بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )
النساء : 58
( هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وَخَيْرٌ عُقْباً )
الكهف : 44
( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ )
المائدة : 47
( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )
البقرة : 179
( وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ )
غافر : 20
تقديم
(1)
إنّ من أهمّ ما عنى به الإسلام في تشريعاته السياسية وأنظمته الإدارية هو العمل على تطوير البلاد في ميادين الزراعة والصناعة ، وحماية المواطنين من المرض والفقر ، وتوفير الفرص المتكافئة لهم ، وضمان ما يحتاجون إليه من ضروريات الحياة وغيرها.
(2)
ولا تقتصر مسئوليات الدولة في الإسلام على جهة خاصّة من حياة المواطنين ، وإنّما تشمل جميع صور الحياة وألوانها ، والتي منها العمل على رخاء المجتمع ورفاهية عيشه ، وذلك بتوفير العمل لهم والقضاء على البطالة التي هي من مصادر الجريمة في البلاد كما أنّ من الواجبات على الدولة مراقبة السوق بدقّة وحزم لمنع الاحتكار
وإزالة السلع الفاسدة التي تضرّ بالصحّة العامّة.
إنّ الدولة في الإسلام يجب أن تكون عينا ساهرة تحيط بأحوال المجتمع وشئونه ، والتي منها إشاعة العلم وإقصاء الجهل ، فإنّ الامّة يستحيل أن تحتلّ مركزا كريما تحت أشعة الشمس وهي غارقة بالجهل.
(3)
وشيء بالغ الأهميّة في سياسة الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام رائد العدالة الاجتماعية في دنيا الإسلام أنّه تبنى بصورة إيجابية شئون الموظّفين من ولاة وعمّال وجباة ، واحتاط في امورهم كأشدّ ما يكون الاحتياط فلم يولّ أي أحد منهم عملا إلاّ بعد الفحص التامّ عن عدالته ونزاهته وخبرته وإخلاصه في العمل ، وقد وقف مع طلحة والزبير موقفا اتّسم بالشدّة والصرامة حين أظهرا له رغبتهما الملحّة في الولاية ، فرفض كأشدّ ما يكون الرفض طلبهما لأنّه كان على علم أنّهما يتّخذان مال الله دولا وعباده خولا ، ويستخدمان السلطة لتنفيذ رغباتهما.
(4)
كانت فلسفة الإمام عليهالسلام في الحكم قائمة على اتّخاذه وسيلة للاصلاح الاجتماعي ، وسببا للنهضة الفكرية والاقتصادية حتى يسلم المسلمون من ويلات الجهل وكوارث المرض والفقر ، وقد أكّد على ولاته وعمّاله بتعمير الأرض وزيادة الدخل الفردي ، وأنّ لا يكون همّهم أخذ الضرائب المفروضة على المزارعين وغيرهم حتى تتوفّر في البلاد نهضة اقتصادية تزدهر فيها الحياة العامّة ويعمّ الرخاء كافّة المجتمع الإسلامي.
(5)
وممّا يلفت النظر في سياسة الإمام عليهالسلام تجاه ولاته وعمّاله مراقبته الشديدة والمستمرّة لسياستهم وسلوكهم ، فمن كان منهم مخلصا مؤدّيا لعمله بعيدا عن شهوة الحكم ، أثنى عليه وقابله بمزيد من الحفاوة والتكريم ، ومن شذّ في سلوكه وانحرف عن الطريق القويم بادر إلى عزله ، وإذا كان خائنا وثبتت خيانته لبيت المال أقام عليه حدّ السرقة ، وقد قطع يد عليّ بن الجهم لمّا سرق من الخزينة المركزية.
ومن الجدير بالذكر أنّ هذا الشخص هو الذي قال للحجّاج : إنّ أهلي عقّوني فسمّوني عليّا (1) ، متقرّبا بذلك إلى الحجّاج وناقما على الإمام لأنّه جذم يده!
(6)
وإذا أمعنا النظر في رسائل الإمام ووصاياه إلى ولاته وعمّاله لوجدناها حافلة بجميع ألوان العدل ومقوّمات الحياة وضروب المساواة ، وهي برامج مشرقة لسعة افق الإسلام ، ومعالجته الكاملة التي لا تخضع للمؤثّرات التقليدية لجميع شئون الحياة السياسية التي تحمي الإنسان من الاعتداء وتوفّر له الحقوق الكاملة.
إنّ الإنسانية على ما جرّبت من تجارب ، وقنّنت من صنوف الحكم فإنّها لم تستطع أن تنشئ نظاما يضمن للإنسان حقوقه ، ويواكب متطلّبات حياته مثل ما أقامه رائد العدالة الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام في وصاياه ورسائله إلى عمّاله وولاته.
__________________
(1) الاشتقاق ـ أبو بكر : 272.
(7)
ولم يشرّع حكّام المسلمين وولاة امورهم وثيقة سياسية حافلة بنظم الحكم والإدارة ، وملمّة بحقوق الإنسان وما يجب له وعليه في ظلّ الحكم والسلطان ، مثل الوثيقة الذهبية التي أملاها الإمام عليهالسلام على الزعيم الكبير مالك الأشتر واليه على مصر ، وألزمه بتطبيق بنودها على الشعب المصري.
إنّها وسام شرف للحكم العلويّ الذي رفع منار العدالة في الشرق العربي ، وأقام صروح الحقّ في دنيا الإسلام ، وتبنّى القضايا المصيرية لجميع شعوب العالم وامم الأرض.
(8)
وشيء مهمّ ورائع جدّا تفقّد الإمام ومراقبته وسهره على شئون ولاته ، والتي كان منها أنّه نقل إليه أنّ واليه على البصرة عثمان بن حنيف قد دعي إلى وليمة قوم من أهلها ، فمضى إليها ، فرفع له رسالة أنكر فيها ذلك كأشدّ ما يكون الانكار لأنّه أراد أن يكون الوالي في منتهى العفّة والنزاهة والتجرّد عن جميع المغريات.
وأكبر الظنّ أنّ الذين دعوا ابن حنيف إلى الوليمة ليتّخذونه سلّما إلى قضاء بعض شئونهم عنده وهذا لا يتّفق مع سيرة الإمام ، لأنّها إن كانت صحيحة ومشروعة فيجب على السلطة قضاؤها ، وإن كانت غير مشروعة فلا سبيل لتنفيذها. ولم يقم أي وزن للمحسوبيات والعواطف سوى ما يتّصل منها بالحقّ.
(9)
إنّ سياسة الإمام عليهالسلام بجميع بنودها وأنظمتها مشرقة كالشمس ، وهي تفتح آفاق الوعي والتطوّر للعالم الإسلامي ، وتوفّر له الحياة الكريمة السليمة من الاضطراب ، والنزع والخوف وتضمن له ما يصبو إليه من العزّة والكرامة والسلامة من المرض والفقر والاعواز.
لقد تبنّى الإمام عليهالسلام جميع الأهداف النبيلة التي يسعد بها المسلمون ، وشرّع أروع الأحكام وأكثرها تطوّرا وإبداعا في أنظمته الإدارية الخلاّقة ، ويجب أن تدرس دراسة موضوعية وشاملة ليستفيد منها المسلمون ، ويتّخذون منها منهجا يفخرون ويعتزّون به في المحافل الدولية.
