الشيعة في الاسلام
التجميع تاريخ التشيع
الکاتب العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

الشيعة في الإسلام



الشيعة في الإسلام

السيّد محمّد حسين الطباطبائي



بسم الله الرحمن الرحيم



مقدّمةُ المُترجِم

تعريفٌ بالكتاب:

قد يتساءل البعض: مَن هم الشيعة؟ وما هو التشيّع؟ متى وجِدَ؟ وكيف نَشأ؟ وإلى غير ذلك من الأسئلة؟

فقال البعض: إنّهم فرقة استحدثت وتشعّبت من الإسلام، وقال آخرون: إنّهم غُلاة ليسوا بمسلمين، وذهب جماعة إلى أنّهم فرقة ضالّة مضلّة، لا يربطهم بالإسلام رابط، وما إلى ذلك من الأقوال …

كتابُ (الشيعةُ في الإسلام) تحقيقٌ جاد في تعريف الشيعة من جميع جوانبهم، لمَن لم يتعرّف على الفكر الشيعي، فهو يُجيب على جميع تلك التساؤلات، ويردّ على الشُبهات التي طالما تمسّك بها الأعداء، فجعلوها ذريعة للحطّ من شأن الشيعة ومقامهم.

لقد عالجَ المؤلِّف هذا الهدف دون تعرّض لأهل السُنّة، في حين يقف مدافعاً عن أصالة الشيعة، ويُبيّن عِلل نشوئهم، وقد حاول المؤلِّف أن يَعرض التشيّع، وهو جانب من الإسلام الأصيل، بعيداً عن التفرقة والانشقاق في صفوف المسلمين.

جاء الكتاب مُبسّطاً وبلُغةٍ يفهمها الجميع، لا يستغني عنه


الشيعة ذاتهم وخاصّةً الشباب.

لقد قسّم المؤلِّف (قدِّس سرّه) بحثهُ القيّم هذا إلى ثلاثة فصول، استعرضَ خلالها تاريخ الشيعة ومعتقداتهم وعلومهم.

فَبحثَ في الفصل الأوّل: كيفيّة نشوء الشيعة وانقساماتها، وموجزاً عن تاريخ الشيعة الاثني عشريّة.

واستعرض في الفصل الثاني: الفكر الشيعي، والطُرق التي ينتهجها في الاحتجاج، من ظواهر دينيّة أو بحوث عقليّة. وتناولَ في الفصل الثالث: أصول الدين وفروعه من وِجهة نظر الشيعة، في الله سبحانه وصفاته، وفي معرفة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والوحي، في المعاد، وفي الإمامة، والفرقُ بين النبي والإمام، وموجَز عن تاريخ الأئمّة الاثني عشر، ومبحث في ظهور المهدي (عليهم السلام).

تعريفٌ بالكاتب:

ولِدَ المؤلِّف العلاّمة السيّد محمّد حسين الطباطبائي في بيت علم وفضل، في بيتٍ له تاريخ طويل في خدمة شريعة الإسلام ومنهج الرسول وأهل بيته، إذ إنّ أربعة عشر من أجداد المؤلِّف كانوا من العلماء البارزين في مدينة تبريز الإيرانيّة.

ولِدَ سنة 1321 للهجرة، فتابعَ دراسته الأوّليّة هناك، ثُمّ رَحل إلى النجف الأشرف سنة 1344هجري، ومكثَ هناك، مدّة لا تقل عن عشر سنوات، اكتسبَ خلالها مختلف العلوم الإسلاميّة، فدرسَ الفقه والأصول، والفلسفة والرياضيات والأخلاق، ثُمّ رجعَ إلى موطنه سنة 1354 هجري.

لم يكتفِ بدراسة الفقه والأصول بشكلها المبسّط، وإنّما تعمّق في دراسة هذين العِلمَين، وتناولَ دراسة علم النحو والصرف أيضا‍ً، ودراسة الأدب العربي، وتطرّق إلى دراسة علم الرياضيات القديم كـ(أصول) لأقليدس ،


و (المَجَسْطي) لبطليموس ، والفلسفة وعلم الكلام والعرفان والتفسير أيضاً.

ذاعت شهرتهُ في إيران، بعد أن هاجرَ من مسقط رأسه إلى مدينة قُم، إثرَ الحوادث السياسيّة للحرب العالميّة الثانية، فأقامَ فيها سنة 1365هجري، وشرعَ بتدريس التفسير، والحكمة، والمعارف الإسلاميّة، ولم يتوانَ في البحث مع المُخالفين، فأرشدَ العديد منهم إلى طريق الحقّ والصواب.

كان لمحاضراته في الحوزة العلميّة أثرٌ بليغ في طلاّبها، بل شَملت المثقّفين أيضاً، فكانت لقاءاته مع الأستاذ (هنري كربن) مستمرّة في كلّ خريف، يحضرها جَمعٌ من الفضلاء والعلماء، تُطرح فيها المسائل الدينيّة والفلسفيّة، فكانت لها نتائجها المثمرة.

ومن الجدير بالذكر، أنّ تلك اللقاءات والمباحثات لم يكن لها نظير في العالَم الإسلامي، منذ القرون الوسطى حين كان التلاقح الفكري بين الإسلام والمسيحيّة.

أحيا العلاّمة الطباطبائي العلوم العقليّة وتفسير القرآن، فاهتمّ بتدريس الحكمة، فشرعَ بتدريس كتاب (الشفاء) و (الأسفار) .

كان يمتاز بدَماثة الخلق، فكان عاملاً رئيسيّاً في شدّ الطلاّب إلى محاضراته القيّمة، إذ كان يحضرها المئات، فنالَ الكثير منهم درجة الاجتهاد في الحكمة، وأصبحوا أساتذة قادرين على تدريسها.

كان العلاّمة يحرص على الأخلاق وتزكية النفس فضلاً عن اهتمامه بالحكمة والعرفان، ويمكن القول بأنّه أسّس مدرسة جديدة في التربية وعلم الأخلاق، فقدّم للمجتمع نماذج تتّصف بأخلاق إسلاميّة عالية، وكان يؤكّد كثيراً على ضرورة تلازم


التعاليم الإسلاميّة مع التربية المدرسيّة، ويَعتبرها من المسائل الأساسيّة في المعارف الإسلاميّة، إلاّ أنّه من المؤسف لم يُراعَ هذا الأمر في المدارس الحديثة ببلاد المسلمين.

مؤلّفاتهُ:

1) تفسير الميزان في (20) جزءاً باللغة العربيّة، وتُرجِم إلى الفارسيّة والانجليزيّة.

2) مبادئ الفلسفة وطريقة المثاليّة، مع شرح وهوامش للعلاّمة الفيلسوف الشهيد مرتضى المطهّري.

3) شرحُ الأسفار لصدر الدين الشيرازي، في ستّة مجلّدات.

4) حوار مع الأستاذ (هنري كربن) في مجلّدين.

5) رسالة في الحكومة الإسلاميّة، طُبعت بالعربيّة والفارسيّة والألمانيّة.

6) حاشيةُ الكفاية.

7) رسالةٌ في القوّة والفعل.

8) رسالةٌ في إثبات الذات.

9) رسالةٌ في الصفات.

10) رسالةٌ في الأفعال.

11) رسالةٌ في الوسائط.

12) الإنسان قبل الدنيا.

13) الإنسان في الدنيا.

14) الإنسان بعد الدنيا.

15) رسالةٌ في النبوّة.

16) رسالةٌ في الولاية.

17) رسالةٌ في المشتقّات.


18) رسالةٌ في البرهان.

19) رسالةٌ في المغالطة.

20) رسالةٌ في التحليل.

21) رسالةٌ في التركيب.

22) رسالةٌ في الاعتبارات.

23) رسالةٌ في النبوّة والمنامات.

24) منظومةٌ في رسم خط النستعليق.

25) عليٌ والفلسفة الإلهيّة.

26) القرآنُ في الإسلام.

27) الشيعةُ في الإسلام (الكتاب الحاضر).

هذا، فضلاً عن المقالات المتعدّدة التي كانت تُنشر في المجلاّت العلميّة آنذاك.

لعلّ من أهمّ آثار العلاّمة ومؤلّفاته هو كتابه (الميزان في تفسير القرآن) ويُعتبر من التفاسير القيّمة لهذا العصر، فقد خَدم هذا التفسير المجتمع الإسلامي، كما خَدمت التفاسير القيّمة القديمة المسلمين، بتناسبها وتلازمها مع العلوم والفلسفة حينئذٍ، لفهم معاني القرآن في العصور السالفة.

لقد اتّخذ العلاّمة نهجاً خاصّاً في تفسيره هذا، إذ يبتني على نصّ الحديث، وهو تفسير القرآن بالقرآن.

لقد قضى العلاّمة عمراً في خدمة الدين الحنيف، والمجتمع الإسلامي، فكان - ولا يزال - مناراً لروّاد الفضيلة والعلم، فقد أنارَ الطريق للعديد ممّن قرأوا مصنّفاته، وحضروا مجلسه، فمَنحهم روحاً علميّة خالصة واتّجاهاً فكريّاً سليماً، حفظهُ الله تعالى وأيّده، ومَنحهُ الصحّة والعافية.


مقدّمةُ المؤلِّف

الكتابُ الذي بين أيدينا (الشيعةُ في الإسلام) يُعرب عن حقيقة مذهب التشيّع وماهيّته، وهو أحدُ المذهَبين الرئيسيّين الإسلاميَيَن (الشيعي والسنّي).

يستعرض الكتاب كيفيّة نشوء المذهب الشيعي، وأسلوب التفكير الديني لدى الشيعة، والمعارف الإسلاميّة من وِجهة نظرهم.

الدينُ: لاشكّ في أنّ أيّ إنسان يميل في حياته إلى أبناء جنسه، ولا تخلو أعماله التي يقوم بها في بيئته من صلة بعضها بالبعض الآخر: كالأكل، والشرب، والسكون، والحركة، والنوم، واليقظة … في الوقت الذي تنفصل كلّ من هذه الأفعال والحركات عن الأخرى، تكون مرتبطة بعضها بالبعض ارتباطاً وثيقاً.

على هذا الأساس، فإنّ الإعمال التي يقوم بها الإنسان في حياته، تتحقّق في حدود نظامٍ لا يتعدّاه، وتنبع من نظرة معيّنة، ألا وهي أنّ الإنسان يريد أن يحيى حياة سعيدة، يظفر بآماله وأُمنياته، وبعبارةٍ أخرى: يطمح الإنسان قدر استطاعته إلى تحقيق متطلّباته بصورة أكمل، وما ذلك إلاّ للحفاظ على وجوده وبقائه.

وانطلاقاً من هذه النظرة، باتَ الإنسان يُنظّم أعماله وفقَ قوانين وأحكام، وَضعها بميله، أو اقتبسها من آخرين، وبالتالي نجده يتّخذ أسلوباً خاصّاً في حياته، فهو يكدّ ويسعى من أجل إعداد متطلّبات حياته؛ لأنّه يعتبرها من الأُسس والمقوِّمات لها.

فهو يبادر إلى تناول الماء والطعام، ليسدّ بها عطشه وجوعه؛ لأنّ الأكل والشرب حاجتان ضروريّتان لاستمرار الحياة.

إنّ هذه القوانين التي تحكم حياة الإنسان تبتني على اعتقاد أساسي، والإنسان يعتمد عليها في بناء علاقاته، وهو تصوّره عن الحياة والكون، والذي هو جزء منه،


وتأمّلاته عن حقيقتها، ويتّضح هذا الموضوع بالتأمّل في الآراء المختلفة التي يرتأيها الناس في حقيقة العالَم.

فالذين يحصرون الوجود في هذا العالَم المادّي المحسوس، ويعدّون الإنسان كائناً ماديّاً محضاً (يحيى بتدفّق الحياة في جسمه، ويفنى بالموت)، فإنّ نظرتهم هذه إلى الحياة نظرة ماديّة بحتة، فهم يسعون إلى تحقيق متطلّباتهم الماديّة، ويبذلون في هذا السبيل قصارى جهودهم لتذليل الظروف والعوامل الطبيعيّة لأغراضهم ومصالحهم الخاصّة.

وأمّا الذين يعتقدون بأنّ عالَم الطبيعة من صُنع خالق أعلى شأناً من الطبيعة، مثل: عَبَدة الأوثان، فإنّهم يذهبون إلى أنّ العالَم مخلوق، وخاصّة الإنسان، وقد أسبغَ الخالق نِعمهُ عليه، كي ينعم بخيراتها، فهم يُنسّقون برامج حياتهم وفقاً لرضا الخالق، مبتعدين عن سخطه وغضبه، فإذا ما استطاعوا جلبَ رضاه، فنِعمهُ موفورة، مُغدَقة عليهم، وإذا زالت النِعم، فدليل سَخَطه عليهم.

وهناك مَن يعتقد بالله سبحانه وحده، وينظر إلى حياة الإنسان خالدة، وهو مسؤول عن أعماله خيرها وشرّها، ويقرّ بيوم الجزاء (القيامة) كالمجوس، واليهود، والنصارى، والمسلمين، فهم يسلكون طريقاً في حياتهم، مُراعين فيه هذا الأصل الاعتقادي، كي يحصلوا على سعاة الدارَين: الدنيا، والآخرة.

إنّ مجموع هذه المعتقدات والأسس (الاعتقاد بحقيقة الإنسان والكون) - وما يلازمها من أحكام، وأنظمة متناسقة، والتي تدخل في نطاق عَملهم في الحياة - تسمّى بـ (المَذهب) مثل: مذهبُ التسنّن والتشيّع في الإسلام، أو مذهب المَلكاني والنسطوري في المسيحيّة.

وبناءً على ما تقدّم: يستحيل على الإنسان - وإن كان مُنكراً لوجود الله تعالى - أن يكون في غِنى عن الدين (دستور الحياة الذي بُني على أصل اعتقادي)، فالدين إذاً طريقة الحياة التي لا تنفكّ عنها.

والقرآن الكريم يشير إلى أنّ الإنسان لابدّ أن ينتهج الدين طريقاً له ومَسلكاً، وهذا الطريق قد جَعلهُ الله تعالى لكافّة البشر، وبانتهاجه يصل إلى الله جلّ وعَلا.

ولكنّ الأمر يختلف بالنسبة إلى الأفراد، فأمّا الذين سَلكوا الدين الحقّ وهو الإسلام، فقد سَلكوا طريق الصواب، وأمّا الذين مالوا عن هذا الطريق، فقد ضلّوا ضلالاً مبيناً (1) .

____________________

(1) ( أَنّ لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً ) الآية 44، سورة الأعراف.


الإسلام: الإسلام لغةً، هو الانقياد لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض، وقد أطلقَ القرآن الكريم كلمة الإسلام على هذه الدعوة، وإطاره العام هو تسليم الإنسان أمام ربّ العالمين (1) ، وألاّ يُعبد إلاّ الله الواحد الأحد، وألاّ يُتّبع إلاّ أوامره.

والقرآن الكريم يخبرنا أنّ إبراهيم الخليل (عليه السلام)، هو أوّل مَن سمّى هذا الدين بالإسلام، ومُتّبعيه بالمسلمين (2).

الشيعة: يُراد بها الاتباع، وتُطلق على الذين يرونَ أنّ الخلافة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منحصرة في أهل بيته، والمراد منها في المعارف الإسلاميّة: التابعون لأهل البيت (عليهم السلام) (3).

____________________

(1) ( وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ) الآية 125، سورة النساء.

( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) الآية 64، سورة آل عمران.

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً ) الآية 208، سورة البقرة.

(2) ( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) الآية 128، سورة البقرة.

( مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ ) الآية 78، سورة الحج.

(3) تُطلق كلمة الشيعة على طائفة من الزيديّة، التي تقرّ بخلافة الخليفتين الأوّل والثاني، قَبل الإمام علي (عليه السلام)، وتتّبع فقه أبي حنيفة في الفروع، والسبب في هذه التسمية: هو أنّهم كانوا يرونَ الخلافة لعلي وأولاده، قِبال خلافة بني أُميّة وبني العبّاس.


الفصلُ الأوّل:

كيفيّة نشوء الشيعة وتطوّرهم..


ألف: كيفيّة النشوء

1) بداية نشوء الشيعة وكيفيّته.

2) سببُ انفصال الأقليّة الشيعيّة عن أكثريّة السُنّة، وظهور الاختلافات.

3) موضوعا الخلافة والمرجعيّة العلميّة.

4) الطريقة السياسيّة للخلافة الانتخابيّة، ومغايرتها للفكر الشيعي.

5) انتهاء الخلافة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيرته.

6) ما حَصَلت عليه الشيعة طوال خلافة الإمام علي (عليه السلام) في خمس سنوات.

7) انتقال الخلافة إلى معاوية وتحوّلها إلى ملوكيّة موروثة.

8) الأيّام العصيبة التي مرّت بها الشيعة.

9) استقرار ملوكيّة بني أُميّة.

10) الشيعة في القرن الثاني للهجرة.

11) الشيعة في القرن الثالث للهجرة.

12) الشيعة في القرن الرابع للهجرة.

13) الشيعة في القرن الخامس وحتّى القرن التاسع الهجري.

14) الشيعة في القرن العاشر والحادي عشر للهجرة.

15) الشيعة في القرن الثاني عشر وحتّى القرن الرابع عشر للهجرة.


1. بدايةُ نشوء الشيعة

يجب أن نعلم أنّ بداية نشوء الشيعة، والتي سُمّيت لأوّل مرّة بشيعة علي (أوّل إمام من أئمّة أهل البيت عليهم السلام) وعُرفت بهذا الاسم، كان في زمن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فظهور الدعوة الإسلاميّة وتقدّمها وانتشارها خلال ثلاث وعشرين سنة من البعثة النبويّة، أدّت إلى ظهور مثل هذه الطائفة بين صحابة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (1) .

ألف) وفي الأيّام الأولى من بعثته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمرَ بنصٍ من القرآن الكريم، أن يدعو عشيرته الأقربين (2) ، وصرّح في جَمعهم أنّ أوّل مَن يُبايعني على هذا الأمر سيكون خليفتي ووصيّي من بعدي، فكان علي (عليه السلام) أوّل مَن تقدّم، وقَبِل الإسلام، والنبي قَبَل إيمانه، وتعهّد بكلّ ما وعدهُ به (3) ، ويستحيل عادةً على قائد

____________________

(1) أوّل اسم ظهرَ في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اسمُ الشيعة، واشتهرَ كلّ من: سلمان، وأبي ذر، والمقداد، وعمّار بهذا اللقب، حاضِر العالَم الإسلامي 1: 188.

(2) سورة الشعراء: الآية 215.

(3) جاء في الحديث عن علي (عليه السلام): (وقلتُ: ولأنّي لأَحدَثهم سنّاً أنا يا نبيّ الله، أكونُ وزيرك عليه، فأخذَ برَقبتي، ثُمّ قال: إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمركَ أن تسمع لابنك وتُطيع)، تاريخ اليعقوبي ج2: 63، تاريخ أبي الفداء ج1: 116، البداية والنهاية ج3: 39، غايةُ المرام: 320.


نهضة، وفي أيّامها الأولى أن يُعيّن أحد أصحابه وزيراً وخليفة له على الآخرين، ولا يُعرّفهُ للخُلّص من أصحابه وأعوانه، أو أن يكتفي بهذا الامتياز ليعرِفهُ وليعرّفه، ولا يُطلعه على مهمّته طوال حياته ودعوته، أو أن يجعلهُ بعيداً عن مسؤوليّات الوزارة والخلافة، ويغضّ النظر عن مقام الخلافة، وما يجب أن يُبدي لها من احترام وتقدير، ولا يفرِّق بينه وبين الآخرين.

ب) إنّ النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفقاً للروايات المستفيضة والمتواترة عن طريق أهل السُنّة والشيعة، والتي يُصرّح فيها أنّ عليّاً (عليه السلام) مصون من الخطأ والمعصية في أقواله وأفعاله (1)، وكلّ ما يقوم به فهو مُطابق للدعوة وللرسالة، وهو أعلم الناس بالعلوم الإسلاميّة وشريعة السماء (2) .

ج) قامَ الإمام علي (عليه السلام) بخدَمات جمّة للرسالة وتضحيات مُدهشة (3) ، كمنامه في فراش النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليلة الهجرة، فلو لم يكن الإمام علي (عليه السلام) مشاركاً في إحدى الغزوات: (بدر، وأُحد، والخَندق، وخيبر)، لمَا حقّق الإسلام ولا

____________________

(1) عن أُم سلمة قالت: لقد سمعتُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (عليّ مع الحقّ والقرآن، والحقّ والقرآن مع علي، ولن يفترقا حتّى يرِدا عَليّ الحوض)، ونُقل هذا الحديث عن 15 طريقاً من العامّة، و11 طريقاً من الخاصّة، ورواته: أُم سلمة، وابن عبّاس، وأبو بكر، وعائشة، وعلي، وأبو سعيد الخدري، وأبو ليلى، وأبو أيّوب الأنصاري، غايةُ المرام: 539 - 540، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (رَحمَ الله عليّاً دارَ الحقّ معهُ حيث دار)، البداية والنهاية ج7: 360.

(2) عن علقمة قال: كنتُ عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فسُئل عن علي؟ فقال: (قُسِّمت الحكمة عشرة أجزاء، أُعطيَ عليّ تسعة والناس جزءاً واحداً).

(3) عندما قرّر كفّار مكّة قتلَ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحاصروا بيته، صمّمَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يهاجر إلى المَدينة، فقال لعلي: (هل أنت مُستعد أن تبيت في فراشي حتّى يظنّوا بأنّني نائم، فأكُن في مأمنٍ منهم)، وافقَ علي (عليه السلام) على الاقتراح بكلّ سرور.


المسلمون انتصاراً في إحداها، وكان القتل والفشل حليفهم (1) .

د) موضوع غدير خُم، والذي أعلنَ فيه النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الولاية العامّة لعلي (عليه السلام)، فجعلهُ على المسلمين ما كان له عليهم (2).

من الطبيعي أنّ هذه الخصائص والفضائل التي انفردَ بها الإمام علي (عليه السلام) - والتي هي مورد اتفاق الجميع (3) ، والعلاقة الخاصّة (4) التي كان يُبديها النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - جَعلت له مؤيّدين محبّين مُخلِصين من صحابة النبي وأنصاره، كما أثارت لدى البعض الآخر الحقد والحسد.

وفضلاً عن هذا كلّه، فإنّ كلمة (شيعة علي) و (شيعة أهل البيت) ، قد جاءت في كثير من أقوال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) (5).

2. سببُ انفصال الأقلّيّة الشيعيّة عن أكثريّة السُنّة، وظهور الاختلافات

كان شيعة علي (عليه السلام) وأصحابه، يعتقدون اعتقاداً راسخاً أنّ الخلافة ستكون لعلي (عليه السلام) بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ وذلك لِمَا كان يتّسم به (عليه السلام) من مقام

____________________

(1) راجع: كُتب التاريخ والحديث.

(2) حديث الغدير: من الأحاديث المتّفق عليه سُنّة وشيعة، وقد نَقل هذا الحديث أكثر من مائة صحابي بأسانيد وعبارات مختلفة، وهي مدوّنة في كُتب العامّة والخاصّة، لمزيدٍ من التفصيل يُراجع كتاب غاية المرام: ص 79، وكتاب العَبَقات، مجلّد الغدير، وكذا كتاب الغدير.

(3) تاريخ اليعقوبي: طبع النجف الأشرف، المجلّد الثاني صفحة 137 - 140، تاريخ أبي الفداء: المجلّد الأوّل ص 156، صحيح البخاري ج4: 107، مُروج الذهب ج2: 437، ابن أبي الحديد ج1: 127 و 161.

(4) صحيح مسلم ج5: 176، صحيح البخاري ج4: 207، مُروج الذهب ج2: 437، تاريخ أبي الفداء ج1: 127 و 181.

(5) عن جابر بن عبد الله قال: كنّا عند النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأقبلَ عليّ بن أبي طالب، فقال النبي: (قد أتاكم أخي، ثُمّ التفتَ إلى الكعبة فضرَبها بيده، ثُمّ قال: والذي نفسي بيده، إنّ هذا وشيعته لهُم الفائزون يوم القيامة).

عن ابن عبّاس قال: لمّا نَزلت هذه الآية ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) قال النبي: (هُم أنتَ وشيعتك تأتي أنتَ وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين)، وقد وردَ هذان الحديثان، وأحاديث أخرى في كتاب الدرّ المنثور ج1: 379، وغايةُ المرام: صفحة 326.


ومنزلة لدى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والصحابة والمسلمين، وظواهر الأمور والحوادث تؤيّد ذلك، عدا ما حدثَ في أيّام مرضه (1) (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

ولكنّ ما حَدثَ هو غير ما كان يتوقّعونه، ففي الوقت الذي التحقَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرفيق الأعلى، ولم يُغسّل جسدهُ الطاهر، ولم يُدفن بعد، وحينما كان أهل البيت وعدد من الصحابة مُنصرفين في العزاء، وإجراء المقدّمات اللازمة، إذ وصَلهم نبأ انصراف جماعة قليلة لتعيين الخليفة بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذه القلّة التي غَلبت الكثرة، قد بادرت بهذا الأمر عُجالة، دون أن يستشيروا أهل البيت،

____________________

(1) لمّا مرضَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرضَ الموت، دعا أُسامة بن زيد بن حارثة، فقال: (سِر إلى مقتل أبيك فأوطئهم الخيل، فقد ولّيتُك على هذا الجيش، وإن أظفركَ الله بالعدو، فاقلُل اللبث، وبثّ العيون، وقدِّم الطلائع، فلم يبقَ أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلاّ كان في ذلك الجيش، منهم أبو بكر وعمر، فتكلّم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على جلّة المهاجرين والأنصار، فغضبَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمّا سمعَ ذلك وخرجَ عاصباً رأسه، فصعدَ المنبر وعليه قطيفة، فقال: أيّها الناس ما مقالة بَلَغتني عن بعضكم في تأمير أُسامة، لئِن طَعنتم في تأميري أُسامة، فقد طعَنتم في تأميري أباه من قَبله، وأيمَ الله إن كان لخليقاً بالأمارة، وابنه من بعده لخليق بها، وإنّهما لمَن أحبّ الناس إليّ، فاستوصوا خيراً …) شرحُ ابن أبي الحديد ج1: 159.

قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمّا حَضرتهُ الوفاة: (ائتوني باللوح والدواة، أو بالكتف والدواة، أكتُب لكم كتاباً لا تضلّون بعده) فقالوا: (إنّ رسول الله ليهجُر).

تاريخ الطبري ج2: 436، صحيح البخاري: ج3، صحيح مسلم: ج5.

البداية والنهاية ج5: 227، ابن أبي الحديد ج1: 133.

وقد تكرّرت مثل هذه الحادثة في مرض موت الخليفة الأوّل، وقد أوصى بخلافة عمر، وأُغميَ عليه في أثناء وصيّته، فلم يعترض عمر على الأمر، ولم يَنسب إليه الهَذَيان، في حين أنّه أُغميَ عليه في أثناء الوصيّة، عِلماً بأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معصوم، ولم يفقد وعيه حتّى آخر لحظة من لحظات حياته، روضة الصفا ج2: 260.


وأقرباء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعشيرته وصحابته إلاّ أن يروا أنفسهم قبال أمر واقع (1) ، وبعد أن فرغَ الإمام علي (عليه السلام)، ومَن معهُ من الصحابة: (كابن عبّاس، والزبير، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وعمّار) من دَفن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُعلِموا بالذي حدث، رَفعوا عَلم المعارضة، فانتقدوا القائمين بهذا الأمر، وأبدَوا اعتراضهم للخلافة الانتخابيّة بإقامتهم جَلَسات متعدّدة، والجواب الذي سمعوه هو: أنّ صَلاح المسلمين كان في الذي حَدث (2).

فالانتقاد هذا والاعتراف، أدّى إلى انفصال الأقليّة عن الأكثريّة، واشتهرَ أصحاب الإمام علي (عليه السلام) باسم (شيعة علي)، فالقائمون بأمور الخلافة كانوا يَسعون - وفقاً للسياسة آنذاك - ألاّ يشتهر هؤلاء الأقليّة بهذا الاسم، وألاّ ينقسم المجتمع إلى أقليّة وأكثريّة، فكانوا يعتبرون الخلافة إجماعاً، ويُطلق على المُعارض لها متخلّفاً عن البيعة، ومتخلّفاً عن جماعة المسلمين، وأحياناً كان يوصف بصفات بذيئة أخرى (3).

وفي الحقيقة أنّ الشيعة قد حُكمَ عليها بالتخلّف منذ الأيّام الأولى، ولم تستطع أن تكسب شيئاً منذ أن أبدَت معارضتها، والإمام علي (عليه السلام) لم يُعلنها ثورة وحرباً، رعايةً لمصلحة الإسلام والمسلمين، ولفقدانه للأشياع بالقدر المطلوب، إلاّ أنّ هؤلاء المُعارضين لم يستسلموا للأكثريّة من حيث العقيدة، وكانوا يرونَ أنّ الخلافة والمرجعيّة العلميّة هي حقّ مطلق للإمام علي (عليه السلام) (4)، فكان رجوعهم في القضايا العلميّة والمعنويّة إليه وحده، وكانوا يدعون إلى هذا الأمر (5) .

____________________

(1) شرحُ ابن أبي الحديد ج1: 58 و 123 - 135، تاريخ اليعقوبي ج2: 102، تاريخ الطبري ج2: 445 - 460.

(2) تاريخ اليعقوبي ج2: 10 - 106، تاريخ أبي الفداء ج1: 156 و 166.

مُروج الذهب ج2: 307 و 352، ابن أبي الحديد ج1: 17 و 134.

(3) قال عمر بن حريث لسعد بن زيد… قال: فخالفَ عليه أحد؟ قال: لا، إلاّ مرتد، أو مَن قد كاد أن يرتد، تاريخ الطبري ج2: 447.

(4) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّي قد تركتُ فيكم الثَقَلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، أحدَهما أكبر من الآخر: كتابُ الله حبلٌ ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يَردا عَليّ الحوض)، وقد روى هذا الحديث أكثر من 100 طريق، عن 35 شخصاً من صحابة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يُراجع العَبَقات: مجلّد الثقلين، غايةُ المرام: صفحة 211. قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أنا مدينةُ العلم وعليّ بابها، فمَن أراد العلم فليأتها من بابها) البداية والنهاية ج7: 359.

(5) تاريخ اليعقوبي ج2: 105 - 150.


3. موضوعا الخلافة والمرجعيّة العلميّة

كان الشيعة يعتقدون أنّ ما يهمّ المجتمع أوّلاً وقبلَ كلّ شيء هو: وضوح وتبيان التعاليم الإسلاميّة (1) ، ومن ثُمّ نَشرها في المجتمع، وبعبارةٍ أخرى: هي نظرة المجتمع إلى العالَم والإنسان نظرة واقعيّة، والوقوف على الواجبات والوظائف الإنسانيّة (بالشكل الذي يكون فيه الصلاح الواقعي) والقيام بها، وإن كانت مخالفة لأهوائهم وميولهم.

هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، فإنّ قيام حكومة دينيّة ما هي إلاّ لتنفيذ الأحكام الإسلاميّة في المجتمع، والحفاظ عليه، بحيث لا يَعبد الناس إلاّ الله جلّ وعلا، وأن يَحظوا بحريّة تامّة وعدالة فرديّة واجتماعيّة، وهاتان المهمّتان يجب أن تُناط إلى شخص يتّسم بالعصمة والصيانة الإلهيّة، إذ من المحتمل أن يتعهّد هذه المسؤوليّة أُناس لم يَسلَموا من الانحراف الفكري والعقائدي، ولم يُنزّهوا من الخيانة،

____________________

(1) كتاب الله، والسُنّة النبويّة، وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، خيرُ دليلٍ على تحريضهم لاكتساب العلم، وقول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خيرُ شاهد، إذ يقول: (طلبُ العلم فريضةٌ على كلّ مسلم) البحار ج1: 55.


وتتحوّل العدالة التي تَمنح الحريّة الإسلاميّة إلى ملوكيّة موروثة مستبدّة، كملوكيّة كِسرى وقيصر، وتتعرّض التعاليم الإسلاميّة المنزّهة إلى تحريف، كتعاليم الأديان السماويّة الأخرى، ولا تكون بمأمن من العلماء الذين قد ركبوا أهواءهم، فالشخصُ الوحيد الذي قد نهجَ نهج الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أعماله وأفعاله، وكان سديداً في سيرته، مُتّبعاً لكتاب الله تعالى وسنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إتّباعاً كاملاً، هو الإمام علي (1) (عليه السلام).

وإذا كانت الأكثريّة تدّعي أنّ قريشاً تُعارض حكومة علي (عليه السلام) الحقّة وخلافته، كان لزاماً عليهم أن يوجّهوا المُخالفين التوجيه الحسن، وأن يُرشدوهم إلى طريق الحقّ والصواب، كما صَنعوا مع مُمتنعي الزكاة، فحاربوهم، ولم يتوانوا عن أخذ الزكاة منهم، لا أن يُدحضوا الحقّ خوفاً من مخالفة قريش.

نعم، إنّ الدافع الذي دفعَ الشيعة للمعارضة أمامَ الخلافة الانتخابيّة هو: الخوف من عواقبه الوخيمة، ألا وهو فساد وسقم الطريقة التي ستتّخذها الحكومة الإسلاميّة، وما يلازمها من انهدام الأُسس العالية للدين، وقد أوضَحت الحوادث المتتالية صحّة هذه العقيدة بمرور الزمان والأيّام أكثر فأكثر، ممّا أدّى بالشيعة إلى أن تكون ثابتة في عقيدتها، مؤمنة بأهدافها، عِلماً بأنّها قد كانت أقلّيّة، إلاّ أنّ هذه الأقلّيّة قد ذابت في الأكثريّة ظاهراً، ولكنّها بَقيت تَستلهم التعاليم الإسلاميّة من أهل البيت باطناً، وكانت متفانية في نهجها وطريقها، وفي الوقت ذاته كانت تسعى في التقدّم والرُقيّ، والحفاظ على قدرة الإسلام وعظمته، فلم تُبدِ مخالفتها عَلَناً وجهاراً، وكانت الشيعة تذهب إلى الجهاد سيراً مع الأكثريّة، ولم يتدخّلوا في الأمور العامّة، والإمام علي (عليه السلام) كان يرشد الأكثريّة لمَا فيه نفع الإسلام (2) ومصلحة المسلمين.

____________________

(1) البداية والنهاية ج7: 360.

(2) تاريخ اليعقوبي: صفحة 111، و 126، و 129.


4. الطريقةُ السياسيّة للخلافة الانتخابيّة، ومُخالفتها للفكر الشيعي

كان الشيعة يعتقدون أنّ شريعة الإسلام السماويّة - التي قد تعيّنت مضامينها في كتاب الله وسُنّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ستبقى خالدة إلى يوم القيامة، دون أن يصيبها تغيير أو تحريف (1).

والحكومةُ الإسلاميّة لا يحقّ لها بأيّ عذرٍ أن تتهاون في إجراء الأحكام إجراءً كاملاً، فواجب الحكومة الإسلاميّة هو أن تتخذ الشورى في نطاق الشريعة ووفقاً للمصلحة آنذاك، ما يجب اتّخاذه من قرارات، ولكنّ ما حدثَ من واقعة البيعة السياسيّة، وكذا حادث الدواة والقرطاس - والذي حدثَ في أُخريات أيّام مرض النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - لدليلٌ واضح على أنّ المدافعين عن الخلافة الانتخابيّة كانوا يعتقدون أنّ كتاب الله وحده يجب أن يُحفظ ويُحتفظ به كقانون، أمّا السُنّة وأقوال النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فليس لها ذلك الاعتبار، وهم على اعتقاد أنّ الحكومة الإسلاميّة تستطيع أن تضع السُنّة جانباً إذا اقتضت المصلحة ذلك.

وهذه العقيدة تؤيّدها الكثير من الروايات التي نُقلت في خصوص الصحابة بعدئذٍ (الصحابةُ ذو اجتهاد، فإذا ما أصابوا في اجتهادهم، فإنّهم

____________________

1) قوله تعالى في كتابه العزيز: ( وَإنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) ، سورة حم السجدة: الآية 42.

ويقول في سورة يوسف: ( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ ) أي أنّ الشريعة هي شريعة الله والتي تصل إلى الناس عن طريق النبوّة، إذ يقول: ( وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) الأحزاب: الآية 40، وهو القائل أيضاً: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) سورة المائدة: الآية 44.


مأجورون، وإذا ما أخطأوا فهم معذورون)، وخيرُ دليل على ذلك: ما حدثَ لخالد بن الوليد، وهو أحد القوّاد للخليفة، إذ دخلَ ضيفاً على أحد مشاهير المسلمين (مالِك بن نويرة) ليلاً، وتربّص له فقتلهُ، ووضعَ رأسه في التنور وأحرقهُ، وفي الليلة ذاتها واقَعَ زوجة مالِك، وبعد هذه الجناية التي تَعرق لها الجباه، لم يُجرِ الخليفة الحدّ عليه، متذرِّعاً بعذرٍ ألا وهو: أنّ حكومته بحاجة إليه (1) .

وكذا الامتناع من إعطاء الخُمس لأهل البيت وأقرباء النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (2) ، ومَنعُ كتابة أحاديث النبي الكريم منعاً باتاً، وإذا ما عُثرَ على حديث مكتوب عند شخص كان يُحرق (3) ، وكانت هذه السُنّة قائمة طوال خلافة الخلفاء الراشدين، وحتّى زمن خلافة عمر بن عبد العزيز (4) الخليفة الأموي (99 - 102).

وقد تجلّت هذه السياسة في خلافة الخليفة الثاني (13 - 25) للهجرة، إذ ألغى بعض أحكام الشريعة مثل: حجّ التمتع، ونكاح المُتعة، وذِكر (حيّ على خير العمل) (5) في الأذان، وجَعلَ الطلاق الثلاث نافذ الحُكم،

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج2: 110، تاريخ أبي الفداء ج1: 158.

(2) الدرّ المنثور ج3: 186، تاريخ اليعقوبي ج3: 48، وفضلاً عن هذا كلّه، فإنّ وجوب الخُمس صريح في القرآن الكريم: ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) سورة الأنفال: الآية 41.

(3) جَمعَ أبو بكر في زمن خلافته خمسمائة حديث، تقول عائشة: وجدتُ أبي مضطرباً ذات ليلة حتّى الصباح، فقال لي في الصباح: آتيني الأحاديث، فأحرَقَها جميعاً.

كنز العمّال ج5: 237، كُتب عمر إلى البلدان.

كنز العمّال ج5: 237، يقول محمّد بن أبي بكر: إنّ الأحاديث كثُرت على عهد عمر بن الخطّاب، فأنشدَ الناس أن يأتوه بها، فلمّا أتوهُ بها أمرَ بحرقها، طبقات ابن سعد ج5: 140.

(4) تاريخ أبي الفداء ج1: 151 وغيره.

(5) شرّعَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حجّة الوداع، فَعملَ الحجّ للحجّاج القادمين من مكانٍ بعيد وفقاً للآية: ( فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ ) بشكل خاص، فمنعَ ذلك عمر في زمن خلافته، وكذلك المتعة كانت قائمة في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَمنعها عمر في أيّام خلافته، وأمرَ بإقامة الحدّ على المخالفين.

وأمّا ذِكر (حيّ على خير العمل): فكان يُذكر في عهد الرسول العظيم في أذان الصلاة، ولكنّ عمر في خلافته قال: إنّ هذه العبارة تُقعد الناس عن الجهاد، فأبدَلها بأخرى، وكذا موضوع الطلاق فما كان على عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّ الطلاق إذا تعدّد في مجلس واحد، فليس له اعتبار، ويُعد طلاقاً واحداً، ولكنّ عمر أجازَ الطلاق الثلاث في مجلس واحد، فالمسائل هذه ونظائرها قد وردت في كتب الحديث، والفقه، والكلام، لدى الفريقين السُنّة والشيعة.


وغيرها (1) .

وفي زمن خلافته، كان بيت المال يوزّع بين الناس مع تباين (2) ، والذي أدّى إلى ظهور طبقات مختلفة بين المسلمين، تثير الدهشة والقلق، وكان من نتائجها وقوع حوادث دامية مُفزعة، وفي زمنه كان معاوية في الشام يتمتّع بسلطانٍ لا يختلف عن سلطنة كِسرى وقيصر، وقد أسماهُ الخليفة بكِسرى العرب، ولم يتعرّض له بقول، ولم يُردعه عن أعماله.

وبعد أن قُتل الخليفة الثاني على يد غلامٍ فارسي - ووفقاً لأكثريّة آراء الشورى البالغ عددهم ستّة أعضاء، والذي تمّ تشكيلهُ بأمرٍ من الخليفة - عُيّن الخليفة الثالث، فعيّن أقرباءه الأمويين ولاة وأُمراء، فجعلَ منهم الولاة في كلّ من: الحجاز، والعراق، ومصر، وسائر البلدان الإسلاميّة، فكانوا جائرين في حُكمهم، عُرِفوا بشقاوتهم وظلمهم وفسقهم وفجورهم، نقضوا القوانين الإسلاميّة الجارية، فالشكاوى كانت تنهال على دار الخلافة، ولكنّ الخليفة الثالث كان متأثّراً لمَا تربطهم به من صلة القربى، وخاصّة مروان بن الحَكم (3) ولم يهتمّ بشكاوى الناس، وكان أحياناً يُعاقب الشُكاة (4) ، فثارَ الناس عليه سنة 35 للهجرة، وبعد محاصرة منزله وصراع شديد، قتلوه.

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج2: 131، تاريخ أبي الفداء ج1: 160.

(2) أُسد الغابة ج4: 386، الإصابة: المجلّد الثالث.

(3) تاريخ اليعقوبي ج2: 150، تاريخ الطبري ج3: 397، تاريخ أبي الفداء ج1: 168.

(4) ثارَ جماعة من أهل مصر على عثمان، فأحسّ بالخطر فندمَ، وطلبَ من عليّ بن أبي طالب العون والمساعدة، فقال علي لأهل مصر: (إنّ مُعارضتكم هذه لم تكن إلاّ لإحياء الحق)، وقد ندمَ عثمان وتابَ وهو القائل: إنّني تائب ممّا مضى، وسأُنجز لهم ما طلبوه خلال مدّة أقصاها ثلاثة أيّام، من عزل الولاة الجائرين، فكتب الإمام علي (عليه السلام) معاهدة من جانب عثمان، فعادَ الجمع إلى بلادهم.                                   


كان الخليفة يؤيّد واليهُ على الشام تأييداً مطلقاً، وهو أحد أقاربه الأمويين (معاوية)، وكان يدعم موقفه بتأييده المستمرّ له، وفي الحقيقة كان ثقلُ الخلافة في الشام، ولم يكن مركز الخلافة (المدينة) إلاّ شكلاً ظاهراً (1) .

فخلافةُ الخليفة الأوّل قد استقرّت بانتخاب أكثريّة الصحابة، والخليفة الثاني عُيّن من قِبَل الخليفة الأوّل، والخليفة الثالث انتُخب من الأعضاء الستّة للشورى الذين عيّنهم الخليفة الثاني.

فكانت سياسة هؤلاء الثلاثة في الأمور وشؤون الناس، أن ينفِّذوا القوانين الإسلاميّة في المجتمع وفقاً للاجتهاد والمصلحة آنذاك، ووفقاً لمَا يرتأيه مقام الخلافة، فالقرآن يُقرأ دون تفسير أو تدبّر، وأقوال الرسول العظيم (الحديث) تُروى دون أن تُكتب على قرطاس، ولا تتجاوز حدّ الأُذن واللسان، فكانت الكتابة مختصّة بالقرآن الكريم، والحديث لا يُكتب على الإطلاق (2) .

____________________

وفي أثناء الطريق شاهدوا غلام عثمان، وهو راكب جَمل عثمان متّجهاً إلى مصر فأساءوا الظنّ به، ففتّشوه، فوجدوا لديه رسالة من عثمان لواليه على مصر، وقد حُرِّرت فيها ما مضمونه: عند وصول عبد الرحمان بن عديس إليك - وهو أحد المُعارضين لعثمان - اجلِدهُ مئة جلدة، واحلُق شعر رأسه ولحيته، واحكُم عليه بالسجن لمدّة مديدة، واعمل مثل هذا مع كلّ من: عمرو بن حمق، وسودان بن حمران، وعروة بن نباع.

أُخذت الرسالة من الغلام، وعادوا إلى عثمان ساخطين، فقالوا له: أنت أبطنتَ لنا الخيانة، فعُرِضت عليه الرسالة، فأنكرَها عثمان، قالوا له: إنّ غلامك كان يحملها، أجابَ: قد قامَ بهذا العمل دون إذن مني، قالوا له: كان راكباً جَملك، قال عثمان: قد سرقَ جملي، قالوا له: الرسالة بخط كاتبك، أجاب: كُتِبت دون عِلمي، قالوا: فعلى أيّة حال، الخلافة لا تُليق بك، ويجب أن تستقيل من مقامك؛ لأنّ الأمر هذا لو كان على علمٍ منك، فإنّك خائن، وإن لم يكن على علمٍ منك، فلستَ جديراً بالخلافة، وبهذا يثبت عدم صلاحيّتك لهذه المهمّة، فإمّا أن تتخلّى عن الخلافة وتستقيل، وإمّا أن تَعزل الولاة الظالمين، فأجاب عثمان: لو أردتم أن أكون كما تريدون، إذاً فمَن الخليفة وصاحب الأمر؟! أنا أم أنتم؟! فَنهضوا من مجلسه ساخطين عليه.

جاءت هذه الواقعة في كتاب تاريخ الطبري: المجلّد الثالث في صفحة 402، وحتّى 409، ووردت ملخّصة هنا من قِبَل المؤلّف (كلمة المُترجم).

(1) تاريخ الطبري ج3: 377.

(2) صحيح البخاري ج6: 98، تاريخ اليعقوبي ج2: 113.


وبعد معركة اليمامة - والتي انتهت في سنة 12 للهجرة، بمقتل جَمعٍ من الصحابة كانوا من حَفَظة القرآن - يقترح عمر بن الخطّاب على الخليفة الأوّل أن يُجمع القرآن في مصحف، ويُبيّن الهدف والغرض في اقتراحه بقوله: إذا ما حَدثت معركة أخرى، واشتركَ فيها بقيّة حَمَلة القرآن وحَفَظته، فسوف يذهب القرآن من بين أظهُرنا، إذاً يسلتزم جَمعُ آيات القرآن في مصحف، تُكتب آياته (1) ، فنفّذوا هذا الاقتراح بالنسبة للقرآن الكريم.

ومع أنّ الأحاديث النبويّة هي التالية للقرآن، وكانت تواجه نفس الخطر، ولم تكن بمأمنٍ من خطر نَقل الحديث معنى، دون الالتفات إلى النص، وكذا الزيادة والنقصان، والتحريف والنسيان، وما إلى ذلك من الأخطار التي كان يواجهه الحديث، فلم توجّه عناية أو رعاية لحفظه وصيانته، بل كان كتابة الحديث ممنوعة، وإذا ما حَصلوا على شيء منه فكان يُلقى في النار.

ولم تمضِ فترة من الزمن حتّى ظهرَ التضادّ في المسائل الإسلاميّة الضروريّة كالصلاة، ولم يَطرأ تقدّم في بقيّة الفروع العلميّة في هذه الفترة، في حين نرى القرآن الكريم يُشجِّع المشتغلين بالعلم، وأحاديث النبي الكريم تؤيّد ذلك، فلم يُرَ لتلك الآيات والأحاديث مصداقاً في الخارج، وانصرفَ أكثر الناس بالفتوحات المتعاقِبة، وأُعجبوا بالغنائم المتزايدة، والتي كانت تتدفّق إلى الجزيرة العربيّة من كلّ صوب وحَدب، ولم يكن هناك اهتمام بعلوم سُلالة الرسالة ومعدن الوحي، وفي مقدّمتهم عليّ (عليه السلام)، والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد صرّح مُعلناً أنّ عليّاً أعرف الناس بالعلوم الإسلاميّة، والمفاهيم القرآنيّة، ولم يسمحوا له بالمشاركة في جَمع القرآن (وهم على علمٍ من أنّ عليّاً بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج2: 111، الطبري ج3: 129 - 132.


كان جليس داره يَجمع القرآن)، ولم يُذكر اسمهُ في أنديتهم واجتماعاتهم (1) .

فإنّ هذه الأمور ونظائرها، أدّت بشيعة علي إلى أن يقفوا موقفاً أكثر وعياً وأرسخ عقيدة، وأشدّ نشاطاً، ولمّا كان علي (عليه السلام) بعيداً عن ذلك المقام - الذي يجعلهُ مُشرفاً على التربية العامّة للناس - انصرفَ إلى تربية الخاصّة من شيعته وأنصاره.

5. انتهاءُ الخلافة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيرته

بدأت خلافة علي (عليه السلام) في أواخر سنة خمس وثلاثين للهجرة، واستمرّت حوالي أربع سنوات وتسعة أشهر، وكان في سيرته مُماثلاً لسيرة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (2) ، وأعاد مُعظم المسائل التي وجِدت في زمن الخلفاء السابقين إلى حالتها الأولى، وعَزلَ الولاة غير الكفوئين (3) ، وفي الحقيقة أحدثَ انتفاضة ثوريّة كانت تنطوي على مشاكل متعدّدة.

والإمام علي (عليه السلام) في الأيّام الأولى من خلافته وقفَ مخاطباً الناس قائلاً:

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج2: 113، ابن أبي الحديد ج1: 9.

وقد ورد في روايات كثيرة أنّه أرسلَ على علي (عليه السلام) بعد انعقاد البيعة لأبي بكر، وطلبَ منه البيعة، فأجابهُ بـ: (إنّني عاهدتُ نفسي ألاّ أخرُج من داري سوى وقت الصلاة، حتّى أُكمل جَمع القرآن)، ويُروى أيضاً: أنّ عليّاً بايعَ أبا بكر بعد ستّة أشهر، وهذا دليل على جَمعه للقرآن، ويُروى أيضاً: أنّ عليّاً بعد انتهائه من جَمع القرآن، حَملَ القرآن على ناقة وجاء به إلى الناس، ويروى أيضاً: أنّ معركة اليمامة كانت في السنة الثانية من خلافة أبي بكر، وبعد انتهاء المعركة جَمع القرآن، كلّ هذه تشير إليها كُتب التاريخ والحديث التي تعرّضت لموضوع جَمع القرآن.

(2) تاريخ اليعقوبي ج2: 154.

(3) تاريخ اليعقوبي ج2: 155، مُروج الذهب ج2: 364.


(ألا وإنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعثَ الله نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والذي بعثهُ بالحقّ لتُبلبِلنّ بَلبلة، ولتُغربلنّ غَربلة، ولتُساطنّ سوط القدر، حتّى يعود أسفلكم أعلاكم، وليسبقنّ سابقون كانوا قصّروا، وليَقصّرنّ سبّاقون كانوا سبقوا (1) ).

