته خديجة بنت خويلد عليهاالسلام ، ولم تستطع واحدة من نسائه التسع اللاتي تزوجهنّ بعدها، منْ أن تنسيه خديجة عليهاالسلام . ممّا أثار حفيظة إحداهنّ، وهي عائشة التي امتلأ قلبها حقداً وغيرةً عليها كلّما رأت النبي صلىاللهعليهوآله يهتم لصاحبات خديجة عليهاالسلام ، ويفرح بهنّ عندما يأتينه لحاجة أو زيارة، إلى درجة وصفها بالعجوز الحمراء الشدقين.
الخاصيّة الثالثة: كونُها الصدّيقة
ولقبت بالصدّيقة، لاشتراكها مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهماالسلام في مقام الصدق، حتّى نزل فيهم قرآن يحثنا على أنْ نكون معهم. قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (1) .
وطالما أنّ الصدق صفة نسبية في الناس، ولا يمكن إطلاقها إلّا على القلّة القليلة منهم، فقد اتجه إلحاقها بمن كانت إرادتهم متطابقة دائما مع إرادة الباري تعالى، وتفسير الآية متعلق بهم.
_________________
(1) التوبة: 119.
والصدّيق صفة مبالغة من الصدق، هؤلاء الذين كانوا دائما وراء النبي صلىاللهعليهوآله تصديقاً وعملاً بمقتضاه، يتفق معهم هذا اللقب اتفاقاً كاملاً بمقايسته ببقيّة الخصائص، ويختلف مع غير هؤلاء؛ لعدم ثبوت العصمة فيهم، بينما ثبتت العصمة في أهل البيت عليهمالسلام بالنصوص التي في حوزتنا، وعمليّاً بما لم يسجّل عليهم التاريخ زلّةً واحدةً أو غميزة تزحزحهم عنها.
الخاصيّة الرابعة: كونُها محدّثة
لُقّبت فاطمة عليهاالسلام بالمحدّثة، لأنّ الملائكة كانت تحدّثها، وتأنسَ إليها في أكثر الأوقات، بل وتعينها في بعض الشؤون، وقد جاء جبريل عليهالسلام بعد وفاة والدها لتعزيتها ومواساتها.
الخاصيّة الخامسة: كونُها طاهرة
فقد شملتها آية التطهير التي تدلُّ بوضوح على إذهاب رجس الشيطان عنها، وتطهيرها تطهيراً كاملاً، وهذا دليل على كمال الزهراء عليهاالسلام وعصمتها.
الخاصيّة السادسة: كونُها الكوثر
وقد لقّبها الباري تعالى بالكوثر، مبشّراً نبيّه صلىاللهعليهوآله ، بعدما شناه العاص بن وائل والد عمرو بن العاص، وكان معدودا من المبغضين للنبي صلىاللهعليهوآله وأهل بيته عليهمالسلام ، معيّراً إيّاه بالأبتر - الذي لا عقب له - بسبب أنّ الذي لا يخلف ولداً ذكراً، يعتبر لا عقب له بمنظور المجتمع الجاهلي، فاغتمّ رسول الله صلىاللهعليهوآله لذلك، ولجأ في ذلك إلى الله تعالى، فأنزل عليه سورة الكوثر؛ تطييباً لخاطره، وبشارة له بكون عقبه سيكون من فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، ولقّبها بالكوثر؛ لكثرة نسلها من الصالحين. وقد ورد عنه صلىاللهعليهوآله : «بني اُم ينتمون إلى عصبتهم إلّا ولد فاطمة فإنّي أنا أبوهم وأنا عصبتهم» (1) .
_________________
(1) تهذيب الكمال 19: 483.
الخاصيّة السابعة: كونها الزهراء
لُقّبت فاطمة بالزهراء للنور الذي يزهر منها إلى عنان السماء إذا قامت في محرابها للصلاة. وفاطمة عليهاالسلام ضاهت، بل فاقت مريم العذراء في تهجدها وعباداتها، لذلك كساها الباري تعالى من نوره ظاهراً وباطناً، وأسبغ عليها من نعمه ومننه، حتّى قرن غضبها من غضبه، ورضاها من رضاه، وهذا مقام لم يستطع أحد من العالمين الوصول إليه غيرها. ولا عجب في من خرجت إلى الدنيا من نور حبيب الرحمان، وتربّت بين سيّد النبيين صلىاللهعليهوآله ، وسيّدة نساء أهل الجنة عليهاالسلام ، ثم انتقلت إلى بيت سيّد الوصيين عليهالسلام ؛ لتتولى دورها المهم في تنشئة وإعداد أنوار الأمة وهداتها عليهماالسلام .
كيف ظلمت ؟
مظلومية فاطمة عليهاالسلام ، غير خافية على المتتبع لأحداث ما بعد موت النبي صلىاللهعليهوآله ، فقد اقتُحِمَ عليها بابُها الذي جعله الله تعالى قبلة ومقصداً للمسلمين، وحادثة سدّ الأبواب إلّا بابها من أوضح الواضحات، لا ينكره إلّا جاحد، انتُهكت حُرمة بيتها، ووجىء في بطنها فأسقطت محسناً، وضُرِبت وكُسِر ضلعها من طرف الغاصبين للحكومة الإسلامية، حتّى كادوا يحرقون عليها بيتها بمن فيه، مع علمهم التام واليقيني بمقامها، ومكانة زوجها الرفيعة، التي لا يشكُّ فيها إلّا منافق خبيث الولادة، ذلك التعدي الصارخ على حرمتها، لم يكن وليد تلك اللحظة، بل إنّ فيه ما يشير إلي أنّ أضغان المعتدين كانت مضطرمة قبل ذلك بكثير، فقد كانت قلوبهم تتقد حقداً، وأفئدتهم تشتعل حسداً كلما رأوا النبي الأعظم صلىاللهعليهوآله مهتماً بذلك البيت الطاهر، ومعتنيا بأفراده المميزين عليهمالسلام ، مشيراً إلى فضلهم، ناصّاً على منزلتهم الرفيعة عند الله تعالى وعند رسوله صلىاللهعليهوآله ..
لماذا ظلمت ؟
أمّا لماذا ظلمت الزهراء عليهاالسلام ؟ وهي على تلك المنزلة الرفيعة والمكانة الخصّيصة، فهل يعقل أنْ تنسى مكانة الزهراء عليهاالسلام ، حتى يتعامل معها بذلك الأسلوب المخزي ؟ السبب متعلق كما أشرنا بمسألة حسّاسة، وهي الحكومة الإسلامية، والتي هي على ارتباط وثيق بزوجها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام ، والنصوص المشيرة إليه عديدة، ومكانته من النبي صلىاللهعليهوآله واضحة، وتفانيه من أجل إعلاء كلمة الله تعالى لا ينكره إلّا معاند، لذلك لم تكن ردود أفعال الغاصبين تجاه أصحاب الحقّ إلّا دليلا على أحقيّتهم، ولو لم يتعامل الغاصبون مع أهل البيت عليهمالسلام بكلّ تلك القسوة والفضاضة لما أمكنهم أنْ يحافظوا على الحكم، لأنّهم يُدركون جيداً من يواجهون، ومن هو صاحب الحقّ في سياسة الأمّة الإسلامية بعد النبي صلىاللهعليهوآله .
احتجاجها عليهاالسلام
لم تبقَ فاطمة الزهراء عليهاالسلام مكتوفة اليدين، بعدما تناهت إلى أسماعها أنباء استيلاء الغاصبين على الحكم، وتجاهل حقّ الإمام علي عليهالسلام في قيادة الأمّة الإسلامية بعد النبي صلىاللهعليهوآله ، فخرجت عليهاالسلام ليلاً مع زوجها أمير المؤمنين عليهالسلام ، تستحث الأنصار على بيعة سيّد الوصيين عليهالسلام ، وتذكّرهم حقّه الذي خصّه الوحي به، إلّا أنّ بيعة القوم كانت قد انعقدت للغاصبين، وأحجم أكثر الناس عن خلع بيعتهم، لأسباب مختلفة منها ما هو متعلق بالخوف، ومنها ما يتصل بطبيعة أولئك الممتنعين، ومنها العامل الزمني الذي استغله الغاصبون لصالحهم على الوجه الذي ثبتت فيه أمورهم. لذلك لجأت عليهاالسلام إلى أسلوب آخر من إقامة الحجّة، فطالبت بحقّها في ميراثها من أبيها صلىاللهعليهوآله ، فكذب الغاصبون للحكم عليها، وادّعوا أنّ النبي صلىاللهعليهوآله قد قال: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث» (1) . فخطبت في الرد على تلك
_________________
(1) التمهيد لابن عبد البر 8: 175.
الفرية خطبة بليغة أفحمت فيها الظالمين، وقصفت بهتانهم من الأساس، مستدلّة في بيان أحقيتها وصحّة دعواها بما أخرس نعيق الباطل، فقالت في آخر كلامها: «... وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون». أفلا تعلمون، بلى قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية، أني ابنته، أيها المسلمون أأغلب على إرثي ؟
يا ابن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ؟ لقد جئت شيئا فريّاً، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم إذ يقول: ( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) (1) وقال فيما اقتصّ من خبر يحى بن زكريا عليهالسلام إذ قال: ( فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ) (2) . وقال: ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) (3) . وقال: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ ) (4) . وقال: ( إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) (5) . وزعمتم أنْ لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصّكم الله بآية أخرج أبي صلىاللهعليهوآله منها، أم هل تقولون: أهل ملتين لا يتوارثان ؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة ؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي، فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعمَ الحكم الله، والزعيم محمّد صلىاللهعليهوآله ، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبأ مستقر فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (6) .
_________________
(1) النمل: 16.
(2) مريم: 5 - 6.
(3) الأنفال: 75.
(4) النساء: 11.
(5) البقرة: 180.
(6) الاحتجاج 1: 138 - 139.
فإنّها بذلك فنّدت مزاعم البغاة من أنّ النبي صلىاللهعليهوآله لا يورث من جهة، وأنّه قد ترك وصيته لأهله وأمته من جهة أخرى؛ لأنّ النبي صلىاللهعليهوآله أوّل المكلفين والمطبقين للأحكام النازلة عليه، ووجوب الوصيّة غير خاف في هذه الآية، وحثّ رسول الله صلىاللهعليهوآله على القيام بها، جاءت به عدّة من الروايات، فلا تصح دعوى ترك الوصية عند من أطلقها، لأنّها عارية عن الدليل، وأدلّة إثبات الوصيّة قد بلغت من القوّة ما دفع بالمنكرين إلى مزيد من الكذب على الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآله ، فلم يزدهم ذلك من الله إلّا بُعدا.
لكنّ البغاة على حقّها لم ينثن عزمهم، ولا فتر جهدهم في منعها حقّها، فتمسّكوا بالرواية المكذوبة، وأصرّوا على إنفاذها إصراراً عجيباً، ولمّا لم تجد منهم آذاناً صاغية، رجعت لتطلب نحلتها في فدك التي نحلها إياها والدها بعد فتح خيبر، وهي مما لم يوجف عليه بخيل ولا رجال، ونزل جبريل عليهالسلام بقوله تعالى: ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (1) . وأمره أنْ يعطي فدكاً لفاطمة عليهاالسلام ، فكانت تحت يدها على عهده صلىاللهعليهوآله ، فلمّا توفي افتكت منها، ولم يرجعها إلى ذريتها إلّا عمر بن عبد العزيز الأموي الذي أراد الله تعالى أن يُتمَّ كشف الحقيقة على يديه، وفضح أكذوبة ابن أبي قحافة وصاحبه وعصابتهما.
لكنّنا مع إثبات الزهراء عليهاالسلام لحجّتها بالكتاب العزيز، وبقوّة الدليل، نستهجن أنْ تترك الأمّة حجّة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، التي أذهب الله تعالى عنها الرجس وطهّرها تطهيرا، لتستأنس بإعادة الخليفة الأموي لحقّها في فدك إلى ذريتها من بعدها، فهل قصرت شخصيتها المباركة الطاهرة حتّى يلتفت إلى إثبات غيرها، وتصديقها من ذلك الطريق، وقد نزل في خصوصها ما نزل، وقال فيها النبي صلىاللهعليهوآله ما قال ؟ ومنذ متى كان لذلك البيت الذي ينفق من الخصاصة، ويعطي من القلّة،
_________________
(1) الإسراء: 26.
بعدما طلّق الدنيا ثلاثاً، هم أو مطمح دنيوي ؟ ألم تكن فدك في أيديهم أكثر من سنتين، ومع ذلك لم يخزنوا من نتاجها شيئا، ولا أثر عنهم طرق وأساليب الناس في جمع الحطام ؟ دأب ذلك البيت دائما الإنفاق في سبيل الله، بطريقة لا يستطيعها غيرهم، يعطون عطاء من لا يخشى الفقر، تارة يخرجون من أموالهم كلّها، وتارة يقاسمونها الله تعالى، كما أثر عنهم عليهمالسلام ، فهم أهل آخرة لا يهمهم من الدنيا إلّا مقدار ما يوصلهم إلى غايتهم، ومن هنا جاء سبب حجب حقوقهم عنهم، لئلّا يستميلوا بها سواد الناس، وتكون لهم عونا على استرداد أحقيتهم في الحكم.
لقد مضى والدها صلىاللهعليهوآله بين هؤلاء كالحلم، فلم يفهموه ولا فهموا مقامه، إلّا قليل من المؤمنين، وقد لقي من عجرفتهم وتعنتهم واستكبارهم ما لقي، على قصر المدة التي قضاها بينهم، فهل تراهم يقدّرون ابنته عليهاالسلام ، ويضعونها موضعها الذي تستحق ؟
لم يكن شي من ذلك، بل لقد حصل الأسوأ، كأنّما قدر هذه الأمة أن تحذو حذو بقيّة الأمم في التنكر لأنبيائهم، وتحريف أحكام الشريعة، وتطويعها حسب مشيئة هذا الحاكم أو ذاك.
أهمّ ما قال النبي صلىاللهعليهوآله في شأنها:
واصل أحمد حديثه فقال: مضافاً إلى كون فاطمة الزهراء من أهل البيت الذين نزلت فيهم آية التطهير، وتحديد النبي صلىاللهعليهوآله لعدد هؤلاء كما صرّحت بذلك كلّ من عائشة وأم سلمة، وهم محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام . فقد صرّح والدها صلىاللهعليهوآله في شأنها بقوله: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني» (1) .
وقد ماتت الصدّيقة شهيدة من جرّاء الضرر الذي لحقها من اقتحام الغاصبين لبيتها، غاضبة على أولئك الذين تعاونوا على صرف الحكومة عن زوجها الأولى
_________________
(1) صحيح البخاري 4: 210.
والأحقّ بذلك المقام. صرح بذلك عدد من الحفاظ من أتباع خط السقيفة، منهم البخاري (1) الذي يعتبر أكثرهم تحفظا على إخراج ما يتعلق بأهل البيت عليهمالسلام ..
هل بايعت الزهراء عليهاالسلام ؟
يضيف أحمد قائلا: نحن نعلم جيّداً أنّ فاطمة الزهراء عليهاالسلام هي سيّدة نساء العالمين، بضعة المصطفى، ومهجته، وروحه التي بين جنبيه، وهي أوّل الناس دخولاً إلى الجنّة، وأنّ شفاعتها يوم القيامة أكبر من أنْ تقدّر بعدد، وكما نعلم بحسب الظاهر أنّها لم تبايع الغاصب الأول، ولا حكي عنها ذلك إطلاقاً، خاصّة إذا ما ثبت لدينا موتها وهي غاضبة عليه وعلى أعوانه، وأوصت زوجها عليّاً عليهالسلام بأنْ لا يأذن لأحد من الغاصبين بحضور جنازتها، ووجوب البيعة أمر لا يختلف فيه اثنان، بل لقد قرن النبي عدم البيعة بالجاهلية، فقال: «من مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية» (2) . فمن بايعت الزهراء إذاً ؟
التفت إليّ أحمد بوجهه الصبوح المنشرح وقال: هذه هي النقطة التي أوصلتني إلى الحقيقة، وعند هذه الحجّة، انقطعت حجتي في اتّباع خطّ السقيفة، صحيح أنّ الزهراء عليهاالسلام قد قطعت وجهة المتعلل في مسألة المطالبة بميراثها ونحلتها وسهمها، إلّا أنّ مسألة بيعتها هي التي أماطت عن بصيرتي حُجب الضلالة التي كنت أتخبط فيها.
واختتم أحمد كلامه قائلاً: في الأخير أودّ أنْ أختم كلامي بالحديث عن واجب من الواجبات الأكيدة التي أمر بها الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه فقال: ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (3) .
_________________
(1) المصدر نفسه 5: 82.
(2) صحيح مسلم 7: 263.
(3) الشورى: 23.
أنّ فريضة المودة هذه متعلقة بأهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، فمودتهم تستوجب محبتهم ومحبتهم تستوجب تقديمهم، وتقديمهم يستوجب مولاتهم، فأين مودة هؤلاء الذين انتهكوا حرمة فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، أم أنّهم مستثنون من تلك المودة ؟ ولماذا أُعفي عن قبرها وهي التي من المفترض أن تكون بجانب أبيها ؟ لا شك أن من خلص معدنه وصفي باطنه سيدرك المعنى جيدا، ( وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) (1) .
لهذا وذاك أودّ أن أوجّه ندائي إلى عامّة هذه الأمّة المغلوبة على أمرها والمضيّعة لحقوقها والتاركة لواجباتها، من أن يتوقفوا وقفة تأمل، وليسألوا أنفسهم كما سألنا أنفسنا نحن: ماذا لو كان الخطّ الذي يسلكونه منحرفاً ؟ لأنّ الشك طريق إلى اليقين. وليبحثوا بعدها في الحجج التي ذكرتها، وأثبتها غيري، فإنّني على يقين من أنّهم سيدركون الحقيقة بكلّ يسر بمشيئة الباري سبحانه وتعالى، والحمد لله أولا وأخيراً.
_________________
(1) الاسراء: 72.
الحلقة الثالثة
عقيدة أهل البيت عليهمالسلام في التوحيد هي التي شيّعتني
وما أن أتمّ أحمد حديثه حتّى انبرى صالح قائلا: أمّا أنا فقد شيعني التوحيد الخالص، وبقيّة العقائد الصافية، للأئمة الهداة من أهل بيت المصطفى صلىاللهعليهوآله ، وهو دليل قاطع يؤكّد صحة الخطّ الذي عليه المسلمون الشيعة الإمامية الاثني عشرية، ويؤكّد سقوط بقيّة الخطوط في تيه لا نجاة منه، بتشويهها للتوحيد الخالص، واعتمادها لعقيدة التجسيم والتشبيه، جرياً على اعتقادات المشركين من الأمم السابقة، مصورة المولى سبحانه وتعالى جسما، على صورة آدم عليهالسلام ، وأنّ له أعضاء كاليدين والرجل، وجوارح كالعينين، وأنّه ينزل إلى السماء الدنيا، كأنّما هو في حيّز، ويحتاج في تدبيره للكون إلى حركة، ويضع رجله في النار فيزوى بعضها إلى بعض، كأنّما خلقها أكبر مما قدّره لها من العصاة والكافرين، ويتنكر يوم القيامة فلا يكشفه غير المؤمنين، إلى غير ذلك من الترّهات التي مرّرها كعب الأحبار عبر أبي هريرة الدوسي، وأثبتها فيما بعد منظّروا الخطّ السلفي، والمعروفين أيضاً بأهل الحديث، كالحنابلة ونحوهم.
شاء القدر أن يضع في طريقي أحد فضلاء الشيعة أثناء أدائي لعمرة مستحبّة، وقد كنت محظوظاً في ذلك، لأنّ تعرّفي على ذلك الشخص قد قلب كياني، وأوقفني على حقيقة التوحيد، شاهدني الرجل وأنا متلهفٌ لأخذ كتاب التوحيد للمبتدع محمد بن عبد الوهاب، فقد كنت أراه قمّة البيان والبرهان في التوحيد الخالص، والصافي من شوائب الشرك، ابتدرني قائلاً وعيناه ترمقان الكتاب بنظرة فيها شي من الأسى: «السلام عليكم». فرددت عليهالسلام .
قال: «هل تؤمن حقيقة بما جاء في هذا الكتاب ؟»
فقلت له: «أفي الله شك فاطر السماوات الأرض».
قال: «ليس القصد في أصل الاعتقاد بالله تعالى، لأنّنا كلّنا نعتقد بوجوده ووحدانيته تقريباً، وقد يشترك. معنا فيه كلّ المخلوقات حتّى المشركين، لقوله تعالى: ( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ... ) (1) . لكن المراد من سؤالي، هو ما حواه الكتاب من إساءة لله تعالى، وسوء تقدير له، ووضعه موضع المحتاج، وتشبيهه بخلقه، والاعتقاد بأنّ له أعضاء وجوارح كالمخلوقات».
فقلت له: «هذه هي عقيدة أهل السنّة والجماعة، والتي كان عليها السلف الصالح وأخذها عنهم التابعون لهم بإحسان. ولكن ما هو توحيدك أنت حتّى تتهمني بفساد العقيدة ؟»
قال: «هو توحيد خاتم الأنبياء والمرسلين صلىاللهعليهوآله ، الذي علّمه لعليّ بن أبي طالب وأهل بيته عليهمالسلام ، وتعلمه صفوة الصحابة، أمثال أبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر والمقداد وغيرهم رضوان الله تعالى عليهم».
فقلت: «وعلى أيّ أساس ينبني توحيد أهل البيت رضي الله تعالى عنهم ؟».
قال: «ينبني على تنزيه الله تعالى عن كل النقائص، وإثبات كلّ كمال فيه جلّ شأنه، وتوحيده في الذات والصفات والخلق والرزق والحاكمية والعبادة، إلهاً واحداً أحداً لا مثيل له ولا شبيه ولا ندّ، ليس كمثله شي وهو السميع البصير».
قلت: «فهل لك من بيّنة من كلام أهل البيت رضي الله عنهم في هذا».
قال: «لقد كان جلّ كلام أهل البيت عليهمالسلام منصّباً في بيان مقام الخالق سبحانه وتعالى، لعلمهم بأنّ عدم بيانه - رغم أنّه من أجلى الموجودات على الإطلاق - لا
_________________
(1) الزمر: 38.
يؤسّس لعقيدة سليمة، ولا يفوتني هنا أن أستحضر إحدى خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام في التوحيد والتي منها: «... أوّل الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، ومن حدّه فقد عدّه، ومَنْ قال فيم ؟ فقد ضمنه، ومن قال على ؟ فقد أخلى منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شي لا بمقارنة، وغير كل شي لا بمزايلة، فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من خلقه، متوحّد إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده...» (1) .
وقد سلك أبناؤه الكرام البررة، هداة الأمّة وربّانيوها، مسلكه في الدفاع والذبّ عن الدين الإسلامي الصافي، عقيدة وشريعة، فجاءت خطبهم، ومناظراتهم، وبياناتهم، ودروسهم، حتّى في أحلك ظروف الحبس والجبر والقهر، جاءت أدعيتهم مصداقاً للعقيدة الربانيّة الحقيقية، التي لم تخضع يوماً لظالم، ومرّت إلينا بعد تضحياتهم الجسام التي كلفتهم حياتهم شهداء من أجل دين الله تعالى بالسيف أو بالسمّ، ومعاناتهم عبر الزمن، ولولا أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، لما وصلنا من الدين الذي جاء به سيّدهم الأكبر صلىاللهعليهوآله شيء يعتمد عليه.
اندهشت من دقّة كلام الإمام علي عليهالسلام وعمق معانيه، ووقفت بسرعة على حقيقة تقول بأنني غير متّجه بعقيدة محمد بن عبد الوهاب في التوحيد الوجهة الصحيحة، لكنّني استدركت قائلا: «إذاً فما معنى هذه الآيات والروايات التي اعتمد عليها ابن عبد الوهاب في كتابه ؟».
_________________
(1) نهج البلاغة 1: 16.
قال: «إنّ الابتعاد عن النبع الصافي الذي تركه رسول الله صلىاللهعليهوآله لأمته، وهم أهل بيته عليهمالسلام الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قد ورث للناس ديناً وعقيدة بتراء عرجاء، لا تنتج غير الأبتر والأعرج، فأهل البيت عليهمالسلام هم أهل الذكر الذين أشار القرآن إلى سؤالهم، وهم الصادقون الذين أمرنا أن نكون معهم، وهم الأبواب التي أمرنا أن نأتي منها، وهم العروة الوثقى التي لا انفصام لها، وهم حبل الله المتين الذي أمرنا بالاعتصام به، وهم الراسخون في العلم الذين إذا سئلوا أجابوا، ولم يقل أحد «سلوني قبل أن تفقدوني» غير علي عليهالسلام بعد النبي صلىاللهعليهوآله (1) ، فوجب إرجاع المتشابه إليهم، والرجوع إليهم في كل ما نحتاجه من دين ودنيا، لأنّهم ثقل الكتاب ووعاته ومستحفظوه.
أما الآيات التي اعتمد عليها ابن عبد الوهاب في بيان عقيدته الباطلة، فهي لا تفيد ظاهراً بما رأى لأنّ كلام الله تعالى جاء محاكياً لبلاغة العرب في الاستعارات والكنايات والتشبيهات، فعندما تقول العرب: قامت الحرب على ساق. فمعناه أنّه ليس للحرب ساق وإنّما المقصد منه اشتدت وحمي وطيسها. كذلك في قوله تعالى: ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) (2) كذلك معنى اليد والذي يفيد القدرة، والاستواء معناه التمكن والهيمنة، وغير ذلك مما يجب أن يجرى في التفسير مجرى المجاز لا الحقيقة، واعتماد الأصل في مفهوم التوحيد الذي يقول: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (3) .
( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (4) . ذلك هو الخالق المتعالي عن خلقه، واحد أحد لا يتجزأ في حقيقة ولا وهم».
_________________
(1) انظر: تاريخ الإسلام وفيات «11 - 40 هـ»: 638.
(2) القلم: 42.
(3) الشورى: 11.
(4) الأنعام: 103.
هكذا أنهى ذلك الرجل الفاضل كلامه، واضعاً إيّاي على المنهاج المحمّدي الأصيل، في التوحيد الذي جاء به صلىاللهعليهوآله ، فكان له الفضل في إرشادي وتوجيهي إلى حيث التوحيد الخالص، خطّ إسلام أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، ومدّني بكتاب «عقائد الإمامية» للشيخ المظفر تناول العقيدة الصافية، التي شربها من معين أبي القاسم محمد صلىاللهعليهوآله وأئمة أهل بيته البررة عليهمالسلام ، لا شائبة فيها، ولا شبهة تعتريها، فعلي عليهالسلام ، هو باب مدينة علوم رسول الله صلىاللهعليهوآله ، منه ومن ذريته الطاهرة عليهمالسلام فاضت علوم الإسلام الحقّ على كلّ المسلمين الذين جاؤوا فنهلوا منها، وتمسّك منهم من تمسّك بها، وتركها من تركها على عمد، خوفاً وفرقاً من الظالمين، أو تعاون من تعاون من أجل محاربتهم، فأتى بدين باطل متلبس ببعض الحقّ، فشبّه للبسطاء فأخذوه وهم لا يدرون أنّه خليط، ولو علموا وهنه لما اتّبعوه.
والعجب ليس في هؤلاء العامة الذين يتعبدون بالتبعية، إنّما العجب من هؤلاء الذين وضعوا أنفسهم موضع علمائهم وقد غرقوا في بالوعة التشبيه، حتّى كادوا يساوون الله تعالى بمخلوقاته، الله تعالى الذي ليس كمثله شي، يوضع موضع المحدثات، وينزل من علياء جبروته منزلة المخلوقين، هكذا هي عقيدة ما يسمّى بأهل السنّة والجماعة وما حوته من أشعرية وسلفية، فتمام الاعتقاد بالتوحيد الخالص عند هؤلاء، الإيمان بأن الله تعالى جسم لكنّه ليس كالأجسام، فهو جسم بلا كيف، وله جوارح بلا كيف، ويُرى في الآخرة مع احتمال رؤيته في المنام بلا كيف، وينزل إلى السماء الدنيا ليلة الجمعة وليلة النصف من شعبان بلا كيف.
وقد أطنب علماء ذلك الخطّ في الدفاع عن عقيدة التجسيم والرؤية دفاع المستميت، ضاربين في ذلك عرض الحائط بالعقل والمنطق والنصوص الصحيحة، التي لا تعترف بتشويه عقيدة التوحيد، وجعلها في مرتبة واحدة مع عقائد عبدة الأوثان، بل أدهى وأمرّ، لأنّه لو علم عبدة الأوثان حقيقة الخالق لما
شبّهوه بمصنوعات أيديهم، كما لو علم هؤلاء الذين يدّعون بهتاناً وزوراً أنّهم أصحاب التوحيد الصحيح الخالي من الشرك، أن الله لا تدركه الأوهام فضلاً عن الأبصار، ولا يستطيع أحد أنْ يحيط به علماً، لما أقاموا على اعتقاد أنّه جسم ليس كالأجسام، وله وجه ليس كالوجوه، ويدان ليستا كالأيدي، وعينان ليستا كالأعين، إلى غير ذلك من الترّهات التي ما انزل الله بها من سلطان.
تبرير طالما ردّده أتباع خطّ التشبيه، وهو إجراء معاني الآيات القرآنية على ظاهرها كما وردت عليه، وإيكال تفسيرها إلى خالقها. مع ما ركنوا إليه من اعتماد بعض الروايات التي نزع مضمونها إلى تشبيه غريب، يجزم المطلع عليه أنه مختلق، لم يتفوّه به النبي صلىاللهعليهوآله ، لأنّه لا يتّفق مع حقيقة الذات الألهية المقدّسة، التي ليست جسماً بالتأكيد حتّى تكون لها جوارح كالإنسان، ولا هي في حيّز حتّى تحتاج إلى الحركة، من نزول ونحوه.
وطالما أنّ الله تعالى ليس بجسم، فهو بالضرورة لا يُرى بالعين الباصرة، ودعوى كونه جسماً ليس كالأجسام، عارية من البرهان والإثبات، فإمّا أنْ يكون جسماً فيكون محلاً للحوادث، وإذا كان محلاّ للحوادث صار ممكناً، فلا يكون خالقاً، وإمّا لا يكون كذلك، فيكون واجباً ليس كمثله شيء غير محتاج ولا مركّب، وذلك هو المولى سبحانه وتعالى.
في إحدى الجُمعات، حضرت صلاة الجمعة، فتحدّث الخطيب عن فضيلة ليلة الجمعة، وذكر حديث نزول الربّ تبارك وتعالى في الثلث الأخير من ليلتها منادياً سائلاً مستفسراً، الرواية معروفة ومتسالم على صحتها عند أتباع خطّ التشبيه والتجسيم، لكنّني قلت في نفسي: طالما أنّ الله تعالى ينزل إلى السماء الدنيا فأين يكون ؟ أفي السماء الأخيرة ؟ أم فوق السماوات جميعاً ؟ ولماذا ينزل طالما أنّه غير محتاج إلى النزول، فهو الذي أخبر عن نفسه بقوله: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن
يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (1) ؟
وتذكرتُ إمام الجمعة بعد ذلك، عندما قرأت ما شاهده الرحّالة الشهير ابن بطوطة في المسجد الأموي بدمشق، عندما حضر خطبة جمعة ألقاها ابن تيمية، على جموع المسلمين في ذلك العصر، وروى حديث نزول ربه إلى السماء الدنيا، ونزل مرقاة أو مرقاتين، وقال: «كنزولي هذا» (2) . فحمدت الله تعالى أنّ جرأة ابن تيمية على الله تعالى لم تكن عامة في جميع خطباء الجمعة، وإلّا لكانت المصيبة أعظم على الأمّة التي أدخلت في تيه صنعه لها أناسٌ تصنّعوا العلم، وركبوا مطيّة أنفسهم المستكبرة، فضلّوا وأضلّوا.
وإلى جانب من أفرط في التشبيه كابن تيمية ومن نحا نحوه، نجد شقّاً آخر من نفس الخطّ المنحرف، أفرط هو أيضاً في التنزيه حتّى أفرد كتاباً خلُص فيه إلى أنّ الله ليس بشي تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا.
المدرسة التي رواة حديثها من حافظة كعب الأحبار وتابعه أبو هريرة الدوسي، جاءت بعقيدة في التوحيد شبيهة بعقائد اليهود والنصارى التي قصر فهمها للخالق سبحانه وتعالى، فقرنوه وشبّهوه بعباده، لأنّ اليهود عندما قالوا عزير ابن الله، والنصارى عندما قالوا المسيح ابن الله، كانوا يعتقدون بالشبه بين الخالق والمخلوق، لم يرضهم أن تخلص عقيدة المسلمين، وتصفو عن عكر عقائدهم، فدسّوا من بين عوامّ المسلمين دهاة أحبارهم ورهبانهم، ادّعوا دخول الإسلام، فأفسدوا التوحيد في عقول من اتبعهم، وجعلوه شبيهاً بعقائدهم. من بين تلك الروايات أستحضر رواية متناقضة في محتواها تقول: جاء حبر إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله قال يا محمد أو يا رسول الله إنّ
_________________
(1) يس: 82.
(2) رحلة ابن بطوطة: 113.
الله عزّ وجلّ يوم القيامة يحمل السموات على إصبع والأرضين على إصبع والجبال على إصبع والشجر على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع، يهزهنّ فيقول: أنا الملك. فضحك رسول الله صلىاللهعليهوآله حتّى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثمّ قرأ ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (1) (2) .
لست ادري الغاية التي دفعت بحبر من أحبار اليهود إلى أنْ يأتي للنبي صلىاللهعليهوآله فهل جاء مستفسراً، أو جاء مبيّناً، الرواية لم تحدّد ذلك ممّا يوهن متنها.
أمّا ما جاء فيها فإنّه لم يكف هؤلاء بأنْ صوروا أنّ الله تعالى له يدان، فأضافوا إليهما الأصابع، وهل يمكن أن تكون يد بلا أصابع ؟ وهل يمكن أن تكون هناك أصابع بدون لحم وعظام وعروق وعصب ؟ وهل يمكن أن تكون كذلك وليست لها حد ولا جهة ؟
أمّا دعوى ضحك النبي صلىاللهعليهوآله فهي عارية من الصحة لسببين اثنين:
الأوّل: لا يسوغ لعاقل أنْ يضحك على كفر وزندقة مثل التي لاكها الحبر بلسانه وألقاها، والنبي صلىاللهعليهوآله منزّه عن الوقوع في مثل هذه السقطات، وتكليفه ببيان وبلاغ العقيدة والدين الحقّ عليه مدار نبوته. الثاني: تصديق النبي صلىاللهعليهوآله لليهودي غير ثابت في الرواية، بل إنّ الآية التي قرأها النبي صلىاللهعليهوآله تفيدُ تكذيبه، وهي ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) (3) .
لم يكن من السهل عليّ أنْ أقرّ بانحراف الخطّ الذي كنت فيه؛ لأنّ التزييف والتمويه الذي أُلقي إلينا عبر بوابة الوراثة وتبعيّة السلطان، أحكما غلق منافذ
_________________
(1) الزمر: 67.
(2) مسند أحمد 1: 457، والرواية في صحيح البخاري 8: 174.
(3) الزمر: 67.
النجاة على الذين قنعوا بذلك الركام وتعبّدوا به على أساس أنّه الدين الإسلامي في أجلى مظاهره، ولو التفت الناس إلى ما حولهم وتعرّفوا على ما يحيط بهم من نظريات وأفكار لتبيّن العقلاء منهم مورده، ولصحّح طريقه. وإنّني كلّما عادت بي الذكرى إلى ما كنت فيه من تيه وضلال، واسترجعت ذلك الاعتقاد الذي لا يمت بحقيقة التوحيد الإسلامي الصافي بصلة، حمدت الله تعالى على استنقاذي من عبادة الشبه والوهم، وهدايتي إلى توحيد آل محمّد صلىاللهعليهوآله ، الذي غرسوه في خُلّص أتباعهم، وانتقل منهم إلى المؤمنين في كلّ عصر؛ لذلك فإنّني أنصح من بقي بعيداً عن هذه المنن الإلهيّة والعطايا الربانيّة، أنْ لا يتردد في بذل الجهد لمعرفة الحق؛ لأنّ الجزاء الذي أعدّه المولى سبحانه وتعالى لأوليائه ليس سهلاً، ولا يُعطى لكلّ من ادّعى الإسلام بلا بيّنة.
صراطه تعالى واضح، ونهجه للسالكين ميسّر، فقط طهّر قلبك، والق من على كاهلك أوزار غيرك، فإنّك بحول الله ستصل إلى ما وصلت إليه أنا من نعمة لا تضاهيها نعمة، وهي موالاة الطاهرين واتّباعهم، أئمة الدنيا والآخرة، فالحمد لله على كلّ حال ونعوذ به من حال أهل النار.
الحلقة الرابعة
عقيدة أهل البيت عليهمالسلام في النبوّة هي التي شيّعتني
جاء دور عبد الرحمان، فتحدّث عن السبب المباشر لاستبصاره وقال: لقد كانت عقيدة النبوة التي اعتمدها المالكية وبقيّة ما يسمّى بأهل السنّة والجماعة مختلّة البناء، لا تستقيم وحقيقة النبي صلىاللهعليهوآله ، ولا الغاية من بعثته المباركة، وقد كنت غير مقتنع منذ الدراسة الثانوية بالتفسير الذي لقنوه لنا، في تفسير آية: ( عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ ) (1) ، فقالوا لنا حسب ما ورثوه، وبدون أدنى نظر: إنّ العبوس والتولي صدر من رسول صلىاللهعليهوآله ، عندما جاءه ابن أم مكتوم الأعمى، وتساءلت يومها: كيف يعقل أنْ يصف المولى سبحانه وتعالى نبيّه المصطفى صلىاللهعليهوآله بصاحب الخلق العظيم، وبالرؤوف الرحيم على المؤمنين، ثمّ يعود فيصفه بوصف مخالف لذلك الخلق، ولتلك الرأفة والرّحمة، بل ويضعه في نفس المقام مع عدوّه الوليد بن المغيرة - والد خالد بن الوليد - عندما حكى عنه بقوله: ( ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ) (2) .
فيكون عيسى عليهالسلام في القرآن أكثر إنسانية ورحمة، بإبرائه الأعمى والأكمه والأبرص وإحيائه الموتى من النبي الخاتم صلىاللهعليهوآله . وباعتبار أنّني لم أجد بين يدي تفسيراً آخر يقدّم البديل الصحيح، بقيت في هذه النقطة على شكٍّ من صحة نسبتها للنبي صلىاللهعليهوآله .
ومرّت الأيام وكبرت معها، وازداد عقلي رجوحاً، وفكري تيقظاً وفطنة،
_________________
(1) عبس: 1.
(2) المدثر: 22.
وزادت لهفتي على الكتاب والمطالعة بعد إنهائي للدراسة، فكانت المكتبات العامّة والخاصّة أماكن تواجدي المفضلة، مستأنساً بمؤلفات الذين تركوا أثرهم في الحياة الدنيا ورحلوا عنّا، منهم من كان متيقناً أنّه قدّم شيئاً لله تعالى وللبشريّة، ومنهم من لم يكن على يقين من أمره، كجلّ الذين كانوا في خدمة الطغاة والظالمين.
في أحد الأيام، انزعجت كثيراً وأنا أقرأ تفسير الدرّ المنثور لجلال الدين السيوطي، ففي تفسير سورة النجم، ساق صاحب الكتاب في بيان تفسيره لآية: ( أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ ) (1) . عدداً من الروايات المتنافرة والمتناقضة، التي تقول بأنّ النبي صلىاللهعليهوآله نطق الشيطان على لسانه والعياذ بالله، وقال كلمات فيها إعلاء لآلهة قريش، وترجّى شفاعتها، وختمت الروايات بسجوده لها. يومها فهمت أنّ هذا الخطّ لا يتورع في ذكر أيّ شي يحطّ من مقام النبي صلىاللهعليهوآله ، دون نظر وتثبت.
صاحب الدرّ المنثور لم يكن وحيداً في نشره وحفظه لروايات تشويه النبي الأعظم صلىاللهعليهوآله ، وما هو في هذا الإطار إلّا ناقل عن أمّهات الكتب المعتمدة عند خطّ تشويه الاعتقاد في عصمة النبي صلىاللهعليهوآله . فالبخاري ومسلم وغيرهما من الكتب الروائية، اتفقت على إخراج كلّ ما من شأنه أن يزعزع عقيدة المسلمين، في طهارة الأنبياء ونزاهتهم وعصمتهم، فألصقوا بخليل الرحمان إبراهيم عليهالسلام ، كبيرة لا تليق إلّا بمنافق، فنقلوا عن أبي هريرة عن رسول الله صلىاللهعليهوآله أنه عليهالسلام كذب ثلاث كذبات (2) . وألصق به أيضا أنّه شك في عقيدته، وعلّق النبي حسب زعمهم بقوله:
_________________
(1) النجم: 19 - 20.
(2) صحيح البخاري: 4 / 112.
«نحن أحقّ بالشك من إبراهيم» (1) وجعلوا موسى بن عمران عليهالسلام في مرتبة لا يرضاها إلّا الأشرار والصعاليك، بضربه لملك الموت وفقىء عينه (2) ، وان بني إسرائيل ادّعوا عليه أنّ به عاهة، فبرّأه الله سبحانه وتعالى بأن أخرجه من مغتسله عرياناً يجري وراء حجر هرب بثيابه، حتى أوقفه أمام بني إسرائيل، ووقفوا على خطأ دعواهم (3) ، تصوّروا إنْ أمكن لكم ذلك، ولا أراه ممكناً، إذ كيف يمكن أن يكذّب خليل الرحمان، أو يشكّ في دينه، او يمكن لنبي مهما أوتي من قوّة أنْ يفعل شيئاً مع ملك من ملائكة الله، أو أنْ يفرّ حجر جامد بثياب نبي لتبرئته ممّا ألصق به، كأنّما تلك هي السبيل الوحيدة للتبرئة ؟ هل يعقل أن ينبري حافظ إلى نقل ترّهات كهذه ليقول بعد ذلك إنّها أصحّ الروايات، وإنّ كتابه أصح الكتب، ونحمل عنه ذلك محمل التصديق والتعبّد دونما نظر ولا رويّة ولا تفحص..
أمّا بالنسبة للنبوّة عموماً، فقد كنت معتقداً كما هو حال جميع العوام، أنّ الأنبياء عليهمالسلام كلّهم غير معصومين في ما عدا الوحي، وقد ذكر من تسمّوا بسنّته كذباً وتلفيقاً وبهتاناً - وخرجوا منها عمليّاً وفعليّاً بما ألزموا به أنفسهم من هذه الخزايا والترّهات - جملة من الروايات التي عدّدت أخطاءه، أغلبها لا تجوز على البسطاء فضلا عن الأنبياء عليهمالسلام ، وباعتباري كنت سنّياً مالكيّاً، فقد تعبّدت بتلك العقيدة رغم شكّي في صحّة صدورها، لا أجد مفرّاً منها إلى غيرها ولا بديلاً عنها، للاعتقاد السائد عند أغلبية أبناء ذلك الخطّ، بأنّ الإسلام هو ما في حوزتهم، بعدما وصف أوائل صانعي عقيدتهم كالأشعري ونحوه، بقيّة المسلمين بصفات ونعوت شتّى، تنفر النفس المحترمة منها.
_________________
(1) المصدر نفسه: 5 / 163.
(2) المصدر نفسه: 2 / 92.
(3) المصدر نفسه: 4 / 129.
اكتشفت صدفة وتحديداً في معرض للكتاب، عقيدة أهل البيت عليهمالسلام ، عندما وقع بين يدي كتاب عن عقائدهم للسيّد عبد الله شبر، عنوانه حق اليقين في معرفة أصول الدين، فاقتنيته وعرفت من خلاله أنّ عقيدة أهل البيت عليهمالسلام في النبوّة هي الأصحّ والأصوب، والتي يجب على كلّ مؤمن أنْ يتعبد ويتقرب بها إلى الله تعالى، فالأنبياء عليهمالسلام كلهم معصومون، والنبي الأعظم محمد بن عبد الله صلىاللهعليهوآله إمامهم وخيرتهم، حبيب الرحمان، وصاحب لواء الحمد، والحوض، والشفاعة، والصراط، والمقام المحمود يوم القيامة، لم يرتكب صغيرة ولا كبيرة عمداً ولا سهواً من ولادته حتّى وفاته، بل إنّ جميع آبائه مؤمنون موحّدون وليس كما يدعي أهل الباطل والزيف من أنّ أبواه ماتا على الشرك، وما لفّقه عليه الملفّقون، فهو محض كذب وادّعاء بلا بيّنة، والأدلة القرآنية في إحقاق العصمة كثيرة، فمن شاء طلبها من مظانّها.
أمّا ما قاله هؤلاء الجهلة الذين يدّعون العلم، وليس العلم فقط، بل اتّباع سنّة النبي صلىاللهعليهوآله ، فهو أدهى وأمر، فقد نقلوا أنّه يُقبّل ويباشر وهو صائم (1) ، وأنّه يُباشر وزوجته حائض والعياذ بالله (2) ، وأنّه كان يطوف على نسائه التسع في ليلة واحدة وبغسل واحد (3) ، وأنّه بال قائما (4) ، وقد نهى عن ذلك (5) ، وأنّه نسي بعضاً من القرآن فذكّره فيه قارئ بالليل (6) ، وسحره يهودي فبقي مدّة من الزمن لا يدري ما يفعل (7) ، وجاء إلى الصلاة وهو جنب ولما تذكر ذهب ليغتسل وترك الناس
_________________
(1) صحيح البخاري 2: 233.
(2) المصدر نفسه 1: 78.
(3) انظر صحيح البخاري 1: 75، وصحيح مسلم 1: 171.
(4) صحيح البخاري 1: 62.
(5) المستدرك على الصحيحين 1: 185.
(6) انظر صحيح البخاري 6: 111.
(7) صحيح البخاري 4: 91، 7: 28، 30.
واقفين (1) ، إلى غير ذلك ممّا قد أخرجه علماء الأمّة العدول وبيّنوا بطلانه، وذكروه في مواضعه ليقف المسلمون على حقيقة عقيدة النبوّة، من الزيف الذي لفّقه عليها أعداء الإسلام المحمّدي الأصيل.
هذا المحكيّ في كتب هؤلاء القوم، والمنسوب للنبي صلىاللهعليهوآله يثير الاشمئزاز والنفرة، وهو مدعاة إلى أولئك الذين يحاربون الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآله ودينه، إلى التشنيع والتشهير والحرب، بل هي الحجّة التي ضرب بها سلمان رشدي لعنه الله وأمثاله، الرسولَ الأكرم صلىاللهعليهوآله والإسلام بكافّة تفاصيله.
إذاً فهؤلاء الذين ادّعوا اتّباع سنّة النبي صلىاللهعليهوآله ، وأعلنوا نظريّاً حبّه، ليس هذا فقط، بل حاولوا سلب بقيّة المسلمين من التشرّف بالانتماء لسنته، والإعلان من خلال ذلك بأنّهم من أتباعه، بلغ بهم حبّ النبي صلىاللهعليهوآله ، وإتباع سنته إلى حدٍ انقلبوا فيه من حفظ السنّة الصحيحة، إلى التمسك بمفتريات يهتزّ لها من في قلبه مثقال ذرّة من ولاء لله تعالى ولرسوله صلىاللهعليهوآله غضباً وغيضاً.
لم يكن القصد من سلب العصمة عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآله إلّا غلق الباب في وجه من يدّعيها من غير مقام النبوّة، فأهل البيت عليهمالسلام من أولئك الذين عصمهم الله تعالى، ليكونوا للأمّة منار هداية، وعناصر حفظ لشريعة خاتمة، نزل فيهم ما نزل من القرآن الذي يفيد عصمتهم كآية التطهير (2) ، وغيرها.
كما أنّ حديث الثقلين الذي قرن فيه النبي صلىاللهعليهوآله الكتاب بالعترة الطاهرة، وصرح بعدم افتراقهما عن بعضهما، وجعل التمسك بهما معاً عاصماً من الضلالة (3) ، يدلُّ على عصمة أهل البيت عليهمالسلام .
_________________
(1) المصدر نفسه 1: 72 - 73.
(2) الأحزاب: 33.
(3) سنن الترمذي 5: 329.
لذلك، فإنّ الإقرار بعصمة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، يؤدي إلى الاعتراف بعصمة أهل بيته الأطهار عليهمالسلام ، وذلك مدعاة إلى نقض ما بناه الغاصبون لحقوق خلفاء الرسول الحقيقيين، من كون أنّ نظريّة الحكم في الإسلام بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله هي على أساس من الشورى وليست بالنصّ كما يحتجّ بذلك المسلمون الشيعة وأئمتهم عليهمالسلام ، فاتّجهوا إلى الحطّ من مقام سيّدهم الأكبر حتّى يهون مقامهم.
هكذا إذاً بُخِس حقّ إمام المرسلين صلىاللهعليهوآله ، واستغفل أتباعه، فتطاولوا على شخصه ومقامه، وبقوا على تلك الحال رغم النداءات المتكررة، التي أطلقها أهل البيت عليهمالسلام وعلماؤهم وأتباعهم، والتي دعت إلى إنصاف رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وإعادة حقّه في كونه أفضل المخلوقات على الإطلاق، وما يترتب على ذلك من الإقرار بعصمته الكاملة، وردّ جزء من الجميل الذي قدّمه للأمة الإسلامية، ومودة قرباه الذين نكل بهم الظالمون في تفريط وغفلة وسهو من أسلافنا.
إنّنا جميعاً مطالبون أمام الله بالوفاء بتكاليفنا، ومن أخل بأيّ واجب فإنّما يسي لنفسه، ورسول الله صلىاللهعليهوآله ليس محتاجا للوفاء بتكاليفنا تلك بقدر ما نحن في أمسّ الحاجة إلى ذلك، تبرئة لذممنا اتجاهه وطاعة لله تعالى في تكريم رسوله وتعظيمه وطاعته ومحبته.
وإذا كنتم أيّها الإخوة بالفعل تحبّون رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فلماذا تعكفون على باطل مثل الذي ألصق به، لماذا لا تتبرؤون من معتنقي مثل تلك الخزايا، إذا لم يرجعوا عنها ويرفضوها، مهما كان العنوان الذي غُلّفت به، لماذا كلّ هذه الجفوة لأهل بيت المصطفى صلىاللهعليهوآله ، وقد أُمرنا بمودتهم، والمودّة ما هي إلّا اتّباعهم، قال تعالى: ( إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) (1) . ولو أُمِرَ هؤلاء المتأسلمون بجفائهم لما أمكنهم أن يأتوا بجفاء أكثر مما هم عليه.
_________________
(1) آل عمران: 31.
الحلقة الخامسة
شيّعني حديث الاثني عشر خليفة
وجاء دور بكار الذي عبّر عن كيفية اقتناعه بالإسلام الذي اعتمده المسلمون الشيعة، تبعاً لأئمتهم الأطهار عليهمالسلام ، فقال: لا شكّ أنّ كلّ مسلم يؤمن بأنّ هذا الدين العظيم الذي حبانا الله تعالى به، كآخر الأديان، خاتماً لما سبقه من تشريعات إلهية، وخلاصة لها، جاء ليصحّح مسيرة البشرية، ويقوّم اعوجاجها من الانحراف عن الحقّ تعالى، واتّباع سبل الشيطان، ليحقّق لها العدل والأمن. وهذا ما يؤسّس للحاجة إلى قيام حكومة تتبنى المنهج الإسلامي المتكامل على جميع الأصعدة الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، وإلّا لم تكن هناك حاجة إلى ظهور الأنبياء والرسل وتشريعاتهم.
ولقد نظرنا في التاريخ البشري على طوله فلم نجد فيه ما يعطي النتيجة المرجوّة المثال الكامل، غير الخالق سبحانه وتعالى. قال جلّ من قائل: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) (1) .
كما لم نجد في التاريخ الإسلامي ما يشير إلى قيام حكومة إسلامية، تكون مرجعيتها الحقيقية الكتاب والسنّة المطهرة - سوى السنوات القلائل التي حكم فيها أمير المؤمنين عليهالسلام - رغم ما قيل عن الخلافة التي ألبسوها لباسا إسلاميّا، ونعتها من نعتها بالراشدة، وحكم من حكم بأنّها النموذج الأمثل لعزّة الأمّة ومنعتها، وبكى من بكى على أطلال سقوطها في عهد العثمانيين الأتراك. خلافة
_________________
(1) المائدة: 48.
على شاكلة الخلافات التي داست على المستضعفين والمقدسات، استأثرت بخيراتهم، وعطّلت شريعتهم، فمنذ قيام حكومة السقيفة وادّعائها خلافة النبي صلىاللهعليهوآله ، انحسر الإشعاع الديني الذي أسّسه النبي صلىاللهعليهوآله ، وذهبت نصائحه التي كان قدّمها لأبناء جيله، وضاع جهده في تعليمهم أسس الدين وأحكامه بعد وفاته، بضياع تلك النصائح وذلك العلم، لأنّ العلم كما يقول الحديث يهتف بالعمل فان أجاب أو ارتحل.
وليس عجيباً ولا غريباً، أنْ نجد اليوم في الأمة الإسلاميّة من يعتقد أنّ الباري تعالى قد ترك مسألة الحكومة الإسلامية للناس يرون فيها رأيهم، هكذا مطلقاً ومن دون قيد، ذلك لأنّ هؤلاء المسلمين قد ورثوا تراثاً يُكرّس مبدأ فصل الدين عن الحياة، فقبله مَنْ قبله، وسكت عنه مَنْ سكت، كأنّ الأمر لا يعنيه، ولم يعترض عليه غير فئة قليلة من أتباع أهل البيت عليهمالسلام ، يُعرفون اليوم باسم الشيعة ( من شايع يشايع مشايعة، معناها اتبع، والشيعة لغة هم الأتباع ) كما كانوا في عصر مواجهاتهم لأنظمة الظلم والتحريف روافض ( بمعنى رفض الظالمين، وليس بالمعنى الذي أراده أعداؤهم من نسبتهم إلى رفض للدين، أو رفضٍ للصحابة، فالدين عندهم وتشريعاته لديهم هو أكثر تناسقا، وأكثر تكاملا ممّا هو عند غيرهم، وما أكثر فقهاء وعلماء مدارسهم الفقهية إلّا عيالاً على أئمتهم عليهمالسلام ، ومجتمع الصحابة كسائر المجتمعات فيه الطيب وفيه الخبيث، والمؤمن والمنافق، تماماً كما تحدّث عنهم الوحي، لذلك، فالشيعة يقولون رضي الله عن الصحابة الأخيار، وليس الصحابة أجمعين لأنّنا إذا طلبنا الرضا لمغضوب عليه أو منافق، فإنّنا لا نأمن غضب الله تعالى )
عدت إلى تصفح الكتب المعتمدة عند بني قومي، وكان كتاب الجامع الصحيح لمسلم النيسابوري المتوفر لدي، الوسيلة التي أمسكت بها خيط الحقيقة، ففي
باب الإمارة لفت إنتباهي حديث: «الاثني عشر خليفة»
وتساءلت يومها عن هؤلاء الخلفاء من يكونون ؟ وهل صحيح أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ذكرهم عدداً ولم يذكرهم أسماء ؟
وما علاقة العدد (12) بالعدد القرآني المتكرر في الأسباط، وفي الحواريين، وفي العيون الاثني عشر التي انبجست لموسى، والأمم الاثني عشر، وفي عدّة الشهور، ومنازل القمر، وأبراج السنة ؟
لا شك أنّ الرقم له دلالة غيبية، متعلقة بالسنن الكونية التي أرساها الله سبحانه وتعالى، لتتحرك في إطارها كلّ الموجودات على سطح الأرض. قال تعالى: ( سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ) (1) .
الحديث في مضمونه يشتمل على إعلام غيبي هام بمن سيلي أمر الحكومة بعد النبي صلىاللهعليهوآله ، ولو قدّر له أن يصل إلى جميع المسلمين سالما من التحريف الذي وصلنا عليه، لكان أمر الحكومة قد حسم منذ البداية.
الحديث كما أخرجه أصحاب المجاميع الروائية عند خط السقيفة كالآتي:
عن جابر بن سمرة قال قال النبي صلىاللهعليهوآله : «لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى اثني عشر خليفة» قال ثم تكلم بشي لم أفهمه فقلت لأبي: ما قال ؟ فقال: «كلهم من قريش» (2) إن الكيّس الفطن لا يمكنه المرور على الرواية، دون أن يسجّل ملاحظاته على ما جاء فيها من محاولة طمس لبيان النبي صلىاللهعليهوآله لأسماء خلفائه، بعد أن ذكر عدّتهم، ويظهر أنّ المحدّث أو مَن حرّف الرواية قد استعاض عن الأسماء بالقول إنّ كلمة قد خفيت عليه، وبالجواب الذي جاء من أنّهم من قريش، وفي ذلك كلّه دليل على المنحى التحريفي، الذي انتهجه حكّام الأمّة من بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآله ، في
_________________
(1) الفتح: 23.
(2) صحيح مسلم 6: 3، 4. وانظر صحيح البخاري 8: 127، مسند أحمد 1: 398، 406 و 86، 87، 88 وغيرها.
إعفاء عدد من الأحكام التي عليها مدار الشريعة، وبها يقوم الدين وتتفاعل تركيبته، كمسألة الحكومة الإسلامية التي مرّت على كثير من المسلمين، ولم يجدوا لها صيغة يطمئنون لها. والطريقة التي اعتمدها هؤلاء التحريفيون، تعتمد قطع الرواية أو الحديث، وإسقاط بعض الكلمات التي تحتوي على بيان أمر هام أراد النبي صلىاللهعليهوآله إبلاغه للمسلمين، وفي رواية ابن عباس ما يوضح ذلك حيثُ أخذ أبو داود قال: حدثنا سعيد بن منصور، ثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله أوصى بثلاثة فقال: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو مما كنت أجيزهم» قال ابن عباس: وسكت عن الثالثة أو قال: فأنسيتها وقال الحميدي عن سفيان: قال سليمان: لا أدري، أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت عنها (1) .
بل إنّ في الرواية شكَّ في إسقاطين، إسقاط نُسِب إلى ابن عباس، وإسقاط آخر نسبه ( سليمان ) أحد الرواة لنفسه. وباعتبار أنّ ابن عباس من أتباع علي وأهل بيته عليهمالسلام ، وذلك ثابت من خلال سيرة الرجل وتعامله مع ابن عمّه، وتعامله مع ابنه الحسن السبط سيّد شباب أهل الجنة عليهالسلام ، ولم ينفك عن دأبه ذلك، لإيمانه العميق بأحقيتهم في قيادة الأمة الإسلاميّة بعد النبي صلىاللهعليهوآله ، فنسيانه لأمر يعلمه، وهو من الأهمية للإسلام والمسلمين بمكان لا يقبله عاقل، كما أنّ السكوت عن الوصيّة الثالثة، والذي نُسب للنبي صلىاللهعليهوآله ، لا يتفق وتكليفه في البلاغ والنصح، وهو الذي يقرئه الله تعالى الوحي بطرفيه الإعجازي والتفسيري فلا ينساه، قال تعالى: ( سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ ) (2) . لذلك تولد لدي قناعة بدأت تتقوى يوماً بعد يوم، من أنّ مسألة الحكومة الإسلامية لا يمكنها أن تخرج عن احتمالين:
_________________
(1) سنن أبي داود 2: 41.
(2) الأعلى: 6.
الاحتمال الأول: أن يكون الوحي قد نصّ على اسم من سيلي أمر الدين و الأمة من بعد النبي صلىاللهعليهوآله .
الاحتمال الثاني: أن يكون الوحي قد نصّ على الشروط الواجب توفرها في من سيقوم مقام النبي صلىاللهعليهوآله في الحكم، ووضع ضوابط لاختيار الأمّة.
وفي كلتا الحالتين، النص أو الشرط، لا يستطيع أحد أن يتجاوز شخص الإمام علي عليهالسلام ، ولا أنْ يتغاضى عن إمكانياته وأياديه، ومن تجاوزه فإنّه يكون داعياً إلى حكم الجاهلية، الذي قال عنه الباري تعالى: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (1) .
والذي زاد في عجبي، التفسير الأعرج الذي تبناه عدد من علماء خط السقيفة كالسيوطي، الذي خرج برأي تفرد به، حيث ذكر في بيان عدد الخلفاء، الخلفاء الأربعة وأضاف لهم الإمام الحسن عليهالسلام ، ومعاوية بن أبي سفيان، وابن الزبير، وعمر ابن عبد العزيز الأموي، واحتمل أن يكون منهم المهتدي، والظاهر من العباسيين، فيكون السيوطي قد أوصل العدد إلى عشرة، وخلص إلى القول من أن المتبقيان أحدهما المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه (2) .
ونظرت حولي فلم أجد فريقاً من المسلمين أعطى للعدد تفسيره وبيّن أصحابه، غير المسلمين الشيعة الاثني عشرية، الذين ذكروا أنّ العدد ينطبق على أئمتهم وهم كالآتي:
الإمام الأول: علي بن أبي طالب أمير المؤمنين عليهالسلام .
الإمام الثاني: الحسن بن علي المجتبى عليهالسلام .
الإمام الثالث: الحسين بن علي سيد الشهداء عليهالسلام .
_________________
(1) المائدة: 50.
(2) تاريخ الخلفاء: 12.
الإمام الرابع: علي بن الحسين زين العابدين عليهالسلام .
الإمام الخامس: محمد بن علي باقر العلوم عليهالسلام .
الإمام السادس: جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام .
الإمام السابع: موسى بن جعفر الكاظم عليهالسلام .
الإمام الثامن: علي بن موسى الرضا عليهالسلام .
الإمام التاسع: محمد بن علي الجواد عليهالسلام .
الإمام العاشر: علي بن محمد الهادي عليهالسلام .
الإمام الحادي عشر: الحسن بن علي الزكي عليهالسلام .
الإمام الثاني عشر: محمد بن الحسن المهدي المنتظر عليهالسلام .
وطالما أنّ الإمام الأول والثاني والأخير قد اعتُرف بهما، فلماذا لا يُقرُّ ببقيتهم، وعرفت بعد ذلك أنّ هؤلاء الأئمة عليهمالسلام ، هم الخلفاء الذين خلّفهم فعلاً رسول الله صلىاللهعليهوآله بأمر ربّه، قد قدّموا للدين باعتبارهم مستحفظين عليه، كلّ ما لديهم من علوم وتضحيات، فأقاموا حروفه وحدوده، وجاهدوا فيه بأرواحهم، وبذلوا فيه من التضحيات الجسام، التي لا يقوى على بذلها أحد غيرهم، فنهلت من معينهم الصافي، وتزودت من علومهم التي هي عين الإسلام المحمدي ما أسكن الطمأنينة في قلبي، وأنزل السكينة عليّ، ولم أجد في كل ما بحثت من علومهم فقهاً وعقائداً وغيرها، غير الحجّة التي تُثبّتُ الفؤاد، وتُقنع الفكر، وتُرضي الربّ تبارك وتعالى، والحمد لله أولاً واخراً على نعمة الهداية إلى هؤلاء الأطهار، وأسأله تعالى أن يهدي سواد الأمّة بالرجوع إلى الحقّ، لأنّ الذي يهدي إلى الحق أحق أن يُتّبع. قال تعالى: ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (1) .
_________________
(1) يونس: 35.
بعد أنْ أنهى بكّار كلامه، قلت له: لدي دليل آخر متعلق بالأئمة الاثني عشر، ويُشير إلى أنّ العدد قد ذكره النبي صلىاللهعليهوآله إلّا أنّ أعداء خطّ الإمامة محوه من كتبهم الروائية؛ تجنباً لانهيار فكرتهم الباطلة، وافتضاح أكذوبتهم في خصوص شورى السقيفة.
فقال: ما هو هذا الدليل ؟
قلت: لقد نقل الشيخان «البخاري ومسلم» رواية مهمة تقول:
عن النبي صلىاللهعليهوآله قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلّما هلك نبي خلفه نبي، وإنّه لا نبيّ بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون، قالوا فما تأمرنا. قال: فوا ببيعة الأول فالأول اعطوهم حقّهم فإن الله سائلهم عمّا استرعاهم (1) .
وهذه الرواية اشتملت في متنها على ذكر الحكومة التي كانت على عهد بني إسرائيل، وهي حكومة أنبياء في عمومها، وإنّ حكومة المسلمين هي حكومة خلافة للنبي صلىاللهعليهوآله «إمامة بالمصطلح القرآني». وخلفاؤه الذين تحدّث عنهم كان قد حدّد عددهم باثني عشر شخصاً، وتساءل من حضر من الصحابة عن تكليفهم اتجاه هؤلاء الخلفاء، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «فوا ببيعة الأول فالأول».
وفي كلامه صلىاللهعليهوآله دليل على ترتيب هؤلاء الخلفاء، ومبايعة الناس لهم تكون بحسب ذلك الترتيب الذي تحدث عنه النبي صلىاللهعليهوآله وحثّ على اتّباعه، وهذا الإيحاء بالترتيب الذي جاءت به الرواية، دليل نضيفه إلى العدد في الرواية التي أرشدتك إلى اتّباع أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، لتزداد يقينا في أنّ مسألة حفظ الدين ليست من شؤون الناس بل هي من شؤون الباري تعالى كما هو الشأن بالتنزيل، والحمد لله رب العالمين.
_________________
(1) صحيح البخاري 4: 144، صحيح مسلم 6: 17.
الحلقة السادسة
حديث انقسام الأمة والفرقة الناجية هو الذي شيّعني
عبد الوهاب، صديق ربطتنا به علاقة زمالة، هو من الجنوب الغربي للبلاد، والجنوب معروف عندنا بالأصالة، والتمسك بالقيم والمبادئ، إذا ذكُر أهل الجنوب وكنت منهم، نظر إليك السامع نظرة إكبار واحترام.
الصدفة هي إلتي جاءت به إلى مجلسنا، فهو قد انتقل من المدينة منذ مدّة، لظروف خاصة به، فسررت لرؤيته وحمدت الله على لقائه من جديد، ويقال رُبَّ صدفة خير من ألف ميعاد.
لم يتمالك عبد الوهاب نفسه، فتحرّك من كرسيّه، وطلب أن يُفسح له المجال في الكلام، ولمّا مكنّاه من ذلك قال: كانت المالكية هي الطابع الذي ألبس به إسلام الجهة بأكملها، فلا حديث إلّا عن مالك وما جاء عنه، ولا كتب بعد كتاب الله تعالى إلّا الموطأ أو المدوّنة الكبرى، حتى رسخت فكرة أنّ الإسلام لا يكون غير مالكي، ولم يلتفت أتباع هذا المذهب إلى غيره من المذاهب، إلّا باعتباره بعيداً عن الإسلام الحقّ، تلك النظرة الاستعلائية جعلتني لا أعير اهتماماً بالبحث خارج الإطار المذهبي، ولا أهتمّ بغير مطالعة ما يتعلق بالمذهب، الذي اتبعته وراثياً دون نظر ولا تحقيق.
تعرّفت على الأخ محمّد في الشغل، وكان لي معه فسحتان، واحدة عند وقت الراحة في العمل، والثانية قرْب سكناه من سكناي الذي تسوغته، ممّا أتاح لي فرصة التعرف عليه عن قرب، في البداية كانت العلاقة سطحية وبسيطة، وعدم عمق العلاقة معه مردّه حداثة عهدها، فلم ألاحظ عليه أية بادرة أو مظهر أو
علامة، تدفع إلى التساؤل عنها، وبمرور الأيام تمتنت العلاقة، وتوطدت الصداقة حتّى أصبحت من أفضل أصدقائه لديه وأقربهم إليه، وحزت على حبه وثقته.
في أحد الأيّام وكان يوم عطلة، وصادف يوم جمعة ( العطلة الأسبوعيّة عندنا ما زالت يوم الأحد، حتّى بعد رحيل الاستعمار الفرنسي المسيحي )، فتهيّأت إلى صلاة الجمعة بالمسجد، وذهبت إليه لأصطحبه، لكنّه لم يُبد تحمّساً للذهاب وقال لي: إنّه لا يحبّذ الصلاة وراء أئمة يُعيّنون من طرف من لا أهليّة له، ولا ضابط، اعتذر إليّ برفق، لكنّني لم اقتنع بكلامه، ولمّا ضاق الوقت عليّ، ذهبت على أساس أنْ أعود إليه لنتحاور في الموضوع.
من عجيب الصدف، أنّ خطيب الجمعة قد تحدث يومها عن انقسام الأمّة وتشرذمها، وجاء بحديث الانقسام الذي أخبر عنه النبي صلىاللهعليهوآله ، كالآتي: «أخرج ابن ماجة بسنده، قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنّة، وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنّة، والذي نفس محمد بيده، لتفترقنّ أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنّة، واثنتان وسبعون في النار، قيل: يا رسول الله من هم ؟ قال: الجماعة» (1) . مؤكّداً على أنّ الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، ودعا إلى التمسك بالمذهب المالكي لأنّه يُمثّل سنّة النبي صلىاللهعليهوآله وشريعته.
عدتُ من الصلاة وفي خاطري ما كان دار بيني وبين صديقي وزميلي محمد من كلام حول إمامة الجمعة، ودفعني إلى مواصلة الحديث، حماسي وما كنت أشعر به من الحزن والأسى على ضياع الأمة التي يوجد بين يديها أعظم دستور أنزله الله تعالى على عباده، وفي اعتقادي، أن صاحبي مختلف معي فقط في
_________________
(1) سنن ابن ماجة 2: 1322.
مسألة واحدة، أو مسائل لا تدفع إلى الخروج عن دائرة المذهب، فقلت في نفسي: لعلّني بإقناعه إلى عدم مفارقة الجماعة، أكون قد ربحت أجراً وثواباً كبيرين.
ذهبت إليه على ذلك الأساس، وشعوراً منّي بواجب الرابطة التي تجمعني به، فاستقبلني كعادته والابتسامة تعلو محيّاه، وأدخلني بيته. وما أنْ جلست، حتّى توجهت إليه بكلامي معاتباً: أيُعقل منك هذا التصرّف يا محمد، وقد عرفتك ذو عاطفة وغيرة على الدين ؟ ماذا لو صليت وراء أيّ إمام ؟ المهم أن تكون قد أديت ما عليك، وربحت أجر الجماعة وهي 27 درجة فوق صلاة المنفرد، ووزر الإمامة يتحمله الإمام ومن عينه، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، ألا ترى واقع المسلمين اليوم وحالهم ؟ ألا يستوجب ذلك أنْ نغضّ الطرف على كثير من المسائل الخلافية، ونلتفت إلى الوحدة لنجمع بها هذا الشتات ؟
فقال لي: يا أخي، إنّني بقناعتي هذه لم أكن قاصداً تكريس المزيد من الفرقة، بل على العكس تماماً، فأنا من الذين يدعون إلى الوحدة، وينادون للمّ الشمل، بتعقل وعلى أساس صحيح وليس عشوائيّاً، وإنّ أكثر ما يقلقني حال الأمّة الذي شمّت فينا الأعداء.
