قضايا المجتمع والأسرة والزواج
التجميع الأسرة والطفل
الکاتب العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

قضايا

المُجتمع والأُسرة والزواج

على ضوء القرآن الكريم

العلاَّمة

السيد محمَّد حسين الطباطبائي

دار الصفوة



بسم الله الرحمن الرحيم



الفصل الأوّل

أُسس المجتمع الإسلامي



- 1 -

الإنسان والمجتمع

كون النوع الإنساني نوعاً اجتماعياً لا يحتاج في إثباته إلى بحث كثير، فكل فرد من هذا النوع مفطور على ذلك، ولم يزل الإنسان يعيش في وضع اجتماعي، على ما ينقله لنا التاريخ والآثار المشهودة الحاكية لأقدم العهود التي يعيش فيها الإنسان ويحكم على هذه الأرض.

وقد أنبأ القرآن الكريم عن ذلك أحسن إنباء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا... ) (1) .

وقال تعالى: ( ... رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً... ) (2) .

وقال تعالى: ( ... بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) (3) .

____________________

(1) سورة الحجرات، الآية: 13.

(2) سورة الزخرف، الآية: 32.

(3) سورة آل عمران، الآية: 195.


وقال تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً... ) (1) إلى غير ذلك من الآيات.

- 2 -

الإنسان ونموُّه في مجتمعه

المجتمع الإنساني كسائر الخواصّ الروحية الإنسانية، وما يرتبط بها لم يوجد حين وجد تامَّاً كاملاً لا يقبل النماء والزيادة، بل هو كسائر الأُمور الروحية الإدراكية الإنسانية، لم يزل يتكامل بتكامل الإنسان في كمالاته المادية والمعنوية، وعلى الحقيقة لم يكن من المتوقّع أن تُستثنى هذه الخاصة من بين جميع الخواصّ الإنسانية، فتظهر أول ظهورها تامّة كاملة، أتمّ ما يكون وأكمله، بل هي كسائر الخواصّ الإنسانية التي لها ارتباط بقوَّتي العلم والإدارة تدريجية الكمال في الإنسان.

والذي يظهر من التأمّل في حال هذا النوع، أنّ أول ما ظهر من المجتمع فيه الاجتماع المنزلي بالازدواج لكون عامله الطبيعي، وهو جهاز التناسل أقوى عوامل الاجتماع لعدم تحقُّقه إلاّ بأزيد من فرد واحد أصلاً، بخلاف مثل التغذِّي وغيره، ثمّ ظهرت منه الخاصة التي سمّيناها في مباحث كتابنا (الميزان) بالاستخدام وهو توسيط الإنسان غيره، في سبيل رفع حوائجه ببسط سلطته وتحميل إرادته عليه، ثمّ برز ذلك في صورة الرئاسة كرئيس المنزل ورئيس العشيرة، ورئيس القبيلة، ورئيس الأمّة، وبالطبع كان المقدّم المتعيِّن من بين العدَّة أولاً أقواهم وأشجعهم، ثمّ أشجعهم وأكثرهم مالاً وولداً، وهكذا حتى ينتهي إلى أعلمهم بفنون الحكومة والسياسة، وهذا هو السبب الابتدائي لظهور الوثنيّة، وقيامها على ساقها حتى اليوم.

____________________

(1) سورة الفرقان، الآية: 54.


وخاصة الاجتماع بتمام أنواعها (المنزلي وغيره) وإن لم تُفارق الإنسانية في هذه الأدوار ولو برهة، إلاّ أنّها كانت غير مشعور بها للإنسان تفصيلاً، بل كانت تعيش وتنمو بتبع الخواصّ الأُخرى المعنيّ بها للإنسان، كالاستخدام والدفاع ونحو ذلك.

والقرآن الكريم يُخبر أنّ أول ما نبّه الإنسان بالاجتماع تفصيلاً، واعتنى بحفظه استقلالاً نبّهته به النبوة.

قال تعالى: ( وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ... ) (1) .

وقال أيضاً: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ... ) (2) ، حيث يُنبئ أنّ الإنسان في أقدم عهوده كان أمّة واحدة ساذجة لا اختلاف بينهم، حتى ظهرت الاختلافات وبانت المشاجرات، فبعث الله الأنبياء وأنزل معهم الكتاب؛ ليرفع به الاختلاف، ويردّهم إلى وحدة الاجتماع محفوظة بالقوانين المشرعة.

وقال تعالى: ( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ... ) (3) .

فأنبأ أنّ رفع الاختلاف من بين الناس، وإيجاد الاتّحاد في كلمتهم إنّما كان في صورة الدعوة إلى إقامة الدين وعدم التفرُّق فيه، فالدين كان يضمن اجتماعهم الصالح.

والآية: - كما ترى - تحكي هذه الدعوة (ودعوة الاجتماع والاتحاد)

____________________

(1) سورة يونس، الآية: 19.

(2) سورة البقرة، الآية: 213.

(3) سورة الشورى، الآية: 13.


عن نوح (عليه السلام)، وهو أقدم الأنبياء أولي الشريعة والكتاب، ثمّ عن إبراهيم، ثمّ عن موسى، ثمّ عن عيسى (عليهم السلام)، وقد كان في شريعة نوح وإبراهيم النَّزر اليسير من الأحكام، وأوسع هؤلاء الأربعة شريعة موسى، وتتبعه شريعة عيسى على ما يُخبر به القرآن، وهو ظاهر الأناجيل، وليس في شريعة موسى - على ما قيل - سوى ستمائة حكم تقريباً.

فلم تبدأ الدعوة إلى الاجتماع دعوة مستقلّة صريحة، إلاّ من ناحية النبوّة في قالب الدين، كما يُصرّح به القرآن، والتاريخ بصدقه.

- 3 -

- الإسلام وعنايته بالمجتمع -

لا ريب أنّ الإسلام هو الدين الوحيد الذي أسّس بنيانه على الاجتماع صريحاً، ولم يُهمل أمر المجتمع في أقلّ شأن من شؤونه، فانظر - إن أردت زيادة التبصر في ذلك - إلى سعة الأعمال الإنسانية التي تعجز عن إحصائها الفكرة، وإلى تشعُّبها إلى أجناسها، وأنواعها، وأصنافها، ثمّ انظر إلى إحصاء هذه الشريعة الإلهية لها وإحاطتها بها وبسط أحكامها عليها، ترى عجباً، ثمّ أنظر إلى تقليبه ذلك كلّه في قالب المجتمع، ترى أنّه أنفذ روح الاجتماع فيها غاية ما يمكن من الإنفاذ.

ثمّ خُذْ في مقايسة ما وجدته بسائر الشرائع الحقّة التي يعتني بها القرآن، وهي شرائع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، حتى تُعاين النسبة وتعرف المنزلة.

وأمَّا ما لا يعتني به القرآن الكريم، من الشرائع كأديان الوثنية والصابئية والمانوية والثنوية، وغيرها، فالأمر فيها أظهر وأجلى.

وأمّا الأُمم المُتمدّنة وغيرها، فالتاريخ لا يذكر من أمرها إلاّ أنّها كانت تتّبع ما ورثته من أقدم عهود الإنسانية من استتباع الاجتماع بالاستخدام،


واجتماع الأفراد تحت جامع حكومة الاستبداد والسلطة الملوكية، فكان الاجتماع القومي، والوطني والإقليمي يعيش تحت راية الملك والرئاسة، ويهتدي بهداية عوامل الوراثة والمكان وغيرهما من غير أن يعتني أمّة من هذه الأمم عناية مستقلّة بأمره، وتجعله مورداً للبحث والعمل، حتى الأُمم المُعظمة - التي كانت لها سيادة الدنيا - حينما شرقت شارقة الدين، وأخذت في إشراقها وإنارتها أعني إمبراطورية الروم والفرس، فإنّها لم تكن إلا قيصرية وكسروية تجتمع أُممها تحت لواء الملك والسلطنة، ويتبعها الاجتماع في رُشده ونموّه ويمكث بمكثها.

نعم، يوجد فيما ورثوه أبحاث اجتماعية في مسفورات حكمائهم، من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم، إلاّ أنّها كانت أوراقاً وصحائف لا ترد مورد العمل، ومثلاً ذهنية لا تنزل مرحلة العين والخارج، والتاريخ الموروث أعدل شاهد على صدق ما ذكرناه.

فأول نداء قرع سمع النوع الإنساني، ودعا به هذا النوع إلى الاعتناء بأمر المجتمع، بجعله موضوعاً مستقلاً خارجاً عن زاوية الإهمال وحكم التبعية، هو الذي نادى به صادع الإسلام عليه أفضل الصلاة والسلام، فدعا الناس بما نزل عليه من آيات ربّه إلى سعادة الحياة وطيب العيش مجتمعين.

وقد قال تعالى: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ... ) (1) .

وقال تعالى: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ - إلى أن قال تعالى: - وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ (يُشير إلى حفظ المجتمع عن التفرُّق والانشعاب) وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ

____________________

(1) سورة الانعام، الآية: 153.


الْبَيِّنَاتُ... ) (1) .

وقال: ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ... ) (2) .

إلى غير ذلك من الآيات المطلقة، الداعية إلى أصل الاجتماع والاتّحاد.

قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ... ) (3).

وقال: ( ... وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ... ) (4) .

وقال: ( ... وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى... ) (5) .

وقال أيضاً: ( ... وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ... ) (6) .

إلى غير ذلك من الآيات الآمرة ببناء المجتمع الإسلامي على الاتّفاق والاتّحاد، في حيازة منافعها ومزاياها المعنوية والمادية، والدفاع عنه على ما سنتحدّث فيه إن شاء الله تعالى.

- 4 -

اعتبار الإسلام لرابطة الفرد والمجتمع

الصنع والإيجاد أولاً يجعل أجزاءً ابتدائية لها آثار وخواصّ، ثمّ يُركّبها ويؤلّف بينها على ما فيها من جهات البينونة، فيستفيد منها فوائد جديدة، مضافة إلى ما للأجزاء من الفوائد المشهودة، فالإنسان - مثلاً - له أجزاء وأبعاض

____________________

(1) سورة آل عمران، الآيات: 103 - 105.

(2) سورة الأنعام، الآية: 159.

(3) سورة الحجرات، الآية: 10.

(4) سورة الأنفال، الآية: 46.

(5) سورة المائدة، الآية: 2.

(6) سورة آل عمران، الآية: 104.


وأعضاء وقوى، لها فوائد متفرّقة مادّية وروحية، ربّما ائتلفت فقويت وعظمت كثقل كل واحد من الأجزاء، وثقل المجموع والتمكّن والانصراف من جهة إلى جهة وغير ذلك، وربّما لم تأتلف وبقيت على حال التباين والتفرّق، كالسمع والبصر والذوق والإرادة والحركة، إلاّ أنّها جميعاً من جهة الوحدة في التركيب تحت سيطرة الواحد الحادث الذي هو الإنسان، وعند ذلك يوجد من الفوائد ما لا يوجد عند كل واحد من أجزائه، وهي فوائد جمّة من قبيل الفعل والانفعال والفوائد الروحية والمادية، كالنطفة - مثلاً - إذا استكملت نشأتها، قدرت على إفراز شيء من المادة من نفسها وتربيتها إنساناً تامّاً آخر، يفعل نظائر ما كان يفعله أصله ومحتده من الأفعال المادّية والروحية، فأفراد الإنسان على كثرتها إنسان وهي واحد، وأفعالها كثيرة عدداً واحدة نوعاً، وهي تجتمع وتأتلف بمنزلة الماء يقسم إلى آنية، فهي مياه كثيرة ذو نوع واحد، وهي ذات خواصّ كثيرة نوعها واحد، وكلّما جُمعت المياه في مكان واحد قويت الخاصة وعظم الأثر.

وقد اعتبر الإسلام في تربية أفراد هذا النوع وهدايتها إلى سعادتها الحقيقية، هذا المعنى الحقيقي فيها ولا مناصّ من اعتباره.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى... ) (1) .

وقال أيضا: ( ... بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) (2) .

وهذه الرابطة الحقيقية بين الشخص والمجتمع - لا محالة - تؤدّي إلى كينونة أُخرى في المجتمع، حسب ما يمدُّه الأشخاص من وجودهم وقواهم، وخواصّهم وآثارهم، فيتكوّن في المجتمع سنخ ما للفرد من الوجود، وخواصّ الوجود وهو ظاهر مشهود؛ ولذلك اعتبر القرآن للأمّة وجوداً وأجلاً،

____________________

(1) سورة الحجرات، الآية: 13.

(2) سورة آل عمران، الآية: 195.


وكتاباً وشعوراً،وفهماً وعملاً، وطاعة ومعصية، فقال تعالى: ( ... وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ) (1) .

وقال أيضاً: ( ... كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا... ) (2) .

وقال: ( ... زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ... ) (3) ( ... يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ... ) (4) .

وقال: ( ... وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ) (5).

وقال أيضاً: ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ... ) (6) .

ومن هنا؛ ما نرى أنّ القرآن يعتني بتواريخ الأُمم كاعتنائه بقصص الأشخاص، بل أكثر حينما لم يتداول في التواريخ إلاّ ضبط أحوال المشاهير من الملوك والعظماء، ولم يشتغل المؤرّخون بتواريخ الأُمم والمجتمعات إلاّ بعد نزول القرآن، فاشتغل بها بعض الاشتغال آحاد منهم، كالمسعودي وابن خلدون، حتى ظهر التحوّل الأخير في التأريخ النقلي بتبديل الأشخاص أُمماً، وأول مَن سنّه - على ما يُقال: - أوغست كُمت الفرنسي، المتوفّى سنة 857 ميلادية.

وبالجملة؛ لازم ذلك - على ما مرّت الإشارة إليه - تكون قوى وخواصّ اجتماعية قويّة تقهر القوى والخواصّ الفردية عند التعارض والتضادّ.

على أنّ

____________________

(1) سورة الأعراف، الآية: 34.

(2) سورة الجاثية، الآية: 28.

(3) سورة الأنعام، الآية: 108.

(4) سورة آل عمران، الآية: 113.

(5) سورة غافر، الآية: 5.

(6) سورة يونس، الآية: 47.


الحسّ والتجربة يشهدان بذلك في القوى والخواص الفاعلة والمنفعلة معاً، فمهمّة الجماعة وإرادتها في أمر - كما في موارد الغوغاءات وفي الهجمات الاجتماعية - لا تقوم لها إرادة معارضة، ولا مضادّة من واحد من أشخاصها وأجزائها، فلا مفرّ للجزء من أن يَتْبع كلَّه ويجري على ما يجري العامة، كما في موارد الانهزام وانسلاب الأمن والزلزلة والقحط والوباء أو ما هو دونها، كالرسومات المتعارفة والأزياء القومية ونحوهما تضطرُّ الفرد على الاتّباع، وتسلب عنه قوّة الإدراك والفكر.

وهذا هو الملاك في اهتمام الإسلام بشأن الاجتماع، ذلك الاهتمام الذي لا نجد ولن نجد ما يُماثله في واحد من الأديان الأُخر، ولا في سُنن الملل المتمدّنة (ولعلّك لا تكاد تُصدِّق ذلك) ، فإنّ تربية الأخلاق والغرائز في الفرد - وهو الأصل في وجود المجتمع - لا تكاد تنجح مع كينونة الأخلاق والغرائز المعارضة والمضادّة القوية القاهرة في المجتمع إلاّ يسيراً، لا قدر له عن القياس والتقدير.

فوضع أهمّ أحكامه وشرائعه، كالحج والصلاة، والجهاد والإنفاق، وبالجملة التقوى الديني على أساس الاجتماع، وحافظ على ذلك، مضافاً إلى قوى الحكومة الإسلامية الحافظة لشعائر الدين العامة وحدودها، ومضافاً إلى فريضة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، العامة لجميع الأمّة بجعل غرض المجتمع الإسلامي - وكل مجتمع لا يستغني عن غرض مشترك - هي السعادة الحقيقية، والقُرب والمنزلة عند الله، وهذا رقيب باطني لا يخفى عليه ما في سريرة الإنسان وسرِّه - فضلاً عمّا في ظاهره - وإن خفي على طائفة الدعاة وجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا هو الذي ذكرنا أنّ الإسلام تفوّق سنّة اهتمامه بشأن الاجتماع سائر السُنن والطرائق.


- 5 -

هل تقبل سنّة الإسلام الاجتماعية الإجراء والبقاء؟

ولعلّك تقول: لو كان ما ذُكر - ومن كون نظر الإسلام في تكوين المجتمع الصالح أرقى بناءً وأتقن أساساً حتى من المجتمعات التي كوّنتها الملل المتمدّنة المترقية - حقّاً، فما باله لم يقبل الإجراء إلاّ بُرهة يسيرة، ثمّ لم يملك نفسه دون أن تبدّل قيصرية وكسروية؟! وتحوّل إمبراطورية أفجع وأشنع أعمالاً ممّا كان قبله بخلاف المدنيّة الغربية التي تستديم البقاء!

وهذا هو الدليل على كون مدنيّتهم أرقى وسنّتهم في الاجتماع أتقن وأشدّ استحكاماً، وقد وضعوا سنّتهم الاجتماعية وقوانينهم الدائرة على أساس إرادة الأمّة واقتراح الطباع والميول، ثمّ اعتبروا فيها إرادة الأكثر واقتراحهم، لاستحالة اجتماع الكل بحسب العادة إرادة، وغلبة الأكثر سنّة جارية في الطبيعة مشهودة، فإنّا نجد كلاَّ ًمن العلل المادّية والأسباب الطبيعية مؤثّرة على الأكثر لا على الدوام، وكذا العوامل المختلفة المتنازعة، إنّما يؤثِّر منها الأكثر دون الكل ودون الأقل، فمن الحريّ أن يُبنى هيكل الاجتماع بحسب الغرض وبحسب السُّنن والقوانين الجارية فيه على إرادة الأكثر، وأمّا فرضية الدين فليست في الدينا الحاضرة إلاّ أُمنية لا تتجاوز مرحلة الفرض ومثالاً عقلياً غير جائز النيل.

وقد ضمّنت المدنيّة الحاضرة - فيما ظهرت فيه من الممالك - قوّة المجتمع وسعادتها وتهذيب الأفراد وطهارتهم من الرذائل، وهي الأمور التي لا يرتضيها المجتمع، كالكذب والخيانة، والظلم والجفاء والجفاف ونحو ذلك.

وهذا الذي أوردناه محصل ما يختلج في صدور جمع من باحثينا


معاشر الشرقيين، وخاصة الباحثين من الفضلاء المفكرين في نطاق البحث الاجتماعي والنفسي، غير أنّهم وردوا هذا البحث من غير مورده؛ فاختلط عليهم حقُّ النظر، ولتوضيح ذلك نقول:

أمّا قولهم: إنّ السنّة الاجتماعية الإسلامية غير قابلة الجريان في الدنيا، على خلاف سُنن المدنيّة الحاضرة في جوِّ الظروف القائمة، ومعناه أنّ الأوضاع الحاضرة في الدنيا لا تُلائم الأحكام المشرّعة في الإسلام. فهو مسلَّم، لكنّه لا يُنتج شيئاً، فإنّ جميع السُّنن الدائرة في المجتمع الإنساني، إنّما حدثت بعد ما لم تكن، وظهرت في حين لم تكن عامة الأوضاع والظروف الموجودة، إلاّ مناقضة له طاردة إيّاه، فانتهضت، ونازعت السُّنن السابقة المستمرّة المتعرّقة، وربّما اضطُهدِت وانهزمت في أول نهضتها، ثمّ عادت ثانياً وثالثاً، حتى غلبت وتمكّنت وملكت سيطرتها، وربّما بادت وانقرضت؛ إذ لم يُساعدها العوامل والظروف بعد، والتاريخ يشهد بذلك في جميع السُّنن الدينية والدنيوية، حتى في مثل الديمقراطية والاشتراكية، وإلى مثله يُشير قوله تعالى: ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ) (1) .

فالآية تُشير إلى أنّ السنّة التي تُصاحب تكذيب آيات الله لا تنتهي إلى عاقبة حَسنة محمودة.

فمجرّد عدم انطباق سنّة من السُّنن على الوضع الإنساني الحاضر، ليس يكشف عن بطلانه وفساده، بل هو في جملة السُّنن الطبيعية الجارية في العالم، لتتميم كينونة الحوادث الجديدة إثر الفعل والانفعال وتنازع العوامل المختلفة.

____________________

(1) سورة آل عمران، الآية: 137.


والإسلام كسائر السُّنن من جهة النظر الطبيعي والاجتماعي، وليس بمستثنى من هذه الكلّية، فحاله - من حيث التقدُّم والتأخُّر والاستظهار بالعوامل والظروف - حال سائر السُّنن، وليس حال الإسلام اليوم - وقد تمكّن في نفوس ما يزيد على أربعمائة مليون (1) من أفراد البشر، ونشب في قلوبهم - بأضعف من حاله في الدنيا زمان دعوة نوح وإبراهيم ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد قامت دعوة كلٍّ منهم بنفس واحدة لم تكن تعرف الدنيا وقتئذ غير الفساد، ثمّ انبسطت وتعرّقت وعاشت، واتّصل بعضها ببعض، فلم ينقطع حتى اليوم. وقد قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة، ولم يكن معه مَن يستظهر به يومئذ إلاّ رجل وامرأة، ثم لم يزل يلحق بهم واحد بعد واحد، واليوم يوم العُسرة كل العُسرة، حتى أتاهم نصر الله، فتشكّلوا مجتمعاً صالحاً، ذا أفراد يغلب عليهم الصلاح والتقوى، ومكثوا بُرهة على الصلاح الاجتماعي، حتى كان من أمر الفتن بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان.

وهذا الأنموذج اليسير - على قصر عمره وضيق نطاقه - لم يلبث حتى انبسط في أقلِّ من نصف قرن على مشارق الأرض ومغاربها، وحوّل التاريخ تحويلاً جوهرياً، يُشاهد آثاره الهامّة إلى يومنا، وستدوم ثمّ تدوم.

ولا يستطيع أن يستنكف الأبحاث الاجتماعية والنفسية في التاريخ النظري، عن الاعتراف بأنّ المنشأ القريب، والعامل التام للتحوُّل المعاصر المشهور في الدنيا، هو ظهور السنّة الإسلامية وطلوعها، ولم يُهمل جُلّ الباحثين في أوربّا استيفاء البحث عن تأثيرها في المجتمع الإنساني، إلاّ لعصبية دينية أو عِلل سياسية، وكيف يسع لباحث خبير - لو أنصف النظر - أن يُسمِّي النهضة المدنية الحديثة نهضة مسيحية، ويعدُّ المسيح (عليه السلام) قائدها وحامل

____________________

(1) يُقدَّر عدد المسلمين أكثر من ذلك، بل حتى أكثر من مليار نسمة.


لوائها، والمسيح يُصرِّح بأنَّه إنَّما يهتمُّ بأمر الروح ولا يشتغل بأمر الجسم، ولا يتعرض لشأن الدولة والسياسة؟ وهو ذا الإسلام يدعو إلى الاجتماع والتألُّف ويتصرَّف في جميع شؤون المجتمع الإنساني وأفراده من غير استثناء، فهل هذا الصفح والإغماض منهم إلاَّ لإطفاء نور الإسلام ( ... وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ... ) وإخماد ناره عن القلوب بغياً وعدواناً؟! حتى يعود جنسية لا أثر لها إلاَّ أثر الأنسال المُنشعبة.

وبالجملة؛ قد أثبت الإسلام صلوحه لهداية الناس إلى سعادتهم وطيب حياتهم، وما هذا شأنه لا يسمَّى فرضية غير قابلة الانطباق على الحياة الإنسانية، ولا مأيوساً من قوله: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً... ) (1) .

إنّ البحث العميق في أحوال الموجودات الكونية، يؤدّي إلى أنّ النوع الإنساني سيبلغ غايته وينال بغيته، وهي كمال ظهور الإسلام بحقيقته في الدنيا، وتولّيه التام أمر المجتمع الإنساني، وقد وعده الله تعالى طبق هذه النظرية في كتابة العزيز قال: ( ... فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ... ) (2) .

وقال: ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً... ) (3) .

وقال: ( ... أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (4) .

وهنا جهة أُخرى أغفلها هؤلاء في بحثهم، وهي أنّ الاجتماع الإسلامي

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 231.

(2) سورة المائدة، الآية: 54.

(3) سورة النور، الآية: 55.

(4) سورة الأنبياء، الآية: 105.


شعاره الوحيد هو اتّباع الحق في النظر والعمل، والاجتماع المدني الحاضر شعاره اتّباع ما يراه ويريده الأكثر، وهذان الشعاران يوجبان اختلاف الغاية في المجتمع المتكون، فغاية الاجتماع الإسلامي السعادة الحقيقية الفعلية، بمعنى أن يأخذ الإنسان بالاعتدال في مقتضيات قواه، فيُعطي للجسم مشتهياته مقدار ما لا يعوقه عن معرفة الله في طريق العبودية، بل يكون مقدّمة توصِل إليها، وفيه سعادة الإنسان بسعادة جميع قواه، وهي الراحة الكبرى (وإن كنَّا لا نُدركها اليوم حقَّ الإدراك؛ لاختلال التربية الإسلامية فينا) ؛ ولذلك وضع الإسلام قوانينه على أساس مراعاة جانب العقل المجبول على اتّباع الحق، وشدّد في المنع عمّا يُفسد العقل السليم، وألقى ضمان إجراء الجميع - من الإعمال والأخلاق والمعارف الأصلية - إلى عُهدة المجتمع، مضافاً إلى ما تحتفظ عليه الحكومة والولاية من إجراء السياسات والحدود وغيرها، وهذا - على أيِّ حال - لا يوافق طباع العامة من الناس، ويدفعه هذا الانغمار العجيب في الأهواء والأماني الذي نُشاهده في كافّة المُترفين والمعدمين، ويسلب حرّيتهم في الاستلذاذ والتلهِّي، والسبعية والافتراس، إلاّ بعد مجاهدة شديدة في نشر الدعوة وبسط التربية على حدِّ سائر الأمور الراقية، التي يحتاج الإنسان في التلبُّس بها إلى همّة قاطعة وتدرُّب كافٍ وتحفُّظ على ذلك مُستدام.

وأمَّا غاية الاجتماع المدني الحاضر، فهي التمتُّع من المادة، ومن الواضح أنّ هذه تستتبع حياة أساسية تتَّبع ما يميل إليه الطبع، سواء وافق ما هو الحق عند العقل أم لم يوافق، بل إنَّما يتّبع العقل فيما لا يُخالف غايته وغرضه.

ولذلك كانت القوانين تتّبع في وضعها وإجرائها ما يستدعيه هوى أكثرية المجتمع وميول طباعهم، وينحصر ضمان الإجراء في مواد القانون المتعلقة بالأعمال، وأمّا الأخلاق والمعارف الأصلية، فلا ضامن لإجرائها، بل


الناس في التلبُّس بها وتبعيّتها وعدمه، إلاّ أنَّ تزاحم القانون في مسيره ممتنع حينئذ.

ولازم ذلك؛ أن يعتاد المجتمع الذي شأنه ذلك بما يوافق هواه من رذائل الشهوة والغضب، فيستحسن كثيراً ممّا كان يستقبحه الدين، وأن يسترسل باللعب بفضائل الأخلاق والمعارف العالية، مستظهراً بالحرّية القانونية.

ولازم هذا اللازم؛ أن يتحوّل نوع الفكرة عن المجرى العقلي إلى المجرى الإحساسي العاطفي، فربّما كان الفجور والفسق في مجرى العقل تقوى في مجرى الميول والإحساسات، وسُمِّي فتوَّة وبشراً وحسن خلق كمعظم ما يجري في أوربا بين الشبّان، وبين الرجال والنساء والكلاب، وبين الرجال وأولادهم ومحارمهم، وما يجري في الاحتفالات ومجالس الرقص، وغير ذلك ممّا ينقبض عن ذكره لسان المتأدّب بأدب الدين، وربّما كان عاديات الطريق الديني غرائب وعجائب مضحكة عندهم وبالعكس، كل ذلك لاختلاف نوع الفكرة والإدراك باختلاف الطريق، ولا يُستفاد في هذه السُّنن الإحساسية من التعقُّل - كما عرفت - إلاَّ بمقدار ما يسوّى به الطريق إلى التمتّع والتلذُّذ، فهو الغاية الوحيدة التي لا يعارضها شيء، ولا يمنع منها شيء إلاّ في صورة المعارضة بمثلها، حتى إنّك تجد بين مشروعات القوانين الدائرة أمثال (الانتحار) و (دئل) وغيرهما، فللنفس ما تُريده وتهواه إلاّ أن يُزاحم ما يريده ويهواه المجتمع.

إذا تأمّلت هذا الاختلاف، تبيّن لك وجه أوفقية سنّة المجتمع الغربي لمذاق الجامعة البشرية، دون سنّة المجتمع الديني، غير أنّه يجب أن يتذكّر أنّ سنّة المدنية الغربية وحدها ليست هي الموافقة - لطباع الناس - حتى تترجّح بذلك وحدها، بل جميع السُّنن المعمولة - الدائرة بين أهلها من أقدم أعصار الإنسانية إلى عصرنا هذا من سنن البداوة والحضارة - تشترك في أنّ الناس


يُرجّحونها على الدين الداعي إلى الحق، في أول ما يعرض عليهم لخضوعهم للوثنية المادية.

ولو تأمّلت حق التأمُّل، وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلاّ مؤلّفة من سنن الوثنية الأُولى، غير أنّها تحوّلت من حال الفردية إلى حال الاجتماع، ومن مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقّة الفنّية.

والذي ذكرناه - من بناء السنّة الإسلامية على اتّباع الحق دون موافقة الطبع - من أوضح الواضحات في بيانات القرآن.

قال الله تعالى: ( هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ... ) (1) .

وقال تعالى: ( وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ... ) (2) .

وقال في وصف المؤمنين: ( ... وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ... ) (3) .

وقال: ( لَقَدْ جِئْنَاكُم بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (4) .

فاعترف بأنّ الحق لا يوافق طباع الأكثرين وأهواءهم، ثمّ ردّ لزوم موافقة أهواء الأكثرية، بأنَّه يؤول إلى الفساد فقال: ( ... بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ ) (5).

ولقد صدق جريان الحوادث وتراكم الفساد يوماً فيوماً ما بيّنه تعالى في هذه الآية.

وقال تعالى: ( ... فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ) (6)

____________________

(1) سورة التوبة، الآية: 33.

(2) سورة المؤمن، الآية: 20.

(3) سورة العصر، الآية: 3.

(4) سورة الزخرف، الآية: 78.

(5) سورة المؤمنون، الآيتان: 70 - 71.

(6) سورة يونس، الآية: 32.


والآيات في هذا المعنى وما يقرب منه كثيرة جدّاً، وإن شئت زيادة تبصُّر فيه فراجع سورة يونس، فقد كرَّر فيه ذكر الحق بضعاً وعشرين مرّة.

وأمّا قولهم: إنَّ اتِّباع الأكثر سنّة جارية في الطبيعة. فلا ريب أنّ الطبيعة تتبع الأكثر في آثارها، إلاّ أنّها ليست بحيث تُبطل أو تُعارض وجوب اتّباع الحق، فإنّها نفسها بعض مصاديق الحق، فكيف تُبطل نفسها.

وتوضيح ذلك يحتاج إلى بيان أمور:

أحدهما: إنّ الأمور الخارجية التي هي أصول عقائد الإنسان العلمية والعملية، تتبع في تكونها وأقسام تحوُّلها نظام العلّية والمعلولية، وهو نظام دائم ثابت لا يقبل الاستثناء، أطبق على ذلك المحصّلون من أهل العلم والنظر، وشهد به القرآن على ما مرّ. فالحدث الخارجي لا يتخلّف عن الدوام والثبات؛ حتى إنّ الحوادث الأكثرية الوقوع التي هي قياسيّة هي في أنّها أكثرية دائمة ثابتة، مثلاً: النار التي تفعل السخونة غالباً بالقياس إلى جميع مواردها (سخونتها الغالبية) أثر دائم لها وهكذا، وهذا هو الحق.

والثاني: إنّ الإنسان بحسب الفطرة يتّبع ما وجده أمراً واقعياً خارجياً بنحو، فهو يتّبع الحق بحسب الفطرة؛ حتى إنّ مَن يُنكر وجود العلم الجازم إذا أُلقي إليه قول، لا يجد من نفسه التردُّد فيه خضع له بالقبول.

والثالث: إنّ الحق - كما عرفت - هو الأمر الخارجي الذي يخضع له الإنسان في اعتقاده أو يتّبعه في عمله، وأمّا نظر الإنسان وإدراكه، فإنّما هو وسيلة يتوسّل بها إليه، كالمرآة بالنسبة إلى المرئي.

إذا عرفت هذه الأمور؛ تبيّن لك أنّ الحقيّة - وهي دوام الوقوع أو أكثرية الوقوع في الطبيعة الراجعة إلى الدوام والثبات أيضاً - إنّما هي صفة الخارج الواقع وقوعاً دائمياً أو أكثرياً، دون العلم والإدراك.

وبعبارة أُخرى: هي صفة


الأمر المعلوم لا صفة العلم، فالوقوع الدائمي والأكثري أيضاً بوجه من الحق، وأمّا آراء الأكثرين وأنظارهم واعتقاداتهم في مقابل الأقلّين فليست بحق دائماً، بل ربّما كانت حقّاً إذا طابقت الواقع، وربّما لم تكن إذا لم تُطابق، وحينئذ؛ فلا ينبغي أن يخضع لها الإنسان، ولا أنّه يخضع لها لو تنبّه للواقع، فإنّك إذا أيقنت بأمر ثمّ خالفك جميع الناس فيه لم تخضع بالطبع لنظرهم، وإن اتّبعتهم فيه ظاهراً فإنّما تتّبعهم لخوف أو حياء، أو عامل آخر، لا لأنّه حق واجب الاتّباع في نفسه، ومن أحسن البيان في أنّ رأي الأكثر ونظرهم لا يجب أن يكون حقّاً واجب الاتّباع، قوله تعالى: ( ... بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ) (1) ، فلو كان كل ما يراه الأكثر حقّاً، لم يمكن أن يكرهوا الحق ويعارضوه.

وبهذا البيان يظهر فساد وبناء اتّباع الأكثرية على سنّة الطبيعة، فإنّ هذه السنّة جارية في الخارج الذي يتعلّق به العلم دون نفس العلم والفكر، والذي يتّبعه الإنسان من هذه السنّة في إرادته وحركاته، إنّما هو ما في الخارج من أكثرية الوقوع، لا ما اعتقده الأكثرون، أعني أنّه يبني أفعاله وأعماله على الصلاح الأكثري، وعليه جرى القرآن في حكم تشريعاته ومصالحها، قال تعالى: ( ... مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (2) .

وقال تعالى: ( ... كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (3) ، إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على ملاكات غالبية الوقوع للأحكام المشرعة.

____________________

(1) سورة المؤمنون، الآية: 70.

(2) سورة المائدة، الآية: 6.

(3) سورة البقرة، الآية: 183.


وأمّا قولهم: إنّ المدنية الحاضرة سمحت للممالك المترقّية سعادة المجتمع، وهذّب الأفراد وطهّرهم عن الرذائل التي لا يرتضيها المجتمع. فكلام غير خالٍ من الخلط والاشتباه.

وكأنّ مرادهم من السعادة الاجتماعية تفوق المجتمع، في عدّتها وقوّتها، وتعاليها في استفادتها من المنابع المادّية، وقد عرفت كراراً أنّ الإسلام لا يعدّ ذلك سعادة، والبحث البرهاني أيضاً يؤيّده، بل السعادة الإنسانية أمر مؤلَّف من سعادة الروح والبدن، وهي تُنعم الإنسان من النعم المادّية، وتُحلّيه بفضائل الأخلاق والمعارف الحقّة الإلهية، وهي التي تضمن سعادته في الحياة الدنيا والحياة الأُخرى، وأمّا الانغمار في لذائذ المادّة مع إهمال سعادة الروح، فليس عنده إلاّ شقاء.

وأمّا استعجابهم بما يرون من الصدق والصفاء والأمانة والبشر، وغير ذلك فيما بين أفراد الأمم المترقّية، فقد اختلط عليهم حقيقة الأمر فيه؛ وذلك أنّ جُلَّ المتفكّرين من باحثينا معاشر الشرقيين لا يقدرون على التفكير الاجتماعي، وإنّما يتفكّرون تفكُّراً فردياً، فالذي يراه الواحد منّا نُصب العين أنّه موجود إنساني مستقلّ عن كل الأشياء، غير مرتبط بها ارتباطاً تبطل استقلاله الوجودي (مع أنّ الحق خلافه)، ثمّ لا يتفكّر في حياته إلاّ لجلب المنافع إلى نفسه ودفع المضارِّ عن نفسه، فلا يشتغل إلاّ بشأن نفسه وهو التفكُّر الفردي، ويستتبع ذلك أن يقيس غيره على نفسه، فيقضي فيه بما يقضي على هذا النحو من الاستقلال.

وهذا القضاء إن صحَّ، فإنّما يصحّ فيمَن يجري في تفكُّره هذا المجرى، وأمّا مّن يتفكّر تفكُّراً اجتماعياً، ليس نُصب عينيه إلاّ أنّه جزء غير منفكٍّ ولا مستقلٍّ عن المجتمع، وأنّ منافعه جزء من منافع مجتمعه، يرى خير المجتمع


خير نفسه وشرّه شرَّ نفسه، وكل وصف وحال له وصفاً وحالاً لنفسه، فهذا الإنسان يتفكّر نحواً آخر من التفكّر، ولا يشتغل في الارتباط بغيره إلاّ بمَن هو خارج عن مجتمعه، وأمّا اشتغاله بأجزاء مجتمعه فلا يهتمُّ به ولا يقدِّره شيئاً.

واستوضح ذلك بما نورده من المثال: الإنسان مجموع مؤلّف من أعضاء وقوى عديدة، تجتمع الجميع نوع اجتماع يُعطيها وحدة حقيقية نُسمِّيها الإنسانية، يوجب ذلك استهلاك الجميع - ذاتاً وفعلاً - تحت استقلاله، فالعين والأُذن واليد والرجل تبصر وتسمع وتبطش وتمشي للإنسان، وإنّما يلتذُّ كلٌّ بفعله ضمن التذاذ الإنسان به، وكل واحدة من هذه الأعضاء والقوى همُّها أن ترتبط بالخارج الذي يريد الإنسان الواحد الارتباط به بخير أو شرّ، فالعين أو الأُذن، أو اليد أو الرجل، إنّما تريد الإحسان أو الإساءة إلى مَن يُريد الإنسان الإحسان أو الإساءة إليه من الناس مثلاً، وأمّا معاملة بعضها مع بعض والجميع تحت لواء الإنسانية الواحدة، فقلمَّا يتَّفق أن يُسيء بعضها إلى بعض أو يتضرّر بعضها ببعض.

فهذا حال أجزاء الإنسان وهي تسير سيراً واحداً اجتماعياً، وفي حكمه حال أفراد مجتمع إنساني، إذا تفكّروا تفكُّراً اجتماعياً، فصلاحهم وتقواهم، أو فسادهم وإجرامهم، وإحسانهم وإساءتهم، إنّما هي ما لمجتمعهم من هذه الأوصاف، إذا أُخذ ذا شخصية واحدة.

وهكذا صنع القرآن في قضائه على الأُمم والأقوام، التي ألجأتهم التعصُّبات المذهبية أو القومية أن يتفكّروا تفكُّراً اجتماعياً، كاليهود والأعراب وعدّة من الأُمم السالفة، فتراه يؤاخذ اللاحقين بذنوب السابقين، ويُعاتب الحاضرين ويوبّخهم بأعمال الغائبين والماضين؛ كل ذلك لأنّه القضاء الحق فيمَن يتفكّر فكراً اجتماعياً، وفي القرآن الكريم من هذا الباب آيات كثيرة، لا حاجة إلى نقلها.


نعم، مقتضى الأخذ بالنصفة، أن لا يضطهد حق الصالحين من الأفراد بذلك، إن وجِدوا في مجتمع واحد، فإنَّهم وإن عاشوا بينهم واختلطوا بهم، إلاَّ أنّ قلوبهم غير متقذِّرة بالفكر الفاسد والمرض المتبطِّن الفاشي في مثل هذا المجتمع، وأشخاصهم كالأجزاء الزائدة في هيكله وبُنيته، وهكذا فعل القرآن في آيات العتاب العام، فاستثنى الصلحاء والأبرار.

ويتبيّن ممّا ذكرنا، أنّ القضاء بالصلاح والطلاح على أفراد المجتمعات المتمدّنة الراقية على خلاف أفراد الأُمم الأخرى، لا ينبغي أن يُبنى على ما يظهر من معاشرتهم ومخالطتهم فيما بينهم وعيشتهم الداخلية، بل بالبناء على شخصيّتهم الاجتماعية البارزة في مماسّتها ومصاكّتها سائر الأُمم الضعيفة، ومخالطتها الحيويّة سائر الشخصيات الاجتماعية في العالم، فهذه هي التي يجب أن تُراعى وتُعتبر في القضاء بصلاح المجتمع وطلاحه، وسعادته وشقائه، وعلى هذا المجرى يجب أن يجري باحثونا، ثمّ إن شاؤوا فليستعجبوا وإن شاؤوا فليتعجّبوا.

ولعمري، لو طالع المطالع المتأمِّل تاريخ حياتهم الاجتماعية من لدن النهضة الحديثة الأوروبية، وتعمَّق فيما عاملوا به غيرهم من الأُمم والأجيال المسكينة الضعيفة، لم يلبث دون أن يرى أنّ هذه المجتمعات التي يُظهرون أنَّهم امتلؤوا رأفة ونُصحاً للبشر، يفدون بالدماء والأموال في سبيل الخدمة لهذا النوع وإعطاء الحرّية والأخذ بيد المظلوم المهضوم حقّاً، وإلغاء سنّة الاسترقاق والأسر، يرى أنّهم لا همّ لهم إلاّ استعباد الأُمم الضعيفة؛ مساكين الأرض ما وجدوا إليه سبيلاً بما وجدوا إليه من سبيل فيوماً بالقهر، ويوماً بالاستعمار، ويوماً بالاستملاك، ويوماً بالقيمومة، ويوماً باسم حفظ المنافع المشتركة، ويوماً باسم الإعانة على حفظ الاستقلال، ويوماً باسم حفظ الصلح ودفع ما يُهدِّده، ويوماً باسم الدفاع عن حقوق الطبقات المستأصلة


المحرومة ويوماً.. ويوماً.

والمجتمعات التي هذا شأنها، لا ترتضي الفطرة الإنسانية السليمة أن تصفها بالصلاح أو تُذعن لها بالسعادة، وإن أغمضت النظر عمّا يُشخِّصه قضاء الدين وحكم الوصي والنبوّة من معنى السعادة.

وكيف ترضى الطبيعة الإنسانية أن تُجهِّز أفرادها بما تُجهِّزها على السواء، ثمّ تُناقض نفسها فتُعطي بعضاً منهم عهداً أن يتملّكوا الآخرين، تملُّكاً يُبيح لهم دماءهم وأعراضهم وأموالهم، ويسوِّي لهم الطريق إلى اللعب بمجامع حياتهم ووجودهم، والتصرُّف في إدراكهم وإرادتهم بما لم يَلْقَه ولا قاساه إنسان القرون الأُولى، والمعوَّل في جميع ما نذكره تواريخ حياة هؤلاء الأُمم وما يُقاسيه الجيل الحاضر من أيديهم، فإن سمِّي عندهم سعادة وصلاحاً فلتكن بمعنى التحكُّم وإطلاق المشيئة.

- 6 -

بماذا يتكوَّن ويعيش المجتمع الإسلامي؟

لا ريب أنَّ الاجتماع - أيُّ اجتماع كان - إنَّما يتحقَّق ويحصل بوجود وغاية واحدة مشتركة بين أفراده المتشتِّتة، وهو الروح الواحدة السارية في جميع أطرافه التي تتَّحد بها نوع اتِّحاد، وهذه الغاية والغرض في نوع الاجتماعات المتكوِّنة غير الدينية، إنَّما هي غاية الحياة الدنيوية للإنسان، لكن على نحو الاشتراك بين الأفراد، لا على نحو الانفراد، وهي التمتُّع من مزايا الحياة المادّية على نحو الاجتماع.

والفرق بين التمتُّع الاجتماعي والانفرادي - من حيث الخاصية - أنّ الإنسان لو استطاع أن يعيش وحده كان مطلق العنان في كل واحد من تمتُّعاته، حيث لا معارض له ولا رقيب، إلاَّ ما قيَّد به بعض أجهزته بعضاً، فإنَّه لا يقدر أن


يستنشق كل الهواء، فإنَّ الرئة لا تسعه وإن اشتهاه، ولا يسعه أن يأكل من المواد الغذائية إلاَّ إلى حدٍّ، فإنَّ جهاز الهاضمة لا يتحمَّله، فهذا حاله بقياس بعض قواه وأعضائه إلى بعض، وأمَّا بالنسبة إلى إنسان آخر مثله، فإذا كان لا شريك له في ما يستفيد منه من المادّة على الفرض، فلا سبب هناك يقتضي تضييق ميدان عمله، ولا تحديد فعل من أفعاله وعمل من أعماله.

وهذا بخلاف الإنسان الواقع في ظرف الاجتماع وساحته، فإنه لو كان مطلق العنان في إرادته وأعماله لأدّى ذلك إلى التمانع والتزاحم، الذي فيه فساد العيش وهلاك النوع، وقد بيّنا ذلك في مباحث النبوّة السابقة أوفى بيان.

وهذا هو السبب الوحيد الذي يدعو إلى حكومة القانون الجاري في المجتمع، غير أنَّ المجتمعات الهمجيّة لا تتنبّه لوضعها عن فكر ورويَّة، وإنَّما يكون الآداب والسُّنن فيها المشاجرات والمنازعات المتوفِّرة بين أفرادها، فتضطرُّ الجميع إلى رعاية أُمور تحفظ مجتمعهم بعض الحفظ، ولمَّا لم تكن مبنيّة على أساس مُستحكم، كانت في معرض النقض والإبطال تتغيّر سريعاً وتنقرض، ولكنّ المجتمعات المتمدّنة تبنيه على أساس قويم، بحسب درجاتهم في المدنية والحضارة، فيرفعون به التضادّ والتمانع الواقع بين الإرادات وأعمال المجتمع بتعديلها، بوضع حدود وقيود لها، ثمّ ركز القدرة والقوّة في مركز عليه ضمان إجراء ما ينطق به القانون.

ومن هنا يظهر:

أولاً: أنّ القانون حقيقة هو ما تُعدَّل به إرادات الناس وأعمالهم، برفع التزاحم والتمانع من بينهما بتحديدها.

وثانياً: أنّ أفراد المجتمع الذي يحكم فيه القانون أحرار فيما وراءه، كما هو مقتضى تجهُّز الإنسان بالشعور والإرادة بعد التعديل؛ ولذا كانت القوانين الحاضرة لا تتعرَّض لأمر المعارف الإلهية والأخلاق، وصار هذان المهمَّان


يُتصوران بصورة يُصوّرها بهما القانون، فيتصالحان ويتوافقان معه على ما هو حكم التبعية، فيعودان - عاجلاً أو آجلاً - رسوماً ظاهرية فاقدة للصفاء المعنوي؛ ولذلك السبب أيضاً ما نُشاهده من لعب السياسة بالدين، فيوماً تقضي عليه وتدحضه، ويوماً تميل إليه فتُبالغ في إعلاء كلمته، ويوماً تطوي عنه كشحاً فتُخلِّيه وشأنه.

وثالثاً: أنّ هذه الطريقة لا تخلو عن نقص، فإنّ القانون وإن حمل ضمان إجرائه على القدرة التي ركَّزها في فرد أو أفراد، لكن لا ضمان على إجرائه بالنهاية، بمعنى أنَّ منبع القدرة والسلطان لو مال عن الحق وحوَّل سلطة النوع على النوع إلى سلطة شخصه على النوع، وانقلبت الدائرة على القانون لم يكن هناك ما يقهر هذا القاهر فيحوِّله إلى مجراه العدل. وعلى هذا القول شواهد كثيرة ممَّا شاهدناه في زمننا هذا، وهو زمان الثقافة والمدنية، فضلاً عمّا لا يُحصى من الشواهد التاريخية. وأضف إلى هذا النقص نقصاً آخر، وهو خفاء نقض القانون على القوّة المُجرية أحياناً، أو خروجه عن حومة قدرته.

وبالجملة؛ الاجتماعات المدنية توحِّدها الغاية الواحدة، التي هي التمتُّع من مزايا الحياة، وهي السعادة عندهم، ولكنّ الإسلام لمّا كان يرى أنّ الحياة الإنسانية أوسع مداراً من الحياة الدنيا المادّية، بل في مدار حياته الحياة الأخروية التي هي الحياة، ويرى أنّ هذه الحياة لا تنفع فيها إلاّ المعارف الإلهية، التي تنحل بجملتها إلى التوحيد، ويرى أنّ هذه المعارف لا تنحفظ إلاَّ بمكارم الأخلاق وطهارة النفس من كل رذيلة، ويرى أنّ هذه الأخلاق لا تتمُّ ولا تكمل إلاًَّ بحياة اجتماعية صالحة، معتمدة على عبادة الله سبحانه، والخضوع لما تقتضية ربوبيّته، ومعاملة الناس على أساس العدل الاجتماعي أخذ (أعني الإسلام) الغاية التي يتكوّن عليها المجتمع البشري ويتوحّد بها دين التوحيد، ثمّ وضع القانون الذي وضعه على أساس التوحيد، ولم يكتفِ


فيه على تعديل الإرادات والأفعال فقط، بل تمَّمه بالعباديات، وأضاف إليها المعارف الحقّة والأخلاق الفاضلة.

ثمّ جعل ضمان إجرائها في عهدة الحكومة الإسلامية أولاً، ثمّ في عهدة المجتمع ثانياً، وذلك بالتربية الصالحة علماً وعملاً، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ومن أهمّ ما يُشاهد في هذا الدين، ارتباط جميع أجزائه ارتباطاً يؤدِّي إلى الوحدة التامة بينها، بمعنى أنَّ روح التوحيد سارية في الأخلاق الكريمة التي يندب إليها هذا الدين، وروح الأخلاق منتشرة في الأعمال التي يُكلَّف بها أفراد المجتمع، فالجميع من أجزاء الدين الإسلامي ترجع بالتحليل إلى التوحيد، والتوحيد بالتركيب يصير هو الأخلاق والأعمال، فلو نزل لكان هي، ولو صعدت لكان هو، ( ... إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ... ) .

فإن قلت: ما أُوْرِد من النقص على القوانين المدنية - فيما إذا عصت القوّة التنفذية عن إجرائها أو فيما يخفى عليها من الخلاف مثلاً - وارد بعينه على الإسلام، وأوضح الدليل عليه ما نشاهده من ضعف الدين وزوال سيطرته على المجتمع الإسلامي، وليس إلاَّ لفقدانه مَن يحمل نواميسه على الناس يوماً.

قلت: حقيقة القوانين العامة - سواء كانت إلهية أم بشرية - ليست إلاَّ صوراً ذهنية في أذهان الناس وعلوماً تحفظها الصدور، وإنّما ترد مورد العمل وتقع موقع الحسّ بالإرادات الإنسانية تتعلّق بها، فمن الواضح أن لو عُصِمت الإرادات لم توجد في الخارج ما تنطبق عليه القوانين، وإنّما الشأن فيما يُحفَظ به تعلُّق هذه الإرادات بالوقوع، حتى تقوم القوانين على ساقها، والقوانين المدنية لا تهتمُّ بأكثر من تعليق الأفعال بالإدارات، أعني بإرادة الأكثرية، ثمّ لم يهتمُّوا بما تحفظ هذه الإرادة، فمهما كانت الإرادة حيّة


شاعرة فاعلة جرى بها القانون، وإذا ماتت - من جهة انحطاط يعرض لنفوس الناس، وهرم يطرأ على بُنية المجتمع، أو كانت حيّة لكنَّها فقدت صفة الشعور والإدراك لانغمار المجتمع في الملاهي وتوسُّعه في الإتراف والتمتُّع، أو كانت حيّة شاعرة لكنّها فقدت التأثير لظهورة قوّة مستبدّة فائقة غالبة تقهر إرادتها إرادة الأكثرية، وكذا في الحوادث التي لا سبيل للقوّة التنفيذية على الوقوف عليها كالجرائم السرِّية، أو لا سبيل لها إلى بسط سيطرتها عليها كالحوادث الخارجة عن منطقة نفوذها، ففي جميع هذه الموارد - لا تنال الأمَّة أُمْنيتها من تطبيق القانون وحصانة المجتمع من المفاسد والتلاشي، وعُمدة الانشعابات الواقعة في الأُمم الأوروبية - بعد الحرب العالمية الكبرى الأُولى والثانية - من أحسن الأمثلة في هذا الباب.

وليس ذلك (أعني انتقاض القوانين وتفسُّخ المجتمع وتلاشيه) إلاَّ لأنَّ المجتمع لم يهتمَّ بالسبب الحافظ لإرادات الأمّة على قوّتها وسيطرتها وهي الأخلاق العالية؛ إذ لا تستمدُّ الإرادة في بقائها واستدامة حياتها إلاَّ في الخُلق المناسب لها، كما بُيِّن ذلك في علم النفس، فلولا استقرار السنّة القائمة في المجتمع، واعتماد القانون الجاري فيه على أساس قويم في الأخلاق العالية، كانت كشجرة اجتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار. واعتُبر في ذلك ظهور الشيوعية، فليست إلاَّ من مواليد الديمقراطية أنتجها إتراف طبقة من طبقات المجتمع وحرمان آخرين، فكان بُعداً شاسعاً بين نقطتي القساوة وفقد النصفة، والسخط وتراكم الغيظ والحِنق، وكذا في الحرب العالمية التي وقعت مرَّة بعد مرَّة وهي تُهدِّد الإنسانية ثالثة، وقد أفسدت الأرض وأهلكت الحرث والنسل، ولا عامل لها إلاَّ غريزة الاستكبار والشره والطمع، هذا.

ولكنَّ الإسلام بنى سنَّته الجارية وقوانينه الموضوعة على أساس الأخلاق، وبالغ في تربية الناس عليها؛ لكون القوانين الجارية في الأعمال في


ضمانها على عهدتها، فهي مع الإنسان في سرِّه وعلانيته، وخلوته وجلوته، تؤدِّي وظيفتها وتعمل عملها أحسن ما يؤدِّيه شُرطيٌّ مراقب، أو أيُّ قوَّة تبذل عنايتها في حفظ النُظُم.

