أمّ البنين عليها السلام النّجم الساطع في مدينة النبيّ الأمين
التجميع النفوس الفاخرة
الکاتب الشيخ علي ربّاني الخلخالي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المترجم

منذ أن خلق الله - تبارك وتعالى - آدم عليه‌السلام وحواء كانت ثمة فوارق بينهما حيث خلق الله كل لغايته وهو الذي خلق كل شيء فقدر وهدى....

ومنذ أن هبط آدم عليه‌السلام وحواء وكان ثالثهم على الأرض إبليس - لعنه الله - وأخذ ذرية النبي وزوجه تتكاثر على الأرض سعى إبليس ليفسد بينهم، ويزين لهم، ويقلب لهم المفاهيم، ويريهم المصلحة مفسدة والمفسدة مصلحة، وابناء آدم وبنات حواء منهم من تبع إبليس عالماً عامداً، ومنهم من غرته أمانيه فانزلق في صراط الجحيم، وراح يهوى إلى الحضيض، ويلتهب كلّ يوم في لظى الأمنيات من جديد، ويغمس رأسه في ألوان الشهوات يتلذذ بها، ويأبى أن ينيط الغشاوة عن عينه لئلا تذوب أحلامه التي قد يتصورها برداً يطفى عنه سعير الشهوات.

هكذا انحدر خط الضلال وهو يجرف كلّ ما يجد في طريقه، ويحاول جرجت المتفلّتين من خط الهدى، وصار تلاميذ إبليس يتفوقون على استاذهم أحياناً ( فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) حيث أخذوا ينظرون لسقوطهم ويعرضونه في زي الأصالة والضرورة والتجدد والتطور ومماشاة عامل الزمن والانسجام مع الجغرافيا، وصار حرام عادة وسنة اجتماعية يستسيغها الطبع المريض، تماماً كما


يستسيغ المعتاد الافيون، فارتفعت الصرخات تنادي كلّ يوم بجديد، تحت شعار جديد، وفي إطار جديد، تحفه الزخارف والمؤثرات بما يناسب ذلك العصر.

وكانت المرأة منذ اليوم الأول لحركة الضلال سلاحاً وضحية، ولطالما انخدعت بالكلمات التي تناغي فيها المواقع التي صورها لها المضللون أنها نقاط ضعف وإنها بؤرة حقارة وأنها... فوثبت لتخلق المستحيل في الفعال، وتقف أمام التحدي بكل ما أمكن وما لم يمكن! لتثبيت للآخرين أنها كما صورها المضللون... تستحق الذات لتستجيب لللذات، وتخالف الطبيعة والفطرة التلي فطرها الله عليها لتقول: أنا كما أنتم... ثم ماذا؟

إنها نسيت أنّ الله خلقها وزوّدها بما تحتاج، وشرع لها من الدين أحكاماً وقوانين، ووضع لها مناهج كاملة لإعدادها وتربيتها وحفظ مصالحها ورعاية شؤونها ورقيها وبناء كيانها.

ويمكننا مشاهدة المرأة الحرة الكريمة السعيدة من خلال نتاج التربية الإسلامية الرائعة التي قدمها لنا المجتمع في صدر الإسلام من نساء رباهن الوحي وتأدبن بآداب النبوة.

كما أنّ ثمو نموذج منحط عاصر عهد الرسول، بل وعاش في بيت الوحي ومختلف الملائكة إلّا أنّه ظل يصغي بوجوده إلى الشيطان ويأبي الانفعال بمواعظ النبي الكريم، ولقد ضرب الله مثلاً لكلتا الطائفتين.

فهذه خديجة بنت خويلد أُم المؤمنين الأولى - صلوات الله عليها - تعيش مع النبي وتبقى ذكرى حلوة تنهمر لها دموع سيد الكائنات كلما ذكرت عنده فيقول: خديجة ومن مثل خديجة؟! وهكذا دخلت قلب أشرف خلق الله....

إنها عاشت الرسالة تجسيداً.. قولاً وفعلاً وروحاً ومعنى، وفي لحظات عمرها الأخيرة، وهي تشد الرحال إلى المليك المقتدر، إلى حيث قصرها الذي وعدها الله


من قصب لا لغوب فيه ولا نصب، يدخل عليها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويقول لها: بلغي شريكتك مريم ابنة عمران عني السلام: فتتبسم في وجه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وتقول: بالرفاء يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكذلك أُم البنين عليها‌السلام حيث كانت تقدّم أبناء الصديقة فاطمة الزهراء عليها‌السلام على أبنائها وهي التي علمتهم أن لا سواء بينكم وبين الحسن والحسين وزينب، فموتوا دونهم، ولا تقولوا أن أبانا أمير المؤمنين عليه‌السلام ... وقدمتهم بكلّ سخاء لتنال بذلك رضا الله ورضا نبيه، وتكون مبيضة الوجه غداً يوم القيامة بين يدي فاطمة الزهراء عليها‌السلام ....

فليس للغيرة موضع في حياة هؤلاء النسوة؛ لأنهن يقطعن رحلة العمر في ظلال الشريعة التي أرادها لهن الله - جلّ وعلا - وقد حرم عليهن الغيرة وقال على لسان نبيه والأئمة الطاهرين أنّ «غيرة الرجل إيمان» و «غيرة المرأة كفر» وأنذ الغيرة في المرأة من الحسد... الحسد.. الذي أخرجها من الجنة من قبل وهبط بها وبزوجها إلى دار الابتلاء والامتحان والسعي والكد والكدح في سبيل تأمين العيش في الدنيا وفي الآخرة أمان.

بخلاف الانموذج الآخر حيث عاشت تقول في كلّ مرة: «ما غرت من امرأة كما غرت من خديجة» ولطالما كانت تصايح «فاطمة عليها‌السلام » لإنها كانت ابنة من يحبها زوجها؛ أو لأن فيها شبهاً من أُمها، وكان النبي الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله يتذكر بها أيام أُمها، ولطالما تنقّصت من «خديجة» أمام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ووصفتها بأنها عجوز، وحاولت أن تلصق بها ما لربما تحسبه يهوّن من شأنها، والنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يدافع عنها ويقابلها بما لا ترتاح له، فيقول لها: «صدقتني حيث كذبني الناس، وآوتني حيث طردني الناس، وأعطتني حيث منعني الناس، ورزقني الله منها الولد وجعلكن عقيماً».

وحاربت أبناء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ونصبت لهم العداء وقالت: «لا تدخلوا بيتي من لا أحب» تقصد بذلك ريحانة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن قال في حقه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :


إني أحبه وأحبّ من يحبه وأبغض من يبغضه، وقال: إنه سلم لمن سالمه وحرب لمن حاربه وعدم لمن عاداه.

وهتكت ستر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وخرجت تحارب إمام زمانها لتستريح من لهيب الغيرة الذي كان يصهر كيانها وهي ترى علياً أمير المؤمنين عليه‌السلام زوج الصديقة المحبوبة، والمقدّم على غيره حيث يناجيه زوجها من دونها ومن دون غيرها... ومن ثم جرتها الغيرة المشؤومة للتشكيك في عدالة سيد المرسلين وأعدل الخلق أجمعين حيث تخرج - ليلة النصف من شعبان - لتبحث عنه في سواد الليل البهيم وتظن - والعياذ بالله - أنه تركها في ليلتها وخرج إلى بعض نساءه، فتجده صلى‌الله‌عليه‌وآله ساجداً في مسجده الشريف.

فيما نرى أُم البنين عليها‌السلام تزف أولادها الأربعة إلى أعراس المنية وهي تعلم أنهم سيسبحون كالأقمار في غدير الدماء، وتودّع الحسين عليه‌السلام وزينب عليها‌السلام الذين قدمتهما على نفسها وأولادها امتثالاً لأمر الله، وتتعامل مع الحسين باعتباره الإمام المفروض عليها طاعته، ومع أنها سرحت قلبها معهم وبقيت ترفرف بروحها على ساحة المعركة وتتسقط أخبارهم من القدمين، ويا ليتها كانت حاضرة فترى مفاخرهم وبطولاتهم فيهون عليها الخطب، ولربما كان أهون عليها من تحمل الفراق... وتحمل معاناة الانتظار ومناشدة الركبان.

لقد خرجت عائشة بعد وفاة النبي وهتكت حرمته وخالفت أمر ربه وكابرت صريح القرآن، وقعدت أُم البنين عليها‌السلام عن الخروج مع الإمام المعصوم عليه‌السلام لأنها أصغت بإذن المؤمن المطيع لقوله تعالى: ( وقرن في بيوتكنّ ) وهي تعتقد أنّ الله أمرها من خلال هذه الآية باعتبارها زوجة سيد الوصيين بما أمر به نساء سيد المرسلين، ولعل هذا هو السبب أو جزء السبب من وراء بقاءها في المدينة وصبرها على مضض وتركها الخروج مع الركب الحسيني....


إنها لم تخرج بجسدها إلى كربلاء إلّا أنها أخرجت أفلاذ كبدها واقترن اسمها من خلال موقف أبناءها بقضية الطف، وصار اسمها مقروناً باسم الحسين وثورته، ومن اقترن اسمه باسم الحسين عليه‌السلام بأي شكل من الأشكال ولأي سبب من الأسباب كتب له الخلود حتى أنك لا تكاد تسمع لباقي نساء أمير المؤمنين عليه‌السلام ذكر إلّا في ظلال ذكر أُم البنين عليها‌السلام ....

* * *

وليس ثمة «صدفة» تتحكم في الكون والحياة، فكلّ شيء عنده بمقدار، وقد ورد في الحديث - كما في الخصال - أنّ الأسماء تنزل من السماء، فلا شك أنّ لهذه السيدة العظيمة خصيصة خصها الله بها حتى اختار لها هذا الاسم المبارك وجعلها تشارك الصديقة في اسمها، قال الكجوري في الخصائص الفاطمية:

«الحمد لله الذي جعل اسم فاطمة في كلّ بيت من بيوت هذه الأُمة سبباً للبركة ونزول الرحمة، وستبعث الفواطم - غداً يوم القيامة - من التراب رافعات الرؤوس فخراً ومباهاة، لأنهن أُمهات السيد المختار صلى‌الله‌عليه‌وآله وسيمات فاطمة الزهراء عليها‌السلام فيقلن فاطمة أفضل منّا، ونحن أفضل من باقي النساء لشبه اسمنا باسمها، وفي هذا الاشتراك الاسمي مزية فوق مزايا ورتبة فوق الرتب... فإذا نودي يوم القيامة «فاطمة» قام ما لا يحصى عدداً من النساء، ولما كان الاسم الشريف «فاطمة» يتضمن معنى الشفاعة، فكيف ترضى السيدة أن تحترق المرأة وهي في عصمتها وسمّيتها، فتكرم لاسمها وتنال الشفاعة وتنجو من أهوال المحشر...».

لقد جعل الله سميت فاطمة الزهراء وأُم أشباب أمير المؤمنين عليه‌السلام باباً من أبواب رحمته، ما قصدها أحد إلّا ونال قصده، وما توجه بها إلى الله - عزّ وجل - متوجه إلّا أعطى سؤله، ومن شاء فليتوسل إلى الله بها ليعلم صدق ذلك.


وما ذاك على الله بعزيز فإن الله - تعالى - خلق الخلق من أجل محمد وآل محمد «صلوات الله عليهم أجمعين» وقد ذابت هذه المخدرة المكرمة في ولائها لهم، وتمسكت بهداهم، وأقتدت بآثارهم حتى صارت من أولياء الله المقربين عنده وعندهم، فارتفعت إلى أعلى عليين من خلال سبيل الكمال الذي رسمه الله لها ولجميه خلقه، فكانت أُم البين عليها‌السلام من السابقين في هذا الميدان حتى صارت اذا جاء عريض عند أهل البيت عليهم‌السلام وعند بارئهم.

وبالرغم من أنها كانت ولا زالت من أبواب الله، وأنها كانت ولا زالت من أبرز أعلام نساء التاريخ، إلّا أنّ من المؤسف له، فإن التاريخ لم يعطها حقها - كما هو شأنه مع الأبرار - فإنك لا تكاد تعثر في المصادر عن شيء فيه تفصيل عن حياة هذه الكريمة عن تاريخ ولادتها... طفولتها... شبابها... كم هو عمرها يوم دخلت بيت أمير المؤمنين عليه‌السلام ... تفاصيل حياتها مع زوجها ومع أبناء رسول الله... فإنها لا شك كانت زوجة مثالية رغم أنها لم تكن معصومة كفاطمة عليها‌السلام ، ولا ريب أنها كانت من أبرز مصاديق «عمال الله في الأرض» وفق روايات أهل البيت عليهم‌السلام وأدبياتهم الخاصة بالحياة الزوجية... فكيف عاشت مع أمير المؤمنين عليه‌السلام ؟!

وهكذا تفاصيل حياتها مع أبنائها - كأُم - ربت أفضل نموذج يمكن أن يقدمه القرآن والعترة الطاهرة من الذرية الصالحة... وكيف عاشت بعد أمير المؤمنين عليه‌السلام وبعد واقعة الطف؟!

تغافل المؤرخون والرواة عن متابعة تفاصيل حياة امرأة تعد لوحدها «أمة» و «مدرسة» متكاملة للأجيال، وخاضوا في جزئيات حياة حفنة من السفلة والأوغاد... ولعل من جملة الأسباب الكامنة وراء ذلك:

أنها كانت زوجة أمير المؤمنين عليه‌السلام ... عاشت في كنفه وفي ظل بيت ضم من قبلها فاطمة عليها‌السلام ومن ثم ضم الحسن والحسين وزينب، ومن غمرته أنوار الشمس تضاءل شعاعه مهما كان نيّراً...


وأنها كانت من المخدرات المستورات ولا يمكن للراوي والمؤرخ أن يخرق خدرها ويتصيد أخبارها، فكيف يروى لنا التاريخ قصة محجوبة لا تصل العيون إلى ظلها وأشباح شخصها؟!

أضف إلى أنها لم تكن من بنات الطواغيت الذين يطبل لهم المؤرخ المتملق أو الراوي المتزلّف، ودخلت بيت أمير المؤمنين عليه‌السلام الذي ظلمه التاريخ في كلّ تفاصيل حياته وبكلّ ما يمت إليه بصلة من قريب أو بعيد «وقد أخفى العدو فضائله حنقاً وحسداً وأخفاها محبه خوفاً وخرج من بين ذين وذين ما طبق الخافقين»، وأُم البنين عليها‌السلام وأبناؤها مفردة من المفردات المنسوبة لأمير المؤمنين عليه‌السلام .

ولهذا حاول المؤلف أن يستوعب حياة هذه المحجوبة المستورة بالرغم من العوائق والعراقيل وندرة النصوص، فكان كتابه من بين ما رأيت مما كتب في أُم البنين عليها‌السلام أكثر شمولية وسعة واستيعاباً، ولربما كان هذا سبب حدى بالمؤلف للاستطراد أحياناً والجنوح بعيداً عن الموضوع الذي ألّف الكتاب لأجله.

ولما كان هذا اللون من الاستطراد بعيد عن ذوق القارئ العربي من جهة وشرود بذهنه عن الموضوع بالكلية اضطررنا إلى حذفه وحذف المكرر من المطالب والقصص التي تكررت دون مبرر.

ولربما استبدلنا بعض القصص والروايات في مواضع محدودة بغيرها مما هو أنسب وأوثق وأجمل.

وأضفنا على الكتاب في عدة مواضع داخل الفصول وأضفنا إليه بعض العناوين والمطالب من قبيل «شريكات أُم البنين عليها‌السلام » وبعض مراثي أُم البنين وغيرها.

وقد استأذنت في ذلك كله المؤلف حفظه الله ورعاه، وهو من المؤلفين المعروفين والموالين لأهل البيت عليهم‌السلام فجزاه الله خيراً عن أُم البنين عليها‌السلام وعن ابنائها المستشهدين بين يدي الحسين وعن زوجها أمير المؤمنين عليه‌السلام .


ولا يفوتني أن أتقدّم بالشكر الجزيل والثناء الجميل لأخي العزيز الفاضل الماجد السيد محمد تقي الهاشمي صاحب «دار الكتاب الاسلامي» على ما قدمه بكل سخاء وما بذله من جهد وعناء ومتابعة في سبيل ترجمة هذا الكتاب وطبعه وتقديمه للقراء.

وأشكر ولدي البار السيد حسن أشرف حفظه الله ووفقه لكلّ خير وأقرّ عينه بزوجه وولده على ما بذله من جهد ومثابرة لصف حروف الكتاب وإخراجه بهذه الحلة الشيقة الجميلة.

فجزاهم الله عن جدّهم أمير المؤمنين عليه‌السلام وعمهم أبي الفضل العباس واخوانه وأُمهم أُم البنين عليها‌السلام .

ونسأل الله الرؤوف الرحيم أن يرزقنا حبّ أُم البنين، وحبّ أبناءها وزوجها أمير المؤمنين وزوجه البتول وذريتهما المعصومين وجدّهم سيد المرسلين، ويرزقنا والبراءة من أعدائهم ويغفر لنا ولوالدينا ومن ولدا ولجميع المؤمنين والمؤمنات ويعجل فرج قائمهم ويجعلنا من جنده وحزبه ألا إن حزب الله هم المفلحون.

سيد علي جمال أشرف

20 / 7 / 1423


الفصل الأول

الهوية الشخصية


الهوية الشخصية

اسمها: فاطمة (1) .

كنيتها: أم البنين (2) .

والأصل في هذه الكنية أنّ العرب تكني بها المرأة التي تلد ثلاثة أولاد فما فوق، وقد يكنى بعضهم ابنته، وهي في الطفولة، بهذه الكنية مجازاً على سبيل التفاؤل لهن بالبنين، كما كانوا يكنونهن بأمثال ذلك «كأم الخير» و «أم الكرام».

وقد تغلب الكنية حتى ينسى الاسم تماماً، كما حدث «لأم أيمن» و «أم سلمة» وكذلك حدث «لأم البنين» (3) .

أبوها: حزام (4) .

__________________

(1) عمدة المطالب: 356، أعلام النساء لكحالة 4 / 40 تنقيح المقال 3 / 70، إبصار العين: 25، أعيان الشيعة 7 / 429، أدب الطف 1 / 72.

(2) مروج الذهب 3 / 63، تاريخ الطبري 3 / 393، تاريخ اليعقوبي 2 / 213، الفصول المهمة 141 - 142، السلسلة العلوية: 88، المناقب لابن شهر آشوب 3 / 304، كشف الغمة 1 / 441.

(3) أنظر: أم البنين للسيد السويج: 12.

(4) بحار الأنوار 45 / 37، مقاتل الطالبيين: 81 وغيرها.


أمها: ثمامة (1) ، وقيل: ليلى (2) .

زوجها: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام .

أولادها: الشهداء الأربعة: العباس، عبد الله، جعفر، عثمان.

قبرها: في البقيع - المدينة المنورة.

* * *

__________________

(1) مقاتل الطالبيين: 82، إبصار العين: 25، أدب الطف 1 / 72.

(2) عمدة الطالب: 356.


الفصل الثاني

ولادتها عليها‌السلام


ولادتها عليها‌السلام

لم يحدد المؤرخون تاريخ ولادتها عليها‌السلام ، بيد أنّهم ذكروا أن تاريخ ولادة ابنها الأكبر العباس عليه‌السلام كانت في السنة السادسة والعشرين من الهجرة (1) .

__________________

(1) تنقيح المقال 2 / 128.


الفصل الثالث

الانتماء


(1) الانتماء

ينتهي نسب أُم البنين عليها‌السلام إلى جعفر بن كلاب زعيم هوزان ورئيسها في عصره.

وكانت هوزان تقطن في الطرف الجنوبي من مكة ويمتد نفوذها إلى حدود اليمن، مما جعل قسماً منهم يعيش البداوة وقسماً يعيش الحضرين، إلّا أنّهم اتفقوا جميعاً على عبادة الأوثان.

وكان بينهم وبين سكان مكة عداوات قديمة أدّت إلى نشوب الحرب بينهم مراراً، وقد اشترك في أحدها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعمه أبو طالب عليه‌السلام - ضد هوازن -، وقتل في أخرى «خويلد» والد خديجة عليها‌السلام أم المؤمنين وزوجة النبي الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فلما كان فتح مكة أمر رسول الله أن يطهر المسلمون أطراف مكة من الأصنام، فلمّا سمعت هوازن بذلك أقبلت بكل قبائلها وساقت معها نساءها وأموالها في عشرين ألف، واستعدت للحرب دفاعاً عن أصنامها، وهي تنوي أن تسيطر على مكة وتستريح من قريش، فخرجوا عن بكرة أبيهم.

فلما بلغ خبرهم إلى أهل مكة أصابهم الذعر، واضطربت قريش لمعرفتها بشجاعة هوزان وأقدام أبطالها، وهم يعلمون أنّ سيوف هوزان أخطر من صواعق السماء.

فاجتمع المسلمون جميعاً من أسلم منهم قبل الفتح وبعده، ونبذوا الخلافات،


ووحّدوا صفوفهم للوقوف أمام سيول هوازن الجارفة، سيما وأنّهم سمعوا أنّ هوازن أقبلت بقضها وقضيضها، ورجالها ونساءها وأموالها، فهي إذن عازمة على الموت أو الدخول إلى مكة فاتحة منتصرة.

فخرج المسلمون وقريش - وكانوا زهاء ألفي رجل - حتى إذا بلغوا «حنين»، وهو وادي يقع بين الطائف ومكة، باغتتهم هوازن، حيث كان القوم قد كمنوا في شعاب الوادي ومضائقه، فما راع المسلمون إلّا كتائب الرجال، فانهزموا جميعاً - إلّا عليّاً عليه‌السلام -.

فقتل منهم كثير تحت السنابك والأرجل، وهوازن تشدّد القبضة عليهم وتحاصرهم وترميهم من كل مكان، وليس للمسلمين عليهم سبيل؛ لأنهم في أسفل الوادي والعدو من فوقهم، فسيطر عليهم الرعب، وارتبك الموقف، واضطرب الرجال، ولم يكن همّ أحدهم إلّا النجاة بنفسه.

وهكذا استمرت المعركة لصالح هوازن، ولم يصمد أمامهم إلّا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمير المؤمنين، وثلّة قليلة ممن باعوا أرواحهم، واستصغروا أنفسهم في جنب الله.

وبالرغم من المقاومة المستميتة لهذه العصابة المؤمنة فانّ العدو استمر في التوغل بين صفوف المسلمين، فلم يجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بداً، فنادى برفيع صوته يخاطب المهاجرين والأنصار: إلى أين تفرون؟! لقد نصركم الله في مواطن كثيرة مع قلّة العدد، اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول الله، ارجعوا فان الله ناصركم...

ثم نظر إلى الناس ببعض وجهه فأضاء كأنّه القمر، ثم نادى: أين ما عاهدتم عليه الله؟ فاسمع أولهم وآخرهم، فلم يسمعها رجل إلّا رمى بنفسه إلى الأرض، فانحدروا حتى لحقوا العدو، وامتلأت قلوبهم بالأمل لوعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الصادق المصدق، حيث وعدهم بالنصر، واستعادوا رباطة جأشهم، والتأمت صفوفهم حتى طردوا من المضيق، ونقلوا المعركة إلى «أوطاس»، وهناك أنزل الله عليهم النصر فغلبوا عدوهم وأسروهم وغنموا أموالهم.


ومن ثم أعتق النبيب صلى‌الله‌عليه‌وآله من كان في سهمه إكراماً لمرضعته «حليمة السعدية» التي كانت من «هوازن» وردّ عليهم أموالهم، تبعه على ذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وفعل بعض الصحابة ما فعله النبي ووصيه، ثم تبعهم المسلمون جميعاً.

فلما رأى رجال هوازن هذا الوفاء والعفو والمرؤة والخلق السامي في المسلمين دخلوا الاسلام أفواجاً، واستأذنوا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في العودة، فأذن لهم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وكان فيهم «مالك بن عوف» قائدهم المقدام، وزعيمهم الشجاع، فأسلم وصار ذا صيت في جهاده من أجل رفع راية الدين الحنيف (1) .

كانت أُم البنين عليها‌السلام من نساء هذه القبيلة، حيث نشأت في بيت عرف رجاله بالشجاعة والكرم والسخاء، وكان لهم حظ وافر في العلم والمعرفة.

* * *

__________________

(1) انظر غزوة حنين: قصص الراوندي 350 الفصل 10، تفسير القمي 1 / 285 وما بعدها غزوة حنين، البحار 21 / 149، باب 28.


(2) أسرتها

هي فاطمة (1) بنت حزام (2) بن خالد بن ربيعة بن وحيد بن كعب بن عامر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن.

وأمها: ثمامة (3) من آل سهل بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب.

1 - وأمها: عمرة بنت الطفيل فارس قرزل ابن مالك الأجزم رئيس هوزان بن جعفر بن كلاب.

2 - وأمها: كبشة بنت عروة الرحال ابن عتبة جعفر بن كلاب.

3 - وأمها: أم الخشف بنت أبي معاوية فارس الهوازن ابن عبادة بن عقيل بن كلاب بن ربيعة بن عار بن صعصعة.

4 - وأمها: فاطمة (4) بنت جعفر بن كلاب.

5 - وأمها: عاتكة بنت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب جدة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله (5) .

__________________

(1) في تاريخ الخميس 2 / 317 «وايس» بدل «فاطمة».

(2) في الاصابة 1 / 37 والمعارف لابن قتيبة: 92: «حرام» بالراء المهملة.

(3) في عمدة الطالب: «ليلى».

(4) في الأغاني: «خالدة».

(5) قال في عمدة الطالب 357: «وأمها فاطمة بنت عبد شمس بن عبد مناف».


6 - وأمها: آمنة بنت وهب بن عمير بن نصر بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.

7 - وأمها: بنت جحدر بن ضبيعة الأغر ابن قيس بن ثعلبة بن عكاية بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن ربيعة بن نزار، جدّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

8 - وأمها: بنت مالك بن قيس بن ثعلبة.

9 - وأمها: بنت ذي الرأسين وهو خشيش بن أبي عاصم بن سمح بن فزارة (1) .

10 - وأمها: بنت عمرو بن صرمة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن نفيض بن الربت بن غطفان (2) .

هذا ما ذكره أبو الفرج في «المقاتل» من جدات أم البنين عليها‌السلام ، ومنه عرفنا آباءها وأخوالها، ويعرفنا التاريخ أنهم فرسان العرب في الجاهلية، ولهم الذكريات المجيدة في المغازي بالفروسية والبسالة مع الزعامة والسؤدد، حتى أذعن لهم الملوك، وهم الذين عناهم عقيل بن أبي طالب بقوله: «ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس» (3) .

أبو البراء عامر بن مالك:

فانّ من قومها أبا براء عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب جدّ ثمامة والدة أم البنين، وهو الجد الثاني لأم البنين، قيل له: «ملاعب الأسنة» لفروسيته وشجاعته، لقبه بذلك حسان لمارآه يقاتل الفرسان وحده وقد أحاطوا به قال: ما هذا إلّا ملاعب الأسنة.

__________________

(1) في قاموس اللغة: «خشين بن لاي» وفي تاج العروس: «لابى بن عصيم».

(2) أنظر: مقاتل الطالبيين: 87 ترجمة عبد الله بن علي عليه‌السلام .

(3) العباس عليه‌السلام للسيد المقرم: 127.


وقيل: إن أوس بن حجر قال فيه (1) :

يلاعب أطراف الأسنة عامر

فراح له حظ الكتائب أجمع

وهو الذي استعانه ابن أخيه عامر بن الطفيل على منافرة علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص لما تفاخرا على أن يسوق كلّ منهما مائة ناقة تكون لمن يحكم له، ووضع كل منهما رهناً من أبنائهم على يد رجل من بني الوحيد - فسمي الضمين إلى اليوم، وهو الكفيل -.

ولما استعانه عامر دفع اليه نعليه وقال له: استعن بهما في منافرتك فاني قد ربعت بهما أربعين مرابعاً.

والمرباع ما يأخذه الرئيس من ربع الغنيمة دون أصحابه خالصاً لنفسه وذلك عندما كانوا يغزون في الجاهلية (2) .

وهذا النعلان من مختصات الرئيس التي يخرج بها في الأيام الخاصة، وإلّا فلا مزية لهما حتى يستعين بهما على المنافرة.

عامر بن الطفيل:

ومنهم: عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب، وهو أخو عمرة، الجدة الأولى لأم البنين.

كان عامر أسود أهل زمانه، وأشهر فرسان العرب بأساً ونجدة، وأبعدها اسماً، حتى بلغ أن قيصر إذا قدم عليه قادم من العرب قال: ما بينك وبين عامر بن الطفيل؟ فان ذكر نسباً عظم عنده وأرفده وإلّا أعرض عنه.

__________________

(1) رسالة ابن زيدون بهامش الصفدي على لامية المعجم 1 / 130.

(2) أنظر: قصة المنافرة مفصلة: الأغاني 16 / 283 وما بعدها.


وفد عليه علقمة بن علاثة فانتسب له، فقال له قيصر: أنت ابن عم عامر بن الطفيل؟ فغضب علقمة.

ثم إنّه دخل على ملك الروم، فقال له: انتسب، فانتسب له، فقال الملك: أنت ابن عم عامر بن الطفيل، فغضب وخرج عنه (1) .

عروة الرحال:

ومنهم: عروة الرحال بن عتبة بن جعفر بن كلاب، والد كبشة، الجدة الثانية لأم البنين عليها‌السلام .

كان وافداً على الملوك، ولد قدر عندهم، ومن هنا سمي الرحال، وهو الذي أجاز لطيمة النعمان التي كان يبعث بها كل عام إلى «سوق عكاظ»، فقتله البراض بن قيس الكناني واستاق العير، وبسببه هاجت «حرب الفجار» بين حي «خندف» و «قيس» (2) .

الطفيل فارس قرزل:

ومنهم: الطفيل فارس قرزل، وهو والد عمرة، الجدة الأولى لأم البنين.

كان معروفاً بالشجاعة والفروسية، وهو أخو ملاعب الأسنة، وربيعة، وعبيدة، ومعاوية بنو جعفر بن كلاب.

يقال لأمهم: «أم البنين» وإياها عنى لبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب لما وفد بنو جعفر على النعمان بن المنذر، وكان سميره الربيع بن زياد العبسي، فتهموه بالسعي عليهم، فلما غدوا على النعمان كان معهم لبيد، وهو أصغرهم،

__________________

(1) سمط اللئالي 2 / 890، مجمع الأمثال 2 / 23.

(2) بلوغ الأرب 1 / 142.


فرأوا النعمان يأكل مع الربيع فقال لبيد:

يا واهب الخير الجزيل من سعه

نحن بنو أم البنين الأربعه

ونحن خير عامر بن صعصعه

المطعمون الجفتة المدعدعه

الضاربون الهام وسط الخيضعه

اليك جاوزنا بلاداً مسبعه

تخبر عن هذا خبيراً فاسمعه

مهلاً أبت اللعن لا تأكل معه

إنّ استه من برص ملمعه

وأنّه يولج فيها أصبعه (1)

يولجها حتى يواري أشجعه

كأنما يطلب شيئاً ضيعه (2)

فلم ينكر عليه النعمان ولا أحد من العرب؛ لأنّ لهم شرفاً لا يدافع؛ ولذلك طرد النعمان الربيع عن مسامرته وقال له:

شرد برحلك عني حيث شئت ولا

تكثر علي ودع عنك الأباطيلا

قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذباً

فما اعتذارك في شيء إذا قيلا (3)

إلى هنا تعرّفنا على قبيلة أم البنين عليها‌السلام وشخصيات أسرتها، فلننظر الآن كيف تزوج أمير المؤمنين عليه‌السلام هذه المرأة العظيمة؟

* * *

__________________

(1) إلى هنا من شواهدا المغني للسيوطي: 68.

(2) الزيادة من جمهرة الأمثال للعسكري 2 / 118 رقم 1362 «قولهم: قد قيل ذلك إن حقاً وإن كذبا».

(3) العباس للمقرم: 125 - 131.


الفصل الرابع

إلتآم الجوهرتين


الزواج

بعد أن توفيت ريحانة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله وسيدة نساء العالمين البتول، شهيدة في سبيل الله ودفاعاً عن الولاية والامامة، وكان مصاب بضعة المصطفى قد هدّ ركنه عليه‌السلام - دعى أمير المؤمنين عليه‌السلام أخاه عقيلا - وكان نسابة عالماً بأنساب العرب وأخبارهم وقال له:

انظر لي إمرأة قد ولدتها الفحولة من العرب، من ذوي البيوت والنسب والحسب والشجاعة؛ لكي أصيب منها ولداً يكون شجاعاً وعضداً، ينصر ولدي هذا، وأشار إلى الحسين عليه‌السلام يواسيه في طف كربلاء (1) .

وذلك مراد أمير المؤمنين عليه‌السلام من البناء على إمرأة ولدتها الفحولة من العرب، فان الآباء لابد وأن تعرق في البنين ذاتياتها وأوصافها. فاذا كان المولود ذكراً بانت فيه هذه الخصال الكريمة، وإن كانت أنثى بانت في أولادها. وإلى هذا أشار صاحب الشريعة الحقة بقوله: «الخال أحد الضجيعين فتخيروا لنطفكم».

وقد ظهرت في أبي الفضل الشجاعتان:

__________________

(1) أنظر: بطل العلقمي للمظفر 1 / 97 - 98، تنقيح المقال للمامقاني 2 / 128.


1 - الهاشمية: التي هي الأربى والأرقى من ناحية أبيه سيد الوصيين وأمير المؤمنين عليه‌السلام .

2 - العامرية: من ناحية أمه أم البنين (1) .

وعلى هذا رضى الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذا الخيار وبعث أخاه عقيلاً ليخطب له أم البنين عليها‌السلام من أبيها.

مهمة عقيل عليه‌السلام :

كان عقيل عليه‌السلام أخو الامام علي عليه‌السلام نسابة معروفاً، وله في علم الأنساب باع طويل.

وكان - يومها - للشاعر والقصاص والنسابة وصاحب السيف والكاهن والعراف موقع خاص؛ لندرتهم وشدّة الحاجة لتخصصاتهم، وكان الناس يرجعون اليهم وينفذون قولهم، ويكنون لهم احتراماً خاصاً، وهم قليلون معدودون في الغالب، فمثلاً اشتهر أمير المؤمنين عليه‌السلام بضربات سيفه، واشتهر امرؤ القيس بشعره وقصائده، واشتهر عقيل عليه‌السلام بخبرته وحفظه في الأنساب ومعرفته بالعرب وأيامها وقبائلها.

لذا دعاه أمير المؤمنين ذات يوم وقال له:

اختر لي إمرأة ولدتها الفحول من العرب، من ذوي البيوت والحسب والنسب؛ لتلد لي غلاماً شجاعاً فارساً رشيداً.

فقلّب عقيل قبائل العرب ظهراً لبطن، وفكر قدّراً، وفحص ونقّر، وجاس ديار أنساب العرب ودرس أخلاقهم وطباعهم حتى اختار له «فاطمة»، والتي سميت فيما بعد بأم البنين عليها‌السلام ، فعرضها على الامام أمير المؤمنين ذاكراً صفاتها وخصال أهلها وقبيلتها، فأمره الامام عليه‌السلام أن يخطبها من أهلها.

__________________

(1) العباس للمقرم: 127.


الخطبة:

مضى عقيل بن أبي طالب عليهما‌السلام في مهمته بأمر أخيه أمير المؤمنين عليه‌السلام حتى ورد بيت حزام بن خالد ضيفاً على فراش كرامته، وكان خارج المدينة...

فقال له عقيل: جئتك بالشرف الشامخ والمجد الباذخ.

فقال حزام: وما هو يابن عم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال: جئتك خاطباً.

قال: من لمن؟

قال عقيل: أخطب ابنتك الحرة فاطمة إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام علي بن أبي طالبل بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.

فلما سمع حزام هشّ وبشّ ثم قال: بخ بخ بهذا النسب الشريف والحسب المنيف، لنا الشرف الرفيع والمجد المنيع بمصاهرة ابن عم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبطل الاسلام وقاسم الجنة والنار، ولكن - يا عقيل - أنت جدّ عليم ببيت سيدي ومولاي، إنه مهبط وحي، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وأنّ مثل أمير المؤمنين عليه‌السلام حسنة، حتى تكون صالحة لشأنه العالي ومقامه السامي، وإنّ ابنتنا من أهل القرى والبادية، وأهل البادية غير أهل المدينة، ولعلها غير صالحة لأمير المؤمنين عليه‌السلام .

فقال عقيل: يا حزام إنّ أخي يعلم بكلّ ما قلته، وأنّه يرغب في التزويج بها.

فقال حزام: إذاً تمهّل حتى أسأل عنها أمها - ثمامة بنت سهل - هل تصلح لأمير المؤمنين عليه‌السلام أم لا؟ فانّ النساء أعلم ببناتهن من الرجال في الأخلاق والآداب.

الرؤية الصادق:

قام حزام من محلّه وجاء ليسأل، فلما قرب من المنزل واذا هو يرى فاطمة


جالسة بين يدي أمها، وهي تمشط رأسها، وفاطمة تقول: يا أماه إنّي رأيت في منامي رؤيا البارحة.

فقالت لها أمها: خير رأيت - يا بنية - قصيها عليّ.

فوقف حزام في مكانه بحيث يسمع الصوت ولا يراه أحد.

فقالت فاطةم لأمها: إني رأيت فيما يرى النائم؛ كأني جالسة في روضة ذات أشجار مثمرة وأنهار جارية، وكانت السماء صاحية، والقمر مشرقاً، والنجوم ساطعة، وأنا أفكر في عظمة خلق الله، من سماء مرفوعة بغير عمد، وقمر منير، وكواكب زاهرة، فبينما كنت في هذا التفكير ونحوه، وإذا أرى كأنّ القمر قد انقض من كبد السماء ووقع في حجري، وهو يتلألأ نوراً يغشي الأبصار، فعجبت من ذلك، واذا بثلاثة نجوم زواهر قد وقعوا أيضاً في حجري، وقد أغشى نورهم بصري، فتحيرت في أمري مما رأيت، واذا بهاتف قد هتف بي، أسمع منه الصوت ولا أرى الشخص، وهو يقول:

بشراك فاطمة بالسادة الغرر

ثلاثة أنجم والزاهر القمر

أبوهم سيد في الخلق قاطبة

بعد الرسول كذا قد جاء في الخبر

فلما سمعت ذلك ذهلت وانتبهت فزعة مرعوبة، هذه رؤياي يا أماه فما تأويلها؟!

فقالت لها أمها: يا بنية؛ إن صدقت رؤياك، فانك تتزوجين برجل جليل القدر، رفيع الشأن، عظيم المنزلة عند الله، مطاع في عشيرته، وترزقين منه أربعة أولاد، يكون أولهم وجهه كأنّه القمر، وثلاثة كالنجوم الزواهر.

فلما سمع حزام ذلك أقبل عليهما وهو مبتسم ويقول:

هذا عقيل بن أبي طالب جاء يخطب ابنتك للامام علي عليه‌السلام وقد استمهلته حتى أسألك عن ابنتك؛ هل تجدين فيها كفاءة بأن تكون زوجة لأمير المؤمنين عليه‌السلام ؟


واعلمي أن بيته بيت الوحي والنبوة، والعلم والآداب والحكمة، فان تجديها أهلاً لأن تكون خادمة في هذا البيت وإلّا فلا.

فقالت زوجته ذات القلب المفعم بالولاء للامامة:

يا حزام إنّي - والله - ربيتها وأحسنت تربيتها، وأرجو الله العلي القدير أن يسعد جدّها، وأن تكون صالحة لخدمة سيدي ومولاي أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فزوجها به (1) .

فأقبل حزام على ابنته يهنئها ويشركها في فرحته:

يهنيك فاطمة بالفارس البطل

نعم القرين أمير المؤمنين علي عليه‌السلام

من للأنام إمام حجة وولي

للمؤمنين أمير والغدير جلي

من لي بزوج كعلي عليه‌السلام ؟

لمّا سمعت أم البنين عليها‌السلام أنها خطبت لأمير المؤمنين غمرها السرور وطار قلبها بالفرح والحبور، وتناثر عرق الحياء على محياها كاللؤلؤ على صفيحة النور، واختارت السكوت فلم تحرك لسانها، وجنانها يتدفق بالكلمات تعبيراً عن فرحتها بهذا الزواج السعيد....

أجل؛ كيف لا تفرح ولا تغمرها السعادة؟! وهي ترى الحياء في عيني علي عليه‌السلام وسلطان الاسلام في يديه، والاستقامة والعدالة في خطواته، ونور الهداية المحمدية في قلبه؟!... وإنّ في هذه الزيجة المباركة فخراً عميماً، وشرفاً عظيماً، وسعادة لم تخيب، لها ولأهلها وعشيرتها جميعاً.

لقد أقسمت أم البنين عليها‌السلام أنها ستكون كالأم الرؤوم للحسنين عليهما‌السلام ، فدخلت إلى بيت العصمة تحمل معها عالماً من المحبة والمودة والحنان.

* * *

__________________

(1) أنظر: مولد العباس محمد علي الناصري: 35 وما بعدها.


هكذا كانت أُم البنين:

وهكذا خطبها عقيل، ثم أجرى النكاح وكالة عن أخيه أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فاستعدت أم البنين فاطمة بنت حزام للرحيل إلى بيت الإمام عليه‌السلام .

ولما دخل بها الامام عليه‌السلام وجدها إمرأة ذات عقل وإيمان وأدب، ورأى فيها ما أسرّه من الحسن والجمال والهيئة والكمال، حيث كانت أم البنين عليها‌السلام من النساء الفاضلات العارفات بحقّ أهل البيت عليهم‌السلام ، كما كانت فصيحة بليغة لسنة ورعة ذات زهد وتقى وعبادة.

وبلغ من عظمها ومعرفتها وتبصرها بمقام أهل البيت عليهم‌السلام أنها لما دخلت على أمير المؤمنين عليه‌السلام وكان الحسنان مريضين أخذت تلاطف القول معهما، وتلقي اليهما من طيب الكلام ما يأخذ بمجامع القلوب، وما برحت على ذلك تحسن السيرة معهما وتخضع لهما كالأم الحنون.

ولا بدع في ذلك فانها ضجيعة شخص الايمان، قد استضاءت بأنواره وربت في روضة أزهاره، واستفادت من معارفه، وتأدبت بآدابه، وتخلقت بأخلاقه (1) .

أم البنين هي تلك المرأة التي كان يريدها علي عليه‌السلام ، إمرأة وقور، تقعد في بيتها وتربي له رجالاً أشاوس، وفرسان أقوياء من أمثال أبي الفضل العباس عليه‌السلام الذي ضرب المثل الأعلى في الشجاعة والمواساة والاقدام والوفاء، وخاض لجج الموت، واقتحم غمرات الحروب، وجال بين صفوف الأعداء في ساحات الوغى منذ بدايات شبابه، وهو لا يهاب الموت، ولا يعبأ بوميض السيوف ورؤوس الحراب الخاطفة كالبرق.. كان قلبه أشدّ من زبر الحديد أمام الأعداء.

* * *

__________________

(1) العباس للمقرم: 133.


الفصل الخامس

صفات النساء الممدوحات


صفات

النساء الممدوحات

لقد علّم أمير المؤمنين عليه‌السلام البشرية جمعاً الموازين التي على أساسها تنتخب الزوجة، فلا بأس بالقاء نظرة على جملة من الآداب والأحكام الاسلامية الرائعة في هذا المجال.

هكذا فلتكن المرأة التي تتبع مذهب أهل البيت عليهم‌السلام :

روى المرحوم العلامة الفيض الكاشاني في الوافي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: كنا عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال:

إن خير نسائكم: الولود، الودود، العفيفة، العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرجة (1) مع زوجها، الحصان (2) على غيره، التي تسمع قوله، وتطيع أمره، وإذا خلا بها بذلت له ما يريد منها، ولم تبذل (3) كتبذل الرجل (4) .

__________________

(1) التبرج: اظهار الزينة.

(2) الحصان: العفيفة.

(3) التبذل: ترك التصاون.

(4) الكافي 5 / 324، ج 1، وسائل الشيعة 20 / 29 ح 24942 باب 6.


وعن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال:

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : خير نسائكم الخمس،

قيل: وما الخمس؟

قال: الهينة، اللينة، الموايتة، التي إذا غضب زوجها لم تكتحل بغمض حتى يرضى، وإذا غاب عنها زوجها حفظته في غيبته، فتلك عامل من عمال الله، وعامل الله لا يخيب.

إذن فثمة عشر صفات ممدوحة في المرأة:

1 - الولود.

2 - العفيفة.

3 - العزيزة في أهلها.

4 - الذليلة مع بعلها.

5 - المتبرجة مع زوجها.

6 - الحصان على غيره.

7 - التي تسمع قول زوجها.

8 - التي تطيع أمره.

9 - التي إذا خلا بها بذلت له ما يريد منها.

10 - التي إذا غاب عنها زوجها حفظته.

هذا بالاضافة إلى الصفات الأخرى المذكورة في الحديثين المذكورين وغيرهما من الأحاديث الشريفة (1) .

ثم قال صلى‌الله‌عليه‌وآله ألا أخبركم بشرار نسائكم؟: الذليلة في أهلها، العزيزة مع بعلها، العقيم، الحقود، التي لا تتورع من القبيح، المتبرجة إذا غاب عنها بعلها، الحصان معه

__________________

(1) انظر للمزيد وسائل الشيعة، جزء: 20.


إذا حضر، لا تسمع قوله، ولا تطيع أمره، واذا خلا بها بعلها تمنعت منه (1) كما تمنع الصعبة عند ركوبها، ولا تقبل منه عذراً، ولا تغفر له ذنباً.

وعن الصادق عليه‌السلام قال: أغلب الأعداء للمؤمن زوجة السوء (2) .

وعنه عليه‌السلام أيضاً قال: كان من دعاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أعوذ بك من إمرأة تشيبني قبل مشيبي (3) .

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : أفضل نساء أمتي أصبحهن وجهاً وأقلهن مهراً (4) .

وقال عليه‌السلام : اعلموا أن السوداء إذا كانت ولوداً أحبّ إليّ من الحسناء العاقر (5) .

وقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما استفاد امرؤ مسلم فائدة بعد الاسلام أفضل من زوجة مسلمة تسرّه إذا نظر اليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه إذا غاب عنها في نفسها وماله (6) .

وفي رواية: وامرأة صالحة تعينه على أمر الدنيا والآخرة (7) .

وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : اختاروا لنطفكم فانّ الخال أحد الضجيعين (8) .

في رواية أخرى: تخيروا لنطفكم فان الابناء يشبهون الأخوال.

وفي المثل المعروف: ابن الحلال أشبه بالخال.

__________________

(1) الكافي 5 / 325 ح 1، الفقيه 3 / 247 ح 1176، وسائل الشيعة 20 / 33 ح 24957 باب 7.

(2) الفقيه 3 / 247 ح 1170، وسائل الشيعة 20 / 25 ح 24937 باب 4.

(3) الكافي 5 / 326 ح 3، وسائل الشيعة 20 / 34 ح 24960 باب 7.

(4) الكافي 5 / 324 ح 4، التهذيب 7 / 404 ح 1615، الفقيه 3 / 243 ح 1156، وسائل الشيعة 20 / 6 ح 24948 باب 6.

(5) الفقيه 3 / 248 ح 1178، وسائل الشيعة 20 / 54 ح 25017 باب 15.

(6) الكافي 5 / 327 ح 1، التهذيب 7 / 240 ح 1047، الفقيه 3 / 246 ح 1168، المقنعة: 76، وسائل الشيعة 20 / 40 ح 24979 باب 9.

(7) الكافي 5 / 327 ح 6، وسائل الشيعة 20 / 42 ح 24982 باب 9.

(8) الكافي 5 / 332 ح 2، وسائل الشيعة 20 / 48 ح 24999 باب 13.


وقال تعالى: ( قَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ ) (1) قيل: المراد بالتقديم طلب الولد الصالح والسعي في حصوله (2) . أي اطلبوا المرأة التقية الصالحة لتلد لكم أولاداً صالحين.

فقد روي: وانظر في أي نصاب تضع ولدك فان العرق دساس (3) .

والمرأة وعاء ينبغي أن يتلطف الرجل ويدفق في اختياره؛ لئلا تضيع أتعابه وتذهب ذريته أدراج الرياح.

قال الله تعالى: ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) (4) ...

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إياكم وخضراء الدمن (5) .

إنطلاقاً من هذه الحكم دعا أمير المؤمنين عليه‌السلام أخاه عقيلاً ليختار له امرأة ولدتها الفحولة، من ذوات البيوت المعروفة بالشجاعة والخلق السامي، فكانت النتيجة اختيار زبدة المخدرات، والدرة المصفاة «أمّ البنين» عليها أفضل الصلوات، التي انجبت له قمر بني هاشم واخوته النجباء، الذين طبقت شهرتهم الآفاق، وصاروا قبلة للمجاهدين والأحرار، وبزوا رجال العلم والعرفان، وسبقوا في طريق الخير والحق واليقين (6) .

أجل؛ لقد صار زواج أمير المؤمنين عليه‌السلام بهذه الخصوصيات مثلاً يحتذى به المسلمون، ودرساً يلقنهم مستوى التدقيق في أمر الزواج، والالتزام بآداب الشريعة

__________________

(1) سورة البقرة: الآية 223.

(2) بحار الأنوار 78 / 74 باب 4.

(3) شرح نهج البلاغة 12 / 116.

(4) سورة البقرة: الآية 223.

(5) وسائل الشيعة 20 / 48 ح 25001 باب 14.

(6) انظر الخصائص العباسية (للكلباسي الاصفهاني): 82.


الغراء؛ لينالوا سعادة الدارين وخير الدنيا والدين، ويستفيدوا أولاداً صالحين باعتبارهم ثمار عمر الزوجين، والسرّ في خلودهما وبقاء نسلهما، وامتدادها الطبيعي في النشأتين.

بيد أنّ الناس لربما أعرضو عن تعاليم أئمة المؤمنين، وأقدموا على ما يريدون من منطلق الجهل لا الدين، فيتسامحون في أمر الزواج ويتساهلون، فينطلقون - في قضايا الزواج - بدوافع الشهوة، وينظرون إلى الجمال والمال، ويغفلون عن بقاء النسل، وامتداد الآباء في الأبناء، وتقديم الأولاد الصالحين للمجتمع البشري ليكونوا لهم ذخراً في العالمين.

فلو أنّ فلاحاً أراد أن يزرع الشعير لبذل جهده، وأنفذ ما في وسعه في تطهير الأرض وإعدادها، واختيار البذرة وطريقة بذرها وسقيها ورعايتها؛ كي تعطيه النتيجة المطلوبة، وتحقق له الغاية المرغوبة، ولكن - وللاسف الشديد - قد يغفل الانسان بالكامل عن الظروف التي يريد أن ينثر فيها بذور الانسان الذي جعله الله العلة الغائية للموجودات، وخلق من أجله الكون والمخلوقات، والمرأة حرث كما سماها القرآن حيث قال تعالى:

( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (1) .

فالمرأة حرث الرجل ومزرعته، ينثر فيها بذر الانسانية، فلا ينبغي له التهاون في أمرها: غير أنّ من المؤسف أن تجد من لا يهتم بطهارة المحل، وقد يقيض الله له امرأة عفيفة طاهرة فينصرف عنها الرجل - والعياذ بالله - ويتورط بالارجاس والخبائث وتسريح النظر في غير ما أحل الله.

__________________

(1) سورة البقرة: الآية 223.


تأثير الظروف على الجنين:

وقد لا يهتم بالظروف التي ينثر فيها بذره من زمان أو مكان أو غيرها، والحال أنّ كل هذه الظروف لها أثر فعال على النطفة ونشؤها وحياة المتولد منها.

فلربما كان الجماع في بعض الأوقات ينتج نطفة يتولد منها شقي يبغض الدين وأهله، كما لو جامع أهله وهي حائض، فقد ورد أن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال عن ابن ملجم (قاتله): إنّ أمه حملت به وهي حائض.

ولربما أدى الجماع في بعض الأوقات إلى خروج الولد ناقصاً، أو سيء الخلق، أو شقي، أو قاسي القلب، كما لو جامع أهله ليلة عيد الأضحى أو ليلة النصف من شعبان.

ولربما كان الجماع في بعض الأوقات أو الحالات سبباً لخروج الولد أعمى القلب بخيل اليد، كما لو جامع أهله وهي حامل وهو على غير وضوء.

فقد ورد عنهم عليهم‌السلام : «إذا حملت امرأتك فلا تجامعها إلّا وأنت على وضوء فانه إن قضي بينكما ولد يكون أعمى القلب بخيل اليد..» (1) .

لأنّ نطفة المؤمن محترمة، فلا ينبغي له أن يقارب زوجته إلا بعد الطهارة، تماماً كما ينبغي له الوضوء إذا أراد دخول المسجد و «المؤمن أعظم حرمة من الكعبة» (2) .

وروي عنهم عليهم‌السلام : لا تجامع امرأتك في وجه الشمس وتلألوئها إلّا أن ترجي ستراً فيستركما، فانه إن قضي بينكما ولد لا يزال في بؤس وفقر حتى يموت.

__________________

(1) المصدر نفسه.

(2) الخصال 1 / 27 باب المؤمن أعظم حرمة من الكعبة ح 95 وما بعده، مشكاة الأنوار: 83 الفصل الرابع 193 في آداب المعاشرة.


ولا تجامع أهلك على سقوف البنيان، فانه إن قضي بينكما ولد يكون منافقاً مرائياً مبتدعاً (1) .

ولكي نختم كلامنا هنا بالمسك نذكر درراً من كلمات المولى زين العابدين وسيد الساجدين الامام علي بن الحسين عليه‌السلام في حقوق الزوجة.

حق الزوجة:

قال عليه‌السلام : وأما حق الزوجة: فان تعلم أنّ الله - عزّ وجل - جعلها لك سكناً وأنساً، فتعلم أنّ ذلك نعمة من الله - عزّ وجل - عليك فتكرمها وترفق بها - وإن كان حقك عليها أوجب، فان لها عليك أن ترحمها لأنها أسيرك، وتطعمها وتكسوها، واذا جهلت عفوت عنها (2) .

* * *

__________________

(1) أنظر للمزيد: الفقيه 3 / 553 باب النوادر، وسائل الشيعة 20 / 252، بحار الأنوار 100 / 282 باب 8 آداب الجماع وفضله، الاختصاص: 134 أحاديث وصايا النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام ، أمالي الصدوق: 569 المجلس 84، مكارم الأخلاق: 211 الفصل الرابع في آداب الزفاف.

(2) الفقيه 2 / 621 باب الحقوق ح 3214، وسائل الشيعة 15 / 172 باب 3 ح 20226، أمالي الصدوق: 318 المجلس 59 ح 1، الخصال 2 / 567 الحقوق الخمسون ح 1، مكارم الأخلاق: 419 الفصل الأول في ذكر الحقوق (لزين العابدين عليه‌السلام .


الفصل السادس

قانون الوراثة


قانون الوراثة

لقد نص قانون الوراثة في الاسلام على أنّ ما يقدمه الرجل من خير وفضيلة طلباً لرضا الله - تعالى - يعود عليه وعلى ولده وذريته.

روى في البحار عن تفسير العياشي عن الصادق عليه‌السلام : إنّ الله ليفلح بفلاح الرجل المؤمن ولده وولد ولده، ويحفظه في دويرته ودويرات حوله، فلا يزالون في حفظ الله لكرامته على الله، ثم ذكر الغلامين فقال: ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) ألم تر أنّ الله شكر صلاح أبويهما لهما (1) .

وفي الارشاد للدليمي عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله يحفظ الرجل في ولده وولد ولده ودويرات حوله.

قال: وجاء في تأويل قوله تعالى ( وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ) إنّه كان بينهما وبين أبيهما الصالح سبعة أجداد وقيل: سبعين جداً (2) .

وقد قدّم أبو طالب عليه‌السلام كلّ خدمة، وضحى بكلّ شيء من أجل رعاية يتيم أخيه عبد الله وحفظه والقيام بشؤونه، وكان بذلك أكفأ من نفذ وصية عبد المطلب في

__________________

(1) بحار الأنوار 13 / 312 باب 10 ح 49 عن تفسير العياشي 2 / 337.

(2) الارشاد (للدليمي) 1 / 143.


حفيده، فعوّضه الله عن تلك التضحية ولداً فذاً فريداً عقمت عن مثله النساء كأمير المؤمنين علي عليه‌السلام ، فانك لا ولم ولن تجد له نداً قط. فقد آمن بالنبي ورسالته وهو في العاشرة من عمره، فنال وسام «أول من آمن»، وشارك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في كل مواقفه وأيامه ومصائبه ومحنه، وكان عضده وحامل رايته وسيفه الذي أقام به أسس رسالته، وشيّد بيده أركان دينه، ولم يتخلف عنه في موقف مهما كان صغيراً أو كبيراً.

فدخل معه الشعب وتحمل ما تحمل معه هناك من مضايقات ومصاعب، وختم جهاده في مكة بعد ثلاثة عشر عاماً بالفداء ليلة المبيت حيث فدى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بنفسه وشراها الباري منه بأغلى ثمن، وأنزل فيه قرآناً يتلى إلى يوم القيامة.

ثم هاجر معه إلى المدينة فكان هناك السبّاق إلى المكرمات والمضحي الأول الذي ذبّ الكرب عن وجه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكان المقدام الذي اقتحم غمار الموت في كلّ حروب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وغزواته من أجل ترسيخ دعائم الدين الحنيف.

وبعد ذلك كلّه دعا الله مخلصاً أن يؤتيه ولداً شجاعاً وفياً ينصر ابن بنت نبيه كما نصر هو بنفسه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فأتاه الله «العباس بن علي عليه‌السلام ». فكان ناصراً ومعيناً لأبي عبد الله الحسين عليه‌السلام .

* * *


الفصل السابع

فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام


فضائل

أمير المؤمنين عليه‌السلام

لما كان الكتاب الحاضر في حياة أم البنين عليها‌السلام ومكارمها كان المناسب أن نتعرض لشطر من فضائل زوجها مولى المتقين وأمير المؤمنين عليه‌السلام تيمناً وتبركاً، نسمعها من أفواه أعدائه وأحبائه، ثم تعود مرة أخرى للحديث عن أم البنين عليها‌السلام وأبنائها.

* * *


الأول

علي عليه‌السلام

في القرآن والسنة

ذكر العلامة الحلي في كتاب «نهج الحق» ثمانية وثمانين دليلاً من القرآن الكريم لاثبات إمامة الامام علي عليه‌السلام حيث شهد أهل السنة أنفسهم أنها نزلت في علي عليه‌السلام .

وأضاف اليها في «ملحقات إحقاق الحق» أربعة وتسعين موضعاً استند فيها إلى كتب العامة.

وقد ورد في كتبهم أنّه ما نزل آية فيها ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ) إلّا وكان علي عليه‌السلام سيدهم وأميرهم.

والأحاديث النبوية في فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام قد تجاوزت حدّ الاحصاء والحصر، وقد ذكر في «ملحقات إحقاق الحق» فقط ثمانية مجلدات ضخمة في فضائله المروية عن طريق السنة (1) .

وسنروي لك باقة منها كنموذج ليس إلّا.

__________________

(1) اسلام شناسي (للشيخ أبي طالب تجليلي التبريزي): 192.


1 - قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله - تعالى - أوحى إليّ في علي ثلاثة أشياء ليلة أسري بي: أنّه سيد المرسلين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين (1) .

2 - وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ أخي ووزيري وخير من أخلف بعدي علي بن أبي طالب عليه‌السلام (2) .

3 - عن بريدة قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لكلّ نبي وصي ووارث وإنّ علياً وصي ووارثي (3) .

4 - قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أتاني جبرئيل وقد نشر جناحيه فاذا فيها مكتوب على أحدهما «لا اله الا الله محمد النبي» ومكتوب على الآخر «لا إله إلّا الله علي الوصي» (4) .

5 - قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب عليه‌السلام (5) .

6 - وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : علي بن أبي طالب يزهر في الجنة ككوكب الصبح لأهل الدنيا (6) .

__________________

(1) ميزان الاعتدال 7 / 206، ذخائر العقبى: 70، المستدرك على الصحيحين 3 / 148، مجمع الزوائد 9 / 121، المعجم الصغير 2 / 192 ح 1012.

(2) البحار 38 / 12 باب 56، مودة القربى: 22، ينابيع المودة 2 / 299 الباب 56 ح 855.

(3) ذخائر العقبى: 71 وقال: أخرجه الحافظ أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة، المناقب للخوارزمي: 84 ح 74، المناقب لابن المغازلي: 200 ح 238، ينابيع المودة 1 / 235 باب 15 ح.

(4) كشف الغمة 1 / 297 في ذكر أنّه أقرب الناس إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كشف اليقين: 10 الفصل الاول، الصراط المستقيم 1 / 243 الفصل 24، البحار 27 / 9 باب 10.

(5) البحار 39 / 39 باب 73، عن كتاب المصنف في فضائل الصحابة للبيهقي، إرشاد القلوب 2 / 217، الصراط المستقيم 1 / 212 الفصل 18، كشف الغمة 1 / 114، كشف اليقين: 53 المبحث الثاني: نهج الحق: 236 الثاني العلم، ينابيع المودة 2 / 83 باب 56، الفردوس للديلمي 3 / 90 ح 3997.

(6) البحار 40 / 76 باب 91، العمدة: 363، الجامع الصغير 2 / 178 ح 5599.


7 - قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :... يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً؟

قالواو: بلى يا رسول الله.

قال: هذا علي فأحبوه بحبي، وأكرموه بكرامتي، واتبعوه، إنه مع القرآن والقرآن معه، وإنّه يهديكم إلى الهدى ولا يدلكم على الردى، فان جبرئيل أخبرني بالذي قلته لكم عن الله عزّ وجل (1) .

8 - وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : علي خير البشر من شكّ فيه فقد كفر (2) .

9 - قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : مكتوب على باب الجنة قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بألفي عام «لا إله الا الله محمد رسول الله وعلي أخوه» (3) .

10 - عن ابن مسعود قال: خرج رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من بيت زينب بنت جحش وأتى بيت أم سلمة - وكان يومها - فجاء علي فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله :

يا أم سلمة؛ هذا علي أحبيه، لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو عيبة علمي.

واسمعي واشهدي؛ إنه قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي، وهو قاسم أعدائي، ومحيي سنتي.

واسمعي واشهدي؛ لو أنّ عبداً عبد الله ألف عام وألف عام وألف عام بين الركن والمقام، ولقى الله - تعالى - مبغضاً لعلي أكبّه الله على منخريه في جهنم يوم القيامة (4) .

__________________

(1) ذخائر العقبى: 70 فضائل علي 7، ينابيع المودة 2 / 161 الباب 56 ح 455، بحار الانوار 40 / 59 باب 91، تفسير فرات: 163 سورة التوبة.

(2) كنوز الحقائق: 98، الفردوس (للدليمي) 3 / 89 ح 3994، ينابيع المودة 2 / 78 باب 56 ح 80، مودة القربي: 14، منتخب كنز العمال 5 / 35.

(3) المناقب (لابن المغازلي): 91 ح 134، حلية الأولياء 7 / 256، ذخائر العقبى: 66، مجمع الزوائد 9 / 111، منتخب كنز العمال 5 / 35، ينابيع المودة 2 / 237 باب 56 ح 662.

(4) فرائد السمطين 1 / 331 ح 657، ينابيع المودة 1 / 390 باب 44 ح 2، ذيل اللئالي: 65.


11 - وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : حق علي على هذه الأمة كحق الوالد على ولده (1) .

12 - وعنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : لا تزول قدم عن قدم يوم القيامة حتى يسأل الرجل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله ممّ كسبه وفيم أنفقه، وعن حبنا أهل البيت... (2) .

13 - وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : حبّ علي براءة من النار (3) .

14 - وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : لو أنّ عبداً عبد الله مثل ما قام نوح في قومه وكان له مثل أحد ذهباً فانفق في سبيل الله، ومدّ في عمره حتى يحج ألف عام على قدميه، ثم سعى بين الصفا والمروة، ثم قتل مظلوماً، ثم لم يوالك يا علي لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها (4) .

15 - وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا علي؛ لو أنّ أمتي صاموا حتى يكونوا كالحنايا، وصلّوا حتى يكونوا كالأوتار، ثم أبغضوك لأكبهم الله - تعالى - على وجوههم في النار (5) .

__________________

(1) كنوز الحقائق (للمناوي): 69، الفردوس (للدليمي) 2 / 132 ح 2674، فرائد السمطين 1 / 297 ح 235، ينابيع المودة 1 / 370 باب 41 ح 5، المناقب (للخوارزمي): 310 ح 306، المناقب (لابن المغازلي): 47 ح 70.

(2) المناقب (للخوارزمي): 76 ح 59، جواهر العقدين 2 / 246، المناقب (لابن المغازلي): 119 ح 157، مجممع الزوائد 9 / 346، سنن الترمذي 4 / 36 ح 2532 (كتاب صفة القيامة)، كنز العمال 14 / 379 ح 38982، ينابيع المودة 2 / 360 باب 58 ح 27 و 28.

(3) كنوز الحقائق: 67، الفردوس (للدليمي) 2 / 226 ح 2545، مودة القربى: 20، ينابيع المودة 2 / 75 باب 56 ح 55.

(4) مودة القربى: 21، المناقب (لابن شهر آشوب) 3 / 198، ينابيع المودة 2 / 293 باب 56 ح 845.

(5) فرائد السمطين 1 / 51 باب 4 حديث 16، المناقب (لابن المغازلي): 90 ح 133 و 297 ح 340، مقتل الحسين (للخوارزمي): 108 ح 250، المستدرك (للحاكم) 3 / 160، كفاية الطالب: 318، ترجمة الامام علي (لابن عساكر) 1 / 143 ح 179، ينابيع المودة 1 / 271 ح 5 باب 20.


16 - عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لو أنّ الرياض أقلام، والبحر مداد، والجن حساب، والانس كتاب، ما أحصوا فضائل علي بن أبي طالب (1) .