فقلت له: طالما أنت كذلك فلماذا لا تذهب إلى الصلاة بالمسجد ؟
فقال: إن الله سبحانه وتعالى لمّا شرّع دينه الخاتم، كما هو شأن بقيّة الأديان التي سبقته، جعل للأحكام التي أنزلها واجبات وسنن أمر باتّباعها، وكلّ من يتجاوز تلك الأحكام خاصّة منها الواجبة، لا تقبل عبادته ويذهب جهده أدراج الرياح، والصلاة شعيرة من الشعائر المهمة في الدنيا والآخرة، لها أحكام لإقامتها من طهارات، وآداب، وفرائض، وسنن تخصّ أوقات الصلاة ومكانها والمصلي، سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً، ولباسه، وأنا تصرّفت بناء على تلك الأحكام.
فقلت له: عن أيّة أحكام تتحدث ؟ ألسنا في المالكية نجيز الصلاة وراء السلطان، حتّى لو كان ظالما ؟ لقول النبي صلىاللهعليهوآله : صلوا وراء كل بر وفاجر. وصدمني صديقي بقوله: لم أعد مالكيّا، ولا من الجماعة التي تتحدث عنها، لقد تشيّعت لأهل البيت عليهمالسلام .
فقلت له: أتغير وجهتك من الفرقة الناجية إلى أصحاب الأهواء والبدع من أهل النار، ألم تقرأ يوماً حديث النبي صلىاللهعليهوآله عن انقسام الأمّة إلى ثلاث وسبعين فرقة واحدة منها فقط هي الناجية، وهي جماعتنا أهل السنة.
فقال: وما أدراك أن تلك الفرقة هي الناجية ؟
فقلت: إتباعهم لسنّة النبي صلىاللهعليهوآله ، واجتماعهم على رأي واحد، وكثرة عددهم في العالم اليوم، أليس هذا كافياً ليكونوا هم الفرقة الناجية.
قال: أمّا إتباعهم لسنّة النبي صلىاللهعليهوآله ، فالمسألة تحتاج إلى دليل يُطمأنُّ إليه، وأمّا اجتماعهم على رأي واحد، فذلك ليس صحيحاً؛ لأنّ ما يسمى بأهل السنة والجماعة، أربع مذاهب هي: الحنفية - والمالكية - والشافعية - والحنابلة، وهم مختلفون اختلافاً كبيراً في عديد من الأحكام، وهذا وحده يكفي للقول بأنّ قول النبي صلىاللهعليهوآله لا ينطبق عليهم لأنّهم أربعة، وهو قد حدّد الفرقة الناجية بواحدة وليس أربعة، وحتّى الأربعة تفرّقوا وتفرعوا إلى عدد من الطرق مثل السلفيّة والوهابيّة الذين تفرّعا من الحنابلة، والمتصوّفة تفرّعت من بقيّة المذاهب، وأمّا كثرة عدد هؤلاء فلا يفيد شيئاً، بل أقول إنّها كثرة بلا بركة، ولا أرى التقييم القرآني للعدد يصب لفائدتهم، لأنّه طالما مدح الباري تعالى في محكم تنزيله القلّة وأثنى عليهم، فقال: ( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ) (1) . وقال:
_________________
(1) البقرة: 249.
( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (1) . وقال: ( وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) (2) ، وقال: ( ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ ) (3) . ومقابل مدحه للقلة القليلة، ذم الكثرة الكثيرة، فقال: و ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) (4) . وقال: ( وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (5) .
قلت: إذاً فبماذا تفسر حديث انقسام الأمّة ؟
قال: أفسره بكلام الإمام علي عليهالسلام ، وكلامه كلام رسول الله صلىاللهعليهوآله ، لأنّه باب مدينة علمه ومستحفظ دينه، إذ يقول في هذا الخصوص وقد سأله رجل عن السنّة والبدعة، والفرقة والجماعة، فقال عليهالسلام : «أمّا السنّة فسنّة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأمّا البدعة فمن خالفها، وأمّا الفرقة فأهل الباطل وإن كثروا، وأمّا الجماعة فأهل الحقّ وإنْ قلّوا» (6) .
قلت: لكنّ الشيعة أنفسهم مختلفون، وهم منقسمون إلى عدّة فرق، منها ما اندثر ولم يعد له وجود، ومنها ما يزال قائماً إلى الآن كالزيديّة والإسماعيليّة والجعفريّة، فكيف تدّعي أنّهم الفرقة الناجية ؟
_________________
(1) سبأ: 13.
(2) سورة (ص): 24.
(3) الواقعة: 24.
(4) الزخرف: 78.
(5) الأنعام: 116.
(6) تحف العقول لابن شعبة الحرّاني: 211.
وفي كنز العمّال للمتقي الهندي: عن يحيى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه قال: كان عليٌ يخطب فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين: أخبرني من أهل الجماعة ؟ ومن أهل الفرقة ؟ ومن أهل السنة ؟ ومن أهل البدعة ؟ فقال: ويحك ! أما إذا سألتني فافهم عنّي، ولا عليك أنْ لا تسأل عنها أحداً بعدي، فأمّا أهل الجماعة فأنا ومن اتّبعني وإنْ قلّوا، وذلك الحقّ عن أمر الله وأمر رسوله، فأمّا أهل الفرقة فالمخالفون لي ومن اتبعني وإن كثروا، وأمّا أهل السنّة المتمسّكون بما سنّة الله لهم ورسوله وإنْ قلّوا وإنْ قلّوا، وأمّا أهل البدعة فالمخالفون لأمر الله ولكتابه ورسوله، العاملون برأيهم وأهوائهم وإن كثروا، وقد مضى منهم الفوج الأول وبقيت أفواج، وعلى الله قصمها واستئصالها عن جدبة الأرض... [ كنز العمال مجلد 8، 40 416: 77، حديث رقم 44209 ]
قال: أنا لم أدّع أنّ جميع فرق الشيعة ناجون، بل لم يدّع ذلك أحد من علماء الأمّة، غير أنّي سأبين لك أمراً قد يكون خفي عليك ثمّ أعود لبيان مَن هي الفرقة الناجيّة، وهذا الأمر يتعلّق بتتمة الحديث السابق الذي بُتر وغُيّر من طرف له مصلحة في ذلك، فإنّ السائل عن الفرقة الناجية لم يكن غير أمير المؤمنين عليهالسلام ، حيثُ روى الشيخ الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي في كتابه الذي استخرجه من التفاسير الاثني عشر، رواية طويلة جاء في آخرها: «يا أبا الحسن ! إنّ أمّة موسى افترقت أحد وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار، وإنّ أُمّة عيسى افترقت على اثنين وسبعين فرقة، فرقة ناجيّة والباقون في النار، وإنّ اُمّتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار. فقال: يا رسول الله ! من الناجية ؟ قال: المتمسك بما أنت عليه وأصحابك» (1) .
إذن، فعليٌ هو المجسّد لمنهج النبي صلىاللهعليهوآله وهو الهادي والقبس الذي أضاء الظلمة بعده. ولذلك نرى النبي صلىاللهعليهوآله يُشير إلى عمار بن ياسر بهذه الحقيقة قائلاً: «يا عمار ابن ياسر إنْ رأيت عليّاً قد سلك وادياً وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع علي فإنّه لن يدليك في ردى، ولن يخرجك من هدى...» (2) .
أمّا انقسام الشيعة إلى فرق شأنها شأن بقيّة المذاهب، فذلك مردّه إلى اختلاف الناس، وليس إلى الدين الذي جاء موحّدا ومؤلّفا ولم يأت مفرّقاً، وأنا لم ألتزم في تشيعي إلّا بما وصلتْ إليه قناعتي، حسب النصوص التي قرأتها، ودرستها متناً وسنداً، وتتبعت أقوال العلماء الأعلام فيها، كما لم أقل لك: إنّ كلّ الشيعة هم
_________________
(1) نقل الرواية كاملة السيّد ابن طاووس في «الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف»: 429 - 430، وانظر موضع الشاهد في «الشيعة في أحاديث الفريقين» للسيد مرتضى الأبطحي: 236، نقلاً عن «السيف اليماني الصقيل للسيد محمد بن يوسف التونسي الشهير بالكافي: 169.
(2) تاريخ بغداد 13: 188.
الناجون يوم القيامة، لأنّنا بصدد الحديث عن فرقة ناجية واحدة.
قلت له: كل ما قلته معقول، ولكن أخبرني عن الفرقة التي أخذت معتقداتها ؟
قال: الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة، لقول رسول الله صلىاللهعليهوآله : «سيكون عليكم اثنا عشر إماما».
قلت: الحديث يقول اثنا عشر خليفة (1) .
قال: ليس هنالك فرق، المهم أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله هو الذي خلّفهم بأمر ربّه، ليكونوا قادة الدولة الحديثة العهد، وهداة الأجيال القادمة، وليس الخلفاء المزيفون الذين ادعوا كذباً أنّهم خلفاء النبي صلىاللهعليهوآله ، وهو لم يخلّفهم، وهم بأنفسهم قالوا: إنّه لم يخلّف، لإزاحة الخلفاء الحقيقيين، فلماذا إدّعوا أنّهم خلفاء النبي صلىاللهعليهوآله ، وليس لهم بيّنة واحدة على دعواهم تلك.
قلت: والسنة النبوية عند مَنْ إذاً ؟
قال: هل تعتقد أنّ هذا الخالق الحكيم الخبير، الذي أتقن كلّ شي صنعه، قد أنزل تشريعاً متكاملاً؛ ليحكم الناس، ثمّ لا يأخذ بعين الاعتبار مسألة حفظ دينه، وهو الذي أشار إليها في ثلاث آيات: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (2) . وقوله: ( بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) (3) . وفي الثالثة: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (4) . إنّ السنّة النبوية التي هي تفسير ما جاء في الكتاب العزيز، هي عند الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، أهلُ بيته عليهمالسلام الذين هم أوعى الناس بما جاء به سيّدهم صلىاللهعليهوآله ، وليست السنّة عند كلّ من هبّ ودبّ من أمثال أبي هريرة، والمغيرة بن شعبة،
_________________
(1) انظر مثلا صحيح مسلم 6: 3 ومسند أحمد 5: 89.
(2) الحجر: 9.
(3) المائدة: 44.
(4) فاطر: 32.
وعمرو بن العاص، وسمرة بن جندب، والوليد بن عقبة، وكعب الأحبار، ومن لفّ لفّهم من عبيد الدنيا، وتُبّع الأهواء والشهوات، والتاريخ حافل بمخازيهم، وجرائمهم في حقّ الدين وأهله.
سكتّ لحظة متسائلاً في قرارة نفسي، ومستعرضاً من جديد حديث انقسام الأمّة، فتبيّن لي أنّ صاحبي على حقّ، التفت إليّ محمد فرأى وجومي، واستغراقي في الفكر، وقال: وأزيدك على ذلك أنّ الشافعي - أحد أصحاب المذاهب الأربعة، والذين عاشوا في القرنين الثاني والثالث، ولم يجمعهم في منظومة واحدة سُميّت بأهل السنة والجماعة، غير حُكّام البغي والظلم الذين أوقفوا المذاهب على أربعة فقط، وذلك في القرن الخامس، وحكموا على البقيّة بالخروج على السلطان - قد خرج من فقهه الأول، إلى فقهه الثاني لمّا انتقل إلى مصر، وقال قصيدته الشهيرة بخصوص ذلك:
ولمّا رأيت الناس قد ذهبت بهم |
مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل |
|
ركبت على اسم الله في سفن النجا |
وهم أهل المصطفى خاتم الرسل |
|
وأمسكتُ حبل الله وهو ولاؤهم |
كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل (1) |
|
إذا افترقت في الدين سبعون فرقة |
ونيفاً على ما جاء في واضح النقل |
|
ولـم يك ناج منهـا غير فرقة |
فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل |
|
أفي الفرقة الهلاك آل محـمد |
أم الفرقة التي نجت منهم قُل لي |
|
فإنْ قلت في الناجين فالقول واحد |
وإنْ قلت في الهلاك حفت عن العدل |
إلى أن قال أخيراً:
رضيتُ علياً لي اماماً ونسله |
وأنت من الباقين في أوسع الحلّ (2) |
_________________
(1) رشفة الصادي، شهاب الدين الحضري: 57.
(2) نقلها النقوي في خلاصة عبقات الأنوار 4: 29، عن العجيلي في ذخيرة المآل.
ثُمّ هل لي أنْ أسألك، بماذا كان يتعبد أصحاب القرون الثلاثة الأولى ؟ ولم تظهر المذاهب الأربعة إلّا من بعدهم ؟ وهي القرون التي عاش فيها الأئمة الهداة من أهل البيت عليهمالسلام .
قلت له: حكى بعض الجهلة عندنا، أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله صلّى حنفيّاً ومالكيّاً وشافعيّاً وحنبليّاً، هذا ما وصل إليه التردي في هوّة الجهل السحيقة. أمّا عن الشيعة فمن الذي سماهم هكذا إذاً ؟
قال: رسول الله صلىاللهعليهوآله هو الذي سمّاهم شيعة؛ لأنّ معناه لا يتعدى الاتباع والاقتداء والموالاة، محاكياً القرآن في تسمية إبراهيم عليهالسلام من شيعة نوح عليهالسلام ، قال تعالى في سورة الصافات: ( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) (1) . فقال مخاطبا عليا عليهالسلام عند نزول آية ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (2) : «هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ويأتى عدوّك غضابي مقمحين» (3) .
ثمّ أخيراً، يُعدُّ إسلام أهل البيت عليهمالسلام الخطّ الوحيد المتصل بعصر النبوّة، فعليّ إمامنا الأوّل عاش مع النبي صلىاللهعليهوآله ، بينما غيره من الفرق والمذاهب قد عاش أفضلها حالا في الثلث الأوّل من القرن الثاني وهو أبو حنيفة.
شكرت صاحبي على ما أبداه من رحابة صدر، وعلى ما قدّمه لي من معلومات، نوّرت لي درب الهداية إلى خط أهل البيت عليهمالسلام ، وانصرفت عاقداً العزم على مزيد الالتزام بذلك الصديق، حتّى آخذ عنه بقيّة معالم ديني، وأركان عقيدتي، ولم يفرّق بيننا غير مغادرتي مدينة قابس التونسية إلى مدينة توزر بالجنوب الغربي التونسي.
_________________
(1) الصافات: 83.
(2) البيّنة: 7.
(3) شواهد التنزيل 2: 461، ونظم درر السمطين للحافظ الزرندي: 92.
الحلقة السابعة
الكذب على الشيعة هو الذي شيّعني
أمّا محمد فقد قال: كنت إمرئاً متمنطقاً ومتعقلاً، لا أُثبّتُ شيئاً ولا أنفيه إلّا بالدليل الحقيقي والحجّة التي تدحض الشكّ، وتحوله إلى يقين، ذلك لم أكن أعتبر نفسي منذ أن دخلت سنّ التكليف أنّني مالكيّ المذهب، بل على العكس، كنت أرى ذلك ترجيحاً بلا مرجح، لأنّ الانتماء إلى فكرة تحتاج إلى إثباتها علميّاً وعمليّاً، وهو أمر غير متوفّر في أغلب المتدينين بالوراثة، وأنا أرفض هذا المنحى وأستهجنه، فكان انتمائي إلى الإسلام بمفهومه العام، وليس إلى مذهب معين من المذاهب المتداولة بين المسلمين.
وفوق ذلك ألزمت نفسي بأنْ أدرس التاريخ الإسلامي، من أيّ مصدر إسلامي، لعلّني أجد بين طيّاتها ما يرشدني إلى إتّباع الحقّ، وكان تاريخ الأمم والملوك للطبري وتاريخ ابن الأثير ( الكامل ) وكتابه النهاية أيضاً، ومروج الذّهب للمسعودي، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي، باعتبارها أقدم الكتب التي اعتمد رواياتها القدامى والمتأخرون فقررت تتبع وقراءة تلك الكتب لعليّ أحصلُ على مبتغاي.
كان اهتمامي منحصراً في أحداث القرن الأول من الهجرة المباركة من بعثة النبي صلىاللهعليهوآله ، إلى نهاية القرن الأول، وكانت مسألة الحكومة بعد النبي صلىاللهعليهوآله بالنسبة لي محسومة بمبدأ الشورى، فقد كنت أراها تتماشى وعقلية العصر في التنفر من كلّ ما يرمز من قريب أو بعيد لمبدأ الوراثة والملك، ولأنّني لم أكن مطّلعاً على النصوص التي وردت في ديننا الإسلامي، والتي كانت تخصّ الوصيّة والتعيين،
وكلّ ما استقرّ في ذهني منها مُأوّل تأويلاً خاطئاً من طرف علماء خطّ الشورى والخلافة، كحديث منزلة علي عليهالسلام من النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والتي حصروها في الخلافة في الأهل فقط.
استمررت في الدراسة والبحث إلى أن عثرتُ على ضالتي، وحيث وجدتُ وثيقة هامة، احتوت في مضمونها على الدليل الذي كشف التزييف والكذب في دين الله تعالى، تقول الوثيقة:
«كتب معاوية بن أبي سفيان إلى عمّاله بعد عام الجماعة ( سُمّي ذلك العام بعام الجماعة لاستتباب الأمر إلى بني أمية بعد مقتل الإمام علي عليهالسلام ، وخذلان الناس لابنه الحسن عليهالسلام إلى درجة أجبرته على الصلح ): أنْ برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كل منبر يلعنون عليّاً، ويبرأون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته... وكتب معاوية إلى عمّاله في جميع الآفاق: ألا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة كتب إليهم: أنْ انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم. ففعلوا ذلك حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات.. ثم كتب إلى عمّاله: إنّ الحديث في عثمان قد كثُر وفشا في كل مصر وفي كلّ وجه وناحيّة، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحبُّ إليّ وأقرُّ ليني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ عليهم من مناقب عثمان وفضله، فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، وأُلقي إلى معلمي
الكتاتيب، فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن، وحتّى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله» (1) .
الكذب كما نعرف جميعا، أسلوب بذيء قذر وخسيس، حذّر منه النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله وشدّد على خطورته، معتبراً أنّ المؤمن لا يكذب أبداً، وإنّما هي ظاهرة كامنة في فئة المنافقين، الذين ليس لهم همّ يحملونه غير قلب الحقائق، وباعتبار أنّ المؤمن لا يكذب كما صرّح بذلك رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقد حكم الكاذب على نفسه بنفسه، ونقلها من حالة الإيمان المرجو، إلى مرض النفاق الذي لا دواء منه.
هالني الأمر، وصدمت منه صدمةً شديدةً، ليس ممّا اقترفه معاوية وحزبه من طلقاء بني أميّة، فأولئك لا يجهل حالهم إلّا من كان مثلهم، ولكن صدمتي جاءت من الأمّة، التي انساقت وراء باطل صنعه أعداءها، ومضت على السكوت عليه وقبوله، وشخصُ النبيّ صلىاللهعليهوآله ما زال عالقاً في أذهان من بقي من الصحابة في ذلك العصر، وصوته المبارك ما زال يتردّد صداه في آذانهم وحوافظهم. فأين هؤلاء في تلك الفترة ؟ ولماذا لم يفعلوا مثل ما فعل عمّار بن ياسر، عندما قاتل معاوية وهو ابن تسعين سنة، إلى أن استشهد ؟ أين أبناءهم الذين يفترض أنّهم تربّوا على أيد لامست براهين الوحي، وعانقت قيم الدين الحنيف بدون واسطة ؟ أين التابعون لهم الذين عايشوا الظلم والظالمين، وركُن من ركُن منهم إليه، وسكت من سكت عنه ؟ لماذا ركنوا إلى زيف معاوية ؟ ولماذا سكتوا على ظلمه ؟ ولماذا نصروا باطله ولم يحاربوه ؟ لماذا تزلّف منهم متزلّف لمعاوية ؟ ولماذا وصل الأمر بعبيد الله بن عمر إلى أنْ قُتل في صفّ الذين أخبر عنهم النبي صلىاللهعليهوآله بأنّهم بغاة على
_________________
(1) شرح نهج البلاغة 11: 44.
علي صلىاللهعليهوآله ؟ وما قام به عمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، وسمرة بن جندب، وأبو هريرة، لا يبعد عن ذلك الولاء الأعمى. ولماذا بلغت هشاشة العقيدة في ذلك العصر وما تلاه، إلى أنْ يُسبّ علي عليهالسلام وأهل بيته على منابر الإسلام، والسابّ لعلي عليهالسلام كالسابّ لرسول الله صلىاللهعليهوآله ، وقد احتجّت أمّ المؤمنين أمّ سلمة على ذلك بقولها لأبي عبد الله الجدلي: «أيسبُّ رسول الله صلىاللهعليهوآله فيكم ؟ قلت معاذ الله أو سبحان الله أو كلمة نحوها، قالت: سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول من سبّ علياً فقد سبني» (1) .
ولماذا بلغ الحال بالأمّة إلى ذلك المستوى من التنكّر لعلي عليهالسلام وحال علي عليهالسلام من أوضح الواضحات عند من في قلبه مثقال ذرّة من إيمان ؟
أسئلة تقاطرت عليّ من كلّ جانب، وألحّت في الإجابة التي لم تكن بالطبع عند أولئك المؤرخين الذين نقلوا جملة من الأخبار المتراوحة بين الصحيحة والمحرّفة، والواقعة والموهومة، والثابتة والواهية. هذا ولم يكن همّهم غير نقل الروايات التي مثلت انتماءهم الفكري والعقائدي، وشحن كتبهم بها مهما كانت نسبة صحتها، وقد أساء الطبريّ إلى نفسه ومن تبعه في اعتماد رواياته المتعلقة بأحداث ما اصطلح عليه بالردّة إلى ما بعد شهادة الإمام علي عليه السلام، فقد كان عمدته في تلك الروايات، عدد من الكذابين والوضاعين من المشهورين والمجهولين، منهم سيف ابن عمر الضبيّ، الذي أجمع علماء الجرح على أنّه كذّاب.
ثم انتقلت لمزيد من التأكد إلى الكتب الروائية ( البخاري، مسلم، الترمذي، النسائي، أبو داود، ابن ماجة ) فحصلت عندي قناعة بعد ذلك، بأن أرفض كلّ الكتب الروائية التي أُنزلت منزلة القداسة، ووُصفت بأنّها أصحّ الكتب بعد كتاب
_________________
(1) مسند أحمد 6: 323. وانظر سنن النسائي 5: 133، والمستدرك 3: 121.
الله، وقالوا بأنّ الأمّة قد تقبّلتها بالرضا والقبول، وأتهمها جميعاً بنقل التحريف والترويج له، والكذب على النبي صلىاللهعليهوآله ، لأنّ ناقل الكذب ومتبنية كقائله، خاصّة المفضوح منه، الذي يمسّ من مقام الخالق سبحانه وتعالى، ويحطّ من منزلة رسوله صلىاللهعليهوآله ، ويشين الدين الإسلامي عقيدة وشريعة.
أمّا الأمثلة التي تشير بوضوح إلى بصمات تحريف معاوية ومَنْ جاء بَعده من بني أُميّة، شجرة التحريف الملعونة في القرآن، كثيرة لكنني سأقتصر على البعض منها إثباتاً للحجّة، وطلباً للاختصار:
الصحيح: عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما» (1) .
المكذوب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله لأبي بكر وعمر: «هذان سيدا كهول أهل الجنّة من الأولين والآخرين إلّا النبيين والمرسلين» (2) .
الصحيح: عن ابن عباس أن النبي صلىاللهعليهوآله أمر بسد الأبواب إلّا باب علي (3) .
المكذوب: عن عروة عن عائشة أن النبي صلىاللهعليهوآله أمر بسد الأبواب إلا باب أبي بكر (4) .
الصحيح: عن ابن بريدة عن أبيه قال: «كان أحب النساء إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فاطمة، ومن الرجال علي» (5) .
المكذوب: عن أنس قال: قيل يا رسول الله من أحب الناس إليك ؟ قال: عائشة. قيل: من الرجال ؟ قال: أبوها (6) .
_________________
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 167.
(2) ضعفاء العقيلي 2: 345.
(3) سنن الترمذي 5: 305، وعدّه الكتاني من الاحاديث المتواترة في نظم المتناثر من الحديث المتواتر: 191.
(4) سنن الترمذي 5: 278.
(5) سنن الترمذي 5: 360 والمستدرك 3: 155.
(6) سنن الترمذي 5: 366.
يضيف محمد: إنّ من لم يقرأ ما أقدم عليه حزب الطلقاء الذي استولى على زمام الحكومة الإسلامية، بعد تمهيد من أصحاب السقيفة، من تحريف وكذب وتشويه للدين، لا يمكنه أن يقف على حقيقة منشأ التحريف، ففي النص الذي نقلته نجد أنّ معاوية من أجل أنْ يستتب له الأمر، أقدم في مرحلة أولى على إشاعة ظاهرة سبّ علي عليهالسلام وأهل بيته، والساب لعلي هو ساب للنبي صلىاللهعليهوآله ، فتمّ له ذلك، ثمّ أقدم على خلط النصوص الصحيحة بالوهم الذي شجّع عليه بالأموال، ثمّ سعى في مرحلة ثالثة إلى منع النصوص الصحيحة التي كانت متعلقة بالإمام علي وأهل بيته عليهمالسلام ، وفي مرحلة أخيرة إلى التنكيل بمن ثبت لدى السلطة أنّه من أهل بيت الإمام علي عليهالسلام أو من شيعته، في عصر لم يكن هناك سوى فريقين يسعيان إلى تحقيق غاياتيهما المتباينتين، علي وشيعته، ومعاوية وشيعته، ولا اعتبار للفريق الثالث الذي لم يكن يمثّل شيئاً، ولا وزن له؛ لأنّ أفراده قّلة قليلة أسكنها الخوف واللامبالاة فتبنت السكوت والانطواء، بل نجد إلى الآن في معسكر الشورى والخلافة، من لا يزال رافعاً شعار العن يزيد ولا تزيد (1) ، وهو مستمر في اعتماد معاوية بن أبي سفيان صحابياً جليلاً يطلب له من الله الرضا، وهو المحارب والساب والقاتل لقربى النبي صلىاللهعليهوآله ومواليهم.
أثناء بحثي عن الحقيقة، التقيت بأحد زملاء الدراسة، وكان معه كرّاس دفعني الفضول إلى سؤاله عنه، فقال: هو كتاب قد سحبه أحد الأصدقاء من الانترنيت لأحد الكتاب، فرجوته رجاءً حاراً أنْ يعيرني إيّاه، ولمّا رأى اهتمامي وتشبثي بالكُرّاس، لم يمانع من ذلك، على شريطة أنْ لا أتأخر في قراءته، فوافقته وأخذت منه الكرّاس شاكراً، وانصرفت إلى البيت استعجل الخطى.
وفي البيت بدأت في تصفح الكُرّاس، فذُهلت للمستوى التعيس الذي وصل
_________________
(1) بل نجد من يرفض لعن يزيد ويصفه بأمرة المؤمنين مع وضوح حاله.
إليه الكاتب والناقل من الانترنيت، الكتاب عنوانه «الرافضة أو الإماميّة الاثني عشريّة أو الجعفريّة»، لم يكن ذا منهجية محدّدة في تعامله مع أكثر الموضوعات التي تناولها، ولا روعي فيه تثبيت المصادر الواردة فيه؛ لأنّ كلّ صفحاته قد ذكرت مصادرها من (1) إلى (5) تقريباً، واشتركت تلك الترقيمات في فهرست المصادر، فلم تعد تستطيع تمييز مصدر من غيره. هذا من الناحية الفنية، أمّا من حيث المحتوى فلم أقرأ في حياتي مهزلة سُميّت كتاب غير ذلك الكرّاس.
للكراس سبعة مباحث، ظاهرها يوحي بأنّ الكاتب وكتابه من أهل الاختصاص، لكنّك عندما تقرأه لا تخرج بانطباع حسن عنهما، لأنّك ستكتشف تهافت الكاتب على إثبات أنّ عقيدة المسلمين الشيعة، هي إلى اليهود أقرب منها إلى الإسلام، ومن أجل إضفاء التقوى وخشية الله تعالى على نفسه وعلى كتابه، بثّ الكاتب عددا من الآيات القرآنية التي يستشفُّ القارئ منها بشكل إيحائي أنّ الكاتب على حقٍّ في جميع أقواله، وأنّ من كتب عنهم على الباطل مطلقاً، وكأنّ الآيات القرآنية التي ذكرها لا تعنيهم، أو هي ليست في مصاحفهم.
سعى الكاتب إلى التأثير في محصّلة القارئ، وجعلها تنساق معه في قناعاته، التي ظهرت من كلامه أنها لا تتزحزح قيد أنملة، فرأيه المسبق في تكفير المسلمين الشيعة، لم يكن ليسمح له بأخذ آراء من ينتمون حتّى إلى مذهبه الأشعري، فلا الدكتور طه حسين، ولا الدكتور علي الوردي، ولا الدكتور مصطفى كامل الشيبي، ولا الدكتور علي النشّار، ولا الدكتور حامد حفني داود، ولا عبد الله فيّاض، أقنعوه برأيهم الذي استقرّ على أنّ شخصيّة عبد الله بن سبأ اليهودي، لا يمكن أنّ تكون حقيقيّة، وقد اختلقها معاوية وحزب الطلقاء، لتكون أكبر تشنيع على علي عليهالسلام وشيعته، وتشبّث المتشبثين بها إلى الآن، وهي تحكي حالة الغريق الذي يسعى للنجاة بأيّ شكل، ويروم الخلاص بأيّ طريق.
قلت له: لماذا تأنس في مطالعتك لكاتب مجهول لم يذكر صاحبه اسمه على الكتاب ؟
فقال لي: إنّ الموقع الذي سُحب منه الكتاب، إسلامي فيه ما يحتاجه المسلم من تفاسير وتلاوات للقرآن ومصادر للسنّة النبوية.
قلت له: ومع ذلك فلا بد من أن تأنس إلى مصدرك بمعرفة هويّة الكاتب، على الأقل ليطمئنّ قلبك وتعرف عمّن تقرأ.
التفت محمد إلى نصيحتي فوجدها منطقيّة فقال: كلامك صحيح مائة بالمائة، أنا لم ألتفت إلى هذه الجزئية رغم أهميتها، لقد أسهبتني المظاهر الإسلاميّة التي عليها الموقع على الانترنيت، فنقلت الكتاب معتقداً أنّ فيه فائدة.
قلت له: لكنّك وقعت من حيث لا تعلم في شبكة من أدعياء العلم، هدفها نشر الكذب بين أفراد الأمة الإسلامية، وتعميق الهوّة الاعتقادية بينهم، والتحريض على التكفير، وأكثر من ذلك فقد صدرت فتاوى تبيح قتل المسلمين الشيعة باعتبارهم كفاراً ومشركين.
قال محمد: فبماذا تنصحني يا أخي ؟
قلت له: أنصحك وأنصح نفسي، بأن نعطي لهؤلاء الذين اضطهدوا (15) قرناً فرصة ليَعبّروا عن فكرهم بمنتهى الحريّة، فموائدهم في هذا المجال مفتوحة لكلّ من يروم الحقيقة، نحن الآن في عصر العلوم والتكنولوجيا، والقرآن الذي هو دستورنا الأصل، يحثُّ على الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وليس بالتي هي أخشن، فلنستمع إليهم، ولنقرأ عن تواريخهم وكتاباتهم من علمائهم، وليس من أعدائهم، ولنشاهد ما يُقدّمونه اليوم من أمثلة ونماذج قد تكون النواة لعودة الدين من غربته، لنقول كلمة الحق والعدل فيهم.
وأضفت إليه قائلا: إنّ الكذب، والادّعاء بالباطل على الشيعة هما اللذان أخذا
بيدي إلى التشيّع، ودعاوى الافتراء هذه قد استند عليها أغلب المحاربين لشيعة أهل البيت عليهمالسلام ، وهي في مضامينها لا تستند إلى دليل منطقيّ، ولا تقف بحجّة ثابتة، كلّ ما تشتمل عليه هي جملة من الأباطيل الواهية، والظنون التي لا ترقى إلى الحقيقة مهما خلصت، والكذب الذي ينمّ عن نفاق دفين لا علاج له.
لعل أكبر أكاذيب هؤلاء الأدعياء، التي يراد بها صرف المسلمين عن حقيقة التشيّع لأهل البيت عليهمالسلام ، وإبعادهم نهائيّاً عن البحث والتساؤل والنظر، في منهج أهل البيت عليهمالسلام - والذي كان محلّ سخط وتبرّم ونقمة، من قبل الطغاة والظالمين على مرّ العصور - كذبتان كبيرتان، واحدة موجهة إلى البسطاء من قليلي الثقافة والعلم، وترتكز على الادّعاء بأنّ جبريل أخطأ في الوحي، وعوض أنْ ينزل على عليّ، نزل على محمّد. نعوذ بالله تعالى من هذا البهتان، ونبرأ إليه من مخترعه الأفّاك، ولا أخاله إلّا شيطاناً إنسيّاً مقرّباً من إبليس لعنه الله، جاء بهذه الفرية ليُنفّرَ الناس من موالاة أهل البيت عليهمالسلام والتشيّع لهم.
أمّا الأخرى فهي موجّهة إلى الذين لهم ثقافة وعلم، وتقول: إنّ عبد الله بن سبأ اليهوديّ هو الذي اخترع التشيّع عقيدة، وإنّ ذلك حصل في عصر الإمام علي عليهالسلام .
والظاهر أنّ أصحاب هذه الأكاذيب ومن يقف معهم فيها، ليس لهم دين ولا عقل؛ لأنّ الذي دفع الإمام عليّ عليهالسلام إلى حمل السلاح، والوقوف في وجه ثلاث فرق، هو التحريف الذي بدأ يدبُّ في جسد الإسلام، وينتقل إلى عقول المسلمين بكلّ خبث ودهاء، فالناكثون وهم طلحة والزبير، الذين بايعوا عليّاً عليهالسلام ، ثمّ نكثوا بيعتهم، واصطحبوا معهم في خروجهم على الإمام عليهالسلام عائشة زوج النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ليوهموا الناس بأنّهم على الحقّ، وقد استطاعوا أنْ يخدعوا كثيراً من الأعراب، ويستميلوهم إلى صفّهم في حربهم القذرة، من أجل الاستيلاء على السلطة،
والقاسطون وهم أصحاب معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومروان بن الحكم وحزبهم لعنهم الله، الذين قلبوا الحقائق، واستبدلوا الفضائل الحقيقيّة للصفوة الطاهرة من أهل البيت عليهمالسلام ، بفضائل زائفة لبعض الصحابة، ليلبسوا على الناس دينهم فلا يهتدون سبيلا، والمارقون هم أصحاب ذي الثدية من الخوارج، الذين رأوا رأياً في الحكومة لم يكن صائباً، ثمّ حمّلوه علياً عليهالسلام وانقلبوا وحاسبوه عليه، ليسوا أكثر جرماً من عبد الله بن سبا، الذي ادعى مختلقوه أنّه دعا إلى عقيدة هي خليط من اليهوديّة والمجوسيّة، على أساس أنّها الدين الحقّ، على مرأى ومسمع من علي عليهالسلام ، ولو كان ذلك الرجل الأسطورة موجوداً لاشتدّ في طلبه الإمام علي عليهالسلام ،
ولقد قرأتُ بعد ذلك كتاب عبد الله بن سبا، للباحث والمحقّق السيّد الجليل مرتضى العسكري، فأثلج صدري بتحقيقه وبراهينه واستدلالاته، وأتى على تلك الأسطورة فجعلها خاوية على عروشها. والكتاب متوفر ومتداول بين الناس اليوم.
أمّا ما قيل من أنّ الشيعة يسبّون الصحابة، فهو مهزلة كمهزلة إخوة يوسف عليهالسلام ، عندما جاؤوا أباهم بقميص أخيهم وعليه دم كذب زاعمين أنّ الذئب قد أكله، أو كالذين رفعوا قميص الخليفة الثالث طالبين القصاص من قتلته، وهم من حرّض عليه، وسكت عن نصرته إلى أنْ قضى.
وإنّي أعجب من الذين يقرؤون القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فيمرّون بعديد من الآيات التي تفضح حال الكثير من الصحابة، ولا يقولون إنّ القرآن يسبّ عدداً من الصحابة. وأزداد عجباً من الذين يمرّون على أحاديث النبي صلىاللهعليهوآله المتعلقة بالحوض، والتي جاء في بعضها أنّ عدداً كبيراً من الصحابة سيكون مآلهم النار يوم القيامة، ولا يقولون إنّ النبي صلىاللهعليهوآله يسبّ الصحابة ويضع من
مقامهم (1) .
وأكثر من ذلك أقول لهؤلاء الذين جاؤوا بهذه الفرية والصقوها بالشيعة، أيّهما أعظم جرماً، وأكبر ذنباً، سبّ صحابي أم سبّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ؟
بالطبع سيقولون لك سبّ النبيّ صلىاللهعليهوآله أعظم، لكنّك عندما تُذكّرهم بأنّ عليّاً سُبّ على منابر المساجد الإسلامية دهراً طويلاً، بتخطيط وتنفيذ من عدد ممن يسمونهم صحابة، وسبّ علي عليهالسلام ، هو سبّ للنبيّ بلا فرق حسب النصّ الذي ذكرته (2) ، والسابّ للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، خارج عن ملّة الإسلام بلا شكّ، فلماذا تتهمون الشيعة بسبّ الصحابة، وأنتم تأوون وتباركون وتقدّسون وتطلبون الرضا من الله إلى البارزين للنبي صلىاللهعليهوآله وأهل بيته بالسبّ والحرب ؟
وإذا الذين أرادوا بالشيعة كيداً، قد رُدّت مكائدهم إلى نحورهم، وخابت جميع مساعيهم الباطلة، كالزبد الذي يذهب دائماً جفاء، وأمّا عليّ وشيعته فيمكثون في الأرض رواسي ينحدر عنها السيل ولا يرقى إليها الطير، جيلاً بعد جيل، وعصراً بعد عصر، يُثبّتون للناس مقامات العزّة والشرف والتضحية والإباء، تأصيلاً للقيم الإسلاميّة العليا، وتحقيقاً لأمر الله تعالى في الثلّة المؤمنة، التي ستبقى دوماً ظاهرة إلى أنْ يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
أبدى صديقي رغبة في اقتفاء اثري في البحث عن الحقيقة، وأُعجب بالأدلة التي عرضتها عليه، فزودته بكتاب الفصول المهمة في تأليف الأمة؛ ليكون منطلقا له في معرفة الحقيقة، والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً.
_________________
(1) انظر مثلا صحيح البخاري 4: 110، 7: 207، وصحيح مسلم 7: 67 - 68.
(2) كما تقدم وهو في مسند أحمد 6: 323، وسنن النسائي 5: 133، وغيرها.
الحلقة الثامنة
شيّعتني آية الوضوء
حمد أحد الأصدقاء القدامى، الذين تربطني بهم أواصر أخوّة وصداقة، لا يعلم قدرها إلا الله سبحانه وتعالى، تعرّفت عليه هو أيضا في العمل، فكان بالنسبة لي، الإنسان الذي يستطيع المرء أنْ يفضي إليه بمكنون سرّه، دون أنْ يخشى شيئاً، صراحته التامة زادت في تفرّد شخصيته، وثقته بنفسه رفعته بين المحيطين به، فزادته احتراما وتقديراً، كان على الموعد معنا، وأراد أنْ يدلي بشهادته عن تشيّعه، ويتحدّث عن السبب الذي دفعه إلى ترك مذهب أسرته ومجتمعه، والانتقال منه إلى خطٍّ آخر وفكر آخر، فقال:
منذ نعومة أظافري، كنت مغرماً بمشاهدة صورة أمير المؤمنين عليهالسلام المعلّقة في بيتنا، تلك الصورة التي انتشرت في عدد من بيوت القرية، والتي ظهر فيها فارسان قد أهوى الأوّل بسيف ذو ذبابتين على الفارس الثاني فقدّه نصفين، كتب على الأوّل عليّ بن أبي طالب عليهالسلام والثاني رأس الغول، كناية عن عمرو بن ود. وعلى الرغم من أنّ الصورة لا تتميز بالدقّة والإتقان في التصوير، إلّا أنّها كانت تمثّل رمزاً إسلاميّاً، وقمّة من قمم البطولة ظلّ باقياً على مدى قرون عديدة، متحديّاً كافة الأساليب التي واجهته لمحو آثاره.
كان والدي وخالي من خريجي الزيتونة، وقد درسا المذهب المالكي باعتباره المذهب الوحيد المتداول في البلاد، وتحت إشراف ورعاية وعناية سلطة الباي، الذي يعتبر نائب الخليفة العثماني، حتّى أواخر عهد الاستعمار الفرنسي، وكنت تبعاً لذلك الانتماء متعبداً وفق التربية والتعليم الذي تلقيته من والدي، تابعاً له في
تقريره نظراً لصغر سنّي، ولمّا كبرت، بدأت الكثير من الاسئلة والاستفسارات تتوارد عليّ حسب الحدث والظرف.
من ذلك مثلاً، أنّني كلّما مررت بآية الوضوء في سورة المائدة، تساءلت عن حقيقة تفسيرها، إنْ كانت تحتاج إلى تفسير ؟ حتّى قلت في نفسي يوماً: تُرى هل كانت الغاية من قوله تعالى ( وَامْسَحُوا ) هي قوله ( اغْسِلُوا ) ، وطالما أنّ الآية في ظاهرها تفيد مسح الرجلين فلماذا نغسل أرجلنا ؟ ومن أين فهم الأوائل حكم غسل الرجلين، والآية لا تفيد ذلك أبداً ؟ بل هي تفيد المسح، وعلمْ النحو والإعراب جاءا متأخرين جدّاً عن تلك الفترة ؟ وحتّى الإعراب الذي ذكره الرازي في تفسيره الكبير، وفصلّ فيه القول على القراءتين النصب والجرّ لآية الوضوء، خرج بنتيجة أنّهما يفيدان المسح.
بقيت على ذلك الترقّبُ والتردّد، إلى أنْ عدت يوماً إلى بيت العائلة في قرية من قرى الجنوب التونسي، فوجدت والدتي بصدد البحث عن وثائق تخصّ والدي المتوفى رحمهالله فرأيت كُتباً مخطوطة كان والدي يحتفظ بها في عناية تامّة بأحد الصناديق المقفلة، تناولت تلك المخطوطات فوجدت من بينها كتاب موطأ مالك صاحب المذهب الذي كنت أنتمي إليه، ودفعني الحرص على اكتشاف خيط من الحقيقة أنْ أبحث فيه عن شي يمكن أن يفيدني في تساؤلي، ويرفع عنّي حيرتي بخصوص حكم مسح الرجلين في الوضوء، وبعسر شديد بدأت أبحث فيه نظراً لصعوبة قراءة الكتابة التي كانت جميلة ولكنّها غير واضحة بالنسبة لي، إضافة إلى حرصي على عدم الإضرار بأوراق الكتاب القديمة أثناء تصفحي لها، بعد المقدمة وصلتُ إلى كتاب الطهارة، وكان متصدّراً للكتاب، وكانت المفاجأة متمثلة في عثوري على تعليق لا أدري من كتبه، يقول: بأنّ الغسل هو حكم الرجلين في الوضوء، وأنّ النبي قد غسل رجليه في الوضوء، والذين يقولون
بمسح الرجلين في الوضوء، هم قلة قليلة من الروافض، والملقّبون أيضاً بالشيعة. تنفست الصعداء، وشكرتُ من أعماقي صاحب التعليق، الذي أرجو أنْ يكون والدي المرحوم، أنا الذي كنت معتقدا أنّني وحدي في اعتقادي بصحة ظاهر آية الوضوء، ولا تحتمل الفلسفة والتأويل، ومنذ ذلك الحين بدأت ألتفتُ إلى كل شي له علاقة بالرفض والتشيّع، فكانت الثورة الإسلاميّة في إيران إحدى اهتماماتي، فوجدت فيها مخزوناً مختلفاً عن الذي كنت أعيش وسطه، وزادني تحقّقاً ويقيناً معرفة الأخ محمد الذي تحادث معي، وبيّن لي عدداً من المسائل التي كنت متحيّراً فيها، ومدّني بكتب زادتني بصيرة في اتّباع خطّ أهل البيت عليهمالسلام ، فآية الوضوء مثلاً، التزم فيها الشيعة بالمسح، امتثالا لأمر الله تعالى في حكم الرجلين في الوضوء، وإتّباعاً لتطبيق النبيّ الأكرم، وأهل بيته الطاهرين عليهمالسلام الذين أخذوا عنه ذلك الحكم، ويؤيده أنّ التّيمم الذي هو بديل للوضوء يفيد المسح، وبمقارنته بآية الوضوء كما صرّحت الأخبار بذلك، نجد أنّ المغسول في الوضوء يمسح في التيمّم، والممسوح في الوضوء يسقط في التيمّم (1) ، فسقط بذلك الرأس والرجلان، هذا مضافاً إلى أنّ عليّاً وأهل بيته عليهمالسلام ، كانوا يمسحون أرجلهم في الوضوء، ولم يثبت غسل الرجلين إلّا عبر طغاة بني أميّة، وجلوازهم الحجّاج بن يوسف الثقفي، الذي أخرج الطبري في تفسيره للآية، ما يفيد تورطه في إجبار الناس على غسل الرجلين في الوضوء، إمعاناً في إبطال آثار علي عليهالسلام ، كأنّما آثار علي عليهالسلام مخالفة للإسلام.
فقد أخرج الطبري بسنده إلى حميد قال: قال موسى بن أنس لأنس ونحن عنده: يا أبا حمزة، إنّ الحجّاج خطبنا الأهواز ونحنُ معه، فذكر الطهور، فقال: «اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، إنّه ليس شيء من
_________________
(1) تفسير الطبري 5: 156.
ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما». فقال أنس: صدق الله وكذب الحجّاج، قال الله: «وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم».
ولا شك في أنّ الجماعة حين كانوا بالأهواز قد استرابوا من كلام الحجّاج، لأنّ الرجل ممّا لا يخفى على أحد في الظلم والدموية، يأخذ المشتبه بالظن والريب، وعانى منه الشيعة الويلات، فمثّل بمن مثّل منهم، سمر وسمل العيون، وقطع الأيدي والأرجل وصلب على جذوع النخل، وقطع الرؤوس، وقتل من قتل، وسجن من سجن، وعذب من عذب، فجلا من شرّه من استطاع أنْ لا تطاله يده.
وفي أثناء عودة أولئك الرجال من الأهواز إلى البصرة، مرّوا على أنس بن مالك الصحابي، الذي كان حيّاً وقتها، وحدّثوه بما قاله الحجاج في خطبته، فقال أنس: صدق الله وكذب الحجّاج.
ومع أنّ المالكية قد أثبتوا في وضوءهم حكم غسل الرجلين في الوضوء، إلّا أنّهم قالوا بخلافه في السفر، فأجازوا مسح الرجلين ثلاثة أيّام، وقالوا أيضاً بجواز المسح على الخفين والجوارب، فتراهم لا يقرّون بالمسح مباشرة على الرجلين، ثمّ ينقضون ذلك بالقول بالمسح على الحائل.
أما ما أخرجوه من أنّ حمران مولى عثمان بن عفان، هو الذي أراهم الوضوء الذي رأى عثمان يفعله (1) ، أو ما نقلوه عن عبد الله بن زيد كيف أراهم وضوء النبي صلىاللهعليهوآله (2) ، فذلك لا يعني بالضرورة وضوءه، طالما أنّ الروايتين مخالفتين للآية، ومتعارضتين مع ما وافق الكتاب العزيز ممّا جاء عن العترة الطاهرة - التي هي ثقله وعدله في الحفظ والبيان والتطبيق.
_________________
(1) صحيح البخاري 1: 48.
(2) صحيح مسلم 1: 145.
عموماً فإنّ لجوء الناس إلى كلّ من هبّ ودبّ في اخذ دينهم، دلّ على حالة الحصار والتضييق والحرب التي عانى منها أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، وحالة الخوف التي عاشها المسلمون من جرّاء بطش بني أميّة لكلّ من يقصد بيوت آل محمد الأطهار، فذهبوا في طلب الحقيقة بعيداً، ممّا باعد بينهم وبينها، وحال الاستنجاد بمَن لا أهليّة ولا علم له دونهم وبلوغ مرامهم.
تعددت بعد ذلك لقاءاتي بالأخ محمّد الذي استفدت منه أيّما استفادة، باعتباره سبقني إلى اتّباع خطّ أهل البيت عليهمالسلام ، وقد أعلمني ذات يوم بأنّه سيذهب إلى العاصمة، التي تبعد حوالي 400 كلم عن بوابة الجنوب، مدينة قابس؛ لاقتناء كتب من معرض الكتاب الدولي، الذي يقام بالعاصمة ربيع كلّ سنة، فرجوته أنْ يقتني لي كتباً بمعرفته، فأبدى استعداده لذلك بكلّ سرور.
بدأت إذاً في تأسيس مكتبة خاصّة بي وكان نواتها مجموعة الكتب التي اختارها لي الأخ محمّد، والتي كانت متنوعة ومنتقاة حسب احتياجاتي، أذكر من بينها كتاب المراجعات للسيد الجليل عبد الحسين شرف الدين الموسوي رضوان الله تعالى عليه، والذي عمّق من شعوري بالطمأنينة والارتياح، وزاد في قناعتي بصحّة الانتماء إلى إسلام أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، وفهمت منه أنّ مسألة الحكومة الإسلامية تندرج في خصوصيات المولى سبحانه وتعالى، باعتبار أنّ الحكم عائد له تقنيناً وحفظاً، وذلك يستوجب آليات لإقامتها، كإرسال الرسل، وتنزيل الوحي عبر الملائكة، وحفظ الشرائع بواسطة الأئمة الهداة، الموكلون برعاية الدين والقيام عليه، والمعبر عنه في إطاره العام باللطف الإلهي. بينما تناولت بقيّة الكتب، العقائد، والفقه، والسيرة العطرة للنبي صلىاللهعليهوآله ، وأهل بيته الطاهرين عليهمالسلام .
إنّ مسألة تشيعي لأهل البيت عليهمالسلام ، لم تكن متعلقة بالشرح الذي وجدته على هامش الموطّأ فقط، فذلك لم يكن سوى نقطة تحوّل، وسبب قويّ دفعني إلى
جدّية تقصي الحقيقة التي ظلت غائبة عنّي فترة من الزمن، فحُبّي وعشقي للإمام علي عليهالسلام ، عنصر آخر لا يمكن إهماله، وإحساس يراود عقلي بأنّني قد أكون من سلالة أولئك الذين نذروا أنفسهم لأهل البيت عليهمالسلام ، والدين الحق الذي احتضنوه واحتضنهم، وفادوه بأنفسهم وفاداهم بأنْ خصّص لهم حيّزاً من الاعتبار والمحبّة عند الله تعالى وعند رسوله صلىاللهعليهوآله ، وعند المؤمنين.
ولو اتبع المسلمون على مدى القرون الماضية خطّ أهل البيت عليهمالسلام الذي يمثّل الإسلام المحمديّ بكلّ أبعاده وحقائقه، لما ضلّوا طريقهم، وانحرفوا عن جادّة الطاعة، ولكانت عباداتهم سليمة بكلّ أجزائها وشرائطها؛ لذلك فإنّني أنصح المسلمين الذين لا يزالون بعيدين عن خطّ أهل البيت عليهمالسلام ، أنْ لا يأنسوا لمسألة، ولا يتقبلوا حكماً من الأحكام المشكوك في صحة ورودها عن النبيّ صلىاللهعليهوآله ، خصوصاً إذا ما اتضح جليّاً تهافت القنوات التي ورد عليهم منها الدين على تحريف عدد من الأحكام كآية الوضوء مثلاً، والتسبب في ضلال أجيال كثرة تعبدت بغسل الرجلين في الوضوء على أساس أنّه الحكم الصحيح.
أقول لكم لا تتسرعوا في الحكم على المسلمين الشيعة حتّى تقرؤوا كتبهم، لا كتب أعدائهم الذين لم يتركوا شائنة ولا سوءاً إلّا ألصقوه بهم. فالحمد لله الذي هداني إلى اتّباع أوليائه الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ليكونوا وعاء دينه وحملة شريعته وأمناء وحي نبيه صلىاللهعليهوآله ، سادة الدنيا وسادة الآخرة وقادة الدنيا وقادة الآخرة، اللهمّ احشرني في زمرتهم، واجعلني من حزبهم وطائفتهم، والحقني بهم مؤمناً لا مُبدلاً ولا مغيّراً، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
الحلقة التاسعة
شيّعتني الصلاة البتراء
وتدخّل عبد الله ليقول: إنّ الصلاة على النبيّ صلىاللهعليهوآله الكاملة، هي التي أحدثت في داخلي التحوّل الكامل نحو الحقّ، الذي عليه المسلمون الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة، فالصلاة التي أمر الله تعالى بها عندما نزلت الآية: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) (1) .
والتي بيّن النبي صلىاللهعليهوآله كيفيتها في الرواية المشهورة:
عن أبي مسعود الأنصاري أنّه قال: «أتانا رسول الله صلىاللهعليهوآله في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا الله أنْ نصلّي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك ؟ قال فسكت رسول الله صلىاللهعليهوآله حتّى تمنينا أنّه لم يسأله، ثمّ قال: قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إبراهيم في العالمين، إنّك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم» (2) . فهذه الصلاة هي الصلاة الصحيحة الواجب ذكرها تماماً كما وردت، دون إحداث أيّ تغيير فيها، لأنّ تغيير أيّ شي ورد فيه نص من الباري تعالى، أو جاء فيه حديث صحيح من النبيّ صلىاللهعليهوآله ، يعتبر تحريفاً وتغييراً للشريعة المقدسة، بمعنى أنّنا إذا أردنا أنْ نصلّي على النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لا بدّ أنْ نتّبع تعاليم الوحي وصاحبه، فنقول: اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، وعندما يذكر النبيّ في حضرتنا، أو نسمع اسمه حتّى من بعيد نقول: صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنّ هذه الصيغة هي الصلاة الصحيحة الكاملة.
_________________
(1) الأحزاب: 56.
(2) صحيح مسلم 2: 16، مسند أحمد 5: 274، سنن الترمذي 5: 38، واللفظ لأحمد.
ومع التشديد على عدم تجاوز النصّ، حصل التجاوز بخصوص عدد من الأحكام من بينها الصلاة على النبي صلىاللهعليهوآله ، ومع تحذير النبيّ صلىاللهعليهوآله بعدم التصرّف في الصلاة عليه بالنقصان أو الزيادة قائلاً: لا تصلّوا عليّ الصلاة البتراء، فقالوا: وما الصلاة البتراء ؟ ورغم حرص النبيّ صلىاللهعليهوآله على أن تكون فريضة الصلاة عليه تامّة الأركان ومستوفية الشروط، فقد حصل المحظور، ووقع ما تخوّفَ منه النبيّ صلىاللهعليهوآله .
كنت أصلّي الصبح وبقيّة الصلوات بحسب الظروف في المسجد الجامع الذي لا يبعد عن مقرّ إقامتي غير بضع مئات من الأمتار، وبعد الصلاة يبدأ المؤذّنُ في قراءة ما تيسّر من التعقيبات، وكان من بينها الصلاة على النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فكان يردّدها صحيحة، ويردّد معه المصلون الراغبون في التعقيب، فالتفتُّ إلى تلك النقطة، وتساءلتُ لماذا يُصلّي الناس على النبيّ صلىاللهعليهوآله صلاة كاملة في تعقيبات الصلوات، وعند الصلاة عليه خارج ذلك الإطار يُسقطون الصلاة على آله الكرام البررة ؟ ومن لا يسقط آل النبيّ صلىاللهعليهوآله ، يدخل معهم من لا تشملهم تلك الصلاة الخاصّة بالنبيّ وآله، كأزواجه وأصحابه.
وطالما أنّه أمرٌ نزل فيه الوحي، وفصّلَه النبيّ صلىاللهعليهوآله بحيث لم يترك فيه مجالاً للتأويل، فلماذا يتعامل حياله المسلمون بهذا الأسلوب المقصّر ؟ وفهمت أنّ الأمر جاء تبعاً لتداعيات الحرب، التي أعلنت على أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والتي كانت غير معلنة بشكل واضح في العقد الأول الذي أعقب وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ثم استفحل الأمر بعد شهادة الإمام عليّ عليهالسلام ، واشتدّ الأمر على أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم. وكانت شعيرة الصلاة على آل محمّد إحدى ضحايا تلك الحرب، التي لم تراع قيمة من القيم التي جاء الإسلام من أجل إعلائها، فسعت بكلّ ما أوتيت من دهاء وخبث إلى محقها ومحوها.
أنا لا أقول بأنّ تحريف الصلاة المسمّاة عندنا بالصلاة الإبراهيميّة قد تقبّله المسلمون من أتباع خطّ السقيفة بالرضا والتطبيق، بقدر ما أجزم أنّ الذي أسّس ذلك التحريف هم أدعياء العلم من أتباع الأنظمة الظالمة، التي أسّست أساس التحريف، وأجرته مجرى التنفيذ بواسطة أولئك العلماء.
الرواية المحرّفة، عثرت عليها أثناء تصفُّحي لموطّأ مالك، محاكية للصلاة على النبيّ صلىاللهعليهوآله الصحيحة، ومكتوبة جنباً إلى جنب معها، تقول: عن أبي حميد الساعدي أنّهم قالوا: يا رسول الله كيف نصلّي عليك ؟ فقال: «قولوا اللهمّ صلّ على محمّد وأزواجه وذريته، كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وأزواجه وذريته، كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد» (1) .
وبمجرّد قراءتها تكتشف عدم تناسق ألفاظ الرواية، ممّا يوحي إليك من الوهلة الأولى أنّ هناك من استبدل ألفاظ: «وآل محمّد»، وأحلّ محلّها: «وأزواجه وذريته»، في محاولة يائسة لإقناع المسلمين بأنّ آل محمّد هم أزواجه وذريّته فقط، وبذلك يُخرجون عليّاً عليهالسلام من حساب آل محمّد صلّى الله عليهم أجمعين.
إنّ الصلاة التي نحن بصددها، هي صلاة الصفوة الطاهرة، ليس لنا الحقّ في أنْ نُسقط منها ونضيف؛ لأنّنا لسنا طرفاً في التشريع. المشرّع الوحيد هو الله تعالى، ومن سوّلت له نفسه دخول ذلك الباب تحت أي عنوان، فقد برز لله بالمعصية، ومن فعل ذلك فقد ضمن لنفسه دخول جهنّم وبئس المصير، ولا أخال عاقلاً يرغب في البروز إلى الله تعالى بمعصية التحريف، وعذاب يوم القيامة ودخول النار وبئس القرار.
لكنّني وفي بداية اكتشافي لتحريف الصلاة على محمد وآل محمد، لم أتبيّن
_________________
(1) الموطأ 1: 165.
السبب الذي دعا بأصحابه إلى القيام بذلك العمل المشين، الذي حَرّم كثيراً من أتباع ذلك الخطّ من أجر كانوا سيجنونه من الصلاة لو بقي الحديث كما قاله النبي صلىاللهعليهوآله غير محرّف، لذلك لم أجد جواباً في تلك الفترة من الزمن، وبقي السؤال عالقاً بدون إجابة، إلى أن وقع في يدي يوماً كتاب تاريخي، تناول الأحداث التاريخية للعصر الأموي، فقرأت عن محدثات معاوية لعنه الله، وجناياته على أهل البيت عليهمالسلام من سبّ، وقتل، وتحريف، ثمّ مررت على تمرّد عبد الله بن الزبير على عبد الملك بن مروان واستيلاءه على مكّة حوالي السنتين، واستوقفني تصرّفه الذي أظهر ضغينة وبغضاً وعداء لا يمكن وصفه لأهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فقد بقي الرجل أربعين جمعة، لا يُصلّي في خطبتيها على النبي صلىاللهعليهوآله ، ولما سُئل عن ذلك قال: إنّ له أُهيل سوء، ينغضون رؤوسهم عند ذكره (1) .
ساءني ذلك الأمر أيّما إساءة، وحزّ في نفسي أنْ يتطاول المتطاولون على الإسلام وأهله، مفضوحي النوايا، قد انكشفت عورات سرائرهم، ومع ذلك ما زال الناس ينظرون إليهم نظر المؤمنين المجاهدين في سبيل الله، خصوصاً ونحن أمام نصّ صريح من الله تعالى يأمرنا فيه بمودّة أهل البيت عليهمالسلام أجراً على ما بذله النبيّ من أجل تبليغه رسالة الإسلام إلينا، فقال جلّ من قائل: ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ... ) (2) ثم ثنى حرصا وتشجيعا في نفس الآية بقوله: ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) . والمودّة محبّة تتطلب الالتفات إلى كلّ ما يتعلق بأحوال أهل البيت عليهمالسلام من تقديم واحترام وتبجيل وطاعة وموالاة، وتعهد لأمرهم، ومحبّة من يُحبّهم، وبغض من يبغضهم،
_________________
(1) ورد قول ابن الزبير بألفاظ متفاوتة كلّها تعطي معنى واحد، فانظر شرح نهج البلاغة ( 4: 62 ) و ( 20: 127 )، تاريخ اليعقوبي 2: 261، مقاتل الطالبيين: 315، وغيرها.
(2) الشورى: 23.
ومحاربة من يحاربهم، ومسالمة من يسالمهم، تلك هي المودّة الحقيقية، أمّا القول الذي لا فعل معه فلا معنى له ولا وزن.
أمّا من جانب النبيّ صلىاللهعليهوآله فقد أكّد على أنّ محبّة عليّ عليهالسلام إيمان، وبغضه نفاق، في حديثه الذي تناقله الحفاظ بقوله «يا علي لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق» (1) وكان الصحابة يقولون: «ما كنّا نعرف المنافقين إلّا ببغض عليّ بن أبي طالب» (2) فكلّ من أعلن بغض علي عليهالسلام كائناً من كان فهو منافق بالنصّ النبوي، وكلّ من أعلن حبّ عليّ عليهالسلام فهو مؤمن بالنصّ النبوي أيضاً.
إنّ المتتبع لسيره عبد الله بن الزبير، يمكنه بدون عناء أنْ يستجلي حقيقته من خلال مواقفه التي كان يريد من خلالها أنْ يكون له حظُّ في السلطة ومسك زمام الأمّة، فهو الذي أخرج أباه الزبير بن العوام، الذي قال عنه الإمام علي عليهالسلام : ما زال الزبير منّا أهل البيت حتّى نشأ له عبد الله (3) .
ولم يكن عبد الله بن الزبير في هذا الشأن، غير مقلّد لأثر معاوية ابن أبي سفيان، الذي لم يمنع الصلاة على النبي صلىاللهعليهوآله فقط، بل ابتدع لعن الطاهرين من أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ومنع أحكاماً، وحرّف سنناً، وعطّل حدوداً، وارتكب جرائم تقشعرّ منها نفوس البشر، والتي منها التحريض على قتل سبط النبيّ صلىاللهعليهوآله بدسّ السمّ له، وقتل فضلاء الصحابة كحجر بن عدي ومن معه في مرج عذراء.
ولقد رأيت من إصرار الناس طيلة هذه القرون على التمسك بالصلاة البتراء تصغيراً من شأن أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ما يدعو إلى النظر في تعبّد هؤلاء وأحوالهم، مع أنّ الذين أسّسوا أساس التحريف والحرب والمنع، قد ذهبوا
_________________
(1) انظر مثلا: صحيح مسلم 1: 60 - 61.
(2) الاستيعاب لابن عبد البر 3: 1110، المستدرك على الصحيحين 3: 129 واللفظ للأول.
(3) تاريخ دمشق 18: 404، أُسدُ الغابة 3: 244.
بجرائرهم وجرائمهم، فقد بقيت آثارهم السيّئة بين المسلمين، يتقربون بها إلى الله، ولا ملتفت إلى ذلك إلّا القلّة القليلة من الذين فتح الله تعالى بصائرهم على الحقّ، فاتبعوه، ونفضوا أيديهم من باطل بني أميّة وزيفهم.
وبظهور الوهابيّة والسلفيّة، ظهرت طريقة أخرى للصلاة على النبيّ صلىاللهعليهوآله ، زيد فيها السلف من الصحابة، كالآتي: اللهمّ صلّ على محمّد وآله وصحبه وسلم.
مع أنّ بقيّة الناس بما فيهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، إلى هذا العصر لهم صلاتهم الخاصّة بهم من الله تعالى، وهي في قوله تعالى: ( هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) (1) .
الإشكال الآخر تمثّل في تعوّد أتباع خطّ الخلافة على عدم الصلاة على أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله عندما يُذكر النبيّ صلىاللهعليهوآله في حضورهم، حتّى عُرفوا وتميّزوا عن بقيّة المسلمين بعدم الصلاة عليهم، فيقولون ويكتبون ( صلى الله عليه وسلم ) والأولى الأصح أن يقولوا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تطبيقاً للصلاة الكاملة التي أمرهم رسول الله صلىاللهعليهوآله بها، وبذلك فهمت أنّ الناس يتعبّدون ليس بالنصّ، بقدر ما يتعبّدون وراثة، وبلا أدنى نظر، ولو كان هؤلاء الذين وضعوا أنفسهم في معسكر المحاربين لأهل بيت النبوة يقيمون ما ورد إليهم، وألزموا أنفسهم به، لعادوا إلى الحقّ، وعملوا بمقتضاه، ووالوا قلباً وقالباً الصفوة الطاهرة، وعملوا بذلك على إرضاء الله ورسوله صلىاللهعليهوآله .
بعد ذلك تعرّفت على أحد الإخوة الشيعة، فتحدثت معه، فوجدته إنساناً متكامل العقل والعقيدة، وصاحب حجّة وبرهان، وكانت إطلالتي على درر أهل البيت عليهمالسلام عن طريقه، فالتزمته وتتبعت طيفه، واقتفيت أثره، ناسجاً على منواله بما حباه الله تعالى من بصيرة وعقل رداء الموالاة الصادق علماً وعملاً، ومن
_________________
(1) الأحزاب: 43.
حديث الغدير (1) ، إلى حديث الثقلين (2) ، إلى حديث المنزلة (3) ، إلى حديث السفينة (4) ، إلى آية التطهير (5) ، وآية الولاية (6) ، وغيرها من النصوص، والتي رجعت بعد كلّ لقاء معه إلى المراجع التي استدلّ بها العلماء على أحقيّة أهل البيت عليهمالسلام بالاتّباع وقيادة الأمّة، لأجد كلّ ما احتجّ به عليّ في كتبي المعتمدة، فاقتنعت بأنّ اتّباع أهل البيت عليهمالسلام ، هو المنجى الوحيد من طوفان التحريف والجهل الذي عليه بقيّة المسلمين، نسأل الله أنْ ينقذهم منه.
_________________
(1) إشارة إلى قوله صلىاللهعليهوآله : «من كنتُ مولاه، فهذا عليّ مولاه»، وسيأتي في حلقه لاحقة.
(2) إشارة إلى قوله صلىاللهعليهوآله : «إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي...». وسيأتي في حلقة لاحقة.
(3) إشارة إلىٰ قوله صلىاللهعليهوآله : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسىٰ...» وسيأتي فيما بعد.
(4) إشارة إلى قوله صلىاللهعليهوآله : «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق»، انظر الحديث في فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل 2: 78، المستدرك على الصحيحين 2: 343، 3: 151: المصنّف لابن أبي شيبة 7: 503، وغيرها.
(5) وهي الآية الشريفة:
(
إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ
تَطْهِيرًا
)
، ( الأحزاب: 33 ).
(6) وهي الآية الشريفة:
(
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ
وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
)
، ( المائدة: 55 ).
الحلقة العاشرة
شيّعتني البسملة
من بين الحضور، شابٌ في مقتبل العمر يتّقد إيماناً وحيوية، بدأ حياته مع أخيه في التجارة، وكان في ذلك مجالا للتعرف على مختلف طبقات الناس أفكاراً وسلوكاً، جاء دوره في الكلام، ورغم شدّة حيائه، وعدم تعوّده على الحديث، وسط مجموعة كبيرة من الناس، إلّا أنّه تماسك متحدّياً الحرج الذي بدا على ملامح وجهه.
يقول زهير: لم أكن مُدركاً قيمة البسملة إلّا بعد أن قرأت روايات عظيمة في فضلها منها ما ورد عن ابن مسعود قال: من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر، فليقرأ «بسم الله الرحمٰن الرحيم فإنّ فيها تسعة عشر حرفاً، ليجعل الله له بكلّ حرف منها جُنّة من كل واحد» (1) .
ومع إدراكي لقيمتها وفضلها، لم أفهم السبب الذي دعا ما يُسمّى بأهل السُنّة والجماعة إلى ترك البسملة، وعدم قراءتها في صلواتهم المفروضة، والتمادي في الإصرار على ذلك التعامل.
آية بتلك القيمة والعظمة والمكانة، تعزف عنها شريحة كبرى من المسلمين، ويتجنّبها من يتجنّبها منهم، ويتنفّر منها من يتنفّر، وزاد في حيرتي عثوري على نصوص من الخط الذي كنت فيه تقول:
«سئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلىاللهعليهوآله ؟ فقال كانت مدّاً، ثمّ قرأ ( بسم الله الرحمن الرحيم ) يمدّ ببسم الله ويمدّ بالرحمن ويمدّ بالرحيم» (2) .
_________________
(1) تفسير الثعلبي 1: 91، وانظر الدر المنثور 1: 30.
(2) صحيح البخاري 6: 112.
ويضيف زهير: فلم أجد مُبرّراً يسوّغ للمالكية وللحنابلة وللحنفيّة إسقاط قراءة البسملة في فاتحة الكتاب، وفي مفتتح السور في صلاة الفريضة، ولم أرى مُبرّراً واحداً يسمح بذلك الترك، ولا يعطي الحريّة لأيّ كان في إضافة أو حذف أيّ شأن من الشؤون العباديّة. وزاد في عجبي الأشرطة التي تُباع في الأسواق، والتي تحتوي على تلاوات متنوعة من القُرّاء، وأخصّ بالذكر منهم أمثال الحُذيفي والسديسي وغيرهما، تسمع منها قراءات متقنة وأصواتاً جميلة، لكنّك تصطدم بأنّ هؤلاء جميعاً مضربون عن قراءة البسملة، فيستنجد طابع الشريط إلى صوت آخر يقرأ البسملة، كأنّ الآية ليست من القرآن، أو بها مانع يحول دون قراءتها، أو هي ناقض من نواقض القراءة يفرّون منه بعدم تلاوته.
