بِسمِ الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلواته وسلامه على محمّد وآله الطاهرين

ولعنة الله على أعدائهم إلى يوم الدين

تمهيد

من الحقائق الدينيّة التي هي من صُلب الاسلام، ووليدة القرآن، وحصيلة السنّة، وعليها الاجماع، وسيرة الأصحاب، وحكم العقل: التقيّة.

وهي من سنن الأنبياء، وشعار الصلحاء، وعمل الشيعة الأصفياء.

وقد طعن عليهم بعض خصومهم من العامّة، واستنكروها عليهم غاية الاستنكار، مع أنّ صحاحهم ومسانيدهم وكتبهم مليئة بذلك، ومصرّحة بما هنالك، إلّا أنّ القلوب منكوسة، والأقوال معكوسة..

قال السيّد شبّر:

(قد شنّع المخالفون علينا في قولنا بالتقيّة مع كثرة الدلائل عليها من الكتاب والسنّة، وقد رووا ما يدلّ عليها من طرقهم...

روى البخاري في صحيحه في باب فضل مكة وبنيانها بأربعة أسانيد، ومسلم في صحيحه، ومالك في الموطأ، والترمذي والنسائي في صحيحهما أنّ عبد الله بن محمّد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر عن عائشة، أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال لها:


ألم ترى أنّ قومك حين بنوا الكعبة ما اقتصروا على قواعد ابراهيم؟ (1) .

فقلت: يا رسول الله! ألا تردّها على قواعد ابراهيم؟

قال: لو لا حدثان قومك بالكفر لفعلت.

ومن لفظ البخاري ومسلم عن الأسود بن يزيد، عن عائشة، قالت:

سألت النبي عن الجدار؛ من البيت هو؟

قال: نعم.

قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟

قال: إنّ قومك قصرت بهم النفقة.

قلت: فما شأن بابه مرتفعاً؟

قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، ولو لا أن قومك حديثٌ عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدار في البيت وأن ألصق بابه بالأرض.

وفي صحيح البخاري عن جوير بن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة: أنّ النبي قال لها: يا يعائشة! لو لا أن قومكِ حديثوا عهد بالجاهلية لأمرت بالبيت فهدم فأدخلت فيه ما اُخرج منه والزقته بالأرض، وجعلت له بابين؛ باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس ابراهيم.

ولا ريب أن ظاهر هذه الأخبار أن تعليق الامضاء بحدثان عهد القوم وقربه من الكفر والجاهلية يستلزم خوفه صلّى الله عليه وآله من إرتدادهم وخروجهم عن الاسلام، أن يعود بذلك ضررٌ إلى نفسه أو إلى غيره ويتطرق بذلك الوهن في المسلمين، وهذا هو التقيّة) (2) .

__________________

1. يعني جعلوها أوسع من القواعد التي بنى عليها إبراهيم عليه السلام الكعبة.

2. أصول الأصليّة: ص 238.


وقال الشيخ كاشف الغطاء: (من الأُمور التي يشنّع بها بعض الناس على الشيعة، ويزدري عليهم بها: قولهم بالتقيّة.. جهلاً منهم بمعناها، وبموقعها وحقيقة مغزاها.

ولو تثبتوا في الأمر وتريّثوا في الحكم وصبروا وتبصّروا لعرفوا أنّ التقيّة التي تقول بها الشيعة لا تختصّ بهم، ولم ينفردوا بها.

بل هو أمر ضرورة العقل، وعليه جبلّة الطباع، وغرائز البشر.

وشريعة الاسلام في اسس أحكامها وجوهريات مشروعيتها تماشي العقل والعلم جنباً إلى جنب وكتفاً الى كتف، رائدها العلم، وقائدها العقل ولا تنفك عنهما قيد شعرة.

ومن ضرورة العقول وغرائز النفوس أن كل إنسان مجبول على الدفاع عن نفسه والمحافظة على حياته، وهي أعز الأشياء عليها وأحبها إليه.

نعم قد يهون بذلها من سبيل الشرف وحفظ الكرامة، وصيانة الحق، ومهانة الباطل.

أمّا في غير امثال هذه المقاصد الشريفة والغايات المقدّمة فالتغرير بها وإلقاءها في مظان الهلكة ومواطن خطر تسفهُ وحماقة، لا يرتضيه عقل ولا شرع، وقد أجازت شريعة الاسلام المقدّسة للمسلم في مواطن الخوف على نفسه أو عرضه إخفاء الحق والعمل به سرّاً ريثما تنتصر دولة الحق وتغلب على الباطل...

فتارة تجب التقيّة؛ كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة.

واخرى تكون رخصة؛ كما لو كان في تركها والتظاهر بالحق نوع تقوية له، فله أن يضحّي بنفسه، وله أن يحافظ عليها.

وثالثة يحرم العمل بها؛ كما لو كان ذلك موجباً لرواج الباطل وإضلال الحق، وإحياء الظلم والجور.

ومن هنا تتصاع لك شمس الحقيقة ضاحيةً، وتعرف أن اللوم والتعبير بالتقية - إن كانت تستحق اللوم والتعيير - ليس على الشيعة، بل على من سبلهم موهبة للحرية، وألجأهم إلى العمل بالتقيّة).


ثمّ ذكر كاشف الغطاء قدس سره الظروف التي ألجأت الشيعة إلى التقيّة، ثمّ بيّن المواقع الاستثنائية التي كانت توجب وتقتضي ترك التقيّة، والتضحية في سبيل الدين فقال فيما أفاد:

تغلّب معاوية على الأُمّة وابتزّها الإمرة عليها بغير رضا، وصار يتلاعب بالشريعة الإسلاميّة حسب أهوائه، وجعل يتتبع شيعة علي عليه السلام ويقتلهم تحت كلّ حجر ويأخذ على الظنّة والتهمة، وسارت على طريقته العوجاء وسياسته الخرقاء الدولة المروانيّة، ثمّ جاءت العبّاسيّة فزادت على ذلك بنغمات اضطرت الشيعة إلى كتمان أمرها تارة والتظاهر به أُخرى زنة ما تقتضيه مناصرة الحق ومكافحة الضلال وما يحصل به اتمام الحجة، وكي لا تعمى سبل ال حق بتاتاً عن الخلق.

ولذا تجد الكثير من رجالات الشيعة وعظمائهم سحقوا التقية تحت أقدامهم وقدموا هياكلهم المقدّسة قرابين للحق على مشانق البغي، وأضاحي في مجازر الجور والغي.

أهل استحضرت ذاكرتك شهداء (مرج عذراء) - قرية من قرى الشام - وهم أربعة عشر من رجال الشيعة، ورئيسهم ذلك الصحابي الذي انهكه الورع والعبادة (حجر بن عدي الكندي) الذي كان من القادة في فتح الشام؟!

قتلهم معاوية صبراً ثمّ صار يقول: ما قتلت أحداً إلّا وأنا أعرف فيما قتلته خلا حجر، فانّي لا أعرف بأيّ ذنب قتله.

نعم، أنا أعرّف معاوية بذنب حجر، ذنبه ترك العمل بالتقيّة وغرضه اعلان ضلال بني أُميّة ومقدار علاقتهم من الدين.

وهل تذكرت الصحابي الجليل: عمرو بن الحمق الخزاعي، وعبد الرحمن حسان العنزي، الذي دفنه زياد في (قس الناطف حيّاً)؟

أتراك تذكرت ميثم التمّار، ورشيد الهجري، وعبد الله بن يقطر، الذي شنقهم ابن زياد في كناسة الكوفة..


هؤلاء والمئات من أمثالهم هانت عليهم نفوسهم العزيزة في سبيل الحق ونطحوا صخرة الباطل، وما تهشمت رؤوسهم حتى هشموها، وما عرفوا أين زرع التقيّة وأين واديها. بل وجدوا العمل بها حراماً عليهم. ولو سكتوا وعملوا بالتقيّة لضاعت البقية من الحق وأصبح دين الاسلام دين معاوية ويزيد وزياد ابن زياد.. دين المكر، دين الغدر، دين النفاق، دين الخداع، دين كل رذيلة، وأين هذا من دين الإسلام الذي هو دين كلّ فضيلة؟! اولئك ضحايا الإسلام وقرابين الحق.

ولا يغيبن عنك ذكر «الحسين» وأصحابه سلام الله عليهم الذين هم سادة الشهداء وقادة أهل الإباء.

نعم؛ هؤلاء وجدوا العمل بالتقيّة حراماً عليهم، وقد يجد غيرهم العمل بها واجباً ويجد الآخرون العمل بها رخصة وجوازاً حسب اختلاف المقامات وخصوصيات الموارد (1) .

ولقد أجاد فيما أفاد أعلى الله مقامه، فان تضحية كبار الشيعة في سبيل إعلاء الشريعة، وقمع الظالمين والمعتدّين، ممّا يثبت أنّ التقيّة من الشيعة الأبرار ليست هي في جميع الموارد، وليست هي لجُبن أو نكوصٍ منهم، بل هي تكليف شرعي لحفظ دينهم وإيصاله إلى الأجيال التي تليهم..

والا فهم أعاظم الشجعان، والمستميتين لاحياء الدين وشريعة سيّد المرسلين لا يضاهيهم من سواهم، أو للمذاهب الاخرى التي تناوؤهم وتطعن فيهم كلّ ذاك إذ املته عليه شريعتهم وأرادها لهم أئمّتهم.

ومن نموذج ذلك: التضحيات العظيمة التي فاز بها عظماء الشيعة نماذج ندرج باقة منهم:

__________________

1. أصل الشيعة وأُصولها: ص 150 - 152.


ضحايا الشيعة في سبيل الحق والحقيقة

من الشواهد الناظقة بأنّ الشيعة لا ترى التقيّة في جميع الموارد، بل تقدّم التضحية على التقيّة حين ترى التضحية هي السبيل النبيل لاقامة الدين، ونفي الانحراف عن الشرع المبين.. التضحيات الباسلة الموصلة إلى شرف الموت وسعادة الشهادة التي اتّسم بها عظماء الشيعة أمثال الصحابي الجليل عمرو بن الحمق، وحجر بن عدي الكندي، وميثم التمّار، ورشيد الهجري، وقنبر خادم أمير المؤمنين عليه السلام ومئتات ساروا على دربهم وفازوا في الشهادة تقتصر بدراسة قصيرة في حياة هؤلاء وسيرتهم الغرّاء.

1 - عمرو بن الحمق الخزاعي

هو الصحابي الجليل لرسول الله صلى الله عليه وآله، الذي حفظ عنه أحاديث عديدة، وسقى الرسول ماءً فدعا له الرسول وقال: «اللّهمّ أمتعه بشبابه»، فمرّت له ثمانون سنة لم يُرَ له شعرة بيضاء (1) .

كان من حواري أمير المؤمنين عليه السلام وشهد معه مشاهده كلّها: الجمل، وصفّين، ونهروان، استنكر على معاوية ظلمه وتلاعبه بالدين (2) .

أمّنه معاوية ثمّ غدر به، فبعث إليه من قتله وجاء برأسه، فبعث به معاوية إلى امرأته وهي في سجنه، فوضع في حجرها فقالت:

__________________

1. بحار الأنوار: ج 18، ص 12، حديث 37.

2. لاحظ حسن حاله وجلالة قدره في تنقيح المقال: ج 2 من ال طبعة الحجريّة، ص 326.


سترتموه عنّي طويلاً، وأهديتموه إليّ قتيلاً! فأهلاً وسهلاً من هديّة غير تالية ولا مقلية، بلّغ - أيّها الرسول - عنّي معاوية ما أقول: طلب الله بدمه، وعجّل له الويل من نقمه، فقد أتى أمراً فريّاً، وقتل براً تقيّاً (1) .

وكتب الامام لحسين عليه السلام إلى معاوية:

« ألست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله، العبد الصالح الذي أبلته العبادة، فنحل جسمه، وصفر لونه، بعد ما أمّنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثمّ قتلته جرأة على ربّك، واستحفافاً بذلك العهد... فأبشر يا معاوية بالقصاص واستيقن بالحساب واعلم أن لله تعالى كتابا ( لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ) ، وليس الله بناس لأخذك بالظنة وقتلك أوليائه على التهم ونفيك أوليائه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك للناس بيعة ابنك غلام حدث يشرب الخمر ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلّا وقد خسرت نفسك وتبرت دينك وغششت رعيتك وأخربت أمانتك وسمعت مقالة السفيه الجاهل وأخفت الورع التقى » (2) .

وقد صكّت هذه الرسالة مسامع معاوية الكريهة، وألجمت فمه البذي وقد عجز عن الجواب إلّا أن يقول: وما عسيت أن أعيب حسيناً، ووالله ما أرى للعيب فيه موضعاً.

2 - حُجر بن عديّ الكندي

كان من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وكان من الأبدال، وكان يعرف بـ: حجر الخير، وكان معروفاً بالزهد وكثرة القيام والعبادة، حتّى حُكي أنّه كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة (3) .

__________________

1. بحار الأنوار: ج 34، ص 279.

2. بحار الأنوار: ج 44، ص 213.

3. سفينة البحار: ج 2، ص 97. ولاحظ عظمة منزلته وعظيم مواقفه، وكونه من أجلّاء العدول


كان ممّن ينكر على معاوية ظلمه وبدعه، قتله معاوية ظلماً وغيلة، فأنكر عليه قتله العدوّ والصديق.

وهو الذي قال له أمير المؤمنين عليه السلام:

« كيف لي بك إذا دعيت إلى البراءة منّي، فما عساك أن تقول؟»

فأجاب: والله يا أمير المؤمنين لو قُطّعت بالسيف إرباً إرباً وأضرم لي النار وألقيت فيها، لآثرت ذلك على البراءة منك.

فقال عليه السلام له:

« وُفّقت لكلّ خير يا حجر! جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيّك » (1) .

وجاء في كتاب الامام الحسين عليه السلام السالف ذكره لمعاوية:

« ألست القاتل حجراً أخا كندة، والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم، ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة أن لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بأحنة تجدها في نفسك عليهم » (2) .

3 - ميثم التمّار

كان من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وصاحب أسراره، وممّن أطلعه على علم كثير، وأسرار خفيّة من أسرار الوصيّة (3) .

__________________

والأخيار، المختوم أمره بالشهادة على يد أمير الأشرار، وأنه من فضلاء الصحابة في تنقيح المقال: ج 18، ص 57.

1. بحار الأنوار: ج 42، ص 290.

2. بحار الأنوار: ج 44، ص 212.

3. بحار الأنوار: ج 34، ص 302.


كان ممّن يحدث بفضائل بني هاشم، ومخازي بني أُميّة.

روى الكشي عن ميثم رضي الله عنه أنّه قال: دعاني أمير المؤمنين عليه السلام وقال لي:

« كيف أنت - يا ميثم - إذا دعاك دعيّ بني أُميّة عبيد الله بن زياد إلى البراءة منّي؟ »

فقلت: يا أمير المؤمنين! أنا والله لا أبرأ منك.

قال: « إذاً والله يقتلك ويصلبك ».

فقلت: أصبر، فذاك في الله قليلاً.

فقال: « يا ميثم! إذاً تكون معي في درجتي » (1) .

وفي الحديث:

قال له أمير المؤمنين عليه السلام يماً بمحضر من خلق كثير من أصحابه:

« يا ميثم! إنّك تؤخذ بعدي فتصلب، فاذا كان اليوم الثاني ابتدر منخراك وفمك دماً حتّى تخضب لحيتك، فاذا كان اليوم الثالث طعنت بحربةة فيقضي عليك فانتظر ذلك، والموضع الذي تُصلب فيه على دار عمر بن حريث، إنّك لعاشرة عشرة، أنت أقصرهم خشبة، وأقربهم إلى المطهّرة - يعني الأرض - ولأرينّك النخلة التي تُصلب على جذعها ..».

ثمّ أراه إيّاها بعد ذلك بيومين، فكان ميثم يأتيها، فيصلّي عندها، ويقول: بوركت من نخلة، لكِ خُلقت، ولي نبتِّ.

فلم يزل يتعاهدها بعد قتل علي عليه السلام حتّى قطعت..

ويلقى عمرو بن حريث فيقول له: انّي مجاورك فأحسن جواري..! فلم يعلم ما يريد حتّى وقع ما وقع..

وحجّ ميثم في السنة التي قُتل فيها، فدخ على أمّ سلمة رضي الله عنها، فلمّا قال: أنا ميثم.

__________________

1. رجال الكشي: ص 78.


قالت: سبحان الله!.. والله لربما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يوصي بك عليّاً عليه السلام في جوف الليل.

فسألها عن الحسين بن علي عليهما السلام؟ فقالت: هو في حائط له.

قال: أخبريه انّي قد احببت السلام عليه... ولا أقدر اليوم على لقائه واريد الرجوع ونحن ملتقون عند ربّ العالمين إن شاء الله.

فدعت - أمّ سلمة - بطيب فطيّبت لحيته.

فقال لها: أما انّها ستُخضب بدم.

قالت: من أنبأك بهذا؟

قال: أنبأني سيّدي.

فبكت أُمّ سلمة وقالت: هو سيّدي وسيّد المرسلين أجمعين، ثمّ ودّعته.

فقدم ميثم الكوفة فأخذ وادخل عن ابن زياد، وقيل له: هذا كان من آثر الناس عند أبي تراب.

فأمر بحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة، فقال له ميثم - وهما في حبسه - إنك - يعني المختار - تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين عليه السلام، فتقتل هذا الجبار الذي نحن في سجنه، وتطأ بقدمك هذا على جبهته وخدّه.

فلمّا دعا ابن زياد بالمختار ليقتله طلع البريد بكتاب إليه يأمره بتخلية سبيله، وذلك أن أخته كانت تحت عبد الله بن عمر، فسألت بعلها أن يشفع فيه إلى يزيد، فشفع، فكتب بتخلية المختار، فأطلق سبيله، وأمر بميثم أن يُصلب.

فلمّا رُفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث.

فقال عمرو: لقد كان يقول: إنّي مجاورك.

فلما صُلب، كان يأمر جاريته كل عشيّة أن تكنس تحت خشبته وترشّه وتجمره بمجمرة.


فجعل يثم يحدث بفضائل بني هاشم ومخازي بني اُميّة.

فقيل لابن زياد: قد فضحكم هذا العبد.

فقال: ألجموه - شدّوا له اللجام - فاُلجم، فكان أوّل خلق الله اُلجم من الاسلام.

فلمّا كان في اليوم الثاني فاضت منخراه وفمه دماً.

فلمّا كان في اليوم الثالث طعن بحربة فمات.

وكان قتل ميثم قبل قدوم الحسين عليه السلام العراق بعشرشة أيّام (1) .

4 - رشيد الهجري

كان من خواص أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، ومن أصفياء أصحابه وحاملي أسراره، ومن السابقين المقرّبين عنده، وممّن يُعد في عداد سلمان وأبي ذر والمقداد وميثم التمّار رضوان الله عليهم.