(10)
يعرض هذا الكتاب إلى :
ـ البحوث التمهيدية التي ألقت الأضواء على شئون الموظّفين من ولاة وعمّال وجباة.
ـ وما قنّنه الإمام عليهالسلام لهم من الواجبات والمسئوليات التي حفلت بها رسائله التي زوّدهم بها ، وهي جزء لا يتجزّأ من أنظمته السياسية التي صاغها لتكون دستورا للحكم الإسلامي في جميع العصور والأزمان.
ـ كما يعرض هذا الكتاب إلى شئون ولاته وعمّاله على الأقاليم الإسلامية الذين كانوا أمثلة للتقوى والنزاهة والعدالة والتحرّج في الدين.
(11)
وهذا الكتاب جزء من موسوعة الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، وهي على سعتها وكثرة بحوثها وتنوّع مواضيعها ، إنّما تلقي الأضواء على بعض معالم حياته من دون أن تلمّ بجميع شئونها ، فإنّ ذلك أمر بعيد المنال ؛ لأنّ جميع ما خلق الله تعالى من صنوف الفضائل وضروب الكمال والآداب كانت من عناصره ومقوّماته. ومن المؤكّد أنّه ليس في هذا القول مغالاة أو بعد عن الحقّ ، فإنّ من يتصفّح سيرته يؤمن ويذهب إلى ما أقول.
لقد ألّف العلماء من قدامى ومحدثين عشرات الكتب في سيرة هذا الإمام الملهم العظيم ، وهي بالتأكيد والجزم غير ملمّة بحياته ولا ببعض منها ، وإنّما كانت مؤشّرات على حياة ذلك النور واللطف الذي منّ الله به على عباده.
النّجف الأشرف باقر شريف القرشي 3 / شوّال / 1420 هـ |
بحوث تمهيديّة
قبل الخوض والدخول في البحث عن شئون ولاة الإمام عليهالسلام وعمّاله وجباة الضرائب والخراج ، وما زوّدهم به الإمام عليهالسلام من الأنظمة والنصائح في وثائقه إليهم ، نعرض إلى بعض البحوث التي ترتبط ارتباطا وثيقا وموضوعيا بأجهزة الحكم ومناصب الدولة وشئون الموظّفين والعمّال وغير ذلك ، وفيما يلي هذه البحوث :
أمّا الولاة على الأقطار والأقاليم الإسلامية فهم الذين يعيّنهم الخليفة الذي تقلّد امور المسلمين ليحكموا بينهم بالحقّ والعدل ، ويقيموا سنّة الله تعالى وأحكامه في الأرض ، ويعملوا على تطوير العالم الإسلامي في إنماء ثرواته ، وعمارة أرضه ، وإقصاء الفقر والحاجة عن كلّ مواطن يقيم في بلاد المسلمين ، وهذا عرض لبعض مسئوليات الولاة وأهمّيتهم :
الامارة على الأقطار والأقاليم من المناصب الحسّاسة في جهاز الحكم الإسلامي ، فإن ادّيت على الوجه الصحيح نجا صاحبها من عذاب الله وعقابه ، وإن لم تؤد على واقعها المشروع تعرّض من تقلّدها للنقمة والعذاب ، وقد أدلى بذلك
الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، قال :
« سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : أيّما وال ولي الأمر من بعدي اقيم على
حدّ الصّراط ، ونشرت الملائكة صحيفته ، فإن كان عادلا أنجاه الله بعدله ، وإن كان جائرا انتفض به الصّراط حتّى تتزايل مفاصله ، ثمّ يهوي إلى النّار ، فيكون أوّل ما يتّقيها أنفه وحرّ وجهه (1) » (2) .
أرأيتم خطر الامارة ومدى المسئولية العظمى لمن تولاّها ، فإن عدل في امارته وأقام الحقّ كان بمنجى من عذاب الله تعالى ، ومن جار في حكمه وابتعد عن الطريق القويم كان في عذاب الله ونقمته ...
وفي حديث آخر للنبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال لأصحابه :
« وإن شئتم أنبأتكم عن الإمارة وما هي؟ ».
فانبرى إليه عوف بن مالك قائلا :
ما هي يا رسول الله؟
فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم :
« أوّلها ـ أي الامارة ـ ملامة ، وثانيها ندامة ، وثالثها عذاب يوم القيامة ، إلاّ من عدل ، وكيف يعدل مع قريبه » (3) .
إنّ الامارة عذاب وندامة وخسران لمن حاد عن الطريق واقترف الظلم والاعتداء على الناس ، و قال صلىاللهعليهوآلهوسلم محذّرا لأصحابه من الامارة قائلا :
« ستحرصون على الإمارة ثمّ تكون حسرة وندامة يوم القيامة ، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة » (4) .
__________________
(1) حرّ الوجه : ما بدا من الوجنة.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 7 : 36 ـ 37.
(3) نظام الحكم والإدارة في الإسلام : 360.
(4) عيون الاخبار ـ ابن قتيبة 1 : 1.
وقد حرص الكثيرون من الصحابة وتهالكوا على الامارة والسلطان فكانت النتائج المؤسفة أنّ العالم الإسلامي غرق بالفتن والكوارث.
وحدّث عوف بن مالك أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم قال :
« إنّي أخاف على أمّتي من أعمال ثلاث ».
فسارع بعض أصحابه قائلا : ما هي يا رسول الله؟
« زلّة عالم ، وحكم جائر ، وهوى متّبع ».
إنّ أي واحدة من هذه الامور الثلاثة توجب سخط الله وإطفاء نور العدل وشيوع الجور في الأرض ...
وكان الأخيار والصلحاء من الصحابة يتحرّجون من قبول الامارة لأنّها من موجبات الاغراء والتعالي على الناس ، يقول المقداد : استعملني رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم على عمل فلمّا رجعت قال لي :
« كيف وجدت الإمارة؟ ».
يا رسول الله ، ما ظننت إلاّ أنّ الناس خول لي ، والله! لا ألي على عمل ما دمت حيّا (1) .
إنّ الحكم يوجب الاعتزاز بالنفس ويغري الإنسان بالعظمة والكبرياء ، ولا يفلت من ربقته إلاّ المتحرّج في دينه فإنّه لا ضير عليه في تقلّد الامارة ، فقد
روى عطاء بن يسار قال : إنّ رجلا كان عند النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : بئس الشيء الامارة.
فأجابه النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم :
__________________
(1) حلية الأولياء 1 : 174.
« نعم الشّيء الإمارة لمن أخذها بحقّها وحلّها » (1) .
أمّا انتخاب الولاة وتعيينهم في مناصب الدولة ، فإنّه من مختصّات زعيم الدولة ، فهو الذي يختار وينتخب لهذا المنصب من تتوفّر فيه النزعات الكريمة والصفات الفاضلة من العلم والورع والتقوى وأصالة الرأي وعمق التفكير والدراية التامّة بشئون الحكم والإدارة ...
وهذه بعض الصفات التي ينبغي أن تتوفّر فيه :
1 ـ الصدق في القول.
2 ـ الوفاء بالعهد والوعد.
3 ـ أداء الأمانة إلى أهلها.
4 ـ التجنّب عن الخيانة.
5 ـ لين الكلام وحسن الخلق مع الرعية.
6 ـ العطف والرفق بالأيتام وتعهّد شئونهم.
7 ـ التفقّه في أحكام الإسلام.
8 ـ الحلم وكظم الغيظ.