نعم، تعتني المعارف العمومية في هذه الممالك بتربية الناس على الأخلاق المحمودة، وتبذل جهدها في حض الناس، وترغيبهم إليها، لكن لا ينفعهم ذلك شيئاً.

أمَّا أولاً: فلأنَّ المنشأ الوحيد لرذائل الأخلاق، ليس إلاَّ الإسراف والإفراط في التمتُّع المادي والحرمان البالغ فيه، وقد أعطت القوانين للناس الحرِّية التامّة فيه، فأمتعت بعضاً وحرمت آخرين، فهل الدعوة إلى فضائل الأخلاق والترغيب عليها إلاّ دعوة إلى المتناقضين أو طلباً للجمع بين الضدَّين.

على أنَّ هؤلاء - كما عرفت - يفكِّرون تفكُّراً اجتماعياً، ولا تزال مجتمعاتهم تُبالغ في اضطهاد المجتمعات الضعيفة ودحض حقوقهم، والتمتُّع بما في أيديهم، واسترقاق نفوسهم، والتوسُّع في التحكُّم عليهم ما قدروا، والدعوة إلى الصلاح والتقوى مع هذه الخصيصة، ليست إلاَّ دعوة متناقضة لا تزال عقيمة.

وأما ثانياً: فلأنَّ الأخلاق الفاضلة أيضاً، تحتاج في ثباتها واستقرارها إلى ضامن يضمن حفظها وكلاءتها، وليس إلاَّ التوحيد أعني القول: بأنَّ للعالم إلهاً واحداً، ذا أسماء حُسنى، خَلقَ الخلق لغاية تكميلهم وسعادتهم، وهو يحبُّ الخير والصلاح، ويُبغض الشرَّ والفساد، وسيجمع الجميع لفصل القضاء وتوفية الجزاء، فيُجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

ومن الواضح، أنَّ لولا الاعتقاد بالمعاد لم يكن هناك سبب أصيل رادع عن اتِّباع الهوى والكفِّ عن حظوظ النفس الطبيعية، فإنَّما الطبيعة الإنسانية تريد وتشتهي مشتهيات نفسها، لا ما ينتفع به غيرها كطبيعة الفرد الآخر، إلاَّ إذا رجع بنحو إلى مُشتهى


نفسها. ففيما كان للإنسان - مثلاً - تمتُّع في إماتة حق من حقوق الغير، ولا رادع يردعه، ولا مُجازٍ يُجازيه، ولا لائم مُعاتب يلومه ويُعاتبه، فأيُّ مانع يمنعه في اقتراف الخطيئة وارتكاب المظلمة وإن عظمت ما عظمت؟ وأمَّا ما يُتوهَّم - وكثيراً ما يُخطئ فيه الباحث - من الروادع المختلفة، كالتعلُّق بالوطن وحبِّ النوع والثناء الجميل ونحو ذلك، فإنّما هي عواطف قلبية ونزوعات باطنية لا سبب حافظاً عليها، إلاَّ التعليم والتربية من غير استنادها إلى السبب الموجب؛ فهي - إذن - أوصاف اتِّفاقية وأمور عادية، لا مانع معها يمنع من زوالها، فلماذا يجب على الإنسان أن يفدي بنفسه غيره، ليتمتَّع بالعيش بعده، وهو يرى أنَّ الموت فناء وبطلان؟ والثناء الجميل إنَّما هو في لسان آخرين ولا لذَّة يلتذُّ به الفادي بعد بطلان ذاته.

وبالجملة؛ لا يرتاب المتفكِّر البصير في أنَّ الإنسان لا يُقدم على حرمان لا يرجع إليه فيه جزاء، ولا يعود إليه منه نفع، والذي يعده ويمنِّيه في هذه الموارد، ببقاء الذكر الحسن والثناء الجميل الخالد والفخر الباقي ببقاء الدهر، فإنَّما هو غرور يغترُّ به وخدعة ينخدع بها بهيجان إحساساته وعواطفه، فيُخيَّل إليه أنَّه بعد موته وبطلان ذاته حاله كحاله قبل موته، فيشعر بذكره الجميل فيلتذُّ به، وليس ذلك إلاَّ من غلط الوهم كالسكران يتسخَّر بهيجان إحساساته، فيعفو ويبذل من نفسه وعرضه وماله أو كل كرامة له ما لو يُقدم عليه لو صحا وعقل، وهو سكران لا يعقل، ويعدُّ ذلك فتوَّة وهو سفه وجنون.

فهذه العثرات وأمثالها ممَّا لا حصن للإنسان يتحصَّن فيه منها، غير التوحيد الذي ذكرناه؛ ولذلك وضع الإسلام الأخلاق الكريمة، التي جعلها جزءاً من طريقته الجارية على أساس التوحيد، الذي من شؤونه القول بالمعاد، ولازمه أن يلتزم الإنسان بالإحسان ويجتنَّب الإساءة أينما كان ومتى ما كان، سواء علم به أم لم يعلم، وسواء حمده حامد أم لم يحمد، وسواء كان معه


مَن يحمله عليه أو يردعه عنه أم لم يكن، فإن معه الله العليم الحفيظ، القائم على كل نفس ما كسبت ووراءه، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير مُحضراً وما عملت من سوء، وفيه تُجزى كل نفس بما كسبت.

- 7 -

التعقُّل والإحساس

أمَّا منطق الإحساس، فهو يدعو إلى النفع الدنيوي ويبعث إليه، فإذا قارن الفعل نفع وأحسن به الإنسان فالإحساس متوقِّد شديد التوقان في بعثه وتحريكه، وإذا لم يحسَّ الإنسان بالنفع فهو خامد هامد، وأمّا منطق التعقُّل فإنّما يبعث إلى اتِّباع الحق، ويرى أنّه أحسن ما ينتفع به الإنسان، أحسّ مع الفعل بنفع مادي أو لم يحس، فإنَّ ما عند الله خير وأبقى، وقِسْ في ذلك بين قول عنترة، وهو على منطق الإحساس:

وقولي كلَّما جشأت وجاشت

مكانكِ تُحمدي أو تستريحي

يريد أنِّي استثبت نفسي كلّما تزلزت فيَّ الهزاهز والمواقف المهولة من القتال، بقولي لها: اثبتي، فإن قُتلِت يحمدك الناس على الثبات وعدم الانهزام، وإن قتلت العدوّ استرحت ونلت بغيتك، فالثبات خير على أيِّ حال، وبين قوله تعالى... وهو على منطق التعقُّل: ( قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ ) (1) .

يريد أنَّ أمر ولايتنا وإنصارنا إلى الله سبحانه لا نريد في شيء ممَّا يُصيبنا من ضرٍّ أو شرٍّ، إلاَّ ما وعدنا من الثواب على الإسلام له والالتزام لدينه

____________________

(1) سورة التوبة، الآيتان: 51 - 52.


كما قال تعالى: ( ... لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (1) .

وإذا كان كذلك؛ فإن قتلتمونا أو أصابنا منكم شيء، كان لنا عظيم الأجر والعاقبة الحُسنى عند ربنا، فإن قتلناكم أو أصبنا منكم شيئاً، كان لنا عظيم الثواب والعاقبة الحُسنى والتمكُّن في الدنيا من عدوِّنا، فنحن على أيِّ حال سعداء مغبوطون، ولا تتحفون لنا في قتالنا ولا تتربّصون بنا في أمرنا إلاّ إحدى الحُسنيين، فنحن على الحُسنى والسعادة على أيِّ حال، وأنت على السعادة ونيل البغية بعقيدتكم على أحد التقديرين، وفي إحدى الحالين، وهو كون الدائرة لكم علينا، فنحن نتربص بكم ما يسؤوكم، وأنتم لا تتربّصون بنا إلاّ ما يسرُّنا ويُسعدنا.

فهذان منطقان، أحدهما يعني الثبات وعدم الزوال على مبنى إحساسي، وهو أن الثابت أحد نفعين، إمّا حمد الناس وإمّا الراحة من العدوّ، هذا إذا كان هناك نفع عائد إلى الإنسان المقاتل الذي يُلقي بنفسه إلى التهلكة، أمّا إذا لم يكن هناك نفع عائد، كما لو لم يحمده الناس لعدم تقديرهم قدر الجهاد، وتساوى عندهم الخدمة والخيانة، أو كانت الخدمة ممّا ليس من شأنه أن يظهر لهم ألبتّة، أو لا هي ولا الخيانة، أو لم يسترح الإحساس بفناء العدوّ، بل إنّما يستريح به الحق، فليس لهذا المنطق إلاّ العيّ واللُّكنة.

وهذه الموارد المعدودة هي الأسباب العامة في كل بغي وخيانة وجناية، يقول الخائن المساهل في أمر القانون: إنّ خدمته لا تُقدَّر عند الناس بما يعدُّ

____________________

(1) سورة التوبة، الآيتان: 120 - 121.


لها، وإنّ الخادم والخائن عندهم سواء، بل الخائن أحسن حالاً وأنعم عيشاً، ويرى كل باغٍ وجانٍ أنّه سيتخلص من قهر القانون، وأنّ القوى المراقبة لا يقدرون على الحصول عليه، فيخفى أمره ويلتبس على الناس شخصه، ويعتذر كل مَن يتثبّط ويتثاقل في إقامة الحق والثورة على أعدائه، ويُداهنهم بأنّ القيام على الحق يذلِّله بين الناس، ويضحك منه الدنيا الحاضرة، ويعدُّونه من بقايا القرون الوسطى أو أعصار الأساطير، فإن ذكَّرته بشرافة النفس وطهارة الباطن ردّ عليك قائلاً: ما أصنع بشرافة النفس إذا جرت إلى نكد العيش وذلّة الحياة؟!

وأمّا المنطق الآخر، وهو منطق الإسلام، فهو يبني أساسه على اتِّباع الحق وابتغاء الأجر والجزاء من الله سبحانه، وإنّما يتعلّق الغرض بالغايات والمقاصد الدنيوية في المرتبة التالية وبالقصد الثاني، ومن المعلوم أنّه لا يشذُّ عن شموله مورد من الموارد، ولا يسقط كلِّيته من العموم والاطِّراد، فالعمل - أعمُّ من الفعل والترك - إنَّما يقع لوجهه تعالى، وإسلاماً له واتِّباعاً للحق الذي أراده، وهو الحفيظ العليم الذي لا تأخذه سِنَة ولا نوم، ولا عاصم منه ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والله بما تعملون خبير.

فعلى كل نفس - فيما وردت مورد عمل أو صدرت - رقيب شهيد قائم بما كسبت، سواء شهده الناس أم لا، حمدوه أم لا، قدروا فيه على شيء أم لا.

وقد بلغ من حُسن تأثير التربية الإسلامية، أنّ الناس كانوا يأتون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيعترفون عنده بجرائمهم وجناياتهم بالتوبة، ويذوقون مرّ الحدود التي تُقام عليهم (القتل فما دونه)؛ ابتغاء رضوان الله وتطهيراً لأنفسهم من قذارة الذنوب ودرن السيئات.

وبالتأمُّل في هذه النوارد الواقعة، يمكن للباحث أن ينتقل إلى عجيب


تأثير البيان الديني في نفوس الناس، وتعويده لهم السماحة في ألذّ الأشياء وأعزِّها عندهم، وهي الحياة وما في تلوها، ولولا أنّ البحث قرآني لأوردنا طرفاً من الأمثلة التاريخية فيه.

- 8 -

الأجر الأخروي غاية المجتمع

ربَّما يتوهَّم المتوهِّم أنَّ جعل الأجر الأخروي - وهو الغرض العام في حياة الإنسان الاجتماعية - يوجب سقوط الإغراض الحيوية التي تدعو إليه البنية الطبيعية الإنسانية، وفيه فساد نظام الاجتماع، والانحطاط إلى منحطِّ الرهبانية، وكيف يمكن الانقطاع إلى مقصد من المقاصد مع التحفُّظ على المقاصد المهمة الأُخرى؟ وهل هذا إلاَّ تناقض؟

لكنّه توهُّم ساذح، في الجهل بالحكمة الإلهية والأسرار التي تكشفت عنها المعارف القرآنية؛ فإنّ الإسلام يبني تشريعه على أصل التكوين - كما مرَّ ذكره مراراً في المباحث السابقة من هذا الكتاب - قال تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ... ) (1).

وحاصله: أنَّ سلسلة الأسباب الواقعية التكونية، تعاضدت على إيجاد النوع الإنساني في ذيلها، وتوفّرت على سَوْقِه نحو الغاية الحيوية التي هُيّأت له، فيجب له أن يبني حياته في ظرف الكدح والاختيار على موافقة الأسباب فيما تريد منه وتسوقه إليه؛ حتى لا تناقضها حياته فيؤدِّيه ذلك إلى الهلاك والشقاء، وهذا (لو تفهمه المتوهِّم) هو الدين الإسلامي بعينه، ولمَّا كان هناك فوق الأسباب سبب وحيد - هو الموجِّه لها المدبِّر لأمرها فيما دقَّ وجلَّ وهو الله سبحانه الذي هو السبب التام فوق كل سبب بتمام معنى الكملة -

____________________

(1) سورة الروم: الآية 30.


كان الواجب على الإنسان الإسلام له والخضوع لأمره، وهذا معنى كون التوحيد هو الأساس الوحيد للدين الإسلامي.

ومن هنا يظهر؛ أنّ حفظ كلمة التوحيد والإسلام لله وابتغاء وجهه في الحياة جرى على موافقة الأسباب طُرَّاً، وإعطاء كل ذي حق منها حقّه، من غير شرك ولا غفلة، فعند المرء المسلم غايات وأغراض دنيوية وأُخرى أُخروية، وله مقاصد مادّية وأُخرى معنوية، لكنّه لا يعتني في أمرها بأزيد ممّا ينبغي من الاعتناء والاهتمام؛ ولذلك بعينه، نرى أنّ الإسلام يندب إلى توحيد الله سبحانه، والانقطاع إليه والإخلاص له والإعراض عن كل سبب دونه ومُبتغى غيره، ومع ذلك يأمر الناس باتباع نواميس الحياة والجري على المجاري الطبيعية.

ومن هنا يظهر؛ أنّ أفراد المجتمع الإسلامي هُمْ السعداء بحقيقة السعادة في الدينا وفي الآخرة، وأنّ غايتهم وهو ابتغاء وجه الله في الأعمال لا تُزاحم سائر الغايات الحيوية، إذا ظهرت واستؤثرت.

ومن هنا يظهر أيضاً؛ فساد توهُّم آخر، وهو الذي ذكره جمع من علماء الاجتماع من الباحثين، أنّ حقيقة الدين والغرض الأصلي منه، هو إقامة العدالة الاجتماعية، والعباديات فروع متفرِّعة عليها، فالذي يقيمها فهو على الدين، ولو لم يتلبّس بعقيدة ولا عبودية.

والباحث المتدبّر في الكتاب والسنّة - وخاصة في السيرة النبوية - لا يحتاج في الوقوف على بطلان هذا التوهُّم إلى مؤونة زائدة وتكلُّف واستدلال، على أنَّ هذا الكلام الذي يتضمّن إسقاط التوحيد، وكرائم الأخلاق من مجموعة النواميس الدينية، فيه إرجاع للغاية الدينية، التي هي كلمة التوحيد إلى الغاية المدنية التي هي التمتُّع، وقد عرفت أنَّهما غايتان


مختلفتان، لا ترجع إحداهما إلى الأُخرى، لا في أصلها ولا في فروعها وثمراتها.

- 9 -

الحرّية والمجتمع الإسلامي

كلمة الحرّية - على ما يُراد بها من المعنى - لا يتجاوز عمرها في دورانها على الألسن عدّة قرون، ولعلّ السبب المُبتدع لها هي النهضة المدنية الأوروبية قبل بضعة قرون، لكنّ معناها كان يجول في الأذهان وأُمنية من أماني القلوب منذ أعصار قديمة.

والأصل الطبيعي التكويني، الذي ينتشي منه هذا المعنى، هو ما تجهّز به الإنسان في وجوده من الإرادة الباعثة إيّاه على العمل، فإنّها حالة نفسية، في إبطالها إبطال الحسّ والشعور المنجرّ إلى إبطال الإنسانية.

غير أنّ الإنسان لمّا كان موجوداً اجتماعياً، تسوقه طبيعته إلى الحياة في المجتمع، وإلقاء دلوه في الدلاء بإدخال إرادته في الإرادات، وفعله في الأفعال المنجرّ إلى الخضوع لقانون يعدل الإرادات والأعمال بوضع حدود لها، فالطبيعة التي أعطته إطلاق الإرادة والعمل هي بعينها تحدِّد الإرادة والعمل، وتقيّد ذلك الإطلاق الابتدائي والحرّية الأوّلية.

والقوانين المدنية الحاضرة، لمّا وضعت بناء أحكامها على أساس التمتُّع المادي - كما عرفت - أنتج ذلك حرّية الأمّة في أمر المعارف الأصلية الدينية، من حيث الالتزام بها وبلوازمها، وفي أمر الأخلاق، وفي ما وراء القوانين من كل ما يريده ويختاره الإنسان من الإرادات والأعمال، فهذا هو المراد بالحرّية عندهم.


وأمّا الإسلام، فقد وضع قانونه على أساس التوحيد - كما عرفت - ثمّ في المرتبة التالية على أساس الأخلاق الفاضلة، ثمّ تعرّضت لكل يسير وخطير من الأعمال الفردية والاجتماعية، كائنة ما كانت، فلا شيء - ممّا يتعلّق بالإنسان أو يتعلّق به الإنسان - إلاّ وللشرع الإسلامي فيه قدم أو أثر قدم، فلا مجال ولا مظهر للحرّية بالمعنى المتقدّم فيه.

نعم، للإنسان فيه الحرّية عن قيد عبودية غير الله سبحانه، وهذا وإن كان لا يزيد على كملة واحدة، غير أنّه وسيع المعنى عند مَن بحث بصورة عميقة في السنّة الإسلامية، والسيرة العملية التي تندب إليها وتُقرُّها بين أفراد المجتمع وطباقاته، ثم قاس ذلك إلى ما يُشاهد من سُنن السؤدد والسيادة، والتحكُّمات في المجتمعات المتمدّنة بين طبقاتها وأفرادها أنفسها وبين كل أمّة قوية وضعيفة.

وأمّا من حيث الأحكام، فالتوسعة فيما أباحه الله من طيّبات الرزق ومزايا الحياة المعتدلة، من غير إفراط أو تفريط قال تعالى: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ... ) (1) .

وقال تعالى: ( ... خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً... ) (2) .

وقال تعالى: ( وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ... ) (3) .

ومن عجيب الأمر ما رامه بعض الباحثين والمفسّرين، وتكلّف فيه من إثبات حرّية العقيدة في الإسلام بقوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي

____________________

(1) سورة الأعراف، الآية: 32.

(2) سورة البقرة، الآية: 29.

(3) سورة الجاثية، الآية: 13.


الدِّينِ... ) (1) ، وما يُشابهه من الآيات الكريمة.

وقد مرّ البحث التفسيري عن معنى الآية في سورة البقرة.

والذي نُضيف إليها هاهنا: أنّك عرفت أنّ التوحيد أساس جميع النواميس الإسلامية، ومع ذلك كيف يمكن أن يشرّع حرية العقائد؟ وهل ذلك إلاّ التناقض الصريح؟ فليس القول بحرّية العقيدة إلاّ كالقول بالحرّية عن حكومة القانون في القوانين المدنية بعينه.

وبعبارة أُخرى: العقيدة بمعنى حصول إدراك تصديقي ينعقد في ذهن الإنسان، ليس عملاً اختيارياً للإنسان حتى يتعلّق به منع أو تجويز أو استعباد أو تحرير، وإنّما الذي يقبل الحظر والإباحة هو الالتزام بما تستوجبه العقيدة من الأعمال، كالدعوة إلى العقيدة وإقناع الناس بها، وكتابتها ونشرها، وإفساد ما عند الناس من العقيدة، والعمل المخالفَين لها، فهذه هي التي تقبل المنع والجواز، ومن المعلوم أنّها إذا خالفت موادّ قانون دائر في المجتمع، أو الأصل الذي يتّكي عليه القانون لم يكن مناص من منعها من قِبَل القانون، ولم يتّكِ الإسلام في تشريعه على غير دين التوحيد (التوحيد والنبوة والمعاد)، وهو الذي يجتمع عليه المسلمون واليهود والنصارى والمجوس (أهل الكتاب)، فليست الحرّية إلاّ فيها، وليست فيما عداها إلاّ هدفاً لأصل الدين، نعم هاهنا حرّية أُخرى، وهي الحرّية من حيث إظهار العقيدة في مجرى البحث.

- 10 -

التكامل في المجتمع الإسلامي

ربّما أمكن أن يُقال: هبْ أنّ السنّة الإسلامية سنّة جامعة للوازم الحياة

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 256.


السعيدة، والمجتمع الإسلامي مجتمع سعيد مغبوط، لكنّ هذه السنّة لجامعيّتها وانتفاء حرّية العقيدة فيها تستوجب ركود المجتمع ووقوفه عن التحوّل والتكامل، وهو من عيوب المجتمع الكامل - كما قيل - فإنّ السير التكاملي يحتاج إلى تحقيق القوى المتضادّة في الشيء وتفاعلها؛ حتى تولِّد بالكسر والانكسار مولوداً جديداً خالياً من نواقص العوامل المولدة التي زالت بالتفاعل، فإذا فُرِض أنّ الإسلام يرفع الأضداد والنواقص وخاصة العقائد المتضادّة من أصلها، فلازمه أن يتوقّف المجتمع - الذي يكوِّنه - عن السير التكاملي!!

أقول: وهو من إشكالات المادية الجدلية (ماتر باليسم ديالكتيك) وفيه خلط عجيب؛ فإنّ العقائد والمعارف الإنسانية على نوعين: نوع يقبل التحوُّل والتكامل، وهو العلوم الصناعية التي تُستخدم في طريق ترفيع قواعد الحياة المادّية وتذليل الطبيعة العاصية للإنسان، كالعلوم الرياضية والطبيعية وغيرهما، وهذه العلوم والصناعات وما في عدادها كلّما تحوّلت من النقص إلى الكمال أوجب ذلك تحوُّل الحياة الاجتماعية لذلك.

ونوع آخر لا يقبل التحوّل - وإن كان يقبل التكامل بمعنى آخر - وهو العلوم والمعارف العامة الإلهية، التي تقضي في المبدأ والمعاد، والسعادة والشقاء وغير ذلك، قضاءً قاطعاً واقفاً غير متغيِّر ولا متحوِّل، وإن قبلت الارتقاء والكمال من حيث الدقّة والتعمُّق، وهذه العلوم والمعارف لا تؤثّر في الاجتماعات وسنن الحياة إلاّ بنحو كلِّي، فوقوف هذه المعارف والآراء وثبوتها على حال واحد، لا يوجب وقوف الاجتماعات عن سيرها الارتقائي، كما نُشاهد أنّ عندنا آراء كثيرة كلّية ثابتة في حال واحد، من غير أن يقف اجتماعنا لذلك عن سيره كقولنا: إنّ الإنسان يجب أن ينبعث إلى العمل لحفظ حياته، وإنّ العمل يجب أن يكون لنفع عائد إلى الإنسان، وإنّ الإنسان


يجب أن يعيش في حال الاجتماع (التجمّع). وقولنا: إنّ العالم موجود حقيقة لا وهماً، وإنّ الإنسان جزء من العالم، وإنّ الإنسان جزء من العالم الأرضي، وإنّ الإنسان ذو أعضاء وأدوات وقوى، إلى غير ذلك من الآراء والمعلومات الثابتة، التي لا يوجب ثبوتها ووقوفها وقوف المجتمعات وركودها، ومن هذا القبيل القول: بأنّ للعالم إلهاً واحداً، شرّع للناس شرعاً جامعاً لطرق السعادة من طريق النبوة، وسيجمع الجميع إلى يوم يوفّيهم فيه جزاء أعمالهم. وهذه هي الكلمة الوحيدة التي بنى عليها الإسلام مجتمعه وتحفّظ عليها كل التحفُّظ، ومن المعلوم أنّه ممّا لا يوجب باصطكاك ثبوته ونفيه وإنتاج رأي آخر فيه إلاّ انحطاط المجتمع - كما بُيِّن - مراراً، وهذا شأن جميع الحقائق الحقّة المتعلّقة بما وراء الطبيعة، فإنكارها بأيّ وجه لا يُفيد للمجتمع إلاّ انحطاطاً وخسّة.

والحاصل؛ أنّ المجتمع البشري لا يحتاج في سيره الارتقائي إلاّ إلى التحوّل والتكامل يوماً فيوماً في طريق الاستفادة من مزايا الطبيعة، وهذا إنّما يتحقّق بالبحث الصناعي المداوم، وتطبيق العمل على العلم دائماً، والإسلام لا يمنع من ذلك شيئاً.

وأمّا تغيّر طريق إدارة المجتمعات وسنن الاجتماع الجارية، كالاستبداد الملوكي والديموقراطية والشيوعية ونحوها، فليس بلازم إلاّ من جهة نقصها وقصورها عن إيفاء الكمال الإنساني الاجتماعي المطلوب، لا من جهة سيرها من النقص إلى الكمال، فالفرق بينها لو كان، فإنّما هو فرق الغلط والصواب، لا فرق الناقص والكامل، فإذا استقرّ أمر السنّة الاجتماعية على ما يقصده الإنسان بفطرته، وهو العدالة الاجتماعية، واستظلّ الناس تحت التربية الجيدة بالعلم النافع والعمل الصالح، ثمّ أخذوا يسيرون - مرتاحين ناشطين - نحو سعادتهم بالارتقاء في مدارج العلم والعمل، ولا يزالون يتكاملون ويزيدون تمكّناً


واتّساعاً في السعادة، فما حاجتهم إلى تحوّل السنّة الاجتماعية زائداً على ذلك؟! ومجرّد وجوب التحوّل على الإنسان من كل جهة - حتى فيما لا يحتاج فيه إلى التحوّل - ممّا لا ينبغي أن يقضي به ذو نظر وبصيرة.

فإن قلت: لا مناص من عروض التحوّل في جميع ما ذكرت، أنّه مستغن عنه، كالاعتقادات والأخلاق الكلّية ونحوها، فأنّها جميعاً تتغيّر بتغيُّر الأوضاع الاجتماعية والمحيطات المختلفة، ومرور الأزمنة، فلا يجوز أن يُنكر أنّ الإنسان الجديد تُغاير أفكاره أفكار الإنسان القديم، وكذا الإنسان يختلف نحو تفكُّره بحسب اختلاف مناطق حياته، كالأراضي الاستوائية والقطبية، والنقاط المعتدلة، وكذا بتفاوت أوضاع حياته، من خادم ومخدوم، وبدوي وحضري، ومثرٍ ومعدم، وفقير وغنيّ، ونحو ذلك، فالأفكار والآراء تختلف باختلاف العوامل وتتحوّل بتحوّل الأعصار - بلا شكّ - كائنة ما كانت.

قلت: الإشكال مبنيّ على نظرية نسبية العلوم والآراء الإنسانية، ولازمها كون الحق والباطل والخير والشرّ أموراً نسبية إضافية، فالمعارف الكلّية النظرية، المتعلّقة بالمبدأ والمعاد، وكذا الآراء الكلّية العملية، كالحكم بكون الاجتماع خيراً للإنسان، وكون العدل خيراً (حكماً كلّياً لا من حيث انطباقه على المورد) تكون أحكاماً نسبيّة متغيّرة بتغيُّر الأزمنة والأوضاع والأحوال، وقد بيّنا في محلّه فساد هذه النظرية من حيث كلّيتها.

وحاصل ما ذكرناه هناك: أنَّ النظرية غير شاملة للقضايا الكلّية النظرية، وقسم من الآراء الكلّية العملية.

وكفى في بطلان كلّيتها أنّها لو صحّت (أي كانت كلّية - مطلقة - ثابتة) أثبتت قضية مطلقة غير نسبية وهي نفسها، ولو لم تكن كلّية مطلقة، بل قضية جزئية أثبتت بالاستلزام قضية كلّية مطلقة، فكلّيتها باطلة على أيّ حال.


وبعبارة أُخرى: لو صحّ أنّ (كل رأي واعتقاد يجب أن يتغيّر يوماً) وجب أن يتغيّر هذا الرأي نفسه - أي لا يتغيّر بعض الاعتقادات أبداً - فافهم ذلك.

- 11 -

هل الإسلام قادر على إسعاد البشرية؟

ربّما يُقال: هَبْ أنّ الإسلام - لتعرُّضه لجميع شؤون الإنسانية الموجودة في عصر نزول القرآن - كان يكفي في إيصاله مجتمع ذلك العصر إلى سعادتهم الحقيقية، وجميع أمانيهم في الحياة، لكنّ الزمن استطاع أن يغيّر طرق الحياة الإنسانية، فالحياة الثقافية والعيشة الصناعية في حضارة اليوم لا تُشبه الحياة الساذجة قبل أربعة عشر قرناً، المقتصرة على الوسائل الطبيعية الابتدائية، فقد بلغ الإنسان إثر مجاهداته الطويلة الشاقّة مبلغاً من الارتقاء والتكامل المدني، لو قيس إلى ما كان عليه قبل عدّة قرون، كان كالقياس بين نوعين متباينين، فكيف تفي القوانين الموضوعة لتنظيم الحياة في ذلك العصر للحياة المتشكِّلة العبقرية اليوم؟ وكيف يمكن أن تحمل كل من الحياتين أثقال الأُخرى؟

والجواب: إنّ الاختلاف بين العصرين من حيث صورة الحياة لا يرجع إلى كلّيات شؤونها، وإنّما هو من حيث المصاديق والموارد.

وبعبارة أُخرى: يحتاج الإنسان في حياته إلى غذاء يتغذّى به، ولباس يلبسه، ودار يقطن فيه ويسكنه، ووسائل تحمله وتحمل أثقاله وتنقلها من مكان إلى آخر، ومجتمع يعيش بين أفراده، وروابط تناسلية وتجارية وصناعية وعملية وغير ذلك، وهذه حاجة كلّية غير متغيّرة، ما دام الإنسان إنساناً ذا هذه الفطرة والبُنية، وما دام حياته هذه الحياة الإنسانية، والإنسان الأوّلي وإنسان هذا اليوم في ذلك على حدٍّ سواء.


وإنّما الاختلاف بينهما من حيث مصاديق الوسائل، التي يرفع الإنسان بها حوائجه المادّية، ومن حيث مصاديق الحوائج حسب ما يتنبّه لها وبوسائل رفعها.

فقد كان الإنسان الأوّلي - مثلاً - يتغذّى بما يجده من الفواكه والنبات ولحم الصيد على وجه بسيط ساذج، وهو اليوم يهيِّئ منها ببراعته وابتداعه أُلوفاً من ألوان الطعام والشراب ذات خواص تستفيد منها طبيعته، وألوان يستلذُّ منها بصره، وطعوم يستطيبها ذوقه، وكيفيّات يتنعّم بها لمسه، وأوضاع وأحوال أُخرى يصعب إحصاؤها، وهذا الاختلاف الفاحش لا يُفرِّق الثاني من الأول، من حيث إنّ الجميع غذاء يتغذّى به الإنسان لسدِّ جوعه وإطفاء نائرة شهوته. وكما أنّ هذه الاعتقادات الكلّية التي كانت عند الإنسان أولاً لم تبطل بعد تحوُّله من عصر إلى عصر - بل انطبق الأول على الآخر انطباقاً - كذلك القوانين الكلّية الموضوعة في الإسلام طبق دعوة الفطرة واستدعاء السعادة، لا تبطل بظهور وسيلة مكان وسيلة، ما دام الوفاق مع أصل الفطرة محفوظاً من غير تغيُّر وانحراف، وأمّا مع المخالفة، فالسنّة الإسلامية لا توافقها، سواء في ذلك العصر القديم، والعصر الحديث.

وأمّا الأحكام الجزئية المتعلّقة بالحوادث الجارية، التي تحدث زماناً وزماناً وتتغيّر سريعاً بالطبع، كالأحكام المالية والانتظامية، المتعلّقة بالدفاع وطرق تسهيل الارتباطات والمواصلات والمؤسسات البلدية ونحوها، فهي مفوّضة إلى اختيار الوالي ومتصدّي أمر الحكومة، فإنّ الوالي نسبته إلى ساحة ولايته كنسبة الرجل إلى بيته، فله أن يعزم على أمور من شؤون المجتمع في داخله أو خارجه - ممّا يتعلّق بالحرب أو السلم مالية أو غير مالية - يراعي فيها صلاح حال المجتمع بعد المشاورة مع المسلمين، كما قال تعالى: ( ... وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى


اللّهِ... ) (1) ، كل ذلك من الأمور العامة.

وهذه أحكام وقواعد جزئية، تتغيّر بتغيُّر المصالح والأسباب التي لا تزال يحدث منها شيء ويزول منها شيء، غير الأحكام الإلهية، التي يشتمل عليها الكتاب والسنّة، ولا سبيل للنسخ إليها ولبيانه التفصيلي محلٌّ آخر.

- 12 -

مَن الذي يتقلَّد ولاية المجتمع في الإسلام وما سيرته؟

كانت ولاية أمر المجتمع الإسلامي إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وافتراض طاعته (صلّى الله عليه وآله وسلم) على الناس واتّباعه صريح القرآن الكريم.

قال تعالى: ( وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ... ) (2) .

وقال تعالى: ( ... لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ... ) (3) .

وقال تعالى: ( النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ... ) (4) .

وقال تعالى: ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ... ) (5) .

إلى غير ذلك من الآيات الكبيرة، التي يتضمّن كل منها بعض شؤون ولايته العامة في المجتمع الإسلامي أو جميعها.

والوجه الوافي لغرض الباحث في هذا الباب، أن يُطالع سيرته (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ويمتلئ منه نظراً، ثمّ يعود إلى مجموع ما نزل من الآيات في الأخلاق والقوانين، المشرّعة في الأحكام العبادية والمعاملات والسياسات، وسائر

____________________

(1) سورة آل عمران، الآية: 159.

(2) سورة التغابن، الآية: 12.

(3) سورة النساء، الآية: 105.

(4) سورة الأحزاب، الآية: 6.

(5) سورة آل عمران، الآية: 31.


المرابطات والمعاشرات، فإنّ هذا الدليل المتّخذ بنحو الانتزاع من ذوق التنزيل الإلهي، له من اللسان الكافي والبيان الوافي ما لا يوجد في الجملة والجملتين من الكلام البتة.

وهاهنا نقطة أُخرى يجب على الباحث الاعتناء بأمرها، وهو أنّ عامة الآيات المتضمّنة لإقامة العبادات، والقيام بأمر الجهاد، وإجراء الحدود والقصاص وغير ذلك، تُوجِّه خطاباتها إلى عامة المؤمنين دون النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) خاصة، كقوله تعالى: ( ... وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ... ) (1) .

وقوله: ( وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ... ) (2) .

وقوله: ( ... كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ... ) (3) .

وقوله: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ... ) (4) .

وقوله: ( ... وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ... ) (5) .

وقوله: ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ... ) (6) .

وقوله: ( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا... ) (7) .

وقوله: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا... ) (8) .

____________________

(1) سورة النساء، الآية: 77.

(2) سورة البقرة، الآية: 195.

(3) سورة البقرة، الآية: 183.

(4) سورة آل عمران، الآية: 104.

(5) سورة المائدة، الآية: 35.

(6) سورة الحج، الآية: 78.

(7) سورة النور، الآية: 2.

(8) سورة المائدة، الآية: 38.


وقوله: ( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ... ) (1) .

وقوله: ( ... وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ... ) (2) .

وقوله: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ... ) (3) .

وقوله: ( ... أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ... ) (4) .

وقوله: ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) (5) ، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

ويُستفاد من الجميع؛ أنّ الدين صبغة اجتماعية، حمله الله على الناس ولا يرضى لعباده الكفر، ولم يرد إقامته إلاّ منهم، فالمجتمع المتكوِّن منهم أمره إليهم، من غير مزيّة في ذلك لبعضهم، ولا اختصاص منهم ببعضهم، والنبي ومن دونه في ذلك سواء.

قال تعالى: ( ... أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) (6) .

فإطلاق الآية تدلُّ على أنّ التأثير الطبيعي، الذي لأجزاء المجتمع الإسلامي في مجتمعهم، مراعى عند الله سبحانه تشريعاً كما راعاه تكويناً، وأنّه تعالى لا يُضيعه، وقال تعالى: ( ... إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 179.

(2) سورة الطلاق، الآية: 2.

(3) سورة آل عمران، الآية 103.

(4) سورة الشورى، الآية: 13.

(5) سورة آل عمران، الآية: 144.

(6) سورة آل عمران، الآية: 195.


وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) (1) .

نعم، لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) الدعوة والهداية والتربية، قال تعالى: ( ... يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ... ) (2) .

فهو (صلّى الله عليه وآله وسلم) المُتعيِّن من عند الله، للقيام على شأن الأمّة وولاية أمورهم في الدينا والآخرة، وللإمامة لهم ما دام حيّاً.

لكنّ الذي يجب أن لا يغفل عنه الباحث، أنّ هذه الطريقة غير طريقة السلطة الملوكية، التي تجعل مال الله فيئاً لصاحب العرش وعباد الله أرقّاء له، يفعل بهم ما يشاء ويحكم فيهم ما يريد، وليست هي من الطرق الاجتماعية التي وُضِعت على أساس التمتُّع المادي من الديمقراطية وغيرها، فإنّ بينها وبين الإسلام فروقاً بيّنة مانعة من التشابه والتماثل.

ومن أعظمها، أنّ هذه المجتمعات لمّا بُنيت على أساس التمتُّع المادي، نفخت في قالبها روح الاستخدام والاستثمار، وهو الاستكبار الإنساني، الذي يجعل كل شيء تحت إرادة الإنسان وعمله، حتى الإنسان بالنسبة إلى الإنسان، ويُبيح له طريق الوصول إليه والتسلُّط على ما يهواه ويأمله منه لنفسه، وهذا بعينه هو الاستبداد الملوكي في الأعصار السالفة، وقد ظهرت في زيّ الاجتماع المدني، على ما هو نُصب أعيننا اليوم، من مظالم الملل القويّة وإجحافاتهم وتحكُّماتهم بالنسبة إلى الأُمم الضعيفة، وعلى ما هو في ذكرنا من أعمالهم المضبوطة في التواريخ.

فقد كان الواحد من الفراعنة والقياصرة والأكاسرة، يُجري في ضعفاء عهده - بتحكُّمه ولعبه - كل ما يريده ويهواه. ويعتذر - لو اعتذر - أنّ ذلك من

____________________

(1) سورة الأعراف، الآية: 128.

(2) سورة الجمعة، الآية: 2.


شؤون السلطنة ولصلاح المملكة وتحكيم أساس الدولة، ويعتقد أنّ ذلك حقّ نبوغه وسيادته، ويستدلّ عليه بسيفه، وكذلك إذا تعمّقت في المرابطات السياسية، الدائرة بين أقوياء الأُمم وضعفائهم اليوم، وجدت أنّ التاريخ وحوادثه كرّت علينا ولن تزال تكرّ، غير أنّها أبدلت الشكل السابق الفردي بالشكل الحاضر الاجتماعي، والروح هي الروح، والهوى هو الهوى، وأمّا الإسلام فطريقته بريئة من هذه الأهواء، ودليله السيرة النبوية في فتوحاته وعهوده.

ومنها، أنّ أقسام الاجتماعات على ما هو مشهور ومضبوط في تاريخ، هذا النوع لا تخلو عن وجود تفاضل بين أفرادها مؤدٍّ إلى الفساد، فإنّ اختلاف الطبقات بالثروة أو الجاه والمقام، المؤدِّي - بالآخرة - إلى بروز الفساد في المجتمع من لوازمها، لكنّ المجتمع الإسلامي مجتمع متشابه الأجزاء، لا تقدُّم فيها للبعض على البعض، ولا تفاضل ولا تفاخر، ولا كرامة، وإنّما التفاوت الذي تستدعيه القريحة الإنسانية ولا تسكت عنه، إنّما هو في التقوى وأمره إلى الله سبحانه لا إلى الناس، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ... ) (1) .

وقال تعالى: ( ... فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ... ) (2) .

فالحاكم والمحكوم، والأمير والمأمور، والرئيس والمرؤوس، والحرّ والعبد، والرجل والمرأة، والغني والفقير، والصغير والكبير في الإسلام في موقف سواء من حيث جريان القانون الديني في حقّهم، ومن حيث انتفاء فواصل الطبقات بينهم في الشؤون الاجتماعية، على ما تدلّ عليه السيرة النبوية

____________________

(1) سورة الحجرات، الآية: 13.

(2) سورة البقرة، الآية: 148.


على سائرها السلام والتحيّة.

ومنها، أنّ القوّة التنفيذية في الإسلام ليست هي طائفة متميّزة في المجتمع، بل تعمّ جميع أفراد المجتمع، فعلى كل فرد أن يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهناك فروق أُخر لا تخفى على الباحث المتتّبع.

هذا كله في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا بعده، فالجمهور من المسلمين، على أنّ انتخاب الخليفة الحاكم في المجتمع إلى المسلمين والشيعة من المسلمين، على أنّ الخليفة منصوص من جانب الله ورسوله، وهم أثنا عشر إماماً على التفصيل المودوع في كتب الكلام.

ولكن على أيّ حال، أمر الحكومة الإسلامية بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وبعد غيبة الإمام - كما في زماننا الحاضر - إلى المسلمين من غير إشكال، والذي يمكن أن يُستفاد من الكتاب في ذلك أنّ عليهم تعيين الحاكم في المجتمع على سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وهي سنّة الإمامة دون الملوكية والإمبراطورية، والسير فيهم بحفاظة الأحكام من غير تغيير، والتولّي بالشَّور في غير الأحكام من حوادث الوقت والمحلّ - كما تقدّم - والدليل على ذلك كلّه جميع ما تقدّم من الآيات في ولاية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، مضافة إلى قوله تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ... ) (1) .

- 13 -

العقيدة جنسيّة المجتمع الإسلامي

ألغى الإسلام أصل الانشعاب، من أن يؤثِّر في تكوّن المجتمع أثره، ذاك الانشعاب الذي عامله الأصلي البدوية والعيش بعيشة القبائل والبطون، أو اختلاف منطقة الحياة والوطن الأرضي، وهذان - أعني البدوية واختلاف مناطق الأرض في طبائعها الثانوية من حرارة وبرودة وجدب وخصب -

____________________

(1) سورة الأحزاب، الآية: 21.


وغيرهما هما العاملان الأصليان لانشعاب النوع الإنساني شعوباً وقبائل، واختلاف ألسنتهم وألوانهم على ما بُيِّن في محلّه.

ثمّ صارا عاملين لحيازة كل قوم قطعة من قطعات الأرض، على حسب مساعيهم في الحياة وبأسهم وشدّتهم، وتخصيصها بأنفسهم، وتسميتها وطناً يألفونه ويذبُّون عنه بكل مساعيهم.

وهذا وإن كان أمراً ساقهم إلى تلك الحوائج الطبيعية، التي تدفعهم الفطرة إلى رفعها، غير أنّ فيه خاصة تنافي ما يستدعيه أصل الفطرة الإنسانية، من حياة النوع في مجتمع واحد، فإنّ من الضروري أنّ الطبيعة تدعو إلى اجتماع القوى المتشتِّته وتآلفها، وتقوِّيها بالتراكم والتوحيد لتنال ما تطلبه من غايتها الصالحة بوجه أتمّ وأصلح، وهذا أمر مشهور من حال المادة الأصلية، حتى تصير عنصراً ثمّ... ثمّ نباتاً، ثمّ حيواناً، ثمّ إنساناً.

والانشعابات - بحسب الأوطان - تسوق الأمّة إلى توحُّد في مجتمعهم، يفصله عن المجتمعات الوطنية الأُخرى، فيصير واحداً منفصل الروح والجسم عن الآحاد الوطنية الأُخرى، فتنعزل الإنسانية عن التوحيد والتجمُّع، وتُبتلى من التفرُّق والتشتُّت بما كانت تفرُّ منه، ويأخذ الواحد الحديث يُعامل سائر الآحاد الحديثة (أعني الآحاد الاجتماعية) بما يُعامل به الإنسان سائر الأشياء الكونية من استخدام واستثمار، وغير ذلك، والتجريب الممتدُّ بامتداد الأعصار منذ أول الدنيا إلى يومنا هذا يشهد بذلك، وما نقلناه من الآيات في مطاوي الأبحاث السابقة يكفي في استفادة ذلك من القرآن الكريم.

وهذا هو السبب في أن ألغى الإسلام هذه الانشعابت والتشتُّتات والفروق، وبنى المجتمع على العقيدة دون الجنسية والقومية والوطن ونحو ذلك، حتى في مثل الزوجية والقرابة في الاستمتاع والميراث، فإنّ المدار


فيهما على الاشتراك في التوحيد، لا المنزل والوطن مثلاً.

ومن أحسن الشواهد على هذا ما نراه عند البحث عن شرائع هذا الدين، أنّه لم يُهمل أمره في حال من الأحوال، فعلى المجتمع الإسلامي - عند أوجِّ عظمته واهتزاز لواء غلبته - أن يُقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وعليه عند الاضطهاد والمغلوبية ما يستطيعه من إحياء الدين وإعلاء كلمته، وعلى هذا القياس، حتى إنّ المسلم الواحد عليه أن يأخذ به، ويعمل منه ما يستطيعه، ولو كان بعقد القلب في الاعتقاديات والإشارة في الأعمال المفروضة عليه.

ومن هنا؛ يظهر أنّ المجتمع الإسلامي قد جعل جعلاً يمكنه أن يعيش في جميع الأحوال، وعلى كل التقادير، من حاكمية ومحكومية، وغالبية ومغلوبية، وتقدُّم وتأخُّر، وظهور وخفاء، وقوة وضعف.

ويدلُّ عليه من القرآن آيات التقيّة بالخصوص.

قال تعالى: ( مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ... ) (1) .

وقوله: ( ... إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً... ) (2) .

وقوله: ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ... ) (3) .

وقوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) (4) .

____________________

(1) سورة النحل، الآية: 106.

(2) سورة آل عمران، الآية: 28.

(3) سورة التغابن، الآية: 16.

(4) سورة آل عمران، الآية: 102.


- 14 -

البُعد الاجتماعي للإسلام

يدلّ على ذلك قوله تعالى: ( ... وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ... لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ، على ما مرّ بيانه وآيات أُخَر كثيرة.

وصفة الاجتماع مرعيّة مأخوذة في الإسلام في جميع ما يمكن أن يؤدّي بصفة الاجتماع، من أنواع النواميس والأحكام، بحسب ما يليق بكلٍّ منها من نوع الاجتماع، وبحسب ما يمكن فيه من الأمر والحثّ الموصل إلى الغرض، فينبغي للباحث أن يعتبر الجهتين معاً في بحثه.

فالجهة الأُولى من الاختلاف، ما نرى أنّ الشارع شرّع الاجتماع مستقيماً في الجهاد، إلى حدٍّ يكفي لنجاح الدفاع وهذا نوع، وشرّع وجوب الصوم والحجّ مثلاً للمستطيع غير المعذور، ولازمه اجتماع الناس للصيام والحجّ وتممّ ذلك بالعيدين: الفطر، والأضحى، والصلاة المشروعة فيهما، وشرّع وجوب الصلوات اليومية عينياً لكل مكلّف، من غير أن يوجب فيها جماعة واحدة في كل أربعة فراسخ، وهذا نوع آخر.

والجهة الثانية، ما نرى أنّ الشارع شرّع وجوب الاجتماع في أشياء بلا واسطة - كما عرفت - وألزم على الاجتماع في أمور أُخرى غير واجبة، لم يوجب الاجتماع فيها مستقيماً، كصلاة الفريضة مع الجماعة، فإنّها مسنونة مستحبّة، غير أنّ السنّة جرت على أدائها جماعة، وعلى الناس أن يُقيموا السنّة، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) - في قوم من المسلمين تركوا الحضور في الجماعة -: (ليوشك قوم يدَعُون الصلاة في المسجد، أن نأمر بحطب فيوضَع على أبوابهم، فتوقَد عليهم نار فتُحرق عليهم بيوتهم).

وهذا هو السبيل في جميع ما سنّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فيجب حفظ سنّته على المسلمين، بأيّ وسيلة أمكنت لهم، وبأيّ قيمة حصلت.


وهذه أمور سبيل البحث فيها الاستنباط الفقهي من الكتاب والسنّة، والمتصدّي لبيانها الفقه الإسلامي.

وأهمّ ما يجب هاهنا هو عطف عنان البحث إلى جهة أُخرى، وهي اجتماعية الإسلام في معارفه الأساسية، بعد الوقوف على أنّه يُراعي الاجتماع في جميع ما يدعو الناس إليه من قوانين الإعمال (العبادية والمعاملية والسياسية)، ومن الأخلاق الكريمة ومن المعارف الأصلية.

نرى الإسلام يدعو الناس إلى دين الفطرة، بدعوى أنّه الحق الصريح الذي لا مرية فيه، والآيات القرآنية الناطقة بذلك كثيرة مستغنية عن الإيراد، وهذا أول التآلف والتآنس مع مختلف الأفهام، فإنّ الأفهام على اختلافها وتعلُّقها بقيود الأخلاق والغرائز لا تختلف في أنّ (الحق يجب اتّباعه).

ثمّ نراه يعذر مَن لم تقُم عليه البيّنة، ولم تتّضح له المحجّة، وإن قرعت سمعه الحجّة.

قال تعالى: ( ... لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ... ) (1) .

وقال تعالى: ( إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوّاً غَفُوراً ) (2) ، أنظر إلى إطلاق الآية ومكان قوله: ( ... لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً ) ، وهذا يُعطي الحرّية التامّة لكل متفكِّر يرى نفسه صالحة للتفكُّر، مستعدّة للبحث والتنقير أن يتفكّر فيما يتعلّق بمعارف الدين ويتعمّق في تفهُّمها والنظر فيها.

على أنّ الآيات القرآنية مشحونة بالحثِّ والترغيب، في التفكر والتعقّل والتذكّر.

____________________

(1) سورة الأنفال، الآية: 42.

(2) سورة النساء، الآيتان: 98 - 99.


ومن المعلوم، أنّ اختلاف العوامل الذهنية والخارجية مؤثّرة في اختلاف الأفهام، من حيث تصوُّرها وتصديقها ونيلها وقضائها، وهذا يؤدّي إلى الاختلاف في الأصول التي بُني على أساسها المجتمع الإسلامي كما تقدّم.

إلاّ أنّ الاختلاف بين إنسانين في الفهم - على ما يقضي به فنّ معرفة النفس وفنّ الأخلاق وفنّ الاجتماع - يرجع إلى أحد أمور:

إمّا إلى اختلاف الأخلاق النفسانية والصفات الباطنة من الملكات الفاضلة والردية؛ فإنّ لها تأثيراً وافراً في العلوم والمعارف الإنسانية؛ من حيث الاستعدادات المختلفة التي تودعها في الذهن، فما إدراك الإنسان المُنصف وقضاؤه الذهني كادراك الشَّموس المتعسِّف، ولا نيل المعتدل الوقور للمعارف كنيل العجول والمتعصّب وصاحب الهوى والهمجي، الذي يتبع كل ناعق، والغوي الذي لا يدري أين يريد، ولا أنّى يُراد به، والتربية الدينية تكفي مؤونة هذا الاختلاف، فإنّها موضوعة على نحو يلائم الأصول الدينية في المعارف والعلوم، وتستولد من الأخلاق ما يُناسب تلك الأصول، وهي مكارم الأخلاق.

قال تعالى: ( ... كِتَاباً أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (1) .

وقال تعالى: ( يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (2) .

وقال تعالى: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ

____________________

(1) سورة الأحقاف، الآية: 30.

(2) سورة المائدة، الآية: 16.


الْمُحْسِنِينَ ) (1) .

وانطباق الآيات على مورد الكلام ظاهر.

وإمّا أن يرجع إلى اختلاف الأفعال؛ فإنّ الفعل المخالف للحق كالمعاصي وأقسام التهوّسات الإنسانية ومن هذا القبيل أقسام الإغواء والوساوس يلقّن الإنسان - وخاصّة العامي الساذج - الأفكار الفاسدة، ويعدّ ذهنه لدبيب الشبهات وتسرّب الآراء الباطلة فيه، وتختلف إذ ذاك الأفهام، وتتخلّف عن اتّباع الحق! وقد كفى مؤونة هذا أيضاً الإسلام؛ حيث أمر المجتمع بإقامة الدعوة الدينية دائماً أولاً، وكلّف المجتمع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثانياً، وأمر بهجرة أرباب الزيغ والشبهات ثالثاً، قال تعالى: ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ... ) (2) .

فالدعوة إلى الخير تستثبت الاعتقاد الحق، وتقرُّها في القلوب، بالتلقين والتذكير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنعان من ظهور الموانع، من رسوخ الاعتقادات الحقّة في النفوس.

وقال تعالى: ( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ... ) (3) .

ينهى الله تعالى عن المشاركة في الحديث الذي فيه خوض في شيء من المعارف الإلهية والحقائق الدينية، بشبهة أو اعتراض أو استهزاء، ولو بنحو الاستلزام أو التلويح، ويذكر أنّ ذلك من فقدان الإنسان أمر الجَدّ في

____________________

(1) سورة العنكبوت، الآية: 69.

(2) سورة آل عمران، الآية: 104.

(3) سورة الأنعام، الآيات: 68 - 70.


معارفه، وأخذه بالهزل واللعب واللهو، وأنّ منشأ الاغترار بالحياة الدينا، وأنّ علاجه التربية الصالحة والتذكير بمقامه تعالى.

وإمّا أن يكون الاختلاف من جهة العوامل الخارجية، كبُعد الدار، وعدم بلوغ المعارف الدينية إلاّ يسيرة أو محرفة، أو قصور فهم الإنسان عن تعقُّل الحقائق الدينية تعقُّلاً صحيحاً، كالجُربزة والبَلادة المستندتَين إلى خصوصية المزاج، وعلاجه تعميم التبليغ والإرفاق في الدعوة والتربية، وهذان من خصائص السلوك التبليغي في الإسلام، قال تعالى: ( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي... ) (1) .

ومن المعلوم أنّ البصير بالأمر يعرف مبلغ وقوعه في القلوب، وأنحاء تأثيراته المختلفة باختلاف المتلقّين والمستمعين، فلا يبذل أحداً إلاّ مقدار ما يعيه منه، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) على ما رواه الفريقان: (إنّا - معاشر الأنبياء - نُكلِّم الناس على قدر عقولهم)، وقال تعالى: ( ... فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (2).

