تلخيص التمهيد
تأليف:
محمّد هادي معرفة
الجزء الثّاني
مؤسّسة النّشر الإسلامي
التّابعة لجماعة المدرّسين بقم المقدّسة
تلخيص التمهيد
(ج2)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والسلام على عباده الذين المصطفى محمّد وآله الطاهرين.
وبعد، فإنّ مسألة (الإعجاز القرآني) كانت ولا تزال تُشكّل الأهمّ من مسائل أصول العقيدة التي بُنيت عليها رواسيها ودارت عليها رحى الإسلام، فكان جديراً بمَن حاول التحقيق من مباني الشريعة، والبحث عن أُسسها الأُولى القويمة، أن يدرس من جوانب المسألة ويُمعن النظر فيها إمعاناً، بعد أن لم تكن المسألة تقليدية ولا تُغني المتابعة العمياء من غير معرفة أو علم يقين.
أمّا عرب الجاهلية الأُولى فقد كانت تُدرك جانب هذا الإعجاز البيانيّ، بحسّها البدائيّ المرهف وذوقها الفطريّ السليم في سهولة ويسر؛ إذ كان القرآن نزل بلغتهم وعلى أساليب كلامهم، سِوى كونه في مرتبة عُليا وعلى درجة أرقى، كانوا يُدركونه فهماً ولا يكاد يبلغونه في مِثله أداءً وتعبيراً.
كان عصر نزول القرآن أزهى عصور البيان العربي، وقد بلغت العرب من العناية بلغتها والإشادة بمبانيها، مَبلغ الكمال بما لم تبلغه في أيّ عصر من العصور.
كانت لهم أندية وأسواق (1) يجتمع إليها فصحاؤهم، خطباءً وشعراءً، يعرضون
____________________
(1) كانت على مقربة الطائف سوق تجتمع إليها العرب في الأشهر الحرم - حيث الأمان المؤقّت - فينصبون خيامهم بين نخيله في مكان يُسمى (عكاظ) وكانت العرب تقصدها في طريقها إلى الحجّ، فيجتمعون منه في مكان يقال له (الابتداء) وقد اتخذتها العرق سوقاً بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة، أي قبل مبعث النبي (صلّى الله عليه وآله) بخمس وعشرين عاماً (سنة 540 =
فيها أَنفس بضائعهم وأجود صنائعهم، أَلا وهي بضاعة الكلام وصناعة الشعر والبيان، كانوا يتبارون فيها، وينقدون ويتفاخرون، ويتنافسون فيها أشدّ التنافس.
حتى إذا ظهرت فيهم الدعوة ونزل القرآن فما أن تُليت عليهم آياته إلاّ والأسواق قد تعطّلت والأندية قد انفضّت، وقد خَلت الديار إلاّ من رنّة صوت القرآن، وقد زحفهم ببراعته وهزمهم بصولته، فلم يستطيعوا مباراته ولم يقدروا على مجاراته، ففضّلوا الفِرار على القَرار، واستغشوا على رؤوسهم ثوب العار، ذلك على أنّه لم يسدّ عليهم باب المعارضة، ولم يُمانعهم التنافس فيه، صارخاً ومتحدّياً لهم أفراداً وجماعات، لو يأتوا بحديث مِثله!
وقد عرض عليهم هذا التحدّي الصارخ في جُرأة خارقة وصراحة بالغة، مُكرّراً عليهم ومتهكّماً بهم، أنّهم أعجز من أن تقوم قائمتهم تجاه صوت القرآن المدوّي المدهش، وقد تنازل معهم إلى الأخفّ فالأخفّ؛ تبييناً لموقف عجزهم
____________________
= للميلاد) وكانت وفود العرب تتوافد إليها من كل صوب، وزادت قريش بواعث الاجتماع إليها أنّهم جعلوها مَسرحاً للأدب والشعر، تتسابق فيه القبائل لإظهار نوابغها من شعراء وخطباء، فيتناشدون ويتفاخرون وكانوا يعرضون فيها نُخَب قصائدهم على نَقَدة القريض والكلام، ويكون لذلك احتفال حاشد يشهده جماهير العرب، فتشيع قصائدهم ويترنّم بها الرُكبان في كلّ صقع. وبقيت سوق عكاظ بعد الإسلام مَعرضاً يتبادل فيه السلع، حتّى نهبها الخوارج الحروريّة حين خرجوا بمكّة مع المختار بن عوف سنة (129 هـ).
وكانت لهم أسواق أُخر تبلغ العشرة كانت تُقام في فواصل معيّنة من السنة في أمكنة متعدّدة، وكانت تحت خفارات مُنتظمة في حمايات معيّنة، ذَكر تفصيلها اليعقوبي في تاريخه: ج1، ص239.
وكانت لهم أيضاً مجالس يجتمعون فيها لمناشدة الأشعار ومبادلة الأخبار والبحث عن بعض شؤونهم العامة، وكانوا يسمّون تلك المجالس بـ (الأندية) ومنها نادي قريش ودار الندوة بجوار الكعبة، وكان لكلّ بيت من بيوت الأشراف فِناء بين يديه للاجتماع، ولكلّ قوم مجتمع عامّ في المضارب، على أنّهم كانوا حيثما اجتمعوا تناشدوا وتفاخروا وتبادلوا سلع الكلام وصناعات القريض والبيان، (انظر تاريخ الآداب العربية: ج1، ص195، وتاريخ التمدّن الإسلامي: ج1، ص37 كلاهما لجرجي زيدان، ودائرة المعارف لفريد وجدي: ج6، ص535.
وضعف مقدرتهم:
أوّلاً: ( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ ) (1) ، ثانياً ( فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ ) (2) ، ثالثاً : ( فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ) (3) ، وأخيراً أَجهز عليهم بحُكمه الباتّ: ( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ) (4) فقد أَنذرهم بالنار وساوى بينهم وبين الأحجار.
هذا، ولم يكن العرب يومذاك أهل كَسل ومَلل في الكلام والخِصام، وقد تربّوا في أحضان الخصومة وكانوا أهل لَدَد وجَدل، كما وصفهم تعالى: ( وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً ) (5) ، وقال: ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) (6) ، فلو كانت فيهم قدرة على المعارضة أو لسان لم يخرسه العجز والعيّ لَما صَمتوا على ذل العار أو سكتوا على شَنار الصَغار، وقد أصاب منهم موضع عزّهم ومحلّ فَخارهم، وهزمهم بذات سلاحهم، ولم تكن الهزيمة الشنعاء إلاّ؛ لأنّهم وجدوا من أنفسهم ضآلة وحقارة، تجاه عظمة القرآن وهيمنته وكبريائه، ( فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً ) (7) (8) .
هذا الوليد بن المغيرة المخزومي - كبير قريش ورائدهم وقائدهم - استأمروه
____________________
(1) الطور: 34.
(2) هود: 13.
(3) يونس: 38.
(4) البقرة: 24.
(5) مريم: 97.
(6) الزخرف: 58.
(7) الكهف: 97.
(8) إنّهم حاولوا معارضته ومقابلة فصيح كلامه، غير أنّ الحظّ لم يساعدهم ولم يرافقهم التوفيق، فقد أعوزتهم الكفاءة وتقاعست عنه هِمَمهم لمّا رأوا شموخ طوده الرفيع، قال ابن رشيق في العمدة: ج1، ص211، ولمّا أرادت قريش معارضة القرآن فصحاؤهم الذين تعاطوا ذلك، على لُباب البُرّ وسُلاف الخمر ولحوم الظأن والخلوة والى أن بلغوا مجهودهم، فلمّا سمعوا قول الله عزّ وجلّ: ( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) هود: 44، يئسوا ممّا طَمعوا فيه، وعَلموا أنّه ليس بكلام مخلوق، (وراجع مجمع البيان: ج5، ص145).
بشأن هذا الكلام الذي جاء به نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله)، فلم يستطع سِوى الاعتراف بأنّه فوق مقدور البشر: فوالله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي جنون، وإنّ قوله من كلام الله... (1) ، وهو القائل: ووالله إنّ لقوله الذي يقول لَحلاوة، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنّه لمَثمر أعلاه، مُغدق أسفله، وإنّه ليعلو وما يُعلى (2) ، وهذا إنذار من رأس الكفر بأنّ الغَلَب سوف يكون مع القرآن.
وقد حاولوا الممانعة دون صيته والحؤول دون شياعه، وقالوا: ( لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) (3) . وكانوا يستغشون ثيابهم ويضعون أصابعهم في آذانهم خشية سماعه، أو يَحشون مسامع الوفود بالخُرق والكراسف؛ لئلاّ يستمعوا الى حديثه، لماذا؟ إنّهم أدركوا هيمنته ولمسوا من واقعه الناصع، فهابوه وخافوا سطوته، فقد أعجزتهم مقابلته بالكلام وألجأتهم أخيراً إلى ركوب الصعب من مطايا الحتوف بمقارنة الأسنّة والسيوف، لكن ( وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) (4) .
والآية الأغرب، والمعجزة الأعجب، ذلك حُكمه الباتّ على أنهم لن يأتوا بمثله ( وَلَنْ تَفْعَلُوا ) أبداً، إنّه إعجاز في صراحة وجرأة يفوق سائر الإعجاز، وإخبار عن غيب محتّم، لا يصدر إلاّ عن علاّم الغيوب، ولا يجرأ على النُطق به أحد من البشر مهما أُوتي من علم وقدرة وهيمنة.
بل وحِكمة العامّ الشامل لكافّة طبقات الأُمم عِبر الخلود، لا يستطيعون جميعاً أن يأتوا بمثله ( وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (5) .
وهذا رَكب البشريّة - وفيهم الجُفاة والعتاة ممّن مارسوا لغة الضاد - قد اُخرِسوا جميعاً عن معارضته وإمكان مقابلته، وليس عن رحمة ولين عريكة،
____________________
(1) تفسير الطبري: ج29، ص98.
(2) مستدرك الحاكم: ج2، ص50.
(3) فصّلت: 26.
(4) يونس: 82.
(5) الإسراء: 88.
وإنّما هو عجز وعيّ وضَعف، صار دليلاً على إعجازه وبرهاناً عن خلوده.
وقد بحث العلماء قديماً وفي العصر القريب، عن سرّ هذا الإعجاز وعن سبب خلوده، وحاولوا قُصارى جهدهم لكشف النقاب عن وجهه ولمس أعتابه، فكانت أبحاثاً جَللاً وآراءً ونظرات قيّمة، سجّلتها صحائف التاريخ في سطور مضيئة وكلمات مشرقة، كان تراثنا الثمين في هذا المضمار ورصيدنا الوفير في هذا العرض، أحسن الله جزاءهم، ونحن إذ نسير على منهجهم لا نألو جُهداً في سَبر أغواره والتحقيق من مبانيه، جَرياً مع التطوّر في الأفكار والأنظار، عساه أن يكون خدمةً صالحةً لمباني الدين القويم والترويج من شريعة سيّد المرسلين، عليه وعلى آله الأطيبين صلوات ربّ العالمين.
قم
محمّد هادي معرفة
غرة ربيع الأغر 1408هـ
المدخل
إلى دراسة الإعجاز القرآني
تمهيدات أصولية
قبل الورود على دلائل الإعجاز
- الإعجاز القرآني.
- سرّ الإعجاز.
- آراء ونظرات عن إعجاز القرآن.
الإعجاز في دراسات السابقين.
الإعجاز في دراسات اللاحقين.
- حقيقة القول بالصرفة.
- شهادات وإفادات.
- جذبات وجذوات.
- قرعات وقمعات.
- محاججات ومخاصمات.
- مفاخرات ومساجلات.
- سخافات وخرافات.
- محاكاة وتقاليد صبيانية.
- مصطنعات وتلفيقات هزيلة.
- مقارنة عابرة.
الإعجاز القرآني
الإعجاز: مصدر مزيد فيه من (عجز) إذا لم يستطع أمراً، ضدّ (قدر) إذا تمكّن منه، يقال: أَعجزه الأمر، إذا حاول القيام به فلم تسعه قدرته، وأعجزتُ فلاناً: إذا وجدته عاجزاً أو جعلته عاجزاً.
والمُعجزة - في مصطلحهم - تُطلق على كلّ أمر خارق للعادة، إذا قُرن بالتحدّي وسلم عن المعارضة، يُظهره الله على يد أنبيائه؛ ليكون دليلاً على صدق رسالتهم (1) .
____________________
(1) الإعجاز ضرورة دفاعية قبل أن تكون ضرورة دعائية، إنّ رسالة الأنبياء على وضح من الحقّ الصريح، ولا حاجة إلى إقامة برهان ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ) ، ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) ، ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ) ، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ ) ، ( وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ ) ، ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا ) ، نعم، ( وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) ، ( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ) ، ومِن ثَمّ وقفوا في سبيل الدعوة إمّا معارضةً بالوساوس والدسائس وعرقلة الطريق فدعت الضرورة إلى الدليل المعجز استيقاناً ودفعاً للشبهة، أو مكافحةً بالسيف فدعت الحاجة إلى القتال والجهاد.
وهي تتنوّع حسب تنوّع الأُمَم المرسل إليهم في المواهب والمعطيات، فتتناسب مع مستوى رقيّهم في مدارج الكمال، فمِن غليظ شديد إلى رقيق مرهف، ومن قريب مشهود إلى دقيق بعيد الآفاق، وهكذا كلّما تقادمت الأُمم في الثقافة والحضارة فإنّ المعاجز المعروضة عليهم من قِبَل الأنبياء (عليهم السلام) ترقّ وتلطف، وكانت آخر المعاجز رقّةً ولطفاً هي أرقاها نمطاً وأعلاها أُسلوباً، أَلا وهي معجزة الإسلام الخالدة، عُرضت على البشرية جمعاء مع الأبد، مهما ارتقت وتصاعدت في آفاق الكمال، الأمر الذي يتناسب مع خلود شريعة الإسلام.
ولقد صَعُب على العرب - يومذاك وهم على البداوة الأُولى - تحمّل عبء القرآن الثقيل، فلم يطيقوه؛ ومِن ثَمّ تمنّوا لو يبدّل إلى قرآن غير هذا، ومعجزة أُخرى لا تكون من قبيل الكلام: ( قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) (1) ، إنّها لم تكن معجزةً للعرب فقط، وإنّما هي معجزة للبشرية عِبر الخلود، لكن أنّى لأُمّة جهلاء أن تلمس تلك الحقيقة وأن تُدرك تلك الواقعيّة سوى أنّها اقترحت عن سفه: أن يُفجّر لهم من الأرض ينبوعاً، أو تكون له جَنّة من نخيل وعنب ويُفجّر الأنهار خلالها تفجيراً، أو يسقط السماء عليهم كِسفاً، أو يأتي بالله والملائكة قبيلاً، أو يكون له بيت من زخرف، أو يرقى في السماء، ولا يؤمنوا لرقيّه حتى ينزل عليهم كتاباً يقرأونه.
وقد عجب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) من مقترحهم ذلك التافه الساقط، ممّا يتناسب ومستواهم الجاهلي، ومِن ثَمّ رفض اقتراحهم ذاك ( قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً ) (2) . أي ليس هذا من شأنكم وإنّما هي حكمة بالغة يعلمها الحكيم الخبير.
قال الراغب الأصفهاني: المعجزات التي أتى بها الأنبياء (عليهم السلام) ضربان: حسّي
____________________
(1) يونس: 15.
(2) الإسراء: 93.
وعقلي.
فالحسّي ما يُدرك بالبصر، كناقة صالح، وطوفان نوح، ونار إبراهيم، وعصا موسى (عليهم السلام).
والعقلي: ما يُدرك بالبصيرة، كالإخبار عن الغيب تعريضاً وتصريحاً، والإتيان بحقائق العلوم التي حصلت عن غير تعلّم.
فأمّا الحسّي: فيشترك في إدراكه العامّة والخاصة، وهو أَوقع عند طبقات العامّة، وآخذ بمجامع قلوبهم، وأسرع لإدراكهم، إلاّ أنّه لا يَكاد يُفرِّق بين ما يكون معجزة في الحقيقة، وبين ما يكون كَهانة أو شعبذة أو سحراً، أو سبباً اتفاقياً، أو مواطأة، أو احتيالاً هندسياً، أو تمويهاً وافتعالاً، إلاّ ذو سعة في العلوم التي يعرف بها هذه الأشياء.
وأَمّا العقلي: فيختص بإدراكه كَمَلَةُ الخواص من ذوي العقول الراجحة، والأفهام الثاقبة، والرويّة المتناهية، الذين يُغنيهم إدراك الحق.
وجعل تعالى أكثر معجزات بني إسرائيل حسّياً؛ لبَلادتهم وقلّة بصيرتهم، وأكثر معجزات هذه الأُمّة عقلياً؛ لذكائهم وكمال أفهامهم التي صاروا بها كالأنبياء، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (كادت أُمتي أن تكون أنبياء) (1) .
ولأنّ هذه الشريعة لمّا كانت باقيةً على وجه الدهر غير معرّضة للنسخ وكانت العقليات باقية غير مُتبدّلة جعل أكثر معجزاتها مثلها باقية، وما أتى به النبي (صلّى الله عليه وآله) من معجزاته الحسّية، كتسبيح الحصا في يده، ومكالمة الذئب له، ومجيء الشجرة إليه، فقد حواها وأحصاها أصحاب الحديث.
وأمّا العقليات: فمَن تفكّر فيما أورده (عليه السلام) من الحِكم التي قَصُرت عن بعضها أفهام حكماء الأُمَم بأَوجز عبارة اطّلع على أشياء عجيبة.
____________________
(1) مسند أحمد: ج1، ص 296.
وممّا خصه الله تعالى به من المعجزات (القرآن) وهو آية حسّية عقلية صامتة ناطقة باقية على الدهر مبثوثة في الأرض، ولذلك قال تعالى: ( وَقَالُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ ) (1) ودعاهم ليلاً ونهاراً مع كونهم أُولي بَسطة في البيان إلى معارضته، بنحو قوله: ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ ) (2) وفي موضع آخر: ( وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (3) وقال: ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (4) .
فجعل عجزهم علماً للرسالة، فلو قدروا ما أقصروا، إذ قد بذلوا أرواحهم في إطفاء نوره وتوهين أمره، فلمّا رأيناهم تارةً يقولون: ( لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ) (5) وتارةً يقولون ( لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا ) (6) ، وتارة يصفونه بأنّه ( أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ) (7) وتارةً يقولون ( لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ) (8) وتارةً يقولون: ( ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ ) (9) كلّ ذلك عجزاً عن الإتيان بمثله، عَلِمنا قصورهم عنه، ومحال أن يُقال: إنه عورض فلم يُنقل، فالنفوس مهتزّة لنقل ما دقّ وجلّ، وقد رأينا كتباً كثيرة صُنّفت في الطعن على الإسلام قد نُقلت وتُدوِّلت (10) .
* * *
____________________
(1) العنكبوت: 50 و51.
(2) البقرة: 23.
(3) يونس: 38.
(4) الإسراء: 88.
(5) فصّلت: 26.
(6) الأنفال: 31.
(7) النحل: 24.
(8) الفرقان: 32.
(9) يونس: 15.
(10) عن مقدّمته على التفسير: ص102 - 104.
ويمتاز القرآن على سائر المعاجز بأنّه يضمّ - إلى جانب كونه معجزاً - جانب كونه كتاب تشريع، فقد قُرن بإعجاز ووُحدّ بينهما، فكانت دعوة يرافقها شهادة من ذاتها، دلّ على ذاته بذاته.
قال العلاّمة ابن خلدون: اعلم أنّ أعظم المعجزات وأشرفها وأوضحها دلالةً القرآن الكريم المُنزل على نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ الخوارق في الغالب تقع مغايرة للوحي الذي يتلقّاه النبيّ ويأتي بالمعجزة شاهدةً بصدقه، والقرآن هو بنفسه الوحي المدّعي، وهو الخارق المعجز، فشاهده في عينه ولا يفتقر إلى دليل مغاير له كسائر المعجزات مع الوحي، فهو أوضح دلالة؛ لاتّحاد الدليل والمدلول فيه.
قال: وهذا معنى قوله (صلّى الله عليه وآله): (ما مَن نبيّ من الأنبياء إلاّ وأُوتي من الآيات ما مِثله آمن عليه البشر، وإنّما كان الذي أُوتيته وحياً أُوحي إليّ، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) يُشير إلى أن المعجزة متى كانت بهذه المثابة في الوضوح وقوّة الدلالة - وهو كونها نفس الوحي - كان الصدق لها أكثر لوضوحها، فكثر المصدّق المؤمن وهو التابع والأُمّة (1) .
التحدّي في خطوات:
لقد تحدّى القرآن عامّة العرب، مذ نشأ بين ظهرانيهم، وهم لمسوه بأناملهم فوجدوه صعباً على سهولته وممتنعاً على يُسره، فحاولوا معارضته ولكن لا بالكلام لعجزهم عنه، بل بمقارنة السيوف وبذل الأموال والنفوس، دليلاً على فشلهم عن مقابلته بالبيان.
وربّما كانوا بادئ ذي بدء استقلّوا مِن شأنه، حيث قالوا: ( لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ ) (2) . وقالوا: ( إِنْ هَذَا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ ) (3) . وقالوا:
____________________
(1) المقدّمة السادسة: ص95.
(2) الأنفال: 31.
(3) المدّثر: 25.
( إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) (1) ، وقالوا: ( مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ) (2) ، إلى أمثالها من تعابير تنم عن سخف أوهامهم.
لكن سُرعان ما تراجعت العرب على أعقابها، فانقلبوا صاغرين، وقد ملكتهم روعة هذا الكلام وطغت عليهم سطوته، متهكّماً بموقفهم هذا الفاشل، ومتحدّياً في مواضع: ( أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ) (3) ، وحدّد لهم لو يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فيما كانوا يزعمون ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ ) (4) .
وتصاغراً من شأنهم تنازل أن لو استطاعوا أن يأتوا بسورة واحدة من مثله: ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) (5) .
وأخيراً حكم عليهم حكمه الباتّ ( فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ) (6) أن ليس باستطاعتهم ذلك مهما حاولوه وأعدّوا له من حولٍ وقوّةٍ؛ لأنّه كلام يفوق كلام البشر كافّة.
والآن وقد حان إعلان التحّدي بصورته العامّة، متوجّهاً به إلى البشرية جمعاء، تحديّاً مستمرّاً عِبر الأجيال: ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (7) .
* * *
____________________
(1) النّحل: 103.
(2) الأنعام: 91.
(3) الطور: 33 و34.
(4) هود: 13 و14.
(5) يونس: 38 و39.
(6) البقرة: 24.
(7) الإسراء: 88.
وهل وقع التحدّي بجميع وجوه الإعجاز، أم كان يخصّ جانب فصاحته وبلاغته وبديع نَظمه وعجيب أُسلوبه فحسب؟
ولعلّه يختلف حسب اختلاف الخطاب، فحيث كان التحدّي متوجّهاً إلى العرب خاصّة، ولا سيّما ذلك العهد الذي كان مهنة العرب فيه خاصّة بجانب البيان وطلاقة اللسان، فلا جَرم كان التحدّي حينذاك أيضاً خاصّاً بهذا الجانب في ظاهر الخطاب.
أمّا وبعد أن توجّه النداء العامّ إلى كافة البشرية على الإطلاق فإنّه لابدّ أن يقع التحدّي بمجموعة وجوه الإعجاز من حيث المجموع، حيث اختلاف الاستعدادات والقابليّات، والقرآن معجزة الإسلام لجميع الأدوار وعامّة الأجيال ولمختلف طبقات الناس، في الفنون والمعارف، والعلوم والثقافات.
التحدّي في شموله:
وهذا التحدّي في عمومه يشمل كلّ الأُمم وكلّ أدوار التاريخ، سواء العرب وغيرهم، وسواء مَن كان في عهد الرسالة أم في عهود متأخّرة حتى الأبد، اللفظ عامّ والخطاب شامل (1) ؛ ولأنّ التحدّي لم يكن في تعبيره اللفظي فقط ليخصّ لغة العرب، وإنّما هو بمجموعه من كيفيّة الأداء والبيان والمحتوي جميعاً، كما أنّه لم يخصّ جانب فصاحته فحسب، ليكون مقصوراً على العهد الأَوّل، حيث العرب في ازدهار الفصاحة والأدب، على أنّ الفصاحة والبلاغة لم تختصّ بلغة دون أُخرى ولا بأُمّة دون غيرها.
لكن هناك من حاول اختصاص التحدّي بالعهد الأَوّل وإن كان الإعجاز باقياً
____________________
(1) وبتعبير اصطلاحي أصولي أنّ هذا الخطاب يضمّ إلى جانب عمومه الأفرادي إطلاقاً أحوالياً وإطلاقاً زمانياً معاً، إذاً فللخطاب شمول من النواحي الثلاث: الأفراد الموجودين والأقوام الذين يأتون من بعد وأيّاً كانت حالتهم وعلى أيّ صفةٍ كانوا.
مع الخلود زعماً بأنّ عجز ذلك الدور يكفي دليلاً على كونه مُعجزاً أبداً، هكذا زعمت الكاتبة بنت الشاطئ قالت: مناط التحدّي هو عجز بُلغاء العرب في عصر المبعث، وأمّا حجّة إعجازه فلا تخصّ عصراً دون عصر، وتعمّ العرب والعجم، وكان عجز البُلغاء من العصر الأَوّل، وهم أصل الفصاحة برهاناً فاصلاً في قضية التحدّي... (1) .
قلت: ولعلّها في ذهابها هذا المذهب خَشيت أن لو قلنا بأنّ التحدّي قائم ولا يزال، أن سوف ينبري نائرة الكفر والإلحاد، مِمَّن لا يقلّ عددهم في الناطقين بالضاد، فيأتي بحديث مِثله، وبذلك ينقض أكبر دعامة من دعائم الإسلام!
لكنّها فلتطمئن أنّ هذا لن يقع ولن يكون؛ لأنّ القرآن وُضع على أُسلوب لا يدانيه كلام بشر البتة، ولن يتمكن أحد أن يجاريه لا تعبيراً وأداءً ولا سبكاً وأُسلوباً، مادام الإعجاز قائماً بمجموعة اللفظ والمعنى، رِفعةً وشموخاً في المحتوى، وجمالاً وبهاءً في اللفظ والتعبير، فأيّ متكلم أو ناطق يمكنه الإتيان بهكذا مطالب رفيعة، لم تسبق لها سابقة في البشرية وفي هكذا قالب جميل! اللّهمّ إلاّ أن يفضح نفسه.
وفي التاريخ عِبَرٌ تؤثر عن أُناس حاولوا معارضة القرآن، لكنّهم أَتوا بكلام لا يشبه القرآن ولا يشبه كلام أنفسهم، بل نزلوا إلى ضَربٍ من السخف والتفاهة، بادٍ عاره، باقٍ وشناره، فمَن حدّثته نفسه أن يعيد هذه التجربة فلينظر في تلك العبر، ومَن لم يستحِ فليصنع ما شاء.
وتلك شهادات من أهل صناعة الأدب، اعترفوا - عِبر العصور - بأنّ القرآن فذّ في أُسلوبه لا يمكن لأحد من الناس أن يقاربه فضلاً عن أن يماثله.
قال الدكتور عبد الله دراز: مَن كانت عنده شبهة، زاعماً أنّ في الناس مَن يقدر
____________________
(1) الإعجاز البياني: ص65 - 68.
على الإتيان بمِثله، فليرجع إلى أُدباء عصره، وليسألهم: هل يقدر أحد منهم على أن يأتي بمِثله؟ فإن قالوا: نعم، لو نشاء لقلنا مثل هذا، فليقل لهم: هاتوا برهانكم. وإن قالوا: لا طاقة لنا به، فليقل لهم: أيّ شيء أكبر شهادة على الإعجاز من الشهادة على العجز، ثُمّ ليرجع إلى التاريخ فليسأله ما بال القرون الأُولى؟ يُنبئك؟ التاريخ أنّ أحداً لم يرفع رأسه أمام القرآن الكريم، وأنّ بضعة النفر الذين انغضوا رؤوسهم إليه باؤوا بالخزي والهوان، وسحب الدهر على آثارهم ذيل النسيان (1) .
التحدّي بفضيلة الكلام:
قد يقول قائل: إنّ صناعة البيان ليست في الناس بدرجة واحدة وهي تختلف حسب اختلاف القرائح والمعطيات، ولكلّ إنسان مواهبه ومعطياته، وكلّ متكلّم أو كاتب إنّما يضع في بيانه قطعة من عقله ومواهبه، ومِن ثَمّ يختلف الناس في طرق التعبير والأداء، ولا يمكن أن يَتشابه اثنان في منطقهما وفي تعبيرهما، اللّهمّ إلاّ إذا كان عن تقليد باهت.
إذاً فكيف جاز تحدّي الناس لو يأتوا بحديث في مثل القرآن، وهم عاجزون أنْ يأتوا بمِثل كلام بعضهم؟!
لكن غير خفي أنّ لشرف الكلام وضِعته مقاييس، بها يُعرف ارتفاع شأن الكلام وانحطاطه وقد فصّلها علماء البيان، وبها تتفاوت درجات الكلام ويقع بها التفاضل بين أنحائه من رفيع أو وضيع، نعم، وإن كانت القرائح والمعطيات هي المادّة الأُولى لهذا التفاوت، ولا نماري أن يكون كلام كلّ متكلّم هي وليدة فطرته وحصيلة مواهبه ومعطياته، بحيث لا يمكن مشاركة أيّ أحد فيما تُمليه عليه ذهنيّته الخاصّة، لكن ذلك لا يُوهن حجّتنا في التحدّي بالقرآن، لأنّا لا نطالبهم أن يأتوا بمِثل صورته الكلامية، كلاّ، وإنّما نطلب كلاماً - أيّاً كان نمطه وأُسلوبه -
____________________
(1) النبأ العظيم: ص75.
بحيث إذا قيس مع القرآن بمقياس الفضيلة البيانيّة حاذاه أو قاربه، على شاكلة ما يُقاس كلمات البلغاء مع بعض، وهذا هو القدر الذي تنافس فيه الأُدباء، ويتماثلون أو يتقاربون، لا شيء سواه.
وقد أشار السكّاكي إلى طرف من تلك المقاييس التي هي المعيار لارتفاع شأن الكلام وانحطاطه، قال - بعد أن ذكر أنّ مقامات الكلام متفاوتة، ولكلّ كلمة مع صاحبتها مقام، ولكلّ حدّ ينتهي إليه كلام مقام -: وارتفاع شأن الكلام في باب الحسن والقبول وانحطاطه في ذلك بحسب مصادفة الكلام لما يليق به.
قال: فحُسن الكلام تحلّيه بشيءٍ من هذه المناسبات والاعتبارات بحسب المقتضى، ضعفاً وقوّةً على وجه من الوجوه (التي يفصّلها في فنّي المعاني والبيان).
ويقول بعد ذلك: وإذ قد تقرّر أنّ مدار حسن الكلام وقبحه على انطباق تركيبه على مقتضى الحال والاعتبار المناسب وعلى لا انطباقه وجب عليك - أيّها الحريص على ازدياد فضلك، المنتصب لاقتداح زناد عقلك، المتفحّص عن تفاصيل المزايا التي بها يقع التفاضل، وينعقد بين البلغاء في شأنها التسابق والتناضل - أن ترجع إلى فكرك الصائب، وذهنك الثاقب، وخاطرك اليقظان، وانتباهك العجيب الشأن، ناظراً بنور عقلك، وعين بصيرتك، في التصفّح لمقتضيات الأحوال، في إيراد المسند إليه على كيفيات مختلفة، وصور متنافية، حتى يتأتّى بروزه عندك لكلّ منزلة في معرضها، فهو الرِهان الذي يُجرّب به الجياد، والنضال الذي يُعرف به الأيدي الشداد، فتعرف أيّما حال يقتضي كذا... وأيّما حال يقتضي خلافه... إلخ (1) .
وعليه فتزداد قوّة الكلام وصلابته وكذا روعة البيان وصولته كلّما ازدادت العناية بجوانبه اللفظية والمعنوية من الاعتبارات المناسبة، ورعاية مقتضيات الأحوال والأوضاع، وملاحظة مستدعيات المقامات المتفاوتة، على ما فصّله القوم، وقلّ مَن يتوفّق لذلك بالنحو الأَتمّ أو الأفضل، بل الأكثر، مادام الإنسان
____________________
(1) مفتاح العلوم: ص80 - 81 و84.
حليف النسيان، أمّا بلوغ الأقصى والكمال الأوفى الذي حدّ الإعجاز فهو خاصّ بذي الجلال المحيط بكلّ الأحوال.
وفي ذلك يقول السكّاكي: البلاغة تتزايد إلى أن تبلغ حدّ الإعجاز، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه (1) ، ومنه أخذ الخطيب القزويني: وللبلاغة في الكلام طرفان، أعلى وهو حدّ الإعجاز وما يقرب منه، وأسفل وهو ما إذا غيّر الكلام إلى ما دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات (2) .
إذاً فالطرف الأعلى وما يقرب منه، كلاهما حدّ الإعجاز، على ما حدّده السكّاكي، وبذلك يكون اختلاف مراتب آيات القرآن في الفصاحة والبيان كلّه داخلاً في حدّ الإعجاز الذي لا يبلغه البشر، وهذا هو الصحيح على ما سنبيّن.
وبعد، فالمتلخصّ من هذا البيان: أنّ التفاضل بين كلامينِ أو التماثل بينهما إنّما يتحقّق بهذه الاعتبارات - التي هي مقاييس لدرجة فضيلة الكلام - وهي من قبيل المعنى أكثر مِمّن كونها من قبيل اللفظ، فليس المقصود بالتحدّي المعارضة في التشاكل اللفظي والتماثل في صورة الكلام فحسب، كما حسبه مسيلمة الكذّاب ومَن حذا حذوه من أغبياء القوم.
* * *
____________________
(1) مفتاح العلوم: ص196 - 199.
(2) المطوّل للتفتازاني: ص31 طبعة استنبول.
وجوه الإعجاز في مختلف الآراء والنظرات:
اختلفت أنظار العلماء في وجه إعجاز القرآن بين مَن أنهاه إلى عدّة وجوه ومَن اقتصر على وجه واحد، ولا يزال البحث مستمرّاً على هذا السر الذي هو دليل الإسلام.
1 - ذهب أرباب الأدب والبيان إلى أنّها الفصاحة البالغة والبلاغة الفائقة، إنْ في بديع نَظمه أو في عجيب رصفه، الذي لم يسبق له نظير ولن يَخلفه بديل.
قد نُضّدت عباراته نضداً مؤتلفاً، ونُظّمت فرائده نظماً متلائماً، وُضعت كلّ لفظة من في موضعها اللائق بها، ورُصّفت كلّ كلمة منه إلى كلمات تناسبها وتوائمها، وضعاً دقيقاً ورصفاً تامّاً، يجمع بين أناقة التعبير وسلاسة البيان، وجزالة اللفظ وفخامة الكلام، حلواً رشيقاً وعذباً سائغاً، ويستلذّه الذوق ويستطيبه الطبع، ممّا يستشفّ عن إحاطة واسعة ومعرفة كاملة بأوضاع اللغة ومزايا الألفاظ والكلمات والتعابير، ويقصر دونه طوق البشر المحدود!
قالوا في دقّة هذا الرصف والنَضد: لو انتُزعت منه لفظة ثُمّ أُدير بها لغة العرب كلّها على أن يوجد لها نظير في موضعها الخاصّ لم توجد البتة.
2 - وزادوا جانب أُسلوبه وسبكه الجديد على العرب، لا هو شعر كشعرهم ولا هو نثر كنثرهم، ولا فيه تكلّف أهل الكهانة والسجع، قد جمع مزايا أنواع الكلام، فيه أناقة الشعر، وطلاقة النثر، وجزالة السجع الرصين، في حلاوة وطلاوة وزهوٍ وجمال: (إنّ له لحلاوة وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه يعلو ولا يُعلى) كلام قاله عظيم العرب وفريدها الوليد.
أو كما قال الراغب: القرآن حاوٍ لمحاسن أنواع الكلام بنظمٍ ليس هو نظم شيء منها.
3 - وتوسّع المحدثون في البحث وراء نظامه الصوتي العجيب:
أنغام وألحان تبهر العقول وتذهل النفوس، نُظّمت كلماته على أنظمة صوتية دقيقة، ورُصّفت ألفاظه وعباراته على ترصيفات موسيقية رقيقة، متناسبات الأجراس، متناسقات التواقيع، في تقاسيم وتراكيب سهلة سلسلة، عذبة سائغة، ذات رنّة وجذبة شعرية عجيبة، واستهواءٍ سحريّ غريب!
4 - وأضاف المحقّقون جانب اشتماله على معارف سامية وتعاليم راقية تُنبئك عن لطيف سرّ الخليقة، وبديع فلسفة الوجود، في جلال وجمال وعظمة وكبرياء، بما يترفّع كثيراً عمّا راجت في تعاليم مصطنعة ذلك العهد، سواءٌ في أوساط أهل الكتاب أم الوثنيّين.
5 - وهكذا تشريعاته جاءت حكيمة ومتينة، متوافقة مع الفطرة ومتوائمة مع العقل السليم، في طهارة وقداسة وسعة وشمول، كانت جامعةً كاملةً كافلةً؛ لإسعاد الحياة في النشأتَينِ.
6 - وكانت براهينه ساطعة، ودلائله ناصعة، واضحة ولائحة، قامت على صدق الدعوة وإثبات الرسالة، في بيانٍ رصين، ومنطقٍ رزين وفصل خطاب.
7 - واشتمالُه على على أنباء غيبية، إمّا سالفة كانت محرّفةً سقيمةً فجاءت محرّرة سليمة في القرآن الكريم، أو إخبار عمّا يأتي تحقّق صدقها بعد فترة قصيرة أو
طويلة، كانت شاهدة صدق على الرسالة.
8 - إلى جنب إشارات علمية عابرة إلى أسرار من هذا الكون الفسيح، وإلماعات خاطفة إلى حقائق من خفايا الوجود، ممّا لا تكاد تبلغه معرفة الإنسان العائش يومذاك.
9 - وأخيراً استقامته في البيان، وسلامته من أيّ تناقض أو اختلاف، في طول نزوله، وكثره تكراره لسرد حوادث الماضين، كلٌّ مشتمل على مزية ذات حكمة لا توجد في أختها، وكذا خلوّه عن الأباطيل وعمّا لا طائل تحتها.
تلك روائع آراء نتجتها أنظار الأُدباء، وبدائع أسرار وصلت إليها أفكار العلماء، كانت مِن وجوه إعجاز القرآن ومزاياه الوسيمة، سوف نسرد عليك تفاصيلها في مجالها الآتي إن شاء الله.
10 - لكن هناك وجه آخر يجعل من الإعجاز أمراً خارجيّاً عن جوهر القرآن بعيداً عن ذاته، وإنّما هو لعجزٍ أَحدثه الله في أَنفس العرب والناس جميعاً، ومنعهم دون القيام بمعارضته قهراً عليهم، وهو القول بالصرفة، الذي عليه بعض المتكلّمين الأوائل ومَن لفّ لفّهم من الكُتّاب الأُدباء.
وسنتعرّض لتفنيده وتزييفه على منصّة البحث والاختبار، بعونه تعالى.
وبعد، فإليك تفصيل آراء ونظرات حول إعجاز القرآن، مِن القدماء والمحدثين لها قيمتها في عالم الاعتبار.
* * *
(أَوّلاً) في دراسات السابقين:
هناك للعلماء - سلفاً وخلفاً - بحوث ودراسات وافية حول مسألة إعجاز القرآن، مُنذ مطالع القرون الأُولى فإلى هذا الدور، ولهم كلمات ومقالات ضافية عن وجه هذا الإعجاز المُتحدّي به من أَوّل يومه، ولا يزال مُستمرّاً عِبر الخلود ولهذه الأبحاث والدراسات قيمتها ووزنها العلمي النظري في كلّ عصر وفي كلّ دور، وأنّ الفضل يرجع إلى الأسبق ممّن فتح هذا الباب وأَسّس أساس هذا البنيان، فكان مَن يأتي مِن بعد، إنّما يجري على منواله ويضرب على ذات وتره، مهما تغيّر اللون أو تنوّع الأُسلوب. ونحن نقدّم من آراء مَن سلف الأهمّ منها فالأهمّ، ثُمّ نعقبها بطرف من آراء المتأخّرين ممّن قاربنا عصره، وعلى أيّ تقدير، فإنّ مساعيهم جميعاً مشكورة، ومواقفهم في استنباط حقائق من الكتاب العزيز مقدّرة، فلله درّهم وعليه أجرهم، وإليك:
* * *
1 - رأي أبي سليمان البُستي:
يرى أبو سليمان حمد بن محمّد بن إبراهيم الخطّابي البُستي (1) (توفّي سنة 388هـ) في رسالته الوجيزة التي وضعها في بيان إعجاز القرآن - ولعلّه أَسبق مِن توسّع في هذا البحث أفاد وأجاد -: أنّ الإعجاز قائم بنظمه، ذلك المتّسق البديع ورصفه، ذلك المؤتلف العجيب، قد وُضعت كلّ كلمة في موضعها اللائق بدقّة فائقة، ممّا يستدعي إحاطة شاملة تعوزها البشرية على الإطلاق، الأمر الذي أبهر وأعجب.
قال: قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديماً وحديثاً، وذهبوا فيه كلّ مذهب من القول وما وجدناهم بعدُ، صَدَروا عن ريٍّ؛ وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيّته، فأمّا أن يكون قد نقبت في النفوس نقبة (2) بكونه معجزاً للخلق ممتنعاً عليهم الإتيان بمِثله على حال، فلا موضع لها، والأمر في ذلك أَبين مِن أن نحتاج إلى أن نُدِلّ عليه بأكثر من الوجود القائم المستمرّ على وجه الدهر، من لدن عصر نزوله إلى الزمان الراهن الذي نحن فيه، وذلك أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قد تحدّى العرب قاطبةً بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا
____________________
(1) نسبة إلى بُست مدينة من بلاد كابل كانت محلّ إقامته، وينتهي نسبه إلى زيد بن الخطّاب أخي عمر بن الخطّاب، أديب لغوي ومحدّث كبير، قيل: هو أوّل من كتب في الإعجاز وطرق هذا الباب.
لكن ذَكَر ابن النديم لمحمّد بن زيد الواسطي - الذي هو من أجلّة المتكلّمين وكبارهم وصاحب كتاب (الإمامة) المُتوفّى سنة 307هـ - كتاباً أسماه (إعجاز القرآن في نظمه وتأليفه)، (راجع الفهرست: ص63 و259، والذريعة: ج2، ص232، رقم 917).
وقبله أبو عبيدة معمّر بن المثنّى (توفيّ سنة 209هـ) له كتاب (إعجاز القرآن) في جزءَين، وهو مِن أَوّل الدراسات القرآنية التي ظهر فيها الاتجاه إلى الكشف عن أسرار أُسلوب القرآن، وقد نشره الخانجي بمصر سنة 1955م (راجع مقدّمة الطبعة الثانية لكتاب (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن): ص5، والتمهيد: ج1، ص8).
(2) أَي أُلقيت في النفوس إلقاءً، وهو قول قريب من القول بالصرفة، ومِن ثَمّ رفضه.
عنه وانقطعوا دونه، وقد بقيَ (صلّى الله عليه وآله) يُطالبهم به مدّة عشرين سنة، مُظهِراً لهم النكير، زارياً على أديانهم، مُسفِّهاً آراءهم وأحلامهم، حتى نابذوه وناصبوه الحرب فهلكت فيه النفوس، وأُريقت المُهج، وقُطعت الأرحام، وذهبت الأموال.
ولو كان ذلك في وسعهم وتحت أقدارهم لم يتكلّفوا هذه الأُمور الخطيرة، ولم يركبوا تلك الفواقر المبيرة (1) ، ولم يكونوا تركوا السَهل الدَمِث من القول، إلى الحَزِن الوعر من الفعل (2) .
هذا مالا يفعله عاقل ولا يختاره ذو لبّ، وقد كان قومه قريش خاصّة موصوفين برزانة الأحلام ووفارة العقول والألباب، وقد كان فيهم الخطباء المصاقع والشعراء المفلّقون (3) ، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل واللَّدَد، فقال سبحانه: ( مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ) (4) ، وقال سبحانه: ( وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً ) (5) ، فكيف كان جوز - على قول العرب ومجرى العادة مع وقوع الحاجة ولزوم الضرورة - أن يغفلوه ولا يهتبلوا الفرصة فيه (6) وأن يضربوا عنه صَفحاً، ولا يجوزوا الفلح والظفر فيه، لولا عدم القدرة عليه والعجز المانع منه.
قال: وهذا - من وجوه ما قيل فيه - أبينُها دلالةً وأَيسرها مؤونةً، وهو مُقنع لمَن تُنازعه نفسه مطالعة كيفية وجه الإعجاز فيه (7) .
2 - اختيار ابن عطيّة:
ولأبي محمّد عبد الحقّ بن غالب المحاربي الغرناطي - الفقيه المفسّر (توفّي
____________________
(1) الفاقرة: الداهية، والإبارة: الإهلاك.
(2) الدماثة: السهولة، يقال: أرض دمث أي ذَلول، ضد الحزونة والوعورة.
(3) المصقع: البليغ، وشاعر مفلّق - بزنة اسم الفاعل - مُبدع.
(4) الزخرف: 58.
(5) مريم: 97.
(6) اهتبال الفرصة: اغتنامها.
(7) أي وهذا أيسر الوجوه لمَن أراد الاقتناع النفسي ولو تقليداً وليس تحقيقاً.
سنة 542هـ) - اختيار يشبه اختيار أبي سليمان البُستي، ولعلّه اختزال منه، ذَكره في مقدّمة تفسيره (المحرّر) ونقله الإمام بدر الدين الزركشي، مع تصرّف واختصار.
قال ابن عطيّة: إنّ الذي عليه الجمهور والحذّاق - وهو الصحيح في نفسه - أنّ التحدّي إنّما وقع بنظمه، وصحّة معانيه، وتوالي فصاحة ألفاظه، ووجه إعجازه أنّ الله قد أحاط بكلّ شيء علماً، وأحاط بالكلام كلّه علماً، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم - بإحاطته - أيّ لفظة تصلح أن تلي الأُولى، ويتبيّن المعنى دون المعنى، ثُمّ كذلك من أَوّل القرآن إلى آخره.
والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلومٌ ضرورةً أنّ بشراً لم يكن قطّ مُحيطاً، فبهذا جاء نظم القرآن، في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا النظر يَبطل قول مَن قال: إنّ العرب كان في قدرتها الإتيان بمِثله، فلمّا جاءهم محمّد (صلّى الله عليه وآله) صُرفوا عن ذلك وعَجزوا عنه! والصحيح أنّ الإتيان بمِثل القرآن لم يكن قطّ في قدرة أحد مِن المخلوقين، ويظهر لك قصور البشر، في أنّ الفصيح منهم يضع خطبةً أو قصيدةً يستفرغ فيها جهده، ثُمّ لا يزال يُنقِّها حولاً كاملاً، ثُمّ تُعطى لأحد نظيره فيأخذها بقريحة خاصّة فيُبدّل فيها ويُنقّح، ثُمّ لا تزال كذلك فيها مواضع للنظر والبدل.
وكتاب الله سبحانه لو نُزعت منه لفظة، ثمّ أُدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد، ونحن تتبيّن لنا البراعة في أكثره، ويخفى علينا وجهها في مواضع؛ لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذٍ في سلامة الذوق، وجودة القريحة، وميز الكلام.
قال: وقامت الحجّة على العالم بالعرب؛ إذ كانوا أرباب الفصاحة وفطنة المعارضة كما قامت الحجّة في معجزة عيسى بالأطبّاء، وفي معجزة موسى بالسَحَرة، فإنّ الله تعالى إنّما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أَبرع ما يكون في زمن النبيّ الذي أراد إظهاره، فكان السحر في مدّة موسى قد انتهى إلى غايته،
وكذلك الطبّ في زمن عيسى، والفصاحة في مدّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) (1) .
3 - رأي عبد القاهر الجرجاني:
يرى الشيخ الإمام عبد القاهر الجرجاني (تُوفّي سنة 472هـ) - وهو الواضع الأَوّل لأُسس عِلمَي المعاني والبيان -: أنّ إعجاز القرآن الذي تحدّى به العرب قائم بجانب فصاحته البالغة وبلاغته الخارقة، وبأُسلوب بيانه ذلك البديع، ممّا هو شأن نظم الكلام وتأليفه في ذلك التنافس والتلاؤم العجيب، الأمر الذي لا يمسّ شيئاً من معاني القرآن وحِكَمِه وتشريعاته، وهي كانت موجودةً من ذي قبل في كتب السالفين، وقد أطلق لهم المعاني من أيّ نمط كانت.
وقد وضع كتابَيه (أسرار البلاغة) و(دلائل الإعجاز) تمهيداً لبيان وجوه إعجاز القرآن لمن مارس أسرار هذا العلم. وثَلّثهما برسالته (الشافية) التي خصّصها بالكلام حول إعجاز القرآن والإجابة على أسئلة دارت حول الموضوع.
قال - في مقدّمة كتابه (دلائل الإعجاز) بعد أن أشاد بشأن النَظم في الكلام وتأليفه وتنسيقه -: وإذا كان ذلك كذلك فما جوابنا لخصم يقول لنا: إذا كانت هذه الأُمور الوجوه من التعلّق التي هي محصول النظم موجودة على حقائقها وعلى الصحّة وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرّفوا فيها وكملوا بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدّل ولا يختلف بها الحال، إذ لا يكون للاسم بكونه خبراً لمبتدأ أو صفة لموصوف أو حالاً لذي حال أو فاعلاً أو مفعولاً لفعل في كلام حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر.
فما هذا الإعجاز الذي تجدّد بالقرآن من عظيم مزيّة، وباهر الفضل، والعجيب من الوصف، حتّى أعجز الخلق قاطبةً، وحتّى قهر من البلغاء والفصحاء القُوَى
____________________
(1) المحرّر الوجيز: المقدّمة ج1، ص71 - 72، وراجع الزركشي في البرهان: ج2، ص97.
والقُدَر، وقيّد الخواطر والفكر، حتّى خرست الشقاشق (1) وعدم نطق الناطق، وحتّى لم يجرِ لسان، ولم يبنِ بيان، ولم يساعد إمكان، ولم ينقدح لأحد منهم زند، ولم يمضِ له حدّ، وحتّى أَسال الوادي عليهم عجزاً، وأخذ منافذ القول عليهم أخذاً؟!
أَيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله، ونردّه عن ضلاله، وأن نطبّ لدائه، ونزيل الفساد عن رائه (2) ؟ فإن كان ذلك يلزمنا فينبغي لكلّ ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه (يريد نفس كتاب دلائل الإعجاز) ويستقصي التأمّل لما أودعناه (3) .
وكرّ في الكتاب قائلاً: وإنّه كما يَفضل النظمُ النظمَ، والتأليفُ التأليفَ، والنسجُ النسجَ، والصياغةُ الصياغةَ، ثُمّ يعظُم الفضل، وتكثر المزيّة، حتّى يفوق الشيء نظيره، والمجانس له درجات كثيرة، وحتّى تتفاوت القيم التفاوت الشديد، كذلك يفضل بعضُ الكلام بعضاً، ويتقدّم منه الشيء الشيء، ثُمّ يزداد من فضله ذلك، ويترقّى منزلةً فوق منزلة، ويعلو مرقباً بعد مَرْقب، ويستأنف له غاية بعد غاية، حتّى ينتهي إلى حيث تنقطع الأطماع، وتنحسر الظنون، وتسقط القُوى، وتستوي الأقدام في العجز (4) .
ثم قال: واعلم أنّه لا سبيل إلى أن تعرف صحّة هذه الجملة حتّى يبلغ القول غايته، وينتهي إلى آخر ما أردت جمعه لك، وتصويره في نفسك، وتقريره عندك، إلاّ أنّ هاهنا نكتة، إن أنت تأمّلتها تأمّل المُتثبّت، ونظرت فيها نظر المُتأنّي، رجوت أن يحسن ظنّك، وأن تنشط للإصغاء إلى ما أورده عليك، وهي: إنّا إذا سقنا دليل
____________________
(1) الشقاشق: جمع شقشقة - بكسر الشين - وهي لهاة البعير أو شيء كالرئة يُخرجه البعير من فيه إذا هاج، ويُقال للفصيح: هدرتْ شقاشقه، يُريدون الانطلاق في القول وقوّة البيان، ويُقال في مقابل ذلك: خرست شقاشقه.
(2) الراء: الرأي.
(3) في مقدمة دلائل الإعجاز: ص (ف - ص).
(4) دلائل الإعجاز: ص25 - 26.
الإعجاز فقلنا: لولا أنّهم حين سمعوا القرآن، وحين تحدّوا إلى معارضته، سمعوا كلاماً لم يسمعوا قطّ مِثله، وأنّهم قد رازوا أنفسهم (1) فأحسّوا بالعجز على أن يأتوا بما يوازيه أو يدانيه، أو يقع قريباً منه، لكان محالاً أن يدّعوا معارضته وقد تحدّوا إليه، وقرعوا فيه، وطولبوا به، وأن يتعرّضوا لشبا الأسنّة (2) ويقتحموا موارد الموت.
فقيل لنا: قد سمعنا ما قلتم، فخبّرونا عنهم، عمّاذا عجزوا، أَعَن معانٍ من دقة معانيه وحسنها وصحّتها في العقول؟ أم عن ألفاظ مِثل ألفاظه؟ فإن قلتم: عن الألفاظ، فماذا أَعجزهم من اللفظ، أم بهرهم منه؟
فقلنا: أَعجزتهم مزايا ظهرت لهم في نَظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادئ آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كلّ مثل، ومساق كلّ خبر، وصورة كلّ عظة وتنبيه وإعلام وتذكير وترغيب وترهيب، ومع كلّ حجّة وبرهان، وصفة وتبيان، وبهرهم أنّهم تأمّلوه سورة سورة، وعشراً عشراً، وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها ولفظة ينكر شأنها، أو يَرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى وأخلق، بل وجدوا اتّساقاً بَهر العقول، وأَعجز الجمهور، ونظاماً والتئاماً، وإتقاناً وإحكاماً، لم يدع في نفس بليغ منهم لو حكّ بيافوخه السماء (3) موضع طمع حتّى خرست الألسن عن أن تدّعي وتقول، وخلدت القُروم (4) فلم تملك أن تصول (5) .
ويُعقّب ذلك بأنّ هذه كانت دلائل إعجاز القرآن، ومزايا ظهرت في نَظمه وسياقه، بَهرت العرب الأوائل، فهل ينبغي للفتى الذكي العاقل أن يكون مُقلّداً في
____________________
(1) يقال: رَاز الحجر أي وَزنه ليَعرف ثقله، ورَاز الرجل: جرّب ما عنده ليختبره.
(2) الشبا: جمع شَبوة، وهي إبرة العقرب، وحدّ كلّ شيء.
(3) اليافوخ: مقدّمة الدماغ في الرأس وهو مَثل يُضرب لمَن يستعلي ويتكبّر.
(4) القَرم - بالفتح -: الفحل إذا تُرك عن الركوب والعمل.
(5) دلائل الإعجاز: ص 27 - 28.
ذلك؟ أم يكون باحثاً ومتتبّعاً كي يعلم ذلك بيقين؟ ومِن ثَمّ وَضع كتابه الحاضر (دلائل الإعجاز) ليَدلّ الناشدينَ على ضالّتهم، ويضع يدهم على مواقع الإعجاز من القرآن، ويدعم مُدّعاه في ذلك بالحجّة والبرهان، والرائد لا يُكذِّب أهله، قال: وبذلك قد قطعتُ عذرَ المتهاون، ودللت على ما أضاع من حظّه، وهدايته لرشده (1) .
وقال - في رسالته (الشافية): كيف يجوز أن يظهر في صميم العرب وفي مِثل قريش ذوي الأَنفس الأبيّة والهِمم العليّة والأَنفة والحميّة مَن يدّعي النبوّة ويقول: وحجّتي أنّ الله قد أنزل عليّ كتاباً تعرفون ألفاظه وتفهمون معانيه، إلاّ أنّكم لا تقدرون على أن تأتوا بمثله ولا بعشر سورٍ منه ولا بسورة واحدة، ولو جَهدتم جهدَكم واجتمع معكم الجنّ والإنس، ثُمّ لا تدعوهم نفوسهم إلى أن يعارضوه ويبيّنوا سَرَفه في دعواه، لو كان ممكناً لهم، وقد بلغ بهم الغيظ من مقالته حدّاً تركوا معه أحلامهم وخرجوا عن طاعة عقولهم، حتّى واجهوه بكلّ قبيح وَلَقوه بكلّ أذىً ومكروه ووقفوا له بكلّ طريق.
وهل سُمع قطّ بذي عقل استطاع أن يخرس خصمه بكلمة يجيبه بها، فيترك ذلك إلى أُمور ينسب معها إلى ضيق الذَرع، وأنّه مغلوب قد أَعوزته الحيلة وعزّ عليه المَخلص؟ وهل مِثل هذا إلاّ مِثل رجل عَرض له خصم فادّعى عليه دعوى خطيرة وأقام على دعواه بيّنةً، وكان عند المدّعى عليه ما يُبطل تلك البيّنة أو يُعارضها، فيترك إظهار ذلك ويضرب عنه الصفح جملةً، ليصير الحال بينهما إلى جِدال عنيف وإخطار بالمُهج والنفوس؟ قال: هذه شهادة الأحوال، وأمّا شهادة الأقوال فكثيرة (2) .
ثمّ قال: في وجه التحدّي -: لم يكن التحدّي إلى أن يُعبّروا عن معاني القرآن أنفسها وبأعيانها بلفظ يُشبه لفظه ونَظم يوازي نظمه، هذا تقدير باطل، فإنّ التحدّي
____________________
(1) دلائل الإعجاز: ص29.
(2) الشافية (المطبوعة ضمن ثلاث رسائل): ص120 - 122.
كان إلى أن يجيئوا، في أيّ معنى شاءوا من المعاني، بنَظم يبلغ نظم القرآن، في الشرف أو يقرُب منه، يدلّ على ذلك قوله تعالى: ( قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ) (1) أي مِثله في النظم، وليكن المعنى مُفترى لِما قلتم، فلا إلى المعنى دعيتم، ولكن إلى النظم... (2) .
قال: ويجزم القول بأنّهم تحدّوا إلى أن يجيئوا في أيّ معنى أرادوا مطلقاً غير مقيّد، وموسّعاً عليهم غير مضيّق، بما يشبه نظم القرآن أن يقرب من ذلك (3) .
4 - رأي السكّاكي:
يرى أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن علي السكّاكي - صاحب (مفتاح العلوم) (توفّي سنة 567 هـ) - أنّ الإعجاز في القرآن أمرٌ يُمكن دركه ولا يمكن وصفه، والمَدرك هو الذوق، الحاصل من ممارسة عِلمَي الفصاحة والبلاغة وطول خدمتهما لا غير، فقد جعل للبلاغة طرفينِ، أعلى وأسفل وبينهما مراتب لا تُحصى، والدرجة السُفلى هي التي إذا هبط الكلام عنها شيئاً التَحق بأصوات الحيوانات، ثُمّ تتزايد درجةً درجةً متصاعدة، حتّى تبلغ قمّتها وهو حدّ الإعجاز، وهو الطرف الأعلى وما يقرب منه، فقد جعل من الدرجة القصوى وما يقرب منها كليهما مِن حدّ الإعجاز.
ثُمّ قال بشأن الإعجاز: واعلم أنّ شأن الإعجاز عجيب، يُدرك ولا يُمكن وصفه، كاستقامة الوزن تُدرك ولا يُمكن وصفها، وكالمَلاحة، ومَدرك الإعجاز عندي هو الذوق ليس إلاّ، وطريق اكتساب الذوق طول خدمة هذينِ العِلمَينِ (المعاني والبيان).
ثمّ أخذ في تحديد البلاغة وإماطة اللثام عن وجوهها المُحتجبة، وكذا
____________________
(1) هود: 13.
(2) الشافية: ص141 و144.
(3) الشافية: 141 و144.
الفصاحة بقسميها اللفظيّ والمعنويّ، وضرب لذلك مثلاً بآية ( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ... ) (1) وبيان جهاتها الأربع من جهتي المعاني والبيان، وهما مَرجعا البلاغة، ومِن جهتي الفصاحة المعنوية واللفظية، وأسهب في الكلام عن ذلك، وقال أخيراً: ولله دَرّ التنزيل، لا يتأمّل العالم آية من آياته إلاّ أدرك لطائف لا تسع الحصر (2) .
وغرضه من ذلك: أنّ لحدّ الإعجاز ذروةً لا يبلغها الوصف، ولكن يُمكن فهمها ودرك سَنامها؛ بسبب الإحاطة بأسرار هذين العِلمَينِ، فهي حقيقة تُدرك ولا توصف.
5 - رأي الراغب الأصفهاني:
لأبي القاسم الحسين بن محمّد المعروف بالراغب الأصفهاني (توفّي سنة 502 هـ) - صاحب كتاب (المفردات) - رأي في إعجاز القرآن يخصّه، إنّه يرى من الإعجاز قائماً بسبكه الخاصّ الذي لم يألفه العرب لحدّ ذاك، فلا هو نثر كنثرهم المعهود؛ لأنّ فيه الوزن والقافية وأجراس النغم، ولا هو شعر؛ لأنّه لم يجرِ مجرى سائر أشعار العرب ولا على أوزانها المعروفة وإن كانت له خاصّية الشعر من التأثير في النفس بلحنه الشعريّ النغميّ الغريب.
قال - بعد كلام له في وصف إعجاز القرآن قدّمناه آنفاً (3) -:
وهذه الجملة المذكورة، وإن كانت دالّةً على كون القرآن مُعجزاً، فليس بمقنع إلاّ بتبيين فصلَينِ:
أحدهما: أن يُبيّن ما الذي هو مُعجز: اللفظ أم المعنى أم النظم؟ أم ثلاثتها؟ فإنّ كلّ كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة.
والثاني: أنّ المُعجز هو ما كان نوعه غير داخل تحت الإمكان، كإحياء الموتى
____________________
(1) هود: 44.
(2) مفتاح العلوم: ص196 - 199.
(3) في ص 12 - 14.
وإبداع الأجسام.
فأمّا ما كان نوعه مقدوراً، فمحلّه محلّ الأفضل، وما كان من باب الأفضل في النوع فإنّه لا يحسم نسبة ما دونه إليه، وإن تباعدت النسبية حتّى صارت جزءً مِن ألف، فإن النجّار الحاذق وإن لم يُبلغ شَأوُه لا يكون مُعجزاً إذا استطاع غيره جنسَ فِعْلِه، فنقول وبالله التوفيق:
إنّ الإعجاز في القرآن على وجهين: أحدهما إعجاز متعلّق بفصاحته، والثاني بصرف الناس عن معارضته.
فأمّا الإعجاز المتعلّق بالفصاحة: فليس يتعلّق ذلك بعنصريه الذي هو اللفظ والمعنى؛ وذاك أنّ ألفاظه ألفاظهم، ولذلك قال تعالى: ( قُرْآناً عَرَبِيّاً ) (1) وقال: ( ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ ) (2) تنبيهاً أن هذا الكتاب مُركّب من هذه الحروف التي هي مادّة الكلام.
ولا يتعلّق أيضاً بمعانيه، فإن كثيراً منها موجود في (الكتب المتقدّمة) ولذلك قال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ ) (3) وقال: ( أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى ) (4) ، وما هو مُعجز فيه من جهة المعنى كالإخبار بالغيب فإعجازه ليس يرجع إلى القرآن بما هو قرآن، بل هو لكونه خبراً بالغيب، وذلك سواء كونه بهذا النظم أو بغيره، وسواء كان مورداً بالفارسيّة أو بالعربيّة أو بلغة أُخرى، أو بإشارة أو بعبارة.
فإذا بالنَظم المخصوص صار القرآن قرآناً، كما أنّه بالنَظم المخصوص صار الشعر شعراً، والخطبة خطبةً.
فالنظم صورة القرآن، واللفظ والمعنى عنصراه، وباختلاف الصور يختلف حكم الشيء واسمه لا بعنصره، كالخاتم والقُرط والخَلخال اختلفت أحكامها وأسماؤها باختلاف صورها لا بعنصرها الذي هو الذهب والفضّة، فإذا ثَبت هذا
____________________
(1) يوسف: 2.
(2) البقرة: 1 و2.
(3) الشعراء: 196.
(4) طه: 133.
ثبت أنّ الإعجاز المختصّ بالقرآن متعلّق بالنظم المخصوص.
وبيان كونه مُعجزاً هو أن نُبيّن نظم الكلام، ثُمّ نُبيّن أنّ هذا النظم مخالف لنظم سائره، فنقول: لتأليف الكلام خمس مراتب:
الأُولى: النظم: وهو ضمّ حروف التهجّي بعضها إلى بعض، حتّى تتركّب منها الكلمات الثلاث: الاسم والفعل والحرف.
والثانية: أن يُؤلِّف بعض ذلك مع بعض حتّى تتركب منها الجمل المفيدة وهي النوع الذي يتداوله الناس جميعاً في مخاطباتهم، وقضاء حوائجهم، ويُقال له: المنثور من الكلام.
والثالثة: أن يضمّ بعض ذلك إلى بعض ضمّاً له مبادٍ ومقاطع ومداخل ومخارج، ويُقال له: المنظوم.
والرابعة: أن يُجعل له في أواخر الكلام مع ذلك تسجيع، ويقال له: المُسجّع.
والخامسة: أن يُجعل له مع ذلك وزن مخصوص، ويُقال له: الشعر، وقد انتهى.
وبالحقّ صار كذلك، فإنّ الكلام إمّا منثور فقط، أو مع النثر نظم، أو مع النظم سجع، أو مع السجع وزن.
والمنظوم: إمّا محاورة ويُقال له: الخطابة، أو مكاتبة ويقال لها: الرسالة، وأنواع الكلام لا تخرج عن هذه الجملة، ولكلّ من ذلك نظم مخصوص.
والقرآن حاوٍ لمحاسن جميعه بنَظم ليس هو نظم شيء منها، بدلالة أنّه لا يصح أن يُقال: (القرآن رسالة، أو خطابة، أو شعر، كما يَصحّ أن يُقال: هو كلام، ومَن قرع سمعه فصل بينه وبين سائر النَظم، ولهذا قال تعالى: ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) (1) تنبيهاً أنّ تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأخر.
فإن قيل: ولِمَ لمْ يُبلغ بنظم القرآن الوزن الذي هو الشعر، وقد عُلم أنّ للموزون
____________________
(1) فصّلت: 41 و 42.
من الكلام مرتبةً أعلى مِن مرتبة المنظوم غير الموزون؛ إذ كلّ موزون منظوم وليس كلّ منظوم موزوناً؟
قيل: إنما جُنّب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصّية في الشعر منافية للحِكمة الإلهية، فإنّ القرآن هو مقرّ الصدق، ومعدن الحقّ، وقصوى الشاعر: تصوير الباطل في صورة الحقّ، وتجاوز الحدّ في المدح والذمّ دون استعمال الحقّ في تحرّي الصدق، حتّى أنّ الشاعر لا يقول الصدق ولا يتحرّى الحقّ إلاّ بالعَرض، ولهذا يُقال: مَن كان قوّته الخياليّة فيه أكثر كان على قَرض الشعر أقدر، ومَن كانت قوّته العاقلة فيه أكثر كان في قرضه أقصر.
ولأجل كون الشعر مقرّ الكذب، نزّه الله نبيّه (صلّى الله عليه وآله) عنه؛ لِما كان مُرشّحاً لصدق المَقال، وواسطة بين الله وبين العباد، فقال تعالى: ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ) (1) فنفى ابتغاءه له، وقال: ( وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ ) (2) أي: ليس بقول كاذب، ولم يعنِ أن ذلك ليس بشعر، فإنّ وزن الشعر أَظهر مِن أن يشتبه عليهم حتّى يحتاج إلى أن ينفي عنه. ولأجل شهرة الشعر بالكذب سُميّ أصحاب البراهين الأقيسة المؤدّية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعريّة، وما وقع في القرآن من ألفاظ مُتّزنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العَرض بالاتّفاق، وقد تكلّم الناس فيه.
وأمّا الإعجاز المتعلّق بصرف الناس عن معارضته فظاهر أيضاً إذا اعتُبر؛ وذلك أنّه ما مِن صناعة ولا فِعلة من الأفعال محمودةً كانت أو مذمومةً إلاّ وبينها وبين قوم مناسبات خفية واتّفاقات إلهية، بدلالة أنّ الواحد يُؤثر حِرفة من الحِرف فينشرح صدره بملابستها وتطيعه قُواه في مزاولتها، فيقبلها باتّساع قلب، ويتعاطاها بانشراح صدر، وقد تَضمّن ذلك قوله تعالى ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ) (3) وقول النبيّ (صلّى الله عليه وآله): (اعملوا فكلٌّ مُيسّر لِما خُلق له) (4) .
____________________
(1) يس: 69.
(2) الحاقّة: 41.
(3) المائدة: 48.
(4) مسند أحمد: ج 4 ص 67.
فلما رُئي أهل البلاغة والخطابة الذين يهيمون في كلّ وادٍ من المعاني بسلاطة ألسنتهم، وقد دعا الله جماعتهم إلى معارضة القرآن، وعجزهم عن الإتيان بمِثله، وليس تهتزّ غرائزهم البتة للتصدّي لمعارضته، لم يخفَ على ذي لبّ أنّ صارفاً إلهياً يَصرفهم عن ذلك، وأيّ إعجاز أعظم مِن أن تكون كافّة البلغاء مُخيّرة في الظاهر أن يُعارضوه، ومُجبرة في الباطن عن ذلك، وما أليقهم بإنشاد ما قال أبو تمام:
فإنْ نكُ أُهمِلنا فَأَضعِف بِسَعينا |
وإنْ نَكُ أُجبِرنا فَفيمَ نُتَعتِعُ |
والله وليّ التوفيق والعصمة (1) .
6 - رأي الإمام الرازي:
ولأبي عبد الله محمّد بن عمر بن حسين فخر الدين الرازي (توفّي سنة 606هـ) - المفسّر المتكلّم الأُصولي الكبير - رأي في إعجاز القرآن طريف، وهو جَمْعه بين أُمور شتّى، كانت تستدعي هبوطاً في فصاحة الكلام، لو كان أحد مِن البشر حاول القيام بها أجمع، لولا أنّ القرآن كلام الله الخارق لَمألوف الناس، فقد جمع بين أفنان الكلام، ومع ذلك فقد بلغ الغاية في الفصاحة، وتسنّم الذروة من البلاغة، وهذا أمرٌ عجيب!
قال: اعلم أنّ كونه (القرآن) معجزاً يُمكن بيانه من طريقينِ:
(الأوَّل) أن يقال: إنّ هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إمّا أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدرٍ لا ينقض العادة، أو زائداً عليه بقدرٍ ينقض، والقسمان الأوّلان باطلان فتعيّن الثالث.
وإنّما قلنا: إنّهما باطلان؛ لأنّه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمِثل
____________________
(1) عن مقدّمته على التفسير: 104 - 109.
سورة منه إمّا مجتمعينَ أو منفردينَ، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحُكّام يُزيلون الشبهة، وذلك نهاية في الاحتجاج؛ لأنّهم كانوا في معرفة اللغة والاطّلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، وكانوا في مَحبّة إبطال أمره في الغاية، حتّى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا ضروب المَهالك والمِحن، وكانوا في الحميّة والأَنَفة على حدّ لا يقبلون الحقّ فكيف الباطل!، وكلّ ذلك يُوجب الإتيان بما يقدح في قوله، والمعارضة أقوى القوادح، فلمّا لم يأتوا بها عِلمنا عَجزهم عنها، فثبت أنّ القرآن لا يُماثل قولهم، وأنّ التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً، فهو إذاً تفاوت ناقض للعادة، فوجب أن يكون معجزاً.
واعلم أنّه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نُقصان فصاحته، ومع ذلك فإنّه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها، فدلّ ذلك على كونه معجزاً.
أحدها: أنّ فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات، مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو مَلِك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء، فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتّفقت العرب عليها في كلامهم.
وثانيها: أنّه تعالى راعى فيه طريقةَ الصدق وتنزّه عن الكذب في جميعه، وكلّ شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نَزَل شعره ولم يكن جيّداً، أَلا ترى أنّ لبيد بن ربيعة وحسّان بن ثابت لمّا أَسلما نَزَل شعرهما ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي، وأنّ الله تعالى مع ما تنزّه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى.
وثالثها: أنّ الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنّما يتّفق في القصيدة في البيت والبيتينِ والباقي لا يكون كذلك، وليس كذلك القرآن؛ لأنّه كلّه فصيح بحيث يعجز الخَلق عنه كما عجزوا عن جملته.
ورابعها: أنّ كلّ مَن قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فإنّه إذا كرّره لم يكن
كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأَوّل، وفي القرآن التَّكرار الكثير، ومع ذلك كلّ واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلاً.
وخامسها: أنّه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحثّ على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثالُ هذه الكلمات تُوجب تقليل الفصاحة.
وسادسها: أنّهم قالوا في شعر امرئ القيس: يَحسن عند الطرب وذِكر النساء وصِفة الخَيل، وشِعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخَمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، وبالجملة فكلّ شاعر يحسن كلامه في فنّ، فإنّه يَضعف كلامه في غير ذلك الفنّ، أمّا القرآن فإنّه جاء فصيحاً في كلّ الفنون على غاية الفصاحة.
أَلا ترى أنّه سبحانه وتعالى قال في الترغيب: ( فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) (1) وقال تعالى: ( وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ ) (2) .
وقال في الترهيب: ( أَفَأَمِنتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ ) (3) ، وقال: ( أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ ) (4) ، وقال: ( خَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ - إلى قوله - وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ) (5) .
وقال في الزجر مالا يبلغه وَهْم البشر، وهو قوله: ( فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ - إلى قوله - وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ) (6) .
وقال في الوعظ ما لا مَزيد عليه: ( أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ) (7) .
وقال في الإلهيّات: ( اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا
____________________
(1) السجدة: 17.
(2) الزخرف: 71.
(3) الإسراء: 68.
(4) الملك: 16 و17.
(5) إبراهيم: 15 - 17.
(6) العنكبوت: 40.
(7) الشعراء: 205.
تَزْدَادُ ) (1) .
وسابعها: أنّ القرآن أصل العلوم كلّها، فعِلم الكلام كلّه في القرآن، وعِلم الفقه كلّه مأخوذ من القرآن، وكذلك علم أُصول الفقه، وعلم النحو واللغة، وعلم الزهد في الدنيا، وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق.
ومَن تأمّل كتابنا في دلائل الإعجاز (2) علم أنّ القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى.
(الطريق الثاني) أن نقول: إنّ القرآن لا يخلو إمّا أن يُقال إنّه كان بالغاً في الفصاحة إلى حدّ الإعجاز، أو لم يكن كذلك. فإن كان الأَوّل ثبت أنّه معجز، وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة، فعدم إتيانهم بالمعارضة، مع كون المعارضة ممكنةً، ومع توفّر دواعيهم على الإتيان بها أَمر خارق للعادة، فكان ذلك معجزاً، فثبت أنّ القرآن معجز على جميع الوجوه، وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب (3) .
وكلامه هذا الأخير لعلّه ترجيح للقول بالصِّرفة!
7 - كلام الشيخ الطوسي:
وللشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي - شيخ الطائفة، (توفّي سنة 460) - تحقيق مستوفٍ بشأن إعجاز القرآن، أورده في كتابه (الاقتصاد) الذي وضعه على أُسس عِلم الكلام، وحقّق فيه أُصول العقيدة على مباني الإسلام نذكر منه ما ملخّصه:
قال: الاستدلال على صدق النبوّة بالقرآن يتمّ بعد بيان خمسة أُمور:
____________________
(1) الرعد: 8.
(2) المُسمّى بـ (نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز) طبع سنة 1985 بيروت.
(3) التفسير الكبير: ج2، ص115 - 116 ذيل الآية 23 من سورة البقرة.
1 - إنّه ظهر بمكّة وادّعى النبوّة.
2 - إنّه تحدّي العرب بهذا القرآن.
3 - إنّه لم يُعارضوه في وقت من الأوقات.
4 - وكان ذلك لعجزهم عن المعارضة.
5 - وإنّ هذا كان لتعذّر خَرق العادة.
فإذا ثبت ذلك أَجمع دلّ على أنّ القرآن معجز، سواء كان لفصاحته البالغة أَم لأنّ الله صرفهم عن ذلك، وأيّ الأمرينِ ثبت ثبتت نبوّته (عليه السلام).
أَمّا ظهوره بمكّة وادّعاؤه النبوّة فضروري، وكذا ظهور القرآن على يده وتحدّيه للعرب أن يأتوا بمِثله؛ لأنّه صريح القرآن في مواضع عديدة.
وأمّا أنّه لم يُعارض؛ فلأنّه لو كان عُورض لوجب أن يُنقل، ولو نُقل لعُلم؛ لأنّ الدواعي متوفرة إلى نقله، ولأنّ المعارض لو كان لكان هو الحجّة دون القرآن، ونَقل الحجّة أَولى من نقل الشبهة.
والذي يدعو إلى المعارضة - لو أَمكَنت - ونَقْلِها هو طلب التخليص ممّا أُلزموا به من ترك أديانهم ومفارقة عاداتهم وبطلان ما ألفوه من الرئاسات؛ ولذلك نقلوا كلام مسيلمة والأسود العنسي وطليحة مع ركاكته وسخافته وبُعده عن دخول الشبهة فيه.
ولا يمكن دعوى الخوف من أنصاره وأتباعه؛ إذ لا موجب للخوف مع ضعف المسلمين بمكّة وعلى فرضه فلا يمنع نقله استسراراً، أو في سائر البلاد النائية كالروم والحبشة وغيرهما، كما نُقل هجاؤهم وسبّهم، وكان أفحش وكان أدعى للخوف إن كان.
وإذا ثبت أنّهم لم يُعارضوه فإنّما لم يُعارضوه للعجز؛ لأنّ كلّ فعل لم يقع مع توفّر الدواعي لفاعله وشدّة تداعيه عليه قَطَعنا على أنّه لم يُفعل للتعذّر، وقد توفّرت دواعي العرب إلى معارضته فلم يفعلوها، وقد تكلّفوا المَشاقّ من أجله.
فقد بذلوا النفوس والأموال وركبوا الحروب العِظام ودخلوا الفتن طلباً لإبطال أمره فلو كانت المعارضة ممكنةً لهم لما اختاروا الصعب على السهل؛ لأنّ العاقل لا يَترك الطريق السهل ويَسلك الطريق الوعر الذي لا يبلغ معه الغرض إلاّ أن يختلّ عقله أو يُسفه رأيه، والقوم لم يكونوا بهذه الصفة.
وليس لأحد أن يقول: إنّهم اعتقدوا أنّ الحرب أنجح من المعارضة فلذلك عدلوا إليها، وذلك أنّ النبيّ (عليه السلام) لم يدّعِ النبوّة فيهم بالغَلَبة والقَهر، وإنّما ادّعى معارضة مثل القرآن، ولم يكن احتمال حرب إذ ذاك، ثُمّ مع قيام الحرب كانوا في الأغلب مغلوبينَ مقهورينَ، فكان يجب أن يقوموا بالمعارضة، فإن أَنجَعت وإلاّ عدلوا إلى الحرب.
فإن قالوا: خافوا أن يلتبس الأمر فيَظنّ قوم أنّه ليس مثله، قيل قد حصل المطلوب؛ لأنّ الاختلاف حينذاك يُوجب الشبهة، فكان أَولى من الترك الذي يَقوى معه شبهة العجز.
وليس لهم أن يقوموا: لم تتوفّر دواعيهم إلى ذلك؛ لأنّهم تحمّلوا المَشّاق، والعاقل لا يتكلّف ذلك إذا لم تتوفّر دواعيه إلى إبطال دعوى خصمه.
فإن قالوا: إنّما لم يُعارضوه؛ لأنّ في كلامهم ما هو مِثله أو مُقاربه، قلنا: هذا غير مُسلّم، وعلى فرض التسليم فإنّ التحدّي وقع لعجزهم فيما يأتي، فلو كان في كلامهم مِثله فهو أَبلغ لعجزهم في تحقّق التحدّي بالعجز عن الإتيان بمِثله في المستقبل.
فإن قيل: واطأه قوم من الفصحاء، قيل: هذا باطل؛ لأنّه كان ينبغي أن يُعارضه مَن لم يواطئه، فإنّهم - وإن كانوا أَدون منهم في الفصاحة - كانوا يقدرون على ما يقاربه - على الفرض - لأنّ التفاوت بين الفصحاء لا ينتهي إلى حدّ يَخرق العادة. على أنّ الفصحاء المعروفينَ والبُلغاء المشهورينَ في وقته كلّهم كانوا منحرفينَ عنه، كالأعشى الكبير الذي في الطبقة الأُولى ومَن أَشبهه مات على كفره، وكعب
ابن زهير أَسلَم في آخر الأمر وهو في الطبقة الثانية وكان من أعدى الناس له (عليه السلام)، ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي من الطبقة الثالثة أَسلما بعد زمان طويل ومع ذلك لم يَحظيا في الإسلام بطائل، على أنّه لو كان لكان ينبغي أن يوافقوه على ذلك ويقولون له: الفصحاء المُبرزون واطأُوك ووافقوك، فإنّ الفُصحاء في كلّ زمان لا يخفون على أهل الصناعة.
فإن قيل: لِمَ لا يكون النبيّ (عليه السلام) - وهو أفصح العرب - قد تأتّى منه القرآن، وتَعذّر على غيره، أو تعمله في زمان طويل فلمْ يتمكّنوا من معارضته في زمان قصير؟
قيل: هذا لا يتوجّه على مَن يقول بالصِّرفة؛ لأنّه يجعل صَرف هِممهم عن ذلك دليلاً على الإعجاز، ولو فُرض تمكّنهم من المعارضة.
وأمّا مَن قال: إنّ جهة الإعجاز في الفصاحة والبيان، فإنّ كون النبيّ (عليه السلام) أفصح لا يمنع من أن يُقارنوه أو يُدانوه، كما هو المتعارف بينهم في المعارضة ومقارنة الشعر، على أنّ العرب لم يتفوّهوا بذلك ولمْ يقولوا له: أنت أَفصحنا، فلذلك يتعذّر علينا ما يتأتّى منك، وأمّا احتمال التعمّل فباطل؛ لأنّه (عليه السلام) عارضهم في مدّة طويلة أَكثير من عشرين عاماً يتحدّاهم طول المدّة.
قال: وإذ قد ثبت أنّ القرآن مُعجز لمْ يضرّنا أن لا نعلم من أيّ جهة كان إعجازه، غير أنّا نُومئ إلى جملة من الكلام فيه:
كان المرتضى عليّ بن الحسين الموسوي رحمة الله عليه يختار أنّ جهة إعجازه الصِّرفة، وهي: أنّ الله تعالى سَلب العرب العلوم التي كانت تتأتّى منهم بها الفصاحة التي هي مِثل القرآن متى راموا المعارضة، ولو لمْ يسلبهم ذلك لكان يتأتّى منهم. وبذلك قال النظّام وأبو إسحاق النصيبي أخيراً.
وقال قوم: جهة الإعجاز الفصاحة المُفرطة التي خَرقت العادة من غير اعتبار النَظم، ومنهم مَن اعتبر النَظم والأُسلوب مع الفصاحة، وهو الأقوى.
وقال قوم: هو معجز لاختصاصه بأُسلوب مخصوص ليس في شيء من كلام العرب.
وقال قوم: تأليف القرآن ونَظمه مستحيل من العباد، كاستحالة الجواهر والألوان.
وقال قوم: كان معجزاً لما فيه من العِلم بالغائبات.
وقال آخرون: كان مُعجزاً لارتفاع الخلاف والتناقض فيه، مع جريان العادة بأنّه لا يخلو كلام طويل من ذلك.
وأقوى الأَقوال عندي قول مَن قال: إنّما كان معجزاً خارقاً للعادة لاختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النَظم المخصوص، دون الفصاحة بانفرادها، ودون النَظم بانفراده، ودون الصِّرفة.
وإن كنت نصرتُ في شرح الجمل (1) القول بالصِّرفة، على ما كان يذهب إليه المرتضى (رحمه الله) من حيث شرحت كتابه، فلم يَحسن خلاف مذهبه.
قال: والذي يدلّ على ما قلناه واخترناه: أنّ التحدّي معروف بين العرب بعضهم بعضاً، ويعتبرون في التحدّي معارضة الكلام بمثله في نَظمه ووصفه؛ لأنّهم لا يعارضون الخُطب بالشعر ولا الشعر بالخُطب، والشعر لا يُعارضه أيضاً إلاّ بما كان يوافقه في الوزن والرويّ والقافية، فلا يُعارضون الطويل بالرَّجَز، ولا الرَّجَز بالكامل، ولا السريع بالمتقارب، وإنّما يُعارضون جميع أوصافه.
فإذا كان كذلك فقد ثبت أنّ القرآن جمع الفصاحة المُفرطة والنَظم الذي ليس في كلام العرب مثله، فإذا عجزوا عن معارضته فيجب أن يكون الاعتبار بهما.
فأمّا الذي يدلّ على اختصاصها بالفصاحة المُفرطة فهو أنّ كلّ عاقل عرف شيئاً من الفصاحة يعلم ذلك، وإنّما في القرآن من الفصاحة ما يزيد على كلّ فصيح، وكيف لا يكون كذلك وقد وجدنا الطبقة الأُولى قد شهدوا بذلك وطربوا له، كالوليد
____________________
(1) في كتابه (تمهيد الأُصول) شرحاً على القسم النظري من (جُمَل العلم والعمل) وقد طُبع أخيراً سنة 1362هـ. ش. في جامعة طهران، وسننقل كلامه عند التعرّض للقول بالصِّرفة.
ابن المغيرة والأعشى الكبير وكعب بن زهير ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي، ودخل كثير منهم في الإسلام، ككعب والنابغة ولبيد، وهَمَّ الأعشى بالدخول في الإسلام فمنعه من ذلك أبو جهل وفزّعه، وقال إنّه يُحرّم عليك الأطيبَينِ الزنا والخمر. فقال له: أمّا الزنا فلا حاجة لي فيه لأنّي كبرت، وأمّا الخمر فلا صبرَ لي عنه، واُنظر فَأَتته المنيّة واختُرم دون الإسلام.
والوليد بن المغيرة تحيّر حين سمعه، فقال: سمعت الشعر، والرَّجَز وليس برَجَز، والخُطب وليس بخُطب، وليس له اختلاج الكَهَنة، فقالوا له: أنت شيخنا، فإذا قلت هذا صَعفت قلوبنا، ففكّر، وقال: قولوا: هو سحر، معاندةً وحسداً للنبيّ. فأنزل الله تعالى هذه الآية ( إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ - إلى قوله - إِنْ هَذَا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ ) (1) ، فمَن دفع فصاحة القرآن لم يكن في حيّز مَن يُكَلَّم.
وأمّا اختصاصه بالنظم فمعلوم ضرورةً؛ لأنّه مَدرك مسموع، وليس في شيء من كلام العرب ما يشبه نظمه، مِن خطبة أو شعر على اختلاف أنواع وَصْفاته، فاجتماع الأمرين منه لا يمكن دفعهما (2) .
* * *
(ثانياً) الإعجاز في دراسات اللاحقين:
قد يقال: كم ترك الأَوّل للآخر! وأُخرى يُقال: ما ترك الأَوّل للآخر، فإن كان في المَثل الأَوّل جزاف، فإنّ في المَثل الثاني مبالغة ظاهرة، نعم، كان الأوائل قد مهّدوا السُبل لدراسات الآخرين وأسّسوا وأبدعوا وحازوا قَصَب السَبق، وجاء اللاحقون ليستمرّوا على أَثرهم على الطريقة المُعبّدة من ذي قبل، لكنّهم زادوا
____________________
(1) المدّثر: 18 - 24.
(2) الاقتصاد في أُصول الاعتقاد: ص166 - 174.
ونقّحوا وهذّبوا؛ وبذلك نضجت الأفكار وتوسّعت العقول واكتملت الآراء والأنظار.
أمّا الذي زاده الخَلف على السَلف في مسألة (إعجاز القرآن) فهو الذي لَمسوه من تناسق نَظمه البديع وتناسب نَغمه الرفيع كانت لأجراس صوته الرصيف رنّة، ولألحان موسيقاه اللطيف نَسمة ونفحة قُدسية ملكوتية ذات جذوة وجذبة، لا يُوجد لها مثيل في أيّ توقيع من تواقيع الموسيقى المعهودة ذات الأشكال والألوان المعروفة.
إنّه منتظم على أوزان لا كأوزان الشعر، وعلى قوافي السجع وليس بسجع، ففيه خاصّية النَظم وهو نثر، فهو كلام منظوم ومنثور في نفس الوقت، كما هو مُسجّع ومُقفّى أيضاً في عين الحال، ومع ذلك فهو ليس بأحدهما، وإنّما هو كلام فريد في نوعه وفذّ في أُسلوبه، إنّه كلام الله فوق كلام المخلوقينَ.
هذا هو الذي أحسّته أَرباب الفنون وأصحاب الأذواق الظريفة بشأن القرآن الكريم إذا تُليت آياته على نهجها الأصيل ذات روعة وخلابة، كما قال قائلهم: إنّ له لحلاوةً وإنّ عليه لطلاوةً.
1 - سيّد قطب:
كَتب سيّد قطب في كتابه (التصوير الفنّي) فصلاً عن الإيقاع الموسيقي في القرآن، وذَكَر أنّ الموسيقيّ المبدع الأُستاذ محمّد حسن الشجاعي تفضّل بمراجعته وضبط بعض المصطلحات الفنّية الموسيقية عليه... جاء فيه:
إنّ هذا الإيقاع متعدّد الأنواع، ويتناسق مع الجوّ، ويؤدّي وظيفةً أساسيةً في البيان.
قال: ولمّا كانت هذه الموسيقى القرآنية إشعاعاً للنظم الخاصّ في كلّ موضع، وتابعةً لقصر الفواصل وطولها، كما هي تابعة لانسجام الحروف في الكلمة المفردة، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة... فإنّنا نُؤثر أن نتحدّث عن هذه الظواهر
كلّها مجتمعة.
جاء في القرآن الكريم ( وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ ) (1) .
وجاء فيه حكاية عن كفّار العرب: ( بَلْ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ) (2) .
وصدق القرآن الكريم، فليس هذا النسق شعراً، ولكن العرب كذلك لم يكونوا مجانين ولا جاهلين بخصائص الشعر، يوم قالوا عن هذا النسق العالي: إنّه شعر!
لقد راعَ خيالهم بما فيه من تصويرٍ بارع، وسَحر وجدانَهم بما فيه من منطقٍ ساحر، وأخذ أسماعهم بما فيه من إيقاعٍ جميل، وتلك خصائص الشعر الأساسية إذا نحن أغفلنا القافية والتفاعيل.
على أنّ النسق القرآني قد جمع بين مزايا النثر والشعر جميعاً، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحّدة والتفعيلات التامّة، فنالَ بذلك حرّيّة التعبير الكاملة عن جميع أَغراضه العامّة، وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر، الموسيقى الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تُغني عن التفاعيل، والتقفية التي تُغني عن القوافي، وضمّ ذلك إلى الخصائص التي ذَكرنا، فشأن النثر والنظم جميعاً (3) .
وحيثما تلا الإنسانُ القرآنَ أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه، يَبرز بروزاً واضحاً في السور القِصار، والفواصل السريعة، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامة، ويتوارى قليلاً أو كثيراً في السور الطوال، ولكنّه على كلّ حال ملحوظ دائماً في بِناء النظم القرآني (4) .
____________________
(1) يس: 69.
(2) الأنبياء: 5.
(3) يقول الدكتور طه حسين: إنّ القرآن ليس شعراً وليس نثراً، إنّما هو قرآن! ولسنا في حاجة إلى هذا اللعب بالعبارات، فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربيّة كما ينبغي، ولكنّه نوع مُمتاز مُبدع من النثر الفنّي الجميل المتفرّد.
(4) التصوير الفنّي في القرآن: 80.
وسنأتي على أمثلة ضربها لذلك في فصلٍ قادم (1) إن شاء الله.
2 - مصطفى محمود:
وقال الأُستاذ مصطفى محمود: لقد اكتشفت منذ الطفولة دون أن أدري حكاية الموسيقى الداخلية الباطنة في العبارة القرآنية، وهذا سرّ مِن أعمق الأسرار في التركيب القرآني، إنّه ليس بالشعر وبالنثر ولا بالكلام المسجوع، وإنّما هو مِعمار خاصّ من الألفاظ صُفّت بطريقة تكشف عن الموسيقى الباطنة فيها.
وفرق كبير بين الموسيقى الباطنة والموسيقى الظاهرة.
وكمَثلٍ نأخذ بيتاً لشاعر عمر بن أبي ربيعة، اشتهر بالموسيقى في شعره... البيت الذي يَنشد فيه:
قال لي صاحِبي ليَعلَمَ ما بي |
أَتُحبُّ القتولَ أُختَ الربابِ؟ |
أنت تسمع وتطرب وتهتزّ على الموسيقى، ولكنّ الموسيقى هنا خارجية صنعها الشاعر بتشطير الكلام في أشطار متساوية ثُمّ تقفيل كلّ عبارة تقفيلاً واحداً على الباء الممدودة.
الموسيقى تصل إلى أُذُنك من خارج العبارة وليس من داخلها، من التقفيلات (القافية) ومن البحر والوزن.
أمّا حينما تتلو: ( وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ) (2) فأنت أمام شطرة واحدة... وهي بالتالي تخلو من التقفية والوزن والتشطير، ومع ذلك فالموسيقى تقطر من كلّ حرف فيها، من أين، وكيف؟
هذه هي الموسيقى الداخلية، والموسيقى الباطنة سرّ من أسرار المِعمار القرآني، لا يشاركه فيه أيّ تركيب أدبي.
____________________
(1) عند التعرّض لمزايا النظم القائم في القرآن وخصائصه العجيبة.
(2) الضحى: 1 و2.
وكذلك حينما تقول: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (1) ، وحينما تتلو كلمات زكريّا لربّه: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً ) (2) ، أو كلمة الله لموسى: ( إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ) (3) ، أو كلمته تعالى - وهو يتوعّد المجرمين -: ( إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيى ) (4) .
كلّ عبارة بنيان موسيقيّ قائم بذاته يَنبع فيه الموسيقيّ من داخل الكلمات ومن ورائها ومِن بينها، بطريقة محيّرة لا تدري كيف تتم؟!
وحينما يروي القرآن حكاية موسى بذلك الأسلوب السيمفوني المُذهل: ( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى * فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ * وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ) (5) .
كلماتٌ في غاية الرقّة مثل (يَبَسا) أو (لا تَخاف دركاً) بمعنى لا تخاف إدراكاً، إنّ الكلمات لتذوب في يد خالقها وتصطفّ وتتراص في مِعمار ورَصف موسيقيّ فريد، هو نسيجٌ وحده بين كلّ ما كتب بالعربية سابقاً ولاحقاً، لا شَبَه بينه وبين الشعر الجاهلي، ولا بينه وبين الشعر والنثر المُتأخّر، ولا محاولة واحدة للتقليد حفظها لنا التاريخ، برغم كثرة الأعداء الذين أرادوا الكيد للقرآن.
في كلّ هذا الزُحام تبرز العبارة القرآنية منفردةً بخصائصها تماماً، وكأنّها ظاهرة بلا تبرير ولا تفسير، سِوى أنّ لها مصدراً آخر غير ما نعرف.
اسمع هذا الإيقاع المُنغّم الجميل:
( رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ
____________________
(1) طه: 5.
(2) مريم: 4.
(3) طه: 15.
(4) طه: 74.
(5) طه: 77 - 79.
لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) (1) ، ( فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ) (2) ( يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ) (3) ، ( لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ) (4) ، ( وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً ) (5) .
ثمّ هذه العبارة الجديدة في تكوينها وصياغتها، العميقة في معناها ودلالتها على العجز عن إدراك كنه الخالق:
( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ ) (6) . ( يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ ) (7) .
ثم هذا الاستطراد في وصف القدرة الإلهية:
( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (8) .
ولكن الموسيقى الباطنية ليست هي كلّ ما انفردت به العبارة القرآنية، وإنّما مع الموسيقى صفة أُخرى هي الجلال!
وفي العبارة البسيطة المقتضبة التي روى بها الله نهاية قصّة الطوفان، تستطيع أن تلمس ذل الشيء الهائل الجليل في الألفاظ:
( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ ) (9) .
تلك اللمسات الهائلة... كلّ لفظ له ثقل الجبال ووقع الرعود... تنزل فإذا كلّ شيء صمت، سكون، هدوء، وقد كفّت الطبيعة عن الغضب، ووصلت القصّة إلى
____________________
(1) غافر: 15.
(2) الأنعام: 95 و96.
(3) غافر: 19.
(4) الأنعام: 103.
(5) الأعراف: 89.
(6) الرعد: 9.
(7) الرعد: 13.
(8) الأنعام: 59.
(9) هود: 44.
ختامها: ( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ ) .
إنّك لتشعر بشيء غير بشريّ تماماً في هذه الألفاظ الهائلة الجليلة المنحوتة من صخر صَوَّان، وكأنّ كلّ حرف فيها جبل الألب، لا يُمكنك أن تغيّر حرفاً أو تستبدل كلمةً بأُخرى، أو تؤلّف جملةً مكان جملة، تُعطي نفس الإيقاع والنغم والحركة والثقل والدلالة، وحاولْ وجرّبْ لنفسك في هذه العبارة البسيطة ذات الكلمات العشر، أن تُغيّر حرفاً أو تستبدل كلمةً بكلمة!
ولهذا وقعت العبارة القرآنية على آذان عرب الجاهلية الذين عشقوا الفصاحة والبلاغة وقع الصاعقة!
ولم يكن مُستَغرباً من جاهليّ مثل الوليد بن المغيرة - عاش ومات على كفره - أن يَذهل، وأن لا يستطيع أن يكتم إعجابه بالقرآن، برغم كفره فيقول، وقد اعتبره من كلام مُحمّد:
والله إنّ لقوله لحلاوةً، وإنّ عليه لطلاوةً، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمُغدق، وإنّه يعلو ولا يُعلى عليه.
ولمّا طلبوا منه أن يسبّه قال: قولوا ساحر جاء بقولٍ يُفرّق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته.
إنّه السِحر حتّى على لسان العدوّ الذي يبحث عن كلمة يسبّه بها.
وإذا كانت العبارة القرآنية لا تقع على آذاننا اليوم موقع السِحر والعَجب والذهول فالسبب؛ هو التعوّد والأُلفة والمُعايشة منذ الطفولة والبَلادة والإغراق في عامّية مُبتذلة أبعدتنا عن أُصول لغتنا، ثُمّ أُسلوب الأداء الرتيب المُملّ الذي نسمعه من مُرتِّلينَ محترفين يكرّرون السور من أوّلها إلى آخرها بنبرة واحدة، لا يختلف فيها موقف الحزن من موقف الفرح من موقف الوعيد من موقف البُشرى من موقف العِبرة، نبرة واحدة رتيبة تموت فيها المعاني وتتسطّح العبارات.
وبالمِثل بعض المشايخ ممّن يقرأ القرآن على سبيل اللعلعة دون أن ينبض
شيء في قلبه، ثُمّ المناسبات الكثيرة التي يُقرأ القرآن فيها روتينيّاً، ثُمّ الحياة العصرية التي تعدّدت فيها المشاغل وتوزّع الانتباه وتحجّر القلب وتعقّدت النفوس وصَدِئت الأرواح.
وبرُغم هذا كلّه فإنّ لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه من هذه البيئة اللزجة، ويرتدّ فيها طفلاً بِكراً وترتدّ له نفسه على شفّافيّتها، كفيلة بأن تُعيد إليه ذلك الطعم الفريد والنكهة المُذهلة والإيقاع المُطرب الجميل في القرآن، وكفيلة بأن توقفه مَذهولاً من جديد بعد قرابة ألف وأربعمِئة سنة من نزول هذه الآيات وكأنّها تُنزل عليه لَسَاعتها وتوّها.
اسمع القرآن يصف العلاقة الجنسية بين رجل وامرأة بأُسلوب رفيع وبكلمة رقيقة مُهذّبة فريدة لا تجد لها مثيلاً ولا بديلاً في أيّة لغة: ( فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ) (1) ، هذه الكلمة (تغشّاها)... تَغَشّاها رَجُلها... أن يمتزج الذكر والأُنثى كما يمتزج ظِلاّن وكما يغشى الليل النهار وكما تذوب الألوان بعضها في بعض، هذا اللفظ العجيب الذي يُعبِّر به القرآن عن التداخل الكامل بين اثنين هو ذَروةٌ في التعبير.
وألفاظ أُخرى تَقرأها في القرآن فتترك في السمع رنيناً وأصداءً وصوراً حينما يُقسم الله بالليل والنهار فيقول: ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ) (2) ، هذه الحروف الأربعة (عسعس) هي الليل مُصوّراً بكلّ ما فيه، ( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ) إنّ ضوء الفجر هنا مرئيّ ومسموع، إنّك تكاد تسمع زقزقة العصفور وصيحة الديك.
فإذا كانت الآيات نذير الغضب وإعلان العقاب فإنّك تسمع الألفاظ تتفجّر، وترى المِعمار القرآني كلّه له جَلجلة، اسمع ما يقول الله عن قوم عاد:
( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ
____________________
(1) الأعراف: 189.
(2) التكوير: 17 و18.
أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ) (1) ، إنّ الآيات كلّها تَصرّ فيها الرياح وتَسمع فيها اصطفاق الخيام وأعجاز النخل الخاوي وصورة الأرض الخراب.
والصور القرآنية كلّها تجدها مرسومةً بهذه اللمسات السريعة والظِلال المُحكمة والألفاظ التي لها جَرس وصوت وصورة.
ولهذه الأسباب مجتمعه كان القرآن كتاباً لا يُترجم، إنّه قرآن في لغته، أمّا في اللغات الأخرى فهو شيء آخر غير القرآن. ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً ) (2) وفي هذا تحديد فاصل.
وكيف يُمكن أن تُترجم آية مثل: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (3) ، إنّنا لسنا أمام معنى فقط، وإنّما نحن بالدرجة الأُولى أمام مِعمار، أمام تكوين وبناء، تنبع فيه الموسيقى من داخل الكلمات، مِن قَلبِها لا من حواشيها، من خصائص اللغة العربية وأسرارها وظِلالها وخوافيها.
ولهذا انفردت الآية القرآنية بخاصّية عجيبة، إنّها تُحدث الخشوع في النفس بمجرّد أن تلامس الأُذن وقبل أن يتأمّل العقل معانيها؛ لأنّها تركيب موسيقيّ يُؤثّر في الوجدان والقلب لتوّه ومن قبل أن يبدأ العقل في العمل، فإذا بدأ العقل يُحلّل ويتأمّل فانّه سوف يكتشف أشياء جديدة وسوف يزداد خشوعاً، ولكنّها مرحلة ثانية قد تَحدث وقد لا تحدث، وقد تكشف لك الآية عن سرّها وقد لا تكشفه، وقد تُؤتى البصيرة التي تُفسّر بها معاني القرآن وقد لا تُؤتى هذه البصيرة. ولكنك دائماً خاشع؛ لأنّ القرآن يُخاطبك أَوّلاً كمعمار فريد من الكلام.. بنيان.. فريد.. طراز من الرصف يُبهر القلب... ألقاه عليك الذي خَلق اللغة ويعرف سرّها... (4) .
____________________
(1) الحاقة: 6 و7.
(2) يوسف: 2.
(3) طه: 5.
(4) القرآن محاولة لفهم عصري، مصطفى محمود: فصل (المعمار القرآني): ص12 - 19 دار المعارف بمصر - سنة 1976.
3 - محمّد درّاز:
وللدكتور محمّد عبد الله درّاز نظرة مشابهة، يَجعل من إعجاز القرآن في قشرته السطحية في جانبَي جماله التوقيعي وجماله التنسيقي الى جنب محتواه من جلائل أسرار، فإنّه جلّت قدرته أجرى سنّته في نظام هذا الكون أن يغشى جلائل أسراره بأستار زاهية بمُتعةٍ وجمال.
قال: إنّك إذا استمعت إلى القارئ المُجوِّد يقرأ القرآن يُرتّله حقّ ترتيله نازلاً بنفسه على هوى القرآن، وليس نازلاً بالقرآن على هوى نفسه ستجد اتّساقاً وائتلافاً يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر، على أنّه ليس بأنغام الموسيقى ولا بأوزان الشعر، وستجد شيئاً آخر لا تجده في الموسيقى ولا في الشعر؛ ذلك أنك تسمع القصيدة من الشعر فإذا هي تتشابه أهواؤها وتذهب مذهباً متقارباً، فلا يلبث سمعك أن يَمجّها، وطبعك أن يملّها، إذا أُعيدت وكُرّرت عليك بتوقيع واحد: بينما أنت من القرآن أبداً في لحن متنوّع متجدّد، تنقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل (1) على أوضاع مختلفة يأخذ منها كلّ وَتَرمن أوتار قلبك بنصيب سواء، فلا يعروك منه على كثرة ترداده مَلالة ولا سأم، بل لا تفتأ تطلب منه المزيد.
هذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممّن يسمع القرآن، حتّى الذين لا يعرفون لغة العرب، فكيف يخفى على العرب أنفسهم؟
إنّ أوّل شيء أحسّته تلك الآذان العربية في نِظام القرآن هو ذلك النِظام
____________________
= المعارف بمصر - سنة 1976.
(1) مصطلحات موسيقية: الحَرف المُتحرّك يتلوه حرف ساكن يقال لها (سبب خفيف)، والحرفان المتحرّكان يتلوهما ساكن (وتد مجموع)، والحرفان المُتحرّكان لا يتلوهما ساكن (سبب ثقيل)، والحرفان المتحرّكان يَتوسّطهما ساكن (وتد مفروق)، وثلاثة أحرف متحرّكة (فاصلة صغيرة)، وأربعة أحرف متحرّكة يعقبها ساكن (فاصلة كبيرة).
الصوتيّ البديع الذي قُسّمت فيه الحركة والسكون تقسيماً مُنوّعاً يُجدّد نشاط السامع لسماعه، ووُزّعت في تضاعيفه حروف المدّ والغُنّة توزيعاً بالقسط يُساعد على ترجيع الصوت به وتهادي النفس فيه آناً بعد آن، إلى أن يصل إلى الفاصلة الأُخرى فيجد عندها راحته العظمى.
وهذا النحو من التنظيم الصوتي إن كانت العرب قد عمدت إلى شيء منه في أشعارها فذهبت فيها إلى حدّ الإسراف في الاستواء، ثُمّ إلى حدّ الإملال في التكرير فإنّها ما كانت تعهده قطّ، ولا كان يتهيّأ لها بتلك السهولة في منثور كلامها سواء المُرسل والمسجوع، بل كان يقع لها في أجود نثرها عيوب تغضّ من سَلاسة تركيبه، ولا يمكن معها إجادة ترتيله إلاّ بإدخال شيء عليه أو حذف شيء منه.
لا عجب إذاً أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن - في خيال العرب - أنّه شعر؛ لأنّها وجدت في توقيعه هزّةً لا تجد شيئاً منها إلاّ في الشعر، وعجبٌ أن ترجع إلى نفسها فتقول: ما هو بشعر؛ لأنّه - كما قال الوليد: - ليس على أعاريض الشعر في رَجَزه ولا في قصيده، ثُمّ لا عجب أن تَجعل مردّ هذه الحيرة أخيراً إلى أنّه ضربٌ من السِحر؛ لأنّه جَمَع بين طرفَي الإطلاق والتقييد في حدّ وسط، فكان له من النثر جلاله وروعته، ومن الشعر جماله ومُتعته.
أنت إذا ما اقتربت بأُذنك قليلاً، فطرقتْ سمعَك جواهرُ حروفه، خارجةً من مخارجها الشحيحة، فأجاءك منه لذّة أُخرى في نَظم تلك الحروف ورَصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر وذاك يصفر، وثالث يهمس، ورابع يجهر، وآخر ينزلق عليه النَفَس، وآخر يحتبس عنده النَفَس، وهلمّ جرا، فترى الجمال اللغويّ ماثلاً أمامك في مجموعة مختلفة مؤتلفة (1) لا كركرة ولا ثرثرة، ولا رخاوة ولا معاظلة، ولا تناكر ولا تنافر، وهكذا ترى كلاماً ليس بالحضريّ الفاتر، ولا
____________________
(1) مَن وقف على صفات الحروف ومخارجها ازداد بهذا المعنى عِلماً، وسيأتي قريباً تفصيل أكثر في كلام الرافعي، وهذا جانب دقيق من سرّ إعجاز القرآن التأليفي، فتنبّه.
بالبدويّ الخَشِن، بل تراه وقد امتزجت فيه جَزالة البادية وفَخامتها برقّة الحاضرة وسلاستها، وقُدّر فيه الأمران تقديراً لا يبغي بعضهما على بعض، فإذا مزيجٌ منهما، كأنّما هو عُصارة اللغتينِ وسلالتهما، أو كأنّما هو نقطة الاتّصال بين القبائل، عندها تلتقي أذواقهم وعليها تأتلف قلوبهم.
من هذه الخصوصية والتي قبلها تتألّف القشرة السطحية للجمال القرآني، وليس الشأن في هذا الغلاف إلاّ كشأن الأصداف مِمّا تحويه من اللآلئ النفيسة، فإنّه - جلّت قدرته - أَجرى سنّته في نظام هذا العالم أن يغشّي جلائل أسراره بأستار لا تخلو من مُتعة وجمال؛ ليكون ذلك من عوامل حفظها وبقائها، بتنافس المتنافسينَ بها وحرصهم عليها.
فقد سبقت كلمته أن يصون علينا نفائس العلوم التي أَودعها هذا الكتاب الكريم، ومِن ثَمّ قضت حِكمته أن يختار لها صواناً يحبّبها إلى الناس بعذوبته، ويغريهم عليها بطلاوته، ويكون بمنزلة (الحدّاء) يستحثّ النفوس على السير إليها، ويهوّن عليها وعثاء السفر في طلب كمالها، لا جرم اصطفى لها من هذا اللسان العربي المبين ذلك القالب العذب الجميل؛ ومن أجل ذلك سيبقى صوت القرآن أبداً في أفواه الناس وآذانهم مادامت فيهم حاسّة تذوّق وحاسّة تسمّع، وإن لم يكن لأكثرهم قلوب يفقهون بها حقيقة سرّه، وينفدون بها إلى بعيد غوره ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (1) .
هل عرفت أنّ نظم القرآن الكريم يجمع إلى الجمال عزّةً وغرابة؟ وهل عرفت أنّ هذا الجمال كان قوّةً إلهيّةً حُفظ بها القرآن من الفقد والضياع؟
فاعرف الآن أنّ هذه الغرابة كانت قوّة أُخرى قامت بها حجّة القرآن في التحدّي والإعجاز، واعتصم بها من أيدي المعارضين والمبدّلين، وأنّ ذلك الجمال ما كان ليكفي وحده في كفّ أيديهم عنه، بل كان أجدر أن يغريهم به، ذلك أنّ الناس - كما يقول الباقلاّني: - إذا استحسنوا شيئاً اتّبعوه، وتنافسوا في محاكاته
____________________
(1) الحجر: 9.
بباعث الجبلّة، وكذلك رأينا أصحاب هذه الصناعة يتبع بعضهم بعضاً فيما يستجيدونه من الأساليب، وربّما أدرك اللاحق فيهم شأو السابق أو أَربى عليه، كما صنع ابن العميد بأُسلوب الجاحظ، وكما يصنع الكُتّاب والخطباء اليوم في اقتداء بعضهم ببعض، وما أساليب الناس على اختلاف طرائقها في النثر والشعر إلاّ مناهل مورودة ومسالك معبّدة، تُؤخذ بالتعلّم، وتُراضّ الألسنة والأقلام عليها بالمرانة، كسائر الصناعات.
فما الذي منع الناس أن يُخضعوا أُسلوب القرآن لألسنتهم وأقلامهم وهم شرع في استحسان طريقة، وأنّ أكثرهم الطالبون لإبطال حجّته.
ما ذاك إلاّ أنّ فيه منعة طبيعيّة كفّت ولا تزال تكفّ أيديهم عنه، ولا ريب أنّ أوّل ما تلاقيك هذه المناعة فيما صوّرناه لك من غريب تأليفه في بنيته، وما اتّخذه في رصف حروفه وكلماته وجمله وآياته، من نظام له سمت وحده وطابع خاصّ به، خرج فيه عن هيئة كلّ نظم تعاطاه الناس أو يتعاطونه، فلا جَرم لم يجدوا له مِثالاً يحاذونه به، ولا سبيلاً يسلكونه إلى تذليل منهجه.
وآية ذلك أنّ أحداً لو حاول أن يُدخل عليه شيئاً من كلام الناس - من السابقين منهم أو اللاحقين، من الحكماء أو البلغاء أو النبيّين والمرسلين - لأفسد بذلك مزاجه في فم كلّ قارئ، ولجعل نظامه يضطرب في أُذن كلّ سامع، وإذاً لنادى الداخلُ على نفسه بأنّه واغل دخيل، ولنفاه القرآن عن نفسه كما ينفي الكِير خبث الحديد، ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) (1) .
وأنت إذ لم يلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين، ولم تحجبك بهجة الأستار عمّا وراءها من السرّ المصون، بل فُليت القشرة عن لبّها وكُشفت الصدفة عن دُرّها، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى ذلك النظام المعنوي، تجلّى لك ما هو
____________________
(1) فصّلت: 41 و42.
أبهى وأبهر، ولقيت منه ما هو أروح وأبدع.
لا نريد أن نحدّثك هاهنا من معاني القرآن وما حوته من العلوم الخارجة عن متناول البشر، فإنّ لهذا الحديث موضعاً آخر يجيء - إن شاء الله تعالى - في بحث الإعجاز العلمي، وحديثنا الآن كما ترى في شأن الإعجاز اللغوي، وإنّما عن اللغة الألفاظ.
بيد أنّ هذه الألفاظ يُنظر فيها تارةً من حيث هي أبنية صوتية مادّتها الحروف وصورتها الحركات والسكنات من غير نظر إلى دلالتها، وتارةً من حيث هي أداة لتصوير المعاني، ونقلها من نفس المتكلّم إلى نفس المخاطب بها، وهذه الناحية لا شك أنّها هي أعظم الناحيتين أثراً في الإعجاز اللغوي؛ إذ اللغات تتفاضل من حيث هي بيان، أكثر من تفاضلها من حيث هي أجراس وأنغام، والفضيلة البيانية إنّما تعتمد دقّة التصوير وإجادة التعبير عن المعنى كما هو، سواء كان ذلك المعنى حقيقة أو خيالاً، وأن يكون هدىً أو ضلالاً، فقد كانت حكايات القرآن لأقوال المُبطلين لا تقصر في بلاغتها عن سائر كلامه؛ لأنّها تصف ما في أنفسهم على أتمّ وجه.
انظر حيث شئت من القرآن الكريم تجد بياناً قد قدّر على حاجة النفس أحسن تقدير، فلا تحسّ فيه بتخمة الإسراف ولا بمخمصة التقتير، يؤدّي لك من كلّ معنى صورة نقيّة وافية، نقيّة لا يشوبها شيء ممّا هو غريب عنها، وافية لا يشذّ عنها شيء من عناصرها الأصلية ولواحقها الكمالية، كلّ ذلك في أوجز لفظ وأنقاه، ففي كلّ جملة منه جهاز من أجهزة المعنى، وفي كلّ كلمة منه عضو من أعضائه، وفي كلّ حرف منه جزء بقدره، وفي أوضاع كلماته من جمله، وأوضاع جمله من آياته سرّ الحياة الذي ينتظم المعنى بأداته، وبالجملة ترى - كما يقول الباقلاّني - محاسن متوالية وبدائع تترى.
ضع يدك حيث شئت من المصحف، وعُدّ ما أحصته كفُّك من الكلمات عدّاً، ثمّ
أحصِ عدّتها من أبلغ كلام تختاره خارجاً عن الدفّتين، وانظر نسبة ما حواه هذا الكلام من المعاني إلى ذاك، ثمّ انظر كم كلمة تستطيع أن تُسقطها أو تبدّلها من هذا الكلام دون إخلال بغرض قائله؟ وأيّ كلمة تستطيع أن تُسقطها أو تبدّلها هناك؟ فكتاب الله تعالى - كما يقول ابن عطية - لو نزعت منه لفظة ثمّ أُدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد.
بل هو كما وصفه تعالى ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (1) .
وميزة أُخرى تفوق بالقرآن الكريم على سائر الكلام: إنّه خطاب مع العامّة كما هو خطاب مع الخاصّة، وهاتان غايتان متباعدتان عند الناس، إنّك لو خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بالكلام إلى مستوىً لا يرضونه، ولو أنّك خاطبت العامّة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الخاصّة للجأتهم إلى ما لا تطيقه عقولهم.
فلا غنى لك - إن أردت أن تُعطي كلتا الطائفتين حقّها كاملاً من بيانك - أن تخاطب كلّ واحدة منهما بغير ما تُخاطب الأُخرى، كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب به الرجال.. فأمّا أنّ جملةً واحدة وتعبيراً واحداً تلقي إلى العلماء والجهلاء، والى الأذكياء والأغبياء، والى السَوقة والأُدباء، فيراها كلّ منهم مُقدّرة على مقياس عقله وعلى وِفق حاجته، فذلك ما لا تجده - على أتمّه - إلاّ في القرآن الكريم، فهو قرآن واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامّة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون منه إلى تُرجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامّة والخاصّة على السواء، مُيسّر لكلّ من أراد ( وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ) (2) (3) .
____________________
(1) هود: 1.
(2) القمر: 17.
(3) النبأ العظيم (نظرات جديدة في القرآن): ص95 - 106.
4 - مصطفى الرافعي:
وقال الأُستاذ مصطفى صادق الرافعي: وقد كان من عادة العرب أن يتحدّى بعضهم بعضاً في المساجلة والمقارضة بالقصيد والخطب؛ ثقة منهم بقوّة الطبع، ولأنّ ذلك مذهب من مفاخرهم، يستعلون به ويذيع لهم حسن الذكر وعلوّ الكلمة، وهم مجبولون عليه فطرةً، ولهم فيه المواقف والمقامات في أسواقهم، ومجامعهم، فتحدّاهم القرآن في آيات كثيرة أن يأتوا بمثله أو بعضه، وسلك إلى ذلك طريقاً كأنّها قضية من قضايا المنطق التاريخي، فإنّ حِكمة هذا التحدّي وذِكره في القرآن إنّما هي أن يشهد التاريخ في كلّ عصر بعجز العرب عنه وهم الخطباء اللدّ والفصحاء اللُسْن، وهم كانوا في العهد الذي لم يكن للغتهم خير منه ولا خير منهم في الطبع والقوّة، فكانوا مظنّة المعارضة والقدرة عليها، حتّى لا يجيء بعد ذلك فيما يجيء من الزمن، مولّد أو أعجمي أو كاذب أو منافق أو ذو غفلة، فيزعم أنّ العرب كانوا قادرين على مثله.
أمّا الطريقة التي سلكها إلى ذلك فهي أنّ التحدّي كان مقصوراً على طلب المعارضة بالمثل، ثمّ قرن التحدّي بالتأنيب والتقريع، ثمّ استفزّهم بعد ذلك جملةً واحدة، كما يَنفج الرماد الهامد (1) ، فقال: ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) (2) فقطع لهم أنّهم لن يفعلوا، وهي كلمة يستحيل أن تكون إلاّ من الله ولا يقولها عربيّ في العرب أبداً، وقد سمعوها واستقرّت فيهم ودارت على الألسنة، وعرفوا أنّها تنفي عنهم الدهر نفياً وتعجزهم آخر الأبد، فما فعلوا ولا طمعوا قطّ أن يفعلوا، وطارت الآية بعجزهم وأسجلته عليهم ووسمتهم على ألسنتهم.
تأمّل نظم الآية تجد عجباً، فقد بالغ في اهتياجهم واستفزازهم ليثبت أنّ
____________________
(1) نفجت الريح: هاجت وجاءت بشدّة.
(2) البقرة: 23 و24.
القدرة فيهم على المعارضة كقدرة الميّت على أعمال الحياة، لن تكون ولن تقع! فقال لهم: لن تفعلوا! أي هذا منكم فوق القوّة وفوق الحيلة وفوق الاستعانة وفوق الزمن، ثمّ جعلهم وقوداً، ثمّ قرنهم إلى الحجارة، ثمّ سمّاهم كافرين، فلو أنّ فيهم قوّة بعد ذلك لانفجرت، ولكن الرماد غير النار.
فلمّا رأوا هممهم لا تسموا إلى ذلك، ولا تقارب المطمعة فيه، وقد انقطعت بهم كلّ سبيل إلى المعارضة، بذلوا له السيف كما يبذل المُحرَج آخر وسعه (آخر الدواء الكيّ) وأخطروا بأنفسهم وأموالهم، وانصرفوا عن توهّن حجّته إلى تهوينها على أنفسهم بكلام من الكلام، فقالوا: ساحر، ومجنون، ورجل يكتتب أساطير الأوّلين، وإنّما يعلّمه بشر، وأمثال ذلك ممّا أخذت به الحجّة عليهم وكان إقراراً منهم بالعجز (1) .
قال: وكان أُسلوب الكلام عند العرب قبيلاً واحداً وجنساً معروفاً، ليس إلاّ الحر من المنطق والجزل من الخطاب، وإلاّ اطّراد النسق وتوثيق السرد وفصاحة العبارة وحسن ائتلافها، فلمّا ورد عليهم أُسلوب القرآن رَأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة فيما أَلفوه من طرق الخطاب وألوان المنطق، ليس في ذلك إعنات ولا معاياة، غير أنّهم ورد عليم - من طرق نظمه، ووجوه تركيبه، ونسق حروفه في كلماتها، وكلماته في جملها، ونسق هذه الجمل في جملته، ما أذهلهم عن أنفسهم، من هيبة رائعة وروعة مخوفة، وخوف تقشعرّ منه الجلود، حتّى أحسّوا بضعف الفطرة وتخلّف المَلَكة، ورأى بلغاؤهم أنّه جنس من الكلام غير ما هم فيه فاستيأسوا من حقّ المعارضة؛ إذ وجدوا من القرآن ما يغمر القوّة ويحيل الطبع ويخاذل النفس، مصادمة لا حيلة، لا خدعة، ولهذا انقطعوا عن المعارضة (2) .
ثم أخذ في بيان وجه هذا الإعجاز وسّره الكامن وراء جمال لفظه وروعة بيانه، قال: ذلك بعض ما تهيّأ لنا من القول في الجهات التي اختصّ بها أُسلوب القرآن، فكانت أسباباً لانقطاع العرب دونه وانخذالهم عنه، وتلك أسباب لا يمكن أن
____________________
(1) إعجاز القرآن: ص169 - 170.
(2) المصدر: ص188 - 189.
يكون شيء منها في كلام بلغاء الناس من أهل هذه اللغة؛ لأنّها خارجة عن قُوى العقول وجماع الطبائع، ولا أثر لها في نفس كلّ بليغ إلاّ استشعار العجز عنها والوقوف من دونها، وإنّما تلك الجهات صفات من نظم القرآن وطريقة تركيبه، فنحن الآن قائلون في سرّ الإعجاز الذي قامت عليه هذه الطريقة وانفرد به ذلك النظم، وهو سرّ لا ندّعي أنّنا نكشفه أو نستخلصه أو ننتظم أُسلوبه، وإنّما جهدنا أن نومئ إليه من ناحية ونُعيّن بعض أوصافه من ناحية، فإنّ هذا القرآن هو ضمير الحياة، وهو من اللغة كالروح الإلهية التي تستقرّ في مواهب الإنسان فتضمن لآثاره الخلود.
والكلام بالطبع يتركّب من ثلاثة: حروف هي من الأصوات، وكلمات هي من الحروف، وجمل هي من الكَلِم، وقد رأينا سرّ الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلّها، ولهذا النظم طريقة خاصّة اتّبعها القرآن الكريم كانت غريبةً على العرب وفي نفس الوقت رائعةً تستأنس إليها النفوس.
إنّ طريقة النظم التي اتّسقت بها ألفاظ القرآن وتألّفت لها حروف هذه الألفاظ إنّما هي طريقة يُتوخى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنّها ظهرت فيه أَوّل شيء على لسان النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن، ولا تلوي من دونه حجاب القلب، حتّى لم يكن لمَن سمعه بُدّ من الاسترسال إليه والتوفّر على الإصغاء، لا يستمهله أمر من دونه وإن كان أمر العادة، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة، فإنّه إنّما يسمع ضرباً خالصاً من (الموسيقى اللغوية) في انسجامه واطّراد واتّزانه على أجزاء النفس مقطعاً مقطعاً ونبرةً نبرةً كأنّها توقعه توقيعاً ولا تتلوه تلاوة!
وهذا نوع من التأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء إلاّ الجمل القليلة، التي إنّما تكون روعتها وصيغتها وأوزان توقيعها من اضطراب النفس الحاصل في بعض مقامات الحماسة أو الفخر أو الغزل أو نحوها، فتنتزي بكلام تلفظه العاطفة أحياناً.
وكان العرب يترسّلون أو يحذمون (1) في منطقهم كيفما اتّفق لهم، لا يراعون أكثر من تكييف الصوت دون تكييف الحروف، اللهم إلاّ بتعمّل يأتونه على نمط الموسيقى، وهي غاية ما عرفوه من نظم الكلام.
فلمّا قُرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته وكلماته في جمله، ألحاناً لغويّة رائعة، كأنّها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها - (وكلّ الذين يدركون أسرار الموسيقى وفلسفتها النفسية اليوم لا يَرون في الفنّ العربي بجملته شيئاً يعدل هذا التناسب الذي طبيعي في كلمات القرآن وأصوات حروفها، وما منهم مَن يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفاً واحداً، ويعلو القرآن على الموسيقى، إنّه مع هذه الخاصّية العجيبة ليس من الموسيقي) - والعرب لم يفتهم هذا المعنى، وإنّه أمرٌ لا قِبَل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم، حتّى أنّ مَن عارضه منهم - كمُسيلمة - جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظماً موسيقياً أو باباً منه، وطوى عمّا وراء ذلك من التصرّف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنّه فطن إلى أنّ الصدمة الأُولى للنفس العربية إنّما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عدها، وليس يتّفق ذلك في شيء من كلام العرب إلاّ أن يكون وزناً من الشعر أو السجع.
وأنت تتبيّن ذلك إذا أنشأت تُرتّل قطعةً من نثر فصحاء العرب أو غيرهم على طريقة التلاوة في القرآن - ممّا تُراعى فيه أحكام القراءة وطرق الأداء - فإنّك لابدّ ظاهر بنفسك على النقص في كلام البلغاء وانحطاطه في ذلك عن مرتبة القرآن، بل ترى كأنّك بهذا التحسين قد نكّرت الكلام وغيّرته، فأخرجته من صفة الفصاحة، وجرّدته من زينة الأُسلوب.. لأنّك تزنه على أوزان لم يتّسق عليها.
وحسبك بهذا اعتباراً في إعجاز النظم الموسيقي في القرآن، وأنّه ممّا لا يتعلق به أحد، ولا يتّفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلاّ فيه، لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها، ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر،
____________________
(1) الحذم في القراءة: الإسراع.
والشدّة والرخاوة، والتفخيم والترقيق، والتفشّي والتكرير، وغير ذلك ممّا جاء في صفات الحروف.
ولقد كان هذا النظم عينه هو الذي صفّى طباع البلغاء بعد الإسلام، وتولّى تربية الذوق الموسيقيّ اللغويّ فيهم، حتّى كان لهم من محاسن التركيب في أساليبهم - ممّا يرجع إلى تساوق النظم واستواء التأليف - ما لم يكن مثله للعرب من قبلهم، وحتّى خرجوا عن طرق العرب في السجع والترسّل - على جفاء كان فيهما - إلى سجع وترسّل تتعرّف في نظمهما آثار الوزن والتلحين.
وليس يخفى أن مادّة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي، وأنّ هذا الانفعال بطبيعته إنّما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مدّاً أو غنّةً أو ليناً أو شدّةً، وبما يُهيّئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها، ثمّ هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع، أو الإطناب والبسط، بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبُعد المدى ونحوها، ممّا هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى.
وهذه هي طريق الاستهواء الصوتيّ في اللغة، وأثرها طبيعيّ في كلّ نفس، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يخاطب به كلّ نفس تفهمه، وكلّ نفس لا تفهمه، ثمّ لا يجد من النفوس على أيّ حال إلاّ الإقرار والاستجابة، وقد انفرد بهذا الوجه للعجز، فتألّفت كلماته من حروف، لو سقط واحد منها أو أُبدل بغيره أو أُقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللاً بيّناً، أو ضعفاً ظاهراً في نسق الوزن وجرس النغمة، وفي حسّ السمع وذوق اللسان، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج، وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض، ولرأيت لذلك هُجنة في السمع.
وممّا انفرد به القرآن على سائر الكلام أنّه لا يُخلق على كثرة الردّ وطول التكرار، ولا تملّ منه الإعادة، وكلّما أخذت فيه على وجه ولم تُخلّ بأدائه رأيته غضّاً طريّاً وجديداً مونقاً، وصادفت من نفسك نشاطاً مستأنفاً وحسّاً موفوراً.
وهذا لعَمرو الله أمر يُوسّع فكر العاقل ويملأ صدر المُفكّر، ولا نرى جهة تعليله ولا نُصحّح منه تفسيراً إلاّ ما قدّمنا من إعجاز النظم بخصائصه الموسيقية، وتساوق هذه الحروف على أُصول مضبوطة من بلاغة النغم بالهمس والجهر والقلقلة والصفير والمدّ والغنّة... على اختلاف أنحائها بسطاً وإيجازاً، وابتداءً وردّاً، وإفراداً وتكريراً.
والكلمة في حقيقة وصفها إنّما هي صوت للنفس؛ لأنّها تُلبّس قطعة من المعنى فتختصّ به على مناسبة لَحِظتها النفس فيها حين فصّلت تركيب الكلام.
وصوت النفس أَوّل الأصوات الثلاثة التي لابدّ منها في تركيب النسق البليغ، حتّى يستجمع الكلام بها أسباب الاتّصال بين الألفاظ ومعانيها، وبين هذه المعاني وصورها النفسيّة، والأصوات الثلاثة هي:
1 - صوت النفس ، وهو الصوت الموسيقي الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها، ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه.
2 - صوت العقل ، وهو الصوت المعنويّ الذي يكون من لطائف التركيب في جملة الكلام ومن الوجوه البيانية التي يُداور بها المعنى في أيّ جهة انتحى إليها.
3 - صوت الحسّ ، وهو أَبلغهنّ شأناً، لا يكون إلاّ من دقّة التصورّ المعنوي والإبداع في تلوين الخطاب، ومجاذبة النفس مرّة وموادعتها أُخرى.
وعلى مقدار ما يكون في الكلام البليغ من هذا الصوت يكون فيه من روح البلاغة، بل صار كأنّه روح للكلام ذاته، يبادرك الروعة في كلّ جزء منه كما تبادرك الحياة في كلّ حركة للجسم الحيّ، كأنّه تمثيل بألفاظ لخلقة النفس، في دِقة التركيب وإعجاز الصنعة.
ولو تأمّلت هذا المعنى فضلاً من التأمّل وأحسنت في اعتباره على ذلك الوجه لرأيته روح الإعجاز في هذا القرآن الكريم.
وأعجب شيء في أمر هذا الحسّ الذي يتمثّل في كلمات القرآن أنّه لا يسرف على النفس ولا يستفرغ مجهودها، بل هو مقتصد في كلّ أنواع التأثير عليها، فلا
تضيق به ولا تنفر منه ولا يتخوّنها المِلال ولا يُسوّغها من لذّتها ويرفّه عليها بأساليبه وطرقه في النظم والبيان.
ولو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها فيما هيئ له من أمر الفصاحة فيهيّئ بعضها لبعض، ويساند بعضاً، ولن تجدها إلاّ مؤتلفة مع أصوات الحروف، مساوقة لها في النظم الموسيقي، حتّى أنّ الكلمة ربّما كانت ثقيلةً في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيّها كان، فلا تعذب ولا تساغ، وربّما كانت أوكس النصيبينِ في حظّ الكلام من الحرف والحركة، فإذا هي استُعملت في القرآن رأيت لها شأناً عجيباً، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقاً في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي، حتّى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقّه، وجاءت متمكّنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفّة والروعة.
من ذلك لفظ ( النُذُر ) جمع نذير، فإنّ الضمّة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معاً فضلاً عن جسأة هذا الحرف ونبوّه في اللسان، وخاصّة إذا جاءت فاصلة للكلام، فكلّ ذلك ممّا يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنّه جاء في القرآن، على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى: ( وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ) (1) ، فتأمّل هذا التركيب وأمعن ثمّ أمعن على تأمّله، وتذوّق مواقع الحروف واجرِ حركاتها في حسّ السمع، وتأمّل مواضع القلقلة في دال (لقد)، وفي الطاء من ( بَطْشَتَنَا ) ، وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو ( فَتَمَارَوْا ) ، مع الفصل بالمدّ، ثمّ اعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون ( أَنذَرَهُمْ ) وفي ميمها، وللغنّة الأُخرى التي سبقت الذال في ( النُّذُرِ ) .
وما من حرف أو حركة في الآية إلاّ وأنت مصيب من كلّ ذلك عجباً في موقعه والقصد به.
____________________
(1) القمر: 36.
قال: إنّما تلك طريقةٌ في النظم قد انفرد به القرآن، وليس من بليغ يعرف هذا الباب إلاّ وهو يتحاشى أن يلمّ به من تلك الجهة أو يجعل طريقه عليها، فإن اتّفق له شيء منه كان إلهاماً ووحياً، لا تقتحم عليه عليه الصناعة ولا يتيسّر له الطبع بالفكر والنظر، فلا يتهيّأ لأحد من البلغاء في عصور العربية كلّها من مَعارض الكلام وألفاظه ما يتصرّف به هذا التصرّف في طائفة أو طوائف من كلامه، على أن يضرب بلسانه ضرباً موسيقياً، وينظم نظماً مطّرداً، فهذا إن أمكن أن يكون في كلام ذي ألفاظ فليس يستقيم في ألفاظ ذات معانٍ، فهو لغو من إحدى الجهتين ولو أنّ ذلك ممكن، لقد كان اتّفق في عصر خلا من ثلاثة عشر قرناً، ونحن اليوم في القرن الرابع عشر من تاريخ تلك المعجزة (1) .
ثمّ أخذ في ضرب أمثلة من ألفاظ وكلمات كانت غريبة وثقيلة، لكنّها جاءت في القرآن في مواقعها الخاصّة أليفة وخفيفة في أبدع ما يكون وأورع ما يتصوّر، ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (2) ، وسنذكر تفاصيلها في مجاله الآتي إن شاء الله.
5 - كاشف الغطاء:
ولعلاّمة الأُدباء وفقيه الحكماء الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء (توفّي سنة 1373) كلام تحقيقيّ عميق وبيان تفصيليّ رشيق حول إعجاز القرآن، أتى به على أُسلوبه الفنّي البديع وسبك إنشاءه الأدبي الرفيع حبى به موسوعته القيّمة (الدين والإسلام) التي وضعها لترصيص قواعد الدعوة وترصيف مباني الشريعة في ضوء الحكمة العالية وهدى العقل الرشيد. فكان من الحريّ أن نقتطف من رياحين حدائقه الغنّاء أزهاراً، ونجتني من رياض حقوله الخصباء أنواراً.
قال (قدس سرّه): قد ثبتت التواترات القطعية وقامت الضرورة البتية أنّ صاحب
____________________
(1) إعجاز القرآن للرافعي: ص209 - 229.
(2) هود: 1.
الشريعة الإسلامية محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) قد ادّعى النبوّة، وتحدّى بالمعجزة وطلب المعارضة، وأتى بما هو الشائع على أهل زمانه، والمتنافس عليه عند قومه، وكانت بلدته أخصب البلاد لإيناع تلك الثمرة المنضجة، وتربية أساطين تلك الصنعة الرائجة... ولمّا دعاهم إلى تلك الدعوة المقدّسة، طغوا وبغوا عليه، وشقّ عليهم ذلك حتّى تخاوصوا بحماليق الحنق إليه (1) .
وما تحدّاهم إلاّ بالمألوف لهم، المأخوذ عنهم والمسوق إليهم، ولم يزل يلحّ عليهم بأنحاء شتّى وعبارات متفاوتة، حتّى اعترف بالعجز عريفهم، وتلدَّد تَليدهم وطريفهم، وصقع مصاقعهم (2) ، وعاد لبيدهم بليداً وشيبتهم وليداً، وقائمهم حصيداً، وعالمهم أبا جهل، وسهيلهم على السهل، وعتبتهم اعتاهم، وأبو لهبهم أخمدهم وأخواهم، وعبد شمسهم آفلاً، ونابغتهم خاملاً، وحيّ أخطبهم ميّتاً، وهشامهم مخزوماً، ومخزومهم مهشوماً، وسراتهم اُسارى، وكبّارهم من الصَغار صغارا.
ثمّ قنع منهم بعشر سور من سوره المُنزلة، ثم تنزّل معهم - وهو الرفيع - إلى أدنى منزلة، فقنع منهم بأن يأتوا بعشر آيات، رضي منهم بسورة واحدة... فالتجأوا إلى مفاوضة الحتوف عن معارضة الحروف، وعقلوا الألسنة والعقول واعتقلوا الأسنّة والنصول، ورضوا بكلم الجراح عن الكلم الفصاح، وفرّوا إلى سعة آجالهم من ضيق مجالهم... فما انجلت غبرة الضلال عن جبهة الحقّ إلاّ وهم بأَسرهم أسرى أو قتلى، إلى أن عادت كلمة الله هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى.
وهكذا ما تصدّى في الأزمنة المتأخّرة لمعارضته إلاّ مأفون الرأي مايق العقل (3) ، ومن الأعاجيب أنّك ترى الرجل في جميع المقامات فارس يليلها (4)
____________________
(1) التخاوص: النظر الشزر. والحَملقة: والتحديق والنظر بشدّة.