17 - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لما أسري بي في ليلة المعراج فاجتمع عليّ الأنبياء في السماء، فأوحى الله - تعالى - إليّ: سلهم يا محمد بماذا بعثتم؟

فقالوا: بعثنا على شهادة أن لا إله الا الله وحده، وعلى الاقرار بنبوتك، والولاية لعلي بن أبي طالب (2) .

18 - قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إذا اجتمع الناس على حبّ علي بن أبي طالب ما خلق الله النار (3) .

19 - قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ليلى أسري بي إلى السماء أمر بعرض الجنة والنار عليّ فرأيتهما جميعاً، رأيت الجنة وألوان نعيمها، ورأيت النار وألوان عذابها، وعلى كلّ باب من أبواب الجنة الثمانية: «لا اله الا الله محمد رسول الله علي ولي الله» (4) .

20 - قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : رأيت ليلى أسري بي إلى السماء الرابعة ديكاً، بدنه درة بيضاء، وعيناه ياقوتتان حمراوان، ورجلاه من الزبرجد الأخضر، وهو ينادي: «لا إله إلّا الله محمد رسول الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ولي الله فاطمة وولدها الحسن والحسين صفوة الله، يا غافلين اذكروا الله، على مبغضيهم لعنة الله» (5) .

__________________

(1) مائة منقبة (لابن شاذان): ح 99، المناقب (للخوارزمي): 328 ح 341، كفاية الطالب: 151، ينابيع المودة: 2 / 254 باب 56 ح 713.

(2) ينابيع المودة 2 / 246 باب 56 ح 692، الصراط المستقيم: 141، روضة الواعظين 1 / 59.

(3) الفردوس (للدليمي) 3 / 419 ح 5175، ينابيع المودة 2 / 244 باب 56 ح 684.

(4) البحار 27 / 10 باب 10 ح 24.

(5) البحار 37 / 47 باب 50 ح 24، اليقين: 391 باب 141.


نقش خاتم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله «علي ولي الله»:

التختم من السنن الشرعية، وهو زينة للانسان، وفيه من المنافع المعنوية والنفسية والقيم الجمالية الشيء الكثير.

وكان في سالف الزمان لكلّ فرد خاتم ينقش عليه كلمة أو عبارة خاصة تعد بمثابة «الختم» في العصور المتأخرة، فكما يضرب بالختم في نهاية الكتاب الرسمي أو ما شاكل لتأكيد الانتساب، كان الخاتم في ذلك الزمان يؤدي نفس الدور.

وقد روى لنا المولى أبو عبد الله الحسين عليه‌السلام ذكرى جميلة عن خاتم جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: أعطى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله علياً عليه‌السلام خاتماً لينقش عليه «محمد بن عبد الله» فأخذه أمير المؤمنين عليه‌السلام فأعطاه النقاش فقال له: انقش عليه «محمد بن عبد الله»، فنقش النقاش عليه «محمد رسول الله».

فجاء أمير المؤمنين عليه‌السلام فقال: ما فعل الخاتم؟

فقال: هو ذا.

فأخذه ونظر إلى نقشه فقال: ما أمرتك بهذا!

قال: صدقت، ولكن يدي أخطأت.

فجاء به إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا رسول الله ما نقش النقاش ما أمرت به، وذكر أنّ يده أخطأت، فأخذه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ونظر اليه فقال: يا علي أنا محمد بن عبد الله وأنا محمد رسول الله، وتختم به.

فلما أصبح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله نظر إلى خاتمه فاذا تحته منقوش «علي ولي الله»، فتعجب من ذلك النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فجاء جبرئيل عليه‌السلام فقال: كان كذا وكذا.

فقال: يا محمد كتبت ما أردت وكتبنا ما أردنا (1) .

__________________

(1) أمالي الطوسي: 705 المجلس 41 ح 2، البحار 40 / 37 باب 91 ح 72.


اعتراف عمر بأن عين علي عليه‌السلام عين الله:

جاء رجل يستعدى عمر على علي عليه‌السلام فقال: يا أمير... إنّ علياً لطم عيني.

فوقف عمر حتى مرّ علي فقال: ألطمت عين هذا يا أبا الحسن؟

فقال علي عليه‌السلام : نعم رأيته يتأمل حرم المؤمنين.

فقال عمر: أحسنت يا أبا الحسن.

ثم قال للرجل: اذهب وقعت عليك عين من عيون الله، وحجاب من حجب الله، تلك يد الله اليمنى يضعها حيث يشاء (1) .

اعتراف معاوية:

قال ابن عبد البر القرطبي في الاستيعاب:

وكان معاوية يكتب فيما ينزل به ليسأل له علي بن أبي طالب عليه‌السلام عن ذلك، فلما بلغه قتله قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب.

فقال له أخوه عتبة: لا يسمع هذا منك أهل الشام.

فقال له: دعني عنك (2) .

وقال معاوية لضرار صف لي علياً.

قال: اعفني يا أمير....

قال: لتصفنه.

قال: أما إذا لابد من وصفه، فكان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، ويستوحش من

__________________

(1) فيض القدير 4 / 357، انظر البحار 39 / 88، المناقب (لابن شهر آشوب) 3 / 272.

(2) الاستيعاب 3 / 44 حرف العين - القسم الاول - ترجمة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، بحار الانوار 33 / 171 باب 7 ح 451، العدد القوية: 250.


الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته، وكان غزير العبرة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، وينبئنا إذا استنبأناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله.

وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه، قابضاً على لحيته، يتململ تململ السليم، ويبكى بكاء الحزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، إليّ تعرضت؟! أم إليّ تشوّقت؟! هيهات! هيهات! قد باينتك ثلاثاً لا رجعة فيها، فعمرك قصير، وخطرك حقير، آه من قلة الزاد، وبعد السفر ووحشة الطريق.

فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا الحسن كان - والله - كذلك (1) ...

وقال معاوية: والله لو كان عند علي جبل من تبن وجبل من تبر لأنفق تبره قبل تبنه.

النظر إلى وجه علي عليه‌السلام عبادة:

روى ابن المغازلي وغيره مسنداً عن عائشة قالت: رأيت أبا بكر يكثر النظر إلى وجهعلي فقلت: يا أبة أراك تكثر النظر إلى وجه علي عليه‌السلام ؟

فقال: يا بنية؛ سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: النظر إلى وجه علي عبادة (2) .

__________________

(1) الاستيعاب 3 / 44 ترجمة الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام .

(2) ابن المغازلي في المناقب: 206 و 244 وما بعدها، الخوارزمي في المناقب: 361 ح 373، فرائد السمطين 1 / 181، مستدرك الحاكم 3 / 141 و 142، حلية الاولياء 5 / 58 و 2 / 183، بحار الانوار 38 / 200 باب 64.


وروى ابن كثير من حديث أبي بكر وعمر وعثمان وعبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وعمران بن حصين وأنس وثوبان وعائشة وأبي ذر وجابر أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: «النظر إلى وجه علي عبادة».

وعن عائشة «ذكر علي عبادة» (1) .

قال المناوي في فيض القدير:... النظر إلى علي أمير المؤمنين عليه‌السلام عبادة: أي رؤيته تحمل النطق بكلمة التوحيد، لما علاه من سيماء العبادة.

قال الزمخشري عن ابن العربي: إذا برز قال الناس: لا إله الا الله ما أشرق هذا الفتى؟! ما أعلمه؟! ما أكرمه؟! ما أحلمه؟! ما أشجعه؟! فكانت رؤيته تحمل النطق بالعبادة فيالها من سعادة (2) .

وقال المناوي: وكان عمر يتعوذ من كلّ معضلة ليس لها أبو الحسن، ولم يكن أحد من الصحب يقول: «سلوني» إلا هو....

وأخرج أحمد أن عمر أمر برحم امرأة فمر بها علي فانتزعها فأخبر عمر فقال: ما فعله إلّا لشيء، فأرسل اليه فسأله.

فقال: أما سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: رفع القلم عن ثلاث... الحديث؟

قال: نعم.

قال: فهذه مبتلاة بني فلان فلعله أتاها وهو بها.

فقال عمر: لو لا علي هلك عمر.

واتفق له مع أبي بكر نحوه - أي أن أبا بكر كان يقول أيضاً - لولا علي لهلك أبو بكر.

فأخرج الدار قطنى عن أبي سعيد أنّ عمر كان يسأل علياً عن شيء فأجابه فقال عمر: أعوذ بالله أن أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن.

__________________

(1) البداية والنهاية المجلد الرابع / الجزء السابع: 371.

(2) فيض القدير 6 / 299.


وفي رواية: لا أبقاني الله بعدك يا علي (1) .

ولا يخفى أنّ عمر قد قال كلمته هذه عشرات المرات أمام الملأ، كما قالها أبو بكر وعثمان كذلك.

فقد أخرج الحافظ العاصمي في كتاب «زين الفتى في شرح سورة هل أتى»: أنّ رجلاً أتى عثمان بن عفان وهو أمير... وبيده جمجمة انسان ميت فقال: إنكم تزعمون النار يعرض على هذا، وإنه يعذب في القبر، وأنا قد وضعت عليها يدي فلا أحسّ منها حرارة النار.

فسكت عنه عثمان، وأرسل إلى علي بن أبي طالب المرتضى يستحضره.

فلما أتاه وهو في ملأ من أصحابه قال للرجل: أعد المسألة فأعادها.

ثم قال عثمان بن عفان: أجب الرجل عنها يا أبا الحسن.

فقال علي: ايتوني بزند وحجر، والرجل السائل والناس ينظرون اليه، فأتي بهما، فأخذهما وقدّح منهما النار، ثم قال للرجل: ضع يدك على الحجر، فوضعها عليه، ثم قال: ضع يدك على الزند، فوضعها عليه.

فقال: هل أحسست منهما حرارة النار، فبهت الرجل.

فقال عثمان: لو لا علي لهلك عثمان (2) .

محبو علي في درجة الأنبياء يوم القيامة:

قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي عليه‌السلام : من أحبك - يا علي - كان مع النبيين في درجتهم يوم القيامة، ومن مات وهو يبغضك فلا يبالي مات يهودياً أو نصرانياً (3) .

__________________

(1) فيض القدير 4 / 357.

(2) الغدير 8 / 256.

(3) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام 2 / 58 باب 31 ح 221، بحار الانوار 27 / 79 باب 4 ح 16، مودة القربي: 220، ينابيع المودة 2 / 291 باب 56 ح 837.


الثاني

اسم الامام علي عليه‌السلام

يزيّن الاذان

ينبغي أن نتعرض هنا إلى عظمة وليد الكعبة أمير المؤمنين عليه‌السلام من حيث أنّ الله - تبارك وتعالى - أمر بذكر اسمه الشريف بعد اسم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في الأذان، فنذكر آراء العلماء في ذلك، ونتعرض إلى بدعة التثويب التي ابتدعها عمر وجعلها بدلاً عن قول «حي على خير العمل».

كيف شرّع الأذان؟

عن الحسين بن علي - صوات الله عليه وعلى الأئمة من ولده - أنّه سئل عن قول الناس في الأذان: أنّ السبب كان فيه رؤيا رآها عبد الله بن زيد فأخبر بها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فأمر بالأذان؟!

فقال الحسين عليه‌السلام : الوحي ينزل على نبيكم وتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبد الله بن زيد، والأذان وجه دينكم، وغضب عليه‌السلام وقال:

بل سمعت أبي علي بن أبي طالب عليه‌السلام يقول: أهبط الله - عزّ وجل - ملكاً حتى عرج برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وساق حديث المعراج بطوله إلى أن قال:


فبعث الله ملكاً، لم ير في السماء قبل ذلك الوقت ولا بعده، فاذّن مثنى مثنى، وأقام مثنى، وذكر كيفية الأذان ثم قال:

قال جبرئيل للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا محمد هكذا أذّن للصلاة (1) .

حي على خير العمل:

قال السيد المرتضى في الانتصار:

«ومما انفردت به الامامية أن يقول في الأذان والاقامة بعد قوله «حي على الفلاح» «حي على خير العمل» والوجه في ذلك إجماع الفرقة المحقّة عليه» (2) .

وأنّ علي بن الحسين عليه‌السلام كان يقول في أذانه إذا قال: «حي على الفلاح» قال: «حي على خير العمل» ويقول: هو الأذان الأول.

إلّا أنّه قال: قال الشيخ: وهذه اللفظة لم تثبت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله !!!.. ونحن نكره الزيادة فيه (3) .

وعليه ذهب أهل السنة إلى تحريمها في الأذان والاقامة، فيما ذهب الشيعة ألى أنّ تركها عمداً يوجب بطلان الأذان والاقامة باعتبارها جزء مشرع فيهما (4) .

وما رواه البيهقي يؤكد أنّ هذه العبارة كانت في الأذان الأول، وهي تشريع

__________________

(1) مستدرك الوسائل 4 / 17 - 18 باب 1 ح 2، بحار الانوار 81 / 156 باب 13 ح 54، الجعفريات: 42 كتاب الصلاة، دعائم الاسلام 1 / 142 ذكر الاذان والاقامة.

(2) الانتصار: 39.

(3) سنن البيهقي 2 / 197 - 198.

(4) أنظر: وسائل الشيعة.


ربّاني أوحاه إلى نبيه الكريم، إلّا أنّ «أهل السنة» اتبعوا في ذلك عمر وتركوا سنة النبي.

والدليل عليه ما ذكره القوشجي المتوفي سنة (879) في «شرح التجريد» في مبحث الامامة: إنّ عمر قال وهو على المنبر: أيها الناس ثلاث كن على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأنا أنهى عنهن وأحرمهن وأعاقب عليهن: متعة النساء، ومتعة الحج، و «حي على خير العمل» (1) .

ثم اعتذر عنه بقوله: إنّ ذلك ليس مما يوجب قدحاً فيه، فانّ مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ببدع (2) .

ومن العجب أن يقابل النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله بواحد من أمته، ويجعل كلاً منهما مجتهداً، وما ينطقه الرسول الأمين هو عين ما ثبت في اللوح المحفوظ، و ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ) فأين هو عن الاجتهاد برد الفرع إلى الأصل واستعمال الظنون في طريق الاستنباط؟!

هذا؛ بالاضافة إلى أنّ السائغ من المخالفة الاجتهادية إنّما هو ما إذا قابل المجتهد مجتهداً مثله لا من اجتهد تجاه النص المبين، وارتأى أمام تصريحات الشريعة من قول الشارع وعمله (3) .

على أننا لا نعلم للخليفة علماً يقاس بعوام المسلمين فضلاً عن سيد أولى الألباب وخاتم المرسلين، فكيف نقول من ثم باجتهاده؟!

أجل؛ كان ثمة سبب آخر من وراء ذلك سوى قصة الاجتهاد، وهو أنّ الناس التفتوا بعد حين أن خليفة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله حلقاً أصبح جليس داره، وأنّ الآخرين اغتصبوا

__________________

(1) شرح التجريد (للقوشجي): 484، الغدير 6 / 283.

(2) المصدر نفسه.

(3) انظر الغدير 6 / 283.


مقامه، وأنذ حكومتهم تفتقد الشرعية، وأنّ ما تقوم به من فتوح إنّما هو «توسعة» وتوسيع لرقعة الامبراطورية، وليست جهاداً، فتقاعسوا عنهم، فأراد الخليفة أن يعبأ الناس لما يسميه «جهاداً»، ويعظّم الجهاد في نفوسهم؛ لئلا يفكر أحدهم أنّ العبادات والصلاة أهم من الجهاد.

فقد روى أبو حنيفة وأبو يوسف القاضي وغيرهم أنّ «حي على خير العمل» كانت في الأذان على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأبي بكر وصدراً من أيام عمر إلّا أنّ عمر أمر بتركها وقال: أخشى أن يتوجه الناس إلى الصلاة ويعرضوا عن الجهاد (1) .

وروي عن الباقر عليه‌السلام قال: كان الأذان «حي على خير العمل» على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وبه أمروا أيام أبي بكر وصدراً من أيام عمر، ثم أمر عمر بقطعه وحذفه من الأذان والاقامة، فقيل له في ذلك فقال: اذا سمع عوام الناس أنّ الصلاة خير العمل تهاونوا بالجهاد وتخلفوا عنه (2) .

وعن عكرمة قال:

قلت لابن عباس: أخبرني لأي شيء حذف من الأذان «حي على خير العمل»؟

قال: أراد عمر بذلك أن يا يتّكل الناس على الصلاة ويدعوا الجهاد؛ فلذلك حذفها من الاذان (3) .

قال المجلسي رحمه‌الله : يدلّ هذا على أنّ عمر وأتباعه يزعمون أنهم أعلم من الله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنهما لم يفطنا بهذه المفسدة وتفطن بها هذا الشقي الغبي، ولم يمنع ذلك أصحاب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في زمانه، وأصحاب أمير المؤمنين عليه‌السلام عن الجهاد، بل كانوا مع مواظبتهم على «حي على خير العمل» أشد اهتماماً بالجهاد من سائر العباد (4) .

__________________

(1) الايضاح: 202.

(2) البحار 81 / 156 باب 35 ح 54 عن دعائم الاسلام.

(3) البحار 81 / 140 باب 35 ح 34، عن علل الشرائع 2 / 56.

(4) البحار 81 / 140 ذيل ح 34.


بل إنّ السبب الأقوى وراء هذه القصة هو موقفهم من الولاية والسعي لطمس آثارها وإطفاء نور الله بأفواههم ويأبى الله إلّا أن يتم نوره.

فقد ورد عن ابن أبي عمير أنّه سأل أبا الحسن عليه‌السلام عن «حي على خير العمل» لم تركت من الأذان؟

فقال: تريد العلة الظاهرة أو الباطنة؟

قلت: أريدهما جميعاً.

فقال: أما العلة الظاهرة فلئلا يدع الناس الجهاد اتكالاً على الصلاة، وأما الباطنة فان «خير العمل» الولاية، فأراد من أمر بترك «حي على خير العمل» عن الأذان أن لا يقع حثّ عليها ودعاء اليها (1) .

هذا؛ مع اتفاق الجميع أنها كانت على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (2) وأنّ بلالاً نادى بها (3) .

قال السيد المرتضى: وقد روت العامة أنّ ذلك مما كان يقال في أيام النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإنّما أدعي أن ذلك نسخ ورفع، وعلى من ادعى النسخ الدلالة له، وما يجدها (4) .

وبالرغم من محاولات عمر واتباعه فقد بقي جماعة من الصحابة والتابعين على النداء بها في الأذان والاقامة كعبد الله بن عمر، وقد رواه عنه مالك بن أنس وليث بن سعد ومحمد بن سيرين وعبد الرزاق وابن أبي شيبة بأسانيدهم عن ابن عمر (5) .

وروى الطبري وغيره بأسانيدهم ذلك عن «سهل بن حنيف» أيضاً.

__________________

(1) البحار 81 / 140 باب 35 ح 34، عن علل الشرائع 2 / 56، والأحاديث في تفسير «خير العمل» بالولاية وبـ «فاطمة عليها‌السلام » وذريتها وولايتها كثيرة.

(2) أنظر: سعد السعود: 100، البحار 81 / 107 ح 5.

(3) الانتصار: 39.

(4) أنظر: السنن الكبرى (لألبيهقي) 2 / 197، شرح التجريد (للقوشجي): 484.


وروى التنوخي عن أبي الفرج أنّ الأذان في عصرهم كان ينادى به بـ «حي على خير العمل» (1) .

وروى في البداية والنهاية: أنّ صلاح الدين لما استقرت له دمشق بحذافيرها نهض إلى حلب سرعاً، فنزل على جبل «جوشن»، ثم نودي في أهل حلب بالحضور في ميدان باب العراق، فاجتمعوا، فأشرف عليهم ابن الملك نور الدين، فتودد اليهم وتباكى لديهم وحرضهم على قتال صلاح الدين، وذلك عن إشارة الأمراء المقدمين، فأجابه أهل البلد بوجوب طاعته على كلّ أحد، وشرط عليه الروافض منهم أن يعاد الأذان بـ «حي على خير العمل» وأن يذكر في الأسواق....

فاجيبوا إلى ذلك كلّه فأذّن بالجامع وسائر البلد بـ «حي على خير العمل» (2) .

وروى الحلبي: أنّ الأذان كان بـ «حي على خير العمل» في زمن آل بويه في أذان الشيعة، فلمّا حكم السلجوقيون ألزموا الشيعة بترك الأذان بـ «حي على خير العمل» وأمروا أن ينادي مؤذنهم في أذان الصبح بعد حي على الفلاح «الصلاة خير من النوم» مرتين... (3) .

التثويب في الأذان:

اقتدى العامة بعمر فتركوا «حي على خير العمل» ونادوا مكانها بـ «الصلاة خير من النوم».

والتثويب أن يقول في أذان الفجر: «الصلاة خير من النوم» (4) .

__________________

(1) نشوار المحاضرة 2 / 133.

(2) البداية والنهاية، المجلد 6 الجزء 12 / 309 في أحداث سنة (570).

(3) أنظر: البداية والنهاية 6 / 73 أحداث سنة (448).

(4) سنن الترمذي 1 / 127 باب 145 ذيل ح 198.


وقد ورد هذا المعنى في كتب الفقه الشيعي أيضاً، فقد عقد صاحب الوسائل باباً تحت عنوان «باب عدم جواز التثويب في الأذان والاقامة وهو يقول: «الصلاة خير من النوم».

وروى فيه عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن التثويب الذي يكون بين الأذان والاقامة؟

فقال: ما نعرفه (1) .

ونقل صاحب «الجواهر» القول بتحريمه عن النهاية والوسيلة والسرائر والبيان والموجز وجامع المقاصد والمسالك ومجمع البرهان... وغيرها.

وحكى الاجماع على ذلك عن السرائر.

والتثويب من «ثاب يثوب» إذا رجع، فهو رجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فانّ المؤذّن إذا قال «حي على الصلاة» فقد دعاهم اليها، فاذا قال بعدها: «الصلاة خير من النوم» فقد رجع إلى كلام معناه المبادرة اليها (2) ومن ثم سميت الاقامة تثويباً؛ لأنها رجوع إلى فصول الأذان (3) .

وللتثويب معان أخرى ذكرها الترمذي في سننه، ولكن التثويب في الأذان هو ما ذكرناه (4) ، واختاره الأكثر منهم الترمذي (5) .

وقد وقع الخلاف في التثويب وحكمه وقال في المنتهى: التثويب في أذان الغداة

__________________

(1) وسائل الشيعة 5 / 425 باب 22 ح 6994، الفقيه 1 / 188 ح 895، الكافي 1 / 303 ح 6، مستطرفات السرائر: 93 ح 2.

(2) فتح الباري 2 / 85، الحدائق الناضرة 7 / 419.

(3) صحيح مسلم 1 / 291 (لم أجده).

(4) شرح البخاري (للكرماني): 715.

(5) سنن الترمذي 1 / 127 باب 145.


وغيرها غير مشرشوع، وهو قول «الصلاة خير من النوم»، ذهب اليه أكثر علمائنا وهو قول الشافعي.. (1) .

ومن العجب أنّ الخليفة نفسه سماه بدعة.

فقد روى صاحب كنز العمال عن ابن جريج قال: أخبرني عمر بن حفص أنّ سعداً [القرظ] أول من قال: «الصلاة خير من النوم» في خلافة عمر فقال عمر: بدعة (2) .

وكان ابنه لا يصلي في مسجد يثوّب فيه.

فقد روى عن مجاهد أنّه قال: دخلت مع عبد الله بن عمر مسجداً، وقد أذّن فيه، ونحن نريد أن نصلي فيه، فثوّب المؤذن، فخرج عبد الله بن عمر من المسجد وقال: اخرج بنا من عند هذا المبتدع، ولم يصل فيه (3) .

ولو لاحظنا عشرات الأخبار الواردة في تشريع الأذان نجدها خالية من التثويب من ما رواه سعد القرظ عن أذان بلال (4) .

وروى مالك بن أنس - إمام الملكية - في الموطأ خبراً في بدو ظهور هذه البدعة فقال: إنّه بلغه أنّ المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً فقال: الصلاة خير النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح (5) .

وقد حاول بعض المرتزقة أن يبرروا بدعة عمر، فوضعوا حديثاً عن بلال أنّه كان ينادي بالصبح فيقول «حي على خير العمل»، فأمره النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يجعل مكانها

__________________

(1) الحدائق الناضرة 7 / 418.

(2) كنز العمال 8 / 357 ح 23252.

(3) سنن الترمذي 1 / 128 باب 145.

(4) أنظر: سنن الدار قطني 1 / 236 باب ذكر سعد القرظ.

(5) الموطأ (لمالك): 69 ح 8.


«الصلاة خير من النوم» وترك «حي على خير العمل» (1) .

والحال؛ أنّ عشرات الأخبار الواردة عن طرق العامة تؤكد أنّ «الصلاة خير من النوم» لم تكن على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال البيهقي: «قال الشيخ: وهذه اللفظة لم تثبت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فيما علّم بلالاً وأبا محذورة، ونحن نكره الزيادة وبالله التوفيق» (2) .

ولو تتبعنا كتب الحديث والفقه والتاريخ عند أهل السنة لوجدنا تناقضاً مذهلاً واختلافاً مدهشاً في تحديد العبارة بعد قول «حي على الفلاح» في الأذان، بعد الاقرار من الجميع أنها كانت على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله «حي على خير العمل» وكذا في عهد أبي بكر وصدراً من أيام عمر، وإنّما حذفها الأخير خوفاً من توجه العامة إلى الصلاة وتركهم العبادة، واستبدلها بـ «الصلاة خير من النوم» لئلا يكون مكانها فارغاً مثيراً، وحينئذٍ انبرى الانتهازيون والنفعيون من المرتزقة فوضعوا الأحاديث المتناقضة لعلهم ينسبوا بدعة عمر إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتخرج عن دائرة الابتداع إلى دائرة المشروعية، كما هو صنيعهم مع بدعه الأخرى.

«حي على خير العمل» تهزم الطواغيت:

ومن القصص النادرة المرتبطة بـ «حي على خير العمل» بنحو ما: ما رواه أبو الفرج في «مقاتل الطالبين» من أنّ «حي على خير العمل» كانت شعار الثورة المتفق عليه بين أنصار الحسين بن علي صاحب فخ.

فلما أراد الخروج اتجه إلى مسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلما أذن المؤذن لصلاة الصبح

__________________

(1) سنن البيهقي 2 / 198.

(2) سنن البيهقي 2 / 198، وأنظر سنن الترمذي 1 / 127، كنز العمال 8 / 355 - 357، موطأ مالك: 69، سنن الدار قطني 1 / 236.


دخلوا المسجد ثم نادوا «أحد.. أحد» وصعد عبد الله بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عند موضع الجنائز فقال للمؤذن: أذن بـ «حي على خير العمل» فلما نظر إلى اسيف في يده أذن بها وسمعه «العمري» - والي المدينة - فأحس بالشر ودهش وصاح: اغلقوا البغلة - أي الباب - وأطعموني حبتي ماء.

قال علي بن ابراهيم في حديثه: فولده إلى الآن بالمدينة يعرفون ببني حبتي ماء (1) .

الشهادة الثالثة:

الشهادة الثالثة في الأذان هي أن يقال «أشهد أنّ علياً ولي الله» أي الشهادة بالولاية لأمير المؤمنين عليه‌السلام بعد الشهادة بالتوحيد والشهادة بالنبوة للنبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن الشائع اليوم أن ترفع هذه ال شهادة في الأذان والاقامة في جميع المناطق التي يقطنها الشيعة.

ويمكن استشفاف التاريخ لمعرفة أنّ هذه الشهادة رفعت في الأذان منذ عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد أقرها النبي وأمضاها.

روى الشيخ المراغي المصري في كتاب «السلافة في أمر الخلافة»:

إنّ سلمان الفارسي ذكر في الأذان والاقامة الشهادة بالولاية لعلي بعد الشهادة بالرسالة في زمن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فدخل رجل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا رسول الله سمعت أمراً لم أسمع قبل ذلك؟!

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : ما هو؟

فقال: سلمان قد يشهد في أذانه بعد الشهادة بالرسالة الشهادة بالولاية لعلي؟

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : سمعتم خيراً.

__________________

(1) مقاتل الطالبين: 375.


وروى هو أيضاً في نفس الكتاب المذكور: إنّ رجلاً دخل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: يا رسول الله؛ إنّ أبا ذر يذكر في الأذان بعد الشهادة بالرسالة الشهادة بالولاية لعلي ويقول: «أشهد أنّ علياً ولي الله».

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : كذلك، أو نسيتم قولي في غدير خم «من كنت مولاه فعلي مولاه» فمن ينكث فانما ينكث على نفسه (1) .

ومن هنا نعلم أنّ الشهادة الثالثة لها جذور عريقة وممتدة إلى عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ويستفاد من قول النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إمضاؤها، فهي اذن من سننه صلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّ السنة هي قول المعصوم أو فعله أو إمضاؤه.

أضف إلى ذلك أنّ سلمان وأبا ذر ليسا ممن يقدما على عمل دون استئذان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله - سيما إذا كان العمل عبادياً - وهما بالمنزلة التي لا تخفى على أحد حيث قال النبي في سلمان «سلمان منا أهل البيت» (2) .

وقال في أبي ذر: «ما أظلت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر» (3) .

أما في العهد الأموي والعباسي فان الشيعة كانوا في شدّة وتحت ضغوط لا ترحم، فلم يتسنى لهم أن يعلنوا شعارهم - الشهادة الثالثة - بأي حال من الأحوال، ولو كان فيهم من يتفوه بها فانما يقدم على ذلك ضمن ظروف التقية المشدّدة، في ثنايا الخفاء الذي لا يتعدى جدران التستر والحيطة، بل كان الأمر في ذينك العهدين على العكس تماماً حيث كان سبّ أمير المؤمنين عليه‌السلام فرماناً ظالماً أصدره معاوية وعممه في جميع الاصقاع؛ ليكون سنة أموية في الأذان والقنوت

__________________

(1) جواهر الولاية: 379، الشهادة الثالثة: 323.

(2) فيض الغدير 4 / 106.

(3) سنن الترمذي 5 / 334 ح 3890.


وخطبة الجمعة، وكان المرتزقة يتزلفون بذلك للنظام الحاكم إلى عهد عمر بن عبد العزيز حيث رفع السبّ رسمياً، ولقي في ذلك تصلّباً وعنتاً من أشياع الأمويين، فاضطر إلى استخدام القوة أحياناً كما حدث في إصفهان يومذاك.

فلما رأى الشيعة عناد خصومهم وتعنتهم رفعوا الشهادة الثالثة كشعار لهم في الأذان والاقامة، فصدحت بها مآذنهم ومنائرهم في كلّ يوم خمس مرات، فامتزجت هذه السنة الحسنة الموروثة من عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من أمثال سلمان وأبي ذر بالثقافة الشيعية، وصارت جزءً من شعائرهم التي توارثتها الأيدي كابراً عن كابراً ضمن السيرة العلمائية المقدسة الممتدة.

وبالرغم من معارضة جملة من المتحذلقين فانّ الشيعة استمروا على ذلك ولم يروا فيها أي إشكال شرعي، ولم يجدوا أي ردع من الشارع يمنعنهم عنها، بل الأمر بالعكس تماماً؛ لأنّ الشهادة الثالثة «أشهد أنّ علياً ولي الله» إنّما هي مفاد ما قاله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجة الوداع في حديث «غدير خم» المتواتر عند الفريقين «من كنت مولاه فهذا علي مولاه».

إضافة إلى الحثّ والتأكيد الصريح الوارد عن الأئمة المعصومين حيث أمروا بالحاق الشهادة بالتوحيد والشهادة بالنبوة بالشهدة بولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام :

1 - فقد روى الطبرسي في الاحتجاج في حديث قاسم بن معاوية عن الصادق عليه‌السلام - في حديث -: فاذا قال أحدكم: لا إله إلّا الله محمد رسول الله، فليقل: «علي أمير المؤمنين».

قال المجلسي: فيدلّ على استحباب ذلك عموماً والأذان من تلك المواضع (1) .

2 - وعن ابن مسعود عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث:.. من أراد أن يتمسك بالعروة

__________________

(1) البحار 81 / 112، الاحتجاج (للطبرسي) 1 / 158.


الوثقى فليقل: «لا اله الا الله محمد رسول الله علي ولي الله» (1) .

أضف إلى هاتين الروايتين الروايات الكثيرة التي تؤكد على عدم إمكان التفكيف بين الشهادة بالولاية والشهادة بالرسالة وأنّهما متلازمان تمام التلازم، نذكر طائفة منها على سبيل المثال:

3 - روى ال كليني في الكافي مسنداً عن سنان بن طريف عن أبي عبد الله يقول:

قال: إنا أول أهل بيت نوّه الله بأسمائنا، إنّه لما خلق السماوات والأرض أمر منادياً فنادى: «أشهد أن لا إله إلّا الله» - ثلاثاً - «أشهد أنّ محمداً رسول الله» - ثلاثاً - «أشهد أنّ علياً أمير المؤمنين حقاً» - ثلاثاً - (2) .

4 - عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه عطس آدم وقال: الحمد لله، فأوحى الله - تعالى - اليه؛ حمدتني عبدي - وعزتي وجلالي - لو لا عبدان أريد أن أخلقهما في دار الدنيا ما خلقتك.

قال: إلهي فيكونان مني؟

قال: نعم يا آدم؛ ارفع رأسك وانظر. فرفع رأسه فاذا مكتوب على العرش: «لا إله إلّا الله، محمد رسول الله نبي الرحمة، وعلي ولي الله مقيم الحجة، من عرف حقّ علي عليه‌السلام زكى وطاب وطهر، ومن أنكر حقّه كفر وخاب، أقسمت بعزتي أن أدخل الجنة من أطاعه وإن عصاني وأقسم بعزتي أن أدخل النار من عصاه وإن أطاعني» (2) .

5 - سئل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله عن لواء الحمد فقال:

... مكتوب فيه ثلاثة أسطر الأول: بسم الله الرحمن الرحيم.

__________________

(1) إحقاق الحق 4 / 129.

(2) الكافي 1 / 441 باب مولد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ح 8.

(3) مائة منقبة: 83 المنقبة الخمسون، كشف اليقين: 7 الفصل الاول، الفضائل: 152، إرشاد القلوب 2 / 210، بحار الانوار 27 / 10 باب 10 ح 22.


الثاني: الحمد لله ربّ العالمين.

الثالث: لا الله إلّا الله محمد رسول الله علي ولي الله... (1) .

6 - عن ابن مسعود عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حديث طويل:... لما أسري بي إلى السماء قال لي جبرئيل: قد أمرت الجنة والنار أن تعرض عليك، فرأيت الجنة وما فيها من النعيم، ورأيت النار وما فيها من العذاب....

فقال لي جبرئيل: اقرأ يا محمد ما على الأبواب، فقرأت ذلك... فعلى أول باب منها مكتوب «لا إله إلّا الله محمد رسول الله علي ولي الله»... (2) .

7 - عن زيد الشهيد عن الامام علي بن الحسين: أنّ نقش خاتم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا إله إلّا الله محمد رسول الله علي ولي الله» (3) .

وروى الحافظ أبو محمد ابن أبي الفوارس في «كتاب الأربعين» مثله عن طرق العامة (4) .

وقد وردت في الشهادة الثالثة في خصوص الأذان والاقامة أحاديث ذكرنا حديثين منها في صدر البحث ونذكر الآن حديثين آخرين، ومما يؤسف له أنّ نص هذين الحديثين لم تصل الينا بأسانيدها وإنّما وصلت إلى العلماء المتقدّمين كالصدوق والطوسي، قال الطوسي في المبسوط:

«فأمّا قول «أشهد أنّ علياً أمير المؤمنين وآل محمد خير البرية» على ما ورد في شواذ الأخبار فليس بمعمول عليه في الأذان. ولو فعله الانسان لم يأثم به» (5) .

__________________

(1) إحقاق الحق 7 / 133، جامع الأخبار: 126 الفصل 84.

(2) الفضائل: 152، بحار الانوار 8 / 144 باب 23 ح 67.

(3) أنظر: الأمالي (للطوسي): 75 المجلس 41، البحار 16 / 91 باب 6 ح 26، إثبات الهداة 1 / 299.

(4) إحقاق الحق 4 / 143.

(5) البحار 81 / 111 باب 35.


والحديث الشاذ يطلق على الحديث الصحيح الذي يرويه الثقاة بطريق واحد، ولكنه يبتلى بروايات معارضة أخرى (1) ، أو أنّه - كمكا قال المجلسي - كالخبر الصحيح المخالف للمشهور (2) .

وليت الصدوق والطوسي رضوان الله عليهما رويا الحديث بسنده تاماً كاملاً لنأخذه ونحدد تكليفنا على أساسه مع ملاحظة الأخبار المعارضة، فقد يفتح الله علينا اليوم ما كان مبهماً بالأمس.

الفقهاء:

ذهب مشهور الفقهاء المعاصرين إلى أنّ الشهادة الثالثة ليست جزءاً من الأذان والاقامة، ولا إشكال بالاتيان بها بقصد التبرك والتيمن، وجزم أخرون بأنها جزءاً منها، نذكر بعضهم على سبيل المثال:

1 - الشيخ عبد النبي العراقي رحمه‌الله : حيث كتب تلميذه الفاضل الشيخ محمد حسين آل طاهر رسالة قرر فيها بحثه الخارج في الفقه في مسألة الشهادة الثالثة في الأذان والاقامة، وقد سماها «رسالة الهداية في كون الشهادة بالولاية في الأذان والاقامة جزءاً كسائر الأجزاء» وقد استدل فيها على ما ذهب اليه بعشرة أدلة وقال:

«فالدليل على مشروعية الشهادة بالولاية على نحو الجزئية وزان سائر الأجزاء...».

وقال بعد إتمام استدلاله على هذه المسألة:

«قد انقدح عما ذكرنا من الأدلة استحباب الشهادة بالولاية لعلي باحدى الصيغتين (3) في الأذان والاقامة، فان مقتضى القاعدة الأولية وجوب الشهادة فيهما

__________________

(1) مقياس الهداية: 45.

(2) شرح الفقيه 1 / 182.

(3) الصيغتان هما: «أشهد أنّ علياً ولي الله» و «أشهد أنّ علياً أمير المؤمنين».


كما فصلنا، لكن دعوى الشهرة على الخلاف يمنعنا عن القول بالوجوب، فلابد أن نقول بها وأنّها مشروعة فيهما بنحو الجزئية الندبية...» (1) .

2 - الميرزا إبراهيم الاصطهباناتي النجفي رحمه‌الله : نقل عنه السيد المقرم في رسالته: انّه يعتقد الجزئية واقعاً، ولكن الظروف لم تساعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على إعلام الأمة بها (2) .

وثمة طائفة أخرى من الفقهاء لم يجزموا كالطائفة الأولى وإن كانوا قد استقربوا أن تكون جزءاً منهما مثل:

1 - العلامة المجلسي (ت 1110) قال رحمه‌الله :

لا يبعد كون الشهدة بالولاية من الأجزاء المستحبة للاذان لشهادة الشيخ والعلامة والشهيد وغيرهم بورود الأخبار بها (3) .

2 - المرحوم صاحب «الحدائق» الشيخ يوسف البحراني: حيث نقل عبارة المجلسي وقال: - «ونعم ما قال» (4) .

3 - الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر رحمه‌الله : قال في جواهره:

«بل لو لا تسالم الأصحاب لأمكن دعوى الجزئية بناءً على صلاحية العموم لمشروعية الخصوصية، والأمر سهل» (5) .

وعلّق عليه السيد المقرم فقال: «فصاحب الجواهر رحمه‌الله يقوى في نفسه دعوى جزئية الشهادة بالولاية في الأذان غير أنّ إعراض العملماء عن الجزئية أوقفه عن الفتوى بها، وهذا المعنى فوق القول باستحباب الاتيان بالشهادة» (6) .

__________________

(1) الشهادة الثالثة: 105، عن الهداية: 49.

(2) الشهادة الثالثة: 104، عن سر الايمان: 26.

(3) البحار 81 / 111.

(4) أنظر: الحدائق 7 / 403.

(5) الجواهر 9 / 87.

(6) عن رسالة سر الايمان: 44.


4 - الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء رحمه‌الله : قال في حاشيته على العروة الوثقى:

«يمكن استفادة كون الشهادة بالولاية والصلاة على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أجزاء مستحبة في الأذان والاقامة من العموميات» (1) .

5 - الشيخ أحمد النراقي رحمه‌الله : قال في مستند الشيعة:

«.. وعلى هذا فلا يبعد القول باستحبابها فيه - أي الأذان -» (2) .

6 - السيد محسن الحكيم رحمه‌الله : حيث لم يستبعد وجوبها مع عدم الاعتقاد بعدم جزئيتها قال رحمه‌الله في مستمسك العروة الوثقى:

«كما أنّه لا بأس بالاتيان به بقصد الاستحباب المطلق لما في خبر الاحتجاج... بل ذلك في هذه الأعصار معدود من شعائر الايمان ورمز إلى التشيع فيكون من هذه الجهة راجحاً شرعاً، بل قد يكون واجباً، لكن لا بعنوان الجزئية من الأذان» (3) .

وذهبت طائفة من الفقهاء إلى استحبابها لا على نحو الجزئية منهم:

1 - العلامة محمد باقر المجلسي (ت 1110) (4) .

2 - السيد نعمة الله الجزائري (ت 1112) (5) .

3 - السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض (ت 1230) (6) .

4 - الآخوند الملا أحمد فاضل النراقي (ت 1244) (7) .

5 - حجة الاسلام الشفتي (ت 1260).

__________________

(1) عن سر الايمان: 54.

(2) مستند الشيعة كتاب الصلاة.

(3) عن المستمسك 5 / 545.

(4) البحار 81 / 118.

(5) الأنوار النعمانيّة 1 / 169.

(6) رياض المسالك كتاب الصلاة.

(7) مستند الشيعة كتاب الصلاة.


6 - الشيخ مرتضى الأنصاري (ت 1281).

7 - الميرزا محمد حسن الشيرازي (ت 1312).

8 - السيد إسماعيل الصدر (ت 1338).

9 - السيد محمد كاظم اليزدي صاحب العروة (ت 1337).

10 - الميرزا محمد تقي الشيرازي (ت 1339).

11 - الملا علي الزنجاني (ت 1290) في شرحه على القواعد.

12 - الشيخ عبد الله المازندراني (ت 1309).

13 - الشيخ أحمد كاشف الغطاء (ت 1344).

14 - السيد حسن الصدر (ت 1354) في المسائل المهمة.

15 - السيد عبد الحسين شرف الدين (ت 1377) في النص والاجتهاد.

16 - الشيخ محمد حسن المظفر (ت 1301) في وجيزة المسائل.

17 - آية الله البروجردي (ت 1381) في المسائل الفقهية.

18 - آية الله الخوئي في توضيح المسائل.

وذهبت طائفة منهم إلى أنّه لا بأس بها بقصد القربة المطلقة وإن لم يصرحوا بالاستحباب ومنهم:

1 - الميرزا حسين النائيني في منهاج الصالحين.

2 - السيد أبو الحسن الاصفهاني في الحاشية على ذخيرة العباد.

3 - السيد محمد تقي الخونساري في الحاشية على ذخيرة العباد.

4 - آية الله القمي في الحاشية على ذخيرة العباد.

5 - آية الله الگلپايگاني في توضيح المسائل.

وعبّر بعضهم باتيانها بقصد امتثال العمومات منهم:

المحقّق الهمداني، والمرحوم آية الله الشاهرودي.


ومنهم من عبر بالاتيان بها باعتبار رجحانها في نفسها مثل:

الآخوند الخراساني، والشيخ عبد الكريم الحائري.

ومنهم من ذهب إلى أنّها مكملة للشهادتين كالسيد بحر العلوم في المنظومة، وآية الله الميلاني في الحاشية على العروة.

وقال السيد أبو الحسن القزويني: الشهادة الثالثة ليست جزءاً من الأذان، وتذكر فيه بقصد إظهار الولاية والايمان.

وقال العلامة الشيخ محمد صالح الحائري المازندراني: تذكر بقصد الاجابة للأمر بالولاية وقبول الشهادتين وصحة الأعمال (1) .

وقال الميرزا باقر الزنجاني: على الشباب اتباع سلفهم الصالح والالتزام بهذا الشعار وعدم تركه؛ لأنّ الفقهاء أفتوا باستحبابه، وليس لأحد أن يشكل على ذلك (2) .

وذكر آية الله المرعشي النجفي (ت 1411) في حاشيته على العروة أنّها من أوضح شعائر الشيعة.

يبقى شيء وهو:

ما هي العبارة التي تنبغي أن تقال في الشهادة الثالثة؟

فقد ورد في الحديث تعبيران:

أحدهما: أشهد أنّ علياً ولي الله.

والآخر: أشهد أنّ علياً أمير المؤمنين.

__________________

(بجـ) هداية الأنام: 91.

(1) ذخيرة العباد: 77.

(2) شرح رسالة الحقوق 2 / 126.


وكلّ واحد منهما مجزىء للعمل بالعمومات، ويمثل الشعار الايماني المعبر عن الاعتقاد الولائي، غير أنّ بعض الفقهاء ذهبوا إلى التعبير بـ «أشعد أنّ علياً أمير المؤمنين ولي الله» جمعاً بين الأحاديث، وجزماً بحصول الامتثال بكلا الأميرن، منهم: المرحوم حجة الاسلام الشفتي في تحفة الأبرار، والمرحوم الملا محمد بار فروشي في شعار الاسلام.

* * *


انكشاف قبر

الامام امير المؤمنين

توفي الامام أمير المؤمنين في السنة الأربعين للهجرة النبوية، فانطلق روحه الفاتح إلى عالم الملكوت، وتحرر من هذه الدنيا التي كانت تضيق به، فنقل الامامان السبطان الجسد الطاهر الزكي إلى ربوة بظهر الكوفة يقال لها «النجف» ودفنوه هناك سراً.

لقد شيدت أركان الاسلام بساعد أمير المؤمنين حيث قصم بسيفه ظهر الكفر، وجدع أنف الشرك وعبد ة الأصنام، وضحى بكلّ ما أتاه الله لتنتشر تعاليم الاسلام في الجزيرة العربية، بل في العالم أجمع، بيد أنّ حثالة المجتمع ممن اشتدّ عوده وقوي وجوده زمن الجاهلية الجهلاء بقيت تكن الحقد، وتملأ صدورها بالضغينة، وكيف لا؟! وقد قتل بالأمس صناديدهم وطردهم اليوم عن مراكز القوة والثراء، وكان يخشى من هؤلاء أن تمتد أحقادهم على الامام الطاهر الطهر إلى ما بعد الوفاة فيتجاسرون على مرقده الزكي المقدس؛ ولهذا كان الدفن سرياً للغاية.

وبقي المرقد المقدس في الخفاء زهاء (150 عاماً) لا يعرفه إلّا الأئمة الأبرار وخواص شيعتهم، فيتحينون الفرص للتزود من تلك التربية المعطاء، فيزورونها تحت جنح التقية بعيداً عن عيون الظالمين، بل والناس أجمعين.


وهكذا تصرمت السنين ومرت الأيام حتى انقضى عصر الأمويين والمروانيين الذين امتطوا صهوة الملك حيناً من الدهر وغرتهم الأماني، فجالوا في زخارف الزمن الغدّار، فلما طفح بهم الكيل وانقضت مدتهم اكتسح ميادينهم بنو العباس، فخلوا الصهوة والأمنيات، وسلّموها لخلفهم بالحسرات، فكان الخلف شراً من السلف، ففعلوا الأفاعيل، وارتكبوا الجرائم والجنايات، وعجّ بهم الكون لما أنزلوه من الظلم الفادح ببني عمهم «بني هاشم» فقد لا يبالغ إن قيل أنّهم بيضوا وجوه بني أمية مع ملاحظة الظروف المحيطة بالقبيلين.

فقد طارد العباسيون ذرية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولاحقوهم تحت كلّ حجر ومدر، ولم يسلم من جورهم «سيد» من السادات وشريف من الشرفاء، فوضعوهم في الاصطوانات، وبنو عليهم قصورهم، وكان من أشدهم «هارون الرشيد» الذي تسلّط بالجور والطغيان حتى امتدت يده الأثيمة إلى الامام البار الأمين موسى بن جعفر عليه‌السلام ، فعذبه في سجونه، ثم سقاه السم في نهاية المطاف، فاستشهد الامام المعذّب في قعر السجون، وانتقل إلى جوار أجداده الطاهرين.

ومع كلّ جوره وحنقه على أهل البيت عليهم‌السلام وعداوته لهم إلّا أنّه صار سبباً لانكشاف قبر أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وقد يكون العدو سبب خير أحياناً:

روى المجلسي عن الخرائج قال: ومن معجزاته صلوات الله عليه أنّه قال: رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يمسح الغبار عن وجهي وهو يقول: يا علي.. لا عليك.. لا عليك.. قد قضيت ما عليك، فما مكث إلّا ثلاثاً حتى ضرب وقال الحسن والحسين عليهما‌السلام : إذا متّ فاحملاني إلى «الغري» من نجف الكوفة، واحملا آخر سريري فالملائكة يحملون أوله، وأمرهما أن يدفناه هناك ويعفيا قبره، لما يعلمه من دولة بني أمية بعده.


وقال: ستريان صخرة بيضاء تلمحع نوراً، فاحتفرا، فوجدا ساجة مكتوباً عليها: مما ادخرها نوح لعلي بن أبي طالب عليه‌السلام ، فدفناه فيه وعفيا أثره.

ولم يزل قبره مخفياً حتى خرج هارون الرشيد يوماً يصيد، وأرسل الصقور والكلاب على الظباء بجانب الغريين، فجادلتها ساعة، ثم لجأت الظباء إلى الأكمة، فرجع الكلاب والصقور عنها، فسقطت في ناحية ثم هبطت الظباء من الأكمة، فهبطت الصقور والكلاب ترجع اليها، فتراجعت الظباء إلى الأكمة، فانصرفت عنها الصقور والكلاب، ففعلن ذلك ثلاثاً.

فتعجب هارون وسأل شيخاً من بني أسد: ما هذه الأكمة؟

فقال: لي الأمان؟

قال: نعم.

قال: فيها قبر الامام علي بن أبي طالب عليه‌السلام فتوضأ هارون وصلّى ودعا (1) .

* * *

__________________

(1) البحار 42 / 224 باب 127 ح 33.


الفصل الثامن

على ضفاف الوفاء


وفاء

أم البنين عليها‌السلام وابناؤها

أم البنين وشهادة زوجها أمير المؤمنين عليه‌السلام :

كان أمير المؤمنين عليه‌السلام دائم السهر في طاعة الله، أحيى ليالي عمره الشريف بالمناجاة مع خالق البريات... بيد أنّ لسهره ليلة التاسع عشر من شهر رمضان نكهة خاصة، فقد سهر في تلك الليلة فأكثر الخروج والنظر إلى السماء وهو يقول: «والله ما كذبت ولا كذبت وإنّها الليلة التي وعدت بها».

وكأنّ أم البنين عليها‌السلام ترقب الموقف بقلب واجف وجل وتقول لأمير المؤمنين عليه‌السلام : ماذا حدث لك يا أمير المؤمنين، أهذه الليلة من ليالي القدر التي وعدت؟

فيجيبها الامام عليه‌السلام : أوصيك بولدك العباس لا يتركن أخاه الحسين يوم يبقى وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين.

فلما طلع الفجر فقام يخرج فاستقبله الأوز فصحن في وجهه فقال: دعوهن فانهن صوائح تتبعها نوائح، وتعلقت حديدة على الباب في مئزره فشدّ إزاره وهو يقول:

أشدد حياز يمك للموت فان الموت لاقيك

ولا تجزع من الموت إذا حلّ بواديك (1)

__________________

(1) البحار 42 / 238.


فلما وصل إلى المسجد راح يصلي بخشوع وخضوع، واذا بسيف ابن ملجم المرادي المسموم يفرق هامته الشريفة ويرتفع صوت الامام عليه‌السلام : «فزت ورب الكعبة» (1) .

وارتفع صوت جبرئيل بين السماء والارض هاتفاً: «تهدمت والله أركان الهدى وانفصمت العروة الوثقى.. قتل علي المرتضى» (2) .

وكأنّ أم البنين عليها‌السلام ارتفعت صرختها: يا وارث الأنبياء، ولا سيد الأوصياء، ويا إمام الدين، ويا خير الساجدين، ويا مولى الموحدين... يا علي، يا أمير المؤمنين.

قال الواقدي: قتل علي عليه‌السلام وترك أربع حرائر: أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وليلى التميمية، وأم البنين الكلابية، وأسماء بنت عميس (3) .

أم البنين عليها‌السلام لم تتزوج بعد أمير المؤمنين عليه‌السلام :

تزوج أمير المؤمنين عليه‌السلام من فاطمة ابنة حزام العامرية إما بعد وفاة الصديقة سيدة النساء، كما يراه بعض المؤرخين (4) ، أو بعد أن تزوج بأمامة بنت زينب بنت رسول الله، كما يراه البعض الآخر (5) ، وهذا بعد وفاة الزهراء عليها‌السلام لأنّ الله قد حرم النساء على علي عليه‌السلام ما دامت فاطمة موجودة (6) .

فولدت أربعة بنين وأنجبت بهم: العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان.

وعاشت بعده عليه‌السلام مدة طويلة، ولم تتزوج من غيره، كما أن أمامة وأسماء بنت

__________________

(1) البحار 42 / 239.

(2) البحار 42 / 282.

(3) تذكرة الخواص: 168.

(4) الطبري 6 / 89، ابن الاثير 3 / 158، أبو الفداء 1 / 181.

(5) المناقب لابن شهر آشوب 2 / 117، مطالب السؤول 63، الفصول المهمة 145، الاصابة 4 / 36 ترجمة أمامة.

(6) المناقب لابن شهر آشوب 2 / 93.


عميس وليلى لم يخرجن إلى أحد بعده، وهذه الأربع حرائر توفي عنهم سيد الوصيين (1) .

وقد خطب المغيرة بن نوفل أمامة ثم خطبها أبو الهياج بن أبي سفيان بن الحارث، فامتنعت وروت حديثاً عن علي عليه‌السلام أن أزواج النبي والوصي لا يتزوجن بعده، فلم يتزوجن الحرائر وأمهات الأولاد عملاً بالرواية (2) .

وكانت أم البنين من النساء الفاضلات العارفات بحق أهل البيت عليهم‌السلام ، مخلصة في ولائهم، ممحضة في مودتهم (3) ، وقد بقيت وفية لزوجها بعد استشهاده كما كانت وفية له في حياته.

وقد توفى عنها أمير المؤمنين عليه‌السلام وكان أكبر أولادها العباس لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره، حيث تلفع هو وأخوته الصغار بغبار اليتم وذاقوا مرارة فقد الأب وهم في مقتبل العمر.

أم البنين عليها‌السلام ورعايتها لسبطي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله :

قامت السيدة أم البنين برعاية سبطي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانتيه وسيد شباب أهل الجنة الحسن والحسين عليه‌السلام ، وقد وجدا عندها من العطف والحنان ما عوضهما من الخسارة الأليمة التي مُنيا بها بفقد أمها سيدة نساء العالمين، فقد توفيت وعمرها كعمر الزهور، فترك فقدها اللوعة والحزن في نفسيهما.

لقد كانت السيدة أم البنين تكن في نفسها من المودة والحب للحسين والحسين عليهما‌السلام ما لا تكنّه لأولادها اللذين كانوا ملء العين في كمالهم وآدابهم.

__________________

(1) كشف الغمة: 32، الفصول المهمة: 145، المناقب لابن شهر آشوب 2 / 76، مطالب السؤول: 63.

(2) المناقب (لابن شهر آشوب) 2 / 76.

(3) العباس (للمقرم): 132 - 133.


لقد قدّمت أم البنين أبناء رسول الله على أبنائها في الخدمة والرعاية، ولم يعرف التاريخ أنّ شريكة تخلص لأبناء شريكتها وتقدّمهم على أبنائها سوى هذه السيدة الزكية، فقد كانت ترى ذلك واجباً دينياً لأن الله أمر بمودتهما في كتابه الكريم فقال تعالى: ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) (1) وهما وديعتا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانتاه، وقد عرفت أم البنين ذلك فوفت بحقهما وقامت بخدمتهما خير قام (2) .

روي أنها لما زفت إلى بيت الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام وجدت الامامين الحسن والحسين عليهما‌السلام مريضين، فأخذت تمرضهما وتقوم برعايتهما، وتلاطفهما في القول، وتطيب ليهما الكلام، حتى عوفيا من مرضهما وبرئا من علتهما.

ثم إنّها - على ما قيل - طلبت من الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام أن يعهد إلى أهل بيته بأن لا يدعوها أحد بعد ذلك باسمها «فاطمة»، مخافة أن يتذكر أبناء فاطمة الزهراء عليها‌السلام أمهم فيتجدّد حزنهم ويلكأ جرح مصابهم، فتثار أشجانهم وتعود اليهم ذكرياتهم، فدعاها أمير المؤمنين بـ «أم البنين» (3) .

* * *

__________________

(1) سورة الشورى: الآية 23.

(2) العباس رائد الكرامة: 27.

(3) أنظر: الخصائص العباسية: 25.


أبناء أم البنين عليها‌السلام

تزوج أمير المؤمنين عليه‌السلام فاطمة ابنة حزام العامرية، وكانت واحدة من الحرائر الأربع اللواتي توفي عنهن سيد الوصيين، فولدت له أربعة بنين وأنجبت بهم: العباس وعبد الله وجعفر وعثمان... استشهدوا جميعاً بين يدي الحسين عليه‌السلام في كربلاء.

العباس بن أمير المؤمنين:

ولد سنة ست وعشرين من الهجرة وكان يلقّب في زمنه «قمر بني هاشم» ويكنى «أبا الفضل».

روي عن أبي عبد الله الصادق عليه‌السلام أنّه قال: كان عمّنا العباس بن علي نافذ البصيرة، صلب الايمان، جاهد مع أبي عبد الله عليه‌السلام وأبلى بلاءً حسناً، ومضى شهيداً.

وروي عن علي بن الحسين أنّه نظر يوماً إلى عبيد الله بن العباس بن علي عليه‌السلام فاستعبر ثم قال: ما من يوم أشدّ على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من يوم «أحد» قتل فيه عمّه حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم «مؤتة» قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب، ولا يوم كيوم الحسين عليه‌السلام إزدلف اليه ثلاثون ألف رجل


يزعمون أنّهم من هذه الأمة كلّ يتقرّب إلى الله - عزّ وجل - بدمه، وهو يذكّرهم بالله فلا يتّعظون، حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً.

ثم قال: رحم الله العباس فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه، حتى قطعت يداه، فأبدله الله - عزّ وجل - منهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن ابي طالب عليه‌السلام ، وإنّ للعباس عند الله - تبارك وتعالى - منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة.

قال السيد المرقم رحمه‌الله : لقد كان من عطف المولى - سبحانه وتعالى - على وليه المقدس، سلالة الخلافة الكبرى، سيد الأوصياء، أن جمع فيه صفات الجلالة من بأس وشجاعة وإباء ونجدة، وخلال الجمال من سؤدد وكرم ودماثة في الخلق وعطف على الضعيف، كلّ ذلك من البهبجة في المنظر ووضاءة في المحيا، من ثغر باسم، ووجه طلق، تتموج عليه أمواه الحسن، ويطفح عليه رواء الجمال، وعلى أسرة جبهته أنوار الايمان، كما كانت تعبق م أعراقه فوائح المجد متأرجة من طيب العنصر، ولما تطابق فيه الجمالان الصوري والمعنوي قيل: له «قمر بني هاشم» (1) حيث كان يشوء بجماله في دنياه، كالقمر الفائق بنوره أشعة النجوم، وهذا هو حديث الرواة:

«كان العباس وسيماً، جميلاً، يركب الفرس المطهم ورجلاه يخطان في الأرض ويقال له: قمر بني هاشم» (2) .

قال مؤلف «تذكرة الشهداء»: يكفى هذا الأبيّ العظيم شرفاً أنّه ابن أسد الله، وأخو قرطا عرش الله، وما أعظم فضله ومعرفته حتى كني بأبي الفضل، وليس ذاك لأنّه كان له ولد اسمه الفضل فحسب، بل لأنّه نال مراتب العلم والمعرفة والفضل.

__________________

(1) كان يقال لعبد مناف قمر البطحاء ولعبد الله والد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قمر الحرم.

(2) مقاتل الطالبين ترجمة العباس بن علي عليه‌السلام .


وما أسخاه وما أعظمه حيث أعرض عن الدنيا وزخرفها، ونسى الأهل والولد، وسعى إلى الشهادة جاهداً صابراً محتسباً، وبذل كلّ غالٍ ونفيس في سبيل الدفاع عن حريم إمامه وأخيه الحسين عليه‌السلام و «كمال الجود بذل الموجود» (1) .

أمير المؤمنين عليه‌السلام يقبّل يدي العباس عليه‌السلام :

كان الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام يرعى ولده العباس في طفولته، وكان يوسعه تقبيلاً.

يقول المؤرخون: إنّه أجلسه في حجره فشمر عن ساعديه فجعل الامام يقبلها، وهو غارق في البكاء، فبهرت أم البنين، وراحت تقول للامام: ما يبكيك؟

فأجابها الامام بصوت خافت حزين النبرات: «نظرت إلى هذين الكفين وتذكرت ما يجري عليهما...».

وسارعت أم البنين بلهفة قائلة: وماذا يجري عليهما؟

فأجابها الامام بنبرات مليئة بالأسى والحزن قائلاً: إنهما يقطعان من الزند....

وكانت هذه الكلمات كالصاعقة على أم البنين، فقد ذاب قلبها، وسارعت وهي مذهولة قائلة لماذا يقطعان؟

وأخبرها الامام عليه‌السلام بأنهما إنّما يقطعان في نصرة الاسلام والذبّ عن أخيه حامي شريعة الله، ريحانة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأجهشت أم البنين في البكاء، وشاركها من كان معها من النساء لوعتها وحزنها.

وخلدت أم البنين إلى الصبر، وحمدت الله - تعالى - في أن يكون ولدها فداءً لسبط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانته (2) .

فبشر سيد الأوصياء بمكانة ولدها العزيز عند الله - جلّ شأنه - وما حباه عن يديه

__________________

(1) تذكرة الشهداء: 243.

(2) العباس رائد الكرامة والفداء (لباقر شريف القرشي): 37، قمر بني هاشم للمقرم: 19.


بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل ذلك لجعفر بن أبي طالب، فقامت تحمل بشرى الأبد والسعادة الخالدة (1) .

تعويذ أم البنين له:

لقد كان أبو الفضل العباس آية بارعة في الجمال، وقد لقّب بقمر بني هاشم لروعة بهائه وجمال طلعته، وكان متكامل الجسم، قد بدت عليه آثار البطولة والشجاعة، ووصفه الرواة بأنه كان وسيماً جميلاً، يركب الفرس المطهم ورجلاه يخطان في الأرض.

وكان حبّه قد استوعب قلب أمه الحنون الزكية، فكان عندها أعزّ من الحياة، وكانت تخاف عليه وتخشى من أعين الحساد من أن تصيبه بأذى أو مكروه، وكانت تعوّذه بالله وتقول هذه الأبيات:

أعيذه بالواحد

من عين كلّ حاسد

قائمهم والقاعد

مسلمهم والجاحد

صادرهم والوارد

مولدهم والوالد (2)

وكان من شدّة حبّ أبيه له أن قبلّ يديه تعبيراً عن مستوى عواطفه ومقدار ما إحتله الولد من قلب والده، تماماً كما كان يفعل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مع الصديقة الطاهرة بضعته، حيث كان يقبّل يدها ويقوم لها ويجلسها مجلسه.

كنيته:

كنّى سيدنا العباس «أبي الفضل» وروى: إنّما كنّي بذلك لأن له ولداً اسمه الفضل.

__________________

(1) قمر بني هاشم (للمقرم): 20.

(2) العباس رائد الكرامة (للقرشي): 36، عن المنمق في أخبار قريش: 437.


ويقول في ذلك بعض من رثاه:

أبا الفضل يا من أسس الفضل والابا

أبي الفضل إلّا أن تكون له أبا

وطابقت هذه الكنية حقيقة ذاته العظيمة، فلو لم يكن له ولد يسمّى بهذا الاسم، فهو - حقاً - أبو الفضل ومصدره الفياض، فقد أفاض في حياته ببره وعطائه على القاصدين لنبله وجوده، وبعد شهادته كان موئلاً وملجأً لكلّ ملهوف، فما استجار به أحد بنية صادقة إلّا كشف الله ما ألم به من المحن والبلوى.

ومن كناه أيضاً: «أبو القاسم» وكنّي بذلك لأن له ولداً اسمه «القاسم»، ذكر بعض ال مؤرخين أنّه استشهد معه يوم الطف، قدّمه العباس قرباناً لدين الله وفداءً لريحانة رسول الله (1) .

وأبى إلّا أن يكون قد واسى الحسين أخاه في كلّ شيء حتى في الفجيعة بولده وفلذة كبده.

العباس عليه‌السلام مع أبيه:

كان أمير المؤمنين عليه‌السلام معلم البشرية ومربّيها؛ سيما المجتمع الاسلامي الذي ساقه عليه‌السلام إلى ذرى الانسانية الشماء.

وقد قدم عليه‌السلام دروس الشهامة والفضيلة والكمال لمحبيه وشيعته، وخصّ بذلك أيضاً أبناءه عليه‌السلام ، وقد ربّى ولده أبا الفضل العباس عليه‌السلام - وكان غايته من زواجه بأم البنين عليها‌السلام - أحسن تربية، فأفاض عليه مكونات نفسه العظيمة العامرة بالايمان والمثل العليا، وأفاض عليه آداب الاسلام وعلوم القرآن والحديث والفضائل الاخلاقية، ولم يمنعه أي فيض من فيوضاته، فعلمه الزراعة والفروسية والرماية والمجالدة بالسيف، وشركه في حروبه الثلاثة - الجمل وصفين والنهروان - فعلّمه

__________________

(1) انظر العباس رائد الكرامة.


على تجربة الحرب وخوض ساحات الوغى والمنون، حتى طار صيته في الآفاق، وصار العباس وشجاعته مثلاً تسير به الركبان، ويتحدّث به العرب في أنديتهم.

وفي الساعات الأخيرة من حياته الشريفة أخذ أمير المؤمنين عليه‌السلام يد العباس عليه‌السلام ووضعها في يد أخيه الحسين عليه‌السلام وأوصاهم بوصاياه المهمة.