فهذه جُمل ما يُتَّقى به وقوع الاختلاف في العقائد، أو يُعالج به إذا وقع، وقد قرّر الإسلام لمجتمعه دستوراً اجتماعياً فوق ذلك، يقيه عن دبيب الاختلاف المؤدِّي إلى الفساد والانحلال، فقد قال تعالى: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (3) .

فبيَّن أنَّ اجتماعهم على اتّباع الصراط المستقيم، وتَحذُّرهم عن اتّباع

____________________

(1) سورة يوسف، الآية: 108.

(2) سورة التوبة، الآية: 122.

(3) سورة الأنعام، الآية: 153.


سائر السبل يحفظهم عن التفرّق ويحفظ لهم الاتّحاد والاتّفاق، ثم قال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ... ) (1) .

تدلّ الآيات على لزوم أن يجتمعوا على معارف الدين، ويُرابطوا أفكارهم ويمتزجوا في التعليم والتعلُّم، فيستريحوا في كل حادث فكري أو شُبهة مُلقاة إلى الآيات المتلوّة عليهم والتدبُّر فيها لحسم مادة الاختلاف، وقد قال تعالى: ( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) (2) .

وقال أيضاً: ( وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ ) (3) .

وقال تعالى: ( ... فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (4) ، فأفاد أنّ التدبّر في القرآن، أو الرجوع إلى مَن يتدبّر فيه يرفع الاختلاف من البين.

وتدلّ على أنّ الإرجاع إلى الرسول - وهو الحامل لثقل الدين - يرفع من بينهم الاختلاف، ويُبيّن لهم الحق الذي يجب عليهم أن يتّبعوه، قال تعالى: ( ... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) (5) .

وقريب منه قوله تعالى: ( ... وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ... ) (6) .

____________________

(1) سورة آل عمران، الآيتان: 102 - 103.

(2) سورة النساء، الآية: 82.

(3) سورة العنكبوت، الآية: 43.

(4) سورة النحل، الآية: 43.

(5) سورة النحل، الآية: 44.

(6) سورة النساء، الآية: 83.


وقوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (1).

فهذه صورة التفكُّر الاجتماعي في الإسلام.

ومنه يظهر أنّ هذا الدين كما يعتمد بأساسه على التحفُّظ على معارفه الخاصة الإلهية، كذلك يسمح للناس بالحرّية التامّة في الفكر، ويرجع محصّله إلى أنّ من الواجب على المسلمين أن يتفكّروا في حقائق الدين، ويجتهدوا في معارفه تفكّراً واجتهاداً بالاجتماع والمرابطة، وإن حصلت لهم شبهة في شيء من حقائقه ومعارفه، أو لاح لهم ما يُخالفها فلا بأس به، وإنّما يجب على صاحب الشبهة أو النظر المُخالف أن يعرض ما عنده على كتاب الله بالتدبّر في بحث اجتماعي، فإن لم يداوِ داءَه عرضه على الرسول أو مَن أقامه مقامه، حتى تنحلَّ شبهته، أو يظهر بطلان ما لاح له إن كان باطلاً، قال تعالى: ( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ) (2) .

والحرّية في العقيدة، والفكر على النحو الذي بيَّناه غير الدعوة إلى هذا النظر، وإشاعته بين الناس قبل العرض، فإنّه مُفضٍ إلى الاختلاف المفسد لأساس المجتمع القويم.

هذا أحسن ما يمكن أن يُدبَّر به أمر المجتمع، في فتح باب الارتقاء الفكري على وجهه، مع الحفظ على حياته الشخصية، وأمّا تحميل الاعتقاد على النفوس، والختم على القلوب، وإماتة غريزة الفكرة في الإنسان عَنوة

____________________

(1) سورة النساء، الآية: 59.

(2) سورة الزمر، الآية: 18.


وقهراً، والتوسُّل في ذلك بالسوط أو السيف، أو بالتفكير والهجرة، وترك المخالفة، فحاشا ساحة الحق والدين القويم أن يرضى به أو يُشرّع ما يؤيّده، وإنَّما هو خصيصة نصرانية، وقد امتلأ تاريخ الكنيسة من أعمالها وتحكُّماتها في هذا الباب - وخاصة فيما بين القرن الخامس وبين القرن السادس عشر الميلاديين - بما لا يوجد نظائره في أشنع ما عملته أيدي الجبابرة والطواغيت وأقساه. ولكن من الأسف أنّا معاشر المسلمين سُلِبنا هذه النعمة وما لزمها (الاجتماع الفكري وحرّية العقيدة) كما سُلبنا كثيراً من النعم العظام، التي كان الله سبحانه أنعم علينا بها، كما فرّطنا في جنب الله و ( ... إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ... ) ، فحكمت فينا سيرة الكنيسة، واستتبع ذلك أن تفرّقت القلوب وظهر الفتور وتشتّت المذاهب والمسالك، يغفر الله لنا ويوفِّقنا لمرضاته ويهدينا إلى صراطه المستقيم.

- 15 -

الدين الحق هو الغالب على الدنيا بالآخرة

والعاقبة للتقوى، فإنّ النوع الإنساني بالفطرة المودوعة فيه، تطلب سعادته الحقيقة، وهو استواؤه على عرش حياته الروحية والجسمية معاً حياة اجتماعية، بإعطاء نفسه حظّه من السلوك الدنيوي والأخروي، وقد عرفت أنّ هذا هو الإسلام ودين التوحيد. وأمّا الانحرافات الواقعة في سير الإنسانية نحو غايته، وفي ارتقائه إلى أوجّ كماله، فإنّما هو من جهة الخطأ في التطبيق، لا من جهة بطلان حكم الفطرة، والغاية التي يعقبها الصنع والإيجاد لابدّ أن تقع يوماً معجلاً أو على مَهَلٍ، قال تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * - يريد أنّهم لا يعلمون ذلك علماً تفصيلياً وإن علمته فطرتهم إجمالاً، إلى أن قال: - لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ - إلى أن


قال: - ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (1) .

وقال تعالى: ( ... فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ... ) (2) .

وقال تعالى: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ) (3) ، وقال تعالى: ( ... وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ) (4) . فهذه وأمثالها آيات تُخبرنا أنّ الإسلام سيظهر ظهوره التام، فيحكم على الدنيا قاطبة.

ولا تُصْغِ إلى قول مَن يقول: إنّ الإسلام وإن ظهر ظهوراً ما - وكانت أيّامه حلقة من سلسلة التاريخ، فأثّرت أثرها العام في الحلقات التالية، واعتمدت عليها المدنية الحاضرة شاعرة بها أو غير شاعرة - لكنّ ظهوره التامّ (أعني حكومة ما في فرضية الدين بجميع مواردها وصورها وغاياتها) ممّا لا يقبله طبع النوع الإنساني، ولن يقبله أبداً ولم يقع عليه بهذه الصفة تجربة حتى يوثق بصحّة وقوعه خارجاً وحكومته على النوع تامّة.

وذلك أنّك عرفت أنّ الإسلام - بالمعنى الذي نبحث فيه - غاية النوع الإنساني وكماله الذي هوّم بغريزته متوجّه إليه، شعر به تفصيلاً أو لم يشعر، والتجارب القطعية الحاصلة في أنواع المكوّنات يدلّ على أنّها متوجّهة إلى غايات مناسبة لوجوداتها يسوقها إليها نظام الخلقة، والإنسان غير مستثنى من هذه الكلّية.

____________________

(1) سورة الروم، الآيات: 30 - 41.

(2) سورة المائدة، الآية: 54.

(3) سورة الأنبياء، الآية: 105.

(4) سورة طه، الآية: 132.


على أنّ شيئاً من السُّنن والطرائق الدائرة في الدنيا الجارية بين المجتمعات الإنسانية، لم يتَّكِ - في حدوثه وبقائه وحكومته - على سبق تجربة قاطعة، فهذه شرائع نوح، وإبراهيم، وموسى، عيسى ظهرت حينما ظهرت، ثمّ جرت بين الناس، وكذا ما أتى به (برهما، وبوذا، وماني) وغيرهم، وتلك سُنن المدنية المادية كالديمقراطية والكمونيسم وغيرهما، كل ذلك جرى في المجتمعات الإنسانية المختلفة بجرياناتها المختلفة، من غير سبق تجربة، وإنّما تحتاج السُّنن الاجتماعية - في ظهورها ورسوخها في المجتمع - إلى عزائم قاطعة وهِمَم عالية من نفوس قوية، لا يأخذها في سبيل البلوغ إلى مآربها عيٌّ ولا نصب، ولا تُذعن بأنّ الدهر قد لا يسمح بالمراد والمسعى قد يخيب، ولا فرق في ذلك بين الغايات والمآرب الرحمانية والشيطانية.


الفصل الثاني

الطبيعة البشرية



- 1 -

عمر النوع الإنساني

يذكر تاريخ اليهود، أنّ عمر هذا النوع لا يزيد على ما يقرب من سبعة الآف سنة، والاعتبار يُساعده، فإنّا لو فرضنا ذكراً وأُنثى (زوجين اثنين) من هذا النوع، وفرضناهما عائشين زماناً متوسّطاً من العمر، في مزاج متوسّط في وضع متوسّط من الأمن والخصب والرفاهية، ومساعدة سائر العوامل والشرائط المؤثّرة في حياة الإنسان، ثمّ فرضناهما وقد تزوّجا وتناسلا وتوالدا في أوضاع متوسّطة متناسبة، ثمّ جعلنا الفرض بعينه مطّرداً فيما أولدا من البنين والبنات على ما يُعطيه متوسِّط الحال في جميع ذلك، وجدنا ما فرضناه من العدد أولاً وهو اثنان فقط، يتجاوز في قرن واحد (رأس المئة) الألف، أي أنّ كل نسمة يولَد في المائة سنة ما يقرب من خمسمائة نسمة.

ثمّ إذا اعتبرنا ما يتصدّم به الإنسان من العوامل المضادّة له، من الوجود والبلايا العامة لنوعه، من الحَرِّ والبرد، والطوفان والزلزلة، والجدب والوباء،


والطاعون والخسف، والهدم والمقاتل الذريعة والمصائب الأُخرى غير العامة، وأعطيناها حظّها من هذا النوع أوفر حظّ، وبالغنا في ذلك، حتى أخذنا الفناء يعمُّ الأفراد بنسبة تسعمائة وتسعة وتسعين إلى الألف، وأنّه لا يبقى في كل مئة سنة من الألف إلاّ واحد، أي إنّ عامل التناسل في كل مائة سنة يزيد على كل اثنين بواحد وهو واحد من ألف.

ثمّ إذا صعدنا بالعدد المفروض أولاً بهذا الميزان إلى مدّة سبعة الآف سنة (70 قرناً)، وجدناه تجاوز بليونين ونصفاً، وهو عدد النفوس الإنسانية اليوم - على ما يذكره الإحصاء العالمي -.

فهذا الاعتبار يؤيّد ما ذُكِر من عمر نوع الإنسان في الدنيا، لكنّ علماء الجيولوجيا (علم طبقات الأرض)، ذكروا أنّ عمر هذا النوع يزيد على ملايين السنين، وقد وجدوا من الفسيلات الإنسانية والأجساد والآثار، ما يتقدّم عهده على خمسمائة ألف سنة - على ما استظهروه - فهذا ما عندهم، غير أنّه لا دليل معهم يُقنع الإنسان ويُرضي النفس باتِّصال النسل بين هذه الأعقاب الخالية والأُمم الماضية من غير انقطاع، فمن الجائز أن يكون هذا النوع ظهر في هذه الأرض، ثمّ كثر ونما وعاش، ثمّ انقرض، ثمّ تكرّر الظهور والانقراض، ودار الأمر على ذلك عدّة أدوار، على أن يكون نسلنا الحاضر هو آخر هذه الأدوار.

وأمّا القرآن الكريم، فإنّه لم يتعرّض تصريحاً لبيان أنّ ظهور هذا النوع هل ينحصر في هذه الدورة التي نحن فيها، أو أنّ له أدواراً متعدِّدة نحن في آخرها؟ وإن كان ربّما يُستشمُّ من قوله تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء... ) (1) ، سبق دورة إنسانية أُخرى على هذه الدورة الحاضرة.

نعم، في بعض الروايات

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 30.


الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ما يُثبت للإنسانية أدواراً كثيرة قبل هذه الدورة.

في التوحيد: عن الصادق (عليهم السلام) في حديث قال: (لعلّك ترى أنّ الله لم يخلق بشراً غيركم؟! بلى والله، لقد خلق ألف ألف آدم أنتم في آخر أولئك الآدميين) (1) .

أقول: ونقل ابن ميثم في شرح نهج البلاغة، عن الباقر (عليه السلام) ما في معناه، ورواه الصدوق في الخصال أيضاً (2) .

- 2 -

أصل المجتمع البشري

ربَّما قيل: إنّ اختلاف الألوان في أفراد الإنسان - وعمدتها البياض كلون أهل النقاط المعتدلة من آسيا وأوربا، والسواد كلون أهل إفريقيا الجنوبية، والصفرة كلون أهل الصين واليابان، والحمرة كلون الهنود الأمريكيين - يقضي بانتهاء النسل في كل لون إلى غير ما ينتهي إليه نسل اللون الآخر؛ لما في اختلاف الألوان من اختلاف طبيعة الدماء، وعلى هذا فالمبادئ الأُوَل لمجموع الأفراد لا ينقصون من أربعة أزواج للألوان الأربعة.

وربّما يُستدلُّ عليه: بأنّ قارّة أمريكا انكشفت ولها أهل، وهم منقطعون عن الإنسان القاطن في نصف الكرة الشرقي - بالبُعد الشاسع الذي بينهما - انقطاعاً لا يُرجى ولا يُحتمل معه أنّ النسلين يتّصلان بانتمائهما إلى أب واحد وأمٍّ واحدة، والدليلان - كما ترى - مدخولان:

أمّا مسألة اختلاف الدماء باختلاف الألوان؛ فلأنّ الأبحاث الطبيعية

____________________

(1) الصدوق: التوحيد ص 277، حديث 2، طبع إيران مكتبة الصدوق.

(2) الصدوق: الخصال ص 652، حديث 54، طبع إيران مؤسّسة النشر الإسلامي.


اليوم مبنيّة على فرضية التطوُّر في الأنواع، ومع هذا البناء كيف يطمأنُّ بعدم استناد اختلاف الدماء، فاختلاف الألوان إلى وقوع التطوُّر في هذا النوع، وقد جزموا بوقوع تطوُّرات في كثير من الأنواع الحيوانية، كالفرس، والغنم، والفيل وغيرها، وقد ظهر البحث والفحص بآثار أرضية كثيرة يكشف عن ذلك؟! على أنّ العلماء اليوم لا يعتنون بهذا الاختلاف ذاك الاعتناء.

وأمّا مسألة وجود الإنسان في ما وراء البحار، فإنّ العهد الإنساني - على ما يذكره علماء الطبيعة - يزهو إلى ملايين من السنين، والذي يضبطه التاريخ النقلي لا يزيد على ستّة آلاف سنة، وإذا كان كذلك، فما المانع من حدوث حوادث فيما قبل التاريخ تُجزِّي قارّة أمريكا عن سائر القارات؟! وهناك آثار أرضية كثيرة، تدلُّ على تغييرات هامّة في سطح الأرض بمرور الدهور، من تبدُّل بحر إلى برٍّ وبالعكس، وسهل إلى جبل وبالعكس، وما هو أعظم من ذلك كتبدُّل القطبين والمنطقة على ما تشرحه علوم طبقات الأرض والهيئة الجغرافيا، فلا يبقى لهذا المستدلِّ إلاَّ الاستيعاب فقط. هذا.

وأمّا القرآن، فظاهره القريب من النصِّ أنّ هذا النسل الحاضر المشهود من الناس ينتهي بالارتقاء إلى ذكر وأُنثى، هما الأب والأمّ لجميع الأفراد، أمّا الأب، فقد سمّاه الله تعالى في كتابه بآدم، وأمّا زوجته فلم يُسمِّها في كتابه، ولكنّ الروايات تُسمِّيها حوّاء، كما في التوراة (الموجودة بين الأيدي).

قال تعالى: ( وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ) (1).

وقال تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ

____________________

(1) سورة السجدة، الآيتان: 7 - 8.


لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (1) .

وقال تعالى: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا... ) (2) .

وقال تعالى: ( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (3) .

فإن الآيات - كما ترى - تشهد بأنّ سنّة الله في بقاء هذا النسل، أن يتسبّب إليه بالنطفة، لكنّه أظهره حينما أظهره بخلقه من تراب، وأنّ آدم خُلِق من تراب، وأنَّ الناس بَنوه، فظهور الآيات في انتهاء هذا النسل إلى آدم وزوجته ممّا لا ريب فيه، وإن لم تمتنع من التأويل.

وربّما قيل: إنّ المراد بآدم في آيات الخِلْقة والسجدة آدم النوعي دون الشخصي، كأن مطلق الإنسان من حيث انتهاء خَلقه إلى الأرض، ومن حيث قيامه بأمر النسل والإيلاد سُمِّي بآدم، وربّما اسُتظهر ذلك من قوله تعالى: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ... ) (4) ، فإنّه لا يخلو عن إشعار بأنّ الملائكة إنَّما أُمروا بالسجدة لمَن هيّأه الله لها بالخلق والتصوير، وقد ذكرت الآية أنّه جميع الأفراد لا شخص إنساني واحد معيَّن حيث قال: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ... ) ، وهكذا قوله تعالى: ( قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ - إلى أن قال: - * قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * - إلى أن قال: - قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ

____________________

(1) سورة آل عمران، الآية: 59.

(2) سورة البقرة، الآيتان: 30 - 31.

(3) سورة ص، الآيتان: 71 - 72.

(4) سورة الأعراف، الآية: 11.


أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (1) . حيث أبدل ما ذكره مفرداً أولاً من الجمع ثانياً.

ويردُّه - مضافاً إلى كونه على خلاف ظاهر ما نقلنا من الآيات - ظاهر قوله تعالى بعد سرده لقصّة آدم وسجود الملائكة وإباء إبليس في سورة الأعراف: ( يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا... ) (2) ، فظهور الآية في شخصية آدم ممَّا لا ينبغي أن يرتاب فيه.

وكذا قوله تعالى: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ) (3) .

وكذا الآية المبحوث عنها: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء... ) ، بالتقريب الذي مرّ بيانه، والآيات - كما ترى - تأبى أن يُسمَّى الإنسان آدم باعتبار وابن آدم باعتبار آخر، وكذا تأبى أن تنسب الخِلقة إلى التراب باعتبار وإلى النطفة باعتبار آخر، وخاصّة في مثل قوله تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) الآية؛ وإلاَّ لم يستقم استدلال الآية على كون خلقة عيسى خلقة استثنائية ناقضة للعادة الجارية، فالقول بآدم النوعي في حدِّ التفريط، والإفراط الذي يُقابله قول بعضهم: إنّ القول بخلق أزيد من آدم واحد كفر. ذهب إليه زين العرب من علماء أهل السنّة.

____________________

(1) سورة ص، الآيات:75 - 83.

(2) سورة الأعراف، الآية: 27.

(3) سورة الإسراء، الآيتان: 61 - 62.


- 3 -

الإنسان نوع مُستقلٌّ غير متحوِّل من نوع آخر

الآيات التي ذكرناها تكفي مؤونة هذا البحث، فإنَّها تُنهي هذا النسل الجاري بالنطقة إلى آدم وزوجته، وتُبيِّن أنّهما خُلِقا من تراب، فالإنسانية تنتهي إليهما، وهما لا يتّصلان بآخر يُماثلهما ويُجانسهما، وإنّما حدثا حدوثاً.

والشائع اليوم عند الباحثين عن طبيعة الإنسان، أنّ الإنسان الأول فرد تكامل إنساناً، وهذه الفرضية بخصوصها، وإن لم يتسلّمها الجميع تسلُّماً يقطع الكلام، واعترضوا عليه بأمور كثيرة مذكورة في الكتب، لكنّ أصل الفرضية وهي (أنّ الإنسان حيوان تحوّل إنساناً)، ممّا تسلّموه وبنوا عليه البحث عن طبيعة الإنسان.

فإنّهم فرضوا أنّ الأرض - وهي أحد الكواكب السيّارة - قطعة من الشمس مشتقّة منها، وقد كانت في حال الاشتعال والذوبان، ثمّ أخذت في التبرُّد من تسلُّط عوامل البرودة، وكانت تنزل عليها أمطار غزيرة، وتجري عليها السيول، وتتكوَّن فيها البحار، ثمّ حدثت تراكيب مائيّة وأرضية، فحدثت النباتات المائية، ثمّ حدثت بتكامل النبات واشتمالها على جراثيم الحياة السمك، وسائر الحيوان المائي ثمّ السمك الطائر ذو الحياتين، ثمّ الحيوان البرّي، ثمّ الإنسان، كل ذلك بتكامل عارض للتركيب الأرضي الموجود في المرتبة السابقة، يتحوّل به التركيب في صورته إلى المرتبة اللاحقة، فالنبات، ثمّ الحيوان المائي، ثمّ الحيوان ذو الحياتين، ثمّ الحيوان البرّي، ثم الإنسان على الترتيب. هذا.

كل ذلك لما يُشاهد من الكمال المنظّم في بنيها، نَظم المراتب الآخذة من النقص إلى الكمال؛ ولما يُعطيه التجريب في موارد جزئية التطوُّر.


وهذه فرضية افتُرضت لتوجيه ما يلحق بهذه الأنواع من الخواص والآثار، من غير قيام دليل عليها بالخصوص ونفي ما عداها، مع إمكان فرض هذه الأنواع متبائنة من غير اتّصال بينها بالتطوُّر، وقصر التطوُّر على حالات هذه الأنواع دون ذواتها، وهي التي جرى فيها التجارب، فإنّ التجارب لم يتناول فرداً من أفراد هذه الأنواع تحوّل إلى فرد من نوع آخر كقردة إلى إنسان، وإنّما يتناول بعض هذه الأنواع من حيث خواصّها ولوازمها وأعراضها.

واستقصاء هذا البحث يُطلب من غير هذا الموضع، وإنّما المقصود الإشارة إلى أنّه فرض افترضوه؛ لتوجيه ما يرتبط به من المسائل، من غير أن يقوم عليه دليل قاطع، فالحقيقة التي يُشير إليها القرآن الكريم من كون الإنسان نوعاً مفصولاً عن سائر الأنواع غير معارضة بشيء.

- 4 -

كيف تناسلت الطبقة الثانية من البشر؟

الطبقة الأُولى من الإنسان، وهي آدم وزوجته، تناسلت بالازدواج، فأولدت بنين وبنات (إخوة وأخوات)، فهل نسل هؤلاء بالازدواج بينهم - وهم أخوة وأخوات - أو بطريق غير ذلك؟ ظاهر إطلاق قوله تعالى: ( ... وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء... ) الآية - على ما تقدّم من التقريب - أنّ النسل الموجود من الإنسان إنّما ينتهي إلى آدم وزوجته، من غير أن يُشاركهما في ذلك غيرهما من ذكر أو أُنثى، ولم يذكر القرآن للبثّ إلاّ إيّاهما، ولو كان لغيرهما شركة في ذلك لقال: وبثّ منهما ومن غيرهما، أو ذكر ذلك بما يُناسبه من اللفظ، ومن المعلوم أنّ انحصار مبدأ النسل في آدم وزوجته يقضي بازدواجٍ بنيهما من بناتهما.


وأمّا الحكم بحرمته في الإسلام، وكذا في الشرائع السابقة عليه - على ما يُحكى - فإنّما هو حكم تشريعي يتبع المصالح والمفاسد، لا تكويني غير قابل للتغيير، وزمامه بيد الله سبحانه، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فمَن الجائز أن يُبيحه يوماً لاستدعاء الضرورة ذلك، ثمّ يُحرِّمه بعد ذلك لارتفاع الحاجة واستيجابه انتشار الفحشاء في المجتمع.

والقول: بأنّه على خلاف الفطرة، وما شرّعه الله لأنبيائه دين فطري، قال تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ... ) (1) . فاسد ؛ فإنَّ الفطرة لا تنفيه ولا تدعو إلى خلافه من جهة تنفُّرها من هذا النوع من المباشرة (مباشرة الأخ الأخت)، وإنّما تُبغضه وتنفيه من جهة تأديته إلى شيوع الفحشاء والمنكر وبطلان غريزة العفّة بذلك وارتفاعها عن المجتمع الإنساني، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من التماس والمباشرة إنّما ينطبق عليه عنوان الفجور والفحشاء في المجتمع العالمي اليوم، وأمّا المجتمع يوم ليس هناك بحسب ما خلق الله سبحانه إلاّ الأخوة والأخوات، والمشيّة الإلهيّة متعلّقة بتكثُّرهم وانبثاثهم، فلا ينطبق عليه هذا العنوان.

والدليل على أنّ الفطرة لا تنفيه من جهة النفرة الغريزية، تداوله بين المجوس أعصار طويلة (على ما يقصُّه التاريخ)، وشيوعه قانونياً في روسيا (على ما يُحكى)، وكذا شيوعه سُفاحاً من غير طريق الازدواج القانوني في أوروبا.

وربّما يُقال: إنّه مخالف للقوانين الطبيعية، وهي التي تجري في الإنسان قبل عقده المجتمع الصالح لإسعاده، فإنّ الاختلاط والاستيناس في

____________________

(1) سورة الروم، الآية: 30.


المجتمع المنزلي يبطل غريزة التعشُّق والميل الغريزي بين الإخوة والأخوات، كما ذكره مونتسكيو في كتابه (روح القوانين).

وفيه أنّه ممنوع كما تقدّم أولاً، ومقصور في صورة عدم الحاجة الضرورية ثانياً، ومخصوص بما لا تكون القوانين الوضعية غير الطبيعية حافظة للصلاح الواجب الحفظ في المجتمع، ومتكفّلة لسعادة المجتمعين، وإلاّ فمعظم القوانين المعمولة والأصول الدائرة في الحياة اليوم غير طبيعية.

وفيما يلي بعض الروايات في هذا المضمار.

عن أبي جعفر (عليه السلام): (لقد خلق الله عز وجل في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين، ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض، فأسكنهم فيها واحداً بعد واحد مع عالمه، ثمّ خلق الله عز وجل آدم أبا البشر وخلق ذرِّيته منه) الحديث.

وفي نهج البيان للشيباني، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): من أيِّ شيء خلق الله حواء؟ فقال (عليه السلام): (أيُّ شيء يقولون هذا الخلق؟!). قلت: يقولون: إنّ الله خلقها من ضلع من أضلاع آدم. فقال: (كذبوا! أكان الله يُعجزه أن يخلقها من غير ضلعه؟!). فقلت: جُعلت فداك، من أيّ شيء خلقها؟ فقال: (أخبرني أبي عن آبائه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله تبارك وتعالى قبض قبضة من طين، فخلطها بيمينه - وكلتا يديه يمين - فخلق منها آدم، وفضلت فضلة من الطين فخلق منها حواء).

أقول: ورواه الصدوق عن عمرو مثله، وهناك روايات أُخر، تدلّ على أنّها خُلقت من خلف آدم، وهو أقصر أضلاعه من الجانب الأيسر، وكذا ورد في التوراة في الفصل الثاني من سفر التكوين، وهذا المعنى وإن لم يستلزم


في نفسه محالاً، إلاّ أنّ الآيات القرآنية خالية عن الدلالة عليها كما تقدّم.

وفي الاحتجاج، عن السجاد (عليه السلام) في حديث له مع قريش يصف فيه تزويج هابيل بلوزا أُخت قابيل، وتزويج قابيل باقليما أُخت هابيل، قال: فقال له القرشي: فأولداهما؟ قال: (نعم). فقال له القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم، قال: فقال: (إنّ المجوس فعلوا ذلك بعد التحريم من الله - ثمّ قال له: - لا تُنكر هذا، إنَّما هي شرائع الله جرت، أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثمّ أحلّها له؟! فكان ذلك شريعة من شرائعهم، ثمّ أنزل الله التحريم بعد ذلك) (1) .

أقول: وهذا الذي ورد في الحديث هو الموافق لظاهر الكتاب والاعتبار، وهناك روايات أُخر تُعارضها، وهي تدلُّ على أنّهم تزوّجوا بمَن نزل إليهم من الحور والجانّ، وقد عرفت الحق في ذلك.

وفي المَجْمع في قوله تعالى: ( ... وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ... ) ، عن الباقر (عليه السلام): (واتّقوا الأرحام أن تقطعوها) (2) .

أقول: وبناؤه على قراءة النصب.

وفي الكافي وتفسير العيّاشي: هي أرحام الناس، إنّ الله عز وجل أمر بصلتها وعظمها، ألا ترى أنّه جعلها معه؟ (3) .

أقول: قوله: ألا ترى (إلخ) بيان لوجه التعظيم، والمراد بجعلها معه الاقتران الواقع في قوله تعالى: ( ... وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ... ) .

وفي الدرِّ المنثور: أخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ( ... الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ... ) قال: قال ابن عباس: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (يقول

____________________

(1) الطبري، الاحتجاج ص 171 المطبعة المرتضوية النجف، 1350 هـ.

(2) الطبرسي: مجمع البيان ج 2، ص 3 دار إحياء التراث العربي.

(3) تفسير العيّاشي ج 1، ص 217 المكتبة العلمية: إيران.


الله تعالى: صلوا أرحامكم؛ فإنَّه أبقى لكم في الحياة الدنيا، وخير لكم في آخرتكم) (1) .

أقول: قوله: فإنّه أبقى لكم (إلخ) إشارة إلى ما ورد مستفيضاً: (أنَّ صلة الرحم تزيد في العمر)، وقطعها بالعكس من ذلك، ويمكن أن يستأنس لوجهه كما سيأتي في تفسير قوله تعالى: ( وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ... ) (2) .

ويمكن أن يكون المراد بكونه أبقى، كون الصلة أبقى للحياة من حيث أثرها، فإنّ الصلة تحكم الوحدة السارية بين الأرقاب؛ فيتقوّى بذلك الإنسان قِبال العوامل المخالفة، لحياته المضادّة لرفاهية عيشه في البلايا والمصائب والأعداء.

وفي تفسير العيّاشي، عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: (إنّ أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل النار، فأيُّما رجل منكم غضب على ذي رحمه، فليدنُ منه؛ فإن الرحم إذا مسَّتها الرحم استقرّت، وإنّها متعلّقة بالعرش تنقضه انتقاض الحديد فتُنادي: اللهمّ، صلْ مَن وصلني، واقطع مَن قطعني، وذلك قول الله في كتابه: ( ... وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ) ، وأيُّما رجل غضب وهو قائم، فليلزم الأرض من فوره؛ فإنّه يُذهب رجس الشيطان) (3) .

أقول: والرحم - كما عرفت - هي جهة الوحدة الموجودة بين أشخاص الإنسان، من حيث اتِّصال مادة وجودهم في الولادة من أب وأمٍّ أو أحدهما، وهي جهة حقيقية سائرة بين أُولي الأرحام، لها آثار حقيقية خُلُقية وخَلقية،

____________________

(1) السيوطي: الدرّ المنثور، ج 2، ص 117 (مكتبة مرعشي: إيران).

(2) سورة النساء، الآية: 9.

(3) تفسير العياشي: ج 1، ص 217، وكذا مجمع البيان، ج 2، ص 3.


وروحية وجسمية، غير قابلة الإنكار، وإن كان ربّما توجد معها عوامل مخالفة تُضعف أثرها أو تُبطله بعض الأبطال، حتى يلحق بالعدم، ولن يبطل من رأس.

وكيف كان؛ فالرحم من أقوى أسباب الالتئام الطبيعي بين أفراد العشيرة، مستعدّة للتأثير أقوى الاستعداد؛ ولذلك كان ما يُنتجه المعروف بين الأرحام أقوى وأشدَّ ممّا يُنتجه ذلك بين الأجانب، وكذلك الإساءة في مورد الأقارب أشدّ أثراً منها في مورد الأجانب.

وبذلك يظهر معنى قوله (عليه السلام): (فأيُّما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدنُ منه) إلخ، فإنّ الدنوّ من ذي الرحم رعاية لحكمها وتقوية لجانبها، فتتنبّه بسببه وتحرَّك لحكمها، ويتجدَّد أثرها، بظهور الرأفة والمحبّة.

وكذلك قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية: (وأيُّما رجل غضب وهو قائم فليلزم الأرض) إلخ، فإنّ الغضب إذا كان عن طيش النفس ونزقها كان في ظهوره وغليانه مستنداً إلى هواها، وإغفال الشيطان إيّاها وصرفها إلى أسباب واهية وهميّة، وفي تغيير الحال من القيام إلى القعود صرف النفس عن شأن إلى شأن جديد، يمكنها بذلك أن تشتغل بالسبب الجديد، فتنصرف عن الغضب بذلك؛ لأنّ نفس الإنسان بحسب الفطرة أميل إلى الرحمة منها إلى الغضب؛ ولذلك بعينه ورد في بعض الروايات مطلق تغيير الحال في حال الغضب، كما في المجالس عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه أنّه ذكر الغضب فقال: (إنّ الرجل ليَغضب حتى ما يرضى أبداً، ويدخل بذلك النار، فأيُّما رجل غضب وهو قائم فليجلس؛ فإنَّه سيُذهب عنه رجز الشيطان، وإن كان جالساً فليقم، وأيّما رجل غضب على ذي رحم فليقم إليه وليدنُ منه وليمسّه؛ فإنّ الرحم إذا مسّت الرحم سكنت).

أقول: وتأثيره محسوس مجرَّب.

قوله (عليه السلام): (وإنّها متعلِّقة بالعرش تنقضه انتقاض الحديد) إلخ، أي


تُحدث فيه صوتاً مثل ما يحدث في الحديد بالنقر، وفي الصحاح: الإنقاض صوت مثل النقر (1) .

إنّ المراد بالعرش مقام العلم الإجمالي الفعلي بالحوادث، وهو من الوجود المرحلة التي تجتمع عندها شتات أزمَّة الحوادث، ومتفرقات الأسباب والعلل الكونية، فهي تُحرِّك وحدها سلاسل العِلل والأسباب المختلفة المتفرّقة، أي تتعلّق بروحها الساري فيها المحرِّك لها، كما أنّ أزمّة المملكة - على اختلاف جهاتها وشؤونها وأشكالها - تجتمع في عرش الملك، والكلمة الواحدة الصادرة منه تُحرِّك سلاسل القوى والمقامات الفعّالة في المملكة، وتظهر في كل مورد بما يُناسبه من الشكل والأثر.

والرحم - كما عرفت - حقيقة هي كالروح السالب في قوالب الأشخاص، الذين يجمعهم جامع القرابة، فهي من متعلِّقات العرش، فإذا ظُلمت واضطُهدت لاذت بما تعلّقت به واستنصرت، وهو قوله (عليه السلام): (تنقضه انتقاض الحديد). وهو من أبدع التمثيلات شبه فيه ما يحدث في هذا الحال بالنقر الواقع على الحديد، الذي يحدث فيه رنيناً يستوعب بالارتعاش والاهتزاز جميع جسامة الحديد، كما في نقر الأجراس والجامات وغيرها.

قوله (عليه السلام): (فتُنادي: اللهمّ، صلْ مَن وصلني، واقطع مَن قطعني). حكاية لفحوى التجائها واستنصارها، وفي الروايات الكثيرة: (إنّ صلة الرحم تزيد في العمر) وأنَّ قطعها يقطعه.

إنّ مدير هذا النظام الكوني يسوقه نحو الأغراض والغايات الصالحة، ولن يُهمَل في ذلك، وإذا فسد جزءٌ أو أجزاء

____________________

(1) الجوهري: الصحاح ج 2، ص 1111، مادة (نقض).


منه عالج ذلك إمّا بإصلاح أو بالحذف والإزالة، وقاطع الرحم يُحارب الله في تكوينه، فإن لم يصلح بالاستصلاح بتر الله عمره وقطع دابره، وأمّا أنّ الإنسان اليوم لا يحسّ بهذه الحقيقة وأمثالها، فلا غَرو لأنّ الأدواء قد أحاطت بجثمان الإنسانية فاختلطت وتشابهت وأزمنت، فالحسُّ لا يجد فراغاً يقوى به على إدراك الألم والعذاب.

- 5 -

المجتمع الأول

الآيات القرآنية ظاهرة - ظهوراً قريباً - من الصراحة، في أنّ البشر الموجودين اليوم - ونحن منهم - ينتهون بالتناسل إلى زوج، أي رجل وامرأة بعينهما، وقد سُمِّي الرجل في القرآن بآدم وهما غير متكوِّنين من أب وأمٍّ، بل مخلوقان من تراب أو طين، أو صلصال أو الأرض على اختلاف تعبيرات القرآن.

فهذا هو الذي تُفيده الآيات ظهوراً معتدَّاً به، وإن لم تكن نصّاً صريحاً لا يقبل التأويل، ولا المسألة من ضروريات الدين، نعم يمكن عدّ انتهاء النسل الحاضر إلى آدم ضروريّاً من القرآن، وأما أنّ آدم هذا هل أُريد به آدم النوعي - أعني الطبيعة الإنسانية الفاشية في الأشخاص أو عدّة معدودة من الأفراد هم أُصول النسب والآباء والأُمهات الأولية - أو فرد إنساني واحد بالشخص؟ وعلى هذا التقدير؛ هل هو فرد من نوع الإنسان تولّد من نوع آخر - كالقردة مثلاً - على طريق تطوُّر الأنواع وظهور الأكمل من الكامل والكامل من الناقص، وهكذا؟ أو هو فرد من الإنسان كامل بالكامل الفكري تولّد من زوج من الإنسان غير المجهّز بجهاز التعقّل، فكان مبدأ لظهور النوع الإنساني المجهّز بالتعقُّل القابل للتكليف وانفصاله من النوع غير المجهز بذلك، فالبشر


الموجودون اليوم نوع كامل من الإنسان، ينتهي أفراده إلى الإنسان الأول الكامل الذي يُسمّى بآدم، وينشعب هذا النوع الكامل بالتولُّد تطوُّراً من نوع آخر من الإنسان ناقص فاقد للتعقُّل، وهو يسير القهقري في أنواع حيوانية مترتّبة حتى ينتهي إلى أبسط الحيوان تجهيزاً وأنقصها كمالاً، وإن أخذنا من هناك سائرين لم نَزَلْ ننتقل من ناقص إلى كامل، ومن كامل إلى أكمل حتى ننتهي إلى الإنسان غير المجهز بالتعقُّل، ثمّ إلى الإنسان الكامل، كل ذلك في سلسلة نسبية متّصلة مؤلّفة من آباء وأعقاب.

أو أنّ سلسلة التوالد والتناسل تنقطع بالاتّصال بآدم وزوجه، وهما متكوّنان من الأرض من غير تولُّد من أب وأمٍّ؟ فليس شيء من هذه الصور ضرورياً.

وكيف كان، فظاهرة الآيات القرآنية هو الصورة الأخيرة، وهي انتهاء النسل الحاضر إلى آدم وزوجه المتكوِّنين من الأرض من غير أب وأُمٍّ، غير أنّ الآيات لم تُبيِّن كيفية خلق آدم من الأرض، وأنّه هل عملت في خلقه عِلل وعوامل خارقة للعادة؟ وهل تمّت خلقته بتكوين إلهي آنيٍّ من غير مَهَل، فتبدّل الجسد المصنوع من طين بدناً عادياً ذا روح إنساني، أو أنّه عاد إنساناً تامّاً كاملاً في أزمنة معتدٍّ بها يتبدّل عليه فيها استعداد بعد استعداد وصورة وشكل بعد صورة وشكل، حتى تمّ الاستعداد فنفخ فيه الروح؟ وبالجُملة، اجتمعت عليه من العِلل والشرائط نظير ما تجتمع على النطفة في الرحم.

ومن أوضح الدليل عليه قوله تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (1) .

فإنّ الآية نزلت جواباً عن احتجاج النصارى على نبوّة عيسى، بأنّه ولِد من غير أب بشريٍّ، ولا ولد إلاّ بوالد؛ فأبوه هو الله سبحانه، فردّ في الآية بما

____________________

(1) سورة آل عمران، الآية: 59.


محصّله: أنّ صفته كصفة آدم، حيث خلقه الله من أديم الأرض بغير والد يَلده، فلِمَ لا يقولون: بأنّ آدم ابن الله؟!

ولو كان المراد بخلقه من تراب انتهاء خلقته، كسائر المتكوِّنين من النُّطَف إلى الأرض، كان المعنى: أنّ صفة عيسى ولا أب له كمَثل آدم، حيث تنتهي خلقته كسائر الناس إلى الأرض، ومن المعلوم أنّ لا خصوصية لآدم على هذا المعنى، حتى يؤخَذ ويُقاس إليه عيسى، فيفسد معنى الآية في نفسه، ومن حيث الاحتجاج به على النصارى.

وبهذا تظهر دلالة جميع الآيات الدالّة على خلق آدم من تراب أو طين أو نحو ذلك، على المطلوب، كقوله: ( ... إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ ) (1).

وقوله: ( ... وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ) (2) .

وأمّا قول مَن قال: إنّ المراد بآدم هو آدم النوعي، دون الشخصي، بمعنى الطبيعة الإنسانية الخارجية الفاشية في الأفراد، والمراد ببنوّة الأفراد له تكثُّر الأشخاص منه بانضمام القيود إليه، وقصّة دخوله الجنّة وإخراجه منها لمعصيته بإغواء من الشيطان تمثيل تخييلي، لمكانته في نفسه ووقوفه موقف القرب، ثمّ كونه في معرف الهبوط باتِّباع الهوى وطاعة إبليس. ففيه: أنّه مدفوع بالآية السابقة، وظواهر كثير من الآيات، كقوله: ( ... الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء... ) (3) .

فلو كان المراد بالنفس الواحدة آدم النوعي، لم يبقَ لفرض الزوج لها محلٌّ، ونظير الآية الآيات التي تُفيد أنّ الله أدخله وزوجه الجنّة، وأنّه وزوجه

____________________

(1) سورة ص، الآية: 71.

(2) سورة السجدة، الآية: 7.

(3) سورة النساء، الآية: 1.


عصيا الله بالأكل من الشجرة.

على أنّ أصل القول: بآدم النوعي مبنيٌّ على قدم الأرض والأنواع المتأصّلة ومنها الإنسان، وأنّ أفراده غير متناهية من الجانبين، والأصول العلمية تُبطل ذلك بتاتاً، وأما القول: بكون النسل منتهياً إلى أفراد معدودين، كأربعة أزواج مختلفين، ببياض اللون، وسواده، وحمرته، وصفرته، أو أزواج من الإنسان ناشئين بعضهم بالدنيا القديمة، وبعضهم بالدنيا الحديثة والأراضي المكشوفة أخيراً، وفيها بشر قاطنون كأمريكا واستراليا.

فمدفوع بجميع الآيات الدالّة على انتهاء النسل الحاضر إلى آدم وزوجه؛ فإنّ المراد بآدم فيها إمّا شخص واحد إنساني وإمّا الطبيعة الإنسانية الفاشية في الأفراد، وهو آدم النوعي، وأمّا الأفراد المعدودون فلا يحتمل لفظ الآيات ذلك ألبتّة.

على أنّه مبنيٌّ على تباين الأصناف الأربعة في الإنسان: البيض، والسود، والحمر، والصفر، وكون كلٌّ من هذه الأصناف نوعاً برأسه، ينتهي إلى زوج غير ما ينتهي إليه الآخر، أو كون قارّات الأرض منفصلاً بعضها عن بعض انفصالاً أبديّاً غير مسبوق بالعدم، وقد ظهر بطلان هذه الفرضيات اليوم بطلاناً كاد يُلحقها بالبديهيات، وأما القول: بانتهاء النسل إلى زوج من الإنسان أو أزيد انفصالاً، أو انفصلوا من نوع آخر هو أقرب الأنواع إليه - كالقرد مثلاً - انفصال الأكمل من الكامل تطوُّراً.

ففيه أنّ الآيات السابقة - الدالّة على خلق الإنسان الأول من تراب من غير أب وأمٍّ - تدفعه.

على أنّ ما أُقيم عليه من الحجّة العلمية قاصر عن إثباته، كما سنشير إليه في الكلام على القول التالي.


وأمّا القول: بانتهاء النسل إلى فردين من الإنسان الكامل بالكمال الفكري، من طريق التولُّد، ثمّ انشعابهما وانفصالهما بالتطوّر من نوع آخر من الإنسان غير الكامل بالكمال الفكري، ثمّ انقراض الأصل وبقاء الفرع المتولِّد منهما، على قاعدة تنازع البقاء وانتخاب الأصلح.

فيدفعه قوله تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) ، على التقريب المتقدِّم وما في معناه من الآيات.

على أنّ الحجّة التي أُقيمت على هذا القول قاصرة عن إثباته؛ فإنّها شواهد مأخوذة من التشريح التطبيقي وأجنّة الحيوان، والآثار الحفرية الدالّة على التغيُّر التدريجي في صفات الأنواع وأعضائها وظهور الحيوان تدريجاً آخذاً من الناقص إلى الكامل، وخلق ما هو أبسط من الحيوان قبل ما هو أشدُّ تركيباً.

وفيه: أنّ ظهور النوع الكامل، من حيث التجهيزات الحيوية بعد الناقص زماناً، لا يدلُّ على أزيد من تدرُّج المادة في استكمالها لقبول الصور الحيوانية المختلفة، فهي قد استعدّت لظهور الحياة الكاملة فيها بعد الناقصة، والشريفة بعد الخسيسة، وأمّا كون الكامل من الحيوان منشعباً من الناقص بالتوالد والاتصال النسبي، فلا ولم يعثر هذا الفحص والبحث - على غزارته وطول زمانه - على فرد نوع كامل متولّد من فرع نوع آخر، على أن يقف على نفس التولّد دون الفرد والفرد.

وما وجِد منها شاهداً على التغيّر التدريجي، فإنّما هو تغيُّر في نوع واحد، بالانتقال من صفة لها إلى صفة أُخرى، لا يخرج بذلك من نوعيّته، والمدّعى خلاف ذلك.

فالذي يتسلّم أنَّ نشأة الحياة ذات مراتب مختلفة، بالكمال والنقص


والشرف والخسّة، وأعلى مراتبها الحياة الإنسانية، ثمّ ما يليها، ثمّ الأمثل فالأمثل، وأمّا أنّ ذلك من طريق تبدّل كل نوع ممّا يُجاوره من النوع الأكمل، فلا يُفيده هذا الدليل على سبيل الاستنتاج.

نعم، يوجب حدساً ما غير يقيني بذلك، فالقول بتبدُّل الأنواع بالتطوُّر فرضية حدسية، تبتني عليها العلوم الطبيعية اليوم، ومن الممكن أن يتغيّر يوماً إلى خلافها بتقدّم العلوم وتوسّع الأبحاث.

وربّما استُدلّ على هذا القول بقوله تعالى: ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (1)، بتقريب: أنّ الاصطفاء هو انتخاب صفوة الشيء، وإنّما يصدق الانتخاب فيما إذا كان هناك جماعة يُختار المصطفى من بينهم ويؤثَر عليهم، كما اصطُفي كلٌّ من نوح وآل إبراهيم وآل عمران من بين قومهم، ولا زال ذلك أن يكون مع آدم قوم غيره فيُصطفى من بينهم عليهم، وليس إلاّ البشر الأوّلي غير المجهّز بجهاز التعقُّل فاصطُفي آدم من بينهم، فجُهِّز بالعقل، فانتقل من مرتبة نوعيتهم إلى مرتبة الإنسان المجهَّز بالعقل الكامل بالنسبة إليهم، ثمّ نَسل وكثُر نسله، وانقرض الإنسان الأوّلي الناقص.

وفيه أنّ ( ... الْعَالَمِينَ ) في الآية جمع مُحلَّى باللام، وهو يُفيد العموم ويصدق على عامّة البشر إلى يوم القيامة، فهم مصطفون على جميع المعاصرين لهم والآتين بعدهم، كمثل قوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ ) ، فما المانع من كون آدم مصطفى مَختاراً من بين أولاده ما خلا المذكورين منهم في الآية؟ وعلى تقدير اختصاص الاصطفاء بما بين المعاصرين وعليهم، ما هو المانع من كونه مصطفى مختاراً من بين أولاده

____________________

(1) سورة آل عمران، الآية: 33.


المعاصرين له؟ ولا دلالة في الآية على كون اصطفائه أول خلقته قبل ولادة أولاده.

على أنَّ اصطفاء آدم لو كان على الإنسان الأوّلي - كما يذكره المستدلّ - كان ذلك بما أنّه مجهّز بالعقل، وكان ذلك مشتركاً بينه وبين بني آدم جميعاً على الإنسان الأوّلي، فكان تخصيص آدم في الآية بالذكر تخصيصاً من غير مُخصِّص.

وربّما استُدلّ بقوله: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ... ) (1) .

بناء على أنّ (ثمّ) على التراخي الزماني، فقد كان للنوع الإنساني وجود قبل خلق آدم وأمر الملائكة بالسجدة له.

وفيه أنّ (ثمّ) في الآية للترتيب الكلامي، وهو كثير الورود في كلامه تعالى، على أنّ هناك معنى آخر أشرنا إليه في تفسير الآية في مكان آخر من كتاب الميزان.

وربّما استُدلّ بقوله: ( ... وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ... ) الآيات، وتقريبه: أنّ الآية الأُولى المتعرّضة لأوّل خلق الإنسان تذكر خلقته الأوّلية من تراب، التي يشترك فيها جميع الأفراد، والآية الثالثة تذكر تسويته ونفخ الروح فيه.

وبالجملة: كماله الإنساني، والعطف بثمّ تدلّ على توسّط زمان معتدٍّ به بين أول خلقته من تراب، وبين ظهوره بكماله.

وليس هذا الزمان المتوسّط إلاّ زمان توسّط الأنواع الأُخرى، التي تنتهي بتغيّرها التدريجي إلى الإنسان الكامل، وخاصة بالنظر إلى تنكّر ( ... سُلاَلَةٍ... )

____________________

(1) سورة الأعراف، الآية: 11.


المفيد للعموم.

وفيه أنّ قوله: ( ثُمَّ سَوَّاهُ... ) عطف على قوله (بدأ) والآيات في مقام بيان ظهور النوع الإنساني بالخلق، وأنّ بدء خلقه وهو خلق آدم كان من طين، ثمّ بدّل سلالة من ماء في ظهور أولاده، ثمّ تمّت الخلقة، سواء كان فيه أم في أولاده بالتسوية ونفخ الروح.

وهذا معنى صحيح، يقبل الانطباق على اللفظ، ولا يلزم منه حمل قوله: ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ) على أنواع متوسّطة بين الخلق من الطين وبين التسوية ونفخ الروح، وكون ( سلالة ) نكرة لا يستلزم العموم، فإنّ إفادة النكرة للعموم إنّما هو فيما إذا وقعت في سياق النفي دون الإثبات.

- 6 -

الطبيعة الإنسانية والمجتمع

المتأمّل في شؤون الاجتماع الإنساني، والناظر في الخواصّ والآثار التي يتعقّبها هذا الأمر المسمَّى بالاجتماع - من جهة أنّه اجتماع - لا يشكّ في أنّ هذا الاجتماع إنّما كوّنته ثمّ شعّبته وبسطته إلى شعبه وأطرافه الطبيعة الإنسانية، لمّا استشعرت بإلهام من الله سبحانه بجهات حاجتها في البقاء والاستكمال إلى أفعال اجتماعية فتلتجي إلى الاجتماع، وتلزمها لتوفِّق إلى أفعالها وحركتها وسكناتها في مهد تربية الاجتماع وبمعونته، ثمّ استشعرت وأُلهمت بعلوم (صور ذهنية) وإدراكات تُوقِعها على المادة، وعلى حوائجها فيها، وعلى أفعالها وجهات أفعالها تكون هي الوصلة والرابطة بينها وبين أفعالها وحوائجها، كاعتقاد الحسن والقبح، وما يجب، وما ينبغي، وسائر الأصول الاجتماعية من الرئاسة والمرؤوسية، والملك والاختصاص، والمعاملات المشتركة والمختصّة، وسائر القواعد والنواميس العمومية


والآداب والرسوم القومية، التي لا تخلو عن التحوُّل والاختلاف باختلاف الأقوام والمناطق والأعصار، فجميع هذه المعاني والقواعد المستقرّة عليها من صنع الطبيعة الإنسانية بإلهام من الله سبحانه، تلطّفت بها طبيعة الإنسان؛ لتُمثِّل بها ما تعتقدها وتريدها من المعاني في الخارج، ثمّ تتحرّك إليها بالعمل، والفعل والترك، والاستكمال.

والتوجُّه العبادي إلى الله سبحانه، وهو المنزّه عن شؤون المادة والمقدّس عن تعلُّق الحسّ المادي إذا أُريد أن يتجاوز حدّ القلب والضمير، وتنزّل على موطن الأفعال - وهي لا تدور إلاّ بين المادّيات - ولم يكن في ذلك بدّ ومخلص من أن يكون على سبيل التمثيل، بأن يُلاحظ التوجُّهات القلبية على اختلاف خصوصياتها، ثمّ تمثّل في الفعل بما يناسبها من هيئات الأفعال وأشكالها، كالسجدة يُراد بها التذلّل، والركوع يُراد به التعظيم، والطواف يُراد به تفدية النفس، والقيام يُراد به التكبير، والوضوء والغسل يُراد بها الطهارة للحضور ونحو ذلك.

ولا شكّ أنّ التوجّه إلى المعبود، استقباله من العبد في عبوديته روح عبادته، التي لولاها لم يكن لها حياة ولا كينونة، وإلى تمثيله تحتاج العبادة في كمالها وثباتها واستقرار تحقُّقها.



الفصل الثالث

المرأة



من المعلوم أنّ الإسلام - والذي شرّعه هو الله عزَّ اسمه - لم يبن شرائعه على أصل التجارب، كما بُنيت عليه سائر القوانين، لكنّا في قضاء العقل في شرائعه ربّما احتجنا إلى التأمّل في الأحكام والقوانين، والرسوم الدائرة بين الأمم الحاضرة والقرون الخالية، ثمّ البحث عن السعادة الإنسانية، وتطبيق النتيجة على المحصّل من مذاهبهم ومسالكهم، حتى نزن به مكانته ومكانتها، ونُميِّز به روحه الحيّة الشاعرة من أرواحها، وهذا هو الموجب للرجوع إلى تواريخ المِلل وسيرها، واستحضار ما عند الموجودين منهم من الخصائل والمذاهب في الحياة؛ ولذلك فإنّا نحتاج في البحث عمّا يراه الإسلام ويعتقده في:

1 - هوية المرأة والمُقايسة بينها وبين هوية الرجل.

2 - وزنها في الاجتماع حتى يعلم مقدار تأثيرها في حياة العالم الإنساني.

3 - حقوقها والأحكام التي شُرِّعت لأجلها.