استمرّ الإمام علي (عليه السلام) في حكومته الثوريّة، فُرفعت أعلام المعارضة من قِبَل المخالفين، كما هي طبيعة الحال لكلّ ثورة، إذ لابدّ من مُناوئين، يرونَ مصالحهم في خطر، فأحدَثوا حرباً داخليّة دامية، بحجّة الأخذ بثأر دم عثمان، والتي استمرّت طوال خلافة الإمام علي (عليه السلام) تقريباً.

ويعتقد الشيعة أنّ المسبّبين لهذه الحروب لم يريدوا سوى منافعهم الخاصّة، ولم يكن الثأر بدم عثمان إلاّ ذريعة يتمسّكون بها؛ ليُحرِّضوا عوام الناس للمعارضة والنهوض أمامَ إمام الأمّة وخليفتها، إذ إنّ هذه المعارضة لم تَحدث عن سوء تفاهم (2) .

وما الأسبابُ والدوافع التي خَلقت معركة الجَمل إلاّ غائلة الاختلاف الطبقي، والتي وُجدت في زمن الخليفة الثاني إثرَ توزيع الأموال من بيت المال بطُرق متباينة،

____________________

(1) نهج البلاغة: خطبة رقم (15).

(2) بعد وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) امتنعَ جمعٌ قليل من شيعة علي من البيعة، وكان في مقدّمتهم من الصحابة: سلمان، وأبو ذر، والمقداد، وعمّار، وفي أوائل خلافة علي (عليه السلام) امتنعَ من البيعة جماعة، مثل: سعيد بن العاص، والوليد بن عقبة، ومروان بن الحَكم، وعمرو بن العاص، وبُسر بن أرطاة، وسَمَرة بن جُندب، والمغيرة بن شعبة، وغيرهم.

وعند دراسة حياة هذين الفريقين، والتأمّل في أعمالهم طوال حياتهم، وما احتفظ به التاريخ من قصص، يتّضح جليّاً كُنه شخصيّتهم وأهدافهم، فالفريق الأوّل كان من أصحاب النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المقرّبين، واشتهروا بزُهدهم وعبادتهم وتضحيتهم للإسلام، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (إنّ الله أمَرَني بحبّ أربعة وأخبرني أنّهُ يُحبّهم، قيل يا رسول الله، مَن هم؟ قال: منهم علي، وأبو ذر، وسلمان، والمقداد).

سُنن ابن ماجة ج1: 53.

عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (ما عُرِض على عمّار أمران إلاّ اختارَ الأرشد منهما) سُنن ابن ماجة ج1: 52.


وبعد خلافة علي (عليه السلام) كانت الأموال توزّع بين الناس بالسويّة (1) .

كما كان يفعله النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حياته، والطريقة هذه أثارت غضب الزبير وطلحة فَمَردا على النفاق، فخرجا من المدينة إلى مكّة بحُجّة الحج، فاتّفقا مع أم المؤمنين (عائشة) - والتي كانت في مكّة، ولم يكن بينها وبين علي صفاء ومودّة - أن يطالبوا بدم عثمان، فأضرموا نار الحرب (2) .

عِلماً بأنّ طلحة والزبير كانا في المدينة عندما حوصِرت دار الخليفة الثالث، فلم يدافعا عنه، ولم ينصراه (3)، وبعد مقتله كانا من الأوائل الذين بايعوا عليّاً أصالة عن أنفسهم ونيابة عن المهاجرين (4) .

وأمّا أُمّ المؤمنين (عائشة) فقد كانت ممّن حرّضوا الناس لقتل الخليفة الثالث (5) ، وعندما سَمعت نبأ مقتله لأوّل مرّة قالت: بُعداً وسُحقاً، وفي الحقيقة أنّ المسبّبين الأصليين لمقتل الخليفة كانوا من الصحابة، وذلك بإرسال الرسائل إلى البلدان لغرض إثارة الناس على الخليفة.

وأمّا السبب الذي أحدَثَ حرب صفّين - والتي استمرّت سنة ونصف السنة - فهو طمع معاوية في الخلافة، فأجّج نارها متذرِّعاً بدم عثمان، فأُريقت الدماء، وقُتل ما يُقارب من مائة ألف، وكان موقف معاوية من هذه الحرب موقف المُهاجم، وليس موقف المُدافع؛ لأنّ الثأر يكون دفاعاً.

وكان شعار هذه الحرب: المطالبة بدم عثمان، عِلماً بأنّ الخليفة الثالث قد طلبَ المساعدة والعون من معاوية لردّ الهجوم، وتحرّك جيش معاوية من الشام متّجهاً إلى المدينة، ولكنّه تَباطأ في سَيره حتّى قُتل عثمان، وعندئذٍ

____________________

(1) مُروج الذهب ج2: 362، نهج البلاغة: خطبة رقم 122، اليعقوبي 2: 160، ابن أبي الحديد ج1: 180.

(2) اليعقوبي: ج2، أبي الفداء ج1: 172، مرُوج الذهب ج2: 366.

(3) اليعقوبي ج2: 152.

(4) تاريخ اليعقوبي ج2: 154، تاريخ أبي الفداء ج1: 171.

(5) تاريخ اليعقوبي ج2: 152.


رجعَ إلى الشام يُطالب بدم عثمان (1) .

وبعد أن استشهدَ الإمام علي (عليه السلام)، تناسى معاوية قَتَلة الخليفة ولم يُعاقبهم.

وبعد حرب (صفّين) اندلعت نار حرب (النهروان) فثارَ جمعٌ من الناس - وفيهم بعض الصحابة - بإيعاز من معاوية ممّن كان في حرب صفّين، فثاروا على علي (عليه السلام)، فرحلوا إلى البلدان الإسلاميّة، فقتلوا كلّ مَن كان يُدافع عن علي (عليه السلام) ففتكوا بالنساء الحوامل، ومثّلوا بهنّ وبأجنّتهنّ (2) .

والإمام علي (عليه السلام) قد أخمدَ هذه الغائلة، ولكن بعد فترة استشهد في مسجد الكوفة أثناء الصلاة على يد الخوارج.

6. ما حَصَلت عليه الشيعة طوال خلافة الإمام علي (عليه السلام) في خمس سنوات

الإمامُ عليّ (عليه السلام) طوال خلافته الأربع سنوات وتسعة أشهر، وإن لم يوفّق من إعادة الأوضاع المضطربة إلى حالتها الطبيعيّة، إلاّ أنّه قد وفِّق من ثلاث جهات أساسيّة:

1) استطاع أن يُظهر شخصيّة النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المضيئة بسيرته العادلة للناس، وخاصّة الشباب، فقد كان يواسي أفقر الناس في عيشه، أمامَ تلك العظمة التي كان يتّصف بها معاوية، إذ كان لا يقل عن كِسرى وقيصر،

____________________

(1) … فكتب إلى معاوية يسأل تعجيل القدوم عليه، فتوجّه إليه في اثني عشر ألفاً، ثُمّ قال: كونوا بمكانكم في أوائل الشام، حتّى آتي أمير المؤمنين لأعرف صحّة أمره، فأتى عثمان فسألهُ عن المدّة؟ فقال: قد قدمتُ لأعرف رأيك وأعود إليهم فأجيئك بهم، قال: لا والله، ولكنّك أردتَ أن أُقتَل فتقول: أنا وليّ الثأر، ارجع فجئني بالناس، فرجعَ فلم يعُد إليه حتّى قُتل. تاريخ اليعقوبي ج2: 152، مُروج الذهب ج3: 25، الطبري: ص 402.

(2) مُروج الذهب ج2: 415.


فالإمام علي لم يُقدِّم أحداً من أصدقائه وأقربائه وعشيرته على الآخرين، ولم يُرجِّح الغني على الفقير، ولا القويّ على الضعيف.

2) مع كثرة المشاكل المُنهِكة للقوى، فقد استطاع أن يضع في متناول أيدي المسلمين الذخائر القيّمة من المعارف الإلهيّة والعلوم الإسلاميّة الحقّة.

وأمّا ما يقوله المخالفون لعلي (عليه السلام): إنّه كان رجلاً شجاعاً، ليس له علم بالسياسة، إذ كان يستطيع في بداية خلافته أن يُرضي مخالفيه مؤقّتاً عن طريق المُداهنة، وبعد أن يستتبّ له الأمر كان باستطاعته أن يحاربهم ويقضي عليهم.

ولكنّ هؤلاء قد غفلوا عن ملاحظة هامّة وهي: أنّ خلافة علي كانت نهضة ثوريّة، وجدير بالنهضات الثوريّة، أن تكون بعيدة كلّ البُعد عن المُداهنة والرياء، وقد حدثَ مثيله في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أوائل بعثته، فطلبَ الكفّار والمشركون منه الصلح عدّة مرّات وطلبوا منه ألاّ يتعرّض لآلهتهم، وهم مُلزمون بعدم التعرّض لدعوته أيضاً، ولكنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رفضَ هذا الاقتراح، في حين أنّه كان يستطيع أن يقيم معهم الصلح، ويُحكِم موقفهُ، ثُمّ ينهض بوجه أعدائه، وفي الحقيقة أنّ الدعوة الإسلاميّة لن تسمح بإضاعة حقٍ لإقامة حق آخر، أو أن تُزيل باطلاً بباطل آخر، وفي القرآن آيات كثيرة في هذا الخصوص (1) .

عِلماً بأنّ أعداء علي (عليه السلام) ومخالفيه، لم يرتدعوا عن القيام بأيّ جُرم وجناية، ونقضٍ للقوانين الإسلاميّة الصريحة (دون استثناء) بُغية الوصول إلى أهدافهم، فكانوا يبرِّرون مواقفهم وأعمالهم بأنّهم من صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومن مُجتهدي الأمّة، ولكنّ الإمام علي (عليه السلام) كان ملتزماً بالأحكام الإسلاميّة.

ويُروى عن عليّ (عليه السلام) ما يُقارب من إحدى عشر ألف كلمة قصيرة في

____________________

(1) شأن نزول الآية: ( وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ) سورة ص: الآية 5، والآية: ( وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ) سورة الإسراء: الآية 73، والآية: ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) سورة القلم: الآية 9، ويراجَع المباحث الروائيّة في التفاسير.


المسائل العقليّة والاجتماعيّة والدينيّة (1) ، وخُطبه وكلماته البليغة (2) مَليئة بالمعارف الإسلاميّة (3) ، وهو الذي أسّس قواعد اللغة العربيّة، ووضعَ الأُسس والمقوّمات للأدب العربي، وهو أوّل مَن تبّحرَ في الفلسفة الإلهيّة (4) ، وتكلّم وفقاً لطريقة الاستدلال الحُر والبرهان المنطقي، وتعرّض لمسائل فلسفيّة لم يتعرّض لها فلاسفة العالَم حتّى ذلك الوقت، فاهتمّ بهذا الشأن اهتماماً بالغاً، وحتّى في أحرج ساعات الحرب (5) .

3) هذّب وربّى العديد من رجال الدين وعلماء الإسلام (6)، وكان من بينهم جمعٌ من الزُهّاد وأهل المعرفة مثل: أويس القَرَني، وكُميل بن زياد، وميثم التمّار، ورشيد الهَجَري، ويُعتبر هؤلاء من المنابع الأصيلة للعرفان من بين العرفاء الإسلاميّين، ويُعتبر البعض الآخر منهم المصادر الرئيسيّة والأوّليّة لعلم الفقه، والكلام، والتفسير، وقراءه القرآن وغيرها.

____________________

(1) كتاب الغُرر والدُرر للآمدي، وكُتب الحديث.

(2) مٍُروج الذهب ج2: 431، ابن أبي الحديد ج1: 181.

(3) الأشباه والنظائر للسيوطي في النحو: ج2، ابن أبي الحديد ج1: 6.

(4) يُراجع نهج البلاغة.

(5) يُروى أنّ إعرابيّاً قامَ يوم الجَمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، أتقول إنّ الله واحد، فَحَمل الناس عليه وقالوا: يا إعرابي، أمَا ترى ما في أمير المؤمنين من تقسّم القلب، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (دعوه، فإنّ الذي يريده الإعرابي هو الذي نريده من القوم، ثُمّ قال: يا إعرابي، إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجل، ووجهان يَثبتان فيه، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه:

فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد، فهذا لا يجوز؛ لأنّ ما لا ثانيَ له لا يدخل في باب الأعداد، أمّا ترى أنّه كفرَ مَن قال إنّه ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع والجنس، فهذا ما لا يجوز؛ لأنّه تشبيه وجلّ ربّنا وتعالى عن ذلك.

وأمّا الوجهان اللذان يَثبتان فيه: فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شَبه كذلك ربّنا، وقول القائل إنّه عزّ وجل أحَدي المعنى يعني به أنّه لا ينقسم في وجود، ولا عقل، ولا وَهم كذلك ربّنا عزّ وجل).

بحار الأنوار 2: 65 (كمباني).

(6) ابن أبي الحديد ج1: 6 - 9.


7. انتقالُ الخلافة إلى معاوية وتحوّلها إلى ملوكيّة موروثة

بعد استشهاد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، تصدّى لمنصب الإمامة الحسن بن علي (عليه السلام)؛ وذلك وفقاً لوصيّة الإمام علي (عليه السلام) ومبايعة الناس له، ويُعتبر الإمام الثاني للشيعة الاثنى عشريّة، ولكنّ معاوية لم يستقرّ ويهدأ لهذا الأمر، فجّهز جيشهُ واتّجه به إلى العراق مقرّ الخلافة، مُعلناً الحرب مع الحسن بن علي (عليه السلام).

أفسَدَ معاوية رأي أصحاب الحسن (عليه السلام) بمختلف الطُرق والدسائس، ومَنحَ الأموال الطائلة لهم، وأجبرَ الإمام الحسن (عليه السلام) على الصُلح معه، وأن تصير الخلافة إليه، على شرط أن تكون للحسن (عليه السلام) بعد وفاة معاوية، وألاّ يتعرّض إلى شيعته، فصارت الخلافة لمعاوية وفقاً لشروط (1) .

استولى معاوية على الخلافة سنة 40 للهجرة، فاتّجه إلى العراق، فخطبَ فيهم قائلاً: (يا أهل الكوفة، أترونَني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج! وقد علمتُ أنّكم تُصلّون وتُزكّون وتحجّون، ولكنّي قاتلتُكم لأتأمّرُ عليكم وقد آتاني الله ذلك، وأنتم كارهون) (2) .

وقال أيضاً: (ألا إنّ كلّ دمٍ أُصيبَ في هذه مطلول، وكلّ شرطٍ شَرَطتهُ فتحتُ قدمّي هاتين) (3) .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج2: 190 وسائر كُتب التاريخ.

(2) ابن أبي الحديد ج4: 160، الطبري ج4: 124، ابن الأثير ج3: 203.

(3) المصادر السابقة.


ومعاوية بكلماته هذه يشير إلى أنّه يريد أن يفصل السياسة عن الدين، فهو لا يريد إلزام أحد بأحكام الدين، وإنّما كان اهتمامه بالحكومة فحسب واستحكام مقوّماتها، وبديهي أنّ مثل هذه الحكومة ملوكيّة وليست خلافة واستخلافاً لمنصب الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد حضرَ البعض مجلسه فسلّموا عليه بسلام الملوك (1) ، وكان يُعبِّر في بعض مجالسه الخاصّة عن حكومته بالملوكيّة (2) ، عِلماً بأنّه كان يُعرِّف نفسه خليفة في خُطبه، والملوكيّة التي تُقام على القوّة تتبعها الوراثة، وفي النتيجة كان الأمر كما أراد ونوى، فاستخلفَ ابنه يزيد، وجعلهُ خليفة له من بعده، وكان شابّاً لا يتّصف بشخصيّة دينيّة، إذ قام بأعمال وجرائم يندى لها الجبين (3) .

فمعاوية مع بيانه السالف، كان يعني أنّه لم يَرغب في أن يصل الحسن (عليه السلام) إلى الخلافة بعده، أي أنّه كان يفكر في موضوع الخلافة بشيء آخر، وهو دسّ السُم إلى الحسن (عليه السلام) (4) ، فهو بهذا الأمر قد مهّد السبيل إلى ابنه يزيد، ومع إلغائه معاهدة الصلح كان يهدف إلى اضطهاد الشيعة، ولن يسمح لهم بالحياة المطمئنة، أو أن يستمرّوا كما في السابق في نشاطهم الديني، ووفِّقَ في هذا المضمار أيضاً (5) .

وصرّح معاوية في خصوص مناقب أهل البيت، بأنّ كلّ ناقلٍ لحديث في هذا الشأن، لم يكن بمأمنٍ في حياته، وماله، وعرضه (6) ، وأمرَ أن تُعطى الهدايا

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج2: 193.

(2) تاريخ اليعقوبي ج2: 201.

(3) كان يزيد صاحب طرَب، وجوارٍ، وكِلاب، وقرود، ومنادمة على الشراب، وكان له قرد يكنّى بأبي قيس يُحضره مجلس منادمته ويطرَح له متّكأ، فجاء في بعض الأيّام مسابقاً فتناول القصبة ودخلَ الحجرة قبل الخيل، وعلى أبي قيس قباء من الحرير الأحمر … مُروج الذهب ج3: 67.

(4) مُروج الذهب ج3: 5، أبي الفداء ج1: 183.

(5) النصائح الكافية: ص 72 نقلاً عن كتاب الأحداث.

(6) روى أبو الحسن المدائني في كتاب الأحداث قال: كتبَ معاوية نسخة واحدة إلى عمّاله بعد عام الجماعة جاء فيها: إنّه برئتُ الذمّة ممّن روى شيئاً في فضل أبي تراب وأهل بيته، كتاب النصائح الكافية، تأليف محمّد بن عقيل، طبع النجف سنة 1386 هجري، ص 77، وأيضاً النصائح الكافية: ص 194.


والجوائز لكل مَن يأتي بحديثٍ في مناقب سائر الصحابة والخلفاء، وكانت النتيجة أن توضَع أخبار كثيرة في مناقب الصحابة (1) ، وأمرَ أن يُسبّ الإمام علي (عليه السلام) في جميع الأقطار الإسلاميّة من على المنابر (وهذا الأمر كان سارياً حتّى زمن عُمر بن عبد العزيز، الخليفة الأموي سنة 99 - 110 هجري).

فَقتلَ جماعة من خاصّة شيعة علي (عليه السلام) بمساعدة عمّاله، وكان بعضهم من الصحابة، ورُفعت رؤوسهم على الرِماح، تُنقل من بلدٍ لآخر، وكلّف عامّة الشيعة بسبّ علي (عليه السلام) والتبرّي منه، فكان القتلُ حليف مَن خالفَ وأَبى (2) .

8. الأيّامُ العصيبة التي مرّت بالشيعة

من أَشدّ الأيّام التي مرّت بها الشيعة قساوة، هو زمن حكومة معاوية بن أبي سفيان، والتي استمرّت زَهاء عشرين عاماً، ولم تكن الشيعة بمأمن، وكان أغلب رجال الشيعة يُشار إليهم بالبنان، ولم تكن لدى الحسن والحسين (عليهما السلام) - اللذَين عاصرا معاوية - أدنى وسائل تُمكّنهم من القيام، والقضاء على الأوضاع المؤلمة.

والإمام الحسين (عليه السلام) عندما نهض في الأشهر الأولى من حكومة يزيد، استُشهدَ ومَن كان معه من أولاد وأصحاب، عِلماً بأنّه لم يَجرأ على القيام طوال السنوات العشر التي عاشها في زمن معاوية.

____________________

(1) النصائح الكافية: ص 72 - 73.

(2) النصائح الكافية: صفحة 58، 64، 77، 78.


فبعض إخواننا أهل السُنّة يذهبون إلى التوجيه والتأويل في سَفك الدماء هذه، وما شابهها من أعمال إجراميّة كان يقوم بها بعض الصحابة، وخاصّة معاوية، مبرّرين أعمالهم ومواقفهم هذه، بأنّهم من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ووفقاً للأحاديث المرويّة عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنّ الصحابة مجتهدون معذورون، وأنّ الله جلّ وعَلا راضٍ عنهم، لكنّ الشيعة ترفض هذا بأدلّة:

أوّلاً: يستحيلُ على قائدٍ كالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الذي نهضَ لإحياء الحقّ والحريّة والعدالة الاجتماعيّة - واتّبعه جَمع من الناس، فَضحّوا بما لديهم - في سبيل تحقّق هذا الهدف المنشود، وعند تحقّقه يترك العنان لهم، ويمنحهم الحريّة المطلقة أمام الأحكام المقدّسة، كي يقوموا بأيّ عمل شاؤوا، وهذا يعني أن ينهار البناء الشامخ بتلك الأيدي التي ساهمت في إقامته وتشييده.

ثانياً: إنّ الروايات التي تُقدِّس الصحابة وتُنزّههم - وتُصحِّح أعمالهم غير المشروعة وتوجّهها، وتَعتبرهم من الذين قد كفّرَ الله عنهم سيّئاتهم، وإنّهم مصونون وما إلى ذلك - قد وُضِعت من قِبَل هؤلاء الصحابة أنفسهم، والتاريخ يشهد أنّ الصحابة لم يكن أحدهم ليحترم الآخر، ولم يغضّ النظر عن أعماله القبيحة، وإنّما كان يُشهّر به ويُعرِّفه للملأ، فقد قام بعضهم بالقتل الجماعي واللعن والسب وفضح الآخرين، ولم تكن هناك أيّة مسامحة أو إغماض فيما بينهم.

ووفقاً لمَا ذكرنا، فإنّ الصحابة يشهدون أنّ هذه الروايات غير صحيحة، وإذا ما تحقّقت صحّتها، فإنّ المراد منها معنىً آخر، غير التنزيه والتقديس القانوني للصحابة.

ولو قُدِّر أنّ الله سبحانه وتعالى قد مَدحهم ورفع شأنهم في بعض آياته (1) ، فإنّ هذا يدلّ على ما قدّموه من خَدمات في سابق حياتهم، وتنفيذاً لأوامر الله تعالى، فطبيعي أن يتحقّق رضى الله تعالى، ولم يكن المراد من أنّهم يستطيعون أن يقوموا بكلّ ما تراودهم نفوسهم في المستقبل، وإن كان خلافاً لأحكام الله تعالى.

____________________

(1) سورة التوبة: الآية 100.


9. استقرارُ ملوكيّة بني أميّة

توفي معاوية سنة 60 للهجرة، واستولى على عرش الخلافة ابنه يزيد وفقاً للبيعة التي أخذها أبوه من الناس، وأصبحَ زعيماً لحكومة إسلاميّة.

والتأريخ يشهد بأنّ يزيد لم يكن ليتّصف بأيّة شخصيّة إسلاميّة، فقد كان شابّاً لا يُبالي بأحكام الإسلام حتّى في زمن أبيه، كان فاسقاً فاجراً، لا يتناهى عن شرب الخمر، مُتّبعاً لأهوائه وشهواته، قامَ بأعمال إجراميّة طوال السنوات الثلاث التي حَكم فيها، لم يسبق لها مثيل منذ ظهور الإسلام، مع ما انطوت عليه من أحداث وفتن.

ففي السنة الأولى: قَتلَ الحسين بن علي (عليه السلام) سبط النبي المرسل (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومَن كان معه من أولاده وأقربائه وأصحابه، قتلة مُفجعة، وطافَ بالنساء والأطفال لأهل بيت العصمة والطهارة مع رؤوس الشهداء في البلدان (1) .

وفي السنة الثانية: أمرَ جيشهُ بالإبادة الجماعيّة للناس في مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأباحَ دماءهم وأموالهم وأعراضهم لثلاثة أيّام (2) .

وفي السنة الثالثة: أمرَ بهدم الكعبة المقدّسة وأحرَقها (3) ، وبعد وفاة يزيد،

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج2: 216، أبي الفداء ج1: 190، مُروج الذهب ج3: 64، وكُتب التاريخ الأخرى.

(2) اليعقوبي ج2: 243، أبي الفداء ج1: 192، مُروج الذهب ج3: 78.

(3) اليعقوبي ج2: 224، أبي الفداء ج1: 192، مُروج الذهب ج3: 81.


تسلّط على رقاب الناس آلُ مروان من بني أُميّة، هذا ما تتناقلهُ كُتب التأريخ، وكانت لحكومة هذه الزمرة والتي شملت أحد عشر شخصاً، واستمرّت مدّة سبعين عاماً، أيّام عصيبة على الإسلام والمسلمين، فلم تكن سوى إمبراطوريّة عربيّة مستبدّة في مجتمع إسلامي، وكانت تُدعى بالخلافة الإسلاميّة، حتّى آلَ الأمر بالخليفة آنذاك - خليفة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويُعتبر المُدافع الوحيد عن الدين - أن يقرِّر بناء غرفة على الكعبة، كي يتسنّى له الجلوس فيها للنُزهة وفي أيّام الحجّ خاصّة (1) .

والخليفة آنذاك قد رمى القرآن بالسهام، وقال في شِعرٍ له مُخاطباً القرآن: في اليوم الذي تَحضر فيه أمامَ الربّ، أنبِئهُ أنّ الخليفة مزّقكَ تمزيقاً (2).

من الطبيعي أنّ الشيعة كانوا يختلفون اختلافاً أساسيّاً مع أكثريّة أهل السُنّة حول مسألتين: الخلافة الإسلاميّة، والمرجعيّة الدينيّة، كانت تعاني أيّاماً قاسية في هذه المرحلة المظلمة، ولكنّ الظلم والجور من قِبَل حُكّام الوقت، والمظلوميّة والتقوى والورع الذي كان يتّصف به أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) كانت تجعلهم أكثر رسوخاً في عقائدهم، وخاصّة بعد استشهاد الحسين (عليه السلام) الإمام الثالث للشيعة، ممّا ساعد في انتشار الفكر الشيعي في المناطق البعيدة عن مركز الخلافة مثل: العراق، واليمن، وإيران.

وممّا يشهد على صحّة هذا الادّعاء: ما حدثَ في زمن الإمام الخامس للشيعة، والقرن الأوّل الهجري لم يكتمل بعد، ولم تمضِ على مقتل الحسين فترة لا تزيد على الأربعين سنة، ولاضطراب الأوضاع وظهور الاختلال في حكومة بني أُميّة، اتّجه الشيعة من جميع الأقطار الإسلاميّة إلى الإمام الخامس

____________________

(1) الوليد بن يزيد: اليعقوبي ج3: 73.

(2) الوليد بن يزيد: مُروج الذهب ج3: 228.

أتوعِدُ كــلّ جبّارٍ عنيـد  فهـا أنا ذاك جبّار عَنيد

إذا ما جئتَ ربّك يوم حشرٍ  فقُل يا ربِّ مزّقني الوليد


واهتمّوا بأخذ الحديث والمعارف الإسلاميّة منه (1) .

وفي أواخر القرن الأوّل الهجري، قامَ جماعة من الأُمراء بإنشاء مدينة قُم في إيران (2) ، وقد أسكنوا فيها الشيعة، ولكنّ الشيعة - حسب أوامر أئمّتهم - كانوا يعيشون دون تظاهر بعقيدتهم، التزاماً بمبدأ التقيّة، وطالما نهضَ رجال من السادة العَلَويين أثر كثرة الضغوط التي كانت تظهر من قِبَل الحكّام الجائرين، ولكنّ قيامهم هذا كان نتيجة الفشل والقتل، وقدّموا في سبيل عقيدتهم ونهضتهم هذه المزيد من النفوس، ولم تُبالِ الحكومة بإبادتهم والقضاء عليهم.

أخرجوا جثمان (زيد) زعيم الشيعة الزيديّة من قبره، وصلبوه لمدّة ثلاث سنين، ومن ثُمّ أحرَقوه، وذَرَوا رَماده في الهواء (3) ، حتّى أنّ أكثريّة الشيعة تعتقد أنّ مقتل الإمام الرابع والخامس قد تمّ على أيدي بني أُميّة (4) ، وذلك بدسّ السُمّ إليهما، وكذا وفاة الإمام الثاني والثالث كان على أيديهم.

إنّ الفجائع التي ارتكبها الأمويون كانت إلى حدٍ ممّا جَعَلت أكثريّة أهل السُنّة مع اعتقادها بالخلفاء عامّة، وإنّهم مفروضوا الطاعة، جَعَلتهم أن يقسِّموا الخلفاء إلى قسمين: الخلفاء الراشدين، وهم الخلفاء الأربعة الأوائل بعد وفاة الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهم: (أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي)، والخلفاء غير الراشدين أوّلهم معاوية.

والأمويون طوال حكومتهم، وعلى أثر ظلمهم وجورهم، أثاروا سخطَ الأُمّة وغَضبها إلى أبعد الحدود، وبعد سقوط دولتهم ومقتل آخَر خليفة لهم، فرّ وَلَدا الخليفة مع جَمعٍ من العائلة الأمويّة من دار الخلافة ولم يجدوا في أيّ مكانٍ ملجأ يتّجهون إليه، فتاهوا في صحارى: النوبة، والحَبَشة، وبجاوة، وماتَ الكثير منهم أثرَ الظمأ والجوع، ثُمّ توجّهوا إلى جنوب اليمن فَمكثوا هناك زمناً، كانوا يحصلون على مالٍ من الناس عن طريق الاستجداء والصدقة والعطف عليهم، ومن ثُمّ انتقلوا إلى مكّة مرتَدين زيّ الحمّالين وانصهروا في ذلك المجتمع (5) .

____________________

(1) يُراجع: مبحث معرفة الإمام في هذا الكتاب.

(2) مُعجم البلدان كلمة (قُم).

(3) مُروج الذهب ج3: 217 - 219، اليعقوبي ج3: 66.

(4) كتاب البحار: ج12 وسائر المصادر الشيعيّة.

(5) تاريخ اليعقوبي ج3: 84.


10. الشيعةُ في القرن الثاني للهجرة

ظهرت دعوة باسم أهل بيت النبوّة في خراسان يتزعّمها (أبو مسلم المروزي) ، وذلك في أواخر الثُلث الأوّل من القرن الثاني للهجرة، إثر النهضات والحروب الدامية التي ظهرت في جميع البلدان الإسلاميّة، كردّ فعلٍ للظلم والجور والمعاملة السيّئة التي كان يقوم بها بنو أُميّة.

وأبو مسلم هذا: قائدٌ فارسي، قام ضدّ الحكومة الأمويّة، وحازَ على تقدّم حتّى أطاحَ بالدولة الأمويّة (1) .

والنهضة أو الثورة هذه وإن كانت تَستلهم من الدعايات الشيعيّة، وكانت تتّصف أيضاً - إلى حدٍّ ما - بثار شهداء أهل البيت، وقامت بأخذ البيعة لرجلٍ لم يُعرَف من أهل البيت، مع هذا كلّه لم تكن بإيعاز من أئمّة الشيعة، لا بالشكل المباشر ولا بغير المباشر، والدليل على ذلك: هو أنّ أبا مسلم لمّا عَرضَ البيعة للخلافة على الإمام السادس في المدينة، كان ردّ الإمام عنيفاً، إذ أحرقَ الكتاب المرسَل إليه على السراج، وقال للرسول: (عَرِّف صاحبك بما رأيت) (2) .

____________________

(1) اليعقوبي ج3: 79، أبي الفداء ج1: 208، وكُتب التاريخ الأخرى.

(2) اليعقوبي ج3: 86، مُروج الذهب 3: 268.


وبالنتيجة: قبضَ بنو العبّاس على الخلافة باسم أهل البيت (1) ، وأبدَوا عنايتهم ورعايتهم للعلَويين في بداية أمرهم، فقضوا على الأمويين وأبادوهم إبادة كاملة، وذلك انتقاماً لشهداء العَلويين، ونبشوا قبور خلفاء بني أُميّة، وأخرَجوا منها الأجساد، وعَرضوها على النيران (2) ، ولم تمضِ فترة حتّى اتّخذوا سيرة بني أُميّة نَهجاً لهم، ولم يتوانوا عن القيام بأيّة أعمال بشعة منافية للشريعة، فظلموا وجاروا على الناس.

سُجن (أبو حنيفة) : وهو أحد رؤساء المذاهب الأربعة في زمن المنصور (3) ، ولاقى أنواع التعذيب، وضُرب (أبو حنبل) - أحد رؤساء المذاهب الأربعة - بالسياط (4) ، وقُضيَ على الإمام السادس للشيعة الإماميّة بالسمّ (5) ، بعد الأذى والتعذيب، وكان يُقدّم العلويون جماعات لضرب أعناقهم، أو أن يُدفنوا وهم أحياء، أو أن يوضَعوا أحياء في الجدران، وأُسس الأبنية الحكوميّة.

وأمّا (هارون الرشيد) الخليفة العبّاسي: فقد توسّعت في زمنه الإمبراطوريّة الإسلاميّة، وكان ينظر أحياناً إلى الشمس مُخاطباً إيّاها بقوله: أشرِقي في أيّ مكانٍ شئتِ، فإنّكِ لم تُشرقي خارج مِلكي.

فمن جهةٍ، كان جيش الخليفة يُحارب ويتقدّم في أقصى الشرق والغرب في العالَم.

من جهةٍ أخرى، يُشاهَد على جسر بغداد - والذي لا يبعد عن قَصره سوى خطوات - الجُباة يأخذون من المارّة حقّ العبور دون علم الخليفة وإذنه،

____________________

(1) اليعقوبي ج3: 86، مُروج الذهب ج3: 270.

(2) اليعقوبي ج3: 91 - 96، أبي الفداء ج1: 212.

(3) تاريخ أبي الفداء ج2: 6.

(4) اليعقوبي ج3: 198، أبي الفداء ج2: 33.

(5) كتاب البحار: ج212، حياة الإمام الصادق (عليه السلام).


ويُذكر أنّ الخليفة نفسه، أرادَ عبور الجسر ذات يوم فطولِبَ بحقّ العبور (1) .

وممّا يُذكر عن (الأمين ) الخليفة العبّاسي، أنّه وهبَ إلى مطرب ثلاثة ملايين درهم فضّة إزاء ما غَنّاهُ لبيتينِ غَزل، فرَمى المطرب نفسه على قَدَمي الخليفة قائلاً: تمنحني هذه الأموال الطائلة يا أمير المؤمنين؟ فأجابهُ الخليفة: ليس الأمر بمهم نستعيضها من ناحية من نواحي البلاد (2) .

كانت الأموال الطائلة تتدفّق إلى بيت مال المسلمين من جميع الأقطار الإسلاميّة، وتُصرَف للهو الخليفة ولعبه، كانت تُعد الجواري والفَتيات الحسناوات والغِلمان في بلاط الخلفاء بالآلاف.

لم يتغيّر وضع الشيعة بعد انقراض حكومة بني أُميّة، ومجيء دولة بني العبّاس، سوى تغيير اسم للأعداء الظَلَمة والجائرين.

11. الشيعةُ في القرن الثالث للهجرة

استطاع الشيعة أن يتنفّسوا الصعداء في أوائل القرن الثالث الهجري، والسبب في ذلك يعود إلى:

أوّلاً: ترجمةُ الكثير من الكتب الفلسفيّة والعلميّة من اليونانيّة والسريانيّة وغيرهما إلى العربيّة، فتسابقَ الناس على تحصيل العلوم العقليّة والاستدلاليّة، عِلماً بأنّ المأمون الخليفة العبّاسي (195 - 218) المعتزلي، كان يرغب في الاستدلال العقلي في المذاهب ويُبدي اهتمامهُ له، وكانت النتيجة أن ينتشر البحث الاستدلالي في الأديان، وتُعطى الحريّة الكاملة لأصحاب

____________________

(1) قصّة جسر بغداد.

(2) كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني: (قصّة الأمين).


المذاهب، فانتهزَ علماء الشيعة ومتكلّموهم هذه الحريّة الفكريّة، فلم يتوانوا في النشاط العلمي، ونشرِ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) (1) .

ثانياً: مَنحُ المأمون الإمام الثامن ولاية عهده بمقتضى سياسته، فأصبحَ الشيعة ومحبّو أهل البيت بعيدين عن التعرّض إلى حدٍّ ما من قِبَل الولاة وأصحاب المناصِب، وأصبحوا يتمتّعون بشيءٍ من الحريّة، إلاّ أنّ الفترة هذه لم تدُم كثيراً، وتعرّض الشيعة للملاحقة الشديدة، والقتل والتشريد، وعادت السُنّة التي كانت سائدة، وخاصّة في زمن المتوكّل العبّاسي (232 - 247) للهجرة، إذ كان يُعادي عليّاً وشيعته عداءً خاصّاً، وهو الذي أمرَ بهدم مرقد الإمام الحسين (عليه السلام) ثالث أئمّة الشيعة في كربلاء (2) .

12. الشيعةُ في القرن الرابع للهجرة

ظهرت عوامل في القرن الرابع الهجري ساعدت على انتشار مذهب التشيّع وتقويته، منها: ضُعف الخلافة العباسيّة، وظهور ملوك آل بويه.

كان لملوك آل بويه (وهم شيعة) التأثير البالغ في مركز الخلافة ببغداد، وكذا في الخليفة (3) ، وهذه القدرة جَعلت الشيعة أن تقف أمامَ المخالفين، والذين طالما حاربوا الشيعة لمَا كان لهم من قدرة خلال خلافتهم، وتمكّن الشيعة أن ينشروا عقايدها بكلّ حريّة.

والمؤرّخون متّفقون على أنّ الجزيرة العربيّة أو معظمها، كانت تعتنق مذهب الشيعة، سوى المُدن الكبيرة منها،

____________________

(1) انظر كُتب التاريخ.

(2) تاريخ أبي الفداء، وكُتب التاريخ الأخرى.

(3) يُراجع كُتب التاريخ.


عِلماً بأنّ بعض المُدن مثل: هجر، وعمّان، وصعدة، كانت شيعية، ومدينةُ البصرة كانت تُعتبر مركزاً لأهل السُنّة، وكانت في صراع ديني مع الكوفة مركز التشيّع وكان يسكن فيها بعض الشيعة، وكذا في كلّ من مدينة: طرابلس، ونابلس، وطبريّة، وحَلَب، وهرات، كان فيها من الشيعة، وكذلك في مدينة الأهواز وسواحل الخليج الفارسي من إيران (1) .

وفي أوائل هذا القرن، استولى ناصر الأطروش على شمال إيران بعد كفاحٍ دام سنوات، فاستقرّ في ناحية طبرستان وأسّس دولته، واستمرّت لأولاده من بعده، وكان الحسن بن زيد العَلوي قد حَكَم هذه المنطقة قَبل الأطروش (2) .

وفي هذا القرن استولى الفاطميون وهم من الفرقة الإسماعيليّة على مصر، وأسّسوا حكومتهم واستمرّت أكثر من قرنين (296 - 527).

وكان يظهر صراع بين الشيعة والسُنّة أحياناً في مُدن كبيرة: كبغداد، والبصرة، ونيسابور، وكانت الغَلَبة في بعضها للشيعة.

13. الشيعةُ في القرن الخامس وحتّى القرن التاسع الهجري

توسّعت الشيعة خلال القرن الخامس حتّى أواخر القرن التاسع، بتلك النسبة التي كانت عليها في القرن الرابع، وظهرَ مُلوك اعتنقوا مذهب التشيّع، فصاروا يدعونَ له.

رَسخت الدعوة الإسماعيليّة في (قِلاع اَلَموت) ، واستقلّت في دعوتها قرناً ونصف قرن وسط إيران (3) ، وحَكَم السادة المرعشيّون سنين متمادية في مازندران (4) .

____________________

(1) الحضارة الإسلاميّة ج1: 97.

(2) مُروج الذهب ج4: 373، المِلل والنِحل ج1: 254.

(3) يُراجع كتاب: الكامل، وروضة الصفا، وحبيب السِيَر.

(4) الكامل وأبي الفداء: ج3.


اختار الملك خدابنده، وهو أحد ملوك المغول مذهب الشيعة، وخَلَفهُ في الحُكم ملوك من هذه الطائفة لأعوام متعاقِبة، وساهموا في نشر وترويج هذه العقيدة، وكذا سلاطين (آق قوينلو) ، و (قره قوينلو) ، إذ كانت مدينة تبريز (1) مركز حكومتهم، وكانت تنبسط سيطرتهم حتّى فارس وكرمان، وحَكمت الدولة الفاطميّة في مصر لسنوات متعاقِبة.

من الطبيعي أنّ القدرة الدينيّة لأهل السُنّة مع الملوك كانت متغيّرة متفاوتة، وبعد سقوط الدولة الفاطميّة ومجيء دولة الأيّوبيين تغيّرت الظروف، وفقدَ الشيعة في مصر والشام الحريّة الفكريّة على الإطلاق، وقُتل الكثير من الشيعة (2) منهم: الشهيد الأوّل (محمّد بن محمّد المَلَكي) أحد نوابغ الفقه الشيعي سنة 786 للهجرة في دمشق بتهمة التشيّع (3) ، وقُتل أيضاً الشيخ (شهاب الدين السهروردي) في حَلَب بتهمة الفلسفة (4) .

فالشيعة خلال هذه القرون الخمسة، كانوا في ازدياد من حيث النفوس والعدد، وكانت الزيادة تابعة لموافقة ومخالفة السلاطين من حيث القدرة والحريّة الفكريّة، ولم يُعلن في هذه الفترة في أيّة دولة إسلاميّة مذهب التشيّع، مذهباً رسميّاً لها.

____________________

(1) تاريخ حبيب السِيَر.

(2) تاريخ حبيب السِيَر، وأبي الفداء وغيرهما.

(3) روضات الجنّات، ورياض العلماء نقلاً عن ريحانة الأدب ج2: 365.

(4) الروضات، وكتاب المجالس، ووفيات الأعيان.


14. الشيعةُ في القرن العاشر والحادي عشر للهجرة

نهضَ شاب في سنة 906 للهجرة، وهو في الثالثة عشرة من عمره - من عائلة شيخ (صَفي الدين الأَردبيلي) المتوفّى سنة 735 هجري، وكان أحد مشايخ الطريقة في الشيعة - مع ثلاثمائة من الدراويش الذين كانوا من مُريدي آبائه، وذلك لإيجاد دولة شيعيّة مستقلّة مقتدرة، فسارَ من مدينة أردبيل وشَرع بفتح البقاع وإزالة نظام ملوك الطوائف من إيران، وبعد حروبٍ دامية مع الملوك المحليّين - وخاصّة مع ملوك (آل عثمان) الذين كانوا ينوبون عن الإمبراطوريّة العثمانيّة - استطاع أن يَجعل من إيران دولة موحّدة بعد أن كانت ممزّقة، يَحكم كلّ بقعة منها فئة خاصّة، وجَعل المذهب الشيعي مذهباً رسميّاً لها (1) .

وبعد وفاة الملك (إسماعيل الصَفوي) ، أعقَبهُ ملوك آخرون من السُلالة ذاتها، حتّى منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وكلّ من هؤلاء الملوك كان يؤيّد المذهب الشيعي، ففي زمن (شاه عبّاس الكبير) - والذي يُعتبر ذروة القدرة لهذه السُلالة - استطاع أن يوسِّع بُقعتهم، فازدادت نفوسهم فَبلغت ضُعف (2) ما عليه الآن في إيران (سنة 1384 هجري)، والفرقة الشيعيّة في القرنين ونصف القرن الأخير تقريباً، بَقيت على حالتها في سائر البقاع الإسلاميّة مع بقاء الازدياد الطبيعي لها.

____________________

(1) روضة الصفا، وحبيب السِيَر وغيرهما.

(2) روضة الصفا، وحبيب السِيَر.


15. الشيعةُ في القرن الثاني عشر وحتّى القرن الرابع عشر للهجرة

إنّ التقدّم في المذهب الشيعي خلال القرون الثلاثة الأخيرة كان بشكله الطبيعي كما في السابق، والوقت الحاضر الذي هو أواخر القرن الرابع عشر الهجري، يُعتبر التشيّع مَذهباً رسميّاً في إيران، ومُعظم شعوب اليمن والعراق من الشيعة، وتتواجد الشيعة في كلّ الدول الإسلاميّة في العالَم، قلّت أم كثُرت، ويُعد الشيعة في مختلف الأقطار في العالَم بما يقارب المائة مليون.


ب - انشعابُ الشيعة

ا) انشعابُ بعض الفِرق وانقراضها.

2) الزيديّة.

3) الإسماعيليّة وانشعاباتها.

4) النزاريّة، والمُستعلية، والدروزيّة، والمُقنّعة.

5) الشيعة الاثنا عشريّة، واختلافها مع الزيديّة والإسماعيليّة.

6) موجز عنٌ تاريخ الشيعة الاثني عشريّة.

1. انشعابُ بعض الفِرَق وانقراضها

يشتمل كلّ مذهب على مسائل وأمور تُعتبر الأُسس الأوّليّة لذلك المذهب، وهناك مسائل ثانويّة، واختلافُ أهل المذاهب في كيفيّة المسائل الأصليّة والرئيسيّة ونوعيّتها مع الاحتفاظ بالأصول المشتركة بينها، يسمّى انشعاباً .

توجد الانشعابات في جميع الأديان، وخاصّة في الأديان السماويّة: اليهوديّة، والمسيحيّة، والمجوسيّة، والإسلام، ويظهر الانشعاب في مذاهبها أيضاً، والمذهب الشيعي لم يطرأ عليه، ولم يظهر فيه أيّ انشعاب في زمن أئمّته الثلاثة: (الإمام علي، والحسن، والحسين عليهم السلام) ، ولكن بعد استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، اعترفَ أكثريّة الشيعة بإمامة علي بن الحسين (عليه السلام) السجّاد، وذهبَ الأقلّيّة منهم والذين عُرفوا بالكيسانيّة ، إلى الاعتقاد بإمامة محمّد بن


الحنفيّة إماماً رابعاً لهم، وهو المهدي الموعود عندهم، ويعتقدون أنّه قد غابَ في جبل رضوى وسيظهر يوماً.

وبعد وفاة الإمام السجّاد (عليه السلام) اعتقدَ أكثريّة الشيعة بإمامة ابنه محمّد الباقر (عليه السلام)، وذهبَ الأقلّيّة منهم إلى التمسّك بمذهب زيد الشهيد، وهو الولد الآخر للإمام السجّاد (عليه السلام)، واشتهروا بالزيديّة .

وبعد وفاة محمّد الباقر (عليه السلام) آمنَ شيعته بولَده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وبعد وفاته ذهبَ الأكثريّة إلى أنّ الإمام السابع هو ولَده الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، واعتقدَ فريق أنّ إسماعيل ابن الإمام الأكبر هو الإمام السابع، والذي وافاه الأجل في زمن أبيه الصادق، وانفصلَ هؤلاء عن الأكثريّة الشيعيّة، وعُرفوا بالإسماعيليّة، وذهبَ البعض إلى إمامة عبد الله الأفطح ابنه الآخر، وذهبَ الآخرون إلى إمامة محمّد وتوقّف بعض في إمامته، واعتبروه آخر الأئمّة.

وبعد استشهاد الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، ذهبَ الأكثريّة إلى إمامة ابنه الرضا (عليه السلام)، إماماً ثامناً، وتوقّف جماعة في إمامة الإمام السابع، واشتهروا بالواقفيّة .

ولم يظهر انشعاب بعد الإمام الثامن وحتّى الإمام الثاني عشر، وهو عند الأكثريّة المهدي الموعود، وإذا ما كانت هناك حوادث أو وقائع، فإنّها لم تكن سوى أيّام معدودة ولم يَحدث انشعاب، وعلى فرض حدوث انشعاب لم يدُم كثيراً، وانتهى إلى الانصهار، كما حدثَ بعد وفاة الإمام العاشر، إذ ادّعى ولَده جعفر الإمامة وتَبعهُ جَمعٌ، إلاّ أنّهم تفرّقوا وتشتّتوا بعد فترة قصيرة، ولم يُتابع جعفر دعوته هذه، وهناك اختلاف في الآراء بين رجال الشيعة في المسائل العلميّة والكلاميّة والفقهيّة، إذ لا يمكن اعتبارها انشعاباً في المذهب.

انقرَضت الفِرَق المذكورة التي انشعبت وظهرت أمام الأكثريّة الشيعيّة في زمن قصير، عدا الفِرقة (الزيديّة) و (الإسماعيليّة) اللتان استقامتا، ولا يزال مُعتنقو هذين المذهبين يعيشون في مناطق مختلفة من العالَم: كاليمن، والهند، ولبنان، ومناطق أخرى، فعلى هذا نكتفي بذكر هاتين الطائفتين مع الأكثريّة الشيعيّة وهم الاثنا عشريّة.


2. الزيديّة

تُعتبر (الزيديّة) من تابعي زيد الشهيد ابن الإمام السجّاد (عليه السلام).

ثارَ زيد سنة 121 للهجرة بوجه الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك وبايعهُ جماعة، وقُتل في حربٍ وقعت في مدينة الكوفة، بينه وبين مؤيّدي الخليفة.

يُعدّ زيد لدى أصحابه الإمام الخامس من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، واستخلفهُ بعده ابنه (يحيى بن زيد) الذي ثارَ على الخليفة الأموي (الوليد بن يزيد)، وجاء بعده (محمد بن عبد الله) و(إبراهيم بن عبد الله)، اللذان قاما وثارا على الخليفة العبّاسي (المنصور الدوانيقي) وقُتلا، فهؤلاء هم من أئمّة الزيديّة.

ومنذ ذلك الوقت كانت أمور (الزيديّة) غير منتظمة، حتّى ظهور (ناصر الأطروش) وهو من نَسل أخي زيد في خراسان، وعلى أثر المطاردات التي قامت بها الدولة آنذاك، اضطرّ أن يفرّ إلى مازندران، ولم يكن أهالي هذه المنطقة قد اعتنقوا الإسلام، وبعد دعوةٍ دامت ثلاث عشرة سنة، استطاع أن يُدخل جَمعاً كثيراً في الإسلام، فاعتنقوا مذهب (الزيديّة)، واستطاع بعدها وبمساعدة هؤلاء أن يسيطر على ناحية طبرستان وصارَ فيهم إماماً وقائداً، واستخلفهُ من بعده أولاده يَسوسون الناس في تلك الديار.

وتعتقد (الزيديّة) أنّ كلّ: فاطمي، عالم، زاهد، شجاع، سخي، يثور لإحقاق الحق، يستطيع أن يكون إماماً.


كانت الزيديّة في الابتداء مثل: زيد، تَعتبر الخليفتين الأوّلَين (أبا بكر وعمر) من الأئمّة، ولكن بعدها أسقطَ جماعة منهم اسم هذين الخليفتين من أسماء أئمّتهم، وابتدأوا بالإمام علي (عليه السلام).

وحسب ما يقال إنّ الزيديّة تتّبع المعتزلة في الإسلام، وتوافِق فقه أبي حنيفة في الفروع، وهناك اختلاف يسير بينهم في بعض المسائل.