9 ـ خفض الجناح للرعية (2) .
هذه بعض الصفات التي يعتبر مثولها في الولاة ، ويجب على ولي أمر المسلمين الفحص بدقّة وإمعان عن المتصدّي لهذا المنصب لئلا يتولّى امور
__________________
(1) عيون الأخبار 1 : 1.
(2) نظام الحكم والإدارة في الإسلام : 361 ـ 362.
المسلمين من لا حريجة له في الدين.
قال الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام :
« إنّ شرّ النّاس إمام جائر ضلّ ، وضلّ به ، فأمات سنّة مأخوذة ، وأحيى بدعة متروكة ، وإنّي سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : يؤتى بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيلقى في جهنّم فيدور كما تدور الرّحى ، ثمّ يرتبط في قعرها » (1) .
أوصى الإمام عليهالسلام بالتباعد عن السلطان الجائر فقال : « تباعد عن السّلطان الجائر ، ولا تأمن خدع الشّيطان ، فتقول : أنكرت ، نزعت ، فإنّه هكذا هلك من كان قبلك ، فإن أبت نفسك إلاّ حبّ الدّنيا وقرب السّلاطين وخالفتك عمّا فيه رشدك فاملك عليك لسانك فإنّه لا بقيّة للموت عند الغضب ، ولا تسل عن أخبارهم ، ولا تنطق بأسرارهم ، ولا تدخل فيما بينهم » (2) .
وحذّر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم من امارة السفهاء الذين لا رصيد لهم من الوعي والتقوى ، و قد روى كعب بن عجرة عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال له :
__________________
(1) ربيع الأبرار 4 : 224.
(2) المصدر المتقدّم : 227.
« أعاذك الله يا كعب! من إمارة السّفهاء ».
وبادر كعب قائلا :
ما إمارة السفهاء يا رسول الله؟
« امراء يكونون بعدي لا يهتدون بهديي ، ولا يستنّون بسنّتي ، فمن صدّقهم بكذبهم ، وأعانهم على ظلمهم ، فاولئك ليسوا منّي ولست منهم ، ولا يردون عليّ حوضي ، ومن لم يصدّقهم بكذبهم ، ولم يعنهم على ظلمهم ، فاولئك منّي وأنا منهم ، وسيردون عليّ حوضي » (1) .
إنّ إمارة السفهاء ظلم وجور واعتداء على الناس ؛ لأنّهم لا يهتدون بهدي النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ولا يستنّون بسنّته.
وحذّر الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم من توظيف العاشقين للسلطة والمتهالكين على المنصب ، فقد
روي أنّ رجلا قال : يا رسول الله ، استعملني؟ فردّه النبيّ وقال :
« إنّا لا نستعمل على عملنا من أراده » (2) .
وعلّق أبو الوليد على هذه الرواية بقوله : السرّ في ذلك أنّ الولايات أمانات ، وتصريف في أرواح الخلائق وأموالهم ، والتسرّع إلى الأمانة دليل على الخيانة ، وأنّه لا يخطبها إلاّ من يريد أكلها وإذا اؤتمن خائن على موضع الأمانات كان كمن استرعى الذئب على الغنم ، ومن هذه الخصلة تفسد قلوب الرعايا على ملوكها ؛ لأنّه إذا اهتضمت حقوقهم واكلت أموالهم فسدت نيّاتهم ، وأطلقوا ألسنتهم بالدعاء
__________________
(1) سنن البيهقي 4 : 115. الأموال ـ أبو عبيد : 57.
(2) صحيح البخاري 2 : 789.
والتشكّي ، وذكروا سائر الملوك بالعدل والإحسان فكانوا كالبيت السائر.
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها |
فكيف إذا الذئاب لها رعاء |
وإذا خان أهل الأمانات وفسدت قلوب أهل الولايات كان الأمر كما قال الأوّلون :
الملح يصلح ما نخشى تغيّره |
فكيف بالملح إن حلّت به الغير (1) |
إنّ الإسلام احتاط أشدّ ما يكون الاحتياط في مناصب الدولة ، فلم يسمح لوليّ أمر المسلمين أن يمنح الولاية لمن طلبها وتهالك عليها ، وقد دفع الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام طلحة والزبير عن الولاية حينما أصرّا عليها ؛ لأنّهما لم يكونا مدفوعين برعاية الصالح العامّ ، وإنّما رغبا في الولاية ليتّخذا منها وسيلة للثراء العريض والتحكّم في رقاب المسلمين.
وعلى الولاة في الأقاليم الإسلامية أن يقيموا العدل ويحكموا بين الناس بالحقّ ، ويتعاهدوا مصالح المسلمين وقضاياهم ، ومن أوّليات مسئولياتهم ما يلي :
1 ـ إشاعة تعليم أحكام الإسلام المستمدّة من الكتاب والسنّة.
2 ـ تربية المجتمع بالأخلاق الفاضلة والآداب العالية.
3 ـ الرفق بالرعية والعفو عن المسيء من غير ترك للحقّ العام.
4 ـ القضاء على معالم الجاهلية الرعناء.
5 ـ الاهتمام بالشعائر الإسلامية ومن أهمّها الصلاة.
__________________
(1) حقيقة الإسلام واصول الحكم : 70.
6 ـ نشر الوعظ والإرشاد لوقاية المجتمع من الانحراف.
7 ـ نشر العلوم النافعة التي بها تتطوّر الحياة كالطبّ والهندسة وغيرهما (1) .
وقد قال عليهالسلام :
« يجب على الوالي أن يتعهّد اموره ويتعهّد أعوانه حتّى لا يخفى عليه إحسان محسن ، ولا إساءة مسيء ، ثمّ لا يترك واحدا منهما بغير جزاء ، فإن ترك ذلك تهاون المحسن ، واجترأ المسيء ، وفسد الأمر ، وضاع العمل » (2) .
هذه بعض البنود التي يلزم الولاة بتنفيذها على مسرح الحياة العامّة.
ووضع الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام مناهج وآدابا خاصّة للولاة ، وأمرهم بالتحلّي بها ليكونوا هداة للناس وأمثلة للحكّام الصالحين وذلك في عهده لمالك الأشتر ، ونشير إلى بعضها :
1 ـ على الولاة أن يشعروا في قلوبهم الرأفة والرحمة للرعية من دون فرق بين المسلمين وغيرهم ، يقول عليهالسلام لمالك :
وأشعر قلبك الرّحمة للرّعيّة ، والمحبّة لهم ، واللّطف بهم ، ولا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا تغتنم أكلهم ، فإنّهم صنفان :
إمّا أخ لك في الدّين ، أو نظير لك في الخلق.
وحكت هذه الكلمات المسئوليات التي ينبغي للولاة مراعاتها وهي :
__________________
(1) نظام الحكم والإدارة في الإسلام : 364.
(2) صبح الأعشى 2 : 325.
ـ أن يحملوا في مشاعرهم وعواطفهم المحبّة والرأفة لجميع المواطنين.
ـ أن لا يكونوا كالاسود الضارية للشعب ينهبون أرزاقهم ومواردهم الاقتصادية.
ـ أنّ يعاملوا المواطنين من مسلمين وغيرهم على حدّ سواء ، من دون أن يكون لأحدهم فضل على أحد ولا لفئة على اخرى ، فالمسلمون وغيرهم على صعيد واحد.