العباس عليه‌السلام مع أخيه الحسين عليه‌السلام :

لما استشهد أمير المؤمنين عليه‌السلام انتقلت ودائع الامامة إلى ولده الحسن عليه‌السلام ، السبط الأكبر للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتلقّد شيعته وأهل بيته، بل والمسلمون جميعاً قلادة الاطاعة لإمام زمانهم عليه‌السلام .

وكان العباس عليه‌السلام واقفاً إلى جنب أخيه في الحربين مع معاوية، ثابت القدم، راسخ الايمان، مما أكسبه تجارب عظيمة، وخبرة كبيرة في جفاء القوم وخيانة رؤوسهم وقادتهم.

فلما اتخذ الامام عليه‌السلام قرار «الصلح» مع معاوية - بناءً على المصلحة وعملاً بالأمر الالهي - أطاعه العباس عليه‌السلام في ذلك وسلّم لأمر إمامه، ومضت عشرة سنوات في الهدوء الظاهر، والصمت المخيم على الموقف التزاماً بالصلح، وإطاعة للامام حتى استشهد الامام المجتبى عليه‌السلام .

فتمادى الأمويون بالشر، وظهرت خفايا نفوسهم المنطوية على الحقد والعداء لآل البيت، فقد مانعت عائشة ووقف مروان بكلّ صلف ودناءة ليحولوا دون أن يدفن سبط النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وريحانته عند جدّه صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأوعزوا إلى عملائهم برمي جنازة الامام، فرموها بقسيّهم وسهامهم، وكادت الحرب أن تقع بين الهاشميين والأمويين، وأسرع أبو الفضل العباس إلى مناجرة الأمويين وتمزيقهم، ومدّ يده القوية إلى سيفه البتار، فمنعه أخوه الامام الحسين عليه‌السلام من القيام بأي عمل إمتثالاً لوصية أخيه حيث


أوصاه بأن «لا يهراق في أمره ملء محجمة من دم»... ولو لا ذاك لانقض أبو الفضل على الحكام وأعوانهم وعائشة ومردتها.

وكان العباس يومها في الرابعة والعشرين من عمره، وهو يتمتع بكل هذه الهيبة والشجاعة والاقدام.

قاسماً بصارمه الصقيل وإنني

في غير صاعقة السما لا أقسم

لو لا القضا لمحا الوجود بسيفه

والله يقضي ما يشاء ويحكم

أبو الفضل مع أخيه الحسين عليه‌السلام :

بقي أبو الفضل العباس خلال فترة «الصلاح» مع معاوية ملتزماً بالمعاهدة إطاعة لامامه وامتثالاً لتكليفه، وكان طيلة فترة حياته مع أخيه حاضراً جاهزاً مطيعاً ممتثلاً لامام زمانه، ولم يؤثر عنه أنّه خاطبه ولا مرة واحدة بـ «أخي»، وإنّما كان يخاطبه بـ «مولاي» و «سيدي»، ولم يؤثر عنه أنّه عبّس وجهه إلا في وجوه الأعداء وكان ينقض كالصقر إذا ما سمع أمراً صادراً من إمامه الحسين عليه‌السلام ، فينفذه فوراً، وكان وفياً له حتى بعد شهادته.

فقد روي: أنّ ملكة الهند توسلت في حاجة لها بأبي الفضل العباس عليه‌السلام ونذرت إن قضى الله لها حاجتها أن تطلي منائر الروضة العباسية المباركة بالذهب، فقضى الله لها حاجتها ببركة أبي الفضل العباس عليه‌السلام ، فعزمت على أداء نذرها والوفاء بوعدها، فشدّت الرحال وتوجهت نحو المشاهد المشرفة والأعتاب المقدسة، وأخذت معها ذهباً كثيراً، واصطحبت معها مهندسين ماهرين بارعين.

فلما وصلت الملكة بموكبها إلى كربلاء المقدسة وعزمت على الشروع بتذهيب المنائر - إذ قد تمّ إعداد كلّ شيء من قبل - واستعد المهندسون والعمال لمباشرة أعمالهم في الصباح الباكر، وإذا بسادن الروضة العباسية المباركة يرى في نفس


الليلة - التي كان من المقرر أن يباشروا العمل في صبيحتها - في ما يرى النائم أبا الفضل العباس عليه‌السلام وهو يقول له - بما معناه -: إنّي لا أرضى بتذهيب منائر روضتي، فان منائر روضة سيدي الامام الحسين عليه‌السلام مذهّبة، ولا بد أن يكون ثمة فرق بين روضة العبد وروضة سيده.

وفي الصباح الباكر أقبل سادن الروضة العباسية المباركة وأخبرهم بما قاله أبو الفضل العباس عليه‌السلام وأدى رسالته اليهم، فكفوا عن العمل، وانفقوا الذهب الذي جاءت به الملكة على الفقراء والمعوزين بحساب أبي الفضل العباس (1) .

ويستفاد من هذه القصة أمران:

الأول: إنّ أدب أبي الفضل العباس عليه‌السلام ووفائه لأخيه الحسين عليه‌السلام لم يكن مقصوراً على أيام حياته، بل بقي كذلك حتى بعد شهادته، علماً لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.

والثاني: إنّ الفقراء والمعوزين كانوا من الكثرة بمكان في ذلك الزمان، وقد شملتهم أفضال أبي الفضل العباس عليه‌السلام .

شجاعة أبي الفضل العباس عليه‌السلام :

الشجاعة من أسمى صفات الرجولة، وهي صفة الاعتدال التي يحدّها الجبن والتهور، فالشجاع لا يخاف ولا يتهور فيتعدى على حقوق الآخرين ويتجاوز حدودهم، والشجاع لا يقهر الآخرين تهوراً وظلماً، وكل عمل دني غير إنساني يصدر من أحد إنّما يكون منشاه الجبن أو التهور؛ لأن الشجاعة بمعناها الصحيح حدّ وسط، وملكة نفسانية أكدت عليها التعاليم والآداب الدينية، وهي منحة إلهية تنم عن قوة الشخصية وصلابتها وتماسكها أمام الأحداث، فلا تفاض على كلّ أحد، بل لا بد

__________________

(1) انظر الخصائص العباسية: 229 في وفاء العباس عليه‌السلام .


أن يكون أهلاً لها، تماماً كشجاعة أمير المؤمنين عليه‌السلام الربانية التي صرع بها عمرو ابن ودّ، وقلع بها باب خيبر، فلما سئل عنها قال: «بقوة رحمانية لا بقوة جسمانية».

وقد ورث أبو الفضل هذه الصفة الكريمة من أبيه الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام الذي هو أشجع إنسان في دنيا الوجود (1) .

وقد علمه الامام عليه‌السلام وأدبه بآدابه وأفاض عليه من ذاته، ولم يكن العباس عليه‌السلام قد ورث الشجاعة وتعلمها من أبيه فحسب، وإنّما كان بطلاً ضرغاماً له مؤهلاته الجسدية أيضاً حيث كان ذا بسطة في الجسم، معروفاً بالقوة والبسالة، فكان شجاعاً ظاهراً وباطناً.

وهكذا هم بنو هاشم كبيرهم وصغيرهم، فكيف بأبي الفضل العباس الذي كان علماً في البطولات، لم يخالج قلبه خوف ولا رعب في الحروب التي خاضها مع أبيه، بل لقن الأعداء درساً جعلهم يعرفون سيفه بين السيوف، وهو لمّا يزل شاباً، كما أبدى من الشجاعة يوم الطف ما صار مضرب المثل على امتداد التاريخ، حيث برز أمام تلك القوى التي ملأت البيداء، فجبّن الشجعان، وأرعب قلوب عامة الجيش، فزلزلت الأرض تحت أقدامهم وخيّم عليهم الموت (2) .

عبست وجوه القوم

والعباس فيهم ضاحك متبسم

قلب اليمين على الشمال

وغاص في الأوساط يحصد للرؤوس ويحطم

بطل تورث من أبيه شجاعة

فيها أنوف بني الضلالة ترغم

__________________

(1) كما ورث هذه الصفة من أخواله الذين تميزوا بهذه الظاهرة وعرفوا بين سائر الأحياء العربية (أنظر العباس رائد الكرامة: 55).

(2) انظر العباس رائد الكرامة: 55.


فروسية أبي الفضل العباس عليه‌السلام :

كان عبد المطلب من زعماء مكة قبل الاسلام، وكان في زمانه رجل يقال له «سيف بن ذي يزن» وكان من ملوك اليمن، فجمع عبد المطلب رؤساء قريش وقال: يا قوم إنّكم تحتاجون أن تخرجوا معي نحو «سيف بن ذي يزن» لتهنئته في ولايته...

فلما ذهبوا اليه استقبلهم بحفاوة وأكرم مثواهم وجعلهم في دار الضيافة.

وفي ذات يوم دعا عبد المطلب لوحده، واختلى به وقال لخدمه: تباعدوا عنا، فلم يبق في المجلس غير الملك وعبد المطلب وثالثهم ربّ العزة - تبارك وتعالى -.

فقال له الملك: يا أبا الحارث، إنّ من آرائي أو أفوض اليك علماً كنت كتمته عن غيرك أريد أن أضعه عندك، فانك موضع ذلك، وأريد أن تطويه وتكتمه إلى أن يظهره الله - تعالى -.

فقال عبد المطلب: السمع والطاعة للملك وكذا الظن بك.

فقال الملك: اعلم يا أبا الحارث إن بأرضكم غلاماً حسن الوجه والبدن جميل القد والقامة، بين كتفيه شامة، المبعوث من تهامة، أنبت الله - تعالى - على رأسه شجرة النبوة، وظللته الغمامة، صاحب الشفاعة يوم القيامة، مكتوب بخاتم النبوة على كتفيه سطران: «لا اله الا الله» والثاني «محمد رسول الله» والله - تعالى - أمات أمه وأباه، وتكون تربيته على جدّه وعمه، وإني وجدت في كتب بني إسرائيل صفته، أبين وأشرح من القمر بين الكواكب، وإني أراك جدّه.

فقال عبد المطلب: أنا جده أيها الملك.

فقال الملك: مرحباً بك وسهلاً يا أبا الحارث.

ثم قال له الملك: أشهدك على نفسي - يا أبا الحارث - إني مؤمن به وبما يأتي به من عند ربّه، ثم تأوّه «سيف» ثلاث مرات بأن يراه، فكان ينصره....


ثم إنّ الملك أمر لكل واحد منهم ببدرة بيض، فحمل كلّ واحد منهم على دابة وبغل، وأمر لكلّ واحد منهم بجارية وغلام وثياب فاخرة، ولعبد المطلب بضعفي ما وهب لهم.

ثم دعا الملك بفرسه «العقاب» وبغلته «الشهباء» وناقته «العضباء» وقال: يا أبا الحارث؛ إنّ الذي أسلمه اليك أمانة في عنقك تحفظها إلى أن تسلمها إلى محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقال له: إعلم أني ما طلبت على ظهر هذه الفرس شيئاً إلا وجدته، وما قصدني عدو وأنا راكب عليها إلّا نجاني الله - تعالى - منه، وأما البغلة فاني كنت أقطع بها الدكداك والجبال لحسن سيرها، ولا أنزل عنها ليلي ونهاري، فأمره أن يتحفظ ويجعلها لي تذكرة، وبلغه عني التحية الكثيرة.

فقال عبد المطلب: السمع والطاعة.

ثم ودعوه وخرجوا نحو الحرم حتى دخلوا مكة....

ثم إنّ عبد المطلب لما رأى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله نزل عن مركوبة وعانقه وقبّل ما بين عينيه وقال له: إنّ هذا الفرس والبغلة والناقة أهداها اليك «سيف بن ذي يزن» ويقرأ عليك التحية الطبية.

ثم أمر أن يحمل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على الفرس، فلمّا استوى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على ظهر الفرس انتشط وصهل صهيلاً شديداً فرحاً برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ونسب هذا الفرس (1) أنّه: عقاب بن ينزوب بن قابل بن بطال بن زاد الراكب بن الكفاح بن الجنح بن موج بن ميمون بن ريح... (2) .

فكان عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله العقاب والمرتجز وذو الجناح، وكانت من جياد الخيل

__________________

(1) كانت الخيل العربية ولا زالت ذات أنسابه عريقة وأصيلة بحيث يحتفظ بشجرتها عند أصحابها عادة.

(2) البحار 15 / 150 - 151 والقصة مفصلة طويلة.


المدربة على الحروب، وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّما ركبها عادت قوية شابة بقوة الله وإعجاز النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فلما توفي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله انتقلت إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام ومن ثم إلى السبطين عليهما‌السلام ومن ثم صار العقاب إلى أبي الفضل العباس، والمرتجز إلى علي الأكبر عليه‌السلام ، وذو الجناح إلى أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام .

وكان أبو الفضل العباس اذا ركب العقاب واقتحم الميدان أشرف على الجيش لطول قامته وارتفاع هامته.

الأمان:

قال أبو مخنف: لما كتب ابن زياد كتابه إلى عمر بن سعد بالتعجيل لحرب الحسين عليه‌السلام ، وقبضه شمر بن ذي الجوشن قام هو وعبد الله بن أبي المحل بن حزام الكلابي.

فقال عبد الله: أصلح الله الأمير؛ إنّ بني أختنا أم البنين: العباس وعبد الله وجعفر وعثمان مع الحسين عليه‌السلام ، فان رأيت أن تكتب لهم أماناً فعلت.

قال ابن زياد: نعم - ونعمة عين - فأمر كاتبه فكتب لهم أماناً...

فبعث به عبد الله بن أبي المحل مع مولى له يقال له «كزمان» (1) .

ولما قدم عليهم «كزمان» مولى عبد الله بن أبي المحل دعاهم فقال: هذا أمان بعث به خالكم.

فقال له الفتية: أقرأ خالنا السلام وقل له: أن لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خير من أمان ابن سمية (2) .

__________________

(1) مقتل أبي مخنف: 186 (مع الترجمة الفارسية).

(2) مقتل أبي مخنف: 188.


وفي اللهوف: وصاح شمر بأعلى صوته: أين بنو أختنا؟ أين العباس واخوته؟

فأعرضوا عنه فقال الحسين عليه‌السلام : أجيبوه ولو كان فاسقاً.

قالوا: ما شأنك وما تريد؟

قال: يا بني أختي أنتم آمنون لا تقتلوا أنفسكم مع الحسين والزموا طاعة أمير... يزيد.

فقال العباس: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له، وتأمرنا أن ندخل في طاعة اللعناء وأولاد اللعناء (1) .

عشية اليوم التاسع:

وفي عشية اليوم التاسع من المحرم نادى عمر بن سعد: يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري، فركب الناس حتى زحف نحوهم بعد العصر، والحسين عليه‌السلام جالس أمام بيته محتبياً بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه، فسمعت أخته الضجة، فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت، فرفع الحسين عليه‌السلام رأسه فقال: إنّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله الساعة في المنام فقال لي: إنّك تروح الينا، فلطمت أخته وجهها ونادت بالويل.

فقال لها الحسين عليه‌السلام : ليس لك الويل يا أخيه اسكتي رحمك الله.

ثم قال له العباس بن علي عليه‌السلام : يا أخي أتاك القوم.

فنهض ثم قال: يا عباس - اركب بنفسي أنت يا أخي - حتى تلقاهم وتقول لهم: مالكم وما بدالكم وتسألهم عما جاء بهم، فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر.

فقال لهم العباس: ما بدالكم وما تريدون؟

__________________

(1) ابن نما: 28، مقتل الحسين عليه‌السلام (للمقرم): 209.


قالوا: قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم.

فقال: فلا تعجلوا حتى ارجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم.

فوقفوا وقالوا: ألقه فاعلمه ثم القنا بما يقول لك.

فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسين عليه‌السلام يخبره الخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفونهم عن قتال الحسين عليه‌السلام ، فجاء العباس إلى الحسين عليه‌السلام فأخبره بما قال القوم فقال عليه‌السلام : ارجع اليهم، فان استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة، وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلّي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنت أحبّ الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار.

فمضى العباس إلى القوم، ورجع العباس واستمهلهم العشية، فتوقف ابن سعد وسأل من الناس، فقال عمرو بن الحجاج: سبحان الله لو كانوا من الديلم وسألوك هذا لكان ينبغي لك أن تجيبهم اليه.

فبعث عمر بن سعد إلى الحسين عليه‌السلام يقول: إنّا قد أجلناكم إلى غد فان استسلمتم سرحناكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد وإن أبيتم فلسنا تاريكيكم... (1) .

حارس خيام الحسين عليه‌السلام :

في معالي السبطين عن فخر المخدرات زينب عليها‌السلام قالت: لما كانت عاشوراء من المحرم خرجت من خيمتي لأتفقد أخي الحسين عليه‌السلام وأنصاره، وقد أفرد له خيمة، فوجدته جالساً وحده يناجي ربّه ويتلوا القرآن، فقلت في نفسي: أفي مثل هذه الليلة يترك أخي وحده، والله لأمضين أخوتي وبني عمومتي وأعاتبهم بذلك.

فأتيت إلى خيمة العباس فسمعت منها همهمة ودمدمة، فوقفت على ظهرها فنظرت فيها فوجدت بني عمومتي وأخوتي وأولاد اخوتي مجتمعين كالحلقة

__________________

(1) الارشاد (للمفيد): 230، مقتل الحسين عليه‌السلام (للمقرم): 211.


وبينهم العباس ابن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وهو جاث على ركبتيه كالأسد على فريسته، فخطب فيهم خطبة ما سمعتها إلّا من الحسين عليه‌السلام ، مشتملة بالحمد والثناء لله والصلاة والسلام على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم قال في آخر خطبته: يا اخوتي وبني اخوتي وبني عمومتي إذا كان الصباح فما تقولون؟

فقالوا: الأمر اليك يرجع ونحن لا نتعدى لك قولك.

فقال العباس: إنّ هؤلاء - أعني الأصحاب - قوم غرباء، والحمل الثقيل لا يقوم إلّا بأهله، فاذا كان الصباح فأول من يبرز إلى القتال أنتم، نحن نقدمهم للموت لئلا يقول الناس: قدموا أصحابهم، فلما قتلوا عالجوا الموت بأسيافهم ساعة بعد ساعة.

فقامت بنو هاشم وسلّوا سيوفهم في وجه أخي العباس وقالوا: نحن على ما أنت عليه.

قالت زينب عليها‌السلام : فلما رأيت كثرة اجتماعهم وشدّة عزمهم وإظهار شيمتهم سكن قلبي وفرحت... (1) .

لقد قضى أبو الفضل العباس تلك الليلة في حراسة خيام الحسين عليه‌السلام ، فأطبق بجلاله وشهامته على الأجواء، حيث كانت ومضات سيفه البتار تسلب الليل سكونه، وعجز العدو على كثرتهم تلك الليلة عن القيام بأي حركة، بل سلب العباس النوم من عيونهم، كيف لا وهو شبل أسد الله وربيب علي المرتضى؟!

وهكذا قضى الحسين وأصحابه تلك الليلة بالمناجاة، ما بين قائم وقاعد، وراكع وساجد، ولهم في تلاوت القرآن دوي كدوي النحل، وأخلدن بنات النبي وعقائل الوحي والوصي، ومن معهن من الأطفال والصبية تلك الليلة إلى الاطمئنان والأمان؛ لأن الجميع كانوا في حماية العباس وحراسته.

__________________

(1) معالي السبطين 1 / 340.


لقاء بين زهير بن القين وأبي الفضل العباس عليه‌السلام :

ولما رجع العباس واخوته إلى الحسين وأعلموه بما أراده الماجن منهم، قام زهير بن القين إلى العباس وحدّثه بحديث.

فقال له: ألا أحدثك بحديث وعيته؟!

قال العباس عليه‌السلام : بلى حدثني به.

قال زهير: اعلم يا أبا الفضل إنّ أباك أمير المؤمنين عليه‌السلام طلب من أخيه عقيل - وكان عارفاً بأنساب العرب وأخبارها - أن يختار له امرأة ولدتها الفحولة من العرب وذوو الشجاعة منهم؛ ليتزوجها فتلد له غلاماً فارساً شجاعاً ينصر الحسين بطف كربلاء، وقد ادخرك أبوك لمثل هذا اليوم فلا تقصر عن نصرة أخيك وحماية أخواتك.

فثارث غيرته الهاشمية وتفجرت همته العلوية، فتمطى في ركابه حتى قطعه وقال: يا زهير تشجعني هذا اليوم، فوالله لأرينك شيئاً ما رأيته (1) .

فجدل أبطالاً ونكس رايات في حالة لم يكن همه القتال ولا منازلة الأبطال، بل كان همه إيصال الماء إلى الأطفال، ولكن لا مردّ للقضاء ولا دافع للأجل المحتوم.

وقع العذاب على جيوش أمية

من باسل هو في الوقائع معلم

ما راعهم إلّا تقحم ضيغم

غيران يعجم لفظه ويدمدم

عبست وجوه القوم خوف الموت

والعباس فيهم ضاحك متبسم

قلب اليمين على الشماء وغاص في

الأوساط يحصد في الرؤوس ويحطم

قسماً بصارمه الصقيل وإنني

في غير صاعقة السما لا أقسم

لو لا القضا لمحا الوجود بسيفه

والله يقضي ما يشاء ويحكم (2) .

__________________

(1) أنظر: الخصائص العباسية: 247، مقتل الحسين (للمقرم): 794.

(2) الخصائص العباسية: 249.


وقال حفيده الفضل بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس عليه‌السلام :

إني لأذكر للعباس موقفه

بكربلاء وهام القوم تختطف

يحمي الحسين ويحميه على ظمأ

ولا يولي ولا يثني فيختلف

ولا أرى مشهداً يوماً كمشهده

مع الحسين عليه الفضل والشرف

أكرم به مشهداً بانت فضيلته

وما أضاع له أفعاله خلف (1)

لقد ضاق صدري:

ولما رأى أبو الفضل عليه‌السلام وحدة أخيه وقتل أصحابه وأهل بيته الذين باعوا نفوسهم لله انبرى اليه يطلب الرخصة منه ليلاقي مصيره المشرق، فلم يسمح له الامام عليه‌السلام . وقال له بصوت حزين النبرات: «أنت صاحب لوائي».

لقد كان الامام عليه‌السلام يشعر بالقوة والحماية مادام أبو الفضل، فهو كقوة ضاربة إلى جانبه، يذبّ عنه، ويرد عنه كيد المعتدين، وألحّ عليه أبو الفضل قائلاً: «لقد ضدق صدري من هؤلاء المنافقين وأريد أن آخذ ثاري منهم..».

لقد ضاق صدره وسئم من الحياة حينما رأى النجوم المشرقة من أخوته وأبناء عمومته صرعى مجزرين على رمضاء كربلاء، فتحرّق شوقاً للأخذ بثأرهم والالتحاق بهم.

وطلب الامام منه أن يسعى لتحصيل الماء إلى الأطفال الذين صرعهم العطش، فانبرى الشهم النبيل نحو أولئك الممسوخين الذين خلت قلوبهم من الرحمة والرأفة، فجعل يعظهم ويحذّرهم من عذاب الله ونقمته، ووجّه خطابه اليهم قائلاً: «.. هذا الحسين بن بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد قتلتم أصحابه وأهل بيته وهؤلاء عياله

__________________

(1) إبصار العين: 31.


وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء، قد أحرق الظمأ قلوبهم، وهو مع ذلك يقول: دعوني أذهب إلى الروم أو الهند وأخلّي لكم الحجاز والعراق...».

وساد صمت رهيب على قوات ابن سعد، ووجم كثيرون وودّوا لوتسيخ بهم الأرض، وبكى جماعة، واعتزل آخرون، فانبرى اليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن فردّ عليه قائلاً: يا ابن أبي تراب لو كان وجه الأرض كلّه ماءً وهو تحت أدينا لما سقيناكم منه قطرة إلّا أن تدخلوا في بيعة يزيد....

لقد بلغت الخسة ولؤم العنصر وخبث السريرة بهؤلاء الأرجاس مستوى ماله من قرار....

ورجع أبو الفضل إلى أخيه فأخبره بعتو القوم وطغيانهم، وسمع فخر عدنان صراخ الأطفال والصبية وهم يستغيثون وينادون: العطش.. العطش (1) .

وروي أنّه دخل الخيمة التي وضعوا فيها القِرَب فرأى الأطفال قد كشفوا صدورهم ووضعوها على القِرَب الخالية لعل نداوتها تبرد غليلهم وتطفىء لهيب ظمأهم وتخفف عنهم، فقال لهم أبو الفضل: اصبروا يا نور عيني سأسقيكم الماء، فحمل رمحه وشهر سيفه وأخذ معه القربة، واندفع ببسالة لاغاثتهم، فركب فرسه واقتحم الفرات.

أهل البيت يمنعون الماء:

إذا كانت الشريعة المطهرة حثت على السقاية ذلك الحث المتأكد، فانما تلت على الناس أسطراً نورية مما جبلوا عليه، وعرفت الأُمة بأن الدين يطابق تلك النفسيات البشرية والغرائز الطبيعية، وأرشدتهم إلى ما يكون من الثواب المترتب

__________________

(1) العباس رائد الكرامة: 221 - 222.


على سقي الماء في الدار الآخرة؛ ليكونوا على يقين من أنّ عملهم هذا موافق لرضوان الله وزلفى للمولى سبحانه يستتبع الأجر الجزيل، وليس هو طبيعي محض، وهذا ما جاء عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته المعصومين عليهم‌السلام من فضل بذل الماء في محل الحاجة اليه وعدمها سواء كان المحتاج اليه حيواناً أو بشراً مؤمناً كان أو كافراً.

ففي الحديث عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : أفضل الأعمال عند الله إبراد الكبد الحرى من بهيمة وغيرها (1) .

وقال الصادق عليه‌السلام : من سقى الماء في موضع يوجد فيه الماء كان كمن اعتتق رقبة، ومن سقى الماء في موضع لا يوجد في الماء كان كمن أحيى نفساً، ومن أحياها فكأنما أحيى الناس أجمعين (2) .

وقد دلت هذه الآثار على فائدة السقي بما هو حياة العالم ونظام الوجود، ومن هنا كان الناس فيه شرع سواء كالكلاء والنار، فلا يختص اللطف الالهي بطائفة دون طائفة.

وقد كشف الامام الصادق عليه‌السلام السر في جواب من قال له ما طعم الماء؟

فقال عليه‌السلام : طعم الحياة (3) .

ولما كانت السقاية أشرف شيء في الشريعة المطهرة، وكانت لها تلك الأهمية والمكانة من النفوس كان أجداد الحسين عليه‌السلام سادة السقاة، وقد أذعنت قريش لقصي بسقاية الحاج فكان يطرح الزبيب في الماء ويسقيهم الماء المحلّى كما كان يسقيهم اللبن (4) .

وكان ينقل الماء إلى مكة من آبار خارجها ثم حفر ب ئراً إسمها «العجول» في

__________________

(1) دار السلام 3 / 162.

(2) مكارم الأخلاق: 85 فصل 7 الباب الاول.

(3) تهذيب الكامل 1 / 299.

(4) السيرة الحلبية 1 / 15.


الموضع الذي كانت دار «أم هاني» فيه. وهي أول سقاية حفرت بمكة، وكانت العرب إذا استقوا منها ارتجزوا:

نروي على العجول ثم ننطلق

إنّ قصياً قد وفى وقد صدق

ثم حفر قصي بئراً سماها «سجلة» وقال فيها (1) :

أنا قصي وحفرت سجلة

تروي الحجيج زغلة فزغلة

وكان هاشم - أيام الموسم - يجعل حياضاً من ادم في موضع زمزم لسقاية الحاج ويحمل الماء إلى منى لسقايتهم وهو يومئذٍ قليل (2) .

ثم إنّه حفر بئراً سماها «البندر» وقال: إنّها بلاغ للناس فلا يمنع منها أحداً (3) .

وأما عبد المطلب فقد قام بما كان آباؤه يفعلونه من سقاية الحاج، وزاد على ذلك، أنّه لما حفر زمزم وكثر ماؤها أباحها للناس، فتركوا الآبار التي كانت خارج مكة لمكانها من المسجد الحرام، وفضلها على من سواها لأنها بئر إسماعيل (4) .

وزاد عبد المطلب في سقاية الحاج بالماء أن طرح الزبيب فيه، وكان يحلب الابل فيضع اللبن مع العسل في حوض من أدم عند زمزم لسقاية الحاج (5) .

ثم قام أبو طالب مقامه بسقي الحاج وكان يجعل عند رأس كلّ جادة حوضاً فيه الماء ليسقي منه الحاج، وأكثر من حمل الماء أيام الموسم، ووفره في المشاعر فقيل له: «ساقي الحجيج».

أما أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام فقد حوى أكثر مما حواه والده الكريم

__________________

(1) الروض الانف 1 / 101.

(2) شرح النهج 3 / 457.

(3) الروض الانف 1 / 101.

(4) سيرة ابن معلان بهامش السيرة الحلبية 1 / 26.

(5) السيرة الدحلانية 1 / 26.


من هذه المكرمة، وكم له من موارد للسقاية لا يستطيع أحد على مثلها، وذلك يوم بدر، وقد أجهد المسلمين العطش، وأحجموا عن امتثال أمر الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله في طلب الماء فرقاً من قريش؛ لكن نهضت بأبي الريحانتين غيرته الشماء، وثار به كرمه المتدفق، فلبّى دعاء الرسول وانحدر نحو القليب وجاء باملاء حتى أروى المسلمين (1) .

ولا ينس يوم صفين وقد شاهد من عدوه ما تندى منه جبهة كلّ غيور، فان معاوية لما نزل بجيشه على الفرات منع أهل العراق من الماء حتى كضّهم الظمأ، فأنفذ اليه أمير المؤمنين عليه‌السلام صعصعة بن صوحان وشبث بن ربعي يسألانه أن لا يمنع الماء الذي أباحه الله - تعالى - لجميع الخلوقات، وكلّهم فيه شرع سواء، فأبى معاوية إلّا التردد في الغواية والجهل، فعندها قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : ارووا السيوف من الدماء ترووا من الماء (2) .

ثم أمر أصحابه أن يحملوا على أهل الشم، فحمل الأشتر في سبعة عشر ألفاً والأشتر يقول:

ميعدنا اليوم بياض الصبح

هل يصلح الزاد بغير ملح

فلمّا أجلوهم أهل العراق عن الفرات ونزلوا عليه وملكوه أبي صاحب النفسية المقدسة التي لا تعدوها أي مأثرة أن يسير على نهج عدوه حتى أباح الماء لأعدائه، ونادى بذلك في أصحابه (3) ، ولم يدعه كرم النفس أن يرتكب ما هو من سياسة الحرب من التضييق على العدو بأي صورة.

__________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 1 / 406.

(2) نهج البلاغة 1 / 109.

(3) مناقب ابن شهر آوب 1 / 619.


وقد لا تجد مندوحة في تفضيل موقف الحسين عليه‌السلام على غيره في السقاية يوم سقى الحر وأصحابه في «شراف» وهو عالم بحراجة الموقف، ونفاذ الماء بسقي كتيبة فيها ألف رجل مع خيولهم، ووخامة المستقبل، وأنّ الماء غداً دونه تسيل النفوس وتشق المرائر؛ لكن العنصر النبوي والآصرة العلوية لم يتركا صاحبهما إلّا أن يجوز الفضل.

وأما أبو الفضل العباس بن أمير المؤمنين عليه‌السلام فلا يوازيه أحد في أمر السقاية يوم ناطح جبلاً من الحديد ببأسه الشديد حتى اخترق الصفوف، وزعزع هاتيك الألوف، ولم يبال بشيء إلّا إغاثة شخصية الرسالة المنتشرة في تلك الأمثال القدسية من الذرية الطاهرة، ولم يكتف بهذه الفضيلة حتى أبت نفسيته الكريمة أن يلتذ بشيء من الماء قبل أن يلتذ به أخوه الامام وصبيته الأزكياء.

ومن أجل مجيئه بالماء إلى عيال أخيه وصحبه في كربلاء سمي «السقاء».

في كربلاء لك عصبة تشكوا الظمأ

من فيض كفك تستمد رواؤها

وأراك يا ساقي عطاشى كربلاء

وأبوك ساقي الحوض تُمنع ماءها (1)

هذه جملة من موارد السقاية الصادرة من شرفاء سادة متبوئين على منصات المجد والخطر متكئين على أرائك العز والمنعمة، وما كانت تدعهم دماثة أخلاقهم وطهارة أعراقهم أن يكونوا أخلوا من هذه المكرمة، وقد افتخر بذلك عبد مناف على غيرهم.

وعلى العكس عنهم تجد أعداءهم معاوية وذريته الأرجاس فقد حرموا الماء على آل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويالها من فاجعة.. أن تشرب الذئاب والوحوش الماء وتذبل شفاه آل الرسول من الظمأ؟! ياله من ظلم أن يعطش الأسد، وسيفه بيده ويبكي أطفال الحسين عليه‌السلام ويستغيثون.

__________________

(1) العباس (للمقرم): 165.


أو تشتكي العطش الفواطم عنده

وبصدر صعدته الفرات المفعم

ولو استقى نهر المجرة لارتقى

وطويل ذابله اليها سلم

لو سدّ ذو القرنين دون وروده

نسفته همته بما هو أعظم

يا رب.. يا حكم ويا عدل.. لقد سلب الله الرحمة والانسانية من قلوب أولئك المسوخ فداسوا القيم وتنركوا للحسين عليه‌السلام ....

وحالوا بينه وبين الماء، وناده عبد الله بن حصين الأزدي: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه ككبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً أنت وأصحابك.

ونادى عمرو بن الحجاج: يا حسين هذا الفرات تلغ فيه كلاب السواد وخنازيرهم، فوالله لا تذوق منه قطرة.

والغريب أن هذا اللعين كان ممن كاتب الحسين عليه‌السلام ودعاه للقدوم إلى الكوفة!!

وقال زرعة بن أبان بن دارم: حولوا بينه وبين الماء، ورماه بسهم فأثبته في حنكه فقال عليه‌السلام : اللهم أقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً (1) .

وهكذا منعوا الحسين وأهله وأصحابه عن الماء، وفي اليوم السابع اشتد الحصار على سيد الشهداء ومن معه، وسدّ عنهم باب الورود، ونفد ما عندهم من الماء، فعاد كلّ واحد يعالج لهب العطش، وبطبع الحال كان العيال بين أنة وحنة، وتضور ونشيج، ومتطلب للماء إلى متحرّ له بما يبلّ غلّته، وكلّ ذلك بعين الحسين عليه‌السلام والغيارى من آه والأكارم من صحبه، وما عسى أن يجدوا لهم شيئاً وبينهم وبين الماء رماح مشرع وسيوف مرهفة لكن «ساقي العطاشى» لم يتطامن على تحمل تلك الحالة، فراح يستقي لهم وقدم يمينه ويساره ورجليه وكلّ روحه في سبيل إغاثتهم.

وروي أنّ أهل البيت عليهم‌السلام صارعوا العطش - صغاراً وكباراً - ثلاثة أيام بلياليها (2) .

__________________

(1) مثير الاحزان: 70، نفس المهموم: 331.

(2) مرأة الزمان في تواريخ الاعيان: 89.


نهر العلقمي:

يتفرع نهر العلقمي من شط الفرات ويمرّ بمشهد أبي الفضل العباس عليه‌السلام باتجاه قبر الحسين عليه‌السلام ثم يشق طريقه إلى قبر الشهيد الحر الرياحي عليه‌السلام .

وفي معجم متن اللغة: من معاني علقمة: «النبق» وهو السدر فيستفاد من هذا ومما سنرويه أنّ ضفاف العلقمي كان مزروعاً بأشجار السدر، وأنّ هناك سدرة كانت عند قبر الحسين عليه‌السلام .

روى الشيخ الطوسي في الأمالي مسنداً عن يحيى بن المغيرة الرازي قال:

كنت عند جرير بن عبد الحميد إذ جاءه رجل من أهل العراق فسأله جرير عن خبر الناس فقال: تركت الرشيد وقد كرب قبر الحسين عليه‌السلام وأمر أن تقطع السدرة التي فيه فقطعت.

قال: فرفع جرير يديه فقال: الله أكبر جاءنا فيه حديث عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: لعن الله قاطع السدرة - ثلاثاً - فلم نقف على معناه حتى الآن؛ لأن القصد بقطعه تغيير مصرع الحسين عليه‌السلام حتى لا يقف الناس على قبره (1) .

وفي مدينة المعاجز: روى عن رجل أسدي قال: كنت زارعاً على نهر العلقمي بعد ارتحال عسكر بني أمية فرأيت عجائباً لا أقدر أن أحكي إلّا بعضاً منها:... إذا هبت الريح تمر عليّ نفحات كنفحات المسك والعنبر وأرى نجوماً تنزل من السماء وتصعد مثلها من الأرض، ورأيت عند غياب الشمس أسداً هائل المنظر يتخطى القتلى حتى وقف على جسد جللته الأنوار، فكان يمرغ وجهه وجسده بدمه، وله صوت عال، ورأيت شموعاً معلقة، وأصواتاً عالية وبكاءاً وعويلاً، ولا أرى أحداً (2) .

__________________

(1) الأمالي (لألطوسي): 325 المجلس 11 ح 98.

(2) العباس (لألمقرم): 313، عن مدينة المعاجز: 263 باب 127.


وحكي في «الكبريت الأحمر» عن السيد محمد الدين محمد المعروف بمجدي من معاصري الشيخ البهائي في كتابه «زينة المجالس» المؤلف سنة (1004):

أنّ الوزير السعيد ابن العلقمي لما بلغه خطاب الصادق عليه‌السلام للنهر «إلى الآن تجري وقد حرم جدّي منك» أمر بسدّ النهر وتخريبه، ومن أجله حصل خراب الكوفة، لأنّ ضياعها كانت تسقى منه (1) .

قال عبد الباقي العمري:

بعداً لشطك يا فرات فمر لا

تحلو فانك لا هني ولا مري

أيسوغ لي منك الورود وعنك قد

صدر الامام سليل ساقي الكوثر

وقال الشيخ محسن أبو الحب الحائري رحمه‌الله :

إذا كان ساقي الحوض في الحشر حيدر

فساقي عطاشى كربلاء أبو الفضل

على أنّ ساقي الناس في الحشر قلبه

مريع وهذا بالظمأ قلبه يغلي

وقفت على ماء الفرات ولم أزل

أقول له والقول يحسنه مثلي

علامك تجري لا جريت لوارد

وأدركت يوماً بعض عارك بالغسل

أما نشفت أكباد آل محمد

لهيباً ولا ابتلت بعل ولا نهل

من الحق أن تذوي غصونك ذبلاً

أسى وحياءً من شفاههم الذبل

فقال استمع للقول إن كنت سامعاً

وكن قابلاً عذري ولا تكثرن عذلي

ألا أن ذا دمعي الذي أنت ناظر

غداة جعلت النوح بعدهم شغلي

برغمي أرى مائي يلذ سواهم

به وهم صرعى على عطش حولي

جزى الله عنهم في المواساة عمهم

أبا الفضل خيراً لو شهدت أبا الفضل

لقد كان سيفاً صاغه بيمينه

علي فلم يحتج شباه إلى الصقل

اذا عدّ أبناء النبي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله

رأه أخاهم من رأه بلا فضل

__________________

(1) مقتل العباس (للمقرم): 315، عن الكبريت الاحمر 2 / 112.


ولم أر ضام (1) حوله الماء قبله

ولم يرو منه وهو ذو مهجة تغلي

وما خطبه إلّا الوفاء وقل ما

يرى هكذا خلاً وفياً مع الخل

يميناً بيمنا القطيعة التي

تسمى شمالاً وهي جامعة الشمل

بصبرك دون ابن النبي بكربلاء

على الهول أمر لا يحيط به عقلي

ووافاك لا يدري أفقدك راعه

أم العرش غالته المقادير بالثل

أخي كنت لي درعاً ونصلاً كلاهما

فقدت فلا درعي لدي ولا نصلي

وقال السيد جعفر الحلي في رثاء العباس عليه‌السلام

وهوى بجنب العلقمي وليته

للشاربين به يداف العلقم

وقال السيد عبد الهادي الطعان:

جرعت أعداءك يوم الوغى

في حد ماضيك من العلقم

وقد بذلت النفس دون الحمى

مجاهداً يا بطل العلقمي (2)

العباس عليه‌السلام في الميدان:

روى في «رياض المصائب» و «مهيج الأحزان» وغيرها:

«فلما أجاز الحسين عليه‌السلام أخاه العباس للبراز، برز كالجبل العظيم، وقلبه كالطود الجسيم؛ لأنه كان فارساً هماماً، وبطلاً ضرغاماً، وكان جسوراً على الطعن والضرب في ميدان الكفاح والحرب».

وروى في إكسير العبادات: «.. فسمع الحسين عليه‌السلام الأطفال وهم ينادون: العطش.. العطش.

__________________

(1) كذا ورد في ديوان الشاعر أبي الحب.

(2) بطل العلقمي 3 / 383.


فلما سمع العباس ذلك رمق بطرفه إلى السماء وقال: إلهي وسيدي أريد أن أعتد بعدتي وأملأ لهؤلاء الأطفال قربة من الماء، فركب فرسه وأخذ رمحه والقربة في كفه وقصد الفرات.

وفي بعض مقاتل أصحابنا: انّه لما نادى الحسين عليه‌السلام : أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » خرج اليه أخوه العباس، وقبّل بين عينيه وودعه وسار إلى الشريعة، وإذا دونها عشرة آلاف فارس مدرعة، فلم يهوّلوه، فصاحت به الرجال من كل جانب ومكان: من أنت؟

فقال: أنا العباس بن علي بن أبي طالب....

ودخل المشرعة وهمّ أن يشرب فذكر عطش أخيه الحسين فلم يشرب، وحط القربة عن عاتقه واستقبل القوم يضربهم بسيفه كأنه النار في الأخطار وهو يقول:

أنا الذي أعرف عند الزمجرة

بابن علي المسمى حيدرة

فاثبتوا اليوم لنا يا كفرة

لعترة الحمد وآل البقرة (1)

تذكر وصية أبيه فلم يشرب:

في «معالي السبطين» عن كتاب «عدّة الشهور»:

لما كانت ليلة إحدى وعشرين من شهر رمضان وأشرف علي عليه‌السلام على الموت أخذ العباس وضمه إلى صدره الشريف وقال: ولدي وستقر عيني بك في يوم القيامة، ولدي إذا كان يوم عاشوراء ودخلت المشرعة إياك أن تشرب الماء وأخوك الحسين عليه‌السلام عطشان (2) .

أجل؛ لقد وصل العباس إلى المشرعة، وأقحم الماء فرسه، وملأ كفه بالماء،

__________________

(1) إكسير العبادات: 335 المجلس 10.

(2) معالي السبطين 1 / 454 المجلس 21.


واستروح كبده الملتهب رائحة الماء وأحسّ ببرده إلا أنّه تذكر وصية أبيه، وثار فيه الوفاء الذي ما بارحه آناً من حياته المباركة، فرمى الماء من كفه وقال: والله لا أشربه وأخي الحسين عليه‌السلام ويعاله وأطفاله عطاشى، لا كان ذلك أبداً، وأنشأ يقول:

يا نفس من بعد الحسين هوني

وبعده لا كنت أن تكوني

هذا الحسين وارد المنون

وتشربين بارد المعين

هيهات ما هذا فعال ديني

ولا فعال صادق اليقين (1)

ولنعم ما قيل:

بذلت أيا عباس نفساً نفيسة

لنصر حسين عز بالجد عن مثل

أبيت التذاذ الماء قبل التذاذه

فحسن فعال المرء فرع عن الأصل

فأنت أخو السبطين في يوم مفخر

وفي يوم بذل المال أنت أبو الفضل

العباس عليه‌السلام يجندل المارد:

وكان في عسكر عمر بن سعد رجل يقال له «المارد بن صديف التغلبي» فلما نظر إلى ما فعله العباس من قتل الأبطال، خرق أطماره ولطم على وجهه، ثم قال لأصحابه: لا بارك الله فيكم؛ أما والله لو أخذ كلّ واحد منكم ملأ كفّه تراباً لطمرتموه، ولكنكم تظهرون النصيحة وأنتم تحت الفضيحة.

ثم نادى بأعلى صوته: أقسم على من كان في رقبته بيعة للأمير يزيد، وكان تحت الطاعة إلّا اعتزل عن الحرب وأمسك عن النزال فأنا لهذا الغلام!! الذي قد أباد

__________________

(1) معالي السبطين 1 / 446 المجلس 20.


الرجال، وقتل الأبطال، وأروى الشجعان وأفناهم بالحسام والسنان، ثم من بعده أقتل أخاه الحسين عليه‌السلام ومن بقى من أصحابه معه.

فقال له الشمر: إذ قد ضمنت أنّك تكون كفو الناس أجمع ارجع معي إلى الأمير عمر بن سعدو أطلعه على أنك تأتيه بالقوم أجمعين إذا كان بك غنىً عنا.

فقال له المارد: يا شمر! أما والله ما فيكم خير لأنفسكم فكيف تعيرون غيركم؟!

فقال له شمر: ها نحن نرجع إلى رأيك وأمرك وننظر فعالك معه.

ثم قال الشمر للناس: اعتزلوا الحرب حتى ننظر ما يكون منهما.

فأقبل المارد بن صديف، وأفرغ عليه درعين ضيقي الزرد، وجعل على رأسه بيضة، وركب فرساً أشقر أعلى ما يكون من الخيل، وأخذ بيده رمحاً طويلاً، فبرز إلى العباس بن علي عليه‌السلام فالتفت العباس فرآه وهو طالب له يرعد ويبرق، فعلم أنّه فارس القوم، فثبت له حتى إذا قاربه صاح به المارد:

يا غلام!!! ارحم نفسك واغمد حسامك وأظهر للناس استسلامك، فالسلامة أولى من الندامة، فكم من طالب أمرم حيل بينه وبين ما طلبه وغافصه أجله، واعلم أنّه لم يحاربك في هذا اليوم رجل أشدّ قوة مني، وقد نزع الله الرحمة عليك من قلبي، وقد نصحت إن قبلت النصيحة، ثم أنشأ يقول:

إني نصحت إن قبلت نصيحتي

حذراً عليك من الحسام القاطع

ولقد رحمتك إذ رأيتك يافعاً

ولعل مثلي لا يقاس بيافع

اعط القياد تعش بخير معيشة

أولا فدونك من عذاب واقع

قال: فلمّا سمع العباس كلامه وما أتى به من نظامه قال له: ما أراك أتيت إلّا بجميل، ولا نطقت إلّا بتفضيل، غير أني أرى حيلك في مناخ تذروه الرياح، أو في الصخرة الأطمس لا بقتله الأنفس، وكلامك كالسراب يلوح، فاذا قصد صار أرضاً بوراً، والذي أصلته أن استسلم اليك فذاك بعيد الوصول، صعب الحصول، وأنا


- يا عدو الله وعدوّ رسوله - فمعوّد للقاء الأبطال، والصبر على البلاء في النزال، ومكافحة الفرسان، وبالله المستعان، فمن كملت هذه فيه فلا يخاف ممن برز اليه، ويلك؛ أليس لي اتصال برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنا غصن متصل بشجرته، وتحفة من نور جوهره، ومن كان من هذه الشجرة فلا يدخل تحت الذمام، ولا يخاف من ضرب الحسام، فأنا ابن علي لا أعجز من مبارزة الأقران، وما أشركت بالله لمحة بصر، ولا خالفت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيما أمر، وأنا منهوالورقة من الشجرة، وعلى الأصول تثبيت الفروع، فاصرف عنك ما أملته، فما أنا ممن يأس على الحياة ولا يجزع من الوفاة، فخذ في الجد واصرف عنك الهزل، فكم من صبي صغير خير من شيخ كبير عند الله تعالى، ثم أنشأ يقول:

صبراً على جور الزمان القاطع

ومنية ما أن لها من دافع

لا تجزعن فكل شيء هالك

حاشا لمثلي أن يكون بجازع

فلئن رماني الدهر منه بأسهم

وتفرق من بعد شمل جامع

فكم لنا من وقعة شابت لها

قمم الأصاغر من ضراب قاطع

قال: فلما سمع المارد كلام العباس وما أتى به من شعره لم يعط صبراً دون أن خفق عليه بالحملة، وبادره بالطعنة، وهو يظن أنّ أمره هيّن، وقد وصل اليه، وقد مكّنه العباسم ن نفسه، حتى إذا وصل اليه السنان قبض العباس الرمح وجذبه اليه، فكاد يقلع المارد من سرجه، فخلّا له الرمح وردّ يده إلى سيفه، وقد تخلله الخجل عندما ملك منه رمحه.

قال: فشرع العباس الرمح للمارد فصاح به: يا عدو الله؛ إنّني أرجوا من الله - تعالى - أن أقتلك برمحك، فجال المارد على العباس وقحم عليه، فبادره العباس وطعن جواده في خاصرته، فشبّ به الجواد فاذا المارد على الأرض، ولم يكن لللعين طاقة على قتال العباس راجلاً؛ لأنه كان عظيم الجثة ثقيل الخطوة،


فاضطربت الصفوف وتصايحت الألوف وناداه الشمر: لا بأس عليك، ثم قال لأصحابه: ويلكم ادركوا صاحبكم قبل أن يقتل.

قال: فخرج اليه غلام له بحجرة (فرس) يقال له «الطاوية»، فلما نظر اليه المارد فرح بها وكف خجله وصاح: يا غلام عجّل بالطاوية قبل حلول الداهية، فأسرع بها الغلام اليه، فكان العباس أسبق من عدو الله اليها، فوثب وثبات مسرعات وصل بها إلى الغلام، فطعنه بالرمح في صدره فأخرجه من ظهره، واحتوى على الحجرة فركبها، وعطف على عدو الله، فلما رآه تغيّر وجهه وحار في أمره، فأيقن بالهلاك، ثم نادي بأعلى صوته: يا قوم أغلب على جوادي واقتل برمحي!! يالها من سبّة ومعيرة.

قال: فحمل الشمر فاتبعه سنان بن أنس وخولي بن يزيد الأصبحي وأحمد بن مالك وبشر بن سوط وجملة من الجيش فنفضوا الأعنة، وقدموا الأسنة، وجرّدوا السيوف، وتصايحت الرجال، ومالت نحو العباس، فناداه أخوه الحسين عليه‌السلام : ما انتظارك يا أخي بعد - والله - فقد غدر القوم بك.

قال: ونظر العباس إلى سرعة الخيل ومجيئهم كالسيل فعطف عليه برمحه فناده المارد: يا بن علي عليه‌السلام رفقاً بأسيرك يكون لك شاكراً.

فقال له العباس: ويلك أبمثلي يلقى اليه الخدع والمحال. ما أصنع بأسير وقد قرب المسير.

ثم طعنه في نحره، وذبحه من الأذن إلى الأذن، فانجدل صريعاً يخور في دمه، ووصلت الخيل والرجال إلى العباس فعطف عليهم، وهو على ظهر «الطاوية»، وكانت الخيل تزيد عن خمسمائة فارس، فلم يكن إلّا ساعة حتى قتل منهم ثمانين رجلاً، وأشرف الباقون على الهرب، فعندها حمل عمر بن سعد وزحفت في أثره الأعلام ومالت اليه الخيل، فصاح به أخوه الحسين عليه‌السلام : يا أخي استند إليّ لأدفع


عنك وتدفع، فجعل العباس يقاتل وهو متأخر، وقد أدركته الخيل والرماح كآجام القصب، وصار يضرب فيهم يميناً وشمالاً إلى أن وصل إلى أخيه الحسين عليه السالم، فصاح به الشمر «لعنة الله»: يابن علي؛ إن كنت قد رجّلت المارد عن «الطاوية» وقتلته فهي والله التي كانت لأخيك الحسن عليه‌السلام يوم «ساباط المدائن».

فلما وصل العباس إلى أخيه الحسين عليه‌السلام ذكر له ما قاله الشمر من خبر «الطاوية» فنظر الحسين عليه‌السلام وقال: هذه والله الطاوية التي كانت لملك الري وانه لما قتل أبي علي بن أبيط الب وهبها لأخي الحسن عليه‌السلام وصارت الطاوية تلوذ بمولانا الحسين عليه‌السلام ... (1) .

الشهادة:

اتجه أبو الفضل العباس عليه‌السلام نحو المخيم بعدما ملأ القربة وهي عنده أثمن من حياته، والتحم مع أعداء الله وأنذال البشرية التحاماً رهيباً، فقد أحاطوا به من كلّ جانب - وهي أربعة آلاف - ليمنعوه من إيصال الماء إلى عطاشى آل النبي، ورموه بالنبال، فلم ترعه كثرتهم وأخذ يطرد أولئك الجماهير وحده، ولواء الحمد يرف على رأسه، وأشاع فيهم القتل والدمار وهو يرتجز:

لا أرهب الموت إذ الموت زقا

حتى أورى في المصاليت لقى

نفسي لسبط المصطفى الطهر وقا

إني أنا العباس أغدو بالسقا

ولا أخاف الشر يوم الملتقى

وانهزمت الجيوش من بين يديه يطاردها الفزع والرعب، فقد ذكرّهم ببطولات أبيه فاتح خيبر ومحطم فلول الشرك، ولم يشعر القوم أهو العباس يجدّل الأبطال أم أنّ الوصي يزأر في الميدان، فلم تثبت له الرجال إلّا أنّ وضراً خبيثاً من الجبناء

__________________

(1) إكسير العبادات: 335 المجلس العاشر.


كمن له من وراء نخلة - وهو زيد بن الرقاد الجهني وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي - ولم يستقبله بوجهه، فضربه على يمينه ضربة غادرة فبراها.

لقد قطع تلك اليد الكريمة التي كانت تفيض برّاً وكرماً على المحرومين والفقراء، والتي طالما دافع بها عن حقوق المظلومين والمضطهدين.

ولم يعن بها سبع القنطرة وراح يرتجز:

والله إن قطعتمو يميني

إني أحامي أبداً عن ديني

وعن إمام صادق اليقين

نجل النبي ص الطاهر الأمين

ودلل بهذا الرجز على الأهداف العظيمة والمثل الكريمة التي جاهد من أجلها، فهو إنّما يجاهد دفاعاً عن الاسلام ودفاعاً عن إمام المسلمين وسيد شباب أهل الجنة.

ولم يبعد العباس قليلاً حتى كمن له من وراء نخلة رجس من أرجاس البشرية، وهو الحكيم بن الطفيل الطائي، فضربه على يساره فبراها فقال عليه‌السلام :

يا نفس لا تخشي من الكفار

وأبشري برحمة الجبار

مع النبي السيد المختار

قد قطعوا ببغيهم يساري

فأصلهم يا ربّ حرّ النار

فحمل القربة بأسنانه وجعل يركض ليوصل الماء إلى عطاشى أهل البيت عليهم‌السلام .

قال القاضي أبو حنيفة النعمان المتوفى سنة (363): وقطعوا يديه ورجليه حنقاً عليه ولما أبلى فيهم وقتل منهم فلذلك سمي السقاء (1) .

ولربما كان قطع رجلي العباس عليه‌السلام ليمنعوه عن إيصال الماء؛ لأنه عليه‌السلام ترك فرسه وسارع يركض برجليه، إضافة إلى حنقهم لعنهم الله.

فعند ذلك أمنوا سطوته وتكاثروا عليه، وأتته السهام كالمطر، فأصاب القربة

__________________

(1) شرح الاخبار 3 / 193 في ذكر من قتل مع الحسين عليه‌السلام .


سهم وأريق ماؤها، وسهم أصاب صدره، وسهم أصاب عينه، ووقف البطل حزيناً، فقد كان إراقة الماء عنده أشدّ عليه من قطع يديه، وشدّ عليه رجس خبيث وضربه بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته.

وهوى بجنب العلقمي فليته

للشاربين به يداف العلقم

وهوى إلى الأرض (1) وهو يؤدي تحيته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلاً: «عليك مني السلام أبا عبد الله...».

فانقض عليه أبو عبد الله كالصقر فرآه مقطوع اليمين واليسار، موضوخ الجبين، مشكوك العين بسهم، مرتثاً بالجراحة، فوقف علهي منحنياً، وجلس عند رأسه يبكي، وهو يلفظ شظاياً قلبه الذي مزقته الكوارث، وقال: «الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي وشمت بي عدوي».

وأنشأ يقول:

تعديتم يا شرّ قوم ببغيكم

وخالفتموا دين النبي ص

أما كان خير الرسل أوصاكم بنا

أما نحن من نسل النبي المسدد

أما كانت الزهراء امي ويلكم

أما كان من خير البرية والدي

لعنتم وأخزيتم بما قد جنيتم

فسوف تلاقوا حرّ نار توقد

وجعل إمام الهدى يطيل النظر إلى أخيه وقد انهارت قواه، وانهد ركنه، وتبددت جميع آماله، وودّ أنّ الموت قد وافاه قبله:

__________________

(1) قال السيد المقرم رحمه‌الله في هامش كتابه مقتل الحسين عليه‌السلام 268: وسمعت العالم الفاضل الشيخ كاظم سبتي رحمه‌الله يقول: أتاني بعض العلماء الثقات وقال: أنا رسول العباس عليه‌السلام اليك رأيته في المنام يعتب عليك ويقول: لم يذكر مصيبتي شيخ كاظم سبتي فقلت له: يا سيدي ما زلت اسمعه يذكر مصائبك فقال عليه‌السلام قل له: يذكر هذه المصيبة وهي: ان الفارس اذا سقط من فرسه يتلقى الارض بيديه فاذا كانت السهام في صدره ويداه مقطوعتان بماذا يتلقى الارض؟!


وبان الانكسار في جبينه

فاندكت الجبال من حنينه

وكيف لا وهو جمال بهجته

وفي محياه سرور مهجته

كافل أهله وساقي صبيته

وحامل اللوا بمعالي همته (1)

ورجع الحسين عليه‌السلام إلى المخيم وحده:

وفي الدمعة الساكبة: إنّ من كثرة الجراحات الواردة على العباس عليه‌السلام لم يقدر الحسين عليه‌السلام أن يحمله إلى محمل الشهداء، فترك جسده في محل قتله ورجع باكياً حزيناً إلى الخيام (2) .

قال السيد المقرم رحمه‌الله في مقتل الحسين عليه‌السلام (3) : وتركه في مكانه لسر مكنون أظهرته الأيام، وهو أن يدفن في موضعه منحازاً عن الشهداء؛ ليكون له مشهد يقصد بالحوائج والزيارات، وبقعة يزدلف اليها الناس وتتزلف إلى المولى سبحانه تحت قبته التي ضاهت السماء رفعة وسناء، فتظهر هنالك الكرامات الباهرة، وتعرف الأمة مكانته السامية ومنزلته عند الله تعالى، فتؤدي ما وجب عليهم من الحب المتأكد، والزيارات المتواصلة، ويكون عليه‌السلام حلقة الوصل فيما بينهم وبين الله - تعالى - فشاء حجة الوقت أبو عبد الله كما شاء المهيمن - سبحانه - أن تكون منزلة أبي الفضل الظاهرية شبيهة بالمنزلة المعنوية الأخروية، فكان كما شاءا وأحبا.

ثم قام الحسين عليه‌السلام وحمل على القوم، فجعل يضرب فيهم يميناً وشمالاً فيفرون من بين يديه كما تفرّ المعزى إذا شدّ فيها الذئب، وهو يقول: أين تفرون وقد قتلتم أخي؟! أن تفرون وقد فتتم عضدي؟! ثم عاد إلى موقفه منفرداً (4) .

__________________

(1) من ارجوزة آية الله الشيخ محمد حسين الاصفهاني قدس‌سره .

(2) الدمعة الساكبة 4 / 324.

(3) مقتل الحسين: 270.

(4) إبصار العين: 30.


ورجع الحسين إلى المخيم منكسراً حزيناً باكياً يكفكف دموعه بكمه، وقد تدافعت الرجال على مخيمه، فنادى:

أما من مغيث يغيثنا؟!

أما من مجير يجيرنا؟!

أما من طالب حث ينصرنا؟!

أما من خائف من النار فيذب عنا؟

فأتته سكينة وسألته عن عمها فأخبرها بقتله.

وسمعته زينب فصاحت: وا أخاه وا عباساه وا ضيعتنا بعدك!

وبكين النسوة وبكى الحسين معهن وقال عليه‌السلام : وا ضيعتنا بعدك.

فمشى لمصرعه الحسين وطرفه

بين الخيام وبينه متقسم

الفاه محجوب الجمال كأنه

بدر بمنحطم الوشيج ملثم

فأكب منحنياً عليه ودمعه

صبغ البسيط كأنّما هو عندم

قد رأم يلثمه فلم ير موضعاً

لم يدمه عض السلاح فيلثم

نادى وقد ملأ البوادي صيحة

صم الصخور لهولها يتألم

أأخي يهنيك النعيم ولم أخل

ترضى بأن أرزى وأنت منعم

أأخي من يحمي بنات محمد

إذ صرن يسترحمن من لا يرحم

ما خلت بعدك أن تشل سواعدي

وتكف باصرتي وظهري يقصم

لسواك يلطم بالأكف وهذه

بيض الظبى لك في جبيني تلطم

ما بين مصرعك الفظيع ومصرعي

إلا كما أدعوك قبل وتنعم

هذا حسامك من يذل به العداء

ولواك هذا من به يتقدم

هونت يا ابن أبي مصارع فتيتي

والجرح يسكنه الذي هو آلم


مشهد الكفين:

لم يفتأ شيعة أهل البيت عليهم‌السلام كما أنهم يقتصون آثارهم في معارفهم وتعاليمهم يتبركون بتعيين كلّ ما يتعلق بهم من مشهد أو معبد أو مقام، فيتبعونها بالحفاوة والتبجيل، ويرون ذلك من متممات الولاء ولوازم الاتباع والمشايعة.

وهو كما يرون لأنه أما مشهد يزار أو معبد يقصد للعبادة أو محل مسرة فيسرهم ذلك أو موقف مأساة فيستاؤون لهم، وهذا هو التشيع المحض والاقتداء الصحيح.

ومن ذلك ما نشاهده في كربلاء المقدسة من المقام لكفي أبي الفضل اللذين تناقلتهما الألسن، وأخذ حديثهما الخلق عن السلف، والسيرة المستمرة بين الامامية كافية في القطع بثبوت المقامين، ولولا هما لانتقض الأمر في كثير من المشاهد والمعابد والمقامات.

يعد مقام الكف اليمنى في جهة الشمال الشرقي على حدّ محلة باب بغداد ومحلة باب الخان قريباً من باب الصحن المطهر الواقعة في الجهة الشرقية، وعلى جدار المقام شباك صغير، وعلى جبهته بيتان بالفارسية لم يكتب اسم ناظمهما ولا تاريخ البناء ولا موضع الشباك.

والبيتان:

اُفتاد دست راست خدايا زپيكرم

بر دامن حسين برسان دست ديگرم

دست چپم بجاست اگر نيسه دست راست

اما هزار حيف كه يك دست بي صداست

ويقع مقام الكف اليسرى في السوق الصغير القريب من الباب الصغير للصحن الواقعة في الجنوب الشرقي، ويعرف بسوق باب العباس الصغير، وعلى الجدار شباك، وكتب بالقاشاني عليه: هذا نظم الشيخ محمد المعروف بالسراج:


سل إذا ما شئت واسمع واعلم

ثم خذ مني جواب المفهم

إنّ في هذا المقام انقطعت

يسرة العباس بحر الكرم

ها هنا يا صاح طاحت بعدما

طاحت اليمنى بجنب العلقمي

اجر دمع العين وابكيه أساً

حق أن يبكى بدمع عن دم (1)

قال شاعر أهل البيت عليهم‌السلام المرحوم السيد جعفر الحلي:

حامي الظعينة أين منه ربيعة

أم أين من عليا أبيه مكدّم

في كفه اليسرى السقاء يقلّه

وبكفه اليمنى الحسام المخذم

حسمت يديه المرهفات وانه

وحسامه من حدّهن لأحسم

فغدا يهمّ بأن يصول فلم يطق

كالليث إذا أظفاره تتقلّم

أمن الردى من كان يحذر بطشه

أمن البغات إذا أصيب القشعم

وقال حفيده الفضل بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد الله بن العباس عليه‌السلام :

إني لأذكر للعباس موقفه

بكربلاء وهام القوم يختطف

يحمي الحسين ويحميه على ظمأ

ولا يولي ولا يثني فيختلف

ولا أرى مشهداً يوماً كمشهده

مع الحسين عليه الفضل والشرف

أكرم به مشهداً بانت فضيلته

وما أضاع له أفعاله خلف

وقال أيضاً:

أحق الناس أن يبكى عليه

فتى أبكى الحسين بكربلاء

أخوه وابن والده علي

أبو الفضل المضرج بالدماء

ومن واساه لا يثنيه شيء

وجادله على عطش بماء (2)

__________________

(1) العباس (للمقرم): 335.

(2) شرح الاخبار (للقاضي نعمان) 3 / 193.


وقال الكميت الاسدي:

وأبو الفضل إنّ ذكرهم الحلو

شفاء النفوس من أسقام

قتل الأدعياء اذ قتلوه

أكرم الشاربين صوب الغمام (1)

* * *

__________________

(1) ابصار العين: 31.


الفصل التاسع

اخوة العباس عليهم‌السلام


ابو الفضل العباس يتكلّم

روي في بعض كتب المقاتل: أنّ العباس عليه‌السلام قال لاخوته يوم العاشر: اشتروا الجنة اليوم وذبّوا عن سيدنا وإمامنا.

وقال أيضاً: تقدّموا حتى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله... تقدموا بنفسي أنتم فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه. فاقدموا على عسكر بن سعد إقدام الشجعان، واملأوا صدورهم ووجوههم بالضرب والرمي والطعان... لا تقصروا في نصرة إمامكم وافدوه بأرواحكم، ولا تقولوا نحن أبناء أب واحد، فانّه إمامنا وسيدنا وحجة الله على من فوق الثرى، أمه فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وهو قرة عين النبي الأمين.

فتقدموا جميعاً، فصاروا أمام الحسين عليه‌السلام يتقون بوجوههم ونحورهم، فلما رآهم الحسين عليه‌السلام بكى وقال: جزاكم الله ربّ العالمين (1) .