(2) التلدّد: التحيّر، التَليد: الأصيل، الطريف: الحديث الشرف، صُقع: صُرع. والمصقع: البليغ في خطابتة.
(3) أفن: ضعف رأيه فهو أفين ومأفون، وماق الرجل: حمق في غباوة.
(4) يَليل: اسم جبل معروف بالبادية، وموضع قرب وادي الصفراء من أعمال المدينة، وإليه نُسب عمرو بن عبدود: فارس يليل.
حتى إذا تصدّى - من ضعف في دينه، أو خور في عود يقينه، أو زندقة في هواه، أو وصم عهّار في عصاه - إلى مقاومة ذلك المقام ومعارضة معجز ذلك النظام، أفحم وتبلّد، وأبكم وتلدّد (1) هذا مسيلمة وسجاح من الأوّلينَ.. والمتنبّي والمعرّي وأضرابهم من الآخرين، كلَّ يزعم أنّه أتى بما يضاهي القرآن، فهل تجد فيه إلاّ ما يُضحك الصبيان... ( مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (2) .
ثمّ أخذ في بيان أوجه إعجازهنّ:
أوّلاً: ارتفاع فصاحته واعتلاء بلاغته، بما لا يدانيه أيّ كلام بشريّ على الإطلاق... وضرب (رحمه الله) لذلك أمثلة من جلائل آياته العظام وأطنب بما بلغ الغاية القصوى.
ثانياً: صورة نظمه العجيب وأُسلوبه الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلّهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر، هكذا اعترف له أفذاذ العرب وفصحاؤهم الأوّلون....
ثالثاً: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيّبات ممّا لم يكن، فكان كما قال، ووقع كما أَخبر، في آياتٍ كثيرةٍ معروفة.
رابعاً: ما أنبأ من أخبار القرون السالفة والأُمم البائدة والشرائع الداثرة، ممّا كان لا يَعلم به إلاّ الفذّ من أحبار أهل الكتاب في صورة ناقصة ومشوّهة، فأتى به القرآن على وجهه الناصع المضيء، بما يشهد صدقَه وصحّتَه كلّ عالم وجاهل، في حين أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يقرأ ولم يكتب، ولم يعهد دراسته لأحوال الماضين.
وأخيراً، أتمّ كلامه ببيان البلاغة وشأنها الرفيع وشأوها البعيد، وأنّ العرب مهما أُوتوا من إحكام مبانيها وإتقان رواسيها فإنّ القرآن هو الذي روّج من هذا الفنّ وأشاد من منزلته، بل وعرّف البلغاء البلاغة والكتابة والبيان، وبذلك أسدى
____________________
(1) تلدّد: تلجلج وأفحم عن التكلّم.
(2) الحج: 74.
إلى العربية جسيم نعمه، وأسبغ عليها عميم رحمة وفضل وكرامة (1) .
وفي تعقيب كلامه تعرّض لشبهات هي نزعات بل نزغات، سوف نعرضها في مجالها المناسب الآتي إن شاء الله.
6 - الحجّة البلاغي:
وللحجّة البلاغي الشيخ محمّد جواد - صاحب تفسير (آلآء الرحمان) - اختيار مذهب السلف في وجه الإعجاز، فقد خصّ العرب بجانب بيانه السحري العجيب في مثل نظمه البديع وأُسلوبه الغريب وإن اشتركوا مع سائر الناس بوجوه أُخرى غيره.
منها: سرده حوادث تاريخية ماضية كانت معروفة في كتب السالفين بوجه محرّف، فجاء بها القرآن نقيةً لامعة، ممّا لا يمكن الإتيان به من مثل النبيّ الأُمّيّ العربيّ.
ومنها: احتجاجاته المضيئة وبراهينه الحكيمة، التي كشفت النقاب عن حقائق ومعارف كانت خفية ومستورة لذلك العهد، حجبتها ظلمات الضلال المتراكمة في تلك العصور المظلمة، تلك الظلمات التي استولت على أرجاء العالم.
ومنها: استقامة بيانه وسلامته من النقض والاختلاف: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) (2) ، ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (3) .
فقد خاض القرآن في فنون المعارف وشتّى العلوم ممّا يتخصّص به الممتازون من علماء البشر، فقد طرق أبواب الفلسفة والسياسة والإدارة وأصلح من علم اللاهوت والأخلاق والسُنن والآداب، وأتى بالتشريع المدني والنظام الإداري والفنّ الحربي، وأرشد وذكّر ووعظ، وهدّد وأنذر، في أحسن أُسلوب
____________________
(1) راجع الدين والإسلام: ج2، ص53 - 127.
(2) الإسراء: 9.
(3) النساء: 82.
وأقوم منهج وأبلغ بيان، لم تشنه زلّة ولم تنقضه عثرة، ولا وهن ولا اضطرب ولا سقط في حجة وبرهان، الأمر الذي لا يمكن صدوره من مثل إنسان عاش في تلك البيئة الجاهلة البعيد عن معالم الحضارة وأُسس الثقافات.
ومنها: إعجازه من وجهة التشريع العادل ونظام المدنية الراقية، ممّا يترفّع بكثير عن مقدرة البشر الفكرية والعقلية ذلك العهد، ولا سيّما إذا قارنّاه مع شرائع كانت دارجة في أوساط البشر المتديّنة أو المتمدّنة فيما زعموا.
ومنها: استقصاؤه للأخلاق الفاضلة ومبادئ الآداب الكريمة، ممّا كانت تنبو عن مِثل تلك العادات والرسوم التي كانت سائدةً إلى ذلك العهد.
ومنها: إخباراته الغيبية وإرهاصاته بتحكيم هذا الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض في صراحة ويقين.
قال: هذا شيء قليل من البيان في الوجهات المذكورة، وهَب أنّ الوساوس تقتحم على الحقائق وتُخالط الأذهان بواهيات الشكوك، ولكن الزَبد يَذهب جفاءً فأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، وهل يسوغ لذي شعور أن يختلج في ذهنه الشكّ بعد هذا في إعجاز القرآن؟ وهو الكتاب الجامع بفضيلته لهذه الكرامات الباهرة، وخروجه عن طوق البشر مطلقاً، وخصوماً في ذلك العصر وفي تلك الأحوال، وهل يسمح عقله إلاّ بأن يقول: ( إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1) وصدق الله العظيم (2) .
7 - العلاّمة الطباطبائي:
وهكذا ذهب سيّدنا الطباطبائي مذهب شيخه البلاغي في وجوه الإعجاز، قال: وقع التحدّي الصريح بوجه عامّ، ولم يخصّ جانب بلاغته فحسب ليختصّ بالعرب العرباء أو المخضرمين قبل أن يفسد لسانهم بالاختلاط مع الأجانب، وكذا
____________________
(1) النجم: 4.
(2) راجع تفصيل ما اقتضبناه من مقدّمة تفسيره (آلاء الرحمان): ص3 - 16.
كلّ صفة خاصّة اشتمل عليها القرآن، كالمعارف الحقيقة والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعية، وإخباره بالمغيّبات وغيرها ممّا لم تبلغها البشرية ولم يمكنها بلوغ كنهها إطلاقاً، فالتحدّي يشمل الجميع، وفي جميع ما يمكن فيه التفاضل من الصفات.
فالقرآن آية للبليغ في بلاغته، وللحكيم في حكمته، وللعالم في علمه، وللمتشرّعينَ في تشريعاتهم، وللسياسيّين في سياساتهم، وللحكّام في أحكامهم وقضاياهم، ولجميع أرباب الفنون والمعارف فيما لا يبلغون مداه ولا ينالون قصواه.
وهل يجترئ عاقل أن يأتي بكتاب يدّعي فيه هدىً للعالمين وإخباراً عن الغيب، ويستطرق أبواباً مختلفة من دون ما اختلافٍ أو تناقضٍ أبداً، فلا يشكّ لبيب أنّ تلك مزايا كلّها فوق مستطاع البشرية ووراء الوسائل المادّية البحتة.
فقد تحدّى بالعلم والمعرفة الخاصة ( تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ) (1) .
وتحدّى بمَن أُنزل عليه ( قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (2) .
وتحدّى بالإخبار بالغيب ( تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ ) (3) .
وتحدّى بعدم الاختلاف ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) .
وتحدّى ببلاغته ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ ) (4) .
وقد مضت القرون والأحقاب ولم يأتِ بما يناظره آتٍ ولم يعارضه أحد
____________________
(1) النحل: 89.
(2) يونس: 16.
(3) هود: 49.
(4) هود: 13 و14.
بشيء إلاّ أخزى نفسه وافتضح في أمره (1) .
8 - السيد الخوئي:
وعلى نفس المنهج ذهب سيّدنا الأُستاذ الخوئي دام ظلّه، وإذ قد عرفت أنّ القرآن معجزة إلهية، في بلاغته وأُسلوبه، فاعلم أنّ إعجازه لا ينحصر في ذلك، بل هو معجزة ربّانية، وبرهان صدق على النبوّة من جهات شتّى: من جهة اشتماله على معارف حقيقية نزيهة عن شوائب الأوهام والخرافات، التي كانت رائجة ذلك العهد، ولا سيّما عند أهل الكتاب، ومن جهة استقامته في البيان وسلامته عن الاختلاف، مع كثرة تطرّقه لمختلف الشؤون، وتكرّر القَصص والحِكم فيه مع الاشتمال كلّ مرّة على حكمة ومزيّة فيها لذّة ومتعة، ومن جهة ما أتى به من نظام قويم وتشريع حكيم، ومن جهة إتقانه في المعاني وإحكامه في المباني، ومن جهة إخباره عن مغيّبات وأنباء عمّا سلف أو يأتي وظهور صدقه للملأ، وكذا من جهة اشتماله على بيان أسرار الخليقة ممّا يرتبط وسنن الكون ونواميس الطبيعة، ممّا لا سبيل إلى العلم به ولا سيّما في ذلك العهد.
وأخيراً قال دام ظلّه: بل أعود فأقول: إنّ تصديق مثل أمير المؤمنين علي (عليه السلام) - وهو بطل العلم والمعرفة والبيان - لإعجاز القرآن لشاهد صدقٍ على أنّه وحيُ إلهي، تصديقاً حقيقياً مطابقاً للواقع وناشئاً عن الإيمان الصادق، وهو الحقّ المطلوب (2) .
* * *
____________________
(1) راجع الميزان في تفسير القرآن: ج1، ص57 - 67.
(2) البيان في تفسير القرآن: المقدّمة ص43 - 91.
هناك قول في وجه الإعجاز - لعلّه يخالف رأي الجمهور - هو: أنّ الآية والمعجزة في القرآن إنّما هي لجهة صرف الناس عن معارضته، صرفَهم الله تعالى أن يأتوا بحديث مثله، وأمسك بعزيمتهم دون القيام بمقابلته، ولولا ذلك لاستطاعوا الإتيان بسورة مثله، وهذا التثبيط في نفسه إعجاز خارق للعادة، وآية دالّة على صدق نبوّته (صلّى الله عليه وآله).
وهذا المذهب فضلاً عن مخالفته لآراء جمهور العلماء فإنّه خطير في نفسه، قد يُوجب طعناً في الدين والتشنيع بمعجزة سيد المرسلين (صلّى الله عليه وآله) الطاهرين أن لا آية في جوهر القرآن ولا معجزة في ذاته، وإنّما هو لأمر خارج هو الجبر وسلب الاختيار، وهو ينافي الاختيار الذي هو غاية التشريع والتكليف، وغير ذلك من التوالي الفاسدة (1) .
____________________
(1) قال الرافعي - بشأن الآثار السيّئة التي خلّفها القول بالصِّرفة -: على أنّ القول بالصِّرفة هو المذهب الناشئ من لدن قال بن النظّام، يصوّبه فيه قوم ويشايعه عليه آخرون، ولولا احتجاج هذا البليغ لصحّته وقيامه عليه وتقلّده أمره لكان لنا اليوم كتب ممتعة في بلاغة القرآن وأسلوبه وإعجازه اللغوي وما إلى ذلك، ولكن القوم عفا الله عنهم أخرجوا أنفسهم من هذا كلّه، وكفوها مؤونته بكلمة واحدة تعلّقوا عليها، فكانوا فيها جميعاً كقول هذا الشاعر الظريف =
الأمر الذي استدعى تفصيل الكلام حوله والتحقيق عن جوانبه بما يتناسب مع وضع الكتاب.
حقيقة مذهب الصرف:
الصَّرف: مصدر (صرفه) بمعنى ردّه، والأكثر استعماله في ردّ العزيمة، قال تعالى: ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ ) (1) .
قال السيّد شبّر: أي عن إبطال دلائلي، ومعناه - كما ذكره الطبرسي في المجمع -: سأفسخ عزائمهم على إبطال حججي بالقدح فيها وإمكان تكذيبها؛ وذلك بوفرة الدلائل الواضحة والتأييد الكثير، بما لا يدع مجالاً لتشكيك المعاندين ولا ارتياب المرتابين، كما يقال: فلان أخرسَ أعداءه عن إمكان ذمّه والطعن فيه، بما تحلّى من أفعاله الحميدة وأخلاقه الكريمة.
ومنه قوله تعالى - بشأن المنافقين -: ( ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ) (2) وهذا دعاء عليهم بصرف قلوبهم عن إرادة الخير؛ لكونهم قوماً حاولوا التعمية على أنفسهم فضلاً عن الآخرين..
* * *
وعلى ذلك فقد اختلفت الأنظار في تفسير مذهب الصرف على ما أراده أصحابه، قال الأمير يحيى بن حمزة العلوي الزيدي (توفّي سنة 749 هـ): واعلم أنّ قول أهل الصرفة يمكن أن يكون له تفسيرات ثلاثة، لما فيه من الإجمال وكثرة الاحتمال.
التفسير الأوّل: أن يُريدوا بالصرفة أنّ الله تعالى سلب دواعيهم إلى المعارضة
____________________
= الذي يقول:
كأَنّنا والماء من حولنا |
قومٌ جلوس حولهم ماء |
(الإعجاز: ص146).
(1) الأعراف: 146.
(2) التوبة: 127.
مع أنّ أسباب توفّر الدواعي في حقّهم حاصلة من التقريع بالعجز، والاستنزال عن المراتب العالية والتكليف بالانقياد والخضوع، ومخالفة الأهواء.
التفسير الثاني: أن يريدوا بالصرفة أنّ الله تعالى سلبهم العلوم التي لابدّ منها في الإتيان بما يشاكل القرآن ويقاربه.
ثمّ أنّ سلب العلوم يمكن تنزيله على وجهين:
أحدهما أن يقال : إنّ تلك العلوم كانت حاصلة لهم على جهة الاستمرار لكن الله تعالى أزالها عن أفئدتهم ومحاها عنهم.
وثانيهما أن يقال : إنّ تلك العلوم ما كانت حاصلةً لهم: خلا أنّ الله تعالى صرف دواعيهم عن تجديدها مخافةَ أن تحصل المعارضة.
التفسير الثالث: أن يراد بالصرفة أن الله تعالى منعهم بالإلجاء على جهة القسر عن المعارضة مع كونهم قادرين وسلب قُواهم عن ذلك؛ فلأجل هذا لم تحصل من جهتهم المعارضة، وحاصل الأمر في هذه المقالة: أنّهم قادرون على إيجاد المعارضة للقرآن، إلاّ أنّ الله تعالى منعهم بما ذكرناه... (1) .
وحاصل الفرق بين هذه التفاسير الثلاثة، أنّ الصرف على الأَوّل: عبارة عن عدم إثارة الدواعي الباعثة على المعارضة، كانوا مع القدرة عليها، ووفرة الدواعي إليها، خائري القُوى وخاملي العزائم عن القيام بها، وهذا التثبيط من عزائمهم وصرف إراداتهم كان من لطيف صنعه تعالى، ليظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون.
وعلى التفسير الثاني: كانوا قد أعوزتهم عمدة الوسائل المُحتاج إليها في معارضة مثل القرآن، وهي العلوم والمعارف المشتمل عليها آياته الحكيمة، حتّى إنّهم لو كانت عندهم شيء منها فقد أُزيلت عنهم ومُحيت آثارها عن قلوبهم، أَو لَم تكن عندهم ولكنّهم صُرفوا عن تحصيلها من جديد خشيةَ أن تقوم قائمتهم بالمعارضة.
وعلى الثالث: أنّ الدواعي كانت متوفّرة، والأسباب والوسائل المحتاج إليها
____________________
(1) الطراز: ج3، ص391 - 392.
للمعارضة كانت حاضرةً لديهم، لكنّهم مُنعوا عن القيام بالمعارضة منع إلجاءٍ، وقد أمسك الله بعنان عزيمتهم قهراً عليهم رغم الأُنوف.
قلت: والعقول من هذه التفاسير - نظراً لموقع أصحاب هذا الرأي من الفضيلة والكمال - هو التفسير الوسط، لكن بمعنى أنّهم افتقدوا وسائل المعارضة لقصورهم بالذات من جانب، وشموخ موضع القرآن من جانب آخر.. ومن المحتمل القريب إرادة هذا المعنى، حسبما جاء في عرض كلامهم ولا سيّما في كلام الشريف المرتضى ما ينبّه عليه.
وهكذا رجّح ابن ميثم البحراني (توفّي سنة 699 هـ) إرادة هذا المعنى من كلام السيّد، قال: وذهب المرتضى (رحمه الله) إلى أنّ الله تعالى صرف العرب عن معارضته، وهذا الصرف يُحتمل أن يكون لسلب قُدَرهم، ويُحتمل أن يكون لسلب دواعيهم، ويُحتمل أن يكون لسلب العلوم التي يتمكّنون بها من المعارضة، نقل عنه أنّه اختار هذا الاحتمال الأخير (1) .
وقد تنظّر سعد الدين التفتازاني (توفّي سنة 793 هـ) في صحّة التفاسير الثلاثة جميعاً، قال: الصرفة إمّا بسلب قدرتهم، أو بسلب دواعيهم، أو بسلب العلوم التي لابدّ منها في الإتيان بمثل القرآن، بمعنى أنّها لم تكن حاصلةً لهم، أو بمعنى أنّها كانت حاصلةً فأزالها الله.
قال: وهذا (الأخير الذي هو أوسط التفاسير) هو المختار عند المرتضى، وتحقيقه أنّه كان عنده العلم بنظم القرآن والعلم بأنّه كيف يؤلّف كلام يساويه أو يدانيه، والمعتاد أنّ مَن كان عنده هذان العِلمان يتمكّن من الإتيان بالمثل، إلا أنّهم كلّما حاولوا ذلك أزال الله تعالى عن قلوبهم تلك العلوم، وفيه نظر... (2) .
قال عبد الحكيم السيالكوتي الهروي - في تعليقته على شرح المواقف بعد نقل
____________________
(1) قواعد المرام: ص132.
(2) شرح المقاصد: ج2، ص184.
كلام التفتازاني هذا -: لعلّ وجه النظر استبعاد بعض الأقسام، أو كون سلب القدرة عبارة عن سلب العلوم (1) .
وعلى أيّ حال، فالأجدر هو النظر في تفاصيل مقالاتهم، ماذا يريدون؟
مقالة أبي إسحاق النظّام (2) :
لم نعثر على مقالته بالتفصيل، سِوى ما ينقل عنه هنا وهناك من مقتطفات،
____________________
(1) شرح المواقف (بالهامش): ج3، ص112.
(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيّار بن هاني البصري ابن أُخت أبي الهذيل العلاّف شيخ المعتزلة (توفّي سنة 231هـ9، كانت له معرفة بالكلام وكان رأساً في الاعتزال، وكان له آراء تخصّه، منها رأيه في الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) نَصّ عليه بالإمامة وكتمته الصحابة، ورفض حجّية الإجماع، وقال: الحجّة هو نصّ المعصوم، وقد اشتهر قوله في أمر المؤمنين: علي بن أبي طالب (عليه السلام) محنة على المتكلّم، إن وفى حقّه غلا! وإن بخسه حقّه أساء، والمنزلة الوسطى دقيقة الوزن، حائرة الشأن، صعب المراقي إلاّ على الحاذق الديّن... نقله صاحب المناقب. وذكر الشهرستاني ميله إلى التشيّع ورفضه بِدع الطواغيت، قائلاً: لا إمامة إلاّ بالنصّ والتعيين ظاهراً مكشوفاً، وقد نصّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) على عليّ (عليه السلام) في مواضع، وأظهره إظهاراً لم يشتبه على الجماعة، إلاّ أنّ عمر كَتم ذلك لصالح أبي بكر يوم السقيفة، ونَسب إلى عمر شكّة في الرسالة وقال: إنّه هو الذي ضرب فاطمة (عليها السلام) يوم هجم على دارها لأخذ البيعة من عليّ، وكان مُتحصّناً في الدار، فجاءت فاطمة لتحول دون هجومه عليها فأصاب بطنها فأسقطت جنينها (محسناً)، وكان عمر يومذاك يصيح: احرقوا دارها بمَن فيها، وكان في الدار الحسنان سبطا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)... إلى آخر ما سرده من مطاعن ابن الخطّاب. (الملل والنحل: ج1، ص57).
قلت: ويتأيّد قوله في قضيّة الدار بما ذَكره ابن عبد ربّه - في (العقد الفريد): ج3، ص62 الطبعة الثانية القاهرة المطبعة الأزهرية (1346هـ - 1928م) في الباب الرابع عشر (في الخلفاء وتواريخهم وأخبارهم) في الذين تخلّفوا عن بيعة أبي بكر (وهم عليّ والعبّاس والزبير وسعد بن عبادة)... قال: فأمّا علي والعبّاس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتّى بعث إليهم أبو بكر عمر بن الخطّاب ليخرجهم من البيت، وقال: إن أبوا فقاتلهم، فأقبل عمر بقبس من نار، على أن يُضرم عليهم الدار، فلقيته فاطمة فقالت: يا ابن الخطّاب أَجئت لتُحرق دارنا؟ قال عمر: نعم، أَو تدخلوا فيما دخلت فيه الأُمّة... فخرج عليّ حتّى دخل على أبي بكر فبايعه. =
منها ما ذكره عبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني (توفّي سنة 651هـ)، قال:
____________________
= وما ذكره ابن قتيبة - في كتابه (الإمامة والسياسة): ج1، ص19 تحقيق طه محمّد الزيني، في باب (كيف كانت بيعة عليّ بن أبي طالب) - قال: وإنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار عليّ، فأبوا أن يخرجوا. فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأُحرقنّها على مَن فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إنّ فيها فاطمة! فقال: وإن، فخرجوا فبايعوا إلاّ علياً؛ لأنّه حلف أن لا يضع ثيابه على عاتقه حتّى يجمع القرآن، فوقفت فاطمة (عليها السلام) على بابها فقالت: (لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) جنازةً بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا ولم تردّوا لنا حقّاً!) فأتى عمر أبا بكر، فقال له: أَلا تأخذ هذا المتخلّف عنك بالبيعة؟! - يريد علياً (عليه السلام) - فأرسل أبو بكر قنفذاً مولاه ليُبلغه دعوته، فأبى عليّ (عليه السلام) أن يخرج، فكرّر عليه حتّى رفع عليّ صوته، فقال: (سبحان الله، لقد ادّعى ما ليس له)، فرجع قنفذ، ثمّ قام عمر ومشى معه جماعة حتّى أتوا باب فاطمة فدقّوا الباب، فلمّا سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها: (يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة!) فلمّا سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر، وبقي عمرو معه قوم (من الرجّالة) فأخرجوا عليّاً فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: (إن أنا لم أفعل فمه؟) قالوا: إذاً والله نضرب عنقك، فقال: (إذاً تقتلون عبد الله وأخا رسوله؟) قال عمر: أمّا عبد الله فنعم، وأمّا أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلّم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟ فقال: لا أكرهه على شيء ما كانت فاطمة إلى جنبه، ثمّ انطلقا إلى فاطمة وقالا: إنّا قد أغضبناها فاستأذنّا عليها، فلم تأذن لهما فأتيا علياً فكلّماه فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها، فلم تردّ عليهما السلام... إلى آخر ما جرى بينها (عليها السلام) وبينهما.
وقال المسعودي: وكان عروة بن الزبير يعذر أخاه عبد الله في حصر بني هاشم في الشعب، وجمعه الحطب ليحرقهم، ويقول: إنّما أراد بذلك إن لا تنتشر الكلمة، ولا يختلف المسلمون، وأن يدخلوا في الطاعة، فتكون الكلمة واحدة، كما فعل عمر بن الخطّاب ببني هاشم لما تأخروا عن بيعة أبي بكر، فإنّه أحضر الحطب ليحرق عليهم الدار. (شرح النهج لابن أبي الحديد: ج20، ص147، عن مروج الذهب: ج3، ص86).
ونقل أبو جعفر عن بعض الزيدية احتجاجاً جاء فيه: وصار كشف بيت فاطمة والدخول عليها منزلها وجمع حطب ببابها وتهدّدها بالتحريق من أَوكد عُرى الدين! (شرح النهج: ج20 ص 17).
الأكثر على أنّ نظم القرآن معجز، خلافاً للنظّام، فإنّه قال: إنّ الله سبحانه صرف العرب عن معارضته وسلب علومهم، إذ نثرهم ونظمهم لا يخفى ما فيه من الفوائد، ومِن ثَمّ قالوا: ( لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ ) (1) وهذا على حدّ ما جعل الله سلب زكريّا عليه أفضل السلام النطق ثلاثة أيّام من غير علّة آيةً، أو أنّهم لم يحيطوا به علماً على ما قال تعالى: ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) (2) (3) .
يبدو من ذلك أنّه أراد المعنى الثاني من التفاسير الثلاثة، وهو سلب العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة، أو فقدهم لتلك العلوم، حسبما نبّه عليه في آخر مقاله متمسّكاً بقوله تعلى: ( بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) .
لكن جاء في شرح المواقف للسيّد شريف الجرجاني (توفّي سنة 816 هـ) ما يبدو منه خلاف ذلك وأنّه أراد المعنى الأَوّل. قال الشريف: معنى الصرفة: أنّ العرب كانت قادرةً على كلام مثل القرآن قبل البعثة لكنّ الله صرفهم عن معارضته. واختلف في كيفية الصرف، فقال الأستاذ أبو إسحاق النظّام: صرفهم الله عنها مع قدرتهم عليها، وذلك بأن صرف دواعيهم إليها مع كونهم مجبولين عليها، خصوصاً عند توفّر الأسباب الداعية في حقّهم كالتقريع بالعجز والاستنزال عن الرئاسات والتكليف بالانقياد، فهذا الصرف خارق للعادة، فيكون معجزاً.
وأمّا إرادة سلب العلوم فنسبه إلى المرتضى عَلَم الهدى، قال: وقال المرتضى: بل صرفهم بأن سلبهم العلوم التي يحتاج إليها في المعارضة، يعني أنّ المعارضة والإتيان بالمثل يحتاج إلى علوم يُقتدر بها عليها، وكانت تلك العلوم حاصلة لكنّه تعالى سلبها عنهم فلم يبقَ لهم قدرة عليها (4) .
____________________
(1) الأنفال: 31.
(2) يونس: 39.
(3) البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن: 53.
(4) شرح المواقف: ج 3 ص 112، والمتن للقاضي عضد الإيجي توفّي سنة 756.
وفي مقالات الإسلاميّين لأبي الحسن الأشعري (توفّي سنة 330 هـ) تصريح بأنّه المعنى الثالث، وهو المنع بالإلجاء والقهر، قال: وقال النظّام: الآية والأُعجوبة في القرآن ما فيه من الإخبار عن الغيوب، فأمّا التأليف والنظم فقد كان يجوز أن يقدر عليه العباد لولا أنّ الله منعهم بمنع وعَجز أحدثهما فيهم (1) .
وأمّا عبد الكريم الشهرستاني فقد خلط بين المعنى الأَوّل والأخير، قال: التاسعة: قوله في إعجاز القرآن، أنّه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية والآتية، ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة، ومنع العرب عن الاهتمام به جبراً وتعجيزاً. حتّى لو خلاّهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغةً وفصاحةً ونظماً (2) .
غير أنّ الأرجح في النظر هو ما ذكره القاضي عضد الإيجي والسيّد شريف الجرجاني في تفسير مذهبه، فقد فصلا رأيه عن رأي الشريف المرتضى القائل بسلب العلوم، والتفصيل قاطع للشركة - على ما قيل -.
ويتأيّد هذا المعنى أيضاً بما جاء في عرض كلام تلميذه المتأثّر برأيه أبي عثمان الجاحظ (3) ، قال: ورفع الله من أوهام العرب وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن... (4) .
مذهب الشريف المرتضى:
المعروف من مذهب الشريف المرتضى (المتوفّى سنة 436 هـ) في الإعجاز هو القول بالصِّرفة، نسبه إليه كلّ من كَتب في هذا الشأن، قولاً واحداً، وكذا شيخه أبو عبد الله المفيد (المتوفّى سنة 413 هـ) في أحد قوليه (5) ، وتلميذه أبو جعفر
____________________
(1) مقالات الإسلاميّين: ج 1 ص 296.
(2) الملل والنحل: ج 1 ص 56 - 57.
(3) هو الكاتب أبو عثمان عمرو بن بحر، كان من غلمان النظّام، وتعلّم عليه، توفّي سنة 255 هـ
(4) كتاب الحيوان: ج 4 ص 31.
(5) قال بذلك - في كتابه (أوائل المقالات: ص 31) جاء فيه -: إنّ جهة ذلك هو الصرف من الله
الطوسي (المتوفّى سنة 460 هـ) في كتابه (تمهيد الأُصول) الذي وضعه شرحاً على القسم النظري من رسالة (جمل العلم والعمل) تصنيف المرتضى، لكنه رجع عنه في كتابه (الاقتصاد بتحقيق مباني الاعتقاد) كتبه متأخّراً، واعتذر عنه تأييده للسيّد في شرح الجمل باحتشام رأي شيخه عند شرح كلامه.
قال: كنت نصرتُ في شرح الجمل (تمهيد الأُصول) القول بالصِّرفة، على ما كان يذهب إليه المرتضى (رحمه الله)، حيث شرحت كتابه فلم يحسن خلاف مذهبه (1) .
وأمّا تلميذه الآخر، أبو الصلاح تقيّ الدين الحلبي (المتوفى سنة 447 هـ) فقد سار على منهج الأستاذ وارتضاه وجعله الأوجه من وجوه إعجاز القرآن، واستدلّ بما يكون تلخيصاً لدلائل السيّد، ولم يزد عليه (2) .
* * *
____________________
تعالى لأهل الفصاحة واللسان عن معارضة النبيّ بمثله في النظام عند تحدّيه لهم، وجعل انصرافهم عن الإتيان بمثله، وإن كان في مقدورهم، دليلاً على نبوّته (صلّى الله عليه وآله)، واللطف من الله تعالى مستمرّ في الصرف عنه إلى آخر الزمان. وهذا من أوضح برهان في الإعجاز وأعجب بيان، وهو مذهب النظّام، وخالف فيه جمهور أهل الاعتزال.
غير أنّ المعروف عنه في كتب الإمامية هو مواكبته مع جمهور العلماء. قال المجلسي - (في البحار: ج 17 ص 224) في إعجاز أُمّ المعجزات القرآن الكريم -: وأمّا وجه إعجازه فالجمهور من العامّة والخاصّة ومنهم الشيخ المفيد قدّس الله روحه على أنّ إعجاز القرآن بكونه في الطبقة العليا من الفصاحة، والدرجة القصوى من البلاغة، هذا مع اشتماله على الإخبار عن المغيّبات الماضية والآتية، وعلى دقائق العلوم الإلهية، وأحوال المبدأ والمعاد، ومكارم الأخلاق، والإرشاد إلى فنون الحكمة العلمية والعملية، والمصالح الدينيّة والدنيويّة، على ما يظهر للمتدبّرين.
وهكذا ذكر عنه القطب الراوندي - (في الخرائج والجرائح): ص 269) قال بعد أن جعل الوجه الأوّل وهو القول بالصرفة قولاً للسيّد المرتضى -: والثاني: ما ذهب إليه الشيخ المفيد، وهو أنّه كان معجزاً من حيث اختصّ برتبة في الفصاحة خارقة للعادة...
(1) الاقتصاد: ص 173.
(2) في كتابه (تقريب المعارف) الذي وضعه في أُصول المعتقدات: ص 105 - 108.
ويبدو من كلام السيد - وفيما نُقل عنه الشيخ وغيره - (1) أنّه أراد المعنى الوسط من التفاسير المتقدّمة عن صاحب الطراز، وهو: أنّ العرب سُلبوا العلوم التي يحتاج إليها في معارضة مثل القرآن، فخامةً وضخامةً، في وجازة اللفظة وظرافته، في سمّو معناه ورفعته... من أين كانت العرب تأتي بمثل معانيه حتّى ولو فرض قدرتها على صياغة مثل لفظه ولو يسيراً؟!
ومعنى السلب: عدم المنح، على ما سبق في تفسير الآية الكريمة: ( ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون ) (2) وكذا قوله تعالى: ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ ) (3) أي أنّهم لفرط جهلهم وصمودهم في رفض الحقّ، حُرموا من فيضه تعالى فلم يَحظوا ببركات رحمته: ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) (4) وذلك هو الخذلان والحرمان المقيت.
قال الطبرسي: (سَلب قدرتهم على التكذيب، بمعنى توفير الدلائل والبراهين القاطعة بحيث لا تدع مجالاً للشك فضلاً عن الردّ وإمكان التكذيب)، ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ) (5) .
فقد توفّرت المعاني الضخمة وازدحمت المعارف الجليلة بين أحضان القرآن الكريم، بما بهر العقول وطار بالألباب، الأمر الذي سلب قدرة المعارضة عن أيّ معارض متى رامها، ولم يدع مجالاً للتفكير في مقابلته لأيّ صنديد عنيد، مادام هذا الكتاب العزيز قد شمخ بأنفه على كلّ مستكبر جبّار عارض طريقه إلى الإمام!!
* * *
فلعلّ الشريف المرتضى أراد هذا المعنى، وأنّ اللفظ مهما جلّ نظمه وعزّ
____________________
(1) وتقدّم أيضاً في ص 78 عن ابن ميثم في رسالته قواعد المرام في علم الكلام: ص 132.
(2) التوبة: 127.
(3) الأعراف: 146.
(4) الصفّ: 5.
(5) البقرة: 2.
سبكه، فإنّه لا يبلغ مرتبة المعنى في جلاله وكبريائه، والتحدّي إنّما وقع بهذا الأهمّ الأَشمل، قال: فإن قال: الصرف عمّاذا وقع؟ قلنا: عن أن يأتوا بكلام يساوي أو يقارب القرآن في فصاحته وطريقة نظمه، بأن سلب كلّ من رام المعارضة العلومَ التي تتأتّى بها من ذلك، فإنّ العلوم التي بها يُتمكّن من ذلك ضرورةً مِن فعله تعالى بمجرى العادة (1) .
تأمّل هذه العبارة وأَمعن النظر فيها:، تجدها صريحة تقريباً في إرادة القدرة العلمية، التي هي حكمة إلهية يهبها لمَن يشاء من عباده ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ) (2) ، فهؤلاء حُرموها؛ مغبّة لجاجهم وعنادهم مع الحقّ.
وهكذا فهم الأُستاذ الرافعي تفسير مذهب السيّد في الصرفة، قال: وقال المرتضى من الشيعة: بل معنى الصرفة أنّ الله سلبهم العلوم... التي يُحتاج إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن... فكأنّه يقول: إنّهم بلغاء يقدرون على مثل النظم والأسلوب، ولا يستطيعون ما وراء ذلك ممّا لبسته ألفاظ القرآن من المعاني؛ إذ لم يكونوا أهل علم ولا كان العلم في زمنهم (3) .
ومن قبلُ قال التفتازاني: أو بسلب العلوم التي لابدّ منها في الإتيان بمثل القرآن، بمعنى أنّها لم تكن حاصلةً لهم، أو بمعنى أنّها كانت حاصلةً فأزالها الله، قال: وهذا (سلب العلوم) هو المختار عند المرتضى (4) .
قلت: ظاهر قول المرتضى هو الشقّ الأوّل من المعنيينِ: (أنّها لم تكن حاصلة لهم).
وللأستاذ توفيق الفكيكي البغدادي محاولة مشكورة بشأن الدفاع عن موقف السيّد في مذهب الصرفة، إذ استبعد أن يأخذ مثل الشريف المرتضى - وهو عَلَم الهدى - موضعاً يبتعد عن موضع الشيعة الإمامية وإجماع محقّقيهم وهو رأسهم
____________________
(1) بنقل الشيخ في التمهيد.
(2) البقرة: 269.
(3) إعجاز القرآن: ص 144.
(4) شرح المقاصد: ج 2 ص 184.
وسيّدهم، وكذا شيخه أبو عبد الله المفيد الذي هو أستاذ الكلّ ومفخر المتكلّمين.
قال: إنّ أقوال أئمّة الإمامية المعتمدة المعتبرة لا تختلف عن كلام أهل التحقيق من أساطين العلم وزعماء البيان في حقيقة الإعجاز، حتّى لقد اشتهر قولهم: (القول بالصدفة كالقول بالصرفة) في الامتناع، كما نبّه عليه العلاّمة الحجة الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء (1) .
قال: فنسبة القول بالصرفة - بمعناها الباطل - إلى العلاّمة الجليل (المفيد) والى تلميذه (الشريف المرتضى) لا يحتملها النظر الصحيح بعد كون هذا الاحتمال مخالفاً لعقيدة الشيعة الإمامية ولأصول مبانيها.
قال: والذي نحتمله بل ونعتقده أنّ الشيخ المفيد معروف بقوّة الجدل والتمرّس بفنون المناظرة، وكان كسقراط يُلقي على تلاميذه مسائل دقيقة ويناقشهم فيها لاختبار عقولهم، ولا سيّما شبهات المعتزلة كآراء النظّام وأصحابه القائلين بالصرفة، وهي إحدى المسائل التي ناظر بها أقطاب المعتزلة، فلعلّه وقع في نفوس البعض أنّه يقول بها، وهو اشتباه لا يستند إلى تحقيق (2) .
وهكذا احتمل العلاّمة السيد هبة الدين الشهرستاني بشأن الشريف المرتضى أنّه كان معروفاً بقوّة الجدل والتحوّل في حوار المناظرين إلى هنا وهناك، فلم يُعلم كونها عقيدةً له ونظريّةً ثابتاً عليها (3) .
وبعد، فالإيفاء بأمانة البحث يستدعي نقل كلام المرتضى بكامله، حسبما وصل إلينا من كتبه وعن طريق تلميذه الأكبر الطوسي وغيره من الأقطاب.
* * *
قال السيّد - في كتابه (الجمل) في باب ما يجب اعتقاده في النبوّة -: وقد دلّ
____________________
(1) في موسوعته القيّمة (الدين والإسلام): ج 2 ص 137.
(2) رسالة الإسلام: القاهرية السنة الثالثة، العدد 3 ص 300 - 301.
(3) المعجزة الخالدة: ص 97 - 98.
الله تعالى على صِدق رسوله محمّد (صلّى الله عليه وآله) بالقرآن؛ لأنّ ظهوره معلوم ضرورة، وتحدّيه العرب والعجم معلوم أيضاً ضرورة، وارتفاع معارضته أيضاً بقريب من الضرورة، فإنّ ذلك التعذر معلوم بأدنى نظر؛ لأنّه لولا التعذّر لعورض، فأمّا أن يكون القرآن من فعله تعالى على سبيل التصديق له فيكون هو العلم المعجز، أو يكون تعالى صرف القوم عن معارضته، فيكون الصرف هو العلم الدالّ على النبوّة، وقد بيّنا في كتاب (الصرف) الصحيح من ذلك وبسطناه (1) .
وقد أوضح السيّد جانباً من مذهبه، في أجوبة المسائل الرسيّة، عندما تعرّض لسؤال القائل: إنّكم تقولون إنّ وجه الإعجاز هو الصرفة، والعلم به مفتقر إلى معرفة مراتب الفصاحة لكي يَعرف الناظر عدم الفرق البائن بين المُعجز والممكن، الأمر الذي يقتضي توقّف إثبات النبوّة على معرفة العربية المتعذّرة على عامّة المكلّفين، فيلزم على ذلك إبطال النبوّة لا سمح الله.
فأجاب بأنّ هذه الشبهة إنّما خطرت ببال من تصفّح كُتبي وقرأ كلامي في نصرة القول بالصرفة، واعتمادي في نصرتها على أنّ أحداً لا يفرّق بين مواضع من القرآن وبين أفصح كلام للعرب في الفصاحة... فإن كان يفرّق ما بين أفصح كلامهم وأدونه فمحال أن يفرّق بين المتقاربينِ.
والناظر إذا علم أنّ القرآن قد تُحدّي به ولم تقع المعارضة لتعذّرها على العرب فليس ذلك إلاّ أن يكون القرآن قد خرق العادة، إمّا بفصاحته أو بصرف القوم عن معارضته، وأيّ الأمرين كان فقد صحّت المعجزة وثبتت النبوّة، وبعد ذلك لا حاجة إلى معرفة الوجه على سبيل التفصيل.
ثمّ قال: ولكن مَن ليس من أهل العلم بالفصاحة ومراتبها من أعجميّ أو عاميّ، متمكّن من العلم بفصل فصيح الكلام عن غيره، ومرتبته في الفصاحة،
____________________
(1) جمل العلم والعمل للسيّد المرتضى (طبعة النجف 1387 هـ): ص 41، وطُبعت مع المجموعة الثالثة من رسائله راجع ص 19.
بمراجعة أهل الصناعة والسؤال منهم، فيُعلم من ذلك ما تدعو الحاجة إلى علمه، وإن لم يكن هو من أهل الصناعة... وبذلك جاز أن يعلم عدم الفرق البائن بين أفصح كلام للعرب وبين بعض قصار المفصّل في الفصاحة، وحينئذٍ يُعلم أنّ جهة إعجازه هي الصرفة لا فرط فصاحته، فليس إلاّ الصرف (1) .
فذلكة القول بالصرفة:
يتلخّص مذهب الصرفة - على ما قاله وجوه أصحاب هذا الرأي - حسبما يلي:
أوّلاً: قولة النظّام (مبتدع هذه الفكرة) أنّ في نثر العرب ونظمهم ما لا يخفى من الفوائد، يعني: فصاحة بالغة تضاهي فصاحة القرآن، وقد صرّح بذلك الشريف المرتضى، استناداً إلى قوله تعالى - حكاية عن العرب -: ( لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا... ) (2) يدلّ على أنّ العرب حسبت من نفسها القدرة على الإتيان بمثله سبكاً وصياغةً، لولا أنّه تعالى صرف هممهم عن النهوض لمقابلته، وأمسك بعزيمتهم دون القيام بمعارضته.
ثانياً: ربط ابن حزم مسألة الإعجاز بمسألة الجبر في الاختيار، وأن لا ميزة جوهرية في القرآن لولا المنع الخارجي. واستند إلى ما يوجد في القرآن من تفاوت في درجة البلاغة، ومن سرد أسماء زعم أن لا عجيبة في نضدها بما يفوق كلام العرب، كما أنّ فيه حكاية أقوال آخرين لم تكن معجزةً، فلمّا حكاها الله تعالى في القرآن أصارها معجزةً ومنع من مماثلته وحال دون إمكان النطق بمثلها أبداً.
قال: وهذا برهان كافٍ لا يحتاج إلى أزيد منه، وحمد الله أن هداه إلى هذا البرهان الكافي الشافي... لولا أنّ الأستاذ الرافعي سَخر من عقليّته هذه الساذجة،
____________________
(1) المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى: ص 323 - 326 المسألة الثالثة من المسائل الرسيّة الأُولى.
(2) الأنفال: 31.
قائلاً: بل هو فوق الكفاية، وأكثر من ذلك أنّه لمّا جعله ابن حزم رأياً له أصاره كافياً ولا يحتاج إلى مزيد بيان! (1) .
ثالثاً: استند السيّد وأصحابه إلى عدم ظهور فرق بيّن بين قصار السور والمختار من كلام العرب، وإلاّ لما احتيج إلى مراجعة الأذكياء من العلماء.
والنظم لا يصحّ فيه التزايد والتفاضل، كما لا يصحّ معارضة المنثور بالمنظوم، وقاس الخفاجي (2) تلاؤم الكلمات في الجمل بتلاؤم حروف الكلم ليكون خارجاً عن اختيار المتكلّم.
ودليلاً على ذلك قالوا: لا شكّ أنّ العرب كانوا قادرينَ على التكلّم بمثل مفردات الجمل وقصار تراكيبها مثل (الحمد الله) و (ربّ العالمين) وهكذا، فأجدر بهم أن يكونوا قادرين على تراكيب أكبر وجمل أطول.
وأيضاً فإنّ الصحابة الأوّلينَ ربّما تردّدوا في آية أنّها من القرآن، وكذا بعض السور القصار كالمعوّذتين، رفض ابن مسعود كونهما منه! فلو كان النظم والبلاغة هما الكوفيينَ للشهادة على القرآنية فما وجه هذا التوقّف وذلك الترديد أو الرفض؟! (3) .
وأخيراً، قوله تعالى: ( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ ) أي أصرفهم عن إبطالها بالمعارضة... هكذا زعموا.
وقد تقدّم الكلام عليها عند توجيه مذهب السيّد في الصرفة.
مناقشة القول بالصرفة:
تلك دلائل استند إليها أصحاب القول بالصرفة في ظاهر الأمر، لكنّا نعتقد أنّ
____________________
(1) راجع الفصل في الملل والنحل: ج 3 ص 17 - 19، والتمهيد: ج 4 ص 146.
(2) راجع كلامه في سرّ الفصاحة: ص 89 - 90، والتمهيد: ج 4 ص 149.
(3) ذكرهما التفتازاني في شرح المقاصد: ج 2 ص 184.
السبب الداعي لاختيارهم هذا الرأي أمر آخر وراء هذا الظاهر المريب؛ إذ ليس فيما استمسكوا به ما يبعث على هذا الاختيار، ولا سيّما وأصحاب هذا القول هم جهابذة أقحاح وأئمّة نقد وتمحيص، ليسوا أهل تعسّف في الرأي أو وهن في العقيدة والاختيار! ومِن ثَمّ فإنّها دلائل ظاهرية ومعاذير شكلية كان خلفها شيء آخر لعلّه رصين، لأمر مّا جدع قصير أنفه!
نعتقد أنّهم واجهوا أولئك الذين قصروا وجه الإعجاز في جانب لفظ القرآن وحروفه وجودة سبكه وأسلوبه، وهو جانب جدّ خطير، يعلو به شأن الكلام ويرتفع قدره، إلاّ أنّه ليس بمثابةٍ بحيث يخرجه عن حدّ المعتاد غير الممكن على فصحاء الكلام وبلغاء البيان، ففي كلام العرب وغيرهم من أُمَم ذات لغة راقية مقطعات رائعة، من بديع النظم ورفيع النثر ممّا يُبهر ويُعجب!
ونرافقهم في هذا الشأن، غير أنّ جهة الإعجاز البياني للقرآن - على ما سنذكر - لا تنحصر في جودة سبكه وروعة نظمه، والوفير من بدائع المُحسِّنات اللفظية، إنّ هذا كله إنّما هو جزء سبب لروعة القرآن الباهرة، وإنّ وراءه سبباً آخر أقوى هو كامن وراء هذا القالب الجميل، هي: خلاّبة روحه، ونسمة روحه، فخامة معنى في أناقة تعبير، وهما مجتمعانِ وليدان توأمان، الأمر الذي يعزّ وجوده، بل ينعدم في كلام غيره، ولا سيّما مع هذا الإطناب في الكلام والتنوّع في المرام، ميزة خصّ بها القرآن الكريم.
وبعد، فإليك بعض النقاش مع دلائل القوم في ظاهر المقال:
1 - ليس في كلام العرب ما يضاهي القرآن:
فإذا كانت روعة القرآن منبثقةً من تلاحم في جمال لفظه مع جلال معناه، ومن بديع صورته مع كبرياء محتواه، فأين يا ترى يوجد له مثيل في مِثل هذه الرفعة وذلك الشموخ؟! نعم، سوى شؤون كانت مبتذلةً، ومعانٍ كانت هابطةً وساقطة إلى
حدّ بعيد كانوا يتداولونها، ولَمُقارنة عابرة بين آيات من الذكر الحكيم وأروع مقطعات العرب لَتكفي شاهداً على ذلك البون الشاسع!
جاء القرآن بسبكٍ غريبٍ على العرب، وعجيب على الناس أجمعين، لا هو شعر ولا هو نثر كنثرهم، نثر في خاصيّة الشعر، لا هدر سجع، ولا هذر كهانة، حلوٌ رشيق، وخلوبٌ رفيع، إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمثمرٌ أعلاه، مغدقٌ أسفله، إنّه يعلو وما يُعلى، وإنّه ليُحطّم ما تحته! كلام قاله عظيم العرب وخلاصتها الفذّ الفريد الوليد (1) .
كانوا كلّما حاولوا مضاهاته افتضح بهم الأمر وفشلوا في نهاية المطاف، وهكذا على مرّ العصور، الأمر الذي سجّل على محياه الكريم: أنّه لم يبقَ له نظير، ولا يخلفه أبداً بديل!
فإن كان النظّام وأصحابه إنّما أرادوا المضاهاة في مجموع هذه الجوانب والمزايا اللفظية والمعنوية، فنحن نطالبهم أن يأتوا بشاهد من كلام العرب أو غيرهم من باب المثال، ولكنّهم أعجز من أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا له.
وإن أرادوا المباهاة ببدائع بعض روائع الكلام فهذا شيء لا ننكره، ولكنّه ليس
____________________
(1) نعم، نسب إلى الجعد بن درهم (مؤدّب مروان بن محمّد الملقّب بالحمار، آخر خلفاء بني أُميّة) القول بأنّ فصاحة القرآن غير معجزة، وأنّ الناس يقدرون على مثلها، وعلى أحسن منها، قيل: هو أَوّل من صرّح بذلك، وتجّرأ عليه، قال الأُستاذ الرافعي: ولم يقل بذلك أحد قبله، (الإعجاز: ص144).
وله مقالات أُخرى أيضاً أنكروها عليه، فآل أمره إلى القتل صبراً، ذبحه - كما يُذبح الكبش - خالد القسري أمير العراق من قِبَل هشام بن عبد الملك بأمره.
ذكر ذلك ابن الأثير في حوادث (سنة 125هـ): ج5، ص263، وراجع ص 429 منه أيضاً.
وقد جعل الأُستاذ عَرفة ذلك دليلاً على قوله بالصرفة، فهو أوّل من ذهب هذا المذهب، وهو وهمٌ؛ لأنّه - على فرض صحّة النسبة - إنّما حاول بذلك إنكار أصل الإعجاز، كما وَهَم في عليّ بن عيسى الرمّاني أيضاً قوله بالصرفة، في حين أنّه جعله أحد الوجوه للإعجاز، (راجع: النكت في الإعجاز: ص110، قضية الإعجاز القرآني: ص148 - 149).
كلّ شأن الإعجاز، ولا وقع التحدّي بمثله.
وقوله تعالى: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ) (1) .
قولة قالها النضر بن الحارث بن كلدة، كان من زعماء قريش ومن شياطينهم الأفّاكين، صاحب ثروة ونفوذ كلمة، كان يختلف إلى الحيرة فيسمع سجع أهلها وكلامهم، فلمّا قَدم مكّة سمع كلام النبي (صلّى الله عليه وآله) والقرآن، فزعم أنّه من قبيل ذاك، فحسب من نفسه القدرة على مماثلته، كما كان قد تعلّم بعضاً من أحاديث ملوك فارس (أساطير رستم واسفنديار) فكان يقصّها على جهلاء العرب استحواذاً عليهم ليُلهيهم عن حديث الإسلام وذكريات القرآن، زاعماً أنّه بذلك يُقابل رسول الله في كلامه وتلاوة قرآنه، كان إذا جلس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مجلساً يدعو الناس إلى الله، ويتلو عليهم آياته ويحذّر قريشاً ممّا أصاب الأُمم الخالية خَلَفه النظر في مجلسه إذا قام عنه ليحدّثهم عن حديث رستم واسفنديار وملوك فارس، ويقول: والله ما محمّد بأحسن حديثاً منّي، ومنا أحاديثه إلا ( أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) (2) .
قيل: فنزلت فيه: ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) (3) .
فكانت الآيات صواقع قوارع هدّمت عليهم بنيانهم وأضرمته ناراً! هكذا
____________________
(1) الأنفال: 31.
(2) الفرقان: 5.
(3) القلم: 7 - 20.
جابههم القرآن بصوته المدوّي الصارخ العنيف، وذرّ أوهامهم هباءً منثوراً، فلو كانت لهم بقيّة باقية لقاموا في وجهه، ولكن أنّى لهم التناوش من مكان بعيد؟!
وقع النضر أسيراً يوم بدر، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): (يا عليُّ عليَّ بالنضر)، فأخذ عليٌّ بشعره وجرّه، وكان رجلاً جميلاً متجمّلاً بشعره، فجاء به إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا محمّد، أسألك بالرحم بيني وبينك إلاّ أجريتني كرجل من قريش، إن قتلتهم قتلتني، وإن فاديتهم فاديتني. فقال (صلّى الله عليه وآله): (لا رحم بيني وبينك، قطع الله الرحم بالإسلام، قدِّمه يا عليُّ واضرب عنقه، فقدّمه وضرب عنقه صبراً، لعنه الله) (1) .
وبعد... فلا يؤخذ من قولة صاحب نخوةٍ وأوهامٍ شاهداً على برهان!
2 - الاطّراد من روائع البديع:
زعم ابن حزم أن لا أعجوبة في سرد أسماء... لكن يكذّبه رائعة (الاطّراد) (2) في باب البديع، وهو: أن يطّرد الشاعر أو المتكلّم - عند صياغة الكلام إن نظماً أو نثراً - في سرد أسماء متعاقبة من غير كلفة ولا حشوٍ فارغ، قال ابن رشيق: فإنّها إذا اطّردت كذلك دلّت على قوّة طبع الشاعر وقلّة كلفته ومبالاته بالشعر، قال الأعشى:
أَقيس بن مسعود بن قيس بن خالد |
وأنت امرؤ يرجو شبابَك وائلُ (3) |
____________________
(1) راجع ابن هشام: ج1، ص384، ومجمع البيان: ج4، ص538، والدرّ المنثور: ج3، ص180.
(2) قال ابن أبي الإصبع هو أن يطّرد للمتكلّم أسماء لآباء ممدوحة منسوب بعضها إلى بعض، مرتّبة على حكم ترتيبها في الميلاد، من ذلك قوله تعالى: ( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ) يوسف: 38، قال: فالحظ ما اتّفق في هذه اللفظات الستّ من أنواع البلاغة، لتقدّر نظم القرآن العزيز قدره وتعرف فرق ما بينه في هذا الباب وما جاء فيه من أشعار فصحاء العرب.. ثمّ جعل يعدّ موارد الروعة في الآية.
(بديع القرآن: ص141).
(3) الوائل: صاحب الحاجة وطالب النجاة من المأزق.
فأتى كالماء الجاري اطّراداً وقلّة كلفة، وبيّن النَسب حتّى أخرجه عن مواضع اللبس والشبهة.
ولمّا سمع عبد الملك قول ابن صمّة:
أبأتَ بعـبدِ اللهِ خيـرِ لِداته |
ذؤابَ بنِ أسماءَ بن زيد بن قارب (1) |
قال - كالمتعجّب -: لولا القافية لبلغ به إلى آدم.
وقال أبو تمام:
عبدُ المليكِ بنِ صالحِ بن |
عليِ بن قسيمِ النبيِّ في نسبهِ |
فهذا سهل العنان، خفيف على اللسان، قال ابن رشيق: وإن كانت الياء في (المليك) ضرورةً وتكلّفاً.
وقال بعضهم:
مَن يكن رامَ حاجةً بعُدت |
عنه وأعيت عليه كُلَّ العياء |
فلما أحمد المرجَّى بن يحيى بن معاذ بن مسلم بن رجاء
فجاء كلامه نسقاً واحداً، إلاّ أنّه قد شغل البيت وفصل بين الكلام بقوله: (المرجّى)، غير أنّ مجانسة (رجاء) هوّنت خطيئته وغفرت ذنبه.
ثمّ جعل ابن رشيق يُعدّد من أنواع الاطّراد وفيها تكلّف من شعراء فصحاء (2) .
وزعم أيضاً أنّ في حكاية أقوال الآخرين تحوّلاً من الممكن إلى المعجز...!: كلام غريب، ولعلّه حسبه نقلاً بالحروف! ولا شكّ أنّه نُقل بالمعنى، لا سيّما مع النظر إلى لغاتهم غير العربية، ويَدلّك عليه سرد قضية واحدة في مواضع من القرآن في مختلف العبارات، وإن كانت في كلّ مرة ذات مزيّة حكميّة لا تشترك فيها أُختها.
وعليه، فالكلام كلامه تعالى؛ لأنّه من نظمه وتأليفه بالذات، ونسبة الكلام إنّما
____________________
(1) أباء القاتل بالقتيل: أقاده به، واللِّدَة: التِّرْب ومَن تربّى معك، وأَصله: وِلد بكسر الواو.
(2) العمدة لابن رشيق: ج2، ص82، رقم 65.
يتحقّق بالنضد والتأليف، الأمر الذي يكون الإعجاز فيه، أيّاً كان لفظ المنقول عنه.
وأخيراً، فإنّ التفاوت في درجة فضيلة البيان هي أيضاً آية أُخرى، تحلّت بها آيات القرآن الكريم، فكان هناك بليغ وأبلغ وفصيح وأفصح، حسب تفاوت المقامات واختلاف المناسبات، وقد جعل السكّاكي حدّ الإعجاز من بلاغته طرفها الأعلى وما يقرب منه، فلا تستوي مرتبة البلاغة في الآيات، وإن كان الجميع بالغاً حدّ الإعجاز.
3 - إنّما يَعرف ذا الفضل من العلم ذووه:
ليست معجزة نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله) بِدعاً من معاجز سائر الأنبياء (عليهم السلام)؛ إذ كان نبهاء الأُمم وأصحاب الاختصاص هم الذين كانوا يلمسون واقع الإعجاز، وامتياز المُعجز عن الممكن - فما يقدّمه الأنبياء - إنّما يعرفه أفذاذ الناس.
كانت سَحَرة فرعون هم الذين لمسوا الحقّ في العصا واليد البيضاء، فآمنوا به وتبعهم الآخرون، وهكذا، فكان سبيل القرآن - وهو أرقّ المعاجز وأرقاها - سبيل سائر المعاجز يعرفه ذوو الاختصاص من أهل الفنّ، والأذكياء من العلماء؛ ومِن ثَمّ فإنّهم هم المراجع في وضح الحقّ ودحض الأباطيل ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (1) .
ما الفضل إلاّ لأهلِ العلمِ أنّهُمُ |
على الهُدى لمَن استهدى أَدلاّءُ |
ومِن ثَمّ كانت شهادات أفذاذ العرب الأقحاح هو القول الفصل بشأن القرآن الكريم، وأنّها ميزة خارقة فاق بها سائر الكلام.
تلك شهادة طاغية العرب وعظيمها الوليد بن المغيرة: (يا عجباً لِما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بعشر ولا بسحر... وإنّ قوله لمن كلام الله...) (2) .
____________________
(1) النحل: 43.
(2) تفسير الطبري: ج29، ص98.
وأيضاً قوله: والله لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً، ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، والله إنّ له لحلاوةً، وإنّ عليه لطلاوةً... وإنّه يعلو وما يُعلى. وإنّه ليحطّم ما تحته... (1) .
وشهادات فصحاء العرب وسادات قريش من هذا القبيل كثيرة، كلّها تنمّ عن واقعية فخيمة لمسها أُولئك الخواصّ، فسار من ورائهم العوامّ.
ذكروا أنّ فصحاء قريش أزمعت على معارضة القرآن، فجمعت لها جمعها، حتّى إذا ما نزلت ( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (2) ، نظر بعضهم إلى بعض حيارى مذهولينَ.. فقد يئسوا ممّا طمعوا فيه، وعرفوا أنّه ليس بكلام مخلوق (3) .
وبذلك تبيّن أنّ لا موضع لقول السيّد المرتضى: (جميع ما شهد به الفصحاء من فصاحة القرآن فواقع موقعه؛ لأنّ مَن قال بالصرفة لا ينكر مزيّة القرآن على غيره بالفصاحة والبلاغة وإنّما يقول: هذه المزيّة ليست ممّا تخرق العادة! (4) )؛ إذ شهادتهم إنّما كانت بكونه فوق مستوى البشر، وإنّه ليس من كلام المخلوقينَ، وكفى به دليلاً على كونه معجزاً خارقاً للعادة، إذ لا يقصد من الإعجاز سِوى كونه فوق مقدور الإنسان، هذا لا غير!
وقوله: (والنظم لا يصحّ فيه التزايد والتفاضل) (5) ولعلّه على العكس فإنّ التفاضل في النظم والأُسلوب شيء معروف، وبذلك قد فاق شعرُ شاعر عتيد على شعر شاعر جديد، وكان أهل الصناعة المضطلعون بالرويّ والقصيد قد فاقوا في نظمهم على المبتدئينَ المُتكلّين، وكان الأُسلوب هو الذي أشال بهؤلاء وأطاح بهؤلاء!
قال أبو عثمان الجاحظ: أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء، سهل
____________________
(1) مستدرك الحاكم: ج2، ص507.
(2) هود: 44.
(3) العمدة لابن رشيق: ج1، ص211، ومجمع البيان: ج5، ص165.
(4) راجع التمهيد: ج4، ص162.
(5) راجع التمهيد: ج4، ص159.
المخارج، فتعلم بذلك أنّه أُفرغ إفراغاً واحداً، وسُبك سبكاً واحداً، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان.
قال ابن رشيق: وإذا كان الكلام على هذا الأُسلوب الذي ذكره الجاحظ لذَّ سمعه، وخفّ مُحتمله، وقرُب فهمه، وعذُب النطق به، وحلى في فم سامعه، فإذا كان متنافراً متبايناً عسُر حفظه، وثقل على اللسان النطق به، ومجّته المسامع فلم يستقّر فيها منه شيء (1) .
وأنشد الجاحظ:
وبعض قريض القوم أبناءُ علّةٍ |
يكدّ لسانَ الناطقِ المُتحفّظِ |
وأيضاً:
وشعرٍ كَبعرِ الكَبشِ فرّق بينه |
لسانٌ دعيٌّ في القريضِ دخيلِ |
واستحسن أن يكون البيت بأسره كأنه لفظة واحدة لخفّته وسهولته، واللفظة كأنّها حرف واحد، وأنشد قول الثقفي.
مَن كان ذا عَضُد يُدرك ظُلامتَه |
إنّ الذليلَ الذي ليست لهُ عَضُدُ |
|
تنبو يداه إذا ما قلَّ ناصرُهُ |
ويأَنفُ الضيمَ إنْ أثرى له عَدَدُ (2) |
اذاً فالنظم نظم، ووزنه وزن شعر، لكن شتّان ما بين النظمينِ، هذا عذب فرات، وذاك ملح أُجاج، في هذا سهولة وفي ذاك وعورة، وهكذا القرآن، فاق سائر الكلام في عذوبة نظمه، وسهولة أُسلوبه، في روعة وأناقة وجلال، وهذا مِن سرّ إعجازه الخارق.
وأمّا الدليل الذي أقاموه من أنّ القادر على الأبعاض قادر على الجملة، فقد أجاب عنه التفتازاني بأنّ حكم الجملة يُخالف حكم الأجزاء، ولو صحّ ما ذُكر لكان كلّ من آحاد العرب قادراً على الإتيان بمثل قصائد فصحائهم كامرئ القيس
____________________
(1) العمدة لابن رشيق: ج1، ص257.
(2) ينبو السيف: يكلّ ولا يكون قاطعاً، وأثرى: كثر وتوفّر.
وأضرابه.
وأمّا تردّد الصحابة في بعض الآيات والسور فلعلّه كان لرعاية الاحتياط والاحتراز عن أدنى ملابسة... على أنّ الإعجاز في جميع مراتبه وفي جميع الآيات ليس ممّا يظهر لكلّ أحد على سواء (1) .
وقول السيّد: (لو عارضوه بشعر منظوم لم يكونوا معارضين) (2) .
هذا إذا كان التحدّي ناظراً إلى جانب النظم والأُسلوب فحسب، أمّا إذا كانت فضيلة الكلام هي الملحوظة في هذه المباراة والمقصودة من تلك المباهاة فهذا ممّا لا يفترق فيه بين منظوم الكلام ومنثوره، شعره وخطبه، في أيّ صيغة بُني عليها الكلام أو رُصفت حروفه وكلماته، ما دامت العِبرة بجَودة التعبير وحسن الأداء، هذا، ولا سيّما قد أُطلق التحدّي في القرآن إطلاقاً: لو يأتوا بحديث مثله... أي في شرف الكلام وفضيلته، شعراً منظوماً أو كلاماً منثوراً، أيّاً كان نمطه إذا كان يماثله في الأُبّهة والبهاء، ومع ذلك فقد كلّت قرائحهم أن يقابلوه وضنّت أذهانهم أن يعارضوه؛ لمّا رأوه فوق مستواهم السحيق، فقصرت الأيدي أن تناله وهو في مستواه ذلك الرفيع.
وفي الختام، نعود على ما بدأنا به من توجيه كلام الشريف المرتضى في الصرفة، بأنّها من جهة فقد العرب للإمكانات اللازمة في صياغة كلام مثل القرآن، فقد سُلبوا التوفيق عليه وخذلهم الله على إصرارهم في معاندة الحقّ، ( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) (3) .
دحض شبهة الصرفة:
هذا وقد هبّ العلماء جميعاً قديماً وحديثاً يفنّدون مزاعم القول بالصرفة، إمّا
____________________
(1) شرح المقاصد: ج2، ص184.
(2) راجع التمهيد: ج4، ص158.
(3) الصف: 5.
برهاناً عقلياً أو خطابةً وجدلاً بالتي هي أحسن، في دلائل ومسائل نعرض أهمّها ونقتصر عليها؛ لأنّ فيها الكفاية والوفاء.
وقبل أن نرد التفصيل نقدّم خلاصةً من تلك الردود والدلائل:
أوّلاً: مخالفة هذا المذهب لظاهرة التحدّي القائمة على المباهاة، ولا مباهاة على صنيعٍ لا ميزة فيه سوى سلطة صانعه على منع الآخرين قهريّاً من مماثلته! كمَن باهى بوضع يده على رأسه وتحدّى الآخرين أن يصنعوا بمثله، لكنّهم لما أرادوا مماثلة أخذ بيدهم ومنعهم من ذلك منعاً، أَفهل يعدّ ذلك من المباهاة؟!
أو كمَن استهدف غرضاً دقيقاً مباهياً، لكنّه سلب صاحبه بندقته، ولولاه لتمكّن من مماثلته، ليس هذا تحدّياً ولا مباهاةً البتّة.
والخلاصة: أنّ المباهاة بالصنيع إنّما تتعقّل إذا كان الصنيع ذاته مشتملاً على مزية خارقة وبديعة عجيبة، ليس إلاّ.
ثانياً: لكان ينبغي أن يتعجّبوا من أنفسهم هذا التحوّل المفاجئ لهم، بالأمس كانوا قادرينَ واليوم أصبحوا عاجزينَ، فلم يكن موضع إعجاب بالقرآن الكريم، ولا أن تبهرهم روعته، في بديع نظمه وعجيب رصفه.
وأنّ شهادتهم - برشاقة أُسلوبه وأناقة سبكه وتأليفه، فضلاً عن فخامة معانيه ورصانة مبانيه - لأعظمُ دليلٍ على سموٍّ وشموخٍ لمسوه في جوهر القرآن ووجدوه في ذاته، لا شيء سواه.
ثالثاً: لا مباهاة مع مسلوب القدرة، هو والميّت سواء، ولا تحدّي مع الأموات، قلّوا أم كثروا، فإنّ كثرتهم لا تجدي شيئاً بعد كونه من ضمّ الحجر إلى المدر، ولا حراك في الجماد.
ومِن ثَمّ فمن المُستغرب ما زَعمه ابن حزم من قياس ما هنا بمسألة الجبر
وسلب الاختيار (1) .! فقد ذهب عن أن لا علاقة بين المسألتينِ ولا تناسب بين المفهومينِ: المباهاة وسلب الاختيار!
أمّا السيّد وأصحابه - وكذا النظّام في احتمال - فلم ينكروا اعتلاء جانب القرآن بما فاق سائر الكلام؛ إمّا في فصاحته البالغة كما ذكره السيّد، أو لاشتماله على الأُمور الغيبية كما ذكره النظّام، وإنّما عجز القوم عن مماثلته لفقدهم العلوم التي كان يمكنهم بذلك مقابلته، ولعلّ البشرية أجمع تعوزها تلك القدرة المحيطة على جمع الامتيازات المشتمل عليها القرآن الكريم.
* * *
____________________
(1) الأنبياء: 23.
لم تكن العرب لتجهل موضع الرسول (صلّى الله عليه وآله) وصدقه وإخلاصه في دعوته، كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وقد لمسوا من حقيقة القرآن أنّه الكتاب الذي لا ريب فيه، وقد بهرهم جماله وحسن أُسلوبه وعجيب بيانه، نعم، سوى حميّة جاهلية حالت دون الاستسلام للحقّ الصريح والاعتراف بصدق رسالته الكريمة، فلم تكن محاولاتهم تلك إلاّ تملّصات هزيلة، وتخلّصاً مُعوجّاً عن سحر بيانه، وانفلاتاً من روعة جلاله وهيمنة كبريائه.
كانت قضية الإعجاز القرآني بدأت تفرض ثقلها على كاهل العرب، شاءت أو لم تشأ، وقد أدركت قريش من أَوّل يومها ما لهذا الكلام السماوي من روعة وسحر وتأثير، ولم يكد يملك أيّ عربيّ صميم - إذ يجد ذوقه الأصيل سليقةً وطبعاً - إلاّ أن يرضخ لأُبّهة بيانه الخارق، معترفاً بأنّه كلام الله وليس من كلام البشر.
الوليد بن المغيرة المخزومي:
هذا هو طاغية العرب وكبيرها الأَسنّ، وعظيمها الوليد بن المغيرة المخزومي يقول:
يا عجباً لما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعرٍ ولا بسحرٍ ولا بهذي جنون، وإنّ قوله لمن كلام الله... (1) .
قاله على ملأ من قريش، وذلك بعد أن سمع القرآن لأوّل مرّة على أفواه المسلمين يُرتّلونه ترتيلاً، فأعجبه قرآنه وبهرته جذبته.
وإنّ قريشاً لهابت تلك المفاجأة الخطيرة، ومِن ثَمّ تآمرت على أن تحول دون إشاعة النبأ، فقالوا: لئن صبأ الوليد - وهو ذو حسب ومال - لتصبأنّ قريش كلّها.
قال أبو جهل: أنا أكفيكم شانه، فانطلق حتّى دخل على الوليد بيته، فقال له: ألم ترَ أنّ قومك قد جمعوا لك الصدقة! (يريد التأنيب عليه بأنّه إنّما قال كلامه الآنف طمعاً في المال) قال: ألست أكثرهم مالاً وولداً؟! فقال له أبو جهل: يتحدّثون أنّك إنّما تدخل على أصحاب محمّد لتصيب من طعامهم! قال الوليد: أقد تحدّثت به عشيرتي؟! فلا تقصر عن سائر بني قصيّ... فعزم أن لا يقرب أحداً من المسلمين بعد ذلك.
وله شهادة أُخرى نظيرتها، قالها عندما مرّ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يتلو في صلاته بضع آيات من سورة المؤمن، فانقلب إلى مجلس قومه مندهشاً قائلاً: والله لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، والله إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه يعلو ولا، يعلى عليه (2) .
وفي رواية أُخرى - ذكرها القاضي عياض -: لمّا سمع الوليد بن المغيرة من النبي (صلّى الله عليه وآله) يقرأ: ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (3) أَعجَبته فقال: والله إنّ له
____________________
(1) تفسير الطبري: ج29، ص98.
(2) المعجزة الخالدة للسيّد هبة الدين الشهرستاني: ص21، والطلاوة - مثلثة الطاء -: البهجة والنضارة وأغدقت الأرض: أخصبت وابتلّت بالغَدَق وهو المطر الغزير.
(3) النحل: 90.
لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أسفله لمُغدق، وإنّ أعلاه لمثمر، ما هذا بقول بشر (1) .
ورواها أبو حامد الغزالي ناسباً لها إلى خالد بن عقبة، ولعلّه أخو الوليد بن عقبة بن أبي معيط، جاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال: اقرأ عليَّ القرآن! فقرأ عليه: ( إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى... إلخ ) ، فقال له خالد: أعد! فأعاد (صلّى الله عليه وآله)، فقال خالد: والله إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّ أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر (2) .
وهكذا جاء في الإصابة وفي الذيل (وما هذا بقول بشر)، أمّا الاستيعاب وأُسد الغابة فمتوافقان مع نسخة الغزالي.
قال أبو عمر: لا أدري هو خالد بن عقبة بن أبي معيط أو غيره، وظنّي أنّه غيره (3) .
وأيضاً روى الحاكم بإسناده الصحيح أنّ الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقرأ عليه القرآن، فكأنّه رقّ له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عمّ، إنّ قومك يَرون أن يجمعوا لك مالاً! قال الوليد: لِمَ؟ قال: ليعطوكه، فإنّك أتيت محمّداً لتتعرّض لما قبلَه! قال: قد علمت قريش أنّي من أكثرهم مالاً، قال أبو جهل: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنّك منكرٌ له أو أنّك كارهٌ له، قال: وماذا أقول، فوالله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي ولا أعلم برَجَز ولا بقصيدة منّي ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، ووالله إنّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنّه ليعلوا وما يُعلى، وإنّه ليُحطّم (أو ليحكم) ما تحته، قال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتّى تقول فيه، قال: فدعني حتى أفكّر، فلمّا فكّر قال: هذا سحرٌ يُؤثر، يأثره عن غيره، فنزلت: ( ذَرْنِي وَمَنْ
____________________
(1) الشفاء للقاضي عياض: ص220، وراجع الشرح للملاّ علي القارئ: ج1، ص316.
(2) إحياء العلوم: باب تلاوة القرآن، ج1، ص281، ط 1358.
(3) الإصابة لابن حجر: ج1، ص410، والاستيعاب بهامش الإصابة: ج1، ص412، أُسد الغابة لابن الأثير: ج2، ص90.
خَلَقْتُ وَحِيداً ) (1) .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري (2) .
وهكذا ائتمروا فيما يصنعون عندما تَفِد العرب في مواسم الحج فيستمعوا إلى قرآنه فينجذبون إليه انجذاباً، فتوافقوا على أن يترصّدوا لقبائل العرب عند وفودها للحجّ في مداخل مكّة، ويأخذوا بسبل الناس، لا يمرّ بهم أحد إلاّ حذّروه من الإصغاء إلى ما يقوله محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله)، فيقولوا: إنّه لسحرٌ يُفرّق به بين المرء وأخيه وأبيه وبين المرء وزوجه وولده وعشيرته!
كان الوليد قد حضر الموسم، فاستغلّت قريش حضوره فاستشاروه بشأن دعوة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فأشار عليهم بتهمة السحر؛ لمّا لم يجدوا سبيلاً إلى رميه بجنون أو شعر أو كهانة!
قال: يا معشر قريش: إنّه قد حضر هذا الموسم، وإنّ وفود العرب ستقدّم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فاجمعوا فيه رأياً واحداً، ولا تختلفوا، فيكذّب بعضكم بعضاً، ويردّ قولكم بعضه بعضاً!
قالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأياً نقول به.
قال: بل أنتم فقولوا، أَسمع.
قالوا: نقول: كاهن! قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكُهّان، فما هو بزمزمة الكاهن (3) ولا سجعه.
قالوا: فنقول: مجنون! قال: ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، فما بخنقه ولا تعالجه (4) ولا وسوسته.
____________________
(1) المدّثر: 11.
(2) المستدرك على الصحيحينِ: ج2، ص507، وراجع الدّر المنثور: ج6، ص 283، وجامع البيان للطبري: ج29، ص98.
(3) زَمزمة الكاهن: رنّة صوته عند قراءة الأوراد على نحو ما تفعله الفرس عند شرب الماء من صوت مصيصه.
(4) خنق المجنون: كناية عن بحّة صوته، وتعالجه: تعاطيه أموراً غير منتظمة كناية عن هذيه.
قالوا: فنقول: شاعر! قال: وما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كلّه رجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه، فما هو بالشعر.
قالوا: فنقول: ساحر! قال: ما هو بساحر، لقد رأينا السحّار وسحرهم، فما هو بنفثهم ولا عقدهم (1) .
قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟
قال: والله إنّ لقوله لحلاوة، وإنّ أصله لعَذق (2) ، وإنّ فرعه لجناه، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلاّ عرف أنّه باطل. وإنّ أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر جاء بقوله هو، سحر يُفرّق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرّقوا عنه بذلك.
فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمرّ بهم أحد إلاّ حذّروه إيّاه، وذكروا لهم أمره (3) .
وكانوا إذا رفع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) صوته بالقرآن جعلوا يُصفّقون ويُصفّرون ويخلطون بالكلام لئلاّ تُسمع قراءته ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) (4) .
قال ابن عبّاس: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو بمكّة إذا قرأ القرآن يرفع صوته، فكان المشركون يطردون الناس عنه ويقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه، قال: بالتصفير والتخليط في المنطق على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا قرأ القرآن، قريش تفعله (5) .
____________________
(1) إشارة إلى ما كان يفعل الساحر بأن يعقد خيطاً ثُمّ ينفث فيه، أي ينفخ ما يدمدمه من أَوراد.
(2) قال السهيلي: العَذق بفتح العين النخلة، استعارة من النخلة التي ثبت أصلها وقوي، وطاب فرعها إذا اجني أي اقتطف ثمرها. (الروض الأنف: ج2، 21).
(3) سيرة ابن هشام: ج1، ص288 - 289.
(4) فصّلت: 26.
(5) الدرّ المنثور للسيوطي: ج5، ص362 - 363.
الطفيل بن عمرو الدوسي:
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي شاعراً لبيباً من أشراف العرب، كان قد قَدِم مكّة و رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بها، فمشى إليه رجال من قريش وقالوا له: يا طفيل، إنّك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا (1) وقد فرّق جماعتنا وشتّت أمرنا، وإنّما قوله كالسحر يُفرّق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وزوجته، وإنّا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلّمه ولا تَسمَعن منه شيئاً.
وكانت قريش قد تخوّفت من إسلام الطفيل، الشاعر المُفلّق، وللشعر عند العرب مكانة سامية، فإذا أسلم اندفعت العرب وراءه.
قال الدوسي: فوالله ما زالوا بي حتّى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أُكلّمه، حتى حشوت في أُذُني حين غدوت إلى المسجد كرسفاً، فَرَقاً من أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد وإذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائم يُصلّي عند الكعبة، فقمت قريباً منه، فأبى الله إلاّ أن يسمعني بعض قوله: فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي: واثكل أُمّي، والله إنّي لرجل لبيب شاعر ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته وإن كان قبيحاً تركته.
قال: فتبعته إلى بيته، وحدّثته الحديث، وقلت له: فأعرض عليَّ أمرك! قال: فعرض (صلّى الله عليه وآله) عليَّ الإسلام وتلا عليّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قطّ أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحقّ، فرجع إلى قومه وكان
____________________
(1) أي أوجد معضلةً فينا، والمعضلة هي المشكلة.
داعية الإسلام، وأسلمت معه قبيلة دوس (1) .
هذه شهادة شاعر لبيب له مكانته عند العرب، وله معرفته وذوقه وسليقته، جذبته روعة كلام الله وقلبته من كافر وثنيّ مشرك إلى داعية من دعاة الإسلام!
النضر بن الحارث:
كان أبو جهل قد أزمع على أن ينال من محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فأخذ حجراً و جلس ينتظر قدومه، حتّى إذا جاء وقام للصلاة بين الركن اليماني والحجر الأسود جاعلاً الكعبة بينه وبين الشام، فلمّا سجد احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتّى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه (2) مرعوباً، قد يسبت يداه على حجره، حتّى قذف الحجر من يده، فقامت إليه رجال من قريش وقالوا له: مالك يا أبا الحكم؟ قال: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة - وكان قد عاهد الله ليفضخنّ (3) رأسه بحجر ما أطاق حمله - فلمّا دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته ولا مثل قَصَرته (4) ولا أنيابه لفحل قطّ، فهمّ بي أن يبتلعني!
فلمّا قال لهم ذلك أبو جهل قام النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف وكان من رؤساء قريش، فقال: يا معشر قريش، إنّه والله قد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحيلة بعد، قد كان محمّد فيكم غلاماً حدثاً أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثاً، وأعظمكم أمانةً، حتى إذا رأيتم في صدغيه (5) الشيب وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر! لا والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم، وقلتم: كاهن! لا والله ما هو بكاهن، قد رأينا الكهنة وتخالجهم (6) وسمعنا سجعهم، وقلتم:
____________________
(1) سيرة ابن هشام: ج2 ص 21 - 25، أُسد الغابة: ج3 ص54.
(2) انتقاع اللون: تغيّره.
(3) الفضخ: الشدخ والكسر.
(4) القَصَرة - بفتحتين - أصل العنق.
(5) الصدغ: ما بين العين والأُذُن، وهو الشَعر المتدلي على هذا الموضع.
(6) التخالج: هواجس نفسية مضطربة.
شاعر! لا والله ما هو بشاعر، قد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه كلّها، هَزجه ورَجزه، وقلتم: مجنون! لا والله ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه، قال: يا معشر قريش، فانظروا في شأنكم، فإنّه والله لقد نزل بكم أمرٌ عظيم.
قال ابن هشام: وكان النضر هذا من شياطين قريش، وكان ممّن ينصب العداء لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) (1) ، ومِن ثَمّ لم تكن شهادته تلك اعترافاً بصدقه، ولا إيماناً بكتابه، وإنّما هي إثارةً لشحناء قريش وتأليباً لعدائهم نحو دعوة الإسلام.
وسنأتي على بعض مواقفه التعنّتية مع رسول الإسلام (في فصل القرعات)، وقع أسيراً يوم بدر، فقتله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فيمَن قتله صبراً (2) .
عتبة بن ربيعة:
قال ابن إسحاق: وحدّثني يزيد بن زياد عن محمّد بن القرظي قال:
حدّثت أنّ عتبة بن ربيعة - وكان سيّداً - قال يوماً وهو جالس في نادي قريش ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمّد فاُكلّمه وأعرض عليه أُموراً لعلّه يقبل بعضها فنعطيه أيّها شاء ويكف عنها؟ وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، قم إليه فكلمه.
فقام إليه عتبة حتّى جلس إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال: يا ابن أخي، إنّك منا حيث قد علمت من السِطة (3) في العشيرة والمكان في النسب، وإنّك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرّقت به جماعتهم، وسفّهت به أحلامهم (4) وعيّبت به آلهتهم
____________________
(1) سيرة ابن هشام: ج1 ص320 - 321.
(2) الدرّ المنثور: ج3 ص 180.
(3) سِطة كعِدة مصدر محذوف الفاء مأخوذ من الوسط بمعنى الشرف، يقال: وَسط في حسبه، أي صار شريفاً.
(4) الحلم: العقل.
ودينهم، وكفّرت به مَن مضى من آبائهم، فاسمع منّي أعرض عليك أُموراً تنظر فيها، لعلّك تقبل منها بعضها!
فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): قل يا أبا الوليد، أسمع!
قال: يا ابن أخي، إن كنت إنّما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتّى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به مُلكاً ملّكناك علينا... قال: وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّاً تراه (1) لا تستطيع ردّه عن نفسك طلبنا لك الطبّ وبذلنا فيه أموالنا حتّى نُبرئك منه، فإنّه ربّما غلب التابع (2) على الرجل حتّى يُداوى منه!
حتّى إذا فرغ عتبة ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم! قال (صلّى الله عليه وآله): فاسمع منّي! قال عتبة: أفعل!
فجعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقرأ من مُفتتح سورة فصّلت:
( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً ) فمضى (صلّى الله عليه وآله) يقرأها عليه، وهو منصتٌ لها.
قال: وكان عتبة ينصت لقراءته (صلّى الله عليه وآله) وقد ألقى يديه خَلف ظهره معتمداً عليهما يسمع منه، ثُمّ انتهى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى السجدة منها، فسجد ثمّ قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت؟ فأنت وذاك!
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلمّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟
قال: ورائي أنّي قد سمعت قولاً والله ما سمعت مثله قطّ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة! يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فاعتزلوه، فوالله ليكوننّ لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم،
____________________
(1) الرِئي: ما يتراءى للإنسان من الجنّ.
(2) التابع: من يتبع الإنسان من الجنّ.
فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فمُلكه مُلككم وعزّه عزّكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سَحَرك والله يا أبا الوليد بلسانه.
قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم (1).
وهي أيضاً شهادة ضافية من كبار قريش وزعماء العرب وسادتهم.
اُنيس بن جنادة:
هو أخو أبي ذر الغفاري، كان أكبر منه، وكان شاعراً معارضاً يفوق أقرانه عند المعارضة، ينبئك عن ذلك حديث إسلام أخيه أبي ذر جندب بن جنادة، قال: والله ما سمعت بأشعر (2) من أخي اُنيس، لقد ناقضَ (3) اثني عشر شاعراً من معاريف شعراء الجاهلية فغلبهم، وكان قاصداً مكّة، فقلت له: فليستخبر من حال رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فراث (4) عليَّ، ثُمّ جاء فقلت: ما صنعت؟ قال:
لقيت رجلاً بمكّة على دينك - (إذ كان أبو ذر يصلّي إلى ربه منذ ثلاث سنين) - يزعم أنّ الله أرسله.
قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر.
قال أبو ذر - وكان اُنيس أحد الشعراء -: قال اُنيس: لقد سمعت قول الكَهَنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنّه شعر! والله إنّه لصادق وإنّهم لكاذبون.
قوله: أقراء الشعر أي أوزانه وقوافيه (5) .
____________________
(1) سيرة ابن هشام: ج1 ص313 - 314.
(2) أي أكثر شِعراً وأحسن نظماً.
(3) أي عارض.
(4) أي أبطأ.
(5) الشفاء للقاضي عياض: 224، شرح الشفاء للملاّ علي القاري: ج1 ص320 طبع =
ثلاثة من أشراف قريش يتسلّلون بيت الرسول:
كانت قريش ربّما تتسلّل ليلاً إلى استماع القرآن من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو أحد أصحابه؛ لترى ما في هذا الكلام من سرّ التأثير، فقد اتّفق أنّ أبا سفيان بن حرب (1) وكذا أبو جهل بن هشام والأخنس بن شريق الثقفي - وكان لمّازاً خبيثاً يتظاهر بغير ما يبطنه - خرجوا ليلاً إلى بيته (صلّى الله عليه وآله) من غير أن يعلم كلّ بصاحبه، فجلس كلّ واحد في مخبئه لا يعلم به أحد حتّى مطلع الفجر، يستمعون إلى قرآنه وهو قائم يصلّي في بيته، وعند الصباح أخذ كلّ منهم طريقه إلى بيته، حتّى إذا جَمَعهم الطريق فشلوا وتلاوموا، وقال لبعضهم لبعض: لا تعودوا لمثل ذلك، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً، وكان ذلك تأييداً لموضع محمّد، ثمّ انصرفوا، ولكن من غير أن ينقضي عَجبهم أو يرتوي ظمأُهم إلى استماع هذا الكلام السحريّ العجيب، ومِن ثَمّ عادت مسرتهم في الليلة الثانية والثالثة، وفي كلّ ليلة يُفتضحون عند الصباح، حتّى تعاهدوا فيما بينهم أن لا يعودوا أبداً.
وفي صباح اليوم الثالث جاء الأخنس إلى أبي سفيان يَسترئيه فيما سمعه من محمّد (صلّى الله عليه وآله)، فقال: والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها ولا ما يراد بها! فقال الأخنس: وأنا كذلك، والذي حلفت به!
ثمّ رجع إلى أبي جهل ودخل عليه وقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت من محمّد؟ فقال: ماذا سمعتُ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا
____________________
= اسلامبول 1285هـ، راجع صحيح مسلم ج7 ص153، والمستدرك للحاكم: ج3 ص339، والإصابة: ج1 ص76 و، ج4 ص63.
(1) ويُروى مكان أبي سفيان: الوليد بن المغيرة، قال الرفاعي: وهؤلاء الثلاثة من بلغاء قريش الذين لا يعدل بهم في البلاغة أحد، (إعجاز القرآن - في الهامش -: ص213).
فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتّى إذا تجاثينا على الرُّكب وكنّا كفرسيّ رهان!
والآن قالوا: منّا نبيّ يأتيه الوحي من السماء فمتى نُدرك مثل هذه والله لا نؤمن به أبداً ولا نُصدّقه، فقام عنه الأخنس وتركه! (1) .
هكذا تحكّم الحسد والعصيبّة في نفوس قريش، فحال دون قبولهم للحقّ الصريح، فأخزاهم الله.
( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ) (2) ، ( كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (3) .
فصحاء قريش تحاول معارضة القرآن:
ذكر أبو الحسن ابن رشيق القيرواني (توفي سنة 456 هـ) بشأن ما يعين على جيّد الشعر - وأن الطعام الطيّب والشراب الطيب وسماع الغناء ممّا يرقّ الطبع ويصفّي المزاج ويعين على الشعر -: إنّ قريشاً لمّا أرادت معارضة القرآن عكف فصحاؤهم - الذين تعاطوا ذلك على لُباب البُرّ وسُلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة - إلى أن بلغوا مجهودهم، فلمّا سمعوا قول الله عزّ وجل ( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) يئسوا ممّا طمعوا فيه، وعلموا أنّه ليس بكلام مخلوق (4) .
وفي المجمع: فلمّا أخذوا فيما أرادوا سمعوا هذه الآية، فقال بعضهم لبعض: هذا كلام لا يشبهه شيء من الكلام ولا يشبه كلام المخلوقينَ، وتركوا ما أخذوا فيه وافترقوا (5) .
____________________
(1) ابن هشام: ج1 ص337 - 338.
(2) آل عمران: 119.
(3) المجادلة: 21.
(4) العمدة لابن رشيق: ج1 ص211، والآية 44 من سورة هود.
(5) مجمع البيان: ج5 ص165.
قال الزمخشري: ولِما اشتملت عليه الآية من المعاني والنكت استفصح علماء البيان هذه الآية ورقصوا لها رؤوسهم، لا لتجانس الكلمتين وهما قوله (ابلعي) و(أقلعي) وذلك وإن كان لا يُخلي الكلام من حسن، فهو كغير الملتفت إليه بإزاء تلك المحاسن التي هي اللبّ وما عداها قشور (1) .
سنأتي على محاسن الآية ودقائق مزاياها - بتقرير من جهابذة الفن - عند ذكر الشواهد على النكت البلاغيّة في القرآن، في فصل قادم إن شاء الله (2) .
* * *
____________________
(1) الكشّاف: ج2 ص398.
(2) تحت عنوان (أعجب آية باهرة) ص 76 ج5.
( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ) (2) .
نعم، هو أحسن حديث سمعته العرب بل البشرية جمعاء، كتاباً متشابهاً، لا يختلف أُسلوبه في التعبير والأداء، في أبدع لفظ وأفخم معنى، في روعة وأناقة وإكبار، لا يختلف أوّله عن آخره ولا أطرافه عن وسطه.
مثاني، تتكرّر قراءته من غير ملل ولا كسل، بل هو المسك ما كرّرته يتضوّع.
إنّها الأنفس البشريّة تهتزّ وجداً عند استماعه، وتطرب خفّةً عند تلاوته، إنّها جذبة روحيّة تنجذب النفس انجذاباً من داخلها حيث جذوات الروح المُلتهبة، ولي وهماً أو خيالاً شعرياً في تيه الهيام.
( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) (3) .
____________________
(1) من تلك الجذوة التي جذبت موسى (عليه السلام) نحو الشجرة ( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) القصص: 30.
(2) الزمر: 23.
(3) ق: 37.
نفوسٌ مستعدّة:
( كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) (1) .
نعم، تلك قلوب واعية تتفتّح مساربها تلقاء آيات الذكر الحكيم، لا لشيء سوى أنّها نفوس مستعدّة صنعها خالق السماء وها هي كلماته المشرقة وجدت مواضعها فهبطت إليها.
( وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ ) (2) .
وفد نصارى نجران:
جاءت ركب النصارى عشرون رجلاً أو قريب من ذلك إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو بمكّة، حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه وكلّموه وسألوه، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة، فلمّا فرغوا من مسألة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عمّا أرادوا دعاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إلى الله عزّ وجلّ وتلا عليهم شيئاً من القرآن، فإذا هم لمّا سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع، فاستجابوا لله وآمنوا به وصدّقوه وعرفوا من أمره ما قد وصفت لهم كتبهم.
ولمّا قاموا عنه اعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش، فقالوا لهم: خيّبكم الله من ركب! بعثكم مَن ورائكم من أهل دينكم ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئنّ مجالسكم عنده حتّى فارقتم دينكم وصدّقتموه بما قال! ما نعلم ركباً أحمق منكم! فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم، لنا ما نحن عليه ولكم ما
____________________
(1) فصّلت: 3.
(2) المائدة: 83 و84.
أنتم عليه، لم نألُ أنفسنا خيراً (1) .
قيل: ونزلت فيهم: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ) (2) (3) .
سويد بن الصامت الشاعر:
وقدم سويد بن الصامت، أخو بني عمرو بن عوف (وكان ابن خالة عبد المطّلب) مكّة حاجّاً أو معتمراً، وكان سويد يُسميّه قومه: الكامل؛ لجَلَده وشعره (4) وشرفه ونسبه، وكان له علم بكُتب السالفين، فتصدّى له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حين سمع به، فدعاه إلى الله والى الإسلام، فقال له سويد: فلعلّ الذي معك مثل الذي معي! فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): ما الذي معك؟ قال: مجلّة لقمان - يعني صُحفاً فيها حكمة لقمان - (5) . فقال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله): أعرضها عليّ، فعرضها عليه، فقال له: إنّ هذا
____________________
(1) أي لم نقصّر لأنفسنا في مكسبة الخير والصلاح.
(2) القصص: 52 - 55.
(3) سيرة ابن هشام: ج2 ص32.
(4) ومن شعره الرقيق قوله:
ألا ربّ مَن تدعو صديقاً ولو ترى |
مقالتَه بالغيبِ ساءَكَ ما يَفري |
|
مقالته كالشَّهد ما كان شاهداً |
وبالغيب مأثورٌ على ثَغرة النحرِ |
|
يسرّك باديه وتحت أَديمِهِ |
نميمةُ غِشٍّ تبتري عَقَب الظهر |
|
تبين لك العينانِ ما هو كاتم |
من الغلِّ والبَغضاءِ بالنظر الشَّزرِ |
|
فَرِشِني بخيرٍ طالما قد بَريتني |
فخير الموالي من يَريشُ ولا يبري |
قوله: مأثور، هو السيف الموشى، ويقال: راشه أي قوّاه، وبراه أي أضعفه.
(سيرة ابن هشام: ج2 ص67).
(5) قال السهيلي: ولقمان هذا كان نوبيّاً (من أهل نوبة) من أهل أيلة، وهو لقمان بن عنقاء فيما =
الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآنٌ أنزله الله تعالى عليّ هو هدىً ونور، فتلا عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إنّ هذا لقولٌ حسن، ثمّ انصرف عنه وقدم المدينة على قومه فلم يلبث أن قتلته الخزرج، وكان رجال من قومه يقولون: إنّا لنراه قد قُتل وهو مسلم (1) .
إسلام سعد واُسيد:
وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد بعث مصعب بن عمير بن هاشم مع وفد الأنصار (الذين بايعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليلة العقبة الأُولى على نبذ الشرك واجتناب المحارم) وأمره أن يُقرئهم القرآن ويُعلّمهم الإسلام ويُفقّههم في الدين، فنزل على أبي أُمامة أسعد بن زرارة بن عدس، فكان يصلّي بالقوم؛ لأنّ أوساً وخزرجاً كره بعضهم أن يؤمّه بعض.
واتّفق أنّ أسعد خرج بمصعب، يريد به دار بني عبد الأشهل ودار بني ظفر، فدخل به حائطاً من حوائط بني ظفر، على بئر يقال لها: بئر مرق، فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممّن أسلم.
وكان سعد بن معاذ، واُسيد بن حضير، يومئذٍ سيّدَي قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلمّا سمعا به قال سعد لأُسيد: لا أباً لك، انطلق إلى هذَين الرجلينِ اللذين أَتيا دارينا ليُسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنّه لولا أنّ أسعد منّي حيث عرفت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدماً.
فأخذ اُسيد حربته ثمّ أقبل إليهما، فلما رآه أسعد، قال لمصعب بن عمير: هذا سيّد قومه قد جاءك فأصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس اُكلّمه... فوقف اُسيد
____________________
= ذكروا، وابنه الذي يذكره القرآن هو ثاران فيما ذكر الزجّاج وغيره.
(1) سيرة ابن هشام: ج2 ص68.
عليهما مُشتّماً، فقال: ما جاء بكما إلينا تُسفهان ضفعاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة.
فقال له مصعب: أَوَ تجلس فتسمع، فإن رضيت قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكره! قال أنصفت، ثمّ ركز حربته وجلس إليهما.
فكلّمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن.
قالا (أي أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير): فوالله لقد عرفنا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلّم، في إشراقه وتسهّله!
ثمّ قال اُسيد: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
قالا له: تغتسل فتَطهر وتُطهّر ثوبَيك، ثمّ تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلّي، ففعل وركع ركعتين، ثمّ قال لهما: إنّ ورائي رجلاً إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ....
ثم أخذ اُسيد بن حضير حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلمّا نظر إليه سعد بن معاذ مقبلاً، قال: أحلف بالله لقد جاءكم اُسيد بغير الوجه الذي ذهب به.
فلمّا وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأساً، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حُدّثت أنّ بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنّهم قد عرفوا أنّه ابن خالتك، ليخفروك (1) .
فقام سعد بن معاذ مغضباً مبادراً، تخوّفاً للذي ذكر له، فأخذ الحربة من يد اُسيد وقال: والله ما أراك أغنيت شيئاً! ثمّ خرج إليهما، فلمّا رآهما سعد مطمئنّين عرف أنّ اُسيد إنّما أراد منه أن يسمع بنفسه منهما، فوقف عليهما متشتّماً، وقال
____________________
(1) الإخفار: نقض العهد والغدر، وفي نسخة: ليُحقّروك - بالحاء المهملة والقاف - من التحقير.
لأسعد بن زرارة: يا أبا أُمامة، أَما والله لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمتَ هذا منيّ، أتغشانا في دارنا بما نكره! فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع... إلى آخر ما ذكره لأُسيد.
فرغب سعد في الإسلام كأخيه اُسيد، وفعل مثل ما فعل، وشهد الشهادتينِ، ثمّ أقبل عائداً إلى نادي قومه ومعه اُسيد بن حضير، فلمّا وقف على القوم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدنا وأوصلنا وأفضلنا رأياً وأَيمننا نقيبةً، قال: فإنّ كلام رجالكم ونساءكم عليّ حرام حتّى تؤمنوا بالله ورسوله، قالا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلاّ مسلماً ومسلمة (1) .
بكاء النجاشي:
وفي الهجرة الأُولى إلى أرض الحبشة أرسل إليهم النجاشي يستخبر أحوالهم، فتقدّم جعفر بن أبي طالب - وكان لسان القوم - وقال: أيّها الملك، كنّا قوماً أهل جاهليّة، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجار، ويأكل القويّ الضعيف، فكنّا على ذلك حتّى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله - إلى أن قال: - فلمّا ضيّقت علينا قريش وحالت بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
فقال له النجاشي: هل معك شيء ممّا جاء به عن الله؟ قال جعفر: نعم.
قال: فاقَرأَه عليّ! فقرأ جعفر صدراً من سورة الشورى: ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ
____________________
(1) سيرة ابن هشام: ج2 ص77 - 80.
الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (1) .
فلمّا استمع النجاشي إلى هذا الترنّم المُرهف بكى بكاءً شديداً حتّى اخضلّت لحيته، وبكت الأساقفة الذين كانوا حضوراً، وكانت صحفهم بين أيديهم وقد ابتلّت بدموعهم حينما سمعوا ما تُلي عليهم من آيات الذكر الحكيم.
ثمّ قال لهم النجاشي: إنّ هذا وما جاء به المسيح ليخرجان من مشكاة واحدة، وذكر ابن هشام أنّه أَسلم ومات مسلماً وصلّى عليه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) واستغفر له (2) .
* * *
____________________
(1) الشورى: 1 - 5.
(2) سيرة ابن هشام: ج1 ص359 - 365.
لم تكن قرعات كلامه تعالى القامعة بأقلّ تأثيراً في نفوس كافرة مضطربة من جذبات جذواته لنفوس مؤمنة مطمئنّة، وإن كانت قريش لتمجّ من سماع القرآن وتتنفّر منه نفرةَ الوَحش عند اصطياده! ( كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ ) (1) .
( وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ) (2) .
( وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً ) (3) .
( تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً اتَّخَذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ * مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * هَذَا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ ) (4) .
____________________
(1) المدثّر: 50 و51.
(2) الإسراء:41.
(3) الإسراء: 46.
(4) الجاثية: 6 - 11.
انظر إلى وقعات هذا الكلام الدامغة، إنّها شديدة، تدهش وتذهل وتذيب:
.. وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ!
.. فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ !
.. أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ!
.. مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُم مَّا كَسَبُوا شَيْئاً !
.. وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ!
.. لَهُمْ عَذَابٌ مَّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ !
ستّ قرعات متتالية على رأس مستكبر أَصرّ على استكباره كأن لم يسمعها!
لم تكن العرب - الواهنة القُوى، المتجزئة الأشلاء يومذاك - لَتطيق تحمّل هكذا قرعات عنيفة متتابعة شديدة، ومِن ثَمّ كان اللجوء إلى تولول وصراخ وصياح!
استمع إلى الآيات التالية، ثم قايس بين وقعاتها ونفوس منهارة كانت تحاول كفاح القرآن!
( يَوْمَ تَكُونُ السّماءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصّرُونَهُمْ يَوَدّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الّتِي تُؤْويه * وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمّ يُنجِيهِ ) (1) .
( فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي
____________________
(1) المعارج: 8 - 14.
مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ) (1) .
( وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً * وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً ) (2) .
إلى غيرهنّ من آيات ذوات الجرس الرنّان، وفي تقطيعات متقاربة ومتوازنة، تشبه قرعات الحدّادين المتواصلة، ولا سيّما في نفوسٍ آثمةٍ ارتكبت مآسي وإجراماً.
أُمّ جميل حمّالة الحطب:
هذه أُمّ جميل العوراء امرأة أبي لهب، تسمع ما نزل فيها وفي زوجها، فتخرج مولولةً صارخةً كالمجنونة، تعوي في طُرقات مكّة، وتقول: إنّ محمّداً هجاني، وتستنجد بالشعراء أن يهجو محمّداً كما هجاها، فيخفّ إليها بعضهم، ويُلقّنها هذا الشعر:
مُذمّما عصينا، وأمره أبينا، ودينه قلينا (3) .
فقصدت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو في المسجد ومعه بعض أصحابه، وفي يدها فِهر من حجارة، فلمّا وقفت عليه أخذ الله ببصرها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلا ترى إلاّ أبا بكر فقالت: أين صاحبك، فوالله لو وجدته لضربت فاه بهذا الفِهر، ثُمّ أنشدت الشعر محابيةً، وانصرفت (4) .
____________________
(1) الحاقّة: 15 - 29.
(2) المزّملّ: 10 - 13.
(3) الإعجاز في دراسات السابقين: ص75.
و(مذمّم) كناية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان المشركون يُسمّونه بذلك كراهية تسميته باسمه الشريف (محمّد)، قال (صلّى الله عليه وآله): (أَلا ترون إلى ما يدفع اللهُ عنّي من أذى قريش، يشتمون يهجون مذمّماً، وأنا محمّد؟!). (الروض الأنف: ج2 ص114 - 115).
(4) سيرة ابن هشام: ج1 ص381 - 382، وفي نسخة الروض: (لشدخت رأسه بهذا الفِهر)، والفِهر حجارة ملء الكفّ مؤنثة، وتصغيرها فهيرة، ووقع هنا مذكّراً.
أُميّة بن خلف:
وكان أُميّة بن خلف (من أثرياء قريش) كلّما رأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) هَمَزه ولَمَزه (1) فنزلت:
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلاّ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ ) (2) (3) .
العاص بن وائل:
وكان العاص بن وائل السهمي ممّا أُعجب بنفسه مستهزئاً بمواقف أصحاب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في أناتهم وصبرهم على الأذى، ولا سيّما المنقطعين عن أهليهم لا عشيرة لهم في مكّة ولا ثروة، فقد كان الخبّاب بن الأرت قَيناً (4) بمكّة يعمل السيوف وكان من الأصحاب المؤمنين، وكان له مال على العاص بن وائل قيمة سيوف باعها منه، فجاء يتقاضاه.
فقال له العاص: يا خبّاب، أليس يَزعم صاحبكم أنّ في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب وفضّة وثياب وخدم! فأنظرني إلى يوم القيامة، حتّى ارجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقّك فو الله، لا تكون أنت وصاحبك يا خبّاب آثر عند الله منّي، ولا أعظم حظّاً في ذلك، فنزلت:
( أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً * أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْداً * كَلاّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدّاً * وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً * وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلاّ سَيَكْفُرُونَ
____________________
(1) الهمز: الغمز، واللمز: التعييب.
(2) الهُمَزة: 1 - 9.
(3) سيرة ابن هشام: ج1 ص382.
(4) القين: الحدّاد.
بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً * أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً * فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً ) (1) .
إنّها قرعاتٌ عنيفة وصواعق مُرعدة، تدمّر من بقايا أشلاء مبعثرة، خلّفتها أجساد كافرة، لا تطيق تحمّلها، ولا تستطيع المقاومة تجاه هجمتها، إلاّ الاندمار والاندثار ( فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ) (2) .
إنّها لم تخصّ العاص بن وائل - إن صحّ الحديث - ولا غيره من عتاة قريش فحسب، وإنّما هدفت وهبّت لتذرّ كلّ دعائم الكفر والإلحاد على مرّ الزمان، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المورد.
النضر بن الحارث:
وتقدّم بعض الحديث عن مواقف النضر بن الحارث (3) ، كان من عتاة قريش ومن شياطينهم، كان قد تعلّم بعض أحاديث ملوك فارس (أساطير رستم واسفنديار) وكان يقصّها على جهلاء العرب؛ ليستحوذ عليهم ويلهيهم عن حديث الإسلام وذكريات القرآن.
كان إذا جلس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مجلساً يدعو فيه إلى الله ويتلو في القرآن، ويحذّر قريشاً ممّا أصاب الأُمم الخالية.. خلفه النضر في مجلسه إذا قام عنه، فحدّثهم عن رستم واسفنديار وملوك فارس، ثمّ يقول: والله ما محمّد بأحسن حديثاً منّي، وما أحاديثه إلاّ أساطير الأوّلين اَكتَتبها كما اكتتبتها. قيل: وبذلك جاءت الإشارة في الآية الكريمة ( وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ
____________________
(1) مريم: 77 - 84.
(2) طه: 105.
(3) راجع صفحة 92 و107، وسيأتي في صفحة 129 في مخاصمة مع النبيّ (ص).
بُكْرَةً وَأَصِيلاً ) (1) .
قيل: ونزلت فيه: ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ * فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ * وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ * أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ * فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) (2)
إنّ لوقع هذه الآيات الشديد لتأثيراً بالغاً في نفوس مضطربة لا تؤمن بالله العظيم! وكذلك آيات مرّت بهذا الشأن، قيل: نزلت تفريعاً عنيفاً بمَن يُحادد الله ورسوله:
( وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (3) (4) .
قيل: ونزلت فيه قوله تعالى: ( وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ ) (5) .
وقع أسيراً يوم بدر فقتله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صبراً نقمة على المشركين (6) .
جُبَير بن مطعم:
كان من أشراف قريش ومن علمائهم بالأنساب، وطالما بغى على الإسلام والمسلمين ونال من الوقيعة بهم، وهو الذي دعا غلامه الحبشي الذي كان يُدعى (وحشيّاً) وكان قذّافاً بحربّةٍ له قَذْفَ الحبشة قلّما يُخطئ بها، فقال له: اخرج مع
____________________
(1) الفرقان: 5.
(2) القلم: 7 - 20.
(3) الجاثية: 7 و8.
(4) سيرة ابن هشام: ج1 ص384.
(5) الأنفال: 31.
(6) الدرّ المنثور: ج3 ص180.
الناس، فإن أنت قتلت حمزة عمّ النبيّ بعميّ (طعيمة بن عديّ) فأنت عتيق (1) .
فخرج وحشيّ مع قريش حتّى كان يوم اُحد، يقول: فلمّا التقى الناس خرجت أنظر حمزة واتبصّره حتّى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأروق يهدّ الناس بسيفه هَدّاً، ما يقوم له شيء، وإنّي لأتهيّأ له، أُريده وأستتر منه بشجر أو حجرٍ ليدنو منّي، حتّى إذا دنا، وهززت حربتي ودفعتها عليه فوقعت في ثُنَّته حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي، فغُلب، وتركته حتّى إذا مات، ثُمّ أتيته فأخذت حربتي... فلمّا قدمت مكّة أعتقني جبير على صنيعي (2) .
وبعد الفتح هرب وحشي إلى الطائف، ثمّ قَدِم المدينة وتظاهر بالإسلام، ولمّا علم به النبي (صلّى الله عليه وآله) قال له: أوحشيّ؟ قال: نعم، قال: ويحك، غيّب عنّي وجهك، فلا أرينّك، فتغيّب عنه في البلاد.
قال ابن هشام: لم يزل وحشيّ يحدّ في الخمر حتّى خُلع اسمه من الديوان، فكان عمر بن الخطّاب يقول: قد علمت أنّ الله لم يكن ليدع قاتل حمزة (3) .
وبذلك تعرف موضع الرجل (جبير) من إيجاع قلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والنكاية بالإسلام.
وهذا الرجل - على جفائه وقساوة قلبه وغيظه على الإسلام - لمّا سمع النبي (صلّى الله عليه وآله) يقرأ في صلاته بالطور لانَ قلبُه وشفّت مساربه لدخول الإسلام.
وذلك عندما أتى النبي (صلّى الله عليه وآله) في فداء أُسارى بدر، فلم يجب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طلبه، وقال له: لو كان أبوك حيّاً وكلّمني فيهم لوهبتهم له (4) .
____________________
(1) سيرة ابن هشام: ج3 ص65.
(2) سيرة ابن هشام: ج3 ص76.
(3) سيرة ابن هشام: ج3 ص77.
(4) الإصابة: ج1 ص226، وفي أُسد الغابة: ج1 ص271: (لو كان الشيخ أبوك حيّاً فأتانا فيهم لشفعنا)، قال: وكان له عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يد، وهي أنّه كان أجار رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لمّا قَدِم من الطائف حين دعا ثقيفاً إلى الإسلام. وكان أحد الذين قاموا في نقض الصحيفة التي =
يروي البخاري عنه، قال: سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقرأ في المغرب بالطور، فلمّا بلغ هذه الآية ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاّ يُوقِنُونَ * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) (1) ، قال: كاد قلبي أن يطير (2) قال: فكان ذلك أوّل ما دخل الإيمان قلبي (3) .
وفي رواية: وذلك أوّل ما وقَر الإسلام في قلبي (4) .
ولكنّه عاد إلى شقائه الأوّل حتّى كان عام الفتح (5) ، وحضر يوم حنين (6) .
ونقل البيهقي عن أبي سليمان الخطّابي، قال: إنّما كان انزعاج جُبير بن مُطعم عند سماع الآيات لحسن تلقّيه معانيها ومعرفته بما تضمّنه من بليغ الحجّة، فاستدركها بلطيف طبعه، واستشفّ معانيها بذكيّ فهمه (7) .
* * *
____________________
= كتبتها قريش على بني هاشم وإيّاه عنى أبو طالب بقوله:
أَمطعم أنّ القومَ ساموك خطّةً |
وإني متى اُوكل فلست بآكل |
(1) الطور: 35 - 37.
(2) جامع البخاري: ج6 ص175.
(3) الإصابة: ج1 ص226.
(4) الشفاء للقاضي عياض: ص231، وشرحه: ج1 ص329، و(وَقَر) أي أثر.
(5) أُسد الغابة: ج1 ص271.
(6) سيرة ابن هشام: ج4 ص91.
(7) راجع الأسماء والصفات للبيهقي: ص390، والدرّ المنثور: ج6 ص120، والإتقان: ج4 ص 17.
هناك للمشركين مخاصماتٌ مع النبي (صلّى الله عليه وآله) دحرتها حجج القرآن الداحضة، وقد أفحمتهم قوّة برهانه وبهرتهم روعة بيانه، فكانت النهاية هي الرضوخ والاستسلام:
مع النضر بن الحارث:
قال ابن إسحاق: جلس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - فيما بلغني - مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتّى جلس معهم، وفي المجلس غير واحد من رجال قريش، فتكلّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فعرض له النضر، فكلّمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى أفحمه، ثمّ تلا عليهم ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ ) (1) (2) .
____________________
(1) الأنبياء: 98 - 100.
(2) سيرة ابن هشام: ج1 ص384. والحَصَب هو الحطب: كلّ ما أوقدت به النار.
مع عبد الله بن الزبعري:
ثمّ قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي (1) ، وكان زعيماً من زعماء قريش، حتّى جلس معهم، فقال له الوليد بن المغيرة: والله ما قام ابن الحارث لابن عبد المطّلب آنفاً وما قعد، وقد زعم محمّد أنّا وما نعبد من آلهتنا هذه حَصَب جهنّم!
قال ذلك في حالة تأثّر شديد!
فقال ابن الزبعري: أما والله، لو وجدته لخصمته! فسلوا محمّداً: أَكلُّ ما يعبد من دون الله في جهنّم مع مَن عَبَده؟! فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيراً، والنصارى تعبد المسيح!
فعجب الوليد ومَن كان معه في المجلس من قول ابن الزبعري! ورأوا أنّه قد احتجّ وخاصم! فذُكر لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) من قول ابن الزبعري، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): إنّ كلّ من أحبّ أن يعبد من دون الله فهو مع مَن عَبَده، إنّهم إنّما يعبدون الشياطين، ومن أمرتهم بعبادته! (2) .
قيل: فنزلت بهذا الشأن: ( أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ * وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ *
____________________
(1) كان من شعراء العرب وخطباءهم العبقريّين، وشعره في قصّة أصحاب الفيل معروف، (راجع سيرة ابن هشام: ج1 ص59).
(2) أي: إنّ الملائكة ومَن ذكرهم لم يدعوهم إلى عبادتهم، وإنّما عبدوهم بإغواء الشياطين وتسويلاتهم الخبيثة.
وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ ) (1) .
مع أُبيّ بن خلف:
قال ابن إسحاق:
ومشى أُبي بن خلف بن وهب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعَظم بالٍ قد ارفتّ (2) فقال: يا محمّد، أنت تزعم أنّ الله يبعث هذا بعد ما ارمَّ (3) ؟ ثمّ فتّه في يده، ثمّ نفخه في الريح نحو رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): نعم، أنا أقول ذلك، يبعثه الله وإيّاك بعد ما تكونان هكذا، ثمّ يُدخلك الله النار! (4) .
قيل: فانزل الله تعالى فيه:
( أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (5) .
مع الأسود بن المطّلب:
واعترض رسول الله (صلّى الله عليه وآله) - وهو يطوف بالكعبة - الأسود بن المطّلب بن أسد، والوليد بن المغيرة، وأُميّة بن خلف، والعاص بن وائل، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا: يا محمّد، هلمّ فلنعبد ما تعبد، وتَعبد ما نعبد، فنشترك نحن وأنت في
____________________
(1) الأنبياء: 24 - 29.
(2) أي تحطّم وتكسّر.
(3) أي: بلي وفسد.
(4) سيرة ابن هشام: ج1 ص387.
(5) يس: 77 - 83.
الأمر، فإن كان الذي تعبد خيراً ممّا نعبد كنّا قد أخذنا بحظّنا منه، وإن كان ما نعبد خيراً ممّا تعبد كنت قد أخذت بحظّك منه. قيل: فأنزل الله تعالى فيهم:
( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (1) .
قال ابن إسحاق: أي إن كنتم لا تعبدون الله إلاّ أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لي بذلك منكم، لكم دينكم ولي ديني (2) .
مع أي جهل بن هشام:
قال ابن إسحاق: لمّا ذكر الله عزّ وجلّ (شجرة الزقّوم) تخويفاً لمشركي قريش، في قوله: ( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْباً مِّنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ * إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ * وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ ) (3) .
فقد أهاجت هذه الآيات القارعة من غلواء المشركين وجعلتهم حيارى مندهشينَ، يخافون سوء العاقبة القريبة! فعمد أبو جهل - على عادته - يحاول تهدئة هِياجهم المبرّح، قائلاً: يا معشر قريش، أو تدرون ما هي شجرة الزقّوم، التي يخوّفكم بها محمّد؟! إنّها عجوة يثرب بالزبد (4) .
____________________
(1) الكافرون: 1 - 6.
(2) الروض الأَنف: ج2 ص108.
(3) الصافّات: 62 - 73.
(4) العجوة ضرب من تمر الحجاز، فيها لذّة.
فوالله لئن استمكنّا منها لنتزقمنّها تزقّماً (1) قالها مستهزئاً لهِياجهم الثائر! قيل: فانزل الله: ( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ * يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَن مَّوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلاّ مَن رَّحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاء الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ * إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْتَرُونَ ) (2) .
قال ابن هشام: المهل كلّ شيء أذبته من نحاس أو رصاص وما أشبه (3) .
إنّ هذا ليس بكلام، وإنّما هي صواعق مرعدة وقوارع دامغة، تترى على أشلاء هامدة وبقايا أجساد متفتّتة، لا تطيق تحمّلها حتّى وإن جهدت في المقاومة والعناد، ( فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ ) (4) .
وبذلك تتجسّد معجزة هذا الكلام وسحره في أُسلوبه هذا الباهر وسلطانه هذا القاهر.
* * *
____________________
(1) التزقّم: الابتلاع.
(2) الدخان: 40 - 50.
(3) سيرة ابن هشام: ج1 ص388.
(4) الحاقّة: 7 و8.
كانت سنَةُ التسع سنَةَ الوفود، وذلك بعد أن فرغ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من غزاة تبوك فجَعلت وفود العرب تترى عليه مستسلمة منخرطة مع الكفّة العليا التي أخضعت قريش ومحالفيها وأحزاب العرب جميعاً.
فمن هؤلاء عطارد بن حاجب التميمي، وكان خطيب القوم، قَدِم على النبي (صلّى الله عليه وآله) في أشراف بني تميم، منهم الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر - وهو شاعر القوم - وعمرو بن الأهتمّ، والحتات بن يزيد، وعيينة بن حفص، وغيرهم، وكان الأقرع وعيينة أسلما من قبل، وشهدا فتح مكّة وحنيناً والطائف، لكنّهما صَحِبا الوفد.
فلمّا قَدِم الوفد ودخلوا المسجد نادوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من وراء حجراته: أو اخرج إلينا يا محمّد! فآذى ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من صياحهم (1) ، فخرج إليهم.
فقالوا: يا محمّد، جئناك نفاخرك، فأَذن لشاعرنا وخطيبنا، قال: (قد أذنت لخطيبكم فليقل)، فقام عطارد بن حاجب، فقال:
الحمد لله الذي له علينا الفضل والمنّ وهو أهله، الذي جعلنا ملوكاً، ووهب لنا
____________________
(1) قيل: فنزلت: ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) الحجرات: 4.
أموالاً عظاماً، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعزّ أهل المشرق وأكثره عدداً، وأيسره عدّة، فمَن مثلنا في الناس؟ ألسنا برؤوس الناس وأُولي فضلهم؟ فمَن فاخرنا فليعدّد مثل ما عدّدنا! وإنّا لو نشأ لأكثرنا الكلام، ولكنّا نحيا من الإكثار فيما أعطانا، وإنّا نُعرف بذلك! لأن تأتوا بمثل قولنا، وأمرٍ أفضل من أمرنا!... ثمّ جلس.
فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لثابت بن قيس: (قم، فأجب الرجل في خطبته)، فقام ثابت وقال:
الحمد لله الذي السماواتُ والأرض خَلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسِع كرسيّه علمه، ولم يك شيء قطّ إلاّ من فضله، ثمّ كان من قدرته أن جعلنا ملوكاً، واصطفى من خير خلقه رسولاً، أكرمه نسباً، وأصدقه حديثاً، وأفضله حسباً، فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه، فكان خيرةَ الله من العالمينَ، ثمّ دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله (صلّى الله عليه وآله) المهاجرون من قومه وذوو رحمه، أكرم الناس حسباً، وأحسن وجوهاً، وخير الناس فعالاً، ثمّ كان أوّل الخلق إجابةً واستجاب لله حين دعاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتّى يؤمنوا بالله، فمَن آمن بالله ورسوله منع منّا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبداً، وكان قتله علينا يسيراً، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم. فقام الزبرقان بن بدر، وأنشد:
نحنُ الكرامُ فلا حيٌّ يُعادلنا |
منّا الملوك وفينا تقسم الرُبَع (1) |
وجعل يعدّد من هذا القبيل من مفاخرات لا تعدّ وشعارات فارغة إلى أن يقول:
إنّا أَبينا ولا يأبى لنا أحد |
إنّا كذلك عند الفخر نرتفع |
____________________
(1) تقسم الرُبع: كناية عن كونهم رؤساء، حيث كان الرئيس العربي يأخذ ربع الغنائم في الجاهلية.
... الخ (1) .
فلمّا فرغ الزبرقان قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لحسّان بن ثابت: قم يا حسّان، فأجب الرجل، وكان حسّان يعرض قوله ويقول على منواله، فقام وقال:
إنّ الذوائبَ (2) من فهرٍ وإخوتهم |
قد بيّنوا سنّةً للناس تُتّبعُ |
|
يرضى بهم كلّ مَن كانت سريرته |
تقوى الإله وكلُّ الخيرٍ يصطنعُ |
|
قوم إذا حاربوا ضرّوا عدوَّهم |
أو حاولوا النَفع في أشياعهم نَفعوا |
|
سجيّةٌ تلك منهم غير مُحدثة |
إنّ الخلائقَ فاعلم شرّها البِدعُ |
|
إن كان في الناس سبّاقونَ بعدهُمُ |
فكلّ سبق لأدنى سبقهم تَبعُ |
إلى أن يقول:
إذا نصبنا لحيّ لم نَدبّ لهم |
كما يدبّ إلى الوحشيّة الذرع (3) |
|
نسموُ إذا الحرب نالتنا مخالبُها |
إذا الزعانفُ (4) من أظفارنا خشعوا |
|
لا يفـخرون إذا نالوا عدوَّهم |
وإن أُصيبوا فلا خورٌ ولا هُلعُ (5) |
|
كأنّهم في الوغى والموت مكتنع |
أُسد بِحلية في أرساغها فدعُ (6) |
|
خذ منهم ما أتى عفواً إذا غضبوا |
ولا يكن همّك الأمر الذي منعوا (7) |
|
فإنّ في حربِهم فاترك عداوتَهم |
شرّاً يُخاض عليه السمّ والسلعُ (8) |
|
أَكرم بقوم رسول الله شيعتهم |
إذا تفـاوتت الأهواءُ والشيعُ |
____________________
(1) سيرة ابن هشام: ج4 ص208.
(2) الذوائب: السادة؛ لأنّ ذوائب المرأة تعلو رأسها.
(3) نصبنا: أظهرنا العداوة، والذرع: ولد البقرة الوحشية.
(4) الزعانف: أطراف الناس وأتباعهم.
(5) الخور: الضعفاء. والهلع الجازعون، واحده هلوع.
(6) مكتنع: دان، وحلية: مأسدة في اليمن، والأرساغ: جمع رسغ، موضع القيد من الرجل. وفدع: اعوجاجٍ إلى ناحية.
(7) عفواً: من غير مشقة.
(8) السلع: نبات مسموم.
أَهدي لهم مِدحتي قلبٌ يُؤازرُهُ |
فيما أَحبّ لسانٌ حائك صَنَع (1) |
|
فإنّهم أفضـلُ الأحياء كلّهم |
إن جدّ بالناس جدّ القول أو شمعوا (2) |
ثمّ إنّ للزبرقان بن بدر شعراً آخر، قام فقال:
أتيناك كيما يعلم الناسُ فضلنَا |
إذا احتفلوا عند احتضار المواسمِ |
إلى أن يقول:
وأنّ لنا المرباع (3) في كلّ غارة |
نغير بنجد أو بأرضِ الأعاجمِ |
فقام حسّان بن ثابت فقال:
هل المجد إلاّ السؤددُ العَود والندى |
وَجاهُ الملوكِ واحتمالِ العظائمِ |
|
نصرنا وآوينا النبيّ محمداً |
على أنفِ راضٍ مِن مَعَدّ وراغم |
|
بحيّ حريدٍ أَصله وثراؤه |
بجابيةِ الجولان وَسَط الأَعاجمِ |
|
نصرناه لمّا حلّ وسطَ ديارِنا |
بأسيافنا من كلّ باغٍ وظالمِ |
|
جعـلنا بَنينا دونه وبَناتنا |
وطبنا له نفساً بفيء المَغنمِ |
|
ونحن ضَربنا الناس حتّى تتابعوا |
على دينهِ بالمُرهفات الصوارمِ |
|
ونحن وَلدنا من قريش عظيمَها |
ولدنا نبيِّ الخيرِ من آلِ هاشمِ |
إلى أن يقول:
فإن كنتُم جِئتم لحقنِ دمائِكم |
وأموالِكم أن تُقسموا في المَقاسمِ |
|
فلا تجعلوا للهِ ندّاً وأَسلموا |
ولا تلبسوا زيّاً كزيّ الأَعاجمِ |
قال ابن إسحاق:
فلمّا فرغ حسّان من قوله قال الأقرع بن حابس: وأبي إنّ هذا الرجل لمؤتى له، لَخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أحلى من أصواتنا...
فلمّا فرغ القوم، أسلموا، وجوّزهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأحسن جوائزهم (4) .
____________________
(1) صنع: الذي يجيد القول ويحسنه.
(2) شمعوا: هزلوا، وأصله من الطرب واللهو.
(3) المرباع: أخذ الربع من الغنيمة.
(4) سيرة ابن هشام: ج4 ص206 - 212.
على أنّ التاريخ لا يخلو من أسماء قوم قد زعموا أنّهم عارضوا القرآن، أو رأوا أنّ باستطاعتهم أن يعارضوه: ( لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هذَا إِنْ هذَا إِلاّ أَسَاطِيرُ الأَوّلِينَ ) (1) فمنهم مَن ادّعى النبوّة وجعل ما يُلقيه من سفاسفه ما زعمه مضاهياً للقرآن كي لا تكون صنعته بلا أداة ( أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ ) (2) .
ومنهم مَن تعاطى معارضته صناعةً وظنّ أنّه قادر عليها، لكنّه سرعان ما تراجع إلى الوراء إمّا صاغراً أو مستغفراً ربّه من سوء ما نواه.
والغريب أنّ ما يؤثر عن أُناس في التاريخ حاولوا معارضة القرآن أنّهم أتوا بكلام لا يشبه القرآن ولا يشبه كلام أنفسهم، بل نزلوا إلى ضربٍ من السخف والتفاهة، بادٍ عواره، باقٍ عاره وشناره، فمنهم عاقل استحيى أن يتمّ تجربته فحطّم قلمه ومزّق صحيفته، ومنهم ماكر وجد الناس في زمنه أعقل من أن تُروّج فيهم سخافاته، فطوى صحفه وأخفاها عن أعين الناظرين إلى حين، ولكن متى ذلك الحين؟ إنّه إلى أبد الآبدين! أمّا الذين أتوا بسخائفهم فقد أبدوا بعوراتهم سفهاً
____________________
(1) الأنفال: 31.
(2) الأنعام: 93.
وحمقاً، وإليكم نماذج من كلام النمطين، دليلاً على صدق التحدّي إعجازاً مع الخلود ( وَلَنْ تَفْعَلُوا... ) (1) .
1 - مُسيلَمة الكذّاب:
فمِن أُولئك مسيلمة بن حبيب، تنبّأ باليمامة في بني حنيفة على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بعد أن وَفد عليه وأسلم في ظاهر أمره، كان يُصانع كلّ إنسان ويتألّفه، ولا يبالي أن يطّلع أحد منه على قبيح، إذا كان اتّخذ النبوّة مدعاةً إلى الملك، حتّى عرض على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يُشركه في الأمر... كان وَفد بني حنيفة - في سنة تسع من الهجرة - قَدِم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وفيهم مُسيلمة، وقد ستروه بالثياب، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) جالس بين أصحابه معه عسيب من سعف النخل، في رأسه خوصات، فلمّا انتهى إلى رسول (صلّى الله عليه وآله) وهم يسترونه بالثياب كلّمه وَسَأله، فقال له الرسول (صلّى الله عليه وآله): (لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتُكه)، وكان قد سأله تشريكه في أمر الرسالة.
ثمّ انصرفوا، فلمّا انتهوا إلى اليمامة ارتدّ عدوّ الله، وتنبّأ وتكذّب لهم، وقال: إنّي أُشركت في الأمر مع محمّد، ثمّ جعل يسجع لهم الأساجيع، ويقول لهم فيما يقول مضاهاةً للقرآن:
(لقد أَنعَم اللهُ على الحُبلى، أَخرجَ منها نَسمةً تسعى، مِن بين صفاقٍ (2) وَحَشى).
ثمّ أحلّ لهم الخمر، ووضع عنهم الصلاة، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) بأنّه نبي، لكنه شريكه، فأصفقت مع بنو حنيفة على ذلك (3) .
وكتب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أُخريات سنة عشر: من مُسيلمة رسول الله إلى
____________________
(1) البقرة: 24.
(2) الصفاق: الجلد الأسفل دون الجلد الأعلى الذي يُسلخ.
(3) سيرة ابن هشام: ج4، ص223.
محمّد رسول الله، سلام عليك، أمّا بعد، فإنّي قد أُشركت في الأمر معك وأنّ لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون.
وأرسله مع رجلينِ من قومه، فقَدِما إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقدّما إليه الكتاب، فلمّا قرأه قال لهما: (فما تقولان أنتما)؟ قالا: نقول كما قال: فقال النبي (صلّى الله عليه وآله): (أَما واللّه لولا أنّ الرُسُل لا تُقتلُ لضربتُ أعناقكُما)، ثمّ كتب إلى مسيلمة: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمّد رسول الله إلى مُسيلمة الكذّاب، السلام على مَن اتّبع الهدى، أمّا بعد، فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين) (1) .
وكان قد اتّخذ باليمامة حرماً، وكانت قُرى لبني أُسيد صارت في الحرم، ومِن ثَمّ كانوا يَغيرون على ثِمار أهل اليمامة واتّخذوا الحرم دغلاً، فقيل لمسيلمة في ذلك، فقال: أنتظر الذي يأتي من السماء ثمّ أتاه فقال:
والليل الأطحم، والذئب الأدلم، والجذع الأزلم، ما انتهكت أُسيد مِن مُحرم.
ثمّ عادوا للغارة وللعدوى واستعدى عليهم، فقال مسيلمة: أنتظر الذي يأتني، فقال:
واللّيل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أُسيد من رطب ولا يابس.
فقالوا له: أمّا النخيل مُرطبة فقد جدّوها، وأمّا الجدران يابسة فقد هدموها، فقال: اذهبوا وارجعوا فلا حقّ لكم.
وكان فيم يقرأ لهم: إنّ بني تميم قوم طهر لقاح، لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كلّ إنسان، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن.
وكان يقول: والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنّه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تمجعون.
وكان يقول: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم
____________________
(1) سيرة ابن هشام: ج4 ص247.
طويل...
وكان يقول: يا ضفدع ابنة ضفدع، نقّي ما تنقِّين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الشارب تمنعين ولا الماء تكدّرين.
وكان يقول: والمبذّرات زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات قمحاً، والطاحنات طحناً، والخابزات خبزاً، والثاردات ثرداًَ، واللاقمات لقماً، إهالة وسمناً، لقد فُضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعترّ فآووه، والباغي فناوؤه.
وجاءه طلحة النمري فقال له: أنت مُسيلمة؟ قال: نعم، قال: مَن يأتيك؟ قال رحمن، قال: أفي نور أم في ظلمة؟ قال: في ظلمة، فقال طلحة، أشهد أنّك كذّاب وأنّ محمداً صادق، ولكن كذّاب ربيعة أحبّ إلينا من صادق مضر، فثبت معه حتّى قُتل يوم عقرباء فيمَن قُتل معه (1) .
وكان من المسلمين رجل يقال له نهار الرجّال (2) قد هاجر إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وقرأ القرآن وفقّه في الدّين، فبعثه معلّماً لأهل اليمامة وليشغب على مُسيلمة وليشدّ من أمر المسلمين، لكنه أصبح بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله) أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة؛ إذ شهد أنّه سمع محمّداً (صلّى الله عليه وآله) يقول: إنّ مسيلمة قد أُشرك معه! فصدّقوه واستجابوا له.
فكان الرجّال لا يقول شيئاً إلاّ تابعه مسيلمة، وكان ينتهي إلى أمره ويستعين به على تعرّف سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ومعجزاته في العرب، ليحاكيه ويتشبّه به، لكنّه ما عارضه في شيء قطّ إلاّ انقلبت الآية عليه وأخزاه الله.
____________________
(1) تاريخ الطبري - حوادث سنة 11 -: ج2 ص504 - 508.
(2) عن أبي هريرة قال: جلست مع النبي (صلّى الله عليه وآله) في رهط معنا الرجّال بن عنفوة، فقال: إنّ فيكم رجلاً ضرسه في النار أعظم من أُحد، فهلك القوم وبقيت أنا والرجّال، فكنت متخوّفاً لها حتّى خرج الرجّال مع مسيلمة فشهد له بالنبوّة، وقُتل في حرب خالد بن الوليد لمسيلمة وأهل اليمامة، والرجّال في الرواية المشهورة بالجيم، وفي بعضها بالحاء المهملة.
قال الجاحظ في كتاب (الحيوان) عند القول في الضفدع: ولا أدري ما هيّج مسيلمة على ذِكرها ولِمَ ساء رأيه فيها حتّى جعل بزعمه فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقّي ما تنقّين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تُكدّرين، ولا الشارب تمنعين.
وقال الرافعي: وكلّ كلامه على هذا النمط واهٍ سخيف لا ينهض ولا يتماسك، بل هو مضطرب النسج مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه، وما كان الرجل من السخف بحيث ترى، ولا من الجهل بمعاني الكلام وسوء البصر بمواضعه (1) .
وقال الدكتور درّاز - بشأن سخافة عقله -: فقد زعم أنّه يُوحى إليه بكلام مثل القرآن، وما صنع شيئاً إلاّ أنّه كان يَعمد إلى آي القرآن فيسرق أكثر ألفاظها ويُبدّل بعضاً، كقوله إنّا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر، أو يجيء على موازين الكلمات القرآنية بألفاظ سوقية ومعانٍ سوقية، كقوله: والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً.
وهكذا لم يستطع وهو عربيّ قحّ أن يحتفظ بأُسلوب نفسه، بل نزل إلى حدّ الإسفاف، وأتى العبث الذي يأتيه الصبيان في مداعبتهم وتفكّههم بقلب الأشعار والأغاني عن وجهها، ولا يخفى أنّ هذا كلّه ليس من المعارضة في شيء، بل هو المُحاكاة والإفساد، وما مَثَله إلاّ كمثل مَن يستبدل بالإنسان تمثالاً لا روح فيه، وهو على ذلك تمثال ليس في شيء من جمال الفنّ (2) .
قلت: وبذلك يتبيّن فساد ما زعمه بعض أهل الخرف، مِن أنّه لو كان ما أتى به باطلاً لوجب على الله إرغامه، كما قال تعالى: ( وَلَوْ تَقَوّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنكُم مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ) (3) ، كما زعمه بعض البابية في سفاسفهم.
____________________
(1) إعجاز القرآن: ص175.
(2) النبأ العظيم: ص74.
(3) الحاقة: 44 - 47.
إذ لا تُعدّ أمثال هذه الخزعبلات تقوّلاً على الله، ما لا يتناسب مع كلامه تعالى، لا في لفظه ولا في أُسلوبه ولا في شيء من معانيه، إنّما هي ترّهات تشبه أطيط بعير أو نهيق حمار.
2 - سجاح بنت الحارث التميمية:
كانت في بني تغلب (وهم أخوالها) راسخة في النصرانية، وكانت تعلّمت منهم بعضاً من شؤون الدين، فتنبّأت فيهم بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فاستجاب لها الهذيل وتركت التنصّر، ومالأها جماعة من رؤساء القبائل، وكانت تقول لهم: إنّما أنا امرأة من بني يربوع، وإن كان مُلك فالمُلك ملككم، فخرجت بهم تريد غزو المسلمين، ومرّت تقاتل بعض القبائل وتوادع بعضها، وكان أمر مسيلمة قد غلظ واشتدّت شوكة أهل اليمامة، فنهدت له بجمعها، وخافها مسيلمة ثمّ اجتمعا وعرض عليها أن يتزوّجها، قال: ليأكل بقومه وقومها العرب فأجابت وانصرفت إلى قومها فقالوا: ما عندك؟ قالت: كان على الحقّ فاتّبعته فتزوّجته...
ولها خلال قصّتها كلمات وتسجيعات لَتُوقر من أَنفس العرب وتستدرجهم في الاستماع إلى هذه التعابير المسجعة التي تشبه كلام الكهّان، وإليك إجمال قصّتها:
كانت عندما تريد الخروج قالت: أعدّوا الركاب، واستعدّوا للنهاب، ثم أغيروا على الرباب، فليس دونهم حجاب، وكان قصدت الإغارة على قبيلة رباب، كانت من أضعف القبائل. لكنّها فشلت ورجعت مقهورة.