وكان أمير المؤمنين عليه السلام يسميه: رشيد البلايا، وكان قد القى إليه علم المنايا والبلايا (2) .

بلغ الدرجة العليا في الولاء والدفاع عن الحق حتّى قتله ابن زياد على البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام (3) .

__________________

1. لاحظ جامع أحاديث فضيلته، وعظيم منزلته في تنقيح المقال: ج 3 من الطبعة الحجريّة، ص 262، قال أعلى الله مقام صاحبه في شأنه: (حاله في الجلالة ورفعة المنزلة وعلوّ الشأن وارتفاع المكان، مستغنٍ عن البيان، هو عدل ثقة وأيُّ ثقة، بل لو كانت بين العصمة والعدالة مرتبة واسطة لأطلقناها عليه).

2. الاختصاص: ص 3 و 6 و 77.

3. اتقان المقال: ص 61.


روى الكشي (1) بسنده عن أبي حيّان البجلي، عن قنواء بنت رشيد الهجري، قال:

قلت لها: أخبريني ما سمعت من أبيك؟

قالت: سمعت أبي يقول: أخبرني أمير المؤمنين صلوات الله عليه، فقال:

« يا رشيد! كيف صبرت إذا أرسل إليك دعيّ بني أُميّة فقطع يديك ورجليك ولسانك؟ »

قلت: يا أمير المؤمنين! آخر ذلك إلى الجنّة؟

فقال: « يا رشيد! أنت معي في الدنيا والآخرة ».

قالت: فوالله ما ذهبت الأيّام حتّى أرسل إليه عبيد الله بن زياد الدعي، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين عليه السلام، فأبى أن يبرأ منه.

فقال له الدعيّ: فبأي ميتة قال لك تموت؟

قال له: أخبرني خليلي أنت تدعوني إلى البراءة منه، فلا أبرأ منه، فتقدّمني فتقطع يديّ ورجليّ ولساني.

فقال: والله لأكذبنّ قوله فيك..! فقدّموه فقطعوا يديه ورجليه وتركوا لسانه.

فحملت أطراف يديه ورجليه فقلت: يا أبت! هل تجد ألماً لما أصابك؟

فقال: لا يا بُنيّة إلّا كالزحام بين الناس.

فلمّا احتملناه وأخرجناه من القصر، اجتمع الناس حوله.

فقال: ائتوني بصحيفة ودواة اكتب لكم ما يكون إلى يوم الساعة!

فأرسل إلى الحجام حتّى قطع لسانه، فمات رحمه الله في ليلته (2) .

وفي حديث آخر:

__________________

1. اختيار معرفة الرجال.

2. رجال الكشي: ص 75.


لما قطعوا يديه ورجليه أقبل يحدث الناس بالعظائم وهو يقول:

«أيّها الناس! سلوني فانّ للقوم عندي طلبة لم يقضوها».

فدخل رجل على ابن زياد فقال له: ما صنعت، قطعت يده ورجله وهو يحدّث الناس بالعظائم.

فأرسل إليه ردّوه، فردّوه فقطع لسانه وأمر بصلبه (1) .

وفي حديث آخر:

قال ابن زياد: اقطعوا لسانه، فقال له رشيد: الآن والله جاء تصديق خبر أمير المؤمنين عليه السلام (2) .

5 - قنبر خادم أمير المؤمنين عليه السلام

عدّه شيخ الطائفة الطوسي من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، وكنا غلاماً له، وكان يحبّه حبّاً شديداً، قتله الحجّاج ظلماً، ذبحاً بغير حق!

جاء في حديث للاختصاص وللكشي وغيرهما:

سُئل قنبر مولى من أنت؟ فقال: أنا مولى من ضرب بسيفين، وطعن برمحين، وصلى القبلتين، وبايع البيعتين، وهاجر الهجرتين، ولم يكفر بالله طرفة عين.

أنا مولى صالح المؤمنين، ووارث النبيين، وخير الوصيين، وأكبر المسلمين، ويعسوب المؤمنين، ونور المجاهدين، ورئيس العابدين، وسراج الماضين، وضوء القائمين، وأفضل القانتين، ولسان رسول رب العالمين، وأول المؤمنين من آل ياسين.

__________________

1. رجال الكشي: ص 76.

2. بحار الأنوار: ج 42، ص 126.


المؤيد بجبريل الأمين، والمنصوور بميكائيل المتين، والمحمود عند أهل السماء أجمعين، سيد المسلمين والسابقين، وقاتل الناكثين والمارقين والقاسطين، والمحامي عن حرم المسلمين، ومجاهد أعدائه الناصبين، ومطفئ نيران الموقدين، وأفخر من مشى من قريش أجمعين، وأول من أجاب واستجاب لله.

أمير المؤمنين، ووصي نبيه في العالمين وأمينه على المخلوقين، وخليفة من بعث إليهم أجمعين.

مبيد المشركين، وسهم من مرامي الله على المنافقين، ولسان كلمة العابدين.

ناصر دين الله، وولي الله، ولسان كلمة الله، وناصره في أرضه، وعيبة علمه، وكهف دينه.

إمام الأبرار من رضي عنه العلي الجبار.

سمح سخي، بهلول (1) سنحنحي (2) زكي، مطهر أبطحي، باذل جري همام (3) ، صابر صوام، مهدي مقدام، قاطع الأصلاب، مفرق الأحزاب، علي الرقاب.

أربطهم جنانا، وأشدّهم شكيمة (4) بازل (5) ، باسل، صنديد (6) ، هزبر، ضرغام، حازم عزّام، حصيف (7) خطيب، محجاج.

__________________

1. البهلول: الضحّاك، والسيد الجامع لكلّ خير.

2. السنحنحي: الذي لا ينام الليل.

3. الهُمام: الملك العظيم الهمّة والسيّد السخي الشجاع.

4. الشكيمة: الطبع الشديد على العدو.

5. البازل: الرجل الكامل في تجربته.

6. الصنديد: السيّد الشجاع.

7. الحصيف: الكامل العقل.


كريم الأصل، شريف الفضل، فاضل القبيلة، تقي العشيرة، زكي الركانة (1) ، مؤدي الأمانة من بني هاشم، وابن عم النبي صلى الله عليه وآله.

الإمام المهدي الرشاد، مجانب الفساد، الأشعث الحاتِم (2) ، البطل الجماجم (3) ، والليث المزاحم.

بدري، مكي، حنفي، روحاني، شعشعاني، من الجبال شواهقها، ومن ذي الهضاب رؤوسها، ومن العرب سيدها، من الوغاء ليثها.

البطل الهمام، والليث المقدام، والبدر التمام، محكّ المؤمنين، ووارث المشعرين، وأبو سبطين، الحسن والحسين.

والله أمير المؤمنين حقّاً حقّاً علي بن أبي طالب عليه من الله الصلوات الزكية والبركات السنية.

فلمّا سمع الحجّاج أمر بقطع رأسه رضوان الله عليه (4) .

هؤلاء باقة من الأبرار والشهداء الأحرار، وهم نماذج حيّة وأمثلة صادقة من تضحيات الشيعة، على مدّ التاريخ وتفانيهم في سبيل الدين والشريعة.. ممّن أعلنوا الحق، ونادوا بالحقيقة، بلا مداراة ولا تقيّة، حيث رأوا انّ احقاق الحق وابطال الباطل كامن في تضحيتهم، وأن مقتضى الدين وخصوصية المورد يدعو الى صراحتهم.

وهناك العشرات بل المئات من عظماء الشيعة سلكوا هذا الطريق ممّن تلاحظ جهادهم وجهودهم من كتاب شهداء الفضيلة لشيخنا العلّامة الأميني أعلى الله مقامه.

__________________

1. الركانة: الوقار.

2. الحاتم: القاضي.

3. الجماجم: العظماء.

4. معجم رجال الحديث: 15 / 89.


ممّا لا يترك أدنى شبهة في بطلان كلام الخصم فيما نسبه إلى الشيعة في مسألة التقيّة.

وماذا يرد أو يجيب الخصم في الخطاب الصارم الذي قرع به قنبر الشيعي الشجاع وصكّ مسامع ذلك الطاعن السفّاك، الحجّاج بن يوسف الثقفي، هل هو تقيّة أم تضحية؟!

والمسألة في التقيّة واضحة، والحقيقة فيها أوضح من الشمس، وأبين من الأمس بحيث يدركه الوجدان، ويراه كل شخص بالعيان.

لكن لأجل التشكيك التجاهلي من الخصم في الواضحات، والالتواء عن الحقيقة في البديهيّات، لابدّ من دراسات توضيحيّة، وبيان الأدلّة القطعيّة من الفريقين، للتجلّى صحّة التقيّة في البين.

فلنبين في البدء ما ادّعاه الخصم في التقيّة ثمت نجيب عنه ونوضح بطلان كلماته الادّعائيّة، ثمّ نستدل على حقيقة التقيّة وشرعيّتها، ونلقى الأضواء على تماميّتها وصحّتها بوجوه خمسة:

1 - الكتاب الكريم.

2 - السنّة النبويّة.

3 - سيرة صالحي الصحابة.

4 - أقوال فقهاء المذاهب وأفعالهم.

5 - حكم العقل والفطرة.

ومن الله التوفيق، ومنه العون انه خير ناصر ومعين.


دعوى الخصم

هرّجوا على الشيعة الأبرار بأنّ التقيّة نفاق، كما طعن بذلك تعبيراً عن حقده الدفين ابن تيميّة ومن حذا حذوره.

قال في منهاجه عند افتراءه الخبيث في تشبيه الشيعة باليهود:

ومثل استعمال التقيّة وأظهار الباطل خلاف ما يضمرون من العداوة، مشابهةً لليهود (1) .

يريد بذلك أنّ التقيّة نفاق وأن حكمها الحرمة.

الجواب الفصل

ان هذا باطل، موضوعاً وحكماً.

فليست التقيّة نفاقاً موضوعاً، وليس حكم التقيّة حكم النفاق أي الحرمة شرعاً، وذلك لما يلي بيانه، ويلزم معرفته، فنقول:

1 - موضوع التقيّة

التقيّة في مفهومها الموضوعي هي: المداراة مع من يُخاف من سطوته، حذراً من غوائله وضرره، كما يشهد بذلك قوله تعالى: ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) (2) أي تخافون منهم.

__________________

1. منهاج السنّة: ج 1، ص 9.

2. سورة آل عمران، الآية 28.


بينما معنى النفاق هو: التظاهر بالحق مع إنطواء القلب على الباطل.

كما يشهد به قوله تعالى في توصيف المنافقين: ( وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) (1) .

كانوا يبطنون الكفر ويتظاهرون بالايمان.

وكذا قوله تعالى: ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) (2) .

كانوا يشهدون بالرسالة وقلبهم منطو على الجحود نفاقاً منهم.

فالمنافق يتظاهر بالايمان وقلبه مضمر للكفر، كما يشهد به قوله تعالى: ( يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ ) (3) .

بينما المؤمن على العكس يتظاهر بمداراة العدو خوفاً، وقلبه منطو على الحق، كما صرّحت بذلك قضيّة عمّار بن ياسر ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) - أي على الكفر - ( وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (4) .

فنلاحظ بوضوع ان موضوع التقيّة في منطق القرآن - وهو ال ميزان الحق - يغاير موضوع النفاق.

فالتقيّة في مفهومها الحقيقي هي المداراة مع الخصم خوفاً وتحذّراً فليست هي نفاقاً أو ضلالة.

__________________

1. سورة البقرة، الآية 14.

2. سورة المنافقون، الآية 1.

3. سورة التوبة، الآية 64.

4. سورة النحل، الآية 106.


هذا، ولم نجد نصّاً واحداً في اللغة العربيّة تفسّر التقيّة بالنفاق، بل كلّ ما هنا لك من معاجم اللغة من الفريقين هو تفسيرها بالتحذّر والتحفّظ والتخوّف.

قال في مجمع البحرين (1) : قال تعالى: وإلّا أن تتّقوا منهم تقاة.. أي إتقاء مخافة القتل... والتقيّة والتقاة اسمان موضوعان موضع الاتقاء.

وقال في مرآة الأنوار (2) : إتقيت الشي تقيّة وتقاة: حذرته.

وقال في لسان العرب (3) : اتقيت الشيء، وتقيته، واتقيه واتقيت الشيء: حذرته.

وفي نهاية الأثيريّة (4) : توقّى واتّقى بمعنى، وفي حديث معاذ: توقّ كرائم أموالهم.. أي تجنّبها ولا تأخذها في الصدقة.

ومنه الحديث «تبقّه وتوقّه» أي استبق نفسك ولا تعرضها للتلف ولا تعرضها للآفات.

وفي المعجم الوسيط (5) : التقيّة: الخوف والحذر.

وعلى الجملة، يظهر بوضوح أنّ التقيّة في مفهومها الموضوعي من لغة العرب واستعمالهم ليست من النفاق في شيء، بل تنطبق هذه الكلمة على مفهوم المداراة. ومن البديهي أنه لا علاقة ولا مشابهة ولا أدنى مناسبة بين المداراة وبين النفاق الذي افتراه ابن تيميّة وشبّه به الشيعة باليهود الذين هو أولى بملتهم وبغضهم وعدائهم لآل الرسول صلى الله عليه وآله.

2 - حكم التقيّة

ممّا يشهد باختلاف موضوع التقيّة عن النفاق إختلاف حكمهما.

__________________

1. معجم البحرين: ص 96.

2. مرآة الأنوار: ص 223.

3. لسان العرب: ج 15، ص 402.

4. النهاية: ج 5، ص 217.

5. المعجم الوسيط (اللغة العصرية): ج 2، ص 1052.


فقد اُجيزت التقيّة في كتاب الله تعالى بقوله: ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ ) (1) .

بينما النفاق وعد عليه الدرك الأسفل من النار في آية: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) (2) .

بل قام على جواز التقيّة الأدلّة الأربعة، وحسّنها العقل، وغُرزت في الفطرة.

بل قضى بوجوبها في بعض الموارد متظافر الأدلّة كما سيأتي.

فكيف يُقاس حكم التقيّة بحكم النفاق؟!

وكيف يُطعن بالتقيّة على الشيعة وهي مباحة عند السنّة أيضاً وفي صحاحهم ومسانيدهم؟!

وكيف تستنكر التقيّة وهي موجودة عند علمائهم وفي سيرتهم؟!

وكيف تلصق التقيّة بخصوص الشيعة وهي واردة في مقالات أعلامهم؟!

هذا ما سنستعرض له تفصيلاً، ليستبصر به المصنف النبيل، ويعرف أنه لا مجال ولا احتمال لما بهتوا به الشيعة، وشنّعوا على الشريعة من استعمال النفاق أو الخداع.

ولنعم ما قال الدكتور السماوي في دراسة تحليليّة منه للتقيّة في كتابه مع الصادقين (3) : قال بعد ما ذكر أدلّة الجواز ما نصّه:

فلا مبرّر لأهل السنة والجماعة في التشنيع والإنكار على الشيعة من أجل عقيدة يقولون بها هم أنفسهم ويروونها في صحاحهم ومسانيدهم بأنّها جائزة بل واجبة، ولم يزد الشيعة على ما قاله أهل السنّة شيئاً، سوى أنّهم اشتهروا بالعمل بها أكثر من غيرهم لما لاقوه من الأمويين والعباسيين من ظلم واضطهاد.

__________________

1. سورة النحل، الآية 106.

2. سورة النساء، الآية 145.

3. مع الصادقين: ص 187، نقلناه بطوله لفائدته.


فكان يكفي في تلك العصور أن يقال: هذا رجلُ يتشيّع لأهل البيت ليلاقي حتفه ويُقتل شرّ قتله على يد أعداء أهل البيت النبوي.

فكان لابدّ لهم من العمل بالتقيّة اقتداء بما أشار عليهم أئمّة أهل البيت عليهم السلام، فقد رُوي عن الامام جعفر الصادق عليه السلام أنّه قال: «التقيّة ديني ودين آبائي» وقال: «من لا تقيّة له لا دين له» وقد كانت التقيّة شعاراً لأئمّة أهل البيت أنفسهم دفعاً للضرر عنهم وعن أتباعهم ومحبّيهم، وحقناً لدمائهم، واستصلاحاً لحال المسلمين الذين فُتنوا في دينهم كما فُتن عمّار بن ياسر رضي الله عنه وحتّى أكثر.

أمّا أهل السنّة والجماعة؛ فقد كانوا بعيدين عن ذلك البلاء؛ لأنّهم كانوا في معظم عهودهم على وفاق تام مع الحكّام فلم يتعرّضوا لا لقتلٍ ولا لنهبٍ ولا لظلم، فكان من الطبيعي جدّاً أن ينكروا التقيّة ويشنّعون على العاملين بها وقد لعب الحكّام من بني أُميّة وبين العبّاس دوراً كبيراً في التشهير بالشيعة من أجل التقيّة.

وبما أنّ الله سبحانه أنزل فيها قرآناً يُتلى وأحكاماً تُقضى، وبما أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عمل هو نفسه بها كما - مرّ عليك في صحيح البخاري - وأنّه أجاز لعمّار بن ياسر أن يسبّه ويكفر إذا عاوده الكفّار بالتعذيب، وبما أنّ علماء المسلمين أجازوا ذلك إقتداء بكتاب الله وسنّة رسوله، فأي تشنيع وأي استنكارٍ بعد هذا يصحّ أن يوجّه إلى الشيعة؟!

وقد عمل بالتقيّة الصحابة الكرام في عهد الحكّام الظالمين أمثال معاوية الذي كان يقتل كلّ من امتنع عن لعن علي بن أبي طالب عليه السلام.

وقصة حجر بن عدي الكندي وأصحابه مشهورة، وأمثال يزيد وابن زياد والحجّاج وعبد الملك بن مروان.. وأضرابهم، ولو شئت جمع الشواهد على عمل الصحابة بالتقيّة لاستوجب كتاباً كاملاً، ولكن ما أوردته من أدلّة أهل السنّة والجماعة كاف بحمد الله.

ولا أترك هذه الفرصة تفوت لأروي قصّة طريفة وقعت لي شخصيّاً مع عالم من علماء أهل السنّة إلتقينا في الطائرة وكنا مدعوّين لحضور مؤتمر إسلامي في بريطانيا،


وتحادثنا خلال ساعتين عن الشيعة والسنّة، وكان من دعاة الوحدة، وأعجبت به غير أنّه ساءني قوله بأنّ على الشيعة الآن أن تترك بعض المعتقدات التي تُسبّب إختلاف المسلمين والطعن على بعضهم البعض، وسألته مثل ماذا؟

وأجاب على الفور: مثل المتعة والتقيّة.

