النظامُ العائلي
ودورُ ( الأُسرة ) في البناء الاجتماعي الإسلامي
الدكتور: زهير الأعرجي
بسم الله الرحمن الرحيم
( وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ) البقرة:120.
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة
لا شك أنّ كل فرد من الأفراد اختبر لوناً من ألوان الحياة العائلية في حياته الاجتماعية، ولذلك فإنّ كلامنا هذا حول المؤسّسة العائلية في المجتمع الإسلامي موجّه في واقع الأمر لكل الأفراد مهما كانت أفكارهم ومعتقداتهم، والسؤال الذي يبرز هنا بشكل صارخ هو: هل إنّ المؤسّسة العائلية ظاهرة تكوينية أم أنّها مختصة بلون معيّن من المجتمعات، فتكون دراستنا المقارنة بين النظرية الإسلامية والنظرية الغربية مجرّد عبث لا ينفع الأجيال؟
وقد جاء الجواب عن طريق المدرسة الاجتماعية الأمريكية، وبالخصوص عن طريق عالِم الاجتماع الأمريكي ( جورج ميردوخ ) (1) ، الذي درسَ العائلة ووظيفتها وتركيبتها الأساسية في أكثر من مئتين وخمسين مجتمعاً من مجتمعات العالَم، وتوصّل إلى نتيجة مهمة وهي: أنّ ظاهرة العائلة النووية الصغيرة إنّما هي ظاهرة تكوينية عالمية، يختبرها كلّ مجتمع إنساني مهما كان تركيبه العلمي أو الديني أو الثقافي.
فالعوائل الإنسانية جميعاً تتحد في صفات مشتركة: كالتعاون الاقتصادي، والسكن المشترك، وعملية الإنجاب، إلاّ أنّ الاختلاف يقع في طبيعة تركيب العائلة الكبيرة، خصوصاً
____________________
(1) ( جورج ميردوخ ). التركيب الاجتماعي. نيويورك: ما كميلان،1949م.
فيما يتعلّق بتعدّد الزوجات، أو الاستقلال الزوجي عن الأبوين والأحفاد، أو الغربة الاجتماعية عن الروابط الإنسانية الطبيعية التي جلبها التصنيع الحديث.
ولو قرأنا تاريخ البشرية منذ البداية، لرَأينا أنّ السيطرة الاجتماعية على السلوك الإنساني تنبثق في أغلب الأحيان من العائلة، فالمجتمع لا يستطيع أن يحيا دون وجود مؤسّسة للسيطرة على السلوك الإنساني، وهذه السيطرة هي التي ولّدت العرف العقلائي الخاص بالسلوك الجنسي المتفق عليه اجتماعياً، ولولا الحقوق والواجبات التي وضِعت على الأفراد أو لهم ضمن المجموع، لمَا تحقق وجود المجتمع والنظام الاجتماعي، بل كان الأفراد مجرّد كائنات حيّة تعيش بانفراد دون نشاط اجتماعي ملحوظ.
وعلى الصعيد التاريخي، فإنّ للزواج وللعائلة دوراً حيوياً في السيطرة على السلوك الاجتماعي، فقد طَوّرت المجتمعات الإنسانية - عبر رسالة الدين والفلسفة الاجتماعية - العلاقات التفاعلية في الزواج، ومسؤولية رعاية مصلحة القاصرين من الأطفال، والعَجزة، وانتقال الملكية، والحقوق المدنية، والمنزلة الاجتماعية، وانتقال العلوم المتراكمة من جيلٍ لآخر.
إلاّ أنّ تطوّر المجتمع عبر الأحقاب الزمنية المتعاقبة، جعلَ السيطرة الاجتماعية المنبثقة عن العائلة وحدها بعيدة المنال، وجعلَ الدولة والمؤسّسة السياسية الحديثة تقوم بتبنّي دور السيطرة الاجتماعية، فكان من مباني هذا الدور الاجتماعي للدولة: أنّ القوانين إنّما جاءت لتلزم الأفراد بالانصياع للتشريعات الاجتماعية أو الدينية.
والفرقُ بين القانون والعرف الاجتماعي هو: إنّ القانون أو التشريع يُكتب، بينما يبقى العرف الاجتماعي أمراً معنوياً متغيّراً مع تغيّر الأحداث والأفراد، ولذلك فإنّ القانون أو التشريع له خاصية الديمومة والاستمرار أكثر من العرف الاجتماعي.
ولا ريبَ أنّ القوانين والتشريعات بأجمعها تُقدّم للمجتمع - نظرياً على الأقل - شكلاً عادلاً من أشكال السيطرة الاجتماعية لكل الأفراد، وعندها يعرف الفرد حدود حقوقه المدنية، ويتوقّع الأزمَات التي فرضها المجتمع أو الدين عليه.
وفي الواقع، فإنّ النظام القانوني أو التشريعي - بالتضامن مع السيطرة الاجتماعية - يُقدّم للعائلة نظاماً محكماً يجهّز الفرد - وهو يكدح في حياته اليومية - بقابلية فريدة على توقّع صحيح ودقيق لسلوك الأفراد، وعلى ضوء ذلك التوقّع يتمّ تفاعله مع هؤلاء الأفراد، إلاّ أنّ القانون الذي يصنعه الأفراد لأنفسهم يختلف عن التشريع الذي يشرّعه الخالق عزّ وجل؛ لأنّ قوّة القانون تتناسب مع كفاءة فهم الأفراد للمتطلبات الاجتماعية في زمن ومكان محدّد، إلاّ أنّ التشريع الإلهي محكم باعتبار صدوره من جهة المولوية المطلقة أوّلاً، وباعتبار أنّه لم يُحدَّد بزمان معيّن أو مكان محدّد ثانياً.
ومن المتسالم به عند العقلاء: أنّ القانون أو التشريع لا يمكن ضمان نجاحه ما لم ينزل إلى الساحة الاجتماعية مع نظام متكامل للعقوبات، وقد تناولنا موضوع العقوبات في كتاب ( الانحراف الاجتماعي وأساليب العلاج في الإسلام ) .
إنّ الفرق ما بين التشريع الإسلامي الخاص بالعائلة وبين القانون الغربي الخاص بها: أنّ القوانين المعاصرة التي وضعها الإنسان ما هي إلاّ
أحكام مثالية لا تتطابق مع الواقع المتغيّر في أغلب الأحيان، على عكس أحكام الشريعة التي أخذت الطبيعة البشرية بقطبيها ووضعت القوانين التي تتناغم مع كلّ أمواج الطبيعة الإنسانية، وأغلب القوانين المدنية والحقوقية الخاصة بالعائلة - والمعمول بها اليوم في الغرب - مستمَدّة من أفكار الثورة الفرنسية والأمريكية والقانون العرفي الانكليزي، وهي قوانين يصعب تطبيق عُشرها على الوضع الاجتماعي المعاصر (1) .
إنّ الأبعاد القانونية الخاصة بالعائلة في النظرية الغربية تشمل تشريعات في: قانون الزواج، وحقوق الأطفال، والإرث، ففكرة الزواج تستند على مبدأ كونه عَقداً من العقود، إلاّ أنّه يختلف عن العقود التجارية لاعتبارين:
الأوّل: هو أنّ العلاقة الزوجية لا يمكن فسخها بنفس الطريقة التي يمكن بها فسخ العقد التجاري في الحالات الاختيارية. والثاني: إنّ المتطلبات القانونية للدخول في عقد الزواج تختلف عن المتطلبات اللازمة للدخول في العقود التجارية، ومن الطبيعي أنّ الزواج في القانون الغربي ينبغي أن يسدّ حاجتين:
الأولى: سدّ الحاجة المالية للعائلة الجديدة، بمعنى أنّ الدولة غير مسؤولة عن مساعدة الزوجة والأطفال والقاصرين، بل يتعيّن على العائلة سدّ حاجتها المالية بنفسها.
والثانية: سدّ الحاجة الاجتماعية فيما يتعلّق بإنجاب الذرّية، وتحديد النشاط الجنسي ضمن حدود الزواج القانوني (2) .
____________________
1 - ( هيلين كلارك ). التشريع الاجتماعي: نيويورك، ابلتون - سنچري وكروفتس، 1957 م.
2 - ( هاريت بيلبل ) و( ثيودورا زافين ). ( القوانين الخاصة بالزواج والعائلة ): مقالة علمية في كتاب ( دائرة معارف السلوك الجنسي )، تحرير: البرت اليس والبرت اباربانيل، نيويورك: كتب هاوثورن، 1961 م.
ومن أهمّ متطلبات الزواج القانونية في النظام الرأسمالي هو: البلوغ، والعقل، وعدم شرعية زواج المحارم، وعدم شرعية الزواج بين الأعراق المختلفة كالعرق القوقازي، والزنجي، والمنغولي .
فسنّ البلوغ القانوني للزواج هو: ثماني عشرة سنة للذَكر، وست عشرة سنة للأنثى بشرط موافقة الأبوين، أمّا سنّ البلوغ القانوني للزواج بدون موافقة الأبوين فهو واحد وعشرين سنة بالنسبة للذكر، وثماني عشرة سنة بالنسبة للأنثى (1) ، ولكن ليس هناك دليل يُثبت على أنّ موافقة أو عدم موافقة الأبوين في النظرية الغربية، تُغيّر من الشروط الردعية التي تنظّم عملية الزواج.
أمّا شرط العقل: فإنّه من الشروط المهمة في إتمام عملية العقد؛ لأنّ المضطرب عقلياً أو المجنون لا يستطيع أن يقوم بمسؤولياته الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بالزواج والعائلة، وبذلك فإنّه سيُحمّل الدولة مصاريف نفقات عائلته، ولذلك يُعتبر زواج المجنون أو المضطرب عقلياً بعيداً عن الصفة القانونية والروح الاجتماعية، أمّا البُعد عن الصفة القانونية؛ فلأنّ العَقد يجب أن يتمّ ما بين فردين لهما القابلية على الموافقة الصريحة أو الضمنية، وهذا لا يتم مع المجنون، وأمّا البُعد عن الصفة الاجتماعية أو العملية؛ فلأنّ المجنون ربّما يسبّب حرجاً شديداً لعائلته وللمجتمع الذي يعيش فيه.
ولا يجوز العقد على المحارم في النظرية القانونية الغربية؛ لأنّ الكنيسة في القرون الماضية حرّمت ذلك، ومن المسلّم به أنّ هذا القانون مستمَد من الشرائع السماوية، إلاّ أنّ القانون الحديث البعيد عن روح الدين لم يستطع تغيير ذلك.
____________________
1 - ( وليم كيفارت ). ( الأبعاد القانونية والإجرائية للزواج والطلاق ): مقالة علمية في كتاب ( الزواج والعائلة ) تحرير: هارولد كريستنسن، شيكاغو: راند ميكانالي، 1964 م.
وبطبيعة الحال، فإنّ المحارم في القانون الغربي كانت قد قُسمّت إلى نوعين: المحارم الناتجة عن طريق النسب، والمحارم الناتجة عن طريق السبب، أمّا القانون العرفي الانكليزي المتعلّق بالزواج فهو يشترط شرطين لتحقق الزواج:
أولهما: أن يكون الفردان صالِحَين للعقد، من ناحية سن البلوغ، والخلو من الموانع الزوجية ونحوها.
وثانيهما: العيش معاً في سكن واحد والإعلان عن زواجهما للملأ والمجتمع المحيط بهما (1) .
وإلى هذا الحد، فإنّ القانون الغربي ينطبق تماماً في الموارد السابقة مع الشريعة الإسلامية، وليس هناك أدنى شك من أنّ فلاسفة ومقنّني أوروبا وأمريكا، قد اقتبسوا من أحكام الشريعة الإسلامية كل هذه القوانين التي لا يزيد عمرها على أربعة قرون على الأكثر، بينما يبلغ عمر الشريعة الإسلامية أكثر من أربعة عشر قرناً.
ولكنّ أحد أهم القوانين التي تعارضه النظرية الإسلامية تماماً، والمعمول به حتى اليوم في الولايات المتحدة هو: قانون ( حرمة تمازج الأجناس عن طريق التزاوج ) : بمعنى أنّ هذا القانون يُحرّم على الفرد الأبيض التزاوج من الأجناس الأخرى، خصوصاً الجنس الزنجي، بدعوى أنّ التزاوج بين الأجناس المختلفة يساهم في إضعاف الجنس المسيطر على النظام الاجتماعي، ولحد العقد السادس من القرن العشرين كانت إحدى وثلاثون ولاية أمريكية في الجنوب والجنوب الغربي للولايات المتحدة، تُحرّم التزاوج بين الأفراد البيض وبين أفراد الجنس الأصفر أو المنغولي، وأربع
____________________
1 - ( وليم كيفارت ). العائلة، المجتمع، والفرد: بوستن، هوتن ميفلن، 1961 م.
ولايات في الجنوب الأمريكي تُحرِّم الزواج بين الأفراد البيض وبين الهنود الحمر، وهم أصحاب البلاد الأصليين (1) .
ولا شكّ أنّ مخالفة ذلك القانون تستدعي عقوبات قاسية، فتعتبرهُ الدولة زواجاً باطلاً، والأطفال المتولدين عنه غير شرعيين، وتلك العلاقة الجنسية بين الزوج وزوجته جُنحة مخلّة بالشرف.
إلاّ أنّ هذه القوانين كلّها عُرضة للتغيير والتبديل، وهذا التبديل - الذي يطال هذه القوانين - يعكس قصور الإنسان وفكره البشري على إنشاء قوانين محكمة، تصلح للتطبيق في كلّ الأحوال دون النظر إلى الزمان أو المكان، إلاّ أنّ الرسالة الدينية والإسلامية بالخصوص تُحقق ما عَجزت النظرية القانونية الغربية عن تحقيقه.
إنّ الدين في الدول النصرانية له تأثير كبير على شكل علاقة التغشّي ما بين الرجل والمرأة، فالسلوك الجنسي يعتبر خطيئة وجرماً، إلاّ أنّ الزواج يلغي هذا الإلصاق؛ لأنّ النصرانية تؤمن بأنّ هدف التزاوج هو حفظ النسل الإنساني من الانقراض، وليس مجرّد المتعة الجسدية.
وقد نظَّم مفهوم الدولة الحديثة عملية العلاقة الجسدية ما بين الزوج والزوجة، واعتبرَ البِغاء - ولو نظرياً - جريمة يعاقَب عليها، إلاّ انفصال الدين عن السياسة في النظام الرأسمالي، جعلَ هذه القوانين المتعلّقة بالجرائم الأخلاقية تنحلَّ تدريجياً بتغيّر الوضع الاجتماعي، بحيث أصبحت المشكلة الاجتماعية التي يعاصرها الغرب الرأسمالي هي: كيفية حفظ التصميم العائلي الذي يجرفه التغيّر الاجتماعي المعاصر.
____________________
1 - ( ارفينك مانديل ). قانون الزواج والطلاق: نيويورك، مطبوعات أوشينا، 1957 م.
ولعلّ جوهر الخلاف بين النصرانية والنظرية الرأسمالية هو: أنّ النصرانية تَعتبر المؤسّسة العائلية مؤسّسة للإنجاب والتناسل، بينما تَعتبر الدولة الرأسمالية العائلة مؤسّسة اجتماعية للمشاركة الجنسية وإشباع الشهوات، ولذلك فإنّ عدم الإنجاب لا يعطي الزوج حقاً في الطلاق، بموجب رأي النظرية الرأسمالية، إلاّ أنّ عدم القدرة على المشاركة الجنسية: كالعَنن، والعفل ونحوها، يعطي الزوج أو الزوجة حقّ الطلاق.
وهناك مشكلة خطيرة تواجه العائلة الحديثة وهي: مشكلة تحديد النسل، فتحديد النسل البشري يتم عبر طريقين:
الأول: استخدام وسائل منع الحمل المصنَّعة.
والثاني: الإجهاض.
والفرق بين الطريقين: أنّ الأول يمنع تخلّق الجنين قبل انعقاد النطفة، والثاني يمنع تخلّق الجنين بعد انعقادها.
فالإجهاض: يُنهي الحمل قبل أن يمنح الجنين فرصة حقيقية للحياة، ولا شكّ أنّ الكنيسة الكاثوليكية، واليهودية الأرثودوكسية حرَّمت - بتاتاً - استخدام كل وسائل تحديد النسل، ميكانيكية كانت، أو كيميائية، أو فسلجية، أو إجهاضاً، إلاّ أنّ الكنيسة البروتستانتية واليهودية الإصلاحية أرجَعتا قضية تحديد النسل إلى الجانب العقلائي، والدافع الذي يدفع الفرد للإقدام على ذلك العمل، فإن كانت هناك مصلحة بهدف الحفاظ على حياة الأُمّ أو تنظيم الأسرة فلا بأس بالتحديد، برأي تلك المدرستين الدينيتين، أمّا الإسلام فقد جعلَ الحرمة مرتبطة بانعقاد النطفة، فإذا انعقدت النطفة فلا يجوز الإجهاض أو قَتل الجنين.
ومشكلة أخرى خطيرة تواجه العائلة الغربية المعاصرة وهي: أنّه فيما إذا كان أحد الزوجين عقيماً، فهل يجوز له سلوك ذلك الطريق الذي يحلّ مشكلته الاجتماعية؟ عِلماً أنّ هناك طريقين لحلّ هذه المشكلة، وهما:
أولاً: التبنّي. وثانياً: التخصيب الخارجي.
فالتبنّي: هو نسبة فرد من عائلة معيّنة إلى عائلة أخرى بطريق قانوني، وانتقاله للسكن مع تلك العائلة الجديدة بصورة دائمية، فتنتقل - عندئذ - كلّ الحقوق المالية والقانونية إلى الفرد المتبنّى، ولكنّ المشكلة تبرز عندما تطالب العائلة البيولوجية برجوع ابنها إليها من العائلة القانونية المتبنّية لذلك الطفل، ولا شكّ أنّ التبنّي يسبّب اضطراباً عاطفياً واجتماعياً للطفل المتبنّى؛ بسبب العلاقات العائلية والقانونية الجديدة التي استحدثت دون إدراك الصبي لِما يجري، خصوصاً فيما يتعلّق بمصلحته الشخصية.
أمّا التخصيب الخارجي: فهو عملية طبّية لوضع حيامن الزوج في رحم الزوجة، أو وضع حيامن رجل مجهول الهويّة في رحم الزوجة وبموافقة زوجها، وسبب العُقم في هذه الحالات هو: أنّ حيمن الزوج لا يستطيع الوصول إلى بويضة الزوجة ليخصّبها، كما هو في الحالات الطبيعية.
ولا شكّ أنّ التخصيب الخارجي الذي يقوم به الزوج لا يتعارض إطلاقاً مع الارتكاز العقلائي، باعتبار أنّ الطب يقوم لإيصال حيمن الزوج بطريق تقني متقدّم لملاقاة بويضة الزوجة، فيكون انعقاد النطفة في الرحم، ولكنّ المشكلة تكمن في التخصيب الخارجي من قِبل رجل مجهول الهويّة، وهو ما يرفضه الدين والعرف العقلائي تماماً؛ لأنّ فيه اختلاطاً عظيماً للأنساب وكآبة أعظم للزوج الذي حُرِم من إمضاء بصماته الجينية على الجنين المخلَق من قِبل رجل مجهول الهويّة، وهذه المشاكل التي تواجهها الأسرة المعاصرة تستحقّ - على أقل تقدير - نقاشاً وردّاً على الآراء الغربية الوافدة.
إنّ هذا الكتاب يعبِّر عن محاولة ابتدائية لفهم دور الأسرة في البناء الاجتماعي، وقد قسّمنا البحث في الكتاب إلى قسمين: الأول: ناقشنا فيه آراء النظرية الاجتماعية الرأسمالية الغربية فيما يخصّ المؤسّسة العائلية، ونَقَدنا أهمّ مبانيها الفلسفية والاجتماعية.
الثاني: النظرية الاجتماعية الإسلامية التي تناولت أهمية دور الأسرة في البناء الاجتماعي من خلال أحكامها الشرعية الفريدة، وقد عَقدنا في نهاية الكتاب مقارنة بين النظريتين لاكتشاف عناصر الكمال في النظرية الاجتماعية الإلهية، ومعرفة ضُعف مقالة النظرية الاجتماعية الرأسمالية، التي لا تعدو كونها مجرّد فرضية صمّمها الإنسان الغربي لتنظيم حياته الاجتماعية، قد يُكتب لها النجاح وقد يُكتب لها الفشل.
ربّي أنت المستعان، ولك الحمد في الأُولى والآخرة، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلتُ واليه أُنيب.
زهير الأعرجي
قم المشرّفة / ذو الحجة 1413 هـ -
أُطروحة الكتاب
تحتل النظرة الفلسفية لموقع ( العائلة ) في المجتمع الإنساني دوراً مهماً في الفكرة الاجتماعية الغربية، خصوصاً على صعيدَي النظرية التوفيقية بزعامة ( هربت سبنسر ) و ( أميلي ديركهايم )، ونظرية الصراع الاجتماعي بزعامة ( كارل ماركس ) و ( فريدريك انجلز ).
فللمؤسّسة العائلية - حسب آراء ( سبنسر ) و ( ديركهايم ) - دور حيوي خطير في حفظ المجتمع الإنساني وسدّ الأدوار الشاغرة التي يتركها الأفراد حين الموت، إلاّ أنّ نظرية الصراع الاجتماعي تُصر - حسب رأي ( فريدريك أنجلز ) - على أنّ المؤسّسة العائلية هي أول مؤسّسة اضطهادية يختبرها الفرد في حياته الاجتماعية.
وتُعارضُ النظرية الاجتماعية الرأسمالية فكرة تعدّد الزوجات، باعتبارها نقيضاً صارخاً لمفهوم ( المذهب الفردي ) الذي قامت على أساسه أركان النظام الاقتصادي الرأسمالي الحديث، وهي تعارض أيضاً فكرة الأُسر العشائرية الكبيرة التي تضمّ - بالإضافة إلى الزوجين - الأجداد، والأحفاد، والأقارب، باعتبارها عائقاً من عوائق زيادة الإنتاج الاجتماعي.
وقد كان نَقدُنا للنظريتين التوفيقية والصراع الاجتماعي يتلخّص في: أنّ العنف الذي يقع بين أفراد العائلة الواحدة، وخصوصاً في المجتمع الصناعي الحديث، يناقض ادّعاءات النظرية التوفيقية: بأنّ المؤسّسة العائلية في
النظام الرأسمالي تُشبع جميع الحاجات العاطفية للأفراد، وتكون مصدراً من مصادر الاستقرار النفسي، وخَلصنا إلى نتيجة مفادها: أنّ المجتمع الرأسمالي الصناعي لا يوفِّر - في أيّ حال من الأحوال - قاعدة عائلية تمنح الاستقرار النفسي والحاجة العاطفية للأفراد، وكان اعتراضنا على نظرية الصراع الاجتماعي منبثقاً من فكرة أنّ مجرّد ربط الاضطهاد الأسري بالاضطهاد الاجتماعي ومظالم النظام الرأسمالي، لا يتعدّى مجرّد عرض للمشكلة الاجتماعية دون تقديم حل بديل يعالج ذلك الاضطهاد المزعوم.
ولا شك أنّ أهم المشاكل التي أفرزتها الحضارة الغربية المعاصرة هو: تغيّر ولاء الأفراد تجاه بعضهم الآخر، فأصبحَ الفرد الرأسمالي يحصر جُلَّ اهتماماته العملية على تحقيق رغباته الشخصية، دون الاكتراث لمسؤوليته الاجتماعية تجاه المؤسّسة العائلية، وغَدا الولاء الاجتماعي يتحوّل تدريجياً من العشيرة والأقارب إلى الدولة والنظام السياسي؛ لأنّ الدولة أصبحت تقوم بتقديم أغلب الخَدمات التي كانت تقدّمها العشيرة للفرد: كالخدمات التعليمية، والطبّية، وإعانة العَجَزة، ورعاية الأطفال.
إلاّ أنّ النظرية الاجتماعية الرأسمالية أُصيبت بخيبة أمل شديدة في العقود الثلاثة الماضية؛ لأنّ هذا التحوّل في الولاء الاجتماعي أنشأ مشاكل جديدة فيما يتعلّق باستقرار القاعدة الاقتصادية والعاطفية للعائلة الصغيرة، وخصوصاً على أصعدة الطلاق والإجهاض والاعتداء الجسدي، ولا ريب أنّ المشاكل العائلية الخطيرة التي يواجهها المجتمع الصناعي الرأسمالي الحديث، يجعلنا نتوجّه بكل ثقل نحو الرسالة الدينية لنستلهم منها أفكارنا فيما يتعلّق بدور وإطار عمل المؤسّسة العائلية في النظام الاجتماعي.
فالإسلام ينظر إلى المؤسّسة العائلية باعتبارها نقطة استقرار لعالَم متحرك، تنتقل من خلالها ممتلكات الجيل السابق إلى الجيل اللاحق عن طريق الإرث والوصية الشرعية، ومؤسّسة اجتماعية لتعويض الخسائر البشرية الحاصلة نتيجة موت الأفراد، ومحطّة فحص وتثبيت أنساب الأفراد عن طريق الزواج والإقرار بالنسب، ومركز حماية الأفراد فيما يتعلّق بالحُب، والحنان، والدفء، والمطعم، والملجأ، ومكاناً لتهذيب السلوك الجنسي، ومسرحاً لتعلّم
المعارف قبل الخروج للساحة الاجتماعية، وموضعاً عظيماً لتعلّم وممارسة النشاطات الروحية والدينية.
وقد قدّم الإسلام في نظريته الفقهية الاجتماعية عَرضاً مفصّلاً لحقوق الزوجة المالية والمدنية، وحقوق الأبوين والأجداد والأحفاد، وحق إلحاق المولود على أساس قاعدة ( إمكان الإلحاق ) التي تسالمَ عليها الفقهاء، وحقوق الرضاعة والحضانة، وأحكام الصبي، والوصية الشرعية، والإرث.
والأصل في النظرية الإسلامية: أن يكون للعائلة ولي يدير شؤونها المالية والعاطفية والتربوية، أو وصي يدير شؤونها المالية ويرعى مصلحة أفرادها، وبكلمة فإنّ العائلة الإسلامية تُساهم في خلق الفرد الاجتماعي المؤمن بالنظرية الأخلاقية الدينية، الصالح للعمل والإنتاج، المُجدّ في سبيل بناء النظام الاقتصادي والسياسي للمجتمع الإسلامي.
وبذلك، فإنّ النظرية الإسلامية تطرح للعالَم المعاصر قاعدة عائلية تمنح الأفراد كلّ مَواطن الاستقرار النفسي، والحاجات العاطفية التي حرمتهم منها التطبيقات الرأسمالية الغربية الحديثة.
القسمُ الأوّل
النظامُ العائلي في النظرية الرأسمالية
العائلة في النظرية التوفيقية * نقد النظرية التوفيقية * العائلة في نظرية الصراع الاجتماعي * نقد نظرية الصراع * الشكل العائلي الرأسمالي * معنى التغيّر في المؤسّسة العائلية الرأسمالية * العائلة الرأسمالية الأمريكية * الزواج والطلاق في المجتمع الرأسمالي * مشكلة الإسقاط المتعمّد ( الإجهاض ) * هفوات النظام العائلي الرأسمالي.
تجزم النظرية التوفيقية بأنّ الحياة الإنسانية حياة حيوانية، وأنّ البشر ليسوا حيوانات من الناحية البيولوجية فحسب، بل إنّهم حيوانات اجتماعية أيضاً (1) ، ولذلك فلابدّ للمؤسّسة العائلية من القيام بدور فعّال في حفظ المجتمع الإنساني؛ لأنّ أيّ محاولة لفهم الدور الإنساني للمؤسّسة العائلية، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الوظائف الاجتماعية التي تقوم بها العائلة لخدمة النظام الاجتماعي، على صعيد تنظيم الحياة الخاصة بين الرجل والمرأة، ورفد المجتمع بالأفراد المنتجين، وإحياء الحياة الاجتماعية، وحماية الأفراد المنتمين للعائلة الواحدة ورعايتهم من الناحية العاطفية والاقتصادية.
فجميع المجتمعات الإنسانية - حسب النظرية التوفيقية - لا تسمح للأفراد بإنشاء علاقات خاصة بين الرجال والنساء، دون ضوابط عرفية متفق عليها، بل القاعدة: أنّ المجتمع الإنساني لا ينظر للسلوك الجنسي باعتباره مسألة خاصة بالفرد، وإنّما يسلّط عَيناً فاحصة على هذه الممارسات الغريزية بين الجنسين ويرصدها رصداً تاماً.
فالنظام الاجتماعي إذاً، يُقدّم إطاراً أُسرياً ينظّم بموجبه العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى، ويحدّد من خلاله نوعية الأفراد المتزاوجين من حيث العمر والدخل والكفاءة، ويضع الشروط المناسبة لذلك.
____________________
1 - ( روبرت ميرتون ): النظرية الاجتماعية والتركيب الاجتماعي، نيويورك، المطبعة الحرّة، 1968 م.
وترى النظرية التوفيقية: بأنّ المجتمع لا يستطيع أن يقوم بمهامه الحيوية، ما لم يُنشئ نظاماً خاصاً لتعويض الخسائر الاجتماعية التي تحصل نتيجة موت الأفراد، ولولا النظام العائلي لانقرضت البشرية والحياة الإنسانية على وجه هذا الكوكب. فالعائلة ترفد المجتمع بالأفراد المنتجين جيلاً بعد جيل، حيث تُقدّم هذه العائلة المستقرة، المتكوّنة من أب وأم، للنظام الاجتماعي أفضل الخدمات الاجتماعية وأهمّها، وهي: سدّ الأدوار الشاغرة التي يتركها الأفراد حين مغادرتهم الحياة الدنيا خلال الموت.
وعلى هذا الأساس، تقوم العائلة بحماية أفرادها ورعايتهم بتقديم شتّى الأعمال الخَدمية لهم: كالملجأ، والمطعم، والدفء، والحنان، والعناية الشخصية والعاطفية، فهي توفر لهم الأجواء التي تسدّ حاجاتهم الأساسية في الخلود إلى الراحة والاطمئنان للمستقبل، وشحن طاقاتهم العملية، فيكونوا بعدئذٍ أهلاً للعمل والإنتاج.
ولا شك أنّ النظام العائلي مبني على أساس أنّ الفرد المنتِج في العائلة الواحدة هو المسؤول عن الآخرين، الذين لا يستطيعون القيام بعمل منتج بسبب السن أو المرض أو العجز الطبيعي، ضمن إطار نفس العائلة.
وبطبيعة الحال، فإنّ العائلة - حسب رأي النظرية التوفيقية - تُساهم في تحقيق طموح الإنسان في التفوّق والنجاح عن طريق الاختلاط الاجتماعي، فالإنسان كائن اجتماعي بالطبع، ومنذ الولادة يسعى في أجواء الحُب والحنان من قِبل الأبوين إلى الانغمار بالنشاطات الاجتماعية، فيتعلّم اللغة، والقيَم، والدين، والعادات الاجتماعية التي يقرّها النظام الاجتماعي.
ومع أنّ المؤسّسة الدينية والتعليمية تُساهم في إنشاء الفرد، إلاّ أنّ المؤسّسة العائلية هي القاعدة التي ينطلق منها الإنسان في بناء حياته الاجتماعية والاقتصادية.
وعلى ضوء ذلك: تُقدّم العائلة لأفرادها مقعداً اجتماعياً متميزاً، يتناسب أساساً مع منزلة العائلة الاجتماعي وثروتها، فالأفراد جميعاً يُنسبون إلى عوائلهم من الناحية العرقية، والدينية، والمذهبية، والاقتصادية، والطبقية الاجتماعية بمعنى: أنّ هوية الفرد المذهبية والعرقية تحدّدها العائلة التي ينتمي إليها أكثر ممّا يحدّدها الفرد لنفسه، وبالتالي فإنّ لهذه الهوية تأثيراً حاسماً على احتلال الأفراد لأدوارهم الاجتماعية لاحقاً.
وأهمّ حاجة تُشبعها المؤسّسة العائلية في الفرد هي: الحاجة العاطفية ، فالحُب والحنان والعطف من مصادر الاستقرار النفسي، وإشباع هذه الحاجات العاطفية لا يتم إلاّ ضمن جدران العائلة، التي تَعتبرها النظرية التوفيقية جنّة من الجنان الطبيعية في هذا العالَم المتوحش (1) .
____________________
1 - ( كريستوفر لاش ). جنّة في عالَم لا قلب له: العائلة في حصار، نيويورك، الكتب الأساسية، 1977 م.
وقد ركّزت النظرية التوفيقية في معالجتها لدور المؤسّسة العائلية في حفظ المجتمع الإنساني، على الوظائف الاجتماعية التي تقوم بها تلك المؤسّسة، دون أن تكترث لدراسة دور الرجل والمرأة في إدارة النظام العائلي، وتحليل علاقتهما الزوجية ضمن حدود العرف الاجتماعي، فلم تستطع النظرية أن تُقدّم تصوّراً عاماً حول واجبات الزوجين وحقوقهما، ومسؤوليتهما الشرعية أو القانونية تجاه بعضهما البعض أولاً، وتجاه اليافعين في نظامهما العائلي ثانياً، ولم تتطرّق النظرية أيضاً إلى حقوق الأفراد المنتسبين إلى العائلة الواحدة في الإرث والنفقة والتملّك، ولم تتناول شكل العلاقة الزوجية، ودور الطاعة أو النفقة في تحديد الغريزية بين الرجل والمرأة.
ولو كانت النظرية صادقة ودقيقة في تحليلها، فلماذا إذاً تجاهلت تحليل ظاهرة العنف في العائلة الرأسمالية، مقابل الحُب والحنان في العائلة المثالية التي تزعم بوجودها في كل المجتمعات الإنسانية وبضمنها المجتمع الرأسمالي؟ مع علم النظرية مسبقاً بأنّ الجرائم الواقعة بين أفراد العائلة الواحدة - خصوصاً بين الزوج والزوجة - تُشكّل أكثر من عُشر إجمالي الجرائم الجنائية السنوية في الولايات المتحدة مثلاً (1) ، فإذا كانت العائلة مصدراً للحُب والحنان، فكيف تُفسّر النظرية التوفيقية حوادث الاعتداء
____________________
1 - ( روبرت ) الانفصال الزوجي: نيويورك، الكتب الأساسية، 1975 م.
الجسدية التي تقع بين الزوجين في النظام العائلي الرأسمالي، والتي قُدّرت في العقد الأخير من القرن العشرين بأكثر من سبعة ملايين حادث سنوياً تقع ضمن ستين مليون عائلة (1) ؟
ومع أنّ النظرية التوفيقية تُقدّم تحليلاً جدّياً لدور العائلة في النظام الاجتماعي، إلاّ أنّها تفشل في تكوين صورة شاملة عن النظام القانوني الذي ينظّم شؤون العائلة الداخلية، ويضعها أمام مسؤوليتها الاجتماعية الكبيرة.
____________________
1 - ( روبرت أمري ) وآخرون. الطلاق، الأطفال، والسياسة الاجتماعية: فصل علمي في كتاب ( السياسة الاجتماعية والأبحاث الخاصة بنمو الطفل ) تحرير: هارولد ستيفنسن والبرتا سيغل، شيكاغو، مطبعة شيكاغو، 1984 م.
ولا تنكر نظرية الصراع الاجتماعي أهمية دور المؤسّسة العائلية في انجاز الوظائف المناطة بها اجتماعياً، إلاّ أنّ النظرية تؤكد على أنّ المؤسّسة العائلية هي أول مؤسّسة اضطهادية يختبرها الفرد في حياته الاجتماعية، حيث تمثل سيطرة الرجل على المرأة في النظام العائلي، أخطر الأمثلة التي تقدّمها نظرية الصراع وتُدينها من الأساس، وإلى ذلك يشير ( أنجلز ) في كتابه ( أصل العائلة، الملكية الخاصة، والجولة ) قائلاً:
( إنّ الزواج يمثل نموذجاً راقياً للعداوات التي ظهرت في التاريخ، حيث إنّ نمو وازدهار مجموعة معيّنة يتم على حساب مأساة واضطهاد مجموعة أخرى،... إنّ العلاقة بين الزوج والزوجة هي مثال نموذجي لِما يحصل لاحقاً من اضطهاد بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العمّالية ) (1) .
____________________
1 - ( فريدريك أنجلز ) ص: 30، طبع سنة 1884 م.
ولا شكّ أنّ نظرية الصراع الاجتماعي تنطلق في تحليلها لوضع المرأة في المؤسّسة العائلية، من معاينة المجتمع الأوروبي الغربي في عصر الثورة الصناعية ونشوء النظرية الرأسمالية، وامتدادات ذلك إلى المجتمع الأمريكي الشمالي، وهو تحليل يعكس صدق النظرية في تشخيصها جزءاً مهماً من المشكلة الاجتماعية الأُسرية في النظام الرأسمالي.
فلحدّ الستينيات من القرن العشرين، لم تكن المرأة في النظام الأمريكي والأوروبي قادرة من الناحية القانونية، على المشاركة في إنشاء أيّ عقد من العقود التجارية دون إذن زوجها، وفي النصف من القرن نفسه وصلت حالة العنف بين الزوج والزوجة في المجتمع الأمريكي إلى درجة، بحيث وضِعت المؤسّسة العائلية على قمّة المؤسّسات الاجتماعية الأمريكية التي تمارس العنف والإجرام (1) .
فجرائم القتل بين الأزواج تمثل - كما ذكرنا سابقاً - عُشر إجمالي الجرائم الجنائية السنوية، وفي كلّ عام يحاول أكثر من سبعة ملايين زوج أو زوجة إنزال الأذى بالآخر، قتلاً كان، أو ضرباً مُبرحاً، أو جرحاً بليغاً، ويحاول أكثر من مليوني طفل سنوياً الاعتداء على أمثالهم بسلاح ناري أو نحوه بنيّةٍ وتصميم مسبق للقتل، وفي كلّ عام يهرب أكثر من مليوني مراهق من بيوتهم بسبب الاعتداءات الخُلقية عليهم من قِبل آبائهم، وأكثر المشاكل الزوجية انتشاراً في المجتمع الرأسمالي الأمريكي اليوم هو: الاعتداء الجسدي بين الأزواج مع النيّة المسبقة بإنزال الأذى بالآخر.
____________________
1 - ( ميشيل كوردن ). العائلة الأمريكية من زاوية اجتماعية - تاريخية: نيويورك، سانت مارتن، 1983 م.
وهذا الوضع الأُسري في حضارة تدّعي لنفسها الكمال، قد رسّخ أفكار نظرية الصراع الاجتماعي في أذهان المُحدَثين من معتنقي هذه النظرية، وجَعَلهم أكثر تحمّساً في الدفاع عن مقولة ( فريدريك أنجلز ) حول الاضطهاد الأُسري، الذي يؤدي لاحقاً إلى الاضطهاد الاجتماعي.
ولكنّ تفسير نظرية الصراع وربطها الاضطهاد الأسري بالاضطهاد الاجتماعي، هو عرض للمشكلة الاجتماعية دون تقديم حلّ بديل يعالج مشكلة الاضطهاد المزعوم، فإذا كان الصراع الطبقي مستمراً في جميع أطوار تطوّر المجتمع الإنساني، كما تزعم نظرية الصراع، فكيف تستطيع تلك النظرية تصوير شكل العلاقة الزوجية في كلّ مرحلة من مراحل الصراع الاجتماعي؟
فهل أنّ المرحلة التاريخية السابقة التي أباحت للزوج الرأسمالي اضطهاد زوجته البروليتارية، تُبيح للزوجة الرأسمالية اضطهاد زوجها البروليتاري؟ وإذا كانت الثقافة الماركسية في مرحلة الصراع الاجتماعي تجيز للبروليتاريا سحق الطبقة الرأسمالية، فهل يجوز سحق العائلة القائمة على أساس الفهم الرأسمالي؟ بل أين حدود التعامل - حسب نظرية الصراع - في العلاقات الخاصة بين الزوج والزوجة؟ ومَن الذي يحدّد القانون الذي يسمح للزوجين بالاشتراك في الحياة الزوجية السعيدة دون ظلم واضطهاد؟
إنّ نظرية الصراع الاجتماعي تقصر عن تحديد دور الزوجين في التعامل الإنساني، وتعجز عن تشخيص مسؤوليتهما المتبادلة في إشباع حاجاتهما الغريزية ضمن الحدود الطبيعية، وتعجز أيضاً عن تحديد مسؤولية الأبوين تجاه القاصرين من الأبناء والبنات، والعاجزين من بقية
أفراد الأسرة كالأجداد والجدات، ولم تتطرّق النظرية أيضاً إلى الولاية الشرعية أو القانونية لأحد الأبوين، ولا إلى دور الوصي في حالة وفاة كِلا الأبوين أو أحدهما.
وبالجملة: فإنّ رأي نظرية الصراع المتعلّق بالفكرة القائلة بأنّ الزواج يمثل نموذجاً للعداوات التي ظهرت في التاريخ، لا يعكس الواقع الحقيقي للنظام الأُسري الإنساني، بل يمثل جزءاً من واقع النظام الأُسري الأوروبي في القرون الماضية وامتداده إلى القرن الحالي، بل إنّ نظرية الصراع لم تُقدّم حلاً للمشكلة الأُسرية، إنّما كان من أهداف روّادها بالأصل: ربط المشكلة الأُسرية بمظالم النظام الرأسمالي ضدّ الطبقة العاملة.
وتختلف أشكال العلاقات الاجتماعية فيما يتعلّق بالزواج والعائلة والنَسب من مجتمع لآخر، فلكل مجتمع على الأغلب شفرة أخلاقية تشير إلى منع التزاوج بين أفراد العائلة الواحدة، كحرمة التزاوج بين الأخوة والأخوات والأبناء والأمهات مثلاً.
ففي المجتمع الرأسمالي يُحرّم النظام القضائي على الفرد التزوّج من: الأم، والجدّة، والبنت، والأخت، والعمّة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وفي تسع وعشرين ولاية من الولايات المتحدة يُحرّم القانون الزواج بين أبناء وبنات الأعمام ويعتبره غشياناً للمحارم (1) .
والقاعدة في التزاوج في المجتمع الصناعي: أنّ قضية الزواج والمعاشرة بين الرجال والنساء قضية شخصية مبنية على أساس الحُب الرومانتيكي، فللفرد مطلق الخيار في البحث عن شريكة لحياته، عن طريق الإعجاب المتبادل بينهما، وعلى ضوء ذلك، فإنّ روّاد النظرية الرأسمالية يُدينون الزواج المبني على أساس اقتصادي، كما يحصل غالباً في المجتمعات الريفية ويوصِمونه بالتخلّف والبدائية، ولكنّهم يتجاهلون تناقض فكرتهم التي تدعو من جانب إلى التنافس الاقتصادي في الإنتاج وجمع الثروة، ومن جانب آخر إلى إهمال الجانب الاقتصادي الذي تدرّه المؤسّسة العائلية عن طريق التزاوج!
____________________
1 - ( ميشيل غوردن ). العائلة الأمريكية: الماضي، الحاضر، والمستقبل. نيويورك: راندوم هاوس، 1978 م.
وتتهم النظرية الاجتماعية الرأسمالية التزاوج في المجتمعات غير الصناعية بالقصور والعجز عن تحريك العواطف الإنسانية؛ لأنّ ذلك اللون من التزاوج لا يتولّد نتيجة علاقة حُب بين الرجل والمرأة قبل الزواج، بل إنّه ينشأ بسبب التقاليد والأعراف الاجتماعية.