3. الإسماعيليّةُ وانشعاباتها

الباطنيّة: كان للإمام السادس للشيعة ولد يُدعى (إسماعيل) وهو أكبر وِلده، توفيَ في زمن أبيه، وشهدَ الأب وفاة ابنه، وطلبَ الشهادة من حاكم المدينة أيضاً على وفاة وَلَده، إلاّ أنّ هناك فريقاً يعتقد بعدم وفاة إسماعيل، وأنّه اختار الغيبة، وسوف يظهر ثانية وهو المهدي الموعود.

ويتّضح أنّ إشهاد الإمام السادس على وفاة وَلَده كان على علمٍ وعَمد؛ وذلك خوفاً من المنصور الخليفة العبّاسي، واعتقدَ جماعة أنّ الإمامة الحقّة هي لإسماعيل، ومع موته انتقلت إلى محمّد، واعتقدَ الآخرون أنّ إسماعيل وإن أدركهُ الموت في زمن أبيه، إلاّ أنّه إمام، ومحمّد بن إسماعيل ومَن جاء بعده من هذه السُلالة أئمّة أيضاً.

انقرضَ الفريقان الأوّلان بعد زمنٍ وجيز، وبقيت الفرقة الثالثة حتّى وقتنا الحاضر، وقد انشعبت انشعابات عدّة.

لدى (الإسماعيليّة) فلسفة تشبه فلسفة عَبَدَة النجوم، وفيها شيء من التصوّف الهندي، ويذهبون إلى أنّ المعارف والأحكام الإسلاميّة، لها ظاهر وباطن، فلكلّ ظاهر باطن ولكلّ تنزيل تأويل، وتعتقد أنّ الأرض لا تخلو من


حجّة، وحُجّة الله على نوعين: ناطق، وصامت ، فالناطق: هو النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والصامت: هو الوليّ أو الإمام، وهو وصيّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعلى أيّة حال، فإنّ الحُجّة هي المظهر الكامل للربوبيّة.

أساس الحجّة عندهم يدور دائماً على العدد (7)، بهذا الترتيب: أنّ كلّ نبي عندما يُبعث يختصّ بالنبوّة (الشريعة) والولاية، ويأتي بعده سبعة أوصياء، لكلّ منهم الوصاية، ويُعتبر جميعهم في نفس المنزلة والشأن، سوى الوصي السابع الذي يختصّ بالنبوّة أيضاً، ويتّصف بثلاثة مناصب: النبوّة، والوصاية، والولاية، وبعده سبعة أوصياء، وللسابع منهم ثلاثة مناصب، وهكذا.

فهم يقولون: إنّ آدم (عليه السلام) بُعث بالنبوّة والولاية، وكان له سبعة أوصياء، وسابعهم نوح النبي، وكان يختصّ بالنبوّة والوصاية والولاية، والنبي إبراهيم هو الوصي السابع لنوح، والنبي موسى سابع الأوصياء لإبراهيم، والنبي عيسى سابع الأوصياء لموسى، ومحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سابع الأوصياء لعيسى، ومحمّد بن إسماعيل الوصي السابع لمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بهذا الترتيب:

محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعلي، والحسين، وعلي بن الحسين، والسجّاد، ومحمّد الباقر، وجعفر الصادق، وإسماعيل، ومحمّد بن إسماعيل (الإمام الثاني الحسن بن علي، لا يعدّونه من الأئمّة)، وبعد محمّد بن إسماعيل سبعة من نَسله وولده، أسماؤهم مخفيّة مستورة، وبعدهم سبعة من مُلوك الفاطميين لمصر، أوّلهم عبيد الله المهدي مؤسِّس حكومة الفاطميين بمصر.

تعتقد الإسماعيليّة: بأنّ هناك اثنى عشر نقيباً موجودين دائماً على الأرض، فضلاً عن وجود حُجّة الله، فهم حواريو الحجّة وخاصّته، ولكنّ لبعضٍ منهم وهم (الدروزيّة) الباطنيّة، تَعتبر وتَعدّ ستة من الأئمّة نُقباء، والستّة الآخرين من غيرهم.

ظهرَ شخص مجهول الهويّة سنة 278 هجري في مدينة الكوفة (قَبل ظهور عبيد الله المهدي بسنوات)، وكان خوزستاني الأصل، وكان يقضي نهاره صائماً، وليلهُ قائماً عابداً،


ويسدّ رَمقه من كسبه وعمله، كان يدعو لمذهب (الإسماعيليّة)، فاستطاع أن يكسب جماعة، ليكونوا له أنصاراً وأعواناً، فانتَخبَ منهم اثني عشر شخصاً على أنّهم النُقباء، ثُمّ خرجَ من الكوفة متّجهاً إلى الشام، وما عُرفَ عنه شيء.

استخلفَ هذا الرجل المجهول في العراق، رجلاً كان يُدعى أحمد ويُعرف بـ (القرمط) ، فبثّ تعاليم الباطنيّة، وكما يشير المؤرِّخون بأنّه ابتدعَ صلاة جديدة، بدلاً من الصلوات الخَمس في الإسلام، وألغى غُسل الجنابة، وأباحَ شُرب الخمر، وظهرَ في نفس العصر، زُعماء آخرون يدعونَ إلى الباطنيّة جَلبوا جماعة من الناس حولهم.

فكان هؤلاء يتعرّضون لأنفس وأموال مَن لا يَعتنق مذهب الباطنيّة، واستمرّوا في حركتهم هذه في: العراق، والبحرين، واليمن، والشام، قَتلوا الأبرياء، ونهبوا الأموال، وسلبوا قوافل الحَجيج، سفكوا دماء الآلاف منهم، ونهبوا أمتعتهم وراحلتهم.

استولى (أبو طاهر القرمطي) أحد زعماء الباطنيّة على البصرة سنة 321 هجري، فَقتلَ الناس، ونهبَ الأموال، ثُمّ اتّجه إلى مكّة مع جَمعٍ من الباطنيّة سنة 317 هجري، وبعد صراعٍ مع أفراد الشرطة دخلَ مكّة، فقتل أهلها والحِجّاج الواردين إليها، فسالت الدماء في بيت الله الحرام والكعبة، وقسّم ستار الكعبة بين أنصاره، وقلعَ باب الكعبة، واقتلع الحجر الأسود من مكانه، ونقلهُ إلى اليمن وبقيَ هناك عند القرامطة مدّة اثنين وعشرين عاماً.

على أثر هذه الأعمال، أبدى عامّة المسلمين تذمرّهم وتنفرّهم من الباطنيّة، واعتبروهم خارجين عن دين الإسلام، حتّى (عبيد الله المهدي) أحد ملوك الفاطميين - الذي كان قد ظهرَ في أفريقيا، وادّعى لنفسه المهدويّة، وأنّه المهدي الموعود، وإمام الإسماعيليّة - قد تبرّى أيضاً من القرامطة آنذاك.

وحسب ما يقرّه المؤرِّخون أنّ المعيار الديني للباطنيّة هو: تأويل الأحكام الظاهرة للإسلام إلى مراحل باطنيّة صوفيّة، ويعتبرون ظاهر الشريعة خاصّاً للأمّيين من الناس، الذين لم يتدرّجوا طريق الكمال، ومع هذا كلّه، فقد كانت تصدر قوانين وأحكام معيّنة من أئمّتهم وزعمائهم بين حينٍ وآخر.


4. النزاريّة، والمُستعلية، والدروزيّة، والمُقنّعة

ظهرَ (عبيد الله المهدي) سنة 296 للهجرة في أفريقيا، وادّعى الإمامة على طريقة الإسماعيليّة، وأسّس الدولة الفاطميّة، واختارَ خلفاؤه مصر دار خلافتهم، فَحكمَ سبعة منهم على التوالي حكومة وإمامة طبق مذهب (الإسماعيليّة) ، دون أن يحدث انشعاب أو انقسام.

وبعد الخليفة السابع وهو (المستنصر بالله، سعد بن علي)، تنازعَ ولداه (نزار) و (المستعلي) على الخلافة والإمامة، وبعد صراع وحروب دامية، كانت الغَلبة للمستعلي، فألقى القبض على أخيه نزار، وسَجَنه وبقيَ في السجن حتّى توفيَ فيه.

وعلى أثر هذه المنازعة، انقسمَ أتباع الفاطميين إلى قسمين: نزاريّة، ومُستعلية .

النزاريّة: هم من أتباع الحسن بن الصبّاح، وكان من المقرّبين للمستنصر، وبعد المستنصر أُخرِج من مصر بأمرٍ من المستعلي؛ لدفاعه وحمايته عن نزار، فجاء إلى إيران وبعد فترة ظهر في قلعة الموت من نواحي قزوين، فاستولى على هذه القلعة وقلاع أخرى مجاورة، فصار سلطاناً عليها، ودعا إلى نزار في البداية.

وبعد وفاة (حسن) سنة 518 هجري، جاء (بزرك أميد رودباري) ، وبعده ابنه (كيّا محمد) حَكَما على طريقة (الحسن الصبّاح)، وجاء بعده ابنه (علي) رابع ملوك قلعة الموت، فغيّر طريقة الحسن الصبّاح وكانت نزاريّة، وانتمى إلى الباطنيّة.


فتح هولاكو خان بعد حَملته على إيران قلاع الإسماعيليّة وقَتلَ جميع الإسماعيليين، وهدّم قلاعهم.

وبعد سنة 1255 هجري، ثارَ آقا خان المحلاّتي - وكان من النزاريّة - على محمّد شاه القاجار، وفشلَ في نهضته التي قام بها في مدينة كرمان وهربَ إلى بمبئي، فنشرَ الدعوة الباطنيّة النزاريّة بإمامته وزعامته هناك، ولا تزال دعوتهم باقية حتّى الآن، وتُدعى النزاريّة الآن بالـ (آقا خانيّة) .

المُستعلية: استقرّت الإمامة لأتباع المُستعلي الفاطمي في خلفاء الفاطميين بمصر، حتّى انقرضت سنة 557 هجري، وظهرت بعد فترة فرقة (البُهْرَة) في الهند على الطريقة نفسها، ولا تزال موجودة.

الدروزيّة: الطائفة الدروزيّة التي تقطن الآن في جبال (دروز) في الشام، كانت في بداية الأمر تابعة للخلفاء الفاطميين، حتّى أيّام الخليفة السادس الفاطمي، دَعت إلى (نشتجين الدروزي) والتحقت بالباطنيّة.

تقف الدروزيّة عند الخليفة (الحاكم بالله) ويعتقد آخرون أنّه قُتل، إلاّ أنّها تدّعي أنّه غابَ عن الأنظار، وعرجَ إلى السماء، وسوف يعود مرّة ثانية بين الناس.

المُقَنَّعة: كانت من أتباع (عطاء المروي) المعروف بالمُقنّع في بادئ الأمر، وحسب ما يذكره المؤرِّخون أنّه كان من أتباع أبي مسلم الخراساني، وبعد وفاة أبي مسلم، ادّعى أنّ روح أبي مسلم قد حلّت فيه، وادّعى النبوّة بعد ذلك، وبعدها ادّعى الإلوهيّة، وحوصِر سنة 162 في قلعة كيش من بلاد ما وراء النهر، وعندما تيقّن بمحاصرتهِ وقَتلهِ، أشعلَ ناراً، ودَخل فيها مع عدّة من أصحابه واحترق، اختار أصحاب عطاء بعد زمنٍ مذهب الإسماعيليّة والتَحقوا بالفرقة الباطنيّة.


5. الشيعةُ الاثنا عشريّة، واختلافها مع الزيديّة والإسماعيليّة

إنّ الأقلّيّة الشيعيّة التي مرّ ذكرها تنشعب عن الأكثريّة الشيعيّة الإماميّة، وتسمّى بالاثني عشريّة أيضاً، وكما ذكرنا آنفاً كان بداية نشوئهم هو: الاعتراض والانتقاد لمسألتين أساسيّتين من المسائل الإسلاميّة، عِلماً بأنّهم لم يُعارضوا القوانين التي كانت وفقاً لتعاليم الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين المسلمين، والمسألتان هما: (الحكومة الإسلاميّة، والمرجعيّة العلميّة) ، وتعتقد الشيعة بأنّ تلك المسألتين من حقّ أهل البيت خاصّة.

تؤمن الشيعة الاثنا عشريّة أنّ الخلافة الإسلاميّة - بما فيها من ولاية باطنيّة وقيادة معنويّة وهما جزءان لا ينفكّان عنها - من حقّ علي وأولاده (عليهم السلام)، وبموجب تصريح النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسائر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، أنّهم اثنا عشر إماماً، وتؤمن أيضاً أنّ التعاليم الظاهريّة للقرآن والتي تُعتبر من أحكام الشريعة، تشتمل على الحياة المعنويّة الكاملة ولها أصالتها واعتبارها، ولا يعتريها أيّ نسخ حتّى قيام الساعة، ويجب أن تؤخذ هذه الأحكام والقوانين عن طريق أهل البيت لا غير، ومن هنا يتّضح:

أنّ الاختلاف الأصلي بين الشيعة الإماميّة والشيعة الزيديّة هو: أنّ الشيعة الزيديّة غالباً لا تَحصر الإمامة في أهل البيت، ولا تَقتصر في عدد الأئمّة على الاثني عشر، ولا تتّبع فقه أهل البيت، على خلاف الشيعة الإماميّة.

والفارقُ الأساسي بين الشيعة الإماميّة والشيعة الإسماعيليّة هو: أنّ الإسماعيليّة تعتقد بأنّ الإمامة تدور على (سبع) ولم تُختم النبوّة في محمّد


(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا تمتنع من تغيير أو تبديل أحكام الشريعة، وحتّى ارتفاع أصل التكليف، خاصّة على قول الباطنيّة، على خلاف مذهب الشيعة الإماميّة الذي يعتقد بخاتميّة النبوّة في محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّه خاتم الأنبياء وله اثنا عشر وصيّاً، وتَعتبر ظاهر الشريعة غير قابل للنسخ، ويُثبتون للقرآن ظاهراً وباطناً.

أمّا طائفتا: الشيخيّة، والكريمخانيّة ، واللتان ظهرتا في القرنين الأخيرين بين الشيعة الإماميّة، فلم نعدّهما انشعاباً؛ لأنّ اختلافهما معاً يدور حول توجيه وتفسير بعض المسائل النظريّة، وليس في إثبات أو نفي أصل المسائل.

وكذا فرقة (علي اللهيّة) بالنسبة للشيعة الإماميّة، ويسمّون بـ(الغُلاة) أيضاً، فهم مثل الباطنيّة للشيعة الإسماعيليّة، يعتقدون بالباطن فقط، وبما أنّهم يفتقرون إلى منطق دقيق، فلم نعدّهم في حساب الشيعة.

6. موجزٌ عن تاريخ الشيعة الاثني عشريّة

كما أشرنا في الفصول المتقدّمة: أنّ أكثريّة الشيعة هم الاثنا عشريّة، وهم أصحاب علي وأنصاره، الذين رَفعوا راية المعارَضة والانتقاد في موضوع الخلافة والمرجعيّة العلميّة بعد وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ وذلك لإحياء حقوق أهل البيت، وبهذا انفصلوا عن أكثريّة الناس.

كانت الشيعة مضطهدة في زمن الخلفاء الراشدين (سنة 11 - 35 هجري)، ولم تكن لهم صيانة أو حماية لأنفسهم وأموالهم طوال حكومة بني أُميّة وخلافتهم (40 - 132 هجري)، وكلّما ازدادَ عليهم الضغط والاضطهاد، كانوا أشدّ عَزماً في إرادتهم، وأكثر رسوخاً في عقيدتهم، وكانوا يستفيدون من مظلوميّتهم في سبيل عقيدتهم وتقدّمها ونشرها.


ففي الفترة ما بين الدولتين الأمويّة والعبّاسيّة، حيث تسلّم خلفاء بني العبّاس الحُكم، كانت فترة ضُعف وانهيار، استطاع الشيعة أن يتنفّسوا الصعداء، وذلك في أواسط القرن الثاني للهجرة، ولكن سرعان ما عاد التضييق والاضطهاد عليهم، وازدادَ شيئاً فشيئاً حتّى أواخر القرن الثالث الهجري.

وفي أوائل القرن الرابع الهجري، استعادَ الشيعة قدرتهم بمجيء سلاطين آل بويه، وكانوا من الشيعة، وحَصلت على حريّة فكريّة، وشَرعت بنضالها، واستمرّت حتّى نهاية القرن الخامس الهجري.

وفي أوائل القرن السادس الهجري، الذي يقترن مع حَملة المغول، وعلى أثر المشاكل العامّة، وكذا استمرار الحروب الصليبيّة، فالحكومات الإسلاميّة رفعت الاضطهاد والضغوط عن الشيعة، وخاصّة بعد اعتناق بعض سلاطين المغول في إيران دين الإسلام، وساهمت حكومة سلاطين مرعش في مازندران في قدرة الشيعة وتوسّعها، ممّا جَعلَ الشيعة يتمتّعون بكثرة عددهم في كلّ بُقعة من بِقاع الممالك الإسلاميّة وخاصّةً في إيران، حيث كان الملايين من الشيعة، واستمرّت الحالة هذه حتّى أواخر القرن التاسع الهجري.

وفي بداية القرن العاشر الهجري، إثرَ ظهور الدولة الصفويّة في إيران المتّسعة الأرجاء آنذاك، اعتُرِف رسميّاً بمذهب الشيعة، ولا يزال حتّى الآن أواخر القرن الرابع عشر الهجري يُعتبر مذهباً رسميّاً للبلاد، وفضلاً عن هذا كلّه، فإنّ عشرات الملايين من الشيعة تعيش حالياً في جميع بقاع العالَم.


الفصلُ الثاني

الفِكرُ الديني لدى الشيعة


1) معنى الفكر الديني.

2) المصادر الرئيسيّة للفكر الديني في الإسلام.

3) الطُرق التي يعرضها الإسلام للفكر الديني.

4) الاختلاف بين هذه الطُرق الثلاثة.

5) الطريق الأوّل: الظواهر الدينيّة، أقسام الظواهر الدينيّة، القرآن وأحاديث الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام).

6) حديثُ الصحابة.

7) بحثٌ آخر في الكتاب والسُنّة.

8) ظاهرُ القرآن وباطنه.

9) تأويلُ القرآن.

10) تتمّةُ البحث عن الحديث.

11) الشيعةُ والعمل بالحديث.

12) التعلّمُ والتعليم العام في الإسلام.

13) الشيعةُ والعلوم النقليّة.


1. معنى الفكر الديني

يُطلق هذا الاصطلاح على التحقيق والبحث في موضوعٍ من المواضيع الدينيّة، للحصول على نتيجة معيّنة.

كما أنّ المراد من الفكر الرياضي مثلاً: هو الفكر الذي يُعطي النتيجة لنظريّة رياضيّة معيّنة، أو يحلّ مسألة رياضيّة.

2. المصادرُ الرئيسيّة للفكر الديني في الإسلام

من الطبيعي أنّ الفكر الديني كسائر الأفكار، يَعتمد على مصادر كي يستلهم منها موادّه وأُسسه، كما هو الحال في الفكر الرياضي لحلّ مسألة ما، فإنّه لابدّ من الاستعانة بمجموعة من النظريات والفرضيات، وبالنتيجة ينتهي إلى المعلومات الخاصّة به، والمصدر الوحيد الذي يعتمد عليه الإسلام (من جهة ارتباطه بالوحي السماوي) هو: القرآن الكريم ، إذ إنّه المصدر الرئيسي للنبوّة الشاملة للنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما يحتويه من الدعوة إلى الإسلام، فالقرآن لا ينفي المصادر الأخرى للفكر الصحيح والحُجج الواضحة كما سنتعرّض لها.


3. الطُرق التي يعرضها الإسلام للفكر الديني

فالقرآنُ الكريم يضعُ ثلاثة طُرق أمامَ متّبعيه للوصول إلى المفاهيم الدينيّة والمعارف الإسلاميّة، ويوضِّح لهم أنّ الظواهر الدينيّة والحُجج العقليّة والإدراك المعنوي، لا يتأتّى إلاّ من الخلوص في العبادة.

إنّ الله سبحانه يخاطب الناس عامّة في القرآن، ويَعرض أموراً دون إقامة حجّة أو دليل، انطلاقاً من قدرة هيمنته كخالق، ويُطالب بقبول الأصول والأُسس الاعتقاديّة: كالتوحيد، والنبوّة، والمعاد، والأحكام العمليّة: كالصلاة، والصوم وغيرها، كما يأمر بالنهي والامتناع أحياناً، وإذا لم تكن الآيات لتعطي الحجيّة، لم يكن ليطالب الناس بقبولها واتّباعها، إذاً لابدّ من القول بأنّ هذه الآيات الواضحة الدلالة طريق لفهم المفاهيم الدينيّة والمعارف الإسلاميّة وإدراكها، ونسمّي هذا البيان اللفظي بالظواهر الدينيّة مثل: ( آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ) ، و ( أَقِيمُواْ الصَّلاةَ )

ونرى القرآن من جهةٍ أخرى في كثير من الآيات يدعو إلى الحُجيّة العقليّة، وذلك بدعوة الناس إلى التفكير والتدبّر في الآفاق والأنفس، وهو يسلك الاستدلال العقلي في بيان الحقائق.

وحقاً أنّ القرآن هو الوحيد من الكتب السماويّة الذي يُعرِّف للإنسان العلم والمعرفة بطريقة استدلاليّة، فالقرآن ببيانه هذا يَعتبر الحجّة العقليّة والاستدلال المنطقي من الأمور المُسلّمة، أي أنّه لا يطالِب بتقبّل المعارف الإسلاميّة دون نقاش،


ثُمّ يَنتقل إلى الاحتجاج العقلي، ويستنتج منه المعارف الإسلاميّة، انطلاقاً من الاعتماد الكامل على واقعيّته إذ يقول: مَحِّصوا في الاحتجاج العقلي، واستنبطوا منه صحّة المعارف، ومن ثُمّ القبول والرضا.

وما يُسمع من كلامٍ عن الدعوة الإسلاميّة، يمكن التأمّل فيه والاستفسار عنه، والإصغاء إلى قول الخالق، وبالتالي فإنّ التصديق والإيمان يجب أن يُحصل عليه بدليل أو حجّة، وليس المراد الإيمان مسبقاً، ثُمّ إقامة الأدلّة وفقاً له، فالفكر الفلسفي طريق يدعمهُ القرآن الكريم ويُصادق عليه.

ومن جهةٍ أخرى، نرى القرآن الكريم وبأسلوبه الرائع، يوضِّح لنا أنّ جميع المعارف الحقيقيّة تنبع من التوحيد ومعرفة الله حقيقة، وما كمال معرفة الله جلّ وعلا، إلاّ لأولئك الذين جَعلهم الله من خير عباده، وخَصصهم لنفسه، وهم الذين قد قطعوا علائقهم وارتباطهم بهذا العالَم، ونَسوا كلّ شيء، وإثر الإخلاص والعبوديّة، وجّهوا قواهم إلى العالَم العُلوي، ونوّروا قلوبهم بنور الله سبحانه، ونظروا ببصيرتهم حقائق الأشياء، ومَلكوت السماوات والأرض؛ لأنّهم قد وصلوا إلى مرحلة اليقين، إثر إخلاصهم وعبوديّتهم، وعند حصولهم هذه المنزلة (اليقين)، انكشفَ لهم ملكوت السماوات والأرض، والحياة الخالدة في العالَم الخالد.

ويتّضح هذا الادّعاء مع الالتفات إلى الآيات الكريمة التالية:

قوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ) (1) .

وقوله تعالى: ( سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلاّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ) (2).

ويقول تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ

____________________

(1) سورة الأنبياء: الآية 25، ويُفهم من الآية: أنّ العبادة في الدين فرعٌ للتوحيد، وعليه يُبنى.

(2) سورة الصافات: الآية 159، إنّ الوصف فرع من المعرفة والإدراك، ويُفهم من الآية: أنّ المُخلصين فحسب، يعرفون الله حقّ معرفته، والله منزّه عن وصف الآخرين له.


فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (1).

ويقول سبحانه: ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )(2) .

وقوله: ( وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) (3).

وقوله: ( كَلاّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ ) (4) .

وقوله تعالى أيضاً: ( كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ) (5) .

إذاً، إحدى طرق استيعاب المعارف الإلهيّة وإدراكها هي: تهذيب النفس، والإخلاص في العبوديّة.

4. الاختلافُ بين هذه الطُرق الثلاثة

اتّضح ممّا سبق: أنّ القرآن الكريم يَعرض ثلاثة طُرق لفهم المعارف الدينيّة: الظواهر الدينيّة، والعقل، والإخلاص في العبوديّة، والذي مؤدّاه انكشاف الحقائق،

____________________

(1) سورة الكهف: الآية 11، يُستنبط من الآية: أنّ الطريق للقاء الله هو التوحيد والعمل الصالح، ولا طريق سواه.

(2) سورة الحجر: الآية 99، ويُستفاد من الآية: أنّ عبادة الله تؤدّي إلى اليقين.

(3) سورة الأنعام: الآية 75، يُفهم من الآية: أنّ إحدى لوازم اليقين، مشاهدة مَلكوت السماوات والأرض.

4) سورة المطفّفين: الآية 21، يُستفاد من الآيات: أنّ عاقبة (الأبرار) في كتابٍ يُدعى (علّيين) المرتفع جدّاً، ويُشاهده المقرّبون لله تعالى، عِلماً أنّ لفظ (يشهده) صريحٌ بأنّ المراد ليس الكتاب المخطوط، بل عالَم تقرّب وارتقاء.

(5) سورة التكاثر: الآية 5، يُستفاد من الآية: أنّ علم اليقين موروث لمشاهدة عاقبة حالة الأشقياء وهو الجحيم (جهنّم).


والمشاهدة الباطنيّة لها، ولكن يجب أن نعلم أنّ هذه الطُرق الثلاثة، تتفاوت فيما بينها من جهاتٍ عدّة:

الأولى: إنّ الظواهر الدينيّة بيانات لفظيّة، تُستفاد من أبسط الألفاظ، وفي متناول أيدي الناس، وكلّ يستفيد (1) منها حسب قدرته وفهمه واستيعابه، على خلاف الطريقين الآخرَين، إذ يختصّان بجماعة خاصّة، ولم يكونا لعامّة الناس.

الثانية: إنّ طريق الظواهر الدينيّة لهوَ الطريق الموصِل إلى أصول المعارف الإسلاميّة وفروعها، ويمكن الحصول على المسائل الاعتقاديّة والأخلاقيّة، وكذا الكلّيات للمسائل العمليّة (فروع الدين)، ولكن جزئيات الأحكام ومصالحها الخاصّة بها لم تكن في متناوَل العقل، وخارجة عن نطاقها، وهكذا طريق تهذيب النفس؛ لأنّ نتيجتها انكشاف الحقائق، وهو عِلم لدُنّي (من قِبل الله تعالى)، ولا يسعنا أن نُحدِّد نتائجها والحقائق التي تنكشف عن هذه الموهبة الإلهيّة، وهؤلاء لمّا انفصلوا عن كلّ شيء ونسوه سوى الله تعالى، فإنّهم تحت رعاية الله بصورة مباشرة، وكلّ ما يريده (لا كلّ ما يريدونه) ينكشف لهم.

____________________

(1) ومن هنا يتّضح لنا قول النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في رواية ينقلها العامّة والخاصّة: (إنّا مَعاشر الأنبياء نكلِّم الناس على قَدَر عقولهم) البحار ج1: 36.


5. الطريقُ الأوّل: الظواهر الدينيّة أقسامها

وكما سبقت الإشارة إليه: أنّ القرآن الكريم والذي يُعتبر مصدراً أساسيّاً للفكر الديني الإسلامي، قد أعطى للسامعين حُجيّة واعتبار ظواهر الألفاظ، وأنّ هذه الظواهر للآيات قد جَعلت أقوال النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المرحلة الثانية بعد القرآن، وتُعتبر حجّة كالآيات القرآنيّة، ويؤيّده قوله تعالى:

( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (1) .

وقوله جلّ شأنه: ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ) (2) .

وقوله أيضاً: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (3) .

فإذا لم تكن أقوال النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأفعاله وحتّى صَمته وإقراره، حجّة كالقرآن الكريم، لم نجد مفهوماً صحيحاً للآيات المذكورة، لذا فإنّ أقواله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حجّة لازمة الإتّباع، للذين قد سَمعوه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)،

____________________

(1) سورة النحل: الآية 44.

(2) سورة الجمعة: الآية 2.

(3) سورة الأحزاب: الآية 21.


أو قد نُقل إليهم عن طريق رواة ثقات، وكذلك يُنقل عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن طُرق متواترة قطعيّة، أنّ أقوال أهل بيته كأقواله، وبموجب هذا الحديث والأحاديث النبويّة القطعيّة الأخرى، تصبح أقوال أهل البيت تالية لأقوال النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وواجبة الاتّباع، وأنّ أهل البيت لهم المرجعيّة العلميّة في الإسلام، ولم يخطأوا في تبيان المعارف والأحكام الإسلاميّة، فأقوالهم حجّة يُعتمد عليها سواء كانت مشافهةً أو نقلاً.

يتّضح من هذا التفصيل: أنّ الظواهر الدينيّة والتي تُعتبر مصدراً في الفكر الإسلامي على قسمين: الكتاب، والسُنّة، والمراد بالكتاب: ظواهر الآيات القرآنيّة الكريمة، والمقصود بالسُنّة: الأحاديث المرويّة عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام).

6. حديثُ الصحابة

أمّا الأحاديث التي تُنقل عن الصحابة، فإذا كانت متضمّنة أقوال الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أفعاله، ولم تُخالف أحاديث أهل البيت، تؤخَذ بنظر الاعتبار، وإذا كانت متضمّنة لرأي الصحابي فحسب، فليست لها حجيّة، ويُعتبر الصحابي كسائر المسلمين، عِلماً بأنّ الصحابة أنفسهم كانوا يَعتبرون الصحابي كبقيّة المسلمين، ويُعاملونه معاملتهم.


7. بحثٌ آخر في الكتاب والسُنّة

يُعتبر كتاب الله (القرآن الكريم) هو المصدر الأساسي للفكر الإسلامي، وهو الذي يُعطي الاعتبار والحُجيّة للمصادر الدينيّة الأخرى، لذا يجب أن يكون قابلاً للفهم لعامّة الناس.

وفضلاً عن هذا، فإنّ القرآن الكريم يُعلن أنّه نور موضِّح لكلّ شيء، وفي مقام التحدّي يُطالِب بتدبّر آياته، إذ ليس فيه أيّ اختلاف أو تناقض، وإذا كان باستطاعتهم معارضته والإتيان بمثله، لفَعلوا ذلك.

وواضحٌ أنّ القرآن لو لم يكن مفهوماً لدى العامّة، فإنّ مثل هذه الآيات لا اعتبار لها.

وليس هناك مجال للظن، أنّ هذا الموضوع (القرآن يفهمهُ عامّة الناس)، يتنافى مع الموضوع السابق (أنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته هم مراجع علميّة للمعارف الإسلاميّة، والتي هي حقيقة يدلّ عليها القرآن الكريم).

إنّ بعضاً من المعارف الإسلاميّة، وهي الأحكام والقوانين التشريعيّة، فإنّ القرآن الكريم يشير إلى الكلّيات منها، ويتوقّف تفصيلها بالرجوع إلى السُنّة (حديث أهل البيت (عليهم السلام)) مثل: أحكام الصلاة، والصوم، والمعاملات، وسائر العبادات.

والبعض الآخر: كالاعتقادات، والأخلاق، وإن كانت مضامينها وتفاصيلها يفهمها العامّة، لكن إدراك وفهم معانيها يستلزم اتّخاذ نهج أهل البيت، مع الاستعانة بالآيات، فإنّها تُفسِّر بعضها بعضاً، ولا يمكن الاستعانة برأي خاص، والذي أصبحَ من العادات والتقاليد، وباتت النفس تستأنس به.


يقول الإمام علي (عليه السلام): (كتابُ الله تُبصرون به، وتَنطقون به، وتَسمعون به ويَنطق بعضهُ ببعضه، ويشهدُ بعضهُ على بعض) (1) .

يقول النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (القرآن يُصدِّق بعضه بعضاً) (2) ، وكذا قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (مَن فسّر القرآن برأيه، فليتبوّأ مقعدهُ من النار) (3) .

هناك أمثلة بسيطة لتفسير القرآن بعضهُ ببعض، وذلك في قوله تعالى في قصّة لوط: ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِينَ ) (4) .

وفي آيةٍ أخرى جاءت كلمة (ساء) بكلمة (حجارة) كما في الآية الكريمة: ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ) (5) .

يتّضح من الآية الثانية: أنّ المراد من الآية الأولى ( فَسَاء مَطَرُ ) هو ( حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ) ، والذي يُتابع أحاديث أهل البيت بدقّة وكذا الروايات المنقولة عن مفسّري الصحابة والتابعين، لا يتردّد بأنّ طريقة تفسير القرآن بالقرآن تنحصر في طريقة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

8. ظاهرُ القرآن وباطنه

اتّضح أنّ القرآن الكريم بألفاظه وبيانه، يوضِّح الأغراض الدينيّة، ويُعطي الأحكام اللازمة للناس في الاعتقادات والعمل بها، ولكن لا تنحصر أغراض القرآن بهذه المرحلة،

____________________

(1) نهج البلاغة: خطبة رقم 133.

(2) الدرّ المنثور ج2: 6.

(3) تفسير الصافي: صفحة 8، البحار ج19: 28.

(4) سورة الشعراء: الآية 173.

(5) سورة الحجر: الآية 74.


فإنّ في كُنه هذه الألفاظ وهذه الأغراض، تستقرّ مرحلة معنويّة، وأغراض أكثر عُمقاً، والذي يُدركه الخواص بقلوبهم الطاهرة المنزّهة.

فالنبيّ العظيم، وهو المعلّم الإلهي للقرآن يقول: (ظاهرٌ أنيق وباطنٌ عميق) (1) ، ويقول أيضاً: (للقرآن بطنٌ وظهر ولبطنه بطن، إلى سبعة بطون) (2) ، وقد وردَ الكثير عن باطن القرآن في أقوال أهل البيت (عليهم السلام) (3) .

فالأصل في هذه الروايات، هو التشبيه الذي قد ذكرهُ الله تعالى في سورة الرعد الآية 17، يُشبّه فيه الإفاضات السماويّة بالمطر الذي يَهطل من السماء بقوله:

( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ ) .

وتشير هذه الآية: إلى أنّ استيعاب الناس وقدرتهم على اكتساب المعارف السماويّة والتي تُنير النفوس، وتمنحها الحياة متفاوتة.

فهناك مَن لا يُعطي الأصالة لهذا العالَم - الذي سرعان ما يزول - إلاّ للمادّة والحياة الماديّة، ولا يرجو سوى ما تشتهيه نفسه من الحياة الماديّة، ولا يخشى إلاّ الحرمان منها، وهؤلاء على اختلافٍ في مراتبهم.

وغاية ما يمكن قبوله من المعارف السماويّة: هو الاعتقاد بمُجملٍ من المعتقدات، وأداء أحكام الإسلام العمليّة ظاهراً، ومن ثُمّ عبادة الله جلّ شأنه أملاً في الثواب وخوفاً من العقاب.

____________________

(1) تفسير الصافي: صفحة 4.

(2) سفينةُ البحار، تفسير الصافي: ص 15، الكافي، معاني الأخبار، وروايات أخرى.

(3) البحار ج1: 117.


وهناك أُناس إثر صفاء فطرتهم لا يرونَ السعادة بالركون إلى لذائذ هذه الحياة بأيّامها القليلة الزائلة، وما الفائدة والضرر، والبهجة والبؤس في الحياة هذه إلاّ ظن مغرٍ، وما أولئك الذين كانوا بالأمس سُعداء، وأصبحوا اليوم قَصصاً تُروى، سوى دروس عِبَر لهم تُلقى في أذهانهم باستمرار وعلى الدوام.

وهؤلاء بالطبع يتّجهون بقلوبهم المنزّهة إلى العالَم الأبدي، وينظرون إلى هذا العالَم بما فيه من مظاهر مختلفة، بأنّها دلالات وإشارات لا غير، وليست فيها أيّة أصالة أو استقلال.

وعندما تُفتح لهم أبواب من المعرفة والإدراك المعنوي للآيات والظواهر الأرضيّة والسماويّة، وتَشرق في نفوسهم أنوار غير متناهية من عظمة وجلال الخالق سبحانه، وتَعجب نفوسهم وقلوبهم الطاهرة برموز الخليقة إعجاباً، فتعرج أرواحهم في الفضاء غير المتناهي للعالَم الأبدي، بدلاً من انغماسها في مصالحها الماديّة الخاصّة.

وعندما يستمعون عن طريق الوحي الإلهي، أنّ الله تعالى قد نهى عن عبادة الأوثان، وظاهر الآية مثلاً التعظيم أمام الأصنام، فإنّهم يُدركون أنّ العبادة تختصّ بالله سبحانه، وليس لأحدٍ سواه؛ لأنّ حقيقة العبادة هي العبوديّة المطلقة، وأكثر من هذا، فهم يُدركون على أنّ الخوف والرجاء لا يكون إلاّ من الله ولله وحده، ويجب ألاّ يستسلموا لأهواء النفس، ولا يجوز التوجّه إلاّ لله تعالى.

وعندما يُتلى عليهم حُكم وجوب الصلاة، وظاهر الحُكم إقامة العبادة الخاصّة، لكن بحسب الباطن يدركون أنّ هذه العبادة يجب أن تتحقّق بقلوبهم وبكلّ وجودهم، وأكثر من هذا يجب أن ينسوا أنفسهم، فهم لا شيء تجاه الخالق، ويتفانوا في عبادة الله وحده.


وكما هو واضح، أنّ المعنى الباطني المستفاد من المثالين السابقين، لم يكن مدلولاً لفظيّاً للأمر أو النهي بذاته - للذي جَعَل مجال فكره متّسعاً - يُرجِّح النظر إلى العالَم والكون على النظر في نفسه، وما تنطوي عليه من أنانيّة وحُبّ للذات.

ومع هذا البيان، يتبيّن معنى ظاهر القرآن وباطنه، وكذلك يتّضح أنّ باطن القرآن لا يُلغي ولا يُبطل ظاهره، بل إنّه بمنزلة الروح التي تمنح الجسم الحياة، وبما أنّ الإسلام دين عام شامل وأبدي، يهتمّ أوّلاً وقَبل كلّ شيء بإصلاح المجتمع البشري، ولا يتخلّى عن الأحكام الظاهريّة والتي مؤدّاها إصلاح المجتمع، وكذا لا يتخلّى عن الاعتقادات البسيطة والتي تُعتبر حارسة للأحكام المشار إليها.

وكيف يمكن لمجتمع أن ينال السعادة بالاقتناع أنّ الانسان يكفيه أن يكون منزّهاً، وليس هناك ثمّة اعتبار للعمل، ويعيش في حياة مُحاطة بعدم التنظيم والاستقرار؟

وكيف يمكن لفكرٍ سقيم وأقوال سقيمة أن تخلق قلوباً طاهرة زكيّة، أو أن يُظهر من قلبٍ زكي، أقوالاً سقيمة؟

ويقول تعالى في كتابه العزيز: ( وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ) .

ويقول أيضاً: ( وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً... ) (1) .

ويُستفاد ممّا ذَكرنا: أنّ للقرآن الكريم ظاهراً وباطناً، وباطنهُ أيضاً ذو مراتب مختلفة، والحديث هو المبيّن لمفاهيم القرآن الكريم.

____________________

(1) سورة الأعراف: الآية 58.


9. تأويلُ القرآن

وممّا كان مشهوراً عند إخواننا أهل السُنّة في صدر الإسلام، هو إمكان الرجوع عن ظاهر القرآن الكريم إذا وجِدَ دليل، وأن تُحمل الآية على خلاف الظاهر، هذا ما يسمّى بـ (التأويل) ، فكلمةُ التأويل في القرآن الكريم، كانت تُفسّر بهذا المعنى.

وممّا يُشاهد في كُتب أهل السُنّة: أنّ المناظرات الدينيّة المختلفة، كانت تؤيَّد بإجماع علماء المذاهب، أو بدليلٍ آخر، فإذا ما خالفت ظاهر آية من الآيات القرآنيّة، كانوا يلجأون إلى تأويل الآية، حَملاً لخلاف ظاهرها، وأحياناً كان يلجأ كلّ من الطرفين المتخاصمين لقولين متضاربَين، إلى الآيات القرآنيّة والاحتجاج بها، وكلّ منهما كان يُؤوّل آية الطرف المتخاصم.

قلّما تسرّب هذا النوع من الاحتجاج إلى الشيعة، وقد ذُكر في بعض كُتبهم في علم الكلام…

وممّا يُستفاد من الآيات القرآنيّة وأحاديث أهل البيت بعد تدبّرها: أنّ القرآن الكريم مع صراحته ووضوح بيانه، لا يريد أن تكون الآيات مُبهمة وتبقى لغزاً دون حلٍ، وكلّ ما جاء إلى الناس من أحكام ومسائل، فهي بألفاظ تُناسب ذلك الموضوع.

وما يذكرهُ القرآن بكلمة (تأويل)، لم يكن مدلولاً للفظ، بل حقائق وواقعيّات أعلى شأناً من فهم عامّة الناس، وهي الأساس للمسائل الاعتقاديّة والأحكام العَمَليّة للقرآن.

نعم، إنّ لكلّ آيات القرآن تأويلاً، ولا يُدرَك تأويلهُ عن طريق التفكّر مباشرة، ولا يتّضح ذلك من ألفاظه، وينحصر فهمه وإدراكه للأنبياء والصالحين من عباد الله،


الذين نزّهوا أنفسهم من كلّ رجسٍ، فإنّهم يستطيعون إدراكه عن طريق المشاهدة، نعم، إنّ تأويل القرآن سوف ينكشف يوم تقوم الساعة.

نحنُ نعلم جيّداً أنّ احتياج المجتمع المادّي، دَفعَ الإنسان إلى الكلام ووضْعِ الكلمات، وكذا كيفيّة الاستفادة من الألفاظ، فالإنسان في حياته الاجتماعيّة مُضطرّ أن يُبدي ما في ضميره من مفاهيم إلى أبناء نوعه، ويستمدّ العونَ في هذا عن طريق الصوت والأُذن، وقلّما استفاد من الإشارة أو حركة العين.

ومن هنا نجد أنّ التفاهم لا يحصل بين أفرادٍ صُم عُمي؛ لأنّ ما يقولهُ الأعمى لا يسمعهُ الأصمّ، وما يقوم به الأصمّ من الإشارات لا يراها الأعمى، فعلى هذا، فإنّ وضعَ الكلمات وتسمية الأشياء، ما هو إلاّ لرفع الاحتياجات الماديّة، وقد اصطُنعت الكلمات للأشياء والأوضاع والأحوال الماديّة التي تقع في متناول الحِسّ، أو على مَقربة من المحسوس، وكما نشاهد في موارد، إذا كان المخاطَب فاقداً لإحدى الحواس، وأردنا التكلّم معهُ عن طريق ذلك الحسّ المفقود، نلجأ إلى نوعٍ من التمثيل والتشبيه، فعلى سبيل المثال: إذا أردنا أن نصف لشخصٍ أعمى منذ الولادة النور والضياء، وإذا أردنا أن نصف لطفلٍ لم يبلغ سِنّ البلوغ لذّة العمل الجنسي، فإنّنا نقوم بنوع من المقارنة والتشبيه المناسب.

فعليه، إذا افترضنا أنّ هناك في الكون واقعيّات ليست بمادّة (وواقع الأمر هكذا)، فهناك من البشر في كلّ عصر، لا يتجاوز عددهم عدد الأصابع، لهم القدرة على إدراكها ومشاهدتها، وهذه الأمور لا يمكن توضيحها للآخرين عن طريق البيان اللفظي والفكر الاعتيادي، ولا يَسعنا الإشارة إليه إلاّ بالتمثيل والتشبيه، فالله تعالى يقول في كتابه العزيز: ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) (1) ، أي لا يتوصّل إليه الفهم الاعتيادي، ولا يبلغهُ.

____________________

(1) سورة الزُخرف: الآية 3، 4.


ويقول ايضاً: ( إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ ) (1) .

ويقول أيضاً ‎ في شأن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام): ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) .

وِفقاً لدلالات هذه الآيات، فإنّ القرآن الكريم يَصدر من ناحية تَعجز أفهام الناس من الوصول إليها، والتوغّل فيها، فلا يُدركها إلاّ مَن كان من المُخلَصين وعباده المقرّبين، وأوليائه الصالحين، فأهل بيت النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)خيرُ مصداقٍ لذلك.

ويقول عزّ مَن قائل: ( بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) (3) ، أي ترى الأشياء بالعَيان يوم القيامة.

ويقول أيضاً في آية أخرى: ( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) (4) .

____________________

(1) سورة الواقعة: الآية 77 - 79.

(2) سورة الأحزاب: الآية 33.

(3) سورة يونس: الآية 39.

(4) سورة الأعراف: الآية 53.


10. تتمّةُ البحث عن الحديث

إنّ اعتبار أصالة الحديث، والذي يؤيّده القرآن الكريم، تقرّه الشيعة وسائر المذاهب الإسلاميّة، ولكنّ أثر التفريط الذي حَصلَ من الولاة والحُكّام في صدر الإسلام في حفظه، والإفراط الذي حَدثَ من الصحابة والتابعين في نشر الأحاديث، كانت عاقبة الحديث مؤسفة مؤلِمة.

فمن جهةٍ، منعَ خلفاء الوقت من كتابة الحديث وتدوينه، إذ كانوا يُحرقون الأوراق التي دوِّنت فيها الأحاديث، ما وَسَعهم ذلك، وأحياناً كانوا يَمنعون من نقل الأحاديث، هذا ما أدّى إلى أنّ الكثير من الأحاديث أصابها التغيير والتحريف والنسيان، ونُقلت الأحاديث بمضامينها.

ومن جهةٍ أخرى، قامَ صحابة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - الذين حضروا مجلسه، واستمعوا إلى حديثه، وكانوا مورد احترام خلفاء الوقت وعامّة المسلمين - بنشر الأحاديث، حتّى آلَ الأمر إلى أن يصبح الحديث ذا أهميّة أكثر من القرآن، فأحياناً كان الحديث يَنسخ الآية (1) .

وكان يتّفق أنّ نَقَلة الأحاديث، يتحمّلون مصاعب الطريق والسفر لاستماع حديث واحد.

وقد تزيّ البعض من غير المسلمين بزيّ الإسلام، وتلبّس به، وذهبَ بعضٌ من أعداء الإسلام إلى وضع الأحاديث وتغييرها، حيث أسقطوا الحديث

____________________

(1) موضوع نَسخ القرآن بالحديث أحد مواضيع علم الأصول، ويؤيّده جَمع من علماء أهل السُنّة، ويتّضح من قضيّة (فدك) أنّ الخليفة الأوّل يؤيّد ذلك أيضاً.


من الاعتبار، والوثوق به (1) .

ولهذا السبب، فكّر علماء الإسلام ومُفكروهم لوضع حلّ لهذه المُعضلة، فوضعوا عِلمَين: عِلمُ الرجال، وعِلم الدراية؛ ليميّزوا الحديث الصحيح من السقيم.

والشيعة فضلاً عن أنّهم يسعونَ لتنقيح سند الحديث، يرونَ وجوب مطابقة الحديث للقرآن الكريم في صحّة اعتباره.

وقد وردَ في أخبار كثيرة (2) وبأسانيدٍ قطعيّة عن طريق الشيعة، عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، أنّ الحديث الذي يُخالف القرآن لا اعتبارَ له، والحديث المُعتبر هو ما وافقَ القرآن، فوفقاً لهذه الأخبار الشيعيّة، لا يُعمل بالأحاديث التي تُخالف القرآن.

أمّا الأخبار التي (3) لا يُعلم مدى مخالفتها أو موافقتها، فإنّها توضَع جانباً، دون ردٍّ أو قبول، وتُعتبر مسكوتاً عنها، ويُستدلّ على هذا الأمر بأحاديثٍ أخرى لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا يخفى أنّ هناك فئة من الشيعة، مثلَ ما عند أهل السُنّة، يعملونَ بأيّ حديثٍ يقع في متناول أيديهم.

11. الشيعةُ والعمل بالحديث

الأحاديثُ التي سُمعت من النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) دون واسطة، حُكمها حُكم القرآن الكريم.

____________________

(1) ما يؤيِّد هذا القول: مصنّفات كثيرة وضَعها العلماء في الأحاديث الموضوعة، وكذا في كُتب الرجال اشتهرَ جماعة من الرواة بأنّهم كذّابون وضّاعون.

(2) البحار ج1: 139.

(3) البحار ج1: 171.


أمّا الأحاديث التي وصلت إلينا بواسطة، فإنّ الشيعة تعمل بها كالآتي:

فيما يتعلّق بالمسائل الاعتقاديّة والذي يُصرِّح به القرآن، يستلزم العلم والقطع بالخبر المتواتر، أو الخبر الذي تتوفّر في صحّته الشواهد القطعيّة، فإنّه يُعمل به، وعدا هذين النوعين، والذي يسمّى الخبر الواحد، فلا اعتبارَ له.

ولكنّ في استنباط (1) الأحكام الشرعيّة، نظراً للأدلّة القائمة، فضلاً عن الخبر المتواتر والخبر القطعي، فإنّه يُعمل أيضاً بالخبر الواحد الذي يكون موثّقاً.

إذاً، فالخبرُ المتواتر والخبر القطعي مطلقاً عند الشيعة، يكون حجّة ولازم الإتّباع، أمّا الخبر غير القطعي (الخبر الواحد) فإنّه حُجّة بشرط أن يكون موثّقاً في نوعه، وينحصر ذلك في الأحكام الشرعيّة.

12. التعلّمُ والتعليم العام في الإسلام

تحصيلُ العلم إحدى الوظائف الدينيّة في الإسلام، وخيرُ دليلٍ على ذلك: قول النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (طَلبُ العلم فريضةٌ على كلّ مسلم ومسلمة)، ووفقاً للأخبار التي تؤيَّد بالشواهد القطعيّة، أنّ المراد من العلم: هو معرفة أصول الدين الثلاثة: (التوحيد، والنبوّة، والمعاد) مع ما يلازمها، ومعرفة الأحكام والقوانين الإسلاميّة بصورة مفصّلة، كلّ حَسب احتياجه.

وواضحٌ أنّ تحصيل العلم في أصول الدين، وإن كان مع دليلٍ مُجمل، فهو ميسور للجميع، ولكنّ تحصيل العلم مع تفاصيل الأحكام والقوانين الدينيّة، لا يتحقّق إلاّ من الاستفادة والاستنباط الفنّي من المصادر الأصليّة،

____________________

(1) مبحثُ حجيّة الخبر الواحد في علم الأصول.


الكتاب والسُنّة (الفقه الاستدلالي)، وهذا ما لا يتيسر للجميع، فهناك مَن يستطيع أن يقوم بهذه المهمّة.