لكن الأعجبُ من ذلك، أنّ هؤلاء المساكين المتعبدون بالتقليد والوراثة، يقرؤون البسملة في نوافل شهر رمضان والمسماة بالتراويح، كأنّما النوافل عندهم تحتمل ما لا تحتمله الفرائض، أو أنّ النوافل هي أقلّ درجة أو قيمة من الفرائض. ولم أجد طيلة فترة تساءلي عن علّة إهمال البسملة من يقدّم لي الجواب الشافي، إلى أنْ التقيت بصديق معروف بتشيعه لأهل البيت عليهمالسلام ، فكانت له المبادرة إلى طرح هذا الإشكال، فما كان مني إلّا أنْ استوقفته متسائلاً: وهل هناك من يقرأ البسملة في الفرائض ؟ فقال: نعم، إنّ الأئمة الأطهار من أهل بيت النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله ، وأتباعهم من الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة يوجبون قراءة البسملة في كلّ الصلوات، مفروضة كانت أم مسنونة، وذلك اتّباعاً لما ورثوه من أبيهم الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، وهو بدوره أخذ ذلك عن أخيه وابن عمّه رسول الله صلىاللهعليهوآله ، بل لعلّ الشافعي وهو واحد من المذاهب الأربعة، بعدم مجاراته لمنع البسملة، قد يكون أخذ وجوبها من علماء الشيعة، لأنّ غيرهم قد اتّبع أمر معاوية في منع البسملة، ورفع اليدين في التكبير، سعياً إلى إبطال آثار علي بن
أبي طالب عليهالسلام ، كأنّ معاوية ومن تبعه لا يدركون، أنّ تلك الآثار التي حاولوا منعها، هي دين الله تعالى وآثار رسوله صلىاللهعليهوآله .
فقلت له: إذاً فإنّ المعضلة التي حالت دون قراءة البسملة في الصلوات المفروضة هي سياسة معاوية بن أبي سفيان.
قال صديقي: نعم، إن التحريف الذي أشاعه بنو أميّة وحزب الطلقاء عموماً، قد أضرّ بأكثر التفاصيل العبادية التي كان أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام يطبّقها، فسعوا إلى محو تلك الآثار على أساس أنّها متعلقة بعدوّهم علي عليهالسلام ، فمنعوا على سبيل المثال طريقة الوضوء الصحيحة، ومنعوا الصلاة على آل محمد، وحجروا قراءة البسملة في الصلاة، وغيرها من المسائل المتعلقة بأهل البيت عليهمالسلام .
وهذا الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام أستاذ مالك بن أنس وأبي حنيفة، قال: «مالهم قاتلهم الله، عمدوا إلى أعظم آية في كتاب الله، فزعموا أنّها بدعة إذا أظهروها، وهي بسم الله الرحمٰن الرحيم» (1) .
والإمام عليهالسلام يقصد أنّ الذين منعوا البسملة هم بنو أميّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان.
قلت له: أنا إلى الآن لم افهم الداعي الذي ألجأ بنو أميّة إلى تتبّع هذه المسائل الفقهيّة بالرغم من أنّها لا تشكّل أيّ خطر على سلطانهم.
فقال لي: قد يظهر لك أنّ في الإجراء الذي اتّخذه معاوية وسيّر به بنو أميّة أجيالاً عديدة من أبناء القرنين الأول والثاني يكتسي غرابة، ولكن إذا اطلعت على الأوامر التي أطلقها في البلاد طولاً وعرضاً شرقاً وغرباً تستطيع أنْ تفهم القصد والغاية التي خطّط لها طلقاء بني أميّة وأرادوا الوصول إليها، وهي إجراء
_________________
(1) مستدرك الوسائل 4: 166.
التحريف في مختلف مجالات وأوجه الدين مجرى الدم من العروق، وإنفاذ كلّ البدع التي اختلقت في ذلك الزمن لتتحوّل فيما بعد سُنّة نبوية أو حكماً واجباً أو شخصيّة ذات قداسة تفوق كلّ التصورات، كما اختلق لأهل بدر قوله صلىاللهعليهوآله : لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (1) .
فقلت له: البسملة كما نعرف، ليست ترقيماً حتّى يتجاوزه الناس، وإنّما هي آية لها من الشأن ما يندر أن تضاهيه فيها آية أخرى، فهي تستفتح بذكر ثلاثة من أسماء الله، وهي: الله - الرحمان - الرحيم.
قد جعلها الله تعالى مفتتحا ل 113 سورة عدا سورة براءة، والمسمّاة بالتوبة أيضاً، لكنّه تعالى ثنّاها في سورة النمل، فهي السورة الوحيدة التي فيها البسملة مرتين، واحدة في مفتتح السورة، والثانية في الآية 30 منها: ( إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ) . فهل عميت أعين علماء المالكيّة ومن حذا حذوهم إلى درجة جحدها والقول بأنّها ليست آية كما هو الشأن بالنسبة لأبي بكر الباقلاني وأبي بكر ابن العربي المالكيان اللذان أكّدا أنّها ليست من القرآن (2) .
فقال لي: لقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم أقطع» (3) . وقد أخرج الدارقطني عن أبي هريرة عن رسول الله صلىاللهعليهوآله أنه قال: «إذا قرأتم الحمد لله فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم إنّها أمّ القرآن وأمّ الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحداها» (4) . وكان الصحابة لا يعرفون انتهاء سورة وابتداء أخرى إلّا ببسم الله الرحمٰن الرحيم. ومع ذلك تراهم عمدوا إلى تركها وعدم قراءتها في الصلاة.
_________________
(1) صحيح البخاري 4: 19 وصحيح مسلم 7: 168.
(2) انظر احكام القرآن لابن العربي 1: 5 - 6، ونكت الانتصار لنقل القرآن الباقلاني: 71.
(3) الدر المنثور 1: 31.
(4) سنن الدارقطني 1: 310. المستدرك على الصحيحين 1: 231.
قلت له: لقد تبين لي الآن أنّ بني أميّة قد أدخلوا في الدين أشياء ليست منه، واختلقوا سننا وأحكاماً ليست من الإسلام في شي، من أجل تغيير ما اتخذه أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ديناً وأحكاماً، لكن أودُّ أنْ أسألك عن لفظ آمين في آخر الفاتحة هل له أساس ؟
فقال: لم يصحّ حديث عن النبي صلىاللهعليهوآله أنّه قال آمين بعد قراءته لفاتحة الكتاب؛ لأنّ الفاتحة تدخل في مقام القراءة، والدعاء مخصّص بالقنوت، فهل يعقل أنْ نسقط أعظم آية لنختمها بما يختتم به النصارى في كنائسهم وهي آمين Amen . وأهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله لم يتعبدوا بنصّ إلّا ومعهم بيانه وفي حوزتهم نصوصه، وبين أيديهم علّته وأسبابه فهم النبع الصافي الذي استقى معينه من النبيّ محمّد صلىاللهعليهوآله .
فقلت له: الآن اطمأنّ قلبي، وعرفت العلّة التي حدت بهؤلاء القوم إلى ترك البسملة، وأحمد الله تعالى الذي استنقذني من الانحراف وراء تُبّع بني أمية الذين يتصورون أنّهم يتّبعون سنّة النبي صلىاللهعليهوآله ، وما هم إلّا عابدون بالوراثة التي لا تستند إلى حجّة ويقين، ومتّبعون لمحدثات معاوية اعتقاداً منهم أنّها سنّة النبي صلىاللهعليهوآله .
هذا ما دار بيني وبين صديقي من حوار ذكرته لكم، لتقفوا عن كثب على القناعة التي حصلت لي، وتتعرفوا على السبب الذي جعلني أتخلى عن المذهب المالكي وأعتنق إسلام الطاهرين من أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، وأفتخر أنّني من شيعتهم وفي صفّهم، ثبتني الله على ذلك في الدنيا والآخرة، وأبعدني عن مذاهب الضلالة التي كنت منغمساً فيها، والحمد لله أولاً وأخيراً.
الحلقة الحادية عشر
شيّعني حديث الطائفة الظاهرة على الحق
علي كهلٌ تجاوز الخمسين من عمره، مع ذلك لم يمنعه تقدّمه في السنّ من أنْ ينافس الشباب المؤمن في حيويته ونشاطه، ومقاسمته آمالا عريضة في الغد المشرق للدين وأهله.
ورغم التوعّك الصحي الذي ألّم به قبل موعد الجلسة، فإنّه أبى إلّا أنْ يكون حاضراً، مساهماً معنا في الإدلاء بشهادته، عن السبب الذي أقنعه بترك مذهب آبائه وأجداده، واعتناق مذهب أهل البيت عليهمالسلام ، والمعروف بالشيعة الاماميّة الاثني عشريّة.
فُسح المجال لعلي في الكلام فقال: كنت من المتحمسين للدين الإسلامي، ومهتما بكلّ متعلقاته، حاملاً هموم الأمّة وآمالها، شأني في ذلك شأن الطلائع المؤمنة التي كتب عليها أن تتحمل مسؤوليات ثقيلة في توعية القاعدة وإرشادها، خاصّة نحن نعيش في عصر كشّر فيه أعداء الدين عن أنيابهم، وأبدوا من العداوة والحرب للدين وأهله ما لم يظهر منهم في السابق، وبمعنى آخر كانت الحرب على الإسلام في ما مضى تحاك بسريّة وتخفٍّ، بينما ظهرت على بعض المسارح اليوم بكلّ جلاء تفاصيل مؤامرات ما كان لها أنْ تطفو على الواجهة لو تمسّكت الأمة بدينها، ولعلّ أحبولة الدنيا ومتاعها هي التي أوقعت الناس في مطبّ إهمال الدين وتركه، ففارقوا معتصمهم ومنجاتهم في الدنيا والآخرة، إلى متاع لا قيمة له في الميزان الأخروي، واتّبعوا مسلك الشيطان الذي أفضى بهم إلى الذلّة والهوان، فخسروا المطلبين.
كنت من عشّاق قراءة القرآن الكريم، وتلاوته، وتعهده صباحاً ومساءً، لا يمنعني من ذلك طارىء أو عارض، وإنْ تخلّفت عن حصصه حصة تداركتها سريعاً، فتربّت روحي على روحيّة الوحي، وتشبّع عقلي بآياته العظيمة، من خلال تدبري لها أثناء التلاوة والترتيل.
من بين المصطلحات اللافتة في القرآن، والتي أخذت من اهتمامي مأخذه، الآيات التي تحدثت عن نسبيّة الفهم والإيمان عند الناس، فعدد منها أشار إلى حقيقة أفادت بأنّ أهل الحقّ قلّة، وأنّ أصحاب الإيمان قلّة أيضاً، وأنّ الوعاة والعارفين وأصحاب الخصال الرفيعة قلّة أيضاً، حتّى أنّ أتباع الأنبياء الصادقين قلّة، والصفوة من بيوتات الأنبياء عليهمالسلام هم قلّة القلّة، ففهمت من خلال القرآن الكريم أنّ أتباع الصراط السويّ الذي جعله الله تعالى منهجاً آمناً للناس قلّة مقارنة بغيرهم، فقال جلّ من قائل: ( وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ) (1) .
( وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) (2) .
( ... مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ) (3) .
( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ) (4) .
ومقابل الثلّة المؤمنة التي حصرها الله تعالى في عدد صغير من الناس، أظهر لنا الكتاب العزيز معادلة أخرى تمثّلت في أنّ أتباع الباطل كثرة لا تقاس مقارنة بالثلّة المحقّة:
( وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (5) .
_________________
(1) سبأ: 13.
(2) ص: 24.
(3) الكهف: 22.
(4) البقرة: 249.
(5) وردت في آيات عديدة منها آية (187) من سورة الأعراف والآيات ( 21 و 40 و 68 ) من سورة يوسف وآية (38) من سورة النحل، وغيرها.
( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) (1) .
( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ) (2) .
( وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (3) .
( وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ ) (4) .
( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) (5) .
فحصلت لدي قناعة بأنّ تلك المعادلة القرآنية مفادها: أنّ أتباع الدين الحقّ أقليّة، وأنّ أتباع مسالك الانحراف عن الدين الحقّ أكثريّة، فعرفت حينها أنّ المتمسكين بالدين الحقّ والمعبر عنه بالدين القيّم، هم قلّة قليلة، وطائفة من وسط الأمّة الإسلاميّة، ذلك لأنّ المفهوم القرآني قد اعتمد على ترجيح القلّة من أتباع الحقّ على الكثرة، ثمّ اتجهت إلى كتب السيرة والحديث، فوجدت أنّ أتباع الأنبياء والرسل عليهمالسلام بما فيهم الرسول الخاتم صلىاللهعليهوآله ، قلّة مستضعفون ليس لهم ثقل في مجتمعاتهم..
وبتعدد قراءتي بدأتْ تظهر لي معان ومفاهيم متنوعة، وكان تركيزي على الأحاديث الإخباريّة المتعلقة بمستقبل الأمّة الإسلاميّة، فعثرت على أهم رواية جعلتني بعد الاطلاع عليها وإنزالها على أرض الواقع الإسلامي قديما وحديثاً، اقتنع أنّ الحق لا يمكنه أن يتخطى أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله إلى غيرهم، والدليل قائم خفّاق الراية دالاً على أحقيّة ذلك الخطّ في أنْ يكون ممثلاً وحيداً للإسلام
_________________
(1) العنكبوت: 63.
(2) الأنعام: 116.
(3) الزخرف: 78.
(4) يوسف: 106.
(5) يوسف: 103.
الصافي الذي جاء به جدّهم صلىاللهعليهوآله ، الرواية تقول: قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خالفهم حتّى يأتي أمر الله وهم كذلك» . أخرج الحديث مسلم والبخاري وغيرهم (1) ، متفقين على صحة صدوره عن النبي صلىاللهعليهوآله ، وبذلك ينقطع سبب الطعن فيه.
وبالنظر إلى متن الحديث، نرى أنّ في كلام رسول الله صلىاللهعليهوآله ، إخبار بأنّ الدين الذي جاء به، والذي عبّر عنه بالحقّ، سيكون ملاكه طائفة من أمّته، دون بقيّتها، وهم في حال من الظهور والبروز، بشكل جليّ في حاضرة الساحة الإسلامية، وفي وسط مجتمعاتها على مرّ العصور، دون انقطاع من عصر النبوة إلى أنْ يأتي أمر الله تعالى، لا يلحقهم ضرر من مخالفيهم مهما أوتوا من فنون التمويه والمكر والخداع والتزوير، لأنّ الدين الذي تبنوه هو دين الله، والكلمة التي ألزموا بها أنفسهم هي كلمته سبحانه وتعالى.
ونظرت في دائرة النبي صلىاللهعليهوآله ، فلم أجد غير عليّ عليهالسلام عنصراً يحمل عنوان تلك الطائفة، ورمزاً يؤكّد ذلك الظهور غير المنفك عن العصر النبوي، رافعاً شعار أحقيته في قيادة الأمة الإسلامية، مدللاً على ذلك بجملة من الأفعال التي اقرّ بها المخالفون له، اعترافاً منهم بالعجز عن حلّ المعضلات التي ليس لها أبو الحسن (2) .
وورث النهج العلويّ أبناء عليّ عليهالسلام ، إماما الرحمة، وسبطا الهدى، وسيدا شباب أهل الجنّة الحسن والحسين عليهماالسلام ، ومن بعدهما جاء بقيّة أسباط الأمّة من النسل الطاهر عليهمالسلام ، وتبعهم شيعتهم البررة في كلّ العصور، متحدين كلّ عوامل
_________________
(1) انظر الحديث بالفاظه المتفاوتة في: صحيح مسلم 6: 52، 53، 54 وصحيح البخاري 8: 149 وسنن الترمذي 3: 342، وغير ذلك من المصادر.
(2) انظر الطبقات الكبرى 2: 329 والاستيعاب في معرفة الاصحاب 3: 1102 - 1103.
إعاقة بقاء نهجهم المحمدي ظاهرين على من خالفهم، متمسكين بالقيم الإسلامية الصافية، باذلين من أجلها النفس والمال والولد.
لم يكن من السهل عليّ أنْ أجدَ هذا الدليل إلّا من بعد جهد ومعاناة طالت سنوات وأشهراً، وقفت فيها أيضاً على أنّ بقيّة الخطوط الإسلاميّة كانت على صنفين:
الصنف الأول: المذاهب التي تأسست بعد وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله بأجيال عديدة، لم يتحقق لهم فيها ظهور، بقي منها من بقي بسبب دعم الحكّام لبعضها خدمة لأغراضه، ومناوئة لأهل الحقّ من المحاربين لسياسات أولئك الحكام الظلمة، اُذكر منها: المذاهب الأربعة في الفروع ومذهب الأشعريّ في الأصول، والتي تناسل منها عدد آخر من الفرق كالوهابيّة والجماعات التكفيريّة كتنظيم القاعدة، وجماعات التكفير والهجرة المنضوية تحت مظلّة السلفيّة.
الصنف الثاني: المذاهب التي تأسّست أيضاً بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآله ، منقطعة عن عصره، واندثرت بسبب عدم دعم الحكّام لها، فأفِلت ولم يعد لها وجود، لانتهائها بانتهاء أصحابها والأمثلة عديدة أسوق منها: مذهب الليث، والأوزاعي وسفيان الثوري وابن عيينة وابن حزم. وتيقنت أنّ المذهب الذي كنت أعتنقه، وهو مذهب مالك ابن أنس، لم يكن ليجد سبيلاً إلى الوجود لولا أبو جعفر المنصور العباسي، الذي أمر مالكاً أن يكتب له كتاباً يواطىء عليه الناس، في مسعى منه لصفّهم عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، أستاذه الذي درس على يديه باتّفاق أهل العلم، ولم يسطع نجم مالك هذا إلّا بعد الدعم المتواصل للعباسيين له، حيث كان ينادى «لا يفتى ومالك في المدينة». والحال أنّ المدينة تعجُّ بشيوخ وأساتذة مالك ممّن لا يرضون بالركون إلى الظالمين.
ولم يكن لجوء المنصور إلى مالك إلّا بعد أنْ أسقط من يديه محاولة تقريب
الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام إلى بلاطه، تلك المحاولة التي سجّلها التاريخ بأحرف من عزّة وإباء:
أرسل المنصور العباسي إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام متوددا: لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس ؟ فأجابه: «ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ولا أنت في نعمة فنهنيك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها، فما نصنع عندك ؟».
فرد عليه المنصور: تصحبنا لتنصحنا ؟ فأجابه الإمام الصادق عليهالسلام بقوله: «من أراد الدنيا لاينصحك ومن أراد الآخرة لايصحبك» (1) .
في عصر تزلّف به المتزلفون، وتقرّب تجّار الدين بالدنيا إلى سلاطين الظلم وأئمة الجور، كمالك بن أنس وغيره ممن كانوا يتردّدون على حكّام شهد لهم التاريخ بفظائع تكرّرت مع حلول كلّ واحد منهم على هرم السلطة في الأمّة.
ولم يكن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام مؤسس جامعة العلوم الإسلامية في المدينة، والتي تخرج منها أربعة آلاف عالم في مختلف العلوم والفنون متبعاً غير منهج آبائه وأجداده في الالتزام بالإسلام المحمدي الأصيل، الذي لم تشبه شائبة، ولم يخالط كيانه دخيل من دخائل المتسلطين على رقاب المسلمين من بني أمية وبني العباس، الذين لم يكن همّهم رعاية الدين، بقدر ما كانوا يبحثون عمّن يمرّر مصالحهم، ويحقّق مطامحهم، ويكرّس رغبتهم في ترويض الأمة، وإخضاعها لإرادتهم، وقد نجحوا في ذلك من خلال غرس عقيدة تحريم الخروج على أولئك الحكام، بدعوى محاربة الظلم، ناسبين إلى النبي صلىاللهعليهوآله نهيه عن ذلك بقوله: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برىء ومن أنكر سلم ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم ؟ قال: لا ما صلوا» (2) .
_________________
(1) كشف الغمة للاربلي 2: 427. مستدرك الوسائل 12: 307.
(2) صحيح مسلم 6: 23.
وبعد اطلاعي على تسلسل ظهور خطّ إسلام أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، والمعروف بالشيعة الامامية الاثني عشرية، وكما يحلو للبعض تسميته بالرافضة، وقوفاً دون إدراك لمعنى الرفض الذي ألبسوهم جلبابه، وأدخلوهم بابه، وهو رفض الأدعياء والظالمين الذين تسلّطوا على رقاب المسلمين ممّن لا أهليّة لهم في قيادة الأمة، خرجت من استنتاجاتي واطلاعاتي على أحقيّة ذلك المنهج، وموافقته للنصوص التي جاء بها القرآن والسنّة المطهرة.
لذلك كلّه أقول جازماً: إنّ الطائفة التي أخبرنا عنها النبي صلىاللهعليهوآله ، لم تكن غير طائفة المؤمنين الذين شايعوا عليّاً وأهل بيته عليهمالسلام ، من أمثال سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، وعمّار بن ياسر، والمقداد ابن الأسود، وغيرهم من صلحاء الأمّة، الذين عرفوا الحقّ، وتبعاً لذلك عرفوا أهله، وبقوا منذ أن وجدوا حول النبي صلىاللهعليهوآله وأهل بيته عليهمالسلام ، ظاهرين علماً وعملاً إلى يوم الناس هذا، والحمد لله رب العالمين.
الحلقة الثانية عشر
مودّة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله عند الشيعة هي التي شيّعتني
بشير، هو واحد من الأصدقاء الذين عرفتهم كثيراً، وتوطدت علاقتي به بعد تجربة أكدّت أنّه من طينة الأخلّاء الذين يندر وجودهم، كان يتابع المتدخّلين في الجلسة بنظراته المتقدة بريقاً والدالّة على نباهة وبصيرة قلّما يتحلى بها الكثيرون من الناس، كان يريد أن يسمع أكثر من أن يتكلم، تابع باهتمام بالغ إفادات الحاضرين، وكان يودَّ أنْ يكون آخر المتكلمين، وإفادته خاتمة الإفادات - كذلك أسرّ إليّ قبل مجيئه إلى الجلسة - لكنّني فاجأته بإعطائه الكلمة، طلباً لأولوية السبب الذي دعاه إلى التشيّع، فلم يمانع من ذلك.
قال بشير: لم أكنْ ملتفتا إلى المعاني الحقيقيّة لفريضة مودة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله إلّا بعد أنْ وقفت على لزومها من خلال النصوص العديدة التي أشار إليها المولى سبحانه وتعالى في محكم كتابه، فقال جلّ من قائل: ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (1) وبيّنها النبيّ صلىاللهعليهوآله عندما نزلت الآية الكريمة، ردّاً على سؤال وجه إليه من طرف بعض الصحابة: «يا رسول الله ! مَن قرابتك هؤلاء من الذين وجبت علينا مودتهم يا رسول الله ؟» فقال صلىاللهعليهوآله : «عليّ وفاطمه وابناوهما» (2) . وحث صلىاللهعليهوآله بعد ذلك على تلك المودّة في أكثر من مناسبة، ولم أتساءل قبل ذلك عن الغاية التي كانت تراد منها تلك المودّة، فقط كنت أتصور أنّها محبّة مجرّدة، خالية من المقاصد الحقيقيّة المراد تحقيقها منها. بل لعل المتداول والمعمول به بين
_________________
(1) الشورى: 23.
(2) المعجم الكبير، الطبراني 11: 351.
بني عقيدتي، ممّن تسمّوا بأهل السنّة والجماعة، هو تقديم الخلفاء الثلاثة على أمير المؤمنين عليّ عليهالسلام ، وتقديم عائشة على فاطمة الزهراء عليهاالسلام ، رغم النصوص الصريحة التي تأبى عليهم ذلك الحيف والإجحاف بمن اصطفاهم الله سبحانه وتعالى، وخصّهم منه بفضل لم يتسنّى لغيرهم، مضافاً إلى سيرتيهما العطرة بالأعمال الجليلة والمثل النبيلة، والقيم المجسّدة للإسلام في أبهى مظاهره، وبلغ الأمر في هذا الإطار إلى أنْ أصبح عنوان التسنّن حبَّ الشيخين وتقديمهما على غيرهما، وعنوان التشيّع حبّ عليّ عليهالسلام وتقديمه على غيره.
بدأت التفاتتي إلى مسألة مودّة أهل البيت عليهمالسلام ، عندما عثرت على رواية أخرجها الترمذي تقدّمُ الخليفة الأوّل وابنته على الصفوة الطاهرة، تقول: عن أنس قال: «قيل يا رسول الله من أحب الناس إليك ؟ قال: عائشة قيل: من الرجال ؟ قال: أبوها» (1) .
لم أستسغ الحديث في نفسي على الرغم من مذهبي الذي كان أحد أبرز سماته ذلك الاعتقاد في المفاضلة، ولم أتلقّاه كعادتي عندما كنت أتقبل حديثاً مرويّاً عن النبي صلىاللهعليهوآله ، فانبنى بيني وبينه حائل يتمثّل في مكانة عليّ وفاطمة الزهراء عليهاالسلام من رسول الله صلىاللهعليهوآله .
والى جانب هذه الرواية أخرج الترمذي أيضا رواية أخرى مناقضة للرواية الأولى تقول: عن ابن بريدة عن أبيه قال: «كان أحب النساء إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فاطمة ومن الرجال علي» (2) .
فاستغربت من إقدام حفّاظ الحديث عند الخطّ السنّي على نقل المتناقضات في كتبهم، ولم أفهم السبب الذي دفع بهم إلى سلوك ذلك الأسلوب، الذي لا يتيح
_________________
(1) سنن الترمذي 5: 365.
(2) المصدر نفسه 5: 360.
للبسطاء إمكانيّة التمييز بين الحقّ والباطل، والصحيح والمكذوب.
فقد كان من اليسير على الترمذي مثلاً أنْ يعترف بأنّ أهل البيت عليهمالسلام هم معدن النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لا يجب أن يقاس بهم أحد، لأنّ الله تعالى اصطفاهم على العالمين، وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً كما صرّحت بذلك الآية الكريمة: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1) لكنّ الرجل كان متّبعاً لمنهج المناوئين لأهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ومنساقاً وراء تيار المتنكرين لمكانتهم في الأمّة.
فمقايسة الخليفة الأوّل بعليّ عليهالسلام بالنسبة لي هي من باب محاكاة التبر بالتراب، وتقديم ابنته على أساس أنّها زوجة النبي صلىاللهعليهوآله ووضعها في مقام سابق لفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين عليهاالسلام جرأة على الله ورسوله لا يقدم عليها غير من عميت بصيرته، وهان عليه دينه.
ولم أكن أعرف أنّ بتفضيلي لعليّ وفاطمة عليهماالسلام على غيرهما، أنّني نسبت نفسي إلى التشيّع لأهل البيت عليهمالسلام دون أن أشعر، لأنّ المسلم المتسنّن عرفاً واصطلاحاً لا يقدّم غير الخليفة الأول وابنته، وهكذا كانوا يُميّزون بين من هو تابع لهذا الخطّ أو ذاك في علم الرجال، وما يسمى أيضاً بعلم الجرح والتعديل، وكم من حافظ أو راو للحديث ردّت روايته، وطعن في حفظه؛ لمجرّد تقديمه لعليّ عليهالسلام على غيره ممّن عاصر النبي صلىاللهعليهوآله ، وكم من راو أو حافظ وُثق وعدّل لمجرّد تقديمه للخليفة الأوّل والثاني، دونما التفات إلى مسألة مودّة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله التي لا تجيز تقديم المفضول على الفاضل، وترى أنّ مجرّد المقايسة بين من اصطفاه المولى سبحانه وتعالى ورفع ذكره مع النبيّ صلىاللهعليهوآله ، هو تجاهل لإرادة الباري تعالى في تفضيله وتقديمه واختياره.
_________________
(1) الأحزاب: 33.
لقد كانت بداية اكتشافي لحقيقة مودّة أهل البيت عليهمالسلام عند الشيعة، الذين كنت معتقداً فيما مضى أنّهم فرقة خارجة عن الإسلام، بحسب ما حصلته من الخطّ السنّي الذي كنت من بين أفراده، عندما شاهدت صدفة محاضرة إسلاميّة لأحد علماء الشيعة في إحدى الفضائيات، لقد كانت محاضرة قيّمة وقفت من خلالها على القيمة العلمية التي يختزنها ذلك العالم الشيعي، إلّا أنّني سرعان ما اصطدمت بخاتمة المحاضرة التي أثار فيها المحاضر فاجعة كربلاء، فأبكى الناس من حوله، وأبكاني معهم بكاءً شديداً لم أبك مثله من قبل؛ لأنّني كنت مغيّباً عن تفاصيل واقعة «الطف»، شأني في ذلك شأنُ بقيّة المسلمين المخالفين لخطّ أهل البيت عليهمالسلام ، وكان تأثري بما سمعته من سرد لبعض لقطات ومشاهد الواقعة كبيراً، فقررت بعد ذلك أنْ أبحث عن حقيقة الأمر بخصوص مودّة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله ، أيّها الحقيقية ؟ ما يدّعيه هذا الطرف ؟ أو ما يتشبّث به الطرف الآخر ؟ وبناءً على ذلك أتّخذ قراري في اتّباع الأولى والأقرب إلى الله ورسوله في الطاعة.
وجدت في عدد من التفاسير التي اعتمد أصحابها المدرسة السنيّة مذهباً ومنهجاً، نصوصاً تؤكد على ثبوت نزول الآية في عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهمالسلام ، وكان الإجماع على تلك الفريضة ممّا لم يختلف فيه اثنان.
وزاد في حيرتي أنْ عثرت يوماً في إحدى المكتبات على كتاب «مقاتل الطالبيين» لأبي الفرج الأصفهاني، جمع فيه مؤلفه أسماء المشهورين من آل أبي طالب ممّن قتل في العهدين الأموي والعباسي، بسبب انتمائه الفكري والعقائدي إلى أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله . وهالني وأنا أتصفح الكتاب ذلك العدد من الشهداء الذين قضوا دفاعاً عن الإسلام وليس دفاعاً عن شرفهم وانتسابهم، فقد كان قاتلوهم يرون فيهم خطراً محدقاً بعروشهم، بسبب أحقيّتهم في قيادة الأمّة الإسلاميّة،
وتساءلت في نفسي: أهذه هي مودّة القربى التي حثّ عليها المولى سبحانه وتعالى، وجعلها فريضة من الفرائض التي لا مفرّ للمسلم من التقيد بها ؟ أهكذا أوصى رسول الله صلىاللهعليهوآله بأهل بيته، وحثّ المسلمين على أدائها ؟ وما السبب الذي دعا بأغلب الأمة إلى التنكّر لتلك المودّة، بل وعكسها تماماً لتصبح تجاهلاً ثمّ حرباً لا هوادة فيها ؟ ولماذا مورس ضدّ هؤلاء الأطهار كلّ ذلك العنف والإرهاب، من قتل وتعذيب وسجن ؟
بقيت الإجابة عالقة تحتاج إلى مزيد من البحث والتمحيص، وبقيت أستجلي أثر الحقيقة من غبار الوهم وحبائل الزيف.
في أحد الأيّام التقيت واحداً من المسلمين الشيعة الذين كنت أعرف عدداً منهم، ولم تسمح لي فرصة الاقتراب منهم ومحادثتهم، لعدة أسباب لعل أهمها الشائعات التي تجند أعداؤهم لبثّها في المجتمع، من أجل إقصائهم، وحصر حججهم وأفكارهم في أضيق الأطر، بحيث لا يمكن لها أنْ تجد آذانا صاغية وسط المجتمع.
بدأتُ حديثي معه عندما وجدته في مجلس ختم قرآن لأحد معارفي، فانتهزت الفرصة لأعرف منه حقيقة مودّة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله عند الشيعة.
فقلت له: وما تقول في مغالاة الشيعة في حبّ أهل البيت رضي الله عنهم، إلى الإفراط في ذلك والبكاء عليهم، وإظهار الحزن والجزع على مصائبهم، إلى درجة إسالة الدماء وتعريض الأنفس إلى الهلاك ؟
فقال لي: إنّ فريضة حبّ أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله مما اتفق جميع المسلمين على وجوبها، لكنهم تباينوا في العمل بها وتطبيقها، وجوب مودّة أهل البيت عليهمالسلام كما دلت عليه الآية الكريمة: ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (1) لا
_________________
(1) الشورى: 23.
يختلف فيها اثنان، والآية المحكمة التي فرضت هذه الشعيرة واضحة الدلالة على مقصدها، وفوق ذلك جاءت الأحاديث مفسرة لها، وقد نقلها القاصي والداني، واتّفق الجميع إلّا من شذّ، والشاذّ يحفظ ولا يقاس عليه، في أنّ الذين وجبت مودّتهم هم: عليّ وفاطمة والحسن والحسين والخلف من ذريتهم عليهمالسلام . وقد أجهد النبيّ صلىاللهعليهوآله نفسه، في بيان وتوضيح معاني المودّة التي أوجبها الله تعالى على الأمّة الإسلاميّة، حتّى لم يعد هناك مجال للتأويل والريبة، بخصوص هذه الشعيرة العظيمة، إلّا أنّ الغاصبين لنظام الحكم في الإسلام، ومن تبعهم على ظلمهم، سعوا إلى تجاهل ذلك الواجب، فأداروا ظهورهم لأهل البيت عليهمالسلام ، وعملوا جهدهم على إبطال آثارهم وإلغاء مآثرهم، في مسعى من الظالمين لمحمّد صلىاللهعليهوآله لمحو ذكرهم، وتسويتهم بعامّة الناس، حتّى لا يبقى هناك مجال للحديث عن الاصطفاء الذي خصّه الله تعالى نخبة خلقه. من خلال ترك هذه الشعيرة وإهمالها من جهة، وادّعاء المهملين لها بأنّهم يحبّون أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، ويُجلّونهم ويُكبرونهم على غير حقيقة ولا تطبيق يظهر من خلاله التزام المحبّ بحبيبه، ذلك لأنّ المحبّة تستوجب الاتّباع وبذل الودّ للمحبوب لقوله تعالى: ( إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) (1) ودعوى المحبّة بدون اتّباع عارية من الصحة، ولا علاقة لها بمفهوم المحبّة الذي يفيد دائماً الاتّباع والموالاة والاقتداء والتفضيل والتقديم.
وإذا سألت الذين يدّعون محبّة أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله قولاً بلا عمل، أهكذا تكون محبّة الطاهرين من صفوة الله تعالى ؟ أجابوك باستنكار المقصّر والجاهل وكيف ترون الحب إذاً ؟
وبما أنّ المودّة التي وجبت على كلّ مكلّف منذ نزول الآية إلى أنْ يرث الله
_________________
(1) آل عمران: 31.
سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، فعلى كل مسلم إزاء ذلك التكليف، أن يبرهن على ذلك بإحياء تلك المودّة وإظهارها قربة لله تعالى، وسعياً لنيل رضاه، وإظهار الحزن في أحزان أهل البيت عليهمالسلام مودّة لهم، وإظهار الفرح في أفراحهم مودّة لهم أيضا، والبكاء من أرقى تعابير الحزن في المصيبة، كما أنّه من أرفع درجات الخشوع في العبادة، فهو إحساس قلبي وجداني لا يستطيع تحصيله غير الذي صلحت سريرته وصفا قلبه، وسمت نفسه، وهو مستعص على القاسية قلوبهم، ومصيبة الأمّة الإسلاميّة ما تزال تلقي بظلالها على عموم الأمة.
في ماضي الأيام كنت متصوراً أنّ ما يقال عن الشيعة من نسب باطلة صحيحٌ، خصوصاً وأسباب التواصل بين الطائفتين شبه معدوم، ولكن وبعد أن توفرت أسباب المعرفة من كتب وفضائيات وانترنيت، بدأ اللبس يرتفع عنّي.
فهمت أنّ محبّة أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، تتطلّب وضع الصفوة الطاهرة موضعها في الأمّة من تفضيل وتقديم وتبجيل، فلا يكون هناك أحد أفضل من الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً. ومحبّة أهل البيت عليهمالسلام واجبة على جميع المسلمين، ويراد منها أن نضع هؤلاء الذين اصطفاهم الله تعالى موضعهم من قيادة الأمّة، وليس مجرّد أنْ نكنّ لهم حبّاً لا معنى له على صعيد الواقع. ذلك الحبّ الذي تراه أنت من خلال قناعاتك مفرط أو مبالغ فيه، ليس إلّا امتثالاً صحيحاً لأمر إلهي نطق به القرآن وصدع به النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لم يزد القائمون به عليه شيئا من عندهم.
فقلت له: لكن ألا تعتبر هذه المراسم التي يحييها الشيعة لأهل البيت عليهمالسلام ، وتلك المقامات التي شيّدوها على أضرحة أئمتهم نوعاً من الإفراط والتهويل ؟
فقال لي: قد تشاطرني الرأي عندما أقول لك أن للحبّ والمودّة مقدّمات ومقامات يتوزّع بينها الناس، وتكون ذات أهميّة أكبر لو كانت تلك المودّة نابعة
من أمر الهي، كالذي نحن بصدده، وقد تشبّث الشيعة بهذه الشعيرة، وجعلوها عنواناً لنهجهم، وسمة ظاهرة من سمات تدينهم، ليقينهم بأنّ مودّة أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله هي البراءة الفعلية من غضب الله سبحانه وتعالى، والخلاص الحقيقي من ناره وعذابه؛ لذلك اهتمّ الشيعة بإحياء مراسم أهل البيت عليهمالسلام في كلّ سنة، ولم يفتر ساعدهم، ولا ضعفت همّتهم، عن إحياء تلك المناسبات العظيمة، وتشييد المقامات والإنفاق عليها بكلّ سخاء، إيماناً منهم بأنّها من أيام الله سبحانه وتعالى، ومن شعائره، ومن يعظم أيّامه وشعائره فقد نال أجراً عظيماً.
فقلت له: ألا ترى أنّ فريضة مودّة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله يراد منها محبّة أهل البيت عليهمالسلام وتقديرهم فقط، دون ما ذهب إليه الشيعة من تقديم وتفضيل واتّباع وموالاة ؟
فقال لي: على عكس ما تعتقده، فقد كانت الغاية من تشريع مودّة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله منحصرة في كونهم قدوة الأمّة بعد رسول الله صلىاللهعليهوآله ، والتجسيد الحيّ لكتاب الله وأحكامه، فالمولى سبحانه وتعالى عندما قال: ( إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) (1) . قد جعل محبّته متمثّلة في اتّباع النبيّ صلىاللهعليهوآله ومخصوصة به، فلا يصح حبّ المولى دون اتّباع للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، كذلك محبّة رسول الله صلىاللهعليهوآله لا يمكن أن تتحقق إلّا بإتباع أهل بيته الأئمة الهداة من بعده عليهمالسلام .
ثمّ ألم تعلم أنّ النبي صلىاللهعليهوآله قد فرح بإسلام عليّ عليهالسلام كما فرح بولادة الزهراء عليهاالسلام ، وما تبع ذلك من فرحه بولادة الحسن والحسين وزينب عليهمالسلام ، وانتصارات علي عليهالسلام التي هي انتصارات للدين الخاتم، فكانت كلّ أفراحه تلك سنّة وجب علينا إحياءها لأنّ النبيّ منطلقها ومؤسسها، والشيعة يتعبدون بتلك الأفراح انطلاقاً من تأسيس الرسول صلىاللهعليهوآله لها.
_________________
(1) آل عمران: 31.
ولا أراك تجهل حزن النبي الكبير على موت خديجة سيّدة النساء عليهاالسلام ، وموت عمّه أبي طالب عليهالسلام ، وموت ابنه إبراهيم عليهالسلام ، وموت ربيبته رقيّة رضي الله عنها، وكان حزنه أكبر على ولده الحسين عليهالسلام عندما أخبره جبريل عليهالسلام بمقتله، وحكى له ما سيحصل له من أمّته، والشيعة يظهرون الحزن على مصائب أهل البيت عليهمالسلام ويتعبدون بإقامتها تأسّياً بالنبيّ صلىاللهعليهوآله ، فلم يبتدعوا شيئاً من عندهم حتّى يتّهمهم بقيّة المسلمين بالتطرّف والخروج على الدين، بل إنّني أرى عدم الفرح بأفراح أهل البيت عليهمالسلام ، وعدم الحزن بأحزانهم هو التطرّف والتنكّر للنبيّ صلىاللهعليهوآله وللدين في صوره الحقيقية.
قلت له: وما مشروعيّة البناء، وقد وجد عندنا أنّ بني إسرائيل قد لعنوا على لسان نبيّهم لأنّهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ؟
فقال لي: الرواية التي ذكرتها لا أساس لها من الصحّة؛ لأنّها خلاف الواقع والعرف، الذي درج عليه الناس منذ آدم، والبناء على قبور الأنبياء عليهمالسلام يراد به حفظ الضريح، وحصر مكانه؛ لأنّه يحتوي على صفوة الله تعالى وخاصّته من خلقه، فزيارته واجبة، والصلاة فيه والدعاء عنده مدعاة لقبول الأعمال، فمسجد النبيّ صلىاللهعليهوآله في المدينة المنورة، وضريحه ومثواه، قد اتخذه الناس مقصداً وشدّوا إليه الرحال، ليجدّدوا فيه العهد مع نبيّهم صلىاللهعليهوآله ، ويتّخذوا منه سبباً ووسيلة للتقرّب منه ومن ربّه، أمر قد درج عليه المسلمون منذ غابر الأزمنة، ولم يشذّ عن تلك السنّة غير الضالين من أتباع الوهابيّة، والبيت الحرام الذي أمر الله سبحانه وتعالى سيدنا إبراهيم ببنائه؛ ليكون قياما للناس، ليس بيتا لله على وجه الحقيقة، بل قَصد به الله سبحانه وتعالى رمزيّة البيت لا حقيقة البناء، ليكون للناس سبباً من أسباب المغفرة والتوبة والإنابة. وقصة أصحاب الكهف عليهمالسلام خير دليل على ما يقوله الشيعة، ويحتجّون به على مشروعيّة البناء على قبور الصالحين؛ لتكون
ملاذاً إلى الله تعالى، ومقامات طاهرة يقصدونها تبرّكاً وتحبّباً إليه، قال تعالى: ( إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) (1) .
ولو كان هنالك مانع أو مخالفة للتكليف الإلهي في بناء البنيان واتّخاذ المساجد على قبور الصالحين لنهى الله عنه أولياءه، وحسم الأمر فيه إلّا أنّ الآية جاءت مجوّزة لذلك العمل غير معترضة عليه.
لقد كانت حجّة المسلمين الشيعة قويّة في جميع المجالات، مدعومة بالبراهين العقليّة والنقلية، فلم يتعبّدوا في يوم من الأيام تبعاً لأئمتهم بالشكّ والظنّ، مثلما وقع لبقيّة الفرق، التي تاهت وانحرفت عن الجادّة في عدد من الأحكام، وانغمست في تطبيقها بالعاطفة والوراثة، لا بالعقل والدليل.
أحمد الله تعالى أنْ يسّر لي معرفة أوليائه، وجنّبني سبل الضلال، وجعلني ممّن اعتصم بحبله المتين، وتمسّك بعروته الوثقى التي لا انفصام لها، وهي موالاة محمّد وآله الكرام البررة، قادة الأمّة بعد النبيّ بلا فصل، وسفن نجاتها من ظلمات الغيّ والجهل، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين.
_________________
(1) الكهف: 21.
الحلقة الثالثة عشر
شيّعتني الحجج التي في كتب السنّة المعتمدة
كان حسن قبل أنْ يعتنق خطّ الشيعة الإمامية الاثني عشريّة مثلي ومثل بقيّة الإخوة المؤمنين مالكيّاً أشعريّاً، لم يكن معتقداً إسلاماً آخر صحيحاً غير الذي كان يعتنقه، وقد عمّقت قناعاته ما كان يتلقّاه من معلومات عن بقيّة الفرق والمذاهب خلال الدرس في مادة التربية الإسلاميّة، والتي كتبت بأقلام جرى فيها حبر التعصّب الأعمى، وتلوّنت بشتّى الافتراءات والأكاذيب التي لفّقت من أجل إطفاء نور الإسلام الحقّ، مضافاً إلى التربية التي تلقّاها على ذلك الأساس، والتي لم تسمح له بالالتفات إلى بقيّة الاتجاهات الإسلاميّة والتمييز بينها.
في إحدى التظاهرات التي كانت تقام هنا وهناك على الساحة التونسيّة، بمناسبة يوم الأرض، واليوم العالمي لحقوق الإنسان، وغيرها من المناسبات التي يتجنّد المثقفون التونسيون لإحيائها داخل أسوار الجامعة، من أجل الإبقاء على نفس المبادىء، داخل وجدان الطلائع المؤمنة بها، التقينا على مائدة الحوار الإسلاميّ، إسلاميّاً، باحتشام ومداراة شديدين، ولولا علاقة الجيرة التي كانت تربطنا ببعض، لما أمكن لنا أن نلتقي في ذلك الحوار الذي وقف في وجهه قياديّو النهضة، وشدّدوا على منع عناصرهم من الانخراط فيه، أو حتّى الاقتراب منه بأيّ شكل من الأشكال.
أتذكر أنّه في تلك الفترة التي بدأت الدعوة إلى التشيّع تظهر على الساحة، وفي أماكن معدودة، ومن طرف عناصر لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، بدأت قيادات النهضة في ترويج كتب إحسان إلهي ظهير، التي كان يراد بها تكفير الشيعة،
وإخراجهم عن الإسلام، وتنفير المسلمين منهم، في محاولة لنسف أسس الدعوة إلى فكرهم، وغلق الطرق المؤدية إليهم أمام عناصرها الإسلاميّة، وذلك لمّا رأوا أنّ أعناق بعض منتسبيها بدأت أياديها تمتدّ إلى كلّ ظاهرة إسلاميّة، خصوصاً بعد انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران.
بحكم تواجدي داخل أسوار الجامعة، وفي كليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة، حضرت في أحد الأيّام مناقشة بين زميلين، أحدهما شيعيّ وكان داعية إلى التشيّع، والآخر سنيّ من خطّ النهضة، وبقدر ما كان النقاش محتدما وحامياً بين الطرفين، بقدر ما كان غير متكافىء، وقفت فيه على حقيقة قلبت مجرى اعتقادي رأساً على عقب.
في البداية كنت مأخوذاً بالتهم التي ساقها السنيّ النهضوي، ليضع التشيّع بما اشتمل عليه وأهله في موضع المتجنّي على الإسلام، لكنّني وبمرور الوقت، بدأت أشعر أنّ هناك منطقاً آخر وحجّة تغازلان عقلي، وتدفعانه نحو اكتشاف الحقيقة والوقوف عليها.
لم أكن أعلم أنّ الشيعيّ كان من حركة النهضة، ولما التقى بأحد الدعاة الشيعة اقتنع بالطرح الذي قُدِّم له، واعتنق الفكر الشيعيّ الاثني عشري، وطبعاً لم يكن ذلك ممكناً من لقاء واحد، أو من خلال بحث واحد.
كانت أولى مقالات الزميل السنّي متعلقة بتحريف القرآن، فقال: إنّ من أقوى البراهين التي استُدلّ بها على بطلان مذهب الشيعة هو قولُهم بتحريف القرآن، وجلّ علمائهم يدينون بذلك، وكتبهم ملآى بالروايات التي تقرّ بالتحريف.
فقال الزميل الشيعي: أظنّك قد استقيت ذلك من كتاب إحسان إلهي ظهير «الشيعة والقرآن»، ومن بعض الأقلام المشبوهة التي لا يعرف لها أصل من فصل، لأنّني لم أعثر على مفسّر واحد من مفسري الشيعة يعتقد بتحريف القرآن، ويدين
به، ناهيك أنّه خلاف قوله تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) والقرآن الذي تعرفه وتتلوه وتصلي بسوره وآياته، ويباع في المكتبات، ويلقن في الكتاتيب، هو نفسه القرآن الذي يدين به الشيعة منذ أن وجدوا، ولم يخرج على الناس مفسر واحد منهم بغير ما هو متعارف عند جميع المسلمين، ولو كان الأمر كما تدّعي، لانتهى أمر الشيعة بهذا الادّعاء المنحرف.
قال السنّي: إحسان إلهي ظهير تحدّث عن أكبر حُفّاظ الشيعة، ورأس رواياتهم الشيخ الكليني، الذي أخرج عدداً من روايات التحريف.
قال الشيعيّ: إنّ الشيخ الكلينيّ أخرج تلك الروايات لسبب واحد، هو الأمانة العلمية التي حتّمت عليه نقل تلك الروايات، لكنّه من الجهة الاعتقاديّة لم يكن مطمئنا لها، فأفرد لها باب في كتابه الكافي سماه باب النوادر، وقد درج الشيخ الجليل على تخصيص باب للنوادر في كلّ أبواب الفقه، وهي خاصيّة تميّز بها عن غيره من علماء ( السنّة ) كالبخاري ومسلم وغيرهما ممّن أخرج روايات التحريف في القرآن، وأدرجوها في أبواب الفقه دون حيّز ولا فصل، والاعتقاد بالزيادة أو النقيصة في القرآن اعتقاد واحد، وأزيدك أكثر، عندما نرى في عصرنا الحاضر أنّ الله تعالى دافع عن الشيعة في مسألة تحريف القرآن، وكيف لا يفعل وهو الذي يقول: ( إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ) (2) فقد ظهر من أبناء الشيعة هذه السنوات أطفال صغار السنّ حفظوا القرآن حفظاً عجيباً لم يأت الزمان بمثله، فمن إيران الإسلاميّة إلى العراق، خرج علينا براعم في عمر الزهور ذكوراً وإناثاً بعجيب حفظ، أذهل العقول وأثار الغرابة، وألقم الذين نسبوا إلى الشيعة تحريف القرآن حجرا لو كانوا يعقلون، فإذا كان الشيعة يعتقدون بتحريف
_________________
(1) الحجر: 9.
(2) الحج: 38.
القرآن فلماذا يتعهدونه ويحفظونه لناشئتهم ؟ ولماذا يزيدهم الله تعالى من فضل رحمته بحفظ لم يعهده أحد من الناس ؟
قال السنّي: إذاً، فمن أين جاءت تهمة التحريف التي رُمي بها الشيعة ؟
قال الشيعي: إنّ نسبة التحريف التي جاء بها أهل الافتراء والكذب على الشيعة، لا أصل لها في حقيقة الأمر، كلّ ما يمكنني أنْ أفيدك به في هذا المجال، هي كلمة قالها الإمام الباقر عن المخالفين لخطّ الإمامة بخصوص القرآن: ( وأقاموا حروفه وحرّفوا حدوده ) (1) . بمعنى أنّ التحريف لم يقع في لفظ القرآن، وإنّما وقع في معانيه وتأويله وتفسيره، والشيعة الاماميّة الاثني عشريّة مُبرّؤون من تحريف القرآن لفظاً ومعنى؛ لأنّ ما عنيه خامس أئمة أهل البيت عليهمالسلام غير متعلّق بشيعته، باعتبار أنّهم ملتزمون بأئمتهم، علماً وعملاً، وأمراً ونهيا، طيلة القرون الثلاثة التي وجدوا فيها، بينما تفرّقت بغيرهم السبل، واتّبعوا أثر كلّ ناعق، لذلك أجزم بأنّ مصدر التهمة جاء من أنظمة الحكم التي كانت تعتبر التشيع لأهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله خطراً يُهدّد كيانها، وينذر بذهاب سلطانها، فلفّقت لهم عدداً من التهم، وأحاطتهم بهالة من الإشاعات الكاذبة، من اجل الحد من إشعاع ذلك البيت الطاهر وتأثر أنصاره في المجتمعات التي يعيشون بينها.
قال السنّي: كيف تريدني أنْ اقتنع برؤيتك التي تدّعي أنّها إسلاميّة، وكتبك لا أعرف عنها شيئاً، وهي غير معتمدة عندنا نحنُ أهل السنّة ؟
قال الشيعي: أنا لا أريد أنْ ألزمك بما في كتبي فذلك يحتاج إلى مجال وجهد ووقت آخر، لكنّني ألزمك بما ألزمت به نفسك من كتب نعتموها بالصحاح، وكتب قدّرتم جهود أصحابها، فصدح بها أئمة المنابر، وأخذ منها الباحثون ومؤلفوا الإسلام في الأصول والفروع، وغياب كتب الشيعة عن الناس لم يكن
_________________
(1) الكافي، الكليني 8: 53.
بسبب أئمة الشيعة ولا أتباعهم، وإنّما كان السبب فيه الأنظمة التي حكمت رقاب المسلمين بالقهر والحديد والنار، فلم يُزكّوا غير مواليهم وأتباع سلطانهم، بينما عُدّ الشيعة من المعارضة، وطلب رؤساؤهم للقتل أو السجن بسبب ذلك.
فلم أتمالك عندما وصل الحديث عند هذا القول من التدخل فقلت: وأي حجّة أعظم من أنْ تلزمنا بما نحن ملزمون به، إنّها قمّة الاستدلال، وغاية إقامة الحجّة، وهل ترى غير ذلك يا زميلنا العزيز ؟
قال السنّي: لا أجد ما أقوله لك بعد الذي قلت، فهات ما عندك من براهين.
قال الشيعيّ: لسوف أقتصر في البداية على الأحاديث النبوية؛ نظراً لكونها المفسّر الأساس للقرآن، وسأختتم بمتعلقها من الآيات زيادة في إظهار الدليل:
أخرج حفاظ خطّك عدداً من الأحاديث، التي يستشف منها أحقيّةُ عليّ عليهالسلام في قيادة الأمّة الإسلامية، منها ما فيه إفادة مباشرة على ذلك، ومنها ما هو دون ذلك، لكنّه يتضافر ويقوي ويعاضد جانب الإفادة الأولى.
وتعدّد الأحاديث، جاء ليكشف عن حرص شديد للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، من أجل بيان مقام أهل بيته عليهمالسلام ، كمعتصم من بعده للمسلمين، وقادة يسلكون بهم سبل السلام. فقد أخرج البخاري ومسلم حديث المنزلة، الذي قال فيه رسول الله صلىاللهعليهوآله لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» (1) .
وحديث المنزلة هذا من أحد الحجج على أحقيّة عليّ عليهالسلام في قيادة الأمّة بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، نظراً لأنّ القرآن الكريم قد احتوى على عناصره من خلال سياق الآيات المتعلقة بهارون وموسى عليهماالسلام ، فقد جاء في سورة طه قوله تعالى: ( وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ
_________________
(1) انظر حديث المنزلة في صحيح البخاري 4: 208، 5: 29، صحيح مسلم 7: 120، وغيرها من المصادر.
نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا ) (1) . فلعليّ من خلال هذه الآية: أخوّته من النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وقد تمّت بالمؤاخاة في مكّة والمدينة باتّفاق أهل العلم، ولو كان لغير عليّ عليهالسلام من القربة والمكانة ما يمكنه أن يكون أخاً للنبيّ أو خليلا كما يحاول ترويجه الأدعياء، لما صرف عنه النبيّ صلىاللهعليهوآله وجهه إلى غيره. ولعليّ عليهالسلام الوزارة وشدّ الأزر والإشراك في الأمر، والسيرة شاهدة على ما قدّمه علي عليهالسلام بالدليل والبرهان وليس بالكذب والبهتان، وأضغاث الأحلام التي طفحت بها كتب الحديث المسمّاة بالصحاح، وإذا غاب الأمير حضر الوزير.
وجاء في قوله تعالى: ( قَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (2) .
فهذه الآية تؤكّد خلافة عليّ عليهالسلام لمنصب الحكم الذي كان يشغله النبيّ صلىاللهعليهوآله بحسب الحديث المتقدّم، لأنّها تؤكّد بأنّ إحدى منازل هارون من موسى هي منزلة الخلافة.
قال الزميل السنّي: لكنّ كبار علماء السنّة قالوا بأنّ خلافة عليّ هي في الأهل وليست في الأمّة، فالنووي مثلا في شرح صحيح مسلم، لم يعترف بغير خلافة علي رضياللهعنه في أهله دون الأمّة، وبذلك قال من المتأخرين أبو الأعلى المودودي في كتابه الخلافة والملك.
قال الشيعي: لقد بلغ التقليد الأعمى بأهله إلى التعمية على حديث المنزلة بالادّعاء الباطل بأنّ منزلة علي عليهالسلام التي أشار إليها النبيّ صلىاللهعليهوآله ، هي مخصوصة في أهله فقط دون أمتّه، سعياً من المحرّفين إلى صرف المسلمين عن حقيقة منزلة عليّ عليهالسلام ، دون إشارة إلى كون المنزلة المشار إليها قد فصّل القرآن فيها القول
_________________
(1) طه: 29 - 35.
(2) الأعراف: 142.
بشكل جليّ، لا يلتبس إلّا على منافق خبيث الولادة، فوصاية عليّ عليهالسلام على أهل بيته، لا تستوجب ذكراً، ولا إشارة، ولا تلميحا من النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لأنّها من تحصيل حاصل، ولا تحتاج إلى تأكيد أو توثيق؛ لأنّها ممّا لا يمكن عقلاً وعرفاً أنْ ينازعه عليها أحد.
إذاً فقوله تعالى: ( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) دليل على أنّ خلافة هارون كانت في قومه وهم بنو إسرائيل، فتكون خلافة علي عليهالسلام في الأمة الإسلامية، ولا يحتاج بيانها إلى أكثر من إشارة وتلميح.
قلت وقد صدع تفسير الشيعي الثوابت التي كنت أعتقدها بشأن الخلافة، وهزّ أسسها هزّاً تهيّأت فيه للتداعي والسقوط، فليس بعد هذا الدليل حجّة يستطيع منصف ردّها: إذاً فمسألة الخلافة قد حسمها حديث المنزلة، الذي توضّحت أركانه من خلال آيات القرآن التي بيّنت منزلة هارون من موسى عليهماالسلام ، وظهرت بذلك منازل علي عليهالسلام من رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وسوف لن أكون مفرطا في اعترافي بحقيقة أنّ علياً رضياللهعنه قد ظُلم باغتصاب حقّه في خلافة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ونُكبت الأمّة وحرمت من قيادة رشيدة هادية مهديّة اختزلت كلّ قيم النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وجمعت كافّة الخصائص الممكنة لشخص له أهليّة الحلول محلّ خاتم الأنبياء والمرسلين صلىاللهعليهوآله في قيادة الأمّة الإسلاميّة.
فقال الزميل السنّي: لكن كيف يمكن أنْ يجتمع الصحابة كلّهم رضوان الله عليهم على باطل التنكّر لعليّ عليهالسلام ، وهم الذين قال عنهم رسول الله صلىاللهعليهوآله : «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» (1) ، كما أنّه قال: «إنّ الله لا يجمع أُمّتي - أو قال أمّة محمّد - على ضلالة...» (2) .
_________________
(1) انظر الحديث وتخريجاته في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني 1: 144، حديث رقم (58).
(2) سنن الترمذي 3: 315.
قال الشيعي: لو تتبّعنا الحقبة التاريخيّة التي سبقت وفاة النبي صلىاللهعليهوآله ، وما تبعها من أحداث كحادثة السقيفة، فإنّنا نجد أنّ الروايات في معظمها قد دوّنت بأسانيد تضمنت أشخاصاً قد طعن في صدقيتهم، فكذّب علماء الجرح من كذّبوا منهم وضعّفوا من ضعّفوا، ومع ذلك مرّت رواياتهم التي كانت في معظمها بعيدة عن حقيقة ما وقع في تلك الفترة، واعتمدها أكثر رواة التاريخ دون بحث وتمحيص، ولعل محمّد بن جرير الطبري الذي يُعتبر من أقدم مصادرها، قد دوّنها في تاريخه، والفاصل الزمني بينه وبين تلك الأحداث يناهز الثلاثة قرون دون تحقيق، ولو بذل جهداً بسيطا في ذلك المجال لردّها كلّها. وسيأتيك أنّ حديث النجوم باطل وموضوع.
أمّا قولك بأنّ الصحابة لا يجتمعون على باطل، فإنّهم لم يجتمعوا كلّهم على موالاة الخليفة الأوّل؛ لأنّ بيعته قد تمّت في غياب كافّة بني هاشم الذين كانوا منشغلين في تجهيز النبي صلىاللهعليهوآله ، مضافاً إلى ذلك غياب عدد من المهاجرين كالزبير وطلحة وأبي ذر وعمار وآخرون كالمقداد وسلمان.
أمّا ما نسبته إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله من حديث بأنّ أصحابه كالنجوم بأيّهم نقتدي نهتدي، فالحديث مردود من طرف عدد من أرباب علم الحديث عند مذاهبكم، كابن حزم وابن حنبل وابن عبد البر، كما حكم الألباني بوضعه (1) ، وفي حقيقة الأمر، فإنّ الحديث المزعوم لا يستقيم مع القرآن وواقع الصحابة أنفسهم؛ لأنّهم كانوا طبقات متفاوتة في التديّن والتقوى، فهنالك الصحابي المؤمن، والذي في قلبه مرض، والمنافق الذي أظهر الولاء وأبطن العداء، وقد جاء في عدد من الآيات ما يُفنّد عدالتهم جميعاً لاختلافهم مع بعضهم، وافتراقهم عن بعضهم، ومحاربتهم بعضهم بعضاً، ولم تتضمن آية من القرآن ما يفيد عصمتهم حتّى يكون
_________________
(1) انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة 1: 144 - 145، حديث رقم (58).
اقتداؤنا بأحدهم هداية ومنجاة، ناهيك أنّ في القرآن آيات جاءت فاضحة لسرائر وخفايا عدد منهم، وقد بيّن النبيّ صلىاللهعليهوآله في أحاديث الحوض التي أجمع على إخراجها كبار الحفّاظ، أنّ عدداً من صحابته سيدخلون النار، فبطل الاقتداء بهم لانتفاء العصمة وسقوط العدالة عنهم، ودخول أكثرهم النار، وسقطت تبعاً لذلك رواية أصحابي كالنجوم، لعدم ملاءمتها لكلّ ذلك الواقع، ودخول عدد من الصحابة النار بما اقترفت أيديهم، ليس أمراً مستحيل الوقوع؛ لأنّ الصحابة ليسوا شركاء في نبوّة النبي صلىاللهعليهوآله ، ولا جاء في القرآن والسنة النبوية المطهرة ما يفيد براءتهم ونجاتهم من النار يوم القيامة، هم أناس مكلّفون مثلنا، جرى عليهم من الأحكام والقضاء والقدر ما جري ويجري على كلّ الأجيال الإسلاميّة، وكلّ فضل حصّله أحد الصحابة أو اكتسبه فلنفسه وليس لأحد، رضي الله تعالى في كتابه عن صلحائهم، ولعن وتوعّد وفضح طلحاءهم ومرضى القلوب منهم.
ثمّ إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله بيّن مرجعيّة الأُمّة في حالة الاختلاف في مواطن عديدة منها ما قاله لعمّار: «يا عمار بن ياسر رأيت عليّاً قد سلك وادياً، وسلك الناس وادياً غيره فاسلك مع علي فإنّه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى» (1) . فتبيّن أنّ حجّة اجتماع الأمّة من دون علي عليهالسلام لا تدلّ على أنّ الحقّ مع الأمّة، بينما يدلّ شخص عليّ عليهالسلام ، ومواقف عليّ عليهالسلام ، أنّه مع الحق دائماً وأبداً، ولا أدلُّ على ما أقول من قوله صلىاللهعليهوآله : «عليّ مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة» (2) وقوله صلىاللهعليهوآله أيضا: «علي مع القرآن والقرآن مع علي ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» (3) .
_________________
(1) تاريخ بغداد 13: 188.
(2) المصدر نفسه 14: 323، تاريخ ابن عساكر 42: 449.
(3) المستدرك على الصحيحين 3: 124.
قال السنّي: فلماذا وقع تقديم الصحابة عند أهل السنّة وتفضيلهم بهذا الشكل ؟
قال الشيعي: إنّ الاعتقاد بتفضيل الخلفاء الأوائل على أهل البيت عليهمالسلام ، لم تكن له صلة بعهد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ولم تظهر محاولة التقديم إلّا في عهد طلقاء بني أميّة، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان وحزبه، سياسة زرع الباطل ومحاولة إحلاله محل الحقيقة من طرفه وطرف عصابته التي أسّست لفتنة كبرى لا نزال نعاني من آثارها الخطيرة إلى اليوم، وجاء بنو أميّة من بعده فامضوا خطّته، وعملوا بمقتضاها ما ناهز الثلاثة أجيال، فنشأ عليها الصغير وهرم الكبير، واستقرّت بعد ذلك في عقول الناس، ومحصّلات أفكارهم، على أنّها الدين الذي لا تشوبه شائبة، والعقيدة التي لا يعتريها شك، وذلك لتثبيت الانحراف عن منهج الإمامة الإلهي، وإيهام الناس بأنّ تفضيل الصحابة كان على عهد النبيّ مطابقاً لما أفرزه ترتيب الحكومة بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والروايات التي أخرجها البخاري وغيره عن ابن عمر مثلا في تقديم الخلفاء الثلاثة وتساوي الناس بعدهما، وهمٌ لا يعكس واقع الأمر؛ لأنّ عليّاً عليهالسلام شخص لا يمكن أنْ يقدّم عليه أحد سوى النبيّ الأعظم صلىاللهعليهوآله ، فضلاً عن أن يقدم عليه الخلفاء الثلاثة، أو أن يساوى مع بقيّة الصحابة، والذي لم يُنقّب عن خبايا صفحات التاريخ الإسلامي بعد التخلّي عن آليّة التفضيل في تقديم الكتب أيضاً يستطيع أن يجد دلائل كثيرة على أنّ التفضيل الذي تمسّك به المنحرفون عن منهج أهل البيت عليهمالسلام مفتعل، ووُضع لأغراض سياسية تعلّقت بنظام الحكم.
قال السنّي: فهل هناك نصوص أخرى ترجّح كفّة علي رضياللهعنه في الخلافة على غيره من الصحابة ؟
قال الشيعي: النصوص التي تعطي لعليّ عليهالسلام أحقيّة قيادة الأمّة الإسلاميّة بعد النبيّ كثيرة، وتصبُّ كلّها في ذلك المعنى الذي تجاهله سواد الأمّة، وانصرف عنه
علماءهم بتأويل النصوص، وحمله على غير محملها الذي أراده لها الوحي، وأيده العقل السليم، ولعلّ أكبر دليل على صحة خطّ اتباع أهل البيت عليهمالسلام ، والمعروف بالشيعة الاماميّة الاثني عشريّة، هو استقاءه لإثبات صحّة نهجه، أدلة قطعيّة من كتب خصومه والمحاربين له، وفي ذلك حجّة بالغة لمن يعقل أصول الاحتجاج، ويفهم مبادىء الاستدلال. وحتّى تستطيع مراجعة الحجج التي استدلّ بها الشيعة على إخوانهم السنّة، اسمح لي أن أقدم إليك كتاب المراجعات، الذي يعتبر بحقّ نموذج الحوار الصادق، والتخاطب السليم بين أهل الملّة الواحدة، والعلم إذا استعمل بنيّة صادقة وعزم خالص، فإنّ أصحابه سيقفون من خلاله على عين الحقيقة.
أخذتُ منه الكتاب، وانكببت على دراسته، ومقارنة النصوص التي تضمنها نصّاً نصّاً، ولم أنته منه إلّا وقد أدركت ما أذعنت له همّة الشيخ سليم البشري، وعرفت أنّ الإسلام المحمّدي الأصيل لا يوجد في أبهى مظاهره إلّا عند المسلمين الشيعة الاماميّة الاثني عشريّة، فقررت أنْ أكون شيعيّاً اثني عشريّاً، ملتزماً بخطّ أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، الذين اذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
والحمد لله على نعمة الهداية إلى صفوة الله تعالى، من بعد نبيه صلىاللهعليهوآله ، ونسأله أنْ يجعلنا من أوليائهم في الدنيا ولآخرة، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العلمين.
الحلقة الرابعة عشر
شيّعني حديث الثقلين
صلاح الدين، هو واحد من أولئك الذين حكّموا العقل على العاطفة، وغلّبوا تطبيق النصّ على اتّباع الهوى، فخرج بمقارنة علميّة أدّت به إلى اعتناق إسلام أهل البيت عليهمالسلام .
منذ أمد ليس ببعيد، كنت معتقداً بصحّة الحديث الذي نُسب إلى النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله الذي يقول: تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي. ولم يخالطني في صدوره عن النبيّ صلىاللهعليهوآله شك، وقد كنت تبعاً لمذهب إسلاميّ بنى منظومته، وعنون واجهتها على ذلك الأساس، وصدّقت بسرعة مضامين الرواية التي توحي من أوّل وهلة، وثاقتها وصلتها بمصدرين أساسيين من مصادر التشريع الإسلامي، وهما القرآن والسنّة النبويّة المطهرة، فتقبّلها عامّة المسلمين بالتسليم والرضا. اعتقاداً منهم بأنّ الوصيّة التي نسبت للنبيّ صلىاللهعليهوآله صحيحة لا غبار عليها، ولا شكّ فيها، وإلّا فمن يشكّ في حجيّة كتاب الله وسنّة رسوله كمصدرين من مصادر استنباط الأحكام الشرعيّة في شتّى المجالات العباديّة والحياتيّة، وجاءت تسمية أتباع هذا التصوّر بأهل السنّة والجماعة.
واستمرّ تعاملي وتعاطيي مع منظومة تلك الرواية ومكوّنات خطّها، إلى أن عثرتُ في مطالعاتي على رواية نقلها مسلم النيسابوري أحد الشيخين، وصاحب ثاني الكتب الروائية المعروفة بالصحاح عند أهل السنّة والجماعة، أوقفتني على مضمونها، وأثارت اهتمامي بمحتواها، الذي جاء معارضاً لرواية وصيّة
النبيّ صلىاللهعليهوآله ، من وجهة نظر أهل السنّة والجماعة، تقول الرواية:
قام رسول الله صلىاللهعليهوآله يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خُمّاً بين مكّة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكّر، ثمّ قال: أمّا بعد ألا أيّها الناس فإنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحثّ على كتاب الله، ورغّب فيه، ثمّ قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (1) .
وبعد تأكّدي من صحّة المصدر، عدت إلى رواية كتاب الله وسنّتي، لأبحث عن مصادرها، فتبيّن لي أنّ أوّل من أخرجها هو مالك بن أنس في كتابه الموطّأ، بلاغاً، ولم يذكر سندها، فقد جاء فيه:
عن مالك أنّه بلغه أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآله قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلّوا ما تمسّكتم بهما، كتاب الله وسنّة نبيه» (2) . والرواية البلاغ في مصطلح علم الحديث مصنّفة ضمن الأحاديث الضعيفة التي لا تستطيع أنْ تكون حجّة للعمل بمقتضاها، إذا وجد في مواجهتها حديثاً أو عدداً من الأحاديث المسندة إسناداً صحيحاً.