* * *

__________________

(1) عن محن الابرار: 279.


أبناء علي عليه‌السلام

يتقدّمون إلى الشهادة

تقدّم الأصحاب يوم العاشر من المحرم، وأدوا ما عليهم في الذبّ عن إمامهم، وعن حرم الله وحرم نبيهم، فصعدوا الواحد تلو الآخر إلى جنان الخلد، ومن ثم جاء دور أهل البيت عليهم‌السلام ، وكان أول شهيد من بني هاشم علي الأكبر عليه‌السلام كما ورد في زيارت الناحية:

« السلام على أول قتيل من خير نسل سليل من سلالة إبراهيم الخليل » (1) .

ثم تقدّموا الواحد تلو الآخر يستأذنون الامام ويتقدمون إلى الجنان حتى قضوا جميعاً، وبقي الحسين عليه‌السلام وحيداً غريباً مستغيثاً.

التفت العباس إلى اخوته وقال: تقدّموا أمامي لأحتسبكم فكان أول من تقدّم منهم:

__________________

(1) البحار 45 / 65 باب 37.


1 - عبد الله بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام

ولد بعد أخيه العباس بنحو ثمان سنين، وأمه فاطمة أم البنين، وبقي مع أبيه ست سنين، ومع أخيه الحسن ست عشرة سنة، ومع أخيه الحسين خمساً وعشرين سنة، وذلك مدة عمره، ولم يعقب (1) .

قال أهل السير: إنّه لما قتل أصحاب الحسين عليه‌السلام وجملة من أهل بيته دعا العباس اخوته الأكبر فالأكبر وقال لهم: تقدّموا، فأول من دعاه عبد الله أخوه لأبيه وأمه فقال: تقدّم يا أخي حتى أراك قتيلاً وأحتسبك، فانه لا ولد لك، فتقدّم بين يديه وجعل يضرب بسيفه قدماً ويجول فيهم وهو يقول:

أنا ابن ذي النجدة والافضال

ذاك علي الخير ذو الأفعال

سيف رسول الله ذو النكال

في كلّ يوم ظاهر الأهوال

فقاتل قتالاً شديداً، فاختلف هو وهاني بن ثبيت الحضرمي ضربتين فقتله هانىء «لعنه الله».

__________________

(1) وهو معروف عند جمهور العلماء ذكره ابن قتيبة في المعارف والشبلنجي في نور الابصار، والمحب الطبري في ذخائر العقبى والرياض النضرة، وابن الصباغ في الفصول المهمة والكنجي الشافعي في كفاية الطالب والمسعودي في التاريخ والشيخ المفيد في الارشاد وآخرون يطول تعدادهم.


وكذلك ذكر المجلسي في البحار وملا عبد الله في مقتل العوالم والخوارزمي في مقتله وآخرون.

وجاء في الزيارة المروية عن الامام صاحب الزمان «عجل الله فرجه» التي رواها السيد ابن طاووس في كتاب «الاقبال» والمجلسي في «البحار» وفيها يقول عليه‌السلام :

«السلام على عبد الله بن أمير المؤمنين مبلي البلاء، والمنادي بالولاء في عرصة كربلاء، والمضروب مقبلاً ومدبراً، لعن الله قاتله هانىء بن ثبيت الحضرمي».

وفي هذه الفقرة شهادة من الامام صاحب الأمر «عجل الله فرجه» لعبد الله بثلاثة من الفضائل:

الأولى: أنّه أعلن بولاء الحسين عليه‌السلام بين الصفوف ونادى بالولاية في عرصة كربلاء.

الثانية: أنّه كان له بلاء محمود أكثر من غيره في دفاعه ومحاماته عن أخيه الحسين عليه‌السلام ، وقد أدى ما عليه دفاعاً عن دينه وإمامه، وإلّا لما كان لذكر «مبلي البلاء» محل.

الثالثة: ثباته في ذلك الموقف الرهيب والمعترك الهائل العصيب حيث وقف هدفاً للسلاح في وسط الحومة حتى أصيب مقبلاً ومدبراً، يريد أنّه أحيط به من كلّ جانب، واكتنفه الأعداء من كلّ جهة، وكان هو كاراً عليهم الكرة بعد الكرة، فيقبل على جماعة فيهزمهم ويعود إلى أخرى فيطردهم، ولم يقتل محاطاً به إلّا الحسين عليه‌السلام والعباس وعلي بن الحسين الأكبر عليه‌السلام ومسلم بن عقيل قتل الكوفة وعبد الله بن علي شقيق العباس عليه‌السلام .

وقد تضمنت هذه الفقرة أنّه ضرب مقبلاً ومدبراً، ومن المعلوم أن العسكر لا يتكاتف ويحمي بعضه بعضاً على كثرته إلّا لشدة بأس البطل المهاجم له، والشجاع المنازل له، الذي تعجز عن مواجهته الأبطال، وهذه غاية الشجاعة ونهاية البطولة.


ولا غرو أن كان آية نم آيات البطولة والفروسية والاقدام، فأبوه أمير المؤمنين عليه‌السلام سيد أبطال العالم الذي كانت الملوك ترسم صورته على سيوفها كما فعل ذلك «سليمان القانوني» ملك الأتراك العثمانيين، فقد كان له سيف عليه صورة علي بن أبي طالب، وقد هتف به رضوان خازن الجنان وجبرئيل سفير وحي الرحمن في بدر وأحد «لا سيف إلّا ذوالفقار ولا فتى إلّا علي»، واخوته الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية والعباس، والعمومة بنو هاشم أفرس العرب، وهل تعد أمة من الأمم مثل أبي طالب وحمزة وجعفر الطيار في أمثالهم، والخؤلة بنوا عامر، وفيهم مثل فارس الضحيا، وفارس قرزل، وفارس العصا، وفارس شحمه، وملاعب الأسنة، ومدرك الثار، والرحال في أمثالهم، فهو معم مخول معرق الشجاعة.

قد أنجبت أم البنين فديتها

فرسان حرب أصبحوا مثالا

أسداً ضراغمة بمعمة الوغى

سم العداة أماجداً أبطالا

لا تعجبين لبأسهم وثباتهم

في موقف لو فيه رضوى ززالا

الليث حيدرة وفاطم لبوة

ولدا لوقعة كربلا أشبالا

نفسي الفدا لو اردين ظماً

بحر المنية طاميا أجالا (1)

وورد أيضاً في زيارته:

السلام عليك يا عبد الله بن علي بن أبي طالب ورحمة الله وبركاته، فانك الغرة الوضحة، واللمعة اللائحة، ضاعف الله رضاه عنك، وأحسن لك ثواب ما بذلته منك، فلقد واسيت أخاك وبذلك مهجتك في رضا ربّك (2) .

* * *

__________________

(1) بطل العلقمي 3 / 499.

(2) بحار الأنوار 98 / 245 باب 35.


2 - جعفر بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام

أبو عبد الله، جعفر الأكبر، شقيق العباس عليه‌السلام ، أحد الشهداء مع الحسين عليه‌السلام .

كان يلقب بجعفر الأكبر، ويكنى بأبي عبد الله، أمه أم البنين الكلابية.

قال أبو الفرج الاصفهاني في «مقاتل الطابيين»: وجعفر بن علي بن أبي طالب أمه أم البنين.. قتل وهو ابن (19) سنة.

وقال أبو مخنف في حديث الضحاك المشرقي: إنّ العباس بن علي قدّم أخاه جعفراً بين يديه؛ لأنه لم يكن له ولد،... فشدّ عليه هاني بن ثبيت الحضرمي الذي قتل أخاه.

وقال نصر بن مزاحم عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما‌السلام : إنّ خولي بن يزيد الأصبحي «لعنه الله» قتل جعفر بن علي عليه‌السلام .

قال في ناسخ التاريخ: جعفر الأكبر، ويكنى أبا عبد الله، وأمه أم البنين أم العباس، وعمر (23) سنة.. (1) وعند أبي الفرج الاصفهاني أنّ عمره (19) سنة.

وقال السماوي في «إبصار العين»: ولد بعد أخيه عثمان بنحو سنتين، وأمه

__________________

(1) ناسخ التاريخ 5 / 306.


فاطمة أم البنين، وبقي مع أبيه نحو سنتين، ومع أخيه الحسن نحو اثنتي عشرة سنة، ومع أخيه الحسين عليه‌السلام نحو إحدى وعشرين سنة، وذلك مدة عمره (1) .

وقال المظفر في «بطل العلقمي»: وما أعرف عمن أخذ السماوي تقدير عمره بـ (21) سنة وتقسيمه على إمامة أبيه وأخويه (2) .

وذكر صاحب «الدر النظيم»: إنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام سماه باسم أخيه جعفر الطيار لأن أمير المؤمنين عليه‌السلام كان شديدي المحبة له.

قال أهل السير: لما قتل أخو العباس لأبيه وأمه وعبد الله وعثمان دعا جعفراً فقال له: تقدم إلى الحرب حتى أراك قتيلاً كأخويك فاحتسبك كما احتسبتهما فانه لا ولد لكم، فتقدم وشدّ على الأعداء يضرب فيهم بسيفه وهو يقول:

إني أنا جعفر ذو المعالي

ابن علي الخير ذي النوال

ذاك الوصي ذو الندى والوالي

حسبي بعمى شرفاً وخالي

فشدّ عليه خولي بن يزيد الأصبحي فأصاب شقيقته أو عينيه فقتله.

وقال أبو مخنف: بل شدّ عليه هانيء بن ثبيت الحضرمي الذي قتل أخاه فقتله.

قال الامام المنتظر «عجل الله فرجه» في زيارة الناحية:

السلام على جعفر بن أمير المؤمنين، الصابر بنفسه محتسباً، والنائي عن الأوطان مغترباً، المستسلم للقتال، المستقدم للنزال، المكثور بالرجال، لعن الله قاتله هانىء بن ثبيت الحضرمي.

ويظهر من عبارات الامام - أرواحنا فداه - من الفضائل لجعفر بن أمير المؤمنين ما يميزه عمن سواه من الشهداء، فقوله عليه‌السلام ، وبأي معنى أخذ الصبر سواء كان الصبر على مكابدة الأهوال ومكافحة الأبطال، ففي ذلك غاية المدح بالفروسية.

__________________

(1) إبصار العين: 35.

(2) أنظر: بطل العلقمي 3 / 511.


وإن كان الصبر على محبته لإمامه الحسين عليه‌السلام وموالاته له وثباته وعزمه أن يفديه بنفسه ويقيد بمهجته ففي ذلك غاية المدح من الوجهتين: البصيرة والمعرفة بحق الامام المفترض الطاعة، وهذا دليل العلم والفقاهة، ومن حب المواسات له بالنفس التأسي به في يجميع الحالات، فهذا دليل على أنّه في غاية الكمال ونهاية الأدب.

وإن أريد بالصبر الصبر على معاناة الأمور الشاقة من الجوع والعطش لأنهم حصروا في فلاة جرداء قاحلة، وبادية قفراء قاحلة، قد ملك عليهم الأعداء شريعة الفرات، وقطعوا عليهم طريق الميرة، وصدوا القوافل التي تحمل الأقوات اليهم، فعطشوا وجاعوا، وفي تخصيص جعفر بالصبر على هذا لا يخفى ما فيه من مزيد الفضل، والاشارة إلى ما فيه من الايثار والتضحية والتحمل والمعاناة.

وأما قوله عليه‌السلام : «النائي عن الأوطان» مع أنّ كلّ من كان مع الحسين عليه‌السلام كان نائياً عن الاوطان وجميعهم قد اغتربوا، فما معنى تخصيص جعفر؟!

فالظاهر - والله العالم - أنّه إنّما خصّ بذلك لأنّه كان بعد شاب صغير لم يذق طعم الغربة ولم يجربها من قبل، سيما أنّه كان صاحب نضارة ورونق جميل، قد تربى في الحضارة، لم يقوى على لفحات السموم ومعاناة شعل الهجير، لأنه أصغر اخوته، ومن المعلوم أن صغير الأولاد يكون في الموضع الأتم من الشفقة في نظر الأم الشفيقة، فانّها تبره كثيراً وتتعاهده بالنظافة والتعطير وترجيل الشعر ولذيذ المطعم وشهي المشرب، فاذا كان نائياً عن الأوطان - والحال هذه - فانه يلاقي عنتاً، ويجابه شدة شديدة، ويعاني صعوبة صعبة، ومشقة شاقة، سيما من فقد بر الوالدة المشفقة وعطفها وحدبها عليه والطافها.

ومن هنا يعرف أنّ ولد أمير المؤمنين عليه‌السلام أشجع العرب، لأنهم ما شاهدوا حروباً، ولا خاضوا المعارك، ولا وقفوا في صف قبال الأعداء، سوى الحسنين عليهما‌السلام وابن الحنفية والعباس عليه‌السلام ، وهم جميعاً شباب في ريعان الشبيبة ونضرة الصبا، بين


من أدرك البلوغ وبين من تجاوزه بيسير، وقد شبوا ونشأ في أحضان المدينة حتى إذا كشفت حرب كربلاء عن ساقها، وبرزت كالحة عابسة شوهاء المنظر كريهة المخبر، شمروا السواعد، وشحذوا المرهفات القواطع، وساقوا تلك الأبطال المحنكة والفرسان المجربة سوق الأغنام، وفرت أمامهم كاليعافير أو الحمر المستنفرة، وطاروا بين أيديهم طيران القطا والنعام المشرد، وتفرقوا تفرق الجراد المنتشر، ولو لا غلبة الأقدار ما كثرتهم تلك الجماهير، ولا غلبتهم كثرة الجموع، وقد علم حملة التاريخ والأثر وعلماء الأخبار والسير أنهم أفنوا جماهير أهل الكوفة، وقد تركوا في كلّ حي من أحيائها نائحة وفي كلّ بيت من بيوتها صارخة:

آل علي يوم طف كربلا

قد تركوا في كل دار نائحة

من دخل الكوفة لم يسمع بها

في سائر الاحياء إلّا صائحة

قد خلد التاريخ للحشر لهم

أعمال مجد وفعالاً صالحة

فيا لها فادحة خالدة

قد أنست الشيعة كل فادحة

أولئك الشبان المنعمون من أهل البيت النبوي أظهروا البسالة والشجاعة ما أدهش الأبطال المجربة والشجعان الخبراء بفن البطولة.

وبقية الفقرة تصف ثبات جعفر الأكبر في ساحات الوغى وغبار المعمعة، وتذكر أنهم ما قتلوه إلّا تكاثروا عليه واحتوشوه من كلّ مكان، والكثرة مهما كانت فان لها الغلبة وفي المثل الشعبي «الكثرة تأخذ البصرة».

حكى جعفر في كربلا بأس جعفر

كما قد حكى بالضرب والده القرما

وأدى حقوق المجد والفخر من حكى

بأفعاله الغر الأب القرم والعما (1)

__________________

(1) بطل العلقمي: 514.


3 - عثمان بن علي بن أبي طالب عليه‌السلام

أمه أم البنين عليها‌السلام .

روي عن عبيد الله بن الحسن وعبد الله بن عباس انه قتل وهو ابن (21) سنة.

وقال السماوي في «إبصار العين»: ولد بعد أخيه عبد الله بنحو سنتين، وأمه فاطمة أم البنين، وبقي مع أبيه نحو أربع سنين، ومع أخيه الحسن نحو أربع عشرة سنة، ومع أخيه الحسين عليه‌السلام ثلاثاً وعشرين سنة، وذلك مدة عمره.

وروي عن أمير المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال: إنّما سميته عثمان بعثمان بن مضعون أخي.

وعثمان بن مضعون بن حبيب بن وهيب بن حذاقة بن جمح القرشي الجمحي..

أسلم بعد ثلاثة عشر رجلاً، وهاجر الهجرتين، وشهد بدراً، وكان أول رجل مات بالمدينة سنة اثنتين من الهجرة، وكان ممن حرّم على نفسه الخمر في الجاهلية، وممن أراد الاختصاء في الاسلام فنهاه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقال: عليك بالصيام فانه مجفرة - أي قاطع للجماع -.

ولما مات جاء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى بيته وقال: رحمك الله أبا السائب، ثم انحنى عليه فقبله، ثم صلّى عليه ودفنه في بقيع الغرقد، ووضع حجراً على قبره وجعل يزوره.


ثم لما مات إبراهيم عليه‌السلام ولده بعده قال: إلحق - يا بني - بفرطنا عثمان ابن مضعون.

ولما ماتت زينب ابنته عليها‌السلام قال: إلحقي بسلفنا الخير عثمان بن مضعون.

وإنّما استطردنا في ذكر عثمان شيئاً ما إمتثالاً للمولى أمير المؤمنين عليه‌السلام الذي سمّى ولده باسمه، ونعود إلى عثمان ابن أمير المؤمنين عليه‌السلام .

قال أهل السير: لما قتل عبد الله بن علي دعا العباس عثمان وقال له: تقدّم يا أخي، كما قال لعبد الله، فتقدم إلى الحرب يضرب بسيفه ويقول:

إني أنا عثمان ذو المفاخر

شيخي علي ذو الفعال الطاهر

فرماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم فأوهطه (1) حتى سقط لجنبه، فجاءه رجل من بني أبان بن درارم فقتله وحتز رأسه (2) .

قال الامام المنتظر - عجل الله تعالى فرجه - في زيارة الناحية:

السلام على عثمان بن أمير المؤمنين سمّي عثمان بم مضعون، لعن الله راميه بالسهم خولي بن يزيد الأصبحي الأيادي والاباني الدارمي .

وجاء في زيارته أيضاً:

السلام عليك يا عثمان بن علي بن أبي طالب ورحمة الله وبركاته، فما أجل قدرك، وأطيب ذكرك، وأبين أثرك، وأشهر خيرك، وأعلى مدحك، وأعظم مجدك ... (3) .

واللائح من هذه الفقرات أن عثمان عليه‌السلام كان عالماً عارفاً فقيهاً خلوقاً بحيث استحق هذه الصفات النادرة والمدائح التي لا يستحقها إلّا من كان جديراً بها.

وجلالة القدر وطيب الذكر وبيان الأثر وشهرة الخير وعلو المدح وعظمة المجد

__________________

(1) أوهطه: أضعفه وأثخنه بالجراحة وصرعه صرعة لا يقوم منها.

(2) إبصار العين: 35.

(3) البحار 98 / 245 باب 35.


كلها تناسب العالم الذي قد ذاع صيته وانتشر علمه وأدبه وخلف من وراءه تراثاً ينفع ويؤتي أكله كل حين باذن ربه فيكون له لسان صدق في الآخرين.

تشويه التاريخ:

لقد كان من نفوذ بصيرة العباس أنّه لم تقنعه هاتيك التضحية المشهودة منه والجهاد البالغ حدّه حتى راقه أن يفوز بتجهيز المجاهدين في ذلك المأزق الحرج والدعوة إلى السعادة الخالدة في رضوان الله الأكبر، وأن يحظى بأجور الصابرين على ما يلم به من المصاب بفقد الأحبة، فدعى أخوته من أمه وأبيه، وهم عبد الله وجعفر وعثمان وقال لهم: تقدّموا حتى أراكم نصحتم لله ولرسوله فانه لا ولد لكم (1) فانه أراد بذلك تعريف اخوته حق المقام، وأنّ مثولهم بهذا الموقف لم يكن مصروفاً إلّا إلى جهة واحدة، وهي المفادات والتضحية في سبيل الدين إذ لم يكن لهم أي شائبة أو شاغلة تلهيهم عن القصد الأسنى من عوارض الدنيا من مراقبة أمر الأولاد بعدهم ومن يرأف بهم ويربيهم، فاللازم حينئذ السير إلى الغاية الوحيدة، وهي الموت دون حياة الشريعة المقدسة، فكانوا كما شاء ظنه الحسن بهم حيث لم يألوا جهداً في الذب عن قدس الدين حتى قضوا كراماً متلفعين بدم الشهادة.

ولكن هلمّ واقرأ العجيب الغريب فيما ذكر ابن جرير الطبري في التاريخ (2) قال: وزعموا أنّ العباس بن علي قال لأخوته من أمه وأبيه عبد الله وجعفر وعثمان: يا بني أمي تقدّموا حتى أرثكم فانّه لا ولد لكم، ففعلوا وقتلوا.

وقال أبو الفرج في «مقاتل الطالبين»: قدم أخاه جعفر بين يديه لأنّه لم يكن له ولد ليحوز ميراثه العباس، فشدّ عليه هاني بني ثبيت فقتله.

__________________

(1) إرشاد المفيد: 240.

(2) تاريخ الطبري 6 / 257.


وفي مقتل العباس قال: قدم أخوته لأمه وأبيه فقتلوا جميعاً فحاز مواريثهم، ثم تقدم وقتل، فورثهم وإياه عبيد الله ونازعه في ذلك عمه عمر بن علي فصولح على شيء رضى به.

هذا غاية ما عندهما وقد تفردوا به من بين المؤرخين وأرباب المقاتل، ولا يخفى على من له بصيرة وتأمل بعده عن الصواب، وما أدري كيف خفي عليهما حيازة العباس ميراث أخوته مع وجود أُمهم «أم البنين» وهي من الطبقة المتقدمة على الأخ، ولم يجهل العباس شريعة تربى في خلالها.

على أنّ هذه الكلمة لا تصدر من أدنى الناس سيما في ذلك الموقف الذي يذهل الواقف عن نفسه وماله، فأي شخص كان يدور في خلده ذلك اليوم حيازة المواريث بتحريض ذويه واخوته للقتل، وعلى الأخص يصدر ذلك من رجل يعلم أنّه لا يبقى بعدهم، ولا يتهنأ بمالهم، بل يكون فعله لمحض أن تتمتع به أولاده.

بئست الكلمة القبيحة التي راموا أن يلوثوا بها ساحة ذلكل السيد الكريم، فهل ترغب أنت أن يقال لك: عرضت اخوتك وبني أمك لحومة الوغى لتحوز مواريثهم؟! أم أنّ هذا من الدناءة والخسة فلا ترضاه لنفسك! كما لا يرغب به سوقة الناس وأدناهم؟

فكيف ترضى أيها المصنف ذلك لمن علّم النسا الشهامة وكرم الأخلاق وواسى حجة زمانه بنفسه الزاكية؟

وكيف ينسب هذا لخريج تلك الجامعة العظمى والمدرسة الكبرى، جامعة النبوة ومدرسة الامامة، وتربى بحجر أبيه، وأخذ المعارف منه ومن أخويه الامامين؟!

ولو تأمل جيداً في تقديمه إياهم للقتل لعرفنا كبر نفسه وغاية مفاداته عن أخيه السبط، فلذة كبد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ومهجة البتول، فانّ من الواضح البين أنّ غرضه من تقديمهم للقتل:


أولاً: إمّا لأجل أن يشتدّ حزنه ويعظم صبره ويرزاً بهم، ويكون هو المطالب بهم يوم القيامة؛ إذ لا ولد لهم يطالبون بهم.

ثانياً: وإمّا لأجل حصول الاطمئنان والثقة من الفاداة دون الدين أمام سيد الشهداء، ويشهد له ما ذكره الشيخ المفيد في «الارشاد» وابن نما في «مثير الأحزان» من قوله لهم: تقدّموا حتى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله فانه لا ولد لكم».

ولم يقصد بهم المخايل وإنّما رام أبو الفضل أن يتعرف مقدار ولائهم لقتيل العبرة، وهذا منه عليه‌السلام إرفاقاً بهم وحناناً عليهم وأداء حق الاخوة بارشادهم إلى ما هو الأصلح لهم.

ثالثاً: وإمّا أن يكون غرضه الفوز بأجر الشهادة بنفسه والتجهيز للجهاد بتقديم اخوته ليثاب أيضاً بأجر الصابرين ويحوز كلتا السعادتين.

وربما يدل عليه ما ذكره أبو الفرج في مقتل عبد الله من قول العباس له: «تقدم بين يدي حتى أراك قتيلاً واحتسبك» فكان أول من قتل من أخوته.

وذكر أبو حنيفة الدينوري: أنّ العباس قال لأخوته: تقدموا بنفسي أنتم وحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه، فتقدموا جميعاً وقتلوا.

ولو أراد أبو الفضل من تقديمهم للقتل حيازة مواريثهم - وحاشاه - لم يكن لاحتساب أخيه عبد الله معنى، كما لا معنى لتفديتهم بنفسه الكريمة كما في «الأخبار الطوال».

وهناك مانع آخر من ميراث العباس لهم وحده، حتى لو قلنا - على بعد ومنع - بوفاة أم البنين يوم الطف، فان ولد العباس لم يكن هو الحائز لمواريثهم لوجود الأطراف وعبيد الله بن النهشلية، فانهما يشتركان مع العباس في الميراث، كما يشاركهم سيد شباب أهل الجنة وزينب العقيلة وأم كلثوم ورقية وغيرهم من أولاد أمير المؤمنين عليه‌السلام .


فكيف - والحال هذا - يختص العباس بالميراث وحده.

هذا كله إن قلنا بوفاة أم البنين يوم الطف، ولكن التاريخ يثبت حياتها يومئذٍ وأنّها بقيت بالمدينة وهي التي كانت ترثي أولادها الأربعة.

والذي أظنه أنّ منشأ ذلك التقوّل على ال عباس أنّه أوقفهم السير على قوله لاخوته «لا ولد لكم» من غير روية وتفكير في غرضه ومراده، فحسبوه أنّه يريد الميراث، فنوّه به واحد باجتهاده أو إحتماله، وحسبه الآخرون رواية، فشوّهوا به وجه التاريخ ولم يفهموا المراد، ولا أصابوا شاكلة الغرض، فان غرضه من قوله «لا ولد لكم» تراقبون حاله بعدكم، فأسرعوا في نيل الشهادة والفوز بنعيم الجنان.

على أنّ العلامة الشيخ عبد الحسين الحلي في «النقد النزيه» (1) احتمل تصحيف «أرثكم» من «أزء بكم» أو «أرزأكم» وليس هذا ببعيد.

وأقرب منه احتمال الشيخ الحجة آغا بزرك مؤلف «كتاب الذريعة» تصحيف «أرثكم» من «أرثيكم» فكأنّه عليه‌السلام أراد:

أولاً: أن يفوز بالارشاد إلى ناحية الحق.

وثانياً: تجهيز المجاهدين.

وثالثاً: البكاء عليهم ورثاءهم فانه محبوب للمولى تعالى.

ويشبه قول العباس لأخوته قول عابس بن أبي شبيب الشاكري لشوذب مولى شاكر: يا شوذب ما في نفسك أن تصنع؟

قال: أقاتل معك دون ابن نبي رسول الله حتى أقتل.

فقال: ذلك الظن لك، فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك من الصحابة، وحتى احتسبك أنا فانه لو كان معي الساعة أحد أنا أولى به

__________________

(1) النقد النزيه 1 / 99.


منك لسرني أن يتقدم بين يدي حتى احتسبه، فانّ هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب الأجر فيه بكل ما قدرنا عليه، فانّه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب (1) .

* * *

__________________

(1) الطبري 1 / 254.


الفصل العاشر

أم البنين وثورة عاشوراء


أم البنين عليها‌السلام

ورحيل الحسين عليه‌السلام عن المدينة

لما دخل الامام الحسين عليه‌السلام على الوليد نعى اليه معاوية فاسترجع الامام.

قال له: لماذا دعوتني؟

قال: دعوتك للبيعة.

فطلب منه الامام تأجيل البيعة قائلاً: إنّ مثلي لا يبايع سراً ولا يجتزىء بها مني سراً، فاذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة دعوتنا معهم كان الأمر واحداً...

لقد أراد الامام أن يعلن رأيه أمام الجماهير في رفضه البيعة ليزيد، وعرف مروان قصده فصاح بالوليد:

ولئن فارقك - يعني الحسين عليه‌السلام - الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، إحبسه فان بايع وإلّا ضربت عنقه.

ووثب أبي الضيم كالأسد فقال للوزغ ابن الوزغ:

يا ابن الزرقاء أأنت تقتلني أم هو؟ كذبت والله ولؤمت (1) .

__________________

(1) تاريخ ابن الاثير 3 / 264.


وأقبل على الوليد فأخبره عن عزمه وتصميمه على رفضه الكامل للبيعة ليزيد قائلاً: أيّها الأمير إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحل الرحمة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، وقاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحقّ بالخلافة والبيعة... (1) .

وبعد ما أعلن الامام رفضه الكامل لبيعة الطاغية يزيد عزم على مغادرة يثرب (2) .

روى عبد الله بن سنان الكوفي عن أبيه عن جدّه قال: خرجت بكتاب أهل الكوفة إلى الحسين عليه‌السلام ، وهو يومئذٍ بالمدينة، فأتيته فقرأه فعرف معناه فقال: انظرني إلى ثلاثة أيام، فبقيت في المدينة، ثم تبعته إلى أن صار عزمه بالتوجه إلى العراق، فقلت في نفسي: أمضي وأنظر إلى ملك الحجاز كيف يركب؟ وكيف جلالته وشأنه؟

فأتيت إلى باب داره فرأيت الخيل مسرجة والرجال واقفين والحسين عليه‌السلام جالس على كرسي وبنو هاشم حافون به، وهو بينهم كأنه البدر ليلة تمامه وكماله، ورأيت نحواً من أربعين محملاً، وقد زينت المحامل بملابس الحرير والديباج.

قال: فعند ذلك أمر الحسين عليه‌السلام بني هاشم بأن يركبوا محارمهم على المحامل، فبينما أنا انظر وإذا بشاب قد خرج من دار الحسين عليه‌السلام وهو طويل القامة ووجهه كالقمر الطالع، وهو يقول: تنحو يا بني هاشم، وإذا بامرأتين قد خرجتا من الدار وهما تجران أذيالهما على الأرض حياءً من الناس، وقد حفت بهما إماؤها، فتقدم ذلك الشاب إلى محمل من المحامل وجثى على ركبتيه وأخذ بعضديهما وأركبهما المحمل.

فسألت بعض الناس عنهما، فقيل: أما أحدهما فزينب والأخرى أم كلثوم بنتا أمير المؤمنين.

__________________

(1) حياة الامام الحسين 2 / 255.

(2) السيدة زينب (للقرشي): 191.


فقلت: ومن هذا الشاب؟

فقيل لي: هو قمر بني هاشم العباس ابن أمير المؤمنين.

ثم رأيت بنتين صغيرتين كأنّ الله - تعالى - لم يخلق مثلهما، فجعل واحدة مع زينب والأخرى مع أم كلثوم، فسألت عنهما، فقيل لي: هما سكينة وفاطمة بنتا الحسين عليه‌السلام .

ثم خرج غلام آخر كأنه البدر الطالع ومعه امرأة وقد حفت بها إماؤها، فأركبها ذلك الغلام المحمل، فسألت عنها وعن الغلام، فقيل لي: أما الغلام فهو علي الأكبر ابن الحسين عليه‌السلام والامرأة أمه ليلى زوجة الحسين عليه‌السلام .

ثم خرج غلام وجهه كفلقة القمر ومعه امرأة، فسألت عنها فقيل لي: أما الغلام فهو القاسم بن الحسن المجتبى والامرأة أمه.

ثم خرج شاب آخر وهو يقول: تنحوا عني يا بني هاشم، تنحو عن حرم أبي عبد الله، فتنحى عنه بنو هاشم، وإذا قد خرجت امرأة من الدار وعليها آثار الملوك وهي تمشي على سكينة ووقار، وقد حفت بها إماؤها، فسألت عنها، فقيل لي: أما الشاب فهو زين العابدين ابن الامام وأمّا الامرأة فهي أمه شاه زنان بنت الملك كسرى زوجة الامام، فأتى بها وأركبها على المحمل.

ثم أركبوا بقية الحرم والأطفال على المحامل، فلما تكاملوا نادى الامام عليه‌السلام :

أين أخي؟ أين كبش كتيبتي؟ أين قمر بني هاشم؟

فأجابه العباس: لبيك لبيك يا سيدي.

ففقال له الامام عليه‌السلام : قدّم لي يا أخي جوادي.

فأتى العباس عليه‌السلام بالجواد اليه، وقد حفت به بنو هاشم، فأخذ العباس بركاب الفرس حتى ركب الامام.

ثم ركب بنو هاشم وركب العباس وحمل الراية أمام الامام.


قال: فصاح أهل المدينة صيحة واحة وعلت أصوات بني هاشم بالبكاء والنحيب وقالوا: الوداع.. الوداع، الفراق.. الفراق.

فقال العباس: هذا والله يوم الفراق والملتقي يوم القيامة.

ثم صاروا قاصدين كربلاء مع عياله وجميع أولاده ذكوراً وإناثاً إلا ابنته فاطمة الصغرى، فانها كانت مريضة (1) .

وكأني بأم البنين عليها‌السلام تشهد هذا الموقف الذي تتألم له صم الصخور، وهي تودع ريحانة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وحرمه وابناءها البررة، وتوصي أولادها بأخواتهم وسيدهم ومولاهم الحسين عليه‌السلام ، وتقول لهم: كونوا فداءً لسيدكم وكونوا له عيناً ودرعاً، واجعلوا قلوبكم دروعكم للدفاع عنه وعن حرمه، ولا تقصروا في الذبّ عنه، وبيضوا وجهي عند أمه وأبيه وجده وأخيه وعنده.

حوار بين أم البنين عليها‌السلام وبشير:

قال في «اللهوف»: قال الراوي: ثم انفصلوا من كربلاء طالبين المدينة قال بشير بن حذلم: فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين فحط رحله وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال: يا بشر رحم الله أباك لقد كان شاعراً فهل تقدر على شيء منه؟

فقلت: بلى يا ابن رسول الله، إني لشاعر.

فقال عليه‌السلام : ادخل المدينة وانع أبا عبد الله.

قال بشير: فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة، فلما بلغت مسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله رفعت صوتي بالبكاء فأنشأت أقول:

يا أهل يثرب لا مقام لكم بها

قتل الحسين فأدمعي مدرار

الجسم منه بكربلاء مضرج

والرأس منه على القناة يدار

__________________

(1) معالي السبطين 1 / 221.


قال: ثم قلت: هذا علي بن الحسين عليه‌السلام مع عماته وأخواته قد حلوا بساحتكم ونزلوا بفنائكم، وأنا رسوله اليكم أعرفكم مكانه.

قال: فما بقيت في المدينة مخدرة ولا محجبة إلّا برزن من خدورهن، مكشوفة شعورهن، مخمشة وجوههن، ضاربات خدودهن، يدعون بالويل والثبور، فلم أر باكياً أكثر من ذلك اليوم، ولا يوماً أمرّ على المسلمين منه (1) .

قال بشير: ورأيت امرأة كبيرة تحمل على عاتقها طفلاً وهي تشق الصفوف نحوي، فلمّا وصلت قالت: يا هذا أخبرني عن سيدي الحسين عليه‌السلام ، فعلمت أنها ذاهلة؛ لأني أنادي «قتل الحسين» وهي تسألني عنه، فسألت عنها، فقيل لي: هذه أم البنين عليها‌السلام ، فأشففت عليها وخفت أن أخبرها بأولادها مرة واحدة.

فقلت لها: عظم الله لك الأجر بولدك عبد الله.

فقالت: ما سألتك عن عبد الله، أخبرني عن الحسين عليه‌السلام .

قال: فقلت لها: عظم الله لك الأجر بولدك عثمان.

فقالت: ما سألتك عن عثمان، أخبرني عن الحسين عليه‌السلام .

قلت لها: عظم الله لك الأجر بولدك جعفر.

قالت: ما سألتك عن جعفر، فانّ ولدي وما أظلته السماء فداءً للحسين عليه‌السلام ، أخبرني عن الحسين عليه‌السلام .

قلت لها: عظم الله لك الأجر بولدك أبي الفضل العباس.

قال بشير: لقد رأيتها وقد وضعت يديها على خاصرتها وسقط الطفل من على عاتقها وقالت: لقد والله قطعت نياط قلبي، أخبرني عن الحسين.

قال: فقلت لها: عظم الله لك الأجر بمصاب مولانا أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام .

__________________

(1) معالي السبطين 2 / 203.


ما أعظم موقفها عليها‌السلام وأعظم مصابها برزية الامام، مما يكشف عن مدى إيمانها ورسوخ اعتقادها وولاءها الوثيق وحبها الذي يوصف للحسين عليه‌السلام ، ولطالما كانت تقول: ليت أولادي جميعاً قتلوا وعاد أبو عبد الله الحسين عليه‌السلام سالماً.

إنّ شدة حبها للحسين يكشف عن علو مرتبتها في الايمان وقوة معرفتها بمقام الامامة بحيث تستسهل شهادة أولادها الأربعة - وهم لا نظير لهم أبداً - في سبيل الدفاع عن إمام زمانها (1) .

قال السيد محمد كاظم الكفائي:

أم على أشبالها أربع

جاءت لبشر وبه تستعين

وتحمل الطفل على كتفها

تستهدي فيه خبر القادمين

ملهوفة مما بها من أسى

ترى بذاك الجمع شيئاً دفين

فقال يا أم ارجعي للخبا

وابكي بنيك قتلوا أجمعين

فما انئنت وما بكت أمهم

وخاب منه ظنه باليقين

كأنهم الطود وما زلزلت

وحق أن تجري لهم دمع عين

فقال يا أم البنين اعلمي

بأن عباساً قتيلاً طعين

قالت طعنت القلب مني فقل

النفس والدنيا وكل البنين

نمضي جميعاً كلنا للفنا

نكون قرباناً فدىً للحسين

فقال يا أم البنين البسي

ثوب حداد الحزن لا تنزعين (2)

لقاء أم البنين عليها‌السلام مع زينب الكبرى عليها‌السلام :

كانت أم البنين عليها‌السلام من النساء الفاضلات العارفات بحقّ أهل البيت عليهم‌السلام مخلصة

__________________

(1) أنظر: تنقيح المقال 3 / 70.

(2) أم البنين للسيد الكفائي: 82.


في ولائهم ممحضة في مودتهم، ولها عندهم الجاء الوجيه والمحل الرفيع، وقد زادتها زينب الكبرى بعد وصولها المدينة تعزيها بأولادها الأربعة كما كانت تزورها أيام العيد (1) .

ويقال: لمّا دخل بشير إلى المدينة ناعياً الحسين عليه‌السلام وخرج الرجال والنساء وخرجت من جملتهن أم البنين، فلما سمعت بقتل الحسين عليه‌السلام خرّت مغشياً عليها، وحبى عائلة الحسين عليه‌السلام إلى المنازل، فقالت زينب عليها‌السلام : لا أريد أحداً يدخل عليّ في هذا اليوم إلّا من فقدت لها عزيزاً في كربلاء، وجلست في منزلها وجعلت فضة على الباب.

فلما أفاقت أم البنين عليها‌السلام من غشيتها سألت عن الحوراء زينب وعن العائلة فأخبروها بذلك، فبينما هنّ في البكاء والعويل وإذا بالباب تطرق.

فقالت فضة: من بالباب فانّ سيدتي زينب لا تريد أحداً يدخل عليها إلّا من فقدت لها عزيزاً في كربلاء.

فقالت: قولي لسيدتك زينب إنّي شريكتها في هذا العزاء وأريد أن أدخل عليها لأساعدها فاني مثلها في المصاب.

فلما أخبرت فضة زينب قالت: سليها من هي التي تكون مثلي في المصاب، ثم قالت: إن صدق ظني فانها أم البنين عليها‌السلام .

فرجعت فضة وقالت لها: تقول سيدتي من أنت التي مثلها في المصاب؟

قالت: إني الثاكلة أم المصيبة العظمى.

قالت: أوضحي لي؟

قالت: الحزينة صاحبة الفاجعة الكبرى.

قالت: أوضحي لي من تكونين؟

__________________

(1) العباس عليه‌السلام (للمقرم): 72.


قالت: أو ما عرفتني، إنّي أم البنين عليها‌السلام .

فقالت فضة: لقد صدقت سيدتي في ظنها وإنّك - والله - كما تقولين، أم المصيبة العظمى والفاجعة الكبرى، ثم فتحت لها الباب.

فلمّا دخلت استقبلتها زينب واعتنقتها وبكت وقالت: عظم الله لك الأجر في أولادك الأربعة.

قالت: وأنت عظم الله لك الأجر في الحسين عليه‌السلام وفيهم، وبكت وبكى من كان حاضراً (1) .

أم البنين تندب أبناءها:

روى أحمد بن عيسى عن جابر عن أبي جعفر عليه‌السلام مسنداً قال: إنّ زيد بن رقاد الجهني وحكيم بن الطفيل الطائي، قتلا العباس بن علي.

وقال أبو الفرج الاصفهاني: وكانت أم البنين عليها‌السلام أم هؤلاء الأربعة الاخوة القتلى تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرها فيجتمع الناس اليها يسمعون منها، فكان مروان يجيء فيمن يجيء لذلك فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي (2) (3) .

__________________

(1) مولد العباس لمحمد علي الناصري: 44.

(2) لقد كانت ندبة أم البنين عليها‌السلام مشجية «صم الصخور لهولها تتألم» ولكن ذلك لا يعني أبداً أن يرقّ قلب الوزغ ابن الوزغ مروان ابن الحكم، فقد يستفاد من قول أبي الفرج أن ندبة أم البنين كانت محرقة للقلوب بحيث تأثر بها مروان على قساوته إلّا أن هذا مما لا يمكن تصويره في حق هذا اللعين، وهو الذي حارب أهل البيت عليهم‌السلام ولم يفتر عن حربهم لحظة من عمره المشؤوم، وهو الذي ألّب عليهم وحرض وكاد لهم أحياءً وأمواتاً، وهو المتشفي بقتل الحسين عليه‌السلام وقد أظهر الفرح والشماته بقوله لما نظر إلى رأس الحسين عليه‌السلام :

يا حبذا بردك في اليدين

ولونك الأحمر في الخدين

كأنه بات بعسجدين

شفيت نفسي من دم الحسين

(3) مقاتل الطالبيين: 90 ذيل ترجمة العباس عليه‌السلام .


وقال العلامة السماوي في «إبصار العين»: وقد كانت تخرج إلى البقيع كلّ يوم ترثيه وتحمل ولده عبيد الله فيجتمع لسماع رثائها أهل المدينة، وفيهم مروان بن الحكم، فيبكون لشجى الندبة، وكان من قولها عليها‌السلام :

يا من رأى العباس كر

على جماهير النقد

ووراه من أبناء حيدر

كل ليث ذي لبد

انبئت أن ابني أصيب

برأسه مقطوع يد

ولي على شبلي أما

ل برأسه ضرب العمد

ولو كان سيفك في يد

يك لما دنا منه أحد

وقولها عليها‌السلام :

لا تدعوني ويك أم البنين

تذكريني بليوث العرين

كانت بنون لي ادعى بهم

واليوم أصبحت ولا من بنين

أربعة مثل نسور الربى

قد واصلوا الموت بقطع الوتين

تنازع الخرصان أشلائهم

فكلهم أمسى صريعاً طعين

يا ليت شعري أكما أخبروا

بان عباساً قطيع اليمين (1)

أم البنين تحيي ذكرى عاشوراء:

كانت أم البنين من النساء الفاضلات العارفات بزمانها والعارفات بحقّ أهل البيت عليهم‌السلام ، كما كانت فصيحة لسنة ورعة، وكانت ممن حمى حريم الحسين، وأقامة العزاء عليه لتشارك في حفظ ثورته والوفاء لدمه الذي سكن الخلد، وتشكل حلقة مهمة في امتداد الثورة، وتكون صوتاً للحنجرة المقدسة التي قطعت.

وقد اتخذت من أسلوب الندبة والنياحة سبيلاً للنداء بمظلومية الحسين

__________________

(1) إبصار العين: 31 - 32.


وآل البيت عليهم‌السلام فكانت - كما مر قبل قليل - تحمل عبيد الله بن العباس وتخرج إلى البقيع تقيم المآتم على قتيل العبرات، وتندب أولادها أشجى ندبة، وتتمنى لو كان الحسين حياً وتموت هي وأولادها ومن على الأرض فداءً له، وكانت تتوخى من وراء ذلك:

1 - إقامة المآتم على سيد الشهداء وريحانة الرسول وتعظيم شعائر الله.

2 - تعلن للملأ عن شجاعة الحسين وأولادها ومظلوميتهم وتفخر بهم على التاريخ.

3 - تشرح أحداث كربلاء وما وقع فيها من ظلامات لآل النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وفجائع يخجل منها كل مخلوق، وتصيغ ذلك بأسلوب الندبة العاطفي، وتعلن بذلك عن اعتراضها على الوضع القائم وحكومة الطاغوت.

4 - تفضح الحكام الظلمة الذين تسلطوا على مقدرات الأمة وحاولوا تضليل الناس، وقلب الحقائق على مرّ التاريخ، فكانت أم البنين عليها‌السلام تبين الحق والحقيقة من خلال ذلك.

5 - تحرض الناس ضد بني أمية وأذنابهم وتطالب بدماء الأحراء من آل البيت عليهم‌السلام .

6 - وكانت تخرج إلى البقيع - مع أن قبر العباس وأخوته في كربلاء - ليجتمع الناس هناك ويتذكرون مظالم الحسن وريحانة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الصديقة الطاهرة وتعيد لهم ذكرياتهم مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله هناك وتذكرهم بمواقف المسلمين في صدر الاسلام في الذبّ عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقد ضمتهم الآن هذه المقبرة المقدسة.

7 - وكانت تحمل معها عبيد الله بن العباس - حفيدها - باعتباره كان موجوداً في يوم الطف فهو شاهد عيان ودليل وبرهان حي يروي لهم ولمن سيأتي من الأجيال ويجتمع له أترابه والكبار والصغار....


لقد ساهمت أم البنين عليها‌السلام في إبلاغ خطاب عاشوراء إلى المجتمع المعاصر لها وأبلغت مسامع الايام ليتردد صوتها إلى جانب صوت أم المصائب زينب عليها‌السلام حينما وقفت كالطود الشامخ لا تحركه العواصف لتحمي ثورة الحسين عليه‌السلام ، وتحفظ الحق ورسالة التوحيد على طول خط التاريخ.

* * *


الفصل

الحادي عشر

التوسل بأم البنين عليها‌السلام


التوسل بأم البنين عليها‌السلام

من سنن الله الجارية في أوليائه ( وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) (1) إكرامهم باظهار ما لهم من الكرامة عليه والزلفى منه، وذلك غير ما ادخره لهم من المثوبات الجزيلة في الآجلة، تقديراً لعملهم واصحاراً بحقيقة أمرهم ومبلغ نفوسهم من القوة وحثاً للملأ على اقتفاء آثارهم في الطاعة، ومهما كان العبد يخفى الصالحات من أعماله فالمولى سبحانه يراغم ذلك الاخفاء باشهار فضله، كما يقتضيه لطفه الشامل ورحمته الواسعة وبرّه المتواصل، وأنّه جلت آلاؤه يظهر الجميل من أفعال العباد ويزوي القبيح رأفة منه وحناناً عليهم.

ومن هذا الباب ما نجده على مشاهد المقربين وقباب المستشهدين في سبيل الله من آثار العظمة وآيات الجلال من إنجاح المتوسل بهم اليه - تعالى شأنه - وإجابة الدعوات تحت قبابهم المقدسة، وإزالة المثلات ببركاتهم، وتتأكد الحالة إذا كان المشهد لأحد المنتسبين للبيت النبوي؛ لأنه جلت حكمته ذرأ العالمين لأجلهم؛ ولان يعرفوا مكانتهم فيحتذوا أمثالهم في الأحاكم والأخلاق، فكان من المحتم في باب لطفه وكرمه - عظمت نعمه - أن يصحر الناس بفضلهم الظاهر.

__________________

(1) سورة فاطر: 43.


ومن المنتسبين إلى ذلك البيت الطاهر الذي أذن الله أن يرفع فيه اسمه «أم البنين عليها‌السلام »، فانها في الطليعة من أولئك الذين بذلوا في الله ما عزّ لديهم وهان حتى اتصلت النوبة إلى أولادها وفلذة كبدها، بل أذهبت نفسها في زفراتها الحارة على الحسين وآله عليهم‌السلام ، فكان ذلك كلّه نصب عينه - تعالى ذكره - فأجرى الله سنته الجارية في الصديقين فيها بأجلى مظاهرها؛ ولذلك تجد المؤمنين في أصقاع الأرض يتوسلون بها إلى الله، ويستشفعون بها في حاجاتهم في آناء الليل وأطراف النهار، ويجعلونها باباً من أبواب رحمة الله، فيطرقه أرباب الحوائج من عاف يستمنحه بره، إلى حمى أمنه، إلى أنواع من أهل المقاصد المتنوعة، فينكفأ فلج الفؤاد بنجح طلبيته، قرير العين بكفاية أمره، إلى منتجز باعطاء سؤله، كلّ هذا ليس على الله بعزيز، ولا من المقربين من عباده ببعيد.

توسلوا بأمي أم البنين عليها‌السلام :

يقول المؤلف: حدّث العالم الفقيه آية الله الحاج السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس‌سره في تاريخ 27 ذي الحجة الحرام سنة (1416) ضمن حديثه عن عظمة شخصية أبي الفضل العباس عليه‌السلام :

رأى أحد العلماء في عالم المكاشفة قمر بني هاشم أبا الفضل العباس عليه‌السلام وقال له: سيدي إن لي حاجة فبمن أتوسل حتى تقضي حاجتي؟

فأجابه عليه‌السلام : توسل بأمي أم البنين عليها‌السلام .

ونحن نذكر هنا بعض الختومات وآداب التوسل بتلك السيدة المباركة من المجربات التي رويت عن بعض الأساطين:


1 - إهداء الصلوات:

قال المرحوم آية الله الحاج السيد محمود الحسيني الشاهرودي المتوفي في 17 شعبان (394 هـ):

إني أصلّي على محمد وآل محمد مائة مرة وأهديها إلى أم البنين عليها‌السلام فتقضي حاجتي.

2 - نذر الاطعام:

أن ينذر لأم البنين عليها‌السلام ويطعم الفقراء باسم أبي الفضل العباس عليه‌السلام ، وهو من المجربات في قضاء الحوائج.

3 - ختم سورة «يس»:

قراءة سورة «يس» عشرة مرات في أربع أسابيع كالتالي، وهو مؤثر إن شاء الله تعالى:

يقرأها في ليلة الجمعة من الأسبوع الأول ثلاث مرات، وفي ليلة الجمعة من الأسبوع الثاني يقرأ ثلاث، وفي ليلة الجمعة من الأسبوع الثالث يقرأ ثلاث أيضاً، وفي ليلة الجمعة الأخيرة في الأسبوع الرابع يقرأها مرة واحدة ويهديها لأم البنين عليها‌السلام نيابة عن أبي الفضل العباس عليه‌السلام ، فانه ستقضى حاجته إن شاء الله على أتم وجه.

4 - تجهيز من يزور كربلاء نيابة عن أم البنين عليها‌السلام :

حدثني الحاج الشيخ محمود الخليلي في شوال المكرم سنة (1418 هـ) في منزل آية الله السيد شهاب الدين المرعشي النجفي قدس‌سره قال:

إنّ آية الله الحاج السيد محمد الروحاني قدس‌سره كان يتوسل في المهمات والمشاكل المعضلة بأم البنين عليها‌السلام ، وكان توسّله بتلك المخدرة المجللة أن ينذر لله أن


يقضي حاجته ويكشف كربته على أن يبعث إلى كربلاء من يزور هناك نيابة عن أم البنين عليها‌السلام ، ويتحمّل كافة مصروفات سفره.

وأتذكر جيداً أني حظيت في سنة (1383 هـ) بشرف زيارة كربلاء نيابة عن السيدة أم البنين من قبل السيد قدس‌سره فدفع لي مبلغ «نصف دينار» ما يعادل عشرة دراهم، وكانت الأجرة يومها ذهاباً وإياباً تتراوح بين ثلاثة أو أربعة دراهم.

قال أيضاً: ابتلي آية الله الروحاني ذات مرة بألم شديد في سنّه، وكن ألماً مبرحاً لا يطاق، فراجع طبيبه الدكتور الطريحي فلم يجده، فلما اشتد الألم اشتداداً مروعاً نذر لله إن نجّاه من هذا الألم أن يستأجر من يزور كربلاء نيابة عن أم البنين عليها‌السلام في ليلة الجمعة القادمة، فلم تمض لحظات حتى سكن الألم وكأن لم يكن شيئاً، وفي عصر اليوم التالي عاد الالم مجدداً فقال السيد: يبدو أن الطبيب قد حضر، فراجعه فوجده في مطبه، فقلع سنه وارتاح من بلائه، كلّ ذلك ببركة أم البنين عليها‌السلام .

وأضاف الشيخ الخليلي: إنّي علّمت هذا التوسل بهذه الطريقة لكثير من ذوي الحاجات فكان نافعاً في قضاء حوائجهم وكشف كربهم.

5 - إهداء الصلوات للمعصومين وقراءة دعاء التوسل:

ختم مذكور في كتاب «مجموعة علم جعفر» ووقته بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العشاء، والأفضل أن يشرع به في أول الشهر وهو كالتالي:

في اليوم الأول: ألف مرة «اللهم صلّ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم» ويهديخا إلى خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وفي اليوم الثاني: أيضاً ألف مرة على النحو المذكور لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام .


وفي اليوم الثالث: لسيدة النساء فاطمة الزهراء عليها‌السلام .

وفي اليوم الرابع: للامام المجتبى ريحانة الرسول الحسن المظلوم عليه‌السلام .

وهكذا على عدد المعصومين عليهم‌السلام حتى يصل إلى صاحب الأمر والزمان - أرواح العالمين له الفداء -.

وفي اليوم الخامس عشر: أيضاً ألف مرة على النحو المذكور لأبي الفضل العباس عليه‌السلام .

وفي اليوم السادس عشر: لأم البنين عليها‌السلام

وفي اليوم السابع عشر: لزينب الكبرى عليها‌السلام .

وفي اليوم الأخير: بعد أن ينتهي من الصلوات يقرأ الدعاء المعروف المذكور في مفاتيح الجنان وأوله «اللهم إني أسألك وأتوجه اليك بنبيك نبي الرحمة...».

قال في الكتاب المذكور: نقل لي من أثق به أنّ جماعة التزموا هذا الختم وأدوه جماعة، فلمّا انتهوا منه تشرفوا بزيارة العباس عليه‌السلام فقال لهم: «حاجتكم مقضية».

أقسم الرجل المذكور أيماناً مغلظة قائلاً: كنّا جماعة وقد قضى الله حوائجنا جميعاً والحمد لله (1) .

6 - قراءة الفاتحة لام البنين عليها‌السلام :

مما اشتهر بين الناس سيما من يعرف منهم مقام أم البنين عليها‌السلام ومنزلتها أنّه إذا فقد حاجة وضاعت منه وأراد أن يبحث عنها فانّه يقرأ سورة الفاتحة ويصلي على محمد وآل محمد ويهديها لأم البنين عليها‌السلام ، فانّه يجد ضالته باذن الله، وقد جرب ذلك مراراً.

__________________

(1) استفدنا ذلك من مذكرات السيد مرتضى المجتهدي السيستاني.


7 - إهداء ختمة قرآن لأم البنين عليها‌السلام :

بعث الحاج الشيخ محمد علي إسلامي رسالة إلى «انتشارات مكتب الحسين عليه السالم» بتاريخ ذي الحجة الحرام (1419 هـ) وقال فيها:

«.. إنّي المدعو «محمد علي بن أحمد الاسلامي» حدثت لي معضلة لا يمكن حلّها عادة، وكانت متعلقة بعدة دوائر رسمية، وقد سدّت جميع الأبواب في وجهي، ولم أجد أي حيلة أو سبيل لحلّها، فتوسلت بالسيدة أم البنين عليها‌السلام وقلت لها: سيدتي أُم البنين.. إنّ لك عند الله جاهاً عريضاً وأنا سأختم القرآن الكريم وأهدي ثوابه لروحك المقدسة وفي المقابل توسلي أنت إلى الله في حلّ مشكلتي.

أجل؛ هكذا نذرت وشرعت في تلاوة القرآن الكريم وقبل إتمام الختمة تيسر أُموري كلّها وقضيت حاجتي، فكنت إذا راجعت أي دائرة من الدوائر وجدت السبيل مفتوحة والأُمور ميسرة والوجوه طلقة، وكأن لم يكن شيئاً مذكوراً.

هكذا هي هذه الأُسرة الجليلة شفيعتنا في الدنيا والآخرة.

8 - إهداء زيارة عاشوراء لأم البنين عليها‌السلام :

السيد محمد حسين جعفر زاده عقيد متقاعد يسكن في منطقة «عظيمية» في كرج من ضواحي طهران العاصمة.. أرسل رسالة إلى «مكتب الحسين عليه‌السلام » ذكر فيها كرامة لقمر العشيرة أبي الفضل العباس عليه‌السلام وضمّنها توسلين بأُم البنين عليها‌السلام فقال:

1 - قضيت ثلاثين سنة من عمري في خدمة الجيش في الجمهورية الإسلامية، ومن ثم أحلت على التقاعد، فقدمت لي دعوة من «منظمة الاعلام الاسلامي» أولاً، ومن ثُمَّ من إحدى المراكز الناشطة في المدينة «كرج» لأقوم بتدريس فن قراءة المراثي وإقامة العزاء «ما يسمى عند الناس بالرادود» فقبلت الدعوة وشرعت بالتدريس على بركة الله، وقد كتبت - لحد الآن - أربعة كتب في هذا الفن وقدمتها لخدام المنبر الحسيني.


وفي ذات يوم - وكان اليوم جمعة - كنت مشغولاً بالتدريس وقت الحصر إذ دخل أحد التلاميذ ذاهلاً فاستأذن وقال: إنّ أبي الآن يعالج الموت، وقد تركته في سكراته محتضراً ووجهته إلى القبلة، وجئت لأعتذر اليك عن التأخير وأعود اليه.

فقلت له: اسمع مني سأروي لك حديثاً عن سيدتي فاطمة الزهراء عليها‌السلام فانها قالت: سألت أبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أي ساعة أفضل لاستجابة الدعاء؟ فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : عند الغروب يوم الجمعة.

فنحن ندعو ولكن الأفضل أن تنذر أنت أيضاً نذراً قال: إنّي الآن في حالة من الاضطراب وتشتت البال بحيث لا أدري ماذا أفعل وماذا أنذر، أرجوا أن تنصحني وتعلمني وترشدني إلى ما أفعل؟

فقلت له: إنذر الآن أن تقرأ زيارة عاشوراء عشرة مرات وتهديها لأم البنين عليها‌السلام بقصد شفاء والدك.

فقال: أفعل، ورجع إلى البيت مسرعاً، فلمّا دخل البيت بلغ به العجب غايته، إذ رأى أباه واقفاً في ساحة الدار مشتغلاً بالوضوء والاستعداد لصلاة المغرب، فسأل عن ذلك، فأخبروه أنّه منذ نصف ساعة تقريباً انقطعت عنه الحمى فجأة وأخذ يتماثل إلى الشفاء وبدأت أعراض المرض تزول منه حتى قام قائماً على قدميه.

قال العقيد جعفر زاده:

وها هو ذا الأب حفظه الله يشتغل بالقرب منا يزاول عمله سالماً غانماً.

2 - في يوم 22 رمضان سنة 1420 قالت لي زوجتي: إنّ تحت ابطي غدة بحجم «بيضة»، وبقيت على هذه الحال إلى أن انتهى الشهر الكريم، فراجعنا الطبيب الجراح فأخذ نموذجاً من الغدة وأرسلها إلى ال مختبر لتجرى عليها زراعة وتحليل لتشخيصها، إلّا أنّه لوّح لنا في كلامه إلى أنّها غدة خبيثة، وكانت نظرات العاملين في المختبر تحكى ذلك أيضاً. فتوجهت إلى الأئمة الأطهار وتوسلت بهم


وألححت كثيراً على المولى أمير المؤمنين عليه‌السلام وفاطمة الزهراء عليها‌السلام وأم البنني عليها‌السلام .

ومضى علينا أسبوع قبل أن تخرج النتيجة من المختبر، وبعد أسبوع رأيت في عالم الرؤيا شخصاً ينادي، وأنا أسمع صوته ولا أرى وجهه، فقال: يا جعفر زاده، بشراك إننا شافينا زوجتك، فاستيقظت على هذا الصوت منشرحاً، فصلّيت نافلة الليل وسجد لله شكراً، وصلّيت صلاة الصبح وعدت إلى النوم، فرأيت مرة ثانية في عالم الرؤيا الامام علي عليه‌السلام ومعه أم البنين عليها‌السلام وقد شرفانا في بيتنا، فجلست أنا بين يدي مولاي وجلست أم البنين عليها‌السلام قريباً من زوجتي ومسحت بيدها المباركة على موضع الغدة، وعندئذٍ استيقظت من نومي فجأة، وفتحت عيني وأنا أشكر الله - تبارك وتعالى - على هذه الموهبة العظيمة، وشكرت سيدي ومولاي أمير المؤمنين عليه‌السلام وأم البنين عليها‌السلام . وتيقنت أنّ زوجتي قد شوفيت مما فيها، فدعوت الناس وأقمت مجلس العزاء في بيتي تعبيراً عن شكري لألطاف أهل البيت عليهم‌السلام كلّ ذلك قبل أن نستلم جواب التحليل، فلما استلمناه ذهبنا به إلى الطبيب فنظر فيه ونظر إلى موضع الغدة وتبسم في وجوهنا وهو لا يعلم أنّ الطبيب الأصلي أبا الفضل العباس قد سبقه إلى العلاج.

ثم ذيل رسالته بأبيات رائعة بالفارسية في مدح أمير المؤمنين عليه‌السلام وزوجته.

سفرة أم البنين عليها‌السلام :

حدّث السيد صادقي واعظ، وهو من الموالين لأهل بيت العصمة والطهارة ومن المبرزين في الحوزة العلمية في قم قال:

كنت أرتقي المنبر في طهران، وكان اليوم التاسع من المحرم، فاكتريت سيارة للذهاب إلى مسجد السيد أحمد البروجردي رحمه‌الله حيث كنت أرتقي المنبر هناك، وكان علينا أن نمر بساحة «الشهداء» باتجاه منطقة «صد دستگاه» حيث يقع المسجد المذكور، وكان الشارع مزدحماً جداً لا تكاد السيارة تقطع الطريق إلّا بشق


الأنفس؛ وذك لكثرة المواكب المنطلقة ذلك اليوم، فتساءل السائق قائلاً: ماذا حدث؟ لماذا كلّ هذا الزحام؟

فقلت له: ألست مسلماً؟! ألا تدري أنّ اليوم هو اليوم التاسع من المحرم، وهو يوم عزاء أهل البيت عليهم‌السلام ومصابهم.

قال: كلا أنا مسيحي.

قلت: اليوم هو يوم العباس عليه‌السلام .

قال: نعم أنا أعرف أبا الفضل العباس جيداً، واستطرد قائلاً:

كنت عقيماً محروماً من نعمة الولد، وبعد زمان رزقت ولداً إلّا أنّه كان مشلولاً مقعداً، فصرفت كلّ ما عندي وبعت بيتي وسيارتي وأنفقتها في علاجه دون نتيجة.

وفي ذات ليلة دخلت بيتي - وكنت مستأجراً أسكن مع صاحب الدار - فرأيت زوجتي تبكي فقلت لها: ماذا حدث؟

قالت: إنّ صاحبة الدار دعتني للحضور على سفرة أم البنين عليها‌السلام .

قلت: من هي أم البنين؟

فشرحت لي ما سمعته عنها ثم قالت: لقد أخذت ولدي وأجلسته على سفرة أم البنين عليها‌السلام ، فتعال نجلس هذا الطفل في حجرنا هذه الليلة ونتوسل بأبي الفضل العباس معاً.

وبالفعل اتفقنا وفعلنا ذلك حتى أخذنا التعب، فتركنا الصبي لحاله واضجعنا في الايوان (البلكون)، وفي منتصف الليل رأيت - بهذه عيني - الطفل وقد قام معتمداً على رجليه وأخذ يركض، ففزعت وصرخت به: ماذا حدث؟

قال: من هذا السيد الفارس الذي جاءني؟

هذه هي معجزة أبي الفضل العباس عليه‌السلام التي رأيتها بعيني فكيف لا أعرفه؟!

* * *


الفصل

الثاني عشر

كرامات أم البنين عليها‌السلام


1 - أريد تأشيرة (فيزا)

إلى كربلاء وأريدها اليوم بالذات وليس غدا

قال آية الله الحاج السيد طيب الجزائري - حفظه الله - ضمن رسالة بعث بها إلى «انتشارات مكتب الحسين عليه‌السلام »:

كنت أسكن في النجف الأشرف في سنة (1962 م)، وكنت أسافر في كلّ سنة أيام محرم الحرام إلى الپاكستان للتبليغ، وفي سنة من السنين التقيت في مشهد المقدسة بأحد العلماء الپاكستانيين فسألته عن وجهته بعد زيارة المشهد الرضوي عليه‌السلام فقال: أرجع إلى الپاكستان فقلت له: سماحة السيّد أليس من الخسارة أن تقطع كلّ هذه المسافة فتأتي مشهد المقدسة ثم ترجع من هنا ولا تزور كربلاء والنجف الأشرف؟! في حين أنّ المسافة الباقية هي نصف المسافة إذا احتسبت من مشهد.

فأثر فيه كلامي وعزم على أن يأتي إلى كربلاء، فاتفقنا وتوجهنا معاً إلى طهران، ومن هناك إلى السفارة العراقية للحصول على التاشيرة «الفيزا».

فلمّا وصلنا إلى هناك وجدنا أبواب السفارة مغلقة والزوّار مزدحمين على باب السفارة في وضع يرثى له حيث كان الكثير منهم قد فرش فراشه وجلس هناك في الانتظار، وقد تداخلت صفوفهم وتشابكت بسطهم، فسألنا فإذا منهم من قد قضى


هناك ليلتين، ومنهم من قضى ثلاث ليالي، وأقل من ذلك وأكثر يبيتون على الرصيف، وباب السفارة لا يفتح إلّا نادراً، فالتفت إلى صاحبي وقلت له: هل أنت عازم على السفر إلى كربلاء؟

فقال: عجباً!! ولماذا إذن جئت من مشهد إلى هنا؟!

فقلت له: كيف تريد الذهاب إلى كربلاء ووضع التأشيرة كما ترى؟!

قال: لا أعلم.

قلت: أنا أعرف الحلّ!