2 ـ أن لا يتّخذوا الامرة والسلطة وسيلة للاستعلاء على الناس والتكبّر عليهم.
يقول عليهالسلام :
ولا تقولنّ : إنّي مؤمّر آمر فأطاع ، فإنّ في ذلك إدغالا (1) في القلب ، ومنهكة للدّين ، وتقرّبا من الغير.
وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة (2) ، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك ، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك ، فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك ، ويكفّ عنك من غربك (3) ، ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك! إيّاك ومساماة (4) الله في عظمته ، والتّشبّه به في جبروته ، فإنّ الله يذلّ كلّ جبّار ، ويهين كلّ مختال.
وقد نهى الإمام عليهالسلام وحذّر واليه على مصر من التكبّر على الرعية ، فإنّ التكبّر مفسد للدين ومحبط للعمل ، وقد علّمه الوسيلة التي ينجو بها ويتخلّص من التكبّر ،
__________________
(1) الادغال : الافساد.
(2) المخيلة : الخيلاء والعجب بالنفس.
(3) الغرب : الحدّة.
(4) المساماة : المباراة في السموّ.
وهي أن ينظر إلى عظمة الله تعالى المالك القادر الذي هو فوق كلّ شيء فإنّه يكفّ عنه هذا الداء وينجيه من هذا الشرّ.
3 ـ على الولاة أن ينصفوا الله تعالى وذلك بطاعته وامتثال أوامره ، وأن ينصفوا الناس وذلك بإعطاء حقوقهم ، وقد حفل بذلك وغيره من صنوف العدل قوله عليهالسلام : أنصف الله وأنصف النّاس من نفسك ، ومن خاصّة أهلك ، ومن لك فيه هوى (1) من رعيّتك ، فإنّك إلاّ تفعل تظلم! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجّته (2) ، وكان لله حربا حتّى ينزع أو يتوب.
وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم ، فإنّ الله سميع دعوة المضطهدين ، وهو للظّالمين بالمرصاد.
أرأيتم هذا العدل الذي ينعش الشعوب ، ويعود بالخير العميم على الجميع ، ويساوي بين السلطة والشعب ، ولا يجعل لأي أحد سلطانا أو تفوّقا على غيره؟
4 ـ قال عليهالسلام
: وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ ، وأعمّها في العدل ، وأجمعها لرضى الرّعيّة ، فإنّ سخط العامّة يجحف برضى الخاصّة (3) ، وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضى العامّة. وليس أحد من الرّعيّة أثقل على الوالي
__________________
(1) الهوى : الميل.
(2) أدحض حجّته : أي أبطل حجّته.
(3) أجحف : أي أذهب.
مؤونة في الرّخاء ، وأقلّ معونة له في البلاء ، وأكره للإنصاف.
وأسأل بالإلحاف (1) ، وأقلّ شكرا عند الإعطاء ، وأبطأ عذرا عند المنع ، وأضعف صبرا عند ملمّات الدّهر من أهل الخاصّة. وإنّما عماد الدّين ، وجماع المسلمين ، والعدّة للأعداء ، العامّة من الأمّة ؛ فليكن صغوك لهم ، وميلك معهم.
أوصى الإمام عليهالسلام بهذا المقطع عامله مالك برعاية العامّة من الشعب ، وتلبية مطالبهم ، وتنفيذ رغباتهم ؛ لأنّ الدولة لا تقوم إلاّ بهم ، فهم عمودها الفقري ومركز ثقلها.
5 ـ قال عليهالسلام :
ولا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان ، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة!
وألزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه ، واعلم أنّه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم ، وتخفيفه المئونات عليهم ، وترك استكراهه إيّاهم على ما ليس له قبلهم (2) . فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظّنّ برعيّتك ، فإنّ حسن الظّنّ يقطع عنك نصبا (3) طويلا.
وإنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده ، وإنّ أحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده.
__________________
(1) الالحاف : الالحاح.
(2) قبلهم : أي عندهم.
(3) النصب : التعب.
أكّد الإمام عليهالسلام على تكريم المحسن ، والإشادة به وأنّه ليس من الانصاف في شيء أن يساوي بينه وبين المسيء ، فإنّ في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان ، وتشجيعا للمسيئين.
كما أكّد الإمام عليهالسلام على الإحسان إلى الرعية والبرّ بهم وتخفيف المئونات عنهم ، فإنّ ذلك ممّا يوجب ارتباط الشعب بحكومته ، وهو من أنجع الوسائل وأكثرها نجاحا لاستقرار الدولة وسلامتها من الفتن الداخلية.
6 ـ قال عليهالسلام :
ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الامّة ، واجتمعت بها الالفة ، وصلحت عليها الرّعيّة.
ولا تحدثنّ سنّة تضرّ بشيء من ماضي تلك السّنن ، فيكون الأجر لمن سنّها ، والوزر عليك بما نقضت منها.
وأكثر مدارسة العلماء ، ومناقشة (1) الحكماء ، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك ، وإقامة ما استقام به النّاس قبلك.
حكى هذا المقطع ضرورة الابقاء على السنّة الصالحة وما يستفيد منه الناس من القوانين الصالحة التي عمل بها المسلمون وأقرّها الإسلام ، كما حذّر من سنّ القوانين التي تضرّ بالناس وتجحف حقوقهم.
وأكّد الإمام عليهالسلام على مجالسة العلماء ومحادثة الحكماء ، فإنّها تفتح آفاقا كريمة من الوعي والتطوّر وتهدي إلى سواء السبيل.
7 ـ قال عليهالسلام :
__________________
(1) المناقشة : المحادثة.
واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك (1) من الخطوب ، ويشتبه عليك من الأمور ؛ فقد قال الله تعالى لقوم أحبّ إرشادهم : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ) (2) .
فالرّدّ إلى الله : الأخذ بمحكم كتابه.
والرّدّ إلى الرّسول : الأخذ بسنّته الجامعة غير المفرّقة.
أمر الإمام عليهالسلام مالكا بردّ ما اشتبه عليه من الامور الإدارية وغيرها من المسائل التي يبتلى بها هو والرعية إلى كتاب الله تعالى ففيه تبيان كلّ شيء وأمره بالرّد إلى السنّة النبوية الجامعة ، فقد تعرّضت لكلّ ما أشكل وأبهم.
8 ـ قال عليهالسلام :
ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ، ممّن لا تضيق به الأمور ، ولا تمحّكه الخصوم (3) ، ولا يتمادى في الزّلّة ، ولا يحصر (4) من الفيء إلى الحقّ إذا عرفه ، ولا تشرف نفسه (5) على طمع ، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه ؛ وأوقفهم في الشّبهات ، وآخذهم بالحجج ، وأقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم ، وأصبرهم على تكشّف الأمور ، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم ، ممّن لا يزدهيه (6) إطراء ، ولا يستميله
__________________
(1) يضلعك : أي ما يشكل عليك.
(2) النساء : 59.
(3) تمحكه : أي لا تغضبه.
(4) يحصر : أي يضيق صدره.
(5) تشرف نفسه : أي لا تدنو نفسه.
(6) يزدهيه : أي يستخفّه.
إغراء ، وأولئك قليل.
ثمّ أكثر تعاهد قضائه ، وافسح له في البذل ما يزيل علّته (1) ، وتقلّ معه حاجته إلى النّاس.
وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك ، ليأمن بذلك اغتيال الرّجال له عندك.
فانظر في ذلك نظرا بليغا فإنّ هذا الدّين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار ، يعمل فيه بالهوى ، وتطلب به الدّنيا.
نظر الإمام عليهالسلام في هذا المقطع إلى القضاء والحكّام فأولاهم المزيد من اهتمامه ، وقد حفل كلامه بما يلي :
أوّلا : أن يكون القضاة الذين يعيّنهم للحكم بين الناس أفضل الرعية في علمهم وتقواهم وتحرّجهم في الدين ، وأن تتوفّر فيهم الصفات التالية.
ـ أن لا تضيق بهم الامور بل لا بدّ أن يكون على سعة في الخلق.
ـ أن لا يغضبوا عند مخاصمة الناس عندهم.
ـ أن لا يتمادوا في الزلل ، ويرجعون إلى الحقّ إذا عرفوه.
ـ أن لا ينقادوا إلى الأطماع ، ويتّبعوا الأهواء بل يكونون في منتهى النزاهة.
ـ أن لا يكتفوا في النظر إلى شكاوى الناس ودعاواهم إلى أبسط النظر وإنّما عليهم أن يمعنوا كثيرا في الامور التي ترفع إليهم.
ـ أن يقفوا ويتأمّلوا كثيرا في الشبهات حتى يتبيّن لهم الحقّ.
ـ أن لا يضجروا من مراجعة الخصوم لهم ، ويصبروا عند رفع الدعاوي إليهم.
__________________
(1) يزيل علّته : أي يرفع حاجته.
ـ أن يتّصفوا بالشدّة والصرامة عند اتّضاح الحقّ لهم. ولا يميلوا مع الجانب الآخر الذي تذرّع بالباطل.
ـ أن لا يزدهيهم ويخدعهم إطراء وثناء ، فلا يحفلوا بذلك.
ثانيا : على الولاة أن يكثروا من تعاهد القضاة ويطّلعوا على قضائهم لئلاّ يكون مجافيا للواقع.
ثالثا : أن يزيد في عطاء ورواتب القضاة حتى تقلّ حاجتهم إلى الناس ويحكموا بما أنزل الله تعالى.
رابعا : أن يشيد الولاة بالقضاة ويرفعوا منزلتهم حتى يشعروا بالكرامة والمنزلة الرفيعة ليخلصوا بذلك في عملهم.
9 ـ قال عليهالسلام :
ثمّ انظر في أمور عمّالك فاستعملهم اختبارا ، ولا تولّهم محاباة وأثرة ، فإنّهما جماع من شعب الجور والخيانة. وتوخّ منهم أهل التّجربة والحياء ، من أهل البيوتات الصّالحة ، والقدم في الإسلام المتقدّمة ، فإنّهم أكرم أخلاقا ، وأصحّ أعراضا ، وأقلّ في المطامع إشراقا ، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا.
ثمّ أسبغ عليهم الأرزاق ، فإنّ ذلك قوّة لهم على استصلاح أنفسهم ، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم ، وحجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا (1) أمانتك.
ثمّ تفقّد أعمالهم ، وابعث العيون من أهل الصّدق والوفاء عليهم ، فإنّ
__________________
(1) ثلموا : نقضوا.
تعاهدك في السّرّ لأمورهم حدوة لهم (1) على استعمال الأمانة ، والرّفق بالرّعيّة.
وتحفّظ من الأعوان ؛ فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك ، اكتفيت بذلك شاهدا ، فبسطت عليه العقوبة في بدنه ، وأخذته بما أصاب من عمله ، ثمّ نصبته بمقام المذلّة ، ووسمته بالخيانة ، وقلّدته عار التّهمة.
حكى هذا المقطع بعض الامور التي تتعلّق في عمّال الدولة وهي :
أوّلا : أن لا يولّي أي موظّف عملا إلاّ بعد الفحص والاختبار التامّ عن حاله وأمانته.
ثانيا : لا يجوز أن يسند أي عمل لأحد محاباة أو اثرة فإنّه خيانة للامّة ، وفساد لجهاز الحكم.
ثالثا : أن يولّى العمل إلى أهل التجربة والدراية على شئون العمل الذي يسند إليهم.
رابعا : أن يختار للعمل من يتّصف بالحياء ، وعدم الصلف ، وأن يكون من ذوي البيوتات الشريفة حتى يقوم بخدمة المواطنين ، ولا يجحف في حقّهم.
خامسا : أن يسبغ على العمّال الرواتب التي تسدّ حاجاتهم ، ولا يضيق عليهم معيشتهم ليكونوا بمأمن عن تناول ما في أيدي الناس ، ويبتعدوا عن الرشوة.
سادسا : مراقبة العمّال مراقبة دقيقة ، وبثّ العيون عليهم للنظر في تصرّفاتهم ، فإن كانت شاذة عن شريعة الله تعالى بادر إلى عزلهم وإقصائهم عن وظائفهم وشهّر بهم ليكونوا عبرة لغيرهم.
__________________
(1) الحدوة : الحثّ على الشيء.
10 ـ قال عليهالسلام :
ثمّ انظر في حال كتّابك ، فولّ على أمورك خيرهم ، واخصص رسائلك الّتي تدخل فيها مكائدك وأسرارك بأجمعهم لوجود صالح الأخلاق ممّن لا تبطره الكرامة (1) ، فيجترئ بها عليك في خلاف لك بحضرة ملإ ، ولا تقصر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمّالك عليك ، وإصدار جواباتها على الصّواب عنك ، فيما يأخذ لك ويعطي منك ، ولا يضعف عقدا اعتقده لك ، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك ، ولا يجهل مبلغ قدر نفسه في الأمور ، فإنّ الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل.
ثمّ لا يكن اختيارك إيّاهم على فراستك واستنامتك وحسن الظّنّ منك ، فإنّ الرّجال يتعرّضون لفراسات الولاة بتصنّعهم وحسن خدمتهم ، وليس وراء ذلك من النّصيحة والأمانة شيء ، ولكن اختبرهم بما ولّوا للصّالحين قبلك ، فاعمد لأحسنهم كان في العامّة أثرا ، وأعرفهم بالأمانة وجها ، فإنّ ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن ولّيت أمره.
واجعل لرأس كلّ أمر من أمورك رأسا منهم ، لا يقهره كبيرها ، ولا يتشتّت عليه كثيرها ، ومهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته.
عرض الإمام عليهالسلام في هذا المقطع إلى كتاب الولاة ، واعتبر أنّه لا بدّ أن تتوفّر فيهم الصفات التالية :
أوّلا : أن يكونوا من خيرة الرجال في وثاقتهم وإيمانهم ومعرفتهم بشئون الإدارة وقضايا الحكم.
__________________
(1) تبطره : أي تفسده.
ثانيا : أن يحتفظوا بالرسائل والوثائق التي تخصّ الدولة فيحافظوا على أسرارها ، ولا يبيحوا محتوياتها لأحد.
ثالثا : أن يكون الكتّاب على جانب وثيق من سموّ الأخلاق والآداب الذين لا يجرءون على مخالفة الوالي ، وعدم امتثال أوامره.
رابعا : أن لا يغفلوا عمّا يرد إليهم من الوثائق من العمّال وسائر الموظّفين في سلك الدولة ، وعليهم أن يعرضوها على الوالي ليطّلع عليها.