4 - الأساس الذي بُنيت عليه الأحكام المربوطة بها.

إلى استحضار ما جرى عليه التأريخ في حياتها قبل طلوع الإسلام، وما كانت الأُمم غير المسلمة يُعاملها عليه حتى اليوم، من المتمدّنة وغيرها، والاستقصاء في ذلك وإن كان خارجاً عن طوق الكتاب، لكنّا نذكر طرفاً منه.

- 1 -

حياة المرأة في الأُمم غير المتمدِّنة

كانت حياة النساء في الأُمم والقبائل الوحشية، كالأُمم القاطنين بأفريقيا واستراليا، والجزائر المسكونة بالأوقيانوسية، وأمريكا القديمة وغيرها، بالنسبة إلى حياة الرجال كحياة الحيوانات الأهلية من الأنعام وغيرها، بالنسبة إلى حياة الإنسان.

فكما أنّ الإنسان - لوجود قريحة الاستخدام فيه - يرى لنفسه حقّاً أن يمتلك الأنعام وسائر الحيوانات الأهلية، ويتصرّف فيها كيفما شاء، وفي أيّ حاجة من حوائجه شاء، يستفيد من شعرها ووبرها، ولحمها وعظمها، ودمها وجلدها، وحليبها وحفظها وحراستها، وسفادها ونتاجها ونمائها، وفي حمل الأثقال، وفي الحرث، وفي الصيد، إلى غير ذلك من الأغراض التي لا تُحصى كثرة.

وليس لهؤلاء العُجَم من الحيوانات، من مبتغيات الحياة وآمال القلوب، في المأكل والمشرب، والمسكن والسفاد الراحة إلاّ ما رضي به الإنسان الذي امتلكها، ولن يرضى إلاّ بما لا يُنافي أغراضه في تسخيرها وله فيه نفع في الحياة، وربّما أدّى ذلك إلى تهكّمات عجيبة ومجازفات غريبة في نظر


الحيوان المستخدم، لو كان هو الناظر في أمر نفسه، فمن مظلوم من غير أيّ جرم كان أجرمه، ومُستغيث وليس له أيّ مُغيث يُغيثه، ومن ظالم من غير مانع يمنعه، ومن سعيد من غير استحقاق، كفحل الضراب يعيش في أنعم عيش وألذه عنده، ومن شقيٍّ من غير استحقاق، كحمار الحمل وفرس الطاحونة.

وليس لها من حقوق الحياة إلاّ ما رآه الإنسان المالك لها حقّاً لنفسه، فمَن تعدّى إليها لا يؤاخذ إلاّ لأنّه تعدّى إلى مالكها في ملكه، لا إلى الحيوان في نفسه؛ كل ذلك لأنّ الإنسان يرى وجودها تبعاً لوجود نفسه، وحياتها فرعاً لحياته ومكانتها مكانة الطفيلي.

كذلك كانت حياة النساء عند الرجال في هذه الأُمم والقبائل حياة تبعيّة، وكانت النساء مخلوقة عندهم (لأجل الرجال) بقول مطلق: كانت النساء تابعة الوجود، والحياة لهم من غير استقلال في حياة، ولا في حق، فكان آبائهن ما لم يُنكَحن وبعولتهنّ بعد النكاح أولياء لهنّ على الإطلاق.

كان للرجل أن يبيع المرأة ممّن شاء، وكان له أن يهبها لغيره، وكان له أن يُقرضها لمَن استقرضها للفراش أو الاستيلاد أو الخدمة أو غير ذلك، وكان له أن يسوسها حتى بالقتل، وكان له أن يُخلّي عنها، ماتت أو عاشت، وكان له أن يقتلها ويرتزق بلحمها كالبهيمة، وخاصة في المجاعة وفي المآدب، وكان له ما للمرأة من المال والحق، وخاصة من حيث إيقاع المعاملات من بيع وشراء وأخذ وردٍّ.

وكان على المرأة أن تُطيع الرجل - أباها أو زوجها - في ما يأمر به طوعاً أو كُرهاً، وكان عليها أن لا تستقلّ عنه في أمر يرجع إليه أو إليها، وكان عليها أن تلي أُمور البيت والأولاد، وجميع ما يحتاج إليه حياة الرجل فيه، وكان


عليها أن تتحمّل من الأشغال أشقّها، كحمل الأثقال، وعمل الطين وما يجري مجراهما، ومن الحرف والصناعات أرداها وسفسافها، وقد بلغ عجيب الأمر إلى حيث أنَّ المرأة الحامل في بعض القبائل، إذا وضعت حملها قامت من فورها إلى حوائج البيت، ونام الرجل على فراشها أيام يتمرَّض ويُداوي نفسه، هذه كلِّيات ما له وعليها، ولكل جيل من هذه الأجيال الوحشية خصائل وخصائص، من السنن والآداب القومية، باختلاف عاداتها الموروثة في مناطق حياتها والأجواء المحيطة بها، يطّلع عليه مَن راجع الكتب المؤلّفة في هذه الشؤون.

- 2 -

حياة المرأة في الأُمم المتمدّنة قبل الإسلام

نعني بهم الأُمم التي كانت تعيش تحت الرسوم المليئة، المحفوظة بالعادات الموروثة، من غير استناد إلى كتاب أو قانون، كالصين والهند، ومصر القديم وإيران ونحوها.

تشترك جميع هذه الأُمم، في أنّ المرأة عندهم، ما كانت ذات استقلال وحرّية، لا في إرادتها ولا في أعمالها، بل كانت تحت الولاية والقيمومة، لا تُنجز شيئاً من قِبَل نفسها، ولا كان لها حقّ المداخلة في الشؤون الاجتماعية من حكومة أو قضاء أو غيرهما.

وكان عليها أن تُشارك الرجل في جميع أعمال الحياة، من كسب وغير ذلك.

وكان عليها أن تختصّ بأُمور البيت والأولاد، وكان عليها أن تُطيع الرجل في جميع ما يأمرها ويُريد منها.


وكانت المرأة عند هؤلاء أرفه حالاً بالنسبة إليها في الأُمم غير المتمدّنة، فلم تكن تُقتل ويؤكَل لحمها، ولم تُحرم من تملُّك المال بالكلّية، بل كانت تمتلك في الجملة من إرث أو ازدواج أو غير ذلك، وإن لم تكن لها أن تتصرّف فيها بالاستقلال، وكان للرجل أن يتّخذ زوجات متعدِّدة من غير تحديد، وكان له تطليق مَن شاء منهن، وكان للزوج أن يتزوّج بعد موت الزوجة، ولا حق لها في الغالب، وكانت ممنوعة عن معاشرة خارج البيت غالباً.

ولكل أُمّة من هذه الأُمم مختصّات بحسب اقتضاء المناطق والأوضاع، كما أنّ تمايز الطبقات في إيران ربّما أوجب تميّزاً لنساء الطبقات العالية، من المداخلة في المُلك والحكومة، أو نيل السلطنة ونحو ذلك، أو الازدواج بالمحارم، من أمّ أو بنت أو أُخت أو غيرها.

وكما أنّه كان بالصين الازدواج بالمرأة نوعاً من اشتراء نفسها ومملوكيتها، وكانت هي ممنوعة من الإرث، ومن أن تُشارك الرجال حتى أبنائها في التغذّي، وكان للرجال أن يتشارك في أكثر من واحدة منهم في الازدواج بمرأة واحدة يشتركون في التمتُّع بها، والانتفاع من أعمالها، ويلحق الأولاد أقوى الأزواج غالباً.

وكما أنّ النساء كانت بالهند من تبعات أزواجهنّ، لا يحلّ لهنّ الازدواج بعد توفّي أزواجهنّ أبداً، بل إمّا أن يُحرقن بالنار مع جسد أزواجهن أو يعشن مُذلّلات، وهنّ في أيام الحيض أنجاس خبيثات لازمة الاجتناب، وكذا ثيابها وكل ما لامستها بالبشرة.

ويمكن أن يُلخَّص شأنها في هذه الأُمم: أنّها كالبرزخ بين الحيوان والإنسان، يُستفاد منها استفادة الإنسان المتوسّط الضعيف، الذي لا يحق له إلاّ


أن يمدّ الإنسان المتوسّط في أمور حياته، كالولد الصغير بالنسبة إلى وليّه، غير أنّها تحت الولاية والقيمومة دائماً.

- 3 -

حال المرأة عند الأُمم القديمة

كانت الأُمم المذكورة آنفاً، أُمماً تجري معظم آدابها ورسومهم الخاصة على أساس اقتضاء المناطق والعادات الموروثة ونحوها، من غير أن تعتمد على كتاب أو قانون ظاهراً، لكنْ هناك أُمم أُخرى، كانت تعيش تحت سيطرة القانون أو الكتاب، مثل الكلدة والروم واليونان.

أمّا الكلدة والآشور، فقد حكم فيهم شرع (حامورابي)، بتبعية المرأة لزوجها، وسقوط استقلالها في الإرادة والعمل، حتى إنّ الزوجة لو لم تُطع زوجها في شيء من أمور المعاشرة، أو استقلّ بشيء فيها، كان له أن يُخرجها من بيته، أو يتزوّج عليها ويُعامل معها بعد ذلك معاملة ملك اليمين محضاً، ولو أخطأت في تدبير البيت بإسراف أو تبذير، كان له أن يرفع أمرها إلى القاضي، ثم يُغرقها في الماء بعد إثبات الجرم.

وأمّا الروم، فهي أيضاً من أقدم الأُمم وضعاً للقوانين المدنية، وضِع القانون فيها أوَّل ما وضِع، حدود سنة أربعمئة قبل الميلاد، ثم أخذوا في تكميله تدريجاً، وهو يُعطي للبيت نوع استقلال في إجراء الأوامر المختصّة به، ولربّ البيت - وهو زوج المرأة وأبو أولادها - نوع ربوبية، كان يعبده لذلك أهل البيت، كما كان يعبد هو مَن تقدّمه من آبائه السابقين عليه في تأسيس البيت، وكان له الاختيار التام والمشيئة النافذة في جميع ما يريده ويأمر به على أهل البيت، من زوجة وأولاد، حتى القتل لو رأى أنّ الصلاح فيه، ولا يُعارضه في ذلك معارض، وكانت النساء نساء البيت، كالزوجة والبنت


والأُخت أردء حالاً من الرجال، حتى الأبناء التابعين محضاً لربّ البيت، فإنهنّ لم يَكُنَّ أجزاء للاجتماع المدني فلا تُسمع لهنّ شكاية، ولا يُنفّذ منهنّ معاملة، ولا تصحّ منهنّ في الأمور الاجتماعية مداخلة، لكن الرجال - أعني الإخوة والذكور في الأولاد حتى الأدعياء (فإنّ التبنّي وإلحاق الولد بغير أبيه كان معمولاً شائعاً عندهم وكذا في اليونان وإيران وعند العرب) - كان من الجائز أن يأذن لهم ربّ البيت في الاستقلال بأمور الحياة مطلقاً لأنفسهم.

ولم يكن أجزاء أصيلة في البيت، بل كان أهل البيت هم الرجال، وأمّا النساء فتبع، فكانت القرابة الاجتماعية الرسمية المؤثّرة في التوارث ونحوها مختصّة بما بين الرجال، وأمّا النساء فلا قرابة بينهنّ أنفسهنّ، كالأُمّ مع البنت، أو الأُخت مع الأُخت، ولا بينهنّ وبين الرجال، كالزوجين أو الأُمّ مع الابن، أو الأُخت مع الأخ، أو البنت مع الأب ولا توارث فيما لا قرابة رسمية، نعم القرابة الطبيعية (وهي التي يوجبها الاتّصال في الولادة) كانت موجودة بينهم، وربّما يظهر أثرها في نحو الازدواج بالمحارم، وولاية رئيس البيت وربّه لها.

وبالجملة؛ كانت المرأة عندهم طفيلية الوجود تابعة الحياة في المجتمع (المجتمع المدني والبيتي)، زمام حياتها وإرادتها بيد ربّ البيت، من أبيها إن كانت في بيت الأب، أو زوجها إن كانت في بيت الزوج، أو غيرهما، يفعل بها ربُّها ما يشاء، ويحكم فيها ما يريد، فربّما باعها، وربّما وهبها، وربّما أقرضها للتمتُّع، وربّما أعطاها في حق يُراد استيفاؤه منه، كدين وخراج ونحوهما، وربّما ساسها بقتل أو ضرب أو غيرهما، وبيده تدبير مالها إن ملكت شيئاً بالازدواج أو الكسب، مع إذن وليّها لا بالإرث؛ لأنّها كانت محرومة منه، وبيد أبيها أو واحد من سراة قومها تزويجها، وبيد زوجها تطليقها.

وأمّا اليونان، فالأمر عندهم في تكوّن البيوت وربوبية أربابها فيها كان


قريب الوضع من وضع الروم، فقد كان الاجتماع المدني - وكذا الاجتماع البيتي - عندهم متقوّماً بالرجال، والنساء تبع لهم؛ ولذا لم يكن لها استقلال في إرادة ولا فعل إلاّ تحت ولاية الرجال، لكنّهم جميعاً ناقضوا أنفسهم بحسب الحقيقة في ذلك، فإنّ قوانينهم الموضوعة كانت تحكم عليهن بالاستقلال ولا تحكم لهنّ إلاّ بالتبع إذا وافق نفع الرجال، فكانت المرأة عندهم تُعاقب بجميع جرائمها بالاستقلال، ولا تُثاب لحسناتها ولا يراعى جانبها إلاّ بالتبع وتحت ولاية الرجل.

وهذا بعينه من الشواهد الدالّة على أنّ جميع هذه القوانين، ما كانت تراها جزءاً ضعيفاً من المجتمع الإنساني، ذات شخصية تبعية، بل كانت تقدّر أنّها كالجراثيم المضرّة، مفسدة لمزاج المجتمع مضرّة بصحّتها، غير أنّ للمجتمع حاجة ضرورية إليها من حيث بقاء النسل، فيجب أن يُعتنى بشأنها، وتُذاق وبال أمرها إذا جنت أو أجرمت، ويحتلب الرجال درّها إذا أحسنت أو نفعت، ولا تُترك على حيال إرادتها صوناً من شرّها، كالعدوِّ القويّ الذي يُغلب فيؤخَذ أسيراً مسترقّاً، يعيش طول حياته تحت القهر، إن جاء بالسيئة يؤاخذ بها، وإن جاء بالحسنة لم يُشكر لها.

وهذا الذي سمعته - إنّ الاجتماع كان متقوّماً عندهم بالرجال - هو الذي ألزمهم أن يعتقدوا أنّ الأولاد بالحقيقة هم الذكور، وأنّ بقاء النسل ببقائهم، وهذا هو منشأ ظهور عمل التبنّي والإلحاق بينهم، فإنّ البيت الذي ليس لربّه ولد ذكر كان محكوماً بالخراب، والنسل مكتوباً عليه الفناء والانقراض، فاضطرّ هؤلاء إلى اتّخاذ أبناء؛ صوناً عن الانقراض وموت الذكر، فدعوا غير أبنائهم لأصلابهم أبناءً لأنفسهم، فكانوا أبناء رسماً، يرثون ويورثون ويرتّب عليهم آثار الأبناء الصُلبيين، وكان الرجل منهم إذا زعم أنّه عاقر لا يولَد منه


ولد، عمد إلى بعض أقاربه، كأخيه وابن أخيه، فأورده فراش أهله لتعلق منه فتلد ولداً يدعوه لنفسه، ويقوم بقاء بيته.

وكان الأمر في التزويج والتطليق في اليونان قريباً منهما في الروم، وكان من الجائز عندهم تعدُّد الزوجات، غير أنّ الزوجة إذا زادت على الواحدة كانت واحدة منهن زوجة رسمية، والباقية غير رسمية.

- 4 -

حال المرأة عن العرب ومُحيط حياتهم (محيط نزول القرآن)

وقد كانت العرب قاطنين في شبه الجزيرة، وهي منطقة حارّة جدبة الأرض، والمعظم من أُمّتهم قبائل بدوية، بعيدة عن الحضارة والمدنية، يعيشون بشنّ الغارات، وهم متّصلون بإيران من جانب، وبالروم من جانب، وببلاد الحبشة والسودان من آخر.

ولذلك؛ كانت العمدة من رسومهم رسوم التوحّش، وربّما وجِد خلالها شيء من عادات الروم وإيران، ومن عادات الهند ومصر القديم أحياناً.

كانت العرب لا ترى للمرأة استقلالاً في الحياة، ولا حرمة ولا شرافة، إلاّ حرمة البيت وشرافته، وكانت لا تورّث النساء، وكانت تجوِّز تعدُّد الزوجات من غير تحديد بعدد معيّن كاليهود، وكذا في الطلاق، وكانت تئد البنات ابتداء بذلك بنو تميم؛ لوقعة كانت لهم مع النعمان بن المنذر، أُسرت فيه عدّة من بناتهم، والقصّة معروفة فأغضبهم ذلك فابتدروا به، ثمّ سرت السجية في غيرهم، وكانت العرب تتشاءم إذا ولِدت للرجل منهم بنت يعدُّها عاراً لنفسه، يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به، لكن يسرُّه الابن مهما كثر ولو بالدعاء والإلحاق، حتى إنّهم كانوا يتبنُّون الولد لزنا مُحصنة ارتكبوه، وربّما نازع رجال من صناديدهم وأُولي الطول منهم في ولد ادّعاه كل لنفسه.


وربّما لاح في بعض البيوت استقلال لنسائهم وخاصة للبنات في أمر الازدواج، فكان يراعي فيه رضى المرأة وانتخابها، فيُشبه ذلك منهم دأب الأشراف بإيران الجاري على تمايز الطبقات.

وكيف كان، فمعاملتهم مع النساء كانت معاملة مركّبة من معاملة أهل المدنية من الروم وإيران، كتحريم الاستقلال في الحقوق، والشركة في الأمور العامة الاجتماعية، كالحكم والحرب وأمر الازدواج إلاّ استثناءً، ومن معاملة أهل التوحّش والبربرية، فلم يكن حرمانهنّ مستنداً إلى تقديس رؤساء البيوت وعبادتهم، بل من باب غلبة القويّ واستخدامه للضعيف.

وأمّا العبادة، فكانوا يعبدون جميعاً (رجالاً ونساءً) أصناماً، يُشبه أمرها أمر الأصنام عند الصابئين، أصحاب الكواكب وأرباب الأنواع، وتتميّز أصنامهم بحسب تميّز القبائل وأهوائها المختلفة، فيعبدون الكواكب والملائكة (وهم بنات الله سبحانه بزعمهم) ، ويتّخذونها على صور صوّرتها لهم أوهامهم، ومن أشياء مختلفة، كالحجارة والخشب، وقد بلغ هواهم في ذلك إلى مثل ما نُقل عن بني حنيفة، أنّهم اتّخذوا لهم صنماً من الحيس فعبدوه دهراً طويلاً، ثمّ أصابتهم مجاعة فأكلوه، فقيل فيهم:

أكلت حنيفة ربَّها

زمن التقحُّم والمجاعة

لم يحذروا من ربِّهم

سوء العواقب والتباعة

وربّما عبدوا حجراً، حتى إذا وجدوا حجراً أحسن منه، طرحوا الأول وأخذوا بالثاني، وإذا لم يجدوا شيئاً جمعوا حفنة من تراب، ثم جاؤوا بغنم فحلبوه عليها، ثمّ طافوا بها يعبدونها.

وقد أودعت هذا الحرمان والشقاء في نفوس النساء ضعفاً في الفكرة، يُصوّر لها أوهاماً وخرافات عجيبة، في الحوادث والوقائع المختلفة، ضبطتها


كُتب السير والتاريخ.

فهذه جمل من أحوال المرأة في المجتمع الإنساني، من أدواره المختلفة قبل الإسلام وزمن ظهوره، آثرنا فيها الاختصار التامّ، ويستنتج من جميع ذلك:

أولاً: إنّهم كانوا يرونها إنساناً في أُفق الحيوان العُجَم، أو إنساناً ضعيف الإنسانية منحطّاً، لا يؤمَن شرُّه وفساده لو أُطلق من قيد التبعية، واكتسب الحرّية في حياته، والنظر الأول أنسب لسيرة الأُمم الوحشية والثاني لغيرهم.

وثانياً: إنّهم كانوا يرون في وزنها الاجتماعي أنّها خارجة من هيكل المجتمع المركّب غير داخلة فيه، وإنّما هي من شرائطه التي لا غناء عنها، كالمسكن لا غناء عن الالتجاء إليه، أو أنّها كالأسير المسترقِّ الذي هي من توابع المجتمع الغالب، يُنتفع من عمله ولا يؤمَن كيده على اختلاف المسلكين.

وثالثاً: إنّهم كانوا يرون حرمانها من عامة الحقوق التي أمكن انتفاعها منها، إلاّ بمقدار يرجع انتفاعها إلى انتفاع الرجال القيِّمين بأمرها.

ورابعاً: إنّ أساس معاملتهم معها فيما عاملوا، هو غلبة القويّ على الضعيف، وبعبارة أُخرى: قريحة الاستخدام، هذا في الأُمم غير المتمدّنة.

وأمّا الأُمم المتمدّنة فيُضاف عندهم إلى ذلك ما كانوا يعتقدونه في أمرها: أنّها إنسان ضعيف الخِلقة، لا تقدر على الاستقلال بأمرها، ولا يؤمَن شرُّها، وربّما اختلف الأمر اختلاطاً باختلاف الأُمم والأجيال.


- 5 -

ماذا أبدعه الإسلام في أمرها؟

لا زالت بأجمعها ترى في أمر المرأة ما قصصناه عليك، وتحبسها في سجن الذلّة والهوان، حتى صار الضعف والصغار طبيعة ثانية لها، عليها نبتت لحمها وعظمها، وعليها كانت تحيا وتموت، وعادت ألفاظ المرأة والضعف والهوان كاللغات المُترادفة، بعدما وضعت متبائنة، لا عند الرجال فقط، بل وعند النساء - ومن العجب ذلك - ولا ترى أُمّة من الأُمم - وحشيها ومدنيها - إلاّ وعندهم أمثال سائرة في ضعفها وهوان أمرها، وفي لغاتهم على اختلاف أصولها وسياقاتها وألحانها أنواع، من الاستعارة والكناية والتشبيه، مربوطة بهذه اللفظة (المرأة) يقرع بها الجَبان، ويؤنّب بها الضعيف، ويُلام بها المخذول المُستهان والمُستذلِّ المنظلم، ويوجد من نحو قول القائل:

وما أدري وليتَ أخال أدري

أقوم آل حصن أم نساء

مئات وألوف من النَّظم والنثر في كل لغة.

وهذا - في نفسه - كافٍ في أن يحصل للباحث ما كان يعتقده المجتمع الإنساني في أمر المرأة، وإن لم يكن هناك ما جمعته كُتب السير والتواريخ من مذاهب الأُمم والمِلل في أمرها، فإنّ الخصائل الروحية والجهات الوجودية في كل أمة تتجلّى في لغتها وآدابها.

ولم يورث من السابقين ما يعتني بشأنها ويهمّ بأمرها، إلاّ بعض ما ورد في التوراة، وما وصّى به عيسى بن مريم (عليهما السلام) من لزوم التسهيل عليها والإرفاق بها.

وأمّا الإسلام - أعني الدين الحنيف النازل به القرآن - فإنّه أبدع في حقّها أمراً ما كانت تعرفه الدنيا منذ قطن قاطنوها، وخالفهم جميعاً في بناء بُنية فطرية، عليها كانت الدنيا هدمتها من أول يوم وأعفت آثارها، وألغى ما كانت


تعتقده الدنيا في هويّتها اعتقاداً، وما كانت تسير فيها سيرتها عملاً.

أمّا هويّتها: فإنّه بيَّن أنّ المرأة كالرجل إنسان، وأنّ كل إنسان ذكر أو أُنثى، فإنّه إنسان يشترك في مادّته وعنصره إنسانان ذكر وأُنثى، ولا فضل لأحد على أحد إلاّ بالتقوى.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ... ) (1) .

فجعل تعالى كل إنسان مأخوذا مؤلّفاً من إنسانين، ذكر وأُنثى، هما معاً، وبنسبة واحدة مادة كونه ووجوده، وهو - سواء كان ذكراً أم أنثى - مجموع المادة المأخوذة منهما، ولم يقل تعالى: مثل ما قاله القائل:

وإنّما أمّهات الناس أوعية

.....................................

ولا قال مثل ما قاله الآخر:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا

بنوهنَّ أبناء الرجال الأباعد

بل جعل تعالى كُلاّ ًمخلوقاً مؤلّفاً من كل، فعاد الكل أمثالاً، ولا بيان أتمّ ولا أبلغ من هذا البيان، ثمّ جعل الفضل في التقوى.

وقال تعالى: ( ... أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) (2) .

فصرَّح أنّ السعي غير خائب والعمل غير مُضيَّع عند الله، وعلّل ذلك بقوله: ( ... بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) ، فعبّر صريحاً بما هو نتيجة قوله في الآية السابقة: ( ... إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى... ) ، وهو أنّ الرجل والمرأة جميعاً من نوع واحد

____________________

(1) سورة الحجرات، الآية: 13.

(2) سورة آل عمران، الآية: 195.


من غير فرق في الأصل والسنخ.

ثمّ بَيّن بذلك أنّ عمل كل واحدٍ من هذين الصنفين غير مُضيّع عند الله، لا يبطل في نفسه، ولا يعدوه إلى غيره، كل نفس بما كسبت رهينة، لا كما كان يقوله الناس: إنَّ عليهن سيِّئاتهنّ، وللرجال حسناتهنّ من منافع وجودهنّ. وسيجيء لهذا الكلام مزيد توضيح.

وإذا كان لكلٍّ منهما ما عمل ولا كرامة إلاّ بالتقوى، ومن التقوى الأخلاق الفاضلة كالإيمان بدرجاته، والعلم النافع، والعقل الرزين، والخُلق الحسن، والصبر والحِلم، فالمرأة المؤمنة بدرجات الإيمان، أو المليئة علماً، أو الرزينة عقلاً، أو الحسنة خُلقاً أكرم ذاتاً، وأسمى درجة ممَّن لا يُعادلها في ذلك من الرجال في الإسلام، كان مَن كان، فلا كرامة إلاّ للتقوى والفضيلة.

وفي معنى الآية السابقة، وأوضح منها قوله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) (1) .

وقوله تعالى: ( ... وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (2) .

وقوله تعالى: ( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) (3) .

وقد ذمّ الله سبحانه الاستهانة بأمر البنات بمثل قوله، وهو من أبلغ

____________________

(1) سورة النحل، الآية: 97.

(2) سورة المؤمن، الآية: 40.

(3) سورة النساء، الآية: 124.


الذمّ: ( وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) (1) .

ولم يكن تواريهم إلاّ لعدهم ولادتها عاراً على المولود له، وعمدة ذلك أنّهم كانوا يتصوّرون أنّها ستكبر فتصير لعبة لغيرها يتمتّع بها، وذلك نوع غلبة من الزوج عليها في أمر مستهجن، فيعود عاره إلى بيتها وأبيها، ولذلك كانوا يئدون البنات / وقد سمعت السبب الأول فيه فيما مرّ، وقد بالغ الله سبحانه في التشديد عليه، حيث قال: ( وَإِذَا المًوءودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ) (2) . وقد بقي من هذه الخرافات بقايا عند المسلمين ورثوها من أسلافهم، ولم يغسل رينها من قلوبهم المربون، فتراهم يعدُّون الزنا عاراً لازماً على المرأة وبيتها وإن تابت، دون الزاني وإن أصرّ، مع أنّ الإسلام قد جمع العار والقبح كلّه في المعصية، والزاني والزانية سواء فيها.

____________________

(1) سورة النحل، الآيتان: 58 - 59.

(2) سورة التكوير، الآيتان: 8 - 9.


الوزن الاجتماعي للمرأة في الإسلام:

فالإسلام ساوى بينها وبين الرجل، من حيث تدبير شؤون الحياة بالإرادة والعمل، فإنّهما متساويان من حيث تعلّق الإرادة بما تحتاج إليه البُنية الإنسانية، في الأكل والشرب وغيرهما من لوازم البقاء، وقد قال تعالى: ( ... بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) (1) ، فلها أن تستقلّ بالإرادة، ولها أن تستقلّ بالعمل وتمتلك نتاجهما، كما للرجل ذلك، من غير فرق ( ... لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ... ) ، فهما سواء فيما يراه الإسلام ويُحقّه القرآن، والله يُحق الحق بكلماته، غير أنّه قرّر فيها خصلتين ميّزها بهما الصُّنع الإلهي.

إحداهما: أنّها بمنزلة الحرث في تكوُّن النوع ونمائه، فعليها يعتمد النوع من بقائه، فتختصُّ من الأحكام بمثل ما يختصُّ به الحرث، وتمتاز بذلك من الرجل.

والثانية: أنّ وجودها مبنيٌّ على لطافة البُنية ورقّة الشعور، ولذلك أيضاً تأثير في أحوالها الوظائف الاجتماعية المحولّة إليها.

فهذا وزنها

____________________

(1) سورة آل عمران، الآية: 195.


الاجتماعي، وبذلك يظهر وزن الرجل في المجتمع، وإليه تنحل جميع الأحكام المشتركة بينهما، وما يختصّ به أحدهما في الإسلام، قال تعالى: ( وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ) (1) .

يريد أنّ الأعمال التي يُهديها كلٌّ من الفريقين إلى المجتمع هي الملاك لما اختصّ به من الفضل، وإنّ من هذا الفضل ما تعيَّن لحوقه بالبعض دون البعض، كفضل الرجل على المرأة في سهم الإرث، وفضل المرأة على الرجل في وضع النفقة عنها، فلا ينبغي أن يتمنّاه مُتمنٍّ، ومنه ما لم يتعيّن إلاّ بعمل العامل، كائناً مَن كان، كفضل الله يؤتيه مَن يشاء، واسألوا الله من فضله، والدليل على هذا الذي ذكرنا قوله تعالى بعده: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ... ) على ما سيجيء بيانه.

مُساواة في الأحكام:

وأمّا الأحكام المشتركة والمختصّة، فهي تُشارك الرجل في جميع الأحكام العبادية والحقوق الاجتماعية، فلها أن تستقلّ فيما يستقلُّ به الرجل، من غير فرق في إرث ولا كسب ولا معاملة، ولا تعليم وتعلُّم، ولا اقتناء حق، ولا دفاع عن حق وغير ذلك، إلاّ في موارد يقتضي طباعها ذلك.

وعمدة هذه الموارد: أنّها لا تتولّى الحكومة والقضاء، ولا تتولّى القتال بمعنى المقارعة، لا مطلق الحضور والإعانة على الأمر كمداواة الجرحى مثلاً، ولها نصف سهم الرجل في الإرث، وعليها الحجاب وستر

____________________

(1) سورة النساء، الآية: 32.


مواضع الزينة، وعليها أن تُطيع زوجها فيما يرجع إلى التمتُّع منها، وتُدرِك ما فاتها بأنَّ نفقتها في الحياة على الرجل - الأب أو الزوج - وأنّ عليه أن يحمي عنها منتهى ما يستطيعه، وأنّ لها حق تربية الولد وحضانته.

وقد سهَّل الله لها أنّها محميّة النفس والعرض حتى عن سوء الذِّكْر، وأنّ العبادة موضوعة عنها أيّام عادتها ونفاسها، وأنّها لازمة الإرفاق في جميع الأحول.

والمتحصّل من جميع ذلك: أنّها لا يجب عليها في جانب العلم إلاّ العلم بأُصول المعارف والعلم بالفروع الدينية (أحكام العبادات والقوانين الجارية في الاجتماع)، وأمّا في جانب العمل، فأحكام الدين وطاعة الزوج فيما يتمتّع به منها، وأمّا تنظيم الحياة الفردية - بعمل أو كسب بحرفة أو صناعة وكذا الورود فيما يقوم به نظام البيت - وكذا المداخلة في ما يصلح المجتمع العام، كتعلُّم العلوم واتّخاذ الصناعات والحرف المفيدة للعامّة والنافعة في الاجتماعات مع حفظ الحدود الموضوعة فيها، فلا يجب عليها شيء من ذلك، ولازمه أن يكون الورود في جميع هذه الموارد، من علم أو كسب، أو شغل أو تربية، ونحو ذلك، كلّها فضلاً لها تتفاضل به، وفخراً لها تتفاخر به، وقد جوّز الإسلام، بل ندب إلى التفاخر بينهنّ، مع أنّ الرجال نهوا عن التفاخر في غير حال الحرب.

والسنّة النبوية تؤيّد ما ذكرناه، ولولا بلوغ الكلام في طوله إلى ما لا يسعه هذا المقام، لذكرنا طرفاً من سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) مع زوجته خديجة، ومع بنته سيد النساء فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومع نسائه، ومع نساء قومه وما وصّى به في أمر النساء، والمأثور من طريقة أئمّة أهل البيت ونسائهم، كزينب بنت علي، وفاطمة وسكينة بنتي الحسين، وغيرهن على جماعتهم السلام، ووصاياهم في أمر النساء، ولعلَّنا نُوفَّق لنقل شطر منها في الأبحاث الروائية


المتعلِّقة بآيات النساء، وإنَّما الأساس الذي بُنيت عليه هذه الأحكام والحقوق فهو الفطرة، وقد عُلِم من الكلام في وزنها الاجتماعي، كيفية هذا البناء، ونزيده هاهنا إيضاحات، فنقول: لا ينبغي أن يرتاب الباحث عن أحكام الاجتماع وما يتَّصل بها من المباحث العلمية، أنَّ الوظائف الاجتماعية والتكاليف الاعتبارية المتفرِّعة عليها، يجب انتهائها - بالآخرة - إلى الطبيعة، فخصوصية البُنية الطبيعية الإنسانية هي التي هدت الإنسان إلى هذا الاجتماع النوعي، الذي لا يكاد يوجد النوع خالياً عنه في زمان، وإن أمكن أن يعرض لهذا الاجتماع المستند إلى اقتضاء الطبيعة ما يُخرجه عن مجرى الصحّة إلى مجرى الفساد، كما يمكن أن يعرض للبدن الطبيعي ما يُخرجه عن تمامه الطبيعي إلى نقص الخِلقة، أو عن صحّته الطبيعية إلى القسم والعاهة.

فالاجتماع بجميع شؤونه وجهاته - سواء كان اجتماعاً فاضلاً أم اجتماعاً فاسداً - ينتهي في النهاية إلى الطبيعة، وإن اختلف القسمان، من حيث إنّ المجتمع الفاسد يُصادف في طريق الانتهاء ما يُفسده في آثاره، بخلاف الاجتماع الفاضل.

فهذه حقيقة، وقد أشار إليها - تصريحاً أو تلويحاً - الباحثون من هذه المباحث، وقد سبقهم إلى بيانه الكتاب الإلهي، فبيّنه بأبدع البيان، قال تعالى: ( ... الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ) (1) .

وقال تعالى: ( الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ) (2).

وقال تعالى: ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا

____________________

(1) سورة طه، الآية: 50.

(2) سورة الأعلى، الآيتان: 2 - 3.


وَتَقْوَاهَا ) (1) .

إلى غير ذلك من آيات القدر.

فالأشياء - ومن جملتها الإنسان - إنّما تهتدي في وجودها وحياتها إلى ما خُلقت له، وجُهِّزت بما يكفيه ويصلح له من الخلقة، والحياة القيِّمة بسعادة الإنسان هي التي تنطبق أعمالها على الخلقة والفطرة انطباقاً تاماً، وتنتهي وظائفها وتكاليفها إلى الطبيعة انتهاءً صحيحاً، وهذا هو الذي يُشير إليه قوله تعالى: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ... ) (2) .

والذي تقتضيه الفطرة في أمر الوظائف والحقوق الاجتماعية بين الأفراد - على أنّ الجميع إنسان ذو فطرة بشرية - أن يُساوي بينهم في الحقوق والوظائف، من غير أن يُحبا بعض ويُضطهد آخرون بإبطال حقوقهم، لكن ليس مقتضى هذه التسوية، التي يحكم بها العدل الاجتماعي أن يبذل كل مقام اجتماعي لكل فرد من أفراد المجتمع، فيتقلّد الصبي - مثلاً - على صباوته والسفيه على سفاهته، ما يتقلّده الإنسان العاقل المجرّب، أو يتناول الضعيف العاجز ما يتناوله القوي المقتدر في الشؤون والدرجات، فإنّ في تسوية حال الصالح وغير الصالح إفساداً لما لهما معاً.

بل الذي يقتضيه العدل الاجتماعي، ويُفسّر به معنى التسوية، أن يُعطى كلّ ذي حقٍّ حقَّه ويُنزل منزلته، فالتساوي بين الأفراد والطبقات إنّما هو في نيل كل ذي حقٍّ خصوص حقَّه، من غير أن يُزاحم حقٌّ حقَّاً، أو يُهمَل أو يُبطَل حقٌّ بغياً أو تحكُّماً ونحو ذلك، وهذا هو الذي يُشير إليه قوله تعالى: ( ... وَلَهُنَّ

____________________

(1) سورة الشمس، الآيتان: 7 - 8.

(2) سورة الروم، الآية: 30.


مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ... ) (الآية)، كما مرَّ بيانه، فأنّ الآية تُصرِّح بالتساوي في عين تقرير الاختلاف بينهن وبين الرجال.

ثمَّ إنّ اشتراك القبيلين، أعني الرجال والنساء، في أصول المواهب الوجودية - أعني الفكر والإرادة المولِّدتين للاختيار - يستدعي اشتراكها مع الرجل، في حرِّية الفكر والإرادة أعني الاختيار، فلها الاستقلال بالتصرُّف في جميع شؤون حياتها الفردية والاجتماعية، عدا ما منع عنه مانع، وقد أعطاها الإسلام هذا الاستقلال والحرِّية على أتمِّ الوجوه، كما سمعت فيما تقدّم، فصارت - بنعمة الله سبحانه - مستقلّة بنفسها منفكّة الإرادة والعمل عن الرجال وولايتهم وقيمومتهم، واجدة لما لم يسمح لها به الدنيا في جميع أدوارها، وخلت عنه صحائف تاريخ وجودها، قال تعالى: ( ... فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ... ) (1) .

لكنَّها - مع وجود العوامل المشتركة المذكورة في وجودها - تختلف مع الرجال من جهة أُخرى، فإنّ المتوسِّطة من النساء تتأخّر عن المتوسّط من الرجال، في الخصوصيات الكمالية من بُنيتها، كالدماغ والقلب، والشرايين والأعصاب، والقامة والوزن - على ما شرحه فَنُّ وظائف الأعضاء - واستوجب ذلك أنَّ جسمها ألطف وأنعم، كما أنَّ جسم الرجل أخشن وأصلب، وأنّ الإحساسات اللطيفة، كالحبِّ ورقَّة القلب والميل إلى الجمال والزينة، أغلب عليها من الرجل، كما أنّ التعقُّل أغلب عليه من المرأة، فحياتها حياة إحساسية، كما أنّ حياة الرجل حياة تعقُّلية.

ولذلك؛ فرّق الإسلام بينهما في الوظائف والتكاليف العامة الاجتماعية، التي يرتبط قوامها بأحد الأمرين: أعني التعقُّل، العواطف (الإحساسات)

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 234.


فخصَّ مثل الولاية والقضاء والقتال بالرجال؛ لاحتياجها المُبرم إلى التعقُّل، والحياة التعقلية إنَّما هي للرجل دون المرأة، وخصّ مثل حضانة الأولاد وتربيتها وتدبير المنزل بالمرأة، وجعل نفقتها على الرجل، وعوّض ذلك له بالسهمين في الإرث (وهو في الحقيقة بمنزلة أن يقتسما الميراث نصفين، ثمَّ تُعطي المرأة ثُلث سهمها للرجل، في مقابل نفقتها، أي للانتفاع بنصف ما في يده، فيرجع بالحقيقة إلى أنَّ ثُلثي المال في الدنيا للرجال ملكاً وعيناً وثُلثيها للنساء انتفاعاً، فالتدبير الغالب إنّما هو للرجال لغلبة تعقُّلهم، والانتفاع والتمتع الغالب للنساء؛ لغلبة إحساسهن، وسنزيده إيضاحاً في الكلام على آيات الإرث، إن شاء الله تعالى.

ثمّ تمّم ذلك بتسهيلات وتخفيفات في حقّ المرأة، مرّت الإشارة إليها.

فإن قلت: ما ذُكِر من الإرفاق البالغ للمرأة في الإسلام يوجب تعطُّلها عن العمل، فإن ارتفعت الحاجة الضرورية إلى لوازم الحياة بتخديرها، وكفاية مؤونتها بإيجاب الإنفاق على الرجل، يوجب إهمالها وكسلها وتثاقلها عن تحمُّل مشاقِّ الأعمال والأشغال، فتنمو على ذلك نماءً رديّاً، وتنبت نباتاً سيِّئاً غير صالح لتكامل المجتمع، وقد أيَّدت التجربة ذلك.

قلت: وضع القوانين المصلحة لحال البشر أمرٌ، وإجراء ذلك بالسيرة الصالحة والتربية الحسنة التي تُنبت الإنسان نباتاً حسناً أمرٌ آخر. والذي أُصيب به الإسلام في مدَّة سيرها الماضي، هو فقد الأولياء الصالحين، والقوَّام المجاهدين، فارتدَّت بذلك أنفاس الأحكام، وتوقَّفت التربية ثمَّ رجعت القهقري.

ومن أوضح ما أفادته التجارب القطعية: أنّ مجرّد النظر والاعتقاد لا يُثمر أثره، ما لم يُثبت في النفس بالتبليغ والتربية الصالحَين، والمسلمون - في غير بُرهة يسيرة - لم يستفيدوا من الأولياء المتظاهرين بولايتهم القيِّمين بأمورهم تربية صالحة، يجتمع فيها العلم والعمل.

فهذا معاوية، يقول على


منبر العراق حين غلب على أمر الخلافة ما حاصله: إنِّي ما كنت أُقاتلكم لتُصلُّوا أو تصوموا، فذلك إليكم، وإنَّما كنت أقاتلكم لأتأمَّر عليكم، وقد فعلت.

وهذا غيره من الأُمويّين والعباسيين فمَن دونهم، ولولا استغاثة هذا الدين بنور الله الذي لا يطفأ، والله مُتمُّ نوره ولو كره الكافرون، لقضي عليه منذ عهد قديم.

حرّية المرأة في المدنية الغربية:

لا شكّ أنّ الإسلام له التقدُّم الباهر في إطلاقها عن قيد الأسر، وإعطائها الاستقلال في الإرادة والعمل، وأنّ أُمم الغرب فيما صنعوا من أمرها إنّما قلدوا الإسلام - وإن أساؤوا التقليد والمحاذاة - فإنَّ سيرة الإسلام حلقة بارزة مؤثِّرة أتمَّ التأثير في سلسلة السير الاجتماعية، وهي متوسّطة مُتخلِّلة، ومن المُحال أن يتَّصل ذيل السلسلة بصدرها دونها.

وبالجملة؛ فهؤلاء بنوا على المساواة التامّة بين الرجل والمرأة في الحقوق في هذه الأزمنة، بعد أن اجتهدوا في ذلك سنين، مع ما في المرأة من التأخُّر الكمالي بالنسبة إلى الرجل كما سمعت (إجماله).

والرأي العام عندهم تقريباً: أنّ تأخُّر المرأة في الكمال والفضيلة مستند إلى سوء التربية، التي دامت عليها ومكثت قروناً لعلّها تعادل عمر الدنيا، مع تساوي طباعها طباع الرجل.

ويتوجّه عليه: أنّ الاجتماع منذ أقدم عهود تكوُّنه قضى على تأخُّرها عن الرجل في الجملة، ولو كان الطباعان متساويين لظهر خلافه، ولو في بعض الأحيان، ولتغيّرت خلقة أعضائها الرئيسة وغيرها إلى مثل ما في الرجل.


ويؤيِّد ذلك أنّ المدنية الغربية - مع غاية عنايتها في تقديم المرأة ما قدرت بعد على إيجاد التساوي بينهما ولم يزل الإحصاءات في جميع ما قدّم الإسلام فيه الرجل على المرأة كالولاية والقضاء والقتال - تُقدِّم الرجال وتؤخُّر النساء، وأمّا ما الذي أورثته هذه التسوية في هيكل المجتمع الحاضر، فسنشرح ما تيسّر لنا منه في محلّه إن شاء الله تعالى.

قوانين الإسلام الاجتماعية وقوانين العرب:

عمل النكاح في أصول الأعمال الاجتماعية، والبشر منذ أول تكوُّنه وتكثُّره حتى اليوم لم يخلُ عن هذا العمل الاجتماعي، وقد عرفت أنّ هذه الأعمال لا بدّ لها من أصل طبيعي ترجع إليه، ابتداءً أو أنتهاءً.

وقد وضع الإسلام هذا العمل عند تقنينه على أساس خلقة الفحولة والإناث؛ إذ من البيِّن أن هذا التجهيز المتقابل الموجود في الرجل والمرأة - وهو تجهيز دقيق يستوعب جميع بدن الذكور والإناث - لم يوضع هباءً باطلاً، ومن البيِّن - عند كلِّ مَن أجاد التأمُّل - أنّ طبيعة الإنسان الذكور في تجهيزها لا تريدُّ إلاّ الإناث وكذا العكس، وأنّ هذا التجهيز لا غاية له إلاّ إنتاج المثل وإبقاء النوع بذلك، فعمل النكاح يبتني على هذه الحقيقة، وجميع الأحكام المتعلِّقة به تدور مدارها؛ ولذلك وضِع التشريع على ذلك - أي على البُضع - ووضع عليه أحكام العفّة والمواقعة، واختصاص الزوجة بالزوج، وأحكام الطلاق والعدّة والأولاد والإرث ونحو ذلك.

وأمّا القوانين الأُخر الحاضرة، فقد وضعت أساس النكاح على تشريك الزوجين مساعيهما في الحياة، فالنكاح نوعُ اشتراك في العيش هو أضيق دائرة من الاجتماع البلدي ونحو ذلك؛ ولذلك لا ترى القوانين الحاضرة


متعرّضة لشيء ممّا تعرّض له الإسلام، من أحكام العفّة ونحو ذلك.

وهذا البناء على ما يتفرّع عليه من أنواع المشكلات والمحاذير الاجتماعية - على ما سنُبيّن إن شاء الله العزيز - لا ينطبق على أساس الخلقة والفطرة أصلاً، فإنّ غاية ما نجده في الإنسان، من الداعي الطبيعي إلى الاجتماع وتشريك المساعي، هو أنّ بُنيته في سعادة حياته تحتاج إلى أمور كثيرة وأعمال شتّى، لا يمكنه وحده أن يقوم بها جميعاً، إلاَّ بالاجتماع والتعاون، فالجميع يقوم بالجميع، والأشواق الخاصة المتعلِّق كل واحد منها بشغل من الأشغال ونحو من أنحاء الأعمال، متفرِّقة في الأفراد، يحصل من مجموعها مجموع الأشغال والأعمال.

وهذا الداعي إنَّما يدعو إلى الاجتماع والتعاون بين الفرد والفرد أيَّا ما كانا، وأمّا الاجتماع الكائن من رجل وامرأة، فلا دعوة من هذا الداعي بالنسبة إليه، فبناء الازدواج على أساس التعاون الحيوي، انحراف عن صراط الاقتضاء الطبيعي للتناسل والتوالد، إلى غيره ممّا لا دعوة من الطبيعة والفطرة بالنسبة إليه.

ولو كان الأمر على هذا - أعني وضع الازدواج على أساس التعاون والاشتراك في الحياة - كان من اللازم أن لا يختصّ أمر الازدواج في الأحكام الاجتماعية بشيء أصلاً، إلاّ الأحكام العامة الموضوعة لمطلق الشركة والتعاون، وفي ذلك إبطال فضيلة العفّة رأساً، وإبطال أحكام الأنساب والمواريث - كما التزمه الشيوعية - وفي ذلك إبطال جميع الغرائز الفطرية، التي جُهِّز بها الذكور والإناث من الإنسان، وسنزيده إيضاحاً في محلٍّ يُناسبه إن شاء الله، هذا إجمال الكلام في النكاح.

وأمّا الطلاق، فهو من مخافر هذه الشريعة الإسلامية، وقد وضع جوازه على الفطرة؛ إذ لا دليل من الفطرة يدلُّ


على المنع عنه، وإمّا خصوصيات القيود المأخوذة من تشريعه، فسيجيء الكلام فيها إن شاء الله تعالى.

وقد اضطرّت المِلل المُعظمة اليوم إلى إدخاله في قوانينهم المدنيّة بعد ما لم يكن.



قيمومة الرجال على النساء:

قوله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ... ) .

والمراد بما فضَّل الله بعضهم على بعض، هو ما يُفضَّل ويزيد فيه الرجال بحسب الطبع على النساء، وهو زيادة قوّة التعقّل فيهم، وما يتفرّع عليه من شدّة البأس والقوّة، والطاقة على الشدائد في الأعمال ونحوها، فإنّ حياة النساء حياة عاطفية مبنيّة على الرقّة واللطافة، والمراد بما أنفقوا من أموالهم ما أنفقوه في مهورهنّ ونفقاتهن.

وعموم هذه العلَّة يُعطي أنّ الحكم المبنيّ عليها - أعني قوله: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء... ) - غير مقصور على الأزواج، بأن يختصّ القوامية بالرجل على زوجته، بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة، التي ترتبط بها حياة القبيلين جميعاً، فالجهات العامة الاجتماعية التي ترتبط بفضل الرجال، كجهتَي الحكومة والقضاء مثلاً اللذين يتوقَّف عليهما حياة المجتمع، وإنَّما يقومان بالتعقُّل الذي هو في الرجال بالطبع أزيد منه في النساء، وكذا الدفاع الحربي، الذي يرتبط بالشدّة وقوّة التعقّل، كل ذلك ممَّا


يقوم به الرجال على النساء.

وعلى هذا؛ فقوله: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء... ) ذو إطلاق تامِّ، وأمّا قوله بعد: ( ... فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ... ) (إلخ) الظاهر في الاختصاص بما بين الرجل وزوجته - على ما سيأتي - فهو فرع من فروع هذا الحكم المطلق، وجزئي من جزئياته مستخرج منه، من غير أن يتقيَّد به إطلاقه.

قوله تعالى: ( ... فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ... ) المراد بالصلاح معناه اللغوي، وهو ما يُعبَّر عنه بلياقة النفس، والقنوت هو دوام الطاعة والخضوع.

ومقابلتها لقوله: ( ... وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ... ) إلى آخره تُفيد أنّ المراد بالصالحات الزوجات الصالحات، وأنّ هذا الحكم مضروب على النساء في حال الازدواج لا مطلقاً، وأنَّ قوله: ( ... قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ... ) - الذي هو إعطاء للأمر في صورة التوصيف أي ليقنتن وليحفظن - حكم مربوط بشؤون الزوجية والمعاشرة المنزلية، وهذا مع ذلك حكم يتبع في سعته وضيقه عِلَّته - أعني قيمومة الرجل على المرأة قيمومة زوجية - فعليها أن تقنت له وتحفظه فيما يرجع إلى ما بينهما من شؤون الزوجية.

وبعبارة أُخرى: كما أنَّ قيمومة قبيل الرجال على قبيل النساء في المجتمع، إنّما تتعلّق بالجهات العامة المشتركة بينهما، المرتبطة بزيادة تعقُّل الرجل وشدّته في البأس، وهي جهات الحكومة والقضاء والحرب، من غير أن يُبطل بذلك ما للمرأة من الاستقلال في الإرادة الفردية، وعمل نفسها، بأن تريد ما أحبّت، وتفعل ما شاءت من غير أن يحقَّ للرجل أن يُعارضها في شيء من ذلك في غير المنكر، فلا جناح عليهم فيما فعلن في أنفسهنّ بالمعروف، كذلك قيمومة الرجل لزوجته ليست بأن لا تُنفِّذ المرأة في ما تملكه إرادة، ولا


تصرُّف، ولا أن لا تستقلَّ المرأة في حفظ حقوقها الفردية والاجتماعية، والدفاع عنها، والتوسُّل إليها بالمقدمات الموصلة إليها، بل معناها أنّ الرجل إذ كان يُنفق ما يُنفق من ماله بإزاء الاستمتاع، فعليها أن تُطاوعه وتُطيعه في كل ما يرتبط بالاستمتاع والمباشرة عند الحضور، وأن تحفظه في الغيب، فلا تخونه عند غيبته بأن توطئ فراشه غيره، وأن تمتِّع لغيره من نفسها ما ليس لغير الزوج التمتُّع منها بذلك، ولا تخونه فيما وضعه تحت يدها من المال، وسلّطها عليه في ظرف الازدواج والاشتراك في الحياة المنزلية.

فقوله: ( ... فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ... ) أي ينبغي أن يتَّخذن لأنفسهن وصف الصلاح، وإذا كنَّ صالحات فهن لا محالة قانتات، أي يجب أن يقنتن ويُطعن أزواجهن إطاعة دائمة فيما أرادوا منهن، ممَّا له مساس بالتمتّع، ويجب عليهن أن يحفظن جانبهم في جميع ما لهم من الحقوق إذا غابوا.

وأمّا قوله: ( ... بِمَا حَفِظَ اللّهُ... ) ، فالظاهر أنّ ما مصدرية، والباء للآلة والمعنى: إنَّهنَّ قانتات لأزواجهن، حافظات للغيب بما حفظ الله لهم من الحقوق، حيث شرَّع لهم القيمومة، وأوجب عليهنّ الإطاعة وحفظ الغيب لهم.

ويمكن أن يكون الباء للمقابلة، والمعنى حينئذ: أنّه يجب عليهنَّ القنوت وحفظ الغيب في مقابلة ما حفظ الله من حقوقهن، حيث أحيا أمرهن في المجتمع البشري، وأوجب على الرجال لهنَّ المهر والنفقة. والمعنى الأول أظهر.

وهناك معانٍ ذكروها في تفسير الآية أضربنا عن ذكرها؛ لكون السياق لا يُساعد شيء منها.


ماذا تعني قيمومة الرجل؟

تقوية القرآن الكريم لجانب العقل الإنساني السليم، وترجيحه إيَّاه على الهوى واتِّباع الشهوات، والخضوع لحكم العواطف والإحساسات الحادَّة وحضُّه وترغيبه في اتِّباعه، وتوصيته في حفظ هذه الوديعة الإلهية عن الضيعة ممَّا لا ستر عليه، ولا حاجة إلى إيراد دليل كتابي يؤدِّي إليه، فقد تضمَّن القرآن آيات كثيرة متكثِّرة في الدلالة على ذلك ت، صريحاً وتلويحاً، وبكل لسان وبيان.