قال: وما هو؟

قلت: تنذر ألف صلوات (أي تقول ألف مرة: اللّهمّ صلّ على محمد وآل محمد) لأُم البنين وأنا أيضاً أفعل ذلك وستحصل التأشيرة إن شاء الله.

فنذرنا معاً ألف صلوات على النبي وآله هدية لأُم البنين عليها‌السلام ، ثم وقفنا قليلاً مقابل باب السفارة فلم نر أي طارق يتحرك ذهاباً أو إياباً، دخولاً أو خروجاً، فليس من والج ولا من خارج وكأنّ بناية السفارة على ضخامتها مهجورة وليس فيها ديار.

بصيص أمل:

وفجأة قال صديقي: تذكرت الآن أنّي أحمل رسالة إلى سكرتير السفير الپاكستاني، فلنذهب إليه ونسلمها إياه ما دمنا قد وصلنا إلى هنا ومن ثُمّ نعود إلى هنا لننظر ماذا يكون.

اكترينا سيارة وتوجهنا إلى سفارة الپاكستان، وبالفعل فقد وجدنا الشخص المطلوب وسلمناه الرسالة، وكان استقباله لنا حاراً وقد أحاطنا بالحفاوة والتكريم وسألنا: أين ستذهبون بعد طهران؟


قلنا: لقد عزمنا على الذهاب إلى العراق فيما لو حصلنا على التأشيرة.

فقال: من حسن ال حظ أنّي - أيضاً - أريد أن أذهب إلى العراق فاصبروا هنا قليلاً حتى أهيئ وثائقي ونذهب جميعاً إلى السفارة فآخذ لكم تأشيرة معي.

قال ذلك ودخل غرفته واشتغل بطبع الوثائق.

تبدد الأمل مرة أُخرى:

وبعد فترة خرج من الغرفة وقال: تعطلت آلة الطابعة فأرجو أن تصبروا قليلاً حتى استطيع طباعة الوثيقة ثم أصطحبكما إلى السفارة، قال ذلك ثم دخل الغرفة مرة أُخرى يحاول الاستمرار في الكتابة على آلة الطباعة....

وبعد حين امتلكني القلق على التأشيرة لأن الوقت المعلن لمنح التأشيرات الذي كتبته السفارة العراقية في لوحة إعلاناتها هي الساعة الواحدة بعد الظهر فيما كانت الساعة الحادية عشر ونحن في السفارة الپاكستانية وصاحبنا غائب لا نعلم أين ذهب وماذا حلّ به وبوثائقه، والوقت يمضي بسرعة تحطم الأعصاب، ولكن سرعان ما خرج صاحبنا من الغرفة وهو يحمل رسالة وقال: آسف لا أدري أي مصلحة وراء الأمر فان آلة الطباعة تعطلت تماماً فلم استطع من كتابة الوثيقة الخاصة بي إلّا أنّها عملت بمقدار ما كتبت فيه كتاباً للقنصل العراقي بطلب التأشيرة لكما وأرجو أن توفقا لذلك.

أخذت الرسالة منه فوراً وخرجنا من السفارة واكترينا سيارة وتوجهنا إلى السفارة العراقية، فنظرت إلى ساعتي فإذا هي الثانية عشرة تماماً.

كانت السيارة تسير بسرعة وتلتهم الطريق التهاماً نحو السفارة، وأنا أحدّث نفسي وأقول: إنّ الموانع أمامنا ليست باليسيرة ولا بالقليلة، فكم من مانع يعترضنا:

فأولاً: إنّنا لا ندري أنّ هذه الرسالة موجهة لأي شخص في السفارة، فلا ندري لمن ينبغي تسليمها سيما وأنّ باب السفارة لا تفتح لأحد من الناس.


وثانياً: إنّهم لن يسمحوا لنا بلقاء القنصل بأي حال.

وثالثاً: هب أننا عرفنا الشخص ووصلنا إلى القنصل، ولكن من قال أنّ هذه الرسالة ستؤثر لأننا لسنا من العاملين في السفارة الپاكستانية وإنما نحن أفراد عاديين.

وحينئذ توجهت لسيدتي أُم البنين عليها‌السلام وخاطبتها قائلاً: يا سيدتي يا أُم البنين عليها‌السلام إنّ أريد تأشيرة إلى كربلاء وأريدها اليوم بالذات وليس غداً، وذلك لأني لو حصلت عليها في الغد فهو أمر عادي، وأنا أريد أن أحصل عليها بشكل خارق للعادة؛ لأنني أعلم أنّ الحصول على التأشيرة اليوم وفي هذا الوقت الضيق والحرج قضية مستحيلة فإذا حصلت على التأشيرة اليوم فاني سأتيقن بما لا يعتريه الشك أن ذلك من ألطافكم.

وأخيراً توقفت السيارة أمام مبنى السفارة العراقية، وما أن وصلنا إلى الباب حتى رأينا باب السفارة تفتح وخرج منها رجل انجليزي، فدخلنا أنا وصاحبي فوراً فسألنا البواب: لماذا دخلتم؟ فلم نجبه وإنّما قدمنا له الرسالة المذكورة فأخذها البواب وأغلق الباب وقال: قفا مكانكما حتى أعود، قال ذلك وذهب مسرعاً إلى الداخل. فقمنا هناك وقوفاً على أقدامنا والهواجس تعصف في قلوبنا، فحدثت نفسي: إنّ هذا البواب سيعود ويجيبنا الرد، وعلى فرض أنّه لم يردنا فانه سوف يؤجلنا إلى غد أو بعد غد؛ لأنّ هذا هو الاحتمال الوحيد الذي يمكن تصوره فيما لو لم يردنا إلّا أن تحدث معجزة، وفي هذه الاثناء جاء البواب يحمل معه إستمارتين وسألنا: هل معكما صور فتوغرافية قلنا: نعم. قال: إذن املأوا هذه الاستمارات.

فكّرنا أنّ علينا أن نملأ الاستمارات بدقة لئلا نخطأ في الجواب على الأسئلة الكثيرة والمعقدة التي فيها، فمن المحتمل أن يرد طلبنا إذا كانت ثمة إشتباهات أو إرتباكات في الأجوبة، ولهذا كنا نحتاج إلى وقت أكثر لملأ الاستمارات، بيد أنّ


البواب استعجلنا ولم يمهلنا وقال: تعجلوا ولا تتأخروا فانّ القنصل على وشك الخروج من السفارة، فاضطربنا وملأنا الاستمارات كيف ما اتفق وبحط رديء لا يكاد يسلم منه حرف، فكتبنا مكان اسم الأب اسم الأُم، ومكان اسم الأُم اسم الأب، وهكذا قدمنا الاستمارات والصور والجوازات، فأخذها البواب وقال: اذهبوا الآن وانتظروا في الخارج إلى الساعة الواحدة وستسمعون الجواب من البوابة الصغيرة التي نسلّم منها الوثائق.

خرجنا إلى الشارع فنظرت إلى ساعتي فوجدت أنّ علينا أن ننتظر عشرين دقيقة أُخرى حتى تكون الساعة الواحدة، فتوجهنا إلى البوابة الصغيرة (النافذة) وقلوبنا تخفق ولها وجيب؛ لأننا لا ندري ماذا ستكون النتيجة؟

وفي تمام الساعة الواحدة انفتحت النافذة وأخذوا ينادون بالأسماء الواحد تلو الآخر، وكان الاسم الأول هو اسمي ومن بعده اسم صاحبي، فدفعوا إلينا الجوازات فأخذتها وقلبي يخفق لأني لم أكن بعد مصدّقاً، ففتحت الجواز متوجساً مترقباً قلقاً مضطرباً، فوجدت فيه تأشيرة لثلاثة أشهر، فغمرتني الفرحة وامتلكني البكاء، فتحادرت دموع الفرح من عيني.

أخذنا الجوازات وتوجهنا من هناك فوراً إلى حرم السيد عبد العظيم الحسني عليه‌السلام في ري وبعد الزراية والصلاة أدى كل واحد منا ألفي صلوات بدل الألف التي نذرها، وأهديناها لأُم البنين عليها‌السلام .

نرجو من الله أن يقضي حوائج جميع المؤمنين ببركة أُم باب الحوائج قمر بني هاشم أبي الفضل العباس عليه‌السلام . آمين.


2 - شملتنا رحمة الله

حدثني الشيخ علي مير خلف زاده عن أحد المؤمنين قال: اشتريت بيتاً سنة (1986 - 1987 م) وكان قديماً متهاوياً على أثر الأمطار وإهمال الورثة، وكان مهجوراً ولا تزيد مساحته على ثلاثين متراً مربعاً، فعزمت على بناء مرافق صحية له، فلمّا باشرنا العمل كانت ضربة المعول الأُولى كافية لانهيار سقف الغرفة بالكمال والتمام، بيد أنّ رحمة الله الرؤوف الرحيم شملتننا فلم نصب بأذى، والحمد لله، ولكن مصيبتي صارت مصائب عديدة لأني لا أمتلك ما يساعدني على إعادة بناء الغرفة، ولا ترميم البيت المتداعي على أثر الخراب الذي لحقه فوق ما فيه.

وبعد مرور عدة شهور شملتنا عناية المولى صاحب الأمر والزمان - عجل الله تعالى فرجه - فاستطعت من إعادة بناء البيت، فاضطررت هذه المرة - طبق القانون - إلى استأذان «البلدية»، ولمّا دخل المسؤولون إلى البيت أخذوا يمطرونا بالاشكالات التي تذكرك ببني إسرائيل وتدقيقاتهم، ويضعوا الموانع تلو الموانع، ويؤجلونا كلّ يوم إلى بعده، فرأيت أنّ الأمر إذا دام كذلك فانه يلزم أن تستمر القضية إلى شهور عديدة، فنذرت مائة صلوات لأُم البنين عليها‌السلام اقرؤها بقصد طلب السلامة للامام صاحب الزمان - عجل الله تعالى فرجه - فلعل الله أن يرحمني وينجز عملي بسرعة.


وما أن شرعت بها حتى ناداني المهندس المسؤول وقال: لا تقلق فليس في عملك أي إشكال وسأنجز لك ما تحتاجه من قضايا قانونية بنفسي.

وبالفعل فقد تمّ ما كان ينبغي أن يتم في عدة شهور خلال يومين فقط ببركة ذلك النذر وببركة «اللّهمّ صلّ على محمد وآل محمد وعجل فرجهم» (1) .

__________________

(1) عن كتاب «داستانهايي از صلوات بر محمد وآل محمد»: 99 - 100.


3 - لماذا رفضت زيارة أمي؟

حدّث المرحوم الحاج عبد الرسول علي الصغار، التاجر المعروف، ورئيس غرفة تجارة بغداد حينذاك قال:

في الخمسينات تشرفت بحج بيت الله الحرام وزيارة النبي وأهل بيته العظام - صلوات الله عليهم وسلامه - وكان زملائي في السفرة كلّ من السيد هادي مگوطر، من السادة المحترمين ومن رؤساء عشائر الفرات من رجال ثورة العشرين ضدّ المستعمر الانجليزي، والشيخ عبد العباس آل فرعون، رئيس عشائر آل فتلة، وهي أعرق وأكبر عشائر الفرات الأوسط في العراق.

ولمّا وصلنا المدينة المنوّرة للتشرف بزيارة المرقد الطاهر للرسول الأعظم ومواقد أهل بيته الطاهرين - صلوات الله عليه وعليهم أجمعين -، وفي عصر أحد الأيام قصدنا كالعادة زيارة مراقد الأئمة الطاهرين عليهم‌السلام في «بقيع الغرقد» وبعد الانتهاء من مراسيم الزيارة قصدنا زيارة قبور المنتسبين إلى أهل البيت عليهم‌السلام وبعض الصحابة الكرام حتى انتهينا إلى قبر السيدة فاطمة بنت حزام الكلابية «أُم البنين» أُم العباس عليه‌السلام .

فقلت لعبد العباس آل فرعون: تعال نزور قبر «أُم البنين».


فأجابنا بتعاليه وغطرسته المعهودتين: دعنا من هذا، أتريدنا نزور النساء هذه المرة ونحن رجال.

وتركنا وخرج من البقيع، ذهبت أنا والسيد هادي المگوطر لزيارتها.

وفي فجر اليوم التالي استيقظت من نومي وتفقدت عبد العباس فلم أجده في فراشه، وكنا في غرفة واحدة، فانتظرته قليلاً وقلت في نفسي: ربما ذهب إلى الحمام، ولكن طال انتظاري ولم يعد، فقلقت عليه، وأيقظت زميلي الآخر السيد هادي المگوطر وقلت له: أين ذهب يا ترى؟ فهذه بعض ملابسه، كما أنّ هميانه لا يزال تحت وسادته، فاشتد قلقنا عليه أكثر فأكثر، ولما طالت مدة غيابه بدأنا نفكر إلى أين نذهب؟ وكيف نبحث عنه؟ ومن نسأل؟ وممن نستفسر؟

وبعد فترة قصيرة فتح باب الغرفة ودخل علينا وهو في حالة مثيرة من شدة تأثره، وعيناه حمراوان كعلقة الدم من شدة البكاء، فقمنا بوجهه وقلنا له: خيراً إن شاء الله، أين كنت، وما هذه الحالة التي نراك عليها؟ قال: دعوني استريح حتى أحدثكم: وبعد أن استقرّ به المقام واستراح قال: تذكرون حادثة عصر يوم أمس عندما رفضت زيارة قبر أٌم البنين عليها‌السلام وخرجت من البقيع؟

قلنا: نعم نتذكرها جيداً.

فقال: قبل الفجر رأيت فيما يرى النائم كأني في صحن أبي الفضل العباس عليه‌السلام في كربلاء، ورأيت الناس يدخلون إلى الحرم الشريف زرافات زرافات لزيارة أبي الفضل العباس، وعندما هممت بدخول الحرم الشريف مع الداخلية منعت من الدخول فاستغربت وسألت: من الذي منعني؟ لماذا لم يأذن لي بالدخول؟

قال الحارس: إنّ سيدي أبا الفضل قد أمرني بذلك.

فقلت للحارس: لماذا؟

قال: لا أعلم.


وكلما حاولت أن أعرف السبب لم أعرفه، وهممت بالدخول مراراً فمنعت أشد المنع، وحيل بيني وبين خول الحرم حتى وصل بي الأمر إلى التوسل والبكاء على رغم عزة دمعتي وندرتها - كما تعلمون - حتى أضناني التعب والاجهاد، ولما لم أجد نتيجة تووسلت هذه المرة بالحارس ورجوته أن يذهب إلى سيدي أبي الفضل ويسأله عن سبب منعي من الدخول إلى حرمه؟!

ذهب الحارس برهة ثم رجع وقال: يقول لك سيدي أبو الفضل: لماذا رفضت زيارة قبرة أُمي وتعاليت عليها؟ فاني لا أذن لك بالدخول حتى تقصدها وتزورها.

فاستيقظت لهول الرؤيا فزعاً وذهبت إلى البقيع مسرعاً وبدون شعور لزيارة قبر السيدة الطاهرة أُم البنين، والاعتذار إليها عما صدر مني من التقصير تجاهها، والتوسل إليها لتشفع لي عند ولدها ليعفو عني ويقبلني، وها أنا قد رجعت من عندها تواً كما ترون، سلام الله عليهم أجمعين (1) .

__________________

(1) ذكرياتي للشاكري 2 / 117.


4 - إنبهار لجنة الأطباء

بعث الحاج السيد جواد الموسوي الزنجاني إمام جمعة «شهرك قدس» برسالى إلى «انتشارات مكتب الحسين عليه‌السلام » ضمنها الكرامة التالي لأُم البنين عليها‌السلام . قال: رجعت ابنتي من المدرسة إلى البيت قبيل الغروب، بيد أنها لم تكن كعادتها بشوش منطلقة؛ بل كانت منكمشة تشكو صداعاً شديداً وآلاماً مبرحة في رأسها، وكانت تأنّ وتتضور وتتقيأ بين الفنية والأُخرى، فلما رأيتها بتلك الحالة داخلني حزن شديد واضطراب وقلق، فسارعت بها إلى الدكتور «شمس» ففحصها الطبيب ولم يستطيع من تشخيص المرض وقال: إنّه زكام، وكتب لها وصفة طويلة عريضة تراكمت فيها الأدوية ثم قال: خذها إلى البيت واعطها الأدوية فان حسنت فالحمد لله وإلّا فيمكنك الاتصال بي وأنا اليوم طبيب خفر في مستشفى «سينا».

أخذتها إلى البيت وأعطيتها الأدوية فلم تتحسن، فاتصلت بالطبيب الخفر وقلت له: إنّ المريض لم تتحسن حالته على أثر الدواء بل ازدادت سوءاً، وهي الآن يغمى عليها ساعة بعد ساعة.

فقال: انقلها فوراً إلى مستشفى «مهر».

فنقلناها فوراً إلى هناك، فلما فحصها الطبيب المتخصص قال: إنّها مصابة بـ «منزيت» حاد قد سرى إلى تمام أرجاء المخ ولم يبق فيه منطقة سالمة، وهذا


النوع من الالتهاب الحاد لا يمكن معالجته بعد أن يصل إلى هذا الحد، لقد فات الأوان لأن الجراحة استوعبت كل مكان.

فلما سمعنا كلام الطبيب أسقط ما في أيدينا، واهتز أرحامي ومن معي للخبر، حتى أخذ بعضهم يصرخ صراخاً جنونياً في ردهات المستشفى، وسقط بعض إلى الأرض.

وأخيراً تشكلت لجنة طبية من أطباء المستشفى ومن خارج المستشفى، ووقف الجميع على سرير المريض، واتصل وزير الصحة يومذاك وأوصى المسؤولين والأطباء باجراء اللازم والاهتمام الفائق، فبذلوا ما في وسلعهم وحالة ابنتي من سيء إلى أسوء، ولا زالت في حالة الاغماء الكامل.

وبقيت هكذا إلى ليلة التاسع من المحرم وكنت في حالة عسيرة جداً حيث أنظر إلى ابنتي المريضة فأجدها قد تقطعت بها الأسباب الظاهرية، وقد يأس الأطباء من علاجها يأساً مطلقاً، ومن جهة ثانية أرى البيت يغرق في الصراخ والعويل والندبة رجالاً ونساءً، فأحسست بالاضطرار، ودخلت غرفتي فصليت ركعتين، وبعد الفراغ منهما صلّيت على محمد وآل محمد مائة مرة وأهديتها لأم قمر بني هاشم أبي الفضل العباس سيدتي ومولاتي أم البنين عليها‌السلام ، وتوجهت اليها بالخطاب فقلت لها: سيدتي إنّ كل ولد صالح يطيع أمه وأنا أرجوك وأتوسل اليك يا سيدتي العظيمة وزوجة أمير المؤمنين الوفية أن تطلبي من ولدك باب الحوائج أبي الفضل العباس أن يطلب شفاء ابنتي من الله - عزّ وجل -.

وانتظرت حتى وقت السحر فاتصل بي مرافق المريض من المستشفى قبل الفجر وقال: البشرى لقد خرجت المريضة من الاغماء وهي الآن في وعي كامل.

فخرجت مسرعاً أسابق رجلاء، واقتحمت المستشفى اقتحاماً، فوجدتها في حالة عادية تتكلم وترى، في حين كان الأطباء المتخصصون قد أخبرونا أن


احتمال شفاء المريض أقل من واحد بالألف، وعلى هذا الفرض فلابد أن تفقد بصرها أو سمعها أو تصاب بشلل، ولا يمكن بحال أن تنجو من كل هذه الحالات أو من واحدة منها، إلّا أن بركة أم البنين عليها‌السلام وولدها أبي الفضل العباس شفتها شفاءً كاملاً دون أي نقص، وكانت يومها مخطوبة، وهي الآن تعيش مع زوجها وقد رزقها الله طفلين سالمين.

والجدير بالذكر: أنّ في نفس تلك الليلة التي شوفيت ابنتي ببكرة أبي الفضل العباس أخبرتني إمرأة صالحة من جيراننا أنها رأت أبا الفضل العباس في الرؤيا وقال لها: إنّ الموسوي طلب مني شفاء ابنته وقد أعطاني الله شفاءها؛ أوصيه أن يهتم بالمآتم التي تقام لي وبمن يقيمون عزائي، وأنا - امتثالاً لأمر المولى - استقبل سنوياً في يوم تاسوعاء المواكب في بيتي حيث يقصدونه لطماً على الصدور وضرباً بالسلاسل وأنا أقدم لهم خروفين في كلّ عام.


5 - دخيلك يا أم البنين عليها‌السلام

في شهر ذي الحجة من عام (1415 هـ) كان عبد الحسين وعائلته يعودون من سفرة لهم إلى العاصمة بغداد، وفي الطريق تعطلت السيارة فجاءة، وكلما حاول عبد الحسين أن يكتشف العطل ليصلحه ويعاود المسير لم يفلح أبداً، وبقي وسط الطريق حائراً لا يدري ماذا يفعل، وبدأ الخوف يتسرّب إلى قلبه وقلب مرافقيه وخصوصاً زوجته، فقد أقبل عليهم الليل وأخذ الظلام يداهمهم رويداً رويداً، والأرض مقفرة ولا من مستطرق يمر في الشارع، فالوحدة والغربة والظلام والصحراء والحيوانات واحتمال المداهمة من أي قاطع طريق أو حيوان مفترس أو لص، وهنا توجهت زوجة عبد الحسين إلى الله سامع الدعوات وقالت: رباه نجنا مما نحن فيه بحرمة أم البنين عليها‌السلام التي يتحدث الركبان بكراماتها يسرّ لنا أمرنا، وفجاءة لاح لهم قادم من بعيد، فظن عبد الحسين أنّه يعرف تعمير السيارة، فقصده وسأله أن يعينه، فاستجاب الرجل وجاء يتفحص السيارة فلم يكن بأنفع من عبد الحسين نفسه، وسرعان ما أعلن عن عجزه وتقدم لعبد الحسين باقتراح أن يبحث عن سيارة تجره إلى المدينة!! ثم انصرف إلى حيث يريد، وزوجة عبد الحسين لا زالت تكرر بصوت متحشرج ولهجة خاضة خاشعة متوسلة «دخيلك يا أم البنين عليها‌السلام ».


فعاد عبد الحسين إلى سيارته وحاول تشغيلها من جديد فما أن دار المفتاح حتى علا صوت الماكنة وانطلقت السيارة على أحسن ما يرام وأخذت تلتهم الطريق وتسابق الريح حتى وصلت بهم إلى باب الدار ببركة أم البنين عليها‌السلام ، وزوجة عبد الحسين ما فتر لسانها عن تكرار «دخيلك يا أم البنين عليها‌السلام » (1) .

__________________

(1) عن كتاب أم البنين: 48، للسيد سلمان هادي طعمة.


6 - شكراً لك يا أم البنين عليها‌السلام

توفيق أفندي موظف حكومي من أهل الموصل، وكان يسكن كربلاء بحكم وظيفته.

وفي أوائل الشهر السابع من سنة (1961 م) أحس فجأة بآلام مروعة في مثانته، فراجع الطبيب المختص في العاصمة (بغداد) فأجريت له فحوصات وتحليلات أثبتت أنّه يحمل «حصاة» كبيرة جداً وذات شعب بحيث لا يمكن استخراجها إلا بعملية جراحية.

وما أصعب العملية الجراحية يومها إلّا أنّه استسلم للأمر الواقع واتفق مع الطبيب على تاريخ إجراء العملية ثم عزم راجعاً إلى كربلاء بانتظار اليوم الموعود.

فلما وصل إلى كربلاء عرج إلى زيارة الحسين عليه‌السلام وأخيه أبي الفضل العباس قبل أن يدخل بيته، وفي حرم أبي الفضل رأى توفيق أفندي شاباً واقفاً وبيده كيس صغير فيه «آبنبات» (1) فقدم لتوفيق أفندي وقال له: خذ منه واحدة وانذر لله أن يشفيك فتشتري من هذا كيلو وتوزعه باسم أم البنين عليها‌السلام ، فنذر توفيق أفندي لله واستشفع بأم البنين عليها‌السلام ورجع إلى بيته، وبات ليلته، وفي صباح اليوم اتالي استيقظ

__________________

(1) نوع من الحلوىى تصنع من السكر والزعفران.


وقد استولى عليه الألم وأخذ منه كلّ مأخذ، فانتبه إلى أن «الحصاة» قد سدّت عليه سبيل البول وبعد عصرة شديدة من الألم الذي هجم عليه رأى «الحصاة» تخرج منه وكانت بشكل مذهل، فأصابه الذعر، وبعد لحظة غمره الفرح، فخرج إلى الشارع وهو يصرخ: الحمد لله.. الله أكبر.. شكراً لك يا أم البنين عليها‌السلام .. وتوجه من هناك إلى حرم أبي الفضل العباس وأدى نذره (1) .

__________________

(1) عن أم البنين: 43، لسلمان هادي طعمة.


7 - عائلة سنية من الأتراك

حادثة وقعت قبل ثلاثين سنة سأرويها لمن يبحثون عن الشفاء وقد اعيتهم الحيل وعجز عن علاجهم الطب...

أجل؛ إنّي سأروي لكم أفضل علاج مهما كان المرض، بيد أنّ ثمة شرط وحد في تأثيره، وهو أن تكون معتقداً تماماً وعارفاً تماماً بأهل بيت العصمة والطهارة، ومرتبطاً ارتباطاً وثيقاً فكرياً ومعنوياً بالمنبر الحسيني، فتتوسل حينئذٍ بسيدة نساء العرب أم البنين عليها‌السلام وأولادها الشهداء إلى الله وتدعوه للشفاء...

إيه يا عراق.. ويا مدينتي الحبيبة الكوت.. ويا حيّنا الذي كان تملأه صراخات الطفولة الوديعة.. ويا تلك البيوت المتراصة التي تحمل لنا الذكريات الحلوة.. ويا تلك الدموع التي كانت تسيل في المآتم وتلك المسوح التي تغشى أبدان الناس في أيام المحرم.

.. أيتها الكوت.. لقد عادت اليّ ذكرياتك وقد غمرتني ضلال الشيخوخة، وبانت على تجاعيد وجهي آلام الصراع الممض مع الغربة والتشريد.. لقد تصرمت أيامنا الحلوة الوادعة التي قضيناها على تربك الطاهر....

هل لا زلت تتذكرين فلاناً وفلاناً وفلاناً..؟


هل لا زلت تحملين ذكريات الشهر الكريم «شهر رمضان» حينما كان يغير كل معالمك، ويقلب ليلك نهاراً ونهارك ليلاً، فيقشع النور الظلام في كلّ أرجاءك...

أتتذكرين كيف كان الناس يجتمعون أقرباء وغرباء، جيران وغيرهم؛ ليزوروا حاجاً عاد تواً من زيارة بيت الله الحرام، ويجتمعون في منزل الحاجة أم عبد الأمير حيث يقام هناك مجلس العزاء في العشرة الثانية من شهر المحرم الحرام، فيخشع الجميع وتدمع عيونهم ويختم المجلس بذكر مصاب أم البنين عليها‌السلام ، ثم ترتفع الأصوات بالدعاء والأيدي بالابتهال وينفض المجلس....

أيتها الكوت.. يا مدينتي الحبيبة.. هل لا زلت تتذكرين تلك العائلة التركية السنة التي كانت تتقزز من الشعائر الحسينية وتكرهها أشدّ الكراهية؟!

وكان فيهم فتاة اسمها «وزيرة» كانت قد تزوجت منذ عشرة سنين ولم يرزقها الله ولداً، وكانت عقيماً، فالتف حولها نساء من البلد وقالوا لها: وزيرة لماذا لا تتوسلين بأم البنين عليها‌السلام ، فأجابت وزيرة: لا فائدة في ذلك أنا أعلم؛ لأن علم الطب عجز عن علاجي والأمر مستحيل، وقد استعملت الأعشاب الطبية، وراجعت علماء الطب القديم، وصمت صوم زكريا، ولا من فائدة.

فقالوا لها: لا تيأسي من روح الله فانّ كلّ من أكل من زاد أم البنين عليها‌السلام وتوسل بها إلى الله فان الله يجيب دعوته، وما يضرك أن تفعلي أنت ذلك، فلعل الله يرزقك ببركتها بنتاً فتسميها «فاطمة» تيمناً بها، فماذا تقولين؟!

وظلت وزيرة شابحة البصر تحدّق فيها والسكوت يخيم عليها، وفجاءة مزق لسانها الصمت وقالت بصوت متحشرج مرتعش: أجل ولكن بشرط أن يبقى الأمر بيننا ولا يطلع عليه أحد من أهلي وذوي زوجي، بل وحتى زوجي أيضاً.

فقالوا: لا بأس عليك إذهبي الآن واحضري في يوم غد أو بعد غد في بيت الحاجة وستسمعين الخطيب وسيختم المجلس بذكر أم البنين عليها‌السلام .


فودعتهم وزيرة ودرجت عائدة إلى البيت، وهي تفكر في أمرها وماذا ستفعل؟! فدلفت إلى البيت وجبال الهموم تتراكم عليها والعبرات تتكسر في صدرها، وأنفاسها المتلاحقة تعدو أمامها، وقلبها الخافق يكاد يمزق شفافه، فانتبه أهل البيت من نومهم وتعجبوا من أمرها فسألوها: ما الخبر يا وزيرة؟ ماذا حدث لك؟ فأجابت: لا شيء.. لا شيء، ولكنها أحسن بالاختناق، فراحت تفتح النافذة لتبدد وحشتها وفزعها وفرحها وحزنها بين سقسقة العصافير وحفيف سعف غابات النخيل، فتستنشق نسيم دجلة الفواح وينعشها أريجه.

وزيرة تسمع الخطيب:

خرجت وزيرة من بيتها والخوف يحاصرها والرعب يلاحقها، وقد تقنعت بقناع وغطت وجهها لئلا يعرفها أحد، واتجهت إلى بيت الحاجة أم عبد الأمير وهي تتصبب عرقاً من الحياء والخوف والاضطراب، وكلما اقتربت من البيت تتضح نبرات صوت الخطيب وتتسرب إلى مسامعها لتنقذها من كابوس العقم وصراع النفس، وتبعث فيها الأمل في الحياة.

ودخلت وزيرة والخطيب في بدايات المصيبة، فلمّا علا صوت النساء بالعويل والبكاء أحست بالهم بداخلها والحزن يستولي عليها إلّا أنّ عينها لا زالت هامدة؛ لأن الخطيب كان قد قطع كلامه، وبعد لحظة عاد ليقول: إنّا لله وإنا اليه راجعون، وأخذ يتكلّم عن شخصية أم البنين وآبائها وأجدادها وفضائلهم وفضائلها ثم قال: قال الشاعر الشيخ أحمد الدجيلي: وأخذ يتلو أبياتاً بأشجى لحن وصوت حزين:

أم البنين وما اسمى مزاياك

خلّدت بالعبر والايمان ذكراك

أبناءك الغرّ في يوم الطفوف قضوا

وضمنوا في ثراها بالدم الزاكي


لما أتى بشر ينعاهم ويندبهم

اليك لم تنفجر بالدمع عيناك

وقلت قولتك العظمى التي خلدت

إلى القيامة باقٍ عطرها الزاكي

أفدي بروحي وأبنائي الحسين إذا

عاش الحسين قرير العين مولاك

وقال السيد محمد كاظم الكفائي:

أم على أشبالها أربع

جاءت لبشر وبه تستعين

وتحمل الطفل على كتفها

تستهدي فيه خبر القادمين

ملهوفة مما بها من أسى

ترى بذاك الجمع شيئاً دفين

فقال يا أم ارجعي للخبا

وابكي بنيك قتلوا أجمعين

فما انثنت وما بكت أمهم

وخاب منه ظنه باليقين

كأنّها الطود وما زلزلت

وحق أن تجري لهم دمع عين

فقال يا أم البنين اعلمي

بأن عباساً قتيلاً طعين

قالت طعنت القلب من فقل

النفس والدنيا وكل البنين

نمضي جميعاً كلنا للفنا

نكون قرباناً فدىً للحسين

وقال الشيخ محمد علي اليعقوبي:

وإن أنسى لا أنسى أم البنين

وقد فقدت ولدها أجمعا

تنوح عليهم بوادي البقيع

فيذرى الطريد (1) لها الأدمعا

ولم تسل من فقدت واحداً

فما حال من فقدت أربعا

اغرورقت عين وزيرة بالدموع، ومن ثم هملت وأجهشت بالبكاء، وانتهى الخطيب من نياحته ودعا للحارين والغائبين وللمرضى وغيرهم كالعادة، وفرشت

__________________

(1) يقصد مروان لعنه الله.


«سفرة أم البنين عليها‌السلام » وتقدّمت النساء - وكان فيهن من ذوات الثراء - يتبركن بزاد السيدة، وكانت النساء بشكل حلقات حول الطعام يتناولن ويطلبن المراد، والشفاء تتمتم بالدعاء للمرضى وذوي الحاجات، والقلوب مفعمة بالرجاء وواثقة بالاستجابة، وامتدت يه «وزيرة» مرتعشة ترتجف كالسعف إذا اشتدّ به الريح، وتناولت شيئاً من الطعام المصفوف على «السفرة» وخبأته تحت عباءتها وخرجت مسرعة، ولا زال الدمع يغسل وجهها، وذهبت إلى البيت وانتظرت حتى إذذا غطى الظلام كلّ شيء أخرجت الطعام ودعت اليه زوجها فأكلا معاً.

وبعد شهر واحد:

بعد شهر واحد من دموع وزيرة على أم البنين عليها‌السلام ورجاءها الواثق وتوسّلها أخذ الشحوب يطلي وجهها ويصفر لونها، والدوار يثقل رأسها، وبدأت تشعر بشيء من الألم في صدرها، وعزفت عن الطعام، وصارت تحاول الابتعاد من زوجها، وصار النوم لا يكحل عينها إلّا قليلاً، وصارت تفرّ من التجمعات، وتهرب من أي مكان فيه لغوب وصخب، وكلّما أنيطت بها مهمة وكلّفت بعمل تتثاقل ولا تنجزه إلّا بمشقة، وأخذت تعاني من القي الذي يفاجئها المرة تلو الأخرى.

وبقي زوجها حيران لا يدري ما يفعل، فسألها والقلق يحطم أعصابه: وزيرة ماذا دهاك يا وزيرة؟ هل أنت مريضة؟

وتجيب وزيرة: لا أدري.

فقام بها زوجها إلى الطبيب، ودخل إلى المطب وصارح الطبيب بكلّ ما تعانيه زوجته «وزيرة»، ففحصها الطبيب بدقة ثم تبسم وقال: لا بأس عليك.. لا شيء يخشى منه إنّما هي علامات الحمل.. إنّها حامل، ولكي تطمئن يمكنك أن تأخذها غداً إلى المختبر لتعرف هناك الخبر اليقين.


فسحت دموع الفرح من عيون الزوج والزوجة على الرغم منها، وقال الزوج متلجلجاً يحاول تمرير الكلمات بين الدموع والعبرات: هل أنّك مطمئن سيادة الدكتور؟

فأجابه الطبيب ببرود الواثق: نعم.

وخيم الظلام مرة أخرى، فأثقل العيون وأغمض الجفون، وغطً الناس كلّهم في نوم عميق إلّا وزيرة وزوجها، فقد قلقل السهادة أحشاءهم وهم يتطايرون من غصن إلى غصن، ويبنون لأنفسهم في كلّ لحظة ألف عش، ويصغون إلى زغاريد الصغير الذي سيملأ حياتهم حباً ونشاطاً وفاعلية، ويبعث فيهم الحياة من جديد، يستعجلون عقارب الساعة لينفلق الفجر فيفرحون، ويحاولون جرجرت قطع الليل لئلا ينتهي فتموت آمالهم في صدورهم، وباغتهم الفلق، فانتبهوا على ضجيج الناس وهم ينتشرون في الشوارع، فسارعوا إلى المختبر والآمال تسبقهم، ودخلوا المستشفى وقدّموا طلبهم وانتظروا فترة، ما كان أطولها في عمرهم، فنادت الممرضة باسم «وزيرة» فحبست الأنفاس في صدورهم، وخانتهم السيقان فلم تقوى على حملهم، فتحامل زوجها وتقدم نحو الممرضة، ووزيرة قعدت مكانها وتسمّرت إلى الأرض، فقال الزوج: نعم ما هي النتيجة؟ فنظرت الممرضة في الورقة وتبسمت وقالت: آسفة إنّها حاملة...

ليت الكلمات تستطيع أن تعبّر... طار من الفرح وهو يحاول أن يعيد قلبه النشوان إلى صدره، فصرخ وصرخ معه كلّ وجوده، وصرخت معه جميع خلايا جسمه: الحمد لله. الحمد لله. الحمد لله واحتضن وزيرة وهو يقول: لا أصدق يا وزيرة... لا أصدق. فارتسمت على شفتي وزيرة ابتسامة أمل نشوى، وأحست بأن كلّ معاناتها قد ذابت وصارت ذكريات.

وعاد الزوجان إلى البيت وسجدا شكراً لله، وذاع الخبر بين الناس، وسمع


الأقرباء والجيران، ووزيرة تكتم نذرها لأم البنين مع الجنين وتحبسه في صدرها لئلا يكتشفه الأقربين.

وصارت تعدّ أيام الحمل فتتخيل الشهور التسعة تمرّ بخطى شيخ متهاود تجاوز التسعين، ولكنها تعيش لذة انتظار الجنين، وتتضايق من نصائح النساء ووصفاتهن بين الحين والحين، وبدأ القلق يساورها لمستقبل الطفل ووضع الحمل.

وفي الشهر الثالث من الحمل:

أحست بالآلام في بطنها وظهرها، فغرقت في الهموم مرة أخرى، ونقلت إلى المستشفى هذه المرة تحفّها نساء الأقرباء والجيران، وألقى الزوج بنفسه على يد الطبيب يقبلها ويتوسل اليه أن يصنع أي شيء ليحفظ الجنين ويحول دون سقوطه، ويجيب الطبيب: إنّ الأمر بيد الله أولاً وآخراً، وليس باليد حيلة، ولا دواء ناجع ولا طبيب نافع، ولكن عليها أن تستريح استراحة مطلقة وتبقى في المستشفى لمدة ثلاثة أيام.

فلمّا سمعت «وزيرة» أنّ الأسباب تقطّعت بها التجأت بحرقة وقلب مكسور إلى أم البنين وتوسّلت بها أن تعينها....

فأخذ الألم يتضاءل، وكأنّه نار تخمد أو ثلج يذوب، وعادت الابتسامة لترتسم على شفتي الزوج من جديد، وعادت الآمال والأمنيات، وارتفع الكابوس القاتل المقيت، حيث رجعت «الوزيرة» إلى بيتها لتكمل شوط الحمل....

وانقضت الشهور التسعة، وتصرّمت بأيامها وليالها، وساعاتها وثوانيها، وأطل الربيع بنداوة الحياة، أصاب «الوزيرة» ألم الطلق عند الفجر حينما كان المؤذن يرفع الأذان، فلمّا نادى المؤذن «أشهد أنّ علياً ولي الله» صرخت «وزيرة»: يا علي... ووضعت حملها سالماً سوياً، وكانت أنثى تحمل معها كلّ أمنيات الوالدين وأقرباءهم.

فقالت وزيرة: سموها «فاطمة» تيمناً بأم البنين عليها‌السلام .


وخالفها أقرباء زوجها أشدّ المخالفة وقالوا: لابد أن تسمى «عائشة».

ووقع الخلاف بينهما، فتدخل الوسطاء وأقترحوا حلّاً وسطاً، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

فقالوا: سموها «بشرى» فاضطرت «وزيرة» إلى أن تكفر عن نذرها الذي حنتث به (1) .

__________________

(1) مختصراً (بتصرف) عن أم البنين مناهل للثكالى والمفجوعين.


8 - أبو الفضل العباس عليه‌السلام

يشفي مبتلاة باليرقان المزمن

بعث الحاج الشيخ محمد علي برهان رسالة ضمنها الكرامة التالية:

قال: أصيبت زوجتي «معصوم برهاني» في سنة (1996 م) بمرض اليرقان من النوع الحاد والمزمن، وقعد بها المرض سبعة شهور كاملة، ولم نترك طبيباً يذكر لنا في الطب القديم أو الحديث إلّا وراجعناه، ولم تنفع علاجاتهم، بل كانت الحالة تشتد يوماً بعد يوم، وتتحول من سيء إلى أسوء.

وفي ذات ليلة اعتزلت الجميع وكتبت عريضة إلى قمر بني هاشم أبي الفضل العباس، توسلت فيها اليه أن يشفي زوجتي، والقيتها في «عين» الماء التي كانت في حرم أحد أولاد الأئمة في منطقتنا «فريدون»، ولم أخبر بذلك أحداً، حتى زوجتي، وكنت يومها قلق عليها وعلى طفليّ الصغيرين أشدّ القلق، وكانت زوجتي طيلة فترة مرضها تكرر هذه العبارة: أثني يا أبا الفضل العباس وشافني من مرضي.

وفي صباح إحدى الأيام استيقظت لصلاة الصبح فرأيت زوجتي تتغطّ في نوم عميق، لا ضجيج ولا تأوه ولا أنين، ولا أي شيء ممام كان في كلّ ليلة.


فلمّا انتهيت من صلاتي استيقظت زوجتي وهي تصلّي على محمد وآل محمد المرة تلو الأخرى وتقول: فداءٌ لك يا أبا الفضل العباس لقد شفيتني.

وبالفعل فقد بدأت آثار اليرقان تمحى، وسرعان ما استعادت عافيتها بالكمال والتمام وعادت تزاول عملها في المنزل، وتحنو على أطفالها وتقوم بواجب الأمومة لهم، وصارت تتناول الطعام بشهية مفتوحة.

فسألتها عما جرى وكيف شوفيت؟

فقالت: نمت البارحة وأنا في أشدّ الاضطراب، وأنا استغيث بأبي الفضل وأصرخ باسمه حتى غلبني النوم، فرأيت فيما يرى النائم فلاة واسعة شاسعة تنتهي إلى ضفاف دجلة، وكان دجلة نهر عريض طويل تحفه غابات النخيل، وكان هناك قصراً فخماً، رفيع البنيان، عالي الأركان، مؤلف من طابقين وعدة غرف وأروقة، ورأيت الناس زرافات زرافات يتوجهون إلى القصر ويصرخون: يا أبا الفضل العباس.

فسألتهم: من أنتم؟ وأين تذهبون؟ ومن صاحب هذا القصر؟

فأجابوا كلمة واحدة، نحن جميعاً مرضى وذووا حاجات، وهذا القصر الفخم هو مشفى أبي الفضل العباس، وسيأتي الآن أبو الفضل إلى القصر فندخل عليه، ونتوسل به، ونطلب منه حاجاتنا.

فاتبعت الناس حتى وصلت إلى رواق القصر حائرة متعبة، قد أنهكني المرض، فقلت في نفسي: أين الآن سيدي أبو الفضل؟ هل هو في الطابق العلوي أم في الطابق الأرضي؟ فأخذت أكرر: سيدي مولاي يا أبا الفضل انظر لي نظرة وتوجه إليّ لحظة فأنا لا أدري أين أنت؟ وفي أي من غرف هذه البناية الضخمة؟

فجلست على الدرج أستريح، فأطلّ عليّ من الطابق العلوي رجل معمم بعمامة خضراء، يشع منه النور الباهر، فانحنى ينظر إلى الطابق السفلي وقال:


أنا أبو الفضل اصعدي من هذا الدرج، وادخلي في الغرفة الأولى من جهة اليمين ستجدين امرأة هناك، اجلسي بين يديها حتى آتييك وأطلب شفاءك من الله.

فصعدت إلى الطابق العلوي، ودخلت الغرفة التي أمرني بها، فرأيت فيها إمرأة جالسة يسربلها الوقار، ويشع منها النور، فادرتني قائلة: ادخلي واجلسي في الغرفة، فسلّمت عليها، وجلست حيث أمرتني، وقلت لها: سيدتي من تكونين؟

فقالت: أنا أم البنين، أم أبي الفضل العباس، منذ أيام وأنا لم أر ولدي؛ لكثر ما راجعه من المرضى وذوي الحاجات، وأنت لا تغتمي فالآن يأتي ولدي ويشفيك باذن الله.

لم يمض شيء من الوقت حتى دخل علينا ذلك السيط العظيم - أعني أبا الفضل العباس عليه‌السلام - فسلّم على أمه، وأخذ يعتذر اليها ويقول: أماه منذ أيام وأنا لا أأتي عندك؛ لكثرة المراجعين عندي من شيعتنا، وأنا بدوري أدعو جدّي رسول الله، وأبي أمير المؤمنين، وأمي فاطمة الزهراء، وأخي الحسن، وأخي الحسين عليهم‌السلام ، فنجلس وندعو لشيعتنا، فيفرج الله عنهم، ويكشف كربهم، ويشفي مرضاهم، ويقضي حوائجهم.

ثم التفت إليّ وقال: وأنت أيتها السيدة، فقد دعي لك في اجتماع اليوم، وقد منحك الله السلامة وشافاك، فلا تقلقي.

فرأيت تلك المرأة الوقور - أم البنين - تدور حول ولدها كالفراشة، وتبدي الفرح والسرور والابتهاج بلقاء ولدها، وتقول: أجل؛ إنّ الله يشفي كلّ مريض يتوسل إلى ولدي بنية خالصة.

وفي هذه اللحظة غاب عن نظري كلّ شيء، واستيقظت من نومتي، فوجدت نفسي سالمة مشافاة معافاة ببركة أبي الفضل العباس عليه‌السلام .

__________________

(1) عن كتاب چهره درخشان قمر بني هاشم أبو الفضل العباس 1 / 372.


9 - أطلبي ولدك من أبي الفضل عليه‌السلام

حدّث الشيخ أحمد صابري الهمداني عن المرحوم آية الله الحاج الشيخ ملّا علي معصومي الهمداني (المعروف بالآخوند) أنّه قال:

كانت في إحدى قرى همدان إمرأة محرومة من نعمة الولد لعدّة سنين بعد زواجها، فالتقت بها - يوماً ما - إحدى جاراتها وقالت لها: انذري أن يرزقك الله ولداً فتسميه «أبو الفضل».

وبعد فترة شملها ربّ العزة والعطاء بعنايته، فرزقها ولداً سمته «أبو الفضل».

فلما بلغ الولد سن الرابعة عشرة ابتلي بمرض عضال أعيى كلّ الحيل، فيأس منه أهله.

وفي ذات يوم جاءت نفس تلك الجارة التي نصحتها بالنذر فقالت لها: أنصحك أن تتوسلي بخلوص وثقة وجدية بأبي الفضل العباس وتطلبي منه ولدك.

فجلست أم الولد الشاب تلك الليلة، وتوسلت بأبي الفضل من أعماق قلبها بكلّ جدّ وثقة واخلاص، وقضت ليلتها بتلك الحالة.

فلما انبلج عمود الصبح سمعت طارقاً يطرق الباب، فسارعت لفتحها، فرأت جارتها التي نصحتها أن تتوسل بأبي الفضل، فتعجبت من زيارتها في هذا الوقت المبكر، فبادرتها جارتها قائلة: لا تحزني فقد شفا الله ولدك.


قالت: كيف؟ ومن أين عرفت ذلك؟

قالت: لأني رأيت الليلة في الرؤيا؛ أنّ لمة من النساء توجهن إلى بيتكم، وكانت تتوسطهن السيدة «أم البنين عليها‌السلام » فقالت عليها‌السلام : إني ذاهبة لشفاء هذا الصبي.

وبالفعل فقد استيقظ الصبي لا كباقي الأيام، حيث كان يرفل بالشفاء والعافية ببركة أبي الفضل العباس عليه‌السلام (1) .

__________________

(1) عن كتاب چهره درخشان قمر بني هاشم ابو الفضل العباس 1 / 414.


10 - أهديت

سورة الفاتحة لروح أم البنين عليها‌السلام

قال المؤلف: زرت يوماً الخطيب المعروف خادم أهل البيت عليهم‌السلام الحاج السيد أحمد الحكيم - حفظه الله - فحدثني بهذه الكرامة التي حصلت له شخصياً:

قال: دعيت سنة (1416 هـ) من قبل جملة من اللبنانيين المقيمين في غرب أفريقيا، فتوكلت على الله وأخذت بطاقة طهران - جدة ومن جدة إلى غرب افريقيا.

وكانت عندي ستة ساعات ترانزيت في مطار جدة، فبقيت تلك الفترة هناك، وقبل الاقلاع بربع ساعة فاجأني المسؤول السعودي؛ أني لا أستطيع السفر على متن تلك الرحلة؛ لأني لم أحصل على تأشيرة مراكش.

فتعجبت من ذلك لأني أريد العبور من مراكش إلى غرب أفريقيا، وقد حصلت على تأشيرة للبلد الأخير الذي أنوي السفر اليه.

فقلت للمسؤول السعودي: إذن خذني إلى مسؤول الرحلة المراكشي كي أتحدّث معه.

فأخذني، فقلت له: لماذا لا تسمح لي بالسفر على هذه الرحلة؟

قال: لأنّك لم تحصل على تأشيرة مراكش.


فقلت له: إنّ توقفي في مراكش سيكون لوقت محدود جداً، وإني أريد العبور من مطارها إلى مقصدي، وإنّي لا أريد الخروج من صالة الترانزيت، ولا أقصد دخول البلد.

فقال: القانون لا يسمح بذلك.

فقلت له: إنّي قد أخذت نفس هذه الرحلة في شهر رمضان ولم أحتج إلى تاشيرة ترانزيت، كما تقول، وقد دخلت مطار الدار البيضاء بدون تأشيرة.

فقال: أجل؛ لم يكن دخولك قانوني، فالقانون لا يسمح بذلك.

قلت: طيب لم يبق الآن إلى محرم الحرم إلّا يومين، وإنّي على موعد هناك.

فقال: أجل؛ هذه مشكلتك ولا تعنيني بحال.

ولا يخفى فانّ هذا المسؤول كان معانداً.. متعصباً.. جافاً.. بحيث آيست تماماً من المحاولة معه، ولكن في هذه اللحظة أدركتني الرحمة، فألهمت أن أقرأ سورة الفاتحة وأهديها إلى روح أم البنين عليها‌السلام ؛ لأنّ تلك السيدة العظمى من أبواب الله، فشرعت في قراءة الفاتحة، والناس يصعدون إلى الطائرة، فلما وصلت إلى قوله تعالى إلتفت إليّ المسؤول، وكان جالساً إلى جنبي وقال: أين أمتعتك؟

فقلت: إنّها في الطائرة؛ لأني حولتها من طهران إلى غرب أفريقيا.

فلما سمع أن أمتعتي في الطائرة ترك عناده وإنحل لجاجه قال:

اذن تفضل واصعد إلى الطائرة.

فذهبت أرتدي ملابسي، وأعدّ هو بطاقة الصعود إلى الطائرة، وكانت بطاقتي على الدرجة السياحية (العادية)، فوجدت أنّ بطاقة الصعود كانت لمقعد في الدرجة الأولى.

نعم؛ هكذا هي نتيجة التوسل بأم البنين عليها‌السلام .


11 - الامام الصادق عليه‌السلام

يقيم المآتم على جدّه الحسين عليه‌السلام

كان الخطيب القدير الحاج السيد أحمد الحكيم يرتقي المنبر في الحسينية النجفية في قم المقدسة في شهر صفر الخير سنة (1419 هـ) من قبل هيئة أبو الفضل العباس عليه‌السلام ، ولأن المجلس كان باسم أبي الفضل العباس فقد عرج الخطيب، على باب الحوائج قمر بني هاشم في ليلة الجمعة الأخيرة من أيام المجلس.

وبعد أن أتمّ المجلس ونزل عن المنبر أصرّ عليه بعض أصحاب الهيئة أن يستريح قليلاً، ويشرب الشاي قبل انصرافه.

فجلس يستريح ساعة، وإذا بشاب يتقدّم، وأخذ يناقش السيد بلحن المعاند، ولهجة المشكك الجاحد.

(ووما يؤسف له فانّ هذا الخط من التشكيك والجحود بدأ يستشري بين الشيعة حتى في قم وغيرها من الحواضر، ولكل سوق روّاد).

فقال الشاب: قرأت مصيبة الكفين وكيف يمكن ذلك؟ إنّك كنت في العراق وتتذكر أين كان مشهد الجسد، واين كان مشهد الكفين، فكيف جاء الحسين وقبلهما؟!


واستمر في سؤال آخر قبل أن يسمع الجواب: هل كانت ليلى حاضرة في الطف أو لا؟

فأجابه السيد جواباً كافياً شافياً.

إلّا أنّ الشاب أخذ يسأل وكأنه لا يهمه الجواب: هل كانت أم البنين حاضرة في الطف أو لا؟!

هل كانت أم البنين عليها‌السلام على قيد الحياة حينما عاد ركب السبايا إلى المدينة أو لا؟

وهنا - يقول السيد أحمد الحكيم -: فلت مني زمام أعصابي وقلت له مغضباً: هل أنّك محامي عن أعداء أهل البيت؟ أو أنك الناطق الرسمي باسم المشككين؟

فسكت وانفض المجلس، والكلّ يأكله الغضب.

قال السيد أحمد الحكيم: وكان من بين الحاضرين شاب من خدا أهل البيت، والمتربين في مجالسهم، وتحت منابرهم، وكان يحبني ويحضر مجالسي، فجاءني وقال لي: لماذا ينثر هؤلاء بذرور الشكّ في قلوب الناس؟!

المهم؛ ذهبنا كلّ إلى بيته، وفي يوم غد جاءني هذا الشاب - الآنف الذكر - المحبّ لأهل البيت عليهم‌السلام وقال:

إني ذهبت البارحة إلى البيت، وبعد أن أديت وردي، وتنفلت بنافلتي، وقضيت ما اعتدت عليه من أذكاري، استسلمت لسطان النوم، فرأيت فيما يرى النائم:

كأنّ أهل قم خرجوا من بيوتهم إلى الشارع، ولم يبق منهم أحد إلّا وقد انثال لا يدري إلى أين يأوي، وكنت أنا بينهم، ولا أدري لماذا انقلب وضع المدينة إلى هذه الحالة، وكأنّ الناس كلّهم إلى عرصات القيامة يحشرون.

فسألت واحداً كان إلى جانبي يمشي: ماذا حدث لهذه المدينة وأهلها؟

فقال: لقد شرّف الامام الصادق هذا البلد، وجاء إلى مدينة قم ليتفقد الحوزات.

فسألته: وأين يمكنني زيارة سيدي الصادق؟


فقال: لا أدري، وقد خرجنا جميعاً نقصد زيارة المولى.

وهنا رأيت فجأة كأنّ لوحة مكتوب عليها بخط واضح جلي، وبلون أخضر رائع:

إنّ الامام الصادق يقيم المأتم على جدّه الحسين عليه‌السلام .

فرأيت نفسي كأني في ذلك المأتم، وكأنّ وجود الامام الصادق عليه‌السلام فيه نوراً يبهر الأبصار، لا أرى منه إلّا قطعة النور تلك، وكأنّ إلى يمينه المرجع آية الله السيد حسين الطباطبائي البروجردي، وإلىل يساره المرجع آية الله السيد محسن الطباطبائي الحكيم.

فالتفت إلى الخطيب وإذا به السيد أحمد الحكيم بنفسه، وكان يتحدّث عن شفاعة أهل البيت عليهم‌السلام ، وفي أثناء حديثه رأيت الامام الصادق عليه‌السلام قام قائماً (إنّي رأيت النور ينبسط ففهمت أنّ الامام عليه‌السلام قد قام) وقال مخاطباً الخطيب المذكور:

«قل: ليس منا من شكّ فينا».

فلما ارتقى السيد أحمد الحكيم المنبر في اليوم التالي نقل الرؤيا بحذافيرها فانفجر المجلس بالبكاء والعويل.

هكذا هو دأب خصوم أهل البيت عليهم‌السلام يتخذون شتى الأساليب في سبيل زلزلة عقائد الناس وتضعيف عرى الايمان... هداهم الله.


الفصل

الثالث عشر

وفاة أم البنين عليها‌السلام


وفاة أم البنين عليها‌السلام

قال السيد مهدي السويج الخطيب (1) : سُئلت عدّة مرات في أماكن متعددة عن تاريخ وفاة أم البنين عليها‌السلام ، كما سألت أيضاً عدداً من أهل الخبرة في ذلك، فكان جوابي لمن سألني وجواب من سألته جواباً واحداً، وهو: لم يعثر على ذكر يوم وفاة أم البنين أو سنة وفاتها.

فوي - ذات يوم - تناولت كتاباً كان قد وقع بيدي منذ عهد بعيد، وقد شغلت عنه، وكان قد علق في ذهني أن في الكتاب المذكور قصيدة في حديث الكساء، فتناولته على حساب القصيدة، وكان اسم الكتاب «كنز المطالب» تأليف العلامة السيد محمد باقر القرباغي الهمداني رحمه‌الله ، فاليك نصّ ما جاء فيه بهذا الخصوص:

«قال المصنف - رفع الله شأنه -: وكان مدار حديث الكساء المبارك بيت فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، وكانت وفاتها في الثالث من جمادى الثاني، وقد خلفتها في تربية الحسنين عليهما‌السلام أمامة بنت أختها، ثم فاطمة أم البنين الكلابية، وقد توفيت بعد مقتل الحسين عليه‌السلام ودفنت بالبقيع بالقرب من فاطمة الزهراء.

ففي الاختيارات عن الأعمش قال: دخلت على الامام زين العابدين عليه‌السلام في

__________________

(1) أم البنين سيدة نساء العرب: 84.


الثالث عشر من جمادي الثاني، وكان يوم جمعة، فدخل الفضل بن العباس عليه‌السلام ، وهو بالك حزين، وهو يقول:

لقد ماتت جدتي أم البنين، فانظر بالله عليك إلى هذا الدهر الخؤون كيف فجع أهل الكساء مرتين في شهر واحد فلا حول ولا قوة إلّا بالله...».

ثم عثرت بعد ذلك بمدة على خبر آخر في هامش» وقائع الشهور والأيام» للبيرجندي ونصه ما يلي:

«وفيه - يقصد الثالث عشر من جمادي الثاني - توفيت أم البنين الكلابية سنة (64 هـ) عن الأعمش».

وعليه فهذان المصدران في تاريخ وفاة أم البنين أحدهما يذكر اليوم والآخر يذكر السنة التي توفيت فيها ملتحقة بالرفيق الأعلى بعد أن قامت بأدوارها الهامة في حياتها، من رعاية شؤون الحسنين عليهما‌السلام - كما تقدم - وتربية بنيها وتوجيههم، مضافاً إلى توجيه أبيهم الامام علي عليه‌السلام ، وتضحيتها بهم في سبيل الله بين يدي الحسين عليه‌السلام ، واقامتها المآتم على الحسين عليه‌السلام ، وتقديمه على كلّ عزيز ومفقود، ومشاطرتها العقيلة زينب والامام زين العابدين عليه‌السلام في الحزن والأسى، والقيام بتربية أبناء ولدها العباس، ووفاءها لزوجها أمير المؤمنين، ولسيدتها فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، حتى لقيت ربّها وهو عنها راض.

فمنها من الكرامات ما أظهر - وما زال يظهر - شخصيتها أكثر، فلحقت ببعلها أمير المؤمنين عليه‌السلام وبينها الغر الميامين في جوار المصطفى الأمين وآله الأطهار في جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً.

فهي خالدة في النعيم هناك، وخالدة في أعماق قلوب المؤمنين، ولا زالت أنّتها ودموعها تسيل من كلّ عين، ولا زالت ندبتها للحسين ولولدها تسيل أسى وجمرات في زفات الشيعة والموالين.


لله من أم لنصر الدين لم

تحزن وقد ضحت له أولادها

تجري بصفحة ندبهم ندباً له

جعلت سواد العين ثم مدادها

فلولدها من ذاك أربعة ولي

ما زاد ندب السبط نص ودادها

* * *


الفصل

الرابع عشر

المزارات في المدينة وضواحيها


البقيع والمزارات والمساجد

المعروفة في المدينة وضواحيها

قبل أن نتعرّف على البقيع والمزارات الأخرى وقبر أم البنين عليها‌السلام ينبغي التعرّف - ولو بشكل إشارات - على مدينة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن ثم نعود للحديث عن البقيع:

* * *


القسم الأول

مدينة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : مكة حرم الله، والمدينة حرم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والكوفة حرمي، لا يريدها جبار بحادثة إلّا قصمه الله (1) .

أسماء المدينة الطيبة:

ذكر السمهودي في كتابه «وفاء الوفاء» أربعة وتسعين اسماً لهذه البلدة المقدسة، ورد بعضها في القرآن الكريم منها:

1 - المدينة:

قال تعالى: ( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ ) (2) .

2 - أرض الله:

قال الله تعالى: ( أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ) (3) .

__________________

(1) الكافي 4 / 564، التهذيب 6 / 12 ح 21، وسائل الشيعة 14 / 360 ح 19386 باب 16.

(2) سورة التوبة: الآية 120.

(3) سورة النساء: الآية 97.


وفي هذه الاضافة من مزيد التعظيم ما لا يخفى.

3 - الدار والايمان:

قال تعالى: ( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) (1) .

عن عبد الله بن جعفر: سمّى الله المدينة الدار والايمان.

وقال البيضاوي في تفسيره: قيل: سمى الله المدينة بالايمان لأنّها مظهره ومصيره.

4 - مدخل صدق:

قال الله تعالى: ( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ) (2) .

قال بعض المفسرين: مدخل صدق: المدينة ومخرج صدق: مكة (3) .

الموقع الجغرافي:

تقع المدينة المنورة شرق مدينة جدّة، وشمال مكة المكرمة، وتبعد عن الأولى حدود «425» كيلومتر، وعن الثانية حدود «498» كيلومتر.

خصائص المدينة المنورة:

ذكر السمهودي في «وفاء الوفاء» تسعة وتسعين خصيصة للمدينة المنورة.

وقال: وهي كثيرة لا تكاد تنحصر ومنها:

الخاصة الأولى: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خلق من طينتها.

الثانية: إنّها مدفن النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله .

الثالثة: إنّها محفوفة بالشهداء الذين بذلوا نفوسهم في ذات الله بين يدي نبيه كشهداء «بدر» و «أحد»، وهي مدفن لكثير من الصحابة.

__________________

(1) سورة الحشر: الآية 9.

(2) سورة الاسراء: الآية 80.

(3) انظر للتفصيل وفاء الوفاء 1 / 8 وما بعدها.


الرابعة: إنّ الله اختارها داراً وقراراً لأفضل خلقه وأكرمهم عليه صلى‌الله‌عليه‌وآله .

الخامسة: إنّ الله اختار أهلها للنصرة والايواء.

السادسة: إنّ سائر البلاد افتتحت بالسيف وافتتحت هي بالقرآن.

السابعة: إنّ الله - تعالى - افتتح منها سائر بلاد الاسلام، حتى مكة المشرفة، وجعلها مظهر دينه القويم.

الثامنة: تأسيس مسجدها الشريف على يده صلى‌الله‌عليه‌وآله وعمل فيه بنفسه.

التاسعة: اختصاصها المسجد الذي أنزل الله فيه ( لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ) (1) .

العاشرة: اختصاصها بالروضة «بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة».

الحادية عشرة: إنّ إتيان مسجد «قبا» يعدل عمرة.

الثانية عشرة: اختصاصه بمزيد الأدب وخفض الصوت، لكونه بحضرة سيد المرسلين.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) (2) .

الثالثة عشرة: وجوب شفاعته صلى‌الله‌عليه‌وآله لمن زاره بها (3) .

الحثّ على الاقامة بها:

لقد ورد الحثّ على السكن في المدينة والاقامة فيها، فان في كلّ خطوة من أرضها ما يذكر بالرسول الأمين صلى‌الله‌عليه‌وآله الميامين وصحبه المنتجبين،

__________________

(1) سورة التوبة: الآية 108.

(2) سورة الحجرات: الآية 2.

(3) انظر للمزيد وفاء الوفاء 1 / 73 وما بعدها.


وتلك الأيام الغرّ التي صارت فيها هذه الأرض الطيبة مهبطاً للوحي، ومختلفاً للملائكة والروح المكين.

وقد ورد عن الحسين بن الجهم قال: سألت أبا الحسن عليه‌السلام : أيّهما أفضل المقام بمكة أو بالمدينة؟

فقال: أي شيء تقول أنت؟

فقلت: وما قولي مع قولك؟!

قال: إنّ قولك يردّ إلى قولي.

قال: فقلت له: أمّا أنا فأزعم أنّ المقام بالمدينة أفضل من الاقامة بمكة.

فقال: أمّا لئن قلت ذلك لقد قال أبو عبد الله عليه‌السلام ذلك يوم فطر، وجاء إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فسلّم عليه ثم قال: لقد فضلنا الناس اليوم بسلامنا على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

وعن مرازم قال: دخلت أنا وعمار وجماعة على أبي عبد الله عليه‌السلام بالمدينة فقال: ما مقامكم؟

فقال عمار: قد سرحنا ظهرنا وأمرنا أن نؤتى به إلى خمسة عشر يوماً.

فقال: أصبتم المقام في بلد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والصلاة في مسجده، واعملوا لآخرتكم وأكثروا لأنفسكم، إنّ الرجل قد يكون كيّساً في الدنيا فيقال: ما أكيس فلاناً، وإنّما الكيّس كيّس الآخرة (2) .

وعن علي بن الحسين قال: لما دخل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله المدينة قال: اللهم حبّب الينا المدينة كما حبّبت الينا مكة وأشدّ، وبارك في صاعها ومدّها، وانقل حماها ووباءها إلى الجحفة (3) .

__________________

(1) الكافي 4 / 557 ح 1.

(2) الكافي 4 / 2557 ح 2.

(3) الفقيه 2 / 337 ح 1569. والأحاديث جميعاً في الوسائل 14 / 347 وما بعدها باب 10.


القسم الثاني

مسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا قدم إلى المدينة مهاجراً، القى زمام ناقته فمشت حتى بركت عند باب المسجد، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : «هذا المنزل إن شاء الله».

ثم أخذ في النزول فقال: ( وَقُل رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلًا مُّبَارَكًا وَأَنتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ ) ، وبنى مسجده على أرض تقدر مساحتها بـ «35 × 30» متر، وأقامه على عشرة أساطين من جذوع النخل، وزاد فيه السنة السابعة للهجرة حتى صار مربعاً.