ولذلك، فإنّ زواجاً بهذا الشكل لن يُنتج حُباً متبادلاً بين الزوجين بعد الزواج أيضاً، ولكنّ التزاوج المنعقد بين الأفراد في المجتمع الرأسمالي - حسب زعمها - غالباً ما يُبنى على الحُب؛ لأنّ هذا المجتمع أكثر تطوّراً من الناحية الاجتماعية والفكرية من المجتمعات غير الصناعية، ولذلك فإنّ الزواج في المجتمع الرأسمالي أكثر نجاحاً من الزواج في المجتمعات غير الرأسمالية.
ويرد على هذا الرأي: أنّه لو كان هذا الزعم صحيحاً، فلماذا إذاً يعيش المجتمع الصناعي الرأسمالي اليوم أشدّ أزماته العائلية؟ فكيف تُفسِّر النظرية الاجتماعية الرأسمالية انتهاء نصف عدد الحالات الزوجية في الولايات المتحدة إلى الطلاق (1) ؟ فلو كان الحُب والإعجاب الأساس في التزاوج، فكيف يُفسّر انتهاء ذلك الزواج الرومانتيكي بالانفصال ثمّ الطلاق؟ ألا يناقض هذا الانفصال والطلاق قواعد الزوجية السعيدة والحياة العائلية الطبيعية؟
ويزعم روّاد النظرية الاجتماعية الرأسمالية أيضاً: أنّ من أعظم خصائص النظام العائلي الرأسمالي هو: إقرار النظام بحرمة تعدّد الزوجات، أي أنّه لا يجوز للفرد التزوّج بأكثر من امرأة في نفس الفترة، وهذا الزعم يتناسب مع الفكرة الرأسمالية التي تؤكد على دور الفرد في الحياة الاجتماعية والإنتاجية؛ لأنّ إباحة تعدّد الزوجات يناقض مفهوم ( المذهب الفردي ) الذي تنادي به النظرية الرأسمالية، وتعتبره سرّ نجاحها الاقتصادي.
____________________________
1 - ( وليام غود ). العائلة: انجلوود كليفز، نيوجرسي، برنستون - هول 1982 م.
ولكنّ هذه النظرية تتجاهل الأزمات الاجتماعية التي تمرّ بها الإنسانية بعد الحروب الطاحنة مثلاً، وما يترتّب عليها من خسائر عظيمة في عدد الرجال، فيكون نظام تعدّد الزوجات من أفضل الأنظمة الاجتماعية التي تساعد على إعادة بناء الأُسر المحطّمة بعد الحرب.
وليس الإسلام الدين الوحيد الذي يجيز تعدّد الزوجات، بل إنّ اليهودية وبعض المذاهب النصرانية تجيز تعدّد الزوجات أيضاً، وأهمّ المذاهب النصرانية التي تؤمن بتعدّد الزوجات هو: مذهب المورمن النصراني المتمركز في ولاية يوتا الأمريكية، الذي يبيح تعدّد الزوجات دون حدود.
وهذا التعارض بين النظرية الاجتماعية الرأسمالية والنظرية اليهودية النصرانية في فكرة تعدّد الزوجات، ليس الأول ولا الأخير؛ لأنّ النظريتين متعارضتان أيضاً في قضية التغشّي بين الرجل والمرأة قبل الزواج، فالنصرانية تؤكد على ضرورة عذرية المرأة قبل الزواج تأسياً بمريم العذراء ( ع )، بينما تدعو النظرية الاجتماعية الرأسمالية إلى احترام حرّية الفرد في إنشاء علاقات خاصة مع الجنس الآخر، وهذا الصراع بين العذرية والحرّية الغريزية يعكس التناقض الفلسفي، بخصوص دور المؤسّسة العائلية، بين الفكرة الدينية والمذهب الرأسمالي.
ولا شك أنّ اتساع وتفصيل دقة النظام العائلي وشموله لجزئيات عديدة ومعقّدة، لا يشجّع أيّ نظرية وضعية على الخوض في غمار مناقشة الدور الاجتماعي للعائلة، وليست النظرية الرأسمالية استثناء من هذه القاعدة، فهي تفتقد الصورة الواضحة والمنهاج الدقيق الذي يعالج مشاكل المجتمع الرأسمالي الزوجية المتمثلة بالأسئلة التالية:
أيهما أحقّ بالولاية القانونية العائلية، الزوج أم الزوجة؟ وأيهما أفضل للنظام الاجتماعي، نظام تعدّد الزوجات أم نظام الزواج المتعدّد؟ وأيهما أفضل للنظام الاجتماعي، زواج الأقارب أم زواج الأباعد؟ وأيهما أكثر اقتصاداً للأزواج الجُدد، السكن مع عوائلهم أم إنشاء وحدات سكنية جديدة بهم؟ وأيهما أولى بالميراث، الأحفاد من جانب الأم أو الأحفاد من طرف الأب؟ وأيهما أفضل وأكثر إنتاجاً للمجتمع الإنساني، العوائل النووية الصغيرة أو العوائل الممتدة الكبيرة التي تضمّ - إضافة إلى الزوجين - الأجداد والأولاد وأحفادهما؟
وهذا الفشل في الإجابة على هذه الأسئلة المهمة على الصعيد الاجتماعي، يُعطي للعقيدة الدينية تفوّقاً واضحاً على العقائد الوضعية في التعامل مع القضايا العائلية.
ولم يكن التأثير الذي أحدَثته الفكرة الرأسمالية في القرن الثامن عشر منحصراً بالجانب الاقتصادي من المجتمع الأوروبي، بل تعدّى بشكل مباشر إلى المؤسّسة العائلية بكل تشكيلاتها الاجتماعية، فكان من أهمّ التأثيرات التي عصفت بالمؤسّسة العائلية الرأسمالية هو: تغيّر ولاء الأفراد تجاه بعضهم البعض؛ حيث أصبحَ الأفراد يحصرون جُلّ اهتماماتهم العملية على تحقيق رغباتهم الشخصية، دون الاكتراث لمسؤولياتهم الاجتماعية تجاه عوائلهم الكبيرة وأقاربهم وأرحامهم، وهذا التغيّر في الولاء أفرزَ نتائج لها تَبعات خطيرة على الحياة العائلية، تُصوّرها كتابة ( بتي يوربيرك ) في كتاب ( دور الغريزة الجنسية في التغيّر الاجتماعي ) :
( يبحث الأفراد عن فُرص للعمل حتى لو كان ذلك البحث يكلّفهم كسر العلاقات الأُسرية مع أرحامهم، النساء المتزوجات من الطبقة المتوسطة والعليا يذهبن للعمل حتى مع معارضة أزواجهن، وبعد ذلك يتركن زواجهنّ المليء بالتعاسة، وأحياناً يتركن أطفالهنّ مع أزواجهنّ ويذهبن للبحث عن حياة جديدة فيها عمل وظيفي، الأزواج يتركون زوجاتهم اللاتي بذلن حياتهنّ كربّات للبيوت، ووجود الأطفال لا يردع الزوجين عن التفكير بالطلاق،... والابن الأكبر لا يترك الجامعة لمساعدة أبويه أو إخوته المحتاجين، بل يتركهم وحاجاتهم ويذهب لتأسيس
مستقبله بعيداً عن العائلة، الشباب يختارون حياة زوجية أو حياة منحرفة حتى لو عارض الأبوان ذلك ) (1) .
وهذه الحياة الجديدة - التي أفرَزتها التجربة الرأسمالية - غيّرت النظرة الإنسانية في المجتمع الصناعي تجاه الزواج والأسرة، فالعوائل الكبيرة التي كان يرأسها جدّ الأسرة تحوّلت إلى عوائل صغيرة تضمّ الأب والأُمّ وطفليهما، ونظام تعدّد الزوجات استُبدل بنظام الزوجة الواحدة، والبيوت الكبيرة التي كانت تضم بين جدرانها عوائل متعدّدة استُبدلت بوحدات سكنية تضم عوائل صغيرة، والتزاوج بين الأقارب استُبدل بالتزاوج عن طريق العمل والمؤسّسات التعليمية.
وأصبحت القاعدة في الزواج في المجتمع الرأسمالي: الميول نحو الاختيار الشخصي القائم على الإعجاب، والكفاءة، والثقافة، والجمال، وبذلك انحسرَ العامل الاقتصادي الذي كان محور التزاوج في المجتمع الريفي الأوربي.
وتبدُّلُ الشكل العائلي في المجتمع الرأسمالي من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي، لهُ عوامله الخاصة التي جعلت فكرة التغيير سبباً أساسياً حسماً في تثبيت أُسس النظام الاقتصادي الرأسمالي، ولولا ضعف الأسرة الكبيرة وانفراط عَقدها لمَا نجح النظام الرأسمالي في تنويع وزيادة الإنتاج، فالأُسر الصغيرة أيسر للانتقال الجغرافي من منطقة إلى أخرى حسبما يقتضيه العمل في حقول الإنتاج، والعامل في المجتمع الرأسمالي ينتقل حيثما وجدَ عملاً مناسباً يهيئ له عيشة رغيدة، فإذا كان ذلك العامل مرتبطاً بأسرة كبيرة، أصبحَ ارتباطه عائقاً في التكسّب، ولذلك مالَت الكفّة الاجتماعية نحو
____________________
1 - ( بتي يوربيرك ). دور الغريزة الجنسية في التغيّر الاجتماعي: نيويورك، وايلي،1974 م. ص 53.
إنشاء العوائل الصغيرة القادرة على الانتقال الجغرافي بيسر؛ بحثاً عن ظروف أنسَب للعمل.
وطالما كان المجتمع الرأسمالي يوفر فُرصاً أكبر للعمّال لتطوير شخصياتهم، وفرصاً أكبر للنجاح والصعود إلى الطبقات الاجتماعية العليا، فإنّ الأفراد الطامحين للصعود الاجتماعي لا يلزمون أنفسهم بالالتزام بالقيَم والتقاليد التي تفرضها عليهم الأُسر الكبيرة؛ لأنّ الأسرة الكبيرة المتكوّنة من أجيال متعدّدة تحترم لوناً معيّناً من القيَم الاجتماعية الصارمة.
ولكنّ الحركة الاجتماعية التي تنقل الفرد من طبقة إلى طبقة أعلى، تحمل في طيّاتها قيَماً تختلف عن قيَم الطبقة الأخرى نحو العلم والتحصيل والأخلاق والمورد المالي، والأصل في الفكرة التي تعتنقها النظرية الرأسمالية هو: إنّ الدرب الأساس نحو الصعود الاجتماعي إلى طبقة اقتصادية أرقى من الطبقة الأولى للفرد، لا يتم إلاّ عن طريق تحطيم الأواصر الاجتماعية مع العائلة الكبيرة.
وعندما بدأ النظام الرأسمالي بتقديم شتّى الخدمات الاجتماعية التي كانت العوائل الكبيرة تُقدّمها لأفرادها، بدأت الحاجة إلى استمرار وجود تلك العوائل الصغيرة تنتفي تدريجياً، حسب زعم النظرية الرأسمالية، فالنظام الرأسمالي يُقدّم لأفراد العوائل الصغيرة: الخدمات التعليمية، والطبّية، وإعانة العَجزة، ورعاية الأطفال، وكوبونات الطعام للمحتاجين.
وإذا كان النظام الرأسمالي يُقدّم كلّ هذه الخدمات، فما هو الداعي في الاعتماد على الأقارب أو الأرحام بخصوص المساعدات المالية وقت الأزمات؟ وما هو اللزوم في عيش الزوجين مع آبائهما إذا كانت الحاجة المالية والأخلاقية منتفية؟
وهذا التوجّه نحو تغيّر الولاء من العشيرة والأقارب إلى الدولة والنظام، ساهمَ في إنشاء وانتشار العوائل الصغيرة القائمة على قاعدة ( الزوجين وأطفالهما ) فقط، وبذلك تَحقّق حلم النظام الرأسمالي بزيادة الإنتاج الصناعي عن طريق تحطيم الأواصر العائلية في العشيرة والعائلة الكبيرة، واستبدالها بنظام العوائل الصغيرة التي تستطيع الانتقال جغرافياً بسرعة من مكان لآخر حسبما تتطلبه العملية الإنتاجية.
ومن أسباب التبدّل في شكل الأسرة الرأسمالية أيضاً: أنّ الأبناء الذين كانوا في المجتمع الزراعي رصيداً اقتصادياً للعمل والإنتاج، أصبحوا في الأسرة الرأسمالية عبئاً اقتصادياً على الأبوين، فالأبوان مكلّفان بإطعام وكسوة وتعليم أبنائهما من الطفولة وحتى البلوغ وبعد البلوغ، وعندما يصبح الفرد قادراً على التكسّب والاستقلال، يُمسي همّه الأكبر الانفصال عن أبويه لإنشاء أسرة صغيرة جديدة.
وهذا التوجّه العام يفسر سبب ميول الأبوين نحو إنشاء أُسر صغيرة ذات عدد محدود من الأبناء؛ لأنّ كثرة الأبناء ليس لها مردود اقتصادي على الأسرة، فالأبناء المنتجون ينفصلون عن أبويهم بعد بلوغهم ومباشرتهم العمل خارج البيت، وهذا التوجّه الرأسمالي الحديث يناقض الفكرة الكاثوليكية القائلة بحرمة تحديد النسل.
وفوق كل ذلك، فإنّ السبب الرئيسي الحاسم في تبدّل شكل الأسرة الرأسمالية هو: فكرة ( الحرّية الفردية ) ، فالفرد مكلّف بإشباع حاجاته وتحقيق طموحاته الشخصية، وليس مكلّفاً بإشباع حاجات الآخرين.
وهذه ( الفردية ): هي أساس الفكرة الرأسمالية في العمل والإنتاج، فالفرد هو محور كلّ الأفكار والتوجّهات الاجتماعية، بل إنّ كل الخدمات الاجتماعية ينبغي أن تتوجّه - حسب رأي النظرية الرأسمالية - نحو تسهيل حياة ذلك
الإنسان وترفيهه، حتى لو كان ذلك على حساب التقاليد والالتزامات الاجتماعية، فإن كانت القضية التي تواجه الفرد قضية مالية، أو عناية صحّية، أو قضية زواج أو طلاق، فذلك الفرد الرأسمالي غالباً ما يَسأل: ( ما هو نفعي وربحي من هذه القضية؟ )، على عكس الفرد في المجتمع غير الرأسمالي الذي يسأل: ( ماذا يتوقّع أرحامي وإخواني منّي أن أعملهُ لهم؟ )، وهذا الفارق في السؤال يعكس الفارق بين المذهب الفردي الذي جاءت به الرأسمالية، والفكرة الجماعية التي كانت سائدة في العالَم قبل مجيء الرأسمالية.
ولا ريب أنّ شكل العائلة الصغيرة - التي هي إحدى ثمار سيطرة النظام الرأسمالي على المقدّرات الاجتماعية - لها مساوئها وعيوبها، فقد كان الفرد في العوائل الكبيرة يستند على دعم عائلته في الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، فوجود العائلة الكبيرة هو مولّد اطمئنان الفرد نحو سدّ حاجاته اقتصادياً وعاطفياً، دون الاضطرار إلى استجداء الآخرين من خارج الحدود العائلية.
أمّا الفرد الرأسمالي، فإنّه لا يملك إلاّ زوجته وقت الأزمات، وإذا كانت الزوجة لا تعمل إلاّ في حدود واجباتها البيتية، فإنّ الأسرة لا تصمد أمام الهزّات الاقتصادية التي تعصف بالفرد المعيل: كالبطالة، وترك العمل، والعجز الصحي، والتقاعد.
بمعنى: أنّ الفرد في الأسرة الكبيرة إذا عجز عن احتلال دوره الطبيعي في النظام الاجتماعي والأُسري، فإنّ بقيّة أفراد الأسرة يساهمون في إشغال ذلك الدور، دون أن يؤثر ذلك على وضع الأسرة اقتصادياً أو اجتماعياً.
أمّا في الأُسر الصغيرة، فإنّ عَجْز أحد الأبوين عن أداء دوره الإنتاجي قد يؤدي إلى تحطيم الأسرة من الناحية الاقتصادية، وتتحقّق نفس النتيجة إذا مات ربّ الأسرة، أو مرض مرضاً مزمناً، فإنّ كلّ ذلك يضع الأسرة الصغيرة في أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.
وفي الأُسر الكبيرة، يكون الزواج قضية طبيعية لا يتوقّع الفرد منها أن تخلق المعجزات، فالزوجة تساهم في عمل البيت وتربية الأطفال، وقد تضطر للعمل أحياناً خارج البيت، ولكن كل ذلك يخضع للحدود والقيم والتعليمات التي تلتزم الأسرة الكبيرة بها، وهذا كلّه يساهم في استقرار النظام الأُسري، حتى لو كان المردود العاطفي بين الزوجين ضعيفاً.
أمّا على مستوى الزواج في المجتمع الرأسمالي، فقد يتوقّع الزوجان من أحدهما الآخر، أموراً بعيدة عن الواقع بسبب الصورة الخيالية المسبقة الموضوعة في ذهنيهما قبل الزواج، وإذا فشل الزوجان في تحقيق الصورة الخيالية التي رَسماها في مخيّلتهما، انفرطَ عقد الزواج، وأصبحَ الطلاق المَنفذ الوحيد لإعادة ترتيب أولويات حياتهما الاجتماعية والاقتصادية، ولا شك أنّ هذه المشكلة تُعتبر من أخطر مشاكل التغيّر في المؤسّسة العائلية الرأسمالية.
ولاشك أنّ إيمان العائلة الأمريكية بالنظرية الرأسمالية كان قد أوقَعها في وضع مأساوي خطير، بسبب افتقاد النظرية لمنهج موضوعي ينظم الحياة العائلية ويساهم في بنائها العلوي.
وبطبيعة الحال، فإنّ الإحصاءات الحكومية تعكس واقع هذا الوضع الاجتماعي، فعشرين بالمئة من مجمل الولادات في أمريكا في العقود الأخيرة من القرن العشرين، لا تحصل نتيجة الزواج الشرعي المتفق عليه اجتماعياً، وربع حالات الحمل تنتهي بالإجهاض، ونصف عدد الزيجات في أمريكا تنتهي بالطلاق (1) ، وعشرين بالمئة من البالغين الأمريكان يعيشون حياة العزوبية اختياراً (2) ، عِلماً بأنّ وسائل الزواج ميسورة.
وهذه الصورة الاجتماعية القاتمة، دليلٌ على فشل النظرية الرأسمالية الغربية في تقديم حلّ اجتماعي مقبول لمعالجة مشاكل الإنسان الحياتية، خصوصاً في عصر تدّعي فيه النظرية الرأسمالية نجاحها الباهر في كلّ الميادين العلمية والتقنية والاقتصادية.
وإذا كانت صورة الحاضر تعيش ضمن هذا الإطار المنحل، فإنّ صورة الماضي إنّما اختلفت في الشكل لا الجوهر، فخلال الحرب الأهلية الأمريكية - على سبيل المثال - كان القانون الرأسمالي الأمريكي يمنع الزنوج من التزاوج فيما بينهم، ويسمح لهم بممارسة عملية الجماع دون زواج شرعي،
____________________
1 - ( سار ليفيتان ) و ( ريتشارد بلوز ). ماذا يحصل للعائلة الأمريكية؟ بالتيمور، مطبعة جامعة جونز هوبكنز، 1981 م.
2 - ( بيتر ستاين ). العزوبية: انجلوود كليفز، نيوجرسي، برنتس - هول، 1976،
لغرض إنجاب العبيد وبيعهم في أسواق النخاسة؛ لأنّ العبد - في العقيدة الرأسمالية - مِلك للسيد المالك حتى في القضايا الخاصة، وليس له الحرّية في اختيار الشريك في عملية الزواج أو في أيّ عمل آخر، وبذلك تدرّ عملية الجماع هذه أموالاً على المالك، دون الاكتراث لشرعية الزواج، أو الاهتمام بحق الإنسان في التزاوج الطبيعي والتأهيل العائلي.
وكان معتنقو مذهب المورمن النصراني يمارسون عملية تعدّد الزوجات لحد 1896 م، والذي مَنعهم قانوناً من ذلك: شَرطُ الحكومة الفيدرالية لولاية يوتا التي يسكنونها، بعدم السماح لهم بالدخول في الاتحاد الأمريكي، ما لم يُعلنوا صراحة توقّفهم عن ممارسة عملية تعدّد الزوجات؛ وذلك لمعارضته لأصل الفكرة الرأسمالية حول مفهوم ( الفردية ) التي تحترم إرادة الفرد، وتَعتبر فكرة تعدّد الزوجات إهانة لكرامة الزوجات جميعاً!
ولا شكّ أنّ تعنّت النظرية الرأسمالية في رفض فكرة تعدّد الزوجات، لم يحلّ المشكلة الاجتماعية التي تواجهها الأسرة الرأسمالية، فثلاثة أرباع الحالات الزوجية الأمريكية تعاني من خيانات زوجية من كلا الطرفين في العائلة الواحدة (1) . وازدياد عدد حالات التشرّد بين النساء المطلقات والفتيات من العوائل المنحلّة، لا يساعد مفهوم النظرية الرأسمالية الزاعم بأنّ الحُب في المجتمع الحضاري الصناعي يخلق الزواج المثالي، وأنّ التمتّع بزوجة واحدة يجني الفرد الخيانة الزوجية.
ولو كان زعمُ النظرية الرأسمالية صحيحاً، فَلِم انحدرَ إذاً ثلاثة أرباع المجتمع في مستنقع الرذيلة بممارسة الخيانة الزوجية عن طريق الزنا؟ وليس هناك أدنى شك من أنّ الإقرار
____________________
1 - ( ديفيد فنكلهور ) وآخرون. الجانب المظلم من العائلة: بيفرلي هيل، كاليفورنيا: 1983 م.
بالانحراف عن الحياة الزوجية السليمة من جهة، ورفض قبول الحلول الاجتماعية التي يقدّمها الفكر الديني المتمثل بالإسلام، بخصوص نظام تعدّد الزوجات من جهة أخرى، يُعتبر تعنّتاً واستكباراً لا مبرّر له، من قِبل النظام الاجتماعي الرأسمالي.
وإذا كان الحُب العُذري الكائن في المجتمع الصناعي كأساس للزواج الناجح، هو الذي يساعد الزوجين - كما تزعم النظرية الرأسمالية - على بناء علاقات زوجية حميمة بعد الزواج، فلماذا إذاً تنتهي نصف الحالات الزوجية الرأسمالية الأمريكية المفترَض قيامها أساساً على قاعدة الحُب العذري، إلى الطلاق؟ أليس هذا تناقضاً مع الفكرة القائلة بأنّ: نجاح أيّ قضية نسبياً يتوقّف على حلّ ثلاثة أرباع أجزائها على الأقل؟ فكيف نعتبر الزواج في المجتمع الرأسمالي نجاحاً للفكرة الرأسمالية؟ وكيف نعتبر نصف الحالات الزوجية التي تنتهي إلى تهديم الأُسس الأُسرية نجاحاً للفكرة الاجتماعية الرأسمالية؟
ويتساءل الفرد ما هو الحُب العذري ، الذي تزعم النظرية الرأسمالية اعتباره من أهمّ أركان النظام العائلي في المجتمع الإنساني؟
وللجواب على هذا السؤال: فلنفترض أنّه الشعور الذي يتملّك الفرد، فتظهر عليه أعراضه، وهذه الأعراض تنقسم إلى قسمين:
أولاً: أعراض جسدية، وهي الشهوة وخَفقان القلب.
وثانياً: أعراض نفسية، وهي تنشيط المَلكة الوجدانية بالتركيز على فرد معيّن ذي مواصفات جذّابة، ثمّ المجازفة في سلوك أيّ طريق يوصِل ذلك المُحب إلى حبيبه، وهذا النوع من الحُب يشجّعه النظام الرأسمالي وتوصي به الثقافة الغربية المرئية والسمعية والكتبية.
هنا قد يتساءل المرء: لماذا تتحمّس النظرية الرأسمالية إلى نشر هذا النوع من الحُب بين أفراد المجتمع؟ ولماذا تحاول النظرية الرأسمالية تقديس هذه الظاهرة التي غالباً ما تحصل بين فردين ينجذب أحدهما إلى الآخر، ثمّ يتطوّر هذا الانجذاب إلى علاقة شخصية تنتهي بالزواج؟
وللجواب على ذلك: تدّعي الفكرة الرأسمالية أنّ الحُب العذري مهم في إنشاء حياة عائلية في عالَم صناعي رأسمالي، لأسباب منها:
أولاً: إنّ الحُب العذري يساعد الفردين المتحابّين على نزع ارتباطاتهما العائلية مع العائلة الكبيرة، وهذه الخطوة مهمة في تنشيط الإنتاج الرأسمالي وتشجيع المتزوجين الجُدد على الانتقال إلى أيّ منطقة أو مدينة تحتاجها العملية الإنتاجية، أمّا لو كان الحُب العذري منعدماً وكانت الأسرة كبيرة، فإنّ الزواج سيأخذ مساره الطبيعي دون الانغماس بالناحية النفسية والعاطفية للحُب، والتركيز على شهوات الفرد بشكل مطلق وتناسي العالَم والواقع الخارجي المحيط بجدران ذلك الشعور.
ثانياً: إنّ الحُب العذري يساهم في إشباع الناحية العاطفية التي حَرمها انكسار وتحطّم الأُسر الكبيرة، ففي وقت الأزمات تساهم الأسرة الكبيرة في التخفيف عن الآلام التي يتعرّض لها الإنسان المصاب بأزمة من تلك الأزمات، وتساهم أيضاً في تقديم المساعدة العاطفية والمادية، في حين أنّ الأُسر الصغيرة تفتقد إلى هذا النوع من الحنان والتعاون الجماعي.
ولذلك، فإنّ الرأسمالية تشجّع الأفراد على ممارسة الحُب العذري؛ حتى يساهم ذلك الحُب في رَأب الصدع الذي سبّبته لهم العملية الرأسمالية الإنتاجية.
ثالثاً: وخوفاً من تناقص النسبة المئوية السنوية للمواليد، فإنّ الفكرة الرأسمالية تشجّع الأفراد على ممارسة الحُب العذري؛
لأنّه يؤدي إلى الزواج وبقاء فكرة الذرّية مستمرة في النظام الاجتماعي، فلو عُرِض الخَيار لأفراد النظام الرأسمالي بالزواج أو عدمه، لاختارت نسبة ملحوظة منهم العدم تخوّفاً من تحمّل المسؤولية المالية والاجتماعية التي تفرضها الأسرة، وتوافقاً مع فكرة ( المذهب الفردي ) في الاستمتاع الشخصي بالحياة، دون الاهتمام بالمسؤولية الجماعية التي يفرضها التزاوج الإنساني.
ومجمل القول: إنّ النظرية الرأسمالية تشجّع الأفراد على تحطيم القيود الأُسرية التي يشجّعها النظام الديني، وتحفّزهم على التزاوج عن طريق الاختلاط والإعجاب المتبادل، وتخفيف القيود الاجتماعية على علاقة الرجل بالمرأة قبل الزواج.
ولا ريبَ أنّ السبب المباشر الذي يدعو النظرية الرأسمالية إلى التبشير - بكل حماس - لفكرة إنشاء الأُسر الصغيرة هو: اعتقادها بأنّ الأُسر الصغيرة التي تفتقد العلاقات المتينة مع أقاربها وعشيرتها، تُعتبر أكثر نفعاً وأوفر إنتاجاً وأعظم خدمة للنظام الرأسمالي من الأُسر العشائرية الكبيرة.
ويشجّع النظام الرأسمالي الأفراد على اختيار شركاء حياتهم بحرّية، إيماناً منه بقوّة ( المذهب الفردي ) في زيادة الإنتاج، فتتم طريقة الاختيار هذه عن طريق التقاء الرجل بالمرأة، ثمّ بعد رحلة طويلة يتمّ في نهاية المطاف الاتفاق على الزواج، ومع أنّ هذا الوصف مشترك في أغلب الحالات، إلاّ أنّ هناك خصائص ومميزات تتحكّم في عملية الانجذاب والزواج منها: العمر، والدِين، والمنزلة الاجتماعية، والثقافة، والأصل العرقي، ومكان العمل.
فعلى صعيد العمر: فإنّ التزاوج يحصل بين فردين من ذوي عمر متقارب، فالرجال غالباً ما يتزوجون نساءً تقلّ أعمارهنّ عن أعمارهم بحوالي سنتين إلى أربع سنوات، ولا يشجّع النظام الرأسمالي التزاوج بين أفراد تتفاوت أعمارهم تفاوتاً كبيراً؛ لأنّ ذلك يسبّب تقليل العمل الإنتاجي للأسرة.
وعلى صعيد الدين: يتم التزاوج غالباً ضمن أفراد معتنقي الدين الواحد، ولمّا كان التزاوج بين أبناء الديانات المختلفة لا يؤثر على إنتاجية النظام الاقتصادي الرأسمالي، فإنّ النظام لا يعارض التزويج بين أفراد من ديانات متغايرة.
وعلى صعيد الطبقة الاجتماعية: يتم التزاوج ضمن أفراد الطبقة الواحدة؛ لأنّ جذور الزوجين وعلاقاتهما الاجتماعية مرتبطة بظروف الطبقة ووضعها المالي والسكني، ولمّا كان من مصلحة الزوجين العيش بسلام ضمن
إطار الطبقة الواحدة، وعدم الدخول في صراع اجتماعي مع الطبقات الاجتماعية الأخرى، فإنّ أغلب الشباب يبحثون أولاً عن شريكات حياتهم ضمن طبقتهم الاجتماعية، ولكن إذا حصل التزاوج بين فردين من طبقتين مختلفتين، فإنّ المرأة غالباً ما تتزوج رجلاً من طبقة أعلى من طبقتها الاجتماعية.
وعلى صعيد الثقافة والتحصيل العلمي: فإنّ النظرية الرأسمالية تشجّع الأفراد على الزواج من أقرانهم في المعاهد الدراسية: كالجامعات، والكلّيات، والمدارس العامة، فالجامعات تُعتبر - حسب النظرية الرأسمالية - من أفضل الأماكن للالتقاء والنقاش واكتشاف الأفراد.
ولا شك أنّ الأسرة المكوّنة من فردين مسلّحَين بشهادات جامعية ويعملان في حقول الإنتاج، تدرّ على النظام الرأسمالي أموالاً أكثر؛ لأنّ الزوجين ينتجان ويستهلكان أكثر من أقرانهما خارج الدائرة العلمية، أولاً.
وثانياً: أنّ اجتماع طاقاتهما العلمية سيولّد إبداعاً للحقل الصناعي.
وثالثاً: أنّ احتمال حذو أبنائهما نفس الطريق العلمي، أقوى ممّا لو كانت الأسرة مؤلّفة من فردين غير جامعيَين.
وعلى الصعيد العرقي: فإنّ حكومات الولايات المحلّية في أمريكا كانت لا تسمح قانوناً بالتزاوج بين الزنوج والبيض لحد العقد السادس من القرن العشرين، ومع أنّ القانون قد تم إلغاؤه؛ بسبب نشاط حركات الحقوق المدنية، إلاّ أنّ المجتمع لا يزال حتى اليوم يستنكر الزواج بين العرقيات المختلفة.
والقاعدة: أنّ الزواج يجب أن يتم بين الأفراد ضمن العرق الواحد، فالأفراد السود ينبغي على الصعيد العرفي أن يتزوجوا نساءً من نفس العِرق، والنساء البيض ينبغي أن يتزوّجن رجالاً من نفس العِرق أيضاً.
أمّا موقع العمل: فهو من الأماكن التي يحصل فيها التعارف بين الرجل والمرأة، ثمّ الاتفاق على الزواج إذا ما تم الإعجاب.
وبعد أن أكملَ النظام الرأسمالي إزالة الحواجز العرفية بين الرجال والنساء القائمة لقرون عديدة، أصبحت عملية الزواج طريقة طبيعية لا تقيدها الضوابط الاجتماعية، فقد صفّقَ الكثير من دعاة التحرّر الاجتماعي لفكرة هدم الضوابط الاجتماعية التي تقيد عملية الزواج و ( الحرّية الفردية )، فيما يخص قرار اختيار الزوج أو الزوجة، ولكن نسبة الطلاق العالية التي يشهدها المجتمع الصناعي الرأسمالي، أجبرت هؤلاء على الإقرار بعجز النظام الرأسمالي في إنشاء نظام أُسري يُسعد المجتمع الإنساني، وينقله إلى شاطئ الأمان كما نقلته التقنية الحديثة إلى مستوىً أرقى في التعامل الإنساني.
وتُعتبر نسبة الطلاق في أرقى المجتمعات الرأسمالية في العالم المتمثلة اليوم بالولايات المتحدة، أعلى نسبة طلاق في التاريخ الإنساني: حيث إنّ نصف الحالات الزوجية الأمريكية تنتهي إلى الطلاق كما ذكرنا ذلك سابقاً، بعد أقلّ من سبع سنوات فقط من بدء الزواج، وهذا دليل على تحلّل النظام الأُسري في المجتمع الرأسمالي.
فالطلاق: وثيقة اجتماعية دامغة تُظهر فشل عملية التزاوج بين فردين اتفقا على إنشاء أسرة كريمة لم يشتدّ عُودها بَعدُ، تماماً كمَن يبذر بذرة آملاً في شجرة مثمرة، ولكنّه يترك شجرته بعد حين دون سقي في صحراء قاحلة، ولا تكمن مشكلة الطلاق في الاختلاف بين الطرفين المتخاصمين المتمثلين بالزوج والزوجة، بل تتعدّى إلى ذرّية الفرد وهم الأطفال، فيقع عليهم الطلاق موقعاً مؤثراً وربّما يؤدي إلى تحطيم مستقبلهم، فالمشاكل التي تسبق الطلاق غالباً ما تترك تأثيراتها النفسية على هؤلاء الأطفال، عِلماً بأنّ الاضطراب العاطفي يُعتبر من أهم أسباب نشوء الانحراف الاجتماعي.
ولمّا كانت الحياة الرأسمالية مصمّمة على أساس استيعاب العائلة الصغيرة المكوّنة من أبوين وطفل أو طفلين مثلاً، فإنّ التغيّر الناتج من أثر الطلاق يجعل حياة الأسرة بعد الانفصال شاقّة من ناحية الوحدة والانعزال، والإحساس بالعجز في مواجهة مشاكل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وغالباً ما تتدهور الميزانية المالية للعائلة بعد الطلاق، خصوصاً ميزانية الأم المطلّقة وأطفالها (1) .
ومع أنّ القانون الرأسمالي يُلزم الزوج بالنفقة على أطفاله، إلاّ أنّ أكثر من نصف عدد الآباء المطلِّقين يتهربون من دفع النفقة المالية؛ بسبب ارتباطهم بالتزامات عائلية جديدة (2) ، وهكذا يصبح الأطفال عرضة للحرمان الاجتماعي بسبب انعدام وجود المعيل، فلا عجبَ إذاً أن نجد الأطفال والأحداث في المجتمع الرأسمالي من أكثر الأفراد حرماناً من الناحية المعيشية، مقارنة ببقية المجاميع من الأعمار الأخرى كالشباب والشيوخ.
وتقع أشدّ حالات الطلاق عُنفاً ووحشيّة بين الأزواج الساكنين في المُدن الصناعية الكبيرة، وبين المتزوجين بسن مبكرة، وبين الذين تزوّجوا على الرغم من معارضة عوائلهم.
والسبب في هذا التمزّق: هو أنّ هذه العوائل الصغيرة ليس لها مَن يوجّهها ويأخذ بأيديها بحكمة، إلى حلّ المشاكل الزوجية والاقتصادية التي تواجهها لاحقاً في حياتها الاجتماعية؛ لأنّ دور
____________________
1 - ( اندريو جيرلن ). الزواج، الطلاق، والزواج مرّة أخرى: كامبردج، ماساشوست: مطبعة جامعة هارفرد، 1983 م.
2 - ( هيو كارتر ) و ( بول كليك ). الزواج والطلاق: دراسة اجتماعية واقتصادية، كامبردج، ماساشوست: مطبعة جامعة هارفرد، 1976 م.
الشيخ الكبير السن كان قد أُلغي تقريباً من الحياة الاجتماعية الرأسمالية، والقاعدة : أنّ الزوجة إذا كانت قادرة على العمل والكسب المادي، فإنّها ستترك - حتماً - البيت الزوجي الذي لا يوفر لها السعادة التي تتوقّعها في حياتها الجديدة.
ويُرجِع علماء الاجتماع تحطّم النظام العائلي في المجتمع الرأسمالي إلى عدّة أسباب منها: الأسرة الصغيرة، وسراب الحُب العُذري، ودور المرأة المتغيّر في الساحة الاجتماعية، والانحلال الخلقي.
فعلى صعيد الأسرة الصغيرة: وجدنا سابقاً أنّ النظام الرأسمالي يشجّع الأفراد على تحطيم تقاليد الأُسر الكبيرة، ويحث على التركيز على إنشاء أُسر صغيرة مكوّنة من أب وأم وطفليهما؛ كي تسهل حركة الأسرة طلباً للعمل، وهذا العامل يساعد على زيادة الإنتاج في المجتمع الرأسمالي، ولكن من أعظم مساوئه: هو أنّ هذه الأسرة تكون أكثر تعرّضاً للهزّات الاقتصادية والاجتماعية من الأسرة الكبيرة المكوّنة من أجيال متعدّدة تعيش مع بعضها البعض، فإذا تخلّى القَيّم على الأسرة عن قيمومته المالية انهارت أركان الأسرة تماماً.
أمّا في الأُسر الكبيرة، فإنّ كثرة الأفراد وتنوّع أعمارهم وخبراتهم يمنح كل عضو من أعضائها دعماً وسنداً معنوياً للاستمرار في الحياة الاجتماعية، ومواجهة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية بكل ثقة واطمئنان، عِلماً بأنّ أكبر الأفراد سنّاً في الأسرة الكبيرة يُقدّم للأسرة الخبرة والنصيحة التي تحتاجها في شقّ طريقها بين الأمواج الاجتماعية المتلاطمة.
وعلى صعيد سراب الحُب العذري: فإنّ هذا الشعور المفترَض أن يعيش طويلاً بعد الزواج سرعان ما تخفّ وطأته بمرور الأيام، خصوصاً إذا انشغل الزوجان بمشاكل الحياة اليومية من خلال عمل الزوج خارج البيت، وترتيب الزوجة لشؤونها البيتية.
وإذا ما عَلمنا أنّ الجزء الأكبر من الحُب العُذري يتمثل بالشهوة الغريزية الجنسية والتركيز النفسي على المحبوب، تَبيّن لنا سبب فشل صمود الحُب العُذري بعد الزواج؛ لأنّ إشباع الشهوة الغريزية والقرب المستمر من المحبوب، يساهم في إرجاع الفرد إلى واقعه الحقيقي بدل العيش في عالَم الخيال والأوهام.
والواقع أنّ العلاقة النفسية بين الزوج والزوجة إذا كانت قائمة على أساس المنطق والعقل والتفاهم والاحترام المتبادل، نجحَ الزواج في بناء الأسرة الكريمة الأكثر إنتاجاً في النظام الاجتماعي، أمّا إذا كان الزواج قائماً على أساس الحُب العُذري وما يتبعه اليوم في العائلة الرأسمالية للمجتمع الأمريكي، فشلَ الزواج في بناء الأسرة.
وعلى صعيد دور المرأة في سدّ الشواغر الاجتماعية: فإنّ المتوقّع من المرأة في كلّ الأزمنة وفي كل المجتمعات الإنسانية القيام بوظيفتها البيتية في تربية الأطفال، ومساعدة زوجها في الشؤون البيتية، وما وراء البيت فهو على الرجل، حيث ينبغي عليه السعي طلباً للرزق.
ولكنّ المرأة في المجتمع الرأسمالي اليوم ترفض هذا الدور متحدية النظام العائلي الذي أقرّه النظام الاجتماعي، وهذا التحدي لا يشمل البيت والزوج فحسب بل يشمل دور المرأة من الناحية البيولوجية، فالعديد من النساء في النظام الرأسمالي لا يعتبرنَ بيت الزوجية فحسب، بل يعتبرنَ الحمل والولادة والرضاعة قيوداً عليهنّ رفضها؛ لأنّ هذه القيود تؤثر على حريتهنّ في العمل والتمتع بالشباب والحياة والجمال.
وطالما كان اهتمام المرأة بالعمل خارج البيت قائماً، كانت عملية الطلاق أكثر يسراً؛ لأنّ النساء يشعرنَ بالاكتفاء من الناحية الاقتصادية، وبالاستغناء عن الرجال، فلا ريبَ أنّ أبسط مشكلة بيتية إذاً تؤدي إلى الانفصال ثمّ الطلاق.
وعلى صعيد الانحلال الخُلقي: فإنّ النظام الرأسمالي - بتصنيعه وسائل منع الحمل على شكل واسع - ساهمَ في نشر الانحلال والعلاقات غير الشرعية بين الرجال والنساء؛ لأنّ استخدام وسائل منع الحمل يوفر على المرأة والرجل الفضيحة ويمنع تخليق ولد الزنا.
وقد ساهمَ اضمحلال دور الدين في المجتمع الرأسمالي على تغيير السلوك الجنسي قبل الزواج، وحتى بعد الزواج مع نساء أُخر، ولا شك أنّ انتشار المصانع في رقعة جغرافية واسعة، وانتقال الأفراد بشكل مستمر طلباً للعمل، ساهمَ هو الآخر في إضعاف الرقابة الاجتماعية على الممارسات الغريزية غير الشرعية بين الرجال والنساء.
وهذه الممارسات غير الشرعية تضع الزواج في موضع خطر؛ لأنّ عدم قناعة أحدهما بالآخر سيؤدي إلى البحث عن شريك جديد، وهذا السلوك يُنزل بالمؤسّسة العائلية ضربة قاصمة؛ بسبب انعدام العفّة والنظافة السلوكية بين الرجال والنساء في نظام يؤمن بكل قوة بشرعية ( المذهب الفردي ) ، وما يترتّب عليه من هدم لأصل التصميم الإلهي للنظام الاجتماعي وعلاقاته الإنسانية.
وتُعتبر مشكلة الإجهاض إحدى أخطر المشاكل التي تواجه النظام العائلي الرأسمالي، خصوصاً بعد إعلان المحكمة العليا الأمريكية سنة 1973 م في قضية ( جين رو ) ضدّ ( هنري ويد ) شرعية الإجهاض (1) ، حيث قسّم قُضاة المحكمة العُليا الحمل إلى ثلاث مراحل: كل مرحلة تستغرق ثلاثة أشهر.
ففي المرحلة الأولى: يجوز للمرأة قانوناً إجهاض جنينها باستخدام مختلف الوسائل الطبّية.
وفي المرحلة الثانية: يجوز للمرأة الإجهاض، ولكن يجب أن تخضع عملية الإجهاض إلى قوانين الولاية التي تسكن فيها المرأة الحامل.
وفي المرحلة الثالثة: حيث يكون عمر الجنين ستة أشهر فما فوق، فإنّ الإجهاض محرّم قانوناً إلاّ في الحالات الطارئة التي تكون فيها صحّة الأم بخطر، وقانون المحكمة العليا الأمريكية مقتبس من أحكام القرآن الكريم، فقد وردَ في النص المجيد بشأن عمر الجنين: ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ) (2) ، وفي موضع آخر: ( حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً ) (3) ، فيكون عمر الجنين الكامل الذي له قابلية العيش مستقلاً عن الأم ستة أشهر فما فوق، وتكون الحرمة القانونية الأمريكية في قتل الجنين عند بلوغه ستة أشهر فما فوق، وهو أقلّ الحمل في النظرية الإسلامية.