يقول أصمّ التميمي في ذلك:
أَتتنا أختُ تغلب فاستهدت |
جلائبَ من سُراة بني أبينا (1) |
|
وأَرست دعوةً فينا سفاهاً |
وكانت مِن عمائر آخرينا (2) |
____________________
(1) إستهد: استضعف، والجلائب: جمع الجليبة وهي المجلوبة. والسريّ: الشريف.
(2) أرسى: أثبت، العميرة: خلايا النحل مجموعة، وتُطلق على الحيّ العظيم المنفرد.
فما كنّا لنرزيهم زبالاً |
وما كانت لتَسلم إذ أَتينا (1) |
|
أَلا سفهت حلومكم وضلّت |
عشيّةَ تحشدون لها ثبينا (2) |
ثمّ خرجت في جنود الجزيرة حتّى بلغت النباج، فأغار عليهم أوس ابن خزيمة وهَزمهم وقتل منهم وأَسِر مَن أسر، فردّت على أعقابها، فاجتمع إليها رؤساء الجزيرة، وقالوا لها: ماذا تأمرين؟ قالت: اليمامة! فقالوا: إنّ شوكة أهل اليمامة شديدة وقد غلظ أمر مسيلمة، قالت عليكم باليمامة، ودفّوا دفيف الحمامة، فإنّها غزوة صرّامة، لا يلحقكم بعدها ملامة.
فنهدت لبني حنيفة، وبلغ ذلك مُسيلمة، فهابها واحتال في استمالتها، فأرسل إليها بهديّة، وطلب منها يستأمنها على نفسه حتّى يأتها، فأمرت بنزول الجند على الأمواه (3) ، وأذنت له وآمنته، فجاءها وافداً في أربعين رجلاً من الأحناف، فأوّل ما بدأها أن قال لها: لنا نصف الأرض وكان لقريش نصفها لو عدلت، وقد ردّ الله عليك النصف الذي ردّت قريش، فحباك به، وكان لها لو قبلت.
فقالت: لا يردّ النصف إلاّ مَن حنف، فاحمل النصف إلى خيل تراها كالسهف (4) .
فقال مسيلمة: سمع الله لمَن سمع، وأطعمه بالخير إذا طمع، ولا زال أمره في كلّ ما سرّ نفسه يجتمع، رآكم ربّكم فحيّاكم، ومن وحشةٍ خلاكم، ويوم دينه أنجاكم، فأحياكم علينا من صلوات معشر أبرار، لا أشياء ولا فجّار، يقومون الليل ويصومون النهار، لربّكم الكُبار، ربّ الغيوم والأمطار.
وقال أيضاً: لمّا رأيت وجوههم حسنت، وأبشارهم صفّت، وأيديهم طفلت،
____________________
(1) رزى فلاناً: قبل برّه. والزبال: ما تَحمله النملة بفمها.
(2) حشده: جمعه، والثبين: طرف الرداء إذا تثبنه أي تثنيه.
(3) الأمواه: المياه جمع ماء.
(4) حنفَ: مالَ، السهف: حرشف السمك أُطلق على الخيل الصغار.
قلت لهم: لا النساء تأتون، ولا الخمر تشربون، ولكنّكم معشر أبرار، تصومون يوماً وتُكلّفون يوماً، فسبحان الله، إذا جاءت الحياة كيف تحيون، والى ملك السماء ترقون، فلو أنّها حبّة خردلة لقام عليها شهيد، يعلم ما في الصدور، ولأكثر الناس فيها الثبور (1) .
ثمّ دعا مسيلمة سجاحاً إلى حصنه، فلمّا أتت ونزلت به أغلق الحصن دونها، فقالت له: انزل، قال: فنحّي عنك أصحابك، ففعلت، فقال مسيلمة: اضربوا لها قبّةً وجمّروها، لعلّها تذكر الباه، ففعلوا.
فلمّا دخلت القبّة نزل مسيلمة فقال: ماذا أُوحي إليك فقالت: هل تكون النساء يبتدئن؟! ولكن أنت قل، ماذا أُوحي إليك؟ قال مسيلمة: أَلم ترى إلى ربّك كيف فعل بالحبلى، أخرج منها نَسمةً تسعى، من بين صفاقٍ وَحَشى.
قالت: وماذا أيضاً؟ قال أُوحي إليّ: إنّ الله خلق النساء أفراجاً، وجعل الرجال لهنّ أزواجاً، فنُولج فيهنّ قُعساً (2) إيلاجاً، ثمّ نخرجها إذا نشاء إخراجاً، فينتجنَ لنا سخالاً إنتاجاً.
قالت: أشهد أنك نبيّ! قال: هل لك أن أتزوّجك؟ فآكل بقومي وقومك العرب؟ قالت: نعم، فقال:
أَلا قومي إلى ... |
فقد هُيّئ لك المضجع |
... إلى آخر أبيات ملؤها استهتار وخلاعة، يترفّع القلم عن نقلها (3) .
ذكر ابن حجر: أنّها بعد مقتل مسيلمة عادت إلى الإسلام فأسلمت وعاشت الى خلافة معاوية (4) وما كانت نبوّتها إلاّ زفافاً على مسيلمة!
____________________
(1) طفلت: أي صارت ناعمة كالطفلة، والثبور: الويل والهلاك.
(2) القُعس - بضم القاف - نتوء في الجسد، كناية عن.. وفي الأغاني: (فنولج فيهنّ الغراميل...) والغرمول: الضخم من...
(3) راجع تفصيل القصّة في الطبري: ج2 ص496 - 499.
(4) الإصابة: ج4 ص340.
3 - طليحة بن خويلد الأسدي:
كان من أشجع العرب، وكان يُعدّ بألف فارس، قدم على النبي (صلّى الله عليه وآله) في وفد أسد بن خزيمة سنة تسع فأسلموا، ثمّ لمّا رجع تنبّأ طليحة وعظم أمره بعد أن تُوفّي رسول الله، وكان يزعم أنّ ذا النون هو الذي يأتيه بالوحي، ولم يأتِ بقرآن؛ لأنّ قومه من الفصحاء لم يكن ليعبّر عليهم ذلك، إلاّ أنّهم تابعوه عصبيةً وطلباً لأمر كانوا يحسبونه كائناً في العرب بالغَلبة.
ولم يُؤثر منه كلام سِوى قوله: إنّ الله لا يصنع بتعفير وجوهكم وقبح أدباركم شيئاً، فاذكروا الله قياماً، فإنّ الرغوة فوق الصريح، وذلك أنّ الصلاة في شرعه كانت مجرّد قيام وابتهال إلى الله، فيما زعم.
ولمّا توافته جيوش المسلمين تلفّف في كساء له بفناء بيت له من شعر، يتنبّأ لهم والناس يقتتلون، وكان عيينة بن حصن - في سبعمِئة من بني فزارة - يُقاتل دونه، فلمّا هزّت عيينة الحرب وضرب القتال كرّ على طليحة، فقال: هل جاءك جبرئيل بعد؟ قال: لا، فرجع فقاتل، حتّى إذا اشتدّت الحرب ثانية جاءه فقال له: لا أباً لك، أجاءك جبرئيل بعد؟ قال: لا والله. فجعل يقول عيينة: حتّى متى؟ قد والله بلغ منّا، ثمّ رجع فقاتل، وكرّ عليه ثالثاً وسأله هل جاءه جبرئيل، وفي هذه المرّة قال: نعم! قال: فماذا قال لك؟ قال: قال لي: إنّ لك رحىً كرحاه، وحديثاً لا تنساه.
فقال عيينة: أظنّ أنْ قد علم الله أنّه سيكون حديث لا تنساه، يا بني فزارة، هكذا فانصرفوا فهذا والله كذّاب! فانصرفوا وانهزم الناس، فغشوا طليحة يقولون: ماذا تأمرنا؟ - وقد كان أعدّ فرسه عنده، وهيّأ بعيراً لامرأته النوّار - فلمّا أن غشوه يقولون: ماذا تأمرنا؟ قام فوثب على فرسه وحمل امرأته ثمّ نجا بها، وقال: مَن استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله فليفعل، ثمّ سلك الحوشية حتّى
لحق بالشام، وارفض جمعه (1) .
4 - الأسود العنسي :
هو مسعود بن كعب من بني مذحج، ويقال له (عبهلة)، وكان يُلقّب ذا الخمار؛ إذ كان يقول: يأتيني ذو خمار، وكان فصيحاً معروفاً بالكهانة والسجع عالماً بالنسب، وقد تنبّأ على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله)، وخرج باليمن، واتّبعته قبائل من مذحج واليمن واستفحل أمره، وكان يدّعي أنّ مَلَكين يأتيانه يُسمّى أحدهما (سحيقاً) والآخر (شريفاً) وكان إذا ذهب مَذهب التنبّؤ أكبّ ثم رَفع رأسه ويقول: قال لي: كيت كيت، وكان له خُدع كثيرة يزخرف بها، قُتل قبل وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بيوم، قتله فيروز وقيس وداذويه من أبناء الفرس الذين أسلموا باليمن، قتلوه في تواطؤ خطير.
وذلك عن طريق امرأة يقال لها (مرزبانة) كان قد اغتصبها؛ لأنّها كانت من أجمل النساء وكانت مسلمةً صالحةً، وكانت تحدّث عنه أنّه لا يغتسل من الجنابة، فصنعت سرباً - حفيرةً تحت الأرض: النفق - وأدخلتهم عليه وهو سكران، فخبطوه بأسيافهم، وهم يقولون:
ضلّ نبيٌّ ماتَ وهو سكرانُ |
والناسُ تلقى جلّهم كالذِّبّان |
النور والنار لديهم سيّان (2)
وذكر ابن جرير: أنّ الأسود العنسي كتب إلى عمّال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ورؤساء الأجناد: أيّها المتورّدون علينا، امسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا، ووفّروا ما جمعتم، فنحن أولى به، وأنتم على ما أنتم عليه.
وكان اللعين قد خرج واستغلظ أمره واستولى على صنعاء وقتل شهر بن باذان
____________________
(1) تاريخ الطبري: ج2 ص485 - 486 حوادث سنة 11.
(2) الروض الأنف: ج4 ص226، وذكره ابن هشام في السيرة: ج4 ص246.
الذي خلف أباه باذان على صنعاء بأمر من رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وتزوّج بامرأته (آزاد) - وهي ابنة عمّ فيروز، ولعلّها التي كانت تُلقّب بـ (مرزبانة) - على ما جاء في رواية الروض الأنف - وقد أسند أمر جنده إلى قيس بن عبد يفوث، وأسند أمر الأبناء (الفرس الذين قطنوا اليمن) إلى فيروز وداذويه، وكانوا من ذي قبل من عمّال رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فاستمالهم وهدّدهم على قبول ولايته، فقلبوا مكرهين.
قال: واستخفّ بقيس وبفيروز وداذويه، وتزوّج امرأة شهر، ابنة عمّ فيروز.
يقول فيروز: ونحن في هذه الشدّة إذ جاءنا كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قَدِم علينا به وَبَر بن يحنس، يأمرنا فيه بالقيام على ديننا والنهوض في الحرب، والعمل في الأسود إمّا غليةً وإمّا مصادمةً، وأن نبلّغ عنه من رأينا أنّ عنده نجدةً وديناً، فعملنا في ذلك، وكاتبنا الناس ودعوناهم، فرأينا أمراً كثيفاً (1) .
قال: وقد أحسّ بذلك الأسود، يقال: أخبره به شيطانه، فأرسل إلى قيس، وقال له: إنّ هذا - وأشار إلى شيطانه - يقول لي: عمدت إلى قيس فأكرمته، حتى إذا دخل منك كل مدخل، وصار في العزّ مثلك، مال ميل عدوك وحاول ملكك، وأضمرَ على الغدر، إنّه يقول: يا أسود يا أسود، يا سوأه يا سوأه، اقطف قُنّته (2) وخذ من قيس أعلاه، وإلاّ سلبك أو قطف قُنّتك.
فقال قيس: كذب وذي الخمار، لأنت أعظم عندي من أن أُحدّث نفسي بذلك، فقال العنسي: ما أجفاك، أَتكذّب الملك! قد صدق الملك لكني عرفت الآن أنّك تائب!
ثم خرج قيس من عنده وجاء إلى جُشَيش وفيروز وداذويه وأخبرهم بالخبر، وقال: إذاً فما الرأي؟ قالوا: نحن على حذر. فبيناهم على ذلك إذ أرسل إليهم العنسي، وقال لهم: أَلَم أُشرّفكم على قومكم، أَلَم يبلغني عنكم؟! فقالوا: أقلنا
____________________
(1) كثف: غلط كثر والتفّ.
(2) القنّة: كالقلّة لفظاً ومعنى، وهو أعلى الشيء ورأسه.
مرّتنا هذه، فقال لهم: لا يبلغني عنكم فأقتلكم، قالوا: فنجونا ولم نكد، لكنّه لم يزل في ارتياب من أمرنا وأمر قيس، ونحن أيضاً في ارتياب من أمره.
قال فيروز: إذ جاءنا اعتراض عامر بن شهر بن باذان، وذي زود، وذي مران، وذي كلاع، وذي ظليم عليه، وكاتبونا وبذلوا لنا النصر، وإنّما اهتاجوا لذلك حين جاءهم كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بشأن العنسي يحرّضهم عرباً وغير عرب على رفع فتنته، فكاتبناهم أن لا يحرّكوا شيئاً حتّى نبرم الأمر.
قال: فدخلت على (آزاد) امرأته فقلت لها: يا ابنة عمّ، قد عرفت بلاء هذا الرجل عند قومك، قتل زوجك وطأطأ في قومك القتل - أي أسرع فيهم القتل - وسفل بمَن بقي منهم، وفضح النساء، فهل عندك من ممالأة عليه؟! فقالت: عليّ أمره، قلت: إحراجه؟ قالت: أو قتله، قلت: أو قتله؟! قالت: نعم، والله ما خلق الله شخصاً أبغض إليّ منه، ما يقوم لله على حقّ، ولا ينتهي له على حرمة، قالت: فإذا عزمتم فأعلموني، أخبركم بمأتى هذا الأمر.
قال: فاجتمع أمرنا على أن نغدر به، فأتيت آزاد وأخبرتها بعزيمتنا وانتظرت رأيها، فقالت: هو متحرّس، وليس في القصر ناحية إلاّ والحرس محيطون بها، سوى هذا البيت، فإنّ ظهره إلى مكان كذا، فإذا أمسيتم فانقبوا عليه، فإنّكم دون الحرس، وليس دون قتله شيء، قالت: وإنّكم ستجدون فيه سلاحاً وسراجاً.
فتقدّم جُشَيش وداذويه فاقتلعا بطانة البيت، فدخل فيروز وأغلق الباب وجلس عند آزاد كالزائر، وإذا بالأسود دخل عليها فاستخفّته غيرةً، وأخبرته برضاع وقرابة، فصاح به وأخرجه.
قال: فنقبنا البيت من خارج ودخلنا وفيه سراج تحت جفنةٍ، وإذا به يمرّ بباب البيت إذ سمع غطيطاً، فعاجله فيروز فخالطه وهو مِثل الجمل، فأخذ برأسه وقتله، فدقّ عنقه ووضع ركبته في ظهره فدقّه، ثمّ قام ليخرج فأخذت المرأة بثوبه، وهي ترى أنّه لم يقتله، فقالت أين تدعني؟ قال: أخبر أصحابي، فأتاهم فقاموا معه
وأرادوا حزّ رأسه، فاضطرب فلم يمكن ضبطه، فقال: اجلسوا على صدره، فجلس اثنان على صدره، وأخذت المرأة بشعره، إذ سمعت منه بربرة (صياح ونخير) فألجمته بمئلاة (1) فأَمرّوا الشفرة على حلقه، فخار كأشدّ خوار ثور، فابتدر الحرس الذين كانوا حول المقصورة، فقالوا: ما هذا ما هذا؟ فقالت المرأة: النبيّ يُوحى إليه! فخمد.
قال: وكتبنا بذلك إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وكان قد أتاه الخبر من السماء الليلة التي قُتل فيه العنسي، فأصبح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يُبشّر أصحابه بهلاك عدوّ الله فقال: قُتل العنسي البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركينَ! قيل: ومَن هو؟ قال: فيروز، فاز فيروز (2) ، تلك كانت نهاية أمر اللعين عدوّ الله.
قال فيروز في كيفيّة قتله: إنّي لمّا خرجت إليه كنت قد خلفت سيفي فقلت: إن رجعت إلى سيفي خفت أن يفوتني، فضربت بيدي على رأسه، وأخذت رأسه بيد ولحيته بيد، ثمّ لويت عنقه فدققتها.
قال أبو جعفر: وكان أوّل أمره إلى آخره ثلاثة أشهر (3) .
5 - ابن المقفّع:
عبد الله بن المقفّع الفارسي الماهر في صنعة الإنشاء والأدب (4) وهو الذي عرّب (كليلة ودمنة) بأُسلوبه الأدبي البديع، صاحب كتاب (الدرّة اليتيمة) المعروفة، زعموا أنّه اشتغل بمعارضة القرآن مدّة مزّق ما جمع واستحيى لنفسه
____________________
(1) هي خرقة تمسكها المرأة عند النوح تشير بها.
(2) فيروز معرّب بيروز، بمعنى المضفّر.
(3) تاريخ الطبري: ج2 ص463 - 473.
(4) أسلم على يد عيسى بن علي عمّ المنصور، ولعلّه لذلك (لمنافسة كانت بينه وبين عمّه) أمر عامله بالبصرة سفيان بن معاوية بشنق ابن المقفّع نكايةً به، بحجّة زندقته في ظاهر الأمر، كان ذلك عام 143.
من إظهاره.
يقال: اجتمع أبو شاكر الديصاني وابن أبي العوجاء (1) وعبد الملك البصري (2) وابن المقفّع في المسجد الحرام يستهزئون بالحاجّ ويطعنون في الإسلام والقرآن.
فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ننقض القرآن كلّ واحد منّا ربعه، وإذا نقضناه بطلت نبوّة محمّد، وفي إبطال نبوته إبطال الإسلام!
فتوافقوا على أن يجتمعوا بعد عام ويأتوا بما عملوا في نفس المكان، فلمّا كان من قابل واجتمعوا، وإذا هم لم يأتوا بشيء!
قال ابن أبي العوجاء: أمّا أنا فمُنذ افترقنا تفكّرت في هذه الآية ( فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً ) (3) فلم أقدر على موازاتها في الفصاحة والبيان، فقد شغلتني عن التفكّر في غيرها!
وقال عبد الملك: وأنا منذ فارقتكم كنت مفكّراً في هذه الآية ( يَا أَيّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمْ الذّبَابُ شَيْئاً لاّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) (4) فلم أقدر على مناظرتها!
وقال أبو شاكر: وأنا أيضاً منذ مفارقتي إيّاكم ظللت متفكّراً في هذه الآية ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (5) فلم أقدر على أن أُماثلها!
فقال ابن المقفّع: يا قوم، إنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا مذ فارقتكم مفكّر في هذه الآية ( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِي الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلى الْجُودِيّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) (6) فلم أستطع
____________________
(1) ستأتي ترجمتهما في صفحة 154.
(2) لم نعثر على ترجمته.
(3) يوسف: 80.
(4) الحجّ: 73.
(5) الأنبياء: 22.
(6) هود: 44.
أن آتي بنظيرتها!
قال هشام بن الحكم (1) وهو يراقب الجماعة: فبينما هم في ذلك، إذ مرّ بهم الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) وعلم ما هم فيه، فقال لهم - متهكّماً -: ( قُل لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (2) .
قال: فنظر القوم بعضهم إلى بعض، وقالوا - معجبين بالأمر -: لئن كان للإسلام حقيقة وإلاّ لما انتهت وصاية محمّد (صلّى الله عليه وآله) إلى مثل جعفر بن محمّد، والله ما رأيناه قطّ إلاّ هبناه واقشعرّت جلودنا لهيبته، ثمّ تفرّقوا مقرّين بالعجز (3) .
هذا، وقد أنكر العلماء نسبة ذلك إلى ابن المقفّع، الذي هو من أبصر الناس باستحالة المعارضة، إنّما يَعرف ذا الفضل من الفضل ذووه.
قال الرافعي: هذه النسبة مكذوبة عليه، وأنّ ابن المقفّع من أبصر الناس بعدم إمكان معارضته مثل القرآن، لا لشيء إلاّ، لأنّه من أبلغ الناس، وإذا قيل: إنّ فلاناً يزعم إمكان المعارضة فاعلم أنّه إما جاهل أحمق أو عالم أعمته العصبية، وابن المقفّع ليس واحداً منهما، ذلك الرجل العاقل الخبير بموضع نفسه من كلام الله المجيد.
قلت: إن صحت الرواية - ولم تصح - فلعلّه كان مجارة مع بني جلدته من أهل الأدب، وربّما كانوا يلحدون في آيات الله، فأراد بهذه التجربة إفحامهم وإقناعهم بواقع الأمر.
____________________
(1) كان من أعاظم صحابة الإمام الصادق (عليه السلام) مشهوراً بالكلام وحسن المناظرة، كان كوفيّاً ونشأ بواسط واتّجر ببغداد، توفّي سنة 199 هـ.
(2) الإسراء: 88.
(3) الاحتجاج للطبرسي: ج2 ص142 - 143، وأورد مختصره في بحار الأنوار: ج89 ص 16 نقلاً عن مختصر الخرائج: ص242.
تدلّك على ذلك قصّته الأخرى - في المسجد الحرام - مع أصحابه، عندما مرّوا بالإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) فعمد إلى التنويه بمقامه الرفيع:
روى الصدوق عليه الرحمة بإسناده المتّصل إلى أحمد بن محسن الميثمي قال: كنت عند أبي منصور المتطبّب فقال: أَخبرني رجل من أصحابي قال: كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبد الله بن المقفّع في المسجد الحرام، فقال ابن المقفّع: تَرون هذا الخلق؟ - وأومأ بيده إلى موضع الطواف - ما منهم أحد أوجب له اسم الإنسانيّة، إلاّ ذلك الشيخ الجالس - يعني جعفر بن محمّد (عليه السلام) - فأمّا الباقون فرعاع وبهائم.
فقال له ابن أبي العوجاء: وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء؟ قال: لأنّي رأيت عنده ما لم أرَ عندهم.
فقال ابن أبي العوجاء: ما بُدّ من اختبار ما قلت فيه منه، فقال له ابن المقفّع: لا تفعل، فإنّي أخاف أن يُفسد عليك ما في يدك.
فقال: ليس ذا رأيك، ولكنّك تخاف أن يضعف رأيك عندي، في إحلالك إيّاه المحلّ الذي وصفت! فقال ابن المقفّع: أمّا إذا توهّمت عليّ هذا فقم إليه، وتحفّظ ما استطعت من الزلل، ولا تثنِ عنانك إلى استرسالٍ يُسلمك إلى عقال، وسمه مالك أو عليك!
قال: فقام ابن أبي العوجاء إلى الإمام - وتكلّم معه وحاججه طويلاً في شرح يطول، ثمّ رجع وهو مبهور بفضله ونبوغه - فقال: يا ابن المقفّع، ما هذا ببشر، وإن كان في الدنيا روحانيّ يتجسّد إذا شاء ظاهراً ويتروّح إذا شاء باطناً فهو هذا! ثمّ ذكر له حديثه معه (1) .
وهذا إن دلّ فإنّما يدلّ على أنّ ابن المقفّع كان يرى - بفضل ذكائه وفرط عقله - مكانة أئمّة المسلمين الأحقّاء بمقام الإمامة سمّواً ورفعةً وشموخاً، تلك كانت
____________________
(1) كتاب التوحيد: باب القدرة ح4 ص126.
عقيدته الباطنة، وربّما كان يتألم من تقدم غير الأهل من أهل الهرج والضوضاء، فكان يقوم في وجههم ويعارضهم بقوّة بيانه وصريح حجّته؛ ومِن ثَمّ رموه بالزندقة والإلحاد، هذا ما أظنّه بحقّ الرجل وربّما لا أشكّ في استقامة طريقته على غِرار استقامة سائر أبناء الفرس الذين أسلموا يوم أسلموا وكانوا يَرون الحقّ مع أهل بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله) وإن كان في ذلك رغم أُنوف أشياع أُميّة وبني العبّاس!
6 - أبو شاكر الديصاني:
هو عبد الله أبو شاكر الديصاني، نسبة إلى الفرقة الديصانيّة، مذهب قديم مِن ثنوية المجوس، له كتاب (النور والظلمة). كان يسكن الكوفة وله مع هشام بن الحكم مناظرات، وأخيراً أسلم على يد الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) في مباحثة جرت معه فاستسلم، وتشهّد الشهادتين وتاب إلى الله ممّا كان فيه، عاش إلى حدود المِئة والخمسين.
وقد مرّت قصة معارضته للقرآن إن صحّت، نعم، له محاججات على مذهبه القديم الثنوي استناداً إلى آيات متشابهة في القرآن، ذكرها المجلسي في بحار الأنوار وغيره (1) .
7 - ابن أبي العوجاء:
هو عبد الكريم بن أبي العوجاء، خال معن بن زائدة، زنديق مغترّ، كان تلميذاً للحسن البصريّ فانحرف عن التوحيد. وكان يقول: إنّ صاحبي كان مخلّطاً يقول طوراً بالجبر وطوراً بالقدر! فما أعتقد له مذهباً! وقد جرى بينه وبين الإمام
____________________
(1) راجع بحار الأنوار: ج4 ص140، وسفينة البحار: ج1 ص475، وتجه في الملل والنحل للشهرستاني: ج2 ص55.
الصادق (عليه السلام) احتجاجات، ولمّا أُخذ ليُضرب عنقه، قال: لقد وضعت أربعة آلاف حديث اُحرّم واُحلّل.
كان عبد الكريم يُفسد الأحداث، فتهدّده عمرو بن عبيد، فلحق بالكوفة، فدلّ عليه محمّد بن سليمان - أمير البصرة - فقتله وصلبه، وكان ذلك في خلافة المهدي بعد الستّين والمائة (1) .
له مع الإمام الصادق (عليه السلام) مناظرات كثيرة في مختلف شؤون الدين، ولا سيّما فيما زعمه من مناقضات في القرآن الكريم (2) ، أمّا قصّة معارضته للقرآن فقد مرّت في قصّة ابن المقفّع.
8 - ابن الراوندي:
أبو الحسين أحمد بن يحيى الراوندي البغدادي، (المتوفّى سنة 245 هـ)، نسبته إلى راوند من قُرى كاشان، كان من العلماء الأفذاذ، ومن النقّاد من أهل الكلام، له مجالس ومنظرات مع أرباب الأُصول من أصحاب المذاهب ولا سيّما أهل الاعتزال، فإنّ له نقداً حرّاً على أُصول مذهبهم في المعتقدات؛ ومِن ثَمّ رمي بالزندقة والإلحاد.
يقال: إنّه وضع كتابه (الفرند) طعناً في الدين ذَكر فيه: أنّ المسلمين احتجّوا لنبوة نبيّهم بالقرآن الذي تحدّى به النبيّ فلم تقدر العرب على المعارضة، فيقال لهم: أَخبرونا لو ادّعى مدّع لمَن تقدّم من الفلاسفة مثل دعواكم في القرآن، فقال: الدليل على صدقً بطلميوس أو اقليدس أنّ اقليدس ادّعى أنّ الخلق يعجزون عن أن يأتوا بمثل كتابه، أكانت نبوّته تثبت؟ (3) .
____________________
(1) راجع الكُنى والألقاب: ج1 ص201، ولسان الميزان: ج4 ص51 - 52.
(2) راجع توحيد الصدوق: ص253.
(3) تاريخ أبي الفداء (المختصر في أخبار البشر): ج2 ص61.
لكن يظهر من مناظراته مع أرباب الجدل أنّ كلماته مثل هذه إنّما قالها جدلاً وإفحاماً لدليل الخصم، لا لعقيدة الخلاف واقعاً. انظر إلى ما نقله صاحب كتاب (معاهد التخصيص) عن مناظرة وقعت بينه وبين أبي علي الجبّائي رئيس المعتزلة في وقته. قال له ابن الراوندي: أَلا تسمع شيئاً من معارضتي للقرآن؟ قال الجبّائي: أنا أعلم بمخازي علومك، ولكن أُحاكمك إلى نفسك، فهل تجد في معارضتك له عذوبةً وهشاشةً وتشاكلاً وتلاؤماً ونظماً كنظمه وحلاوةً كحلاوته؟ قال: لا والله، قال: قد كفيتني، فانصرف حيث شئت.
قال الرافعي: أمّا ما قيل من معارضته للقرآن فلم يُعلم منها شيء سوى هذه المناظرة (1) .
قلت: على فرض صحّتها فهي صريحة في عقيدته بكبرياء القرآن وعظمته الخارقة، ومِن ثَمّ فهي على العكس أدلّ، وأنّه إنّما جارى الخصوم في أنّه هل يمكن المعارضة أم لا؟
هذا وقد رُمي إلى الرفض والتشيّع، رفضاً لعقائد أهل السنّة القائلين بالجبر والقدر، ولعلّه شايعَ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في مسائل العقيدة الإسلامية الأُولى.
وكيف كان، فلم يثبت أنّه عارض القرآن أو حاول معارضته، مع أنّه الرجل العالم العارف بمواقع الكلام.
قال الشريف المرتضى في كتاب (الشافي): إنّ ابن الراوندي إنّما عمل الكتب تشنيعاً على مغالطات المعتزلة؛ ليُبيّن لهم عن استقصاء نقصانها، وكان يتبرّأ منها تبرّؤاً ظاهراً، وينتحي من علمها وتصنيفها إلى غيره، وله كتب سداد مثل كتاب الإمامة والعروس... وعن صاحب الرياض: يبدو من كتب السيّد أنّه كان يحسن الظنّ به مستقيماً في عقيدته... (2) .
____________________
ذلك يُذهب برونق الكلام وربّما يطيح به إلى حضيض الابتذال، كما حصل بالفعل لهذا المعارض السفيه، وليس ما لفّقه تقليديّاً ممّا يفي بما وفّاه سورة الحمد من جليل المعنى وقوّة التعبير (1) .
وهكذا زعم الكاتب أنّه عارض سورة الكوثر، بكلمات لفّقها من غير ما نظم ولا أُسلوب ولا محتوىً معقول، وزاد شناعةً أنّه لعق إنّاءً قد لعقها كذّاب يمامة من قبل، جاء في تلفيقه: إنّا أعطيناك الجواهر، فصلّ لربّك وجاهر، ولا تعتمد قول ساحر.
وما ذاك إلاّ تقليد مفضوح عن قولة مُسيلمة: إنّا أعطيناك الجماهر، فصلّ لربّك وهاجر، وإنّ مبغضك رجل كافر.
قال سيّدنا الأُستاذ دام ظلّه: لم يلتفت هذا المعتوه أنّ إعطاء الجواهر لا يستدعي إقامة الصلاة والجهر بها؛ لأنّ نعمة الثروة أخسّ نعم الله على الإنسان الذي شرّفه بجلائل النعم العظام، كالحياة والعقل والإيمان، ثمّ ما وجه تعريف الجواهر، أَهي لام العهد أم لام الجنس للاستغراق أم لغيره؟ وأخيراً ما وجه المناسبة بينه وبين قوله: (لا تعتمد قول ساحر) أيّ ساحر؟ مُعيّن أم غير معيّن؟
ولعلّ قولة مسيلمة كانت أقرب إلى نظم السورة، بعد أن كان الأصل أيضاً تقليداً وسرقةً محضة، الأمر الذي ليس من المعارضة في شيء (2) .
البابيّة والبهائيّة:
(البابيّة) فرقة مُبتدَعة ابتدعها علي محمّد ابن ميرزا رضا البزّاز الشيرازي وُلد سنة 1236هـ في شيراز، وورد كربلاء سنة 1255 هـ لتعلم العربية والدروس الدينية، فصادف إن تتلمذ عند السيّد كاظم الرشتي (المتوفّى سنة 1258 هـ)، فكان يدعو شيخه الباب الأعظم، وبعد وفاته ادّعى لنفسه البابيّة (الوسيط بين الغائب المنتظر والناس)، ثمّ ارتقى إلى مرتبة المهدويّة، ووصف نفسه بصفة (بقية الله) وأمر أتباعه بإدخال جملة (أشهد أنّ علي محمّد الباب بقية الله) في الأذان.
____________________
(1) و (2) راجع البيان: ص112.
وانتهى أمره إلى شنقه بأمر ناصر الدين شاه القاجاري في ميدان تبريز سنة 1266هـ وعمره إذ ذاك 31 سنة.
وقد تدرّج المعتوه من درجة البابية إلى دعوى المهدوية فإلى دعوى النبوّة، والإلوهية أخيراً.
وله في كلّ هذه المدارج مقالات سخيفة كان يمليها عليه شيطانه الأخرس، وكان يصدرها بصورة ألواح قدسية نازلة من السماء، كما زعم.
ومن سخافاته الهذيانية ما سطّره في لوح الحمد: أستحمد حمداً ما حمده أحد من قبلُ ولا يستحمده أحدٌ من بعدُ، حمداً طلع وأضاع، وتشعشع وأشرق وأنار، وبرق فأبار، فارتفع، وتسطّع فامتنع، حمداً شرّاقاً ذو الاشتراق، وبرّاقاً ذو الابتراق، وشقّاقاً ذو الاشتقاق وترّاقاً ذو الارتقاق، ورتّاقاً ذو الارتتاق، ورفّاقاً ذو الارتفاق، وحقّاقاً ذو الاحتقان، وسيّاقاً ذو الاستياق، وحدّاقاً ذو الاحتداق، وقلاّقاً ذو الاقتلاق... ويختم اللوح بقوله: جملاً كملاً زقعاً بهيّاً، بحياناً جملاناً، جمولاناً وعظماناً.
وفي لوح البهاء: بسم الله البهيّ الأبهى، لا إله إلاّ هو الواحد البهيّان، بهاء السماوات والأرض وما بينهما، فوق كلّ ذي البهاء، لن يقدر أن يمتنع عن مليك سلطان أبهائه من أحد لا في السماوات ولا في الأرض ولا ما بينهما، إنّه كان بهاءً باهياً بهياءً....
وفي لوح القِدَم: بسم الله الأقدم الواحد القدّام المقدّم القدوم القدمان المتقدّم المقتدم المقدوم المتقادم المستقدم القيدوم، المقادم ذي القدامين، القدم ذي القدماء، ذي القدمات، ذي الأقادم... إلى أن يقول: اشهد يا إبراهيم إنّه لا إله إلاّ أنا الرّحام الرحيم، لن يرى في الأسماء إلاّ الله إنّك ربّ العالمين، لم يكن لما خلقت من أوّل ولا آخر، وكل ما يرى قائمون ولن يقدر أحد أن يُحصي ظهورات لا إله إلاّ
الله، وإنّ مظهر نفسه لحقّ لا ريب فيه، كلٌّ بأمر الله من عنده يخلقون....
وفي لوح القائم: وإنّني أنا القائم الذي كلّ ينتظرون يومه وكلّ به يوعدون، قد خلقني الله بأمره وجعلني قائماً على كلّ نفسه بما قد آتاني الله من الآيات وإنّه هو المهيمن القيّوم... إلى أن يقول: قل كلّ شيء هالك إلاّ وجهه، كذلك يُظهر الله صدق ما نزل لعلّكم تتذكّرون... ويختتم اللوح بقوله: ولَعمري أنّ أمر الله في حقّي أعجب من أمر محمّد رسول الله من قبل لو أنتم فيه تتفكّرون، قل إنّه رُبّي في العرب ثمّ من بعد أربعين سنة قد نزّل الله عليه الآيات، قل إنّي رُبّيت في الأعجمين وقد نزّل الله عليّ من بعد ما قد قضى من عمري خمسة بعد عشرين سنة آيات التي كلّ عنها يعجزون، إنّا كنّا نستنسخ ما كنتم به تعملون... (1) .
(أمّا البهائية) فهم أخلاف فرقة الباب، تاهوا في بيداء الضلال كما تاه أسلافهم، وأَوّل من استخلف الباب هو الميرزا يحيى بن عباس النوري الملقّب بـ (صبح أزل) وأصبح خليفةً الباب سنة 1265هـ ق، وارتحل هو وأصحابه إلى بغداد، وتغيّب هناك عن أعين الناس، وكان الواسطة بينه وبين أغنام البابية أخاه الميرزا حسين علي الملقّب بـ (بهاء الله) الذي تغلّب على أخيه (صبح أزل) بعدئذٍ وعزله وقام مقامه، وإليه تنتمي الفرقة البهائية.
وإليك من كلمات صبح أزل أنزلها بصورة آيات!!: سبحان الذي نزّل الكتاب بالحقّ فيه آيات اللوح هدىً وبشرى لقوم يسمعون، أن اتّبع حكم ربك لا إله إلاّ هو كلٌّ إليه ترجعون، وأنّ في الحين قد خرجنَ الحوريات من قصرٍ بحكم رّبك العزيز الحميد، وأنّ مِن دعائهنّ قل هذا الحرف، فلمّا جاء الرجال الذين يقاتلون من الله بالحقّ فإنّا نحن لفائزون، وأنّ الله لمفعول، قل الحكم في يوم الأمر كان من لديّ لمشهوداً أن ارجعنَ وسبّحنَ ربّ الخلق الذي بيده ملكوت كلّ شيء، وأن لا إله إلاّ هو الغنيّ الحميد (2) .
____________________
(1) راجع فلسفة نيكو: ج4 ص44 - 50، ودهخدا حرف الباء.
(2) فلسفه نيكو: ج4 ص60.
ومن سخائف كلمات البهاء في كتابه (المبين) (طُبع سنة 1308هـ ق) في بومباي: يا هذا الهيكل ابسط يدك على مَن في السماوات والأرض وخذ زِمام الأمر بقبضة إرادتك إنّا جعلنا في يمينك ملكوت كلّ شيء، افعل ما شئت ولا تخف من الذين هم لا يعرفون - إلى أن يقول - ترتفع أيادي كلّ شيء إلى الله المقتدر العزيز الودود، سوف نبعث من يدك أيادي القوّة والقدرة والاقتدار وتظهر بها قدرتي لمَن في ملكوت الأمر والخلق ليعرف العباد أنّه لا إله إلاّ إلاّ أنا المهيمن القيوم... (1) .
القاديانية:
القاديانية فرقة هندية إسلامية مُبتدَعة، ابتدعها الميرزا غلام أحمد القادياني (1248 - 1319هـ ق) كان من أولاد الأثرياء الكبار في الهند، كانت داعيته - حسبما زعم - تطهير الإسلام من الشوائب والدخائل، ومن عقيدتهم تكفير أصحاب سائر المذاهب وعدم التزاوج معهم وتحريم الاقتداء بهم في الصلاة، وعدم جواز الصلاة على موتى غير مذهبهم، ونحو ذلك من مزاعم غريبة.
ومن كتبهم (حمامة البُشرى إلى أهل مكّة وصلحاء أُمّ القرى) و(القصائد الأحمدية) و(المسيح الموعود والمهدي الموعود) و(مواهب الرحمن) كلّها بقلمه (2) .
وذكر السيد هبة الدين الشهرستاني: أنّ أصل هذا الهندي من (بلخ) من قرية (مزار الشريف) بأفغانستان، وكان آباؤه ارتحلوا إلى مدينة (سبزوار) من بلاد (خراسان) ثمّ ارتحلوا منها إلى قرية (قاديان) في منطقة (بنجاب) شمالي الهند، أيّام الاحتلال الانجليزي... فجعل غلام أحمد وهو شابّ يافع يتعلّم الانجليزية
____________________
(1) المصدر: ص104.
(2) راجع فلسفة نيكو: ج4 ص69، دهخدا حرف الغين، ومعجم المطبوعات: ج2 ع1419.
والعربية ويدرس العلوم الدينيّة؛ ليُستخدم عند الانجليز على مزارع القرية هناك براتب (عشرين روبية) شهريّاً.
وفي سنة 1880 م أعلن في كتابه (برهان أحمدي) أنّه المهديّ الموعود، ثمّ أعلن في سائر كتبه بنزول الوحي عليه، ومن جملة ما أُوحي إليه: نسخ حكم الجهاد من شريعة الإسلام ووجوب طاعة الانجليز في البلاد! فأعانته السلطة على دعوته وأعلنت برسمية مذهبه، وفي سنة 1889 م ادّعى النبوّة رسميّاً، وزعم أنه المسيح، وأسقط من اسمه لفظة (غلام).
وممّا زعم أنّه أُوحي إليه - كما جاء في كتابه (حمامة البُشرى) -: فألهمني ربي مبشراً بفضل ما عنده وقال: إنّك من المنصورين. وقال: يا أحمد بارك الله فيك، ما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى، لتنذر قوماً ما اُنذر آباؤهم، ولتستبين سبيل المجرمين... وقال: أنت على بيّنة من ربك رحمة من عنده وما أنت بفضله من المجانين، ويخوّفونك من دونه إنّك بأعيننا سمّيتك المتوكّل... ويمكرون ويمكر الله.. فأدخل الله في لفظ اليهود معشر علماء الإسلام الذين تشابه الأمر عليهم كاليهود، وتشابهت القلوب والعادات، والجذبات والكلمات من نوع المكائد والبهتانات والافتراءات، وأنّ تلك العلماء قد أثبتوا هذا التشابه على النظارة بأقوالهم وأعمالهم، وانصرافهم واعتسافهم، وفرارهم من ديانة الإسلام... وكونهم من المسرفينَ العادينَ، وكنت أظنّ بعد هذه التسمية أنّ المسيح الموعود خارج، وما كنت أظنّ أنّه أنا، حتّى ظهر السرّ المخفي، وسمّاني ربّي عيسى في إلهام من عنده، إنّا جعلناك عيسى بن مريم، وأنت منّي بمنزلة لا يعلمها الخلق، وأنت اليوم منّي بمنزلة توحيدي وتفريدي... إلى آخر ما لفّقه من ترّهات (1) .
* * *
____________________
(1) راجع المعجزة الخالدة: ص117 - 119.
هناك مزاعم اصطنعتها أصحاب شبهة التحريف، فحسبتها قرآناً وعلى شاكلته فيما زعموا، ونسبوها إلى الوحي سفهاً وحمقاً، وليست سوى تلفيقات هزيلة نسجتها عقول ضعيفة، لا نظم لها ولا تأليف معروف، فضلاً عن ضحالة المعنى وضآلة المحتوى إلى مستوى سحيق.
نعم، تصانع الأخباريون مع إخوانهم الحشويين على اختلاق روايات وحكايات أساطيريّة عن سورٍ وآياتٍ زعموهنّ مُسقَطات من الذكر الحكيم، وبذلك حاول الفريقان قصارى جهدهم على هدم أساس الإسلام والإطاحة بصرحه الرفيع وحصنه المنيع... يا لها من عقليةٍ هزيلة وفكرةٍ هابطة، ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) (1) ، ( كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنّ أَنَا وَرُسُلِي إِنّ اللّهَ قَوِيّ عَزِيزٌ ) (2) . ( يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللّهُ مُتِمّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (3) وها نحن نعرض نماذج من سخائف تلكمُ المخاريق؛ لتكون هي بذاتها شاهدةُ صدقٍ على ذلك البَون الشاسع بين رفيع كلامه تعالى والوضيع من تلك السقطات.
____________________
(1) النساء: 76.
(2) المجادلة: 21.
(3) الصف: 8.
من ذلك ما اختلقته عقلية برهمية حاقدة على الإسلام والمسلمين هو صاحب (دبستان المذاهب) فحسب فيما حسب في أوهام خياله سورة قرآنية ساقطة من القرآن، ناسباً ذلك إلى بعض فئات الشيعة نسبةً عمياء؛ إذ لا أثر لها في أقلّ رسالة أو أدنى كتاب منسوب إليهم إطلاقاً، وإنّما هدرت منه من غير هوادة، ولم يُعلم مستنده ولا الذي قصّ عليه هذه القصّة الخيالية.
نعم، كان الرجل ذا شذوذ عقليّ مفرط يتقبّل كلّ ما يلقيه عليه المشعوذون ممّن أحسّوا منه هذا الشذوذ، فضلاً عمّا كانت تحمله ضلُوُعه من الحقد على أبناء الإسلام، وكان يُحاول مبلغ جهده الحثيث - ولكن في ستار خبيث - على تشويه سمعة الإسلام ليدسّ التحريف في عقائد الفِرَق والملل أيّاً كانوا وأيّ مذهب سلكوا؛ رغبةّ في ترويج مذهب أبيه (آذركيوان) وكان قد دعا إليه منذ عهد أكبر شاه التيموري (963 - 1014هـ).
أمّا صاحب الدبستان - وإن اختلفت الآراء في معرفة اسمه ونسبه، لكن المحقّق - هو (المُؤَبّد كيخسرو اسفنديار) حفيد (آذركيوان المتوفّى سنة 1027هـ) مؤسّس المذهب الكيواني، وكانت ولادة المؤلّف قبل موت جده ببضع سنين في مدينة (بتنه) من أعمال الهند، وعاش حتّى ما بعد سنة السبعين بعد الألف، على ما يظهر من تواريخ جاءت قيد الحوادث في كتابه الآنف.
وأَوّل من أشاد بشأن كتابه هذا هو (فرنسيس غلادوين) الانجليزي ترجمه إلى الانجليزية عام 1789م، وفي عام 1809 (في ذي القعدة 1224هـ ق) طُبع الكتاب بنصّه لأَوّل مرّة في (كلكتّا) بدستور من المندوب البريطاني في الهند (ويليام بيلي) (1) .
أمّا لماذا اهتّم العجوز المستعمر بهذا الكتاب ونشره وطبعه؟! لأمر ما جدع
____________________
(1) راجع ما حقّقه الأُستاذ رحيم في المجلّد الثاني من الكتاب المطبوع سنة 1362، وقد ذكرنا بعض الكلام عنه عند البحث عن شبهة التحريف في كتابنا (صيانة القرآن من التحريف) فراجع.
قصيراً أنفه!
والسورة المزعومة هذه غير منسجمة اللفظ ولا ملتئمة المعنى إلى حدّ بعيد، بما لا يُقاس بكلام العرب فضلاً عن كلام الله المعجز، وإليك مقتطفاً من نصها:
(يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنورين أنزلناهماه يتلوانِ (1) عليكم آياتي ويُحذّرانكم عذاب يوم عظيم، نوران بعضهما من بعض وأنا السميع العليم، إنّ الذين يوفون بعهد الله ورسوله في آيات (2) لهم جنات النعيم، والذين كفروا من بعدما آمنوا بنقضهم ميثاقهم وما عاهدهم الرسول عليه يُقذفون في الجحيم، ظلموا أنفسهم (3) وعصوا لوصيّ الرسول، أُولئك يُسقون من حميم، إنّ الله الذي نوّر السماوات والأرض بما يشاء، واصطفى من الملائكة والرسل، وجعل من المؤمنين (4) ، أُولئك في خلقه يفعل الله ما يشاء (5) ، لا إله إلاّ هو الرحمن الرحيم... قد خسر الذين كانوا عن آياتي وحكمي معرضون (6) ... ولقد أرسلنا موسى وهارون، فبغوا هارون (7) فصبرٌ جميل.. فاصبر فسوف يبصرون... وجعلنا لك منهم وصيّاً لعلّهم يرجعون (8) ... إنّ عليّاً قانتاً بالليل ساجداً، يحذر الآخرة (9) ويرجو ثواب ربّه، قل هل يستوي الذين ظلموا وهم بعذابي يعلمون (10) سيجعل الأغلال في أعناقهم وهم على أعمالهم يندمون، إنّا بشّرناك بذرّيته الصالحين... فعليهم منّي صلوات رحمةٌ أحياءً وأمواتاً يوم يبعثون (11) ، وعلى الذين يبغون عليهم
____________________
(1) كيف النور النازل يتلو الآيات؟!.
(2) كيف الوفاء بعهد الله ورسوله في آيات؟!.
(3) ما محل إعراب هذه الجملة الفعلية، أهي خبر عن مبتدأ محذوف؟!.
(4) ما معنى (وجعل من المؤمنين)؟!.
(5) ما معنى (أولئك في خلقه يفعل الله ما يشاء)؟!.
(6) لماذا ارتفع خبر كان؟!.
(7) كيف يكون هارون مبغياً؟!.
(8) ما معنى (وجلنا لك منهم وصيّاً لعلّهم يرجعون)؟!
(9) كيف انتصب خبر (إنّ) مرّتين؟!.
(10) بماذا يستوي الذين ظلموا... وكيف يعلمون بعذابه؟!
(11) لماذا كانوا أمواتاً يوم يبعثون؟!.
من بعدك غضبي أنّهم قوم سوءٍ خاسرين (1) (2) .
والعجيب أنّ المحدّث النوري - مع معرفته بالعربية - استندها حجّة قاطعة على زعمه التحريف فيما رواه أهل الخلاف (3) ... وليته تدبّرها ولم يتسرّع إلى قبول ما ترفضه العقول!
* * *
وحُكي عن أبي موسى الأشعري - عندما كبر وخرف في أُخريات حياته السوداء - أنّه كان يقول في مجتمع قرّاء البصرة: إنّا كنّا نقرأ سورةً كنّا نشبّهها في الطول والشدّة ببراءة فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: لو كان لابن آدم واديان من المال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب - وزاد بعضهم: - ويتوب الله على مَن تاب.
قال: كنّا نقرأ سورة أُخرى نُشبّهها بإحدى المسبّحات، فأنسيتها، غير أنّي حفظت منها: يا أيّها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون فتُكتب شهادة في أعناقكم. - وزاد السيوطي: - فتسألون عنها يوم القيامة.
لا تدري كيف توافق المحدّث النوري (4) مع هذا العجوز الخَرِف في أوهامه وخرافاته، وقد قال تعالى: ( وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ ) (5) وقد كان قد اُشربّ في قلبه السفه والحمق من أُوليات حياته وإلاّ فكيف يخفى على ذي حِجى الفرق الواضح بين كلامه تعالى وهذا المختلق من ألفاظ وكلمات لا محتوى لها ولا ائتلاف؟ وليته نسي هاتين كما نسيَ غيرهما من بقية السورتين الموهومتين!!
* * *
وأغرب من ذلك ما وهمه بشأن دُعاءَي القنوت المرويّينِ عن طرق العامّة،
____________________
(1) لماذا نُصب نعت موصوف مرفوع؟!
(2) راجع دبستان المذاهب تحقيق رحيم رضا زاده ملك: ج1 ص246 - 247.
(3) فصل الخطاب: ص179 رقم (سح - 68) من الدليل الثامن.
(4) فصل الخطاب: ص171 رقم (ب - 2).
(5) يس: 68.
فحسبهما سورتين تُحاكيان سور القرآن... والبون شاسع والفسحة واسعة بينهما وبين نظم القرآن وتراكيب ألفاظه...
وهما: (اللّهمّ إنّا نستعينك ونستغفرك ونُثني عليك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك)... (اللّهمّ إيّاك نعبد ولك نُصلّي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك الجدّ، إنّ عذابك بالكفّار ملحق...).
ونقل المحدّث النوري عن الإتقان: أنّ عمر بن الخطّاب قنت بهما بعد الركوع (1) ، ومع ذلك فقد زعمهما سورتين قرآنيّتين أُسقِطتا من المصحف الشريف، يا له من ضحالة الفكر!! يا للعجب ( أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ) (2) ؟!
وأيضاً زعم من قول سَلمة بن مخلد الأنصاري: آيتان لم تُكتبا في المصحف، وهما: (إنّ الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، أَلا أبشروا أنتم المفلحون، والذين آووهم ونصروهم وجادلوا عنهم، القوم الذين غضب الله عليهم، أُولئك لا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين، جزاء بما كانوا يعملون)... دليلاً على اختيار... (3) .
لا ندري ما هي المناسبة بين مفاتح الآيتين المزعومتين وخواتيمهما؟! وكيف خفيَ ذلك على مثل النوري العائش في أوساط عربيّة بسامراء يومذاك؟!
إلى أمثالها من سفاسف القول هي أشبه بمهازل الكلام، وقد ذكرنا تفاصيلها في مسألة (شبهة القول بالتحريف) (4) وأبدينا أوجه التخلّص منها، وأنّها لا تعدو مزاعم زعمها أهل الحشو من أهل الحديث، وساندهم إخوانهم من الفئات الأخباريّة أصحاب العقول الساذجة! والله هو العاصم.
* * *
____________________
(1) فصل الخطاب: ص172 برقم (و - 6).
(2) هود: 78.
(3) فصل الخطاب: ص173 برقم (يج - 13).
(4) راجع كتابنا (صيانة القرآن من التحريف).
وأنّ مقارنةً عابرةً بين كلامه تعالى النازل قرآناً وبين كلام أفصح العرب المعاصر للنزول لتجعل الفرق بيّناً بينهما، وأن لا مضاهاة هناك ولا تماثل، كما لا تناسب بين الثُريّا والثرى، ذاك نجم لامع وهذه أرض هامدة، لا يشبه أحدهما الآخر في شيء؛ ومِن ثَمّ أذعنت العرب بأنّه ليس من كلام البشر الذي تعارفوه وكان في متناولهم يُمارسونه، نعم، هو كلام الله الوحي النازل على رسوله، هذا شيء كانوا قد لمسوه.
وقد مرّت عليك نماذج من خُطب العرب وأشعارهم وكانت من النمط الأرقى المعروفة يومذاك، فإذا ما قارَنْتَها مع آي القرآن الحكيم وأُسلوبه البديع تجد هذا الفرق بوضوح.
مثلاً، هذا قسّ بن ساعدة الأيادي (1) ما تزال العرب تفتخر بجلائل خُطبه القديمة حتّى اليوم، في حين أنّها لا تعدو سرد ألفاظ لا فائدة في ذِكرها سوى تلفيق سجع أو رعاية وزن، لا غير، وإليك من خطبه: أيّها الناس، اجتمعوا فاسمعوا
____________________
(1) كان أخطب العرب، وكان يُضرب به المثل (أخطب من قسّ بن ساعدة)، يقال شهده النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وهو يخطب في سوق عكاظ، وقد اعترفت العرب بفضله وببيانه. (راجع البيان والتبيين للجاحظ: ج 1 ص247).
وعوا، مَن عاش مات، ومَن مات فات، وكل ما هو آت آت، في هذه آياتٍ محكمات، مَطرٌ ونبات، وآباءٌ وأُمّهات، وذاهبٌ وآت، نجومٌ تَمُور، وبحورٌ لا تغور، وسقفٌ مرفوع، ومِهادٌ موضوع، وليلٌ داج، وسماءٌ ذات أبراج، مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون؟! أَرضوا فأقاموا؟ أم حُبسوا هناك فناموا؟ يا معشر أياد، أين ثمود وعاد، وأين الآباء والأجداد، أين المعروف الذي لم يُشكر، والظلم الذي لم يُنكر، أَقسَم قسٌّ بالله، إنّ لله دِيناً هو أرضى من دينكم هذا....
* * *
هذا وقد أَعجب صاحب كتاب (الإعجاز في دراسات السابقين) هذا الكلامُ العربيّ القديم فقال في وصفه: إنّه ثمرة من ثِمار البلاغة العربية الطيّبة الناضجة.! وضربه مثلاً لِما كان للعرب من خُطبٍ مفحمة وحكم رائعةٍ معجبة، يترقرق عليها ماء الحُسن والملاحة، فيها روعة آسرة وجمال أخّاذ... إلى آخر ما يقول في تقريض بيان أسلافه أعراب البادية الأقحاح! (1) .
ولكن يا ترى، أيّة ميزة لهذا الكلام الذي يشبه كلام الكَهَنة في أسجاع مُتكلّف بها، وأرداف مُتمحّل فيها، ليس فيها تلك الروعة والجمال البارع الذي نجده في قوله تعالى من سورة الفجر: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلاَدِ * وَثَمُودَ الّذِينَ جَابُوا الصّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الّذِينَ طغَوْا فِي الْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبّ عَلَيْهِمْ رَبّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنّ رَبّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (2)
إنّه تعالى ذكر الظالمين وأردف ذِكرهم بما يهول من عظيم قدرتهم وخطير فسادهم في الأرض، وأخيراً كان مآلهم إلى سياط الجحيم، ( يَا أَيّهَا الإِنسَانُ إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) (3) ، ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ
____________________
(1) الخطيب في الإعجاز: ص503.
(2) الفجر: 6 - 14.
(3) الانشقاق: 6.
مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (1) .
هذا هو أُسلوب القرآن في وعظه الحكيم، يهدّ الإنسان هدّاً، ويهزّ من مشاعره هزّاً، ثمّ يُهيمن عليه بسطوة بيانه وقوة كلامه في كلا تبشيره وإنذاره!
* * *
وهذا امرؤ القيس - أَلمع شعراء الجاهلية - نراه في أجود قصائده قد ضاق به الكلام حتّى لجأ إلى غرائب الألفاظ الوحشية غير المأنوسة ولا مألوفة الاستعمال، كالعقنقل والسجنجل والكهنبل والمستشزرات وأمثالها ممّا تركها سائر العرب، حتّى عافتها كتب تراجم اللغة! الأمر الذي عِيب على امرؤ القيس.
كما عِيب استعماله كلمات لا موضع لها ولا مناسبة مع مقصود شعره، قال - في مطلع قصيدته المعلّقة -:
قِفا نبكِ مِن ذكرى حبيبٍ ومَنزلِ |
بسِقط اللِوى بين الدَخول فحَومَلِ |
|
فَتوضِح فالمِقراةِ لم يعفُ رسمُها |
لِما نسجَتها من جنوبٍ وشَمأَلِ |
لم يقتنع في وصف المَنزل بقوله (بسِقط اللوى) حتّى أكمل بيان حدوده الأربعة، جنوباً وشمالاً وشرقاً وغرباً، كأنّما يُريد بيع منزله، فيخشى إن أخلّ بحدٍّ منه أن يفسد بيعه أو يبطل شرطه، وما هذا إلاّ تطويل بلا طائل، وهو من أكبر معايب الكلام.
وأيضاً فإنّه حاول إبكاء غيره ليرافقه في البكاء على فراق حبيبه، وهذا من السخف في الرأي، أن يدعو الأغيار إلى التغازل مع عشيقته فلا يغار، وهل يرضى صاحب حميّة أن يتواجد صديق له على مَن يهواه؟!
وأخيراًَ فما وجه تأنيث الضمير في (لم يعفُ رسمُها) العائد إلى المنزل، مؤوّلا إلى الديار، كما زعم! وهكذا في (نسجتها) بتأويل الريح، وكان الأَولى هو التذكير؛ لأنّ الحمل على المعنى في غير المبهمات - كالموصولات - ضعيف في اللغة.
____________________
(1) الزلزلة: 7 و 8.
وأضعف منه زيادة (من) في الإثبات، فإنّه شاذّ في اللغة.
قال ابن هشام: شرط زيادتها تقدّم نفي أو نهي أو استفهام بـ (هل) وزاد الفارسي: بعد أداة الشرط أيضاً، نعم، أهمله الكوفيّون جرياً على طريقتهم في اتّباع الشواذّ، ولا يُقاس عليه في الفصيح، قال ابن مالك:
وَزِيدَ في نفيٍ وشبهِهِ فجرّ |
نكرة كما لباغٍ مِن مَفرّ |
واشتراط كون المدخول نكرة، قال ابن هشام: لغرض إفادتها توكيد العموم في مثل (أحد) و(ديّار) وهما صيغتا عموم إذا وقعتا بعد النفي وشبهه، وهكذا جاء في القرآن الكريم، نحو ( وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ ) (1) ، ( مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ ) (2) ، ( هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ) (3) .
أمّا لفظتا (جنوب) و(شمأل) فهما اسما خاصّ لا يفيدان العموم ولا سيّما في الإثبات.
كما أنّ من شأن الرياح أن تعفو الآثار وتمحوها محواً، لا أن تستحكمها وتنسجها نسجاً كما نسبحه امرؤ القيس في عقليّته الغائرة!
قال الباقلاّني: وضرورة الشعر دلّته على هذا التعسّف (4) !
* * *
ذكر السيد صدر الدين ابن معصوم المدني بشأن حُسن الابتداء، أنّ من شرائطه التأنّق في الكلام، فيأتي بأَعذب الألفاظ، وأجزلها وأرقّها، وأسلسها سبكاً، وأتقنها مبنىً، وأوضحها معنىً، خالياً من الحشو والركاكة والتعقيد.
قال: وقد أطبق علماء البيان على أنّ القرآن في مفتتحات سوره ومطالع مقاطع آيه أتى بأحسن وجوه الكلام وأبلغها، وأجودها سلاسةً، وأسبكها نظماً،
____________________
(1) الأنعام: 59.
(2) الملك: 3.
(3) الملك: 3.
(4) إعجاز القرآن بهامش الإتقان: ج 2 ص 13 - 15.
وأوفاها بغرض البيان، وبذلك قد فاق الأقران.
يدلّك على ذلك مقارنته مع مطالع سائر الكلام من خُطب وقصائد فصحاء العرب يومذاك.
هذا امرؤ القيس تراه مجيداً في الشطر الأَوّل من مطلع معلّقته، حيث وقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والمنزل، وهو من كثير المعنى في قليل اللفظ، لكنّه هبط كلامه في الشطر الأخير، حيث أتى بألفاظ لا طائل في ذِكرها، سوى الإبعاد عن مقصود الكلام، فلا تناسب بين الشطرين من بيت واحد هو مطلع قصيدة قد جدّ فيها جدّه، فيما زعم! (1) .
ومما عيب على امرؤ القيس أيضاً قوله:
كأنّي لم أركب جواداً للذّةٍ |
ولم أَتبطّن كاعباً ذاتَ خِلخالِ |
|
ولم أَسبأ الزِقَّ الرويَّ ولم أقُل |
لخيليَ كُري كرّةً بعد إجفالِ (2) |
فإنّه قابل لفظتين بلفظتين مع عدم التناسب فكان فيه تكلّف.. قاله ابن رشيق.
قال: ومنهم من يُقابل لفظتين بلفظتين، ويقع في الكلام حينئذٍ تفرقة وقلّة تكلّف، فمن المتناسب قول علي بن أبي طالب (عليه السلام) في بعض كلامه: (أين مَن سعى واجتهد، وجمع وعدّد، وزخرف ونجّد، وبنى وشيّد)، فأتبع كلّ لفظة ما يشاكلها، وقرنها بما يشبهها (وهذا من لطيف الكلام).
قال: ومن الفرق المنفصل قول امرؤ القيس، وذكر البيتينِ.
قال: وكان قد ورد على سيف الدولة رجل بغداديّ يُعرف بالمنتخب، لا يكاد يسلم منه أحد من القدماء والمحدّثين، ولا يُذكر شعر بحضرته إلاّ عابه، وظهر على صاحبه بالحجّة الواضحة، فأنشد يوماً هذين البيتين، فقال: قد خالف فيهما وأفسد،
____________________
(1) راجع أنوار الربيع: ج 1 ص 35.
(2) سبأ الخمر: شراها ليشربها، والزِقّ: الخمر، والرويّ من الشرب: التام المشبع، وإجفال الخيل: نفوره وشروده.
لو قال:
كأنّي لم أركب جواداً ولم أقل |
لخيليَ كرّي كرّةً بعد إجفالِ |
|
ولم أسبأ الزِّق الرويّ للذّةٍ |
ولم أَتبطّن كاعباً ذات خِلخالِ |
لكان قد جمع بين الشيء وشكله، فذكر الجواد والكَرّ في بيت، وذَكر النساء والخمر في بيت! فالتبس الأمر بين يدي سيف الدولة، وسلّموا له ما قال!
فقال رجل ممّن حضر: ولا كرامة لهذا الرأي، الله أصدق منك حيث يقول:
( إِنّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنّكَ لاَ تَظْمَؤُا فِيهَا وَلاَ تَضْحَى ) (1) ، فأتى بالجوع مع العُري ولم يأتِ به مع الظمأ. فسُرّ سيف الدولة، وأجازه بصلة حسنة.
هذا، وقد حاول صاحب الكتاب تبرير موقف امرؤ القيس في تفرقته هذه غير المتناسبة، وأتى بتكلّف وتأويل ظاهرَينِ.
وأمّا الآية الكريمة فقد فنّد مزعومةَ القائل بأنّها نظيرة البيتينِ، وقال: وأمّا احتجاج الآخر بقول الله عزّ وجلّ فليس من هذا في شيء؛ لأنّه تعالى أجرى الخطاب على مستعمل العادة، وفيه مع ذلك تناسب، لأنّ العادة أن يقال: جائع عريان، ولم يُستعمل في هذا الموضع عطشان ولا ظمآن، وقوله تعالى: (تَظمأ) و (تضحى) متناسب؛ لأنّ الضاحي هو الذي لا يستره شيء عن الشمس، والظمأ مِن شأن مَن كانت هذه حاله (2) .
وأيضاً قوله:
وهرٌّ تصيدُ قلوبَ الرجالِ |
وافلتَ منها ابنُ عمرو حُجُر |
قال ابن رشيق: وقد يأتي القدماء من الاستعارات بأشياء يجتنبها المحدّثون ويستهجنونها، ويعافون أمثالها ظرفاً ولطافة، وإن لم تكن فاسدةً ولا مستحيلةً، فمنها قول امرؤ القيس - وذكر البيت - قال: فكان لفظة (هرّ) واستعارة الصيد معها
____________________
(1) طه: 118 و 119.
(2) العمدة لابن رشيق: ج 1 ص 258 - 259.
مضحكة هجينة، ولو أنّ أباه حُجراً من فارات بيته ما أَسِف على إفلاته منها هذا الأسف.
قال: وأين هذا من استعارة زهير حين قال يمدح:
ليثٌ بعثّر يصطادُ الرجالَ إذا |
ما كذّبَ الليثُ عن أقرانِهِ صَدَقا |
لا على أنّ امرؤ القيس أتى بالخطأ على جهته ولكن للكلام قرائن تُحسّنه، وقرائن تُقبّحه كذِكر الصيد في هذين البيتين (1) .
قال: ومثل قول امرؤ القيس في القبح قول مسلم بن الوليد:
وليلةٍ خُلِست للعينِ مِن سِنَةٍ |
هَتكتُ فيها الصِبا عن بَيضَةِ الحَجَلِ |
فاستعار للحجر - يعني الكلل - بيضة، كما استعارها امرؤ القيس للخدر في قوله:
وبَيضةِ خِدرٍ لا يُرامُ خباؤُها |
تَمتّعتُ مِن لهوٍ بها غير مُعجَلِ |
وكلاهما يعني المرأة، فاتّفق لمسلم سوء الاشتراك في اللفظ؛ لأنّ بيضة الحجل من الطير تشاركها، وهي لعمري حسنة المنظر كما عرفت (2) .
ثمّ ذهب في بيان الاستعارة وأنّها من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها فنزلت موضعها، وهي كثيرة في القرآن (3) .
وكذا قوله في التشبيه لغرض المبالغة في التهويل:
أَيقتُلُني والمَشرفيُّ مُضاجعي |
ومَسنونةٌ زُرقٌ كأنيابِ أَغوالِ |
وقد جاء نظيره في القرآن لغرض المبالغة في التقبيح: ( طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ ) (4) .
غير أنّ المشبّه به وقع في القرآن معرّفاً وفي البيت منكراً، وهذا من عيب الكلام؛ إذ لا تهويل بشيء مجهول غير معروف. أمّا الآية فقد جاء التشبيه فيها بما
____________________
(1) العمدة: ج 1 ص 271.
(2) المصدر: ص 272.
(3) المصدر: ص 268 - 275.
(4) الصافّات: 65.
لا يشكّ أنّه منكر قبيح (1) .
وكذلك في كثير من أشعاره نقد كثير، ذكره أهل الصناعة عرضاً وفي طيّ كلامهم عن نكات ودقائق شعرية أو أدبية، وربّما أتوا بشعر امرؤ القيس وأضرابه مثلاً، ولو أرادوه غرضاً لأصابوا منه الكثير في الكثير.
هذه حالة ألمع شعراء الجاهلية وعظيم العرب فصاحةً وبياناً، ضربناه لك مثلاً، وعليه فقس من سواه.
أمّا القرآن الكريم فقد مضت عليه قرون متطاولة، وحاولت خصومه الكثير النيل منه بشتّى الوسائل والحِيل، فهل ساعدهم التوفيق أم باؤوا بالخيبة والفشل صاغرين، وأصبحوا أُلعوبة إخوانهم الشياطين وأُضحوكة الإنس والجنّ أجمعين.
* * *
هذا، وقد تحمّس صاحب الدراسات (2) لهكذا أشعار ساقطة وتافهة في نفس الوقت، وقد أخذته الحمية الجاهلية الأُولى، فقام مُدافعاً عن موقف شاعر مستهتر خليع قضى حياته الكَدرة في البذخ والترف والابتذال الشنيء!
إنّه صوّر من امرؤ القيس شخصيّة تاريخيّة لامعة، قد حشّد في معلّقته الحياة العربيّة كلّها، ما تراه العين، وما ينبض به القلب، وما تقلّه الأرض، وما تسوقه السماء، وفي معلّقته مشاهد للحياة، كأنّك في مركب من مراكب الفضاء تطوف في الدنيا في مشارق الأرض ومغاربها في لحظات!
قال: وأقف بك عند مشهد صغير من تلك المشاهد التي تحفل بها هذه المعلّقة، في هذا المشهد يُحدّث امرؤ القيس عن نفسه، حين وقف على أطلال الديار التي كانت يوماً مّا تضمّ محبوبته فهاج ذلك ذكريات كثيرة عنده، كان أشدّها يوم ارتحلت مع قومها وهم يرتحلون، فوقف كما يقف المرء على ميّت عزيز له، يقول:
____________________
(1) العمدة: ج 1 ص 288.
(2) عبد الكريم الخطيب في كتابه (الإعجاز في دراسات السابقين): ص 130 فما بعد.
كأنّي غداةَ البَينِ يوم تَحمّلوا |
لدى سَمُراتِ الحيّ ناقفُ حَنظَلِ (1) . |
قال: إنّك تجد من كلّ كلمة من هذا البيت مطلعاً من مطالع الروعة، ومدخلاً يدلف بك إلى مشهد من مشاهد الإنسان في صراعه مع عواطفه، فلا تملك من نفسك إلاّ أن تعطف على تلك النفوس التي ذهب بها الوجد وأحرقها الأسى.
قلت: ولعلّ صحبنا هذا هو ناقِفُ حنظل هواجسه، فجعل يهذي عن أبيات لا عذوبة فيها ولا روعة ولا جمال، وإنّما هي بيداء قاحلة لا غضاضة فيها ولا طراوة، والمعنى الذي أراده مفهوم عامّ يتصوّره كلّ عاميّ مسترسل.
* * *
وذكر ابن رشيق بشأن المبالغة: أنّ الناس مختلفون فيها، فمنهم مَن يُؤثرها ويقول بتفضيلها ويراها الغاية القصوى في الجودة، كما قيل: أشعر الناس من استُجيد كَذبه (2) ومنهم مَن يعيبها ويُنكرها ويراها عيباً وهُجنةً في الكلام.
قال بعض الحذّاق بنقد الشعر: المبالغة ربّما أحالت المعنى ولبّسته على السامع، فليست لذلك من أحسن كلام ولا أفخره؛ لأنّها لا تقع موقع القبول كما لا يقع الاقتصاد وما قاربه، لأنّه ينبغي أن يكون من أهمّ أغراض الشاعر والمتكلّم أيضاً الإبانة والإفصاح وتقريب المعنى على السامع، فإنّ العرب إنّما فضّلت بالبيان والفصاحة وحلا منطقها في الصدور وقَبِلَته النفوس لأساليب حسنة وإشارات لطيفة، تكسبه بياناً وتصوّره في القلوب تصويراً.
فمَن أحسن المبالغة وأغربها عند الحذّاق: التقصّي، وهو بلوغ الشاعر أو المتكلّم ما يمكن مِن وصف الشيء، كقول عمرو بن الأيهم التغلبي:
ونُكرمُ جارَنا ما دامَ فينا |
ونُتبِعه الكرامةَ حيث كانا |
ومن أغربها أيضا ترادف الصفات، وفي ذلك تهويلٌ مع صحّة لفظ لا تحيل
____________________
(1) البين: الفراق. والسّمرة: شجر صخم له شوك، وناقف الحنظل: هو الذي يشق الحنظل ليخرج ثمره المرّ.
(2) نسبه ابن رشيق إلى نابغة بني ذبيان.
معنىً، كقول الله تعالى:
( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) (1) .
فأمّا الغلوّ فهو الذي يُنكره مَن يُنكر المبالغة، ويقع فيه الاختلاف، من ذلك قول امرؤ القيس:
كأنَّ المُدامَ وصوبَ الغُمام |
وريحَ الخُزامى ونشرَ القُطُر |
|
يِعلُّ به بَردُ أَنيابِها |
إذا غرّدَ الطائرُ المُستَحِر |
فوصف فاها بهذه الصفة سَحَراً عند تغيّر الأفواه بعد النوم، فكيف تظنّها في أوّل الليل؟! فقد بالغ وأتى بالمستحيل، فكان كذباً صريحاً وهُجنةً في الكلام.
ومثل ذلك قوله يصف ناراً:
نظرتُ إليها والنجومُ كأنّها |
مصابيحُ رُهبانٍ تشبُّ لقُفّال |
وفيه من الإغراق ما يلحقه بالمستحيل، يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تشبّ لقفّال، والنجوم كأنّها مصابيح رهبان، وقد قال:
تنوّرتُها من أَذرُعاتٍ وأَهلُها |
بيثربَ أدنى دارِها نظرٌ عالِ |
وبين المكانينِ بُعد أيام، وإنما يرجع القُفّال من الغزو والغارات وجه الصباح، فإذا رأوها من مسافة أيّام وجه الصباح وقد خمد سناها وكلّ موقدها فكيف كانت أوّل الليل؟!! وشبّه النجوم بمصابيح الرهبان؛ لأنّها في السَحر يَضعف نورها كما يَضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع، لا سيّما مصابيح الرهبان، لأنّهم يكلّون من سهر الليل، فربّما نعسوا ذلك الوقت (2) .
ومن أبيات الغلوّ قول مهلهل:
فلولا الريحُ أُسمِعُ من بِحُجرٍ |
صليلَ البيضِ تُقرعُ بالذُكورِ |
____________________
(1) النور: 40.
(2) العمدة لابن رشيق: ج 2 ص 55 - 56.
وقد قيل: إنّه أَكذبُ بيت قالته العرب، وبين حجر - وهي قصبة اليمامة - وبين مكان الوقعة عشرة أيّام، وهذا أشدّ غلوّاً من قول امرؤ القيس في النار؛ لأنّ حاسّة البصر أقوى من حاسّة السمع وأشدّ إدراكاً.
ومنها قول النابغة في صفة السيوف:
تَقُدَّ السلوقيَّ المُضاعفَ نسُجُه |
ويَوقِدنَ بالصُفّاحِ نارَ الحُباحِبِ (1) |
وقد عيب على امرؤ القيس - في شعره الآنف - مضافاً إلى غلوّه في المبالغة، تعبيره عن أسنان حبيبته بالأنياب؛ لأنّها أوّلاً اسم للسنّ خلف الرباعيّة، وليست مطلق الأسنان، وثانياً أكثر استعمال الأنياب في الحيوانات الضارية المهولة، كما شبّه هو السهام المسنونة بأنياب الأَغوال في قوله:
أَيقتُلُني والمَشرفيُّ مُضاجعي |
ومسنونةٌ زُرقٌ كأنيابِ أَغوالِ |
واستعار بعضهم الأنياب للشرّ، أنشد ثعلب:
أَفرُّ حذار الشرِّ والشرُّ تاركي |
وأَطعنُ في أَنيابه وهو كالحُ (2) |
وهكذا قبّح تشبيه امرؤ القيس بنان حبيبته بالديدان الحمر الدقاق تعيش في الرمال، في قوله:
وتَعطو برَخصٍ غير شَثنٍ كأنّه |
أساريعُ ظبيٍ أو مساويك إسحِلِ (3) |
شبّه بنانتها بالأسروعة (دودة في الرمل) ليناً، وبياضاً، وطولاً، واستواءً، ودقّةً، وحمرة رأس، قال ابن رشيق: كأنّه ظِفر قد أصابه الحنّاء، وربّما كان رأسها أسود.
قال: إلاّ أنّ نفس الحضرمي إذا سمع قول أبي نؤاس:
تُعاطيكَها كفٌّ كأنّ بَنانَها |
إذا اعتَرضَتها العينُ صفُّ مَداري |
____________________
(1) العمدة: ج 2 ص 62.
(2) كلح وجهه: عبس وتكشّر.
(3) تعطو: تتناول، برَخص: أراد بناناً رخصاً ليّناً، غير شثن: ليس بخشن، والأساريع: جمع الأسروعة وهي دودة صغيرة تعيش في الرمال، ظبي: اسم موضع فيه رمل، أسحِل: شجر المخيطا تُتّخذ من عروقه مساويك كالأراك.
أو قول الرومي:
أشارَ بقُضبان مِن الدُرّ قُمِّعت |
يواقيتُ حمراً فاستباحَ عَفافي (1) |
أو قول ابن المعتز:
أَشرنَ على خوفٍ بأغصانِ فضّةٍ |
مُقـوّمةٍ أَثمـارُهُنّ عقيقُ |
كان ذلك أنهش في نفسه وأحبّ إليها من تشبيه البَنان بالدود في قول امرؤ القيس...! نعم، إذا كان ذلك في الهجو كان قريباً، كقول حسّان:
وأمُّكَ سوداءُ نوبيّة |
كأنَّ أناملَها الحُنظُب |
والحُنظُب - كقنفذ - بحاء مهملة: دابّة من خَشاش الأرض مثل الخنفساء (2) ، قيل: هو ضرب من الخنافس طويل (3) .
وهل هذا التشبيه البشع في شعر امرؤ القيس في وصف أنامل محبوبته وأسنانها يشبه شيئاً من توصيفات جاءت في القرآن الكريم للحور العين؟!!
انظر إلى هذا الوصف الجميل:
( وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ) (4) .
( مُتّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنّتَيْنِ دَانٍ *... فِيهِنّ قَاصِرَاتُ الطّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانّ *... كَأَنّهُنّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ) (5) .
( وَمِن دُونِهِمَا جَنّتَانِ *... مُدْهَامّتَانِ *... فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضّاخَتَانِ *... فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ *... فِيهِنّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ *... حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ *... لَمْ يَطْمِثْهُنّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَانّ *... مُتّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيّ
____________________
(1) قمّعت المرأة بنانها بالحنّاء: خضّبتها.
(2) الخشاش - مثلّثة - حشرات الأرض، واحدتها خشاشة.
(3) العمدة: ج 1 ص 299 - 300.
(4) الواقعة: 21 و 22.
(5) الرحمن: 54 - 58.
حِسَانٍ ) (1) .
فقد جاء وصفُ جمالهنّ مقروناً بوصف عفافهنّ، ممّا هو أقرب إلى النفس وأرغب في غريزة حبّ الاختصاص التي جُبلت عليها طبيعة الإنسان!
وقول أبي تمّام الطائي، يرثي خالد بن زياد الشيباني في قصيدة يمدح أباه فيها:
ويَصعد حتّى يظنُّ الجَهولُ |
بأنّ له حاجةً في السماءِ |
يريد من الصعود والرفعة في القدرة والمنزلة، لكنّه بنى على تناسي التشبيه، فزعم أنّه يُحاول الصعود إلى السماء على حقيقته! وهذا التشبيه والتناسي خاليان من أيّ لطف وظرافة.
وقايس بينه وبين قوله تعالى: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (2) انظر إلى جرس لفظه ولطف تعبيره.
وقوله تعالى: ( رَفِيعُ الدّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التّلاَقِ ) (3) .
كلام خال من التشبيه، لكن ملؤه الأبّهة والجلال والكبرياء، في حسن النظم وجودة التعبير.
قال ابن رشيق: واستبشع قوم قول الآخر يصف روضاً:
كأنّ شقائقَ النعمانِ فيه |
ثيابٌ قد رُوينَ مِن الدماءِ |
فهذا وإن كان تشبيهاً مصيباً، فإنّ فيه بشاعة ذِكر الدماء، ولو قال من العُصفُر (4) مثلاً أو ما شاكله لكان أوقع في النفس وأقرب إلى الأنس.
وكذلك صفتهم الخمر في حبابها بسلخ الشجاع (5) وما جرى هذا المجرى من
____________________
(1) الرحمن: 62 - 76.
(2) فاطر: 10.
(3) غافر: 15.
(4) العُصفُر - كقنفذ - صبغ أصفر اللون.
(5) الشجاع - مثّلث الشين -: ضَرب من الحيّات، وسلخها: كشط جلدها.
التشبيه فإنّه وإن كان مصيباً لعين الشبه فإنّه غير طيّب في النفس، ولا مستقرّ على القلب، ومن ذلك قول أبي عون الكاتب:
تُلاعبُها كفُّ المزاجِ محبّةً |
لها وليجري ذات بينهما الأُنسُ |
|
فتَزبد مِن تيه عليها كأنّها |
غريرةُ خدرٍ قد تَخبّطها المَسُّ (1) |
فلو أنّ في هذا كلّ بديع لكان مقيتاً بشعاً، ومَن ذا يطيب له أن يشرب شيئاً يشبّه بزَبد المصروع وقد تخبّطه الشيطان من المس؟!.
قال: وكأنّي أرى بعض مَن لا يُحسن إلاّ الاعتراض بلا حجّة، قد نعى عليَّ هذا المذهب، وقال: ردّ على امرؤ القيس، ولم أفعل، ولكنّي بيّنت أنّ طريق العرب القدماء في كثير من الشعر قد خولفت إلى ما هو أليق بالوقت وأشكل بأهله (2) .
وقد عاب الأصمعي بين يدي الرشيد قول النابغة:
نَظَرتْ إليك بحاجةٍ لم تَقضِها |
نظرَ السقيمِ إلى وجوهِ العُوَّدِ (3) |
على أنّه تشبيه يلحق ولا يشقّ غبار صاحبه، ولم يجد فيه المطعن إلاّ بذكر السقيم، فإنّه رغب عن تشبيه المحبوبة به، وفضّل عليه قول عديّ بن الرقاع العاملي:
وكأنّها وَسَطَ النساءِ أَعارَها |
عينَيهِ أَحوَرُ مِن جآذِرِ جاسمِ (4) |
|
وسَنانُ أَقصدَه النعاسُ فرَنَّقتْ |
في عَينِه سِنَةٌ وليس بنائِمِ (5) |
وأجرى الناس هذا المجرى قول صريع الغواني (6) على أنّه لم يقع لأحد مثله
____________________
(1) الغرير والغريرة: الشابّ والشابة في مطلع شبابهما لا تجربة لهما في الحياة.
(2) العمدة: ج 1 ص 301.
(3) العُوّد: جمع العائدة التي تعود المريض المُترقّب لها.
(4) الجآذر: جمع الجوذر، ولد البقرة الوحشيّة.
(5) وسنان: من غلبه النعاس، أقصده: طعنه فلم يُخطئه، رنّق بالمكان: أقام فيه واحتبس به.
(6) صريع الغواني: مجنونهنّ، كناية عن امرؤ القيس.
فلطّتْ بأَيديها ثمارَ نحورِها |
كأيدي الأُسارى أَثقلتها الجوامعُ (1) |
فهذا تشبيه مصيب جدّاً، إلاّ أنّهم عابوه بما بيّنت، وإنّما أشار إلى قول النابغة:
ويَخْطِطنَ بالعيدانِ في كلّ منزلٍ |
ويَخبَأنَ رمّانَ الثُّديّ النواهِدِ (2) |
ومثله قول أبي محجن الثقفي في وصف قَيْنَة:
وترفعُ الصوتَ أحياناً وتُخفِضُه |
كما يَطنّ ذُبابُ الروضة الغَرِدُ (3) |
فأيّ قَيْنَة تُحبّ أن تُشبّه بالذُباب؟ وقد سرق بيت عنترة وقَلَبه فأفسده (4) .
* * *
قال ابن رشيق في باب الاعتذار: وأجلّ ما وقع في الاعتذار من مشهورات العرب قصائد النابغة الثلاث، يقول في إحداهنّ:
نُبّئتُ أنّ أبا قابوسٍ أَوعَدَني |
ولا قرارَ على زأرٍ مِن الأسدِ (5) |
ويقول في الثانية:
فلا تتركنّي بالوعيدِ كأنّني |
إلى الناسِ مطليٌّ به القارُ أَجربُ (6) |
ويقول في الثالثة - وهي أجودهنّ وأبرعهنّ -:
فإنّكَ كالليلِ الذي هو مُدركي |
وإن خلتُ أنّ المُنتأى عنكَ واسعُ (7) |
قال: ومِن ثَمّ تعلّق بهذا المعنى جماعة من الشعراء منهم سلم الخاسر يعتذر إلى المهدي:
وأنتَ كالدهرِ مبثوثاً حبائِلُهُ |
والدهرُ لا ملجأٌ منه ولا هَرَبُ |
قال ابن طاهر:
لأنّك لي مثلُ المكانِ المحيطِ بي |
مِن الأرضِ أنّى استَنهضَتني المذاهبُ |
____________________
(1) لطّ الشيء: ستره. وثمار النحور كناية عن الثديين.
(2) نهد الثدي: كعب وانتبر وأشرف. والثّديّ جمع الثدي.
(3) غرّد الطائر: رفع صوته.
(4) العمدة: ج 1 ص 302.
(5) زأر الأسد: صات من صدره.
(6) القار: القير.
(7) المنتأى: المبتعد.
قال ابن رشيق: والى هذه الناحية أشار أبو الطيّب بقوله:
ولكنّك الدنيا إليّ حبيبةً |
فما عنك لي إلاّ إليكَ ذهابُ |
قال: إلاّ أنّه حرّف الكلم عن مواضعه.
قال: واختار العلماء لهذا الشأن قول عليّ بن جبلة:
وما لا مرئٍ حاوَلتَه عنك مَهربُ |
ولو رَفعَتهُ في السماءِ المَطالعُ |
|
بلى هاربٌ لا يَهتدي لمكانِه |
ظلامٌ ولا ضوءٌ مِن الصبحِ ساطعُ |
قال: لأنّه قد أجاد، مع معارضته النابغة، وزاد عليه ذكر الصبح، قال: وأظنّه اقتدى بقول الأصمعي في بيت النابغة: ليس الليل أولى بهذا المثل من النهار... (1) .
قال: وأفضل من هذا كلّه قول الله تعالى:
( يَا مَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوْا مِن أَقْطَارِ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوْا لاَ تَنفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطَانٍ ) (2) .
وقال مَن اعتذر للنابغة: إنّما قدّم الليل في كلامه؛ لأنّه أهول، ولأنّه أوّل، ولأنّ أكثر أعمالهم إنّما كانت فيه، لشدّة حرّ بلدهم، فصار ذلك عندهم متعارفاً (3) .
وعقد ابن رشيق باباً في أغاليط الشعراء والرواة، ذَكر فيه مآخذ علماء الأدب على كثير من أشعار القدماء والمحدّثين، فكان من ذلك ما أخذوه على قول زهير يصف ضفادع (شربات):
يَخرُجنَ من شَرَباتٍ ماؤُها طَحِلٌ |
على الجذوعِ يَخفنَ الغَمر والغَرقا (4) |
إذ لا تخاف الضفدعة من الغرق مهما كان غمر الماء! فقد غلط في هذا التوصيف.
____________________
(1) العمدة: ج 2 ص 176 - 179.
(2) الرحمن: 33.
(3) العمدة: ج 2 ص 251.
(4) شَرَبات: موضع قرب مكّة. طَحِل الماء: فسد. والجذع: ساق النخلة. الغمر: الماء الكثير، وغمره الماء غمراً: علاه وغطّاه.
واعتذر عنه بأنّه لم يرد خوف الغرق على الحقيقة، ولكنّها عادة مَن هرب من الحيوان من الماء، فكأنّه مبالغة في التشبيه، كما قال تعالى:
( وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) (1) .
وقال: ( وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ) (2) .
والقول فيهما محمول على (كاد)، هكذا ذكر الحُذّاق من المفسّرين، مع أنّا نجد الأماكن البعيدة القعر من البحار لا تقربها دابّة؛ خوفاً على نفسها من الهَلكة، فكأنّه أراد المبالغة في كثرة ماء هذه الشربات (3) .
قلت: فعلى هذا كان كلامه وصفاً للماء لا للضفادع، وعلى أيّ حال، فإنّ استهداف هكذا أهداف حقيرة وهابطة كانت حصيلة تضايق آفاق الحياة العربية حينذاك، وأين ذلك من سعة آفاق مطالب القرآن ومقاصده العليّة في أوصافه وتشبيهاته وتمثيلاته؟! وهل تَناسب بين قول زهير في هذا البيت والآيتين الكريمتين؟!! وإنّما يتفاخم الكلام ويتصاغر بضخم موضوعه وصغره، وعلوّ مقصوده وسفله، الأمر الذي نجده فرقاً بيّناً بين مقصود الآيتينِ ومقصود زهير في البيت، بل بين القرآن كلّه وأشعار العرب الجاهلي كلّها!
قال الأصمعي: وأخطأ زهير في قوله - في ذمّ الحرب والقتال -:
فتُنتِج لكم غِلمانَ أَشأَم كلُّهُم |
كأحمرِ عادٍ ثمّ تُرضِع فتَفطِمِ (4) |
حيث شبّه الغلمان المشائيم بعاقر ناقة صالح، الموصوف بالأحمر، واسمه قدار، لكن نَسَبه إلى عاد، وهو خطأ، وإنّما هو ثمود.
واعتذر عنه بأنّ ثمود هي عاد الثانية، كما جاء في قوله تعالى:
____________________
(1) إبراهيم: 46.
(2) الأحزاب: 10.
(3) العمدة: ج 2 ص 251.
(4) أشأم: مبالغة المشؤوم. وأراد بأحمرِ عاد: أحمر ثمود، وهو عاقر الناقة، واسمه قدار بن سالف يقول: فتولّد لكم أبناء في أثناء تلك الحروب كلّ واحد منهم يضاهي في الشؤم عاقر الناقة.
( وَأَنّهُ أَهْلَكَ عَاداً الأُولَى ) (1) .
فهل قال تعالى هذا إلاّ وثمّ عادٌ أخرى؟ وهي هلكت بالنمل، من وُلد قحطان.
لكن أنصار الأصمعي لا يقرّون هذا الجواب؛ إذ لا يصادق عليه العارفون بالأنساب والتاريخ ووصف (الأُولى) في الآية معناه السابقة التي كانت قبل ثمود، وليس يدلّ على أنّ هناك عادينِ، والوصف إنّما أتى به للإيضاح لا للاحتراز (2) .
وضمّنَ ابن رشيق باب أغاليط الشعراء باباً ذكر فيه منازل القمر، وعلّل ذلك بأنّه رأى العرب - وهم أولع الناس بهذه المنازل وأنوائها - قد غلطوا فيها، فقال أحدهم: من الأنجم العزل والرامحة... وقال امرؤ القيس:
إذا ما الثُريّا في السماء تعرّضتْ |
تَعرُّضَ أَثناءِ الوِشاحِ المُفصَّلِ (3) |
فأتى بتعرّض الجوزاء، وهكذا كلّ من عُني بالنجوم من المحدّثين واستوفى جميع المنازل مخطئ لا شكّ في خلافه؛ لأنّه إنّما يصف نجوم ليلة سهرها، والنجوم كلّها لا تظهر في ليلة واحدة (4) .
قال الزوزني: يقول: أتيتها عند رؤية نواحي كواكب الثريّا في الأُفق الشرقي... ومنهم من زعم أنّه أراد الجوزاء فغلط وقال الثريّا؛ لأنّ التعرّض للجوزاء دون الثريّا، وهذا قول محمّد بن سلام الجمحي (5) .
لكن إشكال ابن رشيق متوجّه إلى أولئك الشعراء الذين ذكروا مواقع النجوم دلائل على أوقات لقائهم للغواني أو سَهرهم الليالي على طول الزمان وفي كلّ ليلة باستمرار، الأمر الذي يُخالف مطالع النجوم الفصليّة غير المستديمة.
وإذا كان العرب - المعنيّون بمطالع النجوم ومغاربها - قد أخطأوا في تمثّلاتهم
____________________
(1) النجم: 50.
(2) هامش العمدة: ج 2 ص 426.
(3) التعرّض: الاستقبال وإبداء العرش. والمفصّل: الذي فُصل بين خرزه بالذهب أو غيره. يقول: تجاوزت إليها في وقت إبداء الثريّا عرضها في السماء كإبداء الوشاح - وهي الجواهر للزينة - الذي فُصل بين جواهره وخرزه بالذهب أو غيره عرضة.
(4) العمدة: ج 2 ص 252.
(5) شرح المعلّقات للزوزني: ص 18.
الشعرية هكذا أخطاء فادحة، فما ظنّك بسائر الشعراء وغيرهم من المحدّثين؟! الأمر الذي تحاشى عنه القرآن الكريم، في حين كثرة تعرّضه لمواقع النجوم، وهذا أيضاً شاهد صدق من آلاف الشواهد على امتياز القرآن عن سائر الكلام وارتفاعه عن نمط كلام العرب الأوائل والأواخر جميعاً.
وذكر ابن الأثير للاعتراض ضروباً ثلاثة:
أحدها: أن تكون فيه فائدة، والغالب هو توكيد الكلام وترصينه، وقد ورد في القرآن كثيراً، وذلك في كلّ مورد يتعلّق بنوع من خصوصيّته المبالغة في المعنى المقصود، من ذلك قوله تعالى: ( فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النّجُومِ * وَإِنّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ) (1) وذلك اعتراض بين القسم وجوابه، وفي نفس هذا الاعتراض اعتراض آخر بين الموصوف وصفته وهو قوله (لو تعلمون)، فذانك اعتراضان كما ترى.
ومثله قوله تعالى: ( وَيَجْعَلُونَ للّهِِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مّا يَشْتَهُونَ ) (2) .
وهكذا غيرهما من آيات كثيرة في القرآن، كلّها من القسم المفيد فائدة التوكيد.
والضرب الثاني: ما لا فائدة فيه، كما لا مفسدة فيه أيضاً، من ذلك قول النابغة:
يقول رجالٌ يَجهلونَ خَليقتي |
لعلّ زياداً لا أباً لك غافلُ (3) |
فقوله (لا أباً لك) ممّا لا فائدة فيه ولا حُسن ولا قبح.
وهكذا قول زهير:
سَئِمتُ تكاليفَ الحياةِ ومَن يَعش |
ثمانينَ حَولاً لا أباً لك يَسأَمُ |
لكن وردت هذه اللفظة في قول أبي همام حسنة:
عتابك عنّي - لا أباً لك - واقصدي
فإنّه لمّا كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق
____________________
(1) الواقعة: 75 - 77.
(2) النحل: 57.
(3) الخَليقة: السجيّة.
الذمّ.
الضرب الثالث: الاعتراض المُفسد، وهو المذموم المُخلّ بفهم المقصود فيُعقّده تعقيداً، وأمثلة ذلك في باب تقديم ما حقّه التأخير وتأخير ما حقّه التقديم كثيرة، وقد أولع بها الشعراء المتكلّفون، فمِن ذلك قول بعضهم:
فَقد والشكُ بَيّنَ لي عناءٌ |
بِوَشكِ فِراقِهم صُرَدٌ يصيحُ (1) |
قال ابن الأثير: فإنّ هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو (بيّن لي) وذلك قبيح لقوّة اتّصال (قد) بالفعل المدخول عليه، بحيث يُعدّ جزءً متّصلاً به.
وأيضاً فُصل بين المبتدأ الذي هو (الشكّ) وبين الخبر الذي هو (عناء) بقولة (بيّن لي)، وفُصل بين الفعل الذي هو (بيّنَ) وبين فاعله الذي هو (صُرَد) بخبر المبتدأ الذي هو (عناء)، فجاء معنى البيت كما تراه مشوّها ومشوّشاً، كأنّه صورة مشوّهة قد نُقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض (2) .
وجَعل أيضاً يمثّل بأبيات شعرية من العرب القديم، لعلّنا نأتي عليها وعلى أمثالها في سائر أبواب البلاغة والبديع في قسم الدلائل على إعجاز القرآن، وهو القسم الثاني من الكتاب إن شاء الله تعالى.
ولعلّني في هذا العرض العريض قد أسهبت وخرجت عن حدّ الاعتدال المتناسب مع وضع الكتاب، غير أنّ تحمّسات قومية، وأخرى سفاسف كلامية ربّما كانت تُحاول رفع منزلة كلام العرب الأوائل بما يضاهي سبك القرآن ونظمه البديع، فكان هذا وذاك من أخطر الأساليب لوَهن موضع إعجاز هذا الكلام الإلهي وخرقه للمعتاد! والعياذ بالله.
هذا ما دعاني إلى التكثير من شواهد الباب، وإلاّ فلا داعي للتعرّض لأشعار لا محتوى لها ولا وزن في عالم الكلام والاعتبار! والله الهادي.
____________________
(1) أصل تركيب الكلام: فقد بَيّنَ لي صُرَدٌ يصيحُ بوَشكِ فراقِهم، والشكُّ عناء.
(2) المَثل السائر لابن الأثير: ج 3 ص 40 - 48 و: ج 2 ص 227.
دلائل الإعجاز
البياني والعلمي والتشريعي
أبعادٌ ثلاثةٌ هي خطوط اتجاه البحث الأساسية
وتتشعّب منها فروع متصاعدة لا نهاية لها
دلائل الإعجاز
قدّمنا لك حديثاً مُسهباً عن آراء ونظرات حول قضيّة الإعجاز القرآني، ومحاولات وجهود مبذولة بشأنه طول التاريخ. وهكذا الحديث عن أجواء أدبية رفيعة كانت أحاطت بعهد نزول القرآن، ذلك العهد الحافل بجحافل من خطباء مصاقع وفطاحل من شعراء مفلّقين، كانوا على ذروة من فصاحة البيان وطلاقة اللسان، فباهاهم وتحدّاهم: لو يأتوا بحديث مثله، أي يُماثله ويُجاريه في شرف الكلام وفي فضيلة البيان، لكنهم - بأجمعهم - عجزوا عن مقابلته، وأمسكوا عن معارضته، وتراجعوا صاغرين.
وبعد، فقد حان أوان الخوض في خضمّ دلائل إعجازه، والوقوف على أسرار بلاغته، تَطلّعاً إلى المُستطاع من فهم دقائقه ومزاياه، والكشف عن نُكته وخباياه... المُستَخلَص ذلك في ثلاثة أبواب - هي خطوط اتجاه البحث - كلّ باب يشتمل على فصول هي حقول من الرياض النَضِرة:
الباب الأوّل في الإعجاز البياني: بديع نظمه وعجيب رصفه وغريب أسلوبه.
الباب الثاني في الإعجاز العلمي: إشاراتٌ عابرة وإلماعات خاطفة عن غياهب
الوجود.
الباب الثالث في الإعجاز التشريعي: معارف سامية وشرايع راقية عبر الخلود.
تلك جهودنا المتواصلة في سبيل الوصول إلى وجوه إعجاز هذا الكلام الإلهيّ الخالد، الذي لم يزل موضع إعجاب الخافقَينِ. ولكن هل بلغنا الغاية أم نحن في البداية؟! هذا مبلغ وسعنا، والغاية بعيدة الآفاق.
* * *
1 - الإعجاز البياني
(بديع نظمه وعجيب رصفه)
1 - دقيق تعبيره ورقيق تحبيره.
2 - طرافة سبكه وغرابة أُسلوبه.
3 - عذوبة ألفاظه وسلاسة عباراته.
4 - تناسق نظمه وتناسب نغمه.
5 - تجسيد معانيه في أجراس حروفه.
6 - تلاؤم فرائده وتآلف خرائده.
7 - حسن تشبيهه وجمال تصويره.
8 - جودة استعارته وروعة تخييله.
9 - لطيف كنايته وظريف تعريضه.
10 - طرائف وظرائف.
الباب الأوّل
في الإعجاز البياني
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: إذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعراً أو يستجيد نثراً، ثُمّ يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ فيقول، حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب سائغ، وخَلُوب رائع، فاعلم أنّه ليس يُنبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف، وإلى ظاهر الوضع اللغوي، بل إلى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده (1) .
تعريف بديع عن أُسّ البلاغة الفاخرة، وتحديدٌ دقيق عن سرّ الفصاحة الباهرة، ليس يقصر جمال الكلام في حسن منظره حتى ينضاف إليه كمال مخبره:
إنّ الكلامَ لفي الفسادِ وإنّما |
جُعل الكلامُ على الفؤادِ دليلا |
وهكذا تجلّى القرآن في سناء جلاله وبهاء جماله، رائعاً في بديع نظمه، وفخماً في رفيع أُسلوبه، فذّاً فريداً لا يدانيه أيُّ كلام، ولا يضاهيه أيّ بيان، قد فاحت من
____________________
(1) أسرار البلاغة: ص3.
طيّاته نفحات القدس، وفاضت من تواقيع نغماته نسمات الأُنس... ( رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ ) (1) .
( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَن نّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ ) (2) .
وتلك زهوره الباسقات، جاءت في حقول عشرة مكتملات، نقدّم لك إجمالها قبل بيان التفصيل:
(أولاً) دقيق تعبيره ورقيق تحبيره:
(واضعاً كلّ لفظٍ موضعه الأخصّ الأشكل به، بحيث إذا أُبدل بغيره جاء منه فساد معنى الكلام أو سقوط رونقه).
(لو انتزعت منه لفظةٌ ثم أُدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد).
(فلم يجدوا في الجميع كلمةً ينبو بها مكانها، ولفظةً يُنكر شأنها... بل وجدوا اتّساقاً بَهَر العقول، وأعجز الجمهور).
(قدامى علماء البيان)
(ثانياً) طرافة سبكه وغرابة أُسلوبه:
سبكٌ جديد وأُسلوب فريد، لا هو شعر كشعرهم ولا هو نثر كنثرهم، ولا فيه تكلّف أهل السجع والكهانة، على أنّه جَمَع بين مزايا أنواع الكلام الرفيع، فيه أناقة الشعر وطلاقة النثر وجزالة السجع الرصين، ممّا لم يوجد له نظير ولم يخلفه أبداً بديل، ولا استطاع أحد أن يماريه أو يجاريه، لا في أُسلوبه ولا في نظمه البديع.
____________________
(1) الواقعة: 89.
(2) الشورى: 52.
حلوٌ رشيق وخلوبٌ رحيق (إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمثمر أعلاه، مُغدِق أسفله، إنه يعلو وما يُعلى...) كلام قاله عظيم العرب وفريدها الوليد.
(ثالثاً) عذوبة لفظه وسلاسة عباراته:
يسيح سيحاً كجري الماء في مصبّه، ويفيح فيحاً كنسيم الصِبا من مهبّه، عَذِباً سائغاً رويّاً، تبتهج له الأرواح وتنشرح له الصدور، في رونق جذّاب وروعة خلاّبة.
(رابعاً) تناسق نظمه وتناسب نغمه:
(قد جمع بين مزايا الشعر وخصائص النثر...).
(ويجد الإنسان لذّةُ، بل وتعتريه نشوةٌ إذا ما طرق سمعه جواهر حروف القرآن...).
(لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللغات كلها، في هزّ الشعور واستثارة الوجد النفسي...).
(أُدباء معاصرون)
(خامساً) تجسيد معانيه في أجراس حروفه:
تتواءم أجراس حروفه مع صدى معانيه، ويتلاءم لحن بيانه مع صميم مراميه، مِن وعد أو وعيد، ترغيب أو ترهيب، كلّ تعبير يجري مجراه من شدة أو لين، ويتطلّب مقتضاه من تفخيم أو تهويل، كلّ يتناسب وجرس لفظه ولحن أدائه، الأمر الذي يزيده جلالاً وفخامةً وأُبّهةً وكبرياءً....
(سادساً) تلاؤم فرائده وتآلف خرائده:
كأنّه عقدُ جُمان، تناسقت فرائده، وتناسبت لآليه، سياقاً منتظماً متلائماً، متلاحم الألفاظ والمعاني، متواصل الأهداف والمباني.
قال سيّد قطب: (من ألوان التناسق الفنّي، هو ذلك التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات والتناسب من غرض إلى غرض...).
(سابعاً) حسن تشبيهه وجمالُ تصويره:
اعترف أهل البيان بأنّ تشبيهات القرآن أمتن التشبيهات الواقعة في فصيح الكلام، وأجمعهنّ لمحاسن البديع، وأوفاهنّ بدقائق التصوير ورقائق التعبير ورحائق التحبير.
(ثامناً) جودة استعارته وروعةُ تخييله:
عمد القرآن - في إفادة معانيه، والإشادة بمبانيه - إلى أنواع الاستعارة والكناية والمجاز، في نطاق واسع، أبدع فيها وأجاد إجادةَ البصير المُبدع، وأفاد إفادةَ الخبير المضطلع، في إحاطة بالغة لم يعهد لها نظير، ولم يخلفه أبداً بديل.
(تاسعاً) لطيف كنايته وظريف تعريضه:
جاءت كناياته - حسبما تقدّم - أوفى الكنايات وأدقّهنّ وأرقّهنّ، ولم تفته لطافةٌ في كناية ولا ظرافةٌ في تعريض.
(عاشراً) طرائفٌ وظرائف:
محاسن جمّة غفيرة، ومزايا كثرة وفيرة، تجمّعت في القرآن الكريم، لا نظير لها في سائر الكلام ولا مثيل.
وبعد... فإليك تفصيل البيان:
يمتاز القرآن على سائر الكلام بدقّته الفائقة في تعابيره، واضعاً كل شيء موضعه اللائق به، مراعياً كل مناسبة - لفظيةً كانت أم معنويةً - في أناقة تامّة - لم تفته نكتة إلاّ سجّلها، ولم تفلت منه مزيّة إلاّ قيّدها، في رصف بديع ونضد جميل، جامعاً بين عذوبة اللفظ وفخامة المعنى، متلائماً أجراس كلماته مع نوعية المراد، متماسك الأجزاء، متلاحم الأشلاء، كأنما أُفرغت إفراغة واحدة، وسُبكت في قالب فذّ رصين، بحيث لو انتزعت لفظة من موضعها أو غُيّرت إلى غير محلّها أو أُبدلت بغيرها لأخلّ بمقصود الكلام واضطرب النظم واختلّ المرام، ولقد كان ذلك مِن أهمّ دلائل صيانته من التحريف، فضلاً عن كونه سند الإعجاز.
أضف إليه جانب (لحن الأداء) هو تناسب جرس اللفظ مع نوعية المفاد، من وعد أو وعيد، ترغيب أو ترهيب، أمر أو زجر، عظة أو حكمة، فرض أو نفل، مثوبة أو عقاب، مكرمة أو عتاب... إلى غيرها من أنواع الكلام، كل نوع يستدعي لحناً في الخطاب يخالفه نوع آخر، الأمر الذي راعته التعابير القرآنية بشكل بديع وأُسلوب غريب، وكان سرّاً غامضاً من أسرار إعجازه، ودليلاً واضحاً على كونه صنيع مَن لا يعزب عن علمه شيء، وقد أحاط بكلّ شيء علماً.
وهذا شيء اعترفت به جهابذة الفن، وأذعنت له علماء البيان وأُمراء الكلام، فضلاً عن شهادة أفذاذ العرب الأقحاح.
فلنستمع الآن إلى كلماتهم المشرقة:
قال الشيخ عبد القاهر: أعجزتم مزايا ظهرت لهم في نظمه، وخصائص صادفوها في سياق لفظه، وبدائع راعتهم من مبادي آيه ومقاطعها، ومجاري ألفاظها ومواقعها، وفي مضرب كل مثل، ومساق كل خبر، وصورة كل عظة وتنبيه وإعلام، وتذكير وترغيب وترهيب، ومع كل حجة وبرهان، وصفة وتبيان، وبهرهم أنهم تأمّلوه سورة سورة، وعشراً عشراً وآية آية، فلم يجدوا في الجميع كلمة ينبو بها مكانها، ولفظة يُنكر شأنها أو يُرى أنّ غيرها أصلح هناك أو أشبه، أو أحرى أو أخلق، بل وجدوا اتساقاً بهر العقول، وأعجز الجمهور، ونظاماً والتئاماً، وإتقاناً وإحكاماً، لم يدع في نفس بليغ منهم - ولو حكّ بيافوخه السماء (1) موضع طمع، حتى خرست الألسن عن أن تدّعي وتقول، وخلدت القُروم (2) فلم تملك أن تصول (3) .
زيادة المباني تستدعي زيادة المعاني:
قاعدة كلّية مطّردة تدعمها حكمة الوضع، على ما سلف في كلام أبي هلال العسكري، إذ ليست الأوضاع سوى دلائل وإشارات إلى المعاني والمرادات، ولولا اختصاص كل لفظة - في مادّتها وهيأتها - بمعنى من المعاني، فلا تتعدّاه إلى غيره كما لا يدلّ عليه غيرها، لانتفت فائدة الوضع، وعاد محذور الإبهام والترديد - كما في الاشتراك - أو نقض حكمته - كما في المترادفات - بعد الاستغناء عن الوضع الثاني بالوضع الأوّل، وهو عبث ولغو.
____________________
(1) اليافوخ: عظم مقدم الرأس، والمثال كناية عن الشموخ بالرأس تكبّراً.
(2) القَرم: العظيم الشأن، يقال: خلد بالمكان أي أقام به، وخلد بالأرض: لصق بها، كناية عن المسكنة والخمول.
(3) دلائل الإعجاز: ص28.
وعليه فكل تصريف في الكلمة أو تغيير في حركتها فإنما هو للدلالة على معنى جديد لم يكن فيما قبل، فمثل (ضرّ) و(أضرّ) لابدّ أن يختلف معناهما، كما هو كذلك، فالأوّل للدلالة على إيقاع الضرر به سواء قصده أم لم يقصده، والثاني إيقاعه عن عمد وقصد، يقال: ضرّه، وهو بمعنى ضد نَفعه، وأضرّه: جلب عليه الضرر، كمَن حاول تمهيد أسباب مؤاتية للإضرار به، كما في (ضرّ) و(ضارّ) أيضاً من الفرق، فالأوّل إضراره بالفعل، والثاني محاولة إضراره سواء تمكّن من الإيقاع به أم لم يتمكّن، كما في (خَدَع) و(خادَع) في قوله تعالى: ( يُخادِعُونَ اللّهَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ ) (1) ، أي يحاولون خداعه تعالى والمؤمنين لكنّهم فاشلون في هذه المحاولة، سوى أنّهم يخدعون بالفعل أنفسهم وينخدعون بتصوّرهم أنّهم خدعوا الله ورسوله.
فقوله (صلّى الله عليه وآله): (لا ضررَ ولا ضِرار في الإسلام) في حديث سمرة بن جندب (2) ، المراد به: أنّ الإسلام لا يدع مجالاً لأحد في أن يضرّ غيره أو أن يُحاول الإضرار به، كما في شأن سمرة حاول الإضرار بالأنصاري، حيث امتنع أن يستأذن عيه في الدخول أو بيع عذقه أو مبادلتها بما ضمنه له رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأبى إلاّ الدخول بلا إذن؛ ومِن ثَمّ أمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بقلع عذقه ورميه في وجهه، وقال له: (أنت رجل مضارّ!) أي الذي يُحاول ويَعمد إلى الإضرار بغيره.
وقال الزمخشري: وفي الرحمن مبالغة ما ليس في الرحيم، ثم استشهد بقولهم: (إنّ الزيادة في البناء لزيادة المعاني). ونُقل عن الزجّاج قوله في الغضبان: هو الممتلئ غضباً، قال: وممّا طنّ على أُذُني من ملح العرب أنّهم يُسمّون مركباً من مراكبهم بالشُقدُف، وهو مركب خفيف ليس في ثقل مَحامل العراق، فقلت - في طريق الطائف لرجل منهم -: ما اسم هذا المحمل؟ - أردت المَحمل العراقي -
____________________
(1) البقرة: 9.
(2) سفينة البحار: ج1 ص 654 مادة (سمر).
فقال: أليس ذاك اسمه الشُقدُف؟ قلت: بلى. فقال: هذا الشقنداف... فزاد في بناء الاسم لزيادة المسمّى (1) .
الاشتراك والترادف في اللغة:
الاشتراك: وضع اللفظ بإزاء معنيين أو أكثر لا جامع بينهما، وهو الاشتراك اللفظي، في مقابل الاشتراك المعنوي، وهو وضع اللفظ بإزاء معنى واحد جامع بين صنوف من المتبائنات والمتغائرات كلفظ الحيوان الموضوع لصاحب الحياة النامية ذات الحركة الإرادية، الشامل لمثل الإنسان وغيره من أنواع الحيوان، وهذا من المشترك المعنوي الخارج من موضوع بحثنا الآن؛ لأنّه من اللفظ الواحد الموضوع لمعنى واحد، فلا اشتراك حقيقة، وإنّما هو في الإطلاقات وكثرة المصاديق المتنوّعة.
أمّا المشترك اللفظي فهو اللفظ الموضوع لمعانٍ مختلفة في أوضاع متعدّدة، كلفظ العين الموضوعة للنقد المسكوك باعتبار نضّ المال وأصله وحقيقته، وللناظرة، وللنابعة، وللجاسوس، وللربيئة....
وهذا على خلاف حكمة قانون الوضع، حسبما تقدم مِن أنّه للدلالة على المعنى المراد وتمييزه عمّا عداه تمييزاً مطلقاً، كما في الرموز والإشارات ذوات العهد الخارجي؛ إذ لولا الاختصاص والتمييز المطلق لم تعد لها فائدة، ولعاد محذور الإبهام والإجمال في دلالة الكلام، أمّا الاعتماد على القرينة فهو من الدلالة العقلية، ولا تمسّ جانب الوضع في شيء.
ولعلّ الاشتراك إنما جاء في اللغات من جرّاء، تعدّد الواضعين وتباعد ما بينهم من آفاق واختلاف أسباب الحاجة إلى الوضع حسب تطوّر العادات والأعراف المتداولة عند كل قوم، فلمّا تقاربت الأعراف وتوحّدت اللغات، ولا سيّما بعد
____________________
(1) الكشّاف: ج 1 ص 6.
ظهور الإسلام وسلطان لغة القرآن، وجَدوا أنفسهم تجاه أمر واقع - وهي الأوضاع المتفاوتة الوجبة لاشتراك بعض الألفاظ - أمراً لا محيص عنه.
أمّا الترادف فهو توارد لفظين أو أكثر على معنى واحد، عكس الاشتراك، كلفظ الإنسان والبشر، والبعير والإبل، والشاة والغنم، والضرغام والضيغم والغضنفر والليث والأسد، والصمصام والصارم والسيف والحسام والمهنّد والمشرفي... إلى غير ذلك وهو كثير في اللغة.
وهو أيضاً على خلاف حكمة قانون الوضع، لو أُخذ بإطلاقه وعلى ظاهره الأَوّلي: لأنّ الإشارة تكفيها الواحدة، فتقع الأُخرى والتالية عبثاً ولغواً، كما تقدم بيانه... وقد عالج القوم هذا الجانب في عناية ودقّة، فوجدوا أن لا ترادف في واقع الأمر، وإنما هي حالات وصفات تعتور الشيء فتختلف أسماؤه ونعوته، وهكذا وجدوا أكثر المشتركات أنّها باعتبار أحوال وأوصاف ملحوظة في المُسمّى وهي الموضوع له بالذات وليس ذات الشيء نفسه، فهو بالاشتراك المعنوي أشبه من كونه مشتركاً لفظيّاً. هكذا عالج القوام أمر وقوع الاشتراك والترادف في اللغة على خلاف الأصل.
وإليك بعض التبيين من هذا الجانب الخطير:
لا اشتراك مع رعاية الجامع:
أكثر ما يُظنّ كونه من المشترك اللفظي (من تعدّد الوضع) لا تعدّد في وضعه، وإنّما هو وضع واحد، وكان سائر موارد استعماله بالعناية والمجاز وإن كان قد غلب استعماله حتى صار حقيقةً ثانيةً بغلبة الاستعمال، وهو من الوضع التعيّني لا التعييني حسب المصطلح، نظير العَلَم بالغلبة على ما هو معروف.
وهكذا أوضاع تعيّنية (حاصلة بغلبة الاستعمال) شايع في اللغة من غير أن يستلزم المحذور المذكور؛ لأنه من قبيل التوسّع في الوضع الأَول بتقديره وضعاً
للأعمّ من الحقيقة الذاتية، فيكون استعماله في كلّ من المعنيين من قبيل استعمال اللفظ الموضوع لعام في آحاد مصاديقه المتنوّعة، وهو من الاشتراك المعنوي الذي لا محذور فيه أصلاً.
فلفظ (العين) لم يوضع لمعان متعدّدة في وضعه الابتدائي، وإنّما الموضوع له أَولاً هي الناظرة وكان الباقي فرعاً عليها. قال ابن فارس - في معجم مقاييس اللغة -: العين والياء والنون أصل واحد صحيح يدلّ على عضوٍ به يبصر وينظر، ثُمّ يُشتقّ منه، والأصل في جميعه ما ذكرنا.
قال: وفي المَثل (صنعتُ ذاك عمد عين) إذا تعمّدته، والأصل فيه العين الناظرة، أي أنّه صَنع ذلك بعينِ كلِ مَن رآه. ومن الباب العين الذي تبعثه يتجسّس الخبر، كأنّه شيء ترى به ما يغيب عنك، ومنه العين الجارية النابعة من عيون الماء، وإنما سمّيت عيناً؛ تشبيهاً لها بالعين الناظرة لصفائها ومائها، ويقال: عانت الصخرة، إذا كان بها صدع يخرج منه الماء، ويقال: حَفر فأعين وأعان.
قال: ومن الباب العين للسحاب الآتي من ناحية القبلة (الشمال) وهذا مشبَّه بمشبَّه؛ لأنّه شُبّه بعين الماء التي شُبّهت بعين الإنسان، وعين الشمس أيضاً مُشبَّه بعين الإنسان، ومن الباب أعيان القوم أي أشرافهم، وهم قياس ما ذكرنا، كأنّهم عيونهم التي بها ينظرون.
قال: ومن الباب العين للمال العتيد الحاضر، يقال: هو عين غير دَين أي هو مال حاضر تراه العيون، وعين الشيء نفسه، تقول: خُذ درهمك بعينه (1) ، كأنّه مُعاين مشهود تشهده العيون بلا تبدّل ولا اختلاف.
وأمّا القُرء المشترك بين الطهر والحيض - على ما هو المشتهر بين الفقهاء - فقد أنكره أهل اللغة، قال ابن الأثير: وهو من الأضداد يقع على الطهر وإليه ذهب الشافعي وأهل الحجاز، وعلى الحيض وإليه ذهب أبو حنيفة وأهل العراق.
____________________
(1) معجم المقاييس: ج 4 ص 199 - 203.
والأصل فيه الوقت المعلوم، فلذلك وقع على الضدّين؛ لأنّ لكل منهما وقتاً.
قال ابن فارس: القاف والراء والحرف المعتلّ أصل صحيح يدلّ على جمع واجتماع، من ذلك القرية لاجتماع الناس فيها. ويقولون: قريتُ الماء في المِقراة: جمعته، وذلك الماء المجموع قريّ، والمِقراة: الجفنة؛ لاجتماع الضيف عليها أو لِما جُمع فيها من الطعام.
قال: ومن الباب القَرو، وهو كالمعصرة. والقَرو: حوض ممدود عند الحوض الكبير ترده الإبل، ومن الباب القَرو، وهو كلّ شيء على طريقة واحدة، تقول: رأيت القوم على قرو واحد، ومن الباب القَرَى: الظهر؛ لأنّه مجتمع العظام.
قال: وإذا همز هذا الباب كان هو والأَوّل سواء، ومنه القرءان.
وأمّا أَقرأَتْ المرأة (بمعنى حاضت) فيقال: إنّها من هذا الباب أيضاً، وذكروا أنّها تكون كذا في حال طُهرها، كأنّها جمعتْ دمَها في جوفها فلم تُرخِه، قالوا: والقُرء وقت، يكون للطهر مرّة وللحيض أخرى، قال: وجملة هذه الكلمة مشكلة (1) .
قلت: لعلّه من القَرو بمعنى الاستواء على طريقة واحدة، كما جاء في كلامه، وهو المُعبّر عنه بالعادة المعروفة عند النساء، يَعتورهنّ الطمث كلّ شهر عادة مستقرة، نظير أقراء الشعر بمعنى أوزانه وأطواره، كما جاء في حديث إسلام أبي ذر: لقد وضُعت قوله على أقراء الشِعر فلا يلتئم على لسان أحد (2) .
ومنه قول الشاعر:
إذا ما السماءُ لم تُغِم ثم أَخلفت |
قروءُ الثريّا أنْ يكون لَها قَطرُ |
أي مواقع طلوعها وهو وقت رتيب.
وقوله (صلّى الله عليه وآله): (تَدع الصلاةَ أيّام أقرائها) أيضاً شاهد على هذا المعنى.
نعم قالت عائشة: أو تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار (3) ، وهي أَول من
____________________
(1) معجم المقاييس: ج 5 ص 79.
(2) نهاية ابن الأثير: ج 4 ص 31.
(3) موطّأ مالك بشرح التنوير: ج 2 ص 96.
أبدت هذا الرأي وأغربت، وسار من خلفها لفيف من فقهاء الحجاز، وقد صدرت روايات من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا الجوّ السائد، غير أنّ هناك روايات أخرى صدرت بعيدة عن الضغط الحاكم، وفَسّرت الأقراء بثلاث حيض. روى الشيخ بإسناده الصحيح عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال (عدّة التي تحيضُ ويستقيمُ حيضُها ثلاثة قروء وهي ثلاث حيض) (1) .
وعليه فلم يثبت اشتراك هذه اللفظة بين الطهر والحيض، كما زعمه أناس!
هذا، وقال حاول الراغب الأصفهاني الجمع بين الأقوال، فزعم أنّ القُرء اسم للدخول في الحيض، قال: والقرء في الحقيقة اسم للدخول في الحيض عن طهر، ولمّا كان اسماً جامعاً للأمرين - الطهر والحيض - المتعقّب له أُطلق على كلّ واحد منهما... وليس القرء اسماً للطهر مجرّداً ولا للحيض مجرّداً، بدلالة أنّ الطاهر التي لم ترَ أثر الدم لا يقال لها ذات قرء، وكذا الحائض التي استمرّ بها الدم... وقول أهل اللغة: إنّ القرء من قرأ أي جمع، فإنهم اعتبروا الجمع بين زمن الطهر وزمن الحيض حسبما ذكرت لاجتماع الدم في الرحم (2) .
ولم يأتِ بشاهد من اللغة على اختياره الغريب، فهو اجتهاد مجرّد، كما هي عادته في غير موضع، والصحيح الذي تدعمه شواهد اللغة هو ما ذكرنا.
لا ترادف مع ملاحظة الفوارق:
قد عرفت الخمسين اسماً للماء كانت تُطلق عليه باعتبار تناوب حالاته، والتي كانت في الحقيقة أوصافاً له باعتبار تلك الحالات عارضة عروض الصفة للموصوف، وهكذا سائر المترادفات، فإنّ غالبيتها أوصاف ونعوت وليست في الحقيقة أسماء.
____________________
(1) الوسائل: ج 15 ص 425 رقم 7.
(2) المفردات: ص 402.
فإنّ الأسد - وهو الاسم الحقيقي له - إنّما يقال له: الضيغم؛ باعتبار أنّه يملأ فمه عند العضّ على فريسته، مأخوذ من ضغم إذا عضّ من غير نهش وملأ فمه ممّا أهوى إليه، قال ابن منظور: الضغم العضّ الشديد، ومنه سُمّي الأسد ضيغماً.
والضرغام هو البطل الفحل المقدام في معركة القتال، وفي حديث قسّ: والأسد الضرغام، هو الضاري الشديد المقدام من الأسود.
والغضنفر: الجافي الغليظ المتغضّن، وأُذن غضنفرة: غليظة كثيرة الشعر، قال أبو عبيدة: أُذن غضنفرة وهي التي غلُظت وكثر لحمها، ومنه سمّي الأسد غضنفراً؛ لغلظة خلقه وتغضّنه، والتغضّن هو تثنّي وجنات الوجه وتشنّجه، ومنه تغضّن الشعر وهو تجعّده، ورجل ذو غضون إذا كان في جبهته تكسّر وتشنّج.
والهزبر: الصلب الشديد، يقال: ناقة هزبرة أي صلبة، ورجل هزبر أي حديد وثّاب، ومن ذلك سُمّي الأسد هزبراً.
والعبوس: الذين قطّب ما بين عينيه، ويوم عبوس: شديد، والعنبسي من أسماء الأسد أُخذ من العبوس وهو قُطوب الوجه.
والليث: الشدة والقوة، ورجل مليث: شديد العارضة وقيل شديد قويّ، وفي الحديث: هو أليث أصحابه أي أشدّهم وأجلدهم. وبه سُمّي الأسد ليثاً.
دقائق ونكات رائعة:
تلك كانت نبذة من فوارق اللغة، وقبضة يسيرة من مزايا جمّة غفيرة، حَظي بها لسان العرب في القريض والخطاب، وكانت بها بلاغة البلغاء فائقة، وفصاحة الفصحاء رائعة، وامتاز كلام على كلام، وقصيدة على أختها، دلالة على سعة الاطّلاع بمزايا اللغة، ومبلغ الإحاطة بفوارق الأوضاع.
وقد امتاز القرآن في هذا الجانب بما فاق سائر الكلام، وأعجز العرب أن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وإليك رشفة من ذلك البحر الخِضَمّ، ورَشَحة من ذلك الوابل الغزير.
تقديم السمع على البصر:
ومن دقيق تعبيره، أنّك تجد القرآن يذكر السمع مُقدّماً على البصر في عديد من الآيات (1) ( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (2) ، وهي مسألة يعرف سرّها الآن علماء التشريح (الفسيولوجيا) ويُدركون أنّ جهاز السمع أرقى وأعقد وأدقّ وأرهف من جهاز الأبصار، ويمتاز عيه بإدراك المجرّدات كالموسيقى، وإدراك التداخل مثل حلول عدة نغمات داخل بعضها بعضاً، مع القدرة على تمييز كلّ نغمة على انفراد، كما تُميّز الأمّ صوتَ بكاء ابنها من بين زحام هائل من أصوات متداخلة، يتمّ هذا في لحظة زمن... أمّا العين فهي تتوه في زحام التفاصيل ولا تعثر على ضالّتها، يتوه الابن عن عين أُمّه في الزحام ولا يتوه عن سمعها.
والعلم يمدّنا الآن بألف دليل على تفوّق معجزة السمع على معجزة البصر، ولم يكن هذا العلم موجوداً أيام نزول القرآن ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) (3) ، وهذا تحدّ بمستقبل الأيّام سوف يُصادف على آيات ما زالت تُقرأ وهي غيوب محجّبة.
إنّه الانضباط والإحكام في كلّ لفظة وفي كلّ حرف، لا تتقدّم كلمة على كلمة إلاّ بسبب، ولا تتأخّر كلمة عن كلمة إلاّ بسبب، فما هذا الإصرار على تقدّم السمع
____________________
(1) في أكثر من خمسة وعشرين موضعاً: البقرة: 7 و 20، النساء: 58 و 138، الأنعام: 46، يونس: 31، هود: 20، النحل: 78 و 108، الإسراء: 1 و 36، طه: 46، الحجّ: 61 و 75، المؤمنون: 23، لقمان: 28، السجدة: 9، غافر: 20 و 56، فصّلت: 20 و 22، الشورى: 11، الأحقاف: 26، المجادلة: 58، الملك: 23، الإنسان: 2.
(2) النحل: 78.
(3) فصّلت: 53.
على البصر في تعبير القرآن؟ إنه تكرار متعمّد برغم أنّ النظرة العامّية إلى الأمور تنظر إلى البصر بإجلال أكثر (1) .
آيتا السرقة والزنا:
وهو حينما يذكر السرقة نراه يُورد السارق مقدّماً على السارقة ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ) (2) ، أما في الزنا فنراه يذكر الزانية مقدّمة على الزاني ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ) (3) ، والحكمة واضحة، فالمرأة في الزنا هي البادئة وهي التي تدعو الرجل، بزينتها وتبرّجها، أمّا في السرقة فهي أقلّ جرأة من الرجل.
إننا إذاً أمام كلمات مصفوفة بإحكام ودقة وانضباط ( كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) (4) .
ليس كمثله شيء:
ومن دقيق تعبيره: قوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (5) .
زعموا زيادة الكاف هنا، فراراً من المحال العقلي؛ إذ لو كانت باقيةً على أصلها للزم التسليم بثبوت المثل!
وحاول بعضهم توجيه عدم الزيادة، بأنّه من الدلالة على المطلوب بلازم الكلام، حيث نُفي مِثل المِثل يستلزم نفي المِثل؛ إذ لو كان له مِثل لكان لمثله أيضاً مثل، وهو الله تعالى، تحقيقاً لقضية التماثل.
فهو نَفي للمِثل بهذه الطريق الملتوية، نظير قولهم: أنت وابن أخت خالتك، يُعدّ
____________________
(1) محاولة لفهم عصري: ص 251.
(2) المائدة: 38.
(3) النور: 2.
(4) هود: 1.
(5) الشورى: 11.
نوعاً من التعمية في الكلام شبيهاً بالألغاز.. الأمر الذي تأباه طبيعة الجدّ في تعابير القرآن.
ولكن لتوجيه هذا الكلام تأويل مشهور:
لو قيل: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) كان المنفي هو المماثل له تماماً وفي جميع أوصافه ونعوته وخصوصياته الكلّية والجزئية، أي ليس على شاكلته التامّة شيء، وهذا يُوهم أن عسى قد يوجد مَن يكون على بعض أوصافه، وفي رتبة تالية من المماثلة التامّة؛ لأنّ هذا المعنى لم يقع تحت النفي.
وعليه فكان موضع الكاف هنا، نفياً للمماثلة وما يشبه المماثلة أو يدنو منها بعض الشيء، فليس هناك شيء يشبه أن يكون مماثلاً له تعالى، فضلاً عن أن يكون مِثلاً له على الحقيقة، وهذا من باب التنبيه بالأدنى دليلاً على الأعلى، على حدّ قوله تعالى: ( فَلا تَقُلْ لَهُمَا ) (1) .
وتأويل آخر أدق: وهو أنّ الآية لا ترمي نفي الشبيه له تعالى فحسب، إذ كان يكفي لذلك أن يقول: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ، أو ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) بل ترمي وراء ذلك دعم النفي بما يصلح دليلاً على الدعوى والإلفات إلى وجه حجة هذا الكلام وطريق برهانه العقلي.
أَلا ترى أنّك إذا أردت أن تنفي نقيصة عن إنسان، فقلت: (فلان لا يكذب) أو (لا يبخل) كان كلامك هذا مجرّد دعوى لا دليل عليها، أمّا إذا زدت كلمة المِثل وقلت: (مثل فلان لا يكذب) أو (لا يبخل) فكأنّك دعمت كلامك بحجّة وبرهان، إذ من كان على صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك؛ لأنّ وجود هذه الصفات والنعوت ممّا تمنع عن الاستسفال إلى رذائل الأخلاق.
وهذا منهج حكيم وضع عليه أُسلوب كلامه تعالى، وأنّ مثله تعالى - ذا الكبرياء والعظمة - لا يمكن أن يكون له شبيه، وأنّ الوجود لا يتسع لاثنين من جنيه (2) .
____________________
(1) الإسراء: 23.
(3) النبأ العظيم: ص 128.
فجيء بأحد لفظي التشبيه ركناً في الدعوى، وبالآخر دعامةً لها وبرهاناً عليها، وهذا من جميل الكلام، وبديع البيان، ومن الوجيز الوافي.
قال الزمخشري: قالوا: مثلك لا يبخل، فنفوا البخل عن مثله، وهم يريدون نفيه عن ذاته، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية؛ لأنّهم إذا نفوه عمّن يسدّ مسدّه وعمّن هو على أخصّ أوصافه فقد نفوه عنه، وهذا أبلغ من قولك: أنت لا تبخل.
ومنه قولهم: (قد أيفعت لدِّاته) (1) و (بلغت أترابه) (2) ، وفي الحديث: (أَلا وفيهم الطيّب الطاهر لدِّاته)، وهذا ما تعطيه الكناية من الفائدة (3) .
وقال ابن الأثير: ومن لطيف هذا الموضع وحسنه ما يأتي بلفظة (مِثل)، كقول الرجل إذا نفى عن نفسه القبيح: (مثلي لا يفعل هذا) أي أنا لا أفعله؛ لأنّه إذا نفاه عمّن يماثله فقد نفاه عن نفسه لا محالة، إذ هو بنفي ذلك عنه أجدر، وسبب ورود هذه اللفظة في هذا الموضع أنّه يُجعل من جماعة هذه أوصافهم وتثبيتاً للأمر وتوكيداً، ولو كان وحده لقلق منه موضعه ولم يرسُ فيه قدمه (4) .
قال الأُستاذ درّاز: واعلم أنّ البرهان الذي تُرشد إليه الآية - على هذا الوجه - (5) برهان طريف في إثبات الصانع لا نعلم أحداً من علماء الكلام حام حوله، فكلّ براهينهم في الوحدانية قائمة على إبطال التعدّد بإبطال لوازمه وآثاره العملية، حسبما أرشد إليه قوله تعالى: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (6) .
أمّا آية الشورى المذكورة فإنّها ناظرة إلى معنى وراء ذلك، ينقض فرض التعدّد من أساسه ويُقرّر استحالته الذاتية في نفسه بقطع النظر عن تلك الآثار،
____________________
(1) أيفع الغلام: ترعرع وناهز البلوغ، فهو يافع، واللدّ: القرن والخَصم.
(2) الأتراب: جمع تِرب بمعنى المتوافق في السنّ.
(3) تفسير الكشّاف: ج4 ص213.
(4) المَثل السائر: ج3 ص61 ذكره في باب الإرداف في الكناية.
(5) أي إرداف اللفظ بحجّته في أوجز كلام.
(6) الأنبياء: 22.
فكأنّنا بها تقول لنا:
إنّ حقيقة الإله ليست من تلك الحقائق التي تقبل التعدّد والاشتراك والتماثيل في مفهومها، كلاّ، فإنّ الذي يقبل ذلك فإنّما هو الكمال الإضافي الناقص، أمّا الكمال التامّ المطلق - الذي هو معنى الإلهية - فإنّ حقيقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة والاثنينيّة؛ لأنّك مهما حقّقت معنى الإلهية حقّقت تقدّماً على كلّ شيء وإنشاءً لكل شيء: ( فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (1) ، وحقّقت سلطاناً على كل شيء وعلواً فوق كلّ شيء: ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (2) ، فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضت إذ تجعل كلّ واحد منهما سابقاً ومسبوقاً، ومُنشِئاً، ومنشَئاً، ومستعلياً ومستعلى عليه، أو لأَحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيّد فيهما، إذ تجعل كل واحد منها بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقاً ولا مستعلياً، فأنّى يكون كلّ منهما إلهاً، وللإله المَثل الأعلى!
فكم أفادتنا هذه الكاف من وجوه المعاني كلّها كافٍ شافٍ، وهذا من دقة الميزان الذي وُضع عليه النظم الحكيم في القرآن الكريم (3) .
آية القصاص:
كانت العرب تعرف ما لهذه اللفظة (القصاص) من مفهوم خاص: (قَتْلُ من عَدَ على غيره فقَتَله بغير حق)، وكانت تعرف ما لهذه العقوبة (مقابلة المعتدي بمثل ما اعتدى) من أثر بالغ في ضمان الحياة العامّة.
لكنّها عندما عَمَدت إلى وضع قانون يحدّ من جريمة القتل، ويضمن للناس حياتهم، وليكون رادعاً لمَن أراد الإجرام فأزمعت بكلّيتها على وضع عبارة موجزة وافية بهذا المقصود الجلل وأجمعت آراؤهم على عقد الجملة التالية:
____________________
(1) الأنعام: 14، يوسف: 101، إبراهيم: 10، فاطر: 1، الزمر: 46، الشورى: 11.
(2) الزمر: 63.
(3) النبأ العظيم: ص130.
(القتل أنفى للقتل)، غفلت عن لفظة (القصاص) واستُعملت كلمة (القتل) مكانها، ذهولاً عن أنّها لا تفي بتمام المقصود، وهم بصدد الإيفاء والإيجاز.
ذلك أنّ الذي يحدّ من الإجرام على النفوس ويحقن دماء الأبرياء هو فرض عقوبة القصاص، وهو قتل خاص، وليس مطلق القتل بالذي يؤثّر في منعه، بل ربّما أوجب قتلات إذا لم يكن قصاصاً.
ومع الإحاطة بهذه المزايا في لفظ (القصاص) جاء قوله تعالى: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) (1) تعبيراً تامّاً وافياً بالمقصود تمام الوفاء، بل وفيها زيادة مزايا شَرَحها أرباب الأدب والتفسير.
قال سيّدنا الطباطبائي - طاب ثراه -: إنّ هذه الآية - على اختصارها وإيجازها، وقلّة حروفها، وسلاسة لفظها، وصفاء تركيبها - لهي من أبلغ التعابير وأرقى الكلمات، فهي جامعة بين قوّة الاستدلال وجمال المعنى ولطفه، ورقّة الدلالة وظهور المدلول.
وقد كان للبلغاء قبلها كلمات وتعابير في وضع قانون القصاص، كانت تعجبهم بلاغتها وجزالة أُسلوبها، كقولهم: (قُتل البعض إحياء للجميع)، وقولهم: (أَكثروا القتل ليقلّ القَتل) وأَعجب من الجميع عندهم قولهم: (القتل أنفى للقتل).
غير أنّ الآية أَنست الجميع، ونفت الكل، ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) فهي أقلّ حروفاً وأسهل تلفّظاً، وفيها تعريف القصاص وتنكير الحياة، دلالة على أنّ الهدف الأقصى أوسع من أمر القصاص وأعظم شأناً، وهي الحياة، حياة الإنسان الكريمة.
واشتمالها على بيان النتيجة وعلى بيان الحقيقة، وأنّ القصاص هو المؤدّي إلى الحياة، دون مطلق القتل، وغير ذلك ممّا تشتمل عليه من فوائد ولطائف... (2) .
هذا بالإضافة إلى ما لتعبير القرآن من محسّنات بديعية باهرة، ليست في ذلك التعبير العربي.
____________________
(1) البقرة: 179.
(2) تفسير الميزان: ج1، ص442.