واستمر الخلفاء والسلاطين في توسيعه وإعماره جيلاً بعد جيل حتى بلغ اليوم - وبعد ألف وأربعمائة سنة من الهجرة - «16326» متراً، وكانت آخر توسعة له في العهد السعودي زهاء «6024» متراً.

وكان لهذه التوسعات أثراً بالغاً في دثر معالم المسجد الذي بناه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بيديه الكريمتين وبأيدي أصحابه، إلّا أنّه - ومن حسن الحظ - لا زالت المعالم الأصلية من قبيل موضع حجراته صلى‌الله‌عليه‌وآله وحدوده الأصلية محددة من خلال تعليم الاسطوانات المنصوبة في الجهات الأربعة في المسجد (1) .

__________________

(1) أنظر: ما يخص المسجد النبوي الأعظم مفصلاً في وفاء الوفاء 1 / 322 الباب الرابع.


الحجرة الشريفة وحجرة فاطمة الصديقة:

لمّا بنى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مسجده الشريف بنى لأزواجه حجراً، وبنى حجرة لفاطمة عليها‌السلام ، وكانت هذه الحجرة باقية على حالها إلى سنة (88) هجرية، وكانت الحجرة الشريفة في يد الامامين الحسنين ( عليهما‌السلام ).

قال المؤرخون: إنّ حجر أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أدخلت في المسجد بأمر الوليد بن عبد الملك.

قال عطاء الخراساني: أدركت حجرات أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله من جريد على أبوابها المسوح من شعر أسود، فحضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يُقرأ يأمر بادخال حجر أزواج النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فما رأيت يوماً أكثر باكياً من ذلك اليوم (1) .

محراب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله :

لم يكن في مسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله محراباً على عهد النبي، وزمان بعده، وكان اول من أحدث المحراب عمر بن عبد العزيز حيث بناه في الموضع الذي كان يصلي فيه صلى‌الله‌عليه‌وآله (2) .

القبر الشريف:

دفن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في بيته ويقال لموضع قبره «الحجرة المطهرة»، وطولها «16» متراً وعرضها «15» متراً، ومساحتها الاجمالية «240» متراً مربعاً.

وفي زوايا الحجرة الشريفة اسطوانات من الرخام المحكوك بدقة عالية بحيث تميزت عن سائر اسطوانات المسجد.

__________________

(1) انظر للزيادة وفاء الوفاء: الجزء الأول الباب التاسع والباب السادس عشر.

(2) أنظر: وفاء الوفاء 1 / 525 الفصل السابع عشر.


أساطين المسجد النبوي صلى‌الله‌عليه‌وآله :

كان في المسجد النبوي الشريف عدّة أساطين، بيد أن بعضها صار معلّماً وذا اسم خاص لمناسبة تاريخية أو حادثة مهمة اقترنت بها، ومنها:

1 - أسطوانة التوبة.

2 - أسطوانة السرير.

3 - أسطوانة المحرس.

4 - أسطوانة الوفود.

5 - أسطوانة المهاجرين.

6 - أسطوانة مقام جبرئيل.

7 - أسطوانة التهجد.

1 - أسطوانة التوبة:

وهي الأسطوانة التي ربط أبو لبابة نفسه اليها، وحلف لا يحلّ نفسه حتى يحلّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أو تنزل توبته.

فلمّا نزلت توبته جاءت فاطمة عليها‌السلام تحلّه.

فقال: لا حتى يحلّني رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّما فاطمة بضعة مني (1) .

2 - أسطوانة السرير:

وكان سرير النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يوضع عندها.

__________________

(1) وفاء الوفاء 1 / 443 الفصل السابع.


3 - أسطوانة المحرس:

وتسمى أسطوانة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام ، وكان أمير المؤمنين يجلس في صفحتها التي تلي القبر، مما يلي باب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، يحرس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهي خلف أسطوانة التوبة من جهة الشمال.

قال الأقشهري: إنّ أسطوان مصلّى علي - كرم الله وجهه - اليوم أشهر من أن تخفى على أهل الحرم، ويقصد الأمراء الجلوس والصلاة عندها إلى اليوم. وذكر أنّه كان يقال لها «مجلس القلادة» لشرف من كان يجلس فيه (1) .

4 - أسطوانة الوفود:

وكان رسول الله يجلس اليها لوفود العرب إذا جاءته، وكانت تعرف أيضاً بمجلس القلادة لشرف من كان يجلس اليها من بني هاشم وسروات الصحابة وأفاضلهم (2) .

5 - أسطوانة القرعة:

وهي الأسطوانة التي هي واسطة بين القبر والمنبر عن يمينها إلى المنبر أسطوانتان، وبينها وبين القبر أسطوانتان، وبينها وبين الرحبة أسطوانتان، وهي واسطة بين ذلك. وإنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله صلّى اليها بضع عشرة المكتوبة، ثم تقدم إلى مصلاه الذي وجاه الحراب في الصف الأوسط، وانّ المهاجرين من قريش كانوا يجتمعون عندها، وكان يقال لذلك المجلس مجلس المهاجرين، ويقال: الدعاء عندها مستجاب (3) .

__________________

(1) وفاء الوفاء 1 / 449 الفصل السابع.

(2) أنظر: وفاء الوفاء 1 / 449.

(3) أنظر: وفاء الوفاء 1 / 440.


6 - أسطوانة مقام جِبرائيل:

كانت باب بيت فاطمة بنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في المربعة التي في القبر، وكان مسلم بن أبي مريم وغيره يقول: لا تنس حظك من الصلاة اليها، فانّها باب فاطمة عليها‌السلام الذي كان علي يدخل عليها منه.

ومن فضلها ما أسنده يحيى عن أبي الحمراء قال: شهدت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أربعين صباحاً يجيىء إلى باب علي وفاطمة وحسن وحسين حتى يأخذ بعضادتي الباب ويقول: السلام عليكم أهل البيت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) .

وفي رواية له: رابطت بالمدينة سبعة أشهر كيوم واحد، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يأتي باب عليّ كلّ يوم فيقول: الصلاة الصلاة ثلاث مرات ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (1) .

7 - أسطوانة التهجد:

كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يخرج حصيراً كلّ ليلة إذا انصرف الناس إلى منازلهم، فيطرح وراء بيت علي، ثم يصلي صلاة الليل (2) .

وقد دخلت بعض هذه الأسطوانات داخل شباك القبر الشريف، فحرم المؤمنون من فضيلة الصلاة عندها.

أصحاب الصفة:

الصفة: ظلّة في مؤخر مسجد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يأوي اليها المساكين وضعفاء المسلمين ممن لا مأوى له ولا أهل، واليها ينسب «أهل الصفة».

__________________

(1) و (2) وفاء الوفاء 1 / 450.


وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله يأمر كلّ رجل، فينصرف برجل أو اكثر، فيبقى من بقي، فيؤتي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بعشائه فيتعشى معهم، فاذا فرغوا قال: ناموا في المسجد، وكان صلى‌الله‌عليه‌وآله يجالسهم ويأنس اليهم، وإذا أتته الصدقة بعث بها اليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتته هدية أرسل اليهم وأصاب منها وأشركهم منها (1) .

عن فضال بن عبيد قال: كنّا نصلّي مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فيخرّ قوم من قامتهم من الخصاصة.

وروى آخر فقال: لقد رأيت سبعين من أهل الصفة، ما منهم رجل عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوه، فمنها ما يبلغ نصف الساقين، ومنها ما يبلغ الكعبين، فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته (2) .

القبة الخضراء:

وهي قبة خضراء جعلت على ما يحاذي سقف الحجرة الشريفة بأعلى سقف المسجد، تميزاً لها، وهي مشيدة بالحجر الأخضر، تبدو للقادم إلى المدينة عن بعد، وتشدّ اليها روح الناظر، وتعرج به إلى سماء الحنين إلى سيد البشر وخاتم النبيّين صلى‌الله‌عليه‌وآله .

الضريح المقدس:

صنع الضريح المقدس من الفولاد، وله أربعة أبواب:

باب الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في الطرف الجنوبي.

باب فاطمة عليها‌السلام في الجانب الشرقي.

__________________

(1) أنظر: وفاء الوفاء 1 / 453 وما بعدها.

(2) وفاء الوفاء 1 / 454.


باب التهجد في الطرف الشمالي.

باب الوفود في الجانب الغربي.

وتوجد في جهة الرأس الشريف عمامة من الزمرد الأخضر تقدر بالمليارات (1) .

* * *

__________________

(1) أنظر: كتاب «أقرأ قبل الحج» لآية الله الحاج الشيخ علي الافتخاري الگلپايگاني.


القسم الثالث

المساجد المعروفة في المدينة وضواحيها

في المدينة المنورة مساجد كثيرة نشير إلى أسماء بعضها:

1 - مسجد قبا.

2 - مسجد ذو القبلتين.

3 - مسجد الجمعة.

4 - مسجد الفضيخ.

5 - مسجد الفتح.

6 - مسجد الامام علي عليه‌السلام .

7 - مسجد فاطمة عليها‌السلام .

8 - مسجد الغمامة.

9 - مسجد المباهلة.

10 - مسجد الشجرة.

11 - مسجد أبو ذر.

12 - مسجد مشربة أم إبراهيم.


13 - مسجد ردّ الشمس.

14 - مسجد الاجابة.

15 - مسجد العسكر.

16 - مسجد الظفر.

17 - مسجد النفس الزكية.

18 - مسجد الأبواء.

19 - مسجد الجحفة.

20 - مسجد غدير خم.

21 - مسجد بدر.

1 - مسجد قبا:

«قبا» قرية تبعد عن المدينة زهاء ميلين، وقد نزل فيها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في هجرته قبل دخوله المدينة، حيث أقام هناك ينتظر قدوم أمير المؤمنين عليه‌السلام بالفواطم.

وفي المعجم الكبير للطبراني عن جابر بن سمرة قال:

لما سأل أهل «قبا» النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أن يبني لهم مسجداً.

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : ليقم بعضكم فيركب الناقة.

فقام أبو بكر، فركبها فحرّكها، فلم تنبعث، فرجع فقعد.

فقام عمر، فركبها فلم تنبعث، فرجع فقعد.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأصحابه: ليقم بعضكم فيركب الناقة.

فقام علي عليه‌السلام ، فلمّا وضع رجله في غرز الركاب وثبت به.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أرخ زمامها وابنوا على مدارها فانّها مأمورة (1) .

__________________

(1) وفاء الوفاء 1 / 251.


وهو المسجد الذي نزل فيه قوله تعالى ( لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) (1) .

وتبلغ مساحة المسجد اليوم زهاء (135000) متراً مربعاً، وبنايته غاية في الجمال والابداع.

2 - مسجد القبلتين:

ويقع إلى الشمال الغربي من المدينة المنورة، وسمي بـ «مسجد القبلتين» لأنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كان يصلّي فيه صلاة الظهر، فأمر أن يتوجه إلى الكعبة ونزل قوله تعالى ( فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) (2) فاستدار النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الكعبة.

تبلغ مساحة المسجد الحاية زهاء (3920) متراً مربعاً.

3 - مسجد الجمعة:

إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لمّا خرج من قباء مقدمه المدينة أدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فصلّاها في بطن الوادي، وكانت أول جمعة صلّاها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنس، وبني في ذلك الموضع مسجداً سمي بـ «مسجد الجمعة» فكان ثاني المساجد - تاريخياً - بعد مسجد قبا.

4 - مسجد الفضيخ:

وهو في نهاية شارع العوالي. و «الفضيخ» شراب يتخذ من التمر.

وقيل: إنّ نفراً من المسلمين كانوا يشربون فيه فضيخاً، فلما حرمت الخمر

__________________

(1) سورة التوبة: الآية 108.

(2) سورة البقرة: الآية 144.


خرج الخبر اليهم، فحلّوا وكاء السقاء فهراقوه فيه، وأقاموا مسجداً، فبذلك سمي مسجد الفضيخ (1) .

5 - مسجد الفتح:

وهو المسجد المرتفع على قطعة من جبل «سلع» في المغرب، غربيه وادي «بطحان» وقد دعا فيه النبي يوم الأحزاب فاستجاب له ربّه، ونصره على المشركين، وأباد جحافلهم وهزمهم.

6 - مسجد أمير المؤمنين علي عليه‌السلام :

ويقع جنوب مسجد الفتح مشرفاً على وادي «بطحان»، وكان أمير المؤمنين علي عليه‌السلام يتعبّد فيه لما كانت المدينة محاصرة من قبل جيوش الأحزاب.

7 - مسجد فاطمة عليها‌السلام :

ويقع بالقرب من مسجد الامام علي عليه‌السلام ، ويعدّ ضمن المساجد السبعة المعروفة، وتجتمع جميعاً حول مسجد الفتح ومنها «مسجد سلمان».

وقد أغلق باب مسجد «فاطمة عليها‌السلام » في السنين الأخيرة وبني بابه بالآجر في محاولة لمحو هذا المعلم المذكر ببنت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ولكن المسلمين والمؤمنين لازالوا يصلون لله - تعالى - في الساحة الصغيرة من الرصيف الواقع أمام الباب ويأبى الله إلّا أن يتم نوره ولو كره المشركون.

وهناك مسجد آخر بالقرب من مسجد الغمامة في السوق يقال: أنّه مسجد فاطمة عليها‌السلام أيضاً، وقد أعيد إعماره في الآونة الأخيرة، وهو مرتفع عن سطح الأرض عدة أمتار.

__________________

(1) أنظر: وفاء الوفاء 3 / 821.


8 - مسجد الغمامة:

قال الواقدي: صلّى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أول صلاة عيد في المدينة في السنة الثانية للهجرة، فخرج إلى الصحراء، فبني في ذلك الموضع مسجداً في القرن الثاني للهجرة.

وقيل في سبب تسمية المسجد بمسجد الغمامة: إنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله استسقى هناك ودعا، فلمّا أتمّ دعاءه تجمع الغمام وهطل المطر.

9 - مسجد المباهلة:

إشارة إلى مباهلة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لنصارى نجران حيث خرج صلى‌الله‌عليه‌وآله يباهلهم ومعه أمير المؤمنين عليه‌السلام وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام ، فأنزل الله تعالى ( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) .

وقد تظافرت الروايات عن طرق الخاصة والعامة أنّ المراد من «أبناءنا» الحسن والحسين، و «نساءنا» فاطمة عليها‌السلام ، و «أنفسنا» أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فكانت هذه الآية الشريف خاصة بالأنوار الخمسة.

10 - مسجد الشجرة:

يبعد هذا المسجد فرسخ ونصف الفرسخ عن المدينة تقريباً، وإنّما سمي بـ «مسجد الشجرة» لوجود أشجار السدر في المنطقة التي فيها المسجد.

وقد اكتسب هذا المسجد أهمية خاصة من خلال موقعه الخاص، حيث أحرم منه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لحجة الوداع، وهو الآن ميقات الحجاج الايرانيين - وغيرهم - للعمرة المفردة وللحج لمن يقصد المدينة قبل أعمال الحج.

__________________

(1) سورة آل عمران: الآية 61.


وكان هذا المسجد صغيراً مهجوراً تحفّه الأوساخ والقاذورات إلّا أنّه تمّ تجديد بناءه وإعادة إعماره، وهو الآن يسع خمسة آلاف مصلي، ومحاط بمرافق صحية ودورات مياه نظيفة تتألف من أكثر من خمسمائة حمام لمن يريد أن يغتسل غسل الاحرام، وأكثر من (350) مرحاض.

11 - مسجد أبي ذر:

ويقع في نهاية شارع «أبو ذر» حالياً، وقد تمّ إعادة إعماره وتوسيعه في الآونة الأخيرة.

12 - مسجد مشربة أم إبراهيم:

روي أنّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : صلّى في مشربة أم إبراهيم... وإنما سمّيت مشربة أم إبراهيم لأن أم إبراهيم ولدت إبراهيم ابن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فيها.

وهو موضع بالعوالي من المدينة بين النخيل، وهو أكمة قد حوّط عليها بلبن.

والمشربة: البستان، ولعلّه كان بستاناً لماربة القبطية أم إبراهيم ابن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال في الصحاح: المشربة - بالكسر -: إناء يشرب فيه، والمشربة - بالفتح -: الغرفة، والمشارب: العلالي.

وليس في كلامه اطلاق ذلك على البستان، والظاهر أنها كانت عِليّة في ذلك البستان.

13 - مسجد الشمس:

وهو المكان الذي أعيدت الشمس فيه بعد غروبها لعلي عليه‌السلام ، وكان ذلك بالصهباء من خيبر.

قال عياض في الشفاء: كان رأس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في حجر علي عليه‌السلام وهو يوحى اليه، فغربت الشمس، ولم يكن علي صلّى العصر.


فقال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : أصليت يا علي؟

قال: لا.

فقال: اللهم إنّه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس.

قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر.

قال عياض: خرجه الطحاوي في مشكل الحديث وقال: إنّ أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلّف عن حفظ هذا الحديث؛ لأنّه من علامات النبوة (1) .

14 - مسجد الإجابة:

ويقع شمال البقيع، صلّى فيه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ودعا فاستجاب الله دعاءه، فسمي بـ «مسجد الاجابة».

15 - مسجد العسكر:

يقع بالقرب من قبر حمزة عليه‌السلام ، قيل: إنّه مصرع حمزة عليه‌السلام ، وأنّه مشى بطعنته من الموضع الأول إلى هناك فصرع عليه‌السلام .

وقيل: أنّه دفن فيه جملة من شهداء أُحد.

16 - مسجد بني الظفر:

ويعرف بمسجد «البغلة» وهو في شرقي البقيع، طريقه عند - القبة المعروفة - بفاطمة بنت أسد، أم علي عليه‌السلام ، بأقصى البقيع، صلّى فيه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وجلس على

__________________

(1) وفاء الوفاء 3 / 823.


الحجر الذي فيه، ولم يزل الناس يصفون الجلوس على ذلك الحجر للمرأة التي لا تلد، ويقصدون ذلك المسجد لأجله، فقلّ امراة نزر ولدها تجلس عليه إلّا حملت (1) .

17 - مسجد الأبواء:

و «الأبواء» قرية تبعد عن الجحفة ثلاثة عشر ميلاً، توفيت فيها أم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله السيدة آمنة بنت وهب عليها‌السلام ، في منصرفها من زيارة قبر زوجها عبد الله عليه‌السلام ، وكان النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله صغيراً فحزن حزناً شديداً لفراق أمه.

وفي وسط الأبواء مسجد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وذكر بها آباراً وبركاً (2) .

18 - مسجد الجحفة:

الجحفة ميقات أهل الشام، وفي أولها مسجد لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسميت الجحفة؛ لأنها واقعة في طريق السيول.

وقد أصابها السيل مرة فجرف ما فيها وغرق يومها «حماد بن عيسى» أحد أصحاب الاجماع، وقد روى عن أربعة من الأئمة عليهم‌السلام .

وكان الامام الصادق عليه‌السلام قد دعا له بخمسين حجة، فوفّق لها كاملة، وفي الجحفة الواحدة والخمسين استأذن الامام الجواد عليه‌السلام في الخروج، فاذن له الامام عليه‌السلام ، وقال له: ولكن لا تتعجل، فخرج إلى الجحفة، فلمّا أراد أن يغتسل فيها غسل الاحرام ثار السيل فأغرق حماداً فسمي «غريق الجحفة».

19 - مسجد غدير خم:

وهو على ثلاثة أميال من الجحفة يسرة عن الطريق حذاء العين.

__________________

(1) أنظر للمزيد: وفاء الوفاء 3 / 827.

(2) المصدر السابق.


وقال عياض: غدير خم، غدير تصبّ فيه عين، وبين الغدير والعين مسجد للنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وفي مسند أحمد عن البراء بن عازب قال: كنا عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله فنزلنا بغدير خم فنودي فينا الصلاة جامعة، وكسح لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تحت شجرة، فصلّى الظهر وأخذ بيد علي.

وقال: ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟!

قالوا: بلى.

قال: فأخذ بيد علي وقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.

قال: فلقيه عمر بعد ذلك فقال: هنيئاً يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة (1) .

20 - مسجد بدر:

كان العريش الذي بني لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بدر عنده، وهذا المسجد معروف بقرب بطن الوادي بين النخيل والعين قريبة منه.

وفي هذه القرية قبور أربعة عشر شهيداً في شهداء بدر، وهي تقع على بعد كيلومتراً واحداً عن الطريق القديم بين المدينة ومكة، ولا زال أهل تلك القرية يدفنون، موتاهم عند تلك القبور، وهي محصورة بسياج عال يحوط المقبرة كلّها.

* * *

__________________

(1) وفاء الوفاء 3 / 1013.


القسم الرابع

مقبرة البقيع

إنّ أول من دفن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في البقيع «عثمان بن مضعون» وكان رجلاً زاهداً عابداً صالحاً، حضر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في بيته، وأحنى عليه وقبّله، ولما رفع رأسه الشريف تلألأت الدموع في عينيه، فلمّا رفعت جنازته قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : طوبى لك يا عثمان لم تلبسك الدنيا ولم تلبسها.

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله للموضع الذي دفن فيه عثمان: هذه الروحاء.

ولمّا توفي إبراهيم ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إلحق بسلفك الصالح «عثمان بن مضعون».

فلمّا توفيت ابنته رقية قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إلحقي بسلفنا الصالح «عثمان بن مضعون».

قال صاحب مرآة الحرمين: دفن في البقيع أكثر من عشرة آلاف من الصحابة والتابعين.

وفيما يلي الاشارة إلى بعضها:

1 - إبراهيم ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

مات طفلاً صغيراً.


قال السمهودي: قال المجد: وموضع تربته يعرف ببيت الأحزان.. وهو البيت الذي آوت اليه فاطمة عليها‌السلام ، والتزمت الحزن فيه بعد وفاة أبيها سيد المرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

2 - قبر عقيل بن أبي طالب عليه‌السلام :

وقيل: أنّه قبره في الشام، وله هناك قبة وضريح.

3 - قبر فاطمة بنت أسد عليها‌السلام :

أم الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام في روحاء البقيع بالقرب من قبر إبراهيم عليه‌السلام وعثمان بن مضعون.

وقيل: دفنت في قبة العباس وهو المعروف بحسب التاريخ.

4 - قبر العباس بن عبد المطلب في مقبر بني هاشم.

5 - قبر صفية بنت عبد المطلب:

أم الزبير، وأخت حمزة عليه‌السلام ، وعمة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقبرها يقع على شمال الخارج من البقيع.

ومعها في نفس البقعة قبر عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقبر «أم البنين عليها‌السلام » أم قمر العشيرة أبي الفضل العباس عليه‌السلام .

6 - قبر عبد الله بن جعفر الطيار:

في نفس البقعة التي دفن فيها عقيل ابن أبي طالب، وقيل: أنّه قبره في الأبواء.

ودفن في نفس تلك البقعة سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

7 - قبور ثلاثة متقاربة:

يقال: أنها قبور بنات النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله زينب ورقية وام كلثوم.

__________________

(1) وفاء الوفاء 3 / 918.


8 - تسعة قبور متقاربة:

أيضاً يقال: أنّها قبور نساء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، سوى خديجة عليها‌السلام ؛ لأن قبرها في مكة، وميمونة لأنها دفنت في سرف.

9 - قبر حليمة السعدية:

قبر في منتهى البقيع جنب السور، معروف أنّه قبر حليمة السعدية مرضعة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد دخل في البقيع وصار مشخصاً بعد التوسعة الأخيرة.

10 - قبور عدة من شهداء أحد في الجانب الغربي من البقيع.

11 - قبر إسماعيل بن جعفر الصادق عليه‌السلام :

وهو مقابل قبر العباس بن عبد المطلب، ملتصق بالجدار من طرف الطريق العام.

12 - قبر عبد الله بن مسعود:

وكان قد أوصى أن يدفن بالقرب من عثمان بن مضعون.

13 - قبر سعد بن معاذ:

وهو الذي صلّى عليه النبي في تسعين ألف من الملائكة، وبشّره لحبّه لعلي عليه‌السلام فقال: ابشر يا سعد فان الله يختم لك بالشهادة.

14 - قبر أبي سعيد الخدري:

كان من الفقهاء وكان موالياً محبّاً لأهل البيت عليهم‌السلام .

وإنّما سميت المقبرة «بقيع الغرقد» لمكان الغرقد - وهي شجرة - الذي كان فيها، فلما دفن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إبراهيم ابنه قطعه الناس ودفنوا فيها.

ثواب زيارة قبور أهل البيت عليهم‌السلام وإعمارها:

لقد وردت النصوص المتظافرة في ثواب زيارة المراقد المطهرة لأئمة أهل البيت وأبنائهم وإعمارها.


منها: ما عن الرضا عليه‌السلام قال: «فمن زارهم رغبة في زيارتهم وتصديقاً بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة» (1) .

وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : «من زارني أو زار أحداً من ذريتي زرته يوم القيامة فانقذته من أهوالها» (2) .

وعن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال لعلي عليه‌السلام - في حديث -: إنّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه وصفوة من عباده تحنّ اليكم، وتحتمل المذلّة والأذى، فيعمرون قبوركم ويكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلى الله، ومودّة منهم لرسوله، أولئك - يا علي - المخصوصون بشفاعتي، الواردون حوضي، وهم زوّاري غداً في الجنة.

ثم قال: يا علي! من عمّر قبوركم وتعاهدها فكانّما أعان سليمان بن داود على بناء بيت المقدس (3) .

* * *

__________________

(1) وسائل الشيعة 5 / 253، عيون أخبار الرضا 2 / 260.

(2) كامل الزيارات: 7.

(3) عن فرحة الغري لابن طاوس: 31، البحار 100 / 121.


القسم الخامس

قبور الأئمة المعصومين في البقيع

كان لقبور الأئمة عليهم‌السلام صندوق وضريح، وروضة ومقام، وايوان للقراء، ورواق بناه مجد الملك أبو الفضل أسعد بن محمد بن موسى الأردستاني، وزير السلطان بركياق بن ملك الشاه ابن ألب أرسلان سنة (95 هـ)، وقتل الوزير المذكور بتهمة التشيع سنة (492 هـ).

وبنى القبة أيضاً الناصر بالله العباسي سنة (560 هـ).

وكانت الروضة الشريفة مزينة بالنقوش المكللة بالذهب والفضة والفولاد، ومفروشة بالسجاد الايراني الفاخر، الذي كان يحكي الفن والجمال للأيادي الايرانية والهندية الشيعية.

إلّا أنّ الوهابين هدموا القبور ولم يبقوا ثمة سوى تراب القبر، حتى صار البقيع في وضع يرقّ له كلّ قلب، ويطلق كلّ لسان باللعن الدائم على أولئك الأوغاد الأرجاس المتعصبين الجهلة الذين عطلوا عقولهم وتمسكوا بخرافاتهم، فلعنة الله على الظالمين.

* * *


وقد دفن في البقيع أربعة من الأئمة الأبرار الأطهار وهم:

1 - الامام الحسن المجتبى عليه‌السلام :

وهو أكبر أولاد أمير المؤمنين عليه‌السلام وفاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين، وكان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يسميه وأخاه الحسين عليه‌السلام «ابناي»، ولذا كان أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول لأولاده «أنتم أولادي، والحسن والحسين أولاد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله » (1) .

ولد الامام الحسن عليه‌السلام في المدينة المنورة سنة (3) للهجرة، وأدرك جدّه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله سبع سنين، وعاش في حجره الشريف وتحت ظله المنيف، يرفل بالحب والحنان الخاص الذي أحاطه به جدّه.

وبعد وفاة جدّه - ومن بعده وفاة أمه الصديقة الطاهرة التي كانت أسرع أهل بيته لحوقاً به - عاش الامام الحسن عليه‌السلام في كنف أبيه أمير المؤمنين عليه‌السلام حتى استشهد سيد الأوصياء، فكانت الامامة لولده الحسن نصاً من جدّه وأبيه حيث بقي ستة أشهر إماماً ظاهراً على الخلق، ومعاوية يحاربه أشدّ المحاربة طمعاً في الخلافة التي كان يحلم بها هو وأسلافه، فرفع قميص عثمان، وأخذ يطالب بدمه، ثم أعلن عن طمعه وكشر عن أنيابه، مطالباً بالخلافة، ودارت رحى الأيام فاضطر الامام الحسن عليه‌السلام في ظروف خاصة للصلح، ولكن ضمن شروط اتفق عليها الطرفان.

منها: أن ترجع الخلافة إلى الحسن عليه‌السلام أو أخيه الحسين بعد وفاة معاوية.

ومنها: أن لا يتعرض معاوية للامام ولأصحابه وشيعته وأهل بيته بأي سوء أو أذى (2) .

فلمّا تربع معاوية على عرش الحكم تنكر للامام عليه‌السلام ، ودخل الكوفة وأعلن فيها

__________________

(1) أنظر: مناقب لابن شهر آشوب 4 / 21 و 25، ذخائر العقبى: 67 و 121.

(2) أنظر: ارشاد المفيد: 173.


بكلّ صلافة وجرأة عن عدم التزامه بشرط الصلح، وأنّ كلّ شرط شرطه فهو تحت قدمه؛ فطارد شيعته الامام وقتلهم.

وعاش الامام المظلوم، أبو محمد الحسن، سنين إمامته العشرة في غاية الشدّة، وكان مهدداً حتى في بيته، حيث أوعز معاوية إلى زوجة الامام «جعدة بنت الأشعث» ومنّاها وأغراها، فدسّت السم للامام، فقضى مسموماً مظلوماً، وهو في السنة السابعة والأربعين من عمره المبارك الشريف، ودفن في البقيع، وكان على قبره ضريح وقبة عظيمة هدمها الأوغاد الوهابيون.

لقد عاش الامام حميداً، ومات شهيداً سعيداً، وكان عظيماً في خلقه، يذكر برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأمير المؤمنين عليه‌السلام خَلقاً وخُلقاً، وقد تظاهر الخاصة والعامة على رواية مناقبه وفضائله، ومحامد أخلاقه، وما قاله فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد قال فيه: «هذان - الحسن والحسين عليهما‌السلام - ابناي إمامان قاما أو قعدا».

2 - الامام علي بن الحسين عليه‌السلام :

ولد الامام عليه‌السلام سنة (36) للهجرة من الخيرتين؛ فأبوه الامام السبط الشهيد الحسين بن علي عليه‌السلام وأمه «شاه زنان» بنت آخر ملوك الساسانيين.

ولقب: بزين العابدين، وسيد الساجدين، وقرة عين الناظرين، وذو الثفنات، وغيرها من ألقابه الحاكية عن سمو خلقه وعبادته وزهده وصبره وجهاده، حيث كان خليفة أبيه، والوحيد من اخوته عاش بعد أبيه، فقد شاءت حكمة الحكيم الباري أن يصحب الامام الشهيد في ثورته، ويذوق المأساة ويشاهدها بعينه، ثم يرعى سبايا أهله إلى الكوفة ثم إلى الشام، فقام باعباء إمامته ودافع عن الدين، وقال كلمة الحق أمام السطان الجائر اللعين، وعاد إلى المدينة مع ركب السبايا.

ثم استحضره عبد الملك الخليفة الأموي السفاك، فحمل عليه‌السلام مكبّلاً مقيّداً بالأصفاد من المدينة إلى الشام، قم عاد بعدها إلى المدينة.


ولم ترفع عنه السلطة الغاشمة ضغوطها ومضايقاتها إلّا أنّ الامام عليه‌السلام كان مقبلاً على عبادته ودعائه، لا يلتقي أحداً إلّا خواص شيعته، كأبي حمزة الثمالي، وأبي خالد الكابلي، ويبثّ ما يريد في شيعته عن طريق أمثال هؤلاء.

وخلّف لنا:

« الصحيفة السجادية » زبور آل محمد.

و « رسالة الحقوق ».

و « الذرية الطيبة » حيث كانت ذرية رسول الله وأمير المؤمنين وفاطمة سيدة نساء العالمين والامام السبط الشهيد من صلب هذا الامام العظيم.

3 - الامام محمد بن الباقر عليه‌السلام :

الامام محمد بن علي بن الحسين بن أمير المؤمنين عليه‌السلام ، لقبه جدّه بـ «الباقر».

ولد سنة (57 هـ)، وشهد واقعة الطف وهو ابن أربع سنين، نص على إمامته أجداده الكرام وأبوه السجاد، فكانت له الامامة بعد أبيه إلى سنة (114) أو (117).

سمّه ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك، فمضى شهيداً سعيداً.

أمه فاطمة بنت الامام الحسن المجتبى، فهو ابن الخيرتين، وأول علوي من علويين.

كثرت في عهده الثورات على الأمويين الظلمة، واشتدت الخلافات داخل أجهزة النظام الحاكم، واستشعر الناس بفداحة فاجعة الطف، فأقبل الناس عليه من كلّ أقطار العالم الاسلامي، فأخذ الامام يبثّ علمه، ويهدي الناس إلى ربّه وإلى الصراط المستقيم، ويدلنا على ذلك مراجعة التاريخ وكتب الرجال والحديث حيث نقلت لنا لئالىء أقواله، ودرر كلماته، وسجلت لنا حشود الروات عنه والمستطعمين على موائده.


4 - الامام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام :

ولد الامام الخامس عليه‌السلام سنة (83 هـ)، وتوفي مسموماً بأمر المنصور العباسي سنة (148 هـ).

وكانت ولادته عليه‌السلام يوم الاثنين (17 ربيع الأول) يوم ولادة الرسول الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو يوم عظيم البركة، جليل القدر، له فضل كبير.

وكانت إمامته في زمن إنحلال الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، فكانت الأولى ضعيفة تعيش سكرات الموت، والثانية ضعيفة؛ لأنّها جديدة عهد، لم يشتد عودها.

فكانت فرصة بثّ الامام عليه‌السلام علومه ومعارفه، وربّى الكثير من رجال الشيعة من أمثال زرارة، ومحمد بن مسلم، ومؤمن الطاق، وهشام بن الحكم، وابن بن تغلب، وجابر بن حيان الكوفي، وغيرهم، بل وانتهل من معينه أئمة المذاهب الأخرى وعلماؤهم من قبيل: سفيان الثوري، وأبي حنيفة إمام المذهب الحنفي.

وقد خلّف لنا تراثاً ضخماً تربو عدد أحاديثه وأحاديث أبيه الباقر على مجموع ما روي لنا من آبائه وأبنائه عليهم‌السلام .

وابتلي في أواخر عصره بالمنصور العباسي المعروف بقساوته وضراوته، فطارد العلويين، وأودع ذرية رسول الله قعر السجون وظلم المطامير، وحاول قتل الامام عليه‌السلام عدة مرات، وعزم على ذلك حتى دسّ اليه السم، فقتله شهيداً مظلوماً مسموماً، وبعث إلى واليه على المدينة يأمره أن يحضر في بيت الامام، ويطّلع على وصيته ليعرف من هو الامام من بعده، فيضرب عنقه في المجلس، وينهي بذلك قصة الامامة، فلما فتحوا وصية الامام عليه‌السلام شاهت وجوههم، وخابت آمالهم الشيطانية حيث وجدوا الامام عليه‌السلام قد أوصى إلى الخليفة ووالي المدينة وعبد الله الأفطح وموسى ابني الامام عليه‌السلام وحميدة (1) .

__________________

(1) أنظر: أصول الكافي 1 / 310، الفصول المهمة: 212، دلائل الامامة: 111، إثبات الوصية: 142.


الفصل

الخامس عشر

لمحات عن حياة مؤسس الوهابية


لمحات

عن حياة مؤسس الوهابية

تنسب الطريقة الوهابية إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي، وباسم أبيه «عبد الوهاب» تسمى طريقته.

أما السبب في عدم تسميتها بـ «المحمدية» نسبة إلى مؤسسها «محمد»، فهو - كما يقال - للحذر من وقوع التشابه بينها وبين المسلمين أتباع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والحيلولة دون استغلاله (1) .

ولد الشيخ محمد عام (1115 هـ) في قرية «عُيينة» إحدى القرى التابعة لـ «نجد» وكان والده قاضياً فيها.

كان محمد بن عبد الوهاب - منذ طفولته - ذا علاقة شديدة بمطالعة كتب التفسير والحديث والعقائد، وكان - مذ شبابه - يستقبح كثيراً من الشعائر الدينية التي كان يمارسها أهالي نجد، ولم يقتصر ذلك على نجد بل تعداه إلى المدينة المنورة بعد ما انصرف من مناسك الحج، فقد كان يستنكر على الذين يتوسلون برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عند مرقده المقدس.

__________________

(1) دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي 10 / 871 نقلاً عن مجلة المقتطف 27 / 893.


ثم عاد وبعد ارتحل إلى البصرة - وهو في طريقه إلى الشام - وهناك - في البصرة - طفق يستنكر على الناس شعائرهم الدينية وينهاهم عنها، فثار عليه أبناء البصرة الغيارى وأخرجوه مدحوراً من ديارهم، فتوجه إلى مدينة الزبير.

وفي الطريق - بين البصرة والزبير - تعب من المشي، ونال منه الحر والعطش نيلاً شديداً بحث كاد أن يهلك - وليته هلك -، فأدركه رجل من الزبير فعطف عليه عندما رأه مرتدياً زيّ رجال الدين، وسقاه الماء وأركبه وأوصله إلى المدينة.

كان محمد بن عبد الوهاب عازماً على السفر إلى الشام، لكنه لم يملك ما يكفيه من المال والزاد، فسافر إلى الاحساء، ومنها إلى حريملة التابعة لنجد.

في تلك السنة - وكانت سنة (1139 هـ) - انتقل والده عبد الوهاب من عيينة إلى حريملة، فلازم الولد والده وتتلمذ على يده، وواصل حملاته المسعورة ضد الشعائر الدينية في نجد، مما أدى إلى نشوب النزاع والخلاف بينه وبين أبيه من جهة، وبينه وبين أهالي نجد من جهة أخرى، واستمرت الحالة على هذه حتى عام (1153 هـ) حيث توفي والده (1) .

عند ذلك خلا الجو لمحمد بن عبد الوهاب، فراح يُعلن عن عقائده الشاذة، ويستنكر على الناس ما يمارسونه من الشعائر الدينية، ويدعوهم إلى الانخراط في حزبه وتحت لوائه، فانخدع بعض ورفض آخرون، واشتهر أمره في المدينة.

عندها قفل راجعاً إلى «عيينة» وكان يحكم عليها عثمان بن حمد، فاستقبله وأكرمه ووقع القرار بينهما على أن يدافع كلّ عن صاحبه باعتبار أنّ لأحدهما السلطة التشريعية وللآخر السلطة التنفيذية، فحاكم عيينة يمدّه بالقوة ومحمد بن عبد الوهاب يدعو الناس إلى طاعة الحاكم واتباعه.

__________________

(1) عن تاريخ نجد للألوسي: 111 - 113.


ووصل الخبر إلى حاكم الاحساء بأن محمد بن عبد الوهاب يدعو إلى آرائه ومبتدعاته، ويعضده حاكم عيينة فأرسل حاكم الاحساء رسالة تحذيرية إلى حاكم عيينة، فاستدعى الحاكم محمد بن عبد الوهاب واعتذر من تأييده فقال له ابن عبد الوهاب: لو ساعدتني في هذه الدعوة لملكت نجد كلذها، فرفضه الحاكم وأمره بمغادرة عيينة مذموماً مدحوراً.

كان ذلك في عام (1160 هـ) عندما خرج ابن عبد الوهاب من عيينة متوجهاً إلى الدرعية، التي كانت من أشهر المدن التابعة لنجد، وكان حاكمها - يومذاك - محمد بن سعود، الجدّ الأعلى لآل سعود، فزاره الحاكم وأكرمه ووعده بالخير.

وبالمقابل بشّره ابن عبد الوهاب بالهيمنة على بلاد نجد كلّها، وهكذا وقع القرار المشؤوم... (1) .

وخلاصة القول: إنّ محمد بن عبد الوهاب كان يدعو إلى التوحيد، ولكن لتوحيد خاطىء من صنع نفسه، لا التوحيد الذي ينادي به القرآن الكريم، فمن خضع له و «لتوحيده» سلمت نفسه وأمواله، ومن أبى فهو كافر حربي ودمه وماله هدر!!

وعلى هذا الأساس كان الوهابيون يشنون الحروب في نجد وخارجها، كاليمن، والحجاز، ونواحي سوريا، والعراق، وكانوا يبيحون التصرف بالمدن التي يسيطرون عليها كيفما يشاؤون، فان أمكنهم ضمّ تلك الأراضي إلى ممتلكاتها وعقاراتهم فعلوا ذلك، وإلّا اكتفوا بنهب الغنائم منها (2) .

وكان قد أمر كلّ من ينخدع بدعوته أن يتقدّم اليه بالبيعة، ومن رفض البيعة وجب قتله ونهب ماله.

__________________

(1) ذكر أحد المؤلفين العثمانيين في كتابه تاريخ بغداد: 152 بداية العلاقة بين محمد بن عبد الوهاب وآل سعود بصورة أُخرى ولكن الظاهر أن ما ذكرناه أصح.

(2) عن جزيرة العرب في القرن العشرين: 341.


ولهذا عندما رفض أهالي قرية «الفصول» من ضواحي الاحساء بيعة هذا الرجل الشاذ هجم عليهم وقتل ثلاثمائة رجل، ونهب أموالهم وثرواتهم (1) .

وأخيراً... مات محمد بن عبد الوهاب عام (1206 هـ) (2) ، ولكن أتباعه واصلوا طريقه وأحيوا بدعه وضلاله.

* * *

بعض جرائم الوهابيين:

ففي عام (1216 هـ) أعدّ الأمير سعود - الوهابي - جيشاً ضخماً يتألف عن عشرين ألفاً، وشنوا هجوماً عنيفاً على مدينة كربلاء المقدسة بالعراق، وكانت كربلاء - ولا زالت - مدينة مقدسة لها شهرة بالغة، ومحبة في قلوب المؤمنين، ويقصدها الزوار بمختلف جنسياتهم من إيرانيين وأتراك وعرب وغيرهم فحاصر الجيش الوهابي هذه المدينة المقدسة ثم اقتحمها ودخلها، وأكثر فيها القتل والنهب والفساد والخراب.

وقد ارتكب الوهابيون في مدينة كربلاء المقدسة جرائم وفجائع لا توصف، فقد قتلوا خمسة آلاف مسلم أو أكثر وقيل: إنّهم قتلوا «20» الفاً.

وعندما انتهى الأمير سعود من العمليات الحربية هناك عمد إلى خزانة الامام الحسين بن علي عليه‌السلام ، وكانت مليئة بالذهائر النفيسة والهدايا القيمة التي أهداها الملوك والأمراء وغيرهم إلى الروضة المقدسة، فابتزها نهباً.

وبعد هذه الفاجعة الأليمة اتخذت مدينة كربلاء لنفسها طابع الحزن حتى نظم الشعراء قصائد كثيرة في رثائها (3) .

__________________

(1) تاريخ المملكة العربية السعودية 1 / 51.

(2) الأقوال متعددة في سنة ولادة محمد بن عبد الوهاب ومماته.

(3) عن تاريخ كربلاء للدكتور عبد الجواد الكيدار: 172 - 173.


وكان الوهابيون يشنون هجماتهم وغاراتهم الحاقدة على كربلاء المقدسة وضواحيها بين فترة وأخرى، وخلال مدة تتراوح بين اثني عشرة عاماً، وكذلك فعلوا مع النجف الأشرف، فيعودون ناهبين سارقين، وكانت البداية هي الهجوم على كربلاء عام (1216) كما سبقت الاشارة اليه.

وقد اتفقت كلمات المؤلفين من الشيعة على أنّ ذلك الهجوم كان في يوم عيد الغدير الأغر، ذكرى تنصيب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الامام علي بن أبي طالب عليه‌السلام خليفة له من بعده (1) .

يقول العلامة المرحوم السيد محمد جواد العاملي (2) :

وقد منّ الله - سبحانه - بفضله وإحسانه وببركة محمد وآله صلى‌الله‌عليه‌وآله لاتمام هذا الجزء من كتاب «مفتاح الكرامة» بعد انتصاف الليل من الليلة التاسعة من شهر رمضان المبارك سنة (1225 هـ) على يد مصنفه... وكان مع تشويش البال واختلال الحال، وقد أحاطت الأعراب من عنيزة، القائلين بمقالة الوهابي الخارجي بالنجف الأشرف ومشهد الامام الحسين عليه‌السلام ، وقد قطعوا الطرف ونهبوا زوّار الحسين عليه‌السلام بعد منصرفهم من زيارة نصف شعبان، وقتلوا منهم جماعة غفيرة، وأكثر القتلى من العجم، وربمّا قيل: بأنهم مائة وخمسين وقيل: أقل... (3) .

* * *

وفي عام (11344) بعد ما استولى آل سعود على مكة المكرمة والمدينة المنورة وضواحيهما بدأوا يبحثون عن دليل يبرر لهم هدم المراقد المقدسة في البقيع، ومحو

__________________

(1) لمزيد الاطلاع على عيد الغدير الأغر أنظر الجزء الأول من كتاب الغدير للعلامة الاميني رحمه‌الله .

(2) مفتاح الكرامة 7 / 653.

(3) أنظر الوهابية في الميزان للعلامة الشيخ السبحاني: 36 وما بعدها.


آثار أهل البيت عليهم‌السلام والصحابة، فلجأوا إلى الاستفتاء من علماء المدينة المنورة حول حرمة البناء على القبور محاولة منهم لتبرير موقفهم أمام الرأي العام الاسلامي وخاصة في الحجاز؛ لأنهم كانو يدركون جيداً أنّ المسلمين في الحجز هم كالمسلمين في كلّ مكان، يعتقدون بكرامة أولياء الله وقدسيتهم وجواز البناء على قبورهم، فحاول الوهابيون أن يلبسوا جريمتهم هذه بلباس الاسلام دفعاً لنقمة المسلمين!! سبحان الله.

أرسلت السلطة السعودية قاضي القضاء في نجد واسمه: «سليمان بن بلهيد» إلى المدينة المنورة للاستفتاء من علمائها حول بناء مراقد أولياء الله، ولكن الجدير بالذكر هو أنّ الأسئلة التي طرحها «ابن بلهيد» كانت تحمل في طواياها الأجوبة المطابقة لآراء الوهابيين أنفسهم، وما كان من العلماء إلّا الاجابة بمثل ما هو مذكور في الاستفتاء نفسه، ولم يكن علماؤهم يملكون الشجاعة والبطولة في التجاهر بالحق والافتاء بالصواب، بل كانوا - وهم كذلك طوال التاريخ - يرتزقون على أبواب السلطان، وكانوا يعرفون - مسبقاً - أنّ الافتاء على خلاف آرائهم يعرّضهم للتهمة بالكفر والشرك، ومن ثم يحكمون عليهم بالقتل إن رفضوا التوبة.

وقد نشرت جريدة «أم القرى» الصادرة في مكة في شوال (1344 هـ) تلك الأسئلة والأجوبة، وقد أثارت ضجة كبرى بين المسلمين - السنة والشيعة - لأنهم كانوا يعلمون أنّ وراء هذا الاستفتاء الذي قد صدر تحت وطأة التهديد والترهيب إنّما هو الشروع بهدم القباب والبناء المشيّد على قبور قادة الاسلام وعظماء المسلمين.

وهذا ما حصل بالفعل، فبعد ما صدرت تلك الفتوى من خمسة عشر عالماً من علماء المدينة وانتشر في الحجاز. بدأت السلطة الوهابية بهدم قبور آل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله في الثامن من شوال من نفس العام، وقضت على آثار أهل البيت عليهم‌السلام والصحابة،


ونهبت كلّ ما كان في ذلك الحرم المقدس من فرش غالية وهدايا ثمينة وغيرها، وحوّلت تلك الزمرة الوحشية البقيع المقدس إلى أرض قفراء موحشة (1) .

كما هجموا بمساحيهم ومعاولهم ووحشيتهم على قبة عبد الله بن عباس في الطائف، ثم استولوا على مكة، فبادروا إلى هدم ما في «المعلى» مقابر قريش من القباب، وهي كثيرة، منها قبة سيدنا عبد المطلب جدّ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقبة سيدنا أبي طالب عليه‌السلام ، وقبة السيدة خديجة عليها‌السلام ، كما هدموا قبة مولد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومولد الامام علي عليه‌السلام ، وهدموا قبة زمزم، والقباب التي حول الكعبة، وتتبعوا جميع المواضع فيها آثار الصالحين فهدموها، وكانوا عند الهدم يرتجزون ويضربون بالطبول ويغنون ويبالغون في شتم القبور (2) .

قال العلامة السيد صدر الدين الصدر:

لعمري إنّ فاجعة البقيع

يشيب لهولها فؤود الرضيع

وسوف تكون فاتحة الرزايا

إذا لم يصح من هذا الهجوع

أما من مسلم لله يرعى

حقوق بنية الهادي الشفيع

وقال آخر:

تب لأحفاد اليهود بما جنوا

لم يكسبوا من ذاك إلّا العارا

هتكوا حريم محمد في آله

يا ويلهم قد خالفوا الجبارا

هدموا قبور الصالحين بحقدهم

بعداً لهم قد أغضبوا المختارا

* * *

__________________

(1) أنظر: كشف الارتياب: 287 الفصل التاسع.

(2) أنظر المصدر السابق.


الفصل

السادس عشر

شريكات أم البنين عليها‌السلام


شريكات أم البنين عليها‌السلام

إنّ لفاطمة الزهراء عليها‌السلام خصائص كثيرة تفوق فيها على الرجال فضلاً عن النساء، فلا يمكن والحال هذه أن نجعل الصديقة في صفّ واحد مع باقي نساء أمير المؤمنين عليه‌السلام ونعتبرهن شريكات لها وذلك لأنها:

أولاً: معصومة، وقد ثبت أنّ المعصومة لا يتزوجها إلّا معصوم، ولو جاز للزم القول بجعل السبيل للفاسق على المعصومة، وهو خلاف رضا الله تعالى، ويأبى الله المنان أن يجعل أمته المطيعة في حكم الرجل ال عاصي، نعم؛ يجوز العكس، فللأنبياء والأئمة عليهم‌السلام أن يتزوجوا غير المعصومات.

وإنّما قلنا أنّ المعصومة لا يتزوجها إلّا معصوم لأنّ المعصومة مصيبة وغير المعصوم مخطىء، وذو العصمة أشرف من غيره، ولا يجوز لأهل الصواب أن يدخلوا في حبائل أهل الخطاء وفرض إطاعة المخطىء ينافي رضا الحق كما ذكرنا.

وثانياً: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يأمر أمير المؤمنين عليه‌السلام أحياناً فيقول: يا علي أطع فاطمة ويأمر فاطمة فيقول: أطيعي علياً.

وإنّما يأمر علياً بطاعتها لعصمتها وصواب رأيها ولأنها لا تخطأ، وكأنّ رأي فاطمة رأي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولذا قال عليه‌السلام : «عاشرت فاطمة تسع سنين فلم تسخطني ولم أسخطها».


وثالثاً: في البحار «إنّ الله حرّم النساء على علي ما دامت فاطمة حية» (1) .

ولو لم يكن أمير المؤمنين لم يكن لأحد أن يتزوجها لما ورد في الحديث «لو لم يكن علي لما كان لفاطمة كفؤ آدم فمن دونه».

ورابعاً: لأنّها عليها‌السلام سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين فكيف - إذن - تقاس بغيرها من النساء وتسمى لها شريكة؟!

ولكننا - بالرغم من ذلك - سنتعرض إلى ذكر شيء من فضائلها وحياتها باعتبار عدم إمكان التفكيك بينها وبين أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فالاتحاد المعنوي النبوي والعلوي جار في وجود سيدة العصمة فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، ولا شك أنّ فاطمة خلقت لأجل علي وأنّ علياً خلق لأجلها، وأنهما كفوان ومتحدان لا يفترقان في عالم الأبدية بلا شائبة وريبة.

فمقام فاطمة تالي المرتبتين، والنقطة بين الخطين، والواقفة بين الحدّين، ولازمة بالمعية منذ المبدأ في عالم الأنوار مشاركة دون انفكاك (2) ، وليس باعتبار أن أم البنين عليها‌السلام أو غيرها من نساء أمير المؤمنين عليه‌السلام شريكات لها.

* * *

__________________

(1) البحار 43 / 15 ح 14 باب 2.

(2) أنظر: الخصائص الفاطمية للكجوري ترجمة سيد علي أشرف 1 / 522.


فاطمة الزهراء عليها‌السلام

فضائل الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها‌السلام :

مما لا شك فيه أنّ فضائل الصديقة الطاهرة، أم الأبرار، لا تعدّ ولا تحصى، وهي الكوثر الذي لا ينضب، غير أننا سنذكر شيئاً منها تيمّناً وتبرّكاً.

1 - عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد يمشين أمام فاطمة كالحجاب لها إلى الجنة (1) .

2 - عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله قال:... يا علي خير نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم.. وأفضلهن فاطمة (2) .

3 - عن عائشة عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال: يا فاطمة أبشري فانّ الله - تعالى - اصطفاك على نساء العالمين، وعلى نساء الاسلام، وهو خير دين (3) .

4 - روى مجاهد قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ فاطمة شجنة مني، يسخطني ما أسخطها، ويرضيني ما أرضاها (4) .

__________________

(1) البحار 43 / 37 ح 40 باب 3.

(2) البحار 43 / 36 ح 39 باب 3.

(3) المصدر نفسه.

(4) البحار 43 / 51 ح باب 3، عن كشغ الغمة، عن معالم العترة.


5 - وروى مجاهد أيضاً قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو أخذ بيد فاطمة عليها‌السلام : من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمد، وهي بضعة مني، وهي قلبي وروحي التي بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله (1) .

6 - في كتاب نوادر الراوندي قال: قال علي عليه‌السلام : استأذن أعمى على فاطمة عليها‌السلام فحجبت.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : لم حجبتيه وهو لا يراك؟

فقالت: إن لم يكن يراني فأنا أراه، وهو يشمّ الريح.

فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : أشهد أنك بضعة مني (2) .

7 - في سنن الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله (3) .

8 - في ينابيع المودة عن جابر عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ابنتي فاطمة حوراء إنسية لم تحض ولم تطمث، إنّما سماها الله فاطمة لأنّ الله فطمها وفطم ولدها ومحبيها عن النار (4) .

9 - عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش يا أهل الجمع؛ نكّسوا رؤوسكم وغضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد على الصراط ومعها سبعون ألف جارية من الحور العين كالبرق اللامع (5) .

__________________

(1) البحار 43 / 54 ج 48 باب 3.

(2) البحار 43 / 91 ح 16 باب 4.

(3) سنن الترمذي 5 / 703 ح 3878.

(4) ينابيع المودة 2 / 121 رقم 354 باب 56.

(5) البحار 43 / 53 ح 48 باب 3.


10 - عن أنس وأبي عروة الأسلمي والخدري أنّه لما نزلت آية التطهير جاء النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أربعين صباحاً إلى باب فاطمة وهو يتلو هذه الآية ويقول: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم.

وفي رواية: تسعة أشهر يسلم عليهم ويقرأ آية التطهير ويدعو لهم ويقول: الصلاة (1) .

11 - عن ابن عباس قال: قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : رأيت ليلة المعراج هذه الكلمات مكتوبة على سرادق العرض: لا الله إلّا الله، محمد رسول الله، علي حبيب الله، الحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمة الله، على باغضهم لعنة الله (2) .

12 - في حديث طويل قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : إن الله - تبارك وتعالى - بنى جنة لعلي وفاطمة عليهم‌السلام (3) .

13 - قال النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله فطم ابنتي وولديها ومن أحبهم من النار (4) .

14 - روى النسفي عن علي عليه‌السلام قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله للحسن والحسين عليهما‌السلام : أنتما كفتا الميزان، وفاطمة لسانه، ولا تعدل الكفتان إلّا باللسان، ولا يقوم اللسان إلّا على الكفتين، أنتما الأمان ولأمكما الشفاعة (5) .

* * *

__________________

(1) أنظر: البحار 37 / 79 ح 48 باب 50.

(2) المناقب للخوارزمي: 302 ح 297.

(3) كفاية الطالب: 320 - 321 باب 89.

(4) البحار 43 / 18 ح 18 باب 2، الصواعق المحرقة: 160 باب 11 الفصل الأول الآية العاشرة.

(5) أنظر الحديث وما سبقه مما ذكرناه وغيرها في الخصائص الفاطمية 2 / 545 وما قبلها وما بعدها.


ولادتها ووفاتها عليها‌السلام :

ولدت عليها‌السلام في مكة المكرمة في (20 جمادي الثاني) في السنة الخامسة للبعثة النبوية المباركة (1) .

فعاشت مع أبيها «8» سنين في مكة و «10» في مدينة المنورة.

وتوفيت شهيدة بعد وفاة أبيها بـ «75» يوماً في الثالث من جمادي الثانية سنة (11 للهجرة).

* * *

__________________

(1) أنظر: المناقب لابن شهر آشوب 3 / 357، دلائل الإمامة: 10، أصول الكافي 1 / 458، كشف الغمة 2 / 75.


لماذا غصبت فدك؟!

فدك في القرآن:

قال الله تعالى: ( وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ... ) (1) .

الافاءة؛ الإرجاع، من الفيء بمعنى الرجوع.

ولامعنى: والذي أرجعه الله إلى رسوله من أموال بني النضير - خصه به وملّكه وحده إياه - فلم تسيروا عليه فرساً ولا إبلاً بالركوب حتى يكون لكم فيه حق، بل مشيتم إلى حصونهم مشاة لقربها من المدينة، ولكن الله يسلّط رسله على من يشاء، والله على كلّ شيء قدير، وقد سلّط النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله على بني النضير فله فيئهم يفعل فيه ما يشاء.

وقوله: ( مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ... )

__________________

(1) سورة الحشر: الآيتان 6 - 7.


ظاهره أنّه بيان لموارد صرف الفىء المذكور في الآية السابقة مع تعميم الفيء لفيء أهل القرى أعم من بني النضير وغيرهم.

وقوله: ( فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) أي منه ما يختص بالله، والمراد صرفه وانفاقه في سبيل الله ما يراه الرسول، ومنه ما يأخذه الرسول لنفسه.

وقوله: ( وَلِذِي الْقُرْبَىٰ ) المراد بذي القربى قرابة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا معنى لحمله على قرابة عامة المؤمنين، وهو ظاهر.

والمراد باليتامى الفقراء منهم كما يشعر به ال سياق، وإنّما أفرد وقدّم على «المساكين» مع شموله له للاعتناء بأمر اليتامى.

وقد ورد عن أئمة أهل البيت عليهم‌السلام أنّ المراد بذي القربى أهل البيت، واليتامى والمساكين وابن السبيل منهم.

وفي المجمع: روى المنهال بن عمر عن علي بن الحسين عليه‌السلام قلت: وقوله: ( وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) قال: هم قربانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا (1) .

وروى ابن بابويه عن أبي سعيد الحذري قال: لما نزلت ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا فاطمة لك فدك.

وعن علي بن الحسين عليه‌السلام قال: اقطع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة عليها‌السلام فدك.

وعن ابان بن تغلب عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال: قلت: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أعطى فاطمة عليها‌السلام فدك؟

قال: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وقفها، فأنزل الله - تبارك وتعالى - ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) فأعطاها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله حقها.

__________________

(1) أنظر: الميزان 19 / 211 ذيل الآية الشريفة.


قلت: رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أعطاها؟

قال: بل الله - تبارك وتعالى - أعطاها.

وقد تظاهرت الرواية من طرق أصحابنا بذلك، وثبت أنّ ذا القربى: علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم‌السلام (1) .

فدك في نهج البلاغة:

قال مولى الموحدين أمير المؤمنين في كتابه لعثمان بن حنيف (2) :

«.. بلى كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك، والنفس مظانها في غد جدث، تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها، وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر وسدّ فرجها التراب المتراكم، وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق».

قال ابن أبي الحديد: وهذا الكلام كلام شاكٍ متظلّم (3) .

قوله تعالى: ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (4) :

عن أبي عبد الله عليه‌السلام في حديث: إنّ الله - تبارك وتعالى - لما فتح على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله فدك وما والاها، لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فأنزل الله على نبيه صلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(1) البحار 29 / 215 باب جوامع الاحتجاج في أمر فدك.

(2) نهج البلاغة كتاب: 45.

(3) شرح نهج البلاغة 16 / 208.

(4) سورة الاسراء: الآية 26.


( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) ولم يدر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله من هم، فراجع في ذلك جبرائيل عليه‌السلام ، وراجع جبرائيل ربّه، فأوحى الله: أن إدفع فدك إلى فاطمة عليها‌السلام .

فدعاها رسول الله فقال لها: يا فاطمة إنّ الله أمرني أن أدفع اليك فدك.

فقالت: قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك... (1) .

وروى الثعلبي في «كشف البيان» وجلال الدين السيوطي في الجزء الرابع من تفسيره عن الحافظ ابن مردويه أحمد بن موسى المفسر المتوفى سنة (352 هـ)، وعن أبي سعيد الحذري، وكذلك روى الحاكم الحسكاني، وابن كثير عماد الله بن إسماعيل بن عمر الدمشقي فقيه الشافعية في تاريخه، والشيخ سليمان القندوزي البلخي الحنفي في الباب «39» من ينابيع المودة عن تفسير الثعلبي، وجمع الفوائد، وعيون الأخبار: أنّه لما نزل قوله: ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) أعطى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله فاطمة فدك.

فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكانت تأخذ من غلتها مقدار القوت وتنفق الباقي في سبيل الله بين فقراء بني هاشم وغيرهم.

وفي عيون الأخبار في حديث:.. قول الله ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) خصوصية خصهم الله العزيز الجبار بها، واصطفاهم على الأمة، فلمّا نزلت هذه الآية على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ادعو ليفاطمة.

فدعيت له فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا فاطمة.

قالت: لبيك يا رسول الله.

فقال: هذه فدك هي مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، وهي لي خصة دون المسلمين، فقد جعلتها لك لما أمرني الله به، فخذيها لك ولولدك (2) .

__________________

(1) تفسير نور الثقلين 4 / 173 ح 158.

(2) تفسير نور الثقلين 4 / 174 ح 156، ولأمير المؤمنين عليه‌السلام احتجاجات كثيرة في قضية فدك فمن شاء فليراجع في الاحتجاج للطبرسي.


حدود فدك:

في المناقب عن كتاب أخبار الخلفاء: إنّ هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: حدّ فدكاً حتى أردّها اليك، فيأبى، حتى ألحّ عليه.

فقال عليه‌السلام : لا آخذها إلّا بحدودها.

قال: وما حدودها؟

قال: إنّ حددتها لم تردّها.

قال: بحق جدّك إلّا فعلت.

قال: أما حدّ الأول فعدن.

فتغير وجه الرشيد وقال: إيهاً.

قال: والحد الثاني سمرقند.

فأربد وجهه.

قال: والحدّ الثالث إفريقية.

فاسودّ وجهه وقال: هنيه.

قال: والرابع سيف البحر ما يلي الخزر وأرمينية.

قال الرشيد: فلم يبق لنا شيء، فتحوّل إلى مجلسي.

قال موسى: قد أعلمتك أنّني إن حددتها لم تردّها.

فعند ذلك عزم على قتله.

وفي رواية ابن أسباط أنّه قال:

أما الحدّ الأول فعريش مصر.

والثاني: دومة الجندل.

والثالث: أحد.

والرابع: سيف البحر.


فقال: هذا كله؟! هذه الدنيا.

فقال عليه‌السلام : هذا كان في أيدي اليهود بعد موت أبي هالة فأفاءه الله على رسوله بلا خيل ولا ركاب فأمره الله أن يدفعه إلى فاطمة عليها‌السلام (1) .

قال المجلسي: هذان التحديدان خلاف المشهور بين اللغويين... ولعل مراده عليه‌السلام أن تلك كلّها في حكم فدك، وكأن الدعوى على جميعها وإنّما ذكروا فدك على المثال أو تغليباً.

عمر يمزق وثيقة فدك:

في الاختصاص (2) عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام في حديث طويل: لما قبض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وجلس أبو بكر مجلسه بعث إلى وكيل فاطمة - صلوات الله عليها - فأخرجه من فدك، فأتته فاطمة عليها‌السلام ، وبعد احتجاجات طويلة قال أبو بكر: صدقت.

قال: فدعا بكتاب فكتبه لها بردّ فدك، فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك؟

فقالت: كتاب كتب لي أبو بكر بردّ فدك.

فقال: هلميه إليّ، فأبت أن تدفعه اليه، فرفسها برجله - وكانت عليها‌السلام حاملة بابن اسمه المحسن - فأسقطت المحسن من بطنها، ثم لطمها، فكأني أنظر إلى قرط في أذنها حين نقفت، ثم أخذ الكتاب خرقه.

فمضت ومكثت خمسة وسبعين يوماً مريضة مما ضربها عمر، ثم قبضت.

فلما حضرتها الوفاة دعت علياً - صلوات الله عليه - فقالت: إما تضمن وإلا أوصيت إلى الزبير.

__________________

(1) بحار الأنوار 29 / 200 - 201 ح 41.

(2) الاختصاص: 183 - 185.


فقال علي عليه‌السلام : أنا أضمن وصيتك يا بنت محمد.

قالت: سألتك بحق رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا أنا متّ أن لا يشهداني (تعني عليها‌السلام أبا بكر وعمر) ولا يصليا عليّ.

قال: فلك ذلك (1) .

فلما قبضت - صلوات الله عليها - دفنها ليلاً في بيتها، وأصبح أهل المدينة يريدون حضور جنازتها، وأبو بكر وعمر كذلك.

فخرج اليهما علي عليه‌السلام فقالا له: ما فعلت بابنة محمد؟! أخذت في جهازها يا أبا الحسن؟

فقال علي عليه‌السلام : قد والله دفنتها.

قالا: فما حملك على أن دفنتها ولم تعلمنا بموتها؟

قال: هي أمرتني.

فقال عمر: والله لقد هممت بنبشها والصلاة عليها.

فقال علي - صلوات الله عليه -: أما والله مادام قلبي بين جوانحي وذوالفقار في يدي فانك لا تصل إلى نبشها، فأنت أعلم.

فقال أبو بكر: اذهب فانه أحقّ بها منا وانصرف (2) .

موقف القرآن والنبي والأئمة ممن آذى فاطمة عليها‌السلام :

قال الله تبارك وتعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا ) (3) .