____________________
1 - ( لوكر كريستين ). الإجهاض وسياسة الأمومة: بيركلي، كاليفورنيا: مطبعة جامعة كاليفورنيا، 1985 م.
2 - لقمان: 14.
3 - الأحقاف: 15.
وتكمن الخطورة في تشريع المحكمة العليا الأمريكية لشرعية الإجهاض: أنّ عدد حالات الإسقاط المتعمّد ازدادت منذ تشريع ذلك القانون إلى أكثر من مليون ونصف المليون حالة سنوياً، وهذا يعني أنّ حوالي ربع إجمالي ولادات أمريكا تنتهي - عن طريق الإجهاض الطبي - إلى سلاّت القمامة سنوياً، في نهاية القرن العشرين.
والسؤال الفلسفي المطروح اليوم هو: هل إنّ الإجهاض مسألة شخصية متعلّقة بالمرأة، أم هو قَتل للجنين البشري الذي لو سُمحَ له بالعيش لكان إنساناً؟
وللجواب على هذا السؤال علينا أن ننتقل إلى سؤال آخر للإجابة عليه أولاً وهو: ما هو وضع الجنين البشري من الناحية البيولوجية؟ فهل يعتبر طفلاً فيكون الإجهاض قتلاً؟ أم هو مجرّد مجموعة من الخلايا والأنسجة، فيكون الإجهاض عملية جراحية طبيعية لاستئصال غدّة غير مرغوب فيها؟
وقد احتارَ علماء الطبيعة والطب والفلسفة في النظام الرأسمالي في الإجابة على هذا السؤال؛ لأنّ الجنين - بزعمهم - ليس إنساناً كاملاً، وليس مجرّد مجموعة من الخلايا والأنسجة، وهنا فنحن ننتقد هؤلاء ونقول: إنّ الجنين ليس إنساناً كاملاً، ولكنّه يستطيع بالقوّة أن يصبح إنساناً.
ويردّون علينا قائلين: إذا كان الجنين إنساناً فهل تدفنونه أنتم كما تدفنون الإنسان الكامل؟ ونجيبهم بكلمة: نعم، فالسِقط إذا كان له أربعة أشهر فصاعداً يُلفّ بخرقة ويُدفن (1) ، والجنين الكامل ليس مجموعة خلايا ميّتة كالشعر والظفر والقَرن، بل إنّه حياة وحيوية، فيكون الجواب على السؤال الأول هو: إنّ الإجهاض عملية قَتل للأجِنّة.
____________________
1 - المحقق الحلّي. شرائع الإسلام: ج 1، ص30.
وهكذا يدور هذا النقاش لينتقل من الناحية البيولوجية إلى حقوق المرأة في السيطرة على جسدها، فالمؤيّدون لشرعية الإجهاض يؤكدون على أنّ قرار الإجهاض قرار فردي، فكيف نستطيع - بزعمهم - أن نفرض على المرأة طفلاً لا تريد أن تحمله؟
ولكنّنا نجيبهم: بأنّ نصف جينات الجنين مِلك للأب، فكيف تقولون: إنّ الجنين بكامله مِلك لجسد الأم؟ وإذا كانت الأم تحمل الجنين تسعة أشهر، فإنّ الأب مكلّف بالإنفاق عليه لحدّ التكسّب أو البلوغ، وهو سنّ الخامسة عشرة بالنسبة للذكر، ولحدّ الزواج أو البلوغ، وهو سنّ التاسعة بالنسبة للأنثى، حسب النظرية الإسلامية.
وهنا يبرز سؤال آخر دون جواب أيضاً، وهو: لو أنّ الأب أراد للجنين أن يحيا ويولَد، فهل للمرأة الأم الحقّ في إجهاض جنينها بدعوى أنّ لها الحق بالسيطرة على جسدها؟ لا يوجد على الساحة الفكرية الغربية جواب شافٍ على هذا السؤال!
وظاهر الأمر: أنّ المجتمع الرأسمالي ومفكّريه وعلماء منقسمون إلى صفّين: صف يؤيّد الإجهاض باعتباره أحد خيارات المرأة الطبيعي في الحياة، وهؤلاء اصطُلح عليهم بالاختياريين ، وصفّ يعارضه باعتباره قَتلاً للإنسانية، وهؤلاء اصطُلح عليهم بالحياتيين .
وأمام هذا الاضطراب في الحكم على شكل حياة الجنين، والصراع بين حرّية المرأة والمسؤولية الاجتماعية بحفظ النظام الاجتماعي من الانقراض، يقف الدين النصراني واليهودي في المجتمع الرأسمالي موقف المراقب الصامت، الذي لا يجد كلمة شافية يحلّ بها هذه المشكلة الاجتماعية الخطيرة، مع العلم أنّ أغلب الحياتيين ينتمون إلى مختلف الكنائس النصرانية.
ولا ريبَ أنّ ارتفاع نسبة الإجهاض في المجتمع الرأسمالي الأمريكي، يعكس عُمق المشكلة الأخلاقية بين الرجل والمرأة، ودور الشهوة الغريزية الجنسية قبل وبعد الزواج في هزّ النظام العائلي، وهو دليل على أنّ مفهوم ( الفردية ) - التي يبشّر بها النظام الرأسمالي ويَعتبره أساس نجاحه الاقتصادي - يفشل فشلاً ذريعاً في بناء الأسرة الكريمة، التي يحلم بها الإنسان كوسيلة من وسائل بناء مجتمع نظيف قائم على أساس فهم مسؤولية الرجل والمرأة الاجتماعية، ودورهما في الحياة الإنسانية السعيدة.
ولا يستطيع أيّ فرد - مهما أوتي من قدرة على الاستيعاب والتحليل والاستنتاج - تقدير حجم الخسارة الاجتماعية التي أنزَلَتها النظرية الرأسمالية على المؤسّسة العائلية الإنسانية، إلاّ أنّ جميع المفكرين والمنظّرين المعاصرين يتفقون على أنّ خسارة المؤسّسة العائلية في المجتمع الرأسمالي باتت خسارة عظيمة.
فبعدَ أن شجّعت النظرية الرأسمالية النساء على العمل خارج البيوت - مانحة إياهنّ الحرّية المناسبة - ازدادت نسبة العاملات في المجتمع الأمريكي إلى نصف عدد نساء أمريكا الرأسمالية اليوم، في مختلف شؤون الحياة العملية (1) ، وهذا التهافت في البحث عن العمل والمال له تأثير خطير على الحياة الاقتصادية والأسرية (2) .
فكان من نتائج ذلك: ارتفاع نِسب العوائل التي تعيلها الأمّهات، والسكن المختلَط بين النساء والرجال دون عقود زواج، وتعدّد مرّات الزواج والطلاق خلال حياة الفرد، واضطراب إعادة التركيب العائلي بعد الطلاق، والزواج دون إنجاب الذرّية اختياراً، والزواج المفتوح، والانحراف في اختيار الشريك، والبقاء على العزوبية مع توفّر مستلزمات الزواج.
ولمّا كان الطلاق ميسوراً في النظام الأمريكي، أصبحت العوائل التي تعيلها المطلقات تشكّل حوالي ثلث مجمل العوائل الأمريكية في التسعينيات من هذا القرن.
____________________
1 - ( روزابث موس كانتر ). العمل والعائلة في الولايات المتحدة: نيويورك: مؤسّسة روسيل سيك، 1977 م.
2 - ( لينور ويتزمان ). ثورة الطلاق: النتائج الاجتماعية والاقتصادية غير المتوقعة للنساء والأطفال في أمريكا. نيويورك: المطبعة الحرة، 1985 م.
والسبب في ازدياد هذه النسبة يكمن في عاملين هما: العلاقة غير الشرعية بين الرجل والمرأة، وسهولة عملية الطلاق. وكِلا العاملَين يساعدان على ازدياد نسبة العوائل التي تعيلها الزوجة دون الزوج، وإذا ما عَلمنا أنّ ثلاثة أرباع النساء غير المتزوّجات في أمريكا لهنّ علاقة ما مع الرجال، تبيّنَ لنا حجم المشكلة الاجتماعية التي تعيشها الأسرة الرأسمالية، والمصير القائم الذي ينتظرها في نهاية الطريق.
ومن الغريب، أنّنا نجد مَن يدّعي أنّ الحرّية التي اكتسبتها المرأة في المجتمع الرأسمالي تصون حياتها الاجتماعية، وتجعلها على مستوى اجتماعي واقتصادي واحد مع الرجل، وهذا القول ليس سليماً؛ لأنّ هذا الوضع الاجتماعي ما هو إلاّ تحقير وإذلال للمرأة، وحطّ من كرامتها وحقّها في العيش الكريم كأُم أو بنت أو أخت، ودليلنا على ذلك: إنّ نصف عدد العوائل التي تعيلها الزوجات دون الأزواج، هم من أفقر فقراء النظام الرأسمالي في أمريكا (1) .
ولا شك أنّ التحلّل الاجتماعي الواسع في النظام الرأسمالي، أدّى إلى اندفاع الأفراد نحو السكن المختلط دون عقد زواج، حيث إنّ انتشار هذا اللون من السكن بين طلبة الجامعات بالخصوص، يُنذر بخطر تحلّل النظام الأُسري في المستقبل المنظور؛ لأنّ هذا الاختلاط لا يحدّه نظام أو قانون أو تشريع يحفظ حقوق المرأة أو الرجل أو الذرّية، التي غالباً ما تضيع خلال عملية الإجهاض.
____________________
1 - ( ميشيل هارنكتن ). الفقر الأمريكي الجديد: نيويورك: هولت، راينهارت، و ونستن، 1984. و ( جيمس باترسن ). الكفاح الأمريكي ضد الفقر 1900 - 1980 م. كامبردج، ماساشوست: مطبعة جامعة هارفرد، 1982 م.
ومع أنّ النظرية الرأسمالية تُعارض بشدّة نظام تعدّد الزوجات في وقت واحد، إلاّ أنّ الظروف الاجتماعية التي خلقها النظام الرأسمالي أجبرت النظرية على الإقرار بالزواج التعدّدي في أوقات مختلفة، أو بمعنى آخر: الزواج ثمّ الطلاق، ثمّ الزواج من امرأة أخرى ثمّ الطلاق، ثمّ الزواج من امرأة ثالثة ثمّ الطلاق وهكذا.
وإقرار هذا الزواج التعدّدي يمثّل فشلاً ذريعاً للنظرية الرأسمالية، التي أرادت - بإدانتها لنظام تعدّد الزوجات وتحطيم فكرة الأسرة الكبيرة - زيادة عملية الإنتاج والتأكيد ( المذهب الفردي ).
ونظام تعدّد الزوجات أفضل من الناحية الاجتماعية من نظام الزواج المتعدّد؛ لأنّه يحفظ كرامة الزوجات تحت ظل بيت واحد تسوده المحبّة والألفة والأبوّة والقيمومة، التي تغمر كل الأبناء والبنات وبمنتهى العطف والحُب والرحمة، ولكنّ الزواج التعدّدي لا يجلب غير الألم والمرارة وتفسّخ العائلة، فينفصل الأطفال عن أحد الأبوين، ويعيشون مع أمّهم التي تتزوّج رجلاً آخر، ويتزوج الأب امرأة أخرى، وهكذا يضيع التوجّه العائلي وتفتقد الرحمة الأبويّة بين شهوات الأبوين ورغبتهما بالحرّية الفرديّة.
وعندما يتحطّم النظام العائلي عن طريق الطلاق، فلابدّ للعائلة من إعادة تركيب علاقاتها الأُسرية، فعليها أن تثبت أُسس العلاقة الجديدة بين الأطفال من الأم و زوج أمّهم الجديد، وبين الأطفال من الأب والأطفال من الزوجة الجديدة، فيصبح الأطفال في العائلة الجديدة مجموعة من الأشقّاء، أشقّاء من الأمّ وأشقّاء من الأب، وهذا يولِّد تعقيداً جديداً في رسم شجرة العائلة الجديدة، ويولِّد أيضاً مشكلة نفسية من مشاكل الانسجام تُضفي بتأثيراتها السلبية على الأسرة لاحقاً.
ولمّا كان النظام الرأسمالي يشجّع الأفراد أيضاً على التفوّق والتحصيل الشخصي الذي تعكسه آراء ( المذهب الفردي )، فإنّ الإنجاب يمثل مشكلة تواجه العائلة الرأسمالية المثقفة، التي تهدف إلى اعتصار أكبر ما يمكن اعتصاره من الخيرات عن طريق العمل والانغماس في العملية الإنتاجية، ولذلك فهي لا ترغب في إنجاب الأطفال؛ لأنّ الإنجاب ما هو إلاّ حجر عثرة في طريق جني الأرباح الشخصية.
ولكنّ النظرية الرأسمالية تقف موقفاً متناقضاً مع هذا التوجّه الفردي، وتقوم بتشجيع الأفراد على الإنجاب؛ لأنّ ذلك يُزيد العمل الإنتاجي والعملية الاستهلاكية، وهذا التناقض بين المذهب الفردي والنظرية الرأسمالية بخصوص الإنجاب بين الزوجين، يمثل قصور النظرية أيضاً في استيعاب وفهم متطلبات الحياة الاجتماعية وشروط العملية الإنتاجية.
ولمّا كانت قابلية بعض الأفراد على حفظ الزواج والعائلة محدودة بحدود القدرة الشخصية، فإنّ قَدراً يسيراً من العوائل الغربية تمارس الزواج المفتوح (1) ، وهو: اشتراط الزوج والزوجة بالكتابة تحريراً في عقد الزواج على التمتّع الجسدي بالحرام مع رجال أو نساء أُخريات (2) ، وهذا دليل آخر على ضرورة الإقرار بنظام تعدّد الزوجات الذي يستنكره النظام الرأسمالي، ويُبيح الزواج المفتوح كنظام بديل.
____________________
1 - ( جاكلين ناب ) و ( روبرت وايتهيرست ). الزواج المفتوح والعلاقات: قضايا وإبعاد. مقالة علمية في كتاب ( استكشاف أنماط الحياة العاطفية ). تحرير: برنارد ميورستاين. نيويورك: سبرنكر، 1978 م.
2 - ( جيمس سميث ) و ( لين سميث ). ما وراء الزواج: دراسات حديثة حول البديل الجنسي للزواج. بالتيمور: مطبعة جامعة جونز هوبكنز، 1974 م.
أمّا الانحراف العائلي في الرأسمالية: فهو يتخذ وجهين، الأول: زواج الرجال بالرجال، والثاني: زواج النساء بالنساء. وهذا الانحراف يمثل عشرة بالمئة من إجمالي عدد العوائل الأمريكية، أي حوالي خمسة وعشرين إلى ثلاثين مليون إنسان في العقود الأخيرة من هذا القرن (1) ، وأغلب هؤلاء المنحرفين يتزوجون في كنائس خاصة بهم.
ومع أنّ وثيقة الزواج التي يحصل عليها هؤلاء لا تحمل أهمية قانونية، إلاّ أنّ المَحاكم الفرعية الرأسمالية تقرّ ببقاء الأطفال المتولدين قبل الانحراف مع الأب المنحرف أو الأم المنحرفة، وهو دليل على قبول هذه المحاكم ضمنياً شرعيّة الزواج المنحرف، لواطاً كان أو سُحقاً.
ويعكس هذا اللون من التفكير انحطاط الحضارة الرأسمالية وهزالتها، وانحدارها عن مستوى التفكير الإنساني السليم، ولهثها وراء الشهوة الرخيصة، وإلاّ فكيف يُعقل عصمة هؤلاء الأطفال من الانحراف الأخلاقي، إذا أُجيز لهم العيش والنمو والتطوّر ضمن حدود الأسرة المنحرفة؟
وتميل نسبة متزايدة من الأفراد إلى العيش الانفرادي؛ لأنّها لا ترى في الزواج هدفاً اجتماعياً؛ لأنّ الحرّية الفردية والاستقلال الاجتماعي - بزعمها - أمضى وأقوى للسعادة الفردية من النظام العائلي المعقّد (2) ، فالمسألة - في اعتقادهم - ترجع إلى الاختيار الشخصي والحرّية الفردية
____________________
1 - ( مارتن وينبرك ) و ( كولن وليايمز ). الرجال المنحرفون جنسياً: مشاكلهم وطُرق تقبّلهم. نيويورك: مطبعة جامعة اكسفورد، 1984 م.
2 - ( بيتر ستاين ). العزوبية. انجلوود كليفز، نيوجرسي: برنتس - هول 1976 م.
وليست المصلحة الجماعية (1) !
ومع كل هذه المساوئ الاجتماعية، فإنّ النظام الرأسمالي يحاول حلّ المشكلة الاجتماعية بالتلويح بالمكافآت المالية لحفظ الأسرة، وباستيراد المزيد من العقول المهاجرة التي تبعث الحياة في جسد النظام.
ولكن مهما حاولَ النظام الرأسمالي التغطية على عيوبه الاجتماعية فيما يتعلّق بالنظام العائلي، فإنّه لابدّ وأن يقرّ يوماً بأنّ الأسرة الكبيرة التي يعيش أفرادها معاً بشكل دائمي - على أساس التعاون والمساعدة والشعور بالمسؤولية الجماعية - هي أفضل الأنظمة التي تحفظ النظام الاجتماعي، مهما كان لونه السياسي والاقتصادي والتاريخي.
____________________
1 - ( جاكلين سايمنوير ) و ( ديفيد كارول ). العزّاب: الأمريكان الجُدد، نيويورك: سايمون وشوستر، 1982 م.
القسمُ الثاني
النظامُ العائلي في النظرية الإسلامية
العائلةُ في النظرية الإسلامية * أحكام الزواج الشرعية * المحرّمات في الشريعة الإسلامية * أحكام العقد المنقطع * ملحق: في النكاح المنقطع للشهيد الثاني * العيوب الموجِبة للخيار بين فسخ العقد أو إمضائه * الخيار بالتدليس * الصداق * أحكام النَسب في الشريعة * الإقرار بالنَسب * النفقة الشرعية * الرضاع وآثاره الشرعية * الحضانة * أحكام الصبي: أ - الحَجر قبل البلوغ ب - عبادات ومعاملات الصبي ج - الولاية والوصاية د - البلوغ والرشد الشرعي * الولاية في الزواج * الوصية الشرعية * أحكام الإرث * أحكام الطلاق * خصائص النظام العائلي الإسلامي بالمقارنة مع النظام العائلي الرأسمالي.
لا شك أنّ الشريعة الإسلامية أولَت الأسرة عناية فائقة؛ لإدراكها أهمية الدور الذي ينبغي أن تلعبه هذه المؤسّسة على الساحة الاجتماعية، بخصوص ضبط السلوك الجنسي، وتعويض الخسارة البشرية للمجتمع الناتجة بسبب الموت، وحماية الأفراد وتربيتهم وإشباع حاجاتهم العاطفية، وتنميتهم للاختلاط الاجتماعي لاحقاً.
وينطوي البناء التحتي للنظرية الإسلامية على تحديد دور الرجل والمرأة في المؤسّسة العائلية، أو بتعبير أدق: تفصيل التكليف الشرعي فيما يخص واجبات الزوج وحقوق الزوجة أولاً، وحقوق بقية الأفراد في المؤسّسة العائلية ثانياً.
فالنظرية الإسلامية تؤمن بأنّ الإنسان ليس حيواناً اجتماعياً - كما تزعم النظرية التوفيقية - بل تعتبره كائناً كريماً، رفعهُ الخالق سبحانه وتعالى بالعلم والعقل والإدراك والتفكير، ومَنَحه قابلية الاستخلاف في الأرض، بمعنى أنّ الإنسان المفكّر طالما ارتقى عن الحيوان بدرجة التفكير والإدراك، فقد اختلفت عندئذ العلاقات والوظائف الاجتماعية بينه وبين الأفراد - كمّاً ونوعاً - عن العلاقات الجمعية التي تجمع القطيع الواحد من الحيوانات ضمن مزرعة واحدة، فالحيوانات ضمن ذلك القطيع لا تعرف ضابطاً يضبط سلوكها الجنسي، ولا نظاماً يحدِّد شهوتها الهائجة، على عكس النظام الاجتماعي الإنساني الذي ينظّم العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى عن طريق المؤسّسة العائلية، التي تُعتبر من أهم المؤسّسات الاجتماعية خِدمة للإنسان.
وبطبيعة الحال، فإنّ الإسلام لا ينظر للمؤسّسة العائلية باعتبارها مؤسّسة اجتماعية لتعويض الخسائر البشرية الحاصلة نتيجة موت الأفراد فحسب، بل ينظر لها باعتبارها محطّة استقرار لعالَمٍ متحرك، تنتقل من خلالها ممتلكات الجيل السابق إلى الجيل اللاحق عن طريق الإرث والوصية الشرعية، ومحطّة فحص وتثبيت أنساب الأفراد عن طريق إعلان المحرّمات النسبية والسببية الناتجة عن الزواج، وإلحاق الأولاد بآبائهم، وجواز الإقرار بالنسب، ومركز حماية الأفراد بتقديم شتّى الخَدمات الإنسانية لهم بخصوص الملجأ، والمطعم، والدفء، والحنان.
ويعكس ذلك حثّ الإسلام على وجوب الإنفاق على الأصول والفروع، وهم: الوالدان، والأولاد، ووجوب الإنفاق على الزوجة، فالإسلام صمّم لها حقّاً مالياً أولياً تتملّكه بالعقد والدخول ( وهو الصداق )، وحقّاً مالياً آخر وهو النفقة مع ثبوت الطاعة والتمكين، ووجوب حقّ الرضاعة، ويتحمّل نفقتها الزوج، وحقّ الحضانة ويتحمّلها الأبوان، والولاية للأب في زواج الصبي قبل بلوغه.
والمَدار: أنّ الرجل البالغ القادر على التكسّب والإنتاج، يجب عليه شرعاً إعالة زوجته وأولاده وإن نزلوا، وأبويه وإن عَلوا؛ لأنّ الأبوين عاجزان عن التكسّب لسنّهما، والأولاد لقصورهما، والزوجة لمعاوضتها.
وإذا كانت العائلة محطّة لشحن الطاقات العملية، وقاعدة لتنشيط الإنتاج الاجتماعي، فإنّها في نفس الوقت مركز لإشباع الحاجات العاطفية: كالحُب، والحنان، والعطف، والرحمة، ومكان لتهذيب السلوك الجنسي، ومسرح لتعلّم المعارف الأساسية قبل الخروج للساحة الاجتماعية: كاللغة، والأعراف، والعادات، والتقاليد، والقيَم الأخلاقية.
فالعائلة إذاً تُساهم في خلق الفرد الاجتماعي الصالح للعمل والإنتاج، والمساهمة في بناء النظام الاقتصادي والسياسي للمجتمع.
ولا يقتصر اهتمام الإسلام على المستوى العائلي بالرجل، بل أعطى المرأة أهمية خاصة منذ بداية إنشاء المؤسّسة العائلية، فتستطيع المرأة أن تشترط شروطاً شرعية جائزة في صيغة العقد، إلاّ أن تُحرّم حلالاً وتُحلّل حراماً، وعلى الزوج وجوب الوفاء بتلك الشروط لعموم ( المؤمنون عند شروطهم ).
وحفظاً لحقوقها، فقد اشترط في صحة عقد الزواج أن يكون لكليهما: العقل، والبلوغ، والرشد، والخلو من المحرّمات السببية والنسبية، وأوجبَ التعيين في عقد الزواج، وأبطلَ التعليق، وأبطل شرط الخيار فلا تجري في صيغة العقد الإقالة بخلاف غيره من عقود المعاوضات.
وأوجبَ في صيغة عقد الزواج الإيجاب منها والقبول منه، وأحلّ لها الإسلام الخيار بين فسخ العقد أو إمضائه في العيوب الموجِبة كالعيوب الجنسية مثل: الخصاء، والجب، والعَنن، والعيوب العقلية: كالاضطراب العقلي، أو الجنون، وأحلّ لها أيضاً خيار الفسخ للتدليس، وخيار الفسخ لتخلّف الشروط، إذا كان عدم النقص شرطاً من شروط العقد، أو وصفاً، أو بُني العقد على أساسه.
وفرضَ لها حقّ الصداق وهو حقّ من حقوقها المالية، تملكه بالعقد كاملاً مع الدخول، وشقاً مع عدم الدخول، إلاّ أنّه ليس شرطاً في صحة العقد.
وبطبيعة الحال - ومن أجل حفظ حقوق الزوجة - فقد قسّمت الشريعة الإسلامية المهر المخصّص لها إلى ثلاثة أقسام وهو: المهر المسمّى، ومهر المِثل، والتفويض، وهذه الأقسام تشمل مساحة واسعة من الضمانات المالية للزوجة: كالصداق الذي تراضى عليه الزوجان وهو المهر المسمّى، أو تعارفَ الناس عليه وهو مهر المِثل، أو تُركَ التعيين لأحدهما وهو مهر التفويض، ولا شك أنّ المهر المالي المفروض يُعتبر أول بوادر الاستقلال الاقتصادي والاستثماري للزوجة خلال حياتها.
وأوجبَ لها أيضاً النفقة مع ثبوت الطاعة والتمكين، وأوجبَ النفقة أيضاً للمعتدّة من الطلاق الرجعي حاملاً كانت أو حائلاً، والمعتدّة من الطلاق البائن إذا كانت حاملاً فقط، وقال بعض الفقهاء باستقرار نفقة الزوجة في ذمّة الزوج، حيث لو أخلّ بالنفقة كان عليه قضاؤها، على عكس نفقة الوالدين والآباء، وتركَ الإسلام تحديد مقدار النفقة للمقاييس الارتكازية العقلائية التي تعارفَ عليها الناس.
وفي الإرث، فإنّ الزوجة ترث مع جميع المراتب، وفي كل مرتبة من مراتب الإرث، فإنّ للمرأة حضوراً متساوياً مع حضور الرجل.
ففي المرتبة الأولى، حيث يرث الأبوان والأولاد تدخل الأم والبنات.
وفي المرتبة الثانية، حيث يرث الأجداد والإخوة تدخل الجدّة والأخوات.
وفي المرتبة الثالثة، حيث يرث الأعمام والأخوال تدخل العمّات والخالات.
وتتغيّر السهام المفروضة بالنسبة للذكور والإناث حفظاً لمصالحهم الاجتماعية والاقتصادية.
وفي أحكام الوصية، فإنّ للموصي الحقّ في تعيين مَن أراد من النساء أو الرجال وصية عهدية، أو تمليكية من ثلث تركته، ولم تتوقف الأحكام الشرعية عند هذا الحد بل نظرت إلى مصلحة المرأة بالنسبة للأنساب.
فصيانة لكرامة المرأة، فقد ألحَقَ الإسلام المولود بالزوج بسبب الفراش أولاً، حيث جعل المدار الإدخال، أو الإراقة، ومضي ستة أشهر من حين الإنزال وهو أقلّ الحمل، وثانياً وطء الشبهة، وهو الوطء مع جهل التحريم، وأساسه قاعدة ( إمكان الإلحاق ) التي تسالمَ عليها الفقهاء.
وحرّم بالنَسب: زواج الأم، والبنت، والأخت، والعمّة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وحرّم بالسبب: زواج زوجة الأب على الابن، وزوجة الابن على الأب، وأمّ الزوجة على زوج ابنتها، وبنت الزوجة، والمطلّقة ثلاثاً، والمطلّقة طلاق العدّة، ونكاح الشغار، والزواج مع الارتداد والكفر، والجمع بين الأختين، والزوجة إذا قذفها زوجها بالزنا دون إثبات البيّنة، والمعتدّة من وفاة أو طلاق بائن أو رجعي أو شبهة، وأفسدَ عقد زواج الرجل مع المرأة المتزوّجة من رجل آخر.
وفي كلّ هذه الأحكام الشرعية يكون الأصل حفظ حقوق المرأة وكرامتها ككيان مستقلّ جدير بالاحترام؛ لأنّ عملية الزواج ليست عملية غريزية فحسب، بل هي مَسلك يؤدي بالمرأة إلى طريق الأمومة المتميّز عرفاً وشرعاً، ومن الطبيعي أن لا سلطان للولي على المرأة البالغة - حسب النظرية الإسلامية - حيث إنّ لها الخيار في اختيار الزوج المناسب.
وفي الطلاق، فقد حفظت الشريعة كل حقوقها المالية والمدنيّة.
وعلى ضوء ذلك: فإنّ اتهام نظرية الصراع الاجتماعي المؤسّسة العائلية بأنّها أول مؤسّسة اضطهادية يختبرها الفرد في حياته الاجتماعية، مجرّد تشخيص لمشكلة اجتماعية إقليمية كانت تعيشها أوروبا الغربية في القرون الماضية، وتعاني من آثارها السلبية، ولا يمكن تطبيقها على جميع المجتمعات الإنسانية، فهل يستطيع ( فريدريك أنجلز ) أن يُحلّل معنى الاضطهاد الأُسري إذا كان للمرأة حق خيار الفسخ في العيوب الموجِبة، وحقّ الطلاق الخلعي، وحقّ الاشتراط في صيغة العقد ضمن الحدود الشرعية؟ بل كيف يؤدي الاضطهاد الأُسري إلى الاضطهاد الاجتماعي كما
يزعم ( أنجلز )، وكلنا يعلم أنّ الأُسر الرأسمالية الغنيّة أكثر نعومة في تعاملها مع النساء من الأُسر الفقيرة؟
ويعكس قول فقهاء الإمامية بعدم اعتبار الحاجز الطبقي أو العنصري في تحقيق عملية الزواج، عدالة الإسلام الاجتماعية، حيث ( يجوز عندنا نكاح الحرّة بالعبد، والعربية بالعجمي، والهاشمية بغير الهاشمي وبالعكس، وكذا أرباب الصنائع الدنيّة كالكنّاس والحجّام وغيرها [ أن يتزوّجوا ] بذوات الدِين من العلم والإصلاح والبيوتات وغيرهم ) (1) ، وقال أكثر الفقهاء: بأنّ شرط قدرة الزوج على النفقة ليس من شروط الكفاية لقوله تعالى: ( إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) (2) .
وهل أنّ الزواج قضية شخصية يجب أن تُبنى على أساس الشعور والإعجاب المتبادل؟ ونجيب: بـ ( نعم و لا ).
نعم، ضمن الحدود الشرعية؛ لأنّ الزواج قضية شخصية، ولا سلطان للولي على الرجل البالغ أو المرأة البالغة؛ حيث إنّ لها الخيار في انتقاء الزوج أو الزوجة المناسبة ضمن الحدود العرفية التي يقرّها المجتمع مثل: الشرف، والثقافة، والرفعة المعنوية، والنسب ونحوها.
ولا؛ لأنّ الحُب الخيالي الرومانتيكي الذي يؤدي إلى كسر الحدود الشرعية لا يمكن أن يكون قاعدة للزواج الناجح، ولا طريقاً للوصول إلى العفّة والنقاء الاجتماعي، فالحُب المبني على الخروج عن الواقع، والعيش في خيال الأحلام والأوهام لفترة طويلة، يُعيق العملية الإبداعية والإنتاجية للمجتمع، ويولّد في نفسَي المتحابّين شعوراً عظيماً بمستقبل بعيد عن واقع الحياة الاجتماعية.
____________________
1 - الجواهر: ج 30، ص 106.
2 - النور: 32.
وإذا ما تمّ الزواج وتبيّن - بعد فترة - أنّ الواقع غير الخيال، تعرّضَ ذلك الميثاق لهزّات داخلية خطيرة، ويعضد رأينا الذي يُرجّح فشل الزواج المبني على الحُب الرومانتيكي: جنوح نصف حالات الزواج في المجتمع الأمريكي اليوم إلى الطلاق بعد أقل من سبع سنوات من بداية الزواج، وما يترتّب على ذلك من انحدار في المستوى الأخلاقي للعائلة الرأسمالية.
ولا شك أنّ نظرة الإسلام الرحيمة تجاه العلاقة الشهوية بين الذكر والأنثى وربطها بإصلاح المشاكل الاجتماعية، تضع الإسلام على قمّة المؤسّسات العلاجية الهادفة لمعالجة الأمراض التي تنشئها الدوافع الغريزية البشرية، فلكي يكون النظام الاجتماعي قادراً على علاج أمراضه الاجتماعية، لابدّ وأن يطرح أشكالاً مختلفة من الزواج بحيث تلائم مشاكل الأفراد المتنوّعة.
وعلى ضوء ذلك: فقد أجازَ الإسلام النكاح الدائم، والمؤقّت، وتعدّد الزوجات ومِلك اليمين، واعتبر ما وراء ذلك تعديّاً على الحدود الشرعية وظلماً أوجبَ على الأفراد دفعه على الصعيد الكفائي.
ولا ريبَ أنّ إباحة هذا السلوك المتعدّد كان الهدف منه معالجة المشاكل الاجتماعية التي تتركها الوحدة، والحرمان، والانقطاع، وانفتاح الشهوات، والضياع في الغربة والتيه في التيارات الضالّة، وحدّد لكل ذلك نظاماً في غاية الدقّة والتنظيم، لم يصل إلى مستواه أي نظام قانوني غربي أو شرقي، قديم أو معاصر، حضاري أو بدائي.
وإذا كانت النظرية الاجتماعية الرأسمالية تدعو بكل قوة إلى الإيمان بـ( المذهب الفردي )، باعتباره طريقاً للعدالة الاجتماعية، فلا يحقّ للفرد أن يتزوج بأكثر من زوجة واحدة، فإذا كان الأمر كذلك،
فنحن نردُّ على النظرية الرأسمالية بالسؤال النظري التالي: أيهما أفضل للنظام الاجتماعي، الزواج المتعدّد أو تعدّد الزوجات؟ فإذا كان الزواج المتعدّد أفضل، فلماذا كل هذه العُقد النفسية التي تحملها المرأة المطلّقة أكثر من مرّة؟ ومَن الذي يصبح مسؤولاً عن رعاية الأطفال المتكوّنين من أكثر من أب، ومَن يحفظ حقوقهم الاجتماعية؟ بل أين الاستقرار النفسي الذي تعيشه العائلة إذا انكسرت الآصرة الجغرافية فابتعدَ الأبناء عن آبائهم، والبنات عن أمّهاتهم، والأخوة عن أخوتهم، والأخوات عن أخواتهنّ؟ أليس هذا تمزيقاً لأواصر الأسرة الواحدة؟
وفكرة تعدّد الزوجات التي أقرّها الإسلام فكرة استثنائية، وليست أصلاً في التزويج الإنساني، فأغلب الأفراد يكتفون بزوجة واحدة تشارك بالشؤون العاطفية وشؤون البيت ومهامه، فتنهض الأسرة على أكتافها، أمّا في الأزمَات الإنسانية، وتغلّب عدد النساء على الرجال، فإنّ تعدّد الزوجات يصبح نظاماً يصبّ لمصلحة المرأة المحرومة أكثر منه لمصلحة الرجل، خصوصاً إذا ما علمنا أنّ تعدّد الزوجات يستوجب العدالة الحقوقية والاجتماعية بينهنّ من قبل الزوج.
وتَعتبر النظرية الإسلامية ولاء الأفراد تجاه بعضهم البعض في العائلة الواحدة، أهمّ عامل من عوامل تماسك المؤسّسة الأُسرية، ولا شك أنّ أحد مناشئ الولاء الشرعي، هو التكافل المالي الذي أمرَ به الإسلام، فقد أوجبت الشريعة النفقة على الأصول والفروع وهم الوالدان والأولاد، وأوجبت نفقة الزوجة مع ثبوت الطاعة والتمكين، حتى أنّ للمطلّقة الحامل - طلاقاً رجعياً أو بائناً - النفقة حتى تضع حملها، وقد لاحظنا سابقاً أنّ للمرأة حقّها المالي في الصداق أيضاً.
والأصل في ذلك: أن يكون للأسرة وليّ يدير شوؤنها المالية والعاطفية، أو وصيّ يدير شؤونها المالية ويرعى مصلحة أفرادها، فقد تسالمَ الفقهاء على قاعدة ( إمكان الإلحاق ) التي تشير إلى أنّ المولود لابدّ أن يُلحق بالزوج؛ حتى تنشأ فكرة ( الولاء ) الأُسري من اليوم الأول الذي يرى فيه الطفل نور الحياة الإنسانية.
وما الرضاع والحضانة التي حدّد الإسلام نظامها، إلاّ شكل من أشكال القاعدة الأساسية للولاء الاجتماعي لاحقاً، وبالإجمال فإنّ الإسلام ربّى الأفراد في الأسرة الواحدة - ومن خلال التشريع - على حُب بعضهم البعض، والتفاني في مساعدة أحدهم الآخر مساعدة تجعلهم كتلة واحدة أمام الهزّات الاجتماعية والاقتصادية.
ولعلّ أفضل تعبير يتفق عليه الفقهاء، ويعكس حقيقة الولاء والحُب والإخلاص في الأسرة الإسلامية، هو: أنّ الوصي المأذون على رعاية الأحداث إذا خانَ، انعزلَ تلقائياً وبطلت جميع تصرّفاته حتى دون إذْن الحاكم الشرعي، فلا عَجب إذاً أن نرى تماسك الأسرة الإسلامية حول محور المسؤولية الشرعية والإلزام الأخلاقي والعدالة الاجتماعية، على عكس الفكرة الرأسمالية التي تدعو ( للمذهب الفردي ) باعتباره أساس النجاح الاقتصادي والاجتماعي، وهو زعم كاذب؛ لأنّ تحقيق الطموحات الفردية دون الطموحات الاجتماعية يساهم في انعدام العدالة الاجتماعية، ونشوء الطبقات الاقتصادية المتفاوتة، وانحدار المستوى الأخلاقي، ونشوء جيل من المشرّدين والمنحرفين الذين لا يكترثون لمعنى الاجتماع الإنساني ومعنى الحياة البشرية.
ومع أنّ الإسلام كرّه الطلاق وجعلهُ أبغض الحلال إلى الله، إلاّ أنّه أجازَ وقوعه، واشترط ذلك بصيغة معيّنة، وأوجبَ الإشهاد بشاهدين عدلين من الذكور.
واشترط في المطلِّق: البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد، واشترط في المطلّقة: أن تكون زوجته الدائمة، وأن يعيّنها بالذات، وأن تكون في طُهر لم يواقعها فيه.
وحِفظاً لحقوق الزوجة - مرّة أخرى - فقد قسّمت الشريعة الطلاق إلى: رجعي، وبائن .
فالرجعي، حيث يكون المطلِّق كارهاً لزوجته: هو الطلاق الذي يحقّ فيه للزوج الرجوع إلى مطلّقته المدخول بها مادامت في العدّة.
والبائن، حيث تنقطع فيه الرجعة إلى المطلّقة: هو الطلاق الذي يشمل: المطلّقة ثلاثاً، والمطلّقة غير المدخول بها، والآيسة، والمطلّقة خلعياً، والتي لم تبلغ التسع وإن دخلَ بها، والبائن: خلعي، ومبارأة.
فالخلعي: ناتج عن إبانة الزوجة على مالٍ تفتدي به نفسها لكُرهها له.
والمبارأة: طلاق بائن بسبب كون الكراهية متبادلة من قِبلهما حيث تفتدي المرأة فيه جزءاً من مهرها، كلّ الحالات وبسبب الاختلافات البيولوجية بين الرجل والمرأة، فإنّ على المرأة العدّة، فعدّة الطالق غير الحامل المدخول بها: ثلاثة أطهار، وعدّة الحامل: وضع الحمل، وعدّة المسترابة مع الدخول وعدم الحمل: ثلاثة أشهر، وعدّة المتمتّع بها إذا كانت حاملاً: وضع الحمل أيضاً، ومع الدخول وعدم الحمل حيضتان، وإذا كانت غير قادرة على الحيض فعدّتها خمس وأربعون يوماً، ولا عدّة على المطلّقة الآيسة، وعدّة المتوفّى زوجها في كلّ الأحوال أربعة أشهر وعشرة أيام، باستثناء الحامل فعدّتها أبعد الأجلين.
وبطبيعة الحال، فإنّ نظام الطلاق الإسلامي هذا متميّز عن الأنظمة القانونية الأخرى في العالم: بشموليته الاجتماعية، ودقّته التشريعية، وعدالته واهتمامه بحفظ حقوق المرأة، وصيانة كرامتها، وفسح المجال لها بالزواج من
فرد آخر، شرط أن يتمّ التأكد بالعدّة من عدم اختلاط الأنساب، وحفظ حقوق الأطفال من خلال مراعاة حملها، ووجوب النفقة عليها في تلك الفترة، ودفع مصاريف إرضاعها للرضيع، وما يترتّب على ذلك من معاينة طبّية ونحوها خلال فترة الحضانة وما بعدها.
استناداً على قاعدة احترام النفس الإنسانية، فقد حرّم الإسلام الإسقاط المتعمّد باعتباره إجهاضاً لنفس بشريّة كاملة، أو لكُتلة من الخلايا تستطيع بالقوّة أن تصبح إنساناً كامل التصميم والتركيب، وحُكم السقط كحكم الكبير في الغسل والتكفين والتحنيط والدفن، إذا تمّ له أربعة أشهر في بطن أمّه وهي لحظة ولوج الروح فيه، وإذا كان أقلّ عمراً من ذلك يُلف بخرقة ويُدفن.
فقد ( قال الشيخان: ولا يُغسّل السِقط إلاّ إذا استكمل شهوراً أربعة، ولو كان لدونها لُفّ في خرقة ودُفن،... وصرّح به [ صاحب الشرائع ] في المعتبر أنّه مذهب علمائنا، وتدلّ عليه رواية أحمد بن محمد عمّن ذكره، وكذا رواية زرارة عن سماعة عن الصادق (ع)، قال: سألته عن السِقط إذا استوى خلقه أيجب عليه الغسل واللحد والكفن؟ فقال: ( كلّ ذلك يجب عليه ) ) (1) .
وقال أكثر الفقهاء: إنّ صلاة الميّت لا تجب على السقط أيضاً، وقد درسنا ديّة الإسقاط في كتاب ( الانحراف الاجتماعي.. وأساليب العلاج في الإسلام ) ص 84.
وبالإجمال، فإنّ النظرية الاجتماعية الإسلامية آمنت بقوة بأهمية الفرد في المؤسّسة العائلية، باعتباره إنساناً شرّفه الخالق عزّ وجل فرفعه من
____________________
1 - التنقيح الرائع: ج 1، ص 126.
المستوى الدُنيوي إلى المستوى الذي يليق به، ومن مستوى الحيوان الغريزي إلى مستوى الإنسان المفكّر العاقل، ومَنَحه الحقوق وفرض عليه الواجبات، وأوصاه بالتآلف والتآخي والتعاشر ضمن الدائرة الإنسانية المتمثلة بالأسرة، والدائرة الجغرافية المتمثلة بالبيت، ولولا الأحكام الشرعية المتعلّقة بحقوق الأفراد في الأسرة الواحدة لانفرطَ عقد النظام الاجتماعي، وانحلّت الآصرة الإنسانية التي ربطت الأفراد ببعضهم البعض على مرّ العصور.
وحتى تكتمل الصورة الشرعية للزواج الصحيح الذي يؤدي هدفه الاجتماعي على أتم وجه، فلابدّ للشريعة من وضع الأحكام والقوانين التي تنظّم هذا الميثاق المعنوي بين فردين مختلفين تماماً على الصعيد الاجتماعي والثقافي.