انفرد مالك في موطّئه بإخراج الرواية، ولم ينقلها بذلك السند أو بسند غيره أحد من أصحاب ( الصحاح )، بسبب عدم صحّة صدورها عن النبيّ صلىاللهعليهوآله من جهة، وعزوف الرواة عن نقلها إلى المستوى الذي جعل مالكا ينقلها بلا سند من جهة أخرى.
وبظفري الذي تحقّق بالعثور على دليل يُمكنني من الإمساك بخيط الحقيقة، ضاعفت جهدي في البحث، فوجدت أنّ مسلم لم يكن وحده الناقل لحديث
_________________
(1) صحيح مسلم 7: 122 - 123.
(2) الموطّأ 2: 899.
الثقلين، فهناك أيضا عدد من حفّاظ العامّة أخرجوه كلّ حسب شروط رواته، فهذا الترمذي قد نقله في سننه (1) ، والنسائي في خصائصه (2) ، وأحمد بن حنبل في مسنده (3) ، والحاكم النيسابوري في مستدركه (4) ، والطبراني في معجمه الكبير (5) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (6) ، والبغوي في مصابيح السنّة (7) ، وابن حجر في الصواعق (8) ، وأبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء (9) ، وقد اعترف الألباني على نصبه بصحته في صحيح الجامع الصغير (10) ، والمناوي في فيض القدير (11) ، وابن حجر في المطالب العالية (12) والبوصيري في الإتحاف (13) ، وغيرهم كثير لا يسعني ذكرهم، وقد اقتصرت على المشهورين منهم. وتساءلت عن السبب الذي دفع بعلماء عامّة الأمّة إلى تجاهل حديث الثقلين، والإعراض عنه، رغم تعدد طرقه، وكثرة حفّاظه، مقابل تقديم رواية مالك عليه، وهي بتلك الحال من الضعف ؟
ولم أهتد إلّا إلى أنّ الواقع السياسي الذي كان سائداً في القرون الأولى، هو الذي أسهم بشكل جليّ في إقصاء عترة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ودفعهم من أن يكونوا الثقل الذي يلتجىء إليه المسلمون، وأطلق عبيد الدنيا ليعبثوا بالسنّة النبويّة التي لم
_________________
(1) سنن الترمذي 5: 329.
(2) خصائص الامام علي: 71 - 72.
(3) مسند أحمد 3: 14، 17 و 5: 182، 189.
(4) المستدرك 3: 109.
(5) المعجم الكبير 5: 153.
(6) المصنّف 7: 176.
(7) مصابيح السنّة 2: 457، 2726 و 2727.
(8) الصواعق المحرقة 2: 428.
(9) حلية الأولياء 1: 355.
(10) صحيح الجامع الصغير 1: 482.
(11) فيض القدير شرح الجامع الصغير 3: 20.
(12) المطالب العالية 4: 65، ح ( 3972 ).
(13) إتحاف الخيرة المهرة 9: 279، ح ( 8974 ).
تكن مجموعة عند العامّة في ذلك الوقت، وأوجد التناقض في الروايات المنسوبة للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، من أجل تعمية الأمّة عن قياداتها، وصرفها عن هداتها، ليتسنى لمحرّفي الكلم عن مواضعه أنْ يتحكّموا بمصيرها لتسهل عليهم قيادتها.
ونظرتُ في الروايتين، فوجدتهما متفقتين في النصف الأوّل من وصيّة رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وهو كتاب الله، ومختلفتين في النصف الثاني من الوصيّة، اختلافاً يدعو إلى موازنة الروايتين للخروج بالصحيحة منهما متناً، بعد أن تأكّد لدينا أنّ رواية مالك لا تقوم بها حجّة لأنّها غير مسندة.
لا خلاف بين جميع مكونات الأمّة الإسلاميّة في حجيّة السنّة النبويّة، فكلّ مدارسها الفقهيّة تقرُّ بها، وتعتمدها في استنباط الحكم الشرعي لكلّ المسائل، دينيّة كانت أم دنيويّة، ولم ينشأ خلاف على ذلك، إنّما نشأ الخلاف في مورد السنّة النبويّة، عمّن نستقيها ؟ وممّن نأخذها ؟
وفي حين أنّ رواية مالك لم تطرح مورداً للسنّة النبوية يمكن اعتماده مرجعاً لها، وكلّ ما فيها تعلّق بلزوم إتّباعها مع الكتاب العزيز، لكونها عاصمة من الضلال. طرحت الرواية المتعددة الطرق والمصطلح عليها بحديث الثقلين، مورداً للسنّة النبويّة، وهو العترة الطاهرة من أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، ليكونوا مراجع الأمّة في أحكام الدين كلّه، وحفظة الكتاب والسنّة النبويّة، ورعاة أحكامهما، في منأى عن التحريف والتشويه والتعطيل المحتمل من طرف المنافقين والجاهلين. ولو جاءت رواية مالك صاحب الموطّأ، والمذهب الذي كنت معتنقاً له قبل تحولي إلى خطّ أهل البيت عليهمالسلام ، بمورد مغاير للرواية المخالفة لها، والتي طرحت أهل البيت عليهمالسلام ، ليكونوا مرجع الأمة في ما يتعلق بالكتاب والسنّة، لأمكن الموازنة بينهما وترجيح إحداهما على الأخرى؛ لذلك فإنّ رواية مالك نفسها لا تتعارض مع
حديث الثقلين؛ لأنّها لم تطرح بديلاً عن أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، كما لو فرضنا أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ، قال: تركت فيكم كتاب الله وصحابتي مثلا، كما أنّ الصحابة أنفسهم لم يطرحوا أنفسهم مراجعاً للأمّة الإسلاميّة، ولم يدّع أحد منهم حيازته لذلك المقام، بينما ادّعاها عليّ وذريته عليهمالسلام ، دون أنْ ينازعهم فيها أحد.
وممّا يؤكّد حديث الثقلين بلفظ الثقلين بلفظ ( وعترتي ) موافقته لقوله تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) . حيث تضمّنت الآية بياناً لدورين من أدوار الهدي الإلهي هما:
ـ دور التبليغ: وهو مناط بالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، الذين نزل عليهم الوحي، وحملوا شرائع وقوانين لتكون دستوراً للبشرية، تعمل بمقتضاه، وتمتثل لأحكامه، فنزول الوحي من الله تعالى كان عن طريق روح القدس عليهالسلام إلى النبيّ أو الرسول عليهالسلام .
ـ دور الحفظ: وهو مناط بالأئمّة الأطهار عليهمالسلام ، الذين أودعوا علوم وأسرار ومعاني جميع ما نزل على الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وحُفظ مكونات الوحي يكون عن طريق الإمام عليهالسلام ، قال تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ) (2)
ولا شك أنّ الآية الكريمة التي في سورة المائدة تشير إلى الدورين المذكورين، وتزيد في إقامة الدليل على أنّ الدين قد جاء من الله تعالى متناسقاً ومتجانساً وتامّاً في جميع مكوّناته، وليس للناس فيه إلّا السمع والطاعة فقط،
قال تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ
_________________
(1) الحجر: 9.
(2) يس: 12.
شُهَدَاءَ.... ) (1) .
لقد بيّنت الآية الكريمة وظائف متعلقة بأدوار تبليغ وحفظ شرائع الله سبحانه وتعالى ووحيه، جاءت بحسب الأولوية والترتيب الزمني كالآتي: أوّلا: النبيّون. ثانيا: الربانيّون ( الأئمة أو خلفاء الأنبياء ). ثالثا: الأحبار ( العلماء ). فتبيّن من خلال ما ذكرت: أنّ الدين لا يكون تامّاً وكاملاً، إلّا إذا اجتمعت فيه كافّة خصائص التشريع، من وجود السلطات الثلاث داخل تركيبته، وأعني بهما السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية.
إذاً، فإنّ مسألة تعيين من سيقوم مقام النبيّ صلىاللهعليهوآله في النصح والإرشاد، والإجابة على المسائل والحكم بين الناس، وقيادتهم إلى سواء السبيل، واضحة لا غبار عليها، وليست متروكة للناس، لأنّ ذلك الترك المزعوم نقص في الدين وإخلال بمكوناته، لا يمكن أنْ يصدر عن الله تعالى.
ولو سلّمنا جدلاً، أنّ مسألة قيادة الأمّة قد تركها الله سبحانه وتعالى للناس بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فإنّ ذلك الترك المزعوم لا يمكن أنْ يكون مطلقاً؛ لضرورة تحديد شروط للقائد المزمع تعيينه، تؤهله لقيادة سفينة الأمّة بيسر ونجاح، فيكون التعيين مع وجود شروط القائد كذلك من الله سبحانه وتعالى، على سبيل النصح والإفادة؛ لأنّه أعلم بمخلوقاته من غيره، وفي كلتا الحالتين، وأعني بهما: حالة تعيين القائد، وحالة ترك تعيينه لاختيار الناس، فالوحي ليس بمنأى عنهما.
من هنا فهمت واقتنعت تماماً بضرورة وجود شخص له من المؤهّلات الكبيرة التي تُمكّنَه من أنْ يملأ مقام النبيّ صلىاللهعليهوآله في الأمّة بعد انتهاء مرحلة النبوّة، وعرفت أنّ ذلك الشخص هو الأقرب إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله من غيره، فلم أجد غير الإمام عليّ ابن أبي طالب عليهالسلام ، من توفرت فيه تلك الخصائص والكمالات منذ ولادته وحتّى
_________________
(1) المائدة: 44.
فارق الحياة، لم يسجل عليه أيّ مخالفة، ولا نقل عنه أصحاب السير بدعة، حتّى أنّ أعداءه الذين حاربوه، لم يستطيعوا أن يجدوا عليه غميزة، أو يقدّموا سبباً يبرّر عداءهم وحربهم، فقدمت أمير المؤمنين عليهالسلام على غيره، اعترافاً بحقّه عَلَيّ، وامتثالاً لأمر الله تعالى في تقديمه وموالاته وطاعته، والإيمان بأنّه الإمام المفترض الطاعة على الأمّة قاطبة.
والإمام عليّ عليهالسلام هو أوّل عترة النبيّ صلىاللهعليهوآله الذين قرنهم بالكتاب وجعلهم ثقله، وبابه وعرفاءه، وعلماءه، ولولا وجودهم لمحق الدين واندرست أحكامه.
أمّا الثقل الأوّل، وهو الكتاب الذي أحصى الله تعالى فيه كلّ شي، قال تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا ) (1) والذي عجز كبار الصحابة وجهابذة العلماء عن إدراك جميع معانيه، وتناول كافّة درره، والأخذ بأزمّة محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، فلم يتجرأ أحد على القول بتمام معرفته، غير عليّ عليهالسلام ، باب مدينة علم النبيّ صلىاللهعليهوآله .
إذاً، فحديث الثقلين لمن فهم مقاصده، من أكبر الأدلة على وجوب اتّباع العترة الطاهرة من أهل البيت عليهمالسلام ، واقترانها بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، دليل على عصمتهم من الضلال والكفر والشرك والنفاق، وزيغ الشيطان، كما دلّت عليه آية التطهير: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (2) وعدم افتراق العترة الطاهرة عن الكتاب العزيز إلى يوم القيامة، دليل آخر على عصمة الأطهار، وعدم افتراقهم عن الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
واعتبار التمسك بالكتاب والعترة الطاهرة عاصماً من الضلال، دليل ثالث على عصمة الأئمّة من أهل البيت عليهمالسلام ، فلا يعقل أن يحيلنا النبيّ صلىاللهعليهوآله تبعاً للوحي
_________________
(1) النبأ: 29.
(2) الأحزاب: 33.
على متمسك غير مأمون من الضلال. والكتاب العزيز لا يمكن أن يقوم بنفسه؛ لأنه كتاب لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شيئاً من تأويل أو تعطيل فاسدين، وهو بحاجة إلى من ينطق عنه صدقاً وعدلاً، كالإمام عليّ عليهالسلام والصفوة الطاهرة من ذريته عليهمالسلام ، تماماً كالسنّة النبويّة المطهرة التي تحتاج إلى حافظ لها، مسدد من طرف الباري تعالى، فالقرآن وتوابعه من أحاديث النبيّ صلىاللهعليهوآله المفسرة لمعانيه ومقاصده، وبقيّة علوم الدين والدنيا، أوكلها الله سبحانه وتعالى إلى صفوته من خلقه، وزادهم بسطة فيها؛ ليكونوا حججه على خلقه، والأدلّاء عليه وعلى شريعته وأحكامه. وجاء قوله تعالى في سورة الواقعة: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) ليشير إلى حقيقة أنّ للكتاب صفوة أورثها الله تعالى علومه المتاحة لمخلوقاته، وطهّرها ظاهراً وباطناً، لتكون في مستوى حمل ذلك العبء الثقيل، وجاء لفظ المسّ مُعبراً عن قدرة الأئمة الهداة على إدراك جميع معاني الكتاب العزيز، وتحويله من جملة مفاهيم إلى جملة من التطبيقات، ليتسنى لمن هم دون فهم جميع محتوياته أنْ يتمكنوا من ذلك تيسرا لهم، وتوجيهاً لمطالبهم التي عجزوا من تلبيتها بمفردهم.
واقتنعت أنّ رواية مالك بقدر ما كان فيها إشارة إلى مصدرين من مصادر التشريع، بقدر ما كانت فاقدة لسند العمل بها، بحيث لم تحدّد وجهة طالب الكتاب والسنّة النبويّة، والباحث عن التمسك بهما، إلى من يتّجه ؟ وعمّن يأخذ ؟ خصوصاً إذا ما علمنا أنّ تدوين الكتاب والسنّة، قد جاءا متأخرين عن وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله .
ولمّا لم تثبت مرجعيّة حقيقيّة وجامعة في ذلك العصر، غير الإمام عليّ عليهالسلام ، الذي كان يقول: «سلوني قبل أن تفقدوني» (1) ، وما استتبعه من إقرار بتلك
_________________
(1) المستدرك 2: 352، وقال سعيد بن المسيّب: «لم يكن أحد من الصحابة يقول:
المرجعية والعمل بمقتضى هديها جزئيّاً من طرف الخلفاء الثلاثة الأوائل، كلّ حسب ضرورته التي أُلجىء إليها، ولعل أبلغ ما قيل مكررا في ذلك: «لولا علي لهلك عمر» (1) .
كلّ ذلك يمثّل أدلّة على أحقيّة أهل البيت عليهمالسلام في قيادة الأمّة الإسلاميّة، وبطلان الحكومات التي اغتصبت الحكم بدعوى اختيار الناس والشورى.
وكلّ من أنكر مرجعيّة أهل البيت عليهمالسلام ، أو حصرها في المسائل الدينيّة، دون بقيّة المطالب التي تخصّها، والتي تؤسّس في جميع أبوابها مقام الإمامة العامّة في الأمّة، لم يفهم غاية الوحي من حديث الثقلين، أو إنّه من أتباع أولئك الذين وقفوا في وجه النبيّ صلىاللهعليهوآله لمنعه من كتابة وصيّته للأمّة. لذلك يمكنني القول: إنّني بفضل حديث الثقلين عرفت طريقي إلى الله، وأدركت تكليفي في موالاة الأئمة الاثني عشر الأطهار الذين نصّ النبيّ على كونهم خلفاءه وأئمته في أمّته من بعده، فواليتهم في الدنيا والآخرة، وتقربت إلى الله تعالى بمحبتهم واتّباعهم والتشيّع إليهم، تأسيّاً بتشيّع إبراهيم لنوح عليهماالسلام ، قال تعالى: ( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) (2) .
أحمده تعالى على أنْ هداني إلى هذه المنّة العظيمة، التي لا يعرف قيمتها، ولا يدرك حقيقتها، إلّا من آوى إلى ركنها، واعتصم بحبلها، واستمسك بعروتها، وأسأله سبحانه أنْ يمنّ على بقيّة الأمّة الإسلاميّة، بالرجوع إلى الأئمّة الهداة عليهمالسلام ، ليعود للدين مجده الذي كان على عهد النبيّ الأعظم صلىاللهعليهوآله ، وتفوح زهرته، وتينع ثمرته، لتكون مصداق الرحمة المرجوّة، وعنوان الخلق العظيم.
_________________
سلوني، إلّا علي» أرسله الذهبي إرسال المسلمات في تاريخ الإسلام: وفيات ( 11 - 40 هـ ) ص 638.
(1) الاستيعاب 3: 1103.
(2) الصافات: 83 - 84.
الحلقة الخامسة عشر
حديث الغدير وحادثته هما اللذان شيّعاني
عبد السلام، رجل ذو شخصيّة تميّزت بالانفتاح على الغير، دمث الأخلاق، رحب الصدر، دائم الابتسامة، يحترم الناس ولا يتعامل معهم إلّا على قاعدة من التقدير والاعتبار، لأجل ذلك كسب ودّ واحترام كلّ من عرفه عن قرب، حدّثوني عنه وعن خصائصه، وكيفيّة تشيّعه إلى أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، فوجّهت إليه الدعوة ليكون ضمن الإخوة في جلسة الإفادة التي قرّرت إقامتها، مساهمة من طرفي في إظهار مزيداً من الحقائق المتعلقة بالدين الإسلامي النقيّ من الشوائب، والذي أراده الله تعالى ورسوله ليكون خاتم الرسالات الإلهيّة، وخلاصة الشرائع الربانيّة، وفاعلاً ومؤثّراً وقائماً في الأمّة، ظاهراً بثمرته في العالم، بواسطة الأئمة الاثني عشر من أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، أمثلة الحقّ وبواعث الصدق، نأياً بالناس عن المزالق، وحفظاً لهم من الوقوع في المهالك. فلبّى الطلب وحضر مع من حضر، ولمّا جاء دوره في الكلام قال:
في ماضي الأيام لم أكن أعرف عن حادثة الغدير شيئاً يُذكر، على الرغم من إقرار حفّاظ الخطّ الذي كنت متّبعاً له، قبل تحولي إلى خطّ أهل البيت عليهمالسلام ، وتشيّعي للصفوة الطاهرة من أئمة الهدى، فكلّ ما كان يتردّد عند أهل الاختصاص جزء صغير من حديث الغدير مقتصراً على جملة واحدة للنبيّ صلىاللهعليهوآله يقول فيها: «من كنت مولاه فعلي مولاه» (1) . وقد ضُرِبَ الصفحُ عن كامل تفاصيل
_________________
(1) قال بتواتر هذا المتن من حديث الغدير الذهبي في سيّر أعلام النبلاء 8: 335 والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4: 343، وغيرهم.
اليوم الثامن عشر من ذي الحجّة، سنة عشر من الهجرة النبوية المباركة، الذي وقعت فيه الحادثة.
بدا اهتمامي بحادثة الغدير المباركة، عندما عثرت على سبيل الصدفة، وأنا أتصفح تاريخ ابن كثير المعروف بـ «البداية والنهاية»، على رواية نقلها بإسناده عن أبي هريرة يقول فيها نقلا عن النبيّ صلىاللهعليهوآله : «من صام يوم ثماني عشرة من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهرا» (1) .
رسمت في ذهني تعجبا بقيمة ذلك اليوم، دفعني إلى مزيد من التعرّف على حقيقة ذلك اليوم، وما يمثّله في الإسلام، ثمّ اعترضني الحديث الذي نقله مسلم النيسابوري - وهو ثاني الحفّاظ المعتمدين عند أتباع المذهب الذي كنت أعتنقه - في باب فضائل أهل البيت عليهمالسلام ، والذي بتر منه ما شاء أن يبتر، نقل فيه عن زيد بن أرقم قوله: قام رسول الله صلىاللهعليهوآله يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خمّاً بين مكّة والمدينة (2) وبمزيد من البحث والتقصّي، أمكنني الوقوف على حقيقة غدير خم، وحادثة يوم الثامن عشر من ذي الحجّة.
لم يستطع الحفّاظ ولا المؤرّخون التنصّل من ذلك الحدث العظيم، فنقل منهم من نقل الحادثة والخطبة كاملتين، وأحجم منهم من أحجم بدافع هوى أو بمنع سياسة أو نتيجة اختلاف مذهبيّ، تفنّنٌ منهم في تغطية الحقيقة الناتجة عن تلك الحادثة الكبرى وذلك اليوم العظيم. وملخّصُ ألفاظهم كالآتي: حجّ النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله حجّته المعروفة بحجّة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة المباركة، فتبعته جموع غفيرة من المسلمين عُدّت أكثر من مائة ألف نفس، وعند منصرفه من تلك الحجّة تبعته نفس تلك الجموع إن لم يكن أكثر منها، وفي مكان يدعى
_________________
(1) البداية والنهاية 7: 386.
(2) صحيح مسلم 7: 122 - 123.
غدير خم بين مكّة والمدينة بالجحفة، وهي ميقات أهل مصر والشام، وكان يوماً صائفاً حتّى أنّ الرجل ليضع رداءه تحت قدميه من شدّة الحر، نزل عليه جبريل عليهالسلام قائلا: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) (1) وأمره بأنْ يُنصّب علياً إماماً وعلماً وهادياً وحاكماً في المسلمين بعده، فدعى بدوحات فقممن، ووضع له من الرحال ما صعد عليه، وخطب في الناس خطبة، قال في آخرها: معاشر المسلمين، ألست أولى بكم من أنفسكم ؟ قالوا: اللهم بلى. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحقّ معه حيث دار.
ثمّ أمر صلىاللهعليهوآله الناس بمبايعة أمير المؤمنين عليهالسلام ، فبويع في ذلك اليوم من طرف تلك الجموع، وكان الخليفة الثاني من ضمن مَن بايعوا عليّاً عليهالسلام ، وقد نقلوا عنه قوله: بخ بخ لك يابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، ولم ينصرف الناس من ذلك الموقف حتّى نزل قوله تعالى: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (2) فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : الحمد لله على إكمال الدين وإتمام النعمة ورضى الربّ بولاية علي بن أبي طالب من بعدي (3) .
وخطبة النبي صلىاللهعليهوآله يوم الغدير هامة وكبيرة تناول فيها تسلسل مراتب الولاية بقوله: إنّ الله مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم.. مبيّناً أنّ
_________________
(1) المائدة: 67.
(2) المائدة: 3.
(3) للإطلاع على تفاصيل حادثة الغدير يراجع: مسند أحمد 1: 118، 119، و 4: 281، 370، المستدرك 3: 109، 110، 116، سنن النسائي 5: 134، 136، شواهد التنزيل 1: 200، 201، 202، 208، تفسير الثعلبي 4: 92، تاريخ بغداد 8: 284، ينابيع المودّة 2: 249، 285، وغيرها الكثير الكثير من المصادر.
ولايته على الناس هي من ولاية الله تعالى وبأمره، وكذلك ولاية علي عليهالسلام .
هذا الفهم لم يستطع أن يصل إليه كل المسلمين، فالغالبية العظمى منهم اليوم لا تعترف لعليّ بالولاية العامّة عليهم، وذلك بسبب التأويل الخاطىء لمصطلح مولى، والادّعاء بأنّها لا تفيد ولاية الأمر في معناها، والذي أوصل المتنطعون على الحقيقة مرادفاته إلى نيّف وعشرين معنى هي:
الربّ - العمّ - ابن العمّ - الابن - ابن الأخت - المعتِق - المعتَق - العبد - المالك - التابع - المنعم عليه - الشريك - الحليف - الصاحب - الجار - النزيل - الصهر - القريب - المنعم - العقيد - الولي - الأولى بالشي - السيد غير المالك والمعتق - المحبّ - الناصر - المتصرّف في الأمر - المتولي في الأمر، وذكروا من معاني الولي أيضا: الأمير والسلطان.
وأجمع علماء اللغة على مجي مولى بمعنى ولي.
وقد استند من استند على تعدّد معاني الوليّ والمولى، وتعذر من تعذر بها في عدم مجيئها بمعنى ولاية الأمر، مستدلين بعدم فهم الصحابة الأخيار رضوان الله تعالى عليهم، لذلك المعنى من قول النبي صلىاللهعليهوآله . ورأوه تبعاً لهم لا يفيد ما ذهب إليه أئمة أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم من أنّ النبي صلىاللهعليهوآله قد كلّفه الباري سبحانه وتعالى بنصب عليّ عليهالسلام وليّاً لأمر الأمّة من بعده.
غير أنّ البصير يمكنه أنْ يستجلي الحقيقة من خلال النظر في المعاني المدرجة للمولى، فيتبين له من جهة، مدى تطابق إحداها بمقصد النبي صلىاللهعليهوآله ، ثمّ وبمراجعة تفاصيل تلك الحادثة يتسنى تثبيت المراد الذي رغب الوحي في إبلاغه للمسلمين.
وبتتبع المفردات التي تؤدي معنى مولى وولي، وجدت أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لم يكن يقصد بها كلّ هذه المعاني، أو بعضها، ولا كان غافلاً عن تعدّد معاني مولى في
اللغة، فالإطار الذي أطلق فيه المصطلح لم يترك لبقيّة الإفادات مجالاً لاحتمال القصد من الإطلاق.
والنبيّ صلىاللهعليهوآله لم يكن قاصداً من ولايته التي فوّضها وأحالها إلى عليّ عليهالسلام من بعده، أن يكون عليّ ربّاً، ولا فهم المسلمون منه ذلك، المعنى لأنّه يستلزم الكفر، ولا كان قاصداً معنى العمّ، ولا ابن العمّ، ولا الابن، ولا ابن الأخت، ولا المعتِق، ولا المعتَق، ولا المالك، ولا العبد، ولا التابع، ولا الشريك، ولا الحليف، ولا الصاحب، ولا الجار، ولا النزيل، ولا الصهر، ولا القريب، ولا المنعم، ولا المنعم عليه، ولا العقيد، ولا المحب، ولا الناصر؛ لأنّها كلّها لا تنسجم مع مقصد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وهي عندما نستبدلها بالمفردة المذكورة نجدها بعيدة أو مستحيلة الاحتمال، ولا تستقيم لغويّاً ولا بلاغيّاً، كأنْ يقال مثلاً من كنت عمّه، أو ابنه، أو ابن أخته، أو قريبه، أو جاره، أو ناصره أو... فهذا علي...».
بينما يتّفق مفاد مولى مع مفردة الوليّ والأولى بالشيء والسيّد غير المالك والمعتق؛ لكونها تفيد مقصد النبيّ صلىاللهعليهوآله من قوله: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه». خاصّة إذا أضفنا لها قرائن أخرى من نفس إطار الحادثة، وقرائن أخرى داعمة لها ومؤيدة من خارج ذلك الإطار.
أمّا ما جاء مؤيّداً لمعنى الرياسة والحكم من نفس إطار الحادثة، فإفادة مولى لمعنى الأولى بالشي من خلال السؤال الذي طرحه النبيّ صلىاللهعليهوآله على جموع المسلمين، والذي قال فيه: «ألست أولى بكم من أنفسكم ؟» وعندما ردّوا عليه بالإيجاب، قال: «فمن كنت مولاه، فهذا عليّ مولاه»، كما وردت روايات بلفظ آخر توضّح مراتب الولاية جاء فيها قوله: «إنّ الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه...» (1) موضحاً بشكل
_________________
(1) المعجم الكبير للطبراني 3: 180.
جليّ وكامل مراتب ولاية الأمر المقصودة، وهي الله باعتباره الخالق والمشرّع والحاكم والمتصرف المطلق، والنبيّ باعتباره الواسطة والسبب بينه وبين خلقه، والنائب عنه في أداء حقّه، والحاكم بمقتضى حكمه، ثمّ الإمام باعتباره خليفة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والمستحفظ على شريعته، والقائم مقامه في أمّته من بعده.
كما أنّ في دعاء النبيّ صلىاللهعليهوآله : «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنصر من نصره وأخذل من خذله» إفادة أخرى أثبتت أنّ مقصده صلىاللهعليهوآله لم يكن منصرفا إلا إلى منصب الحكم.
أمّا بقية المؤيدات من نفس إطار الحادثة، فزمنيّاً يمكن القول: بأنّ قرب رحيل النبيّ صلىاللهعليهوآله ، دعا الوحي إلى إبرام أمر الحكومة بعده، ولم يبق عن ذلك الموعد ستون يوما، وفرصة تجمّع جماهير الأمّة لن تتكرر.
وأمّا مكاناً فهو صحراء الحجاز الوعرة والشديدة الحر، وفي هاجرة من النهار لا تحتمل الوقوف والبقاء إلّا لسبب هام، وخطب جديد لم ينزل من قبل فيه إثبات علميّ، والذين ذهبوا إلى تأويل أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان يقصد من خلال خطبته وحديثه في يوم الغدير الحثّ على حبّ عليّ عليهالسلام ، لم يصيبوا إلّا بهتاناً، وحادوا عن الحقيقة بكلّ أركانها، لأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ، قد حثّ على حبّ عليّ وأهل بيته عليهمالسلام ، امتثالا لأمر الله تعالى فيهم، في قوله: ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (1) . وقال في عليّ عليهالسلام : «لا يحبّك إلّا مؤمن ولا يبغضك إلّا منافق» (2) . وقال صلىاللهعليهوآله : «عنوان صحيفة المؤمن حب علي» (3) . وقال صلىاللهعليهوآله غير ذلك من الأحاديث التي تحثّ على تلك المحبّة وتفرضها على الأمّة فرضاً لا يحتمل تبريراً.
_________________
(1) الشورى: 23.
(2) صحيح مسلم 1: 61: مسند أحمد 1: 95، سنن الترمذي 5: 306.
(3) مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي: 219 - 220.
أمّا ما يؤيّد المقصد من ولاية الأمر لعليّ عليهالسلام من خارج إطار الحادثة، فحديث المنزلة الذي قال فيه النبيّ صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام : «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدي» (1) .
ولا شكّ أنّ المتتبع البسيط لآي القرآن الكريم، يستطيع أنْ يستخرج منازل هارون من موسى، والتي تتطابق حسب مفاد الحديث، مع منزلة عليّ عليهالسلام من رسول الله صلىاللهعليهوآله ، والتي منها الخلافة من بعده، في قوله تعالى: ( وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (2) ، كما أنّ المعاند أيضاً سوف لا يتقيّد بهذا الدليل، ولسوف ينساق وراء انحراف من انحرف، بالادّعاء زوراً وبهتاناً بأنّ خلافة عليّ عليهالسلام هي في الأهل فقط دون الأمّة، ولست أدري من اين جاؤوا بفريتهم تلك حتّى يجزموا بها، ويعكفوا عليها، ويؤسسوا بها مذهباً لم يأت بخير أبداً منذ تأسس، وهل كانت خلافة علي عليهالسلام في أهله تحتاج إلى دلالة أو إشارة أو توضيح، حتّى نحتمل أنْ يدّعيها غير عليّ عليهالسلام ؟ لذلك فإنّ مقصد النبيّ صلىاللهعليهوآله لم يكن كذلك؛ لأنّه قد استفاض فيه من قبل، وحثّ على الالتزام به، ورغّب فيه، وحذّر من تركه، ولا يحتاج إلى إيقاف الناس في ذلك المكان الوعر، وفي ذلك الوقت القائظ، ومن أجل ذلك المطلب الذي تكرّر حديثه فيه، ويحتمل التأجيل إلى حين رجوعه إلى المدينة.
وفهمت أنّ الحكمة كانت تقتضي أنْ يعين الوحي من يقوم مقام النبيّ صلىاللهعليهوآله ، صوناً للدين وحفظاً لمكونات النظام الإسلامي الجديد، في وسط ما تزال الأحكام الجاهليّة، والنعرات القبليّة تلقي بظلالها على أغلب الوافدين على الدين الجديد.
_________________
(1) انظر صحيح البخاري 4: 208، صحيح مسلم 7: 120، 121، سنن الترمذي 5: 302 وغيرها.
(2) الأعراف: 142.
وكل من لم يفهم الأحداث التي سبقت وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فقد قرأها بعين التبعيّة العمياء، وجحد حقّ الله تعالى، ورسوله صلىاللهعليهوآله ، وأوليائه الكرام، الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، ليكونوا خلفاءه في أرضه، وأمناءه على عباده، سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجدَ لسنّة الله تبديلا.
ومن لم يستطع أنْ يستوعب حقيقة ومقام أهل البيت عليهمالسلام ، بكونهم غير الصحابة، ولا يقاس بهم أحد، لا يمكنه أنْ يمضي طويلاً في هذا الإطار، لأنّه سيصطدم بعقبة التمييز الخاطىء التي بنى عليها عقيدته، وأنصحه بأنْ يترك موروثاته جانباً، ليُحكّم النصوص الصحيحة، ويميّز بعقله الحقيقة من الوهم.
وأخيراً فإنّني أحمد الله تعالى حمداً كثيراً، وأشكره شكراً متواصلاً، على نعمة ولاية أوليائه، التي هي مفتاح السعادة في الدارين، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله رب العالمين.
الحلقة السادسة عشر
النظر في المذاهب الإسلاميّة هو الذي شيّعني
إبراهيم، شابّ أسمر اللون كسمرة أسامة بن زيد، أوصله بحثه، ووقف به تحقيقه عند قناعة لا تثنيها رياح الشكّ، ولا يغيّر من انطباعها في قرارة نفسه عامل من عوامل الريبة، جاء دوره في الكلام فقال:
كنت في ما مضى معتنقاً المذهب المالكي على أساس التبعيّة الوراثيّة، دون نظر ولا تحقيق، وكان اعتقادي واعتقاد أهلي آنذاك بأنّ الذي نتقرب به إلى الله من أحكام وشعائر هي الإسلام، ولم نكن نرَ إسلاماً غير الذي وجدنا أنفسنا عليه، فلم نتساءل أو نشكّ في أمر من أموره على الإطلاق، لأنّنا في العموم نفتقد إرادة البحث التي عادة ما تطرأ على الباحث من شكّ وريبة، لتناقض الأدلّة، أو لتعارض الأفكار بحيث تدفع صاحبها إلى ذلك السبيل من البحث، وتجرّه إلى ميدان مقارعة الحجّة بأختها، عندها فقط يتميّز الخبيث من الطيب، ويعلو منبر الحقّ ويردّد الفضاء صدى براهينه، وتداعب نسمات خيره آذان الواعين، فتنير به قلوبهم وتتفتح عليه عقولهم، فلا يأنسون إلّا به، ولا يسكنون إلّا إليه..
لمّا نظرت في المذاهب والفرق الإسلاميّة، لم أجد فريقاً ولا مذهباً متصلاً بالنبيّ صلىاللهعليهوآله وبعهده، اتّصالاً وثيقاً لا فاصلة بينه، غير مذهب أهل البيت عليهمالسلام ، بينما انقطعت بقيّة المذاهب عن عصر النبوّة انقطاعاً مفرطاً، لا يدعو العاقل إلى الإطمئنان إليها، وقد وصلتُ إلى هذه القناعة على الرغم من أنّ الذين كتبوا في تاريخ الفرق، لم يكونوا أمناء في نقلهم، وكانوا في معظمهم متحاملين على غير خطوطهم، وتجنّد معظمهم لنقل كلّ ترّهة ودعاية تمسُّ من صحّة وصدق خصومهم.
كان أوّل المذاهب التي يصطلح عليها بالمذاهب السنيّة، والتي تدّعي أنّها على سنّة النبيّ صلىاللهعليهوآله هو المذهب الحنفي، نسبة إلى أبي حنيفة النعمان، الذي ولد سنة 80 هجرية، وتوفّي سنة 150 هجرية وعاش معظم أيّامه في الكوفة، انتقل في طلب العلم إلى المدينة، فتتلمذ على أيد عدد من أكابر العلماء، منهم الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام ، الذي كانت له معه حوارات ومناظرات.
لقّب أبو حنيفة بالإمام الأعظم من طرف زمرة من المتعصبين من أتباعه، وهو لقب لا يستحق تقلده، لأنّه اعتمد على رأيه في استنباط أحكام، مستدّلاً عليه في أغلب حالات استنباطه بروايات ضعيفة، تاركاً وراء ظهره أغلب الصحيح.
ثاني تلك المذاهب، هو المذهب المالكيّ نسبة إلى مالك بن أنس، الذي ولد سنة 92 هجرية، وتوفّي سنة 179 هجرية بالمدينة ودفن بها، وعاش معظم أيّامه في المدينة المنورة، وقد تتلمذ مالك أيضاً على يد الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهالسلام ، لكن لم نجد له بعد ذلك علاقة بالإمام؛ نظراً للعوامل السياسيّة التي أحاطت بمالك، من بينها أنّه كان مقرّباً من أبي جعفر المنصور العباسيّ، وهو الذي أشار عليه بكتابة الموطّأ، وشدّد العباسيّون على جعله الفقيه الأوحد المقرّب من السلطة آنذاك، إلى درجة أنّهم أطلقوا في المدينة من ينادي: ( لا يُفتى ومالك بالمدينة ). إمعاناً منهم في إقصاء أئمّة أهل البيت عليهمالسلام عن دورهم، والحيلولة بينهم وبين عامّة المسلمين، بالأمر تارة وبالإكراه تارة أخرى.
ثالث تلك المذاهب هو المذهب الشافعيّ نسبة إلى محمد بن إدريس الشافعي، الذي ولد سنة 150 هجرية في السنة التي توفي فيها أبو حنيفة، وتوفي سنة 204 هجريّة في مصر، ودفن بالقرّافة الصغرى، تنقل الشافعي بين العراق والحجاز فلقي مالكاً، لكنّه لم يأخذ عنه؛ لما وجد عليه من مظاهر الأبّهة والسلطة.
رابع تلك المذاهب، هو المذهب الحنبليّ نسبة إلى أحمد بن حنبل، الذي ولد سنة 164 هـ وتوفي ببغداد سنة 241 هجرية، ودفن بمقبرة باب حرب ببغداد، عاش في بغداد التي كانت موطن العلوم وقتها، ومنافسة عنيدة للمدينة المنورة، صاحب محمّد بن إدريس الشافعي وأخذ عنه.
بعد اطلاعي على تاريخ ولادة فقهاء المذاهب الأربعة، التي اصطُلح عليها بمذاهب أهل السنّة والجماعة، تساءلت في نفسي: بماذا كان يتعبّد أهل القرن الأول قبل مجئ أبي حنيفة ومالك، والثاني قبل مجئ الشافعي والثالث قبل مجئ ابن حنبل، ولم ينتشر فقه أصحاب تلك المذاهب فيها ؟ ولماذا تُركت بقيّة الفقهاء وأهملت اجتهاداتهم، وضرب الصفح عن الأساتذة الكبار، والتُفت إلى تلاميذهم ؟ ولماذا انحصرت المذاهب التي ادّعت اختصاصها بالسنّة النبويّة في أربعة فقط ؟ وهل صحيح أنّ تلك المذاهب، هي صاحبة النبيّ صلىاللهعليهوآله وسنته الشريفة ؟
أسئلة عديدة جالت في خاطري، وكانت تبحث عن جواب مقنع لها، فازددت تشبثاً بمعرفة ما جرى، وأين تكمن الحقيقة وسط هذا الركام الهائل من الموروثات، التي اختلطت إلى حدّ التباين والتناقض.
عند تصفحي لما كُتب عن القرن الأول الهجري، لم أجد لتلك المذاهب أثراً؛ لأنّها لا يمكن أنْ تكون سابقة لوجود مؤسّسيها، ولا كان لها إشعاع أثناء وجودهم، ناهيك أنّه قد ضُرب منهم من ضُرب، وعوقب من عوقب من طرف السلطة، لفتاوى أو اعتقادات، لم ترق لخلفاء بني العباس، وقرّب منهم بعد ذلك من قرّب لتوافق طرأ على علاقاتهم، كما نلاحظ أنّه لم يتمّ العمل بمقتضاها على الوجه الذي نشهده الآن في القرن الذي تلاه.
كما أنّ حصر تلك المذاهب في إطار وضع له عنوان مُزيّف، وهو الادعاء بأنّه يمثّل السنّة النبويّة المطهرة، مدعاة إلى الاستغراب؛ لأنّ ذلك لا يعكس حقيقة
محتوى تلك المذاهب، نعم يمكن أنْ نقول أنّ تلك المذاهب، استندت في أخذ السنة النبوية إلى جميع الصحابة، باعتبار أنّهم عدول بالنسبة إليها، في مقابل الخط الذي رأى غير ذلك، إعتماداً على النصوص الملزمة باتّباع أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، وأخذ معالم دينهم عنهم، قرآناً كان أم سنّة، وعليه فتسمية خطٍّ ما بأنّه يمثّل السنّة النبويّة، هو من باب التمويه والتضليل، لأنّ الأمة قاطبة لم تختلف في وجوب الأخذ بسنّة النبي صلىاللهعليهوآله ، وإنّما وقع الاختلاف في موردها، لذلك فإنّ الانقسام الذي وقع في تركيبة الأمّة الإسلاميّة يمكن تسميته بالتشيّع إلى هذا الطرف الذي يرى أهلية الأئمة الأطهار في قيادة الأمّة الإسلاميّة أم ذلك الطرف الذي لا يرى ذلك، ويعتبر أنّ أيّ متصدّر للحكم أهل لذلك، وشيعة عليّ عليهالسلام بقوا على نهجهم الذي تمسّك به من تمسّك إلى اليوم، وشيعة معاوية وحزب الطلقاء، لم ترق تلك التسمية لأتباعهم فيما بعد، فاستبدلوها بعنوان أكثر جاذبيّة، وهو اتّباع السنّة النبويّة المطهّرة، ولا أرى عاقلاً يقول بمفارقة أهل البيت عليهمالسلام للسنّة النبويّة المطهّرة، وهم يُمثّلون صفوة الخلق بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ولا راشداً يعتبر أنّ السنّة الصحيحة عند غيرهم.
فإمّا أنْ تكون أيّها المسلم من شيعة أهل البيت عليهمالسلام ، أو تكون من شيعة غيرهم ممّن هبّ ودبّ، ويعني أيضاً، إمّا أنْ تتقيّد بالنصوص الصحيحة التي وردت عن الله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآله ، أو أن تتّبع الوهم والهوى والنصوص المكذوبة.
وعلى ذكر النصوص المكذوبة، فهي طافحة في كتب الخطّ السنّي منتشرة في عديد من أبواب كتبه، وقد تفنّن حفّاظه وفقهاؤه في ذلك، حتى أفردوا باباً مفترى سمّوه باب رضاعة الكبير، ومن أراد أنْ يقف بنفسه على ذلك الإسفاف، فليراجع أمّهات كتب هؤلاء، كالصحاح، وموطأ مالك، وغيرها كثير.
ثمّ إنّ أصحاب تلك المذاهب قد تخلّوا عن كثير من المسائل التي أفتوا فيها، فقالوا بخلافها دون أنْ تصل إلى الناس نقائض تلك الفتاوى، كما صرّح بذلك السيوطي في شرح موطّأ مالك، وكما هو الشأن كذلك بخصوص كتاب الشافعي الذي ألّفه في مصر، فلم ير له أثر بعد ذلك، وبقيَ فقهه الأول الذي ألّفه في العراق، تماماً كما أُسقط فقه واجتهادات أصحاب بقيّة المذاهب، التي اندثرت بحكم عدم مساندة الحكّام لها، فذهبت برحيل أصحابها.
الحقيقة الماثلة بين أيدينا الآن تقول: إنّ حياة تلك المذاهب واستمرار بقائها، ما كان له أنْ يتمّ، لولا مساندة العباسيين والمماليك العثمانيين لها، بينما تُرك ما لم يوافقهم في الرأي، وحورب كلّ من وقف في وجه الظلم والتحريف، ولم يكن هناك من يجرأ على الوقوف في وجه الظلم وأهله، دفاعاً عن الدين، غير أئمّة أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم، الذين استبسلوا في الذود عن حياض الدين الحقّ، وحفظه من الضياع.
وبقاء خطّ أهل البيت عليهمالسلام منذ أنْ دعا رسول الله صلىاللهعليهوآله الصحابة إلى اتّباعه من بعده، فاستجاب لذلك ثلّة من خلّصهم كسلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاريّ وعمار ابن ياسر، والمقداد بن الأسود، وغيرهم، من دون سند إلّا دفاع الله تعالى وإرادته في حفظ دينه، إلى أن وصلنا اليوم غضّاً طريّاً لم تشبه شائبة بدعة أو تحريف، دليل مادّي على أنّ هذا الخطّ هو الذي يمثّل فعلاً دين محمد صلىاللهعليهوآله ، لأنّه وصل إلينا بفضل الله، متخطّياً عقبات جمّة، لو وضعت واحدة منها في طريق تلك المذاهب التي تدّعي السنّة النبويّة باطلاً، لانمحت من كتب التاريخ، فضلاً عن استمرارها إلى اليوم.
تتلمذ أبو حنيفة ومالك بن أنس على عدد من أجلّة العلماء، على رأسهم الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الملقب بالصادق عليهالسلام ، الذي وُلد في المدينة
المنوّرة سنة 83 هجرية، وتوفّي بها، ودفن في مقابر الشهداء بالبقيع، إلى جانب آبائه الإمام الحسن بن عليّ عليهالسلام ، والإمام عليّ بن الحسين عليهالسلام ، والإمام محمد بن عليّ عليهالسلام سنة 148 هجرية.
لم يتتلمذ من أئمّة المذاهب الإسلاميّة، على يدي الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهالسلام ، أبو حنيفة ومالك بن أنس فقط، بل تتلمذ عليه أيضاً سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، ومحمّد بن الحسن الشيباني، ويحيى بن سعيد، ومن العلماء والمحدّثين والفقهاء غيرهم، كأبي أيوب السجستاني، وشعبة بن الحجّاج، وعبد الملك بن جريج، حتّى أنّ جابر بن حيان عالم الكيمياء الشهير، كان من تلاميذ الإمام الصادق عليهالسلام في ذلك العلم، وبلغ مجموع تلامذة الإمام جعفر بن محمد عليهالسلام أربعة آلاف تلميذاً (1) .
كان الإمام جعفر بن محمّد الصادق، ووالده محمّد بن عليّ باقر العلوم عليهالسلام ، المؤسسين لجامعة العلوم الإسلامية، التي تخرّج منها آلاف العلماء الأجلّاء في شتّى العلوم، في عصر استفحلت فيه عقائد غريبة على الإسلام، وظهرت وسط الأمّة فرق تأسّست أفكارها من أجل إبعاد المسلمين عن نبع أهل البيت الصافي، وصرفهم عن معين دين النبيّ الخاتم صلىاللهعليهوآله ، فتصدى هو ووالده عليهماالسلام إلى ذلك التحريف لإبطاله، وتفنيد مزاعم التحريفيين في العقائد الإسلاميّة، على خطى آبائهم وأجدادهم في الذبّ عن الدين، والدفاع عن بيضته، ممّا جعلهم عرضة للاضطهاد والتنكيل والقتل، من طرف طواغيت أزمنتهم من الأمويين والعباسيين، الذين كانوا يقفون وراء جلّ محاولات التحريف، والبدع التي ألصقت بالدين.
وقد سجّل المؤرخون مواقف أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، وتصدّيهم لإزالة الشوائب التي علقت بالدين، أقتصر منها على ما نقل عن الإمام الصادق عليهالسلام ، سادس أئمة
_________________
(1) الإرشاد للمفيد 2: 179.
أهل البيت عليهمالسلام ، الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، أقدّمه ليكون دليلاً على أعلميّة هؤلاء الأطهار، وسعة معارفهم، وقدرتهم على الإمساك بأزّمة الدين وعلومه.
كان للإمام جعفر بن محمّد الصادق موقف جاد وصارم من أبي حنيفة النعمان، عندما بلغه أنّ الرجل يستعمل القياس برأيه، ففي رواية أنّه قال لأبي حنيفة لمّا دخل عليه: «من أنت ؟»
قال: أبو حنيفة.
قال: مفتي أهل العراق ؟
قال: نعم.
قال: بمَ تفتيهم ؟
قال: بكتاب الله.
قال: وإنّك لعالم بكتاب الله، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه ؟
قال: نعم.
قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: ( وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ ) (1) أي موضع هو ؟
قال أبو حنيفة: هو ما بين مكّة والمدينة. فالتفت أبو عبد الله عليهالسلام إلى جلسائه وقال: نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل، وعلى أموالكم من السرقة ؟
فقالوا: اللهم نعم.
فقال أبو عبد الله: ويحك يا أبا حنيفة ! إنّ الله لا يقول إلّا حقّاً، أخبرني عن قول الله عزّ وجلّ: ( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) . أي موضع هو ؟
_________________
(1) سبأ: 18.
قال: ذلك بيت الله الحرام.
فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه وقال: نشدتكم بالله هل تعلمون إنّ عبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل ؟
قالوا: اللهم نعم.
فقال أبو عبد الله عليهالسلام : ويحك يا أبا حنيفة ! إنّ الله لا يقول إلّا حقاً.
فقال أبو حنيفة: ليس لي علم بكتاب الله، إنّما أنا صاحب قياس.
قال أبو عبد الله عليهالسلام : فانظر في قياسك إنْ كنت مقيساً، أيّما أعظم عند الله القتل أم الزنا ؟
قال: بل القتل.
قال عليهالسلام : فكيف رضي في القتل بشاهدين، ولم يرضَ في الزنا إلّا بأربعة ؟، ثمّ قال عليهالسلام : الصلاة أفضل أم الصيام ؟
قال: بل الصلاة أفضل. قال عليهالسلام : فيجب على قياس قولك على الحائض، قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة.
قال له عليهالسلام : البول أقذر أم المني ؟
قال: البول أقذر.
قال عليهالسلام : يجب على قياسك، أنْ يجب الغسل من البول دون المني، وقد أوجب الله تعالى الغسل من المني دون البول.
قال: إنّما أنا صاحب رأي.
قال عليهالسلام : فما ترى في رجل كان له عبد، فتزوّج وزوّج عبده في ليلة واحدة، فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة، ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد، وولدتا غلامين، فسقط البيت عليهم، فقتل المرأتين، وبقي الغلامان، أيّهما في
رأيك المالك والمملوك، وأيّهما الوارث والموروث ؟
قال أبو حنيفة: إنمّا أنا صاحب حدود.
قال عليهالسلام : فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح، وأقطع قطع يد رجل، كيف يقام عليهما الحدّ ؟
قال أبو حنيفة: إنّما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء. قال عليه السلام: فأخبرني عن قول الله لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: ( لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ) (1) ولعلّ منك شكّ ؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : وكذلك من الله شكّ إذ قال: لعلّه ؟
قال أبو حنيفة: لا علم لي.
قال عليهالسلام : تزعم أنّك تفتي بكتاب الله، ولست ممّن ورثه، وتزعم أنّك صاحب قياس، واول من قاس إبليس لعنه الله إذ قال ( خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ) (2) ولم يبنَ دين الإسلام على القياس، وتزعم أنّك صاحب رأي، وكان الرأي من رسول الله صواباً، ومن دونه خطأ؛ لأنّ الله تعالى قال: ( لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ) (3) ولم يقل ذلك لغيره، وتزعم أنّك صاحب حدود، ومن أنزلت عليه أولى بعلمها منك، وتزعم أنك عالم بمباعث الأنبياء، وخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك، ولولا أن يقال: دخل على ابن رسول الله فلم يسأله عن شي، ما سألتك عن شي، فقس إنْ كنت مقيسا.
قال أبو حنيفة: لا أتكلم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس.
_________________
(1) طه: 44.
(2) الأعراف: 12.
(3) النساء: 105.
قال عليهالسلام : كلاّ، إنّ حبّ الرياسة غير تاركك، كما لم يترك من كان قبلك» (1) .
ولم يرَ خطّ من الخطوط المدعيّة للإسلام حاثّا لأتباعه على ربط العلم بالعمل وبذل الجهد من أجل إعلاء كلمة الله، وفداء الإسلام العظيم بالنفس والمال والولد، غير خطّ التشيّع لأهل البيت عليهمالسلام ، فكانوا تبعاً لائمتهم أمثلة تضرب، ونماذج معبّرة عن الإسلام الصافي، يحتذي بها من يريد النجاة في الدارين..
قال الإمام الصادق عليهالسلام : «عليكم بتقوى الله، والورع والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الخلق وحسن الجوار، وكونوا دعاة إلى انفسكم بغير ألسنتكم» (2) .
من البديهي على المسلمين الواعين، أنْ لا يتقبلوا كلّ ما جاء من تلك العصور، إلّا بعد فحص وتمييز، لأنّ أغلب ما كتب فيها كان بإيعاز من أنظمة شهد لها التاريخ بالدموية والظلم والبعد عن الدين، والتكالب على الشهوات والدنيا، وعليه، فمن الواجب أنْ ننبّه بقيّة المسلمين إلى ما ألقي إلينا خلال تلك الفترات، ليحذروا من الانسياق وراء تبعاته. والمحتاط لدينه اليوم، حرصاً على النجاة من عقاب الله تعالى، وسعياً من أجل نيل رضاه ودخول جنّة الخلد التي وعدها الله سبحانه وتعالى عباده المتقين، يستطيع أنْ يميّز بسهولة كما استطعت أنا أن أعرف طريقي فشققته قرير العين، متيقناً من امتلاكي للوسيلة التي ستقرّبني من الله سبحانه، وهي أنّ جميع الفرق التي تدّعي الإسلام، منقطعة عن العصر النبويّ انقطاعاً واضحاً، باستثناء فرقة واحدة، هي الشيعة الاماميّة الاثني عشريّة، لاعتقادهم، واقتدائهم، وطاعتهم لائمتهم المتصلين بالنبيّ صلىاللهعليهوآله اتصالا وثيقاً، بدأ من الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، أوّل أئمة الهدى الذين نصّ عليهم الله جلّ
_________________
(1) الاحتجاج للطبرسي 2: 115 - 117.
(2) المحاسن للبرقي: 1 / 18 وانظر الحديث في الكافي 2 / 77.
جلاله، ورسوله صلىاللهعليهوآله ، وانتهاء بالإمام الثاني عشر عليهالسلام وسفرائه الكرام، ممّا جعل شيعتهم على مدى ثلاثة قرون في مأمن الكذب والوضع، الذي استفحل منذ وفاة النبي صلىاللهعليهوآله ، وقبل نشوء تلك الفرق والمذاهب، وقد شهد المخالف والموالف لأئمة أهل البيت عليهمالسلام بالصدق والتقوى والورع، وقد أسّس الأئمة الأطهار قاعدة الاجتهاد في الفقه، وشجّعوا تلامذتهم الذين بلغوا درجته على استنباط تلك الأحكام، تمكيناً للمسلمين من العمل بمقتضى تلك الفتاوى، واستجابة لمقتضى تطوّر العصر والحاجة إلى رفع أيّ إشكال فيه على المسلمين.
ووقف العلماء الأعلام بعد ذلك، وأخذوا المشعل في قيادة المسلمين الشيعة، وإرشادهم وبثّهم تعاليم الإسلام الصحيح، الذي لم تدنّسه أيدي الظالمين والمحرّفين، فهم إلى الآن يعتبرون العمل بموجب الرسائل العملية للمراجع العظام، واجب لا بديل عنه ومبرىء للذمّة، والمتعبّد عندهم بغير فقه كحمار الطاحونة، طبقا لحديث الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام (1) .
لذلك لم أتردّد في أنْ أعلن تشيّعي لأهل البيت عليهمالسلام في مجتمعي وعلى الملأ من الخاصّ والعامّ، معتزّاً بذلك، آملاً أنْ يلتفت بقيّة المسلمين إلى حقيقة أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، فيعودون إليهم باعتبارهم ولاة أمورهم في الدنيا والآخرة، والحمد لله على نعمة الهداية أولا وآخراً.
_________________
(1) الاختصاص للمفيد: 245.
الحلقة السابعة عشر
رزيّة الخميس هي التي شيّعتني
أمّا نبيل، فقال: كنت في ما مضى ميّالاً للتصوّف، توّاقاً للعزلة هربا من انحرافات المجتمع، متوقّياً بذلك من الانسياق وراءها، وتحمّل تبعاتها، لكنّني بقدر ما تميزت الأجواء التي عشت فيها بروحيّة عالية، لم أكن أعرفها من قبل، بقدر ما شعرت بأنّ هنالك حلقة مفقودة في التصوّف حتّمت عليّ عدم الاطمئنان إلى ذلك المنهج، الأمر الذي دفعني إلى البحث من جديد عن الطريق الذي يمثّل الإسلام الذي جاء به النبيّ الخاتم صلىاللهعليهوآله ، والذي يشكّل سبيل التواصل مع الله سبحانه وتعالى، لكنّني وبكلّ أسف لم أهتد إلى حل يُسكن الطمأنينة في قلبي.
ومرّت الأيّام، وأنا على حال من الحيرة والقلق، إلى أن قيض الله لي رجلاً في زمن قلّ فيه الرجال وكثُر أشباههم، قلب كياني، وغيّر مجرى حياتي تغييراً هاما، أوقفني على تلة الحقيقة، وأوردني مشرباً رويّاً، ملأتُ منه حافظتي، وجمعتُ من خيره العميم ما يمكن أنْ يقيني سرابيل الذلّ بقيّة عمري، ويكون لي سبباً من أسباب الفوز يوم تبيضّ فيه وجوه وتسوّد وجوه.
منذ اللقاء الأوّل مع ذلك الشخص، اكتشفت أنّني لا أملك إلّا بعض مظاهر الدين وشكليّاته، ولا أملك لها عمقاً في وجداني، وأحسست بضآلتي أمام جبل من القرائن والحجج التي كان يستدلُّ بها ذلك الصديق، وبقدر ما كان يتملكني الاستغراب، وتأخذني الحيرة ممّا كان يلقيه إلي الرجل، بقدر ما كنت أشعر بأنْ هناك نفس جديد يختلجني، وإحساس بالوعي يأخذ محلّ الغفلة التي كانت تحاصرني، كما كانت تحاصر الغالبيّة العظمى من المسلمين.
ولعلّ الذي حسم النزاع في نهاية المطاف، حبي للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، ومودّتي لأهل بيته الطاهرين، فقد جاءني ذات يوم وابتدرني قائلاً: «ماذا يمثّل النبيّ صلىاللهعليهوآله بالنسبة إليك ؟»
فقلت له: «إنّه خاتم الأنبياء والمرسلين صلىاللهعليهوآله ، به بدأ المولى تعالى الخلق وبه اختتم شرائعه، وهو فوق ذلك كلّه حبيب الرحمان، متميّزاً على جدّه إبراهيم الخليل عليهالسلام ، ليس في الخلق من هو أفضل ولا اقرب ولا أرفع منه».
فقال لي: «إذاً، أنت من المقرين بفضله ومنزلته عند الله سبحانه وتعالى».
فقلت له: «أفي ذلك شك ؟»
فقال: «أنا لا أشكّ في عقيدتك، وصدق مشاعرك نحو النبيّ الأعظم صلىاللهعليهوآله ، ولكنّني لا أرى لذلك الحبّ أثرا عليك».
فقلت له: «وكيف ترى يكون الأثر ؟»
فقال: «أثر ذلك يكمن في اتّباعك ومحبّتك وولائك له، وغيرتك عليه، فقد قرن الله سبحانه وتعالى محبّته باتّباع الرسول صلىاللهعليهوآله ، في قوله جلّ من قائل: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) (1) وجعل طاعة الرسول صلىاللهعليهوآله طاعته، ومعصية الرسول صلىاللهعليهوآله معصيته، في قوله: ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ) (2) وقال أيضا: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (3) وحدّد جملة من التصرفات السيّئة، واعتبرها سلبيّة، وسبباً في إحباط الأعمال، ناهياً عن الإتيان بها ومشدّداً على ذلك في قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
_________________
(1) آل عمران: 31.
(2) النساء: 80.
(3) النور: 63.
تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَىٰ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) (1) .
ومع ذلك فقد صدر عن ذلك الجيل المعاصر للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، والمعبر عنه بالصحابة، ما أفاد بأنّ منهم من لم يستوعب الأمر، ولم يأخذ بالنصيحة، مظهراً موقفاً دلّ على جاهلية لم تغادر صاحبها، وجهل بأبسط القيم التي جاء بها الدين الحنيف، حيث تطاول منهم من تطاول على مقام النبيّ صلىاللهعليهوآله ، إلى درجة تجاهله وإلغاء دوره».
فقلت له: أعتقد أنّك تتحدّث عن فئة المنافقين الذين كانوا يتربّصون برسول الله صلىاللهعليهوآله وبدينه الخاتم، هؤلاء الناس قد كشف الوحي عوراتهم، وأزاح الستر الذي كانوا يختبئون وراءه».
فقال لي: «لكن هل تعرف منهم أكثر من واحد؟ وقد أرجف منهم بالنبيّ صلىاللهعليهوآله عدد كثير، لماذا أهملت أسماء هؤلاء على خطورة ما يقدمون عليه ويسعون لتحقيقه، وهو محق الدين، وقتل النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ثمّ إنّ هؤلاء الذين كانوا من جيل النبيّ صلىاللهعليهوآله ، عاشوا معه في المدينة وما حولها، ذهبوا معه وسافروا وحاربوا، وحادثوه وسمعوا منه، وشهدوا أنّه رسول الله، ودخلوا في دين الله، ماذا نسميهم ؟ أليسوا صحابة هم أيضا، ألم يتطاول منهم من تطاول، وعُرض على النبي صلىاللهعليهوآله قتله فقال صلىاللهعليهوآله : «لا دعه، لا يتحدث الناس أنّ محمّداً يقتل أصحابه» (2) . لذا يجب أن يفهم المسلمون أن الصحابة جيل النبي صلىاللهعليهوآله ، لا يختلف في شي عن بقية أجيال المسلمين.
_________________
(1) الحجرات: 1 - 4.
(2) صحيح البخاري 6: 66، 67، صحيح مسلم 8: 19.
قلت: «نحن لا نعرف أكثر من ابن أبي سلول، وقد لا يتجاوز المعروفين منهم عدد أصابع اليدين».
فقال: «تلك نقطة يجب التنبّه إليها، لأنّ الذي أراد أنْ يعفو آثار المنافقين وحزبهم الخطير، كان يقصد التستر على أسماء لا يروق لأتباعها أنْ ينكشف حالهم، ويظهروا على حقيقتهم، فمثلاً لو أنّ شخصاً كأبيك أو أخيك أو جدّك كان يعيش مع النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ثمّ صدر منه موقف فيه تطاول عليه صلىاللهعليهوآله ، وجرأة على مقامه الشريف، ماذا يكون موقفك منه ؟
فقالت: «أراجعه، فإنْ أبى فإنّني أتبرأ منه على الملأ، معتبراً إيّاه ممّن حادّ الله ورسوله، وأعتذر لرسول الله صلىاللهعليهوآله مما صدر منه».
قال: «إذاً، فماذا تقول في صحابيّ، قُدّم لنا على أساس أنّه صاحب النبيّ صلىاللهعليهوآله المقرب، وقد وقف في حجرة رسول الله صلىاللهعليهوآله أربعة أيام قبل وفاته، ليتجرّأ عليه في بيته، ويمنعه من كتابة وصيته، وينعته بالهجر والهذيان».
قلت له: «ماذا تقول يا رجل ؟ وهل يعقل أن يصدر مثل ذلك الموقف من أناس هم أقرب إلى النبيّ صلىاللهعليهوآله من غيرهم، وقد سبقونا إلى الإيمان بالإسلام واتّباع النبيّ صلىاللهعليهوآله ، أنا لا أتصور حدوث ذلك، اللهمّ إلّا إذا كانت الروايات متّفق على صحّتها، وأخرجها أصحاب الصحاح».
فقال: «إنّ القرب من النبيّ صلىاللهعليهوآله والبعد عنه، يتجسدان في طاعته والامتثال لأمره، أو معصيته ومخالفته، وذلك ليس محكوماً باسم أو صفة ميّزت هذا الصحابي عن ذاك، ناهيك أنّ الصحابة رضوان الله تعالى على أخيارهم، لا يتميّزون عنّا في شي من فرص التكافؤ التي جعلها الله متاحة للجميع، بل لقد ذمّ كتاب الله عدداً منهم، واستثنى النبيّ ذلك العدد من رحمة الله في أحاديث الحوض التي استحضر منها قول النبيّ صلىاللهعليهوآله الذي أخرجه البخاري وغيره: «... وإنّ أناساً
من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول. أصحابي أصحابي. فيقول: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم...» (1) .
أمّا السبق والاتّباع، فإنّه ليس محدّداً بزمن أو محصوراً في جيل من الأجيال، لأنّ الله سبحانه وتعالى قد عدل بين الناس أمام طاعته وأعطاهم الفرص متكافئة.
وقد جاء ذكر المتأخرين من المسلمين عن ذلك العصر، على لسان النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله ، بأنّهم أفضل أهل الإيمان إمكاناً (2) فإنّهم سيؤمنون به بمجرد الاطلاع على حقيقة بعثته، دون حاجة إلى مشاهدة معجزاته، ولا حضور شخصه، ورؤية صفاته.
أمّا من جهة إخراج الرواية فقد اتفق الجميع على صحّتها والاعتراف بمضمونها، بدون أدنى حرج.
قلت له: «فما هي الحادثة، ومن هو ذلك الصحابي، وفي أي الكتب أخرجت ؟»
فقال: «أخرج البخاري ومسلم وغيرهما بأسانيدهم عن ابن عباس أنّه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس ؟ ثمّ بكى حتّى خضّب دمعه الحصباء، فقال: اشتدّ برسول الله صلىاللهعليهوآله وجعه يوم الخميس، فقال: إئتوني بكتاب، أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: هجر رسول الله صلىاللهعليهوآله . ( وفي رواية أخرى فقالوا: ما شأنه أهجر استفهموه ؟ فذهبوا يردون عليه ) قال: دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه» (3) .
_________________
(1) صحيح البخاري 4: 110.
(2) انظر المستدرك على الصحيحين 4: 86، وتاريخ دمشق 23: 321 بلفظ آخر.
(3) صحيح البخاري 4: 31، (65) 66 و 5: 137، صحيح مسلم 5: 75، 76.
فقلت له: «الحادثة في منتهى الفظاعة والتجنّي على النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لكنّها لم تفصح عن الجاني، ولا أخبرت عن الجماعة التي كانت تقف معه ذلك الموقف وتسانده».
قال: «الرواية الثانية هي التي فضحت الجاني وكشفت شخصه، عندما عمد من عمد إلى التخفيف من حدّة الألفاظ التي أطلقها، واستبدالها بألفاظ تخفّف من الوزر الذي لحق به».
أخرج البخاري بسنده عن ابن عباس قال: «لمّا حضر النبيّ صلىاللهعليهوآله وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده، قال عمر: إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلىاللهعليهوآله كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف عند النبيّ صلىاللهعليهوآله قال: قوموا عنّي. قال عبيد الله: «فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله صلىاللهعليهوآله وبين أنْ يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم» (1) .
وتبين أنّ الذي وقف في وجه النبيّ صلىاللهعليهوآله ليمنعه من إنفاذ أمره في كتابة وصيته، ليس إلّا عمر بن الخطاب، وقد أجمع الرواة والمحدّثون وأصحاب السيّر والمؤرخون جميعاً على الإقرار بصحّة وقوع ذلك، غير أنّهم التمسوا له العذر في موقفه، معلّلين بأنّه لم يكن قاصداً أذيّة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ولا التعرّض له، فطبعُ الرجل عندهم دائماً ميّالاً إلى الغلظة والتحرّش والاستفزاز، وقد ظهرت منه قبل ذلك مواقف طواها الزمن في سجلّه الحافل بالتجاوزات.
قلت له: لكن لماذا وقف عمر ذلك الموقف الغريب ؟»
_________________
(1) صحيح البخاري 8: 161، صحيح مسلم 5: 76.
قال: قبل أنْ تسأل عن ذلك، وجب عليك أن تلتفت إلى أنّ مكان عمر، ما كان له أن يكون في بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لولا تمرّده عن الخروج مع أسامة بن زيد، في الجيش الذي بعثه النبيّ صلىاللهعليهوآله لقتال الروم، والذي عسكر في الجرف قرب المدينة استعداداً للرحيل، وكان قائده أسامة يحاول جمع عناصره التي كانت تأبى عليه ذلك، بعد المعارضة التي ظهرت إثر تعيينه، استخفافاً بشخصه واستنقاصا له، وعصياناً لأمر النبيّ صلىاللهعليهوآله .
قلت له: «وهل كان عمر ضمن الأفراد الذين عيّنهم النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ليكونوا تحت إمرة أسامة بن زيد، ثمّ كان من المعارضين لتعيين أسامة ؟»
قال: «نعم، لقد صرّح بذلك أغلب أصحاب السيّر والتاريخ، ذاكرين عدداً من الصحابة الذين نصّ عليهم النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ليكونوا ضمن تعداد ذلك الجيش، منهم: أبو بكر وعمر وأبو عبيدة (1) ، وليست المرّة الأولى التي يكون فيها عمر جنديّاً تحت إمرة غيره، ففي غزوة ذات السلاسل كان تحت إمرة عمرو بن العاص (2) ، وفي خيبر كان تحت إمرة الإمام عليّ عليهالسلام ، وقد رجع قبل ذلك يجبّن أصحابه، وأصحابه يجبّنونه» (3) .
أمّا فيما يخصّ معارضته لتعيين أسامة، فليس أدلّ على ذلك، من تحمّله مسؤولية نقل ذلك إلى الخليفة الأوّل عندما طلب منه استبدال أسامة بقائد آخر، ولو كان الرجل يقدّر المسألة، لما اندفع في غمارها يطلب بدلاً عن تعيين النبيّ صلىاللهعليهوآله (4) . قلت: «لكن لماذا يُقدم صحابي بذلك المقام على معصية النبيّ صلىاللهعليهوآله » ؟
_________________
(1) فتح الباري 8: 115، الكامل في التاريخ 2: 317.
(2) المصدر نفسه 2: 232.
(3) انظر المصنّف لابن أبي شيبة 8: 521، المستدرك على الصحيحين 3: 38.
(4) الكامل في التاريخ 2: 335.