__________________

(1) أنظر: حلية الاولياء 2 / 43، المستدرك للحاكم 3 / 163، أسد الغابة 5 / 254، الاستيعاب 2 / 751، المقتل للخوارزمي 1 / 83، إرشاد الساري للقسطلاني 6 / 326، الاصابة 4 / 378 - 380، تاريخ الخميس 1 / 313، الامامة والسياسة 1 / 14 وغيرها....

(2) البحار 29 / 192.

(3) سورة الاحزاب: الآية 57.


وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله».

وقالت فاطمة عليها‌السلام : فوالله لقد آذيتماني (1) .

وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مخاطباً فاطمة عليها‌السلام : إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك (2) .

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : فاطمة بضعة مني من أغضبها فقد أغضبني.

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : من تأثم أن يلعن من لعنه الله فعليه لعنة الله (3) .

وقال الصادق عليه‌السلام : من شكّ في كفر أعدائنا والظالمين لنا فهو كافر (4) .

وروى الصدوق باسناد معتبر - بشهادة المجلسي - عن ابن عباس قال: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله كان جالساً؛ إذ أقبل الحسن عليه‌السلام ، فلما رأه بكى ثم قال: إليّ إليّ يا بني.. ثم أقبل الحسين.. ثم أقبلت فاطمة.. ثم أقبل أمير المؤمنين.. فسأله أصحابه.. فأجابهم فكان مما قاله لهم:

.. وأما ابنتي فاطمة، فانها سيدة نساء العالمين...

إلى أن قال: وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بعدي، كأني بها وقد دخل الذل بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصب حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي، يا محمداه، فلا تجاب، وتستغيث فلا تغاث، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية....

إلى أن قال: ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة....

إلى أن قال: فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي، فتقدم عليّ محزونة مكروبة مغمومة مغصوبة مقتولة.

__________________

(1) الامامة والسياسة 1 / 13 - 14.

(2) أنظر: المستدرك للحاكم 3 / 154، تذكرة الخواص: 175، المقتل للخوارزمي 1 / 52، كفاية الطالب: 219، كنز العمال 7 / 111، الصواعق المحرقة: 105.

(3) رجال الكشي: 529 ح 1012.

(4) بحار الانوار 27 / 62.


يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عند ذلك: اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وذلل من أذلّها، وخلّد في نارك من ضرب جنبها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين (1) .

قال الرضا عليه‌السلام : كمال الدين ولايتنا والبراءة من عدونا (2) .

فاطمة خيرة الله فلماذا ظلموها؟:

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : رأيت مكتوباً على باب الجنة فاطمة خيرة الله (3) .

وصية الصديقة عليها‌السلام :

روي أنّ أبا جعفر عليه‌السلام أخرج سفطاً أو حقّاً، وأخرج منه كتاباً فقرأه، وفيه وصية فاطمة عليها‌السلام :

«بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصيت به فاطمة بنت محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، أوصت بحوائطها السبعة إلى علي بن أبي طالب، فان مضى فإلى الحسن، فان مضى فإلى الحسين، فان مضى فإلى الأكابر من ولدي».

شهد المقداد بن الاسود، والزبير بن العوام، وكتب علي بن أبي طالب (4) .

الواقدي: إنّ فاطمة لما حضرتها الوفاة أوصت علياً أن لا يصلي عليها أبو بكر وعمر فعمل بوصيتها.

__________________

(1) فرائد السمطين 2 / 34 - 35، الأمالي للصدوق: 99 - 100، إثبات الهداة 1 / 280 - 281، إرشاد القلوب: 195، بحار الانوار 28 / 37 - 39 و 43 / 172 - 173، العوالم 11 / 391 - 392، المحتضر: 109.

(2) بحار الانوار 27 / 58.

(3) تاريخ بغداد 1 / 259.

(4) البحار 43 / 185 ح 18.


وأوصت إلى علي بثلاث:

أن يتزوج بابنة أختها أمامة لحبها أولادها.

وأن يتخذ نعشاً لأنّها كانت رأت الملائكة تصوروا صورته، ووصفته له.

وأن لا يشهد أحد جنازتها ممن ظلمها.

وأن لا يترك أن يصلي عليها أحد منهم (1) .

غسلها عليها‌السلام عند الوفاة:

روى أحمد بن حنبل باسناده قال: قالت أم سلمة امرأة أبي رافع: اشتكت فاطمة شكواها التي قبضت فيها، وكنت أمرّضها، فأصبحت يوماً أسكن ما كانت، فخرج علي إلى بعض حوائجه فقالت: اسكبي لي غسلاً، فسكبت، فقامت واغتسلت أحسن ما يكون من الغسل، ثم لبست أثوابها الجدد، ثم قالت: افرشي فراشي وسط البيت، ثم استقبلت القبلة ونامت، وقالت: أنا مقبوضة، وقد اغتسلت فلا يكشفني أحد، ثم وضعت خدّها على يدها وماتت (2) .

وروي: لما حضرتها الوفاة قالت لأسماء: إنّ جبرئيل أتى النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لما حضرته الوفاة بكافور من الجنة، فقسمه أثلاثاً: ثلثاً لنفسه، وثلثاً لعلي، وثلثاً لي، وكان أربعين درهماً فقالت: يا أسماء أئتيني ببقية حنوط والدي من موضع كذا وكذا فضعيه عند رأسي، فوضعته، ثم تسجت بثوبها وقالت: انتظريني هنيهة وادعيني فان أجبتك وإلّا فاعلمي أني قد قدمت على أبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فانتظرتها هنيهة ثم نادتها فلم تجبها فنادت: يا بنت محمد ال مصطفى، يا بنت أكرم من حملته النساء، يا بنت خير من وطىء الحصى، يا بنت من كان من ربّه قاب قوسين أو أدنى.

__________________

(1) البحار 43 / 182 ح 16.

(2) البحار 43 / 183.


قال: فلم تجبها، فكشفت الثوب عن وجهها فاذا بها قد فارقت الدنيا، فوقعت عليها تقبلها وهي تقول: فاطمة إذا قدمت على أبيك رسول الله فاقرئيه عن أسماء بنت عميس السلام.

فبينا هي كذلك إذ دخل الحسن والحسين فقالا: يا أسماء ما ينيم أمنا في هذه الساعة؟

قالت: يا ابني رسول الله ليست أمكما نائمة، قد فارقت الدنيا، فوقع عليها الحسن يقبلها مرة ويقول: يا أماه كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني.

قالت: وأقبل الحسين يقبل رجلها ويقول: يا أماه أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن ينصدع قلبي فأموت.

قالت لهما أسماء: يا ابني رسول الله انطلقا إلى أبيكما علي فأخبراه بموت أمكما، فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء، فابتدرهما جميع الصحابة فقالوا: ما يبكيكما يا ابني رسول الله، لا أبكى الله أعينكما، لعلكما نظرتما إلى موقف جدّكما فبكيتما شوقاً اليه.

فقالا: لا؛ أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة صلوات الله عليها.

قال: فوقع علي عليه‌السلام على وجهه يقول: بمن العزاء يا بنت محمد؟ كنت بك أتعزّى ففيم العزاء من بعدك.

ثم قال:

لكلّ اجتماع من خليلين فرقة

وكلّ الذي دون الفراق قليل

وإنّ افتقادى فاطماً بعد أحمد

دليل على أن لا يدوم خليل (1)

__________________

(1) البحار 43 / 186 - 187.


أبناء رسول الله يودّعون أمهم:

قال علي عليه‌السلام : والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشف عنها، فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة، ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكفنتها وأدرجتها في أكفانها، فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت يا أم كلثوم! يا زينب! يا سكينة! يا فضة! يا حسن! يا حسين! هلموا تزودوا من أمكم، فهذا الفراق واللقاء في الجنة.

فأقبل الحسن والحسين عليه‌السلام وهما يناديان واحسرتا لا تنطفىء أبداً من فقد جدنا محمد المصطفى وأمنا فاطمة الزهراء؛ يا أم الحسن يا أم الحسين إذا لقيت جدنا محمد المصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له: إنّا قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا.

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : إنّي أشهد الله أنها قد حنت وأنّت ومدّت يديها وضمتهما إلى صدرها ملياً، وإذا بهاتف من السماء ينادي: يا أبا الحسن إرفعهما عنها فلقد أبكيا - والله - ملائكة السماوات، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب.

أمير المؤمنين عليه‌السلام يودع فاطمة عليها‌السلام :

عن الحسين بن علي عليه‌السلام قال: لما قبضت فاطمة عليها‌السلام دفنها أمير المؤمنين عليه‌السلام سرّاً، وعفا على موضع قبرها، ثم قام فحوّل وجهه إلى قبر رسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم قال:

السلام عليك يا رسول الله عني، والسلام عليك عن ابنتك، وزائرتك، والبائتة في الثرى ببقعتك، والمختار الله لها سرعة اللحاق بك، قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري، وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي؛ إلّا أنّ في التأسي لي بسنتك في فرقتك موضع تعزّ، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك، وفاضت نفسك بين نحري وصدري.

بلى؛ وفي كتاب الله لي أنعم القبول ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) قد استرجعت


الوديعة، وأخذت الرهينة، وأخلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله.

أمّا حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، وهم لا يبرح من قلبي، أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، كمد وقيح، وهم مهيج، سرعان ما فرق بيننا، وإلى الله أشكو، وستنبئك ابنتك بتظافر أمتك على هظمها، فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلاً، وستقول ويحكم الله، وهو خير الحاكمين.

والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم، فان انصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين.

واهاً واهاً، والصبر أيمن وأجمل، ولو لا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاماً معكوفاً، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية.

فبعين الله تدفن ابنتك سرّاً، وتهضم حقها، ويمنع إرثها، ولم يتباعد العهد، ولم يخلق منك الذكر، وإلى الله - يا رسول الله - أحسن العزاء، صلى الله عليك و عليها‌السلام والرضوان (1) .

الظلمة يلاحقون فاطمة بعد الشهادة:

عن الصادق عليه‌السلام في حديث طويل:... فلمّا أصبح أبو بكر وعمر.. فلقيا رجلاً من قريش فقالا له: من أين أقبلت؟

قال: عزّيت علياً بفاطمة.

قالا: وقد ماتت؟

قال: نعم، ودفنت في جوف الليل...

__________________

(1) البحار 43 / 194.


ثم أقبلا إلى علي عليه‌السلام فلقياه فقالا له: والله ما تركت شيئاً من غوائلنا ومسائتنا، وما هذا إلّا من شيء في صدرك علينا.. هل هذا إلّا كما غسلت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله دوننا ولم تدخلنا معك؟؟؟!!! وكما علمت ابنك أن يصيح بأبي بكر أن: انزل عن منبر أبي....

فأجابهم أمير المؤمنين عليه‌السلام عن افتراءاتهم ثم قال: وأما فاطمة فهي المرأة التي استأذنت لكما عليها، فقد رأيتما ما كان من كلامها لكما، والله لقد أوصتني أن لا تحضرا جنازتها ولا الصلاة عليها، وما كنت الذي أخالف أمرها ووصيتها إليّ فيكما.

فقال عمر: دع عنك هذه الهمهمة، أنا أمضي إلى المقابر فأنبشها حتى أصلّي عليها.

فقال له علي عليه‌السلام : والله لو ذهبت تروم من ذلك شيئاً - وعلمت أنّك لا تصل إلى ذلك حتى يندر عنك الذي فيه عيناك - فاني كنت لا أعاملك إلّا بالسيف قبل أن تصل إلى شيء من ذلك.

فوقع بين علي عليه‌السلام وعمر كلام حتى تلاحيا واستبسل... (1) .

وفي عيون المعجزات:... ودفنها... وجدّد أربعين قبراً، فاستشكل على الناس قبرها، فأصبح الناس ولام بعضهم بعضاً، وقالوا إنّ نبينا صلى‌الله‌عليه‌وآله خلّف بنتاً ولم نحضر وفاتها والصلاة عليها ودفنها، ولا نعرف قبرها فنزورها.

فقال من تولّى الأمر: هاتوا من نساء المسلمين من تنبش هذه القبور حتى نجد فاطمة عليها‌السلام فنصلّي عليها ونزور قبرها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام فخرج مغضباً قد احمرت عيناه، ودرّت أوداجه، وعليه القباء الأصفر الذي كان يلبسه في الكريهة، وهو يتوكأ على سيفه ذي الفقار حتى أتى البقيع، فسار الناس من أنذرهم وقال:

__________________

(1) البحار 43 / 205.


هذا علي قد أقبل كما ترونه وهو يقسم بالله لئن حوّل من هذه القبور حجر ليضعن السيف في رقاب الآمرين.

فتلقاه الرجل ومن معه من أصحابه وقال له: مالك يا أبا الحسن، والله لننبشن قبرها ونصلّي عليها.

فأخذ علي بجوامع ثوبه ثم ضرب به الأرض وقال: يابن السوداء، أمّا حقّي فقد تركته مخافة ارتداد الناس عن دينهم، وأمّا قبر فاطمة فوالذي نفسي علي بيده لئن رمت أنت أو أصحابك شيئاً لأسقين الأرض من دمائكم، فان شئت فافعل يا ثاني.

وجاء الأول وقال له: يا با الحسن بحقّ رسول الله وبحقّ فاطمة إلّا خلّيت عنه فانا لسنا فاعلين شيئاً تكرهه، فخلى عنه وتفرّق الناس ولم يعودوا إلى ذلك (1) .

* * *

__________________

(1) دلائل الامامة: 47.


أسماء بنت عميس

أسماء بنت عميس بن سعد بن الحارث بن تميم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن معاوية بن زيد بن مالك بن نسر بن وهب الخثعمي، ولذا عرفت أسماء بالخثعمية.

وأمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث من كنانة.

وقد تزوجت هند مرتين:

الأول: هو الحارث بن حزن بن جبير الهلالي.

والثاني: عميس بن سعد.

وولدت منهما بنات كريمات زوجتهن من رجال كرام، وقال فيها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : هي أكرم عجوز جمعت على الأرض أصهاراً.

فبناتها:

ميمونة زوجة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأم الفضل زوجة العباس.

وأسماء بنت عميس التي سنتحدث عنها.

وسلمى زوجة حمزة سيد الشهداء.

وسلمة زوجة عبد الله بن كعب الخثعمي.


وقد وعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله هؤلاء الأخوات بدخول الجنة كما روى المرحوم الصدوق - طاب ثراه - في العلل والمرحوم المجلسي في البحار عن أبي بصير عن أبي جعفر الأول عليه‌السلام قال: سمعته يقول:

رحم الله الأخوات من أهل الجنة، فسماهن: أسماء بنت عميس الخثعمية، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب عليه‌السلام ، وسلمى بنت عميس الخثعمية، وكانت تحت حمزة، وخمس من بني هلال: ميمونة بنت الحارث، وكانت عند النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأم الفضل عند العباس، واسمها هند، والغميصاء (وقيل: القميصان) أم خالد بن الوليد، وكانت أنصارية لازمت أمير المؤمنين عليه‌السلام في صفين، وغزة، وكانت في ثقيف عند الحجاج بن غلاظ بن خالد بن حوز بن هلال المكنى بأبي عبد الله، سكن المدينة وبنا بها مسجداً (1) .

وفي الحديث مدح لهؤلاء الأخوات معاً، يعني أنهن جميعاً من أهل الجنة لا تخرج منهن واحدة.

أسماء عند جعفر:

هاجرت أسماء بنت عميس مع زوجها جعفر إلى الحبشة فراراً من مشركي مكة، وولدت هناك ثلاثة أولاد: عبد الله وعون ومحمد.

وكان عبد الله أشهر أولادها من جعفر، وكان من الأجواد الأربعة، ولد للنجاشي ولد أيام ولادة عبد الله فسماه باسمه تيمناً وتبركاً، وأمر أن يرضع ولده بلبن عبد الله بن جعفر.

تزوج عبد الله بن جعفر السيدة زينب بنت أمير المؤمنين، فولدت له ولدين استشهدا يوم الطف بين يدي الحسين الشهيد عليه‌السلام .

__________________

(1) البحار 22 / 195 ح 8 باب 2.


بقيت أسماء في الحبشة مع جعفر وأبنائه إلى السنة السابعة للهجرة وقدم على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في قلاع خيبر مع جماعة، فلما قدم على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أو بقدوم جعفر» (1) .

ثم نظر إلى جعفر وبكى وقال له: «ألا أمنحك؟ ألا أعطيك؟ ألا أحبوك؟! فقال: بلى يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فعلّمه الصلاة المعروفة باسم «صلاة جعفر»، وفضلها معروف، وهي مذكورة في كتب الأدعية والأخبار».

والعاقبة أنّ جعفر استشهد في البلقاء في أقصى أرض يثرب والحجاز على حدود الشام في جمادى الآخرة سنة ثمان للهجرة مع زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، ووجد في جسده تسعون جراحة.

وأخبر جبرئيل النبي في المدينة بمقتل جعفر، فبكى صلى‌الله‌عليه‌وآله ودعى لذريته فقال: «اللهم إنّ جعفر قدم اليك فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحداً من عبادك» (2) .

وبشّر أسماء بنت عميس أنّ الله أعطى جعفراً جناحين يطير بهما في الجنة، ثم أمر سلمى أن تصنع طعاماً شهياً من الشعير والزيت وتطعم أيتام جعفر، وكان يصحبهم معه أينما ذهب ثلاثة أيام يدور بهما على نسائه (3) .

وكان جعفر أشبه الناس برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خَلقاً وخُلقاً، وكان يكنى «أبو المساكين» لأنه كان يحبهم ويطعمهم (4) .

أسماء عند أبي بكر:

استشهد جعفر فأخلف على أسماء بنت عميس أبو بكر بن أبي قحافة، فولدت له

__________________

(1) البحار 21 / 25 ح 22 باب 22.

(2) البحار 21 / 56 ح 8.

(3) أنظر: البحار 21 / 55 ح 8 باب 24.

(4) البحار 22 / 275 ح 5.


محمداً، ومحمد بن أبي بكر يعزّ له النظير في جلالة القدر ورفعة الشان وعلو المقام وصلابة الايمان والثبات والاستقامة على ولاية أمير المؤمنين عليه‌السلام حتى استشهد في مصر بايعاز من معاوية، فقتل قتلة شنيعة، فلما سمع أمير المؤمنين خبر شهادته قال: شهادته قصمت ظهري، ثم تكلّم كلاماً ترتعد له الفرائص وترتجف له القلوب (1) .

وكان أبو بكر قد خطب أسماء في الاسلام وعنده حبيبة بنت الحارث الأنصاري، فلما توفي أبو بكر أوصى إلى أسماء بنت عميس أن تغسله، كما رواه الطبرسي، فقبلت أسماء الوصية - ولا منص لها إلّا القبول (2) - وتحملت عناء التنفيذ.

وهذه الوصية إنّما تدلّ على طهارة أسماء وتقواها، وكمال إيمانها وتدينها: لأنه أوصى لها من دون المسلمين ومن دون بقية أزواجه، وكان له ثلاث زوجات غيرها هن: أسماء بنت عبد العزي، ولد منها عبد الله، وأسماء ذات النطاقين، وأم رومان بنت عامر بن عمير من بني كنانة، ولد منها عبد الرحمن وعائشة وحبيبة.

والعجيب أنّه في مدة خلافته القليلة - سنتين وثلاثة أشهر وأيام - كانت أسماء في بيته تغذي ابنها محمد محبة أمير المؤمنين وولايته على مرأى ومسمع من أبي بكر، فخرّجت من بيته من جُبلوا على محبة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فكأن أسماء كانت هي أشرف الأبوين لمحمد بن أبي بكر حيث ما فتأت توصيه دائماً بولاية آل طه وأهل بيت النبوة، فشبّ على ذلك، ولم يحد عنه بل بقي ثابتاً راسخاً.

ومن غرائب الوقائع وعجائب الدهر التي تكشف عن شهامة هذه المخدرة المكرمة وشدّة ولائها وصلابة إيمانها وشجاعتها أنها كانت في حبائل أبي بكر إلّا أنّها شهدت عليه، وردّت قوله في قصة فدك، ووقفت لتعلن على رؤوس الأشهاد

__________________

(1) أنظر: البحار 33 / 562 ح 722 باب 30.

(2) أنظر: تاريخ الطبرسي 3 / 421 أحداث سنة (13) قال: إنّ أسماء بنت عميس قالت: قال لي أبو بكر: غسليني قلت: لا أطيق ذلك قال: يعينك عبد الرحمن بن أبي بكر يصب الماء.


كذب زوجها وتدليسه وغصبه لحق آل البيت عليهم‌السلام ، فشهدت خلافاً لهوى زوجها وهوى الآخرين، ولم تفزع من تهديداتهم، ولم تستسلم لقهرهم، وقالت لهم بشجاعة العارف بالله وبأهل بيته: «إنّكم ظلمة جائرون غصبتم حقّ من له الحق فأعيدوه إلى نصابه».

ولما أرادوا قتل أمير المؤمنين عليه‌السلام وأمروا خالد بن الوليد بتنفيذ ذلك في الصلاة بعثت جاريتها إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام وقالت له: ( إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) (1) .

فقال أمير المؤمنين للجارية: قولي لها: «إنّ الله يحول بينهم وبين ما يريدون».

أو أنّه قال: «فمن يقتل الناكثين والقاسطين والمارقين، وإنّ الله بالغ أمره»؟!

فهدأ روعها وسكن قلبها وسلّمت لما قاله أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وبالفعل فقد ندم أبو بكر - وهو في الصلاة - على ما اتفق عليه مع خالد، وخاف من سيوف بني هاشم المسلولة ونفوسهم الأبية، وحال الله بينه وبين ما يريد، فقال قبل تسليم الصلاة: «أي خالد لا تفعل ما أمرتك» ثم سلم... إلى آخر الخبر (2) .

أسماء عند أمير المؤمنين عليه‌السلام :

فلمّا توفي أبو بكر انتقلت أسماء بكامل الخلوص والوفاء والصفاء الى حجرة سيد الأولياء، وسعدت بشرف الدخول في عداد زوجات سيد الأوصياء أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فأولدها يحيى وعون (3) .

ويكفي أسماء بنت عميس من الفضل أمور:

__________________

(1) سورة القصص: الآية 20.

(2) أنظر: البحار 28 / 305 ح 48 باب 4.

(3) أنظر: تذكرة الخواص: 57 الباب الثالث في ذكر أولاده عليه‌السلام .


منها: أنّ النبي شهد لها بأنها من أهل الجنة.

منها: أدعية النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لها ولذريتها.

ومنها: أنّها كانت ممن شهد لفاطمة الزهراء عليها‌السلام في قصد فدك (بالرغم من ظروفها الخاصة) فصارت في ذلك قرينة لأم أيمن، وصارت ممن لازم الحق في تلك الفتنة العمياء في قصة شهادتها لفاطمة عليها‌السلام .

ومنها: ما قاله عمر من محبتها لآل أبي طالب وأنها تشهد لبني هاشم (1) .

ومنها: الأخبار المروية في حقها عن الحضرة النبوية والعلوية والعصمة الكبرى لفاطمة الزهراء عليها‌السلام .

ومنها: أنّها شهدت وفاة فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، وشاركت أمير المؤمنين عليه‌السلام في غسلها، ويا لها من مفخرة عظيمة.

ومنها: أنّها ممدوحة في كتب الشيعة والسنة، فقد مدحها العدو بالرغم من شدّة عناده، بل وثقوا ذريتها الكريمة وأثنوا عليهم وقالوا: «إنّهم خيار عباد الله» (2) .

ومنها: أنّها ولدت عبد الله بن جعفر زوج زينب الكبرى، وقد استشهد أولاده بين يدي الحسين عليه‌السلام ، فقدمت بذلك أسماء فداءً للحسين عليه‌السلام ، وولدت محمد بن أبي بكر، وكان كما قال أمير المؤمنين «محمد ابني من صلب أبي بكر» وراح شهيداً في سبيل الله دفاعاً عن ولاية أمير المؤمنين، وولدت عوناً من أمير المؤمنين وقد استشهد بين يدي الحسين عليه‌السلام في طف كربلاء.

فهنيئاً لها، والسلام عليها وعلى زوجها أمير المؤمنين وعلى أولادها المستشهدين.

* * *

__________________

(1) أنظر: العوالم 11 / 635 ح 27 باب 3.

(2) أنظر: الخصائص الفاطمية للكجوري ترجمة سيد علي أشرف 2 / 162 وما بعدها.


أمامة بنت أبي العاص

أمامة بنت أبي العاص بن الربيع بن العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمه هند بنت خويلد أخت خديجة عليها‌السلام ، واسم أبو العاص «لقيط» أو «مقسم» بسكر الميم، أو «ياسر» (1) ، أسر يوم بدر ففدته زينب فأطلقه النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمها زينب بنت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، تزوجها ابن خالتها أبو العاص فولدت له ولداً وبنتاً، أما الولد فقد مات صغيراً، وأما البنت فاسمها «أمامة» تزوجها أمير المؤمنين عليه‌السلام تنفيذاً لوصية فاطمة الزهراء عليها‌السلام بعد تسع ليال من وفاة السيدة المخدرة الكبرى - حسب رواية المعالم - (2) .

ولدت أمامة على عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكان يحبها، وحملها في الصلاة، وكان إذا ركع أو سجد تركها وإذا قام حملها (3) .

وأهديت له هدية فيها قلادة فدعا أمامة فأعلقها في عنقها (4) .

__________________

(1) أنظر: أسد الغابة 6 / 196 ترجمة 6035.

(2) العوالم 11 / 1082 ح 14، الخصائص الفاطمية 1 / 456 ح 6.

(3) أسد الغابة 7 / 25 ترجمة 6717.

(4) المصدر نفسه.


وكان على عينها غمص فمسحه بيده (1) الشريفة فعوفيت.

تزوجها أمير المؤمنين عليه‌السلام تنفيذاً لوصية السيدة الصديقة عليها‌السلام حيث قالت عليها‌السلام :.. أوصيك أولاً أن تتزوج بعدي بابنة أختي أمامة فانها تكون لولدي مثلي، فان الرجال لابد لهم من النساء (2) .

وفي مصباح الأنوار: قالت: بنت أختي وتحنن على ولدي (3) .

وهذا وسام عظيم قلدته سيدة النساء لأمامة حيث شهدت لها بالولاء والمحبة والتحنن على ابناء رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولما كبرت أمامة توجعت وجعاً شديداً حتى اعتقل لسانها، فكان الامامان الحسن والحسين عليهما‌السلام يسألانها وهي تجيبهما بالاشارة (4) .

قيل: إنّها ماتت سنة خمسين للهجرة (5) .

* * *

__________________

(1) الاصابة 4 / 236.

(2) البحار 43 / 192.

(3) البحار 43 / 217.

(4) أنظر: التهذيب 8 / 258 ح 936.

(5) البحار 21 / 183.


ليلى النهشلية

وهي ليلى بنت مسعود بن جابر بن مالك بن ربعي بن سلم بن جندل بن نهشل بن دارم بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم (1) .

ولسلم يقول الشاعر:

تسود أقوام وليسوا بسادة

بل السيد الميمون سلم بن جندل

وأم ليلى بنت مسعود عميرة بنت قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر سيد أهل الوبر ابن عبيد بن الحارث، وهو مقاعس.

وأمها عناق بنت عاصم بن سنان بن خالد بن منقر.

وأمها بنت أعبد بن أسعد بن منقر.

وأمها بنت سفيان بن خالد بن عبيد بن مقاعس بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم (2) .

في الغارات والبحار قال: لما نكح علي عليه‌السلام ليلى بنت مسعود النهشلية قالت:

__________________

(1) مناقب أمير المؤمنين عليه‌السلام للكوفي 2 / 48.

(2) مقاتل الطالبيين: 57.


ما زلت أحبّ أن يكون بيني وبينه سبب منذ رأيته قام مقاماً من رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (1) .

وقال: تزوج علي عليه‌السلام ليلى بنت مسعود النهشلية فضربت له في داره حجلة فجاء فهتكها وقال: حسب أهل علي ما هم فيه (2) .

وولدت له عبيد الله وأبا بكر (3) .

* * *

__________________

(1) الغارات 1 / 93، البحار 42 / 139.

(2) المصدر نفسه، شرح النهج 2 / 202.

(3) المناقب (للكوفي) 2 / 48.


خولة الحنفية

وهي خولة بنت إياس بن جعفر جان الصفا الحنفية

ويقال: بل كانت أمة لبني حنيفة، سندية سوداء، ولم تكن من أنفسهم، وإنّما صالحهم خالد بن الوليد على الرقيق ولم يصالحهم على أنفسهم.

وقيل: إنّها كانت من سبي بني حنيفة، اشتراها علي واتخذها أم ولد، فولدت له محمداً (1) .

وفي الاصابة: رأها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في منزله فضحك ثم قال: يا علي أما إنّك تتزوجها من بعدي، وستلد لك غلاماً فسمه باسمي، وكنه بكنيتي وانحله (2) .

عن الكلبي، عن ميمون بن مصعب المكّي بمكّة قال: كنّا عند أبي العباس بن سابور المكّي فأجرينا حديث أهل الردّة، فذكرنا خولة الحنفيّة ونكاح أمير المؤمنين عليه‌السلام لها فقال: أخبرني عبد الله بن الخير الحسيني، قال: بلغني أنّ الباقر محمد بن علي عليهما‌السلام - قال -:

__________________

(1) الجوهرة في نسب الامام علي عليه‌السلام : 58.

(2) الاصابة 4 / 289 ترجمة 357.


كان جالساً ذات يوم إذ جاءه رجلان، فقالا: يا أبا جعفر! ألست القائل أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام لم يرض بإمامة من تقدّمه؟

فقال: بلى.

فقالا له: هذه خولة الحنفيّة نكحها من سبيهم ولم يخالفهم على أمرهم مذ حياتهم؟!

فقال الباقر عليه‌السلام : من فيكم يأتيني بجابر بن عبد الله؟ - وكان محجوباً قد كفّ بصره -.

فحضر وسلّم على الباقر عليه‌السلام فردّ عليه وأجلسه إلى جانبه.

فقال له: يا جابر! عندي رجلان كرا أنّ أمير المؤمنين رضي بإمامة من تقدّم عليه، فاسألهما ما الحجّة في ذلك؟

فسألهما فذكرا له حديث خولة، فبكى جابر حتى اخضلّت لحيته بالدموع.

ثم قال: والله - يا مولاي - لقد خشيت أن أخرج من الدنيا وأن أُسأل عن هذه المسألة، والله إنّي كنت جالساً إلى جنب أبي بكر - وقد سبى بني حنيفة مع مالك بن نويرة من قبل خالد بن الوليد - وبينهم جارية مراهقة -.

فلمّا دخلت المسجد قالت: أيّها الناس! ما فعل محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قالوا: قُبض.

قالت: هل له بنية تقصد؟

قالوا: نعم هذه تربته وبنيته.

فنادت وقالت: السلام عليك يا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله أشهد أنّك تسمع صوتي وتقدر على ردّ جوابي، وإنّنا سبينا من بعدك، ونحن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك محمّداً رسول الله...


ثم جلست فوثب إليها رجلان من المهاجرين أحدهما طلحة والآخر الزبير وطرحا عليها ثوبيهما.

فقالت: ما بالكم - يا معاشر الأعراب - تغيبون حلائلكم وتهتكون حلائل غيركم؟

فقيل لها: لأنّكم قلتم لا نصلّي ولا نصوم ولا نزكّي؟

فقال لها الرجلان اللذان طرحاً ثوبيهما: إنّا لغالون في ثمنك.

فقالت: أقسمت بالله وبمحمّد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله إنّه لا يملكني ويأخذ رقبتي إلّا من يخبرني بما رأت أُمّي وهي حاملة بي؟ وأيّ شيء قالت لي عند ولادتي؟ وما العلّامة التي بيني وبينها؟ وإلّا بقرت بطني بيدي فيذهب ثمني ويطالب بدمي.

فقالوا لها: اذكري رؤياك حتى نعبرها لك.

فقالت: الذي يملكني هو أعلم بالرؤيا منّي؟

فأخذ طلحة والزبير ثوبيهما وجلسوا، فدخل أمير المؤمنين عليه‌السلام وقال: ما هذا الرجف في مسجد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

فقالوا: يا أمير المؤمنين امرأة حنفيّة حرّمت ثمنها على المسلمين وقالت: من أخبرني بالرؤيا التي رأت أُمّي وهي حاملة بي يملكني.

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : ما ادّعت باطلاً، أخبروها تملكوها.

فقالوا: يا أبا الحسن! ما منّا من يعلم، أما علمت أنّ ابن عمّك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد قبض وأخبار السماء قد انقطعت من بعده.

فقال أمير المؤمنين عليه‌السلام : أخبرها بغير اعتراض منكم؟

قالوا: نعم.

فقال عليه‌السلام : يا حنفيّة! أخبرك وأملكك؟

فقالت: لعلّك الرجل الذي نصبه لنا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله في صبيحة يوم الجمعة بغدير خم علماً للناس؟


فقال: أنا ذلك الرجل.

قالت: من أجلك نهبنا، ومن نحوك أتينا، لأنّ رجالنا قالوا: لا نسلّم صدقات أموالنا ولا طاعة نفوسنا إلّا لمن نصبه محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله فينا وفيكم علماً.

قال أمير المؤمنين عليه‌السلام : إنّ أجركم غير ضائع، وإن الله يوفي كلّ نفس ما عملت من خبر.

ثم قال: يا حنفيّة! ألم تحمل بك اُمّك في زمان قحط قد منعت السماء قطرها، والأرضون نباتها، وغارت العيون والأنهار حتى أنّ البهائم كانت ترد المرعى فلا تجد شيئاً، وكانت اُمّك تقول لك: انّك حمل مشوم في زمان غير مبارك، فلمّا كان بعد تسعة أشهر رأت في منامها كأن قد وضعت بك، وأنّها تقول: إنّك حمل مشوم في زمان غير مبارك، وكأنّك تقولين: يا اُمّي لا تتطيّرن بي فإنّي حمل مبارك أنشأ منشأ مباركاً صالحاً، ويملكني سيّد، واُرزق منه ولداً يكون للحنفيّة عزّاً؟

فقالت: صدقت.

فقال عليه‌السلام : إنّه كذلك وبه أخبرني ابن عمّي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقالت: ما العلامة التي بيني وبين اُمّي؟

فقال لها: لمّا وضعتك كتبت كلامك والرؤيا في لوح من نحاس وأودعته عتبة الباب، فلمّا كان بعد حولين عرضته عليك فأقررت به، فلمّا كان بعد ستّ سنين عرضته عليك فأقررت به، ثم جمعت بينك وبين اللوح وقالت لك: يا بنيّة إذا نزل بساحتكم سافكٌ لدمائكم، وناهب لأموالكم، وسابٍ لذراريكم، وسبيت فيمن سبي، فخذي اللوح معك واجتهدي أن لا يملكك من الجماعة إلّا من خبرك بالرؤيا وبما في هذا اللوح.

فقالت: صدقت... يا أمير المؤمنين عليه‌السلام .

ثم قالت: فأين هذا اللوح؟


فقال: هو في عقيصتك.

فعند ذلك دفعت اللوح إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه‌السلام .

ثم قالت: يا معاشر الناس! اشهدوا أنّي قد جعلت نفسي له عبدة، فقال عليه‌السلام : بل قولي زوجة، فقالت: اشهدوا أن قد زوّجت نفسي - كما أمرني - بعليّ عليه‌السلام . فقال عليه‌السلام : قد قلبتكِ زوجة، فماج الناس، فقال جابر: فملكها والله يا أبا جعفر بما ظهر من حجّته وثبت من بيّنته، فلعن الله من اتّضح له الحقّ ثم جحد حقّه وفضله، وجعل بينه وبين الحقّ ستراً (1) .

* * *

__________________

(1) البحار:


الصهباء

وهي أم حبيبة بنت ربيعة بن بجير بن العبد بن علقمة بن الحارث بن عتبة بن سعد بن زهير بن جشم بن بكر بن جيب بن عمرو بن غنم بن تغلب بن وائل.

وكانت سبية أصابها خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر حين أغار على بني تغلب بناحية عين تمر، ولدت له عمر ورقية (1) .

* * *

__________________

(1) الطبقات الكبرى 3 / 19، البحار 42 / 90.


أم مسعود

أم مسعود (سعيد) بنت عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، وولدت له عليه‌السلام رملة وأم الحسن (1) .

* * *

__________________

(1) المصدر نفسه.


محياة بنت امرؤ القيس

محياة بنت امرؤ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن كلب، ولدت له عليه‌السلام بنتاً ماتت وهي جارية، وكانت تخرج إلى المسجد وهي جارية فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول: وه وه، تعني كلباً (1) .

* * *

قال علي بن عيسى الأربلي:... فهؤلاء... المعقود عليهن نكاحاً وبقية الأولاد من أمهات شتى أمهات أولاد.

وكان يوم قتله عليه‌السلام عنده أربع حرائر في نكاح، وهن:

أمامة بنت أبي العاص.

وليلى بنت مسعود التميمية (النهشلية).

وأسماء بنت عميس الخثعمية.

وأم البنين الكلابية.

وأمهات أولاد ثمانية عشر أم ولد (2) .

__________________

(1) المصدر نفسه.

(2) كشف الغمة 1 / 68.


الزبراء مولاة أم البنين عليها‌السلام

كان لأم البنين مولاة يقال لها «الزبراء».

والزبراء: تأنيث الأزبر من الزبرة، وهو ما بين كتفي الأسد من الوبر (1) .

قال في التاريخ الكبير: عبد القاهر بن تليد العامري الكوفي سمع زبراء مولاة أم البنين امرأة علي (2) .

وقال في الجرح والتعديل: عبد القاهر بن تليد العامري أبو رفاعة الكوفي روى عن الشعبي وزبراء مولاة أم البنين إمرأة علي عليه‌السلام ويقال: خادمة علي عليه‌السلام ... (3) .

وذكرها ابن شهر آشوب في عداد خادمات الامام أمير المؤمنين فقال: وخادمته: فضة وزبراء وسلافة (4) .

وعدّها في تاج العروس ضمن موالي الامام عليه‌السلام أيضاً فقال:... عن حفصة وزبراء مولاة علي عنه... (5) .

__________________

(1) أنظر: النهاية في غريب الحديث لابن الاثير 2 / 294، لسان العرب 6 / 12 مادة «زبر».

(2) التاريخ الكبير 6 / 130 رقم 1932.

(3) الجرح والتعديل 6 / 57 رقم 305.

(4) المناقب 3 / 90.

(5) تاج العروس 3 / 232.


ويبدو أنّها كانت من ذوات الفضل والرواية كما نصّ على ذلك كلّ من ذكرها وأشار اليها، وهي إنّما عرفت وذكرت في المصنفات لمكان روايتها، وإنّ هذا هو شأن باقي من عاش في ظلال بيت المولى أمير المؤمنين عليه‌السلام .

* * *


الفصل

السابع عشر

لمحة خاطفة عن أحفاد أم البنين عليها‌السلام


لمحة خاطفة

عن أحفاد أم البنين عليها‌السلام

لقد ازدان التاريخ بعدد كبير من أحفاد أم البنين من ولدها العباس عليه‌السلام ، فقد جاء في كتب التاريخ والأنساب أنّه خلف من الأبناء:

عبيد الله والفضل والحسن ومحمد والقاسم وبنتاً واحدة (1) وعقبه الباقي الى اليوم من ولده عبيد الله المشهور، وبعضهم يقول من ابنه الحسن كابن قتيبة.

وقد برز منهم أعلام في العلم والأدب والتجارة والصناعة والزراعة وغير ذلك من المهن الحرة الشريفة....

وكانت لهم منزلة عظيمة، وكمثل على ذلك اعتبارهم بمنزلة بني فاطمة الزهراء عليها‌السلام ، فعن معاوية بن عمار قال: قلت للصادق عليه‌السلام : كيف قسمت فدك بعد ما رجعت اليكم قال: لولد العباس عليه‌السلام ربع والباقي لنا (2) . وعلى ذلك فقس.

ونحن نقتصر هنا على ذكر نماذج منهم ونختصر في ذلك على بعض الأحفاد بعد أن تحدثنا سابقاً عن أولادها الأربعة.

__________________

(1) عن كتاب زينب الكبرى للنقدي: 12.

(2) عن كتاب العباس للمقرم: 81.


الحفيد الأول:

لقد كان الحفيد الأول لأم البنين عليها‌السلام عبيد الله بن العباس عليه‌السلام ويلقب بالرئيس. وقد خلّف عدداً من الأولاد كان منهم ولده الحسن أكثر أعقاباً.

ومن أعقابه الأشراف، ويقصد بهذا التعبير الرؤساء ومنهم الأمراء وأهل الصيت الذائع، وهم منتشرون في العراق واليمن والهند وطبرستان والشام ومصر وغيرها (1).

ومع أن عبيد الله بن العباس أكبر اخوته سناً فقد تلت تلك الشهرة أنّه كان أبوه العباس عليه‌السلام يكنى بولده الفضل الذي هو دون عبيد الله في السن، فلعل ذلك يرجع إلى ملابسة فضيلة العباس وفضله بالاسم المذكور فكنّي بـ «أبي الفضل» وللملابسات دورها في الكنى.

عبيد الله الثاني (الأمير):

ولعبيد الله بن العباس حفيد من ولده الحسن اسمه عبيد الله أيضاً، ويعرف بـ «الأمير»؛ ذلك لأنّه تولّى على إمارة الحرمين مكة والمدينة في بداية العصر العباسي، فقد جاء في تاريخ الطبرسي أنّ الرشيد ولّاه بعد ولاية صالح بن الرشيد (2) .

الحمزة بن عبيد الله الثاني:

ولعبيد الله الثاني هذا ولد اسمه الحمزة كان عالماً أديباً فصيحاً شاعراً شجاعاً، وكان يشبه جدّه الامام أمير المؤمنين عليه‌السلام .

قال الداوودي في العمدة: زاده المأمون مائة ألف درهم في العطاء لذلك الشبه (3) .

__________________

(1) عن بطل العلقمي 2 / 435.

(2) المصدر نفسه.

(3) المصدر السابق 3 / 336.


محمد بن الحمزة بن عبيد الله الثاني:

وللحمزة بن عبيد الله الثاني ولد اسمه محمد عرف بالشهيد؛ لأنّه قتل غيلة ظلماً وعدواناً أيام القرامطة، وكان عالماً سخياً شجاعاً فصيحاً جممع من الفضائل ما قلّ أن يجمع في غيره. كما أنّه كان من رجال الأعمال والعقار والضياع مثرياً محسناً وجيهاً محبوباً... مع أنّه كان في غربة عن وطنه المدينة، فقد كان في طبرية بالأردن، وبها قتل مأسوفاً عليه، وعقبه يعرفون بـ «بني الشهيد» (1) .

العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس عليه‌السلام :

وللحسن بن عبيد الله بن العباس عليه‌السلام ولد اسمه العباس أيضاً، وللعباس الثاني هذا ولد اسمه عبد الله، ويعرف بالخطيب، وكان هو وأولاده من الأعيان البارزين، وكان شاعراً مجيداً كما جاء ذلك في كتاب «العمدة».

وله ولد اسمه القاسم كان فقيهاً محدّثاً ذا وجاهة كبيرة، وكان قاضي الحرمين مكة والمدينة، كما كان من أصحاب الامام الحسن العسكري عليه‌السلام ، جاء ذلك في كتاب المناقب للسروي رحمه‌الله .

الحمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس عليه‌السلام :

كما ولعبيد الله الأول بن العباس عليه‌السلام من ولده الحسن حفيد اسمه الحمزة أيضاً.

والحمزة هذا جد والد الحمزة الغربي المكنى بـ «أبي يعلى بن علي بن الحمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس عليه‌السلام »، وهو ثقة جليل القدر، كما في كتاب تحفة العالم للسيد بحر العلوم (2) ، وكان مؤلفاً عارفاً نبيلاً، ومن مشايخ الاجازة ورواة الحديث.

__________________

(1) عن كتاب بحر الانساب للعميدي: 66.

(2) تحفة العالم 2 / 34.


هكذا كان؛ بل أكثر كما قال عنه المؤرخون والنسابون وعلماء علم الحديث.

وله كتاب «التوحيد» وكتاب «الزيارات والمناسك» وكتاب «الردّ على محمد بن جعفر الأسدي» (1) .

وقبره في الحلة قرب القرية المزيدية.

وللحمزة الغربي هذا كرامات باهرة حياً وميتاً.

ولذلك ترى قبره الواقع في القرية المذكورة بين قبائل آل سلطان حافلاً بالزائرين يقصده ذووا الحاجات للتوسل إلى الله بمقامه عنده، عملاً بقوله تعالى ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) .

* * *

هذه نماذج من أحفاد أم البنين عليها‌السلام ممن احتلوا المراكز العليا في مختلف الميادين (2) .

يهنيك يا أم البنين بسادة

من أفضل الأبناء والأحفاد

وقال الشيخ هادي كاشف الغطاء رحمه‌الله (3) :

أم البنين طابت الأبناء

منك كما قد طابت الآباء

أم الأسود من بني عمر العلى

أم الحماة والاباء النبلا

أم أبي الفضل وأم جعفر

وأم عبد الله شبل حيدر

وأم عثمان الذي أسماه

باسم ابن مضعون الأب الأوه

الانجبين الطاهرين أنفسا

الأكرمين الطيبين مغرسا

* * *

__________________

(1) عن رجال النجاشي: 101.

(2) لصاحب كتاب مشاهد العترة الطاهرة السيد كمونه رحمه‌الله تحقيق عن قبره في الموضع المشار اليه.

(3) أنظر: أم البنين سيدة نساء العرب للسيد السويج: 65 وما بعدها.


الفصل

الثامن عشر

الزيارات


زيارة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا نبيّ الله السلام عليك يا محمد بن عبد الله السالم عليك يا خاتم النّبيّين أشهد أنّك قد بلّغت الرّسالة وأقمت الصّلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر وعبدت الله مخلصاً حتّى أتاك اليقين فصلوات الله عليك ورحمته وعلى أهل بيتك الطّاهرين.

ثم قف عند الاسطوانة المقدّمة من جانب القبر الأيمن مستقبل القبلة ومنكبك الأيسر إلى جانب القبر ومنكبك الأيمن ممّا يلي المنبر فإنّه موضع رأس النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقل:

أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله وأشهد أنّك قد بلّغت رسالات ربّك ونصحت لأمّتك وجاهدت في سبيل الله وعبدت الله حتّى أتاك اليقين بالحكمة والموعظة الحسنة وأدّيت الّذي عليك من الحقّ وأنّك قد رؤفت بالمؤمنين وغلظت على الكافرين فبلّغ الله بك أفضل شرف محلّ المكرّمين الحمد الله الّذي استنقذنا بك من الشّرك والضّلالة اللّهمّ فاجعل صلواتك وصلوات ملائكتك المقرّبين وأنبيائك المرسلين وعبادك الصّالحين وأهل السّماوات والأرضين ومن سبّح لك يا ربّ العالمين من الأوّلين والآخرين على


محمّد عبدك ورسولك ونبيّك وأمينك ونجيّك وحبيبك وصفيّك وخاصّتك وصفوتك وخيرتك من خلقك اللّهمّ أعطه الدّرجة الرّفيعة وآته الوسيلة من الجنّة وابعثه مقاماً محموداً يغبطه به الأوّلون والآخرون اللّهمّ إنّك قلت ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرّسول لوجدوا الله توّاباً رحيماً وإنّي أتيتك مستغفراً تائباً من ذنوبي وإنّي أتوجّه بك إلى الله ربّي وربّك ليغفر لي ذنوبي.

فإن كانت لك حاجة فاجعل القبر الطّاهر خلف كتفيك واستقبل القبلة وارفع يدك وسل حاجتك فإنّه أحرى أن تقضى إن شاء الله تعالى.

وروى ابن قولويه بسند معتبر عن محمّد بن مسعود قال: رأيت الصّادق عليه‌السلام : انتهى إلى قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله فوضع يده عليه وقال:

أسأل الله الّذي اجتباك واختارك وهداك وهدى بك أن يصلّي عليك.

ثم قال: إنّ الله وملائكته يصلّون على النّبيّ يا أيّها الّذين آمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليما.

* * *


زيارة فاطمة الزهراء عليها‌السلام

يا ممتحنة امتحنك الله الّذي خلقك قبل أن يخلقك فوجدك لما امتحنك صابرة وزعمنا أنّا لك أولياء ومصدّقون وصابرون لكلّ ما أتانه به أبوك صلى‌الله‌عليه‌وآله وأتى به وصيّه (1) فإنّا نسألك إن كنا صدّقناك إلّا ألحقتنا بتصديقنا لهما لنبشّر أنفسنا بأنّا قد طهرنا بولايتك.

وإن شئت فقل:

السّلام عليك يا بنت رسول الله السّلام عليك يا بنت نبي الله السّلام عليك يا بنت حبيب الله السّلام عليك يا بنت خليل الله السّلام عليك يا بنت صفّي الله السّلام عليك يا بنت أمين الله السّلام عليك يا بنت خير خلق الله السّلام عليك يا بنت أفضل أنبياء الله السلام ورسله وملائكته السّلام عليك يا بنت خير البريّة السّلام عليك يا سيّدة نساء العالمين من أوّلين والآخرين السّلام عليك يا زوجة وليّ الله وخير الخلق بعد رسول الله السّلام عليك يا أُمّ الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة السّلام عليك أيّتها الصّدّيقة الشّهيدة السّلام عليك أيّتها الرّضيّة المرضيّة السّلام عليك

__________________

(1) وأتانا به وصيّه.


أيّتها الفاضلة الزّكيّة السّلام عليك أيّتها الحوراء الإنسيّة السّلام عليك أيّتها التّقيّة النّقيّة السّلام عليك أيّتها المحدّثة العليمة السّلام عليك أيّتها المظلومة المغصوبة السّلام عليك أيّتها المضطهدة المقهورة السّلام عليك يا فاطمة بنت رسول الله ورحمة الله وبركاته صلّى الله عليك وعلى روحك وبدنك أشهد أنّك مضيت على بيّنة من ربّك وأنّ من سرّك فقد سرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن جفاك فقد جفا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن آذاك فقد آذى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن وصلك فقد وصل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن قطعك فقد قطع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّك بضعة عنه ساخطٌ على من سخطت عليه متبرّىءٌ ممّن تبرّأت منه موال لمن واليت معاد لمن عاديت مبغض لمن أبغضت محبٌّ لمن أحببت وكفى بالله شهيداً وحسيباً وجازياً ومثيباً.

* * *


زيارة أئمة البقيع عليهم‌السلام

يا مواليّ يا أبناء رسول الله عبدكم وابن أمتكم الذّليل بين أيديكم والمضعف في علوّ قدركم والمعترف بحقّكم جاءكم مستجيراً بكم قاصداً إلى حرمكم متقرّباً إلى مقامكم متوسّلاً إلى الله تعالى بكم أأدخل يا مواليّ أأدخل يا أولياء الله أأدخل يا ملائكة الله المحدقين بهذا الحرم المقيمين بهذا المشهد؟

وادخل بعد الخشوع والخضوع ورقة القلب وقدّم رجلك اليمنى وقل:

الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان اله بكرة وأصيلا والحمد لله الفرد الصّمد الماجد الأحد المتفضّل المنّان المتطوّل الحنّان الّذي منّ بطوله وسهّل زيارة ساداتي بإحسانه ولم يجعلني عن زيارتهم ممنوعاً بل تطوّل ومنح.

ثمّ اقترب من قبورهم المقدّسة واستقبلها واستدبر القبلة وقل:

السّلام عليكم أئمّة الهدى السّلام عليكم أهل التّقوى السّلام عليكم أيّها الحجج على أهل الدّنيا السّلام عليكم أيّها القوّام في البريّة بالقسط السّلام عليكم أهل الصّفوة السّلام عليكم آل رسول الله السّلام عليكم أهل النّجوى أشهد أنّكم قد بلّغتم ونصحتم وصرتم في ذات الله وكذّبتم وأُسيء إليكم فغفرتم وأشهد أنّكم الأئمّة الرّاشدون المهتدون وأنّ طاعتكم مفروضة وأنّ قولكم الصّدق وأنّكم


دعوتم فلم تجابوا وأمرتم فلم تطاعوا وأنّكم دعائم الدّين وأركان الأرض لم تزالوا بعين الله ينسخكم من أصلاب كلّ مطهّر وينقلكم من أرحام المطهّرات لم تدنسكم الجاهليّة الجهلاء ولم تشرك فيكم فتن الأهواء طبتم وطال منبتكم منّ بكم علينا ديان الدّين فجعلكم في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه وجعل صلاتنا عليكم رحمة لنا وكفّارة لذنوبنا إذ اختاركم الله وطيّب خلقنا بما منّ علينا من ولايتكم وكنّا عنده مسمّين بعلمكم معترفين بتصديقنا إيّاكم وهذا مقام من أسرف وأخطاء واستكان وأقرّ بما جنى ورجا بمقامه الخلاص وأن يستنقذه بكم مستنقذ الهلكى من الرّدى فكونوا لي شفعاء فقد وفدت إليكم إذ رغب عنكم اهل الدّنيا واتّخذوا آيات الله هزواً واستكبروا عنها، (ثم ارفع هنا رأسك إلى السماء وقل:) يا من هو قائم لا يسهو ودائم لا يلهو ومحيك بكل شيء لك المنّ بما وفّقتني وعرّفتني بما أقمتني عليه إذ صدّ عنه عبادك وجهلوا معرته واستخفّوا بحقّه ومالوا إلى سواه فكانت المنّة منك عليّ مع أقوام خصصتهم بما خصصتني به فلك الحمد إذ كنت عندك في مقامي هذا مذكوراً مكتوباً فلا تحرمني ما رجوت ولا تخيّبني فيما دعوت بحرمة محمّد وآله الطّاهرين وصلّى الله على محمّد وآل محمّد. ثم ادع لنفسك بما تريد.

وقال الطوسي رحمه‌الله في التّهذيب: ثمّ صلّ صلاة الزّيارة ثماني ركعات أي صلّ لكلّ إمام ركعتين:

وقال الشيخ الطّويس والسّيد ابن طاووس: إذ أردت أن تودعهم عليهم‌السلام : فقل:

السّلام عليكم أئمّة الهدى ورحمة الله وبركاته أستودعكم الله وأقرأ عليكم السّلام آمنّا بالله وبالرّسول وبما جئتم ودللتم عليه اللّهمّ فاكتبنا مع الشّاهدين.

* * *


زيارة إبراهيم ابن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله

السّلام على رسول الله السّلام على نبيّ الله السّلام على حبيب الله السّلام على صفيّ الله السّلام على نجيّ الله السّلام على محمّد بن عبد الله سيّد الأنبياء وخاتم المرسلين وخيرة الله من خلقه في أرضه وسمائه السّلام على جميع أنبيائه ورسله السّلام على الشّهداء والسّعداء والصّالحين السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين السّلام عليك أيّتها الروح الزّاكية السّلام عليك أيتها النّفس الشّريفة السّلام عليك أيّتها السّلالة الطّاهرة السّلام عليك أيّتها النّسمة الزّاكية السّلام عليك يا بن خير الورى السّلام عليك يا بن النّبيّ المجتبى السّلام عليك يا بن المبعوث إلى كافة الورى السّلام عليك يا بن البشير النّذير السّلام عليك يا بن السّراج المنير السّلام عليك يا بن المؤيّد بالقرآن السّلام عليك يا بن المرسل إلى الانس والجانّ السّلام عليك يا بن صاحب الرّاية والعلامة السّلام عليك يا بن الشّفيع يوم القيامة السّلام عليك يا بن من حباه الله بالكرامة السّلام عليك ورحمة الله وبركاته أشهد أنّك قد اختار الله لك دار إنعامه قبل أن يكتب عليك أحكامه أو يكلّفك حلاله وحرامه فنقلك إليه طيّباً زاكياً مرضيّاً طاهراً من كلّ نجس مقدّساً من كلّ دنس وبّواك جنّة المأوى ورفعك إلى الدّرجات العلى وصلّى الله عليك صلاة تقرّ بها عين رسوله


وتبلّغه أكبر مأموله اللّهمّ اجعل أفضل صلواتك وأزكاها وانمى بركاتك وأوفاها على رسولك ونبيّك وخيرتك من خلقك محمّد خاتم النّبييّن وعلى من نسل من أولاده الطّيّبين وعلى من خلّف من عترته الطّاهرين برحمتك يا أرحم الرّاحمين اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ محمّد صفيّك وإبراهيم نجل نبيّك أن تجعل سعيي بهم مشكوراً وذنبي بهم مغفوراً وحياتي بهم سعيدة وعاقبتي بهم حميدة وحوائجي بهم مقضيّة وأفعالي بهم مرضيّة وأُموري بهم مسعودة وشؤوني بهم محمودة اللّهمّ وأحسن لي التّوفيق ونفّس عني كلّ همّ وضيق اللّهمّ جنّبني عقابك وامنحني ثوابك وأسكنّي جنانك وارزقني رضوانك وأمانك وأشرك لي في صالح دعائي والديّ وولدي وجميع المؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات إنّك وليّ الباقيات الصّالحات آمين ربّ العالمين. ثم تسأل حوائجك وتصلّي ركعتين.

* * *


زيارة فاطمة بنت أسد

والدة أمير المؤمنين عليه‌السلام

السّلام على نبيّ الله السّلام على رسول الله السّلام على محمّد سيّد المرسلين السّلام على محمّد سيّد الأوّلين السّلام على محمّد سيّد الآخرين السّلام على من بعثه الله رحمة للعالمين السّلام عليك أيّها النّبيّ ورحمة الله وبركاته السّلام على فاطمة بنت أسد الهاشميّة السّلام عليك أيتها الصّديقة المرضيّة السّلام عليك أيّتها التّقيّة النّقيّة السّلام عليك أيّتها الكريمة الرّضيّة السّلام عليك يا كافلة محمّد خاتم النّبيّين السّلام عليك يا والدة سيّد الوصيّين السّلام عليك يا من ظهرت شفقتها على رسول الله خاتم النّبيّين السّلام عليك يا من تربيتها لوليّ الله الأمين السّلام عليك وعلى روحك وبدنك الطّاهر السّلام عليك وعلى ولدك ورحمة الله وبركاته أشهد أنّك أحسنت الكفالة وأدّيت الأمانة واجتهدت في مرضاة الله وبالغت في حفظ رسول الله عارفة بحقه مؤمنة بصدقه معترفة بنبوّته مستبصرة بنعمته كافلة بتربيته مشفقة على نفسه واقفة على خدمته مختارة رضاه وأشهد أنّك مضيت على الايمان والتّمسك بأشرف الأديان راضية مرضيّة طاهرة زكيّة تقيّة نقيّة فرضي الله عنك وأرضاك وجعل الجنّة منزلك ومأواك اللّهمّ صلّ محمّد وآل محمّد


وانفعني بزيارتها وثبّتني على محبّتها ولا تحرمني شفاعتها وشفاعة الأئمّة من ذرّيّتها وارزقني مرافقتها واحشرني معها ومع أولادها الطّاهرين اللّهمّ لا تجعله آخر العهد من زيارتي إيّاها وارزقني العود إليها أبداً ما أبقيتني وإذا توفّيتني فاحشرني في زمرتها وأدخلني في شفاعتها برحمتك يا أرحم الرّاحمين اللّهمّ بحقّها عندك ومنزلتها لديك إغفر لي ولوالديّ ولجميع المؤمنين والمؤمنات وآتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار. ثم تصلّي ركعتين للزّيارة وتدعو بما تشاء وتنصرف.

* * *


زيارة حمزة قدس‌سره في أُحد

السّلام عليك يا عمّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله السّلام عليك يا خير الشّهداء السّلام عليك يا أسد الله وأسد رسوله أشهد أنّك قد جاهدت في الله عزّ وجل وجدت بنفسك ونصحت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وكنت فيما عند الله سبحانه راغباً بأبي أنت وأُمي أتيتك متقرّباً إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك راغباً إليك في الشّفاعة أبتغي بزيارتك خلاص نفسي متعوّذاً بك من نار استحقّها مثلي بما جنيت على نفسي هارباً من ذنوبي الّتي احتطبتها على ظهري فزعاً إليك رجاء رحمة رب يأتيتك من شقّة بعيدة طالباً فكاك رقبتي من النّار وقد أوقرت ظهري ذنوبي وأتيت ما أسخط ربّي ولم أجد أحداً أفزع إليه خيراً لي منكم أهل بيت الرّحمة فكن لي شفيعاً يوم فقري وحاجتي فقد سرت إليك محزوناً وأتيتك مكروباً وسكبت عبرتي عندك باكياً وصرت إليك مفرداً وأنت ممّن أمرني الله بصلته وحثّني على برّه ودلّني على فضله وهداني لحبّه ورغّبني في الوفادة إليه وألهمني طلب الحوائج عنده أنتم أهل بيت لا يشقى من تولّاكم ولا يخيب من أتاكم ولا يخسر من يهواكم ولا يسعد من عاداكم.

ثم تستقبل القبلة وتصلّي ركعتين للزّيارة وبعد الفراغ تنكبّ على القبر وتقول:


اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد اللّهمّ إنّي تعرّضت لرحمتك بلزومي لقبر عمّ نبيّك صلى‌الله‌عليه‌وآله ليجيرني من نقمتك وسخطك ومقتك في يوم تكثر فيه الاصوات وتشغل كلّ نفس بما قدّمت وتجادل عن نفسها فإن ترحمني اليوم فلا خوف عليّ ولا حزن وإن تعاقب فمولى له القدرة على عبده ولا تخيّبني بعد اليوم ولا تصرفني بغير حاجتي فقد لصقت بقبر عمّ نبيك وتقرّبت به إليك ابتغاء مرضاتك ورجاء رحمتك فتقبّل منّي وعد بحلمك على جهلي وبرأفتك على جناية نفسي فقد عظم جرمي وما أخاف أن تظلمني ولكن أخاف سوء الحساب فانظر اليوم تقلّبي على قبر عمّ نبيّك فبهما فكّني من النّار ولا تخيّب سعيي ولا يهونّن عليك ابتهالي ولا تحجبنّ عنك صوتي ولا تقلبني بغير حوائجي يا غياث كلّ مكروب ومحزون ويا مفرّجاً عن الملهوف الحيران الغريق المشرف على الهلكة فصلّ على محمّد وآل محمّد وانظر إليّ نظرة لا أشقي بعدها أبداً وارحم تضرّعي وعبرتي وانفرادي فقد رجوت رضاك وتحرّيت الخيرالّذي لا يعطيه احد سواك فلا تردّ أملي اللّهمّ ن تعاقب فمولى له القدرة على عبده وجزائه بسوء فعله فلا أخيبنّ اليوم ولا تصرفني بغير حاجتي ولا تخيّبنّ شخوصي ووفادتي فقد أنفدت نفقتي وأتعبت بدني وقطعت المفازات وخلّفت الأهل والمال وما خوّلتني وآثرت ما عندك على نفسي ولذت بقبر عمّ نبيّك صلى‌الله‌عليه‌وآله وتقرّبت به ابتغاء مرضاتك فعد بحلمك على جهلي وبرأفتك على ذنبي فقد عظم جرمي برحمتك يا كريم يا كريم.

* * *


زيارة قبور

الشهداء رضوان الله عليهم بأُحد

السّلام على رسول الله السّلام على نبيّ الله السّلام على محمّد بن عبد الله السّلام على أهل بيته الطّاهرين السّلام عليكم أيّها الشّهداء المؤمنون السّلام عليكم يا أهل بيت الايمان والتّوحيد السّلام عليكم يا أنصار دين الله وأنصار رسوله عليه وآله السّلام سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدّار أشهد أنّ الله اختاركم لدينه واصطفاكم لرسوله وأشهد أنّكم قد جاهدتم في الله حقّ جهاده وذببتم عن دين الله وعن نبيّه وجدتم بأنفسكم دونه وأشهم أنّكم قتلتم على منهاج رسول الله فجزاكم الله عن نبيه وعن الاسلام وأهلهل أفضل الجزاء وعرّفنا وجوهكم في مجلّ رضوانه وموضع إكرامه مع النّبيّين والصّدّيقين والشّهداء والصّالحين وحسن أُولئك رفيقاً أشهد أنّكم حزب الله وأنّ من حاربكم فقد حارب الله وأنّكم لمن المقرّبين الفائزين الّذين هم أحياء عند ربّهم يرزقون فعلى من قتلكم لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين أتيتكم يا أهل التّوحيد زائراً وبحقّكم عارفاً وبزيارتكم إلى الله متقرّباً وبما سبق من شريف الأعمال ومرضيّ الأفعال عالماً فعليكم سلام الله ورحمته وبركاته وعلى من قتلكم لعنة الله وغضبه وسخطه اللهمّ انفعني


بزيارتهم وثبّتني على قصدهم وتوفّني على ما توفّيتهم عليه واجمع بيني وبينهم في مستقرّ دار رحمتك أشهد أنّكم لنا فرط ونحن بكم لاحقون.

وتكرّر سورة إنا أنزلناه في ليلة القدر ما تمكّنت، وقال البعض تصلّي عند كل مزور ركعتين وترجع إن شاء الله تعالى.