والإسلام لا يُشرِّع حُكماً فيه حرج، فعلى هذا فإنّ تحصيل العلم للأحكام والشرائع الدينيّة عن طريق الدليل، يُعتبر واجباً كفائيّاً، يختصّ بالبعض الذي له الكفاءة والقدرة، أمّا عامّة الناس، فيجب عليهم الرجوع وفقاً للقاعدة العامّة (وجوب رجوع الجاهل إلى العالِم، قاعدة الرجوع إلى أهل الخِبرة)، وهو مراجعة مَن يُسمّون بـ (المجتهدين الفقهاء)، ويُطلق على هذه المراجعة كلمة (التقليد)، ولكنّ هذا الرجوع والتقليد ليس في أصول الدين (1).

وممّا تجدرُ الإشارة إليه: أنّ الشيعة لا تُجيز التقليد الابتدائي من المجتهد الميّت، والشخص الذي لا يَعلم مسألة ما عن طريق الاجتهاد، فإنّه وفقاً لوظيفته الدينيّة يجب أن يُقلّد المجتهد، ولا يستطيع الرجوع إلى فتوى المجتهد المتوفّى، ما لم يكن قد قلّد في هذه المسألة مجتهداً حيّاً، وبعد وفاة المرجِع والمقلَّد بقيَ على تقليده، وهذه المسألة هي إحدى العوامل المهمّة التي تجعل الفقه الإسلامي الشيعي يمتاز بالحيويّة، فيسعى جماعة للحصول على درجة الاجتهاد، والتحقيق في المسائل الفقهيّة.

ولكنّ إخواننا أهل السُنّة إِثرَ الإجماع الذي حصلَ في القرن الخامس الهجري، الداعي بلزوم إتّباع مذهب من الفقهاء الأربعة وهم: (أبو حنيفة، والمالكي، والشافعي، وأحمد بن حنبل) فهم لا يُجيزون الاجتهاد الحرّ، وكذا التقليد من غير هؤلاء الأربعة، وفي النتيجة بقى فقههم كما كان عليه قَبل حوالي ألف ومائتي سنة، وأخيراً انعزلَ جماعة من المنفردين عن الإجماع المذكور، واتّجه نحو الاجتهاد الحرّ.

____________________

(1) يُراجع في هذا الموضوع: مبحثُ الاجتهاد والتقليد من علم الأصول.


13. الشيعةُ والعلوم النقليّة

العلومُ الإسلاميّة التي دوّنها علماء الإسلام تنقسم إلى قسمين: عقليّة، ونقليّة .

فالعلوم النقليّة: هي التي يُعتمد عليها في النقل، مثل: اللغة، والحديث، والتأريخ وما شابهها، والعلوم العقليّة مثل: الفلسفة، والرياضيات.

ولا شكّ أنّ الدافع الأصلي لظهور العلوم النقليّة في الإسلام هو: القرآن الكريم، عدا عِلمين مثل: علم التأريخ والأنساب، وعلم العروض، أمّا سائر العلوم فهي وليدة هذا الكتاب الإلهي.

دوّنَ المسلمون هذه العلوم بتتبّعهم الديني، وأهمّ ما فيها هو: الأدب العربي، وعلم النحو والصرف، وعلم البلاغة، وعلم اللغة، وما يتعلّق بالظواهر الدينيّة، مثل: فنّ علم القراءة، والتفسير، والحديث، والرجال، والدراية، والأصول، والفقه.

والشيعةُ لهم دورهم ومشاركتهم المهمّة في تأسيس وتنقيح هذه العلوم، ويمكن القول: بأنّ المؤسّس والمُبتكر لكثيرٍ منها هم الشيعة، كما نجد ذلك في علم النحو، فقد صنّفه (أبو الأسود الدؤلي) وهو أحد صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي (عليه السلام)، بعد أن أملاه عليه الإمام علي (عليه السلام).

ويُعتبر الصاحب بن عبّاد الشيعي، من كبار مؤسّسي (1) علم الفصاحة والبلاغة، وكان من وزراء آل بويه.

وأوّل كتاب صُنِّف في علم اللغة هو: (كتاب العين) (2) لمؤلّفه العالِم المعروف (الخليلُ بن أحمد البصري الشيعي)،

____________________

(1) الوَفَيات لابن خلّكان: ص 78، أعيان الشيعة ج11: 231.

(2) الوَفَيات: ص 190، وأعيان الشيعة وسائر الكُتب والتراجم.


وهو واضع عِلم العُروض، وأُستاذ (سيبويه النحوي) في علم النحو.

وتنتهي قراءة (عاصم) للقرآن إلى علي (عليه السلام) بواسطة، وأمّا عبد الله بن عبّاس والذي يُعتبر من أفضل الصحابة في التفسير، فتلميذٌ للإمام علي (عليه السلام)، ولا يَنكر أحد ما بذلهُ أهل البيت وشيعتهم من جهدٍ في علم الحديث والفقه، وإنّ اتصال الفقهاء الأربعة وغيرهم بالإمام الخامس والسادس للشيعة فمعروف، وما حصلَ عليه الشيعة من تقدُّم في أصول الفقه في زمن (الوحيد البهبهاني) - المتوفّى سنة 1205 هجري قمري، وبالأخص على يد الشيخ (مرتضى الأنصاري) ، المتوفّى سنة 1281 هجري قمري - يُثير الإعجاب، ولا يُقارن بأصول الفقه لدى إخواننا أهل السُنّة.


الطريقُ الثاني للمباحث العقليّة

1) التفكّرُ العقلي والفلسفي والكلامي.

2) مَدى قِدَم الشيعة في التفكير الفلسفي والكلامي في الإسلام.

3) الشيعةُ تسعى دائماً في الفلسفة وسائر العلوم العقليّة.

4) لماذا استقرّت الفلسفة عند الشيعة؟

5) خمسةٌ من نوابغ علماء الشيعة.

1. التفكّرُ العقلي والفلسفي والكلامي

قد أشرنا سابقاً (1)، أنّ القرآن الكريم يؤيِّد التفكّر العقلي، ويَعتبره جزءاً من التفكّر الديني، والتفكّر العقلي بعد أن يُصادِق على صدق نبوّة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يَجعل الظواهر القرآنيّة بما فيها الوحي السماوي، وأقوال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) من موارد الحُجج العقليّة،

____________________

(1) الفصلُ الأوّل من الكتاب.


والحُجج العقليّة التي يُثبت بها الإنسان نظريّاته، مع ما لديه من فطرة إلهيّة تنقسم إلى قسمين: البرهان، والجَدل.

والبرهانُ: حُجّة، ومقدّماته الواقعيّات وإن لم تكن مشهودة أو مسلّمة، وبعبارةٍ أخرى: أمور يدركها الانسان اضطراراً مع ما عنده من فطرة إلهيّة، ويُصادِق عليها، كما نعلم أنّ (عدد الثلاثة أصغر من عدد الأربعة)، فهذا النوع من التفكّر يُدعى التفكّر العقلي، وإذا تحقّق وحصلَ ذلك في الكلّيات من العالَم والكون: كالتفكّر في بدء الخلقة، وعاقبة العالَم والعالَمين، فهو ما يُسمّى بالتفكّر الفلسفي.

والجدلُ: حجّة، إذا حَصَلت مقوّماته من المشهودات والمسلّمات، كما هو متعارف بين مُعتنقي الأديان والمذاهب، إذ إنّهم يُثبتون آراء ونظريّات مذهب مع الأصول المسلّمة لذلك المذهب.

والقرآنُ الكريم يستفيد من الطريقتين، وهناك آيات كثيرة في هذا الكتاب السماوي لكلّ من هاتين الطريقتين.

أوّلاً: يأمر بالتدبّر والتفكّر المطلق في الكلّيات لعالَم الطبيعة وفي النظام العام للعالَم، وكذا في النظام الخاص، مثل: نظام السماء، والنجوم، والليل، والنهار، والأرض، والنبات، والحيوان، والإنسان وغيرها، ويُثني على التتبّعات العقليّة الحرّة ثناءً جميلاً.

ثانياً: يأمر بالتفكّر العقلي الجَدلي، ويسمّى عادةً بالمباحث الكلاميّة، بشرط أن يتمّ ذلك بأحسن وجه ممكن؛ وذلك لإظهار الحقّ بدون لجاجة وأن يكون مقروناً بالأخلاق الحَسَنة، كما في قوله تعالى: ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) (1) .

____________________

(1) سورة النحل: الآية 125.


2. مَدى قِدَم الشيعة في التفكير الفلسفي والكلامي في الإسلام

منذُ اليوم الذي انفصلت الأقلّيّة الشيعيّة عن الأكثريّة السُنيّة، كانت الشيعة تُقيم الاحتجاج مع مخالفيها في النظريّات التي كانت تتبنّاها والخاصّة بها.

صحيح إنّ الاحتجاج ذو طرفين، والمتخاصمان شريكان في دعواهم، ولكنّ الشيعة كانت تقف موقف الهجوم، والآخرون كانوا في موقف الدفاع، فالذي يقف موقف الهجوم يجب أن يكون قد هيّأ الوسائل الكافية للمخاصمة، ومن ثُمّ الحَملة والهجوم.

وكذا في التقدّم الذي حَظت به المباحث الكلاميّة بصورة تدريجيّة في القرن الثاني وأوائل القرن الثالث، فقد وصلَ في رُقيّه إلى القمّة مع انتشار مذهب الاعتزال، فعلماء الشيعة ومحقّقوهم، والذين هم تلاميذ مدرسة أهل البيت عق، كانوا في المقدّمة من المتكلّمين، فضلاً من أنّ متكلّمي أهل السُنّة (1) ، من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، يصلون في تدرّجهم هذا إلى الإمام الأوّل للشيعة، وهو الإمام علي عس.

وأمّا أولئك الذين عَرفوا آثار الصحابة، واطّلعوا عليها، يعلمون جيّداً أنّ من بين جميع هذه الآثار التي تُنسب إلى الصحابة (وقد دوِّنت أسماء اثني عشر ألفاً)، لم نجد أثراً واحداً يشتمل على التفكّر الفلسفي.

وينفرد الإمام علي عس بخطابه وبيانه المُبهر في معرفة الله تعالى، بأنّه يتّصف بالتفكيرات الفلسفيّة العميقة جدّاً.

____________________

(1) شرحُ ابن أبي الحديد: أوائل المجلّد الأوّل.


لم تكن للصحابة ولا التابعين الذين جاؤوا بعد الصحابة، والعرب بصورة عامّة في ذلك اليوم، أيّة معرفة بالتفكّر الفلسفي الحرّ، ولم نجد في أقوال العلماء في القرنين الأوّلين للهجرة، نماذج من التدقيق والتتبّع، بينما نجد الأقوال الرصينة لأئمّة الشيعة - وخاصّة الإمام الأوّل والثامن - تحتوي على كنوز من الأفكار الفلسفيّة، كما علّموا تلاميذهم هذا اللون من التفكير.

نعم، كان العرب بعيدين عن التفكّر الفلسفي، حتّى شاهدتُ نموذجاً منها في ترجمة بعض الكُتب الفلسفيّة اليونانيّة، المترجَمة إلى العربيّة في أوائل القرن الثاني للهجرة، وبعدها تُرجِمت كُتب متعدّدة في أوائل القرن الثالث الهجري من اليونانيّة والسريانيّة وغيرها إلى العربيّة، وآنذاك أصبحت طريقة التفكّر الفلسفي في متناول أيدي العموم.

ومع هذا الوصف، فإنّ الكثيرين من الفقهاء والمتكلّمين، لم يُبدوا اهتماماً بالفلسفة وسائر العلوم العقليّة، والتي وردت إليهم حديثاً، وإن كانت هذه المخالفة في بداية الأمر ذات أهميّة، بفضل الالتفات الخاص الذي كانت تُبديه السلطة الحاكمة آنذاك لمثل هذه العلوم.

ولكنْ بعد زمنٍ تغيّرت الأوضاع والأحوال، فمُنِعت دراسة هذه العلوم، وأُلقيَ في البحر بعض الكتب الفلسفيّة، وما كتابُ رسائل (إخوان الصفا) وهو من نتاج فكري لعديد من مؤلّفين، إلاّ مُذّكر بتلك الفترة، فهو خيرُ دليل على كيفيّة الأوضاع المضطربة في ذلك الزمن.

وبعد هذه الفترة، أي في أوائل القرن الرابع الهجري، ظهرت الفلسفة ونَمَت على يد (أبي نصر الفارابي) .

وفي أوائل القرن الخامس للهجرة، وإثر مساعي الفيلسوف المشهور (أبي علي سينا) اتّسعت الفلسفة اتّساعاً بالغاً.

وفي القرن السادس أيضاً، نقّح الشيخ السهروردي فلسفة الإشراق، وقد قُتل بهذه التهمة، وبأمرٍ من الحاكم (صلاح الدين الأيّوبي) ، وبعدها ارتحلت قصّة الفلسفة من بين الكثيرين، ولم يَنبُغ فيلسوف شهير، حتّى جاء القرن السابع الهجري، فظهرَ في الأندلس أطراف الممالك الإسلاميّة (ابن رشد الأندلسي) ، وسعى في تنقيح الفلسفة.


3. الشيعةُ يسعونَ دائماً بحقل الفلسفة وسائر العلوم العقليّة

الشيعة - كما أشرنا - كانوا عاملاً مؤثراً في إيجاد الفكر الفلسفي، ويُعتبرون عاملاً مهمّاً في تقدّم هذا الفكر، وكانوا يسعونَ دوماً في نشر العلوم العقليّة، ومع وفاة (ابن رُشد) ذَهبت الفلسفة من بين الأكثريّة من أهل السُنّة، ولكنّه لم يرحل من بين الشيعة، وبعدها اشتهر فلاسفة كبار مثل: (الخواجة نصير الدين الطوسي، وميرداماد، وصدر المتألهين) ، وسعى كلّ من هؤلاء الواحد بعد الآخر في تحصيل العلوم الفلسفيّة وتدوينها.

وكذلك في سائر العلوم العقليّة ظهرَ كلّ من: (الخواجة الطوسي) و (البيرجندي) وغيرهم، كلّ هذه العلوم وخاصّة الفلسفة الإلهيّة، تقدّمت تقدّماً باهراً إثرَ المساعي الدائبة لعلماء الشيعة ومفكّريهم، ويتّضح ذلك بمقارنة آثار كلّ من: (الخواجة الطوسي، وشمس الدين تَركه، وميرداماد، وصدر المتألّهين) مع مؤلّفات القدماء.

4. لماذا استقرّت الفلسفة عند الشيعة؟

فكما أنّ العامل المؤثر في وجود ونشأة الفكر الفلسفي والعقلي بين الشيعة، هو آثار أئمّة الشيعة وعلمائهم، والتي بواسطتهم أصبحت من الذخائر العلميّة الشيعيّة لدى الآخرين،


فإنّ بقاء واستقرار هذه اللون من الفكر، يرجع إلى وجود تلك الذخائر العلميّة، التي يهتمّ بها الشيعة ويُبدون لها احتراماً وتقديساً، ولكي يتّضح الأمر، يكفينا مقارنة الذخائر العلميّة لأهل البيت (عليهم السلام) مع الكُتب الفلسفيّة التي صُنّفت مع مرور الزمن، فإنّنا سنرى بوضوح، أنّ الفلسفة كانت تقترب من الذخائر العلميّة في أكثر الموارد، وحتّى مجيء القرن الحادي عشر، فإنّها كانت متقاربة جدّاً، بل منطبقة ولم يكن هناك فارق سوى اختلاف في التعبير.

5. خمسةٌ من نوابغ الشيعة

1) ثقةُ الإسلام محمّد بن يعقوب الكُليني، المتوفّى سنة 329 للهجرة.

هو أوّل عالِم شيعي، استخرجَ ورتّبَ الموضوعات الفقهيّة والاعتقاديّة من الروايات الشيعيّة التي كانت مدوّنة في الأصول، (الأصل: هو ما جمعهُ المحدِّث من روايات أهل البيت (عليهم السلام) في مصنّفٍ خاص) فسمّى كتابهُ (الكافي) وينقسم على أقسام ثلاثة:

الأصول، والفروع، والروضة (المتفرّقات)، ويشتمل على 16199 حديثاً، ويُعتبر هذا الكتاب من أشهر كُتب الحديث التي عُرفت في عالَم التشيّع، وهناك ثلاثة كُتب تأتي بعد (الكافي) من حيث الأهميّة وهي:

كتاب (مَن لا يحضرهُ الفقيه) للشيخ الصدوق محمّد بن بابويه القمّي، المتوفّى سنة 381 للهجرة، وكتاب (التهذيب) وكتاب (الاستبصار) لمؤلّفهما الشيخ الطوسي، المتوفّى سنة 460 للهجرة.


2) أبو القاسم جعفر بن حسن بن يحيى الحلّي المعروف بالمحقّق، المتوفّى سنة 676 للهجرة.

يُعتبر من نوابغ علم الفقه، ومن أشهر مشاهير فقهاء الشيعة، وما كتاب (المختصر النافع) (1) ، وكتاب (الشرائع) إلاّ من أروع ما حرّرهُ في الفقه، ومنذ 700 سنة وحتّى الآن لا يزال مورد إعجاب وتقدير الفقهاء، وفي متناول أيديهم.

ومن الكتب التي تأتي بعد الكافي هو كتاب (اللمعة الدمشقيّة) ، لمؤلّفه المحقّق الشهيد الأوّل (شمس الدين محمّد بن مكّي) استشهدَ سنة 786 للهجرة بتهمة تشيّعه، وقد دَوّن كتابهُ هذا بمستوى رفيع في السجن، خلال سبعة أيّام.

ويُعتبر كتاب (كشف الغطاء) للشيخ جعفر كاشف الغطاء النجفي، من أجود مؤلّفاته.

3) الشيخ مرتضى الأنصاري التستري، المتوفّى سنة 1281 للهجرة.

نقّح علم أصول الفقه، وحرّر طُرق الأصول العمليّة، والتي تُعتبر من أهم أقسام هذا الفن، ولا تزال مدرسته (طريقته) قائمة، وموضع تقدير العلماء منذ 100 عام.

4) الخواجة نصير الدين الطوسي، المتوفّى سنة 676 للهجرة.

وهو أوّل مَن أظهرَ علم الكلام بصيغته الفنيّة الكاملة، ومن أشهر مؤلّفاته وأجودها كتاب (تجريد الكلام) ، ولا يزال ومنذ أكثر من 700 سنة، لم يَفقد اعتباره بين روّاد هذا الفن، وقد طُبع الكتاب مع شروح وحواشٍ عديدة من قِبَل العامّة والخاصّة.

فهو فضلاً عن نبوغه في علم الكلام، يُعتبر من نوابغ عصره في علم

____________________

(1) وقد نَشَرت هذا الكتاب مؤسّسة البعثة في طبعتها الأخيرة.


الفلسفة والرياضيات أيضاً، وخيرُ شاهد على ذلك: هو الكثير من مؤلّفاته المهمّة في مختلف العلوم العقليّة، وقد قامَ بإنشاء مرصد أيضاً.

5) صدرُ الدين محمّد الشيرازي، المولود سنة 979، والمتوفّى سنة 1050 للهجرة.

هو أوّل فيلسوف قامَ بتصنيف وترتيب المسائل الفلسفيّة، كالمسائل الرياضيّة (بعد سيرها قروناً متمادية في العصر الإسلامي) بعد أن كانت مبعثرة، فَحَصلت النتائج التالية:

أوّلاً: فُسِح المجال للفلسفة بأن تُطرح وتُحلّ فيها مئات من المسائل الفلسفيّة، والتي لم يكن لها المجال أن تُطرح في السابق.

ثانياً: أُتيحَ المجال لعرض مجموعة من المسائل العرفانيّة (والتي كانت حتّى ذلك الوقت تُعتبر مواضيع خارجة عن نطاق العقل، وفوق مستوى الفكر الإنساني)، وبحثها وتمحيصها بأيسر السُبل.

ثالثاً: اتّضحَت كثير من الظواهر الدينيّة، والعبارات الفلسفيّة العميقة لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، والتي بقيت لقرون متتالية تتّصف باللغز الذي لا يُحلّ، وكانت تُعتبر من المتشابهات غالباً، وبهذا اتّصلت الظواهر الدينيّة بالعرفان والفلسفة في أكثر الموارد، وسَلكت سويّاً طريقاً واحداً.

وهناك مَن قامَ بهذه المهمّة قبل (صدر المتألّهين) أيضاً، مثل: الشيخ (السهروردي) مؤلّف كتاب (حكمة الإشراق) من فلاسفة القرن السادس، و(شمس الدين محمّد تَركه) من فلاسفة القرن السادس الهجري، حيث قاما بدراسات مثمرة، إلاّ أنّهما لم يوفّقا كاملاً، وقد حظيَ بهذه الموفقيّة (صدر المتألّهين).

وفِّقَ صدر المتألّهين إثرَ اتّخاذ هذه الطريقة أن يُثبت نظريّة الحركة الجوهريّة، واكتشفَ البُعد الرابع والنظريّة النسبيّة (خارج عن نطاق الذهن والفكر)، وصنّفَ ما يزيد على خمسين كتاباً ورسالة، ومن أهمّ كُتبه في الفلسفة كتاب (الأسفار) في أربعة مجلّدات.


الطريقُ الثالث: الكشف

1) الإنسانُ وإدراكه للعرفان.

2) ظهور العرفان في الإسلام.

3) إرشادُ الكتاب والسُنّة إلى معرفة النفس ومناهجها.

1. الإنسانُ وإدراكه للعرفان

في الوقت الذي تسعى الأكثريّة من الناس في أمور معاشهم، ورفع احتياجاتهم اليوميّة للحياة، غير مُبالين بالمعنويات، إلاّ أنّ هناك غريزة في وجودهم تُدعى غريزة حُبّ الذات، نراها تنمو عندهم، تجبرهم على إدراك مجموعة من القضايا المعنويّة.

كلّ إنسان (على الرغم من أنّ السوفسطائيين والشكّالين يسمّون كلّ حقيقة وواقعيّة خُرافة) يؤمِن بواقعيّات ثابتة، ونراه أحياناً ينظر بفطرته وضميره المنزّه إلى الواقعيات الثابتة في الكون، هذا من جهة.


ومن جهةٍ أخرى، يَحسّ بفناء أجزاء هذا العالَم، فإنّه يرى العالَم وظواهره كالمرآة التي تعكس الواقعيّات الثابتة الخلاّبة، وعند إحساس لذّاتها، تُجعل اللذائذ الأخرى حقيرة في نظره، وبالتالي تَجعله ينصرف عن الحياة الفتّانة الفانية.

هذا هو مدى جاذبيّة العرفان التي تسلُك بالمؤمن إلى العالَم العُلوي، وتُقرّ في قلبه عظمة الله وجلاله، فينسى كلّ شيء ويغفل عنه، وتُحرِّضهُ على أن ينبذ كلّ ما يتمنّاه ويرجوه في هذه الحياة، وتدعوه إلى عبادة الله الذي لا يُرى، وهو أوضح من كلّ ما يُرى ويُسمع.

وفي الحقيقة أنّ هذه الجاذبيّة الباطنيّة، هي التي أوجدت في عالَم الإنسان سُبل عبادة الله تعالى، والعارف هو الذي يَعبد الله سبحانه عن حُبٍّ وإخلاص، لا عن أملٍ وثواب، ولا عن خوفٍ وعذاب.

من هنا يتّضح: أنّ العرفان ليس مذهباً في قِبال المذاهب الأخرى، بل العرفان طريق من طُرق العبادة (عبادة للحُب والإخلاص، لا للخوف والرجاء)، وهو طريق لدرك وفهم حقائق الأديان، في قِبال طريق الظواهر الدينيّة وطريق التفكّر العقلي.

كلّ الأديان الإلهيّة وحتّى الوثنيّة، لها أتباعها، فهم يسلكون هذا الطريق أيضاً، فلكلّ من: الوثنيّة، واليهوديّة، والمسيحيّة، والمجوسيّة، والإسلام، لها أُناس عارفون وغير عارفين.

2. ظهورُ العرفان في الإسلام

من بين صحابة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (وقد جاء ذِكر ما يقارب من اثني عشر ألفاً من كُتب الرجال) ينفرد الإمام علي (عليه السلام) ببيانه البليغ عن حقائق العرفان، ومراحل الحياة المعنويّة، إذ يحتوي على ذخائر جمّة، ولم نجد مثيله في الآثار التي بأيدينا من بقيّة الصحابة،


وأشهر أصحاب الإمام علي (عليه السلام) وتلاميذه: (سلمان الفارسي) ، و (أويس القَرَني) ، و (كميل بن زياد) ، و (رَشيد الهَجَري) ، و (ميثم التمّار) ، والعُرفاء عامّة في الإسلام يجعلون هؤلاء أئمّة وهداة لهم.

وهناك طائفة أخرى تأتي في الدرجة الثانية وهم: (طاووس اليماني) ، و (مالك بن دينار) ، و (إبراهيم الأدهم) ، و (شقيق البلخي) ، الذين ظهروا في القرن الثاني الهجري، وكانوا يُعرَفون بالزُهّاد وأولياء الله الصالحين، دون أن يتظاهروا بالعرفان والتصوّف، وعلى أيّة حال، فإنّهم لم ينكروا ارتباطهم ومدى تأثّرهم بالطائفة الأولى.

وهناك طائفة ثالثة ظَهرت في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث للهجرة مثل: (أبو يزيد البسطامي) ، و (المعروف الكرخي) ، و (جنيد البغدادي) وغيرهم، الذين سَلكوا طريق العرفان، وتظاهروا بالعرفان والتصوّف، ولهم أقوال تدلّ على مدى المكاشفة والمشاهدة لديهم، وإن كانت هذه الأقوال تتّصف بظاهرها اللاذع، إلاّ أنّها قد أثارت عليهم الفقهاء والمتكلّمين في ذلك العصر، وسبّبت المشاكل والفتن، فأدّت إلى أن يُزجّ بعضهم في السجون، والبعض الآخر يُقدّم إلى أعواد المشانق.

مع هذا الوصف، أبدَوا التعصّب لطريقتهم أمام المخالفين، فبهذا كانت الطريقة تتّسع وتنتشر يوماً بعد يوم، ونجدها قد وصلت إلى ذروتها في القدرة والانتشار في القرنين السابع والثامن الهجريين، حيث كانت تتّسم بالرفعة والعلوّ تارةً، والسقوط والانحطاط تارةً أخرى، ولا تزال تُمارس حياتها حتّى اليوم (1).

والظاهر أنّ أكثر مشايخ العرفان الذين جاء ذكرهم في كُتب العرفان،

____________________

(1) يُراجع: كُتب التراجم، وتذكرة الأولياء، والطرائق وغيرها.


كانوا على مذهب أهل التسنّن، والطريقة التي نشاهدها اليوم (والتي تشتمل على مجموعة من عادات وتقاليد، لم نجد في الكتاب والسُنّة أساساً لها) تُذكّرنا بتلك الأيّام، وإن كان البعض من تلك العادات والتقاليد انتقلت إلى الشيعة.

وكما يقال: إنّ هؤلاء كانوا يعتقدون أنّ الإسلام يعوزهُ منهج للسير والسلوك، والمسلمون استطاعوا أن يصلوا إلى طريقة معرفة النفس، وهي مقبولة لدى الباري عزّ وجل، مثلَ ما في الرهبانيّة عند المسيحيين، إذ لم يوجد أساس له في الدعوة المسيحيّة، فأوجَدها النصارى وحبّذها جَمع وانتهجها (1).

ويُستنتج ممّا ذُكر: أنّ كُلاًّ من مشايخ الطريقة، جَعلَ كلّ ما رآهُ صلاحاً من عاداتٍ وتقاليد، في منهج سيره وسلوكه، وأمَرَ مُتّبعيه بذلك، وبمرور الزمن أصبحَ منهاجاً وسيعاً مستقلاً، مثل: مراسم الخضوع والخشوع، وتلقينُ الذِكر والخرقة، والاستفادة من الموسيقى والغناء عند إقامة مراسم الذِكر، حتّى آلَ الأمر في بعض الفِرَق منها أن تَجعل الشريعة في جانب، والطريقة في جانب آخر، والتحقّ متّبعو هذه الطريقة بنهج الباطنيّة، ولكنّ المعايير للنظريّة الشيعيّة، استناداً على مصادر أساسيّة للإسلام (الكتاب والسُنّة) تقرّ خلاف ذلك، ومن المستحيل أنّ النصوص الدينيّة قد تغافلت عن هذه الحقيقة، أو إن أهمَلَت جانباً من جوانب هذا النهج والطريق، ويستحيل عليها أيضاً أن تغضّ النظر عن شخصٍ (أيّاً كان) من واجبات أو محرّمات.

____________________

(1) قولهُ تعالى في سورة الحديد، الآية 27: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاّ ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ ) .


3. إرشاد الكتاب والسُنّة إلى معرفة النفس ومناهجها

إنّ الله تعالى جلّ شأنه، يأمر الناس في آيات متعدّدة في كتابه المجيد، أن يتدبّروا القرآن، ويعملوا به، ولا يقنعوا أنفسهم بالفهم والإدراك السطحي للقرآن، وبيّنَ في كثيرٍ من آياته أنّ عالَم الطبيعة بما فيها (دون استثناء) آيات ودلالات، لهُ جلّ جلالهُ.

فلو تأمّلنا وتدبّرنا معنى الآية والدلالة، يتّضح أنّ الآية والدلالة هي التي تشير إلى شيء آخر لا إلى نفسها، فعلى سبيل المثال: إنّ الذي يرى الضوء الأحمر المُشعِر بالخطر، فإنّه مع مشاهدته للضوء يتبادر إلى ذهنه الخطر ذاته، ولا يلتفت إلى الضوء نفسه، وإذا ما فكّر في الضوء نفسه، أو ماهيّة الزُجاج أو لونه، فذهنه يُصوِّر له الضوء أو الزجاج أو اللون، ولا يُصوّر له مفهوم الخطر.

إذاً، إذا كان العالَم وظواهره، آيات ودلالات لخالق العالَم، فإنّ وجودها ليست مستقلّة، ولو شوهِدت بأيّ شكلٍ أو أيّة صورة، فإنّما تَرشد إلى وجوده سبحانه، والذي ينظر إلى العالَم والعالَمين بهذا المنظار، ووفقاً لتعاليم القرآن الكريم وهدايته، لا يرى إلاّ الله سبحانه، وبَدلاً من أن يرى جمال العالَم، فإنّه يرى جمالاً أزليّاً غير متناهٍ، والذي يتجلّى من هذه الزاوية (زاوية العالَم)، وعندئذٍ يهب حياته، وينسى ذاته، ويفنى في حُبّ الله جلّ شأنه.

وهذا الإدراك - كما يتّضح - لا يحصل عن طريق الحواسّ: كالعين، والأُذن، ولا عن طريق الخيال والعقل؛ لأنّ هذه لم تكن سوى آيات ودلالات، فهي في غفلةٍ عن هذه الدلالة والهداية.

وهذا الطريق، الذي لابدّ لسالكه أن ينسى كلّ شيء سوى الله تعالى، عندما يستمع إلى قوله في كتابه المجيد:


( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (1) .

سيعلم أنّ الطريق الرئيسي الذي ينتهي به إلى الهداية الواقعيّة والكاملة: هو طريق النفس الإنسانيّة، والمُرشد الحقيقي له هو الله تعالى، فقد كلّفهُ بمعرفة نفسه، وأن يسير في هذا السبيل، بتركه للسُبل الأخرى ليرى الله من هذه الطريق، فإنّه سيدرك مطلوبه الحقيقي.

والنبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: (مَن عرفَ نفسهُ، فقد عَرف ربّهُ).

ويقول أيضاً: (أعرَفكم بنفسهِ، أعرَفكم بربّه).

وأمّا طريقة السير والسلوك - وهي طريقة الكثير من الآيات القرآنيّة التي تأمر بذكر الله تعالى، كقوله: ( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ) (2) وغيرها من الآيات في الكتاب، والأقوال في السُنّة - فقد جاءت مفصّلة، ويختتمها بقوله: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) (3) .

وهل من الممكن أن يُتصوّر أنّ الإسلام يُعرِّف لنا الطريق إلى الله تعالى، ولا يحثّ الناس على تتبّعه، أو أن يُعرِّفه ويغفل عن تبيان نهجه أو أن يهمله، في حين نجده يقول عزّ مَن قائل:

( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (4) .

____________________

(1) سورة المائدة: الآية 105.

(2) سورة البقرة: الآية 152.

(3) سورة الأحزاب: الآية 21.

(4) سورة النحل: الآية 89.



الفصلُ الثالث: المُعتقدات الإسلاميّة من وِجهة نظر الشيعة الإماميّة


1) النظر إلى الكون عن طريق المخلوقات والواقعيّات، ضرورة وجود الله تعالى.

2) نظرةٌ أخرى عن طريق ارتباط الإنسان بالمعالِم.

3) الذاتُ والصفات.

4) معاني صفات الله تعالى.

5) مزيدٌ من التوضيح في معاني الصفات.

6) صفاتُ الفعل.

7) القضاءُ والقدر.

8) الإنسان والاختيار.


معرفةُ الله:

1. النظرُ إلى الكون عن طريق المخلوقات والواقعيّات، ضرورةُ وجود الله تعالى

إنّ أوّل خطوة يخطوها الإدراك والشعور لدى الإنسان واللذان وجِدا منذ وجوده، تُبيّن له حقيقة وجود الخالق والمخلوق؛ لأنّ أولئك الذين يشكّون في وجودهم وفي كلّ شيء، ويَعتبرون العالَم ظنّاً وخيالاً، فإنّنا نعلم أنّ الإنسان منذ وجوده يلازمه الإدراك والشعور، يرى نفسه والعالَم أجمع، أي أنّه لا يشكّ (بوجوده ولا يشكّ بأشياء أُخر غيره) وما زال الإنسان إنساناً، فإنّ هذا الإدراك والشعور يكمن فيه، وليس هناك مجال للشك والتردّد.

هذه الواقعيّة والوجود الذي يُثبته الإنسان أمامَ السوفسطائيين والمشكّكين، أمرٌ ثابت لا يعتريه البطلان، وفي الحقيقة أنّ كلام السوفسطائيين والمشكّكين بنفي واقعيّة قائمة في حدّ ذاتها، كلامٌ باطل لا يُبنى على الصحّة إطلاقاً، لذا فإنّ العالَم والكون ينطوي على واقعيّة ثابتة.


ولكنّ كلّ من هذه الظواهر التي تنطوي على واقعيّة، والتي نشاهدها عياناً، تفقدُ واقعيّتها وتصير إلى الفناء، سواء في القريب أو البعيد من أدوار حياتها.

ومن هنا يتّضح: أنّ العالَم المشهود وأجزاءه، لم تكن عين الواقعيّة (والتي لا يمكن إنكارها)، بل تعتمد وتستند إلى واقعيّة ثابتة، وبتلك الواقعيّة تتّصف بالواقعيّة، وتتّصف بالوجود، وما دامت مرتبطة ومتصلة بها، فهي موجودة باقية، وما إن انقَطَعت عنها زالَت وفَنت (1)، ونحنُ نسمّي هذه الواقعيّة الثابتة التي لا يعتريها البطلان بـ (واجب الوجود) ، أو الله سبحانه.

2. نظرةٌ أخرى عن طريق ارتباط الإنسان بالعالَم

إنّ الأسلوب الذي اتُبِع في الفصل السابق لإثبات وجود الله تعالى، أسلوبٌ بسيط ساذج، وواضح أنّ الإنسان مع فطرته التي أودَعها الله إيّاه، ينتهجها وليس هناك أيّ رادع أو مانع، ولكنّ معظم الناس مع ارتباطهم المستمرّ بالماديّات، وتفانيهم في اللذائذ المحسوسة، يصعُب عليهم الرجوع إلى الفطرة، وهي الفطرة الإلهيّة البيّنة.

فعلى هذا، فإنّ الإسلام بشرائعه المنزّهة، يعلن أنّ شريعته عامّة، والكلّ سواسية أمام الدين ومقاصده، فهو يُثبت وجود الله تعالى مع هؤلاء الناس عن

____________________

(1) وفي كتابه العزيز إشارة إلى هذا البرهان بقوله تعالى: ( قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) سورة إبراهيم: الآية 10.


طريق وأسلوب آخر، وهو الفطرة الواضحة، والتي غَفل عنها البشر، فيُخاطب البشر بها، ويُعرّف الله جلّ شأنه عن طريقها.

فالقرآنُ الكريم، يتّخذ طُرقاً شتّى لأجل معرفة الله تعالى للبشر كافّة، فهو يُلفت الأنظار، ويوجّه الأفكار غالباً إلى خِلقة العالَم، والنظام والتنسيق القائم فيه، ويدعو إلى ملاحظة ودراسة الآفاق والأنفس؛ ذلك بأنّ الإنسان في حياته المحدودة، لا يتخلّف ولا يخرج عن الطبيعة والنظام الحاكم فيها مهما سَلك من سُبلٍ واستغرقَ من حالات، ولن يغضّ النظر عن المَشاهد الخلاّبة، سواء في الأرض أو في السماء، بما أوتيَ من شعورٍ وإدراك.

إنّ عالَم الوجود (1) بما يتّصف من سعة، فإنّ كلّ جزء منه، بل وجميع أجزائه، معرّضة للتغيير والتبديل المستمرّين، وتظهر في كلّ لحظة بشكلٍ جديد غير سابقتها.

ووفقاً للقوانين التي لا تَقبل الاستثناء، يتحقّق ما يجب تحقّقه، والكونُ بما فيه من أبعد مجرّة إلى أصغر ذرّة، والتي تؤلِّف العالَم أجمع، ينطوي على نظامٍ واضح بيّن، تجري وفقاً لقوانين مدهشة ومُحيّرة للعقول، وتُسيّر عملها من أدنى حالة إلى أكملها، كي توصلها إلى الهدف الأسمَى وهو الكمال.

وفوق الأنظمة الخاصّة، توجد أنظمة أعم، وهي النظام العام للكون، الذي يربط أجزاءه العديدة التي لا تُحصى بعضها ببعض، ويوفِّق بين الأنظمة الجزئيّة، ويَربطها بعضها بالبعض الآخر، فهي في سيرها المستمرّ لن تتّصف بالاستثناء أو الاختلال.

____________________

(1) يقول جلّ ثناؤهُ: ( إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ) سورة الجاثية: الآية (3 - 6).


فنظامُ الخِلقة مثلاً إذا أسكنَتْ الإنسان على الأرض، جَعَلت خلقتهُ تتناسب مع المحيط الذي يعيش فيه، وجَعلت المحيط بشكلٍ يتناسب وذلك المخلوق، كالمربّية العطوف التي تُربّي النُشّأ بكلّ عطفٍ وحنان، فالعالَم بما فيه من: شمسٍ، وقمر، ونجوم، وماء، وتراب، وليل، ونهار، والفصول السنويّة، والسحاب، والرياح، والأمطار، والكنوز التي تحت الأرض وفوقها، وبالتالي كلّ ما تَملك من قوّة، سُخِّرت لراحة الإنسان وسعادته، وإنّنا نلاحظ هذا الارتباط والتعاون في كلّ مظهرٍ من مظاهر الطبيعة، ومن كلّ ما يجاورنا من قريبٍ أو بعيد، وحتّى في البيت الذي نعيش فيه.

ومثل هذا الاتصال والارتباط، قائمٌ في جميع أجزاء الأجهزة الداخليّة لكلّ مظهرٍ من مظاهر هذا العالَم، فالطبيعة لمّا مَنَحت الإنسان الخير مثلاً، مَنحتهُ الأرجل للحصول عليه، واليد لتناوله، والفم لأكله، والأسنان لمضغه، ورَبطتهُ بسلسلة من الوسائل المرتبطة بعضها بالبعض الآخر كالسلاسل، والتي ترتبط بالهدف الغائي وهو البقاء والكمال لهذا المخلوق.

ولم يشكّ أحد من علماء العالَم أنّ الارتباطات اللامتناهيّة، والتي حَصَل عليها إثر الدراسات العلميّة لآلاف السنين، ما هي إلاّ طليعة وبداية مختصرة لأسرار الخِلقة، والتي تتبعها دراسات لا نهاية لها، وكلّ كشفٍ جديد بمثابة إنذار للبشريّة عن مجهولات لا حصر لها، وهل يمكن القول بأنّ هذا الكون الرَحب - مع استقلال أجزائه - يمتاز بوحدة واتصال ومع ما فيه من إتقان مدهش، يدلّ على علم وقدرة غير متناهية، وهل يمكن القول بأنّه وجِد دون خالق، ولم يكن هناك سبب أو هدف من إيجاده؟‍‍!

وهل يمكن التصديق بأنّ كلّ هذه الأنظمة سواء الجزئيّة منها أو الكليّة، وكذا النظام العام القائم في الكون - مع ما يتّصف به من ارتباط مُحكم - غير متناهٍ، والذي يسير وِفقَ نظام دقيقٍ خاص، ولا يقبل التغيير والاستثناء، كلّ هذا قد جاء دون حساب، وإنّما مجرّد المصادفة هي التي لعبت دورها في خَلقه وإيجاده؟ أم


أنّ كُلاًّ من هذه الظواهر والأجواء سواءً الصغيرة منها أو الكبيرة في العالَم، قد اتّخذت لها نهجاً قبل حدوثها وخلقتها، وبعد أن وجِدت سَلَكت ذلك السبيل والنهج؟

أم أنّ هذا الكون مع وحدتهِ الكاملة الشاملة، والاتّصال والارتباط القائم بينها، فهو ككلّ لا يعدو مجموعة متكاملة واحدة، قد أُنشئِت وخُلقت نتيجة لعوامل متعدّدة مختلفة، ويسير وفقاً لقوانين متباينة؟

من الطبيعي أنّ الشخص الذي يُرجع كلّ ظاهرة لمسبّب وكلّ معلول لعلّة - ويتّفق أحياناً أن يبحث عن مسبّب مجهول أيّاماً عديدة، ليصل في النهاية إلى العلّة، ويُتابع التقدّم العلمي - عند مشاهدة عدّة أحجار بصورة منتظمة منسّقة، ينسبها إلى علم وقدرة قامت بصنعها، وبذلك ينفي المصادفة مطلقاً، ويحكم بوجود تخطيط هادف، لم يكن ليحكم على وجود العالَم دون مسبّب، ولا يدّعي أنّ المصادفة هي التي أوجَدت هذا النظام والتنسيق.

لذا فإنّ الكون، بما فيه من أنظمة مهيمنة، مخلوقة خالق عظيم، هو الذي أوجَدها بعلمه وقدرته غير المتناهية، ويسيّرها إلى غاية، وما العوامل البسيطة التي تُنشئ الحوادث البسيطة في العالَم، إلاّ منتهية إليه، فهي تحت قدرته وهيمنته وتسخيره، وكلّ ما في الكون محتاج إليه، وهو غير محتاج لأحدٍ أو لشيء، ولم يكن معلولاً لعلّة، ولا مسبِّباً لسبب.


وحدانيّةُ الله تعالى

كلّ واقعيّة من واقعيّات العالَم، تُعتبر واقعيّة محدودة، أي أنّها تتمتّع بالوجود على وجود فرض (فرضُ وجود السبب والشرط) ، وتُعتبر أيضاً وفقاً لفرض وتقدير (فرضُ عدم السبب والشرط) عدماً، ولحقيقة وجودها حدٌّ محدود، إذ لا توجد خارج ذلك الحدّ، فالله جلّ شأنه هو المنزّه عن الحدّ والمحدوديّة؛ لأنّ واقعيّته مطلقة، فهو موجود بأيّ تقدير، ولم يكن محتاجاً لأيّ سببٍ وشرط ولا مرتبطاً بأيّة علّة.

ولا يسعنا أن نفترض عدداً لأمر غير محدود وغير متناهٍ، فإذا ما افتُرض ثانٍ، فإنّه غير الأوّل، وفي النتيجة: الاثنان محدودان متناهيان، وسيضع كلّ منهما حدّاً فاصلاً للآخر، فلو افترضنا على سبيل المثال حجماً غير محدود وغير متناه، لا يسعنا افتراض حجم آخر إزاءه، ولو قُدِّر أن افترَضنا هذا، فإنّ الثاني هو الأوّل، فعلى هذا، فإنّ الله تعالى أحد لا شريك له (1).

____________________

(1) يُروى أنّ إعرابيّاً قامَ يوم الجمل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: يا أمير المؤمنين، أتقول إنّ الله واحد، فَحملَ الناس عليه وقالوا: أمَا ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): (دعوهُ، فإنّ الذي يريده الإعرابي هو الذي نريده من القوم، ثُمّ قال:

يا إعرابي، إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام: فوجهان منها لا يجوزان على الله عزّ وجل، ووجهان يثبتان فيه، فأمّا اللذان لا يجوزان عليه: فقول القائل واحد يقصد به باب الأعداد فهذا ما لا يجوز؛ لأنّ ما لا ثانيَ له يدخل في باب الأعداد، أمَا ترى أنّه كفرَ مَن قال إنّه ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع والجنس فهذا ما لا يجوز؛ لأنّه تشبيه، وجَلّ ربّنا تعالى عن ذلك، وأمّا الوجهان اللذان يثبتان فيه: فقول القائل هو واحد ليس له في الأشياء شَبه، كذلك ربّنا، وقول القائل إنّه عزّ وجل أحديّ المعنى يعني به أنّه لا ينقسم في وجودٍ، ولا عقل، ولا وَهمٍ، كذلك ربّنا عزّ وجل) بحارُ الأنوار ج2: 65.

ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (معرفتهُ (الله) عينُ ذاته)، أي أنّ إثبات وجود الله تعالى، وهو وجود غير متناهٍ وغير محدود، كافٍ في إثبات وحدانيّته؛ لأنّ الثاني لا يُتصوّر لغير المتناهي.


3. الذاتُ والصفات

لو نظرنا إلى الإنسان مثلاً من زاوية العقل، سنرى له ذاتاً، وهذه الذات هي عين إنسانيّته الخاصّة به، ويمتاز بصفات أيضاً، وهذه الصفات التي تُعرّف كُنه ذاته، فمثلاً أنّه ابن لفلان، عالِمٌ قادر، طويل، جميل، أو صفات أخرى مغايرة.

فبعضُ هذه الصفات كالأولى، لا تنفصل عن الذات، وبعضها الآخر كالعلم مثلاً، يمكن أن تنفصل عن الذات أو تتغيّر، وعلى أيّة حال، فإنّ كُلاً من هذه الصفات، ليست بالذات، كما أنّ كلّ واحدة منها غير الأخرى.

وهذا الموضوع (الذات مغايرة للصفات، والصفات تختلف فيما بينها)، خيرُ دليلٍ على أنّ الذات التي تتّصف بصفة، والصفة التي تُعيّن وتُعرّف الذات، كلاهما محدودتان ومتناهيتان؛ لأنّ الذات إذا كانت غير محدودة وغير متناهية، لكانت تشمل الصفات، وكذا الصفات كانت كلّ واحدة منها تشتمل على الأخرى، فتصبح في النتيجة كلّها شيئاً واحداً، فمثلاً لو كانت الذات الإنسانيّة هذه تنحصر في القدرة، وكانت القدرة والعلم وكذا طول القامة والجمال كلّ واحدة منها عين الأخرى،


لكانت كلّ هذه المفاهيم لا تَعدو المفهوم الواحد.

يتّضح ممّا سبق: لا يمكن إثبات صفة (بالمعنى السابق) لذات الله عزّ وجل؛ لأنّ الصفة لا تتحقّق من غير تحديدٍ لها، وذاته المقدّسة منزّهة من أي تحديد (حتّى من هذا التنزيه الذي يُعتبر في الحقيقة إثبات صفة له).

4. معاني صفات الله تعالى

نعلمُ أنّ في العالَم كثيراً من الكمالات التي تظهر بشكل صفات، فهذه الصفات المثبتة متى ما ظهرت في شيء، تسعى في تكامل المتَّصف، وتمنحهُ قيمة أكثر، كما يتّضح ذلك من مقارنة جسم حيّ كالإنسان مع جسمٍ غير حيّ كالحجر.

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الكمالات قد مَنحها الله تعالى، وإذا ما كان هو مفتقداً لها لمَا مَنحها (فاقدُ الشيء لا يُعطيه) وجَعلها تتدرج في طريق الكمال، فعلى هذه يجب أن يقال - وفقاً لحكم العقل السليم -: إنّ الخالق يتّصف بالعلم والقدرة وكلّ كمال واقعي.

وفضلاً عن هذا، فإنّ آثار العلم والقدرة وبالتالي آثار الحياة، واضحة في نظام الخِلقة.

وبما أنّ ذات الله غير محدودة وغير متناهية، فالكمالات هذه إن اعتُبرت صفات له، فإنّها في الحقيقة عين ذاته،


وكذا كلّ واحدة منها هي عين الأخرى (1)، وأمّا الاختلاف الذي يُشاهَد بين الذات والصفات، وبين الصفات نفسها، فتنحصر في المفهوم، وفي الحقيقة ليس هناك سوى مبدأ واحد غير قابل للانقسام.

فالإسلام يُلزم مُتّبعيه كي لا يقعوا في مثل هذا الاشتباه (المحدوديّة بالتوصيف، أو نفي أصل الكمال)، يَضعهم بين النفي والإثبات (2) ، ويأمرهُ بهذا الاعتقاد: أنّ الله عالم لا كعلم غيره، وله القدرة، وليس كقدرة الآخرين، فهو يَسمع لا بأُذن، ويرى لا بعين، وهكذا…

5. مزيدٌ من التوضيح في معاني الصفات

الصفاتُ نوعان: صفاتُ كمال، وصفات نقص.

فالصفاتُ الكماليّة - كما أشرنا إليها - معانٍ إثباتيّة، تَمنح المتّصف بها قيمة وجوديّة أكثر، وآثاراً وجوديّة أوسع، ويتّضح ذلك من مقارنة موجود حيّ عالِم قادر، مع موجودٍ آخر غير حيّ، غير عالِم وغير قادر.

وأمّا صفاتُ النقص: فهي صفات تغايرها.

عندما نُمعن النظر في صفات النقص، نجدها بحسب المعنى منفيّة، تفتقر إلى الكمال،

____________________

(1) عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: (لم يزل اللهُ جلّ وعزّ ربّنا والعلم ذاتهُ ولا معلوم، والسَمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مُبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور) البحار ج2: 152.

(2) عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام): (إنّ الله نورٌ لا ظلمة فيه، وعلمٌ لا جهلَ فيه، وحياة لا موت فيه)البحار ج2: 129.

وقد سُئل الإمام الرضا (عليه السلام) عن التوحيد؟ فقال: (... إنّ للناس في التوحيد ثلاثة مراتب: إثبات بتشبيه، ومذهب النفي، ومذهب إثبات بلا تشبيه، فمذهبُ الإثبات بتشبيه لا يجوز، ومذهب النفي لا يجوز، والطريق في المذهب الثالث إثبات بلا تشبيه) البحار ج2: 94.


وإلى نوع من قيَم الوجود، مثل: الجهل، والعجز، والقُبح، والسُقم وأمثالها.