ولذلك فقد صمّم الإسلام نظاماً للخطبة، والعقد، والمهر، وشدّد على النواحي المعنوية والعاطفية والحقوقية والاقتصادية للزواج، فاهتمّ بشكل خاص بركنين مهمّين في صحة عقد الزواج، وهما: صيغة العقد ، وهي تمثل الجانب المعنوي، والزوجين باعتبارهما موضوعَي العقد، أمّا الخطبة فاعتبرها عملاً مستحبّاً بسبب آثارها الاجتماعية الايجابية، وأمّا المهر فلم يعتبره شرطاً في صحة العقد، ولكن لا يكتمل الزواج إلاّ به؛ لتعلّقه بحقوق المرأة المالية.
فقد ورد في استحباب الخطبة: أنّ الإمام علي (ع) عندما طُلِبَ منه تزويج رجلٍ من امرأة وخطبتها له، ابتدأ الخطبة بحمد الله، والثناء عليه، والوصية بتقوى الله، وقال: ( إنّ فلان بن فلان ذكرَ فلانة بنت فلان، وهو في الحسب مَن قد عرفتموه، وفي النَسب مَن لا تجهلونه، وبذلَ لها من الصداق ما قد عرفتم، فردّوا خيراً تُحمدوا عليه، وتُنسبوا إليه، وصلّى الله على محمد وآله وسلّم ).
وقيل: إنّه تستحب خطبتان: إحداهما ، عند طلب الزواج، والثانية ، أمامَ العقد، و ( تستحب الخطبة أمام العقد، وهي حمد الله تعالى، والشهادتان،
والصلاة على النبي وآله، والوصية بتقوى الله، والدعاء للزوجين، وإنّما استُحبت للتأسّي بالنبي والأئمّة بعده.. وكذا تستحب الخُطبة قبل الخِطبة من المرأة ووليّها، كما يستحب للولي أن يخطب... والأفضل الاختصار في الجميع على حمد الله؛ فإنّ الإمام علي بن الحسين (ع) كان لا يزيد على قوله: الحمد لله، وصلّى الله على محمد وآله، وأستغفر الله، وقد زوّجناك على شرط الله تعالى، بل قال (ع): ( مَن حمدَ الله فقد خطب.. ) ، ولو تُركت الخطبة صحّ العقد ) (1) .
ويشترط في صيغة العقد: لفظ الإيجاب والقبول من المخطوبة والخاطب، أو النائب عنهما وكالة أو ولاية، فلا يتمّ الزواج بمجرّد المراضاة بل لابدّ من التلفّظ.
وتنبع أهمية التلفّظ بالزواج: من ملاحظة حقيقة أنّ التلفّظ بالإيجاب والقبول هو صورة من صور الميثاق الشفهي والالتزام بالزوجية وآثارها، كما عبّر عنه قوله تعالى: ( ...وَأَخَذنَ مِنكُم ميثاقاً غَليظاً ) (2) ، فالالتزام بالتلفّظ التزام بآثار الحالة الزوجية ومسؤوليتها وقيودها، ولا شك أنّ الكثير من العبادات لا تتم إلاّ عن الطريق الشفهي، واتفق الفقهاء على أنّ الإيجاب في العقد الدائم يقع بلفظ: ( زوّجتُ وأنكحت )، والأصل في ذلك النصُ المجيد: ( فَلَمّا قَضى زَيدٌ مِنها وَطراً زَوَّجناكَها... ) (3) ، ( وَلا تَنكحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُم مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَد سَلَف ) (4) ، والمراد من النكاح في الآية: العقد؛ ( لأنّ النكاح قد يُعبّر به عن الوطء وهو الأصل فيه، كما يعبّر به عن
____________________
1 - المسالك للشهيد الثاني: كتاب النكاح.
2 - النساء: 21.
3 - الأحزاب: 37.
4 - النساء: 23.
العقد ) (1) .
أمّا القبول، فيكفي فيه اللفظ الدالّ على الرضا الصريح مثل قوله: ( قبلتُ ورضيت )، ولا خلاف ولا إشكال في حصول الرضا بهذين اللفظين، و ( نص الفقهاء على اعتبار اللفظ الصريح وضعاً في العقد اللازم، وأنّه لا يكفي فيه المجاز، والقبول أن يقول: قبلتُ التزويج، أو قبلتُ النكاح أو ما شابههما مثل: رضيت ونحوه، لكن بملاحظة ما ذكرنا تعرف عدم انحصاره في لفظ مخصوص ولا هيئة مخصوصة، بل يكفي فيه كل لفظ دال عليه بالطريق المتعارف في بيان أفعاله من المقاصد، ولا إشكال في أنّه يجوز الاقتصار ( في القبول ) على ( قبلتُ ) كغيره من العقود ) (2) .
والمشهور أنّ صيغة الزواج الدائم لا تنعقد إلاّ بلفظ الماضي كقوله: ( زوّجت، دون أتزوج )، إلاّ أنّ الشهيد الثاني في المسالك، والشيخ النجفي في الجواهر، والشيخ الأنصاري في ملحقات المكاسب قالوا بانعقاد الزواج بغير صيغة الماضي، و ( أنّ المقصود من العقد لمّا كان هو الدلالة على القصد الباطني، واللفظ كاشف عنه، فكل لفظ دلّ عليه ينبغي اعتباره، وقولهم: إنّ الماضي صريح في الإنشاء دون غيره ممنوع؛ لأنّ الأصل في الماضي أن يكون إخباراً، لا إنشاءً، وإنّما التزموا بجعله إنشاء بطريق النقل، وإلاّ فإنّ اللفظ لا يفيده، وإنّما يتعيّن بقرينة خارجة، ومع اقتران القرينة يمكن ذلك في غير صيغة الماضي ) (3) .
____________________
1 - مجمع البيان: ج 3، ص 59.
2 - الجواهر: ج 29، ص 134.
3 - المسالك: كتاب النكاح.
واستدلّوا على انعقاد الزواج بغير صيغة الماضي، اعتماداً على رواية هشام بن سالم عن أبي عبد الله (ع) أنّه سأله عن الزواج المنقطع كيف أتزوّجها وما أقول؟ قال: ( تقول لها: أتزوّجك على كتاب الله، وسُنّة نبيه كذا وكذا، شهراً بكذا وكذا درهماً، فإذا قالت: نعم، فقد رضيَت وهي امرأتك وأنت أولى الناس بها ) (1) .
والمشهور بين الفقهاء: أنّ الموالاة بين الإيجاب والقبول شرط في انعقاد عقد الزواج، فإذا كان الفاصل بينهما طويلاً فلا يتحقّق العقد، ولكنّ العقد لا يتوقف على الفورية، ولا على اتحاد المجلس، فـ( لا دليل على اعتبار اتحاد المجلس في عقد الزواج، ولا في غيره من العقود ) (2) ، والواجب في الموالاة هو: بقاء إرادة الموجِب أو الخاطب قائمة إلى حين القبول.
والمشهور أيضاً: أنّ التعليق مُبطل لعقد الزواج، كأن تقول له: ( زوّجتك نفسي إن رضيَ فلان، أو عند رجوع أخي ) مثلاً، بطلَ العقد، ولكنّ جماعة من الفقهاء قالوا بصحة التعليق مطلقاً، بادّعاء أنّ صحّة تعليق المنشأ واضحة في الأحكام الشرعية؛ لأنّ أغلب الأحكام الشرعية - إلاّ ما شذّ - قضايا حقيقية وأحكام مشروطة على تقدير وجود موضوعاتها، ووقوعه بالجملة في العقود والإيقاعات ممّا لا إشكال فيه.
والأصل أن يكون الإيجاب من المخطوبة والقبول من الخاطب، ولكن يجوز تقديم القبول على الإيجاب شهرة؛ ( لأنّ العقد هو الإيجاب والقبول، والترتيب - كيف اتفق - غير مخلّ بالمقصود، ويزيد النكاح على غيره من العقود أنّ الإيجاب من المرأة، وهي تستحي غالباً من الابتداء به، فاغتُفر هنا وإن خولِف في غيره،
____________________
1 - الوسائل: ج 7، ص 197.
2 - الجواهر: ج 29، ص 143.
ومن ثمّ ادّعى بعضهم الإجماع على جواز تقديم القبول هنا ) (1) .
و( لو عجزَ أحد المتعاقدين [ عن النطق بلفظ الزواج والنكاح ]، تكلّم كلّ واحد منهما بما يحسنه، ولو عَجزا عن النطق أصلاً، أو أحدهما، اقتصرَ العاجز على الإشارة إلى العقد والإيماء ) (2) .
و ( النكاح يقع على الإجازة، ويكفي في الإجازة سكوت البكر ويُعتبر في الثيّب النطق، وهو المشهور بين الأصحاب؛ والدليل عليه وجوه:
الأول: رواية ابن عباس، أنّ جارية بكراً أتت النبي (ص) فذكرت أنّ أباها زوّجها وهي كارهة، فخيّرها النبي (ص) (3) . الثاني: في خبر آخر: أنّ رجلاً زوّج ابنته وهي كارهة فجاءت إلى النبي (ص) فقالت: زوّجَني أبي من ابن أخيه - يريد أن يرفع خسيسته - فجعلَ النبي أمرَها إليها فقالت: أجزتُ ما صنعَ أبي، وإنّما أردتُ أن أُعلِم النساء أن ليس إلى الآباء من أمر النساء شيء (4) ، والمراد في هذين زواج مَن هي بالغة، إذ لو كانت صغيرة لم يتوقف على رضاها.
الثالث: رواية محمد بن مسلم عن الباقر (ع) في رجل زوّجته أمّه وهو غائب، قال: ( النكاح جائز إن شاء المتزوّج قبِلَ وإن شاء تركَ، فإن تركَ المتزوّج تزويجه فالمهر لازم لأمّه (5) ) (6) .
____________________
1 - شرح اللمعة: ج 5، ص 110.
2 - شرائع الإسلام: ج 2، ص 273.
3 - سُنن ابن ماجة: ج 1، ص 603.
4 - سُنن ابن ماجة: ج 1، ص 602.
5 - الكافي: ج 5، ص 401.
6 - التنقيح الرائع: ج 3، ص 33.
ولا يصحّ شرط الخيار في الزواج اتفاقاً، دائماً كان أو منقطعاً، فلو افترضنا أنّ الزوج أو الزوجة اشترطا ضمن العقد الفسخ والرجوع عنه في فترة معيّنة فسدَ الشرط؛ لأنّ الزواج لا يقبل الإقالة فلا يقبل الفسخ، والمشهور فساد العقد أيضاً، و ( ليس هناك اختلاف بين الفقهاء في بطلان الشرط، للعلم بأنّ عقد الزواج لا يقبل الخيار؛ لأنّ فيه شائبة العبادة، وفسخهُ محصور بالعيوب المنصوص عليها، ولذا لا تجري فيه الإقالة بخلاف غيره من عقود المعاوضات، فاشتراط الخيار فيه منافٍ لمقتضى العقد المستفاد من الأدلّة الشرعية... ومن هنا كان شرط الخيار مبطلاً للعقد ) (1) .
واتفق الفقهاء أيضاً: على أنّ الإشهاد على الزواج الدائم مستحب وليس بواجب، حيث إنّ المعروف بين الفقهاء عدم وجوب الإشهاد، بل القول بالوجوب شاذ (2) .
ولم يذكر الله تعالى في القرآن الشهادة في النكاح، و ( ذكرَ الشهادة في البيع والدَين مع أنّ الحكم في الشهادة في النكاح أكثر؛ لِما فيها من حفظ النسب وزوال التهم والتوارث وغيره من توابع النكاح، فلو كان الإشهاد فيه شرطاً لمَا أهملهُ الله تعالى في القرآن؛ لأنّه منافٍ للحكمة.
وعن النبي (ص) أنّه لمّا تزوّج بصفيّة أولَمَ بتمر وأقط، فقال الناس: ترى أنّه تزوّج بها أم جعلها أُم ولده؟ ثمّ قالوا: إن حَجبها فهي امرأته ولو كان أشهدَ ما اختلفوا ) (3) ، نعم، ورد نص عن طريق الفريقين أنّه ( لا نكاح إلاّ بولي وشاهدَي عدل ) (4) ، ولكن هذه الرواية الضعيفة ( تصلح سنداً للاستحباب، لا الشرطية ) (5) .
____________________
1 - الجواهر: ج 29، ص 150.
2 - الجواهر: ج 29، ص 29.
3 - تذكرة الفقهاء للمحقق الحلّي: كتاب النكاح.
4 - المغني لابن قدامة: ج 7، ص 9.
5 - شرح اللمعة: ج 5، ص 112.
ويشترط في صحة العقد أمور عدّة منها: العقل، البلوغ، والرشد في كلّ من المخطوبة والخاطب، وخلوّ الخاطب والمخطوبة من المحرّمات السببيّة والنسبيّة، ووجوب التعيين، فلا يصح قول الولي مثلاً: ( زوّجتك إحدى هاتين البنتين )؛ لأنّ الأخذ بالأحكام الزوجية لا يتم إلاّ عن طريق التشخيص والتعيين، ووجوب القصد والرضا والاختيار.
وإن حصلَ الإكراه في الزواج ثمّ ارتفعَ وحصل الرضا كفى ذلك في الصحّة، وإذا عقدَ السكران فقد ( عرفتَ أنّ شرط صحّة العقد القصد إليه، فالسكران الذي بلغَ به السكر حدّاً زالَ عقله معه وارتفع قصده، يكون زواجه باطلاً كغيره من العقود، سواء في ذلك الذكر والأنثى، هذا هو الأقوى على ما تقتضيه القواعد الشرعية، ومتى كان العقد باطلاً فلا تنفعه إجازته بعد الإفاقة؛ لأنّ الإجازة لا تصحّح ما وقعَ باطلاً من أصله ) (1) .
ووردَ أنّه لا يُشترط التفتيش حين التزويج عن كون المرأة ذات بعل أم لا؛ لسببين:
الأول: أصالة الصحة في فعل المسلم. والثاني: الروايات التي عمل بها الفقهاء.
ومنها سؤال أحدهم الإمام جعفر بن محمد (ع): ( ألقى المرأة بالفلاة التي ليس فيها أحد، فأقول: ألكِ زوج؟ فتقول: لا، فأتزوّجها؟ قال (ع): ( نعم، هي المصدّقة على نفسها ) ) (2) .
وفي رواية أخرى، سَأل عمر بن حنظلة، قال: ( إنّي تزوّجت امرأة فسألتُ عنها، فقيل فيها؟ فقال (ع):
____________________
1 - المسالك: كتاب النكاح.
2 - الكافي: ج 2، ص 25.
( وأنت لم سألتَ أيضاً؟ ليس عليكم التفتيش ) (1) .
أمّا الشروط التي يشترطها الزوج أو الزوجة ضمن العقد فهي على ثلاثة أقسام: شروط صحيحة لا تفسخ العقد، وشروط تُبطل العقد، وشروط باطلة ولكنّها لا تُفسد العقد.
فالقسم الأول، وهي الشروط الصحيحة: هي التي يترتّب عليها الإلزام وصحة العقد، ويثبت خيار الفسخ مع تخلّفه، كأن يشترط أحدهما توفر صفة معيّنة في الآخر: كالبكورة دون الثيّب، أو التديّن دون التحلّل، فيصحّ الشرط ويلزم العقد مع تحقّقه. وقد ورد في الروايات أنّ الإمام (ع) قد سُئِلَ عن رجل تزوّج امرأة فقال لها: أنا من بني فلان، فلا يكون كذلك؟ قال (ع): ( تَفسخ النكاح ) (2) .
وكذلك إذا اشترطت عليه أن يترك نوعاً خاصاً من الاستمتاع كالجماع فقط، وله دون ذلك ما يشاء، كما ورد في الروايات أنّ الإمام الصادق (ع) سُئِلَ عن امرأة قالت لرجل: أُزوّجك نفسي على أن تلتمس مني ما شئت من التماس، وتنال مني ما ينال الرجل من أهله إلاّ أنّك لا تُدخل فرجك في فرجي وتتلذّذ بما شئت، فإنّي أخاف الفضيحة؟ قال (ع): ( ليس له منها إلاّ ما اشتُرِط ) (3) ، وإذا أذِنت بعد ذلك بالوطء جاز؛ لأنّ ( الشرط كالمانع، ومع فرض الإذن يزول المانع فيبقى المقتضى على مقتضاه [ وهو عقد الزواج ]، بل لو عصى وخالفَ الشرط لم يكن زانياً، ويُلحق به الولد، كما هو واضح ) (4) .
وكذلك إذا اشترطَ أن يُسكنها في بلد معيّن وجبَ الوفاء بالشرط؛ لعموم ( المؤمنون عند شروطهم ).
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 79.
2 - الجواهر: ج 30، ص 112.
3 - التهذيب: ج 2، ص 191.
4 - الجواهر: ج 30 كتاب النكاح.
وقد وردَ أيضاً في الحديث عن أبي عبد الله (ع) أنّه سُئِلَ في الرجل يتزوّج المرأة، ويشترط أن لا يخرجها من بلدها؟ قال: ( يفي لها بذلك ) (1) ، وإنّ علياً (ع) كان يقول: ( مَن شرط لامرأته شرطاً فليفِ لها به؛ فإنّ المسلمين عند شروطهم إلاّ شرطاً حرّم حلالاً، أو أحلّ حراماً ) (2) .
أمّا القسم الثاني، فهي الشروط التي تُبطل العقد: ومنها أن يشترط أحدهما فسخ الزواج والرجوع عنه لمدّة ثلاثة أيام أو أقل أو أكثر، فحينئذٍ يفسد الشرط والعقد؛ لأنّ الزواج لا يقبل الإقالة، فلا يقبل الفسخ أيضاً، وهذا هو المشهور.
والقسم الثالث، وهي الشروط التي لا تفسخ العقد ولكنّها باطلة في نفسها، ومنها : أن يكون الشرط منافياً لمقتضى العقد وطبيعته، فتشترط عليه مثلاً أن لا يقترب منها ولا يمسّها إطلاقاً، فيبطل الشرط ويصحّ العقد.
ومنها: أن يشترط لها على نفسه إن سلّمها المهر كاملاً في فترة معيّنة فهي زوجته، وإن أخلفَ فلا يتحقّق الزواج، فيصحّ العقد والمهر، ويبطل الشرط ولا خيار لها؛ حيث إنّ تخلّف الشرط أو تعذّره لا يوجب الخيار في الحالة الزوجية، عِلماً بأنّ هذا الحكم يخالف سائر العقود التجارية؛ لسببٍ واضح وهو: أنّ المرأة في الشريعة ليست سلعة تجارية، كما يروّج ذلك أعداء النظرية الدينية.
حيث وردَ في الرواية أنّ الإمام الصادق (ع) سُئِلَ عن رجل تزوّج امرأة إلى أجلٍ مسمى، فإن جاء بصداقها إلى الأجل فهي امرأته، وإن لم يأتِ بصداقها إلى الأجل فليس له عليها سبيل، ذلك شرطهم بينهم حين أنكحوه؟ فقضى
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 28.
2 - التهذيب: ج 2، ص 220.
(ع) للرجل: ( إنّ بيده بضع امرأته وأحبطَ شرطهم ) (1) .
ومنها: أن يكون الشرط مخالفاً للشرع، حيث تشترط عليه مثلاً: أن لا يتزوّج عليها، أو أن لا يطلّقها، أو لا يمدّ يد العون إلى أبويه، فيصحّ العقد، ويبطل الشرط اتفاقاً، لقوله: ( مَن اشترط شرطاً سوى كتاب الله، فلا يجوز له ولا عليه ).
ودليل آخر: الرواية الواردة عن الإمام الصادق (ع) فيما يخص رجلاً تزوّج امرأة وأصدَقته هي واشترطت عليه أنّ بيدها الجماع والطلاق، فقال (ع): ( خالفت السنّة، ووليت حقّاً ليست بأهله )، فقضى ( أنّ عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق وذلك السنّة ) (2) .
وعلى صعيد ثان: لو ادّعى رجل زوجية امرأة فأنكرت، أو ادّعت امرأة بزوجيتها لرجل فأنكرَ الزوجية، فعلى المدّعي البيّنة، وعلى المُنكِر اليمين، و ( لو أوقعَ الرجل المنكِر صورة الطلاق، كأن يقول: إن كانت زوجتي فهي طالق، فالظاهر انتفاء الزوجية عنها، وجاز لها التزويج بغيره، لا بأبيه وابنه مطلقاً، لاعترافها بما يوجب حرمة المصاهرة ) (3) .
و( إذا ادّعى أحدهما [ أي الزوج أو الزوجة ] الزوجية وأنكرَ الآخر، فتجري عليهما قواعد الدعوى، فإن كان للمدّعي بيّنة، وإلاّ فيحلف المنكِر أو يرد اليمين فيحلف المدّعي ويُحكم له بالزوجية، وعلى المنكِر ترتيب آثاره في الظاهر، ولو رجعَ المنكِر إلى الإقرار هل يُسمع منه ويُحكم بالزوجية بينهما؟ الأقوى السماع إذا اظهرَ عذراً لإنكاره، ولم يكن مُتهماً، وإن كان بعد الحلف ) (4) .
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 28.
2 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 136.
3 - الجواهر: كتاب الطلاق.
4 - العروة الوثقى: ج 2، ص 693.
ولا شك أنّ المعاشرة بين فردين في سكن واحد، كما يسكن الزوج وزوجته، لا يُثبت الزوجية ما لم ينشئ عقد الزواج؛ لأنّ الفقهاء قالوا: إنْ تعارضَ الظاهر مع الأصل يُقدّم الأصل، ولا يؤخذ بالظاهر إلاّ مع الاطمئنان أو قيام الدليل.
والأصل هنا عدم حصول الزواج، وكل حادث يُشك في وجوده فالأصل عدمه، حتى يقام الدليل عليه، ومع ذلك، فقد رجّح بعض الفقهاء - كالعلاّمة الحلّي في شرائع الإسلام - كون المعاشرة تكشف بظاهرها عن الزواج، ولذلك فإنّه يُحكم بثبوت الزواج في المثال السابق.
أمّا الأبناء، فإنّ حَملهم على الصحّة يستلزم الحكم على كونهم ولِدوا بطريق شرعي، فإذا كانت المعاشرة نتيجة زواج أو شبهة زواج، فإنّ الأبناء تترتّب عليهم في كلا الحالتين جميع الآثار الشرعية في الولاية، والوصاية، والنفقة، والإرث.
ولمّا كان الأصل في الزواج المتعة الجسدية وإنجاب الأطفال، أصبحت قضية اختيار الشريك للمضاجعة من أهم القضايا التي تهم النظام الاجتماعي بجميع أفراده، وعلى كل المستويات.
ولا شك أنّ الإنسان - مهما كانت درجة التزامه بالأحكام الشرعية - يدرك أهمية المحرّمات النسبية والسببية في الزواج، فيضع بشكل طبيعي حاجزاً نفسياً لا شعورياً أمامها، وبكلمة، فإنّ قضية المحرّمات النسبية والسببية هي قضية فطرية أكثر ممّا هي قضية فلسفية أو منطقية، ولذلك كان تأكيد الدِين عليها.
وعلى ضوء ما سبق، فقد اشترطت الشريعة أن يكون الفرد مؤهّلاً للزواج حتى يصح العقد منه، ومثال ذلك: أنّ المرأة أو الرجل المراد تزويجه أو تزويجها يجب أن يكونا فردين صالحَين للعقد، وجامعَين للشروط: كالعقل، والبلوغ، والرشد، وخاليين من الموانع النسبية والسببية.
وما يمنع الفرد من الزواج بسبب المحرّمات النسبية، هو سبعة أصناف:
1 - الأم، ويدخل معها الجدّات من جهة الأم.
2 - البنات، ويدخل معهنّ بنات الابن، وبنات البنت وإن نزلنَ.
3 - الأخوات للأب أو للأم، أو لهما معاً.
4 - العمّات، وتشمل عمّات الآباء والأجداد.
5 - الخالات، وتشمل خالات الآباء والأجداد.
6 - بنات الأخ وإن نزلنَ.
7 - بنات الأخت وإن نزلنَ.
والأصل في التحريم قوله تعالى: ( وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً * حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ) (1) .
و ( إذا خاطب تعالى المكلّفين بلفظ الجمع، كقوله: ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ) ثمّ أضاف المحرّمات بعده إليهم بلفظ الجمع، فالآحاد يقع بإزاء الآحاد، فكأنّه قال: حُرّم على كلّ واحد منكم نكاح أمّه ومَن يقع عليها اسم الأم، ونكاح ابنته ومَن يقع عليها اسم البنت، وكذلك الجميع، وهؤلاء السبع هي المحرّمات بالنسب، وقد صحّ عن ابن عباس أنّه قال: حرّم الله من النساء سبعاً بالنسب، وتلا الآية ) (2) .
أمّا المحرّمات السببية، وهي المذكورة في الآية الشريفة السابقة: ( وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ... ) (3) وبقيّة النصوص الشرعية، فهي ثمانية أصناف:
____________________
1 - النساء: 22 - 24.
2 - مجمع البيان: ج 3، ص 61.
3 - النساء: 23.
1 - ما يحرم من آثار المصاهرة.
2 - ما يحرم من آثار الزنا.
3 - الدخول بالمعتدّة والمتزوّجة.
4 - الجمع بين الأختين.
5 - الزواج بأكثر من أربع حرائر.
6 - الملاعنة.
7 - التطليقة الثالثة.
8 - الارتداد الفطري أو الملّي عن الإسلام.
فالمصاهرة: عملية تستهدف صهر العلاقات الاجتماعية وإنشاء علاقات جديدة على ضوء عملية التزويج، حيث يترتب عليها بسبب العلاقة الجديدة تحريم لبعض أقارب الزوج أو الزوجة، فتحرم زوجة الأب على الابن وإن نزلَ تحريماً مؤبّداً بمجرّد العقد - نصّاً وإجماعاً -؛ لقوله تعالى: ( وَلاَ تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ ) (1) .
وتحرم زوجة الابن على الأب وإن عَلا تحريماً مؤبّداً بمجرّد العقد؛ لقوله تعالى: ( وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمْ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ ) (2) ، وتحرم أمّ الزوجة وإن عَلت على زوج ابنتها تحريماً مؤبّداً، ولكنّه اختُلف هل أنّ التحريم يقع بمجرّد العقد أو بالدخول، وقيل: ( فيه روايتان: أشهرهما رواية وفتوى أنّها تحرم بمجرّد العقد،
____________________
1 - النساء: 23.
2 - النساء: 23.
بل في كتاب الغُنية وكتاب الناصريات الإجماع على ذلك؛ لعموم قوله تعالى: ( وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ) (1) ، وللأخبار وللاحتياط ) (2) .
وتحرم بنت الزوجة إذا دخل بالأم؛ لقوله تعالى: ( وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ) (3) ، ولا تحرم بمجرّد العقد، فيجوز للزوج إن طلّقَ الأم قبل الدخول العقد على ابنتها، بالإجماع.
ويترتّب على الزنا آثار شرعية أيضاً، منها: إنّ الزنا قبل العقد يوجب تحريم المصاهرة، فليس لأبيه ولا لابنه العقد عليها ( وفاقاً للأكثر بل هو المشهور ) (4) ، ولو ( زنى بذات بعل أو في عدّة رجعية، حَرُمت عليه أبداً في قول مشهور ) (5) .
و ( إذا زنى بها وهي خليّة [ غير متزوّجة ] لم يحرم عليه زواجها، وإن لم تتُب، وفاقاً للمشهور شهرة عظيمة، بل عن كتاب الخلاف الإجماع عليه للعمومات التي منها أنّ الحرام لا يُحرّم الحلال، وخصوص صحيح الحَلبي عن أبي عبد الله (ع): أيّما رجل فجرَ بامرأة، ثمّ بَدا له أن يتزوّجها حلالاً [ جاز ] قال: ( أوّلهُ سفاح وآخره نكاح، ومَثَله مثل النخلة أصاب الرجل من ثمرها حراماً، ثمّ اشتراها بعد ذلك، فكانت حلالاً ) (6) .
ويفسد العقد إذا عقدَ الفرد على امرأة معتدّة من: وفاة، أو طلاق بائن، أو رجعي، أو شُبهة، سواء كان عالماً بالحُكم والموضوع أو جاهلاً بهما، وإذا دخلَ بها وهي في العدّة وهو عالم بذلك، فإنّها تحرم عليه مؤبّداً (7) .
____________________
1 - النساء: 23.
2 - الجواهر: ج29، ص 366.
3 - النساء: 23.
4 - الجواهر: ج 29، ص 366.
5 - شرائع الإسلام: ج 2، ص 292.
6 - الجواهر: ج 29، ص 439.
7 - الانتصار للسيد المرتضى: ص 28.
أمّا إذا كان جاهلاً بأنّها في العقد، أو جاهلاً بأنّه يحرُم عليه ذلك، وتزوّجها ولكن لم يدخل بها، فإنّها لا تحرم عليه مؤبّداً، بل يستطيع أن يستأنف العقد بعد انتهاء العدّة )، بلا خلاف أجدهُ في شيء من ذلك، بل الإجماع عليه، وهو الحجّة بعد الروايات المعتبرة المستفيضة.
قال الصادق (ع): ( الذي يتزوج المرأة في عدّتها وهو يعلم، لا تحلّ له أبداً...)، وقال أيضاً: ( إذا تزوج الرجل المرأة في عدّتها ودخل بها، لم تحلّ له أبداً عالماً كان أو جاهلاً، وإن لم يدخل بها حلّت للجاهل، ولم تحلّ للآخر ) (1) ، وينطبق نفس الحكم على المتزوجة من باب مفهوم الموافقة، فيثبت التحريم مؤبّداً.
ويحرم الجمع بين الأختين المتولّدتين من أب وأمّ، أو لأحدهما؛ كتاباً وسنّة وإجماعاً، وقوله تعالى: ( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ ) (2) ظاهر، وإذا فارقَ الأخت بطلاق أو موت، جاز العقد على أختها بعد زوال المانع من عدّة وغيرها.
ويجوز للرجل الجمع بين أربع نسوة اتفاقاً، شريطة عدم مجانبة العدل لقوله تعالى: ( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) (3) ، والرواية الواردة عن الإمام الصادق (ع): ( لا يحلّ لماء الرجل أن يجري في أكثر من أربعة أرحام ) (4) .
وعلى صعيد الخلافات الزوجية، تحرم الزوجة على زوجها في بعض الوقائع، ومثالها: إذا ادّعى الزوج أنّ زوجته قد زنت وادّعى المشاهدة ولكنّه
____________________
1 - الجواهر: ج29، ص 450.
2 - النساء: 23.
3 - النساء: 3.
4 - مجمع البيان: ج 2، ص 6.
لم يتمكن من إثبات البيّنة، وكانت زوجته معاقة بالخرس أو الصمم مثلاً، حيث لم تتمكن من الكلام أو السمع ولم تستطع الدفاع عن نفسها، فإنّها حينئذ تحرم عليه مؤبّداً، و ( لا يسقط الحدّ بتحريمها عليه، بل يُجمع بينهما إن ثبتَ القذف عند الحاكم، وإلاّ حرُمت بينه وبين الله تعالى، وبقيَ الحدّ في ذمّته على ما دلّت عليه رواية أبي بصير التي هي الأصل في الحكم ) (1) .
وتحرم الزوجة على الزوج عموماً إذا قذفها بالزنا ولم يتمكن من تقديم البيّنة، فيجوز له حينئذ أن يلاعنها، وإذا تمّت المُلاعنة فإنّها تحرم عليه تحريماً مؤبّداً.
وعلى صعيد الطلاق، فإذا طلّق الرجل زوجته ثلاث مرّات بينهما رجعتان، تحرم عليه بعد انتهاء عدّة الطلاق الثالث، ولا تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، وإذا فارقها الزوج الثاني بموت أو طلاق وانتهت عدّتها، جاز للزوج الأول أن يعقد عليها ثانية، فإذا عاد وطلّقها ثالثاً حرُمت عليه حتى تنكح زوجاً آخر، وهكذا.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ( الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ.. ) (2) ، وقوله: ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ) (3) ، ويقع التحريم المؤبّد عند فقهاء الإمامية في طلاق العدّة، وهي حالة استثنائية تتم بإكمال تسع تطليقات في العدّة بينها زوجان من رجل آخر.
وطلاق العدّة هو: ( أن يطلّق على الشرائط، ثمّ يُراجع في العدّة ويطأ، ثمّ يطلّق في طهرٍ آخر، ثمّ يراجع في العدّة
____________________
1 - شرح اللمعة الدمشقية: ج 5، ص 224.
2 - البقرة: 229.
3 - البقرة: 230.
ويطأ، ثمّ يطلّق الثالثة فينكحها بعد عدّتها زوجاً آخر، ثمّ يفارقها بعد أن يطأها فيتزوجها الأول بعد العدةّ، ويفعل كما فعل أولاً إلى أن يكمل لها تسعاً كذلك، ينكحها رجلاً بعد الثالثة والسادسة فإنّها تحرم أبداً ) (1) ، وقد وردَ ( الإجماع على ذلك ) (2) .
واختلف الفقهاء في وحدة دين الأسرة، فهل يجوز للمسلم الزواج من أهل الكتاب أم لا؟ وقد تراوحت الأقوال بين عدم الجواز مطلقاً إلى الجواز مطلقاً على كراهية، واستدلّ الذين قالوا بكراهية الزواج من أهل الكتاب وليس التحريم: أنّ الأدلّة الدالّة على إباحة الزواج عموماً خرجَ منها زواج المسلم بالمشركة، والمسلمة بالمشرك الكتابي فقط، وقوله تعالى: ( الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ) (3) ظاهر في حلّية الزواج من أهل الكتاب زواجاً دائماً ومؤقّتاً ومِلك اليمين، والمراد بالمحصنات هنا العفيفات.
وقوله تعالى: ( وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ) (4) خاص بالمشركات وهنّ غير الكتابيات.
واستدلّوا أيضاً بالروايات المستفيضة عن أهل البيت (ع)، ومنها: أنّ رجلاً سأل الإمام جعفر بن محمد (ع) عن رجلٍ مؤمن يتزوج اليهودية والنصرانية؟ فقال الإمام (ع): ( إذا أصابَ المسلمة فما يصنع باليهودية والنصرانية؟ قال السائل: يكون له فيها الهوى، قال: إن فعلَ فليمنعها من
____________________
1 - شرح اللمعة: ج 5، ص 211.
2 - الجواهر: ج 30، ص 119.
3 - المائدة: 5.
4 - البقرة: 221.
شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، واعلَم أنّ عليه في دينه غضاضة ) (1) .
و ( إنّ هذه الرواية أوضح ما في الباب سنداً؛ لأنّ طريقها صحيح، وفيها إشارة إلى كراهية التزويج المذكور، فيمكن حمل النهي الوارد عنه على الكراهة جمعاً بين الروايات ) (2) .
واتفق الفقهاء على حرمة زواج المسلم أو المسلمة بمَن يدين بالديانات الوضعية غير السماوية: كالبوذية، والهندوسية، والسيخية، وغيرها، وكذلك حرمة زواج المسلمة بالرجل الكتابي.
والارتداد عن الإسلام - بقسميه الفطري والملّي - مانع من الزواج أيضاً، فالمرتد الفطري: وهو الذي كان أحد أبويه أو كلاهما مسلماً، أو المرتد الملّي: وهو مَن كان أبواه غير مسلمَين ثمّ دخلَ هو في الإسلام، ثمّ ارتدّ عنه، لا يحلّ زواجه مطلقاً رجلاً كان أم امرأة؛ لأنّ الارتداد ضربٌ من ضروب الكفر الذي لا يُباح التناكح معه.
أمّا أنكحة غير المسلمين فهي كلّها صحيحة، شرط أن تقع على الطريقة التي يعتقدونها في دينهم، وقد ثبت في الروايات المتعلقة بالأحكام عن أهل البيت (ع) أنّه: ( تجوز على أهل كل ذوي دين ما يستحلّون ) (3) ، و ( ألزِموهم بما ألزموا أنفسهم ) (4) ، وحَكمَ فقهاء الإمامية ( بصحّة ما في أيديهم من النكاح وغيره، بمعنى ترتّب الآثار عليه، وإن كان فاسداً عندنا ) (5) .
ويبطل عقد المُحرِم للحج أو العمرة وجوباً أو ندباً، فليس له أن يُزوّج
____________________
1 - الكافي: ج 12، ص 13.
2 - المسالك: كتاب النكاح.
3 - التهذيب: ج 9، ص 322.
4 - الاستبصار: ج 4، ص 148.
5 - الجواهر: كتاب النكاح.
أو يتزوّج، كما ورد في صحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع): ( ليس للمُحرِم أن يتزوّج ولا يزوَّج وإن تزوّج أو زوِّج محلاً فتزويجه باطل ) (1) ، وإذا كان العاقد عالماً بالتحريم يُفرّق بينهما وتحرم عليه مؤبّداً، وإن كان جاهلاً بالتحريم تحرم عليه مؤقّتاً فإذا أحلاّ جاز له استئناف العقد عليها.
وتُحرّم الشريعة نكاح الشغار؛ للنص الوارد عن رسول الله (ص): ( لا شغار في الإسلام ) (2) ، وهو: أن يزوِّج الرجل ابنته أو أخته ويتزوّج هو ابنة المتزوج أو أخته، ولا يكون بينهما مهر غير تزويج هذا وهذا (3) ، بمعنى أن يقول أحد الوليّين للآخر: ( زوِّجني ابنتك حتى أُزوِّجك ابنتي على أن لا مهر بينهما )، ويقبل الآخر، بحيث يكون بضع كل امرأة - نظرياً - مهراً للأخرى.
وهذا النوع من التزويج كان سائداً في العصور الجاهلية للعرب، فلمّا جاء الإسلام حرّم هذا اللون من النكاح الذي يَحرُم المرأة من حقوقها المالية والمعنوية.
____________________
1 - التهذيب: ج 1، ص 541.
2 - معاني الأخبار للصدوق: ص 79.
3 - الكافي: ج 2، ص 15.
ولا ريبَ أنّ معالجة المشاكل الاجتماعية الاستثنائية يتطلّب تشريع قوانين استثنائية لحفظ النظام الاجتماعي واستقراره، ففي الحالات التي تعذّر فيها استخدام القاعدة الأصلية في الزواج وهي النكاح الدائم، كان لابدّ للإسلام - بسبب نظرته الرحيمة تجاه إشباع الغريزة الجنسية - من تشريع العقد المنقطع حتى يساهم في حلّ المشاكل الاجتماعية الاستثنائية.
ولا يختلف الفقهاء من كل المذاهب الإسلامية: بأنّ القاعدة الأصلية في الزواج هو العقد الدائم، وما العقد المنقطع إلاّ حلّ لمشكلة اجتماعية استثنائية، ولذلك قيل: إنّ الإسلام إنّما شرّع الزواج المنقطع بالأساس لسببين:
الأول: الاستعفاف به لِمن لم يرزقه الله التزويج الدائم.
والثاني: محاربة الرذيلة في المجتمع الإنساني.
وتدلّ على ذلك الروايات المستفيضة المروّية عن أهل البيت (ع)، فقد وردَ عن الإمام الرضا (ع) تصريح عندما سُئل عن المتعة؟ فقال: ( ما أنت وذاك قد أغناكَ الله عنها ) (1) ، وفي حديث آخر: ( هي حلالٌ مباح مطلق لِمن لم يُغنه الله بالتزويج، فليستعفِف بالمُتعة، فإن استغنى عنها بالتزويج فهي مباحٌ له إذا غابَ عنها [ أي عن زوجته ] ) (2) .
واختلف فقهاء المسلمين في نَسخها، ولكنّهم اتفقوا جميعاً على أنّ الإسلام شرَّعها في الأصل، وأنّ رسول الله (ص) أباحها، ودليل ذلك قوله تعالى: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ) (3) .
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 43.
2 - الكافي: ج 2، ص 43.
3 - النساء: 24.
فقد اتفقوا على أنّ المتعة ( كانت مباحة في ابتداء الإسلام، وروي عن النبي (ص) لمّا قدِم مكة في عمرته تزيّن نساء مكة، فشكا أصحاب الرسول (ص) طول العزوبة، فقال: ( استمتعوا من هذه النساء )، واختلفوا في أنّها نُسخت أم لا؟ فذهبَ السواد الأعظم من الأمّة إلى أنّها صارت منسوخة، وقال السواد منهم: إنّها بقيت مباحة كما كانت، وهذا القول مروي عن ابن عباس وعمران بن الحصين ) (1) .
وقد وردت روايات من كِلا الفريقين بما يؤيّد ذلك، فقد وردَ عن ابن أبي جمرة قال: ( سمعت ابن عبّاس سُئل عن متعة النساء فرخّصَ، فقال له مولىً له: إنّما ذلك في الحال الشديد، وفي النساء قلّة أو نحوه؟ فقال ابن عباس: نعم.
وعن جابر بن عبد الله وسلمة بن الأكوع قالا: كنا في حبيس، فأتانا رسولُ رسول لله (ص) فقال: ( إنّه قد أُذِن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا )، وقال ابن أبي ذئب: حدّثني إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه عن رسول الله (ص): ( أيّما رجل وامرأة توافقا فعِشرة ما بينهما ثلاث ليال، فإن أحبّا أن يتزايدا أو يتتاركا تتاركا ) (2) .
وعن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: خرجَ منادي رسول الله (ص) فقال: ( إنّ رسول الله (ص) قد أذِن لكم فتمتّعوا - يعني نكاح المتعة - ) (3) .
وورد عنه أيضاً قوله: ( استمتعنا على عهد رسول الله (ص)، وأبي بكر، وعمر، وكنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق لأيام على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث ) (4) ، وذهب علماء السُنّة إلى نَسخها، وحرمتها بعد الإذن بها.
____________________
1 - التفسير الكبير للفخر الرازي: ج 10، ص 49.
2 - صحيح البخاري: ج 7، ص 16.
3 - وسائل الشيعة: ج 14، ص 440.
4 - صحيح مسلم: ج 4، ص 131.
ويُفهم من كلامهم: أنّ النكاح المنقطع كان مباحاً وأنّ النهي عنه وقعَ في آخر الأمر، وقالوا بأنّ: ( عدّة أحاديث صحيحة صريحة قد وردت بالنهي عن المتعة بعد الإذن بها ) (1) .
فـ( حُكي عن ابن عباس: إنّها جائزة، وعليه أكثر أصحابه: عطاء، وطاووس، وبه قال ابن جريح، وحُكي ذلك عن أبي سعيد الخدري وجابر، وإليه ذهبَ الشيعة؛ لأنّه قد ثبتَ أنّ النبي (ص) أذِن فيها، وروي أنّ عمر قال: ( مُتعتان على عهد رسول الله (ص)، أنا أُنهي عنهما وأُعاقب عليهما: متعة النساء، ومتعة الحج )؛ ولأنّه عقدٌ على منفعة فيكون مؤقّتاً كالإجارة...
وقال الشافعي: لا أعلم شيئاً أحلّه الله ثمّ حرّمه، ثمّ أحلّه ثمّ حرّمه إلاّ المتعة، فحملَ الأمر على ظاهره، وأنّ النبي (ص) حرّمها يوم خيبر، ثمّ أباحها في حجة الوداع ثلاثة أيام، ثمّ حرّمها ) (2) ، و( لم يختلف أهل النقل أنّ المتعة قد كانت مباحة في بعض الأوقات أباحها رسول الله (ص) ) (3) .