خامسا : أن يجيب الكتّاب عمّا يرد إليهم من الموظّفين من الرسائل ، وأن لا يهملوا أجوبتها على الوجه الصحيح وعليهم تسجيل ما يأخذون ويعطون.
سادسا : أن يكون اختيار الوالي للكتّاب قائما على الفحص والاختبار ، ولا يكون خاضعا للفراسة.
سابعا : أنّ اختبار العمّال والكتّاب يكون على الفحص بسيرتهم في عملهم قبل أن يتولّى الوالي وظيفته ، فإن كانت سيرتهم حسنة عند الولاة قبله عهد إليهم بالوظائف ، وقلّدهم المناصب.
11 ـ قال عليهالسلام :
واجعل لذوي الحاجات منك قسما (1) تفرّغ لهم فيه شخصك ، وتجلس لهم مجلسا عامّا فتتواضع فيه لله الّذي خلقك ، وتقعد عنهم (2) جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك ، حتّى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع ، فإنّي سمعت رسول الله ـ صلىاللهعليهوآله ـ يقول في غير موطن :
__________________
(1) قسما : أي وقتا خاصّا.
(2) تقعد عنهم : أي تبعد عنهم.
« لن تقدّس أمّة لا يؤخذ للضّعيف فيها حقّه من القويّ غير متتعتع (1) ».
ثمّ احتمل الخرق (2) منهم والعيّ (3) ، ونحّ عنك الضّيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته ، ويوجب لك ثواب طاعته.
وأعط ما أعطيت هنيئا ، وامنع في إجمال واعذار!
ثمّ أمور من أمورك لا بدّ لك من مباشرتها منها :
إجابة عمّالك بما يعيا عنه كتّابك. ومنها إصدار حاجات النّاس يوم ورودها عليك بما تحرج به صدور أعوانك. وأمض لكلّ يوم عمله ، فإنّ لكلّ يوم ما فيه. واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت ، وأجزل تلك الأقسام ، وإن كانت كلّها لله إذا صلحت فيها النّيّة ، وسلمت منها الرّعيّة.
وحفل هذا المقطع بالآداب العالية ، والحكم النافعة ، والتعاليم الرفيعة التي منها ما يلي :
ـ أن يجعل الوالي وقتا خاصّا للمواطنين يلتقي بهم ليعرف حوائجهم ويطّلع على متطلّباتهم.
ـ أن يجلس الوالي مجلسا متواضعا غير محفوف بالعظمة والكبرياء ، وأن يكون تواضعه لله تعالى خالق الكون وواهب الحياة.
ـ أن ينحّي عن المواطنين الجنود والأعوان حتى يتكلّموا بحرية وأمان.
__________________
(1) التتعتع : هو العجز عن الكلام لخوف من السلطة.
(2) الخرق : العنف.
(3) العيّ : العجز عن النطق.
ـ أن يتحمّل الوالي ما يظهر من بعض المواطنين من العنف والشدّة.
ـ أن ينحّي الوالي عن نفسه ضيق الصدر والتكبّر ليستقبل المواطنين برحابة وسعة في القول.
ـ إذا أعطى الوالي لبعض المواطنين شيئا من الرزق فعليه أن يعطيه بلطف لا بمنّة ، كما أنّه إذا أراد أن يمنع رزقا عن أحد فعليه أن يمنعه بإعذار وإجمال.
ـ إجابة العمّال في طلباتهم إذا عجز عن تلبيتها الكتّاب.
ـ عدم تأخير متطلّبات الناس وحاجاتهم وأن تقضى فورا من غير تأخير ، وأن يمضي الوالي في كلّ يوم عمله.
12 ـ قال عليهالسلام :
وليكن في خاصّة ما تخلص به لله دينك : إقامة فرائضه الّتي هي له خاصّة ، فأعط الله من بدنك في ليلك ونهارك ، ووفّ ما تقرّبت به إلى الله من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص ، بالغا من بدنك ما بلغ.
وإذا قمت في صلاتك للنّاس ، فلا تكوننّ منفّرا ولا مضيّعا (1) ، فإنّ في النّاس من به العلّة وله الحاجة.
وقد سألت رسول الله ـ صلىاللهعليهوآله ـ حين وجّهني إلى اليمن كيف أصلّي بهم؟
فقال : « صلّ بهم كصلاة أضعفهم ، وكن بالمؤمنين رحيما ».
عرض الإمام عليهالسلام في هذا المقطع إلى بعض النصائح الرفيعة وهي :
ـ أن يقيم الوالي بإخلاص فرائض الله تعالى من الصلاة والصيام.
__________________
(1) التنفير : تطويل الصلاة. التضييع : نقص الصلاة ، والمراد التوسّط في أدائها.
ـ أن يؤدّي الفرائض كاملة غير ناقصة.
ـ أن يصلّي بالناس صلاة تتّسم بعدم الإطالة ، وأن يراعي حال الضعفة من المصلّين الذين لا طاقة لهم على إطالة الصلاة.
13 ـ قال عليهالسلام :
وأمّا بعد ، فلا تطوّلنّ احتجابك عن رعيّتك ، فإنّ احتجاب الولاة عن الرّعيّة شعبة من الضّيق ، وقلّة علم بالأمور ؛ والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه فيصغر عندهم الكبير ، ويعظم الصّغير ، ويقبح الحسن ، ويحسن القبيح ، ويشاب الحقّ بالباطل.
وإنّما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه النّاس به من الأمور ، وليست على الحقّ سمات (1) تعرف بها ضروب الصّدق من الكذب ، وإنّما أنت أحد رجلين :
إمّا امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحقّ ، ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه ، أو فعل كريم تسديه ، أو مبتلى بالمنع ، فما أسرع كفّ النّاس عن مسألتك إذا أيسوا من بذلك! مع أنّ أكثر حاجات النّاس إليك ممّا لا مؤونة فيه عليك ، من شكاة مظلمة ، أو طلب إنصاف في معاملة ...
عرض إمام العدل في هذا المقطع إلى إلزام وإليه الزعيم مالك على مصر بعدم احتجابه عن الرعية ؛ لأنّ في الاحتجاب مضاعفات سيّئة والتي منها :
ـ أنّ الاحتجاب يحول عن الرعية علم ما احتجبوا دونه ، ويسبّب ذلك أن يصغر عندهم الكبير من الامور ، ويعظم عندهم الصغير ، ويحسن عندهم القبيح ،
__________________
(1) السمات : جمع سمة ، وهي العلامة.
ويقبح الحسن.
ـ أنّ احتجاب الوالي عن الرعية موجب لأن يتوارى عنه ما ألمّ بالناس من الأحداث التي يعود حجبها بضرر بالغ على الوالي وعلى المواطنين.
ـ أنّ الناس إذا يئسوا من ملاقاة الوالي فإنّهم يكفّون عن مسألته ، ويحتجبون عنه.
ـ أنّ شكاوى الناس التي ترفع إلى الوالي هي إمّا من مظلمة أو طلب انصاف في معاملة لهم ، ومن الطبيعي أنّه ليس على الوالي بذلك ضرر.
14 ـ قال عليهالسلام :
وألزم الحقّ من لزمه من القريب والبعيد ، وكن في ذلك صابرا محتسبا ، واقعا ذلك من قرابتك وخاصّتك حيث وقع ، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه ، فإنّ مغبّة ذلك محمودة.