وحَسب ما تقدّم: أنّ نفي صفات النقص تعني صفات الكمال، كما أنّ نفي الجهل يعني العلم، ونفي العجز يعني القدرة، ومن هنا نجد القرآن الكريم يُثبت كلّ صفة كماليّة لله تعالى بشكلٍ مباشر، وينفي كلّ صفة نقص عنه، كما في قوله تعالى: ( وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ) ، ( هُوَ الْحَيُّ ) ، ( لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ) ، ( وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ ) .

وممّا تجدرُ ملاحظتهُ: أنّ الله تعالى واقعيّة مطلقة، ليس له حدّ ونهاية، فعلى هذا (1) فإنّ أيّة صفة كماليّة تُطلق عليه، لا تعني المحدوديّة، فإنّه ليس بمادّة وجسم، ولا يُحدّد بزمانٍ أو مكان، ومُنزّه من كلّ صفة حاليّة حادثة، وكلّ صفةٍ تَثبت له حقيقة، فهي بعيدة عن المحدوديّة وهو القائل: ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (2).

6. صفاتُ الفعل

فالصفاتُ (فضلاً عمّا سَبق) تنقسم انقساماً آخر وهي: صفاتُ الذات، وصفات الفعل.

فالصفةُ أحياناً تكون قائمة بالموصوف مثل: الحياة، والعلم، والقدرة، فتتحقّق هذه في الإنسان الحيّ القادر، ونستطيع أن نفترض إنساناً متّصفاً بهذه الصفات، فلو لم نفترض غيره،

____________________

(1) يقول الإمام السادس: (لا يوصَف الله تعالى بزمان، أو مكان، ولا حركة، ولا انتقال، ولا سكون، بل هو خالق الزمان، والمكان، والحركة، والسكون، والانتقال) البحار ج2: 96.

(2) سورة الشورى: الآية 11.


نرى تارةً أنّه لا يتحقّق بالموصوف فحسب، فإذا أراد الموصوف أن يتّصف بصفةٍ لابدّ من تحقّق شيء آخر مثل: الكتابة، الخطابة، الطلب، ونظائرها؛ لأنّ الإنسان إنّما يستطيع الكتابة عندما يتوفّر لديه القلم والدواة والورق مثلاً، ويستطيع أن يكون خطيباً عند تحقّق مُستمع، ويستطيع أن يكون طالباً عندما يتوفّر المطلوب، ولا يكفي أن نفترض للإنسان تَحقُّق هذه الصفات.

من هنا يتّضح: أنّ الصفات الحقيقيّة لله تعالى (كما سبقت الإشارة إليه عين الذات)، هي من النوع الأوّل، وأمّا النوع الثاني، والذي يستلزم تحقّقه لشيء آخر، فإنّ كلّ شيء غير مخلوق له، ويأتي بعده في مرحلة الوجود، وكلّ صفةٍ يوجدها مع وجوده، لا يمكن أن تُعتبر صفة لذاته أو عين ذاته تعالى.

فالصفاتُ التي يتّصف بها تعالى عن تحقّق الخِلقة هي: الخالقيّة، الربّانيّة، والمُحيي، والمُميت، والرزّاق، وأمثالها، لم تكن عين ذاته، بل زائدة على الذات وصفات للفعل.

والمقصود من صفات الفعل : هو أن تُتخذ معنى الصفة من الفعل لا من الذات، مثل: الخالقيّة، أي يتّصف بهذه الصفة بعد تحقّق الخلقة للمخلوقات، فهو قائم منذ قيامها (أي موجود منذ وجودها)، ولا علاقة لها بذاته تعالى، كي تتغيّر من حالٍ إلى حال عند تحقّق الصفة.

تَعتبر الشيعة صِفَتي الإرادة والكلام، والذي يُفهم من معنى اللفظ (الإرادة بمعنى الطلب، والكلام بمعنى الكشف اللفظي عن المعنى) من صفات الفعل (1) ، والغالبيّة من أهل السُنّة يعتبرونها بمعنى العلم، وصفات لذاته تعالى.

____________________

(1) قال أبو عبد الله (عليه السلام): (لم يزل الله جلّ اسمه عالِماً بذاته ولا معلول، ولم يزل قادراً بذاته ولا مقدور، قلتُ: جُعلتُ فداك، فلم يزل متكلّماً؟ قال: الكلام مُحدَث كان الله عزّ وجل وليس بمتكلّم، ثُمّ أحدثَ الكلام) البحار ج2: 147.

قال الرضا (عليه السلام): (الإرادة من المخلوق، الضمير وما يبدو له بعد ذلك من الفعل، وأمّا من الله عزّ وجل فإرادته إحداثه لا غير ذلك؛ لأنّه لا يَروي، ولا يهمّ، ولا يتفكّر) البحار ج2: 144.


7. القضاءُ والقدر

إنّ قانون العليّة في الكون سارٍ ومهيمن، بحيث لا يقبل الاستثناء، ووفقاً لهذا القانون كلّ مظهر من مظاهر هذا العالَم، يرتبط بعِلل عند وجودها (الأسباب والشروط اللازمة للتحقّق)، ومع توفّر كلّ تلك الشروط (والتي تُدعى العلّة التامّة) يتحتّم وجود تلك الظاهرة (المعلول المفروض)، ولو فرضنا عدم تحقّق تلك الأسباب كلّها أو بعضها، فإنّه يستحيل تحقّق وجود تلك الظاهرة.

مع الإمعان في هذه النظريّة، يتّضح لنا موضوعان:

الأوّل: لو قُدِّر أن نقارن بين ظاهرة (المعلول) مع العلّة التامّة بأجمعها، وكذلك مع الأجزاء لتلك العلّة التامّة، تكون النسبة بينها وبين العلّة التامة نسبة الضرورة (الجبر)، ولكانت النسبة بينها وبين كلّ من أجزاء العلّة التامّة (والتي تُعتبر علّة ناقصة) نسبة الإمكان؛ لأنّ جزء العلّة بالنسبة إلى المعلول يُعطي إمكان التحقّق والوجود، ولا يُعطي ضرورة الوجود.

على هذا، فالكون وجزء من أجزائه يستلزم علّة تامّة في تحقّق وجوده، والضرورة مهيمنة عليها بأسرها، وقد نُظّم هيكلها من مجموعة حوادث ضروريّة وقطعيّة، فمع الوصف هذا، فإنّ صفة الإمكان في أجزائها (الظواهر التي ترتبط مع غير العلّة التامّة لها) محفوظة.


فالقرآن الكريم في بيانه يُسمّي هذا الحُكم الضروري بالقضاء الإلهي؛ لأنّ الضرورة هذه تنبع من وجود الخالق، ولهذا يكون حكماً وقضاءً عادلاً حتميّاً غير قابل للتخلّف، إذ لا يقبل الاستثناء أو التبعيض.

ويقول جلّ شأنه: ( أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ ) (1) .

ويقول: ( وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (2) .

ويقول: ( وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ) (3) .

الثاني: إنّ كُلاً من أجزاء العلّة، لها مقدارها الخاص بها تمنحها إلى المعلول، وتَحقّق المعلول وظهوره يُطابق مجموع المقادير التي تُعيّنها العلّة التامّة، فمثلاً: العِلل التي تُحقّق التنفّس للإنسان لا تُحقّق التنفّس المطلق، بل يتنفّس الإنسان مقداراً معيّناً من الهواء المجاور لفمه وأنفه وفي زمانٍ ومكان معيّنين، ووفقَ طريقة معيّنة، ويتمّ ذلك عن طريق مجرى التنفّس، حيث يصل الهواء إلى الرئتين، وهكذا الرؤية والإبصار، فإنّ العِلل الموجودة لها في الإنسان (والذي هو جزء منها)، لم تُحقّق إبصاراً من دون قيد أو شرط، بل يُحقّق إبصاراً مُعيّناً من كلّ جهة، بواسطة الوسائل اللازمة له، وهذه الحقيقة سارية في كلّ ظواهر الطبيعة، والحوادث التي تتّفق فيها لا تتخلّف.

والقرآن الكريم يُسمّي هذه الحقيقة بـ (القدر) ويَنسبها إلى خالق الكون ومصدر الوجود، بقوله تعالى: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (4) .

ويقول: ( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ) (5) .

وكما أنّ كلّ ظاهرة وحادثة في نَظم الخلقة تُعتبر ضروريّة الوجود وفقاً للقضاء الإلهي، ويتحتّم وجوده، فكذلك وفقاً للقدر فإنّ كلّ ظاهرة أو حادثة عند تحقّقها لا تتخلّف عن المقدار المُعيّن لها من قِبَل الله تعالى.

____________________

(1) سورة الأعراف: الآية 54.

(2) سورة البقرة: الآية 117.

(3) سورة الرعد: الآية 41.

(4) سورة القمر: الآية 49.

(5) قال أبو عبد الله (عليه السلام): (إنّ الله إذا أرادَ شيئاً قدّره، وإذا قضاهُ أمضاه) البحار ج3: 35.


8. الإنسانُ والاختيار

كلّ ما يقوم به الإنسان من فعل، يُعتبر ظاهرة من ظواهر عالَم الخِلقة، ويرتبط تحقّقه كسائر الظواهر بالعلّة ارتباطاً كاملاً، وبما أنّ الإنسان هو جزء من عالَم الخلقة، ويرتبط مع سائر الأجزاء الأخرى من العالَم، فإنّها بدورها تؤثر في أفعال الإنسان.

وعلى سبيل المثال: فإنّ قطعة الخبز التي يريد الإنسان تناولها، يستلزم الوسائل: كاليد، والفم، والعلم، والقدرة، والإرادة، ويستلزم أيضاً وجود الخبز في الخارج، وفي متناوَل يده، وعدم المانع والحاجز، وشروط أخرى، من زمانٍ أو مكانٍ، ومع فقدان إحداها يتعذّر تحقّق الفعل، ومع تحقّق كلّ تلك العوامل (تحقّق العلّة التامّة)، فإنّ تحقّق الفعل ضروري.

وكما أشرنا آنفاً: فإنّ ضرورة الفعل بالنسبة إلى مجموع أجزاء العلّة التامّة تُعتبر نسبة إمكان، ولا يتنافى مع نسبة الفعل إلى الإنسان الذي هو أحد أجزاء العلّة التامّة.

إنّ الإنسان له اختيار الفعل، وضرورة نسبة الفعل إلى مجموع أجزاء العلّة، لا يستلزم الضرورة بالنسبة إلى فعل بعض من أجزائها وهو الإنسان.

والإدراك البسيط للإنسان يؤيِّد هذا القول، فإنّنا نراهُ يُميّز - بحُكم الفطرة الإلهيّة المودَعة لديه - بين الأكل والشرب، والذهاب والإياب، وبين الصحّة والسُقم، والكبير والصغير، والقسم الأوّل الذي يرتبط بإرادة الإنسان ارتباطاً مباشراً، يُعتبر من إرادة الشخص، فيُحاسب في مواضع الأمر،


والنهي، والمدح، والذم، خلافاً للقسم الثاني، الذي يترتّب فيه تكليفٌ على الإنسان.

كان في صدر الإسلام بين أهل السُنّة، مذهبان معروفان بالنسبة إلى أفعال الإنسان، ففريقٌ كان يرى أنّ أفعال الإنسان متعلّقة بإرادة الله تعالى لا تخلّفَ فيها، فكان يدّعي أنّ الإنسان مجبور في أفعاله، ولا أثرَ لمَا يمتاز به من اختيار وإرادة، والفريق الآخر، كان يدّعي أنّ الإنسان مستقلّ في أفعاله، وليس له ارتباط بإرادة الله سبحانه، ويعتبرونه خارجاً عن حُكم القَدر.

وممّا يُروى عن أهل البيت (عليهم السلام)، وهو مطابق مع ظاهر تعاليم القرآن: أنّ الإنسان مختار في أفعاله، ليس بمستقلّ، إذ إنّ الله تعالى قد أراد الفعل عن طريق الاختيار، وهذا ما عبّرنا عنه سابقاً، أنّ الله سبحانه أرادَ الفعل عن طريق مجموع أجزاء العلّة التامّة، والتي إحداها إرادة الإنسان وأصبحت ضرورة، وفي النتيجة: إنّ مثل هذا الفعل الذي يرتبط بإرادة الله تعالى ضروري، والإنسان أيضاً مختار فيه، أي أنّ الفعل يُعتبر ضروريّاً بالنسبة إلى مجموع أجزاء علّته، ولكنّه اختيار وممكن بالنسبة إلى أحد أجزائه وهو الإنسان.

والإمام السادس (عليه السلام) يقول: (لا جبرَ ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين) (1) .

____________________

(1) عن أبي جعفر أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (إنّ الله عزّ وجل أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب ثُمّ يُعذِّبهم عليها، والله أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون) بحار الأنوار ج3: 15.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (اللهُ أكرم من أن يُكلِّف الناس ما لا يُطيقون، واللهُ أعزّ من أن يكون في سلطانه ما لا يريد) البحار ج3: 15.


معرفةُ النبي

1. نحو الهدف، الهداية العامّة.

2. الهداية الخاصّة.

3. العقلُ والقانون.

4. الشعور المرموز، أو ما يسمّى بـ(الوحي).

5. الأنبياء وعصمة النبوّة.

6. الأنبياء والشرائع السماويّة.

7. الأنبياء ودليل (الوحي) والنبوّة.

8. عدد الأنبياء.

9. الأنبياء أولو العزم، حَمَلة الشرائع السماويّة.

10. نبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

11. النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والقرآن.

1. نحو الهدف، الهداية العامّة

تبدأ حبّة الحنطة بالنموّ عند توفّر العوامل المساعدة لها، بعد أن توضَع في التربة، وبمرور الزمن تتحوّل من حالةٍ إلى أخرى، وفي كلّ لحظة تتّخذ حالة وشكلاً غير ما كانت عليها قَبل لحَظات، وتسلك طريقاً وفقاً لنظامٍ خاص،


حتّى تزداد نموّاً، فتَصبح سنبلة، وإذا ما سَقطت حبّة قَمح على الأرض، سَلكت الطريق ذاته، حتّى تصل النهاية وهكذا، وإذا ما سَقطت بذرة فاكهة على الأرض، تبتدئ بالحركة والنموّ فيخترق الغشاء نتوءٌ أخضر، ويسلك طريقاً خاصّاً منتظماً، حتّى يزداد في نموّه ويَصبح شجرة مثمرة.

وإذا ما استقرّت نطفة حيوان في بيضة، أو في رَحم أُم، تشرع بالنموّ والتكامل، وتسلك سلوكاً تختصّ به تلك النطفة لذلك الحيوان، حتّى تصل إلى فردٍ كامل من ذلك النوع.

إنّ هذا السلوك الخاصّ والمنتظم يُشاهد في كلّ من أنواع الكائنات الحيّة في العالَم، ويُعتبر من مميّزاتها وفطرتها الخاصّة، ولن تجد في الحياة نقيضاً لهذه السُنّة، أي يستحيل أن تتبدّل حبّة قمح إلى حيوان، ولا نطفة حيوان إلى شجرة، وإذا ما حَدث تغيير في تكوين حيوان أو نبات، بأن ينقصها عضو أو جزءٌ، فإنّ السبب في ذلك يعود إلى مرضٍ أو ما شابه.

إنّ النظام القائم والمستمرّ في الكون، وخِلقة الأجسام المتنوّعة، واختصاص كلّ نوع منها في سلوك خاصّ، نحو التطوّر والتكامل، يحتاج إلى نظام خاصّ به، لا ينكرهُ أيّ محقِّق متتبّع، ومن هذه النظريّة البيّنة نستنتج موضوعين:

1) إنّ في جميع المراحل التي يطويها نوع من أنواع الكائنات الحيّة في العالَم، اتصالاً وارتباطاً قائماً بينها، وكأنّ هناك قوّة تُسيّرها هذا المسير الخاصّ في كلّ مراحلها التطوّريّة.

2) إنّ هذا الاتصال والارتباط المُتتالي يهدف في مرحلته الأخيرة إلى تكوين بَني نوعه، فكما أنّ البذرة عندما توضَع في التربة تهدف في طريقها منذ مراحلها الأولى إلى أن تنشأ شجرة، وكذلك النطفة في رحم الأُم تهدف في مراحلها الأوّليّة إلى أن تكون حيواناً متكاملاً، وللوصول إلى التكامل، نراها تسلك نهجاً خاصّاً في حياتها.


والقرآن العظيم في تعليماته يؤيِّد هذه الحركة وهذا الاندفاع، كما أنّ أنواع الكائنات الحيّة في العالَم تهتدي بهدى الله تعالى في طريق تكاملها وكمالها، ويَستدلّ بآيات من الذِكر الحكيم في هذا الشأن، كما في قوله تعالى:

( الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (1) .

وفي سورة الأعلى، الآية 32 يقول جلّ ذِكره:

( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) .

وكذا يُشير إلى النتائج التي ذُكرت آنفاً في سورة البقرة، الآية 148، يقول جلّ شأنه: ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ) .

ويقول جلّ مَن قائل في سورة الدخان، الآية 39: ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) .

2. الهدايةُ الخاصّة

بديهيٌ أنّ النوع الإنساني لا يُستثنى عن هذه الهداية التكوينيّة التي تُهيمن على جميع الكائنات في العالَم، إنّها تسيطر على الإنسان أيضاً، وبما أنّ كلّ كائن يستمرّ في طريقه نحو التكامل بما لديه من قدرة وقابليّة، فكذلك الإنسان يُساق نحو الكمال الواقعي بواسطة الهداية التكوينيّة.

قد يشترك الإنسان في كثيرٍ من صفاته ومميّزاته مع سائر أنواع الكائنات الحيّة من حيوان أو نبات، لكنّه يتميّز بخصائص خاصّة به تَجعلهُ يمتاز عن غيره، ألا وهو العقل.

____________________

(1) سورة طه: الآية 50.


فالعقلُ يدعو الإنسان إلى التفكّر والتدبّر، وأن ينتفع من كلّ وسيلةٍ ممكنة، لتُحقّق أهدافه وأغراضه، فهو يَعرج إلى السماء حيناً، فيسير في الفضاء اللامتناهي، ويغوص في أعماق البحار أحياناً، فهو يدأب في استثمار أنواع الحيوان والنبات والجماد على ظهر البسيطة، وقد يتجاوز هذا الحدّ بأن يتّجه إلى استثمار بَني نوعه.

والإنسانُ حَسب طبعه الأوّلي، يرى حرّيته المطلقة في سعادته وكماله، وبما أنّ وجوده وجود اجتماعي، ومتطّلباته في الحياة متعدّدة، والتي لا ينالها لوحده وبنفسه فَحسب، بل بالتعاون مع أبناء نوعه وهم يتّصفون بالغرائز ذاتها، بما فيها حُبّ الذات والحرّية، إذ تفرض عليه طبيعة المجتمع أن يُضحّي بقسط من حرّيته في هذا السبيل قبال المنافع التي يحصل عليها من الآخرين، فهو يُقدِّم خدمة وينتفع بما يُقدِّمه الآخرون من خَدمات، أي أنّه يتقبّل الحياة الاجتماعيّة التي تتّصف بالتعاون، بإكراهٍ وفرض.

وهذه الحقيقة تظهر جَلية لدى الأطفال والفتيان، إذ إنّهم في البداية يُحقّقون ما تصبو إليه نفوسهم بالفرض تارةً والبكاء تارةً أخرى، فهم يرفضون كلّ قانون أو عادة أو ما شاكل ذلك، ولكن على مرّ الزمان، وحَسَب تطوّرهم الفكري يُدركون أنّ الحياة لا تتلائم مع الفرض والطغيان، فيمارسون ما يمارسهُ الفرد في المجتمع بشكلٍ تدريجي، حتّى يصلوا إلى ما يصل إليه الفرد في مجتمعه، من إتّباع العادات والسُنن والقانون، بالتالي يُصبحون وهو يألفون المجتمع.

والإنسانُ بعد تقبّلهِ الحياة الاجتماعيّة التي قوامها التعاون، يرى ضرورة القانون الحاكم على الحياة، وهو الذي يُعيّن واجبات كلّ فردٍ من أفراد المجتمع، ويضع الجزاء لكلّ مَن يُخالف القانون، فإذا عمّ القانون وسادَ المجتمع، عندئذٍ ينال كلّ من أفراد المجتمع السعادة المطلوبة، التي طالما تمنّاها.


هذا القانون: هو القانون العَمَلي الذي ما برحَ البشر منذ نشأته وإلى يومنا هذا يرجوهُ ويرغب في الوصول إليه، وطالما كان يستهلّ به أهدافه وأغراضه، ويسعى في تحقّقه، ومن الطبيعي إذا كان الأمر يستحيل تحقّقه على البشريّة، ولم يكن مفروضاً عليها، لمَا كانت تهدف إليه دوماً (1) .

والله جلّ شأنه يُشير إلى حقيقة المجتمع البشري بقوله: ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ) (2) .

وقد أشار الذكر الحكيم إلى حُبّ النفس والأنانيّة بقوله تعالى: ( إِنَّ الإِنْسَان خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ) (3) .

3. العقلُ والقانون

لو تأمّلنا جيّداً، لرأينا أنّ القانون الذي ما برحَ البشر ينتظره، والناس مع ما لديهم من إدراك فطري إلهي، ويُدركون لزوم إجرائه كي يضمن لهم سعادتهم، هو القانون الذي يستطيع أن يُسيّر البشريّة إلى السعادة دون انحيازٍ أو تبعيض،

____________________

(1) ترغب البشريّة عادةً وحتّى الشعوب البدائيّة حَسَب طبعها، في أن يعيش الجميع في جوّ مِلؤهُ الصُلح والراحة والاطمئنان.

ومن الوِجهة الفلسفيّة، فإنّ الطلب والميل والرغبة ما هي إلاّ أوصاف وارتباطات قائمة على طرفين: كالطالب والمطلوب، والمُحبّ والمحبوب، و… وواضحٌ إن لم يكن هناك محبوب، فالكلام عن المُحبّ عَبث.

وصَفوة القول: إنّ الأمور هذه ترجع إلى إدراك نقصٍ في الوجود الإنساني، فإذا تعذّر الكمال، لم يكن هناك معنىً للنقص.

(2) سورة الزخرف: الآية 32.

(3) سورة المعارج: الآية 21.


وأن ينشر بينها الكمال، ويُرسي قواعده.

ومن البديهي لم تُدرك البشريّة حتّى الآن طوال أجيال متعاقبة مضت من حياة البشريّة، مثل هذا القانون الذي قوامهُ العقل، ولو قُدِّر أن يصدر إلى حيّز الوجود، لفَهمتهُ البشريّة في حياتها الطويلة بما تمتاز به من تعقّل وتدبّر، وكانت تلتزم به في مجتمعاتها.

وبعبارةٍ أوضح: لو كان هناك قانون كامل عام، بحيث يستجيب لمَا تصبو إليه البشريّة من سعادة، ويُرشد البشريّة من حيث الفطرة والتكوين، لأدركهُ كلّ إنسان بما لديه من إمكانات عقليّة، كما يُدرك ما ينفعهُ أو يضرّه، وكذا سائر الضروريّات في حياته، ولكن لم يتحقّق مثل هذا القانون بعد.

والقوانين التي توضَع من قِبَل شخصٍ حاكم أو أشخاص، أو جوامع بشريّة، نجدها مورد احترام وتصديق لدى فئة، ومورد رفض واعتراض لدى آخرين، وهناك مَن اطّلع عليها وعَرفها، وآخرون لم يطّلعوا، ولن تجد وجه اشتراك في المجتمعات البشريّة - بما أنّهم يشتركون في كونهم بشراً، وأنّهم يتّصفون بالفطرة الإلهيّة - في إدراك هذه القوانين.

4. الشعور المرموز، أو ما يُسمّى بـ(الوحي)

وممّا تقدّم يتّضح: أنّ القانون الذي يضمن السعادة للبشريّة، لا يُدركه العقل، وبمقتضى نظريّة الهداية العامّة، التي ترى ضرورة هذا الإدراك في النوع البشري، لابدّ من وجود جهازٍ آخر بين النوع الإنساني يُدرك ذلك، كي يرشده إلى الواجبات الواقعيّة للحياة، وتكون في متناول يد الجميع، وهذا الشعور والإدراك هو غير العقل والحسّ، إنّه ما يُسمّى بـ (الوحي) .


ومن الطبيعي أنّ وجود مثل هذه القوّة في البشر، لا يتحتّم أن يكون في جميع أفراد البشر، كما هو في القوّة المودَعة في الإنسان للتناسل، في حين أنّ إدراك لذّة الزواج، والتأهّب له، يتحقّق في الأفراد عند بلوغهم، وشعور (الوحي) الذي لا يَظهر لدى الأفراد، هو شعورٌ مرموز، كما هو الحال في إدراك وشعور اللذّة في الزواج عند مَن لم يصل إلى سنّ البلوغ، فيبقى هذا الإدراك غير معروف لديه.

واللهُ تعالى يشير في خطابه عن (الوحي) بالنسبة إلى الشريعة وعجز العقل بقوله:

( إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً * رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) .

5. الأنبياءُ وعصمة النبوّة

إنّ ظهور الأنبياء يؤيِّد نظريّة (الوحي) الذي سبقَ ذكره، أنّ أنبياء الله تعالى كانوا ممّن ادّعى (الوحي) والنبوّة، وفي ادّعائهم هذا أقاموا الحُجج والبراهين، وبلّغوا الناس ما تحتويه شريعة الله سبحانه، ألا وهو القانون الذي يمنحهم السعادة وجعلوها في متناول أيدي الجميع، ولمّا كان الأنبياء يمتازون بـ(الوحي) والنبوّة، فعند ظهورهم في كلّ زمنٍ كانوا قِلّة، فجعلَ الله هداية الناس على عاتق هؤلاء، بما أُمروا من دعوةٍ وإبلاغ، وما ذلك إلاّ لتعمّ وتتمّ وتكتمل تلك الدعوة.

ومن هنا يتّضح: وجوب عصمة الأنبياء، فهم مصونون من الخطاء في تلقّي (الوحي) من جانب الله تعالى، وفي حفظه، وإيصاله إلى الناس؛ فإنّهم بعيدون كلّ البُعد عن المعصية والخطأ؛ لأنّ تلقّي الوحي - كما ذُكر - وحفظه وإبلاغه،


يشتمل على الأركان الثلاثة للهداية التكوينيّة، ولا معنى بأن يكون هناك خطأ في التكوين، فضلاً عن أنّ المعصية والتخلّف عن أداء الدعوة والإبلاغ، عَمل يُخالف الدعوة، ويوجِب سلب ثقة الناس واطمئنانهم بصحّة الدعوة وصدقها، ونتيجةً لذلك ينتفي الغرض والهدف الأساسي للدعوة.

والخالق جلّ شأنه يشير إلى عصمة الأنبياء في كتابه المجيد بقوله: ( وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (1).

وهو القائل أيضاً: ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ ) (2).

6. الأنبياء والشرائع السماويّة

إنّ ما حصلَ عليه الأنبياء عن طريق (الوحي) وإبلاغهم الناس على سبيل الخير والأحكام الإلهيّة هو الدين، وباتّخاذه نهجاً لهم في سبيل الحياة والوظائف والواجبات الإنسانيّة، يضمن لهم السعادة (3) .

يشتمل التشريع الإلهي بشكلٍ عام على جانبين: الاعتقادي، والعلمي.

فالجانب الاعتقادي: يحتوي على مجموعة معتقدات أساسيّة، تَفرض على الإنسان أن يتّخذها أساساً لحياته، وهي الأُسس العامّة الثلاثة: التوحيد، والنبوّة، والمعاد، وإذا أُهمِلت إحداها لم يتحقّق اتّباع الدين.

____________________

(1) سورة الأنعام: الآية 87.

(2) سورة الجنّ: الآية 28.

(3) يراجع مقدّمة الكتاب.


والجانب العملي: يتألّف من مجموعة وظائف أخلاقيّة عمليّة، تحتوي على وظائف معيّنة يتقيّد بها الإنسان أمام الله تعالى وأمامَ المجتمعات البشريّة.

ومن هنا تنقسم الواجبات الفرعيّة في الشرائع السماويّة، والتي نُظِّمت للإنسان على قسمين: الأخلاق، والأعمال ، وكلّ من هاتين تنقسم إلى قسمين أيضاً.

فأمّا الأخلاق والأعمال التي ترتبط بالله الخالق فهي: الخُلق، وصفة الإيمان، والإخلاص، والتسليم، والرضا، والخشوع، وكذا الصلاة، والصوم، والفدية وغيرها، وهذه المجموعة من الأعمال تسمّى بـ (العبادات) ، وتُعبّر عن خشوع الإنسان وعبوديّته لربّه.

وأمّا ما يتعلّق بالمجتمع من الأخلاق والأعمال فهي: الصفات الحَسَنة، كحُبّ النوع، والمساعدة، والعدالة، والسخاء، وما يرتبط بآداب المعاشرة، والمعاملة وغيرها، وهذه الأعمال الخاصّة هي ما تسمّى بـ (المعاملات) .

ومن جهةٍ أخرى: فإنّ النوع الإنساني يتّجه نحو الكمال بصورة تدريجيّة، والمجتمع البشري يتكامل بمرور الزمان، وإنّ ظهور هذا النَسخ من التكامل ضروري في الشرائع السماويّة، ويؤيِّد القرآن الكريم هذا التكامل التدريجي (إذ يمكن الوصول إليه عن طريق العقل)، وممّا يُستفاد من آياته، أنّ الشرائع اللاحقة أكمل من الشرائع السابقة بقوله تعالى: ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) (1) .

وممّا تُبيّنه النظريّات العلميّة، ويُصرِّح به القرآن الكريم: أنّ حياة المجتمعات البشريّة في هذا العالَم ليست أبديّة، ومن الطبيعي أنّ التكامل لبَني نوعها لم يكن غير متناهٍ، فمِن هذه الجهة، ستتوقّف جميع الوظائف الإنسانيّة

____________________

(1) سورة المائدة: الآية 48.


من حيث الاعتقاد والعمل في مرحلة معيّنة، وتَبعاً لهذه الحقيقة، فإنّ النبوّة والشريعة أيضاً يوماً ما ستصل إلى آخر مرحلة من مراحل الكمال والاعتقاد، وبثّ القوانين العَمليّة، وبذلك تكون النهاية والخاتمة لها.

ومن هنا نرى القرآن الكريم يوضِّح هذه الحقيقة ويُصرِّح بأنّ الإسلام، الدين الذي اختارهُ لمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو: آخر الأديان السماويّة وأكملها، والكتاب العزيز لا يُنسخ، والنبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو خاتم الأنبياء، والإسلام يحتوي على كافّة الوظائف والواجبات، كما في قوله تعالى: ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) (1) .

ويقول أيضاً: ( مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (2) .

وقوله تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ) (3) .

7. الأنبياءُ ودليل الوحي والنبوّة

إنّ الكثير من علماء اليوم الذين حقّقوا في موضوع (الوحي) والنبوّة، قد فسّروا موضوع (الوحي) والنبوّة والأمور المرتبطة بهما، على الأُسس التي يقوم عليها علم النفس وعلم الاجتماع، بقولهم: إنّ الأنبياء كانوا أُناساً أطهاراً، ذَوي هِمم عالية، مُحبّي البشريّة، ولغرض تقدّمها وتطوّرها من الناحية الماديّة والمعنويّة، وكذا تزكية المجتمعات المنحطّة خلقيّاً، نظّموا ووضعوا قوانين خاصّة،

____________________

(1) سورة حم سجدة: الآية 42.

(2) سورة الأحزاب: الآية 40.

(3) سورة النحل: الآية 89.


ودَعوا الناس إليها، ولمّا كان الناس في ذلك الوقت لم يَخضعوا أمام المنطق والعقل، فما كان منهم إلاّ أن ينسبوا أفكارهم وأنظمتهم إلى العالَم العلوي كي يستطيعوا بذلك أن يجلبوا رضا الناس ويُخضعوهم لقيادتهم، وكان اعتقاد البعض أنّ روحهم هي روح القدس وما الفكر الذي يتجلّى إلاّ (الوحي والنبوّة)، وما الوظائف والواجبات التي تُستنتج من ذلك إلاّ (الشريعة السماويّة)، والكلام الذي يتضمّن ذلك كان يسمّى (الكتابُ السماويّ) .

فالذي ينظر بتأمّل وإنصاف إلى الكتب السماويّة، وخاصّة القرآن الكريم، وكذا إلى الشرائع التي جاء بها الأنبياء، لا يشكّ في بطلان هذه النظريّة؛ وذلك أنّ الأنبياء لم يكونوا رجال سياسة، بل كانوا رجالاً يتّصفون بالصدق والصفاء والخلوص، وكلّما كانوا يَدركونه يتفوّهونَ به، وكلّما كانوا يقولون به كانوا يعملون به، وكلّما كانوا يزعمونه هو: أنّ هناك شعوراً مرموزاً، وإمداداً غيبيّاً، يفيض عليهم، وأنّهم عن هذا الطريق يتلقّون الوظائف الاعتقاديّة والعلميّة من جانب الله تعالى، لإبلاغ الناس وإرشادهم.

ومن هنا يتّضح: أنّ ادّعاء النبوّة يحتاج إلى حُجّة ودليل، ولا يكفي أن تكون الشريعة التي جاء بها النبيّ توافق العقل، فإنّ صحّة الشريعة لها طريق آخر للإثبات، وهو: إنّه على اتّصال بالعالَم العُلوي (الوحي) والنبوّة، وقد أُنيطت به هذه المسؤوليّة من قِبَل الله تعالى، وهذا الادّعاء يفتقد إلى دليل عند إقامته.

وعلى هذا، نجد أنّ السُذّج من الناس (كما يُخبر به القرآن الكريم)، كانوا يطالبون الأنبياء بالمعجزة لصِدق دعواهم.

ويُستنتج من هذا المنطق الساذج والصحيح هو: أنّ (الوحي) والنبوّة الذي يدّعيه المُرسَل، لم يكن ليحصل في سائر الناس، والذين هم مثله، ولابدّ من قوّة غيبيّة قد أودَعها الله تعالى نبيّه بنحو يخرق العادة به، والتي بواسطتها


يُصغى إلى كلام الله تعالى، ويوصلها إلى الناس وفقاً لمسؤوليّته، وإذا كان هذا المُعجز صحيحاً، فالرسول يريد من الله تعالى أن يُعينه على معجز آخر، كي يُصدِّق الناس نبوّته ومدّعاه.

ويتّضح أنّ مطالبة الناس الأنبياء بالمعجزة أمرٌ يوافق المنطق الصحيح، وعلى الأنبياء لإثبات نبوّتهم أن يأتوا بالمعجزة، إمّا ابتداءً أو وفقاً لمَا يُطالب به المجتمع.

والقرآن الكريم يؤيِّد هذا المنطق، ويشير إلى معاجز الأنبياء إمّا ابتداءً، أو بعد مطالبة الناس إيّاهم.

وتجدرُ الإشارة إلى أنّ الكثير من المحقّقين مع أنّهم لم ينكروا المعجزة (خرق العادة)، إلاّ أنّ كلامهم لم يكن مُدعَماً بدليل، وهو أنّ العِلل والأسباب للحوادث التي حَصلنا عليها حتّى الآن كانت بالتجربة والفحص، وليس لدينا أيّ دليل أنّها دائميّة، ولن تتحقّق أيّة حادثة أو ظاهرة إلاّ بعِللها وأسبابها.

وأمّا المعاجز التي تُنسب إلى الأنبياء، لم تكن مخالفة للعقل أو يستحيل إقامتها (كزوجيّة العدد 3)، لكنّها خرقٌ للعادة في حين أنّ موضوع خرق العادة يُرى ويُسمع من المرتاضين أيضاً.

8. عدد الأنبياء

ممّا يُنقل في تاريخ الماضين، أنّ أنبياء كثيرين أُرسلوا وبُعثوا، ويؤيِّد القرآن الكريم كثرة الأنبياء، ويَذكر أسماء بعضهم، إلاّ أنّه لم يُصرِّح بعددهم.

ولم نحصل على عددهم من الروايات بصورة قطعيّة، إلاّ أنّ الرواية المعروفة والتي تُنقل عن (أبي ذر الغفاري) عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يُبيّن فيها أنّ عدد الأنبياء مائة وأربعة وعشرون ألف نبي.


9. الأنبياءُ أولو العزم، حَمَلةُ الشرائع السماويّة

وممّا يُستفاد من القرآن الكريم: أنّ الأنبياء كلّهم لم يأتوا بشرائع، بل إنّ خمسةً منهم قد جاءوا بشرائع سماويّة، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهؤلاء هم أولو العزم، وأمّا سائر الأنبياء فإنّهم يتّبعون أولي العزم في شرائعهم.

وقوله تعالى:

( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ) (1).

ويقول تعالى:

( وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً ) (2).

____________________

(1) سورة الشورى الآية: 12، ولو كان هناك غيرهم لذَكَرهم تعالى في الآية.

(2) سورة الأحزاب: الآية 7.


10. نبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)

يُعتبر نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) آخر الأنبياء الذين كانوا يمتازون بالكُتب والشرائع، وقد آمنَ به المسلمون.

ولِد النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَبل بدء التاريخ الهجري القمري بثلاث وخمسين سنة، في مدينة (مكّة) من مُدن الحجاز، في قبيلة (بني هاشم) من قريش، والتي هي من أشرف القبائل العربيّة.

أبوهُ (عبد الله)، وأُمّه (آمنة)، وقد فقدَ أبويه منذ أوائل طفولته، وتكفّلهُ جدّه لأبيه (عبد المطّلب)، وسرعان ما وافاه الأجل، حتّى تعهّد تربيته عمّه (أبو طالب) وأسكنهُ معهُ في داره.

ترعرعَ ونشأ في بيت عمّه، وقد صَحبَ عمّه في سفرة تجاريّة إلى الشام وذلك قبل سنّ البلوغ، كان النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُميّاً، ولكنّه بعد البلوغ والرشد اشتهرَ بعقله وأدَبه وأمانته، ونتيجةً لذلك جَعلتهُ (خديجة) - والتي كانت من أثرى القريشيّات - مُشرفاً على أموالها، وإدارة أمورها التجاريّة.

سافرَ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للمرّة الثانية إلى الشام لغرض التجارة، وإثرَ نبوغهِ فقد نالَ أرباحاً جمّة، ولم تمضِ فترة، حتّى اقترحَت خديجة عليه موضوع الزواج، وافقَ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على اقتراحها، وبعد الزواج حيث كان في سنّ الخامسة والعشرين وحتّى بلوغه سنّ الأربعين، كان يُمارس عمله، فحصلَ على شهرة في تدبيره وأمانته فلم يَعبد صنماً (عِلماً بأنّ الدين السائد في ذلك الوقت هو عبادة الأصنام)، وأحياناً كان يَعتكف للعبادة.


فاختارهُ الله للنبوّة في الأربعين من عمره، عندما كان متفرِّغاً للعبادة في غار (حِرَاء) (1) وأُمِر أن يُبلِّغ، ونَزلَت عليه أوّل سورة من سور القرآن (2) ، ورجعَ إلى بيته في اليوم نفسه، فرأى ابن عمّه (عليّ بن أبي طالب عليه السلام) في الطريق، فعرضَ عليه الإسلام فآمنَ به، وبعد دخوله البيت، أسلَمَت زوجته خديجة.

والنبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عند بدء دعوته، واجهَ من الناس مواجهة عنيفة مؤلمة، حتّى اضطرّ إلى كتمان دعوته وجَعلها سرّية، ثُمّ أُمِر ثانية أن يُبلِّغ دعوتهُ عشيرته الأقربين، ولكنّها لم تُجدِ، إذ لم يؤمن به سوى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) (3) .

وبعد ذلك، أعلنَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دعوتهُ بأمرٍ من الله تعالى، وما أن أعلنَ النبيّ الدعوة حتّى شاهدَ ردود الفعل من أهل مكّة، مقرونة بالأذى والتعذيب بالنسبة له وللمسلمين الذين أسلموا حديثاً، ممّا اضطرّ بعض المسلمين ترك ديارهم إثر الاضطهادات التي كانت تقوم بها قريش، فهاجروا إلى الحبشة، وتحصّن النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع عمّه (أبي طالب)، وأفراد من قبيلته بني هاشم في (شِعْب أبي طالب) (4) لمدّة ثلاث سنين، في غاية من الضغط والشدّة، فلم يُعاملهم أحد، ولم يُعاشرهم، ولم يستطيعوا الخروج من الشِعب.

ولم ينته كفّار مكّة وعَبَدة أصنامها، من الإيذاء والاهانة والاستهزاء بكلّ أنواعها تجاههم، وكانوا يلتجئون أحياناً عن طريق المُسالمة، والوعد بالأموال الطائلة كي يَصرفوا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن دعوته، وقد اقترحوا عليه

____________________

(1) غار في جبل (تُهامة) على مقربة من مكّة.

(2) سورة العَلق.

(3) وفقاً لروايات أهل البيت (عليهم السلام) ولأَشعَار قالها أبو طالب، تعتقد الشيعة أنّه أسلَمَ، وبما أنّه كان المُدافع الوحيد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يكتُم إسلامه، كي يحتفظ بقدرته الظاهريّة أمام قريش.

(4) حصار كان في إحدى وديان (مكّة).


الرئاسة والسلطان أحياناً أخرى، وكان وَعدهم ووعيدهم سيّان عند النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان ممّا يزيد في عزمهِ وإرادته.

وقد اقترحوا عليه مرّةً المال الكثير والرئاسة، فأجابهم النبيّ قائلاً: (والله، لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترُك هذا الأمر حتّى يُظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركتهُ).

خرجَ النبيّ من (شِعب أبي طالب) حوالي السنة العاشرة من بعثتهِ، ولم يمضِ زمن حتّى توفيَ عمّه أبو طالب، وتوفيَت زوجتهُ الوفيّة أيضاً.

فلم يكن للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ملجأ، ممّا دعا كفّار مكّة إلى أن يُخطّطوا في قتله، فحاصروا دارهُ من كلّ جانب، كي يحملوا عليه في آخر الليل، ويُقطّعوه إرباً إرباً في مضجعه.

ولكنّ الله جلّ شأنهُ أطلعهُ بالأمر، وأمَرهُ بالهجرة إلى (يثرب) (1) ، فاستخلفَ عليّاً (عليه السلام) في فراشه، وخرجَ ليلاً برعاية الله وعنايته من داره واجتازَ الأعداء، واختفى في غار تَبعد عدّة فراسخ من مكّة المكرّمة، وخرجَ من الغار بعد ثلاثة أيّام، بعد أن يئس الأعداء من الوصول إليه، وبعد أن بَحثوا ونقّبوا تلك المنطقة وحواليها، فعادوا إلى مكّة، عندئذٍ أخذَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُتابع طريقه إلى (يثرب).

أمّا أهل يثرب، فقد آمنوا به كبارهم وأسيادهم، وبايعوه، فاستقبلوهُ بحفاوةٍ بالغة، وقدّموا له أموالهم وأنفسهم.

فأسّس الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولأوّل مرة، أوّل مجتمع إسلامي صغير في مدينة (يثرب)، وعقدَ مع الطوائف اليهوديّة - التي كانت تستقرّ في المدينة وأطرافها - معاهدات، وكذا مع القبائل العربيّة القويّة لتلك المنطقة، وقامَ بنشر دعوتهِ الإسلاميّة، وعُرِفت مدينة يثرب بـ (مدينةُ الرسول) .

____________________

(1) منطقة تقرُب من المَدينة.


وعلى مرّ الأيّام، قَويت شوكة الإسلام، واستطاع المسلمون - الذين كانوا يعيشون في اضطهاد القُرشيين - أن يَتركوا دورهم وسُكناهم في مكّة، مُهاجرين إلى المدينة شيئاً فشيئاً، والتفّوا حول النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وسُمّوا بـ (المهاجرين) ، كما اشتهرَ أصحابه وأعوانه من يثرب بـ (الأنصار) .

نالَ الإسلام تقدّماً سريعاً، لكنْ عبدة الأصنام من قريش، والطوائف اليهوديّة المستقرّة في الحجاز، لا يزالون حَجَر عثرة أمامَ هذه الحركة، فحاولوا القيام بأعمال تخريبيّة لصدّ النبيّ والمسلمين، وذلك بمساعدة المنافقين، الذين كانوا في صفوف المسلمين، ولم يُعرفوا بأيّ شكلٍ من الأشكال، فكانوا يخلقون المشاكل، ويسبّبون المصائب، والحوادث المستحدَثة، حتّى آلَ الأمر إلى الحرب، فَنشبت الحروب المتعدّدة بين الإسلام وعَبَدة الأصنام واليهود، فكانت الغلبة غالباً لجيش الإسلام، يَقرُب إحصاء تلك الحروب من ثمانين و نيف معركة بما فيها المعارك الدامية الكبرى، والصغيرة منها، وفي كلّ هذه المعارك، كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشارك المسلمين في قتالهم: كمعركة بدر، وأُحد، والخندق، وخيبر وغيرها، وكانت الغَلَبة في معظمها تتمّ على يد علي (عليه السلام).

والإمام علي (عليه السلام) هو الوحيد الذي ما تراجعَ ولا فَشلَ في إحداها، وطوال هذه المعارك التي دامت عشر سنوات بعد الهجرة النبويّة، قُتلَ من المسلمين أقلّ من مائتين، ومن الكفّار ما يقرُب الألف.

ونتيجةُ المثابرة والتضحية والفداء - الذي عُرف به المهاجرون والأنصار خلال السنوات العشر بعد الهجرة - عمّ الإسلام (شبه الجزيرة العربيّة) وحُرِّرت الرسائل إلى ملوك الدول الأخرى مثل: (إيران)، و(الروم)، و(مصر)، و(الحبشة) تدعوهم إلى الإسلام.

كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يواسي الفقراء في معيشتهم، فلا تختلف حياته عن حياتهم، وكان يفتخر بالفقر (1) ، وكان يستغلّ أوقاته، لا تمرّ لحظة إلاّ وهو دائب في عمل.

____________________

(1) وفي رواية مشهورة يقول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الفقرُ فَخري)، ولمزيد الاطّلاع في هذا الفصل يُراجع: كتاب سيرة ابن هشام، والسيرة الحَلَبيّة، وكتاب البحار ج6 وغيرها.


وكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مُقسِّماً أوقاته إلى ثلاثة أقسام:

الأوّل: للعبادة وذِكر الله تعالى، الثاني: لهُ ولعياله وبيته، الثالث: للناس، فكان يسعى في نشر المعارف الإسلاميّة وتعليمها وما يتعلّق بشؤون المجتمع الإسلامي، وتصحيح الأهداف والسُبل التي تؤدّي إليه، وكذا السعي في رفع حوائج المسلمين، وتحكيم العلاقات الداخليّة والخارجيّة، وسائر الأمور المرتبطة بها.

وبعد إقامته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عشر سنوات في المدينة، فارقَ الدنيا على أثر سمٍّ دُسّ في طعامه على يد امرأة يهوديّة، طرَحَهُ في فراشه أيّاماً، وممّا جاء في الروايات أنّ آخر ما تكلّم به النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وصيّته في العبيد والنساء.

11. النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والقرآن

كان الناس يُطالبون النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمعجزة، كما كانوا يطالبون سائر الأنبياء، فكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يؤيِّد المعاجز لدى الأنبياء، والقرآن الكريم يُصرِّح بذلك.

تُذكر للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معاجز كثيرة، إلاّ أنّ البعض منها لا تتّصف بالقطعيّة في روايتها، ولم تكن مورد قبولٍ واعتماد، ولكنّ المعجزة الباقية له (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والتي لا تزال حيّة هي (القرآن الكريم) كتابهُ السماوي.

فالقرآن الكريم كتاب سماوي يشتمل على ستّة آلاف ونيف آية، وينقسم إلى مائة وأربع عشرة سورة بما فيها المطوّلة والقصيرة.

نَزَلت الآيات القرآنيّة الكريمة بصورة تدريجيّة، خلال أيّام بعثته ودعوته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طوال ثلاث وعشرين سنة، وكانت توحى إليه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بصور مختلفة، من: سورة، أو آية، أو أقلّ من آية، وفي أوقات متفاوتة، في ليلٍ أو نهار، في سفرٍ أو حضر، في الحرب أو السلم، وفي أيّام شديدة أو رخاء.


والقرآن الكريم في آيات عدّة، يُصرِّح تصريحاً، بأنّه معجزة وقد تحدّى العرب في ذلك اليوم، إذ كانت في القمّة من الفصاحة والبلاغة، هذا ما يشهد به التأريخ، وكان في المقدّمة من حيث البيان والتعبير، بقوله تعالى في كتابه العزيز:

( فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ) (1) .

( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ ) (2) .

( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ ) (3) .

فتحدّاهم القرآن بهذه الآيات قائلاً: إذا كنتم تظنّون أنّه من كلام البشر، أو من عند محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو أنّه قد أخذها من أحدٍ، فأتوا بمثله، أو بعشر سورٍ منه، أو بسورةٍ واحدة من سورهِ، واستعينوا بأيّةِ وسيلة شئتم في تحقيق هذا الأمر، وما كان جواب الفصحاء والبلغاء من العرب أن قالوا: إنّه لسحرٌ ويعجز مَن مثلنا أن يأتي به (4) .

إنّ القرآن الكريم لم يتحدَّ العلماء من جهة الفصاحة والبلاغة فحسب، بل تحدّاهم من جهة المعنى أيضاً، وتحدّى الجِنّ والإنس بما يمتلكون من قدرات فكريّة خلاّقة؛ لأنّه يشتمل على البرنامج الكامل للحياة الإنسانيّة، ولو مُحِّص تمحيصاً دقيقاً، لوجِدَ أنّهُ الأساس والأصل في مجالات الحياة الإنسانيّة كلّها، بما فيها الاعتقادات والأخلاق والأعمال التي ترتبط بالإنسان، فإنّه يعالج كلّ جانب من جوانبها بدقّة تامّة، فهو من الله الحقّ، ودينهُ دين الحقّ أيضاً.

____________________

(1) سورة الطور: الآية 34.

(2) سورة هود: الآية 15.

(3) سورة يونس: الآية 38.

(4) وممّا نُقلَ عن أشهر مشاهير العرب في القرآن في قوله تعالى: ( فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ ) سورة المُدّثر: الآية 24 - 25.


الإسلامُ دينٌ يستلهم أحكامه وموادّه من الله الحقّ، وليس من رغبة أكثريّة الناس، أو من فكر شخصٍ حاكم قدير.

إنّ الركن الأساسي لهذا القانون الشامل هو الكلمة الحقّة، وهو الإيمان بالله الأحد، وإنّ جميع العلوم تنبثق من التوحيد، ومن ثُمّ تُستنبط الأخلاق الإنسانيّة المُثلى من هذه الأصول، وتصبح جزءاً من هذا القانون، ثُمّ تُنظّم وتُنسّق الكلّيات والجزئيّات والتي هي خارجة عن نطاق إحصاء البشر، وتدرس الوظائف التي ترتبط بها، والتي تنبع من التوحيد وتصدر منه.