إلاّ أنّ فقهاء الإمامية استدلّوا بعدم النَسخ بروايات عديدة عن أهل البيت (ع)، منها: أنّ الإمام جعفر بن محمد (ع) عندما سُئِل: ( هل نَسخ آية المتعة شيء؟ قال: ( لا، ولولا ما نهى عنها عمر ما زنى إلاّ شقي ) ) (4) ، وأنّ الرخصة الثابتة الواردة عن الرسول (ص) والمتّفق عليها بين الجميع، لم يثبت إلغاؤها أو تحريمها بعد ذلك بخبر صحيح، فلم يبقَ سوى نهي الخليفة الثاني وهو بمجرّده ليس بحجّة.
____________________
1 - فتح الباري لابن حجر: ج 11، ص70.
2 - المغني لابن قدامة: ج 7، ص 178 - 179.
3 - أحكام القرآن للجصاص: ج 2، ص 178.
4 - الوسائل: ج 14، ص 440.
على ضوء ذلك: فقد أجمعَ علماء الإمامية على أنّ حقيقة الزواج المنقطع والدائم واحدة، وأنّ لفظ الزواج موضوع لمعنى واحد ذي شقّين هما: المنقطع، والدائم.
وأجمعوا أيضاً على: أنّ الزواج الدائم والمنقطع يشتركان في: خلو الموانع، وصيغة العقد، ونشر الحرمة، وحقوق الولد ولحوقه بالأب، وقيمة المهر، والعدّة بعد الدخول، والشروط السائغة في العقد.
فلا يجوز العقد - دائماً أو منقطعاً - على المتزوجة أو المعتدّة من طلاق أو وفاة، أو المحرّمة بالنسب، أو المصاهرة، أو الرضاع، أو المشركة، فيجب - شرعاً - أن تكون المرأة المعقود عليها خالية من هذه الموانع، وينبغي أيضاً أن تكون: عاقلة، بالغة، رشيدة.
ولا يصحّ الزواج بالمراضاة فحسب، بل لابدّ من العقد اللفظي الذي يدلّ بكل صراحة على القصد، فـ( صيغة زواج المتعة: اللفظ الذي وضعه الشرع للإيجاب كزوّجتك، وأنكحتك، ومتّعتك، أيها حصلَ وقع الإيجاب به، ولا ينعقد بغيرها، كلفظ التمليك، والهبة، والإجارة، ويقع القبول باللفظ الدال على الإنشاء كقوله: قبلتُ النكاح ) (1) .
وينشر الزواج الدائم والمنقطع الحرمة بالمصاهرة، فلا يجمع بين الأختين، وتحرم على الزوج بنت الزوجة وأمّها، وتحرم زوجة الأب على الابن، وزوجة الابن على الأب مؤبّداً، كما ذكرنا ذلك سابقاً في المحرّمات.
أمّا الولد، فإنّه يُلحق بالزوج بمجرّد الجماع حتى ولو عزلَ، وللولد سائر الحقوق المادية والأدبية من حيث الإرث والنفقة، ففي الحديث: ( إنّ الإمام جعفر بن محمد (ع) سُئِل عن المرأة المتمتّع بها إن حَبلت؟ قال: ( هو ولَده ) ) (2) .
____________________
1 - الجواهر: ج 30، ص 154.
2 - التهذيب: ج 2، ص 191.
أمّا المهر ، فيصح بكل ما يقع عليه التراضي عملاً بالآية الكريمة: ( وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) (1) ، وإذا طلّق زوجته أو وهبَ لها المدّة قبل الدخول، يثبت لها نصف المهر المسمّى.
وأجمعَ الفقهاء أيضاً على أنّ الزواج الدائم والمنقطع يفترقان في: ذكر الأجل، وتحديد المهر، والعدّة، والتوارث، والنفقة .
فلابدّ في الزواج المنقطع من ذكر الأجل في متن العقد، ودليله: الرواية الواردة عن أئمّة أهل البيت (ع): ( وإذا سمّي الأجل فهو متعة، وإن لم يُسمّ فهو نكاح ثابت ) (2) ، وكذلك يجب تحديد المهر في العقد المنقطع؛ لأنّه ركن من أركان العقد للنص الشريف: ( لا تكون متعة إلاّ بأمرين: أجل مسمّى، وأجر مسمّى ) (3) .
وتعتدّ الزوجة المطلّقة إذا دخلَ الزوج بها، سواء كان الزواج دائمياً أو منقطعاً، فالدائمة عدّتها ثلاث حيضات، أو ثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فعدّتها وضع الحمل، والمنقطعة عدّتها بعد انقضاء الأجل حيضتان أو خمسة وأربعين يوماً، وإن كانت حاملاً فعدّتها وضع الحمل، وعدّة الوفاة مع عدم الحمل أربعة أشهر وعشرة أيام للدائمة والمنقطعة، سواء دخلَ الزوج أم لم يدخل، أمّا مع الحمل فالعدّة بأبعد الأجَلَين.
واختلف الفقهاء في توارث الزوجين في المنقطع، فذهب جماعة إلى عدم التوارث إلاّ مع الشرط؛ لقوله (ع): ( إن اشترطا الميراث فهما على
____________________
1 - النساء: 19.
2 - الكافي: ج 2، ص 44.
3 - التهذيب: ج 2، ص 189.
شرطهما ) (1) ؛ لأنّ عقد الزواج لا يقتضي بطبيعته التوارث ولا العدم، وإذا حصلَ الشرط وجب حينئذٍ العمل به.
أمّا النفقة، فهي واجبة في الدائم، ولكنّها لا تجب في المنقطع إلاّ مع الشرط.
وبالجملة: فإنّ حقوق الزوجة الدائمة والمنقطعة ثابتة إلاّ ما خرج بالدليل، و ( حُكم الزواج المنقطع كالدائم في جميع ما سلف من الأحكام، شرطاً وولاية وتحريماً بنوعيه [ العيني: كالأخت والأم، والجمعي: كالجمع بين الأختين ] إلاّ ما استُثني ) (2) .
وقد وردَ في الحديث عن الإمام الصادق (ع) عندما سُئل عن المتعة، فقال: ( حلال، فلا تتزوج إلاّ عفيفة؛ إنّ الله عزّ وجل يقول: ( وَالَّذينَ هُم لِفُرُوجِهِم حافِظُونَ ) (3) ) (4) ، وفي حديث آخر: ( لا ينبغي لك أن تتزوج إلاّ بمأمونة أو مسلمة؛ فإنّ الله عزّ وجل يقول: ( الزَاني لا يَنكحُ إلاّ زانِية أو مُشرِكَة وَالزّانِيَة لا يَنكِحُها إلاّ زانٍ أو مُشرِك وَحُرِّم ذلِكَ عَلى المُؤمِنينَ ) (5) ) (6) .
ولا شك أنّ الزواج المؤقّت يمثل في الظروف الاستثنائية خطوة أولية نحو الزواج الدائم؛ لأنّ الانشداد الذي يحصل بين الزوجين خلال فترة العقد الاستثنائي لا يمكن فصمهُ بسهولة، ويعضد هذا القول: ما ورد في رواية أبي بصير عن الإمام أبي جعفر (ع) أنّه كان يقرأ:
____________________
1 - التهذيب: ج 2، ص 190.
2 - شرح اللمعة: ج 5، ص 284.
3 - المؤمنون: 5.
4 - التهذيب: ج 2، ص 187.
5 - النور: 3.
6 - الكافي: ج 2، ص 44.
( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ) (1) ، فقال: ( هو أن يتزوجها إلى أجل ثمّ يحدث شيئاً بعد الأجل ) (2) .
( لا خلاف بين فقهاء الإمامية في شرعيته مستمراً إلى الآن، أو لا خلاف بين المسلمين في أصل شرعيته وإن اختلفوا بعد ذلك في نسخه، والقرآن الكريم مصرّح به في قوله تعالى: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (3) ، اتفق جمهور المفسّرين على أنّ المراد به نكاح المتعة، وأجمعَ أهل البيت ( عليهم السلام ) على ذلك، وروي عن جماعة من الصحابة منهم: أُبي بن كعب، وابن عباس، وابن مسعود أنّهم قرأوا ( فما استمتعتم به منهنّ إلى أجلٍ مسمّى ) (4) .
ودعوى نسخه - أي نسخ جوازه من الجمهور - لم تثبت؛ لتناقض رواياتهم بنسخه، فإنّهم رووا عن علي ( عليه السلام ): أنّ رسول الله ( صلّى الله عليه وآله وسلّم ) نهى عن متعة النساء يوم خيبر ، ورووا عن ربيع بن سبرة عن أبيه أنّه قال: شكونا العزبة في حَجّة الوداع فقال: ( استمتعوا من هذه
____________________
1 - النساء: 24.
2 - تفسير العيّاشي: ج 1، ص 234.
3 - النساء: 24.
4 - شرح مسلم للنووي: ج 9، ص 179.
النساء ) فتزوّجتُ امرأة ثمّ غدوت على رسول الله (ص) وهو قائم بين الركن والباب وهو يقول: ( إنّي كنت قد أذِنت لكم في الاستمتاع، ألا وإنّ الله قد حرّمها إلى يوم القيامة ) (1) .
ومن المعلوم ضرورة من مذهب علي وأولاده ( عليهم الصلاة والسلام ) حلّها وإنكار تحريمها، فالرواية عن علي ( عليه السلام ) بخلافه باطلة، ثمّ اللازم من الروايتين أن تكون قد نُسخت مرّتين؛ لأنّ إباحتها في حَجّة الوداع أولاً ناسخة لتحريمها يوم خيبر ولا قائل به، ومع ذلك يتوجّه إلى خبر سبرة الطعن في سنده، واختلاف ألفاظه ومعارضته لغيره.
ورووا عن جماعة من الصحابة منهم: جابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وابن مسعود، وسَلَمة بن الأكوع، وعمران بن حصين، وأنس بن مالك أنّها لم تُنسخ.
وفي صحيح مسلم بإسناده إلى عطاء قال: ( قدِم جابر بن عبد الله معتمراً فجئناه في منزله فسأله القوم عن أشياء، ثمّ ذكروا المتعة فقال: نعم، استمتعنا على عهد رسول الله (ص)، وأبي بكر، وعمر ) (2) ، وهو صريح في بقاء شرعيتها بعد موت النبي (ص) من غير نسخ.
وتحريم بعض الصحابة - وهو عمر - إياه، تشريع من عنده مردود عليه؛ لأنّه إن كان بطريق الاجتهاد فهو باطل في مقابلة النص إجماعاً، وإن كان بطريق الرواية فكيف خفيَ ذلك على الصحابة أجمع في بقيّة زمن النبي، وجميع خلافة أبي بكر، وبعض خلافة المُحَرِّم [ وهو عمر ].
ثمّ يدلّ على أنّ تحريمه من عنده لا بطريق الرواية: قوله في الرواية المشهورة عنه بين الفريقين: ( متعتان كانتا في عهد رسول الله (ص) حلالاً أنا أنهى عنهما
____________________
1 - صحيح مسلم: ج 4، ص 132.
2 - صحيح مسلم: ج 4، ص 134.
وأعاقب عليهما ) (1) ، ولو كان النبي (ص) قد نهى عنهما في وقت من الأوقات، لكان إسناده إليه (ص) أولى وأدخَل في الزجر.
وروى شعبة عن الحكم بن عتيبة - هو من أكابر القوم - قال: سألته عن هذه الآية: ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ ) أمَنسوخة هي؟ قال: ( لا )، ثمّ قال الحكم: قال علي بن أبي طالب (ع): ( لولا عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقي ).
وفي صحيح الترمذي: أنّ رجلاً من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء فقال: ( هي حلال، فقال: إنّ أباك قد نهى عنها، فقال ابن عمر: أرأيت إن كان أبي قد نهى عنها وقد سنّها رسول الله (ص)، أتترُك السُنّة وتتّبع قول أبي ) (2) .
وأمّا الأخبار بشرعيتها من طريق أهل البيت (ع) فبالغة، أو كادت أن تبلغ حدّ التواتر لكثرتها ) (3) .
____________________
1 - أحكام القرآن للجصاص: ج 2، ص 184.
2 - صحيح الترمذي: ج 3، ص 184.
3 - شرح اللمعة الدمشقية: ج 5، ص 245.
ومن أجل بناء أسرة فاضلة، وتشكيل زواج ناجح ومستقر، فلابدّ من معالجة العيوب التي يكتشفها الزوجان بعد إجراء العقد.
ولمّا كان الأصل في الزواج استقرار العائلة بما فيها من زوجين ومن فروع وأصول، كان لابدّ أيضاً من معالجة المشاكل الجسدية الخطيرة، معالجة حاسمة وفورية، مع ضمان حقوق الزوج والزوجة بشكل تام.
فالعيوب الموجِبة للخيار بين فسخ العقد وإمضائه: هي العيوب التي يكتشفها أحد الزوجين في الآخر بعد إتمام العقد مثل: الاضطراب العقلي ( الجنون )، والخصاء، والجب، والعنن بالنسبة للرجل فيثبت الخيار للمرأة.
والاضطراب العقلي، والبرص، والجذام، والعمى، والعَرج، والقرن، والعفل، والإفضاء، والرتق بالنسبة للمرأة فيثبت الخيار للرجل.
ويثبت خيار الفسخ على الفور باتفاق الفقهاء، فإذا لم يبادر الزوج أو الزوجة إلى الفسخ لزِم العقد، ولا يُعتبر إذْن الحاكم الشرعي في الفسخ؛ لأنّ الأدلّة التي دلّت على جواز الفسخ مطلقة وغير مقيّدة بإذن الحاكم.
ويتباين الفسخ عن الطلاق في عدّة مواضع، فيصحّ الفسخ من غير شهود، ولا يتطلّب طُهر المرأة، وليس لها من المهر شيء قبل الدخول إلاّ في حالة العَنن، ولا يُعتبر الفسخ من التطليقات الثلاث.
أمّا الطلاق، فلا يصحّ إلاّ بشاهدَين، وأن تكون المرأة في طهرٍ لم يواقعها فيه، وتُحتسب من التطليقات
الثلاث، ولها نصف المهر قبل الدخول.
والاضطراب العقلي أو الجنون: من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة، فإذا تبيّن لها الجنون بعد العقد فلها الفسخ؛ للرواية المروّية عن الإمام (ع) عندما سُئل عن امرأة يكون لها زوج قد أُصيب في عقله بعد أن تزوّجها؟ فقال: ( لها أن تنزع نفسها منه إن شاءت ) (1) .
ورواية أخرى بشأن الزوجة: ( إنّما يُرد النكاح من: البرص، والجذام، والجنون، والعفل ) (2) .
والمشهور بين الفقهاء: أنّ للمرأة حقّ الفسخ إذا عَلمت أنّ زوجها أُصيب بالجنون قبل العقد أو بعده، أمّا الرجل فيحقّ له الفسخ إذا علمَ أنّ زوجته أُصيبت بجنون سابق على العقد دون اللاحق، بمعنى: أنّ الزوجة إذا أصابها الجنون بعد إجراء العقد والدخول لفترة، فلا يحقّ للزوج إجراء الفسخ، بل يحقّ له طلاقها، و ( هذا هو المشهور شهرة عظيمة كادت أن تكون إجماعاً؛ لاستصحاب اللزوم الذي هو مقتضى الأصل في العقود، وإمكانية انجبار الضرر بالطلاق منه ) (3) .
وإذا تمّ الفسخ بعد الدخول، فلها المهر وعليها العدّة، وإذا تمّ قبل الدخول، فلا مهر ولا عدّة للمرأة، وإذا رضيَ أحدهما بالعيب قولاً أو فعلاً، فلا يجوز له أن يعدل ويفسخ بعد ذلك.
أمّا الخصاء: فهو سلّ الأنثيين أو رضّهما، والخصي: يولِج ويبالغ ولكنّه لا يُنزل، والجب: هو قطع ذَكر الرجل بشكل تام، وفي كِلا الحالتين يكون الخيار للمرأة الجاهلة بحاله في فسخ الزواج أو إمضائه، وإنّما أُلحِقَ الجب
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 126.
2 - التهذيب: ج 2، ص 232.
3 - الجواهر: ج 30، ص 320.
بالخصاء؛ لأنّه أقوى عيباً من الخصاء، لقدرة الخصي على الجماع إجمالاً.
وقيل: إنّ الخصاء والجب إذا حصلا بعد العقد يثبت الخيار للمرأة أيضاً؛ لصحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن امرأة ابتُلي زوجها، فلا يقدر على جماع، أتفارقه؟ قال: ( نعم، إن شاءت ) (1) .
والعنن: عيب تتسلّط المرأة بسببه على الفسخ لا فرق إن كان قبل عقد الزواج أو بعده، وهو مرض تضعُف معه القوة عن نشر العضو بحيث يعجز عن الإيلاج، بمعنى: أنّه داء يعجز معه الرجل عن الجماع إطلاقاً، إلاّ أنّ المشهور بين الفقهاء أنّه لا خيار لها؛ لقوله (ع): ( إنّ علياً (ع) كان يقول: إذا تزوّج الرجل امرأة فوقعَ عليها وقعة واحدة، ثمّ أعرضَ عنها، فليس لها الخيار، لِتَصبر فقد ابتُليت ) (2) .
ولكنّ الشيخ المفيد وجماعة ذهبوا إلى ( أنّ لها الفسخ أيضاً؛ للاشتراك في الضرر الحاصل باليأس من الوطء، وإطلاق الروايات بثبوت الخيار للمرأة من غير تفصيل ) (3) .
وإذا ثبتَ العنن، فإن صَبرت عالِمة بالعنن وبأنّ لها الخيار، فلا خلاف في عدم الخيار لها بعد ذلك إذا أرادته؛ لأنّه حقّ يسقط بالإسقاط، و ( لقول الإمام (ع): ( متى أقامت المرأة مع زوجها بعدما عَلمت أنّه عِنّين ورضيت به، لم يكن لها خيار بعد الرضا ) (4) .
وإذا لم تصبر على العنن رفعت أمرها إلى الحاكم الشرعي، الذي ينبغي أن يؤجّله بدوره سنة كاملة من حين المرافعة، وعليها أن تسكن مع الزوج خلال فصول السنة؛ لاحتمال تأثير المناخ من حرارة أو برودة على العنن، وإذا واقعها خلال السنة فلا خيار لها، وإذا لم يواقعها يحقّ لها الفسخ بالإجماع والنص.
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 30.
2 - الاستبصار: ج 3، ص 250.
3 - المسالك: كتاب النكاح.
4 - الجواهر: ج 30، ص 325.
والعيوب الموجِبة للفسخ المتعلّقة بالمرأة هي: البرص، والجذام وهما من الأمراض المُعدية، والعمى، والعرج، فإذا كانت المرأة مصابة بهذه العيوب وكان الرجل جاهلاً بها قبل العقد، حقّ له حينئذٍ الفسخ.
أمّا القرن والعفل وهي: زوائد لحمية في الفرج، والإفضاء: وهو اختلاط المسلكين، والرتق: وهو انسداد الفرج، فإنّها تؤدي إلى تعسّر الجماع، ولذلك فقد ألحَقَها الفقهاء بالعيوب أيضاً.
فقد ورد في الرواية أنّ الإمام جعفر بن محمد (ع) عندما سُئِل عن رجل تزوج امرأة فوجد بها قرناً! قال: ( هذه لا تحبل، وينقبض زوجها من مجامعتها، وتُرد على أهلها، قال السائل: فإن كان دخلَ بها؟ قال: إن كان علمَ قبل أن يجامعها ثمّ جامعها فقد رضيَ بها، وإن لم يعلم إلاّ بعد ما جامعها فإن شاء أمَسكها، وإن شاءَ سرّحها إلى أهلها، ولها ما أخذت منه [ أي من المهر ] بما استحلّ من فرجها ) (1) .
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 30.
والتدليس هو: التمويه بإخفاء نقص أو عيب موجود، أو ادّعاء كمال غير موجود أصلاً، قبل العقد، فقد يكون النقص أو العيب جسدياً كالعمى في العينين، أو في عين واحدة مثلاً، وادّعاء الكمال كادّعاء المكانة الاجتماعية والشرف أو البكر والشباب، وقد يكون الزوج هو المدلِّس، وقد تكون الزوجة هي المدلِّسة، فإذا كان الأمر كذلك، جاز الفسخ بسبب التدليس.
ويحصل خيار فسخ الزواج في حالات أخرى لتخلّف الشروط، ومنها: أن تكون صفة عدم النقص أو الكمال من شروط العقد، مثل قول المرأة: زوّجتك نفسي بشرط أن تكون سليماً من الأمراض السارية، أو قول الرجل: تزوّجتك بشرط أن تكوني باكراً.
ومنها: أن يكون عدم النقص والكمال وصفاً لا شرطاً، كقوله: زوّجتك موكّلتي فلانة بنت فلان البكر.
ومنها: أن يكون العقد مبنياً على أساس عدم النقص، كأن يذكر الكمال وعدم النقص في حديثه عن الزواج، وفي هذه الحالات يحصل الخيار لتخلّف الشروط لا للتدليس.
وإذا حصل الفسخ فإنّه يجب أن يكون فورياً؛ لأنّ سكوت الزوج بعد العلم لا يبيح له الفسخ بعد ذلك.
وقد اختلفَ الفقهاء في ثبوت الخيار للزوجة المخدوعة بالتدليس، فقال بعضهم: إنّ لها حقّ الفسخ، واستدلّوا على ذلك برواية محمد بن مسلم التي تجيز للمرأة الفسخ إذا تزوجت برجل بناءً على أنّه حُر فبانَ لها أنّه مملوك ( قال سألت الإمام أبا عبد الله (ع) عن امرأة حرّة تزوجت مملوكاً على أنّه حرّ، فعلِمَت بعد أنّه مملوك؟
فقال: ( هي أملك بنفسها إن شاءت قرّت [ أقامت ] معهُ، وإن شاءت فلا، فإن كان دخلَ بها فلها الصداق، وإن لم يدخل بها فليس لها شيء، فإن هو دخلَ بها بعد ما علِمَت أنّه مملوك وأقرّت بذلك فهو أملك لها ) (1) .
وإذا حصلَ التدليس على الزوج من قِبل طرف ثالث، فلا يفسخ العقد وإنّما يؤخذ المهر من الذي زوّجها، حيث ( يرجع الزوج بالمهر على المدلِّس إن كان، وإلاّ فلا رجوع، ولو كانت هي المدلِّسة رجعَ عليها إلاّ بأقل ما يمكن أن يكون مهراً، وهو أقلّ متموّل على المشهور ) (2) .
وقد وردَ في بعض الروايات أنّ الإمام جعفر بن محمد (ع) سُئِل عن رجل ولّته امرأة أمرها، أو ذات قرابة، أو جارة لها، لا يعلم دخيلة أمرها، فوجدها قد دلّست عيباً هو بها؟ قال (ع): ( يؤخذ المهر منها، ولا يكون على الذي زوّجها شيء ) (3) .
وفي رواية أخرى: ( في كتاب علي (ع): مَن زوّج امرأة فيها عيب دلّسه، ولم يبيّن ذلك لزوجها، فإنّه يكون لها الصداق بما استحلّ من فرجها، ويكون الذي ساقَ الرجل إليها على الذي زوّجها ولم يبيّن ) (4) ، أي يكون المهر على الذي زوّجها ولم يبيّن.
____________________
1 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 146.
2 - اللمعة الدمشقية: ج 5، ص 395.
3 - الكافي: ج 2، ص 29.
4 - التهذيب: ج 2، ص 234.
وحتى يتكامل الضمان الحقوقي المدني للزوجة مع الضمان المالي، فقد اعتُبر الصداق جزءاً من الصفقة الحقوقية التي تستلمها الزوجة عند العقد، فالنفقة الواجبة، والصداق، وحقوق الأمومة، والإرث، ونحوها تُشكل الأركان الرئيسية لتلك الصفقة.
إذاً، فالصداق هو: الضمان المالي الذي شرّعه الإسلام لمصلحة المرأة، وصيانتها في حالتَي استقرار الزواج أو فشله، ويعتبر من حقوق الزوجة نصّاً وإجماعاً، لقوله تعالى: ( وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً... ) (1) ، إلاّ أنّه لا يعتبر شرطاً في صحة عقد الزواج ولا يعتبر ركناً من أركانه، وهو على أنواع ثلاثة: المهر المسمّى، ومهر المثل، والتفويض.
والمهرُ الذي تراضى عليه الزوجان وسمّياه في متن العقد هو ( المهر المسمّى ) ، الذي لا حدّ لأقلّه ولا حدّ لأكثره؛ للنص المجيد: ( وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً ) (2) ، والرواية المروّية عن الإمام أبي جعفر (ع): ( الصداق كل شيء تراضى عليه الناس قلّ أو كثُر ) (3) ، والمندوب شرعاً: أن لا يزيد عن مهر السُنّة وهو خمسمئة درهم فضة.
ويشترط في المهر: أن يكون حلالاً، ومتقوّماً بمال عرفاً وشرعاً، فلا يصح تسمية ما لا يصح تملُّكه كالخمرة ونحوها، وإذا سمّى لها ما لا يصحّ تَملُّكه، فالمشهور بطلان المهر وصحة العقد، وثبوت مهر المثل لها مع الدخول.
____________________
1 - النساء: 4.
2 - النساء: 19.
3 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 9، ص 21.
ويشترط في المهر أيضاً: أن يكون معلوماً على الصعيد العرفي بشكلٍ من الإشكال كالذهب والفضّة، ويتعيّن على الزوج أقلّ ما يتموّل، بل ( هو كلّما يصح أن يملكه المسلم عيناً كان، أو منفعة لعقار، أو حيوان، أو إنسان؛ للأصل وللروايات المعتبرة المستفيضة في تحديد الصداق بما تراضيا عليه ) (1) ، والأصل: أنّ عقد الزواج لا يُقصد منه المعاوضة التي لابدّ فيها من العلم الرافع للغرر.
و ( كلّ ما جاز ثمناً في البيع أو أجرة في الإجارة من العين والدين والحال والمؤجّل والقليل والكثير، ومنافع الحرّ والعبد وغيرهما، جاز أن يكون صداقاً.
وقد روى الدارقطني بإسناده قال: قال رسول الله (ص): ( أنكِحوا الأيامى وأدّوا العلائق، قيل: ما العلائق يا رسول الله؟ قال: ما تراضى عليه الأهلون، ولو قضيباً من أراك )، ورواه الجورجاني، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: منافع الحر لا تكون صداقاً؛ لأنّها ليست مالاً، إنّما قال الله تعالى: ( أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ ) ، ولنا قول الله تعالى: ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ ) والحديث الذي ذكرناه؛ ولأنّها منفعة يجوز العِوض عنها في الإجارة، فجازت صداقاً كمنفعة العبد، وقولهم: ليست مالاً، ممنوع؛ فإنّها تجوز المعاوضة عنها وبها إن لم تكن مالاً فقد أُجريت مجرى المال في هذا، فكذلك في النكاح ) (2) .
وإذا أهملَ العاقد ذكر المهر ولم يشترط عدمه، ثبتَ للمرأة ( مهر المثل ) مع الدخول.
____________________
1 - الجواهر: ج 31، ص 3.
2 - المغني لابن قدامة: ج 7، ص 139.
ومهرُ المِثل: هو ما تعارف عليه الناس من صداق النساء، كما ورد جواب الإمام جعفر بن محمد (ع) عندما سُئِل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً، ثمّ دخلَ بها؟ قال: ( صداق نسائها ) (1) .
و ( المعتبر في مهر المِثل: حال المرأة في الشرف والجمال، وعادة نسائها، والسِن والبكارة والعقل واليسار، والعفّة والأدب وأضدادها، وبالجملة ما يختلف به الغرض والرغبة اختلافاً بيّناً ) (2) .
وإذا طلّقها قبل الدخول، وفي حالة عدم الإشارة إلى المهر في العقد، فليس لها مهر؛ لأنّه لم يُذكر في العقد، ولكن لها هدية يُقدّمها الرجل للمرأة يناسب مع وضعه المالي، سمّاها القرآن ( المتعة )؛ لقوله تعالى: ( لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ ) (3) ، ويشرح هذا النص الشريف حديث للإمام جعفر بن محمد (ع): ( إذا طلّق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلها نصف المهر، وإن لم يكن لها عدّة، تتزوّج إن شاءت من ساعتها ) (4) .
وأجمعَ الفقهاء على أنّه إذا تزوّجها على كتاب الله وسُنّة نبيه، ولم يُسمّ لها مهراً، فلا تستحقّ مهر المِثل، بل يكون لها مهر السنّة؛ للرواية المروّية عن الإمام (ع) عندما سُئِل عن رجل يتزوج امرأة، ولم يُسمّ لها مهراً، وكان
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 22.
2 - الجواهر: ج 31، ص 52.
3 - البقرة: 236.
4 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 165.
الكلام: أتزوّجكِ على كتاب الله وسنّة نبيه ( ص )، فماتَ عنها، أو أراد أن يدخل بها، فما لها من المهر؟ قال: ( مهر السنّة ) (1) .
ويثبت مهر المِثل في حالات منها:
أولاً: إذا تبيّن فساد العقد لسبب من أسباب التحريم، ولم يكن قد سمّى لها مهراً في متن العقد.
ثانياً: إذا جرى العقد على ما لا يُملك شرعاً.
ثالثاً: إذا أكرَهَ امرأة على الزنا، يثبت لها مهر المثل، ويُقتل الغاصب كما فصّلنا ذلك في كتاب ( الانحراف الاجتماعي وأساليب العلاج في الإسلام ) .
أمّا ( مهر التفويض ): فهو على قسمين:
الأول: تفويض المهر، وهو إجراء العقد وتفويض تعيين المهر للزوج أو الزوجة.
الثاني: تفويض البضع، وهو إجراء العقد من غير ذكر المهر، ولها مهر المِثل مع الدخول.
وفي تفويض المهر، إذا تُركَ التعيين إلى الزوج فللزوجة القبول بحكمه مهما كان مبلغ المهر، وإن كان التعيين لها فعليها أن لا تتجاوز مهر السُنّة، وكيف لم تجز حكمها عليه، وأجزت حكمه عليها؟ قال الإمام (ع): ( لأنّه حكّمها، فلم يكن لها أن تجوز ما سنّ رسول الله (ص)، وتزوّج عليه نساءه، فرددتُها إلى السنّة؛ ولأنها هي حكّمته، وجعلت الأمر إليه في المهر، ورضيت بحكمه في ذلك، فعليها أن تقبل حكمه قليلاً كان أو كثيراً ) (2) .
وإذا اشترطت الزوجة على زوجها شيئاً زائداً يدفعه لأبيها إضافة إلى المهر، ورضي هو بالشرط، كان عليه أن يفي بذلك؛ لأنّ المؤمنين عند شروطهم ما لم تحلِّل حراماً، أو تحرِّم حلالاً.
____________________
1 - التهذيب: ج 2، ص 227.
2 - الكافي: ج 2، ص 21.
وهذا الشرط لا ينافي مقتضى العقد، ولا يخالف النصوص الشرعية، أمّا إذا عيّن مبلغ المهر ثمّ عيّن لأبيها مبلغاً آخر، صحّ المهر وسقطَ ما سمّاه لأبيها، ( بلا خلاف، بل عن الغُنية الإجماع عليه، والأصل في ذلك: صحيح الوشا عن الإمام الرضا (ع): ( لو أنّ رجلاً تزوّج امرأة، وجعل مهرها عشرين ألفاً، وجعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزاً، والذي جعله لأبيها فاسداً ) (1) .
ولا يجوز للأب أن يأخذ صداق ابنته لأغراضه الشخصية؛ للروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (ع)، ومنها رواية عن الرجل يزوِّج ابنته، ألهُ أن يأكل صداقها؟ قال الإمام (ع): ( لا، ليس له ذلك ) (2) .
ويجوز تأجيل المهر أو تعجيله كلاً أو بعضاً، لأجَلٍ معيّن ظاهر كسنة مثلاً، أو لأجَلٍ معيّن غير ظاهر ولكنّه واقع، كأحد الأجَلين: الموت، أو الطلاق.
وإذا كان المهر المسمّى معجّلاً ثمّ رضيت الزوجة بتأجيله إلى أمَد قيل: يجوز لها العدول إذا لم يؤخذ الرضا بالتأجيل شرطاً، فإذا ( أجّل الحال فلا يلزم، كما في: المبسوط، والخلاف، والسرائر، والشرائع، والنافع، والتذكرة، والتبصرة، والتحرير، والإرشاد، والدروس، والميسية، والمسالك، والكفاية، وفي هذا الكتاب أنّه المشهور بين الفقهاء... إذ ليس ذلك بعقد يجب الوفاء، بل وعد يستحبّ الوفاء به، ولا فرق بين أن يكون مهراً أو غيره ) (3) .
والمشهور أنّ المرأة تملك صداقها بالعقد وإن لم يدخل، وتفصيل ذلك: أنّها تملك نصف المهر قبل الدخول، ويثبت لها المهر كاملاً بعد الدخول؛
____________________
1 - الجواهر: ج 31، ص 27.
2 - التهذيب: ج 2، ص 217.
3 - مفتاح الكرامة: ج 5، ص 55.
للنص الشريف عن أئمة أهل البيت (ع): ( لا يوجب المهر إلاّ الوقاع في الفرج ) (1) ، و ( هذه الرواية يراد بها نفي احتمال ثبوت المهر كاملاً بالخلوة، وهو غير بعيد؛ لأنّ سياقها يدلّ على ذلك ) (2) .
و ( يستحبّ للرجل أن لا يدخل بامرأته حتى يُقدّم لها مهرها، فإن لم يفعل، قدّم لها شيئاً من ذلك، أو من غيره من الهدية ليستبيح به فرجها، ويجعل الباقي ديناً عليه ) (3) .
ومتى قبضت المهر فلا يحقّ لها الامتناع؛ لأنّ الامتناع يُعدّ نشوزاً تسقط نفقتها معه، وإذا عجزَ الزوج عن المهر فلا يسقط حقّها في النفقة، ولا في الامتناع عنه قبل الدخول؛ لأنّ العجز عن الحقّ لا يُسقطه، بل يوجب العُذر وانتظار الميسرة.
وذهب أكثر الفقهاء أنّ اختلاف الرجل بزوجته مع عدم الدخول، لا أثرَ له على الصداق؛ لقوله تعالى: ( لا جُناحَ عَلَيكُم إنْ طَلَّقتُم النِّساءَ ما لَم تَمَسُّوهُنَّ ) (4) ، والمراد بالمسّ هنا: الوطء بإجماع المفسّرين.
والرواية المروية عن الإمام (ع) حجة أيضاً، عندما سُئِل عن رجل تزوج امرأة، فأغلقَ باباً أو أرخى ستراً، ولمسَ وقبّل، ثمّ طلّقها، أيوجِب عليه الصداق؟ قال: ( لا يوجب الصداق إلاّ الوقاع ) (5) ، وفي رواية أخرى: ( إذا التقى الختانان، وجبَ المهر والعدّة والغُسل ) (6) .
فالأصل الذي يترتب عليه دفع المهر ومراعاة العدّة هو: الدخول وليس مجرّد الاختلاء.
____________________
1 - التهذيب: ج 2، ص 243.
2 - الجواهر: ج31، ص 108.
3 - النهاية: ص 470.
4 - البقرة: 236.
5 - الكافي: ج 2، ص 114.
6 - الكافي: ج 2، ص 114.
وإذا تنازع الزوجان على متاع البيت، قبل الطلاق أو بعده، قال أكثر علماء الإمامية: إنّ ما يصلح للرجال من الألبسة ونحوها فهو للزوج مع يمينه، وما يصلح للنساء كحليهنّ وملابسهنّ فهو للزوجة مع يمينها، وما يصلح للاثنين كالأواني والفرش فهو بينهما، ( يحلف كلّ واحد منهما لصاحبه ويكون بينهما نصفين ) (1) .
وقيل أيضاً: بتسلّط اليد، فإن كان لأحد الزوجين يد غالبة على ذلك المتاع كان صاحب اليد منكِراً، والآخر مدّعياً، فإذا تنازعا في حلية استعملتها الزوجة كان القول قولها مع اليمين؛ لتسلّط يدها عليه، لا لأنّها مختصّة بالنساء.
وبالإجمال: فإنّ صداق الزوجة هو جزء لا يتجزّأ من حقوقها المالية، التي تُعتبر ضماناً لاستقلالها المالي في حالات الطلاق، أو وفاة الزوج، أو حتى في الحالات الطبيعية مع وجود الزوج.
ولا شك أنّ هذا الاستقلال المالي يحفظ للزوجة شخصيتها وكيانها، على عكس الزوجة في النظام الغربي التي لا تستلم شيئاً من المال خلال إجراء العقد، ممّا تضطرّ إلى العمل خارج البيت لإنشاء كيانها المالي المستقل.
____________________
1 - المبسوط: ج 8، ص 310.
ولمّا كان النسب من أهمّ أُسس تثبيت النظام الاجتماعي، لتعلّقه بالأبوّة، والبنوّة، والزوجية، والأرحام، والولاية، والنفقة، والإرث، كان الاهتمام به من قِبل رسالة السماء أمراً طبيعياً وضرورياً، فيُلحق المولود على الصعيد الشرعي، بسبب الفراش لا مجرّد العقد؛ لقوله (ص): ( الولد للفراش، وللعاهر الحجر ) (1) ، والمراد بالفراش: هو افتراش الزوجة، والحديث المروي عن رسول الله (ص) الآنف الذكر بيان لقوله تعالى: ( هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ ) (2) .
وقد تسالمَ الفقهاء على قاعدة ( إمكان الإلحاق ) المذكورة سابقاً، وظاهرها: أنّه كلّ ما أمكنَ أن يلحق الولد بالزوج يجب أن يُلحق به في ظاهر الشرع، فلا يحتاج الحاكم الشرعي في قضائه بلحوق الولد إلى إثبات، وذكروا أنّ من شروط الإلحاق:
أولاً: أن يُدخله، ويُنزل في داخل الفرج.
ثانياً: أن لا يحصل الدخول، ولكن يُريق ماءه على الفرج، كما جاء في الرواية أنّ رجلاً أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فقال: إنّ امرأتي هذه حامل، وهي جارية حَدثة، عذراء، وحامل في تسعة أشهر، ولا أعلم إلاّ خيراً، وأنا شيخ كبير ما اقترعتها، وإنّها لعلى حالها؟ فقال له علي (ع):
____________________
1 - الكافي: ج 7، ص 163.
2 - البقرة: 187.
( نشدتُك الله هل كنت تهريق على فرجها؟ ) (1) ، وفي رواية أخرى عن أمير المؤمنين (ع): ( إنّ للمرأة سمّين: سمّ البول وسمّ المحيض، فلعلّ الشيخ كان ينال منها، فسالَ ماؤه في سمّ المحيض فحملت منه، فاسألوا الرجل عن ذلك، فسُئل، فقال: قد كنتُ أُنزل الماء في قُبلها من غير وصول إليها بالافتضاض، فقال أمير المؤمنين: الحمل له، والولد له ) (2) .
ثالثاً: أن يلتقي الختانان كلياً أو جزئياً ولكن لا يتمّ الإنزال، حيث ( يمكن التولّد من الرجل بالدخول، وإن لم يُنزل، ولعلّه لتحرّك نطفة المرأة، واكتسابها العلوق من نطفة الرجل في محلّها، أو غير ذلك من الحِكَم التي لا يحيط بها إلاّ ربّ العزّة، ولذا أُطلق أنّ الولد للفراش المراد به الافتراش فعلاً ) (3) .
رابعاً: أن يمضي ستة أشهر من حين الإنزال داخلاً أو خارجاً، وهي أقلّ الحمل؛ لقوله تعالى: ( وَحَملُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً ) (4) ، وقوله: ( وَفِصالُهُ في عامَينِ ) (5) ، فيتعيّن أن تكون أقلّ المدّة ستة أشهر.
ودلّت الروايات المروية عن أهل البيت (ع): أنّ أكثر ما تحمله المرأة من حمل، تسعة أشهر على الأشهر، و ( قيل: عشرة أشهر، وهو حسن يعضده الوجدان في كثير، وقيل: سنة، وهو متروك ) (6) .
____________________
1 - قرب الإسناد: ص 70.
2 - الإرشاد للشيخ المفيد: ص 112.
3 - الجواهر: ج 31، ص 223.
4 - الأحقاف: 15.
5 - لقمان: 14.
6 - شرائع الإسلام: ج 2، ص 340.
فقد ( روى ابن حكيم عن الإمام (ع) أنّه قال في المطلّقة يطلّقها زوجها فتقول: أنا حُبلى، فتمكث سنة؟ قال الإمام: ( إن جاءت به لأكثر من سنة لم تُصدّق، ولو ساعة واحدة في دعواها ) (1) .
خامساً: ويُلحق المولود بالزوج أيضاً بسبب وطء الشبهة أيضاً، وهو: أن يطأ الرجل امرأة تحرم عليه مع جهله بالتحريم، ويقسّم الفقهاء الشبهة إلى قسمين:
الأول: شبهة العقد مع الوطء، وهو: أن يعقد على امرأة ثمّ يتبيّن فساد العقد لسبب من الأسباب الموجبة للفساد.
والثاني: شبهة الوطء من غير عقد، وهي نادراً ما تقع، ومعناها: أن يطأ امرأة من غير أن يكون بينهما عقد صحيح أو فاسد، بل يقاربها باعتقاد الحِل، ثمّ يتبيّن العكس: كوطء المجنون، والسكران، والنائم لامرأة أجنبية، ويُلحق ولد الشبهة إلحاقاً شرعياً بأبيه.
وذهبَ أكثر الفقهاء إلى أنّه ( لو تزوج امرأة لظنّه أنّها خالية، أو لظنّه موت الزوج، أو طلاقه، فبانَ أنّه لم يمت ولم يُطلّق، رُدّت على الأول بعد الاعتداد من الثاني، واختصّ الثاني بالأولاد مع الشرائط، سواء استندت في ذلك إلى حُكم حاكم، أو شهادة شهود، أو إخبار مُخبر ) (2) .
وادّعاء الجهل بالتحريم يُقبل من المدّعي حتماً، فإذا قاربَ امرأة تحرم عليه وادّعى جهله بالتحريم، يُقبل قوله بلا بيّنة أو يمين، وكذلك يُقبل ادّعاء المرأة بالاشتباه بلا بيّنة أو يمين؛ لأنّ الحدود تُدرأ بالشبهات.
واللقيط الذي يضمّه الفرد الملتقِط إليه، ويكفله مع سائر عياله، لا يُلحق بالملتقِط نَسباً، ولا يكون الالتقاط سبباً للتوارث.
وكذلك التبنّي وهو: نسبة ولد معروف النَسب إلى نفسه، فلا يكون سبباً لفسخ النسب الأصلي أو
____________________
1 - المسالك: كتاب النكاح.
2 - شرائع الإسلام: ج 2، ص 343.
سبباً من أسباب الإرث؛ لقوله تعالى: ( وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِم هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ) (1) .
بمعنى: أنّ ( ما جعلَ الله مَن تدّعونَهُ ولداً [ بالتبنّي ]، وهو ثابت النسب من غيركم، ولداً لكم، إنّ قولكم: الدعي ابن الرجل، شيء تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له عند الله تعالى، والله يقول الحقّ الذي يلزم اعتقاده حقيقة، وهو أنّ الزوجة لا تصير بالظهار أمّاً، والدعي لا يصير بالتبنّي ابناً، ادعوهم لآبائهم الذين ولَدوهم، وانسبوهم إليهم، أو إلى مَن ولِدوا على فراشهم، هو أقسط عند الله، أي أعدل عند الله قولاً وحكماً ) (2) .