وحاولت جهدي إقناعه بأنّ المتعة هي زواج مشروع، والتقيّة رخصة من الله، ولكنّه أصرّ على رأيه ولم يقنعه قولي ولا أدلّتي، مدّعياً أن ما أوردته كلّه صحيح ولكن يجب تركه من أجل مصلحة أهم ألا وهي وحدة المسلمين.

واستغربت منه هذا المنطق الذي يأمر بترك أحكام الله من أجل وحدة المسلمين، وقلت له مجاملة: لو توقّفت وحدة المسلمين على هذا الأمر لكنت أوّل من أجاب.

ونزلنا من مكار لندن وكنت أمشي خلفه.

ولمّا تقدّمنا إلى شرطة المطار سُئل عن سبب قدومه إلى بريطانيا.

فأجابهم بأنّه جاء للمعالجة.

وادّعيت أنا بأنّي جئت لزيارة بعض أصدقائي.

ومررنا بسلام وبدون تعطيل إلى قاعة إستلام الحقائب، عند ذلك همست له: أرأيت كيف أنّ التقيّة صالحة في كلّ زمان؟

قال: كيف؟

قلت: لأنّنا كذبنا على الشرطة، أنا بقولي جئت لزيارة أصدقائي، وأنت بقولك جئت للعلاج، في حين أنّنا قدمنا للمؤتمر.

ابتسم وعرف بأنّه كذب على مسمع منّي! فقال: أليس في المؤتمرات الاسلاميّة علاج لنفوسنا؟

ضحكت قائلاً: أو ليس فيها زيارة لاخواننا؟

وعلى الجملة؛ ركيزة الكلام والذي يهمّ في المقام، ليتّضح الحق الناطق، وينبلج الصبح الصادق هو ذكر الأدلّة الكاملة في شرعيّة التقيّة، والوجوه الخمسة النقيّة فيها.


التقيّة في القرآن الكريم

هناك آيات كريمة من الكتاب المجيد مبيحة للتقيّة، حتّى بتصريح مجامع العامّة وتفاسيرهم، منها:

1 - قوله تعالى: ( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (1) .

ذكرها البخاري في باب خاص، وقال في عنوانه: (باب قوله: إلّا من اُكره وقلبه مطمئن بالايمان وهي التقيّة) (2) .

وقال القسطلاني في شرحه: إنّها - أي التقيّة - ثابتة إلى يوم القيامة، لا تختصّ بعهد النبي صلّى الله عليه [وآله - وسلّم] (3) .

وقال الفخر الرازي عند تفسير هذه الآية الشريفة:

إنّ عمّاراً أعطاهم ما أرادوا بلسانه مُكرهاً.

فقيل: يا رسول الله! إنّ عمّاراً كفر.

فقال: «كلّا إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه.

فأتى عمّار رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يبكي، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول: مالك؟

إن عادوا لك فعد بما قلت» (4) .

__________________

1. سورة النحل (16): 106.

2. صحيح البخاري: ج 5، ص 52، ح 1.

3. إرشاد الساري: ج 8، ص 14.

4. التفسير الكبير: ج 20، ص 132.


وقال السيوطي في تفسيره:

إنّ المشركين أخذوا عمّار بن ياسر، فعذّبوه حتّى قاربهم من بعض ما أرادوا، وسبّ النبي صلى الله عليه وآله وذكر الهتهم بخير.

قال صلى الله عليه وآله: «كيف تجد قلبك؟».

قال: مطمئناً بالايمان.

قال: «إن عادوا فعد».

وفي ذلك أنزل الله تعالى: ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (1) .

وقال ابن عبد البرّ المالكي:

كان عمّار واُمّه سميّة ممّن عُذّب في الله، ثمّ أعطاهم عمّار ما أرادوا بلسانه، وقلبه مطمئن بالايمان، وهذا ممّا اجتمع عليه أهل التفسير) (2) .

هذا ما في تفاسير السنّة، وتلاحظ انها متّفقة على تقيّة عمّار، بصريح الكتاب، وتقرير النبي الأكرم له في مورد النزول.

ومثلها تفاسير الخاصّة فانّها مجمعة أيضاً رواية وتفسيراً في تقيّة عمّار، ومن ذلك الأحاديث التفسيريّة التي نجدها مجموعة في كنز الدقائق (3) ، عند ذكر الآية الشريفة مثل:

1 - حديث أبي بكر الحضرمي عن الامام الصادق عليه السلام قال: قال بعضنا: مدّ الرقاب أحبّ إليك أم البراءة من عليّ عليه السلام؟

قال: الرخصة أحبُّ إليّ؛ أما سمعت قول الله في عمّار ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ

__________________

1. الدرّ المنثور: ج 4، ص 132.

2. الاستيعاب: ج 3، ص 1136.

3. كنز الدقائق: ج 7، ص 271.. وغيره.


بِالْإِيمَانِ ) (1) .

2 - حديث الحميري باسناده الى أبي عبد الله عليه السلام قال:

«إنّ التقيّة ترس المؤمن، ولا ايمان لمن لا تقيّة له!

قلت: جعلت فداك! أرأيت قول الله تبارك وتعالى: ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) ؟

قال: «وهل التقيّة إلّا هذا» (2) .

3 - عن ابن عبّاس: نزل قوله: ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) في جماعة أكرهوا: وعم عمّار، وياسر أبوه، وأُمّه سميّة، وصهيب، وبلال، وخبّاب.. عُذّبوا وقُتل أبو عمّار وأُمّه، فأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه، ثمّ أخبر بذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله..

فقال: قومٌ: كفر عمّار.

فقال صلّى الله عليه وآله: «كلّا، إنّ عمّاراً ملئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه».

وجاء عمّار إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو يبكي، فقال صلّى الله عليه وآله: «ما وراءك؟!»

قال: شرٌ - يا رسول الله - ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير.

فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعُد لهم بما قلت..» فنزلت الآية (3) .

__________________

1. تفسير العياشي: ج 2، ص 272.

2. قرب الاسناد: ص 35، ح 114.

3. مجمع البيان: ج 6، ص 597.


واعلم أنّ تقيّة عمّار وإن كانت من المشركين لكن تقيّة عمّار شأن نزول الآية وموردها، والمرد ليس مخصّصاً، فانّ الآية الشريفة عامة شاملة لكلّ تقيّة حتّى من المسلم، خصوصاً مع التعبير بكلمة (من) الموصولة التي هي عامّة شاملة، تشمل كلّ من اكره على شيء فارتكبه.

ثمّ إنّه اذا جازت التقيّة في اظهار الكفر بالله تعالى، واُبيجت لعمار فكيف بسائر الناس في سائر الأشياء دون الكفر بالله تعالى وعمّار ممّن ملئ ايماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الايمان بلحمه ودمه، وحرّم الله لحمه ودمه على النار، وروى فيه حتّى أهل السنّة ان «من عادى عمّاراً عاداه الله»، ومن أبغضه أبغضه الله، وإنّ الجنّة مشتاقة إليه (1) .

2 - قوله تعالى:

( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ) (2) .

فالآية الشريفة جوّزت التقيّة فيما هو من أبغض الأشياء إلى الله تعالى وهو اتّخاذ الكافرين أولياء وأحبّة (3) .

قال السيوطي في تفسيره:

__________________

1. سفينة البحار: ج 6، ص 507.

2. سورة آل عمران (3)، الآية 28.

3. في حديث الامام الصادق عليه السلام: (من أحبّ كافراً فقد أبغض الله، ومن أبغض كافراً فقد أحبّ الله). أطيب البيان: ج 3، ص 164.

وفي حديث الامام الرضا عليه السلام: (كن محبّاً لآل محمّد وإن كنت فاسقاً، وكن محبّاً لمحبّيهم وإن كانوا فاسقين).

قال العلّامة المجلسي: إنّ هذا الحديث موجود الآن بخط مولانا الامام الرضا عليه السلام في كروند باصفهان. أطيب البيان: ج 3، ص 165.


أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله تعالى: ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) قال: إلّا مصانعة في الدنيا ومخالفة.

وأخرج عبد بن حماد، عن الحسن قال: التقيّة جائزة إلى يوم القيامة (1) .

وقال الحاكم في المستدرك:

(التقة: التكلّم باللسان، والقلب مطمئن بالايمان، وذلك كما في قصّة عمّار وشتمه النبي، لخلاص نفسه) (2) .

وقال أبو بكر الرازي في تفسير الآية:

(يعني أن تخافوا تلف النفس أو بعض الأعضاء، فتتقوم باظهار الموالاة من غير اعتقاده لها.

وهذا هو ظاهر ما يقتضيه اللفظ، وعليه جمهور أهل العلم) (3) .

فتلاحظ تفسير الآية عند أهل السنّة بالتقيّة، وجوازها إلى يوم القيامة، ممّا يظهر عدم انحصارها بزمن خاص أو بواقعة خاصّة.

وهكذا تفسيرها عند الخاصّة هي مفسّرة بالتقيّة كما تلاحظ في مثل:

1 - حديث أمير المؤمنين عليه السلام: (وآمرك أن تستعمل التقيّة في دينك، فان الله يقول: ( لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) .

وإيّاكم ثمّ إيّاك أن تتعرّض للهلاك، وأن تترك التقيّة التي أمرتك بها، فانّك شائط بدمك ودم إخوانك، معرّضٌ لنعمك ولنعمهم للزوال، مذلٌّ لهم في أيدي أعداء الله، وقد أمرك

__________________

1. الدرّ المنثور: ج 2، ص 16.

2. المستدرك على الصحيحين: ج 2، ص 291.

3. أحكام القرآن: ج 2، ص 10.


باعزازهم» (1) .

2 - حديث الامام الصادق عليه السلام قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: «لا ايمان لمن لا تقيّة له، فانّ الله يقول: ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) (2) ».

3 - شيخ الطائفة الطوسي، قال: ( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) فالتقيّة الاظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب للخوف على النفس إذا كان ما يبطنه هو الحق... والتقيّة عندنا واجبة عند الخوف على النفس، وقد روى رخصة في جواز الافصاح بالحق عندها (3) .

ومن أدلّة الكتاب على جواز التقيّة أيضاً قوله تعالى: ( وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) (4) حيث ان توصيفه بالايمان ومدحه بذلك مع بيان كتمان ايمانه ليس إلّا تقيّة من فرعون وطغيانه.

والذي يتخلّص من آي الكتاب أنّ القرآن الكريم الذي حكم على المنافق بالدرك الأسفل من النار هو بنفسه رخّص في التقيّة، وأجاز الاتقاء، فالتقيّة تكون جائزة بحكم كتاب الله تعالى.

__________________

1. تفسير كنز الدقائق: ج 3، ص 66.

2. تفسير العياشي: ج 1، ص 166.

3. تفسير التبيان: ج 2، ص 434.

4. سورة غافر (40)، الآية 28.


التقيّة في السنّة النبويّة

هناك أحاديث عديدة تبيّن تقيّة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله حتّى من بعض المسلمين، كما في حديث البخاري الآتي.

ومن المعلوم أنّ فعله صلى الله عليه وآله دليل على الحليّة اقلا، بل مقتضٍ للاقتداء والتأسّي، لأنّه القدوة والأُسوة.

ومن ذلك ما في أحاديث أهل السنة مثل:

1 - ما أخرجه البخاري في صحيحه:

بسنده عن عائشة: أنّ رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وآله، فلمّا رآه قال: «بئس أخو العشيرة وبئس ابن العشيرة».

فلمّا جلس تطلّق النبي صلى الله عليه وآله في وجهه وانبسط إليه.

فلمّا انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثمّ تطلّقت في وجهه وانبسطت إليه (1) !!

__________________

1. لا يخفى أنّ هذا اعتراض من عائشة على رسول الله صلى الله عليه وآله - الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلّا وحي يوحى - وليس هذا الاعتراض منها أو قارورةٍ كُسرت في الاسلام، وإن شئت فلاحظ أحاديث تجاسرها على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في مثل:

أ) حديث أحمد بن حنبل في مسنده: ج 4، ص 271، عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي فسمع صوت عائشة عالياً...

ب) حديث مالك بن أنس في الموطأ، باب صلاة الليل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة


فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «يا عائشة! متى عهدتني فحّاشاً؟»

إنّ شرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتّقاء شرّه» (1) .

ولا يخفى انه بقرينة قوله «أخو العشيرة» في متن الحديث أوّلاً.

وبقرينة كون رواية الحديث من عائشة - التي دخل بها النبي صلى الله عليه وآله في المدينة التي كانت - بلد المسلمين ثانياً.

بهاتين القرينتين يستفاد أنّ تقيّة صلوات الله عليه وآله كانت من مسلم لا من المشركين، ممّا تدلّ على انّ التقيّة تكون عامة، وليست خاصّة بالتقية من المشرك أو في بلد الشرك. وجاء في كتاب بالاسرار انه كان ذلك عبد الله بن أبي سلول [الأسرار فيما كنى وعرف به الأشرار: ج 2، ص 18].

ومثل هذا الحديث بل أصرح منه ومصرّح بالمداراة التي هي التقيّة حديث الحافظ أبي نعيم في حلية الأولياء (2) قال ما نصّة:

حدّثنا أبو بكر بن خلّاد، حدّثنا الحارث بن أبي أُسامة، حدّثنا الخليل ابن زكريا، حدّثنا هشام الدستوائي، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال المرادي، قال: كنّا مع النبي صلّى الله عليه [وآله] وسلّم - في سفر فأقبل رجل فيما نظر إليه رسول الله صلّى الله عليه و [آله] وسلّم قال: «بئس اخو العشيرة وبئس الرجل، فلمّأ دنا

__________________

أنها كانت تمدّ رجليها في قبلة رسول الله في صلاته.

ج) حديث النسائي في سننه، باب الغيرة والحسد أن صفية بنت عبد المطلب أهدت طعاماً إلى النبي فضربت عائشة على الاناء وكسرته.

د) حديث ابن ماجة في سننه، باب الحكم فيمن كسر شيئاً، روى أن حفصة سبقت عائشة فصنعت طعاماً للنبي فأكفئتها عائشة، فانكسرت القصعة، وانتشر الطعام.

1. صحيح البخاري: ج 7، ص 107، ح 6032، باب لم يكن النبي فاحشاً.

2. حلية الأولياء: ج 4، ص 191.


منه أدنى مجلسه، فلمّا قام وذهب، قالوا: يا رسول الله! حين أبصرته، قلت: بئس أخو العشيرة وبئس الرجل ثم أدنيت مجلسه، فقال رسول الله صلّى الله عليه و [آله] وسلّم: «إنّه منافق اداريه عن نفاقه فأخشى أن يفسد على غيره» (1) .

2 - ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره:

قال عند قوله تعالى في سورة المائدة: ( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) .

روى أنّ النبي صلى الله عليه وآله كان أيّام إقامته بمكة يُهاجر ببعض القرآن ويخفى بعضه اشفاقاً على نفسه من تسرّع المشركين إليه وإلى أصحابه.

فلمّا أعزّ الله الاسلام وأيّده بالمؤمنين قال له: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) أي لا تراقبنّ أحداً (2) .

يستفاد من هذا الحديث انّه صلوات الله عليه وآله كان يتقى باخفاء بعض الآيات وعدم التجاهر به اشفاقاً من المشركين، ولو كانت التقيّة نفاقاً لما اتّقى صلّى الله عليه وآله حتّى من المشركين.

3 - ما رواه مسلم في صحيحه:

روى في أنّ الاسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بُدأ.

عن حذيفة... قال: قلنا: يا رسول الله! أتخاف علينا ونحن بين الستمائة والسبعمائة؟

قال صلى الله عليه وآله: «انّكم لا تدرون لعلّكم أن تُبتلوا».

قال حذيفة: فابتلينا حتى جعل الرجل منّا يصلّي سرّاً (3) .

هذا نزر يسير ممّا جاء من طرق العامّة.

__________________

1. حلية الأولياء: ج 4، ص 191.

2. تفسير الفخر الرازي: ج 12، ص 41.

3. صحيح مسلم، ج 1، ص 131، كتاب الايمان، باب الاستسرار بالايمان للخائف.


وأمّا الأحاديث الواردة في تجويز التقيّة وفضيلتها من طرق الخاصّة؛ فهي فائقة على التواتر وقد اُشيد بها من قبل النبي الأكرم وجميع الأئمّة صلى الله عليه وآله بالتظافر، نختار جملة منها وهي:

1 - حديث عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: «اتّقوا على دينكم فأحجبوه بالتقيّة؛ فانه لا إيمان لمن لا تقيّة له، إنّما أنتم في الناس كالنحل في الطير، لو أنّ الطير تعلم ما في أجواف النحل ما بقي منها شيء إلّا أكلته، ولو أنّ الناس علموا ما في أجوافكم أنّكم تحبّونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم (1) في السرّ والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا» (2) .

2 - حديثحريز، عمّن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزّوجلّ: ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ) (3) قال: «التي هي أحسن التقيّة ( فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (4) .

3 - حديث هشام الكندي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

«إيّاكم أن تعملوا عملاً يعيّرونّا به فإنّ ولد السوء يعيّر والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً صلّوا في عشائركم (5) ، وعودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم، والله ما عبد الله بشيء أحب إليه من الخبء».

__________________

1. يقال نحل فلاناً أي سابّه، وفي بعض النسخ: نجلوكم؛ من قولهم، نجل فلاناً: ضربه بمقدم رجله.

2. أُصول الكافي: ج 2، ص 218، ح 5.

3. سورة فصلت، الآية 34.

4. أُصول الكافي: ج 2، ص 218، ح 6.

5. أي عشائركم الذين فيهم المخالفين لكم في الدين.


قلت: وما ألخبء؟ (1)

قال: «التقيّة» (2) .

4 - عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كان أبي عليه السلام يقول: وأيّ شيءٍ أقرّ لعيني من التقيّة، إنّ التقيّة جنّة المؤمن» (3) .

5 - حديث محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدّم، فإذا بلغ الدّم فليس تقيّة» (4) .

6 - حديث حريزٍ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال: «التقيّة ترس (5) الله بينه وبين خلقه» (6) .

7 - حديث إسماعيل الجعفي، ومعمّر بن يحيى بن سام، ومحمّد بن مسلم، وزرارة، قالوا: سمعنا أبا جعفرٍ عليه السلام يقول: «التقيّة في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له» (7) .

8 - الأحاديث الشريفة في تفسير الامام العسكري عليه السلام عن الأئمّة المعصومين عليهم السلام منها ما جاي في الوسائل: مجموعاً في باب واحد (8) الأحاديث الآتية:

__________________

1. الخبء: من الخباء والستر.

2. أُصول الكافي: ج 2، ص 219، ح 11.

3. أُصول الكافي: ج 2، ص 219، ح 14.

4. أُصول الكافي: ج 2، ص 219، ح 19.