قال: «لقد تعلّق الأمر بالحكومة الإسلاميّة، ومن سيتولّاها بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فحديث الثقلين (1) الذي سبق لرسول الله صلىاللهعليهوآله إذاعته في الناس، قد أشار إلى أنّ العاصم من الضلال، ليس إلّا التمسّك بكتاب الله، والعترة الطاهرة من بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فهما الثقلان اللذان يمتلكان مُقوّمات بناء الأمّة، وظاهر الحديث يدلّ على أن القرآن لا يمكن أنْ يكون إلّا عند الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، لأنّهم الناطقون عنه صدقاً وعدلاً، ولا يستطيع أحد غيرهم بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله سبر غوره، وتفسير رموزه، وفكّ غموض متشابهه، والتفريق بين منسوخه وناسخه، غير الصفوة الطاهرة عليهاالسلام ، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك في سورة الواقعة فقال: ( لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) (2) . بمعنى لا يستطيع إدراك حقائقه، والتمكّن من فهمه الفهم المطابق للمقصد، غير الذين وقع تطهيرهم، ليقوموا بذلك الدور، ولم يقع تطهير من المولى سبحانه وتعالى في هذه الأمّة سوى أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، قال تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (3) كما لم يدّع أحد اختصاصهم بالآية ودخولهم فيها غيرهم، وقد قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) (4) ، وقد علمنا أنّ الصدق في الناس نسبيّ، وفيهم كامل، فليس هناك من هم أصدق منهم قولاً وفعلاً، وسيرتهم تشهد لهم بذلك، وقد التفت عمر وجماعته إلى الغاية من إرسالهم إلى حرب الروم، وصرفهم عن المدينة، وفهموا أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان يرغب في تسليم عليّ عليهالسلام لقيادة الأمّة في أجواء خالية من هؤلاء الطامعين، بعد أنْ عقد له زمامها في منصرفه من حجّة الوداع عند غدير خمّ، حينما قال:
_________________
(1) تقدم الكلام عن حديث الثقلين في حلقة سابقة.
(2) الواقعة: 79.
(3) الأحزاب: 33.
(4) التوبة: 119
«... فمن كنت مولاه فعلي مولاه...» (1) وقد كان عمر من أوّل المهنئين لعليّ بالولاية قائلاً: بخ بخ لك يابن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كلّ مسلم» (2) .
قلت له: «ولكن هل يعقل أنْ يصدر من عمر ذلك الموقف، وهو الذي جاءت الروايات معظّمة له، وقد وضعته في مقام الذي لا غنى للنبيّ صلىاللهعليهوآله عنه، بل وأكثر من ذلك، فقد نزل القرآن موافقاً لرأي عمر في عدّة آيات ؟»
قال: «لقد صدر من عمر مواقف أخرى قبل ذلك، فيها جرأة وتطاول على النبيّ، يدلّان على جاهليّة وجهالة لم تفارقا الرجل منذ أسلم.
فقد اعترض النبيّ صلىاللهعليهوآله وجذبه من ثوبه، ليمنعه من الصلاة على ابن أبي سلول (3) ، وفي صلح الحديبية عندما إشتدّ في المعارضة، إلى أنْ استعاذ منه النبيّ صلىاللهعليهوآله (4) ، وأعتقد جازما أنّ ما أهمله المؤرخون، وغطّاه الطلقاء، الذين مهّد لهم عمر سبيل السلطة، من تجاوزاته وجناياته بحقّ النبيّ صلىاللهعليهوآله والإسلام، أكثر من أن تحصى، حتّى أنّ السيوطي أفرد باباً في تاريخ الخلفاء سمّاه أوليّات عمر، تخفيفا لجرمه بحق الله ورسوله صلىاللهعليهوآله .
أمّا قولك بأنّ القرآن نزل موافقا لرأي عمر، فذلك ما لم يثبت فيه نص مطلقاً، وكلّ ما كتب في ذلك المعنى، كان بأيد بعيدة عن الدين والعلم والأمانة».
قلت: «لكنّ عقيدتي في أصحاب النبيّ صلىاللهعليهوآله تأبى علي قبول كلامك ؟»
فقال: «لقد بنيت عقيدتكم على قبول الطعن والنقيصة في النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وعدم قبولها في أبي بكر وعمر وعثمان، ورفعتم من مقام هؤلاء، ووضعتم من مقام رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وأهل بيته الكرام، هذا للأسف الشديد ما نجح فيه معاوية وبنو
_________________
(1) تقدم الكلام عن حديث الغدير في حلقة سابقة.
(2) مسند أحمد 4: 281، تاريخ بغداد 8: 284، واللفظ للأخير.
(3) صحيح البخاري 2: 76 و 5: 206، صحيح مسلم 7: 116.
(4) السيرة الحلبية 2: 706، انظر صحيح البخاري 3: 182.
أميّة وعامّة حزب الطلقاء لعنهم الله، واستطاعوا بدهائهم وخبثهم وأكاذيبهم، أنْ يجعلوا من الصحابة بديلاً عن عليّ وأهل بيته عليهمالسلام ، فشجّعوا على الافتراء على النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ووضع الأحاديث الممجّدة والمقدّسة لعدد من الصحابة، وبذلك جعلوا منهم رمز الإسلام، فتكوّنت عقيدة تنزيه جميع الصحابة برّاً كان أم فاجراً، مؤمناً كان أم منافقاً، ورُفع جميعهم إلى مستوى العدالة، بل اعُتبروا من الذين لا يُخطئون أبداً، وقُدّم منهم مَن قُدّم حتّى على النبيّ صلىاللهعليهوآله ، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كأحاديث الدف (1) والمزمار (2) ، وقدّموا من قدّموا حياءه على حياء النبيّ صلىاللهعليهوآله ، بل إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لا يستحي إلّا بحيائه (3) ، وقبلوا صدور ذنب العبوس والتولي من النبي صلىاللهعليهوآله (4) ، ولم يقبلوه من صحابي، وردّوا ذلك، ودافعوا عنه دفاع المستميت.
_________________
(1) سنن الترمذي 5: 284.
إشارة إلى ما أخرجه الترمذي من حديث الجارية التي نذرت أنْ تضرب بالدفّ بين يدي رسول الله صلىاللهعليهوآله إنْ أرجعه الله سالماً، فوافقها رسول الله على ذلك النذر، وأخذت تضرب بالدفّ أمام النبيّ صلىاللهعليهوآله ولم ينهها عن ذلك، ثمّ دخل أبو بكر ومن بعده عليّ ثمّ عثمان وهي تضرب ولا تبالي ثمّ تقول الرواية: «ثمّ دخل عمر، فألقت الدف تحت أستها، ثمّ قعدت عليه، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : إنّ الشيطان ليخاف منك يا عمر...»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ( سنن الترمذي 5: 284 )، إذن فالشيطان يخشى من عمر ولا يخشى من النبي صلىاللهعليهوآله ، والجارية خشيت من عمر ولم تخش من الرسول، فالرسول يعمل الحرام وعمر يرفض ذلك ولاحول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
(2) صحيح مسلم 3: 21.
أخرج مسلم وغيره عن عائشة قالت: «دخل عليّ أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيّان بما تقاولت به الأنصار يوم بعاث، قالت وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : يا أبا بكر، إنّ لكلّ قوم عيد وهذا عيدنا»، صحيح مسلم 3: 21.
وفي صحيح البخاري ( 2: 3 ) بلفظ: «أمزامير الشيطان في بيت رسول الله» فأبوبكر ينهى عن مزامير الشيطان، بينما رسول الله صلىاللهعليهوآله يقرّها.
(3) المعجم الكبير 11: 203.
(4) سنن الترمذي 5: 103، المستدرك 2: 514، والمسألة محلّ إجماع بين مفسّريهم، انظر تفسير الفخر الرازي مجلد 11، ج 31، ص 55.
وقد ترسّخت عقيدة تقديس الصحابة وتقديمهم بدلاً عن أهل البيت عليهمالسلام ، إلى درجة صعب معها مراجعة أكثر هؤلاء المقدّسين، بسبب طول المدّة التي ظلّت فيها أجيالهم عاكفة على تلك الحالة، فالعقبة إذاً، هي في ركام تلك القرون وليس في محتواه، لأنّ المحتوى لا يستند إلى أساس يعتمد عليه».
قلت له: «إنّني أرى أنّ الإسلام بما حواه من عقيدة وشريعة، قرآناً وسنّة نبوية وتاريخاً وسيرة، لو لم يحمله الصحابة علماً وعملاً وجهاداً لما وصل إلينا منه شيء».
قال: «إنّ هذا الدور الذي نسبته للصحابة ليس إلا لعليّ والأئمة من ذريته عليهمالسلام ، فدور الحفظ والهداية مناط بهم، والنصوص تشهد لهم بذلك، واستقامتهم في تطبيق الإسلام علوما وأخلاقا غير خافية أيضا، وهذا تراثهم قائم بذاته، قد ظهرت آثاره واضحة للعيان، وقد سجّل التاريخ تصدّيهم للذبّ عن الدين بما مكّنهم الله سبحانه وتعالى من معارف وعلوم، بينما ظهر احتياج الصحابة وغيرهم من الأجيال الإسلامية إليهم، وقد سُئل الخليل بن أحمد الفراهيدي، ما الدليل على إمامة علي عليهالسلام ، فقال: «احتياج الكل إليه واستغناؤه عن الكلّ» (1) ، وظهر من عليّ عليهالسلام نفسه قوله المتكرر: «سلوني قبل أن تفقدوني» (2) ». وقد اشتهر بين الحفاظ مقالة عمر نفسه: «لولا علي لهلك عمر» (3) .
قلت له: فهل يمكنك أنْ تقدّم لي الدليل على أحقيّة أهل البيت عليهمالسلام من خلال تراثهم.
_________________
(1) تنقيح المقال 1: 403.
(2) المستدرك على الصحيحين 2: 352.
(3) الاستيعاب في معرفة الأصحاب 3: 1103.
قال: «نعم، سوف أعطيك بعض الكتب التي تستطيع منها أنْ تقف على أحقيّة أئمة أهل البيت الاثني عشر، الذين نصّ عليهم النبيّ صلىاللهعليهوآله أئمّة وقادة وسادة بعده، وإنّي متأكّد من أنّك إذا درستها بتمعّن ورويّة، بعيداً عن التعصّب، فإنّك ستصل إلى قمّة الحقيقة.
وتواعدنا على أن يسلّمني بعض الكتب التي تحوي تراث أهل البيت عليهمالسلام . وفي الموعد المحدّد جاء صديقي يحمل معه كتاب نهج الحقّ وكشف الصدق للعلّامة الحلّي، وفدك في التاريخ للشهيد محمّد باقر الصدر، والصحيفة السجّادية التي تحوي أدعية رابع أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليهالسلام ، فسلّم لي تلك الكتب، ووعدني بالمزيد منها إذا قرأتها.
ولم يدم تصفّحي لتلك الكتب غير أسبوع واحد، أمكنني من خلاله الوقوف على قوّة الدليل الذي يمتلكه الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة، عقيدة وشريعة وتاريخاً، ومدى انسجام كلّ تلك البراهين مع العقل والمنطق، فأقررت بالحقّ الذي عليه آل طه، وواليتهم امتثالاً لأمر الله سبحانه وتعالى فيهم، ثمّ التزمت ذلك المنقذ الذي حرّرني من ظلمات الوهم، ورؤى السراب، فكان يمدّني في كلّ مرة بما أحتاجه للإجابة على سؤال، أو لحلّ معضلة، إلى أنْ تمكنتُ من أنْ أجمع المزيد من الأدلّة في عقلي، وأشتري عدداً من الكتب التي تلزمني في معرفة ديني الحقّ، الذي تركه خاتم الأنبياء والمرسلين لأهل بيته، باعتبارهم ورثة علومه والقادرين أكثر من غيرهم على تحمّل مسؤولية أداء ذلك لمن سيأتي بعد من الناس، والحمد لله ربّ العالمين.
الحلقة الثامنة عشر
مسألة الاصطفاء في القرآن هي التي شيّعتني
زهير، صديقُ الطفولة وشريك في ذكرياتها اللطيفة والممتعة، كان ولا يزال متحليّاً بروح مرحة عالية التربية، حسن المعاشرة، لطيف الطباع، قويّ البنية، لكنّني لم أذكر أنّه استعملها في الاعتداء على أحد مهما كان تطاوله عليه، لكن ليس معنى ذلك أنّه يقبل أنْ يُظلم، لقد تعلّم كيف ينال حقّه بفضل تعقله ومنطقه، جاء إلى الجلسة ملبيّاً الدعوة التي كنت وجهتها إليه، مدفوعاً بحماسة إظهار الحقّ، ونصرة أهله الكرام عليهم الصلاة والسلام، وعند إعطائه الكلمة قال:
نشأت في وسط متسامح لا يعرف التعصّب، منفتح على الثقافة والعلم، فلم يكن لديّ إشكال في التواصل مع كافّة الشرائح التي تتعايش معي في المجتمع، ومن الثانوية إلى الجامعة تعدّدت علاقاتي مع مختلف التوجّهات الفكريّة، إسلاميّة وعلمانيّة، مع الحرص الكامل الذي كنت أظهره في الحوار والنقاش مع هؤلاء، عاملاً بقول الله سبحانه وتعالى: ( ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (1) .
أولى ملاحظاتي التي أفضت بي إلى التمسّك بحبل أهل البيت عليهمالسلام ، تتعلّق بمسألة الاصطفاء التي تحدّث عنها القرآن الكريم، موضحاً أنّها سنّة إلهيّة مترابطة ومتسلسلة عبر الزمن، غير موقوفة على أمّة دون أخرى، ويعتبر الاصطفاء الإلهي في القرآن، ثابتة من الثوابت التي لا تتغيّر، وقد مثّلت على مدى مسيرة البشرية في هذه الحياة، الملاذ الذي يستطيع به الهارب من الانحراف والزيغ، اتّباع السبيل
_________________
(1) النحل: 125.
القويم والصراط المستقيم، الذي انتهجه المصطفون عليهم الصلاة والسلام، وجعله الله سبحانه وتعالى عنوان التوفيق والفلاح، وبارك سعي من اتخذه وجهة حاثّاً على العمل بمقتضى ذلك الهدي، والسير في الحياة طبق ذلك النهج.
ومع وقوفي على هذه الحقيقة التي لا تقبل الشكّ، ولا تحتمل الطعن، لاحظت أنّ المجتمع الإسلامي الذي أعيش فيه، لم يكن يعر هذه المسألة أهميّة تستحقّ الذكر، بحيث أسقط من عقيدته وثقافته معنى الاصطفاء وغاياته، فقررت أنْ استقرىء كتاب الله تدبّراً وتفسيراً، اعتماداً على أمّهات المصادر الإسلاميّة.
وبعودتي إلى كتاب الله وتدبّر آياته، وجدت أنّ فيه سنناً كونية لا تتبدل مطلقاً، تتعلق بالوسائط التي جعلها الله سبحانه وتعالى بينه وبين عباده، والمعبّر عنها بصفوة الخلق، أولئك الذين تمكّنوا من نيل المكانة والحظوة والرضا من الله سبحانه وتعالى، بفضل سرعة استجابتهم لأوامره ونواهيه، وانسجامهم مع أحكامه وعلومه، وتفوّقهم في عبادته علماً وعملاً، قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (1) . فتقبّلهم الخالق سبحانه وتعالى بقبول حسن، وأنبتهم نباتاً حسناً، أهلّهم لأنْ يكونوا عناصر تبليغ عنه، وهداية الناس لصالح الأعمال وعقبى الدار.
استوقفتني الآية التي في سورة آل عمران، لما تضمنته من مفردات، فقد كنت متصوّراً قبل ذلك أنّ الاصطفاء مخصوص بالأنبياء والمرسلين والملائكة، ولم ألتفت إلى أنّ المسألة تتعدّاهم إلى غيرهم من عناصر التبليغ والهداية، وتذهب بعيداً حتّى تشمل كلّ هذا الكون من حيث اختيار الأنسب والأصلح.
المفردات التي أشرتُ إليها تتعلق بآل الأنبياء عليهمالسلام الذين ذكرتهم الآية، وأدرجتهم ضمن قائمة المصطفين، وتساءلت: هل أنّ آل الأنبياء هم أنفسهم
_________________
(1) آل عمران: 33 - 34.
أنبياء، أم أنّ لهم مقاماً آخر لا يقل أهميّة عن مقام النبوّة ؟
ووجدت الجواب في قوله تعالى لإبراهيم عليهالسلام : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) (1) . بمعنى أنّي جاعلك قدوة وهادياً في الناس، يتّبعون أثرك، ويأتمرون بأمرك، ويقتدون بك، ويسلكون طريقك. وفرح إبراهيم الخليل عليهالسلام بالإمامة وسأل الله سبحانه وتعالى أنْ تكون في ذريته، لكن الله تعالى اشترط فيها شروطاً، منها: أنّ الظالم لا يمكن أنْ يكون إماماً، والظلم كما هو معروف ليس محصوراً في عمل ما، أو خاصّ بصفة ما، بل يصطلح على كلّ عمل أو صفة خارجة عن الأوامر والنواهي الإلهية، والتي من بينها الشرك بالله، قال تعالى: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (2) .
ولمّا تبينت مقام الإمامة، تساءلت عن دورها في المجتمع وخلافتها لمرحلة النبوّة ؟
وجدت قوله تعالى مفسّراً لذلك السؤال: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (3) . وظهر من الآية أنّ الدور الموكل للإمامة، والعمل المناط بالأئمّة عليهمالسلام ، هو هداية الناس بعد الأنبياء، وإرشادهم إلى العمل الصالح، والنهج القويم، وحثّهم على المبادرة إلى عمل كلّ خير من شأنه أنْ يُرغّب الناس في القرب من الله، فكانوا بهداية الله تعالى أمثلة تحقّق مصداق تشريعاته، قال تعالى: ( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (4) . وأمر عباده المؤمنين باتّباعهم، وكانت إرادته في أن يكون هؤلاء الأخيار حججه على خلقه في الدنيا والشهداء بالحقّ عليهم في الآخرة، قال
_________________
(1) البقرة: 124.
(2) لقمان: 13.
(3) الأنبياء: 73.
(4) الأنعام: 90.
تعالى: ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (1) .
والأمّة الوسط هنا: هم أئمّة أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، الذين خصّهم الله تعالى في الدنيا بهداية الناس وإرشادهم، والسلوك بهم سبيل الرشاد، وأعطاهم في الآخرة مقام الشهادة على الناس، وشهادة الرسول صلىاللهعليهوآله عليهم بما استرعاهم من مقاليد الأمّة.
وفهمت أنّ للوسائط التي جعلها الله تعالى بينه وبين خلقه منازل ومراتب، تقتضيها كلّ مرحلة من مراحل التبليغ عنه، فاصطفى من خلقه أنبياء، وجعل منهم رسلاً، وحمّلهم شرائعه إلى الناس، وخصّهم بالإمامة، وأذن لهم في أنْ يكونوا قدوة ظاهرين، وحكّاماً بتعاليمه، وكانت الوصية في نقل ذلك وإمراره بين الصفوة واجباً لم يهمله أحد منهم، قال تعالى: ( وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (2) . واستلزمت الوصية في أنْ يكون هناك من يقوم مقام الرسل في إمامة الناس وقيادتهم إلى توفيق الطاعة، وبناء المجتمع الواعي بدوره وتكليفه، والوصول بالإنسان إلى مرتبة التوحيد الصحيح والعبوديّة الحقّة، والبلوغ به إلى مستوى خليفة الله في الأرض، وضمير الهاء في الآية عائد إلى الإمامة التي تقلّدها إبراهيم عليهالسلام بأمر واختيار من الله تعالى، فهي أولى المسائل التي تستلزم الوصية. قال تعالى: ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (3) . وحدّدت الآية أنّ علوم الرسل عليهمالسلام ، لا تكون إلّا في الصفوة من الخلق، تلك الفئة التي تعتبر امتداداً لحركتهم، ومن نفس معدنهم
_________________
(1) البقرة: 143.
(2) البقرة: 132.
(3) فاطر: 32.
المتفوّق على بقيّة الخلق، بما أشرت إليه من استعدادات ذاتية، يزيدها الباري تعالى من فيضه ورحمته، كما جاء في شأن طالوت عليهالسلام عندما نصّ عليه نبيّ من أنبياء بني إسرائيل، فقوبل تعيينه بالاحتجاج، غير أنّ نبيهم ردّ عليهم في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (1) ؛ لذلك تحمّلت تلك السلسلة الطاهرة من الناس، مسؤولية إلهية في حفظ شرائع أنبيائها، بعد ما أتمّ لها الخالق تعالى إمكانيات تحمّل تلك المسؤولية الجسيمة.
إذاً، نستطيع أنْ نجزم، بأنّ اللطف الإلهي شاء أنْ تتواصل حلقاته، وتتوالى إفاضاته على العالمين رحمة وخيراً، فلم تعدم منه أمّة من الأمم، ولا كان مخصوصا بعصر دون آخر، فكان باباً من العطاء المتواصل، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ومن هنا فهمت أنّ معنى قوله تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (2) . يتّفق تماماً مع قوله تعالى: ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ) (3) . فالآية الأولى جاءت مجملة للسبب الذي جعله الله تعالى بينه وبين خلقه، وجاءت الآية الثانية شارحة له، فقسمت المرحلتين، وأعني بهما مرحلة التنزيل ومرحلة الحفظ إلى مراتب ووظائف هي كالآتي:
أمّا فيما يخصّ مرحلة التنزيل، فقد جعل الأنبياء والرسل أدواة تبليغ عنه، وعناصر نشر تعاليمه وبثّها في المجتمعات التي يراد بناءها على أسس الانقياد لله تعالى وطاعته وفق أحكامه المنزلة.
_________________
(1) البقرة: 247.
(2) الحجر: 9.
(3) المائدة: 44.
أمّا فيما يخصّ مرحلة الحفظ، فقد جعل الربانيين يتسلمون دور الإمامة من أولئك المرسلين، ومنحهم من تزكيته وتأييده وعلومه ما أمكنهم إعداد مرحلة جديدة ودور يستطيع أنْ يخلف الإمامة الربانيّة الهادية، وهو دور العلماء الرّبانيين، قال تعالى: ( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (1) . واقتنعت بذلك أنّه ليس هناك تنزيل بدون واسطة من الله تعالى، كما أنّه ليس هناك حفظ دون واسطة أيضا، وتساءلت بعد ذلك: إذا كان الاصطفاء كذلك، فأين يوجد في الأمّة الإسلاميّة ؟
كان حديث الثقلين هو الذي أرشدني إلى الصفوة الطاهرة من أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، بعد الغيبة التي أخضعوا لها قسراً في وجداني ووجدان الأمة الإسلامية، فقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : «تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما» (2) واصطدم الحديث برواية مالك: كتاب الله وسنّتي (3) . لكنّ رواية مالك لم تصمد أمام تعدّد طرق حديث الثقلين وصحّة أسانيده، مقابل رواية منقطعة، لا سند لها، وفوق ذلك، فالخلاف ليس في اعتماد السنّة النبويّة كمصدر من مصادر التشريع من عدمه، فإنّ السنة النبوية لم يقل أحد بإلغائها سوى ما صدر من عمر بن الخطاب عند منعه النبي صلىاللهعليهوآله من كتابة وصيته، وقال: «حسبنا كتاب الله (4) ، وكلّ من قال بعده بذلك الرأي فهو مستند إليه. بل إنّ الخلاف وقع في المصدر الذي تؤخذ منه تلك السنّة، ويؤمن معه عليها من الضياع والتحريف.
_________________
(1) فاطر: 28.
(2) تقدم في حلقة سابقة.
(3) تقدم في حلقة سابقة.
(4) صحيح البخاري 5: 138 و 7: 9 وصحيح مسلم 5: 76 وغيرها الكثير من المصادر.
لذلك أعتقدُ جازماً بخصوص رواية مالك، أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لم يحلنا إلى مصدرين من مصادر الشريعة، ليس لهما وجود على أرض الواقع، كلاهما مبثوثان في المسلمين، لا يملكان لنفسيهما دفع الضرّ وسط خليط من الناس يتحرّك أغلبهم وفق مصلحته، فوجب لذلك تعيين أناس لهم من المكانة والأهليّة والقدرة، على أداء علوم الوحي إلى الأجيال المتتابعة، حتّى يمكن للدين أن يستمر في دوره.
وجاءت آية التطهير، لتظهر لي إمكانيّات الأئمّة الهداة، التي ميّزتهم عن بقيّة المسلمين علماً وعملاً، قال تعالى: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1) فأظهرت عصمتهم بشكل واضح وجليّ، لأنّ من أذهب الله تعالى عنهم رجس الشيطان، وطهّرهم تطهيراً، لا يمكن أن يكونوا غير معصومين، فإذهاب الشيطان عنهم برجسه، وكلّ خبائثه، وشدّة تطهيرهم، عاملان من عوامل الاصطفاء، ومن اصطفاه خالقه، فهو معصوم من الخطأ حتماً فأهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله معصومون من الخطأ.
ثمّ بحثت عن أهل البيت عليهمالسلام ، من يكونون ؟ فوجدت عند المسلمين قولين:
القول الأول يقول: إنّهم عامّة نسائه وأبنائه ومعهم الإمام عليّ عليهالسلام .
القول الثاني: يخصّ منهم عليّاً وفاطمة والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين عليهمالسلام .
بحثت في القول الأول، فوجدته لا يستند على حجّة أو دليل يُبقي نساء النبيّ في دائرة اختصاص الأهل، لأنّه لم ترد رواية تفيد ذلك القصد، ولا ادّعت واحدة من النساء شمولها، بل لقد وجدت أنّ اثنتين من نساء النبيّ قد رويتا نزول الآية في الخمسة الطاهرين، وهم: محمد صلىاللهعليهوآله وعليّ وفاطمة والحسن
_________________
(1) الأحزاب: 33.
والحسين عليهمالسلام (1) ، زيادة على أنّه لم يقل بعصمة نساء النبيّ صلىاللهعليهوآله أحد، بينما ثبتت عصمة أصحاب الكساء علماً وعملاً، أما كون الآية نازلة ضمن سلسلة آيات تخاطب نساء النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فوحدة السياق تقتضي نسبة الآية لهنّ، فجوابه أنّ وحدة السياق ليست محصّلة في هذه الآية، لأنّ الخطاب تغيّر فيها من ضمير مؤنث قبلها وبعدها، إلى ضمير مذكّر فيها، وفي القرآن مثال يطابق الصياغة، قال تعالى: ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ ) (2) كما لم أجد من يقول بنزول الآية في نساء النبيّ صلىاللهعليهوآله فقط غير عكرمة الخارجي مولى ابن عباس، الذي اتّهمه علماء الجرح بالكذب كما اتّهمه عليّ ابن عبد الله ابن عباس، الذي كان يوثقه تارة على الكنيف، وتارة أخرى يُشّهر به فيقول: إنّه يكذب على أبي (3) ، مقاتل الجوزجاني الذي لم يُوثقه أحد من العلماء، هذان فقط هما من ادّعى تلك الدعوى الباطلة، ومن دون بيّنة ولا حتّى رواية واحدة تؤيّد دعواهما، وعليه فلا وزن عند العقلاء لما تفوّها به من زيف، ومن اعتبر كلامهما حجّة، فقد حاد عن الحقّ ودخل في ظلمات الباطل الذي لا يدوم.
واقتنعت في نهاية المطاف بأحقيّة أهل البيت عليهمالسلام في إمامة الأمّة الإسلاميّة، وقيادتها، وفهمت معنى التشيّع لهم وموالاتهم، على الرغم من الحرب التي أعلنت عليهم، وتواصلت قرون عديدة، مورست فيها كافّة أنواع الأسلحة في مواجهتهم، بدءاً من الدعاية المغرضة التي كان يراد منها تشويه صورتهم في أعين المسلمين، وانتهاء بحملات السجن والتشريد والقتل والتعذيب والتنكيل، ولو وقع معشار ما وقع لهم لغيرهم لاندرست معالمهم، وذهبت ريحهم، ولم يَعُد لهم أثر، لكنّ الله
_________________
(1) وهنّ عائشة وأمُ سلمة، انظر صحيح مسلم 7: 130، سنن الترمذي 5: 361.
(2) يوسف: 29.
(3) انظر الكلمات في تضعيف عكرمة في تهذيب التهذيب 5: 634 - 635.
أبى إلّا أنْ يتمّ نوره، وهو ولي المؤمنين، والمدافع عنهم، لأنّ دينه مستودع عندهم، هم أهله وحملته إلى بقيّة الناس، فواليتهم وواليت أولياءهم، وعاديت وتبرأت من أعدائهم، لله تعالى وابتغاء مرضاته، وامتثالاً لأمره في اتّباع الطاهرين، فله الحمد والمنّة والشكر.
الحلقة التاسعة عشر
شيّعني كتاب علل الشرائع
عادل، رجل عرف الالتزام بشعائر الدين منذ نعومة أظفاره، إلى أنْ تقدّمت به السنّ لم يتغير في أداء تكاليفه، ولا انقطع عنها يوماً، عُرف بين أقرانه بحماسته الكبيرة، وغيرته على الدين، فكان مرجع دائرته فيما يخصّ أخبار المسلمين، فاشتغل بذلك الأمر حتّى نسي نفسه، وزاده تنامي الصحوة الإسلامية في ربوع العالم الإسلامي تمسّكاً ومضيّاً من أجل إعلاء كلمة الله، ونبذ ما دونها من باطل وأراجيف.
لم يكن متعصبا في مناقشاته وحديثه، ولا كانت مسلماته تلجئه إلى ذلك، كان يعتمد الأساليب المنطقيّة في استكشاف الحقيقة، فعقله عنده ميزان أودعه الله تعالى في رأسه ليزن به الأشياء.
ولمّا عزمت على عقد جلسة الإفادة، دعوته ليقدّم كيفيّة تشيّعه، فجاء رغم كثرة مشاغله واضعاً تلك الجلسة موضع الأولويّة، ولمّا جاء دوره قال: «توفيّ أحد الأقارب، وكنت ضمن المودّعين، كان يوماً قائظاً من أيّام الصيف، وكان المكان صحراويّا تلفح حرارته الجسم، من أخمص القدمين إلى الرأس، ولم يكن هناك بدّ من الإسراع في إقامة صلاة الجنازة عليه، ومواراته التراب أثناء أداء صلاة الجنازة وفي مختتمها سمعت أحدهم يكبّر تكبيرةً زائدة على المعروف والمعمول به عندنا، فقلت في نفسي لعلّ الرجل نسي نفسه فكبّر دون أنْ يلتفت إلى ذلك.
ورغم حرارة الطقس العالية، فقد أبى المشيّعون وخاصّة كبار السنّ ومن تبعهم
من الشباب إلّا أنْ يقيموا السنّة الحميدة، ويقرؤوا ما تيسّر من سور الكتاب العزيز، كسورة يس، وقصار السور، في الوقت الذي يودّع فيه الميت مثواه الأخير، وعند انتهاء القرّاء من القراءة، والدفانين من الدفن، تقدّم إمام القرية للدعاء، وأمّن عليه الحاضرون قبل قراءة سورة الفاتحة، وبعد تقديم التعازي، التفتّ إلى وجود رجل يريد الاقتراب منّي، لاحظت أنّ الرجل ليس من أهل القرية، تقدّم منّي وقدّم تعازيه، فشكرت له سعيه.
وجرت العادة أنْ يتّجه أغلب الحاضرين في التشييع إلى البيت الذي خُصّص لاستقبال الوافدين للتعزية، للقيام على خدمتهم، وتهيئة أسباب الراحة لهم، وطلباً لمواساة أهل الميّت، حانت منّي التفاتة فوجدت ذلك المعزّي جالساً مع من حضر، وبعد تناول العشاء، بدأ الحضور في مسامراتهم وأحاديثهم كلّ حسب اهتماماته، لكنّ الحديث في عمومه كان منحصراً في المسائل الدينية، وخصوصاً ما تعلق منه بعالم ما بعد الموت، ووجد الرجل فرصة للحديث فابتدر قائلاً: «مَن منكم يخبرني عن عدد تكبيرات الصلاة على الميّت، وماذا تعني تلك التكبيرات ؟»
استغرب عدد من الحضور من سؤال الرجل، لكن مع ذلك أجابه أحد الحضور بأنّ عدد التكبيرات هو أربع تكبيرات، ولكن لا يعلم الغاية منها، ولا يوجد في الفقه المالكي، ولا السنّي عموماً ما يفيد في شأنها.
وقال آخر وكان أستاذاً في التربية الإسلاميّة: «لقد حدث اختلاف في عهد الخليفة عمر بن الخطاب بخصوص هذه المسألة، لمّا أشكل عليهم عدد تكبيراتها، ففريق قال بأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كبّر أربعاً على الجنازة، وفريق آخر قال: إنّ النبي صلىاللهعليهوآله كبر خمساً، ومنهم من قال غير ذلك، ولم يحسم الأمر بين الفريقين، فما كان من الخليفة إلّا أنْ أمضى أمر الصلاة على موتى المسلمين، فجعلها أربع
تكبيرات (1) ، ولم يذكر المؤرّخون السبب الذي جعل عمر يُرجّح أمر التكبيرات الأربع على الخمس.
فما كان منّي عند ذلك أنْ قلت له: «إذاً أنت الذي كبّر تلك التكبيرة الزائدة، وقد كنت أظنّك نطقتها سهواً ؟»
فقال الرجل: «لم أكن ساهياً، وإنّما كبّرت خمساً، لأنّ الخمس تكبيرات على الميت أصح من الأربع.»
فانبرى أحد الحضور، وقال مغضباً: هل أنت أعلم من عمر بن الخطاب حتّى ترى أنّ قولك أصحّ من قوله ؟
فقال الرجل: ليست المسألة بهذا المنطق، لأنّني لم أرَ الدين برأيي، ولم أقسه بعقلي، حتّى تقول لي هذا الكلام، لأنّ الدين لا يؤخذ إلّا من أبوابه التي أمر الله سبحانه وتعالى أنْ يدخل منها، وهي أبواب أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، ليحملوا الدين، كتاباً وسنّة وعبادات ومعاملات، إلى الناس بعد النبي صلىاللهعليهوآله .
فقاطعه الرجل مدفوعاً بحماسة زائدة: «إذاً، من أين جئت بالتكبيرة الخامسة التي لم يلتفت إليها عمر بن الخطاب ؟»
فقال الرجل: «لقد أشار الأخ المتدخّل إلى أنّ التاريخ قد سجّل الخلاف بشأن التكبيرات على الميّت في عهد الخليفة عمر، وأنا قد أخذت ذلك من أئمة أهل البيت عليهمالسلام الاثني عشر الذين أجمعوا كلّهم على أنّ عدد التكبيرات على الميّت هي خمسة».
قال المتحمّس: «لماذا لا تكون أربع تكبيرات ؟ وما الفرق بينهما ؟»
_________________
(1) انظر شرح معاني الآثار للطحاوي 1: 496، والسنن الكبرى للبيهقي 4: 37.
فقال الرجل: «لقد ثبت عند أهل البيت عليهمالسلام أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان يصلّي على موتى المسلمين صلاتين، صلاة بخمس تكبيرات على المسلمين الذين لم يظهر منهم نفاق، وصلاة بأربع تكبيرات على المنافقين (1) قبل أنّ ينزل فيهم أمر النهي بعدم الصلاة عليهم والوقوف على قبورهم مطلقا».
أمّا الفرق بين الصلاتين فهو يحتاج إلى خزّان الدين، وحفظة علومه، ليبيّنوه لنا، هؤلاء كما كنت أشرت في بداية كلامي هم أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، الصفوة من الخلق، الذين اختارهم الله سبحانه وتعالى، ليتحملوا مسؤوليّة حفظ الدين، والإمام جعفر ابن محمد الصادق عليهالسلام هذا الإمام الجليل الذي درس عنده مالك بن انس وأبو حنيفة وهو سادس أئمّة أهل البيت، قد فسّر ذلك نقلاً عن آبائه، عن أبيه الأكبر محمّد بن عبد الله صلىاللهعليهوآله ، بأنّ الصلاة على الميّت هي خمس تكبيرات، بعدد أركان الدين الخمس، وبعدد الصلوات الخمس، دلالة على تمام وكمال دين الميت، وأما الصلاة بأربع تكبيرات، فهي إشارة إلى نقص في دين الميت (2) ، وقد اقتضت الضرورة، في بداية استقرار النبيّ صلىاللهعليهوآله في المدينة، الصلاة على موتى المنافقين لتأليف أهلهم، وعدم بثّ الفرقة والبلبلة في نفوس الوافدين الجدد، الذين ما زالوا لم يميّزوا أبسط الأحكام، فضلا عن التمييز بين المؤمن والمنافق، والذي قد لا يكون متاحاً للنبيّ صلىاللهعليهوآله نفسه، كما في قوله تعالى: ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ ) (3) .
لاذ جميع الحاضرين بالصمت، كأنّ على رؤوسهم الطير، أمّا المتحمّس الذي
_________________
(1) المقنعة للمفيد: 230، علل الشرايع 1: 303 - 304، وسائل الشيعة 3: 72 - 79.
(2) علل الشرائع 1: 303، وسائل الشيعة 3: 77.
(3) التوبة: 101.
كان يقاطع الرجل فقد هدأت نبرته، ولاحت على محياه المفاجأة.
أمّا أنا فلم أتمالك من أن أتحرك صوب الرجل، فجلست قبالته، وتوجّهت إليه بالحديث قائلا: لقد وقع بيانك في قلبي موقع القبول والرضا، وقد رأيت أنّ حجّتك لا تقبل الشكّ والطعن، وظهر لي أنا شخصيّاً أنّ الصلاة على الميّت بخمس تكبيرات أصحّ من تلك التي ورثناها عن آبائنا وأجدادنا بأربع تكبيرات، لا ندري لها معنى ولا كيفيّة، لكنّني مع ذلك أتساءل لماذا أقدم عمر على ذلك الاختيار غير الصائب ؟
فقال الرجل: «لم تكن هذه هي المحدثِة الوحيدة التي أقدم عمر على وضعها في أوساط المسلمين موضع النفاذ والإمضاء، فقد زاد في آذان صلاة الصبح «الصلاة خير من النوم» (1) ولم تكن موجودة على عهد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، كما حذف من الآذان الحيعلة الثالثة، وهي «حي على خير العمل» (2) وأحدث بدعة صلاة التراويح جماعة بالمسجد (3) ونهى كذلك عن حجّ التمتع (4) ، التي تعتبر حجّة الإسلام الأساسية لمن هم خارج مكة، ولم يعمل بحج التمتع منذ منعه، فلما مات عاد إليه الناس، وأقدم على قطع شجرة بيعة الرضوان بدعوى الخوف من أن يعبدها الناس (5) ، وليس الأمر كذلك، لأنّها كانت تذكّره بما أحدثه يومها من تمرّد
_________________
(1) انظر المصنّف لابن أبي شيبة 1: 236، حيث أخرج خبراً جاء فيه: «جاء المؤذن عمر بصلاة الصبح فقال: «الصلاة خير من النوم «فأعجب به عمر، وقال للمؤذّن: أقرّها في أذانك» وانظر موّطأ مالك 1: 72.
(2) حيث ورد عنه قوله: «ثلاث كنّ على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآله ، أنا أنهى عنهنّ وأحرمهنّ، وهي متعة النساء، ومتعة الحجّ، وحيّ على خير العمل»، انظر شرح المقاصد في علم الكلام للتفتزاني 2: 294.
(3) صحيح البخاري 2: 252.
(4) صحيح مسلم 4: 49، مسند أحمد 3: 325، 363، شرح معاني الآثار 2: 46.
(5) عمدة القاري، شرح صحيح البخاري 19: 178 - 179.
على أمر النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ومعصية له (1) ، إلى غير ذلك من المحدثات التي ابتدعها، وكانت مخالفة لما كان عليه الحال في عهد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ومن اجل تفادي سوء فهم الدين والاختلاف فيه، ومنع إمكان التحريف عن أحكامه، كانت الحاجة إلى من يقوم مقام النبيّ صلىاللهعليهوآله في حفظ الشريعة وعلومها، فكان تكليف الأئمّة بعد الرسل عليهم الصلاة والسلام. للاضطلاع بذلك الدور للرسالي».
قلت للرجل: «لقد أقنعتني تماماً بعلّة التكبيرات على الميّت، فهل لجميع الشعائر التي أمر بها الباري تعالى علل ؟ وهل ذكرها أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ؟»
فقال الرجل: «نعم، إنّ لكلّ شعيرة من الشعائر علّة من العلل التي جاءت شارحة لسبب وجودها، أو لمعنى القيام بها، وبفضل الأئمة الأطهار من ذريّة المصطفى صلىاللهعليهوآله أمكن جمع تلك العلل، فانفرد المسلمون الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة بامتلاكهم لها، دون غيرهم من الفرق الأخرى، مما أعطى لمن ورد حياض الطاهرين عليهمالسلام ، انطباعاً راسخاً بأنّ الإسلام المحمّدي الأصيل هو الذي عند أهل البيت عليهمالسلام ، ومن بين المصنّفات التي عنيت بتلك العلل، كتاب علل الشرائع للصدوق رحمهالله وهو من علماء القرن الرابع الهجري».
قلت له: «فهل يوجد هذا الكتاب في المكتبات الآن ؟»
قال: «لا، لأنّ المجتمعات التي اتّخذت من المذهبية العمياء منهجاً، أدارت ظهرها لتلك الكتب، وحصرت أتباعها في كتب مؤيّدة لتوجّهاتها المذهبيّة، دون تلك المصنّفات النفيسة، فحرمت أفرادها من الاطّلاع عليها، خشية اتّباعها، لكن توجد عندي نسخة منه سأعيرها لك، بشرط أنْ تحافظ عليها، ولا تتأخر في إرجاعها».
_________________
(1) انظر الحادثة في صحيح البخاري 3: 182.
فقبلت شرط الرجل، ومن الغد عاد إليّ ومعه ذلك المجلّد النفيس، فتسلمته منه في شوق، وحملته معي إلى البيت لأطالعه.
لقد كان ذلك الكتاب بحقّ، الوسيلة التي عرّفتني بقيمة الأئمة الأطهار عليهمالسلام ، وبحقيقة الإسلام الذي تبنوه، والذي يعرف بالإسلام الشيعي الاثني عشري، نسبة إلى عدد أئمّة أهل البيت الاثنى عشر، ووقفت على مدى ما يختزنونه من علوم إسلاميّة صافية، لا درن عليها ولا بدع، ولا محدثات فيها، فقرّرت أن اعتنق الإسلام الشيعيّ الذي رأيته الأكمل والأصح، خاصّة وهو لم يهمل جانب الحكومة بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لا على مستوى النصح ولا على مستوى التعيين الإلهيين، وجاءت علل الأحكام التي نقلها الشيخ الصدوق عقليّة ومنطقيّة ومتّفقة مع ذلك التشريع ومتجانسة معه، دالّة على أنّ الناطق بها لم يختلقها من عنده، وإنّما جاء بها من مصدرها الذي خرجت منه، لسان الصدق ومنطق الحقّ الذي تركه النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله لأهل بيته الطاهرين من بعده، وفهمت تبعاً لذلك، أنّ بقيّة الفرق ما هي إلّا اجتهادات من طرف أصحابها، لا ترقى إلى الدور الإلهي في الحفظ، أو هي من صنيعة الطواغيت والظلمة، لصرف الناس عن أحقيّة أهل البيت عليهمالسلام وحقيقتهم.
الحلقة العشرون
إهمال السنّة النبويّة المطهّرة، وإفراغ القرآن الكريم من معانيه، هما اللذان شيّعاني
عبد الحفيظ، شابّ ربى على العشرين من عمره، لكنّك عندما تراه لأول وهلة، تعتقد جازماً بأنّك أمام كهل ودّع شبابه، وأدار ظهره عنه إلى غير رجعة، فقد غزا الشيب رأسه حتّى لم يعد لشعره الأسود الذي عادة ما يكون رمزاً للصبى والشباب مكاناً يقيم فيه، باستثناء بعض شعرات بقيت صامدة أمام غزو شيب وراثي لا دخل لعمره فيه، ومع ذلك فقد زانه الشيب، فبدا أكثر جاذبية ورجولة من غيره، تعرّفت عليه هو أيضا بالجامعة، ولم أتّخذه صديقاً إلّا بعد أنْ لمستُ منه فهماً وتقديراً واحتراماً لمعاني الصداقة، دعوته إلى جلسة الإفادة ليفصح عن سبب تشيّعه، فقال:
لم أكن في دراستي الثانوية مهتمّاً بالبحث خارج إطار الدروس، التي كانت تقدّم إليّ في مادّة التربية الإسلاميّة، فلم التفت إلى البحث عن متعلقات تلك المادّة من تاريخ وسيرة، إلّا بعد أنْ انتقلت إلى الجامعة، وتحديداً إلى كليّة الشريعة وأصول الدين.
كنت على وشك أنْ أنخرط في الطريق الوراثي، الذي اعتمد على التبرير المذهبيّ للأحداث التي أعقبت وفاة النبيّ الأعظم صلىاللهعليهوآله ، لولا شخص وضعه القدر في طريقي، كأنّما أرسله ليخرجني من غيابة تيه لم أتبيّنه إلّا بعد أنْ انتشلت منه.
تعرّفت عليه في إحدى التظاهرات التي كان الطلبة ينظمونها أو يشاركون فيها، عندما تكلّم في مداخلة بمناسبة يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني المعروف
بيوم الأرض، تعرّض فيها إلى تحليل الحالة التي آلت إليها الأمّة الإسلاميّة، كان فصيح اللسان جريئاً، في وسط طلابي كانت الصحوة الإسلامية فيه تشقّ خطواتها الأولى، وقد ركزّ مداخلته على الأحداث التي أعقبت وفاة النبيّ، ونظام الحكم الذي تمخّض عنها، ورغم منطقيّة كلامه، فقد جوبه الشاب بمقاطعات متعدّدة، واستنكاراً من قبل بعض الحضور، الذين كانوا يمثلون تيّاراً سياسيّاً إسلاميّاً معروفاً وقتها، لم أخف إعجابي بمنطق الرجل، وعند انتهاء التجمّع الطلابي، ذهبت إليه وسلّمت عليه معرّفاً بنفسي، فبادلني السلام والتعريف، ثمّ قلت له: لا أُخفي عليك إعجابي بما تفضلت بقوله في مداخلتك، غير أنّ لي بعض الاستفسارات التي ما تزال تحتاج إلى بيان بالنسبة لي، بخصوص عصر الصحابة، وعلاقته بأدوات التشريع، ونظام الحكم في الإسلام.
فقال: هذه مواضيع ليست بالهيّنة، وتحتاج إلى ترتيب واستفاضة، وتتطلب كثيراً من الوقت والجهد الفكريّ، لبيانها واستجلاء الحقيقة من أشباهها.
قلت له: لقد ألقيت باللائمة على الخلفاء الثلاثة الأوائل، وحمّلتهم مسؤوليّة التفريط في مصدري التشريع الإسلاميّ، وأعني بهما الكتاب والسنّة النبويّة المطهّرة، فهل أنت واع لما كنت تقول ؟
قال: إنّ سياسة التعسّف على مصدَرَي التشريع الإسلاميّ، وتغييب إحداها وهي السنّة النبوية، وتعطيل القرآن بفصل التفسير عنه، وإقالة أوعيته ومستحفظيه، قد أدّت إلى فقدان الأمّة الإسلاميّة أسباب معرفة الدين وتحقيق مكاسبه التي أنزل من أجلها.
قلت له: أعتقد أنّك تتكلّم عن فترة ما بعد سقوط الخلافة الإسلاميّة؛ لأنّ الدين لم يفقد إشعاعه وتأثيره وفاعليته إلّا بعد تلك الفترة المزدهرة.
قال: بل إنّني أتكلّم عن الفترة التي أعقبت وفاة النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله ، وتحديداً
عن جيل الصحابة ودور الصحابة.
قلت له: لكن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم قد امتنعوا عن تدوين السنّة النبويّة خشية اختلاطها بالقرآن الكريم، ولمّا انتهوا من تدوين القرآن، انصرفوا إلى السنّة النبويّة فأعطوها حقّها.
فقال: كلامك لا يخلو من غرابة، كأنّي بك تتحدّث دون التفات إلى ما تقوله عن مسألة لا علاقة لها بالدين.
قلت: ذلك ما تعلّمناه من مادّة التربية الإسلاميّة، التي كنت أدرسها في المرحلة الثانوية، وقد تكون عموميّة المعلومات فيها، وسطحيّة تناولها، عاملَين مانعين من الوقوف على الحقيقة كاملة فيما تعلق بالتدوين.
قال: إنّ الذي امتنع عن تدوين السنّة النبوية المطهرة ليس جميع الصحابة، بل هم نزر يسير، وقلّة قليلة منهم، لا يتجاوز أفرادها عدد اليدين، وذلك الامتناع وضع تحت عنوان تبريري مفاده: الخشية من اختلاط السنّة بالقرآن، وهي دعوى عارية عن الصحة تماماً، وتتعارض مع الإعجاز الذي أطلقه المولى سبحانه وتعالى بخصوص القرآن الكريم، فقوله جلّ شأنه: ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ) (1) . ثمّ تدرّج في تحدّيه نزولا إلى عشر سور، ثمّ إلى سورة واحدة، تأكيداً على أنّ البشر لا يستطيعون أنْ يأتوا بنزر يسير منه.
وقوله تعالى: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) (2) .
قال أيضا: ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ) (3) .
_________________
(1) الإسراء: 88.
(2) هود: 13.
(3) البقرة: 23.
ووجه إعجاز القرآن ناشىء من استحالة صدور كلام يشبهه من البشر جميعاً، حتّى المقرّبون إلى الله تعالى من صفوة خلقه، قال تعالى: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (1) ، وإذا كان المولى سبحانه وتعالى قد بيّن أنّ كلامه المنزّل على رسوله صلىاللهعليهوآله ، ليس في مقدور أيّ مخلوق الإتيان بمثله، فمعنى ذلك أنّه كلام متميّز على كلام المخلوقات وتآليفها، فتتولّد لدينا بذلك قناعة أنّ خشية اختلاط السنّة النبويّة، أو تفسير الآيات وبيان الأحكام بالقرآن باطلة من أساسها، ولم يكن يراد بإطلاقها في الوسط الإسلامي، إلّا لغاية التخلّص من السنّة نفسها، بما اشتملت عليه من بيان لمحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، وعموم وخصوص القرآن الكريم، مضافاً إلى سيرة النبيّ صلىاللهعليهوآله العطرة بالمواقف الهامّة والخلق العظيم.
قلت له: إذاً أنت تتّهم الصحابة بعرقلة دين الله وحصر إشعاعه، وإهمال سنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله ؟
قال: التهمة لا تتعلّق بجميع الصحابة، بقدر ما هي ثابتة في عدد منهم، وأعني بهم أولئك الذين استولوا على الحكم، انطلاقاً من السقيفة المشؤومة، لأنّ الذين منعوا تداول تلك الأحكام والسنن، لم يكن منعهم منطلقاً من حرص على الدين، أو رغبة في حفظه؛ لأنّ إجراء المنع يتعارض مع انتشار تلك الأحكام، ويتسبب في سرعة تلاشيها وذوبانها، خصوصاً وقد أثبت عدد من العلماء بالقرآن نفسه، بطلان خشية اختلاط كتاب الله، بسنّة نبيّه صلىاللهعليهوآله .
قلت: قد يكون القرار الذي اتّخذه الخليفة عمر، مدفوعاً بما تناهى إليه من كذب على النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فيكون بذلك قد أحسن صنعاً بمنع الكذابين من نشر بهتانهم بين الناس.
_________________
(1) النساء: 82.
قال: قد لا تختلف معي في القول بأنّ أوّل من نادى في أوساط المسلمين، والرسول صلىاللهعليهوآله مسجى على فراش الموت، وفي حجرته الشريفة، بالاستغناء عن السنّة النبويّة المطهّرة والاقتصار على القرآن فقط هو الخليفة الثاني، فقد اخرج ذلك البخاري ومسلم في صحيحيهما، وكذلك بقيّة حفّاظ أهل السنّة والجماعة (1) ، فقد أجمع علماء الإسلام على الإقرار به، لكنّهم تعلّلوا بأنّ الخليفة عمر لم يكن يقصد التعرّض للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، والتطاول عليه وإيذاءه، بل ظهرت له مصلحة في ذلك، ولم يبيّنها.
قال: هذا هو التجنّي في حقّ النبيّ المصطفى صلىاللهعليهوآله ، فهل كان الخليفة متّصلاً بالوحي حتّى نطمئنّ إلى موقفه ؟ وهل خرج رسول الله صلىاللهعليهوآله من نبوّته، حتّى يكون طلبه الذي يعتبر أمراً إلزاميّاً لا تردّد فيه متساوياً مع منع الخليفة عمر ؟ أم أنّ طاعة النبيّ صلىاللهعليهوآله وتقديسه واحترامه وتقديمه ينسخها مرضه ؟ أم أنّ للخليفة عمر مقاماً يسمح له بفعل أيّ شيء، ومع أيّ شخص مهما كانت مكانته، حتّى لو كان النبيّ صلىاللهعليهوآله ؟ ولست أدري إنْ كان الخليفة عمر يقرأ القرآن، وإنْ كان يقرأه لماذا لم يفهم أبسط معانيه، وإنْ فهم أبسط معانيه فلماذا لم يتقيّد بها ؟ فتعارض موقف الخليفة عمر مع القرآن واضح، لا يحتاج إلى كثرة استدلال عليه، فقد حثّ الله تعالى على طاعة النبيّ صلىاللهعليهوآله معتبراً إيّاها شرطاً من شروط الإيمان فقال: ( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (2) ونهى بشكل جازم لا يحتمل التأويل عن مخالفته، فقال تعالى: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (3) .
_________________
(1) تقدّم ذلك في حلقة سابقة.
(2) النور: 56.
(3) النور: 63.
وقال أيضا: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (1) . وحرّم تعالى مخاطبة النبيّ بمثل ما يتخاطب به الناس، حفظاً لشخصه، وصيانة لتكليفه، فقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ) (2) .
قلت: لقد أفحمتني بهذه الحجج التي لا يرفضها إلّا معاند، ولقد اقتنعت بأنّ جرم الخليفة عمر تجاه النبيّ صلىاللهعليهوآله عظيم، وجناية كبرى محبطة للأعمال لم أجد لها مبرّراً.
قال: ليس هذا فقط، فأنت تحدّثت عن الجناية بحقّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وتناسيت الجناية بحقّ الدين عند منعه لرواية أحاديث النبيّ صلىاللهعليهوآله مطلقاً، ألا يدلّ ذلك على أنّ الرجل كان يعرف جيّداً ماذا كان يقصد ويريد، ومنطلقاً في تصرّفاته نحو وجهة محدّدة ؟
قلت له: وهل تقصد ما رمى به الشيعةَ الخليفة من أنّه المؤسّس الأوّل لغصب الحكومة من الإمام عليّ رضياللهعنه .
قال: وهل ترى أنّ هنالك أمراً غير ذلك، وقد بيّن النبيّ صلىاللهعليهوآله في عدد من الأحاديث أنّ الخلافة من بعده تكون لعليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، كقوله صلىاللهعليهوآله لعليّ: «أنت وليّ كلّ مؤمن بعدي» (3) . وقوله صلىاللهعليهوآله أيضا: «أنت منّي بمنزله هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي» (4) . وقوله صلىاللهعليهوآله : «من كنت مولاه فعليّ مولاه» (5) . وتوّج ذلك بقوله مرارا وتكرار: «تركت فيكم ما إنْ تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض» (6) .
_________________
(1) التوبة: 61.
(2) الحجرات: 2.
(3) سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 5: 261 - 264، ح 2223.
(4، 5، 6) تقدّمت هذه الأحاديث في حلقات سابقة.
وأنت إذا تأملت حديث رزيّة الخميس الذي أشرت إلى إطاره العام لوجدت في قول النبيّ صلىاللهعليهوآله : «هلم أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبداً». أمراً في غاية الأهميّة، وهذا الأمر تنبّه له الخليفة عمر.
فقد فهم من كلام النبيّ صلىاللهعليهوآله ، أنّه يريد أنْ يكتب وصيّة الحكم من بعده لعليّ عليهالسلام ، فتصدّى لمنعه من كتابة تلك الوصيّة، ليفسح المجال لنفسه ويتهيىء ويتمكّن من الاستيلاء على السلطة.
وحديث الثقلين (1) ، وحديث رزيّة الخميس المروي عن ابن عباس في البخاري وغيره (2) ، يتفقان في أنّ المانع من ضلال الأمة هما متمسّكان اثنان فقط، بل هو في حقيقته متمسّك واحد، لأنّ الكتاب العزيز لا يستطيع أنْ يقوم بنفسه في الأمّة، فتعيّن وجود من ينطق عنه صدقاً وعدلاً، وهم أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، أولئك الذين أحصى الله تعالى فيهم علوم نبيّه صلىاللهعليهوآله ، ووصفهم في القرآن بالصادقين، والأبرار، ومن عندهم علم الكتاب، وغير ذلك من الأوصاف التي لا تنصرف إلّا إليهم، ولا تتّفق إلّا معهم، ولا تليق إلّا بهم.
قلت: فما علّة تدوين القرآن وفق الرؤية المذهبيّة لأهل السنّة ؟
قال: إنّه من رداءة القول الادّعاء بأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قد غادر الدنيا، وكتابه مبثوث في صدور الناس، ولم يلتفت لا هو ولا خالقه جلّ شأنه وتعالت قدرته إلى ناحية حفظه؛ لذلك فإنّ أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقولون عكس ذلك، فالقرآن مجموع عندهم ومدوّن لديهم، ولا أدلّ على ذلك من أنّ هناك عدد من الصحابة يمتلكون مصاحف، والنبيّ صلىاللهعليهوآله حيّ يرزق، وكان الكتبة منهم كابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب، يواكبون نزول الوحي بكتابة كلّ جديد في موضعه، الذي يحدّده
_________________
(1 و 2) تقدم في حلقات سابقة.
النبي صلىاللهعليهوآله لهم، فدعوى جمع القرآن على عهد الخليفة الأوّل، ثمّ جمعه ثانية على عهد الخليفة الثالث، عارية من الصحّة تماماً، وهي إلى إضفاء الشرعيّة والقداسة على الخلفاء الثلاثة الأوائل أقربُ منها إلى الواقع، فقوله تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) . دليل على بطلان حفظ هؤلاء، فنزول القرآن كان عن طريق جبرائيل عليهالسلام على النبيّ الأعظم صلىاللهعليهوآله ، وحفظه كذلك من الله تعالى بواسطة خليفة النبيّ صلىاللهعليهوآله الحقيقيّ وهو الإمام عليّ عليهالسلام ، قال تعالى: ( وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ ) .
وباعتبار أنّ غصب السلطة من أصحابها المنصوص عليهم من طرف الوحيّ، كان لا بدّ له من سند يحفظ بقاءها بعيداً عن طلب أصحاب الحقّ وأتباعهم. وبقاء تلك المصاحف عند أصحابها قد يؤدّي بالتفاسير التي نقلها الحفاظ من الصحابة إلى تسرّبها وانتشارها بين المسلمين، ممّا سيسبّب قلقاً وإحراجاً للسلطة الغاصبة، ويشكّل في حدّ ذاته خطراً على استمرارها، وعاملاً مهما يدفع إلى تقويضها، بما اشتملت عليه من نصوص شارحة لنظام الحكم في الإسلام، ومبيّنة شرائط إمام الأمّة وخصائصه، فاتّجه دهاة ذلك الخطّ إلى جمع تلك المصاحف، وحرقها في عهد الخليفة الثالث، فأُحرقت بسبب ذلك مصاحف عديدة أخذت من أصحابها عنوة.
أمّا السنّة النبويّة، فلم تدوّن عند أتباع خطّ الفئة الغاصبة للحكم الإسلامي إلّا في منتصف القرن الثاني، وكان موطّأ مالك أوّل تلك السنن المكتوبة، ولم يتسن لهم ذلك إلّا بعد أنْ أذن له أبو جعفر المنصور، وبمعنى آخر لم تكتب السنّة النبويّة عند ذلك الخطّ، إلّا بعد ذهاب جيلي الصحابة والتابعين، وما بينهما عاث طلقاء بني أميّة كذباً وافتراء في سنن وسيرة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، حتّى كادت معالمها الصحيحة
_________________
(1) الحجر: 9.
أن تنمحي وتذهب، طمعا فيما كان يحفّز عليه الغاصبون للسلطة أشباه العلماء من المتزلفين لهم.
أمّا وجه تسميَة ذلك الخطّ بأهل السنّة، فهو يدفع إلى القول بأنّها تسمية لا تنطبق مع واقع ذلك الخطّ، لأنّه قد وضع لنفسه رموزاً وقيادات فرطت في حفظ السنّة النبوية، وكادت تسهم في ضياعها، لولا تصدي أئمّة أهل البيت عليهمالسلام لذلك الأمر، والسنّة النبويّة الصحيحة هي عند الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
قلت: أنا على رأيك أيّها الصديق العزيز، لقد فهمت الآن وتعرّت أمامي خيوط المؤامرة الكبرى التي استهدفت أهل البيت عليهمالسلام ، ولقد أقنعتني بكلّ الحيثيّات التي سقتها، والبراهين التي أشرت إليها، فلم يعد لديّ شكّ في حقيقة ما وقع من تعدّ على قدسيّة النبيّ صلىاللهعليهوآله ودينه، من أجل الاستيلاء على الحكم، وقد بيّنت لي أنّ للدين سنناً وأحكاماً لا يمكن أنْ تطالها أيدي الناس، فمسألة حفظ الدين ليست من مشمولاتهم، وهي وظيفة أنشأها الباري تعالى بعد مرحلة النبوّة درءاً لإمكانيّة التحريف، ومنعاً لطابور النفاق من المساس به.
أنهى الصديق الشيعيّ حديثه، فرجوته أنْ نلتقي مرّة أخرى، فرحّب بذلك وتواعدنا، وجاء في موعده الذي حدّده لي يحمل معه بعض الكتب، فقدّمها لي على أساس الإعارة، فشكرته على ذلك، وتواصلت مواعيدنا وتوالت جلساتنا، وتنوّعت الكتب التي كان يمن بها، حتّى استويت على قناعة أنّ خطّ التشيّع الإمامي الاثني عشري هو الإسلام المحمّدي عظماً وعصباً ولحماً وشحماً وعروقاً ودماً وروحاً، فأقررت بولاية عليّ عليهالسلام ، والأئمّة من ذريته عليهمالسلام ، والحمد لله ربّ العالمين.
الحلقة الحادية والعشرون
اتّصال الاجتهاد وبقاء بابه مفتوحاً عند الشيعة هو الذي شيّعني
عليّ، هو أيضاً واحد من شباب هذه الأمّة المنكوبة، فتح عينيه منذ أنْ بدأ يعي، على جملة من الحقائق، دفعت به إلى أن يكون ملتزماً بأوامر خالقه ونواهيه، فلم يستهويه شي من حطام الدنيا، وكان جلّ همه منصبّاً في ناحية واحدة، هي العمل من أجل إرضاء الخالق ونيل محبّته.
عرفته في مسجد الزمزميّة بمدينة قابس، مواظباً على صلواته فيه، وخصوصا صلاة الصبح التي لم يكن يثنيه عارض، ولا يمنعه طارىء عن حضورها، ونيل ثواب أدائها جماعة، أكبرته منذ أن تعرّفت عليه، ولم يمض يوم إلّا وقد ازداد في نفسي تميّزاً وقرباً واحتراماً،، لذلك كنتُ أبادر بتحيّته والسلام عليه، قبل أنْ يسبقني إلى ذلك.
تحدّث عليّ عن سبب انتقاله من مذهب المالكيّة، إلى خطّ التشيّع الإماميّ الاثني عشري، فقال: عشت وسط مجتمع مالكيّ المذهب، انتسب إليه في عموم قطّاعاته وراثياً، لذلك لم ينشأ بينه وبين ذلك المذهب رباط متين، يؤهل إلى انتقال تلك العلاقة من إطارها السلبيّ إلى إطار أكثر ايجابيّة، وككلّ الذين دخلوا إلى الدين من بوابة التطبيق الأعمى، لم أسعّ إلى معرفة حقيقة الخالق، ولا اتّجهت إلى التعرّف على أبجديات التوحيد اللازمة كي تصحّ عباداتي، وتكون موجّهة إلى من له الفضل في خلقي ونشأتي، ولا التفتّ إلى مختلف أبواب الفقه، لتكون عباداتي صحيحة ومقبولة، وفق الأحكام المدرجة بتلك الكتب، كلّ ما في الأمر أنّني استجبت إلى نداء والدي، وانصعت لأمره، فصلّيت خلفه، وصمت معه هكذا
كانت بداياتي وبدايات أكثر المسلمين، أمّا جذوري فلا أعتقد أنّها مالكيّة، لأنّني استفسرت نفسي واستفتيتها فلم أجد فيها أيّ تعاطف أو ميل نحو هذا المذهب، وأراه في عقلي ووجداني أضيق من أنْ يتّسع للإسلام العظيم، ولا هو في مستوى يؤهّله ليحمل تحت اسمه تفاصيل الإسلام المحمّدي الأصيل، الذي جاء ليكون خاتم الرسالات وخلاصة الدساتير الربانيّة.
أولى الملاحظات التي تراءت لي وأنا في بداية خطواتي العباديّة هي تذبذب الناس، وعدم فهمهم لأحكام السهو والشك في الصلاة، ووقفت على الخلل الذي أشيع في المصلين من اتباع مالك بإحداث السجود القبلي، اقتداء بإمامهم الذي أسّس لتلك البدعة، وجعل منها حلّاً لتصحيح الصلاة، والحال أنّه يعتبر زيادة في عدد السجدات، ممّا يرجّح بطلان الصلاة بتلك الزيادة.
وتساءلت: عن السبب الذي جعل الأمّة تعجز عن القفز فوق عقبة المذاهب، وتتصاغر عن ولادة فقهاء يضاهون الفقهاء القدامى أو يفوقونهم علماً وعملاً، حتّى أيقنت بعقم هذه الطوائف. وما الذي أوقف الاجتهاد وحصره في عدد من المذاهب استمرّ العمل بمقتضى أحكامها هذا الزمن الطويل، رغم ثبوت ترك أصحابها العمل بقسم من أحكامها ؟ وهل كانت تلك المذاهب في محتواها مستجيبة لحاجات أتباعها ؟ ولماذا أصبح اتّباعهم لها إلزاميّ بحيث لو أصدر أحد علمائهم فتوى في مسألة مستحدثة أفتى تبعاً لذلك المذهب، ولم يستقلّ بفتواه ؟
لقد مثل تعطيل الاجتهاد وسدّ بابه بالنسبة لأتباع تلك المذاهب، بداية تخلّف الأمّة الإسلاميّة، وقد كان دور خلفاء بني العباس ومن جاء بعدهم، في غلق باب الاجتهاد وحصره في مذاهب معدودة، هامّاً وأساسيّاً، ولا يخفى أنّ ذلك المنع والحصر، كان بسبب ميل هؤلاء الطغاة لحمل الأمّة، على اتّباع هؤلاء الفقهاء فقط، دون غيرهم، رغم تعدّد المجتهدين في تلك العصور، وتفوّق الكثيرين منهم
على أصحاب المذاهب التي استطاعت البقاء والاستمرار بفضل دعم الأنظمة لها، لأنّها كانت من تأسيس أولئك الحكّام، أو هي موالية لهم، فالموّطأ على سبيل المثال، كُتب بأمر من الخليفة المنصور الدوانيقي العباسي، وهو من حرّض مالكا على تأليفه، وحمل الناس على التقيّد بفتاواه بعد ذلك، مع أنّ مالكاً هذا لم يكن له شأن يذكر، في مدينة تعجّ بكبار الأساتذة والعلماء، وعلى رأسهم الإمام أبي عبد الله جعفر ابن محمّد الصادق عليهالسلام ، الرجل المعارض لنظام الحكم العبّاسيّ، والذي تخشى السلطة جانبه، بسبب مكانته العلميّة المتميّزة التي حاز عليها، وتوافُد الناس عليه من كلّ حدب وصوب، ونسبته إلى أهل البيت الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وفرض مودّتهم على المسلمين كافّة، وبسبب وفرة علومهم وعلوّ كتبهم في كلّ مجال، أحقيتهم من غيرهم بقيادة الأمّة الإسلامية، وقد تقلّدت بيعتهم نخب من الأجيال الإسلاميّة، التي تعاقبت منذ وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله إلى اليوم؛ لذلك اتّجهت تلك السلطات إلى صرف الناس عنهم بشتّى السبل والوسائل، فسعت إلى إيجاد بديل عن أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، يكون ولاءهم للسلطة مضموناً، فجاءت تلك المذاهب وفق ما كانت ترجوه، وفوق ذلك فقد حرّمت على أتباعها الخروج على الظالمين، طالما أنّهم يُصلّون، غير ملتفتة إلى أنّ الإسلام ليس صلاة فقط، وقد يؤدّي الإنسان صلاته أداء لا ينفعه، ولا يزيده من الله إلّا بعداً. وفتاوى طاعة أئمّة الظلم والجور، ما كان لها أنْ تكون لولا الأحاديث المكذوبة على النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والتي تلقّاها علماء السوء بالمباركة والقبول، وخصّصوا لها في كتبهم باباً يجيز على الأمّة اتّباعهم.
ومقابل غلق باب الاجتهاد عند بقيّة المذاهب، وجد مقابلها خطّ لم يقع سدّ باب الاجتهاد فيه، ولا اصطلح عليه تحت اسم شخص واحد، فالإسلام الشيعيّ الاثني عشري لم يختلف أئمته الاثنا عشر، ولم يتناقضوا فيما بينهم، ولا ظهر
منهم ما يدعو إلى القول بأنّ نهجهم مفتعل، أو هو وليد زمن ليس له علاقة بالنبي صلىاللهعليهوآله ، لذلك فإنّ إجتماع 12 إماماً في خطّ واحد، واستناداً إلى نصوص، تقول بإمامتهم اختياراً وتعييناً من الله تعالى، عن طريق النبيّ الخاتم صلىاللهعليهوآله ، دليل على أنّ نهجهم الذي سلكوه، هو امتداد لخطّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وتجسيد لروحيته الخالصة.
وقد اشتمل منهج إسلام أهل البيت عليهمالسلام ، والمعروف بالإسلام الشيعي الاثني عشري بعد النبوّة على دورين، دور الإمامة الهادية بإذن الله سبحانه وتعالى، ودور العلماء العدول والمعبّر عنه الآن بالمراجع العظام رضوان الله تعالى عليهم، ممّا أكسب هذا النهج حصانة ومنعة، وحال دون أنْ تطاله أيدي العابثين والمحرّفين، من زمر النفاق والشرك، فلم يقع تحت طائلة هؤلاء جميعاً، وكان بفضل الدورين اللذين مرّ ويمرّ بهما، في مأمن من الانحرافات التي وقعت فيها بقيّة الخطوط.
الاجتهاد عند المسلمين الشيعة الامامية الاثني عشرية، هو بذل الجهد في استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها الأربعة وهي الكتاب والسنّة والإجماع والعقل. وللمجتهد شرائط لا بدّ أنْ تتوفّر فيه، ليصبح مؤهلا لذلك، وقد استفاض علماء أصول الفقه، في مباحث تلك الشروط.