____________________
1 - الأحزاب: 4 - 5.
2 - مجمع البيان: ج 8، ص 131.
ومعنى الإقرار شرعاً: الاعتراف بحقّ ثابت، سواء كان لله كالإقرار بما يوجب الحدود والتعزيرات، أو للناس كالعين، أو المنفعة، أو القصاص، و ( الأصل في شرعية [ الإقرار ] بعد الإجماع من المسلمين، أو الضرورة، السنّة المقطوع بها ) (1)؛ لقوله تعالى: ( أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا ) (2) ، وقوله (ص): ( إقرار العقلاء على أنفسهم جائز [ أي نافذ ] ) (3) ، وقوله (ع): ( لا أُجيز شهادة الفاسق إلاّ على نفسه ) (4) .
ويستند الإقرار عموماً على أربعة أُسس:
الأول: الصيغة لفظاً أو فعلاً، وهي موكولة للعرف ولا شك أنّ ( إيكال الإقرار إلى العرف أولى من التعرّض لتحديده؛ فإنّه [ هو ] الذي يميّز بين أفراده، حتى أنّه في القضية الواحدة يجعل قائلها مدّعياً من جهة، ومُقرّاً من جهة أخرى ) (5) .
و ( لمّا كان الغرض من الإقرار الإخبار عمّا في الذمّة، أو في العهدة، فإنّه لا يختصّ بلفظ معيّن، بل كل ما دلّ على المراد ) (6) .
و يُشترط في صيغة الإقرار: التنجيز، وعدم التعليق ؛ لأنّ التنجيز إخبار عن حقّ ثابت، والتعليق إخبار عن أنّ الحقّ لم يثبت بعد.
____________________
1 - الجواهر: ج 35، ص 3.
2 - آل عمران: 81.
3 - الوسائل: ج 16، ص 133.
4 - الكافي: ج 7، ص 395.
5 - الجواهر: ج 35، ص 7.
6 - المسالك: كتاب الإقرار.
الثاني: المُقِرّ، ويشترط فيه العقل والبلوغ، فـ ( لا يُقبل إقرار [ الصبي ] عند علمائنا، حتى لو أذِن له الولي، وحتى لو كان مراهقاً ومميزاً؛ لأنّه مسلوب العبارة إقراراً وإنشاءً ) (1) ، ويُشترط: القصد، والاختيار، والعلم بمدلول الإقرار.
الثالث: المُقرّ له، ويشترط أن تكون عنده أهلية لثبوت الحقّ له، وقد اتفق الفقهاء على صحة الإقرار للحمل إذا ولِد الجنين حياً بعد ستة أشهر، أو أكثر من انعقاد النطفة، فيحصل العلم حينئذٍ بتخلّق الجنين عند صدور الإقرار، حيث يترتّب على الإقرار آثار الميراث والوصية.
الرابع: المُقرّ به، ويشترط فيه أن يكون في طبيعة الاستحقاق كالزوجية، أو ما يوجب الحدّ، أو دين مثلاً، وأن يكون الشيء المُقَرُّ به في يد المقِرِّ و تصرّفه.
هذا كلّه فيما يتعلّق بالإقرار عموماً، أمّا الإقرار بالنسب فإنّ أغلب الفقهاء يصنّفونه إلى نوعين:
الأول: الإقرار ببنوّة الصغير، ويُشترط في ثبوت نسب الصغير بالإقرار: أن يكون بين المولود والمقِرّ تفاوت معقول في السن كالتفاوت العرفي الحاصل بين الأب وابنه، وأن يكون الصغير مجهول النسب، فلا يُقبل الإقرار ببنوّة صغير منسوب إلى فرد آخر من الأفراد، وأن لا ينازِع المُقرّ في إقراره بنوّة الصغير منازع آخر، وإلاّ حُكم بالولد لصاحب البيّنة، ومع عدمها يُقرع بينهما.
وقد وردت روايات صحيحة عن أئمة أهل البيت (ع) بهذا الخصوص، فقد جاء عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: ( إذا أقرّ الرجل بالولد ساعة لم يُنفَ عنه أبداً ) (2) .
وورد أيضاً أنّه (ع) سُئِل عن المرأة تُسبى من أرضها، ومعها
____________________
1 - التذكرة للعلاّمة الحلّي: كتاب الإقرار.
2 - التهذيب: ج 8، ص183.
الولد الصغير، فتقول: هو ابني، والرجل يُسبى فيلقى أخاه فيقول: أخي، وليس لهم بيّنة إلاّ قولهم؟ فقال الإمام: ( ما يقول الناس فيهم عندكم؟ قلت: لا يورثونهم؛ لأنّه لم يكن لهم على ولادتهم بيّنة وإنّما هي ولادة الشرك، فقال (ع): سبحان الله! إذا جاءت بابنها أو ابنتها، ولم تزل مُقرّة به، وإذا عرفَ أخاه، وكان ذلك في صحّة منهما، ولم يزالا مُقرّين بذلك ورثَ بعضهم من بعض ) (1) .
والثاني: الإقرار ببنوّة الكبير، فتُلاحَظ نفس الشروط السابقة المذكورة في الإقرار ببنوّة الصغير، ويضاف إليها أنّه إذا أُنكرَ الكبير لم يثبت النسب بينهما إلاّ بعد أن يقيم المقرّ البيّنة، وإذا تصادق البالغان على ثبوت النسب ثبتَ النسب بينهما إلى الأبد.
ويجوز الإقرار بنسب الميت، فإذا مات شخص مجهول النسب وادّعى شخص آخر ببنوّته ولم ينازعه في ذلك أحد، وكان احتمال البنوّة قائماً للمقِرّ، ثبتَ نسبه للمقِر، وذكر الفقهاء أنّه: ( لا يُعتبر تصديق الصغير ذكراً كان أو أنثى، والمجنون والميت، بل يثبت نسبهم إلى المقِر بمجرّد إقراره؛ لأنّ التصديق إنّما يُعتبر مع إمكانه وهو ممتنع منهما، وكذا الميّت مطلقاً ) (2) .
____________________
1 - معاني الأخبار: ص 273.
2 - شرح اللمعة للشهيد الثاني: ج 6، ص 423.
ولمّا كانت النفقة المالية ضرورية في ثبات واستقرار العائلة في النظام الاجتماعي، كان لابدّ للزوج من تحمّل مسؤولية الإنفاق؛ لأنّه هو المسؤول شرعاً عن العمل خارج البيت، وهو المسؤول شرعاً عن الإنفاق على الزوجة للمعاوضة وعلى الأولاد والأبوين للقرابة.
ولا شك أنّ هذا النظام المالي يساهم في استقرار شخصيات الأطفال، ويساعد على كفاية الأجداد على الصعيد المالي والاجتماعي، ويساعد على التأكيد على دور الأمومة أيضاً.
فقد أجمعَ الفقهاء على وجوب نفقة الزوجة الدائمة على زوجها، حتى لو كانت على درجة من الثراء والغنى؛ للنص الحكيم: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) (1) ، و ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (2) ، ( المولود له ) يعني الزوج، وضمير ( هنّ ) يعود على الزوجات.
ويفسّر ذلك حديث الإمام (ع) في حقّ المرأة على زوجها: ( [ أن ] يُشبعها ويكسوها ) (3) ، وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله (ع) في قول الله عزّ وجل: ( وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ) (4) ، قال: ( إذا أنفقَ الرجل على امرأته ما يقيم ظهرها مع الكسوة، وإلاّ فُرّق بينهما ) (5) .
____________________
1 - النساء: 33.
2 - البقرة: 232.
3 - الكافي: ج 2، ص 61.
4 - الطلاق: 7.
5 - تفسير العيّاشي: ج 1، ص 117.
وذهب أكثر الفقهاء إلى أنّ مجرّد وقوع العقد لا يوجب النفقة، بل لابدّ من ثبوت الطاعة والتمكين، والاستحاضة والحيض يمنعان من الفراش، ولكن لا تسقط النفقة بهما، ( بلا خلاف أجده فيه، بل وفي كل ما امتنع الاستمتاع فيه لعذرٍ شرعي أو عقلي؛ للأصل وعموم أدلّة الإنفاق ) (1) .
وإذا سافرت الزوجة بإذن زوجها فهل تسقط النفقة؟ قال الفقهاء: لا تسقط، أمّا إذا كان السفر بدون إذن الزوج يُنظر، فإن كان لواجب فلها النفقة؛ للمأثور من قوله (ع): ( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )، وإن كان لغير ذلك تسقط نفقتها.
وتثبت النفقة للمعتدّة من طلاق رجعي، حاملاً كانت أم حائلاً، وكذلك تثبت للمعتدّة من طلاق بائن إذا كانت حاملاً فحسب، كما ورد في كلام الباري عزّ وجل: ( وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) (2) .
أمّا المعتدّة عدّة الوفاة، فلا نفقة لها حاملاً كانت أم لا، فقد ( وردَ بعدم الإنفاق عليها أربع روايات معتبرات الإسناد... وعلى ذلك سائر المتأخّرين، وهو الأقوى ) (3) ، والمروي عن الإمام الصادق سؤال زرارة بن أعين عن المرأة المتوفّى عنها زوجها، هل لها نفقة؟ قال: ( لا ) (4) ، والظاهر أنّ الإرث المفترَض استحقاقه لها يُغني عن تلك النفقة.
وأوكلَ الشرع تحديد النفقة الشرعية للزوجة إلى العرف الاجتماعي، مع مراعاة الدخل المادي للزوج، كما ورد في النص القرآني الشريف: ( لِيُنفِق ذُو سعَةٍ مِن سعَتِهِ، وَمَن قُدِرَ عَلَيهِ رِزقَهُ فَليُنفِق مِمّا آتاهُ
____________________
1 - الجواهر: ج 31، ص 312.
2 - الطلاق: 6.
3 - المسالك: باب النفقة.
4 - الكافي: ج 2، ص 116.
الله وَلا يُكَلِّفُ اللهُ نَفساً إلاّ ما آتاها سَيَجعَلُ اللهُ بَعدَ عُسرٍ يُسراً ) (1) ، وقوله أيضاً: ( أسكِنُوهُنّ مِن حَيث سَكنتُم مِن وُجدِكُم ) (2) ، وقوله في الإشارة إلى حقهّا في السكن مع زوجها باستقلال: ( وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعرُوفِ ) (3) ، ( وَلا تُضارَوهُنَّ لِتُضَيَّقُوا عَلَيهنّ ) (4)
والمتعارف بين الناس: أنّ النفقة تشمل المأكل، والملبس، والمسكن، والعلاج، ونفقة الحمل والوضع، بل كل ما يتعلّق بالحياة الاجتماعية الطبيعية التي يقرّها العرف العقلائي.
ومع أنّ أكثر الفقهاء قالوا بعدم ضمان الزوج النفقة المستقبلية لزوجته؛ لأنّه من باب ضمان ما لا يَجب، وهو غير جائز، إلاّ أنّ البعض الآخر قال: بأنّ لها الحقّ بطلب الضمان فـ( يجوز ضمان النفقة الماضية للزوجة؛ لأنّها دَينٌ على الزوج، وكذا نفقة اليوم الحاضر لها، وأمّا النفقة المستقبلية فلا يجوز ضمانها عندهم؛ لأنّه من ضمان ما لم يجب، ولكن لا يبعد صحّته لكفاية وجود المقتضي وهو الزوجية، ولا دليل على عدم صحة ضمان ما لم يجب بعد ثبوت المقتضي من نص أو إجماع، وإن اشتهرَ في الألسُن، بل في جملة من الموارد حَكموا بصحته ) (5) .
هذا كلّه في حالة قدرة الزوج على الإنفاق، أمّا ( إذا تجدّد عجز الزوج عن النفقة ففي تسلّط الزوجة على الفسخ قولان: أحدهما، وبه قال ابن الجنيد: أنّ لها الخيار؛ لقول الإمام الصادق (ع): ( إذا أنفقَ عليها ما يقيم حياتها مع كسوة، وإلاّ فُرّق بينهما )،
____________________
1 - الطلاق: 7.
2 - الطلاق: 5.
3 - النساء: 19.
4 - النساء: 6.
5 - العروة الوثقى: ج 2، ص 604.
ولقوله تعالى: ( فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ) ، والإمساك بلا نفقة خلاف المعروف فيتعيّن التسريح، فإذا تعذّر صدوره من الزوج فسخَ الحاكم؛ لأنّه ولي ) (1) .
والنشوز يحجب النفقة، إلاّ أنّه يكفي في حالة النزاع في الدلالة على إطاعتها له، أن يقيم البيّنة على أنّها سكنت في البيت الذي أسكنها فيه.
ولا يُقتصر وجوب الإنفاق على الزوجة فحسب، بل يجب على الآباء نفقة الأبناء، وإن نزلوا ذكوراً وإناثاً، و على الأبناء نفقة الآباء وإن علوا ذكوراً وإناثاً.
وعلى ذلك: فإنّ النفاق محدّد شرعاً بالوالدين والولد والزوجة، فـ( تجب نفقة الأصول والفروع، حتى لو كان الأصل فاسقاً أو كافراً بلا خلاف؛ لإطلاق الأدلّة [ الخاصة بنفقة القريب ]، خصوصاً في الوالدين المأمور بمصاحبتهما بالمعروف مع كفرهما ) (2) ؛ لقوله تعالى: ( وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ) (3) .
وأجمعَ الفقهاء أيضاً على أنّ القادر على العمل والاكتساب في العائلة لا يستحق النفقة؛ بدليل نصّ شريف عن رسول الله (ص): ( لا تحلّ الصدقة لغني ولا لذي مِرّة سوي ولا لمحترِف قوي ) (4) ؛ لأنّ ( النفقة معونة على سدّ الخلّة والمكتسِب قادر كالغني، ولذا مُنع من الزكاة والكفّارة المشروطة بالفقر ) (5) .
____________________
1 - المسالك للشهيد الثاني: ج 1 باب الزواج مسألة الكفاءة.
2 - الجواهر: ج 31، ص 372.
3 - لقمان: 15.
4 - معاني الأخبار: ص 76.
5 - الجواهر: ج 31، ص 371.
وحُدّدت النفقة بسدّ الحاجات الأساسية من: الطعام، والكسوة، والسكن، كنا ذكرنا ذلك سابقاً، واستُثني منها التزويج فلا يجب على الأب أن يزوِّج ابنه، ولا يجب على الابن تزويج أبيه؛ لأنّ التزويج ليس من النفقة الواجبة.
وفَرّق الفقهاء بين نفقة الزوجة، ونفقة القريب، حيث ( إنّ الغرض من نفقة القريب مواساته وسدّ خلّته، فوجوبها لدفع الخلّة، لا لعوض، فإذا أخلّ بها أثِمَ، ولم تستقرّ في الذمّة، فلا يجب قضاؤها، كما لو أخلّ بقضاء حاجة المحتاج الذي تجب عليه إعانته، بخلاف نفقة الزوجة فإنّها تجب عِوض الاستمتاع، فكانت كالمعاوضة المالية، فإذا يؤدها استقرّت في ذمّته، ووجبَ قضاؤها ) (1) .
وفي الحالات الاستثنائية التي يعجز فيها الفرد عن عيال أقاربه، وهم: الزوجة، والأبوان، والأولاد؛ فإنّ عليه أن يبتدئ بنفسه قبل كل الناس؛ لأنّها مقدَّمة على جميع الحقوق من الديون، ( بلا خلاف ولا إشكال؛ لأهمية النفس عند الشارع ) (2) ، فإن فضُل من المال شيء ابتدأ بزوجته؛ لأنّ نَفَقتها تثبت عن طريق المعاوضة لا عن طريق الحاجة، وإن فضُل شيء آخر، وُزِّعَ على الأقارب بالسويّة دون تفضيل والد على ولد.
وتجب نفقة الولد على الأب، فإن فُقد أو كان معسراً، فعلى الجدّ من جهة الأب، وإن فُقد أو كان معسراً فعلى الأمّ، ثمّ على أبيها وأمّها وأمّ الأب بالتساوي.
وبالإجمال: فلابدّ من مراعاة الترتيب الأقرب فالأقرب، عدا حالة واحدة وهي: تقديم الأب والجدّ على الأم.
____________________
1 - المسالك: باب النفقة الشرعية.
2 - الجواهر: ج 31، ص 365.
وتكمن أهمية الرضاع على الصعيد الشرعي في أمور ثلاثة:
الأول: إنّ لبن الأم أنفع للولد من أيّ لبن آخر.
ثانياً: إنّ الأم المرضِعة لها الحقّ في المطالبة بأجر الرضاع من الزوج، فمعنى العِوض في النكاح الإسلامي يعني: بيع المرأة جسدها للرجل بمبلغ من المال؛ لأنّ العوض في الرضاع إذاً يعني بيع المرأة جسدها لولدها الرضيع، وهو يناقض أصل فكرة المعاوضة التي تُعبّر عن عدالة الإسلام في الحقوق والواجبات ضمن إطار النظام العائلي.
ثالثاً: إنّ إرضاع المرأة لرضيع آخر يختلف عنها على الصعيد البيولوجي ينشر تحريماً للزواج، تماماً كما ينشر الولد النسبي ذلك التحريم.
ويتحقّق مسمّى الارتضاع بامتصاص الرضيع اللبن من ثدي أمّه أو مرضعته، وقد ورد في الروايات ما يحبّب رضاع الطفل من ثدي أمّه، فعن الإمام أمير المؤمنين (ع): ( ما من لبن رضع به الصبي أعظم بركة عليه من لبن أمّه ) (1) .
ووردَ أيضاً ما يحدّد مدّة الرضاعة، فقد حدّد الشرع مدّة الرضاعة بحولين، وأجاز نقصانها إلى واحد وعشرين شهراً؛ لقوله تعالى: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِه ) (2) ،
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 92.
2 - البقرة: 233.
وقوله تعالى: ( وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً ) (1) ، فإذا حَملت به تسعة أشهر كما هو الظاهر كانت مدّة الرضاع واحداً وعشرين شهراً.
وللأم الحقّ بالمطالبة بأجور إرضاع ولدها؛ لقوله تعالى: ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ) (2) .
وعلى أساس ذلك اتفق الفقهاء على: أنّ الأم لا تُجبر على إرضاع ولدها كما ورد في الحديث عنه (ع)، إلاّ إذا تضرّر الطفل من جرّاء ذلك، فيجب عليها - حينئذ - الرضاعة، وإذا كان الأب موسِراً فعليه دفع أجرة الرضاعة، وإذا كان فقيراً فعلى الأم أن تتحمّل مسؤولية ذلك.
وفي حالة تطليقها قبل أن تضع حملها، فعليه الإنفاق حتى تضع، بل لابدّ له من تحمّل أجور الرضاعة بعد ذلك؛ للروايات المروية عن أئمة أهل البيت (ع)، ومنها ما روي عن الإمام جعفر بن محمد (ع): ( المطلّقة الحُبلى يُنفَق عليها حتى تضع حملها، وهي أحقّ بولدها أن تُرضعه بما تقبله امرأة أخرى، يقول الله عزّ وجل: ( لا تُضارُّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَولُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلى الوارِثِ مِثلُ ذلِكَ ) (3) ، لا يضارّ بالصبي ولا يضارّ بأمّه في إرضاعه، وليس لها أن تأخذ في رضاعه فوق حولين، فإذا أرادا الفصال عن تراضٍ منهما كان حَسناً ) (4) .
ولا شك أنّ الرضاع من غير الأم ينشر تحريماً للزواج، والأصل في ذلك قوله تعالى:
____________________
1 - الأحقاف: 15.
2 - الطلاق: 6.
3 - البقرة: 233.
4 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 167.
( وَأُمَّهَاتُكُمْ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنْ الرَّضَاعَةِ ) (1) ، وما تواتر عن الرسول الكريم (ص): ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) (2) .
ولمّا كان للرضاع الموجب للتحريم تأثير اجتماعي فيما يتعلّق بالأنساب والقضايا الزوجية والإرث، فقد وضعَ الإسلام له شروطاً واجبة، منها:
أولاً: أن يكون اللبن الذي يرضعه الطفل لبناً متكوّناً من امرأة متزوجة زواجاً شرعياً، والمشهور ( إلحاق اللبن الذي [ نتجَ ] عن نكاح الشبهة باللبن الذي [ نتجَ ] عن النكاح الصحيح؛ لأنّ نكاح الشبهة موجِب للنسب، كالنكاح الصحيح، واللبن تابع للنسب ) (3) ، حيث إنّ ( نكاح الشبهة كالنكاح الصحيح أي الوطء بالعقد الصحيح، وفاقاً للأكثر، بل لم نجد فيه خلافاً محقّقاً ) (4) .
واللبن الذي تدرّه المرأة من غير حمل ولا ولادة - حتى لو كانت متزوجة زواجاً شرعياً - لا ينشر الحرمة؛ لقوله (ع) عندما سُئل عن امرأة درّ لبنها من غير ولادة، فأرضعت ذكراناً وإناثاً، أيحرُم من ذلك ما يحرم من الرضاع؟ قال: ( لا ) (5) .
و ( لا يُعتبر في نشر الحرمة بقاء المرأة في حبال الرجل قطعاً وإجماعاً، فلو طلّق الزوج، وهي حامل منه، ثمّ وضعت بعد ذلك، أو أرضعت وهي حامل، أو طلّقها وهي مرضع أو مات عنها كذلك فأرضعت ولداً، نشرَ هذا الرضاع الحرمة، كما لو كانت في حباله، بلا خلاف،
____________________
1 - النساء: 23.
2 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 155.
3 - الحدائق: باب الرضاع.
4 - الجواهر: ج 29، ص 266.
5 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 156.
والإجماع على ذلك، ولا فرق بين أن يرتضع في العدّة أو بعدها، ولا بين أن يستمرّ اللبن أو ينقطع ثمّ يعود ) (1) .
ثانياً: امتصاص الرضيع اللبن من ثدي المرضعة مباشرة، حيث ( لابدّ من ارتضاعه من الثدي في قول مشهور، تحقيقاً لمسمّى الارتضاع، فلو وجِر في حلقه، أو وصل إلى جوفه بحقنة، وما شاكلها لم تنتشر الحرمة؛ لعدم صدق الارتضاع، ولخبر زرارة عن الصادق (ع): ( لا يحرم من الرضاع إلاّ ما ارتضع من ثدي واحد )، وكذا لو مُزج اللبن بغيره، كما لو أُلقي في فم الصبي مائع فرضعَ فامتزج حتى خرجَ عن كونه لبَناً، أمّا إذا لم يخرج اللبن عن الاسم بالامتزاج فيجري عليه حُكم اللبن الذي يوجب التحريم ) (2) .
ثالثاً: استيفاء المرتضِع عدد الرضعات الشرعية قبل أن يكمل الحولين، ولا أثر لرضاعة بعدهما؛ للنص المجيد: ( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ) (3) ، ولقوله (ص): ( لا رضاع بعد فطام ) (4) ، وقوله (ع): ( الرضاع قبل الحولين قبل أن يُفطم ) (5) .
رابعاً: أن يؤدي الرضاع إلى شدّ العظم وإنبات اللحم، كما في رواية حماد بن عثمان عن الصادق (ع) صحيحاً: ( لا يحرم من الرضاع إلاّ ما أنبتَ اللحم والدم ) (6) ، وجوابه عندما سُئل عمّا يَحرم من الرضاع؟ قال (ع): ( ما أنبتَ اللحم وشدّ العظم، قيل: فيحرم عشر رضعات؟ قال: لا؛ لأنّها لا تُنبت اللحم ولا تشدّ العظم ) (7) .
____________________
1 - الجواهر: ج 29، ص 267.
2 - الجواهر: ج 29، ص 294.
3 - البقرة: 233.
4 - التهذيب: ج 2، ص 204.
5 - الكافي: ج 2، ص 41.
6 - التهذيب: ج 7، ص 312.
7 - الاستبصار: ج 2، ص 195.
وحُدّد الرضاع أيضاً بالعدد والزمن.
أمّا بالنسبة للعدد: فيجب أن يرضع الطفل خمس عشرة رضعة من امرأة واحدة، لا يُفصل بينها رضاع من امرأة أخرى، ولابدّ من التوالي بين الرضعات.
وأمّا الزمن: فهو الرضع من امرأة واحدة يوماً وليلة؛ للرواية عن الإمام محمد الباقر (ع): ( لا يُحرّم الرضاع أقلّ من يوم وليلة، أو خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحلٍ واحد، لم يُفصل بينها رضعة امرأة غيرها، فلو أنّ امرأة أرضعت غلاماً، أو جارية عشر رضعات من لبن فحل واحد وأرضعتهما امرأة أخرى من فحل آخر عشر رضعات، لم يحرم نكاحهما ) (1) .
خامساً: حياة المرضعة عند جميع الرضعات، فلو أرضعته أربع عشرة رضعة ثمّ ماتت لم تثبت الحرمة؛ لانتفاء اسم الارتضاع بعد الموت.
سادساً: أن يكون اللبن لفحل واحد وهو زوج المرضعة، كما جاء في الرواية الآنفة الذكر: (... أو خمس عشرة رضعة من امرأة واحدة من لبن فحل واحد.. ) (2) ، فلو فارقها زوجها وتزوّجت بغيره ولم تتمّ رضعات ذلك الطفل، لم تثبت الحرمة بين المرضعة والرضيع، وكذلك ( لو أرضعت اثنين مثلاً بلبن فحلين الرضاع المحرّم، لم يحرم أحدهما على الآخر على المشهور بين الفقهاء شهرة عظيمة كادت [ أن ] تكون إجماعاً ) (3) .
و( يعتبر في الرضعات قيود ثلاثة: كمال الرضعة، وامتصاصها من الثدي، وأن لا يفصل بين الرضعات برضاع غير المرضعة.
____________________
1 - التهذيب: ج 2، ص 204.
2 - التهذيب: ج 2، ص 204.
3 - الجواهر: ج 29، ص 303.
وللشيخ [ الطوسي ] في الكمالية، قولان:
أحدهما: المرجع إلى العرف؛ لأنّ كل لفظ أطلقهُ الشارع ولم يعيّن له حدّاً يُرجع فيه إلى العرف.
وثانيهما: أن يروي الطفل ويصدر من قِبل نفسه، فلو تركَ الثدي ثمّ عاودَ فإن كان للتنفّس، أو لالتفات إلى ملاعب، أو الانتقال إلى ثدي آخر، أو الراحة، أو مُنع منه فالكل رضعة، وإن كان للإعراض فالأولى رضعة مستقلّة ) (1) .
وإذا تحقّقت الشروط السابقة أصبحَ الرضيع ابناً للمرضعة ولزوجها المعروف شرعاً بصاحب اللبن، وتترتّب على ذلك نفس أحكام الولد النسبي في انتشار الحرمة، وتصبح أصولهما من الآباء والأجداد أصولاً له، وفروعهما من الأبناء أخوة له.
والخلاصة: أنّ ( موضوع المحرّم بالرضاع هو موضوع المحرّم بالنسب، فنقول: بدل تحريم الأخت من النسب تحريم الأخت من الرضاع والبنت كذلك، وهكذا في حليلة الابن والأب، والجمع بين الأختين وغير ذلك ) (2) .
____________________
1 - التنقيح الرائع: ج 3، ص 47.
2 - الجواهر: باب الرضاع.
ولمّا كان حقّ الطفل في النمو السليم والتكامل الجسدي والعقلي، من القضايا الموضوعية التي ينبغي أن يتحمّلها الأبوان حفظاً للنظام الاجتماعي، لاحظت الشريعة الإسلامية ضرورة رعاية مصلحة الطفل في الحضانة، وأوكلتها للأبوين في حالة استقرار الزواج.
والحضانة: من حَضْن الطير بيضهُ، مبالغة في الاحتياط والمراعاة، وشرعاً رعاية مصلحة هذا الفرد الصغير عن طريق الاعتناء بتربيته، و ( هي بالأنثى أليق منها بالرجل لمزيد شفقتها، وخَلقها المعَدّ لذلك ) (1) .
والمشهور بين الفقهاء: أنّ الحضانة للأم والأب ما لم يقع الطلاق، فإذا وقعَ الطلاق تصبح الأم أحقّ بالذكر حتى يكمل السنتين، وأحقّ بالأنثى حتى تكمل سبع سنين، وإذا تزوّجت الأم قبل ذلك سقطت حضانتها، ولكن لا دليل على هذه الشهرة من ناحية النصوص الشرعية، فقد ( اختلفَ الفقهاء في مستحِقّ الحضانة من الأبوين؛ لاختلاف الأخبار: ففي بعضها أنّ الأم أحقّ بالولد مطلقاً ما لم تتزوج، وفي بعضها أنّها أحقّ به إلى سبع سنين، وفي آخر إلى تسع، وفي بعضها أنّ الأب أحقّ به، وليس في الجميع فرق بين الذكر والأنثى، وليس في الباب خبر صحيح، بل هي بين ضعيف ومرسل وموقوف ) (2) .
ولعلّ الحقّ: أنّ الأمر ينبغي إرجاعه إلى الحاكم الشرعي لتحديد ذلك بعد تعيين مصلحة الطفل.
ويُشترط في الحاضنة أن تكون: حرّة، مسلمة، عاقلة، وغير متزوّجة
____________________
1 - المسالك: باب الحضانة.
2 - المسالك: باب الحضانة.
بعد طلاقها من زوجها الأول، كما ورد في الروايات عن أهل البيت (ع): ( المرأة أحقّ بالولد ما لم تتزوج ) (1) . ويشترط أيضاً: أن تكون على درجة من الوعي والإدراك بمصلحة الطفل، ومع أنّ الحضانة بيد الأم، إلاّ أنّ الولاية الشرعية تبقى بيد الأب حتى مع الطلاق.
وإذا ماتت الأم، انتقلت حضانة الطفل إلى الأب، وإذا مات الأب انتقلت الحضانة إلى الجد من طرف الأب، وإذا فُقد الجد ولم يكن له وصي فالحضانة لأقارب الطفل على ترتيب الميراث.
والحضانة: حقّ موضوعي تستطيع المرأة إسقاطه متى شاءت؛ لأنّه ليس حُكماً، بدليل ( التعليق على مشيئتها والتعبير بالأحقّية، بل ظاهرها كون هذه الأحقّية مثلها في الرضاع، وحينئذٍ لا يكون ذلك واجباً عليها، ولها إسقاطه والمطالبة بأجرته ) (2) .
____________________
1 - الكافي: ج2، ص 93.
2 - الجواهر: ج 31، ص 284.
وليس هناك شك من أنّ الصبيان - وهم براعم المستقبل، وهم المؤهّلون للتكليف الشرعي لاحقاً - يحتاجون أكثر من غيرهم إلى عين تحفظ مصالحهم الشخصية وحقوقهم المادية والأدبية.
وبطبيعة الحال، فإنّ حقوق الصبي والصبية تدخل ضمن الإطار الشرعي الذي جاء به الإسلام، فأمرَ بحفظها رعاية لمصلحتهما وحفظاً لشخصيتهما الاجتماعية حتى يصِلا مرحلة الرشد والبلوغ، وهذه الحقوق تشمل أحكاماً في الولاية والوصاية والعبادات والمعاملات.
أ - الحَجر قبل البلوغ
فقد أقرّ الإسلام شرعية الحَجر، وهو: منع الإنسان من التصرّف في أمواله كلياً أو جزئياً لمختلف الأسباب منها: المرض، والإفلاس، والسفه، والجنون، والصغر، وهو ثابت إجماعاً ونصاً، ومنه قوله تعالى: ( وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ) (1) ، وما ورد عن الإمام جعفر بن محمد (ع) في الرواية: ( انقطاع يُتم اليتيم الاحتلام وهو أشدّه، وإن احتلمَ ولم يؤنس منه
____________________
1 - النساء: 5.
رشد وكان سفيهاً أو ضعيفاً، فليُمسك عنه وليه ماله ) (1) .
وأجمعَ الفقهاء على: أنّ الصغير ممنوع من التصرّفات المالية حتى يحصل له البلوغ والرشد.
ب - عبادات ومعاملات الصبي
والمشهور بين فقهاء الإمامية: أنّ عبادة الصبي - كأداء الصلاة والصوم والحج - شرعية لا تمرينية؛ لأنّ أدلّة التكاليف غير الملزمة لا مانع من شمولها للصبي، كما قال بعض الفقهاء، باعتبار أنّ العبادة حسنة بذاتها، وأنّ السبب الموجب لشرعيتها هو: إدراك الصبي بأنّه يتقرّب بها إلى الله سبحانه وتعالى.
ومن الواضح أنّ وصية الصبي المميّز وصَدَقته في وجوه الخير جائزة، شرط أن يبلغ عشراً، كما ورد في روايات أئمة أهل البيت (ع)، ومنها رواية عن الإمام جعفر بن محمد (ع): ( إذا بلغَ الغلام عشر سنين جازت وصيته ) (2) ، ورواية أخرى: ( إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنّه يجوز له في ماله ما أعتقَ، أو تصدّق، أو أوصى على حدّ معروف وحقّ فهو جائز ) (3) ، وهو المشهور بين علماء الإمامية.
ولا شك أنّ الصبي يؤدَّب على ما يرتكبه من الكبائر، ويُغرم في ماله ما يُحدِث في مال الغير من تلفٍ أو عيب، باعتبار أنّ الحُكم الوضعي - الذي يتجه نحو صحّة العمل وفساده - يخصّ الصبيان كما يخصّ البالغين.
____________________
1 - التهذيب: ج 2، ص 385.
2 - الكافي: ج 2، ص 242.
3 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 272.
وللصبي جواز التملّك فيما يحوزه من المباحات، وله الحقّ فيما يُحييه من أرض المَوات.
إذاً، فإنّ عبادة الصبي ووصيته وتملّكه جائزة عند الفقهاء، ولكنّ الذي اختُلف فيه هو العقد الذي يعقده الصبي، أهوَ جائز أم لا؟ انقسم فقهاء الإمامية في الإجابة على هذا السؤال إلى فريقين:
الأول: المشهور بينهم أنّ عقد الصبي المميّز باطل حتى مع إذن الولي، عدا ما استُثني من الصدقة والوصية، كما جاء في الرواية عن الإمام (ع) المذكورة آنفاً، وكما ورد أيضاً في رواية أخرى: ( عَمدُ الصبي وخطأه واحد ) (1) ، فـ( إذا جمعنا الأدلّة بعضها إلى بعض، فمقتضاها عدم الاعتبار بما يصدر عن الصبي من الأفعال التي يُعتبر فيها القصد: كإنشاء العقود أصالة ووكالة، والقبض والاقباض، وكلّ التزام على نفسه من ضمان، أو إقرار، أو نذر، أو إيجاز ) (2) .
الثاني: قالوا بجواز معاملة الصبي المميّز وصحّتها مع إذن الولي، فـ( لا يبعد القول بصحّة عقد الصبي إذا كان بإذن الولي، كما اختاره جماعة، منهم المحقّق الأردبيلي، وقَبله فخر المحقّقين في الإيضاح ) (3) .
وقد ( نُسِبَ إلى الشيخ تارة، وبعض الأصحاب أخرى جواز بيعه إذا بلغَ عشراً عاقلاً.. والموجود في كتاب المبسوط روي أنّه إذا بلغ عشر سنين وكان رشيداً، كان جائز التصرّف ) (4) ، و ( إذا جاز عتق الصبي ووصيته بالمعروف وغيرها - كما هو ظاهر الكثير من الروايات - فلا يبعد جواز بيعه وشرائه، وسائر معاملاته
____________________
1 - التهذيب: ج 10، ص 233.
2 - المكاسب للشيخ الأنصاري.
3 - نهج الفقاهة للسيد الحكيم: ص 183.
4 - مفتاح الكرامة كتاب المتاجر: ص 170.
إذا كان بصيراً رشيداً مميّزاً، يعرف نفعه وضرّه في المال، وطريق الحفظ والتصرّف، كما نجده في كثير من الصبيان، فإنّه قد يوجد بينهم مَن هو أعظم في هذه الأمور من آبائهم، فلا مانع أن يوقع الصغير العقد خصوصاً مع إذن الولي، وحضوره بعد تعيين الثمن ) (1) .
ج - الولاية والوصاية
ولا يتم الحَجر إلاّ بوجود ولي أو قيّم يرعى الصبي نيابة عن صاحبه، فتثبت الولاية بالدرجة الأولى للأب والجد في مرتبة واحدة على الصغير، والمجنون المتصل جنونه بالصغر، وإذا فُقدا معاً تكون الولاية لوصي أحدهما، والجد أولى من وصي الأب، وإذا افتُقد الوصي فالولاية للحاكم الشرعي، حيث إنّ ( الولاية ثابتة للأب والجد له من النسب شرعاً، فلا ولاية للأب رضاعاً، ولا لِمن أولده سِفاحاً، وثبوت الولاية لهما بالاشتراك بينهما مورد اتفاق النص والفتوى، وإن اختصّ الأب في أكثر النصوص إلاّ أنّ المراد منه ما يشمل الجد، بل يُقدّم عقده على عقد الأب مع المعارضة.
أمّا الولاية للوصي المنصوب من الموصي قيّماً على أطفاله، فهي ثابتة بالنص والإجماع، ولكن بحسب ما هو مجعول له من الموصي من حيث الإطلاق والتقييد، فإن أطلق فلا إشكال في نفوذ ما يتولّى من مصالحهم في حفظ نفوسهم وأموالهم، وأخذ الحقوق الراجعة إليهم، وغير ذلك من: بيع، وإجارة، ومزارعة، ومساقاة ونحو ذلك، كما لا إشكال في المنع عن فعل بعض ما كان للأب جوازه من حيث
____________________
1 - شرح الإرشاد للاردبيلي.
لأبوّة،... ولعلّ من ذلك تزويج الصغير والصغيرة، وإن كان قيّماً ) (1) .
ويُشترط في الولي والوصي: البلوغ، والرشد، والاتحاد في الدين، ويضاف إلى ذلك: شرط العدالة بالنسبة للحاكم الشرعي.
والمدار أن يكون التصرّف في مال القاصر من قِبل الولي أو الوصي على أساس مصلحة القاصر، واتفق الفقهاء على أنّ تصرّفات الولي إذا كانت نفعاً للمولى عليه فإنّها تنفذ، وإذا كانت ضرراً عليه فإنّها لا تنفذ؛ لمنافاتها الغرض الذي من أجله شُرّعت الولاية، كما يُستشعر ذلك من قوله (ص): ( أنت ومالكَ لأبيك... لا نُحب أن يأخذ الأب من مال ابنه إلاّ ما يحتاج إليه ممّا لابدّ منه، إنّ الله لا يُحب المفسدين ).
وللولي أن يتّجر بمال القاصر بأي شكل من الإشكال التي تجرّ ربحاً يصبّ في مصلحة الصبي، وعليه أن ينفق على الصبي بالمعروف دون تقتير أو إسراف، وإن كان الولي فقيراً يحقّ له أن يأكل من مال الصبي بالمعروف، ولا يحقّ له ذلك إن كان غنياً؛ لقوله تعالى: ( وَمَن كانَ غَنِيّاً فَليَستَعفف، وَمَن كانَ فَقيراً فَليَأكُل بِالمَعرُوفِ ) (2) .
ويشترط أيضاً: تعيين الوصي بالذات، وتعيين الموصى به، كما في رواية عمّار بن مروان، قال: قلت لأبي عبد الله (ع): إنّ أبي حضرهُ الموت، فقيل له: أوصِ، فقال: هذا ابني ( يعني عمر )، فما صنع فهو جائز؟ قال أبو عبد الله (ع): ( فقد أوصى أبوك، وأوجز ) (3) .
ويحقّ للأب والجد تزويج الصبي، ولا يحقّ للوصي ذلك، ولا يحقّ للأبوين ولا للحاكم الطلاق عن الصبي؛ لعموم ( الطلاق بيد مَن أخذَ بالساق ).
____________________
1 - بُلغة الفقيه للسيد بحر العلوم.
2 - النساء: 6.
3 - التهذيب: ج 2، ص 399.
وفي الحالات الاستثنائية: كدفع الأذى، أو إنقاذ نفس، يستطيع الولي ( أن يرشي الظالم من مال القاصر لتخليصه وإطلاقه، بل لو طمعَ الظالم في ماله وجب عليه أن يعطيه ما لا يقدر على دفعه إلاّ به ) (1) .
أمّا الوصاية ، ويعبّر عنها بالوصية العهدية أيضاً، فهي: ( ولاية على إخراج حقّ أو استيفائه، أو على طفل، أو مجنون يملك الموصي الولاية عليه بالأصالة كالأب والجد، أو بالواسطة كالوصي المأذون في الإيصاء ) (2) .
والوصاية: إيقاع، ونوع من أنواع الولاية فلا يجوز للوصي، الذي عهده الموصي برعاية أطفاله ووفاء ديونه، بالتنازل عنها والاستقالة منها؛ لأنّها حكم لا يسقط بالإسقاط، ولكن للموصي أن يرجع عن الوصاية ما دام حيّاً، أمّا الوصي فتصبح الوصاية ملزمة له إذا علم بها ولم يردّ، وكذلك إذا تعذّر إبلاغ الموصي الردّ لغيابه أو موته، حيث ورد عن الإمام الصادق (ع): ( إذا أوصى الرجل إلى أخيه وهو غائب، فليس له أن يردّ وصيته؛ لأنّه لو كان شاهداً وأبى أن يقبلها طلبَ غيره ) (3) . ولا تثبت الوصاية إلاّ بشهادة عدلين، ولا تُقبل شهادة النساء منفردات ولا منضمّات، ولا شهادة رجل مع اليمين.
وإذا خان الوصي، فقد انعزل تلقائياً، حيث تبطل جميع تصرّفاته دون تدخّل الحاكم الشرعي؛ لأنّ الوصاية تستدعي الأمانة وحفظ مصلحة الطفل شرعاً، والمشروط عدمٌ عند عدم شرطه، كما يقول الفقهاء.
____________________
1 - مفتاح الكرامة: باب الوصية.
2 - الجواهر: باب الوصية.
3 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 282.
ولا يضمن الوصي إلاّ مع التعدّي والتفريط، حيث ورد أنّ رجلاً أوصى إلى رجل وأمره أن يعتق عنه نسمة بستمئة درهم من ثلثه، فانطلقَ الوصي، وأعطى الستمئة درهم رجلاً يحجّ بها عنه؟ فقال أبو عبد الله (ع): ( يَغرم الوصي ستمئة درهم من ماله، ويجعله فيما أوصى الميّت في عتق نَسَمة ) (1) .
وللوصي أن يأخذ أجرة المِثل من المال الموصى به للطفل، كما جاء في جواب الإمام جعفر بن محمد (ع) عمّن تولّى مال اليتيم، هل له أن يأكل منه؟ قال: ( ينظر إلى ما كان غيره يقوم به من الأجر، فليأكل بقدر ذلك ).
وإذا مات الأب بلا وصية، أو مات الوصي، وكان للميت أطفال، أُرجع النظر في أمرهم إلى الحاكم الشرعي؛ لأنّه ولي مَن لا وليّ له، وإذا تعذّر ذلك قامَ الأُمناء الصالحون من المؤمنين ( على ما هو المشهور بين الفقهاء من ثبوت الولاية لهم على مثل ذلك؛ للنصوص المعتبرة المستفيضة المؤيّدة بما دلّ على الحسبة ) (2) .