5. التُرس هو المعدن الذي يحمله المحارب يتقي به ضربات العدو، يسمى بالفارسية (سپر)، فالتقيّة تمنع من البلايا النازلة.

6. أُصول الكافي: ج 2، ص 219، ح 19.

7. أُصول الكافي: ج 2، ص 219، ح 18.

8. لاحظ وسائل الشيعة: ج 11، ص 473، الباب الثامن والعشرين.


قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «مثل مؤمنٍ لا تقيّة له كمثل جسدٍ لا رأس له...» إلى أن قال: «وكذلك المؤمن إذا جهل حقوق إخوانه فإنّه يفوّت ثواب حقوقهم فكان كالعطشان يحضره الماء البارد فلم يشرب حتّى طغا، وبمنزلة ذي الحواسّ الصّحيحة لم يستعمل شيئاً منها لدفع مكروهٍ ولا لانتفاع محبوبٍ، فإذا هو سليبٌ كلّ نعمةٍ مبتلىً بكلّ آفة».

9 - قال وقال أمير المؤمنين عليه السلام: «التقيّة من أفضل أعمال المؤمن، يصون بها نفسه وإخوانه عن الفاجرين، وقضاء حقوق الإخوان أشرف أعمال المتّقين، يستجلب مودّة الملائكة المقرّبين وشوق الحور العين».

10 - قال: وقال الحسن بن عليٍ عليهما السلام: «إن التقيّة يصلح الله بها أمّةً لصاحبها مثل ثواب أعمالهم فإن تركها أهلك أمّةً تاركها شريك من أهلكهم، وإن معرفة حقوق الإخوان يحبب إلى الرّحمن ويعظّم الزّلفى لدى الملك الدّيّان وإنّّ ترك قضائها يمقت إلى الرّحمن ويصغّر الرّتبة عند الكريم المنّان».

11 - قال: قال الحسين بن عليٍ عليهما السلام: «لو لا التقيّة ما عرف وليّنا من عدوّنا، ولو لا معرفة حقوق الإخوان ما عرف من السّيّئات شيءٌ إلّا عوقب على جميعها».

12 - قال: وقال عليُّ بن الحسين عليهما السلام: «يغفر الله للمؤمن كلّ ذنبٍ ويطهّره منه في الدّنيا والآخرة ما خلا ذنبين: ترك التقيّة، وتضييع حقوق الإخوان».

13 - قال: وقال محمّد بن عليٍ عليهما السلام: «أشرف أخلاق الأئمّة والفاضلين من شيعتنا استعمال التقيّة وأخذ النّفس بحقوق الإخوان».

14 - قال: وقال جعفر بن محمّدٍ عليهما السلام: «استعمال التّقيّة بصيانة الإخوان، فإن كان هو يحمي الخائف فهو من أشرف خصال الكرم.

والمعرفة بحقوق الإخوان من أفضل الصّدقات والزّكاة والحجّ والمجاهدات».

15 - قال: وقال موسى بن جعفرٍ عليهما السلام لرجلٍ: «لو جعل إليك التّمنّي في الدّنيا ما كنت تتمنّى؟!».


قال: كنت أتمنّى أن أرزق التّقيّة في ديني، وقضاء حقوق إخواني.

فقال: «أحسنت؛ أعطوه ألفي درهم».

16 - قال: وقال رجلٌ للرّضا عليه السلام: سل لي ربّك التّقيّة الحسنة، والمعرفة بحقوق الإخوان، والعمل بما أعرف من ذلك.

فقال الرّضا عليه السلام: «قد أعطاك الله ذلك، لقد سألت أفضل شعار الصالحين ودثارهم».

17 - قال: وقيل لمحمّد بن عليٍ عليهما السلام: إنّه ضيّع حقّ أخ مؤمن، وترك التّقيّة فوجّه إليه فتاب».

18 - قال: وقيل لعليّ بن محمّدٍ عليهما السلام: من أكمل النّاس؟

قال: «أعملهم بالتّقيّة، وأقضاهم لحقوق إخوانه..».

إلى أن قال: في قوله تعالى: ( وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ ) .

قال: الرّحيم بعباده المؤمنين من شيعة آل محمّد، وسّع لهم في التّقيّة يجاهرون بإظهار موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه إذا قدروا، ويسرّون بها إذاعجزوا».

19 - ثمّ قال [الامام العسكري عليه السلام]: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ولو شاء لحرّم عليكم التّقيّة وأمركم بالصّبر على ما ينالكم من أعدائكم عند إظهاركم الحقّ.

ألا فأعظم فرائض الله عليكم بعد فرض موالاتنا ومعاداة أعدائكم استعمال التّقيّة على أنفسكم وأموالكم ومعارفكم، وقضاء حقوق أخوانكم.

وإن الله يغفر كلّ ذنبٍ بعد ذلك ولا يستقصي وأمّا هذان فقلّ من ينجو منهما إلّا بعد مسّ عذاب شديدٍ، إلّا أن يكون لهم مظالم على النّواصب والكفّار فيكون عقاب هذني على أُولئك الكفّار والنّواصب قصاصاً بما لكم عليه من الحقوق وما لهم إليكم من الظّلم.

فاتّقوا الله ولا تتعرّضوا لمقت الله بترك التّقيّة، والتّقصير في حقوق إخوانكم المؤمنين».

20 - حديث الامام المهدي عليه السلام قال عجّل الله فرجه الشريف: يا ابن المازيار! أبي


أبو محمّد عهد إليّ أن لا أجاور قوماً غضب الله عليهم ولهم الخزي في الدّنيا والآخرة ولهم عذابٌ أليمٌ.

وأمرني أن لا أسكن من الجبال إلّا وعرها ومن البلاد إلّا عفرها (1) .

والله مولاكم أظهر التّقيّة فوكلها بي (2) فأنا في التّقيّة إلى يوم يُؤذن لي فأخرج (3) .

21 - حديث الامام الصادق عليه السلام أنه قال: كان فيما أوصى به لقمان ابنه: يا بنيّ: ليكن فيما تتسلّح به على عدوّك وتصرعه المماسحة - أي التلطّف - وإعلان الرضا عنه، ولا تزاوله بالمجنابة فيبدو له ما في نفسك، فيتأهّب لك» (4) .

22 - حديث الأعمش عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: «استعمال التقية في دار التقية واجب، ولا حنث ولا كفارة على من حلف تقيّة، يدفع بذلك ظلماً عن نفسه» (5) .

23 - حديث الامام الهادي عن آبائه الطاهرين عن الامام الصادق عليهم السلام انه قال: «ليس منّا من لم يلزم التقية، ويصوننا عن سفلة الرعيّة» (6) .

24 - حديث الامام الصادق عليه السلام انه قال: «عليكم بالتقية، فانه ليس منّا من لم يجعله شعاره ودثاره مع من يأمنه، لتكون سجيته مع من يحذره» (7) .

25 - حديث الامام الرضا عليه السلام انه قال: «لا دين لمن لا ورع له ولا ايمان لمن لا تقية

__________________

1. أي البلاد الرمليّة، والأعفر هو الرمل الأحمر كما في مجمع البحرين: ص 285.

2. لاحظ بحث حكمة غيبة الامام المهدي عليه السلام والحكم الخمسة التي منها كراهة مجاورة الظالمين والتحفظ على النفس في كتاب الامام المنتظر من ولادته إلى دولته.

3. المختار: ج 3، ص 128.

4. بحار الأنوار: ج 75، ص 393، ب 87، ح 1.

5. بحار الأنوار: ج 75، ص 394، ب 87، ح 14.

6. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 395، ح 14.

7. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 395، ح 15.


له.. ان أكرمكم عند الله عزّوجلّ أعملكم بالتقية قبل خروج قائمنا، فمن تركها قبل خروج قائمنا فليس منّا» (1) .

26 - حديث الامام الصادق عليه السلام انه قال: «يا سفيان! عليك بالتّقيّة فإنّها سنّة إبراهيم الخليل عليه السلام.

وإنّ الله عزّوجلّ قال لموسى وهارون عليهما السلام: ( اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ) (2) يقول الله عزّوجلّ كنّياه وقولا له: يا أبا مصعبٍ!،إنّ رسول الله كان إذا أراد سفراً ورّى بغيره.

وقال عليه السلام أمرني ربّي بمداراة النّاس كما أمرني بأداء الفرائض، ولقد أدّبه الله عزّوجلّ بالتّقيّة فقال: ( وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ) (3) .

يا سفيان! من استعمل التّقيّة في دين الله فقد تسنّم الذّروة العليا من العزّ، إنّ عزّ المؤمن في حفظ لسانه، ومن لم يملك لسانه ندم (4) .

27 - حديث أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله عزّوجلّ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ) قال: «اصبروا على المصائب، وصابروهم على التّقيّة، ورابطوا على من تقتدون به ( وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (5) ». (6)

28 - حديث سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «يا سليمان! إنّكم على دينٍ

__________________

1. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 395، ح 16.

2. سورة طه: الآية 43 - 44.

3. سورة فصلت، الآية 34 - 35.

4. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 396، ح 18.

5. سورة آل عمران، الآية 200.

6. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 396، ح 19.


من كتمه أعزّه الله ومن أذاعه أذلّه الله» (1) .

29 - حديث هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: ( أُولَـٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا ) (2) .

30 - حديث حبيب بن بشير قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: «سمعت أبي يقول: لا والله ما على وجه الأرض شيء أحبّ إليّ من التّقيّة. يا حبيب! إنّه من كانت له تقيّة رفعه الله. يا حبيب! من لم تكن له تقيّة وضعه الله. يا حبيب! إن النّاس إنّما هم في هدنةٍ فلو قد كان ذلك كان هذا» (3) .

31 - حديث ثابت مولى آل جرير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: «كظم الغيظ عن العدوّ في دولاتهم تقية حزم لمن أخذ بها، وتحرّز من التعرّض للبلاء في الدّنيا» (4) .

32 - حديث عبد الله مسكان قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: «إنّي لأحسبك إذا شتم عليّ بين يديك لو تستطيع أن تأكل أنف شاتمه لفعلت».

فقلت: إي والله جعلت فداك إنّي لهكذا وأهل بيتي.

فقال لي: «فلا تفعل، فو الله لربّما سمعت من يشتم عليّاً، وما بيني وبينه إلّا أسطوانةً فأستتر بها، فإذا فرغت من صلاتي، فأمرّ به، فأُسلّم عليه، وأُصافحه» (5) .

33 - حديث تفسير الامام العسكري عليه السلام: أبو محمّد العسكريّ عليه السلام في تفسيره، في قوله تعالى: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) (6) قال الصّادق عليه السلام: «قولوا للنّاس كلّهم حسناً

__________________

1. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 397، ح 25.

2. سورة القصص، الآية 54.

3. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 398، ح 29.

4. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 399، ح 38.

5. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 399، ح 39.

6. سورة البقرة، الآية 83.


مؤمنهم ومخالفهم.

أمّا المؤمنون فيبسط لهم وجهه.

وأمّا المخالفون؛ فيكلّمهم بالمداراة لاجتذابهم إلى الإيمان فإن استتر من ذلك يكفّ شرورهم عن نفسه وعن إخوانه المؤمنين».

قال الإمام عليه السلام: «إنّ مداراة أعداء الله من أفضل صدقة المرء على نفسه وإخوانه، كان رسول الله صلى الله عليه وآله في منزله إذ استأذن عليه عبد الله بن أبي سلولٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله، بئس أخو العشيرة ائذنوا له..».

فأذنوا له فلمّا دخل أجلسه وبشر في وجهه.

فلمّا خرج قالت عائشة: يا رسول الله! قلت فيه ما قلت، وفعلت به من البشرٍ ما فعلت؟!

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله:

«يا عويش يا حميراء! إنّ شرّ النّاس عند الله يوم القيامة من يكرم اتّقاء شرّه.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام:

«إنّا لنبشر في وجوه قومٍ وإنّ قلوبنا لتقليهم، أولئك أعداء الله نتّقيهم على إخواننا وعلى أنفسنا».

وقالت فاطمة عليها السلام:

«بشرٌ في وجه المؤمن يوجب لصاحبه الجنّة، وبشرٌ في وجه المعاند يقي صاحبه عذاب النار».

وقال الحسن بن عليّ عليه السلام:

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنّ الأنبياء إنّما فضّلهم الله على خلقه بشدّة مداراتهم لأعداء دين الله، وحسن تقيّتهم لأجل إخوانهم في الله».

قال الزّهريّ: كان عليّ بن الحسين عليه السلام يقول:


«ما عرفت له صديقاً في السّرّ ولا عدوّاً في العلانية؛ لأنّه لا أحد يعرفه بفضائله الباهرة إلّا ولا يجد بدّاً من تعظيمه من شدّة مداراة عليّ بن الحسين عليهما السلام وحسن معاشرته إيّاه، وأخذه من التّقيّة بأحسنها وأجملها، ولا أحد وإن كان بريه المؤدّة في الظّاهر إلّا وهو يحسده في الباطن لتضاعف فضائله على فضائل الخلق».

وقال محمّد بن عليّ عليهما السلام:

«من أطاب الكلام مع موافقيه ليؤنسهم وبسط وجهه لمخالفيه ليأمنهم على نفسه وإخوانه فقد حوى من الخيرات والدّرجات العالية عند الله ما يقادر قدره غيره».

قال بعض المخالفين بحضرة الصّادق عليه السلام لرجلٍ من الشّيعة: ما تقول في العشرة من الصّحابة؟

قال: أقول فيهم الخير الجميل الّذي يحطّ الله به سيّئاتي ويرفع لي درجاتي.

قال السّائل: الحمد لله على ما أنقذني من بعضك، كنت أظنّك رافضيّا تبغض الصّحابة.

فقال الرّجل: ألا من أبغض واحداً من الصّحابة فعليه لعنة الله.

قال: لعلّك تتأوّل ما تقول فيمن أبغض العشرة؟

فقال: من أبغض العشرة فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.

فوثب فقبّل رأسه وقال: اجعلني في حلّ ممّا قذفتك به من الرّفض قبل اليوم.

قال: أنت في حلّ وأنت أخي.. ثمّ انصرف السّائل.

فقال له الصّادق عليه السلام: «جوّدت! لله درّك لقد أعجبت الملائكة من حسن توريتك، وتلفّظك بما خلّصك، ولم تثلم دينك، زادالله في مخالفينا غمّاً إلى غمٍّ وحجب عنهم مراد منتحلي مودّتنا في تقيّتهم».

فقال بعض أصحاب الصّادق عليه السلام: يا ابن رسول الله! ما عقلنا من كلام هذا إلّا موافقته لهذا المتعنّت النّاصب؟

فقال الصّادق عليه السلام: «لئن كنتم لم تفهموا ما عنى فقد فهمناه نحن وقد شكره الله له، إنّ


وليّنا الموالي لأوليائنا المعادي لأعدائنا إذا ابتلاه الله بمن يمتحنه من مخالفيه وفّقه لجوابٍ يسلم معه دينه وعرضه، ويعظم الله بالتّقيّة ثوابه.

إنّ صاحبكم هذا قال: من عاب واحداً منهم فعليه لعنة الله، أي من غاب واحداً منهم هو أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقال في الثّانية: من عابهم وشتمهم فعليه لعنة الله، وقد صدق لأنّ من عابهم فقد عاب عليّاً عليه السلام لأنّه أحدهم، فإذا لم يعب عليّاً ولم يذمّه فلم يعبهم، وإنّما عاب بعضهم.

ولقد كان لحزقيل المؤمن مع قوم فرعون الّذين وشوا به إلى فرعون مثل هذه التّورية، كان حزقيل يدعوهم إلى توحيد الله ونبوّة موسى وتفضيل محمّدٍ صلى الله عليه وآله على جميع رسل الله وخلقه، وتفضيل عليّ بن أبي طالب عليه السلام والخيار من الأئمّة على سائر أوصياء النبيّين وإلى البراءة من ربوبيّة فرعون.

فوشى به واشون إلى فرعون، وقالوا: إنّ حزقيل يدعو إلى مخالفتك ويعين أعداءك على مضادّتك.

فقال لهم فرعون: ابن عمّي وخليفتي على ملكي وولي عهدي؟ إن فعل ما قلتم فقد استحقّ العذاب على كفره نعمتي، فإن كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم أشدّ العقاب لإيثاركم الدّخول في مساءته.

فجاء بحزقيل وجاء بهم فكاشفوه وقالوا: أنت تجحد ربوبيّة فرعون عن الملك وتكفر نعماءه؟

فقال حزقيل: أيّها الملك هل جرّبت عليّ كذباً قطّ؟

قال: لا.

قال: فسلهم من ربّهم؟

فقالوا: فرعون.

قال: ومن خالقكم؟


قالوا: فرعون هذا.

قال: ومن رازقكم، الكافل لمعايشكم، والدّافع عنكم مكارهكم؟

قالوا: فرعون هذا.

قال حزقيل: أيّها الملك فأشهدك وكلّ من حضرك أنّ ربّهم هو ربّي، وخالقهم هو خالقي، ورازقهم هو رازقي، ومصلح معايشهم هو مصلح معايشي، لا ربّ لي ولا خالق ولا رازق غير ربّهم وخالقهم ورازقهم، وأشهدك ومن حضرك أنّ كلّ ربٍّ وخالقٍ ورازقٍ سوى ربّهم وخالقهم ورازقهم فأنا بريٌ منه ومن ربوبيّته وكافرٌ بإلهيّته.

يقول حزقيل هذا وهو يعني أنّ ربّهم هو الله ربّي، ولم يقل إن الّي قالوا إنّ ربّهم هو ربّي، وخفي هذا المعنى على فرعون ومن حضره وتوهّموا أنّه يقول: فرعون ربّي وخالقي ورازقي.

فقال هلم فرعون: يا رجال الشّرّ ويا طلّاب الفساد في ملكي ومريدي الفتنة بيني وبين ابن عمّي وهو عضدي أنتم المستحقّون لعذابي لإرادتكم فساد أمري، وهلاك ابن عمّي والفتّ في عضدي.. ثمّ أمر بالأوتاد فجعل في ساق كلّ واحدٍ منهم وتدٌ وفي صدره وتدٌ، وأمر أصحاب أمشاط الحديد فشقّوا بها لحومهم من أبدانهم، فذلك ما قال الله تعالى ( فَوَقَاهُ اللَّهُ ) يعني حزقيل ( سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ) (1) لمّا وشوا به إلى فرعون ليهلكوه وهم الّذين وشوا بحزقيل إليه لمّا أوتد فيهم الأوتاد ومشّط عن أبدانهم لحومها بالأمشاط.

قال رجلٌ من خواصّ الشّيعة لموسى بن جعفرٍ عليهما السلام وهو يرتعد بعد ما خلا به: يا ابن رسول الله! ما أخوفني أن يكون فلان ابن فلانٍ ينافقك في إظهاره واعتقاد وصيّتك وإمامتك.