ووجوب أنْ يكون لكلّ جيل مجتهدوه، نابع من الحاجة الماسّة إلى تواجد الفقهاء، لحلّ مستجدات العصر، ومستحدثات الزمن، لتميّز الدين الخاتم بنمطين من الأحكام، أحكام ثابتة لا تتغير، وتتعلق بالشعائر العبادية، من صلاة وصوم وحج وزكاة وخمس وزواج وولاية وغيرها، وأحكام متحرّكة، تقتضيها مسيرة البشرية عبر الزمن.
وممّا أكسب خطّ الإسلام الشيعي قوّة ومنعة، وساعده على الاستمرار منذ
عصر الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام إلى اليوم، بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً، وفوق ذلك ومن أجل بقاء الاجتهاد عاملاً فاعلاً في المجتمعات الإسلاميّة، لم يجز أغلب علماء الشيعة الإماميّة الاثني عشريّة تقليد المجتهد الميت ابتداء، لدعم المجتهد الحي، وفسح المجال أمامه ليؤدّي دوره في إرشاد الأمّة والنصح لها، وتلبية حاجياتها في ما يتعلّق بكافّة أوجه ومجالات الحياة.
وما كان لهذه المكاسب العظيمة أن تتمّ لولا اكتمال الإسلام بدور أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، الذين وإن لم يتمكّنوا من بلوغ سدّة الحكم بسبب تقصير الأمّة عن لعب دورها في تمكينهم من ذلك، فقد مارسوا دورهم الأصلي في حفظ الشريعة وبثّها وترسيخها في الأجيال الإسلاميّة التي عاشوا بينها، وكانوا المؤسسين لجامعة العلوم الإسلاميّة، التي كانت مقصداً لطلبة العلوم من المسلمين، يدرسون فيها مختلف المواد العلمية، من فقه ومنطق وفلسفة وغيرها من فنون المعرفة، وكان للإمامين الباقر والصادق دور في تأسيس تلك الجامعة التي سمّيت في عهد الشيخ الطوسي قدس سره بالحوزة العلمية.
وما الأمر الذي تركه الأئمّة عليهمالسلام بخصوص الاجتهاد والتقليد، إلّا دليل على عنايتهم بمسألة استمرار عطاء الدين، وتواصل فاعليّته وإشعاعه، على المستويين القيادي والقاعدي، فقد جاء عنهم عليهمالسلام : «المتعبّد على غير فقه كحمار الطاحونة» (1) . في إشارة إلى ضرورة الاعتماد على الفقهاء في المسائل المتعلّقة بالدين، وكلّ من لم يسلك طريقاً إلى الفقيه فعمله لا قيمة له. وجاء عنهم عليهمالسلام أيضا: «فأمّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلّدوه» (2) . في إشارة منهم إلى شروط تقليد المجتهد،
_________________
(1) الاختصاص: 245.
(2) الاحتجاج 2: 263.
ووجوب ذلك على عامّة الناس الذين لا يجدون حيلة إلى الفقاهة والاجتهاد.
وقد أثمر غرسهم عليهمالسلام مع مرور الزمن، وكانت رواياتهم وتوجيهاتهم إلى أتباعهم وشيعتهم المفتاح الذي أتاح للعلماء منهم بلوغ الحلال والحرام في جميع المسائل الحياتية، فأفتوا المسلمين وفق مصادرهم المعتمدة، واستناداً إلى الدليل القطعي، فلم يعجّزهم شي من المستحدثات، لمواكبتهم التطوّر البشري عن قرب، والمتصفّح للرسائل العمليّة - وهي كتب الفقه التي يصدرها عادة كلّ مجتهد، ويطرحها لمن يريد تقليدهم من الناس - يجد الحلول لكلّ إشكال فقهيّ عرض له، ومن أعسر عليه شيء، فإنّ أبواب مكاتب المجتهدين مفتوحة لتقبّل الأسئلة، ومواقعهم على صفحات الانترنيت يرتادها الآلاف كلّ يوم؛ لذلك أستطيع أنْ أقول بأنّني فوق ما اقتنعت به من صحّة لخطّ التشيّع الامامي الاثني عشري، عقيدة وشريعة، كانت مسألة بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً عند الشيعة، هي العامل الذي دفعني إلى تبني المنظومة الإسلاميّة التي اعتمدوها، طبقاً للنصوص التي أخذت بأعناقهم إلى أهل البيت الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا، وقد لمست من فتاوى مجتهديهم سعة المعرفة لديهم وبعد النظر، وقوّة الشخصيّة والحضور الفاعل في مجتمعاتهم، ولمست من أتباعهم أدب الطاعة وحسن الاتّباع وهي أمور ليست موجودة في بقيّة الفرق الإسلاميّة التي ما تزال تتخبّط في عمى الموروثات المتناقضة، والتي اختلط فيها السليم بالسقيم، والتي أرجو لأتباعها الهداية إلى أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فبالرجوع إلى الأطهار من ذريّة المصطفى، نستطيع أنْ ننال رضى المولى سبحانه وتعالى، ونطفىء غضبه من الجفوة التي ارتكبها أسلافنا في الابتعاد عن نهجهم.
ونسأله أخيراً أنْ يفرّج عن هذه الأمّة المستضعفة، بإظهار وليّه المنتظر، ناصر دينه، ومثبّت شريعته، والمنتقم من الظالمين، ويجعلنا من أتباعه وأنصاره وأعوانه
وشيعته، ويرزقنا الشهادة بين يديه، إنّه نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم.
الحلقة الثانية والعشرون
فوجئت بحقيقة الشيعة والتشيّع.. فتشيّعت
بشير، أخ في الله عرفته حديثاً، ورغم حداثة العهد تلك، فإنّه قد أخذ مكاناً كبيراً في قلبي، لما لمسته منه من رفعة وعزّة ورجولة، ما لفت نظري في شخصه، أنّه كان سريع المبادرة، كثير التفكّر في أمر الله تعالى، قليل الاهتمام بالمسائل الدنيوية الزائلة، يهتمّ ويغتمّ إذا ضيّع أمراً من دينه، ولا يأبه ولا يبالي إذا ضاع منه أمر من أمور الدنيا، كان يحزن إلى حدّ البكاء إذا ضيّع شيئاً في جنب الله تعالى، وكان يضحك إذا ضيّع فرصة دنيوية، كان ممّا قرّبني له أنّني سمعت بتشيّعه لأهل البيت عليهمالسلام ، وقد حكى لي قصته، ولمّا عرضت لي الفكرة في جمع إفادات المستبصرين، دعوته ليدلي بشهادته، فجاء رغم بعد المسافة، وكان حاضراً معنا في الجلسة، ولما جاء دوره قال:
لم يكن في حسابي أنْ أدرس التشيّع في يوم من الأيّام، ولا أن ألتفت إلى كنهه ومعناه الحقيقيين، فقد قرأت عنه من الزاوية المذهبيّة، وتعرفت على وجهه المشوّه، والذي كنت معتقداً أنّه وجهه الحقيقي، من خلال كتب مناهضة ومعادية له، ككتاب ضحى الإسلام لأحمد أمين المصري، ومنهاج السنّة لابن تيمية، وكتب أخرى، امتداداً لحركة القصّاصين ووعاظ السلاطين من عبدة الدنيا، وامتداداً للأيدي القذرة التي حرّفت وشوّهت كلّ جميل في التراث الإسلامي، وهي لا تزال تعمل للحيلولة دون معرفة المسلمين لحقائق دينهم، وما يترتب عليها من فهم ووعي بالواقع المرير الذي عاشه أجدادهم، ويعيشون فيه هم أيضا إلى الآن.
لم تتولّد في نفسي همّة معرفة الشيعة، إلّا بعد أنْ ألقت الصدفة في طريقي أحد أفراد الشيعة، لم يكن ذو أصول شيعيّة، فهو قد تشيّع بعد دراسة وتمحيص استمرّ فترة زمنية غير قصيرة، زيادة على كونه من أهالي منطقة عرفت باتّباع المذهب المالكي قرون متعاقبة.
الصدفة تمثّلت في دعوتي لحضور حفل زفاف أحد الأصدقاء، وأثناء تواجدي بالحفل، وجدت الرجل من بين المدعوّين، لم أكن أعرفه معرفة جيّدة، كلّ ما عرفته عنه هو ما قيل فيه من إشاعات متعلقة بانتمائه، وبسبب ذلك كنت أتوقى الالتقاء به، والجلوس معه على نفس الطاولة، وقد دار في ذلك المجلس حوار ونقاش حول بعض المواضيع، وسمعتُ الرجل يتكلّم بكلام منطقيّ نابع من قناعة راسخة لديه جعلته يتكلم بثقة تامة وعزة نفس.
استدرت من مجلسي والتفتّ إليه، ثمّ خاطبته قائلاً: ألستَ شيعيّاً ؟
قال: بلى. قلت: وهل الشيعة مسلمون حقّاً ؟ قال وقد ظهرت على ملامحه علامات الغضب: إذا لم يكن الإسلام عندهم وفيهم، فأين يمكن أنْ يوجد ؟
قلت: وكلّ هذه التهم التي تحاصر التشيّع والشيعة، كالادّعاء بأنّ جبريل قد أخطأ في تنزيل الرسالة، ودعوى تحريف القرآن، ودعوى تأسيس الفكر الشيعي على يد عبد الله بن سبأ اليهودي، ودعوى استباحة الشيعة للمحرّمات، أليست كافية بأنْ تكون دليل على انحراف طائفتك ؟
قال: وهل تعتقد أنّ أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، يعتقدون بالذي ذكرت ؟
قلت له: حاشا وكلّا، أهل البيت رضوان الله تعالى عليهم مبرؤون من ذلك، لكنّ أتباعهم قد يكونون انحرفوا عن طريقهم.
فقال: طالما أنّك قد برأت أهل البيت عليهمالسلام من تلك التهم الباطلة من أساسها،
فاعلم أنّ ما روّج على الشيعة من أقاويل ليس لها إثبات على أرض الواقع، وهي مدعاة للسخرية والاستخفاف بمن يعتقدها، وترك العلم واتّباع الظنّ يؤدّي دائماً بصاحبه إلى التفريط في الحقيقة والابتعاد عنها، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) (1) ونصيحة الباري تعالى هذه جاءت لغلق الباب أمام عامل الظن، لأنّه وسيلة واهمة لا توصل صاحبها إلى علم أبدا.
أمّا ما تُقوّل على الشيعة بشأن جبريل عليهالسلام لا أساس له من الصحّة، وأجزم لك بأنّ مخترع تلك الدعاية المغرضة لقيط من أبناء عواهر زمن انحطاط الأمّة، والمستأنس بذلك القول ليس له عقل يميّز به، ولا فكر مستنير ليسترح إليه، أمّا دعوى تحريف القرآن فقد قال الإمام جعفر بن محمد الصادق سادس أئمّة أهل البيت عليهمالسلام في معرض حديثه عن الذين انحرفوا عن نهج أهل البيت عليهمالسلام : «.. وأقاموا حروفه، وحرّفوا حدوده» (2) . في إشارة إلى أنّ غير أتباعه وشيعته هم الذين حرّفوا تفسير الكتاب العزيز، نزولاً عند إرادة ورغبة حكّامهم. ثمّ إن جميع الفرق الإسلاميّة نقلت روايات التحريف في القرآن، غير أنّ علماء الشيعة كالشيخ الكليني أفردها في باب النوادر، تصغيراً لشأنها، بينما نقلها من تسمّوا بأصحاب الصحاح في أبواب الفقه دون تخصيص ولا إفراد.
أمّا إن ابن سبأ على حسب الدعوى المطلقة فقد عاش في زمن الإمام عليّ عليهالسلام ، وكان بحسب تلك الأقاويل من أتباعه والدعاة إلى إمامته وإمامة أبنائه، فلو كان موجوداً وجاء بمفتريات قد تسهم في تحريف الدين وتقويض أسسه لشهّر به، وحذّر منه، ولتبرّأ من مفترياته، وسيرة عليّ عليهالسلام في عدم الاعتماد على المشكوك في صدقيتهم ونزاهتهم غير خافية على ذوي الأفهام،
_________________
(1) الحجرات: 12.
(2) الكافي 8: 53.
فهو عند تسلّمه زمام الحكم، قد عزل جميع الولاة الذين اعتمدهم الخليفة الثالث عثمان، وقيل له أنْ لا يتعجّل في عزل معاوية الطليق، فأبى، وردّ مستشهداً بقوله تعالى قائلاً: ( وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ) (1) (2) فكيف يأنس والحال تلك بيهودي لا يعلم أصله من فصله ؟
ثمّ إنّ محيط عليّ عليهالسلام أتباعاً وأعواناً وجيشاً، كلّهم من العلماء وحفظة القرآن وزهّاد القوم وخيرتهم، فكيف يستقيم الاعتقاد بأنْ يوجد مشبوه بينهم، أو أنْ يستطيع منافق أو عدو من أعداء الله أن يحوز مكاناً بين هؤلاء الأتقياء، على أنّ عدداً من الباحثين والمحقّقين قد انتهوا إلى أنّ شخصيّة عبد الله بن سبأ، ليست إلّا دعاية مغرضة صنعها الدهاء الأمويّ، لينفّر الناس عن إسلام أهل البيت عليهمالسلام ، الإسلام الشيعيّ.
وإذا فرضنا أنّها شخصيّة حقيقيّة، مارست دورها وقامت بمهمّتها على أحسن وجه في التنقّل بين الحجاز والعراق ومصر، لدعوة المسلمين إلى ولاية أهل البيت عليهمالسلام ، وكونهم الأحقّ والأولى بتقلّدها منذ البداية من غيرهم، فلا يمكنها أنْ تعدو الصحابي الجليل عمّار بن ياسر ذوي الأصول اليمنيّة؛ لأنّ كلّ ذي أصل يمنيّ يشترك في نسبته إلى سبأ، التي تعتبر رمز اليمن واليمنيين.
قلت له: كلامك منطقيّ وتحليلك لا يستطيع منصف أن يتجاهله، إلّا أنّني أتساءل عن السبب الذي جعل الغالبية العظمى من المسلمين تتنكّب عن نهجهم ؟
قال: وهل لتلك الغالبية من المسلمين القدرة على غير ذلك الفعل، طالما أنّها جعلت مقاليد دينها بين أيدي أعدائها من الطغاة والظلمة، واستمرّت عل ذلك دهراً طويلاً، وهي إلى اليوم تراوح في مشيّها على نفس الطريق، وبنفس الوتيرة،
_________________
(1) الكهف: 51.
(2) الأمالي للطوسي: 87.
ولم تتّعظ يوماً من بطلان مسلكها، ومنذ ظهور عليّ عليهالسلام ووضوح مقامه، لم يجد هذا الرجل الفذّ أتباعا، غير المستضعفين من أمثال أبي ذر وعمّار وسلمان والمقداد، ومقابل ذلك ظهرت أضغان النفاق والشرك من خلال التحريض عليه والوشاية به، اعتقاداً من هؤلاء بإمكانيّة إسقاط عليّ عليهالسلام ، وزحزحته من قلب النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فلم يزد تكالبهم على الوقيعة بعليّ عليهالسلام ، إلّا رسوخاً لمحبّة أمير المؤمنين في كلّ الأفئدة، التي رفضت الدنيا وباطلها وزيفها وبهرجها، وكلّما خرج حبّ الدنيا من قلب مؤمن، تهافت عليه طلّابها، فوضعوه في قلوبهم؛ لذلك لم يجتمع حبّ علي عليهالسلام ، وحبّ الدنيا في قلب مؤمن أبداً، وبقيت هذه المعادلة مقياساً صحيحاً، يعرف به المتّجه إلى الله تعالى، من المتّجه إلى الشيطان والدنيا.
قلت له: فماذا قدّم الشيعة إذاً للإسلام ؟
قال: قدّموا كلّ خير، وأظهروا كلّ جميل، وبيّنوا كلّ لبس، وعاشوا بين الناس بأبدان قلوبها معلّقة بالمحلّ الأعلى، فخيرة الصحابة كانوا شيعة عليّ وأهل بيته عليهمالسلام ، وخيرة التابعين هم أيضاً شيعة أهل البيت عليهمالسلام ، كلّ جيل من الأجيال الإسلاميّة، مثّل الشيعة نخبتهم وخيرتهم بدون مبالغة، وبكلّ تواضع أقول لك: إنّنا إذا صنّفنا وميّزنا العلماء، لوجدنا علماء الشيعة هم أفضل العلماء، بدليل ما كتبوه للأمّة الإسلاميّة وللناس جميعاً، وإذا صنّفنا عامّة الناس وجدنا عامّة الشيعة هم أفضل عامّة، لقول الأئمّة عليهمالسلام : «ليس من شيعتنا مَن يكون في مصر، يكون فيه مائة ألف، ويكون في المصر أورع منه» (1) ، وكان حثّهم لأتباعهم على العمل الصالح، وتطبيق أحكام الله تعالى، من أولى أولوياتهم، فقالوا: «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم» (2) . حتّى الشعراء فإنّك إذا وردّت دواوينهم، وجدت أنّ
_________________
(1) وسائل الشيعة 15: 247.
(2) الكافي 2: 78.
أفضلهم شيعة أهل البيت عليهمالسلام ، وبصراحة فإنّني لا أرى طيّبا ولا جميلاً إلّا وهو شيعي.
قلت له: أراك تبالغ في تفضيل وتقديم الشيعة.
قال: أنا أنقل لك الحقيقة بغير طلاء ولا زينة، الحقيقة التي ظلّت مغيّبة عنّا قرون طويلة، تلك التي أُبعدنا عنها بالكذب تارة وبالدعاية الباطلة تارة أخرى؛ لذلك فإنّني أتمنى من كلّ مسلم أنْ لا يطمئنّ إلى كلّ ما يلقى إليه، فليشكّك في كلّ شي ليتخلّص من موروثاته التي علق بها كثير من البهتان، ثمّ ليبدأ البحث عن الحقيقة، خالياً من التبعات، وأنا متأكّد من أنّه سيدرك الحقيقة من دون عناء.
قلت له: وهل النخب التي تحدّثت عنها من الشيعة مخصوصة بالعصور الفارطة، أم تشمل العصر الحديث ؟
قال: التشيّع يا أخي متّصل الحلقات، ومترابط الأجيال، فلم يخْلُ منه مكان ولا زمان، أنا لا أدعوك فقط إلى متابعة النهضة المباركة للجمهورية الإسلاميّة في إيران، ولا إلى الالتفات إلى تلك الثلة المؤمنة في لبنان، المسمّاة بحزب الله، بل أدعوك إلى تحكيم قلبك، ومتابعة الأدلّة النظريّة من نصوص قرآنية وأحاديث نبوية دلّت على أحقيّة الشيعة.
انتهى الحديث مع ذلك الشيعيّ؛ نظراً لأنّ المكان لا يسمح بأكثر من ذلك، فقد جئنا جميعاً لحضور حفل زفاف أحد الأصدقاء، وعلينا أن نلتفت إليه ونهتمّ به، وتغيّرت منذ تلك المناسبة السعيدة على أهلها وعليّ، بتعرفي على شخص، استطاع بمنطقه ولباقته ومعرفته، أنْ يهديني إلى اتّباع الصراط المستقيم، الذي تاه عنه كثير من الناس، ممّن يمتلكون أسباب المعرفة ووسائل البحث والوصول إلى الحقيقة، ولم نفترق من ذلك الحفل إلّا بعد أنْ وعدني بأنْ يمدّني بكتاب تأسيس الشيعة الكرام لعلوم الإسلام، لأتأكّد من مصداقيّة القيمة
التي ذكرها، عن العناصر التي شايعت عليّاً والأئمّة من ذريته عليهمالسلام ، فكان كتاباً شاهداً على تلك الفئة المباركة التي لعبت دوراً رئيساً في حفظ الدين، وإحياء أحكامه وسننه، وتطوير مناهجه وعلومه، ممّا أتاح لي أنْ أنزع غشاوة التضليل، واُلقي بتبعات التمذهب الموروث عن الآباء، إنْ كان الآباء حقيقة على تلك المذاهب المفروضة على الناس في الزمن الغابر، وأيقنت أنّ الإسلام المحمّدي، والدين الحقّ، لا يمكنه أن يكون في غير أهل البيت عليهمالسلام ، فآمنت به واتّبعت طريقتهم كما قال تعالى: ( أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) .
الحلقة الثالثة والعشرون
مناهضة الشيعة للظالمين على مرّ التاريخ هو الذي شيّعني
استهواه الأدب بشتّى أصنافه، وعلى وجه الخصوص الآداب العربيّة، والتاريخ الإسلامي، ودفعه شغفه بالشعر إلى توق التخصّص في الآداب العربيّة، فكان اختياره على كليّة الآداب والعلوم الإنسانية، ليواصل فيها دراسته العليا، إنّه نور الدين، الشابّ الذي عُرف بدماثة أخلاقه، ورفعة شخصيّته، منذ أنْ كان صبيّاً يافعاً، وتطلّع روحه إلى الخير شيمة درج عليها، حتّى استوى عوده، لم أجد فيه مذ عرفته سوء يعرفه به الناس، ولا وقفت له على غميزة يستحقّ بها التجنّب والمباعدة، فقلت في نفسي كما قالت ابنة شعيب لوالدها: ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ) (1) . هذا خير عنصر استأمنه على ما يختلج في صدري، فيكون لما أبثّه له محلّ جدارة واستحقاق؛ لطيب عنصره؛ ولصفاء روحه؛ فلم أجد لديه ما يعكر حديثي؛ ولا ظهر لي من تقاسيم وجهه ما ينبىء بعدم تقبّل مقالتي، وأنا أدعوه إليها، وكان تجاوبه مع حديثي، وانسجامه مع كلامي، يدلّان على أنّ عامل الوراثة الذي اتّبعه أغلب المسلمين ليس له تأثير على ذوي الأنفس المطمئنة، ولا على ذوي العقول المنفتحة على هذا العالم الرحب بعلومه المتنوّعة، ممّا سيعطي للحقّ صولة تنكشف فيها أساسات الباطل فيُنسف نسفاً، ويعود دين خاتم الأنبياء صلىاللهعليهوآله محمدي المولد، علوّي البناء، ومهدويّ الدولة والنظام الإسلاميّ المنشود.
دعوته إلى جلستنا ليقول كلمة حول الظروف التي أحاطت بانتقاله من
_________________
(1) القصص: 26.
المذهب الذي كان عليه، وهو المذهب السنّي المالكي، إلى إسلام أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ، فقال:
قبل أنْ ألتزم بالدين الإسلاميّ الحنيف، كنت متحمّساً للثورة على الظلم والظالمين، كارهاً لكلّ عناوين الاستعلاء التي تعتري الحكّام، فتنحرف بهم عن الجادّة، ويكونون عناصر ضيق وكبت واستنزاف باطل لقدرات شعوبهم، وقد ساعدني في ذلك نشوئي في وسط عائلي مستقيم، يعتمد على مبادىء رافضة لكافّة أشكال الظلم، ومعاصرتي لجيل كان يلتمس روح مناهضة الظالمين من مبادىء غريبة عنه، نظراً لحالة الغربة عن دينه الإسلاميّ التي كان يعيشها، والتي فرضت عليه اتّباع المنهج الثوريّ خارج الإطار الإسلاميّ، كأنما الإسلام لا يحتمل ذلك، أو أنّه خال منه تماماً، فكانت الماركسيّة هي الفكر الذي رأيت فيه الوسيلة الوحيدة التي تسمح بمناوءة الظلم، والوقوف في وجه الظالمين، أمام غياب البديل الإسلاميّ وخلوّ الساحة منه.
لم أكن أتصوّر في ذلك الوقت، أنّ الإسلام يحتوي بدائل ونماذج، يمكنها أنْ تكون خير مثال يؤخذ، في إطار الصراع بين الحقّ والباطل، وبين العدل والظلم، وبين الفضيلة والرذيلة، وبين الخير والشر، وخطّ الرحمان وخطّ الشيطان.
بل لقد كنت معتقداً آنذاك من خلال ملاحظاتي الخاصّة، أنّ الدين يمثّل الرجعيّة والتواطىء والتبعيّة للظلم، بحسب ما هو واقع من تعاملات، أولئك الذين تجلببوا برداء الدين، وانخرطوا في مسار ولاء الطغاة، تطبيقاً لسياسة صنعها فقهاء البلاط، وأمرّوها إلى الأجيال الإسلاميّة، فسارت على هديها، وهي تعتقد أنّها أمر إلهي.
ولم يتغيّر موقفي من عمالة الدين وخدمته للظالمين، إلى محاربته لجميع أنواع الظلم، إلّا بعد أنْ انتصرت الثورة الإسلاميّة في إيران، والتقيت في تلك الفترة بهذا
الأخ العزيز الذي دعاني إلى هذه الجلسة، لأروي لكم كيفيّة انتمائي لخطّ أهل البيت عليهمالسلام .
كانت دار الاتّحاد العام التونسي للشغل قريبة جداً من بيت العائلة، وكنت عند كلّ مناسبة أو تظاهرة أو اعتصام يقام هناك، متواجداً للاطّلاع عن مجريات العمل النقابي، والمستجدّات على الساحة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة للبلاد، فدار الاتّحاد كالمختبر الذي تكتشف فيه أعراض السقم، وأعراض الصحّة في المجتمع والدولة والبلاد.
التقيت به في احتفال بعيد العمّال العالمي، دأب على تنظيمه الاتّحاد العام التونسي للشغل، شأنه في ذلك شأن كلّ اتّحادات العمّال في العالم، وكنت أعرفه من قبل، من خلال الجيرة الطويلة التي ربطت عائلتي بعائلته، قبل أنْ تُفرّق الظروف بيننا، سررت بلقائه من جديد بسبب موقفه منّي، فهو لم يقطعني لصلتي الوثيقة بالماركسيين، وتعاملي معهم على المستويين الفكري والتنظيمي، كان يعتبر ذلك من حقّي كفرد في أنْ أمارس بحريّة ما يقرّره عقلي، وتستخلصه قناعتي، ويعتقده ضميري من فكر.
كان يعرف جيّداً مدى تديّن عائلتي، وحرصها الشديد على تنشئة أبنائها وفق الدين الإسلامي اعتقاداً وسلوكاً، ولم يكن شذوذي عن تلك التربية، مروقا عن القيم والمقدّسات، لأنّني بقيت محتفظاً بتلك الأسس في أعماق نفسي، وإنّ الذي حاد بي عن طريق خالقي ليس إلّا اختلاقات البشر وتحريفاتهم، حتّى انجازات الثورة الإسلاميّة في إيران، لم تتمكن من الوصول إلى أدعياء الفكر التحديثي ( اليسار الماركسي والقومي ) إلّا مشوّشة ومشوّهة، بما كانت تلفّقه عنها قوى الاستكبار العالمي، ومثلّث الشرّ الحقيقي أمريكا وبريطانيا والكيان الصهيوني.
رحبت برفيق صباي وشبابي، وبعد تبادل قبلات الودّ واستحضار بعض
الذكريات، بادرني بالسؤال: أما زلت ماركسيّاً يا نور الدين ؟
فقلت له: نعم، لا زلت كذلك، إلّا أنّني بدأت أشكّ في مدى عمليّة هذا الفكر، وفاعليته، وجدواه، خاصّة ونحن على أبواب تحوّلات عميقة، بدأ فيها معتنقوه يسلكون طريق التخلّص منه، فالاتّحاد السوفيتي حاله اليوم يُنبىء بذلك، وغداً قد يأتي بما لم يكن في حسبان أحد.
فقال: إنّني لا ألومك على موقفك من الدين، فقد وجدت أمامك من يحول دونك وبلوغ مصافّه، لكنّني اليوم أعرض عليك هذا الإسلام الذي بقي غائبا علينا قرون عديدة..
فقاطعته قائلا: أتقصدُ الإسلام الشيعيّ الذي يعتنقه الإيرانيون وحزب الله ؟
قال: نعم، ذلك ما أقصده، وأنت تعرف جيّداً أنّني كنت تابعاً لمدرسة الخلافة، تلك المدرسة التي باعدت بينك وبين التديّن بفصل الدين عن السياسة والحياة، حسب معتقدات المذاهب التي تتسمّى بالسنيّة، وهي مذهب ابن حنبل والشافعي ومالك الذين اقرّوا جميعاً بوجوب الصبر عند جور الحاكم، وقد نقل ذلك الشيخ أبو زهرة المصري في كتابه المذاهب الإسلاميّة، استناداً إلى الأحاديث التي نسبت للنبيّ كذباً وافتراء عليه، منها ما أخرجه مسلم في صحيحه: «من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنّ يداً من طاعة» (1) .
وقد مثّلت مواقف عبد الله بن عمر بن الخطاب ( رمز التسنّن وراويتهم العدل ) عندما انتفضت المدينة، بعد أنْ تناهى إلى أهلها استشهاد الإمام الحسين وذريته وشيعته في كربلاء، وسبي بنات رسول الله على أيدي الطلقاء عليهم لعنة الله والملائكة والمؤمنين، قمّة الخضوع والخنوع، فوقف في وجه مواليه مهدّداً
_________________
(1) صحيح مسلم 6: 24.
ومتوعّداً كلّ من يخلع بيعته يزيد، تقول الرواية التي أخرجها البخاري:
«لمّا خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية، جمع ابن عمر حشمه وولده فقال: إنّي سمعت النبيّ صلىاللهعليهوآله يقول: ينصب لكلّ غادر لواء يوم القيامة، وإنّا قد بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإنّي لا أعلم غدراً أعظم من أنْ يبايع رجل على بيع الله ورسوله، ثمّ ينصب له القتال، وإنّي لا أعلم أحداً منكم خلعه، ولا بايع في هذا الأمر، إلّا كانت الفيصل بيني وبينه» (1) .
وتحرّك مسرعاً في الموقف الثاني إلى والي المدينة، ليعلن براءته من ثورة أهل المدينة، وبقاءه على طاعة يزيد لعنه الله، تقول الرواية التي أخرجها مسلم:
«جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع [ وكان والياً ليزيد على المدينة ] حين كان من أمر الحرّة ما كان زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة.
فقال: إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدّثك حديثاً سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقوله، سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآله يقول: من خلع يداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجّة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (2) .
أمّا الموقف الثالث فهو أفظع وأدهى، فقد جاء إلى الحجّاج مهرولاً بعد أنْ رأى ما صنع بعبد الله بن الزبير، وطلب تجديد البيعة فأراد الحجّاج الإمعان في إذلاله، فمدّ إليه رجله وقال: «بايع هذه فإنّ يدي مشغولة» (3) ، وبايع ابن عمر الحجاج من رجله.
وقد التصقت سمة الخنوع والخضوع والطاعة للظالمين، بحيث لم تفارق ذلك
_________________
(1) صحيح البخاري 8: 99.
(2) صحيح مسلم 6: 22.
(3) انظر الكنى والألقاب 1: 363.
الخطّ أبداً إلّا في العصر الحديث، بسبب المؤثّرات الخارجة عن ذلك الخطّ، والتي منها انفتاح البعض على الآراء والأفكار الأخرى التي تنتمي أيضا للإسلام، وملاحظة نجاح التجربة الإسلامية للنهضة الإسلامية في إيران ثورة ودولة.
ومقابل خطّ العمالة والخضوع للظلم، بذل أهل البيت عليهمالسلام وأتباعهم المزيد من الأرواح، من أجل الإبقاء على الإسلام حيّاً ومعطاء وفاعلاً في الأمّة الإسلاميّة فقد سار أتباعهم على نهجهم البطولي وقدّموا الكثير من التضحيات، من أمثال رشيد الهجريّ وميثم التمار وعمرو بن الحمق الخزاعيّ وجويرية بن مسهر العبديّ، وسعيد ابن جبير، وحجر بن عدي الكنديّ، وغيرهم ممّا لا يسعني استحضارهم، وذكر أسمائهم، فهم يعدّون بالآلاف.
قلت له: وهل تشيّعت أنت ؟
قال: نعم، لقد تشيّعت عن دراسة معمّقة، خرجت على أثرها متيقناً أنّ الإسلام الأصيل هو الذي ذهب إليه المسلمون الشيعة الاماميّة الاثني عشريّة، نسبة إلى أئمتهم الاثني عشر.
قلت له: فما الفارق بين الإسلامين ؟
قال: الجانب الثوري الذي كنت تفتقده في خطّ الإسلام السنّي، الذي والى أنظمة الظلم والجور، التي حكمت الشعوب الإسلاميّة، تطبيقاً لروايات موضوعة.
قلت: بيّن لي ذلك ؟
قال: منذ أنْ فارق النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله الدنيا، وشيعة أهل البيت عليهمالسلام في صراع مرير، من أجل غرس الفكر الذي ورثوه عن النبي صلىاللهعليهوآله بخصوص الدين الإسلامي، ذلك العمل العظيم كان له دور أساسيّ في بقاء جوهر الإسلام المحمّدي، نقيّاً وصحيحاً بحيث لم يتطرّق إليه شي من اختلاقات البشر، فلم
يفصلوا الدين عن السياسة، كما فصلها الخطّ السنّي، وهم يعتبرون استنادا إلى أقوال النبيّ صلىاللهعليهوآله الصحيحة: أنّ الدين جاء من أجل صلاح الدنيا والآخرة، وقيادة البشرية جمعاء في مسيرتها إلى الله تعالى نحو نظام الحكم الإلهي والمجتمع المسلم المثالي، والبديل عن كافّة النظم الوضعية التي تفتقد روح التواصل المتين مع الله، والمصداقيّة بين البشر، ولو نظر الباحث المنصف في مجموع أحكام الإسلام لرآها تناولت جميع متعلّقات ومتطلّبات البشر، بدءاً من أبسط المسائل، كآداب التخلّي إلى أعقدها فيما يتعلّق بالمواريث والعقود والمعاملات، وهذه الأخيرة، مثّلت في حجمها أكثر التشريع الإسلاميّ. وباعتبار أنّ الأحكام المشار إليها تحتاج إلى أداة تسهر عليها وتنشرها بين الناس بأمانة، وتنفّذها تنفيذاً صحيحاً، تظهر ثماره على المجتمع ليتحقق العدل الإلهي فيما بين البشر ويأمن الناس تحت ظلّ تلك الحكومة الإلهية، جاء الأمر الإلهي للنبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله بتعيين عليّ بن أبي طالب عليه السلام إماماً يهتدي المسلمون بتطبيقاته وعلومه، وحاكماً مؤهّلاً ليشغل الفراغ الذي سيخلفه النبيّ صلىاللهعليهوآله .
لكنّ التحريفيين كانت أطماعهم في السلطة غير خافية، بحيث دخل منهم إلى الدين من دخل وهو يرجو نيل مكان في أعلى قمّة التسيير، وتطاول منهم من تطاول على مقام النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وحيكت المؤامرات ضدّ أهل البيت وتمّ أمر الحكم للانقلابيين، وضيّق على عليّ عليهالسلام وأهل بيته، ومع مرور الزمن تحوّلت أحقيّة أهل البيت عليهمالسلام وقدسيّتهم إلى نكارة وجهالة، تعامل بها حيالهم أغلب الأمّة، نتيجة سياسات التجهيل والقمع التي مارسها المتسلّطون على الحكم والأمّة، وتحوّلت منزلة الطاهرين من ذلك المقام المرموق الذي كان على عهد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، إلى موضع التهمة ومبرّر التنكيل والقتل، وتحوّل نظام الحكم الذي سلط على رقاب المسلمين من تلك الحالة الانقلابيّة الشاذّة إلى ملك غاشم، لا يفرّق بين
حقّ وباطل، وعوض الحكومة الإلهيّة الراشدة، مُني المسلمون بنظام حكم جاهلي، لم يراع أبسط الحقوق لأفراد المجتمع، فتحوّل أهل البيت عليهمالسلام عندما رأوا أنّ الدين وتشريعاته أصبحا في خطر، إلى المعارضة الفاعلة في أوساط الأمّة، فخرج الإمام أبو عبد الله الحسين عليهالسلام في هجرته العظيمة من المدينة إلى مكّة، ثمّ بعد ذلك إلى الكوفة، ليعيد الحكومة الهادية بأمر ربّها إلى أصحابها الشرعيين، وليضرب للمسلمين وللناس جميعاً مثلاً في الفداء والتضحية من أجل المبدأ، وكانت مواجهته لقوى البغي والظلم من نتاج مؤامرة السقيفة، درساً لن ينسَ لكلّ الأحرار في العالم، في الثبات على الموقف والمبدأ؛ لأنّ الحياة إذا لم يكن فيها موقف ومبدأ، فهي إلى الحيوانيّة أقرب منها للإنسانيّة، وأسّس سيّد شباب أهل الجنّة عليهالسلام مدرسة الشهادة، وجامعة الثورة في يوم عاشوراء، وكانت كربلاء موضع حجر الأساس لنهضات وثورات تتابعت تأسّياً بريحانة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وكان للائمّة من أولاده عليهمالسلام الدور البارز في قيادة تلك الثورات، فعلّموا أتباعهم وشيعتهم أحكام الإسلام وعلومه الصحيحة، ونظّموا صفوف الطلائع المؤمنة، ونشروا روح خدمة الإسلام، وفداءه بكلّ غال ونفيس، فاندلعت ثورات عديدة، أسقطت طلقاء بني أميّة، وفرّقت جمعهم إلى غير رجعة، لكنّ الأمّة عادت فكرّرت نفس التقصير، وأخلّت بواجبها في التقيّد بالإسلام وموالاة أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، فاستولى بنو العباس على الحكم، ولم تمرّ فترة وجيزة حتّى أعادوا الظلم إلى موقعه على صدر الأمّة الإسلاميّة، وبقي أهل البيت عليهمالسلام في نفس موقع المعارضة، ونفس الدور في التعليم والإرشاد والدعم الروحي والمادّي وتنظيم كوادر العمل الإسلاميّ التي كانت تتخرج من مجالسهم، فتوالت الثورات ضدّ الظلم والظالمين، وكانت أحاديث أئمّة أهل البيت عليهمالسلام في تحريم اتّباع الظالمين، أو إعانتهم، أدلّة مسجّلة في تراثهم الخالد، من ذلك قول الإمام
عليّ عليهالسلام : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (1) . وقول الإمام الصادق عليهالسلام : «من أرضى سلطاناً جائراً بسخط الله خرج من دين الله» (2) . وغير ذلك من الروايات التي تحرّم طاعة الظالمين، وبناء على ذلك، أفتى علماء الشيعة بأنّ أيّ عمل يقوم به المكلّف وفيه شكل من أشكال المعونة للظالم فهو حرام، ويُعدّ كبيرة من الكبائر. وقصّة صفوان الجمال شاهد على ذلك، تقول الرواية إنّه كان في عهد الرشيد رجل من الشيعة يدعى صفوان، وكانت له جمال يكريها لهارون الرشيد حين يذهب إلى مكّة للحجّ، فدخل يوماً على الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام ، فقال له: يا صفوان كلّ شيء منك حسن جميل ما خلا شيئاً واحداً.
قال: جعلت فداك أيّ شي ؟
قال: اكراؤك جمالك من هذا الرجل، يعني هارون.
قال: والله ما أكريته أشراً ولا بطراً، ولا للصيد ولا للهو، ولكن أكريته لطريق مكّة، ولا أتولّاه بنفسي، ولكن أبعث غلماني.
فقال: يا صفوان أيقع كراؤك عليهم ؟
قال: نعم جعلت فداك.
قال: أتحبّ بقاؤهم حتّى يخرج كراؤك ؟.
قال: نعم.
قال: فمن أحبّ بقاؤهم فهو منهم، ومن كان منهم فهو كان ورد النار. فذهب صفوان وباع جماله عن آخرها؛ فبلغ ذلك الرشيد، فدعاه وقال له: يا صفوان بلغني أنّك بعت جمالك.
قال: نعم.
_________________
(1) نهج البلاغة 4: 41، الخصال: 139.
(2) الفصول المهمّة في أصول الأئمة: 228.
قال: ولم ؟.
قال: أنا شيخ كبير والغلمان لا يفون بالأعمال.
قال: هيهات هيهات، إنّي لأعلم من أشار عليك بهذا، موسى بن جعفر.
قال: مالي ولموسى بن جعفر ؟.
قال: دع هذا عنك فوالله لولا حسن صحبتك لقتلتك (1) .
ومن أجل إضفاء الشرعيّة على أنظمتهم، سعى ملوك بني العباس إلى استمالة أئمّة أهل البيت، بعد أنْ استطاعوا استمالة أغلب الفقهاء والرواة والحفّاظ، وكانت للمنصور الدوانيقي محاولة فاشلة مع الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهالسلام ، فقد وجّه إليه رسولاً ومعه رقعة كتب فيها: لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس ؟ فردّ عليه أبو عبد الله الصادق عليهالسلام : «ليس لنا ما نخافك من أجله ولا عندك من امر الآخرة ما نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنيك، ولا تراها نقمة فنعزيك بها فما نصنع عندك» فردّ عليه الدوانيقي: تصحبنا لتنصحنا. فردّ الإمام الصادق عليهالسلام : «من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك» (2) .
وكلّفت كلّ تلك المواقف أئمّة أهل البيت عليهمالسلام مزيداً من التضييق والسجن والقتل ودسّ السمّ لهم، من طرف المتسلطين على الأمّة، فلم يمنعهم ذلك من المضيّ قدماً في مواقفهم، التي كانت تمثّل التطبيق الصحيح للدين، الذي جاء به جدّهم رسول الله صلىاللهعليهوآله .
وسمة الثورة والاستماتة على الحقّ، التي ميّزت هذا الخطّ، جعلت أعناق الأحرار والتوّاقين إلى العزّة تلتفت إليه وتتّجه نحوه.
وأنت ترى اليوم أنّ الفكر الماركسي، والثورة البلشفيّة التي تمخّضت عنه، لم
_________________
(1) اختيار معرفة الرجال 2: 740.
(2) كشف الغمّة 2: 427.
تستطع أنْ تقدّم شيئاً يذكر من مساواة وعدل وأمن، لمعتنقي ذلك الفكر، فضلاً عن البشريّة جمعاء، إضافة إلى تعلّقها بكلّ ما هو مادّي ومحسوس، وإنكارها ما وراء ذلك، فهم لا يعترفون بوجود خالق هذا الكون، ولا بحياة ما بعد الموت، وهو في نظري فكر سطحيّ يائس، لا يستند على مقالة صحيحة في هذا الخصوص، وأنت تدرك أكثر منّي بأنّ المعلول لا بدّ له من علّة، والسبب من مسبّب... فقاطعته قائلا: أنا مؤمن بوجود خالق لهذا الكون، لقد دخلت مع الماركسيين لسبب واحد، وهو ثوريّة فكرهم، ووجاهة برنامجهم الاقتصادي في إرساء نظام عادل في توزيع للثروات، أنا لم ولن أتبنّى نظرياتهم الاجتماعيّة ولا رأيهم في الوجود ككل.
قال: إذاً، عليك أنْ تراجع حساباتك بخصوص الإسلام والتاريخ الإسلامي، لتتعرف على نقاط الخلل التي باعدت بينك وبين هذا الفكر العظيم، الذي طرحه أئمّة أهل البيت عليهمالسلام .
قلت له: فهل عندك ما يمكنني من ذلك ؟
قال: نعم، وسترافقني بعد مغادرتنا دار الاتّحاد إلى البيت، لتسلّم على العائلة، وأقدّم لك ما يمكن أنْ يفيدك فيما ذكرت لك.
بعد انتهاء الاحتفال، توجّهنا جميعا إلى بيت هذا الأخ الكريم، ورحّب بي أفراد عائلته، وسألوني عن عائلتي كيف حالهم والى أين صاروا، وبعد أداء واجب السلام، أخذني إلى مكتبته، واختار لي بعض الكتب التاريخيّة التي تناولت الحركات الثوريّة في العصرين الأمويّ والعباسيّ، مع كتاب الشهيد مرتضى مطهري «المجتمع والتاريخ»، و «دوافع نحو الماديّة»، و «كتاب الاستحمار» للشهيد علي شريعتي، فأخذتها منه، والتزمت بقراءتها سريعاً، وهو ما تمّ فعلاً، وعلى أثر ذلك اقتنعت بأنّ الماركسيّة لا تمثّل المنهج الثوريّ الصحيح، وهي في
أبعادها لا تتجاوز حركة عمر الإنسان ومسيرته في الحياة الدنيا، بينما يمثّل الإسلام الذي يرفض الظلم، ويعتبره خروجاً عن جوهر الدين، وإنّ مقارعة الظالمين عبادة كبرى كما هو عند أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، المنهج الثوري الصحيح الذي يساير حركة الإنسان في الدنيا والآخرة وهو الإسلام الصحيح الذي تبنّاه أهل البيت عليهمالسلام وهو ما جاء به النبيّ الخاتم صلىاللهعليهوآله ، فغيّرت وجهتي إليه، واقتنعت به، وسلكت طريقه، وأعلنت ذلك لصديقي، فحمد الله على نعمة هدايتي، واستحثّني على مزيد البحث والمطالعة، حتّى تترسّخ الفكرة في عقلي، وتستوثق في وجداني، وبقي يُتابعني في تلك المرحلة، ولم يتركني إلّا بعد أنْ استوفيت حلّ كلّ الشبهات، التي ألقاها الظلمة على دوحة أهل البيت عليهمالسلام ، ليشوّهوا مظهرها البديع.
الحلقة الرابعة والعشرون
شيّعني الحسين عليهالسلام
جاء مرافقاً لاحد الإخوة المستبصرين، لم أكن أعرفه من قبل، قال عنه مرافقه: إنّه قد استبصر حديثاً، وعرف حقيقة الإسلام المحمّدي الذي لم تخالطه شائبة من شوائب المستكبرين والمشركين، وكان ذلك من طريقه، ثمّ قدّمه: الأخ عماد، شاب من شباب الإسلام العظيم، تربّى في أسرة ملتزمة بدينها، في عصر قلّت فيه الأُسر الملتزمة، أخذ أبجديات العبادة عن والده ووالدته، قبل أنْ يبلغ سن التكليف، فزاده ذلك دفعاً نحو الالتزام الكامل، تعرف على إسلام أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وبحث في خصوصيّاته وتفاصيله، فرآه أقرب إلى الوحي والنبيّ صلىاللهعليهوآله من غيره من المذاهب التي تسمّت بأسماء أصحابها، فالتزم به وباشر تطبيق شعائره وأحكامه، وأحلّها محلّ الشعائر والأحكام التي كان يطبّقها بطريق التقليد الوراثي، حدّثته عن فكرة الإدلاء بإفادات المستبصرين، فرغب في أن يكون ضمن مَنْ سيُدلي بدافع تشيّعه لأئمة أهل البيت عليهمالسلام .
فما كان منّي إلّا أنْ رحبّت بقدومه، وشكرت له سعيه من أجل إظهار الحقّ، ثمّ طلبت منه أنْ يدلي بإفادته فقال:
كم يشعر المرء بالغباء والغبن عندما يستفيق من غفوته، ويخرج من غفلته، وكم تكون ردّة الفعل سريعة، لطرد كلّ تلك الآثار التي علقت بنفسه، وأعاقتها ردحاً من الزمن.
فيما مضى من عمري، كنت من بين ملايين المسلمين الذين دخلوا الدين من بوّابة التقليد المجرّد من العلم والمعرفة، ومع أنّني انتهجت بعد نضجي وإدراكي
لبعض التكاليف الواجبة عليّ، منهج الإسلام الشمولي الذي لا يفصل الدين عن الحياة، والذي يعتبر أنّ السياسة جزء أساسيّ لا يتجزّأ من الدين الحنيف، فقد بقيت سالكاً نفس النهج التقليدي للعبادة والفهم، ومتّبعاً أثر التديّن الذي اكتشفت فيما بعد أنّه من املاءات الأنظمة التي خضعت لها رقاب المسلمين بالجبر والإكراه قرون عديدة، دون أنْ ألتفت إلى مصدر هذا الفقه، ولا العصر الذي جاء منه، وطبيعيّ أن يكون نتاج الظلم تحريفاً لحقيقة الدين وسموّ معانيه، ووضوح أحكامه؛ لأنّ طبيعة الانحراف لا تولّد إلّا انحرافا مثله.
لم أسمع أو أقرأ عن المسلمين الشيعة إلّا كلّ منكر وسوء، فقد كان منطق التكفير هو السائد حيال تلك الفرقة، من جانب الخطّ الذي كنت منتسباً إليه، والمعروف بالخطّ السنّي، استناداً إلى جملة من التهم التي ألصقت بواجهة تلك الطائفة؛ لذلك لم أكلّف نفسي عناء البحث عنهم، ولا تبادر إلى ذهني، ولا خالطني شعور أو إحساس بالسؤال عنهم والاهتمام بهم، حتّى الثورة الإسلاميّة في إيران، لم تكن عندي بالمقدار والأهميّة التي كان يجب أن تكون عليه، وقد استغلّ الاستكبار العالمي هذه الفجوة ليعمّق الشرخ، ويباعد بين عموم المسلمين وبين تلك النهضة المباركة؛ تأصيلاً منه لروح العداء والضغينة التي أسّسها المتسلطون الأوائل على رقاب المسلمين، فالشيعة في محصّلة الفكر السنّى، كفار مارقون، وروافض حلّت دماؤهم وأموالهم وأعراضهم، واستمرّ اعتقادي في الشيعة بتلك القناعة، إلى أنْ جاء يوم شاهدت فيه بالصدفة مراسم عاشوراء التي دأبوا على إحيائها، من خلال قناة تلفزيونية فرنسيّة، فشكّلت مشاهدتي لتلك المظاهر صدمة نفسية، كان لها الأثر الكبير في تحوّلي من الخطّ الوراثي الذي كنت أسلكه، إلى الخط المعرفي الذي استبدلته به.
فنهضة الإمام الحسين عليهالسلام ، وثورته المباركة، وشهادته العظيمة، وتضحيته من
أجل الإسلام، لم تكن تعني شيئاً عند أتباع خطّ الإسلام السنّي الأشعري، الذي اعتمده أغلب حكّام المسلمين، الذين لا يحبّذون الثورات والثوار بطبعهم، ويرون فيها وسائل لهدم أنظمتهم، وتقويض أسسها المبنيّة على الظلم والتعدّي والاستكبار. دفعتني صدمة تلك المشاهد إلى الاستغراب والسؤال: لقد تعوّد مجتمعنا على الاحتفال بيوم عاشوراء، على أساس أنّه يوم مبارك يفرح فيه المسلمون، ويطبخون فيه الحبوب، ويظهرون فيه الزينة، والتوسعة على العيال، ويصومون ذلك اليوم قربة إلى الله، فإنّهم قد بنوا صيامه على مقالة منسوبة لليهود تقول: إنّ عاشوراء يوم أنجى الله فيه موسى من فرعون، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله لأصحابه: «أنتم أحقّ بموسى منهم، فصوموا» (1) ، ووجدت خبرين أخرين يقولان مع اختلاف في أسماء الأنبياء بينهما، بأنّه اليوم الذي أنجى فيه الله سبحانه وتعالى عشرة أنبياء (2) ، فلماذا يكون يوم العاشر من المحرّم عندنا يوم فرح وسرور، ويكون عند الشيعة يوم حزن وبكاء وسواد ؟ أين تكمن الحقيقة يا ترى ؟
هالني وأنا أتابع باهتمام كبير مراسم الحزن والعزاء التي يقيمها المسلمون الشيعة على الإمام الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء، ووجدت نفسي أتساءل عن معنى تلك المراسم وحقيقتها.
ورغم حصول تلك الرجّة، لم استطع أنْ أتبيّن حقيقة الإمام الحسين عليهالسلام ويومه العظيم، إلّا بعد أنْ التقيت بأحد أفراد الشيعة في المدينة التي أعيش فيها، رأيت أنْ أسأله عن تلك المظاهر التي تراءت لي غريبة في بعض تفاصيلها.
قلت له: لماذا يفرح المسلمون السنّة يوم عاشوراء ويفرح اليهود فيه أيضاً، ومقابل ذلك نجد الشيعة يكثرون من مظاهر الحزن فيه ؟
_________________
(1) صحيح البخاري 5: 212.
(2) انظر على سبيل المثال تاريخ دمشق 62: 264، مواهب الجليل للحطّاب الرعيني 3: 314.
فقال: إنّنا أمام خبرين أحدهما رواية والآخر دراية، فخبر أنّه اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وأنّ اليهود يصومونه تبرّكاً به، ليس له أصل في الواقع؛ لأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ليس له مصدر لاستقاء معلوماته غير الوحي فلم يؤثر عنه أنّه اتّبع يهوديّاً أو نصرانيّاً في مسألة من المسائل، ويكفي الرواية وهنا وبطلاناً أنّ اليهود لا يعتمدون التقويم القمري، ولو قدّر للرواية صحّة، ووافق ذلك اليوم يوم العاشر من المحرّم فانّه لا يتّفق قطعاً مع بقيّة الأعوام؛ لنقص تعداد السنة القمريّة عن السنة الشمسيّة، ومنه يتضح حال الخبر القائل بأنّه اليوم الذي أنجى الله فيه عشرة أنبياء منهم نوح وإبراهيم، النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله وأهل بيته الطاهرين عليهمالسلام ، أولى باللطف الإلهي والعناية الربانيّة، فإنّ خبر استشهاد الإمام الحسين عليهالسلام ، وخيرة أهل بيته عليهمالسلام وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، يوم عاشوراء خبر دراية؛ لذلك اعتمد المسلمون الشيعة على الدراية، ورأوا التعامل مع ما هو قطعيّ الدلالة على اتّباع الظنّ، والتعبّد بالموضوعات التي اختلقها الطغاة، من أجل التغطية على جرائمهم.
قلت له: فلماذا كلّ هذا الحزن على الحسين بن علي رضياللهعنه ؟ ألا يكفي ما أظهره عليه أهله وأتباعه عند موته ؟ ألا يعتبر ذلك من البدع المنسوبة للشيعة ؟
فقال لي: قد لا تختلف معي إذا قلت لك إن الإمام الحسين عليهالسلام هو ريحانة النبي صلىاللهعليهوآله (1) ، وقد لقبّه هو وأخوه الحسن بن علي عليهماالسلام بسيدي شباب أهل الجنة (2) ، وهو خامس أصحاب الكساء الذين نزلت فيهم آية التطهير التي تقول: ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (3) وقد نسبه النبيّ
_________________
(1) صحيح البخاري 4: 217.
(2) سنن الترمذي 5: 321، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 2: 423، ح 796.
(3) الاحزاب: 33.
إلى نفسه نسباً باطناً فوق نسبه الظاهر فقال: «حسين منّي وأنا من حسين أحبّ الله من أحبّ حسينا» (1) .
قلت له: كلّ ذلك واضح وصحيح ونعترف به، مع أنّنا لا نجد فيه مبرّراً لإقامة تلك المراسم.
فقال: ذلك ممّا لم تتبيّنه أنت ولا أتباع خطّك، من خلال رؤيتكم للأشياء بعين العصبية المذهبيّة، لذلك فإنّني أرجو أنْ لا تقاطعني حتّى أكمل كلامي في بيان حجّتي المتمثلة في الحزن على أبي عبد الله الحسين عليهالسلام ، في محنته ومصيبته يوم عاشوراء..
سكت قليلاً ثمّ قال: هل تعلم أنّ من بين التكاليف التي ألقيت على جميع المسلمين، مودّة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (2) وقد سئل رسول الله صلىاللهعليهوآله عن ماهيّة القربى الذين أشارت إليهم الآية ؟ فقال: «علي وفاطمة وأبناهما». وقد أراد الله تعالى أنْ يكرم نبيه بأن ألزم المسلمين محبّة قرباه صلىاللهعليهوآله واحترامهم، وتقديمهم، وتبجيلهم، وتوقيرهم، وجعل ذلك أجراً لرسالة الإسلام التي جاء بها إلى الأمّة، وذلك كلّه يندرج في معاني المودّة التي تضمنتها الآية الشريفة. ومودّة القربى تلك كماترى، أصبحت تكليفاً واجباً على كلّ جيل من أجيال المسلمين، ممّا يترتب عليه بالنسبة إلى تلك الأجيال أن تلتزم بإيفاء النبيّ صلىاللهعليهوآله حقّه في مودّة قرباه، طاعة لله تعالى وامتثالا لأمره. ومحنة الإمام أبي عبد الله الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء هي محنة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وخروجه طلباً للإصلاح، هو طاعة لله تعالى ورسوله صلىاللهعليهوآله ، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
_________________
(1) سنن الترمذي 5: 324، مسند أحمد 4: 172.
(2) الشورى: 23.
قلت له: لكنّنا نحن أهل السنة نحبّ أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ونحترمهم، لكنّنا لا نغالي في ذلك كما تفعل الشيعة.
قال: بيّن لي كيف تحبّون أهل البيت ؟ وكيف يمكنكم تجسيد ذلك وإظهاره ؟ وماذا قدّمتم للأطهار عليهمالسلام حتّى توفون بواجبكم نحوهم، ويعتبركم أهل البيت عليهمالسلام من محبيهم حقّا ؟ فللمودّة والحبّ تطبيقات، كما تظهر لهما من خلال ذلك علامات، لابدّ من تجليها على المحبّ، وإلّا لم يكن الأمر كذلك.
ونظرت بيني وبين نفسي، وغصت في أعماق مشاعري وأحاسيسي، باحثاً عن مظهر أو علامة استدلّ بها على حبّي، وحبّ أهل السنّة لأهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فلم أجد شيئا ألوذ به، فلم أجد له تجسيداً ولا عثرت على دليل يكون إلى جانبي..
خيّم عليّ صمت أشبه بالوجوم، فقال: لماذا سكتّ ؟ ألأنّك لم تجد ما يصدق دعواك في محبّة أهل البيت عليهمالسلام ، وأضيف لك أنّ المحبّة اتّباع وتأس، وهو الركن المهم والمطلوب في هذه المودّة، قال تعالى: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ) (1) فهل اتّبعتم أهل البيت عليهمالسلام في شيء من الأشياء، وهي كلّها سنن النبيّ صلىاللهعليهوآله ، تعلّموها وورثوها منه ؟ أنا لا أظنُّ ذلك، بل أجزم أنّكم لم تتّبعوهم في شي مطلقاً، ونفضتم أيديكم منهم، ووقفتم في صفّ المحاربين لهم بدءاً من السقيفة وانتهاءً ببقائكم على ولاية من ظهر عداءه للدين، من هؤلاء الفسقة والظالمين، الذين يجثمون على صدوركم، وتعتبرونهم أولياء أموركم.
قلت: على رسلك، فإنّ جانباً هامّاً من أهل السنّة، والمتمثّل في طلائعه المثقّفة لا تؤمن بولاية هؤلاء الأشرار من أتباع حزب النفاق، والحركات الإسلاميّة الحديثة قد خرجت من قمقم طاعة الظالمين، بعد أنْ جرّبته طويلا
_________________
(1) آل عمران: 31.
ووقفت على بطلانه.
قال: وهل تعتقد أنّه خروج حقيقيّ، ألا ترى أنّها ما تزال مقيمة على تلك المذاهب التي أسّسها هؤلاء الظلمة، ألم يكن مالك على سبيل المثال صنيعة أبو جعفر المنصور العباسيّ، وذلك من أجل حمل الناس على ترك سادس أئمّة أهل البيت عليهمالسلام الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليهالسلام ، الذي كان وأبوه محمّد بن عليّ الملقب بالباقر وبقيّة الأئمّة عليهمالسلام أساتذة كلّ هؤلاء الفقهاء.
قلت: هذا صحيح، إلّا أن ذلك مردّه قلّة الوثوق بالبديل الذي يستطيع تعويض منهجهم القديم.
قال: بل إنّي أراه نتاج ثقافة أسّست على الكذب على رسول الله صلىاللهعليهوآله ، وحاكمية وقعت ضحيّة أناس ليسوا أهلا للقيام بها.
قلت: فإلى أيّ حدّ تذهبون بمودة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله ؟
قال: ليس للمحبّة حد يا صديقي، أحبب أهل البيت عليهمالسلام ، وكلّ الذين وصلوا إلى مقام القرب الإلهي، بقدر ما تشاء وتريد، فقط لا تخرج بهم من دائرة المخلوقيّة، وافعل ما بدا لك؛ لأنّنا في هذه الشعيرة متنافسين من أجل تحصيل الأجر الأكبر، كما ترغّبنا فيه بقيّة الآية: ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) (1) ثمّ تعال لأقرّب لك فهم المودّة: لو أنّ الإمام الحسين عليهالسلام كان في زماننا وخرج من أجل أنْ يُصلح في أمّة جدّه، ماذا أنت فاعل ؟
قلت: أخرج معه قطعاً.
قال: لا تستعجل على نفسك هكذا، فلو كنت فاعلاً ذلك حقّاً، لما استكثرت عليه هذه الجموع المحيية لذكراه، والهاتفة باسمه.
قلت: ألا يكفي بكاء القرون الأولى، ألم يقل النبيّ صلىاللهعليهوآله : لا عزاء بعد ثلاث ؟
_________________
(1) الشوري: 23.
قال: لقد قلت لك إنّ كلّ جيل له تكليفه بخصوص المودّة، فنصرة الحسين عليهالسلام واجبة على من سمع بخروجه، والبكاء عليه من الأمور المطلوبة والمحبّذة، حتّى لو كان ذلك بعد أربعة عشر قرناً، لأنّ الإمام الحسين رمز الإسلام، وبقيّة أصحاب الكساء، فالبكاء عليه في محنته أمر عبادي يراد به وجه الله تعالى؛ أحد أوليائه المقرّبين، وأحد القربى الذين فرض الباري محبّتهم، وفوق ذلك كلّه، فقد بكى النبيّ صلىاللهعليهوآله على ولده الحسين عليهالسلام .
قلت: وكيف بكى رسول الله صلىاللهعليهوآله على سيدنا الحسين رضياللهعنه وحادثة كربلاء لا تزال في رحم الغيب، وبينها وبين النبيّ صلىاللهعليهوآله أكثر من خمسين عاما ؟
قال: الروايات في ذلك عديدة متكاثرة وهي تنصّ وتصرّح بأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ، بكى على ولده الحسين وأقام عليه العزّاء في أوقات عديدة لعلّ أوّلها في يوم ولادة الحسين عليهالسلام . وها أنا أورد لك روايتين على سبيل المثال فقط:
الأُولى: أخرج الحاكم بسنده إلى أمّ الفضل بنت الحارث: «أنّها دخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فقالت: يا رسول الله، إنّي رأيتُ حلماً منكراً الليلة. قال: وما هو ؟ قالت: إنّه شديد. قال: وما هو ؟ قالت: رأيتُ كأنّ قطعة من جسدك قُطّعت، ووضعت في حجري. فقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : رأيت خيراً، تلد فاطمة إنْ شاء الله غلاماً فيكون في حجرك، فولدت فاطمة الحسين فكان في حجري كما قال رسول الله صلىاللهعليهوآله ، فدخلت يوماً إلى رسول الله صلىاللهعليهوآله فوضعته في حجره، ثمّ حانت منّي التفاتة، فإذا عينا رسول الله صلىاللهعليهوآله ، تهريقان من الدموع. قالت: فقلتُ: يا نبي الله بأبي أنت وأمّي مالك ؟ قاله: أتاني جبريل عليهالسلام فأخبرني أنّ أمتي ستقتل ابني هذا. فقلت: هذا. فقال: نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (1) .
_________________
(1) المستدرك على الصحيحين 3: 176، وانظر أيضاً تاريخ دمشق 14: 197.
الثانية: أخرج الطبراني بسنده إلى أمّ سلمة قالت: «كان الحسن والحسين رضي الله عنهما يلعبان بين يدي النبي صلىاللهعليهوآله في بيتي، فنزل جبريل عليهالسلام ، فقال: يا محمّد، إنّ أمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك، فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله صلىاللهعليهوآله وضمّه إلى صدره، ثمّ قال رسول الله صلىاللهعليهوآله : وديعة عندك هذهِ التربة، فشمّها رسول الله صلىاللهعليهوآله وقال: ويح كربّ وبلاء. قالت: وقال رسول الله صلىاللهعليهوآله : يا أمّ سلمة، إذا تحوّلت هذهِ التربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قتل. قال: فجعلتها أمّ سلمة في قارورة، ثمّ جعلت تنظر إليها كلّ يوم وتقول: إنّ يوماً تحوّلين دماً ليوم عظيم» (1) .
إذن، فالنبي صلىاللهعليهوآله بكى على ولده وهو بين يديه، وكانت عيناه تذرفان الدموع كلما رآه، لذلك حاول أنْ يبني في قلوب المسلمين محبّة أهل بيته، والحسين منهم عليهمالسلام ، زيادة على تأسيس رابطة الأخوّة والمحبّة بين جميع أفراد الأمّة نافياً الإيمان عن كلّ من لا يتقيّد بتلك الثوابت، فقد قال أكثر من مرّة: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» (2) ، بكاه خيرُ أهل الأرض، أفلا ترى عدم البكاء عليه إجحافاً في حقّ الإسلام وقيَمه العظيمة. وتدلّ على أنّ صاحبه يتميّز بقلب رقيق وفيّاض بالمودّة والرحمة، والخطر كلّ الخطر من أولئك الذين لهم قلوب كالحجارة أو أشدّ قسوة، خرجت الرحمة منها فتركتها صلدة بلا شعور أو إحساس، والنبيّ يعقوب عليهالسلام بكى على فقد ابنه يوسف حتّى ذهب نور بصره، ويعني ذلك أنّه بكى سنين طويلة، وهو يدرك جيّداً أنّ ابنه لم يمت، وسوف يلتقي به، فلم يعاتبه الله سبحانه وتعالى على فعله ذلك، ولا طلب منه الإقلاع عنه، فكيف بالله عليك ترى أنت وخطّك الذي تتبعه في البكاء نكارة ومذمّة، ولا
_________________
(1) المعجم الكبير 3: 108، تاريخ دمشق 14: 192.
(2) صحيح البخاري 1: 9، صحيح مسلم 1: 49.
أراكم متّبعين فيه سنّة للنبيّ صلىاللهعليهوآله ، فليس هناك ما يشير من قريب ولا بعيد إلى نهيه عن البكاء، وما هي والله إلّا سنّة صاحبكم في نهيه عن البكاء، بعدما اتّبعتموه في بدع عديدة، كالبدعة التي استحدثها جماعة في نوافل ليالي شهر رمضان والمعروفة عندكم بالتراويح (1) .
قلت: دعني من هذا كلّه وقل لي الآن، ما الفرق بين ثورة الحسين عليهالسلام ، وثورة عبد الله بن الزبير.
قال: كالفرق بين واضحة النهار، وظلام الليل الدامس.
قلت: كيف ذلك، وهما ثورتان إسلاميتان ؟
قال: لم يخرج الإمام الحسين عليهالسلام إلّا بعد أنْ حوصر وضُيّق عليه من أجل أخذ البيعة ليزيد الفاسق لعنه الله، وباعتبار أنّ أبا عبد الله عليهالسلام يمثّل القدوة الإسلامية وقمّة التقوى التي يمكن أنْ توجد في المجتمع، فمثله لا يبايع مثل ذلك الخبيث، ولم يكن خروجه لنفسه، أو لحاجة شخصيّة يريد قضاءها، بل خرج طلباً للإصلاح في أمّة جدّه، ورغبة منه في إبطال بيعة الظالمين عمليّاً، وكان هو القدوة المؤهّل لتلك المهمّة؛ لتكون الدلالة الكبرى على بطلان مبايعة كلّ ظالم إلى أنْ يرث الله الأرض ومن عليها، لقد جسّد الإمام الحسين الرؤية القرآنية في التعامل مع الظلم، وبمقارعته له في قلّة قليلة ضرب مثلا قرآنيّاً يقول فيه سبحانه وتعالى: ( كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ) (2) .
فرغم استشهاده عليهالسلام ومن معه من أهل بيته وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فإنّه من يعرف حقيقة الشهادة وفلسفتها، يؤمن بأنّ الإمام أبا عبد الله
_________________
(1) والتي اعترف عمر نفسه بأنها بدعة فقال: «نعم البدعة هذه»، صحيح البخاري 2: 252.
(2) البقرة: 249.
الحسين عليهالسلام ، قد حقّق نصراً لم يتسنّى لمن سبقه في ميدان بذل النفس في سبيل الله تعالى، بحيث حقّقت نهضته المباركة ما كان يؤمّله من يقظة شاملة، أوقفت الأمّة على حقيقة كانت غافلة عنها، وتمثّلت في أنّ الأرض حلبة صراع بين الحقّ والباطل، وكلّ تخاذل من جانب أتباع الحقّ يقابله تطاول من جانب الباطل، فلا يمكن للدين أنْ تقوم له قائمة وأتباعه متخاذلون متواكلون ينحى بعضهم باللائمة على بعض، وقد فرّطوا في أسباب عزّتهم، ورضوا بالمذلّة والمهانة تحت تيه الظلم والظالمين، ومن لا أهلية له في قيادة الأمّة الإسلامية.
أمّا بالنسبة إلى ثورة عبد الله بن الزبير، فإنّها لم تكن بذات الصفات التي عليها ثورة أبي عبد الله الحسين عليهالسلام ، لأنّ ابن الزبير كانت له أطماع في نيل السلطة، فقد توثّب مع خالته يوم الجمل يريد الفتنة، وقتل بسبب ذلك آلاف المسلمين، ولمّا انهزم وقبض عليه، عفا عنه الإمام عليّ عليهالسلام ، ومع ذلك بقيت في نفس ذلك الرجل أحقاد ورثها عن خالته، فلم يشكر اليد التي أنقذته من الموت، وقابلها بالامتناع عن الصلاة على النبيّ صلىاللهعليهوآله أيام استيلائه على مكّة، فمكث أربعين جمعة لا يصلي عليه، فلما سئل عن سبب إحجامه عن ذلك قال: إن له أهيل سوء ينغضون رؤوسهم عند ذكره» (1) . فظهر من خلال ذلك، بغض الرجل لأهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ومن أبغضهم فهو منافق باتّفاق عقلاء المسلمين، لقول عليّ عليهالسلام نقلاً عن النبيّ صلىاللهعليهوآله : والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبيّ الأميّ صلىاللهعليهوآله إليّ، أنْ لا يحبّني إلّا مؤمن، ولا يبغضني إلّا منافق (2) . ولو كان الرجل فقيهاً عارفاً، لما التجأ إلى البيت الحرام، وكان السبب في انتهاك حرمتها، وقذفها بالمنجنيق وسفك الدماء فيها، وقد أشير على أبي عبد الله الحسين عليهالسلام بالبقاء في بيت الله الحرام؛
_________________
(1) تقدّم في حلقة سابقة.
(2) صحيح مسلم 1: 61.
ليسكن عنه طلب جلاوزة يزيد، فرفض من أجل أنْ لا تنتهك حرمة البيت العتيق.