د - البلوغ والرشد الشرعي
والبلوغ هو: سنّ التكليف الشرعي للذكر والأنثى، وهو ليس موضوعاً من الموضوعات الشرعية، بل هو من الأمور البيولوجية الطبيعية.
____________________
1 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 277.
2 - الجواهر: باب الوصية.
وقد ذكرَ الفقهاء أنّ من علامات البلوغ: الاحتلام، وهو خروج المني للذكر والأنثى في أيّ سن كان، في اليقظة أو في المنام؛ للنص الحكيم: ( وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا ) (1) ، ( وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ) (2) ، والمشهور من قول رسول الله (ص): ( رُفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ ) (3) .
ومن علاماته أيضاً: ظهور الشَعر الخشن على العانة، فـ( لا عبرة بالشَعر الضعيف الذي ينبت قبل الخشن، ثمّ يزول، ويعبّر عنه بالزغب، وقيّدوا الشعر بشَعر العانة؛ لعدم اعتبار غيره كشَعر الإبط والشارب واللحية، فلا عبرة بشيء من ذلك عندنا إذ لم يثبت كون ذلك دليلاً على البلوغ، وإن كان الأغلب تأخّرها عنه ) (4) .
أمّا الأنثى بالخصوص، فإنّ دليل بلوغها - إضافة إلى الاحتلام - هو: الحيض والحمل، فـ( لا خلاف كونهما دليلَين على سبق البلوغ، أمّا الحيض فقد علّق الشارع أحكام المكلّف عليه في عدّة أخبار، منها قول الرسول الأعظم (ص): ( لا تُقبل صلاة إلاّ بخمار )، وقوله: ( إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يُرى منها إلاّ هذا )، وأشار إلى الوجه والكفّين، أمّا الحمل فهو مسبوق بالإنزال؛ لأنّ الولد لا يُخلق إلاّ من ماء الرجل وماء المرأة، كما نبّه عليه تعالى بقوله: ( مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ) ، أي: مختلطة من ماء الرجل والمرأة، فهو دليل على سبق البلوغ ) (5) .
وإذا اشتبه البلوغ، فإنّه يُرجع إلى الشارع في معرفة السنّ، حيث ثبتَ
____________________
1 - النور: 59.
2 - النساء: 5.
3 - سفينة البحار للقمّي: ص 530.
4 - المسالك للشهيد الثاني.
5 - المصدر السابق.
عن أهل البيت (ع) أنّ سن بلوغ الذكر خمس عشرة سنة، وسن بلوغ الأنثى تسع سنين، وهذا هو المشهور، كما ورد في قوله (ع) عندما سُئل: متى يؤخذ الذكر أو الأنثى في الحدود التامة؟ قال: ( إنّ الجارية ليست مثل الغلام، إنّ الجارية إذا تزوجت ودخلَ بها ولها تسع سنين ذهبَ عنها اليُتم، ودُفع إليها مالها وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأُقيمت عليها الحدود التامة وأُخذت لها وبها، والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يُشعر، أو ينبت قبل ذلك ) (1) .
ويثبت بلوغ الصبية والصبي بمجرّد إقرارهما عن غير يمين، إذا ادّعيا البلوغ بالاحتلام في وقت يكون من المحتمل بلوغهما فيه، ويثبت رشده أو رشدها: بالاختيار، والتواتر، وشهادة رجُلين عدلين في الذَكر، وشهادة رجل وامرأتين أو أربع نساء في الأثنى، على المشهور.
ومجمل القول: ( إنّ البلوغ من الأمور الطبيعية المعروفة في اللغة والعرف، وليس من الموضوعات الشرعية التي لا تُعلم إلاّ من جهة الشارع، كألفاظ العبادات، بل ذكرَ أهل اللغة ترتيب أحوال الإنسان، وأنّ له في كلّ حال اسماً مخصوصاً في الرجال والنساء من أول الخِلقة إلى حال الشيخوخة...
وعلى كل حال، فلا يخفى على مَن لاحظ كلماتهم: أنّ من المعلوم لغة وعرفاً أنّ الغلام متى احتلمَ بلغَ وأدركَ، وخرج عن حدّ الطفولة أو دخلَ إلى حدّ الرجولة، وكذا الجارية إذا أدركت وأعصرت فإنّها تكون امرأة كغيرها من النساء.
نعم، يُرجع إلى الشرع في مبدأ السن الذي يحصل به البلوغ، مثلاً إذا حصل فيه الاشتباه، بخلاف الاحتلام والحيض والحمل ونحوهما ممّا لا ريبَ
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 292.
في صدق البلوغ معها لغة وعرفاً، ولو للتلازم بينهما ) (1) .
____________________
1 - الجواهر.
ومن نافلة القول أن نذكر استقلال الأنثى البالغة الرشيدة، والذكر البالغ الرشيد في اختيار الشريك المناسب في الزواج، فلا يضع الإسلام عليهما سلطاناً أو ولياً يحدّد من حرّيتهما في اختيار الفرد اللائق في حياتهما الزوجية اللاحقة، ولكن حفظاً لمصلحتهما، شجّع الإسلام إيثار إذْن الولي واختياره على اختيارهما.
فالولاية: سلطة شرعية جعلية للفرد الكامل على المولّى عليه الناقص؛ حفاظاً على مصلحة الناقص، ومن أمثلة هؤلاء: الصغير، والسفيه، والمجنون من الذكور والإناث، فجعل الشارع عليهم الولاية في الزواج، فقد اتفق الفقهاء على أنّ الولي ينفرد بزواج الصغير والمجنون والسفيه، ذكراً كان أم أنثى.
والبالغ الراشد يستقلّ في زواجه ولا ولاية لأحد عليه، وكذلك البالغة الراشدة فلا سلطان لأحد عليها، وإنّها تتزوّج بمَن تشاء دون قيد أو شرط، حيث إنّ ( المشهور في محلّ البحث نقلاً وتحصيلاً بين الفقهاء القدماء والمتأخرين: سقوط الولاية عنها، بل عن الشريف المرتضى في كتاب الانتصار والناصريات الإجماع عليه ) (1) ؛ لأنّ الولاية والاستقلال في التصرّف حقّ لكل إنسان بالغ راشد ذكراً كان أو أنثى.
وقوله تعالى: ( فَانكِحُوا ما طابَ لَكُم مِنَ النِّساءِ مَثنى وَثُلاث وَرُباع ) (2) ، يدلّ على عموم إباحة الزواج و صحته دون الرجوع إلى إذْن الولي إلاّ ما خرجَ بدليل.
و ( المرأة إذا كانت ثيِّباً، مالكة لأمرها، نافذاً أمرها في البيع والشراء والعتق
____________________
1 - الجواهر: كتاب النكاح.
2 - النساء: 3.
والهبة في مالها، غير مولّى عليها لفساد عقلها، جازَ لها العقد على نفسها لِمن شاءت من الأكفّاء، سواء كان أبوها حيّاً أو ميّتاً، إلاّ أنّ الأفضل لها مع وجود الأب ألاّ تعقد على نفسها إلاّ برضاه ) (1) .
ويؤكد ذلك العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (ع)، منها: ( البكرُ التي لها الأب لا تتزوّج إلاّ بإذن أبيها، وإذا كانت مالكة أمرها تزوّجت متى شاءت ) (2) ، وجوابه (ع) عندما سُئل عن البكر إذا بلغت مبلغ النساء ألَها مع أبيها أمر؟ فقال: ( ليس لها مع أبيها أمر ما لم تثيب ) (3) ، وفي رواية أخرى: ( إذا كانت المرأة مالكة أمرها تبيع وتشتري وتعتق وتشهد، وتُعطي مالها ما شاءت، فإنّ أمرها جائز، تتزوّج إن شاءت بغير إذْن وليّها، وإن لم تكن كذلك فلا يجوز تزويجها إلاّ بأمر وليها ) (4) ، وقوله: ( تعطي مالها من تشاء ) يعني نفي السفه عنها.
و ( الروايات الدالّة على استقلال البكر معتضدة أو منجبرة بفتوى الأكثر ودعوى الإجماع ) (5) ، ولكن نفي الولاية في زواج البنت لا يستدعي الخروج عن العرف، فـ ( يستحب لها إيثار اختيار وليّها على اختيارها، بل يكره لها الاستبداد، كما أنّه يكره لِمن يريد نكاحها، أن لا يستأذن وليها... بل ينبغي مراعاة الوالدة أيضاً، بل يستحب أن تلقي أمرها إلى أخيها مع عدم الوالد والوالدة؛ لأنّه بمنزلتهما في الشَفَقة ) (6) ، ولكن إذا عَضلها الولي ( وهو: أن لا
____________________
1 - النهاية في مجرّد الفقه والفتاوى للشيخ الطوسي: ص 467.
2 - الكافي: ج 2، ص 25.
3 - الوسائل: ج 14، ص 203.
4 - التهذيب: ج 2، ص 221.
5 - المكاسب للشيخ الأنصاري.
6 - الجواهر: كتاب النكاح.
يزوّجها من كفء مع رغبتها، فإنّه يجوز لها أن تُزوّج نفسها ولو كرهاً، إجماعاً ) (1) .
واتفق الفقهاء على: أنّ للأب والجد من طرف الأب تزويج الصغير، ذكراً كان أم أنثى، ولكن ليس لهما الطلاق عن الزوج الصغير، كما يستفاد من قوله (ع) عندما سُئل عن الصبي يتزوّج الصبية، هل يتوارثان؟ فقال: ( إذا كان أبواهما اللذان زوّجاهما فنعم ، قال السائل: فهل يجوز طلاق الأب؟ قال الإمام: لا ) (2) .
ولا ولاية للحاكم الشرعي في زواج الصغير ذكراً كان أم أنثى، أمّا في حالة الجنون فإنّ ( ولاية الحاكم تثبت على مَن بلغَ غير رشيد بجنون، ولم يكن له ولي من حيث القرابة، و تجدّد فساد عقله إذا كان النكاح صلاحاً له بلا خلاف أجده فيه، بل الظاهر كونه مجمعاً عليه ) (3) .
____________________
1 - شرائع الإسلام: ج 2، ص 277.
2 - التهذيب: ج 2، ص 223.
3 - الجواهر: كتاب النكاح.
ومن أجل انتقال الثروة النقدية والعينية من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق بشكل منتظم وشرعي، لابدّ من إنشاء الوصية الشرعية، تمليكية كانت أو عهدية، ومقدارها الثلث فقط مع وجود الوارث؛ لأنّ الثلثين الباقيين يوزّعان على الورثة حفظاً لحقوقهم المالية من الضياع، ومع عدم وجود الوارث يجوز إنشاء الوصية بجميع الثروة المالية.
فالوصية هي: تفويض فرد بتصرّف معيّن بعد موت الولي، وصاغها الفقهاء بأنّها: تمليك عين أو منفعة مضاف إلى ما بعد الموت، وشرعيتها ثابتة بضرورة الدين؛ لقوله تعالى: ( كُتِبَ عَلَيكُم إذا حَضَرَ أَحَدَكُم المَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيراً الوَصِيّةُ لِلوالِدَينِ وَالأَقرَبينَ بِالمَعرُوفِ ) (1) ، وقوله (ص): ( مَن لم يحسن عند الموت وصيته، كان نقصاً في مروءته وعقله ) (2) .
وأجمعَ الفقهاء على استحباب الوصية، وعليه يُحمل قوله تعالى ( كُتِبَ عَلَيكُم ) في الآية السابقة، وتثبت الوصية بشهادة عدلين.
ومن الطبيعي أنّ الوصية الشرعية تقسم إلى قسمين: عهدية، وتمليكية .
فالوصية العهدية: إيقاع يتم بمجرّد الإيجاب ولا يحتاج إلى قبول، كمَن أوصى لآخر برعاية أطفاله ووفاء ديونه أو استيفائها، فيجب - عندئذ - تنفيذها دون الرجوع إلى الحاكم الشرعي.
والوصية التمليكية: كالعقد، حيث تحتاج إلى إيجاب وقبول، كمَن أوصى بمالٍ لشخص معيّن.
____________________
1 - البقرة: 180.
2 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 267.
وتتحقّق الوصية بشكليها، بوجود الإرادة المعبّر عنها بالقول أو الفعل، حيث ( يجوز أن يكون القبول فعلاً دالاً على الرضا بالإيجاب بلا خلاف ) (1) .
ولمّا كان للوصية آثار مالية ومعنوية على الأفراد في النظام الاجتماعي، فقد حرّمَ الإسلام لِمن سمعَ محتوى تلك الوصية تبديلها أو تغييرها بأيّ شكل من الإشكال؛ للنص الحكيم: ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) (2) .
ولكن يجوز للوصي الرجوع عن وصيته ما دام حياً حتى لو كانت تمليكاً لشخص معيّن؛ للروايات المروية عن أهل البيت (ع)، ومنها: ( لصاحب الوصية أن يرجع فيها، ويُحدث في وصيته ما دام حياً ) (3) ، ( للرجل أن يغيّر وصيته، فيَعتِق مَن كان أمرَ بملكه، ويملك مَن كان أمرَ بعتقه، ويعطي مَن كان حَرَمه، ويَحرم مَن كان أعطاه ما لم يمُت ) (4) .
ويُشترط في الموصي: أن يكون أهلاً للتصرّفات المالية، ولا تصحّ من غيره، كالصغير غير المميّز والمجنون إذ لا إدراك لهما، والمكرَه لعدم وجود الإرادة، والسفيه لحرمانه شرعاً من التصرّفات المالية، وذهب المشهور إلى أنّ الصبي المميّز إذا أتمّ العشرة من عمره جازت وصيته بالخير والمعروف، كما ذكرنا ذلك آنفاً.
ويشترط في الموصى له: الوجود حين إنشاء الوصية فلا تصح الوصية لمعدوم؛ لأنّ الوصية تمليك منفعة لفرد موجود واقعاً.
____________________
1 - الجواهر: باب الوصية.
2 - البقرة: 181.
3 - التهذيب: ج 2، ص 387.
4 - الكافي: ج 2، ص 237.
وتصح الوصية للحمل في بطنها على شرط وجوده حين الإنشاء، أو الكتابة، وإذا تبيّن أنّ الحمل كان توأماً، ذكراً وأنثى، قُسّم الموصى به بينهما بالسوية؛ لأنّ حكم الوصية يختلف عن حكم الميراث.
وتصح الوصية لأهل الذمّة، وهم: أفراد أهل الكتاب ممّن يدفعون الجزية للمسلمين؛ لقوله تعالى: ( لاَ يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (1) .
وذهب جماعة من الفقهاء إلى جواز الوصية للحربي؛ لقوله (ع): ( أعطِ [ الوصية ] لِمن أُوصيَ له، وإن كان يهودياً أو نصرانياً، إنّ الله يقول: ( فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ ) ) (2) ، و ( دعوى عدم قابلية الحربي للمِلك واضحة العدم، فالأقوى الجواز مطلقاً من غير فرق بين الحربي وغيره ) (3) .
ولا شك أنّ الوصية تُخرج من أصل التركة إذا كانت واجباً مالياً: كالوصية بديون الناس، أو ديون الله: كالزكاة، والخُمس، وردّ المظالم، والكفّارات.
وقد اتفق الفقهاء على أنّها تخرج من الأصل إذا لم يعيّن إخراجها من الثلث؛ لقوله تعالى: ( مِن بَعدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أو دَين ) (4) ، وللرواية الواردة عن الإمام جعفر بن محمد (ع) عندما سُئل عن رجل فرّط في إخراج زكاته في حياته، فلمّا حضرتهُ الوفاة حسبَ جميع ما فرّط فيه ممّا لزمه من الزكاة، ثمّ أوصى أن يُخرج ذلك فيُدفع إلى مَن يجب له؟ فقال (ع):
____________________
1 - الممتحنة: 8.
2 - الوسائل: ج 13، ص 417.
3 - الجواهر: باب الوصية.
4 - النساء: 11.
( جائز، يُخرج ذلك من جميع المال؛ إنّما هو بمنزلة الديون لو كان عليه، ليس للورثة شيء، حتى يؤدّى ما أوصى به من الزكاة ) (1) .
وتُخرج الوصية من أصل التركة أيضاً إذا كان واجباً مالياً وبدنياً كالحج، ودليله رواية عن الإمام الصادق (ع)، فقد سُئل عن رجل توفي، وأوصى أن يُحجّ عنه؟ قال: ( إن كان صرورة فمِن جميع المال، وإن كان تطوّعاً فمِن ثلثه ) (2) .
أمّا إذا كانت الوصية في الواجب البدني كالصوم والصلاة، فالمشهور أنّها تُخرج من الثلث إن أوصى بها، ولا يجب إخراجها إن لم يوصِ بها؛ لأنّ قضاء ما فاته من الصوم والصلاة واجبة على الولد الأكبر.
وإذا كان الموصى به على وجه التبرّع فحسب، أي ليس واجباً، فالوصية تنفذ بمقدار الثلث فقط، مع وجود الوارث؛ للرواية المروّية عن رسول الله (ص) عندما سأله أحدهم: ( أنا ذو مال، ولا يرثني إلاّ ابنة لي، أفأتصدّق بثلثَي مالي؟ قال الرسول: ( لا، قال الرجل: فالشطر؟ قال الرسول: لا، قال الرجل: فالثلث؟ قال الرسول: الثلث، والثلث كثير؛ إنّك إن تذر ورَثَتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون الناس )، ومع عدم وجود الوارث فإنّه يستطيع أن ( يوصي بماله حيث شاء في المسلمين، والمساكين، وابن السبيل ) (3) .
____________________
1 - التهذيب: ج 2، ص 381.
2 - التهذيب: ج 2، ص 397.
3 - التهذيب: ج 2، ص 386.
وبطبيعة الحال، فإنّ للأفراد المُنضوين تحت سقف واحد - والمنضمّين لعائلة واحدة - حقّاً مالياً في النفقة والإرث.
والإرث: يمثل شكلاً من أشكال الثروة المالية المتداولة بين الأجيال المتعاقبة بحدود العلاقة النسبية والسببية، وقد حدّدها الإسلام بصورة دقيقة من أجل الحفاظ على حقوق الأفراد في النظام الاجتماعي، مُشعراً بأنّ المال مجرّد وسيلة عملية لتسهيل إشباع حاجات الأفراد على اختلاف أعمارهم وأجناسهم في المجتمع الإنساني، فإذا مات الفرد وانتفت حاجاته الاجتماعية تعيّن توزيع المال الذي تركه على الأفراد الذين خلّفهم في العائلة المنتسب إليها.
فالإرث: ما هو إلاّ عملية انتقال تركة الميت الحقوقية إلى ورثته المقرّرين شرعاً، والتركة: اسم للأشياء التي يتركها الميت: كالعين، أو الدين، أو الحقّ المالي، أو حقّ الرهن، أو حقّ الشُفعة أو غير ذلك.
والملاحظ أنّ الشريعة أوجبت تقسيم الحقوق المتعلّقة بالتركة على النحو التالي: ( إخراج الكفن أولاً، والدَين ثانياً، والوصية ثالثاً، والسهام رابعاً ) (1) ، فالتجهيز الواجب للميت من: كفن، وغسل، ودفن مقدّم على الديون، وبعد التجهيز يبدأ بوفاء الديون، للناس كانت أم لله: كالخُمس، والزكاة، والكفّارات، وردّ المظالم، وحَجّة الإسلام.
____________________
1 - الجواهر: كتاب الإرث.
وبعد ذلك يقسّم الباقي أثلاثاً حيث تخرج الوصايا بغير الواجب المالي من الثلث، ويقسّم الثلثان بين الورثة على كتاب الله وسنّة نبيه؛ لقوله (ع): ( أول شيء يُبدأ به من المال: الكفن، ثمّ الدَين، ثمّ الوصية، ثمّ الميراث ) (1) .
ولا شك أنّ الموجِب للإرث أمران: النسب، والسبب ، ويترتّب السبب إمّا على الزوجية أو على الولاء (2) .
أمّا النسب أو القرابة: فتثبت بعلاقة الولادة الشرعية بين فردين، وذلك بانتهاء أحدهما إلى الآخر: كانتهاء الأبناء والأحفاد إلى الأب أو الجد، أو بانتهاء الاثنين إلى فرد ثالث كالأخوة والأعمام والأخوال، وللقرابة في الميراث ثلاثة مراتب غير متداخلة، حيث لا يرث فرد من المرتبة الثانية مع وجود وارث من المرتبة الأولى، ولا من المرتبة الثالثة مع وجود فرد من المرتبة الثانية، وهذه المراتب:
1 - الأبوان فقط من غير ارتفاع، والأولاد وإن نزلوا.
2 - الأجداد وإن ارتفعوا، والأخوة وأولادهم وإن نزلوا.
3 - الأعمام والأخوال وأولادهم وإن نزلوا شرط صدق اسم القرابة عليهم عرفاً.
وفي السبب: فإنّ الزوجية تجتمع في الميراث مع جميع المراتب، فيرث أحد الزوجين من الآخر الفرض المقدّر له شرعاً من النصف والربع والثمن، وسنتعرّض لذلك لاحقاً.
ويتحقّق الولاء الموجب للإرث إمّا عن طريق العتق، فيرث السيد عبده بشرط أن يعتقه تبرّعاً، وإمّا عن طريق ضمان الجريرة: وهو اتفاق اثنين لا وارث قريب لهما، على أن يضمن كلّ منهما جناية الآخر كأن يقول أحدهما: عاقدتُك على أن تنصرني وأنصرك، وتعقل عني وأعقل عنك،
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 240.
2 - مجمع البيان: ج 3، ص 18.
وترثني وأرثك، فيقول الآخر: قبلت، أو يكون الضمان من جانب واحد فيقول المضمون للضامن: عاقدتك على أن تنصرني، وتدفع عنّي، وتعقل عنّي وترثني، فيقول الآخر: قبلت.
وأمّا عن طريق ولاء الإمام، فإذا مات الفرد وترك مالاً ولا وارث له، كان ميراثه للإمام، إلاّ إذا كان الميت زوجاً أخذت الزوجة الربع وسُلِّم الباقي للإمام؛ لأنّ الإمام وارث مَن لا وارث له، قال الشيخ الصدوق: ( متى كان الإمام ظاهراً فماله للإمام، ومتى كان الإمام غائباً فماله لأهل بلده متى ما لم يكن له وارث ولا قرابة أقرب إليه منهم بالبلد به ) (1) ؛ لأنّ علياً (ع) كان يقول في الرجل يموت ويترك مالاً وليس له أحد: ( أعطِ المال همشاريجه ) (2) ، أي: أهل بلده.
ويثبت الإرث إذا وجِد المقتضي، وانتفى المانع، بمعنى أنّه لابدّ من وجود الوارث الشرعي الذي يحقّ له استلام المال المخصّص في الإرث، ولابدّ من انعدام العوائق التي تعيق ذلك الانتقال المالي من المورث إلى الوارث.
فمن الموانع: اختلاف الدِين، والقتل، والرق، فالمسلم يرث غير المسلم ولا يصح العكس؛ للروايات المتضافرة عن أئمة أهل البيت (ع) ومنها: ( لا يرث الكافر المسلم ) (3) ، و( لا يتوارث أهل ملّتين، نحن نرثهم ولا يرثونا، إنّ الله عزّ وجل لم يزدنا بالإسلام إلاّ عزاً ) (4) ، و ( لا يرث اليهودي والنصراني المسلمين، ويرث المسلمون اليهود والنصارى ) (5) .
____________________
1 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 4، ص 242.
2 - الكافي: ج 7، ص 169.
3 - التهذيب: ج 9، ص 372.
4 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 4، ص 244.
5 - الاستبصار: ج 4، ص 190.
و ( الإجماع على ذلك، ولِما جاء عن أهل البيت (ع): ( لو أنّ رجلاً ذمّياً أسلمَ وأبوه حي، ولأبيه ولد غيره، ثمّ مات الأب ورثَ المسلم جميع ماله، ولا يرث ولده، ولا امرأته من المسلم شيئاً ) (1) .
أمّا غير المسلمين، فإنّهم يتوارثون فيما بينهم، فالنصراني يرث اليهودي وبالعكس ( بلا خلاف معتدّ به ) (2) ؛ لقوله تعالى: ( لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) (3) ، وقوله أيضاً: ( فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ ) (4) ، مُشعراً بأنّ الكفر مجتمعاً ملّة واحدة.
والقتلُ يمنع الإرث، فإذا قتلَ مورّثه عمداً بغير حقّ مُنع القاتل من الإرث؛ للرواية المروية عن رسول الله (ص): ( لا ميراث للقاتل ) (5)؛ لأنّه تعجّل الميراث فعوقِب بخلاف قصده.
ومن الوَرَثة مَن يرث بالفرض وهو السهم المقدّر في كتاب الله كالزوج والزوجة، ومنهم مَن يرث بالقرابة كالابن، ومنهم مَن يرث بالفرض مرّة وبالقرابة مرّة أخرى كالبنت ترث بالفرض إذا لم يكن لها ابن، وبالقرابة إذا كان لها ابن.
والفروض المقدّرة في كتاب الله ستة، وهي: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس (6) .
ففي النصف: فريضة البنت الواحدة ( وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ) (7) ،
____________________
1 - الجواهر: كتاب الإرث.
2 - الجواهر: كتاب الإرث.
3 - الكافرون: 6.
4 - يونس: 32.
5 - الكافي: ج 7، ص 141.
6 - التهذيب: ج 9، ص 249.
7 - النساء: 11.
وفريضة الأخت الواحدة لأبوين أو لأب ( قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ (1) ، وفريضة الزوج عند عدم الولد ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ) (2) .
وفي الربع: فريضة الزوج مع الولد ( فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) (3) ، وفريضة الزوجة مع عدم الولد ( وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ) (4) .
وفي الثُمن: فريضة الزوجة مع الولد ( فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) (5) .
وفي الثلثين: فريضة الأختين لأبوين أو لأب ( فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ) (6) ، وفريضة البنتين فأكثر ( فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ) (7) .
وفي الثلث: فريضة الأم عند عدم وجود الابن للميت، وعدم وجود الأخوة له يحجبونها عمّا زاد عن السدس ( فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَِلأَمِّهِ الثُّلُثُ ) (8) ، وفريضة الأخوات من الأم فقط
____________________
1 - النساء: 176.
2 - النساء: 12.
3 - النساء: 12.
4 - النساء: 12.
5 - النساء: 12.
6 - النساء: 176.
7 - النساء: 11.
8 - النساء: 11.
( فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ) (1) .
وفي السدس: فريضة الأبوين مع الولد ( وَِلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ) (2) ، وفريضة الأم مع الأخوة ( فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَِلأَمِّهِ السُّدُسُ ) (3) ، وفريضة الأخ الواحد أو الأخت الواحدة من الأم ( وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوْ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ) (4) .
ويمكن أن تجتمع الفروض بعضها مع بعض، فالنصف يجتمع مثلاً مع الربع كالزوج والبنت، حيث إنّ للبنت النصف وللزوج الربع، وهناك موارد متعدّدة تجتمع فيها الفروض.
ويمكن أن يُمنع شخص من الإرث كلاً أو بعضاً بسبب وجود فرد آخر، فيكون الثاني حاجباً والأول محجوباً.
والحجب على نوعين: حجبُ الحرمان : حيث يكون الحاجب سبباً لمنع المحجوب عن أصل الميراث، كحرمان الجدّ كلياً بسبب وجود الأب، والضابط لحجب الحرمان مراعاة الأقرب؛ لقوله تعالى: ( وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) (5) .
وحجب النقصان: وهو أن يكون الحاجب سبباً للمنع من النصيب لا من أصل الإرث، كحرمان الزوج ممّا زاد على الربع بسبب وجود الولد.
ويصطلح الفقهاء على نقصان الفروض عن التركة بـ ( التعصيب ) .
____________________
1 - النساء: 12.
2 - النساء: 11.
3 - النساء: 11.
4 - النساء: 12.
5 - الأنفال: 75.
ومثال ذلك: إنّ فرض البنت الواحدة النصف، فإذا مات الأب وله بنت واحدة فقط وليس له ولد ذكر، فإنّ بعض المذاهب الإسلامية قد جَعلت أخ الميت شريكاً مع البنت، فيأخذ مع البنت النصف، ولكنّ فقهاء الإمامية قالوا بأنّ التعصيب باطل، وأنّ ما بقي من الفرض يجب ردّه على صاحب الفرض القريب، فالتركة إذاً ترجع بكاملها إلى البنت، وليس لأخ الميت شيء؛ لقوله تعالى: ( لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ) (1) .
أمّا ( العول ): فهو اصطلاح يطلقه الفقهاء على زيادة السهام على التركة بوجود الزوج أو الزوجة، كما لو تركَ الميت زوجة وأبوين وبنتين، ففرض الزوجة الثُمن، وفرض الأبوين الثلث، وفرض البنتين الثلثان، ولا تحتمل الفريضة ثُمناً وثلثاً وثلثين، ولكنّ علماء الإمامية قالوا بعدم العول وبوفاء الفريضة، وأنّ النقص يدخل دائماً على البنات والأخوات دون الزوج والزوجة والأم والأب، وعليه فإنّ للزوجة الثُمن وللأبوين الثلث والباقي للبنتين.
والمرتبة الأولى من مراتب الإرث تشمل: الأبوين، والأولاد وأولادهم، والولد اصطلاح يُطلق على الذكر والأنثى؛ لأنّه مشتق من الولادة كما قال تعالى: ( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ) (2) .
واستُدلّ بميراث المرتبة الأولى بقول الإمام محمد الباقر (ع): ( لا يرث مع الأم، ولا مع الأب، ولامع الابن، ولا مع الابنة، إلاّ الزوج والزوجة، وإنّ
____________________
1 - النساء: 6.
2 - النساء: 11.
الزوج لا ينقص من النصف شيئاً إذا لم يكن [ له ] ولد، وإنّ الزوجة لا تنقص مع الربع شيئاً إذا لم يكن [ لها ] ولد، فإن كان معهما ولد فللزوج الربع، وللمرأة الثُمن ) (1) ، وأحكام مواريث الأب، والأم، والأولاد، وأولاد الأولاد، والحبوة مفصّلة في كُتب الفقه، وعَرضُها هنا بشكل استدلالي يخرج عن نطاق هذا الكتاب.
والمرتبة الثانية تشمل: الأجداد والجدات، والأخوة والأخوات وأولادهم، وقد أُطلق على الأخوة اسم الكلالة: وهي من الإكليل لإحاطتهم بالفرد كما يحيط الإكليل بالرأس، فإذا كان للميت مثلاً أخوة ذكور من أبيه وأمه قُسِّم المال بينهم بالسوية، وإن كان معهم إناث فللذكر مثل حظّ الأُنثيين كما وردَ نصاً وإجماعاً.
ويُعتبر في تقسيم الإرث في هذه المرتبة: أنّ الجد كالأخ، والجدّة كالأخت؛ للروايات المتضافرة، ومنها: ( يرث الأخ من الأب مع الجدّ ينزّله بمنزلته ) (2) ، و ( إنّ الجدّة مع الأخوة من الأب مثل واحد من الأخوة ) (3) ، و ( إنّ الجد مع الأخوة يرث حيث ترث الأخوة، ويسقط حيث تسقط، وكذلك الجدّة أخت مع الأخوات ترث حيث يرثن، وتسقط حيث يسقطن ) (4) .
وقد ( انعقدَ الإجماع على أنّ أولاد الأخوة يقومون مقام آبائهم، ويرثون نصيبهم مع عدمهم، وعدم مَن هو في درجتهم ) (5) .
والمرتبة الثالثة تشمل: الأعمام، والأخوال وأولادهم.
____________________
1 - الكافي: ج 7، ص 82.
2 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 4، ص 206.
3 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 4، ص 206.
4 - الوسائل: ج 17، ص 493.
5 - مفتاح الكرامة: كتاب الإرث.
وقد ( أجمعَ الفقهاء على أنّ جميع أفراد هذه المرتبة إنّما يرثون مع فقد الأجداد وآبائهم، والأخوة وأبنائهم ) (1) .
وإذا انفرد الأعمام واتحدوا في النسبة إلى الميت اقتسموا التركة بالسوية، وكذلك الأخوال، ولكن إذا اجتمعَ الأعمام والأخوال، فللأخوال الثلث ذكوراً كانوا أم إناثاً، وللأعمام الثلثان ذكوراً كانوا أم إناثاً، و ( هو المشهور بين الفقهاء شهرة عظيمة؛ لاستفاضة النصوص أو تواترها، قال الإمام الصادق (ع): ( جاء في كتاب علي (ع): إنّ العمّة بمنزلة الأب، والخالة بمنزلة الأم، وبنت الأخ بمنزلة الأخ، وكل ذي رحم بمنزلة الرحم الذي يجر به، إلاّ أن يكون هناك وارث أقرب إلى الميت فيحجبه ) (2) .
وفي ميراث الزوجين، يشارك الزوج الورثة في جميع المراتب المذكورة سابقاً، وله النصف من تركة الزوجة إذا لم يكن لها ولد منه أو من زوج غيره، والربع إن كان لها ولد، ولا فرق إن كان منه أو من غيره؛ لقوله تعالى: ( وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ) (3) ، وتَعدّ الشريعة ولد الولد بمنزلة الولد؛ لقوله (ع): ( ولدُ البنين بمنزلة البنين، ويحجبون الأبوين والزوجين عن سهامهم الأكثر، وإن سفلوا ببطن أو بطنين أو ثلاثة أو أكثر، ويرثون ما يرث الولد للصُلب، ويحجبون ما يحجب الولد للصُلب ).
____________________
1 - مفتاح الكرامة: كتاب الإرث.
2 - الجواهر: كتاب الإرث.
3 - النساء: 12.
وتشارك الزوجة الورثة في جميع المراتب، ولها الربع إن لم يكن له ولد منها أو من غيرها، والثُمن إذا كان له ولد منها أو من غيرها؛ لقوله تعالى: ( وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ) (1) ، وإذا تعدّدت الزوجات فهنّ شركاء في الربع أو الثُمن بعد اقتسامه بالسوية.
____________________
1ـ النساء: 12.
ولمّا كان الطلاق من أهم أسباب اضطراب العائلة وتحلّلها في النظام الاجتماعي؛ لأنّه يتعلّق بحقوق الزوج والزوجة والأولاد، وما يترتّب على انفصام العلاقة الزوجية من مشاكل اجتماعية وحقوقية بين عائلَتي الزوجين، كان لابدّ من تنظيمٍ دقيق لشروطه وعناصره الأخرى المتمثلة بالمطلِّق، والمطلِّقة، والعدّة، والنفقة، والرضاع، والحضانة ونحوها.
ويُقسّم الفقهاء الطلاق إلى قسمين:
طلاق السُنّة: وهو الطلاق الذي يلتزم به الفرقاء بالشروط الشرعية المقرّرة.
وطلاق البدعة: وهو الطلاق غير المشروع ويدخل فيه طلاق الحائض، والنفساء بعد الدخول، والتطليق بعد المواقعة في طهرها، والتطليق ثلاثاً بصيغة واحدة، والتطليق بغير شهود، وللطلاق الشرعي أركان أربعة هي: المطلِّق، والمطلَّقة، وصيغة الطلاق، والشهود.
ويُشترط في شخصية المطلِّق أربعة شروط:
أولاً: البلوغ، فلا يصح طلاق الصبي حتى لو كان مميّزاً.
ثانياً: العقل.
ثالثاً: الاختيار؛ لِما ورد في حديثٍ لرسول الله (ص): ( رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه ) (1) ، و ( تؤيّده رواية عائشة عنه (ص): ( لا طلاق ولا عتاق في إغلاق ) (2) .
____________________
1 - الخصال: ج 2، ص 184.
2 - سُنن ابن ماجة: ج 1، ص 660.
قال أبو عبيد: الإغلاق الإكراه، وهو مذهب علي (ع) وابن عمر وابن عباس، وحكم المُغضب حكم المكرَه مع ارتفاع قصده؛ لاشتراكهما في العلّة ) (1) .
رابعاً: القصد، أي تطابق اللفظ مع النيّة؛ ( للإجماع، وصحيح هشام عن الإمام الصادق (ع): ( لا طلاق إلاّ لِمن أراد الطلاق )، وقول الباقر (ع): ( لا طلاق على سنّة وعلى طهر بغير جماع إلاّ بنيّة، ولو أنّ رجلاً طلّق، ولم ينوِ الطلاق لم يكن طلاقه طلاقاً )، إلى غير ذلك من النصوص المعتضدة بعموم ( لا عمل إلاّ بنيّة ) و ( إنّما الأعمال بالنيات ) بناءً على إرادة القصد منها لا خصوص القربة ) (2) .
وليس للأب أن يطلّق عن ابنه غير البالغ؛ للنص الوارد عن رسول الله (ص): ( الطلاق بيد مَن أخذَ بالساق ) (3) ، وقد ذهبَ المشهور أنّ للزوج الحقّ، غائباً كان أو حاضراً، في توكيل مَن يشاء بطلاق زوجته؛ لإطلاق أدلّة الوكالة الشرعية.
ولا شك أنّ الطلاق لا يتمّ ما لم تتوفر كل الشروط الشرعية في المطلَّقة، وهذه الشروط هي:
أولاً: أن تكون بالفعل زوجة دائمة.
ثانياً: أن يعيّنها بالذات، فيقول مثلاً: فلانة طالق.
ثالثاً: أن تكون في طهرٍ لم يواقعها فيه، فلو طُلِّقت وقت الحيض، أو النفاس، أو في طهر المواقعة فسدَ الطلاق؛ لقوله تعالى: ( يا أَيُّها النَّبي إذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) (4) ، وزمان العدّة في الآية الشريفة هو الطهر إجماعاً، فمعنى ( فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ) أي: ( لزمان عدّتهنّ: وذلك أن يطلّقها في طهرٍ لم يجامعها فيه،.. عن: ابن عباس، وابن مسعود، والحسن، ومجاهد، وابن سيرين، وقتادة، والضحّاك، والسدي.
____________________
1 - التنقيح الرائع: ج 3، ص 294.
2 - الجواهر: ج 32، ص 17.
3 - المستدرك: مقدّمات الطلاق، باب 25 خبر3.
4 - الطلاق: 1.
فهذا هو الطلاق للعدّة؛ لأنّها تعتدّ بذلك الطهر من عدّتها وتحصل في العدّة عقيب الطلاق، فالمعنى: فطلّقوهنّ لطهرهنّ الذي يحصينه من عدّتهنّ، ولا تطلّقوهنّ لحيضهنّ الذي لا يعتددن به من قرئهنّ، فعلى هذا تكون العدّة الطهر على ما ذهب إليه أصحابنا ) (1) .
ويدلّ على ذلك أيضاً قوله (ع): ( أمّا طلاق السنّة، فإذا أراد الرجل أن يطلّق امرأته فلينتظر بها حتى تطمث وتطهر، فإذا خرجت من طمثها طلّقها تطليقة من غير جماع ويشهد شاهدَين ) (2) ، فشرط صحة الطلاق هو: أن تستبرئ بحيضة بعد المواقعة، إلاّ في حالة المسترابة، وهي غير الآيسة التي لا يأتيها الحيض لسببٍ مرضي، فيمسك عنها زوجها ثلاثة أشهر على الأقل.
ويُستثنى في بطلان طلاق الحائض خمسة أصناف: ( الحامل المتيقّن حملها، والتي لم يدخل بها زوجها، والغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي قد يئست من المحيض ) (3) .
ولا يقع الطلاق إلاّ بصيغة معيّنة حدّدها الشارع، وهي لفظ ( الطلاق )؛ لرواية بكير بن أعين عن الإمام (ع): ( أن يقول لها، وهي في طهر من غير جماع: أنت طالق، ويشهد شاهدَي عدل، وكل ما سوى ذلك فهو مُلغى ) (4) .
ولا يقع الطلاق إلاّ بالإشهاد، وهو حضور شاهدَين عدلَين من الذكور؛ لقوله تعالى بعد ذكر إنشاء الطلاق وجواز الرجعة: ( وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ) (5) ،
____________________
1 - مجمع البيان: ج 28، ص 102.
2 - الكافي: ج 2، ص 99.
3 - مَن لا يحضره الفقيه: ج 2، ص 169.
4 - الكافي: ج 2، ص 101.
5 - الطلاق: 2.
ولقوله (ع): ( وإن طلّقها في استقبال عدّتها طاهراً من غير جماع، ولم يُشهد على ذلك رجلَين عدلين، فليس طلاقه إياها بطلاق ) (1) .
ويقسّم الفقهاء طلاق السنّة إلى قسمين: الطلاق الرجعي، والطلاق البائن.
فالرجعي: يملك فيه المطلِّق الحقّ الرجوع إلى مطلّقته المدخول بها ما دامت في العدّة، رضيت بذلك أم لم ترضَ؛ لأنّها تُعتبر شرعاً بحكم الزوجة أولاً، ولأنّه هو الذي طلّقها كرهاً لها ثانياً.
ولا يترتّب على الطلاق الرجعي أي أثر على الحياة الزوجية سوى عَدُّه من التطليقات الثلاث؛ للنصّ الوارد عن الإمام الصادق (ع): ( المطلّقة [ الرجعية ] تكتحل وتختضب وتتطيّب، وتلبس ما شاءت من الثياب؛ لأنّ الله عزّ وجل يقول: ( لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً ) لعلّها تقع في نفسه فيراجعها ) (2) .
والطلاق البائن: هو الذي تنقطع فيه الرجعة إلى المطلَّقة، ويشمل: المطلَّقة ثلاثاً، والمطلَّقة غير المدخول بها، والآيسة، والمطلَّقة خلعياً.
فإذا طلّق المرء زوجته ثلاث مرّات فلا تحلّ له، حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً دائمياً صحيحاً ويدخل بها، بدليل النص القرآني الشريف: ( فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا ) (3) ، وما روي عن الإمام (ع): ( المطلّقة التطليقة الثالثة لا تحلّ له، حتى تنكح زوجاً غيره، ويذوق عسيلتها ) (4) .
____________________
1 - التهذيب: ج 2، ص 263.
2 - الكافي: ج 2، ص 108.
3 - البقرة: 230.
4 - الكافي: ج 2، ص 103.
وتحرم المطلّقة تسع مرات للعدّة مؤبّداً على زوجها، بمعنى أنّ طلاق العدّة وهو: أن يطلّقها ثمّ يراجعها ويطأها، ثمّ يطلّقها في طهر آخر، ثمّ يراجعها ويطأها، ويُحلّلها الزوج الثاني، ثمّ يتزوجها الأول بعقد جديد، وهكذا إلى أن يتمّ طلاق العدّة تسع مرات، يثبت الحرمة المؤبّدة بين المطلَّقَين، فلا يحلّ لهما بعدئذٍ الزواج من بعضهما مرّة أخرى.
وإذا ادّعت المرأة المطلّقة ثلاثاً بأنّها تزوجت من زوج آخر يُقبل قولها بلا يمين، وللزوج الأول أن يتزوجها إذا اطمأنَّ إلى صدق ادّعائها؛ ( لرواية حمّاد الصحيحة عن أبي عبد الله (ع) في رجل طلّق امرأته ثلاثاً، فبانت منه، فأراد مراجعتها، فقال لها: إنّي أريد مراجعتك فتزوّجي زوجاً غيري، فقالت: قد تزوّجت زوجاً غيرك، وحلّلت لك نفسي؟ أتُصدَّق ويراجعها، وكيف يصنع؟ قال (ع): ( إذا كانت المرأة ثقة صُدِّقَت في قولها بناء على عدم إرادة الشرطية بذلك ) (1) .