قال ابن الأثير: من الإيجاز ما يُسمّى الإيجاز بالقصر، وهو الذي لا يُمكن التعبير عن ألفاظه بألفاظ أُخرى مثلها، وفي عدّتها، بل يستحيل ذلك، وهو أعلى طبقات الإيجاز مكاناً، وإذا وُجد في كلام بعض البلغاء فإنما يوجد شاذّاً نادراً، والقرآن الكريم مَلآن منه (1) .
فمن ذلك ما ورد من قوله تعالى: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) .
فإنّ قوله تعالى: ( الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) لا يُمكن التعبير عنه إلاّ بألفاظ كثيرة؛ لأنّ معناه أنّه إذا قُتل القاتل امتنع غيره عن القتل، وكذلك إذا أيقن القاتل أن سوف يدفع حياته ثمناً لحياة مَن يقتل، تردّد في ارتكاب القتل وربّما أمسك عنه، فكان في ذلك حياة للناس.
ولا يُلتفت إلى ما ورد عن العرب من قولهم: (القتل أنفى للقتل)، فإنّ مَن لا يعلم يظنّ أنّ هذا على وزن الآية، وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه:
الأَوّل: أنّ (القصاص حياة) لفظتان، و(القتل أنفى للقتل) ثلاثة ألفاظ.
الثاني: أنّ في قولهم (القتل أنفى للقتل) تكريراً ليس في الآية.
الثالث: أنّه ليس قتل نافياً للقتل، إلاّ إذا كان على حكم القصاص.
قال: وقد صاغ أبو تمام هذا المعنى الوارد عن العرب في بيت من شعره، فقال:
وأَخافَكُم كي تُغمدوا أسيافَكم |
إنّ الدمَ المُعترَّ يحرسُهُ الدمُ (2) |
فقوله: (إنّ الدم المعترّ يحرسه الدم) أجمل أُسلوباً وأحسن أداءً من قولة العرب.
وقال أبو هلال العسكري: والإيجاز، القصر والحذف، فالقصر تقليل الألفاظ وتكثير المعاني وهو قول الله عزّ وجلّ: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) ، ويتبّين فضل هذا الكلام إذا قَرنته بما جاء عن العرب في معناه، وهو قولهم: (القتل أنفى للقتل) فصار لفظ القرآن فوق هذا القول، لزيادته عليه في الفائدة، وهو إبانة العدل لذكر
____________________
(1) المَثل السائر: ج2 ص348 وص 352 - 353.
(2) ديوان أبي تمّام: ص274. والمعترّ: المضطرب لخوف الخطر.
القصاص، وذِكر العوض المرغوب فيه لذكر الحياة واستدعاء الرغبة والرهبة لحكم الله به، ولإيجازه في العبارة، فإنّ الذي هو نظير قولهم (القتل أنفى للقتل) إنّما هو (القصاص حياة) وهذا أقلّ حروفاً من ذلك، ولبعده من الكلفة بالتكرير، ولفظ القرآن بَرِئ من ذلك، وبحسن التأليف، وشدة التلاؤم المُدرك بالحسّ؛ لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة (1) .
وقال جلال الدين السيوطي: وقد فُضلّت الآية على قولة العرب بعشرين وجهاً أو أكثر، وإن كان لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق، وإنّما العلماء يقدحون أفهامهم فيما يظهر لهم من ذلك، كما قال ابن الأثير، نذكر منها:
1 - في الآية إيجاز قصر، من غير حاجة إلى تقدير ، أمّا قولتهم فبحاجة إلى تقدير (من) لمكان أفعل التفضيل، وبذلك جاء الإبهام في قولتهم؛ لأنّه يسأل: من أيّ شيء؟ فإن قُدّر العموم فلعلّه غير مطّرد بالنسبة إلى جميع الموارد وجميع أفراد الناس.
2 - ثُمّ الذي ينفي القتل ويوجب الحياة هي شريعة القصاص ، وهو قتل بإزاء قتل خاصّ دون مطلق القتل، إذ ربَّ قتلة أوجبت قتلات كما في حرب البَسوس طالت أربعين سنة.
3 - في الآية طباق، جمعاً بين ضدّين: القصاص - وفيه إشعار بقتل - والحياة، وأيضاً فيها بَداعة، الضدّ أوجب ضدّه. ولا سيّما في تعريف القصاص وتنكير الحياة، وفيه غرابة فائقة.
4 - قال الزمخشري: ومن إصابة محزّ البلاغة، بتعريف القصاص وتنكير الحياة؛ لأنّ المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم - الذي هو شريعة القصاص - حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب، حتّى كاد يُفني بكر بن وائل، ولقد كانوا يقتلون بالمقتول غير قاتله، وهذه
____________________
(1) انظر الصناعتين: ص175، وهامش المَثل السائر: ج2 ص352 - 353.
العادة جارية بين العرب حتّى الآن (1) ، فتثور الفتنة ويقع بينهم التناحر، ففي شرع القصاص - وهو قتل القاتل المعتدي - حياة أيّة حياة (2) .
5 - وأمّا قولة العرب، ففيها تناقض ظاهر؛ إذ الشيء لا ينفي نفسه، فكيف القتل ينفي القتل؟ وأيضاً فيها تكرار، وتقدير، وتهويل بسبب تكرار لفظ القتل المؤذن بالوحشة.
أمّا الآية فاستُبدلت من لفظ (القتل) الموحش بلفظ (القصاص) الموجب للتشفّي والانشراح، ثُمّ عقّبها بلفظ (الحياة) التي تبتهل إليها النفوس وتحتفل بها.
6 - وأيضاً ففي لفظ القصاص إيذان بالعدل، حيث مساواة نفس المقتول بالقاتل، الأمر الذي لا يدلّ عليه لفظ القتل المطلق.
7 - والآية بُنيت على الإثبات، وقولتهم على النفي، والكلام المُثبت أوفى من النافي مهما كان المعنى واحداً.
8 - ثُمّ إشكال في ظاهر قولتهم ، ببناء أفعل التفضيل من فعل عدمي الذي لا تفاضل فيه ظاهراً، والآية سالمة منه.
9 - وأيضاً فإنّ التفاضل يقتضي المشاركة في القَدر الجامع ، بخلاف الآية التي حصرت نفي القتل في القصاص لا في غيره على الإطلاق، فكانت أبلغ في الوفاء بالمقصود.
10 - الآية مشتملة على حروف متلائمة متناسقة ، تتحلّق صُعُداً، ثُمّ تهوي نُزلاً، ثُمّ تعود فتتصاعد إلى ما لا نهاية (في القصاص حياة).
قالوا: لتلاؤم القاف مع الصاد، كلاهما من حروف الاستعلاء، أمّا القاف مع التاء فلا تلاؤم بينهما؛ لأنّ التاء من المنخفض، وكذا الخروج من الصاد إلى حاء الحياة أمكن من الخروج من اللام إلى الهمز، لبُعد طرف اللسان عن أقصى الحلق.
____________________
(1) ونحن في مطلع القرن الخامس عشر للهجرة.
(2) راجع الكشّاف: ج1 ص222 - 223.
وأيضاً ففي النطق والحاء والتاء متتالية ظرافة وحسن، ولا كذلك في تكرار النطق بالقاف والتاء.
11 - هذا فضلاً عن توالي حركات متناسبة في الآية ، بما يَسَّر النطق بها في سهولة، وربّما في جرس صوتيّ بديع.
أمّا قولتهم فيتعقّب فيها كل حركة بسكون، وذلك مستكره، ويوجب عسر النطق بها، إذا الحركات - وهي انطلاقات اللسان - تنقطع بالسكنات المتتالية، الموجبة للضجر ووعورة الكلام، نظير ما إذا تحرّكت الدابة أدنى حركة فجثت، ثمّ تحرّكت فجثت، وهكذا لا يبين انطلاقها ولا تتمكن من حركتها على إرادتها؛ لأنّها كالمقيّدة.
12 - إنّ في افتتاح الآية بـ (لكم) مزيد عناية بحياة الإنسان ، وإنّ في شريعة القصاص حكمة بالغة ترجع فائدتها إلى النفع العام، فهي عامّة رُوعيت في شرع القصاص، وليست مصلحة خاصّة ترجع إلى شرح صدور أولياء المقتول المفجوعين فحسب.
وغير ذلك ممّا ذكره نَقدة الكلام، لا زالت مساعيهم مشكورة (1) .
أرض هامدة وأرض خاشعة:
تعبيران وردا على الأرض الميتة فقدت حياتها؛ لأنّ السماء ضنّت بمائها فلم تَمطر عليها... فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزّت وربت وأنبتت من كلّ زوج بهيج!
فقد جاء التعبير الأَوّل في سورة الحج: ( يَا أَيّهَا النّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّا خَلَقْنَاكُم مِن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمّ مِن مّضْغَةٍ مّخَلَقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلّقَةٍ لّنُبَيّنَ لَكُمْ وَنُقِرّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مّسَمّىً ثُمّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمّ لِتَبْلُغُوا أَشُدّكُمْ وَمِنكُم مّن يُتَوَفّى وَمِنكُم مّن يُرَدّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن
____________________
(1) راجع معترك الأقران لجلال الدين السيوطي: ج1 ص300 - 303.
بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ) (1) .
وجاء التعبير الثاني في سورة فصّلت: ( وَمِنْ آيَاتِهِ اللّيْلُ وَالنّهَارُ وَالشّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا للّهِِ الّذِي خَلَقَهُنّ إِن كُنتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالّذِينَ عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ لَهُ بِاللّيْلِ وَالنّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ إِنّ الّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (2) .
أمّا لماذا هذا الاختلاف في التعبير في المقامينِ؟
الجوّ في السياق الأَوّل جوّ بعث ونشور وحشر أموات، فيتناسب معه تصوير الأرض (هامدة) لا حياة فيها ولا حركة ولا انتفاضة.
يقال: همدت النار أي خمدت وأُطفئت وهدأت حرارتها وسَكَن لهيبها، وهمد الثوب: إذا بَلي وتقطّع من طول البِلى.
لكن الجوّ في السياق الثاني جوّ عبادة وضراعة وخشوع وابتهال إلى الله تعالى، فناسبه تصوير الأرض (خاشعة) خشوع الذلّ والاستكانة. يقال: خشعت الأرض إذا يبست ولم تُمطَر.
ونكتة أُخرى: لم تجئ ( اهْتَزّتْ وَرَبَتْ ) هنا للغرض الذي جاءتا من أجله هناك، إنّهما هنا تُخيّلان حركةً حاصلةً عن خشوع، حركة تضاهي حركة العُبّاد في عباداتهم؛ ومِن ثَمّ لم تكن الأرض لتبقى وحدها خاشعة ساكنة، فاهتزّت لتشارك العابدينَ في حركاتهم التعبّدية وِفق إرادة الله في الخلق.
الحلف بالتاء:
قوله تعالى: ( تَاللّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً ) (3) .
____________________
(1) الحجّ: 5.
(2) فصّلت: 37 - 39.
(3) يوسف: 85.
جملة ألفاظها غريبة، بعيدة عن الاستعمال العام، وقع الاختيار عليها لحكمة هي مقتضى الحال والمقام، فضلاً عن جرس اللفظة في هذا التناسب والوئام.
قال جلال الدين السيوطي: أتى بأغرب ألفاظ القَسَم، وهي التاء، فإنّها أقلّ استعمالاً وأبعد من أفهام العامّة بالنسبة إلى الباء والواو، وبأغرب صيغ الأفعال الناقصة، فإنّ (تزال) أقرب إلى الأفهام، وأكثر استعمالاً من (تفتأ)، وبأغرب الألفاظ الدالّة على الإشراف على الهلاك (حَرَضاً)، فاقتضى حسن الوضع في النظم، أنّ تجاور كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة؛ توخّياً لحسن الجوار، ورغبة في ائتلاف المعاني مع الألفاظ، ولتتعادل الألفاظ في الوضع، وتتناسب في النظم، فضلاً عن تناسب الغريب في التعبير مع الغريب من حالة نبيّ الله يعقوب (عليه السلام) (1) .
دقائق ونكات:
ذكر جلال الدين السيوطي عن البارزيّ أنّه قال - في أَوّل كتابه (أنوار التحصيل في أسرار التنزيل) -: اعلم أنّ المعنى الواحد قد يُخبَر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، وكذلك كلّ واحد من جزءي الجملة قد يُعبّر عنه بأفصح ما يلاءم الجزء الآخر... ولابدّ من استحضار معاني الجمل، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ، ثُمّ استعمال أنسبها وأفصحها....
واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال... وذلك عتيد حاصل في علم الله تعالى؛ فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه. وإن كان مشتملاً على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح....
ولذلك أمثلة:
منها: قوله تعالى: ( وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ) (2) ، لو قال مكانه: (وثمر الجنّتين قريب) لم يقم مقامه من جهة الجناس بين (الجنى) و(الجنّتين)، ومن جهة أنّ
____________________
(1) معترك الأقران: ج1 ص389.
(2) الرحمن: 54.
الثمر لا يُشعر بمصيره إلى حال يُجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل (1) .
وتتلخّص ميزات الآية في وجوه أربعة:
أولاً: أنّ الثمر لفظ عام، لا يدل على بلوغه أوان الاقتطاف، على خلاف لفظ (الجنى) الذي هو الثمر الناضج الغضّ الطريّ اليانع، فكان هذا الأخير أنسب.
ثانياً: المشاكلة والتجانس اللفظي بين (جنى) والشطر الأَوّل من (الجنّتين) بالجيم والنون.
ثالثاً: كذلك التجانس بين (دان) والشطر الأخير من (الجنّتين) بالمدّ والنون، مع مقاربة مخرج الدال والتاء.
رابعاً: مراعاة الفاصلة.
الأمر الذي حصلت به تلك السلاسة والعذوبة في التعبير والأداء، ولا توجد في العبارة الأُخرى المرادفة لها في المعنى، كما لا يخفى.
* * *
قال: ومنها قوله تعالى: ( وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ ) (2) ، أحسن من التعبير بـ (تقرأ)؛ لثقله بالهمزة.
ومنها: ( لاَ رَيْبَ فِيهِ ) (3) ، أحسن من (لا شكّ فيه)؛ لثقل الإدغام، ولهذا كثُر ذِكر الريب (4) .
ومنها: ( وَلا تَهِنُوا ) (5) ، أحسن من (ولا تضعفوا)، لخفّته، و ( وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) (6) ، أحسن من (ضعف)؛ لأنّ الفتحة أخفّ من الضمّة.
____________________
(1) الإتقان: ج4 ص22.
(2) العنكبوت: 48.
(3) البقرة: 2.
(4) على أنّ الريب إنّما يكون فيما تكون دواعي الشبهة فيه متوفّرة، أمّا الشكّ فيكفي فيه عدم الاعتقاد، الأمر الذي صحّ معه نفي الريب عن الكتاب دون الشكّ.
(5) آل عمران: 139.
(6) مريم: 4.
ومنها: ( آمن ) (1) أخفّ من (صدّق)؛ ولذا كان ذكره أكثر من ذكر التصديق، و ( آثَرَكَ اللَّهُ ) (2) أخفّ من (فضّلك)، و ( آتي ) (3) أخفّ من (أعطى)، و ( أَنذَر ) (4) أخفّ من (خوّف)، و ( خيرٌ لكم ) (5) أخفّ من (أفضل لكم).
والمصدر في نحو ( هذا خَلْقُ اللهِ ) (6) و ( يُؤمنون بالغيبِ ) (7) أخفّ من (مخلوق) و(الغائب)، و ( تنكح ) (8) أخفّ من (تَتَزوج)؛ لأنّ (تفعل) - مُخفّفاً - أخفّ من (تفعل) - مشدّداً - ولهذا كان ذِكر النكاح فيه أكثر.
قال: ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ (الرحمة) و(الغضب) و(الرضا) و(الحبّ) و(المقت) في أوصاف الله تعالى، مع أنّه لا يوصف بها حقيقة؛ لأنّه لو غيّر عن ذلك بألفاظ الحقيقة لطال الكلام.
كأن يقال: يعامله معاملة المحبّ، والماقت... فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة؛ لخفّته واختصاره، وابتنائه على التشبيه البليغ.
فإنّ قوله تعالى: ( فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ ) (9) أحسن من (فلمّا عاملونا معاملة المغضب) أو (فلمّا أتوا إلينا بما يأتيه المغضب) (10) .
سورة الكوثر:
وللزمخشري بيان لطيف عن دقائق هذه السورة المباركة وبدائع نكتها على قصرها ووجازتها (11) ، وقد لخّصها وجمع ظرائفها وطرائفها العلاّمة الطبرسي في تفسيره (جوامع الجامع) كما يلي:
____________________
(1) البقرة: 62.
(2) يوسف: 91.
(3) البقرة: 177.
(4) الأحقاف: 21.
(5) البقرة: 184.
(6) لقمان: 11.
(7) البقرة: 3.
(8) البقرة: 230.
(9) الزخرف: 55.
(10) الإتقان: ج4 ص23.
(11) راجع التمهيد: ج5 ص605 - 634.
انظر في نظم هذه السورة الأنيق وترتيبه الرشيق، مع قصرها ووجازتها، وتَبصّر كيف ضمّنها الله النكت البديعة:
1 - حيث بنى الفعل في أوّلها على المبتدأ، ليدّل على الخصوصية.
2 - وجمع ضمير المتكلم؛ ليأذن بكبريائه وعظمته.
3 - وصَدّر الجملة بحرف التأكيد، الجاري مجرى القسم.
4 - وأتى بالكوثر، المحذوف الموصوف؛ ليكون أدلّ على الشياع، والتناول على طريق الاتّساع.
5 - وعقّب ذلك بفاء التعقيب؛ ليكون القيام بالشكر الأوفر مسبّباً عن الإنعام بالعطاء الأكثر.
6 - وقوله: ( لربّك ) تعريض بدين من تعرّض له بالقول المؤذي، من ابن وائل وأشباهه، ممّن كان عبادته ونحره لغير الله.
7 - وأشار بهاتين العبادتين إلى نوعي العبادات البدنية، التي كانت الصلاة إمامها، والمالية التي كان نَحر البُدن سنامها.
8 - وحذف اللام الأُخرى (1) ، إذ دلّت عليها الأُولى، ولمراعاة حقّ التسجيع الذي هو من جملة نظمه البديع.
9 - وأتى بكاف الخطاب على طريقة الالتفات؛ إظهاراً لعلوّ شأنه، وليُعلم بذلك أنّ من حقّ العبادة أن يقصد بها وجه الله خالصاً.
10 - ثم قال: ( إنّ شانئك ) فعلّل ما أمره، بالإقبال على شانئه وقلّة الاحتفال بشانئه، على سبيل الاستيناف، الذي هو جنس من التعليل رائع.
11 - وإنّما ذكره بصفته لا باسمه؛ ليتناول كلّ من أتى بمثل حاله.
12 - وعرّف الخبر؛ ليتمّ له البتر.
____________________
(1) أي لم يقل: وانحر لربّك.
13 - وأفحم الفصل؛ لبيان أنّه المعيّن لهذا النقص والعيب.
14 - وذلك كلّه، مع علوّ مطلعها وتمام مقطعها، وكونها مشحونةً بالنكت الجليلة، مكتنزةً بالمحاسن غير القليلة، ممّا يدلّ على أنّه كلام ربّ العالمين، الباهر الكلام المتكلّمين.
فسبحان مَن لو لم يُنزل إلاّ هذه السورة الواحدة الموجزة لكفى بها آية معجزة، ولو همّ الثقلان أن يأتوا بمثلها لشاب الغراب، وساب الماء كالسراب، قبل أن يأتوا به.
15 - وفيها أيضاً دلالة على أنّها معجزة وآية بيّنة من وجه آخر، وهو: أنه إخبار بالغيب، من حيث إنّه أخبر عمّا جرى على ألسنة أعدائه، فكان كما أخبر، ووافق الخبرُ المُخبر في إعطائه الكوثر؛ إذ علت كلمتُه، وانتشرت في العالم ذرّيته، وانبتر أمر شانئه الأبتر، وانقطع ذنبُه وعقبه كما ذكر (1) .
دعوة زكريا ربّه:
هناك وقع نداء زكريا ربّه - فيما حكى الله سبحانه -: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) (2) موقع إعجاب وإكبار علماء المعاني والبيان، بهرتهم لطافة صنعه وأناقة رصفه، مشتملاً على مزايا ومحاسن جمّة لا يحويها سائر الكلام، وقد تعرّض لها صاحب (الطراز) وعدّد محاسنها درجة درجة حتى بلغ العشرة عدد الكمال، وقدّم لذلك مقدّمة قال فيها:
اعلم أنّ القرآن إنّما صار معجزاً؛ لكونه دالاً على تلك المحاسن والمزايا التي لم يختصّ بها غيره من سائر الكلام، ولا يجوز أن تكون راجعة إلى الدلالات الوضعية، سواء كانت باعتبار دلالتها على معانيها الوضعية، أو مجردة عنها، وقد ذهب إلى ذلك أقوامٌ، وهو فاسد لأمرين، أمّا (أوّلاً) ؛ فلأنّ الكلمة الواحدة قد تكون
____________________
(1) تفسير جوامع الجامع: ص 554.
(2) مريم: 4.
فصيحة إذا وقعت في محلّ، وغير فصيحة إذا وقعت في محلّ آخر، فلو كان الأمر في الفصاحة والبلاغة راجعاً إلى مجرّد الألفاظ الوضعية لما اختلف ذلك بحسب اختلاف المواضع، وأمّا (ثانياً)؛ فلأنّ الاستعارة والتشبيه والتمثيل والكناية من أعظم قواعد الفصاحة وأبلغها، وإنّما كانت كذلك باعتبار دلالتها على المعاني لا باعتبار ألفاظها، فصارت الدلالة على وجهين:
الوجه الأوّل: دلالة وضعية، وهذه لا تعلّق لها بالبلاغة والفصاحة كما مهّدنا طريقه.
وثانيهما: الدلالة المعنوية، ودلالتها إمّا بالتضمّن أو بالالتزام، وهما عقليّان من جهة أنّ حاصلهما هو انتقال الذهن من مفهوم اللفظ إلى ما يلازمه، ثمّ تلك الملازمة إمّا أن تكون دلالة على جزء المفهوم، أو تكون دلالة على معنى يصاحب المفهوم، فالأَوّل هو الدلالة التضمنية، والثاني هو الدلالة الخارجية، وهما جميعاً من اللوازم، ثمّ إنّ تلك اللوازم تارة تكون قريبة، وتارة تكون بعيدة، فمِن أجل ذلك صحّ تأدية المعاني بطرق كثيرة، بعضها أكمل من بعض، وتارةً تزيد، ومرّةً تنقص؛ فلأجل هذا اتّسع نطاق البلاغة وعظم شأنه، وارتفع قدره وعلا أمره.
فربّما علا قدر الكلام في بلاغته حتى صار معجزاً لا رتبة فوقه، وربّما نزل الكلام حتى صار ليس بينه وبين نعيق البهائم إلاّ مزيّة التأليف والتركيب، وربّما كان متوسّطاً بين الرتبتين، وقد يوصف اللفظ بالجودة؛ لكونه متمكناً في أسَلاَت الألسنة غير ناب عن مدارجها، ولا قَلِق على سطح اللسان، جيّداً سبكه صحيحاً طابعه، وأنّه في حقّ معناه من غير زيادة عليه ولا نقصان عنه، وقد يذمّونه بنقائض هذه الصفات بأنّه مُعقّد جُرزٌ، وأنّه لتعقيده استهلك المعنى، يمشي اللسان إذا نطق به كأنّه مقيّد، وحَشيٌّ، نافرٌ، نازل القدر، طويل الذيول من غير فائدة، ولا معنى تحته، وقد يصفون المعنى بالجودة بأنّه قريب جزل، يسبق إلى الأذهان قبل أن يسبق إلى الآذان، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك، حتى كأنّه
يدخل إلى الأُذن بلا إذن، وقد يذمّونه بكونه ركيكاً نازل القدر، بعيداً عن العقول، وهلمّ جرّ إلى سائر ما ذكرناه من جهة المعنى على جهة المناقضة والقرآن كلّه من أوله إلى آخره حاصل على هذه المزايا، موجودة فيه على أكمل شيء وأتمّه، فلله درّه من كتاب اشتمل على علوم الحكمة وضمّ جوامع الخطاب، وأودع ما لم يودع غيره من الكتب المنزلة من حقائق الإجمال ودقائق الأسرار المفصّلة.
وبعد ذلك خاض محاسن الآية مستخرجاً لآليها قائلاً:
وإذا أردت أن تكحل بصرك بمرود التخييل، والاطّلاع على لطائف الإجمال والتفصيل، فاتلُ قصّة زكريّا (عليه السلام) وقف عندها وقفة باحث وهي قوله تعالى ( قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً ) فإنّك تجد كلّ جملة منها بل كلّ كلمة من كلماتها تحتوي على لطائف، وليس في آي القرآن المجيد حرف إلاّ وتحته سرّ ومصلحة فضلاً عمّا وراء ذلك، والكلام في تقرير تلك اللطائف الإجمالية وما يتلوها من الأسرار التفصيلية مقرّر في معرفة حدّ الكلام وأصله، وأنّ كلّ مرتبة من مراتب الإجمال متروكة في الآية بمرتبة أخرى مفصّلة، حتّى تتّصل بما عليه نظم الآية وسياقها، وجملة ما نورده من ذلك درجات عشر، كلّ واحدة منها على حظّ من الإجمال، بعدها درجة أخرى على حظّ من التفصيل، حتى تكون الخاتمة هو ما اشتمل عليه سياقها المنظوم على أحسن نظام، وصار واقعاً في تتميم بلاغتها أحسن تمام.
(الدرجة الأُولى) نداء الخفية؛ فإنّه دالّ على ضعف الحال وخطاب المسكنة والذلّ حتى لا يستطيع حراكاً، وهو من لوازم الشيخوخة والهزال، ولِما فيه من التصاغر للجلال، والعظمة بخفض المصوب في مقام الكبرياء وعظم القدرة، فهذه الجملة مذكورة كما قرَّرناه، وهي مناسبة لحاله، ولهذا صدّرها في أول قصّته لِما فيها من ملائمة الحال وهضم النفس واستصغارها. وافتتاحها بذكر العبودية يؤكّد ما ذكرناه ويؤيّده.
(الدرجة الثانية) كأنّه قال: يا رب إنّه قد دنا عمري، وانقضت أيّام شبابي، فإنّ انقضاء العمر دالّ على الضعف والشيخوخة لا محالة؛ لأنّ انقضاء الأيّام والليالي هو الموصل إلى الفناء والضعف وشيب الرأس، ثم إنّ هذه الجملة صارت متروكة لتوخّي مزيد التقرير إلى ما هو أكثر تفصيلاً منها ممّا يكون بعدها.
(الدرجة الثالثة) كأنّه قال: قد شخت فإنّ الشيخوخة دالّة على ضعف البدن وشيب الرأس؛ لأنّها هي السبب في ذلك لا محالة.
(الدرجة الرابعة) كأنّه قال: وهنت عظام بدني، جعله كناية عن ضعف حاله، ورقّة جسمه، ثم تُركت هذه الجملة إلى جملة أخرى أكثر تفصيلاً منها.
(الدرجة الخامسة) كأنّه قال: أنا وهنت عظام بدني، فأُعطيت مبالغة، لمّا قدّم المبتدأ ببناء الكلام عليه، كما ترى.
(الدرجة السادسة) كأنّه قال: إنّي وهنت العظام من بدني، فأضاف إلى نفسه تقريراً مؤكّداً (بإنّ) للأمر، واختصاصها بحاله، ثمّ تُركت هذه الجملة بجملة غيرها.
(الدرجة السابعة) كأنّه قال: إنّي وهنت العظام منّي، فترك ذكر البدن وجمع العظام؛ إرادة لقصد شمول الوهن للعظام ودخوله فيها.
(الدرجة الثامنة) ترك جمع العظام إلى إفراد العظم، واكتفى بإفراده فقال، ( إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) .
(الدرجة التاسعة) ترك الحقيقة، وهي قوله: أشيب، أو شاب رأسي، لِما علم أنّ المجاز أحسن من الحقيقة، وأكثر دخولاً في البلاغة منها، ثم تُركت هذه الجملة بجملة أخرى غيرها.
(الدرجة العاشرة) أنّه عدل عن المجاز إلى الاستعارة في قوله ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) وهي من محاسن المجاز، ومن مثمرات البلاغة، وبلاغتها قد ظهرت من جهات ثلاث:
الجهة الأولى: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادة شمول الاشتعال بجميع
الرأس، بخلاف ما لو قال: اشتعل شيب رأسي، فإنّه لا يؤدّي هذا المعنى بحال، فـ (اشتعل رأسي) وزان اشتعلت النار في بيتي، و ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) وزان: اشتعل بيتي ناراً.
الجهة الثانية: الإجمال والتفصيل في نصب التمييز، فإنّك إذا نصبت (شيباً) كان المعنى مخالفاً لما إذا رفعته، فقلت: اشتعل شيب رأسي، لما في النصب من المبالغة دون غيره.
الجهة الثالثة: تنكير قوله (شيباً) لإفادة المبالغة، ثم إنّه ترك لفظ (منّي) في قوله ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) اتّكالاً على قوله ( وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي ) ثم إنّه أتى به في الأَوّل؛ بياناً للحال وإرادةً للاختصاص بحاله في إضافته إلى نفسه، ثُمّ عطف الجملة الثانية على الجملة الأُولى بلفظ الماضي؛ لِما بينهما من التقارب والملاءمة.
فانظر إلى هذا السياق المثمر المورق، وجودة هذا الرصف المعجب المونق، كيف ترك جملة إلى جملة؛ إرادةً للإجمال بعده التفصيل، من أجل إيثار البلاغة حتى انتهى إلى خلاصها، ودهن لبّها ومصاصها، وهو جوهر الآية ونظامها بأوجز عبارة وأخصرها، وأظهر بلاغة وأبهرها.
واعلم أنّ الذي فتق أكمام هذه اللطائف حتى تفتّحت أزرار أزهارها، وتعانقت أغصانها، وتأنقت أفنانها، وتناسبت محاسن آثارها، هو مقدّمة الآية وديباجتها، فإنّه لمّا افتتح الكلام في هذه القصّة البديعة بالاختصار العجيب، بأن طرح حرف النداء من قوله (ربّ) وياء النفس من المضاف، أشعر أوّلها بالغرض؛ فلأجل تأسيس الكلام على الاختصار عقّبه بالاختصار والإجمال، واكتفى بذكر هاتين الجملتين عمّا وراءهما من تلك المراتب العشر التي نبّهنا عليها والحمد لله (1) .
____________________
(1) الطراز: ج 3 ص 416 - 420.
أعجب آية باهرة:
قوله تعالى: ( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِي الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلى الْجُودِيّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ ) (1) .
قد مرّت عليك قصّة النفر من فصحاء قريش أزمعوا ليعارضوا القرآن، فعكفوا على لطيف الغذاء من لباب البُرّ وسُلاف الخمر ولحوم الضأن والخلوة، حتى بلغوا مجهودهم، فإذا فوجئوا بنزول هذه الآية، فطووا ما أزمعوا ويئسوا ممّا طمعوا فيه، وعلموا أنّه لا يشبه كلام مخلوق (2) .
الأمر الذي دعا بعلماء الأدب والبيان أن يجعلوا هذه الآية بالذات موضع دراستهم والبحث عن مزاياها الخارقة، فخاضوا عبابها واستخرجوا لبابها في عرض عريض.
وممّن أجاد في هذا الباب هو الإمام أبو يعقوب السكّاكي في كتابه (مفتاح العلوم)، فبعد أن تكلّم عن شأن البلاغة وعجيب أمره، وأنّه ممّا يُدرك ولا يوصف كاستقامة الوزن تُدرك ولا يمكن وصفها، والملاحة يبهر حسن منظرها ولا يستطاع نعتها... وأضاف أنّ مدرك (الإعجاز) هو الذوق ليس إلاّ، وطول خدمة عِلمَي المعاني والبيان... ذكر شاهداً على ذلك متمثلاً بالآية الكريمة، ومعرّجاً على تعداد مزاياها ومفارقاتها عن سائر الكلام، قال:
وإذ قد وقفت على البلاغة وعثرت على الفصاحة المعنوية واللفظية، فأنا أذكر - على سبيل الأنموذج - آية أكشف لك فيها عن وجوه البلاغة والفصاحتين، ما عسى يسترها عنك، ثُمّ إن ساعدك الذوق أدركت منها ما قد أدرك مَن تُحدّوا بها، وهي قوله - علت كلمته -: ( وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ
____________________
(1) هود: 44.
(2) العمدة لابن رشيق: ج 1 ص 211، وراجع الجزء الرابع من التمهيد: ص 202.
الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
قال: والنظر في هذه الآية من أربع جهات: من جهة علم البيان، ومن جهة علم المعاني - وهما مرجعا البلاغة - ومن جهة الفصاحة المعنوية، ومن جهة الفصاحة اللفظية:
1 - أمّا النظر فيها من جهة (علم البيان) وهو النظر فيما فيها من المجاز والاستعارة والكناية وما يتصل بها فنقول:
إنه - عزّ سلطانه - لمّا أراد أن يُبيّن معنى (أردنا أن نردّ ما انفجر من الأرض إلى بطنها فارتدّ، وأن نقطع طوفان السماء فانقطع، وأن نغيض الماء النازل من السماء فغاض، وأن نقضي أمر نوح - وهو انجاز ما كنّا وعدنا من إغراق قومه - فقضي، وأن نُسوّي السفينة على الجوديّ فاستوت، وأبقينا الظلمة غرقى).
بنى الكلام على تشبيه المراد بالمأمور الذي لا يتأتّى منه - لكمال هيبته - العصيان، وتشبيه تكوين المراد بالأمر الجزم النافذ في تكوّن المقصود، تصويراً لاقتداره العظيم، وأنّ السماوات والأرض وهذه الأجرام العظام تابعة لإرادته، إيجاداً وإعداماً، ولمشيئته فيها تغيراً وتبديلاً، كأنّهما عقلاء مميّزون قد عرفوه حقّ معرفته، وأحاطوا علماً بوجوب الانقياد لأمره والإذعان لحكمه، وتحتّم بذل المجهود عليهم في تحصيل مراده، وتصوّروا مزيد اقتداره، فعظمت مهابته في نفوسهم، وضُربت سرادقها في أفنية ضمائرهم، فكما يلوح لهم إشارته كان المشار إليه مقدّماً، وكما يرد عليهم أمره كان المأمور به متمّماً، لا تلقى لإشارته بغير الإمضاء والانقياد، ولا لأمره بغير الإذعان والامتثال.
ثمّ بنى على تشبيه هذا نظم الكلام، فقال - جلّ وعلا -: (قيل) على سبيل المجاز عن الإرادة الواقع بسببها قول القائل، وجعل قرينة المجاز الخطاب للجماد، وهو (يا أرض) و (يا سماء) ، ثم قال - كما ترى - (يا أرض... و يا سماء) مخاطباً لهما على سبيل الاستعارة للشبه المذكور.
ثمّ استعار لغور الماء في الأرض (البلع) الذي هو إعمال الجاذبة في المطعوم، للشبه بينهما وهو الذهاب إلى مقرّ خفي.
ثمّ استعار (الماء) للغذاء استعارة بالكناية، تشبيهاً له بالغذاء؛ لتقوّي الأرض بالماء في الإنبات للزروع والأشجار، تقوّي الآكل للطعام، وجُعل قرينة الاستعارة لفظة (ابلعي)؛ لكونها موضوعة للاستعمال في الغذاء دون الماء.
ثمّ أمر - على سبيل الاستعارة للشبه المقدّم ذكره - وخاطب في الأمر ترشيحاً لاستعارة النداء، ثمّ قال: (ماءك) بإضافة الماء إلى الأرض على سبيل المجاز، تشبيهاً لاتّصال الماء بالأرض باتّصال المُلك بالمالك، واختار ضمير الخطاب؛ لأجل الترشيح.
ثمّ اختار لاحتباس المطر (الإقلاع) الذي هو ترك الفاعل الفعل للشبه بينهما في عدم ما كان، ثمّ أمر على سبيل الاستعارة وخاطب في الأمر قائلاً (أقلعي) لمثل ما تقدّم في (ابلعي) .
ثم قال: ( وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً... ) فلم يُصرّح بمَن غاض الماء، ولا بمَن قضى الأمر، وسوّى السفينة، وقال بُعداً، كما لم يُصرّح بقائل (يا أرض) و (يا سماء) في صدر الآية؛ سلوكاً في كلّ واحد من ذلك لسبيل الكناية.
إنّ تلك الأمور العظام لا تتأتى إلاّ من ذي قدرة يكتنه قهّار لا يغالب، فلا مجال لذهاب الوهم إلى أن يكون غيره - جلّت عظمته - قائل (يا أرض ويا سماء) ولا غائض مثل ما غاض، ولا قاضي مثل ذلك الأمر الهائل، أو أن تكون تسوية السفينة وإقرارها بتسوية غيره وإقراره.
ثمّ ختم الكلام بالتعريض؛ تنبيهاً لسالكي مسلكهم في تكذيب الرسل، ظلماً لأنفسهم لا غير، خَتم إظهارٍ لمكان السخط، ولجهة استحقاقهم إيّاه وأنّ قيمة
الطوفان (1) وتلك الصورة الهائلة ما كانت إلاّ لظلمهم.
* * *
2 - وأمّا النظر فيها من حيث (علم المعاني) - وهو النظر في فائدة كلّ كلمة منها، وجهة كلّ تقديم وتأخير فيما بين جملها - فذلك أنّه اختير (يا) دون سائر أخواتها؛ لكونها أكثر في الاستعمال وأنّها دالّة على بُعد المنادى، الذي يستدعيه مقام إظهار العظمة وإبداء شأن العزّة والجبروت، وهو تبعيد المنادى، المؤذن بالتهاون به، ولم يقل (يا أرض) بالكسر؛ لإمداد التهاون، ولم يقل (يا أيّتها الأرض)؛ لقصد الاختصار، مع الاحتراز عمّا في (أيّتها) من تكلّف التنبيه غير المناسب بالمقام.
واختير لفظ (الأرض) دون سائر أسمائها؛ لكونه أخفّ وأدور.
واختير لفظ (السماء) لمثل ما تقدّم في الأرض، مع قصد المطابقة.
واختير لفظ (ابلعي) على (ابتلعي)؛ لكونه أخصر، ولمجيء حظّ التجانس بينه وبين (أقلعي) أوفر.
وقيل (ماءك) بالإفراد دون الجمع؛ لِما كان في الجمع من صورة الاستكثار المُتأتى عنها مقام إظهار الكبرياء والجبروت، وهو الوجه في إفراد (الأرض والسماء).
وإنما لم يقل (ابلعي) بدون المفعول؛ أن لا يستلزم تركه ما ليس بمراد، من تعميم الابتلاع للجبال والتلال والبحار وساكنات الماء بأسرهنّ، نظراً إلى مقام ورود الأمر، الذي هو مقام عظمة وكبرياء.
ثم إذ بين المراد، اختصر الكلام مع (أقلعي)؛ احترازاً عن الحشو المستغنى عنه، وهو الوجه في أن لم يقل (قيل يا أرض ابلعي ماءك فبلعت، ويا سماء أقلعي فأقلعت).
____________________
(1) القيمة - بالكسر - النوع من قام، أي بذلك النوع الهائل من قيام الطوفان.
واختير (غيض) على (غيّض) المشدّد؛ لكونه أخصر.
وقيل (الماء) دون أن يقال (ماء طوفان السماء)، وكذا (الأمر) دون أن يقال (أمر نوح) وهو إنجاز ما كان الله وعد نوحاً من إهلاك قومه؛ لقصد الاختصار والاستغناء بحرف التعريف عن ذلك.
ولم يقل (سوّيت على الجودي) بمعنى أقرّت على نحو (قيل) و(غيض) و(قضي) في البناء للمفعول؛ اعتباراً لبناء الفعل للفاعل مع السفينة في قوله (وهي تجري بهم في موج) مع قصد الاختصار في اللفظ.
ثم قيل (بُعداً للقوم) دون أن يقال (ليبعد القوم)؛ طلباً للتأكيد مع الاختصار، وهو نزول (بُعداً) منزلة (ليبعدوا بعداً) مع فائدة أخرى، وهي استعمال اللام مع (بعداً) الدالّ على معنى أنّ البعد حقّ لهم.
ثمّ أُطلق الظلم ليتناول كل نوع حتى يدخل فيه ظلمهم أنفسهم، لزيادة التنبيه على فظاعة سوء اختيارهم في تكذيب الرسل.
هذا من حيث النظر إلى تركيب الكلم.
وأمّا من حيث النظر إلى ترتيب الجمل فذاك أنّه قد قدّم النداء على الأمر، فقيل (يا أرض ابلعي) و(يا سماء أقلعي) دون أن يقال (ابلعي يا أرض) و(أقلعي يا سماء) جرياً على مقتضى اللازم فيمَن كان مأموراً حقيقة، من تقديم التنبيه، ليتمكّن الأمر الوارد عقيبه في نفس المنادى؛ قصداً بذلك لمعنى الترشيح.
ثمّ قدّم أمر الأرض على أمر السماء وابتدأ به لابتداء الطوفان منها ونزولها لذلك في القصّة منزلة الأصل، والأصل بالتقديم أَولى.
ثم أتبعهما قوله (وغيض الماء) لاتّصاله بقصّة الماء وأخذه بحجزتها، أَلا ترى أصل الكلام (قيل يا أرض ابلعي ماءك - فبلعت ماءها - ويا سماء أقلعي - عن إرسال الماء فأقلعت عن إرساله - وغيض الماء - النازل من السماء فغاض -).
ثمّ أتبعه ما هو المقصود من القصّة، وهو قوله (وقضي الأمر) أي أُنجز
الموعود من إهلاك الكفرة، وإنجاء نوح ومَن معه في السفينة، ثمّ أتبعه حديث السفينة، وهو قوله (واستوت على الجودي)، ثمّ ختمت القصّة بما ختمت.
هذا كلّه نظر في الآية من جانبَي البلاغة.
* * *
3 - وأمّا النظر فيها من جانب (الفصاحة المعنوية) فهي - كما ترى - نظم للمعاني لطيف، وتأدية لها ملخّصة مبيّنة، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد، ولا التواء يشيك الطريق إلى المرتاد، بل إذا جرّبت نفسك عن استماعها وجدت ألفاظها تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها، فما من لفظة في تركيب الآية ونظمها تسبق إلى إذنك إلاّ ومعناه أسبق إلى قلبك.
* * *
4 - وأمّا النظر فيها من جانب (الفصاحة اللفظية) فألفاظها - على ما ترى - عربية مستعملة، جارية على قوانين اللغة، سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة، عذبة على العذبات، سَلسلة على السَّلِسات، كل منها كالماء في السلاسة، وكالعسل في الحلاوة، وكالنسيم في الرقّة.
* * *
قال: ولله درّ شأن التنزيل، لا يتأمل العالم آية من آياته إلاّ أدرك لطائف لا تسع الحصر، ولا تظنّن الآية مقصورة على ما ذكرتْ، فلعلّ ما تركتْ أكثر ممّا ذكرتْ؛ لأنّ المقصود لم يكن إلاّ مجرّد الإرشاد لكيفية اجتناء ثمرات علمَي (المعاني والبيان) وأن لا علم في باب التفسير - بعد علم الأصول - أقرأ منهما على المرء لمراد الله تعالى من كلامه، ولا أعون على تعاطي تأويل مشتبهاته، ولا أنفع في درك لطائف نكته وأسراره، ولا أكشف للقناع عن وجه إعجازه، هو الذي يوفي كلام ربّ العزّة من البلاغة حقّه، ويصون له في مظانّ التأويل ماءه ورونقه (1) .
____________________
(1) مفتاح العلوم: ص 196 - 199.
غير خفيّ أنّ ما يذكره تعالى حكاية عن أُمم سالفين إنما هو نقل بالمعنى، ولا سيّما فيما يحكيه من أقوالهم ومحاججاتهم، حيث كانت بلغة غير عربية وناقل المعنى في سعة من اللفظ حيث يشاء وحيث يتناسب مع مقصوده من الكلام، ينقله تارةً طوراً وأخرى طوراً آخر، وقد ينقل بعضه ويترك البعض، حسب ما يراه من مناسبة المقام، ومِن ثَمّ فهو في فسحة من النقل والحكاية.
قال الاسكافي: إنّ ما أخبر الله به من قصّة موسى وبني إسرائيل وسائر الأنبياء لم يقصد به حكاية الألفاظ بأعيانها، وإنّما قصد اقتصاص معانيها، وكيف لا يكون كذلك واللغة التي خوطبوا بها غير العربية، فحكاية اللفظ إذاً زائلة، وتبقى حكاية المعنى، ومَن قصد حكاية المعنى كان مخيّراً بأيّ لفظ أراد، وكيف شاء مِن تقديم وتأخير بحرف لا يدلّ على الترتيب كالواو. وعلى هذا يقاس نظائره في القرآن (1) .
* * *
وللكرماني (2) تصنيف لطيف في بيان ما لكل موضع من الآيات المكرّرة نكتة ظريفة، استقصى فيها جميع ما في القرآن من التكرار، قال - في مقدّمته -: هذا كتاب أذكر فيه الآيات المتشابهات (المتماثلات) التي تكرّرت في القرآن وألفاظها متّفقة، ولكن وقع في بعضها زيادة أو نقصان أو تقدم أو تأخير أو إبدال حرف مكان حرف أو غير ذلك ممّا يوجب اختلافاً بينها... وأُبيّن السبب في تكرارها والفائدة في إعادتها، والحكمة في تخصيص آية بشيء دون أُخرى....
____________________
(1) درة التنزيل: ص17، هامش أسرار التكرار: ص28.
(2) هو العلاّمة الأديب محمود بن حمزة بن نصر الكرماني. قال ياقوت: كان حدود سنة خمسمِئة وتوفي بعدها.
نقتطف من أزهاره ما يلي:
1 - قوله تعالى في سورة البقرة: ( يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً ) (1) بالواو، وفي سورة الأعراف: ( فكلا ) (2) بالفاء.
لأنّ (اسكن) في سورة البقرة يراد به الإقامة بالمكان، وذلك يستدعي زماناً ممتداً، فلم يصلح إلاّ بالواو؛ لأنّ المعنى: اجمع بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها، ولو كانت بالفاء لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة؛ لأنّ الفاء للترتيب والتعقيب.
والذي في سورة الأعراف بمعنى اتخاذ السكنى؛ لأنّه يقابل خطاب إبليس بالأمر بالخروج ( قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا ) (3) ، فكان خطاب آدم ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ) بمعنى اتخاذها مسكناً، واتخاذ السكنى الآنيّ لا يستدعي زماناً ممتداً، فكان الفاء أَولى، أي كلا منها عقيب اتخاذها مسكناً، ولا يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل، بل يقع الأكل عقيب الاتخاذ (4) .
2 - ونظير ذلك أيضاً قوله في سورة البقرة ( وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ ) (5) بالفاء، وفي سورة الأعراف: ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمْ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ ) (6) بالواو؛ لأنّ الأكل لا يكون إلاّ بعد الدخول، ولكنه يجتمع مع السكون بمعنى الإقامة في المسكن (7) .
3 - وزيد (رغداً) في البقرة (35 و58)، ولم يرد في الأعراف (19و161)؛ لأنّ الآيتين في البقرة بدئتا بقوله: (قلنا) فناسب التعظيم زيادة تشريف وتكريم؛ ومِن ثَمّ كان زيادة (رغداً).
____________________
(1) البقرة: 35.
(2) الأعراف: 19.
(3) الأعراف: 18.
(4) أسرار التكرار: ص25 - 26 رقم 11.
(5) البقرة: 58.
(6) الأعراف: 161.
(7) أسرار التكرار: ص28 رقم 17.
أمّا في الأعراف فبُدئت الآية (19) بقوله: (قال) مفرداً، والآية (161) بقوله: (وإذ قيل) من غير تشريف.
4 - وجاء في سورة الأنعام ( نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ) (1) ، وفي سورة الإسراء ( نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ ) (2) ؛ لأنّ في الأنعام: (من إملاق) بكم، وفي الإسراء: (خشية إملاق) يقع بهم (3) .
أي كان قتل الأولاد في سورة الأنعام مستنداً إلى فقر ومسكنة كان قد أقدع بهم فعلاً، أمّا في سورة الإسراء فكان مستنداً إلى خوف المجاعة والفقر قد يعرضهم بسبب الأولاد.
5 - وجاء في سورة التوبة - خطاباً مع المنافقين -: ( وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ ) (4) ، ثمّ في آية أُخرى - خطاباً مع المؤمنين ممّن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً -: ( فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ... ) (5) .
لأنّ المنافقين لا يطّلع على ضمائرهم إلاّ الله وما أخبر به رسوله، كما في قوله: ( قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ) (6) .
أمّا المؤمنون فطاعاتهم وأعمالهم ظاهرة مكشوفة يراها سائر المؤمنين أيضاً.
وجاء بشأن المنافقين ( ثُمَّ تُرَدُّونَ ) ، وبشأن المؤمنين ( وَسَتُرَدُّونَ ) ؛ لأنّ الأُولى وعيد، فهو عطف على الأًوّل، وأمّا الثانية فهو وعد، فبناه على ( فَسَيَرَى اللَّهُ ) (7) .
6 - قوله تعالى في سورة الكهف: ( سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاّ قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلاّ مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ
____________________
(1) الأنعام: 151.
(2) الإسراء: 31.
(3) أسرار التكرار: ص75 رقم 115.
(4) التوبة: 94.
(5) التوبة: 105.
(6) التوبة: 94.
(7) أسرار التكرار: ص100 رقم 178.
أَحَداً ) (1) .
قالوا: لِمَ زيدت الواو في (وثامنهم)؟
قال بعض النحويّين: السبعة نهاية العدد، ولهذا كثُر ذِكرها في القرآن والأخبار، والثمانية تجري مجرى استئناف كلام، ومِن هنا لقّبه جماعة من المفسّرين بواو الثمانية.
واستدلّوا بقوله تعالى: ( التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) ، فقد جيء بالواو عندما زيدت الأوصاف على السبعة.
وبقوله تعالى: ( مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحاتٍ ثَيّبَاتٍ وَأَبْكَاراً ) (3) ، فلمّا بلغ الثامن جيء بالواو.
وبقوله تعالى: ( وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) (4) ؛ لأنّ أبواب الجنة ثمانية (5) .
وهذا الوجه لم يرتضِه المصنّف؛ ومِن ثَمّ ردّ عليه بقوله: ولكل واحد من هذه الآيات وجوه ذكرتها في موضعها.
أمّا الآية في سورة التوبة فلم يذكر لها شيئاً.
والآية في سورة التحريم قال فيها: ثُمّ ختم بالواو، فقال ( وَأَبْكَاراً ) ؛ لأنّه استحال العطف على ثيّبات فعطفها على أَول الكلام، ويحسن الوقف على ( ثَيّبَاتٍ ) ؛ لمّا استحال عطف ( َأَبْكَاراً ) عليها، وقول مَن قال: إنّها واو الثمانية بعيد (6) .
وذكر في آية الزمر أنّها واو الحال (7) ، أي وقد فُتحت بتقديره (قد).
وفي قوله تعالى من سورة القلم ( وَلاَ تُطِعْ كُلّ حَلاّفٍ مَهِينٍ * هَمّازٍ مَشّاءٍ
____________________
(1) الكهف: 22.
(2) التوبة: 112.
(3) التحريم: 5.
(4) الزمر: 73.
(5) أسرار التكرار: ص132 رقم 283.
(6) أسرار التكرار: ص206 رقم 526.
(7) المصدر: ص186 رقم 445.
بِنَمِيمٍ * مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * عُتُلّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ ) (1) قال: أوصاف تسعة، ولم يُدخل بينها واو العطف ولا بعد السابع، فدلّ على ضعف القول بواو الثمانية (2) .
قلت: هذا على تقدير أن يكون (حلاّف) وصفاً أَوّلاً، في حين أنّه الموصوف، والأوصاف إنما تَبتدئ من (مهين).
وعليه فالأوصاف ثمانية وقد فُصل بين الثامن وما قبله بقوله (بعد ذلك) الذي هو بمنزلة الواو هنا.
7 - قوله في سورة الكهف: ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً ) (3) ، وفي آية أُخرى ( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) (4) .
لأنّ الإمر هو الأمر العَجَب، والعجب كل أمر خالف المألوف سواء أكان خيراً أم شراً.
وأمّا النُكر فهو الأمر المُنكر الذي يستقبحه العقل.
والآية الأُولى جاءت بشأن خرق السفينة، بما لا يستلزم غرقها وإهلاك أهلها... فلعلّ في ذلك سرّاً وحكمة، لكنه خلاف المألوف، فأثار العجب.
والآية الثانية جاءت بشأن قتل الغلام، وهو طفل لا يعقل شيئاً ولم يرتكب إثماً، فهو بظاهره قتل نفس محترمة، وهو الأمر المنكر الذي يستقبحه العقل (5) .
8 - قوله: ( أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ ) (6) ، لكنه بعد ذلك قال: ( أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ ) (7) زيادةً في الإنكار عليه بزيادة توجيه الخطاب والعتاب إليه.
9 - قوله: ( فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ) (8) - أَولاً -
وقوله: ( فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ ) (9) - ثانياً -
____________________
(1) القلم: 10 - 13.
(2) أسرار التكرار: ص207 رقم 530.
(3) الكهف: 71.
(4) الكهف: 74.
(5) أسرار التكرار: ص134 رقم 287.
(6) الكهف: 72.
(7) الكهف: 75.
(8) الكهف: 79.
(9) الكهف: 81.
وقوله: ( فَأَرَادَ رَبّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا ) (1) - ثالثاً -
ففي الأَول نسب ما ظاهره الإفساد إلى نفسه؛ تنزيهاً لمقام قدسه تعالى عن نسبة الإفساد إليه.
وفي الثاني خليط من الإفساد والإنعام؛ ومِن ثَمّ نسبه إلى نفسه مع غيره وهو الله تعالى.
لكن الثالث كان محص إنعام؛ ومِن ثَمّ نسبه إلى الله خالصاً.
كل ذلك من أدب الكلام، فتفهّم (2) .
10 - قوله تعالى في سورة الرحمن: (3) .
كُرّر لفظ الميزان ثلاث مرات مع قرب الفاصلة، وكان حقه حسب الظاهر الإضمار بعد ذكره أَوّلاً.
قيل: لأنّه في كل موضع بمعنى غير معناه الآخر، فوجب الإظهار؛ ليكون كل واحد مستقلاً بالإفادة، وإلاّ لاحتاج إلى الاستخدام.
فالميزان الأَوّل هو النظام الكوني الحاكم على كل موجودات العام، والثاني هو نظام الشريعة الحاكم على أفعال العباد وتصرّفاتهم، والثالث هي آلة الوزن المعروفة (4) .
11 - قوله تعالى: ( فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) كُرّرت إحدى وثلاثين مرّة:
ثمانية منها ذُكرت عقيب آيات فيها تعداد عجائب الخلق وبدائع الصنع، والمبدأ والمعاد.
وسبعة منها عقيب آيات العقاب والنار وشدائد نقمته تعالى.
ثُمّ ثمانية منها عقيب وصف الجنّات ونعيمها.
____________________
(1) الكهف: 82.
(2) أسرار التكرار: ص134 رقم 289.
(3) الرحمن: 7 - 9.
(4) أسرار التكرار: ص198.
وثمانية أخرى بعدها للجنتين وما حوتا عليه من نِعَم كبار (1) ، رزقنا الله التنعّم بنعمها الجسام العظام.
أما التذكير بالآلاء عقيب ذكر العقاب والنار فلأنّه أيضاً من النعم التي أنعم الله بها على الإنسان؛ لأنّ تكوين الشخصية المعتدلة ذو عاملين أساسيين، عامل الخوف وعامل الرجاء، فكما أنّ الوعد يُؤثّر في تربية النفس ترغيباً في الثواب، كذلك الوعيد مؤثّر في التربية ترهيباً عن العقاب، فكلاهما من الآلاء والنعم الإلهية لهذا الإنسان في سيبل تربيته.
قال الطبرسي: فأمّا الوجه لتكرار هذه الآية في هذه السورة فإنّما هو التقرير بالنعم المعدودة والتأكيد في التذكير بها كلّها. فكلّما ذَكر سبحانه نعمةً أنعم بها قرّر عليها ووبّخ على التكذيب بها، كما يقول الرجل لغيره: أَما أحسنت إليك حين أطلقت لك مالاً؟ أَما أحسنت إليك حين ملّكتك عقاراً؟ أَما أحسنت إليك حين بنيت لك داراً؟... فيحسن فيه التكرار؛ لاختلاف ما يقرّره.
قال: ومثله كثير في كلام العرب وأشعارهم، ثُمّ جعل ينشد أبياتاً قالها مهلهل بن ربيعة (2) يرثي أخاه كليباً، وقصيدة ليلى الأخيليّة ترثي توبة بن الحمير، وأبياتاً للحارث بن عبّاد، قال: وفي أمثال هذا كثرة.
قال: وهذا هو الجواب بعينه بشأن التكرار في سورة المرسلات، قوله تعالى: ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) ... عشر مرّات (3) .
12 - قوله: ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) مكرّر عشر مرّات في سورة المرسلات.
إذ من عادة العرب التكرار والإطناب، كما في عادتهم الاقتصار والإيجاز؛ ولأنّ بسط الكلام في الترغيب والترهيب أدعى إلى إدراك البغية من الإيجاز (4) .
____________________
(1) أسرار التكرار: ص198.
(2) هو خال امرؤ القيس، قيل: هو أَول من قصّد القصائد.
(3) راجع مجمع البيان: ج9 ص199.
(4) أسرار التكرار: ص213.
13 - التكرار في سورة (الكافرون) (1) .
قيل: هذا التكرار اختصار في الكلام وهو إعجاز؛ لأنّ الله نفى عن نبيّه عبادة الأصنام فيما مضى والحال وفيما يأتي. ونفى عن الكفّار - وهم رهط من قريش مخصوصون؛ لأنّ اللام للعهد الخارجي - عبادة الله في الأزمنة الثلاثة أيضاً، فكان من حقّ الكلام أن يأتي بست فقرات تدلّ على هذه الأُمور الستة، لكنّه اختصر في العبارة المذكورة الموجزة.
قوله تعالى: ( لا أَعبدُ ما تعبدونَ ) نُفي في الحال وما يأتي، أي لا أعبد اليوم ولا بعد اليوم ما تعبدون اليوم.
( ولا أَنتُم عابدونَ ما أعبدُ ) كذلك... أي لا تعبدون اليوم ولا بعد اليوم ما أعبد اليوم.
( ولا أَنا عابدٌ ما عبدتُم ) نُفي في الماضي وتعليل لِما تقدّمه؛ لأنّ اسم الفاعل يصلح للأزمنة الثلاثة، أي لم أعبد ما عبدتم قبل اليوم، فكيف ترجون عبادتي اليوم لما عبدتم وتعبدونه؟!
( ولا أَنتم عابدونَ ما أَعبدُ ) أي ولا أنتم عبدتم ما أعبد اليوم.
وبذلك افترق المعنى في الآية، تلك للنفي في الحال والآتي، وهذه للنفي في الماضي (2) .
* * *
وقال الفرّاء - في وجه التكرار -: إنّ القرآن نزل بلغة العرب وعلى أساليب كلامهم ومحاوراتهم، ومن عادتهم تكرير الكلام؛ للتأكيد والإفهام، فيقول المجيب: بلى، بلى. ويقول الممتنع: لا، لا.
قال: ومثله قوله تعالى: ( كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) (3) .
____________________
(1) أسرار التكرار: ص226.
(2) راجع الكشّاف للزمخشري.
(3) التكاثر: 3 و4.
وأنشد:
وكائنٌ وكم عندي لهُم مِن صنيعةٍ |
أيادي ثنّوها عليَّ وأَوجبوا |
وأيضاً:
كَم نعمْ كانتْ لكم |
كَمْ كَمْ وكَمْ |
وقال آخر:
نَعَق الغرابُ ببين ليلى غدوةً |
كمْ كمْ وكم بفراقِ ليلٍ يَنعقُ |
وأيضاً:
هلاّ سألتَ جُموعَ كِندَةَ |
يومَ وَلّوا أَينَ أَينا |
وقوله:
أردتُ لنفسي بعضَ الأُمورِ |
فأَولى لنفسي أَولى لها |
قال: وهذا أَولى المواضع بالتأكيد؛ لأنّ الكافرين أَبدأوا في ذلك وأعادوا.
فكرّر سبحانه؛ ليؤكّد إياسهم وحسم أطماعهم بالتكرير (1) .
قال قوم: إنّا إذا تَلونا القرآن وتأمّلناه وجدنا معظم كلامه مبنيّاً ومؤلّفاً من ألفاظ قريبة ودارجة في مخاطبات العرب ومستعملة في محاوراتهم، وحظّ الغريب المشكل منه بالإضافة إلى الكثير من واضحه قليل، وعدد الفِقَر والغُرَر من ألفاظه بالقياس إلى مباذله ومراسيله عدد يسير، الأمر الذي لا يشبه شيئاً من كلام البلغاء الأقحاح من خطباء مصاقع وشعراء مفلّقينَ، كان ملء كلامهم الدرر والغرر والغريب والشارد.
لكن الغرابة على وجهين - كما ذكره أبو سليمان حمد بن محمّد الخطابي في كتابه (معالم السنن) قال: الغريب من الكلام إنّما هو الغامض البعيد من الفهم، كما
____________________
(1) مجمع البيان: ج10 ص552.
أنّ الغريب من الناس إنّما هو البعيد عن الوطن المنقطع عن الأهل، والغريب من الكلام يقال به على وجهين:
أحدهما: أن يراد به أنّه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلاّ عن بُعد ومعاناة فكر.
والوجه الآخر: أن يراد به كلام مَن بعدت به الدار مِن شواذّ قبائل العرب، فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربنا (1) .
والغريب في القرآن إنّما هو من النوع الثاني؛ ومِن ثَمّ لم يخلّ بفصاحته، والقرآن لم يستعمل إلاّ ما تعارف استعماله عند العرب وتداولوه فيما بينهم، ولكن في طبقة أعلى وأرفع من حدّ الابتذال العامي، فلا استعمل الوحشي الغريب ولا العامي السخيف المرتذل (2) ، على حدّ تعبير عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة (3) .
قال التفتازاني: والغرابة كون الكلمة وحشية، غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسة الاستعمال، فمنه ما يحتاج في معرفته إلى أن ينقر ويبحث عنه في كتب اللغة المبسوطة، كتَكَأكَأتم وافرنقعوا في قول عيسى بن عمر النحوي، هاجت به مِرّةٌ وسقط من حماره فوثب إليه قوم يعصرون إبهامه ويؤذّنون في أُذنه، فأفلت من أيديهم وقال:
____________________
(1) هامش غريب القرآن للطريحي، المقدمة: هـ.
(2) كقول العامة: ايش، بمعنى أي شيء. وانفسد بمعنى فسد.
(3) قال الجرجاني: وربما استُسخف اللفظ بأمر يرجع إلى المعنى دون مجرد اللفظ، كما يُحكى من قول عبيد الله بن زياد لمّا دُهش: (افتحوا لي سيفي)! وذلك أنّ الفتح خلاف الإغلاق، فحقّه أن يتناول شيئاً هو في حكم المغلق المسدود، وليس السيف بمسدود، وأقصى أحواله أن يكون في الغمد بمنزلة الثوب في العِكم (كالعِدل: نمط تجعل المرأة فيه ذخيرتها، وبمعنى الجُوالِق) والدرهم في الكيس والمتاع في الصندوق، والفتح في هذا الجنس يتعدى أبداً إلى الوعاء المسدود على الشيء الحاوي له، لا إلى ما فيه، فلا يقال: افتح الثوب (أسرار البلاغة: ص 3 - 4).
(مالكم تَكَأكَأتم عليَّ كما تَتَكَأكَأون على ذي جِنّة، افرنقعوا عنّي!).
فجعل الناس ينظرون إليه ويقول بعضهم لبعض: دعوه فإنّ شيطانه يتكلّم بالهندية! (1) .
قال: ومنه ما يحتاج إلى أن يُخرّج له وجه بعيد، نحو مُسرّج في قول العجّاج:
ومُقلةً وحاجباً مزجّجا |
وفاحماً ومَرسِناً مُسرّجا (2) |
لم يُعلم أنّه مأخوذ من السيف السريجي في الدقة والاستواء، أو من السراج في البريق واللمعان.
قال: والوحشي قسمان، غريب حسن وغريب قبيح، فالغريب الحسن هو الذي لا يُعاب استعماله على العرب؛ لأنّه لم يكن وحشياً عندهم، وذلك مثل شرنبث واشمخرّ واقمطرّ (3) وهي في النظم أحسن منه في النثر، ومنه غريب القرآن والحديث.
والغريب القبيح يُعاب استعماله مطلقاً (حتى على العرب) ويُسمّى الوحشيّ الغليظ، وهو أن يكون مع كونه غريب الاستعمال ثقيلاً على السمع كريهاً على الذوق، ويُسمّى المتوعّر أيضاً، وذلك مثل جحيش واطلخمّ الأمر وجفخت (4) وأمثال ذلك (5) .
____________________
(1) المطوّل طبعة اسلامبول: ص18، وراجع الفائق للزمخشري: ج2 ص241. نسب الجاحظ ذلك إلى أبي علقمة، حدّث به ذلك في بعض طرقات البصرة.
والمعنى: مالكم اجتمعتم عليّ كما تجتمعون على مجنون، تفرّقوا عنّي.
(2) المُقلة: حدقة العين، والمزجّج كمعظّم: المدقّق المرقّق، والفاحم: الشعر الأسود، والمَرسن كمجلس: موضع الرسن من أنف الناقة، شاع استعماله في مطلق أنف الإنسان.
(3) الشرنبث كغضنفر: الغليظ الكفّين والرجلين. واشمخرّ: طال. واقمطرّ: اشتدّ.
(4) والجحيش: المُنعزل عن الناس بمعنى الفريد، واطلخمّ الأمر:اشتبك واشتبه، مأخوذ من الطلخوم بمعنى الماء الآجن. وجفخت: تكبّرت.
(5) المطوّل: طبعة اسلامبول ص18.
والخلاصة: القرآن كما يترفع عن الاسترسال العامي المرتذل، كذلك يبتعد عن استعمال غرائب الألفاظ المتوعّرة بمعنى وحشيها غير مأنوسة الاستعمال ولا مألوفة في متعارف أهل اللسان المترفّعين.
قال الخطابي: ليست الغرابة ممّا اشترطت في حدود البلاغة، وإنّما يكثر وحشيّ الغريب في كلام الأوحاش من الناس والأجلاف من جفاة العرب، الذين يذهبون مذاهب (العنهجية) (1) ولا يعرفون تقطيع الكلام وتنزيله والتخيّر له، وليس ذلك معدوداً في النوع الأفضل من أنواعه، وإنّما المختار منه النمط الأقصد الذي جاء به القرآن، وهو الذي جمع البلاغة والفخامة إلى العذوبة والسهولة.
قال: وقد يُعدّ من ألفاظ الغريب في نعوت الطويل (2) نحو من ستين لفظة أكرها بشع شنع، كالعشنّق والعشنّط والعنطنط، والشوقب والشوذب والسلهب، والقوق والقاف، والطوط والطاط... فاصطلح أهل البلاغة على نبذها وترك استعمالها في مرسل الكلام، واستعملوا الطويل، وهذا يدلّك على أنّ البلاغة لا تعبأ بالغرابة ولا تعمل بها شيئاً (3) .
وبعد، فالذي جاء منه في القرآن الشيء الكثير، هو الغريب العذب والوحش السائغ، الذي أصبح بفضل استعماله ألوفاً، وصار من بعد اصطياده خلوباً. دون البعيد الركيك والمتوعّر النفور، الذي لم يأتِ منه في القرآن شيء، ممّا جاء في كلام أمثال ذاك النحوي المتكلّف عيسى بن عمر.
والسبب في ازدحام غرائب الألفاظ وعرائس الكلمات في القرآن؛ هو ارتفاع سبكه عن مستوى العامّة الهابط، واعتلاء أُسلوبه عن متناول الأجلاف المبتذل.
____________________
(1) العنهج لغة في العمهج بمعنى الإبل الضخم الطويل، والعنهجية: كناية عن سلوك طرائق وَعِرة بعيدة المدى، إما تعسفّاً أو تفنّناً لا لغرض معقول.
(2) أي كل ذلك ينعت به الطويل بمختلف أطواره، كالعشنّق يوصف به الطويل الذي ليس بضخم ولا مثقّل، والعشنّط: الشابّ الظريف الحسن الجسم، والشوذب: الطويل الحسن الخلق... وهكذا.
(3) بيان إعجاز القرآن: ص 37.
القرآن اختصّ بإحاطته على عوالي الكلمات الفصحى، وغوالي العبارات العليا، لا إعواز في بيانه ولا عجز ولا قصور، الأمر الذي يُنبئك عن علم شامل بأوضاع اللغة وكرائم الألفاظ، دليلاً على أنّه من ربّ العالمين المحيط بكلّ شيء، هذا أوّلاً.
وثانياً: احتواؤه لِما في لغات القبائل من عرائس الغرائب، كانت معهودةً في أقطار اختصّت بوضعها، ومعروفة في أمصار توحّدت في استعمالها؛ ومِن ثَمّ كانت غريبةً في سائر البقاع والبلدان.
وقد استعمل القرآن كلّ هذه اللغات، فتعارفت القبائل بلغات بعضها من بعض، وبذلك توحّدت اللغة، وخلصت من التشتّت والافتراق، وهذا من فضل القرآن على اللغة العربية.
* * *
جاء القرآن بسبكٍ جديد وأُسلوبٍ فريد، كان غريباً على العرب، لا هو نثر كنثرهم، ولا شعر كشعرهم، ولا فيه شيء من هذر السجّاع، ولا تكلّفات الكهّان، وإن كان قد جمع بين مزايا أنواع الكلام، واشتمل على خصائص أنحاء البيان، فيه طلاقة النثر واسترساله البديع، وأناقة الشعر وسلاسته الرفيع، وجزالة السجع الرصين، وهذا عجيب!
قال الإمام كاشف الغطاء: تلك صورة نظمه العجيب وأُسلوبه الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل حارت فيه عقولهم، وتدلّهت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر... هكذا اعترف له أفذاذ العرب وفصحاؤهم الأوّلون (1) .
* * *
قال عظيم العرب وفريدها الوليد: يا عجباً لِما يقول ابن أبي كبشة، فو الله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي جنون، وإنّ قوله لمن كلام الله (2) .
____________________
(1) الدين والإسلام: ج2 ص107.
(2) تفسير الطبري: ج29 ص98.
وقال - ردّاً على مَن زعم أنّه من الشعر -: فو الله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار منّي، ولا أعلم برجز ولا بقصيدة منّي، ولا بأشعار الجنّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا.
ثُمّ قال: ووالله إنّ لقوله الذي يقول حلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنّه ليعلو وما يُعلى... وفي رواية الإصابة زيادة: (وما هذا بقول بشر)، وفي نسخة الغزالي: (وما يقول هذا بشر) (1) .
ولمّا سمع عتبة بن ربيعة - وكان سيّداً في العرب - آياً من مفتتح سورة فصّلت، قرأها عليه النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وسلّم أتى معشر قريش، فسألوه، ما وراءك؟ قال: ورائي أنّي قد سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قطّ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة (2) .
وهكذا أنيس به جنادة، لمّا بعثه أبو ذر ليستخبر من حالة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وسلّم وكان من أشعر العرب، فلمّا رجع قال: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر (أي أوزانه) فما يلتئم على لسان أحد بعدي (أي غيري) أنّه شعر، والله إنّه لصادق، وإنّهم لكاذبون (3) .
إلى غيرها من كلمات تنمّ عن رفيع شأن هذا الكلام الإلهي الخالد... وقد مرّت (4) .
* * *
وتوضيحاً لهذا الجانب من إعجاز القرآن البياني - في سبكه وأُسلوبه - نقول: لا شكّ أنّه نثر، لا كنثرهم، أمّا من حيث اللفظ فإنّه رُصّع على أحسن ترصيع، ورُصفت كلماته وجمله وتراكيبه على أجمل ترصيف، فيه جمال الشعر ووقار
____________________
(1) المستدرك للحاكم: ج2 ص507.
(2) ابن هشام: ج1 ص314.
(3) شرح الشفاء للقاري: ج1 ص320.
(4) راجع (المدخل لدراسة الإعجاز) التمهيد: ج4 ص200 - 203.
النثر وإجادة السجع الرصين، مع قوّة البيان ورشاقة التعبير، من غير أن يعتريه وهن أو ضعف، في طول كلامه وتعدّد بياناته.
وهكذا من حيث المعنى، جاء بمعانٍ جديدة كانت مهجورةً أو مطموسةً، فأحياها من جديد، وأبان من مراميها، وألقى الضوء على فلسفة الوجود وسرّ الحياة في المبدأ والمعاد، فجاء بمعارف جليلة وتعاليم نبيلة، أنار بها درب الحياة بما أذهل القلوب وأبهر العقول وأحار ذوي الألباب.
وفي ذلك يقول العلاّمة محمّد عبد الله درّاز: أًسلوب القرآن لا يعكس نعومة أهل المدينة ولا خشونة أهل البادية، وزن المقاطع في القرآن أكثر ممّا في النثر وأقلّ ممّا في الشعر، وأنّ نثره ينفرد ببعض الخصائص والميزات، فالكلمات فيه مختارة، غير مبتذلة ولا مستهجنة، ولكنّها رفيعة رائعة معبّرة، الجمل فيها ركّبت بشكل رائع، حتى أنّ أقلّ عدد من الكلمات يعبّر عن أوسع المعاني وأغزرها، إنّ تعابيره موجزة، ولكنّها مدهشة في وضوحها، حتى أنّ أقلّ حظّاً من التعلّم يستطيع فهم القرآن دونما صعوبة، وهناك عمق ومرونة في القرآن ممّا يصلح أن يكون أساساً لمبادئ وقوانين العلوم والآداب الإسلامية ومذاهب الفقه وفلسفة الإلهيات (1) .
وفي أُسلوب القرآن نجد أنّه وضع لبعض الألفاظ معاني جديدة، وخاصّة ما اتّصل منها بالفقه الإسلامي، كما استحدث ألفاظاً جديدة وأعرض عن ألفاظ، فمنع استعمال مدلولاتها وأعاض عنها بغيرها، وخاصّة وحشيّ اللفظ....
كذلك أبطل سجع الكهّان وطوابع الوثنية، وأضعف فنون الفخر والاستعلاء والهجاء، وطبع الحوار بطابع السماحة وإقامة الحجّة والبحث عن الدليل، وأحلّ الإيجاز محلّ الإسهاب، والحكمة مكان الإطالة، وترك في الأُسلوب العربي الإسلامي طابعه الوسيط السمح، وأعطاه جزالةً وسلاسةً وعذوبةً ووضوحاً... ذلك
____________________
(1) راجع الفصحى لغة القرآن لأنور الجندي: ص40.
أنّ القرآن رقّق القلوب وأفسح للعقول مجال النظر والفكر (1) .
* * *
والآن فإليك بعض التوضيح عن قوافي الشعر وأوزانه، والكلام عن تكلّفات الأسجاع القديمة، ممّا تحاشاه القرآن الكريم:
الشعر: كلام ذو وزن وتقفية، قد سُبك على نظام خاصّ، ومتقيّد بقافية خاصّة، على أنواعها الخمسة المعروفة التي ذكرها الخليل (2) .
وهذا النظم تشرحه البحور المقيسة التي هي الأوزان الشعرية التي كانت عليها العرب، إلاّ ما شذّ، وقد أنهاها الخليل بن أحمد الفراهيدي إلى خمسة عشر بحراً، هي:
(الطويل، المديد، البسيط، الوافر، الكامل، الهزج، الرجز، الرمل، السريع، المنسرح، الخفيف، المضارع، المقتضب، المجتثّ، المتقارب).
ولكلّ بحر أصل وفروع يشرحها علم العروض (3) .
____________________
(1) عن بحث للدكتور عبد المنعم خفاجي في جريدة الدعوة (الفصحى لغة القرآن): ص40.
(2) سنذكرها في الصفحة القادمة.
(3) أصل الطويل: (فعولن. مفاعيلن...) أربع مرّات.
وأصل المديد: (فاعلاتن. فاعلن...) أربع مرّات.
وأصل البسيط: (مستفعلن. فاعلن) أربع مرّات.
وأصل الوافر: (مفاعلتن...) ستّ مرّات.
وأصل الكامل: (متفاعلن...) ستّ مرّات.
وأصل الهزج: (مفاعيلن...) ستّ مرّات.
وأصل الرجز: (مستفعلن...) ستّ مرّات.
وأصل الرمل: (فاعلاتن...) ستّ مرّات.
وأصل السريع: (مستفعلن. مستفعلن. مفعولات) مرّتين.
وأصل المنسرح: (مستفعلن. مفعولات. مستفعلن) مرّتين.
وأصل الخفيف: (فاعلاتن. مُس، تفع، لن. فاعلاتن) مرّتين.
قال السكّاكي: وهذه الأوزان هي التي عليها مدار أشعار العرب، بحكم الاستقراء لا تجد لهم وزناً يشذّ عنها، اللّهمّ إلاّ نادراً (1) .
* * *
والقافية - عند الخليل -: من آخر حرف في البيت، إلى أَوّل ساكن قبله، مع المتحرّك الذي قبل الساكن. مثل (تابا) في قوله: (أقلّي اللومَ عاذِلَ والعِتابا) فيجب أن تجري القصيدة في جميع أبياتها على نفس المنوال.
قال السكّاكي: ولابدّ في القافية - على رأي الخليل وقد رجّحه، لوقوفه على أنواع علوم الأدب نقلاً وتصرفاً واستخراجاً واختراعاً ورعايةً في جميع ذلك حقّ رعايته - أن تشتمل على ساكنين، فيستلزم لذلك خمسة أنواع:
أحدها: أن يكون ساكناها مجتمعين، ويُسمّى: (المترادف).
ثانيها: أن يكون بينهما حرفان متحرّكان، ويُسمّى: (المتواتر).
ثالثها: أن يكون بينهما حرفان متحرّكان، ويُسمّى: (المتدارك).
ورابعها: أن يكون بينهما ثلاثة أحرف متحرّكات، ويُسمّى: (المتراكب).
وخامسها: أن يكون بينهما أربعة أحرف متحرّكات، ويُسمّى (المتكاوس).
ثُمّ ذكر أنّ للمترادف 17 موقعاً، وللمتواتر 21 موقعاً، وللمتدارك 11، وللمتراكب 8 وللمتكاوس موقع واحد، فهذه 58 موقعاً لأنواع القافية الخمسة.
* * *
ثُمّ القافية لاشتمالها على حرف الرويّ - (وهو: الحرف الآخر من حروف
____________________
= وأصل المضارع: (مفاعيلن. فاعلاتن. مفاعلن) مرّتين.
وأصل المقتضب: (مفعولات. مستفعلن. مستفعلن) مرّتين.
وأصل المجتثّ: (مستفعلن. فاعلاتن. فاعلاتن) مرّتين.
وأصل المتقارب: (فعولن...) ثماني مرّات.
(1) راجع مفتاح العلوم للسكّاكي (علم العروض): ص244 - 267. وجامع العلوم للإمام الرازي: ص74 - 82.
القافية إلاّ ما كان تنويناً أو بدلاً من التنوين أو كان حرفاً إشباعيّاً مجلوباً لبيان الحركة) - تتنوّع إلى ستة أنواع:
الأَوّل: القافية المقيّدة، وهي ما كان رويّها ساكناً، نحو قوله: (وقاتم الأعماق خاوي المخترق)، وحركة ما قبل الرويّ المقيّد يُسمّى: (توجيهاً).
الثاني: القافية المطلقة، وهي ما كان رويّها متحركاً، نحو قوله: (قِفا نبكِ مِن ذكرى حبيبٍ ومنزلٍ)، ويُسمّى حركة الرويّ: (مجرى).
الثالث: القافية المردفة، وهي ما كان قبل رويّها ألفٌ، مثل (عماداً) أو واو أو ياء مدّتين، نحو (عمود) و(عميد)، أو غير مدّتين، مثل (قول) و(قيل)، وتُسمّى كل من هذه الحروف (ردفاً)، وحركة ما قبل الردف (حذواً).
قد أجمل الكلام في ذلك الجرجانيّ والسكاكيّ وغيرهما من أعلام البيان من المتقدّمين، (وتقدّم بعض كلامهم)، وأكمله النُقّاد من المتأخّرين المعاصرين، قالوا:
لو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف أنفسها، ولن تجدها إلاّ مؤتلفة مع أصوات الحروف، مساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى أنّ الحركة ربّما كانت ثقيلة فلا تعذب ولا تُساغ في نفسها، فإذا هي استُعملت في القرآن رأيت لها شأناً عجيباً، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقاً في اللسان واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي، حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقّه، وكانت متمكّنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أَولى الحركات بالخفّة والروعة.
من ذلك لفظة (النُذُر) جمع نذير، فإنّ الضمّة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معاً، فضلاً عن جَسأة هذا الحرف ونبوّه في اللسان، وخاصة إذا جاءت فاصلة للكلام.
ولكنه جاء في القرآن على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى ( وَلَقَدْ
أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ) (1) فتأمّل هذا التركيب، وأنعِم ثُمّ أنعِم على تأمّله، وتذوّق مواقع الحروف، واجرِ حركاتها في حسّ السمع، وتأمّل مواضع القلقلة في دال (لقد)، وفي الطاء من (بطشتنا) وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (تماروا) مع الفصل بالمدّ كأنّها تثقيل، لخفّة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان؛ ليكون ثقل الضمّة عليه مستخفاً بعد، ولكون هذه الضمّة قد أصابت موضعها، كما تكون الأحماض في الأطعمة، ثُمّ ردّد نظرك في الراء من (تماروا) فإنّها ما جاءت إلاّ مساندة لراء (النذر) حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها، فلا تجفو عليه، ولا تغلظ ولا تنبو فيه. ثُمّ اعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون (أنذرهم) وفي ميمها، وللغنّة الأُخرى التي سبقت الذال في (النُذُر).
وما من حرف أو حركة في الآية إلاّ وأنت مصيب من كلّ ذلك عجباً في موقعه والقصد به، حتى ما تشكّ أنّ الجهة واحدة في نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة، ليس منها إلاّ ما يشبه في الرأي أن يكون قد تقدّم فيه النظر وأحكمته الرويّة ومن بين الكلمات، وأين هذا ونحوه عند تعاطيه! ومن أيّ وجه يلتمس! وعلى أيّ جهة يستطاع!
وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع ممّا يكون مستثقلاً بطبيعة وضعه أو تركيبه، ولكنّها بتلك الطريقة التي أومأنا إليها قد خرجت في نظمه مخرجاً سرياً، فكانت من أخصر الألفاظ حلاوةً وأعذبها منطقاً وأخفّها تركيباً؛ إذ تراه قد هيّأ لها أسباباً عجيبةً من تكرار الحروف وتنوّع الحركات، فلم يُجرِها في نظمه إلاّ وقد وجد ذلك فيها، كقوله تعالى: ( لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ ) (2) فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف، وقد جاءت عذوبتها من تنوّع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها، فإنّها بذلك صارت في النطق كأنّها أربع
____________________
(1) القمر: 36.
(2) النور: 55.
كلمات؛ إذ تنطق على أربعة مقاطع.
وقوله: ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ) (1) فإنّها كلمة من تسعة أحرف، وهي ثلاثة مقاطع، وقد تكرّرت فيها لا الياء والكاف، وتوسط بين الكافين هذا المدّ (في) الذي هو سرّ الفصاحة في الكلمة كلّها.
واللفظة إذا كانت خماسية الأُصول فهذا لم يرد منه في القرآن شيء؛ لأنّه ممّا لا وجه للعذوبة فيه، إلاّ ما كان من اسم عُرّب ولم يكن عربيّاً: كإبراهيم، وإسماعيل، وطالوت، وجالوت، ونحوها، ولا يجيء به مع ذلك إلاّ أن يتخلّله المدّ كما ترى، فتخرج الكلمة وكأنّها كلمتان.
وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، وما حسُنت في كلام قطّ إلاّ في موقعها من القرآن بالذات، وهي كلمة ( ضِيزَى ) من قوله تعالى: ( تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى ) (2) ، ومع ذلك فإنّ حسنها في نظم الكلام هنا من أغرب الحسن وأعجبه، وإذا أدرت اللغة عليها ما صلُح لهذا الموضع غيرها.
فإنّ السورة التي هي منها - وهي سورة النجم - مفصّلة كلّها على الياء، فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل، ثُمّ هي في معرض الإنكار على العرب، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنّهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات لله مع وأدهم البنات (3) فقال تعالى: ( أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى ) ، فكانت غرابة اللفظ أشدّ الأشياء ملائمة لغرابة هذه القِسمة التي أنكرها عليهم، وكانت الجملة كلّها كأنّها تصوّر في هيئة النطق بها، الإنكار في الأُولى والتهكّم في الأُخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصّة في اللفظ الغريبة التي تمكّنت في موضعها من الفصل، ووصفت حالة المتهكّم في إنكاره من إمالة اليد والرأس بهذين المدّين فيها إلى الأسفل والأعلى، وجمعت إلى كلّ ذلك غرابة
____________________
(1) البقرة: 137.
(2) النجم: 22. والضيز: الجَور، أي فهي قِسمة جائرة.
(3) أي دفنهنّ على الحياة كما كان من عادتهم.
الإنكار بغرابتها اللفظية.
وإن تعجب فعاجِب لنظم هذه الكلمة الغريبة وائتلافه على ما قبلها، إذ هي مقطعان: أحدهما مدّ ثقيل: والآخر مدّ خفيف، وقد جاءت عقب غنّتين في (إذا ً) و(قِسمة) إحداهما خفيفة حادّة، والأُخرى ثقيلة متفشّية، فكأنّها بذلك ليست إلاّ مجاورة صوتية لتقطيع موسيقي.
ثُمّ الكلمات التي يُظنّ أنّها زائدة في القرآن - كما يقوله بعض النحاة - فإنّ فيه من ذلك أحرفاً، كقوله تعالى: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ) (1) وقوله: ( فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً ) (2) .
قالوا: إنّ (ما) في الآية الأُولى و(أن) في الثانية، زائدتان، أي في الإعراب، فيَظنّ مَن لا بصر له أنّهما كذلك في النظم ويقيس عليه!
مع أنّ في هذه الزيادة لوناً من التصوير، لو حُذف من الكلام لذهب بكثير من حسنه وروعته، فإنّ المراد بالآية الأُولى تصوير لِين النبيّ (صلّى الله عليه وآله) لقومه، وأنّ ذلك رحمة من الله، فجاء هذا المدّ في (ما) وصفاً لفظياً يُؤكّد معنى اللين ويُفخّمه، وفوق ذلك فإنّ لهجة النطق به تشعر بانعطاف وعناية لا يبتدأ هذا المعنى بأحسن منهما في بلاغة السياق، ثمّ كان الفصل بين الباء الجارّة ومجرورها - وهو لفظ (رحمة) - ممّا يُلفت النفس إلى تدبّر المعنى ويُنبّه الفكر على قيمة الرحمة فيه، وذلك كلّه طبعي في بلاغة الآية كما ترى.
والمراد بالثانية تصوير الفصل الذي كان بين قيام البشير بقميص يوسف وبين مجيئه؛ لبُعد ما كان بين يوسف وأبيه (عليهما السلام) وأنّ ذلك كأنّه كان منتظراً بقلق واضطراب (3) تُؤكّدهما وتصف الطرب لمَقدمه واستقراره غنّةُ هذه النون في الكلمة الفاصلة، وهي: (أن) في قوله (أن جاء...).
____________________
(1) آل عمران: 159.
(2) يوسف: 96.
(3) يُنبه على ذلك قوله تعالى قبل ذلك عن لسان يعقوب: ( إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ) (يوسف: 94).
وعلى هذا يجري كل ما ظُنّ أنّه في القرآن مزيد، فإنّ اعتبار الزيادة فيه وإقرارها بمعناها إنّما هو نقص يجلّ القرآن عنه، وليس يقول بذلك إلاّ رجل يعتسف الكلام ويقضي فيه بغير علمه أو بعلم غيره... فما في القرآن حرف واحد إلاّ ومعه رأي يسنح في البلاغة - من جهة نظمه، أو دلالته، أو وجه اختياره - بحيث يستحيل البتة أن يكون فيه موضع قلق أو حرف نافر أو جهة غير محكمة أو شيء ممّا تنفذ في نقده الصنعة الإنسانية من أيّ أبواب الكلام إن وسعها منه باب.
وممّا يدلّ على أنّ نظم القرآن مادة فوق الصنعة ومن وراء الفكر، ولا يسعه طوق إنسان في نظم الكلام البليغ الجمع ولم يستعمل بصيغة الإفراد، فإذا احتيج إلى صيغة المفرد استعمل مرادفها، كلفظة (اللبّ) لم ترد إلاّ مجموعة ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى ِلأَوْلِي الأَلْبَابِ ) ، ( لِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) ونحوهما (1) ولم تجئ فيه مفردة، بل جاء مكانها (القلب) (2) أو (الفؤاد) (3) .
وذلك لأنّ لفظ الباء شديد مجتمع، ولا يفضي إلى هذه الشدّة إلاّ من اللام الشديدة المسترخية، فلمّا لم يكن ثَمّ فصل بين الحرفين ليتهيّأ معه هذا الانتقال على نسبة بين الرخاوة والشدّة فتحسن اللفظة مهما كانت حركة الإعراب فيها، نصباً أو رفعاً أو جرّاً؛ ولذلك أسقطها القرآن من نظمه تبّةً، على سعة ما بين أَوّله وآخره.
ولو حسنت على وجه من تلك الوجوه لجاء بها حسنة رائعة، كما في لفظة (الجبّ) وهي في وزنها ونطقها، لولا حسن الائتلاف بين الجيم والباء من هذه الشدّة في الجيم المضمومة.
وكذلك لفظة (الكوب) استعملت فيه مجموعة ولم يأتِ بها مفردة؛ لأنّه لم
____________________
(1) في ستة عشر موضعاً من القرآن جاءت اللفظة بصيغة الجمع فقط، ولم تأتي إفراداً أبداً.
(2) في تسعة عشر موضعاً إمّا مقطوعاً أو مضافاً.
(3) في خمسة مواضع مقطوعاً ومضافاً.
يتهيّأ فيها ما يجعلها في النطق من الظهور والرقّة والانكشاف وحسن التناسب كلفظ (الأكواب) الذي هو جمع.
و(الأرجاء) لم يَستعمل القرآن لفظها إلاّ مجموعاً، وتَرك المفرد - وهو الرَّجا أي الجانب - لعلّةِ لفظه وأنّه لا يسوق في نظمه كما ترى.
وعكس ذلك لفظة (الأرض) فإنّها لم ترد فيه إلاّ مفردة، فإذا ذُكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة في كل موضع منه، ولم يجئ (أرضون) لهذه الجَسأة التي تدخل اللفظ ويختلّ بها النظم اختلالاً.
ومن الألفاظ لفظة (الآجر) وليس فيها من خفّة التركيب إلاّ الهمزة وسائرها نافر متقلقل، ولفظ مرادفها (القَرْمَد) وكلاهما استعمله فصحاء العرب ولم يعرفوا غيرهما، أمّا القرآن فلم يستعملهما ولكنّه أخرج معناهما بألطف عبارة وأرقّها وأعذبها، وساقها في بيان مكشوف، وذلك في قوله تعالى: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هامَانُ عَلَى الطّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً ) (1) ، فعبّر عن الآجر بقوله: (فأوقد لي يا هامان على الطين) وانظر موقع هذه القلقلة التي هي في الدال من قوله (فأوقد) وما يتلوها من رقّة اللام، فإنّها في أثناء التلاوة ممّا لا يُطاق أن يُعبّر عن حسنه وكأنّما تَنتزع النفس انتزاعاً.
وليس الإعجاز في اختراع تلك العبارة فحسب، ولكن ما ترمي إليه إعجاز آخر، فإنّها تُحقّر من شأن فرعون وتصف ضلاله وتُسفّه رأيه؛ إذ طمع أن يبلغ الأسباب، أسباب السماوات فيطّلع إلى إله موسى (2) ، وهو لا يجد وسيلةً إلى ذلك المستحيل ولو نصب الأرض سُلّماً، إلاّ شيئاً يصنعه هامان من الطين (3) .
* * *
____________________
(1) القصص: 38.
(2) إشارة إلى الآية: 37 من سورة غافر.
(3) اقتضاب عاجل من إعجاز القرآن للرافعي: ص228 - 234.
وهو جانب خطير من إعجاز القرآن البياني، لَمَسته العرب منذ أوّل يومها فبهرتهم روعته ودهشتهم رنّته، فأخضعهم للاعتراف في النهاية بأنّه كلام يفوق طوع البشر وأنّه كلام الله.
إنّه جانب (اتّساق نظمه وتناسب نغمه) وإيقاعاته الموسيقية الساطية على الأحاسيس، والآخذة بمجامع القلوب، وهذا الجمال التوقيعي للقرآن يبدو جلياً لكلّ مَن يستمع إلى آياته تُتلى عليه، حتى ولو كان من غير العرب، فكيف بالعرب أنفسهم، وأوّل شيء تحسّه الآذان عند سماع القرآن هو ذا نظامه الصوتيّ البديع، الذي قُسّمت فيه الحركات والسكونات تقسيماً متنوّعاً ومتوزّعاً على على الألحان الموسيقية الرقيقة، فيُنوِّع ويُجدِّد نشاطَ السامع عند سماعه، ووُزّعت في تضاعيفه حروف المدّ والغنّة توزيعاً بالقسط، يُساعد على ترجيع الصوت به، وتهاوى النَفَس فيه آناً بعد آن، إلى أن يصل قمّتها في الفاصلة، فيجد عندها راحته الكبرى، على ما فصّله أساتذة الترتيل.
وربّما استمع الإنسان إلى قصيدة، وهي تتشابه أهواؤها وتتساوق أنغامها، ولكنّه لا يلبث أن يملّها، ولا سيّما إذا أُعيدت عليه وكُرّرت بتوقيع واحد، بينما
الإنسان من القرآن في لحن متنوّع ونغم متجدّد، ينتقل فيه بين أسباب وأوتاد وفواصل (1) ، على أوضاع مختلفة، يأخذ منها كل وَتر من أوتار القلب نصيبه بسواء، فلا يعرو الإنسان على كثرة ترداده مَلال أو سأم، بل لا يفتأ يطلب منه المزيد....
وأحياناً كان العرب تعمد إلى ما يقرب من هذا النحو من التنظيم الصوتي في أشعارها لكنّها تذهب مذهب الإسراف والاستهواء المُملّ في الأغلب، ولا سيّما عند التكرير، أمّا في منثور كلامها، سواء المرسل منه أو المسجوع، فلم تكن عَهِدته قطّ ولا كان يتهيّأ لها بتلك السهولة والمرونة والعذوبة التي في القرآن الكريم، بل ربّما كان يقع لها في أجود منثورها عيوب تغضّ من سلاسة تركيبه، بما لا يمكن معها من إجادة ترتيله، إلاّ بتعمل يبدو عليه أثر التكلّف والتعسّف الأمر الذي كان يحطّ من شأن الكلام.
فلا عجب إذاً أن يكون أدنى الألقاب إلى القرآن - في خيال العرب - أنّه شعر، وإذا لم يكن بشعر فهو سحر، وهذا يكشف عن مدى بهر العرب وحيرتهم تجاه هذا النوع من الكلام المُنضّد البديع، كان له من النثر جلاله وروعته، ومن الشعر جماله ومتعته!!
قال الأُستاذ درّاز: ويجد الإنسان لذّةً بل وتعتريه نشوة إذا ما طَرق سمعه جواهر حروف القرآن، خارجةً من مخارجها الشحيحة، من نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها: هذا ينقر، وذاك يصفر، وثالث يهمس، ورابع
____________________
(1) من مصطلحات الأفنان الموسيقية: (الحرف المتحرك إذا تلاه حرف ساكن، يقال له: سببٌ خفيف، والحرفان المتحركان لا يتلوهما ساكن: سببٌ ثقيل، والمتحركات يتلوهما ساكن: وَتدٌ مجموع، وإذا توسّطهما ساكن: وتدٌ مفروق. وثلاثة أحرف متحركة: فاصلة صغيرة، وأربعة أحرف متحركة يعقبها ساكن: فاصلةٌ كبيرة) وهكذا... (النبأ العظيم: ص95).
ولعلّ القارئ النبيه يعذرنا في الاقتصار على النقل هنا، بعد أن كان موضوع البحث من الفنون الخارجة عن اختصاصنا!
يجهر، وآخر ينزلق عليه النَفَس، وآخر يحتبس عنده النَفَس، فترى الجمال النغمي ماثلاً بين يديك في مجموعة مختلفة ولكنّها مؤتلفة لا كركرة ولا ثرثرة، ولا رخاوة ولا مُعاظَلَة، ولا تناكر ولا تنافر، وهكذا ترى كلاماً ليس بالبَدَويّ الجافي ولا بالحضريّ الفاتر، بل هو ممزوج مؤلّف من جزالة ذاك ورقّة هذا، مزيجاً كأنّه عصارة اللغتين وسلالة اللهجتين.
نعم من هذا الثوب القشيب يتألّف جمال القرآن اللفظي، وليس الشأن في هذا الغلاف إلاّ كشأن الأصداف، تتضمّن لآلي نفيسة، وتحتضن جواهر ثمينة، فإن لم يُلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين، ولم تحجبك بهجة الستار عمّا وراءه من السرّ المصون، ففُليت القشرة عن لبّها، وكشفت الصدفة عن دُرّها، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى تلك الفخامة المعنوية، تجلّى لك ما هو أبهى وأبهر، ولقيت منه ما هو أبدع وأروع، تلك روح القرآن وحقيقته، وجذوة موسى التي جذبته إلى نار الشجرة في شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة، فهناك نسمة الروح القدسية: ( إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (1) .
* * *
وذكر سيّد قطب عن الإيقاع الموسيقي في القرآن أنّه من إشعاع نظمه الخاص، وتابع لانسجام الحروف في الكلمة، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة؛ وبذلك قد جمع القرآن بين مزايا النثر وخصائص الشعر معاً، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحّدة والتفعيلات التامّة، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة، وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقي الداخلية، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تُغني عن التفاعيل والتقفية التي تُغني عن القوافي، فشأنه شأن النثر والنظم جميعاً.
____________________
(1) النبأ العظيم: ص94 - 99، والآية 30 من سورة القصص.
وحيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه، يبرز بروزاً واضحاً في السور القصار، والفواصل السريعة، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامة، يتوارى قليلاً أو كثيراً في السور الطوال، لكنّه على كل حال ملحوظ دائماً في بناء النظم القرآني.
ثمّ أخذ في ضرب المثال، قال:
وها نحن أُولاء نتلو سورة النجم مثلاً.
( وَالنّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمّ دَنَا فَتَدَلّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى * عِندَهَا جَنّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبّهِ الْكُبْرَى * أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى * وَمَنَاةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى * أَلَكُمُ الذّكَرُ وَلَهُ الأُنثَى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى ) (1) .
هذه فواصل متساوية في الوزن تقريباً - على نظام غير نظام الشعر العربي - متّحدة في حرف التقفية تماماً، ذات إيقاع موسيقي متّحد تبعاً لهذا وذلك، وتبعاً لأمر آخر لا يظهر ظهور الوزن والقافية؛ لأنّه ينبعث من تآلف الحروف في الكلمات، وتناسق الكلمات في الجمل، ومردّه إلى الحسّ الداخلي والإدراك الموسيقي، الذي يَفرق بين إيقاع موسيقي، وإيقاعٍ ولو اتّحدت الفواصل والأوزان.
والإيقاع الموسيقي هنا متوسط الزمن تبعاً لتوسط الجملة الموسيقية في الطول، متّحد تبعاً لتوحّد الأُسلوب الموسيقي، مسترسل الرويّ كجوّ الحديث الذي يشبه التسلسل القصصي، وهذا كله ملحوظ، وفي بعض الفواصل يبدو ذلك جلياً
____________________
(1) النجم: 1 - 22.
مثل: ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى * وَمَنَاةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ) ، فلو أنّك قلت: أفرأيتم اللات والعزّى الثالثة لاختلت القافية، ولتأثر الإيقاع، ولو قلت: افرأيتم اللات والعزّى ومَناة ومَناة الأُخرى فالوزن يختل، وكذلك في قوله: ( أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى * وَمَنَاةَ الثّالِثَةَ الأُخْرَى ) فلو قلت: ألكم الذكر وله الأُنثى تلك قسمةٌ ضيزى لاختلّ المستقيم بكلمة (إذاً).
ولا يعني هذا أنّ كلمة (الأُخرى) أو كلمة (الثالثة) أو كلمة (إذاً) زائدة لمجرّد القافية أو الوزن، فهي ضرورية في السياق لنكت معنوية خاصّة، وتلك ميزة فنّية أُخرى أن تأتي لتؤدّي معنى في السياق، وتؤدّي تناسباً في الإيقاع، دون أن يطغى هذا على ذلك، أو يخضع النظم للضرورات.
ملاحظة اتّزان الإيقاع في الآيات والفواصل تبدو واضحة في كل موضع على نحو ما ذكرنا أو قريباً من هذه الدقّة الكبرى. ودليل ذلك أن يعدّل في التعبير عن الصورة القياسية للكلمة إلى صورة خاصّة، أو أن يُبنى النسق عل نحو يختلّ إذا قدّمت أو أُخّرت فيه أو عدلت في النظم أيّ تعديل.
مثال الحالة الأُولى حكاية قول إبراهيم:
( قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنّهُمْ عَدُوّ لِي إِلاّ رَبّ الْعَالَمِينَ * الّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالّذِي يُمِيتُنِي ثُمّ يُحْيِينِ * وَالّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ ) (1) .
فقد خُطفت ياء المتكلّم في (يهدين ويسقين ويشفين ويحيين) محافظة على حرف القافية مع (تعبدون، والأقدمون، والدين...) ومثله خَطف الياء الأصلية في الكلمة: نحو ( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي
____________________
(1) الشعراء: 75 - 82.
ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ) (1) ، فياء (يسر) حذفت قصداً للانسجام مع (الفجر، وعشر، والوتر، وحجر...).
ومثل ( يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ * خُشّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الأَجْدَاثِ كَأَنّهُمْ جَرَادٌ مُنتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ) (2) فإذا أنت لم تخطف الياء في (الداع) أحسست ما يشبه الكسر في وزن الشعر.
ومثله: ( ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً ) (3) فلو مددت ياء نبغي - كما هو القياس - لاختلّ الوزن نوعاً من الاختلال.
ومثل هذا يقع عند زيادة هاء السكت على ياء الكلمة أو ياء المتكلّم في مثل: ( وَأَمّا مَنْ خَفّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَاهِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ ) (4) ، ومثل: ( فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُا كِتَابِيَهْ * إِنّي ظَنَنتُ أَنّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ... ) (5) .
ومثال الحالة الثانية: أن لا يكون هناك عدول عن صيغة قياسية، ومع ذلك تُلحظ الموسيقى الكامنة في التركيب، والتي تختلّ لو غَيّرت نظامه مثل: ( ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا * إِذْ نَادَى رَبّهُ نِدَاءً خَفِيّاً * قَالَ رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً ) (6) فلو حاولت مثلاً أن تُغيّر فقط وضع كلمة (منّي) فتجعلها سابقة لكلمة (العظم): قال ربي إني وهن مني العظم، لأحسست بما يشبه الكسر في وزن الشعر؛ ذلك أنّها تتوازن مع (إنّي) في صدر الفقرة هكذا: (قال ربّ إنّي) (وهن العظمُ منّي)، على أنّ هناك نوعاً من الموسيقى الداخلية يُلحظ ولا يشرح - كما أسلفنا - وهو كامن في نسيج اللفظة المفردة
____________________
(1) الفجر: 1 - 5.
(2) القمر: 6 - 8.
(3) الكهف: 64.
(4) القارعة: 8 - 11.
(5) الحاقة: 19 - 21.
(6) مريم: 2 - 4.
وتركيب الجملة الواحدة، وهو يُدرك بحاسّة خفية وهبة لدُنية.
وهكذا تتبدّى تلك الموسيقى الداخلية في بناء التعبير القرآني، موزونة بميزان شديد الحسّاسية، تُميله أخفّ الحركات والاهتزازات، ولو لم يكن شعراً، ولو لم يتقيد بقيود الشعر الكثيرة، التي تحدّ من الحرّية الكاملة في التعبير الدقيق عن القصد المطلوب (1) .
* * *
وقال الرافعي: كان العرب يتساجلون الكلام ويتقارضون الشعر، وكان أُسلوب الكلام عندهم واحداً: حرّاً في المنطق وجزلاً في الخطاب، في فصاحة كانت تؤاتيهم الفطرة وتمدّهم الطبيعة، فلمّا ورد عليهم أُسلوب القرآن رَأوا ألفاظهم بأعيانها متساوقة، ليس فيها إعنات ولا مُعاياة، ووجوه تركيبه ونسق حروفه ونظم جمله وعبائره، ما أذهلهم هيبةً وروعةً، حتى أحسّوا بضعف الفطرة وتخلّف المَلَكة، ورأى بلغاؤهم جنساً من الكلام غير ما هم فيه، رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحاناً نغمية رائعة، كأنّها لائتلافها وتناسقها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها، فلمْ يفتهم هذا المعنى وكان أبين لعجزهم.
وكل الذين يُدركون أسرار الموسيقى وفلسفتها النفسية يرون أن ليس في الفنّ العربي بجملته شيء يعدل هذا التناسب الطبيعي في ألفاظ القرآن وأصوات حروفه، وما أحد يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفاً واحداً، والقرآن يعلو على الموسيقى إنّه مع هذه الخاصّة العجيبة ليس من الموسيقى.
إنّ مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي في الأنغام الموسيقية، بسبب تنويع الصوت مدّاً وغنّةً وليناً وشدّةً وما يتهيّأ له من حركات مختلفة، وبمقدار ما يكسبه من الحَدرة والارتفاع والاهتزاز ممّا هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى.
فلو اعتبرنا ذلك في تلاوة القرآن لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللغات كلها، في هزّ
____________________
(1) التصوير الفني: ص80 - 83.
الشعور واستثارة الوجد النفسي، ومن هذه الجهة تراه يغلب على طبع كل عربيّ أو عجميّ، وبذلك يؤوّل ما ورد من الحثّ على تحسين الصوت عند قراءة القرآن.
وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلاّ صوراً تامّة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متّفقة مع آياتها في قرارات الصوت اتّفاقاً عجيباً يُلاءم نوع الصوت، والوجه الذي يُساق عليه، بما ليس وراءه من العجب مذهب، وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم، وهما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها، أو المدّ، وهو كذلك طبيعيّ في القرآن (1) .
* * *
وقال بعض أهل الفنّ: كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المدّ واللين وإلحاق النون، وحكمة وجودها التمكّن من التطريب بذلك، كما قال سيبويه: إنّهم - أي العرب - إذا ترنّموا يُلحقون الألف والياء والنون؛ لأنّهم أرادوا مدّ الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترنّموا، وجاء في القرآن على أسهل موقف وأعذب مقطع.
فإن لم تنتِه بواحدة من هذه - كأن انتهت بسكون حرف - كان ذلك متابعة لصوت الجملة وتقطيع كلماتها، ومناسبة للون المنطق بما هو أشبه وأليق بموضعه، وأكثر ما يكون في الجمل القصار، ولا يكون إلاّ بحرف قويّ يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما ممّا هو موصوف بضروب أُخرى من النظم الموسيقي.
وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة، وأثرها طبيعيّ في كل نفس، فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الذي يُخاطب به كل نفس، سواء كانت تفهمه أو لا تفهمه.
فقد تألّفت كلماته من حروف، لو سقط واحد منها أو أُبدل بغيره أو أُقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللاً بيّناً، أو ضعفاً ظاهراً في نسق الوزن وفي جرس النغمة، وفي حسّ السمع وذوق اللسان، وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج،
____________________
(1) إعجاز القرآن: ص188 و216.
وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى بعض، ولرأيت لذلك هُجنة في السمع.
* * *
قالوا: إنّ مردّ هذا الإعجاز في القرآن بالدرجة الأُولى هو ما يستثيره في القلب من إحساس غامض لمجرّد أن تصطفّ الحروف في السمع بهذا النمط الفريد، ذلك العزف بلا آلات وبلا قوافٍ وبلا بحور وبلا أوزان.
حينما نصغي إلى ما يقوله زكريّا لربّه - فيما اقتصّ من القرآن -:
( رَبّ إِنّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً ) (1) .
أَو نستمع إلى كلام المسيح في المهد صبيّاً:
( إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصّلاَةِ وَالزّكَاةِ مَادُمْتُ حَيّاً ) (2) .
أو تلك الجملة الموسيقية التي تتحدث عن خشوع الرسل:
( إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرّحْمنِ خَرّوا سُجّداً وَبُكِيّاً ) (3) .
أو تلك النغمة الرهيبة التي تصف اللقاء بالله يوم القيامة:
( وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيّ الْقَيّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ) (4) .
أو ذلك الإيقاع الرحماني الذي يُخاطب الله به نبيه محمّداً (صلّى الله عليه وآله) في موسيقى عذبة تملك شَغَاف القلب:
( طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلاّ تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشَى * تَنزِيلاً مِمّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسّماوَاتِ الْعُلا * الرّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى * لَهُ مَا فِي السّماوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَرَى * وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنّهُ
____________________
(1) مريم: 4.
(2) مريم: 30 و31.
(3) مريم: 58.
(4) طه: 111.
يَعْلَمُ السّرّ وَأَخْفَى * اللّهُ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الأَسْماءُ الْحُسْنَى ) (1) .
أمّا إذا تحوّل القرآن إلى الحديث عن المجرمين وما أُنزل بهم من عذاب، تحوّلت الموسيقى إلى أصوات نحاسية تصكّ الأُذن وتحوّلت الكلمة إلى جلاميد صخر وكأنّها رجم:
( إِنّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمٍ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ * تَنزِعُ النّاسَ كَأَنّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنقَعِرٍ ) (2) .
فإذا سبّحت الملائكة طالبة من الله المغفرة للمؤمنين سالت الكلمات كأنّها سبائك ذهب:
( رَبّنَا وَسِعْتَ كُلّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلّذِينَ تَابُوا وَاتّبَعُوا سَبِيلَكَ ) (3) .
فإذا جاء الإنذار بالساعة فإنّ الهول والشؤم يَطلّ من الكلمات المتوتّرة والعبارات المشدودة:
( وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ ) (4) .
ثمّ العتاب، وأيّ عتاب حينما لا ينفع العتاب:
( يَا أَيّهَا الإِنسَانُ مَا غَرّكَ بِرَبّكَ الْكَرِيمِ * الّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكّبَكَ ) (5) .
والبشرى، حينما تُبشّر الملائكة مريم بميلاد المسيح:
( يَا مَرْيَمُ إِنّ اللّهَ يُبَشّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الْدّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرّبِينَ ) (6) .
ثمّ ذلك الصراخ في الأُذن بتلك الكلمة العجيبة التي تشبه السكّين:
____________________
(1) طه: 1 - 8.
(2) القمر: 19 و20.
(3) غافر: 7.
(4) غافر: 18.
(5) الانفطار: 6 - 8.
(6) آل عمران: 45.
( فَإِذَا جَاءَتِ الصّاخّةُ * يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ) (1) .
وبعد، فهذا التشكيل والسبك والتلوين في الحروف والعبارات في معمار القرآن هو نسيج وحده، بلا شبيه - من قبلُ أو من بعدُ - كل ذلك يتمّ في يسر شديد، لا يبدو فيه أثر اعتمال وافتعال واعتساف، وإنّما تسيل الكلمات في بساطة شديدة لتدخل القلب فتثير ذلك الإحساس الغامض بالخشوع، مِن قبل أن يَتيقّظ العقل فيُحلّل ويُفكّر ويتأمّل، مجرّد قرع الكلمة للأُذن وملامستها للقلب تُثير ذلك الشيء الذي لا نجد له تفسيراً.
هذه الصفة في العبارة القرآنية إلى جانب كل الصفات الأُخرى مجتمعة، هي التي تجعل من القرآن ظاهرة لا تفسير لها فيما نعرف من مصادر الكلام المألوف (2) .
( وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً ) :
وإذ قد عرفت الموسيقى الباطنة للقرآن، وصياغته المنتظمة على أنغام صوتية وألحان شعرية ساحرة، فاعلم أنّه قد ورد في دستور تلاوته الترغيب في تحسين الصوت ومدّه وترقيقه، والترجيع بقراءته ومراعاة أنغامه وألحانه، وفيما يلي قائمة نموذجية من روايات وردت بهذا الشأن:
* * *
____________________
(1) عبس: 33 - 37.
(2) محاولة لفهم عصري للقرآن: ص245 - 247.
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (لكلّ شيء حُلية، وحُلية القرآن الصوتُ الحسن).
وقال: (إنّ من أجمل الجمال الشعرَ الحسن، ونغمةَ الصوت الحسن).
وقال: (اقرأوا القرآنَ بألحان العرب وأصواتها، وإيّاكم ولحون أهل الفسوق والكبائر) (1) .
وقال: (إنّ حسنَ الصوت زينة للقرآن).
وقال: (حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً).
وقال: (زيّنوا القرآن بأصواتكم).
وقال الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية: (هو أن تتمكّث فيه، وتُحسّن به صوتَك) (2) .
وقال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): (ورجّع بالقرآن صوتك فإنّ الله عزّ وجلّ يُحبّ الصوت الحسن يُرجّعُ فيه ترجيعاً) (3) .
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (إنّ القرآن نزل بالحزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنّوا به، فمَن لم يتغنَّ بالقرآن فليس منّا).
وقال: (ليس منّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن) (4) .
وقال الصادق (عليه السلام): (إنّ القرآن نزل بالحزن فاقرأُوه بالحزن) (5) .
قال الصدوق (رحمه الله): معنى التغنّي بالقرآن هو الاستغناء به لِما رُوي أنّ قراءة القرآن غنىً لا فقر بعده (6) .
لكن الاعتبار بالقرائن الحافّة بالكلام دون غيرها، وهذا كلامٌ صادر عقيب
____________________
(1) الكافي الشريف: ج2 ص614 - 616 رقم 9 و8 و3.
(2) بحار الأنوار: ج89 كتاب القرآن رقم 21 ص 190 - 195.
(3) الكافي الشريف: ج2 ص616 رقم 13.
(4) بحار الأنوار: ج89 ص191.
(5) الكافي الشريف: ج2 ص614 رقم 2.
(6) معاني القرآن: ص 264، طبع النجف الأشرف.
القول بأنّ القرآن نزل بالحزن، فكانت نتيجة مترتّبة عليه.. فالتناسب بين الصدر والذيل هو الملحوظ في الكلام الواحد المتّصل بعضه ببعض.
ويُؤكّد هذا المعنى - الذي ذكرنا - ما ذكره الثقات بشأن صدور هذا الدستور من النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله).
قال ابن الأعرابي (1) : كانت العرب تتغنّى بالرُكبانيّ (2) إذا رَكبت وإذا جلست في الأفنية وعلى أكثر أحوالها، فلمّا نزل القرآن أحبّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أن تكون هِجِّيراهم (3) بالقرآن مكان التغنّي بالرُكباني (4) .
قال الزمخشري: كانت هِجّيري العرب التغنّي بالرُكباني - وهو نشيد بالمدّ والتمطيط - إذا ركبوا الإبل وإذا انبطحوا على الأرض، وإذا قعدوا في أفنيتهم، وفي عامّة أحوالهم، فأحبّ الرسول أن تكون قراءة القرآن هِجّيراهم، فقال ذلك... يعني: (ليس منّا مَن لم يضع القرآن موضع الركباني في اللّهج به والطرب عليه...) (5) .
قال الفيروز آبادي: غنّاه الشعرُ وغنّى به تغنيةً: تغنّى به.
قال الشاعر:
تغنَّ بالشِعرِ إمّا كنتَ قائلَه |
إنّ الغناءَ بهذا الشِّعر مضمارُ (6) |
قال الزبيدي: وعليه حُمل قوله (صلّى الله عليه وآله): ما أذن الله لشيء كإذنه لنبيّ يتغنّى بالقرآن يجهر به.
____________________
(1) هو أبو عبد الله محمد بن زياد الكوفي، مولى بني هاشم، أحد العالمينَ باللغة والمشهورين بمعرفتها، كان يحضر مجلسه خَلقٌ كثير، وكان رأساً في الكلام الغريب، وربّما كان متقدماً على أبي عبيدة والأصمعي في ذلك، وُلد في رجب سنة 150 وتُوفي في شعبان سنة 231 هـ. (الكنى والألقاب للقمي: ج1، ص215).
(2) هو نشيد بالمدّ والتمطيط.
(3) الهجّيراء: زمزمة الغناء ورنّته.
(4) نهاية ابن الأثير: ج3 ص 319.
(5) الفائق: ج2 ص36 في (رثث).
(6) قال ابن منظور: أراد أنّ التغنّي... فوضع الاسم موضع المصدر.
قال الأزهري: أخبرني عبد الملك البغوي عن الربيع عن الشافعي: أنّ معناه (تحزين القراءة وترقيقها) (1) ، ويشهد له الحديث الآخر: (زيّنوا القرآن بأصواتكم).
قال: وبه قال أبو عبيد (2) .
* * *
وهكذا دأب الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) على ترتيل القرآن ورفع الصوت به وتجويده حيث أحسن الأصوات.
روى محمّد بن علي بن محبوب الأشعري في كتابه بالإسناد إلى معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل لا يرى أنّه صنع شيئاً في الدعاء وفي القراءة حتى يرفع صوته؟ فقال: (لا بأس، إنّ علي بن الحسين (عليه السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن، فكان يرفع صوته حتى يسمعه أهلُ الدار، وإنّ أبا جعفر (عليه السلام) كان أحسن الناس صوتاً بالقرآن، وكان إذا قام من الليل وقرأ رفع به صوته، فيمرّ به مارّ الطريق من السقّائين وغيرهم، فيقومون فيتسمعون إلى قراءته) (3) .
ورُوي أنّ موسى بن جعفر (عليه السلام) كان حَسِن الصوت حَسِن القراءة، وقال يوماً من الأيّام: (إنّ علي بن الحسين (عليه السلام) كان يقرأ القرآن، فربّما مرّ به المارّ فصُعق من حسن صوته، وإنّ الإمام لو أظهر في ذلك شيئاً لَما احتمله الناس. قيل له: أَلم يكن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يصلّي بالناس ويرفع صوته بالقرآن؟ فقال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يُحمّل مَن خلفه ما يطيقون) (4) .
كما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا عن آبائه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال: (حسّنوا القرآن بأصواتكم، فإنّ الصوت الحسن يَزيد القرآن حسناً)، وقرأ: (يزيد
____________________
(1) في اللسان: ج15 ص136: (تحسين القراءة وترقيقها).
(2) تاج العروس في شرح القاموس: ج10 ص272.
(3) مستطرفات السرائر: ص484.
(4) كتاب الاحتجاج: ج2 ص170.
في الخلق ما يشاء) (1) .
* * *
(ملحوظة) وممّا يجدر التنبّه له أنّ لترجيع الصوت مدخلاً في وصف الصوت بالحسن، وأنّ الصوت لا يكون حسناً إلاّ إذا ترجّع فيه، فيتّحد حينذاك بين الأمر بالتغنّي بالقرآن، وبين الأمر بقراءته بالصوت الحسن، أو قولهم (عليهم السلام): (حسّنوا القرآنَ بأصواتكم فإنّ الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً)... وأمثاله من تعابير.
* * *
____________________
(1) عيون أخبار الرضا: ج2 ص68 رقم 222، والآية 1 من سورة فاطر.
تناسب أجراس حروفه مع صدى معانيه:
من عجيب نظمه وبديع أُسلوبه، ذاك تناسب أجراس حروف كلماته المختارة، مع وقع معانيه في النفوس، وكأنّما اللفظ والمعنى يتواكبان ويتسابقان في السطو على الأسماع ومشاعر القلوب معاً، ذاك على السمع وهذا على الفؤاد في التئام ووئام. فإن كان تكريماً فلفظٌ أنيق، أو تشريفاً فتعبيرٌ رحيق، وإن تهديداً فكلمةٌ غليظة، أو تهويلاً فلفظةٌ شديدة... وهكذا تتجسّد معاني القرآن في قوالب ألفاظه وتتبلور في أجراس حروفه.
ألفاظٌ وتعابير أم قوامع من حديد؟
هو عندما يُهدّد أو يُندّد أو يُخبر عن وقع عذاب أليم - فيما سلف بأقوام ظالمين - تراه يصكّ الآذان بألفاظ ذوات أصوات نحاسية مزعجة، قد تحوّلت الكلم إلى جلاميد صخر أو قوامع من حديد، وكأنّها رُجُم وصواعق ورعود.
* عندما تقرأ ( وَالّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفّفُ عَنْهُم مِنْ عَذَابِهَا كَذلِكَ نَجْزِي كُلّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبّنَا
أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الّذِي كُنّا نَعْمَلُ ) (1) يُخيّل إليك جرس اللفظة غلظ الصراخ المختلط المتجاوب من كلّ جانب، المنبعث من حناجر مكتظّة بالأصوات الخشنة، كما يُلقى إليك ظلّ الإهمال لهذا الاصطراخ الذي لا يجد مَن يهتمّ بشأنه أو يلبّيه. وتَلمح من وراء ذلك كلّه صورة ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون.
وحين يستقلّ لفظ واحد بهذه الصور كلّها، ويدلّك اللفظ عليه قبل دلالة المعنى، يكون ذلك فنّاً من التناسق البديع (2) .
* وعندما تستمع إلى قوله تعالى: ( مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرّ (3) أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ ) (4) ، وكأنّك تحس بسمعك صوت هذه الريح العاتية، ولها صرير وصراخ وقعقعة وهياج، تَنسف وتُدمّر كلّ شيء، فتُصوّر وقع عذاب شديد ألمّ بقوم ظالمين.
* وهكذا عندما تتلى عليك ( إِنّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمٍ نَحْسٍ مُسْتَمِرّ * تَنزِعُ النّاسَ كَأَنّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنقَعِرٍ ) (5) أو ( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) (6) تجد وقع العذاب وشدّته من مضض هذه اللفظة عند اصطكاكها مع صِماخ أُذنك، واللفظة مضاعفة بجرسها دلالة على مضاعفة العذاب.
* وعندما تقرأ ( فَإِذَا جَاءَتِ الصّاخّةُ * يَوْمَ يَفِرّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ - إلى قوله - وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ) (7) تجد وقع هذا الصراخ المدهش الذي يُذيب القلوب وتذهل النفوس.
____________________
(1) فاطر: 36 و37.
(2) التصوير الفني: ص72.
(3) صاد حرف مستعل ومصمت ذو صفير، وراء حرف مجهور منذلق ذو تكرير.
(4) آل عمران: 117.
(5) القمر: 19 و20.
(6) الحاقة: 6.
(7) عبس: 33 - 42.
قال ابن عباس: (الصاخّة) صيحة القيامة، سمّيت بذلك؛ لأنّ صرختها تصخّ الآذان، أي تدكّها دكّاً عنيفاً تصمّها، وهكذا اللفظة دلّت عليه برنَتِها المُرعِدة ذات وقع صوتيّ عنيف، وكأنّك تشهد الموقف، وقد فاجأتك صرخته.
* ونظيرتها ( فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى ) (1) ، والطامّة: اسم للداهية الكبرى لا يُستطاع دفعها، وهكذا كانت وقعة القيامة تُفاجِئ بأهوالها ومكابدها، ممّا تُذهب وتُذيب القلوب، واللفظة دلّت عليه برنتها.
قال سيد قطب: ومن الأوصاف التي اشتقّها القرآن ليوم القيامة (الصاخّة) و(الطامّة) والصاخّة لفظة تكاد تخرق صِماخ الأُذن في ثقلها وعنف جرسها، وشقّه للهواء شقاً، حتى يصل إلى الأُذن صاخّاً مُلحّاً، والطامّة لفظة ذات دويّ وطنين، تُخيّل إليك أنّها تطمّ وتعمّ، كالطوفان يغمر كلّ شيء ويطويه (2) .
* ( كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً ) ويتلو الآية: ( وَجَاءَ رَبّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكّرُ الإِنسَانُ وَأَنّى لَهُ الذّكْرَى ) (3) ... وكأنّه عرض عسكري - الذي تشترك فيه جهنّم - بموسيقاه العسكرية المنتظمة الدقّات، المنبعثة من البناء اللفظي الشديد الأسر (4) وكأنّها قرعات وقمعات.
* ( وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ) (5) ، ما أهول هذه الكلمة في هذا الموضع، وما أوقع جرسها المدوّي المخوف، المتناسب مع أهوال يوم القيامة، المتطاير شرّها كالبركان الثائر المتقاذف شرارته، لا يَسلم منها قريب ولا بعيد.
* وزاده رعباً وهولاً تكراره بوجه آخر كان أخوف: ( إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ) (6) ، كأنّه الضيغم الضاري عبس في وجه فريسته عبوساً شديداً،
____________________
(1) النازعات: 34.
(2) التصوير الفني: ص73.
(3) الفجر: 22 و23.
(4) الأسر: القبض على شيء (التصوير: ص76).
(5) الإنسان: 7.
(6) الإنسان: 10.
ولعلّه من طول جوعه وضمور بطنه، فكان أشدّ رعباً - وهو سبع جائع يقصدك لا عن هوادة - من بركان، لا قصد له ولا عزم، والتخلص منه ممكن؛ لأنّه لا يتبعك.
* * *
* وتقرأ: ( وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ) (1) فترتسم صورة التبطئة في جرس العبارة كلّها، وفي جرس ( ليبطِّئنَّ ) خاصّة. وإنّ اللسان ليكاد يتعثّر، وهو يتخبّط فيها حتى يصل ببطء إلى نهايتها.
* وتتلو حكاية قول هود: ( أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيّنَةٍ مِن رَبّي وآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِندِهِ فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ) (2) ، فتحسّ أنّ كلمة ( أَنُلْزِمُكُمُوهَا ) تُصوّر جوّ الإكراه، بإدماج كلّ هذه الضمائر في النطق، وشدّ بعضها إلى بعض، كما يُدمج الكارهون مع ما يكرهون، ويشدّون إليه وهم منه نافرون.
قال سيد قطب: وهكذا يبدو لونٌ من التناسق - تناسق جرس اللفظ مع نوعية المعنى - أعلى من البلاغة الظاهرية، وأرفع من الفصاحة اللفظية، اللتين يحسبهما بعض الباحثين في القرآن أعظم مزايا القرآن (3) .
* انظر إلى هذا التشبيه البديع: ( وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَكَأَنّمَا خَرّ مِنَ السّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرّيحُ فِي مَكَانٍ سَحيقٍ ) (4) اللفظ يُصوّر السقوط المرير ( خَرّ مِنَ السّماءِ ) صوت تقطع الأنفاس وحسبها في البلعوم من هول هذا السقوط المفاجئ، ثمّ ماذا بعد؟ ( تَخْطَفُهُ الطّيْرُ ) لفوره فيقع فريستها ( أَوْ تَهْوِي بِهِ الرّيحُ فِي مَكَانٍ سَحيقٍ ) متقطّع الأشلاء، فلا يهتدي إليه أحد، هكذا وبهذه السرعة الخاطفة يطوى مسرح حياة المشرك بالله، وبهذه الخاتمة الأليمة (5) .
* ( عُتُلٍّ بعدَ ذلك زَنيم ) (6) هذه الكلمة (عتلّ) في مادّتها وهيأتها (ع:
____________________
(1) النساء: 72.
(2) هود: 28.
(3) التصوير الفني: ص72.
(4) الحج: 31.
(5) التصوير الفني: ص103.
(6) القلم: 13.
مجهورة مستعلية، تاء: مهموسة شديدة، ل: مجهورة منذلقة) بضمّتين متعاقبتينِ وتشديد اللام الأخيرة، تُمثّل الغلظة الجافية والانهماك في الشهوات وملاذ الحياة السفلى، قبل أن تدلّ عليه الكلمة من المعنى الوضعيّ اللغوي: الأكول، الجافي، الغليظ.
تلك لفظة دلّت أجراسها على معناها قبل أن تدلّ أوضاعها؛ ومِن ثَمّ فقد تعقبها ما يناسبها (زنيم): اللئيم، الدعيّ، الذي لا يبالي بما قال ولا بما قيل فيه.
* ( وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنْ الْعَذَابِ ) (1) دلّت لفظة الزحزحة على تلك الحركة التدرّجية قبل المعنى.
* ( فَكُبْكِبُوا فِيهَا ) (2) كأنّ جرس اللفظة أدلّ على تعاقب الكبو في النار، هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون.
قال سيّد قطب: وحقيقةً أنّ وضع هاتين اللفظتينِ اللغوي هو الذي يمنحهما هذه الصور وليس هو استعمال القرآن الخاصّ لهما، كما هو الشأن في الكلمات الماضية، التي اشتقّها خاصّة أو استعملها أَوّل مرّة، ولكن اختيارهما في مكانيهما يُحسب بلا شكّ في بلاغة التعبير.
* ( إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً ) (3) انظر إلى هذا التعبير الذي ملؤه الامتهان والاحتقار بشأن الطاغين وتصغير جانبهم والإزراء بحالتهم الفظيعة، إنّ جهنم كانت ترصدهم فتتلقّاهم في شرّ مآب، ويلبثون فيه أحقاباً، لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً، نعم ( إِلاَّ حَمِيماً ) ماءً ساخناً يشوى الحلق ويزيد في التهاب البطن، ( وَغَسَّاقاً ) ما يغسق، أي ينصبّ من بدن الحريق، من قيح وصديد، تلك الانصبابة التي تكاد تتقطّع من أعضائه المشويّة تقطّعاً، تلك كؤوس الشراب تُقدّم إلى أُولئك الطواغيت، في مثل ذلك الحرّ القاطع.
____________________
(1) البقرة: 96.
(2) الشعراء: 94.
(3) النبأ: 25.
شارب نتن قذر، مُدّت إليه أعناقهم ليشربوه، رغم استفظاعه واستقذاره، فيا له من فظاعة ومسكنة وتعاسة.
انظر إلى جرس اللفظة ( غسّاقاً ) إنّها تُصوّر حالة التهوّع التي تعتري الشاربين التُعساء يكاد يخنقهم أَلَم شوكه.
( لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ ) (1) وما أدراك ما الضريع؟ إنّه طعام ( لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ) لا يسدّ جوعة ولا يمنع نهماً، سوى مضغة مضنية يلوكها الآكل في تَلوٍّ وإرهاق، وتعب ونصب وضمور بطن، يَلحقها ضراعة وتعاسة ومسكنة مزرية، قال الراغب: هو نبات أحمر منتن الريح، يلفظه البحر، فإذا اقتاته الإبل أصنته تخمتُه وأثقلته وخامتُه.
قلت: واللفظة بجرسها المرهق الثقيل (2) دلّت على ضراعة حالة آكِله قبل دلالة المعنى الوضعي.
( وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ ) (3) وما أدراك ما الغِسلِين؟ هي غسالة أقذار الأبدان، ومِن ثَمّ فهي حثالة قيح وصديد تسيل من قروح أبدان أهل النار وجروحها، وفي تركيب اللفظة ما يُنبئ عن هذا الاستقذار، يمجّها السمع ويتنفّر منها الطبع.
* * *
____________________
(1) الغاشية: 6.
(2) ضاد حرف إجهار رخو مطبق، ومستعل مصمت، وراء حرف إجهار رخو منخفض، ومنذلق متكرر، ياء حرف لين منخفض، عين منفتح مستعل.
(3) الحاقة: 36.
الترابط والتناسق المعنوي:
لا شك أنّ حسن الكلام إنّما هو بالتناسب القائم بين أجزائه، من مفتتح لطيف وختام منيف ومقاصد شريفة احتضنها الكلام الواحد، وهكذا كان التناسب بين آيات الذكر الحكيم أنيقاً، والترابط بين جمله وتراكيبه وثيقاً.
وهذا التناسب والترابط بين أجزاء كلامه تعالى قد يُلحظ في ذات آية واحدة من صدر وذيل هي فاصلتها، أو في آيات جمعتها مناسبةٌ واحدة هي التي استدعت نزولهنّ دفعة واحدة في مجموعة آيات يختلف عددهنّ، خمساً أو عشراً أو أقل أو أكثر.
وقد يُلحظ في مجموعة آيات سورة كاملة؛ باعتبارها مجموعة واحدة ذات هدف واحد أو أهداف متضامّة بعضها إلى بعض، هي التي شكّلت الهيكل العظمي للسورة، ذات العدد الخاصّ من الآيات، فإذا ما اكتمل الهدف وتمّ المقصود اكتملت السورة وتمّت أعداد آيها، الأمر الذي يرتبط مع الهدف المقصود؛ ومِن ثَمّ يختلف عدد آيات السور من قصار وطوال.
وهناك مناسبة زعموها قائمة بين خاتمة كل سورة وفاتحة السورة التالية لها
وقد تكلّفها البعض بغير طائل.
ولننظر في كل هذه المناسبات:
تناسب الآيات مع بعضها
كان القرآن نزل نجوماً، وفي فترات لمناسبات قد يختلف بعضها عن بعض، وكان كل مجموعة من الآيات تنزل لمناسبة تخصّها، تستدعي وجود رابط بينها بالذات، وهو الذي يُشكل سياق الآية في مصطلحهم.
والمناسبة القائمة بين كل مجموعة من الآيات ممّا لا يكاد يخفى، حتى ولو كانت هي مناسبة التضاد، كما أفاده الإمام الزركشي في عدّة من السور جاء فيها ذلك... قال:
وعادة القرآن إذا ذَكر أحكاماً ذكر بعدها وعداً ووعيداً؛ ليكون ذلك باعثاً على العمل، ثُمّ يَذكر آيات التوحيد والتنزيه؛ ليُعلم عِظَم الآمر والناهي، قال: وتأمّل سور البقرة والنساء والمائدة وأمثالها تجده كذلك (1) ، هذا ما ظهر وجه التناسب فيه.
لكن قد يخفى وجه التناسب، فتقع الحاجة إلى تأمّل وتدقيق للوقوف على الجهة الرابطة؛ لأنّه كلام الحكيم، وقد تحدّى به، فلابدّ أنّه عن حكمة بالغة.
* من ذلك قوله تعالى: ( يَسْألونَكَ عَنِ الأَهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالحَجّ وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا ) (2) ، فقد يقال: أيّ رابط بين أحكام الأهلّة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها؟
قيل: إنّه من باب الاستطراد - وهو الانتقال من مقصد إلى آخر لأدنى مناسبة يراه المتكلّم أَولى بالقصد - وكأنّه جعل مبدأ كلامه ذريعةً لهذا الانتقال، ولكن
____________________
(1) البرهان: ج1 ص40.
(2) البقرة: 189.
بلطف وبراعة، وهو من بديع البيان (1) .
قال الزمخشري: لمّا ذَكر أنّها مواقيت للحج عمد إلى التعرّض لمسألة كانت أهمّ بالعلاج، وهي عادة جاهلية كانت بدعةً رذيلةً، كان أحدهما إذا أحرم لا يدخل حائطاً ولا داراً ولا فسطاطاً، فإن كان من أهل المَدر نقب في مؤخّرة بيته فيدخل ويخرج منه، وإن كان من أهل الوَبر جعل خلف خبائه مدخله ومخرجه، ولم يدخلوا من الباب... بدعة جاهلية مقيتة لا مبرّر لها... فلمّا وقع سؤالهم عن الأهلّة - وهي مواقيت للناس في شؤون حياتهم، وللحجّ بالذات، ولم يكن كبير فائدة في مثل هذا السؤال - استغلّه تعالى فرصة مناسبة للتعرّض إلى موضع أهم، كان الأجدر هو السؤال عنه، بغية تركه... على عكس ما كانوا يرونه برّاً، وهو عملٌ تافهٌ مستقبح (2) .
* * *
* وقوله تعالى: ( سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى ) وعقبه بقوله: ( وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ) (3) ، فقد يقال: أيّ رابط بين حادث الإسراء وإتيان موسى الكتاب والتعرّض لحياة بني إسرائيل؟!
وهو أيضاً من الاستطراد البديع، كان المقصود الأقصى تذكير بني إسرائيل بسوء تصرّفاتهم في الحياة، وهم في أشرف بقاع الأرض، وفي متناولهم أفضل وسائل الهداية، فبدأ بالكلام عن الإسراء من مكة المكرّمة إلى القدس الشريف؛ وبذلك ناسب الكلام عن هتك هذا التحريم المقدّس على يد أبنائه والذين فُضلوا بالتشرّف فيه؛ تأنيباً وليتذكروا.
وهو من حُسن المدخل ولُطف المستهلّ من أروع البديع.
* * *
____________________
(1) قال الأمير العلوي: عليه أكثر القرآن. (الطراز: ج3 ص14).
(2) الكشّاف: ج1 ص234 نقلاً بالمعنى.
(3) الإسراء: 1 و2.
* وقوله تعالى: ( لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ) (1) ، إذ لا تناسب لها ظاهراً مع سياق السورة الواردة في أحوال القيامة وأهوالها، قال جلال الدين السيوطي: وجه مناسبتها لأَوّل السورة وآخرها عسر جدّاً (2) .
وفي تفسير الرازي وجوه لبيان التناسب، وقد تعسّف فيها، وبهت قدماء الإمامية أنّهم قالوا بأنّ القرآن قد غيّر وبدّل وزيد فيه ونقص عنه، والآية من ذلك (3) .
لكن نزول القرآن مُنجّماً وفي فترات متلاحقة يدفع الإشكال برأسه، ولا موجب لارتكاب التأويل، ولا سيّما مع هذا التعسّف الباهت الذي ارتكبه شيخ المتشكّكين.
* * *
* وقوله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النّسَاءِ ) (4) .