__________________

1. سورة المؤمن، الآية 45.


فقال موسى عليه السلام: «وكيف ذاك؟».

قال: لأنّي حضرت معه اليوم في مجلس فلانٍ رجلٍ من كبار أهل بغداد فقال له صاحب المجلس، أنت تزعم أنّ مو سى بن جعفرٍ إمامٌ دون هذا الخليفة القاعد على سريره؟!

قال له صاحبك هذا، ما أقول هذا، بل أزعم أنّ موسى بن جعفرٍ غير إمام وإن لم أكن أعتقد أنّه غير إمامٍ فعليّ وعلى من لم يعتقد ذلك لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين.

قال له صاحب المجلس: جزاك الله خيراً ولعن من وشى بك.

فقال له موسى بن جعفرٍ عليهما السلام: «ليس كما ظننت، ولكنّ صاحبك أفقه منك إنّما قال موسى غير إمامٍ.. أي إنّ الّذي هو غير إمامٍ فموسى غيره فهو إذاً إمامٌ، فإنّما أثبت بقوله هذا إمامتي ونفى إمامة غيري.

يا عبد الله! متى يزول عنك هذا الّذي ظننته بأخيك هذا من النّفاق تب إلى الله».

ففهم الرّجل ما قاله واغتمّ: «وقال يا ابن رسول الله! ما لي مالٌ فأُرضيه به ولكن قد وهبت له شطر عملي كلّه من تعبّدي وصلاتي عليكم أهل البيت، ومن لعنتي لأعدائكم.

قال موسى عليه السلام: «الآن خرجت من النّار».

قال: وكنّا عند أبي الحسن الرّضا عليه السلام فدخل رجلٌ فقال له: يا ابن رسول الله! لقد رأيت اليوم شيئاً عجبت منه.

«قال وما هو؟».

قال رجلٌ كان معنا يظهر لنا أنّه من الموالين لآل محمّدٍ المتبرّين من أعدائهم، فرأيته اليوم وعليه ثيابٌ قد خلعت عليه وهو ذا يطاف به ببغداد وينادي المنادي بين يديه: معاشر النّاس! اسمعوا توبة هذا الرّافضيّ! ثمّ يقولون له قل: فيقول: خير النّاس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبا بكرٍ.

فإذا قال ذلك ضجّوا وقالوا: قد تاب وفضّل أبا بكرٍ على عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام.


فقال الرّضا عليه السلام: «إذا خلوت فأعد عليّ هذا الحديث». فلمّا خلا أعاد عليه فقال له: «إنّما لم أفسّر لك معنى كلام الرّجل بحضرة هذا الخلق المنكوس كراهة أن ينقل إليهم فيعرفوه ويؤذوه، لم يقل الرّجل خير النّاس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله أبو بكرٍ فيكون قد فضّل أبا بكرٍ على عليّ بن أبي طالبٍ عليه السلام ولكن قال: خير النّاس بعد رسول الله أبا بكرٍ، فجعله نداءً لأبي بكرٍ ليرضى من يمشي بين يديه من بعض هؤلاء الجهلة ليتوارى من شرورهم.

إنّ الله تعالى جعل هذه التّورية ممّا رحم بها شيعتنا ومحبّينا.

وقال رجلٌ لمحمّد بن عليٍّ عليهما السلام: يا ابن رسول الله! ممرت اليوم بالكرخ فقالوا: هذا نديم محمّد بن عليٍّ إمام الرّفضة فاسألوه من خير النّاس بعد رسول الله، فإن قال: عليٌّ، فاقتلوه وإن قال: أبو بكرٍ، فدعوه، فانثال عليّ منهم خلقٌ عظيمٌ وقالوا لي: من خير النّاس بعد رسول الله؟

فقلت مجيباً: أخير النّاس بعد رسول الله أبو بكرٍ وعمر وعثمان، وسكتُّ ولم أذكر عليّاً.

فقال بعضهم: قد زاد علينا نحن نقول ها هنا: وعليٌّ.

فقلت: في هذا نظرٌ لا أقول هذا.

فقالوا بينهم: إنّ هذا أشدّ تعصّباً للسّنّة منّا قد غلظنا عليه، ونجوت بهذا منهم، فهل عليّ - يا ابن رسول الله - في هذا حرجٌ؟ وإنّما أردت أخير النّاس؛ أي أهو خيرٌ؟ استفهاماً لا إخباراً.

فقال محمّد بن عليّ عليهما السلام: «قد شكّر الله لك بجوابك هذا لهم وكتب لك أجره وأثبته لك في الكتاب الحكيم، وأوجب لك بكلّ حرفٍ من حروف ألفاظك بجوابك هذا لهم ما تعجز عنه أمانيّ المتمنّين، ولا يبلغه آمال الآملين».

قال: وجاء رجلٌ إلى عليّ بن محمّد عليهما السلام فقال: يا ابن رسول الله! بليت اليوم بقومٍ من عوامّ البلد أخذوني وقالوا: أنت لا تقول بإمامة أبي بكر بن أبي قحافة؟ فخفتهم - يا ابن


رسول الله! وأردت أن أقول: بلى، أقولها للتّقيّة.

فقال لي بعضهم ووضع يده على فيّ وقال: أنت لا تتكلّم إلّا بمخرقةٍ أجب عمّا أُلقّنك.

قلت: قل.

فقال لي: أتقول إنّ أبا بكر بن أبي قحافة هو الإمام بعد رسول الله إمام حق عدل ولم يكن لعليّ في الإمامة حقٌّ البتّة؟

فقلت: نعم، وأُريد نعماً من الأنعام الإبل والبقر والغنم.

فقال: لا أقنع بهذا حتّى تحلف قل: والله الّذي لا إله إلّا هو الطّالب الغالب المدرك المهلك يعلم من السّرّ ما يعلم من العلانية.

فقلت: نعم، وأُريد نعماً من الأنعام.

فقال: لا أقنع منك إلّا بأن تقول أبو بكر بن أبي قحافة هو الإمام، والله الّذي لا إله إلّا هو.. وساق اليمين.

فقلت: أبو بكر بن أبي قحافة إمامٌ - أي هو إمام من ائتمّ به واتّخذه إماماً - والله الّذي لا إله إلّا هو.. ومضيت في صفات الله فقنعوا بهذا منّي وجزوني خيراً، ونجوت منهم.. فكيف حالي عند الله؟

قال: «خير حالٍ، قد أوجب الله لك مرافقتنا في أعلى علّيّين لحسن يقينك».

قال أبو يعقوب وعليّ: حضرنا عند الحسن بن عليّ - أبي القائم عليهم السلام - فقال له بعض أصحابه: جاءني رجلٌ من إخواننا الشّيعة قد امتحن بجهّال العامّة يمتحنونه في الإمامة، أثخنوني ضرباً، فإذا قلت: نعم.

قالوا لي: قل والله.

قلت فإذا قلت لهم نعم..


تريد به نعماً من الأنعام الإبل والبقر والغنم، وقلت: فإذا قالوا: قل والله! فقل: والله..

أي وليّي تريد في أمر كذا فإنّهم لا يميّزون وقد سلمت.

فقال لي: فإن حقّقوا عليّ وقالوا: قل والله وبيّن الهاء؟ فقلت: قل: والله برفع الهاء فإنّه لا يكون يميناً إذا لم تخفض فذهب.

ثمّ رجع إليّ فقال: عرضوا عليّ وحلّفوني فقلت كما لقّتني.

فقال له الحسن عليه السلام: أنت كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الدّالّ على الخير كفاعله، لقد كتب الله لصاحبك بتقيّة بعدد كلّ من استعمل التّقيّة من شيعتنا وموالينا ومحبّينا حسنةً وبعدد كلّ من ترك التّقيّة منهم حسنةً أدناها حسنةً لو قوبل بها ذنوب مائة سنةٍ لغفرت، ولك بإرشادك إيّاه مثل ما له» (1) .

34 - حديث الشيخ الصدوق عن الامام الصادق عليه السلام أنه قال: «ليس من شيعة عليّ من لا يتّقي» (2) .

35 - قال فتى للامام الرضا عليه السلام:

سل لي ربّك التّقيّة الحسنة، والمعرفة بحقوق الإخوان، والعمل بما أعرف من ذلك.

فقال الإمام الرضا عليه السلام: «قد أعطاك الله ذلك؛ لقد سألت أفضل شعار الصّالحين ودثارهم» (3) .

36 - حديث الامام العسكري عليه السلام، عن آبائه الطاهرين عليهم السلام، عن أمير المؤمنين عليه السلام انه قال لليوناني الذي أراه المعجزات الباهرات بعد ما أسلم في جملة ما قال: «وآمرك أن

__________________

1. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 401، نقلاً عن التفسير المنسوب للامام العسكري عليه السلام: ص 145.

2. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 412، ح 61.

3. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 416، ح 68.


تستعمل التقية في دينك...» (1) .

37 - حديث عبد الحميد بن أبي الدّيلم، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنّه قال: «إنّ قابيل أتى هبة الله عليه السلام فقال: إنّ أبي قد أعطاك العلم الذي كان عنده، وأنا كنت أكبر منك، وأحقّ به منك، ولكن قتلت ابنه فغضب عليّ، فآثرك بذلك العلم عليّ.

وإنّك والله إن ذكرت شيئاً ممّا عندك من العلم الّذي ورّثك أبوك لتتكبّر به عليّ ولتفتخر عليّ لأقتلنّك كما قتلت أخاك.. فاستخفي هبة الله بما عنده من العلم لتقتضي دولة قابيل.. ولذلك يسعنا في قومنا التّقيّة لأنّ لنا في ولد آدم أُسوةً» (2) .

38 - حديث أبي بصير عن الامام الصادق عليه السلام أنّه قال: «التّقيّة من دين الله».

قلت: من دين الله؟!

قال: «إي والله من دين الله. ولقد قال يوسف: أيّتها العير إنّكم لسارقون، والله ما كانوا سرقوا شيئاً. ولقد قال إبراهيم: إنّي سقيمٌ، والله ما كان سقيماً» (3) .

339 - حديث درست الواسطي، عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: «ما بلغت تقيّة أحدٍ تقيّة أصحاب الكهف، إن كانوا ليشهدون الأعياد، ويشدّون الزّنانير (4) فأعطاهم الله أجرهم مرّتين» (5) .

40 - حديث عبد الله بن سنان، عن الامام الصادق عليه السلام أنّه قال: «أمرني ربّي بمداراة النّاس كما أمرني بأداء الفرائض» (6) .

__________________

1. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 418، ح 73.

2. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 419، ح 74.

3. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 425، ح 83.

4. الزنانير: جمع زنّار وهو ما يشدّه النصارى على وسطهم.

5. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 429، ح 88.

6. بحار الأنوار: ج 75، ب 87، ص 440، ح 107.


وعلى الجملة؛ فإن ملاحظة تظافر الأدلّة الروائيّة من الفريقين على مشروعية التقيّة في البين، بل لزومها عند حفظ النفس المحترمة وأهميتها في الشريعة المكرمة، من حي تأثيرها في حفظ الدين، وبقاء المتدينين، واستمرار الشرع المبين، ولأجل هذه الأهميّة ورد حديث أبي عمرو الأعجمي انه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «يا أبا عمرو! إنّ تسعة أعشار الدّين في التّقيّة، ولا دين لمن لا تقيّة له» (1) .

قال العلّامة المجلسي في بيانه لهذا الحديث: كأنّ المعنى أن ثواب التقية في زماننا تسعة أضعاف سائر الأعمال (2) .

وبتعبير آخر: إنّ ثواب الأعمال المتدينين يُضاعف بعشرة أضعاف العمل، فان من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وثواب عمل التقية مضاعفٌ تسعة أعشار ذلك الثواب من جهة شدّة التقية وصعوبتها، ومضاضتها والصبر عليها، ومرارة تحملها.

وعليه؛ فليس المعنى أنّ التقيّة تسعة أعشار الدين حتى يستغرب من هذه ال نسبة ويقال بأنّه أين الصلاة والصوم والحج من الدين؟

بل المعنى أن ثواب عمل التقية تسعة أعشار ثواب الأعمال.

لذلك عبّر الامام عليه السلام بأن تسعة أعشار الدين في التقيّة ولم يقل: التقية تسعة أعشار الدين.

__________________

1. أُصول الكافي: ج 2، ص 217، ح 2.

2. بحار الأنوار: ج 75، ص 423.


التقية في سيرة الصحابة

بعد سبر أدلّة التقيّة الواضحة وسنة يلزمنا ملاحظة جملة كلمات أعلام العامّة ومنقولاتهم من أن التقيّة بصورة شاملة كانت موجودة في سيرة الصحابة وتصريحاتهم المفيدة لذلك، ومن جملتها:

ما جاء في صحيح البخاري: من قوله: (باب المداراة مع الناس..) ويُذكر عن أبي الدرداء: - إنّا لنكشر (1) في وجوه أقوام، وإنّ قلوبنا لتلعنهم..! (2) .

ويستفاد خصوصاً بكلمة (إنّا) المفيدة للجمع، وكلمة (نكشر) بصيغة المضارع المفيدة للاستمرار: أنّ هذه التقية كانت لجميع الأصحاب ومستمرة فيهم، وأبو الدرداء ممّن يشار إليه بالبنان من بين الصحابة (3) .

2 - ما في صحيح البخاري أيضاً: بسنده عن أبي هريرة قال: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (4) .

وقال القسطلاني في شرح كلام أبي هريرة هذا ما نصّه: الوعاء الذي لم يبثثه: الأحاديث التي فيها أسامي أمراء السوء وأحوالهم، وزمنهم، ولم يصرّح بهم خوفاً على نفسه.

وهل هذا إلّا التقيّة من أبي هريرة الذي هو مقبول عند العامة (5) .

3 - ما في كنز العمال: عن بجالة، قال: قلت لعمران بن الحصين: حدّثني عن أبغض

__________________

1. الكشر: الابتسامة التي تظهر معها الأسنان.

2. صحيح البخاري: ج 7، كتاب الأدب، ص 133، ب 82.

3. لاحظ حاله في سير أعلام النبلاء: ج 2، ص 335 - 353، برقم 68، واسد الغابة: ج 6، ص 97، والاستيعاب: ج 4، ص 1646.. وغيرها، وهو: عويمر بن زيد بن قيس، ويقال: عويمر بن عامر.. وقيل غير ذلك.

4. صحيح البخاري: ج 1، ص 48، كتاب العلم، باب حفظ العلم، ح 120.

5. إرشاد الساري: ج 1، ص 212.


الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.

قال: تكتم عليّ حتّى أموت؟!

قال: نعم.

قال: بنو أُميّة، وثقيف، وبنو حنيفة (1) .

4 - ما في كنز العمال أيضاً: عن نافع أنّ رجلاً سأل ابن عمر عن متعة النساء؟ فقال: هي حرام.

فقال له: ابن عباس يفتى بها، فقال ابن عمر: أفلا تزمزم - أي حرّك شفتيه - بها في زمن عمر، لو أخذ فيها أحدٌ لرجمه (2) .

5 - ما رواه ابن أبي الحديد المعتزلي: الحديث الذي يفيد تقيّة ابن عبّاس وابن مسعود، بل تقيّة ومجاملة عمر لأبي بكر حيث أنّ بيعته كانت فلتة وقا الله المسلمين شرّها كما اعترف به، ومع ذلك كان يعاشره بالتعظيم والاطاعة والمجاملة.

قال ابن أبي الحديد في نص حديثه: وروى الهيثم بن عدي - أيضا - عن مجالد بن سعيد، قال: غدوت يوما إلى الشعبي وإنّما أريد أن أسأله عن شيء بلغني عن ابن مسعود أنّه كان يقول.. فأتيته في مسجد حيّه - وفي المسجد قوم ينتظرونه - فخرج، فتقرّبت إليه، وقلت: أصلحك الله كان ابن مسعود يقول: ما كنت محدّثاً قوما حديثا لا يبلغه عقولهم إلّا كان لبعضهم فتنة؟

قال: نعم، قد كان ابن مسعود يقول ذلك. وكان ابن عباس يقوله - أيضا - وكان عند ابن عباس دفائن علم يعطيها أهلها، ويصرفها عن غيرهم..

فبينا نحن كذلك إذ أقبل رجل من الأزد فجلس إلينا فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر،

__________________

1. كنز العمال: ج 11، كتاب الفتى، ص 274، ح 31500.

2. كنز العمال: ج 16، ص 521، كتاب المتقدم، ح 45723.


فضحك الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضبّ - أي حقد - على أبي بكر. فقال الأزدي: والله ما رأينا ولا سمعنا برجل قطّ كان أسلس قيادا لرجل ولا أقول بالجميل فيه من عمر في أبي بكر.

فأقبل عليّ الشعبي فقال: هذا ممّا سألت عنه.

ثم أقبل على الرجل فقال: يا أخا الأزد! كيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرّها! أترى عدوّا يقول في عدوّ يريد أن يهدم ما بنى لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي بكر؟!

فقال الرجل: سبحان الله يا أبا عمرو! وأنت تقول ذلك.

فقال الشعبي: أنا أقوله، قاله عمر بن الخطاب على رءوس الأشهاد، فلمه أودع، فنهض الرجل مغضبا وهو يهمهم بشيء لم أفهمه (1) .

وهذه الكلمات تكشف بوضوح عن أنّ المداراة والمصانعة والتقية كانت سيرة الصحابة مع من ظاهره الاسلام وفي بلد المسلمين.

فهل بعد هذا تكون التقيّة محرماً، وبالرغم من وجودها في سيرة الصحابة المرضيّة عندهم وكالنجوم لديهم؟!

__________________

1. شرح النهج: ج 2، ص 29.


التقيّة في أقوال وأفعال علماء المذاهب

علماء العامّة ومشايخهم قائلون بالتقيّة وعاملون بها، حتّى أصحاب المذاهب الأربعة الذين هم الأعلامهم في الأحكام، وقدوتهم في المرام، ومن ذلك ما نستعرضه خلال عرض مجمل عن حالات بعض رؤوسهم أو رؤساءهم:

تقيّة أبي حنيفة

قال الزمخشري: كان أبو حنيفة يُفتي سرّاً بوجوب نصرة زيد بن علي رضوان الله عليهما، وحمل المال إليه، والخروج معه على اللص المتغلب المسمّى بـ: الامام والخليفة الدوانيقي.. وأشباهه (1) .

قال الخطيب البغدادي: عن سفيان بن وكيع قال: جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا فقال: سمعت أبي - حماد - يقول: بعث ابن أبي ليلى إلى - والدي - أبي حنيفة فسأله عن القرآن؟

فقال: مخلوق.

فقال ابن أبي ليلى: تتوب، وإلّا أقدمت عليك.

قال: فتابعه، فقال: القرآن كلام الله.

قال: فدار به الخلق يخبرهم أنه قد تاب من قوله القرآن مخلوق.