ولم يُهمل القرآن مع ذلك أمر العواطف الحسنة الطاهرة، ومهامّ آثارها الجميلة، التي يتربّى بها الفرد ويقوم بها صلب المجتمع كقوله: ( ... أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ... ) (1) .

وقوله: ( ... لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً... ) (2) .

وقوله: ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ... ) (3) .

لكنّه عدلها بالموافقة لحكم العقل، فصار اتّباع حكم هذه العواطف والميول اتّباعاً لحكم العقل، وقد مرّ في بعض المباحث السابقة أنّ من حفظ الإسلام لجانب العقل وبنائه أحكامه المشرّعة على ذلك، أنّ جميع الأعمال والأحوال والأخلاق التي تُبطل استقامة العقل في حكمه، وتوجب خبطه في قضائه وتقويمه لشؤون المجتمع، كشرب الخمر والقمار، وأقسام المعاملات الغررية، والكذب والبهتان، والافتراء والغيبة، كل ذلك محرّمة في الدين.

____________________

(1) سورة الفتح، الآية: 29.

(2) سورة الروم، الآية: 21.

(3) سورة الأعراف، الآية: 32.


والباحث المتأمّل يحدس من هذا المقدار، أنّ من الواجب أن يفوَّض زمام الأمور الكلِّية والجهات العامة الاجتماعية - التي ينبغي أن تُدبِّرها قوّة التعقُّل ويجتنَّب فيها من حكومة العواطف والميول النفسانية كجهات الحكومة والقضاء والحرب - إلى مَن يمتاز بمزيد العقل ويضعف فيه حكم العواطف، وهو قبيل الرجال دون النساء.

وهو كذلك؛ قال الله تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء... ) ، والسنّة النبوية التي هي ترجمان البيانات القرآنية بيّنت ذلك كذلك، وسيرته (صلّى الله عليه وآله وسلم) جرت على ذلك أيام حياته، فلم يولِّ امرأة على قوم، ولا أعطى امرأة منصب القضاء، ولا دعاهن إلى غزاة بمعنى دعوتهن إلى أن يُقاتلن.

وأمّا غيرها من الجهات، كجهات التعليم والتعلّم، والمكاسب والتمريض والعلاج وغيرها، ممّا لا يُنافي نجاح العمل فيها مداخلة العواطف، فلم تمنعهنّ السنّة ذلك، والسيرة النبوية تُمضي كثيراً منها، والكُتب أيضاً لا يخلو من دلالة على إجازة ذلك في حقهنّ، فإنّ ذلك لازم ما أُعطين من حرّية الإرادة والعمل في كثير من شؤون الحياة؛ إذ لا معنى لإخراجهن من تحت ولاية الرجال وجعل الملك لهن بحيالهن، ثمّ النهي عن قيامهن بإصلاح ما ملكته أيديهن بأيِّ نحو من الإصلاح، وكذا لا معنى لجعل حقِّ الدعوى أو الشهادة لهنّ، ثمّ المنع عن حضورهنّ عند الوالي أو القاضي وهكذا.

اللهمَّ، إلاّ فيما يُزاحم حق الزوج، فإنّ له عليها قيمومة الطاعة في الحضور، والحفظ في الغيبة، ولا يُمضي لها من شؤونها الجائزة ما يزاحم ذلك.


بحث روائي:

في المجمع، في قوله تعالى: ( وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ... ) (الآية): أي لا يقل أحدكم: ليت ما أُعطي فلان من النعمة والمرأة الحُسنى كان لي. فإن ذلك يكون حسداً، ولكن يجوز أن يقول: اللهمّ، أعطني مثله. قال: وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) .

أقول: وروى العيّاشي في تفسيره، عن الصادق (عليه السلام) مثله (2) .

في تفسير البرهان، عن ابن شهر آشوب، عن الباقر والصادق (عليهما السلام) في قوله تعالى: ( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ... ) ، وفي قوله: ( وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ... ) (أنّهما نزلتا في عليّ (عليه السلام)) (3) .

أقول: والرواية من باب الجري والتطبيق.

وفي الكافي وتفسير القمّي، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (ليس من نفس إلاّ وقد فرض الله لها رزقها حلالاً يأتيها في عافية، وعرض لها بالحرام من وجه آخر، فإن هي تناولت شيئاً من الحرام قاصّها به من الحلال الذي فرض لها، وعند الله سواهما فضل كثير، وهو قول الله عز وجل: ( ... وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ... ) ) (4) .

أقول: ورواه العيّاشي، عن إسماعيل بن كثير، رفعه إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وروى هذا المعنى أيضاً عن أبي الهذيل، عن الصادق (عليه السلام) (5) ، وروى قريباً منه أيضاً القمّي في تفسيره عن الحسين بن مسلم، عن الباقر (عليه السلام).

____________________

(1) تفسير مجمع البيان ج 2، ص 40.

(2) تفسير العيّاشي، ج 1، ص 239 رواية 115.

(3) تفسير البرهان ج 1، ص 361 (دار الكتب العلمية).

(4) الكافي ج 5، ص 80 رواية 2.

(5) تفسير العيّاشي ج 1، ص 39، رواية 116 ورواية 117.


وقد تقدّم كلام في حقيقة الرزق وفرضه، وانقسامه إلى الرزق الحلال والحرام، في ذيل قول: ( ... وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) (1) .

وفي صحيح الترمذي، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم): (سلوا الله من فضله؛ فإنّ الله يُحبُّ أن يُسأل) (2) .

وفي الدرّ المنثور، أخرج ابن جرير من طريق حكيم بن جبير، عن رجل لم يُسمِّه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم): (سلوا الله من فضله؛ فإنّ الله يُحبُّ أن يُسأل، وإنّ أفضل العبادة انتظار الفرج).

وفي التهذيب، بإسناده عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ( وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ... ) قال: (عنى بذلك أُولي الأرحام في المواريث، ولم يَعنِ أولياء النعمة، فأولاهم بالميت أقربهم إليه من الرحم التي تجرُّه إليها) (3) .

وفيه أيضاً، بإسناده عن إبراهيم بن محرز قال: سأل أبا جعفر (عليه السلام) رجل وأنا عنده قال: فقال رجل لامرأته: أمركِ بيدكِ، قال: (أنَّى يكون هذا، والله يقول: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء... ) ؟! ليس هذا بشيء) (4) .

وفي الدرّ المنثور، أخرج ابن أبي حاتم، من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن، قال: جاءت امرأة إلى النبي (صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم) تستعدي على زوجها أنّه لطمها، فقال رسول الله (صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم): (القصاص) ، فأنزل الله: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء... ) الآية، فرجعت بغير قصاص

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 212.

(2) صحيح الترمذي: ج 5، ص 528 باب 116 حديث 3571.

(3) التهذيب ج 9، ص 268 رواية 2 باب 4.

(4) التهذيب ج 8، ص 88 رواية 221 باب 36، وفي الحديث تكملة.


أقول: ورواه بطريق أُخرى عنه (عليه السلام)، وفي بعضها: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أردت أمراً وأراد الله غيره)، ولعلّ المورد كان من موارد النشوز، وإلاّ فذيل الآية: ( ... فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً... ) .

وفي ظاهر الروايات إشكال آخر، من حيث أنّ ظاهرها أنَّ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (القصاص) . بيان للحكم عن استفتاء من السائل، لا قضاء فيما لم يحضر طرفاً الدعوى؛ ولازمه أن يكون نزول الآية تخطئة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حكمه وتشريعه، وهو يُنافي عصمته، وليس بنسخ؛ فإنَّه رفع حكم قبل العمل به، والله سبحانه وإن تصرّف في بعض أحكام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وضعاً أو رفعاً، لكنّ ذلك إنّما هو في حكمه ورأيه في موارد ولايته، لا في حكمه فيما شرّعه لأمّته، فإنّ ذلك تخطئة باطلة.

وفي تفسير القمّي، في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: ( ... قَانِتَاتٌ... ) يقول (مُطيعات) (1) .

وفي المجمع، في قوله تعالى: ( ... فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ... ) الآية، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (يُحوِّل ظهره إليها). وفي معنى الضرب، عن أبي جعفر (عليه السلام): (إنّه الضرب بالسواك) (2) .

وفي الكافي، بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: ( ... فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا... ) قال: (الحكمان يشترطان إن شاءا فرَّقا، وإن شاءا جمعا، فإنّ فرّقا فجائز، وإن جمعا فجائز) (3) .

أقول: وروي هذا المعنى وما يقرب منه بعدّة طُرق أُخر فيه وفي تفسير

____________________

(1) تفسير القمّي ج 1، ص 137. (مؤسسة دار الكتاب: قم).

(2) تفسير مجمع البيان ج 2، ص 44.

(3) الكافي ج 6، ص 146 رواية 3.


العيّاشي.

وفي تفسير العيّاشي، عن ابن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة تزوّجها رجل، وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوّج عليها امرأة وهجرها أو أبى عليها سريّة فإنّها طالق، فقال: شرط الله قبل شرطكم إن شاء وفى بشرطه، وإن شاء أمسك امرأته ونكح عليها وتسرى عليها وهجرها إن أتت سبيل ذلك، قال الله في كتابه: ( ... فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ... ) ، وقال: ( ... وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً )) (1) .

وفي الدرّ المنثور، أخرج البيهقي، عن أسماء بنت يزيد الأنصارية أنّها أتت النبي (صلى الله عليه [ وآله ] وسلم) وهو بين أصحابه فقالت: بأبي أنت وأُمّي، إنِّي وافدة النساء إليك، واعلم - نفسي لك الفداء - أنّه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلاّ وهي على مثل رأيي.

إنّ الله بعثك بالحقّ إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك، وإنّا معشر النساء محصورات مقسورات، قواعد بيوتكم، ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنّكم معاشر الرجال فُضِّلتم علينا بالجمعة والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحجّ بعد الحجّ، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وإنّ الرجل منكم إذا خرج حاجّاً أو معتمراً أو مُرابطاً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا لكم أثوابكم، وربّينا لكم أموالكم، فما نُشارككم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت النبي (صلى الله عليه [ وآله ] وسلم) إلى أصحابه بوجهه كلِّه، ثمّ قال: (هل سمعتم مقالة امرأة قطُّ أحسن من مساءلتها في أمر دينها من

____________________

(1) تفسير العيّاشي ج 1، ص 240 رواية (121).


هذه؟). فقالوا: يا رسول الله، ما ظننّا أنّ امرأة تهتدي إلى مثل هذا. فالتفت النبي (صلى الله عليه [ وآله ] وسلم إليها، ثمّ قال لها: (انصرفي - أيّتها المرأة - وأعلِمي من خلفك من النساء: أنّ حسن تبعُّل إحداكنّ لزوجها، وطلبها مرضاته، واتّباعها موافقته يعدل ذلك كلّه، فأدبرت المرأة وهي تُهلِّل وتكبِّر استبشاراً) (1) .

أقول: والروايات في هذا المعنى كثيرة مرويّة في جوامع الحديث، من طرق الشيعة وأهل السنّة، ومن أجمل ما روي فيه ما رواه في الكافي عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليهما السلام): (جهاد المرأة حُسن التبعُّل) (2) .

ومن أجمع الكلمات لهذا المعنى، مع اشتماله على أُسِّ ما بُني عليه التشريع ما في نهج البلاغة، ورواه أيضاً في الكافي بإسناده، عن عبد الله بن كثير، عن الصادق (عليه السلام) عن علي عليه أفضل السلام، وبإسناده أيضاً عن الأصبغ بن نباتة عنه (عليه السلام) في رسالته إلى ابنه: (أنّ المرأة ريحانة، وليست بقهرمانة) (3) .

وما روي في ذلك، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنّما المرأة لعبة، مَن اتَّخذها فلا يُضيِّعها).

وقد كان يتعجّب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كيف تُعانق المرأة بيد ضُربت بها؛ ففي الكافي أيضاً، بإسناده عن أبي مريم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أيضرب أحدكم المرأة ثمّ يَظلُّ مُعانقها؟!).

وأمثال هذه البيانات كثيرة في الأحاديث، ومن التأمُّل فيها يظهر رأي الإسلام فيها.

ولنرجع إلى ما كنّا فيه من حديث أسماء بنت يزيد الأنصارية، فنقول:

____________________

(1) السيوطي: الدرّ المنثور: ج 2، ص 153.

(2) الكافي ج 5، ص 9 رواية 1.

(3) الكافي ج 5، ص 510 رواية 3.


يظهر من التأمُّل فيه، وفي نظائره الحاكية عن دخول النساء على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتكليمهنّ إيّاه فيما يرجع إلى شرائع الدين، ومختلف ما قرّره الإسلام في حقهنّ، أنّهنّ على احتجابهنّ واختصاصهنّ بالأمور المنزلية من شؤون الحياة غالباً، لم يكنّ ممنوعات من المراودة إلى وليّ الأمر، والسعي في حلّ ما ربّما كان يُشكل عليهن، وهذه حرّية الاعتقاد التي باحثنا فيها في ضمن الكلام في المرابطة الإسلامية، في آخر سورة آل عمران.

ويُستفاد منه ومن نظائره أيضاً:

أولاً: أنّ الطريقة المرضيّة في حياة المرأة في الإسلام، أن تشتغل بتدبير أُمور المنزل الداخلية وتربية الأولاد، وهذه وإن كانت سنّة مسنونة غير مفروضة، لكنّ الترغيب والتحريض الندبي - والظرف ظرف الدين والجوّ جوّ التقوى وابتغاء مرضاة الله وإيثار مثوبة الآخرة على عرض الدنيا والترتبية على الأخلاق الصالحة للنساء كالعفّة والحياء ومحبّة الأولاد والتعلّق بالحياة المنزلية - كانت تحفظ هذه السنّة.

وكان الاشتغال بهذه الشؤون، والاعكتاف على إحياء العواطف الطاهرة المودعة في وجودهنّ، يشغلهنّ عن الورود في مجامع الرجال، واختلاطهنّ بهم في حدود ما أباح الله لهنّ، ويشهد بذلك بقاء هذه السنّة بين المسلمين على ساقها قروناً كثيرة بعد ذلك، حتى نفذ فيهنّ الاسترسال الغربي المُسمّى بحرّية النساء في المجتمع، فجرت إليهنّ وإليهم هلاك الأخلاق، وفساد الحياة وهم لا يشعرون، وسوف يعلمون، (ولو أنّ أهل القُرى آمنوا واتّقوا، لفتح الله عليهم بركات من السماء، وأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم، ولكن كذّبوا فأُخذوا).

وثانياً: إنّ في السنّة المفروضة في الإسلام منع النساء من القيام بأمر الجهاد والقضاء والولاية.


وثالثاً: إنّ الإسلام لم يُهمل أمر هذه الحرمانات، كحرمان المرأة من فضيلة الجهاد في سبيل الله دون أن تداركها، وجبر كسرها بما يُعادلها عنده، بمزايا وفضائل فيها مفاخر حقيقية، كما أنّه جعل حسن التبعُّل - مثلاً - جهاداً للمرأة، وهذه الصنائع والمكارم أوشك أن لا يكون لها عندنا - وظرفنا هذا الظرف الحيوي الفاسد - قدر، لكنّ الظرف الإسلامي الذي يقوم الأمور بقيمها الحقيقية، ويتنافس فيه في الفضائل الإنسانية المرضية عند الله سبحانه، وهو يُقدِّرها حقّ قدرها، يُقدِّر لسلوك كل إنسان مسلكه الذي نُدب إليه، وللزومه الطريق الذي خُطّ له من القيمة، ما يتعادل فيه أنواع الخدمات الإنسانية، وتتوازن أعمالها فلا فضل في الإسلام للشهادة في معركة القتال والسماحة بدماء المُهج - على ما فيه من الفضل - على لزوم المرأة وظيفتها في الزوجية، وكذا لا فخار لوالٍ يُدير رحى المجتمع الحيوي، ولا لقاضٍ يتّكي على مسند القضاء، وهما منصّبان ليس للمتقِّلد بهما في الدنيا - لو عمل فيما عمل بالحق وجرى فيما جرى على الحق - إلاّ تحمُّل أثقال الولاية والقضاء، والتعرُّض لمهالك ومخاطر تُهدِّدهما حيناً بعد حين في حقوق مَن لا حامي له إلاَّ ربُّ العالمين. وإنّ ربّك لبالمرصاد - فأيّ فخر لهؤلاء على من منعه الدين الورود موردهما، وخطّ له خطّاً وأشار إليه بلزومه وسلوكه.

فهذه المفاخر، إنّما يُحييها ويُقيم صلبها بإيثار الناس لها، نوع المجتمع الذي يُربِّي أجزاءه على ما يندب إليه من غير تناقض، واختلاف الشؤون الاجتماعية والأعمال الإنسانية، بحسب اختلاف المجتمعات في أجوائها ممّا لا يسع أحداً إنكاره.

هو ذا الجندي الذي يُلقي بنفسه في أخطر المهالك، وهو الموت في منفجر القنابل المُبيدة؛ ابتغاء ما يراه كرامة ومزيداً، وهو زعمه أن سيُذكر اسمه في فهرس مَن فَدى بنفسه وطنه، ويفتخر بذلك على كل ذي فخر في عين


ما يعتقد بأنّ الموت فوت وبطلان، وليس إلاّ بُغية وهميّة، وكرامة خرافيّة، وكذلك ما تؤثِّره هذه الكواكب الظاهرة في سماء السينماءات ويُعظِّم قدرهنّ بذلك الناس، تعظيماً لا يكاد يناله رؤساء الحكومات السامية، وقد كان ما يعَتوِرْنه من الشغل وما يُعطينّ من أنفسهن للملأ دهراً طويلاً في المجتمعات الإنسانية، أعظم ما يسقط به قدر النساء، وأشنع ما يُعيَّرن به، فليس ذلك كلُّه إلاّ أنّ الظرف من ظروف الحياة يُعين ما يُعينه على أن يقع من سواد الناس موقع القبول ويُعظِّم الحقير، ويُهوِّن الخطير، فليس من المستبعد أن يُعظِّم الإسلام أموراً نستحقرها ونحن في هذه الظروف المضطربة، أو يُحقِّر أموراً نستعظمها ونتنافس فيها فلم يكن الظرف في صدر الإسلام إلاّ ظرف التقوى وإيثار الآخرة على الأُولى.


الزواج



- 1 -

النكاح من مقاصد الطبيعة

أصل التواصل بين الرجل والمرأة ممّا تُبيِّنه الطبيعة الإنسانية - بل الحيوانية - بأبلغ بيانها، والإسلام دين الفطرة، فهو مجوِّزه لا محالة.

وأمر الإيلاد والإفراخ - الذي هو بُغية الطبيعة وغرض الخلقة في هذا الاجتماع - هو السبب الوحيد والعامل الأصلي في تقليب هذا العمل في قالب الازدواج، وإخراجه من مطلق الاختلاط للسفاد والمقاربة إلى شكل النكاح والملازمة؛ ولهذا ترى أنّ الحيوان الذي يشترك في تربيته الوالدان معاً كالطيور، في حضانة بيضها وتغذية أفراخها وتربيتها، وكالحيوان الذي يحتاج - في الولادة والتربية - إلى وكر، تحتاج الإناث منه في بنائه وحفظه إلى معاونة الذكور، ويختار لهذا الشأن الازدواج، وهو نوع من الملازمة والاختصاص بين الزوجين الذكور والإناث منه، فيتواصلان عندئذ ويتشاركان في حفظ بيض الإناث وتدبيرها وإخراج الأفراخ منها، وهكذا إلى أخر مدّة تربية الأولاد، ثمّ


ينفصلان إن انفصلا، ثمّ يتجدّد الازدواج وهكذا، فعامل النكاح والازدواج هو الإيلاد وتربية الأولاد، وأمّا إطفاء نائرة الشهوة أو الاشتراك في الأعمال الحيوية، كالكسب وجمع المال، وتدبير الأكل والشرب، والأثاث وإدارة البيت، فأمور خارجة عن مستوى غرض الطبيعة والخلقة، وإنما هي أمور مقدّمية، أو فوائد مترتبة.

ومن هنا يظهر؛ أنّ الحرّية والاسترسال من الزوجين، بأن يتواصل كلٌّ من الزوجين مع غير زوجه أينما أراد ومهما أراد من غير امتناع، كالحيوان العُجم الذي ينزو الذكور منه على الإناث، أينما وجدها على ما يكاد يكون هو السنّة الجارية بين الملل المتمدّنة اليوم، وكذا الزنا، وخاصة زنا المُحصنة منها، وكذا تثبيت الازدواج الواقع وتحريم الطلاق والانفصال بين الزوجين، وترك الزوج واتّخاذ زوج آخر ما دامت الحياة تجمع بينهما، وكذا إلغاء التوالد وتربية الأولاد وبناء الازدواج على أساس الاشتراك في الحياة المنزلية، على ما هو المتداول اليوم بين الملل الراقية، ونظيره إرسال المواليد إلى المعاهد العامة المعدّة للرضاع والتربية، كل ذلك على خلاف سنّة الطبيعة، وقد جُهِّز الإنسان بما يُنافي هذه السنن الحديثة، على ما مرّت الإشارة إليه.

نعم، الحيوان الذي لا حاجة - في ولادته وتربيته - إلى أزيد من حمل الأُمّ إيّاه، وإرضاعها له وتربيته بمصاحبتها، فلا حاجة طبيعية فيه إلى الازدواج والمصاحبة والاختصاص، فهذا النوع من الحيوان له حرّية السفاد بمقدار ما لا يضرُّ بغرض الطبيعة من جهة حفظ النسل.

وإيّاك أن تتوهّم، أنّ الخروج عن سنّة الخلقة وما تستدعيه الطبيعة لا بأس به، بعد تدارك النواقص الطارئة بالفكر والرويّة، مع ما فيه من لذائذ الحياة


والتنعم؛ فإنّ ذلك من أعظم الخبط، فإنّ هذه البُنيات الطبيعية، التي منها البُنية الإنسانية مركّبات مؤلّفة من أجزاء كثيرة، تستوجب بوقوع كلٍّ في موقعه الخاص، على شرائطه المخصوصة به وضعاً، هو الملائم لغرض الطبيعة والخلقة، وهو المناسب لكمال النوع، كالمعاجين والمركّبات من الأدوية، التي تحتاج إلى أجزاء بأوصاف، ومقادير، وأوزان وشرائط خاصة لو خرج واحد منها عن هيئته الخاصة أدنى خروج وانحراف سقط الأثر.

فالإنسان - مثلاً - موجود طبيعي تكويني، ذو أجزاء مركّبة تركيباً خاصاً، يستتبع أوصافه داخلية وخواص روحية، تستعقب أفعالاً وأعمالاً، فإذا حوّل بعض أفعاله وأعماله من مكانته الطبيعية إلى غيرها؛ يستتبع ذلك انحرافاً وتغيُّراً في صفاته وخواصّه الروحية، وانحرف بذلك جميع الخواصّ والصفات عن مستوى الطبيعة، وصراط الخلقة، وبطل بذلك ارتباطه بكماله الطبيعي، والغاية التي يبتغيها بحسب الخلقة.

وإذا بحثنا في المصائب العامة، التي تستوعب اليوم الإنسانية، وتُحبِط أعمال الناس ومساعيهم لنيل الراحة والحياة السعيدة، وتهدّد الإنسانية بالسقوط والانهدام، وجدنا أنّ أقوى العوامل فيها بطلان فضيلة التقوى وتمكُّن الخرق والقسوة والشدّة والشره من نفوس المجتمعات البشرية، وأعظم أسبابه وعلله الحرّية والاسترسال والإهمال في نواميس الطبيعة في أمر الزوجية وتربية الأولاد، فإنّ سنّة المجتمع المنزلي (الأُسرة) وتربية الأولاد اليوم تُميت قرائح الرأفة والرحمة، والعفّة والحياء والتواضع من الإنسان، من أول حين يأخذ في التمييز إلى آخر ما يعيش.

وأمّا تدارك هذه النواقص بالكفر والرويّة، فهيهات ذلك، فإنّما الفكر - كسائر لوازم الحياة - وسيلة تكوينية اتّخذتها الطبيعة وسيلة لردّ ما خرج وانحرف عن صراط الطبيعة والتكوين إليه، لا لإبطال سعي الطبيعة والخلقة


وقتلها بنفس السيف الذي أعطته للإنسان لدفع الشرّ عنها، ولو استُعمل الفكر - الذي هو أحد وسائل الطبيعة - في تأييد ما أُفسد من شؤون الطبيعة، عادت هذه الوسيلة أيضاً فاسدة منحرفة كسائر الوسائل؛ ولذلك ترى أنّ الإنسان اليوم كلّما أصلح بقوّة فكره واحداً من المفاسد العامة التي تُهدِّد مجتمعه، أنتج ذلك ما هو أمرَّ وأدهى، وزاد البلاء والمصيبة شيوعاً وشمولاً.

نعم، ربّما قال القائل من هؤلاء: إنّ الصفات الروحية - التي تُسمّى الفضائل النفسانية - هي بقايا من عهد الأساطير والتوحُّش، لا تُلائم حياة الإنسان الراقي اليوم، كالعفّة والسخاء والحياء والرأفة والصدق، فإنّ العفّة تقييد لطبيعة النفس فيما تشتهيه من غير وجه، والسخاء إبطال لسعي الإنسان في جمعه المال، وما قاساه من المحن في طريق اكتسابه؛ على أنّه تعويد للمسكين بالبطالة في الاكتساب وبسط يده لذلِّ السؤال، والحياء لجام يلجم الإنسان عن مطالبة حقوقه وإظهار ما في ضميره، والرأفة تُضعف القلب، والصدق لا يُلائم الحياة اليومية. وهذا الكلام بعينه من مصاديق الانحراف الذي ذكرناه.

ولم يَدرِ هذا القائل، أنّ هذه الفضائل في المجتمع الإنساني من الواجبات الضرورية، التي لو ارتفعت من أصلها لم يعشْ المجتمع بعدها في حال الاجتماع ولا ساعة.

فلو ارتفعت هذه الخصال، وتعدّى كل فرد إلى ما لكلّ فرد، من مختصّات الحقوق والأموال والأعراض، ولم يسخُ أحد ببذل ما مسّت إليه حاجة المجتمع، ولم ينفعل أحد من مُخالفة ما يجب عليه رعايته من القوانين، ولم يرأف أحد بالعَجَزَة الذين لا ذنب لهم في عجزهم كالأطفال ومَن في تلوهم، وكذَّب كل أحد لكل أحد في جميع ما يُخبر به ويَعِده، وهكذا؛ تلاشى المجتمع الإنساني من حينه.


فينبغي لهذا القائل، أن يعلم أنّ هذه الخصال لا ترتحل ولن ترتحل عن الدنيا، وأنّ الطبيعة الإنسانية مستمسّكة بها حافظة لحياتها، ما دامت داعية للإنسان إلى الاجتماع، وإنّما الشأن كل الشأن في تنظيم هذه الصفات وتعديلها بحيث توافق غرض الطبيعة والخلقة في دعوتها الإنسان إلى سعادة الحياة، ولو كانت الخصال الدائرة في المجتمع المترقِّي اليوم فضائل للإنسانية، مُعدَّلة بما هو الحريِّ من التعديل لما أوردت المجتمع مورد الفساد والهلكة، ولأقرَّ الناس في مستقرِّ أمن وراحة وسعادة.

ولنعد إلى ما كنّا فيه من البحث، فنقول: الإسلام وضع أمر الازدواج فيما ذكرناه موضعه الطبيعي، فأحلّ النكاح وحرّم الزنا والسفاح، ووضع عُلقة الزوجية على أساس جواز المفارقة وهو الطلاق، ووضع هذه العُلقة على أساس الاختصاص في الجملة على ما سنشرحه، ووضع عقد هذا المجتمع على أساس التوالد والتربية، ومن الأحاديث النبوية المشهورة قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (تناكحوا تناسلوا) ... تكثروا (الحديث).

- 2 -

استيلاء الذكور على الإناث:

ثمّ إنّ التأمُّل في سفاد الحيوانات، يُعطي أنّ للذكور منها شائبة الاستيلاء على الإناث في هذا الباب، فإنّا نرى أنّ الذكر منها كأنّه يرى نفسه مالكاً للبُضع مسلّطاً على الأُنثى؛ ولذلك ما ترى أنّ الفحولة منها تتنازع وتتشاجر على الإناث من غير عكس، فلا تثور الأنثى على مثلها إذا مال إليها الذكر بخلاف العكس، وكذا ما يجري بينها مجرى الخطبة في الإنسان إنّما يبدأ من ناحية الذكران دون الإناث، وليس إلاّ أنّها ترى بالغريزة بأنّ الذكور في هذا العمل كالفاعل المُستعلي والإناث كالقابل الخاضع، وهذا المعنى غير ما


يُشاهَد من نحو طوع من الذكور للإناث في مراعاة ما تميل إليه نفسها ويستلذّه طبعها، فإنّ ذلك راجع إلى مراعاة جانب العشق والشهوة واستزادة اللّذة، وأمّا نحو الاستيلاء والاستعلاء المذكور، فإنّه عائد إلى قوّة الفحولة وإجراء ما تأمر به الطبيعة.

وهذا المعنى - أعني لزوم الشدّة والبأس لقَبيل الذكور واللين والانفعال لقَبيل الإناث - ممّا يوجب الاعتقاد به قليلاً أو كثيراً عند جميع الأُمم، حتى سرى إلى مختلف اللغات، فسُمِّي كل ما هو شديد صعب الانقياد بالذكر، وكل ليِّن سهل الانفعال بالأُنثى، يقال: حديد ذكر وسيف ذكر ونبت ذكر ومكان ذكر، وهكذا.

وهذا الأمر جارٍ في نوع الإنسان، دائر بين المجتمعات المختلفة والأمم المتنوّعة في الجملة، وإن كان ربّما لم يخلُُ من الاختلاف زيادة ونقيصة.

وقد اعتبره الإسلام في تشريعه قال تعالى: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ... ) (1) .

فشرّع وجوب إجابتها له إذا دعاها إلى المواقعة إن أمكنت لها.

- 3 -

تعدُّد الزوجات

وأمر الوحدة والتعدُّد فيما نُشاهده من أقسام الحيوان غير واضح، ففيما كان بينها اجتماع منزلي تتأحّد الإناث وتختصُّ بالذكور، لما أنّ الذكور في شغل شاغل في مشاركتها في تدبير المنزل وحضانة الأفراخ وتربيتها، وربّما تغيَّر الوضع الجاري بينها بالصناعة والتدبير والكفالة، أعني بالتأهُّل والتربية

____________________

(1) سورة النساء، الآية: 34.


كما يُشاهد من أمر الديك والدجاج والحمام ونحوها.

وأمّا الإنسان، فاتّخاذ الزوجات المتعدّدة كانت سنّة جارية في غالب الأُمم القديمة، كمصر والهند، والصين والفرس، بل الروم واليونان، فإنّهم كانوا ربَّما يُضيفون إلى الزوجة الواحدة في البيت خدنا يُصاحبونها، بل وكان ذلك عند بعض الأُمم لا ينتهي إلى عدد يقف عليه، كاليهود والعرب، فكان الرجل منهم ربّما تزوّج العشرة والعشرين وأزيد، وقد ذكروا أنّ سليمان الملك تزوّج مئات من النساء.

وأغلب ما كان يقع تعدُّد الزوجات إنّما هو في القبائل ومَن يحذو حذوهم، من سكّان القُرى والجبال، فإنّ لربّ البيت منهم حاجة شديدة إلى الجمع وكثرة الأعضاء، فكانوا يقصدون بذلك التكاثر في البنين بكثرة الاستيلاد؛ ليهون لهم أمر الدفاع الذي هو من لوازم عيشتهم، وليكون ذلك وسيلة يتوسّلون بها إلى الترؤس والسؤدد في قومهم، على ما في كثرة الازدواج من تكثُّر الأقرباء بالمُصاهرة.

وما ذكره بعض العلماء، أنّ العامل في تعدُّد الزوجات في القبائل وأهل القرى إنّما هو كثرة المشاغل والأعمال فيهم، كأعمال الحمل والنقل، والرعي والزراعة، والسقاية والصيد، والطبخ والنسج وغير ذلك، فهو وإن كان حقّاً في الجملة، إلاّ أنّ التأمّل في صفاتهم الروحية يُعطي أنّ هذه الأعمال في الدرجة الثانية من الأهمّية عندهم، وما ذكرناه هو الذي يتعلّق به قصد الإنسان البدوي أولاً وبالذات، كما أن شيوع الادّعاء والتبنّي أيضاً بينهم سابقاً كان من فروع هذا الغرض.

على أنّه كان في هذه الأُمم عامل أساسي آخر لتداول تعدُّد الزوجات بينهم، وهو زيادة عدد النساء على الرجال بما لا يُتسامح فيه، فإنّ هذه الأُمم


السائرة بسيرة القبائل، كانت تدوم فيهم الحروب والغزوات، وقتل الفتك والغيلة، فكان القتل يُفني الرجال، ويزيد عدد النساء على الرجال زيادة، لا ترتفع حاجة الطبيعة معها إلاّ بتعدّد الزوجات. هذا.

والإسلام شرّع الازدواج بواحدة، وأنفذ التكثير إلى أربع، بشرط التمكُّن من القسط بينهن، مع إصلاح جميع المحاذير المتوجّهة إلى التعدُّد، على ما سنُشير إليها، قال تعالى: ( ... وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ... ) (1) .

وقد استشكلوا على حكم تعدُّد الزوجات:

أولاً: إنّه يضع آثاراً سيئة في المجتمع؛ فإنّه يقرع قلوب النساء في عواطفهن، ويُخيِّب آمالهن ويُسكِّن فورة الحبِّ في قلوبهن؛ فينعكس حسُّ الحبِّ إلى حسِّ الانتقام؛ فيُهملن أمر البيت ويتثاقلن في تربية الأولاد، ويُقابلن الرجل بمثل ما أساؤوا إليهنّ؛ فيشيع الزنا والسفاح، والخيانة في المال والعرض، فلا يلبث المجتمع دون أن ينحطَّ في أقرب وقت.

وثانياً: إنّ التعدّد في الزوجات يُخالف ما هو المشهود المُتراءى من عمل الطبيعة؛ فإنَّ الإحصاء في الأُمم والأجيال يُفيد أنّ قبيلَي الذكورة والإناث متساويان عدداً تقريباً، فالذي هيّأته الطبيعة هو واحدة لواحد، وخلاف ذلك خلاف غرض الطبيعة.

وثالثاً: إنّ في تشريع تعدُّد الزوجات ترغيباً للرجال إلى الشره والشهوة، وتقوية لهذه القدرة في المجتمع.

ورابعاً: إنّ في ذلك حطّاً لوزن النساء في المجتمع، بمعادلة الأربع منهنّ بواحد من الرجال، وهو تقويم جائر، حتى بالنظر إلى مذاق الإسلام الذي سُوِّيَ فيه بين امرأتين ورجل، كما في الإرث والشهادة وغيرهما، ولازمه

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 228.


تجويز التزوج باثنتين منهنّ لا أزيد، ففي تجويز الأربع عدول عن العدل على أيِّ حال من غير وجه.

وهذه الإشكالات ممّا اعترض بها النصارى على الإسلام، أو مَن يوافقهم من المدنيين المنتصرين لمسألة تساوي حقوق الرجال والنساء في المجتمع.

والجواب عن الأول - ما تقدّم غير مرّة في المباحث المتقدِّمة -: أنّ الإسلام وضع بُنية المجتمع الإنساني على أساس الحياة التعقُّلية دون الحياة الإحساسية، فالمتَّبع عنده هو الصلاح العقلي في السُنن الاجتماعية، دون ما تهواه الإحساسات وتنجذب إليه العواطف.

وليس في ذلك إماتة العواطف والإحساسات الرقيقة، وإبطال حكم المواهب الإلهية والغرائز الطبيعية؛ فإنَّ من المُسلَّم في الأبحاث النفسية، أنّ الصفات الروحية والعواطف والإحساسات الباطنة، تختلف - كمَّاً وكيفاً - باختلاف التربية والعادة، كما أنّ كثيراً من الآداب والرسوم الممدوحة عند الشرقيين مذمومة عند الغربيين، وبالعكس، وكل أُمّة تختلف مع غيرها في بعض الأمور.

والتربية الدينية في الإسلام تُقيم المرأة الإسلامية مقاماً لا تتألّم بأمثال ذلك عواطفها.

نعم، المرأة الغربية، حيث اعتادت منذ قرون بالوحدة ولُقِّنت بذلك جيلاً بعد جيل؛ استحكم في روحها عاطفة نفسانية تُضادُّ التعدُّد؛ ومن الدليل على ذلك الاسترسال الفظيع، الذي شاعت بين الرجال والنساء في الأُمم المتمدِّنة اليوم.

أليس رجالهم يقضون أوطار الشهوة من كل مَن هووها وهوتهم من نسائهم، من محارم وغيرها، ومن بكر أو ثيِّب، ومن ذات بعل أو غيرها، حتى إنّ الإنسان لا يقدر أن يقف في كل ألف منهم بواحد قد سلم من الزنا، سواء


في ذلك الرجال والنساء، ولم يقنعوا بذلك حتى وقعوا في الرجال وقوعاً قلَّ ما يسلم منه فرد، حتى بلغ الأمر مبلغاً رفعوا قُبيل سنة إلى برلمان بريطانيا العُظمى أن يُبيح لهم اللواط (سنّة قانونية)، وذلك بعد شيوعه بينهم من غير رسمية؟!

وأمّا النساء - وخاصة الأبكار وغير ذوات البعل من الفتيات - فالأمر فيهنّ أغرب وأفظع.

فليت شعري! كيف لا تأسف النساء هناك ولا يتحرّجن ولا تنكسر قلوبهنّ ولا تتألّم عواطفهن حين يُشاهدن كل هذه الفضائح من رجالهن؟! وكيف لا تتألّم عواطف الرجال وإحساساته حين يبني بفتاة ثمّ يجدها ثيِّباً فقدت بكارتها وافترشت لا للواحد والاثنين من الرجال ثمّ لا يلبث حتى يتباهى بين الأقران أنّ سيّدته ممّن جذبت الرجال إلى نفسها وتنافس عليها العشرات والمئات؟!!.

إنّ هذه السيّئات تكرّرت بينهم، ونزعة الحرّية تمكّنت من أنفسهم، حتى صارت عادة عريقة مألوفة، لا تمتنع منها العواطف والإحساسات، ولا تستنكرها النفوس! فليس إلاّ أنّ السنن الجارية تميل العواطف الإحساسات إلى ما يوافقها ولا يخالفها.

وأمّا ما ذكروه، من استلزام ذلك إهمالهنّ في تدبير البيت، وتثاقلهن في تربية الأولاد، وشيوع الزنا والخيانة، فالذي أفادته التجربة خلاف ذلك، فإنّ هذا الحكم جرى في صدر الإسلام، وليس في وسع أحد من أهل الخبرة بالتاريخ أن يدّعي حصول وقفة في أمر المجتمع من جهته، بل كان الأمر بالعكس.

على أنّ هذه النساء اللاتي يُتزوّج بهنّ على الزوجة الأُولى، في المجتمع الإسلامي وسائر المجتمعات التي ترى ذلك - أعني الزوجة الثانية والثالثة والرابعة - إنّما يتزوّج بهنّ عن رضاء ورغبة منهنّ، وهنّ من نساء هذه المجتمعات، ولم يسترققهنّ الرجال من مجتمعات أُخرى، ولا جلبوهن للنكاح من غير هذه الدنيا، وإنّما رغبن في مثل هذا الازدواج لعلل اجتماعية،


فطباع جنس المرأة لا يمتنع عن مسألة تعدُّد الزوجات، ولا قلوبهنَّ تتألّم منها، بل لو كان شيء من ذلك، فهو من لوازم وعوارض الزوجية الأُولى، أعني أنّ المرأة إذا توحّدت للرجل لا تحبُّ أن ترد عليها وعلى بيتها أُخرى؛ لخوفها أن تُميل عنها بعلها أو تترأَّس عليها غيرها أو يختلف الأولاد ونحو ذلك، فعدم الرضى والتألُّم فيما كان، إنّما منشأه حالة عرضية (التوحُّد بالبعل) لا غريزة طبيعية.

والجواب عن الثاني: إنّ الاستدلال بتسوية الطبيعة بين الرجال والنساء في العدد مُختلٌّ من وجوه.

منها: أنّ أمر الازدواج لا يتّكي على هذا الذي ذكروه فحسب، بل هناك عوامل وشرائط أُخرى لهذا الأمر، فأولاً الرشد الفكري والتهيُّؤ لأمر النكاح أسرع إلى النساء منها إلى الرجال، فالنساء وخاصة في المناطق الحارّة إذا جُزن التسع صلحن للنكاح، والرجال لا يتهيَّؤون لذلك غالباً قبل الستِّ عشرة من السنين (وهو الذي اعتبره الإسلام للنكاح).

ومن الدليل على ذلك؛ السنّة الجارية في فتيات الأُمم المتمدّنة، فمن الشاذِّ النادر أن تبقى فتاة على بكارتها إلى سنِّ البلوغ القانوني، فليس إلاّ أنّ الطبيعة هيّأتها للنكاح قبل تهيُّئتها الرجال لذلك.

ولازم هذه الخاصة؛ أن لو اعتبرنا مواليد ستّ عشرة سنة من قوم (والفرض تساوي عدد الذكورة والإناث فيهم)، كان الصالح للنكاح في السنة السادسة عشر من الرجال وهي سنة أول الصلوح مواليد سنة واحدة، وهم مواليد السنة الأُولى المفروضة، والصالحة للنكاح من النساء مواليد سبع سنين، وهي مواليد السنة الأُولى إلى السابعة، ولو اعتبرنا مواليد خمسة وعشرين سنة، وهي سن بلوغ الأشدِّ من الرجال؛ حصل في السنة الخامسة


والعشرين على الصلوح في الرجال مواليد عشرة سنين، ومن النساء مواليد خمس عشرة سنة، وإذا أخذنا بالنسبة الوسطى، حصل لكل واحد من الرجال اثنتان من النساء بعمل الطبيعة.

وثانياً: أنّ الإحصاء - كما ذكروه - يُبيِّن أنّ النساء أطول عمراً من الرجال، ولازمه أن تهيِّئ سنة الوفاة والموت عدداً من النساء ليس بحذائهن رجال.

وممّا يؤيّد ذلك ما نشره بعض الجرائد في هذه الأيّام (جريدة الاطِّلاعات المنتشرة في طهران المؤرّخة بالثلاثاء 11 دي ماه سنة 1335 هـ ش) حكاية عن دائرة الإحصاء في فرنسا ما حاصله: قد تحصّل بحسب الإحصاء أنّه يولَد في فرنسا حذاء كل (100) مولودة من البنات (105) من البنين، ومع ذلك، فإنّ الإناث يربو عدّتهن على عدّة الذكور بما يُعادل (1765000) نسمة، ونفوس المملكة (40 مليوناً)؛ والسبب فيه أنّ البنين أضعف مقاومة من البنات قبال الأمراض، ويهلك بها (5%) الزائد منهم إلى سنة (19) من الولادة.

ثمّ يأخذ عدَّة الذكور في النقص ما بين 25 - 30 من السنين، حتى إذا بلغوا سنيِّ 60 - 65 لم يبقَ تِجاه (1500000) من الإناث إلاّ (750000) من الذكور.

وثالثاً: أنّ خاصّة النسل والتوليد تدوم في الرجال أكثر من النساء، فالأغلب على النساء أن يئسن من الحمل في سنّ الخمسين، ويمكث ذلك في الرجال سنين عديدة بعد ذلك، وربّما بقي قابلية التوليد في الرجال إلى تمام العمر الطبيعي - وهي مائة سنة - فيكون عمر صلاحية الرجل للتوليد وهو ثمانون سنة تقريباً ضعفه في المرأة وهو أربعون تقريباً، وإذا ضُمَّ هذا الوجه إلى الوجه السابق؛ أنتج أنّ الطبيعة والخلقة أباح للرجال التعدِّي من الزوجة


الواحدة إلى غيرها، فلا معنى لتهيئة قوّة التوليد والمنع عن الاستيلاد من محلٍّ شأنه ذلك؛ فإنّ ذلك ممّا تأباه سنّة العلل والأسباب الجارية.

ورابعاً: أنّ الحوادث المُبيدة لأفراد المجتمع - من الحروب والمقاتل وغيرهما - تحلُّ بالرجال وتفنيهم أكثر منها بالنساء بما لا يُقاس، كما تقدم أنّه كان أقوى العوامل لشيوع تعدّد الزوجات في القبائل، فهذه الأرامل والنساء العزّل لا محيص لهنّ عن قبول التعدُّد أو الزنا، أو خيبة القوّة المودعة في طبائعهنّ وبطلانها.

وممّا يتأيّد به هذه الحقيقة، ما وقع في ألمانيا الغربية قبل عدّة شهور، من كتابة هذه الأوراق: أظهرت جمعية النساء العزّل تحرُّجها من فقدان البعولة، وسألت الحكومة أن يسمح لهنّ بسنّ تشريع تعدُّد الزوجات الإسلامية، حتى يتزوّج مَن شاء من الرجال بأزيد من واحدة، ويرتفع بذلك غائلة الحرمان، غير أنّ الحكومة لم تُجبهنّ في ذلك، وامتنعت الكنيسة من قبوله، ورضيت بفشو الزنا وشيوعه وفساد النسل به.

ومنها: أنّ الاستدلال بتسوية الطبيعة النوعية بين الرجال والنساء في العدد - مع الغضِّ عمَّا تقدَّم - إنّما يستقيم فيما لو فُرض أن يتزوَّج كل رجل في المجتمع بأكثر من الواحدة إلى أربع من النساء، لكنّ الطبيعة لا تسمح بإعداد جميع الرجال لذلك، ولا يسع ذلك بالطبع إلاّ لبعضهم دون جميعهم، والإسلام لم يشرِّع تعدُّد الزوجات بنحو الفرض والوجوب على الرجال، بل إنّما أباح ذلك لمَن استطاع أن يُقيم القسط منهم، ومن أوضح الدليل على عدم استلزام هذا التشريع حرجاً ولا فساداً أنّ سير هذه السنّة بين المسلمين - وكذا بين سائر الأُمم الذين يرون ذلك - لم يستلزم حرجاً من قحط النساء وإعوازهن على الرجال، بل بالعكس من ذلك أعدَّ تحريم التعدُّد في البلاد التي فيها ذلك ألوفاً من النساء حُرمن الأزواج والاجتماع المنزلي (الأُسرة)


واكتفين بالزنا.

ومنها: أنَّ الاستدلال المذكور - مع الإغماض عن ما سبق - إنّما يستقيم لو لم يُصلح هذا الحكم ولم يُعدَّل بتقييده بقيود ترتفع بها المحاذير المتوهِّمة، فقد شرط الإسلام على مَن يُريد من الرجال التعدُّد، أن يُقيم العدل في معاشرتهنّ بالمعروف، وفي القسم، والفراش، وفرض عليهم نفقتهنَّ، ثمّ نفقة أولادهن، ولا يتيسر الإنفاق على أربع نسوة مثلاً ومَن يلدنه من الأولاد مع شريطة العدل في المعاشرة وغير ذلك، إلاّ لبعض أُولي الطول والسعة من الناس لا لجميعهم.

على أنَّ هناك طُرقاً دينية شرعيّة، يمكن أن تستريح إليها المرأة، فتُلزم الزوج على الاقتصار عليها والإغماض عن التكثير.

والجواب عن الثالث: أنَّه مبنيٌّ على عدم التدبُّر في نحو التربية الإسلامية، ومقاصد هذه الشريعة؛ فإنّ التربية الدينية للنساء في المجتمع الإسلامي، الذي يرتضيه الدين بالستر والعفاف، والحياء وعدم الخرق، تُنمِّي المرأة وشهوة النكاح فيها أقل منها في الرجال (على الرغم ممَّا شاع أنّ شهوة النكاح فيها أزيد وأكثر واستدلَّ عليه بتولِّعها المُفرط بالزينة والجمال طبعاً) وهذا أمر لا يكاد يَشكُّ فيه رجال المسلمين ممَّن تزوج بالنساء الناشئات على التربية الدينية، فشهوة النكاح في المتوسِّط من الرجال تُعادل ما في أكثر من امرأة واحدة، بل والمرأتين والثلاث.

ومن جهة أُخرى، من عناية هذا الدين، أن يرتفع الحرمان في الواجب من مقتضيات الطبع ومشتهيات النفس، فاعتبر أن لا تُختزن الشهوة في الرجل ولا يُحرم منها، فيدعوه ذلك إلى التعدِّي إلى الفجور والفحشاء، والمرأة الواحدة ربّما اعتذرت فيما يقرب من ثُلث أوقات المعاشرة والمصاحبة، كأيام العادة


وبعض أيّام الحمل والوضع والرضاع ونحو ذلك، والإسراع في رفع هذه الحاجة الغريزية هو لازم - ما تكرَّر منّا في المباحث السابقة من هذا الكتاب - أنّ الإسلام يبني المجتمع على أساس الحياة التعقُّلية دون الحياة الإحساسية، فبقاء الإنسان على حالة الإحساس، الداعية إلى الاسترسال في الأهواء والخواطر السوء، كحال التعزُّب ونحوه، من أعظم المخاطر في نظر الإسلام.

ومن جهة أُخرى، من أهمِّ المقاصد عند الشارع الإسلام تكثُّر نسل المسلمين، وعمارة الأرض بيد مجتمع مسلم عمارة صالحة ترفع الشرك والفساد.

فهذه الجهات وأمثالها، هي التي اهتمَّ بها الإسلام في تشريع تعدُّد الزوجات، دون ترويج أمر الشهوة وترغيب الناس إلى الانكباب عليها، ولو أنصف هؤلاء المستشكلون، كان هذه السنن الاجتماعية، المعروفة بين هؤلاء البانين للاجتماع على أساس التمتُّع المادي، أولى بالرمي بترويج الفحشاء والترغيب إلى الشره من الإسلام، الباني للاجتماع على أساس السعادة الدينية.

على أنّ في تجويز تعدُّد الزوجات تسكيناً لثورة الحرص، التي هي من لوازم الحرمان، فكل محروم حريص، ولا همّ للممنوع المحبوس إلاّ أن يهتك حجاب المنع والحبس، فالمسلم وإن كان ذا زوجة واحدة، فإنّه على سكن وطيّب نفس من أنّه ليس بممنوع عن التوسُّع في قضاء شهوته لو تحرّجت نفسه يوماً إليه، وهذا نوع تسكين لطيش النفس، وإحصان لها عن الميل إلى الفحشاء وهتك الأعراض المحرَّمة.

وقد أنصف بعض الباحثين من الغربيين؛ حيث قال: لم يعمل في إشاعة الزنا والفحشاء بين الملل المسيحية عامل، أقوى من تحريم الكنيسة تعدُّد


الزوجات.

والجواب عن الرابع: أنّه ممنوع؛ فقد بيّنا في بعض المباحث السابقة - عند الكلام في حقوق المرأة في الإسلام - أنّه لم يحترم النساء ولم يُراعِ حقوقهنّ كل المراعاة أيُّ سنَّة من السنن الدينية أو الدنيوية، من قديمها وحديثها بمثل ما احترمهن الإسلام، وسنزيد في ذلك وضوحاً.

وأمّا تجويز تعدُّد الزوجات للرجل، فليس بمبني على ما ذكر، من إبطال الوزن الاجتماعي، وإماتة حقوقهنَّ، والاستخفاف بموقفهنّ في الحياة، وإنّما هو مبنيٌّ على جهات من المصالح تقدَّم بيان بعضها.

وقد اعترف بحُسن هذا التشريع الإسلامي، وما في منعه من الفاسد الاجتماعية والمحاذير الحيوية، جمع من باحثي الغرب، من الرجال والنساء، مَن أراده فليُراجع إلى مظانِّه.

وأقوى ما تشبَّث به مخالفو سنّة التعدُّد من علماء الغرب، وزوقوه في أعين الناظرين، ما هو مشهود في بيوت المسلمين، تلك البيوت المشتملة على زوجات عديدة:

ضرّتان أو ضرائر؛ فإنّ هذه البيوت لا تحتوي على حياة صالحة ولا عيشة هنيئة، لا تلبث الضرَّتان من أول يوم حلّتا البيت دون أن تأخذا في التحاسد، حتى إنَّهم سموا الحسد بداء الضرائر، وعندئذ تنقلب جميع العواطف والإحساسات الرقيقة التي جُبلت عليها النساء من الحبِّ ولين الجانب، والرقّة والرأفة، والشفقة والنصح، وحفظ الغيب والوفاء، والمودة والرحمة والإخلاص بالنسبة إلى الزوج وأولاده من غير الزوجة، وبيته وجميع ما يتعلّق به إلى أضدادها، فينقلب البيت - الذي هو سكن للإنسان يستريح فيه من تعب الحياة اليومي وتألُّم الروح والجسم من مشاقِّ الأعمال


والجُهد في المكسب - معركة قتال يُستباح فيها النفس والعرض والمال والجاه، لا يؤمن فيه من شيء لشيء، ويتكدّر فيه صفو العيش، وترتحل لذّة الحياة، ويحلُّ محلُّها الضرب والشتم، والسبُّ واللعن، والسعاية والنميمة، والرقابة والمكر والمكيدة، واختلاف الأولاد وتشاجرهم، وربَّما انجرَّ الأمر إلى همِّ الزوجة بإهلاك الزوج وقتل بعض الأولاد بعضاً أو آبائهم، وتتبدّل القرابة بينهم إلى الأوتار التي تسحب في الأعقاب سفك الدماء وهلاك النسل وفساد البيت، أضف إلى ذلك، ما يسري من ذلك إلى المجتمع، من الشقاء وفساد الأخلاق، والقسوة والظلم، والبغي والفحشاء، وانسلاب الأمن والوثوق، وخاصة إذا أُضيف إلى ذلك جواز الطلاق؛ فإباحة تعدُّد الزوجات والطلاق يُنشئان في المجتمع رجالاً ذوّاقين مُترفين، لا همَّ لهم إلاّ اتِّباع الشهوات والحرص والتولُّع على أخذ هذه وترك تلك، ورفع واحدة ووضع أُخرى، وليس فيه إلاَّ تضييع نصف المجتمع وإشقاؤه، وهو قبيل النساء، وبذلك يفسد النصف الآخر.