لكن لمّا كانت الآية السابقة عليها حديثاً عن إيتاء اليتامى أموالهم، والنهي عن تبدّل الخبيث بالطيّب، وأن لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنّه كان حوباً كبيراً، فربّما كان المتكفّلون لأمر اليتامى يتحرّجون التصرّف في أموالهم خشية اختلاطه بأموال أنفسهم فيكون حيفاً لمال اليتيم أحياناً، فكانت قضية الاحتياط في الدين التجنّب عن مقاربة أموال اليتامى رأساً، الأمر الذي كان يوجب اختلالاً بشأن اليتامى فلا يتكفّلهم المؤمنون الصالحون.
هذا إلى جنب وفرة اليتيم في ظلّ الحروب التي شنّتها خصوم الإسلام طول التاريخ، فكان تكفّل أمر اليتيم ضرورة إيمانية. إذاً فما المَخرج من هذا المأزق؟! والآية فنزلت لتُري وجهاً من وجوه المخلص.
____________________
(1) القيامة: 17.
(2) الإتقان: ج3 ص328.
(3) التفسير الكبير: ج30 ص222.
(4) النساء: 3.
ولأجل هذا التحرّج جاء السؤال التالي: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى ) (1) .
فكان الجواب: ( قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَو شَاءَ اللّهُ لأَعْنَتَكُمْ ) . أي هذا واجب فرض، وكل أحد يمكنه المواظبة على ترك الحرام، وأخيراً فلو تعنّتم لأخذناكم بتكليف أشقّ وأعنت.
إذاً فاسترسلوا في أمركم وشاركوهم في أموالهم كما تشاركون سائر إخوانكم، مع المواظبة على غبطة مصلحة الشريك، فهذا هو خير يعود عليكم نفعُه أيضاً.
وأمّا إذا كانت اليتامى نسوة فطريق المخلص بشأن مخالطة أموالهم أسهل، ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّسَاءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَاءِ اللاّتِي لاَ تُؤْتُونَهُنّ مَا كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنّ ) (2) .
ففي الآية السابقة ترخيص لنكاحهنّ ( فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النّسَاءِ - أي يتامى النساء اللاّتي تحت كفالتكم - مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ ) (3) والآية بعد ذلك تستطرد في شؤون شتّى، كما هو دأب القرآن.
وعلى أية حال، فالتزويج بهنّ هي إحدى طرق التخلّص من مأزق التحرّج في مال اليتيم؛ إذ المرأة تغضّ طرفها عن المُداقّة في مالها المختلط مع مال زوجها المرافق لها الكافل لشؤونها.
وهذا خامس الوجوه التي ذكرها الطبرسي في توجيه مناسبة الآية (4) وهو أحسن الوجوه، وأكثر انسجاماً مع سياق الآية، والله العالم.
* * *
* وقوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ) (5) .
____________________
(1) البقرة: 220.
(2) النساء: 127.
(3) النساء: 3.
(4) مجمع البيان: ج3 ص6.
(5) الأنفال: 24.
قيل: ما هي المناسبة بين الأمر باستجابة الرسول فيما إذا دعاهم إلى الحياة والتهديد بالحيلولة بين المرء وقلبه؟
وقد أخذت الأشاعرة - وفي مقدّمتهم شيخ المتشكّكين الإمام الرازي (1) - من هذه الآية - نظراً إلى الذيل - دليلاً على القول بالجبر بأنّ الله هو الذي يجعل المؤمن مؤمناً والكافر كافراً ( يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (2) .
وذهب عنهم أنّ الدعوة في صدر الآية دليل على الاختيار، وحاشا القرآن أن يتناقض كلامُه في آية واحدة.
وحاول العلماء تفسير الآية بوجوه أدقّ وأوفى، منها: أنّ في القلب نقطة تحوّلات مفاجئة، قد يتحوّل الإنسان من حالة إلى أُخرى في مصادفة مباغتة، فينقلب الشقيُّ سعيداً أو السعيدُ شقيّاً؛ لمواجهة غير مترقّبة عارضت مسيرته التي كان عليها، زاعماً عكوفه عليها مرّة حياته، ولكن رغم مزعومه أخذ في التراجع والانعطاف إلى خلاف مسيره.
وهذا، لخلق الخوف والرجاء، وطرد اليأس والغرور.
وهذا من أعظم التربية للنفوس البشرية، فلا يأخذها القنوط واليأس إن هي أسرفت في التمرّد والعصيان، ولا يسطو عليها العجب والاغترار إن هي بلغت مدارج الكمال.
ومنها: أنّ الإسلام دعوة إلى الحياة العُليا والسعادة القصوى، كما أنّ في رفضها والتمرّد عن تعاليمها إماتة للقلوب، وبذلك تموت معالم الإنسانية في النفوس وتذهب كرامتها أدراج الرياح، وإذا بهذا الإنسان دابّة، فبدلاً من أن يمشي على أربع، يمشي على رجلين لا أكثر من ذلك، وفي ذلك هبوط من قمّة الشموخ إلى حضيض الهمجية والابتذال.
____________________
(1) التفسير الكبير: ج15 ص147 - 148 و181 - 182.
(2) النحل: 93، فاطر: 8.
( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلكِنّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتّبَعَ هَوَاهُ ) (1) .
( وَلاَ تَكُونُوا كَالّذِينَ نَسُوا اللّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ) (2) .
ووجوهٌ أُخر ذكرناها في فصل المتشابهات من الآيات (3) .
قال سيّد قطب: من ألوان التناسق الفنّي هو ذلك التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات، والتناسب في الانتقال من غرض إلى غرض، وبعضهم يتمحّل لهذا التناسق تمحّلاً لا ضرورة له، حتى ليصل إلى حدّ التكلّف ليس القرآن بحاجة إلى شيء منه (4) .
وقال الأُستاذ درّاز: إنّ هذه النقطة غفل عنها جميع المستشرقين، فضلاً عن بعض علماء المسلمين، فعند ما لاحظ بعضهم بنظرته السطحية عدم توافر التجانس والربط الطبيعي بين المواد التي تتناولها السور لم يرَ القرآن إلاّ أشتاتاً من الأفكار المتنوّعة، عُولجت بطريقة غير منظّمة، بينما رأى الآخر أنّ علّة هذا التشتيت المزعوم ترجع إلى الحاجة لتخفيف الملل الناتج من رتابة الأُسلوب.
وهناك فريق آخر لم يرَ في الوحدة الأدبية لكل سورة - وما لا يستحيل نقله في أيّة ترجمة - إلاّ نوعاً من التعويض لهذا النقص الجوهري في وحدة المعنى، وفريق آخر يضمّ غالبية المستشرقين، رأى أنّ هذا العيب يرجع إلى الصحابة الذين جمعوا القرآن، وقاموا بهذا الخلط عندما جمعوا أجزاءه ورتّبوها على شكل سور.
قال: إنّ هذه التفسيرات لا تبدو صالحة للأخذ بها؛ إذ من المتّفق عليه أنّ السور كانت بالشكل الذي نقرأها به اليوم، وبتركيبها الحالي، منذ حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله).
قال: ولقد اتّضح أنّ هناك تخطيطاً واضحاً ومحدّداً للسورة، يتكوّن من ديباجة وموضوع وخاتمة، ولا جدال في أنّ طريقة القرآن هذه ليس لها مثيل على
____________________
(1) الأعراف: 176.
(2) الحشر: 19.
(3) راجع التمهيد في علوم القرآن: ج3 ص239 - 252 تحت رقم 80 الطبعة الثانية.
(4) التصوير الفنّي في القرآن لسيد قطب: ص69.
الإطلاق في أيّ كتاب في الأدب أو في أيّ مجال آخر، يمكن أن يكون قد تمّ تأليفه على هذا النحو، وإذا كانت السور القرآنية من نتاج ظروف النزول تكون وحدتها المنطقية والأدبية معجزة المعجزات (1) .
الوحدة الموضوعية:
وممّا يسترعي الانتباه ما تشتمل عليه كل سورة من أهداف خاصة تستهدفها لغرض الإيفاء بها وأداء ما فيها من رسالة بالذات، الأمر الذي يوجه مصير انتخابها في كيفية لحن الأداء وفي كمّية عدد الآيات، يُنبئك بذلك اختلاف السور في عدد الآي، قليلها وكثيرها، فما لم تستوفِ الهدف لم تكتمل السورة، قصرت أم طالت، وهكذا اختلاف لهجاتها من شديدة فمعتدلة وإلى ليّنة خفيفة، فلابدّ من حكمة مقتضية لهذا التنويع في العدد واللحن؛ لأنّه من صُنْع عليم حكيم.
هذا مضافاً إلى ما لكل سورة من حسن مطلع ولطف ختام، فلابدّ أن تحتضن مقاصد هي متلائمة مع هذا البدء والختام، وبذلك يتمّ حسن الائتلاف والانسجام.
ومِن ثَمّ فمن الضرورة - بمقتضى الحكمة - أن تشتمل كل سورة على نظام خاصّ يستوعب تمام السورة من مفتتحها حتى نهاية المطاف، وهذا هو الذي اصطلحوا عليه من الوحدة الموضوعية التي تحتضنها كل سورة بذاتها.
ولسيّد قطب محاولة موفّقة - إلى حدّ ما - في سبيل الإحاطة بما تشتمل عليه كلّ سورة من أهداف، يُقدّم فكرة عامة عن السورة بين يدي تفسيرها، وبياناً إجمالياً عن مقاصد السورة قبل الورود في التفصيل، ممّا يدلّ على تسلسل طبيعي في كلّ سورة تنتقل خلاله من غرض إلى غرض حتى تنتهي إلى تمام المقصود،
____________________
(1) المدخل إلى القرآن الكريم (أهداف كل سورة، عبد الله محمود شحاته: 5 - 6).
تناسقاً معنوياً رتيباً، تنبّه له المتأخرون في كلّ سورة بالذات، ولم يزل العمل مستمراً في البلوغ إلى هذا الهدف البلاغي البديع في جميع السور، لكن يجب التريّث دون التسرّع، ونحن في بداية المرحلة، فلا يكون هناك تكلّف أو تمحّل لا ضرورة إليه.
وقال الأُستاذ المدني: إنّ في كلّ سورة من سور القرآن الكريم روحاً تسري في آياتها، وتسيطر على مبادئها وأحكامها وتوجيهاتها وأُسلوبها، قال: ومن الواضح أنّ سور القرآن مع كون كلّ واحد منها ذات طابع خاص، وروح تسري في نواحيها - لا يمكن أن تُعدّ فصولاً أو أبواباً مُقسّمة منسّقة على نمط التآليف التي يُؤلّفها الناس، ومَن أراد أن يفهمها على ذلك أو أن يُفسّرها على ذلك فإنّه يكون متكلّفاً مشتطاً، محاولاً أن يُخرج بالقرآن عن أُسلوبه الخاص، الذي هو التنقّل والمراوحة والتجوّل، وبثّ العظة في تضاعيف القول، والوقوف عند العبر لتجليتها، والتوجّه إلى مغزاها، وانتهاز الفرصة أينما واتت، لدعم العقيدة السليمة والمبادئ القويمة.
إنّ هناك فرقاً بين مَن يحاول أن يفعل ذلك، ومَن يُحاول أن يجعل القارئ يَلمح الروح الساري والبيئة المعنوية الخاصّة التي تجول فيها السورة دون أن يُخرج التنزيل الحكيم عن سنته وأُسلوبه الذي انفرد به، وكان من أهمّ نواحي الإعجاز فيه....
وهذه الطريقة في الدراسة القرآنية أجدى على الناس مِن تتبّع الآيات آية بعد آية، فإنّ ذلك لا يعطي المنظر العام، ولا يُساعد على تصوّر عظمة الصورة مجتمعة الملامح، منضمّة التقاسيم، كاملة الوضع (1) .
وبعد، فإليك نماذج من محاولات بُذلت للحصول على تلك الوحدات
____________________
(1) المجتمع الإسلامي كما تنظّمه سورة النساء لمحمّد محمّد المدني: ص5 - 7 (الأهداف: ص7).
الموضوعية التي تشتمل عليها كلّ سورة لذاتها بحيث كادت تقرب من نظم التأليف من ديباجة ومقاصد وخاتمة في تبويب رتيب، حصولاً على قدر الجهد المبذول، والله من وراء القصد.
سورة الفاتحة: ما يشتمل عليه هذه السورة القصيرة من نظم وترتيب طبيعي، هو من أبدع النُظم التي تُصوّر موقف العبد تجاه ربّه الكريم، في ضراعة وخشوع، مسترحماً مبتهلاً إيّاه تعالى أن يهديه سواء السبيل ويُنعم عليه بأفضل نعمه وآلائه، في أُسلوب جميل وسبك طريف.
إنّ هذه السورة المباركة انتظمت من ثلاثة مقاطع، كلّ مقطع مرحلة هي مقدّمة للمرحلة التالية في تدرّج رتيب، ويتمثّل خلالها أدب العبد الماثل بين يدي مولاه، تلك مراحل يجتازها في أناقة يريد مسألته، يمجّده أوّلاً، ثُمّ ينقطع إليه كما الانقطاع، وأخيراً يعرض حاجته في أُسلوب لطيف، ينتقل من الغيبة إلى الخطاب، وكأنّه كان في حجاب عن وجه سيّده المتفضّل عليه بالإنعام، ثمّ مَثَل بين يديه وحظي بالحضور.
قالوا (1) : إنّ العبد إذا افتتح حَمَد مولاه الحقيق بالحمد - عن قلب حاضر ونفس ذاكرة لِما هو فيه بقوله: ( الحمدُ للهِ ) الدالّ على اختصاصه بالحمد، وأنّه حقيق به - وَجَد من نفسه لا محالة محرّكاً للإقبال عليه، فإذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: ( ربّ العالمين ) - الدالّ على أنّه مالك للعالمين، لا يخرج منهم شيء عن ملكوته وربوبيته - قَوى ذلك المحرّك، ثمّ انتقل إلى قوله ( الرحمن الرحيم ) الدالّ على أنّه منعم بأنواع النعم جلائلها ودقائقها، تضاعفت قوّة ذلك المحرّك، ثمّ إذا انتقل إلى خاتمة هذه الصفات العظام، وهي قوله: ( مالكِ يومِ الدِّين ) الدالّ على أنّه مالك للأمر كلّه يوم الجزاء، تناهت قوّته، وأوجب الإقبال عليه، وخطابه بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمّات: ( إيّاك نعبُدُ وإيّاك نستعين ) .
____________________
(1) الزمخشري في الكشّاف: ج1 ص14.
وهذا كمال الانقطاع يُبديه العبد لدى مولاه، يُمهّد بها أسباب الشفاعة، فيردفها مع عرض حاجته، بُغية قضائها ونجاحها، والتوفيق يرافقه لا محالة.
وسورة البقرة - وهي أول سورة نزلت بالمدينة، واكتملت لعدة سنوات، ونزلت خلالها سور وآيات - تراها على طولها، منتظمة على أُسلوب رتيب: مقدّمة لابدّ منها، ثمّ دعوة، وأخيراً تشريع (1) .
أمّا المقدّمة ففي بيان طوائف الناس ومواقفهم تجاه الدعوة، إمّا متعهد يخضع للحقّ الصريح، أو معاند يجحد بآيات الله، أو منافق يراوغ مراوغة الكلاب، أمّا الشكّ فلا مجال له بعد وضوح الحقّ ووفور دلائله، وقد نفاه القرآن الكريم ( ذلكَ الكتابُ لا ريبَ فيهِ ) .
وقد أعلن الدعوة بتوجيه نداء عامّ إلى كافة الناس ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ) (2) ودعمها بدلائل وبراهين نيّرة، مستشهداً بسابق حياة الإنسان منذ بدء الخلقة، وتصرّفاته الغاشمة في الحياة، ولا سيّما حياة إسرائيل السوداء المليئة بالمخازي والآثام، وهي الأُمّة الوحيدة التي تعرفها العرب ولهم معها نسب قريب.
ثمّ يأتي دور التشريع (3) ويتقدّمه الحديث عن الكعبة وتشريفها، وبيان النسخ والإنساء في الشرائع، فيبتدئ بتحويل القبلة (4) وتشريع الحجّ والجهاد والقتال في سبيل الله، والصوم والزكاة والاعتكاف، والنكاح والطلاق والعدد، والمحيض والرضاع والأَيمان، والوصية والدَين والربا، والتجارة الحاضرة وبذلك تنتهي السورة.
هذه هي الصبغة العامّة للسورة، وفي ضمنها الاستطراق إلى عدة مواضيع
____________________
(1) المقدمة في (20) آية، والدعوة في قريب من (124) آية، والتشريع (142).
(2) البقرة: 21.
(3) من الآية رقم 125.
(4) الآية رقم 144.
بالمناسبة، كما هي طريقة القرآن في جمعه لشتات الأُمور.
وفي ختام السورة (1) جاء الحديث عن مَلكوت السماوات والأرض، وعِلمه تعالى بما في الصدور فيحاسب العباد عليه، وعن إيمان الرسول بما اُنزل إليه، والمؤمنون على أثره، وأن لا تكليف بغير المستطاع، ولابدّ من الاستغفار على الخطايا وطلب فضله تعالى ورحمته في نهاية المطاف.
والمناسبة ظاهرة بعد ذلك التفصيل عن دلائل الدعوة ومعالم التشريع، وقد جهد الإمام الرازي في بيان النظم القائم بين هذه الآيات الثلاث بالذات وما سبقتها من دلائل التوحيد وتشريع الأحكام، وذكر في ذلك وجوهاً لا بأس بها نسبياً، وعقبها بقوله:
ومَن تأمّل في لطائف نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أنّ القرآن كما أنّه معجز بحسب فصاحة ألفاظه وشرف معانيه فهو أيضاً معجز بحسب ترتيبه ونظم آياته، ولعلّ الذين قالوا: إنّه معجز بحسب أُسلوبه أرادوا ذلك، إلاّ أنّي رأيت جمهور المفسّرين معرضينَ عن هذه اللطائف، غير منتبهين لهذه الأُمور، ثمّ تمثّل بقول الشاعر:
والنجمُ تَستصغرُ الأبصارُ رؤيتَهُ |
والذنبُ للطرفِ لا للنَجمِ في الصِغَرِ (2) |
* * *
والآيتان الأخيرتان منها قوله تعالى: ( آمَنَ الرّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كَلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا
____________________
(1) الآيات رقم 284 و285 و286.
(2) التفسير الكبير ج7 ص127.
إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (1) .
انظر كيف تناسق البدء والختام، وكيف تجمّعت مواضيع السورة وأهدافها، ملخّصة في آخر بيان، ليتأكد أوّلها بآخرها بهذا الشكل البديع.
* * *
ولعلّنا في مجال آتٍ نعرض سوراً أُخرى تكشّف لنا وجهُ التناسب القائم فيها في عدد آيها الخاصّ ولحنها الخاصّ إن شاء الله تعالى، ولا تزال المحاولات دائبة في هذا التكشّف بوجه عامّ، نسأل الله التوفيق والتسديد.
قال الأُستاذ أبو الحسن علي بن عيسى الرمّاني (توفّي سنة 386 هـ): الفواصل حروف متشاكلة في مقاطع الآيات، تُوجب حسن إفهام المعاني، والفواصل في القرآن جمال وبلاغة؛ لأنّها تتّبع المعاني وتزيدها حكمةً وبهاءً كما تكسوها رونقاً ورُواءً، على خلاف أسجاع الكهّان، إنّها عيب وعيّ وفضول في الكلام؛ لأنّ المعاني في الأسجاع هي التي تكون تابعةً وليست بالمقصودة، ومِن ثَمّ فهو من قلب الحكمة في باب الدلالات - حسبما يأتي - (2) .
أمّا فواصل القرآن فكلّها بلاغة وحكمة وأناقة؛ لأنّها طريق إلى إفهام المعاني والإجادة في المباني، وقد بلغ القرآن فيها حدّ الإعجاز فوق الإعجاب.
قال الإمام بدر الدين الزركشي: مِن المواضع التي يتأكّد فيها إيقاع المناسبة مقاطع الكلام، وهي كلمات وحروف متشاكلة في اللفظ، فلابدّ أن تكون متناسبةً مع
____________________
(1) البقرة: 285 و286.
(2) سننقل كلامه في ص 307. راجع النكت في الإعجاز: ص97.
المعنى تمام المناسبة، وإلاّ لتفكّك الكلام وخرج بعضه عن بعض، وفواصل القرآن العظيم لا تخرج عن ذلك، لكنّ منه ما يظهر، ومنه ما يُستخرج بالتأمّل للبيب (1) .
والفواصل في القرآن - على ما حقّقه الأُستاذ أبو محمّد عبد العظيم بن عبد الواحد المعروف بابن أبي الإصبع (توفّى سنة 654 هـ) - على أربعة وجوه:
1 - التمكين ، وهو أن يمهّد قبلها تمهيداً تأتي به الفاصلة ممكّنة في موضعها.
2 - والتصدير ، وهو أن يتقدّم من لفظها في صدر الكلام، ويُسمّى ردّ العجز على الصدر.
3 - والتوشيح، وهو أن يكون سَوق الكلام بحيث يستدعي الانتهاء إلى تلك الخاتمة.
4 - والإيغال ، وهو ختم الكلام بما يفيد نكتة زائدة على أصل المعنى (2) .
وإليك شرح هذه الوجوه مع بيان أمثلتها:
1 - التمكين: هو أن يمهّد قبل نهاية الآية تمهيداً تأتي الفاصلة معها متمكّنة في موضعها، مستقرّة في قرارها، مطمئنة في محلّها، غير نافرة ولا قلقة، متعلّقاً معناها بمعنى الكلام كلّه تعلّقاً تامّاً، بحيث لو طُرحت لاختلّ المعنى واضطرب المقصود من الكلام، وتشوّش على الفهم، وبحيث لو سكت الناطق عنها لكمّله السامع بطبعه السليم (3) .
قال الإمام بدر الدين الزركشي: وهذا الباب يُطلعك على سرٍّ عظيم من أسرار القرآن الكريم، فاشدُد يديك به (4) .
* ومن أمثلته قوله تعالى: ( وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى
____________________
(1) البرهان: ج1 ص78.
(2) معترك الأقران: ج1 ص39.
(3) حُكي أنّ أعرابياً سمع قارئاً يقرأ: ( فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غفورٌ رحيم ) - ولم يكن قرأ القرآن - فقال: إنّ هذا ليس بكلام الله؛ لأنّ الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل؛ لأنّه إغراء عليه (معترك الأقران: ج1 ص40) وصحيح الآية ( فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) البقرة: 209.
(4) البرهان: ج1 ص79.
اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً ) (1) .
ولا يخفى وجه المناسبة التامّة.
* وقوله تعالى: ( أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ ) (2) .
لمّا كانت الآية الأُولى تَذكرة وعِبرة بما أصاب القرون الأُولى، ولا عِبرة بأحوال الماضين لولا الاستماع إلى قَصَصهم، فخُتمت بما يناسبه (يسمعون)، أمّا الآية الثانية فكان الاعتبار فيها بأمر مشهود منظور، فناسبه الختم بالأبصار.
* وقوله تعالى: ( لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (3) .
الشيء إذا بلغ في اللطافة غايتها قصُرت الأبصار عن دركه، فناسب قوله: ( وهو اللطيفُ ) قوله: ( لا تُدرِكه الأبصارُ ) . والعالم بالشيء إذا بلغ كنهه وأحاط به علماً كان خبيراً به، فناسب قوله: ( الخبير ) قوله: ( وهو يُدرك الأبصارَ ) ، جمعاً محلّى باللام، وهو يفيد العموم الدالّ على إحاطته تعالى.
ومناسبة أشد: أنّ قوله: ( وهو اللطيفُ الخبيرُ ) برهانٌ على عدم إمكان إدراكه بالأبصار وأنّه هو الذي يُحيط بالأبصار، فكان كدعوى مقرونة بشاهد دليل.
* وقوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السّماءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرّةً إِنّ اللّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * لَهُ مَا فِي السّماوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنّ اللّهَ لَهُوَ الْغَنِيّ الْحَمِيدُ * أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ سَخّرَ لَكُم مّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السّماءَ أَن تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاّ بِإِذْنِهِ إِنّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَؤُوفٌ رّحِيمٌ ) (4) .
ختم الآية الأُولى بقوله: ( لطيفٌ خبير ) ؛ لأنّ (لطف) هنا من (اللّطف) بمعنى
____________________
(1) الأحزاب: 25.
(2) السجدة: 26 و27.
(3) الأنعام: 103.
(4) الحج: 63 - 65.
الرفق والرأفة، بخلافه هناك، كان من (اللطافة) بمعنى الدقّة ضدّ الضخامة والكثافة، فلمّا كان الكلام في إنزال الماء من السماء وإنبات الأرض... وهو السبب الأوّل لإمكان المعيشة على الأرض، فناسبه الإشارة بجانب لطفه تعالى بعباده، إلى جنب علمه المحيط بمواضع فقرهم وحوائجهم في الحياة.
وختم الثانية بقوله: ( لهو الغنيّ الحميدُ ) ؛ تنبيهاً على أنّه تعالى في غنىً عن ملك السماوات والأرض وأنّه يجلّ شأنه ويعزّ جانبه من أن يعتزّ بملك، ولو كان المملوك عوالم الملكوت فهو أعزّ شأناً وأرفع جانباً من الاعتزاز بهكذا أُمور، هي صغيرة في جنب عظمة ذاته تعالى وفخامة جانبه المرتفع إليه كلّ ثناء ومحمدة في عالم الوجود.
وختم الثالثة بقوله: ( لرؤوفٌ رحيمٌ ) ؛ لأنّه ذكر جعل الأرض وما فيها، والبحر وما عليها في خدمة الإنسان، وأمسك بقذائف السماء أن تَهدم الحياة على الأرض... فهذا كلّه ناشئ عن رأفته تعالى بعباده ورحمته عليهم.
* وقوله تعالى: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ اللّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ النّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ) (1) .
خُتمت الآية الأُولى بقوله: ( أفلا تَسمعون ) ؛ لأنّه المناسب لذكر الليل السرمد، وهي الظلمة المطبقة لا موضع فيها لحسّ البصر، سوى حسّ السمع يسمع حسيسها.
وأمّا الآية الثانية، فكان الكلام فيها عن النهار السرمد، فناسبه الإبصار.
قال الزركشي: وهذا من دقيق المناسبة المعنوية.
* وقوله تعالى: ( إِنّ فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ
____________________
(1) القصص: 71 و72.
وَمَا يَبُثّ مِن دَابّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السّماءِ مِن رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ آيَاتٌ لِقٌوْمٍ يَعْقِلُونَ ) (1) .
ختم الآية الأُولى بقوله: ( للمؤمنينَ ) ، والثانية ( لقومٍ يوقنونَ ) . والثالثة ( لقومٍ يعقلونَ ) ؛ لأنّ العوالم كلّها هي دليل الصنع الباعث على الإيمان، أمّا التدبّر في تفاصيل الخلق الدالّة على التدبير فهو دليل النظم الموجب للإيقان، وأخيراً فإنّ الذي يدعو للإيمان واليقين بسبب التدبّر في آياته تعالى والتفكّر في خلقه هو شرف العقل، الموجود المفضّل في كيان الإنسان.
* وقوله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِن طِينٍ * ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ * ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (2) .
فسياق الآية بهذا النظم البديع، وتسلسل الخلقة بهذا النمط الرتيب، لَيقضي بختمها بهكذا تحميد وتحسين عجيب، فقد رُوي أنّ بعض الصحابة - يقال: إنّه معاذ ابن جبل - حين نزلت الآية بادرَ إلى تحسينها والإعجاب بها، فنطق بهذه الخاتمة قبل نزولها، فضحك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقال لمعاذ: (بها خُتِمت) (3) .
2 - التصدير: هو أن تكون الفاصلة مذكورةً بمادّتها في صدر الآية، ويُسمّى أيضاً: ردّ العجز على الصدر، وهو من حسن البديع، إذ يرتبط صدر الكلام مع ذيله بوشائج من التلاحم والوئام، قال ابن رشيق: وهذا يكسب الكلام أُبّهة، ويكسوه رونقاً وديباجة، ويزيده مائيّة وطلاوة (4) .
من ذلك قوله تعالى: ( وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ ) (5) . وقوله:
____________________
(1) الجاثية: 3 - 5.
(2) المؤمنون: 12 - 14.
(3) معترك الأقران: ج1 ص40.
(4) العمدة: ج2 ص3.
(5) آل عمران: 8.
( وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ) (1) ، ( لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ) (2) .
وقد يكون التشاكل لفظياً بحتاً، وهو من لطف البديع، كقوله تعالى: ( قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ ) (3) ، أي من الناقمين.
3 - التوشيح: هو أن يكون سَوق الكلام بحيث يستدعي بطبعه الانتهاء إلى تلك الخاتمة، حتى لو سكت المتكلّم عن النطق لترنّم بها المستمعون، وهو قريب من التسهيم في اصطلاحهم (4) : أن يكون الكلام ممّا يرشد إلى عجزه، ولذا قيل: الفاصلة تُعلم قبل ذكرها، قال الزركشي: وسمّاه ابن وكيع (هو القاضي أبو بكر محمّد بن خلف توفّي سنة 306 هـ) (المطمِع)؛ لأنّ صدره مطمع في عجزه (5) ، وهذا من بديع البيان وعجيبه، فمِن ذلك ما تقدّم من قوله تعالى: ( ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (6) .
وقوله تعالى: ( وَآيَةٌ لّهُمُ الّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النّهَارَ فَإِذَا هُم مّظْلِمُونَ ) (7) .
وقوله تعالى: ( يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) (8) .
4 - الإيغال: وهو باب عظيم الشأن من أبواب البديع، هو عبارة عن ختم الكلام بما يفيد نكتة يتمّ المعنى بدونها، مأخوذ من أوغل في البلاد: إذا ذهب وبالغ وأبعد فيها (9) وهو بمنزلة التأكيد المُبالغ فيه.
____________________
(1) الأنعام: 10.
(2) طه: 61.
(3) الشعراء: 168.
(4) بديع القرآن لابن أبي الإصبع: ص100.
(5) البرهان للزركشي: ج1 ص95.
(6) المؤمنون: 14.
(7) يس: 37.
(8) الزلزلة: 6 - 8.
(9) أنوار الربيع: ج5 ص333.
* كقوله تعالى: ( أُولئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُا الضّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) (1) ، فقد تمّ الكلام عند قوله: ( فما رَبِحت تجارتُهم ) لكنّه أوغل في تفضيع حالتهم، وأفاد زيادة المبالغة في ضلالتهم، حيث كان عدم الاسترباح مستنداً إلى عدم اهتدائهم إلى طرق التجارة، ومِن ثَمّ استُبدلوا بالخير شرّاً وبالصلاح فساداً.
* وقوله تعالى: ( قَالَ يَا قَوْمِ اتّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتّبِعُوا مَن لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مّهْتَدُونَ ) (2) ، حيث قد تمّ المعنى بدون ( وهم مهتدون ) ؛ إذ الرسل مهتدون لا محالة، لكنّه إيغال أفاد زيادة الحثّ على الاتّباع والترغيب في الرسل، وأنّ متابعتهم لا تستدعي خسراناً أبداً.
* وقوله تعالى: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (3) .
* وقوله تعالى: ( وَلاَ تُسْمِعُ الصّمّ الدّعَاءَ إِذَا وَلّوْا مُدْبِرِينَ ) (4) ، فقد تمّ المقصود بدون ( إذا ولّوا مدبرينَ ) لولا أنّه أفاد المبالغة في عدم إمكان الإسماع؛ لأنّ الأصمّ إذا ولّى مدبراً كان أبلغ في تغافله وإعراضه عن الانصياع للدعوة.
بعد أن عرفت مواضع الفواصل من آيات الذكر الحكيم، وأقسامها الأربعة على ما فصّلها علماء البيان، نُلفت نظرك إلى ناحية أُخرى هي مسألة السجع، هل في القرآن منه شيء؟ وأوّل مَن تكلّم في ذلك وأنكر وجوده في القرآن، وأنّه يترفّع
____________________
(1) البقرة: 16.
(2) يس: 20 و21.
(3) المائدة: 50.
(4) النمل: 80.
عن مبتذلات أهل التكلّف في الكلام، هو الأُستاذ أبو الحسن علي بن عيسى الرمّاني، وتقدّم بعض كلامه (1) ، قال:
الفواصل بلاغة، والأسجاع عيب، وذلك أنّ الفواصل تابعة للمعاني، وأمّا الأسجاع فالمعاني تابعة لها، وهو قلب ما توجبه الحكمة في الدلالة؛ إذ كان الغرض من حكمة الوضع إنّما هو الإبانة عن المعاني التي الحاجة إليه ماسّة، فإذا كانت المشاكلة وصلة إليه فهو بلاغة، وأمّا إذا كانت المشاكلة الكلامية هي المقصودة بالذات، والمعاني مغفول عنها إلاّ عرضاً فهو عيب ولَكنَة؛ لأنّه تكلّف من غير الوجه الذي توجبه الحكمة، ومَثَله مَن رصّع تاجاً ثُمّ ألبسه إنساناً دميماً (2) أو نظّم قلادة درٍّ ويواقيت ثُمّ ألبسها كلباً عقوراً، وقبحُ ذلك وعيبه بيّنٌ لمَن له أدنى فهم.
فمن ذلك ما يُحكى عن بعض الكهّان: والأرض والسماء، والغراب الواقعة بنقعاء، لقد نفر المجد إلى العشراء.
ومنه ما يُحكى عنه مسيلَمة الكذّاب: يا ضفدع نقّي كم تنقّين، لا الماء تُكدّرين، ولا النهر تفارقين.
فهذا أغثّ كلام يكون وأسخفه، وقد بينا علّته، وهو تكلّف المعاني من أجله، وجعلها تابعة له من غير أن يبالي المتكلّم بها ما كانت!
وفواصل القرآن كلها بلاغة وحكمة - على ما سبق بيانه - لأنّها طريق إلى إفهام المعاني التي يحتاج إليها في أحسن صورة يدلّ بها عليها.
وإنّما اُخذ السجع في الكلام من سجع الحمامة؛ وذلك أنّه ليس فيه إلاّ الأصوات المتشاكلة مع إغفاء المعاني، كما ليس في سجع الحمامة إلاّ الأصوات المتشاكلة - الهدير (3) - وهكذا المعنى في السجع، إذا تكلّف له من غير وجه الحاجة إليها ذاتاً، أو ملاحظة الفائدة فيه، لم يعتد به، ولم تخرج الكلمات بذلك عن
____________________
(1) في ص 300 من هذا الجزء.
(2) قبيح السيرة والصورة.
(3) يقال: هَدَر الحمام إذا قرقر وكرّر صوته في حنجرته.
كونها غير ذوات مفهوم، فصارت بمنزلة هدير الحمام، ليس فيه سوى ترجيع أصوات متشاكلة (1) .
لا شكّ أن أدب الكلام هو بمَطالعه ومقاطعه، والناطق المفوّه مَن أجاد الورود في مقصوده والتخلّص عنه، وهو من أركان شرط البلاغة التي بها تُعرف مقدرة المتكلّم البليغ في حسن التوفية ولطف التعبير.
ذكر ابن الأثير للكتابة شرائط وأركاناً، أمّا الشرائط فكثيرة - أودعها ضمن تأليفه (المَثَل السائر) - وأمّا الأركان التي لابدّ من إبداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فخمسة، أحدها - وهو الركن الأول - أن يكون مطلع الكتاب عليه جِدَّة ورشاقة، فإنّ الكاتب من أجاد المطلع والمقطع. أو يكون مبنيّاً على مقصد الكتاب (2) ، قال: ولهذا باب يُسمّى باب (المبادئ والافتتاحات) والركن الآخر - وهو الثالث - أن يكون خروج الكاتب من معنى إلى معنى برابطة لتكون رقاب المعاني آخذة بعضها ببعض، ولا تكون إلاّ متقضبة؛ ولذلك باب يُسمّى باب (التخلّص والاقتضاب) (3) .
____________________
(1) النكت في إعجاز القرآن: ص97 - 98.
(2) ويُسمّى ذلك (براعة الاستهلال)، وذكره ابن الأثير في النوع الثاني والعشرين، في (المبادئ والافتتاحات: ج3 ص96) قال: وحقيقة هذا النوع أن يجعل مطلع الكلام دالاً على ذات المقصود منه والجهة التي يريدها المتكلّم بكلامه.
وذكره ابن معصوم بعنوان: (حُسن الابتداء وبراعة الاستهلال) في (أنوار الربيع: ج1 ص34).
(3) ذكره ابن الأثير في النوع الثالث والعشرين (ج3 ص121) قال: أمّا التخلص فهو أن يأخذ المتكلّم في معنىً من المعاني، فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره، وجعل الأوّل سبباً إليه، فيكون بعضه آخذاً برقاب بعض، من غير أن يقطع كلامه ويستأنف كلاماً آخر، بل يكون =
قال أهل البيان: من البلاغة حسن الابتداء، ويُسمّى (براعة المطلع)، وهو أن يتأنّق المتكلّم في أول كلامه، ويأتي بأعذب الألفاظ وأجزلها وأرقّها وأسلسها وأحسنها نظماً وسبكاً، وأصحّها مبنىً، وأوضحها معنىً، وأخلاها من الحشو والركّة والتعقيد، والتقديم والتأخير الملبّس والذي لا يناسب.
قالوا: وقد أتت جميع فواتح السور من القرآن المجيد على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها، كالتحميدات وحروف الهجاء والنداء وغير ذلك (1) .
قال ابن الأثير: وحقيقة هذا الركن البلاغي أن يجعل مطلع الكلام دالاً على المعنى المقصود منه، إن كان فتحاً ففتحاً، وإن كان هناءً فهناء، أو عزاءً فعزاء، وكذلك في سائر المعاني.
قال: وهذا يرجع إلى أدب النفس لا إلى أدب الدرس، ولهذا عيب على كثير من الشعراء والخطباء، زلّتهم في هذا المقام (2) .
قال: وإنّما خصّت الابتداءات بالاختيار لأنّها أول ما يطرق السمع من الكلام، فإذا كان الابتداء لائقاً بالمعنى الوارد بعده توفّرت الدواعي على استماعه.
قال: ويكفيك من هذا الباب الابتداءات الواردة في القرآن الكريم، كالتحميدات المفتتح بها أوائل السور (منها المسبّحات). وكذلك الابتداءات بالنداء في مثل قوله (3) ، فإنّ عموم الخطاب ينمّ عن رعاية وعناية بالغة بشأن المخاطبين جميعاً، ولا سيّما
____________________
= جميع كلامه كأنّما أفرغ إفراغاً، وأمّا الاقتضاب فهو أن يقطع كلامه ويستأنف كلاماً آخر، ولا يكون بينهما علاقة في ظاهر الأمر، وهو مذهب من مذاهب العرب فيه طرافة وظرافة، وسنأتي على كلّ من القسمين في مبحث (حسن الختام) ص 320 إن شاء الله.
(1) قاله ابن معصوم في أنوار الربيع: ج1 ص34.
(2) راجع ما ذكره من معايب الشعراء القدامى والمحدثين في هذا الباب، وكذلك ما أخذه ابن معصوم على مطلع قصيدة امرؤ القيس، وقد ذكرنا شطراً منه فيما سبق في حقل المقارنات، راجع ص 174.
(3) النساء: 1.
جاء تعقيبه بربّ الجميع الذي أفاض عليهم نعمة الوجود ومنَحهم الحياة وأنشأهم من أصل واحد، لا ميز بينهم في أصل ولا نسب، فما أبرعه من خطاب جلل فخم، يسترعي انتباه عامّة الخلائق في هذا الشمول والعموم.
وكذلك قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ) (1) فإنّ هذا الابتداء المقترن بالتنبيه على خطورة أمر الانتهاء ممّا يسترعي الانتباه ويُوقظ السامعين للإصغاء إليه بكل وجودهم.
قال: وكذلك الابتداءات بالحروف المقطّعة في مثل قوله: (طس) و(حم) و(الم) و(ق) و(ن) وغيرهنّ ممّا يبعث على الاستماع إليه؛ لأنّه يقرع السمع شيءٌ غريب، ليس بمثله عادة، فيكون سبباً للتطلّع نحوه والإصغاء إليه.
ثمّ أخذ في بيان ما استقبح من الابتداءات أقوال الشعراء (2) .
في كلام الله تعالى
ولنبدأ بفاتحة الكتاب، وهي أُمّ الكتاب، وعِدل القرآن، وقد استهلّ المصحف الشريف بها؛ لاحتوائها على أُمّهات مقاصد القرآن الكريم وأُصول برامجه في الدعاء إلى الله والانقطاع إليه؛ ومِن ثَمّ عَدلت بالقرآن العظيم: ( وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ) (3) .
إنّها اشتملت على أُصول المعارف الخمسة:
1 - عرفان ذاته المقدّسة وصفاته الجمال والجلال ؛ لأنّه الحقيق بالحمد كله، الكافل لتربية عوالم الغيب والشهود، ذو الرحمة الواسعة، والعناية البالغة بعباده المؤمنين: ( الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ * الرّحمنِ الرّحيمِ ) .
____________________
(1) الحج: 1.
(2) المَثَل السائر: ج3 ص98.
(3) الحجر: 87.
2 - العقيدة بيوم الحساب ، وأنّه إليه تعالى المنتهى، وبيده أَزِمَة الأُمور، كلٌّ إليه راجعون ( مالكِ يَومِ الدِّينِ ) .
3 - وأن لا معبود سواه ، ولا ملجأ إلاّ إليه، هي روح العبادة وخلوص العبودية: ( إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعينُ ) .
4 - ثمّ الإيمان برسالة الله إلى الخلق أجمعين ، وأنّ الأنبياء (عليهم السلام) هم الطرق إلى الله والوسائل لديه، فعرفان طريقتهم هو عرفان الحقّ والمنتهى إلى الحق: ( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) .
5 - وأخيراً، فإنّ العناية بأحوال الأُمّم عِبرة للمعتبرينَ ، فيُجتَنب طرائقهم الاستغوائية المنتهية إلى الضلال وغضب الرحمن: ( غيرِ المَغضوبِ عليهم ولا الضالّينَ ) .
قال ابن معصوم: فقد نبّه في الفاتحة على جميع مقاصد القرآن، وهذا هو الغاية في براعة الاستهلال، مع ما اشتملت عليه من الألفاظ الحسنة، والمقاطع المستحسنة، وأنواع البلاغة.
وهكذا أوّل ما اُنزل من القرآن:
قال: وكذلك أول سورة اقرأ (خمس آيات من أوّلها) فإنّها مشتملة على نظير ما اشتملت عليه الفاتحة من براعة الاستهلال؛ لكونها أَوّل ما اُنزل من القرآن، فإنّ فيها الأَمر بالقراءة، والبدء فيها باسم الله، وفيها الإشارة إلى علم الأحكام، وفيها ما يتعلّق بتوحيد الله وإثبات ذاته وصفاته، من صفة ذات، وصفة فعل، وفي هذا إشارة إلى أُصول الدِين، وفيها ما يتعلّق بالإخبار من قوله ( عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ولهذا قيل: إنّها جديرة أن تُسمّى (عنوان القرآن)؛ لأنّ عنوان الكتاب يجمع مقاصده بعبارة وجيزة في أوّله (1) .
____________________
(1) أنوار الربيع لابن معصوم: ج1 ص55.
فواتح السور:
افتُتحت خمس سور من القرآن بقوله تعالى: ( الحمد لله... ) :
1 - سورة الفاتحة ( الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ... ) .
2 - سورة الأنعام ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ... ) .
3 - سورة الكهف ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ... ) .
4 - سورة سبأ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ... ) .
5 - سورة فاطر ( الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ... ) .
كان الحمد والثناء لله - جلّ جلاله - في سورة الفاتحة عامّاً وعلى جميع نعمه وآلائه تعالى وأنّه ربّ العالمين وأنّه الرحمن الرحيم وأنّه مالك يوم الدين، فكان على جماع صفاته تعالى ونعوته في الآخرة والأُولى.
أمّا الحمد - في باقي السور - فكان على جانب من جوانب عظمته تعالى وعلى شطر خطير من نعمه وآلائه، وان كان الجميع خطيراً.
ففي سورة الأنعام على خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور.
وفي سورة الكهف على إنزال الكتاب.
وفي سورة سبأ على ملكه السماوات والأرض.
وفي سورة فاطر على فَطرهما وخلقهما.
قال الجويني: لأنّ الفاتحة أُمّ الكتاب ومطلعه، فناسب الإتيان بأبلغ الصفات وأعمّ النعوت وأشمل الثناء (1) .
نعم، كانت البدأة بحمده تعالى وكذا بتسبيحه جلّ ثناؤه هي إثارة لعواطف
____________________
(1) أنوار الربيع: ج1 ص55.
الإنسان نحو مطلع الخير، وتوجيه له إلى مبدأ الفيوض، الذي منه الوجود ومنه الحياة ومنه البركات، وهذا هو الجلال والعظمة والبهاء، تكلّل به الكلام في بدء طلوعه، وتجلّل به البيان من مشرق بزوغه، فما أحسنه في مفتتح المقال، وأجمله في وصف الكمال.
* * *
والسور المسبّحات سبع أو تزيد إلى تسع لو جعلنا التبارك تسبيحاً كما هو الراجح:
1 - سورة الإسراء ( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ... ) .
2 - سورة الفرقان ( تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ... ) .
3 - سورة الحديد ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ... ) .
4 - سورة الحشر ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ... ) .
5 - سورة الصف ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ... ) .
6 - سورة الجمعة ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ... ) .
7 - سورة التغابن ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ... ) .
8 - سورة الملك ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ... ) .
9 - سورة الأعلى ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى... ) .
* * *
والمفتتحة بالحروف المقطّعات تسع وعشرون سورة، ويجدر بالذكر أنّ في غالبيّتها كان تعقيب هذه الحروف بذِكر الكتاب وإكبار شأنه وبيان عظيم قدره، وهي ثلاث وعشرون سورة:
1 - البقرة ( الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ... ) .
2 - الأعراف ( المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ... ) .
3 - يونس ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ... ) .
4 - هود ( الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ... ) .
5 - يوسف ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ... ) .
6 - الرعد ( المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ... ) .
7 - إبراهيم ( الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ... ) .
8 - الحجر ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ... ) .
9 - الشعراء ( طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ... ) .
10 - النمل ( طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ... ) .
11 - القصص ( طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ... ) .
12 - لقمان ( الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ... ) .
13 - السجدة ( الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ... ) .
14 - يس ( يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ... ) .
15 - ص ( ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ... ) .
16 - غافر ( حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ... ) .
17 - فصّلت ( حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ... ) .
18 - الشورى ( حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ... ) .
19 - الزخرف ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ... ) .
20 - الدخان ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ... ) .
21 - الجاثية ( حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ... ) .
22 - الأحقاف ( حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ... ) .
23 - ق ( ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ... ) .
والستة الباقية تعقّبت بذلك جلائل آياته تعالى وعظيم قدرته وإحاطته:
24 - آل عمران ( الم * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ... ) .
25 - مريم ( كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا... ) .
26 - طه ( طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى... ) .
27 - العنكبوت ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ... ) .
28 - الروم ( الم * غُلِبَتِ الرُّومُ... ) .
29 - القلم ( ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ... ) .
* * *
والبدأة بالخطاب المشافه إكبار بشأن المخاطبين وإجلال لهم، ويبعث على إصغائهم له والاستماع إلى كلامه، احتراماً متقابلاً، اقتضاءً لأدب المحاورة في الكلام، وكان الخطاب بهذا العموم ممّا يُنبئ عن نبأ عظيم يريد المتكلّم إلقاء على مسامع الحاضرين في عناية ورعاية بالغتين، ومِن ثَمّ يسترعي انتباههم:
إمّا بتوجيه الخطاب إلى عامّة المكلّفين (الناس كافة) على تعاقب الدهور، ففي مفتتح سورتين:
1 - سورة النساء ( يَا أَيّهَا النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ... ) .
2 - سورة الحج ( يَا أَيّهَا النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمْ إِنّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ... ) .
* * *
أو خطاباً مع الذين آمنوا (كافة من آمن في الأرض) أو سيولد مؤمناً على مدى الأحقاب، وهنّ ثلاث سور:
1 - سورة المائدة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ... ) .
2 - سورة الحجرات ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ... ) .
3 - سورة الممتحنة ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ... ) .
* * *
أو خطاباً مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله) خاصّة، إمّا بسِمته أو بصفته، وهنّ خمس سور - لو
اعتُبرنا من حروف (طه) و(يس) أيضاً حروف مقطّعات كما هو الأرجح -:
1 - الأحزاب ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ... ) .
2 - الطلاق ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ... ) .
3 - التحريم ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ... ) .
4 - المزّمّل ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ... ) .
5 - المدّثّر ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ... ) .
أو هو خطاب بغير حرف نداء، إمّا مبدوّة بـ (قل) وهنّ خمس سور:
1 - سورة الجنّ ( قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ... ) .
2 - سورة الكافرون ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ... ) .
3 - سورة الإخلاص ( قلْ هو اللّهُ أَحد... ) .
4 - سورة الفلق ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ... ) .
5 - سورة الناس ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ... ) .
أو بغيره من سائر أنحاء الخطاب، في أربع عشرة سورة:
1 - الأنفال ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ... ) .
2 - الفتح ( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً... ) .
3 - المجادلة ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ... ) .
4 - المنافقون ( إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ... ) .
5 - الحاقّة ( الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ... ) .
6 - الطارق ( وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ... ) .
7 - الغاشية ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ... ) .
8 - الانشراح ( أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ... ) .
9 - العلق ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ... ) .
10 - القارعة ( الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ... ) .
11 - الفيل ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ... ) .
12 - الماعون ( أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ... ) .
13 - الكوثر ( إنّا أعطيناكَ الكوثرَ... ) .
14 - النصر ( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ... ) .
* * *
والسور الباقيات إمّا مفتتحة بالقَسَم الخطير تفخيماً بشأن الكلام، أو بالتهديد المرير تهويلاً بشدّة الموقف وصلابته.
وكان سور (يس) و(الزخرف) و(الدخّان) و(ق) و(القلم) مبتدئات بالقَسَم، وتَقدّمن، وكذا سورة الطارق، على ما عرفت، والباقي ست عشرة سورة:
1 - الصافّات ( وَالصَّافَّاتِ صَفًّا... ) .
2 - الذاريات ( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً... ) .
3 - الطور ( وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ... ) .
4 - النجم ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى... ) .
5 - القيامة ( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ... ) .
6 - المرسلات ( وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً... ) .
7 - النازعات ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً... ) .
8 - البروج ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ... ) .
9 - الفجر ( وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ... ) .
10 - البلد ( لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ... ) .
11 - الشمس ( وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا... ) .
12 - الليل ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى... ) .
13 - الضحى ( وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى... ) .
14 - التين ( وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ... ) .
15 - العاديات ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً... ) .
16 - العصر ( وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ... ) .
* * *
والمبدوّة بالتهديد المهول تسع عشرة سورة:
1 - سورة براءة ( بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ... ) .
2 - سورة النحل ( أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ... ) .
3 - سورة الأنبياء ( اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ... ) .
4 - سورة محمّد ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ... ) .
5 - سورة القمر ( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ... ) .
6 - سورة الواقعة ( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ... ) .
7 - سورة المعارج ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ... ) .
8 - سورة الدهر ( هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ... ) .
9 - سورة النبأ ( عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ... ) .
10 - سورة عبس ( عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى... ) .
11 - سورة التكوير ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ... ) .
12 - سورة الانفطار ( إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ... ) .
13 - سورة المطفّفين ( وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ... ) .
14 - سورة الانشقاق ( إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ... ) .
15 - سورة البيّنة ( لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا... مُنْفَكِّينَ... ) .
16 - سورة الزلزال ( إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا... ) .
17 - سورة التكاثر ( أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ... ) .
18 - سورة الهمزة ( وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ... ) .
19 - سورة تبّت ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ... ) .
والبقية الباقية سبع سور افتُتحت بسوى ما تقدّم، لكنّها على نفس النمط، إمّا إكبار بشأن الإيمان، أو إشادة بموضع القرآن، أو تفخيم بمواقف الأنبياء العظام، أو تقريع لمَن عاند ولجّ في رفض دعوة الإسلام، وهُنّ:
1 - سورة المؤمنون ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ... ) .
2 - سورة النور ( سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا... ) .
3 - سورة الزمر ( تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ... ) .
4 - سورة الرحمن ( الرّحمنُ * علّمَ القرآنَ... ) .
5 - سورة نوح ( إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ... ) .
6 - سورة القدر ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ... ) .
7 - سورة قريش ( لاِيلاَفِ قُرَيشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبّ هذَا الْبَيْتِ ) .
( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ) :
نقل الزركشي عن أبي شامة شهاب الدين المقدسي (توفي سنة 665 هـ) في مفتتحات السور أنّها على عشرة أنواع:
1 - الافتتاح بالثناء عليه تعالى ، إمّا تمجيداً أو تنزيهاً، في أربع عشرة سورة، سبعاً تمجيد، هي: الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر، والفرقان، والملك.
وسبعاً تنزيه، وهي: الإسراء، والحديد، والحشر، والصف، والأعلى، والجمعة، والتغابّن.
2 - الحروف المقطّعات في تسع وعشرين سورة ، على ما سبق تفصيله.
3 - حرف النداء، إمّا خطاباً للناس، أو المؤمنين، أو النبي خاصّة ، والمجموع عشر سور، وقد سبقت.
4 - القَسَم، في خمس عشرة سورة إن لم نعدّ ( لا أُقسِمُ ) يميناً، وإلاّ فهي سبع عشرة، وقد سبق ذلك.
5 - الدعاء في ثلاث سور : المطفّفين، والهمزة، وتبّت.
6 - الأمر في ستّ سور : الجن، والعلق، والكافرون، والتوحيد والمعوّذتان.
7 - الاستفهام في ستّ سور : الدهر، والنبأ، والغاشية، والانشراح، والفيل، والدِّين.
8 - الشرط في سبع سور : الواقعة، والمنافقون، والتكوير، والانفطار، والانشقاق، والزلزال، والنصر.
9 - التعليل في (قريش) .
10 - الخبر المحض في ثلاث وعشرين سورة، وهي السور الباقية (1) .
في خواتيم السور
قال ابن أبي الإصبع: يجب على المتكلم أن يختم كلامه بأحسن خاتمة، فإنّها آخر ما يبقى في الأسماع، ولأنّها ربّما حفظت من دون سائر الكلام في غالب الأحوال، فيجب أن يجتهد في رشاقتها ونضجها وحلاوتها وجزالتها (2) .
وقال غيره: ينبغي أن يكون آخر الكلام الذي يقف عليه الخطيب أو المترسّل أو الشاعر مستعذباً حسناً، وأحسنه ما أذن بانتهاء الكلام، حتى لا يبقى للنفس تشوّفٌ إلى ما وراءه.
قال ابن معصوم: وهذا رابع المواضع التي نصّ أئمة البلاغة على التأنّق فيه؛ لأنّه آخر ما يقرع السمع ويرتسم في النفس، وربّما حفظ لقرب العهدية، فإن كان
____________________
(1) البرهان: ج1 ص164 - 181، الإتقان: ج3 ص316 - 319، معترك الأقران: ج1 ص79 - 82.
(2) بديع القرآن: ص343.
مختاراً حسناً تلقّاه السمع واستلذّه، ولربّما جَبر ما وقع فيما سبق من التقصير، كالطعام الشهيّ يُتناول بعد الأطعمة التَفِهة. فإن كان بخلاف ذلك كان على العكس، حتى ربّما أنسى المحاسن قبله (1) .
وقد اتّفقت كلمة أعلام البيان على أنّ خواتيم السور كلّها كفواتحها في غاية الجودة ونهاية الكمال، إذ اختُتمت على أحسن وجوه البلاغة وأفضل أنحاء البراعة، ما بين أدعية خالصة، وتحميد وتهليل وتسبيح، أو إيجاز لِما اقتضته السورة من تفصيل، ممّا يناسبه الاختتام، والإيذان للسامع بختم المقال وتوفّيه المرام، فلا يبقى مع تشوّف إلى إدامةٍ وتكميلٍ أو إتمام (2) .
* * *
قال ابن معصوم: خواتيم السور كفواتحها واردة على أحسن وجوه البلاغة وأكملها ممّا يناسب الاختتام، كتلخيص جملة المطلوب ثمّ تفصيلها بأوجز بيان في خاتمة سورة الفاتحة؛ إذ المطلوب الأعلى من هداية الأنام هو الإيمان بالله واتّباع طريقة مصونة عن الزيغ والانحراف، ممّا يوجب سخطه تعالى والتيه في وادي الضلال، فهذا قد لخّص أولاً في قوله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ثمّ فصل: ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ) ، يعني أنّهم جمعوا بين النعم المطلقة، وهي: نعمة الإيمان، ونعمة السلامة عن غضب الرحمن، ونعمة التجنّب عن أسباب الضلال، التي هي المعاصي وتجاوز الحدود.
وهكذا ختُمت سورة البقرة بالدعاء والاستغفار والابتهال إلى الله في طلب النصر والتوفيق، وهو من أجمل الخواتيم وأفضلها.
قال: وتأمّل سائر خواتيم السور تجدها كذلك في غاية الجودة ونهاية اللطافة، هذه خاتمة سورة إبراهيم (عليه السلام) هي من أوضح ما أذن بالختام، وهو قوله
____________________
(1) أنوار الربيع: ج6 ص324.
(2) راجع معترك الأقران: ج1 ص75.
تعالى: ( هذا بَلاَغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذّكّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ ) .
وهكذا خاتمة الحجر بقوله تعالى: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ) فإنّها في غاية البراعة.
ومثلها خاتمة الزمر بقوله سبحانه: ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) .
وأمّا خاتمة الصافّات فإنّها العلم في براعة الختام، حتى صارت يختم بها كل كلام - دار بين أرباب الفضيلة وأصحاب البيان - وهو قوله تعالى: ( سُبْحَانَ رَبّكَ رَبّ الْعِزّةِ عَمّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ للّهِِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) (1) .
* * *
ولابن أبي الإصبع عرض لطيف عن براعة خواتيم السور، يذكرها سورة سورة حتى نهاية الكتاب العزيز، ويُشير إلى ما في كل خاتمة من جودة تعبير وحسن أداء إشارات إجمالية عابرة؛ إذ لا يسعه المجال للتفصيل والإيفاء؛ ومِن ثَمّ قد يبدو عليه أثر التكلّف أو التعسّف لولا جانب الاختصار، أمّا التعمّق فيقضي بالتحسين والإكبار، فإنّه (رحمه الله) أفاد وأشاد، وفتح باباً كان لم يستطرقه أحدٌ قبله، وأتى بما فوق المراد وأجاد.
قال - مبتدئاً -: وجميع خواتيم السور الفرقانية في غاية الحسن ونهاية الكمال؛ لأنّها بين أدعية ووصايا، وتحميد وتهليل، ومواعظ ومواعد، إلى غير ذلك من الخواتيم التي لا يبقى للنفوس بعدها تشوّف إلى ما يقال.
ثمّ ذَكر الخواتيم على الترتيب، وأخيراً قال: هذه خواتيم السور الفرقانية على الإجمال، ولو ذهبت إلى ذكر تفاصيل ما انطوت عليه من المحاسن والفنون، وما يُبرهن عن تمكينها ورشاقة مقاطعها، وانتهاء البلاغة إلى كل مقطع منها، لاحتجت
____________________
(1) أنوار الربيع: ج6 ص325 بتصرّف وتلخيص.
في ذلك إلى تدوين كتابه بذاته (1) .
قلت: والمُراجع اللبيب يجد صدق مقاله إذا أمعن التدبّر في دلائله، وفي كلام الشريف صدر الدين ابن معصوم المدني - آنفاً - مقتبسات من تلك الإشارات.
الثابت من ضرورة الربط والتناسب المعنوي هو ما بين آيات نزلن معاً، أو القائم على أكتاف السورة، وهي الوحدة الموضوعية الجامعة بين أهدافها ومقاصدها، كما أسلفنا.
أمّا التناسب بين السور بعضها مع بعض - حسب ترتيبها الراهن في المصحف الشريف - فلا ضرورة تدعو إليه، وإن تكلّفه أُناس؛ إذ هذا النظم السوري القائم شيء صنعه أصحاب الجمع بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وليس مستنداً إلى وحي السماء، حسبما قدّمنا.
فمِن التكلّف الباهت محاولة اختلاق التناسب بين خواتيم السور ومفتتحات السور التالية لها؛ لأنّه التزام بما لا يلزم، فضلاً عن كونه تعسّفاً في الرأي والاختيار.
وأول مَن استنكر زعم التناسب بين السور - فيما نعلم - هو سلطان العلماء الشيخ عزّ الدين عبد العزيز بن عبد السلام (توفي سنة 660) قال: المناسبة علم حسن، ولكن يُشترط في حسن ارتباط الكلام أن يقع في أمر متّحد مرتبط أوله بآخره، فإن وقع على أسباب مختلفة لم يشترط فيه ارتباط أحدهما بالآخر، قال: ومَن ربط ذلك فهو متكلّف بما لا يقدر عليه إلاّ بربط ركيك يُصان عنه حسن الحديث فضلاً عن أحسنه، فإنّ القرآن نزل في نيّف وعشرين سنة في أحكام مختلفة ولأسباب مختلفة، وما كان كذلك لا يتأتى ربط بعضه ببعض؛ إذ لا يحسن
____________________
(1) بديع القرآن: ص346 - 353.
أن يرتبط تصرّف الإله في خلقه وأحكامه بعضها ببعض، مع اختلاف العلل والأسباب، كتصرّف الملوك والحكّام والمفتين وتصرّف الإنسان نفسه بأُمور متوافقة ومتخالفة ومتضادّة، وليس لأحد أن يطلب ربط بعض تلك التصرّفات مع بعض، مع اختلافها في نفسها واختلاف أوقاتها.
وعاكسه الشيخ وليّ الله محمّد بن أحمد الملويّ المنفلوطي، قائلاً: وقد وَهِم مَن قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة؛ لأنّها على حسب الوقائع المتفرّقة، وفصل الخطاب أنّها على حسب الوقائع تنزيلاً، وعلى حسب الحكمة ترتيباً، فالمصحف كالصحف الكريمة على وِفق ما في الكتاب المكنون، مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف (1) .
قال الإمام بدر الدين الزركشي: وهذا الذي ذكره الشيخ وليّ الله مبنيّ على أنّ ترتيب السور توقيفي، ثمّ رَجّح ذلك وأخذ في بيان التناسب فيما بين عديد من السور، قال: وإذا اعتبرت افتتاح كل سورة وجدته في غاية المناسبة لما ختم به السورة قبلها. ثمّ هو يخفى تارةً ويظهر أُخرى، كافتتاح سورة الأنعام بالحمد، فإنّه مناسب لختام سورة المائدة من فصل القضاء كما قال تعالى: ( وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ) (2) .
وكافتتاح سورة فاطر بالحمد أيضاً، فإنّه مناسب لختام ما قبلها ( وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِن قَبْلُ ) (3) ، كما قال تعالى: ( فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ للّهِِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) (4) .
وكافتتاح سورة الحديد بالتسبيح، فإنّه مناسب لختام سورة الواقعة من الأمر به.
____________________
(1) البرهان: ج1 ص37، والإتقان: ج3 ص323 (ط2)، ونظم الدرر للبقاعي: ج1 ص8.
(2) الزمر: 75.
(3) سبأ: 54.
(4) الأنعام: 45.
وكافتتاح سورة البقرة بقوله: ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ ) (1) إشارة إلى قوله: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) (2) في سورة الحمد، كأنّهم لمّا سألوا الهداية، قيل لهم: ذلك هو الكتاب.
وتأمّل ارتباط سورة ( لإيلافِ قُريش ) بسورة الفيل، حتى قال الأخفش: اتّصالها بها من باب قوله: ( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ) (3) .
ومن لطائف سورة الكوثر أنّها كالمقابلة للتي قبلها (سورة الماعون)؛ لأنّ السابقة قد وصف الله فيها المنافقَ بأُمور أربعة: البخل، وترك الصلاة، والرياء فيها، ومنع الزكاة، فذكر هنا في مقابلة البخل: (الكوثر) ، وفي مقابلة ترك الصلاة (فصلّ) ، وفي مقابلة الرياء (لربّك) وفي مقابلة منع الماعون (وانحر) ، فاعتبر هذه المناسبة العجيبة.
وكذلك مناسبة فاتحة سورة الإسراء بالتسبيح، وسورة الكهف قبلها بالتحميد؛ لأنّ التسبيح حيث جاء مقدّم على التحميد، يقال: سبحان الله والحمد لله (4) .
هذا كلامه المتكلّف فيه تكلّفاً ظاهراً، ومع ذلك فهو من خير ما قيل في هذا الشأن، أمّا مَن تأخّر عنه كجلال الدين السيوطي وزميله برهان الدين البقاعي وأضرابهما فقد زادوا تمحّلاً في تكلّف وأتوا بغرائب الكلام.
هذا جلال الدين السيوطي (849 - 911) مع سعة باعه وكثرة اطّلاعه نراه قد هبط في في هذا الاختيار إلى حدّ بعيد، يختار أولاً فيما زعم ما قاله البيهقي: إنّ ترتيب كل السور توقيفي وقع بأمر من الرسول (صلّى الله عليه وآله) سوى سورتي الأنفال والتوبة، فإنّ ترتيبهما - حسبما زعم - من صنع عثمان بن عفان، قال: وقد استقرّ التوقيف في العرضة الأخيرة - التي عرض القرآن فيها على رسول الله - على القراءات العثمانية!
____________________
(1) البقرة: 2.
(2) الفاتحة: 6.
(3) القصص: 8.
(4) البرهان: ج1 ص38 - 39.
ثمّ يعتمد ما ذكره بعضهم: أنّ لترتيب وضع السور في المصحف أسراراً دقيقة وأسباباً حكيمة تطّلع على أنّه توقيفي صادر من حكيم:
الأوّل: بحسب الحروف المقطّعة في أوائلها، كما في توالي السور الحواميم السبع: (حم المؤمن، حم السجدة، حم الشورى، حم الزخرف، حم الدخان، حم الجاثية، حم الأحقاف) . وتوالي المبدوّات بـ (الر) وهي ستّ سور: (الر يونس، الر هود، الر يوسف، الر الرعد، الر إبراهيم، الر الحجر) .
الثاني: لموافقة آخر السورة لأَوّل ما بعدها، كآخر الحمد في المعنى مع أَوّل البقرة.
الثالث: الوزن في اللفظة، كآخر سورة (تبّت) وهي قافية الدال (مسد) مع أَوّل سورة التوحيد ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) قافية الدال أيضاً.
الرابع: لمشابهة جملة السورة لجملة الأُخرى، كالضحى والانشراح.
قلت: ولعلّ أذهاننا كلّت عن فَهم هذه الأسرار التي نقلها عن بعضهم وأعجبته.
وعلى أيّة حال فإنّه يعترض على نفسه باختلاف ما بين مصاحف الأصحاب، كمصحف ابن مسعود مع مصحف أُبي بن كعب، ولو كان توقيفاً لَما وقع بينهما اختلاف، كما لم يقع اختلاف في ترتيب الآيات ضمن السور.
ثمّ يبتهج بما مَنَّ الله عليه بالإلهام بجواب نفيس، وهو: أنّ القرآن وقع فيه نسخ كثير حتّى لسور كاملة، فلا عجب أن يكون الترتيب العثماني هو الذي استقرّ في العرضة الأخيرة، ولم يبلغ ذلك كبار الصحابة وحُفّاظ القرآن أمثال عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب!! (يا له مِن زَعمٍ فاسد ورأي كاسد).
وأخيراً يأخذ في شرح التناسب القائم بين السور في ترتيبها الحاضر، سورة سورة من الفاتحة حتى نهاية القرآن - وأكثره تكلّف وتمحّل وسفاسف فارغة - فممّا قاله بهذا الشأن: إنّ سورة الحمد تضمّنت الإقرار بالربوبية، وسورة البقرة
تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مُكمّلة لمقصودها، فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل، وآل عمران بمنزل الجواب عن الشبهات، وأمّا سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب (الروابط) التي بين الناس، وأمّا سورة المائدة فسورة العقود.
ونقل عن الخُوَيِّ (1) : أنّ أوائل سورة البقرة مناسبة لأواخر سورة الحمد.
قال: فقد ظهر لي بحمد الله وجوهاً من هذه المناسبات، منها: أنّ القاعدة التي استقرّ بها القرآن أنّ كل سورة لاحقة هي تفصيل لإجمال ما وقع في السورة قبلها، وشرح له وإطناب لإيجازه، وقد استقر معي ذلك في غالب السور طويلها وقصيرها!
وهكذا يستمرّ في معمعاته مكرّراً قوله: ظهر لي ظهر لي، إلى حدّ الإسراف المملّ الخارج عن النهج السويّ، والله العاصم (2) .
* * *
وهذا معاصره المتقدّم عليه، برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي (توفي سنة 885 هـ) وضع تفسيره المُطنب على نفس الأساس؛ لبيان ما بين الآيات كلها والسور من التناسب والربط المزعوم، وأسماه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وأسهب فيه وأتى في تكلّفاته بما يفوق الإسراف!
مثلاً يزعم في همزة الاستعاذة أنّها إشارة إلى ابتداء الخلق، والميم في آخرها من الرجيم إشارة إلى المعاد، أمّا البسملة فكلها إشارة إلى المعاد لابتدائها بحرف شفوي (باء) وختمها بالميم من الرحيم، قال: ولمّا افتتح التعوّذ بالهمزة - إشارة إلى ابتداء الخلق - وختم بالميم - إيماء إلى المعاد - جُعلت البسملة كلها للمعاد؛ لابتدائها بحرف شفوي (3) .
____________________
(1) بضم الخاء وفتح الواو وتشديد الياء المكسورة نسبةً إلى (خوي) من أعمال آذربيجان، هو محمّد بن أحمد أبو عبد الله شهاب الدين قاضي دمشق (توفي سنة 693).
(2) راجع كتابه (تناسق الدرر في تناسب السور) طبع باسم (أسرار ترتيب القرآن).
(3) نظم الدرر: ج1 ص22.
هكذا وبهذا الأُسلوب!! يَفتتح كلامه في بيان وجه التناسب بين الآيات والسور.
ومِن مزاعمه أيضاً قوله بالتناسب الدوري بين السور، بمعنى أنّ آخر سورة من القرآن أيضاً تتناسب مع الفاتحة، لو وَصل القارئ ختم القرآن بالشروع فيه، وهكذا تتناسب السور في ترتيبها بلا وقفة ولا انتهاء، فكأنّها حلقة مُفرغة يدور فيها القارئ في تلاوته، لا بدء ولا ختم، قال: وبه يتّضح أنّه لا وقف تامّ في كتاب الله، ولا على آخر القرآن - بالفاتحة التي هي أوّله، كاتّصالها (أي سورة الناس) بما قبلها، بل أشدّ.
وذكر في وجه الأشدّية: أنّه كما يتناسب التعوّذ مع الشروع في القراءة كذلك تتناسب المعوذتان مع الفاتحة، قال: ومِن هنا تعرف مناسبة المعوّذتين بالفاتحة (1) .
هكذا وبهذه العقلية الهزيلة يسترسل في توهّماته بشأن تناسب السور والآيات سورة سورة، وآية آية حتى نهاية القرآن.
* * *
تلك أُمّة قد خلت لها ما تخرّصت بالغيب، ولكن مالنا واتّباع طريقتهم العمياء تقليدياً ومن غير تحقيق وإمعان! هذا الإمام الطبرسي أبو علي الفضل ابن الحسن (توفي سنة 548 هـ) صاحب التفسير القيّم (مجمع البيان) نراه يتبع خُطوات أشياخ أمثال البقاعي، فيذكر مناسبات السور سورة سورة، ويرتكب في ذلك تكلّفات بعيدة لا مبرّر لها ولا ضرورة تدعو إليه.
مثلاً يذكر في تناسب سورة الأعراف مع الأنعام: لمّا خُتمت سورة الأنعام بالرحمة ( إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) افتُتحت هذه السورة (الأعراف) بإنزال الكتاب ( كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ... ) لأنّ فيه معالم الدين وهي رحمة للعالمين.
____________________
(1) نظم الدرر: ص15.
وقال في سورة الرعد: لمّا خُتمت سورة يوسف بذكر قصص الأنبياء ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ... ) افتتحت هذه السورة (الرعد) بأنّها جميعاً آيات الكتاب ( المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ... ) !
وفي سورة الحجر: لمّا خُتمت سورة إبراهيم بأنّ هذا بلاغ للناس افتُتحت هذه السورة (الحجر) بذكر القرآن ( الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ ) !
هكذا وبهذا الأُسلوب يُحاول ربط خواتيم السور بفواتح السور بعدها.
والشيء الغريب الذي يبدو من كلامه زعم كون الترتيب الحاضر هو ترتيب النزول؛ لأنّه يقول: لمّا خَتم الله سورة كذا بكذا، افتتح السورة بعدها بكذا!
الأمر الذي يخالف إجماع الأُمّة على أنّه ترتيب يخالف ترتيب النزول قطعاً، وقد تعرّض هو أيضاً لترتيب النزول وفق المشهور، فلماذا غفل عنه عند اختلاق التناسبات؟!
* * *
ولم نجد مَن رافقه في مسلكه هذا في تناسب السور من علماء ومحقّقين سوى بعض مَن راقته الأفكار السلفية إذا ما حُلّيت بثوب قشيب، فقد زعم الأُستاذ (شريعتي) أنّ الترتيب الحاضر في المصحف الشريف بين سوره هو شيء صنعه تعالى (1) . وزعم أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) هو الذي كان يُعيّن موضع السورة قبل وبعد أيّة سورة، وعدّ من أدلته على ذلك هو ذلك التناسب والترابط الذي بين خاتمة كل سورة وفاتحة تاليتها، الأمر الذي يشتمل على أسرار ورموز لا يمكن الإحاطة بها سوى علاّم الغيوب.
قال: وقد صنّف كل من برهان الدين البقاعي، وجلال الدين السيوطي، كتاباً بهذا الشأن، كَشَفا عن كثير من أسرار هذا التناسب السوري، ولا يزال تقدّم الزمان يكشف عن حكم وأسرار جديدة ممّا يدلّ على أنّ البشرية
____________________
(1) تفسير (نوين): ص427.
كانت قاصرة عن إمكان القيام بهذه المهمّة الخطيرة، المشتملة على أسرار وحكم تُنبئك عن صنع عليم حكيم، وهو وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم (1) .
وبالفعل نراه اكتشف أسراراً جديدة أودعها في تفسيره الحديث (نوين) (2) من ذلك قوله - بشأن سورة الناس -: ليس في القرآن سورة هي أمس بموضعها الخاصّ من هذه السورة بالذات، صورة ومعنى. أمّا الصورة فلسلاستها على اللسان ولا سيّما على الناشئين. وأمّا المعنى؛ فلأنّه كما ينبغي الاستعاذة بالله من شرّ الشيطان عند تلاوة القرآن والأخذ بآدابه الكريمة - طلباً للتوفيق في التعلّم - كذلك ينبغي الاستعاذة بالله من وساوسه بعد الفراغ من القراءة؛ لأجل التوفيق على العمل به (3) .
قلت: ولماذا لم توضع المعوّذتان في فاتحة الكتاب؟ أو لا أقل من وضع إحداهما في البدء والأُخرى في الختم! وهل ورد في الشريعة استحباب الاستعاذة بعد الفراغ من قراءة القرآن؟ فيا ترى كيف ابتدعه الأُستاذ شريعتي؟! وتخرّصات هذا القبيل كثيرة في كلامه زعمهنّ اكتشافات!
____________________
(1) تفسير (نوين): ص19 - 20.
(2) (نوين): كلمة فارسية ترجمتها (الجديد).
(3) تفسير (نوين): ص427.
التشبيه تصوير فنّي يرسم المعنى في الخيال متجسّداً في قالب المثال، خالعاً عليه ثوب الجمال، ويزداد بهاءً كلّما كان أوفى بتحقيق الغرض المقصود من الكلام، وما أن دقّ ولطف في التعبير والإيفاء إلاّ ازداد حسناً وكمالاً، وهكذا ذهب القرآن في تشبيهاته مذهب الإيفاء وحسن الأداء، الأمر الذي زلّت فيه أقدام كبار الأُدباء كلّما حاولوا الإكثار منه عاثوا وتعسّرت عليهم الإجادة وحسن الإفادة، عكس القرآن، فقد أكثر منه، واحكم صلبه، وخاض عبابه واستخرج لبابه، فأفاد وأجاد، وأبدع وأعجب، وأحار ذوي الألباب.
قال ابن الأثير: التشبيه يجمع صفات ثلاثاً: المبالغة، والبيان، والإيجاز، أمّا المقصود من قولنا (زيد أسد) أن يتبيّن حال زيد في اتّصافه بشهامة النفس، وقوة البطش، وجرأة الإقدام، وغير ذلك ممّا يجري مجراه، إلاّ أنّا لم نجد شيئاً ندلّ به عليه سوى أن جعلناه شبيهاً بالأسد حيث كانت هذه الصفات مختصّة به، فصار ما قصدناه من هذا القول أكشف وأبين مِن أن نقول: زيد شهم، شجاع، قويّ البطش، جريء الجنان، وأشباه ذلك؛ لِما قد عُرف وعُهد من اجتماع هذه الصفات في
المشبّه به، فقد أدّى التشبيه كلّ هذه المعاني بأوجز بيان ممكن، فجمع إلى فضيلة البيان فضيلة الإيجاز والمبالغة والإيفاء.
قال: إلاّ أنّه من بين أنواع علم البيان مُستوعر المذهب، وهو مقتل من مقاتل البلاغة؛ لأنّ حمل الشيء على الشيء بالمماثلة، إمّا صورة أو في خفايا المعنى، ممّا يعزّ صوابه وتعسر الإجادة فيه، وقلّما أكثر منه أحد إلاّ عثر، وخاض في عبابه إلاّ غرق، فكم من أُدباء وبلغاء أكثروا منه إلاّ زلّوا، وخاضوا لُججه إلاّ عاثوا وماثوا، كما فعل ابن المعتزّ من أُدباء العراق، وابن وكيع من أُدباء مصر، إنّهما أكثرا من ذلك، فلا جَرم أنّهما أتيا بالغثّ البارد الذي لا يثبت على محكّ الصواب (1) .
والتشبيه الذي نبحث عنه لا يخصّ ما كان تشبيهاً بالتصريح، وإنّما يعمّ التشبيه المضمر في أنواع الاستعارة والتمثيل وغيرهما ممّا هو محطّ بلاغة الكلام.
* * *
والغرض من التشبيه لا يُحصر في عدّ، حسبما يأتي في كلام الجرجاني، وإنّما فائدته العامّة هي: أنّك إذا شبّهت شيئاً بآخر فإنّما تقصد إلى تخييل صورة في النفس تشبه صورة المشبّه به من حظّ الحسن أو القبح في النفوس، وهذا يوجب رفعة شأن المشبّه أو ضعته، تحسينه أو تقبيحه، على درجة قوة أداة التصوير في مقام التشبيه، الأمر الذي يرتبط وقدرة المتكلّم في حسن الأداء والإجادة في البيان.
قال السكاكي: والغرض من التشبيه يعود في الأغلب إلى المشبّه؛ إمّا لبيان إمكانه، كقول أبي الطيّب:
فإن تفُق الأنامَ وأنت منهم |
فإنّ المِسكَ بعضُ دمِ الغزالِ |
فإنّه لمّا أراد تفضيل الممدوح على سائر الناس، مع أنّه من جنسهم، فقد أوهم أنّه من نوع أشرف، فكان كالممتنع؛ ومِن ثَمّ حاول بيان إمكانه بالتشبيه المذكور.
____________________
(1) المَثَل السائر: ج2 ص123.
وقد يكون لبيان حاله بوصفٍ خاص، كما وصف تعالى الهلال بعد خروجه من المحاق، بتشبيهه بالعرجون ( وَالْقَمَرَ قَدّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) (1) .
أو لبيان المقدار في شدّته وخفته، كما جاء في وصف قلوب أهل الغيّ والعناد ( فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) (2) .
أو لتقرير حالة المشبّه في الفظاعة وفضح الحال، أو في الكرامة وشرف المآل، وهذا مِن أهمّ أنواع التشبيه وأفضله، وهو: أن يعمد المتكلّم إلى ذكر خصوصيات مشهودة في المشبّه به في جميع أبعادها وجزئيّاتها القابلة للتصوير، ليُقاس عليها حالة المشبّه السيّئة أو الحسنة، فتبدو كالمحسوس الممسوس باليد والمشاهد بالعيان، وهذا من أكثر التشبيه في القرآن، وسنذكر أمثلتها.
فهذه أنواع أربعة من التشبيه البليغ، ذكرهنّ السكاكي (3) .
قال التفتازاني: يجب في النوع الأوّل أن يكون المشبّه به في وجه الشبه أشهر، ليصحّ القياس عليه وجعله دليلاً على الإمكان، وفي النوع الثاني أن يكون وجه الشبه فيه أبين، وكذا في النوع الثالث، أمّا النوع الرابع: فيجب أن يكون الوجه فيه أتمّ وهو به أشهر، لأنّ النفس إلى الأتمّ الأشهر أميل، فكان التشبيه به لزيادة التقرير وقوّة البيان أجدر (4) .
* * *
وقد ذكروا من أغراض التشبيه: تحسين حال المشبّه وتزيينه، أو تهجينه وتقبيحه، أو التنفير منه أو الاستعطاف عليه، أو الاستطراف، ونحو ذلك ممّا فصّله أئمة البيان.
فمِن التشبيه لغرض التزيين ما وصف به الشاعر عشيقته السوداء، يشبه
____________________
(1) يس: 39.
(2) البقرة: 74.
(3) مفتاح العلوم: ص162.
(4) المطوّل: ص332.
سوادها بسواد المسك المستحسن، كلّما ازداد سواده ازدادت مرغوبيته، قال:
يقولون ليلى سودةٌ حبشيةٌ |
ولولا سوادُ المِسكِ ما كان غاليا |
ومن التشبيه للتهجين تشبيه وجه مجدّر بسُلَحة يابسة قد نقرتها الدِيَكة، وهو غاية في تشويه صورته والتهجين بشأنه.
وهكذا قولهم بشأن عادم الصفات الكريمة وهو يفتخر بمكارم الآباء: (العنّين يفتخر بذكر أبيه) وهو من ألذع أنحاء التهجين.
ومن الاستطراف - وهو إبداء الشيء طريفاً وبديعاً عديم النظير - قول أبي العتاهية يصف ورد البنفسج في زهوه وجماله:
ولا زَوَرديّة تزهو بزُرقَتِها |
بين الرياضِ على حُمر اليواقيتِ |
|
كأنّها فوقَ قامات ضَعفنَ بها |
أوائلُ النارِ في أطرافِ كبريتِ |
وقول الآخر - هو الصنوبري - يصف الشقايق الحُمر في تصوّبها وتصعّدها:
وكأنّ محمرَّ الشقيق إذا تصوّب أو تصعّد |
أعلامُ ياقوتٍ نُشرنَ على رماحٍ مِن زَبرجَدِ |
وهو من طريف التشبيه الذي يكسو فنّ التصوير حلّةَ الحركة والحياة، فيزداد بهاءً وجمالاً!
* * *
اعترف أهل البيان بأنّ تشبيهات القرآن أمتن التشبيهات الواقعة في فصيح الكلام، وأجمعهنّ لمحاسن البديع، وأوفاهنّ بدقائق التصوير.
مثّل ابن الأثير لتشبيه المفرد بالمفرد بقوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً ) (1) فإنّه شبّه الليل باللباس؛ وذاك أنّه يستر الناس بعضهم عن بعض، مَن أراد هرباً مِن عدوّ، أو ثباتاً لعدوّ، أو إخفاء مالا يُحبّ الاطّلاع عليه من أمره.
قال: وهذا من التشبيهات لم يأتِ بها إلاّ القرآن الكريم، فإنّ تشبيه الليل باللباس ممّا احتفى به دون غيره من الكلام المنثور والمنظوم.
____________________
(1) النبأ: 10.
وكذلك قوله تعالى: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) (1) فشبّه المرأة باللباس للرجل، وشبّه الرجل باللباس للمرأة (2) .
وهذا من لطيف التشبيه، كما أنّ اللباس زينة للمرء وساتر لعورته وحافظ له عن التعرّض للأخطار، كذلك زوج المرء يزيّنه ويستر عوراته ويقيه من مزالق الأدناس، فما أجمل هذا التشبيه وأدقّه من تعبير!
قال: ومن محاسن التشبيه قوله تعالى: ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) (3) ، وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة. والحرث هو الأرض التي تُحرث للزرع، وكذلك الرحم يُزدرع فيه الولد ازدراعاً كما يُزدرع البذر في الأرض.
ومن هذا الأُسلوب قوله تعالى: ( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ ) (4) فشبّه تبرّء الليل من النهار بانسلاخ الجلد عن الجسم المسلوخ؛ وذلك أنّه لما كانت هوادي الصبح (5) عند طلوعه ملتحمة بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ، وكان ذلك أولى من أن لو قيل (يخرج)؛ لأنّ السلخ أدلّ على الالتحام من الإخراج، وهذا تشبيه في غاية المناسبة.
وكذلك ورد قوله تعالى: ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) (6) فشبّه انتشار الشيب باشتعال النار، ولمّا كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئاً فشيئاً حتى يُحيله إلى غير لونه الأَوّل كان بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم وتسري فيه، حتى يُحيله إلى غير حاله الأوّلي.
وأحسن من هذا أن يقال: إنّه شبّه انتشار الشيب باشتعال النار في سرعة التهابه، وتعذّر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنّه لم يبقَ بعده إلاّ الخمود! فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبّه والمشبّه به، وذلك في الغاية القصوى من
____________________
(1) البقرة: 187.
(2) المَثل السائر: ج2 ص133.
(3) البقرة: 223.
(4) يس: 37.
(5) الهوادي: المقادم.
(6) مريم: 4.
التناسب والتلاؤم (1) .
وقيل من شرط بلاغة التشبيه أن يُشبّه الشيء بما هو أفخم وأروع منه؛ ومِن هنا غلط بعض الكتّاب من أهل مصر في ذِكر حصن من حصون الجبال مشبّهاً له، فقال: (هامةٌ، عليها من الغَمَامَة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قُلامَة).
قال ابن الأثير، وهذا الكاتب حفظ شيئاً وغابت عنه أشياء!! فإنّه أخطأ في قوله (أنملة) وأيّ مقدار للأنملة بالنسبة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؟ وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقُلامَة، وتشبيهها بالهلال.
فإن قيل: إنّ هذا الكاتب تأسّى فيما ذكر بكلام الله تعالى حيث قال: ( اللّهُ نُورُ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) (2) ، فمثّل نوره بطاقة فيها ذُبَالة (3) .
وقال الله تعالى: ( وَالْقَمَرَ قَدّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) (4) فمثّل الهلال بأصل عِذق النخلة.
فالجواب عن ذلك أنّي أقول: أمّا تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح، فانّ هذا مثال ضربه للنبي (صلّى الله عليه وآله)، ويدلّ عليه أنّه قال: ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) ، وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيهاً لطيفاً، عجيباً، وذاك أنّ قلب النبي (صلّى الله عليه وآله) وما اُلقي فيه من النور، وما هو عليه من الصفة الشفّافة، كالزجاجة التي كأنّها كوكب بصفائها وإضاءتها.
وأمّا الشجرة المباركة التي لا شرقيةٍ ولا غربية، فإنّها عبارة عن ذات النبي (صلّى الله عليه وآله)؛ لأنّه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق ولا إلى الغرب.
____________________
(1) المَثل السائر: ج2 ص133 - 135.
(2) النور: 35.
(3) الطاقة: سقيفة لها طوق هلالي. والذُّبالة: الفتيلة.
(4) يس: 39.
وأمّا زيت هذه الزجاجة، فإنّه مضيء من غير أن تمسه نار، والمراد بذلك أنّ فطرته فطرة صافية من الأكدار، منيرة من قبل مصافحة الأنوار.
فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية.
وأمّا الآية الأُخرى فإنّه شُبّه الهلال فيها بالعرجون القديم، وذلك في هيئة نحوله واستدارته، لا في مقداره، فإنّ مقدار الهلال عظيم، ولا نسبة للعرجون إليه، لكنّه في مرأى النظر كالعرجون هيئةً لا مقداراً.
وأمّا هذا الكاتب فإنّ تشبيهه ليس على هذا النسق؛ لأنّه شَبّه فيه صورة الحِصن بأنملة في المقدار لا في الهيئة والشكل.
وهذا غير حسن ولا مناسب، وإنّما ألقاه فيه أنّه قصد الهلال والقُلامة مع ذِكر الأنملة فأخطأ من جهة، وأصاب من جهة، لكن خطأه غطّى على صوابه (1) .
أنواع التشبيه:
1 - إمّا تشبيه معنىً بمعنى ، كما في تشبيه الصفات والأحوال، كقولنا: زيد كالأسد، وهو من التشبيه المتعارف.
2 - أو تشبيه صورة بصورة ، كما في تشبيه منظر مشهود بآخر مثله في الحُسن، والجمال، قال تعالى: ( وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطّرْفِ عِينٌ * كَأَنّهُنّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ) (2) .
3 - أو تشبيه معنىً بصورة ، فيما إذا أُريد تجسيد معنىً ذهني أو جسيم حالة نفسية تصويراً فنّياً مخلعاً عليه ثوب والحياة، وهذا من أبلغ أنواع التشبيه وأروعها، ويُسمّى عندهم بالتمثيل، وقد أكثر منه القرآن الكريم، حيث وفاؤه بمقاصده العليّة في خطابه وبيانه ودعوته إلى الحقّ الصريح، وستوافيك أمثلة منه بارعة، تُغنيك دليلاً على أنّ (التصوير الفنّي) كانت هي الأداة المفضّلة في أُسلوب القرآن.
____________________
(1) المَثل السائر: ج2 ص126 - 128.
(2) الصافّات: 48 و49.
من ذلك قوله تعالى: ( وَالّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمْآنُ مَاءً حَتّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِندَهُ فَوَفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ) (1) وسيأتي شرح الآيتين.
4 - أو تشبيه صورة بمعنى، وكان ألطف الأنواع؛ لأنّه نقل صورة مشهودة إلى الخيال آخذاً طريقه إلى الأوهام، فإن أُجيد في ذلك كان بديعاً، ويُنبئك عن دقّةٍ ومهارةٍ، وهو فنّ من فنون التخييل.
ومثّل له ابن الأثير بقول أبي تمّام:
وفتَكتَ بالمالِ الجزيلِ وبالعِدا |
فتكَ الصَبابَة بالمحبِّ المُغرَمِ |
حيث شبّه فتكه بالمال وبالعِدا - وذلك صورة مرئية - بفتك الصبابة وهو فتك معنوي (2) وفتك المال كناية عن بذله وتفريقه بين المحاويج. والصَبابَة: الشوق ورقّة الهوى.
ومثاله من القرآن قوله تعالى: ( إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ) (3) فقد شبّه فورَان الماء وخروجه عن حدّ الاعتدال، بحالة التكبّر والاستعلاء الذي يجعل الإنسان عاتياً وخارجاً على القوانين والحدود والأعراف، فالطغيان - وهو التكبّر والاستعلاء من غير حق - أمرٌ معنوي، وقد شُبّه به فوران الماء وهو أمرٌ محسوس.
وهكذا قوله تعالى: ( وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ) (4) .
والعتوّ - وهو التكبّر - من الأُمور المعقولة، استُعير هنا للريح، وهي محسوسة، والجامع بينهما - في كلتا الآيتين - هو الإضرار الخارج عن حدّ العادة (5) .
____________________
(1) النور 39 و40.
(2) المَثل السائر: ج2 ص130.
(3) الحاقة: 11.
(4) الحاقة: 6.
(5) الطراز للأمير العلوي: ج3، 339.
تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة؟
ميزة قرآنية أُخرى جاءت في تعابيره المفيضة بالحياة، وتلك طريقته الفنّية في تصويره لمباهج هذا الكون، لا تمسّ ريشة تعبيره جامداً إلاّ نَبَض بالحياة، ولا يُصيب قلم تحبيره هامداً إلاّ انتفض بالتحرّك والهياج، كأنّما العالم كله في لوحة تصاويره، أحياء غير أموات، والمظاهر كلها حركات لا هدوء ولا خمول، هكذا يفعل القرآن في منطقه الساحر، ويُصوّر من عالم الوجود في بيانه الباهر، كل شيء حي، وكل شيء دائب في الحركة مستوٍ في طريقه نحو الكمال، تلك قدرته الفنّية في بيانه وفي إبداعه في فنون التصوير، يخلع عليها الحركة والحياة، ولم يعهد للعرب نظيره، وقد حاز قصبَ السبق في مضماره.
* هذا هو الفجر ينبثق في مطلعه، لكنّه في القرآن: ( وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ) (1) ، هذا هو الجديد في تعبير القرآن: الصبح حيّ يتنفّس، أنفاسه الإشعاع والنور والضياء، وإفاضته الحركة والحياة، حركة تدبّ معها كل حيّ عند الصباح.
قال سيّد قطب: وتكاد اللغة العربية بكل مأثوراتها التعبيرية لا تحتوي نظيراً لهذا التعبير عن الصبح (2) وتكاد رؤية الفجر تُشعر القلب المتفتّح أنّه بالفعل يتنفّس؛ لأنّ الصبح إذا أقبل أقبل بإقباله روح ونسيم، كالمحتصر إذا زال غمّه يتنفّس الصُّعداء، وقد كلّ اللسان عن النطق بها، نعم يتنفّس الصبح تنفّس الأحياء ويصعد بأنفاسه، هي أنواره نحو آفاق السماء.
* وهذا هو الليل له عسعسة أي حركة إلى الوراء لها صوت ( وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ) (3) أي أدبر وأخذ في التراجع إلى الوراء، كأنّه يأخذ في الانهزام والتراجع إلى الخلف أمام هجمة أضواء النهار، انظر إلى هذين المقطعين (عس،
____________________
(1) التكوير: 18.
(2) في ظِلال القرآن: ج8 ص482.
(3) التكوير: 17.
عس) من كلمة (عسعس) كيف يُوحيان بحركة حثيثة ومنتظمة، لها حسيس، وكأنّه من أثر اصطكاك أرجلها الثقيلة مع الحسائك المُتيبّسة ولا سيّما في مثل ظلام الليل.
* ومثله ( وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ) (1) وكأنّ الليل يُولّي مدبراً منهزماً تجاه أسفار الصباح، ودقيقة أُخرى: الفرق بين (إذ) في التعبيرين، وهو توقيت دبور الليل بوقت إسفار الصباح، وهكذا الليل لا يطيق النظر إلى وجه الصباح عند إسفاره.
* وهكذا الليل يسري ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ) (2) ... يقال: سرى يسري إذا سار في الليل، وهو أفضل المسير أيام القرّ، ترافقه نفحة ونسيم، لكن في تعبير القرآن كأنّ الليل هو الساري، وهو آن من آنات الزمان، يتّخذ مسيره في هدوء وهينة واتّئاد، وكأنّه ساهر يجول في ظلام، أو مسافر يختار السري لرحلته هذه في الفضاء، يا له من أناقة في التعبير، ورقّة ولطف، أضف إليه جمال تناسقه ونغمه مع ( والفجرِ * وليالٍ عَشر * والشفعِ والوترِ ) .
* وكذلك الليل يطلب النهار طلباً حثيثاً ( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ) (3) وكأنّهما فَرسا سباق يتعاقبان، لكنّ الليل سائر خلف النهار وفي أثره سيراً حثيثاً سريعاً لا وقفة فيه ولا فتور، وهل يطلبه ليفتك به والنهار شارد أمامه يخشى فتكه؟! حتى إذا ما وقعت حبائل الليل عليه حصره وأحاطه، وإذا الدنيا كلّها ظلام.
* والجدار بنية جامدة كالجلمود، لكنّه في تعبير القرآن صاحب حسّ وإرادة وعقل؛ لأنّه يريد أن ينقضّ ( فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ) (4) .
* والجبال، وهي على الأرض يُسار بها مع الأرض، لكنّها في تعبير القرآن هي التي تجتاز الفضاء وتمرّ مرّ السحاب، رغم أنّك تحسبها جامدة أي واقفة لا
____________________
(1) المدّثر: 33 - 34.
(2) الفجر: 4.
(3) الأعراف: 54.
(4) الكهف: 77.
حراك فيها: ( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السّحَابِ ) (1) .
* والسماوات والأرض تحسبها جوامد، لكنّها تنطق وتُسبّح في منطق القرآن: ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ ) (2) .
* والرعد، صوت البرق يحصل من خرق في طبقات الجوّ، لكن له دمدمة وزمزمة وتسبيح ( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ) (3) .
* وهكذا الجبال يُرافقنَ الأنبياء في الحمد والتسبيح ( وَسَخّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبّحْنَ ) (4) ( إِنّا سَخّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ بِالْعَشِيّ وَالإِشْرَاقِ ) (5) .
* بل وكان لها (6) عقل واختيار؛ ومِن ثَمّ فإنّها تقع تحت تكليف واختيار ( فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (7) .
* وفوق ذلك فإنّ لها حقّ الرفض أو القبول فيها إذا عُرضت عليها مشاقّ التكاليف (8) .
* وهذه جهنم تتكلّم وتنطق عن نَهمها وجشعها، وفوق ذلك فهي ترى وتدعو مَن أدبر وتولّى، فتغيظ عليهم وتكاد تتميّز من الغيظ، ولها زفير وشهيق.
( يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ... ) (9) .
( إِنّهَا لَظَى * نَزّاعَةً لِلشّوَى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى... ) (10) .
( إِذَا رَأَتْهُم مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيّظاً وَزَفِيراً ) (11) .
( إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيّزُ مِنَ الْغَيْظِ ) (12) .
____________________
(1) النمل: 88.
(2) الإسراء: 44.
(3) الرعد: 13.
(4) الأنبياء: 79.
(5) ص: 18.
(6) أي للسماوات والأرض.
(7) فصّلت: 11.
(8) الأحزاب: 72.
(9) ق: 30.
(10) المعارج: 15 - 17.
(11) الفرقان: 12.
(12) الملك: 7 و8.
* وهذه الشمس وهذا القمر كوكبان، الشمس تَشغل مركزية المنظومة وهي تجري لمستقرٍّ لها، وتجرّ معها أبناءها وبناتها، وهم يدورون حولها، والقمر يدور حول الأرض التي هي بدورها تدور حول الشمس، لكنّهما بظاهر المشاهدة الحسّية يدوران حول الأرض عند رؤية العين المجرّدة، كأنَهما يتلاحقان، كما أنّ الليل والنهار يتسابقان على سطح الأرض، هذا من طرف وهذا من جانب، لكن (1) كأنّ عَرْصة الفضاء ساحة المسابقة، والسبّاق هم: الشمس والقمر والليل والنهار، فساحة الكون كلّه عَرْصة السباق، والفضاء جميعه تسابق وتنافس وحركة وحياة... ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) (2) .
* * *
* وأعجب من ذلك أنّه يُصوّر من حالة الغضب - وهي صفة نفسانية - إنساناً صاحب شعور وإدراك رقيق، قد يثور ويفور غيظه ثمّ يهدأ ويسكن غضبه، وقد جاء في التعبير القرآني عن هذا الثَوَران بإلقاء الوساوس والإغراء بالأخطار، وعن ذاك الهدوء بالسكوت والإمساك عن الكلام.
قال الزمخشري - عند تفسير قوله تعالى: ( وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ) (3) -: كأنّ الغضب كان يُغريه على فعل ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألقِ بالألواح، وجرّ برأس أخيك إليك، هكذا كان يهمس في أُذُنه ويُلقي في روعه، فكأنّ موسى يفعل ما يفعل بإغرائه وتحريضه، حتّى إذا ما سكت الغضب عن الكلام وأمسك بلسانه ترك موسى وشأنه وقطع الإغراء.
قال: ولم يَستحسن هذه الكلمة ولم يَستفصحها كلّ ذي طبع سليم وذوق صحيح إلاّ لذلك؛ ولأنّه من قبيل شُعب البلاغة، وإلاّ فما لقراءة معاوية بن قرة:
____________________
(1) يس: 40.
(2) النمل: 88.
(3) الأعراف: 154.
( وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ ) لا تجد النفس عندها شيئاً من تلك الهزّة وطرفاً من تلك الروعة (1) .
التصوير - وهو تجسيد المعاني - هي الأداة المفضّلة في أُسلوب القرآن، فهو يُعبّر بالصورة المتمثلة عن معنىً ذهني أو حالة نفسية، أو عن حوادث غابرة أو مشاهد آتية، أو عن نموذج إنساني وغرائزه وتصرّفاته في هذه الحياة، فكأنّما هي صورة شاخصة، وهيئة مشهودة، ثمّ يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة ويفيض عليها الحركة، فإذا ما أضاف إليها الحوار فقد استوت لها كل عناصر التجسيد، فما يكاد يبدأ العرض حتى يُحيل المستمعين نُظارة، وحتى ينقلهم نقلاً إلى مسرح الحوادث فيُشرفهم عليها، حيث تتوالى المناظر وتتجدّد الحركات... وحتى ينسى المستمع أنّ هذا كلامٌ يُتلى أو مثلٌ يُضرب، وإنّما يتخيّل أنّه حاضر المشهد بمرأى منه ومسمع، ومِن ثَمّ ترتسم في نفسه سِمات الانفعال بشتّى الوجدانات المنبعثة من مُشاهدة المنظر، المتساوقة مع الحوادث.
نعم إنّها الحياة هنا، وليست حكاية حياة، فإذا كانت الألفاظ - وهي كلمات جامدة وتعابير هامدة، وليست بألوان تصوير وأرياش تحبير - هي التي تُصوّر من المعنى الذهني نموذجاً إنسانيّاً، ومن الحادث المرويّ أو الحالة النفسية لوحةً مشهودةً أو منظراً مشهوداً، أدركنا بعض أسرار الإعجاز في تعبير القرآن (2) .
قال السيد رشيد رضا: وهذا النوع من التشبيه - وهو إبراز المعاني في صورة التمثيل - نادر فذّ بديع، ويقلّ في كلام البلغاء، لكنّه كثير وافر في القرآن العزيز (3) .
____________________
(1) الكشّاف: ج2 ص163.
(2) سيد قطب في تصويره الفني: ص29.
(3) هامش أسرار البلاغة: ص92.
وقلّما يوجد في سائر الكلام تشبيه غير معيب، وقد عقد ابن الأثير باباً ذكر فيه معايب التشبيه الواقع في كلام البلغاء؛ لقصورهم عن الإحاطة بجوانب فنّ التصوير، هذا أبو تمّام - الشاعر المفلّق - يُريد أن يصف السخاء فيجسّده في صورة ذي حياة، فيجعل له رَوثاً وفَرثاً ممّا تأباه طبيعة السخاء المترفّع عن الأدناس، قال في قصيدة يمدح بها أبا سعيد كرمه وجوده:
وتقاسمَ الناسُ السخاءَ مجزّأً |
وذهبتَ أنتَ برأسهِ وسَنامِهِ |
|
وتركتَ للناسِ الإهابَ وما بقي |
مِن فَرثِه وعروقِه وعظامِه |
قال ابن الأثير: والقبح الفاحش في البيت الثاني، وكل هذا التعسّف في التشبيه البعيد دندندة (1) حول معنى ليس بطائل، فإنّ غرضه أن يقول: ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى، أو أذهبت بالجيّد وتركت للناس الرديّ (2) .
نعم إنّه صَوّر من السخاء حيواناً له رأس وسنام، وهذا لا عيب فيه، إنّما العيب في جعل الإهاب والفرث - وهو السرجين داخل الكرش - له، الأمر الذي تتجافاه سجية السخاء التي هي مكرمة خالصة.
والتجسيد الفنّي يُسمّى عندهم بالتمثيل، وكان من أروع أنواع التشبيه، ذو فوائد وحِكم شتّى ذكرها أرباب البيان:
قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني: اتّفق العقلاء على أنّ التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه، ونُقلت عن صورها الأصلية إلى صورة التمثيل، كساها أُبّهة، وكسبها منقبةً، ورفع من أقدارها، وشبّ من نارها، وضاعف قُواها في تحريك النفوس لها، ودعا القلب إليها، واستنار لها من أقاصي
____________________
(1) الدندنة: طنين الذباب.
(2) المَثل السائر: ج2 ص154.
الأفئدة صبابة وكلفاً، وقَسَر الطباع على أن تعطيها محبةً وشغفاً.
ثمّ جعل يُعدّد فوائده في أنواع الكلام، مدحاً أو ذمّاً، حجاباً أو فَخاراً أو اعتذاراً، أو وعظاً وإرشاداً، ونحو ذلك، قال:
فإن كان مدحاً كان أبهى وأفخم، وأنبل في النفوس وأعظم، وأهزّ للعطف، وأسرع للأُلف، وأجلب للفرح، وأغلب على الممتدح، وأوجب شفاعة للمادح، وأقضى له بغُرّ المواهب والمنائح، وأَسير على الألسن وأذكر، وأولى بأن تعلّقه القلوب وأجدر.
* ومثاله في القرآن قوله تعالى - في وصف المؤمنين الذين ثبتوا على الإيمان والجهاد في سبيله صفّاً كأنّهم بنيانٌ مرصوص -: ( مُحَمّدٌ رّسُولُ اللّهِ وَالّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكّعاً سُجّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللّهِ وَرِضْوَاناً سِيَماهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ أَثَرِ السّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ ) (1) .
فقد شبّه صلابة الإيمان بزرع نَما فقوى، فخرج فرخه من قوته وخصوبته، فاشتدّ واستغلظ الزرع، وضخُمت ساقه وامتلأت، فاستوى وازدهر، الأمر الذي يبعث على الابتهاج والإعجاب من جهة، وإغاظة الكفّار من جهة أُخرى.
* وقوله تعالى: ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) (2) .
قال الزمخشري: يجوز أن يكون تمثيلاً، لاستظهاره به ووثوقه بحمايته، بامتساك المتدلّي من مكان مرتفع بحبل وثيق يُأمن انقطاعه.
فقد شُبّهت عُرى الدين بوشائج وثيقة تربط الأُمّة بعضها ببعض، فكأنّ الشريعة المقدّسة حبل ممدود على طرف مهواة سحيقة، والأُمّة المتماسكة مستوثقون
____________________
(1) الفتح: 29.
(2) آل عمران: 103.
بعراها استيثاقاً يأمن جانبهم من أخطار السقوط، ويُنجيهم من مهاوي الضلال.
* وقوله تعالى: ( اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ ) (1) شبّه الهدى بالنور، والضلال بالظلمات، والاهتداء بحالة الخروج من الظلمات إلى النور.
* وقوله تعالى: ( وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذّلّ مِنَ الرّحْمَةِ ) (2) شَبّه الأولاد بأفراخ الطير تستذلّ لدى والديها تستطعمهما وتسترحمهما، ودليلاً على ذلك تبسط أجنحتها على الأرض خفضاً وذلاً، وهي من المبالغة في التشبيه وتصوير حالة الذلّ في موضع ينبغي الذلّ فيه بمكان.
* وقوله تعالى: ( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ) (3) لو اعتبرنا التشبيه في جملة (فاصدع) فقد شُبّهت شوكة المشركين وهيبتهم بصرح زجاجي، وشُبّهت الدعوة بمصادمة هذا الصرح، وشُبّه التأثير البليغ بالصدع، وهو الأثر البيّن في الزجاجة المصدومة.
وهذا من تشبيه عدّة أشياء بأشياء مع إفاضة الحركة والفعل والانفعال، فقد شبّه النبي (صلّى الله عليه وآله) في إبلاغ دعوته للمشركين بمَن يرمي بقذائفه إلى قلاع مبنية من زجاجات سريعة التكسّر والانهيار.
* * *
قال: وإن كان ذمّاً كان مسّه أوجع وميسمه ألذع، ووقعه أشدّ وحدّه أحدّ، كما جاء في قوله تعالى - في تصوير حالة من أُوتي الهداية لغيّه وانسلخ منها -: ( فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) (4) إنّه من التمثيل الرائع وفي نفس الوقت لاذع، إنّه يمثّل مشهد إنسان يُؤتيه الله آياته ويخلع عليه من فضله ويُعطيه الفرصة للاكتمال والارتفاع... ولكن، ها هو ذا ينسلخ من هذا كله انسلاخاً، كمَن ينسلخ عن أديم جلده بجهد ومشقّة، ويتجرّد من الغطاء الواقي
____________________
(1) البقرة: 257.
(2) الإسراء: 24.
(3) الحجر: 94.
(4) الأعراف: 176.
والدرع الحامي، ويهبط من الأُفق العالي إلى سافل الأرض، فيُصبح غرضاً للشيطان، لا وقاية ولا حِمى، وإذا هو أُلعوبة أو كرة قدم تتقاذفه الأقدار، لا إرادة له ولا اختيار، فمثله كمثل كلب هِراش لا صاحب له، ويلهث (1) من غير هدف، ويتضرّع من غير أن يجد مَن يشفق عليه.
وهكذا جاء تصويره لمَن حُمّل ثقل الحقّ ولا يهتدي به بالحمار يحمل أسفاراً، هي أفضل ودائع الإنسان، يَئنّ بثقلها ولا يعي شرف محتواها: ( مَثَلُ الّذِينَ حُمّلُوا التّوْرَاةَ ثُمّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) (2) .
فقد كُلّفوا حمل أمانة الله في الأرض، لكن القلوب الحيّة الواعية هي التي تطيق عبء هذه الأمانة، وقد افتقدها هؤلاء فلم يصلحوا لحملها ومرافقتها.
* * *
وإن كان حجاباً كان برهانه أنور، وسلطانه أقهر، وبيان أبهر، قال تعالى: ( مَثَلُ الّذِينَ اتّخَذُوا مِن دُونِ اللّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ ) (3) .
وقال تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأَذَى كَالّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (4) .
قال ابن معصوم - في قوله تعالى: ( أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ) (5) -: إنّه من التمثيل اللطيف، مُثّل الاغتياب بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثمّ لم يقتصر عليه حتى جعله لحم الأخ وجعله ميّتاً، وجعل ما هو في
____________________
(1) اللهث: دَلع اللسان عطشاً أو تعباً.
(2) الجمعة: 5.
(3) العنكبوت: 41.
(4) البقرة: 264.
(5) الحجرات: 12.
غاية الكراهة موصولاً بأخيه، ففيه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة المعنى الذي وردت لأجله:
أمّا تمثيل الاغتياب بأكل لحم المغتاب فشديد المناسبة جدّاً؛ لأنّه ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم.
وأمّا قوله (لحم أخيه) ؛ فلِما في الاغتياب من الكراهة، وقد اتّفق العقل والشرع على استكراهه.
وأمّا قوله (ميتاً)؛ فلأجل أنّ المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحسّ بها (1) .
* * *
قال: وان كان افتخاراً كان شأوه أبعد، وشرفه أجدّ، ولسانه ألذّ، قال تعالى: ( وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْسّمَاوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمّا يُشْرِكُونَ ) (2) .
وإن كان اعتذاراً كان إلى القبول أقرب، وللقلوب أخلب، وللسخائم أسلّ، ولغرب الغضب أفلّ، وفي عقد العقود أنفث، وعلى حسن الرجوع أبعث (3) .
وإن كان وعظاً كان أشفى للصدر، وأدعى إلى الفكر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وأجدر بأن يجلي الغياية (4) ويبصر الغاية، ويبرئ العليل ويشفي الغليل.
قال تعالى - في وصف نعيم الدنيا وزوالها -: ( اعْلَمُوا أَنّمَا الْحَيَاةُ الدّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَبَاتُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَراً ثُمّ يَكُونُ حُطَاماً ) (5) .
____________________
(1) أنوار الربيع: ج3 ص179.
(2) الزمر: 67.
(3) يقال: خَلَبه أي أصاب خِلبه أي قلبه وسلبه إيّاه وفتنه، والسخائم: الضغائن، وسلّها: نزعها، وغرب السيف: حدّه، وفلّه: ثلمه، والنفث: النفخ مع التفل.
(4) الغياية - بياءين -: كل ما يغطّي الإنسان من فوق رأسه.
(5) الحديد: 20.
وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنّاسِ لَعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَالَهَا مِن قَرَارٍ * يُثَبّتُ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلّ اللّهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ ) (1) .
وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ أَنزَلَ مِنَ السّماءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لأُوْلِي الأَلْبَابِ ) (2) .
قال الجرجاني: وهكذا في سائر فنون الكلام وضروبه ومختلف أبوابه وشعوبه (3) .
* * *
____________________
(1) إبراهيم: 24 - 27.
(2) الزمر: 21.
(3) أسرار البلاغة: ص 92 - 96.
قد أكثر القرآن من أنواع الاستعارة وأجاد في فنونها (1) وكان لابدّ منه وهو آخذ في توسّع المعاني توسّع الآفاق، في حين تضايق الألفاظ عن الإيفاء بمقاصد القرآن، لو قُيّدت بمعانيها الموضوعة لها المحدودة النطاق.
جاء القرآن بمعانٍ جديدة على العرب، لم تكن تعهدها، ولا وُضعت ألفاظها إلاّ لمعانٍ قريبة، حسب حاجاتها في الحياة البسيطة البدائية القصيرة المدى، أمّا التعرّض لشؤون الحياة العليا المترامية الأبعاد فكان غريباً على العرب الأوائل المتوغّلة في الجاهلية الأُولى.
ومِن ثَمّ لجأ القرآن في إفادة معانيه والإشادة بمبانيه إلى أحضان الاستعارة والكناية والمجاز، ذوات النطاق الواسع، حسب إبداع المتكلّم في تصرّفه بها، وقدرته على الإحاطة عليها في تصريف المباني والإفادة بما يرومه من المعاني، وقد أبدع القرآن في الاستفادة بها وتصريفها حيثما شاء من المقاصد والأهداف، ولم يُعهد له نظير في مثل هذه القدرة على مثل هذا التصرّف الواسع الأكناف، الأمر
____________________
(1) وقد كان الفصل السابق معرضاً خصباً لأنواع الاستعارة وفنونها، حيث الكلام عن فنون التشبيه وأنواعه، والاستعارة بأشكالها نوع من التشبيه ومتوقفة عليه.
الذي أبهر وأعجب وأتى بالإعجاز.
وإليك إلمامة بجوانب من هذه الظاهرة القرآنية:
تعريف الاستعارة:
قال عبد القاهر: الاستعارة أن يكون لفظ الأصل في الوضع اللغوي معروفاً، وتدلّ الشواهد على اختصاصه به، فيكون استعماله في غيره نقلاً إليه نقلاً غير لازم، فيشبه أن تكون عارية (1) .
وقال السكاكي: هو أن تنوي التشبيه، ولا تُصرّح به، فتذكر أحد طرفي التشبيه وتريد به الآخر، مدّعياً دخول المشبّه في جنس المشبّه به، بدلالة ما تذكر له من خصائص المشبّه به، فلو قلت: في الدار أسد، وأنت تريد به إنساناً شجاعاً، كأنّك ادّعيت أنّه من جنس الأُسود فأثبتّ له خاصّية من خصائص الأسد وهي الشجاعة، وهذا فيما ذكر المشبّه به وأُريد المشبّه، وأمّا العكس فكقولك: أنشبت المنيّة أظفارها بفلان، وأنت تريد بالمنيّة السبع، فقد شبّهتها به وأفردتها بالذكر، وادّعيت لها السبُعية وإنكار أن تكون شيئاً غير السبع؛ ومِن ثَمّ أثبتّ لها الأظفار وهي من خصائص السبع (2) .
وعليه فالاستعارة - بأنواعها الكثيرة - مبتنية على التشبيه، لكنّه مضمر في النفس غير مصرّح به، سوى أنّك تذكر أحد طرفي التشبيه مقتصراً عليه، وإنّما تردفه بخصوصية من خصوصيات طرفه الآخر المطوي ذكره، دليلاً على التشبيه.
فالاستعارة نوع من المجاز كانت علاقتها المجوّزة هي المشابهة، وتفوق عليه بما فيها من المبالغة وكونها الحقيقة الادّعائية، على ما فرضه السكاكي، وكذلك يفوق التشبيه في جعل المشبّه من جنس المشبّه به، وذلك بترك التصريح بالتشبيه،
____________________
(1) أسرار البلاغة: ص22.
(2) مفتاح العلوم: ص174.
فيُوهم كونه أحد أفراده ومتساوياً معه في كمال الصفة، دون التشبيه المستدعي كون المشبّه به أتمّ وأكمل.
ثمّ إن ذُكر المشبّه وتُرك المشبّه به فهو من الاستعارة التخييلية، وهو من أبدع أنواعها، وإن كان العكس فهي المتعارفة، وتنقسم إلى تجريدية وترشيحية، على ما يأتي من ذكر الأقسام.
وليُعلم أنّ الاستعارة - على ما ذهب إليه السكاكي وهو المختار - من المجاز العقلي، وليس مجازاً في الكلمة؛ وذلك لأنّه تصرّف في أمر عقلي، على ما سبق في تعريفه لها، أنّه من التوسّع في مفهوم المشبّه به وزعم دخول المشبّه في جنسه، فليس من استعمال لفظة في غير موضعها (1) فهي حقيقة ادّعائية، وهو من لطيف التصرّف في معاني الكلام، ويؤيّده قولهم: في الاستعارة مبالغة ليست في غيرها من أنواع التشبيه.
وفرة الاستعارة في القرآن:
تقدّم أنّ التوفّر من الاستعارة في القرآن كان أمراً لابدّ منه، بعد تضايق الألفاظ الموضوعة عن إمكان الإيفاء بمقاصده العلية، والإفادة بجُلّ مطالبه الرفيعة، لكن رأي ابن الأثير في ذلك يختلف عن رأي ابن رشيق، بينما الأَوّل يرى قلّة الاستعارة في القرآن، بل وفي سائر الكلام من فصيح الخطب والأشعار؛ نظراً منه إلى أنّ طيّ المستعار له لا يتيسّر في كل كلام، على خلاف التشبيه الذي هو كثير وسهل... (2) إذا بابن رشيق يُعاكسه في الرأي، ويرى أنّ الاستعارة في القرآن كثيرة ومتوفّرة وممّا يزيد في جماله وبهائه.
والسبب في هذا الاختلاف يرجع إلى ما زعمه ابن الأثير، من كون (التوسّع
____________________
(1) التفتازاني في المطوّل: باب الحقيقة والمجاز ص 354.
(2) المَثل السائر: ج2 ص97.
في الكلام) - الذي هو نوع من الاستعارة - مجازاً مرسلاً وليس استعارة!
والتوسّع، اصطلاح منه، يُطلقه على ما يُسمّونه (الترشيح) وهو نوع من الاستعارة المبتنية على تناسي التشبيه، وهو من أبلغ أنواعها، واعترف هو بأنّه كثير في القرآن.
منها قوله تعالى: ( ثُمّ اسْتَوَى إِلَى السّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (1) ، زعم أنّه توسّع في الكلام مجازاً مرسلاً؛ لأنّه نَسب القول إلى السماء والأرض (2) في حين أنّه تشبيه مطويّ، شَبّه السماء والأرض بمَن يعقل وينطق؛ فلذلك نسب إليهما القول، وهو من سِمات (العاقل الناطق) المشبّه به.
قال الزمخشري: وهو من المجاز الذي يُسمّى التمثيل، ويجوز أن يكون تخييلاً، ويُبنى الأمر فيه على أنّه تعالى كلّم السماء والأرض، والغرض تصوير أثر قدرته تعالى في المقدورات لا غير (3) .
والتمثيل ضربٌ من الاستعارة المصرّح بها، وهو من تشبيه مركّب بمركّب، مطويّ ذِكر المشبّه، والتخييل من الاستعارة، المكنّى عنها الملازمة للترشيح....
* * *
الاستعارة أفضل أنواع المجاز:
قال ابن رشيق: الاستعارة هي أفضل أنواع المجاز وأَوّل أبواب البديع، وليس في حُلى الشعر أعجب منها، وهي من محاسن الكلام إذا وقعت موقعها ونزلت موضعها (4) .
وهي من التوسع في الكلام والتفنّن فيه، مفيضاً عليه ملامح الإدلال
____________________
(1) فصّلت: 11.
(2) المَثل السائر: ج2 ص81.
(3) الكشّاف: ج4 ص189.
(4) العمدة: ج1 ص268 باب 37.
والاستدلال، بما فيه من التشبيه والتخييل وروعة التمثيل.
وفي الاستعارة نوع من المبالغة القريبة، فيها أناقة ولطف، تُقرّب المعنى وتوضحه بما فيه من التشبيه والتمثيل، وتكسوه جمالاً وروعةً بما فيه من التصوير والتخييل، فكانت الاستعارة في الكلام أناقة في التصوير، وإجادة في التعبير.
وقد حصر الشيخ عبد القاهر الجرجاني أسرار البلاغة ودلائل إعجاز البيان في فنون التشبيه والتمثيل وأنواع الاستعارة (1) .
قال: قد أجمع الجميع على أنّ الكناية أبلغ من الإفصاح، والتعريض أوقع من التصريح، وأنّ للاستعارة مزيّةً وفضلاً، وأنّ المجاز أبداً أبلغ من الحقيقة.
قال: وأمّا الاستعارة فسبب ما ترى لها من المزيّة والفخامة أنّك إذا قلت: رأيت أسداً، كنت قد تلطّفت لِما أردت إثباته له من فرط الشجاعة، حتى جعلتها كالشيء الذي يجب له الثبوت والحصول، وكالأمر الذي نُصب له دليل يقطع بوجوده؛ وذلك أنّه إذا كان أسداً فواجب أن تكون له تلك الشجاعة العظيمة، وكالمستحيل أو الممتنع أن يُعرّى عنها، وإذا صرّحت بالتشبيه فقلت: رأيت رجلاً كالأسد كنت قد أثبتّها إثبات الشيء يترجّح بين أن يكون وبين أن لا يكون، ولم يكن من حديث الوجوب في شيء.
قال: وحكم التمثيل والاستعارة سواء فإنّك إذا قلت: أراك تُقدّم رِجلاً وتُؤخّر أُخرى، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحيّر والتردّد، كان أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر، فتقول: قد جعلت تتردّد في أمرك، فأنت كمَن يقول: أخرج ولا أخرج، فيقدّم رِجلاً ويؤخّر أُخرى (2) .
* * *
قال جلال الدين السيوطي: التشبيه من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها، واتّفق
____________________
(1) فقد وضع كتابه (أسرار البلاغة) في ضروب التشبيه وأنواع الاستعارات فحسب.
(2) دلائل الإعجاز: ص48 و50.
البلغاء على أنّ الاستعارة أبلغ منه؛ لأنّ الاستعارة مجاز والتشبيه حقيقة، والمجاز أبلغ، فإذاً الاستعارة أعلى مراتب الفصاحة.
وكذا الكناية أبلغ من التصريح، والاستعارة أبلغ من الكناية؛ لأنّه كالجامعة بين كناية الاستعارة.
وأبلغ أنواع الاستعارة، التمثيلية، كما يُؤخذ من الكشّاف. ويليها المكنية، صرّح به الطيّبي؛ لاشتمالها على المجاز العقلي، والترشيحية أبلغ من المجرّدة والمطلقة، والتخيّلية أبلغ من التحقيقية.
والمراد بالأبلغية إفادة زيادة تأكيد ومبالغة في كمال التشبيه (1) .
قلت: وجماع السرّ في فخامة الاستعارة ابتناؤها على التشبيه المطوي، ففيها من كمال التشبيه أوفاها، مع زيادة: تناسي التشبيه، فكأنّه الحقيقة بعينها، ولا سيّما المرشحة، على ما يأتي. وهذا من المبالغة في التشبيه ما لا يكاد يخفى لطفها ودقّتها وظرافة حسنها وجمالها البديع، إن وقعت موقعها، كما شرطه ابن رشيق (2) .
وسنزيدك بياناً عند ذكر أنواعها، وما لكلّ نوع من فضيلة وشرف.
الاستعارة المفيدة:
نَوّع عبد القاهر الاستعارة إلى ما فيه فائدة وما لا فائدة فيه، وعنى بغير المفيدة: ما لا يكون الغرض منه سوى التَنوّق في التعبير والتوسّع في الأداء، وهذا بأن ينقص من قدر الكلام أشبه من أن يزيده حسناً؛ ومِن ثَمّ يقبح استعماله على الأديب الأريب.
قال: وموضع هذا الذي لا يفيد نقله، حيث يكون اختصاص بما وُضع له من طريق أُريد به التوسّع في أوضاع اللغة والتنوّق في مراعاة دقائق من الفروق في
____________________
(1) معترك الأقران: ج1 ص284.
(2) العمدة: ج1 ص268.
المعاني المدلول عليها، كوضعهم للعضو الواحد أسامي كثيرة بحسب اختلاف أجناس الحيوان، نحو: وضع الشفة للإنسان، والمِشفَر للبعير، والجَحفَلة للفرس، وما شاكل ذلك من فروق ربّما وُجدت في غير لغة العرب أيضاً.
فإذا استعمل الشاعر شيئاً منها في غير الجنس الذي وُضع له فقد استعاره منه ونقله عن أصله وجاز به موضعه؛ وبذلك قد فاته لطف الخصوصية الملحوظة عند الوضع.
كقول العجاج: (وفاحماً ومرسناً مُسرّجا) (1) أراد بالمَرسِن أنف الممدوح، وهو في الأصل اسم لأنف الحيوان؛ لأنّه موضع الرَّسن، لكنّه تغافل عن هذه الخصوصية المناسبة لأصل الوضع، وتوهّمه اسماً لمطلق الأنف المشترك، واستعاره لأنف الممدوح، تنوّقاً وتوسّعاً في الكلام، ولا يخفى مدى ابتعاد هذه الاستعارة عن الظرافة واللطف، إن لم تكن قريبةً من الوهن والقباحة.
وقال آخر، يصف إبلاً:
تسمعُ للماءِ كصوت المِسحَل |
بين وريدِها وبين الجَحفلِ (2) |
فاستعار الجَحفل لشفّة البعير، وهو موضوع لشفّة الفرس من غير فائدة لذلك.
وقال آخر: (والحشوُ (3) من حَفّانِها كالحَنظَل) فأجرى الحَفّان على صِغار الإبل، وهو موضوع لصِغار النعام.
وقال آخر:
فبِتنا جلوساً لدى مُهرِنا |
نُنزِعُ من شفتيه الصَفارا (4) |
فاستعمل الشفة في الفرس، وهي موضوعة للإنسان.
فهذا النوع من الاستعارة لا يفيد شيئاً سوى استعمال لفظه مكان أُخرى تفنّناً
____________________
(1) صدره: (ومقلةً وحاجباً مزجّجا). المقلة: العين. والمزجّج: المدقّق المطوّل.
(2) المِسحَل: آلة السَحل أي النحت كالمِبْرد.
(3) الحشو: صغار الإبل.
(4) الصفار: القراد وما بقي في أُصول أسنان الدابّة من تبن ونحوه.
في العبارة، من قبيل الألفاظ المترادفة، في حين عدم الترادف، بل الاستعارة هاهنا بأن تنقص الكلام جزء من الفائدة أشبه؛ لأنّ معنى الاستعارة نفي الاشتراك، وهو يناقض نفي الخصوصية عند النقل، إذ مع ملاحظة الخصوصية في المستعار منه لا يصحّ نقله إلى المستعار له، فلو لم تُلحظ الخصوصية ونفيتها تصحيحاً للنقل أصبح اللفظ مشتركاً بين الموضعين، ولا استعارة في المشتركات (1) .
* * *
وجعل ابن الأثير التوسّع في الكلام على ضربين:
أحدهما: يرد على وجه الإضافة، فيما لا تناسب بين المضاف والمضاف إليه، واستعماله قبيح؛ لأنّه يلتحق بالتشبيه المضمر الأداة، وإذا ورد التشبيه ولا مناسبة يبن المشبّه والمشبّه به كان ذلك قبيحاً.
ولا يُستعمل هذا الضرب من التوسّع إلاّ جاهل بأسرار الفصاحة والبلاغة أو ساهٍ غافلٌ يذهب به خاطره إلى استعمال ما لا يجوز ولا يحسن، كقول أبي نؤاس:
بُحَّ صوتُ المالِ ممّا |
منكَ يشكو ويصيحُ |
فقوله: (بُحَّ صوتُ المال) مِن الكلام النازل بالمرّة، ومراده من ذلك أنّ المال يتظلّم من إهانتك إيّاه بالتمزيق (التفريق)، فالمعنى حسن، والتعبير عنه قبيح.
وقوله أيضاً:
ما لِرِجلِ المالِ أمستْ |
تشتكي منكَ الكَلالا؟ |
فإضافة الرجل إلى المال أقبح من إضافة الصوت.
ومِن هذا الضرب قول أبي تمّام:
وكم أحرزتْ منكُم على قُبح قَدِّها |
صُروفُ النوى مِن مُرهَفٍ حسن القدِّ (2) |
فإضافة القدّ إلى النوى من التشبيه البعيد البعيد. وإنّما أوقعه فيه المماثلة بين
____________________
(1) راجع أسرار البلاغة: ص23.
(2) المُرهف: الدقيق الحسن الهندام، والقدّ: القوام. ويُروى: صروف الردى، وهو بمعناه.
القدّ والقدّ.
وكذلك ورد قوله:
بَلوناكَ أَمّا كَعبُ عِرضِك في العُلا |
فَعالٍ وأمّا خدُّ مالكَ أسفلُ |
فقوله: (كعب عرضك) و(خدُّ مالك) ممّا يُستقبح ويُستنكر، ومراده أنّ عِرضك مصون ومالك مبتذل، إلاّ أنّه عبّر عنه أقبح تعبير.
* * *
وأمّا الضرب الآخر من التوسّع ، فإنّه يرد على غير وجه الإضافة، وهو حسنٌ لا عيب فهي. وهو سبب صالح؛ إذ التوسّع في الكلام أمرٌ مطلوب.
وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ( ثُمّ اسْتَوَى إِلَى السّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) (1) .
فنسبة القول إلى السماء والأرض من باب التوسّع؛ لأنّهما جماد، والنطق إنّما هو للإنسان لا للجماد، ولا مشاركة هاهنا بين المنقول والمنقول إليه.
وكذلك قوله تعالى: ( فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّماءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ ) (2) (3) .
* * *
قال عبد القاهر: وأمّا المفيد من الاستعارة فهو الذي يترتّب عليه فائدة وغرض من الأغراض لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل، وذلك الغرض هو التشبيه على أنحائه الكثيرة، ومثاله: قولنا: رأيت أسداً، وأنت تعني رجلاً شجاعاً، وبحراً، تريد رجلاً جواداً، وبدراً، تريد إنساناً مضيء الوجه متهلّلاً، وتقول: سَلَلت سيفاً على العدوّ، تريد رجلاً ماضياً في نُصرتك، أو رأياً نافذاً، وما شاكل ذلك، فقد استعرت اسم الأسد للرجل، ومعلوم أنّك أفدت بهذه الاستعارة ما لولاها لم
____________________
(1) فصّلت: 11.
(2) الدخان: 29.
(3) المَثل السائر: ج2 ص79 - 81.
يحصل لك، وهو المبالغة في وصف المقصود بالشجاعة وإيقاعك منه في نفس السامع صورة الأسد في بطشه وإقدامه وبأسه وشدّته، وسائر المعاني المركوزة في طبيعته، ممّا يعود إلى الجرأة والبسالة، وهكذا في غيره من الأمثلة.
قال: والاستعارة في الحقيقة هي هذا الضرب دون الأوّل، وهي أمدّ ميداناً، وأشدّ افتناناً، وأكثر جرياناً، وأعجب حُسناً وإحساناً، وأوسع سعةً، وأبعد غوراً، وأذهب نجداً في الصناعة وغوراً، مِن أن تُجمع شُعبها وشعوبها، وتُحصر فنونها وضروبها، نعم وأسحر سحراً، وأملأ بكلّ ما يملأ صدراً، ويُمتّع عقلاً، ويُؤنس نفساً، ويُوفّر أُنساً، وأهدى إلى أن تُهدى إليك عذارى قد تُخيّر لها الجمال، وعُني بها الكمال.
وفي الفضيلة الجامعة فيها: أنّها تبرز هذا البيان أبداً في صورة مستجدّة تَزيد قدره نبلاً، وتُوجب له بعد الفضل فضلاً، وأنّك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد، حتى تراها مكرّرة في مواضع، ولها في كلّ واحد من تلك المواضع شأن مفرد، وشرف منفرد، وفضيلة مرموقة، وخلابة مَوموقة (1) .
ومن خصائصها التي تُذكر بها وهي عنوان مناقبها: أنّها تعطيك الكثير من المعاني باليسير من اللفظ، حتى تخرج من الصَدَفة الواحدة عدّة من الدُرر، وتجني من الغصن الواحد أنواعاً من الثمر.
وإذا تأمّلت أقسام الصنعة التي بها يكون الكلام في حدّ البلاغة، ومعها يُستحقّ وصف البراعة، وجدتها تفتقر إلى أن تعيرها حُلاها (2) وتقصر عن أن تنازعها مداها، وصادفتها (3) نجوماً هي بدرها، وروضاً هي زهرها، وعرائس ما لم تُعرها حُليها فهي عواطل، وكواعب ما لم تُحسنها فليس لها في الحسن حظ كامل. فإنّك
____________________
(1) الخلابة: الجذب بلطائف الكلام. الوَمق: التودّد.
(2) أي حُلي الاستعارة، وهكذا سائر الضمائر في الجمل التالية.
(3) عطف على (وجدتها) حيث كان جواباً للشرط.
لَترى بها الجماد حيّاً ناطقاً، والأعجم فصيحاً، والأجسام الخُرس مبيّنة، والمعاني الخفية بادية جلية!
وإذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها ولا ناصر لها أعزّ منها، ولا رونق لها ما لم تزنها، وتجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكُنها (1) ، إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل، كأنّها قد جُسّمت حتى رأتها العيون، وإن شئت لطّفت الأوصاف الجسمانية، حتى تعود روحانية لا تنالها إلاّ الظنون.
وهذه إشارات وتلويحات في بدائعها، وإنّما ينجلي الغرض منها ويبين إذا تُكلِّم على التفصيل واُفرد كل فنّ بالتمثيل (2) .
الاستعارة في مدارج البلاغة:
قال عبد القاهر: إنّ الاستعارة - كما علمت - تعتمد التشبيه أبداً، وطرقه تختلف، فكلّما كان التشبيه أدقّ وأعمق كانت الاستعارة أرقّ وأرقى، وهي ترتقي من الضعف إلى القوّة ثمّ بما يزيد في ارتقائها.
فأَوّل هذه الضروب: أن يكون وجه الشبه موجوداً في كلا الطرفين، لكن مع خصائص ومزايا ومراتب في الفضيلة أو الكمال، فتستعير لفظ الأفضل لِما هو دونه، ومثاله: استعارة الطيران لغير ذي جناح، مراداً به السرعة، كما جاء الحديث، (خيرُ الناس رجلٌ ممسك بعِنان فرسه في سبيل الله، كلّما سمع هَيعة طار إليها) والهَيعة: صوت الفزع، فشبّه سرعة الحركة بطيران الطير، واستُعير لها لفظه.
وكذا انقضاض الكواكب للفَرس إذا أسرع في حركته من علوّ، والسباحة له إذا عدا عدواً شبيهاً بحالة السباحة في لين وسلاسة، ومعلوم أنّ الطيران والانقضاض والسباحة والعدو كلها جنس واحد من حيث الحركة، إلاّ أنّهم نظروا إلى خصائص الأشياء في حركتها، فأفردوا كل حركة في نوعها باسم، وإذا وجدوا في بعض
____________________
(1) أي إذا لم تكن على وجه الاستعارة.
(2) أسرار البلاغة: ص33.
الأحوال شبهاً من حركة غير جنسه استعاروا له العبارة من ذلك الجنس.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ( وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ) (1) ، أي وفرّقناهم، والتمزيق تفريق بين قطع الثوب، فاستُعير لمطلق التفريق، ومثله أيضاً قوله تعالى: ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَماً ) (2) ، أي فرّقناهم فيها، تشبيهاً بتقطيع الثوب وتفريق أجزائه (3) .
ومنه عند السكاكي قوله تعالى: ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) (4) شُبّه الشيب بشواظ النار، في توقّده وإنارته، وشُبّه انتشاره وانبساطه في الشعر باشتعال النار، فأُخرج مخرج الاستعارة، قال الزمخشري: ومِن ثَمّ فَصُحَت هذه الجملة وشُهد لها بالبلاغة (5) .
* * *
وضربٌ ثانٍ: يشبه هذا الضرب، غير أنّ الشبه في صفة هي موجودة في كل من المستعار منه والمستعار له على حقيقتها، سوى أنّها في المستعار منه أكمل وأجلى، كما في قولك: رأيت شمساً تريد إنساناً يتهلّل وجهه كرائعة الشمس.
وهكذا قولك: رأيت أسداً، تريد رجلاً متّصفاً بالشجاعة كالأسد المعروف بها، فرونق الوجه الحسن في حسّ البصر مجانس لتلألؤ ضوء الأجسام النيّرة، وكذا حقيقة الشجاعة التي عمودها انتفاء المخافة عن القلب، فلا يخامره وهنٌ على الإقدام ولا خوف من العدوّ، الأمر الذي يشترك فيه الإنسان الشجاع والأسد اشتراكاً في الحقيقة.
* * *
وضربٌ ثالث: وهو الصميم الخالص من الاستعارة، وحدّه أن يكون الشبه مأخوذاً من الصور العقلية، كاستعارة النور للبيان والحجّة الكاشفة عن الحق،
____________________
(1) سبأ: 19.
(2) الأعراف: 168.
(3) أسرار البلاغة: ص41 - 44.
(4) مريم: 4.
(5) الكشّاف: ج3 ص4، ومفتاح العلوم: ص183.
المزيلة للشكّ، النافية للريب، كما في قوله تعالى: ( وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ) (1) وكاستعارة الصراط المستقيم للدين، إذ ليس بين النور - وهو من صفة الجسم وهو محسوس - وبين الحجّة - وهو كلام - تناسب في حقيقتيهما، إلاّ أنّ القلب إذا وردت عليه الحجّة صار في حالة شبيهة بحال البصر إذا صادف النور، وهو شبه ليس على جنس، ولا على طبيعة وغريزة، ولا هيئة وصورة تدخل في الخلقة، وإنّما هو صورة عقلية.
قال: وهذا الضرب هو المنزلة التي تبلغ الاستعارة عندها غاية شرفها، ويتسع لها المجال كيف شاءت في تفنّنها وتصرّفها، وهاهنا تخلص لطيفة روحانية، فلا يبصرها إلاّ ذوو الأذهان الصافية، والعقول النافذة، والطباع السليمة، والنفوس المستعدّة لأن تعي الحكمة، وتعرف فصل الخطاب.