فالفرق واضح بين الثورتين، ثورة أسّست لثورات عديدة تمكّنت من الثأر للحسين عليهالسلام ، وللمبادىء التي حملها، ولا تزال تقدّم المزيد من الشهداء، ولا يزال الأحرار يقتبسون من سيرتها ونهضتها الفريدة، أسلوب الثورة الحقيقيّة، الخالية من كلّ أطماع الدنيا، بينما لم يبق لابن الزبير وثورته غير أسطر معدودة ذكرها التاريخ على مضض.
قلت: فلماذا لا يضع أهل السنّة ثورة الحسين رضياللهعنه ، ومصيبته في كربلاء موضعها الصحيح الذي يراه الشيعة ؟
قال: لأنّ سياسة الظالمين كانت وراء ذلك التجاهل والجفاء، وقد نهجتْ طرقاً ملتوية من أجل طمس معالم تلك الثورة، حتّى ظهر من علمائهم من زعم أنّ الحسين قتل بسيف جدّه (1) .
قلت: بارك الله فيك يا أخي، فهل لديك كتاب يروي تفاصيل تلك النهضة المباركة فإنني أجهل تفاصيلها كما لا يخفى عليك.
قال: وأخيراً ألفت انتباهك إلى نقطة مهمّة في هذا الإطار تقول: إنّ الذين لم يرعوا حرمة النبيّ صلىاللهعليهوآله بقتلهم الإمام الحسين وأهل بيته عليهمالسلام ، لا يمكنهم مراعاة حرمة سنّته، ولا إعطائها القيمة التي تستحقّ، وهي التي لم تكتب عند هؤلاء إلى ما بعد شهادة الإمام الحسين عليهالسلام بأكثر من نصف قرن فقتل أبي عبد الله الحسين عليهالسلام وذبحه وقطع رأسه الشريف والتمثيل بجثمانه الطاهر، ما هو في
_________________
(1) وهو ابن العربي المالكي كما نصّ على ذلك المناوي في فيض القدير 1: 265، 5: 313 والآلوسي في تفسيره 26: 73، ونقل ابن حجر على أنّه ابن خلدون المالكي كما نقل ذلك السخاوي في الضوء اللامع 4: 147.
حقيقته وواقعه إلّا قتل للنبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله ، وذبح لسنّته ودينه، وأنت ترى اليوم أنّ مدرسة الإمام الحسين عليهالسلام قد أظهرت مكانتها، وتجلّت أحقيّتها في هؤلاء الأبرار الذين يبذلون النفس والنفيس من أجل إعلاء كلمة الحقّ، بينما لم يظهر من الجانب الآخر غير المواقف المزرية والتبعيّة المذلّة للظلم والظالمين.
ولمّا لاحظ شدّة اهتمامي وإلحاحي عليه أجاب قائلاً: سوف أعطيك كتاب يشفي غليلك.
وتملّكني شعور بالانكسار والخجل من كلّ أسئلتي التي نطقت بلسان تربية مذهبيّة بغيضة، أسّسها الغاصبون لحكومة الإسلام، والعابثون بمقدّرات الإسلام والمسلمين، فزدتُ في إلحاحي على الرجل لكي يستعجل في الإتيان بالكتاب، فما كان منه إلّا أنْ لبّى طلبي، وعاد إليّ بعد برهة وهو يحمل كتابا عن ثورة الإمام الحسين عليهالسلام .
قرأت الكتاب، بل التهمت محتواه التهاما لم يحصل لي أن فعلته بكتاب قبله، فأحداثه وقصّته حتّمت عليّ ذلك.. وبكيت كما لم يبك أحدٌ من الناس، وعلا صوتي في البيت بصورة لم يكن في إمكان عائلتي التغاضي عن ذلك، فهرعوا إلى بيتي مُسرعين، تحلّقوا حولي ليستجلوا الأمر، لم أقدر على أنْ أمسك نفسي، فلم أرد على أحد إلّا بعد أنْ أخذت أمّي برأسي، ووضعته على صدرها، وانخرطت هي معي في بكاء لا تعرف المسكينة له سبباً.
ولمّا هدأت أشجاني، حدّثتهم عن مصيبة الإمام الحسين عليهالسلام يوم عاشوراء، والتي هي في حقيقة الأمر مصيبة رسول الله صلىاللهعليهوآله في ريحانته وأهل بيته عليهمالسلام ، وقرأتُ عليهم مقاطع من تلك المصيبة، فكان تأثير ذلك كبير إلى حدٍّ دفع بهم إلى البكاء.
وتوالت الأيّام بعد ذلك، وكنت في كلّ مرّة أنهي فيها مطالعة كتاب من الكتب التي كان ذلك الشيعي يقدّمها لي، أبسط الحديث مع عائلتي بخصوص المحصّلة التي خرجت بها، ولم يمض وقت طويل حتّى كنت وكامل أفراد عائلتي قد تبينّا صراط الله المستقيم الذي دعانا إلى نهجه، وهو صراط أهل بيت نبيّه صلىاللهعليهوآله ، الذين جعلهم الله ورثة علم نبيّه صلىاللهعليهوآله ، وحفظة دينه، وأولياء أمور عباده، والحكّام بأمره، فأقرّوا جميعا بولايتهم، وبايعوهم بيعة رضا وقناعة وتسليم، شاكرين الله سبحانه وتعالى على نعمة الهداية بمعرفة حقيقة الولاية وحقيقة أصحابها.
فكان الحسين عليهالسلام وثورته ومصيبته، ومحنة أهل بيته عليهمالسلام ، السبب في معرفتي لحقيقة التشيّع لهؤلاء الأطهار عليهم الصلاة والسلام، واقتنعت أنّ الخطّ الذي لم يرع أمر الله في مودّة قربى النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وعمل فيهم بخلافها من قتل وتشريد وسجن وتعذيب، بغضاً وضغينة، لا يمكنه أنْ يحفظ سنّته التي أهملت عندهم، وهي التي تمثّل الفهم الكامل للقرآن والتشريع.
أحمدُ الله على الخير العميم الذي أولانيه باتّباع أهل بيت نبيّه الأكرم صلىاللهعليهوآله ، في زمن بدأت أنوار الحقيقة تتراءى للمبصرين، وأشكره على نعمة الهداية التي أسبغها عليّ، أنا عبده الصغير الحقير، موجّهاً ندائي ودعوتي إلى من لم يتعرف على إسلام أهل البيت عليهمالسلام ، ليكسروا عنهم أسوار الوهم والزيف والكذب، ليقفوا على الحقيقة جليّة واضحة، سائلا الله لهم التوفيق والسداد والسلام.
الحلقة الخامسة والعشرون
وسطية الشيعة، ودعوتهم إلى الوحدة الإسلامية، والعمل من أجلها، هما عوامل تشيّعي
مصطفى، صديق لم أعرفه إلّا حديثاً، التقيت به عن طريق الصدفة، وقدّموه إليّ على أساس أنّه قد تشيّع، وبطريقة التأمّل والمقارنة والاستدلال، فأعجبت بشخصه، وأكبرت عقله النادر، وسط عقول تعوّدت على إيكال تمييز الأشياء إلى غيرها، وقرّرت متابعة خطواته الأولى من التشيّع بمحاورته وإعطائه ما يحتاج من معلومات تخصّ الشيعة الاماميّة الاثني عشريّة، وعندما قررت أنّ أجمع إفادات الإخوة المستبصرين، وجّهت إليه دعوة لحضور جلسة الإفادة، فحضر وقال:
كنت من المنتسبين إلى أحد الأحزاب الاسلاميّة في أواسط الثمانينات، وكان أوّل ما أُلقي إلينا من فكر متّصل بذلك الحزب المصطلحات التي كان عناصر ذلك الحزب يحفظونها عن ظهر قلب، ويطرحونها على غيرهم في شكل أسئلة مفحمة، لا يستطيع المسؤول عنها ردّاً، ولا يجد لها جواباً، وكانت تلك المصطلحات حافزاً للمنتسبين الجدد إلى هذا الحزب، على مواجهة الإسلاميين عموماً، إظهاراً لقوّة الحزب، وتمكّن أفراده من أسس الدين الإسلاميّ.
ولم يكن ذلك التصرّف من طرف تلك القواعد، نابعاً من اجتهادات أولئك الأفراد، بل كانوا مدفوعين بكلّ قوّة من قيادات الحزب نفسه، لما لمسوه من هشاشة في ثقافة القواعد الإسلاميّة عموماً، وعاملاً يمكّنهم من استمالة أعداد منهم إلى حزبهم ونظريتهم. إلّا أنّ المسلم الواعي، سرعان ما يكتشف أنّ دعوة إلى إقامة حكم الله في الأرض، ليست نابعة من فهم حقيقيٍّ للأحكام نفسها، ولا
إدراك صحيح لنظريّة الخلافة أو الإمامة في الأمّة، ولا فهم بمقاصد الشريعة وأهدافها، وقد ظهر عجزهم حتّى في قراءة التاريخ الإسلامي، عندما اعتبر مؤسّسهم أنّ عصور الظلام التي أرخت سدولها على الأمّة، منذ وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، إلى عصر سقوط الإمبراطوريّة التركيّة الملقّبة بالخلافة العثمانيّة، هي عصور خلافة شرعيّة، وقد سقطت الخلافة عنده في عهد السلطان عبد الحميد سنة 1907 ميلاديّة.
ومن ناحية أخرى، ترى عناصر ذلك الحزب يعلنون عداءهم للثورة الإسلاميّة في إيران، ويعتبرونها غير إسلاميّة، بسبب إعراض أو سكوت قادة الثورة على مشروع إقامة الخلافة الذي تقدّموا به إليهم، وليتهم فهموا أنّ هنالك فارق جوهري بين التلفيق الذي يدعون إليه، ونظرية الإمامة التي يعتقدها الجانب الشيعي كأداة حكم إلهية.
لقد وجدت نفسي في ساحة تنوّعت فيها الاتّجاهات، ولم يشكّل ذلك التنوع إلّا دافعاً نحو مزيد من الانكماش عن الطرف الآخر والرأي الآخر، إلى درجة ظهر عنها العداء، وبرزت الكراهيّة على سطح العلاقات بين أفراد تلك الجماعات.
وتساءلت عن سبب هذه النفرة التي تدفع إلى حالة من العداء ؟ وكنت متصوّراً أنّ هذه الحالة ليس لها علاقة بالموروث القديم الذي بين أيدينا اليوم، فلم أقحم هذه الفرضيّة المستبعدة، إلّا بعد أن أعيتني الحيلة في الوصول إلى نتيجة تبرّر سبب الفرقة.
لقد حثّ المولى سبحانه وتعالى المسلمين على الوحدة، ونبذ الفرقة، وأكّد على ضرورة رصّ الصفوف، على المستويين الفكري باعتبار أنّ الدين واحد، وأنّ الأمّة واحدة، قال تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (1) ، وقال أيضا: ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (2) .
وقال كذلك: ( وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (3) . لكن تلك الالزامات الإلهيّة، والنصائح النبويّة ذهبت أدراج الرياح، فلم يعرها اهتماماً غير ثلّة قليلة ألزمت أنفسها باتّباع الأوامر، وتجنّب النواهي الإلهيّة، واضعة نصب أعينها أولويّة الأخوّة ووحدة الصف الإسلامي، أمّا البقيّة الباقية، فقد اتّبعت هواها في تحصيل عاجل الدنيا، فركنت إلى أعداء الدين وهي معتقدة أنّهم أولياء أمورها، فاقتحموا بها المحظور، وأوردوها مورد التشتّت والاختلاف، ومارسوا معها سياسة فرّق تسد، ولم يتركوها إلّا وهي شتات متفرّق، يعتدي بعضه على بعض.
إزاء هذا الاختلاف الشديد بين هذه الفرق المتناحرة، قرّرت أنْ أبحث عن الطائفة التي تمتلك أداة الوحدة باعتبارها المركز والأصل، فوجدت أنّ منهج أئمّة أهل البيت عليهمالسلام هو أصل الإسلام المحمّدي، وأنّ أئمّته الكرام عليهمالسلام هم أقطاب رحى علوم الدين، من بيوتهم خرجت علوم الإسلام، وعلى أيديهم تخرّج ألوف الفقهاء، وكانوا دائماً مراجع الأمّة الإسلاميّة، في عصور ظهورهم، وتمكّنهم من بسط العلوم ونشر الأفكار، التي تجسّد حقيقة الدين الإسلاميّ، خالية من إملاءات الظالمين.
_________________
(1) آل عمران: 103.
(2) آل عمران: 105.
(3) الأنعام: 153.
وأروع الأمثلة التي يمكننا ضربها هنا، سلوك الإمام عليّ عليهالسلام تجاه الغاصبين لحكومته، فقد آثر أبو الحسن عليهالسلام السكوت على حقّه، عندما طالب به ولم يجد آذاناً صاغية، وخيّر الإبقاء على وحدة الصفّ الإسلاميّ على تمزيقه، ولا تزال مقالته الشهيرة: «فرأيت أنّ الصبر على هاتا أحجى» (1) تتردّد شاهدة على تفرّد شخصيّة أمير المؤمنين عليهالسلام ورجاحة عقله، ودقّة فكره، وزادها علوّاً ورفعة مساهماته في إرشاد الغاصبين، وتصحيح أخطائهم، من أجل سلامة الدين واستحقاقات الأمّة الإسلاميّة.
لقد مثّل أئمّة أهل البيت عليهالسلام وشيعتهم على مرّ التاريخ، الدرع الواقي الذي تكسّرت عليه أعتى هجمات أعداء الإسلام من منافقين ومشركين، وبقدر ما سعت أنظمة الظلم والبغي والجور من أجل تفتيت تماسك المسلمين حول ولاية أهل البيت عليهمالسلام ، بقدر ما ظهرت لعيان المبصرين حقيقة هذا البيت النبويّ الطاهر، وما حواه من إشراقات خير، وإمدادات عزم وصمود، ونفحات علم لم يتوصّل إليها غيرهم، وكانوا في جميع ذلك سادة الإسلام والمسلمين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده.
لذلك فإنّ جلّ هموم أهل البيت عليهمالسلام ، كانت منصبّة في إطار حفظ الإسلام، وحفظ وحدة صف الأمّة، ومن أجلهما امتنعوا عن القيام في وجه الغاصبين لحكومتهم الإلهية.
والدعوة إلى الوحدة الإسلاميّة والعمل من أجل تحقيقها، مطلب أسّسه الله تعالى في كتابه، ودعا إليه النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله ، وحثّ عليه أئمّة الهدى من أهل بيته الكرام البررة عليهمالسلام ، ومسؤوليّة جسيمة تحملتها أجيال العلماء، وزمر المؤمنين
_________________
(1) نهج البلاغة 1: 31، علل الشرائع 1: 151.
على مرّ العصور، فلم تظهر دعوة إلى الوحدة الإسلاميّة، إلّا والمسلمون الشيعة قد سبقوا إليها، ودعوا إلى تفعيلها وإقامتها على الأسس التي أمر بها الباري سبحانه وتعالى، ليس هذا فقط، بل لقد شكّل انضباط المسلمين الشيعة حول علمائهم ومرجعياتهم، السمة البارزة التي ميّزتهم عن بقيّة الخطوط الإسلاميّة، الفاقدة في أغلبها للمرجعيّة والانضباط.
إنّ السمة التي ميّزت روّاد نهضة العصر الحديث، دعوتهم الملحّة للوحدة والعمل من أجل غرس بذرتها في قلب الأمّة الإسلاميّة، ففي القرن التاسع عشر، عندما كانت الأمّة الإسلاميّة ترزح تحت وطأة التخلّف الذي ألمّ بها، من جرّاء ضياع مقاليد الحكم الإسلامي، وسقوطه بين أيد غير كفئة به، جاء السيد جمال الدين الحسيني الأسد آبادي الملقب بالأفغاني ليركّز ثقافة الوحدة والتوحيد بين طلائع الأمّة الإسلاميّة من علماء ومتعلمين، واستطاع بلباقته وسعة إطلاعه وتبصّره، أنْ يجمع حوله عدداً من العلماء في كلّ من إيران والعراق وأفغانستان والهند ومصر وتركيا، وأنْ يؤسّس لمشروع الفكر الإسلاميّ الوحدوي، من خلال ما كان يطرحه من كتابات، في مجلّة العروة الوثقى التي صدرت أعدادها القليلة في المهجر ( فرنسا )، ولئن لم يكتب لتلك التجربة الرائدة النجاح، بتحقيق المطلب الغالي الذي كان يؤمله السيّد الجليل، إلّا أنّ الجهد الذي قدّمه، والفكرة التي غرسها في ضمائر طليعة الأمّة، كان لها الأثر الإيجابي في بناء وعي كامل، وإدراك شامل بواقع الأمّة وسبيل نهضتها.
وجاء بعده السيّد الأجل عبد الحسين شرف الدين الموسوي، صاحب كتاب المراجعات، الذي أسّس مع جماعة من علماء مصر أمثال الشيخ حسن البنّا جماعة التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، امتداداً لحركة السيّد جمال الدين
الحسيني، وبناء على ما كانت قدّمته للأمّة الإسلاميّة، من محيطها الهندي إلى محيطها الأطلسي، من الدعوة إلى إرساء روح الأخوّة والألفة، وزرع بذور التعاون والتوادد والتكافل بين أفراد الأمّة، التي تمتلك بين يديها خاتمة الرسالات السماويّة، وصفوة الشرائع الإلهيّة، التي جاءت لتصحّح إنحراف البشريّة عن علّة الخلق، وهي التوحيد الخالص لله تعالى، ونبذ ما دونه من أرباب لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا، عملاً بالحديث المأثور: «من اصغى إلى ناطق فقد عبده، فإنْ كان الناطق يؤدّي عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق يؤدّي عن الشيطان فقد عبد الشيطان» (1) .
ثمّ جاءت دعوة الإمام الراحل السيّد روح الله الموسوي الخميني إلى كافة المسلمين بالتوحد، والعمل على الخروج من عنق الزجاجة التي وضعهم فيها أعداء الإسلام، بتجزئة الشعوب الإسلاميّة، وزرع روح الشقاق والفرقة بين كياناتها، ولم يغب تحذيره ولا خلت تنبيهاته في كلّ خطبه التي كان يوجهها إلى الشعب الإيراني على وجه الخصوص والشعوب الإسلامية على وجه العموم منها قوله: «ليسمع الجميع هذه الحقيقة، أنّ أعداء الإسلام يسعون بكلّ قوّتهم لإيجاد التفرقة والاختلاف بين المجتمعات الإسلاميّة ويسعون بأي وسيلة وتحت أي عنوان لإيجاد النزاعات بين المسلمين، والتي بتحقيقها تتهيّأ الأرضيّة الصالحة لتسلّطهم الكامل من جديد على جميع الدول الإسلاميّة، ويساعدهم على ذلك هجومهم لنهب الثروات، ومن هذه الجهة يجب الاحتراز عن أيّ عمل يؤدّي إلى التفرقة، وهذا تكليف شرعيّ وإلهي»، مذكّراً في كلمات أخرى بأنّ الذي يجمعنا وهو التوحيد والنبوّة والقرآن أكثر ممّا يفرّقنا، ومن الواجب المؤكّد على جميع
_________________
(1) الكافي 6: 434.
المسلمين نبذ الاختلاف ومحو آثار الفرقة، من أجل تأسيس المجتمع المسلم المثالي المتقيّد بأحكام الله تعالى، والمنضوي تحت راية العلماء الأعلام، داعياً جميع تلك الشعوب مادّاً لها يداً عارفة بالله تعالى قلّما مدّت مثيلاتها من موقعه: «إنّني أمدّ يد الأخوّة لكلّ الشعوب الإسلاميّة...». وعمل على إعلان أسبوع الوحدة الإسلاميّة، والذي حصره بين يومي مولد النبي الأعظم صلىاللهعليهوآله عند المسلمين السنة 12 ربيع الأول، وعند المسلمين الشيعة 17 منه، في إشارة منه إلى جمال تعايش المسلمين وإنْ اختلفت أفكارهم وتباينت قراءاتهم مع بعضهم البعض، فلا ضرر في ذلك ما دام كلّ طرف متمسّك بالعمل بمقتضى حجّته، مع احترامه للطرف الآخر، فالساحة الإسلاميّة تتسع الجميع.
وجاء بعد ذلك السيّد الجليل المغيّب المغدور موسى الصدر فرّج الله تعالى كربته وفكّ أسره إنْ كان حيّاً، وألحقه بآبائه الكرام البررة، إنْ كان قد جاور ربّه فدعا بدوره إلى توحيد آليات العمل الإسلامي للعلماء والفقهاء، لتحذو العامّة حذوهم، وتحرّك في ذلك الإطار، فكتب المقالات، ووجّه رسائل تضمّنت مطلبه ورغبته منها: رسالته إلى الشيخ حسن خالد مفتي الجمهورية اللبنانية، جاء فيها:
«في هذه الأيام العصيبة التي تلّفّ الأمّة بالقلق، وبين يدَي هذه الأخطار المحدِقة التي تجعل المنطقة كلّها ( حاضرها ومستقبلها ) في مضرب الطوفان، تبدو لنا بوضوح أكثر فأكثر حاجة المسلمين الملحّة إلى وحدة شاملة متلاحمة، لجمع ما تفرّق من صفوفهم، وتوحيد ما تبعثر من جهودهم، وذلك حتّى تتبيّن لهم مواقع أقدامهم، وتعود الثقة إلى أنفسهم، وهم في طريقهم إلى المستقبل، وأمام بناء تاريخهم وأداء مسؤولياتهم.
إنّ جمع الكلمة وتوحيد الطاقات وتنمية الكفاءات ليس موجبها كونها من
أشرف الغايات الدينيّة ووصيّة نبيّنا العظيم فحسب، ولكنّها أيضاً تتصل بوجودنا وكرامتنا وبمقوّمات وجود أجيالنا، إنّها مسألة حياتيّة. ووحدة الكلمة هذه لا ينبغي أنْ تظلّ شعاراً مرفوعاً أو كلمة مكتوبة، بل يجب أن تكون ومضة الفكر وخفقة القلب ودرب السلوك، إنّها البُعد الأساسي للمستقبل».
ولم تكن هذه الدعوات، ولا هؤلاء الرجال الأفذاذ حالات استثنائية حصلت في الزمن الحديث، بل كانت امتداداً لحركة وجهود أئمّة أهل البيت عليهمالسلام من أجل تعميق الفهم القرآني في مسألة الوحدة لدى كافة فئات المسلمين، ومختلف أجناسهم، وتنفيذ البرنامج الريادي الذي أسّسه النبيّ صلىاللهعليهوآله ، في تأصيل روابط الأخوّة الإسلاميّة بين جميع المسلمين، ولو لم يكن التأسيس لهذه النعمة منطلقاً من هؤلاء الأخيار، لما أمكن للمتأخرين من روّاد نهضة الأمّة، أنْ يجدوا طريقاً إلى إقامة تلك القيم العظيمة.
وبحثت في فتاوى المراجع والعلماء بشقيهما الشيعيّ والسنّي، فوجدت أنّ جميع علماء الشيعة ومراجعهم لا يحكمون بتكفير أحد من المسلمين نطق بالشهادتين، فأجازوا الصلاة وراء أئمّة مساجد العامّة وعدم إعادتها، وباستثناء الفتوى الشهيرة التي أصدرها الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر الشريف، والتي أقرّت بأنّ المذهب الجعفريّ ( المسلمون الشيعة الاماميّة الاثني عشرية ) إسلاميّ صحيح، يجوز لبقيّة أتباع المذاهب التعبّد به، ظهر في الجانب الآخر - والذي جاء صنيعة أنظمة لم تحمل من الإسلام غير المظهر، ومارست شتّى أنواع الظلم على الأمّة - فقهاء اتّبعوا سبيل أسلافهم القدامى، فحكموا بتكفير الشيعة، واستباحة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، واستطاعت الاستخبارات العالميّة المعادية للإسلام المحمّدي الأصيل، وأخصّ بالذكر منها البريطانيّة، أنْ تنشىء
وتدعم في الحجاز محمّد بن عبد الوهاب صاحب المذهب الوهابي الضال، والأمريكية في دعمها لأسامة بن لادن أحد عملائها الذي أسّس تنظيم القاعدة في أفغانستان، والذي هو مبنيٌّ على أساس ذلك الفكر الوهابي المتحجّر، وجنّد فيه الكتلة العربيّة في مقاتلة النظام الشيوعيّ، وحليفه الاتحاد السوفييتي، حيث كانت تلك الاستخبارات تمدّ هؤلاء بصواريخ الستينغر المحمولة على الكتف، فيسقطون بها طائرات الميغ السوفييتية المتطوّرة، ويقولون لنا أنّهم يسقطونها بالبنادق البدائية، وانقلب بعد ذلك السحر على الساحر، فإذا عميل الأمس عدوّ اليوم، كأنّما هي مسرحيّة محبوكة الفصول، يريد من ورائها خبراء التجسّس، الوصول إلى الهيمنة على العالم الإسلاميّ، وإلّا فإنّ العاقل يدرك بكلّ يسر، بلاهة وبلادة هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم مجاهدين، ويتّبعون تنظيم القاعدة.
وتبيّن لي بعد ذلك، وسطيّة أئمّة أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم؛ لأنّه لم يصدر منهم تطرّف منذ عصر الإمام عليّ عليهالسلام إلى اليوم، فكانوا دائما وأبداً أمثلة للتسامح، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس، وكانوا بحق نموذجاً يحتذي به كلّ عاقل أبيّ، في مكارم الأخلاق، وحميد الصفات.
ووقفت على أنّ عالميّة الإسلام، لا يوفّيها إلّا فكر أهل البيت عليهمالسلام ، لأنّ طرحه متكامل ومستجيب لكلّ المستجدّات والمستحدثات التي طرأت وتطرأ على الناس، فنظريّة الحكم الاسلاميّ المستمدة من الكتاب العزيز، والسنّة النبويّة الصحيحة المرويّة من طريق أهل بيت النبوّة عليهم الصلاة والسلام، تستجيب لمتطلّبات الدين والعصر، في استمرار عطاء الإسلام عبر آلياتهم المباركة، ونظرة ذلك الفكر إلى الإنسان باعتباره مخلوقاً محترماً، له الحقّ في أنْ يعيش حياته دون مساس بتفاصيلها الاعتقادية، عملاً بقاعدة لا إكراه في الدين.
وعرفت أنّ الدين قد بني بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم يبنَ بالقوّة والسيف والغلبة، وما حقّقته الدعوة بشقّيها النظريّ والعمليّ، خير ممّا انتزع تحت ظلال السيوف ثمّ فرّط فيه الأسلاف.
مشكلة المسلمين اليوم، تكمن في التطبيق السليم لأحكام الإسلام السمحة، وظهور أفراده بمظهر يُرغّب غير المسلمين في التعرّف على الدين الإسلامي، والاقتناع به واعتناقه، وليس الظهور بمظهر المتعسّف، الذي يرفض منطق الحوار والعلم، ولا يرى طريقاً لعودة الدين إلّا بالعنف وقتل الأبرياء.
ونحن اليوم نعيش حالة من إثبات الذات وفرض الوجود، ونبحث عن الحضور الفاعل في هذا العالم الذي فرّط في إيمانه ومعتقده، وابتعد عن خالقه، حتّى كاد الأمل في عودة الضال أن ينقطع، ومن أجل تحقيق عامل العودة إلى الذات، والمتمثّل في تفعيل عامل التقوى في الأنفس، علينا أنْ نلزمها أمام الله تعالى بسلوك منهج النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله ، وأهل بيته البررة عليهمالسلام ، ملتفتين إلى أهميّة اعتبار النفس عاملة على هذا الدرب، وليست مالكة له؛ لأنّ الدين هو دين الله، والعباد هم عباده، وكلّ معتقد لملكيّة ما في هذا الإطار فعليه أنْ يصحّح اعتقاده.
الانفتاح والواقعيّة التي ظهرت علاماتها على خطّ أهل البيت عليهمالسلام ، فقد مني العالم بكافّة مجتمعاته، بظهور تيارات تنتسب إلى الإسلام، ولكنّها بعيدة عنه في تعاملاتها وتطبيقاتها، ترفع شعار الجهاد، وإقامة حكم الله في الأرض بالقوّة وتميّزت قياداتها بجمود الفكر الذي يحملونه إلى حدّ التحجّر، ورفض الغير، والحكم عليه بلا بيّنة، فتسببت ممارساتها الخاطئة في خلق حالة من العداء والكراهيّة للإسلام، وعوض أنْ نتقدّم خطوة نحو تعايش وحوار حضاري، وتناغم عقلي بين مختلف الديانات والحضارات، دفعت بنا تلك الجماعات في
طريق النفرة والتحرز من بعضنا البعض، بينما جاء نداء المولى سبحانه وتعالى آمراً نبيّه صلىاللهعليهوآله ، والمسلمين تبعاً له بالتعايش السلمي مع بقيّة الديانات: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ) (1) وتوالت الفواجع والكوارث، فمن اعتداءات 11 سبتمبر إلى تفجيرات مدريد ولندن، إلى القتل المجانيّ للمسلمين الشيعة بدعوى أنّهم كفار، مروراً بالمجازر والانتهاكات التي قام بها هؤلاء الوحوش في حقّ قبائل الهزارة الشيعة في كلّ من باميان ومزار شريف في أفغانستان، وكلّما أطل عليك وجه من تلك العصابات، أيقنت أنّه لا يمتلك من الدين حتّى المظهر الذي قد ينبئك بصلاحه وتقواه، فلا ترى غير الوجوه الكالحة، والتقاسيم التي لا ترتسم عادة إلّا على أقلّ الجهّال، فرأيت اتّباع الحق الذي عليه المسلمون الشيعة واتّخاذ ذلك الفكر النيّر الذي استقرئه من أهل البيت عليهمالسلام ، فحزمت أمري وواليت محمّداً وآله عليهم أفضل الصلاة والسلام، وتركت ما دونهم قربة إلى الله تعالى.
_________________
(1) آل عمران: 64.
الحلقة السادسة والعشرون
تناقض القائلين بالشورى في الحكم هو الذي شيّعني
صالح... صديق من الأصدقاء الذين عرفتهم بعد استقراري بمدينة قابس، واتّخذته صديقاً بعد أنْ عرفت فيه أكثر من ميزة وخصلة، لعلّ أهمها على الإطلاق صبره وأناته وامتلاكه لنفسه عند الغضب، ممّا أعطاه مكانة متميّزة ليس عندي فقط، بل عند كلّ الناس الذين يزنون الحياة بميزان العقل، استبصر نتيجة بحوث ومقارنات، أفضت به إلى معرفة حقيقة الحكومة الإسلاميّة، وصفتها بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ولولا ما ميّز نفسه من تعقّل وصبر وهدوء، لما أمكنه أنْ يصل إلى معرفة حقيقة نظام الحكم في الإسلام لوحده.
دعوته إلى الحضور؛ ليقدّم لنا أطوار تساؤلاته، ونتائج بحوثه، بخصوص المسألة التي دفعت به إلى اعتناق إسلام الشيعة الاماميّة الاثني عشريّة، فقبل الدعوة، وجاء ملبّيا نداء الواجب؛ لعلّه يقدّم جزءاً من الجميل إلى أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، على ما قدّموه من أجل هذا الدين الخاتم، ولمّا جاء دوره في الحديث قال:
منذ أنْ كنت حدثاً، وفي بداية اعتناقي للإسلام، راودتني أسئلة عديدة حول الدين، وما تعلّق به من مسائل مصيريّة وحسّاسة، لم تدفعني إلى البحث إلّا بعد أنْ وصلتُ إلى المرحلة الختاميّة من التعليم الثانوي، بسبب البرنامج الذي خصّص لنا في مادة التربية الإسلاميّة، والذي تناولت بعض دروسه عصر ما سمّي بالخلافة الراشدة، وكان الدرس الأول متضمنا فترة وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله وحادثة السقيفة، وقد خلص الدرس، وانتهت مداخلة الأستاذ تعقيبا على ذلك، إلى اعتبار
أنّ الإسلام لم يأخذ مسألة الحكومة بعين الاعتبار، لا من حيث مبدأ التعيين، ولا من حيث شروط الاختيار، وقد ترك أمرها للناس شورى بدليل قوله تعالى: ( وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا ) (1) وقوله أيضا: ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) (2) .
لكنّ عقلي رفض أنْ يتقبّل فكرة الأستاذ، في ترك مسألة الحكومة الإسلاميّة للناس، فرفعت يدي إليه، ولمّا أذن لي في الكلام قلت له: إذاً، يمكن القول بأنّ الدين الإسلاميّ، لا يملك في منظومته التي صرّح الوحي بتمامها وكمالها، في قوله تعالى: ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) (3) وقوله: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (4) نظاماً للحكم فيه ؟ ممّا يعتبر متناقضاً مع البيان الذي صرّحت به الآيتان.
فردّ علي الأستاذ قائلا: للأسف الشديد أن الاعتقاد بفصل الدين عن أداة الحكم، يتناقض مع تمام الدين وكماله وشموليّته، إلّا أنّنا عندما نتناول بالقراءة والتحليل مرحلة ما بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، نجد أنّه لم يثبُت نصّ واضح وصريح تعلّق بنظام الحكم في الإسلام، سوى ما جاء من تطبيق لمبدأ الشورى، مُجسّداً في حادثة سقيفة بني ساعدة، والتي انبنى على أساسها نظام الخلافة الإسلاميّة.
قلت: إلّا ترى أن هذه القراءة قد تأسّست على نمط تبريري لأحداث قد وقعت، ونُظر إليها على أساس أنّها انعكاس صحيح لمفهوم الحكومة الإسلاميّة ؟
قال: هذا ممّا أوحت به الأحداث التي أعقبت وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، والتي لم تترك مجالاً للقول بأنّ التشريع قد ترك نظام حكم إسلامي واضح المعالم، وفي غياب الأدلة الواضحة على نمط الحكومة الإسلاميّة، اُعتمد على اجتهادات السلف
_________________
(1) الشورى: 38.
(2) آل عمران: 159.
(3) الأنعام: 38.
(4) النحل: 89.
الصالح للأمّة على أساس سلامة مرجعيّته في ذلك المجال.
قلت: إذاً، فنظام الحكم في الإسلام بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله لم يكن واضحا لدى الأمّة ؟
قال: نعم، في ما عدا الأساس الشوروي الذي أكّده القرآن الكريم، وعفي عن كيفيته ومداه وطريقة إقامته.
قلت: إذاً، عدنا إلى مبدأ الشورى من حيث كونه نظاما عامّاً للحكم في الإسلام، فإنّنا نجد أن الشورى لا يمكنها أن تشمل التشريع الإلهي؛ لأنّها أحكام غير قابلة للأخذ والرد، فأين ترى يمكن تطبيق هذا المبدأ ؟
قال: في مسألة اختيار وليّ أمور المسلمين مثلاً.
قلت: فهل وقع تطبيق مبدأ الشورى على حقيقته في هذا المنصب ؟
قال: نعم، ولكن بضرب من النسبيّة، إذا نحن أخذنا شورى سقيفة بني ساعدة، وباعتبار أنّ المدينة تعتبر عاصمة المسلمين، ومركزهم السياسي، وثقلهم الاجتماعي والاقتصادي والعسكري، فإنّ سكّانها يعتبرون أهل الحلّ والعقد، وقراراتهم غير قابلة للرّد أو الرفض.
قلت: طالما أنّ الشورى هي الوسيلة الوحيدة لاختيار وليّ أمر المسلمين وحاكمهم، فلماذا وقع التخلّي عنها سريعا ؟
قال: وكيف ذلك ؟
قلت: عندما مات أبو بكر أوصى إلى عمر بن الخطاب، وكان الكاتب للوصيّة عثمان بن عفان.
قال: لكنّ هنالك رواية تقول: إنّ الخليفة الأول قد أجرى مشورة حول من يكون أهلاً للحكم بعده، فوجد أكثر الصحابة ميلاً إلى عمر.
قلت: وعلى افتراض أنّ الصحابة كانوا بذلك الميل، فلماذا لا يتركهم يُتمّمون
رغبتهم وحدهم، ويختارون بأنفسهم بعد موته، طالما أنّ النبي صلىاللهعليهوآله لم يختر في حياته أحداً ؟ ولماذا تحسّر عمر على فقد صاحب السقيفة الثالث، أبو عبيدة بن الجراح، ولو بقيَ حيّا لولّاه ؟ (1) ولماذا تحسّر بعد ذلك على فقد سالم مولى أبي حذيفة، الذي كان الساعي لهم بالأخبار من داخل المدينة، ولو كان حيّاً لولّاه ؟ (2) ولماذا ضيّق عمر الشورى إلى ستّة أشخاص، وجعل عبد الرحمان بن عوف الفيصل في اختيار الخليفة ؟ (3)
قال: كلّ ذلك أوجده الحرص على سلامة الدولة الفتيّة من أطماع الأعداء، وكانت تلك اجتهادات مأجورة من قبل أناس هم أهل للاجتهاد.
قلت: فهل كان هؤلاء أحرص من النبيّ صلىاللهعليهوآله ؟
قال: بل إنّ اجتهادهم هو نابع من التربيّة التي ربّاهم عليها النبيّ صلىاللهعليهوآله .
قلت: وهل يوجد تصوّر آخر لنظام الحكم في الإسلام بخلاف هذا التصوّر ؟
قال: يوجد تصوّر آخر خلاف ما نعتقده نحن أهل السنّة والجماعة، وهو عقيدة الشيعة في النصّ على إمامة عليّ بن أبي طالب رضياللهعنه والأئمّة من ولده، وهؤلاء يبنون تصوّرهم على نصوص رأوا فيها بيانا واضحاً يؤكّد عندهم على إمامة أهل البيت رضي الله عنهم.
قلت: وهل انفردت تلك الطائفة بنصوصها وبتأويل تلك النصوص ؟
قال: لا، فكلّ ما استدلّوا به من نصوص موجودة عندنا، وهي مدوّنة في أُمّهات كتبنا المعتمدة، أكثرها صحيح من طرقنا، وأسانيد رواتنا.
_________________
(1 و 2) انظر تاريخ المدينة لابن شبة 3: 922، تاريخ الطبري 3: 292، الكامل في التاريخ 3: 65.
(3) انظر على سبيل المثال تاريخ الطبري 3: 292 - 293، الكامل في التاريخ 3: 65 - 66 والمسألة محلّ إجماع لا خلاف فيها.
قلت: طالما أنّ النصوص مشتركة النقل، فلماذا اختلف في مقاصدها ومعانيها ؟
قال: بسبب التأويل الذي سلكه العلماء، في تحديد معاني المفردات التي وردت في أحاديث النبيّ صلىاللهعليهوآله .
قلت: ولم يكن هناك سبب آخر أسهم في خلق ضبابيّة حالت دون بلوغ مقاصد تلك الأحاديث ؟
قال: ربّما تأخّر تدوين أحاديث النبيّ صلىاللهعليهوآله ، هو الذي أسهم بشكل كبير في خلق حالة من سوء الفهم والتأويل الخاطىء لبعض المصطلحات التي تكلّم بها النبيّ صلىاللهعليهوآله .
إلى هنا انتهى حديث الأستاذ، ومنه انطلقت في أفق السنّة النبويّة، والتاريخ، والسيرة، أبحث عن قرينة تمكّنني من التعرّف على نظام الحكم الإسلامي الصحيح، وكان عَلَيّ أوّلا أنْ أتعرّف على تفاصيل السيرة النبويّة العطرة، لكنّني اصطدمت منذ الخطوة الأولى بعائق كبير، تمثّل في طعن الرواة والحفّاظ بعضهم بعضاً، الأمر الذي دفع المحقّقين إلى التشكيك في صدقيّة أكثر الحفّاظ، للدور الكبير الذي لعبه سلاطينهم، في إذكاء روح التفرقة وغرس أسباب الفتنة بين المسلمين، وفي إجبار عدد كبير من علماء السلطان على تجاهل عدد من الحقائق، أو توهينها، والسكوت عنها، ومن بين تلك الحقائق، حادثة هامّة ومصيريّة إن صحّ وقوعها، فإنّها قد تعصف بكلّ البناء الذي أسّسه الاتجاه الشوروي في الحكم بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، الحادثة كما أُخبر عنها، تمثّلت في أمر النبيّ صلىاللهعليهوآله بتجهيز جيش من الصحابة لمحاربة الروم، وقد عقد رسول الله صلىاللهعليهوآله ، بيديه الشريفتين لواء تلك السريّة، وأمّر عليها أسامة بن زيد، وأشرك فيها كما نصّ على ذلك أغلب أصحاب السيرة والتاريخ، ووجوه الصحابة منهم أبو بكر
وعمر وأبو عبيدة بن الجراح وغيرهم.
لم أجد خلافا حول بعث أسامة بن زيد في التواريخ والسير، ولا وجدت عدم توافق في أسماء الذين ذكروا في ذلك التجهيز، الخلاف الوحيد الذي نشأ تمثّل في اختلاف المحدثين عن ردّة فعل النبيّ صلىاللهعليهوآله حيال ذلك التمرّد والتقاعس على تأميره لأسامة، هل لعن المتخلّف عن الجيش، أو لم يلعنه ؟ (1)
ومهما يكن من أمر ذلك اللعن بالنسبة لي، سواء صدر أم لم يصدر، فإنّ مجرد الوقوع في معصية النبيّ صلىاللهعليهوآله تستوجب اللعن والبراءة، والنعت بالضلال، قال تعالى: ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا ) (2) فقد وقفت على حقيقة وقوع ذلك التعيين، وقلت في نفسي، بعد أن وجدت أمامي ازدواجية في تواجد عدد من الصحابة المعيّنين من النبيّ صلىاللهعليهوآله في جيش أسامة، الذين يفترض أن يكونوا خارج المدينة بالجرف، حيث عسكر أسامة بجيشه ليستكمل عدّته وعدده، غير أنّ الحاصل خلاف ذلك، فكان عمر يتوسط جماعة من الصحابة في حجرة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وعلى مرأى ومسمع منه، يتصدّى لأمره في كتابة وصيّته، ويتقوّل عليه بالهذيان، ويتهمه بالهجر (3) ، وإذا بأبي بكر في المسجد يصلّي بالناس، فهل استثناهما النبيّ صلىاللهعليهوآله من ذلك الجيش ؟ أو أنّ في الأمر سرّاً مخفيّاً آخر ؟
ولمّا لم يذكر المؤرخون لذلك الاستثناء أصلاً، وظهر ما يدعو إلى القول
_________________
(1) وممّن ذكر اللعن وأقرّ به، الشهرستاني في الملل والنحل 1: 23، والآمدي على ما نقله الأيجي في المواقف 3: 649 - 650، وراجع بعث جيش أسامة في صحيح البخاري 4: 213، 5: 84، صحيح مسلم 7: 131، الطبقات الكبرى لابن سعد 2: 249، 190، تاريخ الطبري 2: 249، الكامل في التاريخ 2: 317. فتح الباري 8: 815 عمدة القاري 18: 76، شرح نهج البلاغة 6: 52.
(2) الأحزاب: 36.
(3) وذلك في رزيّة الخميس المشهورة، وقد تقدّمت في حلقة سابقة.
بافتعال أبي بكر ومن كان معه الصلاة بالناس، لبلوغ غاية ما، فقد ظهرت بعض الروايات تنوء بتحريف عجيب، وتحكي حالة فريدة من نوعها في صلاة الجماعة، في محاولة للتعمية على حقيقة تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة، فقالوا: صلّى أبو بكر مقتدياً بالنبيّ، وصلى الناس مؤتمين بأبي بكر (1) ، فلم أتقبل رواية الصلاة بإمامين، كما لم يقبل عقلي أن يقتدي الناس بأبي بكر، ويتركون النبيّ صلىاللهعليهوآله ، في حين أنّ الحقيقة المطموسة تقول: لقد وقعت تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة بالناس، في وقت ظنّ هو وجماعته أنّ النبي صلىاللهعليهوآله ، لم يعد باستطاعته أنْ يستفيق من إغمائه، ولا أنْ يعي بما يدور حوله، فيكون ذلك التقديم وتلك الإمامة، مبرراً على طريق استلام الحكم، وحجّة تمكنه من الادّعاء بأنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله أمره بالصلاة بالناس.
كما ظهر من خلال تتبّعي لسيرة النبيّ صلىاللهعليهوآله في تعامله مع إمامة الصلاة، أنّه صلىاللهعليهوآله لم يكن يُعيّن أحداً يُصلّي بالناس في غيابه، وقد كانت كلمته دائما: «مروا مَنْ يُصلّي بالناس» (2) وذلك بناء على قاعدة الأعلميّة والتفقّه، وليس على القاعدة التي اعتمدها أهل الجاهليّة في تنصيب زعمائهم، وهي اعتبار كبر السن والمكانة الاجتماعيّة والماليّة، مع أنّه صلىاللهعليهوآله في حياته الشريفة كان ملتفتاً إلى مسألة الإمارة في غيبته عن المدينة، فأهميّتها كمنصب حسّاس وخطير، كانت تحتّم عليه تنصيب من يخلفه عليها في غزواته وسفراته، فعيّن فيمن عيّن عليّاً، ولم يعيّن أحداً من الذين تولّوا الحكم قبله، وذلك يدلّ على استحقاقه للإمارة قبل هؤلاء جميعاً.
_________________
(1) صحيح البخاري 1: 162، سنن ابن ماجة 1: 391.
(2) انظر مسند أحمد 4: 322، لكن كالعادة فإن الرواية طعمت بما يخالف ذلك فصورت استياء شديد من النبي صلىاللهعليهوآله لعدم صلاة أبي بكر بالناس ! فلا ندرى لماذا يعمم النبي صلىاللهعليهوآله القول فيمن يؤم الناس، ثم يستاء ذلك الاستياء الشديد لعدم صلاة ابي بكر.
إحدى الحقائق التي قفزت إلى فكري، جاءت نتيجة مقارنة بين موقفين وقفهما مؤسّس الانقلاب على إمامة عليّ عليهالسلام ، ألا وهو الخليفة عمر بن الخطاب، ففي غزوة أحد فرّ الرجل مع من فرّ من الصحابة (1) عندما اعتقدوا بمقتل النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لمّا راجت إشاعات أكدت ذلك، ففي تلك اللحظة وفي ذلك اليوم صدّق عمر أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قد قتل، وكان من ضمن الفارّين، واقفاً على صخرة في أعلى الجبل يدرأ عن نفسه غيلة القتل. وعقيدته بأنّ النبيّ بشر يمكن موته وقتله، هي التي كانت الدافع وراء فراره في محاولة منه للنجاة بنفسه.
والموقف الثاني، عندما بلغته وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، فما كان منه إلّا أنْ سلّ سيفه، ووقف أمام الوافدين على بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لاستجلاء الخبر، وإظهار الفجيعة والحزن، قال: والله ! ما مات رسول الله صلىاللهعليهوآله ؛ ولا يموت، حتّى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير، وأرجلهم، فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال: من كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لم يمت، ومن كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (2) قال عمر: فَلَكأنّي لم أقرأها إلّا يومئذ» (3) .
فلم يهدأ الرجل من تهديده، ولا انقطع وعيده، ولا سكنت دعايته الغريبة والعجيبة، إلّا عندما أقبل صاحبه ابن أبي قحافة من خارج المدينة، وقال كلمته التي أعادت لعمر رشده، وأطلعته على حقيقة موت النبيّ صلىاللهعليهوآله .
وبالاطلاع على الموقفين لعمر تبيّن لي تناقضهما؛ لأنّ موقف قبول مقتله على
_________________
(1) انظر فرار عمر في تفسير الفخر الرازي مجلد 3، ح9: 50، وشرح نهج البلاغة 15: 24، عن الواقدي، وغير ذلك من المصادر العديدة.
(2) آل عمران: 144.
(3) انظر سنن ابن ماجة 1: 520، وانظر ترتيب منه في الأحكام 2: 238.
أيدي المشركين، وتسليمه بذلك، وفراره عند سماعه لذلك النبأ، يختلف تمام الاختلاف مع ما صدر منه عند سماعه لنباء وفاة النبي صلىاللهعليهوآله ، وتحقّقه من تلك الوفاة بقدومه إلى بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وإشهاره السيف أمامه.
فهمت قطعاً، وفهم كلّ عاقل مرّت عليه هذه الاستنتاجات، أنّ عمر كان يدرك جيّداً وقوع الموت على النبيّ صلىاللهعليهوآله وعلى كلّ الناس، ولشدّة إدراكه لموت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، جاء هروبه، ووقع فراره من أحد لمجرد إشاعة تناهت إلى أسماعه، مع أنّه قد يكون من الذين تحدّث عنهم الحلبي الشافعي في سيرته المعروفة بالسيرة الحلبية، حيث ذكر أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان يناديهم: إليّ يا فلان إليّ يا فلان، أنا رسول الله، فما يعرج إليه أحد» (1) . ولم يكن موقفه يوم وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله نابعاً من عقيدة تخلّلت عقله، وغيّرت من اعتقاده، وإنّما جاءت تنفيذاً لمخطّط يقضي بحصر نبأ وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، حتّى لا ينتشر، فتمتلىء المدينة بالوافدين؛ فيكون ذلك عائقاً دون تنفيذ مخطّط الانقلاب على منصب الحكومة الإسلاميّة.
الحقيقة الأخرى التي أطلّت عليّ، ولم أتبيّنها إلّا فيما بعد هي حركة التمرّد على تأمير النبيّ صلىاللهعليهوآله لأسامة بن زيد، فمن يكونوا هؤلاء ؟ ولماذا ذلك الطعن ؟ وهل هو متعلق بشخص أسامة فقط، أم يتجاوزه إلى أشياء أخرى ؟
فقد ذكر المؤرّخون وأصحاب السير، أنّ عمر ذهب إلى أبي بكر بعد أنْ تمّ له أمر الحكومة، وعبّر له عن رغبته في تغيير القائد أسامة بن زيد، وتكلّم على أساس أنّه مفوّض من قبل عدد من الصحابة، فردّ عليه قائلاً: «ثكلتك أمّك يابن الخطّاب، مستعمله رسول الله وتأمرني أنْ أعزله» (2) . فلو كان ابن الخطاب يدرك معنى النبوّة والنبيّ صلىاللهعليهوآله وقدسيّته وطاعته حيّا وميّتا لدافع عن ذلك التعيين، ولما
_________________
(1) السيرة الحلبية 2: 505.
(2) تاريخ الطبري 2: 462، الكامل في التاريخ 2: 335، تاريخ دمشق 2: 50، واللفظ للكامل.
احتاج منه الأمر إلى طلب تغيير قائد عيّنه رسول الله صلىاللهعليهوآله ، ولكن ماذا يمكن أن يقال في رجل قضى عمره في مواجهة النبيّ صلىاللهعليهوآله والتصدي له في كلّ صغيرة وكبيرة، كأنّما يريد إسقاط مكانته، والتقليل من قيمته، ولا شكّ أنّ صلح الحديبيّة شاهد على ما اقترفه الرجل بحقّ النبيّ صلىاللهعليهوآله (1) ، كأنّما هو الوحيد الذي يدرك الحقائق.
وفهمت أنّ الطعن لم يكن بالأساس موجّهاً إلى أسامة، بقدر ما كان موجّهاً إلى البعث من أساسه، فالوقت الذي أراده النبيّ صلىاللهعليهوآله للبعث، أوحى إليهم بأنّ مقصده كان إخلاء المدينة من عناصر ظهرت عليها رغبة وأطماع في السلطة، وبقاء تلك العناصر، قد يسبّب مشاكل في المجتمع الإسلامي الفتي وهو في غنى عنها، وعندما بلغهم أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله يموت، تحرّك المتمرّدون على أمره وقراره، فدخلوا المدينة لاستجلاء الأمر، وتنفيذ ما كان متّفقاً عليه بينهم.
وقد تسبب دخولهم ذلك، في فرض واقع على الأنصار، أملاه خوفهم وخشيتهم من تلك التحرّكات التي كانوا ينظرون إليها بقلق كبير، وفي مضامينها العصيان والتمرّد والتحدّي للنبوّة والنبيّ صلىاللهعليهوآله ، فكانت سقيفة بني ساعدة ملجأهم في البحث عن سبيل لدرء هذا الخطر القادم أمام أعينهم.
كلّ ذلك ما كان له أنْ يوجد لولا انقلاب بعض الصحابة ممّن تحيّن فرصة انشغال أهل بيت النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لينقض على الحكم.
وفوق ذلك فإنّني لا أرى موجباً يسمح بإهمال مسألة نظام الحكم في الإسلام بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ولا مدعاة إلى تركه لأناس مازالوا حديثي عهد بالدين، لم يفهموا منه أبسط أحكامه، فضلاً عن استيعاب مبدأ الشورى، ومعرفة نمط الحكومة.
وقد ورد في القرآن الكريم عدد كبير من الآيات التي ضمّنت من بين مفرداتها
_________________
(1) تقدّمت الإشارة إلى ذلك في حلقة سابقة.
مصطلح الحكم وأولي الأمر، وجاء تعدّدها تأكيداً على أهميّتها، وضرورتها، في مجتمع ناشىء في بداية بناء مؤسساته، ولا شكّ في أنْ النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله قد أوضح مفهوم الحكم والحكومة في الإسلام امتثالا لأمر الله تعالى، في بيان دينه وشريعته، وإبلاغها للناس، وتفسيراً لمقاصد الآيات التي جاءت متضمنة لمصطلح الحكم، وولاية الأمر، فتركُ أمر مهمّ وخطير كالحكومة، وتجاهل مسألة ولاية الأمر في منصب حسّاس، تنطلق به مرحلة ما بعد النبوة، إهمال لا يمكننا أن نتصوّر وقوعه من النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ولا من الله تعالى مشرّع تلك الوظيفة، ومضمّنها في كتابه العزيز.
إنّ ما حدث في سقيفة بني ساعدة، لا يمكن وضعه في إطار عملية الشورى التي يدّعيها الفريق القائل بأنّ نظام الحكم في الإسلام يستند على أساسها، حيث إنّ المكان لا يمكنه أنْ يسع غير عدد قليل من المسلمين، والزمان لا يحتمل غير انتظار توديع ومواراة النبيّ صلىاللهعليهوآله التراب، ثمّ الحضور إلى المسجد، ذلك المكان الطبيعيّ الذي ربّى فيه النبيّ صلىاللهعليهوآله الناس على حزم أمورهم وإبرامها فيه، وقد أسرف من قال بصحّة ما وقع في تلك الفترة الوجيزة من الزمن، والتي كان لها الأثر السلبيّ على مفهوم الحاكميّة الصحيح، فلا القدامى منهم كالأشعريّ ولا المتأخرين كأبي الأعلى المودودي في كتابه الخلافة والملك، قد رجّحوا فكرتهم بخصوص نظرية الحكم في الإسلام، وجميعهم في ذلك مبرّرون ومثبتون لجملة كلّ تلك التجاوزات التي حصلت، ومؤسّسون على منوالها نظرية متهافتة، وبعيدة عن المنطق القرآني للحكومة الإسلاميّة.
كانت تبريرات الأستاذ مهمّة بالنسبة لي، ورأيت فيها دافعاً نحو مزيد من البحث عن حقيقة نظام الحكم في الإسلام بعد النبي صلىاللهعليهوآله ، عدت إلى قراءة تلك الحقبة من الزمن في تاريخ الطبري، الذي يعتبر من أقدم مصادرها في كتب
السنّة، فازددت حيرة من أمري، ولم يفدني ذلك بشي.
وفي أحد الأيّام، بينما أنا أتجوّل في أحدى دورات معرض الكتب التي تقام سنويّاً في البلاد، تراءى لي من أحد أروقة المعرض عنوان لكتاب قد يجيب على تساؤلاتي التي لا تزال قائمة حول نظام الحكم في الإسلام، يحمل عنوان ( السقيفة )، لصاحبه الشيخ المظفّر، فانتهيت إليه واستخرجته من الدرج، وبدأت في تصفحه، ومن خلال ذلك عرفت أنّ مؤلّفه عالم من علماء الشيعة، ومع ذلك اقتنيته لقراءة وجهة نظر تلك الطائفة من الحكومة الإسلاميّة.
إنّ مقدّمات أحداث السقيفة، وما تخللها وتلاها، يؤكّدان بوضوح على أنّ الذي حصل للنبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله ، وللإمام عليّ عليهالسلام ، لم يكن سوى مؤامرة خسيسة على الدين، أُريد بها صرف الإمامة عن أهلها، كما نُقل عن الخليفة الثاني قوله لعبد الله ابن عباس: «كرهوا [ يعني قريش ] أنْ يجمعوا لكم النبوة والخلافة» (1) ، وقريش كما لا يخفى على كلّ ذي بصيرة ليست كلّ المهاجرين من مكّة، وإنّما أولئك الذين وقفوا للنبيّ صلىاللهعليهوآله يوم الخميس الذي سبق وفاته، وتطاولوا على مقامه وانتهاك حرمته وحرمة بيته، بالادّعاء عليه بدعوى لا تجوز على النبوّة والوحي، حيث نسبوا له الهذيان، فقالوا: إنّه يهجر والعياذ بالله (2) ، وأولئك الذين تمرّدوا عليه، ورفضوا الخروج في جيش أسامة (3) .
أما ما حاولوا الاحتجاج به على الشورى بما ورد في القرآن من قوله تعالى: ( فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) (4) . وقوله
_________________
(1) تاريخ الطبري 3: 289، الكامل في التاريخ 3: 63، شرح نهج البلاغة 12: 53.
(2) والقائل هو الخليفة عمر وقد هذّبها البعض فقال: إنّه قال: غلب عليه الوجع وقد تقدّم ذلك.
(3) تقدّمت الإشارة إلى أولئك فيما تقدّم.
(4) آل عمران: 159.
تعالى أيضاً: ( وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) (1) .
فلم يرد بها المولى سبحانه وتعالى، غير تربية النبيّ صلىاللهعليهوآله لصحابته، على مبدأ الشورى فيما يتعلق بالمسائل الحياتيّة التي تعترضهم، فلا ينصرف معنى الشورى والتشاور، إلى ما يتعلق بأحكام الدين وتفاصيل الشريعة؛ لذلك فان مقصد الآيتين في هذا الإطار، ليس احتياج النبيّ صلىاللهعليهوآله إلى أخذ آراء المحيطين به، بقدر ما كان يراد به تربية الصحابة ومن سيأتي بعدهم على العمل بذلك المبدأ، لأنّ علاقة رسول الله صلىاللهعليهوآله بالوحي، لا تترك له مجالاً حتى يحتاج إلى أحد يعطيه رأيه في مسألة من المسائل العرضية.
أمّا ما حيك من روايات تُخطّىء النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وترجّح آراء بعض أصحابه عليه، كرواية أسرى بدر (2) ، فمردود من ناحية كون النبيّ صلىاللهعليهوآله معصوماً عن الخطأ، ويجب أن يكون دوره دائماً، هو المصحّح وليس العكس، مضافاً لصريح القرآن الدال على وجوب طاعة النبي مطلقاً.
بعد هذه الحقائق المتتابعة، هل يصحّ لنا أنْ نقول بأنّ ما أقدم على فعله هؤلاء الصحابة، يعتبر شورى مستقاة من الدين الحنيف، وليست ستاراً وهمياً أريد به الاستيلاء على السلطة ؟
_________________
(1) الشورى: 38.
(2) وحاصل الرواية أنّ النبي صلىاللهعليهوآله استشار أبو بكر وعمر في شأن أسارى بدر، فقال أبو بكر: «يا نبيّ الله، هم بنو العمّ والعشيرة. أرى أنْ تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكافر، فعسى الله أنْ يهديهم للإسلام» أمّا عمر فرفض ذلك وقال: «ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكنّي أرى أنْ تمكّنا فنضرب أعناقهم...» فهوى رسول الله صلىاللهعليهوآله ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر، لكنّ الله سبحانه وتعالى خالف الرسول صلىاللهعليهوآله ووافق عمر فنزلت الآية: «ما كان لنبيّ أنْ يكون له أسرى حتّى يثخن في الارض..» [ الأنفال: 67 ] وانظر ما تقدّم في صحيح مسلم 5: 157، مسند أحمد 1: 31، سنن الترمذي 4: 336، وقد رواه مختصراً، وانظر عمدة القاري 4: 144 حيث أشار الى القصّة باعتبارها من موافقات عمر.
أنا لم أجد مسوّغاً واحداً يؤيّد نسبة ما وقع إلى شورى مرجعها الدين الإسلاميّ؛ لأنّها في واقع الأمر مجموعة من الأعمال المتناقضة التي هدّمت بعضها بعضاً، فحصر الشورى في ستّة كان القصد منها تسليم الحكم بطريقة غير شريفة من الصهر ابن عوف إلى صهره ابن عفّان، وهي رغبة الخليفة الثاني، والسبب قد يكون إسداء يد لابن عفان مقابل كتابة هذا الأخير لوصيّة الخليفة الأول التي نقلها المؤرّخون، أو قد يكون استمراراً في تنفيذ الاتّفاق الذي أبرمه المتحزّبون على صرف الحكومة عن الإمام عليّ عليهالسلام ، وأغلب هؤلاء هم طلقاء النبيّ صلىاللهعليهوآله من بني أميّة. وقد تهاوت نظرية الشورى بتنصيص أبي بكر على عمر وحصر عمر لها بسته اشخاص فقط !
وما أنْ تمّ للإمام عليّ عليهالسلام أمر الحكومة، حتّى كشّر أعداءه عن أنيابهم، ووقفوا في وجهه يحولون دونه والمضيّ بالأمّة في طريق التوحيد والإنابة، بسبب السياسات الخاطئة التي صدرت عمّن سبقه، واستطاع الطلقاء أنْ يبنوا قوّة على مدى عشرين سنة، استكملت عدّتها وعددها، ووقفت جحافلها تريد صرف الإمامة عن عليّ عليهالسلام تحت مبرّر القصاص من قتلة عثمان.
وفي واقع الأمر، ما كانت المطالبة بدم عثمان، إلّا تعلّة للخروج على إجماع الأمّة، وإحداث الفتنة في صفّها، ومحاولة خبيثة لتحويل الثورة التي قام بها المسلمون الحقيقيون الغيارى على الدين وأهله من عنت وظلم وبغي بني أميّة، إلى جريمة، وقلب حقيقة الخليفة عثمان الذي استغله بنو أبيه، من حاكم ظالم بدّل وغيّر، واستنزف الأموال الإسلاميّة في مصالح شخصيّة، واستعمل المنافقين والفسقة والأدعياء، أمراء وحكّاما وقادة على وجوه الأمّة وخيارها، إلى خليفة مظلوم، مات شهيداً والمصحفُ بين يديه.
إنّ من يشكّ في إسلاميّة الثورة التي قامت على الخليفة الثالث، وأحقيّة
القائمين بها، لا يملك من التعقّل والإنصاف شيئا؛ لأنّ الدلائل التي وردت في كتب التاريخ تؤكّد مظلومية هؤلاء الثوّار وإصرار الخليفة على عدم الاستجابة لهم في مطالبهم التي تقدّموا بها إليه والتي كان فيها الإمام عليّ عليهالسلام وسيطاً بين الطرفين، ولمّا يئس المسلمون من إمكانية الإصلاح، عادوا فحاصروا بيت الخليفة مدّة تجاوزت الأسبوعين، على مرأى ومسمع ومشاركة من وجوه الصحابة كعمار ابن ياسر الذي شمله النبيّ صلىاللهعليهوآله بقوله: «أبشروا فإن آل ياسر، موعدكم الجنّة» (1) ، ولو كان الأمر كما حاول تصويره لنا أتباع خطّ الخلافة، من استضعاف ومظلمة للخليفة الثالث، لوجد أنصاراً أشدّاء في المدينة، كالإمام عليّ عليهالسلام ، وشجعان بني هاشم رضوان الله تعالى عليهم، وأكثريّة الصحابة الذين ما زالت تعجّ بهم المدينة، ولما بقي الرجل محاصراً تلك المدّة، ولما قتل تلك القتلة، ولما بقي في بيته ثلاثة أيّام، ولما دفن ليلاً على عجل، وفي مكان لم يسبق للمسلمين أنْ دفنوا موتاهم فيه، بعد أنْ أصرّ من بالمدينة من صحابة على عدم دفنه في البقيع (2) .
الغريب أنّ من ظهر مطالباً بدم عثمان، كعائشة كانت ممّن ألّب المسلمين عليه، فهي التي قالت كلمتها الشهيرة: «اقتلوا نعثلا فقد كفر» (3) . وكالزبير وطلحة الذين كانوا مع الثوار (4) ، لذلك يمكن القول بأنّ مطالبتهم بدم عثمان من عليّ عليهالسلام وأصحابه، لم يكن إلّا وسيلة قذرة للوصول إلى إزاحة الإمام عليّ عليهالسلام ، وتسلّم الحكم بعده.
_________________
(1) كنز العمال 11: 727.
(2) انظر ذلك في تاريخ المدينة 1: 113، تاريخ الطبري 3: 438 وما بعدها، الاستيعاب 3: 1047، المعجم الكبير 1: 79، مجمع الزوائد 9: 95 وغيرها الكثير من المصادر.
(3) تاريخ الطبري 3: 477، الكامل في التاريخ 3: 206.
(4) راجع سير أعلام النبلاء 1: 34.
ولولا تعيين الخليفة الثاني لطلحة والزبير في شورى الستّة المزعومة، لكانت أطماعهما أقلّ حدة، ولما خلعا بيعتيهما وانساقا بولديهما وراء مطلب خطير تسبّب في تمزيق أوصال الأمّة إلى اليوم، فقد أخرجا عائشة على جمل وهي المأمورة بأنْ تقرّ في بيتها، من مكّة إلى البصرة في محاولة خبيثة لاستنفار الأعراب من حول مكّة والمدينة، فمن من هؤلاء يسمع بخروج ( أمّ المؤمنين ) فلم يبادر إلى سيفه وراءها ؟
وأمّا زعيم الطلقاء معاوية بن أبي سفيان لعنهما الله، قد بنى ملكه على مهل، وتصرّف في الشام وفلسطين تصرّف المالك، بفضل إقرار عمر له عليهما، بعد أنْ كان عيّنه الخليفة الأوّل قائداً للجيش الفاتح لبلاد الروم.
فإذا تهاوت نظريّة الشورى بمعاول مؤسّسيها، وتركت وراءها أثرين خطيرين ما تزال الأمّة الإسلاميّة تعاني من نتائجهما الخطيرة على الدين والأمّة الإسلاميّة هما:
الأول - تحوّل وهم الشورى ( لأنّ ما وقع إدراجه ضمن إطار شورى الحكم بعد وفاة النبيّ صلىاللهعليهوآله ، لم يجسّد حقيقة الشورى حتّى في أبسط مفاهيمها ) إلى ملك غاشم ظلوم خلال فترة قصيرة جدّاً من خوض تلك التجربة.
الثاني - فصل الدين عن دوره في الإشراف على كلّ أوجه الحياة، وتسبّبت تلك الأحداث في فصل الدين عن السياسة خصوصاً والحياة عموماً.
ومقابل الرأي الذي ادّعى إهمال النبيّ صلىاللهعليهوآله لأمر الحكومة الإسلاميّة، تاركاً شأنها للناس، جاءت عقيدة أهل البيت عليهمالسلام ، لتعكس الواقع الصحيح لحكومة الإسلام بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، وهو عدم ترك ذلك المنصب الحسّاس والخطير، والذي يتوقف عليه مصير الدين بكافّة تشريعاته، وبقاء مؤسّساته وتماسك مجتمعه، فإنّ التعيين لمن سيكون وليّ أمور المسلمين من بعد مرحلة النبوّة أمراً لازماً تحتّمه
المرحلة التي مرّ بها هذا الكيان الناشىء من بين معتقدات جاهليّة، ضاربة جذورها في عمق المتدينين الجدد، وتحتاج إلى وقت لتغييرها وإحلال بدائل إسلاميّة مكانها، وتحتّمه تواجد قوّتين معاديتين تترّبصان بالدين الجديد وتريدان الخلاص منه؛ لأنّه يشكّل تهديداً مباشراً لها، مضافاً إلى الأكثر خطراً منهما، وهو حزب المنافقين الذي أسّسه الطلقاء، ودخلوا في الدين من خلاله؛ ليسيئوا إليه ويقوّضوا أركانه بالكذب والدعاية والبهتان، فكلّ تلك المخاطر تستوجب عدم ترك الدين الجديد والأمّة بلا راع بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله .
والاعتقاد بحتميّة تعيين من يحكم المسلمين بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، أملتها المعطيات التي وفقت إلى الوقوف عليها، وشواهد تاريخية قالت بأنّ التعيين كان سائداً فيمن يتولى زمام الأمور بعد عصر الأنبياء عليهمالسلام .
كما أنّ في قوله تعالى: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ) (1) دليل على أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ليس له حقّ في التصرّف من تلقاء نفسه، بل هو في إطار دوره، ليس إلّا مبلغا عن الله تعالى، فكيف يكون للناس ما لا يكون للنبيّ صلىاللهعليهوآله في مسألة حسّاسة كالحكومة الإسلاميّة.
وبذلك عرفت أحقيّة أهل البيت عليهمالسلام في قيادة الأمّة الإسلاميّة، واقتنعت بأنّ تكالب أعداء الدين من أجل إحلال الصحابة محلّ هؤلاء الأطهار، كان مؤامرة خسيسة دُبّرت من أجل صرف الناس عن أبواب الهدى التي أمر الله سبحانه وتعالى بإتيانها، وأخذ الدين منها، فلم أتردّد لحظة في موالاة العترة الطاهرة، فاتّخذتهم أولياء في الدنيا والآخرة والحمد لله ربّ العالمين.
_________________
(1) آل عمران: 128.
الحلقة السابعة والعشرون
شيّعتني روحيّة أئمة أهل البيت عليهمالسلام
عمار، شخص من وسط المجتمع التونسي، شديد التواضع بحيث لم يعرف له ترفّع أو تعال على غيره، ولعلّ ذلك ناشىء من أصله الذي ينحدر من أهل بيت النبوّة عليهمالسلام ، فلا غرابة من خلق صدر من موضعه، مع أنّ الاحترام والتقدير الذين حازهما من معاشريه، لم يتأتّيا من نسبته إلى الأشراف عليهمالسلام ، بل فرضتهما جملة سلوكياته ومحاسن أخلاقه، تأخّرت نسبته إلى الطاهرين عليهمالسلام فكراً وعقيدة بعد أنْ تقدّمت نسبته إليهم نسباً، ومردّ ذلك إلى عصور امتلأت بالقمع والإبادة، لأهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم رضوان الله تعالى عليهم، والتي لم يسلم منها حتّى من جهل حاله، فلم ينجُ من الفتك والقتل الذريع، إلّا القليل ممّن لاذ بالصحارى النائية، أو الجبال الوعرة التي لا يستطيع طلب بلوغها، لاستبعاد بلوغ الفارّين إليها.