في الدين الإسلامي ارتباطٌ وثيق بين الأصول والفروع، على نحوٍ يرجع كلّ حُكم فرعي من أيّ باب - إذا ما مُحِّص - إلى كلمة التوحيد وينتهي إليه، وكلمة التوحيد مع ارتباطها بتلك الأحكام والمواد تصبح فرعاً منه.

وطبيعيٌ أنّ التنظيم والتنسيق النهائي لمثل هذا القانون الوسيع الشامل، مع ما يمتاز به من وحدة وارتباط كهذه، خارجة عن نطاق شخصٍ متضلّع في علم الحقوق والقانون، وإن كان من أشهر مشاهيرهم، فضلاً من أنّ الفهرست الابتدائي له ليس بالأمر اليسير، فكيف برجلٍ يعيش في زمنٍ يتّصف بالحياة البدائيّة، في خضمّ الآلاف من المشاكل والمصائب التي تُهدّد الأموال والأرواح، والعام والخاص، وتُنشئ الحروب الدامية، والفتن الداخليّة والخارجيّة، وفي النهاية يبقى منفرداً أمام العالَم أجمع.

هذا، فضلاً من أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يتعلّم القراءة والكتابة عند معلِّم، لقد قضى ثُلثي عمره وحياته قَبل دعوته (1) في بيئة تفتقر إلى حضارة، ولم تَسمع بمدينة أو حضارة،

____________________

(1) وفي القرآن الكريم عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ( فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) سورة يونس: الآية 16.

ويقول أيضاً: ( وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ) سورة العنكبوت: الآية 48.

ويقول أيضاً: ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ ) سورة البقرة: الآية 23.


كانوا يعيشون في أرض صحراء قاحلة، وجوّ مُهلك، مع أتعس الظروف الحياتيّة، عِلماً بأنّها كانت تُستعمر من قِبَل الدول المجاورة بين آونةٍ وأخرى، ومع كلّ هذه الظروف والأحوال نجد القرآن الكريم يتحدّى من طريقٍ آخر، وهو: أنّه أُنزِل بصورة تدريجيّة مع ظروف متفاوتة مختلفة، في أيّام الفِتن والأيّام الاعتياديّة، في الحرب والصلح، وفي أيّام القدرة، وأيّام الضَعف وغيرها، خلال ثلاث وعشرين سنة.

ولو لم يكن من كلام الله تعالى، وكان من صُنع البشر، لوجِدَ فيه تناقضاً وتضادّاً كثيراً، فلابدّ أن يأتي آخرهُ أجود وأحسن من أوّله، وأكثر تطوّراً، وهذا ممّا يؤيّده التكامل التدريجي للبشر، في حين نرى أنّ الآيات المكيّة والمدنيّة على نمطٍ واحد، لم يختلف آخرها عن أوّلها، كتاب متشابَه الأجزاء، يُحيّر العقول في قدرة بيانه ووحدة تنسيقه (1).

____________________

(1) في قوله تعالى شأنهُ: ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) سورة النساء: الآية 82.


معرفةُ المَعاد

1. الإنسانُ روح وجسم.

2. مبحثٌ في حقيقة الروح من منظارٍ آخر.

3. الموتُ من وجهة نظر الإسلام.

4. عالَم البرزخ.

5. يومُ القيامة، المَعاد.

6. بيانٌ آخر.

7. استمرارُ وتعاقب الخِلقة.

1. الإنسانُ روح وجسم

إنّ كلمة الروح والجسم والنفس قد كثُرَ استعمالها في القرآن والسُنّة، عِلماً بأنّ تصوّر الجسم والبدن الذي يتمّ عن طريق الحسّ قد يكون أمراً بسيطاً، إلاّ أنّ تصوّر الروح والنفس لا يخلو من إبهامٍ وغموض.

إنّ الباحثين والمتكلّمين والفلاسفة سواء من الشيعة أو السُنّة، لهم نظريّات متفاوتة في حقيقة الروح، ولكنّ الروح والبدن من وجهة نظر الإسلام هما واقعيّتان متضادّتان،


فالبَدَن يفقد خواصّه الحياتيّة بالموت، ويضمحل بصورة تدريجيّة، ولكنّ الروح ليست هكذا، فإنّ الحياة أصالة للروح، وما دامت الروح في الجسم، فإنّ الجسم يستمدّ حياته منها، وعندما تُفارق الروح البدن، وتقطع علاقتها به، لا يقوى البدن من القيام بأيّ عملٍ، إلاّ أنّ الروح تستمرّ في حياتها.

وممّا يُستنبط من تدبّر الآيات القرآنيّة، وكلام أهل بيت العصمة (عليهم السلام): أنّ الروح الإنسانيّة غير ماديّة، ولكنّها تُنشئ نوعاً من العلاقة والوحدة مع الجسم، إذ يقول الله تعالى في كتابه المبين:

( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ ) (1) .

ويتّضح من سياق الآيات: أنّ أوائلها تصف الخلقة الماديّة بشكلها التدريجي، وأواخرها عندما تشير إلى خلقة الروح أو الشعور والإرادة؛ فإنّها تصفها بخلقة أخرى، تختلف عن خِلقتها الأولى.

وفي آيةٍ أخرى، في الردّ على مَن يستبعد (المعاد) أو ينكرهُ يقول: إنّ الإنسان بعد موته وتفتّت أجزائه، وتمازجها مع أجزاء التربة، كيف تُستعاد خلقته، ويصبح كما كان إنساناً كاملاً، يقول الله سبحانه: ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ) (2) ، أي أنّ الأرواح تُقبض على يد مَلَك الموت من أبدانكم، وتُحفظ عندنا.

وفضلاً عن هذا، فإنّ القرآن الكريم، يُعرِّف الروح بصورتها المطلقة غير الماديّة بقوله تعالى: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) (3) .

____________________

(1) سورة المؤمنون: الآية 12 - 14.

(2) سورة السجدة: الآية 11.

(3) سورة الإسراء: الآية 85.


وفي آيةٍ أخرى من الذِكر الحكيم يتطرّق إلى موضوع الأمر بقوله: ( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) (1) . وبمقتضى هذه الآيات: أنّ أمْر الله تعالى في خِلقته للأشياء لم يكن تدريجيّاً، ولم يكن محدّداً بزمانٍ أو مكان، ولمّا كانت الروح أمراً من الله، إذاً فهي ليست بمادّة، ولم يكن في كُنهها خاصّة المادّة التي تتّصف بالتدرّج والزمان والمكان.

2. مبحثٌ في حقيقة الروح من منظارٍ آخر

إنّ التتبّعات العقليّة تؤيِّد القرآن الكريم أيضاً في موضوع الروح، كلُّ مِنّا يُدرك حقيقة من وجوده، والتي نُعبّر عنها بالـ(أنا)، وهذا الإدراك موجود في الإنسان بصورة مستمرّة، وأحياناً ينسى بعض أعضاء جسمه من رأسٍ، أو يد، أو سائر الأعضاء، وحتّى جسمه كلّياً، ولكن يدرك الـ(أنا) عندما يكون هو موجوداً، وهذا (المشهود) كما هو مشهود، غير قابل للانقسام والتجزئة، ومع أنّ جسم الإنسان في تغيير وتحوّل دائم، ويتّخذ أمكنة مختلفة له، وتمرّ عليه أزمنة مختلفة إلاّ أنّ الحقيقة المذكورة وهي الـ(أنا)، ثابتة في واقعيّتها لا تقبل التغيير أو التبديل، وواضح إذا كانت مادّة، كانت تتقبّل خواص المادّة، بما فيها الانقسام وتغيّر الزمان والمكان.

نعم، إنّ الجسم يتقبّل كلّ هذه الخواص، وبما أنّ هذه الخواص لها ارتباط روحي، فتُنسب إلى الروح، ولكن مع تأمّل وتدبّر يتجلّى للإنسان، أنّ هذا المكان وذلك المكان، وكذا هذا الشكل وذلك الشكل، وهذه الناحية وتلك،

____________________

(1) سورة يس: الآية 82.


كلّها من خواصّ البدن، والروح منزّه منها، وكلّ من هذه الصفات تنتقل إليها عن طريق البدن.

يسري هذا البيان في خاصيّة الإدراك والشعور على (العلم)، والذي هو من مميّزات الروح، وبديهي أنّ العلم إذا كان يتّصف بما تتّصف به المادّة، لكن تباعاً يتقبّل الانقسام والتجزئة والزمان والمكان.

إنّ هذا البحث العقلي واسع مطوّل، تتبعهُ أسئلة وأجوبة، ولا يسعهُ كتابنا هذا، وهذا المقدار من البحث إنّما أُدرِج هنا على سبيل الإشارة، ولغرض استقصائه واستقرائه يستلزم الرجوع إلى الكتب الفلسفيّة الإسلاميّة.

3. الموتُ من وجهة نظر الإسلام

إنّ النظرة العابرة تفترض أنّ موت الإنسان فناؤه وعدمه، وحُدِّد حياة الإنسان بالأيّام التي يعيشها فيما بين ولادته ووفاته، في حين نرى أنّ الإسلام يَعتبر الموت انتقالاً من مرحلة حياتيّة إلى مرحلة حياتيّة أخرى، وللإنسان حياة أبديّة لا نهاية لها، وما الموتُ الذي يَفصل بين الروح والجسم إلاّ ليوردهُ المرحلة الأخرى من حياته، وإنّ السعادة والشقاء فيها يعتمدان على الأعمال الحسنة أو السيّئة في مرحلة قَبل الموت، وممّا يُروى عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما مضمونه، تظنّون أنّكم تَفنونَ بالموت، ولكنّكم تنتقلون من بيتٍ لآخر (1) .

____________________

(1) بحار الأنوار ج3: 161 الاعتقادات للصدوق.


4. عالَمُ البرزخ

وممّا يُستفاد من القرآن الكريم والسُنّة: أنّ الإنسان يتمتّع بحياة مؤقّتة ومحدودة في الحدّ الفاصل بين الموت ويوم القيامة، والتي تُعتبر رابطة بين الحياة الدنيا والحياة الأخرى (1) .

والإنسان بعد موته، يُحاسب محاسبة خاصّة من حيث الاعتقاد، والأعمال الحسنة والسيّئة التي كان عليها في الدنيا، وبعد هذه المحاسبة المختصرة، ووفقاً للنتيجة التي يحصل عليها، يُحكم عليه بحياة سعيدة أو شقيّة، ويكون عليها إلى يوم القيامة (2) .

وحالة الإنسان في عالَم البرزخ تُشابه كثيراً حالة الشخص الذي يُراد التحقيق معه لمَا قام به من أعمال، فيُجلب إلى دائرة قضائيّة كي تتمّ مراحل الاستجواب والاستنطاق منه، لغرض تنظيم ملفٍ له، وبعدها يقضي فترة ينتظر خلالها وقت محاكمته.

روح الإنسان في عالَم البرزخ، تعيش بالشكل الذي كانت عليه في الدنيا، فإذا كانت من الصُلحاء، تتمتّع بالسعادة والنعمة وجِوار الصُلحاء والمقرّبين لله تعالى، وإذا ما كانت من الأشقياء، تقضيها في النقمة والعذاب، ومصاحبة الأشرار، وأهل الضلال.

فاللهُ جلّ شأنهُ يصف حالة بعض السُعداء بقوله:

____________________

(1) البحار: ج2 باب عالَم البرزخ.

(2) البحار: ج2 باب عالَم البرزخ.


( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ) (1) .

وفي وصف حالة مجموعة أخرى، الذين كانوا يُنفقون أموالهم وثرواتهم في مشاريع غير مشروعة في الحياة الدنيا، يصفهم بقوله تعالى:

( حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) (2) .

5. يومُ القيامة، المعاد

ينفرد القرآن الكريم بين الكتب السماويّة، بالتحدّث عن المعاد والحشر تفصيلاً، في حين أنّ (التوراة) لم تُشر إلى هذا اليوم وهذا الموقف، وكتاب (الإنجيل) يشير إشارة مختصرة، والقرآن يذكرهُ ويُذكّر به في مئات الموارد، وبأسماء شتّى، ويَشرح عاقبة العالَم والبشريّة التي تنتظرهم، فتارةً باختصار وأخرى بإسهاب.

ويُذكّر مراراً أنّ الاعتقاد بيوم الجزاء (يوم القيامة) يعادل الاعتقاد بالله تعالى، ويُعتبر أحد الأصول الثلاثة للإسلام، ومُنكره (مُنكر المعاد)، خارج عن شريعة الإسلام وما عاقبته إلاّ الهلاك والخسران.

____________________

(1) سورة آل عمران: الآية 169 - 171.

(2) سورة المؤمنون: الآية 99 - 100.


وحقيقة الأمر هكذا، إذا لم تكن هناك محاسبة وجزاء وعقاب، فإنّ الدعوة الدينيّة بما تحتوي من أوامر الله ونواهيه، لم يكن لها أدنى فائدة أو أثر، وإنّ وجود النبوّة والإبلاغ وعدمه كان سواء، بل يُرجَّح عدمه على وجوده؛ لأنّ تقبّل الدين واتّباع موازين الشرع، لا يخلو من تكلّف وسلب الحريّة، وإذا كان اتّباع الدين لم يكن له أثر أو نتيجة، لن يتحمّل الناس هذا العبء وهذه المسؤوليّة، ولن يتخلّوا عن الحريّة الطبيعيّة.

ومن هنا يتّضح: أنّ أهميّة ذِكر يوم الحشر وتذكّرهُ يعادل أهميّة أصل الدعوة الدينيّة.

ويتّضح أيضاً: أنّ الاعتقاد بيوم الجزاء من أهمّ العوامل التي تجبر الإنسان على أن ينتهج الورع والتقوى، وأن يتجنّب الأخلاق الرذيلة، والمعاصي والذنوب، كما أنّ نسيانه أو عدم الاعتقاد به، سوف يكون أساساً وأصلاً لكلّ معصية أو ذنب، ويقول جلَّ مَن قائل:

( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) (1) .

وممّا يُلاحظ في الآية، أنّ منشأ كلّ ضلال هو نسيان يوم الحساب.

والتدبّر في خِلقة الإنسان والعالَم، وكذا في الهدف من الشرائع السماويّة، يتّضح الغرض من اليوم الذي سَيُلاقيه الإنسان (يوم الجزاء).

ونحن عندما نتدبّر الأعمال والأفعال في الطبيعة، نرى أنّ كلّ عمل (والذي يحتوي على نوع من الحركة بالضرورة) لا يتمّ إلاّ عن غاية وهدف، ولم يكن العمل نفسه بالأصالة هو المقصود، بل إنّه مقدّمة لهدف وغاية فيكون مطلوباً لذلك الهدف أو لتلك الغاية، حتّى في الأعمال التي تُعتبر سطحيّة مثل: الأفعال الطبيعيّة، والأعمال الصبيانيّة ونظائرها، لو دقّقنا فيها لوجدنا فيها

____________________

(1) سورة ص: الآية 26.


غايات وأغراضاً تُناسب نوع الفعل، كما في الأعمال الطبيعيّة التي تتّصف بالحركة غالباً، فإنّ الغاية التي تسعى إليها هذه الحركة تُعتبر الغاية والهدف لها، وأمّا في لعب الأطفال وما يتناسب مع نوع اللُعبة، فإنّ هناك غاية خياليّة وهميّة، والهدف من اللعب هو الوصول إليه.

وفي الحقيقة أنّ خِلقة الإنسان والعالَم من أعمال الله تعالى، وأنّه منزّه من أن يقوم بأعمال عبث، دون هدف أو غرض، فهو الذي يَخلق، ويَرزق ويُميت، وهكذا يَخلق ويُهلك، فهل يُتصوّر أن يكون خلقه هذا دون هدف معيّن وغرضٍ محكم يتابعه.

إذاً لابدّ لخلق الكون والإنسان، هدف وغاية ثابتة، وإنّ الفائدة منه لا تعود إلى الله الغنيّ المتعال، وكلّ ما فيه يعود للمخلوق، إذاً يجب الاعتراف بأنّ الكون بما فيه الإنسان يتّجه ويسير نحو خلقة معيّنة خاصّة، ووجود أكمل، لا يتّصفان بالفناء والزوال.

وإذا أمعَنا النظر في حالة الناس ووضعهم، ومدى تأثّرهم بالتربية الدينيّة، فإنّنا نرى أنّ الناس ينقسمون إلى قسمين، إثر الإرشادات الإلهيّة، والتربية الدينيّة، وهم: الأخيار والأشرار، ومع هذا الوصف، لم نجد أيّ امتياز أو فارق في هذه الحياة، بل على العكس، وغالباً ما تكون الموفقيّة للأشرار والظالمين، أمّا الأخيار فإنّهم على صلة بالفتن والمشاكل والحياة السيّئة والحرمان وتحمّل الظلم.

والحال هذه تقتضي العدالة الإلهيّة أن تكون هناك نشأة أخرى، حتّى يجد فيها كلّ من الفريقين المذكورين، جزاء أعمالهم، ويُحيون حياة تناسب حالهم، ويشير الله تعالى في كتابه العزيز إلى هاتين الحالتين بقوله:

( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ) (1) .

____________________

(1) سورة الدخان: الآية 38.


( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ) (1) .

ويَذكر في آيةٍ أخرى، وقد جمعَ فيها الدليلين بقوله جلّ شأنه:

( أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) (2) .

6. بيانٌ آخر

قد أشرنا في الفصل الثاني من الكتاب في مبحث الظاهر والباطن القرآني، أنّ المعارف الإسلاميّة في القرآن الكريم، مبيّنة من طُرق مختلفة، والطُرق المذكورة بشكلٍ تنقسم إلى قسمين: الظاهر، والباطن.

والمراد من طريق الظاهر : هو البيان الذي يتناسب ومستوى أفكار العامّة، على خلاف الطريق الباطن الذي يختصّ بالخاصّة منهم، ويُدرك مع روح الحياة المعنويّة.

والبيان الذي يؤخذ عن طريق الظاهر مؤدّاه: أنّ الله تعالى الحاكم المطلق لعالَم الخلقة، فكلّ ما في هذا الكون مُلكه، فهو الذي خَلَق الملائكة التي لا يُعلم إحصاؤها كي تكون مطيعة ومنفذّة لأوامره، يُرسلهم إلى حيث شاء من الكون، ولكلّ بقعة من عالَم الطبيعة وما يلازمها من نظام، ترتبط بمجموعة خاصّة من الملائكة موكّلين عليها.

____________________

(1) سورة ص: الآية 27 - 28.

(2) سورة الجاثية: الآية 21 - 22.


والنوع الإنساني من مخلوقاته وعباده الذين يجب عليهم اتّباع أوامره ونواهيه، والإطاعة له، وما الأنبياء إلاّ حَمَلة شرائعهِ وقوانينه، يبعثهم إلى الناس لبيان وإجراء تلك الشرائع والقوانين.

فالله جلّ ثناؤه، لمّا جَعلَ الثواب والأجر لمَن آمنَ وأطاع، جعلَ العقاب والعذاب لمَن كفرَ وعصى، وهو القائل: ( وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ ) ، ولمّا كان عادلاً فعدالتهُ تقتضي أن يفصل بين الفريقين في النشأة الأخرى، وهما: الأخيار والأشرار ، وأن يُمتّع الأخيار بالنعيم، وللأشرار الشقاء.

وقد وعدَ الله تعالى بمقتضى عدله، أن يَحشر الناس الذين مرّوا في الحياة الدنيا دون استثناء، ويُحاسبهم حساباً دقيقاً في معتقداتهم وأعمالهم، من صغيرةٍ أو كبيرة، ويقضي بينهم بالحقّ والعدل، وفي النهاية، سيوصل إلى كلّ ذي حقّ حقّه، ويأخذ لكلّ مظلوم نصيبه ممّن ظلمهُ، ويُعطي أجر عَمل كلّ عامل، ويُصدر الحكم لفريق في الجنّة وفريق في السعير.

هذا هو البيان الظاهري للقرآن الكريم، وقد جاء مطابقاً لفكر الإنسان الاجتماعي، لتكون فائدته أعمّ، ونطاقه أشمل.

أمّا الذين تعمّقوا في الحقائق، ولهم القدرة على فهم المعنى الباطني للقرآن الكريم، فهم يُدركون الآيات القرآنيّة على مستوى أرفع من العامّة، والقرآن الكريم يُلوّح - خلال تعابيره البسيطة - أحياناً بالمعنى الباطني تلويحاً.

فالقرآن الكريم مع تعبيراته المختلفة، يَذكر إجمالاً أنّ الطبيعة بجميع أجزائها، والإنسان أحدها، مع سيرها التكويني (والتي تسير نحو الكمال)، تصيرُ إلى الله تعالى، وسيأتي اليوم الذي تُنهى حركتها وسيرها، وتفقد إنيّتها واستقلالها كلّياً.

والإنسان وهو جزء من أجزاء هذا الكون، فإنّ طريق تكامله الخاصّ يتمّ عن طريق الشعور والعلم، يُسرع في طريقه إلى الله تعالى، واليوم الذي


يُختتم به هذا الانطلاق، سيُشاهِد عياناً حقانيّة الله الأحد، وسيرى أنّ القدرة والمُلك وكلّ صفة من صفات الكمال تنحصر في ذاته القدسيّة، ومن هذا الطريق ستنجلي له حقيقة الأشياء كلّها.

وهذا هو أوّل منزل وموقف من العالَم الأبدي، فإذا كان الإنسان في هذه الدنيا، بإيمانه وعمله الصالح، أوجدَ ارتباطاً واتّصالاً بالله تعالى واستأنس به، وبالمقرّبين من عباده، سيحظى بسعادة لا توصف، وسيكون في جوار الله سبحانه، ويكون قرين الصالحين في العالَم العُلوي، وإذا ما كان ممّن تربطهم علاقة وثيقة بهذه الدنيا الدنيئة، ولذائذها الزائلة، فقد قطعَ اتصاله بالعالَم العُلوي، ولم تقم بينه وبين خالقه رابطة أو اتصال ولا مع المقرّبين من عباده، فإنّه سيُحاط بعذابٍ دائم، وخزي أبدي.

صحيحٌ أنّ الأعمال الحسنة والسيّئة للإنسان في هذه الدنيا تزول وتذهب، لكنْ صور الأعمال هذه تستقرّ في باطنه، وأينما رحلَ فهي معه، وتكون مصدر حياته الآتية سواء في السعادة أو الشقاء.

وكُلّ ما ذُكر يمكن استنتاجه من الآيات التالية:

يقول جلّ مَن القائل: ( إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ) (1).

ويقول: ( أَلاَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ ) (2) .

ويقول: ( وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) (3) .

ويقول: ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (4) .

ويُخاطب الله سبحانه يوم القيامة بعض أفراد البشر، بقوله:

____________________

(1) سورة العلق: الآية 8.

(2) سورة الشورى: الآية 53.

(3) سورة الانفطار: الآية 19.

(4) سورة الفجر: الآية 27 - 30.


( لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) (1) .

وفي تأويل القرآن الكريم، والحقائق التي تنبع منه الآيات، يقول جلّ اسمهُ:

( هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ ) (2) .

ويقول تعالى:

( يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ) (3).

ويقول تعالى شأنه:

( يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) (4).

ويقول تعالى ذكره:

( مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ ) (5) .

ويقول تعالى اسمه:

( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ) (6) .

ويقول سبحانه:

( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي ) (7).

____________________

(1) سورة ق: الآية 22.

(2) سورة الأعراف: الآية 53.

(3) سورة النور: الآية 25.

(4) سورة الانشقاق: الآية 6.

(5) سورة العنكبوت: الآية 5.

(6) سورة الكهف: الآية 110.

(7) سورة الفجر: الآية 27 - 30.


ويقول سبحانه وتعالى:

( فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ مَا سَعَى *وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى * فَأَمَّا مَن طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) (1) .

ويتعرّض القرآن الكريم عن كُنه جزاء الأعمال قائلاً:

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (2) .

7. استمرارُ الخلقة وتعاقبها

إنّ عالَم الخِلقة الذي نشاهده، ذو عمرٍ محدود، وسيأتي اليوم الذي يفنى ويزول فيه، كما يؤيِّد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: ( مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ) (3).

وهل خُلقَ عالَم، وهل كان هناك إنسان، قبل ظهور عالَمنا هذا والبشر الذي يعيش فيه حاليّاً؟ وهل بعد زوال وفناء هذا العالَم بما فيه، والذي يخبر به القرآن الكريم، سينشأ عالَم آخر وسيُخلق بشر، فهذه أسئلة لا نجد جوابها في القرآن الكريم إلاّ تلويحاً، لكنْ الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، تُجيب بإيجابٍ عن هذه الأسئلة (4).

____________________

(1) سورة النازعات: الآية 34 - 41.

(2) سورة التحريم: الآية 7.

(3) سورة الأحقاف: الآية 3.

(4) البحار ج14: 79.


معرفةُ الإمام

1. معنى الإمام.

2. الإمامة وخلافة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في الحكومة الإسلاميّة.

3. تأييدٌ للأقوال السابقة.

4. الإمامةُ في العلوم التشريعيّة.

5. الفرقُ بين النبيّ والإمام.

6. الإمامةُ في باطن الأعمال.

7. أئمّةُ الإسلام وقادته.

8. موجزٌ عن حياة الأئمّة الاثني عشر.

9. بحثٌ في ظهور المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من وجهة نظر العامّة.

10. بحثٌ في ظهور المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) من وجهة نظر الخاصّة.

1. معنى الإمام

تُطلق كلمةُ الإمام أو القائد على شخصٍ يقود جماعة أو فئة، ويتحمّل عبء هذه المسؤوليّة، إمّا في المسائل الاجتماعيّة أو السياسيّة أو الدينيّة، ويرتبط عملهُ بالمحيط الذي يعيش فيه، ومدى سعة المجال للعمل فيه أو ضيقه.


إنّ الشريعة الإسلاميّة المقدّسة - كما اتّضح في الفصول السابقة - تنظر إلى الحياة العامّة للبشر من كلّ جهة، فهي تُصدّر أوامرها لإرشاد الإنسان في الحياة المعنويّة، وكذا في الحياة الصوريّة من الناحية الفرديّة، وتتدخّل في إدارة شؤونه، كما تتدخّل في حياته الاجتماعيّة والقياديّة (الحكومة) أيضاً.

وعلى ما مرّ ذِكره، فإنّ الإمام أو القائد الديني في الإسلام، يمكن أن يكون مورد اهتمام من جهاتٍ ثلاث:

الأولى: من جهة الحكومة الإسلاميّة.

الثانية: من جهة بيان المعارف والأحكام الإسلاميّة ونشرها.

الثالثة: من جهة القيادة والإرشاد في الحياة المعنويّة.

تعتقدُ الشيعة بأنّ المجتمع الإسلامي يحتاج إلى الجهات الثلاث التي سَبق ذكرها، احتياجاً مُبرماً، والذي يتصدّى لقيادة الجهات الثلاثة - بما فيها قيادة المجتمع - يجب أن يُعيّن من قِبَل الله والرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله)، عِلماً بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أيضاً يُعيّن الإمام بأمرٍ من الله تعالى.

2. الإمامةُ وخلافة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في الحكومة الإسلاميّة

إنّ الإنسان بما يمتاز به من مواهب إلهيّة، يُدرك جيّداً ومن دون تردّد أنّ أيّ مجتمعٍ متآلف في أيّة بقعة، أو مملكة، أو مدينة، أو قرية، أو قبيلة، وحتّى في بيتٍ واحد يتألّف من عدّة أفراد، لن يستطيع أن يعيش ويستمرّ في حياته دون قائد أو ناظر عليه، فهو الذي يجعل الحياة نابضة، يُحرّك عجلات اقتصادها، يُحفّز كلّ فردٍ من أفراد المجتمع بانجاز وظيفته الاجتماعيّة، فالمجتمع الفاقد لقائد، لا يستطيع أن يستمرّ في حياته،


وفي أقلّ فترةٍ ممكنة ينهار قوامه، ويسير نحو الهمجيّة والتحلّل الخُلقي.

فعلى هذا، فالشخص الذي يتولّى قيادة مجتمع (سواء أكان كبيراً أم صغيراً)، ويُعير اهتماماً لمنصبه ومقامه، يُبدي عنايته لبقاء ذلك المجتمع، نجدهُ يُعيّن خَلَفاً له فيما لو أراد أن يغيب عن محلّ عملهِ (سواء أكانت الغيبة مؤقّتة أم دائميّة)، ولن يتخلّى عن مقامه ما لم يُعيّن أحداً، ولن يترك بلاده أو بقعته دون ناظرٍ أو حارس عليها أو قائدٍ لها؛ لأنّه يعلم جيّداً أنّ غضّ النظر عن هذه المهمّة وعدم استخلاف أحد، يؤدّي بمجتمعه إلى الزوال والاضمحلال، كما لو أرادَ ربّ البيت أن يسافر عدّة أيّام أو أشهر، فإنّه يختار أحدهم (أو أحداً غيرهم) مكانه، ويَلقي إليه مقاليد الإدارة للبيت، وهكذا الرئيس لمؤسّسة، أو المدير لمدرسة، أو الصاحب لحانوت، وهو يُشرف على موظّفين أو صُنّاع يعملون تحت إمرته، فلو قدُِّر أن يترك محلّ عملهِ لساعات قليلة فإنّه يختار أحدهم ويُعيّنه مكانه، كي يتسنّى للآخرين الرجوع إليه في المشكلات أو المعضلات، وقِس على هذا…

الإسلامُ دينٌ قوامهُ الفطرة، وذلك بنصّ القرآن الحكيم والسُنّة النبويّة، وهو نظام اجتماعي، يُدركه كلّ مَن له إلمام بهذا الدين، ومَن ليس له صلة به، والعنايةُ الخاصّة التي قد بذلها الله جلّ وعَلا، ونبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) لهذا الدين الجامع، لا ينكرها أحد، ولا يسعنا مقارنته مع أيّ شيء آخر.

فالنبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كان لا يترك المجتمع الذي دخلَ في الإسلام، أو المجتمع الذي قد سيطرَ عليه الإسلام، وكذا كلّ بلدةٍ أو قرية كانت تقع تحت إمرة المسلمين، دون أن يرسل إليها والياً أو عاملاً في وقت مُبكّر، كي يُدير شؤون تلك المجتمعات أو البقاع، وكان هذا دَأب النبي (صلّى الله عليه وآله) في الجهاد، فعندما كان يرسل كتيبة إلى مكانٍ ما، كان يُعيّن قائداً لها، وكان يُعيّن أكثر من قائد أحياناً، كما حدثَ ذلك في حرب (مؤتة) ، إذ عيّنَ (صلّى الله عليه وآله) أربعة، فإذا ما قُتل الأوّل، استخلفهُ الثاني من بعده،


وإذا ما قُتل الثاني، استخلفهُ الثالث… وهكذا.

وقد أبدى الإسلام عنايته بموضوع الخلافة والاستخلاف عناية تامّة، فلم يتغافل عن هذا الموضوع، ومتى ما أراد النبيّ (صلّى الله عليه وآله) أن يترك المدينة، كان يستخلف أحداً.

وفي الوقت الذي أراد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) الهجرة من مكّة إلى المدينة، عيّن عليّاً خليفة له في مكّة، للقيام بالأعمال الخاصّة به لفترة قصيرة، كأداء الأمانات إلى أهلها، وقد أوصى (صلّى الله عليه وآله) لعليّ (عليه السلام) أن يقوم بأداء الديون وما يتعلّق بشؤونه الخاصّة، بعد وفاته (صلّى الله عليه وآله).

ووفقاً لهذه القاعدة، فإنّ الشيعة تدّعي أنّه لن يُتصوّر أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) قُبيل وفاته، لم يوصِ لأحد يستخلفه في شؤون الأُمّة من بعده، أو أنّه لم يُعيّن شخصاً يقوم بإدارة المملكة الإسلاميّة.

وليس هناك من شكّ، والفطرة الإنسانيّة تقرّ بذلك: بأنّ نشوء مجتمع يرتبط بمجموعة من عادات وتقاليد مشتركة تقرّها أكثريّة ساحقة لذلك المجتمع، وكذا يرتبط بقاؤها ودوامها بحكومة عادلة تتبنّى إجراء تلك العادات والتقاليد إجراءً كاملاً، وهذا الأمر لا يخفى على الشخص اللبيب أو أن يتغافل عنه، في حين أنّه ليس هناك مجال للشك في الشريعة الإسلاميّة، بما فيها من دقّة ونظام، ولِمَا كان يُبديه النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) من احترام وتقدير لتلك الشريعة، إذ كان يُضحّي بما في وسعه في سبيلها، أن يهمل الموضوع أو يتركه، عِلماً بأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان نابغة زمانه، في قوّة تفكّره، وفراسته وتدبيره (فضلاً عن ملازمات الوحي والنبوّة وما تتبعها من تأييدات).

وكما نجد في الأخبار المتواترة عن طريق العامّة والخاصّة، في كُتب الأحاديث والروايات (باب الفتن وغيرها)، أنّه (صلّى الله عليه وآله) كان يُنبئ بالفتن والمِحن التي ستلاقيها الأُمّة الإسلاميّة بعده، وما يشوب الإسلام من فساد، كحكومة آل مروان وغيرهم، الذين غيّروا وحرّفوا الشريعة السمحاء، فكيف


مَن يهتمّ بأمورٍ تحدث بعد سنوات عديدة متأخّرة عن وفاته، وما تنطوي عليها من فِتن ومصائب، يتغافل عن موضوع يحدث بُعيد وفاته، وفي الأيّام الأُوَل بعد رحلته (صلّى الله عليه وآله)؟! ولا يُبدي عنايته لموضوعٍ خطير من جهة، وبسيط من جهةٍ أخرى، في حين كان يُبدي اهتمامه لأبسط الأمور الاعتياديّة: كالأكل، والشرب، والنوم وما شاكل، فنجدهُ يُصدر الأوامر اللازمة لهذه المسائل الطبيعيّة، فكيف لا يُبدي اهتماماً لمسائل أساسيّة هامّة أو أن يختار الصمت إزاءها، ولا يُعيّن أحداً مكانه؟

وعلى فرض المحال، لو كان تعيين القائد لمجتمع إسلامي في الشريعة الإسلاميّة، منوطاً بالمجتمع نفسه، لكانَ لزاماً على النبي (صلّى الله عليه وآله)، أن يُصرِّح في هذا الخصوص ويشير إليه إشارة وافية، ويُعطي الأُمّة الإرشادات اللازمة، كي تصبح واعية أمام موضوعَ يضمن لها تقدّمها وتكاملها، ويتوقّف عليه شعائر دينها.

في حين أنّنا لم نجد مثل هذا التصريح، ولو كان هناك نصٌّ صريح لمَا خالفهُ مَن جاء من بعده؛ وذلك ما حدثَ من الخليفة الأوّل، وانتقال الخلافة إلى الثاني بوصيّة منه، والرابع أوصى لابنه، أمّا الخليفة الثاني فقد دفعَ الثالث إلى منصّة الخلافة بحُجّة أنّه أحالَ الأمر من بعده إلى شورى تتضمّن ستّة أعضاء، وقد عيّن هؤلاء الأعضاء، وكذا كيفيّة انتخابهم.

أمّا معاوية، فقد استعمل الشدّة في صُلح الإمام الحسن (عليه السلام)، واستتبّ لهُ الأمر، وبعدها صارت الخلافة وراثيّة، وتغيّرت الشعائر الدينيّة من: جهادٍ، وأمرٍ بالمعروف، ونهي عن المنكر، وإقامة الحدود وغيرها، كلّ هذه قد زالت عن المجتمع الإسلامي، فأضحَت جهود الشارع هباءً (1) .

____________________

(1) فيما يتعلّق بموضوع الإمامة وخلافة النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والحكومة الإسلاميّة، تراجَع المصادر التالية: تاريخ اليعقوبي ج2: 26 - 61، السيرة لابن هشام ج2: 223 - 271.

تاريخ أبي الفداء ج1: 126، غاية المرام: ص 664 نقلاً عن مسند أحمد وغيرها.


أمّا الشيعة، فقد حَصلت على هذه النتيجة خلال البحث والدراسة في الدرك الفطري للإنسان، والسيرة المستمرّة للعقلاء، وبالتعمّق والفحص في الأُسس الأساسيّة للشريعة الإسلاميّة التي مرامها إحياء هذه الفطرة الإنسانيّة، وبالتأمّل في الحياة الاجتماعيّة التي كان ينهجها النبيّ (صلّى الله عليه وآله) - وكذا بدراسته الحوادث المؤسفة التي حَدثت بعد وفاته، والتي عانَت الأُمّة الإسلاميّة منها عناءً بالغاً، ودراسة وضع الحكومات الإسلاميّة في القرن الأوّل، وما لازَمها من قصور عن أداء وظائفهم - تصل إلى هذه النتيجة.

إنّ هناك نصوصاً كافية قد صُرّحت من قِبَل النبيّ (صلّى الله عليه وآله) في خصوص تعيين إمام وخليفة من بعده، وإنّ الآيات والأخبار المتواترة القطعيّة تشير إلى هذا المعنى: كآية الولاية، وحديث غدير خُم (1)، وحديث السفينة، وحديث الثقلين، وحديث الحقّ، وحديث المنزلة، وحديث دعوة العشيرة الأقرَبين وغيرها، ولكنّ المراد من الآيات والأحاديث الآنفة الذكر قد أُوِّلَ وحُرِّف لأسبابٍ ودواعٍ.

____________________

(1) ويُستدلّ بآياتٍ من الذكر الحكيم لإثبات خلافة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) منها الآية: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) الآية 55 من سورة المائدة.

اتّفق المفسّرون شيعةً وسُنّة، أنّ الآية المذكورة نَزَلت في شأن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وتؤيّد ذلك المزيد من الروايات عن طريق العامّة والخاصّة.

وممّا يُنقل عن أبي ذر الغفاري أنّه قال: (صلّيتُ مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوماً من الأيّام صلاة الظهر، فسألَ سائل في المسجد فلم يُعطه أحد، فرفعَ السائل يده إلى السماء وقال: اللهمّ اشهد أنّي سألتُ في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلم يُعطني أحد شيئاً، وكان عليّ راكعاً وأومى إليه بخُنصره اليمنى، وكان يتختّم فيها، فأقبلَ السائل حتّى أخذَ الخاتم من خُنصره، وذلك بعين النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فلمّا فرغَ من صلاته، رفعَ رأسه إلى السماء وقال:

(اللهمّ سألك موسى فقال: ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) ، فأنزلتَ عليه قرآناً ناطقاً: ( سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا ) .

اللهمّ وأنا محمّد نبيّك وصفيّك، اللهمّ واشرَح لي صدري، ويسِّر لي أمري، واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً، أشدُد به ظهري).

قال أبو ذر: فو الله ما استتمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الكلمة، حتّى نزلَ عليه جبرئيل (عليه السلام) من عند الله تعالى، فقال: (يا محمّد، اقرأ، قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله): وما أقرأ؟ قال جبرئيل (عليه السلام): اقرأ: ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ). =


____________________

= ومن الآيات التي يُستدلّ بها على خلافة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) هي الآية: ( الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ) .

والآية: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) الآية 6 من سورة المائدة.

فظاهرُ الآية يدلّ على أنّ الكفّار كانوا يأملون في انتهاء الدعوة الإسلاميّة وزوال معالِمها، ولكنّ الله سبحانه وتعالى قد أبدلَ أُمنيّاتهم إلى يأس بالآية المذكورة، لقد أكملَ دينهُ وقوّم بنيانه، وربّما لم يكن الأمر هذا من الأحكام الجزئيّة في الإسلام، بل أمرٌ ينطوي على أهميّة خاصّة يعتمد عليه بقاء الإسلام واستمراره.

لعلّ ظاهر الآية هذه يرتبط بالآية الأخيرة من السورة ذاتها: ( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) الآية 72 من سورة المائدة.

تدلّ هذه الآية: على أنّ هناك أمراً خطيراً، أُنذرَ به الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) لابدّ من تحقّقه، فإذا ما أهملَ فيه، فإنّ رسالة الإسلام وأهدافه ستتعرّض للخطر، والأمر بما ينطوي عليه من أهميّة خاصّة، فإنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان يخشى المعارضة من قِبَل المخالفين، وكان ينتظر الفرصة المناسبة لبيانه وإظهاره، لذا كان يؤجّل إعلان الأمر للأُمّة الإسلاميّة، حتّى نزلَ الوحي من السماء، يَطلب فيها ربّ العالمين من الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) أن يُبادر في إعلانه دون تأمّل وتهاون، وألاّ يخشى أحداً سوى الله جلّ وعَلا.

فالموضوع هذا لم يكن من نسخ الأحكام؛ لأنّ عدم تبليغ الأحكام الإسلاميّة أو إعلان ثلّة منه، لا يَعني تزلزل الكيان الإسلامي بأسره، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، فإنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) كان يخشى من تبيان الأحكام الإسلاميّة للأُمّة الإسلاميّة.

فهذه الشواهد والقرائن، تؤيِّد الأخبار أنّ الآيات التي ذُكرت، قد نَزلت في غدير خُم في شأن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وأيّده الكثير من المفسّرين من إخواننا أهل السُنّة.

وممّا يُروى عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دعا الناس إلى علي (عليه السلام) في غدير خُم، فأخذَ بضبعيه فَرَفعهما، حتّى نظرَ الناس إلى بياض إبطي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، ثُمّ لم يفترقوا حتّى نَزَلت هذه الآية: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (الله أكبر على إكمال الدين، وإتمام النعمة، ورضا الربّ برسالتي، والولاية لعلي من بعدي، ثُمّ قال: مَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه، وانصُر مَن نصرهُ، واخذُل مَن خَذلهُ) غاية المرام: البحراني صفحة 336.

وقد ذُكرت ستّة أحاديث عن طُرق العامّة، وخمسة عشر حديثاً عن طُرق الخاصّة في شأن نزول الآية المذكورة. =


____________________

= وصَفوةُ القول: إنّ أعداء الإسلام - الذين طالما حاولوا الإطاحة بالإسلام وقِيمه، وتناولوا شتّى الوسائل لهذا الغرض - باءت محاولاتهم هذه بالفشل، وقد خيّمَ اليأس عليهم، فأصبحوا متربّصين للأمر، وبعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي كان يُعتبر حافظاً للإسلام وحارساً له، وبوفاته يتزلزل قوام الإسلام، وتنهدم أركانه، إلاّ أنّ هذه الأُمنيات فُنِّدت في يوم غدير خُم، إذ أعلنَ نبيّ الإسلام أنّ عليّاً خليفتهُ ووصيّهُ الذي سيستخلفهُ للحفاظ على كيان الإسلام فعرّفهُ للأُمّة، وبعد عليّ أُنيطت هذه المسؤوليّة الخطيرة لآل علي. ولمزيدٍ من الاطّلاع يُراجع: تفسير الميزان، الجزء الخامس صفحة 177 - 214، والجزء السادس صفحة 50 - 64، من مصنّفات مؤلِّف هذا الكتاب.

حديثُ الغدير: عند عودة الرسول (صلّى الله عليه وآله) من حَجّة الوداع، مكثَ في مكانٍ يُدعى (غدير خُم) ، فأمرَ أن يُجمع المسلمون العائدون من الحجّ، فاجتمعوا فخطبَ فيهم، ونَصّبَ عليّاً قائداً للأُمّة الإسلاميّة من بعده، فأعطاهُ الولاية، وجَعلهُ خليفة للمسلمين من بعده.

عن البرّاء قال: كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حَجّة الوداع، فلمّا أتينا على غدير خُم، كَشحَ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) تحت شجرتين ونوديَ في الناس: الصلاة جامعة، ودعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عليّاً، وأخذَ بيده فأقامهُ عن يمينه، فقال: (ألستُ أولى بكلّ امرئٍ من نفسه، قالوا: بلى، قال: فإنّ هذا مولى مَن أنا مولاهُ، اللهمّ والِ مَن والاه، وعادِ مَن عاداه)، فلقيهُ عُمر بن الخطّاب فقال: (هنيئاً لك، أصبحتَ وأمسيتَ مولى كلّ مؤمن ومؤمنة).

البداية والنهاية ج5: 208، و ج7: 346، ذخائر العقبى للطبري، طبع القاهرة 1356 صفحة 67، الفصول المهمّة لابن الصبّاغ ج2: 23، وقد جاء هذا الحديث في كلّ من: الخصائص للنسائي، طبع النجف 1369 صفحة 31، وغايةُ المرام للبحراني: صفحة 79، عن 89 طريقاً من العامّة، و43 طريقاً من الخاصّة.

حديثُ السفينة: عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (مَثلُ أهل بيتي كسفينة نوح، مَن رَكبها نجا، ومَن تعلّقَ بها فازَ، ومَن تَخلّف عنها غَرق)، ذخائر العقبى: صفحة 20، الصواعق المُحرقة لابن حجر: طبع القاهرة، صفحة 84 و 150، تاريخ الخلفاء للسيوطي: صفحة 307، كتاب نور الأبصار للشبلنجي: طبع مصر، صفحة 114، غاية المرام للبحراني: صفحة 237، وقد جاء الحديث المذكور في هذه الكُتب بأحد عشر طريقاً من العامّة، وسبعة طُرق من الخاصّة.

حديثُ الثَقَلين: عن زيد بن أرقم قال، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (كأنّي قد دُعيتُ فأجَبتُ، إنّي قد تركتُ فيكم الثَقلين: كتابُ الله، وعِترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تُخلّفوني فيهما، فإنّهما لن يَفترقا حتّى يَردا عليّ الحوض). البداية والنهاية ج5: 209، ذخائر العقبى: صفحة 16، الفصول المهمّة: صفحة 22، الخصائص: صفحة 30، الصواعق المحرقة: صفحة 147، وقد نُقل هذا الحديث في غاية المرام عن العامّة والخاصّة، 39 طريقاً عن العامّة، و82 طريقاً عن الخاصّة.

=


3. تأييدٌ للأقوال السابقة

كانت أُخريات أيّام النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والتي قد مرضَ فيها، وهناك جمعٌ من الصحابة قد حضروا عنده، فقال النبيّ (صلّى الله عليه وآله):

(هَلمّوا أكتُب لكم كتاباً لن تضلّوا بعدهُ أبداً).

____________________

= وحديث الثقلين هذا، يُعتبر من الأحاديث القطعيّة، ورويَ بأسانيد كثيرة وبعبارات مختلفة وأنّه متّفق على صحّته، سُنّة وشيعة، ويستفاد من الحديث المذكور ونظائره، أمورٌ منها:

1) لو بقيَ القرآن بين الناس حتّى قيام الساعة، فالعترةُ باقية أيضاً، أي لا يخلو زمنٍ من وجود إمام وقائد حقيقي للأُمّة.

2) لقد قدّمَ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن طريق هاتين الأمانتين، كلّ ما يحتاج إليه المسلمون من الناحية العلميّة والدينيّة، وعرّف أهل بيته مرجعاً علميّاً ودينيّاً للأُمّة الإسلاميّة، وأيّد أقوالهم وأعمالهم تأييداً مطلقاً.

3) لا يفترق القرآن عن أهل البيت، ولا يحقّ لمسلم أن يبتعد عنهم، تاركاً نهجهم وإرشادهم.

4) لو أطاع الناس أهل البيت وتمسّكوا بأقوالهم، لن يضلّوا، وسوف يكون الحقّ حليفاً لهم.

5) كلّ ما يحتاج إليه الناس من علوم ومسائل دينيّة، فهي موجودة لدى أهل البيت، وكلّ مَن يُتابع طريقهم، لن يضلّ ولن يَهلك، وينال السعادة الحقيقيّة، أي أنّ أهل البيت مصونون من الاشتباه والخطأ، وبهذه القرينة: يتّضح أنّ المراد من أهل البيت والعترة، ليس كلّ أقرباء النبيّ (صلّى الله عليه وآله) وأولاده، بل المراد عدّة معدودة منهم، وهم الذين قد نالوا المقام الأسمى من العلوم الدينيّة، ولم يعترهم الخطأ والنسيان، كي تتوفّر لديهم صلاحيّة القيادة للأُمّة، وهم: عليّ بن أبي طالب، والأحد عشر من وِلده، فإنّ مقام الإمامة لهم الواحد بعد الآخر، كما تشير الروايات إلى هذا المعنى.


قال بعضهم: إنّ رسول الله قد غَلبهُ الوَجع وعندكم القرآن، حَسبُنا كتاب الله، فاختلفَ الحضور بالبيت واختصموا، فمنهم مَن يقول: قَرّبوا يكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده، ومنهم مَن يقول غير ذلك، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (قُوموا) (1) .

معَ ما تقدّم من البحث، ومع الالتفات إلى أنّ الذين مانعوا من تدوين كلمة الرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله)، هم أنفسهم قد حَظوا في اليوم التالي بالخلافة الانتخابيّة، وكان الانتخاب دون علم عليّ (عليه السلام) وأصحابه، فجعلوهم أمام أمرٍ واقع، وهل هناك شكّ في أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) كان يريد تعيين علي، ليجعله خليفة له من بعده؟

وما كان الهدف من المعارَضة إلاّ جَعل المحيط مضطرباً، يقضي بانصراف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) عن الأمر، ولم يكن الغرض اتّصاف النبيّ بالهَذَيان، وغَلَبة المرض عليه، وذلك لأسبابٍ:

أوّلاً: فضلاً من أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) طوال فترة مرضه، لم يُسمع منه كلام لا يُليق بمقامه، ولم ينقل أحد هذا المعنى، فإنّه لا يحقّ لمسلم - وفقاً للموازين الدينيّة - أن ينسب إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الهَذَيان والكلام العبث، عِلماً بأنّه (صلّى الله عليه وآله) مصونٌ ومعصوم من قِبَل الله تعالى.

ثانياً: لو كان المراد من الكلام المعنى الحقيقي له، فلا حاجة إلى ذِكر العبارة التي تلتها (كفانا كتاب الله)، إذ لو كان المراد نسبة الهذَيان إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، لكفى ذِكر مرضهِ، لا أن يؤيَّد القرآن، ويُنفى قول الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وهذا الأمر لا يخفى على رجلٍ صحابي: من أنّ القرآن الكريم قد فرضَ على الأُمّة الإسلاميّة اتّباع النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأنّهُ مفروض الطاعة، وكلامه عِدلٌ للقرآن، والناس ليس لهم أيّ اجتهادٍ أو اختيار أمام حُكم الله ورسوله.

____________________

(1) البداية والنهاية ج5: 227، شرحُ ابن أبي الحديد ج1: 133، الكامل في التاريخ ج2: 217، تاريخ الرُسل والمُلوك للطبري ج2: 436.


ثالثاً: إنّ ما حَدثَ في مرض الرسول (صلّى الله عليه وآله)، قد حدَث أيضاً في مرض الخليفة الأوّل، عندما كان يوصي إلى الخليفة الثاني من بعده، وعثمان حاضر يُحرِّر ما يُملي عليه الخليفة الأوّل، إذ أُغميَ على الخليفة، والخليفة الثاني لم يَعترض عليه كما اعترضَ على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) (1) .