هذا محصَّل ما ذكروه، وهو حقٌّ، غير أنّه إنّما يرد على المسلمين لا على الإسلام وتعاليمه، ومتى عمل المسلمون بحقيقة ما ألقته إليهم تعاليم الإسلام، حتى يؤخذ الإسلام بالمفاسد التي أعقبته أعمالهم؟! وقد فقدوا منذُ قرون الحكومة الصالحة، التي تُربِّي الناس بالتعاليم الدينية الشريفة، بل كان أسبق الناس إلى هتك الأستار، التي أسدلها الدين ونقض قوانينه وإبطال حدوده، هي طبقة الحكَّام والولاة على المسلمين، والناس على دين ملوكهم، ولو اشتغلنا بقصِّ بعض السير الجارية في بيوت الملوك، والفضائح التي كان يأتي بها ملوك الإسلام وولاته، منذ أن تبدّلت الحكومة الدينية بالمُلك والسلطنة المستبدّة لجاء بحياله تأليفاً مستقلاً.

وبالجملة؛ لو ورد الإشكال فهو وارد على المسلمين؛ في اختيارهم لبيوتهم نوع اجتماع لا يتضمّن سعادة


عيشتهم، ونحو سياسة لا يقدرون على إنفاذها، بحيث لا تنحرف عن مستقيم الصراط.

والذنب في ذلك عائد إلى الرجال دون النساء والأولاد، وإن كان على كل نفس ما اكتسبت من إثم؛ وذلك أنّ سيرة هؤلاء الرجال وتفدِّيتهم سعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم، وصفاء جوِّ مجتمعهم في سبيل شرههم وجهالتهم هو الأصل لجميع هذه المفاسد، والمنبت لكل هذه الشقوة المُبيدة.

أمّا الإسلام، فلم يُشرِّع تعدُّد الزوجات على نحو الإيجاب والفرض على كل رجل، وإنّما نظر في طبيعة الأفراد، وما ربّما يعرضهم من العوارض الحادثة، واعتبر الصلاح القاطع في ذلك (كما مرّ تفصيله)، ثمّ استقصى مفاسد التكثير ومحاذيره وأحصاها، فأباح عند ذلك التعدُّد؛ حفظاً لمصلحة المجتمع الإنساني، وقيّده بما يرتفع معه جميع هذه المفاسد الشنيعة، وهو وثوق الرجل بأنّه سيقسط بينهنّ ويعدل، فمَن وثق من نفسه بذلك ووُفِّق له فهو الذي أباح له الدين تعدُّد الزوجات، وأمّا هؤلاء الذين لا عناية لهم بسعادة أنفسهم وأهليهم وأولادهم، ولا كرامة عندهم إلاَّ ترضية بطونهم وفروجهم، ولا مفهوم للمرأة عندهم إلاّ أنّها مخلوقة في سبيل شهوة الرجل ولذّته، فلا شأن للإسلام فيهم، ولا يجوز لهم إلاّ الازدواج بواحدة لو جاز لهم ذلك والحال هذه.

على أنّ في أصل الإشكال خلطاً بين جهتين مفرقتين في الإسلام، وهما جهتا التشريع والولاية.

توضيح ذلك: أنَّ المدار في القضاء بالصلاح والفساد، في القوانين الموضوعة والسنن الجارية عند الباحثين اليوم، هو الآثار والنتائج المرضيّة أو غير المرضية، الحاصلة من جريانها في الجوامع وقبول الجوامع لها بفعليّتها


الموجودة وعدم قبولها، وما أظنُّ أنّهم على غفلة، من أنَّ المجتمع ربّما اشتمل على بعض سنن وعادات عوارض لا تُلائم الحكم بالمبحوث عنه، وأنّه يجب تجهيز المجتمع بما لا يُنافي الحكم أو السنَّة المذكورة، حتى يرى إلى ما يصير أمره، وماذا يبقى من الأثر خيراً أو شرّاً أو نفعاً أو ضراً! إلاّ أنّهم يعتبرون في القوانين الموضوعة ما يُريده ويستدعيه المجتمع، بحاضر إرادته وظاهر فكرته كيفما كان، فما وافق إرادتهم ومستدعياتهم فهو القانون الصالح، وما خالف ذلك فهو القانون غير الصالح.

ولذلك؛ لمّا رأوا المسلمين تائهين في أودية الغيّ، فاسدين في معاشهم ومعادهم، نسبوا ما يشاهدونه منه من الكذب والخيانة، والخنى وهضم الحقوق، وفشوّ البغي وفساد البيوت، واختلال الاجتماع إلى القوانين الدينية الدائرة بينهم؛ زعماً منهم أنّ السنّة الإسلامية - في جريانها بين الناس وتأثيرها أثرها - كسائر السنن الاجتماعية، التي تُحمل على الناس عن إحساسات متراكمة بينهم؛ ويستنتجون من ذلك أنّ الإسلام هو المولد لهذه المفاسد الاجتماعية، ومنه ينشأ هذا البغي والفساد (وفيهم أبغى البغي وأخنى الخنى، وكل الصيد في جوف الفراء) ولو كان ديناً واقعياً، وكانت القوانين الموضوعة فيه جيّدة متضمّنة لصلاح الناس وسعادتهم لأثّرت فيهم الآثار المُسعدة الجميلة، ولم ينقلب وبالاً عليهم.

ولكنّهم خلطوا بين طبيعة الحُكم الصالحة المُصلِحة، وبين طبيعة الناس الفاسدة المفسدة، والإسلام مجموع معارف أصلية وأخلاقية، وقوانين عملية متناسبة الأطراف مرتبطة الأجزاء، إذا أفسد بعض أجزائها أوجب ذلك فساد الجميع وانحرافها في التأثير، كالأدوية والمعاجين المركّبة، التي تحتاج في تأثيرها الصحّي إلى سلامة أجزائها وإلى محلٍّ مُعدٍّ مهيّأ لورودها وعملها، ولو أفسد بعض أجزائها أو لم يعتبر في الإنسان المستعمل لها شرائط


الاستعمال بطل عنها وصف التأثير، وربّما أثّرت ما يُضادُّ أثرها المترقَّب منها.

هب أنّ السنّة الإسلامية لم تقوَ على إصلاح الناس ومحق الذمائم والرذائل العامة؛ لضعف مبانيها التقنينية، فما بال السنّة الديمقراطية لا تنجع في بلادنا الشرقية أثرها في البلاد الأوروبية؟! وما بالنا كلّما أمعنّا في السير والكدح بالغنا في الرجوع على أعقابنا القهقري؟! ولا يشكّ شاكٌّ أنّ الذمائم والرذائل اليوم أشدّ تصلُّباً وتعرُّقاً فينا، ونحن مدنيون متنوِّرون منها قبل نصف قرن، ونحن همجيُّون، وليس لنا حظٌّ في العدل الاجتماعي وحياة الحقوق البشرية، والمعارف العامة العالية وكل سعادة اجتماعية، إلاّ أسماء نُسمِّيها وألفاظاً نسمعها.

فهل يمكن لمعتذر عن ذلك، إلاّ بأنّ هذه السنن المرضية إنّما لم تؤثِّر أثرها؛ لأنّكم لا تعملون بها، ولاتهتمُّون بإجرائها؟! فما بال هذا العذر يجري فيها وينجع ولا يجري في الإسلام ولا ينجع؟!

وهب أنّ الإسلام لوهن أساسها (والعياذ بالله) عجز عن التمكُّن في قلوب الناس، والنفوذ الكامل في أعماق المجتمع، فلم تدم حكومته ولم يقدر على حفظ حياته في المجتمع الإسلامي، فلم يلبث دون أن عاد مهجوراً، فما بال السنّة الديمقراطية وكانت سنّة مرضية عالمية ارتحلت بعد الحرب العالمية الكبرى الأُولى عن روسيا، وانمحت آثارها وخلقتها السنّة الشيوعية؟! وما بالها انقلبت إلى السنّة الشيوعية بعد الحرب العالمية الكبرى الثانية في ممالك الصين ولتوني واستوني وليتواني ورومانيا والمجر ويوغسلافيا وغيرها، وهي تهدِّد سائر الممالك، وقد نفذت فيها نفوذاً؟!

وما بال السنّة الشيوعية بعد ما عمرت ما يقرب من أربعين سنة،


وانبسطت وحكمت فيما يقرب من نصف المجتمع الإنساني، ولم يزل دعاتها وأولياؤها يتباهون في فضيلتها أنّها المشرَّعة الصافية الوحيدة التي لا يشوبها تحكُّم الاستبداد ولا استثمار الديمقراطية، وأنّ البلاد التي تعرّقت فيها هي الجنّة الوعودة، ثمّ لم يلبث هؤلاء الدعاة والأولياء أنفسهم دون أن انتهضوا قبل سنتين على تقبيح حكومة قائدهم الوحيد (ستالين) الذي كان يتولَّى إمامتها وقيادتها منذ ثلاثين سنة، وأوضحوا أنّ حكومته كانت حكومة تحكُّم واستبداد واستعباد في صورة الشيوعية، ولا محالة كان له التأثير العظيم في وضع القوانين الدائرة وإجرائها وسائر ما يتعلّق بذلك، فلم ينتش شيء من ذلك إلاَّ عن إرادة مستبدّة مستعبدة وحكومة فردية تُحيي ألوفاً وتُميت ألوفاً وتُسعد أقواماً وتُشقي آخرين؟! والله يعلم مَن الذي يأتي بعد هؤلاء ويقضي عليهم بمثل ما قضوا به على مَن كان قبلهم.

والسنن والآداب والرسوم الدائرة في المجتمعات (أعمّ من الصحيحة والفاسدة)، ثمّ المرتحلة عنها لعوامل متفرِّقة، أقواها خيانة أولياؤها وضعف إرادة الأفراد المستنِّين بها كثيرة، يعثر عليها مَن راجع كُتب التواريخ.

فليت شعري! ما الفرق بين الإسلام من حيث إنّها سنّة اجتماعية وبين هذه السنن المتقلّبة المتبدّلة؛ حيث يُقبل العذر فيها ولا يُقبل في الإسلام؟! نعم كلمة الحق اليوم واقعة بين قدرة هائلة غربية وجهالة تقليد شرقية، فلا سماء تُظلُّها ولا أرض تُقلُّها.

وعلى أيّ حال، يجب أن يتنبّه ممّا فصّلناه، أنّ تأثير سنّة من السنن أثرها في الناس وعدمه، وكذا بقاؤها بين الناس وارتحالها لا يرتبط - كل الارتباط - بصحّتها وفسادها، حتى يُستدلّ عليه بذلك، بل لسائر العلل والأسباب تأثير في ذلك، فما من سنّة من السنن الدائرة بين الناس في جميع الأطوار والعهود إلاّ وهي تنتج يوماً وتُعقم آخر، وتُقيم بين الناس بُرهة من الزمان وترتحل عنهم في أُخرى لعوامل مختلفة تعمل فيها، وتلك الأيام


نُداولها بين الناس، وليعلم الله الذين آمنوا ويتّخذ منكم شهداء.

وبالجملة؛ القوانين الإسلامية والأحكام التي فيها، تُخالف بحسب المبنى والمشرب سائر القوانين الاجتماعية الدائرة بين الناس، فإنّ القوانين الاجتماعية التي لهم تختلف باختلاف الأعصار وتتبدّل بتبدُّل المصالح، لكنّ القوانين الإسلامية لا تحتمل الاختلاف والتبدُّل من واجب أو حرام، أو مستحب أو مكروه أو مباح، غير أنّ الأفعال التي للفرد من المجتمع أن يفعلها أو يتركها، وكل تصرُّف له أن يتصرَّف به أو يدعه، فلوليِّ الأمر أن يأمر الناس بها أو يناهم عنها، ويتصرّف في ذلك كأنّ المجتمع فرد والوالي نفسه المتفكّرة المريدة.

فلو كان للإسلام والٍ أمكنه أن يمنع الناس عن هذه المظالم التي يرتكبونها باسم تعدُّد الزوجات وغير ذلك، من غير أن يتغيّر الحكم الإلهي بإباحته، وإنّما هو عزيمة إجرائية عامة لمصلحة، نظير عزم الفرد الواحد على ترك تعدُّد الزوجات، لمصلحة يراها لا لتغيير في الحكم، بل لأنّه حكم إباحي له أن يعزم على تركه.


تعدُّد أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم):

وممّا اعترضوا عليه تعدّد زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) قالوا: إنّ تعدّد الزوجات لا يخلو في نفسه عن الشره والانقياد لداعي الشهوة، وهو (صلّى الله عليه وآله وسلم) لم يقنع بما شرّعه لأُمّته من الأربع حتى تعدّى إلى التسع من النسوة.

والمسألة ترتبط بآيات متفرّقة كثيرة في القرآن، والبحث من كل جهة من جهاتها يجب أن يُستوفى عند الكلام على الآية المربوطة بها؛ ولذلك أخّرنا تفصيل القول إلى محالّه المناسبة له، وإنّما نُشير ههنا إلى ذلك إشارة إجمالية.

فنقول: من الواجب أن يُلفت نظر هذا المعترض المستشكل إلى أنّ قصّة تعدّد زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ليست على هذه السذاجة (أنّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالغ في حبِّ النساء حتى أنهى عدّة أزواجه إلى تسع نسوة) بل كان اختياره لمَن اختارها منهنّ على نهج خاص في مدى حياته، فهو (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان تزوّج - أول ما تزوّج - بخديجة رضي الله عنها، وعاش معها مقتصراً عليها نيِّفاً وعشرين سنة (وهي ثُلثا عمره الشريف بعد الازدواج) منها ثلاث عشرة سنة بعد نبوته قبل


الهجرة من مكّة، ثمّ هاجر إلى المدينة وشرع في نشر الدعوة وإعلاء كلمة الدين، وتزوّج بعدها من النساء منهنّ البكر، ومنهنّ الثيّب، ومنهنّ الشابّة، ومنهنّ العجوز، والمكتهلة، وكان على ذلك ما يقرب من عشرة سنين، ثمّ حُرِّم عليه النساء بعد ذلك إلاّ من هي في حبالة نكاحه، ومن المعلوم أنّ هذا الفعال على هذه الخصوصيات لا يقبل التوجيه بمجرّد حبّ النساء والولوع بهنّ، والوله بالقرب منهنّ، فأوّل هذه السيرة وآخرها يُناقضان ذلك.

على أنّا لا نشكُّ - بحسب ما نُشاهده من العادة الجارية - أنّ المتولّع بالنساء، المغرم بحبهنّ والخلاء بهنّ والصبوة إليهنّ، مجذوب إلى الزينة، عشيق للجمال، مفتون بالغنج والدلال، حنين إلى الشباب ونضارة السنِّ وطراوة الخلقة، وهذه الخواص أيضاً لا تنطبق على سيرته (صلّى الله عليه وآله وسلم) فإنّه بنى بالثيّب بعد البكر، وبالعجوز بعد الفتاة الشابّة، فقد بنى بأمّ سلمة وهي مسنّة، وبنى بزينب بنت جحش وسنّها يومئذٍ يربو على الخمسين بعدها تزوّج بمثل عائشة وأُمّ حبيبة، وهكذا.

وقد خيّر نساءه بين التمتيع والسراح الجميل، وهو الطلاق إن كنّ يُردن الدنيا وزينتها، وبين الزهد في الدنيا وترك التزيين والتجمُّل إن كنّ يُردن الله ورسوله والدار الآخرة، على ما يشهد به قوله تعالى في القصة:

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ) (1) .

وهذا المعنى أيضاً - كما ترى - لا ينطبق على حال رجل مُغرم بجمال النساء، صابٍ إلى وصالهنّ.

____________________

(1) سورة الأحزاب، الآيتان: 28 - 29.


فلا يبقى حينئذ للباحث المتعمِّق - إذا أنصف - إلاّ أن يوجّه كثرة ازدواجه (صلّى الله عليه وآله وسلم) فيما بين أول أمره وآخر أمره بعوامل أُخَر، غير عامل الشره والشبق والتلهِّي.

فقد تزوّج (صلّى الله عليه وآله وسلم) ببعض هؤلاء الأزواج اكتساباً للقوّة وازدياداً للعضد والعشيرة، وببعض هؤلاء استمالة للقلوب وتوقّياً من بعض الشرور، وببعض هؤلاء ليقوم على أمرها بالإنفاق وإدارة المعاش؛ وليكون سنّة جارية بين المؤمنين في حفظ الأرامل والعجائز من المسكنة والضيعة، وببعضها لتثبيت حكم مشروع وإجرائه؛ عملاً لكسر السنن المنحطّة والبدع الباطلة الجارية بين الناس، كما في تزوجه بزينب بنت جحش، وقد كانت زوجة لزيد بن حارثة ثمّ طلّقها زيد، وقد كان زيد هذا يُدعى ابن رسول الله على نحو التبنّي، وكانت زوجة المدعوّ ابناً عندهم كزوجة الابن الصُلبي، لا يتزوّج بها الأب، فتزوّج بها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ونزل فيها الآيات.

وكان (صلّى الله عليه وآله وسلم) تزوّج لأول مرّة بعد وفاة خديجة بسودة بنت زمعة، وقد توفِّي عنها زوجها بعد الرجوع من هجرة الحبشة الثانية، وكانت سودة هذه مؤمنة مهاجرة، ولو رجعت إلى أهلها وهم يومئذ كفّار لفتنوها، كما فتنوا غيرها من المؤمنين والمؤمنات بالزجر والقتل، والإكراه على الكفر.

وتزوّج بزينب بنت خزيمة، بعد قتل زوجها عبد الله بن جحش في أُحد، وكانت من السيدات الفُضليات في الجاهلية، تُدعى أمَّ المساكين؛ لكثرة برِّها للفقراء والمساكين وعطوفتها بهم، فصان بازدواجها ماء وجهها.

وتزوّج بأمّ سلمة واسمها هند، وكانت من قبل زوجة عبد الله أبي سلمة ابن عمّة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأخيه من الرضاعة، أول مَن هاجر إلى الحبشة، وكانت زاهدة فاضلة، ذات دين ورأي، فلمّا توفِّي عنها زوجها كانت مسنّة ذات أيتام


فتزوّج بها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم).

وتزوّج بصفية بنت حيي بن أخطب سيد بني النضير، قُتل زوجها يوم خيبر، وقُتل أبوها مع بني القريظة،، وكانت في سبي خيبر فاصطفاها واعتقها وتزوّج بها، فوقاها بذلك من الذلّ، ووصل سببه ببني إسرائيل.

وتزوّج بميمونة واسمها برّة بنت الحارث سيد بني المصطلق، بعد وقعة بني المصطلق، وقد كان المسلمون أسروا منهم مئتي بيت بالنساء والذراري، فتزوّج (صلّى الله عليه وآله وسلم) بها، فقال المسلمون: هؤلاء أصهار رسول الله لا ينبغي أسرهم واعتقوهم جميعاً، فاسلم بنو المصطلق بذلك، ولحقوا عن آخرهم بالمسلمين وكانوا جمّاً غفيراً، وأثّر ذلك أثراً حسناً في سائر العرب.

وتزوّج بميمونة واسمها برّة بنت الحارث الهلالية، وهي التي وهبت نفسها للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاة زوجها الثاني أبي رهم بن عبد العزّى، فاستنكحها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وتزوّج بها، وقد نزل فيها القرآن.

وتزوّج بأمّ حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان، وكانت زوجة عبيد الله بن جحش، وهاجر معها إلى الحبشة الهجرة الثانية، فتنصّر عبيد الله هناك، وثبتت هي على الإسلام، وأبوها أبو سفيان، يجمع الجموع على الإسلام يومئذ، فتزوّج بها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأحصنها.

وتزوّج بحفصة بنت عمر، وقد قتل زوجها خنيس بن حذاقة ببدر، وبقيت أرملة وتزوّج بعائشة بنت أبي بكر وهي بكر.

فالتأمل في هذه النماذج والخصوصيات، مع ما تقدّم في صدر الكلام من جمل سيرته في أول أمره وآخره، وما سار به من الزهد وترك الزينة، وندبه نساءه إلى ذلك، لا يبقى للمتأمِّل موضع شكٍّ في أن ازدواجه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بها من النساء لم يكن على حدِّ غيره من عامة الناس، أضف إلى ذلك جمل


صنائعه (صلّى الله عليه وآله وسلم) في النساء، وإحياء ما كانت قرون الجاهلية وأعصار الهمجية أماتت من حقوقهنّ في الحياة، وأخسرته من وزنهنّ في المجتمع الإنساني، حتى روي أنّ آخر ما تكلّم به (صلّى الله عليه وآله وسلم) هو توصيتهنّ لجامعة الرجال قال (صلّى الله عليه وآله وسلم): (الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم لا تكلِّفوهم ما لا يُطيقون، الله الله في النساء؛ فإنّهنّ عوانٍ في أيديكم).

وكانت سيرته (صلّى الله عليه وآله وسلم) في العدل بين نسائه وحُسن معاشرتهنّ ورعاية جانبهنّ، ممّا يختصّ به (صلّى الله عليه وآله وسلم) - على ما سيأتي شذرة منه في الكلام على سيرته في مستقبل المباحث إن شاء الله - وكان حكم الزيادة على الأربع كصوم الوصال من مختصّاته التي مُنعت عنها الأمّة، وهذه الخصال وظهورها على الناس، هي التي منعت أعداءه من الاعتراض عليه بذلك مع تربُّصهم الدوائر به.

قضايا الزواج:

قوله تعالى: ( وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... ) ، المحصنات - بفتح الصاد - اسم مفعول من الإحصان، وهو المنع، ومنه الحِصن الحصين، أي المنيع يُقال: أحصنت المرأة إذا عفّت فحفظت نفسها وامتنعت عن الفجور، قال تعالى: ( ... الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا... ) (1) ، أي عفّت، ويُقال: أحصنت المرأة - بالبناء للفاعل والمفعول، إذا تزوّجت فأحصن زوجها أو التزوُّج إيَّاها من غير زوجها، ويُقال: أحصنت المرأة إذا كانت حرّة فمنعها ذلك من أن يمتلك الغير بضعها أو منعها ذلك من الزنا؛ لأنّ ذلك كان فاشياً في الإماء.

والظاهر أنّ المراد بالمُحصنات في الآية هو المعنى الثاني، أي

____________________

(1) سورة التحريم، الآية: 12.


المتزوِّجات دون الأول والثالث؛ لأنّ الممنوع المحرّم في غير الأصناف الأربعة عشر المعدودة في الآيتين هو نكاح المزوّجات فحسب، فلا منع من غيرها من النساء، سواء كانت عفيفة أم غيرها، وسواء كانت حرّة أم مملوكة، فلا وجه لأن يُراد بالمحصنات في الآية العفائف مع عدم اختصاص حكم المنع بالعفائف، ثمّ يرتكب تقييد الآية بالتزويج، أو حمل اللفظ على إرادة الحرائر مع كون الحكم في الإماء أيضاً مثلهنّ، ثمّ ارتكاب التقييد بالتزويج فإنّ ذلك أمر لا يرتضيه الطبع السليم.

فالمراد بالمحصنات من النساء المزوّجات، وهي التي تحت حبالة التزويج، وهو عطف على موضع أُمّهاتكم، والمعنى: وحُرِّمت عليكم كل مزوّجة من النساء، ما دامت مزوّجة ذات بعل.

وعلى هذا؛ يكون قوله: ( ... إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... ) رفعاً لحكم المنع عن مُحصنات الإماء، على ما ورد في السنّة أنّ لمولى الأمة المزوّجة أن يحول بين مملوكته وزوجها، ثمّ ينالها عن استبراء، ثمّ يردُّها إلى زوجها.

وأمّا ما ذكره بعض المفسّرين، أنّ المراد بقوله: ( ... إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... ) إلاّ ما ملكت أيمانكم بالنكاح أو بملك الرقبة من العفائف، فالمراد بالملك الاستمتاع والتسلُّط على المباشرة. ففيه:

أولاً: أنّه يتوقّف على أن يُراد بالمُحصنات العفائف دون المزوّجات، وقد عرفت ما فيه.

وثانياً: أنّ المعهود من القرآن إطلاق هذه العبارة على غير هذا المعنى، وهو ملك الرقبة دون التسلُّط على الانتفاع ونحوه.

وكذا ما ذكره بعض آخر، أنّ المراد بما ملكته الأيمان الجواري المسبيّات إذا كنّ ذوات أزواج من الكفّار، وأيّد ذلك بما روي عن أبي سعيد الخدري: أنّ الآية نزلت في سبي أوطاس، حيث أصاب المسلمون نساء


المشركين، وكانت لهنّ أزواج في دار الحرب، فلما نزلت نادى منادي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ألاّ لا توطأ الحُبالى حتى يضعن، ولا غير الحُبالى حتى يستبرأن. وفيه - مضافاً إلى ضعف الرواية - أنّ ذلك تخصيص للآية من غير مخصّص، فالمصير إلى ما ذكرناه.

قوله تعالى: ( ... كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ... ) أي ألزموا حكم الله المكتوب المقضي عليكم، وقد ذكر المفسّرون أنّ قوله: ( ... كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ... ) منصوب مفعولاً مطلقاً لفعل مقدّر، والتقدير: كتب الله كتاباً عليكم، ثمّ حُذِف الفعل وأُضيف المصدر إلى فاعله وأُقيم مقامه، ولم يأخذوا لفظ عليكم اسم فعل؛ لما ذكره النحويون أنّه ضعيف العمل لا يتقدّم معموله عليه، هذا.

قوله تعالى: ( ... وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ... ) ظاهر التعبير بـ (ما) الظاهرة في غير أُولي العقل، وكذا الإشارة بذلكم الدالّ على المفرد المذكّر، وكذا قوله بعده: ( ... أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم... ) ، أن يكون المراد بالموصل واسم الإشارة هو المقدار في قوله: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ... ) ، المتعلّق به التحريم من الوطء والنيل أو ما هو من هذا القبيل.

والمعنى: وأُحلّ لكم من نيلهنّ ما هو غير ما ذُكِر لكم، وهو النيل بالنكاح في غير مَن عُدَّ من الأصناف الخمسة عشر أو بملك اليمين، وحينئذ يستقيم بدلية قوله: ( ... أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم... ) ، من قوله: ( ... وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ... ) كل الاستقامة.

وقد ورد عن المفسِّرين في هذه الجملة من الآية تفاسير عجيبة، كقول بعضهم: إن معنى قوله: ( ... وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ... ) : أُحلّ لكم ما وراء ذات المحارم من أقاربكم، وقول بعض آخر: إن المراد: أُحلّ لكم ما دون الخمس، وهي الأربع فما دونها أن تبتغوا بأموالكم على وجه النكاح، وقول


بعض آخر: إنّ المعنى أُحلّ لكم ما وراء ذلكم ممّا ملكت أيمانكم، وقول بعض آخر: معناها أُحلّ لكم ما وراء ذات المحارم والزيادة على الأربع أن تبتغوا بأموالكم نكاحاً أو ملك يمين.

وهذه وجوه سخيفة، لا دليل على شيء منها من قبل اللفظ في الآية، على أنّها تشترك في حمل لفظة ما في الآية على أُولي العقل، ولا موجب له كما عرفت آنفاً، على أنّ الآية في مقام بيان المحرّم من نيل النساء، من حيث أصناف النساء، لا من حيث عدد الأزواج؛ فلا وجه لتحميل إرادة العدد على الآية.

فالحق؛ أنّ الجملة في مقام بيان جواز نيل النساء، فيما سوى الأصناف المعدودة منهنّ في الآيتين السابقتين، بالنكاح أو بملك اليمين.

قوله تعالى: ( ... أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ... ) بدل أو عطف بيان من قوله: ( ... مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ... ) يتبيّن به الطريق المشروع في نيل النساء ومباشرتهن؛ وذلك أنّ الذي يشمله قوله: ( ... وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ... ) من المصداق ثلاثة: النكاح، وملك اليمين، والسفاح، وهو الزنا فبيّن بقوله: ( ... أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم... ) إلخ، المنع عن السفاح، وقصر الحلّ في النكاح وملك اليمين، ثمّ اعتبر الابتغاء بالأموال وهو في النكاح المهر والأجرة - ركن من أركانه - وفي ملك اليمين الثمن - وهو الطريق الغالب في تملك الإماء - فيؤول معنى الآية إلى مثل قولنا: أحلّ لكم فيما سوى الأصناف المعدودة، أن تُطلبوا مباشرة النساء ونيلهنّ بإنفاق أموالكم، في أُجرة المنكوحات من النساء، نكاحاً من غير سفاح، أو إنفاقها في ثمن الجواري والإماء.

ومن هنا يظهر؛ أنّ المراد بالإحصان في قوله: ( ... مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ... ) إحصان العفّة دون إحصان التزوُّج، وإحصان الحرّية؛ فإنّ المراد بابتغاء الأموال في الآية أعمُّ ممّا يتعلّق بالنكاح أو بملك اليمين، ولا دليل على قصرها في النكاح، حتى يُحمل الإحصان على إحصان التزوُّج، وليس المراد


بالإحصان العفّة الاحتراز عن مباشرة النساء، حتى يُنافي المورد، بل ما يُقابل السفاح، أعني التعدّي إلى الفحشاء بأيِّ وجه كان، بقصر النفس في ما أحلّ الله، وكفّها عمَّا حرّم الله من الطرق العادية في التمتّع المباشري، الذي أودع النزوع إليه في جبلّة الإنسان وفطرته.

وبما قدّمناه يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أنّ قوله: ( ... أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم... ) ، بتقدير لام الغاية أو ما يؤدّي معناها، والتقدير لتبتغوا، أو إرادة أن تبتغوا، وذلك أنّ مضمون قوله: ( ... أَن تَبْتَغُواْ... ) ، بوجه عين ما أُريد بقوله: ( ... مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ... ) ، لا أنّه أمر مترتّب عليه مقصود لأجله، وهو ظاهر.

وكذا ما يظهر من كلام بعضهم: أنّ المراد بالمسافحة مطلق سفح الماء وصبِّه، من غير أن يُقصد به الغاية التي وضع الله سبحانه هذه الداعية الشهوية الفطرية في الإنسان لأجلها، وهي غرض تكوين البيت وإيجاد النسل والولد، وبالمقابلة يكون الإحصان هو الازدواج الدائم، الذي يكون الغرض منه التوالد والتناسل؛ وإنّي لست أرى هذا القائل إلاّ أنّه اختلط عليه طريق البحث، فخلط البحث في ملاك الحكم المُسمَّى بحكمة التشريع، بالبحث عن نفس الحكم فلزمه ما لا يسعه الالتزام به من اللوازم.

وأحد البحثين (وهو البحث عن الملاك عقلي)، والآخر (وهو البحث عن الحكم الشرعي وما له من الموضوع والمتعلّق والشرائط والموانع) لفظي يتبع في السعة والضيق البيان اللفظي من الشارع، وإنّا لا نشكُّ أنّ جميع الأحكام المشرّعة تتبع مصالح وملاكات حقيقية، وحكم النكاح الذي هو أيضاً أحدها يتبع في تشريعه مصلحة واقعية وملاكاً حقيقياً، وهو التوالد والتناسل، ونعلم أنّ نظام الصنع والإيجاد أراد من النوع الإنساني البقاء النوعي ببقاء الأفراد ما شاء الله، ثمّ احتيل إلى هذا الغرض بتجهيز البُنية الإنسانية بجهاز التناسل، الذي يفصل أجزاء منه فيربِّيه ويكوِّنه إنساناً جديداً يخلف الإنسان القديم


فتمتدّ به سلسلة النوع من غير انقطاع، واحتيل إلى تسخير هذا الجهاز للعمل والإنتاج بإبداع القوّة الشهوانية التي يحنُّ بها أحد القبيلين - الذكر والأنثى - من الأفراد إلى الآخر، وينجذب بها كلٌّ إلى صاحبه بالوقوع عليه والنيل، ثمَّ كمل ذلك بالعقل الذي يمنع من إفساد هذا السبيل الذي يندب إليه نظام الخلقة.

وفي عين أنّ النظام بالغ أمره وواجد غرضه الذي هو بقاء النوع، لسنا نجد أفراد هذه الاتصالات المباشرية بين الذكر والأُنثى ولا أصنافها موصلة إلى غرض الخلقة دائماً، بل إنّما هي مقدّمة غالبية، فليس كل ازدواج مؤدّياً إلى ظهور الولد، ولا كل عمل تناسلي كذلك، ولا كل ميل إلى هذا العمل يؤثّر هذا الأثر، ولا كل رجل أو كل امرأة، ولا كل ازدواج يهدي هداية اضطرارية إلى الذواق فالاستيلاد، فالجميع أُمور غالبية.

فالتجهُّز التكويني يدعو الإنسان إلى الازدواج؛ طلباً للنسل من طريق الشهوة، والعقل المودوع فيه يُضيف إلى ذلك التحرُّز وحفظ النفس عن الفحشاء المفسد لسعادة العيش، الهادم لأساس البيوت، القاطع للنسل.

وهذه المصلحة المركّبة - أعني مصلحة الاستيلاد والأمن من دبيب الفحشاء - هي الملاك الغالبي الذي بُني عليه تشريع النكاح في الإسلام، غير أنّ الأغلبية من أحكام الملاك، وأمّا الأحكام المشرّعة لموضوعاتها، فهي لا تقبل إلاّ الدوام.

فليس من الجائز أن يُقال: إنّ النكاح أو المباشرة يتبعان في جوازهما الغرض والملاك المذكور وجوداً وعدماً، فلا يجوز نكاح إلاّ بنيّة التوالد، ولا يجوز نكاح العقيم، ولا نكاح العجوز التي لا ترى الحمرة، ولا يجوز نكاح الصغيرة، ولا يجوز نكاح الزاني، ولا يجوز مباشرة الحامل، ولا مباشرة من


غير إنزال، ولا نكاح من غير تأسيس بيت، ولا يجوز.. ولا يجوز.

بل النكاح سنّة مشروعة بين قبيلي الذكر والأُنثى لها أحكام دائمية، وقد أُريد بهذه السنّة المشروعة حفظ مصلحة عامة غالبية كما عرفت، فلا معنى لجعل سنّة مشروعة تابعة لتحقُّق الملاك وجوداً وعدماً، والمنع عمّا لا يتحقّق به الملاك من أفراده وأحكامه.

قوله تعالى: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً... ) ، كأنّ الضمير في قوله: (به) راجع إلى ما يدلُّ عليه قوله: ( ... وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ... ) ، وهو النيل أو ما يؤدِّي معناه، فيكون (ما) للتوقيت، وقوله (منهنّ) متعلّقاً بقوله: (استمتعتم) ، والمعنى: مهما استمتعتم بالنيل منهنّ فآتوهنّ أجورهنّ فريضة.

ويمكن أن يكون ما موصولة، واستمتعتم صلة لها، وضمير به راجعاً إلى الموصول، وقوله: (منهن) بياناً للموصول، والمعنى: ومَن استمتعتم به من النساء (إلخ) والجملة، أعني قوله: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم... ) (إلخ) تفريع لما تقدّمها من الكلام؛ لمكان الفاء تفريع البعض على الكل، أو تفريع الجزئي على الكلّي بلا شكٍّ، فإنّ ما تقدّم من الكلام أعني قوله: ( ... أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ... ) ، كما تقدّم بيانه شامل لما في النكاح وملك اليمين، فتفريع قوله: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ... ) عليه يكون من تفريع الجزء على الكل، أو تفريع بعض الأقسام الجزئية على المقسم الكلّي.

وهذا النوع من التفريع كثير الورود في كلامه تعالى، كقوله عزّ مَن قال: ( أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ... ) (1) .

وقوله: ( ... فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 184.


الْحَجِّ... ) (1) .

وقوله: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ... ) (2) إلى غير ذلك.

والمراد بالاستمتاع المذكور في الآية نكاح المُتعة بلا شكٍّ؛ فإنّ الآية مدنيّة نازلة في سورة النساء، في النصف الأول من عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعد الهجرة، على ما يشهد به مُعظم آياتها، وهذا النكاح - أعني نكاح المتعة - كانت دائرة بينهم، معمولة عندهم في هذه البُرهة من الزمان من غير شكٍّ - وقد أطبقت الأخبار على تسلُّم ذلك - سواء كان الإسلام هو المشرع لذلك أم لم يكن، فأصل وجوده بينهم بمرأى من النبي ومسمع منه لا شكّ فيه، وكان اسمه هذا الاسم ولا يُعبّر عنه إلاّ بهذا اللفظ، فلا مناص من كون قوله: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ... ) محمولاً عليه مفهوماً منه هذا المعنى، كما أنّ سائر السنن والعادات والرسوم الدائرة بينهم في عهد النزول بأسمائها المعروفة المعهودة، كلّما نزلت آية متعرِّضة لحكم متعلّق بشيء من تلك الأسماء بإمضاء أو ردٍّ، أو أمر أو نهي، لم يكن بدٌّ من حمل الأسماء الواردة فيها على معانيها المُسمّاة بها، من غير أن تُحمل على معانيها اللغوية الأصلية.

وذلك كالحج، والبيع، والربا، والربح، والغنيمة، وسائر ما هو من هذا القبيل، فلم يمكن لأحد أن يدّعي أنّ المراد بحجّ البيت قصده، وهكذا، وكذلك ما أتى به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) من الموضوعات الشرعية، ثمّ شاع الاستعمال حتى عُرفت بأسمائها الشرعية، كالصلاة والصوم، والزكاة وحج التمتع وغير، ذلك لا مجال - بعد تحقُّق التسمية - لحمل ألفاظها الواقعة في القرآن الكريم على معانيها اللغوية الأصلية، بعد تحقُّق الحقيقة الشرعية أو المتشرّعة فيها.

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 196.

(2) سورة البقرة، الآية: 256.


فمن المتعيِّن أن يُحمل الاستمتاع المذكور في الآية على نكاح المتعة؛ لدورانه بهذا الاسم عندهم يوم نزول الآية، سواء قلنا بنسخ نكاح المتعة بعد ذلك بكتاب أو سنّة أم لم نقل فإنّما هو أمر آخر.

وجملة الأمر؛ أنّ المفهوم من الآية حكم نكاح المتعة، وهو المنقول عن القدماء من مفسّري الصحابة والتابعين، كابن عباس، وابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وقتادة، ومجاهد، والسدّي، وابن جبير، والحسن وغيرهم، وهو مذهب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

ومنه يظهر فساد ما ذكره بعضهم في تفسير الآية، أنّ المراد بالاستمتاع هو النكاح؛ فإنّ إيجاد علقة النكاح طلب للتمتّع منها هذا، وربّما ذكر بعضهم أنّ السين والتاء في استمتعتم للتأكيد، والمعنى: تمتّعتم.

وذلك؛ لأنّ تداول نكاح المتعة (بهذا الاسم) ومعروفيّته بينهم لا يدع مجالاً لخطور هذا المعنى اللغوي بذهن المستمعين.

على أنّ هذا المعنى - على تقدير صحّته وانطباق معنى الطلب على المورد أو كون استمتعتم بمعنى تمتعتم - لا يُلائم الجزاء المترتِّب عليه أعني قوله: ( ... فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ... ) ، فإنّ المهر يجب بمجرّد العقد، ولا يتوقّف على نفس التمتُّع، ولا على طلب التمتّع الصادق على الخطبة وإجراء العقد والملاعبة والمباشرة وغير ذلك، بل يجب نصفه بالعقد ونصفه الآخر بالدخول.

على أنّ الآيات النازلة قبل هذه الآية، قد استوفت بيان وجوب إيتاء المهر على جميع تقاديره، فلا وجه لتكرار بيان الوجوب، وذلك كقوله تعالى: ( وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً... ) (1) .

____________________

(1) سورة النساء، الآية: 4.


وقوله تعالى: ( وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً... ) (1) .

وقوله تعالى: ( لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ - إلى أن قال - * وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ... ) (2) .

وما احتمله بعضهم: أنّ الآية أعني قوله: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً... ) مسوقة للتأكيد. يرد عليه: أنّ سياق ما نُقل من الآيات وخاصة سياق ذيل قوله: ( وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ... ) الآيتين أشدّ وآكد لحناً من هذه الآية، فلا وجه لكون هذه مؤكِّدة لتلك.

وأمّا النسخ، فقد قيل: إنّ الآية منسوخة بآية المؤمنون: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) (3) .

وقيل: منسوخة بآية العدَّة: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ... ) (4) ، ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ... ) (5) ؛ حيث إنّ انفصال الزوجين إنّما هو بطلاق وعدّة، وليسا في نكاح

____________________

(1) سورة النساء، الآية: 20.

(2) سورة البقرة، الآيتان: 236 - 237.

(3) سورة المؤمنون، الآيات: 5 - 7.

(4) سورة الطلاق، الآية: 1.

(5) سورة البقرة، الآية: 228.


المتعة.

وقيل: منسوخة بآيات الميراث: ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ... ) (1) .

حيث لا إرث في نكاح المتعة.

وقيل: منسوخة بآية التحريم: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ... ) ؛ فإنّها في النكاح.

وقيل: منسوخة بآية العدد: ( ... فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ... ) (2) .

وقيل: منسوخة بالسنَّة، نسخها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عام خيبر. وقيل: عام الفتح. وقيل: في حجّة الوداع.

وقيل: أُبيحت متعة النساء، ثمّ حُرِّمت مرّتين أو ثلاثاً، وآخر ما وقع واستقرّ عليه من الحكم الحرمة.

أمّا النسخ بآية المؤمنون، ففيه أنّها لا تصلح للنسخ؛ فإنّها مكّية وآية المتعة مدنية، ولا تصلح المكّية لنسخ المدنية، على أنّ عدم كون المتعة نكاحاً والمتمتّع بها زوجة ممنوع، وناهيك في ذلك ما وقع في الأخبار النبوية، وفي كلمات السلف من الصحابة والتابعين من تسميتها نكاحاً.

والإشكال عليه بلزوم التوارث والطلاق وغير ذلك سيأتي الجواب عنه.

وأمّا النسخ بسائر الآيات، كآية الميراث، وآية الطلاق، وآية العَدد، ففيه أنّ النسبة بينها وبين آية المتعة ليست نسبة الناسخ والمنسوخ، بل نسبة العام والمُخصِّص، أو المطلق والمقيد، فإنّ آية الميراث مثلاً يعمُّ الأزواج جميعاً من كل دائم ومنقطع، والسنّة تُخصّصها بإخراج بعض أفرادها، وهو المنقطع من تحت عمومها، وكذلك القول في آية الطلاق وآية العدد، وهو ظاهر، ولعلّ القول بالنسخ ناشئ من عدم التمييز بين النسبتين.

____________________

(1) سورة النساء، الآية: 12.

(2) سورة النساء، الآية: 3.


نعم، ذهب بعض الأصوليين فيما إذا ورد خاص ثمّ عقبه عام يُخالفه في الإثبات والنفي، إلى أنّ العام ناسخ للخاص. لكنَّ هذا مع ضعفه - على ما بُيِّن في محلِّه - غير منطبق على مورد الكلام؛ وذلك لوقوع آيات الطلاق (وهي العام) في سورة البقرة، وهي أول سورة مدنية نزلت قبل سورة النساء المشتملة على آية المتعة، وكذلك آية العدد واقعة في سورة النساء، متقدِّمة على آية المتعة، وكذلك آية الميراث واقعة قبل آية المتعة في سياق واحد متّصل في سورة واحدة، فالخاص - أعني آية المتعة - متأخِّر عن العام على أيِّ حال.

وأمّا النسخ بآية التحريم، فهو من أعجب ما قيل في هذا المقام:

أما أولاً: فلأنّ مجموع الكلام الدالِّ على التحريم والدالِّ على حكم نكاح المتعة كلام واحد، مسرود متَّسق الأجزاء، متّصل الأبعاض، فكيف يمكن تصوُّر تقدّم ما يدلُّ على المتعة، ثمّ نسخ ما في صدر الكلام لذيله؟!

وأمّا ثانياً: فلأنّ الآية غير صريحة، ولا ظاهرة في النهي عن الزوجية غير الدائمة بوجه من الوجوه، وإنّما هي في مقام بيان أصناف النساء المحرّمة على الرجال، ثمّ بيان جواز نيل غيرها بنكاح أو بملك يمين، ونكاح المتعة نكاح على ما تقدّم، فلا نسبة بين الأمرين بالمباينة حتى يؤول إلى النسخ.

ثمّ ربّما قيل: إنّ قوله تعالى: ( ... وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ... ) ، حيث قيّد حلّية النساء بالمهر وبالإحصان، من غير سفاح ولا إحصان في النكاح المنقطع؛ ولذلك لا يُرجم الرجل المتمتّع إذا زنا لعدم كونه محصناً، يدفع كون المتعة مرادة بالآية.

لكن يرد عليه ما تقدّم، أنّ المراد بالإحصان في قوله: ( ... مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ... ) هو إحصان العفَّة دون إحصان التزوُّج؛ لكون الكلام بعينه شاملاً لملك اليمين كشموله النكاح.

ولو سُلِّم أنّ المراد بالإحصان هو إحصان


التزوّج، عاد الأمر إلى تخصيص الرجم في زنا المحصن بزنا المتمتّع المحصن، بحسب السنّة دون الكتاب؛ فإنّ حكم الرجم غير مذكور في الكتاب من أصله.

وأمّا النسخ بالسنّة، ففيه - مضافاً إلى بطلان هذا القسم من النسخ من أصله؛ لكونه مخالفاً للأخبار المتواترة الآمرة بعرض الأخبار على الكتاب وطرح ما خالفه، والرجوع إلى الكتاب - ما سيأتي في البحث الروائي.

وقوله تعالى: ( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ... ) ، الطول الغنى والزيادة في القدرة، وكلا المعنيين يُلائمان الآية، والمراد بالمُحصنات الحرائر بقرينة مقابلته بالفتيات، وهذا بعينه يشهد على أنّ ليس المراد بها العفائف، وإلاّ لم تُقابل بالفتيات، بل بها وبغير العفائف، وليس المراد بها ذوات الأزواج؛ إذ لا يقع عليها العقد، ولا المسلمات وإلاّ لاستغنى عن التقيُّد بالمؤمنات.

والمراد بقوله: ( ... فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم... ) ما ملكته أيمان المؤمنين غير مَن يريد الازدواج، وإلاّ فتزوُّج الإنسان بملك يمين نفسه باطل غير مشروع، وقد نسب ملك اليمين إلى المؤمنين، وفيهم المُريد للتزوُّج بعدّ الجميع واحداً غير مختلف؛ لاتِّحادهم في الدين واتِّحاد مصالحهم ومنافعهم كأنّهم شخص واحد.

وفي تقييد المحصنات - وكذا الفتيات - بالمؤمنات إشارة إلى عدم جواز تزوج غير المؤمنات من كتابية ومشركة، ولهذا الكلام تتمّة ستمرّ بك إن شاء الله تعالى.

ومحصّل معنى الآية: أنّ مَن لم يقدر منكم على أن ينكح الحرائر المؤمنات، لعدم قدرته على تحمُّل أثقال المهر والنفقة، فله أن ينكح من الفتيات المؤمنات من غير أن يتحرَّج من فقدان القدرة على الحرائر، ويعرض


نفسه على خطرات الفحشاء ومُعترَّض الشقاء.

فالمراد بهذا النكاح هو النكاح الدائم، والآية في سياق التنزُّل، أي إن لم يُمكنكم كذا فيُمكنكم كذا، وإنّما قصر الكلام في صورة التنزُّل على بعض أفراد المنزَّل عنه - أعني على النكاح الدائم الذي هو بعض أفراد النكاح الجائز - لكون النكاح الدائم هو المتعارف المتعيّن بالطبع، في نظر الإنسان المريد تأسيس البيت وإيجاد النسل وتخليف الولد، ونكاح المتعة تسهيل ديني خفَّف الله به عن عباده لمصلحة سدّ طريق الفحشاء، وقطع منابت الفساد.

وسوق الكلام على الجهة الغالبة أو المعروفة السابقة إلى الذهن - وخاصّة في مقام تشريع الأحكام والقوانين - كثير شائع في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ( ... فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ... ) (1) ، مع أنَّ العذر لا ينحصر في المرض والسفر، وقوله تعالى ( ... وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً... ) (2) .

والأعذار وقيود الكلام كما ترى مبنيّة على الغالب المعروف، إلى غير ذلك من الآيات.

هذا على ما ذكروه من حمل الآية على النكاح الدائم، ولا يوجب ذلك من حيث اشتماله على معنى التنزُّل والتوسعة اختصاص الآية السابقة بالنكاح الدائم، وكون قوله: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ... ) غير مسوق لبيان حكم نكاح المتعة كما توهَّمه بعضهم؛ لأنّ هذا التنزُّل والتوسعة واقعٌ بطرفيه (المنزل عنه والمنزل إليه) وفي نفس هذه الآية أعني قوله: ( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً... ) إلخ.

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 185.

(2) سورة النساء: الآية 43.


على أنّ الآية بلفظها لا تأبى عن الحمل على مطلق النكاح، الشامل للدائم والمنقطع، كما سيتّضح بالكلام على بقيّة فقراتها.

قوله تعالى: ( ... وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) ، لمّا كان الإيمان المأخوذ في متعلّق الحكم أمراً قلبيّاً لا سبيل إلى العلم بحقيقته بحسب الأسباب، وربّما أوهم تعليقاً بالمتعذّر أو المتعسّر، وأوجب تحرّج المكلفين منه، بيّن تعالى أنّه هو العالم بإيمان عباده المؤمنين، وهو كناية عن أنّهم إنّما كلِّفوا الجري على الأسباب الظاهرية الدالّة على الإيمان، كالشهادتين، والدخول في جماعة المسلمين، والإتيان بالوظائف العامة الدينية، فظاهر الإيمان هو الملاك دون باطنه.

وفي هداية هؤلاء المكلّفين غير المستطيعين إلى الازدواج بالإماء نقص وقصور آخر، في الوقوع موقع التأثير والقبول، وهو أنّ عامة الناس يرون لطبقة المملوكين من العبيد والإماء هواناً في الأمر وخسّة في الشأن ونوع ذلّة وانكسار، فيوجب ذلك انقباضهم وجماح نفوسهم من الاختلاط بهم والمعاشرة معهم، وخاصة بالازدواج الذي هو اشتراك حيوي، وامتزاج باللحم والدم.

فأشار سبحانه بقوله: ( ... بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) إلى حقيقة صريحة، يندفع بالتأمُّل فيها هذا التوهُّم الفاسد، فالرقيق إنسان كما أنّ الحرّ إنسان، لا يتميّزان في ما به يصير الإنسان واجداً لشؤون الإنسانية، وإنّما يفترقان بسلسلة من أحكام موضوعة يستقيم بها المجتمع الإنساني في إنتاجه سعادة الناس، ولا عبرة بهذه التميُّزات عند الله، والذي به العبرة هو التقوى الذي به الكرامة عند الله، فلا ينبغي للمؤمنين أن ينفعلوا عن أمثال هذه الخطرات الوهمية، التي تُبعِّدهم عن حقائق المعارف المتضمِّنة سعادتهم وفلاحهم، فإنّ الخروج عن


مستوى الطريق المستقيم، وإن كان حقيراً في بادي أمره، لكنّه لا يزال يُبعد الإنسان من صراط الهداية حتى يورده أودية الهلكة.

ومن هنا؛ يظهر أنّ الترتيب الواقع في صدر الآية في صورة الاشتراط والتنزُّل، أعني قوله: ( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم... ) ، إنّما هو جُري في الكلام على مجرى الطبع والعادة، وليس إلزاماً للمؤمنين على الترتيب، بمعنى أن يتوقّف جواز نكاح الأمة على فقدان الاستطاعة على نكاح الحرّة، بل لكون الناس بحسب طباعهم سالكين هذا المسلك، خاطبهم أن لو لم يقدروا على نكاح الحرائر فلهم أن يُقدموا على نكاح الفتيات من غير انقباض، ونبَّه مع ذلك على أنّ الحرّ والرقّ من نوع واحد، بعض أفراده يرجع إلى بعض.

ومن هنا يظهر أيضاً فساد ما ذكره بعضهم، في قوله تعالى في ذيل الآية: ( ... وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ... ) أنّ المعنى وصبركم عن نكاح الإماء مع العفّة خير لكم من نكاحهنّ؛ لما فيه من الذلّ والمهانة والابتذال هذا، فإن قوله: ( ... بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) يُنافي ذلك قطعاً.

قوله تعالى: ( ... فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ - إلى قوله - أَخْدَانٍ... ) ، المراد بالمحصنات العفائف، فإنّ ذوات البعولة لا يقع عليهنّ نكاح، والمراد بالمُسافحات ما يُقابل متّخذات الأخدان، والأخدان جمع خِدن بكسر الخاء، وهو الصديق يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمفرد والجمع، وإنّما أتى به بصيغة الجمع، للدلالة على الكثرة نصَّاً، فمَن يأخذ صديقاً للفحشاء لا يقنع بالواحد والاثنين فيه؛ لأنّ النفس لا تقف على حدٍّ إذا أُطيعت فيما تهواه.

وبالنظر إلى هذه المقابلة، قال مَن قال: إنّ المراد بالسفاح الزنا جهراً وباتخاذ الخِدن الزنا سرّاً، وقد كان اتخاذ الخدن متداولاً عند العرب حتى


عند الأحرار والحرائر لا يُعاب به مع ذمِّهم زنا العَلن لغير الإماء.

فقوله: ( ... فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ... ) ، إرشاد إلى نكاح الفتيات مشروطاً بأن يكون بإذن مواليهن، فإنّ زمام أمرهنّ إنّما هو بيد الموالي لا غير، وإنّما عُبِّر عنهم بقوله: (أهلهنّ) جرياً على ما يقتضيه قوله قبل: ( ... بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ... ) ، فالفتاة واحدة من أهل بيت مولاها، ومولاها أهلها.

والمراد بإتيانهنّ أُجورهنّ بالمعروف توفيتهنّ مهور نكاحهن، وإتيان الأجور إيّاهن إعطاؤها مواليهن، وقد أرشد إلى الإعطاء بالمعروف عن غير بخس ومماطلة وإيذاء.

قوله تعالى: ( ... فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنْ الْعَذَابِ... ) ، قرئ أُحصنّ بضم الهمزة بالبناء للمفعول وبفتح الهمزة بالبناء للفاعل، وهو الأرجح.

الإحصان في الآية، إن كان هو إحصان الازدواج، كان أخذه في الشرط المجرّد كون مورد لكلام في ما تقدّم ازدواجهن؛ وذلك أنّ الأمة تُعذَّب نصف عذاب الحرّة إذا زنت، سواء كانت مُحصنة بالازدواج أم لا، من غير أن يؤثّر الإحصان فيها شيئاً زائداً.

وأمّا إذا كان إحصان الإسلام كما قيل - ويؤيِّده قراءة فتح الهمزة - تمّ المعنى من غير مؤونة زائدة، وكان عليهنّ إذا زنين نصف عذاب الحرائر، سواء كنّ ذوات بعولة أم لا.

والمراد بالعذاب هو الجَلد دون الرجم؛ لأنّ الرجم لا يقبل الانتصاف، وهو الشاهد على أنّ المراد بالمُحصنات الحرائر غير ذوات الأزواج المذكورة في صدر الآية، واللام للعهد.