* * *


الفصل

التاسع عشر

المراثي


وهذه الأرجوزة:

في «أم البنين عليها‌السلام » للأديب الخطيب الشيخ محسن الفاضلي:

أمّ البنين زوجُ مولانا علي

ناهيكمو عن ذلك الفضل الجلي

والدةُ العبّاسِ ذيّاكَ الأغرْ

شمسُ الكراماتِ ونجلُها قمرْ

بها إلى اللهِ توسّل كي تنلْ

كلَّ الذي ترجو وتحظى بالأملْ

تلك التي مثّلَتِ المودّة

في آل طه في الرَّخاء والشدّة

لله صبرُها بيوم أقبَلْ

ناعي الحسينِ والدّموعَ أسبلْ

تسأُلُه كأنّها لم تَسمعِ

نعيَ شهيدِ كربلا ولم تعِ

تقولُ أخبرنيَ عن إِمامي

والطّرفُ منها بالدّموعِ هامي

أخبرها آهٍ بفقدِ الأربعة

أبنائها وهو يُهلُّ أُدمُعه

قالت هُمُ الفداءُ للحسينِ

روحِ نبيّنا ونور عيني

لا تُخفِ باللهِ عليكَ عنّي

حقيقةَ الأمرِ أهجتَ حُزني

هل الحسينُ عائدٌ فأنتظر

فعندها قالَ بدَمعٍ منهمر

آجرَكِ اللهُ قضى بكربلا

ظمآنَ مذبوحاً بهاتيك الفلا

ولا تسل عن حالِها مُذ سمعت

ذلك بالحرقةِ نادت وبكت


يا أسفا عليك يا بن المصطفى

بعدكَ مولاي على الدّنيا العفا

هيهاتَ أن أهنى بعيشٍ حتى

أكونَ عاجلاً عدادَ الموتى

فعلاً قضت أيّامها حتى قضت

حُزناً ومن كثرةِ ما فيها بكت

والتحقت لهفي لها بالزّهرا

بمهجةٍ من المُصابِ حَرّا

وفاتُها يقالُ في ثالثِ عشر

جماديَ الآخرة وذلك الشتهَر

أسمى التعازي للإمامِ المنتظر

وكلِّ من والاهُ غاب أو حضر

* * *


أم البنين

تسأل ابن الحنفية عن الحسين عليه‌السلام

أُم البّنين تصيح يا بن الحنفيّة

بحسين خبّر وين نازل هالمسيّة

* * *

مستوحشة طيبه علينا بعد لحسين

من طلع من مكّة مَندري احنا نزل وين

في وين خبّرني نزل يَبن الميامين

ما جاك عنّه خبر يَبن الحنفيّة

* * *

معلوم ما عندك ضمدنا وين هيّد

يقولون طب مكّه وقضى للحج مفرد

وسافر ولا ندري بعد في وين عيّد

كلما أجي لك واسألك تخفي عليّه

* * *


قلها وقلبه من المصايب يوقد وقيد

بتسايليني وين خيّي عيّد العيد

مَدري بعزم سبط النّبي أي بلده يريد

يرجع الطيبه لو يروح الغاضريّه

* * *

لكن اخبرچ والقلب صادي وملهوف

حزنه حنى ضلوعي وخلّي الدّمع مذروف

خيّي نزل وادي يسمّى أرض لطفوف

ومن كل كتر دارت عليه علوج أُميّه

* * *

ولن الدّمع منها على الخدّين مسفوح

وتصيح يبني قوم شد رحالك نروح

نتدارك المظلوم قبل يروح مذبوح

وانصر اخوك حسين يا حر يا شفيّه

* * *

قلها وتزفّر وهمَلت بالدّمع عينه

اطراد يوم الطّف انا ويني ووينه

فاز الذي دون السّبط تقطع يمينه

مثل البطل عبّاس جيدوم السّريّه

* * *


قالت وهي قلبي وهلّت دمعة العين

فال السّلامه فالهم يَبن الميامين

الله يردهم بالسّلامة ويرجع حسين

يظلّل علينا ونلتجي يبني بفيّه

* * *


زينب وأُم البنين عليها‌السلام

وصلوا المدينة والخلق ضجّت بلحنين

واتلاقت ابهالحال زينب وام لبنين

* * *

صار الناشد والوديعه صفقت الچف

بس الزّفير الصوت بايح والدّمع جف

بيها غدت ذيچ الأيتام اتلوذ وتحف

يم البنين تصيح شوفي فجعة البين

* * *

مقدر أسولف بالجرى لا تنشديني

قلبي موزّع والسّهر عامي عيوني

لا مال ضاعت والدّهر خيّب اظنوني

راحوا طبق كلهم چتل والتّالي حسين

* * *

قالت وحق اللّي تربّيتي ابحجرها

أدري ابعملة كربلا چايد أمرها


لكن ثَلَث نَشدات وضحي لي خبرها

أدري على شرح المصايب ما تقدرين

* * *

أريد أنشدچ فاز بالنّاموس عبّاس

وخبريني جسم حسين بخيول العدا انداس

وانتي وقفتي امچتّفه ابديوان لرجاس

بالحبل مربقوات ويّاچ النساوين

* * *

سمعي نقلها والدّمع كفّي انهماله

طيب الأصل ما ينحصى طيّب افعاله

ملهوف خاض النّهر مهتم بزلاله

جوده ملاه أوكت بداله مدمع العين

* * *

فيّض من الشّاطي وبحر دم صيّر الطّف

ابنچ تلقّاها وطوى صفٍ على صف

طارن زنوده وزاد عزمه والعلم رف

لو لا السّهم وصّل الخيمه بغير چفّين

* * *

وانچان قلتي لي الشّهيد شلون رضّوه

دفنوا خوارجهم واخويه حسين خلّوه

نخّيتهم وعناد إلي بالخيل داسوه

واللي جرى ما ينوصف غير التسمعين


يم البنين أو وقفتي ابديوان سفيان

بيه انعرفنا وانقلب ماتم الدّيوان

والفاجر يزيد افتضح ما بين لَعيان

لكن ثناين حسين كسّرهن الصوّبين

* * *


مخاطبة أُم البنين عليها‌السلام

بالله استعدي للبواچي يم لبنين

ردّوا يتامى وانذبح عبّاس وحسين

* * *

يم البنني اتذبّحوا كلهم على القاع

وحسين ظل امجرّد ومكسور لضلاع

ومخدّرة حيدر علي فرّت بلا قناع

ويّا الحرم والنّار تسعر بالصّواوين

* * *

يم البنين الأربعة انذبحوا ظمايا

وظلّوا ثلثتيام بالغبرا عرايا

وليتچ نظرتي عَلى النّهر صاحب الرّايه

مفضوخ راسه مقطّعه شماله وليمين

* * *

يم البنين الأربعه محّد دفنهم

دمهم غسلهم والتّرب صاير چفنهم


ومن الصّبح زينب مشت للشّام عنهم

فوق الهزل مرّت وشافتهم مطاعين

* * *

يم البنين الأربعة تشهد لچ النّاس

ما صار بليوث الحرايب مثل عبّاس

خلّا الأرض روس وجثث ومطهّمه داست

روس الأعادي وغلّق الميدان صوبين

* * *

صاحت اولادي وكل من بالعالم يروح

ويا ليلت بعد حسين ما تبقى لنا روح

يا بشر بالله لا تقول حسين مذبوح

ما شوف بالدّنيا عوض عندي عن حسين

* * *

عبّاس واخوانه عليهم ذاب لفّاد

اعزاز عندي وحزنهم بالقلب وقّاد

وحسين فَت قلبي ونسيت ارفاق لولاد

فدوه لبو سكنه أولادي يا مسلمين

* * *

يا ليت عندي من الولد سبعين مولود

بالمرجله كلها مثل عبّاس وتزود

تنذبح وابن المصطفى لدياره يعود

سالم ولا تنضام زينب والخواتين


بكاء أُم البنين أولادها

بقصى المدينة أُم البنين اتصيح بالويل

تندب يبو فاضل يصنديد الرّجاجيل

* * *

يقولون يبني باللوا شقّيت لصفوف

ودارت عليك القوم يبني بزان وسيوف

واوقعت يم المشرعه مقطوع لچفوف

مفضوخ راسك والدّما من جروحك تسيل

* * *

يقولون طبّيت النّهر وطلعت عطشان

وارجعت قلبك بالظّما ملتهب نيران

ما صار مثلك يا ضيا عيني بلخوان

لجلك أواصل بالبچا انهاري مع الليل

* * *

يقولون راسك يوم حطّه بحجره حسين

للقاع ردّيته يعقلي ويا ضيا العين


يا ريت مثلك يالولد تنذبح سبعين

ولا چار صدر ابن البتوله اترضّه الخيل

* * *

معلوم يبني ضيّعت زينب وليتام

حرمه وغريبه وضايعه والقوم ظلّام

والله حسافه انچان زينب دخلت الشّام

من غير والي والولي مقيّد بزنجيل

* * *

لا تهيجون احزان قلبي يا مسلمين

راحوا اولادي لا تسمّوني ام لبنين

لو راحوا اثنين وعليّ ردّوا اثنين

بَلكَت عليّ اتهون جمرة هالمچاتيل

* * *

اشبال أربعة والنّاس كلهم يحسدوني

وكل الخلق يم البنين يخاطبوني

شبّان كلهم فرد ساعه فارقوني

وظلّوا ابعرصة كربلا من غير تغسيل

* * *

لا تذكروا لي هالإسم ذايب افّادي

منين البنين وكربلا ضمّت أولادي

وراعي العلم مطروح مقطوع الأيادي

وزينب بليّا رجال حسره على المهازيل


إبن الحنفية وأُم البنين

اشهالخبر لقشر علينا اشهالمصاب اللّي جرى

ايذوّب افّادي امن اسمه ومهجتي امن اتصوّره

* * *

دم دمع عينيت جرى وبالحزن دلّالي انجرح

حس لمنادي ينادي ابكربلا حسين انذبح

وبو الفضل فوق الشّريعة مقطّعه اچفوف انطرح

وانكسر ظهر السّبط من عاينه فوق الثّرى

* * *

راعني صوت لمنادي ايصيح مذبوحه هَلي

ذوّب قليبي ينادي راح جسّام وعلي

راح عون وراح جعفر للحرم ما ظل ولي

لَشِق جيبي امن الأسف چان العزيزه اميسّره

* * *


آه يزينب يالمصونه اشلون ضيعه ضيعتچ

تركبين الجمل عاري وزجر قايد ناقتچ

بالدّهر للخق تبقى اشلون فجعه امصيبتچ

ويظل اسمچ للأبد بالفخر كلمن يذكره

* * *

قالت اسكت لا تفاول على اولادي القلب ذاب

بالسّلامه يردهم المعبود حلوين الشّباب

وتزهر الدّور ابأهلها وبعد ما ينغلق باب

وترجع ايام الهنيّة والسّعاده المزهره

* * *

ايواجه الله بينك وبين اخوتك يبن الأمين

ايرد ابو فاضل وخوته أربعتهم سالمين

انشا الله انشوف المنازل زاهية ابغرّة حسين

وترجع الوفّاد وتعود الليالي مسفره

* * *

صاح راح حسين لا تترقّبينه لچ يعود

والحرم للشّام مسبيّه وترفل بالقيود

وداروا ابذيچ الحراير حاسره ابوسط العقود

ووقّفوا زينب ابديوان آل اميّه محيّره

* * *


الشاعر الاديب خادم الزهراء السيد سعد الذبحاوي

ام البنين عليها‌السلام

بدروب السفر راحو بنيني

وظلّت عالدرب مشبوحه عيني

طال أعليّه الغياب

وحشه اديار الأحباب

وظلّت عالدرب مشبوحه عيني

* * *

راحو بنيني الاربعه بهالسفره

من ودّعتهم بالدمع والحسره

گلبي يلوب اعليهم او شيصبره

وبحشاشتي نار البعد مستعره

نار احشاي وجّرها ونيني

وكلما تستعر يكثر حنيني

وظلّت عالدرب مشبوحه عيني

* * *

انه الذي اشگيت او تعبت اوياهم

أربع بنين واِضهدت حيلي اوياهم

لوّعني يا ناس اشكثر فرگاهم

شلون الگلب يگدر بعد ينساهم


آنه الوالده الما بطّل ابچاي

وحگّي من اداعي ابتعبي ورباى

شينفع بعد العتاب

وحشه اديار الأحباب

وظلّت عالدرب مشبوحه عيني

* * *

ثوب الحزن ما بدَّله او لا نزعه

وعيوني متفارگ جفنها الدمعه

ضعن المشه يا ساعه ينوي الرجعه

ومن بعد غيبه اتعود ذيچ الجَمعه

وابسد فيهم اگعد من يعودون

وبدمع الفرح خل تجري العيون

گلبي امن القهر ذاب

وحشه اديار الأحباب

وظلّت عالدرب مشبوحه عيني

* * *

طالت السفره وطوّلت غيبتهم

ولا طارش او مكتوب أجه من عدهم

ما أدري يمته تنگضي سفرتهم

ويگلّي گلبي أيسي من جيّتهم

والدهم علي عندي ذخرهم

لأبو اليمّه يضحّون أبعمرهم

ولهم أحسب أحساب

وحشه اديار الأحباب

وظلّت عالدرب مشبوحه عيني

* * *

مو لحِت من كثر البواچي اعيوني

ومنهم بعد خاب الگلب وضنوني

هم صدگ من بعد السفر يلفوني

لو بالغرب والنايبه ايعوفوني

بس حسين سالم يرد ليه

خلها تروح ويلادي ضحيّه

گلبي ابفرگته أنصاب

وحشه اديار الأحباب

وظلّت عالدرب مشبوحه عيني

* * *


صار الگلب خوفه على اوليدي حسين

وابياكتر ما أدري ودّاه البين

وين الشموس الساطعه غابت وين

يمته يجون او تكف دمعتها العين

لو رجعو نذر يصبع عليّه

ورد أزرع طريق الغاضريه

بل چ ي اتعود الاطياب

وحشه اديار الأحباب

وظلّت عالدرب مشبوحه عيني

* * *


في لوعة

ام البنين عليها‌السلام مع الحسين عليه‌السلام

خّذْ روحي يا روحَ الأمينْ

فِداكَ نَفسي والبنينْ

يا حسينٌ يا كُلَّ حياتي

* * *

عزمت اعله السفر وگليبي ناداك

اخذ روحي يروح الهادي ويّاك

لون تمشي اشيصبّرني اعله فرگاك

ابد لتظن دليلي لحظه ينساك

حانَ الوِداعُ يا حُسينْ

أدعوكَ والقلبُ حَزينْ

يا حبيبي اِرحمْ عَبَراتي

* * *

تخليني او تروح او روحي متهود

واَخاف ابروحتك يوليدي متعود

هرش گلبي اويه گلبك يبني مشدود

يبواليمّه حنيني ما اِله اِحدود

يا راحلاً نحو المنون

أنعاك بالدمع الهتون

وبقلبي تَعصِفُ آهاتي

* * *


اَناديك ابدمع من دم مسيله

ييمّه الياكتر ضعنك رحيله

خَذِتْ كل عيلتك بس العليله

واخافن سفرتك تصبح طويله

نادَتهُ والدمعُ يَسيلْ

بُني إلى أينَ الرَحيلْ

فَتَمهّلْ ثَقُلَتْ خَطواتي

* * *

رحت يبني او كثر شوگي او حنيني

وبگت يبني اعله دربك تربي عيني

الك فدوه يبواليمّه بنيني

اريدك يبني بس سالم تجيني

طالَ الفِراقُ والصُدودْ

يا غائباً متى تَعودْ

فَتَقَبّلْ ربي دَعَواتي

* * *

دليل اِبغيبتك هرشه تگطّع

وعله اِفراگك بگه يلعه اِو تصدّع

فداك الاربعه بس ليّه ترجع

آنه روحي اِبفگد روحگ متهجع

يا ولدي سَتَحينُ وفاتي

* * *

آنه اَربع وِلِد لجل الزچيّه

اقدّمهم الك بالطف هديّه

نِذر يوليدي بس ترجع عليّه

ابورد ازرع طريق الغاضريه

عنْ مُقلَتي غابَ الكَرىْ

لَمْ اَدرِ عنكَ ما جرى

بِدموعي أكتُبُ كلماتي

* * *


مثل حنّي الورگ بُعدك حِناني

وعلى اِدروب السفر ظليت اَتاني

خُبَر مِنّك ولا طارش لفاني

ييمّه اِبياكثر ذبّك زماني

الحُزنُ قد أعيى الفؤادْ

والجَفنُ لا يهوى الرُقادْ

ورُقادي فَوقَ الجَمَراتِ

* * *


في الشوق إلى الحسين عليه‌السلام

زادَ حنيني زادَ حنيني

إلى الحُسينْ زادَ حنيني

گلبي ابعذابه

يشرح مصابه

إلى الحُسينْ زادَ حنيني

* * *

من يوم الرحت روحي مشت ويّاك

وعلى اِدروب انتظارك گلبي ظل يتناك

رحت عنّي وكثر ونّي على فرگاك

يبواليمّه الگلب ما يصبر اِبلياك

يا نُورَ عيني يا نُورَ عيني

قلبيْ حَزينْ يا نُورَ عيني

ما رد جوابه

يشرح مصابه

إلى الحُسينْ زادَ حنيني

* * *

گِلِتْ مِنْ السفر سالم لون اِتعود

الطريق الطف يبو اليمه اَزرعه اورود


اَفديك ابنيني بس ترد اردود

دليلي ابغيبتك يلعه وابد ميهود

قد غبت عنّي قد غبت عنّي

بني حسين قد غبت عنّي

ايشجرع غيابه

يشرح مصابه

إلى السحين زاد حنيني

* * *

اجرعت من الصبر يأهل الصبر مرّه

ابچاسات الألم يزگيني كل مرّه

آنه ام البنين وگلبي شيصبره

لون من عيني غايب مهجة الزهره

يعلو أنيني يعلو أنيني

في كلّ حين يعلو أنيني

ابدمع انتحابه

يشرح مصابه

إلى الحسين زاد حنيني

* * *

يبني اربع بنين اتروح الك فدوه

حياتي ابغيرك ابداً كلشي ما تسوه

يا ريع الدليل البيه أتروّه

لو تدري ابدليلي بعدك اشسوّه

قلبي ينادي قلبي ينادي

طال الفراق قلبي ينادي

يبعث كتابه

يشرح مصابه

إلى الحسين زاد حنيني

* * *


طالت سفرتك وكليبي يترربّه

تره الفاجد حبيبه حالته صعبه

كل عمره غريب ايعيش بالغربه

لمن يلفي محبوبه ويرد گربه

فداك عمري فداك عمري

متى تعود فداك عمري

ابهاي الغرابه

يشرح مصابه

إلى الحسين زاد حنيني

* * *

تنيتك والدليل اهروشه متگطعه

وبدروب انتظارك ذبت چالشمعه

والراح ابطريق الموت شيرجعه

تظل بچفوني من دم تهمل الدمعه

طال انتظاري طال انتظاري

أشكو العذاب طال انتظاري

هذا خطابه

يشرح مصابه

إلى الحسين زاد حنيني

* * *

يمته ابجيّتك يبني يبشروني

ومن بعد الغياب اتشوفك اعيوني

آنه اربع بنين اوياك فجعوني

بلچن للزچيه اوفي بديوني

إنّ بنيني إنّ بنيني

لك الفداء إنّ بنيني

گلبي ابعتابه

يشرح مصابه

إلى الحسين زاد حنيني


في وفاة

أمّ البنين فاطمة الكلابيه عليها‌السلام

مصابي اليوم كثره اگلوب يدمي

اديّه ماتن وهالمات يدمي

اطلبچ ابسرعه يدمي

گبري خفرته اچفوف الرزيّه

* * *

تخاطب ولداها العباس عليه‌السلام :

يعباس الصبر هدها وفتها

ومراسيل الأجل لأُمّك وفتها

كل اعهودها ابدمكم وفتها

العلي الكرّار والزهره الزچيّه

* * *


جواب العباس عليه‌السلام :

اجيچ اشلون واگطع چيف بيداي

يمّ الاربعه وكل جسمي بيداي

اغمّض جفنچ اتمنيت بيداي

مگطوعه يحيف اثنين اديّه

* * *

هاذي فاطمه او يا أمّ مثلها

ابوفاها تظرب الوادم مثلها

بالطف حي ابوفاضل مثّلها

واخوته العانگوا جيد المنيّه

* * *


في حق

فاطمة الكلابية عليها‌السلام

ويلادي النشامه

اتعودون ابسلامه

بيكم آنه مفتخره

وافوا الطاهره الزهره

اعتودون ابسلامه

* * *

آنه يا شبّان أُمكم

يلربيتوا ابوسط چبدي

ابذلت كل حيلي وجهودي

وابرباكم امل عندي

بيكم ارد اوفي الزچيه

يل الولد كل هذا گصدي

يا ما ليالي ساهرت

واتعاب برباكم شفت

من لبن طاهر رضّعت

وعمري صار الكم يولدي

كل ذيچ الليالي

مرسومه ابخيالي

هذا اليوم انتظره

وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه

* * *


اوصيّه وصاني ابوكم

حيدره حامي الحميّه

وآنه كل عمري نذرته

من اجل هاي الوصيّه

ذخر گال الولد عندچ

والوفه بالغاضريه

ويلادي ولد الغانمه

واربات حمّاي الحمه

لحسين مهجة فاطمه

خلّو وگفتكم سويّه

حيدر وصّه بيكم

وظل باله عليكم

صحت وآنه مبتشره

وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه

* * *

يلولد كل أُم حنينه

ثمره ترجه من سهرها

وانتو يا ثمره دليلي

او يا اصبي عيني ونظرها

آنه أُمكم يبد امكم

الرخصّت الكم عمرها

يا ثمر گلبي وطيبته

يا عمد بيتي وهيبته

انتو الدليل ودگته

كربله عدكم خبرها

انخاكم يولدي

وافو اليوم عهدي

لتخلوني بالحسره

وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه

* * *

انته يا عباس يبني

ساعد حسين وعضيده

كفلت زينب وانته اخوها

لا تخلّيها وحيده

اعليك يا عباس املها

نفّذ الها اشما تريده

انطاك ابو اليمّه العلم

وتكلّفت امر الحرم

ويّه اخوتك اهل الشيم

تعنوا لدروب البعيده


تحرسون العقيله

بهل السفره الطويله

عينوا زينب الكبره

وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه

* * *

وي ضعنكم روحي راحت

يلولد للغاضريّه

لا خبر منكم وصلني

وكثرة اهمومي عليّه

چنت اتأمّل ضعنكم

بالسلامه ايرد اليّه

ظلّيت اتاني اعله الدرب

فراگ البنين اشگد صعب

بالحسبه عايش هالگلب

اونّه ونّه خفيّه

عفتوني ابعذابي

وابلوعة مصابي

اعليّه طالت السفره

وافوا الطاهره الزهره

اتعودون ابسلامه

* * *

النعي:

أُمكم آنه الهجرتوني

العشت لوعات انتظاري

گلبي ما يهجع ونينه

بالحزن ليلي ونهاري

گمت انعاكم ونادي

ودمعي عالوجنات جاري

امّ البنين الاربعه

صاحب ابصوت الفاجعه

گلبي هجركم گطّعه

مادرت راحوا ضحايه

اوافوا الزهره ابدماهم


أُم البنين عليها‌السلام تخاطب ولدها

حسين ابن حامي الحمه

هذا مهجة فاطمه

وافوا امّه الشافعه

يا بنيني الأربعه

هذا مهجة فاطمه

* * *

هاي ام البنين الطاهره الحرّه

بولدها الأربعه هليوم مفتخره

طلعت للوداع ابلوعه وبحسره

توصّي كل ولدها ابمهجة الزهره

تنادي والمدمع يصب

هذا سبّاح الگلب

شلون گلبي ايودّعه

يا بنيني الأربعه

هذا مهجة فاطمه

* * *

يولدي ما اوصّيكم بعد بحسين

اعرفكم نشامه يا حماة الدين


للزهره ابدماكم اوفو هذا الدين

انتو الشوف لعيوني واخوكم عين

اربع انجوم وگمر

اعليكم احنيت الظهر

هروش گلبي امگطّعه

يا بنيني الأربعه

هذا مهجة فاطمه

* * *

آنه امكم اوصّيكم يبد أُمكم

حيدر عندي ولهاي الشدد ضمكم

انصروا حسين واتفدّو الأخو ابدمكم

ابلسان التضحيه يا ولدي اكلمكم

لو وصلتو الكربله

ضحّوا دون العايله

لا تظل متروّعه

يا بنيني الأربعه

هذا مهجة فاطمه

* * *

من طيبي رضعتوا الطيبه يا اطياب

وربّاكم على الطيبات داحي الباب

هذا اليوم يوم التضحيه ينجاب

يرفعه راسي يلبيكم صرت انهاب

بيكم آنه هيبتي

وبالشدايد نخوتي

انتو شمسي الساطعه

يا بنيني الأربعه

هذا مهجة فاطمة

* * *


وصلو كربله ونفذو اوصيت امهم

ولا بخلوا على ابن الطاهره ابدمهم

راح احسين ينعاهم يكلمهم

يدري ابوالده الطف كربله ظمهم

لجل سبط المصطفه

بالدمه صار الوفه

الجود منكم منبعه

يا بنيني الاربعه

هذا مهجة فاطمه

* * *

ها ام البنين الضحّت الشبان

صارت مظرب الأمثال بالأحسان

جعفر والنشامه الرجّو الميدان

عبد الله وابو بكر وگمر عدنان

دمعة الفرگه جرت

وبولدها ما درت

صاح صوت الفاجعه

يا بنيني الأربعه

هذا مهجة فاطمه

* * *


حنين أُم البنين عليها‌السلام

زرعت الصبر بدروبك

لمّن خظّر اورّد

وما رديت يوليدي

وعنّك كل خبر ما رد

* * *

كل غايب تگول الناس

حتماً يخلص اغيابه

وحين الّي يهزّه الشوگ

يرجع يذكر احبابه

وگلبي الجيّة الغيّاب

وللملگه فتح بابه

لا چف اليدگ بابي

وطالت سفرة احبابي

يمته اتعود غيابي

ليش الّي تريده الروح

عليّه يا خلگ ابعد

* * *

حصدني منجل الفرگه

وصبري مو لحت گاعه

ومركب حزني للطف سار

وطواني طويت اشراعه

يا يوم الفرج يلفي

واشوف احبابي يا ساعه

يمته احبابي يلفوني

هم بيهم يبشروني


واشوف حسين بعيوني

ابشوفتهم يزول الهم

ونيران الصبر تخمد

* * *

مرابع عشرتي ويّاك

ارتوة من دمعة احزاني

وأيامي اصبحت جدبه

وممحل صار بستاني

ليل انهار يوليدي

بيك ايسولف الساني

وجفني ما غمض لحظه

وگلبي ابناره يتلظّه

محّد بالبعد يرضه

رضيت اشلون من بعدك

عمري ايضيع يتفرهد

* * *

يل روح النبي روحك

فدوه اتروح الك روحي

حبستك دمعه بعيوني

وحظنتك الم بجروحي

حنين الدوح احنّن ليك

ونوح الفاجده نوحي

يوليدي وحمام الدوح

تعلّم مني فن النوح

اداوي اجروح تدّي اجروح

وبيت احزاني من همّي

انبنه يحسين واتشيّد

* * *

ما ادري اصبّر من

روحي لو عليلتكم

وعليلتكم ضناها الشوگ

تجري ادموع فركتكم

وكل لحظه ادگ شوفي

وأسچ بدروب جيّتكم

اعله هالديدان يوميّه

عيوني شابحه اربيه

سفرتك طالت اعليّه

شبيدي يبني وشبيدك

دهري ودهرك اتمرّد


وديعة فاطمه انته

وبگايه عمري واسنيني

فدوه اتروح الك روحي

وبنيني يا بعد عيني

يصير الموت حال وصار

حايل بينك وبيني

يا مهجة گلب فاطم

بس كونك ترد سالم

افديك ابگمر هاشم

وكل ولدي الك فدوه

والباري علي يشهد

* * *


أُم البنين

تخاطب ولدها الحسين عليه‌السلام

يا روحي روح الزهره

اشما ضحيّت آنه أمقصره

وبدم ولدي

وكلما عندي

اكتب عهدي

* * *

يروح المصطفه وروح الزچيّه

خذت روحي او رحت للغاضريه

بگيت اتجرّع ابچاس المنيّه

صعب فگدك يبو اليمه عليّه

بعدك صوّب دلالي

وخيّب يحسين آمالي

دمعة وجدي

حفرت خدّي

اكتب عهدي

* * *

انتظرتك وانتظاري اتعدّه الحدود

ييمه هم ترد سالم الّي اردود


آكل روحي الصبر واتنطّر اتعود

يمن گلبي اويه گلبك يبني مشدود

خافن ما ترجع ليّه

وتظل اعيوني اربيّه

وابقه ابوحدي

ابجرحي اليدّي

اكتب عهدي

* * *

الك كل لحظه يتكاثر حنيني

اشوكت يا ساعه يوليدي تجيني

الك فده حياتي وكل بنيني

اريدن للزچيه اوفي ديني

لو كل شباني افديها

للزهره ما اوفيها

ابذل جهدي

شأملك اهدي

اكتب عهدي

* * *

ليل الّي يمرني ما انامه

افكر يمته ترجع بالسلامه

دليلي اويه النسم يبعث غرامه

الك وحدك صبح يبني هيامه

بعدك چا شلّي ابعمري

بأمرك محتاره او امري

ومنين ابدي

اتصوّب چبدي

اكتب عهدي

* * *


لون الكربله يوصل كتابي

عليّه رد يبو اليمّه جوابي

كتب عتبي إلك دمع البيابي

اشوكت چفّك يدگ يوليدي بابي

ما انزع ثوب احزاني

الا وترجع شبّاني

وتمّيت احدي

ابشوگي اودّي

اكتب عهدي

* * *

تأخّر موعدك والهم چساني

وبگيت اعله الدرب انظر وتاني

بعد فتره الخبر عنك اجاني

ويريت الناعي من گلبك نعاني

خبرني ابروح الهادي

ناديته او فدوه اولادي

اسمع ردّي

لحسين افدي

اكتب عهدي

* * *

ابنيني لا تخبّرني صفوا وين

اسألك عن اخوهم گرة العين

يگلها اعله الثره كلهم مطاعين

يحرّه ابكربله مذبوح الحسين

يمّ البنين الحرّه

عفت احسين اعله الغبره

صحت ابيدّي

لحفر لحدي

اكتب عهدي


أُم البنين

تخاطب بشر ابن حذلم

مساهره بليلي ونهاري

بالصبر طال انتظاري

يا بشر گلبي فجعته

ينعه صوتك من سمعته

* * *

ناعي المصيبة ابكل كتر

اسمع هضل أصواته

وگلبي فزع گبل الجدم

يتعثر ابخطواته

يا بر خبّرني أشجره

ويجاوب ابدمعاته

ايگلها الله ايعظّم أجرچ

لو تنشديني اعله ولدچ

دمعي عالوجنه سفحته

ينعه صوتك من سمعته

* * *

يا بشر بحسين أشحصل

عن حالته خبّرني

عن ولدي ما ريدن خبر

جاوبني لتحيرني

روحي اطشها اعله الدرب

بس سالم أتبشرني


أبروحي أفديه او بنيني

بس عدل ريته يجيني

والصبر تدري جزعته

ينعه صوتك من سمعته

* * *

ابعبّاس اخبرچ وأخوته

وجعفر وعبد الله وعون

وتگلّه ولدي الأربعة

لحسين فدوه ايروحون

كافي لون وحده رجع

خلّي الولد ليرجعون

هم ترد ذيچ الليالي

يبني ذكراك اعله بالي

كلشي من عمري أخذته

ينعه صوتك من سمعته

* * *

أُم البنين الفاجده

تناشده أبجمر المدمع

احچيلي بحسين اشسده

يا بشر گلبي اتگطّع

جاوبها بلسان الدمع

عالثره عفته اموزع

ضامي عفته اعله الوطيّه

وسحگته اخيول آل أُميه

باليسر مسبيّه اخته

ينعه صوتك من سمعته

* * *

من سمعت ابهذا الخبر

ما ظل بعد بيها احساس

تلطم ابحرگة اعله الوجه

تهيل التراب اعله الراس

تنشد الوادم عالجره

وشتجاوب أُم العبّاس

لا تألموني ابنشدكم

لو أجاوب شرد اگلكم

آنه كل عزّي فگدت

ينعه صوتك من سمعته

* * *


يا گلبي كقّر ونّتك

وانعه الحسين ابحرگه

ما أدري ضيصبرك بعد

وادري طويله الفرگه

لا سفره واحسب تنگضي

واحسب أحساب الملگه

داري وحشه امن الأحبّه

چني اعيش ابدار غربه

تواسي ابو اليمّه ابغربته

ينعه صوتك من سمعته

* * *

باربع ولد لمّ الحسن

والها وفيت اعهودي

منذوره للزهره الولد

وآنه الفديت اوجودي

وافوا احسين ابكربله

وبيهم نلت مگصودي

فدوه لعيون الزچيّه

قدمت ولدي ضحيّه

لجل الحسين او محنته

ينعه صوتك من سمعته

* * *


أُم البنين عليها‌السلام

بانتظار الحسين عليه‌السلام

يلرحت للغاضريّه

هم ترد سالم عليّه

انتظر يبني تجيني

عالدرب مشبوحه عيني

هم ترد سالم عليّه

* * *

يبني يوم الودعتني

واطلعت بأهلك مهاجر

ما طبگ جفني ابغيابك

وما بطل كت النواظر

يلّي عفت اديار جدّك

وارحلت صوب المخاطر

واتركت گلبي ابونينه

وظل عليك ايلوب حاير

والده او حگي امن اعاتب

سفرتك طالت يغايب

الك يتكاثر حنيني

عالدرب مشبوحه عيني

هم ترد سالم عليّه

* * *


وطن جدّك يبني عفته

واسكنت بديار غربه

وكل اهل بيتك خذتهم

والگرايب والأحبّه

فرگة الأحباب تدري

اشگد على المحبوب صعبه

عيون المفارگ حبيبه

تبگه مشبوحه اعله دربه

وانته اعز من روحي تدري

فدوه الك يحسين عمري

لا تخليني ابونيني

عالدرب مشبوحه عيني

هم ترد سالم عليّه

* * *

ساعه ساعه او لحظه لحظه

يبني آنه ابأنتظارك

وبمنازل آل هاشم

من أمر تفجعني دارك

خاليه اوحشه او مظلمه

وتشب حدر اضلوعي نارك

هم صدگ ترجع يغايب

واستچن يبني ابجوارك

ما دريت اشصار يبني

لا خبر منّك وصلني

اشحصل ما بينك او بيني

عالدرب مشبوحه عيني

هم ترد سالم عليّه

* * *

ازرعت عيناي ابطريقك

واهجرت يحسين داري

امساهره وانطر قدومك

ابلهفتي ليلي ونهاري

وين اتوجه وروحن

اليا كتر يصبح مساري

انشد الركبان عنّك

وبالگلب مستعره ناري

من تأخر يبني وعدك

گمت افكّر خاف افگدك

اصفچ ايساري ابيميني

عالدرب مشبوحه عيني

هم ترد سالم عليّه


حيّرت فكري ابمغيبك

وغيبتك يحسين غيبه

يمته تتلاگه الحبايب

وكل محب يشكي الحبيبه

المعتني الأخطار لاچن

گلّي شيرجعه او يجيبه

مدري شيظملي زماني

يا رزيّه او يا مصيبه

يبني يا روح الزچيّه

اربعه انطيتك هديّه

فدوه الك روحي او بنيني

عالدرب مشبوحه عيني

هم ترد سالم عليّه

* * *

اربعه يبني امن اخوتك

اتعبت واشگيت ابرباهم

والدك وصاني بيهم

او هوّه من طيبه سگاهم

الكربله گلّي اضخرتهم

وانه متبرعه ابدماهم

آنه اعرفهم نشامه

اوالدك يعرف وفاهم

للزچيّه انطيب ولدي

وارد اوفّي اوياها عهدي

وللوصي ارد اوفي ديني

عالدرب مشبوحه عيني

هم ترد سالم عليّه

* * *

لون املك قابليه

الكربله چان اعتنيتك

وارد اشوفن وين صرتو

اوين حلّو اهل بيتك

جيّتك ايسّت منها

او ما ظن اتعود الثنيتك

انخمش گلبي وگمت احسّب

وخفت لا تدنه منيتك

يبو اليمّه او ريت دهري

گبل عمرك گصف عمري

الاجل ريته يعتنيني

عالدرب مشبوحه عيني

هم ترد سالم عليّه


أُم البنين مع الزهراء عليها‌السلام

أبدمه ولدي

أيا زهراء

أكتبت عهدي

أيا زهراء

* * *

ربيت اويه الفضايل والسماحه

المجد من زغري مرتديه وشاحه

شجاعه او معرفه او جود او فصاحه

الوفه يا فاطمه لفني ابجناحه

ابعلي آني

ارتفع شاني

أيا زهرا

أيا زهرا

* * *

أنه افحول العرب ولدتني أني

اصيله امعرّبه والعز چساني

حليلة حيدره واتعلّه شاني

اعله ولده طشرت حبّي وحناني


صرت إلهم

أيا زهرا

مثل أُمهم

أيا زهرا

* * *

ابنيني الأربعه نلت المعالي

او رباهم سهّر اعيوني الليالي

صور اربع صور تغفه ابخيالي

بعدهم ما درو شنهو الجرالي

مشو عنّي

وكثر ونّي

أيا زهرا

أيا زهرا

* * *

عشت بعد الولد ظيم او أذيّه

اوفيت ابهالعهد ويّه الزچيه

على افراش الأجل هاي المسيّه

وحيده او گرّبت ليّه المنيه

ردت يحظر

شبل حيدر

أيا زهرا

أيا زهرا

* * *

عله افراش الأجل مشبوحه عيني

بأخير انفاسي واتنطّر بنيني

گضه نحبي ابأثر نوحي اونيني

اتحفر گبري ردت ولدي تجيني

تغسلني

او تچفّني

أيا زهرا

أيا زهرا


ردت لرض المدينه امن الشريعه

يجي يدفنّي ابو اچفوف الگطيعه

على ادروبه بگت عيني طليعه

وانادي ابدمعتي او نار الفجيعه

منو العندي

ايحفر لحدي

أيا زهرا

أيا زهرا

* * *

صحت وينك يبو فاضل يرجواي

تعال ابچفك او غمّضلي عيناي

يگلها يمّي اعذريني اعله بلواي

يساري امگطّعه او مگطوعه يمناي

انطفت عيني

اعذريني

أيا زهرا

أيا زهرا

* * *


أدركني يا ابالفضل

مشبوحه عيني.. الصوب الشريعه

وأنه ادري يبني.. اچفوفك گطيعه

كل أُمنياتي

تحظر وفاتي

وأنه أدري يبني

اچفوفك گطيعه

* * *

أنه أُمّك يبو فاضل يلب أحشاي

إگصد للمدينة ابغيرتك عنّاي

لفت يبني منيتي وانگضت دنياي

عليه لحّگ وغمّض جفن عيناي

اندب يعباس.. من حگّي يبني

بأخر الأنفاس.. ريت اتحظرني

اسمع وصيتي

حانت منيتي

وأنه أدري يبني

اچفوفك گطيعه

* * *


حظرني الموت واطلب يبني تحظرني

يبو اچفوف الگطيعه لا تخيّبني

بدموعك يبو فاضل تغسّلني

واريدن بيدك ابگبري تنزّلني

يوليدي ظنيت.. تحظر مصابي

بالامل ظليت.. اسمع عتابي

اتكاثر حنيني

يمته تجيني

وأنه أدري يبني

اچفوفك گطيعه

* * *

ربّيت وشگيت وچان كل فكري

احضه بالوصال أبشيبي وبكُبري

عندي اربع بنين وبيّه ما تدري

أنطوت صفحه حياتي وهالگضه عمري

محّد لفاني.. وأسبل اديّه

آيا زماني.. وصوّت عليّه

وينك يغايب

شفت المصايب

وأنه أدري يبني

اچفوفك گطيعه

* * *

يا غصن المودّه المنگطع فرعه

ويا ماي الدليل الّي نضب نبعه

صفت عشرتنه مثل الخيط والشمعه

وذبنه بالوفه للطاهره البضعه


اكتبتو ابدماكم.. عهد الوديعه

اتعبت ابرباكم.. لجل الشفيعه

اوفيت الزچيه

او حامي الحميه

وأنه أدري يبني

اچفوفك گطيعه

* * *

سهم الّيي طفه عينك يضيّ العين

طفه عيني ييمّه لا سهم وثنين

حنه ظهري وهدم حيلي مصاب حسين

واملنه ضاع تالي ابگطعة الچفين

گظيت الأيام.. بعدك غريبه

الظم على الهام.. من هالمصيبه

اسكنت البوادي

انحب وانادي

وأنه أدري يبني

اچفوفك گطيعه

* * *

اعذرك والعذر يا با الفضل مقبول

ادري بيك يوليدي أشتريد اتگول چفّينك گطيعه اشلون ليّه اتصول

غيور ادري لچنّك حته لو مچتول

وينك يبنها.. گوم وحظرها

غمض جفنها.. واحفر گبرها

گلبي ابمصابه

يشرح عذابه

وأنه أدري يبني

اچفوفك گطيعه


ولدي ابا الفضل

أرويلك أخباري

دمع الحزن جاري

ريتك عدل

يا بالفضل

دمع الحزن جاري

* * *

كل أُم يبني تتمنّه

حين الموت يلفيها

ابنها بأخر الأنفاس

يحظر يسبل ااديها

يغمّض عينها اتريده

ودمعته اعليها يجريها

الگبرها تالي يحملها

او يچفنها او يواريها

وبأخر الأنفاس

أتمنّه يا عباس

ليّه تصل

يا بالفضل

دمع الحزن جاري

* * *

وآنه أُمّك يبو فاضل

خلص بالنايبه عمري

يا ما ليلي ساهرته

الشيبي ردتك وكبري


تغسلني ردت بيدك

وتنزّل جثتي ابگبري

تنتيك يبني يا عباس

او يريت ابحالتي تدري

وينك يبو الغيره

هاي أُمّك ابحيره

دمعي يهل

يا بالفضل

دمع الحزن جاري

* * *

سكنت البيد من بعدك

ولا آني سكنت ابدار

لا ليلي بعدكم ليل

يبني ولا نهاري إنهار

بعد احسين يا عباس

مبناي انهدم وانهار

بنيت اگبور يبني الكم

وبگيت انعه ابدمع مدرار

يا بالفضل يبني

اوليدك يناشدني

وحته الطفل

يا بالفضل

دمع الحزن جاري

* * *

چن أسمع يجاوبها

ويگلها يمه اعذريني

اشلون اگطع فيافي البيد

وسهم النايبه ابعيني

واحفر گبرچ ابيا ايد

ولا يسراي او يميني

تگلّه نام واتهنّه

بالهم وحدي خليني

ردتك تغسلني

والگبري تحملني

من ارتحل

يا بالفضل

دمع الحزن يجري

* * *


ادري بالقدر أصبح

بيني حايل او بينك

واعذرك لو گلت يبني

السهم متفرس ابعينك

ابيا چف يبني تدفّني

وگطعو ادري چفّينك

اعذرك أنه لو ما جيت

وفيت ابدمك الدينك

من خمدت انفاسك

وصاب العمد راسك

لا مو سهل

يا بالفضل

دمع الحزن جاري

* * *

يا ريتك عدل وتشوف

يا عباس حال أُمّك

عن السانها ما طاح

الأخير أنفاسها أسمك

وعن اعيونها ما غاب

لحظه يلولد رسمك

ابكل شدّه يبو فاضل

تندبك هيّه وتحشمك

مشدوها أفكاري

وحشه بگت داري

ما تنحمل

يا بالفضل

دمع الحزن جاري

* * *

على اجبين الدهر كتبت

عهدها ابدم ضحاياها

للزهره وعلي وحسين

ما گصّرت حاشاها

هاي ام البنين الّي

ما خاب التعنّاها

چريمه وباسطه الچفين

وبنحر ابنها حسين

كل هم يفل

حواست جمع كن

حواست جمع كن

يا بالفضل

دمع الحزن جاري


الشاعر الاديب خادم الزهراء السيد سعيد الصافي

أُمّ الوفاء

آنه امكم وأطلبكم

حگ الوفه اوياي

يا من توافون

ما ظن تگصرون

حگ الوفه اوياي

* * *

يا خصله عن ام البنين اكتبها

اتخاطب علي ابدمعة وفه التسچبها

اتريده ابأسمها بعد ما يندبها

ومن الاولاد الاربعه مطلبها

نادتهم وخبرتهم

اشعدها من راي

صاحت تسمعون

ما ظن تگصرون

حگ الوفه اوياي

* * *


اعتب ومن حگّي العتب ويّاكم

يولادي وأتلفت العمر برباكم

اطلبكم ابدر الوفه الغذّاكم

يهل الشيمي امكم وأريد انخاكم

وافوني وجازوني

وتذكّروا ارباي

واْدري تذكرون

ما ظن تگصرون

حگ الوفه اوياي

* * *

يلمن صلب حيدر علي منبعكم

او ثدي الوفه يهل الشيم راضعكم

ردّوا الجواب عليّه خل اسمعكم

ابگه ابأمل لو عالاثر اتبعكم

انخاكم وأتناكم

وأنشد امن الجاي

واتلگّه الظعون

ما ظن تگصرون

حگ الوفه اوياي

* * *

اتلگّه الظعون التجي واْنشدها

وآخذ خبر يهل الوفه من عدها

شبّان اليّه وحيدره والدها

گصّرت لو ابدت وفه ابموعدها

اتفگّد واْتنشّد

عنكم يرجواي

يا نور العيون

ما ظن تگصرون

حگ الوفه اوياي


وصّاني ابوكم وظن عدكم معلوم

الوالد ذخر رايدكم الهذا اليوم

اتعينون اخوكم لمّن اتحيطه الگوم

وراعي اللوه بدر العشيره الجيدوم

همّتكم وساعتكم

يوم الشدد هاي

الكربله اتگصدون

ما ظن تگصرون

حگ الوفه اوياي

* * *

هذا اخوكم يخوته اتعرفونه

مهجة الهادي ابدمكم اتحامونه

وحگ الربه لو ردتوا اتوافونه

وجه امكم ابموقفكم اتبيضونه

واْتبشّر بالمحشر

اكتابي ابيمناي

لمّن تضحّون

ما ظن تگصرون

حگ الربه اوياي

* * *

وهاي العقيله ام الخدر يخوتها

بالنسه محّد وصلت الهيبتها

منهو اللي بيكم يلتزم ناگتها

او طول الدرب ينشد على حالتها

چافلها وعون الها

البالعهد وفّاي

وبزوده تدرون

ما ظن تگصرون

حگ الربه اوياي


أُم البنين مع الحسين عليه‌السلام

ريّض يحادي

ريّض يحادي

لا تسرع ابممشاك

يالخذت روحي اوياك

ريّض يحادي

* * *

ام البنين ابيوم طلعت تودع حسين

صاحت اخذني اوياك يبني وينور العين

يالطالع ابهاللّيل هذا السفر لاوين

يبني الگلب ملچوم او لوّعني غدر البين

غادر زماني

غادر زماني

لو رحت وين الگاك

يالخذت روحي اوياك

ريّض يحادي

* * *

يبني الزمان اوياي ما انصف ابيوم

بالحزن واللّوعات گابلني ويحوم


لو صار الگلب يحسين مكور للهموم

لو ردت عنّي اتروح وما ترجع اعلوم

اگطع اظنوني

اگطع اظنوني

لو يبني اظل برجاك

يالخذت روحي اوياك

ريّض يحادي

* * *

يالناوي عنّي اتروح او تتركني بالدار

مدري شيريد ايگول يبني الگلب محتار

لگعد وأجيم النوح عالدرب ليل انهار

ومن اليجي ويروح انشد على الاخبار

يبرحت عنّي

يلرحت عنّي

بلچن تعود اتناك

يالخذت روحي اوياك

ريّض يحادي

* * *

صاحت يبعد الروح يوليدي يا عباس

امّك وأريد ارباي يا رفعة الراس

وبالضيج اعرفك زين صاحب وفه ونوماس

ابيمنتك شفت السيف وشفت الدرع والطاس

امّن دليلي

امّن دليلي

حسين الاخو بحماك

يالخذت روحي اوياك

ريّض يحادي

* * *


ذوله اخوتك ويّاك يابو الوفه يروحون

لأم الحسن وحسين اردنكم اتوافون

الظعن الاخو مريود طول الدرب يبرون

او لو غمض جفن حسين اردنكم اتسهرون

وشراد اخوكم

وشراد اخوكم

گلّوله عد عيناك

يالخذت روحي اوياك

ريّض يحادي

* * *

والظعن يا عبّاس انت چفيله

وزينب امأمنه اوياك هاي العقيله

امكم دمه امن العين دمع التسيله

او لو ردتوا اتغيبون غيبه طويله

اذكر حناني

اذكر حناني

يا با الفضل ورباك

يالخذت روحي اوياك

ريّض يحادي

* * *

يبني واخوك حسين بالك تعوفه

وطف كربله لو چان صفّت اچفوفه

وللحرب يا عباس شبچت اسيوفه

وبالحومه اخوك اوحيد عينك تشوفه

تفديله نحرك

تفديله نحرك

ويسارك ويمناك

يالخذت روحي اوياك

ريّض يحادي


يا أُمّ البنين

ودّعته

ودّعته

ويّه الظعن دلّالي

او ودعت كل آمالي

وظلّيت اعد الجيته

وغصبن علي ودعته

* * *

يا دهر يالمنّك سبب آلامي

انت الذي صوّبت گلبي الدامي

شبّيت راسي وبدّدت احلامي

بالحزن والدمعه گضيت ايّامي

ما شفته

ما شفته

ويّايه انصف دهري

شفت العذاب ابعمري

وغير القهر ما شفته

وغصبن علي ودعته

* * *

صبّت عليّ همها وحزنها الاقدار

اوّل سهم ما شفت مثله او لا صار


لليوم من عنده ابدليلي آثار

من صاب ابن ملجم علي حامي الجار

ضيّعته

ضيّعته

خدري الچنت اتمنّاه

والأگضي كل عمري اوياه

حيدر علي ضيّعته

وغصبن عليّ ودعته

* * *

ام البنين الفاجده اتعرفوني

لو نحت طول الدهر لتلوموني

سهم الطشت ثاني سهم صابوني

الچبد ابو محمّد گمت اصعد بعيوني

گلّبته

گلّبته

چبد ابو محمد بيدي

او نحت وصحت يوليدي

چبدك انه الگلّبته

وغصبن عليّ ودعته

* * *

من بعد ضميمي وهالمصايب كلها

گلت اصبر او آلامي اتحمّلها

والدنيه تنصح بلچن اتأمّلها

واْعظامي فگد حسين هوّ السلها

فارگته

فارگته

واعله الدرب تانيته

سالم يرد ظنّيته

او ايّست من فارگته

وغصبن عليّ ودعته

* * *


صاحت يهونك وأتنه يا حادي البين

بحبابي تحدي الياكتر رايح وين

روحي سرت يالحادي وي ظعن حسين

والجيّته عالدرب مشبوحه العين

ما نسمته

ما نسمته

ليل الهجر شيّبني

او حادي الظعن عذّبني

ويّه السهر ما نمته

وغصبن عليّ وجعته

* * *

عبّاس يا ذخري الچنت اترجّاك

اليوم الشدايد غايتي اتمنّاك

زينب امانه او سلّمتها ابيمناك

ذوله اخوتك عبّاس اخذهم ويّاك

سلّمته

سلّمته

يا با الفضل ماي العين

والگلب والروح حسين

عند اخوته سلّمته

وغصبن عليّ ودعته

* * *


موشّح في أُم البنين عليها‌السلام

يالتناشد عالوفه ورايد جواب

من وفه ام عبّاس يتألّف كتاب

* * *

بالوفه ينبض گلبها ابكل وكت

وعلى حسين ادموعها من دم تكت

وراح اخبرك بعد يا من ناشدت

اشطالبت من ودّعت اربع شباب

* * *

اتصيح يهل الشيم وأهل المعرفة

والشجاعه اتميّزت عدكم صفه

هذا يوم البيه مريود الوفه

اليوم دون حسين تفدون الرگاب

* * *

هذا اخوكم تاج الكم يخوته

اليوم ابوكم هاي چانت رادته

وفرض من الله عليكم طاعته

يا زلم يلمن صلب داحي الباب

* * *

تعرف الوادم صلب عقد الوله

ايخلّف اهل الزود وأهل المرجله

وخلها تشهد عن عزمكم كربله

او خلو دم الگوم يوصل للرچاب

* * *


يالرباكم راس امكم شيّبه

المثل هذا اليوم چنت امحسّبه

بالوفه جازوني ابحگ الربه

ابوجه ابيض ارد الاگي ام الاطياب

* * *

يا گمر هاشم يبن حامي الحمه

انت ساجي اطفال اخوك امن الظمه

وباچر تجازيك امهم فاطمه

اتطالب ابچفّينك ابيوم الحساب

* * *



الفهرس

مقدمة المترجم 5

الهوية الشخصية 13

الهوية الشخصية 14

ولادتها عليها‌السلام 16

الانتماء 18

أبو البراء عامر بن مالك: 23

عامر بن الطفيل: 24

عروة الرحال: 25

الطفيل فارس قرزل: 25

إلتآم الجوهرتين 27

الزواج 28

مهمة عقيل عليه‌السلام : 29

الخطبة: 30

الرؤية الصادق: 30

من لي بزوج كعلي عليه‌السلام ؟ 32

هكذا كانت أُم البنين: 33

صفات النساء الممدوحات 34

هكذا فلتكن المرأة التي تتبع مذهب أهل البيت عليهم‌السلام : 35

تأثير الظروف على الجنين: 40

حق الزوجة: 41

قانون الوراثة 42

فضائل أمير المؤمنين عليه‌السلام 45

نقش خاتم النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله «علي ولي الله»: 52

اعتراف عمر بأن عين علي عليه‌السلام عين الله: 53


اعتراف معاوية: 53

النظر إلى وجه علي عليه‌السلام عبادة: 54

محبو علي في درجة الأنبياء يوم القيامة: 56

كيف شرّع الأذان؟ 57

حي على خير العمل: 58

التثويب في الأذان: 62

«حي على خير العمل» تهزم الطواغيت: 65

الشهادة الثالثة: 66

الفقهاء: 71

ما هي العبارة التي تنبغي أن تقال في الشهادة الثالثة؟ 75

على ضفاف الوفاء 80

أم البنين وشهادة زوجها أمير المؤمنين عليه‌السلام : 81

أم البنين عليها‌السلام لم تتزوج بعد أمير المؤمنين عليه‌السلام : 82

أم البنين عليها‌السلام ورعايتها لسبطي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : 83

العباس بن أمير المؤمنين: 85

أمير المؤمنين عليه‌السلام يقبّل يدي العباس عليه‌السلام : 87

تعويذ أم البنين له: 88

كنيته: 88

العباس عليه‌السلام مع أبيه: 89

العباس عليه‌السلام مع أخيه الحسين عليه‌السلام : 90

أبو الفضل مع أخيه الحسين عليه‌السلام : 91

شجاعة أبي الفضل العباس عليه‌السلام : 92

فروسية أبي الفضل العباس عليه‌السلام : 94

الأمان: 96

عشية اليوم التاسع: 97

حارس خيام الحسين عليه‌السلام : 98


لقاء بين زهير بن القين وأبي الفضل العباس عليه‌السلام : 100

لقد ضاق صدري: 101

أهل البيت يمنعون الماء: 102

نهر العلقمي: 108

تذكر وصية أبيه فلم يشرب: 111

العباس عليه‌السلام يجندل المارد: 112

ورجع الحسين عليه‌السلام إلى المخيم وحده: 119

مشهد الكفين: 121

اخوة العباس عليهم‌السلام 124

تشويه التاريخ: 136

أم البنين وثورة عاشوراء 141

حوار بين أم البنين عليها‌السلام وبشير: 145

لقاء أم البنين عليها‌السلام مع زينب الكبرى عليها‌السلام : 147

أم البنين تندب أبناءها: 149

أم البنين تحيي ذكرى عاشوراء: 150

التوسل بأم البنين عليها‌السلام 153

توسلوا بأمي أم البنين عليها‌السلام : 155

1 - إهداء الصلوات: 156

2 - نذر الاطعام: 156

3 - ختم سورة «يس»: 156

4 - تجهيز من يزور كربلاء نيابة عن أم البنين عليها‌السلام : 156

5 - إهداء الصلوات للمعصومين وقراءة دعاء التوسل: 157

6 - قراءة الفاتحة لام البنين عليها‌السلام : 158

7 - إهداء ختمة قرآن لأم البنين عليها‌السلام : 159

8 - إهداء زيارة عاشوراء لأم البنين عليها‌السلام : 159

سفرة أم البنين عليها‌السلام : 161


كرامات أم البنين عليها‌السلام 163

بصيص أمل: 165

تبدد الأمل مرة أُخرى: 166

وزيرة تسمع الخطيب: 183

وبعد شهر واحد: 185

وفاة أم البنين عليها‌السلام 199

المزارات في المدينة وضواحيها 203

أسماء المدينة الطيبة: 205

الموقع الجغرافي: 206

خصائص المدينة المنورة: 206

الحثّ على الاقامة بها: 207

الحجرة الشريفة وحجرة فاطمة الصديقة: 210

محراب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله : 210

القبر الشريف: 210

أساطين المسجد النبوي صلى‌الله‌عليه‌وآله : 211

1 - أسطوانة التوبة: 211

2 - أسطوانة السرير: 211

3 - أسطوانة المحرس: 212

4 - أسطوانة الوفود: 212

5 - أسطوانة القرعة: 212

6 - أسطوانة مقام جِبرائيل: 213

7 - أسطوانة التهجد: 213

أصحاب الصفة: 213

القبة الخضراء: 214


الضريح المقدس: 214

1 - مسجد قبا: 217

2 - مسجد القبلتين: 218

3 - مسجد الجمعة: 218

4 - مسجد الفضيخ: 218

5 - مسجد الفتح: 219

6 - مسجد أمير المؤمنين علي عليه‌السلام : 219

7 - مسجد فاطمة عليها‌السلام : 219

8 - مسجد الغمامة: 220

9 - مسجد المباهلة: 220

10 - مسجد الشجرة: 220

11 - مسجد أبي ذر: 221

12 - مسجد مشربة أم إبراهيم: 221

13 - مسجد الشمس: 221

14 - مسجد الإجابة: 222

15 - مسجد العسكر: 222

16 - مسجد بني الظفر: 222

17 - مسجد الأبواء: 223

18 - مسجد الجحفة: 223

19 - مسجد غدير خم: 223

20 - مسجد بدر: 224

ثواب زيارة قبور أهل البيت عليهم‌السلام وإعمارها: 227

1 - الامام الحسن المجتبى عليه‌السلام : 230

2 - الامام علي بن الحسين عليه‌السلام : 231

3 - الامام محمد بن الباقر عليه‌السلام : 232

4 - الامام جعفر بن محمد الصادق عليه‌السلام : 233


لمحات عن حياة مؤسس الوهابية 234

بعض جرائم الوهابيين: 238

شريكات أم البنين عليها‌السلام 242

فضائل الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء عليها‌السلام : 245

ولادتها ووفاتها عليها‌السلام : 248

فدك في القرآن: 249

فدك في نهج البلاغة: 251

قوله تعالى: ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ ) (4) : 251

حدود فدك: 253

عمر يمزق وثيقة فدك: 254

موقف القرآن والنبي والأئمة ممن آذى فاطمة عليها‌السلام : 255

فاطمة خيرة الله فلماذا ظلموها؟: 257

وصية الصديقة عليها‌السلام : 257

وأوصت إلى علي بثلاث: 258

غسلها عليها‌السلام عند الوفاة: 258

أبناء رسول الله يودّعون أمهم: 260

أمير المؤمنين عليه‌السلام يودع فاطمة عليها‌السلام : 260

الظلمة يلاحقون فاطمة بعد الشهادة: 261

أسماء عند جعفر: 265

أسماء عند أبي بكر: 266

أسماء عند أمير المؤمنين عليه‌السلام : 268

لمحة خاطفة عن أحفاد أم البنين عليها‌السلام 284

الحفيد الأول: 286

عبيد الله الثاني (الأمير): 286

الحمزة بن عبيد الله الثاني: 286


محمد بن الحمزة بن عبيد الله الثاني: 287

العباس بن الحسن بن عبيد الله بن العباس عليه‌السلام : 287

الحمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس عليه‌السلام : 287

الزيارات 289

المراثي 304

الفهرس 369

ترجمة المؤلف 387

نشاطاته الاجتماعي 388

نشاطاته العلمي 388


ترجمة المؤلف

قال في كتاب: «مشاهير خلخال» في ترجمة المؤلف (دام توفيقه):

هو حجة الاسلام والمسلمين الحاج الشيخ علي ربّاني الخلخالي نزيل قم المقدسة، نجل الحاج علي رحمه‌الله .

ولد في عام الف وثلاثمائة وستّ وستّين هجري قمري، وذلك في قريه: «كرين» واحدة من قرى خلخال وفي اسرة متديّنة وملتزمة.

لقد تعلّم القرآن وختمه في ثلاثة أشهر وهو ابن ست سنين، ثم انتمى الى مدرسة ابتدائية وهو ابن سبع سنين وبقي يرتقي فيها من صف الى صف آخر بنجاح حتى اكمل الابتدائية مظفراً فائزاً.

ثم انه على اثر ترغيب والديه وحثّهما له على الدراسة الدينيّة، وكذلك على اثر حبّه وعلاقته هو بالدروس الحوزوية هاجر إلى قم المقدسة، وبقي فيها عاماً واحداً ثم عاد بعدها الى خلخال واشتغل بالمقدمات في المدرسة العلمية الجعفرية وتلمّذ عند آيت الله «يكتائى».

وبعد مضي عامين على ذلك اكمل درس المقدمات، وقفل بعدها راجعاً الى قم المقدسة، واشتغل بمواصلة الدروس الحوزوية فيها، ودرس الرسائل عند آية الله «الشيخ مصطفى الاعتمادي» وكذلك قسماً من كتاب المكاسب عند آية الله «الشيخ شهاب الدين الاشراقي» واكمل بحث السطوح عند اساتذة آخرين من مثل آية الله «الشيخ جعفر سبحاني» وغيرهم من العلماء الاعلام ثم اشترك في دروس بحث الخارج وحضر درس آية الله العظمى «السيد الكلبايكاني» وآية الله العظمى «السيد المرعشي النجفي» وآية الله العظمى «السيد محمود الشاهرودي» وآية الله العظمى


«السيد محمد الروحاني» وآية الله العظمى «السيد محمد الحسيني الشيرازي» وغيرهم من المراجع العظام.

نشاطاته الاجتماعي

لم يكتف الشيخ ربّاني الخلخالي بمواصلة دروسه الحوزوية فقط، وانما كان الى جانب ذلك، يُلقي ما تلقاه من العلوم الدينية على زملائه واصدقائه، واقربائه واهل محلّته، ويشجّعهم على الاشتراك في الثورة الاسلامية التي اندلعت في ايران بقيادة العلماء الاعلام والمراجع العظام، وعلى أثر نشاطاته تلك اعتقل ذات مرة هو وجماعة من طلّاب العلوم الدينية من طرف مديرية الشرطة العامة في مدينة خلخال، فسعى آية الله «يكتائي» في اطلاق سراحهم حتى استطاع من ذلك.

ثم انه اعتقل مرة اخرى من قبل سلطات الشاه المقبور على اثر كتاب كتبه باسم: «مفاسد الخمر، والقمار، والربا في نظر الاسلام» وسعى هذه المرة لاطلاق سراحه آية الله «الشيخ حسين لنكراني» واستطاع من التأثير على سلطات الشاه حتى امرت باطلاق سراحه.

وفي مدة اقامة الشيخ الخلخالي في مدينة قم المقدسة قام برحلات تبليغية الى مختلف بلاد إيران، والتي من جملتها: همدان، وكرج، ولواسانات، وغيرها.

نشاطاته العلمي

اهتمّ الشيخ بالتأليف والتصنيف، وقدّم للمكتبة الاسلامية كتباً قيّمة، وتصانيف انيقة وجميلة، انه كتب والّف، وبثّ ونشر، وقد رأت كتبٌ كثيرة من تأليفاته عالم النّور وخرجت الى الاسواق، وهي باللغة الفارسية، وقد تُرجم بعضها الى اللغة الاردية والعربية وغير ذلك من اللغات الاخرى، واليك نماذج من الكتب المطبوعة:

1 - «شهداء رجال الدين الشيعة» ويقع الكتاب في جزئين ضخمين يحتويان على ترجمة اربعمائة عالم من رجال الدين، الذين استشهدوا في القرن الاخير.

2 - «الشعائر الحسينية في نظر مراجع الدين الشيعة» ويقع في جزء واحد يضم بين دفتيه فتاوى المراجع العظام حول الشعائر الحسينية. وقد ترجم هذا الكتاب الى اللغة الاردية.


3 - «المرأة في نظر الاسلام».

4 - «الخيانة من منظار الاسلام».

5 - مفاسد الخمر والميسر والربا في الاسلام».

6 - «وجه الامام الحسين عليه‌السلام المنير» ويحتوي على حياة الامام الحسين عليه‌السلام من الولادة حتى الشهادة.

7 - «وجه العباس بن علي قمر بني هاشم المنير» ويقع هذا الكتاب في سبعة عشر جزءاً ضخماً، طبع منه ثلاثة أجزاء، والباقي على طاولة التأليف والطبع، ويرجو المؤلف (دام توفيقه) ان تكون هذه الموسوعة، اشبه شيء بدائرة معارف تأريخية، حول حياة حامل لواء كربلاء، وبطل يوم عاشوراء، ابي الفضل العباس عليه‌السلام ، ويأمل ان ينتفع به الفضلاء والعلماء، والكتّاب والمحققون، والشيعة والموالون.

هذا وقد حوت الأجزاء الثلاثة المطبوعة من هذه الموسوعة على شطر كبير من حياة أبي الفضل العباس عليه‌السلام وعلى اكثر من سبع مائة معجزة صدرت منه عليه‌السلام وظهرت من روضته المباركة، كما وتحتوي ايضاً على ذكر ما يرتبط بابي الفضل العباس عليه‌السلام من حسينيات، ومقامات، وسقايات، ومستوصفات، ومدارس علوم دينية، وما اشبه ذلك من مؤسسات اجتماعية، ويحتوي كذلك على ذكر اولاد ابي الفضل العباس عليه‌السلام وذكر تأريخهم ونبذة من حياتهم، وتعيين مزاراتهم ومراقدهم، وعرض صور جميلة من روضاتهم المقدسة.

فإلى جميع العلماء والفقهاء، وائمة الجماعة والخطباء، والمداحين والذاكرين، واصحاب المجالس والمواكب اجمعين، وكل المحبّين والموالين، نوجّه خطابنا هذا، ونأمل منهم التعاون معنا في اخبارنا ومراسلتنا بكل ما لديهم من كرامات ومعجزات تخصّ ابا الفضل العباس عليه‌السلام وترتبط بعموم الناس من شيعة وسنة، ومسلمين وغير مسلمين، كي ندرجها في الاجزاء الباقية ان شاء الله تعالى ولكم منا جزيل الشكر والثناء.

الناشر