وفضلاً عن هذا كلّه، فإنّ الخليفة الثاني قد اعترفَ في حديثٍ له لابن عبّاس قائلاً (2) : إنّني أدركتُ أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله) يريد أن يوصي لعلي، إلاّ أنّ مصلحة المسلمين كانت تستدعي ذلك، ويقول أيضاً: إنّ الخلافة كانت لعلي (3) ، فإذا ما كانت الخلافة صائرة إليه، لفُرض على الناس اتّباع الحقّ، ولم تَرضخ قريش لهذا الأمر، فرأيتُ من المصلحة ألاّ ينالها، ونحّيتهُ عنها.

عِلماً بأنّ الموازين الدينيّة تُصرِّح أنّ المتخلِّف عن الحقّ يجب أن يعود إليه، لا أن يترك الحقّ لصالح المُتخلِّف.

وممّا تتناقلهُ كُتب التاريخ: أنّ الخليفة الأوّل أمرَ بمحاربة القبائل المسلمة التي امتنعت من إعطاء الزكاة، قال: (والله، لو مَنعوني عِقالاً كانوا يؤدّونه إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، لأُقاتلنّهم على منعهِ) (4) .

والمراد من هذا القول: هو أنّ إقامة الحقّ وإحيائه واجب مهما بلغَ الثمن، وبديهي أنّ موضوع الخلافة حقّ أيضاً إلاّ أنّه أغلى من العِقال وأثمن.

4. الإمامةُ في العلوم التشريعيّة

أشرنا في الفصول المتقدّمة، في معرفة النبيّ (الرسول) وقلنا: وفقاً للقانون الثابت والضروري للهداية العامّة، أنّ أيّ نوعٍ من أنواع الكائنات يسير نحو الكمال والسعادة المناسبة له، وذلك عن طريق الفطرة والتكوين.

____________________

(1) الكامل لابن الأثير ج2: 292.

(2) شرحُ ابن أبي الحديد ج2: 134.

(3) تاريخ اليعقوبي ج2: 137.

(4) البداية والنهاية ج6: 311.


والإنسان أيضاً أحد أنواع هذه الكائنات لا يُستثنى من القانون العام، و يجب أن يُرشَد إلى طريق خاصّ في حياته، تَضمن له سعادته في الدنيا والآخرة، وذلك عن طريق الغريزة المتّصفة بالنظرة الواقعيّة للحياة، والتأمّل في حياته الاجتماعيّة، وبعبارةٍ أخرى: يجب أن يُدرِك مجموعة من معتقدات ووظائف عمليّة، كي يجعلها أساساً له في حياته ليصل بها إلى السعادة والكمال المنشود، وقلنا: إنّ المنهاج للحياة - وهو ما يسمّى بالدين - لا يتأتّى عن طريق العقل، بل هو طريق آخر يُدعى الوحي والنبوّة، والتي تظهر في بعضٍ من أولياء الله الصالحين وهم: الأنبياء، ورُسل السماء .

فالأنبياءُ قد أُنيطت بهم مسؤوليّة هداية الناس عن طريق الوحي من الله تعالى، فإذا ما التزموا بتلك الأوامر والنواهي، ضَمنوا السعادة لهم.

يتّضح أنّ هذا الدليل، فضلاً عن أنّه يُثبت ولزوم مثل هذا الإدراك بين أبناء البشر، يُثبت أيضاً لزوم وضرورة وجود أفراد حَفَظة على هذا البرنامج، وإيصاله إلى الناس إذا اقتضت الضرورة ذلك.

وكذا يستلزم وجود أشخاص قد أدركوا الواجبات الإنسانيّة، وذلك عن طريق الوحي، وهم بدورهم ينهضون بتعليم المجتمع، كما يجب أن تبقى هذه الواجبات السماويّة مادام الإنسان حيّاً، وتُعرض عليه عند الضرورة.

فالذي يتحمّل عِبء هذه المسؤوليّة يُعتبر حامياً للدين الإلهي، ويُعيّن من قِبَل الله تعالى، وهو مَن يُسمّى بـ (الإمام) ، كما يُدعى حامل الوحي الإلهي والشرائع السماويّة بـ (النبي) ، وهو من قِبَل الله تعالى أيضاً.

يَتّفق أن تكون النبوّة والإمامة في شخصٍ واحد، وقد لا يتحقّق ذلك، فكما أنّ الدليل المتقدِّم يُثبت عصمة الأنبياء، يُثبت عصمة الأئمّة أيضاً.

إذ تقتضي رحمة الله وعطفه، أن يضع الدين الحقيقي غير المحرّف في متناول أيدي البشر دوماً، ولا يتحقّق هذا الأمر دون أن تكون هناك عصمة.


5. الفرقُ بين النبيّ والإمام

إنّ تسلّم الأحكام والشرائع السماويّة، والتي تتمّ بواسطة الأنبياء، إنّما يُثبت لنا موضوع (الوحي)، وهذا ما مرّ علينا في الفصل المتقدّم، وليس فيه ما يؤيّد استمراريّتهُ وبقاءه على خلاف الحافظ والحامي الذي يُعتبر أمراً مستمرّاً، ومن هنا نصل إلى نتيجة أنّ ليس هناك ضرورة أن يكون نبيّ بين الناس بصورة مستمرّة، لكن يستلزم أن يكون إمام بينهم، ويستحيل على مجتمع بشري أن يخلو من وجود إمام سواء عرفوه أم لم يعرفوه، وقد أشار الحكيم في كتابه: ( فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ ) (1).

فكما أشرنا، يتّفق أن تجتمع النبوّة والإمامة في شخصٍ واحد، فيمتاز بالمقامين: النبوّة، والإمامة (تَسلُّم الشريعة والاحتفاظ بها والسعي في نشرها) وقد لا تجتمع في واحد، وهناك أدوار من الزمن خَلت من وجود الأنبياء، إلاّ أنّ هناك إمام حقّ في كلّ عصر، ومن البديهي أنّ عدد الأنبياء محدود، ولم يظهروا في جميع الأدوار التي مرّت بها البشريّة.

يُشير الحكيم في كتابه المُبين إلى بعض الأنبياء الذين امتازوا بصفة الإمامة أيضاً، كما في إبراهيم (عليه السلام) إذ يقول: ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (2).

وكذا قوله تعالى: ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (3) .

____________________

(1) سورة الأنعام: الآية 89.

(2) سورة البقرة: الآية 124.

(3) سورة الأنبياء: الآية 73.


6. الإمامةُ في باطن الأعمال

كما أنّ الإمام قائد وزعيم للأُمّة بالنسبة للظاهر من الأعمال، فهو قائد وزعيم بالنسبة للباطن من الأعمال أيضاً، فهو المُسيّر والقائد للإنسانيّة من الناحية المعنويّة نحو خالق الكون وموجِده.

لكي تتّضح هذه الحقيقة لابدّ من مراعاة المقدّمتين التاليتين:

أوّلاً: ليس هناك من شكّ أو تردّد في أنّ الإسلام وسائر الأديان السماويّة، تُصرِّح بأنّ الطريق الوحيد لسعادة الإنسان أو شقائه هو: ما يقوم به من أعمال حَسنة أو سيّئة، فالدين يُرشده، كما أنّ فطرتهُ وهي الفطرة الإلهيّة تهديه إلى إدراك الحَسن والقبيح.

فالله سبحانه يُبيّن هذه الأعمال عن طريق الوحي والنبوّة، ووفقاً لسعة فكرنا نحن البشر، وبلُغة نفهمها ونَعيها، بصورة الأمر والنهي والتحسين والتقبيح في قبال الطاعة أو التمرّد والعصيان، يُبشّر الصالحين والمطيعين بحياة سعيدة خالدة، وقد احتوت على كلّ ما تصبو إليه البشريّة من حيث الكمال والسعادة، ويُنذر المسيئين والظالمين بحياة شقيّة خالدة، وقد انطوت على البؤس والحرمان.

وليس هناك أدنى شكّ من أنّ الله تعالى يفوق تصوّرنا وما يجول في أذهاننا، ولكنّه لم يتّصف بصفة البشر من حيث التفكير.


وليس لهذه الاتّفاقيّة أن يكون هناك سيّد ومَسود، وقائد ومَقود، وأمر ونهي، وثواب وعقاب، واقع خارجي سوى في حياتنا الاجتماعيّة، أمّا الجهاز الإلهي فهو الجهاز الكوني الذي يربط حياة كلّ مخلوقٍ وكائن بالله الخالق ربطاً وثيقاً.

وممّا يستفاد من القرآن الكريم (1) ، وأقوال النبي العظيم (صلّى الله عليه وآله)، الدين يشتمل على حقائق ومعارف تفوق فهمنا وإدراكنا الاعتيادي، وأنّ الله جلّ شأنه قد أنزَلها إلينا بتعبيرٍ بسيط يلائم تفكيرنا، كي يتسنّى لنا فهمها وإدراكها.

يُستنتج ممّا تقدّم: أنّ هناك ارتباطاً بين الأعمال الحَسنة والسيّئة من جهة، والحياة الأخرى بما تمتاز به من خصائص وصفات من جهةٍ أخرى، ارتباطاً واقعيّاً، تكشف عن سعادة أو شقاء.

وبعبارةٍ أوضح: إنّ كلّ عملٍ من الأعمال الحسنة والسيّئة تُولِّد في الإنسان واقعيّة، والحياة الأخرويّة ترتبط بهذه الواقعيّة ارتباطاً وثيقاً.

إنّ الإنسان في حياته يشبه الطفل، سواء شَعرَ بهذا الأمر أو لم يشعر، حيث تُلازمه شؤون تربويّة، فهو يُدرك ما يُملي عليه مربّيه بألفاظ الأمر والنهي، لكنّه كلّما تقدّم في العمر استطاع أن يُدرك ما قالهُ مربّيه، فينال بذلك الحياة السعيدة، وما ذلك إلاّ بما اتّصف به من مَلَكات، وإذا ما رفضَ وعصى معلِّمه الذي كان يسعى له بالصلاح، نجد حياته مليئة بالمآسي والآلام.

فالإنسانُ يشبه المريض الذي دأبَ على تطبيق أوامر الطبيب في الدواء والغذاء، أو رياضة خاصّة، فهو لم يُبالِ إلاّ بما أملاهُ عليه طبيبه، فعندئذٍ يجد الراحة والصحّة ويحسّ بتحسّن صحّته.

____________________

(1) ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ ) سورة الزُخرف: الآية 4.


وصفوةُ القول: إنّ الإنسان يتّصف بحياة باطنيّة غير الحياة الظاهريّة التي يعيشها، والتي تنبع من أعماله، وترتبط حياته الأخرويّة بهذه الأعمال والأفعال التي يمارسها في حياته هنا.

إنّ القرآن الكريم يُثبت هذا البيان العقلي، ويُثبت في الكثير من آياته (1) ، بأنّ هناك حياة أسمى وروحاً أرفع من هذه الحياة للصالحين والمؤمنين، ويؤكِّد على أنّ نتائج الأعمال الباطنيّة تُلازم الإنسان دوماً، والنبيّ العظيم قد أشار إلى هذا المعنى أيضاً في الكثير من أقواله (2) .

____________________

(1) مثل هذه الآية: ( وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ) سورة ق: الآية 21.

والآية: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ) سورة النحل: الآية 97.

( اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ ) سورة الأنفال: الآية 34.

وفي سورة آل عمران الآية 30: ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ ) .

والآية: ( إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) سورة يس: الآية 12.

(2) على سبيل المثال: يقول تعالى في حديث المعراج لنبيّه (صلّى الله عليه وآله): (فمَن عملَ برضائي أمنَحهُ ثلاث خِصال: أُعرِّفهُ شكراً لا يُخالطه الجهل، وذِكراً لا يُخالطه النسيان، ومحبّةً لا يُؤثِر على محبّتي محبّة المخلوقين، فإذا أحبّني، أحبَبتهُ، وأفتحُ عين قلبه إلى جلالي، ولا أُخفي عليه خاصّة خَلقي، وأُناجيه في ظُلم الليل ونور النهار حتّى ينقطع حديثهُ مع المخلوقين ومجالسته معهم، وأُسمعهُ كلامي وكلام ملائكتي، وأُعرِّفهُ السرّ الذي سترتهُ عن خَلقي، وأُلبِسهُ الحياء حتّى يستحي منه الخلق، ويمشي على الأرض مغفوراً لهُ، وأجعلُ قلبهُ واعياً وبصيراً، ولا أُخفي عليه شيئاً من جنّة ولا نار، وأُعرِّفهُ ما يمرّ على الناس في القيامة من الهول والشدّة)، بحار الأنوار ج17: 9.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (استقبلَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري فقال له: كيف أنتَ يا حارثة بن مالك؟ فقال: يا رسول الله، مؤمن حقّاً. فقال لهُ رسول الله: لكلّ شيء حقيقة فما حقيقة قولك؟ فقال: يا رسول الله، عَزَفت نفسي عن الدنيا فأسهرتُ ليلي، وأظمأتُ هواجري، فكأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد وضِعَ الحساب، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورونَ في الجنّة، وكأنّي أسمعُ عواء أهل النار في النار، فقال رسول الله: عبدٌ نوّر الله قلبه) الوافي: الجزء الثالث، صفحة 33.


ثانياً: كثيراً ما يحدُث أن يَرشد شخصٌ أحداً بعملٍ حَسن دون أن يلتزم هو بذلك العمل، في حين أنّ الأنبياء والأئمّة الأطهار ترتبط هدايتهم للبشر بالله جلّ وعَلا، ويستحيل أن يُشاهَد عندهم هذه الحالة، وهو عدم الالتزام بالقول أو العمل به، فهم العاملون بمبادئ الدين الذي هم قادتهُ وأئمّته، وإنّهم متّصفون بروح معنويّة سامية، يُرشدون بها الناس، ويهدونهم إلى الطريق القويم.

فلو أراد الله سبحانه أن يَجعل هداية أُمّة على يد فردٍ من أفرادها، أن يُربّي ذلك الفرد تربية صالحة تؤهّله للقيادة والإمامة، ولن تجد لسُنّة الله تبديلاً.

ممّا تقدّم نستطيع أن نحصل على النتائج التالية:

1) إنّ النبيّ أو الإمام لكلّ أُمّة، يمتاز بسموّ روحي وحياة معنويّة رفيعة، وهو يروم هداية الناس إلى هذه الحياة.

2) بما أنّهم قادة وأئمّة لجميع أفراد ذلك المجتمع، فهم أفضل من سواهم.

3) إنّ الذي يَصبح قائداً للأُمّة بأمرٍ من الله تعالى، فهو قائد للحياة الظاهريّة والحياة المعنويّة معاً، وما يتعلّق بهما من أعمال تسير مع سيره ونهجه (1) .

____________________

(1) ( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ ) سورة الأنبياء: الآية 73.

( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ) سورة السجدة: الآية 24.

ويُستفاد من الآيات المتقدّمة وما شابهها: أنّ الإمام - فضلاً عن الإرشاد والهداية الظاهريّة - يختصّ بنوعٍ من الهداية المعنويّة، ويُعتبر من سِنخ عالَم الأمر والتجرّد، فهو بواسطة الحقيقة والنور الباطني الذي يتّصف به، يستطيع أن يؤثِّر في القلوب المهيّأة، وأن يتصرّف بها كيفما شاء، ويُسيّرها نحو مراتب الكمال والغاية المتوخّاة، فتأمّل.


7. أئمّةُ الإسلام وقادتهُ

وممّا تقدّم يُستنتج: أنّ بعد وفاة الرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله)، ما زال ولا يزال إمام مُعيّن من قِبَل الله تعالى في الأُمّة الإسلاميّة.

وهناك مزيدٌ من الأحاديث النبويّة (1) في وصف الأئمّة وعددهم، وأنّهم من قريش ومن أهل بيته (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنّ منهم الإمام المهدي وهو آخرهم.

وهناك نصوص صريحة (2) أيضاً من الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) في إمامة علي (عليه السلام)، وأنّه الإمام الأوّل، وهكذا روايات وأحاديث أخرى عنه (صلّى الله عليه وآله) وعن

____________________

(1) على سبيل المثال: عن جابر بن سَمَرة قال: سمعتُ رسول الله يقول: (لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة، قال: فكبّرَ الناس وضجّوا، ثُمّ قال كلمة خفيّة، قلتُ لأبي: يا أبه، ما قال؟ قال، قال: كلّهم من قريش…) صحيح أبي داود ج2: 207، مسند أحمد ج5: 92 وأحاديث أخرى بهذا المضمون.

عن سلمان الفارسي قال: دخلتُ على النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فإذا الحسين على فخذيه، وهو يُقبِّل عينهُ ويقبِّل فاه ويقول: (أنت سيّد ابن سيّد، وأنتَ إمام ابن إمام، وأنت حُجّة ابن حُجّة، وأنت أبو حُجج تسعة، تاسعهم قائمهم) ينابيع المودّة: الطبعة السابعة، صفحة 308.

(2) يُراجع: كتاب الغدير: تأليف العلاّمة الأميني، وكتاب غايةُ المرام: تأليف السيّد هاشم البحراني، وكتاب الهداة: تأليف محمّد بن حسن الحرّ العاملي، وكتاب ذخائر العقبى: تأليف مُحبّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري، وكتاب المناقب للخوارزمي، وكتاب تذكرة الخواص لابن الجوزي، وكتاب ينابيع المودّة لسليمان بن إبراهيم الحنفي، وكتاب الفصول المهمّة لابن الصبّاغ، وكتاب دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري، وكتاب النصّ والاجتهاد لشرف الدين الموسوي، وكتاب أصول الكافي، الجزء الأوّل لمؤلّفه محمد بن يعقوب الكليني، وكتاب الإرشاد للشيخ المفيد.


الإمام علي (عليه السلام) بشأن الإمام الثاني، وهكذا كلّ إمام يُنبئ بالإمام الذي يليه ويأتي بعده.

وبمقتضى هذه النصوص، فإنّ أئمّة الإسلام اثنا عشر بالترتيب التالي:

1 - عليُّ بن أبي طالب.

2 - الحسنُ بن علي.

3 - الحسينُ بن علي.

4 - عليُّ بن الحسين.

5 - محمّد بن علي.

6 - جعفرُ بن محمّد.

7 - موسى بن جعفر.

8 - عليُّ بن موسى.

9 - محمّد بن علي.

10 - عليُّ بن محمّد.

11 - الحسنُ بن علي.

12 - المهديُّ (عليهم السلام أجمعين).

8. موجزٌ عن حياة الأئمّة الاثني عشر:

الإمامُ الأوّل

أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وأبو طالب: شيخ بني هاشم وعمّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد ربّى محمّداً في حِجره، وبعد أن بُعث بالرسالة، كان مُدافعاً عنه، يصونهُ من شرّ المشركين وخاصّة قريش.


ولِدَ عليٌّ - على أشهر الروايات - قبل البعثة النبويّة بعشر سنوات، وعندما أصاب مكّة وأطرافها الجَدب، كان عمرهُ آنذاك ست سنوات، فاقترحَ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن ينتقل من بيت أبيه (أبي طالب) إلى بيت ابن عمّه الرسول العظيم، ليُصبح في كَنَف مُرسل السماء وتحت رعايته (1) .

نالَ محمّد بعد سنواتٍ عدّة مقامَ النبوّة، وقد أوحيَ إليه لأوّل مرّة وهو في غار (حِرَاء) فرجعَ إلى بيته، وأخبرَ عليّاً بما جرى عليه، فآمنَ عليٌ به (2) .

وقد دعا النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عشيرته الأقربين إلى دينه الجديد، قائلاً: (مَن يؤازرني على هذا الأمر، يكن وصيّي، ووزيري، ووارثي، وخليفتي من بعدي).

فلم يستجب أحد لهذه الدعوة إلاّ علي، حيث قامَ وقال: (أنا يا رسول الله)، فَقبلَ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إيمانه، وأقرّ بما وعدهُ إيّاه (3)، فهو أوّل مَن أسلمَ وقَبِل الإسلام من الرجال وآمنَ به، وهو لم يَعبد إلاّ الله سبحانه.

كان عليٌّ يُرافق النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دوماً، إلى أن هاجرَ من مكّة إلى المدينة، وفي ليلة الهجرة، عندما حوصرَ بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكانوا قد جهّزوا الحَملة للهجوم على بيت النبوّة والرسالة، وقَتل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في فراشه، استقرّ عليٌّ في فراش الرسول، وخرجَ الرسول مهاجراً إلى يثرب (4) ، فردّ عليّ الأمانات إلى أهلها حسبَ ما أوصى به النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتوجّه إلى يثرب مع أُمّه، وزوجَتي الرسول مع ابنته (5) .

كان عليُّ بن أبي طالب مُلازماً للرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يُفارقه، وزوّجهُ

____________________

(1) الفصول المهمّة: الطبعة الثانية، صفحة 14، المناقب للخوارزمي: صفحة 17.

(2) ذخائر العقبى: طبعة القاهرة سنة 1356، صفحة 58، المناقب للخوارزمي: طبعة النجف سنة 1385، صفحة 16 - 22، ينابيع المودّة: الطبعة السابعة.

(3) الإرشاد للشيخ المفيد: طبع طهران 1377، صفحة 4، ينابيع المودّة: ص122.

(4) الفصول المهمّة: صفحة 28 - 30، تذكرة الخواص: طبع النجف 1383، صفحة 34، ينابيع المودّة: ص 105، المناقب للخوارزمي: ص 73 - 74.

(5) الفصول المهمّة: صفحة 34.


النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ابنته فاطمة سلام الله عليها.

لمّا أقامَ النبيّ عَقد الأخوّة وأنشأها بين أصحابه، جَعل عليّاً أخاً له (1) .

كان عليٌّ (عليه السلام) يحضر جميع غَزوات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عدا غزوة تبوك، إذ استخلفهُ الرسول في المدينة (2) ، فلم يتراجع في جميع تلك الغزوات من مواجهة الخصم، ولم يُخالف النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أمر، وقد قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حقّه (عليه السلام): (عليٌّ مع الحقّ، والحقّ مع عليّ) (3) .

كان عمرهُ الشريف يوم توفيَ الرسول العظيم ثلاثاً وثلاثين سنة، فنُحّي عن منصب الخلافة، عِلماً بأنّه كان مناراً لجميع المُثل الإنسانيّة، يمتاز على أقرانه وصحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

وقد تمسّك المخالفون بأعذارٍ منها: أنّه شاب لا تجربة له في الحياة، وأنّه قد قَتلَ صناديد العرب عند محاربة الكفّار وهو في ركاب الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فاستطاعوا بهذه الحُجج الواهية أن يجعلوه بمنأى وبمعزلٍ عن الخلافة، وقيادة شؤون المسلمين العامّة، فانعزلَ عن المجتمع، وأصبحَ جليس داره، وشرعَ بتربية الخاصّة من أصحابه، وبعد مُضي خمس وعشرين سنة، وهي الفترة التي حَكمَ فيها الخلفاء الثلاثة بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبعد مقتل الخليفة الثالث، اتّجهت الأُمّة الإسلاميّة إلى عليّ (عليه السلام) وبايعوه بالخلافة.

كان عليٌّ (عليه السلام) طوال حكومته - والتي لم تدُم أكثر من أربع سنوات وتسعة أشهر - يسير على نهج الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واتّصفت خلافته بلونٍ من الثوريّة، إذ قام

____________________

(1) الفصول المهمّة: صفحة 20، تذكرة الخواص: صفحة 20 - 24، ينابيع المودّة: ص 63 - 65.

(2) تذكرة الخواص: صفحة 18، الفصول المهمّة: صفحة 21، المناقب للخوارزمي: صفحة 74.

(3) مناقب آل أبي طالب: تأليف محمّد بن علي بن شهرآشوب، طبع قم، ج3: 62، 218.

غايةُ المرام: صفحة 539، ينابيع المودّة: صفحة 104.


بإصلاحاتٍ أدّت بالإضرار إلى بعض المُنتفعين، فنجد أعلامَ المعارَضة ترتفع، وسيوف المعارِضين تُشهر، يتقدّمهم: طلحة، والزبير، ومعاوية، وعائشة، فجعلوا مقتل عثمان ذريعة لنواياهم السيّئة، فقاموا بأعمال مُضلِّلة.

والإمام عليّ (عليه السلام) استعدّ للحرب للقضاء على هذه الفتنة، وقد جَهّزت أُمّ المؤمنين جيشاً، وكان طلحة والزبير خيرَ مَن يُعينها وينهض معها بالأمر، وقعَ القتال بين الطرفين على مقربة من البصرة، اشتهرت الواقعة بـ (حرب الجَمل) .

وقامَ الإمام أيضاً بحرب مع معاوية في الحدود العراقيّة الشاميّة، عُرفت بـ (حرب صفّين) ، واستغرَقت سنة ونصف السنة، وقامَ بحربٍ مع الخوارج في النهروان، اشتهرت بـ (حرب النهروان) .

ويمكن القول: بأنّ معظم تلك الفترة التي حَكمَ فيها الإمام علي (عليه السلام) قد صُرفت لرفع الاختلافات الداخليّة، وبعدها أُصيبَ بضربةٍ على يد أحد الخوارج في مسجد الكوفة، وذلك صبيحة يوم التاسع عشر من رمضان المبارك لسنة 40 للهجرة، واستشهدَ يوم الواحد والعشرين من الشهر نفسه (1) .

والتأريخ يشهد أنّ عليّاً أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تكن تنقصهُ صفة من الكمالات الإنسانيّة، ويؤيِّد هذا الإدّعاء كلّ عدوّ وصديق، فكان مَثلاً رائعاً في الفضائل والمُثل الإسلاميّة، ونموذجاً حيّاً كاملاً لتربية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إنّ الكتب التي تناولت هذه الشخصيّة الفذّة، سواء لدى الشيعة أو السُنّة وغيرهم من المحقّقين، لم تتناول أيّة شخصيّة أخرى بهذا القدر في الحياة البشريّة.

كان عليّ (عليه السلام) أعلمُ الصحابة، بل أعلم المسلمين، وهو أوّل مَن فتحَ باب الاستدلال الحرّ في المسائل العلميّة، واستعانَ بالبحوث الفلسفيّة في المعارف الإلهيّة،

____________________

(1) مناقب آل أبي طالب ج3: 312، الفصول المهمّة: ص 113، تذكرة الخواص: ص 172 - 183.


وتكلّم عن باطن القرآن، ووضعَ قواعد اللغة العربيّة حفاظاً على ألفاظ القرآن الحكيم، وكان أفصحُ العرب بياناً، وأبلَغهم خطاباً (كما أشرنا في الفصل الأوّل من الكتاب)، وكان يُضرب به المَثل في شجاعته، ولم يَدع للقلق أو الخوف طريقاً إلى قلبه، في كلّ الغزوات والحروب التي مارسها واشترك فيها.

والتاريخ الإسلامي لا يزال يَحمل في طيّاته خبر الصحابة والمقاتلين في الغزوات، وقد انتابَهم الفزع والخوف، وقد تكرّرت هذه الحالة في أكثر من واقعة، كحرب: (حُنين) ، و (خيبر) ، و (الخندق) ، إذ انهزمَ الجيش أمام الأعداء، ولكنّ الإمام كان يتصدّى لحَملات العدو، ولم يَسلم كلّ مَن نازلَ الإمام من أبطال العرب ومحاربيهم، فكان على العاجز عطوفاً، يترك قتلهُ، ولم يُعقِّب على الفارّ من ساحة الحرب، ولم يُغافل العدو ساعة الهجوم عليه، ولم يقطع الماء على الأعداء.

وممّا اتّفقت عليه كُتب التأريخ: أنّه (عليه السلام) في معركة خيبر، تناولَ حلقة الباب، واقتلعَ الباب وهزّه هزّة، ثُمّ رَمى به جانباً (1) .

وممّا يُنقل أيضاً: يوم فتح مكّة، عندما أمرَ الرسول العظيم تحطيم الأصنام، كان هناك صنم يُدعى (هُبل) أكبر الأصنام وزناً، وأشدّها ضخامة، كان قد وضِع فوق الكعبة، صعدَ عليٌّ على أكتاف النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأمرٍ منه، ورمى بهُبل إلى الأرض (2) .

لم يكن له نِدٌّ في تقواه وعبادته، وكان الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَردّ على الذين يحاولون النيل منه بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لا تسبّوا عليّاً؛ فإنّه ممسوس في ذات الله) (3) .

وذات يوم، رأى الصحابي الجليل أبو الدرداء عليّاً (عليه السلام) في إحدى ضَيعات المدينة،

____________________

(1) تذكرة الخواص: صفحة 27.

(2) تذكرة الخواص: 27، المناقب للخوارزمي: 71.

(3) مناقب آل أبي طالب لابن شهرآشوب: ج3: 221.


فظنّ أنّه ميّت لمّا رأى من عدم الحركة وسكون الجسم، فرجعَ مُسرعاً إلى دار فاطمة، أنبأها بالحَدث، وعزّاها بوفاة زوجها، فأجابتهُ فاطمة (عليها السلام) أنّه لم يمُت، بل إنّه مُغشى عليه من شدّة خوفه من الله سبحانه في عبادته وطاعته، وما أكثر ما كانت تنتابهُ هذه الحالة.

وما أكثر القصص والروايات التي تشير إلى رأفته وعطفه بالفقراء والمساكين والمستضعفين، فكان يُنفق ممّا يَحصِل على المحتاجين في سبيل الله تعالى، وهو يعيش عيشة خشنة.

كان يرغب في الزراعة، وغالباً ما كان يهتمّ بحفر الآبار، وعمران الأراضي الموات بتشجيرها، وكان يجعلها وقفاً للفقراء والبائسين.

فكانت تُطلق على هذه الموقوفات (صَدقاتُ عليّ) وكانت لها عوائد جمّة، وكانت تُقدّر هذه الموقوفات بـ(أربعة وعشرين رطلاً ذهباً) في السنوات الأخيرة من عهده (عليه السلام ) (1) .

الإمامُ الثاني

الإمام الحسن المجتبى وأخوه الحسين (عليهما السلام)، وَلَدا أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، من فاطمة الزهراء سلام الله عليها، بنت الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله).

وقد قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله) مراراً: (الحسنُ والحسين وَلَداي)، واحتراماً لهذا القول كان علي (عليه السلام) يقول لوِلده: (أنتم أولادي، والحسنُ والحسين وَلَدا رسول الله (صلّى الله عليه وآله)) (2) .

ولِدَ الحسن (عليه السلام) في المدينة السنة الثالثة من الهجرة، عاصرَ جدّهُ الرسول (صلّى الله عليه وآله)

____________________

(1) نهج البلاغة: الجزء الثالث، الكتاب 24.

(2) مناقب ابن شهر آشوب ج4: 21ـ 25، ذخائر العقبى: صفحة 67، 121.


مدّة تزيد على سبع سنوات، كان يتمتّع برعاية جدّه وعطوفته، وقد توفيت أُمّه فاطمة سيّدة النساء بعد وفاة جدّه، بثلاثة أو ستّة أشهر، فتعهّد والدهُ بتربيته.

وبعد استشهاد أبيه علي (عليه السلام)، نالَ مقام الإمامة الشامخ، وما ذلك إلاّ بأمرٍ من الله العليّ العليم، وعملاً بوصيّة الإمام عليّ (عليه السلام)، فاحتلّ مقام الخلافة ظاهراً، وعملَ في إدارة المسلمين طوال ستّة أشهر.

جهّزَ معاوية الجيش لمحاربة الحسن، بعد أن قضى فترةً في الحرب مع أبيه الإمام علي (عليه السلام)، وكان من ألدّ أعداء آل علي بعد استشهاد الإمام علي (فحاربَ بحُجّة الثأر بدم عثمان ابتداءً، وبعد ذلك صرّح بالخلافة)، وجّه الجيش إلى الكوفة، حيث مقرّ الخلافة للإمام الحسن (عليه السلام)، واستطاعَ أن يكسب قُوّاد الإمام بالتطميع بالمال، أو الوعد بالمقام والجاه، فأغوَى بهذا عدداً من رؤساء وقوّاد الجيش، تاركينَ خَلفهم إمامهم، مُتّجهين نحو معاوية وثرواته.

وفي نهاية الأمر أُجبرَ الإمام الحسن (عليه السلام) على الصُلح (1) ، وأحالَ الخلافة الظاهريّة - بالشروط التي اشترطها - إلى معاوية، منها: أن تكون الخلافة للحسن بعد وفاة معاوية، وأن يُصان شيعته وعشيرته من أيّ تعرّضٍ أو اعتداء.

وبهذا استطاع معاوية أن يأخذ بزمام الأمور، ثُمّ دَخلَ العراق، وأعلنَ إلغاءه لشروط الصُلح التي أبرَمها بالأمس مع الإمام الحسن، وذلك في اجتماعٍ عام للمسلمين، وأباحَ أقسى أنواع الاضطهاد والشدّة لأهل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله) والشيعة خاصّة.

عاشَ الإمام الحسن طوال مدّة إمامته (عشر سنوات)، حياةً مِلؤها الشدّة والاختناق،

____________________

(1) إرشاد المفيد: 172، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 133، الإمامة والسياسة: تأليف عبد الله بن مسلم بن قتيبة ج1: 163، الفصول المهمّة: 145، تذكرة الخواص: 197.


ولم يكن بمأمنٍ حتّى في بيته مع عائلته وأهل بيته، فاستشهدَ على يد زوجته إذ دسّت إليه السمّ بإيعازٍ من معاوية، وذلك سنة 50 للهجرة النبويّة.

كان الحسن مثالاً فذّاً لجدّه (صلّى الله عليه وآله)، ونموذجاً كاملاً للخُلق الأبيّة لأبيه، فكان وأخوهُ الحسين مُلازمين للنبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وكان يَحملهما على كتفه أحياناً.

وممّا يُروى عن العامّة والخاصّة: أنّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) قال: (الحسنُ والحسين إمامان قاما أو قعدا) (إشارة إلى تصدّي الخلافة أو التخلّي عنها)، والروايات عن الرسول (صلّى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) متوافرة بإمامة الحسن بعد أبيه (عليهما السلام).

الإمامُ الثالث

الإمامُ الحُسين (سيّد الشهداء): ثاني وِلد علي (عليه السلام)، من فاطمة بنت النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله).

ولِدَ في السنة الرابعة الهجريّة، وبعد استشهاد أخيه الحسن المجتبى، وصَلت إليه الإمامة بأمرٍ من الله جلّ شأنهُ، ووفقاً للوصيّة (1) .

تُعتبر مدّة إمامة الإمام الحسين (عليه السلام) عشر سنوات، عاشها مُضطهداً، سوى الستّة أشهر الأخيرة من عهد معاوية، فأعطت الشعائر الدينيّة محلّها إلى ما كانت تتمنّاه الحكومات من ظلمٍ وجورٍ وفسقٍ وفجور، خلافاً لمَا يريدهُ الله ورسوله، ومعاوية قد استخدمَ شتّى الطُرق والوسائل لتصفية أهل البيت، وكان يستعين بأعوانٍ وأنصار له في تحقّق هذا الأمر، فحاولَ طمس اسم علي وآل علي، ومهّدَ السُبل لخلافة ابنه يزيد، فهيّأ المقدّمات اللازمة التي لابدّ من اتّخاذها لتحكيم الموقف، وإن كانت هناك فئة معارِضة لمَا شاهدوهُ من فجور يزيد وفسقه،

____________________

(1) إرشاد المفيد: 179، إثبات الهداة ج5: 168 - 212، إثبات الوصيّة للمسعودي: طبعة طهران 1320، صفحة 125.


إلاّ أنّهم لم يَسلموا من غضب معاوية وسخطه، فوجّه إليهم ضَرَبات قاصِمة.

فالحسين عاصرَ هذه الظروف الحالكة، وتحمّلَ كلّ أذىً من قِبَل معاوية وأتباعه، حتّى جاء منتصف سنة ستّين للهجرة، التي مات فيها معاوية مُخلِّفاً ابنه يزيد (1) .

كانت البيعة سُنّة عربيّة تجري في أمور هامّة كالملوكيّة والإمارة وما شابه، فيتقدّم السادة وكبار القوم بمدّ يد البيعة والطاعة للمَلِك أو الأمير، وكان يُعتَبر التخلّف عن البيعة عاراً، وتخلّفاً عن معاهدة رسميّة، والبيعة كانت معتبرة في زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وسيرتهُ تؤيِّد ذلك، هذا إذا كانت تتّصف بصفة الاختيار دون الإجبار والإكراه.

لقد أخذَ معاوية البيعة من شرفاء القوم ورؤسائهم، إلاّ أنّه لم يتعرّض للحسين (عليه السلام)، ولم يُحمِّله بيعة يزيد، وقد أوصى يزيد بعدم التعرّض للحسين بن علي، إذا امتنعَ من البيعة له، فكان معاوية أكثر حنكاً في الأمور، وكان يرى العَقَبات التي تترتّب على هذا الأمر.

ولكنّ يزيد لمّا كان يتّصف بالأنانيّة، نسيَ وصيّة أبيه، فأمرَ والي المدينة - بعد وفاة أبيه معاوية - أن يأخذ البيعة من الحسين، أو يُرسل برأسه إليه (2) .

وبعد أن أُبلِغ والي المدينة بأمر يزيد، ونَقلهِ إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، طلبَ الحسين (عليه السلام) مُهلة لدراسة الموضوع، فخرجَ من المدينة في تلك الليلة، مُتّجهاً إلى مكّة، والتجأ بالكعبة التي هي مأمن المسلمين.

هذا ما حدثَ أواخر شهر رجب وأوائل شهر شعبان من سنة ستّين للهجرة، والحُسين قد قضى ما يقارب الأربعة أشهر في مكّة في حالة اللجوء، انتشرَ النبأ هذا شيئاً فشيئاً،

____________________

(1) إرشاد المفيد: 182، تاريخ اليعقوبي ج2: 226 - 228، الفصول المهمّة: 163.

(2) مناقب ابن شهرآشوب: ج 88، إرشاد المفيد: صفحة 182، الإمامة والسياسة ج1: 203، تاريخ اليعقوبي ج2: 229، الفصول المهمّة: 163، تذكرة الخواص: صفحة 235.


حتّى عمّ جميع البلدان الإسلاميّة، فأيّد الحُسينَ جمعٌ من الأُمّة الإسلاميّة، لِمَا شاهدوهُ من ظلمٍ وتعسّفٍ في زمن معاوية وابنه يزيد.

هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، فقد انهالت الرسائل الواردة من العراق، وخاصّة الكوفة على الحسين بن علي، تطلب منه أن يتّجه إلى العراق، ليصبح قائداً لهم، وتتمّ على يده إزالة معالم الظلم والجور، ومن الطبيعي أن يشعر يزيد بخطورة الموقف.

مكثَ الحسين في مكّة حتّى موسم الحجّ، فكانت تفِد جماعات من المسلمين لأداء الفريضة.

عَلِم الحسين بأنّ هناك من أعوان يزيد وعُملائه قد وصلوا مكّة وهم يرتدون رداء الإحرام، وقد أخفوا تحته السلاح، لقتلهِ حين قيامه بأداء فريضة الحج ّ (1) .

قرّر الحسين مغادرة مكّة متّجهاً إلى العراق، فوقفَ خطيباً (2) بين جمعٍ غَفير من المسلمين، فأوجزَ في خُطبته وأعلَمهم بسفرهِ إلى العراق، وأشار باستشهاده في هذا الطريق، وطلبَ العون منهم في سبيل أهدافه المقدّسة، وألاّ يتَوانوا عن نصرته ونصرة الإسلام، دين الله الحنيف.

وغَداة ذاك اليوم، سلكَ طريق العراق مع أهله وعياله، ونفر من شيعته وأصحابه.

لقد صمّم الحسين على عدم البيعة ليزيد، وهو على علمٍ بأنّ الطريق هذا سينتهي به إلى الاستشهاد، وكان يعلم أنّ الجيش الأموي يتّصف بالعدّة والعدد، وأنّه مؤيّد من قِبَل عامّة الناس وخاصّة أهل العراق.

جاءت إليه جماعة ممّن لهم صلة به، فذكروا لهُ خطورة الموقف والسفر الذي هو عازمٌ عليه،

____________________

(1) إرشاد المفيد: 201.

(2) مناقب ابن شهرآشوب ج4: 89.


والنهضة التي هو قائدها، فأجابهم الحسين (عليه السلام): (إنّني لن أُبايع يزيداً، ولا أقرّ بحكومة جائرة، وإنّي على علمٍ بأنّهم يريدون قتلي أينما أقمتُ، وما تَركي لهذه البقعة المكرّمة إلاّ حُرمة لهذا المكان المقدّس (بيت الله الحرام)، وألاّ تُهلك حُرَمُ الله تعالى، بإهراق دمي) (1) .

سارَ الحسين إلى العراق، وفي طريقه وصَلهُ نبأ مقتل رسوله ومبعوثه إلى الكوفة، مع أحدٍ من شيعته، على يد والي يزيد، وقد أمرَ الوالي بعد قتلهم، أن تُربط أرجلهم بالحبال، ويُدار بها شوارع الكوفة وأزقّتها (2) .

فكانت الكوفة وضواحيها تحت مراقبة شديدة من قِبَل الأعداء، تنتظر قدوم الحسين، والأمارت دالّة على قتله لا محالة، وهنا أعلنَ الحسين مُصرِّحاً بنبأ قتله دون تردّد، واستمرّ في سيره (3) .

حوصرَ الحسين (عليه السلام) ومَن معه من قِبَل الجيش الأموي، على مسافة سبعين كيلومتراً من مدينة الكوفة، في منطقة تسمّى (كربلاء) ، فكانت تضيق دائرة الحصار على هؤلاء، ويزداد الجيش الأموي عدداً وعُدّةً، وآلَ الأمر إلى أن يستقرّ الإمام مع القلّة من أصحابه في محاصرة من قِبَلِ ثلاثين ألفاً من الأعداء (4) .

حاولَ الإمام في هذه الأيّام أن يُحكّم موقفه، فأخرجَ من جُنده مَن أُخرج، وأمرَ بأن يجتمع الأصحاب، فاجتمعوا، فقال الإمام (عليه السلام) في خطابٍ بهم: (إنّ القوم لم يريدوا إلاّ قتلي، وأنا رافعٌ بيعتي عنكم، فمَن أراد منكم الفرار، فليتّخذ الليل له ستراً، وينجو بنفسه من الفاجعة الموحِشة التي تتربّص بنا).

____________________

(1) إرشاد المفيد: 201، الفصول المهمّة: 168.

(2) إرشاد المفيد: 204، الفصول المهمّة: 170، مقاتل الطالبيين: الطبعة الثانية، ص 73.

(3) إرشاد المفيد: 205، الفصول المهمّة: 171، مقاتل الطالبيين: ص73.

(4) مناقب ابن شهرآشوب ج4: 98.


فأمرَ بإطفاء الضياء، وتفرّق جمعٌ كثير ممّن كان معهُ، الذين لم تكن أهدافهم سوى المادّة والقضايا الماديّة، ولم يبقَ معه إلاّ رائدو الحقّ ومُتّبعو الحقيقة، وهُم ما يقارب من أربعين شخصاً، وعدد من بني هاشم، وللمرّة الثانية، جَمع الإمام الحسين (عليه السلام) أصحابه، فخطبَ فيهم قائلاً:

(اللهمّ إنّي أحمِدكَ على أن كرّمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجَعلتَ لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً، فاجعلنا من الشاكرين.

أمّا بعد، فإنّي لا أعلمُ أصحاباً أوفَى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي لا أظُنّ يوماً لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حِلٍّ ليس عليكم منّي زِمام، هذا الليل قد غَشيَكم فاتّخذوه جَمَلاً).

فقال له إخوته، وأبناؤه، وبنو أخيه، وابنا عبد الله بن جعفر: لم نفعل ذلك، لنبقى بعدك!؟

قال بعضهم: ما نفعل ذلك، ولكن نُفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتّى نَرِد موردك، فقبّح الله العيشَ بعدك.

فقام مسلم بن عوسجة خطيباً قال: أنحنُ نُخلّي عنك وبما نعتذرُ إلى الله في أداء حقّك، أمَا والله، حتّى أطعن في صدورهم برُمحي وأضربهم بسيفي ما ثبتَ قائمهُ في يدي، ولو لم يكن معي سلاح أُقاتلهم به، لقَذَفتهم بالحجارة، والله، لا نُخلّيك حتّى يَعلم الله أنّا قد حَفظنا غيبة رسولهُ فيك، أمَا والله، لو قد عَلمتُ أنّي أُقتَل ثُم أُحيى ثُمّ أُحرَق ثُمّ أُحيى، ثُمّ أُذرى، يُفعلُ ذلك بي سبعين مرّة، ما فارَقتُك حتّى ألقى حِمامي (الموت) دونك، وكيف لا أفعلُ ذلك، وإنّما هي قتلةٌ واحدة، ثُمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً (1) .

وصلَ الإنذار إلى الإمام في عصر يوم التاسع من محرّم (إمّا البيعة أو القتال) من جانب العدو،

____________________

(1) مناقب ابن شهرآشوب ج4: 99، إرشاد المفيد: ص 214.


فطلبَ الإمام المُهلة لتلك الليلة لغرض العبادة، وقرّر القتال ليوم غد (1) .

وفي اليوم العاشر من المحرّم سنة 61 هجري قمري، استعدّ الإمام مع جَمعه القليل (لا يتجاوز عددهم تسعين شخصاً، أربعون ممّن جاءوا معه، ونيّف وثلاثون التحقوا بالإمام في ليلة الحرب ونهارها من جيش الأعداء، والبقيّة كانوا من الهاشميين، بما فيه وِلده وإخوته وأبناء إخوته وأبناء أخواته وأبناء عمومته) في معسكرٍ واحد أمام العدد الغفير من جيش الأعداء، فاشتعلت نار الحرب.

حاربَ هؤلاء من الصباح الباكر حتّى الظهيرة، واستشهدَ الإمام مع سائر الفتية الهاشميين، فلم يبقَ منهم أحد (وكان بين القتلى طفلان للإمام الحسن، وطفل ورضيع للإمام الحسين).

أغارَ الجيش بعد انتهاء الحرب على حَرَم الإمام، وأشعَلوا النيران في مخيّماتهم، وحزّوا رؤوس الشهداء وسَلَبوا ما على أبدانهم من رداء وملابس، وتركوا الأجساد عارية على الأرض، دون أن يواروهم في التراب، ثُمّ ساروا بأهل بيت الإمام (حَرَمه) زوجاته وبناته - اللواتي لم يكن لهم مأوى - مع رؤوس الشهداء إلى جانب الكوفة (ولم يكن في الأسرى من الرجال سوى القليل، منهم: ابن الإمام وهو السجّاد، شابٌ في سِنّ الثانية والعشرين، وقد اشتدّ عليه المرض، ووَلَدهُ في سنّ الرابعة (محمّد بن علي) الإمام الخامس، وكان باقياً أيضاً الحسن المثنّى ابن الإمام الثاني، والذي كان صِهراً للإمام الحسين (عليه السلام)، وكان قد أُصيبَ بجُراح كثيفة في جسمه، وكان طريحاً بين القتلى، وقد عثروا عليه وهو في آخر رمقٍ من حياته، ولم يُقتل بسبب تشفّع أحد الأمراء، وكان من جملة الأسرى الذين جاؤا بهم إلى الكوفة)، ونقلوهم من الكوفة إلى دمشق،

____________________

(1) مناقب ابن شهرآشوب ج4: 98، إرشاد المفيد: ص214.


حيث مستقرّ يزيد.

وقد فَضَحت (واقعة كربلاء) - وكذا ما قام به هؤلاء الأسرى من خُطَب، وهم يُنقلون من بلدٍ إلى بلد، في الكوفة والشام منهم: بنت الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، والإمام الرابع اللذان كانا من جملة الأسرى - نوايا بني أُميّة، وكشَفت النقاب عمّا كان يقوم به معاوية طوال سنوات عدّة، حتّى أدّى الأمر بيزيد أن يَستنكر من عُمّاله وأعوانه في الملأ العالَم من هذه الواقعة المُفجعة.

كانت واقعةُ كربلاء عاملاً مؤثّراً عجّلَ في إبادة حكومة بني أُمّية، وساعَدت على ترسيخ مبادئ الشيعة، وكان من نتائجها: الحروب الدامية طوال اثني عشر عاماً، وما لازَمتها من ثورات وانتفاضات، ولم يَخلص أحد ممّن ساهمَ وشاركَ في مقتل الحسين وأصحابه من الانتقام والأخذ بالثأر.

وليس هناك أدنى شكّ لِمَن يُطالع تأريخ حياة الإمام الحسين (عليه السلام) ويزيد، والأوضاع في ذلك الوقت، ويُدقّق النظر فيها بأنّه لم يكن هناك سوى طريق واحد، وهو مقتل الحسين (عليه السلام)، وما كانت نتيجة البيعة مع يزيد إلاّ هتكاً لحُرمات الإسلام، وهذا ما لم يرضَ به الإمام؛ لأنّ يزيد لم يحترم الإسلام، ولم يتّصف بصفات تجعلهُ يتقيّد أو يراعي شيئاً منه، ولا يأبى من سحق وإبادة جميع المقدّسات والقوانين الإسلاميّة.

إلاّ أنّ أسلافهُ كانوا يحترمون الشعائر الدينيّة، ولم يُخالفوها في الظاهر، وما كانوا يقومون به من أعمالٍ كانت تصطبغ بصبغة دينيّة، وكانوا يحافظون على المظاهر الدينيّة، ويفتخرون بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) وسائر القادة والزعماء الدينيين الذين كانت لهم منزلة لدى الناس.

ومن هنا يتّضح ما يعتقدهُ بعض مُفسّري الحوادث والوقائع التاريخيّة: بأنّ الحسن والحسين كانا يتّصفان بصفات متباينة، فالحسنُ يُحبِّذ الصُلح على خلاف الحسين الذي كان يُرجِّح الحرب والقتال، في حين أنّ الأوّل اتّخذ جانب الصُلح مع معاوية، مع ما كان يُلازمه من جيش تُقدّر عدّتهم بأربعين ألفاً،


والثاني نهضَ بجيشه الذي يترواح عددهُ الأربعين في القتال مع يزيد.

ومن هنا يتّضح سُقم هذا التفسير؛ لأنّنا نرى الحسين (عليه السلام) الذي لم يرضَخ تحت حكم يزيد يوماً واحداً، كان يعيش مع أخيه الحسن (عليه السلام) (في حدود العشر سنوات في حكم معاوية) ولم يُعلن الحرب على معاوية، وممّا لا شكّ فيه، أنّ الحسن أو الحسين إذا كانا يريدان الحرب مع معاوية لكانَ القتل نصيبهما، فضلاً من أنّ هذا القتل لا ينفع الإسلام والمسلمين بشيء، ولم يُجْدِ أيّ نفعٍ أمام سياسة معاوية، الذي كان يصف نفسه بالصحابي وكاتب الوحي وخال المؤمنين، وما شابه ذلك ممّا اتّخذهُ كوسيلة وذريعة.