فمعنى الآية - بالجملة - أنّ الفتيات المؤمنات إذا أتين بفاحشة وهو الزنا، فعليهنّ نصف حدِّ المحصنات غير ذوات الأزواج،


وهو جلد خمسين سوطاً.

ومن الممكن أن يكون المراد بالإحصان، إحصان العفّة، وتقريره: أنّ الجواري يومئذ لم يكن لهنّ الاشتغال بكل ما تهواه أنفسهنّ من الأعمال، بما لهنّ من اتِّباع أوامر مواليهنّ وخاصة في الفاحشة والفجور، وكانت الفاحشة فيهنّ - لو اتّفقت - بأمر من مواليهن في سبيل الاستغلال بهنّ والاستدرار من عرضهنّ، كما يُشعر به النهي الوارد في قوله تعالى: ( ... وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا... ) (1) ، فالتماسهنّ الفجور واشتغالهنّ بالفحشاء، باتّخاذها عادة ومكسباً، كان فيما كان يأمر مواليهنّ، من دون أن يسع لهنّ الاستنكاف والتمرُّد، وإذا لم يُكرههن الموالي على الفجور، فالمؤمنات منهنّ على ظاهر تقوى الإسلام، وعفّة الإيمان، وحينئذ إن أتين بفاحشة فعليهنّ نصف ما على المحصنات من العذاب، وهو قوله تعالى: ( ... فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ... ) (إلخ).

ومن هنا؛ يظهر أنّ لا مفهوم لهذه الشرطية على هذا المعنى، وذلك أنَّهنَّ إذا لم يُحصنّ ولم يعففن كنّ مكروهات من قِبل مواليهن، مؤتمرات لأمرهم، كما لا مفهوم لقوله تعالى: ( ... وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا... ) (2) . حيث إنّهنّ إن لم يُردن التحصُّن لم يكن موضوع لإكراههن من قِبل الموالي لرضاهنّ بذلك.

قوله تعالى: ( ... ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ... ) ، العنت الجهد والشدّة والهلاك، وكان المراد به الزنا، الذي هو نتيجة وقوع الإنسان في مشقّة الشَّبق وجهد شهوة النكاح، وفيه هلاك الإنسان، والإشارة على ما قيل: إلى نكاح الجواري المذكور في الآية؛ وعليه فمعنى قوله: ( ... وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ... ) أن

____________________

(1) سورة النور، الآية: 33.

(2) سورة النور، الآية: 33.


تصبروا عن نكاح الإماء أو عن الزنا خير لكم، ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى وجوب نكاح الإماء، أو وجوب مطلق النكاح لو استفيد شيء منهما من سابق سياق الآية، والله أعلم.

وكيف كان، فكون الصبر خيراً إن كان المراد هو الصبر عن نكاح الإماء، إنّما هو لما فيه من حقوق مواليهنّ وفي أولادهنّ على ما فُصِّل في الفقه، وإن كان المراد الصبر عن الزنا، إنّما هو لما في الصبر من تهذيب النفس وتهيئة ملكة التقوى فيها، بترك اتّباع هواها في الزنا من غير ازدواج أو معه، والله غفور رحيم، يمحو بمغفرته آثار خطرات السوء، عن نفوس المتّقين من عباده ويرحمهم برحمته.

وقوله تعالى: ( ... يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ... ) إلى آخر الآية، بيان وإشارة إلى غاية تشريع ما سبق من الأحكام في الآيات الثلاث، والمصالح التي تترتّب عليها إذا عُمِل بها فقوله: ( ... يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ... ) ، أي أحكام دينه ممّا فيه صلاح دنياكم وعُقباكم، وما في ذلك من المعارف والحِكم، وعلى هذا؛ فمعمول قوله: يُبيِّن محذوف للدلالة على فخامة أمره وعظم شأنه، ويمكن أن يكون قوله: ( ... لِيُبَيِّنَ لَكُمْ... ) ، وقوله: ( ... وَيَهْدِيَكُمْ... ) متنازعين في قوله: ( ... سُنَنَ الَّذِينَ... ) .

قوله تعالى: ( ... وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ... ) ، أي طرق حياة السابقين من الأنبياء والأُمم الصالحة، الجارين في الحياة الدنيا على مرضاة الله، الحائزين به سعادة الدنيا والآخرة، والمراد بسُننهم على هذا المعنى سُننهم في الجملة لا سُننهم بتفاصيلها وجميع خصوصياتها، فلا يرد عليه أنّ من أحكامهم ما تنسخه هذه الآيات بعينها، كازدواج الإخوة بالأخوات في سنّة آدم، والجمع بين الأُختين، في سنّة يعقوب (عليه السلام)، وقد جمع (عليه السلام) بين الأُختين - ليا أم يهودا وراحيل أمّ يوسف - على ما في بعض الأخبار، وهنا معنى آخر قيل به، وهو أنَّ المراد الهداية إلى سنن جميع السابقين سواء كانوا على


الحق أم على الباطل، يعني أنَّا بيَّنا لكم جميع السنن السابقة، من حق وباطل؛ لتكونوا على بصيرة فتأخذوا بالحق منها وتدعوا الباطل.

وهذا معنى لا بأس به، غير أنّ الهداية في القرآن غير مستعمل في هذا المعنى، وإنّما استُعمل فيما استُعمل في الإيصال إلى الحق أو إرادة الحق كقوله: ( إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ... ) (1) .

وقوله: ( إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ) (2) ، والأوفق بمذاق القرآن أن يُعبِّر عن أمثال هذه المعاني بلفظ التبيين والقصص ونحو ذلك.

نعم، لو جعل قوله يبيِّن وقوله: ويهديكم متنازعين في قوله: ( ... سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ... ) .

وقوله: ( ... يَتُوبَ عَلَيْكُمْ... ) أيضاً راجعاً إليه، وآل المعنى إلى أنّ الله يُبيِّن لكم سنن الذين من قبلكم، ويهديكم إلى الحق منها، ويتوب عليكم فيما ابتُليتم به من باطلها، كان له وجه؛ فإنّ الآيات السابقة فيها ذكر من سنن السابقين والحق والباطل منها والتوبة، على ما قد سلف من السنن الباطلة.

قوله تعالى: ( ... وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم ) ، التوبة المذكورة هو رجوعه إلى عبده بالنعمة والرحمة، وتشريع الشريعة، وبيان الحقيقة، والهداية إلى طريق الاستقامة كل ذلك توبة منه سبحانه، كما أنَّ قبول توبة العبد ورفع آثار المعصية توبة.

وتذييل الكلام بقوله: ( ... وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم ) ، ليكون راجعاً إلى جميع فقرات الآية، ولو كان المراد رجوعه إلى آخر الفقرات لكان الأنسب ظاهراً أن يُقال: والله غفور رحيم.

____________________

(1) سورة القصص، الآية: 56.

(2) سورة الإنسان، الآية: 3.


قوله تعالى: ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ... ) إلخ، كأنّ تكرار ذكر توبته للمؤمنين للدلالة على أنّ قوله: ( ... وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا ) ، إنَّما يُقابل من الفقرات الثلاث في الآية السابقة الفقرة الأخيرة فقط؛ إذ لو ضمّ قوله: ( ... وَيُرِيدُ الَّذِينَ... ) الخ، إلى الآية السابقة من غير تكرار قوله: ( وَاللَّهُ يُرِيدُ... ) إلخ. أفاد المقابلة في معنى جميع الفقرات ولغى المعنى قطعاً.

والمراد بالميل العظيم، هتك هذه الحدود الإلهية المذكورة في الآيات، بإتيان المحارم وإلغاء تأثير الأنساب والأسباب، واستباحة الزنا، والمنع عن الأخذ بما سنّه الله من السنّة القويمة.

قوله تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) ، كون الإنسان ضعيفاً؛ لما ركَّب الله فيه القوى الشهوية، التي لا تزال تُنازعه في ما تتعلّق به من المشتهيات وتبعثه إلى غشيانها، فمَنَّ الله عليهم بتشريع حلِّية ما تنكسر به سورة شهوتهم، بتجويز النكاح بما يرتفع به غائلة الحرج، حيث قال: ( ... وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ... ) ، وهو النكاح وملك اليمين، فهداهم بذلك سنن الذين من قبلهم، وزادهم تخفيفاً منه لهم لتشريع نكاح المتعة؛ إذ ليس معه كُلفة النكاح وما يستتبعه من أثقال الوظائف من صداق ونفقة وغير ذلك.

وربّما قيل: إنّ المراد به إباحة نكاح الإماء عند الضرورة تخفيفاً.

وفيه: أنّ نكاح الإماء عند الضرورة كان معمولاً به بينهم قبل الإسلام على كراهة وذمٍّ، والذي ابتدعته هذه الآيات هو التسبب إلى نفى هذه الكراهة والنفرة، ببيان أنّ الأمة كالحرّة إنسان لا تفاوت بينهما، وأنّ الرقِّية لا توجب سقوط صاحبها عن لياقة المصاحبة والمعاشرة.

وظاهر الآيات - بما لا ينكر - أنّ الخطاب فيها متوجّه إلى المؤمنين من


هذه الأمّة، فالتخفيف المذكور في الآية تخفيف على هذه الأمّة، والمراد به ما ذكرناه؛ وعلى هذا، فتعليل التخفيف بقوله: ( ... وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) مع كونه وصفاً مشتركاً بين جميع الأُمم - هذه الأمّة والذين من قبلهم - وكون التخفيف مخصوصاً بهذه الأمّة إنّما هو من قبيل ذِكْر المقتضى العام، والسكوت عمّا يتمّ به في تأثيره، فكأنّه قيل: إنّا خفّفنا عنكم؛ لكون الضعف العام في نوع الإنسان سبباً مقتضياً للتخفيف لولا المانع، لكن لم تزل الموانع تمنع عن فعليّة التخفيف وانبساط الرحمة في سائر الأُمم، حتى وصلت التوبة إليكم فعمّتكم الرحمة، وظهرت فيكم آثاره، فبرز حكم السبب المذكور وشُرِّع فيكم حكم التخفيف، وقد حُرِمت الأُمم السابقة من ذلك، كما يدلُّ عليه.

قوله: ( ... رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا... ) (1) .

وقوله: ( ... هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ... ) (2) .

ومن هنا يظهر أنّ النكتة في هذا التعليل العام، بيان ظهور تمام النعم الإنسانية في هذه الأمّة.

(بحث روائي)

عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): إنّ الله حرّم من الرضاعة ما حرّم من النسب، وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلم): الرضاع لحمة كلحمة النسب.

وفي الدرّ المنثور، أخرج مالك وعبد الرزاق، عن عائشة قالت: كان فيما أُنزل من القرآن عشر رضعات معلومات، فنُسخن بخمس معلومات، فتوفِّي

____________________

(1) سورة البقرة، الآية: 286.

(2) سورة الحج، الآية: 78.


رسول الله (ص) وهنَّ فيما يُقرأ من القرآن (1) .

أقول: وروي فيه عنها ما يقرب منه بطرق أُخرى، وهي من روايات التحريف مطروحة بمخالفة الكتاب.

وفيه، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه، من طريقين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي (ص) قال: (إذا نكح الرجل المرأة فلا يحلُّ له أن يتزوّج أمّها دخل بالابنة أو لم يدخل، وإذا تزوّج الأمَّ فلم يدخل بها، ثمّ طلّقها، فإن شاء تزوّج الابنة) (2) .

أقول: وهذا المعنى مروي من طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو مذهبهم وهو المُستفاد من الكتاب، كما مرّ في البيان المتقدِّم، وقد روي من طرق أهل السنّة، عن علي (عليه السلام): (أنّ أمَّ الزوجة لا بأس بنكاحها قبل الدخول بالبنت، وأنّها بمنزلة الربيبة، وأنّ الربيبة إذا لم تكن في حِجر زوج أمِّها لم يَحرُم عليه نكاحها). وهذه أمور يدفعها المروي عنهم (عليهم السلام) من طرق الشيعة.

وفي الكافي، بإسناده عن منصور بن حازم قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه رجل، فسأله عن رجل تزوّج امرأة، فماتت قبل أن يدخل بها، أيتزوّج بأُمِّها؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): (قد فعله رجل منّا فلم يرَ به بأساً) ، فقلت: جُعلت فداك، ما تفتخر الشيعة إلاّ بقضاء علي (عليه السلام) في هذا في المشيخة (3) التي أفتاه ابن مسعود أنّه لا بأس به.

____________________

(1) الدرّ المنثور: ج 2، ص 135.

(2) الدرّ المنثور: ج 2، ص 135.

(3) لعلّ الصحيح: الشمخي؛ لما في بعض أخبار أهل السنّة أنّه كان رجلاً من بني شمخ، أو الصحيح في الشمخية التي أفتى ابن مسعود.


بذلك (1) .

ثمّ أتى علياً (عليه السلام) فسأله فقال له علي (عليه السلام): (من أين يأخذها؟) (2) ، فقال من قول الله عز وجل: ( ... وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ... ) ، فقال علي (عليه السلام): (إنّ هذه مستثناة، وهي مُرسلة) ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للرجل: (أما تسمع ما يروي هذا عن علي (عليه السلام)؟) .

فلمّا قمت ندمت وقلت: أيّ شيء صنعت؟ يقول: (قد فعله رجل منّا ولم يرَ به بأساً) ، وأقول أنا: قضى علي (عليه السلام) فيها! فلقيته بعد ذلك وقلت: جُعلت فداك، مسألة الرجل إنّما كان الذي قلت كان زلّة منّي فما تقول فيها؟ فقال: (يا شيخ، تُخبرني أنّ علياً (عليه السلام) قضى فيها، وتسألني ما تقول فيها؟) .

أقول: وقصّة قضائه (عليه السلام) في فتوى ابن مسعود على ما رواه في الدرّ المنثور عن سنن البيهقي وغيره: أنّ رجلاً من بني شمخ تزوّج امرأة ولم يدخل بها، ثمّ رأى أمّها فأعجبته، فاستفتى ابن مسعود، فأمره أن يُفارقها ثمّ يتزوّج أمّها، ففعل وولدت له أولاداً، ثمّ أتى ابن مسعود المدينة، فقيل له: لا تصلح. فلمّا رجع إلى الكوفة قال للرجل: إنّها عليك حرام. ففارقها.

لكن لم ينسب القول فيه إلى علي (عليه السلام) بل ذكر: أنّه سأل عنه أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وفي لفظ: أنّه سأل عنه عمر، وفي بعض الروايات: فأُخبر أنّه ليس كما قال، وأنّ الشرط في الربائب.

وفي الاستبصار، بإسناده عن إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه: (أنّ علياً عليه السلام كان يقول: الربائب عليكم حرام مع الأمّهات اللاتي دخلتهم بهنّ

____________________

(1) الكافي: ج 5، ص 422 رواية 4.

(2) نسخة الوافي: (من أين أخذ بها؟).


في الحجور وغير الحجور سواء، والأمّهات مبهمات دُخِل بالبنات أم لم يُدخل، فحَرِّموا وأبهِموا ما أبهم الله) (1) .

أقول: وقد عُزي إليه (عليه السلام) في بعض الروايات من طرق أهل السنّة اشتراط الحجور في حرمة الربائب، لكنّ الروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تدفعه، وهو الموافق لما يُستفاد من الآية كما تقدّم.

والمبهمات من البُهمة، وهي كون الشيء ذا لون واحد لا يختلط به لون آخر ولا يختلف في لونه، سمِّي به من طبقات النساء المحرّمة مَن كانت حرمة نكاحها مرسلة غير مشروطة، وهي الأمّهات والبنات والأخوات، والعمّات والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت، وما كان من الرضاعة، وأمّهات النساء، وحلائل الأبناء.

وفيه، بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الجارية فيُصيب منها، أله أن ينكح ابنتها؟ قال: (لا، هي كما قال الله تعالى: ( ... وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ... ) ).

وفي تفسير العيّاشي، عن أبي عون، قال: سمعت أبا صالح الحنفي قال: قال علي (عليه السلام) ذات يوم: (سلوني!) ، فقال ابن الكوا: أخبرني عن بنت الأُخت من الرضاعة، وعن المملوكتين الأُختين، فقال: (إنّك لذاهب في التيه! سَلْ عمّا يعنيك أو ينفعك) ، فقال ابن الكوا: إنّما نسألك عمّا لا نعلم، وأمّا ما نعلم، فلا نسألك عنه، ثمّ قال: (أمّا الأُختان المملوكتان أحلّتهما آية وحرّمتهما آية؛ ولا أُحلّه ولا أُحرّمه، ولا أفعله ولا واحد من أهل بيتي) (2) .

وفي التهذيب، بإسناده عن معمر بن يحيى بن سالم، قال: سألنا أبا

____________________

(1) الاستبصار: ج 3، ص 156 رواية 2 باب21.

(2) تفسير العيّاشي: ج 1، ص 232.


جعفر (عليه السلام) عمّا يروي الناس عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن أشياء لم يكن يأمر ولا ينهى إلاَّ نفسه وولده، فقلت: كيف يكون ذلك؟ قال: (قد أحلّتها آية وحرّمتها آية أُخرى). فقلنا: هل إلاّ أن يكون إحداهما نسخت الأُخرى أم هما محكمتان ينبغي أن يعمل بهما؟ فقال: (قد بيّن لهم؛ إذ نهى نفسه وولده) ، قلنا: ما منعه أن يُبيِّن ذلك للناس؟ قال: (خشي أن لا يُطاع، فلو أنّ أمير المؤمنين ثبتت قدماه أقام كتاب الله كلّه والحق كلّه) (1) .

أقول: والرواية المنقولة عنه (عليه السلام) هي التي نُقلت عنه (عليه السلام) من طرق أهل السنّة، كما رواه في الدرّ المنثور، عن البيهقي وغيره عن علي بن أبي طالب، قال في الأُختين المملوكتين: (أحلّتهما آية، وحرّمتهما آية، ولا آمر ولا أنهى، ولا أُحلّ ولا أُحرّم، ولا أفعله أنا ولا أهل بيتي) (2) .

وروي فيه أيضاً، عن قبيصة بن ذؤيب، أنّ رجلاً سأله (عليه السلام) عن ذلك فقال: (لو كان إليّ من الأمر شيء ثمّ وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالاً).

وفي التهذيب، بإسناده عن عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إذا كانت عند الإنسان الأُختان المملوكتان فنكح إحداهما، ثمّ بدا له في الثانية، فليس ينبغي له أن ينكح الأُخرى حتى تخرج الأُولى من ملكه، يهبها أو يبيعها، فإن وهبها لولده يُجزيه) (3) .

وفي الكافي وتفسير العيّاشي، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قوله عز وجل: ( ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... ) ، قال: (هو أن يأمر الرجل عبده وتحته أمته، فيقول له: اعتزل امرأتك ولا تقربها، ثمّ يحبسها عنه حتى تحيض، ثمّ يمسُّها، فإذا حاضت بعد مسّه إيّاها

____________________

(1) التهذيب: ج 7، ص 463 رواية 46 باب 36.

(2) الدرّ المنثور: ج 2، ص 136.

(3) التهذيب: ج 7، ص 288 رواية 48 باب 21.


ردّها عليه بغير نكاح) (1) .

وفي تفسير العيّاشي، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله: ( ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... ) ، قال: (هنّ ذوات الأزواج، إلاّ ما ملكت أيمانكم، إن كنت زوّجت أمتك غلامك نزعتها منه إذا شئت) ، فقلت: أرأيت إن زوّج غير غلامه؟ قال: ليس له أن ينزع حتى تُباع، فإن باعها صار بُضعها في يد غيره، فإن شاء المشتري فرّق، وإن شاء أقرّ.

وفي الدرّ المنثور، أخرج أحمد وأبو داود والترمذي - وحسّنه - وابن ماجة عن فيروز الديلمي: أنّه أدركه الإسلام وتحته أُختان، فقال له النبي (ص): (طلِّق أيّتهما شئت) (2) .

وفيه أخرج ابن عبد البرّ في الاستذكار، عن أياس بن عامر، قال: سألت علي بن أبي طالب فقلت: إنّ لي أختين ممّا ملكت يميني، اتّخذت إحداهما سرية وولدت لي أولاداً، ثم رغبت في الأُخرى، فما أصنع؟ قال: (تعتق التي كنت تطأ ثمّ تطأ الأُخرى).

ثمّ قال: (إنّه يحرم عليك ممّا ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب الله من الحرائر، إلاّ العدد - أو قال: إلاّ الأربع - ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب) (3) .

أقول: ورواه بطرق أُخر غير هذا الطريق عنه.

وفي صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص): (لا يُجمع بين المرأة وعمّتها، ولا بين المرأة

____________________

(1) الكافي: ج 5، ص 486 رواية 2.

(2) الدرّ المنثور: ج 2، ص 136.

(3) الدرّ المنثور: ج 5، ص 137.


وخالتها) (1) .

أقول: وهذا المعنى مروي بغير الطريقين من طرق أهل السنّة، لكنّ المروي من طرق أئمة أهل البيت خلاف ذلك، والكتاب يُساعده.

وفي الدرّ المنثور، أخرج الطيالسي، وعبد الرزاق، والفريابي، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطحاوي، وابن حبان، والبيهقي في سننه، عن أبي سعيد الخدري: أنّ رسول الله (ص) بعث يوم حنين جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدّواً فقاتلوهم، فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا، فكأنّ ناساً من أصحاب رسول الله (ص) تحرّجوا من غشيانهن، من أجل أزواجهن من المشركين، فأنزل الله في ذلك: ( ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... ) يقول: إلاّ ما أفاء الله عليكم، فاستحللنا بذلك فروجهنّ (2) .

أقول: وروي ذلك عن الطبراني عن ابن عباس.

وفيه، أخرج عبد بن حميد، عن عكرمة: أنّ هذه الآية التي في سورة النساء: ( ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ... ) ، نزلت في امرأة يُقال لها: معاذة، وكانت تحت شيخ من بني سدوس يُقال له: شجاع بن الحارث، وكان معها ضرّة لها قد ولدت لشجاع أولاداً رجالاً، وإنّ شجاعاً انطلق يمير أهله من هجر، فمرّ بمعاذة ابن عمٍّ لها، فقالت له: احملني إلى أهلي؛ فإنّه ليس عند هذا الشيخ خير. فاحتملها فانطلق بها، فوافق ذلك جيئة الشيخ، فانطلق إلى رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله وأفضل العرب، إنّي خرجت أبغيها الطعام في رجب، فتولّت وألطت بالذنب، وهي شرّ غالب لمَن غَلب، رأت

____________________

(1) صحيح البخاري: ج 7، ص 15.

(2) الدر النثور: ج 2، ص 137.


غلاماً واركاً على قتب، لها وله أرب. فقال رسول الله (ص): (عليّ عليّ، فإن كان الرجل كشف بها ثوباً فارجموها، وإلاّ فردُّوا إلى الشيخ امرأته). فانطلق مالك بن شجاع وابن ضرّتها فطلبها فجاء بها، ونزلت بيتها (1) .

أقول: وقد مرّ مراراً أنّ أمثال هذه الأسباب المرويّة للنزول، وخاصة فيما كانت متعلّقة بأبعاض الآيات وأجزائها، تطبيقات من الرواة، وليست بأسباب حقيقية.

في الفقيه، سُئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: ( ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ... ) قال: (هنّ ذوات الأزواج)، فقيل: ( ... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ... ) ، قال: (هنّ العفائف) (2) .

أقول: ورواه العيّاشي أيضاً عنه (عليه السلام).

وفي المجمع، في قوله تعالى: ( ... وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً... ) ، أي مَن لم يجد منكم غنىً، قال: وهو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) (3) .

وفي الكافي، عن الصادق (عليه السلام) قال: (لا ينبغي أن يتزوّج الحرٌّ المملوكة اليوم، إنّما كان ذلك حيث قال عز وجل: ( ... وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً... ) ، والطول المهر، ومهر الحرّة اليوم مهر الأمة أو أقلّ) (4) .

أقول: الغنى أحد مصاديق الطول كما تقدّم، والرواية لا تدلُّ على أزيد من الكراهة.

وفي التهذيب، بإسناده عن أبي العباس البقباق قال: قلت لأبي

____________________

(1) الدرّ المنثور: ج 2، ص 138.

(2) الفقيه: ج 3، ص 7 رواية 2.

(3) مجمع البيان: ج 2، ص 33.

(4) التهذيب: ج 7، ص 334 رواية 3 باب 21.


عبد الله (عليه السلام): يتزوّج الرجل الأمَة بغير علم أهلها؟ قال: (هو زنا، إنّ الله تعالى يقول: ( ... فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ... ) ) (1) .

وفيه، بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألت الرضا (عليه السلام) يتمتّع بالأمَة بإذن أهلها؟ قال: (نعم، إنّ الله عز وجل يقول: ( ... فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ... ) ) (2) .

وفي تفسير العيّاشي، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن قول الله في الإماء ( ... فَإِذَا أُحْصِنَّ... ) ما إحصانهنّ؟ قال: (يدخل بهنّ)، قلت: فإن لم يدخل بهنّ ما عليهنّ حُدَّ؟ قال: (بلى).

وفيه عن حريز قال: سألته عن المحصن فقال: (الذي عنده ما يُغنيه) (3) .

وفي الكافي، بإسناده عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في العبيد والإماء إذا زنا أحدهم أن يُجلَد خمسين جلدة إن كان مسلماً أو كافراً أو نصرانيّاً، ولا يُرجم ولا يُنفى) (4) .

وفيه، بإسناده عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن عبد مملوك قذف حرَّاً قال: (يُجلد ثمانين، هذا من حقوق الناس، فأمّا ما كان من حقوق الله عز وجل، فإنّه يُضرب نصف الحدِّ) (5) .

قلت: الذي من حقوق الله عز وجل ما هو؟ قال: (إذا زنا أو شرب خمراً، فهذا من الحقوق التي يُضرب عليها نصف الحدِّ).

____________________

(1) الفقيه: ج 3، ص 451 رواية 456 باب 2.

(2) التهذيب: ج 5، ص 463 رواية 3.

(3) التهذيب: ج 10، ص 12.

(4) الكافي: ج 7، ص 238 رواية 23.

(5) الكافي: ج 7، ص 237 رواية 9.


وفي التهذيب، بإسناده عن بريد العجلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) في الأمَة تزني قال: (تُجلد نصف الحدِّ كان لها زوج أو لم يكن) (1) .

وفي الدرِّ المنثور، أخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: المُسافحات المُعلنات بالزنا المتّخذات أخدان ذات الخليل الواحد، قال: كان أهل الجاهلية يُحرِّمون ما ظهر من الزنا ويستحلُّون ما خَفي، يقولون: أمّا ما ظهر منه فهو لؤم، وأمّا ما خفي فلا بأس بذلك، فأنزل الله: ( ... وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ... ) .

أقول: والروايات فيما تقدّم من المعاني كثيرة اقتصرنا منها على أُنموذج يسير.

(بحث آخر روائي)

في الكافي، بإسناده عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المتعة، فقال: (نزلت في القرآن: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ... ) ) (2) .

وفيه، بإسناده عن ابن أبي عمير، عمّن ذكره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: (إنّما نزلت: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً... ) ).

أقول: وروى هذه القراءة العيّاشي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، ورواها الجمهور بطرق عديدة عن أُبي بن كعب وعبد الله بن عباس كما سيأتي: ولعلّ المراد بأمثال هذه الروايات الدلالة على المعنى المراد من الآية دون النزول

____________________

(1) الكافي: ج 7، ص 234 رواية 4. والتهذيب: ج 10 ص 27 رواية 12 باب 4.

(2) سورة النساء، الآية: 24.


اللفظي.

وفيه، بإسناده عن زرارة قال: جاء عبد الله بن عمير الليثي إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال له: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: (أحلّها الله في كتابه وعلى لسان نبيّه؛ فهي حلال إلى يوم القيامة)، فقال: يا أبا جعفر مثلك يقول هذا؛ وقد حرّمها عمر ونهى عنها؟! فقال: (وإن كان فعل). فقال: إنّي أُعيذك بالله، من ذلك أن تُحلَّ شيئاً حرّمه عمر.

قال: فقال له: (فأنت على قول صاحبك، وأنا على قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فهلمَّ أُلاعِنُك أن القول ما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأن الباطل ما قال صاحبك)، فأقبل عبد الله بن عمير فقال: أيسرُّك أن نساءك وبناتك وأخواتك وبنات عمّك يفعلن؟!

قال: فأعرض عنه أبو جعفر (عليه السلام) حين ذكر نساءه وبنات عمِّه.

وفيه، بإسناده عن أبي مريم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (المتعة نزل بها القرآن وجرت بها السنّة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)) (1) .

وفيه، بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: سمعت أبا حنيفة يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة. فقال: (أيُّ المتعتين تسأل؟). قال: سألتك عن متعة الحج، فأنبئني عن متعة النساء أحقٌّ هي؟ فقال: (سبحان الله! أما قرأت كتاب الله عز وجل: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً... ) ؟!). فقال: والله، كأنّها آية لم أقرأها قطُّ (2) .

وفي تفسير العيّاشي، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال جابر بن عبد الله، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) إنّهم غزوا معه فأحلّ لهم المتعة

____________________

(1) الكافي: ج 5، ص 449 رواية 5.

(2) الكافي: ج 5، ص 449 رواية 6.


ولم يُحرِّمها، وكان علي يقول: (لولا ما سبقني به ابن الخطاب - يعني عمر - ما زنى إلاّ شقيّ) (1). وكان ابن عباس يقول: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ - إلى أجل مسمى - فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً... ) ، وهؤلاء يكفرون بها، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أحلّها ولم يُحرِّمها (2) .

وفيه، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في المتعة قال: (نزلت هذه الآية: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ... ) . قال: لا بأس بأن تزيدها وتزيدك إذا انقطع الأجل فيما بينكما؛ يقول: استحللتك بأجل آخر برضى منها، ولا تحلُّ لغيريك حتى تنقضي عدّتها، وعدّتها حيضتان) (3) .

وعن الشيباني، في قوله تعالى: ( ... وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ... ) ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنّهما قالا: (هو أن يزيدها في الأجرة، وتزيده في الأجل).

أقول: والروايات في المعاني السابقة مستفيضة أو متواترة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وإنّما أوردنا طرفاً منها، وعلى مَن يُريد الاطِّلاع عليها جميعاً أن يُراجع جوامع الحديث.

وفي الدرّ المنثور (4) ، أخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كان متعة النساء في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه مَن يُصلح له ضيعته، ولا يحفظ متاعه، فيتزوّج المرأة إلى قدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته فتنظر له متاعه، وتُصلح له ضيعته، وكان يقرأ: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ - إلى

____________________

(1) وفي نسخة: إلاّ الأشقى.

(2) تفسير العيّاشي: ج 1، ص 232.

(3) تفسير العيّاشي: ج 1، ص 233.

(4) أخبار في قراءة: إلى أجل مسمّى.


أجل مسمى -. .. ) ، نسختها: محصنين غير مسافحين، وكان الإحصان بيد الرجل يُمسك متى شاء، ويُطلِّق متى شاء (1) .

وفي مستدرك الحاكم، بإسناده عن أبي نضرة قال: قرأت على ابن عباس: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً... ) ، قال ابن عباس: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ - منهن إلى أجل مسمى -. .. ) ، فقلت: ما نقرؤها كذلك؟! فقال ابن عباس: والله، لأنزلها الله كذلك (2) .

أقول: ورواه في الدرّ المنثور، عنه وعن عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في المصاحف.

وفي الدرّ المنثور، أخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة قال: في قراءة أُبيّ بن كعب: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ - منهن إلى أجل مسمى -. .. ) .

وفي صحيح الترمذي، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: إنّما كانت المتعة في أول الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوّج المرأة بقدر ما يرى أنّه يُقيم، فيحفظ له متاعه ويُصلح له شيئه حتى إذا نزلت الآية: ( ... إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ... ) قال ابن عباس، فكل فرج سوى هذين فهو حرام.

أقول: ولازم الخبر أنّها نُسخت بمكّة؛ لأنّ الآية مكّية.

وفي مستدرك الحاكم، عن عبد الله بن أبي مليكة: سألت عائشة رضي الله عنها عن متعة النساء، فقالت: بيني وبينكم كتاب الله.

قال: وقرأت هذه الآية: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ) ، فمن ابتغى وراء ما زوّجه الله أو ملّكه فقد عدا.

____________________

(1) الدر المنثور: ج 2، ص 139.

(2) الدر المنثور: ج 2، ص 139.


وفي الدرّ المنثور (1) ، أخرج أبو داود في ناسخه، وابن المنذر والنحّاس من طريق عطاء، عن ابن عباس في قوله: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) قال: (نسختها: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ... ) (2) ، ( وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ... ) (3) ، ( وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ... ) (4)) (5) .

وفيه، أخرج أبو داود في ناسخه وابن المنذر والنحّاس والبيهقي عن سعيد بن المسيب، قال: نسخت آية الميراث المتعة (6) .

وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن ابن مسعود قال: المتعة منسوخة، نسخها الطلاق والصدقة والعدّة والميراث.

وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن علي قال: نسخ رمضان كل صوم، ونسخت الزكاة كل صدقة، ونسخ المتعة الطلاق والعدّة والميراث، ونسخت الضحية كل ذبيحة (7) .

وفيه، أخرج عبد الرزاق وأحمد ومسلم عن سبرة الجهني (8) ، قال: أذِن لنا رسول الله (ص) عام فتح مكّة في متعة النساء، فخرجت أنا ورجل من قومي، ولي عليه فضل في الجمال، وهو قريب من الدمامة مع كل واحد منّا بُرد، وأمّا بُردي فخلق، وأمّا بُرد ابن عمّي فبُرد جديد غضٌّ، حتى إذا كنّا بأعلى

____________________

(1) جملة من الأخبار الدالّة على نسخ آية المتعة بالكتاب.

(2) سورة الطلاق، الآية: 1.

(3) سورة البقرة، الآية: 228.

(4) سورة الطلاق، الآية: 4.

(5) الدرّ المنثور: ج 2، ص 140.

(6) الدرّ المنثور: ج 2، ص 140.

(7) الدرّ المنثور: ج 2، ص 140.

(8) جملة من الأخبار الدالّة على نسخ المتعة بالسنّة.


مكة تلقتنا فتاة مثل البكرة العنطنطة، فقلنا: هل لك أن يستمتع منك أحدنا؟ قالت: وما تبذلان؟ فنشر كل واحد منّا بُرده، فجعلت تنظر إلى الرجلين، فإذا رآها صاحبي قال: إن بُرد هذا خلق، وبُردي جديد غضّ. فتقول: وبُرد هذا لا بأس به، ثمّ استمتعت منها، فلم نخرج حتى حرّمها رسول الله (ص) (1) .

وفيه، أخرج مالك، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، عن علي بن أبي طالب: (أنّ رسول الله (ص) نهى عن متعة النساء يوم خيبر، وعن أكل لحوم الحمر الإنسيّة) .

وفيه، أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، ومسلم عن سلمة بن الأكوع، قال رخّص لنا رسول الله (ص) في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيّام، ثمّ نهى عنها بعدها (2) .

وفي شرح ابن العربي لصحيح الترمذي، عن إسماعيل، عن أبيه عن الزهري: أنّ سبرة روى، أنّ النبي (ص) نهى عنها في حجّة الوداع؛ أخرجه أبو داود قال: وقد رواه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن الربيع بن سبرة، عن أبيه، فذكر فيه: أنّه كان في حجّة الوادع بعد الإحلال، وأنّه كان بأجل معلوم، وقد قال الحسن: إنّها في عمرة القضاء.

وفيه، عن الزهري: أنّ النبي (ص) جمع المتعة في غزوة تبوك.

أقول: والروايات كما ترى، تختلف في تشخيص زمان نهيه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بين قائلة: إنّه كان قبل الهجرة. وقائلة: بأنّه بعد الهجرة بنزول آيات النكاح والطلاق العدّة والميراث، أو بنهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عام خيبر، أو زمن عمرة القضاء، أو عام أوطاس، أو عام الفتح، أو عام تبوك، أو بعد حجّة الوداع؛ ولذا حُمل على تكرر

____________________

(1) الدرّ المنثور: ج 2، ص 140.

(2) الدرّ المنثور: ج 2، ص 140.


النهي عنها مرّات عديدة، وأنّ كلاَّ ًمن الروايات تُحدِّث عن مرّة منها، لكنّ جلالة بعض رواتها كعلي وجابر وابن مسعود مع ملازمتهم للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وخبرتهم بالخطير واليسير من سيرته، تأبى أن يخفى عليهم نواهيه (صلّى الله عليه وآله وسلم).

وفي الدرّ المنثور، أخرج البيهقي، عن علي قال: (نهى رسول الله (ص) عن المتعة، وإنّما كانت لمَن لم يجد، فلمّا نزل النكاح والطلاق والعدّة والميراث بين الزوج والمرأة نسخت) (1) .

وفيه، أخرج النحّاس، عن علي بن أبي طالب: أنّه قال لابن عباس: (إنّك رجل تائه، إنّ رسول الله (ص) نهى عن المتعة) (2) .

وفيه، أخرج البيهقي، عن أبي ذر قال: إنّما أُحلّت لأصحاب رسول الله (ص) المتعة ثلاثة أيّام، ثمّ نهى عنها رسول الله (ص) (3) .

وفي صحيح البخاري، عن أبي جمرة قال: سئل ابن عباس عن متعة النساء، فرخّص فيها، فقال له مولى له: إنّما كان ذلك وفي النساء قلّة والحال شديد، فقال ابن عباس: نعم.

وفي الدرّ المنثور، أخرج البيهقي، عن عمر أنّه خطب فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة، وقد نهى رسول الله (ص) عنها لا أُوتى بأحد نكحها إلاَّ رجمته (4).

وفيه، أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن سبرة قال: رأيت رسول الله (ص) قائماً بين الركن والباب وهو يقول: (يا أيُّها الناس، إنّي كنت

____________________

(1) الدرّ المنثور: ج 2، ص 140.

(2) الدرّ المنثور: ج 2، ص 140.

(3) الدرّ المنثور: ج 2، ص 140.

(4) الدرّ المنثور: ج 2، ص 141.


أذنت لكم في الاستمتاع، ألا وإنّ الله حرّمها إلى يوم القيامة؛ فمَن كان عنده منهنّ شيء فليخلّ سبيلها، ولا تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً) (1) .

وفيه، أخرج ابن أبي شيبة، عن الحسن قال: والله، ما كانت المتعة إلاّ ثلاثة أيّام، أذِن لهم رسول الله (ص) فيها، ما كانت قبل ذلك ولا بعد.

وفي تفسير الطبري (2) عن مجاهد: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ... ) قال: يعني نكاح المتعة.

وفيه، عن السدّي في الآية قال: هذه المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرط إلى أجل مسمّى، فإذا انقضت المدّة، فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، ليس يرث واحد منهما صاحبه (3) .

وفي صحيحي البخاري ومسلم، ورواه في الدرّ المنثور، عن عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، عن ابن مسعود قال: (كنّا نغزو مع رسول الله (ص) وليس معنا نساؤنا، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ورخّص لنا أن نتزوّج المرأة بالثوب إلى أجل، ثمّ قرأ عبد الله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ... ) (4) ) (5) .

وفي الدرّ المنثور، أخرج ابن أبي شيبة، عن نافع، أنّ ابن عمر سئل عن المتعة فقال: حرام. فقيل له: إنّ ابن عباس يُفتي بها، قال: فهلاّ تَزمزَم بها في

____________________

(1) تفسير الطبري ج 5، ص 9 دار المعرفة.

(2) جملة من الأخبار الدالّة على قول بعض الصحابة والتابعين عن المفسرين بجواز المتعة.

(3) تفسير الطبري ج 5، ص 9.

(4) سورة المائدة، الآية: 87.

(5) الدرّ المنثور ج 2، ص 140.


زمان عمر (1) .

وفي الدرّ المنثور، أخرج ابن المنذر والطبراني والبيهقي، من طريق سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: ماذا صنعت؟ ذهب الرُّكاب بفُتياك، وقالت فيه الشعراء، قال: وما قالوا: قلت: قالوا:

أقول للشيخ لمّا طال مجلسه

يا صاح هل لك في فُتيا ابن عباس

هل لك في رخصة الأطراف آنسة

تكون مثواك حتى مصدر الناس

فقال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لا والله، ما بهذا أفتيت، ولا هذا أردت، ولا أحللتها إلاّ للمضطرّ، ولا أحللت منها إلاّ ما أحلّ الله من الميتة والدم ولحم الخنزيز (2) .

وفيه، أخرج ابن المنذر، من طريق عمار مولى الشريد، قال: سألت ابن عباس عن المتعة، أسُفاح هي أم نكاح؟ فقال: لا سفاح ولا نكاح، قلت: فما هي؟ قال: هي المتعة كما قال الله. قلت: هل لها من عدّة؟ قال: عدّتها حيضة. قلت: هل يتوارثان. قال: لا.

وفيه، أخرج عبد الرزاق وابن المنذر، من طريق عطاء، عن ابن عباس قال: يرحم الله عمر! ما كانت المتعة إلاّ رحمة من الله رحم بها أمّة محمد، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلاّ شقي. قال: وهي التي في سورة النساء: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ... ) إلى كذا وكذا، من الأجل على كذا وكذا، قال: وليس بينهما وراثة، فإن بدا لهما أن يتراضيا بعد الأجل فنِعْمَ، وإن تفرّقا فنِعْمَ، وليس بينهما نكاح.

وأخبر: أنّه سمع ابن عباس: أنّه يراها الآن

____________________

(1) الدرّ المنثور ج 2، ص 141.

(2) الدرّ المنثور ج 2، ص 141.


حلالاً (1) .

وفي تفسير الطبري، ورواه في الدرّ المنثور، عن عبد الرزاق وأبي داود في ناسخه، عن الحكم أنّه سُئل عن هذه الآية، أمنسوخة؟ قال: لا، وقال علي: (لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي) (2) .

وفي صحيح مسلم (3) ، عن جابر بن عبد الله قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث (4) .

أقول: ونُقل عن جامع الأصول لابن الأثير، وزاد المعاد لابن القيم، وفتح الباري لابن حجر، وكنز العمال.

وفي الدرّ المنثور، أخرج مالك وعبد الرزاق، عن عروة بن الزبير، أنّ خولة بنت حكيم دخلت على عمر بن الخطاب، فقالت: إن ربيعة بن أُميّة استمتع بامرأة مولدة فحملت منه. فخرج عمر بن الخطاب يجرُّ رداءه فزعاً، فقال: هذه المتعة، ولو كنت تقدّمت فيها لرُجمت (5) .

أقول: ونُقل عن الشافعي في كتاب الأُمّ والبيهقي في السنن الكبرى.

وعن كنز العمّال، عن سليمان بن يسار، عن أُمّ عبد الله ابنة أبي خيثمة، أنّ رجلاً قدم من الشام فنزل عليها، فقال: إنّ العُزبة قد اشتدّت عليّ فابغيني امرأة أتمتّع معها. قالت: فدللته على امرأة فشارطها وأشهدوا على ذلك عدولاً، فمكث معها ما شاء الله أن يمكث، ثمّ إنّه خرج فأخبر عن ذلك

____________________

(1) الدرّ المنثور ج 2، ص 141.

(2) تفسير الطبري ج 5، ص 9.

(3) جملة من الأخبار الدالّة على نهي عمر عن المتعة.

(4) صحيح مسلم ج 2، ص 23، حديث (17).

(5) الدرّ المنثور ج 2، ص 141.


عمر بن الخطاب، فأرسل إلي فسألني أحقٌّ ما حدثت؟ قلت: نعم. قال: فإذا قَدِم فآذنيني، فلمّا قدم أخبرته فأرسل إليه فقال: ما حملك على الذي فعلته؟ قال: فعلته مع رسول الله (ص) ثم لم ينهنا عنه حتى قبضه الله ثم مع أبي بكر فلم ينهنا عنه حتى قبضه الله، ثم معك فلم تحدث لنا فيه نهياً، فقال عمر: أما والذي نفسي بيده لو كنت تقدمت في نهي لرجمتك، بينوا حتى يعرف النكاح من السفاح.

وفي صحيح مسلم ومسند أحمد عن عطاء: قدم جابر بن عبد الله معتمراً فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال: استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر؛ وفي لفظ أحمد: حتى إذا كان في آخر خلافة عمر رضي الله عنه (1) .

وعن سنن البيهقي، عن نافع، عن عبد الله بن عمر: أن سئل عن متعة النساء فقال: حرام، أما إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لو أخذ فيها أحداً لرجمه بالحجارة.

وعن مرآة الزمان لابن الجوزي: كان عمر رضي الله عنه يقول: والله، لا أُوتى برجل أباح المتعة إلاّ رجمته.

وفي بداية المجتهد، لابن رشد عن جابر بن عبد الله: تمتّعنا على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر ونصفاً من خلافة عمر، ثمّ نهى عنها عمر الناس (2) .

وفي الإصابة، أخرج ابن الكلبي: أنّ سلمة بن أُميّة بن خلف الجمحي، استمتع من سلمى مولاة حكيم بن أميّة بن الأوقص الأسلمي، فولدت له

____________________

(1) صحيح مسلم ج 2، ص 1023 حديث (15).

(2) بداية المجتهد ج 2، ص 58 دار المعرفة.


فجحد ولدها، فبلغ ذلك عمر، فنهى المتعة (1) .

وعن زاد المعاد، عن أيّوب، قال عروة لابن عباس: ألا تتّقي الله تُرخِّص في المتعة؟! فقال ابن عباس: سَلْ أمّك يا عرية. فقال عروة: أمّا أبو بكر وعمر فلم يفعلا، فقال ابن عباس: والله، ما أراكم منتهين حين يُعذِّبكم الله، نُحدِّثكم عن النبي (ص)، وتُحدِّثونا عن أبي بكر وعمر (2) .

أقول: وأمّ عروة أسماء بنت أبي بكر، تمتّع منها الزبير بن العوّام، فولدت له عبد الله بن الزبير، وعروة.

وفي المحاضرات للراغب: عيّر عبد الله بن الزبير عبد الله بن عباس بتحليله المتعة، فقال له: سَلْ أُمّك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك؟ فسألها فقالت: ما ولدتك إلاّ في المتعة (3) .

وفي صحيح مسلم، عن مسلم القري، قال: سألت ابن عباس عن المتعة فرخّص فيها، وكان ابن الزبير ينهى عنها، فقال: هذه أمّ ابن الزبير تُحدِّث أنّ رسول الله رخّص فيها، فادخلوا عليها فاسألوها. قال: فدخلنا عليها، فإذ امرأة ضخمة عمياء فقالت: قد رخّص رسول الله فيها.

أقول: وشاهد الحال المحكي، يشهد أنّ السؤال عنها كان في متعة النساء، وتفسره الروايات الأخر أيضاً.

وفي صحيح مسلم، عن أبي نضرة، قال كنت عند جابر بن عبد الله، فأتاه آتٍ فقال: ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين. فقال جابر: فعلناهما

____________________

(1) ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة ج 2، ص 114 دار الكتب العلمية.

(2) ابن قيِّم الجوزية: زاد المعاد ج 2، ص 6 دار الكتاب العربي.

(3) أبو القاسم الأصفهاني: محاضرات الأُدباء، ج 3، ص 214. منشورات دار مكتبة الحياة.


مع رسول الله (ص)، ثمّ نهانا عنهما عمر، فلم نعد لهما.

أقول: ورواه البيهقي في السنن على ما نُقل، ورُوي هذا المعنى في صحيح مسلم في مواضع ثلاث بألفاظ مختلفة، وفي بعضها (قال جابر): فلمّا قام عمر قال: إنّ الله كان يُحلُّ لرسوله ما شاء بما شاء، فأتمُّوا الحج والعمرة كما أمر الله، وانتهوا عن نكاح هذه النساء، لا أُوتى برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته.

وروى هذا المعنى البيهقي في سننه، في أحكام القرآن للجصّاص، وفي كنز العمّال، وفي الدرّ المنثور، وفي تفسير الرازي، ومسند الطيالسي.

وفي تفسير القرطبي، عن عمر: أنّه قال في خُطبة: متعتان كانتا على عهد رسول الله (عليه السلام)، وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة الحج، ومتعة النساء (1) .

أقول: وخُطبته هذه ممّا تسالم عليه أهل النقل، وأرسلوه إرسال المُسلَّمات، كما عن تفسير الرازي، والبيان والتبيين، وزاد المعاد، وأحكام القرآن، والطبري، وابن عساكر وغيرهم.

وعن المستبين للطبري، عن عمر: أنّه قال: ثلاث كنَّ على عهد رسول الله (ص) أنا مُحرِّمهنّ ومعاقب عليهن: متعة الحج، ومتعة النساء، وحيّ على خير العمل في الأذان.

وفي تاريخ الطبري، عن عمران بن سوادة قال: صلّيت الصبح مع عمر، فقرأ سبحان، وسورة معها، ثمّ انصرف وقمت معه، فقال: أحاجة؟ قلت: حاجة. قال: فالحق. قال: فلحقت، فلمّا دخل أذِن لي، فإذا هو على سرير ليس فوقه شيء. فقلت: نصيحة، فقال: مرحباً بالناصح غدوّاً وعشيّاً.

____________________

(1) صحيح مسلم ج 2، ص 1023، ح 17.


قلت، عابت أُمّتك أربعاً. قال: فوضع رأس دُرّته في ذقنه، ووضع أسفلها في فخذه، ثمّ قال: هات. قلت: ذكروا أنّك حرّمت العمرة في أشهر الحج، ولم يفعل ذلك رسول الله (ص)، ولا أبو بكر رضي الله عنه، وهي حلال. قال: هي حلال؟ لو أنّهم اعتمروا في أشهر الحج رأوها مُجزية من حجِّهم، فكانت قائبة قوب عامها فقرع حجّهم، وهو بهاء من بهاء الله، وقد أصبت.

قلت: وذكروا أنّك حرّمت متعة النساء، وقد كانت رخصة من الله، نستمتع بقبضة ونُفارق عن ثلاث. قال: إنّ رسول الله (ص) أحلّها في زمان ضرورة، ثمّ رجع الناس إلى السعة، ثمّ لم أعلم أحداً من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن من شاء نكح بقبضة، وفارق عن ثلاث بطلاق. وقد أصبت.

قال: قلت: وأعتقت الأمَة إن وضعت ذا بطنها بغير عتاقة سيِّدها. قال: ألحقت حرمة بحرمة، وما أردت إلاّ الخير، واستغفر الله. قلت: وتشكو منك نهر الرعيّة، وعُنف السياق. قال: فشرع الدرَّة ثمَّ مسحها حتى أتى على آخرها، ثمّ قال: أنا زميل محمد - وكان زامله في غزوة قرقرة الكدر - فو الله، إنِّي لأرتع فأشبع، وأسقي فأروي، وأنهز اللفوث، وأزجر العروض، وأذبّ قدري، وأسوق خطوي، وأضمّ العَنود، وألحق القطوف، وأكثر الزجر، وأقلّ الضرب، وأشهر العصا، وأدفع باليد، لولا ذلك لأُعذرت.

قال: فبلغ ذلك معاوية، فقال: كان - والله - عالماً برعيّتهم.

أقول: ونقله ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، عن ابن قتيبة (1) .

هذه عدّة من الروايات الواردة في أمر متعة النساء، والناظر المتأمِّل

____________________

(1) ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة ج 12، ص 121 باب 123.


الباحث يرى ما فيها من التباين والتضارب، ولا يتحصّل للباحث في مضامينها غير أنّ عمر بن الخطاب أيّام خلافته حرّمها ونهى عنها؛ لرأي رآه في قصص عمرو بن حريث، وربيعة بن أُميّة بن خلف الجمحي.

وأمّا حديث النسخ بالكتاب أو السنّة، فقد عرفت عدم رجوعه إلى محصّل، على أنّ بعض الروايات يدفع البعض في جميع مضامينها، إلاّ في أنّ عمر بن الخطاب هو الناهي عنها المُجري للمنع، المقرّر حرمة العمل وحدّ الرجم لمَن فعل - هذا أولاّ -.

وأنّها كانت سنّة معمولاً بها في زمن النبي في الجملة، بتجويز منه (صلّى الله عليه وآله وسلم)، إمَّا إمضاءً وإمّا تأسيساً، وقد عمل بها من أصحابه مَن لا يتوهَّم في حقِّه السفاح، كجابر بن عبد الله، وعبد الله بن مسعود، والزبير بن العوّام، وأسماء بنت أبي بكر، وقد ولدت بها عبد الله بن الزبير - وهذا ثانياً -.

وأنّ في الصحابة والتابعين مَن كان يرى إباحتها، كابن مسعود، وجابر، وعمرو بن حريث وغيرهم، ومجاهد، والسدّي، وسعيد بن جبير وغيرهم - وهذا ثالثاً -.

وهذا الاختلاف الفاحش بين الروايات، هو المُفضي للعلماء من الجمهور - بعد الخلاف فيها من حيث أصل الجواز والحرمة أولاً - إلى الخلاف في نحو حُرمتها وكيفيّة منعها ثانياً، وذهابهم فيها إلى أقوال مختلفة عجيبة، ربّما أُنهي إلى خمسة عشر قولاً.

وإنّ للمسألة جهات من البحث لا يُهمّنا إلاّ الورود من بعضها، فهناك بحث كلامي دائر بين الطائفتين - أهل السنّة والشيعة - وبحث آخر فقهي فرعي، ينظر فيها إلى حكم المسألة من حيث الجواز والحرمة، وبحث آخر تفسيري، من حيث النظر في قوله تعالى: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ


أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً... ) الآية: هل مفاده تشريع نكاح المتعة؟ وهل هو بعد الفراغ عن دلالته على ذلك منسوخ بشيء من الآيات، كآية المؤمنون، أو آيات النكاح والتحريم والطلاق والعدّة والميراث؟ وهل هو منسوخ بسنّة نبويّة؟ وهل هو على تقدير تشريعه يُشرِّع حكماً ابتدائياً أو حكماً إمضائياً؟ إلى غير ذلك.

وهذا النحو الثالث من البحث، هو الذي نُعقِّبه في هذا الكتاب، وقد تقدّم خلاصة القول في ذلك فيما تقدّم من البيان، ونزيده الآن توضيحاً، بإلفات النظر إلى بعض ما قيل في المقام على دلالة الآية على نكاح المتعة وتسنينها، ذلك بما يُنافي ما مرّ في البيان المتقدّم.