__________________

1. تفسير الكشّاف: ج 1، ص 184.


فقال أبي - حمّاد - فقلت لأبي حنيفة: كيف إلى هذا وتابعته؟

قال: يا بُنيّ! خفت أن يقدّم علييّ، فأعطيته التقيّة (1) .

وهذا تصريح من أبي حنيفة بعمله بالتقية.

تقيّة مالك بن أنس

إنّ مالك بن أنس كان يأتي المسجد، ويشهد الصلاة والجمعة والجنازة، ويعود المرضى، ويقضي الحقوق، ويجلس في المسجد، ثمّ ترك ذلك كلّه، وكان ربّما قيل له في ذلك؟

فيقول: ليس كلّ الناس يقدر أن يتكلّم بعذره (2) .

وهذا يفيد كتمان عذره تقية.

وقال الذهبي: إنّ مالك بن أنس لم يكن يروي عن جعفر بن محمد حتّى ظهر أمر بني العبّاس (3) .

وهذا يفيد انّه إمّا كان يتقى من بني أُميّة فيترك الحديث عن الامام الصادق عليه السلام، أو كان يتقى من بني العبّاس فيروي عن الامام الصادق عليه السلام لأنّه كبير بني هاشم الذين منهم بنو العباس.

تقيّة الشافعي

ذكر أبو نعيم: إنّ الشافعي كان من أصحاب عبد الله بن الحسن (4) وقائلاً بامامته

__________________

1. تاريخ بغداد: ج 13، ص 379.

2. وفيات الأعيان: ج 4، ص 136.

3. ميزان الاعتدال: ج 1، ص 414.

4. وهو عبد الله بن الحسن المحض الذي تلاحظ حاله في السفينة: ج 6، ص 54.


ومنشداً الشعر في أهل البيت عليهم السلام، وأنّه أسر لذلك وقُدّم الى الرشيد.

فلمّا جاءه سلّم عليه بإمرة المؤمنين تقيةً، ودرأ عن نفسه القتل (1) .

تقيّة أحمد بن حنبل

كتب السيوطي يقول: في محنة الناس زمن المأمون العباسي بقدم القرآن الكريم، أخاف أحمد بن حنبل وآخرين من العلماء، فأجابوه إلى ذلك تقية قال:

كتب المأمون إليه - نائبه - أيضاً في أشخاص سبعة أنفس، وهم: محمد بن سعد كاتب الواقدي، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وأبو مسلم مستحلى يزيد بن هارون، واسماعيل ابن داود، واسماعيل بن أبي مسعود، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، فأشخصوا إليه، فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه، فردّهم من الرقة إلى بغداد.

وسبب طلبهم أنّهم توقفوا أوّلاً، ثمّ أجابوه تقية...

ثمّ قال لأحمد بن حنبل: ما تقول؟

قال: كلام الله.

قال: أمخلوق هو؟

قال: هو كلام الله لا أزيد على هذا (2) .

__________________

ومن شعر الشافعي في أهل البيت عليهم السلام:

يا راكباً قف بالمحصّب من منى

واهتف بساكن خيفها والناهض

إن كان رفضاً حبُّ آل محمّد

فليشهد الثقلان أني رافضي (أ)

(أ) - بحار الأنوار: ج 23، ص 234، الباب 13 والصراط المستقيم: ج 1، ص 190، الفصل الحادي عشر.

1. حلية الأولياء: ج 9، ص 84.

2. تاريخ الخلفاء: ص 309، الطبعة الثالثة.


هذا ما عليه أعلام المذاهب في التقيّة عملاً. وذهب إليه علماؤهم الآخرون أيضاً في كلماتهم.

حكى السيوطي عن الحسن أنّه قال: التقيّة جائزة إلى يوم القيامة (1) .

وقال القسطلاني: انها - أي التقيّة - ثابتة إلى يوم القيامة (2) .

وقال الفخر الرازي عند قوله تعالى في سورة المائدة ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ ) إنّ الآية دلّت على أنّ التقيّة جائزة عند الخوف (3) .

وقال أبو الهذيل العلّاف: إن المكره إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن يكذب ويكون وزر الكذب موضوعاً عنه (4) .

وقال الغزالي: إنّ عصمة دم المسلم واجبة، فمهما كان القصد سفك دم مسلم فالكذب فيه واجب (5) .

وقد عرفت فيما تقدّم أنّ تقيّة ومداراة أئمّة المذاهب الأربعة كانت من المسلمين لا المشركين.

كما وإن كلماتهم الأخيرة في جواز التقيّة مطلقة غير مقيّدة بالمشرك أو ببلد الشرك.

وكيف يممكن تقييد ببلد الشرك، ولا يبقى الشرك إلى يوم القيامة، بل سيظهر الدين الحق على جميع الأديان قبل يوم القيامة بصريح قوله عزّ اسمه:

( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (6) .

__________________

1. الدرّ المنثور: ج 2، ص 16.

2. إرشاد الساري: ج 8، ص 14.

3. التفسير الكبير: ج 11، ص 137.

4. الانتصار للخياط: ج 8، ص 128.

5. احياء العلوم: ج 3، ص 119.

6. سورة التوبة (9)، الآية 33.


التقية في حكم العقل والفطرة

من ضرورة العقول وبديهيّاتها الحكم بحفظ النفس عن المهالك، والتحذّر عن المخاطر.

ولا شك بحكم العقل بحسنه بل لزومه كرامةً للانسان، وتكريماً لنبي آدم، واحتراماً لذي النفس المحترمة.

بل إن فطرة الإنسان، وغريزة طبيعته مجبولة على حفظ النفس والدفاع عنها، وصيانتها عمّا يضرّها ويُهلكها.

وهذا ما يدركه جميع الناس بجميع فئاتهم وطبقاتهم، وبجميع أديانهم ومذاهبهم.

ولذلك قال النووي: لا مبالات باثبات التقية وجوازها وإنّما تكره عامّة الناس لفظها لكونها من معتقدات الشيعة وإلّا فالعالم مجبول على استعمالها، وبعضهم يسمّيها (مداراة) وبعضهم يسمّيها (مصانعة) وبعضهم يسمّيها (عقلاً معاشيّاً)، ودلّ عليها الشرع (1) .

نعم قد يهون بذل النفس، بل يحسّن العقل الفداء والتضحية إذا كان بذل النفس في سبيل الشرف، وصيانة الحق، وحفظ الدين، واستقامة الاسلام، واستئصال الجور والباطل، كما يدركه العقل ويلمسه جميع ذوي العقول في تضحية شهداء كربلاء وسيّدهم الامام الحسين عليه السلام الذي ضحّى بنفسه ليستنقذ عباد الله من الجهالة وحيرة الضلالة، وليُحيي كتاب الله ودين رسول الله صلى الله عليه وآله، وليأمر بالمعروف وينهي عن المنكر،

__________________

1. شرح الأربعين النووية: ص 36.


ويقيم العدل ويمحو الظلم في العباد والبلاد.

وكذلك شهداء مرج عذراء حجر بن عدي الكندي وأصحابه الذين فتك بهم معاوية عداء للدين، وكذلك ميثم التمّار ونظائره الذي شنقهم ابن زياد حقداً على الحق، فانهم حفظوا بشهادتهم الدين، وأقاموا بتفدياتهم الحق وعلّموا الانسان الصمود في احقاق الحق وابطال الباطل، ولم يكن هناك سبيل إلى التقية، وقد مرّ ذكرهم.

والحاصل أنّ العقل يحكم بداهةً بلزوم حفظ النفس بالتقيّة إذا كانت تذهب هدراً عند ترك التقيّة.

فالتقيّة إذاً ممّا قامت عليها الأدلّة القطعيّة، وساندها الدليل الشرعي والبرهان العقلي واستقلّها الفطرة السلمية، والجبلّة الانسانيّة.

كلمةٌ لابدّ منها:

بعد التعرّف على الدراسة المتقدّمة نعرف أنّ علماء الشيعة الأبرار لاحظوا في التقيّة خصوصيّات الموارد، واختلاف المقامات، فأعطوا كلّ مقام حقّه، وحكموا في كلّ موردٍ بما يناسبه من الحكم الشرعي الاتقائي أو الجهادي.

وعلى هذا الصعيد الحكيم لم يقولوا بالتقيّة في كلّ مقام، بل عملوا بالتقيّة في الموارد التي تستوجبها كما لو لزم منها حفظ، كمورد حفظ النفس عن التلف، وحفظ العرض عمّا ينافي الشرك.. ونحو ذلك.

لذلك فاخبار الصلاة معهم واردة مورد وجود الضرر والخوف بتركها.

كما يظهر ذلك في حديثها المشتمل على حصول المذلة في حال ترك مخالطتهم والصلاة معهم، ففي حديث عبد الله بن سنان عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: اوصيكم بتقوى الله ولا تحملوا الناس على أكتافهم فتذلّوا، إنّ الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ( وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ) .


ثمّ قال: عودوا مرضاهم، واشهدوا جنائزهم، واشهدوا لهم وعليهم، وصلّوا معهم في مساجدهم.

ثمّ قال: أيّ شيء أشدّ على قوم يزعمون أنّهم يأتمّون بقوم، فيأمرونهم وينهونهم فلا يقبلون منهم، ويذيعون حديثهم عند عدوّهم، فيأتي عدوّهم إلينا فيقولون لنا: انّ قوماً يقولون ويروون عنكم كذا وكذا، فنحن نقول: إنّا بُراء ممّن يقول هذا، فيقع عليهم البراءة (1) .

وهذا الحديث ظاهر في حصول المذلّة والضرر في ترك المخالطة والصلاة، وهو موضوع التقيّة.

فاذا لم يكن هذا المحذور فلا مجال للتقيّة بحال.

بل وقع النهي عن الصلاة خلفهم كما في حديث اسماعيل الجعفي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: رجل يحبّ أمير المؤمنين، ولا يتبرّأ من عدوّه، ويقول هو أحبّ إليّ ممّن خالفه؟

قال عليه السلام: هذا مخلّط، وهو عدو، فلا تصلّ وراءه، ولا كرامة إلّا أن تتّقيه (2) .

وعلى الجملة؛ فالتقيّة تدور مدار موضوعها يعني الخوف والضرر وجوداً وعدماً، كما عليه الدليل الشرعي من أئمّتنا المعصومين، سلام الله عليهم أجمعين، وما أفتى به من فقهائنا المعظّمين.

فأجازوا التقيّة عند تحقّق موضوعها ورخّصوا في المداراة مع وجود مجراها، استناداً إلى الأدلّة الشرعيّة من الكتاب والسنّة، واحتجاجاً بما صحّ من البراهين والأدلّة.

لذلك ترى أعلام الشيعة لم يُطلقوا القول بوجوب التقيّة، بل فصّلوا في حكمها بحسب

__________________

1. المحاسن: ج 1، ص 18.

2. التهذيب: ج 3، ص 38.


موارها ومجاريها..

ومن ذلك ما قاله شيخ الشيعة المفيد قدس سره: إن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس، وقد تجوز في حال دون حال للخوف على المال ولضروب من الاستصلاح.

وأقول إنها قد تجب أحياناً وتكون فرضا، وتجوز أحيانا من غير وجوب، وتكون في وقت أفضل من تركها، ويكون تركها أفضل وإن كان فاعلها معذورا ومعفوا عنه متفضلا عليه بترك اللوم عليها.

وأقول، إنها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح، وليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمنين ولا فيما يعلم أو يغلب أنه استفساد في الدين (1) .

وقال الشيخ المظفّر قدس سره: وللتقيّة أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها، بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيّة.

ثمّ قال: وليست هي بواجبة على كلّ حال، بل قد يجوز أو يجب خلافها في بعض الأحوال، كما إذا كان في إظهار الحق والتظاهر به نصرة للدين وخدمة للاسلام، وجهاد في سبيله؛ فانه عند ذلك يُستهان باأموال ولا تعزّ النفوس.

وقد تحرم التقيّة في الأعمال التي تستوجب قتل النفوس المحترمة، أو رواجاً للباطل، أو فساداً في الدين، أو ضرراً بالغاً على المسلمين باضلالهم أو إفشاء الظلم فيهم (2) .

وقال السيّد هبة الدين الشهرستاني: المراد من التقيّة اخفاء أمر ديني لخوف الضرر من إظهاره، والتقيّة بهذا المعنى شعار كلّ ضعيف مسلوب الحريّة.

__________________

1. أوائل المقالات: ص 118.

2. عقائد الاماميّة: ص 87.


إلّا أنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقيّة أكثر من غيرها لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أيّ أُمّة أُخرى، فكانت مسلوبة الحريّة في عهد الدولة الأمويّة كلّه، وفي عهد العباسيّين على طوله، وفي أكثر أيّام الدولة العثمانيّة، ولأجله استشعروا بشعار التقيّة أكثر من أيّ قوم.

ولمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهم من الاعتقادات في أُصول الدين، وفي كثير من العمليّات الفقهيّة وتستجلب المخالفة (بالطبع) رقابة وحزازة في النفوس، وقد يجر إلى اضطهاد أقوى الحزبين لاضعفه، أو اخراج الأعزّ منهما الأذلّ، كما يتلوه علينا التاريخ وتصدقه التجارب، لذلك أضحت شيعة الأئمّة من آل البيت [عليهم السلام] تضطرّ في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختصّ به نم عادة، أو عقيدة، أو فتوى، أو كتاب.. أو غير ذلك.

تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس والمحافظة على الوداد والاخوة مع سائر اخوانهم المسلمين لئلّا تنشقّ عصا الطاعة ولكيلا يحسّ الكفّار بوجود اختلاف ما في الجامعة الاسلاميّة فيوسّعوا الخلاف بين الأمة المحمّديّة.

لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقيّة، وتحافظ على وفاتها في الظواهر مع الطوائف الاخرى، متّبعة في ذلك سيرة الأئمّة من آل محمّد عليهم السلام وأحكامهم الصارمة (1) .

بل الدليل الشرعي المبيح للتقيّة بنفسه جعل للتقيّة مواضع لا تستقيم في غيرها كما تلاحظه في مثل:

1 - حديث مسعدة بنب صدقة عن الامام الصادق عليه السلام انه قال: «للتقيّة مواضع، من أزالها عن مواضعها لم تستقم له».

وتفسير ما يُتّقى؛ مثل أن يكون قوم سوءٍ ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحق

__________________

1. مجلة المرشد: ج 3، ص 254.


وفعله فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدّي إلى الفساد في الدين فانه جائز (1) .

2 - حديث الطبرسي عن الامام العسكري عليه السلام: أنّ الامام الرضا عليه السلام جفا جماعة من الشيعة وحجبهم، فقالوا: يابن رسول الله! ما هذا الجفاء العظيم والاستخفاف بعد الحجاب الصعب؟

قال لدعواكم أنكم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وأنتم في أكثر أعمالكم مخالفون ومقصرون في كثير من الفرائض، وتتهاونون بعظيم حقوق إخوانكم في الله، وتتقون حيث لا تجب التقية، وتتركون التقية حيث لابدّ من التقيّة (2) ممّا يظهر أنّه تحرم التقيّة في موارد يلزم منها مهانة الدين وشريعة سيّد المرسلين ويكون إعلاء الدين في ترك التقية الى حدّ يستلزم تعريض النفس للفداء.

كما تلاحظها عملاً وقولاً في ما يلي من سادات الدين سلام الله عليهم أجمعين في واقعة الطف التي ميّزت الحق عن الباطل، ورسمت درساً تربويّاً لمحو الظلم والطغيان والفساد والعصيان في مدرسة عاشوراء الخالدة على مرّ الزمان وتطاول الأيّام. وإن كان لا يُقاس بعاشوراء الحسين عليه السلام شيءٌ أبداً.

آثر فيها سيّد الشهداء عليه السلام أن يضحى بنفسه الغالية وبأهل بيته الكرام وأصحابه الأوفياء، فترك التقيّة وآثر القتل والشهادة على أن يبايع أبناء البغايا والطلقاء، فاختار السموّ ونادى بـ: «هيهات منّا الذلّة»، فأبقى بجهاده الدين، وأقام شريعة جدّه سيّد المرسلين سلام الله عليهم أجمعين.

كما قد ترك التقيّة لكشف الحقيقة سيّد الشيعة الطيّبين وأمير المؤمنين علي بن أبي

__________________

1. وسائل الشيعة: ج 11، ص 469، ب 25، ح 6.

2. الوسائل: ج 11، ص 470، ب 25، ح 9.


طالب عليه السلام بعد بيانه غضب الأعداء لمقامه، وظلم الأعداء لحقّه بصراحة بيّنة ووضوح تام، أمام الجماعة الظالمة بلا تقيّة ولا مداراة.

وقد نقل تصريحاته التابعي الجليل سليم بن قيس الهلالي في كتابه الشريف وإليك النصّ الكامل المفصّل الذي ينبغي ملاحظته من كلامه:

قال سليم بن قيسٍ: فلم يبق يومئذٍ من شيعة عليّ عليه السلام أحدٌ إلّا تهلّل وجهه وفرح بمقالته، إذ شرح أمير المؤمنين عليه السّلام الأمر وباح به، وكشف الغطاء، وترك التّقيّة، ولم يبق أحدٌ من القرّاء ممّن كان يشكُّ في الماضين وكيفُّ عنهم ويدع البراءة منهم ورعاً وتأثُّماً إلّا استيقن واستبصر وحسن وترك الشّكّ والوقوف،.

ولم يبق أحدٌ حوله أتى بيعته على وجه ما بويع عثمان والماضون قبله إلّا رئي ذلك في وجهه، وضاق به أمره، وكره مقالته، ثمّ إنّهم استبصر عامّتهم وذهب شكّهم.

قال أبانٌ، عن سليم: فما شهدت يوماً قطُّ على رءوس العامّة أقرّ لأعيننا من ذلك اليوم لمّا كشف للنّاس من الغطاء، وأظهر فيه من الحقّ، وشرح فيه من الأمر، وألقى فيه التّقيّة والكتمان، وكثرت الشّيعة بعد ذلك المجلس مذ ذلك اليوم، وتكلّموا...

وقد كانوا أقلّ أهل عسكره، وصار النّاس يقاتاتلون معه على علمٍ بمكانه من الله ورسوله، وصارت الشّيعة بعد ذلك المجلس أجلّ النّاس وأعظمهم (1) .

وهذا أصح تبيان، وأملح بيان، بأنّ الشيعة تبعاً لسادتهم وأئمّتهم عليهم السلام لا تعمل بالتقيّة في كلّ مقام، بل ان لتقيتهم مواردها المعلومة ومقاماتها الحكيمة.

وأمّا اذا توقّف احقاق الحلق وابطال الباطل على عدم التقيّة وكشف الحق والحقيقة فانك لا ترى من عملهم ولا من كلامهم أثراً من التقيّة، ولا وميضاً من مداراة..