هذا، وكان بإمكانه أن يقتلهم بأيادي مقرّبيهم، ويُبدي حزنه، والانتقام ممّن قامَ بهذا العمل كما فعلهُ مع الخليفة الثالث.

الإمامُ الرابع

الإمام السجّاد (عليّ بن الحسين، الملقّب بزين العابدين والسجّاد).

ولِدَ الإمام الرابع، من شاه زنان بنت (يزدجرد مَلك إيران) ، وهو الولد الوحيد الذي بقى للإمام الثالث بعد واقعة كربلاء، إذ إنّ أخوته الثلاثة استشهدوا فيها، وقد شهدَ الواقعة، ولكنّه لم يُشارك فيها لمرضه، ولم يكن قادراً على حمل السلاح، فحُملَ مع الأسرى (الحَرَم) إلى الشام.

وبعد أن قضى فترةَ الأسر، أُرجِع مع سائر الأسرى إلى المدينة، وما ذلك إلاّ لجلب رضى عامّة الناس.

عندما رجعَ الإمام الرابع إلى المدينة، اعتزلَ الناس في بيته، وتفرّغَ للعبادة، ولم يتّصل بأحدٍ سوى الخواصّ من الصحابة مثل: (أبي حمزة الثُمالي) ، و (أبي خالد الكابلي) وأمثالهم، ولا يخفى أنّ هؤلاء الخاصّة كانوا يوصِلون ما يصلهم من الإمام من معارف إسلاميّة إلى الشيعة، واتّسع نطاق ثقافة الشيعة عن هذا الطريق، فنرى ثمارهُ في زمن الإمام الخامس.


وممّا ألّفهُ وصنّفه الإمام الرابع كتاب يحتوي على أدعية تُعرَف بـ (الصحيفةُ السجّاديّة) ، وتشتمل على سبعة وخمسين دعاء، والتي تتضمّن أدقّ المعارف الإلهيّة ويقال عنها: (زبورُ آل محمّد) .

كانت مدّة إمامته (عليه السلام) خمساً وثلاثين سنة حسب بعض الروايات الشيعيّة، ودُسّ إليه السمّ (1) على يد (الوليد بن عبد الملك) ، وذلك بتحريض من هشام، الخليفة الأموي، سنة 95 للهجرة.

الإمامُ الخامس

الإمامُ محمّد بن علي الباقر، ولفظُ باقر يدلّ على تبحّره في العلم، وقد منحهُ اللقب هذا، النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) (2).

هو ابن الإمام الرابع، ولِد سنة 57 للهجرة، وكان عمرهُ في واقعة كربلاء أربع سنوات، وكان ممّن حَضَرها، نال مقام الإمامة بعد والده، بأمرٍ من الله تعالى، ووصيّة أجداده.

وفي سنة 114 أو 117 للهجرة (حسب بعض الروايات الشيعيّة)، أصبحَ مسموماً بواسطة إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ابن أخ هشام الخليفة الأموي، قَضت هذه الحادثة على حياته، فمضى شهيداً.

في عهد الإمام الخامس، وعلى أثر ظلم بني أُميّة، كانت تبرز ثورات متعاقبة في كلّ قطر من الأقطار الإسلاميّة، وحَدثت الحروب، وكان الاختلاف في حكومة بني أُميّة ظاهراً، هذا ما كان يشغل الحكومة آنذاك، فكانت نتيجتها أن يُخفّف من التعرّض لأهل البيت، هذا من جهة.

ومن جهةٍ أخرى، ما حدثَ من واقعة كربلاء، وما أحدثت من مظلوميّة أهل البيت،

____________________

(1) مناقبُ ابن شهرآشوب ج4: 176، دلائل الإمامة: ص80، الفصول المهمّة: ص190.

(2) الإرشادُ للشيخ المفيد: ص246، الفصول المهمّة: ص193، مناقب ابن شهرآشوب.


متمثّلة في الإمام الرابع، جَعلت المسلمين يتّجهون إلى أهل البيت، ويُبدون حبّهم لهم، وإخلاصهم إليهم.

فإنّ هذه العوامل مُجتمعة ساعدت على أن ينصرف ذهن العامّة إلى أهل البيت، فصاروا يتّجهون إلى المدينة حيث الإمام الخامس، وكانت العوامل مساعدة في انتشار الحقائق الإسلاميّة، علوم أهل البيت على يد الإمام الباقر، إذ لم يتحقّق لأحدٍ من أجداده، وممّا يؤيِّد هذا الادّعاء: هو كثرةُ الأحاديث التي نُقلت عن الإمام الخامس، وكذا رجال الشيعة الذين تخصّصوا في شتّى العلوم الإسلاميّة على يد إمامهم، ولا تزال أسماؤهم في كُتب الرجال مُدرَجة (1) .

الإمامُ السادس

الإمامُ جعفر بن محمّد الصادق ابنُ الإمام الخامس، ولِد سنة 83 للهجرة، واستشهدَ بعد أن دُسّ إليه السمّ سنة 148 للهجرة، وذلك بتحريضٍ من المنصور الخليفة العبّاسي (وفقَ الروايات الشيعيّة) (2) .

وفي عهد الإمام السادس، وعلى أثر الانتفاضات التي حدثت في الدول الإسلاميّة، وخاصّة قيام (مسعدة) ضدّ دولة بني أُميّة للإطاحة بها، والحروب المُدمّرة التي أدّت إلى سقوط الدولة الأمويّة وانقراضها، وعلى أثر كلّ هذا كانت الظروف مواتية ومساعدة لنشر حقائق الإسلام وعلوم أهل البيت، التي طالما ساهمَ في نشرها الإمام الخامس طوال عشرين سنة من زمن

____________________

(1) إرشاد المفيد: ص245 - 253، يُراجع: كتاب رجال الكشّي: تأليف محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشّي، وكتاب رجال الطوسي: تأليف محمّد بن حسن الطوسي، وكتاب الفهرست للطوسي، وسائر كُتب الرجال.

(2) أصول الكافي ج1: 472، دلائل الإمامة 111، إرشاد المفيد: ص254، تاريخ اليعقوبي ج3: 119، الفصول المهمّة 212، تذكرة الخواص: 346، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 280.


إمامته، وقد تابعَ الإمام السادس عَملهُ في ظروف أكثر مُلائمة وتفهّماً.

فاستطاعَ الإمام السادس حتّى أواخر زمن إمامته - والتي كانت معاصرة لآخر زمن خلافة بني أُميّة وأوائل خلافة بني العبّاس - أن ينتهز هذه الفرصة، لبثّ التعاليم الدينيّة وتربية العديد من الشخصيّات العلميّة الفذّة في مختلف العلوم والفنون، سواء في العلوم العقليّة أو العلوم النقليّة.

ومن أشهر أولئك الذين تتلمَذوا عند الإمام هم: زرارة، ومحمّد بن مسلم، ومؤمن الطاق، وهشام بن الحَكَم، وأبان بن تغلب، وهشام بن سالم، وحريز، وهشام الكلبي النسابة، وجابر بن حيّان الصوفي الكيميائي وغيرهم.

وقد حضرَ درسهُ رجال من علماء إخواننا السُنّة، مثل: سُفيان الثوري، وأبي حنيفة (مؤسِّس المذهب الحنفي)، والقاضي المسكوني، والقاضي أبي البختري وغيرهم، والمعروف أنّ عدد الذين حضروا مجلس الإمام وانتفعوا بما كان يُمليه عليهم الإمام أربعة آلاف مُحدِّث وعالِم (1) .

وتُعتبر الأحاديث المتواترة عن الإمامين الباقر والصادق، أكثر ممّا رُويت عن النبيّ الأكرم والعَشرة من الأئمّة الهُداة.

لكنّ الأمر قد تغيّر في أُخريات حياته، حيث الاختناق والتشديد من قِبَل المنصور الخليفة العبّاسي، فقامَ بإيذاء السادة العَلويين وعرضهم لأعنف أنواع التعذيب وأقساها وقَتلِ بعضهم، ممّا لم يُشاهَد نظيره في زمن الأمويين مع ما كانوا يتّصفون به من قساوة وتهوّر.

مارسَ العبّاسيون القتلَ الجماعي للعلويين، وذلك بسجنهم في سجون مظلمة، وتعذيبهم والقضاء على حياتهم.

كما أنّهم قاموا بدفنهم وهم أحياء، في أُسس الأبنية والجدران (2).

أصدرَ المنصور أمراً طلبَ فيه جلبَ الإمام السادس من المدينة (وكان

____________________

(1) إرشاد المفيد: ص254، الفصول المهمّة: ص204، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 247.

(2) الفصول المهمّة: ص212، دلائل الإمامة: ص111، إثبات الوصيّة: ص142.


الإمام قد أُحضِر إلى العراق مرّة بأمرٍ من السفّاح الخليفة العبّاسي، وقبلَ ذلك قد أُحضِر إلى دمشق بأمرٍ من هشام الخليفة الأموي، مع الإمام الخامس).

بقيَ الإمام مدّة من الزمن تحت المراقبة، وقد عزموا على قتله عدّة مرّات، وتعرّضوا لأذاه، وفي نهاية الأمر سَمحوا لهُ بالعودة إلى المدينة، فرجعَ، وقضى بقيّة عُمره هناك، مُراعياً التقيّة، مُنعزلاً في داره، حتّى استُشهدَ على يد المنصور بدسّه السمّ إليه.

وبعد وصول نبأ استشهاد الإمام إلى المنصور، أمرَ واليه في المدينة أن يذهب إلى دار الإمام بحُجة تفقّده لأهل بيته، طالباً وصيّة الإمام ليطّلع على ما وصّى الإمام ومَن هو خليفتهُ من بعده، ليقضي عليه ويقتله في الحال أيضاً.

وكان المنصور يهدف من وراء ذلك القضاء تماماً على موضوع ومسألة الإمامة والتشيّع معاً.

ولكنّ الأمر كان خلافاً لتآمر المنصور، وعندما حضرَ الوالي وفقاً للأوامر المرسَلة إليه، قَرأ الوصيّة، رأى أنّ الإمام قد أوصى لخمس: الخليفة نفسه، ووالي المدينة، وعبد الله الأفطح ابنُ الإمام الأكبر، وموسى ولدهُ الأصغر وحميدة ابنته، وبهذا باءت مؤامرة المنصور بالفشل (1).

الإمامُ السابع

الإمامُ موسى بن جعفر الكاظم ابنُ الإمام السادس، ولِد سنة 128 للهجرة، وتوفيَ سنة 183، إِثر إعطائه السمّ في السجن (2) ، تولّى منصب الإمامة بعد أبيه بأمرٍ من الله ووصيّة أجداده.

____________________

(1) أصول الكافي ج1: 31.

(2) أصول الكافي ج1: 476، إرشاد المفيد: 270، الفصول المهمّة: 214 - 223، دلائل الإمامة: 146 - 148، تذكرةُ الخواص: 348 - 350، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 324، تاريخ اليعقوبي ج3: 150.


عاصرَ الإمام السابع من الخلفاء العبّاسيين: المنصور، والهادي، والمهدي، وهارون، عاشَ في عهدٍ مُظلم مقرون بالصعوبات، بما كان يُبديه من تقيّة، حتّى سافرَ هارون إلى الحجّ، وتوجّه إلى المدينة، ألقى القبض على الإمام في الوقت الذي كان مشغولاً بالصلاة في مسجد جدّه النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، نُقلَ إلى السجن بعد أن قُيّد بالأغلال، ثُمّ نُقل إلى البصرة ومنها إلى بغداد، وظلّ يُنقل به من سجنٍ لآخر سنوات عدّة، وفي نهاية الأمر قضى عليه بالسمّ في سجن سِندي بن شاهك (1) ، ودُفن في مقابر قريش، والتي تُسمّى اليوم بمدينة الكاظميّة.

الإمامُ الثامن

الإمامُ علي بن موسى الرضا ابنُ الإمام السابع، ولِد سنة 148 للهجرة (على أشهر التواريخ) (2) ، وتوفيَ سنة 203 هجري.

نالَ منصب الإمامة بعد أبيه الإمام السابع بأمرٍ من الله ونصّ أجداده، وقد عاصرَ زمناً هارون الرشيد الخليفة العبّاسي وبعده ابنه الأمين ثُمّ المأمون.

بعد وفاة هارون الرشيد، حَدثَ خلاف بين المأمون والأمين، أدّى إلى حروبٍ بينهما، وكان نتيجتها مقتل الأمين واستيلاء المأمون على عرش الخلافة (3).

وحتّى ذلك الوقت كانت سياسة بني العبّاس بالنسبة إلى السادة العلويين سياسة قاسية، يُلازمها القتل والإبادة، وكانت تزداد شدّة وعَنفاً، و

____________________

(1) إرشاد المفيد: 279 - 283، دلائل الإمامة: 148 - 154، الفصول المهمّة: 222، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 323 - 327، تاريخ اليعقوبي ج3: 150.

(2) أصول الكافي ج1: 488، الفصول المهمّة: 237.

(3) أصول الكافي ج1: 486، إرشاد المفيد: 284 - 296، دلائل الإمامة: 175 - 177، الفصول المهمّة: 225 - 246، تاريخ اليعقوبي ج3: 188.


بين فترةٍ وأخرى كان يثور ثائر من العَلويين، بما فيها الحروب الدامية، وهذا ما كان يُحدث اضطراباً ومشاكل للدولة والخلافة آنذاك.

ومع أنّ أئمّة الشيعة من أهل البيت، لم يكونوا على اتّصال بالثائرين، لكنْ الشيعة - مع قلّة عددهم في ذلك اليوم - كانوا يَعتبرون الأئمّة هم الهداة إلى الدين ومُفترضو الطاعة والخلفاء الحقيقيون للنبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، وكانوا ينظرون إلى الدولة والخلافة العبّاسيّة أنّها تمتاز بما كان يمتاز به كسرى وقيصر، وأنّها تُساس بيد فئةٍ لا صلة لها بالإسلام، وأنّ هذه الأجهزة التي تَسوس البلاد بعيدة كلّ البُعد عمّا يتّصف به زعماؤهم الدينيّون، هذا ممّا كان يُشكّل خطراً على الخلافة، ويهدِّدها بالسقوط والزوال.

فكّر المأمون في هذه المشاكل والفتن، ورأى أن يُبدي سياسة جديدة، بعد أن كانت سياسة أسلافه طوال سبعين سنة سياسة عقيمة لا جدوى فيها، فأظهرَ سياسته الخادعة بأن يَجعل الإمام الثامن وليّ عهدٍ له، وبهذه الطريقة سوف يقضي على كلّ فتنة ومشكلة، والسادة من العَلويين إذا وجَدوا لهم مقاماً في الدولة فإنّهم لم يحاولوا الثورة أو القيام ضدّهم، والشيعة أيضاً عندما يشاهدون دُنو إمامهم من الخلافة - التي طالما كانوا يَعتبرونها رجساً، والقائمين بأمور الخلافة فاسقين - عندئذٍ سيفقدون ذلك التقدير والاحترام المعنوي لأئمّتهم الذين هم أهل البيت، وسرعان ما يسقط حزبهم الديني، ولا يواجِه الخلفاء خطراً من هذه الجهة (1) .

ومن البديهي بعد أن يحصل المأمون على ما كان يهدف إليه، فإنّ قَتل الإمام لم يكن بالأمر الصعب، ولغرض تحقّق هذه المؤامرة أحضرَ الإمام من المدينة إلى مرو، اقترحَ عليه الخلافة أوّلاً ثُمّ ولاية العهد ثانياً، فاعتذرَ الإمام، ولكنّه استخدمَ شتّى الوسائل لإقناع الإمام، وافقَ الإمام بشرط ألاّ يتدخّل في شؤون الدولة،

____________________

(1) دلائل الإمامة: 197، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 363.


وكذا في عزل أو نصب أحد من المسؤولين (1).

هذا ما حدثَ سنة 200 للهجرة، ولم تمضِ فترة حتّى شاهدَ المأمون التقدّم السريع للشيعة، وتزايد ارتباطهم وعلاقتهم بالنسبة للإمام، وحتّى العامّة من الناس والجيش والمسؤولين مسؤولي شؤون الدولة، عندئذٍ التفتَ المأمون إلى خطورة اشتباهه، وحاولَ أن يقف أمام هذا التيار، فقتلَ الإمام بعد أن دسّ إليه السمّ.

دُفن الإمام الثامن بعد استشهاده في مدينة (طوس) في إيران، وتُعرَف اليوم بمدينة مشهد.

كان المأمون يُبدي عنايته ورعايته لترجمة العلوم العقليّة إلى اللغة العربيّة، وكان يُقيم المجالس العلميّة، يحضرهُ علماء الأديان والمذاهب، وتجري فيها المناظرات العلميّة، والمأمون أيضاً كان يشارك في هذه المجالس، ويشترك في مناظرة علماء الأديان والمذاهب، وقد دوِّنت العديد منها في كُتب أحاديث الشيعة (2).

الإمامُ التاسع

الإمامُ محمّد بن علي التقي، ويُلقّب بالإمام الجواد أو ابن الرضا أحياناً، ابن الإمام الثامن، ولِدَ في المدينة سنة 195 هجري، واستشهد سنة 220، بتحريضٍ من المعتصم الخليفة العبّاسي على يد زوجته بنت المأمون، ودُفن إلى جوار جدّه الإمام السابع في مدينة الكاظميّة.

حازَ درجة الإمامة الرفيعة بأمرٍ من الله ووصيّة أجداده.

____________________

(1) أصول الكافي ج1: 489، إرشاد المفيد: 290، الفصول المهمّة: 237، تذكرة الخواص: 352، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 363.

(2) مناقب ابن شهر آشوب ج4: 351، كتاب الاحتجاج لأحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، طبع النجف سنة 1385 هجري، ج2: 170 - 230.


كان الإمام التاسع في المدينة عندما توفيَ أبوه الإمام الثامن، أحضرهُ المأمون إلى بغداد عاصمة خلافته آنذاك، والظاهر أنّ المأمون أبدى احترامه وعطفه للجواد، وزوّجهُ ابنته، وأبقاهُ عنده في بغداد، وفي الحقيقة أراد أن يُراقب الإمام من الخارج والداخل مراقبة كاملة.

مكثَ الإمام التاسع زمناً في بغداد، ثُمّ طلبَ من المأمون الرحيل إلى المدينة، وبقيَ فيها (المدينة) حتّى أواخر عهد المأمون، وفي زمن المعتصم الذي استخلفَ المأمون، أحضرَ الإمام الجواد إلى بغداد مرّتين، وكان تحت المراقبة الشديدة، وفي النهاية - كما ذُكر - استشهد بدسّ السمّ إليه بتحريضٍ من المعتصم على يد زوجة الإمام (1) .

الإمامُ العاشر

الإمامُ عليّ بن محمّد التقي، ويلقّب بالهادي أيضاً، ابن الإمام التاسع، ولِد سنة 212 هجري في المدينة، واستشهد سنة 254 هجري (وفقاً للروايات الشيعيّة) بأمرٍ من المعتزّ الخليفة العبّاسي (2).

عاصرَ الإمام سبعاً من خلفاء بني العبّاس: المأمون، والمعتصم، والواثق، والمتوكّل، والمنتصر، والمستعين، والمعتز.

وفي عهد المعتصم سنة 220 هجري، عندما استشهدَ أبوه في بغداد بواسطة السمّ الذي دُسّ إليه، كان الإمام العاشر في المدينة، نالَ منصب الإمامة بأمرٍ من الله تعالى ووصيّة أجداده، فقامَ بنشر التعاليم الإسلاميّة حتّى زمن المتوكّل.

أرسلَ المتوكّل أحد الأُمراء إلى المدينة لجلب الإمام من هناك إلى سامراء،

____________________

(1) إرشاد المفيد: 297، أصول الكافي ج1: 492 - 497، دلائل الإمامة: 201 - 209، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 377 - 399، الفصول المهمّة: 247 - 258، تذكرة الخواص: 358.

(2) أصول الكافي ج1: 497 - 502، إرشاد المفيد: 307، دلائل الإمامة: 216 - 222، الفصول المهمّة: 259 - 265، تذكرةُ الخواص: 362، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 401 - 420.


حاضرة حكومته، وذلك سنة 243 إِثر سعاية بعض الأعداء، وكتبَ إلى الإمام رسالة يُظهر فيها احترامهُ وتقديره له، مطالباً فيها التوجّه إلى العاصمة (1) .

وبعد وصول الإمام إلى سامراء لم يكن هناك ما يجلب النظر من تضييق على الإمام في بداية الأمر، إلاّ أنّ الخليفة سعى في اتّخاذ شتّى الطُرق والوسائل لإيذاء الإمام، وهتك حُرمته، فقامَ رجال الشرطة بتفتيش دار الإمام بأمرٍ من الخليفة.

كان المتوكّل أشدّ عداءً لأهل البيت من سائر خلفاء بني العبّاس، وخاصّة بالنسبة للإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وكان يُعلن عداءهُ وتنفّره لعليّ، فضلاً عن الكلام البذيء الذي كان يتفوّه به أحياناً، وكان قد عيّن شخصاً يُقلّد أعمال الإمام علي (عليه السلام) في مجالسه ومحافله، ويستهزئ وينال من تلك الشخصيّة العظيمة.

وأمرَ بتخريب قُبّة الإمام الحسين وضريحه والكثير من الدُور المجاورة له، وأمرَ بفتح المياه على حَرَم الإمام وقبره، وأُبدِلت أرضها إلى أرض زراعيّة كي يقضوا على جميع معالم هذا المرقد الشريف (2) .

وفي زمن المتوكّل أصبحت حالة السادة العَلويين في الحجاز متدهورة يُرثى لها، كانت نساؤهم تفتقر إلى ما يسترها، والأغلبيّة منها كانت تحتفظ بعباءة بالية، يتبادلنها في أوقات الصلاة لأجل إقامتها (3) ، وكان الوضع لا يقلّ عن هذا في مصر بالنسبة إلى السادة العَلَويين.

كان الإمام العاشر متحمّلاً صابراً لكلّ أنواع هذا الاضطهاد والأذى.

____________________

(1) إرشاد المفيد: 307 - 313، أصول الكافي ج1: 501، الفصول المهمّة: 261، تذكرةُ الخواص: 359، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 417، إثبات الوصيّة: ص 176، تاريخ اليعقوبي ج3: 217.

(2) مقاتل الطالبيين: 395.

(3) مقاتل الطالبيين: 395 - 396.


وبعد وفاة المتوكّل جاء كلّ من: المنتصر، والمستعين، والمعتزّ إلى منصّة الخلافة، واستشهدَ الإمام بأمرٍ من المعتزّ الخليفة العبّاسي.

الإمامُ الحادي عشر

الإمام الحسن بن علي العسكري، ابن الإمام العاشر، ولِد سنة 232 هجري، وفي سنة 260 هجري (وفقاً لبعض الروايات الشيعيّة) دسّ إليه السمّ بإيعازٍ من المعتمد الخليفة العبّاسي، وقضى نحبهُ مسموماً (1).

الإمامُ الحادي عشر جاء إلى مقام الإمامة بعد أبيه بأمرٍ من الله تعالى، وحسب ما أوصى به أجداده الكرام، وطوال مدّة خلافته التي لا تتجاوز السبع سنين كان مُلازماً التقيّة، وكان مُنعزلاً عن الناس حتّى الشيعة، ولم يَسمح إلاّ للخواصّ من أصحابه بالاتّصال به، مع كلّ هذا فقد قضى زمناً طويلاً في السجون (2).

والسببُ في كلّ هذا الاضطهاد هو:

أوّلاً: كان قد وصلَ عدد الشيعة إلى حدٍّ يُلفت الأنظار، وأنّ الشيعة تعترف بالإمامة، وكان هذا الأمر واضحاً جليّاً للعيان، وأنّ أئمّة الشيعة كانوا معروفين، فعلى هذا كانت الحكومة آنذاك تتعرّض للأئمّة أكثر من ذي قَبل وتراقبهم، وكانت تسعى للإطاحة بهم وإبادتهم بكلّ الوسائل الخفيّة.

ثانياً: قد اطّلعَت الدولة العبّاسيّة، أنّ الخواصّ من الشيعة تعتقد أنّ هناك ولداً للإمام الحادي عشر، وطبقاً للروايات التي تُنقل عن الإمام الهادي، وكذا من أجداده، يُعرِّفونه بـ (المهدي الموعود) ، وقد أخبرَ عنه النبيّ

____________________

(1) إرشاد المفيد: 315، دلائل الإمامة: 223، الفصول المهمّة: 266 - 272، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 422، أصول الكافي ج1: 503.

(2) إرشاد المفيد: 324، أصول الكافي ج1: 512، مناقب ابن شهرآشوب ج4: 429 و 430.


الأكرم (صلّى الله عليه وآله) (1) بموجب الروايات المتواترة عن الطريقين العامّة والخاصّة، ويعتبرونه الإمام الثاني عشر لهم.

ولهذا السبب كان الإمام الحادي عشر أكثر مراقبة من ساير الأمّة، فصمّم خليفة الوقت أن يقضي على موضوع الإمامة عند الشيعة بكلّ وسيلة تقتضي الضرورة لذلك، وبهذا يُغلق هذا البحث الذي طالما كان مثاراً لإزعاجهم.

ولمّا سمعَ المُعتمد الخليفة العبّاسي بمرض الإمام الحادي عشر، أرسلَ إليه الأطبّاء مع عددٍ من القضاة ومَن يَعتمد عليهم؛ كي يُراقبوا الإمام عن كَثَب و ما يجري في داره، وبعد استشهاد الإمام ووفاته، فتّشوا البيت بدقّة، وفحصوا الجاريات اللواتي كُنّ يخدمنَ في بيت الإمام بواسطة الممرّضات (القابلات)، وبَقوا يبحثون عن خَلَفٍ للإمام لمدّة سنتين حتّى استولى عليهم اليأس (2).

دُفن الإمام الحادي عشر بعد وفاته في داره في مدينة سامراء، بجوار مدفن أبيه.

ولا يخفى أنّ أئمّة أهل البيت طوال حياتهم عَلّموا ورَبّوا العديد من العلماء والمحدّثين، إذ يصل عددهم المئات، ومراعاة للاختصار لم نستعرض فهرست أسماء هؤلاء ومؤلّفاتهم والآثار العلميّة التي تركوها، وشرحاً لأحوالهم (3).

____________________

(1) يُراجع: صحيح الترمذي ج9، باب ما جاء في المهدي، صحيح أبي داود: ج2 كتاب المهدي، صحيح ابن ماجة: ج2 باب خروج المهدي، كتاب ينابيع المودّة، كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان: لمؤلّفه محمد بن يوسف الشافعي، كتاب نور الأبصار: لمؤلّفه الشبلنجي، كتاب مشكاة المصابيح: لمؤلّفه محمّد بن عبد الله الخطيب، كتاب الصواعق المُحرقة: تأليف ابن حجر، كتاب إسعاف الراغبين: لمؤلّفه محمد الصبّان، كتاب الفصول المهمّة، صحيح مسلم، كتاب الغيبة: تأليف محمد بن إبراهيم النعماني، كمال الدين: تأليف الشيخ الصدوق، إثبات الهداة: لمؤلّفه محمّد بن حسن الحرّ العاملي، بحار الأنوار: لمؤلّفه العلاّمة المجلسي ج 51، 52.

(2) أصول الكافي ج1: 505، إرشاد المفيد 319.

(3) يُراجع: كتاب رجال الكشّي، ورجال الطوسي، وفهرست الطوسي، وسائر كُتب الرجال.


الإمامُ الثاني عشر

الإمامُ المهدي الموعود، ويُذكر بإمام العصر وصاحب الزمان غالباً، ابن الإمام الحادي عشر، اسمهُ يطابق النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، ولِدَ في سامراء سنة 255 أو 256هجري.

وكان يعيش تحت رعاية والده حتّى سنة 260 هجري، حيث استشهاد والده، وكان مُختفياً عن أنظار العامّة، ولم يُفلح أحد بلقائه والاتّصال به إلاّ الخواصّ من الشيعة.

وبعد استشهاد والده، أُنيطت به مهمّة الإمامة، وبأمرٍ من الله تعالى اختارَ الغيبة، ولم يَظهر للعيان إلاّ مع نوّابه الخواصّ وفي موارد استثنائيّة (1).

النوّاب الخواص

عَيّن الإمام المهدي عثمان بن سعيد العُمري نائباً خاصّاً لهُ، والذي كان من أصحاب جدّه وأبيه وكان ثقةً أميناً، وكان الإمام يُجيب على أسئلة الشيعة عن طريق هذا النائب الخاصّ.

وبعد عثمان بن سعيد استخلفَ ابنه محمّد بن عثمان، وبعد وفاة محمّد بن عثمان العمري، استنابَ أبو القاسم حُسين بن رَوح النَوبختي.

وبعد وفاة حسين بن رَوح النوبختي، أصبحَ عليّ بن محمّد السمري نائباً خاصّاً للإمام المهدي، وفي أُخريات حياة عليّ بن محمّد السَمَري، إذ لم يبقَ من حياته سوى أيّام قلائل (سنة 329 هجري) صدرَ توقيع من الناحية المقدّسة، فيه

____________________

(1) بحار الأنوار: ج51 صفحة 2 - 34 و343 - 366، كتاب الغَيبة: تأليف محمّد بن حسن الطوسي، الطبعة الثانية صفحة 214 - 243، كتاب إثبات الهداة: ج6 و7.


إبلاغ لعليّ بن محمّد السمَري بأنّه سيموت ويودِّع هذه الحياة بعد ستّة أيّام، وبعدها تنتهي النيابة الخاصّة، وتقع الغيبة الكبرى، وستستمرّ حتّى يأذنَ الله تعالى بالظهور (1).

وحسب هذا التوقيع تنقسم غيبة الإمام إلى قسمين:

الأوّل: الغيبةُ الصغرى، بدأت سنة 260 هجري، وانتهت في سنة 329، واستمرّت حوالي سبعين عاماً.

الثاني: الغيبةُ الكبرى، والتي بدأت سنة 329، وستستمرّ حتّى يأذن الله تعالى، ويُروى عن النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) في حديثٍ متّفق عليه: (لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يُبعث فيه رجلاً من أمّتي ومن أهل بيتي، يواطئ اسمهُ اسمي يَملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً) (2).

9. بحثٌ في ظهور المهدي (عجّل الله فرجه) من وِجهة نظر العامّة

وكما أشرنا في بحث النبوّة والإمامة، وفقاً لقانون الهداية العامّة الجارية في جميع أنواع الكائنات، فالنوع الإنساني منه مجهّز بحُكم الضرورة بقوّة (قوّة الوحي والنبوّة) ترشدهُ إلى الكمال الإنساني والسعادة النوعيّة، وبديهي أنّ الكمال والسعادة لو لم يكونا أمرين ممكنين للإنسان الذي تُعتبر حياته حياة اجتماعيّة، لكانَ أصل التجهيز لغواً وباطلاً، ولا يوجد لغو في الخلقة مطلقاً.

وبعبارةٍ أخرى: إنّ البشر منذ أن وجِدَ على ظهر البسيطة كان يهدف إلى حياة اجتماعيّة مقرونة بالسعادة، وكان يعيش لغرض الوصول إلى هذه المرحلة،

____________________

(1) بحار الأنوار: ج51، ص 360 - 361، الغَيبة: تأليف الشيخ الطوسي، ص242.

(2) الفصول المهمّة: صفحة271.


ولم لم تتحقّق هذه الأُمنية في الخارج، لمَا منّى الإنسان نفسه بهذه الأُمنية، فلو لم يكن هناك غذاء لم يكن هناك جوع، وإذا لم يكن هناك ماء لم يكن عطش، وإذا لم يكن تناسل لم تكن علاقة جنسيّة.

فعلى هذا وبحكم الضرورة (الجبر)، فإنّ مستقبل العالَم سيَكشف عن يومٍ، يُهيمن فيه العدل والقسط على المجتمع البشري، ويتعايش أبناء العالَم في صُلح وصفاء ومودّة ومحبّة، تسودَهم الفضيلة والكمال.

وطبيعي أنّ استقرار مثل هذه الحالة بيد الإنسان نفسه، والقائد لمثل هذا المجتمع سيكون مُنجي العالَم البشري، وعلى حدّ تعبير الروايات سيكون (المهدي) .

ونجدُ الأديان والمذاهب المختلفة القائمة في العالَم مثل: الوثنيّة، واليهوديّة، والمسيحيّة، والمجوسيّة، والإسلام، تُبشّر بمُصلح ومُنجٍ للبشريّة، وإن اختلفتْ في تصوّره، وما حديثُ النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله) المتّفق عليه (المهديُّ من وِلدي) إلاّ إشارة إلى هذا المعنى.

10. بحثٌ في ظهور المهدي (عجّل الله فرجهُ) من وِجهة نظر الخاصّة

فضلاً عن الروايات المتزايدة عن طريق العامّة والخاصّة، والتي تُروى عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) وأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، في ظهور المهديّ (عليه السلام) وأنّه من سلالة النبيّ (صلّى الله عليه وآله)، ومع ظهوره سيؤدّي بالمجتمع البشري إلى كماله الواقعي والحقيقي، وسيمنحهُ الحياة المعنويّة (1)، فإنّ هناك روايات متضافرة

____________________

(1) وعلى سبيل المثال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (إذا قامَ قائمنا، وضَعَ الله يده على رؤوس العباد، فجمعَ به عقولهم وكمُلَت به أحلامهم) بحار الأنوار: ج52، صفحة 328 و 326.

قال أبو عبد الله (عليه السلام): (العِلمُ سبعة وعشرون حرفاً، فجميعُ ما جاءت به الرُسل حرفان، فلم يَعرف الناس حتّى اليوم غير الحرفين، فإذا قامَ قائمنا أخرجَ الخمسة والعشرين حرفاً فبثّها في الناس، وضمّ إليها الحرفين حتّى يبثّها سبعة وعشرين حرفاً) بحار الأنوار: ج52، صفحة 336.


أخرى تشير إلى أنّ المهدي هو ابن الإمام الحسن العسكري (الإمام الحادي عشر) بلا فصل (1) ، وبعد الغيبة الكبرى سيظهر ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدَما مُلئت ظُلماً وجوراً.

____________________

(1) وعلى سبيل المثال أيضاً: قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في حديثٍ، إلى أن قال: (الإمامُ بعدي محمّد ابني، وبعد محمّد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحُجّة القائم المنتظر في غيبته، المُطاع في ظهوره، لو لم يبقَ من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما مُلئت جوراً، وأمّا متى؟ فقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي، أنّه قيل يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذريّتك؟ فقال: مَثَلهُ مِثلَ الساعة لا يُجلّيها لوقتها إلاّ هو ثَقُلت في السموات والأرض لا يأتيكم إلاّ بغتة) بحار الأنوار: ج51، صفحة 154.

صفر بن أبي دلف قال: سمعتُ أبا جعفر محمّد بن الرضا (عليه السلام) يقول: (الإمامُ بعدي ابني علي، أمرهُ أمري، وقولهُ قولي، وطاعتهُ طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن، أمرهُ أمر أبيه، وقولهُ قول أبيه، وطاعتهُ طاعة أبيه، ثُمّ سكتَ، فقلتُ لهُ: يا بن رسول الله، فمَن الإمام بعد الحسن؟ فبكى بكاءً شديداً، ثُمّ قال: (إنّ من بعد الحسن ابنهُ القائم بالحقّ المنتظر) بحار الأنوار: ج51، صفحة 158.

قال موسى بن جعفر البغدادي: سمعتُ أبا محمّد الحسن بن علي يقول: (كأنّي بكم وقد اختلَفتم بعدي في الخَلَف منّي، أمَا إنّ المُقرّ بالأئمّة بعد رسول الله والمُنكر لولَدي، كمَن أقرّ بجميع أنبياء الله ورُسله ثُمّ أنكرَ نبوّة محمّد رسول الله، والمُنكِر لرسول الله كمَن أنكرَ جميع الأنبياء؛ لأنّ طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا، والمُنكِر لآخرنا كالمُنكِر لأوّلنا، أمَا إنّ لولدي غيبة يرتابُ فيها الناس إلاّ مَن عَصَمهُ الله) بحار الأنوار: ج51، صفحة 160.


ردٌّ على الشُبهات

يعترض مُخالفو الشيعة بأنّه وفقاً لاعتقاد هذه الطائفة، يجب أن يكون عُمر الإمام الغائب ما يقرُب من اثني عشر قرناً، في حين أنّ الإنسان لا يستطيع أن يُعمّر هكذا.

الجواب: الاعتراضُ هذا مبنيٌ على الاستبعاد، وإنّ العمر الطويل كهذا يُستبعد، لكنْ الذي يُطالع الأخبار الواردة عن الرسول الأعظم في خصوص الإمام الغائب، وكذا سائر أئمّة أهل البيت (عليه السلام)، سيُلاحِظ أنّ نوع الحياة للإمام الغائب تتّصف بالمعجزة خرقاً للعادة، وطبيعي أنّ خرق العادة ليس بالأمر المستحيل، ولا يمكن نفي خرق العادة عن طريق العلم مطلقاً.

لذا لا تنحصر العوامل والأسباب التي تعمل في الكون في حدود مشاهدتنا والتي تعرّفنا عليها، ولا نستطيع نفي عوامل أخرى وهي بعيدة كلّ البُعد عنّا ولا علم لنا بها، أو إنّنا لا نرى آثارها وأعمالها، أو نجهلها، من هذا يتّضح إمكان إيجاد عوامل في فردٍ أو أفراد من البشر، بحيث تستطيع تلك العوامل أن تجعل الإنسان يتمتّع بعمرٍ طويل جدّاً قد يصل إلى الألف أو آلاف من السنوات،


فعلى هذا، فإنّ عالَم الطِب لم ييأس حتّى الآن من كشف طُرق لإطالة عُمر الإنسان.

وهذا الاعتراض من الذين يعتقدون بالكتب السماويّة: كاليهوديّة، والمسيحيّة، والإسلام، وفقاً لكتبهم السماويّة، ويَقرّون المعجزات وخَرق العادات التي كانت تتحقّق بواسطة أنبياء الله تعالى، بشكلٍ يُثير الإعجاب والاستغراب.

يعترض مُخالفو الشيعة: من أنّ الشيعة تَعتبر لزوم وجود الإمام لبيان أحكام الدين وحقائقه، وإرشاد الناس وهدايتهم، فإنّ غيبة الإمام تُناقض هذا الغرض؛ لأنّ الإمام الذي قد غابَ عن الأنظار ولا توجد أيّة وسيلة للوصول إليه، لا يترتّب على وجوده أيّ نفعٍ أو فائدة، وإذا كان الله سبحانه يريد إصلاح البشريّة بواسطة شخص، فإنّه لقادرٌ على خلقه عند اقتضاء الضرورة لذلك، ولا حاجة إلى خلقه قبل وقته وقبل الاحتياج إليه بآلاف السنوات.

الجواب: إنّ مثل هؤلاء لم يُدركوا حقيقة معنى الإمامة، واتّضح في مبحث الإمامة، أنّ وظيفة الإمام ومسؤوليّته لم تنحصر في بيان المعارف الإلهيّة بشكلها الصوري، ولم يَقتصر على إرشاد الناس من الناحية الظاهريّة، فالإمام فضلاً عن تولّيه إرشاد الناس الظاهري، يتّصف بالولاية والإرشاد الباطني للأعمال أيضاً، وهو الذي يُنظّم الحياة المعنويّة للناس، ويتقدّم بحقائق الأعمال إلى الله جلّ شأنه.

بديهي أنّ حضور أو غيبة الإمام الجسماني في هذا المضمار ليس لهُ أيّ تأثير، والإمام عن طريق الباطن يتّصل بالنفوس ويُشرف عليها، وإن بعُدَ عن الأنظار وخَفيَ عن الأبصار، فإنّ وجودهُ لازم دائماً، وإن تأخّر وقت ظهوره وإصلاحه للعالَم.


الخاتمةُ: البلاغُ المعنوي للشيعة

البلاغُ المعنوي للشيعة الموجّه للناس كافّة، لا يزيد على جملة وهي: (اعرفوا الله) وبتعبيرٍ آخر: اسلُكوا طريق معرفة الله كي تسعدوا وتفلحوا، وهذه هي العبارة التي قالها النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في بداية دعوته: (قولوا: لا إله إلاّ الله تفلحوا).

كي يتّضح هذا البلاغ نقول مُجملاً:

نحنُ البشر بحسب الطبع، نهوى الكثير من مناحي الحياة ولذائذها الماديّة: كالأكل، والشرب، والألبسة الفاخرة، والقصور، والمناظر الخلاّبة، والزوجات الحسناوات، والأصدقاء المخلِصين، والثروات الطائلة، إمّا عن طريق القدرة والسياسة والمقام واتّساع السلطة والحكومة، أو القضاء على كلّ ما يُخالف مأربنا الذي نطمح الوصول إليه.

ولكنّنا نُدرك جيّداً مع ما أوتينا من فطرة إلهيّة، أنّ هذه الأمور واللذائذ كلّها خُلِقت لأجل الإنسان، لا أنّ الإنسان خُلق لها، ويجب أن تكون هذه في طلب الإنسان، لا الإنسان يسعى في طلبها، وإذا ما كان الهدف الغائي هو الغريزة والشهوات، فهذا هو منطق الحيوانات والأنعام، وما القتلُ والفتكُ والإطاحة بسعادة الآخرين إلاّ منطق الذئاب،


وأمّا منطق الإنسان فيبتني على العقل والعلم فحسب.

إنّ منطق العقل والالتفات إلى واقعنا، يدعونا إلى اتّباع الحقّ، لا اتّباع هوى النفس، إنّ أنواع الشهوات وحُبّ الذات والأنانيّة، تُعتبر حسب منطق العقل الإنساني جزء من عالَم الطبيعة وليس لها أيّ استقلال، وعلى خلاف ما يتصوّره الإنسان من أنّه هو الحاكم للطبيعة والكون، ويظنّ أنّ الطبيعة الطاغية يجب أن تكون أداة طيّعة له.

إنّ منطق العقل يدعو الإنسان إلى التفكّر والتعمّق في هذه الحياة الغابرة، كي يتّضح أنّ الوجود وما فيه لم يكن ليوجد من تلقاء نفسه، بل إنّ الكون وما فيه يَستلهم وجوده من منبع ومصدر غير متناه.

ولكي يظهر جليّاً، فإنّ الجمال، والقُبح، والكائنات الأرضيّة والسماويّة - والتي تظهر بصوَرها الواقعيّة المستقلّة في نظر الإنسان - ما هي إلاّ واقعيّات تظهر إلى الوجود بوجود واقعيّات أخرى، وما ظهورها إلاّ ظهور تلك الواقعيّات وليست واقعيّتها من أنفسها، وكما أنّ الواقعيّات والقدرات العظيمة التي كانت تتمتّع بالوجود أمس لم تصبح إلاّ أسطورة، فكذلك الواقعيّات اليوم أيضاً، والنتيجة: أنّ كلّ شيء في حدوده وعند نفسه لا يتجاوز الأسطورة؟

إنّ الله جلّ وعَلا هو الواقعيّة التي لا تزول، وكلّ ما في الوجود يستمدّ وجوده منه، ولولا وجود الله لمَا ظَهَرت هي إلى الوجود.

وعندما يتسلّح الإنسان بهذه المعرفة، عندئذٍ لا يُشاهِد وجوده أكثر من فقّاعة، فيرى ببصيرته أنّ العالَم والعالَمين، يرتكزان على وجود غير محدود، وغير متناهٍ من حيث الحياة والقدرة والعلم والكمال المطلق، وما ظهور الإنسان وسائر ظواهر العالَم إلاّ نوافذ شتّى، وكلّ حسب إمكاناته يدلّ على العالَم الأخروي وما وراء الطبيعة.


وعندها يفقد الإنسان كلّ أصالة واستقلال لنفسه، وكذا كلّ كائن ويردّها إلى صاحبها الأصلي والأصيل، ويتّصل القلب بالله الأحد، ولا يستسلم لشيء سوى لعظمة الله تعالى وكبريائه.

وعندها يستقرّ الإنسان تحت قدرة الله الخالق وهيمنته، فكلّ ما يتعرّف عليها يعرفها مع الله تعالى، ويتّصف بالأخلاق الفاضلة والأعمال الحسنة (الإسلام، والتسليم للحقّ الذي هو الفطرة) برعاية الله وعنايته.

وهذه هي الدرجة الرفيعة والكمال الإنساني ومقام الإنسان الكامل، أي مقام الإمام، والذي قد وصلَ إليه ونالهُ برعايةٍ من الله تعالى وعنايته، والذين يسعون للوصول إلى هذه المرتبة الرفيعة والكمال الشامخ مع اختلافٍ في درجاتهم، يُعتبرون التابعين الحقيقيّين للإمام.

ويتّضح ممّا سبقَ: أنّ معرفة الله تعالى ومعرفة الإمامة لا تنفصلان، كما أنّ معرفة الله ومعرفة النفس لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، إنّ الذي عَرفَ وجودهُ المجازي، سيكون عارفاً بوجود الله الغني.


الفهرس

مقدّمةُ المُترجِم 1

مقدّمةُ المؤلِّف 12

الفصلُ الأوّل: كيفيّة نشوء الشيعة وتطوّرهم 15

ألف: كيفيّة النشوء 16

1. بدايةُ نشوء الشيعة 17

2. سببُ انفصال الأقلّيّة الشيعيّة عن أكثريّة السُنّة، وظهور الاختلافات 19

3. موضوعا الخلافة والمرجعيّة العلميّة 22

4. الطريقةُ السياسيّة للخلافة الانتخابيّة، ومُخالفتها للفكر الشيعي 24

5. انتهاءُ الخلافة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وسيرته 29

6. ما حَصَلت عليه الشيعة طوال خلافة الإمام علي (عليه السلام) في خمس سنوات 32

7. انتقالُ الخلافة إلى معاوية وتحوّلها إلى ملوكيّة موروثة 35

8. الأيّامُ العصيبة التي مرّت بالشيعة 37

9. استقرارُ ملوكيّة بني أميّة 39

10. الشيعةُ في القرن الثاني للهجرة 42

11. الشيعةُ في القرن الثالث للهجرة 44

12. الشيعةُ في القرن الرابع للهجرة 45

13. الشيعةُ في القرن الخامس وحتّى القرن التاسع الهجري 46

14. الشيعةُ في القرن العاشر والحادي عشر للهجرة 48

15. الشيعةُ في القرن الثاني عشر وحتّى القرن الرابع عشر للهجرة 49

ب - انشعابُ الشيعة 50

1. انشعابُ بعض الفِرَق وانقراضها 50

2. الزيديّة 52

3. الإسماعيليّةُ وانشعاباتها 53

4. النزاريّة، والمُستعلية، والدروزيّة، والمُقنّعة 56


5. الشيعةُ الاثنا عشريّة، واختلافها مع الزيديّة والإسماعيليّة 58

6. موجزٌ عن تاريخ الشيعة الاثني عشريّة 59

الفصلُ الثاني: الفِكرُ الديني لدى الشيعة 61

1. معنى الفكر الديني 63

2. المصادرُ الرئيسيّة للفكر الديني في الإسلام 63

3. الطُرق التي يعرضها الإسلام للفكر الديني 64

4. الاختلافُ بين هذه الطُرق الثلاثة 66

5. الطريقُ الأوّل: الظواهر الدينيّة أقسامها 68

6. حديثُ الصحابة 69

7. بحثٌ آخر في الكتاب والسُنّة 70

8. ظاهرُ القرآن وباطنه 71

9. تأويلُ القرآن 75

10. تتمّةُ البحث عن الحديث 78

11. الشيعةُ والعمل بالحديث 79

12. التعلّمُ والتعليم العام في الإسلام 80

13. الشيعةُ والعلوم النقليّة 82

الطريقُ الثاني للمباحث العقليّة 84

1. التفكّرُ العقلي والفلسفي والكلامي 84

2. مَدى قِدَم الشيعة في التفكير الفلسفي والكلامي في الإسلام 86

3. الشيعةُ يسعونَ دائماً بحقل الفلسفة وسائر العلوم العقليّة 88

4. لماذا استقرّت الفلسفة عند الشيعة؟ 88

5. خمسةٌ من نوابغ الشيعة 89

الطريقُ الثالث: الكشف 92

1. الإنسانُ وإدراكه للعرفان 92

2. ظهورُ العرفان في الإسلام 93

3. إرشاد الكتاب والسُنّة إلى معرفة النفس ومناهجها 96


الفصلُ الثالث: المُعتقدات الإسلاميّة من وِجهة نظر الشيعة الإماميّة 99

معرفةُ الله: 101

1. النظرُ إلى الكون عن طريق المخلوقات والواقعيّات، ضرورةُ وجود الله تعالى 101

2. نظرةٌ أخرى عن طريق ارتباط الإنسان بالعالَم 102

3. الذاتُ والصفات 107

4. معاني صفات الله تعالى 108

5. مزيدٌ من التوضيح في معاني الصفات 109

6. صفاتُ الفعل 110

7. القضاءُ والقدر 112

8. الإنسانُ والاختيار 114

معرفةُ النبي 116

1. نحو الهدف، الهداية العامّة 116

2. الهدايةُ الخاصّة 118

3. العقلُ والقانون 120

4. الشعور المرموز، أو ما يُسمّى بـ(الوحي) 121

5. الأنبياءُ وعصمة النبوّة 122

6. الأنبياء والشرائع السماويّة 123

7. الأنبياءُ ودليل الوحي والنبوّة 125

8. عدد الأنبياء 127

9. الأنبياءُ أولو العزم، حَمَلةُ الشرائع السماويّة 128

10. نبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) 129

11. النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والقرآن 133

معرفةُ المَعاد 137

1. الإنسانُ روح وجسم 137

2. مبحثٌ في حقيقة الروح من منظارٍ آخر 139

3. الموتُ من وجهة نظر الإسلام 140


4. عالَمُ البرزخ 141

5. يومُ القيامة، المعاد 142

6. بيانٌ آخر 145

7. استمرارُ الخلقة وتعاقبها 149

معرفةُ الإمام 150

1. معنى الإمام 150

2. الإمامةُ وخلافة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) في الحكومة الإسلاميّة 151

3. تأييدٌ للأقوال السابقة 158

4. الإمامةُ في العلوم التشريعيّة 160

5. الفرقُ بين النبيّ والإمام 162

6. الإمامةُ في باطن الأعمال 163

7. أئمّةُ الإسلام وقادتهُ 167

8. موجزٌ عن حياة الأئمّة الاثني عشر: 168

النوّاب الخواص 194

9. بحثٌ في ظهور المهدي (عجّل الله فرجه) من وِجهة نظر العامّة 195

10. بحثٌ في ظهور المهدي (عجّل الله فرجهُ) من وِجهة نظر الخاصّة 196

ردٌّ على الشُبهات 198

الخاتمةُ: البلاغُ المعنوي للشيعة 200