لم يكن في بداية تدينه يأبه لمذهب من المذاهب؛ لذلك لم يخالطه تعصّب مريض، فلم يستند إلى فئة أو طائفة من الطوائف السنيّة الأربعة، ممّا سهّل عليه اعتناق إسلام التشيّع لأهل البيت عليهمالسلام ، واعترافه بأحقيّتهم، وإقراره بإمامتهم بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله ، خصوصاً بعد اطلاعه على بعض الجوانب العملية التي دأب الطاهرون على القيام بها طاعة لخالقهم، وتحقيقاً لعبوديتهم الحقيقيّة له.
دعوته إلى جلستنا، فلبّى الدعوة، وجاء إلى المكان المحدّد؛ ليقول كلمة قد يكون لها الأثر في استنقاذ نفس تريد الهداية إلى الحقّ، والحقّ أحقّ أنْ يتّبع، فلمّا جاء دوره أفاد قائلا:
كنت في أواسط الثمانينات من الذين تحمّسوا للدين الإسلامي على الرغم من
أنّ بداية التزامي بالإسلام لم تكن متأخّرة، فإنّني لم أكن فيها بذلك النضج والفهم الذي أصبحت عليه منذ مدّة، وذلك عائد تحديدا إلى خصلة ميّزت شخصيتي، تمثّلت في حبّي للمعرفة، وولعي باستشراف الحقائق والتطلّع إليها، مهما صَغُرت وتضاءلت من حيث قيمتها؛ لذلك بنيت عقلي على عدم الخضوع لفكرة إلّا إذا اجتمعت لديّ قرائنها، ووقفت على مدى صحّتها.
اهتممت في البداية بالتاريخ الإسلاميّ، فوجدته مؤلفاً تأليفاً غلب عليه الطابع الانتمائي على المستويين المذهبي والعرقي، جاء محتواه مؤرّخا للخلفاء والملوك، متجاهلاً العناصر المؤثّرة التي صنعت الأحداث الرائعة في الأزمنة التي خلت، وهي طبقات الناس الفاعلة في حركة التاريخ، وفئات الرجال الذين قدمهم الله سبحانه وتعالى أمثلة ونماذج يمكن للبشريّة أنْ تحتذي حذوها.
كنت مولعاً بالكتب إلى أبعد حد، فلم يمنعني مانع من مطالعة أي كتاب ينال إعجابي، وتتبعت مكتباته ومعارضه، إلى درجة أنفقت فيها جزءاً هامّاً من أموالي، ودفعني عشقي للكتاب إلى أن أجعل جلّ نفقاتي متّجهة إليه، فلم التفت إلى بقيّة متطلبات الحياة، إلّا بشحُّ وتقتير كبيرين.
عند اقتراب موعد افتتاح المعرض الدولي للكتاب، الذي يلتئم بالعاصمة التونسيّة، اتّفقت مع أحد الأصدقاء على الذهاب إليه، على متن سيّارته الخاصّة، فوافق على مقترحي؛ لأنّه هو أيضاً من المولعين باقتناء ومطالعة الكتب، ومواكبة النهضة الثقافية العالميّة على وجه العموم، والإسلاميّة على وجه الخصوص.
في إحدى دور النشر المشرقيّة المشاركة، استقطبت اهتمامي عناوين كتب مصفّفة على رفوف العرض في جناح تلك الدار، لم تترك لي مجالا لتجاوزها والبحث عن غيرها، فمددت يدي لتصفّح أوّلها، وهي الصحيفة السجاديّة للإمام زين العابدين عليهالسلام ، فانبهرت بما بين دفّتي الكتاب من جوامع الكلم، وعظمة
الدعاء المُبوّب فيه، وتناسق ألفاظه، ودقّة معانيه، وعمق مطالبه، والذي لم أقرأ عنه من قبل، ولا سمعت به، على مدى سِنيّ مطالعاتي، ولا حتّى في المساجد التي كنت أرتادها مدّة طويلة طويلة، وأصلّي فيها جماعة الصلوات الخمس، أصابتني دهشة كبرى لمّا وقعت عليه عيناي، واستغربت من تجاهل المسلمين - الذين أعيش بينهم - لهذه الأدعية وتجنبهم لها، ثمّ التفتّ إلى كتاب آخر يحملُ عنوان مُهج الدعوات، وهو مجلّد كبير، جمع فيه مؤلّفه السيد ابن طاووس رضياللهعنه ، لباب الأدعية وزبدتها، نقلاً عن النبي الأعظم صلىاللهعليهوآله ، والأئمّة الهداة من أهل بيته عليهمالسلام ، وامتدت يدي إلى كتاب البلد الأمين للكفعمي، ثمّ إلى كتاب مصباح المتهجّد للشيخ الطوسي، ثمّ إلى كتاب مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمّي، ثمّ إلى كتاب جمال الأسبوع والإقبال للسيّد ابن طاووس وغيرها من كتب الأدعية التي وجدتها إلى حدّ يزيد عن الكفاية.
لم يعد للوقت عندي قيمة في تلك اللحظات، فقد ذهلت عنه بما عثرت عليه من ذخائر لا تقدّر بثمن، وبقدر ما تملّكني إحساس بالفرح لما عثرت عليه، بقدر ما علت نفسي كآبة على الإهمال والتجاهل لهذا التراث العظيم الذي بقي المسلمون الشيعة ينعمون به لوحدهم قروناً طويلة، وتمنيت لو أنّ هذه الأدعية والمناجات كانت منحه عند جميع المسلمين، ولكن ما كلّما يتمنّى المرء يُدركه، فالمانع الذي حال دون ذلك، هو الأنظمة التي حكمت على أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم بالخروج عن سلطانها، فأعلنت الحرب عليهم بكلّ الوسائل، والتي منها منع تداول تراثهم بين المسلمين، وإرهاب أو قتل كلّ مَن تجرّأ على عصيان أمر ذلك الحظر.
الأمثلة التي يمكنني أنْ أسوقها للتعريف بعظمة دعاء أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، دعاء كميل الذي علّمه أمير المؤمنين عليّاً عليهالسلام صاحبه كميل بن زياد النخعي،
والذي يجتمع المسلمون الشيعة عقب صلاة العشاء ليلة الجمعة للدعاء به، ودعاء الصباح، ودعاء الإمام الحسين عليهالسلام يوم عرفة، ودعاء السحر الكبير للإمام زين العابدين، واختصارا لمطلب التعريف، رأيت أنْ أنقل إلى القرّاء نماذج من أدعية أئمة أهل البيت عليهمالسلام ، تعبّر عن مخزون علم لا يضاهى، ومقام روحي لا يقاس.
دعاء مكارم الأخلاق:
«اللهمّ صلّ على محمّد وآله، وبلّغ إيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين، وانته بنيّتي إلى أحسن النيّات، وبعملي إلى أحسن الأعمال، اللهمّ وفّر بلطفك نيّتي، وصحّح بما عندك يقيني، واستصلح بقدرتك ما فسد منّي...» (1) .
دعاء السحر: ويدعى به في أسحار شهر رمضان:
إلهي لا تؤدبني بعقوبتك، ولا تمكر بي في حيلتك، من أين لي الخير يا رب، ولا يوجد إلّا من عندك، ومن أين لي النجاة، ولا تستطاع إلّا بك، لا الذي أحسن استغنى عن عونك ورحمتك، ولا الذي أساء اجترأ عليك ولم يرضك خرج من قدرتك، يا ربّ يا ربّ يا ربّ... ( حتى ينقطع النفس ) بك عرفتك، وأنت دللتني عليك، ودعوتني إليك، ولولا أنت لم أدر ما أنت، الحمد لله الذي أدعوه فيجيبني، وإنْ كنت بطيئاً حين يدعوني، والحمد لله الذي أسأله فيعطيني، وإنْ كنت بخيلاً حين يستقرضني، والحمد لله الذي أناديه كلّما شئت لحاجتي، وأخلو به حيث شئت لسرّي، بغير شفيع فيقضي لي حاجتي، الحمد لله الذي أدعوه ولا أدعو غيره، ولو دعوت غيره لم يستجب لي دعائي، والحمد لله الذي أرجوه ولا أرجوا غيره، ولو رجوت غيره لأخلف رجائي...» (2) .
دعاء الافتتاح: ويدعى به في كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان:
_________________
(1) الصحيفة السجادية، من دعاء الإمام زين العابدين في مكارم الأخلاق: 176.
(2) المصباح للكفعمي، دعاء السحر للإمام علي بن الحسين زين العابدين عليهالسلام : 588.
«اللهمّ إني أفتتح الثناء بحمدك، وأنت مسدّد للصواب بمنّك، وأيقنت أنّك أرحم الراحمين في موضع العفو الرحمة، وأشدّ المعاقبين في موضع النكال والنقمة، وأعظم المتجبرين في موضع الكبرياء والعظمة، اللهم أذنت لي في دعائك ومسألتك، فاسمع يا سميع مدحتي، وأجب يا رحيم دعوتي، وأقل يا غفور عثرتي، فكم يا إلهي من كربة قد فرّجتها، وهموم قد كشفتها، وعثرة قد أقلتها، ورحمة قد نشرتها، وحلقة بلاء قد فككتها...».
دعاء الصباح لأمير المؤمنين:
«اللهمّ يا من دلع لسان الصباح بنطق تبلّجه، وسرح قطع الليل المظلم بغياهب تلجلجه، وأتقن صنع الفلك الدوّار في مقادير تبرّجه، وشعشع ضياء الشمس بنور تأجّجه، يا من دلّ على ذاته بذاته، وتنزه عن مجانسة مخلوقاته، وجلّ عن ملائمة كيفياته، يا من قرب من خطرات الظنون، وبعد عن لحظات العيون، وعلم بما كان قبل أنْ يكون، يا من أرقدني في مهاد أمنه وأمانه، وأيقظني إلى ما منحني به من مننه وإحسانه، وكفّ أكفّ السوء عنّي بيده وسلطانه، صلّ اللهمّ على الدليل إليك في الليل الأليل، والماسك من أسبابك بحبل الشرف الأطول، والناصع الحسب في ذروة الكاهل الأعبل، والثابت القدم على زحاليفها في الزمن الأوّل، وعلى آله الأخيار المصطفين الأبرار، وافتح اللهمّ لنا مصاريع الصباح بمفاتيح الرحمة والفلاح، وألبسني اللهمّ من أفضل خلع الهداية والصلاح، واغرس اللهم بعظمتك في شرب جناني ينابيع الخشوع، وأجر اللهمّ من آماقي زفرات الدموع، وأدّب اللهم نزق الخرق منّي بأزمّة القنوع...» (1) .
مناجاة الراجين للإمام زين العابدين:
«يا من إذا سأله عبد أعطاه، وإذا أمل ما عنده بلغه مناه، وإذا أقبل عليه قرّبه وأدناه،
_________________
(1) بحار الأنوار 91: 243.
وإذا جاهره بالعصيان ستر عليه وغطّاه، وإذا توكّل عليه أحسبه وكفاه، إلهي من الذي نزل بك ملتمساً قراك فما قريته، ومن الذي أناخ ببابك مرتجيا نداك فما أوليته، أيحسن أن أرجع عن بابك بالخيبة مصروفا، ولست أعرف سواك مولى بالإحسان موصوفا، كيف أرجو غيرك ؟ والخير كلّه بيدك، وكيف أؤمل سواك ؟ والخلق والأمر لك، أأقطع رجائي منك، وقد أوليتني ما لم أسأله من فضلك ؟ أم تفقرني إلى مثلي، وأنا اعتصم بحبلك ؟ يا من سعد برحمته القاصدون، ولم يشق بنقمته المستغفرون، كيف أنساك ولم تزل ذاكري ؟ وكيف ألهو عنك وأنت مراقبي ؟ إلهي بذيل كرمك أعلقت يدي، ولنيل عطاياك بسطت أملي، فأخلصني بخالصة توحيدك، واجعلني من صفوة عبيدك، يا من كل هارب إليه يلتجىء، وكلّ طالب إيّاه يرتجي، يا خير مرجوّ، ويا أكرم مدعوّ، ويا من لا يردّ سائله، ولا يخيّب آمله، يا من بابه مفتوح لداعيه، وحجابه مرفوع لراجيه، أسألك بكرمك أن تمنّ عليّ من عطائك بما تقرّ به عيني، ومن رجائك بما تطمئنّ به نفسي، ومن اليقين بما تهوّن به عليّ مصيبات الدنيا، وتجلو به عن بصيرتي غشوات العمى، برحمتك يا أرحم الراحمين» (1) .
لم أكن أعرف عن أئمّة أهل البيت عليهمالسلام في ذلك الوقت شيئاً يستحقّ الذكر، فقد غاب أثرهم في خضمّ الصحابة، وذهل المسلمون عن مقامهم، لاعتقاد أسّسه الغاصبون للحكم الإسلامي.
اقتربت من صاحب المكتبة، وكان لبنانيّاً وقلت له: أصحيح نسبة هذه الأدعية إلى أهل بيت النبي صلىاللهعليهوآله ؟
فقال: هذا شيء مؤكّد وتداولته الأجيال، وتقبلته بالتصديق والعمل، لكن لماذا سألتني هذا السؤال الغريب ؟
قلت له: لأنّنا لا نجد شيئاً من هذه الكنوز العظيمة، والخيرات العميمة، في
_________________
(1) بحار الأنوار 91: 145.
تراثنا، رغم أنّه منسوب إلى سنّة النبيّ صلىاللهعليهوآله ؟
فقال: لعلّ ذلك راجع إلى الإهمال الذي لاقاه فكر أهل البيت عليهمالسلام ، من أتباع خطّ الأنظمة التي حمت رقاب أسلافنا.
وأومأت إليه برأسي موافقاً على عزوه، وواصلت البحث عن الكتب من خلال ما توحي به عناوينها، ومن خلال تصفّحي لتلك المؤلّفات، وقفت على شدة اهتمام أصحابها بتدوين كلّ الأدعية التي سُمعت من بيت مهبط الوحي ومختلف الملائكة.
ولقد تتبّع، هؤلاء العلماء الأفذاذ وغيرهم كلّ تلك الكنوز العظيمة، واستطاعوا أنْ يخرجوا ذلك كلّه في كتب تحتوي على أعمال وعبادات وآداب حَوْل كامل، من مسنونات ومستحبات وتعقيبات، تسهيلاً وتمكيناً للراغبين في اتّباع آثار النبيّ الأعظم صلىاللهعليهوآله .
قفز إلى ذاكرتي حديث النبيّ صلىاللهعليهوآله : «الدعاء مخّ العبادة». ووقفت على حقيقة أطلّت عليّ من خلال صفحات الأدعية التي كنت أتأمّل فيها تقول: إنّني كنتُ أعبدُ الله سبحانه وتعالى بلا مخّ وبلا روح أيضا.
والتفتّ إلى كتاب آخر استدرجني عنوانه، كأنّما ينادي أعماق روحي: للإمام الخميني الراحل رضياللهعنه وطيّب ثراه، تركتُ ما في يدي وانهمكت فيه تصفّحا وقراءة سريعة في فهرسه وبعض أبوابه، فتملّكتني حيرة، وأخذتني دهشة، ربّاه.. ما هذا ؟ أيّ دين هذا ؟ وأيّ نوع من الناس هؤلاء..؟ ولماذا حال حائل بيننا وبين هذه الخيرات والنعم العميمة ؟
أهكذا كان يصلّي النبي صلىاللهعليهوآله ، وأهل بيته الكرام ؟ أهذه هي فعلاً أدعية أئمة أهل البيت عليهمالسلام لا شكّ أنّ الذي دعاه النبيّ صلىاللهعليهوآله بباب مدينة علومه وأهل بيته عليهمالسلام ، أقدر على استيعاب الدين الإسلاميّ، وتقديم شعائره بالشكل الصحيح
من غيرهم، وانتقلت تلك المعارف، والتطبيقات إلى ذريتهم وشيعتهم من بعدهم.
سألت عن اللغة التي كتب بها الإمام الخميني كتابه. فقيل لي: إنّها لغة العرفان، ومنطق العارفين، وكلامه هو تعبير عن تجلّيات للروح من مقام القرب، ليست متاحة إلّا للذين أناخوا رحالهم في فناء الزهد والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، وقد رأيت أنْ أنقل إليكم نبذة من كلامه، ( ثمّ أخرج من بين طيّات ثيابه ورقة )، يقول قدسسره في بيان المعاني الروحيّة والأسرار العرفانيّة لسنن التكبيرات الست التي تسبق تكبيرة الإحرام عند سفر العبد إلى ملكوت العزة وفناء الطاعة:
«فأنت يا أيّها السالك إلى الله، والمجاهد في سبيل الله، إذا أقمت الصلب في محضر القرب، وأخلصت النيّة في جانب العزلة، وصفيّت قلبك ودخلت زمرة أهل الوفاء، فهيىء نفسك لدخول الباب، واطلب إجازة فتح الأبواب، وتحرّك من منزل الطبيعة، وارفع حجابها الغليظ، بالتمسّك بمقام الكبرياء، وارمه وراء ظهرك، وكبّر وادخل الحجاب، وارفعه إلى الوراء، وارفع الحجاب الثالث، فقد وصلت إلى منزل القلب، فقف واقرأ الدعاء المأثور «اللهمّ أنت الملك الحقّ المبين، لا إله إلّا أنت، سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي ذنوبي، إنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت» (1) ، واسلب المالكيّة عن غير الحقّ، واحصر مطلق التصرّفات بتلك الآيات المقدّسة، كي لا تحسب نفسك رافعا للحجاب، ولائقا لتكبير الحقّ، فإنّه أكبر منْ أن يوصف.
ثمّ اقصر الألوهيّة على الحقّ، واطلب غفران ذنوبك، ثمّ ارفع الحجاب الرابع والخامس وارمه إلى الخلف، وكرّر التكبير، وافتح عين قلبك حتّى تسمع النداء، فإنْ ظهر في قلبك حلاوة المحضر، ولذّة الورود أو هيبة الحضور وعظمته، فاعلم أنّه قد صدرت رخصة الورود من جانب الغيب، فقل في مجال الخوف والرجاء
_________________
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 304.
والابتهال والتبتل والتذرّع «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهديّ من هديت، عبدك وابن عبدك بين يديك، منك وبك ولك وإليك، لا ملجأ ولامنجاً ولا مفرّ منك إلّا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك وحنانيك سبحانك ربّ البيت الحرام» (1) . وتفكّر في حقائق هذه الأذكار الشريفة، فإنّ فيها أبوابا من المعارف، وفي نفس الوقت فيها أدب الحضور. وبعد تسبيح الحقّ، وتنزيه مقامه المقدّس، عن جواز التوصيف، ارفع الحجاب السادس وكبّر، فإنّ رأيتك لائقاً، فارفع الحجاب السابع، وهو اللطيفة السابعة، وإلّا فقف واقرع باب إحسان الحقّ، واعترف عن القلب بإساءتك وقل «يا محسن قد أتاك المسىء» وتوجه بأن تكون صادقا حقيقة، وإلّا فكن حذرا وخائفا من النفاق في محضر ذي الجلال، ثمّ بعد ذلك ارفع الحجاب السابع، وارمه وراءك برفع اليد، وقل تكبيرة الإحرام، واعرف نفسك محرومة عن الغير، فقد دخلت حرم الكبرياء، فقل: «وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض...» (2) واعلم بأنّك على خطر عظيم، وهو النفاق في أوّل العبادة، في محضر عالم السرّ والخفيّات. وإذا رأيت نفسك عارياً عن هذه المقامات، فالكاتب المحجوب عن كلّ كمال ومعرفة، والمقيّد بعلائق الدنيا، وحبّ النفس والمشغول بالشهوة والغضب، فلا تفضح نفسك في محضر الحقّ والملائكة المقرّبين، واعترف بنقصك وعجزك، وكن على خجل من قصورك واحتجابك، وادخل بانكسار القلب والانفعال والخجلة واقرأ الأذكار على لسان الأولياء فإنّك لست لائقاً لها، لأنّه ما لم تترك نفسك والعالمين، لم تكن صادقاً في هذه الأقوال، وما لم تُسلّم تسليماً حقيقيّاً بين يدي الله، لم تكن مسلماً، وما دمت رائياً نفسك، لم تخرج عن حدود الشرك، وما لم تكن فانياً مطلقاً في جناب الحقّ
_________________
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 304.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 304.
لم تستطع أنْ تقول: «إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين» (1) ، فإن لم تجد نفسك بطل هذا الميدان، فلا تدخل في صفّ أهل المعرفة أصلاً، ولا توجب خجلتك عند الأحرار، فعن الصادق عليهالسلام قال: «فإذا كبّرت فاستصغر ما بين السموات العلا والثرى دون كبريائه، فإنّ الله تعالى إذا اطّلع على قلب العبد وهو يكبّر، وفي قلبه عارض عن حقيقة تكبيره، قال: يا كاذب أتخدعني ؟ وعزّتي وجلالي لأحرمنّك حلاوة ذكري، ولأحجبنّك عن قربي، والمسارّة بمناجاتي» (2) .
اختبر أنت قلبك حين صلاتك، فإنْ كنت تجد حلاوتها، وفي نفسك سرورها وبهجتها، وقلبك مسرور بمناجاته، وملتذّ بمخاطباته، فاعلم أنّه قد صدقك في تكبيرك له، وإلّا فقد عرفت من سلب لذّة المناجاة، وحرمان حلاوة العبادة، إنّه دليل على تكذيب الله لك وطردك من بابه» (3) . وهكذا أخذت أتتبع الدرر التي حرمنا منها سنين عديدة فكانت تهزّ أعماقي واستوقفني كلام بليغ، قاله الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليهالسلام ، لرجل حجّ البيت الحرام، رأى منه عُجباً في نفسه، ويقيناً بقبول حجّه فسأله الإمام عليهالسلام : «أحججت يا شبلي ؟.
قال: نعم، يا ابن رسول الله.
فقال عليهالسلام : أنزلت الميقات وتجرّدت عن مخيط الثياب واغتسلت ؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : فحين نزلت الميقات، نويت أنّك خلعت ثوب المعصية، ولبست ثوب الطاعة ؟
_________________
(1) من لا يحضره الفقيه 1: 304.
(2) مستدرك الوسائل 4: 96.
(3) سرّ الصلاة: 123 - 127.
قال: لا.
قال عليهالسلام : فحين تجرّدت عن مخيط ثيابك، نويت أنّك تجرّدت من الرياء والنفاق والدخول في الشبهات ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فحين اغتسلت، نويت أنّك اغتسلت من الخطايا والذنوب ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فما نزلت الميقات، ولا تجرّدت عن مخيط الثياب، ولا اغتسلت.
ثمّ قال عليهالسلام : تنظفت وأحرمت، وعقدت بالحجّ ؟
قال: نعم.
قال: فحين تنظّفت وأحرمت، وعقدت الحجّ، نويت أنّك تنظفت بنور التوبة الخالصة لله تعالى ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فحين أحرمت، نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ محرّم حرّمه الله عزّ وجلّ.
قال: لا.
قال عليهالسلام : فحين عقدت الحجّ، نويت أنّك قد حللت كلّ عقد لغير الله ؟
قال: لا.
قال له عليهالسلام : ما تنظفت، ولا أحرمت ولا عقدت الحجّ.
قال عليهالسلام له: أَدَخلت الميقات، وصلّيت ركعتي الإحرام ولبّيت ؟؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : فحين دخلت الميقات، نويت أنّك بنيّة الزيارة ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فحين صليت الركعتين، نويت أنّك تقرّبت إلى الله بخير الأعمال من الصلاة، وأكبر حسنات العباد ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فحين لبّيت، نويت أنّك نطقت لله سبحانه بكلّ طاعة، وصمتَ عن كلّ معصية ؟
قال: لا.
قال له عليهالسلام : ما دخلت الميقات، ولا لبّيت، ثمّ قال عليهالسلام له: أَدخلت الحرم، ورأيت الكعبة وصلّيت ؟.
قال: نعم.
قال عليهالسلام : فحين دخلت الحرم، نويت أنّك حرّمت على نفسك كلّ غيبة تستغيبها المسلمين، من أهل ملّة الإسلام ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فحين وصلت مكّة، نويت بقلبك أنّك قصدت الله ؟.
قال: لا.
قال عليهالسلام : فما دخلت الحرم، ولا رأيت الكعبة، ولا صليت.
ثمّ قال عليهالسلام : طفت بالبيت، ومسست الأركان وسعيت ؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : فحين سعيت نويت أنّك هربت إلى الله، وعرف منك ذلك علّام الغيوب ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فما طفت بالبيت، ولا مسست الأركان، ولا سعيت.
ثمّ قال عليهالسلام له: صافحت الحجر، ووقفت بمقام إبراهيم عليهالسلام ، وصلّيت به ركعتين ؟
قال: نعم.
فصاح عليهالسلام صيحة كاد يفارق الدنيا، ثمّ قال: آه، آه. ثمّ قال عليهالسلام : من صافح الحجر الأسود فقد صافح الله تعالى، فانظر يا مسكين، ولا تضيّع أجر ما عظم حرمته، وتنقض المصافحة بالمخالفة، وقبض الحرام، نظير أهل الآثام.
ثمّ قال عليهالسلام : نويت حين وقفت عند مقام إبراهيم عليهالسلام ، أنّك وقفت على كلّ طاعة، وتخلّفت عن كلّ معصية ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فحين صلّيت ركعتين، نويت أنّك بصلاة إبراهيم عليهالسلام ، وأرغمت بصوتك أنف الشيطان ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فما صافحت الحجر الأسود، ولا وقفت عند المقام، ولا صلّيت فيه الركعتين.
ثمّ قال عليهالسلام له: أأشرفت على بئر زمزم، وشربت من مائها ؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : نويت أنّك أشرفت على الطاعة، وغضضت طرفك عن المعصية ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فما أشرفت عليها، ولا شربت مائها.
قال: أسعيت بين الصفا والمروة، ومشيت وتردّدت بينهما ؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : نويت أنّك بين الرجاء والخوف ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فما سعيت ولا مشيت، ولا تردّدت بين الصفا والمروة.
ثمّ قال عليهالسلام : خرجت إلى منى ؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : نويت أنّك أمنت الناس من لسانك وقلبك ويدك ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فما خرجت إلى منى.
ثمّ قال له: أوقفت الوقفة بعرفة ؟ وطلعت جبل الرحمة، وعرفت وادي نمرة، ودعوت الله سبحانه عند الميل والحجرات ؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : هل عرفت بموقفك بعرفة، معرفة الله سبحانه أمر العارف والعلوم، وعرفت قبض الله على صحيفتك، واطّلاعه على سريرتك وقلبك ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : نويت بطلوعك جبل الرحمة، أن الله يرحم كلّ مؤمن ومؤمنة، ويتولى كلّ مسلم ومسلمة ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فنويت عند نمرة أنّك لا تأمر حتّى تأتمر، ولا تزجر حتّى تنزجر، قال: لا.
قال عليهالسلام : فعندما وقفت عند العلم والنمرات نويت أنّها شاهدة لك على الطاعات، حافظة لك مع الحفظة بأمر السماوات ؟.
قال: لا.
قال عليهالسلام : فما وقفت بعرفة، ولا طلعت جبل الرحمة، ولا عرفت نمرة، ولا دعوت، ولا وقفت عند النمرات.
ثمّ قال عليهالسلام : مررت بين العلمين، وصلّيت قبل مرورك ركعتين، ومشيت
بمزدلفة، ولقطت فيها الحصى، ومررت بالمشعر الحرام ؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : فحين صلّيت ركعتين، نويت أنّها صلاة شكر في ليلة عشر تنفي كلّ عسر، وتيسّر كلّ يسر ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فعندما مشيت بين العلمين، ولم تعدل عنهما يميناً وشمالاً، نويت أن لاتعدل عن دين الحقّ يميناً وشمالاً، لا بقلبك، ولا بلسانك، ولا بجوارحك ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فعندما مشيت بمزدلفة، ولقطت منها الحصى، نويت أنّك رفعت عنك كلّ معصية وجهل، وثبت كلّ علم وعمل ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فعندما مررت بالمشعر الحرام، نويت أنّك أشعرت قلبك إشعار أهل التقوى، والخوف لله عزّ وجلّ ؟
قال: لا.
قال عليهماالسلام : فما مررت بالعلمين، ولا صلّيت ركعتين، ولا مشيت بالمزدلفة، ولا رفعت منها الحصى، ولا مررت بالمشعر الحرام.
ثمّ قال عليهالسلام : وصلت منى ورميت الجمرة، وحلقت رأسك، وذبحت هديك، وصلّيت في مسجد الخيف، ورجعت إلى مكّة، وطفت طواف الإفاضة ؟
قال: نعم.
قال عليهالسلام : فنويت عندما وصلت منى، ورميت الجمار، أنّك بلغت إلى مطلبك، وقد قضى ربّك لك كلّ حاجتك ؟
قال: لا.
قال: فعندما رميت الجمار نويت أنّك رميت عدوّك إبليس، وغضبته بتمام حجّك النفيس ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فعندما حلقت رأسك، نويت أنّك تطهّرت من الأدناس، ومن تبعة بني آدم، وخرجت من الذنوب كما ولدتك أمّك ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فعندما صلّيت في مسجد الخيف، نويت أنّك لا تخاف إلّا الله عزّ وجلّ وذنبك، ولا ترجو إلّا رحمة الله تعالى ؟
قال: لا.
قال عليهالسلام : فعندما ذبحت هديك، نويت أنّك ذبحت حنجرة الطمع، بما تمسّكت به من حقيقة الورع، وأنّك اتّبعت سنّة إبراهيم عليهالسلام ، بذبح ولده، وثمرة فؤاده، وريحانة قلبه.
قال: لا.
قال عليهالسلام : فعندما رجعت إلى مكّة، وطفت طواف الإفاضة، نويت أنّك أفضت من رحمة الله تعالى، ورجعت إلى طاعته، وتمسّكت بودّه، وأدّيت فرائضه، وتقرّبت إلى الله تعالى ؟
قال: لا.
قال له زين العابدين عليهالسلام : فما وصلت منى، ولا رميت الجمار، ولا حلقت رأسك، ولا أدّيت نسكك، ولا صلّيت في مسجد الخيف، ولا طفت طواف الإفاضة، ولا تقرّبت، فإنّك لم تحجّ، فطفق الشبليّ يبكي على ما فرّطه في حجّه، وما زال يتعلم حتّى حجّ من قابل بمعرفة ويقين» (1) .
_________________
(1) مستدرك الوسائل 10: 167.
فالعبادة عند صفوة الله وأحبّائه، ليست وسيلة للتواصل مع الخالق، وأداء شكره على نِعَمه فقط، بل هي جوهر وجودهم وأساس خلقتهم؛ لذلك يستحيل علينا تقليد الأطهار تقليداً باطنياً، بل قد يصعب علينا تقليدهم حتّى في الظاهر؛ لأنّهم أرواح زكيّة وطينة طيّبة، تفوقنا تلبية واستجابة.
وتوجّه أهل البيت عليهمالسلام وأدعيتهم وصلواتهم في محاريب العبادة إلى الله تعالى لم يكن مسبوقاً من أحد، سوى معلّمهم الأكبر، سيّد بيتهم، وعلم هداهم، النبيّ محمّد بن عبد الله صلىاللهعليهوآله ، فتح لهم الباري تعالى باب رحمته في خمس صلوات مفروضة، جملة ركعاتها 17 ركعة، فعظّموه بضعفها نوافل، جملة ركعاتها 34 ركعة، وإذا مجموع عدد ركعات صلواتهم المفروضة والمسنونة قد أربى على 51 ركعة، زادتها رونقاً وتقوى، تأملاتهم، واعتكافاتهم، وتوجّهاتهم، ومناجاتهم للباري تعالى، خالقهم والمنعم عليهم.
قررت أنْ اشتري كلّ تلك العناوين وآخذها معي، ولمّا لم يكن معي المال الكافي، استقرضت صديقي، فأقرضني لإتمام بقيّة حساب كتبي المقتناة.
وعدت إلى بيتي بتلك الكنوز التي لا تقدّر بثمن، ثمّ عكفت عليها قراءة وتمحيصاً، ولم يمرّ يوم وأنا بين تلك الكتب الثمينة التي اقتنيتها، أتنقل من كتاب إلى آخر من معين إلى سلسبيل، ومن ماء روي إلى ماء فرات، تبيّنت حقيقة أئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، ومقامهم ومكانتهم وعلومهم، فوجدت أنّ العبادة قد أناخت برحلهم، وحطّت في رباطهم، ووطّنت نفسها على التسليم لهم ببلوغ منتهى رضا الربّ تبارك وتعالى فيها، ووقفت على أنّ الإسلام الذي قدّمه أهل البيت عليهمالسلام للأمّة الإسلاميّة، نقلاً عن جدّهم الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآله ، هو الإسلام الصافي الذي لم تشبه شائبة التحريف، ولا مسّته أيدي المزوّرين، الدين الخاتم الحقّ الذي جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين صلىاللهعليهوآله ، وتركه لأهل بيته الطاهرين، باعتبارهم وعاته
وحفظته والقائمين به صدقاً وعدلاً، فلم أتردّد في موالاتهم، واتّباعهم، ومحبّتهم، والإيمان إيماناً جازماً بأنّهم الأئمّة الهداة، الذين بفضلهم حافظ الدين على نقاوته، وتواصل عطائه رغم كلّ المحاولات التي أرادت القضاء عليه، وذلك دليل آخر على ربّانيّة هؤلاء الأطهار، وشيطانيّة محاربيهم، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين.
الحلقة الثامنة والعشرون والأخيرة
شيّعتني فطرتي وكتاب المراجعات
ما إن أتمّ عمار إفادته، وأدلى بشهادته، حتّى أخذت الكلمة، فشكرت جميع من حضر من الإخوة، على ما أبدوه من شهادات لله تعالى، ولرسوله صلىاللهعليهوآله ، ولأهل البيت عليهمالسلام ، وللمسلمين الذين ما يزالون بعيدين عن منهاج أهل البيت عليهمالسلام ، وللتاريخ الذي لم يرق إليه الدنس، متوّجاً جملة الإفادات بإفادتي أنا أيضاً فقلت:
عرفت الإسلام صغيراً في كنف عائلتي المحافظة، القادمة من تخوم شطّ الجريد، ومن فطناسة، إحدى القرى الصحراويّة النائية من ولاية قبلي، فكنت أُصلّي وأصوم بأمر وإرشاد وتوجيه من أبي وأمّي.
منذ أنْ بدأتُ أدرك، وفي سنواتي الأولى في المدرسة الابتدائيّة، كنت أتردّد على بيت أحد رفاق الدراسة، الذي كانت تشدّني إلى بيت أسرته، صورة ملكت عليّ جميع أحاسيسي، وشدّتني إلى عالم من الخيال والتأمّل، فكنت أسرح معها بعيداً في عالم ذلك الفارس العظيم الذي كُتب إلى جانب صورته، عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، على فرس أبيض قد نطّ برجليه الأماميّتين في الفضاء وهو يوجّه ضربته القاضية إلى فارس آخر، كتب عليه رأس الغول، وقد سالت الدماء منه.
انطبعت تلك الصورة في أعماق نفسي؛ لأنّني قد وجدت أخيراً ما يلامس الحكايات التي كانت جدّتي لأمّي رحمها الله تحكيها لي، ولأخوتي، عن سيّدنا عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ومعاركه الحاسمة مع رأس الغول - وقد علمت فيما بعد أنّه عمرو بن ودّ، وأن المعركة كانت غزوة الخندق -
جدّتي كانت تُكبر الإمام عليهالسلام وتصفه بحيدرة الأحمر - نسبة إلى ندرة مثيله، كندرة الكبريت الأحمر - وحكاياتها كلّ ليلة من ليالي الصيف أو الشتاء لا تنتهي، وكنّا نأوي إليها بعد العشاء، فتحكي لنا عن ذلك الرجل العظيم، وتروي قصصاً من بطولاته، فنرهف لها السمع، ونسكن حولها كأنّنا كبار عاقلون، وكأنّ البيت لم يعد يحوي أطفالاً لا يهدؤون من اللهو واللعب والعبث.
يمكن اعتبار أنّ جدتي هي التي عرّفتني بالإمام عليّ عليهالسلام ، وتحديداً عرّفتني بجانب الرجولة والبطولة فيه، وكانت الصورة التي شاهدتها متزامنة مع فترة الحكايات عنه، فكنت أستغلّ الفرصة كلّما قصدت بيت رفيق الدراسة، لأمكث أكبر وقت ممكن أمام تلك الصورة المعبّرة.
كبرتُ وكبرت معي أحلامي وآمالي، ولم يكبر تديّني لسبب لم أفهمه إلّا بعد أنْ تشيّعت لأئمّة أهل البيت عليهمالسلام ، واعتنقت إسلامهم، وهو أنّ التديّن الوراثي قاصر عن تقديم الحجج والأدلّة والبراهين المؤيّدة لهذه العقيدة، أو تلك الشعيرة، ممّا أثّر سلباً على المتدينين بالوراثة، فعجزوا عن الدفاع عن عقائدهم أمام ادّعاءات خصومهم من أتباع الأفكار الماديّة والعلمانيّة.
ومع انتمائي العقائديّ الذي غلب عليه الطابع الوراثيّ، أخذت عن والدي الكريم، أعزّه الله وأبقاه، روحيّة الثورة والحماسة والشجاعة والرجولة والكرم، وهي خصال شهد له بها القريب والبعيد، حتّى أصبح مضرب مثل من عايشه عن قرب.
وقد كانت تلك الخصال دافعاً لوالدي - الذي ترّبى يتيماً - في مقاومة الاستعمار الفرنسي، والانخراط في سلك الثوّار، وحمل السلاح دفاعاً عن البلاد والقيم والمبادىء التي تربى عليها، فعن والدي أخذت تلك الخصال، وبه اقتديت، وكانت بذرة رفض الظلم وعدم الخضوع والاستكانة له، هي التي ميّزت
شخصيّتي، وهي التي كان لها الأثر البالغ في نموّ الحس الإنساني في داخلي، وتحوّلت البذرة إلى شجرة مورقة ضاربة العروق في أعماق عقلي وقلبي وكياني، وأينعت ثمارها في ضميري قناعة لا تتزحزح أبداً من أنّ الظلم والظالمين ليس لهم مكان في شخصي وفي حياتي؛ لذلك فإنّني أتقرّب إلى الله تعالى بكرههم وبغضهم والبراءة منهم، ومقارعتهم لو أجد لهم قوّة.
ومرّت الأيام وفارقت مدينة قابس سنين طويلة، وعصفت بي ظروف عديدة، يطول المقام بذكرها وشرحها؛ إذا إنّها كانت تتعلّق برفض الظلم، ومقارعة الظالمين.
عدت إلى مدينة قابس سنة 1980 بعد أن فارقتها سنة 1963، كأنّما قُدّر لي أنْ أعود إلى أجواء الصورة التي كنت شاهدتها في صغري، وأجواء حكايات جدّتي رحمها الله عن الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، وكأنّما قدّر لتلك البقعة أنْ تكون، منطلق الرؤية والتصوّر الجديد عن الإمام عليهالسلام .
كنتُ أعرف جيّداً أنّ لي بها ابن عمّ، وكان أوّل عمل قمت به عند وصولي، التوجّه إليه، فاستقبلني ورحّب بي، وأعلمته بأنّني جئت أبحث عن عمل يناسب اختصاصي، ولم يدم بحثي طويلاً، إذ سرعان ما وجدت عملاً في إحدى شركاتها الكبرى.
باشرت عملي بحمد الله تعالى، وكان عليّ أن أتزوّج سريعاً، فقد بلغت من العمر 27 سنة، وتزوّجت في صيف تلك السنة مودّعاً العزوبيّة، واستقررت في بيت مستقلّ أنا وزوجتي، تقاسمت فيه معها تقلّبات الزمن وابتلاءات قضاء وقدر الله تعالى، ورزقنا ذرية طيبة، والحمد له على نعمائه التي لا تحصى.
في أحد الأيّام، قصدت بيت ابن عمّي، ولمّا انتهيت إليه، حدّثني قائلاً: هل تعرف شيئاً عن الشيعة ؟ فأجبته بالنفي. فقال: لقد كنت ذهبت منذ مدة إلى مدينة
قفصة ( مدينة تقع غرب مدينة قابس، وتبعد عنها 146 كلم، تمتاز بمناخ جبليّ صحراويّ يغلب عليه البرد الشديد في الشتاء، والحرارة المرتفعة في الصيف ) لمقابلة الشيخ التيجاني السماوي، والتعرّف على المذهب الشيعيّ الذي اعتنقه منذ سنوات، عن طريق أحد الإخوة العراقيين، وعاد إلى تونس وهو يدعو الناس إليه.
فقلت له: وهل أخذت فكرة جيّدة عن التشيّع منه ؟
فقال: لقد تناقشت معه حول عدد من المسائل، ولكنّني لم أقتنع بكلامه، فعدت منه مشوّش الفكر متشكّكاً، على أمل البحث.
قلت: وكيف يتسنّى لك ذلك وكتب الشيعة غير موجودة عندنا ؟
قال: القضيّة ليست متعلّقة بكتب الشيعة؛ لأنّ ما احتجّ به الشيخ التيجاني عليّ لم يخرج من دائرة السنّة التي أنتمي إليها، فكتب الصحاح والمدوّنات الروائية السنيّة الأخرى هي المصادر التي كان يحتجّ بها عليّ ( سكت قليلا ثمّ قال ): لقد أرسل إليّ الشيخ التيجاني السماوي منذ أيام كتابين، الأوّل: هو كتاب المراجعات للسيّد عبد الحسين شرف الدين الموسوي رضياللهعنه ، والثاني: كتاب دلائل الصدق للشيخ المظفر رضياللهعنه ، ولدي الآن رغبة في مطالعتهما، فهل ترافقني في التعرّف على هذا الفكر ؟ فوافقته على الفور، وجرت إجابتي على لساني كأنّما هناك شيء يدفعها إلى الموافقة دفعاً.
بدأت جلسات مطالعة كتاب المراجعات، فإذا هو كتاب يحتوي على لقاءات ومراسلات جرت بين السيّد عبد الحسين وشيخ جامع الأزهر في تلك الفترة، والمدعو بالشيخ سليم البشري، يعني أنّه حوار ونقاش بين عالمين: الأوّل: شيعيّ عراقيّ المولد، لبناني النشأة، ينحدر نسبه إلى الإمام موسى الكاظم بن جعفر الصادق عليهماالسلام ، والثاني: مصريُّ النشأة والمولد، قُلّد مشيخة الأزهر الشريف في
تلك الفترة من الزمن، كان لقاءهما الأوّل في القاهرة، وتعدّدت للودّ الذي نشأ بينهما، والرابطة التي اتفقت رغبتهما على إنشائها فيما بعد للتقريب بين المدارس الفقهيّة الإسلاميّة؛ والتأسيس لروح الأخوّة الإسلاميّة في شكل رابطة التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، هذه التي نتمنى أنْ تعمّ كافّة علماء الأمّة الإسلاميّة؛ لتجني من ورائها وحدة الكلمة والصف.
كان الحوار علميّاً إلى أبعد الحدود، وكان الشرط الذي وضعه شيخ الأزهر، هو الاستدلال على أحقيّة الإمام عليّ عليهالسلام على إمامته العامّة، وولايته لأمور المسلمين التي قلّده النبيّ صلىاللهعليهوآله إياها، من خلال اعتماد النصوص الصحيحة المدوّنة عند أهل السنّة في كتبهم المشهورة، باعتبار أنّ قراءة نفس تلك النصوص من المنظور السنّي، لم تسفر إلّا على نتيجة مخالفة تماماً لما وصل إليه أهل البيت عليهمالسلام وشيعتهم.
بدأنا في قراءة المراجعات، مراجعة مراجعة، فكنت كلّما انقضى الزمن المخصّص للمطالعة، إلّا وغادرت بيت ابن عمّي متلهّفاً إلى الموعد القادم، ورأيتني في تلك الأيّام أكثر تحفّزاً وأشدّ حماسة، وأدقّ موعداً، وأرهف حسّاً من قبل، ولم نأتِ على آخر صفحات كتاب المراجعات، إلّا وتيقنت تمام اليقين، بأحقيّة الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام في قيادة الأمّة الإسلاميّة، بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله .
استطاع صاحب كتاب المراجعات، أنْ يثبت من خلال النصوص التي استدلّ عليها من مصادر أهل السنّة، أحقيّة الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام في الإمامة العامّة، باعتباره المؤهّل الأوحد لقيادة الأمّة الإسلاميّة، وليكون المرجع للأول، في ما يتعلق بالأحكام الشرعيّة، ممّا دفع بشيخ جامع الأزهر، إلى الاعتراف بتوضيحات السيّد، والإقرار بنتيجة البحث المتداول بينهما في مسألة الإمامة، من حيث كون الإمامة رديف النبوّة، ودورها يتجاوز إطار الحكومة، ليشمل مقام
حفظ التشريع الإسلاميّ، ووجوب التعيين فيها على الله تعالى، ضرورة تطلبتها مرحلة ما بعد النبوّة، وبيان ذلك على النبيّ صلىاللهعليهوآله واجب، يندرج في إطار التبليغ الموكّل به، وقد نصّ المولى على ذلك، وبلّغ نبيّه صلىاللهعليهوآله الأمّة، ونصّب عليّاً عليهالسلام في منصرفه من حجّته المعروفة بحجّة الوداع، يوم الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة من الهجرة، في موضع يسمّى غدير خمّ، قبل أسابيع قليلة من وفاته صلىاللهعليهوآله ، وقد قام قبل ذلك بنفسه بتهيئة وإعداد الإمام عليّ عليهالسلام لتلك المهمّة الجسيمة، فربّاه وعلّمه ورعاه وأحاطه بعنايته الفائقة، ممّا أثار حفيظة المناوئين، وأشعل حسد وبغض عدد من الصحابة لعليّ عليهالسلام ، ولمّا رأى النبيّ صلىاللهعليهوآله على وجوه الناس ومن خلال أفعالهم ما قذف به صدأ قلوبهم من كراهيّة وحسد وحقد على عليّ وأهل بيته عليهمالسلام ، حذّرهم تحذيراً شديداً في أكثر من مناسبة، وبعد كلّ ظهور لذلك الإحساس البغيض، من ذلك أنّه قال لبريدة الأسلمي: «لا تقع في عليّ، فإنّه منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي، وإنّه منّي وأنا منه، وهو وليّكم بعدي» (1) وزوّجه سيّدة نساء العالمين عليهاالسلام ، بعد أنْ ردّ كلّ من طلبها للزواج، عندما جاءه أمر الوحي بذلك، وقال صلىاللهعليهوآله : «لو لم يكن عليّ، لما كان لفاطمة كفؤ» (2) وهو الوحيد الذي لم يتأمّر عليه أحد عدا النبيّ صلىاللهعليهوآله ، بينما تأمّر هو عليهالسلام على البقيّة من الصحابة في مواطن عديدة، وأمر صلىاللهعليهوآله بغلق كافّة الأبواب المشرّعة على المسجد إلّا بابه وباب عليّ وفاطمة، وقد احتجّ منهم من احتجّ على ذلك القرار لكنّه أجابهم بأن الله سبحانه وتعالى أمره بذلك (3) ، وعزل ابن أبي قحافة من إمارة الحجّ وإرسال عليّ عليهالسلام بدله أميراً دليل على أنّ مسألة الإمارة لا يصلح لها أحد
_________________
(1) مسند أحمد 5: 356، وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 262.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي: 107، ينابيع المودّة 2: 286، واللفظ للأوّل.
(3) سنن النسائي 5: 118، مسند أحمد 1: 175 و 4: 369، المستدرك على الصحيحين 3: 125.
وعليّ عليهالسلام موجود (1) ، فكانت كلّ تلك الأعمال والإشارات والبيانات، تعريفاً بمقام عليّ عليهالسلام ، وتهيئة للمسلمين بقبوله إماماً وقائداً وعَلَماً عليهم، يسلك بهم طريق الرشاد، ويهديهم سواء السبيل.
ومهّد صلىاللهعليهوآله لعملية تسليم السلطة لعلّي عليهالسلام من بعده، بشكل يُهيىء الأمة لتقبل ذلك، بالنصّ على أفضليته، وأحقيّته بمنصب الإمامة، ولياقته بموضع القيادة، على رأس هرم السلطة، وخصائصه التي يتميز بها عن غيره، في عدد من الأحاديث المتّفق على صحّتها، ومنها قوله صلىاللهعليهوآله لعليّ عليهالسلام : «أما ترضى أنْ تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، غير أنّه لا نبيّ بعدي» لمّا تركه خليفة له على المدينة، وخرج لغزوة تبوك، تحسّباً من مؤامرة المنافقين.
لكنّ الأمّة أبت أن تسمع وتطيع، وحصل لها ما حصل لبني إسرائيل، عندما تجاهلوا تعيين موسى لهارون أخاه خليفة له عليهم، واستضعفوه وكادوا يقتلونه كما صرّح بذلك القرآن الكريم.
ومن المراجعات انتقلنا إلى مطالعة كتاب دلائل الصدق، للشيخ المظفر قدسسره ، فترسّخت قناعاتي، وتجذّر إيماني بحقيقة أهل البيت عليهمالسلام ، وصحّة عقيدتهم، ونقاوة أركانها، وسلامة بناءها، ودقّة تحليلها للمسائل، وإجاباتها المنطقيّة على الإشكالات المطروحة، وردودها المفحمة على الطاعنين، فأعلنت تشيّعي، وأظهرت عقيدتي في الوسط الذي كنت أعيش فيه، وتحملت المسؤوليّة في نشر الإسلام المحمّدي، الذي نقله أئمّة أهل البيت عليهمالسلام الاثني عشر، عن جدّهم النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآله ، فكان ذلك منطلقاً فعليّاً وبداية مثمرة للدعوة إلى التشيّع الإمامي الاثني عشري، فلم تمرّ سنوات قليلة حتّى أصبح التشيّع متواجداً داخل أسوار الجامعة التونسيّة، ومنه إلى الأُسر والقرى والمدن، رغم قلّة الموارد، وضيق ذات
_________________
(1) انظر سنن الترمذي 4: 339، سنن النسائي 5: 128، مسند أحمد 1: 151.
اليد، من أن تفي بكلّ متطلّبات الدعوة، من تنقل وشراء للكتب، وطبع للدراسات وتوزيعها على الراغبين في مطالعة الفكر النيّر، لمن أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً...
خاتمة المطاف
الآن وبعد أن انتهينا من جميع إفادات الإخوة الكرام، يمكننا أنْ نلخّص الأسباب التي دعت الإخوة الحاضرين إلى اعتماد إسلام أهل البيت عليهمالسلام ، والتشيّع لهم، وترك ما دونه من أسلام منسوب إلى الصحابة، وما هو في حقيقته، غير خليط من حقّ وباطل أسّسه الطغاة من بني أميّة على مدى أكثر من قرن، سهر على غرسه حكّامهم في أجيال الأمّة، فنشأ سوادهم على ذلك، والناس على دين ملوكهم.
وبتتبعنا للحجج التي دفعت بهؤلاء الباحثين إلى اعتبار أنّ الإسلام الشيعيّ الاماميّ الاثني عشري هو الإسلام المحمّدي الصحيح، الذي لم تشبه شائبة التحريف، ولا أصابه نزق الظالمين، نجد أنّ تلك الحجج قد انقسمت في مجموعها إلى محورين أساسيّين: المحور النقلي والمعبّر عنه بالروائي، حيث اعتمد علماء المسلمين الشيعة فيه على النصوص التي هي عند مخالفيهم، كأساس أوّل في الاحتجاج، وهي مقسّمة بدورها إلى قسمين:
القسم العقائدي
وقد أعطى للتوحيد حقيقته، من حيث ذات الله تعالى المقدسة وصفاته ووضعها موضعها، وقد سلك مسلكاً تنزيهيّاً واضحاً، نفى عنه كلّ ما ادّعاه غيرهم من تحقّق رؤيته في الدنيا والآخرة، ومصاحبته إلى الجنّة، وأعطوه حقّه في العدل، بينما نسبه غيرهم إلى الظلم.
كما أعطى الإسلام الشيعيّ النبوّة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام موضعهم الذي يستحقّون، فنفوا عن النبيّ صلىاللهعليهوآله كلّ الروايات المكذوبة، التي شوّهت الكتب التي تُلقّب بالصحاح، والتي تمسّ من شخصه وتحطّ من كرامته، كالادعاء عليه بأنه كان يطوف على نسائه التسع في ليلة واحدة (1) وبغسل واحد (2) ، وتبوّله قائما في سباطة قوم (3) ، وحبّه لسماع الباطل (4) ، ومشاهدته لزينب بنت جحش وهي في حجرتها حاسرة، فيقع إعجابها في قلبه، وهي بعد في حبال زيد مولاه (5) . والادّعاء بسحره من طرف يهودي (6) ، وتذكير قارىء له بما نسيه من قرآن (7) ، وأمره لامرأة بإرضاع رجل كبير؛ ليصبح ابن زوجها (8) ، وعبوسه لمجيء
_________________
(1) صحيح البخاري 1: 75، 6: 155.
(2) صحيح مسلم 1: 171.
(3) صحيح البخاري 1: 62، صحيح مسلم 1: 157.
(4) إشارة إلى ما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ( 1: 46 ) بسنده إلى الأسود التميمي قال: «قدمتُ على النبي صلىاللهعليهوآله فجعلتُ أنشده، فدخل رجل طوال أقنى، فقال [ أي النبيّ ]: امسك، فلمّا خرج قال: هات، فجعلتُ أنشده، فلم ألبث أن عاد فقال لي [ أي النبيّ ] امسك، فلما خرج، قال، هات، فقلتُ: من هذا يا نبيّ الله، الذي إذا دخل قلت امسك، وإذا خرج قلت هات، قال: هذا عمر بن الخطّاب، وليس من الباطل في شيء» نعوذ بالله من هذا الكلام فرسول الله يحبُّ الباطل وعمر يبغضه، وما دلّ على حبّ النبيّ للباطل وفعله إيّاه روايات عديدة أخرجها البخاري ومسلم وغيرهم منها ما رواه أبو هريرة، قال: «بينا الحبشة يلعبون عند النبيّ صلىاللهعليهوآله ، دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال: دعهم يا عمر» صحيح البخاري 3: 277 وانظر ما دلّ على غناء الجواري في بيت رسول الله في صحيح مسلم 3: 21 حيث زجرهنّ أبو بكر وقاله: «أبمزمور الشيطان في بيت رسول الله صلىاللهعليهوآله » لكن كالعادة فالنبي رفض كلام أبي بكر وقال: يا أبا بكر، إنّ لكلّ قوم عيداً وهذا عيدنا». وانظر ايضاً كيف أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله يحمل عائشة وخدّها على خدّه تنظر إلى لعب السودان بالدرق والحراب، إلى أنْ تكتفي من النظر ! في صحيح البخاري 3: 228 وصحيح مسلم 3: 22.
(5) انظر تفسير الطبري 22: 17 - 18.
(6) صحيح البخاري 4: 91، 7: 28، 30، 164.
(7) صحيح البخاري 6: 111.
(8) انظر صحيح مسلم 4: 168 - 169، باب رضاعة الكبير.
أعمى (1) ، ومحاولاته المتكرّرة الانتحار، عندما ينقطع عنه الوحي، فينقذه جبريل في آخر لحظة (2) .. إلى غير ذلك من الترّهات والأباطيل التي اعتمدها المخالفون للإمامة الإلهيّة، كما نفوا - أي أهل البيت وأتباعهم - عن بقيّة الأنبياء عليهمالسلام ما نسب إليهم من كذب وظلم، وأقرّوهم على عصمتهم التي يجب أنْ يكونوا جميعاً عليها؛ لضرورة البعثة، وما تتطلبه من مثال كامل الصفات والخصائص، لا تشوبه شائبة تعيبه وتعطّل دوره، وتقلّل من حجّته.
القسم التشريعي:
وقد أظهر أئمّة أهل البيت عليهمالسلام وعياً كاملاً بالشريعة الإسلاميّة، ودقائق تفاصيلها، من أبسط الأحكام إلى أعقدها، بينما تاه غيرهم في مسائل عديدة كالوضوء الذي أوضح القرآن الكريم كيفيّته، والبسملة في الصلاة، مفروضة كانت أم مسنونة، وغير ذلك.
أمّا المحور الآخر فهو:
المحور العقليّ: فقد تميّز إسلام أهل البيت عليهمالسلام بإعطاء العقل المستنير مكانته في البحث والتحليل والاستنباط، وفق الشروط المؤهّلة لذلك، وبفضل العقل أمكن الوصول إلى الحقائق والاطّلاع عليها، ومن خلال المقارنة والموازنة بين النصوص، اثبتوا بالعقل ما يجب في التوحيد من تنزيه مطلق، والنبوّة والإمامة من تعيين وعصمة، ودفع الشبهات عنهما..
في أجواء مليئة بالطمأنينة والارتياح، وفي خاتمة لقاء تميّز بانفتاح قلوب وعقول شاءت لنفسها، وأراد لها الله سبحانه وتعالى أنْ تسلك طريق الهدى،
_________________
(1) سنن الترمذي 5: 103، المستدرك 2: 514، والمسألة محلّ إجماع بين مفسّريهم، انظر تفسير الفخر الرازي مجلد 11، ج31: 55.
(2) صحيح البخاري 8: 68، مسند أحمد 6: 233.
اختتمت جلسة الإفادة، وانفضّ جمعها، وتفرّق الإخوة المؤمنون منها كلّ إلى جهته، آملين أنْ تكون لإفاداتهم التي أدلوا بها بخصوص تشيّعهم لأئمّة أهل البيت الاثني عشر عليهمالسلام ، النتيجة المرجوّة لمن لم يتعرّف على دوافع ترك المسلمين لمذاهبهم التي تعبّدوا بها زمناً، واعتنقوا بدلها منهج الإسلام الشيعيّ الاماميّ الاثني عشريّ - نسبة إلى الأئمة الاثني عشر الذين نصّ النبيّ صلىاللهعليهوآله بكونهم أئمّة للمسلمين -
ظاهرة الانتقال من التسنّن إلى التشيّع، والتي ظهرت هنا وهناك في مختلف مناطق العالم، أرّقت وتؤرّق أنفساً وحكومات استوطنت الشرّ وتوطّنت عليه، فاندفع منها من اندفع مستميتاً، يطلب إطفاء نور الهداية إلى أئمة الهدى، وكانت وسائلهم في تلك المخطّطات، وأدواتهم لبلوغ تلك الغايات، الادّعاء بالباطل، واللجوء إلى الكذب الذي استجار به من سبقهم إلى تلك الغايات، وفي النهاية، وهنَ عزمهم، ولم يستطيعوا وقف شي من ذلك المدّ القادم، ليُحقّ الله الحقّ بكلماته التامّات، ويتمّ نوره رغم أنوف الظالمين وأعوانهم من الكاذبين، وآخر دعوانا أنْ الحمد لله ربّ العالمين.
المصادر
* القرآن الكريم
* اتحاف الخيرة المهرة، أحمد بن أبي بكر البوصيري، مكتبة الرشيد، الرياض - السعودية، الطبعة الأولى، 1419 هـ - 1988 م.
* الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي، تعليقات وملاحظات: محمد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر، النجف - العراق، طبع سنة 1386 هـ - 1966 م.
* الاحكام، علي بن حزم الأندلسي، مطبعة العاصمة، القاهرة - مصر.
* أحكام القرآن، أبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان.
* الاختصاص، محمد بن النعمان الملقب بالمفيد، صححه وعلّق عليه: علي أكبر الغفاري ومحمود الزرندي، دار المفيد للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1414 هـ - 1993 م.
* اختيار معرفة الرجال، محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: مهدي الرجائي، نشر مؤسسة أهل البيت، قم - إيران.
* الإرشاد، محمد بن محمد المعروف بالمفيد، تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهمالسلام ، نشر دار المفيد، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1414 هـ - 1993 م.
* الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر القرطبي، تحقيق: محمّد علي البجاوي، دار الجيل، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1412 هـ.
* أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير الجزري، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 2003 م - 1423 هـ.
* الاصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1423 هـ - 2003 م.
* الأمالي، محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: مؤسسة البعثة، نشر دار الثقافة للطباعة والنشر، قم - ايران، الطبعة الأولى، 1414 هـ.
* أنساب الأشراف، أحمد بن يحيى البلاذري، تحقيق محمّد باقر المحمودي، منشورات مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1394 هـ - 1974 م.
* بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، نشر مؤسّسة الوفاء، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية 1403 هـ - 1983 م.
* البداية والنهاية، إسماعيل بن كثير الدمشقي، تحقيق: علي شيري، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1408 هـ - 1988 م.
* تاريخ الاسلام، شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1407 هـ - 1987 م.
* تاريخ بغداد، أحمد بن عليّ الخطيب البغدادي، دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، نشر دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1997 م.
* تاريخ الخلفاء، جلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة المدني، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1383 هـ - 1964 م.
* تاريخ دمشق، علي بن الحسين بن هبة الله المعروف بابن عساكر، تحقيق علي شيري، دار الفكر، طبع سنة 1415 هـ.
* تاريخ الطبري، محمد بن جرير الطبري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة، 1403 هـ - 1983 م.
* تاريخ المدينة، ابن شبّة النميري، تحقيق: فهيم محمد شلتوت، نشر دار الفكر، قم - إيران، مطبعة قدس، الطبعة الثانية، 1410 هـ - 1368 ش.
* تاريخ اليعقوبي، أحمد بن أبي يعقوب اليعقوبي، نشر مؤسسة نشر فرهنگ أهل بيت، قم - إيران، عن دار صادر، بيروت - لبنان.
* تفسير الثعلبي، أبو اسحاق أحمد الثعلبي، تحقيق: أبو محمد بن عاشور، دار إحياء التراث، الطبعة الأولى، بيروت - لبنان، 1422 هـ - 2002 م.
* تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، نشر دار الفكر، بيروت - لبنان، طبعة سنة 1415 هـ - 1995 م.
* تفسير الفخر الرازي، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، دار احياء التراث، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1995 م.
* التمهيد، ابن عبد البرّ القرطبي، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، نشر وزارة عموم الأوقات والشؤون الإسلاميّة، طبع سنة 1387 هـ.
* تنقيح المقال، عبد الله المامقاني، الطبعة الحجريّة.
* تهذيب الأحكام، محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: السيد حسن الموسوي الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة، طهران - ايران، الطبعة الثالثة، 1364 ش.
* حلية الأولياء، أبو نعيم الاصبهاني، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة، 1405 هـ.
* خصائص أمير المؤمنين، أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق: الداني آل زهوي، المكتبة العصرية، بيروت - لبنان، طبع سنة 1426 هـ - 2005 م.
* الخصال، محمد بن علي الصدوق، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات جامعة المدرسين، إيران، طبع سنة 1403 هـ - 1362 ش.
* الدر المنثور، جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان،
الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2001 م.
* رحلة ابن بطوطة المسماة ( تحفة النظائر في غرائب الأمصار ) الرحالة ابن بطوطة، شرحه وكتب هوامشه طلال حرب، دار الكتب العلمية، الطبعة الثالثة، 1423 هـ - 2003 م.
* رشفة الصادي، شهاب الدين الحضرمي، تحقيق: علي عاشور، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1998 م.
* سرّ الصلاة، السيد روح الله الخميني، تحقيق: أحمد الفهري.
* سلسلة الأحاديث الصحيحة، ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض - السعودية، طبع سنة 1415 هـ - 1995 م.
* سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض - السعودية، الطبعة الأولى للطبعة الجديدة، 1412 هـ - 1992 م.
* - سنن ابن ماجة، محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت - لبنان.
* سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق: سعيد محمّد اللحام، نشر دار الفكر، الطبعة الأولى، 1410 هـ - 1990 م.
* السنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني، تعليق وتخريج: مجدي بن منصور، نشر دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1417 هـ - 1996 م.
* السنن الكبرى، أحمد بن الحسين البيهقي، طبعة دار الفكر.
* سنن النسائي، أحمد بن شعيب النسائي، تحقيق الدكتور عبد الغفار سليمان وسيّد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى بيروت - لبنان، 1411 هـ - 1991 م.
* سَير أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، مؤسسة الرسالة،
بيروت - لبنان، الطبعة التاسعة، 1413 هـ - 1993 م.
* السيرة الحلبية في سيرة الأمين والمأمون، علي بن برهان الدين الحلبي، نشر دار المعرفة، بيروت - لبنان، طبع سنة 1400 هـ.
* شرح معاني الآثار، أحمد بن محمّد الطحاوي، تحقيق: محمد زهري النجّار، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة، 1416 هـ - 1996 م.
* شرح المقاصد، سعد الدين التفتازاني، دار المعارف النعمانية، باكستان، الطبعة الأولى، 1401 هـ - 1981 م.
* شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربيّة، الطبعة الأولى، 1378 هـ - 1959 م.
* شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، الحاكم الحسكاني، تحقيق محمّد باقر المحمودي، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي - مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة، طهران - إيران، الطبعة الأولى، 1411 هـ - 1990 م.
* الشيعة في أحاديث الفريقين، السيّد مرتضى الأبطحي، مطبعة أمير، إيران، الطبعة الأولى، 1416 هـ.
* صحيح البخاري، محمّد بن اسماعيل البخاري، نشر دار الفكر، طبعة سنة 1401 هـ - 1981 م.
* صحيح الجامع الصغير، ناصر الدين الألباني، المكتب الاسلامي، الكويت، الطبعة الثالثة، 1421 هـ - 2000 م.
* صحيح مسلم، مسلم بن الحجّاج النيسابوري، دار الفكر، بيروت - لبنان.
* الصحيفة السجادية، الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين عليهالسلام ، تحقيق: محمد باقر الموحّد الأبطحي، مؤسسة الإمام المهدي، قم - إيران، الطبعة الأولى، 1411 هـ.
* الصواعق المحرقة، أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي، تحقيق عبد الرحمان التركي، نشر مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1997 م.
* ضعفاء العقيلي، محمد بن عمرو العقيلي، تحقيق: الدكتور عبد المعطي أمين، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1418 هـ.
* الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، محمد بن عبد الرحمان السخاوي، منشورات: دار مكتبة الحياة، بيروت - لبنان.
* الطبقات الكبرى، محمد بن سعد، دار صادر، بيروت - لبنان.
* الطرائف في معرفة الطوائف، علي بن موسى بن طاووس، مطبعة خيّام، قم - إيران، الطبعة الأولى، 1399 هـ.
* علل الشرائع، محمد بن عليّ الصدوق، منشورات المكتبة الحيدرية، النجف - العراق، طبع سنة 1385 هـ.
* عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين محمود بن أحمد العيني، دار احياء التراث العربي، بيروت - لبنان.
* فتح الباري، أحمد بن حجر العسقلاني، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية.
* الفصول المهمّة، محمد بن الحسن الحر العاملي، تحقيق: محمد بن محمد الحسين، مؤسسة معارف إسلامي، قم - إيران، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1376 ش.
* فيض القدير شرح الجامع الصغير، محمد عبد الرؤوف المناوي، تصحيح: أحمد عبد السلام، نشر دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1994 م.
* الكافي، محمد بن يعقوب الكليني، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران - إيران، الطبعة الرابعة، 1362 ش.
* الكنى والألقاب، عباس القمّي، مكتبة الصدر، طهران - إيران.
* كنز العمّال، علي المتقي الهندي، تحقيق: محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1424 هـ - 2004 م.
* المحاسن، أحمد بن محمّد بن خالد البرقي، تصحيح وتعليق: جلال الدين الحسيني، دار الكتب الإسلاميّة، طهران - إيران، طبع سنة 1370 هـ - 1330 ش.
* المستدرك على الصحيحين، الحاكم النيسابوري، دار المعرفة، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، 1406 هـ.
* مستدرك الوسائل، حسين النوري، نشر مؤسسة آل البيت لاحياء التراث، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1408 هـ - 1987 م.
* مسند أحمد، أحمد بن حنبل، دار صادر، بيروت - لبنان.
* مصابيح السنة، الحسين بن مسعود البغوي، تخريج: ضحى الخطيب، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1994 م.
* المصباح، إبراهيم بن علي الحسن الكفعمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة، 1403 هـ - 1983 م.
* المصنّف، عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تحقيق: سعيد اللحام، نشر دار الفكر، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1409 هـ - 1989 م.
* المطالب العالية، أحمد بن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت - لبنان، طبع سنة 1414 هـ - 1993 م.
* المعجم الكبير، سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، نشر دار إحياء التراث، الطبعة الثانية.
* مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الاصفهاني، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم - إيران، الطبعة الثانية، 1385 هـ - 1965 م.
* مقتل الحسين، الموفق بن أحمد الخوارزمي، تحقيق: محمد السماوي، نشر
أنوار الهدى، ايران، الطبعة الأولى، 1418 هـ.
* المقنعة، محمّد بن النعمان الملقّب بالمفيد، مؤسّسة النشر الإسلامي، قم - إيران، الطبعة الثانية، 1410 هـ.
* المناقب، الموفّق بن أحمد الخوارزمي، تحقيق: الشيخ مالك المحمودي، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم - إيران، الطبعة الثانية، 1414 هـ.
* مناقب الامام علي، علي بن محمد الشافعي الشهير بابن المغازلي، دار الأضواء، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة، 1424 هـ - 2003 م.
* من لا يحضره الفقيه، محمد بن عليّ الصدوق، تصحيح وتعليق: علي أكبر غفاري، مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، إيران، الطبعة الثانية.
* مواهب الجليل، محمد بن محمد بن عبد الرحمان المعروف بالحطاب الرعيني، ضبطه وخرّج آياته وأحاديثه: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1416 هـ - 1995 م.
* الموطأ، مالك بن أنس، تصحيح وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث، بيروت - لبنان، طبع سنة 1406 هـ - 1985 م.
* نظم درر السمطين، جمال الدين الزرندي الحنفي، الطبعة الأولى، طبع سنة 1377 هـ - 1958 م.
* نظم المتناثر من الحديث المتواتر، محمد جعفر الكتّاني، دار الكتب السلفية، مصر، الطبعة الثانية.
* نكت الانتصار لنقل القرآن، أبو بكر الباقلّاني، دراسة وتحقيق: د. محمد زغلول سلام، نشر منشأة المعارف، الاسكندرية.
* نهج البلاغة، الشريف الرضي، شرح الشيخ محمد عبده، نشر دار الذخائر، قم -
إيران، الطبعة الأولى، 1412 هـ.
* وسائل الشيعة، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، تحقيق: مؤسّسة آل البيت لاحياء التراث، نشر مؤسّسة آل البيت، قم - إيران، الطبعة الثانية، 1414 هـ.
* ينابيع المودّة، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي، تحقيق: سيّد علي جمال أشرف الحسيني، دار الاسوة للطباعة والنشر، إيران، الطبعة الأولى، 1416 هـ.