ولها هاهنا أساليب كثيرة، ومسالك دقيقة مختلفة، إلاّ أنّ لها أُصولاً كما يلي:
أحدها: أن يؤخذ الشبه من المشاهدات والمدركات بالحواس للمعاني المعقولة.
ثانيها: أن يؤخذ الشبه من المحسوس لمثله، إلاّ أنّ الشبه عقلي.
ثالثها: أن يؤخذ الشبه من المعقول للمعقول.
مثال الأوّل ما ذكرناه من استعارة النور للحجّة والبيان (2) .
ومثال الثاني قوله تعالى: ( وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ) (3) ، السلخ من كشط الجلد لكشف الضوء عن مكان الليل، وهما حسّيان، والجامع ما يتصوّر مِن ترتّب أمر على آخر، وحصول أثر عقيب عمل، وهذا الترتّب عقلي.
وسلخ النهار من الليل، باعتبار أنّ الظلمة هي الأصل، والنهار عارض.
____________________
(1) الأعراف: 157.
(2) أسرار البلاغة: ص50.
(3) يس: 37.
فبذهاب النهار الذي هو كغشاء على الليل يبدو الليل ( فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ ) .
ومثال الثالث قوله تعالى: ( مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ) (1) ، فقد استُعير الرُقاد للموت والجامع عدم الحراك، والجميع عقلي (2) .
* * *
أنواع الاستعارة:
تتنوّع الاستعارة - نظراً لحالة التشبيه الملحوظة فيها - إلى أنواع قد تختلف رواءً وبهاءً ووفاءً بأداء المرام... وقد اختار القرآن أجملهنّ وأروعهنّ فيما يختار، وبذلك فاق سائر الكلام، وهي تنقسم إلى عدّة تقسيمات، منها تقسيمها:
1 - إلى وفاقية وعنادية ومتفرّعاتهما.
2 - وإلى عامّية وخاصّية ومتصرّفاتهما.
3 - وإلى أصلية وتبعية ومستتبعاتهما من روائع وبدائع .
4 - وإلى تجريدية وترشيحية وآثارهما المترتّبة.
5 - وإلى مكنّى عنها وتخييلية ومستلزماتهما الفنّية البديعة .
6 - وأخيراً تمثيلية في المركّبات، وهي أبلغهنّ وأفضلهنّ .
وفيما يلي عرض موجز عن هذه الأنواع:
1 - وفاقية وعنادية:
الاستعارة الوفاقية، هي: ما أمكن اجتماع طرفيها، كما في استعارة الحياة للعلم أو الهداية، والموت لضدّهما، في نحو قوله تعالى: ( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ ) (3) .
والعنادية: ما لا يمكن اجتماعهما، وتتفرّع عليها الاستعارة التهكّمية وكذا
____________________
(1) يس: 52.
(2) المطوّل: ص369 - 370.
(3) الأنعام: 122.
التمليحية، فما استُعير لفظ الضدّ لضدّه إلاّ تهكّماً أو تمليحاً، ومنه قوله تعالى: ( فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (1) .
2 - عامّية وخاصّية:
تنقسم الاستعارة إلى عامّية مبتذلة، ممّا يكون الجامع (الشبه) ظاهراً معروفاً، يعرفه كل أحد من غير حاجة إلى دقّة نظر أو براعة في فكر، كما في استعارة الأسد للرجل الشجاع أو الحاتم للجواد.
وهذا النوع من الاستعارة لا شأن لها عند البلغاء، اللّهمّ إلاّ إذا حصل فيها تصرّف أخرجها عن الابتذال، كما في قول الشاعر: (وسالتْ بأعناقِ المَطيِّ الأباطحُ) (2) فاستعار السيلان للسير الحثيث في سرعة مع سلاسة ولين، وهذا أمر معروف، لكنّه أغرب في إسناد الفعل إلى الوادي وأدخل الأعناق في السير، فقد سالت بالأعناق الأباطح، دليلاً على مزدحمها وتداوم حركتها، حيث السرعة أو البطء في سير الإبل إنّما تظهر في أعناقها.
وأجمل منه قوله تعالى: ( أَنزَلَ مِنَ السّماءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً رَابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ ) (3) فقد استُعير الماء الذي فيه الحياة للشريعة النازلة من السماء، وفيها سعادة الحياة، وشُبّهت مختلف استعدادات الناس ومختلف مستوياتهم بمختلف متعرّجات الأودية وأغوارها وأبعادها، فتسيل في
____________________
(1) آل عمران: 21.
(2) صدره: أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا... والمطلع: قوله:
ولمّا قضينا مِن مِنى كلَ حاجةٍ |
ومسّحَ بالأركانِ مَن هو ماسحُ |
(راجع المطوّل: ص368).
(3) الرعد: 17.
كلٍّ بقدرها وحسب طاقتها.
والماء في بدء نزوله من السماء صافٍ ضافٍ، لكنّه في سيره في منعطفات المسيل ومتعرّجاته يحتمل معه أوساخاً وأقذاراً تطفو على وجه الماء زبداً رابياً، متراكماً ومتراكباً بعضه على بعض. هي ظلمات الشكوك والجهالات، وهي التي تقع مطمح أهل القصور في النظر، والهبوط في المستوى.
وهكذا أنواع المعادن والجواهر تُذاب وتَذهب أدرانها، ويعلوها رغاف، غير أنّ ما ينفع الناس من رسوبات المسيل وصفايا المصوغ هو الذي يبقى ويستمرّ في حياتهم، وأمّا الزبد والرغاف فيذهب جفاءً وهباءً.
فهنا عدّة استعارات وتشبيهات متداخلة ومترابطة بعضها مع بعض، وبذلك اكتست حلّة قشيبة من الجمال.
* * *
أمّا الخاصّية الغريبة فهي ترتفع عن المستوى العام ولا يبلغ شأوها إلاّ ذوو الأذهان المتوقّدة والأفهام المُرهفة الرقيقة، ولها شواهد كثيرة في القرآن:
قال تعالى - حكاية عن زكريا (عليه السلام) -: ( قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) (1) ، جاءت التكنية عن حلول مشيب عارض وعروض هرم بالغ، بتعبيرين، هما من أرقّ التعابير وأدقّها في هذا المجال:
أولاً: كنّى عن الشيب البالغ بوهن العظم، وهو يلازم ضعف الشيب، فذَكر العلّة الباطنة دليلاً على المعلول الظاهر، فقد وضع يده على السبب الأَوّل الموجب لاستيلاء الضعف على مشاعره وجوارحه، الآذن بالرحيل، وهي كناية أبلغ من التصريح.
وثانياً: كنّى عن هرمه وكبر سنّه بتجلّل المشيب رأس أجمع، لكنّه استعار لذلك
____________________
(1) مريم: 4.
استعارة فائقة.
استعار لتهلّل البياض المتجلّل به شيب الرأس، وهيج النار، وهي استعارة غريبة لم تعرفه العامّة ولم يُسبق لها نظير في كلام العرب.
إنّ لبياض الشيب تشعشعاً بالنور لدى النظر إليه، شأن كل بياض يعكس بالنور المشعّ عليه، فيندفق النور من حوله، كما يفيض الماء من جوانب الإناء، وكما يلتهب شواظ النار عند توقّد الاشتعال، وهكذا ينبسط ضياء المشيب كما ينبسط وهج النار.
إنّه تشبيه، فما أحلاه من تشبيه واستعارة، فما أجملها من استعارة! إنّها غاية في الوفاء وآية في الأداء، ويزيدها بهاءً ووفاءً بكمال المقصود إسناد الاشتعال إلى الرأس، وإخراج الشيب مميّزاً دون إضافته إلى الرأس، إذ لو قال: واشتعل شيب الرأس، لم يُفهم منه تجلّل الرأس كلّه شيباً وإنارةً؛ ليكون دليلاً على بلوغ هرمه، فضلاً عن إشعاره بموضع الشبه للاستعارة، فجاءت كاملة على طريقة التجريد أيضاً، حسب البيان الآتي.
* * *
قال الشيخ عبد القاهر - بصدد بيان شرف النظم في الكلام -: ومن دقيق ذلك وخفيّة أنّك ترى الناس إذا ذكروا قوله تعالى: ( وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ) لم يزيدوا فيه على ذِكر الاستعارة ولم ينسبوا الشرف إلاّ إليها، ولم يروا للمزيّة موجباً سواها.
هكذا ترى الأمر في ظاهر كلامهم، وليس الأمر على ذلك، ولا هذا الشرف العظيم، ولا هذه المزيّة الجليلة، وهذه الروعة التي تدخل على النفوس عند هذا الكلام لمجرّد الاستعارة، ولكن لأن يُسلك بالكلام طريق ما يسند الفعل فيه إلى الشيء، وهو لِما هو مِن سببه، وذلك أنّا نعلم أنّ (اشتعل) للشيب في المعنى، وإن كان هو للرأس في اللفظ، فلو غيّرته وأسندته إلى الشيب وأضفت الشيب إلى الرأس ليكون على حقيقته، وقلت (اشتعل شيب الرأس) أو(الشيب في الرأس)، فهل
تجد ذلك الحسن، وتلك الفخامة؟ وهل ترى الروعة التي كنت تراها في الآية؟
والسبب في ذلك أنّ نظم الآية يفيد، مع لمعان الشيب في الرأس الذي هو الأصل، معنى آخر هو الشمول والشيوع وأخذه في نواحيه، وأنّه قد استقرّ به وعمّ جملته، حتى لم يبقَ من السواد شيء، وهذا المعنى لا يكون إذا قيل: اشتعل شيب الرأس، أو الشيب في الرأس، بل لا يوجب اللفظ حينئذٍ أكثر من ظهوره فيه في الجملة.
ووزان هذا، أن تقول (اشتعل البيت ناراً) أو تقول (اشتعل النار في البيت) فكم بينهما من فرق؟
قال: ونظير هذا التنزيل قوله عزّ وجلّ: ( وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً ) (1) ، التفجير للعيون في المعنى، وأُوقع على الأرض في اللفظ، كما أُسند هناك الاشتعال إلى الرأس، وقد حصل بذلك مِن معنى الشمول هاهنا مثل ما هناك؛ وذلك أنّه أفاد أنّ الأرض قد صارت كلّها عيوناً، وأنّ الماء يفور من كل جوانبها، أمّا لو قلنا: (فجّرنا عيون الأرض) أو (العيون في الأرض) لزال هذا المعنى وزالت هذه الروعة في المبالغة القريبة (2) .
* * *
ونظيره في الروعة قوله تعالى - يصف العلاقة الجنسية بأرفع أُسلوب وبكلمة رقيقة مهذّبة فريدة لا تجد لها مثيلاً ولا بديلاً -: ( فَلَمّا تَغَشّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَت دَعَوَا اللّهَ رَبّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنّ مِنَ الشّاكِرِينَ ) (3) .
إنّها استعارة من أبدع الاستعارات وأرفعها تعبيراً عن أمر يقبُح التصريح به، كلمة رقيقة مهذّبة، لم تعرفها العرب من ذي قبل، فجاءت طريفة في نوعها وظريفة في أُسلوبها (4) .
____________________
(1) القمر: 12.
(2) دلائل الإعجاز: ص69 - 70.
(3) الأعراف: 189.
(4) راجع محاولة لفهم عصريّ للقرآن لمصطفى محمود: ص17.
فقد استُعير التغشّي كناية عن عمل جنسي، يُشبع غريزة فطرية، ويَحول دون الهلع إلى الفحشاء، فيوجب عفافاً وستراً كريماً يُغطّي مطاليب الجسد في جوّ نزيه طاهر، وهذا هو الإحصان واللباس الساتر دون كشف العورات، ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) (1) ، فالرجل عندما يقوم بعملية جنسية فإنّه يُغشّي زوجه بثوب فضفاض من العفاف الشامل، ويُغطيها بلباس التقوى حافظاً لها وساتراً عليها، برفقٍ ولطفٍ كريم، فما أرقّه من تعبير وأروعه من أُسلوب!
3 - أصلية وتبعية:
إذا كانت الاستعارة في أسماء الأجناس - سواء في الذوات كالأسد للشجاع والحمار للبليد، أم في المعاني كالقتل للضرب المرهق والسحق لإبطال أمر أو إنكاره - وكذا في أسماء الأعلام - إذا كانت بتأويل أسماء الأجناس، بأن كانت لها جهة وصفية معروفة، كحاتم للجواد وما دَرَّ للبخيل أو اللئيم - كانت الاستعارة في مثل ذلك كلّه أصلية؛ نظراً لأنّ الاستعارة وقعت في نفس الاسم.
وأمّا في الأفعال والمشتقّات وكذا الحروف فإنّ الاستعارة فيها تبعية، قال التفتازاني: وإنّما كانت تبعية؛ لأنّ الاستعارة تعتمد على التشبيه، والتشبيه يقتضي كون المشبّه موصوفاً بوجه الشبه أو مشاركاً للمشبّه به في وجه الشبه، وإنّما يصلح للموصوفية الحقائق، أي الأُمور المتقرّرة الثابتة (2) .
فالتشبيه في الفعل والمشتقّ إنّما هو في مصدرهما، وفي الحرف فيما تعلّق به معناه، قال صاحب المفتاح: المراد بمتعلّقات معاني الحروف ما يُعبّر بها عنها عند تفسير معانيها، مثل قولنا: (من) معناها ابتداء الغاية، و(في) معناها الظرفية، و(كي) معناها الغرض، فهذه ليست معاني الحروف، وإلاّ لم تكن حروفاً؛ لأنّ الاسمية والحرفية إنّما هي باعتبار المعنى، وإنّما هي متعلّقات لمعانيها، أي إذا
____________________
(1) البقرة: 187.
(2) المطوّل: ص372.
أفادت هذه الحروف معاني فإنّ تلك المعاني ترجع إلى هذه بنوع استلزام (1) .
والاستعارة الرائعة هي التي تكون تبعية، فيها دقّة وارتفاع وروعة، وهي التي تجدها موفورة في القرآن الكريم، ومرّت عليك بعض أمثلتها، وسنزيد.
4 - تجريد وترشيح:
قال السكاكي: اعلم أنّ الاستعارة في نحو (عندي أسد) إذا لم تُعقّب بصفات أو تفريع كلام لا تكون مجرّدة ولا مرشّحة، وإنّما يلحقها التجريد أو الترشيح إذا عُقّبت بذلك.
ثمّ إنّ الضابط هناك أصل واحد، وهو: أنّه متى عُقّبت الاستعارة بصفات ملائمة للمستعار له، أو تفريع كلام ملائم له، سُمّيت مجرّدة. ومتى عُقّبت بصفات (2) ، أو تفريع كلام ملائم للمستعار منه، سُمّيت مرشّحة.
مثالها في التجريد أن تقول: ساورت أسداً شاكي السلاح طويل القناة صقيل العَضب (3) ، وجاورت بحراً ما أكثر علومه وما أجمعه للحقائق وما أوقفه على الدقائق.
ومثالها في الترشيح أن تقول: ساورت أسداً هصوراً عظيم اللبدتين وافي البراثن منكر الزئير (4) ، وجاورت بحراً زاخراً يتلاطم أمواجه ولا يغيض فيضه ولا يُدرك قعره.
قالوا: والترشيح أبلغ من التجريد وغيره؛ لأنّ مبناه على تناسي التشبيه وادّعاء أنّ المستعار له عين المستعار منه لا أنّه مشبّه به، وهو تحقيق في مبالغة
____________________
(1) المطوّل: ص374، وراجع مفتاح العلوم للسكاكي: ص180.
(2) قال، وأعني بالصفات الوصف المعنوي كيف كان لا الصفات النحوية، (المفتاح: ص182).
(3) العَضب: السيف القاطع.
(4) الهَصر: الكَسر، والأسد هصور؛ لأنّه يَهصر فريسته، والزئير: صوت الأسد.
التشبيه وتأكيد وتزيين لها، كما قاله التفتازاني (1) .
قال السكاكي: ومبنى الترشيح على تناسي التشبيه وصرف النفس عن توهّمه حتى تبالي أن تبني على علوّ القدر وسمّو المنزلة، بناءك على العلوّ المكاني، كما فعل أبو تمّام إذ قال:
ويَصعدُ حتى يظنّ الجهولُ |
بأنّ له حاجةً في السماءِ |
وقال ابن الرومي بشأن: نوبخت:
أعلمُ الناسِ بالنجوم بَنو نو |
بخت عِلماً لم يأتِهم بالحسابِ |
|
بل بأنْ يُشاهدوا السماءَ سُموّاً |
بترقّ في المَكرماتِ الصِعابِ |
|
مبلغٌ لم يكن لِيبلغه الطا |
لبُ إلاّ بتلكمُ الأسبابِ |
وتلزم المستعار له ما يلزم المستعار منه مِن التعجّب وغيره ممّا لا يليق إلاّ بالمستعار منه، كما قال الشاعر:
لا تَعجَبوا مِن بِلى غِلالته |
قد زرَّ أزرارَهُ على القمرِ |
أَوَ ما ترى هؤلاء، كيف نبذوا أمر التشبيه وراء ظهورهم، كيف نسوا حديث الاستعارة، كأن لم تخطر منهم على بال، ولا رأوها ولا في طيف خيال.
وإذا كانوا مع التشبيه والاعتراف بالأصل يُسوّغون أن لا يبنوا إلاّ على الفرع، كما في قولهم:
هي الشمسُ مسكنُها في السماءِ |
فعزِّ الفؤادَ عزاءً جميلا |
|
فلن تستطيعَ إليها الصعودَ |
ولن تستطيعَ إليكَ النزولا |
فهم إلى تسويغ ذلك مع جحد الأصل في الاستعارة أقرب (2) .
ومن الاستعارة المجرّدة قوله تعالى: ( فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ) (3) ، استُعير اللباس لِما يبدو على الجوع الخوف من الضرّ والبؤس، ورثاثة الهيئة
____________________
(1) المطوّل: ص378.
(2) مفتاح العلوم: ص183.
(3) النحل: 112.
وانتقاع اللون وما شابه ذلك، وكانت استعارة اللباس بالنظر إلى شمول حالة الذلّ والمَسكَنة لهم؛ لتكون الاستعارة ذات فائدة معنوية بديعة، لا لمجرّد التوسعة في الكلام.
قال التفتازاني: وإنّما لم يقل: (طعم الجوع...) وإن لاءم الإذاقة، فهو مُفوّت لِما يفيده لفظ اللباس من بيان أنّ الجوع والخوف عمّ أثرهما جميع البدن عموم الملابس (1) .
ثمّ اقترنت هذه الاستعارة بما يلاءم المستعار له، فقال: (فأذاقها)، ولم يقل: (فكساها) - حتى يكون ترشيحاً وهو أبلغ من التجريد - لأنّ الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس، دون العكس، وفي الإذاقة إشعار بشدّة الإصابة والتأليم، وهذا هو السرّ في العدول من الترشيح إلى التجريد.
ومن الترشيح قوله تعالى: ( أُولئِكَ الّذِينَ اشْتَرَوُا الضّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ ) (2) استُعير الاشتراء لمطلق الاستبدال والاختيار، ثمّ فرّع عليها ما يلائم الاشتراء من الربح والتجارة.
5 - تكنية وتخييل:
قد يُضمر التشبيه في النفس، فلا يُذكر سوى المشبّه، على خلاف سائر الاستعارات المذكور فيها المشبّه به، لكن مع الاقتران بشيء من خصائص المشبّه به دليلاً على التشبيه، فتقول: رأيت رجلاً، وأنت قد توهّمته سبُعاً، فتُلحق به قولك: يفترس أقرانه، فتذكر الافتراس دليلاً على ذلك التشبيه المتوهّم.
وقد اصطلحوا على تسمية ذلك التشبيه المضمر بالاستعارة المكنّى عنها، وتسمية ما يقترن معها من خصائص المشبّه به دليلاً على التشبيه بالاستعارة التخييلية؛ ومِن ثَمّ كانت الاستعارتان متلازمتين.
____________________
(1) المطوّل: ص378.
(2) البقرة: 16.
وعدّوا هذا النوع من الاستعارة (التكنية والتخييل) من أبدع أنواع الاستعارات روعةً وجمالاً؛ حيث موضع ذلك التصوّر النفسي البديع، وكلّما كان ما تصوّره الوهم أوفى بواقعية الأمر وأبلغ كانت الاستعارة أبهى وأجمل.
قال السكاكي: الاستعارة بالكناية أن تَذكر المشبّه وتضيف إليه شيئاً من لوازم المشبّه به على سبيل الاستعارة التخييلية. فتقول: مخالب المنيّة نَشبت بفلان، طاوياً لذكر المشبّه به، فقد شَبّهت المنيّة بالسبُع في اغتيال النفوس وانتزاع أرواحها بالقهر والغَلبة، من غير تفرقة بين نفّاعٍ وضرّارٍ، ولا رقّة لمرحوم ولا بُقيا على ذي فضيلة، تشبيهاً بليغاً حتى كأنّها سبُع من السباع، فيأخذ الوهم في تصويرها في صورة السبع واختراع ما يلازم صورته ويتمّ بها مشاكلته من أعضاء وجوارح، وعلى الخصوص ما يكون قوام اغتيال السبع للنفوس بها، وتمام افتراس الفرائس بها، من الأنياب والمخالب، ثمّ تُطلق على مخترعات و همك أسامي من المتحقق؛ لتفيض عليها تلك الصورة الوهمية.
وهكذا إذا شبّهت الحال في دلالتها على أمر بإنسان يتكلّم، فيعمل الوهم في الاختراع للحال ما يكون قِوام التكلّم به، وهو تصوير صورة اللسان، ثمّ تُطلق عليه اسم اللسان المتحقق وتضيفه إلى الحال، قائلاً: لسان الحال ناطق بكذا.
أو أن تُشبّه ولاية أمر صادفتها واقعة تحت مشيئة امرؤ، وتابعة لرأيه يتصرّف فيها كيف يشاء، بالناقة المنقادة التابعة لمستتبعها كيف أراد، فتُثبت لها في الوهم ما هو قِوام ظهور انقياد الناقة به، وهو صورة الزِمام، فتُطلق عليها اسم الزِمام المتحقق، قائلاً: زِمام الحُكم بيد فلان.
قال: وقد ظهر أنّ الاستعارة بالكناية لا تنفكّ عن الاستعارة التخييلية أبداً (1) .
____________________
(1) مفتاح العلوم: ص178 - 179.
6 - الاستعارة التمثيلية:
قال جلال الدين السيوطي: التشبيه من أعلى أنواع البلاغة وأشرفها، واتّفق البلغاء على أنّ الاستعارة أبلغ من التشبيه، فالاستعارة أعلى مراتب الفصاحة، وكذا الكناية أبلغ من التصريح، والاستعارة أبلغ من الكناية، فقد تصدّرت الاستعارة أعلى مراتب بلاغة البيان وأفصحها.
وأبلغ أنواع الاستعارة هي التمثيلية؛ لأنّها تنفث في التشبيه روح الحقيقة، وتُفضي عليها الحركة والحياة، فيتناسى التشبيه، وكأنّ الحقيقة بذاتها ظهرت وأبدت معالمها... (1) .
والاستعارة التمثيلية هي من المجاز المركّب، وحقيقتها: أن تُشبّه إحدى الصورتين المنتزعتين من متعدّد بالأُخرى، ثمّ تتخيّل أنّ الصورة المشبّه بها عين الصورة المشبّهة، فتُطلق تلك على هذه إطلاقاً بالاستعارة.
كما يقال لمَن يتردّد في أمر: أراك تُقدّم رِجلاً وتُؤخّر أُخرى، فقد شبّه صورة تردّده النفسي في الإقدام والإمساك بمَن قام ليذهب فتردّد في الذهاب، فتارةً يتقدّم وأُخرى ينصرف فيتأخر (2) .
فهذا أبلغ تشبيه في تصوير حالته النفسية المضطربة، لا يستطيع الجزم والبتّ فيما يريد.
وهذا النوع من الاستعارة بل التمثيل في القرآن كثير، وقد تقدّم كثير من أمثلتها في حقل التصوير الفنّي في القرآن.
* * *
____________________
(1) معترك الأقران: ج1 ص282.
(2) المطوّل: ص379.
الكناية بمعنى الستر، تقول: كنّيت الشيء إذا سترته، ومنه الكُنية، لستر اسمه تفخيماً لمقامه.
قال السكاكي: هي ترك التصريح بذكر الشيء إلى ذكر ما يلزمه لينتقل منه إلى ملزومه (1) .
قال ابن الأثير: الكناية إذا وردت تجاذبها حقيقة ومجاز، وجاز حملها على الجانبين معاً، أَلا ترى أنّ اللمس في قوله تعالى: ( أَوْ لاَمَسْتُمْ النِّسَاءَ ) (2) كناية عن الجماع، يجوز حمله على الحقيقة وعلى الجاز، وكل منهما يصحّ به المعنى ولا يختلّ؛ لأنّ اللمس خارجاً لازم الجماع لا محالة.
والفرق بينها وبين التعريض: أنّ التعريض هو اللفظ الدالّ على الشيء من طريق المفهوم وإن لم يكن من لوازمه، كما إذا قلت لمَن تتوقع صلته: والله إنّي لَمحتاج، فإنّه تعريض بالطلب، وليس موضوعاً له لا حقيقةً ولا مجازاً، بخلاف دلالة اللمس على الجماع دلالة باللازم على الملزوم؛ ومِن ثَمّ كان التعريض أخفى من الكناية، وأبرع منها إذا وقع موقعه؛ لأنّ دلالة الكناية لفظية (دلالة الإشارة)
____________________
(1) مفتاح العلوم: ص189.
(2) النساء: 43، المائدة: 6.
ودلالة التعريض عقلية، يجب أن يتنبّه لها العقل، لا بالوضع الحقيقي ولا المجازي، وإنّما سُمّي تعريضاً؛ لأنّ المعنى منه يفهم من عرضه أي من جانبه، وعرض كل شيء جانبه (1) .
* * *
وللناس في الفَرق بين الكناية والتعريض عبارات متقاربة:
فقال الزمخشري: الكناية ذكر الشيء بغير لفظه الموضوع له، والتعريض أن يذكر شيئاً يدلّ به على شيء لم يذكره.
وقال ابن الأثير: الكناية ما دلّ على معنى يجوز حمله على الحقيقة والمجاز بوصف جامع بينهما، والتعريض: اللفظ الدالّ على معنى لا من جهة الوضع الحقيقي أو المجازي، كقول من يتوقّع صلة: والله إنّي لمحتاج، فإنّه تعريض بالطلب، مع أنّه لم يُوضع له لا حقيقةً ولا مجازاً، وإنّما فُهم من عرض اللفظ، أي جانبه.
وقال السبكي في كتاب (الإغريض في الفرق بين الكناية والتعريض): الكناية لفظ استُعمل في معناه مراداً منه لازم المعنى، فهو بحسب استعمال اللفظ في المعنى حقيقة، والتجوّز في إرادة إفادة ما لم يُوضع له وقد لا يُراد منها المعنى، بل يُعبّر بالملزوم عن اللازم، وهي حينئذٍِ مجاز.
ومن أمثلته: ( قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً ) (2) فانّه لم يُقصد إفادة ذلك؛ لأنّه معلومٌ، بل إفادة لازمه، وهو أنّهم يَرِدونها ويجدون حرّها إن لم يجاهدوا.
وأمّا التعريض فهو لفظ استُعمل في معناه للتلويح بغيره، نحو: ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) (3) نسب الفعل إلى كبير الأصنام المتّخذة آلهة، كأنّه غضب أن تُعبد الصِّغار معه، تلويحاً لعابيدها بأنّها لا تصلح أن تكون آلهة، لِما يعلمون - إذا نظروا بعقولهم - من عجز كبيرها عن ذلك الفعل، والإله لا يكون عاجزاً، فهو حقيقة أبداً.
____________________
(1) المَثَل السائر: ج3 ص52 و56.
(2) التوبة: 81.
(3) الأنبياء: 63.
وقال السكاكي: التعريض ما سيق لأجل موصوف غير مذكور، ومنه أن يُخاطب واحد ويراد غيره، وسُمّي به؛ لأنّه أُميل الكلام إلى جانب مشاراً به إلى آخر، يقال: نظر إليه يعرض وجهه، أي جانبه (1) .
* * *
قال الطيّبي: وذاك يُفعل؛ إمّا لتنويه جانب الموصوف، ومنه: ( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) (2) أي محمّد (صلّى الله عليه وآله) إعلاءً لقدره، أي أنّه العَلَم الذي لا يشتبه، وإمّا للتلطّف وبه واحترازاً عن المخاشنة، نحو: ( وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ) (3) أي ومالكم لا تعبدون، بدليل قوله: ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ، وكذا قوله: ( أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ) (4) ووجه حسنه إسماع مَن يقصد خطابه الحقّ على وجه يمنع غضبه؛ إذ لم يصرّح بنسبته للباطل، والإعانة على قبوله، إذ لم يرد له إلاّ ما أراد لنفسه.
وإمّا لاستدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، ومنه: ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (5) خوطب النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأُريد غيره؛ لاستحالة الشرك عليه شرعاً.
وإمّا للذمّ نحو: ( إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ ) (6) ، فإنّه تعريض بذمّ الكفّار، وإنّهم في حكم البهائم الذين لا يتذكّرون.
وإمّا للإهانة والتوبيخ، نحو: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) (7) ، فإنّ سؤالها لإهانة قاتلها وتوبيخه.
قال السبكي: التعريض قسمان:
قسم يُراد به معناه الحقيقي ، ويُشار به إلى المعنى الآخر المقصود كما تقدّم.
وقسم لا يُراد ، بل يُضرب مثلاً للمعنى الذي هو مقصود التعريض، كقول
____________________
(1) معترك الأقران: ج1 ص292.
(2) البقرة: 253.
(3) يس: 22.
(4) يس: 23.
(5) الزمر: 65.
(6) الرعد: 19 والزمر: 9.
(7) التكوير: 8 و9.
إبراهيم: ( بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا ) (1) (2) .
* * *
وقد جعل السكاكي التعريض قسماً من الكناية؛ إذ جعلها تعريضاً وتلويحاً ورمزاً وايماءً وإشارةً. قال: متى كانت الكناية عرضية، كقولك: المؤمن لا يؤذي أخاه المسلم، تعريضاً بمَن يتصدّى لإيذاء المؤمنين بأنّه ليس بمؤمن، فهذه كان إطلاق اسم التعريض عليها مناسباً.
وإذ لم تكن الكناية عرضية نظر، فإن كانت مسافةُ بينها وبين المكنّى عنه مسافةً متباعدةً لتوسّط لوازم كثير كما في (كثير الرماد) وأشباهه كان إطلاق اسم التلويح عليها مناسباً؛ لأنّ التلويح هو أن تُشير إلى غيرك عن بُعد.
وإن كانت ذات مسافة قريبة بقلّة اللوازم لكن مع نوع خفاء مثل قولهم (عريض القفا) و(عريض الوسادة) كان إطلاق اسم الرمز مناسباً؛ لأنّ الرمز هو أن تُشير إلى قريب منك على سبيل الخفية.
وإن كانت لا خفاء فيها كان إطلاق اسم الإيماء والإشارة عليها مناسباً (3) .
ومن لطيف الكناية وحسنها ما يأتي بلفظة (مثل) في قولك (مثلك لا يبخل) حيث نفيت عنه القبيح بأحسن وجه؛ لأنّه إذا نفاه عمّن يُماثله فقد نفاه عنه لا محالة، إذ هو بنفي ذلك عنه أجدر، وإلاّ لم يكونا متماثلين.
وعليه ورد قوله تعالى: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (4) وإن كان الله سبحانه لا مِثل له، لكنّه كناية عن نفي مشابهته لشيء بأبلغ وجه؛ لأنّ مِثله تعالى - فَرَضاً - إذا لم يكن له مثيل فهو تعالى أولى بأن لا يكون له نظير.
* * *
ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: ( أَيُحِبُ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
____________________
(1) الأنبياء: 63.
(2) معترك الأقران: ج1 ص293.
(3) مفتاح العلوم: ص190 و194.
(4) الشورى: 11.
فَكَرِهْتُمُوهُ ) (1) ، فإنّه كنّى عن الغِيبة بأكل الإنسان لحم إنسانٍ آخر مِثله، ولم يقتصر على ذلك حتى جعله ميّتاً، ثمّ جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبّة، قال ابن الأثير: فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله.
أمّا جعل الغِيبة كأكل لحوم الناس فهو شديد المناسبة جدّاً؛ لأنّها ذكر مثالب المغتاب والوقوع في عِرضه، بل والحطّ من كرامته بما يهدم شخصيّته وإيجاب النفرة منه، الأمر الذي يستدعي إبعاده عن الحياة العامّة، ولا سيّما الحياة العملية المبتنية على تبادل الثقة بين أفراد الجامعة، فلا يعتمده إنسان ولا يثق به غيره بعد حصول هذه النفرة بينه وبين سائر الناس؛ كل ذلك مغبّة فضحه بين الناس بسبب إبداء معايبه الخفية بالاغتياب، فكان كعضو أشلّ لهيكل الجامعة الإنسانية، وكان موته وشلله حينذاك سواء.
إذاً فالذي يفعله المغتاب يشبه تماماً بمَن قتل أخاه (العضو الفعّال الآخر للجامعة) واقتات على لحمه ميتاً، فما أشدّ كراهته؟ فهذا مثله.
فالغيبة إذا شاعت فإنّما هي قتل النفوس وتمزيق أعراضهم وهدم شخصيّاتهم، فما أبشعها وأدقّها تعبيراً ووفاءً بمقصود الكلام.
وكذلك قوله تعالى: ( وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لّمْ تَطَؤُوها ) (2) ، قال ابن الأثير: والأرض التي لم يطؤُوها كناية عن مناكح النساء، وهو من حسن الكناية ونادرها.
* * *
وقوله تعالى: ( أَنزَلَ مِنَ السّماءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السّيْلُ زَبَداً
____________________
(1) الحجرات: 12.
(2) الأحزاب: 27.
رَابِياً وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقّ وَالْبَاطِلَ فَأَمّا الزّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمّا مَا يَنفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ ) (1) .
قال الزمخشري: هذا مَثل ضَربه الله للحقّ وأهله والباطل وحزبه، فكنّى بالماء عن العِلم، وبالأدوية عن القلوب، وبالزَبد عن الضلال.
إنّ الماء لينزل من السماء فتسيل به الأودية، كلٌّ بقدرها، وهو بطبيعة جريه وسيلانه يلمّ في طريقه غثاء، فيطفو على وجهه صورة زَبد، هي الشكوك الحاصلة من تضارب الآراء وحجاج الخصوم، حتى ليحجب الماء أي الحقيقة في بعض الأحيان.
وقد يكون هذا الزَبد نافشٌ رابٍ منتفخ، ليبدو فخيماً في شكله وظاهر صورته، ولكنّه في حقيقته غثاء، أمّا الماء من تحته فهو ساربٌ ساكنٌ هادئ، لكنّه الماء الحامل للخير والحياة، وسرعان ما تنصع حقيقته الصافية، وينقشع عن وجهه غبار الأوهام.
كذلك يُتصوّر في المعادن والفلزّات التي تُذاب لتصاغ منها الحُلي أو الأواني والآلات النافعة للحياة، فإنّها عند الذوبان يطفو عليها الخبث وقد يحجب وجه الفلزّ الأصيل، ولكنّه بعدُ خبثٌ يذهب جفاء، ويبقى الفلزّ نقيّاً خالصاً نافعاً في الحياة.
وذلك مثل الحقّ يُجلّله غبار الباطل أحياناً، لكنّه لا يلبث أن ينصدع فتتجلّى الحقيقة ناصعةً بيضاء لامعة. ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) ومِن ثَمّ عقّبه بقوله: ( وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ) (2) تصف ألسنتكم الكذب من تشكيك وأوهام وخرافات (3) .
للكناية فوائد وحِكم ذكرها أرباب البيان، ولخّصها جلال الدين السيوطي في
____________________
(1) الرعد: 17.
(2) الأنبياء: 18.
(3) الكشّاف: ج2 ص523، المَثل السائر: ج3 ص63، في ظِلال القرآن: ج5 ص85.
ستة وجوه:
أحدها: التنبيه على عِظَم القدرة، نحو ( هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ) (1) كناية عن آدم (عليه السلام) فإنّ إخراج الذرّ الكثير من أصل واحد دليل على عظمة الصانع تعالى وقدرته الخارقة، فلو كان صرّح باسمه (عليه السلام) لكانت إشادة بشأنه بالذات.
ثانيها: ترك اللفظ إلى ما هو أجمل، نحو: ( إِنّ هذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ ) (2) ، فكنّى بالنعجة عن المرأة كعادة العرب في ذلك؛ لأنّ ترك التصريح بذِكر المرأة أجمل منه، ولهذا لم تذكر في القرآن امرأة باسمها إلاّ مريم.
قال السهيلي: وإنّما ذكرت (مريم) باسمها على خلاف عادة الفصحاء؛ لنكتة، وهي أنّ الملوك والأشراف لا يذكرون حرائرهم في ملأ، ولا يبتذلون أسماءهنّ، بل يُكنّون عن الزوجة بالفَرس والعيال ونحو ذلك، فإذا ذكروا الإماء لم يكنّوا عنهنّ ولم يصونوا أسماءهنّ عن الذِكر، فلمّا قالت النصارى في مريم ما قالوا صرّح الله باسمها، ولو لم يكن تأكيداً للعبودية التي هي صفة لها و تأكيداً لأنّ عيسى لا أب له، وإلاّ لنسب إليه.
ثالثها: أن يكون في التصريح ممّا يستقبح ذكره، ككناية الله عن الجماع بالملامسة والمباشرة والإفضاء والرَفث والدخول والسرّ في قوله: ( وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً ) (3) والغشيان في قوله: ( فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ) (4) .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: المباشرة الجماع، ولكن الله يكنّي، وأخرج عنه، قال: إنّ الله كريم يُكنّي ما شاء، وإنّ الرفث هو الجماع.
وكنّى عن طلبه بالمراودة في قوله: ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ ) (5) ، وعنه أو عن المعانقة باللباس في قوله: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) (6)
____________________
(1) الأعراف: 189.
(2) ص: 23.
(3) البقرة: 235.
(4) الأعراف: 189.
(5) يوسف: 23.
(6) البقرة: 187.
وبالحرث في قوله: ( نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ) (1) .
وكنّى عن البول ونحوه بالغائط في قوله ( أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ ) (2) ، وأصله المكان المطمئنّ من الأرض.
وكنّى عن قضاء الحاجة بأكل الطعام في قوله في مريم وابنها: ( كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ ) (3) .
وكنّى عن الأستاه بالأدبار في قوله: ( يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ) (4) ، أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في هذه الآية قال: يعني أستاههم، ولكنّ الله يُكنّي ما شاء.
* * *
وأورد على ذلك التصريح بالفرج في قوله: ( وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا ) (5) .
وقوله: ( أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ) (6) .
وأُجيب بأنّ المراد به فرج القميص، والتعبير به من لطيف الكنايات وأحسنها، أي لم يعلّق بثوبها ريبة، فهي طاهرة الثوب، كما يقال: نقيّ الثوب، وعفيف الذيل كناية عن العفّة، ومنه: ( وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ) (7) ، وكيف يُظنّ أنّ نفخ جبريل وقع في فرجها، وإنّما نَفخ في جيب درعها. ونظيره أيضاً ( وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ ) (8) .
قال الفرّاء: والفرج هاهنا: جيب درعها، وذُكر أنّ جبرائيل (عليه السلام) نفخ في جيبها. وكل ما كان في الدرع من خَرق أو غيره يقع عليه اسم الفرج، قال الله تعالى: ( وَمَا لَهَا
____________________
(1) البقرة: 223.
(2) المائدة: 6.
(3) المائدة: 75.
(4) الأنفال: 50.
(5) الأنبياء: 91.
(6) التحريم: 12.
(7) المدّثر: 4.
(8) الممتحنة: 13.
مِنْ فُرُوجٍ ) (1) يعني السماء من فطور ولا صدوع (2) .
وقال في موضع آخر: ذكر المفسّرون أنّه جيب درعها، ومنه نُفخ فيها (3) ودرع المرأة قميصها، وهكذا قال السيد شبّر والطبرسي وغيرهما من أعلام المفسّرين (4) .
قال الراغب: الفرج والفرجة: الشقّ بين الشيئين كفرجة الحائط، والفرج: ما بين الرجلين. وكنّى به عن السَوأَة، وكثُر استعماله حتى صار كالصريح فيه.
قلت: وإطلاق الفرج على الجيب باعتبار أنّه الشقّ الواقع بين جانبي الدرع، إطلاق على أصله، وكنّى به عن السَوأَة، سواء أكانت من الرجال أم من النساء، كما في قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) (5) ، (6) ، ( وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ ) (7) .
وحفظ الفرج كناية عن التحفّظ على طهارته وأن لا يتدنّس باقتراب قذارة أو يتلوّث بارتكاب حرام، كناية بليغة عن التعفّف واجتناب الفحشاء.
وعليه فحصانة الفرج كناية عن طهارة الذيل، الذي هو بدوره كناية عن التعفّف، ومِن ثَمّ فيه كناية عن كناية نظير المجاز عن المجاز، فتدبّر، فانّه لطيف.
* * *
رابعها: قصد المبالغة والبلاغة، نحو قوله تعالى: ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) (8) ، كنّى عن النساء بأنهنّ يَنشأنَ في الترفّه والتزيّن والشواغل عن النظر في الأُمور ودقيق المعاني، ولو أتى بلفظ النساء لم يُشعر بذلك، والمراد نفي ذلك عن الملائكة، وقوله: ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) (9) كناية عن
____________________
(1) ق: 6.
(2) معاني القرآن: ج3 ص169.
(3) معاني القرآن: ج2 ص210.
(4) مجمع البيان: ج7 ص62 وج10 ص319، تفسير شبّر: ص321 وص524.
(5) المؤمنون 5، المعارج: 29.
(6) النور: 30 و31.
(7) الأحزاب: 35.
(8) الزخرف: 18.
(9) المائدة: 64.
سعة جوده وكرمه جدّاً.
خامسها : قصد الاختصار، كالكناية عن ألفاظ متعدّدة بلفظ (فعل)، نحو: ( لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (1) ، ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ) (2) أي فإن لم تأتوا بسورة من مثله.
سادسها: التنبيه على مصيره، نحو قوله تعالى: ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ) (3) أي جهنّميّ مصيره إلى اللهب. وقوله: ( حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ ) أي نمّامة، مصيرها إلى أن تكون حطباً لجهنّم في جيدها غلّ.
* * *
قال بدر الدين ابن مالك في المصباح (4) : إنّما يعدل عن الصريح إلى الكناية لنكتة، كالإيضاح أو بيان حال الموصوف، أو مقدار حاله، أو القصد إلى المدح أو الذم، أو الاختصار، أو الستر، أو الصيانة، أو التعمية، أو الألغاز، أو التعبير عن الصعب بالسهل، أو عن المعنى القبيح باللفظ الحسن.
* * *
واستنبط الزمخشري نوعاً من الكناية غريباً، وهو أن تعمد إلى جملة معناها على خلاف الظاهر، فتأخذ الخلاصة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز، فتُعبّر بها عن المقصود، كما تقول في نحو: ( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) (5) . إنّه كناية عن المُلك، فإنّ الاستواء على السرير لا يكون إلاّ مع المُلك، فجُعل كناية عنه، وكذا قوله: ( وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
____________________
(1) المائدة: 79.
(2) البقرة: 24.
(3) المسد: 1.
(4) المصباح في تلخيص المفتاح لمحمّد بن عبد الله بن مالك الملقّب بابن الناظم أحد أئمة النحو والمعاني والبديع، توفي سنة 686 (طبقات الشافية: 5 - 41).
(5) طه: 5.
بِيَمِينِهِ ) (1) كناية عن عظمته وجلاله من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتي الحقيقة والمجاز (2) .
قال - عند الكلام عن آية طه -: لمّا كان الاستواء على العرش - وهو سرير المُلك - ممّا يَردف المَلِك جعلوه كناية عن المُلك، فقالوا: استوى فلان على العرش، يريدون: مَلِك، وإن لم يقعد على السرير البتة، وقالوه أيضاً؛ لشهرته في ذلك المعنى ومساواته (مُلك) في مؤدّاه، وإن كان أشرح وأبسط وأدلّ على صورة الأمر.
قال: ونحوه قولك: يد فلان مبسوطة، ويد فلان مغلولة، بمعنى أنّه جواد أو بخيل، لا فرق بين العبارتين إلا فيما قلت، حتى أنّ مَن لم يبسط يده قطّ بالنوال أو لم تكن له يد رأساً قيل فيه: يده مبسوطة، لمساواته عندهم مع قولهم: هو جواد... ومنه قوله عزّ وجلّ: ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) (3) أي هو بخيل، ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) (4) أي هو جواد... من غير تصوّر يد ولا غلّ ولا بسط.
قال: والتفسير بالنعمة، والتمحّل للتثنية، مِن ضيق العطن، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام (5) .
وقال عن آية الزمر: والغرض من هذا الكلام - إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه - تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو جهة مجاز.
قال: وزبدة الآية وخلاصتها هي الدلالة على القدرة الباهرة، وأنّ الأفعال العظام التي تتحيّر فيها الأفهام والأذهان ولا تكتَنهها الأوهام هيّنة عليه، هواناً لا يوصل السامع إلى الوقوف عليه، إلاّ إجراء العبارة في مثل هذه الطريقة من
____________________
(1) الزمر: 67.
(2) الإتقان: ج3 ص145 - 146.
(3) المائدة: 64.
(4) المائدة: 64.
(5) الكشّاف: ج3 ص52.
التخييل.
قال: ولا ترى باباً في علم البيان أدقّ ولا أرقّ ولا ألطف من هذا الباب، ولا انفع وأعون على تعاطي تأويل المشتبهات من كلام الله تعالى في القرآن وسائر الكتب السماوية وكلام الأنبياء، فإنّ أكثره وعليّته (1) تخييلات، قد زلّت فيها الأقدام قديماً، وما أتى الزالّون إلاّ من قلة عنايتهم بالبحث والتنقير، حتى يعلموا أنّ في عداد العلوم الدقيقة علماً لو قدّروه حقّ قدره، لَما خفي عليهم أنّ العلوم كلها مفتقرة إليه وعيال عليه؛ إذ لا يحلّ عقدها المؤربة ولا يفكّ قيودها المكربة إلاّ هو. وكم آية من آيات التنزيل وحديث من أحاديث الرسول قد ضيم وسيم الخسف بِلا تأويلات الغثّة والوجوه الرثّة؛ لأنّ مَن تأوّل ليس مِن هذا العلم في عِير ولا نفير، ولا يعرف قبيلاً منه من دبير (2) .
* * *
ومن أنواع البديع التي تشبه الكناية: الأرادف، وهو أن يريد المتكلّم معنى فلا يُعبّر عنه بلفظه الموضوع له، ولا بدلالة الإشارة، بل بلفظ يُرادفه، كقوله تعالى: ( وَقُضِيَ الأَمْرُ ) (3) . والأصل: وهلك مَن قضى اللهُ هلاكه، ونجا مَن قضى الله نجاته، وعدل عن لفظ ذلك إلى الأرداف؛ لِما فيه من الإيجاز والتنبيه على أنّ هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع، وقضاء مَن لا يُردّ قضاؤه يدلّ على قدرة الآمر به وقهره، وأن الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يَحضّان على طاعة الآمر، ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاص.
وكذا قوله: ( اسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ) (4) ، حقيقة ذلك: جلست، فعدل عن اللفظ الخاص بالمعنى إلى مرادفه؛ لِما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكّن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ الجلوس.
____________________
(1) أي معظمه.
(2) الكشّاف: ج4 ص142 - 143.
(3) البقرة: 210.
(4) هود: 44.
وكذا قوله: ( فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ) (1) ، أي عفيفات، وعدل عنه للدلالة على أنّهنّ مع العفّة لا تطمح أعينهنّ إلى غير أزواجهنّ، ولا يشتهينّ غيرهم، ولا يُؤخذ ذلك من لفظ العفّة.
قال بعضهم: والفرق بين الكناية والأرداف أنّ الكناية انتقال من لازم إلى ملزوم، والأرداف من مذكور إلى متروك.
ومن أمثلته أيضاً: ( لِيَجْزِيَ الّذِينَ أَسَاءوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ) (2) عدل في الجملة الأُولى عن قوله (بالسُّوأى) مع أنّ فيه مطابقة كالجملة الثانية إلى ( بِمَا عَمِلُوا ) تأدّباً أن يُضاف السوء إلى الله تعالى (3) .
* * *
____________________
(1) الرحمن: 56.
(2) النجم: 31.
(3) معترك الأقران: ج1 ص287 - 291.
من روائع بدائع كلام الله المجيد:
هناك الكثير من لطائف البدائع، ترفع من شأن الكلام وتُعظم من قدره، وليست مجرّد تحسين لفظ أو تحبير عبارة، بل هي من عمود البلاغة وأُسّ الفصاحة ومن براعة البيان، وقد مُلئ القرآن من باقات زهورها وطاقات بدورها، وهي إلى الازدياد كلّما أُمعن النظر ودُقّق الفكر، أقرب منها إلى الانتهاء، وكان ينبغي التنبّه لطرائفها والتطلّع على ظرائفها، تتميماً لفوائد سبقت وتكميلاً لفرائد سلفت،كانت لا يُحصى عددها ولا ينتهي أمدها، فلله درّه من عظيم كلام وفخيم بيان، وإليك منها نماذج:
الالتفات أو التفنّن في أُسلوب الخطاب
أم هو
كرّ وفرّ وتجوال، ومداورة بعنان الكلام
بل هي
فروسة العربية وشجاعة البيان
قال ابن الأثير: هو خلاصة علم البيان التي حولها يُدَندَنُ، وإليها تستند البلاغة، وعنها يُعَنعَنُ، وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان يمنةً ويسرةً، فهو يُقبل بوجهه إلى جهة تارة، وإلى جهة أُخرى تارةً أُخرى، ويُسمّى أيضاً (شجاعة
العربية)؛ لأنّ الشجاعة هي الإقدام، وذاك أنّ الرجل الشجاع يَركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورّد ما لا يتورّده غيره، وكذلك الالتفات في الكلام، فإنّ اللّغة العربية - على وفرة تفانينها وسعة مفاهيمها - تحتمل هذا التجوال ما لا تحتمله غيرها من سائر اللغات (1) .
قال السكاكي: والعرب يستكثرون من الالتفات، ويرون الكلام إن انتقل من أُسلوب إلى أُسلوب كان أدخل في القبول عند السامع، وأحسن تطرية لنشاطه، وأملأ باستدرار إصغائه، قال: وأجدر بهم في هذا الصنيع، أَفتراهم يُحسنون قِرى الأضياف بتلوين الطعام، وهم أبدان وأشباح، ولا يُحسنون قِرى النفوس والأرواح بتنويع الكلام؟! والكلام كلّما ازداد طراوةً كان أشهى غذاءً للروح وأطيب قِرىً للقلوب.
قال: وهذا الوجه - وهو تطرية نشاط السامع - هو فائدة العامّة، وقد يختصّ مواقعه بلطائف معانٍ، قلّما تتّضح إلاّ لأفراد بلغائهم أو للحُذّاق في هذا الفنّ والعلماء النحارير، ومتى اختصّ موقعه بشيء من اللطائف والظرائف كساه فضلَ بهاءً ورونق ورواء، وأورث السامع زيادة هزّة ونشاط، ووجد عنده من القبول أرفع منزلة ومحل، إن كان ممّن يسمع ويعقل، وقليل مّا هم، أم تحسب أنّ أكثرهم يسمعون أو يعقلون؟!
قال: ولأمر مّا وقع التباين الخارج عن الحدّ بين مفسّرٍ لكلام ربّ العزّة ومفسّر، وبين غوّاص في بحر فوائده وغوّاص.
وكل التفات وارد في القرآن الكريم، متى صِرت مِن سامعيه، عرّفك ما موقعه، وإذا أحببت أن تصير من سامعيه فأصخ ثمّ، ليُتلى عليك:
قوله تعالى: ( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) .
أليس إذا أخذت في تعديد نِعَم المولى - جلّت آلاؤه - مستحضراً لتفاصيلها
____________________
(1) المَثل السائر: ج 2 ص 170.
أحسست من نفسك بحالة كأنّها تُطالبك بالإقبال على مُنعمِك، وتُزيّن لك ذلك، ولا تزال تتزايد ما دمت في تعديد نِعمه، حتى تَحملك من حيث لا تدري على أن تجدك وأنت معه في الكلام تُثني عليه وتدعو له وتقول: بأيّ لسان أشكر صنائعك الروائع، وبأيّة عبارة أحصر عوارفك الذوارف (1) ، وما جرى هذا المجرى...
وإذا وعيت ما قصصته عليك وتأمّلت الالتفات في ( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) - بعد تلاوتك لما قبله ( اَلْحَمْدُ للّهِِ رَبّ الْعالَمِينَ * الرّحْمنِ الرّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدّينِ ) - على الوجه الذي يجب، وهو التأمّل القلبي، علمت ما موقعه، وكيف أصاب المَحزّ (2) وطبّق مفصل البلاغة؛ لكونه منبّهاً على أنّ العبد المنعم عليه بتلك النِعم العظام إذا قدّر أنّه ماثل بين يدي مولاه، مِن حقّه إذا أخذ في القراءة أن تكون قراءته على وجه يجد معها من نفسه شبه محرّك إلى الإقبال على مَن يحمده، صائر في أثناء القراءة إلى حالة شبيهة بإيجاب ذلك عند ختم الصفات، مستدعية انطباقها على المُنزّل على ما هو عليه، وإلاّ لم يكن قارئاً.
والوجه: هو إذا افتتح التحميد أن يكون افتتاحه عن قلب حاضر ونفس ذاكرة، يعقل فيم هو؟ وعند مَن هو؟ فإذا انتقل من التحميد إلى الصفات، أن يكون انتقاله محذوّاً به حذوَ الافتتاح، فإنّه متى افتتح على الوجه الذي عرفت، مُجرياً على لسانه (الحمد لله) ، أَفلا يجد مُحرّكاً للإقبال على مَن يحمد، مِن معبود عظيم الشأن، حقيق بالثناء والشكر، مستحقّ للعبادة؟
ثمّ إذا انتقل على نحو الافتتاح إلى قوله: (ربّ العالمين) واصفاً له بكونه ربّاً مالكاً للخلق، لا يخرج شيء من ملكوته وربوبيّته، أَفترى ذلك المحرّك لا يقوى؟
ثمّ إذا قال: (الرّحمن الرّحيم) فوصفه بما يُنبئ عن كونه مُنعماً على الخلق بأنواع النعم، جلائلها ودقائقها، مصيباً إيّاهم بكل معروف، أفلا تتضاعف قوّة ذلك
____________________
(1) العوارف: جمع العارفة بمعنى المعروف. والذوارف: جمع الذارفة، من الذرف بمعنى الانصباب.
(2) الحزّ: القطع. والمَحزّ: موضع الذبح.
المحرّك عند هذا؟
ثمّ إذا آل الأمر إلى خاتمة هذه الصفات، وهي (مالك يوم الدين) المنادية على كونه مالكاً للأمر كله في العاقبة يوم الحشر للثواب والعقاب، فما ظنّك بذلك المحرّك، أيسع ذهنك أن لا يصير إلى حدّ يوجب عليك الإقبال على مولى، شأن نفسك معه منذ افتتحت التحميد ما تصوّرت، فتستطيع أن لا تقول: (إيّاك، يا من هذه صفاته، نعبد ونستعين، لا غيرك) فلا ينطبق على المُنزل على ما هو عليه؟
وأخيراً قال: واعلم أنّ لطائف الاعتبارات المرفوعة لك في هذا الفن، من تلك المطامح النازحة من مقامك لا تثبتها حقّ إثباتها، ما لم تمترِ بصيرتك في الاستشراف لِما هنالك أطياء المجهود، ولم تختلف في السعي للبحث عنها وراءك كل حدّ معهود... وعلماء هذه الطبقة الناظرة بأنواع البصائر، المخصوصون بالعناية الإلهية المدلّلُون بما أُوتوا مِن الحكمة وفصل الخطاب.
على أنّ كلام ربّ العزّة - وهو قرآنه الكريم وفرقانه العظيم - لم يكتسِ تلك الطلاوة، ولا استودع تلك الحلاوة، وما أغدقت أسافله، ولا أثمرت أعاليه، وما كان بحيث يعلو ولا يُعلى، إلاّ لانصبابه في تلك القواليب، ولوروده على تلك الأساليب (1) .
وقيل - زيادة على ما مرّ -: إنّ من لطائفه التنبيه على أنّ مبتدأ الخلق الغيبة عنه سبحانه، وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته، وقيام حجاب العظمة عليهم، فإذا عرفوه بما هو أهله وتوسّلوا للقرب بالثناء عليه، وأقرّوا له بالمحامد، وتعبّدوا له بما يليق بهم، تقرّباً إلى ساحة قدسه الكريم، فعند ذلك تأهّلوا لمخاطبته ومناجاته عن حضور، فقالوا: إيّاك نعبد، وإيّاك نستعين (2) .
____________________
(1) مفتاح العلوم (آخر الفن الثاني من علم المعاني) ص 95 - 98.
(2) معترك الأقران: ج 1 ص 382.
حدّ الالتفات وفائدته:
هو عند الجمهور: التعبير عنه بطريق من الطرق الثلاثة (التكلّم والخطاب والغيبة) بعد التعبير عنه بطريق آخر منها، وعمّمه السكاكي إلى كل تعبير وقع فيما حقّه التعبير بغيره، حسب ظاهر السياق، كالتعبير بالماضي في موضع كان حقّه الاستقبال أو الحال، أو وضع المضمر موضع المظهر أو العكس، ونحو ذلك ممّا يتحوّل وجه الكلام فجأةً على خلاف السياق (1) .
وفائدته العامّة هي تطرية نشاط السامع وصيانته عن المَلل والسآمة؛ لِما جُبلت النفوس على حبّ الانتقال وتصريف الأحوال، فتملّ من الاستمرار على منوال واحد من وجه الكلام... هذه هي فائدته العامّة السارية في جميع موارده، وتختصّ مواضعه، كلّ بنكتة وظريفة زائدة، يحلو بها البيان وتهشّ إليها النفوس وتستلذّها.
قال الزمخشري: وذلك على عادة افتنان العرب في كلامهم وتصرّفهم فيه؛ ولأنّ الكلام إذا نُقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، وإيقاظاً للإصغاء إليه، من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختصّ مواقعه بفوائد (2) .
وتنظّر ابن الأثير في هذا التبرير، قال: لأنّ الانتقال في الكلام إذا كان لأجل تطرية نشاط السامع فإنّ ذلك يدلّ على أنّه يملّ من أسلوبه فيضطرّ إلى الانتقال إلى غيره ليجد نشاطاً للاستماع. وهذا قدح في الكلام لا وصف له؛ إذ لو كان حسناً لَما مُلّ، على أن هذا لو سُلّم لكان في مطنب مطولّ، لا في مثل الالتفاتات الواقعة في تعابير موجزة وآيات قصيرة من الذكر الحكيم.
____________________
(1) أنوار الربيع: ج 1 ص 362، والمثل السائر لابن الأثير ج 2 ص 171.
(2) تفسير الكشّاف: ج 1 ص 14.
فلعلّ المقصود: هو مجرّد الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، ليكون نفس هذا هو المطلوب لا الانتقال إلى الأحسن، الأمر الذي ليس يذهب على مثل الزمخشري العارف بفنون الفصاحة والبلاغة.
قال: والوجه عندي أنّ الانتقال لا يكون إلاّ لفائدة اقتضته، وتلك الفائدة أمرٌ وراء الانتقال، وهي لا تُحدّ بحدّ، ولا تُضبط بضابط، لكن يُشار إلى مواضع منها، ليُقاس عليها غيرها، فإنّا قد رأينا الانتقال من الغَيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثمّ رأينا ذلك بعينه - وهو ضدّ الأَوّل - قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا أنّ الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، وإنّما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعّب شُعباً كثيرةً لا تنحصر، وإنّما يُؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه (1) .
ثمّ جعل يوضّح حقيقة ما في هذا الباب بضرب الأمثلة التالية:
* * *
فأمّا الرجوع من الغيبة إلى الخطاب فكقوله تعالى - في سورة الفاتحة -: ( اَلْحَمْدُ للّهِِ رَبّ الْعالَمِينَ * الرّحْمنِ الرّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدّينِ * إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّآلّينَ ) .
هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب، وممّا يختصّ به هذا الكلام من الفوائد قوله: ( إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ ) بعد قوله: ( اَلْحَمْدُ للّهِِ رَبّ الْعالَمِينَ ) ، فإنّه إنّما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب لأنّ الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك ولا تعبده! فلمّا كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسّطه مع الغيبة في الخبر، فقال: ( اَلْحَمْدُ للّهِِ ) ، ولم يقل: الحمد لك، ولمّا صار إلى العبادة - التي هي أقصى
____________________
(1) المَثل السائر: ج 2 ص 173.
الطاعات - قال: ( إِيّاكَ نَعْبُدُ ) فخاطب بالعبادة إصراحاً بها، وتقرّباً منه عزّ اسمه بالانتهاء إلى محدود منها.
وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة، فقال: ( صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فأصرح موضع التقرّب من الله بذكر نِعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفاً عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظاً، وزوى عنه لفظ الغضب تحنّناً ولطفاً.
فانظر إلى هذا الموضع وتناسب هذه المعاني الشريفة التي الأقدام لا تكاد تطأها، والأفهام مع قُربها صافحة عنها.
وهذه السورة قد انتقل في أَوّلها من الغيبة إلى الخطاب لتعظيم شأن المخاطب.
ثمّ انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة لتلك العلّة بعينها، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضاً؛ لأنّ مخاطبة المولى تبارك وتعالى بإسناد النعمة إليه تعظيمٌ لخطابه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيمٌ لخطابه.
فينبغي أن يكون صاحب هذا الفنّ من الفصاحة والبلاغة عالماً بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ( وَقَالُوا اتّخَذَ الرّحْمنُ وَلَداً * لّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ) (1) .
وإنّما قيل: ( لّقَدْ جِئْتُمْ ) وهو خطاب للحاضر، بعد قوله: ( وَقَالُوا... ) وهو خطاب للغائب، لفائدة لطيفة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجرأة على الله سبحانه، والتعرّض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنّه يُخاطب قوماً حاضرين بين يديه صاغرين منكراً عليهم وموبخاً لهم.
* * *
ومن هذا الباب قوله تعالى: ( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَكّنّاهُمْ
____________________
(1) مريم: 88 و89. والإدّ: الأَمر المنكر المثير للجلبة، من قولهم: أدّت الناقة إذا رجّعت حنينها ترجيعاً شديداً، والأديد: الجَلبة.
فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَكُمْ ) (1) ، فبدأ بالغيبة ( أَلَمْ يَرَوْا... ) وختم بالخطاب ( نُمَكّن لَكُمْ ) ، قيل: لنكتة هي: حثّ السامع وبعثه على الاستماع، حيث أقبل المتكلّم عليه، وأعطاه فضل عناية وتخصيص بالمواجهة.
ومنه أيضاً قوله تعالى: ( وَسَقَاهُمْ رَبّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً * إِنّ هذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً ) (2) ، فهو تشريفٌ لمقامهم بالحضور لديه، وتفخيمٌ لشأنهم.
ومنه: ( إِنْ أَرَادَ النّبِيّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ) (3) .
وهذا الالتفات هنا كان لأجل تخصيص الحكم بشخصه (صلّى الله عليه وآله)، فلا يعمّ المسلمين، فيما لو توهّم متوهّم أنّ ذكره كان للتمثيل لا للتخصيص.
وهذا نظير ما قالوه بشأن آية الإسراء (4) من أنّ الوجه في العدول من الغيبة إلى خطاب النفس كان؛ لتخصيص القدرة، وأنّه غير مستطاع لغيره تعالى، وهكذا هنا، إرادة لتخصيص هذا الحكم بالنبي (صلّى الله عليه وآله) دون غيره.
* * *
وممّا جاء من الالتفات مراراً على قصر متنه وتقارب طرفيه قوله تعالى: ( سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ ) .
فقال أولاً: ( سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى ) بلفظ الواحد، ثمّ قال: ( الّذِي بَارَكْنَا ) بلفظ الجمع، ثمّ قال: ( إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ ) وهو خطاب غائب، ولو جاء الكلام على مساق الأَوّل لكان: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير، وهذا جميعه يكون
____________________
(1) الأنعام: 6.
(2) الإنسان: 21 و22.
(3) الأحزاب: 50.
(4) قوله: ( سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ - إلى قوله - لِنُرِيَهُ... ) انتقالاً من الغيبة إلى التكلّم عن النفس.
معطوفاً على (أسرى)، فلمّا خولف بين المعطوف والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتّساعاً وتفنّناً في أساليب الكلام، ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ.
وقد أسهب أبن الأثير الكلام هنا وأبدع وأجاد، فالنتتبّع مقاله:
قال: وسأذكر ما سنح لي في هذه الآية الكريمة:
لمّا بدأ الكلام بـ (سبحان) ردفه بقوله: (الذي أسرى)؛ إذ لا يجوز أن يقال: الذي أسرينا. فلمّا جاء بلفظ الواحد - والله تعالى أعظم العظماء، وهو أَولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع - استدرك الأَول بالثاني، فقال: (باركنا) ، ثمّ قال: (إنّه هو) عطفاً على (أسرى) ، وذلك موضع متوسّط الصفة؛ لأنّ السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، وتلك حال متوسطة، فخرج بهما عن خطاب العظيم في نفس إلى خطاب غائب.
فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة، التي جاءت لمعانٍ اختصّت بها، يعرفها ممَن يعرفها، ويجهلها مَن يجهلها (1) .
* * *
وممّا ينخرط في هذا السلك، الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقوله تعالى: ( ثُمّ اسْتَوَى إِلَى السّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيّنّا السّماءَ الدّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) (2) .
والفائدة في هذا العدول: أنّ طائفة من الناس غير المتشرعين كانوا يعتقدون أنّ النجوم ليست في سماء الدنيا، وأنّها ليست حفظاً ورجوماً، فلمّا صار الكلام إلى هنا عدل إلى خطاب النفس؛ لأنّه مهمّ من المهمّات، فناسبه التعزيز بالاستناد إلى
____________________
(1) المَثل السائر: ج2 ص176.
(2) فصّلت: 11 و12.
النفس - وهو القادر الحكيم - ومِن ثَمّ عاد إلى الوصف بالعزّة والعلم توكيداً.
وأيضاً ممّا ينخرط في هذا السلك العدول من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة، كقوله تعالى: ( وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (1) .
وإنّما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم؛ لأنّه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة وهو يريد مناصحتهم ليتلطّف بهم ويداريهم؛ لأنّ ذلك أدخل في إمحاض النصح، حيث لا يريد لهم إلاّ ما يريد لنفسه، فقد وضع ( وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ... ) مكان: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم. بدليل ( وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ، ولولا ذلك لقال: وإليه أرجع، وقد ساق الكلام ذلك المساق البديع إلى أن قال: ( إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ) (2) .
فانظر أيّها المتأمّل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمرّ عليها في آيات الذكر الحكيم، وأنت تظنّ أنّك فهمت فحواها، واستنبطت مغزاها.
وعلى هذا الأُسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد كقوله تعالى: ( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِندِنَا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِن رَبّكَ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (3) .
وفائدة العدول في قوله ( رَحْمَةً مِن رَبّكَ ) هو تخصيص النبيّ (صلّى الله عليه وآله) بالذكر، وأنّه المقصود بالذات من هذا النزول.
قال (4) : وإذا تأمّلت مطاوي القرآن الكريم وجدت فيه مِن هذا وأمثاله الشيء الكثير، وإنّما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أُسلوبها، فيتدبّر المتدبّرون.
* * *
____________________
(1) يس: 22.
(2) يس: 25.
(3) الدخان: 1 - 6.
(4) ابن الأثير في المثل السائر: ج2 ص178.
وأمّا الرجوع من الخطاب إلى الغيبة، فكقوله تعالى: ( هُوَ الّذِي يُسَيّرُكُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلّ مَكَانٍ وَظَنّوا أَنّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنّ مِنَ الشّاكِرِينَ * فَلَمّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا ثُمّ إِلَيْنَا مَرجِعُكُمْ فَنُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُم تَعْمَلُونَ ) (1) .
انظر إلى هذا الكرّ والفرّ، والاستطراد والرجوع، والمداورة العجيبة في الكلام، فقد بدأ الحديث بخطاب الجمع، وعاد إلى الغيبة في فصل طويل، ورجع أخيراً إلى ما بدأ به أَولاً، ولكن في صورة أعمّ وأشمل، فكأنّما الناس جميعاً هم الحضور المخاطبون بهذا الكلام العام.
قال ابن الأثير: إنّما صرف الكلام هاهنا من الخطاب إلى الغيبة بهذا الشكل البديع لفائدة كبرى، هي: أنّه ذكر لغيرهم حالهم؛ ليعجّبهم منها كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم، ولو قال: حتى إذا كنتم في الفلك وجَرين بكم... الخ، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك بخافٍ على نَقَدة الكلام (2) .
وممّا ينحو هذا النحو قوله تعالى: ( إِنّ هذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ * وَتَقَطّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ) ويستمرّ الحديث عنهم بخطاب الغيبة، وينتهي إلى قوله: ( إِنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دوُنِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ) (3) .
الأصل في (تقطّعوا) تقطّعتم، إلاّ أنّه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنّه ينعى عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبّح عنهم ما
____________________
(1) يونس: 22 و23.
(2) المَثل السائر: ج2 ص181.
(3) الأنبياء: 92 - 98.
فعلوه، ويقول لهم: أَلا تَرون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعاً! وذلك تمثيل لحالة اختلافهم في الدين، وتباينهم في معرفة الصلاح من الفساد، ثمّ توعّدهم أخيراً بأنّ المرجع إليه، وسوف يجازيهم على أعمالهم، وهو شديد العقاب.
وممّا يجري هذا المجرى قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذِي لَهُ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النّبِيّ الأُمّيّ الّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (1) .
فإنّه إنّما قال: ( فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ... ) ولم يقل: فآمنوا بالله و بي... لكي يمكن إجراء الصفات عليه؛ تنبيهاً على أنّ الذي يجب اتّباعه هو هذا الإنسان المتّصف بهكذا صفات تؤهّله للإمامة وحمل رسالة الله إلى الناس... إظهاراً للنَّصفة، وبُعداً من تهمة التعصّب للنفس... فقرّر أولاً في صدر الآية أنّه رسول الله إلى الناس.
ثمّ أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين، الأول: إمكان إجراء تلك الصفات عليه.
الثاني: الخروج من تهمة حبّ الذات؛ لئلاّ يكون ممَّن يجرّ النار إلى قرصه، وهذا من لطيف البيان في المداراة مع العامّة.
* * *
ونوع آخر من الالتفات، ما يكون الانتقال فيه من الفعل المستقبل أو الماضي إلى فعل الأمر، وهذا يدخل في الحدّ الذي ذكره السكاكي: كل تعبير وقع على خلاف مقتضى السياق إذا كان لنكتة بيانية.
قال ابن الأثير: وهذا القسم كالذي قبله في أنّه ليس العدول فيه من صيغة إلى أُخرى طلباً للتوسّع ولمجرّد التفنّن في أساليب الكلام فقط، بل لأمرٍ وراء ذلك، وسرٍّ كامنٍ خلفه، فقد يقصد ذلك تعظيماً لشأن مَن أجرى عليه الفعل المستقبل
____________________
(1) الأعراف: 158.
وتفخيماً لأمره، وبالضدّ من ذلك في أجرى عليه فعل الأمر.
فممّا جاء منه قوله تعالى: ( قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * إِن نَقُولُ إِلاّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنّي أُشْهِدُ اللّهَ وَاشْهَدُوا أَنّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ ) (1) .
لم يقل: اشهد الله وأُشهدكم، وإنّما عدل إلى صيغة الأمر؛ تهاوناً بهم، فلا يتوازنوا مع الله في شهادة صدق على البراءة.
ومنه العدول عن الماضي إلى الاستقبال أو العكس، كقوله تعالى: ( وَاللّهُ الّذِي أَرْسَلَ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ ) (2) ، فقوله: (تثير) مسبوق وملحوق بالفعل الماضي؛ اهتماماً بشأنه، إرادة لاستحضار تلك الصورة البديعة الدالّة على القدرة الباهرة، وهي حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الرياح للسحب، وهكذا يفعل بكلّ أمر فيه ميزة واختصاص، كحال تُستَغرب أو تُهِمّ المخاطب أو غير ذلك.
قال ابن الأثير: العدول عن صيغة إلى أُخرى لا يكون إلاّ لنوع خصوصية اقتضت ذلك، ولا يتوخّاه إلاّ العارف برموز الفصاحة وأسرار البلاغة، وليس يوجد ذلك في كل كلام، فإنّه من أشكل ضروب علم البيان وأدقّها فهماً وأغمضها طريقاً (3) .
ونظير الآية قوله: ( فَكَأَنّمَا خَرّ مِنَ السّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرّيحُ فِي مَكَانٍ سَحيقٍ ) (4) فهو لاستحضار صورة خطف الطير إيّاه أو هويّ الريح به، وللآية تصوير فنّيّ رائع تكلّمنا عنه.
* * *
____________________
(1) الأعراف: 158.
(2) فاطر: 9.
(3) المَثل السائر: ج2 ص184.
(4) الحج: 31.
وقوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) (1) لم يقل: وصدّوا...؛ لأنّ كفرهم كان سابقاً، وإنّما المتجدّد هو الصدّ عن سبيل الله، ولا يزال مستمراً.
ومثلها قوله: ( أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً ) (2) ؛ لأنّ نزول المطر ينقطع أمّا الاخضرار فيبقى مدّة.
وقد عكس ذلك في قوله: ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السّماوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ ) (3) فالعدول إلى الماضي للدلالة على التحقّق وأنّه كائن لا محالة، ومثلها قوله: ( وَيَوْمَ نُسَيّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ) (4) .
وبجري هذا المجرى الإخبار عن المستقبل باسم المفعول، كما في قوله تعالى: ( إِنّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ) (5) .
لأنّ اسم المفعول يتضمّن معنى الفعل الماضي الدالّ على التحقّق والوقوع لا محالة، فإنّه إنّما آثر اسم المفعول الذي هو (مجموعٌ) على الفعل المستقبل الذي هو (يجمع)؛ لِما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنّه الموصوف بهذه الصفة، قال ابن الأثير: وان شئت فوازِنْ بينه وبين قوله تعالى: ( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ) (6) فإنّك تعثر على صحّة ما قلت (7) .
* * *
ونوع آخر من الالتفات، هو أشبه بباب (الاستطراد) بان يشرع المتكلّم في نوع من الكلام ويستمرّ عليه، ثمّ يخرج إلى غيره، وأخيراً يعود إلى ما كان عليه.
____________________
(1) الحج: 25.
(2) الحج: 63.
(3) النمل: 87.
(4) الكهف: 47.
(5) هود: 103.
(6) التغابن: 9.
(7) المَثل السائر: ج2 ص191.
فلنسمّيه (مداورة الكلام)، وهو من لطيف التفنّن في التعبير، كمَن يطارد صيداً فيعنّ له آخر فيطرده، ثمّ يرجع إلى الأسبق وهكذا، وقد ذكره بعضهم باسم (الاعتراض) و(الاستدراك). وعلى أيّة حال فإنّه من تداخل الفنون الجميلة ومجمع أنحاء الجمال.
ومثّلوا له بقوله تعالى: ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ ) (1) .
فقوله: ( وَلَنْ تَفْعَلُوا ) استدراكٌ جميل، وتيئيسٌ لطيف، وتبكيتٌ قاطع، فلله درّه من التفات بديع.
قال قدامة بن جعفر الكاتب (2) : أراد تعالى أن يُضمّن آية التحدّي ضرباً آخر من الإعجاز بأخباره عن عجز مطبق عن إمكان معارضته مع الأبد، ليكون جريان هذا الخبر الصادق على لسانه نبيّه، حتى إذا وقع كان عَلَماً على صدقه، فردّ المكذّبين، وثبّت المؤمنين، فقال: ( وَلَنْ تَفْعَلُوا ) قبل أن يتمّ الكلام الأَوّل. وكان يمكنه تأخير هذه الجملة... لكن لهذا التقديم تأثير بليغ في النظم، يجعل له في القلوب من الجلالة والتفخيم والرونق ما لا يعبّر عنه، ولا يُعرف لذلك سبب ظاهر إلاّ وقوع تجنيس الازدواج بقوله: ( فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا ) نظير قوله: ( فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ) (3) ، لكنّه في المعنى كان لهذا التقديم سبب أقوى، هي زيادة عَلَم من أعلام النبوّة، كانت مراعاة على الموعظة بقوله: ( فَاتَّقُوا النَّارَ ) (4) .
ونظيره قوله تعالى: ( يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التّقْوَى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ ) (5) .
____________________
(1) البقرة: 24.
(2) تُوفي سنة 337 كان يُضرب به المثل في البلاغة.
(3) البقرة: 194.
(4) بديع القرآن: ص43.
(5) الأعراف: 26.
فقوله: ( وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ) جملة معترضة أفادت تذكيراً بملازمة التقوى التي هي خير لباس الصلاح، ثمّ يعود الكلام إلى ما قبله.
قال قدامة بن جعفر: لمّا امتنّ سبحانه على البشر بما أنزل عليهم من اللباس وسهّل عليهم أمره - في سياق قصة أبيهم آدم (عليه السلام) - أراد تذكيرهم بملازمة لباس التقوى، وكان يمكنه التأخير، لكن ليحصل نوع من محاسن البديع، كما في قول الشاعر:
قالوا اقترح شيئاً نَجدْ لكَ طبخَه |
قلتُ اطبخوا لي جُبّةً وقميصا |
ففيه (المشاكلة) و(التجنيس) بكلا قسميه (جناس المزاوجة) و(جناس المناسبة) على ما شرحه القوم (1) .
* * *
قال ابن أبي الإصبع: وجاء في الكتاب العزيز من الالتفات قسم غريب جداً - لم أظفر في سائر الكلام له بمثال، هداني الله إلى العثور عليه - وهو: أن يُقدّم المتكلم في كلامه حديثاً عن أمرين يتعاقبان، ثمّ يُخبر عن الأَوّل منهما بشيء، وينصرف عنه إلى الإخبار عن الثاني، ثمّ يعود إلى الإخبار عن الأوّل، كقوله تعالى: ( إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ) . انصرف عن الإخبار عن الإنسان إلى الإخبار عن ربّه تعالى، ثمّ انصرف عنه وأخبر عن الإنسان ثانياً ( َإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (2) قال: وهذا يَحسن أن يُسمّى (التفات الضمائر) (3) .
قلت: هذا من مداورة الكلام وردّ العجز على الصدر أيضاً، الأمر الذي يحصل به بين أطراف الكلام ملاءمة وتلاحم وائتلاف، وهو من لطيف الكلام.
والآية إنّما تصلح مثالاً لذلك، بناءً على عود الضمير في ( إِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ )
____________________
(1) بديع القرآن: ص37 و44. وراجع المطوّل للتفتازاني: ص422.
(2) العاديات: 6 - 8.
(3) بديع القرآن: ص45. مع تصرف وصحّحناه على معترك الأقران: ج1 ص383.
على ( ربّه ) وهو أحد القولين (1) .
* * *
ذكر التنوخي (2) وغيره: أنّ من الالتفات نقل الخطاب من الواحد إلى الاثنين أو الجمع والعكس، كقوله تعالى: ( قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آباءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ ) (3) ، ولا شكّ أنّ الخطاب كان مع موسى (عليه السلام) ولكن هارون كان عضده ووزيره فكان المتّهم في الاستحواذ على سلطة البلاد - في نظرهم - هما معاً.
وقوله: ( فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ) (4) ، وقد مرّ أنّ العدول إلى الإفراد كان لأجل؛ مراعاة الفاصلة أَوّلاً، وثانياً لأنّ الذي يقع في المشقّة من الزوجين هو الزوج بالذات.
وقوله: ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ) (5) كان المخاطب والمسؤول الأَوّل بهذا التكليف هو موسى وهارون (عليهما السلام) غير أنّ الذي يجب عليه استقبال البيوت في الصلاة هم بنو إسرائيل كافة ومِن ثَمّ هذا العدول.
وأمثال هذه الدقائق - في كتاب الله العزيز الحميد - كثير، وإنّما يبلغها العرّافون من أهل النظر والتحقيق، وقليلٌ مّا هم.
* * *
____________________
(1) راجع الكشّاف: ج4 ص788.
(2) هو القاضي أبو القاسم علي بن محمّد الأنطاكي (278 - 342) كان من أعيان فضلاء عصره عظيماً واسع الأدب حسن الفصاحة، وكانوا يعدّونه ريحانة الندماء وتاريخ الظرفاء.
(3) يونس: 78.
(4) طه: 117.
(5) يونس: 87.
الإيجاز: هو حذف فضول الألفاظ مع الإيفاء المقصود، وهو نوع من الكلام شريف، لا يتعلّق به إلاّ فرسان البلاغة، وسُبّاق ميادين الفصاحة، ممَّن سبق إلى غايتها وما صلّى، وضرب في أعلى درجاتها بالقِدح المعلّى، وذلك؛ لعلوّ شأنه ورفيع مقامه، بل ولتعذّر إمكانه على غير أهله.
والبليغ كل البليغ من أوجز في كلامه فأوفى، واختصر في مقاله فأفاد، الأمر الذي يصعب على غير النبلاء من أرباب الفصاحة والبيان، وقد كان للقرآن منه الحظّ الأوفر والقسط الأكبر بما أثار الإعجاب وأطار بعقول ذوي الألباب.
قال ابن الأثير: والنظر في هذا الباب إلى المعاني بالذات لا إلى الألفاظ، ولستُ أعني بذلك أن تُهمل الألفاظ، بحيث تُعرّى عن أوصافها الحسنة، بل أعني أنّ مدار النظر في هذا النوع إنّما يختصّ بالمعاني، فربّ لفظ قليل يدلّ على معنىً كثير، وربّ لفظ كثير يدلّ على معنىً قليل.
ومثال هذا كالجوهرة الواحدة إلى الدراهم الكثيرة، فمَن ينظر إلى طول الألفاظ يُؤثر الدراهم لكثرتها، ومَن ينظر إلى شرف المعاني يُؤثر الجوهرة
لنفاستها؛ ولهذا سمّى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) سورة الفاتحة (أُمّ الكتاب)، وإذا نظرنا إلى مجموعها وجدناه يسيراً، لا يتناسب أن تكون (أُمّاً) لمثل سورة (البقرة) أو (آل عمران) من السور الطوال، فعلمنا أنّ ذلك لأمرٍ يرجع إلى معانيها.
وبهذه المناسبة أفاد بيان أقسام معاني القرآن بما يشتمل عليه سوره وآياته من أنحاء ستة، ثلاثة منها أُصول، وثلاثة فروع موفّرة أكثرها في الفاتحة.
أمّا الأُصول، فأحدها: التعريف بالمدعوّ إليه بما اشتمل على ذكر صفاته ونعوته.
وثانيها: التعريف بالصراط المستقيم الذي يجب سلوكه إلى الله تعالى.
وثالثاً: تعريف بعد اللقاء في نهاية المطاف.
وأمّا الفروع، فأحدها: التعريف بأحوال كل من المجيبين للدعوة والعاصين، وصُنع الله بهم من النصرة أو التدمير.
وثانيها: ذكر مجادلات الخصوم.
وثالثها: أخذ الزاد والأُهبة للاستعداد.
فهذه أنحاء ستة تدور عليها معاني القرآن الكريم، فإذا نظرنا إلى سورة الفاتحة وجدناها حاوية على أربعة من هذه الأنحاء؛ ولذلك سمّاها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أُمّ الكتاب.
كما أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال: (سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن)؛ لأنّها تحوي على اثنين من هذه الستة... ولذلك كانت آية الكرسي سيّدة آي القرآن، ويروى أنّه (صلّى الله عليه وآله) سأل أُبيّ بن كعب، فقال: (أيّ آية معك في كتاب الله أعظم؟ فقال: ( اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ... ) فضرب (صلّى الله عليه وآله) في صدره وقال: لِيَهْنك العلمُ، أبا المُنذر) وكانت كنية أُبيّ بن كعب.
قال: وكل هذا يرجع إلى المعاني، لا إلى الألفاظ، فاعرف ذلك وبيّنه لرموزه وأسراره (1) .
____________________
(1) المثل السائر: ج2 ص265 - 268.
قسما الإيجاز
والإيجاز إمّا بظاهر الحذف، في حرف أو كلمة أو جملة... ممّا يتَنبّه له اللبيب من غير كبير كلفة؛ لدلالة فحوى الكلام عليه، أو غير محذوف الظاهر، سوى أنّه من قليل اللفظ كثير المعنى. ويُسمّى إيجاز القصر.
قال ابن الأثير: والتنبّه لمواضع القصر فيه عسر جدّاً، يحتاج إلى فضل تأمّل وطور تدبّر؛ لخفاء ما يستدلّ عليه، ولا يستنبطه إلاّ مَن رست قدمه في ممارسة هذا العلم (البيان) وصار له خليقة ومَلَكة (1) .
إيجاز حذف:
قال ابن الأثر: أمّا الإيجاز بالحذف فإنّه عجيب الأمر شبيه بالسحر؛ وذاك أنّك ترى فيه ترك الذِكر أفصح من الذِكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمّ ما تكون مبيّناً إذا لم تبيّن، وهذه جملة تُنكرها حتى تَخبُر، وتدفعُها حتى تَنظُر (2) .
ومن شرط حسنه، بل من لزوم حكم البلاغة فيه، أنّه متى أُظهر صار الكلام إلى شيء غثّ، لا يناسب ما كان عليه أَوّلاً من الطلاوة والجمال.
وقد أكثر القرآن منه وأجاد فيه بما أثار الإعجاب، وأبان سرّاً من أسرار الإعجاز، القرآن لا يقف عند حدّ اجتناب الحشو والفضول من الكلام، وانتقاء الألفاظ والكلمات التامة الانطباق بالمعنى المراد، بل إنّه كثيراً ما يسلك في الإيجاز سبيلاً أعزّ وأعجب تراه يعمد - بعد حذف فضول الكلام وزوائده - إلى حذف شيء من أُصوله وأركانه التي لا يتمّ الكلام في العادة إلاّ به، ولا يستقيم
____________________
(1) المثل السائر: ج2 ص275 - 276.
(2) المصدر: ص279.
المعنى بدونه، وفي نفس الوقت يستثمر من تلك البقية الباقية ما يؤدّي المعنى كاملاً، في وضوح وطلاوة وعذوبة، حتى يُخيَّل إليك من سهولة المسلك أنّ لفظة أوسع من المعنى قليلاً.
وإذا ما طلبت سرّ ذلك رأيته قد أودع معنى تلك الكلمات المحذوفة أو الجمل المطويّة، في كلمة هنا و حرف هناك، ثمّ أدار الأُسلوب إدارة عجيبة، وأمرّ عليها جَندَرة البيان (1) بيد صنّاعة، فأحكم بها خلقه وسوّاه، ثمّ نفخ فيه من روحه، فإذا هو مصقول أملس، وإذا هو نيّر مشرق، لا تشعر النفس بما كان فيه من حذف أو طيّ، ولا بما صار إليه من استغناء واكتفاء، إلاّ بعد تأمّل وفحص دقيق.
انظر إلى قوله تعالى: ( وَلَوْ يُعَجّلُ اللّهُ لِلنّاسِ الشّرّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) (2) .
وردت الآية بشأن أولئك المجرمين، ممَّن كان يتجاسر بموقف الرسول ويتهكّم به، قائلاً متمسخراً: ( اللّهُمّ إِن كَانَ هذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السّماءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (3) .
وقد قال تعالى بشأنهم: ( وَإِمّا نُرِيَنّكَ بَعْضَ الّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفّيَنّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ) (4) .
وقال: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنتُم بِهِ أَلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَستَعْجِلُونَ ) (5) .
إلى غيرها من آيات تنم عن سفه أحلام المجرمين، وقد ألحدوا في آياته.
فقد جاء قوله تعالى - في الآية - ردّاً على سفههم في استعجال العذاب: ماذا يستعجل هؤلاء؟ أيستعجلون الشرّ؟ وهل ذاك في صالحهم لو يُعجّل الله لهم
____________________
(1) يقال: جَندرَ الكتاب بمعنى أمرّ القلم على ما درس منه (النبأ العظيم: ص131).
(2) يونس: 11.
(3) الأنفال: 32.
(4) يونس: 46.
(5) يونس: 50 و51.
بالشرّ؟... فكانت الآية في نظمها الطبيعي مسوقة في ثلاثة مقاطع:
أولاً: لو كانت سنّة الله أن يعجّل للناس الشرّ إذا استعجلوه كاستعجالهم بالخير لعجّل لهم بالشرّ كما يُعجّل لهم بالخير.
ثانياً: لكن سنّته تعالى جرت بإمهال الظالمين حتى يحين حينهم.
ثالثاً: فعلى وِفق هذا النظام الرتيب يترك الظالمون وشأنهم في هذه الحياة حتى يومهم الموعود.
تلك جمل ثلاث كان الكلام في وضعه العادي مؤتلفاً منها، اثنتان مقدّمتان، والثالثة هي النتيجة، على شكل برهان، لكن القرآن اقتصر على الجملة الأُولى والأخيرة، طاوياً ذكر الثانية الوسطى، والتي كانت جملة استدراكية حسب الترتيب المنطقي المألوف.
وبعد، أَفهل يُحسّ بنقص في الكلام، أو بخلل في نظمه وتأليفه؟ أم هو كلام واحد منسجم تمام الانسجام ووافٍ الغرض من الكلام تمام الإيفاء؟
ولعلّك عرفت البديل من المحذوف المطويّ، هي دلالة (لو) الامتناعية في صدر الكلام و(فاء) النتيجة في ذيله، وهذا البديل أغنى عن ذكر المحذوف، ولعلّه أنساه من طيّ الكلام بالمرّة، ولو ذُكر لكان حشواً.
ومِن ثَمّ عيب على بيت الحماسي قوله:
ولو طارَ ذو حافرٍ قَبلَها |
لطارتْ ولكنّه لم يَطرِ |
إذ لا حاجة إلى ذكر الاستثناء بعد وضوح ودلالة الكلام عليه.
* * *
وأبرع الإيجاز ما كان بحذف الجمل التامّة، هي أسئلة مقدّرة أو تعاليل وأسباب ومسبّبات أو غير ذلك ممّا فصّله علماء البيان (1) .
من ذلك قوله تعالى: ( قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتّم فَذَرُوهُ فِي
____________________
(1) راجع المَثل السائر: ج2 ص281.
سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ * ثُمّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدّمْتُمْ لَهُنّ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ * ثُمّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ * وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ) (1) .
فكان قوله: ( وَقَالَ الْمَلِكُ... ) واقعاً بعد تقدير جُمل، كأنّه قال: فرجع الرسول إليهم، فأخبرهم بمقالة يوسف، فعجبوا لها، وقال الملك...
قال ابن الأثير: والمحذوف إذا كان كذلك دلّ عليه الكلام دلالة ظاهرة؛ لأنّه إذا ثبتت حاشيتا الكلام وحُذف وسطه ظهر المحذوف ظهوراً تامّاً.
وهكذا ورد قوله تعالى: ( فَلَمّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجهِهِ فَارْتَدّ بَصِيراً قَالَ أَلَمْ أَقُل لّكُمْ إِنّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنّا كُنّا خَاطِئِينَ * قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّي إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ * فَلَمّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَي إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللّهُ آمِنِينَ ) (2) .
فقد حذف من هذا الكلام جملة، تقديرها: ثمّ إنّهم تجهّزوا وساروا إلى مصر، فلمّا دخلوا على يوسف...
قال: وقد ورد من هذا الضرب (الإيجاز بحذف الجمل) في القرآن الكريم كثيراً، كقوله تعالى: ( وَحَرّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمّهِ كَيْ تَقَرّ عَيْنُهَا ) (3) ؛ لأنّها لمّا قالت: (هل أدلّكم...) قالوا: نعم، فدلّتهم على امرأة فجيء بها، وهي أُمّه، ولم يعلموا بها، فأرضعته، فكان قوله: (فرددناه...) تعقيباً على ذلك المحذوف ودليلاً عليه.
وممّا يجري على هذا المنهج قوله تعالى في قصّة سليمان (عليه السلام) مع الهدهد في إرساله بالكتاب إلى بلقيس: ( قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَب بِكِتَابِي هذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمّ تَوَلّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ * قَالَتْ يَا أَيّهَا الْمَلأُ إِنِّي
____________________
(1) يوسف: 47 - 50.
(2) يوسف: 96 - 99.
(3) القصص: 12 و13.
أُلْقِيَ إِلَيّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ) (1) .
تقديره: فأخذ الكتاب، وذهب به، فلمّا ألقاه إلى المرأة وقرأته قالت...
قال: ومن الإيجاز بحذف الجمل ما يعسر تقدير المحذوف منه، بخلاف ما جاء في القرآن الكريم، أَلا ترى أنّ الآيات المذكورة كلها إذا تأمّلتها وجدت معانيها متّصلة من غير تقدير للمحذوفات التي قدّرنا الحذف فيها؛ انتظاماً لظاهر نظم الكلام، على أنّ تقدير تلك المحذوفات سهر ببديهة النظر (2) .
فوائد الحذف:
منها: مجرّد الاختصار والاحتراس عن العبث لظهوره.
ومنها: التنبيه على أنّ الزمان يتقاصر عن الإتيان بالمحذوف، وأنّ الاشتغال بذكره يفضي إلى تفويت الأهم - كما في بابي التحذير والإغراء - وقد اجتمعا معاً في قوله تعالى: ( نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ) (3) فـ (ناقة الله) تحذير، بتقدير: ذروا، و(سقياها) إغراء، بتقدير: ألزموا.
ومنها: التفخيم والإعظام، لِما فيه من الإيهام، فقد يُحذف الشيء وتترك النفس تجول لتعثر عليه بباعث حبّ الاستطلاع، فيدعو ذلك إلى الاهتمام به، ولهذا القصد يُؤثر الحذف في مواضع يُراد فيها التعجّب والتهويل على النفوس.
ومنه قوله تعالى - في وصف أهل الجنّة - ( حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا... ) (4) فحُذف الجواب لدلالة فحوى الكلام على عظم الكرامة التي يلقونها حينذاك، فقد ضاق الكلام عن الإحاطة بذِكر تلك الأوصاف.
وكذا قوله - بشأن أهل النار -: ( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ ) (5) ، أي لرأيت
____________________
(1) النمل: 27 - 29.
(2) المَثل السائر: ج2 ص291.
(3) الشمس: 13.
(4) الزمر: 73.
(5) الأنعام: 37.
أمراً فظيعاً لا تكاد تحيط به العبارة.
ومنها: التخفيف، لكثرة دورانها على الألسن، كما في حذف حرف النداء في قوله تعالى: ( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) (1) .
ومنها غير ذلك حسبما فصّله علماء البيان، فراجع (2) .
إيجاز قصر:
وهو ما لا حذف فيه، ولا تقدير، سوى أنّه من قليل اللفظ كثير المعنى، ويكون نضد الكلمات بحيث لا يوجد بينها لفظ زائد، حتى لو أُزيل لفظ من موضعه أو رُفعت كلمة أو أُبدلت إلى غيرها لاختلّ المعنى وأفاد غير المقصود، وهذا من البلاغة بمكان، وقد يبلغ حدّ الإعجاز كما في القرآن.
فممّا جاء منه قوله تعالى: ( قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ * مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ * ثُمّ السّبِيلَ يَسّرَهُ * ثُمّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ * كَلاّ لَمّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) (3)
فقوله: (قتل الإنسان...) دعاءٌ عليه، وقوله: (ما أكفره...) تعجّب من إفراطه في كفران نِعم الله عليه.
قال ابن الأثير: ولا نرى أُسلوباً أغلظ من هذا الدعاء والتعجّب، ولا أخشن مسّاً، ولا أدلّ على سخط، مع تقارب طرفيه، ولا أجمع للأئمّة، على قصر متنه.
ثمّ إنّه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى أجله ومآل أمره، فقال: ( مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ ) .
ثمّ بيّنَ الشيء الذي خُلق منه: ( مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ ) أي هيّأه لِما يصلح له.
( ثُمّ السّبِيلَ يَسّرَهُ ) أي سهّل سبيله، وهو مخرجه من بطن أُمّه، أو السبيل الذي
____________________
(1) يوسف: 29.
(2) معترك الأقران: ج1 ص305 - 308.
(3) عبس: 17 - 23.
يختار سلوكه في الحياة من خير أو شر.
( ثُمّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ) أي جعله ذا قبر يُوارى فيه.
( ثُمّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ ) أي أحياء ليوم النشور.
( كلاّ ) ردع لهذا الإنسان الكفور، العاتي، العاصي لأمر ربّه الكريم.
( لَمّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ) أي لم يقضِ مع تطاول عهده بالتكليف، يعني أنّ إنساناً لم يخلُ من تقصير قطّ.
أَلا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك؛ لأنّك كنت ذهبت بجزءٍ من معناه، ولأخلَلت بأُسٍّ من أُسس المقصود فلله درّه من كلام وجيز بليغ.
قال ابن الأثير: والإيجاز هو أن لا يمكنك أن تسقط شيئاً من ألفاظه (1) .
* * *
والآيات الواردة من هذا الضرب كثيرة كقوله تعالى: ( فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ ) (2) .
ما أجمل هذا الكلام وأكمله وأوفاه، في حين وجازته البالغة.
فقوله: ( فَلَهُ ما سَلفَ ) من جوامع الكلم، ومعناه: أنّ خطاياه الماضية قد غُفرت له، وتاب الله عليه فيها، إلاّ أنّ قوله: ( فَلَهُ ما سلفَ ) أبلغ... أي أنّ السالف من ذنوبه لا يكون عليه إنّما هو له أي موهوب له.
وكذلك ورد قوله: ( مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ) (3) .
فقوله: ( فعليهِ كُفرُهُ ) كلمة جامعة، تُغني عن ذكر ضروب من العذاب؛ لأنّ مَن أحاط به كفره فقد أحاطت به كل خطيئته.
وعلى نحوٍ من هذا جاء قوله: ( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي
____________________
(1) المثل السائر: ج2 ص248.
(2) البقرة: 275.
(3) فاطر: 39.
الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ ) (1) .
فهذه الآية من جوامع الآيات الواردة في القرآن الكريم، الباهرة البالغة أعلى درجات الإعجاز، المثيرة للإعجاب!
رُوي أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قرأها على الوليد بن المغيرة، فقال له: يا ابن أخي أعده، فأعاد النبي (صلّى الله عليه وآله) قراءتها عليه، فقال له: إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر (2) .
* * *
ومن هذا النحو قوله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقّي الْمُتَلَقّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقّ ذلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ * وَقَالَ قَرِينُهُ هذَا مَا لَدَيّ عَتِيدٌ ) (3) .
هذه الآيات من قوارع القرآن العجيبة - التي دلّت على تخويفٍ وإرهاب - ترقّ له القلوب وتقشعرّ منه الجلود، وهي مشتملة على قصرها على حال الإنسان منذ خلقه إلى حين حشره وحشر غيره من الناس، وتصوير ذلك اليوم الرهيب والأمر الفظيع، في أسهل لفظ وأرقّ تعبير، وما مرّ عليه إنسان مكابد خطاياه إلاّ تيقّظ عنده تيقّظاً.
* * *
ومن هذا الضرب ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في دعائه لأبي سَلَمة (4) عند موته: (اللهمّ
____________________
(1) النحل: 90.
(2) المَثل السائر: ج2 ص335.
(3) ق: 16 - 23.
(4) هو زوج أُمّ سَلَمة رضي الله عنها واسمه عبد الله، وأُمّه برّة بنت عبد المطّلب، وكان ممَّن =
ارفع درجته في المهتدين، واخلفه في عقبه في الغابرين، لنا وله يا ربّ العالمين) .
وهذا دعاء جامع بين الإيجاز وبين مناسبة الحال التي وقع فيها، فأَوّله مفتتح بالمهمّ الذي يفتقر إليه المدعوّ له في تلك الحال، وهو رفع درجته في الآخرة، وثانيه مردف بالمهمّ الذي يؤثره المدعو له من صلاح حال عقبه من بعده في الدنيا، وثالثه مختم بالجمع بين الداعي والمدعوّ له.
قال ابن الأثير: وهذا من الإيجاز البليغ الذي هو طباق ما تقصد له (1) .
* * *
ومن الإيجاز بالقصر ما لا يمكن التعبير عنه بمثل ألفاظه وفي عدّتها، لا بل يستحيل ذلك عادة، وهو أعلى طبقات الإيجاز وأشرفها وأعزّها شأناً، ولا يوجد مثله في كلام البلغاء إلاّ شاذّاً نادراً، قال ابن الأثير: والقرآن الكريم ملآن منه (2) .
قال تعالى: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) (3) ، فقد جمعت الآية جميع مكارم الأخلاق والقصد في السلوك الذي هو الصراط المستقيم في الحياة.
وهذا شأن جُلّ آيات الذكر الحكيم، وإن كان قد يرتقي شأن البلاغة في بعضها أوجهاً فوق أطباق السماء، وقد يتنزّل بعضها إلى آفاق قريبة من متفاهم الأعراف، ( وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزّلْنَاهُ تَنْزِيلاً ) (4) ( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (5) ، ومِن ثَمّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (مَن شاء يرتع رياضَ الأنائق فعليه بآل حم) .
ومنه قوله تعالى: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ) (6) ؛ إذ لا يمكن التعبير عنه إلاّ
____________________
= هاجر الهجرتين، وجُرح يوم أحد، فمات منه سنة ثلاث من الهجرة.
(1) المَثل السائر: ج2 ص337.
(2) المَثل السائر: ج2 ص333 و348 و352.
(3) الأعراف: 199.
(4) الإسراء: 106.
(5) الزخرف: 3.
(6) البقرة: 179.
بألفاظ كثيرة - على ما عرفت في كلام مسبق -.
قال ابن الأثير: ولا يُلتفت إلى ما ورد عن العرب: (القتل أنفى للقتل)، فإنّ مَن لا يعلم يظنّ أن هذا على وزن الآية، وليس كذلك، بل بينهما فرق من ثلاثة أوجه:
الأوّل: أنّ (القصاص حياة) لفظتان، و(القتل أنفى للقتل) ثلاثة ألفاظ.
الثاني: أنّ في قولهم تكريراً، ليس في الآية.
الثالث: أنّه ليس كل قتل نافياً للقتل، إلاّ إذا كان على حكم القصاص.
وقد صاغ أبو تمّام هذا المعنى الوارد عن العرب في بعض بيت من شعره:
وأَخافَكُم كي تُغمِدوا أسيافَكم |
إنّ الدمَ المُعترَّ يحرسُهُ الدمُ |
فإنّ قوله: (إنّ الدمَ المعترّ يحرسُهُ الدم) أحسن ممّا ورد عن العرب (1) ، والدم المعترّ: النَفْس المهدّدة المضطربة تخاف هدرها.
* * *
وقد ورد في الأخبار النبوية من هذا الضرب (من الإيجاز البليغ) شيء كثر، وإليك نماذج منه:
فمِن ذلك قوله (صلّى الله عليه وآله): (حلالٌ بيّن، وحرامٌ بيّن، وبينهما شبهات) (2) .
وهذا من أجمع الأحاديث للمعاني الكثيرة؛ وذلك أنّه يشتمل على جُلّ الأحكام الشرعية، فإنّ الحلال والحرام إمّا أن يكون الحكم فيهما بيّناً لا خلاف فيه بين العلماء، وإمّا أن يكون خافياً يتجاذبه وجوه التأويلات، فكل منهم يذهب فيه مذهباً.
وكذلك جاء قوله (صلّى الله عليه وآله): (الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى) (3) هو من جوامع الكَلم ومن غرر الكلام.
قال ابن الأثير: وممّا أطربني من ذلك حديث الحديبية، وهو أنّه جاء بديل ابن
____________________
(1) المَثل السائر: ج2 ص352 - 353.
(2) عوالي اللآلي: ج1 ص89.
(3) عوالي اللآلي: ج1 ص81 و380.
ورقاء إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي، معهم العوذ المطافيل (1) وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت.
فقال له النبي (صلّى الله عليه وآله): (إنّ قريشاً قد نهكتهم الحرب، فإن شاءوا ماددناهم مدّة، ويدعوا بيني وبين الناس، فإن أَظهَر عليهم وأحبّوا أن يدخلوا فيما دخل الناس، وإلاّ كانوا قد جمّوا، وإن أبوا، فو الذي نفسي بيده لأُقاتلنّهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي هذه، ولينفذنّ الله أمره) .
هذا الحديث من جوامع الكلم وهو من الفصاحة والبلاغة على غاية لا ينتهي إليها وصف الواصفين (2) .
وذكر الشريف الرضي في نهج البلاغة عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) كلامه التالي: (الحجر الغصيب في الدار رهن على خرابها) (3) .
ثمّ قال: ويُروى هذا الكلام عن النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولا عجب أن يشتبه الكلامان؛ لأنّ مستقاهما من قليب ومفرغهما من ذَنوب.
فلنذكر من جلائل كلامه (عليه السلام) نتفاً:
قال (عليه السلام): (لنا حقّ فإنّ أعطيناه وإلاّ ركبنا أعجاز الإبل وإن طال السُرى) (4) . فما أجمله من استعارة لطيفة وأوفاها بهدف المقصود.
قال الشريف الرضي: وهذا من لطيف الكلام وفصيحه.
ومعناه: إنّا إذا لم نُعطَ حقّنا لم نكن ممَّن يتنكّب الطريق ويعتزل عن جماعة المسلمين، بل نشقّ طريقنا إلى الأمام مع ركب الجماعة، وإن كنّا في حالة حرجة وركوب مشقّة؛ لأنّ ركوب مؤخّرات الإبل ممّا يشقّ احتماله والصبر عليه، وإلى هذا يشير في خطبته الشقشقية: (فصبرت وفي الحلق شجى وفي العين قذى... أرى
____________________
(1) العوذ: الحديثات النِتاج من الظباء وكل أُنثى. والمطافيل: جمع مطفل بمعنى مَن يصحب معه طفله.
(2) المَثل السائر: ج2 ص342.
(3) الكلمة رقم 237.
(4) الكلمة رقم 21.
تراثي نهبا).
وقال (عليه السلام): (لسانُ العاقلِ وراءَ قلبهِ وقلبُ الأحمقِ وراءَ لسانهِ) (1) .
قال الشريف: وهذا من المعاني العجيبة الشريفة. والمراد: أنّ العاقل لا يُطلق لسانه إلاّ بعد مشاورة الرويّة ومؤامرة الفكرة، والأحمق تسبق حذفاتُ لسانه وفلتاتُ كلامه مراجعة فكره ومماخضة رأيه، فكأنّ لسان العاقل تابع لقلبه، وكأنّ قلب الأحمق تابع للسانه.
وقال (عليه السلام): (قيمةُ كل امرىءٍ ما يُحسنه) (2) .
قال الشريف: وهذه الكلمة، التي لا تُصاب لها قيمة، ولا توزن بها حكمة، ولا تُقرن إليها كلمة...
* * *
____________________
(1) الكلمة رقم 40.
(2) الكلمة رقم 80.
من بديع البيان وظريفه حسن التخلّص، وهو قدرة كلامية قلّ مَن توفّق لها في ظرافةٍ وبراعةٍ كظرافة القرآن وبراعته (1) .
وهو: أن يأخذ المتكلّم في معنى من المعاني: فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره، بلطفٍ ورِفق، وكأنّما الأوّل مدرج إليه أو سبب من الأسباب المؤاتية له، وبذلك يكون الكلام كلّه آخذاً بعضه برقاب بعض، وكأنّما أُفرغ إفراغةً واحدة، الأمر الذي يدلّ على حذق المتكلّم وقوّة تصرّفه في مجاري الألفاظ والمعاني، فتراه ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر من غير أن يقطع كلامه أو يستأنف كلاماً جديداً، على عكس (الاقتضاب) الذي هو القطع والاستئناف، وقد كان مذهب العرب الأوائل ومَن يليهم مِن المخضرمين، فخالفهم القرآن وأتى بطريقة جديدة
____________________
(1) هذا البحتري، فإنّ مكانه من الشعر لا يُجهل، وشعره هو السهل الممتنع الذي تراه كالشمس قريباً ضوؤها بعيداً مكانها، وهو على الحقيقة قَينة الشعراء في الإطراب، وعنقاؤهم في الإغراب، ومع هذا فإنّه لم يُوفّق في التخلّص من الغزل إلى المديح، بل اقتضبه اقتضاباً، قال ابن الأثير: ولقد حفظتُ شعره فلم أجد له من ذلك شيئاً مرضياً إلاّ اليسير. (المثل السائر: ج3 ص126).
في الانتقال من غير قطع ولا استئناف.
وهي طريقة بديعة تأخذ بمشاعر السامع في شتّى المذاهب من غير أن يشعر بالتصرّف والانتقال، في رفق ولين وسحر بيان.
قال ابن معصوم: وهو الركن الثاني من الأركان الأربعة للبلاغة الفائقة، والتي نبّه مشايخ البديع على وجوب التأنق فيها.
وهو عبارة عن أن ينتقل المتكلّم ممّا ابتدأ به من فنون الكلام إلى ذات المقصود على وجه سهل، براطبة ملائمة، وجهة جامعة مقبولة، يختلس به نحو المطلوب اختلاساً رشيقاً، بحيث لا يتفطّن السامع السامع من المعنى الأَوّل إلاّ وقد رسخت ألفاظ المعنى الثاني في سمعه، وقرّ معناه في قلبه؛ لشدّة الالتئام والوئام بينهما (1) .
وقال ابن أبي الإصبع: وهي في الكتاب العزيز معرفة الوصل من الفصل، وقد ذهب بعض المتكلّمين إلى أنّها أحد وجوه الإعجاز، وهو دقيق يكاد يخفى في غير الشعر إلاّ على الحاذق من ذوي النقد وهو مبثوث في الكتاب العزيز إذا تُتبّع وُجد، كابتداء آيات قد يجدها البادي في النظر غير متناسبة لِما قبلها من فواصل وآيات، لكن لا يكاد يَعرف التناسب بينها إلا مَن كانت له دربة بهذه الصناعة، وبُعد إمعان نظر وتدقيق فكر (2) .
* * *
ومن عجيب الرأي ما زعمه أبو العلاء محمّد بن غانم (3) ، قال: إنّ كتاب الله خالٍ من التخلّص؛ لِما فيه من التكلّف (4) .
قال ابن الأثير: وهذا القول فاسد؛ لأنّ حقيقة التخلّص إنّما هي الخروج من
____________________
(1) أنوار الربيع: ج3 ص240.
(2) بديع القرآن: ص167 - 168.
(3) المعروف بالغانمي، كان من الشعراء الفضلاء، وهو مِن شعراء نظام المُلك.
(4) حسبما نقله عنه الزركشي في البرهان: ج1 ص43.
كلام إلى كلام آخر غيره بلطيفة تُلائم بين الكلام الذي خرج منه والكلام الذي خرج إليه، وفي القرآن مواضع كثيرة، كالخروج من الوعظ والتذكير والإنذار والتبشير إلى أمر ونهي ووعد ووعيد، ومِن محكم إلى متشابه، ومِن صفة لنبيّ مرسل ومَلك منزل إلى ذمّ شيطان مريد وجبّار عنيد، بلطائف دقيقة ومعانٍ آخذ بعضها برقاب بعض.
فممّا جاء من التخلّص في القرآن الكريم قوله تعالى:
( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آباءَنَا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ * قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ * فَإِنّهُمْ عَدُوّ لِي إِلاّ رَبّ الْعَالَمِينَ * الّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالّذِي يُمِيتُنِي ثُمّ يُحْيِينِ * وَالّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ * رَبّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ * وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنّةِ النّعِيمِ * وَاغْفِرْ لأَبِي إِنّهُ كَانَ مِنَ الضّالّينَ * وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاّ مَنْ أَتَى اللّهَ بِقَلْبٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنّةُ لِلْمُتّقِينَ * وَبُرّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللّهِ هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللّهِ إِن كُنّا لَفِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * إِذْ نُسَوّيكُم بِرَبّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلّنَا إِلاّ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ * وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنّ لَنَا كَرّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (1) .
قال ابن الأثير: هذا كلام يُسكر العقول، ويسحر الألباب، وفيه كفاية لطالب
____________________
(1) الشعراء: 69 - 102.
البلاغة، فإنّه متى أنعم فيه نظره، وتدبّر أثناءه ومطاوي حكمته، عَلم أنّ في ذلك غنىً عن تصفح الكتب المؤلّفة في هذا الفن، أَلا ترى ما أحسن ما رتّب إبراهيم (عليه السلام) كلامه مع المشركين، حين سألهم أَوّلاً عمّا يعبدون، سؤال مقرّر لا سؤال مستفهم، ثمّ أنحى على آلهتهم فأبطل أمرها بأنّها لا تضرّ ولا تنفع، ولا تُبصر ولا تسمع، وعلى تقاليد آبائهم الأقدمين فكسّره، وأخرجه من أن يكون شبهة، فضلاً عن أن يكون حجّة، ثمّ أراد الخروج من ذلك إلى ذِكر الإله الذي لا تجب العبادة إلاّ له، ولا ينبغي الرجوع والإنابة إلاّ إليه، فصَوّر المسألة في نفسه دونهم بقوله: ( فإنّهم عدوٌّ لي ) على أنّي فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة لعدوّ وهو الشيطان فاجتنبتها، وآثرت عبادة مَن الخير كلّه في يده، وأراهم بذلك أنّها نصيحة ينصح بها نفسه، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلاّ بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى لهم إلى القبول لقوله، وأبعث على الاستماع منه، ولو قال: فإنّهم عدوٌّ لكم، لم يكن بتلك المثابة، فتخلّص عند تصويره المسألة في نفسه إلى ذكر الله تعالى، فأجرى عليه تلك الصفات العظام، من تفخيم شأنه وتعديد نِعمه، مِن لدن خلقه وأنشأه، إلى حين وفاته، مع ما يُرجّى في الآخرة من رحمته؛ ليُعلم مِن ذلك أنّ مَن هذه صفاته حقيق بالعبادة، واجب على الخلق الخضوع له والاستكانة لعظمته.
ثمّ خرج من ذلك إلى ما يلائمه ويناسبه، فدعا الله بدعوات المخلصين، وابتهل إليه ابتهال الأوّابين؛ لأنّ الطالب من مولاه إذا قَدّم - قبل سؤاله وتضرّعه - الاعتراف بالنعمة كان ذلك أسرع للإجابة، وأنجح لحصول الطلبة.
ثمّ أدرج في ضمن دعائه ذِكر البعث ويوم القيامة، ومجازاة الله تعالى مَن آمن به واتّقاه بالجنة، ومَن ضلّ من عبادة النار، فجمع بين الترغيب في طاعته والترهيب من معصيته.
ثمّ سأل المشركين عمّا كانوا يعبدون سؤالاً ثانياً عند معاينة الجزاء، وهو
سؤال موبّخ لهم مستهزئ بهم، وذكر ما يدفعون إليه عند ذلك من الندم والحسرة على ما كانوا فيه من الضلال، وتمنّي العودة ليؤمنوا.
فانظر أيّها المتأمّل إلى هذا الكلام الشريف الآخذ بعضه برقاب بعض، مع احتوائه على ضروب المعاني، فيخلص من كل واحد منها إلى الآخر بلطيفة ملائمة، حتى كأنّه أُفرغ في قالب واحد، فخرج من ذكر الأصنام وتنفير أبيه وقومه من عبادتهم إيّاها - مع ما هي فيه من التعرّي عن صفات الإلوهية، حيث لا تضرّ ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع - إلى ذكر الله تعالى، فوصفه بصفات الإلوهية، فعظّم شأنه، وعدّد نعمه؛ ليعلم بذلك أنّ العبادة لا تصحّ إلاّ له.
ثمّ خرج من هذا إلى دعائه إيّاه وخضوعه له، ثمّ خرج منه إلى ذِكر يوم القيامة وثواب الله وعقابه، فتدبّر هذه التخلّصات اللطيفة المودعة في أثناء هذا الكلام.
* * *
وفي القرآن مواضع الكثيرة من التخلّصات، كالذي ورد في سورة الأعراف، فإنّه ذكر فيها قصص الأنبياء والأُمم الخالية، من آدم إلى نوح (عليهما السلام) وكذلك إلى قصّة موسى (عليه السلام) حتّى انتهى إلى آخرها الذي هو: ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرّجْفَةُ قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِن قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السّفَهَاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هذِهِ الدّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلّذِينَ يَتّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَالّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالّذِينَ
آمَنُوا بِهِ وَعَزّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتّبَعُوا النّورَ الّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُوْلئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (1) .
هذا تخلّص من التخلّصات الحِسان، فإنّ الله تعالى ذكر الأنبياء والقرون الماضية إلى عهد موسى (عليه السلام)، فلمّا أراد ذكر نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) ذكره بتخلّص انتظم به بعض الكلام ببعض.
أَلا ترى أنّه قال: قال موسى: واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة، فأُجيب بقوله تعالى: قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كلّ شيء فسأكتبها للّذين حالهم كذا وكذا، وصفتهم كيت وكيت، وهم الذين يتبعون الرسول النبيّ الأُمّي. ثمّ وصفه (صلّى الله عليه وآله) بصفاته... إلى آخر الكلام.
قال ابن الأثير: ويا لله العجب كيف يزعم الغانمي أنّ القرآن خالٍ من التخلّص؟! أَلم يكفِه سورة يوسف (عليه السلام) فإنّها قصّة برأسها، وهي مضمّنة شرح حاله مع إخوته من أوّل أمره إلى آخره، وفيها عدّة تخلّصات في الخروج من معنىً إلى معنى، وكذلك إلى آخرها.
ولو أخذت في ذكر ما في القرآن الكريم من هذا النوع لأطلت، ومَن أَنعم نظره فيه وَجد من ذلك أشياء كثيرة (2) .
قال بدري الدين الزركشي - ردّاً على مزعومة الغانمي -:
ومَِن أحسن أمثلته قوله تعالى: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ... الآية ) (3) فإنّ فيها خمس تخلّصات، وذلك أنّه جاء بصفة النور وتمثيله، ثمّ تخلّص منه الزجاجة وصفائها، ثمّ رجع إلى ذِكر النور والزيت يستمدّ منه، ثمّ تخلّص منه إلى ذِكر الشجرة، ثمّ تخلّص مِن ذكرها إلى صفة الزيت، ثمّ تخلّص من صفة الزيت إلى صفة النور وتضاعفه، ثمّ تخلّص منه إلى نِعم الله بالهدى على مَن يشاء.
____________________
(1) الأعراف: 155 - 157.
(2) المَثل السائر: ج3 ص128 - 132.
(3) النور: 35.
ومنه قوله: ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ... الآية) (1) فإنّه سبحانه ذكر أَوّلاً عذاب الكفّار وأن لا دافع له من الله، ثمّ تخلّص إلى قوله: ( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ... ) بوصف (ذي المعارج)!
ومنه قوله: ( إِنّي وَجَدتّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشّمْسِ مِن دُونِ اللّهِ وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدّهُمْ عَنِ السّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاّ يَسْجُدُوا للّهِِ الّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللّهُ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ) (2) .
وقوله: ( أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ) (3) ، وهذا من بديع التخلّص، فإنّه سبحانه خلص مِن وصف المخلصين وما أعدّ لهم إلى وصف الظالمين وما أعدّ لهم.
قال: وأعلم أنّه حيث قُصد التخلّص فلا بدّ من التوطئة له.
ومن بديعه قوله تعالى: ( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ ) (4) يُشير إلى قصّة يوسف (عليه السلام) فوطّأ بهذه الجملة إلى ذكر القصّة، يُشير إليها بهذه النكتة من باب الوحي والرمز.
وكقوله سبحانه مُوطّئاً للتخلّص إلى ذِكر مبتدأ خلق المسيح (عليه السلام): ( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً... الآية ) (5) (6) .
قال ابن أبي الإصبع: ومِن براعة التخلّص في الكتاب العزيز قوله تعالى: ( إِنّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (7) فإنّه سبحانه وطّأ بها إلى سياقة خبر ميلاد المسيح (عليه السلام)، فذكر اصطفاء آدم (عليه السلام) توطئةً؛ ليتخلّص
____________________
(1) المعارج: 1 - 4.
(2) النمل: 23 - 26.
(3) الصافّات: 62.
(4) يوسف: 3.
(5) آل عمران: 33.
(6) البرهان: ج1 ص45.
(7) آل عمران: 33.
بها إلى ذكر وَلَده نوح (عليه السلام)، وذكر اصطفاء نوح يتخلّص إلى ذكر وَلَده إبراهيم (عليه السلام)، وذكر اصطفاء آل إبراهيم بعد ذكر آل نوح توطئةً؛ ليتخلّص بذكرهم إلى آل عمران مِن وُلد إبراهيم، وتخلّص بذكر آل عمران إلى ذِكر امرأة عمران؛ ليسوق قصّة حملها بمريم (عليهما السلام) وكفالة زكريا (عليه السلام) لها، وذكر ولده يحيى (عليه السلام) وقصّة حمل مريم بالمسيح (عليهما السلام) وما كان في ذلك من الآيات الباهرات، وما آتاه الله تعالى من المعجزات.
قال: فوقع في هذه الآية من التخلّصات البارعة التي أتت على أحسن ترتيب، وأَبين تهذيب، مالا يقع في شيء من الكلام؛ حيث ذكر سبحانه الآباء من الأعلى إلى الأدنى، فابتدأ بذكر آدم الأب الأعلى، وتلاه بذكر نوح الأب الثاني، الذي انتشرت الأُمم مِن عقبه، وأتت كافّة البشر من ذرّيته، ثمّ ذكر بعده إبراهيم أبا الأنبياء والمرسلين، وخصّ مِن وُلده بالذِكر آل عمران، ليتخلّص إلى ذكر المسيح... فسبحان المتكلّم بهذا الكلام!! (1) .
الاقتضاب:
وأمّا الاقتضاب فهو قطع الكلام واستئناف كلام آخر غيره بلا علاقة بينه وبينه.
لكن منه ما يقرب مِن التخلّص، ويُسمّى (فصل الخطاب).
والذي أجمع عليه المحقّقون مِن علماء البيان هو قوله (أمّا بعد) كما هو المتعارف، يفتتح الكلام في كل أمر ذي بال بذكر الله وتحميده والصلاة على نبيّه وآله، فإذا أراد الخروج إلى الغرض المسوق له الكلام فصله بقوله: (أمّا بعد).
ومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظة (هذا) تُجعل خاتمة الكلام السابق وفاتحة الكلام اللاحق، وهي العلاقة الوكيدة بين الكلامين، وقد استعملها
____________________
(1) بديع القرآن: ص170 - 171.
القرآن على ألطف وجه، كقوله تعالى:
( وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الأَيْدِي وَالأَبصَارِ * إِنّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ * وَإِنّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيَارِ * وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلّ مِنَ الأَخْيَارِ * هذَا ذِكْرٌ وَإِنّ لِلْمُتّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ * جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ * مُتّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطّرْفِ أَتْرَابٌ * هذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ * إِنّ هذَا لَرِزْقُنَا مَالَهُ مِن نّفَادٍ * هذَا وَإِنّ لِلطّاغِينَ لَشَرّ مَآبٍ ) (1) .
أَلا ترى إلى ما ذُكر قبل (هذا)؟ ذُكر مَن ذُكر مِن الأنبياء (عليهم السلام) وأراد أن يذكر على عقبه باباً آخر غيره، وهو ذكر الجنّة وأهلها، فقال: ( هذَا ذِكْرٌ ) ، ثمّ قال: ( وَإِنّ لِلْمُتّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ) ، ثمّ لمّا أتمّ ذِكر أهل الجنّة وأراد أن يعقّبه بذكر أهل النار قال: ( هذَا وَإِنّ لِلطّاغِينَ لَشَرّ مَآبٍ ) ، وذلك مِن (فصل الخطاب) الذي هو ألطف موقعاً من التخلّص (2) .
التتميم
وهو من ظرف البديع وكماله وبلاغه، قال ابن رشيق: هو أن يُحاول الشاعر أو المتكلّم معنىً، فلا يدع شيئاً يتمّ به حسنه إلاّ أورده وأتى به، إمّا مبالغةً وإمّا احتياطاً واحتراساً من التقصير (3) ، وفسّره بعضهم بأن يكون المتكلّم آخذاً في معنى، فيعترضه شكّ في إيفاء كلامه، أو احتمال رادّ سوف يردّ عليه، أو إثارة سؤال يُحاول الإجابة عليه فرضاً وتقديراً في الكلام، فيلتفت قبل فراغه من التعبير عن ذلك المعنى، فيبادر إلى إزالة كل شبهة محتملة، وحلّ كل مشكلة معترضة، والإجابة على أيّ سؤال سوف يثيره الكلام (4) ؛ ليكون كلامه وافياً شافياً ومؤدّياً تمام الغرض وكمال المراد، وهذا من ظرف البديع وكمال البلاغة في الكلام.
وقد جاء في القرآن على أحسنه وأفضله، منها قوله تعالى: ( سُبْحَانَ الَّذِي
____________________
(1) ص: 45 - 55.
(2) المَثل السائر: ج3 ص139 - 140.
(3) العمدة: ج2 ص50.
(4) وهذا بمعنى الاستدراك أشبه.
أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً ) (1) ، فإنّ السري لا يكون إلاّ بالليل، فذكره يغني عن قوله: (ليلاً) لولا إرادة تتميم الفائدة للدلالة على تقليل المدة، بمعنى أنّ السري وقع في بعض الليل، يدلّ عليه التنكير.
قال الزمخشري: فإن قلت: الإسراء لا يكون إلاّ بالليل فما معنى ذكر الليل؟ قلت: أراد بقوله: (ليلا) بلفظ التنكير، تقليل مدة الإسراء، وإنّه أسرى به في بعض الليل من مكّة إلى الشام - مسيرة أربعين ليلة - وذلك أنّ التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية (2) .
وقوله تعالى: ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً ) (3) ، فقوله: (وهو مؤمن) تتميم في غاية الحسن، وأفاد الشرط الأَوّل في قبول الطاعات، فلو حُذفت هذه الجملة لاختلّ المعنى.
وقوله تعالى: ( وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ) (4) ، والشاهد في قوله: (على حبّه) إن عاد الضمير على الطعام، فيزيد تأكيداً لمعنى الإيثار المقصود من الكلام، أي مع حاجتهم إليه آثروا غيرهم على أنفسهم، فهو تتميم أفاد المبالغة المقبولة، فلو طُرح لنقص المعنى واختلّ حسن التركيب.
وكذا لو عاد الضمير في (على حبّه على الله)، أي أطعموهم لرضائه تعالى، فهو آكد للدلالة على الإخلاص في هذا الإيثار، وعلى أيّ تقدير فلا يخلو موقع هذه الكلمة من الظرافة والحسن البديع (5) .
* * *
ومِن أروع أنحاء التتميم وأفخمه قدراً أن تجتمع أنواعه في كلام واحد، وهي كما أشرنا: تتميم نقص أحسّ به المتكلّم، أو مبالغة في إيفاء مراده، أو احتياط واحتراس عن الشكوك والاعتراضات الواردة.
____________________
(1) الإسراء: 1.
(2) الكشّاف: ج2 ص246.
(3) طه: 112.
(4) الإنسان: 8.
(5) أنوار الربيع: ج3 ص52.
وقد اجتمعت الثلاثة في قوله تعالى: ( أَيَوَدّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنّةٌ مِن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الّثمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرّيّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ ) (1) .
هذه الآية فيها محاولة لإبراز حالة الأسف المرير لمَن فقد شيئاً كان ثمن حياته، في وقت لا يمكنه تداركه، ويخاف سوء المصير.
قال ابن أبي الإصبع: جاءت في هذه الآية ثمانية مواضع، في كل موضع منها تتميم، وأتت على جميع أقسام التتميم الثلاثة:
فأولها قوله - في تفسير الجنّة -: ( مِن نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ) لاحتمال أن تكون جنّة ذات أثل وخمط (2) ، فإنّ لفظ الجنّة يصدق على كل شجر ملتفّ يستر الأرض بظلّ أغصانه، كائناً ما كان، ومن الشجر ما له نفع عظيم عميم كالنخيل والأعناب، وما له نفع قليل كالأثل والخمط، ومع هذا فلو احترقت لاشتدّ أسف صاحبها، فكيف إذا كانت من نخيل وأعناب.
ثمّ إنّ الجنّة وإن كانت من نخيل وأعناب، فما لم تجرِ الأنهار من تحت أشجارها لم يكن لها نفع عظيم بسكنها، ولم تكن لها حياة ونضارة البتة، فتمّم هذا النقص بقوله: ( تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ) .
وإذا انضمّت إلى النخيل والأعناب كل الثمرات كان وصفها أتمّ ونفعها أعظم والأسف على فسادها أشد؛ ولذلك تمّم هذا النقص وبالغ فيه بقوله: ( لَهُ فِيهَا مِن كُلّ الّثمَرَاتِ ) .
ولمّا فرغ مِن وصف الجنّة شرع في وصف صاحبها، فوصفه بالكِبَر، وهي حالة يأس عن إمكان استئناف العمل لو ذهبت الأتعاب أدراج الرياح، فقال - محتاطاً -: ( وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ ) .
ثمّ لو كان عقيماً ولم يُخلّف ذراري ضعافاً كان الأمر هيّناً بعض الشيء، وسلاّه
____________________
(1) البقرة: 266.
(2) الأثل نوع من الطرفاء، والخمط نبت له مرارة، وكلاهما من الأشواك المرّة.
قرب الأجل، لكن إذا كان قد خَلّف ذرية ضعفاء فإنّ الأسف على ضياعها أمرّ وأشدّ؛ ولذلك تمّمه بقوله: ( وَلَهُ ذُرّيّةٌ ) . وأضاف وصفها بالضعف (ضعفاء)؛ لأنّ الإطلاق يحتمل كونهم أقوياء لا حاجة لهم إلى تركة أبيهم، فكان ذلك يخفض مِن شدّة أسفه، ويقلّ مِن وطأة غمّه.
وأخيراً أخذ في وصف الحادث المُهلك الذي أصاب الجنّة، فقال: ( فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ ) ، لكن لمّا كان الإعصار لا يُعجّل فساد الشجر والزرع ما لم يكن فيه نار تمّمه بقوله: ( فِيهِ نَارٌ ) تأكيداً على ذلك.
والإعصار عبارة عن تقابل الرياح المثيرة للعجاج الكثيف الذي دوامه واستمراره يُعمي عيون الأنهار ويطمّ الآبار، ويُحرق بوهج سمومه الزروع والأشجار، وهذا معنى ( فِيهِ نَارٌ ) أدارها على الجنّة فاحترقت من شدّة لهبها ووهجها، كأنّها دوّامة نار تدور عليها في وسط ذلك الإعصار.
ولمّا كانت مظنّة سلامة الأشجار عن الاحتراق - لِما فيها من رطوبة وخضر - احتاط تلافيه بقوله: ( فَاحْتَرَقَتْ ) أي كانت شدّة الإعصار ووهجه النار بحيث أثّرت في يبسها واحتراقها في نهاية الأمر، ففي هذه التتميمات المتتالية المتنوّعة كمال إيفاء بالمقصود، ليس يوجد مثله في سائر الكلام، وهذا كما قال ابن معصوم: ولله درّ شأن القرآن ومدى اعتلاء بلاغته الخارقة!
قال ابن أبي الإصبع: فانظر ما تضمّنت الآية من تقاسيم هذا النوع من بديع الكلام، منضماً إلى ما فيه من ائتلاف اللفظ والمعنى والتهذيب وحسن النسق والتمثيل وحسن البيان والمساواة؛ لتعلم أنّ هذا الكتاب العزيز - بأمثال هذه الآية - عجّز الفصحاء وبلّد الأذكياء وأعيى على البلغاء (1) .
* * *
____________________
(1) بديع القرآن: ص46 - 48.
الاستخدام
أن يؤتى بلفظ يَحتمل معنيين أو معاني، فيراد به أحد معانيه، ثمّ يتعقّب بما يفهم منه إرادة معناه الآخر، مجازاً أو حقيقةً بالاشتراك، أعمّ منه أو أخصّ أو مباين.
وهي طريقة في البيان أشبه بالتورية، قلّ مَن يستطيع سلوكها بسلام وتجنّب لأخطارها، من الوقوع في الكذب أو التشويش على السامع، بإجمال أو إبهام في كلام.
لكنّه فنّ بديع وأُسلوب رقيق، إن دلّ فإنّما يدلّ على سلطة في البيان، ويكون آخذاً وثيقاً بأعنّة الكلام يوجّهه حيثما شاء، لا يخاف دركاً ولا يخشى، وقد استعمله القرآن بسهولة ويسر وسلامته عن الخلل والفساد، الأمر الذي لا يوجد نظيره في سائر الكلام.
من ذلك قوله تعالى: ( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا ) (1) .
فالصلاة مراد بها أَوّلاً معناها المعهود، لكنّه في قوله: ( وَلا جُنُباً إِلاّ عَابِرِي سَبِيلٍ ) أُريد موضعها وهو المسجد، حيث كانت المتعارف إيقاع الصلاة فيه ذلك العهد.
* * *
ومثّل له ابن أبي الإصبع بقوله تعالى: ( لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمّ الْكِتَابِ ) (2) .
فالكتاب في ( لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ ) يحتمل معنيين: الأمد المحدود لا يتغيّر ولا
____________________
(1) النساء: 43.
(2) الرعد: 38 و39.
يتبدّل، كقوله تعالى: ( حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ) (1) أي أمده المقرّر شرعاً وهو تمام العدّة، والمعنى الآخر: هو الكتاب بمعنى المكتوب المكنون، كقوله تعالى: ( فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ) (2) .
قال: وقد توسطت لفظة (كتاب) بين قوله: ( لكلِّ أَجل ) مراداً به الأمد المحدود، وبين قوله: ( يَمحُو... ويُثبت ) مراداً به الكتاب المكنون... فيكون تقدير الكلام: لكل حدّ مؤقت مكتوب يمحي ويثبت (3) .
وخلاصة المعنى: إنّ الآجال مقدّرة محدودة ومثبّتة في كتابٍ عند الله، وكل أُمّة إنّما تقضي أجلها، وهو لا يتغيّر ولا يتبدّل عمّا أثبته الله في الكتاب، نعم هذا لا يعني أنّ الأُمور خُتمت على ما ثبتت أَوّلاً، وإنّما أَزِمّة الأمور بيده تعالى، يمحو منها ما يشاء ويثبت حسب علمه تعالى بمصالح العباد.
* * *
ومنه قوله تعالى: ( وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ - إلى قوله - وَبُعُولَتُهُنّ أَحَقّ بِرَدّهِنّ فِي ذلِكَ ) (4) .
فالمراد بالمطلّقات أَوّلاً المدخول بهنّ مِن المتزوجات، سواء كان الطلاق خُلعياً بائناً ليس للزوج حقّ الرجوع، أم رجعياً له الحق؛ لأنّ الاعتداد واجبٌ على كلا التقديرين.
وأمّا الضمير في ( بعولتهنّ ) فيعود على الرجعيّات مِن المطلّقات، ليس العموم.
قال الطبرسي: وهذا يختصّ بالرجعيّات، وإن كان أَوّل الآية عاماً في جميع المطلّقات الرجعية والبائنة (5) .
* * *
وقوله تعالى: ( ثُمّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ
____________________
(1) البقرة: 235.
(2) الواقعة: 78.
(3) بديع القرآن: ص104.
(4) البقرة: 229.
(5) مجمع البيان: ج2 ص327.
وَمِنْهُم مّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ) (1) .
قوله: ( أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ ) أي علمه.
قوله: ( اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) الإضافة ليست تشريفية، كما في قوله: ( بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ الدّيَارِ ) (2) مراداً به بخت نصّر العاتي وجنوده العتاة.
قوله: ( فمنهم.... ) الضمير يعود على المصطفين... لأنّ الأُمّة التي ورثت الكتاب هي الأُمّة المفضّلة، كما في قوله: ( وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ ) (3) .
قوله: ( ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) ، إشارة إلى إيراث الكتاب للمصطفين، فإنّه من فضله تعالى ولطفه بعباده.
قوله: ( جنّات عدن ) بيان للفضل، على طريقة الاستخدام؛ وذلك لأنّ الفضل من الله كان السبب الباعث لإيراث الكتاب والاصطفاء، فكانت نتيجته الحاصلة هي دخول جنات عدن، فكان فضله تعالى أن أورث عباده الكتاب والحكمة، وأدخلهم الجنة بسببه رحمةً ولطفاً، وكان كلا الأمرين فضلاً كبيراً.
* * *
وقوله: ( وَعَلّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلّهَا ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ ) (4) .
قوله: ( الأسماء كلّها ) مراداً به حقائق الموجودات كلّها على سبيل العموم.
وقوله: ( ثمّ عَرَضهم... الخ ) مراداً صفوة الخلق من ذوي العقول الراجحة - على طريقة الاستخدام - كما ورد في التفسير.
وقيل: إنّه من باب التغليب كما في قوله: ( فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ) (5) .
____________________
(1) فاطر: 33 و34.
(2) الإسراء: 5.
(3) المؤمن: 54.
(4) البقرة: 31.
(5) النور: 45.
هو من ظريف البديع، أن يسترسل الشاعر في تغزّله، والخطيب في تفكّهه، فيستظرف في أُسلوب بيانه، يقترب من مطلوبه شيئاً فشيئاً، ويدنو إليه على طريقة أهل الاستدلال في خُطىً حثيثة متواصلة، بتمهيد مقدّمات منتهية إلى النتيجة المتوخّاة فيأتي بشواهد ودلائل، ويقيس كما يقيس الفقيه المتكلّف، ويبرهن على شاكلة الحكيم المتفلسف، وهكذا يقترب من مقصوده مليّاً... وهو فنّ من أساليب البيان، دقيق مسّه، رقيق رمسه، قلّ مَن يتوفّق لمثله في قدرة الاستحواذ على مشاعر مَن سمع الخطاب، (إنّ من البيانِ لسحراً) .