قال بعضهم - بعد إصراره على أنّ الآية إنّما سيقت لبيان إيفاء المهر في النكاح الدائم -: وذهبت الشيعة إلى أنّ المراد بالآية نكاح المتعة، وهو نكاح المرأة إلى أجل مُعيّن، كيوم أو أسبوع أو شهر مثلاً، واستدلُّوا على ذلك بقراءة شاذّة رويت عن أُبيّ، وابن مسعود، وابن عباس رضي الله عنهم، وبالأخبار والآثار التي رويت في المتعة.

قال: فأمّا القراءة، فهي شاذّة لم تثبت قرآناً، وقد تقدّم أنّ ما صحّت فيه الرواية من مثل هذا آحاداً، فالزيادة فيه من قبيل التفسير، وهو فهم لصاحبه، وفهم الصحابي ليس حجّة في الدين، لا سيّما إذا كان النظم والأُسلوب يأباه كما هنا؛ فإنّ المتمتّع بالنكاح المؤقّت لا يقصد الإحصان دون المسافحة، بل يكون قصده الأول المسافحة، فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه ومنعها من التنقّل في زمن الزنا، فإنّه لا يكون فيه شيء ما من إحصان المرأة التي توجّر نفسها كل طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل:

كرة حذفت بصوالجة

فتلقّاها رجل رجل

أقول: أمّا قوله: إنّهم استدلّوا على ذلك بقراءة ابن مسعود وغيره. فكل


مراجع يراجع كلامهم يرى أنّهم لم يستدلّوا بها استدلالهم بحجّة معتبرة قاطعة، كيف، وهم لا يرون حجّية القراءات الشاذّة حتى الشواذّ المنقولة عن أئمّتهم؟! فكيف يمكن أن يستدلّوا بما لا يرونه حجّة على مَن لا يراه حجّة؟! فهل هذا إلاّ أُضحوكة؟!

بل إنّما هو استدلال بقول مَن قرأ بها من الصحابة، بما أنّه قول منهم بكون المراد بالآية ذلك، سواء كان ذلك منهم قراءة مصطلحة، أم تفسيراً دالاَّ ً، على أنّهم فهموا من لفظ الآية ذلك.

وذلك ينفعهم من جهتين: إحداهما: أنّ عدّة من الصحابة قالوا بما قال به هؤلاء المستدلّون، وقد قال به - على ما نُقل - جَمٌّ غفير من صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والتابعين، ويمكن المراجع في الحصول على صحّة ذلك أن يراجع مظانّه.

والثانية: أنّ الآية دالّة على ذلك، ويدلُّ على ذلك قراءة هؤلاء من الصحابة، كما يدلّ ما ورد عنهم في نسخ الآية أيضاً أنّهم تسلّموا دلالتها على نكاح المتعة، حتى رأوا نسخها أو رووا نسخها، وهي روايات كثيرة تقدّمت عدّة منها، فالشيعة يستفيدون من روايات النسخ كما يستفيدون من القراءة الشاذّة المذكورة على حدِّ سواء من دون أن يقولوا بحجّية القراءة الشاذّة، كما لا يلزمهم القول بوقوع النسخ، وإنّما يستفيدون من الجميع من جهة الدلالة على أنّ هؤلاء القرّاء والرواة كانوا يرون دلالة الآية على نكاح المتعة.

وأمّا قوله: لا سيّما إذا كان النظم والأُسلوب يأباه كما هنا. فكلامه يُعطي أنّه جعل المراد من المسافحة مجرّد سفح الماء وصبِّه - أخذاً بالأصل اللغوي المشتقِّ منه - ثمّ جعله أمراً منوطاً بالقصد، ولزمه أنّ الازدواج الموقّت بقصد قضاء الشهوة وصبّ الماء سفاح لا نكاح، وقد غفل عن أنّ


الأصل اللغوي في النكاح أيضاً هو الوقاع، ففي لسان العرب: قال الأزهري: أصل النكاح في كلام العرب الوطء. ولازم ما سلكه أن يكون النكاح أيضاً سفاحاً، ويختلّ به المقابلة بين النكاح والسفاح.

على أنّ لازم القول: بأنّ قصد صبِّ الماء يجعل الازدواج الموقّت سفاحاً؛ أن يكون النكاح الدائم بقصد قضاء الشهوة وصبِّ الماء سفاحاً، وهل يرضى رجل مسلم أن يُفتي بذلك؟! فإن قال: بين النكاح الدائم والمؤجّل في ذلك فرق؛ فإنّ النكاح الدائم موضوع بطبعه على قصد الإحصان بالازدواج وإيجاد النسل، وتشكيل البيت، بخلاف النكاح المؤجّل. فهذا منه مكابرة؛ فإنّ جميع ما يترتّب على النكاح الدائم من الفوائد، كصون النفس من الزنا، والتوقِّي عن اختلال الأنساب، وإيجاد النسل والولد، وتأسيس البيت يمكن أن يترتّب على النكاح المؤجّل، ويختصُّ بأنّ فيه نوع تسهيل وتخفيف على هذه الأمّة، يصون به نفسه مَن لا يقدر على النكاح الدائم؛ لفقره أو لعدم قدرته على نفقة الزوجة، أو لغربة، أو لعوامل مختلفة أُخر تمنعه عن النكاح الدائم.

وكذا كل ما يترتّب على النكاح المؤجّل - ممّا عدّه ملاكاً للسفاح - كقصد صبّ الماء وقضاء الشهوة؛ فإنّه جائز الترتُّب على النكاح الدائم، ودعوى أنّ النكاح الدائم بالطبع موضوع للفوائد السابقة، ونكاح المتعة موضوع بالطبع لهذه المضارّ اللاحقة - على أن تكون مضارّاً - دعوى واضحة الفساد.

وإن قال: إنّ نكاح المتعة لمّا كان سفاحاً كان زناً يقابل النكاح.

رُدَّ عليه: بأنّ السفاح الذي فسّره بصبِّ الماء أعمُّ من الزنا، وربّما شمل النكاح الدائم، ولا سيّما إذا كان بقصد صبِّ الماء.


وأمّا قوله: فإن كان هناك نوع ما من إحصان نفسه إلخ. فمن عجيب الكلام، وليت شعري! ما الفرق الفارق بين الرجل والمرأة في ذلك؛ حتى يكون الرجل المتمتِّع يمكنه أن يُحصن نفسه بنكاح المتعة من الزنا، وتكون المرأة لا يصحُّ منها هذا القصد؟! وهل هذا إلاّ مجازفة؟!

وأمّا ما أنشده من الشعر في بحث حقيقي، يتعرّض لكشف حقيقة من الحقائق الدينية التي تتفرّع عليها آثار هامّة حيوية دنيوية وأُخروية، لا يُستهان بها - سواء كان نكاح المتعة محرّماً أم مباحاً -.

فماذا ينفع الشعر وهو نسيج خيالي، الباطل أعرف عنده من الحق، والغواية أمسُّ به من الهداية.

وهلاَّ أنشده في ذيل ما مرَّ من الروايات، ولا سيّما في ذيل قول عمر في رواية الطبري المتقدم: (فالآن مَن شاء نكح بقبضة وفارق عن ثلاث بطلاق).

وهل لهذا الطعن غرض يتوجّه إليه إلاّ الله ورسوله في أصل تشريع، هذا النوع من النكاح تأسيساً أو إمضاء، وقد كان دائراً بين المسلمين في أول الإسلام بمرأى من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ومسمع بلا شكّ؟ فإن قال: إنّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) إنّما أذِن فيه لقيام الضرورة عليه من شمول الفقر وإكباب الفاقة على عامة المسلمين، وعروض الغزوات، كما يظهر من بعض الروايات المتقدِّمة.

قلنا: مع فرض تداوله في أول الإسلام بين الناس، وشهرته باسم نكاح المتعة والاستمتاع، لا مناص من الاعتراف بدلالة الآية على جوازه مع إطلاقها، وعدم صلاحية شيء من الآيات والروايات على نسخها، فالقول


بارتفاع إباحته تأوُّل في دلالة الآية من غير دليل.

سلّمنا أنّ إباحته كانت بإذن من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) لمصلحة الضرورة، لكنّا نسأل أنّ هذه الضرورة هل كانت في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) أشدَّ وأعظم منها بعده، ولا سيّما في زمن الراشدين، وقد كان يسير جيوش المسلمين إلى مشارق الأرض ومغاربها بالألوف بعد الألوف من الغزاة؟ وأيّ فرق بين أوائل خلافة عمر وأُخره، من حيث تحوِّل هذه الضرورة من فقر وغزوة واغتراب في الأرض وغير ذلك؟ وما هو الفرق بين الضرورة والضرورة؟

وهل الضرورة المُبيحة اليوم وفي جوِّ الإسلام الحاضر أشدَّ وأعظم، أو في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والنصف الأول من عهد الراشدين؟ وقد أظلّ الفقر العام على بلاد المسلمين، وقد مصّت حكومات الاستعمار والدول القاهرة المستعلية والفراعنة من أولياء أُمور المسلمين كل لبن في ضرعهم، وحصدوا الرَّطِب من زرعهم واليابس.

وقد ظهرت الشهوات في مظاهرها، وازينّت بأحسن زينتها وأجملها، ودعت إلى اقترافها بأبلغ دعوتها ولا يزال الأمر يشتدُّ، والبليّة تعمُّ البلاد والنفوس، وشاعت الفحشاء بين طبقات الشبّان من المتعلّمين والجنديين وعملة المعامل، وهم الذين يكونون المعظم من سواد الإنسانية، ونفوس المعمورة.

ولا يشكّ شاكٌّ - ولن يشكّ - في أنّ الضرورة الموقعة لهم في فحشاء الزنا واللواط وكل انخلاغ شهواني عمدتها العجز من تهيئة نفقة البيت، والمشاغل المؤقّتة المؤجّلة، المانعة من اتّخاذ المنزل والنكاح الدائم بغربة أو خدمة أو دراسة ونحو ذلك. فما بال هذه الضرورات يُبيح في صدر الإسلام - وهي أقلُّ وأهون عند القياس - نكاح المتعة، لكنّها لا تقوم للإباحة في غير ذلك


العهد، وقد أحاطت البليّة وعظمت الفتنة؟

ثمّ قال: ثمّ إنّه يُنافي ما تقرّر في القرآن بمعنى هذا، كقوله عز وجل في صفة المؤمنين: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) (1) ، أي المتجاوزون ما أحلّ الله لهم إلى ما حرّمه عليهم، وهذه الآيات لا تُعارض الآية التي نفسِّرها يعني قوله: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ... ) الآية، بل هي بمعناها فلا نسخ، والمرأة المتمتّع بها ليست زوجة؛ فيكون لها على الرجل مثل الذي عليها بالمعروف، كما قال الله تعالى: وقد نقل عن الشيعة أنفسهم، أنّهم لا يُعطونها أحكام الزوجة ولوازمها، فلا يعدُّونها من الأربع اللواتي يحلُّ للرجل أن يجمع بينها مع عدم الخوف من الجور، بل يجوِّزون للرجل أن يتمتع بالكثير من النساء، ولا يقولون برجم الزاني المتمتّع؛ إذ لا يعدوُّنه محصناً، وذلك قطع منهم بأنّه لا يصدق عليه قوله تعالى في المستمتعين: ( ... مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ... ) ، وهذا تناقض صريح منهم.

ونقل عنهم بعض المفسّرين: أنّ المرأة المتمتّع بها ليس لها إرث ولا نفقة، ولا طلاق ولا عدّة، والحاصل أنّ القرآن بعيد من هذا القول، ولا دليل في هذه الآية ولا شبه دليل عليه ألبتّة.

أقول: أمّا قوله: ثمّ إنّه يُنافي ما تقرّر في القرآن بمعنى هذا (إلخ)، محصله: أنّ آيات المؤمنون: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) الآيات، تقصُر الحلّ في الأزواج، والمتمتّع بها ليست زوجة، فالآيات مانعة من حلّية المتعة أولاً، ومانعة من شمول قوله: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ... ) الآية لها ثانياً.

____________________

(1) سورة المؤمنون، الآيات: 5 - 7.


فأمّا أنّ الآيات تُحرِّم المتعة، فقد أغمض فيه عن كون الآيات مكِّية، والمتعة كانت دائرة بعد الهجرة في الجملة، فهل كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يُبيح ما حرّمه القرآن بإجازته المتعة؟! وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) حجَّة بنصّ القرآن؛ فيعود ذلك إلى التناقض في نفس القرآن، أو أنّ إباحته كانت ناسخة لآيات الحرمة: ( وَالَّذِينَ هُمْ... ) الآيات، ثمّ منع عنها القرآن أو النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) فحييت بذلك الآيات بعد موتها، واستحكمت بعد نسخها؟ وهذا أمر لا يقول به، ولا قال به أحد من المسلمين، ولا يمكن أن يُقال به.

وهذا في نفسه نِعْمَ الشاهد على أنّ المتمتّع بها زوجة، وأنّ المتعة نكاح، وأنّ هذه الآيات تدلُّ على كون التمتُّع تزوّجاً، وإلاّ لزم أن تنتسخ بترخيص النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فالآيات حجّة على جواز التمتُّع دون حرمته.

وبتقرير آخر: آيات المؤمنون والمعارج: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ... ) الآيات، أقوى دلالة على حلِّية المتعة من سائر الآيات، فمن المتّفق عليه بينهم أنّ هذه الآيات محكمة غير منسوخة وهي مكّية، ومن الضروري بحسب النقل أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) رخّص في المتعة، ولولا كون المتمتّع بها زوجة كان الترخيص بالضرورة ناسخاً للآيات وهي غير منسوخة، فالتمتّع زوجية مشرّعة، فإذا تمّت دلالة الآيات على تشريعه فما يُدّعى من نهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عنها فاسد أيضاً لمنافاته الآيات، واستلزامه نسخها، وقد عرفت أنّها غير منسوخة بالاتّفاق.

وكيف كان، فالمتمتّع بها على خلاف ما ذكره زوجة والمتعة نكاح، وناهيك في ذلك ما وقع فيما نقلناه من الروايات، من تسميته في لسان الصحابة والتابعين بنكاح المتعة، حتى في لسان عمر بن الخطاب في الروايات المشتملة على نهيه، كرواية البيهقي عن عمر في خطبته، ورواية مسلم عن أبي


نضرة، حتى ما وقع من لفظه في رواية كنز العمّال عن سليمان بن يسار: (بيِّنوا حتى يُعرف النكاح من السفاح)، فإنّ معناه أنّ المتعة نكاح لا يتبيّن من السفاح، وأنّه يجب عليكم أن تبيِّنوه منه، فأتوا بنكاح يُبيَّن ويتميّز منه، والدليل على ذلك قوله: بيّنوا.

وبالجملة، كون المتعة نكاحاً، وكون المتمتَّع بها زوجة في عرف القرآن ولسان السلف من الصحابة ومن تلاهم من التابعين، ممّا لا ينبغي الارتياب فيه، وإنّما تعيَّن اللفظان (النكاح والتزويج) في النكاح الدائم بعد نهي عمر، وانتساخ العمل به بين الناس، فلم يبقَ مورد لصدق اللفظين إلاّ النكاح الدائم، فصار هو المُتبادر من اللفظ إلى الذهن كسائر الحقائق المتشرّعة.

ومن هنا؛ يظهر سقوط ما ذكر بعد ذلك؛ فإنّ قوله: وقد نقل عن الشيعة أنفسهم أنّهم لا يُعطونها أحكام الزوجة ولوازمها (إلخ). يُسأل عنه فيه: ما هو المراد بالزوجة؟ أمّا الزوجة في عرف القرآن، فإنّهم يُعطونها أحكامها من غير استثناء، وأمّا الزوجة في عرف المتشرّعة - كما ذكر - المعروفة في الفقه، فإنّهم لا يُعطونها أحكامها ولا محذور.

وأمّا قوله: وذلك قطع بأنّه منهم لا يصدق عليه - أيّ على الزاني المتمتع - قوله تعالى: ( ... مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ... ) ، وهذا تناقض صريح منهم. ففيه: أنّا ذكرنا في ذيل الآية فيما تقدّم، أنّ ظاهرها من جهة شمولها ملك اليمين أنّ المراد بالإحصان إحصان التعفُّف دون الازدواج، ولو سُلِّم أنّ المراد بالإحصان إحصان الازدواج، فالآية شاملة لنكاح المتعة، وأمّا عدم رجم الزاني المتمتّع (مع أنّ الرجم ليس حكماً قرآنياً)، فإنّما هو لبيان أو لتخصيص من السنّة كسائر أحكام الزوجية من الميراث والنفقة والطلاق والعدد.

وتوضيح ذلك: أنّ آيات الأحكام إن كانت مسوقة على الإهمال؛ لكونها


واردة مورد أصل التشريع، فما يطرأ عليها من القيود بيانات من غير تخصيص ولا تقييد، وإن كانت عمومات أو إطلاقات، كانت البيانات الواردة في السنّة مخصّصات أو مقيّدات من غير محذور التناقض، والمرجع في ذلك علم أصول الفقه.

وهذه الآيات - أعني آيات الإرث والطلاق والنفقة - كسائر الآيات لا تخلو من التخصيص والتقييد، كالإرث والطلاق في المرتدّة، والطلاق عند ظهور العيوب المجوّزة لفسخ العقد والنفقة عند النشوز فلتُخصَّص بالمتعة، فالبيانات المُخرجة للمتعة عن حكم الميراث والطلاق والنفقة مخصّصات أو مقيّدات، وتَعيُّن ألفاظ التزويج والنكاح والإحصان ونحو ذلك في الدوام من جهة الحقيقة المتشرّعة، دون الحقيقة الشرعية، فلا محذور أصلاً كما توهّمه، فإذا قال الفقيه مثلاً: الزاني المُحصن يجب رجمه، ولا رجم في الزاني المتمتّع لعدم إحصانه. فإنّما ذلك لكونه يُصطلح بالإحصان على دوام النكاح ذي الآثار الكذائية، ولا يُنافي ذلك كون الإحصان في عرف القرآن موجوداً في الدائمة والمنقطعة معاً، وله في كل منهما آثار خاصة.

وأمّا نقله عن بعضهم أنّ الشيعة لا تقول في المتعة بالعدّة. ففرية بيِّنة، فهذه جوامع الشيعة، وهذه كُتبهم الفقهية مملوءة بأنّ عدّة المتمتّع بها حيضتان، وقد تقدّم بعض الروايات في ذلك بطرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

ثمّ قال: وأمّا الأحاديث والآثار المروية في ذلك، فمجموعها يدلّ على أن النبي (صلّى الله عليه [ وآله ] وسلم) كان يرخِّص لأصحابه فيها في بعض الغزوات، ثمّ نهاهم عنها، ثمّ رخّص فيها مرّة أو مرّتين، ثمّ نهاهم عنها نهياً مؤبّداً.

وأنّ الرخصة كانت للعلم بمشقّة اجتناب الزنا مع البُعد من نسائهم


فكانت من قبيل ارتكاب أخفّ الضررين، فإنّ الرجل إذا عقد على امرأة خلية نكاحاً مؤقّتاً، وأقام معها ذلك الزمن الذي عيّنه، فذلك أهون من تصدّيه للزنا بأيّة امرأة يمكنه أن يستميلها.

أقول: ما ذكره أنّ مجموع الروايات تدلُّ على الترخيص في بعض الغزوات، ثمّ النهي، ثمّ الترخيص فيها مرّة أو مرّتين، ثمّ النهي المؤبّد. لا ينطبق على ما تقدّم من الروايات، على ما فيها من التدافع والتطارد، فعليك بالرجوع إليها (وقد تقدّم أكثرها) حتى ترى أنّ مجموعها يُكذِّب ما ذكره من وجه الجمع حرفاً حرفاً.

ثمّ قال: ويرى أهل السنّة أنّ الرخصة في المتعة مرّة أو مرّتين يقرب من التدريج في منع الزنا منعاً باتّاً، كما وقع التدريج في تحريم الخمر، وكلتا الفاحشتين كانتا في الجاهلية، ولكنَّ فشوَّ الزنا كان في الإماء دون الحرائر.

أقول: أمّا قوله: إنّ الرخصة في المتعة نوع من التدرُّج في منع الزنا. فمحصّله: أنّ المتعة كانت عندهم من أنواع الزنا، وقد كانت كسائر الزنا فاشية في الجاهلية، فتدرّج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في المنع عن الزنا بالرفق؛ ليقع موقع القبول من الناس، فمنع عن غير المتعة من أقسامه، وأبقى زنا المتعة، فرخّص فيه ثمّ منع، ثمّ رخص حتى تمكّن من المنع الباتّ، فمنعه منعاً مؤبّداً.

ولعمري، إنّه من فضيح اللعب بالتشريعات الدينية الطاهرة، التي لم يُرد الله بها إلاّ تطهير هذه الأمّة، وإتمام النعمة عليهم.

ففيه:

أولاً: ما تقدّم أنّ نسبة المنع، ثمّ الترخيص، ثمّ المنع، ثمّ الترخيص في المتعة إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، مع فرض دلالة آيات سورتي المعارج والمؤمنون: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ) الآيات - وهي مكّية - على


حرمة المتعة على ما أصرّ عليه هذا القائل، ليس إلاّ نسبة نسخ الآيات إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالترخيص، ثمّ نسخ هذا النسخ وإحكام الآيات، ثمّ نسخ الآيات، ثمّ إحكامها وهكذا، وهل هذا إلاّ نسبة اللعب بكتاب الله إليه (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟!

وثانياً: أنّ الآيات الناهية عن الزنا في كتاب الله تعالى هي قوله في سورة الإسراء: ( وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) (1) ، وأيُّ لسان أصرح من هذا اللسان، والآية مكّية واقعة بين آيات المناهي، وكذا قوله: ( قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ - إلى أن قوله: - وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ... ) (2) ، كلمة الفواحش جمع محلّى باللام، واقعة في سياق النهي، مفيدة لاستغراق النهي كل فاحشة وزنا، والآية مكّية، وكذا قوله: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ... ) (3) ، والآية أيضاً مكّية، وكذا قوله: ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ ) (4) والسورتان مكّيتان، والآيات تُحرّم المتعة على قول هذا القائل، كما تُحرّم سائر أقسام الزنا.

فهذه جُلُّ الآيات الناهية عن الزنا المحرّمة للفاحشة، وجميعها مكّية صريحة في التحريم، فأين ما ذكره من التدرّج في التحريم والمنع؟! أو أنّه يقول - كما هو اللازم الصريح لقوله بدلالة آيات المؤمنون على الحرمة -: إنّ الله سبحانه حرّمها تحريماً باتّاً، ثمّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) تدرّج في المنع؛ عملاً بالرخصة بعد الرخصة؛ مُداهنة لمصلحة الإيقاع موقع القبول، وقد شدّد الله تعالى على

____________________

(1) سورة الإسراء، الآية: 32.

(2) سورة الأنعام، الآية: 151.

(3) سورة الأعراف، الآية: 33.

(4) سورة المؤمنون، الآيات: 5 - 7. وسورة المعارج، الآيات: 29 - 31.


نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) في هذه الخلّة بعينها، قال تعالى: ( ( وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْت‌‌َّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ) (1) .

وثالثاً: أنّ هذا الترخيص المنسوب إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) مرّة بعد مرّة، إن كان ترخيصاً من غير تشريع للحلّ، والفرض كون المتعة زناً وفاحشة، كان ذلك مخالفة صريحة منه (صلّى الله عليه وآله وسلم) لربّه لو كان من عند نفسه، وهو معصوم بعصمة الله تعالى، ولو كان من عند ربّه، كان ذلك أمراً منه تعالى بالفحشاء، وقد ردّه تعالى بصريح قوله خطاباً لنبيّه: ( ... قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ... ) (2) الآية، وإن كان ترخيصاً مع تشريع للحلّ لم تكن زناً وفاحشة، فإنّها سنّة مشروعة، محدودة بحدود محكمة، لا تُجامع الطبقات المحرّمة، كالنكاح الدائم، ومعها فريضة المهر كالنكاح الدائم، والعدّة المانعة عن اختلاط المياه واختلال الأنساب، ومنها ضرورة حاجة الناس إليها، فما معنى كونها فاحشة، وليست الفاحشة إلاّ العمل المنكر الذي يستقبحه المجتمع؛ لخلاعته من الحدود وإخلاله بالمصلحة العامة ومنعه عن القيام بحاجة المجتمع الضرورية في حياتهم؟!

ورابعاً: أنّ القول بكون التمتُّع من أنواع الزنا الدائرة في الجاهلية اختلاق في التاريخ، واصطناع لا يرجع إلى مدرك تاريخي؛ إذ لا عين منه في كُتب التاريخ ولا أثر، بل هو سنّة مبتكرة إسلامية، وتسهيل من الله تعالى على هذه الأمّة لإقامة أودِهم، ووقايتهم من انتشار الزنا وسائر الفواحش بينهم، لو

____________________

(1) سورة الإسراء، الآيات: 73 - 75.

(2) سورة الأعراف، الآية: 28.


أنّهم كانوا وفِّقوا لإقامة هذه السنّة، وإذا لم تكن الحكومات الإسلامية تُغمض في أمر الزنا وسائر الفواحش، هذا الإغماض الذي ألحقها تدريجاً بالسنن القانونية، وامتلأت بها الدنيا فساداً ووبالاً.

وأمّا قوله: (وكلتا الفاحشتين كانتا فاشيتين في الجاهلية، ولكنَّ فشوَّ الزنا كان في الإماء دون الحرائر) ظاهرة أنّ مراده بالفاحشتين الزنا وشرب الخمر، وهو كذلك، إلاّ أنّ كون الزنا فاشياً في الإماء دون الحرائر ممّا لا أصل له يُركن إليه؛ فإنّ الشواهد التاريخية المختلفة المتفرّقة تؤيِّد خلاف ذلك، كالأشعار التي قيلت في ذلك، وقد تقدّم في رواية ابن عباس أنّ أهل الجاهلية لم تكن ترى بالزنا بأساً، إذا لم يكن علنيّاً.

ويدلّ عليه أيضاً مسألة الادّعاء والتبنّي الدائر في الجاهلية؛ فإنّ الادّعاء لم يكن بينهم مجرّد تسمية ونسبة، بل كان ذلك أمراً دائراً بينهم يبتغي به أقوياؤهم تكثير العدّة والقوّة بالإلحاق، ويستندون فيه إلى زنا ارتكبوه مع الحرائر حتى ذوات الأزاج منهنّ، وأمّا الإماء فهم ولا سيّما أقوياؤهم يعيبون الاختلاط بهنّ، والمعاشقة والمغازلة معهنّ، وإنّما كانت شأن الإماء في ذلك أنّ مواليهن يُقيمونهنّ ذلك المقام اكتساباً واسترباحاً.

ومن الدليل على ما ذكرناه؛ ما ورد من قصص الإلحاق في السير والآثار، كقصّة إلحقاق معاوية بن أبي سفيان زياد بن أبيه لأبيه أبي سفيان، وما شهد به شاهد الأمر عند ذلك، وغيرها من القصص المنقولة.

نعم، ربّما يستُشهد على عدم فشوِّ الزنا بين الحرائر في الجاهلية بقول هند للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) عند البيعة: وهل الحرّة تزني؟! لكنّ الرجوع إلى ديوان حسّان، والتأمّل فيما هجا به هنداً بعد وقعتي بدر وأُحد يرفع اللبس، ويكشف ما هو حقيقة الأمر.


ثمّ قال - بعد كلام له في تنقيح معنى الأحاديث ورفعه التدافع الواقع بينها على زعمه -: والعمدة عند أهل السنّة في تحريمها وجوه:

أولها: ما علمت من منافاتها لظاهر القرآن في أحكام النكاح والطلاق والعدّة إن لم نقل لنصوصه.

وثانيها: الأحاديث المصرّحة بتحريمها تحريماً مؤبّداً إلى يوم القيامة - إلى أن قال -:.

وثالثها: نهي عمر عنها وإشارته بتحريمها على المنبر، وإقرار الصحابة له على ذلك، وقد علم أنّهم ما كانوا يُقرُّون على منكر، وأنّهم كانوا يرجعونه إذا أخطأ.

ثمّ اختار أنّ تحريمه لها لم يكن عن اجتهاد منه، وإنّما كان استناداً إلى التحريم الثابت بنهي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما يسند إليه التحريم من جهة أنّه مُبيِّن للحرمة أو مُنفِّذ لها، كما يُقال: حرّم الشافعي النبيذ وأحلّه أبو حنيفة.

أقول: أمّا الوجه الأول والثاني، فقد عرفت آنفاً - وفي البيان المتقدّم - حقيقة القول فيهما بما لا مزيد عليه، وأمّا الوجه الثالث، فتحريم عمر لها سواء كان ذلك باجتهاد منه أم باستناده إلى تحريم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) كما يدّعيه هذا القائل، وسواء كان سكوت الصحابة عنه هيبة له وخوفاً من تهديده، أم إقراراً له في تحريمه كما ذكره، أو لعدم وقوعه موقع قبول الناس منهم كما يدلّ عليه الروايات عن علي وجابر وابن مسعود وابن عباس، فتحريمه وحلفه على رجم مُستحلّها وفاعلها لا يؤثِّر في دلالة الآية عليها، وعدم انثلام هذه الحلّية بكتاب أو سنّة، فدلالة الآيات إحكامها ممّا لا غبار عليه.

وقد أغرب بعض الكتّاب، حيث ذكر أنّ المتعة سنّة جاهلية، لم تدخل في الإسلام قطُّ حتى يُحتاج إلى إخراجها منه، وفي نسخها إلى كتاب أو سنّة، وما كان يعرفها المسلمون ولا وقعت إلاّ في كُتب الشيعة.

أقول: وهذا الكلام المبني على الصفح عمّا يدلُّ عليه الكتاب


والحديث والإجماع والتاريخ، يتمّ به تحوّل الأقوال في هذه المسألة تحوّلها العجيب، فقد كانت سنّة قائمة في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ نهي عنها في عهد عمر ونفّذ النهي عند عامة الناس، ووجه النهي بانتساخ آية الاستمتاع بآيات أُخرى أو بنهي النبي عنها، وخالف في ذلك عدّة من الأصحاب (1) وجمٌّ غفير ممَّن تبعهم من فقهاء الحجاز واليمن وغيرهم، حتى مثل ابن جريح من أئمة الحديث (وكان يُبالغ في التمتّع حتى تمتّع بسبعين امرأة) (2) ومثل مالك أحد أئمة الفقه الأربعة (3) ، هذا، ثمّ أعرض المتأخّرون من أهل التفسير عن دلالة آية الاستمتاع على المتعة، وراموا تفسيرها بالنكاح الدائم، وذكروا أنّ المتعة كانت سنّة من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ نُسخت بالحديث، ثمّ راموا في هذه الأواخر أنّها كانت من أنواع الزنا في الجاهلية، رخّص فيها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) رخصة بعد رخصة، ثمّ نهى عنها نهياً مؤبّداً إلى يوم القيامة، ثمّ ذكر هذا القائل الأخير: أنّها زنا جاهلي محض، لا خبر عنها في الإسلام قطُّ، إلاّ ما وقع في كُتب الشيعة. والله أعلم بما يصير إليه حال المسألة في مستقبل الزمان.

(بحث علمي)

رابطة النسب - وهي الرابطة التي تربط الفرد من الإنسان بالفرد الآخر

____________________

(1) ومن عجيب الكلام، ما ذكره الزجّاج في هذه الآية: أنّ هذه آية غلط فيها قوم غلطاً عظيماً؛ لجهلهم باللغة؛ وذلك أنّهم ذكروا أنّ قوله: ( ... فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ... ) من المتعة التي قد أجمع أهل العلم أنّها حرام.

ثمّ ذكر أنّ معنى الاستمتاع هو النكاح، وليتني أدري أنّ أيّ فصل من كلامه يقبل الإصلاح؟! أرميُه أمثال ابن عباس وأُبيّ وغيره بالجهل باللغة؟! أم دعواه إجماع أهل العلم على الحرمة؟! أم دعواه الخبرة باللغة وقد جعل الاستمتاع بمعنى النكاح؟!.

(2) راجع ترجمة ابن جريح في تهذيب التهذيب وميزان الاعتدال.

(3) راجع للحصول على هذه الأقوال الكتب الفقهية، وفي تفصيل أبحاثها الفقهية والكلامية ما ألّفه أساتذة الفنِّ من القُدماء والمتأخّرين وخاصة أعلام العصر الحاضر من نظّار باحثي الحُجج.


من جهة الولادة وجامع الرحم - هي في الأصل رابطة طبيعية تكوينية، تكوِّن الشعوب والقبائل، وتحمل الخصال المنبعثة عن الدم فتُسريها حسب تسرية الدم، وهي المبدأ للآداب والرسوم والسنن القومية بما تختلط وتمتزج بسائر الأسباب والعِلل المؤثِّرة.

وللمجتمعات الإنسانية - المترقّية وغير المترقّية - نوع اعتناء بها في السنن والقوانين الاجتماعية في الجملة، في نكاح، وإرث، وغير ذلك، وهم مع ذلك لا يزالون يتصرّفون في هذه الرابطة النسبية توسعة وتضييقاً بحسب المصالح المنبعثة عن خصوصيات مجتمعهم، كما سمعت في المباحث السابقة أنّ غالب الأُمم السالفة كانوا لا يرون للمرأة قرابة رسماً، وكانوا يرون قرابة الدعيّ وبنوّته، وكما أنّ الإسلام ينفي القرابة بين الكافر المحارب والمسلم، ويُلحق الولد للفراش وغير ذلك.

ولمّا أعتبر الإسلام للنساء القرابة، بما أعطاهنّ من الشركة التامّة في الأموال، والحرّية التامة في الإرادة والعمل، على ما سمعت في المباحث السابقة، وصار بذلك الابن والبنت في درجة واحدة من القرابة والرحم الرسمي، وكذلك الأب والأمّ، والأخ والأُخت، والجدّ والجدّة، والعمّ والعمّة، والخال والخالة، صار عمود النسب الرسمي مُتنزلاً من ناحية البنات، كما كان يُتنزل من ناحية البنين، فصار ابن البنت ابناً للإنسان كبنوّة ابن الابن وهكذا ما نزل، وكذا صار بنت الابن وبنت البنت بنتين للإنسان على حدٍّ سواء، وعلى ذلك جرت الأحكام في المناكح والمواريث، وقد عرفت فيما تقدّم أنّ آية التحريم ( ... حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ... ) الآية دالّة على ذلك.

وقد قصّر السلف من باحثينا في هذه المسألة وأشباهها (وهي مسألة


اجتماعية وحقوقية) فحسبوها مسألة لغوية، يُستراح فيها إلى قضاء اللغة، فاشتدّ النزاع بينهم فيما وُضِع له لفظ الابن مثلاً، فمن معمِّم ومن مُخصِّص، وكل ذلك من الخطاء.

وقد ذكر بعضهم: أنّ الذي تعرفه اللغة من البنوّة ما يجري من ناحية الابن، وأمّا ابن البنت وكل ما يجري من ناحيتها فللحوق هؤلاء بآبائهم لا بجدِّهم الأمّي لا يعدهم العرب أبناءً للإنسان؛ وأمَّا قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) للحسنين: (ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا)، وغير ذلك فهذا الإطلاق إطلاق تشريفي، وأنشد في ذلك قول القائل:

بنونا بنو أبنائنا وبناتنا

بنوهن أبناء الرجال الأباعد

ونظيره قول الآخر:

وإنَّما أُمَّهات الناس أوعية

مُستودعات وللأنساب آباء

أقول: وقد اختلط عليه طريق البحث، فحسبه بحثاً لغويّاً، زعم فيه أنّ العرب لو وضعت لفظ الابن لما يشمل ابن البنت تغيّرت بذلك نتيجة البحث، وهو غفلة عن أنّ الآثار والأحكام المترتّبة في المجتمعات المختلفة البشرية على الأبوّة والبنوّة ونحوهما لا تتبع اللغات، وإنّما تتبع نوع بنية المجتمع والسنن الدائرة فيها، وربّما تغيّرت هذه الأحكام والآثار بتغيير السنّة الاجتماعية في المجتمع مع بقاء اللغة على حالها، وهذا يكشف عن كون البحث اجتماعياً أو عائداً إليه، لا لفظياً لغويّاً.

وأمّا ما أُنشد من الشعر، فليس يسوِّي الشعر في سوق الحقائق شيئاً - وليس إلاّ زخرفة خيالية وتزويقاً وهميّاً - حتى يستدلّ بكل ما تقوّله شاعر لاغٍ ولا سيّما فيما يُداخله القرآن الذي هو قول فصل وليس بالهزل.


وأمّا مسألة لحوق الأبناء بآبائهم دون الأجداد من جانب الأُمّهات، فهي - على أنّها ليست مسألة لفظية لغويّة - ليست من فروع النسب حتى يستلزم لحوق الابن والبنت بالأب انقطاع نسبهما من جهة الأمِّ، بل من فروع قيمومة الرجل على البيت من حيث الإنفاق، وتربية الأولاد ونحوها.

وبالجملة؛ فالأمِّ تنقل رابطة النسب إلى أولادها من ذكور أو إناث كما ينقلها الأب، ومن آثاره البارزة في الإسلام الميراث وحرمة النكاح.

نعم، هناك أحكام ومسائل أُخر لها ملاكات خاصة، كلحوق الولد والنفقة، ومسألة سهم أُولي القُربى من السادات، وكلٌّ تتبع ملاكها الخاص بها.

(بحث علمي آخر)

النكاح والازدواج من السنن الاجتماعية، التي لم تزل دائرة في المجتمعات الإنسانية - أيّ مجتمع كان - على ما بيدنا من تاريخ هذا النوع إلى هذا اليوم، وهو في نفسه دليل على كونه سنّة فطرية.

على أنّ من أقوى الدليل على ذلك كون الذكر والأُنثى مجهّزَين بحسب البُنية الجسمانية بوسائل التناسل والتوالد، كما ذكرناه مراراً، والطائفتان (الذكر والأُنثى) في ابتغاء ذلك شرع سواء وإن زيدت الأُنثى بجهاز الإرضاع والعواطف الفطرية الملائمة لتربية الأولاد.

ثمّ إنّ هناك غرائز إنسانية تنعطف إلى محبّة الأولاد، وتقبل قضاء الطبيعة بكون الإنسان باقياً ببقاء نسله، وتُذعن بكون المرأة سكناً للرجل وبالعكس، وتحترم أصل الوراثة بعد احترامها لأصل الملك والاختصاص، وتحترم لزوم تأسيس البيت.

والمجتمعات التي تحترم هذه الأُصول والأحكام الفطرية - في الجملة - لا


مناص لها من الإذعان بسنّة النكاح على نحو الاختصاص بوجه، بمعنى أن لا يختلط الرجال والنساء على نحو يُبطل الأنساب، وإن فرض التحفُّظ عن فساد الصحّة العامة وقوَّة التوالد، الذي يوجبه شيوع الزنا والفحشاء.

هذه أُصول معتبرة عند جميع الأُمم الجارية على سنّة النكاح في الجملة، سواء خصُّوا الواحد بالواحد، أو جوّزوا الكثير من النساء للواحد من الرجال أو بالعكس، أو الكثير منهم للكثير منهنّ، على اختلاف هذه السنن بين الأُمم، فإنّهم مع ذلك يعتبرون النكاح بخاصته التي هي نوع ملازمة ومصاحبة بين الزوجين.

فالفحشاء والسفاح الذي يقطع النسل ويُفسد الأنساب، أول ما تُبغضه الفطرة الإنسانية القاضية بالنكاح، ولا تزال ترى لهذه المُباغضة آثاراً بين الأُمم المختلفة والمجتمعات المتنوّعة، حتى الأُمم التي تعيش على الحرّية التامة في الرجال والنساء في المواصلات والمخالطات الشهوية، فإنّهم متوحّشون من هذه الخلاعات المسترسلة، وتراهم يعيشون بقوانين تحفظ لهم أحكام الأنساب بوجه.

والإنسان مع إذعانه بسنّة النكاح لا يتقيّد فيه بحسب الطبع، ولا يحرّم على نفسه ذا قرابة أو أجنبيّاً، ولا يجتنّب الذكر من الإنسان أُمّاً ولا أُختاً ولا بنتاً ولا غيرهنّ، ولا الأُنثى منه أباً ولا أخاً ولا ابناً، بحسب الداعية الشهوية، فالتاريخ والنقل يُثبت نكاح الأُمّهات والأخوات والبنات وغيرهن في الأُمم العظيمة الراقية والمنحطّة، والأخبار تحقِّق الزنا الفاشي في الملل المتمدّنة اليوم بين الإخوة والأخوات، والآباء والبنات وغيرهن، فطاغية الشهوة لا يقوم لها شيء، وما كان بين هذه الأُمم من اجتناب نكاح الأُمّهات والأخوات والبنات وما يلحق بهنّ، فإنّما هو سنّة موروثة، ربّما انتهت إلى بعض الآداب والرسوم القومية.


وإنّك إذا قايست القوانين المشرّعة في الإسلام؛ لتنظيم أمر الازدواج بسائر القوانين والسنن الدائرة في الدنيا، وتأمّلت فيها مُنصفاً، وجدتها أدقّ وأضمن لجميع شؤون الاحتياط في حفظ الأنساب وسائر المصالح الإنسانية الفطرية، وجميع ما شرّعه من الأحكام في أمر النكاح، وما يلحق به يرجع إلى حفظ الأنساب وسدِّ سبيل الزنا.

فالذي روعي فيه مصلحة حفظ الأنساب من غير واسطة، هو تحريم نكاح المُحصنات من النساء، وبذلك يتمُّ إلغاء ازدواح المرأة بأكثر من زوج واحد في زمان واحد، فإنّ فيه فساد الأنساب، كما أنّه هو الملاك في وضع عدّة الطلاق بتربّص المرأة بنفسها ثلاثة قروء؛ تحرُّزاً من اختلاط المياه.

وأمّا سائر أصناف النساء المُحرَّم نكاحها - وهي أربعة عشر صنفاً المعدودة في آيات التحريم - فإنّ الملاك في تحريم نكاحهنّ سدُّ باب الزنا؛ فإنّ الإنسان - وهو في المجتمع المنزلي - أكثر ما يُعاشر ويختلط ويسترسل ويُديم في المصاحبة، إنَّما هو مع هذه الأصناف الأربعة عشر، ودوام المصاحبة ومساس الاسترسال يوجب كمال توجُّه النفس وركوز الفكر فيهنّ، بما يهدي إلى تنبُّه الميول والعواطف الحيوانية وهيجان دواعي الشهوة، وبعثها الإنسان إلى ما يستلذُّه طبعه، وتتوق له نفسه، ومَن يَحُمْ حول الحُمّى أوشك أن يقع فيه.

فكان من الواجب أن لا يقتصر على مجرّد تحريم الزنا في هذه الموارد، فإنّ دوام المصاحبة، وتكرُّر هجوم الوساوس النفسانية، وورود الهمِّ بعد الهمِّ لا يدع للإنسان مجال التحفُّظ على نهي واحد من الزنا.

بل كان يجب أن تُحرَّم هؤلاء تحريماً مؤبّداً، وتقع عليه التربية الدينية؛ حتى يستقرّ في القلوب اليأس التام من بلوغهنّ والنيل منهنّ، ويُميت ذلك


تعلُّق الشهوة ويقطع منبتها ويقلعها من أصلها، وهذا هو الذي نرى من كثير من المسلمين، حتى في المتوغِّلين في الفحشاء المسترسلين في المنكرات منهم، أنّهم لا يخطر ببالهم الفحشاء بالمحارم، وهتك ستر الأمّهات والبنات، ولولا ذلك لم يكد يخلو بيت من البيوت من فاحشة الزنا ونحوه.

وهذا، كما أنّ الإسلام سدّ باب الزنا في غير المحارم بإيجاب الحجاب، والمنع عن اختلاط الرجال بالنساء والنساء بالرجال، ولولا ذلك لم ينجح النهي عن الزنا في الحجز بين الإنسان، وبين هذا الفعال الشنيع، فهناك أحد أمرين: إمّا أن يمنع الاختلاط كما في طائفة، وإمّا أن يستقرّ اليأس من النيل بالمرّة بحرمة مؤبّدة يتربّى عليها الإنسان، حتى يستوي على هذه العقيدة، لا يُبصر مثاله فيما يُبصر، ولا يسمعه فيما يسمع، فلا يخطر بباله أبداً.

وتصديق ذلك ما نجده من حال الأُمم الغربية، فإنّ هؤلاء معاشر النصارى كانت ترى حرمة الزنا، وتعدّ تعدُّد الزوجات في تلو الزنا، أباحت اختلاط النساء بالرجال، فلم تلبث حتى فشا الفحشاء فيها فشوّاً لا يكاد يوجد في الألف منهم واحد يسلم من هذا الداء، ولا في ألف من رجالهم واحد يستيقن بكون مَن ينتسب إليه من أولاده من صُلبه، ثمّ لم يمكث هذا الداء حتى سرى إلى الرجال مع محارمهم، من الأخوات والبنات والأمهات، ثمّ إلى ما بين الرجال والغلمان، ثمّ الشبّان أنفسهم، ثمّ... وثمّ... آلَ الأمر إلى أن صارت هذه الطائفة التي ما خلقها الله سبحانه إلاّ سكناً للبشر، ونعمة يُقيم بها صلب الإنسانية، ويطيب بها عيشة النوع مصيدة يصطاد بها في كل شأن سياسي واقتصادي واجتماعي، ووسيلة للنيل إلى كل غرض يُفسد حياة المجتمع والفرد، وعادت الحياة الإنسانية أمنية تخيلية، ولعباً ولهواً بتمام


معنى الكلمة، وقد اتّسع الخرق على الراتق.

هذا هو الذي بنى عليه الإسلام مسألة تحريم المحرّمات، من المُبهمات وغيرها في باب النكاح، إلاّ المحصنات من النساء على ما عرفت.

وتأثير هذا الحكم - في المنع عن فشوّ الزنا وتسرُّبه في المجتمع المنزلي - كتأثير حكم الحجاب في المنع عن ظهور الزنا، وسريان الفساد في المجتمع المدني، على ما عرفت.

وقد تقدّم أنّ قوله تعالى: ( ... وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ... ) الآية، لا تخلو عن إشارة إلى هذه الحكمة، ويمكن أن تكون الإشارة إليه بقوله تعالى - في آخر آيات التحريم -: ( يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ) (1) . فإنّ تحريم هذه الأصناف الأربعة عشر من الله سبحانه تحريماً باتّاً، يرفع عن كاهل الإنسان ثقل الصبر على هواهنّ والميل إليهنّ والنيل منهنّ، على إمكان من الأمر، وقد خُلق الإنسان ضعيفاً في قِبال الميول النفسانية، والدواعي الشهوانية، وقد قال تعالى: ( ... إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) (2) . فإنّ من أمر الصبر أن يعيش الإنسان مع واحدة أو أكثر من النساء الأجنبيات، ويُصاحبهنّ في الخلوة والجلوة، ويتّصل بهنّ ليلاً ونهاراً ويمتلئ سمعه وبصره من لطيف إشاراتهنّ وحلو حركاتهن حيناً بعد حين، ثم يصبر على ما توسوسه نفسه في أمرهنّ، ولا يُجيبها في ما تتوق إليه، والحاجة إحدى الحاجتين الغذاء والنكاح، وما سواهما فضل يعود إليهما، وكأنّه هو الذي أشار إليه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بقول: (مَن تزوّج أحرز نصف دينه فليتّق الله في النصف الآخر) (3) .

____________________

(1) سورة النساء، الآية: 28.

(2) سورة يوسف، الآية: 28.

(3) مرويّة في نكاح الوسائل.


سنّة الزواج في العالم الحديث:

لا ريب أنّ الذي يدعو الإنسان ويبعثه نحو الاستنان بالسنن الاجتماعية، أو وضع القوانين الجارية في المجتمع البشري، تنبِّهه لحوائج الحياة وتوسّله بوضعها، والعمل بها إلى رفعها.

وكلّما كانت الحاجة أبسط، وإلى الطبيعة الساذجة أقرب، كان التوسّل إلى رفعها أوجب والإهمال في دفعها أدهى وأضرّ، فما الحاجة إلى أصل التغذّي والحياة تدور معه، كالحاجة إلى التنعم بألوان الطعام وأنواع الفواكه وهكذا؟!

ومن الحوائج الأولية الإنسانية حاجة كل من صنفيه - الذكور والإناث - إلى الآخرين بالنكاح والمباشرة، ولا ريب أنّ المطلوب بالنظر إلى الصنع والإيجاد بذلك بقاء النسل، وقد جُهِّز الإنسان بغريزة شهوة النكاح للتوسُّل به إلى ذلك.

ولذلك تجد المجتمعات الإنسانية، التي نُشاهدها أو نسمع بأخبارها مستنّة بسنّة الازدواج وتكوين البيت، وعلى ذلك كانت منذ أقدم عهودها، فلم يُضمن بقاء النسل إلاّ الازدواج.

ولا يدفع هذا الذي ذكرنا أنّ المدنيّة الحديثة وضعت سنّة الازدواج، على أصل الاشتراك في الحياة، دون أصل التناسل أو إرضاء الغريزة. فإنّ هذا البناء - على كونه بناء مُحدَثاً غير طبيعي - لم يبعث حتى الآن شيئاً من المجتمعات المستنّة بها على شيوع هذه الشركة الحيوية بين الرجال أنفسهم، أو النساء أنفسهنّ، وليس إلاّ لمباينته ما تبعث إليه الطبيعة الإنسانية.

وبالجملة؛ الازدواج سنّة طبيعيّة، لم تزل ولا تزال دائرة في المجتمعات


البشرية، ولا يزاحم هذه السنّة الطبيعية في مسيرها إلاّ عمل الزنا، الذي هو أقوى مانع من تكوّن البيوت، وتحمُّل كُلفة الازدواج، وحمل أثقاله بانصراف غريزة الشهوة إليه، المستلزم لانهدام البيت وانقطاع النسل.

ولذا؛ كانت المجتمعات الدينية أو الطبيعة الساذجة تستشنعها وتعدُّها فاحشة منكرة، وتتوسّل إلى المنع عنه بأيّ وسيلة ممكنة، والمجتمعات المتمدّنة الحديثة، وإن لم تسدّ سبيله بالجملة، ولم تمنع عنه ذلك المنع، لكنّها مع ذلك لا تستحسنه؛ لما ترى من مضادّته العميقة لتكوّن البيوت وازدياد النفوس وبقاء النسل، وتحتال إلى تقليله بلطائف الحيل، وتروِّج سنَّة الازدواج، وتدعو إلى تكثير الأولاد، بجعل الجوائز وترفيع الدرجات، وغير ذلك من المشوقات.

غير أنّه على الرغم من كون سنّة الازدواج الدائم سنّة قانونية، متّبعة في جميع المجتمعات الإنسانية في العالم، وتحريض الدول عليها واحتيالها لتضعيف أمر الزنا، وصرف الناس - لا سيّما الشبّان والفتيات - عنه لا، يزال يوجد في جميع البلاد - صغيرتها وكبيرتها - معاهد لهذا العمل، الهادم لبنية المجتمع علنيّة أو سرّية، على اختلاف السنن الجارية فيها.

وهذا أوضح حجّة؛ على أنّ سنّة الازدواج الدائم لا تفي برفع هذه الحاجة الحيوية للنوع، وأنّ الإنسانية بعدُ في حاجة إلى تتميم نقيصتها هذه، وأنّ من الواجب على مَن بيده زمام التقنين، أن يتوسّع في أمر الازدواج.

ولذلك شفع شارع الإسلام سنّة الازدواج الدائم بسنّة الازدوج المؤقّت؛ تسهيلاً للأمر، وشرط فيه شروطاً ترتفع بها محاذير الزنا، من اختلاط المياه، واختلال الأنساب، والمواريث، وانهدام البيوت، وانقطاع النسل، وعدم لحوق الأولاد، وهي اختصاص المرأة بالرجل، والعدّة إذا افترقا، ولحوق


الأولاد، ثمّ لها ما اشترطت على زوجها، وليس فيه على الرجل شيء من كُلفة الازدواج الدائم ومشقّته.

ولعمر الحق، إنّها لمن مفاخر الإسلام في شريعته السهلة السمحة، نظير الطلاق وتعدُّد الزوجات، وكثير من قوانينه، ولكن ما تُغني الآيات والنُّذر عن قوم لا يسمعون، يقول القائل: لأن أزني أحبُّ إليَّ من أن أتمتّع أو أُمتِّع.


الفهرس

الفصل الأوّل: أُسس المجتمع الإسلامي 5

الإنسان والمجتمع 7

الإنسان ونموُّه في مجتمعه 8

- الإسلام وعنايته بالمجتمع - 10

اعتبار الإسلام لرابطة الفرد والمجتمع 12

هل تقبل سنّة الإسلام الاجتماعية الإجراء والبقاء؟ 16

بماذا يتكوَّن ويعيش المجتمع الإسلامي؟ 28

التعقُّل والإحساس 35

الأجر الأخروي غاية المجتمع 38

الحرّية والمجتمع الإسلامي 40

التكامل في المجتمع الإسلامي 42

هل الإسلام قادر على إسعاد البشرية؟ 46

مَن الذي يتقلَّد ولاية المجتمع في الإسلام وما سيرته؟ 48

العقيدة جنسيّة المجتمع الإسلامي 53

البُعد الاجتماعي للإسلام 56

الدين الحق هو الغالب على الدنيا بالآخرة 63

الفصل الثاني: الطبيعة البشرية 66

عمر النوع الإنساني 68

أصل المجتمع البشري 70

الإنسان نوع مُستقلٌّ غير متحوِّل من نوع آخر 74

كيف تناسلت الطبقة الثانية من البشر؟ 75

المجتمع الأول 82

الطبيعة الإنسانية والمجتمع 89


الفصل الثالث: المرأة 92

حياة المرأة في الأُمم غير المتمدِّنة 95

حياة المرأة في الأُمم المتمدّنة قبل الإسلام 97

حال المرأة عند الأُمم القديمة 99

حال المرأة عن العرب ومُحيط حياتهم (محيط نزول القرآن) 102

ماذا أبدعه الإسلام في أمرها؟ 105

الوزن الاجتماعي للمرأة في الإسلام: 109

مُساواة في الأحكام: 110

حرّية المرأة في المدنية الغربية: 116

قوانين الإسلام الاجتماعية وقوانين العرب: 117

قيمومة الرجال على النساء: 121

ماذا تعني قيمومة الرجل؟ 124

بحث روائي: 126

الزواج 134

النكاح من مقاصد الطبيعة 136

استيلاء الذكور على الإناث: 140

تعدُّد الزوجات 141

وقد استشكلوا على حكم تعدُّد الزوجات: 143

تعدُّد أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): 158

قضايا الزواج: 162

(بحث آخر روائي) 192

(بحث علمي) 221

(بحث علمي آخر) 224

سنّة الزواج في العالم الحديث: 229