والطلاق البائن: خلعي، ومبارأة.
فالطلاق الخلعي: ناتج عن إبانة الزوجة على مالٍ تفتدي نفسها به، بسبب كرهها له؛ لقوله تعالى: ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ) (2) ، وقوله أيضاً: ( فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً ) (3) ، وقيل في صيغة الطلاق الخلعي: إنّ الأفضل أن يُجمع بين لفظَي الخلع والطلاق، فيقول مثلاً: خلعتكِ على كذا فأنتِ طالق.
____________________
1 - الجواهر: ج 32، ص 173.
2 - البقرة: 229.
3 - النساء: 4.
واتفق الفقهاء على: أنّ الخلع يجب أن يعقب البذل فوراً؛ لأنّ المعاوضة تقتضيه، وإذا تراخى في الطلاق بعد أن بذلت له المال لم يستحقّ العوض، ووقع الطلاق رجعياً إن كان قد دخل بها، ولم تكن آيسة.
والمعروف أنّ الفدية هي: العوض الذي تبذله الزوجة لزوجها كي يَطلق سراحها، فيمكن أن يكون بمقدار المهر أو أقلّ أو أكثر، بدليل قول الإمام الصادق (ع): ( يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير ) (1) .
ويُشترط في الطلاق الخلعي ما يشترط في غيره من: وجود العقل، والبلوغ، والاختيار، والقصد عند كلا الطرفين. ويشترط في المختلعة أيضاً: أن تكون في طهر لم يواقعها فيه إذا كان قد دخل بها، وأن تكون غير آيسة، ولا صغيرة، ولا حامل.
ويُشترط في صحة الخلع: حضور شاهدَي عدل، ولا يصح الخلع ولا يجوز للرجل أخذ العوض إلاّ إذا كانت هي وحدها كارهة للزوج؛ للنصّ الشرعي الصريح بذلك: ( لا يكون الخلع، حتى تقول: لا أُطيع لك أمراً، ولا أبرّ لك قَسماً، ولا أُقيم لك حدّاً، فخذ منّي وطلّقني، فإذا قالت ذلك فقد حلّ له أن يخلعها بما تراضيا عليه من قليل أو كثير ) (2) ، والمختلعة تعتدّ أينما شاءت، ولا نفقة لها إلاّ إذا كانت حاملاً.
وطلاق المبارأة: ( تطليقة بائنة، وليس فيها رجعة ) حسب ما ورد في الرواية (3) ، ومن شروطها: تبادل الكراهية من قِبل الزوجين.
____________________
1 - التهذيب: ج 2، ص 276.
2 - التهذيب: ج 2، ص 276.
3 - الاستبصار: ج 3، ص 317.
وقد ثبت الإجماع على ذلك ( مضافاً إلى موثّق سماعة عن أبي عبد الله وأبي الحسن (ع): سألته عن المبارأة، كيف هي؟ فقال: ( يكون للمرأة شيء على زوجها من صداق أو من غيره، ويكون قد أعطاها بعضه، فيَكرَه كل منهما صاحبه، فتقول المرأة لزوجها: ما أخذتهُ منك فهو لي، وما بقيَ عليك فهو لك، وأُبارئك، فيقول لها الرجل: فإن أنتِ رجعتِ في شيء ممّا تركت فأنا أحقّ ببضعك ) (1) .
وصيغة المبارأة تصح بلفظ: ( بارأتكِ، أنتِ طالق )، حيث ( لابدّ هنا من الإتباع بالطلاق على المشهور، بل لا نعلم فيه مخالفاً، وادّعى جماعة أنّه إجماع ) (2) ، ويجب أن تكون الفدية بمقدار المهر أو أقل، ولا تجوز الزيادة؛ للنص عنه (ع): ( لا يحلّ لزوجها أن يأخذ منها إلاّ المهر فما دونه ) (3) .
والعدّة: هي الفترة التي حدّدها الشرع للمطلّقة للدخول في زواج آخر؛ للنص المجيد: ( وَالمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء ) (4) ، والمقصود شرعاً بالقُرء هو الطهر، أو ما بين الحيضتين، وقوله تعالى أيضاً: ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) (5) .
وقد أجمعَ الفقهاء على أنّه لا أثر للعدّة ما لم يحصل الدخول، كما جاء في قوله تعالى: ( إذا نَكَحتُم المُؤمِنات ثُمَّ طَلَّقتُمُوهُنَّ مِن قَبل أن تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُم عَلَيهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعتَدّونَها ) (6) ، والرواية الواردة عن أئمة أهل البيت (ع): ( إذا طلّق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها تطليقة واحدة
____________________
1 - الجواهر: ج 33، ص 89.
2 - شرح اللمعة للشهيد الثاني: ج 6، ص 112.
3 - الكافي: ج 2، ص 124.
4 - البقرة: 228.
5 - البقرة: 234.
6 - الأحزاب: 49.
فقد بانت منه، وتُزوّج من ساعتها إن شاءت ) (1) .
ولا عدّة على المطلّقة التي بلغت سنّ اليأس، وهو الخمسين بالنسبة لغير القرشيّة، والستين بالنسبة للقرشيّة؛ للعوامل الجينية الوراثية، والمطلّقة الحامل تعتدّ بوضع الحمل نصّاً وإجماعاً؛ لقوله تعالى: ( وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) (2) ، ( قال ابن عباس: هي في المطلّقات خاصة وهو المروي عن أئمتنا (ع)، فعدّتهنّ وضع الحمل ) (3) .
أمّا المطلّقة الشابة التي لا يأتيها الحيض لسببٍ مرضي، وتسمّى بالمسترابة، فإنّها تعتدّ مع الدخول وعدم الحمل بثلاثة أشهر، بدليل النصوص الشرعية، ومنها: ( عدّة المرأة التي لا تحيض والمستحاضة التي لا تطهر ثلاثة أشهر، وعدّة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة قروء... والمسترابة [ وهي التي يأتيها الحيض ما زاد على شهر ] فلتعتدّ ثلاثة أشهر ولتترك الحيض ) (4) .
وعدّة المتمتّع بها إذا كانت حاملاً هو وضع الحمل، ومع الدخول وعدم الحمل حيضتان؛ للرواية المروية عن الإمام جعفر بن محمد (ع): ( إذا انقضى الأجل بانت منه بغير طلاق، ويعطيها الشيء اليسير، وعدّتها حيضتان ) (5) ، وإذا كانت غير قادرة على الحيض فعدّتها خمس وأربعون يوماً ( إجماعاً ونصوصاً، بل في خبر البزنطي عن الإمام الرضا (ع) أنّه قال: ( قال أبو جعفر (ع): عدّة المتمتّعة خمسة وأربعون يوماً، والاحتياط خمس
____________________
1 - الكافي: ج 2، ص 105.
2 - الطلاق: 5.
3 - مجمع البيان: ج 28، ص 108.
4 - التهذيب: ج 2، ص 282.
5 - الجواهر: ج 30، ص 196.
وأربعون ليلة )، بمعنى خمسة وأربعون يوماً بلياليها، بل الأَولَى عدم اعتبار التلفيق ) (1) ، والآيسة لا عدّة لها.
ولو توفي زوجها فعدّتها أربعة أشهر وعشرة أيام، دخلَ بها أم لم يدخل، دائمة كانت أو منقطعة؛ لقوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً ) (2) .
أمّا إذا كانت حاملاً وتوفي زوجها فعدّتها أبعد الأجَلين، واتفق الفقهاء على وجوب الحِداد خلال فترة العدّة، إذا توفي زوجها؛ للرواية المروية عن الإمام (ع): ( المتوفّى عنها زوجها لا تكتحل للزينة، ولا تتطيّب، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً، ولا تبيت عن بيتها، وتقضي الحقوق ) (3) .
ويكون للمعتدّة من الطلاق الرجعي النفقة حاملاً كانت أو غير حامل، وكذلك المعتدّة من الطلاق البائن فإنّ لها النفقة إن كانت حاملاً فقط، ولا نفقة لها إن كانت حائلاً.
أمّا المعتدّة من الوفاة، فلا نفقة لها وإن كانت حاملاً؛ بسبب وجود التركة المالية التي لها حقّ ثابت فيها، واتفق الفقهاء على أنّ المطلقة الرجعية تعتدّ في بيت الزوج، ولا يجوز للزوج إخراجها منه، ولا يجوز لها الخروج من البيت إلاّ بإذنه، وإلاّ تُعدّ ناشزة وتسقط نفقتها.
أمّا المطلّقة البائنة، فإنّها تعتدّ في أيّ مكان؛ لانقطاع العصمة بينها وبين زوجها أولاً، وسقوط نفقتها إلاّ إذا كانت حاملاً ثانياً، وانتفاء التوارث بينهما ثالثاً.
ويستطيع الزوج في الطلاق الرجعي أن يستبقي زوجته المطلّقة، في
____________________
1 - الجواهر: ج 30، ص 199.
2 - البقرة: 234.
3 - الكافي: ج 2، ص 116.
عصمته خلال عدّتها وردّها إليه دون عقد جديد؛ لقوله تعالى: ( وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ) (1) ، ( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ) (2) ، والمعنى: أنّه عند الإشراف على انتهاء العدّة لا ضيرَ في أن يراجع مطلَّقته بقصد المعاشرة بالمعروف.
وتتحقّق الرجعة بالفعل المقصود، و ( تصحّ نطقاً كقوله: ( رجعت ) و ( راجعت ) و ( ارتجعت ) مع اتصالها باسم ظاهر، كقوله: ( راجعت فلانة )، أو ( ارتجعت فلانة )، أو مضمر كقوله: ( راجعتك )، أو ( ارتجعتك )، وفعلاً: كالوطء، والقُبلة، واللمس بشهوة ) (3) .
وتتحقّق الرجعة أيضاً بإنكار الطلاق أثناء العدّة، و ( الإجماع على ذلك؛ لأنّه يتضمّن التمسّك بالزوجية، بل في المسالك: هو أبلغ من الرجعة بألفاظها المشتقّة منها وما في معناها، ويستدلّ على ذلك بصحيحة أبي ولاّد عن أبي عبد الله (ع): ( إن كان أنكر الطلاق قبل انقضاء العدّة فإنّ إنكاره للطلاق رجعة لها، وإن كان أنكرَ الطلاق بعد انقضاء العدّة فإنّ على الإمام أن يُفرّق بينهما بعد شهادة الشهود )، وعن الفقه المنسوب إلى الرضا (ع): ( وأدنى المراجعة أن يُقبّلها أو ينكر الطلاق )، فيكون إنكار الطلاق رجعة ) (4) .
____________________
1 - البقرة: 228.
2 - الطلاق: 2.
3 - التنقيح الرائع: ج 3، ص 329.
4 - الجواهر: ج 32، ص 182.
ومن أجل فهم الأبعاد الحقيقية للمؤسّسة العائلية في المجتمع الإسلامي، ودور الشريعة في إحكام بنائها العلوي، لابدّ لنا من دراسة الفوارق الفكرية والفلسفية المتوقّعة بينها وبين نظيرتها في النظام الاجتماعي الرأسمالي، وفي سبيل تحقيق ذلك الفهم لابدّ من ترتيب النقاط التالية:
أولاً: إقرار الضمان المالي للعائلة في المجتمع الإسلامي، فتنصبّ مسؤولية الزوج على إعالة زوجته ووالديه وأبنائه، حيث أوجبت الشريعة نفقة الزوجة الدائمة على زوجها، حتى لو كانت الزوجة ثرية، وجَعلت المسؤولية مشتركة بينهما، فعليه النفقة وعليها الطاعة والتمكين.
ولا شك أنّ تحديد النفقة الشرعية مرهون بالعرف، إلاّ أنّ الأصل فيها هو إشباع حاجاتها الأساسية من: المأكل، والملبس، والمسكن، والعلاج، ونفقة الحمل، والوضع، والرضاعة، والحضانة.
وبطبيعة الحال، فإنّ وجوب الإنفاق لا يقتصر على الزوجة فحسب، بل يجب على الآباء نفقة أبنائهم وإن نزلوا ذكوراً وإناثاً، وعلى الأبناء نفقة آبائهم وإن عَلوا ذكوراً وإناثاً، وهو ما عُبّر عنه فقهياً بنفقة الأصول والفروع، حتى لو كان الأصل فاسقاً أو كافراً بلا خلاف.
أمّا في النظام الرأسمالي، فإنّ النظام العائلي مصمّم نظرياً على أساس أنّ الفرد المُنتج في العائلة الواحدة، هو المسؤول عن إعالة الآخرين الذين لا يقدرون على القيام بعمل منتج بسبب السن، أو المرض، أو العجز الطبيعي.
ولكنّ الواقع يفصح عن أنّ وجوب النفقة على الزوج - من الناحية القانونية - منحصر بنفقة القاصرين من الأولاد فقط؛ لأنّ الزوج غير مكلّف بإعالة زوجته القادرة على العمل والإنتاج.
وليس غريباً إذاً أن نجد أنّ نصف نساء الولايات المتحدة مثلاً يعملنَ على الساحة الإنتاجية الاجتماعية خارج البيوت، من أجل المساهمة في النفقة العائلية، ولا يُلزم القانون الرأسمالي الأبناء البالغين بالنفقة على آبائهم العاجزين عن العمل؛ لأنّ الدولة والنظام الاجتماعي والسياسي كلِّفا بإشباع حاجات الشيوخ والمسنّين، ولا يخفى أنّ روح هذا النظام مستمدّة من فكرة ( المذهب الفردي ) ، التي تنادي بالتحلّل من الالتزامات العائلية التي نادت بها جميع الأديان السماوية.
ولكنّ الدولة لا تستطيع سدّ كل حاجات الشيوخ والمسنّين والعاجزين عن العمل، وخروجُ الزوجة للعمل خارج البيت يترك الأبناء والبنات القاصرين دون رعاية أبوية، هم بأمسّ الحاجة إليها وقت نموّهم العقلي والبدني.
ولذلك، فإنّ تحميل المسؤولية المالية على الزوج للإنفاق على زوجته ووالديه وأبنائه، يُعتبر من أفضل الحلول الاجتماعية لمشكلة تَحلّل الأسرة وتدهورها الأخلاقي والاقتصادي، والتي يشهدها النظام الرأسمالي بكل ضراوة بعد أكثر من ثلاثة قرون على إنشائه، وتطوّره في المجالات الاقتصادية والصناعية.
ثانياً: الضمان المالي للزوجة المتمثّل بالصداق، وهو الذي شرّعه الإسلام لمصلحتها، واعتبرهُ حقّاً من حقوقها المالية، إن كان مهراً مسمّى، أو مهر مثل، أو مهر تفويض.
وفي جميع الحالات، يجب أن يكون المهر نقداً أو عقاراً أو منفعة لها قيمة معتبرة في العرف الاجتماعي والاقتصادي، فإذا طلّقها قبل الدخول كان لها نصف المهر، ولها المهر كاملاً بعد الدخول.
ولا شك أنّ الصداق يُعتبر - حسب النظرية الإسلامية - ضماناً مالياً كاملاً للمرأة خصوصاً بعد الطلاق، حيث تتوقف نفقة الزوج عليها، فلابدّ لها حينئذٍ من الاستقلال مالياً دون الحاجة إلى مدّ يدها طلباً للمساعدة في سدّ حاجاتها الأساسية، وهو تشريع تفتقده النظرية الرأسمالية تماماً.
فإذا تمّ الطلاق حسب النظرية الرأسمالية، فإنّ المطلَّقَين يتقاسمان الثروة التي جهدا في تحصيلها خلال سنوات الزواج، ولكن إذا بدّدت الثروة المالية خلال أيام الزواج لسبب من الأسباب، أو كان الزوج عاجزاً عن توفيرها، أصبحت المطلَّقة ريشة في مهبّ الرياح الاجتماعية، لا تملك لنفسها مالاً تُشبع فيه حاجاتها الأساسية.
ولمّا كانت النظرية الرأسمالية لا ترى في المهر حقّاً من حقوق الزوجة الرئيسية، ولا شرطاً في صحة الزواج، انحدرت أغلب المطلّقات وأولادهنّ إلى مستوى الطبقة الفقيرة، ولذلك فإنّك ترى أنّ أغلب فقراء النظام الرأسمالي هم من: المطلَّقات، والأرامل، والأولاد من العوائل المطلَّقة.
ثالثاً: إنّ الشروط الشرعية التي يشترطها الزوج أو الزوجة ضمن العقد في النظام الإسلامي، ليس لها ما يقابلها في النظام العائلي الرأسمالي، فالشروط الصحيحة التي لا تَفسخ العقد يترتّب عليها الإلزام وصحة العقد: كاشتراط الصفات الجسدية، أو الخُلقية في أحدهما، فيثبت خيار الفسخ مع تخلّف تلك الصفات؛ لعموم ( المؤمنون عند شروطهم ).
أمّا الشروط غير الشرعية، فهي إمّا أن تُبطل العقد كالإقالة، أو تُبطل الشرط ويبقى العقد صحيحاً: كاشتراط عدم المسّ مطلقاً.
وبالجملة: فإنّ الشروط الشرعية ضمن عقد الزواج، توفِّر للزوج أو الزوجة ضماناً أخلاقياً أو جسدياً يساهم في إدامة البيت الزوجي، وتحقيق سعادته ضمن إطار النظام الاجتماعي.
رابعاً: لا يصح الزواج حسب الشريعة الإسلامية، إلاّ بالخلو من المحرّمات النسبية والسببية للزوج والزوجة، ومع أنّ النظريتين - الرأسمالية والإسلامية - تتطابقان في حرمة التزاوج بسبب المحرّمات النسبية: كالأم، والبنت، والأخت، والعمّة، والخالة، وبنت الأخ، وبنت الأخت، إلاّ أنّهما يفترقان في المحرّمات السببية.
ففي حين توجب النظرية الإسلامية حرمة التزويج بسبب آثار المصاهرة: كحرمة زوجة الأب على الابن، وزوجة الابن على الأب، وأمّ الزوجة على زوج ابنتها، وبنت الزوجة على الزوج، وحرمة التزويج بسبب آثار الزنا، فليس لأبيه ولا لابنه العقد على الزانية التي زنى بها، والحرمة المؤبّدة للدخول بالمعتدّة والمتزوّجة، وحرمة الجمع بين الأختين المتولّدتين من أب وأمّ، أو لأحدهما، وحرمة الرجوع بعد التطليقة الثالثة ما لم تنكح زوجاً غيره، ونحوها، ففي كل هذه الحالات تنفرد النظرية الإسلامية عن بقية النظريات الاجتماعية في الاهتمام بنظافة العلاقات الاجتماعية والأُسرية، المبنية على طهارة النسل وعدم اختلاط الأنساب، وهذا يُفضي بالتأكيد إلى صلابة البُنية التحتية للمجتمع الإسلامي، حيث تُشكّل سلامة الأسرة وصحة مقوّماتها سلامة النظام الاجتماعي كلياً.
خامساً: العيوب الموجبة للخيار بين فسخ العقد وإمضائه، وهي العيوب المكتشفة بعد تمام إجراء العقد: كالاضطراب العقلي، والخصاء، والجب، والعنن، بالنسبة للرجل.
والاضطراب العقلي، والبرص، والجذام، والعمى، والعرج، والقرن، والعفل، والإفضاء، والرتق، بالنسبة للمرأة، فيثبت في هذه الحالات - حسب النظرية الإسلامية - خيار الفسخ على الفور.
وكذلك الخيار بالتدليس وهو: التمويه بإخفاء نقص أو عيب موجود، أو ادّعاء كمال غير متحقّق قبل إتمام العقد.
وكذلك الخيار لتخلّف الشروط: كأن تكون صفة عدم النقص من شروط العقد، أو كون عدم النقص وصفاً لا شرطاً، أو كون العقد مبنياً على أساس عدم النقص، ولكن إذا لم يبادر أحدهما إلى الفسخ لزمهما العقد.
ولا شك أنّ هذا التشريع يعكس عدالة النظام القضائي الإسلامي بين الرجل والمرأة تماماً، على عكس ما يروّجه أعداء النظرية الدينية ويتهمون فيها الإسلام بعدم المساواة بينهما في القضايا الزوجية.
أمّا في النظام الرأسمالي، فإنّ خيار الفسخ مرهون بحكم قضاة المحاكم البلدية، حيث يرجعون إلى العرف وأهل الخبرة في تحديد ذلك، ولا يوجد في القانون الرأسمالي ما يشير إلى دقّة تفاصيل العيوب الموجبة للخيار بين فسخ العقد وإمضائه، كما هو معمول به في النظرية الإسلامية.
سادساً: إنّ عقد الزواج والصداق في الإسلام لا يُقصد منه المعاوضة التي لابدّ فيها من العلم الرافع للغرر، ففي المعاملات التجارية والبيع والشراء يجوز للفرد فحص المادة المراد شراؤها بأغلب الأوجه المتعارف عليها اجتماعياً، حتى تكتمل قناعة ذلك الفرد بالشراء، إلاّ أنّ الإسلام لمّا أرجعَ للمرأة حقوقها، حرّم ذلك في الزواج؛ لأنّ ذلك العلم الرافع للغرر يُهين المرأة ويضع المجتمع أمام اضطراب أخلاقي خطير، ولكنّه في نفس الوقت نظّم حدود العيوب الموجبة لخيار الفسخ والخيار بالتدليس.
ومن المُلفت للنظر: أنّ العرف الغربي الحديث في الوقت الذي استنكر فيه على الإسلام تشريعه لصداق المرأة، بزعم أنّها تعكس الطبيعة التجارية للزواج، أقرّ في قضايا الزواج بين أفراد نظامه بالمعاوضة التي لابدّ فيها من العلم الرافع للغرر، وهو ما يشجّع الفرد على الاختبار الجسدي والنفسي للشريك المتوقّع حتى قبل مجرّد التفكير بالعقد.
سابعاً: ولا شك أنّ للعقد المنقطع الذي شرّعه الإسلام، أهمية كبرى في حلّ المشاكل الاجتماعية في المجتمع الصناعي؛ بسبب انتقال الأفراد المستمرّ بحثاً عن الأعمال، فللعقد المنقطع هدفان:
الأول: الاستعفاف به لِمن لم يُرزق النكاح الدائم لسبب من الأسباب.
والثاني: محاربة الرذيلة والفجور في المجتمع الإنساني.
ولا يختلف الزواج المنقطع عن الدائم إلاّ في: ذكر الأجل، وتحديد المهر، والعدّة، والتوارث، والنفقة، بمعنى آخر: إنّ الزواج المنقطع والدائم يشتركان في: خلو الموانع النسبية والسببية، وصيغة العقد، ونشر الحرمة، وحقوق الولد ولحوقه بالأب، وقيمة المهر، والعدّة بعد الدخول، والشروط السائغة في العقد.
وهو يمثل نظرة الإسلام الرحيمة تجاه العلاقات الغريزية الشرعية بين الرجل والمرأة، وحلاً للمشاكل الاجتماعية التي يتعرّض لها النظام الاجتماعي في الظروف الاستثنائية، ولمّا كان الشرع يسلّط عيناً فاحصة على هذه العملية، فإنّ العديد من حالات العقد المنقطع تنتهي إلى عقد دائم وسعادة أسرية.
ولكن لابدّ من التأكيد على نقطة مهمة وإعادتها مراراً، وهي: أنّ العقد المنقطع يمثل استثناءً في عملية التزاوج الإنساني وليس الأصل؛ لأنّ الأصل هو العقد الدائم في النظرية الإسلامية.
أمّا النظرية الاجتماعية الرأسمالية، فإنّها تدعو إلى احترام حرّية الفرد
في إنشاء علاقات خاصة مع الجنس الآخر، دون توجيه الضابط الاجتماعي لفحص شرعية تلك العلاقات، بمعنى آخر: إنّ ( المذهب الفردي ) والنظرية الرأسمالية تدعوان الأفراد إلى ممارسة الزنا والانحرافات الجنسية الأخرى، خلافاً للفكرة الدينية التي تدعو إلى التمسّك بالزواج فيما يخصّ العلاقات الجنسية بين الذكور والإناث.
فليس غريباً إذاً، أن تعاني ثلاثة أرباع الحالات الزوجية الأمريكية في نهاية القرن العشرين من خيانات زوجية، من كلا الطرفين في العائلة الواحدة؛ بسبب اعتناق فكرة ( المذهب الفردي ) ، وبسبب انتشار المصانع في رقعة جغرافية واسعة، وانتقال الأفراد بشكل مستمر نحو العمل، وضعف الرقابة الاجتماعية على الأفراد، فإنّ الإطار الشرعي الذي جاء به الإسلام في العقد المنقطع يعتبر أسلم الطرق نحو تحقيق السعادة الزوجية في المجتمع الصناعي المعاصر.
ولمّا كان الإسلام تشريعاً عالمياً، فإنّ العقد المنقطع قد يخدم المجتمع الغربي أكثر ممّا يخدم المجتمع الشرقي؛ بسبب الأعراف المتباينة بين المجتمعات الإنسانية، ولا ريب أنّ تجويزه من قِبل الإسلام يعطي الفرد حرّية الاختيار بما يناسب المشاكل الاجتماعية، التي يواجهها ذلك الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه.
ثامناً: وحفظاً لسلامة الأنساب وطهارتها، فإنّ الشريعة الإسلامية تُلحق المولود بالزوج بسبب الفراش لا مجرّد العقد؛ استناداً على قاعدة ( إمكان الإلحاق ) التي تسالمَ الفقهاء على صحتها، وكذلك المولود بسبب وطء الشبهة فيُلحق بالزوج، إن كانت شبهة العقد مع الوطء، أو شبهة الوطء من غير عقد.
ولا يكون الالتقاط وهو ضمّ الفرد الملتقَط إلى الملتقِط نسباً، ولا التبنّي وهو نسبة ولد معروف النسب إلى نفسه، عملاً شرعياً، فقد حرّمت
النظرية الإسلامية فسخ النسب الأصلي للفرد، وما يتبعه من التوارث المالي عن طريق التبنّي أو الالتقاط، إكراماً للفرد ولأبويه.
وهذا التشريع الإسلامي يناقض تماماً قانون النظرية القضائية الرأسمالية في التبنّي، حيث تقرّ شرعية فسخ النسب الأصلي للفرد، وما يتبعه من التوارث المالي، فتزعم بأنّ الأبوّة المعترَف بها هي الأبوّة القانونية وليس الأبوّة البيولوجية.
فلو وجِد الفرد طفلاً رضيعاً متروكاً على قارعة الطريق مثلاً، فله مطلق الحقّ في تبنّيه ونسبته إلى نفسه، فتترتّب على ذلك العمل حينئذٍ، كلّ الآثار القانونية الملزمة للأبوين القانونيين.
أمّا المولود بسبب وطء الشبهة، فإنّ تشخيص نسبه عن طريق الجينات الوراثية قد أصبحَ عملاً ممكناً من الناحية المختبرية الحديثة، ولذلك فهو يُنسب إلى أبيه البيولوجي.
وبطبيعة الحال، إنّ انتشار ظاهرة التبنّي، مع أنّها خفّفت عاطفياً واقتصادياً عن الأطفال المشرّدين، إلاّ أنّها ساهمت من جانب آخر في تمزيق النظام العائلي والعشائري في المجتمع الصناعي بسبب ضياع الأنساب أولاً، واستحالة احتلال الأب القانوني دور الأب البيولوجي في شخصية الفرد المتبنّى ثانياً.
تاسعاً: النسب - حسب النظرية الإسلامية - هو حقّ ثابت لكل شخص، والإقرار به هو اعتراف صريح بذلك الحقّ.
فالإقرار بالنسب هو: ثبوت نسب الفرد إلى فرد آخر، ويشترط في الإقرار: أن يكون بين المولود والمقِر تفاوت صحيح في السن، كالتفاوت العرفي بين الأب والابن، وأن يكون الصغير مجهول النسب، وأن لا ينازع المقِر في إقراره بنوّة الصغير منازع آخر، وإلاّ حُكم بالولد لصاحب البيّنة.
ومن الطبيعي، فإنّ الإقرار بالنَسب
يعتبر شكلاً آخراً من أشكال ترسيخ العلاقات الأُسرية والاجتماعية بين الأفراد، وتأكيداً على رابطة الدم والولاء في النظام الاجتماعي الإسلامي.
أمّا في النظرية الاجتماعية الغربية، فإنّ الإقرار وحده لا يُعتبر إثباتاً لنسب المقِر، ويرجع الحُكم في ذلك إلى قضاة المحاكم البلدية.
عاشراً: ا لرضاع في النظرية الإسلامية هو: امتصاص الرضيع اللبن من ثدي أمّه أو مرضعته، وآثاره الشرعية هو: أنّ الرضاع من غير الأم ينشر تحريماً للزواج، فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب بالشروط التالية:
1 - أن تكون المرضعة، متزوجة زوجاً شرعياً.
2 - أن تدرّه بسبب الحمل أو الولادة.
3 - أن يمتص الرضيع اللبن من ثديها مباشرة.
4 - أن يؤدي الرضاع إلى شدّ العظم وإنبات اللحم، وهو إمّا خمس عشرة رضعة متواليات من امرأة واحدة من لبن فحل واحد، أو رضاع يوم وليلة.
5 - واستيفاء المرتضع عدد الرضعات الشرعية قبل أن يكمل الحولين.
6 - وحياة المرضعة عند جميع الرضعات.
7 - وأن يكون اللبن لفحل واحد، وهو زوج المرضعة.
ولا يوجد في النظرية القضائية الرأسمالية ما يشير إلى تفصيل الرضاع وآثاره الشرعية المذكورة آنفاً.
الحادي عشر: الحضانة، وهي رعاية مصلحة الصبي، للأم والأب ما لم يقع الطلاق، فإذا وقعَ الطلاق أصبحت الأم أحقّ بالولد.
ويُرجع في تحديد عمر مستحقّ الحضانة لأحد الأبوين إلى الحاكم الشرعي؛ لأنّه هو القادر
على تشخيص المصلحة الشخصية للصبي أو الصبية دون تحيّز.
ويشترط في الحاضنة: أن تكون حرّة، مسلمة، عاقلة، وغير متزوّجة بعد طلاقها من الزوج الأول، فإذا تزوّجت سقطت حضانتها؛ لأنّ الاهتمام بحقوق الزوج الجديد أولى من اهتمامها بولدها، فتنتقل عندها حضانة الطفل إلى الأب.
ولا تختلف النظرية الرأسمالية عن الإسلامية في ذلك، إلاّ في مسألة زواج الحاضنة، حيث يبقى الولد مع الأم حتى مع زوجها الجديد، إلاّ أنّ يحدّد القاضي ما يبرّر وجوب انتقال الحضانة إلى الأب.
الثاني عشر: أحكام الصبي في النظرية الإسلامية تشمل حقوقاً في: الولاية، والوصاية، والمعاملات، والعبادات.
فعلى صعيد العبادات: فإنّ عبادة الصبي عند فقهاء الإمامية شرعية لا تمرينية، ووصيته وصدقته جائزة وصحيحة إذا بلغ حدّ التمييز.
وعلى صعيد المعاملات: فله أن يتملّك ما يحوزه من المباحثات، ويغرم في ماله ما يُحدثه في مال الغير من تلف أو عيب؛ لأنّها من الأحكام الوضعية، والصغير غير المميّز يُمنع من التصرّفات المالية حتى يحصل له البلوغ والرشد، وهو ما يسمّى شرعاً بالحَجر الشرعي.
وعلى صعيد الولاية الشرعية: فإنّ الحِجر لا يتم إلاّ بوجود ولي يرعى مصلحة الصبي، وتثبت الولاية أولاً للأب والجد في مرتبة واحدة، وإذا فُقدا معاً تكون الولاية لوصي أحدهما، ويشترط في الولي: البلوغ، والرشد، والاتحاد في الدين، وعليه مراعاة مصلحة القاصر مراعاة تامة.
وعلى صعيد الوصاية العهدية: فإنّ الولي يُنصِّب قبل موته وصياً قيّماً على أطفاله لرعايتهم بعد الممات، فتصبح الوصاية ملزمة للوصي إذا علم بها ولم يعارضها، ويشترط فيه نفس ما يشترط في الولي، ولكن إذا خانَ الوصي لسبب من الأسباب، فقد انعزل تلقائياً وبطلت جميع تصرّفاته دون تدخّل الحاكم الشرعي.
وعلى صعيد آخر، فإذا مات الأب بلا وصية، أو مات الوصي، أُرجع أمر الأطفال إلى الحاكم الشرعي؛ لأنّه ولي مَن لا ولي له.
أمّا أحكام الصبي في النظرية الاجتماعية الرأسمالية، فإنّها تتعلّق بالولاية القانونية فقط، دون الوصاية والعبادات والمعاملات. فبعد موت الأب، تصبح الأم وليّاً شرعياً على الأطفال، وإذا ماتت الأم انتقلت الولاية إلى العائلة الجديدة التي تُعيل هؤلاء الأطفال.
فإذا تمّ التبنّي، فإنّهم يلتحقون نسباً بالأب في الأسرة الجديدة، وهو ما يؤدّي بالتأكيد إلى ضياع الأنساب في الأجيال اللاحقة.
أمّا معاملات الصبي، فإنّها غير نافذة ما عدا التملّك، حيث يُحفظ له المال الخاص به إلى حدّ البلوغ القانوني، وهو سنّ الثامنة عشرة بالنسبة للذكر والأنثى على حدّ سواء.
الثالث عشر: الولاية الشرعية في الزواج - حسب النظرية الإسلامية - مختصة فقط بالصغير، والسفيه، والمجنون من الذكور والإناث، بمعنى أنّ البالغة الرشيدة والبالغ الرشيد يستقلّ في زواجه أو زواجها ولا ولاية لأحد عليه أو عليها.
وهذا الاستقلال يعكس احترام الإسلام للمرأة، ورأيها في اختيار شريك حياتها، ولا شك أنّ الإطار الأخلاقي العام الذي جاء به الإسلام يضمن عفّة المرأة، ويجعلها في موضع اجتماعي أفضل لخدمة حياتها الزوجية اللاحقة.
وفي هذا الحقل تؤيد النظرية الاجتماعية الرأسمالية، إقرار الشريعة الإسلامية استقلال البالغين في اختيار شركاء حياتهم الزوجية، ولكنّها تنحرف لاحقاً، وتُقرّ استقلال المنحرفين جنسياً في اختيار شركاء حياتهم
الزوجية من نفس الجنس أيضاً، بمعنى أنّها لا تمانع من قانونية اللواط والسحق بدعوى الإيمان بـ( المذهب الفردي )، وتزعم بأنّ للأفراد مطلق الحرّية في اختيار شركاء حياتهم حتى لو كانوا من جنس واحد.
الرابع عشر: الوصية الشرعية - حسب النظرية الإسلامية -: تفويض الفرد بتصرّف معيّن بعد موت الولي، وهي: عهدية وتمليكية.
فالعهدية: إيقاع يوصي به لآخر برعاية أطفاله ووفاء ديونه أو استيفائها ونحوها، والتمليكية: عقد يتمّ من خلاله تمليك فرد آخر بمال منقول أو غير منقول.
ويُشترط في الموصي أن يكون أهلاً للتصرّفات المالية، فلا تصح من الصغير، ولا المجنون، ولا المكرَه، ولا السفيه؛ لأنّهم ليسوا أهلاً لها لانعدام إرادتهم وفقدان قدرتهم على التمييز ما بين المصلحة والمفسدة الشخصية والعائلية.
وتخرج الوصية من أصل التركة إذا كانت واجباً مالياً: كالزكاة، والخُمس، وردّ المظالم، والكفّارات، والديون، أو واجباً مالياً بدنياً كالحج، وتخرج من الثلث فقط في الواجب البدني: كالصوم، والزكاة.
وإذا كانت الوصية على وجه من وجوه التبرّع والمحاباة، فإنّها تنفذ بمقدار الثلث فقط مع وجود الوارث، وهذا التشريع يحفظ للورثة من المراتب الثلاث حقوقهم الشرعية في ثُلثي الثروة المتروكة، فالزوجة تشترك في استلام جزء من الإرث مع جميع المراتب، وهو ضمان مالي آخر لها بعد وفاة الزوج.
وتضمن المرتبة الأولى وتضم الأولاد والوالدين بالإضافة إلى الزوجة بحجبها بقية المراتب، مبلغاً مالياً يُعينها على العيش ما بعد وفاة ربّ الأسرة.
أمّا النظرية الاجتماعية الرأسمالية، فإنّها تترك للزوج حرّية تقرير حجم الوصية ومصيرها قبل الموت، عن طريق كاتب عدل معترَف به رسمياً.
فيستطيع الزوج - عملياً - أن يوصي بكامل تركته لفردٍ واحد من الأسرة التي ينتمي لها أو من غيرها، مُسبّباً بذلك حرمان بقية الأفراد من أسرته من استلام التركة المالية التي تساعدهم على ضمان مستقبلهم المالي لاحقاً.
الخامس عشر: أحكام الإرث في النظرية الإسلامية، تعكس اهتمام الإسلام بالجانب الاجتماعي، فبعد إخراج مصاريف الكفن والغسل والدفن، تخرج الديون الواجب وفاؤها، ثمّ تُقسّم التركة بعد ذلك أثلاثاً، فتخرج الوصايا بغير الواجب المالي من الثلث، ويُقسّم الثلثان بين الورثة.
فالقرابة أو النسب لها ثلاث مراتب غير متداخلة وهي:
أولاً: الأبوان والأولاد. ثانياً: الأجداد والأخوة. ثالثاً: الأعمام والأخوال.
وفي السبب، فإنّ الزوجية تجتمع في الميراث مع جميع المراتب.
ولا شك أنّ النظام الدقيق في الإرث يضمن قضيتين في غاية الأهمية في النظام الاجتماعي:
الأولى: حرمة كنز المال بين الأجيال المتعاقبة، بمعنى أنّ الجهود العضلية والفكرية التي يبذلها الجيل السابق لابدّ وأن تصبّ في خدمة الجيل اللاحق، اختياراً أو إجباراً؛ لأنّ المال المتروك لابدّ وأن يوزّع على المستحقين من الورثة، عن طريق الوصية والإرث.
الثانية: إنّ المراتب الثلاث في الإرث والزوجية تُحقّق قدراً عظيماً من العدالة الاجتماعية بين الأفراد في توزيع التركة المالية، خصوصاً إذا ما لاحظنا أنّ المرتبة السابقة تحجب المرتبة اللاحقة في استلام الإرث.
أمّا أحكام الإرث في النظرية الاجتماعية الرأسمالية، فإنّها متعلّقة - كما ذكرنا سابقاً - بالوصية الرسمية التي يتركها الفرد، فله مطلق الحرّية في محاباة مَن يشاء وحرمان مَن يشاء في وصيته.
السادس عشر: وأحكام الطلاق في الشريعة الإسلامية لا تتم إلاّ بشروط خاصة بشخصية المطلِّق، وشخصية المطلَّقة.
فينبغي أن يكون المطلِّق: بالغاً، عاقلاً، مختاراً، قاصداً نيّة الطلاق ، وينبغي أن تكون المطلّقة: زوجة دائمة، معيّنة بالذات، وفي طهرٍ لم يواقعها فيه ، ولا يقع الطلاق إلاّ بحضور شاهدَين عدلين من الذكور.
وبسبب اختلاف الأسباب الداعية لانفصال الزوجين، فلابدّ أن ينقسم الطلاق الشرعي على ضوء تلك الأسباب.
فالطلاق في النظرية الإسلامية: رجعي، وبائن خلعي، وبائن مبارأة.
فالرجعي: وهو الذي يملك فيه المطلِّق حقّ الرجوع إلى مطلَّقته المدخول بها ما دامت في العدّة.
والبائن الخلعي: وهو الناتج عن إبانة الزوجة على مالٍ تفتدي به نفسها بسبب كرهها له.
والبائن المبارأة: وهو الناتج عن كراهية متبادلة بين الزوجين.
ولابدّ للمطلّقة من إتمام العدّة الشرعية حتى تستطيع الزواج مرّة أخرى، وهي: ثلاثة قروء للحائل، أو وضع الحمل بالنسبة للحامل، وعدّة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام.
والأصل في العدّة، طهارة الأنساب في الحالات الطبيعية للطلاق، واحترام الميّت في حالة عدّة الوفاة، ولابدّ للزوج من الإنفاق على مطلّقته الرجعية حتى انتهاء العدّة.
وهذه الأحكام الشرعية الخاصة بالطلاق - بالإضافة إلى تنظيمها سلوك الأفراد فيما يخصّ العلاقات الشرعية بين الرجال والنساء - تُساهم في ضمان حقوقهم المعنوية والمالية في العلاقات الزوجية، وتُعطي الحقّ لكليهما في الانفصال والبدء بحياة جديدة سعيدة، إذا فشلت الحياة الزوجية الأولى.
وتفتقر النظرية الاجتماعية الرأسمالية لتفاصيل مثل هذه الأحكام الشرعية، فلا تشترط في إجراء الطلاق شروطاً خاصة ما عدا القصد بنيّة
الطلاق؛ لأنّ الطلاق من مسؤولية الزوجين الفردية، لإيمانها بشرعية الحرّية الفردية في الحياة الاجتماعية.
السابع عشر: إنّ فكرة تعدّد الزوجات التي شرّعها الإسلام، أفضل للنظام الاجتماعي من الزواج المتعدّد، الذي لاحظنا مساوئه الاجتماعية في تمزيق العوائل المطلَّقة وما يتبعه من تشرذم الأطفال، وتحطيم نفسياتهم وقابلياتهم الإبداعية.
ولكنّ فكرة تعدّد الزوجات استثنائية في الأساس؛ لأنّ الأصل هو الزوجة الواحدة، ولذلك فإنّ هذه الفكرة تُعتبر حلاً آخر للمشاكل الاستثنائية التي تُبتلى بها المجتمعات الإنسانية في العصور المتلاحقة.
الفهرس
المقدّمة 7
أُطروحة الكتاب 17
القسمُ الأوّل: النظامُ العائلي في النظرية الرأسمالية 21
العائلةُ في النظرية التوفيقية 23
نقدُ النظرية التوفيقية 26
العائلةُ في نظرية الصراع الاجتماعي 28
نقدُ نظرية الصراع 29
الشكلُ العائلي الرأسمالي 32
معنى التغيّر في المؤسّسة العائلية الرأسمالية 36
العائلةُ الرأسمالية الأمريكية 42
الزواجُ والطلاق في المجتمع الرأسمالي 47
مشكلةُ الإسقاط المتعمّد ( الإجهاض ) 54
هَفَوات النظام العائلي الرأسمالي 58
القسمُ الثاني: النظامُ العائلي في النظرية الإسلامية 65
العائلةُ في النظرية الإسلامية 67
أحكامُ الزواج الشرعية 79
المحرّماتُ في الشريعة الإسلامية 90
أحكامُ العقد المنقطع 99
ملحقٌ: في النكاح المنقطع للشهيد الثاني 105
العيوبُ الموجِبة للخيار بين فسخ العقد وإمضائه 108
الخيارُ بالتدليس 112
الصداق 114
أحكامُ النسب في الشريعة 121
الإقرارُ بالنسب 125
النفقةُ الشرعية 128
الرضاعُ وآثاره الشرعية 133
الحضانة 139
أحكامُ الصبي 141
الولايةُ في الزواج 151
الوصيةُ الشرعية 154
أحكامُ الإرث 158
أحكامُ الطلاق 168
خصائصُ النظام العائلي الإسلامي بالمقارنة مع النظام العائلي الرأسمالي 178