أنشد ابن المعتزّ لنفسه:
أسرفتُ في الكتمانِ |
وذاك منّي دَهاني (1) |
|
كتمتُ حبَّك حتّى |
كتـمتُه كتـماني |
|
فلم يكن لي بُدّ |
مِن ذِكره بلساني |
قال ابن رشيق: وهذه الملاحة نفسها، والظرف بعينه.
وقال أبو نؤاس:
____________________
(1) دهى فلاناً: أصابه بداهية.
سُخِّنتَ مِن شدّة البرودةِ حـ |
تى صرتَ عندي كأنّك النارُ |
|
لا يعجبِ السامعونَ من صفتيّ |
كذلك الثلجُ باردٌ حارُّ |
قاب ابن رشيق: فهذا مذهب كلامي فلسفي (1) .
* * *
قال ابن معصوم: وهذا النوع أَوّل من ذَكره الجاحظ: وهو عبارة عن أن يأتي البليغ بحجّة على ما يدّعيه على طريق المتكلّمين، وهي أن تكون بعد تسليم المقدّمات مستلزمة للمدّعى (2) .
قال ابن أبي الإصبع: وزعم الجاحظ أنّه لا يوجد منه شيء في القرآن، والكتاب مشحون به (3) ومنه محاججات إبراهيم (عليه السلام) مع قومه من قوله تعالى ( حاجَّه قَومُه - إلى قوله - وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ ) (4) ، وذكروا أنّ من أَوّل سورة الحج إلى قوله: ( وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) (5) خمس نتائج تُستنتج من عشر مقدّمات رتيبة.
وذكر أبو الحسن الرمّاني - في الضرب الخامس من باب المبالغة -: إخراج الكلام مخرج الشكّ للمبالغة في العدل والمظاهرة في الاحتجاج، فمِن ذلك قوله تعالى: ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) (6) . وقوله: ( قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ) (7) وعلى هذا النحو خرج مخرج قوله تعالى: ( أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً ) (8) جاء على التسليم أنّ لهم مستقرّاً خيراً من جهة السلامة من الآلام؛ لأنّهم (أي المشركون) ينكرون إعادة الأرواح إلى الأجساد، فقيل: على هذا أصحاب الجنّة يومئذٍ خيرٌ مستقرّاً، ومنه قوله: ( وَهُوَ
____________________
(1) العمدة: ج2 ص79 و80.
(2) أنوار الربيع: ج4 ص356.
(3) بديع القرآن: ص37.
(4) الأنعام: 80 - 83.
(5) الحج: 1 - 7.
(6) سبأ: 24.
(7) الزخرف: 81.
(8) الفرقان: 25.
الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) (1) على التسليم أنّ أحدهما أهون من الآخر فيما يسبق إلى نفوس العقلاء (2) .
* * *
قلت: دلائل القرآن لامعة، وبراهينه ساطعة، لكن لا على الأساليب المعقّدة التي ينتهجها أرباب الكلام، بل على طريقة العقلاء في متعارفهم، في قوّة منطق وأناقة بيان، فقد أخذ من المسلّمات (القضايا البديهية والمعترف بها) برهاناً على النظريّات، ومن المشاهدات المحسوسة دليلاً على حقائق راهنة لا محيص عنها، كلّ ذلك على طريقة واضحة ومحجّة لائحة. يستذيقها الطبع، ويستلذّها الذوق، وتستسلم لها العقول، ( إِنّ فِي ذلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) (3) .
* منها قوله تعالى: ( قُلْ إِن كَانَ لِلرّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوّلُ الْعَابِدِينَ ) (4) .
هذا استدلال على الطريقة العقلانية؛ إذ لو كان لله وَلد - كما يقوله هؤلاء البعداء عن ساحة قدسه تعالى - لكان أَوّل معترف به هم الرسل الذين جاؤوا من عنده، وهم أقرب إليه ممّن سواهم.
* وقوله: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (5) ، وقد أوضحته آية أُخرى: ( مَا اتّخَذَ اللّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لّذَهَبَ كُلّ إِلهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللّهِ عَمّا يَصِفُونَ ) (6) ، أيضاً طريقة عقلانية يتسلّمها العقلاء عند المقايسة.
____________________
(1) الروم: 27.
(2) النكت في إعجاز القرآن: ص105.
(3) ق: 37.
(4) الزخرف: 81.
(5) الأنبياء: 22.
(6) المؤمنون: 91.
* وقوله: ( وَهُوَ الّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ) (1) إذ كان الخصم معترفاً بأنّ الله هو الذي بدأ الخلق، إذاً فالإعادة أهون من البَداءة؛ لأنّها من شيء، وتلك لا من شيء.
* وقوله تعالى: ( إِنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دوُنِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هؤُلآءِ آلِهَةً مّا وَرَدُوهَا وَكُلّ فِيهَا خَالِدُونَ ) (2) .
كانت العرب تعترف بالمبدي الأعلى وهو الله تعالى، وإنّما يعبدون الأوثان ليقرّبوهم إلى الله زلفى (3) فكانوا يعتبرونهم آلهةً صغاراً، وهم شفعاء ووسطاء بينهم وبين الله الكبير المتعال، تعاليم ورثوها مِن أُمَم مجاورة: الفرس والروم واليونان.
فإذ قد تسلّموا بربوبيته تعالى، وأنّه الحاكم على الخلائق أجمعين، فإنّه يحكم بهؤلاء وما يعبدون أنّهم حصب جهنم، ولا يدخلها الأصاغر حقير، لا يملك شفاعة ولا يستحقّ عبادة.
* وقوله: ( وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمّ الْخِيَاطِ ) (4) فقد رتّب دخولهم الجنّة على ولوج الحبل الغليظ في خرم الإبرة، ولمّا كان ذلك أمراً ممتنعاً، كان ذاك أيضاً مثله، فقد أبدى امتناع دخولهم الجنّة بهذا الشكل القياسي كناية بديعة.
* وقوله: ( إِنّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ ) (5) فقد رتّب النتيجة على صغرى القياس مع حذف الكبرى لظهورها، وهي: أنّ مَن أعطاه الله الكوثر - وهي مجموعة المكرمات - فينبغي له أن يؤدّي شكره الواجب، بالابتهال إلى الله والمثول لديه بكلّ الوجود.
____________________
(1) الروم: 27.
(2) الأنبياء: 98 و99.
(3) إشارة إلى قوله تعالى: ( مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ) (الزمر: 3).
(4) الأعراف: 40.
(5) الكوثر: 1 و2.
* وقوله: ( وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلكِنّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ ) (1) قياس استثنائي مركب من قضيّة شرطية مضمونها: ( وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مّشْكُوراً ) (2) . وأُخرى حملية استثنائية مضمونها: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) (3) .
وقوله: ( فَلَمّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبّ الآفِلِينَ ) (4) ، الكبرى مطوية، أي وكلّ آفل غير مستحقّ للعبادة.
* وقوله تعالى: ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ) (5) .. هذا أشبه بقياس السبر والتقسيم؛ لأنّ الأمر يدور بين ثلاثة: إمّا أن يكونوا قد خُلقوا مِن عند أنفسهم ليس لهم خالق، أو يكونوا هم الذين خَلقوا أنفسهم، أو ينتهي خَلقهم إلى خالق خارج مِن أنفسهم، ولا رابع لذلك.
أمّا الأَوّل - ليكونوا قد خُلقوا لا مِن شيء، ولا خالق لهم، وأنّهم وُجدوا لا مِن علّة وسبب - فهذا ممّا يستحيله العقل؛ إذ لا معلول بلا علّة ولا موجود بلا موجد، فلا تترجح كفّة العدم، في دائرة الممكنات، لسوى مرجّح خارجي.
وكذا الثاني ؛ لأنّه دَور مستحيل، وتوقّف وجود الشيء على نفسه ممّا يمتنع في بديهة العقل.
إذاً فالصحيح المعقول هو الفرض الثالث، أنّهم مخلوقون، وأنّ لهم خالقاً، هو واجب الوجود لذاته، ويكون منتهى سلسلة الموجودات في دائرة الإمكان.
* وقوله تعالى: ( كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) (6) ، وقوله: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ
____________________
(1) الأعراف: 176.
(2) الإسراء: 19.
(3) طه: 124 - 126.
(4) الأنعام: 76.
(5) الطور: 35.
(6) الأعراف: 29.
نُعِيدُهُ ) (1) . وقوله: ( أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ ) (2) .
وهذا مِن مقياس النظير على النظير، فقد قيس أمر الإعادة على أمر البدء، قياساً معقولاً؛ لأنّ الذي فعل شيئاً قادر على أن يفعل مثله؛ إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد....
بل المسألة هنا هي الإعادة، وهي أهون من الإبداع، كما سبق في قوله تعالى: ( وَهُوَ الّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ... ) (3) .
* ومن هذا القبيل قوله تعالى: ( قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الّذِي أَنشَأَهَا أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الّذِي جَعَلَ لَكُم مِنَ الشّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الّذِي خَلَقَ السّماوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ ) (4) .
استدلال لطيف على إمكان الإحياء، قياساً على البدء أَوّلاً؛ لأنّ الإعادة أهون من الإنشاء.. ثمّ القياس على المحسوس المشاهد... وأنّ الذي يُنشئ من العُود الرطب ناراً كيف يُعجزه إفاضة الحياة على العظام الرميم؟! وأخيراً فإنّ خلق السماوات والأرض أعظم من خلقهم، وهو القادر والخلاّق العليم بكيفية الخلق والإعادة....
* وكذا جميع ما قيس من إعادة الحياة وحشر الأموات، على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والإنبات.
* وأجمل حجاج جاء إفحاماً للخصم ودحضاً لحجّته قوله تعالى: ( وَأَقْسَمُوا بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * لِيُبَيّنَ لَهُمُ الّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ كَفَروُا أَنّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ * إِنّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (5) .
____________________
(1) الأنبياء: 104.
(2) ق: 15.
(3) الروم: 27.
(4) يس: 78 - 81.
(5) النحل: 38 - 40.
انظر إلى هذه المحاججة اللطيفة والردّ الجميل، كيف أنّهم أقسموا بالله لإنكار البعث، فردّ عليهم بقوله (بلى)! وأنّ الّذي تقسمون به فإنّه يناقضكم صريحاً!
ثمّ قرّر البعث ببيان سببه الموجب، وأخيراً إمكانه بعظيم قدرته.
ولابن السيّد هنا - في هذه الآية - بيان لطيف أورده السيوطي في الإتقان، قال: وتقريرها، أنّ اختلاف الناس في الحقّ لا يوجب انقلاب الحقّ في نفسه، وإنّما تختلف الطرق الموصلة إليه، والحقّ في نفسه واحد، فلمّا ثبت أنّ هاهنا حقيقة موجودة لا محالة، وكان لا سبيل لنا في حياتنا إلى الوقوف عليها وقوفاً يوجب الائتلاف ويرفع عنّا الاختلاف، إذ كان الاختلاف مركوزاً في فطرنا، وكان لا يمكن ارتفاعه وزواله إلاّ بارتفاع هذه الجبلّة، ونقلها إلى صورة غيرها، صحّ - ضرورةً - أنّ لنا حياة أُخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الخلاف والعناد، وهذه هي الحالة التي وعد الله بالمصير إليها، فقال: ( وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ) (1) أي حقد، فقد صار الخلاف الموجود - كما ترى - أوضح دليل على كون (أي ثبوت) البعث الذي ينكره المنكرون (2) .
* * *
____________________
(1) الأعراف: 43.
(2) الإتقان: ج4 ص54.
إمتاع العقل والنفس معاً
امتاز القرآن في استدلالاته بالجمع بين أُسلوبين يختلفان في شرائطهما، هما: أُسلوب الخطابة وأُسلوب البرهان ذاك إقناع للعامّة بما يتسالمون به من مقبولات مظنونات، وهذا إفهام للخاصّة بما يتصادقون عليه من أَوليات يقينيات.
ومن الممتنع عادةً أن يقوم المتكلّم بإجابة ملتمس كلا الفريقين، ليجمع بين الظنّ واليقين في خطاب واحد... الأمر الذي حقّقه القرآن فعلاً بعجيب بيانه وغريب أُسلوبه.
* * *
والبرهان: ما تركّب من مقدّمات يقينية، سواء أكانت ضروريةً (بديهيةً أو فطريةً) أم كانت نظريةً (منتهية إلى الضروريات)، والقضايا الضرورية ستّة أنواع:
1 - أوّليات وهي قضايا قياساتها معها، يكفي في الجزم بالحكم مجرّد تصوّر الطرفين، كقولنا: (الكلّ أعظم من الجزء). أو مع تصوّر الواسطة وحضورها في الذهن، كقولنا: (الأربعة زوج)؛ لأنّه ينقسم إلى متساويين.
2 - مشاهدات، هي قضايا محسوسة بالحواس الظاهرة كإضاءة الشمس.
3 - وجدانيات ، منشأها الحسّ الباطني كالإحساس بالخوف والغضب.
4 - متواترات، أخبار جماعة يمتنع عادةً تواطؤهم على الكذب والاختلاق.
5 - مجرّبات ، يحصل الجزم بالنتيجة على أثر تكرر المحسوس.
6 - حدسيات ، هي سرعة الانتقال من المبادئ إلى المطالب، ويقابلها الفكر، الذي هو حركة الذهن نحو المبادئ ثمّ رجوعه إلى المطالب، فلابدّ فيه من حركتين، على خلاف الحدس؛ إذ لا حركة فيه، لأنّ الحركة تدريجية، والانتقال آني.
* * *
أمّا الخطابة فهي ما تركّب من مقدّمات كانت مقبولةً معتقداً بها لأمر سماوي أو لمزيد عقل ودين.
ونظيرها الجدل، المتركّب من قضايا مشهورات تقبّلتها العامّة وخضعت لها أعرافهم ونسجت عليها طبائعهم، فألفوها وأذعنوا بها إذعاناً.
أو قضايا مسلّمات تسلّم بها المخاطبون كأُصول مفروضة مسلّم بها.
* * *
والقرآن الكريم قد استفاد في دلائله من كلّ هذه الأساليب، وفي الأكثر جمع بينها في خطاب مع العامّة يشترك معهم الخواصّ.
هذا غاية في القدرة على الاستدلال وإقامة البرهان.
ولنضرب لذلك أمثلة:
1 - قال سبحانه وتعالى - بصدد نفي آلهة غير الله -: ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) (1) .
هذه الآية - بهذا النمط من الاستدلال - في ظاهرها البدائي احتجاج على
____________________
(1) الأنبياء: 22.
أساس الخطابة والإقناع، قياساً على العرف المعهود، إنّ التعدّد في مراكز القرار سوف يؤدّي إلى فساد الإدارة.
ونظيرها آية أُخرى: ( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ) (1) .
يقول العلاّمة الطباطبائي: وتقرير الحجّة في الآية أنّه لو فُرض للعالَم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتاً، متباينين حقيقةً. وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم، فتتفاسد التدابير، وتفسد السماء والأرض (2) .
وهذا النمط من الاستدلال، طريقة عقلانية يتسلّمها العرف العام قياساً على ما ألفوه في أعرافهم.
* * *
ولكن إلى جنب هذا، فهو استدلال برهاني دقيق، قوامه الضرورة واليقين، وليس مجرّد قياس إقناعي صرف.
ذلك أنّ الآية دلّت العقول على أنّ تعدّد الآلهة، المستجمعة لصفات الإلوهية الكاملة، يستدعي إمّا عدم وجود شيء على الإطلاق، وذلك هو فساد الأشياء حال الإيجاد... أو أنّها إذا وُجدت وُجدت متفاوتة الطبائع متنافرة الجنسيات، الأمر الذي يقضي بفسادها، إثر وجودها وعدم إمكان البقاء.
وذلك لأنّه لو توجهت إرادتان مستقلّتان من إلهين مستقلّين - في الخلق والتكوين - إلى شيء واحد يريدان خلقه وتكوينه، فهذا ممّا يجعله ممتنع الوجود؛ لامتناع صدور الواحد إلاّ من الواحد، إذ الأثر الواحد لا يصدر إلاّ ممّا كان واحداً، ولا تتوارد العلّتان على معلول واحد أبداً.
وفرض وجوده عن إرادة أحدهما - مع استوائهما في القدرة والإرادة - فرض ممتنع؛ لأنّه ترجيع من غير مرجّح، بل ترجّح من غير مرجّح، وهو مستحيل.
____________________
(1) المؤمنون: 91.
(2) الميزان: ج17 ص267 ط بيروت.
ولو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث شيء، وأراد الآخر عدم إحداثه! فلو تحقّقت الإرادتان كان جمعاً بين النقيضين، أو غلبت إحداهما الأُخرى فهذا ينافي الكمال المطلق المفروض في الإلهين، وإلاّ فهو ترجيح من غير مرجّح.
ولو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث نظام ومخلوق، والآخر إلى نظام ومخلوق غيره... إذاً لذهب كل إله بما خلق... ولكان هناك نظامان وعالَمان مختلفان في الخلق والنظام، وهذا الاختلاف في البنية والنظام يستدعي عدم التآلف والوئام والانسجام، وسوف يؤدّي ذلك إلى تصادم وأن يطغي أحدهما على الآخر ولعلا بعضهم فوق بعض، الأمر الذي يقضي بالتماحق والتفاسد جميعاً.
وكل أُولئك باطل بالمشاهدة؛ إذ نرى العالم قد وُجد غير فاسد، وبقي غير فاسد، ونراه بجميع أجزاءه، وعلى اختلاف عناصره وتفاوت أوضاعه - من علوّ وسفل وخير وشر - يؤدّي وظيفة جسم واحد، تتعاون أعضاؤه مع بعضها البعض، وكل عضو يؤدّي وظيفته بانتظام، يؤدّي إلى غرض واحد وهدف واحد، وهذه الوحدة المتماسكة - غير المتنافرة - في نظام الأفعال دليل قاطع على الفاعل الواحد المنظّم لها بتدبيره الحكيم، وهو الله ربّ العالمين.
وهذا هو البرهان القائم على قضايا يقينية في بديهة العقل.
* * *
3 - وقال تعالى - بصدد نفي المثل -: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (1) .
جاءت الدعوى مشفوعة ببرهان الامتناع، على طريقة الرمز إلى كبرى القياس.
ذلك أنّ (المِثل) المضاف إليه تعالى رمز إلى الكمال المطلق، أي الذي بلغ النهاية في الكمال في جميع أوصافه ونعوته، الذي هو مقتضي الإلوهية والربوبية المطلقة؛ لأنّك إذا حقّقت معنى الإلوهية فقد حقّقت معنى التقدّم على كل شيء
____________________
(1) الشورى: 11.
والمسيطر على كل شيء، ( فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (1) ، ( لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) (2) .
إذاً فلو ذهبت تفترض الاثنينية في هذا المجال، وفرضت اثنين يشتركان في هذه الصفات التي هي غايات لجميع الأوصاف والنعوت، فقد نقضت وتناقضت في افتراضك؛ ذلك أنّك فرضت من كل منهما تقدّماً وتأخّراً في نفس الوقت وأنّ كلاً منهما مُنشِئاً ومُنشَأً، ومستعلٍ ومستعلىً عليه؛ إذ النقطة النهائية من الكمال لا تحتمل اثنين، لأنّ النقطة الواحدة لا تنحلّ إلى نقطتين، وإلاّ فقد أَحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيّد في الطرفين، إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقاً ولا مستعلياً فأنّى يكون كل منهما إلهاً، وللإله المثل الأعلى؟!
ورجع تقرير الاستدلال إلى البيان التالي:
إنّ الإله هو ما استُجمع فيه صفات الكمال وبلغ النهاية في الكمال.
ومثل هذا الوصف (مجمع الكمال) لا يقبل تعدّداً لا خارجاً ولا وهماً.
إذاً فلا تعدّد في الإله، وليس له فردان متماثلان.
وهذا من أروع الاستدلال على نفي المثيل.
وكلمة (المثل) هذه تكون إشارة إلى ما حواه المثيل من صفات وسِمات خاصّة تجعله أهلاً لهذا النعت (إيجابياً أو سلباً) في القضية المحكوم بها.
مثلاً لو قيل - خطاباً لشخصية بارزة -: (أنت لا تبخل) كان ذلك دعوى بلا برهان، أمّا لو قيل له: (مثلك لا يبخل) فقد قرنت الدعوى بحجّتها؛ إذ تلك خصائصه ومميّزاته هي التي لا تدعه أن يبخل، فكأنّك قلت: (إنّك لا تبخل، لأنّك حامل في طيّك صفاتٍ ونعوتاً تمنعك من البخل).
وهكذا جاءت الآية الكريمة: إنّ مَن كان على أوصاف الإلوهية الكاملة فإنّ
____________________
(1) الأنعام: 14 وقد جاءت في خمس سور أُخرى.
(2) الزمر: 63.
هذا الكمال والاستجماع لصفات الكمال هو الذي يجعل وجود المثيل له ممتنعاً (بالبيان المتقدّم).
وعليه، فليست زائدة، كما زعم البعض؛ لأنّ المثل - على مفروض البيان - إشارة إلى تلك الصفات والسمات التي تحملها الذات المقدّسة، ولم يكن المراد من المثل التشبيه، فهو بمنزلة (هو) محضاً.
فكان المعنى: ليس يشبه مثله تعالى شيء، أي ليس يشبهه في كمال أوصافه ونعوته شيء.
قال الأُستاذ درّار: الآية لا ترمي نفي الشبيه له تعالى فحسب؛ إذ كان يكفي لذلك أن يقول: (ليس كالله شيء) أو (ليس مثله شيء)، بل ترمي وراء ذلك دعم النفي بما يصلح دليلاً على الدعوى والإنعات إلى وجه حجّة هذا الكلام وطريق برهانه العقلي، أَلا ترى أنّك إذا أردت أن تنفي نقيصة عن إنسان فقلت: (فلان لا يكذب) أو (لا يبخل) كان كلامك هذا مجرّد دعوى لا دليل عليها، أمّا إذا زدت كلمة المثل وقلت: (مثل فلان لا يكذب) أو (لا يبخل) فكأنّك دعمت كلامك بحجّة وبرهان؛ إذ مَن كان على صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك؛ لأنّ وجود هذه الصفات والنعوت ممّا تمنع الاستفسال إلى رذائل الأخلاق، وهذا منهج حكيم وضع عليه أُسلوب كلامه تعالى، وأنّ مثله تعالى ذا الكبرياء والعظمة لا يمكن أن يكون له شبيه، أو أنّ الوجود لا يتّسع لاثنين من جنسه (1) .
فقد جيء بأحد التشبيه ركناً في الدعوى، وبالآخر دعامةً لها وبرهاناً عليها، وهذا من جميل الكلام وبديع البيان، ومن الوجيز الوافي.
* * *
3 - وقال تعالى - بصدد بيان لا نهائية فيوضه عزّت آلاؤه - ( وَلَوْ أَنّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مّا نَفِذَتْ كَلِمَاتُ اللّهِ ) (2) .
____________________
(1) النبأ العظيم: ص128.
(2) لقمان: 27.
هذه مقارنة بين المحدود واللامحدود، وأنّ المحدود مهما بلغ عدده وتضخّم حجمه فإنّه لا يقاس بغير المحدود؛ إذ ذاك ينتهي وهذا لا ينتهي، ولا مناسبة بين ما ينتهي إلى أمد مهما طال أو قصر، وما يمتدّ إلى ما لا نهاية أبداً.
والكلمة - في هذه الآية - يراد بها الوجود المفاض بأمره تعالى، المتحقّق بقوله: (كن).
قال تعالى: ( إِنّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (1) .
وكلّ موجود - في عالم الخلق، وهو ما سوى الله - فهو كلمته تعالى، كما أطلق على المسيح (عليه السلام) كلمة الله: ( وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ) (2) (3) .
والمعنى: أنّه لو جُعلت الأشجار أقلاماً والأبحر مداداً - ليُكتب بها كلمات الله - لنفدت الأقلام والمداد قبل أن تنفد كلمات الله؛ لأنّها غير متناهية... وذلك لأنّ كلماته تعالى إفاضات، ولا ينتهي فيضه تعالى إلى أمد محدود أبداً.
* * *
4 - وقال تعالى - ردّاً على احتجاج اليهود -: ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقّ مُصَدّقاً لِمَا مَعَهُمْ ) (4) .
امتنعت اليهود من اعتناق الإسلام بحجّة أنّهم على طريقة نبيّهم موسى (عليه السلام) وعلى شريعته، ولذلك لا يمكنهم اتّخاذ سيرة أُخرى والإيمان بشريعة سواها.
هذا اعتذار زعمت اليهود وجاهته في منابذة الإسلام... وقد فنّد القرآن هذا التذرّع الكاسد والاحتجاج الفاسد؛ إذ لا منافرة بين الشريعتين ولا منافاة بين الطريقين، والكل يهدف مرمىً واحداً ويرمي هدفاً واحداً، وقد جاء الأنبياء جميعاً لينيروا الدرب إلى صراط الله المستقيم، صراطاً واحداً وهدفاً واحداً، لا تنافر ولا تنافي ولا تعدّد ولا اختلاف.
____________________
(1) يس: 82.
(2) النساء: 171.
(3) الميزان: ج16 ص245.
(4) البقرة: 91.
والدليل على ذلك أنّ هذا القرآن يُصدّق بأنبياء سالفين وبشرائعهم وكتبهم وما بلّغوا مِن رسالات الله، ولو كان هناك تنافٍ وتنافر لما صحّ هذا التصديق.
وقد جاء هذا التصديق بلفظة ( مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ) في ثمانية مواضع من القرآن (1) .
وبلفظة ( مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ ) في ثلاثة مواضع (2) .
وبلفظة ( مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ ) في ثلاثة مواضع (3) .
ومِن ثَمّ قال: ( إِنّ الدّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ... ) .
( فَإِنْ حَاجّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للّهِِ وَمَنِ اتّبَعَنِ... ) .
( وَقُل لِلّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمّيّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلّوْا فَإِنّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) (4) .
* * *
وفي الآية وما يتعقّبها نكات وظرف دقيقة:
منها: قوله: (مصدّقاً لما معهم) أو (مصدّقاً لما معكم) - في آية أُخرى - وهذا تنويه بأنّ المتبقّي من التوراة ليس كلّها وإنّما هو بعضها... لكنّه لم يقل: (لما بقى من التوراة عندكم) وعبّر (بما معكم)؛ لئلاّ يتنبّه اليهود إلى ذريعة أُخرى لعلّهم يتذرّعون بها، هو أنّ المنافرة إنّما كانت بين القرآن وما ذهب مِن التوراة، فيجادلون الإسلام بهذه الطريقة... وهي طريقة أخذ ما تسالم الخصم دليلاً عليه....
ولم يقل: (مصدّقاً بالتوراة عندكم)؛ لأنّه حينذاك كان اعترافا ًبأنّ الموجود هو تمامها لا بعضها.
____________________
(1) البقرة: 97، آل عمران: 3، المائدة: 46 مرّتين و48، الأنعام: 92، فاطر: 31، الأحقاف: 30.
(2) البقرة: 89 و90 و101.
(3) البقرة: 41، آل عمران: 81، النساء: 47.
(4) آل عمران: 19 و20.
فأتى بما لا يمكّنهم المخاصمة جدلاً، ولا كان اعترافاً بصدق ما عندهم أنّه توراة كلّه، وهذا من دقيق التعبير الذي خصّ به القرآن الكريم.
وأيضاً في التعقيب بقوله: ( فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ ) (1) ، نسبة القتل إليهم بالذات؛ لأنّهم رضوا بفعل آبائهم ومشوا على طريقتهم، ولو قال: (فلم قتل آباؤكم...) لكان فيه حديث أخذ الجار بذنب الجار، وكان أشبه بمحاجّة الذئب: عدا على حَمَل صغير، بحجّة أنّ أباه قد عكّر الماء عليه في قناة كان يشرب منها (2) .
إقناع العقل وإمتاع النفس:
ميزة أُخرى في احتجاجات القرآن، هو حينما يحاول إخضاع العقل ببراهينه المتينة تراه لا يتغافل عن إمتاع النفس بلطائف كلامه الظريفة ورقائق بيانه العذبة السائغة، جامعاً بين أناقة التعبير وفخامة المحتوى، سهلاً سلساً يستلذّه الذوق ويستطيبه الطبع، عذباً فراتاً لذّة للشاربين.
إنّ للنفس الإنسانية جهتين: جهة تفكير يكون مركزه العقل، وجهة إحساس يكون مركزه وجدان الضمير، وحاجة كل واحدة منهما غير حاجة أُختها، فأمّها إحداهما فإنّها تنقّب عن الحقّ لمعرفته أوّلاً، وللعمل به ثانياً، وأمّا الأُخرى فإنّها تحاول تسجيل أحاسيسها بما في الأشياء مِن لذّة وألم، ومتعة وغذاء للنفس.
والبيان التامّ هو الذي يوفّي لك للحاجتين جميعاً، ويطير بنفسك بكلا الجناحين، فيؤتيها حظّها من الفائدة العقلية، إلى جنب إيفائها متعة الوجدان وإشباع غريزتها في عواطف الإحساس.
أمّا الحكماء فإنّما يؤدّون إليك ثمار عقولهم غذاء لعقلك، ولا يهمّهم جانب استهواء نفسك ونهم عاطفتك، يقدّمون حقائق المعارف والعلوم، لا يأبهون لِما فيها من جفاف وعري ونبوٍّ عن الطباع.
____________________
(1) البقرة: 91.
(2) النبأ العظيم: ص117.
وأمّا الشعراء فإنّما يسعون إلى استثارة وجدانك وتهييج عواطفك وأحاسيسك، وإمتاع سمعك وضميرك، فلا يبالون بما صوّروه لك أن يكون غيّاً أو رشداً، وأن يكون حقيقةً أو تخيّلاً، فتراهم جادّين وهم هازلون، يستبكون وإن كانوا لا يبكون، ويُطربون وإن كانوا لا يَطربون ( وَالشّعَرَاءُ يَتّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنّهُمْ فِي كُلّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ ) (1) .
وكلّ إنسان حينما يفكّر فإنّما هو فيلسوف، وكل إنسان حينما يحسّ فإنّما هو شاعر، ولا تتكافأ القوّتان، (قوّة التفكير وقوّة الوجدان)، وكذا سائر القوى النفسية على سواء... ولو مالت هذه القوى إلى شيء من التعادل عند قليل من الناس فإنّها لا تعمل في النفس دفعة وبنسبة واحدة، بل متناوبة في حال بعد حال، وكلّما تسلّطت قوّة اضمحلّت أُخرى وكاد ينمحي أثرها، فالذي يُنهمك في التفكير تتناقص قوّة وجدانه، والذي يسعى وراء لذائذه عند ذاك تضعف قوّة تفكيره وهكذا لا تقصد النفس إلى هاتين الغايتين قصداً واحداً أبداً ( مّا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) (2) .
وكيف تطمح أن يهب لك إنسان مثلك هاتين الطلبتين على سواء وهو لم يجمعهما في نفسه على سواء، وما كلام المتكلّم إلاّ انعكاس الحالة الغالبة عليه، (وكلّ إناء بالّذي فيه ينضح)، ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ) (3) وفاقد الشيء لا يستطيع أن يمنحك به.
هذا مقياس يمكنك أن تتبيّن فيه ما لكلّ لسان وما لكلّ قلم مِن قوّة غالبة عليه، حينما ينطق وحينما يكتب، فإذا رأيته يتّجه إلى حقيقة فرغ له بعد ما قضى وطره ممّا مضى... عرفت بذلك أنّه يضرب بوترين، يتعاقب على نفسه الشعور والتفكير تعاقب الليل والنهار لا يجتمعان.
____________________
(1) الشعراء: 224 - 226.
(2) الأحزاب: 4.
(3) الإسراء: 84.
وأمّا أنّ أُسلوباً واحداً يتّجه اتّجاهاً واحداً، ويستهدف هدفاً واحداً، ويرمي إلى غرض واحد، ولكنّه مع ذلك قد جمع لك بين الطريقتين: إقناع عقلك وإمتاع نفسك معاً، وفي آنٍ واحد وفي كلام واحد، كما يحمل العنصر الواحد من الشجرة الواحدة أوراقاً وأثماراً، أنواراً وأزهاراً، معاً، أو كما تجري الروح في الجسد والماء في العود الأخضر... فذلك ما لا تظفر به في كلام بشر على الإطلاق، ولا هو من سُنن الله في النفس الإنسانية... ( مّا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) .
فمِن أين لك بكلام واحد وبيان واحد وأُسلوب واحد، يفيض عليك من الحقيقة البرهانية والدلائل العقلانية، بما يرضي أُولئك الفلاسفة الحكماء، والمتعمّقين النبلاء، ويرضخ بعقولهم الجبّارة.
وإلى جانب ذلك - وفي نفس الوقت - يضفي عليه من المتعة الوجدانية والعذوبة والحلاوة والطلاوة، ما يسدّ فَهمَ هؤلاء الشعراء المرحين وأصحاب الأذواق الرقيقة الفكهين.
ذلك هو الله ربّ العالمين، الذي لا يشغله شأن عن شأن، القادر على أن يُخاطب العقل والقلب معاً بلسان واحد، وأن يخرج الحقّ والجمال جميعاً، يلتقيان ولا يبغيان... فيستخرج منهما اللؤلؤ والمرجان... ويسقيك من هذا وذاك شراباً طهوراً، عذباً فراتاً، سائغاً لذّةً للشاربين.
هذا هو الذي تجده في كتاب الله الكريم، حيثما توجّهت وأينما تولّيت بوجهك، إنّه في فسحة قَصَصه وأخباره عن الماضين، لا ينسى حقّ العقل من حِكم وعِبر، وأنّه في مزدحم براهينه ودلائله، لا يغفل حظّ القلب من رغبة ورهبة وشوق ورجاء، يبثّ ذلك بوفرة شاملة، في جميع آياته وبيّناته، في مطالعها ومقاطعها وتضاعيفها، الأمر الذي ( تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُودُ الّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهُمْ ثُمّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللّهِ ) (1) ، و ( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) (2) .
____________________
(1) الزمر: 23.
(2) الطارق 13 و14.
قلنا: من بديع بيانه تعالى لإقناع الخصوم هو ذاك لطيف برهانه، همساً في الأسماع ووخزاً في القلوب، فتلك حججه قاطعة ودلائله لائحة، ترفع الغبار عن وجه الحقيقة بيدٍ ناعمة ولمسٍ خفيف، وتكشف النقاب عن محيّى الحقّ بإشارة خفية نافذة إلى الأعماق.
وممّا وقف عليه العلماء من أسرار بيان القرآن هو جمعه لأنواع البراهين العقلية، ولكن لا بمثل تلك التعقيدات التي تكلّفها المتكلّمون، بل جرياً مع المتعارف من الكلام المعقول، ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رّسُولٍ إِلاّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ ) (1) ، فإنّ الراغب في دقيق المحاجّة هو العاجز عن إقامة الحجّة بالجليل من الكلام، ومَن استطاع أن يفهم الأكثر بالأوضح مِن البيان لا يلجأ إلى الأغمض الذي لا يعرفه إلاّ الأقلّون.
فقد أخرج الله تعالى مخاطباته في محاجّة العباد في أبهى صورة وأجلى بيان؛ ليفهم العامّة من جليلها ما يقنعهم ويلزمهم الحجّة، وتفهم الخواصّ مِن أثنائها ما
____________________
(1) إبراهيم: 4.
يربي على ما أدركه فهم الخطباء، وهذه مزيّة خارقة في القرآن، قناعة كافية للعوام، وحجّة وافية للعلماء، وبذلك فاق سائر الكلام.
وقد بيّنا أنواع القياس الاقتراني والاستثنائي الواردة في القرآن على أساليب متعارفة وبديعة، وإليك أنواعاً أُخر مِن الأقيسة:
السبر والتقسيم:
من أنواع الحجج المصطلح عليها في علم الجدل (السبر والتقسيم) باستقصاء جوانب المسألة وكل محتملاتها، ثمّ إخراجها فرداً فرداً؛ ليبقى الاحتمال الأخير هو الصحيح المطلوب.
ومن أمثلته في القرآن ما جاء في سورة الأنعام بشأن ما زعمه المشركون من حرمة ذكور الأنعام تارةً وإناثها أُخرى، وإسناد تحريمهما إلى شريعة الله، افتراءً عليه، فجاء ردّ مزعومتهم بالشكل التالي:
( ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذّكَرَيْنِ حَرّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمّا اشْتَمَلَتْ أَرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ نَبّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذّكَرَيْنِ حَرّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمّا اشْتَمَلَتْ أَرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللّهُ بِهذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً لِيُضِلّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) (1) .
خلاصة الاستدلال: إنّ الله تعالى هو الذي خلق الزوجين من الأنعام - الذكر والأنثى - فهل كانت علّة تحريم ما ذكرتم هي الذكورية؟ وعليه فيلزم تحريم كلّ ذكر مِن الأنعام، ولا يخصّ بعضاً دون بعض! وإن كانت علّة التحريم هي الأُنوثية فلازمه أيضاً تحريم جميع الإناث من الأنعام! وإن كانت لأجل اشتمال الأرحام عليها فلازمه تحريم الصنفين معاً ذكوراً وإناثاً! وعليه فبطل تحريمهم لبعض دون
____________________
(1) الأنعام: 143 و144.
بعض لغير ما سبب معقول.
وأمّا احتمال أن يكون شريعة التحريم أخذوها عن الله - بواسطة رسول أو بلا واسطة - فهو منفي، أَوّلاً: لأنّهم لم يدّعوه.
وثانياً: ظهور بطلان الدعوى لو ادّعوها؛ إذ لم يأتوا عليها بسلطان.
ومِن ثَمّ عقبها بقوله: ( قُل لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيّ مُحَرّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ) (1) .
القول بالموجب:
قال ابن معصوم: هو نوع من البديع غريب المعنى، لطيف المبنى، راجع الوزن في معيار البلاغة، مفرغ الحسن في قالب الصياغة. وهو والأُسلوب الحكيم (2) ، رضيعا لبانٍ، وفرسا رِهانٍ (3) .
قال ابن أبي الإصبع: هو أن يتكلّم أحدٌ بشيء، فيعمد السامع إلى لفظة من كلامه، فيبني عليها ويناقضه بسببها، ردّاً عليه من كلام نفسه، وذلك يوجب معاكسة مقصود المتكلّم ونقض غرضه، قال: لأنّ حقيقة القول بالموجب هو ردّ كلام الخصم من فحوى لفظه (4) وهو نوع (المسلّمات) من القياس الجدلي في مصطلح علماء الميزان (5) .
____________________
(1) الأنعام: 145.
(2) سنأتي عليه، وهو: تلقّي المخاطب بغير ما يترقّب، بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيهاً على أنّه الأَولى بالقصد، كقول القبعثري للحجّاج لمّا قال له متوعّداً: لأَحمِلنّك على الأدهم - أراد به القيد - فقال: مِثل الأمير يُحمل على الأدهم والأشهب - أراد به الفرس - (راجع: أنوار الربيع، ج2 ص211).
(3) أنوار الربيع: ج2 ص198.
(4) بديع القرآن: ص314.
(5) هو القياس المؤلّف من قضايا مسلّم بها لدى الخصم، فيبتنى عليها الكلام لدفعه.
نعم، هو من ألطف أنواع البديع، في معاكسة كلام صديق أو مناقضة قول خصيم.
قال ابن حجّاج:
قلتُ ثقّلتُ إذ أتيتُ مراراً |
قالَ ثقّلتَ كاهلي بالأيادي |
|
قلتُ طوّلتُ، قال لي تطوّلـ |
ـتَ وأَبرمتُ، قال حبلَ ودادي |
* * *
* ومن أمثلة في القرآن المجيد قوله تعالى: ( يَقُولُونَ لَئِن رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الأَعَزّ مِنْهَا الأَذَلّ ) - يريدون بالأعزّ أنفسهم، وبالأذلّ المؤمنين... وصادقهم تعالى على إخراج الأعزّ الأذلّ، غير أنّه تعالى فسّرهما على عكس مطلوبهما (1) كناية عن أنّ المؤمنين سوف يكونون هم الذين يخرجون المنافقين من المدينة؛ لأنّهم هم الأعزّاء وغيرهم الأذلاّء.
* وقوله تعالى: ( وَمِنْهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النّبِيّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ ) (2) كأنّه قيل: نعم، هو أُذُن، ولكن نِعم الأُذن، أي هو أُذن كما قلتم، إلاّ أنّه أُذن خير لا أُذن سوء. فسلّم لهم قولهم فيه، إلاّ أنّه فسّره بما هو مدح له، وإن كان قصدوا به المذمّة، ولا شيء أبلغ في الردّ من هذا الأُسلوب؛ لأنّ فيه إطماعاً في الموافقة، وكرّاً إلى إجابتهم في الإبطال، وهو كالقول بالموجب في الأُصول (3) .
الأُسلوب الحكيم:
قال ابن معصوم: يشترك (القول بالموجب) و(الأُسلوب الحكيم) في كون كلّ منهما مِن إخراج الكلام لا على مقتضى الظاهر، ويفترقان باعتبار الغاية، فإنّ
____________________
(1) المنافقون: 8.
(2) التوبة: 61.
(3) نقله ابن معصوم عن الطيبي، راجع أنوار الربيع: ج2 ص200.
(القول بالموجب) غايته ردّ كلام المتكلّم وعكس معناه، (الأُسلوب الحكيم) هو تلقّي المخاطب بغير ما يترتّب، بحمل كلامه على خلاف مراده، تنبيهاً على أنّه الأَولى بالقصد، أو السائل بغير ما يتطلّب، بتنزيل سؤاله منزلة غيره، تنبيهاً على أنّه الأَولى بحاله والمهمّ له.
أمّا الأَوّل: فكقول القبعثري للحجّاج: (مِثل الأمير يُحمل على الأدهم والأشهب) وقد تقدم (1) .
وأمّا الثاني: فكثير منه في القرآن، ويُعدّ مِن بدائع خطابه مع أُولئك الأقوام الجهلاء بما يُصلحهم ويناسب شأنهم.
مِن ذلك قوله تعالى: ( يَسْألونَكَ عَنِ الأَهِلّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنّاسِ وَالحَجّ وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنّ الْبِرّ مَنِ اتّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن أَبْوَابِهِا وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (2) .
كانوا سألوا عن الهلال ما باله يبدو دقيقاً ثمّ لا يزال يزداد حجماً حتى يكتمل بدراً، ثمّ يعود شيئاً فشيئاً حتى يصير كما بدأ؟ فأُجيبوا: بما في الآية تنبيهاً على أنّ الذي ينفعهم وهو أهمُّ بحالهم، ويكون وِفق إدراكهم هو هذا، لا الذي سألوه.
* * *
وقوله تعالى: ( يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ ) (3) .
سألوا عن الذي ينفقونه، فأُجيبوا ببيان مصارف الإنفاق، تنبيهاً على أنّ المهمّ هو معرفة موضع الإنفاق، أمّا الذي يجب أن يُنفق فهو خير ما تيسّر، مِن أيّ جنس كان؛ لأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلاّ أن تقع موقعها، وكلّ ما فيه خير وصلاح فهو صالح
____________________
(1) في هامش 2 من صفحة 453.
(2) البقرة: 189.
(3) البقرة: 215.
للإنفاق؛ ومِن ثَمّ خُتمت الآية بنوايا صاحب الإنفاق وأنّ الله عليم بذات الصدور (1) .
الاستدراج:
وسمّاه بعضهم (مجاراة الخصم) ليعثر، بأن يُسلّم له بعض مقدماته حيث يراد تبكيته وإلزامه، كم يُجاري الصيدَ ليستولي عليه ويقبضه.
قال ابن معصوم: هو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته وإفحامه، وهو من مخادعات الأقوال والتصرّفات الحسنة التي هي مِن السحر الحلال، يُسمعه الحقّ على وجه لا يُغضبه.
كقوله تعالى: ( لا تُسْأَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ ) (2) ، لم يقل عمّا تجرمون؛ احترازاً عن التصريح بنسبة الجرم إليهم واكتفاءً بالتعريض في قوله (عمّا أجرمنا) ؛ لئلاّ تأخذهم الحمية الجاهلية والأنفة، وليتفكّروا في حالة أنفسهم وحالة من خالفهم في العمل، إن صلاحاً أو فساداً، فيُدركوا بالتأمّل ما هو الحقّ منهما (3) .
وقد فصّل الكلام في ذلك ابن الأثير، وعقد له باباً استخرجه من كتاب الله وشرحه شرحاً وافياً، قال:
وهذا الباب أنا استخرجته من كتاب الله تعالى، وهو مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال، والكلام فيه وإن تضمّن بلاغة، فليس الغرض هاهنا ذِكرُ بلاغته فقط، بل الغرض ذِكر ما تضمّنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، وإذا حُقّق النظر فيه عُلم أنّ مدار البلاغة كلّها عليه؛ لأنّه لا انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة، ولا المعاني اللطيفة الدقيقة، دون أن تكون مستَجلِبة لبلوغ غرض المخاطب بها.
والكلام في مثل هذا ينبغي أن يكون قصيراً في خلابه، لا قصيراً في خطابه.
____________________
(1) راجع أنوار الربيع: ج2 ص209 و210.
(2) سبأ: 25.
(3) أنوار الربيع: ج6 ص62 و63.
فإذا لم يتصرّف الكاتب في استدراج الخصم إلى إلقاء يده، وإلاّ فليس (1) بكاتب، ولا شبيه له إلاّ صاحب الجدل، فكما أنّ ذاك يتصرّف في المغالطات القياسية، فكذلك هذا يتصرّف في المغالطات الخطابية.
وقد ذكرتُ في هذا النوع ما يُتعلّمّ منه سلوكُ هذه الطريق.
فمِن ذلك قوله تعالى: ( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبّيَ اللّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيّنَاتِ مِن رَبّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ ) (2) .
أَلا ترى ما أحسن مأخذ هذا الكلام وألطفه، فإنّه أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم، فقال: لا يخلو هذا الرجل مِن أن يكون كاذباً فكذبه يعود عليه ولا يتعدّاه، أو يكون صادقاً فيصيبكم (3) بعض الذي يعدكم إن تعرّضتم له.
وفي هذا الكلام من حسن الأدب والإنصاف ما أذكره لك، فأقول: إنّما قال: ( يُصِبْكُم بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ ) وقد عُلم أنّه نبيٌّ صادقٌ، وأنّ كلّ ما يعدهم به لابدّ وأن يصيبهم، لا بعضه؛ لأنّه احتاج في مقاولة خصوم موسى (عليه السلام) أن يسلك معهم طريق الإنصاف والملاطفة في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة؛ ليكون أدعى إلى سكونهم إليه، فجاء بما عُلم أنّه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدخل في تصديقهم إيّاه، فقال: ( وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُم بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ ) وهو كلامُ المنصف في مقابلة غير المشتطّ؛ وذلك أنّه حين فرضه صادقاً فقد أثبت أنه صادقٌ في جميع ما يَعدُ به، لكنّه أردف بقوله: ( يُصِبْكُم بَعْضُ الّذِي يَعِدُكُمْ ) ليهضمه بعض حقّه في ظاهر الكلام فيريهم أنّه ليس كلام مَن أعطاه حقّه وافياً، فضلاً عن أن يتعصّب له، وتقديم الكاذب على الصادق مِن هذا القبيل، كأنّه بَرطلَهم (4) في صدر
____________________
(1) سياق المعنى يقتضي حذف كلمة (وإلاّ).
(2) غافر: 28.
(3) في الأصل (يصبكم).
(4) يقال: بَرطل فلاناً أي: رشاه، فتبرطل: فارتشى.
الكلام بما يزعمونه؛ لئلاّ ينفروا منه.
وكذلك قوله في آخر الآية: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) أي هو على الهدى، ولو كان مسرفاً كذّاباً لَما هداه الله للنبوّة، ولا عَضده بالبيّنات.
وفي هذا الكلام من خداع الخصم واستدراجه مالا خفاء به، وقد تضمّن من اللطائف الدقيقة ما إذا تأمّلته حقّ التأمّل أعطيته حقّه من الوصف.
وممّا يجري هذا الأُسلوب قوله تعالى: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنّهُ كَانَ صِدّيقاً نّبِيّاً * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً * يَا أَبَتِ إِنّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشّيْطَانَ إِنّ الشّيْطَانَ كَانَ لِلرّحْمنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنّي أَخَافُ أَن يَمَسّكَ عَذَابٌ مِنَ الرّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشّيْطَانِ وَلِيّاً ) (1) .
هذا كلامٌ يهزّ أعطاف السامعين، وفيه من الفوائد ما أذكره، وهو أنّه لمّا أراد إبراهيم (عليه السلام) أن ينصح أباه ويعظه وينقذه ممّا كان متورّطاً فيه من الخطأ العظيم الذي عصى به أمر العقل رتّب الكلام معه في أحسن نظام، مع استعمال المجاملة واللطف، والأدب الحميد، والخلق الحسن، مستنصحاً في ذلك بنصيحة ربّه، وذاك أنّه طلب منه أَوّلاً العلّة في خطيئته طلب منبّهٍ على تماديه، موقظٍ من غفلته؛ لأنّ المعبود لو كان حيّاً مميّزاً سميعاً بصيراً مقتدراً على الثواب والعقاب - إلاّ أنّ بعض الخلق يستخفّ عقل مَن أهّله للعبادة، ووصفه بالربوبية ولو كان أشرف الخلائق كالملائكة والنبيّين - فكيف بمَن جعل المعبود جماداً لا يسمع ولا يبصر، يعني به الصنم.
ثمّ ثنّى ذلك بدعوته إلى الحق، مترفِّقاً به، فلم يَسِم أباه بالجهل المطلق، ولا نفسه بالعلم الفائق، ولكنّه قال: إنّ معي لطائف من العلم وشيئاً منه، وذلك عِلمُ الدلالة على سلوك الطريق، فلا تستنكف، وهب أنّي وإيّاك في مسير وعندي
____________________
(1) مريم: 41 - 45.
معرفة بهداية الطريق دونك، فاتّبعني أُنجك مِن أن تضلّ.
ثمّ ثلّث ذلك بتثبيطه عمّا كان عليه ونهيه، فقال: إنّ الشيطان الذي استعصى على ربّك - وهو عدوّك وعدوّ أبيك آدم - هو الذي ورّطك في هذه الورطة، وألقاك في هذه الضلالة، وإنّما ألغى إبراهيم (عليه السلام) ذِكر معاداة الشيطان آدم وذرّيته في نصيحة أبيه؛ لأنّه لإمعانه في الإخلاص لم يذكر من جنايتي الشيطان إلاّ التي تختّص بالله، وهي عصيانه واستكباره، ولم يلتفت إلى ذكر معاداته آدم وذرّيته.
ثمّ ربّع ذلك بتخويفه سوء العاقبة، فلم يُصرّح بأنّ العقاب لاحِقٌّ به، ولكنّه قال: ( إِنّي أَخَافُ أَن يَمَسّكَ عَذَابٌ ) ، فنكّر العذاب ملاطفةً لأبيه، وصدّر كلّ نصيحة من هذه النصائح بقوله (يا أبت) توسّلاً إليه واستعطافاً.
وهذا بخلاف ما أجابه به أبوه، فإنّه قال: ( أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ) فأقبل عليه بفظاظة الكفر، وغلظ العناد، فناداه باسمه، ولم يقابل قوله (يا أبت) بقوله (يا بنيّ)، وقدّم الخبر على المبتدأ في قوله ( أراغبٌ أنت ) ؛ لأنّه كان أهمّ عنده، وفيه ضربٌ مِن التعجّب والإنكار لرغبة إبراهيم عن آلهته.
وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة مِن هذا الجنس لا سيّما في مخاطبات الأنبياء صلوات الله عليهم للكفّار، والردّ عليهم، وفي هذين المثالين المذكورين هاهنا كفاية ومقنع (1) .
* * *
____________________
(1) المثل السائر: ج2 ص260 - 264.
2 - الإعجاز العلمي
إشاراتٌ عابرة وإلماعاتٌ خاطفة
- الماء أصل الحياة.
- منشأ تكوين الجنين.
- الرجع والصدع.
- الفضاء يتمدّد.
- تخلخل الهواء في أطباق السماء.
- الغلاف الهوائي حجابٌ حاجز.
- ماسكة الفضاء.
- الرتق والفتق.
- السحاب الثقال.
- التبخّر والإشباع والتكاثف.
- الماء الأُجاج.
- الجبال أوتاد.
- مسيرة الأرض والجبال.
- مدّ الظلّ وقبضه.
... ومواضيع أُخر
الباب الثاني
في الإعجاز العلمي
( قُلْ أَنزَلَهُ الّذِي يَعْلَمُ السّرّ فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ ) (1)
إشاراتٌ عابرة وإلماعاتٌ خاطفة
عن غياهب الوجود
لا شكّ أنّ القرآن كتاب حكمةٍ وهدايةٍ وإرشاد ( يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (2) ، ( وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) (3) ، ( وَيُخْرِجُهُم مِنَ الظّلُمَاتِ إِلَى النّورِ بِإِذْنِهِ ) (4) ، ( لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ) (5) .
هذه هي رسالة القرآن رسالة الله في الأرض، ( أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ ) (6) .
إذاً، فليست الشريعة دراسة طبيعة، ولم يكن القرآن كتاب عِلم بالذات، سوى
____________________
(1) الفرقان: 6.
(2) آل عمران: 164، الجمعة: 2.
(3) الأعراف: 157.
(4) المائدة: 16.
(5) الفرقان: 1.
(6) الفتح: 28، الصف: 9.
إشاراتٍ عابرة جاءت في عَرض الكلام، وإلماعاتٍ خاطفة وسريعة إلى بعض أسرار الوجود، وإلى طرف من كوامن أسباب الحياة، لكن إجمالاً وفي غموضٍ تامّ يعرفها العلماء الراسخون؛ إذ لم تصدر على سبيل القصد والبيان، وهي في نفس الوقت تنمّ عن خضّم بحرٍ لا ينفد، وعن مخزون علم لا يتناهى. ( قُل لّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ) (1) ، ( أَنّ اللّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيءٍ عِلْمَاً ) (2) .
نعم، إنّها شذرات بدت من طيّ كلامه تعالى، ورشحات فاضت من عرض بيانه، كانت عظيمة وفخيمة، كلّما تقدّمت رُكَب الحضارة، وتألّق نجم العلم والمعرفة على آفاق الوجود، وإذا بالقرآن يسبق الإنسان بخُطوات، ولا يكاد يلحق أذياله في هذا المسير ( وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْءٍ ) (3) .
* * *
وهذا نظير ما يُؤثَر عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) من كلمات جاءت في عرض كلامه، وهي تنمّ عن خضمّ بحر متلاطم أمواجه، بعيد أغواره، أو كما قال هو (عليه السلام): (ينحدر عنّي السيل ولا يرقى إليّ الطير).
فمِن ذلك قوله في عجائب خلقة الإنسان: (اعجبوا لهذا الإنسان ينظرُ بشحمٍ، ويتكلّم بلحمٍ، ويسمع بعظمٍ، ويتنفّس من خَرمِ) (4) .
كان علم التشريح (5) القديم يرى من طبلة الأُذن (6) العضو الأساسي لآلة السمع، وذلك بتذبذبٍ يحصل فيه على أثر الموج الصوتي الوارد عليه، وعلى أثره يحصل تموّج في الهواء الراكد المحفوظ في حفرة الصِماخ خلف هذا الغشاء، وهذا
____________________
(1) الكهف: 109.
(2) الطلاق: 12.
(3) النحل: 89.
(4) نهج البلاغة: قصار كلماته رقم 8.
(5) علم وظائف الأعضاء، وقد شرحه ابن سينا في القانون: ج1 ص24 فما بعد.
(6) هو الغشاء الفاصل بين التجويفين الداخلي والظاهري للأُذن.
التموّج يُؤثّر في العصب الدماغي المفروش على سطح الصِماخ الباطني، وبذلك ينتقل الصوت إلى مركزه في المخّ ويحصل السماع (1) .
وبذلك تعرف أن لا شأن للعظام في أجهزة السمع في نظرة الأطبّاء القدامى.
ومِن ثَمّ حمل ابن أبي الحديد ذلك على مخاطبة العامّة بما يفهمونه من ظاهر الكلام: قال: هذا كلامٌ محمولٌ بعضه على ظاهره لِما تدعو إليه الضرورة من مخاطبة العامّة بما يفهمونه والعدول عمّا لا تقبله عقولهم ولا تعيه قلوبهم.
قال: فأمّا السمع للصوت فليس بعظم عند التحقيق وإنّما هو بالقوّة المُودعة في العصب المفروش في الصِماخ كالغشاء، فإذا حمل الهواء الصوت ودخل في ثقب الأُذن المنتهي إلى الصِماخ - بعد تعويجات فيه - جُعلت لتجري مجرى اليراعة المصوّتة، وأفضى ذلك الصوت إلى ذلك العصب الحامل للقوّة السامعة، حصل الإدراك، قال: وبالجملة، فلابدّ من عظم؛ لأنّ الحامل للّحم والعصب إنّما هو العظم (2) .
أمّا ابن ميثم فحمل كلامه (عليه السلام) على إرادة عظم الصدغ الحاوي على جهاز السمع، قال: وأراد بالعظم الذي يسمع به، العظم المسمّى بالحجري، وهو عظم صُلب فيه مجرى الأُذن كثير التعاريج والعطفات، يمرّ كذلك إلى أن يلقى العصبة
____________________
(1) قال ابن سينا بصدد تشريح الأُذن: الأُذن عضو خُلق للسمع وجُعل له صدف معوّج ليحبس جميع الصوت ويوجب طنينه، وثقب يأخذ في العظم الحجري ملولب معوّج ليكون تعويجه مطولاً لمسافة الهواء إلى داخل مع قصر تحته، وثقب الأُذن يؤدّي إلى جوبة (حفرةٍ) فيها هواء راكد وسطحها مفروش العصب الدماغي. فإذا تأدّى الموج الصوتي إلى ما هناك أدركه السمع والصِماخ كالثقبة العنبية المشتملة على الهواء الراكد الذي يُسمع الصوت بتموّجه. (القانون: ج2 ص148 - 149 الفنّ الرابع في أحوال الأُذن).
وقال عند تشريح العصب الدماغّي: تنبت مِن الدماغ أزواج من العصب سبعة... وأمّا الزوج الخامس فكلّ فرد منه ينشقّ بنصفين على هيئة المضاعف، منبته من جانبي الدماغ، والقسم الأَوّل من كلّ زوج منه يعمد إلى الغشاء المستبطن للصِماخ فيتفرق فيه كلّه. وهذا القسم منبته بالحقيقة من الجزء المؤخّر من الدماغ وبه حسّ السمع. (القانون: ج1 ص54 - 55).
(2) شرح النهج: ج18 ص103 - 104.
النابتة من الدماغ التي هي مجرى الروح الحامل للقوّة السامعة (1) .
* * *
أمّا التشريح الحديث (2) فيرى أنّ حاسة السمع إنّما تقوم بسلسلة عظام متّصلة
____________________
(1) شرح ابن ميثم: ج37 باب المختار من حكمه.
(2) الأُذن كما يفصّلها علماء التشريح مركّبة من ثلاثة أجزاء:
الأوّل: الأُذن الظاهرة، وهي المكوّنة من صفيحة غضروفية، وتُسمّى (الصيوان) ومِن قناة تمتدّ داخل العظم الصدغي، على جانبيها عدّة ثقوب تتّصل بغدد تفرز دهناً ثخيناً أصفر يُسمّى (الصملاخ) ضروريّ لصحّة الأُذن متى أدّى وظيفته خرج بنفسه ولفظته الأُذن، فيرفعه الإنسان بإصبعه بسهولة..
الثاني: الأُذن المتوسّطة، تنفصل عن الأُذن الظاهرة بغشاء الطبلة، وهو غشاء شفّاف تحته تجويف ضيّق يتّصل بالفم الخلفي بواسطة قناة، وفي أقصى هذا التجويف فتحتان مسدودتان بغشاء مشدود، هما متّصلتان بالأُذن الباطنة، إحدى هاتين الفتحتين متّصل بها أربع عُظيمات تتحرّك بعضلات صغيرة، وتُحدث توتّراً أو استرخاءً في الغشاء المرتكزة عليه.
الثالث: الأُذن الباطنة، هي الجزء الانتهائي، وهي مكوّنة من دهليز تنفتح فيه قنوات أشكالها كأنصاف الهلال، مملوءات بسائل من نوع السائل الذي يملأ ذلك الدهليز، وبجانب تلك القنوات عضو يشبه القوقعة مملوء بسائل، ومتّصل بصندوق الطبلة. وفي هذه الأُذن الباطنة تتوزع أفرع العصب السمعي.
ولا يخفى أنّ المتكلّم إنّما يحدث بكلامه ارتجاجاً في الهواء، على توقيع خاصّ، فتصل تلك الارتجاجات الهوائية إلى صيوان الأُذن، ومنه تدخل إلى القناة السمعيّة الظاهرة، ومنها إلى غشاء الطبلة الذي هو أسفل تلك القناة، فترجّه فيرتجّ، فتتبعه العُظيمات السمعيّة التي هي على الغشاء، فتُحدث في ذلك الغشاء توتّراً أو رخاوةً بواسطة عضلاتها، على حسب شدّة الصوت وضعفه، وفي نفس الوقت تحدث الارتجاجات عينها في الهواء الموجود في صندوق الطبلة، فينتقل منها إلى الأُذن الباطنة بواسطة الفتحتين اللتين ذكرناهما، وهنالك تتأثر الأعصاب السمعية، وينقل الصوت إلى المخّ فتدركه الروح وتفهمه.
(دائرة معارف القرن العشرين: ج 1 ص135 - 136)
.
والأُذن الوسطى تجويف مملوء بالهواء، في داخل العظم الصدغي، ويُسمّى (صندوق الصِماخ) وشكله كعدسة مقعّرة الطرفين، ارتفاعه 5/1 سانتيمتر، وينفصل عن الأُذن =
بطبلة الأُذن كائنة خلفها، فينتقل الصوت بواسطتها إلى العصب السمعي الذي تنقل آثاره إلى الدماغ.
وذلك أنّ ذرّات الوسط الناقل للتموّجات الصوتية باهتزاز مصدر الصوت، فإذا صادف أن التقطت الأُذن بعض هذه التموّجات ومرّت في القناة السمعية - وهو الجزء الظاهر منها - فإنّ تأثيرها يصل إلى الطبلة الموجودة في نهاية القناة السمعية، فتهتزّ بتأثير الفرق بين الضغوط الواقعة على وجهيها الأمامي والخلفي، فتنتقل هذه التغيّرات بواسطة سلسلة العظام المتّصلة بها إلى السائل الذي تسبح فيه فروع العصب السمعي الذي تنقل آثاره إلى المخّ.
وبذا يكون الإنسان قد تمكّن - بنتيجة تعوّده سماع أصوات مختلف الآلات - مِن تعيين شدّة الصوت الذي وصل إلى سمعه ودرجته ونوعه (1) .
وأمّا حاسّة الأبصار فلا تختلف النظرة القديمة عن النظرة الحديثة، في أنّها قائمة بشحمة العين (2) وقد عبّر عنها ابن سينا في القانون (3) بالرطوبة الجليدية،
____________________
= الخارجية بواسطة غشاء الصِماخ. وصندوق الصِماخ يتّصل بحفر الأنف بواسطة تجويف مخروطيّ الشكل، وله فتحات دائرية الشكل وبيضيّه تفصله عن الأُذن الداخلية.
وغشاء الصِماخ غشاء رقيق، سعته التقريبية سانتيمتر مربع، ويُشكّل في قعر الأُذن زاوية بدرجة (45 - 40) ويكون تحديبه إلى الداخل.
وهذا الغشاء متكوّن من ثلاثة أجزاء: سطحه الخارجي جلدة رقيقة، وسطحه الداخلي مادّة مخاطيّة، وفي الوسط طبقة متشابكة من ألياف عصبية كثيرة.
وعلى السطح الداخلي للغشاء عُظيمات على أشكال مَدقّات أو مطرقات صغيرة، متّصلة به بواسطة عضلات، وهذه العُظيمات واقعة بين غشاء الصِماخ والفتحات البيضيّة الشكل في نهاية الأُذن.
وهذه العُظيمات هي التي تنقل التذبذبات الصوتية من غشاء الصِماخ إلى الفتحات البيضيّة، ومنها إلى ألياف العصب السمعي فإلى المخ. (لغت نامه - دهخدا).
(1) مبادئ العلوم العامة: ص362.
(2) قالوا: العين هي الجزء المسبّب لحاسّة الأبصار، وتتكوّن من شحمة على هيئة كرة تستطيع =
قال: وهي رطوبة صافية كالبرد والجليد مستديرة ينقص تَفرطُحها من قدّامها... فإن كان أراد بها نفس الشحمة التي جاءت في تعابير المتأخرين... وإلاّ فهو دليل آخر على إعجاز كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العالِم بخبايا العلوم وأسرار الوجود.
* * *
هذا، والمقال مِن إفادات والدي العلاّمة المرحوم (الشيخ علي معرفة) نبّه عليه في كثير من خطاباته على حشود أهل الأدب والمعرفة من أبناء كربلاء المقدّسة قبل هجرتنا إلى النجف الأشرف التي وقعت في العقد السابع من القرن الرابع عشر للهجرة، فرحمة الله عليه مِن والدٍ بارّ ومُؤدِّبٍ كريم وما هداني إلى هذا الطريق إلاّ عنايته بتربيتي هذه التربية الدينية الصالحة - إن شاء الله - والخالصة لله تعالى، إعلاءً لكلمته وإحياءً لشريعته المقدّسة.
فليكن إنجازي لهذا المشروع القرآني الضخم (في محتواه وغايته) والمتواضع (في عمله) هديّة إلى روحه الطيّبة (4) ، جزاءً مِن الله عنّي وعن الإسلام خير جزاء الصالحين، وحشره مع أوليائه الأئمة الميامين محمّد وآله الطاهرين عليهم
____________________
= الحركة داخل كساء يتركب من جزءين، أحدهما مُعتم والآخر شفّاف، ويُسمّى الأخير بالقرنية، وهو عبارة عن قرص كثير التحدّب يشبه زجاجة الساعة، يوجد خلفه قرص ملوّن مستدير يُسمّى (القزحيّة) وفي وسطه ثقب يُسمّى (البؤبؤ) وتسدّ البؤبؤ من الداخل عدسة لامة شفّافة وظيفتها جمع الأشعة الضوئية المارّة بالبؤبؤ على حاجز خلفها يُسمى (الشبكّية) حيث ينتهي العصب البصري فيها بتفرّعات دقيقة جدّاً، وبواسطة هذا العصب تنتقل التأثيرات الضوئية إلى الدماغ. (مبادئ العلوم ص352).
(3) القانون: ج1 ص108. وتبعه على هذا التعبير سائر الأطباء القدامى الذين تأخّروا عنه، قبل أن تزدهر شُعب العلوم في العصر الأخير.
(4) تُوفي (رحمه الله) في 22 صفر 1379 هـ عن عمر جاوز الستّين (63) ودُفن في كربلاء بجوار أبي الفضل العباس بن علي (عليهما السلام) في الصحن الشريف على يمين الداخل من الباب الخلفي تحت الطاق.
صلوات ربّ العالمين.
* * *
وبعد، فإذا ما أضفنا إلى هذه الحقيقة المذهلة، أنّها عُرضت على يد رجل أُمّي لا يكتب ولا يقرأ عن كتاب ولا درس عند أُستاذ، من أُمّةٍ عربية جاهلة، وفي بيئة بدوية متوغّلة في البداوة، في صحراء جرداء قاحلة، بعيدة عن حضارات الأُمم وثقافات العالَم بمسافات شاسعة، فنحن إذاً أمام معجزة خارقة للعادة، لا شكّ فيها ولا ريب، وإنّما يُكابر فيها مَن استغلق على نفسه مشارع البصيرة، وعاقب نفسه؛ إذ حجب عنها إشعاع تلك الرحمة التي يشعّها هذا الكتاب الكريم.
( إِنّا هَدَيْنَاهُ السّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَإِمّا كَفُوراً ) (1) . ( فَإِنّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَي الْقُلُوبُ الّتِي فِي الصّدُور ) (2) . ( وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ الّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقّاهَا إِلاّ ذُو حَظّ عَظِيمٍ ) (3) .
* * *
وليُعلم أنّنا في هذا العرض إنّما نُحاول فهم جانب من الآيات الكونية، ربّما صعُب دركها قبلئذٍ، وأمكن الاهتداء إليها في ضوء حقائق علمية راهنة، جهد المستطاع، وقد نُخطئ الصواب، ويعود العتب علينا بالذات.
إنّنا لا نُحاول تطبيق آية قرآنية ذات حقيقة ثابتة على نظرية علمية غير ثابتة وهي قابلة للتعديل والتبديل، إنّما مبلغ جهدنا الكشف عن حقائق وأسرار كونية انطوت عليها لفيفٌ مِن آيات الذكر الحكيم، كشفاً في ضوء العلم الثابت يقيناً حسبما وصلت إليه البشرية قطعيّاً، ممّا لا يَحتمل تغييراً أو تعديلاً في مسيره، نظير ما وصل إليه العلم مِن دورة المياه في الطبيعة، والجاذبية العامّة، ودرجات ضغوط الأجسام وما شابه.
____________________
(1) الإنسان: 3.
(2) الحج: 46.
(3) فصّلت: 35.
فإنّ بقاء الآية على إبهامها أَولى مِن محاولة تطبيقها على نظريّة علميّة غير بالغة مَبلغ القطعية والكمال، وربّما كانت تحميلاً على الآية وتمحّلاً باهتاً، إن لم تكن قولاً على الله بغير علم.
هل وقع التحدّي بالإعجاز العلمي؟
هل وقع التحدّي بجانب إعجاز القرآن العلمي كما وقع بجوانب الإعجاز البياني من فصاحة وبيان ونظم وأُسلوب؟
لا شك أنّ الإعجاز قائم - في الجملة - بهذا الجانب كسائر الجوانب، أمّا التحدّي فقد يقال باختصاصه بجانب البيان فحسب؛ إذ لم تكن إشارات القرآن العلمية معروفةً عند نزوله لأحد مِن الناس، وإنّما أثبتها العلم بعد ذلك بعدّة قرون أو سيُثبتها عبر الأيّام - فإن كان ذلك دليلاً على إعجازه في مجال قادم فإنّه ليس دليلاً على وقوع التحدّي به في أَوّل يومه.
هكذا يقول الدكتور أحمد أبو حجر: إنّ آيات التحدّي إنّما تُسجّل عجز العرب الأوائل عن معارضة القرآن، وبما أنّهم عجزوا وثبت عجزهم - وهم سادة البيان وأرباب الفصاحة - فالعرب اليوم أولى بالعجز، وبذلك قامت الحجّة بهذا الكتاب العزيز (1) .
قال ابن عطية: قامت الحجّة على العالَم بالعرب؛ إذ كانوا أرباب الفصاحة ومظنّة المعارضة، كما قامت الحجّة في معجزة موسى بالسَحَرة، وفي معجزة عيسى بالأطباء (2) .
ويقول الدكتور صبحي صالح: ولا ريب أنّ العرب المعاصرين للقرآن قد سُحروا قبل كلّ شيء بأُسلوبه الذي حاولوا أن يعارضوه فما استطاعوا، حتى إذا
____________________
(1) التفسير العلمي للقرآن في الميزان، ص131.
(2) مقدّمتان في علوم القرآن: ص279.
فهموه أدركوا جماله ومسّ قلوبهم بتأثيره... وهذا ما نجده عنصراً مستقلاً بنفسه كافياً لإثبات فكرة الإعجاز وخلود القرآن، بأُسلوبه الذي يعلو ولا يُعلى. أمّا ما يتساوق مع هذا العنصر الجمالي الفنّي الرائع مِن الأغراض الدينيّة والعلمية - التي توسّع فيها بعضهم (1) - كاشتمال القرآن على العلوم الدينية والتشريعية، وتحقيقه مسائل كانت مجهولة للبشر، وعجز الزمان عن إبطال شيء منه... فهي أُمور لا سبيل إلى إنكارها، بل يقوم عليها مِن الأدلّة والبراهين مالا يُحصى، غير أنّها أدخل في معاني الفلسفة القرآنية منها في بلاغة القرآن، وليست هي مادّة التحدّي لفصحاء العرب، وإنّما تحدّى القرآن العرب بأن يأتوا بمثل أُسلوبه، وان يُعبّروا بمثل تعبيره، وأن يبلغوا ذروته التي لا تُسامى في التصوير.
فما إعجاز هذا الكتاب الكريم إلاّ سِحره، ولقد فعل سِحره هذا فعله في القلوب في أوائل الوحي، قبل أن تنزل آياته التشريعية ونبوءاته الغيبية ونظرته الكلّية الكبرى إلى الكون والحياة والإنسان (2) .
ويسترسل أبو حجر في كلامه: إذا كنّا لا نجد تناقضاً بين الآيات الكونية المذكورة في القرآن وبين ما يكتشفه العلم في حاضره ومستقبله - بل نجد توافقاً وانسجاماً - فليس ذلك دليلاً على إعجازه المرتبط بالتحدّي، بل هو دليل على أنّه مُنزل مِن عند الله تعالى.
وليس كلّ ما نزل مِن عند الله معجزاً، فالتوراة والإنجيل وغيرهما مِن الكتب السماوية نزلت مِن عند الله، ولم تُوصف بالإعجاز كما وُصف القرآن، ولم يقع بها التحدّي كما وقع بالقرآن.
وأيضاً فإنّ الآيات الكونية التنزيلية لا تشمل سور القرآن كلّها ولا آياته
____________________
(1) انظر تفسير المنار: ج1 ص210 - 212 الوجه السابع مِن وجوه الإعجاز التي ذكرها بمنتهى الاختصار والإيجاز، وقد جرى على هذا الزرقاني في مناهل العرفان: ج2 ص353 - 361.
(2) مباحث في علوم القرآن: ص320 - 321.
جميعها، وإنّما تقع فقط في بعض السور وفي بعض الآيات... ومعلوم أنّ التحدّي وقع بأيّة سورة من سور القرآن، فكلّ سورة مِن سوره فيها إعجاز لا يبلغه أحد ولن يصل إليه أحد.
قال: فلو كان القرآن معجزاً بسبب الإشارات العلمية المتفرّقة في ثنايا بعض آياته لكان كثير مِن السور التي تخلو مِن مثل هذه الإشارات بعيدة عن الإعجاز، ولم يقل بذلك أحد؛ لأنّ قليل القرآن وكثيره معجز.
وإذا ثبت أنّ قليل القرآن وكثيره معجز ثبت أنّ ما في القرآن مِن حقائق الأخبار ودقائق الشرائع وعجائب الأسرار - التي لم يعرفها البشر إلاّ بعد القرون المتطاولة - كلّ ذلك بمَعزل عن الذي طولب به العرب أن يعارضوه، بما حملهم على الاعتراف بأنّه كلام ربّ العالمين (1) .
وأضاف أنّ هذا الوجه مِن الإعجاز - على القول به - لن يُوفّق إلى فهمه والإحاطة به إلا مَن كان مِن أهل العلم الذي يُدرك هذه الحقائق ويعيها ويؤمن بصدقها، فإن لم يكن مِن أولئك حُجب عنه هذا الوجه.
وأخيراً، فإنّ في هذا الوجه مُنزلقاً خطيراً؛ إذ أنّ بعض مَن يدّعي العلم قد يُحمّل آيات مِن القرآن في هذا السبيل مالا تحتمل، وقد ينسبون إلى العلم ما هو منه براء، رغبةً في إثبات إعجاز جديد للقرآن الكريم (2) .
قال: هذه هي وجهة نظر القائلين بأنّ اشتمال القرآن على الحقائق العلمية لا يُعدّ وجهاً مِن وجوه الإعجاز في القرآن، وإن كان يدلّ على أنّه مُنزل مِن عند الله (3) .
* * *
____________________
(1) انظر الظاهرة القرآنية تقديم محمود شاكر: ص22.
(2) انظر الإسلام والإنسان المعاصر لفتحي رضوان (سلسلة اقرأ): 226 ص406.
(3) التفسير العلمي للقرآن: ص130 - 133.
على أنّهم قد يتعقّبون آراء الفريق الأَوّل (القائل باستمرار التحدّي والإعجاز الشامل) بالنقد، فيُعلّقون على قولهم: (إنّ هذا النوع مِن المعارف التي جاءت في سياق بيان آيات الله وحكمه كانت مجهولة للعرب أو لجميع البشر في الغالب، حتى أنّ المسلمين أنفسهم كانوا يتأوّلونها ويخرّجونها عن ظواهرها لتوافق المعروف عندهم في كلّ عصر مِن ظواهر وتقاليد أو مِن نظريّات العلوم والفنون الباطلة...) (1) ...
يُعلّقون على هذا القول، بأنّ المسلمين الذين لم يعرفوا أنّ قرآنهم جاء مؤيّداً لحقائق العلوم - التي لم يُوفّق إليها العلماء إلاّ بعد أربعة عشر قرناً - قد حَسُن إيمانهم بالقرآن، وحسُن انتفاعهم بأحكامه وآياته، فنشروا نوره وأقاموا دولته ونفّذوا أوامره وانتهوا بنواهيه وتأدّبوا بآدابه، في حين أنّ الذين يعرضون الآن علمهم وذكاءهم وقدرتهم على استنباط ما يتّفق مِن آيات القرآن مع العلم الحديث هم أقلّ الأجيال المسلمة تأثّراً بهذا القرآن في شؤون دينهم ودنياهم (2) .
* * *
يبدو أنّ الذي دعا بالقائل بعدم الشمول واقتصار التحدّي على العرب الأوائل وفي جانب بيانه فقط هي نظرته القاصرة على آيات وقع التحدّي فيها مُوجّهاً إلى العرب بالذات، ولا شكّ أنّ تحديّاً موجَّهاً إلى العرب يومذاك لا يعني سوى جانب البيان الذي فاق أساليب العرب وأعجزهم عن أن يأتوا بمثله.
غير أنّ تحدّي القرآن لم يقتصر على فترة مِن الزمان ولا على أُمّة مِن الناس دون مَن سواهم، فنراه وجّه نداءه الصارخ إلى البشرية جمعاء في طول الزمان وعرضه، ولكلّ الأجيال ومختلف الأقوام، وما شأنه ذلك لا يعقل اقتصاره على جانب الفصاحة والبيان؛ إذ ليس كلّ الناس عرباً ولا كلّ العرب فصحاء... فلابدّ أنّ في القرآن شيئاً هو الذي تُحُدِّيَ به تحدّياً على وجه العموم، ومِن ثَمّ كان بمجموع
____________________
(1) راجع تفسير المنار: ج1 ص212.
(2) التفسير العلمي للقرآن: ص133 - 134.
الكتاب، لا بسورة واحدة أو آية أو آيات بالذات (1) .
قال تعالى: ( قُل لّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) (2) .
فهذا تحدّ عامّ وقع مُوجّهاً إلى كافّة الأنام، سواء مَن عاصر نزول القرآن أو سائر الأيّام.
* * *
وبعد، فإليك بعض ما وصلت إليه أفهام البشرية حسب ما وصلت إليه مِن العلوم الطبيعة المقطوع بها تقريباً، وكان ذلك دليلاً على معجزة القرآن الخارقة للعادة في يوم كان سرّ هذه العلوم والآراء النظرية، مكتوماً على البشرية يومذاك، وأصبح اليوم مكشوفاً، وسيُكتشف حسب مرّ الأيّام.
____________________
(1) ذهب الشيخ محمد الطاهر بن عاشور إلى أنّ الإعجاز العلمي حاصل بمجموع القرآن، وهو إعجاز حاصل من القرآن، وغير واقع به التحدّي إلاّ إشارة (هامش التفسير العلمي: 133/1).
(2) الإسراء: 88.
( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) (1)
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (كلّ شيء خُلق مِن الماء) (2) .
تدلّنا النصوص الشرعية الصادرة عن منابع الوحي على أنّ الماء هو أَوّل ما خَلق الله مِن الجسمانيات، فقد روى الصدوق في كتاب التوحيد بإسناده عن جابر ابن يزيد الجعفي (تابعيّ ثقة صدوق: 128) أنّ رجلاً مِن علماء أهل الشام جاء إلى أبي جعفر الإمام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) وقدّم إليه أسئلة زعم أنّه قدّمها إلى سائر أصناف الناس فاختلفوا ولم يَتَبين وجه الصواب، فمِن ذلك سؤاله عن بدء الخِلقة، فكان فيما أجابه الإمام (عليه السلام) قوله: (فأوّل شيء خَلَقه مِن خَلْقه الشيء الذي جميع الأشياء منه، وهو الماء) (3) .
وهكذا رواه ثقة الإسلام الكليني في روضة الكافي، قال (عليه السلام): (وخَلَق الشيء
____________________
(1) الأنبياء: 30.
(2) بحار الأنوار: كتاب السماء والعالم ج54 ص208 رقم 170، وراجع الدرّ المنثور: ج4 ص317.
(3) بحار الأنوار: ج54 ص67 رقم 44 عن كتاب التوحيد ص67 رقم 20 باب التوحيد.
الذي جَميع الأشياء منه، وهو الماء الذي خلق الأشياء منه، فجعل نسب كل شيء إلى الماء، ولم يَجعل للماء نسباً يُضاف إليه) (1) .
وأيضا بإسناده عن محمّد بن مسلم (الثقة الجليل) عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام): (كان كلّ شيء ماءً، وكان عرشه على الماء) (2) .
* * *
وفي قوله تعالى: ( وَهُوَ الّذِي خَلَقَ السّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ) (3) ، دلالة على أنّ الماء وُجد قبل أن تُوجد عوالم الكون مِن سماء وأرض؛ لأنّ العرش كناية عن عرش التدبير، وهو عِلمه تعالى بمصالح الوجود على الإطلاق، فإذ لم يكن سوى الماء، فإنّ عرشه تعالى لم يكن مستوياً على شيء سوى الماء، فالآية كناية عن أنّه تعالى كان ولم يكن معه شيء، سوى أنّه خلق الماء قبل أن يخلق سائر الموجودات.
* * *
وفي القرآن الكريم أيضاً مواضع تُشير إلى أنّ أصل الحياة مِن الماء، في نشأتها وتكوينها وظهورها في عالم الوجود، قال تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) (4) وقال ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ) (5) ، وقال في خصوص الإنسان بالذات: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً ) (6) .
اختلف أهل التفسير في المراد مِن هذا الماء الذي هو نشأة الحياة.
قال الإمام الرازي: ذكروا في هذا الماء قولين: (أحدهما) أنّه الماء الذي خلق منه أُصول الحيوان، وهو الذي عناه بقوله: ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ) ، (والثاني)
____________________
(1) الكافي: ج8 ص94 رقم 67، البحار: ج54 ص97 رقم 81.
(2) الكافي 6 ج8 ص95 رقم 68 وص153 رقم 142، البحار: ج54 ص98 رقم 82.
(3) هود: 7.
(4) الأنبياء: 30.
(5) النور: 45.
(6) الفرقان: 54.
أنّ المراد النطفة، لقوله: ( خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ) (1) ، ( مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ ) (2) (3) .
وقال - في قوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ) -: في ذلك وجوه:
(الأَوّل) - وهو أحسنها - ما قاله القفّال: إنّ قوله (من ماء) صلة (كلّ دابة) ، وليس مِن صلة (خلق) ، والمعنى: أنّ كلّ دابة متكوّنة مِن الماء - أي متولّدة مِن انعقاد النطفة - فهي مخلوقة لله تعالى.
(الثاني) : أنّ أصل جميع المخلوقات مِن الماء؛ لأنّ الماء هو الأصل الأوّل الذي خَلَقه الله، كما ورد في الحديث: أَوّل ما خَلق الله الماء.
(الثالث) : أنّها متولّدة مِن النطفة، أو لأنّها لا تعيش إلاّ بالماء (4) .
* * *
ولكنّ المحقّقين مِن أهل التفسير لم يزالوا على القول بأنّ المراد مِن هذا الماء هو الذي منه أصل جميع المخلوقات، فإنّ مِن الماء نَشَأة الحياة وبذرت بذرتها الأُولى، بشكل حيوان بسيط ذي خليّة واحدة (الأميبا) (5) وارتقت إلى حيوانات معقّدة الأعضاء ذوات الخلايا العديدة، فوق الملايين.
أمّا وكيف وُجدت أَوّل ما وُجدت الحياة - في المياه: البحار والبحيرات والمستنقعات -؟ فهذا ممّا لم يجد له العلم إجابةً صحيحة صالحة للقبول على مسرح العلوم التجريبية المجرّدة.
ومِن ثَمّ فإنّ نظرية التطوّر في الحياة - على أنحائها وأشكالها - إنّما تبتدئ مِن عصر ما بعد الخليّة، أمّا عصر ما قبلها فمجهول، سوى أنّه أمرٌ تحقّق بإرادة الله المهيمن على مقدّرات هذا الكون، الأمر الذي لا محيص عن الإذعان به ما دام
____________________
(1) الطارق: 6.
(2) المرسلات: 20.
(3) التفسير الكبير: ج24 ص101.
(4) التفسير الكبير: ج24 ص16.
(5) قد بسط الأُستاذ الطنطاوي الكلام حول هذا الحيوان (ذي الخليّة الواحدة) في تفسيره الجواهر (ج12 ص226) عند قوله تعالى ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَراً ) .
ولشيخنا الأُستاذ محمّد تقي الفلسفي أيضاً مقال لطيف حول مسألة الحياة، بَحث فيه على ضوء الآراء الحديثة عن الحياة ونشأتها وتطوّرها، على أُسلوبه الشيّق، فراجع تفسيره لآية الكرسي: ص39 - 98.
التسلسل باطلاً وكان التولّد الذاتي مستحيلاً، وقد أَبطله العلم على أساس التجربة أيضاً.
* * *
قال سيّدنا الأُستاذ الطباطبائي (قدس سرّه) - عند قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) -: والمراد أنّ للماء دخلاً تامّاً في وجود ذوي الحياة، كما قاله: ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ) ، قال: وفي ظلّ البحوث العلمية الحديثة ظهرت صلة الحياة بالماء (1) معجزة قرآنية خالدة.
* * *
قال سيّد قطب: وأمّا قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) فيُقرّر حقيقةً خطيرة يَعدّ العلماء كشفَها وتقريرها أمراً عظيماً، ويُمجّدون (دارون) لاهتدائه إليها! وتقريره: أنّ الماء هو مَهد الحياة الأَوّل.
وهي حقيقة تُثير الانتباه حقاً، وإن كان ورودها في القرآن الكريم لا يُثير العَجب في نفوسنا، ولا يزيدنا يقيناً بصدق هذا القرآن، فنحن نستمدّ الاعتقاد بصدقه المطلق، في كلّ ما يُقرّره، مِن إيماننا بأنّه مِن عند الله، لا مِن موافقة النظريات أو الكشوف العلمية له، وأقصى ما يقال هنا كذلك: إنّ نظرية النشوء والارتقاء لدارون وجماعته لا تعارض مفهوم النصّ القرآني في هذه النقطة بالذات.
ومنذ أكثر مِن ثلاثة عشر قرناً كان القرآن الكريم يُوجّه أنظار الكفّار إلى عجائب صُنع الله في الكون، ويستنكر أن لا يؤمنوا بها وهم يرونها مبثوثة في الوجود (أفلا يؤمنون؟) وكلّ ما حولهم في الكون يقود إلى الإيمان بالخالق المدبّر الحكيم (2) .
وقال أيضاً - عند قوله تعالى: ( وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ) -: وهذه الحقيقة
____________________
(1) تفسير الميزان: ج14 ص305.
(2) في ظِلال القرآن: ج5 ص531.
الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة - حقيقة أنّ كل دابّة خُلقت مِن ماء - قد تعني وحدة العنصر الأساسي في تركيب الأحياء جميعاً، وهو الماء، وقد تعني ما يُحاول العلم الحديث أن يُثبته مِن أنّ الحياة خرجت مِن البحر ونشأت أصلاً في الماء، ثمّ تنوّعت الأنواع، وتفرّعت الأجناس.
ولكنّنا نحن - على طريقتنا في عدم تعليق الحقائق القرآنية الثابتة على النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل - لا نزيد على هذه الإشارة شيئاً، مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية، وهي أنّ الله خَلق الأحياء كلّها مِن الماء فهي ذات أصل واحد، ثمّ هي - كما ترى العين - متنوّعة الأشكال منها الزواحف تمشي على بطنها، ومنها الإنسان والطير يمشي على قدمين، ومنها الحيوان يدبّ على أربع، كلّ ذلك وِفق سنّة الله ومشيئته، لا عن فلتة ولا مصادفة، فالنواميس والسُنن التي تعمل في الكون قد اقتضتها مشيئة الله الطليقة ( إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) .
* * *
____________________
(1) في ظلال القرآن: ج6 ص111.
( فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَائِبِ ) (1) .
الدِفق: الدفع بشدّة، والدافق هنا بمعنى المدفوق، وقد شاع هذا الاستعمال عند العرب ولا سيّما عند أهل الحجاز، قال الفرّاء: أهل الحجاز أفعل لهذا مِن غيرهم أن يجعلوا المفعول فاعلاً إذا كان في مذهب نعت، كقول العرب: هذا سرٌّ كاتم، وهمٌّ ناصب، وليلٌ نائم، وعيشةٌ راضية، قال: وأعان على ذلك أنّها تُوافق رؤوس الآيات التي هي معهنّ (2) .
والصُلب: العمود الفقري الممتدّ مِن الكاهل حتى العَجْب.
والترائب: جمع تريب وتريبة، أُطلق على عظام متساوية الأطراف ومترادفة التركيب في هيكل الإنسان العظمي، منها الضلوع الكائنة بين الثديين، ومنها العظم الناتئ بين الحاجبين فوق العينين، ومنها العظم المنحني المتساوي الطرفين الكائن بين أُصول الفخذين فوق العانة كما نُقل عن الضحّاك - فيما رواه ابن كثير - قال: الترائب بين الثديين والرجلين والعينين (3) .
____________________
(1) الطارق: 7.
(2) معاني القرآن: ج3 ص255.
(3) تفسير ابن كثير: ج4 ص498.
وأصله مِن (تِرب) بمعنى تساوي الشيئين، وهو أصل في اللغة، كما قال أحمد ابن فارس (1) ، ومنه الأتراب - جمع التِرب - بمعنى الخِدن، ومنه التريب أي الصدر عند تساوي رؤوس عظامه، ومنه التربات وهي الأنامل لتساوي أطرافها، والواحدة تِربة.
قوله: ( يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَائِبِ ) أي صُلب الرجل وترائبه؛ لأنّ الوَلد إنّما يتكوّن مِن ماء الرجل، أي نطفته لا غير كما قال تعالى: ( خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ) (2) والنطفة ماء الرجل ومنيّه يُنزله بشهوة ودِفق، صرّح بذلك أهل اللغة. والأصل: سلالة الماء وزلاله، والأكثر استعماله في النَزر منه؛ وبذلك خُصّ إطلاقه على منيّ الرجل.
قال الراغب: النطفة الماء الصافي، ويُعبّر عن ماء الرجل.
وفي قوله تعالى: ( أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ) (3) ، وقوله: ( وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ) (4) تصريحُ بأنّه مخلوقٌ مِن ماء الرجل يُنزله في رِحم المرأة، والآيات بهذا الشأن كثيرة (5) .
وقوله: ( إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ) (6) أي أخلاط مِن عناصر شتّى.
قال الإمام الرازي: لا شكّ أنّ أَعظم الأعضاء معونةً في توليد المني هو الدماغ، وللدماغ خليفة وهي النخاع، وهو في الصُلب، وله شُعب كثيرة نازلة إلى مقدم البدن، وهو التريبة، فلهذا السبب خصّ الله تعالى هذين العضوين بالذِكر (7) .
* * *
____________________
(1) معجم مقاييس اللغة: ج1 ص346.
(2) النحل: 4.
(3) القيامة: 37.
(4) النجم: 45 و46.
(5) راجع الكهف: 37، والحجّ: 5، والمؤمنون: 13، وفاطر: 11، ويس: 77، وغافر: 67، والإنسان: 2، وعبس: 19.
(6) الدهر: 2.
(7) التفسير الكبير: ج31 ص129 - 130.
دور الصُلب والترائب في إفراز المني:
النطفة تتكوّن عند الرجل في أنابيب الخصية، ثمّ بعد كمال تكوينها ونضجها تنتقل بالحبل المنوي، إلى الحويصلينِ المنويينِ، ومنهما إلى القناتين الدافقتين، فالإحليل، فإلى خارج الجسم.
والصُلب - حسب علم التشريح - يشمل: العمود الفقري الظهري، والعمود الفقري القطني، وعظم العَجز، ويشتمل مِن الناحية العصبيّة على المركز التناسلي الآمر بالانتعاظ ودفق المني وتهيئة مستلزمات العمل الجنسي، كما أنّ الجهاز التناسلي تعصبه ضفائرُ عصبية عديدة ناشئة مِن الصُلب، منها الضفيرة الشمسية، والضفيرة الخثلية، والضفيرة الحويضية، وتشتبك في هذه الضفائر الجملتان الودّية ونظيرة الودّية، المسؤولتان عن انقباض الأوعية وتوسّعها، وعن الانتعاظ والاسترخاء وما يتعلّق بتمام العمل الجنسي.
أمّا الترائب فقد عرفت أنّ مِن معانيها ما يتّفق مع الحقيقة العلمية، وهي عظام أُصول الأرجل أو العظام الكائنة ما بين الرجلين، كما ذكره ابن كثير نقلاً عن الضحّاك.
وأصبح تفسير الآية - على ضوء هذا التوضيح، كما ذكره الدكتور كنعان الجابي، في كتابه (موجز علم النسج) -: إنّ الماء الدافق الذي هو ماء الرجل. أي المني - يخرج مِن بين صُلب الرجل وترائبه - أي أصول أرجله - وذلك؛ لأنّ معظم الأمكنة والممرّات التي يخرج مها السائل المنوي تقع من الناحية التشريحية بين الصُلب والترائب، فالحويصلان المنويّان - وهما الغدّتان المُفرِزتان - يُشكّل إفرازهما قسماً مِن السائل المنوي، ويقعان خلف غدّة الموثة (البروستات) وإفرازهما ذو لون غنيّ بالفركتوز، كما أنّ لهما دوراً إيجابياً في عملية قذف السائل
المنوي على شكل دفقات، بسبب تقلّص العضلات الموجودة بهما (1) .
وقال الدكتور حسن هويدي: إنّ في تعبير الآية الكريمة دلالة على تعاون الصُلب والترائب في هذا الإفراز وإخراج السائل المنوي، كعاملينِ لإخراج المني مِن مستقرّه ليؤدّي وظيفته؛ وذلك لأنّه يخرج من بين صُلب الرجل - كمركز عصبي تناسلي آمر - وترائبه - كمناطق للضفائر العصبية المأمورة بالتنفيذ، حيث يتمّ بهذا التناسق بين الآمر والمأمور خروج المني إلى القناتين الدافقتين، وهذا ثابت من الناحية العلمية، ومُوضّح لدور الجملة العصبية، ولابدّ مِن تعاون الجانبين لتدفّق المني، فإنّ تعطّل أحدهما توقّف العمل الجنسي الغريزي (2) .
* * *
____________________
(1) مع الطبّ في القرآن الكريم: ص33.
(2) مجلّة حضارة الإسلام: العدد الأوّل سنة عشرين.
( وَالسّماءِ ذَاتِ الرّجْعِ * وَالأَرْضِ ذَاتِ الصّدْعِ ) (1)
الفضاء المحيط بالأرض له خاصّة ارتجاعية، بسبب حالتها الانحنائية الحاصلة لها بفعل الجاذبة الأرضية، وهذا الوضع الدائري للسماء هو الذي أكسبها هذه الخاصّة الارتجاعية، فتُرجع كلّ ما يصعد إليها بشدّة ودفق.
وقد فَهم المفسّرون الأوائل: أنّها تُرجع البخار الصاعد إليها مطراً.
والآن فقد علمنا أنّ الأمواج اللاسلكية والتليفزيونية ترتدّ هي الأُخرى من السماء إذا أُرسلت إليها، بسبب انعكاسها على الطبقات العليا الآيونية، ولهذا نستطيع أن نلتقط ما تذيعه المذاييع البعيدة بعد انعكاسها ونستمع إليها ونشاهدها، ولولا ذلك لضاعت وتشتّتت ولم نعثر عليها، فالسماء أشبه بمرآة عاكسة تُرجع ما يُبثّ إليها، فهي السماء ذاتُ الرجع.
وهي أيضاً تعكس الأشعة الحرارية تحت الحمراء فتُرجعها إلى الأرض؛ لتدفئها.
* * *
____________________
(1) الطارق: 11 - 12.
والأرض تتصدّع ليخرج منها النبات ونافورات الغاز الطبيعي والبترول وينابيع المياه الكبريتية ونفث البراكين، وتنصدع مع كلّ هزّة زلزالية.
إنّنا مرّةً بعد أُخرى نجد أنفسنا أمام ألفاظ دقيقة، جامعة في معانيها، ومختارة بدقّة، ومصفوفة بإحكام.
وإنّها علمٌ الهيّ نافذ إلى أعماق الطبيعة، وليس علماً بشريّاً مقصوراً على مظاهر الكون دون الوصول إلى أسرارها الكامنة.
فنحن أمام دقّةٍ وإعجاز وعلمٍ شامل.
* * *
ومعنى آخر لعلّه أدقّ وأنسب لِما بين صدع الأرض ورجع السماء من رابطة طبيعية، وهو أن يكون المراد - والله العالم - تراجع السماء في دورة الفَلَك السنوية، بسبب انحراف محور الأرض في دورتها حول الشمس قليلاً عن العمود على مستوى فَلكها (مدارها) ويكون انحرافه بزاوية قدرها (5/23 درجة) ولذلك تأثير على تغيّر مناخ الأرض بنتيجة دورانها حول الشمس، ويؤدّي إلى ما نُسمّيه بتبدّل الفصول الأربعة، فتتصدّع الأرض أي تنفلق - لتُخرج نباتها كلّما تراجعت السماء من فصل إلى فصل، مِن شتاء إلى ربيع فإلى صيف والى خريف، وهكذا بسبب هذا التراجع السماوي وتبدّل الفصول، تتفجّر عيون الأرض وتتدفّق مياهها فتفيض بغزارة الأمطار، أو تغور وتنضب وتجدب الأرض إذا أمسكت السماء قَطرَها.
هكذا يرتبط اختلاف مناخ الأرض باختلاف حركات السماء ربطاً وثيقاً، ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) (1) ، ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (2) .
* * *
ومعنى ثالث أعمق وأخفى هي: رجعة الاعتدالين في دورة تستغرق 26 ألف سنة، ومِن جرّائها يَطرأ على الأرض كلّ 13 ألف سنة عظيم في المناخ وفي
____________________
(1) النمل: 88.
(2) القمر: 49.
سطح القشرة الأرضية مِن صدوع وشقوق وفوالق وجيوب، بسبب ما يحصل مِن تغيير في باطن الأرض مِن هذا التحوّل.
فقد دلّت البحوث الفَلكية على أنّ القطب الشمالي الأرضي لا يتّجه اتّجاهاً ثابتاً إلى نقطة في السماء (النجمة القطبية) بل له دورة حول دائرة متصوّرة في السماء قطرها الظاهري 18 متراً، وتستغرق هذه الدورة 26 ألف سنة.
فإذا تصوّرنا مدّ المحور الأرضي عن القطب الشمالي إلى الفضاء فالخطّ الوهمي هذا ينحرف عن النجمة القطبية اليوم درجةً ونصفاً، فإذا أخذ هذا الخطّ بالاقتراب من النجمة القطبية حتى إذا ما بلغ الانحراف عنها بنصف درجة أخذ بالابتعاد عنها، وهكذا يبتعد ويقترب منها في دائرة تستغرق دورتها ستاً وعشرين ألف سنة، وتُسمى هذه الظاهرة الفَلكية عندهم برجعة الاعتدالين، مطابقة لما جاء في تعبير القرآن ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ) !.
وسبب هذه الدورة أو الرجعة تأثير جاذبتي الشمس والقمر، على القسم المنبعج من سطح الأرض (منطقة خطّ الاستواء الدائري)، كلّ منهما يُحاول إرجاع الأرض إلى مستوى مداره.
فتأخذ نقطة الاعتدال (وهي نقطة الملتقى بين مدار الأرض والدائرة الاستوائية المائلة عن المدار) بالرجوع مِن جرّاء ذلك.
ورجعة الاعتدالين هذه لها أثر عظيم على حياة سكّان الأرض؛ إذ أنّ مِن جرّائها يطرأ على الأرض كلّ ثلاثة عشر ألف سنة تغيير عظيم في المناخ، فنصف الكرة الشمالي يحلّ الصيف فيه الآن والأرض أبعد ما تكون عن الشمس في دورتها حولها، ولذلك كان الصيف معتدلاً، وبالعكس في النصف الجنوبي الذي يكون الصيف فيها شديد الحرّ؛ لقرب الشمس منها، والشتاء في النصف الشمالي الآن معتدلٌ أيضاً لقرب الشمس منه، والعكس في النصف الجنوبي.
لكن بعد 13 ألف سنة يتحوّل المناخان، ويكون اتّجاه الأرض عكس اتّجاهها
اليوم، فالصيف في النصف الشمالي شديد الحرّ وهو معتدل في النصف الجنوبي، والشتاء على العكس، كلّ ذلك بسبب تبديل المناخ الحاصل بارتجاع نقطة الاعتدالين.
وأمّا الصدع فهو يَنشأ من هذا الرجع أيضاً؛ إذ أنّ دلائل العلم الحديث برهنت على أنّ الزلازل الأرضية تكون صدوعاً وشقوقاً وفوالق في القشرة، بعوامل طبيعية أهمّها رجعة الاعتدالين - أي عدم ثبات القطب الشمالي -. ولا تزال الزلازل تنتاب الأرض كلّ يوم عشرات المرّات العنيفة وأكثرها الخفيفة، تسجّلها مقاييس الزلازل مِن حيث لا يشعر الإنسان بها، وهذه الزلازل كثيراً مّا تحدث شقوقاً وصدوعاً في قشرة الأرض كما هو معروف.
قال رشيد رشدي (مدرّس الجغرافية في المدارس العالية ببغداد): انظر إلى هذا الانسجام والاتّساق، والإعجاز في تعبير الرجع والصدع، والربط الوثيق الطبيعي بينهما، فلو حاول كلّ عباقرة البيان ونوابغ علوم الطبيعة ليأتوا بكلمتين تخلفان هاتين اللفظتين بمعناهما المتّسع الشامل لَما قدروا ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً (1) .
* * *
( وَالسّماءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ ) (1)
يقال: آدَ يَأيد أيداً، وزان: باع يبيع بيعاً، بمعنى اشتدّ وقوى وصَلُب. أي بَنَينا السماء بقوّة وإحكام. والإيساع: الإكثار مِن الذهاب بالشيء في الجهات (2) .
وفي هذه الآية الكريمة إشارة إلى حقيقة كونية ظلّت خافية ثلاثة عشر قرناً، حتى ظهرت معالمها في القرن الرابع عشر للهجرة (أوائل القرن العشرين للميلاد) حيث عثر العِلم على ظاهرة التوسّع في عالم النجوم.
إنّ فسحة الفضاء لا تزال تتمدّد وتتوسّع اطّراداً مع توالي الأحقاب، وإنّ مجموعة المجرّات غير العديدة تزداد تلوّياً وانفلاتاً عن بعضها، كأنّها في حركاتها اللولبية أو الحلزونية آخذة بالفرار مِن مراكز دوائرها - إن صحّ هذا التعبير - وبذلك تتوسّع دائرة الوجود المتكوّن مِن هذه الأنجم المتكدّسة في ضلوع المجرّات.
هذا مضافاً إلى ما تتولّد من كواكب على إثر انفجارات هائلة في كرات عظيمة كادت تُشكّل مجموعات شمسية في أحضان المجرّات:
____________________
(1) الذاريات: 47.
(2) مجمع البيان: ج9، ص160.
عن ابن عبّاس في تفسير الآية: قادرون على خَلق ما هو أعظم منها، أي سماوات هي أعظم ممّا تَرون فوق رؤوسكم بأعين مجرّدة.
لكن الآية نصّت على فعليّة هذا الاتّساع ولا يزال، وليس مجرّد القدرة عليه فحسب (1) .
وأَوّل مَن تنبّه لمطّاطية السماء هو العالم الفَلَكي (آبه جرج لومتر) البلجيكي المتولّد سنة 1894 م، وذلك عام 1927 م. كان أُستاذاً بجامعة (لوون) أبدى نظرته هذه ردّاً على نظرة (أينشتاين) المتوفّى سنة 1955 م، المادّية المحضة للكون، كانت تفرض مِن شكل العالم اسطوانياً محدوداً مِن جوانبه الأربعة: اليمين واليسار والخلف والأمام. أمّا الفوق والتحت فلا نهائيان. هكذا كان (أينشتاين) يفرض شكل العالم.
أمّا (لومتر) فقد ردّ على هذه الفرضية التي تجعل مِن الكون مادّة هامدة لا حِراك فيها، وكذا مِن فرضية (ويليام دوستير)، المتوفّى سنة 1934 م، القائلة بأنّ الكون حركة بلا مادّة.
قال لومتر: هاتان النظرتان لا تترجّح إحداهما على الأُخرى، بل المُترجّح في النظر أنّ هذا الكون يتشكّل مِن مادّة وحركة، ومِن ثَمّ فإنّ له أمداً ونهاية، وإنّه يشبه أن يكون ككرة قديمة ينتفّخ فيزداد توسّعاً وتضخّماً، وينبسط شيئاً فشيئاً عبر الأحقاب.
ونُشرت فرضيته هذه في مجلّة علمية سنوية في (بروكسل) ولكنّها سرعان ما تُنوسيت ولم يعرها أحد باهتمام، غير أنّ الأرصاد الأمريكية في نفس الوقت كانت تعمل في الكشف عن هذه الحقيقة لترى فرضية (لومتر) مِن عالَم الكون بعين شهود.
كان (وستوملون سليفر) مدير المرصد الأمريكي عام 1912م قد أثبت أن أطيافاً جمّة مِن سحابيات حلزونية تتغيّر من جهاتها، وكأنّها بفضل القوّة الطاردة
____________________
(1) لظهور الوصف (المشتق) في فعلية النسبة، لا شأنيّتها.
آخذة بالفرار والابتعاد مِن عالَمنا الشمسي.
وحقيقة الفرار هذه لفتت مِن نظر الأُستاذ (هوبل اُودون پاول) فقام بجمع أطياف السحابيات الحلزونية، والتي كانت جميعاً تؤيّد نظرية (سليفر)، فعمّم (هوبل) النظرية وأعلن أنّ السحابيات الحلزونيّة آخذة بالفرار جميعاً بعضها من بعض، وسرعة هذا الفرار تتناسب مع الفواصل بينها؛ وبذلك احتارت أنظار العلماء بالنسبة إلى أجرام السماء.
وفي هذا الأثناء عثر الأُستاذ (ادينكتون) على مقال الأُستاذ (لومتر) الآنف، فجعل يطالعه بنَهمٍ وحرص شديد، معترفاً بصدق الحقيقة التي اكتشفها (لومتر) مِن ذي قبل، واتّضحت لديه ظاهرة التمدّد في عالم الكون، وكان ذلك تحوّلاً في فرضية عالم النجوم؛ ومِن ثَمّ قام (ادينكتون) عام (1931) بنظيم نظرة (التوسّع الكوني) وتقديمها إلى جامعة لندن كحقيقة ثابتة من عالم الوجود.
وخلاصة النظرة: أنّ عالم المجرّات - وهي تفوق الملايين - قد تحوّلت مِن حالتها الهامدة التي كان يفرضها (أينشتاين) في شكلها المنحني إلى صورة كرة دائرية تتضخّم وتتوسّع شيئاً فشيئاً، وسرعة هذا التوسّع تبلغ في شعاع مطّرد مع ضعف الزمان، ففي مدّة ملياردَي عام (عمر الأرض) ازداد هذا الشعاع بضعف، وهي سرعة هائلة يطّرد معها توسّع الكون وانبساط هذا الفضاء الرحيب (1) .
قال الأُستاذ رشيد رشدي: والكون برحبه الفسيح آخذٌ في التوسّع، كما بَرهن عليه التحقيق العلمي الحديث، ودلّت عليه الآية الكريمة ( وَالسّماءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ ) ولام التأكيد هنا لا تحتاج إلى توضيح في الدلالة على حتمية هذه التوسعة وعلى استمرارها في الأكوان والعوالم السماوية، فيا لها مِن معجزة قرآنية (2) .
وقال سيّدنا الطباطبائي (قدس سرّه): ومِن المحتمل أن يكون (موسعون) مِن (أوسع
____________________
(1) راجع تاريخ العلوم تأليف (پى ير روسو) ترجمة حسن صفّاري بالفارسية: ص862 - 868.
(2) بصائر جغرافية: ص301.
في النفقة) أي كثّرها، فيكون المراد: توسعة خَلق السماء، كما تَميل إليه الأبحاث الرياضية اليوم (1) .
* * *
هذا، ولكن غالبية المفسّرين حملوا التوسعة هنا على الغنى والسعة في الرزق، كما في قوله تعالى: ( يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ ) (2) وبقرينة قوله قبل ذلك ( وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ ) (3) ، وقوله بعد ذلك: ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ) (4) .
نعم، هو معنى مجازي للتوسعة، أخذاً مِن التوسعة في المكان للتوسعة في الحال، قال الراغب: السعة تقال في الأمكنة وفي الحال وفي الفعل، كالقدرة والجود ونحو ذلك، ففي المكان نحو قوله: ( إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ ) (5) ، وفي الحال قوله تعالى: ( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ) (6) ، وقوله: ( عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ) (7) والوسع مِن القدرة ما يفضل عن قدر المكلف. والوسع الجدة والطاقة... وأوسع فلان: إذا كان له الغنى وصار ذا سعة.
هكذا روي عن الحسن في تفسير الآية، قال: وإنّا لموسعون الرزق على الخَلق بالمطر (8) .
غير أنّ هذا المعنى المجازي للسعة يتوقّف على مجاز آخر في كلمة (أيد) مجازاً مِن القدرة إلى النعمة، كما ذكره سيّدنا الطباطبائي، وهو مجاز شايع أيضاً.
وسياق الآية عَرض لمظاهر قدرته تعالى في الخلق والتدبير، ( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ ) (9) ومِن ثَمّ جاء تعقيبها بقوله: ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ) (10) .
____________________
(1) تفسير الميزان: ج18 ص414.
(2) النساء: 130.
(3) الذاريات: 22.
(4) الذاريات: 58.
(5) العنكبوت: 56.
(6) الطلاق: 7.
(7) البقرة: 236.
(8) مجمع البيان: ج9 ص160.
(9) فاطر: 1.
(10) الذاريات: 50.
( وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنّمَا يَصّعَدُ فِي السّماءِ ) (1) .
التصعّد: محاولة أمر شاقّ بتكلّف وتحرّج، يقال: تَصعّده الأمرُ وتصاعده أي شَقّ عليه وصَعُب.
وقد ذكر المفسّرون في معنى الآية وفي وجه هذا التشبيه الغريب: أنّ مَن يرد الله خذلانه يتركه وشأنه، ومِن ثَمّ يمنعه مِن فيض ألطافه، فيقسو قلبه وينبو عن قبول الحقّ وعن الاهتداء إلى جادّة الصواب، فعنده يجد قلبه مطموساً مغلقاً عليه أبواب الرحمة ومنافذ النور، فيجد نفسه في تضايق مِن الحياة ويتحرّج عليه العيش، فحالة هكذا إنسان متعوس، تُشبه حالة مَن يُحاول أمراً ممتنعاً عليه فيتكلّفه مِن غير جدوى، كمحاولة الصعود إلى أطباق السماء، ونتيجته ضيق النفس وكربة الصدر والرهق المُضني لا غير.
وهذا التفسير كان يصحّ لو كان التعبير (كأنّما يَصّعّد إلى السماء) لكن التعبير
____________________
(1) الأنعام: 125.
( كأنّما يصعّدُ في السماءِ ) .
ولفظة (التصعّد) تعطي معنىً آخر هو: تضايق النفس وكربة الصدر والتحرّج، يقال: تَصعّد نَفَسه أي صَعُب عليه إخراجه، كما يُطلق (الصعود) و(الصَعَد) على العقبة الكؤودة... ويُستعاران لكلّ أمر شاقّ في المشقّة، قال تعالى: ( وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَداً ) (1) أي شاقّاً أليماً للغاية، وقال: ( سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ) (2) قال الراغب: أي عقبة شاقّة.
إذاً فمعنى (كأنّما يصعّدُ في السماء) : يُكابد الأمرين وتتضايق عليه الحياة، كمَن يتضايق صدره ويتحرّج عليه التنفّس في جوّ خانق، لا يصل الهواء الكافي إلى رئتيه، وهذا كمَن يُحاول العيشة في جوّ السماء المتخلخل الهواء.
وتوضيحاً لهذا الجانب مِن تفسير الآية وبيان وجه الشبه لابدّ أن نُمهّد مقدّمة.
* * *
كان المُعتَقد قديماً أنّ الهواء لا وزن له، حتّى سنة 1643م، التي قد تمّ فيها اختراع آلة المرواز (بارومتر) على يد (تروشللي)، وبواسطتها عُرف وزن الهواء فتبيّن عند ذاك أنّ الهواء مُكوّن مِن مجموعة مِن الغازات، لكل منها وزن معيّن. ويُعرف وزن الهواء فوق أي نقطة معيّنة بالضغط الجوّي، ويُمكن قياسه بواسطة البارومتر، وقد عُرف الآن أنّ هذا الضغط عند مستوى البحر يُعادل ثقل عمود مِن الزئبق، ارتفاعه حوالي 76 سم مكعب، وهذا يساوي مِن الثقل زُهاء ألف غرام على كل سانتيمتر مربّع.
وقُدّر متوسّط ضغط الهواء على إنسان عند سطح البحر ما يعادل 14 طناً، أي 14 مليون غرام، لكنّه على ارتفاع 5 كيلو مترات مِن سطح البحر، يقلّ هذا الوزن إلى 7 ملايين غرام، فكلّما ارتفعنا عن سطح البر، ينقص الضغط، خصوصاً في
____________________
(1) الجنّ: 17.
(2) المدّثر: 17.
طبقات عليا مِن الهواء، حيث تقلّ كثافة الهواء فيخفّ وزنه بنسبة هائلة.
والواقع أنّ نصف الغاز الهوائي - أي كثافة الغلاف الهوائي، سواء مِن حيث الوزن أم مِن حيث الضغط - يقع بين سطح البحر وارتفاع 6 آلاف متر، كما أنّ ثلاثة أرباعه تقع تحت مستوى 120 ألف متر.
أمّا إذا ارتفعنا إلى مستوى 80 ألف متر فلا يبقى فوق ذلك أكثر من (1/20000) مِن الوزن الكلّي للهواء.
وبالجملة أنّ الهواء يخفّ ضغطه كلّما ارتفعنا، فعلى ارتفاع ثلاثة أميال ونصف يكون الضغط نصف الضغط على سطح البحر، وعلى ارتفاع سبعة أميال يكون الربع، وعلى ارتفاع عشرة أميال يكون الثُمن، ثمّ هو لا يَطّرد.
ويرجع نقص الضغط بالارتفاع إلى أُمور أهمّها:
1 - قلّة ارتفاع العمود الهوائي.
2 - فسحة الفضاء في الطبقات العليا، ممّا يوجب تخلخلاً في الهواء.
3 - ابتعادها عن قوّة جذب الأرض ، التي كانت تُوجب ضغط الهواء في الطبقات السفلى الملاصقة للأرض خصوصاً.
4 - توفّر الغازات الخفيفة في الطبقة العليا بدل توفّر الغازات الثقيلة في الطبقة السفلى ، وعوامل أُخرى لا مجال لشرحها (1) .
* * *
وبعد، فإنّ الهواء يضغط على أجسامنا مِن جميع الجوانب، سوى أنّنا لا نشعر بتأثيره ولا بثقله وذلك؛ لانّ الدم الذي يجري في عروقنا يُولّد ضغطاً على الجدران الداخلية للأوعية الدموية، وهذا الضغط الداخلي يُوازن ضغط الهواء الواقع على أجسامنا فلا نشعر به، ولكنّ الناس الذين يتسلّقون الجبال العالية يحسّون بضيق في التنفّس بسبب اختلال التوازن بين ضغط الهواء الخارجي
____________________
(1) راجع التفصيل في كتاب بصائر جغرافية لرشيد رشدي: ص205 - 208.
وضغط الدم.
وفي سنة 1862م حاول شخصان انگليزيان الصعود بمنطاد إلى أقصى ارتفاع ممكن، فبلغا إلى حدّ سبعة أميال، ولكنّهما عانيا مصاعب جمّة، فتعذّر تنفسهما وأخذا ينزفان دماً مِن آذانهما وعيونهما وأنفيهما وحنجرتيهما، ولم يستطع العلماء في بادئ الأمر تشخيص السبب، حتى عرفوا فيما بعد أنّ الهواء يقلّ ضغطاً كلّما ارتفع، فهو في الطبقات العليا أقلّ ضغطاً منه في الطبقات السفلى (1) .
وحيث إنّ الجلد الذي يُغطّي الأعضاء المذكورة (الأُذن والعين والأنف والحنجرة) رقيق جدّاً (وهو مِن نوع الأغشية الرقيقة) تعذّر عليه مقاومة ضغط الدم عندما يقلّ ضغط الهواء الخارجي فيتدفّق الدم مِن خلاله ويحصل النزيف، ويصعب التنفّس بسبب هذا الضغط الداخلي.
وبذلك يتعسّر تنفّس الإنسان ويتضايق صدره ويكاد يختنق كلّما أخذ في الارتفاع عن سطح البحر متوغّلا في الفضاء.
وذلك بسبب قلّة الهواء وتخلخله الموجب لانخفاض الضغط الخارجي على الجسم، ممّا يؤدّي لنقص معدّل مرور الهواء عبر الأسناخ الرئوية إلى الدم، كما يُؤدّي انخفاض الضغط لتمدّد غازات المعدة والأمعاء التي تدفع الحجاب الحاجز للأعلى، فيضغط على الرئتين ويعيق تمدّدها، وكلّ ذلك يُؤدّي لصعوبة في التنفّس، وضيق يزداد حَرجاً كلّما صَعد الإنسان عالياً، حتى أنّه قد يحصل نزف من الأنف أو الفم يؤدّي أيضاً للوفاة.
وعامل آخر: انخفاض نسبة الأوكسجين في الارتفاعات العالية، فهي تعادل 21% تقريباً مِن الهواء فوق سطح الأرض، وتنعدم نهائياً في علو 67 ميلاً، ويبلغ توتّر الأوكسجين في الأسناخ الرئوية عند سطح البحر 100 ملم، ولا يزيد عن 25 ملم في ارتفاع 8 آلف متر، حيث يفقد الإنسان وعيه بعد (2 - 3) دقائق ثمّ يموت (2) .
* * *
____________________
(1) مبادئ العلوم العامة: ص 57.
(2) مع الطبّ في القرآن الكريم: ص 21.
فسبحانه مِن عظيم، في تعبيره هذا الدقيق: ( وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقاً حَرَجاً كَأَنّمَا يَصّعَدُ فِي السّماءِ ) (1) فهو كمَن يحسّ بحرج في تنفّسه، وتتضايق عليه الحياة بسبب ارتفاعه في طبقات عليا مِن الفضاء، وليس تشبيهاً بمَن يحاول الصعود إلى السماء فيضيق صدره بسبب العجز، هكذا يكشف العلم عن أسرار هذا الكتاب المبين ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدّبّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ ) (2) .
* * *
____________________
(1) الأنعام: 125.
(2) ص: 29.
( وَجَعَلْنَا السّماءَ سَقْفاً مّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ) (1)
يُحيط بالأرض غلافٌ هوائيّ سميك قد يبلغ ارتفاعه أكثر مِن 350 كيلو متراً.
والهواء يتكوّن مِن غاز النتروجين بنسبة (03/78) والأوكسجين (99/20) وثاني اوكسيد الكاربون (04/0) وبخار الماء وغازات أُخرى (94/0).
وهذا الغلاف الهوائي بهذا السُمك وبهذه النَسِب مِن تركيبه الغازي يُكوّن تُرساً واقياً للأرض مِن قذائف السماء، وهي تترى على الأرض مِن كلّ جوانبها في عدد هائل (بالملايين يومياً).
وذلك أنّ الفضاء ملؤها الأحجار المتناثرة، على أثر تحطّم كواكب مندثرة، فتتكوّن منها مجموعات حجرية كثيرة مبعثرة دائرة حول الشمس، فإذا ما اقتربت الأرض في دورانها حول الشمس مِن إحدى هذه المجموعات (وكم لها مِن اقتراب منها يومياً) انجذبت إليها كمّيات كبيرة مِن تلك الأحجار بفعل جاذبيّتها (جاذبيّة الأرض) فتنهال عليها وفرة مِن أحجار، منها الصغيرة ومنها الكبيرة، وتبلغ سرعة سقوطها ما بين (50 و60) كيلو متراً في الثانية أو تزيد، وهي سرعة
____________________
(1) الأنبياء: 32.
هائلة، فإذا دخلت الجوّ الأرضي احترّت فاتّقدت وهي تخترق الهواء، فرسَمت وراءها خطّاً من نور لا يلبث أن ينمحي.
لكنّها لاحتكاكها بأجزاء الهواء أثناء اختراقها الجوّ الأرضي، وبتأثير غاز الأوكسجين وغاز الأزوت (ثاني اوكسيد الكاربون) تحترق فور مرورها خلال الطبقات الجوّية العالية، فتتحوّل إلى ذرّات رمادية تبقى عالقة في الهواء، مكوّنةً الغبار الكوني.
وهذه هي التي دُعيت بالشُهب كأنّها شعلة متوهّجة انقضّت من السماء، ولا تلبث أن تخفى وتذهب هباءً منثوراً.
ومنها ما يكون كبيراً جدّاً فينفجر عند انقضاضه، فيُسمع له دويّ كبير، وتتساقط بعض أجزائه دون احتراقها على سطح الأرض، وتكون مادّتها مِن النيكل والحديد (1) .
فانظر إلى آثار رحمة الله، كيف يكون الجوّ الهوائي تُرساً منيعاً يقي الأرض يوميّاً من ملايين القذائف السماوية التي تذوب قبل وصولها إلى سطح الأرض، فلولا الغلاف الغازي للأرض لتعذّرت الحياة على سطحها، فقد أصبح الهواء بمجموعه - وخاصّة منه الأزوت - وقاءً عامّاً للأرض مِن هذه الرجوم. ولولا هذه الخاصّة والميزة لهذه الغازات لتعسّرت الحياة، كما في القمر الذي لا هواء له أو هو متخلخل جدّاً؛ ولذلك كان سطح القمر معروضاً كلّ يوم لقصف متلاحق لا ينفكّ عنه، لعدم وجود هواء في جوّه يقيه شرّ هذه البليّة!.
( سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ) (2) .
____________________
(1) قد تكون القذيفة ضخمة بحيث تبلغ بضعة أطنان (كلّ طنّ ألف كيلو غرام) أو أكثر، فلا يمكن لغاز الأزوت وغيره من الغازات مِن تحطيمها، فتصل إلى الأرض كحجر سماوي، مُدمرِّة مُخرِّبة، وقد عثروا على بعضها في أنحاء الأرض وخاصّة في المناطق غير المأهولة.
أليس ذا عجيبا؟! (بصائر جغرافية: ص113 و290).
وتُحفظ في إحدى المتاحف كتلة من الحديد والنيكل زنتها 60 طنّاً من النيازك الواقعة من السماء (مع الله في السماء: ص165).
(2) الزخرف: 13.
( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ) (1)
سُئل الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) عن هذه الآية فقال: (هي محبوكة إلى الأرض، وشَبّك بين أصابعه، فقيل له: كيف تكون محبوكة إلى الأرض والله يقول ( السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ) (2) ؟ قال (عليه السلام): ثَمّ عَمَدٌ، ولكن لا ترونها) (3) .
والحُبك: الشدّ الوثيق، وثوب محبوك وحبيك: متين النسج جيّد الصنع.
وتشبيك الأصابع: تداخل بعضها في البعض، ولعلّه كناية عن الوشائج الوثيقة المترابطة المتشابكة مع بعضها والماسكة بأجرام الفضاء فلا تتبعثر ولا تتهاوى، وحفظاً على التوازن القائم بين أجزاء الكون، وما هي إلاّ قانون الجاذبية العامّة، تفاعلت مع القوّة الطاردة فأمسكت بعُرى السماوات والأرض أن تزولا. وهكذا توازنَ النظام وأمكنت الحياة على الأرض.
والعَمَد: هي الطاقات والقُوى الحاكمة على نظام الكون، إنّها موجودة قد كشفها العلم ولمس آثارها وعثر على حصائلها التي هي الحياة والبقاء.
____________________
(1) الذاريات: 7.
(2) الرعد: 2.
(3) تفسير القميّ: ج2 ص328.
فقد عَثر العلم على أنّ الأجسام على نَسِب كُتلها تتجاذب مع بعضها، وهي التي جعلت الشمس تُمسك بالأرض فتدور حولها، وهي التي جعلت الشمس تُمسك بعطارد والزهرة وجعلتهما يدوران حولها، كلاً في مداره، وهي التي أمسكت بالمرّيخ والمشتري وزُحل وجعلتها جميعاً حول الشمس تدور، وهكذا سائر الكواكب في سائر المنظومات، وسائر المنظومات في سائر المجرّات، بل وجميع المجرّات في عرض الفضاء اللامتناهي، هي التي عملت في إمساكهنّ دون التفرّق والاندثار ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السّماءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِه ) (1) ، ( إِنّ اللّهَ يُمْسِكُ السّماوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا ) (2) .
هذه هي الجاذبية، قد جَهل العلمُ بحقيقتها وعن نشأتها، سوى أنّه عرفها بحدودها وميزاتها وبعض آثارها، هذا فحسب، أمّا كيف حصلت وبِمَ حصلت وما سببها وسرّها الكامن وراء ظاهرها؟! فهذا شيء مجهول، وسيبقى مجهولاً إلى الأبد، شأن سائر مكتشفات العلم التي بقيت خافية السرّ في طيّ الوجود..
في أواخر القرن السابع عشر للميلاد قام إسحاق نيوتن (1642 - 1727م) بتجارب، وعلى أثرها عَثر على تجاذب عام بين الأجسام، قائم بنسبة كُتلها طردياً، وبنسبة مربّع المسافة بينها عكسياً، وعُرف بقانون (الجاذبية العامّة) (3) .
وقانون الجاذبية: عبارة عن جذب كلّ كتلة لكلّ كتلة أُخرى (4) بقوّة تزداد بازدياد كتلتيهما، وتقلّ بنسبة مربّع المسافة بينهما.
ومعنى ذلك أنّه لو زادت المسافة إلى الضعف وكانت الكتلة ثابتة لنقصت القوّة الجاذبة إلى الربع، وإذا زادت المسافة ثلاث مرّات لنقصت الجاذبة بينهما إلى 9|1
____________________
(1) الروم: 25.
(2) فاطر: 41.
(3) مبادئ العلوم: ص18.
(4) تُعرَّف كتلة كل جسم بأنّها كمّية المادّة المحتوية في ذلك الجسم، والكتلة هي التي تُعيّن مقدار الوزن، وقد اصطلح على اتّخاذ الغرام وحدة علمية للمقارنة بين الكتل. والغرام: كتلة سنتمتر مكعّب من الماء المقطّر. (مبادئ العلوم: ص6 - 7).
ما كانت عليه، أمّا إذا كانت المسافة ثابتة فإنّ زيادة الكتلتين مِن شأنها أن تزيد القوة الجاذبة زيادة مطّردة.
* * *
وهل الجاذبية بنفسها قدرة فاعلة أم وراءها سرّ أخفى؟
قال إسحاق نيوتن: ولا يمكن أن يَتصوّر المرء أنّ المادّة الهامدة بدون تأثير مِن خارج المادّة هي العاملة بذاتها.. وأرجو أن لا يُنسب ذلك إليّ.. أنّ القول بالجاذبية المادّية، وأنّها مِن خواصّ المادّة الجامدة، وأنّ لكلّ جسم أن يُؤثر على جسم آخر، بينهما الفراغ التام، قول لا يستقيم، ولا يصحّ أن يقول به مَن كانت عقليته عقلية علمية، بل الجاذبية لابدّ أن يكون لها سبب وسيط يعمل وفقاً لقوانين أُخرى لا نعلمها، وهل ذاك الوسيط مادّي أو أمر متعال عن المادّة؟ فهذا ما أتركه إلى فهم القارئ وتقديره (1) .
هذا ما يقوله مكتشف قانون الجاذبية، يُنبئك عن خفاء سرّها، ولكنّه مع ذلك فإنّ هذا القانون رغم الجهل بحقيقته فإنّه ذو أهمّية كبرى في معرفة السرّ العلمي لحفظ التوازن العامّ بين أجزاء الكون، ولولاه لتبعثرت هباءً وانتشرت منثوراً في الفضاء.
وبذلك أيضاً يعلّل قانون الثقل والوزن، ولولاه لطارت الأجسام المستقرّة على الأرض أو المحيطة بها إلى أبعاد السماء، ولَما استقرّت المحيطات والبحار في مستقرّها، ولَما بقي هواء محيط بالأرض، ولانعدمت الحياة على سطح الأرض بانعدام الهواء، وهكذا لم يبقَ سحاب معلّقاً في جوّ السماء، ولَما أمطرت السماء على الأرض وجفّت المياه.
* * *
أمّا القوّة المركزية الطاردة فهي: أنّ كلّ جسم يدور حول مركز فإنّه يكتسب
____________________
(1) بصائر جغرافية: ص272 - 273.
بذلك قوّة تدفعه في الابتعاد عن المركز وهي أيضاً بنسبة مربّع السرعة، كلّما كانت الحركة الدورية أسرع فإنّ قوّة الطرد تزداد، وبالعكس تقلّ مع انخفاض السرعة، فلو كانت سرعة الدوران بمقياس 10 كيلومترات في الساعة فإنّ قوّة الدفع الطاردة تكون حينذاك بمقياس 10 × 10 = 100 كيلومتر في الساعة (1) .
ولكن يجب أن لا يتناسى المسافة بين النقطة المركزية والجسم الدائر، وكذا كتلته، فإنّ ذلك كلّه ذو تأثير على مبلغ قوّة الطرد.
قال الدكتور أحمد زكي: إنّ مِن المهمّ أن نعرف شيئاً عن علاقة هذه القوّة (مِن حيث مقدارها) بالدوران (مِن حيث سرعته ومِن حيث عدد لفّات الشيء الدائر)، لهذا نقول: هب أنّ كرة مِن حديد وزنها 7 أرطال تدور حول محور، وهي مرتبطة بالمحور بحبل طوله 3 أقدام، وهب أنّ الكرة تلفّ لفّتين في الثانية حول هذا المحور، إذاً فالقّوة المركزية الطاردة التي بها تشدّ الكرة المحور (هي تساوي القوّة الجاذبة التي يجذب بها المحور الكرة) تساوي بالتقريب: 1 - 4/1 × كتلة الحديد × طول الحبل (أي نصف قطر الدوران) × 2 (عدد اللّفات في الثانية = 1 - 4/1 × 7 × 3 × 2 = 105) من الأرطال.
ومعنى هذا أنّه كلّما زادت سرعة اللفّ في الثانية زادت القوّة، وكلّما قلّت تلك قلّت هذه (2) .
* * *
ويستطرد الأُستاذ رشيد رشدي قائلاً: إنّ القوّة الجاذبية للأرض تأخذ بالتناقص كلّما اتّجهنا نحو خطّ الاستواء، حيث تزداد سرعة الأرض المحورية التي تؤدّي إلى زيادة القوّة الطاردة، وهذا النقص عند خطّ الاستواء يكون بنسبة 289/1 ولمّا كان العدد 289 مربّع العدد 17 والقوّة الطاردة تزداد بنسبة مربّع
____________________
(1) بصائر جغرافية: ص275.
(2) مع الله في السماء: ص70 - 71.
السرعة، فلو بلغت سرعة الأرض حول نفسها 17 مرّة عمّا عليها الآن لازدادت القوّة الطاردة 289 مرّة عمّا هي عليها الآن، ولتساوت القوّة الطاردة مع القوّة الجاذبية للأرض، وحينذاك لآلَ ثقل الأجسام عند خطّ الاستواء إلى صفر، أي فلن يبقى عندئذٍ تأثير مّا للجاذبية الأرضية، ولاختلّ النظام الراهن على وجه الأرض حيث تستحيل الحياة عليها (1) .
إنّ محور الأرض الذي يصل بين قطبيها أصغر مِن محورها الذي عند خطّ الاستواء، الأَوّل طوله 7900 ميل، والثاني طوله 7926 ميلاً، أي يزيد على الأَوّل بـ (26) ميلاً؛ ولذلك برزت الأرض قليلاً عند بطنها (خطّ الاستواء) وتفرطحت عند قطبيها.
والسبب في ذلك يعود إلى حركة الأرض المحورية، فتفعل فيها القوّة المركزية الطاردة التي تفعل في كل جسمٍ دائر. والأرض اليوم جامدة ولكنّها بالأمس كانت أكثر ليونةً، فلم تكن تغييرات تحصل في شكلها، كما هي تقاوم اليوم.
إنّ دورة الأرض المحورية لا تُؤثّر في جميع سطحها تأثيراً سواءً، إنّها عند خطّ الاستواء أكثر بعداً مِن المركز عن خطّ العرض 30 عن عرضها 60، عن عرضها 90، أي عند القطب؛ لأنّ القطب لا يكاد يدور، ومِن أجل هذا اشتدّ بروز الأرض قديماً، وهي ليّنة عند خطّ الاستواء وأخذ يقلّ تدرّجاً، ذهاباً إلى القطبين، وبمقدار ما خرجت الأرض ببطنها دخلت عند الرأس والقدم؛ لتَفرطُح الأرض ودورانها حول محورها، وأيضاً تفاعل القوّتين الجاذبة والطاردة، نتائج كثيرة وخطيرة.
منها: أنّ الأشياء توزن عند القطبين أكبر ممّا توزن عند خطّ الاستواء، وبلفظ علمي: الكتلة الواحدة إذا نقلناها مِن خطّ الاستواء إلى القطب فهي تزداد ثقلاً كلّما سرنا في هذا الطريق؛ لأنّ الثقل أو الوزن ما هو إلاّ قوّة جذب الأرض بجرمها
____________________
(1) بصائر جغرافية: ص275.
العظيم، ما على سطحها مِن أشياء.
وأنّ قوّة الجاذبية تتناسب تناسباً عكسياً مع مربّع المسافة بين الشيئين المتجاذبين وجاذبية الأرض متركّزة في مركزها، وتنقص كلّما بعُدت الأشياء عن هذا المركز، والكتلة عند القطب أقرب إلى مركز الأرض منها وهي عند خطّ الاستواء..
وعامل آخر يُؤثر في اختلاف هذا الوزن وفي قوّة هذا الانجذاب، ذلك قوّة الأرض المركزية الطاردة تحاول أن تطرد ما على الأرض بفعل دورانها، تحاول أن تقذف بها بعيداً، وأثر هذه القوّة الطاردة على الأشياء على عكس القوة الجاذبة؛ ومِن ثَمّ فإنّ الطاردة تُضعف مِن الجاذبة وتُنقص منها، والقوّة الطاردة فاعلة أكثر فعلها عند الاستواء، ومعدومة عند القطبين؛ لأنّهما لا يدوران حول المركز.
فهذا العامل الجديد يخفّ بالأوزان عند خطّ الاستواء، وهو لا يُؤثّر عند القطبين... فتَفرطُح الأرض ودورانها يفعلان في الأجسام على سطح الأرض، يفعلان معاً: يزيدان الشدّ معاً، أو يُنقصان منه معاً، وهذا الاختلاف يكون بنسبة 1/289، أي أنّ جسماً ما نزنه عند القطب (نقيس مقدار شدّ الأرض له) فنجد أنّ وزنه 289 رطلاً - مثلاً - ثمّ نُعيد وزنه عند الاستواء فنجد أنّ وزنه نقص رطلاً، أي صار 289 رطلاً، ولا يكون ذلك بالميزان ذي الكفّتين طبعاً؛ لأنّه في هذه الحالة تخفّ السَنجة كما يخفّ الشيء الموزون، أو تزيد كما يزيد، وإنّما يكون الوزن بقياس مقدار الشدّ، فكان يُستخدم ميزان ذو زنبورك، أو نحو ذلك.
* * *
ومِن نتائج زيادة جاذبية الأرض عند القطبين: أنّ الأشياء تنزلق على سطحها إلى حيث الجاذبية أكبر، فكان من المنتظر أن يسير ماء البحار والمحيطات إلى القطبين انزلاقاً وانحداراً.
ولكنّ الأرض كرة تدور حول محورها فيكسبها دورانها هذا قوّة مركزية
طاردة، يكون اتّجاهها عمودياً على المحور، وهي تعمل في عكس اتّجاه جاذبية الأرض، فهي تميل إلى دفع تلك المياه مِن القطبين إلى خطّ الاستواء.
وبذلك تعادلت القوّتان: قوّة الجاذبية وقوّة الدفع، وبذلك توزّعت المياه على سطح الأرض توزّعاً نعرفه عادلاً.
قال الدكتور أحمد زكي: وهذا تقدير لولاه لتغيّر وجه الأرض. فمَن يا ترى قدّره، وقدّر هذه الدرجة الدقيقة مِن الضبط والربط؟! (1) .
فسبحان مَن ( خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ) (2) ، ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (3) .
* * *
____________________
(1) مع الله في السماء ص71 - 75.
(2) الفرقان: 2.
(3) القمر: 49.
( أَوَلَمْ يَرَ الّذِينَ كَفَرُوا أَنّ السّماوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا ) (1) .
( ثُمّ اسْتَوَى إِلَى السّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) (2) .
اختلف أهل التفسير في المراد مِن الرتق والفتق في الآية على قولين:
الأَوّل: أنّ السماء كانت رتقاً مسدوداً نوافذها لا تمطر، والأرض ملتحماً مساربها لا تنبت، ففتقناهما: ( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ) (3) ( ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً ) (4) .