أوصى الإمام عليهالسلام واليه على اتّباع الحقّ وتطبيقه على القريب والبعيد ، مهما ثقل ذلك عليه فإنّ فيه سعة.
15 ـ قال عليهالسلام :
وإن ظنّت الرّعيّة بك حيفا (1) فأصحر لهم بعذرك ، واعدل عنك ظنونهم بإصحارك ، فإنّ في ذلك رياضة منك لنفسك ، ورفقا برعيّتك ، وإعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ.
عهد الإمام عليهالسلام لمالك أنّ الرعية إذا ظنّت به الظلم فعليه أن يقدّم لها اعتذاره ، ويبيّن لها الأسباب التي دعته إلى الإقدام على ما سنّه وعمله.
__________________
(1) الحيف : الظلم.
16 ـ قال عليهالسلام :
إيّاك والدّماء وسفكها بغير حلّها ، فإنّه ليس شيء أدنى لنقمة ، ولا أعظم لتبعة ، ولا أحرى بزوال نعمة ، وانقطاع مدّة ، من سفك الدّماء بغير حقّها.
والله سبحانه مبتدئ بالحكم بين العباد ، فيما تسافكوا من الدّماء يوم القيامة ؛ فلا تقوّينّ سلطانك بسفك دم حرام ، فإنّ ذلك ممّا يضعفه ويوهنه ، بل يزيله وينقله.
ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد لأنّ فيه قود البدن (1) .
وإن ابتليت بخطإ وأفرط عليك سوطك أو سيفك أو يدك بعقوبة ؛ فإنّ في الوكزة فما فوقها مقتلة ، فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدّي إلى أولياء المقتول حقّهم.
واحتاط الإمام كأشدّ ما يكون الاحتياط في سفك الدماء بغير حقّ ، فإنّه من موجبات النقمة وزوال النعمة ، وعذاب الله تعالى ، وقد ألزم الإمام واليه على مصر مالكا الأشتر أن لا يقيم سلطانه بسفك الدماء المحرّمة فإنّ ذلك ممّا يوهنه ويزيله ولا عذر له مطلقا عند الله تعالى ، وقد عرض الإمام عليهالسلام إلى القتل العمدي ، فإنّ ديته القود ، وإن رضي وليّ الدم بالدية ، فهي الدية الثقيلة المشدّدة ، وقد ذكرها الفقهاء ، وأمّا قتل الخطأ فإنّ فيه الدية دون القود وتؤدّى إلى أولياء الدم.
17 ـ قال عليهالسلام :
وإيّاك والإعجاب بنفسك ، والثّقة بما يعجبك منها وحبّ الإطراء ،
__________________
(1) القود : القصاص.
فإنّ ذلك من أوثق فرص الشّيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسنين.
وإيّاك والمنّ على رعيّتك بإحسانك ، أو التّزيّد فيما كان من فعلك ، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلفك ، فإنّ المنّ يبطل الإحسان ، والتّزيّد يذهب بنور الحقّ ، والخلف يوجب المقت عند الله والنّاس. قال الله تعالى : ( كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ ) .
حفل هذا المقطع بمعالي التربية الأخلاقية التي يتزيّن بها الولاة وهي :
ـ النهي عن الاعجاب بالنفس الذي يقود إلى التكبّر ويلقي الشخص في شرّ عظيم.
ـ الحذر من حبّ المدح والاطراء والثناء ، فإنّه ممّا يؤدّي إلى استيلاء الشيطان وتمكّنه من إغراء الشخص حتى يفسد عليه عمله.
ـ أنّ لا يمنّ الوالي على رعيّته بما يسديه عليها من خدمات كتأسيس المشاريع الزراعية والمعامل وغير ذلك ممّا تتقدّم به البلاد ، فإنّ ذلك واجب على الولاة والمسئولين ، وليس في أدائه منّ على الرعية.
ـ أن لا يخلف الوالي ما يعد به الرعية ، فإنّ ذلك ممّا يوجب سقوط هيبته وعدم الوثوق بقوله.
18 ـ قال عليهالسلام :
وإيّاك والعجلة بالأمور قبل أوانها ، أو التّسقّط فيها (1) عند إمكانها ، أو اللّجاجة فيها إذا تنكّرت (2) ، أو الوهن عنها إذا استوضحت.
__________________
(1) التسقط : التهاون.
(2) تنكّرت : أي لم يعرف وجه الصواب فيها.
فضع كلّ أمر موضعه ، وأوقع كلّ عمل موقعه.
وإيّاك والاستئثار بما النّاس فيه أسوة (1) ، والتّغابي عمّا تعنى به ممّا قد وضح للعيون ، فإنّه مأخوذ منك لغيرك. وعمّا قليل تنكشف عنك أغطية الأمور ، وينتصف منك للمظلوم. املك حميّة أنفك (2) ، وسورة حدّك (3) ، وسطوة يدك ، وغرب لسانك ، واحترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة ، وتأخير السّطوة ، حتّى يسكن غضبك فتملك الاختيار ؛ ولن تحكم ذلك من نفسك حتّى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربّك.
ووضع الإمام عليهالسلام بعض المناهج التربوية لسلوك وإليه وهي :
ـ انّه نهى عن العجلة في الامور التي ليس وراءها إلاّ الفشل والخيبة ، وأوصى بالتروي فإنّه مفتاح النجاح ، وإذا اتّضحت الامور وظهرت فعليه المبادرة للفعل أو الكفّ. واللازم أن يضع كلّ أمر موضعه وفي محلّه.
ـ ونهى الإمام عليهالسلام وإليه من الاستئثار بما الناس فيه اسوة ، فليس له من سبيل أن يستأثر بشيء يعود لجميع المواطنين ، فإنّ ذلك ينمّ عن الشره والطمع ، وذلك ممّا لا يليق بالوالي النزيه هذه بعض النقاط التي حفل بها هذا المقطع.
عرض الإمام عليهالسلام في عهده لمالك إلى بطانة الولاة الذين يتّخذوهم الولاة مستشارين لهم ، وقد حذّره من الاتّصال بالأصناف التالية :
1 ـ من يذكرون عيوب الناس تقرّبا إلى السلطة ، وذلك بإظهار الاخلاص لها ،
__________________
(1) اسوة : المراد أن لا يستأثر بشيء من أموال الدولة بما يكون الناس فيه اسوة.
(2) حمية أنفك : المراد به الإباء.
(3) سورة حدّك : السورة الحدّة.
قال عليهالسلام :
وليكن أبعد رعيّتك منك ، وأشنأهم عندك ، أطلبهم لمعايب النّاس ؛ فإنّ في النّاس عيوبا ، الوالي أحقّ من سترها ، فلا تكشفنّ عمّا غاب عنك منها ، فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك ، والله يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحبّ ستره من رعيّتك.
2 ـ إبعاد السعاة الذين لا يألون جهدا في ظلم الناس والبغي عليهم. يقول عليهالسلام :
ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع ، فإنّ السّاعي غاش ، وإن تشبّه بالنّاصحين.
3 ـ إبعاد البخلاء لأنّهم يعدلون بالوالي عن الفضل والإحسان ويعدونه الفقر والحرمان.
4 ـ إقصاء الجبناء لأنّهم يضعّفونه ويخذلونه عن أداء الواجبات.
5 ـ اجتناب الحريصين فإنّهم يزيّنون له الشرّ بالجور.