__________________

1. كتاب سلين بن قيس الهلالي: ج 2، ص 670.


كلمةٌ لابدّ منها

كما تلاحظ ذلك في الاحتجاج الصارخ الذي احتجّ به سيّدنا الامام الحسن المجتبى عليه السلام، وصكّ به مسامع الطواغيت معاوية وأذنابه الذي التفّوا حوله، حتّى أخزاهم وسوّد الفضاء عليهم بلا خوف ولا تقيّة، وبكلّ قدرة وقوّة وذلك حين اجتمع عند معاوية عمرو بن عثمان بن عفّان، وعمرو بن العاص، وعتبة بن أبي سفيان، والوليد بن عقبة بن أبي المعيط، والمغيرة بن شعبة.

وقد اجتمعوا على باطل واحد، ووقعوا بالسب في مولى الموحدين وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فتكلّم سيّدنا الامام الحسن عليه السلام بكلّ صراحة، وبمنتهى الشجاعة وبدون أدنى تقية، فقال ما نصّه:

«الحمد لله الّذي هدى أوّلكم بأوّلنا وآخركمم بآخرنا وصلّى الله على سيّدنا محمّدٍ النّبيّ وآله وسلّم».

ثمّ قال: «اسمعوا منّي مقالتي وأعيروني فهمكم.

وبك أبدأُ يا معاوية، ثمّ قال لمعاوية: إنّه لعمر الله - يا أزرق -! ما شتمني غيرك وما هؤلاء شتموني، ولا سبّني غيرك وما هؤلاء سبّوني ولكن شتمتني، وسببتني فحشاً منك وسوء رأيٍ وبغياً وعدواناً وحسداً علينا وعداوةً لمحمّدٍ صلى الله عليه وآله قديماً وحديثاً.

وإنّه والله لو كنت أنا وهؤلاء - يا أزرق - مشاورين في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وحولنا المهاجرون والأنصار ما قدروا أن يتكلّموا بمثل ما تكلّموا به ولا استقبلوني بما استقبلوني به.

فاسمعوا منّي أيّها الملأُ المخيّمون المعاونون عليّ، ولا تكتموا حقّاً علمتموه، ولا


تصدّقوا بباطلٍ نطقت به، وسأبدأ بك - يا معاوية! - فلا أقول فيك إلّا دون ما فيك.

أنشدكم بالله! هل تعلمون أنّ الرّجل الّي شتمتموه صلّى القبلتين كلتيهما وأنت تراهما جميعاً ضلالةً تبعد اللّات والعزّى، وبايع البيعتين كلتيهما بيعة الرّضوان وبيعة الفتح؟! وأنت - يا معاوية - بالأُولى كافرٌ وبالأُخرى ناكثٌ».

ثمّ قال: «أنشدكم بالله! هل تعلمون أنّما أقول حقّاً إنّه لقيكم مع رسول الله صلى الله عليه وآله يوم بدرٍ ومعه راية النّبيّ صلى الله عليه وآله ومعك - يا معاوية! - راية المشركين تعبد اللّات والعزّى وترى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين فرضاً واجباً، ولقيكم يوم أحدٍ ومعه راية النّبيّ صلى الله عليه وآله ومعك - يا معاوية! - راية المشركين، ولقيكم يوم الأحزاب ومعه راية النّبيّ صلى الله عليه وآله ومعك - يا معاوية! - راية المشركين، وكلّ ذلك يفلج الله حجّته، ويحقّ دعوته، ويصدّق أحدوثته، وينصر رايته، وكلّ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله يرى عنه راضياً في المواطن كلّها ساخطاً عليك.

ثمّ أنشدكم بالله ّ يرى هل تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله حاصر بني قريظة وبني النّضير، ثمّ بعث عمر بن الخطّاب ومعه راية المهاجرين وسعد بن معاذٍ ومعه راية الأنصار.

فأمّا سعد بن معاذٍ؛ فجرح وحمل جريحاً، وأمّا عمر، فرجع وهو يجبّن أصحابه ويجبّنه أصحابه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لأعطينّ الرّاية غداً رجلاً يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار، ثمّ لا يرجع حتّى يفتح الله عليه..

فتعرّض ها أبو بكرٍ وعمر وغيرهما من المهاجرين والأنصار - وعليٌّ يومئذٍ أرمد شديد الرّمد - فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله فتفل في عينيه فبرأ من الرّمد، فأعطاه الرّاية فمضى ولم يثن حتّى فتح الله عليه بمنّه وطوله وانت يومئذٍ بمكّة عدوٌّ لله ولرسوله فهل يستوى بين رجلٍ نصح لله ولرسوله، ورجلٍ عادى الله ورسوله؟!

ثمّ أقسم بالله ما أسلم قلبك بعد، ولكنّ اللّسان خائفٌ فهو يتكلّم بما ليس في القلب.


ثمّ أنشدكم بالله! أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله استخلفه على المدينة في غزوة تبوك ولا سخطه ذلك ولا كرهه.

وتكلّم فيه المنافقون، فقال: لا تخلفني يا رسول الله فإنّي لم أتخلّف عنك في غزوةٍ قطّ.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت وصيّي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى.. ثمّ أخذ بيد عليٍّ عليه السلام ثمّ قال: أيّها النّاس! من تولّاني فقد تولّى الله، ومن تولّى عليّاً فقد تولّاني، ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع عليّاً فقد أطاعني، ومن أحبّني فقد أحبّ الله، ومن أحبّ عليّاً فقد أحبّني».

ثمّ قال: «أنشدكم بالله! أتعلمون أنّ رسول الله قال في حجّة الوداع: أيّها النّاس! إنّي قد تركت فيكم ما لم تضلّوا بعده: كتاب الله فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، واعملوا بحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا آمنّا بما أنزل الله من الكتاب، وأحبّوا أهل بيتي وعترتي، ووالوا من والاهم وانصروهم على من عاداهم وإنّهما لم يزالا فيكم حتّى يردا عليّ الحوض يوم القيامة.

ثمّ دعا - وهو على المنبر - عليّاً فاجتذبه بيده، فقال: اللّهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، اللّهمّ من عادى عليّاً فلا تجعل له في الأرض مقعداً، ولا في السّماء مصعداً، واجعله في أسفل دركٍ من النّار؟

أنشدكم بالله! أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال له: أنت الذّائد عن حوضي يوم القيامة تذود عنه كما يذود أحدكم الغريبة من وسط إبله؟

أنشدكم بالله! أتعلمون أنّه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله في مرضى الّذي توفّى فيه فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عليٌّ: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: يبكيني أنّي أعلم أنّ لك في قلوب رجالٍ من أٌمّتي ضغائن لا يبدونها حتّى أتولّى عنك.

أنشدكم بالله! أتعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله حين حضرته الوفاة واجتمع أهل بيته قال:


اللّهمّ هؤلاء أهلي وعترتي اللّهمّ وال من والاهم وانصرهم على من عاداهم.

وقال: إنّما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوحٍ من دخل فيها نجا ومن تخلّف عنها غرق؟

أنشدكم بالله! أتعلمون أنّ أصحاب رسول الله قد سلّموا عليه بالولاية في عهد رسول الله وحياته؟ أنشدكم بالله! أتعلمون أنّ عليّاً أوّل من حرّم الشّهوات كلّها على نفسه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله عزّوجلّ: ( أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ ) (1) .

وكان عنده علم المنايا، وعلم القضايا، وفصل الخطاب، ورسوخ العلم، ومنزّل القرآن.

وكان في رهطٍ لا نعلمهم يتمّون عشرةً نبّأهم الله أنّهم به مؤمنون، وأنتم في رهطٍ قريبٍ من عدّة أُولئك لعنوا على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله فأشهد لكم وأشهد عليكم أنّكم لعناء الله على لسان نبيّه صلى الله عليه وآله كلّكم أهل البيت.

وأنشدكم بالله! هل تعلمون أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله بعث إليك لتكتب لبني خزيمة حين أصابهم خالد بن الوليد فانصرف إليك الرّسول فقال: هو يأكل، فأعاد الرّسول إليك ثلاث مرّاتٍ كلّ ذلك ينصرف الرّسول ويقول: هو يأكل، فقال رسول الله: اللّهمّ لا تشبع بطنه، فهي والله في نهمتك، وأكلك إلى يوم القيامة.

ثمّ قال: أنشدكم بالله! هل تعلمون أنّما أقول حقّاً؟! إنّك - يا معاوية! - كنت تسوق بأبيك على جملٍ أحمر ويقوده أخوك هذا القاعد - وهذا يوم الأحزاب - فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله الرّاكب والقائد والسّائق، فكان أبوك الرّاكب، وأنت - يا أزرق! - السّائق وأخوك

__________________

1. سورة المائدة: الآيتان 87 - 88.


هذا القاعد القائد؟

أنشدكم بالله! هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أبا سفيان في سبعة مواطن:

أوّلهنّ: حين خرج من مكّة إلى المدينة وأبو سفيان جاء من الشّام، فوقع فيه أبو سفيان فسبّه وأوعده، وهمّ أن يبطش به، ثمّ صرفه الله عزّوجلّ عنه.

والثّاني: يوم العير؛ حيث طردها أبو سفيان ليحرزها من رسول الله.

والثّالث: يوم أحدٍ: يوم قال رسول الله: الله مولانا ولا مولى لكم.. وقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فلعنه الله وملائكته ورسوله والمؤمنون أجمعون.

والرّابع: يوم حنينٍ؛ يوم جاء أبو سفيان بجمع قريشٍ وهوازن، وجاء عيينة بغطفان واليهود، فردّهم الله عزّوجلّ بغيظهم لم ينالوا خيراً.

هذا: قول الله عزّوجلّ له في سورتين في كلتيهما يسمّي أبا سفيان وأصحابه كفّاراً.

وأنت يا معاوية يومئذٍ مشرك على رأي أبيك بمكّة وعليٌّ يومئذٍ مع رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى رأيه ودينه.

والخامس: قول الله عزّوجلّ: ( وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ ) (1) .

وصددت أنت وأبوك ومشركو قريشٍ رسول الله صلى الله عليه وآله، فلعنه الله لعنةً شملته ذرّيّته إلى يوم القيامة.

والسّادس: يوم الأحزاب؛ يوم جاء أبو سفيان بجمع قريشٍ وجاء عيينة بن حصن بن بدرٍ بغطفان، فلعن رسول الله صلى الله عليه وآله القادة والأتباع والسّاقة إلى يوم القيامة.

فقيل: يا رسول الله أما في الأتباع مؤمنٌ؟

فقال: لا تصيب اللّعنة مؤمناً من الأتباع، وأمّا القادة فليس فيهم مؤمنٌ ولا مجيبٌ ولا ناجٍ.

__________________

1. سورة الفتح: الآية 25.


والسّابع: يوم التّنيّة؛ يوم شدّ على رسول الله اثنا عشر رجلاً؛ سبعةٌ منهم من بي أميّة، وخمسةٌ من سائر قريشٍ، فلعن الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وآله من حلّ الثّنيّة غير النّبيّ وسائقه وقائده.

ثمّ أنشدكم بالله! هل تعلمون أنّ أبا سفيان دخل على عثمان حين بويع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا ابن أخبي! هل علينا من عينٍ؟

فقال: لا.

فقال أبو سفيان: تداولوا الخلافة فتيان بني أميّة، فو الّذي نفس أبي سفيان بيده ما من جنّة ولا نارٍ!!

وأنشدكم بالله! أتعلمون أنّ أبا سفيان أخذ بيد الحسين حين بويع عثمان وقال: يا ابن أخي! اخرج معي إلى بقيعٍ الغرقد، فخرج حتّى إذا توسّط القبور اجترّه فصاح بأعلى صوته:

يا أهل القبور! الّي كنتم تقاتلونا عليه صار بأيدينا وأنتم رميمٌ».

فقال الحسين بن عليّ عليهما السلام: «قبّح الله شيبتك وقبّح وجهك» ثمّ نتر يده وتركه، فلو لا النّعمان بن بشيرٍ أخذ بيده وردّه إلى المدينة لهلك.

فهذا لك - يا معاوية! - فهل تستطيع أن تردّ علينا شيئاً؟

ومن لعنتك - يا معاوية! - أنّ أباك أبا سفيان كان يهمّ أن يسلم فبعث إليه بشعرٍ معروفٍ مرويٍّ في قريشٍ عندهم تنهاه عن الإسلام وتصدّه.

ومنها أنّ عمر بن الخطّاب ولّاك الشّام فخنت به، وولّاك عثمان فتربّصت به ريب المنون، ثمّ أعظم من ذلك أنّك قاتلت عليّاً صلوات الله عليه وآله وقد عرفت سوابقه وفضله وعلمه على أمرٍ هو أولى به منك ومن غيرك عند الله وعند النّاس ولا دنيّة، بل أوطأت النّاس عشوةً، وأرقت دماء خلقٍ من خلق الله بخدعك وكيدك وتمويهك فعل من لا يؤمن بالمعاد ولا يخشى العقاب، فلمّا بلغ الكتاب أجله صرت إلى شرّ مثوىً، وعليٌّ


إلى خير منقلبٍ، والله لك بالمرصاد.

فهذا لك - يا معاوية! - خاصّةً وما أمسكت عنه من مساويك وعيوبك فقد كرهت به التّطويل.

وأمّا أنت يا عمرو بن عثمان! فلم تكن حقيقاً لحمقك أن تتبّع هذه الأُمور، فإنّما مثلك مثل البعوضة إذ قالت للنّخلة: استمسكي فإنّي أُريد أن أنزل عنك.

فقالت لها النّخلة: ما شعرت بوقوعك فكيف يشقُّ عليّ نزولك.

وإنّي - والله - ما شعرت أنّك تحسن أن تعادي لي فيشقّ عليّ ذلك.

وإنّي لمجيبك في الّذي قلت: إنّ سبّك عليّاً أبنقصٍ في حسبه أو تباعده من رسول الله صلى الله عليه وآله أو بسوء بلاءٍ في الإسلام، أو بجورٍ في حكمٍ، أو رغبةٍ في الدّنيا، فإن قلت واحدةً منها فقد كذبت.

وأمّا قولك: إنّ لكم فينا تسعة عشر دماً بقتلى مشركي بني أميّة ببدرٍ، فإنّ الله ورسوله قتلهم ولعمري ليقتلنّ من بني هاشمٍ تسعة عشر وثلاثةٌ بعد تسعة عشر ثمّ يقتل من بني أميّة تسعة عشر وتسعة عشر في موطنٍ واحدٍ سوى ما قتل من بني أميّة لا يحصي عددهم إلّا الله.. إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إذا بلغ ولد الوزغ ثلاثين رجلاً أخذوا مال الله بينهم دولاً وعباده خولاً، وكتابه دغلاً، فإذا بلغو ثلاثمائةٍ وعشراً حقّت عليهم اللّعنة ولهم، فإذا بلغوا أربعمائةٍ وخمسةً وسبعين كان هلاكهم أسرع من لوك تمرةٍ، فأقبل الحكم بن أبي العاص وهم في ذلك الذّكر والكلام.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اخفضوا أصواتكم فإنّ الوزغ يسمع.. وذلك حين رآهم رسول الله صلى الله عليه وآله ومن يملك بعده منهم أمر هذه الأمّة يعني في المنام فساءه ذلك وشقّ عليه، فأنزل الله عزّوجلّ في كتابه: ( وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ ) .

وأنزل أيضاً: ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ ) فأشهد لكم وأشهد عليكم ما سلطانكم


بعد قتل عليّ إلّا ألف شهرٍ الّتي أجّلها الله عزّوجلّ في كتابه.

وأمّا أنت يا عمرو بن العاص! الشّانئ اللّعين الأبتر؛ فإنّما أنت كلبٌ أوّل أمرك، وأمّك لبغيّة.

وإنّك ولدت على فراشٍ مشتركٍ، فتحاكمت فيك رجال قريشٍ، منهم أبو سفيان بن الحربٍ، والوليد بن المغيرة، وعثمان بن الحارث، والنّصر بن الحارث بن كلدة، والعاص بن وائلٍ، كلّهم يزعم أنّك ابنه، فغلبهم عليك من بين قريشٍ ألأمهم حسباً، وأخبثهم منصباً وأعظمهم بغيةً.

ثمّ قمت خطيباً وقلت: أنا شانئ محمّد.. وقال العاص بن وائلٍ: إنّ محمّداً رجلٌ ابتر لا ولد له فلو قد مات انقطع ذكره فأنزل الله تبارك وتعالى: ( إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ) .

وكانت أمّك تمشي إلى عبد قيسٍ لطلب البغية تأتيهم في دورهم ورحالهم وبطون أوديتهم.

ثمّ كنت في كلّ مشهدٍ يشهد رسول الله عدوّه أشدّهم له عداوةً وأشدّهم له تكذيباً، ثمّ كنت فيأصحاب السّفينة الّذين أتوا النّجاشيّ والمهرج الخارج إلى الحبشة في الإشاطة بدم جعفر بن أبي طالبٍ وسائر المهاجرين إلى النّجاشيّ فحاق المكر السّيّئ بك وجعل جدّك الأسفل، وأبطل أمنيّتك، وخيّب سعيك، وأكذب أحدوثتك، وجعل كلمة الّذين كفروا السّفلى وكلمة الله هي العليا.

وأمّا قولك في عثمان، فأنت يا قليل الحياء والدّين - ألهبت عليه ناراً ثمّ هربت إلى فلسطين تتربّص به الدّوائر، فلمّا أتتك خبر قتله حبست نفسك على معاوية فبعته دينك يا خبيث بدنيا غيرك، ولسنا نلومك على بغضنا ولا نعاتبك على حبّنا وأنت عدوٌّ لبني هاشمٍ في الجاهليّة والإسلام، وقد هجوت رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتاً من شعرٍ.

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اللّهمّ إنّي لا أحسن الشّعر ولا ينبغي لي أن أقوله فالعن عمرو بن العاص بكلّ بيتٍ ألف لعنةٍ، ثمّ أنت يا عمرو المؤثر دنيا غيرك على دينك أهديت إلى


النّجاشيّ الهدايا ورحلت إليه رحلتك الثّانية ولم تنهك الأولى عن الثّانية كلّ ذلك ترجع معلولاً حسيراً تريد بذلك هلاك جعفرٍ وأصحابه، فلمّا أخطأك ما رجوت وأمّلت أحلت على صاحبك عمارة بن الوليد.