قال البيضاوي: وعليه فالمراد بالسماوات هي سماء الدنيا، وجمعها باعتبار الآفاق، أو لعلّ للسماوات بأسرها مدخلاً في الإمطار (5) ، وكلاهما خلاف التحقيق
____________________
(1) الأنبياء: 30.
(2) فصّلت: 11.
(3) القمر: 11.
(4) عبس: 26، 27.
(5) أنوار التنزيل: ج4 ص39.
والتعبير أيضاً.
قال الطبرسي: وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) (1) .
أمّا الرواية عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) فهي التي يرويها الكليني في الروضة بإسناد مجهول (2) عن رجل شامي جاء إلى الإمام فسأله عن الآية، فقال له الإمام: (فلعلك تزعمُ أنّهما كانت رتقاً ملتزقتين ملتصقتين ففُتقت إحداهما عن الأُخرى؟ قال: نعم. قال: استغفر ربّك، فإنّ قول الله جلّ وعزّ: ( كانتا رتقاً ) يقول: كانت السماء رتقاً لا تُنزل المطر، وكانت الأرض رتقاً لا تُنبت الحبّ، فلمّا خَلق الله تبارك وتعالى الخلق... فتق السماء بالمطر والأرض بنبات الحبّ...) (3) .
وأيضاً عن أبي الربيع - وهو أيضاً مجهول - قال: حججنا مع أبي جعفر (عليه السلام) في العام الذي حجّ فيها هشام بن عبد الملك، وكان معه نافع مولى عمر بن الخطّاب... فجاء نافع إلى الإمام وسأله عن هذه الآية، فقال: (... وكانت السماوات رتقاً لا تمطر شيئاً، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت شيئاً، فلمّا أن تاب الله على آدم أمر السماء فتفطّرت بالغمام ثمّ أمرها فأرخت عزاليها (هي فم المزادة)، ثمّ أمر الأرض فأنبتت الأشجار وأثمرت الثمار وتفتّقت بالأنهار، فكان ذلك رتقها وهذا فتقها...) (4) .
وأمّا الرواية عن أبي عبد الله (عليه السلام) فهي نفس الرواية الثانية، رواها القمّي والإسناد إليه مقطوع - وأبدل مِن نافع بالأبرش الكلبي، فجاء إلى أبي عبد الله (عليه السلام) وسأله عن الآية فقال: (هو كما وَصَف نفسَه - إلى أن قال: - وكانتا مرتوقتين ليس لهما أبواب، فَفَتق السماءَ بالمطرِ، والأرضَ بالنباتِ) (5) .
قال المجلسيّ العظيم: وهذا خلاف ما اُثر عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام):
____________________
(1) مجمع البيان: ج7 ص45.
(2) لوقوع محمّد بن داود في الطريق.
(3) الكافي: ج8 ص95 رقم 67.
(4) الكافي: ج8 ص121 رقم 93 وفي نسخ الروضة (وتفهّقت) بدل (وتفتّقت) ولعلّ ما أثبتناه هو الصحيح.
(5) تفسير القمّي: ج2 ص70.
أنّ المراد بالفتق جعل الفرج بين كلّ من السماوات والأرض (1) ، وسنتعرّض له إن شاء الله.
* * *
الثاني: - وهو المعروف قديما وحديثاً -: أنّ السماوات والأرض كانتا رتقاً أي ذات رتق وهو الضمّ والالتحام، أي كانتا شيئاً واحداً وحقيقة متّحدة، ففتقناهما بالتنوع والتمييز.
قال الرازي: كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين، ففصل الله بينهما ورفع السماء إلى حيث هي وأقرّ الأرض، وهو قول قتادة وسعيد بن جبير، ورواية عكرمة عن ابن عبّاس.
ولأبي مسلم الأصفهاني رأي أسدّ، قال: يجوز أن يُراد بالفتق الإيجاد والإظهار، كقوله تعالى ( فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) .. فأخبر عن الإيجاد بلفظ الفتق، وعن الحال قبل الإيجاد بلفظ الرتق (2) .
وفي كثير من الآيات إشارة إلى هذا المعنى، منها ما جاء بلفظ (فطر) (3) أو (فاطر) (4) فإنّ الفطر وإن كان المراد به الخلق والإبداع لكنّه بعناية فصله إلى الوجود الخاص، بحدوده وأبعاده، بعد أن كان مُندكّاً في الوجود الكلّي الشامل، لا ميز فيه ولا تحديد.
وهذا كما يفصل الخيّاط البزّة الواحدة إلى قمصان وأثواب، وكما يفعل الفخّار بالطينة أشكالاً مِن الآنية والجِرار، فالكلّ مندمج في الأصل الواحد، وإنّما يُخرجها إلى الوجود فاعل الصور والأشكال.
* * *
____________________
(1) مرآة العقول: ج25 ص232.
(2) التفسير الكبير: ج22 ص163.
(3) الأنعام: 79، والأنبياء: 56.
(4) في ستّ آيات: الأنعام: 14، ويوسف: 101، وإبراهيم: 10، وفاطر: 1، والزمر: 46، والشورى: 11.
وهذا المعنى هو الذي جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) قال - في خلق العالم -: (ثمّ أنشأ سبحانه فتقَ الأجواء، وشقّ الأرجاء، وسكائك الهواء - إلى أن قال في خَلق الملائكة: - ثمّ فتقَ ما بين السماوات العلا، فملأهنّ أطواراً مِن ملائكته) (1) .
وقال - في عجيب صنعة الكون -: (فَفَتقها سبعَ سماوات بعد ارتتاقها) (2) .
وهذا هو الذي أشارت إليه الآية الكريمة في سورة فصّلت: ( ثُمّ اسْتَوَى إِلَى السّماءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) (3) .
فالدخان - وهي المادّة الأُولى لخلق السماوات - هو الأصل، ومنه تفرّعت السماوات العلى وخرجت إلى الوجود، وقوله (ائتيا) كناية عن الأمر بالتكوين، ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (4) .
قوله: ( فَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ) يدلّ على سبق مادّتهنّ على وجودهنّ، فأفاض عليهنّ الصور المائزة بينهنّ.
ويدلّ عليه أيضاً قوله في سورة النازعات: ( رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ) (5) ، فقد سواهنّ برفع سمكهنّ كنايةً عن تمدّد جوانبها لتأخذ شكلها الخاصّ.
* * *
ولعلّك تقول: هلاّ كان قوله تعالى ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ) عقيب قوله ( ... كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا... ) قرينة راجحة لإرادة المعنى الأَوّل مِن الآية؟
قلت: مظاهر أربعة مِن مظاهر الكون جاء هنا من سورة الأنبياء (الآيات
____________________
(1) أُولى خطب من نهج البلاغة. والسكائك: جمع سُكاكة - بالضمّ - وهي الهواء الملاقي لعنان السماء.
(2) الخطبة رقم 211 ص328 بيروت.
(3) فصّلت: 11 و12.
(4) يس: 82.
(5) النازعات: 28.
رقم 30 - 33) مترادفة مع بعضها البعض، تلك آيات عظمته تعالى في الخلق وجليل قدرته في التدبير، كلّ ظاهرة آية برأسها مستقلّة في حقيقتها وفي تكوينها وفي دلالتها على عظمة الكون.
أَوّلاً: رتق السماوات والأرض وفتقهما.
ثانياً: كون الماء مَنشأ الحياة كلّها.
ثالثاً: جعل الرواسي في الأرض لتحول دون ميدانها.
رابعاً: الغلاف الهوائي جُنّة واقية للأرض عن الخراب وزوال الحياة عن سطحها.
وكلّ واحدة منها آية تدلّ على أنّه واحد، وهم عن آياتها معرضون، وعليه فكما أنّ جعل الجبال أوتاداً لا مساس له بمسألة الفتق والرتق، كذلك جعل الماء مَنشأ الحياة كلّها، سوى أنّ الجميع آيات ربّ العالمين.
* * *
( وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ ) (1)
مصطلحات علمية وُضعت وِفق تعابير القرآن:
قال الدكتور محمّد جمال الدين الفندي: ذكر القرآن أنّ الرياح - ومنها الهواء الصاعد - هي التي تُثير السحاب وتكوّنه، والقرآن حسب عِلمنا أَوّل كتاب يُقرّر تلك الحقيقة (2) .
أمّا تكوين السُحب، فإنّها تتكوّن بتبريد الهواء تحت درجة الندى، فتقلّ قدرته على حمل بخار الماء، ويتحولّ هذا الأخير إلى نقط مِن الماء أو إلى بلّورات مِن الثلج، تبعاً لدرجة الحرارة السائدة.
ويتمّ تبريد الهواء في الطبيعة بعدّة طرق:
1 - التبريد الذاتي، أي تبريد الهواء بمجرد انتشاره وتقليل الضغط الواقع عليه، ويحدث ذلك عندما يصعد الهواء إلى طبقات عليا مِن الجوّ يقلّ فيها الضغط، فينتشر ويبرد وتقلّ قدرته على حمل بخار الماء، ويتكاثف هذا الأخير إلى نقطة
____________________
(1) الرعد: 12.
(2) الله والكون: ص173.
من الماء، أو إلى بلّورة من الثلج.
وتلعب هذه العملية أهمّ دور في تكوين السحب ونزول الأمطار: إذ معدل التبريد في الهواء الصاعد هو درجة سنتجراد لكلّ 100 مترٍ إذا لم يحدث التكاثف 65% درجة إذا حدث التكاثف.
2 - التبريد بالإشعاع الحراري أثناء الليل، وهو يُولّد الضباب والشابورة وبعض السحب الطبقية أو البساطية المنخفضة.
3 - التبريد بالمزج، يعني خلط هواء ساخن رطب بآخر بارد جافّ، بحيث تكون درجة حرارة الخليط تحت نقطة الندى. فيتمّ التكاثف على هيئة ضباب، كما هو الحال عند اختلاط كُتل هواء تيّار الخليج الدافئ في شمال المحيط الأطلسي، ممّا جعل البحّارة يُطلقون عليه اسم (بحر الظلمات) وتصوّروه مأوى الأشباح ومثوى الأرواح.
التقسيم الطبيعي للسُحب:
السحب إمّا أن تنمو رأسيّاً وتشمخ كالجبال، وعندئذٍ تُسمّى (رُكامية)، وإمّا أن تنمو أُفقياً وتمتدّ كالبساط، وعندئذٍ تسمّى (بساطية) * أو (طبقية).
ويُفرّق القرآن بين النوعين، فيُسمّي النّوع الأوّل ركامياً، والثاني بساطياً.
فممّا جاءت الإشارة فيه إلى النّوع الأول قوله تعالى: ( أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ ثُمّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزّلُ مِنَ السّماءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَن يَشَاءُ ) (1) .
وجاءت الإشارة إلى النوع الثاني في قوله تعالى: ( اللّهُ الّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السّماءِ كَيْفَ يَشَاءُ ) (2) .
____________________
(1) النور: 43.
(2) الروم: 48.
والسحاب الممطر لا يَعدو النوعين، والعرب تُسمّي السحاب الممطر باسم (المُزن)؛ ولذلك فمِن الوجهة العلمية هناك المُزن الرُكامي والمُزن البساطي (الطبقي)، قال تعالى، ( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ) (1) .
السُحب الرُكامية:
والسُحب الرُكامية هي النوع الأهمّ مِن السحب؛ لأنّها قد تمتدّ عمودياً (رأسياً) عبر (15) أو (20) كيلومتراً، فتصل إلى طبقات مِن الجوّ بارد جدّاً تنخفض فيها درجة الحرارة إلى (60) أو (70) درجة مئوية تحت الصفر.
وبذلك يتكون (البَرَد) في أعالي تلك السحب، والمعروف علمياً أنّ نموّ البَرَد في أعالي السحب الرُكامية يُعطي انفصال شحنات أو طاقات كهربائية سالبة، وأنّه عندما يتساقط داخل السحابة ويصل في قاعدتها إلى طبقات مرتفعة الحرارة فوق الصفر يذوب ذلك البرد أو يتميّع ويُعطي انفصال شحنات كهربائية موجبة، وعندما لا يقوى الهواء على عزل الشحنة السالبة العليا عن الشحنة الموجبة في أسفل يحدث التفريغ الكهربائي على هيئة برق، وينجم عن التسخين الشديد المفاجئ الذي يُحدثه البرق أن يتمدّد الهواء فجأةً ويتمزّق مُحدِثاً الرعد، وما جلجلة الرعد إلاّ عملية طبيعية بسبب سلسلة الانعكاسات التي تحدث مِن قواعد السحب لصوت الرعد الأصلي.
وقد يحدث في بعض العواصف أن يتكرّر حدوث البرق داخل السحابة 40 مرّة في الدقيقة الواحدة، أمّا إذا حدث التفريغ الكهربائي بين السحابة وأيّ جسم مرتفع على سطح الأرض فإنّه يُسمّى (صاعقة).
وتحدث عواصف الرعد في كافّة أرجاء الأرض ما عدا المناطق القطبية،
____________________
(1) الواقعة: 68 - 69.
حيث ضآلة حجم الهواء بالنسبة إلى خطّ الاستواء.
وقد وُجد بالحساب أنّ عدد عواصف الرعد التي تحدث في جوّ الأرض في يوم واحد يبلغ أكثر من 40 ألفاً، أي بمتوسط قدره 1800 عاصفة في الساعة، وتستهلك العاصفة في المتوسط نحو (2/2) مليون كيلو وات ساعة (1) .
* * *
____________________
(1) الله والكون: ص146 - 161.
( أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ ثُمّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ) (1)
عوامل ثلاث لنزول المطر: لحصول المطر عوامل ثلاث لا غيرها، إذا توفّرت لابدّ من نزول المطر، وإذا نقص عامل منها فلا إمكان لحصوله، وتلك العوامل هي:
1 - التبخّر ، وهو عملية تحوّل ذرّات الماء إلى البخار، ليؤدّي إلى تكوين سحاب.
2 - وصول الهواء المتحمّل للبخار إلى درجة الإشباع المختلف حسب المناخ.
3 - التكاثف ، وضدّ عملية التبخّر، ليتحوّل البخار إلى ذرّات الماء.
وهذا الترتيب على التعاقب ممّا لا محيص عنه لتكوين المطر ونزوله، وهو مِن بديهيّات العلم المقطوع به والمفروغ عنه بلا ريب، وإليك شرح هذه العوامل باختصار.
(أَوّلاً) التبخّر ، وهو عملية تحوّل ذرّات الماء إلى البخار، وانتقاله إلى الهواء،
____________________
(1) النور: 43.
وذلك بتأثير حرارة الشمس على السطوح المائية المتوسّعة، كالمحيطات والبحار والبحيرات والمستنقعات والأنهار، بل وحتّى السطوح الثلجية والجليدية، بل وحتّى على أوراق الأشجار والنباتات وخاصّة الغابات.
(ثانياً) الإشباع ، وهو استمرار التبخّر حتى يبلغ حدّاً معيّناً، ويُسمّى بدرجة التشبّع، وتختلف حسب اختلاف المناخ، فكلّما اختلفت درجة الحرارة اختلفت درجة التشبّع اللازمة لتكوين الأمطار، فالهواء الحارّ في درجة التشبّع يحوي مقداراً مِن البخار أعظم ممّا يمكن أن يحويه الهواء البارد، فكمّية الرطوبة التي تكفي للتشبّع في درجة 15 م مثلاً لا تكفي للتشبّع في درجة 20 م، وإذا كان الهواء متشبّعا قيل: إنّ نسبة رطوبته 100%.
وبعبارة أوضح: إنّه حيثما وُجد الماء والهواء فإنّه يحدث تبادل بين جزئيات أحدهما مع الآخر، فتمرّ جزئيات الماء عن طريق التبخّر إلى الهواء، كما تمرّ جزيئات الهواء إلى الماء؛ ولذلك يوجد دائماً مقدار مِن بخار الماء في الهواء، كما يوجد مقدار مِن الهواء في الماء.
وإذا كان مقدار البخار الذي في الهواء قليلاً فإنّ الجزئيات البخارية التي تتصاعد من الماء تكون أكثر من جزيئات الهواء التي تمرّ إلى الماء، وعلى ذلك فإنّ عملية التبخّر تستمر ولكن إذا كان مقدار ما في الهواء من البخار كثيراً فإنّ تبادل الجزيئات بين الماء والهواء يكون متساوياً، وفي هذه الحالة يقال: إنّ الهواء متشبّع بالبخار المائي، أو إنّه في درجة الإشباع، أي لا يستطيع أن يحمل أكثر ممّا هو معلّق به مِن البخار.
فدرجة الإشباع تتوقّف على التساوي والتعادل في تبادل جزئيات الماء والهواء والتآلف بينهما.
ومن ناحية أُخرى - ذات أَهميّة كبرى - أنّ درجة التشبّع تتوقّف على ظاهرتين طبيعيتين أُخريينِ، لابدّ منهما في وصول الهواء إلى حالة الإشباع الكافي:
الظاهرة الأُولى: هي التساوي في الضغط، فلبخار الماء المتصاعد ضغط كما لبخار الهواء المتشبّع ضغط، فإذا تساوى الضغطان فالتبخّر والتكاثف يتعادلان، وفي هذه الحالة يقال: إنّ الهواء مشبّع بالبخار الكافي، والمطر نتيجة لازمة لهذا التعادل.
والظاهرة الثانية: هي اتّحاد الكهربائيتين، فإنّ السحب ذوات تكهربٍ، وكل سحاب يحمل نوعاً من نوعي الكهرباء السالبة والموجبة، فإذا ما تقارنت السحب واختلف نوع الكهرباء فيها تجاذبت، وإلاّ تنافرت، شأن الكهرباء عموماً يتجاذب نوعان منه ويتنافران من النوع الواحد.
واجتماع السحب وتأليف بعضها مع بعض إنّما هو بفعل الرياح، تُثير السحب مِن مكان إلى مكان، فإذا جمعت الرياح بين نوعين من الكهربائية ذوات الموجبة وذوات السالبة فعند ذلك تتجاذب بعضها إلى بعض وتتقارب وتتآلف، وبذلك يحصل اللقاح الناتج للإمطار، ( وَأَرْسَلْنَا الرّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السّماءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ) (1) .
يا ترى مَن ذا كان يعرف هذه الظاهرة الطبيعية يومذاك؟! أن تقوم الرياح الباردة فتثير سحاباً، وهي تدفع السحب المُكهرَبة إلى لقاء بعضها مع بعض، وتُلقى بالسحابة السالبة التكهرب بين اذرع سحابة أُخرى موجبة التكهرب، وبذلك يحدث عملية اللقاح، الناتجة للبرق والرعد ونزول المطر الغزير، فيخصب الأرض ويمهّدها للإنبات، وهي عملية أُخرى للّقاح في التربة الصالحة، بين الماء والأرض (2) .
____________________
(1) الحجر: 22.
(2) فيكون تلقيح مِن نوع ثالث هذه المرّة، تلقيح بالمعنى الحرفي للآية الكريمة.
فنحن أمام كلمة صادقة مجازاً كما حمله المفسّرون القدامى، وصادقة حرفياً كما أثبته العلم متأخّراً، وعلى أي صورة قلّبتها فهي تصدق معك، وهي بعدُ كلمة جديدة وغريبة، وصفة مبتكرة حينما تُوصف بها الرياح =
(ثالثاً) التكاثف ، وهو عكس عملية التبخّر؛ ليتحول بخار الماء مِن الحالة الغازية إلى حالة السيلان، فتنقلب ذرّات البخار إلى قطرات مائية دقيقة... إذا كانت درجة الحرارة فوق الصفر المئوي، أو حالة جليدية برداً أو ثلجاً، إذا كانت درجة الحرارة تحت الصفر، الأمر الذي يعجز الهواء عن حمله، فتتساقط القطرات مطراً.
وهذا التكاثف إنّما يحدث إذا ما تصاعد الهواء المتشبّع ببخار الماء في طبقات جوّية ذات الضغط الأعظم، فبأثر الضغط العالي يتمدّد الهواء ويفقد جزءً كبيراً مِن حرارته، وبذلك يبرد وتنخفض درجة حرارته، درجةً واحدةً مئويةً كلّما ارتفع 170 متراً.
غير أنّ هذه النسبة تَطَّرد حتّى ارتفاع 5 كيلومترات عن سطح البحر، وبعده تتغيّر هذه النسبة فتأخذ بالنقص باعتبار درجة واحدة مئوية لكل 100 متراً ارتفاعاً، وتستمرّ هذه النسبة إلى ارتفاع 12 كيلو متراً حيث توجد طبقة هوائية ثابتة الحرارة، تبلغ درجة حرارتها 55 درجة مئوية تحت الصفر.
والسحب تنعقد على ارتفاعات لا تزيد على 6 أو 7 كيلومترات عن سطح البحر في الأغلب.
وعملية التبريد هذه بالتمدّد هي إحدى العوامل الفعّالة في إحداث التكاثف.
وكذلك يبرد الهواء بشعّ حرارته كلّما لامسَ جسماً بارداً في الجوّ أو على سطح الأرض مثل الثلج والجليد، أو إذا تقابل مع هواء أبرد، والشعّ ذو أثر فعّال في تبريد الهواء وتكاثفه، وخاصّة إذا هبّت الرياح من جهة حارّة إلى جهة باردة.
وفي الحقيقة ليس الهواء هو الذي يبرد بهذه الطريقة، ولكنّه (الهباء) الكثير
____________________
= وهي بعدُ من الناحية الجمالية الإيقاعية ذروة، وفي النطق بها عذبة: ( وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ) تنطقها وتلوكها في فمك، فتستوقف السمع وتُطرب الأُذن.
.. وكل هذا العلم التفصيلي في تكهرب السحاب وانتقال حبوب اللقاح لم يكن معلوماً أيام نزول الآية، فتدبّر.
المنتشر في الهواء، فيتّخذ البخار لنفسه مراكز من هذا الهباء، يلتفّ حولها، ويتكوّن حول كلّ مركز قطرة، فإذا اشتدّت برودة الجوّ الملبّد بالسحب استمرّ التكاثف، فتنضمّ قطرات السحب المائية إلى بعضها، فيعجز الهواء عن حملها، فتتساقط أمطاراً على سطح الأرض بفعل جاذبيّتها.
* * *
فقد تبيّن أنّ المطر لا يحصل إلا إذا توفّرت الشرائط الثلاثة متعاقبة: التبخّر فالتشبّع فالتكاثف.
وهذا هو الذي دلّت عليه الآية الكريمة المنوّه عنها في صدر المقال، فقد جاءت بوصف موجز مدهش، ومحيّر للعقول.
عبّرت أولاً بقوله تعالى: ( يُزْجِي سَحَاباً ) (1) إشارة إلى عملية التبخير وتكوين السحب والإزجاء هو عملية إثارة السحب وانتشالها بصورة أبخرة من البخار.
( اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً... ) (2) لأنّ الرياح بهبوبها على سطح البحار هي التي تُسبّب التبخير والتدافع بها لتتصاعد وتتكاثف وتتكوّن سحباً.
* ثمّ عبّرت عن عملية التشبّع بقوله تعالى: ( ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ) (3) لانّ درجة الإشباع الكافي إنّما تتوقّف على حصول التعادل وتساوي تبادل الجزئيات بين الماء والهواء.
وما هذا إلاّ التآلف والتعاضد بين تلك الجزئيات.
ومن ناحية أُخرى، لا يحصل التشبّع إلاّ بالتعادل والتآلف بين ضغطي بخار الماء وبخار الهواء، أو الاتّحاد بين نوعي الكهربائية كما سبق بيانه.
وعليه فإنّ أصدق تعبير عن هذه الظاهرة هو وصف التأليف، الذي جاء وصفه في العلم بالتشبّع.
____________________
(1) النور: 43.
(2) الروم: 48.
(3) النور: 43.
* ثم جاءت بقوله تعالى: ( ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ) (2) ، وهذا ابلغ تعبير عن عملية التكاثف الذي حقّقه العلم.. إذ لا تفسير للركام سوى التكاثف وتراكم بعض الشيء على البعض مع ضغطٍ يقال: تراكم الشيء أي اجتمع بعضه مع بعض بكثرة وازدحام، والركام: المتراكم بعضه فوق بعض بضغط.
وبعد، فإذا ما تحقّقت الشرائط الثلاثة فعند ذلك: ( فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ ) (3) الودق: المطر.
* وقد فَصل تعالى بين العمليّات الثلاث بـ (ثمّ)؛ لأنّ كلّ عملية إنّما تحصل بتعاقبٍ مع فترة، أمّا النتيجة - وهو الإمطار - فجاءت بالفاء: تعاقبٌ بلا تأخير، وهو الفور في حصول نتيجة عملية الإمطار.
فيا له من دقيق تعبير، وسبحانه من عليم خبير.
* * *
( لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ) (1)
هل في سنن الكون أن يتحولّ ماء المطر - الذي هو أنقى المياه وأعذبها - إلى ماء أُجاج لا يُستساغ شربه ولا يطيب طعمه؟
الآية قبلها تنصّ على أنّ الماء الذي يشربه الناس والدوابّ - وحتّى الذي يُسقى به الزرع والنبات - هو الماء النازل من السماء: ( أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ (2) أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ) (3) .
* * *
إنّك تعرف أنّ الأرض رُبعها يابس وثلاثة أرباعها ماء، هذا الماء كلّه مالحٌ أُجاج، لكنّ الله تعالى بفضله ورحمته يقطر للإنسان والحيوان النبات من هذا الماء الأُجاج ماءً عذباً فراتاً سائغاً للشاربين، أمّا جهاز التقطير فليس كمثله جهاز، البحار كلّها في ذلك دَست (4) لا يسخن من تحت، كما يفعل الإنسان في تقطيراته
____________________
(1) الواقعة: 70.
(2) المزن: السحاب المشبّع بالماء.
(3) الواقعة: 70.
(4) أي القدر، وهو كلّ ما يغلى فيه الماء.
التافهة.. ولكن يسخن من فوق بنار تفوق حجم الأرض بآلاف المرّات، فإذا ما تبخّر الماء بحرارة الشمس تكثّف في مكثف ناهيك من مكثف الجوّ المحيط كله والجبال، والرياح مستمرّة دائبة في حمل هذا البخار المتكاثف ونقلها إلى حيث يشاء الله، فإذا أمطرت السماء وسالت الأودية وفاضت الأنهار وحملت الخصب والنماء إلى الأقطار تبخّر بعض الماء وامتصّت الأرض منه بعضاً وصار باقيه إلى البحر الذي كان منه مصعده، لكن ليس شيء من الماء بضائع! فما تمتصّه الأرض تتفجّر به بعدُ عيوناً، ويتبخّر من الماء العذب أو يصير إلى البحر، فهو في حرز حريز من الضياع؛ إذ مآله أن يصير مرّة أُخرى ماء يحيى به الناس والأنعام، وتحيى به الأرض بعد موتها، فالماء بين البحر والجوّ واليابسة في دورة متّصلة، لا انقطاع فيها ولا تنتهي أبداً، إلا أن يشاء الله، هو ربّ كل شيء.
هكذا يتحوّل الماء من أصلٍ مالحٍ أُجاج إلى مقطّرٍ عذبٍ فرات، في جهاز تقطير كهذا الجهاز العظيم في جوّ السماء.
* * *
وبعد، فهل هناك ما يحول دون هذا التحوّل في الماء؟ فينزل من السماء أُجاجاً لا يُستساغ شربه ولا يطيب طعمه.
أجاب العلماء: نعم، إنّ في الجو من العوامل ما يمكنها الحؤول دون هذا التحوّل والانقلاب، لولا رحمته تعالى بالعباد، وقد جعل حواجز دون هذا الحؤول.
جاء في كتاب (سنن الله الكونية) للعلاّمة محمّد أحمد الغمراوي (1) .
إنّ عذوبة الماء الذي يسقيهم الله إيّاه من السحاب هي بمحض رحمته تعالى، إنّ الماء طبعاً عذب بطبيعته، وماء المطر معروف أنّه أنقى المياه، لكن طبيعة تكوّنه من السحاب تُعرضه لأن ينقلب أُجاجاً لا ينتفع به الإنسان.
____________________
(1) نقلاً عن كتاب بصائر جغرافية: ص220.
وذلك لأنّ الهواء خليط عن عناصر عدّة تختلف نسبة وجودها مع البعض، وأهمّ تلك العناصر هو النتروجين (الآزوت)، ونسبة وجوده في الهواء تعادل (21/78) بالمئة. ثمّ الأوكسجين، ونسبة وجوده (96/20). والارجون (79%)، وثاني اوكسيد الكاربون (4%).
وعناصر الهواء موجودة فيه بصورة اختلاط ميكانيكي، وليست ممزوجة امتزاجاً كيماوياً، ومعنى ذلك أنّها لا تتفاعل مع بعضها، وأنّ كلاً منها محتفظ بكيانه مستقلاً كأن لا وجود للعناصر الأُخرى.
وفي هذا من الحكمة البالغة والنعمة السابغة مالا يكاد يخفى... إذ لولا ذلك لاكتسب الهواء مميّزات وخواصّاً كيماوية أُخرى تختلف عن مميّزاته الحالية، فلم تكن تصلح للحياة بشكلها المعروف، وتنوّعاتها التي نشاهدها على سطح الكرة.
خذ مثلاً أنّ غاز الآزوت لا يتّحد مع غيره اتّحاداً كيماوياً إلاّ بصعوبة وبشرائط ملائمة خاصّة، فيتّحد في مثل هذه الظروف مع غاز الأوكسجين مكوّناً ما يُسمّونه بحامض الآزوتيك أو النتريك، وهو ما يُعرف عند القدماء بماء الفضّة، وهو أقوى الحوامض وأضرّها على حياة الإنسان بالذات فلو كان الغازان يمتزجان مع بعضهما امتزاجاً كيماوياً بسهولة ويسر وبلا واسطة أعمال كيماوية، لانقلب الجوّ جهنّم سعيراً؛ لأنّه بذلك كان الغازان يستحيلان في الجوّ حامضاً فتّاكاً، ولأمطرت السماء ماء الفضة بدلاً من الماء العذب الفرات، وما هو إلاّ شواظ من نار ولهيب جهنّم لا يُبقي ولا يذر، فسبحانه وتعالى من رءوف رحيم.
( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ) (1) .
* * *
وإذ قد عرفت أنّ أربعة أخماس الهواء هو الآزوت (النتروجين) وهذا الغاز لا
____________________
(1) يونس: 58.
يكاد يتّحد في العادة بشيء ولا بالأوكسجين الذي يكاد يتّحد بكلّ شيء لكنّ الكيماويين وجدوا أنّهم يستطيعون بالكهربائية أن يُحوّلوا الآزوت غير الفعّال إلى آزوت فعّال يتّحد بأشياء كثيرة في درجة الحرارة العادية، كما وجدوا أنّهم يستطيعون أن يحملوا الآزوت على الاتّحاد بالأكسجين بإمرار الشرر الكهربائي في مخلوط منهما، ومن هذا الاتّحاد ينشأ بعض أكاسيد للآزوت، قابل للذوبان في الماء، وإذا ذاب فيه اتّحد به وكوّن حمضين آزوتيين، أحدهما: حمض الآزوتيك (أو ماء النار) كما كان يُسمّيه القدماء، وإليه يصير الحمض الثاني، وقليلٌ من حمض الآزوتيك في الماء كافٍ لإفساد طعمه.
وأظنّك الآن بدأت تُدرك الطريق الذي يمكن أن ينقلب به ماء المطر ماءً أُجاجاً من غير خرق لنواميس الطبيعة ولا تبديل لسنّة الله التي جرت في الخلق، فهو نفس الطريق الكهربائي الذي يتكوّن به المطر، وكلّ الذي يلزم أن يتعدّل التفريغ الكهربائي أو يتكرّر في الهواء تكراراً يتكوّن به مقدار كافٍ من الأكاسيد الآزوتية يذوب في ماء السحاب ويُحوّله حمضياً لا يستسيغه الناس.
وهذا هو موضعٌ مَنَّ الله على الناس، إنّه يُكيّف التفريغ بالصورة التي يُنزل بها المطر، ولا يَؤجّ بها الماء.
إنّ شيئاً من ذينك الحمضين لابدّ أن ينزل في ماء العواصف، وهذا ضروريّ لحياة النبات، لكنّ الله برحمته وحكمته قدّر تكوينه بحيث لا يتأذّى به إنسان ولا حيوان، ولو شاء الله لكثّره في ماء المطر فأفسده على الناس.
وسواء شكر الناس هذه النعمة أم كفروها فإنّ قوله تعالى: ( لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً ) إشارة إلى تلك العوامل الكهربائية التي يتكوّن بها المطر، يفهمها مَن يفقه تلك الحقائق السابقة، ومَن يعرف أنّ الطريق الكهربائي هو أحد الطرق العلمية التي يمكن بها تحويل الآزوت الجوّي إلى حمضي، فسبحان الذي أتقن صُنع كلّ شيء وأحكمه إحكاماً.
* * *
( وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً ) (1)
( وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِم ) (2)
عبّر القرآن الكريم عن الجبال بالأوتاد، وأبان عن وجه الحكمة فيها هي محافظة الأرض دون أن تضطرب بأهلها، فكيف هذا الإيتاد؟ وكيف ذاك الميدان الذي حال دونه وجود الجبال؟
ولفهم هذا الجانب من السؤال لابدّ من النظر في تعابير القرآن أوّلاً، ثمّ ما تعرضه معطيات العلم الحديث.
جاء التعبير بالرواسي عن الجبال في تسع آيات (3) ، وكانت العاشرة قوله تعالى: ( وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ) (4) .
والوَتد: المِسمار وكلّ ما رُزّ في الحائط أو الأرض من خشب ونحوه ليُمسك به الشيء كالخباء وشبهه.
قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (وأرزّها فيها أوتاداً) (5) أي أثبت الجبال في الأرض
____________________
(1) النبأ: 7.
(2) الأنبياء: 31.
(3) الرعد: 3، والنمل: 61، والحجر: 19، وق: 7، والنحل: 15، ولقمان: 10، والأنبياء: 31، وفصّلت: 10، والمرسلات: 27.
(4) النازعات: 32.
(5) نهج البلاغة (صبحي الصالح): الخطبة رقم 186 ص275.
ثبوت الأوتاد رسوخاً وإحكاماً.
قال (عليه السلام): (ووتّد بالصخور ميدانَ أرضه) (1) أي ثبّتها فيها لتحول دون اضطرابها، والميد والميدان: الحركة والاضطراب ضدّ السكون والهدوء.
وفي خطبة أُخرى أوضح هذا المعنى بتفصيل أكثر، قال:
(وجبلَ جلاميدها، ونشوز متونها وأطوادها، فأرساها في مراسيها، وألزمها قراراتها، فمضت رؤوسها في الهواء، ورست قواعدها في الماء، فأنهد جبالَها عن سهولها، وأساخ قواعدَها في متون أقطارها، ومواضعَ أنصابها، فأشهق قِلالَها، وأطال أنشازها، وجعلها للأرض عماداً، وأرزّها فيها أوتاداً، فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها، أو تسيخ بحملها، أو تزول عن مواضعها، فسبحان مَن أمسكها بعد موجان...) (2) .
واليك شرح الغريب من ألفاظ الخطبة:
جلاميد: جمع جلمود، وهو الصخر الصلب. وجَبل الشيء بمعنى خَلقه وفطره، ومنه الجِبلّة بمعنى الفطرة وأصل الخِلقة.
وأنهد الشيء: رفع به وعظّمه. ومنه النهد بمعنى الثدي. يقال: نهد الثدي أي كَعب وانتَبَر وأشرف.
والأنصاب: جمع نصب هي مواضع نصب الجبال.
وساخ في الشيء: غاص فيه ورسب. وساخ بالشيء: انخسف به. والموجان: الهياج.
* * *
وأمّا ما يُستفاد من هذا الكلام الذهبي فشيء كثير، نُشير إلى ما يخصّ المقام من دلائل جلائل:
____________________
(1) نهج البلاغة (صبحي الصالح): الخطب الأُولى ص39.
(2) المصدر السابق: الخطبة رقم 211 ص328.
قوله (عليه السلام): (ورست قواعدها) أي رسخت أُصول الجبال في أعماق الأرض حيث المياه الجوفية، ولعله إشارة إلى جذور الجبال متّصلةً بعضها ببعض، المُعبّر عنها بسلاسل جبلية محيطة بالأرض.
قوله: (فأنهد جبالَها عن سهولها) كأنّه إشارة إلى مبدأ حدوث الجبال على سطح الأرض، بعد أن كان مستوياً، فتجعّد على أثر برودة القشرة، فكانت نتؤات وانخفاضات؛ وبذلك انقسم وجه الأرض إلى مرتفعات شامخات وهضبات، والى وديان وسهول.
وقوله: (وأساخ قواعدها في متون أقطارها ومواضع أنصابها) أصرح في الدلائل على السلاسل الجبلية المكتنفة بالأرض من جميع أقطارها.
قوله: (وجعلها للأرض عماداً، وأرزّها فيها أوتاداً)؛ لأنّها هي التي حالت دون تفتّتها، ودون اضطراب قشرتها، ودون خروجها عن مداراتها..
تلك ثلاث خِلال، جاءت في وصف الإمام (عليه السلام)، لبيان حكمة نتوء الجبال وتسلسلها الماسكة بأكناف الأرض، وإليك شرح هذا الجانب:
قال (عليه السلام): (فسكنت على حركتها مِن أن تميد بأهلها، أو تسيخ بحملها، أو تزول عن مواضعها..) تلك ثلاث فوائد وحِكم جاءت في كلامه:
(أَوّلاً) هدأت - رغم حركتها الانتظامية - من الميدان والاضطراب، فهي تتحرك بهدوء واتّزان، لا ترتعش ولا تميد ولا تضطرب.
(ثانياً) هدأت واطمأنت واستحكمت قشترها وصَلُبت، فلا تسيخ ولا تنخسف ولا تتشقق قشرتها، وإلاّ لأصبحت قشرة الأرض كلّها براكين وفوهات ونافورات بالموادّ المنصهرة والجلاميد المذابة.
(ثالثاً) هدأت وانتظمت في حركاتها الوضعية والانتقالية على أنحائها وأنواعها، والتي بها انتهجت الحياة عليها منهجها الرتيب، فلا تميل عن مواضعها في دوائرها الدائرة فيها بانتظام.
هذه ثلاث حِكم بينّها الإمام (عليه السلام) أثراً لوجود سلاسل الجبال في الأرض، الأمر الذي يدعمه العلم باكتشافاته وبحوثه وتجاربه.
وتوضيحاً لهذا الجانب نقول: إنّ الأثر العظيم للجبال - في إمكان الحياة على وجه الأرض - إنّما يُعلّله جانب صخرية السلسلة الجبلية المنبثّة في القشرة الأرضية الصلبة، والمتشابكة بعضها مع بعض كأطواق محيطة بأكناف الأرض.
ومِن ثَمّ فالذي يلفت إليه كلام الإمام (عليه السلام) في أُولى خطب نهج البلاغة هو تبديل التعبير بالجبال إلى التعبير بالصخور، قال: (ووتدّ بالصخور ميدان أرضه)، تفسيراً لقوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ) (1) وهو جانب ذو أهمّية كبيرة؛ حيث الأمر مرتبط بصخرية السلاسل الجبلية دون سائر جوانبها، الأمر الذي يستلفت الأنظار.
وإليك بعض الكلام عن السلسلة الصخور الجبلية، ودورها في توازن الأرض وانتظام حركتها.
إنّ لسلسلة الصخور الجبلية - رافعة وخافضة - دورها الخطير في توازن الأرض وتماسك أجزائها، وهكذا ثبات قشرتها وصلابتها دون تلوّيها واضطرابها، رغم توهّج باطنها والتهاب لظاها.
ومَن درس علوم الطبيعة يعلم أنّ الأرض مطوّقة بأطواق من السلاسل الجبلية التي جعلت الأرض أشد تماسكاً، وقد يعرف حكمة وجهة امتدادها وكيفية اتّصالها مع بعضها، بحيث تكوّنت منها أطواقٌ جبلية طوّقت الأرض تطويقاً على نظام بديع متقن ممّا يستلفت الأنظار، فإذا نظرنا إلى خارطة عالمية طبيعية فيها التضاريس الأرضية ظاهرة ظهوراً جلياً نرى السلاسل الجبلية تمتدّ في كلّ قارّة على طولها بصورة عمومية لا على عرضها، فتكون بمثابة عمود فقري لكلّ منها،
____________________
(1) الأنبياء: 31.
وحتى إذا لاحظنا أشباه الجزائر في كلّ قارة فلابدّ أن نرى السلاسل ممتدّة على أطول قسم منها، وكذلك الجزائر الجبلية، مهما كانت صغيرة أو كبيرة، امتّدت فيها السلاسل على طولها أيضاً.
وقد ثبت بصورة قطعية، وذلك عن طريق سبر قاعات البحار والمحيطات، إنّ الغالب من الجزائر ومرتفعاتها ما هي إلاّ امتداداً للسلاسل الجبلية وجزءً منها، حيث انغمر قسمٌ بماء البحر وبقي القسم الآخر كجزائر ظاهرةً على سطح الماء.
فالقارّات كلّها تتّصل بعضها ببعض بسلاسل جبلية عن طريق البر أو البحر.
وممّا يستلفت الأنظار أيضاً وجود طوق من السلاسل تحت البحر قليلاً قرب الساحل الشمالي للقارّات الثلاث الشمالية، يُطوّق المحيط المتجمّد القطبي الشمالي تطويقاً، وقد ظهرت منه كثير من الجزر التي تحفّ بهذا الساحل.
ويقابل ذلك من الجهة من الأرض طوق آخر من السلاسل يُطوّق القارّة القطبية المنجمّدة الجنوبية، وترتبط بالطوقين المذكورين ارتباطاً وثيقاً أطواقٌ أُخر لسلاسل جبلية ممتّدة في القارّات وفي المحيطات من الشمال إلى الجنوب، كأنّها إطارات تشابكت بعضها ببعض، فاستمسكت بعُرى الأرض دون التفتّت والانبثاث وتفرّق ذرّاتها هباءً في الفضاء (1) .
* * *
ومن جانب آخر كانت الأرض ذات لهب في باطنها، إنّها نارٌ موقدة ذات تغيّض وزفير، تكاد تميّز من الغيظ، وتحاول تحطيم القشرة المحيطة بها لولا صلابتها وسمكها الثخين، وما هذه الزلازل ونافورات البراكين إلاّ جانباً ضئيلاً من تلك الثورة والفورة النارية والمتوهّجة في باطن الأرض.
إنّ صلابة القشرة الأرضية العليا - التي بردت منذ أحقاب من الزمان - هي التي كفحت من جِماح باطنها المتوقّد، ولولا صلابتها وضخامة سمكها لتلوّت
____________________
(1) بصائر جغرافية: ص100 - 104.
واضطربت اضطراب الأَرشية، ولكانت الزلازل والهزّات الأرضية مستمرة على أشدّها، ولعمّت وجه الأرض كلّها، هذا إلى جانب أخطار خسف الأرض بأهلها وتشقّق أكنافها، لولا أنّ الله تعالى أمسكها بفضله وأسكنها برحمته، ( إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا ) (1) .
هكذا قال سيّدنا الأُستاذ الطباطبائي (قدس سرّه) عند قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ ) -: فيه دلالة على أنّ للجبال ارتباطاً بالزلازل، ولولاها لاضطربت الأرض بقشرتها (2) .
قال سيّد قطب: الآية تُقرّر أنّ هذه الجبال الرواسي تحفظ توازن الأرض، فلا تميد بهم ولا تضطرب وحفظ التوازن يتحقّق في صور شتّى، فقد يكون توازناً بين الضغط الخارجي على الأرض والضغط الداخلي في جوفها، وهو يختلف من بقعة إلى بقعة، وقد يكون بروز الجبال في موضعٍ معادلاً لانخفاض الأرض في موضع آخر... وعلى أيّة حال فهذا النصّ يُثبت للجبال علاقة بتوازن الأرض واستقرارها، فلنترك للبحوث العلمية كشف الطريقة التي يتمّ بها هذا التوازن، فذلك مجالها الأصيل (3) .
* * *
وقال الأُستاذ الطنطاوي: مرّت على الأرض أدوار ستة مُقسّمة إلى 26 طبقة، والدور الأَوّل منها كان عبارة عن الزمن الذي كُوّن فيه على الكرة الأرضية النارية قشرةٌ صوانية (4) صُلبة، ومعلوم أنّ الأرض كانت ناراً ملتهبة فبردت قشرتها وصارت صوانية، وهي الغلاف الحقيقي لتلك الكرة النارية، ولا تزال الأرض
____________________
(1) فاطر: 41.
(2) الميزان: ج14 ص305.
(3) في ظِلال القرآن: ج5 ص531.
(4) ضَرب من الحجارة فيه صلابة يتطاير منه الشرر عند قدحه بالزند، استعمله الإنسان في عصر ما قبل التاريخ في صناعة أدواته البسيطة وفي آلات الصيد، وهو حجر صلد من المَرو يوجد في شكل عروق بطبقات الحجر الجيري من الأرض.
تُخرج لنا من أنفاسها المتضايقة ونارها المتّقدة في جوفها كل وقت ناراً بالبراكين.
فهذه البراكين أشبه بأفواه تتنفّس بها الأرض لتَخرج بعض النار من باطنها ثمّ يخرب ذلك البركان وينفتح بركان آخر. وهذه البراكين تُخرج ناراً ومواداً ذائبة تدلّنا على أصل أرضنا، وما كانت عليه قبل الدهر.
فهذه القشرة الصلبة (1) لولاها لتفجّرت ينابيع النار من سائر أطرافها كما كانت بعدما انفصلت من الشمس كثيرة الثورات والفوران، وهذه القشرة الصوانية البعيدة المغلّفة للكرة النارية هي التي نبتت منها هذه الجبال التي نراها فوق أرضنا، كما يقوله علماء طبقات الأرض.
فمن هنا ظهر أنّ هذه الجبال جُعلت لحفظها من أن تميل؛ لأنّ الطبقة الصوانية هي الحافظة لكرة النار التي تحتها، والكرة الصوانية هذه نبتت لها أسنان طالت وامتدّت حتى ارتفعت فوق الأرض، فلو زالت هذه الجبال لبقى ما تحتها مفتوحاً، وإذ ذاك تثور البراكين آلافاً مؤلّفة وتضطرب الأرض اضطراباً عظيماً وتتزلزل زلزالاً شديداً؛ لأنّ البراكين وثوراتها زلزلة.
ثمّ إنّ هذه الجبال قطعة من القشرة، غاية الأمر أنّها ارتفعت، فما هي إذاً إلاّ حافظة للكرة النارية التي لو تُركت لشأنها لاضطربت في أقرب من لمح البصر، فأهلكت الحرث والنسل.
هذه هي المعجزة الأُخرى للقرآن العظيم؛ لأنّ السابقين كانوا يؤمنون به فقط، فظهور ذلك اليوم من المعجزات القرآنية.
ولقد أجمع العلماء قديماً وحديثاً أنّ الجبال على الأرض لا قيمة لها بالنسبة للكرة الأرضية (2) ، فلو فرضنا أنّ الكرة الأرضية كرة قطرها ذراع لم يكن أرفع
____________________
(1) وقُدّر سمك القشرة الصلبة الأرضية العليا بمئات الأميال (مبادئ العلوم: ص43).
(2) يبلغ أعلا قُلل جبال الأرض هملايا 8700 متراً. بينما قطر الأرض يبلغ 12750 كيلومتراً =
الجبال فوقها إلاّ كنحو نصف سبع شعيرة فوقها (1) ، ولو أنّ الأرض كرة قطرها مترٌ واحدٌ لم تزد الجبال عليها مليمتراً واحداً ونصفه (2) فقط، فما هذا الجزء اليسير بالنسبة لتلك الكرة العظيمة حتّى يمنع ميلها وسقوطها!
نعم، كان الناس يؤمنون بظاهره، وقد ظهرت هذه النبوّة فعلاً في العلم الحديث، ولم تظهر إلاّ على يد مَن كفر بدين الإسلام، والمسلمون لا يعلمون إلاّ من الفرنجة، ونحن نكتب ذلك عنهم، فمنهم وإليهم (3) .
فصدق الله وجاءت المعجزات العلمية في القرآن تترى كلّما تقدم العلم وازدهرت حقائق العلوم وتجلّت أسرار هذا الكون، ولم يُعرف تفسير القرآن على وجه علميّ برهانيّ إلاّ في هذا العصر، وستنكشف حقائق أُخر في مستقبل الأيّام، فلله درّه من معجزة خالدة خلود الزمان.
* * *
وتمخّض البحث بالنتائج الثلاث التالية:
1 - إنّ للجبال (أي الصخور الجبلية المكتنفة بالأرض) أثراً مباشراً في توازن الأرض دون أن تضطرب، فتحيد عن مداراتها المنتظمة المؤثرة في تنظيم الحياة عليها..
وقد أشار إليه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه الآنف: (أو تزول عن مواضعها).
____________________
= والنسبة بينهما تعادل 1/1450 تقريباً، وهي نسبة ضئيلة جدّاً، (راجع مباني جغرافياى انسانى لجواد صفى نژاد: ص17).
(1) الذي ذكره شارح الجغمينية أنّه نسبة سبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع وهو أربعة وعشرون إصبعاً، والإصبع ستة شعيرات قال: ويلزم أن يكون كنسبة الواحد إلى ألف وثمانية (شرح جغميني: ص12 - 13).
(2) ولعلّ هنا سهواً، والصحيح أنّ النسبة مليمتر واحد على كرة قطرها متر ونصف تقريباً.
(3) تفسير الجواهر ج10 ص198 - 199.
2 - وهكذا حالت صلابة القشرة وضخامة سمكها - وهي صخور جبلية - دون زلزالها واهتزاز قشرتها، على أثر توهّج باطنها، لو كانت القشرة هزيلة أو ذات لين.
والى ذلك أشار الإمام (عليه السلام) بقوله: (من أن تميد بأهلها).
3 - كما أنّ لتطويق الأرض بالسلاسل الجبلية والصخور الصلبة المحيطة بأكناف الأرض عاملاً في تماسك أشلائها وحافظاً عن تشقّقها أو تعاقب الانخسافات عليها.
وإليه أشار (عليه السلام) بقوله: (أو تسيخ بحملها).
(فسبحان مَن أمسكها بعد موجان).!
* * *
( وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السّحَابِ صُنْعَ اللّهِ الّذِي اتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ ) (1)
الجمود: نقيض السيلان، ويقال للثلج: جمد، بهذا الاعتبار. ويقال: جمُدت العين إذا هدأت ولم يجرِ دمعها. ويقال للأرض وللسَنة: جماد، إذا أصابهما جدب، لا كلاء ولا خصب ولا مطر.
قال الفيروز آبادي: يقال: ناقة جماد إذا كانت بطيئة في سيرها شبه الواقفة.
ومن ذلك كلّه يُعرف أنّ هذه اللفظة تُستعمل في موارد، كان من طبعها السير والحركة فوقفت وقوف عارض، وصحّ إطلاق الجماد على الجبال باعتبار همودها في رأي العين؛ ومِن ثَمّ قال المفسّرون: جامدة أي واقفة لا حراك فيها، ويؤيّده التقابل بمرور السحاب أي حركتها في جوّ السماء.
فقوله تعالى: ( وَهِيَ تَمُرّ مَرّ السّحَابِ ) أي تسير في مسيرتها الحيثيثة كمسيرة السحب في الفضاء، روي ذلك عن ابن عبّاس (2) .
وليست حركة الجبال في مسير الفضاء سوى حركة الأرض الانتقالية في
____________________
(1) النمل: 88.
(2) مجمع البيان: ج7 ص236.
دورتها السنوية حول الشمس، أو حركتها الوضعية حول نفسها، وعلى كلا المعنيين فيدلّ على حركة الأرض دون وقوفها وهدوئها، وهذا بالرغم من الرأي السائد ذلك الحين القائل بسكون الأرض وكونها في مركز الأفلاك الدائرة حولها.
وجاءت دلالة الآية على حركة الأرض دلالة تبعيّة، من قبل نسبتها إلى مجموعة الجبال، فجبال بمجموعتها تسير سيرها الحثيث، الأمر الذي لا يكون إلاّ بحركة كتلة الأرض كلّها.
* * *
أمّا وما هذه الحركة وما هذه المسيرة الأرضية؟
1 - قال أكثر المفسّرين : إنّها تسيير الجبال نحو الفناء، إحدى علائم قيام الساعة نظير قوله تعالى: ( وَيَوْمَ نُسَيّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً ) (1) وقوله: ( يَوْمَ تَمُورُ السّماءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً ) (2) . وقوله: ( وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَاباً ) (3) ، إلى غيرهنّ من آيات كثيرة بنفس المضمون (4) .
قال الإمام الرازي: اعلم أنّ هذا هو العلامة الثالثة لقيام القيامة، وهي تسيير الجبال (5) .
وقال سيّدنا الطباطبائي (قدس سرّه): بما أنّ الآية واقعة في سياق آيات القيامة، ومحفوفة بها فهي تصف بعض مشاهد ذلك اليوم الرهيب، ومن جملتها تسيير الجبال. وقوله: ( وَتَرَى الْجِبَالَ ) تمثيل لتلك الواقعة، نظير قوله: ( وَتَرَى النَّاسَ
____________________
(1) الكهف: 47.
(2) الطور: 9 و10.
(3) النبأ: 20.
(4) مريم: 90، الواقعة: 5، الحاقّة: 14، المعارج: 9، المزّمّل: 14، المرسلات: 10.
(5) التفسير الكبير: ج24 ص220.
سُكَارَى ) (1) أي تلك حالتها المشهودة في ذلك اليوم العصيب لو كنت شاهدها (2) .
لكن لحن الآية ذاتها تأبى هذا الحمل، ولا سيّما مع تذييلها بقوله: ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) ، الأمر الذي يدلّ على أنّها بصدد بيان مظهر من مظاهر قدرته تعالى ولطيف صنعه، وقضية السياق موهونة - بعد ملاحظة ما قدّمنا في الجزء الأَوّل - من أنّ ترتيب الثبت الحاضر لا يدلّ على نزولها تباعاً بلا فترة زمان.
2 - وقال بعضهم : إنّها الحركة الجوهرية، وإنّ ما في الوجود يسير قُدماً نحو الكمال المطلق، سواء أكان إنساناً ( يَا أَيّهَا الإِنسَانُ إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) (3) أم حيواناً أم نباتاً أم جماداً ( كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ ) (4) .
قال سيّدنا الطباطبائي: قد تُحمل الآية على الحركة الجوهرية، وأنّ الأشياء كلّها، ومنها الجبال، تتحرّك بجوهرها إلى غاية وجودها، وهي حشرها ورجوعها إلى الله سبحانه، قال: وهذا المعنى يناسبه التعبير بقوله: ( تَحْسَبُهَا جَامِدَةً ) ؛ لأنّ الجمود هو السكون المحض، في حين أنّها في تحوّل وتنقّل، هادفةً ساحة قدسه تعالى! قال: وهذا المعنى أنسب من المعنى الأوّل بإرادة قيام الساعة.
3 - وقال آخرون: إنّها الحركة الطبيعية الكامنة في ذوات الأشياء؛ إذ كلّ موجود هو في تحوّل وتغيير دائب مستمرّ، وما من ذرّة في عالم الوجود إلاّ وهي تتبدّل إلى غيرها وتتجدّد حسب الآنات والأحوال، وكلّ شيء هو في كلّ آنٍ خَلقٌ جديد، ( إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (5) ، ( يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) (6) ، ما هذا السؤال المستمرّ؟ إنّها مسألة الإفاضة، إفاضة الوجود من ربّ العالمين، ومِن ثَمّ فهو تعالى في كلّ لحظةٍ من لحظات حياتنا في خلق جديد.
قال الأُستاذ محمّد تقي الجعفري: إنّ مَن في السماء والأرض من عالم
____________________
(1) الحجّ: 2.
(2) الميزان: ج15 ص440.
(3) الانشقاق: 6.
(4) الأنبياء: 93.
(5) سبأ: 7.
(6) الرحمن: 29.
الوجود، إنّما يسأله تعالى الاستمرار بالإفاضة عليه من قوى واستعداداتٍ وإبقاءٍ لوجوده خلقاً بعد خلق (1) .
4 - إنّها حركة الأرض الوضعية والانتقالية ، ومسألة حركة الأرض أَمرٌ تنبّه له كثير من العلماء الأقدمين كـ (فيثاغورث الحكيم) عاش قبل الميلاد بخمسة قرون، وتبعه على ذلك (فلوطرخوس) و(أرخميدس)، وأيّده الحكيم (ارستر خوس) الذي جاء بعده بقرنين، وبعده (كليانثوس) الذي أثبت للأرض حركتين، يومية وسنوية.
لكن في هذا الأوان جاء الحكيم (بطلميوس) فأنكر حركة الأرض واعتقد سكونها وكونها مركز سائر الأفلاك، وساد هذا النظام الفلكي البطلميوسي - بفضل دعمه بالرأي العام - حتى القرن السادس عشر للمياد، حيث نبغ الفلكي الشهير (كوبرنيك) المتوفّى سنة 1544م ليأخذ برأي (فيثاغورث)، وهكذا توالى بعده العلماء مؤيّدينَ لهذا الرأي، بفضل المخترعات الفَلكية الحديثة (المجاهر والنظّارات المكبّرة).
وللسيّد هبة الدين الشهرستاني كلام طويل حول استظهار هذا الرأي من الآية الكريمة نذكر ملخّصه:
قال: أَوّل مَن تفطّن إلى هذا الاستنباط من الآية الشريفة هو الفاضل علي قلي ابن فتح علي شاه القاجار، وجاء تأييده في (النخبة الأزهرية) ترجيحاً على تفسير القدماء للآية.
قال السيّد: وفي الآية دلائل على هذا الاستظهار:
أولاً: التعبير بالجمود ( تَحسَبُها جَامِدة ) ، ولا تهويل إذا كانت الجبال تُرى يوم القيامة في ظاهرها هامدة وساكنة في مستقرّاتها.
ثانياً: التعبير بالمرور مرّ السحاب، وهو يدلّ على نعومةٍ في السير، وليس ممّا
____________________
(1) راجع الحركة والتحوّل من النظرة القرآنية: ص49 فما بعد.
يهول.
وثالثاً: التشبيه بالسحب، ولا هول في مشاهدة مسيرة السحاب (1) .
فصحّ أنّ الآية لا تتناسب وكونها من أشراط الساعة أو إشارة إلى أهوال يوم القيامة.
وقال سيّدنا الطباطبائي: حمل الآية على إرادة حركة الأرض الانتقالية معنى جيّد لولا منافاته للسياق (2) .
وقد قدّمنا أنّ سياق الآية ذاتها - بقرينة الإشارة إلى إحكام الصنع - ترجّح إرادة التفسير الأَوّل المتقدّم.
( وَالأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا ) (3) :
الدحو: الدحرجة. يقال: دحا الشيء بمعنى دحرجه، كما يُدحرج الصبيان المداحي، وهي أحجار صغار أمثال القرصة، يحفرون حفيرة فيدحون بها إليها، وتُسمّى المسادي والمراصيع، والدحو: رمي الملاعب بالجوز وشبهه (4) .
فمعنى دحو الأرض: دحرجتها وزحلقتها على بسيط الفضاء لتأخذ شكلها الكريّ في التدوير (5) .
____________________
(1) الهيئة والإسلام: ص97 - 99.
(2) الميزان: ج15 ص442.
(3) النازعات: 30.
(4) الفائق للزمخشري: ج1 ص418.
وقال الفيروز آبادي: مرصاع - كمحراب -: دوّامة الصبيان، وكل خشبة يُدحى بها، والدوّامة لعبة من خشب يلفّ الصبي عليها خيطاً ثمّ ينقضه بسرعة فتدوم أي تدور على الأرض، (انظر الشكل في المنجد)، وعندنا في العراق كانت تُسمّى (المُرصَع) كمُلجَم. وهي تشبه وفي قطبها السافل حديدة محدّدة بها تدور على الأرض، ولعلّ تسمية البيضة دحية في الديار المصرية كانت من جهة هذا التشابه، قال مصطفى محمود في كتابه (محاولة لفهم عصريّ للقرآن): ص255: الدحية: البيضة.
(5) قال الأُستاذ محمّد مصطفى الشاطر: ترجمة الدحو بمعنى البسط ضياع للمعنى الذي يُؤخذ =
فدحو الأرض إذاً ليس مجرّد بسطها، كما زعمه أُناس، وإنّما هو بسط مع تكوير، يشبه الدوّامة في جسمها الكريّ يتداحى بها الصبيان في ألاعيبهم.
وهي اللفظة العربية الوحيدة التي تفيد معنى البسط والتكوير في ذات الوقت، وتكون من أدلّ الألفاظ على شكل الأرض المنبسطة في ظاهرها، المتكوّرة في الحقيقة، الأمر الذي يوافقه أحدث الآراء الفَلكية عن شكل الأرض: إنّها مفرطحة من جانبي قطبيها، ومنبعجة على خطّ الاستواء، فيزيد قطرها الاستوائي عن قطرها القطبي بمقدار (6/42) كيلو متراً (1) .
وهذا منتهى الإحكام والدقة في اختيار اللفظ المناسب للتعبير.
* * *
____________________
= من الدحو وهو التكوير غير التامّ - كتكوير البيضة - مع الدوران، ولا يزال أهل الصعيد و - أكثرهم من أصل عربي - يعبّرون عن البيض بالدحو أو الدحي أو الدح. (القول السديد: ص 21 - 22).
(1) قطر الأرض الاستوائي: 8 / 12754. وقطرها القطبي: 2 / 12712. راجع بصائر جغرافية لرشيد رشدي البغدادي: ص157.
( أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً ) (1)
إنّ الظلّ الوريف اللطيف الذي يُوحي إلى النفس المجهودة المكدودة بالراحة والنداوة والسكن والأمان هو الظلّ الذي يبدأ بروحه ونسيمه فور تحوّل الشمس هبوطاً من قبّة السماء (دائرة نصف النهار)، تكاد تمتدّ وتنبسط نفحتها كلّما أخذت الشمس تقترب من أُفق مغربها، وإذا هي تبزغ أشعّتها عند الصباح، وإذا بالأضلّة تبدو على أطولها، ثمّ تأخذ في التناقص كلّما ارتفعت الشمس وسط السماء.
فهذا الظلّ يتحرّك مع حركة الأرض في مواجهة الشمس، فتتغيّر أوضاعه وامتداداته وأشكاله، والشمس يدلّ عليه بضوئها وحرارتها وتميّز مساحته وامتداده وارتداده.
وهذا المدّ والقبض إنّما هي بفعل حركة الأرض حول محورها تجاه عين الشمس الوهّاجة، وهي تحصل في كلّ 24 ساعة يوماً كاملاً.
____________________
(1) الفرقان: 45 و46.
وشيء آخر: أنّ محور الأرض - في دورتها حول نفسها - ينحرف قليلاً عن مستوى فَلكها (أي مدارها السنوي) ويكون انحرافه بزاوية قدرها 5/23 درجة، الأمر الذي يُسبّب تعاقب الفصول الأربعة، وكلّما ابتعدت الشمس عن خطّ الاستواء شمالاً أو جنوباً فإنّ الظِلال تختلف امتداداً وتقلّصاً، فلا يستوي الظلّ في الشتاء مع الظّل في الصيف أو الخريف أو الربيع، سواء في مناطق الاعتدال أو غيرها.
وعلى أيّ تقدير، فإنّ مدّ الظلّ وقبضه قبضاً يسيراً ممّا يُنبئك عن حركةٍ للأرض، إمّا محورية أو مدارية (وضعية أو انتقالية) أو كلتيهما جميعاً.
وكيف كان فهو ظلّ النهار، يزداد وينقص، حسب الأيّام والشهور.
أمّا الليل، فهي نعمة أُخرى جاء ذكرها في الآية التالية لما سبق: ( وَهُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ الليلَ لِبَاساً وَالنّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النّهَارَ نُشُوراً ) (1) .
وهي رحمة إلهية كبرى، إذ جعل الأرض تدور حول محورها يومياً، طول سنتها التي هي 365 يوماً، وبذلك أمكنت الحياة على وجه الأرض من كلّ جوانبها على سواء.
أمّا كرة عطارد فإنّها تدور حول محورها بنفس دورتها حول الشمس، في 88 يوماً، كما حقّقه الفَلكي (شياپرلي) (2) . ومعنى ذلك أنّ طول يومها يساوي سنتها أي دورتها حول الشمس، ونتيجةً على ذلك فإنّ وجهاً واحداً منه يتّجه نحو الشمس بصورة دائمية، ولا يتجه النصف الآخر نحوها مطلقاً.
وللسبب نفسه يكون أحد وجهيه ساخناً جدّاً، إذ تبلغ درجة الحرارة عليه نحو 260 درجة مئوية، كما يكون الوجه المعاكس بارداً جدّاً، وتبلغ درجة البرودة فيه نحو 80 درجة تحت الصفر المئوي، فهناك نهار سرمد، وليل سرمد، ولذا لا يتوقّع
____________________
(1) الفرقان: 47.
(2) راجع مبادئ العلوم: ص37، وهامش الهيئة والإسلام: ص61.
وجود حياة على سطح هذا الكوكب السيّار (1) .
ونظير عطارد (القمر) في دورته حول الأرض؛ إذ تكمل دورته حول الأرض في مدّة تساوي حول نفسه في 28 يوماً، ويصبح نصف سطح القمر مواجهاً للأرض أبداً، ونصفه الآخر مختفياً عن الأرض أبداً (2) .
فليس من ناموس الطبيعة أن تختلف دورة كلّ كرة دائرة حول كرة أُخرى عن دورتها حول نفسها، وإنّما هو شيء يتبع مصلحة يراها الصانع تعالى فيما يراه في الخلق والتدبير.
فانظر إلى آثار رحمة الله كيف جعل الظلّ في الكوكب الأرضي متحرّكاً غير ساكن، ولم يجعله سرمداً كما جعله في كوكب عطارد، ذي الليل والنهار السرمدين.
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ اللّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللّهُ عَلَيْكُمُ النّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ * وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللّيْلَ وَالنّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (3) .
الحمد لله الّذي جعل لنا الأرض مهداً وسلك لنا فيها سبلاً.
* * *
____________________
(1) مبادئ العلوم: ص36.
وهكذا قيل عن الزهرة، فدورتها حول محورها تساوي دورتها حول الشمس في 224 يوماً من أيّام الأرض (بصائر جغرافية: ص261).
(2) ولمّا كان للقمر دورة ثالثة مع الأرض حول الشمس وفي هذه الدورة تدور حول محورها في 28 يوما يكون نهاره 14 يوماً من أيّام الأرض وليله 14 يوماً، ومِن ثَمّ فالليل منه قارس البرودة، والنهار منه شديد الحرّ، وعندما تصل الشمس عمودية تبلغ الحرارة فيه إلى درجة الغليان. بصائر جغرافية: ص260.
(3) القصص: 71 - 73.
( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَلّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نّسَوّيَ بَنَانَهُ ) (1)
هذا كلام صدر في مقام التحدّي، مشيراً بأنّ هناك معجزة كبرى في تسويته للبَنان وبعثه على صورته الأُولى يكون أكبر من إحياء العظام البالية، الأمر الذي لم يُكشف سرّه إلاّ بعد نزول الآية بأكثر من ألف سنة، حينما عُرف أنّ لكلّ إنسان بصمة خاصّة رُسمت على بنانه، لا يتّفق اثنان في بصمة واحدة، منذ أن خلق الله آدم حتّى التوائم. وهذا سرٌّ غريب في الخليقة أَوّلاً، وفي إشارة القرآن إليه ثانياً، سبحانه وتعالى من عظيم القدرة وعجيب البيان!.
ولكن لماذا خصصّ الله البَنان دون سائر أجزاء البدن؟ وهل البَنان أشدّ تعقيداً من العظام؟
لقد توصّل العلم إلى سرّ البصمة في القرن التاسع عشر، وبيّن أنّ البصمة تتكوّن من خطوط بارزة في بشرة الجلد تجاورها منخفضات وتعلو الخطوط البارزة فتحات المسام العَرَقية، تتمادى هذه الخطوط وتتلوّى، وتتفرّع عنها تغصّنات
____________________
(1) القيامة: 3 و4.
وفروع، لتأخذ في النهاية وفي كلّ شخص شكلاً مميّزاً، وقد ثبت أنّه لا يمكن للبصمة أن تتطابق وتتماثل في شخصين في العالم، حتّى في التوائم المتماثلة التي أصلها من بويضة واحدة.
يتمّ تكوّن البَنان في الجنين في الشهر الرابع، وتظلّ ثابتة ومميّزة له طول حياته، ويمكن أن تتقارب بصمتان في الشكل تقارباً، ولكنّهما لا تتطابقان البتة؛ ولذلك فإنّ البصمة تعدّ قاطعاً ومميّزاً لشخصية الإنسان، معمولاً به في كلّ بلاد العالم، ويعتمد عليه القائمون على تحقيق القضايا الجنائية لكشف المجرمين واللصوص (1) .
( وَمِن كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ) (2) :
لم يقل من الأحياء، بل من كلّ شيء... فالكهرباء فيها الشحنة السالبة والموجبة. والمغنطيسية فيها الاستقطاب إلى قطبين. وفي الذرّة الإليكترون والبوزيترون، والبروتون والنيوترون، وفي الكيمياء العضوية: الجُزيء اليساري والجُزيء اليميني، ونعرف الآن المادّة والمادّة المضادّة، والثنائية والازدواجية في تركيب الأحياء والجمادات، يكشف لنا العلم أسرارها كلّ يوم (3) .
ولعلّ اللقاح والتزاوج في النبات أصبح مشهوداً بعد ضرورة اللقاح والتزاوج في الأحياء (الإنسان والحيوان)، قال تعالى: ( وَمِن كُلّ الثّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) (4) ، والآيات بشأن أزواج النبات كثيرة (5) .
وظاهرة التزواج واللقاح مفروضة على كلّ موجود، نباتاً كان أم إنساناً، أم ممّا لا يعلمون ( الّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلّهَا مِمّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمّا لاَ
____________________
(1) مع الطب: ص23.
(2) الذاريات: 49.
(3) محاولة لفهم عصريّ للقرآن: ص73.
(4) الرعد: 3.
(5) الحجّ: 5، الشعراء: 7، لقمان: 10، ق: 7، الرحمن: 52، طه: 53.
يَعْلَمُونَ ) (1) .
قال سيّد قطب: وهذه حقيقة عجيبة تكشف عن قاعدة الخَلق في هذه الأرض - وربّما في هذا الكون؛ إذ أنّ التعبير لا يُخصّص الأرض - قاعدة الزوجية في الخَلق، وهي ظاهرة في الأحياء. ولكن كلمة (شيء) تشمل غير الأحياء أيضاً.والتعبير يُقرّر أنّ الأشياء كالأحياء مخلوقة على أساس الزوجية.
وحين نتذكّر أنّ هذا النصّ عرفه البشر (المسلمون) منذ أربعة عشر قرناً، وأنّ فكرة عموم الزوجية - حتى في الأحياء ولا سيّما النبات - لم تكن معروفة حينذاك، فضلاً عن عموم الزوجية في كلّ شيء... حين نتذكّر هذا نجد أنّا أمام أمر عجيب عظيم.. وهو يُطلعنا على الحقائق الكونية في هذه الصورة العجيبة المبكّرة كلّ التبكير:
كما أنّ هذا النصّ (القرآني المعجز) يجعلنا نرجّح أنّ البحوث العلمية الحديثة سائرة في طريق الوصول إلى الحقيقة، وهي تكاد تُقرّر أنّ بناء الكون كلّه يرجع إلى الذرّة، وأنّ الذرّة مؤلّفة من زوج من الكهرباء: موجب وسالب! فقد تكون تلك البحوث إذاً على طريق الحقيقة في ضوء هذا النصّ العجيب (2) .
* * *
وعن أكثر القدامى تفسير الزوجين هنا بالجنسين المتقابلين، كالأرض والسماء، والبرّ والبحر، والليل والنهار، والسهل والجبل، والشمس والقمر، والجنّ والإنس، والنور والظلمة... وما إلى ذلك... وهكذا المعنويّات كالسعادة والشقاء، والخير والشرّ، والهدى والضلال... ونحو ذلك.
سوى ابن زيد، فإنّه فسّره بالذكر والأُنثى، وهو عجيب (3) .
____________________
(1) يس: 36.
(2) في ظِلال القرآن: ج27 مجلّد 7 ص587 - 588.
(3) راجع مجمع البيان للطبرسي: ج9 ص160.
قال الرازي - توجيهاً لِما قاله الأقدمون -: والزوجان: إمّا الضدان فإنّ الذكر والأُنثى كالضدّين والزوجان منهما كذلك، وإمّا المتشاكلان فإنّ كلّ شيء له شبيه ونظير وضدّ وندّ، قال المنطقيون: المراد بالشيء الجنس، وأقلّ ما يكون تحت الجنس نوعان، فمن كلّ جنس خلق نوعين من الجوهر، مثلاً المادّي والمجرد، المادّي النامي والجامد، ومن النامي المُدرِك والنبات، ومن المُدرِك الناطق والصامت (1) .
* * *
____________________
(1) التفسير الكبير: ج28 ص227.
( فِيهِ شِفَاءٌ لِلنّاسِ )
قال تعالى: ( وَأَوْحَى رَبّكَ إِلَى النّحْلِ أَنِ اتّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ * ثُمّ كُلِي مِن كُلّ الثّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنّاسِ ) (1) .
قال الدكتور نزار الدقر: النصوص القرآنية التي وردت في العسل هي أوضح وأرسخ النصوص القديمة على الإطلاق، كما أنّها تُعتبر من أوائل النصوص التي جزمت بالفائدة المطلقة، وبالخصوص العلاجية الثابتة لهذه المادّة القديمة (2) .
ولأصحاب النظر في الطبّ والعلاج - قديماً وحديثاً - مقالات ضافية بشأن أهمّية العسل وفوائده الكثيرة وأنّه النافع غير الضارّ على الإطلاق؛ نقطف منها ما يلي:
____________________
(1) النحل: 68.
(2) مع الطبّ في القرآن الكريم: ص182 نقلاً عن كتاب (العسل فيه شفاء للناس) للدكتور نزار الدقر.
مكوّنات العسل:
يحوي العسل أكثر من سبعين مادّة مختلفة، فهو:
1 - أهمّ منبع للموادّ السكّرية الطبيعية، حيث اكتُشفت فيه إلى الآن حوالي 15 نوعاً من السكاكر، أهمّها: سكّر الفواكه (فركتوز) بنسبة 40% وسكّر العنب (غلوكوز) بنسبة 30%، أمّا سكّر القصب فبنسبة 4%، وأنّ كيلو غراماً واحداً من العسل يُعطي طاقة تقدّر بـ (3250) حرارية.
2 - يقف في الصفّ الأَوّل بين الأغذية الكاملة، من حيث احتوائه على بعض الخمائر (الأنزيمات) التي تساعد في عمليات الاستقلاب والهضم، وأهّمها: خميرة الشعير التي تُحوّل النشاء إلى سكّر، والقلابين التي تقلب السكّر العادي إلى سكر عنب وسكر فواكه، والكاتازالا، والبيروكسيداز، والليباز.
3 - يحوي مجموعة من الفيتامينات، أهمها: فيتامين ب، وب 2، وب 3 (أو حمض البانتوثيني)، وب 5 (أو حمض النياسين)، وب 6 (أو البيرودكسين)، وفيتامين ث، وآثار من البيوتين، وفيتامين ك، وفيتامين ي، وفيتامين أ.
وهذه الفيتامينات توجد بمقادير غير مرتفعة، ولكنّها مفيدة؛ لأنّ العسل وسط ممتاز لحفظها، أمّا نسبة وجودها فمرتبط بنسبة غبار الطلع الذي تجمعه النحلة، كراتب غذائي لها.
4 - يحوي العسل أنواعاً من البروتينات والحموض الأمينية، والحموض العضوية، كحمض النحل، ومشتّقات الكلوروفيل: وعلى منشطات حيوية، وعلى روائح عطرية وغيرها.
5 - الأملاح المعدنية، وأهمّها: أملاح الكلس، والصوديوم، والبوتاسيوم، والمنغنيز، والحديد، والكلور، والفوسفور، والكبريت، واليود.
وتُشكّل هذه الأملاح اثنين بالألف من وزن العسل.
6 - يؤكّد الكثير من الباحثين على وجود موادّ مضادّة لنموّ الجراثيم في العسل، كما يُعتقد بوجود هرمون نباتي ونوع من الهرمونات الجنسية (من مشتقّات الاستروجين).
إذاً فالعسل مادّة شديدة التعقيد، تتباين أنواعه قليلاً بتراكيبها باختلاف الزهور التي جُنيت منها.
ولعلّ السرّ في احتوائه على هذه المواد المختلفة - التي لم تُجمع في أيّ مادة غذائية أُخرى على الإطلاق - هو جني النحل رحيق كلّ الأزهار والثمرات، استجابة لنداء خالقها يوم أوحى لها: ( ثُمّ كُلِي مِن كُلّ الثّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ) .
ميزات العسل:
1 - مقاومته دون تسرّب الفساد إليه إلى سنين عديدة، بل أحقاب متطاولة، بشرط ابتعاده عن فعل الرطوبة به.
2 - مضادّته للعفونة، وقد أكّد أكثر الباحثين أنّ الجراثيم المُمرضة للإنسان لا يمكن لها أن تعيش في العسل، وأنّ العسل فعلاً مبيدٌ لها.
وسبب ذلك احتواؤه على حمض النحل، وهو من الموادّ المضادّة للعفونة، ولارتفاع تركيز السكاكير التي تصل إلى 80% من تركيب العسل، رغم أنّ الأوساط ذات السكّريّ الخفيف تزيد نشاط الجراثيم، وهكذا التمر الذي يحوي نسبة عالية من السكاكر لا تنمو فيه الجراثيم.
3 - وقايته لنخر الأسنان، على عكس سائر السكاكر الصناعية التي هي قابلة للتخمّر بوجود العصيات اللبنية، أمّا العسل ففيه قدرة واضحة في الحثّ على نموّ العظام وبزوغ الأسنان وفي التكلّس العظمي والسنّي، وبالتالي يزيد نموّ الطفل ويبعده عن خطر الكساح.
4 - يزيد خضاب الدم وعدد الكريات الحمر.
وتُشير الإحصائيات إلى ندرة إصابة النحّالين بداء السرطان بالنسبة إلى أصحاب المهن الأُخرى.
5 - يسرع التئام الجروح وينظّفها؛ لأنّه يزيد محتوى الجروح من مادة الفلوتاثيون التي تُسرع عملية التعمير، الالتئام النسيجي.
6 - إنّه علاج جيد لتقرّحات الجلد المزمنة، وخاصّة إذا طُبّق المزيج المؤلّف من 5/4 عسل + 5/1 فازلين.
7 - علاج جيّد للتقيّحات الجلدية.
8 - يؤدّي لشفاء سريع للجروح الواهنة.
9 - ضماد معقّم لعمليات تحتمل التلوّث بالجراثيم.
قال الدكتور بولمان - الجرّاح النسائي -: وعندي كلّ المعطيات الايجابيّة كي أُفكر بهذه المادّة البسيطة التي تجيب على كلّ الأسئلة حول مشاكل الجروح والقروح المتقيّحة.. فهي مادّة غير مخرّشة، وغير سامّة، وعقيمة بذاتها، مضادّة للجراثيم، مغذّية للجلد، رخيصة، سهلة التحضير، سهلة الاستعمال.. وفوق كلّ ذلك فهي مادة جداً فعّالة (1) .
فسبحانه عزّ من قائل: ( فِيهِ شفاءٌ للناس ) !!
10 - يساعد على الهضم بفعّالية الأنزيمات التي يحويها، ويُخفض الحموضة المعدية الزائدة، وفعّال في معالجة استطلاق البطن (الإسهال)، ويمنع حدوث الإمساك أيضاً، كما يُفيد في معظم أمراض الكبد والصفراء، وفي السلّ والسعال، والتهاب القصبات، ومعالجة الربو وذات الرئة، والتهاب حواف الأجفان، والقرنية، وحروق العين، والنزلات الشعبية في الأنف، والتهاب اللوزات والبلعوم المزمن.
____________________
(1) مع الطبّ في القرآن: 191.
وفوق ذلك فإنّ العسل يزيد إرواء العضلة القلبية ويمدّها بالطاقة بشكل ممتاز، وغير ذلك كثير، يطول شرحها.
فسبحانه من عظيم، حيث وكلّ حشرة صغيرة لإعداد هكذا مركّب عجيب كثير الخاصّية كبير الفائدة خطير الشأن.
وتمضي الأبحاث بغزارة على العسل، والكلّ يشعر أنّه ما زال في هذا العجين الغريب، الكثير من الأسرار ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً ) (1) .
* * *
____________________
(1) الإسراء: 85.
جاء في القرآن كثير من دقائق تعبير قد لا يلمس القارئ أثناء تلاوته ما يلفت نظره إلاّ إذا تدبّرها بإمعان، وتوقّف لديها متسائلاً: هل وراءها نكتة خافية؟ أم هناك سر مستتر عميق؟
فإذا ما لجّ فيها وتعمّق النظر فيها وجدها ظرائف ولطائف تُشرف الباحث على خضم بحر متلاطم وفيض بحر موّاج.. وإليك طرفاً منها:
( وَازْدَادُوا تِسْعاً ) :
قال تعالى: ( وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاَثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً ) (1) هذا الذي نقرأُه عن رقدة أصحاب الكهف، كانت ثلاثمئة سنة كاملة حسب التقويم الشمسي، الذي كان العالم المتحضّر، من عدا الأُمّة العربية، حيث لم يكن لها علم بحركة الفَلك الشمسي، وكان تقويهما قائماً على دورة الفلك القمري، وهي تنقص عن دورة الشمس سنوياً بأحد عشر يوماً وربع يوم تقريباً (2) ، فكان لابدّ أن
____________________
(1) الكهف: 25.
(2) أيّام السنة القمرية تتراوح بين 353 و354 و355 يوماً. بينما أيّام السنة الشمسية هي: 365 =
تزيد سنوات الرقدة - لو حاسبناها على السنين القمرية - بتسعة سنين بالضبط، بالأيّام والساعات والدقائق والثواني.
فقد لزم أن يقول القرآن: إنّ سنوات الرقدة تزيد تسعاً على التقويم الذي عندكم، وهذا سرٌّ ربّما خفي لحدّ الآن... معجزة باقية.
( قُلْ أَنزَلَهُ الّذِي يَعْلَمُ السّرّ فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ ) (1) .
تقديم السمع على البصر:
من الدقائق في تعبير القرآن الكريم أنّك تجده يذكر السمع مُقدماً على البصر في أكثر من خمسة وعشرين موضعاً (2) ، وهي مسألة يعرف سرّها الآن علماء التشريح (الفسيولوجيا) ويُدركون أنّ جهاز السمع أرقى وأعقد وأدق وأرهف من جهاز الأبصار، ويمتاز عليه بإدراك المجرّدات كالموسيقي، وإدراك التداخل مثل حلول عدّة نغمات داخل بعضها بعضاً، مع القدرة على تمييز كلّ نغمة على انفرادها، كما تميّز الأُمّ صوت بكاء وَلدها من بين زحام هائل من أصوات متداخلة، يتم هذا في لحظة من الزمن... أمّا العين فهي تتوه في زحام التفاصيل ولا تعثر على ضالّتها.
____________________
= يوماً و6 ساعات و9 دقائق و9 ثوانٍ بالضبط، إلاّ شيئاً قليلاً (595/. الثانية) تنقص كلّ سنة.
فتزيد السنة الشمسية على السنة القمرية بمقدار 11 يوماً وهي مضروبة في (300) تساوي (3300) يوماً وتساوي (9سنوات وثلاثة أشهر ونصفاً: 105). بالتقسيم على عدد أيّام السنة القمرية، حساباً بالتقريب، حيث عدم انضباط السنة القمرية تماماً. فصحّ تعبير القرآن بزيادة تسعة أعوام تعبيراً بالدقّة.
راجع: التفهيم لأبي ريحان البيروني: ص235، ودهخدا: ص163 حرف س.
(1) الفرقان: 6.
(2) البقرة: 7 و20، النساء: 58 و140، الأنعام: 46. يونس: 31، هود: 20، النحل: 78 و108. الإسراء: 1 و36، طه: 46، الحجّ: 61 و75، المؤمنون: 24، لقمان: 28، السجدة: 9، غافر: 20 و56، فصّلت: 20 و22، الشورى: 11، الأحقاف: 26، المجادلة: 1. الملك: 23، الإنسان: 2.
يتوه الوَلد عن عين أُمّه في الزحام ولا يتوه عن سمعها، والعلم يمدّنا بألف دليل على تفوّق معجزة السمع على معجزة البصر.. ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيّنَ لَهُمْ أَنّهُ الْحَقّ ) (1) .
وقد مرّ بعض الكلام عن ذلك في الجزء الخامس (2) ضمن دقائق ونكات رائعة من القرآن الكريم.
( يَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً ) (3) :
ما أرقّه من تعبير عن حالة المرأة أيّام طمثها، لا شقاءً كشقاء أحكام اليهود بشأنها، ولا جفاءً كجفاء جاهلية العرب بحقّها.. إنّه تعبير ينم عن واقعية هي حالة مَرَضية تعتري المرأة في محيضها، فيجب مراعاة حالها والمداراة مع ضعفها الجسمي، وهي لا تطيق ما تطيقه في حالتها العادية.
وقد كان اليهود يُشدّدون في مسائل الحيض، كما جاء في الفصل الخامس عشر من التوراة: إنّ كلّ مَن مسّ الحائض في أيّام طمثها يكون نجساً إلى المساء، وكلّ مَن مسّ فراشها يغسل ثيابه بماء ويستحمّ ويكون نجساً إلى المساء، وكلّ مَن مسّ متاعاً تجلس عليه يغسل ثيابه ويستحمّ بماء ويكون نجساً إلى المساء، وإن اضطجع معها رجل فكان طمثها عليه، يكون نجساً سبعة أيّام، وكلّ فراش يضطجع عليه يكون نجساً (4) .
وكانت العرب في الجاهلية لا يساكنون الحُيَّض، ولا يؤاكلونهنّ، كما كانت تفعل اليهود والمجوس أيضاً.
لكن القرآن دفع عنها الرجس وجعلها في إطارها الخاصّ من الرِفق بحالها والعطف عليها والحنان، لا هجرها ونبذها ومتاركتها أو إحراجها بالخروج عن
____________________
(1) فصّلت: 53.
(2) الجزء الخامس من ص 54 - 55.
(3) البقرة: 222.
(4) سِفر اللاويين: إصحاح 15 عدد 19 - 24.
مساكنها، كما كانت العادة عند المجوس.
قال تعالى: ( هو أذىً ) أي حالة مرض يعتريها لا أكثر ولا أقلّ، والأذى المرض الخفيف المؤونة، فهي حاله مؤذية دون إيذاء المرض والضرّ الشديد كما في قوله تعالى: ( وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذَىً مِن مَطَرٍ أَوْ كُنتُم مَرْضَى ) (1) ، وقوله تعالى: ( فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ ) (2) ، وقوله تعالى: ( لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً ) (3) .
وقد ورد في شريعة الإسلام جواز مراودتها دون الجماع فقط، قال (صلّى الله عليه وآله): (اصنعوا كلّ شيء إلاّ الجماع) ، وفي حديث آخر: (لك ما فوق الإزار) .
فالحكم الإسلامي بشأنها هو اعتزالها في المحيض فحسب، أي اعتزال موضع حيضها.
وفي ذلك أيضاً لطف بيان وأناقة كلام: بيّنَ أوّلاً سبب الحكم ثمّ رتّب الحُكم عليه، ليكون المكلّف على بصيرة من أمره، أن ليست أحكام الشرعية تحميلاً أو مجرّد تعبّدٍ محض، بل لكلّ أمر سبب ولكلّ حكم وتكليف مصلحة، تعود إلى صالح المكلّفين في نهاية الأمر.
والخلاصة: الواجب هو ترك غَشيان النساء مدّة الحيض؛ لأنّه سبب للأذى والضرر أحياناً، وقد أثبت الطبّ الحديث مفاسد غشيانهنّ في تلك الحالة، وأنّ الوقاع في زمن الحيض ربّما يؤدى إلى الأضرار التالية - حسبما أورده المراغي في تفسيره -:
آلام أعضاء التناسل في المرأة، وربّما أحدث التهابات في الرحم في المبيضين أو في الحوض، تضرّ صحتها ضرراً بليغاً، وربّما أدّى ذلك إلى تلف المبيضين وأحدث العقم، وربّما دخل موادّ الحيض في عضو التناسل عند الرجل،
____________________
(1) النساء: 102.
(2) البقرة: 196.
(3) آل عمران: 111.
وذلك يُحدث التهاباً صديدياً يشبه السيلان، وربّما امتدّ ذلك إلى الخصيتين فآذاهما، ونشأ من ذلك عقم الرجل، وقد يُصاب الرجل بالزهري إذا كانت جراثيمه في دم المرأة، وغير ذلك (1) .
* * *
____________________
(1) راجع تفسير المراغي: ج1 ص157.
3 - الإعجاز التشريعي
معارفُ سامية وشرائعُ راقية
الباب الثالث
في الإعجاز التشريعي
( وَنَزّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (1)
كانت للإنسان - ولا تزال - مسائل عن هذه الحياة، كان يحاول الإجابة عليها: من أين أتى؟ ولِمَ أتى؟ والى أين؟ وكانت محاولاته بهذا الشأن قد شكّلت مجموعة مسائل الفلسفة الباحثة عن سرّ الوجود، ولكن هل حصل على أجوبة كافية؟ أم كانت ناقصة غير مستوفاة لحدّ الآن؟ لولا إجابة القرآن عليها إجابة وافية وشافية كانت علاجاً حاسماً لِما كان يجيش في الصدور، ( يَا أيّهَا النّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَوْعِظَةٌ مِن رَبّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) (2) .
كان ما وصل إليه الإنسان من معارف حول سرّ الوجود ناقصاً وغير مقنع إلى حدّ بعيد، ( وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً ) (3) فكان مستطلعاً ومتعطّشاً إلى حلّ
____________________
(1) النحل: 89.
(2) يونس: 57.
(3) الإسراء: 85.
مشاكله والإجابة على مسائله بشكل كامل ومستوفٍ جميع الجوانب ممّا يرتبط بالمبدأ والمعاد والغاية التي خُلق من أجلها العباد.
نعم، كان القرآن الكريم هو الذي تعرّض لحلّ معضلة الحياة وفصّل الكلام عن بدء الخليقة والغاية عن الوجود وكشف عن سرّ الحياة، تفصيلاً مستوفىً بما لم يدع مجالاً لمسارب الشكّ في مسائل الحياة في المبدأ والمعاد، وأجاب عن مسائل ممّا لم يكد يعرفه الإنسان ( وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (1) .
الأمر الذي جعل من القرآن آية باهرة ومعجزة قاهرة، دلّت على أنّه ليس كلام البشر، وإنّما هو وحي أنزله الله تعالى هدىً ورحمةً للعالمين.
* * *
كما وأتحف للبشرية جمعاء برامج لنظم الحياة وليعيش في سلامة وتؤدة وهناء، ممّا لم يسبقه - كما لم يلحقه - شريعة وضعها الإنسان.
كانت الأنظمة التي وضعها الإنسان لنظم حياته غير كافلة لسعادته، فإنّها وإن كانت راقية من جانب لكنّها سافلة وسحيقة من جوانب أُخر، كانت مناشئ الخسّة والدناءة عليها بادية.
الإنسان مهما ارتقى في مدارج الكمال فإنّه لا يمكنه الانطلاق من قيود نزعاته الهابطة التي تربطه بخسائس الأرض أكثر ممّا ترتقيه إلى آفاق السماء، الإنسان لا يستطيع التخلّص من براثن الحيوانية والبهيمية التي تتحكّم في نفسه إذا لم تكن مهذّبة تهذيباً يتناسب ومعالي الإنسانية الرفيعة.
ومِن ثَمّ فإنّ سِماته الخسيسة سوف تبدو على ما يضعه من قانون أو يعرضه من شرائع وأنظمه لتنظيم الحياة... وكلّ إناء بالذي فيه ينضح، إنّ ما يأتي به
____________________
(1) العلق: 3 - 5.
الإنسان من علمٍ ومعرفةٍ إنّما هي ترشّحات نفسه وصفاته الباطنة في شخصه، إنّ فكرة الإنسان وليدة مشاعره عن هذه الحياة إنّه يفكّر حسبما يعيش، كما يعيش حسبما يفكّر؛ لأنّ الإنسان وليد جامعته ونتيجة بيئته، والبيئة هي التي تكوّن شخصية الأفراد الناشئة منها، فكيف يحاول الترقية ببيئته وهو حصيلها!!
إنّ القيم الساطية على البيئات هي التي توجّه مسيرة الإنسان في مشاعره وفي أفكاره، فلابدّ أن يكون ما يضعه من قانون وشريعة هي مسيّرة من خارج ذاته الإنسانية الرفيعة التي خلقه الله تعالى عليها حسب فطرته الأوّلية.
إنّ نزعات القومية والوطنية واللونية واللسانية - فضلاً عن القبائلية والبلدية - كانت قيوداً لا يستطيع الإنسان الانفلات منها ما دام رهن ميوله واتّجاهاته البشرية السافلة.
* * *
نعم، كانت الشرائع السماوية هي المتحررّة عن كلّ هذه القيود؛ ومِن ثَمّ جاءت صافية ونقية ونزيهة عن كلّ دنس وخسيسة بشرية ممّا افتقدته الإنسانية منذ قرون، حيث جاء القرآن الكريم بشرائعه طاهرة زكية.
كان الإنسان في عهد نزول القرآن يعيش في ظلمات الغيّ والجهالة، وفي لفيف من أنظمة كانت صبغتها الظلم والعتوّ على صنوف الإنسانية الكريمة، وكانت القوانين الحاكمة على البشرية حينذاك ضامنة للمُستعلينَ في الأرض مصالحهم دون المستضعفين - وهم أكثر هذه البسيطة المظلومون - قد هُضم حقّهم وسُحقت كرامتهم ورُبطوا ربط المواشي والأغنام.
* * *
في هذا الجوّ المظلم والبيئة الحالكة جاء القرآن الكريم بمشاعل وهّاجة بمصابيح وضّاءة، تنقشع عن البشرية سحب الظلام وتنكشف على الإنسانية كرامة
ذاته الأصيلة، فقد جاء بأنظمة وقوانين ترفع بالإنسان إلى كرامته العليا وتُسعده في الحياة سعادة شاملة وكافلة لجميع البشرية العائشة على الأرض، على حدّ سواء، لا ميز لقبيلة على أُخرى، ولا لأهل بلد على آخرين، ولا للغة دون أُخرى، كلّهم بنو آدم، وآدم من تراب. ( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) (1) .
* * *
ومن جانب آخر، كانت الأنظمة التي وضعها الإنسان ذاته إنّما تنظّم جانبين من جوانب الإنسان في الحياة: جانب الفرد في ذاته، وجانبه مع بني نوعه، أي كيف يعيش في ضمان من مصالحه في الحياة ممّا يعود إلى نفسه، وفي المقدار الذي يربطه بمجتمعه.
في حين أنّ للإنسان جوانب أُخر في هذه الحياة، جانب مشاعره وأحاسيسه عن نشأة الوجود، وعن حبّه وعاطفته التي قد تفوق جانب رعاية مصلحة وقتية محدودة النطاق، وكذلك حسّه المرهف عن تلك القوّة القاهرة التي تُسيّر عالم الوجود، وهو ربّ العالمين، الإنسان في فطرة ذاته يشعر بوجود هكذا قدرة خارقة، ويحاول معرفتها ومعرفة مقدار علاقته بها، ووظيفته التي يجب عليه تأديتها تجاه تلك العظمة الباهرة.
إنّ أنظمة الإنسان الوضعية لتعجز على إمكان شمولها لهذه الجوانب من حياة الإنسان نعم، كانت الشرائع الإلهية - والتي جاء بها القرآن الكريم - هي الكافلة لجميع جوانب الحياة، والتي تضمن سعادة الإنسان في النشأتين.
____________________
(1) الحجرات: 13.
والخلاصة: إنّ للإنسان علاقات في هذه الحياة، تشمل علاقته بنفسه، وعلاقته مع بني نوعه، وعلاقته مع ربّه وخالقه ومَن إليه مصيره في نهاية المطاف..
والأنظمة الوضعية إنّما تكفل ضمان العلاقتين الأُولتين بشكل ناقص، وإنّما يضمن العلاقات أجمع وبشكل كامل الشرائع الإلهية، ولا سيّما شريعة الإسلام التي جاء بها القرآن. ( لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) (1) .
هكذا جاء القرآن بشرائع راقية - فاق بها شرائع وضعتها البشرية - شاملة كاملة وكافلة الإنسانية في الدارين.. فكانت معجزة خارقة، ودليلاً واضحاً على صدق رسالة الله في الأرض.
* * *
فالآية المعجزة في القرآن الكريم، إنّه أتى بمعارف تسمو معارف البشرية، وجاء بشرائع تتعالى عن خسائس الشرائع الوضعية؛ وبذلك كانت معارف القرآن وشرائعه ممتازة عن سائر الشرائع والأديان بحيث لا تشابه بين شريعة الإسلام وما كان عليه الإنسان المتحضّر في ذلك العهد.
إذاً، فكيف يزعم بعض أصحاب العقول الضعيفة: أنّ القرآن - بل الإسلام - أخذ شرائعه من شرائع وضعية كان قد وضعها الرومان، أو أخذ معارفه من معارف فرضية كان قد فرضها اليونان، أو غيرهما من أُمّم بائدة قد أكل الزمان عليها وشرب؟! حاش القرآن أن ينتهج منهجاً كان معوجّاً في أساس غير قويم.
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ) (2) .
____________________
(1) آل عمران: 164.
(2) الروم: 30.
عنوان عنونَ به سيد مير علي الهندي مقاله بهذا الشأن، فلنترك القلم بيده (1) :
قال: والمبادئ الأساسية التي أُنشئ النظام الإسلامي على أساسها هي:
1 - الآيات بالوحدانية، ولا مادّية الخالق وقدرته ورحمته وحبّه الشامل.
2 - المحبّة والإخاء بين الجنس البشري.
3 - قهر الشهوة وكسر صولتها والضبط من جموحها.
4 - تدفّق الشكر المتواصل من القلب، لواهب النِعم والآلاء.
5 - مسؤولية الإنسان ومحاسبته على ما قدّمت يداه في الدنيا والآخرة.
والحقّ أنّ المفاهيم الرفيعة النبيلة - التي ورد ذكرها في القرآن الكريم - فيما يتعلّق بقدرة الخالق ولطفه وإنعامه لخلقه تفوق أيّة مفاهيم أُخرى من نوعها وردت في أيّة لغة أُخرى.
فوحدانية الله ولا ماديته وجلاله ورحمته تشكّل الموضوع الثابت الذي لا ينتهي لأفصح عبارة في آيات تستثير الروح وتهيّج الوجدان، ويظلّ فيها تدفّق الحياة والروح زاخراً لا ينقطع جريانه، وليس في ذلك أيّ أثر للتحكّم أو الجمود ضمن قواعد محدّدة.
فالدعوة موجّهة إلى الضمير الداخلي للإنسان وحده، وهو الذي تناشده دعوة محمّد (صلّى الله عليه وآله).
ولإدراك واقع الحال علينا أن نقلب بعض صفحات التاريخ. فلنلتفت إلى الماضي التفاتة قصيرة لنرى المبادئ الدينية التي كانت قائمة آنذاك، أي عندما جاء نبيّ الإسلام مبشّراً برسالته.
ولنبدأ بفكرة الربوبية:
كانت هذه تختلف بين العرب الأقوياء، وفقاً لثقافة الفرد أو القبيلة، فهي ترتقي
____________________
(1) من كتابه روح الإسلام: ص157 - 185 مع شيء من التغيير والتعديل.
عند بعضهم إلى درجة الإلوهية أو تأليه الطبيعة، بينما هي عند بعضهم الآخر تنحدر إلى مجرّد عبادة الأوثان وتقديس قطعة من العجين أو عصاً أو حجر.
كان بعضهم يؤمن بالحياة الأُخرى، أمّا البعض الآخر فليست لديهم أيّة فكرة عنها من أيّ نوع كان.
وكذلك فإنّ العرب قبل الإسلام كانوا يعبدون غاباتهم الصغيرة وأشجار الوحي فيها - حسب زعمهم - وكان لهم كاهناتهم مثل خنيقي سوريا.
هكذا كان عالم الأعراب سابحاً في دوّامة من المبادئ التي لا يكاد يصدّقها العقل حول مثالية الإله سيّد الجميع.
* * *
أمّا اليهود - الذين حافظوا بعض الشيء على فكرة التوحيد - فإنّهم أنفسهم قد شوّهوا مقداراً من تلك الفكرة ومسخوها مسخاً (1) .
كان اليهود قد وفدوا إلى شبه جزيرة العرب على عدّة فترات، ولا شكّ أنّ الصفات المميّزة - التي قادت الإسرائيليين مراراً إلى الميل ثمّ التردّي في عبادة الأوثان في دمارهم الأصلية، قد ازدادت عند هجرتهم إلى الجزيرة بتأثّرهم بوثنية إخوانهم العرب، وكان ذلك طبيعياً، وقد كان لدى فكرة ربّ إبراهيم أن يضحّوا إليها مفهوماً مادّياً للخالق، وكانت عبادة الناموس منحرفة إلى درجة الوثنية بين آخر مجموعة يهودية وفدت إلى الجزيرة، وكانوا يحترمون الكَتَبة والأحبار ويقدّرونهم إلى حدّ تقديسهم (2) . وكان هؤلاء الأحبار ينظرون إلى أنفسهم على اعتبار أنّهم صفوة الشعب وأنّهم صلة الوصل بالله وأكثر الناس قربى من الله.
____________________
(1) ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ ) . (التوبة: 30).
(2) ( اتّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً وَاحِداً لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ ) . (التوبة: 31).
وبالإضافة إلى ذلك، فأنّ الجماهير اليهودية لم تترك عبادة الترافيم، وهي عبارة عن آلهة كانوا يحتفظون بها في بيوتهم، قد صنعوها على شكل بني البشر، وكانوا يستشيرون هذه الآلهة في كلّ المناسبات، على اعتبار أنّها آلهتهم الخاصّة التي تتلقى الوحي من الله، ولابدّ أن تكون هذه العبادة قد تعزّزت وارتفع شأنها عن طريق الاتّصال مع الوثنيين العرب.
ونحن نرى أنّ الفلسفة الكلدوزرادشتية قد تركت أثرها الذي لا يُمحى على التقاليد اليهودية من جهة، ومن جهة أُخرى فقد كان أعظم مفكّريهم - حين يحاولون إدخال الاعتقاد بالعلّة الأُولى إلى آراء وتصانيف فلاسفة اليونان والرومان - يشرّبون مدراس الفكر الاسكندرانية بمبادئ وأفكار لا يمكن أن تتّفق مع مذهبهم التوحيديّ الأصل.
وبالإضافة إلى هؤلاء كان هنالك الهندوس مع الحشد الضخم من آلهتهم والإهاتهم، والزرادشتيون مع توأم آلهتهم اللذين يتخاصمان دوماً في سبيل الغلبة والسيادة.
ولن يغيب عن بالنا اليونان والرومان والمصريون، مع هياكلهم التي تتراكم فيها الآلهة بأخلاقها التي لا ترقى إلى مستوى أخلاق عَبَدتها المنحلّين.
* * *
هكذا كان حال العالم المتحضّر في إبّان نشر دعوة المسيح (عليه السلام).
وكان السيّد المسيح بالرغم من كلّ بشاراته وتعاليمه واتّجاهات فكرته فإنّه لم يدّعِ أنّه (متمّم لله) أو أنّه (جوهر الله وذاته) إطلاقاً، ومن المؤسف حقّاً أنّه حتى المسيحية الحديثة قد ظلّت عاجزة عن انتزاع نفسها وتحريرها من الأساطير القديمة التي تركتها لها العصور الغابرة ذلك؛ لأنّ أتباع المسيحية كانوا يتخلّصون جيلاً بعد جيل من كلّ ما هو بشري، في تاريخ المسيح حتّى ضاعت شخصيّته في خضّم الأساطير.
وها هو (العهد الجديد) ذاته - بما تفرّع عنه خلال قرن كامل - يترك المسيح تلك الشخصية الجليلة غامضة يلفّها ضباب الشكّ والأسطورة أكثر ممّا ينيرها اليقين والتحقيق، وهكذا مع كلّ يوم يمرّ، كانت فكرة (ذاتٍ وُلدت في قلب الأزلية) تكتسب قوّة تظل تتزايد، حتّى تحوّلت إلى عقيدة في صلب الدين.
وقد كانت تعاليم المسيح حريَّةً بأن ترقى إلى مفهوم عن الله أشدّ نقاءً وأعظم مجداً، غير أنّ قروناً ستة قد مضت على عيسى (عليه السلام) ظلّت تلفه طوالها هذه الخزعبلات التي تتعارض مع رسالته، فكان أن أَضفَت عليه صفة الإلوهية، وهكذا فإنّ العبد قد احتلّ مكان مولاه في تقديس البشر.
ولمّا كانت جمهرة العامّة عاجزة عن أن تستوعب - أو حتّى تدرك - المزيج العجيب للفلسفات الفيثاغورية الجديدة والأفلاطونية واليهودية الهيلينية، وكذلك تعاليم المسيح، فقد عَبَدته كما لو كان إلهاً أصيلاً، أو انقلبوا إلى عبادة الآثار وآلهة منحوتة تمثل أُمّه البتول.
وحيث كان المدى قد طال على هذه الخزعبلات فإنّ المسيحيين قد ابتعدوا كثيراً عن بساطة تعاليم المسيح (عليه السلام). حتى لقد أصبحت عبادة الصور والقدّيسين والآثار جزءً لا يتجزأ من ديانة يسوع، وكذلك فإنّنا نرى أنّ الشرور التي شجبها عيسى (عليه السلام) نفسه والطقوس التي أنكرها قد أخذت تدخل في صلب دينه، واحدة تلو أُخرى.
* * *
وبعد، فإنّنا نرى ضدّ كلّ هذه السخافات التي كانت سائدة طول عصور والتي ظلّت مستحكمة البنيان ذلك العهد، كان هدف نبيّ الإسلام في حياته موجّهاً ومركّزاً على أُسس قويمة يدعمها العقل والفطرة السلمية، فهو إذ يخاطب الناس يخاطبهم بحقّ، وهو متأثّر باتصال وثيق مع الله، الله الذي خَلق الكون جملةً وتفصيلاً، ولم يحد محمدٌ (صلّى الله عليه وآله) عن طريق العقل الرشيد. ورغم قيام عبدة الأوثان
من أبناء القبائل العربية من جهة، وأتباع المسيحية واليهودية الممسوختين من جهة أُخرى، بمحاولة إغرائه، فقد ظلّ يخاطبهم حتّى جعلهم يخجلون من فظاعة معتقداتهم.
وهكذا، فإنّ نبيّ الإسلام - الذي كان يُسمّى بحقّ (سيّد القائلين) و(سيّد المرسلين) والداعي إلى وحدانية الله - قد صمد، كما يحدّثنا التاريخ، في صراع نبيل واجهته به أول الأمر، ثمّ فرضته عليه بعد ذلك محاولات الإنسان الرجعية الرامية إلى إشراك مخلوقات أُخرى مع خالق الكون غير أنّ الدعوة قد غَلبت الجميع، وظهر الدين كلّه على الشرك كله، فقد ( جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ ) (1) .
وليس أوضح ولا أجزم من الآيات التالية التي وردت في القرآن الكريم في تفسير وحدانية الله إنّه يقول:
( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الرّحْمنُ الرّحِيمُ * إِنّ فِي خَلْقِ السّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السّماءِ مِن مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِن كُلّ دَابّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّماءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمِنَ النّاسِ مَن يَتّخِدُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْدَاداً يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ وَالّذِينَ آمَنُوا أَشَدّ حُبّاً للّهِِ وَلَوْ يَرَى الّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنّ الْقُوّةَ للّهِِ جَمِيعاً وَأَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ) (2) .
فأيّ عطف عميق تعرضه هذه الكلمات على أولئك الذين في الجهالة يعمهون! ثمّ هذه الآيات، حيث قال تعالى في كتابه الكريم:
( هُوَ الّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنشِئُ السّحَابَ الثّقَالَ * وَيُسَبّحُ الرّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ
____________________
(1) التوبة: 48.
(2) البقرة: 163 - 165.
فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ * لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيءٍ إِلاّ كَبَاسِطِ كَفّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلاَلٍ * وَللّهِِ يَسْجُدُ مَن فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلاَلُهُم بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ * قُلْ مَن رّبّ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتّخَذْتُم مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِم نَفْعاً ولاَ ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظّلُمَاتُ وَالنّورُ أَمْ جَعَلُوا للّهِِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِم قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ ) (1) .
وقوله جلّ شأنه:
( خَلَقَ السّماوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقّ تَعَالَى عَمّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ * وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاّ بِشِقّ الأَنفُسِ إِنّ رَبّكُمْ لَرَؤُوفٌ رّحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللّهِ قَصْدُ السّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الّذِي أَنزَلَ مِنَ السّماءِ مَاءً لَكُم مّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزّرْعَ وَالزّيْتُونَ وَالنّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلّ الثّمَرَاتِ إِنّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ * وَسَخّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنّهَارَ وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنّجُومُ مُسَخّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذّكّرُونَ * وَهُوَ الّذِي سَخّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلاَمَاتٍ وِبِالنّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكّرُونَ * وَإِن تَعُدّوا نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنّ اللّهَ لَغَفُورٌ رّحِيمٌ * وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا
____________________
(1) الرعد: 12 - 16.
تُسِرّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ ) (1) .
و: ( اللّهُ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيّ الْعَظِيمُ ) (2) .
وكذلك: ( إِنّ رَبّكُمُ اللّهُ الّذِي خَلَقَ السّماوَاتِ والأَرْضَ فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللّيْلَ النّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنّجُومَ مُسَخّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ ) (3) .
وكذلك (سورة الإخلاص):
( قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) (4) .
وسورة الفاتحة:
( بِسْمِ اللّهِ الرّحْمنِ الرّحِيمِ * اَلْحَمْدُ للّهِِ رَبّ الْعالَمِينَ * الرّحْمنِ الرّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدّينِ * إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضّآلّينَ ) (5) .
( قُل لِمَن مَا فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ قُل للّهِِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرّحْمَةَ لَيَجْمَعَنّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) (6) .
( وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * وَهُوَ الّذِي يَتَوَفّاكُم بِاللّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنّهَارِ ثُمّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى
____________________
(1) النحل: 3 - 21.
(2) البقرة: 255.
(3) الأعراف: 54.
(4) الإخلاص: 1 - 4.
(5) الفاتحة: 1 - 7.
(6) الأنعام: 12.
أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمّ يُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (1) .
وفي مجال بيان توحيد الله سبحانه والاستدلال عليه من خلال مخلوقاته وآثار الإبداع في خلقه، وهي الطريقة الفطرية للإقناع والإتباع، يقول تعالى:
( إِنّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبّ وَالنّوَى يُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيّتِ مِنَ الْحَيّ ذلِكُمُ اللّهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ * فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللّيْلَ سَكَناً وَالشّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ النّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * وَهُوَ الّذِي أَنْشَأَكُمْ مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ * وَهُوَ الّذِي أَنزَلَ مِنَ السّماءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنّاتٍ مِن أَعْنَابٍ وَالزّيْتُونَ وَالرّمَانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنّ فِي ذلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلُوا للّهِِ شُرَكَاءَ الْجِنّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * ذلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللّطِيفُ الْخَبِيرُ * قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهِا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ) (2) .
( قُلْ إِنّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للّهِِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) (3) .
( أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطّيْرُ صَافّاتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَللّهِِ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ ) (4) .
____________________
(1) الأنعام: 59 و60.
(2) الأنعام: 95 - 104.
(3) الأنعام: 162.
(4) النور: 41 و42.
( اللّهُ الّذِي خَلَقَ السّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتّةِ أَيّامٍ ثُمّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مّن دُونِهِ مِن وَلِيّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكّرُونَ * يُدَبّرُ الأَمْرَ مِنَ السّماءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدّونَ * ذلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرّحِيمُ * الّذِي أَحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِن مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مّا تَشْكُرُونَ ) (1) .
( قُلْ يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الّذِي لَهُ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النّبِيّ الأُمّيّ الّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتّبِعُوهُ لَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ ) (2) .
( قُلْ هُوَ الّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ * قُلْ هُوَ الّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (3) .
( وَهُوَ الّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النّهَارَ نُشُوراً ) (4) .
( غَافِرِ الذّنْبِ وَقَابِلِ التّوْبِ... ذِي الطّوْلِ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) (5) .
( لا شَرِيكَ لَهُ وِبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (6) .
( أَمّنْ خَلَقَ السّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِنَ السّماءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَءِلهٌ مّعَ اللّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَءِلهٌ مَعَ اللّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * أَمّن يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَءِلهٌ مَعَ اللّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكّرُونَ ) (7) .
____________________
(1) السجدة: 4 - 9.
(2) الأعراف: 158.
(3) الملك: 23 و24.
(4) الفرقان: 47.
(5) غافر: 3.
(6) الأنعام: 163.
(7) النمل: 60 و62.
( لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (1) .
( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ * سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفِ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنّهَارِ * لَهُ مُعَقّبَاتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدّ لَهُ وَمَا لَهُم مِن دُونِهِ مِن وَالٍ ) (2) .
( اللّهُ نُورُ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزّجَاجَةُ كَأَنّهَا كَوْكَبٌ دُرّيّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاّ شَرْقِيّةٍ وَلاَ غَرْبِيّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنّاسِ وَاللّهُ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَإِقَامِ الصّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزيدَهُم مِن فَضْلِهِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَالّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظّمْآنُ مَاءً حَتّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللّهَ عِندَهُ فَوَفّاهُ حِسَابَهُ وَاللّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراهَا وَمَن لّمْ يَجْعَلِ اللّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ * أَلَمْ تَرَ أَنّ اللّهَ يُسَبّحُ لَهُ مَن فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطّيْرُ صَافّاتٍ كُلّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَللّهِِ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنّ
____________________
(1) البقرة: 286.
(2) الرعد: 9 - 11.
اللّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ ثُمّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزّلُ مِنَ السّماءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلّبُ اللّهُ اللَّيْلَ وَالنّهَارَ إِنّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ ) (1) .
وفي سورة الرحمن أنصع دليل على ذلك التقدير الكبير الذي كان يشعر به محمّد نحو ضرورة تبصر قومه بمجالي الطبيعة المشرقة، وفي شكل جعل الغربيينَ يُطلقون على تلك السورة اسم (جمال الطبيعة في القرآن).
فهو يقول:
( الشّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنّجْمُ وَالشّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسّماءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ * وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ * فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنّخْلُ ذَاتُ الأَكْمَامِ * وَالْحَبّ ذُو الْعَصْفِ وَالرّيْحَانُ * فَبِأَيّ آلاَءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخّارِ * وَخَلَقَ الْجَانّ مِن مَارِجٍ مِن نَارٍ *... رَبّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبّ الْمَغْرِبَيْنِ... مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَ يَبْغِيَانِ... يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ *... وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلاَمِ... كُلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالْإِكْرَامِ... يَسْأَلُهُ مَن فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ كُلّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ * فَبِأَيّ آلاَءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ) (2) .
وكذلك الآيات البيّنات التالية:
( وَكُلّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً ) (3) .
( وَنَفْسٍ وَمَا سَوّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا ) (4) .
____________________
(1) النور: 35 - 44.
(2) الرحمن: 5 - 30.
(3) الإسراء: 13.
(4) الشمس: 7 - 9.
( الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرّحْمنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ ) (1) .
( وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السّماءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ) (2) .
ومتى يا ترى؟ إنّ الجواب على ذلك ظاهر في سورة التكوير، حيث قال الله تعالى:
( إِذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ * وَإِذَا النّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجّرَتْ * وَإِذَا النّفُوسُ زُوّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيّ ذَنبٍ قُتِلَتْ * وَإِذَا الصّحُفُ نُشِرَتْ * وَإِذَا السّماءُ كُشِطَتْ * وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعّرَتْ * وَإِذَا الْجَنّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ * فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنّسِ * الْجَوَارِ الْكُنّسِ * وَاللّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصّبْحِ إِذَا تَنَفّسَ * إِنّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ * وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ * وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ * إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاّ أَن يَشَاءَ اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ ) (3) .
ويسألونك يا محمّد عن الساعة، فقل: ( عِلْمُهَا عِندَ رَبّي فِي كِتَابٍ لاّ يَضِلّ رَبّي وَلاَ يَنسَى ) (4) .
وقد سبق أن ( كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا ) (5) فأنكرت يوم القيامة وعقر أشقاها الناقة، وقول لهم رسول الله ( نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ) (6) فلم يستجيبوا له ( فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ
____________________
(1) الملك: 3 و4.
(2) الروم: 25.
(3) التكوير: 1 - 29.
(4) طه: 52.
(5) الشمس: 11.
(6) الشمس: 13.
رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ ) (1) وسوى بلدهم بالأرض بعد ان أرسل عليه ريحاً صرصراً عاتية، وبحقٍّ.
( وَالضّحَى * والليلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدّعَكَ رَبّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلاخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ ) (2) .
وربّما ظنّ المشركون أنّ الله قد خلقهم لهواً وهزؤاً فبلِّغهم يا محمد إنّهم مخطئون في ظنّهم، وإنّ إلينا النشور، وحينئذ نُنبئهم بكلّ ما فعلوا، أمّا أنت وأصحابك فقولوا: ( تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) (3) واغفر لنا ذنوبنا واعفُ عنا واغفر لنا وارحمنا إنّك أنت الغفور الرحيم.
وثقوا جميعاً أنّه لن تحمل ( وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (4) فكلّ نفس بما كسبت رهينة، وأنّ ربّكم لن يعذّب أحداً كما أنّه لم يُعذّب من قبل إلاّ بعد أن يرسل رسولاً.. واذكروا:
( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ) (5) .
وهكذا يمضي هذا الكتاب الرائع، مناشداً أنبل مشاعر الإنسان، وضميره الداخلي وإدراكه العقلي، عارضاً ثمّ مبرهناً على بشاعة المعتقدات الوثنية وانحطاطها، وقلّما تخلو سورة من سور القرآن من عبارة بليغة متألّقة عن قدرة الله وعطفه ووحدانيّته. ومع هذا فقد أساء الكُتّاب المسيحيّون إدراك المفهوم الإسلامي لقدرة الذات الإلهية، فجعلوا يصوّرون إله المسلمين على أنّه (عديم الشفقة، طاغية يلعب بمقدرات الإنسانية كما يلعب المرء بحجارة الشطرنج).
____________________
(1) الشمس: 14.
(2) الضحى: 1 - 11.
(3) البقرة: 286.
(4) ذُكرت في القرآن في خمس مواضع.
(5) الإسراء: 15.
وقالوا: (إنّه يقوم بما يقوم به دون أيّ اعتبار لتضحيات البشر)، هكذا زعموا، فلنرَ ما إذا كان التقدير صحيحاً.
إنّ إله المسلمين هو القويّ العليم العدل ربّ العالمين، فاطر السموات والأرض، وهو الذي ذرأ الحياة، وكتب الموت، بيده السيطرة على كلّ شيء، وهو الأَوّل والآخر، وصاحب القوة التي لا تقاوم، وهو العظيم القويّ الذي استوى على العرش، إنّ الله هو القويّ، الرحيم، العليّ، الخالق الصانع، المصمّم العاقل، العادل، الحقّ، السريع الحساب.
إنّه هو الذي يعرف مثقال الذرّة من خير أو شرّ عمله الإنسان، وهو الذي لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً، والحقّ أنّ هذا الرحيم العادل هو أيضاً المَلك القدوس السلام المؤمن المهيمن الحارس على مصالح عباده، وهو كذلك ملجأ العاجز ومرشد الضالّ، والمعطي الوهّاب، صديق المحروم، ومستشار المظلوم، في يده كلّ الخير، وهو السيّد الكريم، الغفور، السميع، القريب، الشفوق، الرحيم، الذي يحبّ الإنسان أكثر من حبّ الطير لصغاره.
إنّ رحمة الله لهي من أوسع المواضيع التي تضمّنها القرآن، وكلمة (الرحمن) التي تتفتّح بها كلّ سورة من سور القرآن الكريم في البسملة والتي تدلّ على إله رحيم إنّما تُعبّر تعبيراً عميقاً عن ذلك الحبّ الذي يكنّه خالق السماوات والأرض لعباده.
إنّ ما تعرّض له أتباع الفئتين سالفتي الذكر (اليهود والمسيحيين) من تحقير خلقي، قد اعتصر قلب الرسول، ثمّ تحوّل هذا الألم إلى شجب للمعتقدات الخرافية التي كانوا يمارسونها خلافاً لتحذيرات رسولهم، إنّ نار الغيرة الدينية التي اشتعلت في صدر أشعيا وجرميا قد عادت واشتعلت في صدر رجل آخر أعظم منهما، وقد شُجب هذا الرجل ولكن دون نواح، صيحات اليأس والكمد حول تقليل قيمة الإنسانية، وأسمعهم صوت الأمل والعقل.
وقد عنّف القرآن اليهود بشدّة على عبادتهم آلهة مزيّفة من الأوثان، ولمبالغتهم
في الاعتماد على ذاكرة عَزرا، كما لامَ القرآن المسيحيين لتأليههم عيسى وأُمّه مريم كما هو مبيّن في الآيات التالية:
( أَلَمْ تَرَ إِلَى الّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولئِكَ الّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ) (1) .
( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتِ النّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ * اتّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً وَاحِداً لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2) .
( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللّهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنْتُم بَشَرٌ مِمّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ وَللّهِِ مُلْكُ السّماوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ) (3) .
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُم مَن ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (4) .
والآيات التالية تُظهر الشعور الذي اعتبر به هذا المعتقد الديني:
( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ إِلاّ الْحَقّ إِنّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُوا ثَلاَثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنّمَا اللّهُ إِلهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السّماوَاتِ وَما فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً ) (5) .
____________________
(1) النساء: 51 و52.
(2) التوبة: 30 - 32.
(3) المائدة: 18.
(4) المائدة: 105.
(5) النساء: 171.
( وإِنّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنّبُوّةَ ثُمّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِن دُونِ اللّهِ وَلكِن كُونُوا رَبّانِيّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلاَ يَأْمُرُكُم أَنْ تَتّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنّبِيّيِنَ أَرْبَاباً أَيَأْمُركُمْ بالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُم مُسْلِمُونَ ) (1) .
( أَن دَعَوْا لِلرّحْمنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرّحْمنِ أَن يَتّخِذَ وَلَداً * إِن كُلّ مَن فِي السّماوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاّ آتِي الرّحْمنِ عَبْداً * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدّهُمْ عَدّاً ) (2) .
إنّ الكراهية الملتهبة المشتركة التي يكنّها كلّ من اليهود والمسيحيين، والحروب الضارية واضطهاد القبائل الذي لا معنى له، والفلسفة الجوفاء عند الكنيسة البيزنطية كانت أبداً تلقى الشجب من رسالة محمّد كما يتّضح من الآيات التالية:
( ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذّلّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ ) (3) .
ويختلف الذين أُوتوا الكتاب في إبراهيم فليسمعوا:
( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبّنَا تَقَبّلْ مِنّا إِنّكَ أَنْتَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ
____________________
(1) آل عمران: 78 - 80.
(2) مريم: 91 - 94.
(3) آل عمران: 112 - 114.
عَلَيْنَا إِنّكَ أَنْتَ التّوّابُ الرّحِيمُ ) (1) .
ولقد ذهب إبراهيم وإسماعيل، وسيجازيهم ربّهم بأعمالهم، فـ ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) (2) ، ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (3) فدعوهم لربّهم هو أعلم بهم، و ( هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى ) (4) ، إنّه ذلك ( الّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكّى * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) (5) .
هؤلاء الأخيار الذين يقدّمون الحسنة:
( وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً ) (6) .
فيا أيّها النبيّ وأصحابه، اعبدوا الله وأطيعوه: وكونوا رحماء بينكم، أمّا بشأن معاملة الفرد منكم لوالديه فليخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ) (7) .
ويا أيّها المسلمون، اقلعوا عن عادات الجاهلية الشائنات وتحلّوا بالفضائل الزكية ( وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيّاكُمْ ) (8) ، وإذا سألك أصحابك عن الصراط السويّ يا محمّد، والطريق التي تنجيهم من عذاب يوم عظيم، فقل لهم:
( فَكّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمّ كَانَ مِنَ الّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) (9) .
فمَن يفعل ذلك يكن شأنه شأن مَن سبقه من رجالنا المخلصين الذين كان منهم إبراهيم، حيث:
____________________
(1) البقرة: 127 و128.
(2) المدثّر: 38.
(3) الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7.
(4) النجم: 30.
(5) الليل: 18 - 21.
(6) الإنسان: 8 و9.
(7) الإسراء: 24.
(8) الإسراء: 31.
(9) البلد: 13 - 17.
( فَغَفَرْنَا لَهُ ذلِكَ وَإِنّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ) (1) .
ولا يجوز أن يكون الإحسان حبّاً في التظاهر والتعاظم على المحتاج، فإنّ ذلك يمحق الحسنات كما أنّ فيه إذلالاً للنفس البشرية، وهي عند الله أكرم من أن يتسامح في إذلالها، فإذا فعلتم أيّها المسلمون حسنة فلا يجعل الواحد منكم شماله تعلم ما قدّمت يمناه، أمّا إذا أخذه الزهو فإنّ عمله يكون كسقوط المطر على صخرة ملساء مكشوفة ما عليها تراب، فيهطل المطر، ولكنّه يتساقط على أطرافها، فلا تنتفع منه شيئاً، أمّا ذلك الذي يقصد ربّه بعمله فهو كبستان على ظهر رابية يتقاطر عليها الغيث فتمرع، ويصوبها الندى فتتفتّح أزاهيرها.
وعلى محمّد أن يفصل فيما يعترض قومه من مشكلات: فإذا حكم فليحكم كما فعل داود:
( يَا دَاوُدُ إِنّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقّ وَلاَ تَتّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنّ الّذِينَ يَضِلّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) (2) .
ولربّما آتاك الله بسطة في المال وسعد في العيش فلا تمنن بأنعم الله، أمّا إذا حاول الشيطان أن يوسوس في فؤاد أيٍّ من أصحابك فقل له: ارجع إلى الله، وإيّاك أن تتعاظم نفسك فربّك أكبر منك.
( وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً ) (3) وحذّر قومك من:
( إِذَا بُشّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ ) (4) وربّما قتل تلك المولودة فإيّاك وأصحابك أن يفعل أحدكم هذه الكبيرة:
____________________
(1) ص: 25.
(2) ص: 26.
(3) الإسراء: 37.
(4) النحل: 58.
( وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ) (1) .
والمؤودة نفس سيحشرها ربّها يوم القيامة: ( وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ) (2) .
أَلم تلدكم إناث يا هؤلاء؟ فاحترموا أرحاماً ولدتكم: ( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) (3) .
ومن هذا القبيل يتوجّب:
( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) (4)
وللمؤمنات ( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) ، وعليهنّ أن لا يبدين زينتهنّ إلاّ لبعولتهنّ أو ذوي أرحامهنّ من المحرمين.
ولا تغرّنكم الحياة الدنيا يا أصحاب محمّد، واعلموا أنّه:
( وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ) (5) وما مثلها إلاّ كزرع استوى على سوقه يعجب الزرّاع نباته ثمّ يهيج فتراه مصفرّاً، وكذلك يصرّف الله الآيات لقومٍ يعقلون.
واعلموا أنّه:
( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالّذِينَ هُمْ عَنِ اللّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لِلزّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) (6) .
أمّا:
( فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) (7) .
بخلاف:
____________________
(1) الأنعام: 151.
(2) التكوير: 8 و9.
(3) الإسراء: 32.
(4) النور: 30.
(5) آل عمران: 185.
(6) المؤمنون: 1 - 6.
(7) المؤمنون: 7.
( الَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ... أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ) (1) .
وماذا يرثون؟
( الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (2) .
وكيف تعاملون والديكم يا أصحاب محمّد؟
( وَقَضَى رَبّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمّا يَبْلُغَنّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلا تَقُل لَهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ) (3) .
ولا تطمعوا في أموال قرباكم بل:
( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيراً ) (4) .
والزموا العدل في إنفاق أموالكم:
( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مّحْسُوراً ) (5) .
وكذلك العدل في أقوالكم:
( وَقُل لِعِبَادِي يَقُولُوا الّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ الشّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنّ الشّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ) (6) .
وأنت يا محمّد:
( ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ السّيّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ ) (7) .
وسيندم أولئك الذين يظنون أنّ الله غافل عمّا يفعلون.
إذ أنّه:
( نُفِخَ فِي الصّورِ فَإِذَا هُم مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ ) (8) .
____________________
(1) المؤمنون: 8 - 10.
(2) المؤمنون: 11.
(3) الإسراء: 23.
(4) الإسراء: 26.
(5) الإسراء: 29.
(6) الإسراء: 53.
(7) المؤمنون: 96.
(8) يس: 51.
وحينئذٍ:
( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ) (1) .
وعليك يا محمّد أن تقول لأصحابك ممّن اهتدوا إلى سواء السبيل:
( وَاسْتَغْفِرُوا رَبّكُمْ ثُمّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنّ رَبّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ) .
ولن يبخل الله عليكم فهو:
( غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ) (2) .
وهو يبلغكم:
( قُلْ يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ ) (3) .
واذكروا يا أصحاب محمّد أنّه:
( مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزّةَ فَلِلّهِ الْعِزّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطّيّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالّذِينَ يَمْكُرُونَ السّيّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ ) (4) .
وإذا سألك المؤمنون عمّا حرّم الله فأجبهم:
( قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) (5) .
فمن واجبكم أن:
( ادْعُوا رَبّكُمْ تَضَرّعاً وَخُفْيَةً إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُعْتَدينَ * وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * وَهُوَ الّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذَا أَقَلّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيّتٍ
____________________
(1) الأنبياء: 47.
(2) غافر: 3.
(3) الزمر: 53.
(4) غافر: 10.
(5) الأعراف: 33.
فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ الّثمَرَاتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ * وَالْبَلَدُ الطّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) (1) .
ومن الشكر:
( وَصّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ ) (2) .
فحين يشبّ يغدو من واجبه أن يقول:
( رَبّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيّ وَعَلَى وَالِدَيّ ) (3) .
ولكن الشكر لذينك الوالدين لا يجعله في حلٍّ من أن يعصي ربّه من أجلهما: ( وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدّنْيَا مَعْرُوفاً ) (4) .
ولكنّك في حلٍّ من العصيان لأنّ:
( اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ ) (5) إلاّ ( أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ) (6) .
واضرب يا محمّد للمخلصين من أتباعك مثلاً وقل لهم:
( مَثَلُ الّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنْبُلَةٍ مِْئَةُ حَبّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * الّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلاَ أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِم وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً وَاللّهُ غَنِيّ حَلِيمٌ ) (7) .
وليس في هذا على المؤمنين رهق ولا تعجيز إذ أنّه:
____________________
(1) الأعراف: 55 - 58.
(2) لقمان: 14.
(3) النمل: 19.
(4) لقمان: 15.
(5) الزمر: 53.
(6) النساء: 48 و116.
(7) البقرة: 261 - 263.
( لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) (1) .
هؤلاء القوم هم الذين تُردد ألسنتهم وتطفح قلوبهم بحبّ الله فيظلّ دعاؤهم: ( الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا إِنّنَا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النّارِ ) (2) .
و ( رَبّنَا إِنّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلْظّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (3) .
واعلموا يا أصحاب الرسول أنّ:
( مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيّئَةً يَكُن لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ مُقِيتاً ) (4) .
و ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ) (5) .
فهل تقصر دعوة ابن الصحراء العربي، أو الرسول إلى العالَم كافّة، في مخاطبته ضمائر الناس من قومه السابقين والإنسانية جمعاء من اللاحقين، عن دعوة المسيح الرقيقة!!
لقد كان يتيماً فقيراً حرمته الأيّام حنان أعزّ الأقربين إليه في طفولته، وتمزّقت نياط قلبه في صباه، ثمّ اعتصره الألم والحسرة على ضلالة قومه في رجولته، وكان عليه أن يقارع الجهالة والحقد وعمى البصيرة طوال حياته، ومع هذا تدفّق من قلبه ذلك الينبوع الصافي فسمت إنسانيته، وهبط عليه وحي ربّه
____________________
(1) البقرة: 286.
(2) آل عمران: 16.
(3) آل عمران: 192.
(4) النساء: 85.
(5) النساء: 135.
يهديه ليهدي غيره، ويدلّه على صراطٍ سويّ ترتفع به النفس البشرية من مسارب العالم المادّي إلى عالم الروح وان كانت تظل تنظر إلى وجودها الأصيل في عالم المادّة.
هكذا كان نبيّ الإسلام، وهكذا كانت رسالته، رسالة نور وهداية للعقل البشري في مختلف الحقب والعصور.
( رَبّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) (1) .
وهل أغفلهم ربهم؟ إنّه:
( اسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِن بَعْضٍ فَالّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفّرَنّ عَنْهُم سَيّآتِهِمْ وَلأُدْخِلَنّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثّوَابِ ) (2) .
فيا أيّها المؤمنون اتلوا مع رسولكم:
( يَا أَيّهَا النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُم مِن نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبَاً ) (3) .
وإيّاك يا محمّد وأصحابك أن تقعوا في نكاح المقت:
( وَلاَ تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النّسَاءِ إِلاّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً ) (4) .
وكذلك لا تحقدوا على ذوي البسطة فيكم واقنعوا بما رزقكم ربّكم:
( وَلاَ تَتَمَنّوْا مَا فَضّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرّجَالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا وَلِلنّسَاءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ وَسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيماً ) (1) .
( وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ مِن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ) (2) .
وخاطب قومه وحذّرهم برفق أن يقترفوا مآثم كانوا يرتكبوها في الجاهلية، وأمرهم بإقامة العدل والإحسان والوفاء بالعهد:
( إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً ) (2) .
( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلاّ بِالْحَقّ ذلِكُمْ وَصّاكُم بِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشِدّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُم بِهِ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ ) (4) .
ثمّ قال: ( وَأَنّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتّبِعُوهُ وَلاَ تَتّبِعُوا السّبُلَ فَتَفَرّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُم بِهِ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ ) (5) .
* * *
____________________
(1) النساء: 32.
(2) النساء: 36.
(3) الإسراء: 34.
(4) الأنعام: 151 و152.
(5) الأنعام: 153.
الفهرس
المدخل إلى دراسة الإعجاز القرآني تمهيدات أصولية قبل الورود على دلائل الإعجاز 9
الإعجاز القرآني 11
الإعجاز في مفهومه: 11
سرّ الإعجاز 22
آراءٌ ونظراتٌ عن إعجاز القرآن 25
حقيقة القول بالصِّرفة 75
شهاداتٌ وإفادات 101
جذباتٌ وجذوات 114
قرعاتٌ وقمعات 121
محاججاتٌ ومخاصمات 129
مُفاخراتٌ ومساجلات 134
سخافاتٌ وخرافات 138
مصطنعاتٌ وتلفيقاتٌ هزيلة 162
مقارنةٌ عابرة 167
دلائل الإعجاز 189
الباب الأوّل: في الإعجاز البياني 192
بديع نظمه وعجيب رصفه: 192
1 - دقيق تعبيره ورقيق تحبيره 196
شواهد من القرآن 204
نكت وظرف فيما تكرّر من آيات الذكر الحكيم 231
هل في القرآن لفظة غريبة؟ 239
2 - طرافة سبكه وغرابة أُسلوبه 244
3 - عذوبة ألفاظه وسلاسة عباراته 250
4 - تناسق نظمه وتناسب نغمه 256
التغنّي بالقرآن 266
5 - تجسيد معانيه في أجراس حروفه 271
6 - تلاؤم فرائده وتآلف خرائده 277
التناسب القائم في كل سورة بالذات 284
تناسب فواصل الآي 289
هل في القرآن سجع؟ 295
فواتح السور وخواتيمها 297
المبادئ والافتتاحات 299
حسن الختام 309
تناسب السور 312
7 - حُسن تشبيهه وجمال تصويره 320
التصوير الفنّي في القرآن 332
فوائد التمثيل: 333
8 - جودة استعارته وروعة تخييله 339
9 - لطيف كنايته وظريف تعريضه 363
حكمة الكناية وفوائدها 368
10 - طرائف وظرائف 376
إيجاز وإيفاء أم براعة في بلاغة البيان؟ 393
التخلّص والاقتضاب وفصلُ الخطاب 407
المذهب الكلامي 422
سطوع براهينه: 424
الاستدلالُ في القُرآن مزيج أُسلوبين: الخطابة والبرهان 429
أنواع مِن الاستدلال البديع في القرآن 440
الباب الثاني: في الإعجاز العلمي 451
إشاراتٌ عابرة وإلماعاتٌ خاطفة 451
عن غياهب الوجود 451
الماءُ أصلُ الحياة 463
منشأ تكوين الجنين 468
الرجع والصدع وأثرهما الهائل في تكييف الحياة 472
الفضاء يتمدّد توسّعاً مطّرداً مع تضاعف الزمان 476
تخلخل الهواء في أطباق السماء وعندها تتضايق الأنفاس 480
الغلاف الهوائي حجابٌ حاجز 485
ماسكة الفضاء (الجاذبيّة العامّة) 487
الرتق والفتق في السماوات والأرض 494
السحب تكوينها، تنويعها 499
التبخّر والإشباع والتكاثف 503
الماء الأُجاج 509
مسيرة الأرض والجبال 522
مدّ الظلّ وقبضه 528
تسوية البنان 531
العسل 535
دقائق هي روائع في التعبير 540
الباب الثالث: في الإعجاز التشريعي 547
معارفُ سامية وشرائعُ راقية: 547
المَثَل الأعلى في الإسلام: 552