وأمّا أنت يا وليد بن عقبة؛ فوالله ما ألومك أن تبغض عليّاً وقد جلدك في الخمر ثمانين وقتل أباك صبراً بيده يوم بدرٍ، أم كيف تسبّه فقد سمّاه الله: مؤمناً في عشر آياتٍ من القرآن وسمّاك: فاسقاً وهو قول الله عزّوجلّ: ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ ) (1) وقوله: ( إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (2) وما أنت وذكر قريشٍ وإنّما أنت ابن عليجٍ من أهل صفّورية يقال له: ذكوان وأمّا زعمك: أنّا قتلنا عثمان، فوالله ما استطاع طلحة والزّبير وعائشة أن يقولوا ذلك لعليّ بن أبي طالب فكيف تقوله أنت ولو سألت أمّك من أبوك إذ تركت ذكوان فألصقتك بعقبة بن أبي معيطٍ اكتسب بذلك عنه نفسها سناءً ورفعةً مع ما أعدّ الله لك ولأبيك وأمّك من العار والخزي في الدّنيا والآخرة وما الله بظلامٍ للعبيد.

ثمّ أنت يا وليد؛ والله أكبر في الميلاد ممّن تدّعي له النّسب، فكيف تسبّ عليّاً ولو اشتغلت بنفسك لبيّنت نسبك إلى أبيك لا إلى من تدّعي له، ولقد قالت لك أمّك يا بنيّ أبوك والله ألأم وأخبث من عقبة.

وأمّا أنت يا عتبة بن أبي سفيان: فوالله ما أنت بحصيفٍ فأجاوبك، ولا عاقلٍ فأعاتبك، وما عندك خيرٌ يرجى ولا شرٌّ يخشى وما كنت ولو سببت عليّاً لأغار به عليك لأنّك عندي لست بكفوٍ لعبد عبد عليّ بن أبي طالب عليه السلام فأردّ عليك وأعاتبك ولكنّ الله عزّوجلّ لك ولأبيك وأمّك وأخيك بالمرصاد، فأنت ذرّيّة آبائك الّذين ذكرهم الله في القرآن

__________________

1. سورة السجدة: الآية 18.

2. سورة الحجرات: الآية 6.


فقال: ( عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ * تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً * تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ) - إلى قوله - ( مِن جُوعٍ ) (1) .

وأمّا وعيدك إيّاي بقتلي، فهلّا قتلت الّذي وجدته على فراشك مع حليلتك وقد غلبك على فرجها، وشركك في ولدها حتّى ألصق بك ولداً ليس لك، ويلاً لك لو شغلت نفسك بطلب ثأرك منه كنت جديراً وبذلك حريّا إذ تسوّمني القتل وتوعّدني به، ولا ألومك أن تسبّ عليّاً وقد قتل أخاك مبارزةً، واشترك هو وحمزة بن عبد المطّلب في قتل جدّك حتّى أصلاهما الله على أيديهما نار جهنّم وأذاقهما العذاب الأليم، ونفي عمّك بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأمّا رجائي الخلافة؛ فلعمر الله لئن رجوتها فإنّ لي فيها لملتمساً وما أنت ينظير أخيك ولا خليفة أبيك، لأنّ أخاك أكثر تمرّداً على الله وأشدّ طلباً لإراقة دماء المسلمين وطلب ما ليس له بأهل، يخادع النّاس ويمكرهم ويمكر الله والله خير الماكرين.

وأمّا قولك: إنّ عليّاً كان شرّ قريشٍ لقريشٍ، فوالله ما حقّر مرحوماً، ولا قتل مظلوماً.

وأمّا أنت يا مغيرة بن شعبة؛ فإنّك لله عدوٌّ، ولكتابه نابذٌ ولنبيّه مكذّبٌ، وأنت الزّاني وقد وجب عليك الرّجم وشهد عليك العدول البررة الأتقياء، فأخّر رجمك ودفع الحقّ بالباطل والصّدق بالأغاليط (2) وذلك لما أعدّ الله لك من العذاب الأليم والخزي في الحياة الدّنيا ولعذاب الآخرة أخزى وأنت ضربت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله حتّى أدميتها وألقت ما في بطنها، استدلالاً منك لرسول الله صلى الله عليه وآله، ومخالفةً منك لأمره وانتهاكاً لحرمته، وقد قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: أنت سيّدة نساء أهل الجنّة والله مصيّرك إلى النّار وجاعل وبال ما نطقت به عليك فبأيّ الثّلاثة سببت عليّاً أنقصاً من حسبه أم بعداً من رسول الله صلى الله عليه وآله أم سوء.

__________________

1. سورة الغاشية: الآيات 3 - 6.

2. إشارة إلى قضية زنا المغيرة وابطال عمر الحد عليه.


بلاءٍ في الإسلام أم جوراً في حكمٍ أم رغبةً في الدّنيا إن قلت بها فقد كذّبت وكذّبك النّاس أتزعم أنّ عليّاً قتل عثمان مظلوماً فعليٌّ والله أتقى وأنقى من لائمه في ذلك ولعمري إن كان عليّاً قتل عثمان مظلوماً فوالله ما أنت من ذلك في شيء، فما نصرته حيّاً، ولا تعصّبت له ميّتاً وما زالت الطّائف دارك تتّبع البغايا وتحيي أمر الجاهليّة وتميت الإسلام حتّى كان في أمس.

وأمّا اعتراضك في بني هاشمٍ وبني أميّة فهو ادّعاؤك إلى معاوية.

وأمّا قولك في شأن الإمارة وقول أصحابك في الملك الّذي ملكتموه، فقد ملك فرعون مصر أربعمائة سنةٍ وموسى وهارون عليهما السلام نبيّان مرسلان يلقيان ما يلقيان وهو ملك الله يعطيه البرّ والفاجر وقال الله عزّوجلّ: ( وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) (1) وقال: ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (2) .

ثمّ قام الحسن عليه السلام فنفض ثيابه وهو يقول: «الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات، هم - والله يا معاوية - أنت وأصحابك هؤلاء وشيعتك والطّيّبات للطّيّبين والطّيّبون للطّيّبات أولئك مبرّون ممّا يقولون لهم مغفرةٌ ورزقٌ كريمٌ هم: عليّ بن أبي طالبٍ وأصحابه وشيعته».

ثمّ خرج وهو يقول لمعاوية: «ذق وبال ما كسبت يداك وما جنيت وما قد أعدّ الله لك ولهم من الخزي في الحياة الدّنيا والعذاب الأليم في الآخرة».

فقال معاوية لأصحابه: وأنتم فذوقوا وبال ما قد جنيتم.

فقال له الوليد بن عقبة: والله ما ذقنا إلّا كما ذقت ولا اجترأ إلّا عليك.

__________________

1. سورة الأنبياء (21): الآية 111.

2. سورة الإسراء (17): الآية 16.


فقال معاوية: ألم أقل لكم إنّكم لن تنتصفوا من الرّجل فهل أطعتموني أوّل مرّة أو انتصرتم من الرّجل إذ فضحكم، والله ما قام حتّى أظلم عليّ البيت وهممت أن أسطو به فليس فيكم خيرٌ اليوم ولا بعد اليوم.

قال: وسمع مروان بن الحكم بما لقى معاوية وأصحابه المذكورون من ال حسن بن عليّ عليهما السلام فأتاهم فوجدهم عند معاوية في البيت فسألهم: ما الّذي بلغني عن الحسن وزعله؟ قالوا: قد كان ذلك.

فقال لهم مروان: فهلّا أحضرتموني ذلك فو الله لأسبّنّه ولأسبّنّ أباه وأهل البيت سبّاً تغنّي به الإماء والعبيد.

فقال معاوية والقوم: لم يفتك شيءٌ، وهم يعلمون من مروان بذر لسانٍ وفحشٍ.

فقال مروان: فأرسل إليه يا معاوية فأرسل معاوية إلى الحسن بن عليٍ عليه السلامم. فلمّا جاءه الرّسول، قال له الحسن عليه السلام «ما يريد هذا الطّاغية منّي؟ والله لئن أعاد الكلام لأوقرنّ مسامعه ما يبقى عليه وشناره إلى يوم القيامة».

فأقبل الحسن عليه السلام فلمّا أن جاءهم وجدهم بالمجلس على حالتهم الّتي تركهم فيها غير أنّ مروان قد حضر معهم في هذا الوقت فمشى الحسن عليه السلام حتّى جلس على السّرير مع معاوية وعمرو بن العاص.

ثمّ قال الحسن لمعاوية: «لم أرسلت إليّ؟»

قال لست أنا أرسلت إليك ولكن مروان الّذي أرسل إليك.

فقال مروان: أنت يا حسن السّبّاب رجال قريشٍ؟

فقال: وما الّذي أردت؟

فقال: والله لأسبّنّك وأباك وأهل بيتك سبّاً تغنّي به الإماء والعبيد.

فقال الحسن بن عليّ عليه السلام: «أمّا أنت يا مروان فلست أنا سببتك ولا سببت أباك ولكنّ الله عزّوجلّ لعنك ولعن أباك وأهل بيتك وذرّيّتك وما خرج من صلب أبيك إلى يوم


القيامة على لسان نبيّه محمّدٍ صلى الله عليه وآله - يا مروان - ما تنكر أنت ولا أحدٌ ممّن حضر هذه اللّعنة من رسول الله صلى الله عليه وآله لك ولأبيك من قبلك وما زادك الله - يا مروان - بما خوّفك إلّا طغياناً كبيراً، صدق الله وصدق رسوله يقول: ( وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ) (1) وأنت يا مروان وذرّيّتك الشّجرة الملعونة في القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وآله، عن جبرئيل، عن الله عزّوجلّ.

فوقب معاوية فوضع يده على قم الحسن... فنفض الحسن عليه السلام ثوبه وقام وخرج فتفرّق القوم عن المجلس بغيظٍ وحزنٍ وسواد الوجوه (2) .

والحق أنّ هذا الاحتجاج أصرح بيان كُشف فيه عن الحقيقة وارتفعت فيه التقية ولا يغيب عنك نهضة الحسين المقدّسة التي هدمت عروش الظالمين وشيّدت أسس الدين، ورسمت المَثَل العُليا من التضحية والعذار.

__________________

1. سورة الإسراء (17): الآية 60.

2. الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ج 1، ص 401 - 416.


حصيلة البحث

عرفت من خلال هذا البحث:

أوّلاً: أنّ التقيّة من صميم الدين ومن ولائد القرآن والسنّة والاجماع والعقل.

ثانياً: انّ التقيّة ليست مختصّة بالشيعة، بل هي عامة لجميع المذاهب.

ثالثاً: أنّ ملاك التقيّة هو التحفّظ على الدين، وحفظ نفوس المؤمنين.

رابعاً: انّ التقيّة أمرٌ فطري جُبل عليه الانسان قبل الاحتجاج إلى الدليل والبرهان.

خامساً: انّ الشيعة الأبرار لا تقول بالتقيّة في جميع الموارد والمجالات، بل لها عندهم مواردها الخاصّة بحفظ النفس، ومرامها في غير تلك الموارد والتفدية والتضحيات، كما ثبت عملاً ووجداناً. والذي نعتقده أخيراً - وليس آخراً - انّ ابن تيميّة وأزلامه الحثالة ليسوا من الاسلام في شيء فضلاً عن كونهم علماء المسلمين حتّى يكون لهم قول في الدين.

ثمّ اعلم انّ نفس ملاك التقيّة الواجبة - يعني حفظ النفوس المحترمة - هو الملاك في أحاديثنا الاتقيائيّة الصادرة من أهل بيت العصمة عليهم السلام الذين ساروا على منهاج رسول الله، ونطقوا بكتاب الله، وجروا على النهج الذي رسمهم لهم الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم.

فكان الاختلاف في بعض أحاديثهم الصادرة للتقيّة مع بعض الأحاديث الاُخرى الصادرة لبيان الحكم الواقعي لأجل نفس ملاك حفظ النفوس المحترمة، والتحفّظ على عدم وصول الأذى إلى شيعتهم الطيّبة، كما نبّه عليه المحدّث البحراني في حدائقه في بيان مفصّل منه ومستدلّاً بالأحاديث المعتبرة عليه، ننقله بطول لفائدته.


قال قدس سره: غير خفي - على ذوي العقول من أهل الايمان وطالبي الحق من ذوي الأذهان - ما بُلي به هذا الدين من اولئك المردة المعاندين بعد موت سيّد المرسلين، وغصب الخلافة من وصيّه أمير المؤمنين، وتواثب اولئك الكفرة عليه، وما بلغ إليه حال الأئمّة صلوات الله عليهم من الجلوس في زاوية التقيّة، والأغضاء على كلّ محنة وبلية، وحث الشيعة على استشعار شعار التقيّة، والتديّن بما عليه تلك الفرقة الغوية، حتّى كورت شمس الدين النيرة، وخسفت كواكبه المقمرة، فلم يعلم من أحكام الدين على اليقين إلّا القليل، لا متززاج أخباره باخبار التقيّة، كما قد اعترف بذلك ثقة الاسلام وعلم الأعلام (محمّد بن يعقوب الكليني نوّر الله تعالى مرقده) في جامعه الكافي، حتّى انه قدس سره تخطّأ العمل بالترجيحات المرويّة عند تعارض الأخبار، والتجأ إلى مجرّد الردّ والتسليم للأئمّة الأبرار، فصاروا صلوات الله عليهم - محافظة على أنفسهم وشيعتهم - يخالفون بين الأحكام، وإن لم يحضرهم أحد من اولئك الأنام، فتراهم يجيبون في المسألة الواحدة بأجوبة متعدّدة وإن لم يكن بها قائل من المخالفين، كما هو ظاهر لمن تتبّع قصصهم وأخبارهم وتحدّى سيرهم وآثارهم.

فمن ذلك ما رواه الكافي في الموثق عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

سألته عن مسألةٍ فأجابني، ثمّ جاءه رجلٌ فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثمّ جاء رجلٌ آخر فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي، فلمّا خرج الرّجلان قلت: يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كلّ واحدٍ منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟

فقال: «يا زرارة! إنّ هذا خيرٌ لنا وأبقى لنا ولكن، ولو اجتمعتم على أمرٍ واحدٍ لصدّقكم النّاس علينا ولكن أقلّ لبقائنا وبقائكم».

قال: ثمّ قلت لأبي عبد الله عليه السلام: شيعتكم لو حملتموهم على الأسنّة أو على النّار لمضوا


وهم يخرجون من عندكم مختلفين، قال فأجابني بمثل جواب أبيه.

فانظر إلى صراحة هذا الخبر في اختلاف أجوبته عليه السلام في مسألة واحدة في مجلس واحد وتعجب زرارة، ولو كان الاختلاف إنّما وقع لموافقة العامّة لكفى جواب واحد بما عليه، ولما تعجب زرارة من ذلك لعلمه بفتواهم عليهم السلام احياناً بما يوافق العامّة تقية، ولعلّ السر في ذلك أنّ الشيعة إذا خرجوا عنهم مختلفين كل ينقل عن امامه خلاف ما ينقله الآخر هانوا في نظرهم، بخلاف ما إذا اتفقت كلمتم وتعاضدت مقالتهم. فانهم يصدقونهم ويشتدّ بغضهم لهم ولامامهم ومذهبهم، ويصير ذلك سبباً لثوران العداوة، وإلى ذلك يشير قوله عليه السلام: «ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا..».

ومن ذلك - أيضاً - ما رواه الشيخ في التهذيب في الصحيح - على الظاهر - عن سالم أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: - سأله انسان وأنا حاضر - فقال: ربّما دخلت المسجد وبعض أصحابنا يصلي العصر، وبعضهم يصلّي الظهر؟ فقال: «أنا أمرتهم بهذا، لو صلّوا على وقت واحد لعرفوا فأخذ برقابهم» وهو أيضاً صريح في المطلوب؛ إذ لا يخفى أنه لا تطرق للحمل هنا على موافقة العامة، لاتفاقهم على التفريق بين وقتي الظهر والعصر ومواظبتهم على ذلك.

وما رواه الشيخ في كتاب العدة مرسلاً عن الصادق عليه السلام: انه سئل عن اختلاف أصحابنا في المواقيت؟ فقال: «أنا خالفت بينهم».

وما رواه في الاحتجاج بسنده فيه، عن حريز، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت به: انه ليس شيء أشدّ عليّ من اختلاف أصحابنا، قال: «ذلك من قِبلي».

وما رواه في كتاب معاني الأخبار عن الخزاز، عمّن حدّثه، عن أبي الحسن عليه السلام قال: «اختلاف أصحابي لكم رحمة» وقال عليه السلام: «إذا كان ذلك جمعتكم على أمر واحد» وسئل عن اختلاف أصحابنا فقال عليه السلام: «أنا فعلت ذلك بكم ولو اجتمعتم على أمر واحد لأخذ برقابكم».


وما رواه في الكافي بسنده فيه من موسى بن أشيم قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فسأله رجلٌ عن آيةٍ من كتاب الله عزّوجلّ فأخبره بها، ثمّ دخل عليه داخلٌ فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأوّل، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتّى كأنّ قلبي يشرح بالسّكاكين، فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشّام لا يخطئ في الواو وشبهه وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كلّه؟! فبينا أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسألهعن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبيّ، فسكنت نفسي فعلمت أنّ ذلك منه تقيّةٌ قال: ثمّ التفت إليّ فقال لي: «يا ابن أشيم! إنّ الله عزّوجلّ فوّض إلى سليمان بن داود فقال: ( هَـٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) وفوّض إلى نبيّه صلى الله عليه وآله فقال: ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) فما فوّض إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقد فوّضه إلينا» (1) .

هذا - وفي الجولة المختصرة تعرف انّ التقيّة النقيّة ليست نفاقاً ولا غشّاً ولا خداعاً كما يدّعيه بعض أعداء الشيعة بل هي وسيلة التحفظ على الدين والمتديّنين، وكتمان الايمان المؤمنين من شرّ الأشرار والمعادين، كما كان مؤمن آل فرعون يكتم ايمانه، فهل هذا هو نفاق وشقاق كما يريد أن يصوّرها بعض الأعداء غير المتورّعين؟! ونعوذ بالله تعالى من كيد الكائدين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.

__________________

1. الحدائق: ج 1، ص 4.


الفهرس

تمهيد 7

ضحايا الشيعة في سبيل الحق والحقيقة 12

1 - عمرو بن الحمق الخزاعي 12

2 - حُجر بن عديّ الكندي 13

3 - ميثم التمّار 14

4 - رشيد الهجري 17

5 - قنبر خادم أمير المؤمنين عليه السلام 19

دعوى الخصم 23

الجواب الفصل 23

1 - موضوع التقيّة 23

2 - حكم التقيّة 25

التقيّة في القرآن الكريم 29

التقيّة في السنّة النبويّة 35

التقية في سيرة الصحابة 55

التقيّة في أقوال وأفعال علماء المذاهب 58

تقيّة أبي حنيفة 58

تقيّة مالك بن أنس 59

تقيّة الشافعي 59

تقيّة أحمد بن حنبل 60

التقية في حكم العقل والفطرة 62

كلمةٌ لابدّ منها 69

حصيلة البحث 82