6 ـ الابتعاد عن الوزراء وأعوانهم الذين كانوا لأئمّة الظلم وزراء وأعوانا ، فإنّهم لا يألون جهدا في ظلم الناس وإرهاقهم.
هذه بعض الأصناف التي يجب على الولاة الابتعاد عنها ؛ لأنّها بطانة السوء والجور ، وأداة للحكم الفاسد.
وأوّل من أسّس ولاية المظالم في الإسلام هو الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، فقد اتّخذ في الكوفة بيتا سمّاه بيت المظالم ، وأمر المظلومين أن يسجّلوا فيه ظلامتهم ، وقد تطوّرت هذه الولاية في العصر العباسي ، وفاقت منصب القضاء ، وقد عهد إليها بالامور التالية :
1 ـ النظر في الشكاوى التي يرفعها المواطنون ضدّ الولاة والحكّام إذا انحرفوا عن طريق الحقّ وجاروا على الرعية.
2 ـ النظر في جور العمّال إذا شذّوا في جباية الأموال.
3 ـ النظر في كتّاب الدواوين لأنّهم الامناء على بيوت الأموال فيما يستوفونه ويوفّونه.
4 ـ النظر في مظالم المرتزقة وسائر الموظفين إذا تأخّر دفع رواتبهم إليهم.
5 ـ ردّ ما غصبه الظالمون إلى المظلومين والمستضعفين.
6 ـ الإشراف على الأوقاف العامّة والخاصّة لتجري على ما اوقفت عليه.
7 ـ تنفيذ ما وقف ولم ينفّذ من الأحكام الصادرة من القضاة والمحتسبين ؛ لأنّ والي المظالم أقوى يدا وأنفذ أمرا من غيرهم.
8 ـ مراعاة إقامة الشعائر الدينية والعبادات كصلاة الجمع والأعياد والحجّ والجهاد.
9 ـ إنزال عقوبة التأديب بالعمّال وغيرهم من كبار الموظّفين إذا شذّوا في سلوكهم ، ولم يؤدّوا واجباتهم (1) .
هذه أهمّ الامور التي يعهد بها إلى والي المظالم ، وقد اهملت هذه الولاية التي هي من أهمّ المناصب وأخطرها ، فقد انيط بها تطبيق العدل وصيانة الحقوق وإقصاء الظلم عن الناس.
أمّا عمّال الخراج فهم الذين يستوفون الأموال التي فرضت على الأراضي التي
__________________
(1) النظم الإسلامية : 325.
فتحها المسلمون عنوة ، وأمّا عمّال الصدقات فهم الذين يجلبون الأموال التي فرضت على الأعيان التي تجب فيها الزكاة كالغلاّت الأربعة ، والأنعام الثلاثة ، والنقدين ، ويشترط في هؤلاء العمّال أن يكونوا امناء فيما يجبونه من الناس وفيما ينفقونه على المرافق العامّة ، وقد وضع الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام لهم منهجا خاصّا حافلا بالآداب ، ورعاية الصالح العامّ ، والرفق الكامل بالمواطنين ، ونسوق نصّ كلامه من دون أن نتعرّض لتحليله لأنّه وافي القصد ، واضح المعالم ، سهل البيان ، قال عليهالسلام لبعض عمّاله : انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له ، ولا تروّعنّ مسلما ، ولا تجتازنّ عليه كارها ، ولا تأخذنّ منه أكثر من حقّ الله في ماله ، فإذا قدمت على الحيّ فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ، ثمّ امض إليهم بالسّكينة والوقار ؛ حتّى تقوم بينهم فتسلّم عليهم ، ولا تخدج (1) بالتّحيّة لهم ، ثمّ تقول : عباد الله ، أرسلني إليكم وليّ الله وخليفته ، لآخذ منكم حقّ الله في أموالكم ، فهل لله في أموالكم من حقّ فتؤدّوه إلى وليّه؟
فإن قال قائل : لا ، فلا تراجعه ، وإن أنعم لك منعم (2) فانطلق معه من غير أن تخيفه ، أو توعده ، أو تعسفه ، أو ترهقه.
فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضّة ، فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلاّ بإذنه ، فإنّ أكثرها له ، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلّط عليه ولا عنيف به.
ولا تنفّرنّ بهيمة ولا تفزعنّها ، ولا تسوأنّ صاحبها فيها ، واصدع المال
__________________
(1) لا تخدج : أي لا تبخل.
(2) يقصد بـ « المنعم » دافع الزكاة ، وهذا من روائع الأدب العلوي.
صدعين (1) ثمّ خيّره ، فإذا اختار فلا تعرضنّ لما اختاره. ثمّ اصدع الباقي صدعين ، ثمّ خيّره ، فإذا اختار فلا تعرضنّ لما اختاره. فلا تزال كذلك حتّى يبقى ما فيه وفاء لحقّ الله في ماله ؛ فاقبض حقّ الله منه.
فإن استقالك فأقله (2) ، ثمّ اخلطهما ثمّ اصنع مثل الّذي صنعت أوّلا حتّى تأخذ حقّ الله في ماله.
ولا تأخذنّ عودا (3) ، ولا هرمة ، ولا مكسورة ، ولا مهلوسة ، ولا ذات عوار ، ولا تأمننّ عليها إلاّ من تثق بدينه ، رافقا بمال المسلمين حتّى يوصّله إلى وليّهم فيقسمه بينهم ، ولا توكّل بها إلاّ ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا ، غير معنف ولا مجحف (4) ، ولا ملغب (5) ولا متعب. ثمّ احدر (6) إلينا ما اجتمع عندك نصيّره حيث أمر الله به ، فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألاّ يحول بين ناقة وبين فصيلها ، ولا يمصر (7) لبنها فيضرّ ذلك بولدها ؛ ولا يجهدنّها ركوبا ، وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها ، وليرفّه على اللاّغب (8) ، وليستأن بالنّقب (9) والظّالع ، وليوردها
__________________
(1) صدعين : أي قسمين ؛ ليختار صاحب المال أيّهما شاء.
(2) فإن استقالك فأقله : أي إن طلب الإعفاء من هذه القسمة فأعفه منها.
(3) العود : المسنّة من الإبل.
(4) المجحف : الذي يشتدّ في سوق الأنعام حتى تهزل.
(5) اللغب : التعب.
(6) احدر : أي اسرع.
(7) يمصر اللبن : تقليله بالحلب.
(8) اللاغب : الذي أعياه التعب.
(9) النقب : الخرق.
ما تمرّ به من الغدر (1) ، ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جوادّ الطّرق ، وليروّحها في السّاعات ، وليمهلها عند النّطاف (2) والأعشاب ، حتّى تأتينا بإذن الله بدّنا منقيات غير متعبات ، ولا مجهودات ، لنقسمها على كتاب الله وسنّة نبيّه ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فإنّ ذلك أعظم لأجرك ، وأقرب لرشدك ، إن شاء الله » (3) .
وحفل هذا العهد باصول الفضائل والآداب ، واحتوى على جميع صنوف العدل ورعاية حقوق من وجبت عليهم الزكاة ، كما تضمّن الرفق الكامل بالحيوان ، وعدم إجهاده والاضرار به كما نصّ العهد على الاحتياط بأموال الدولة ، والاهتمام بها إلى غير ذلك من الأنظمة الرائعة التي لم تقنّن مثلها في الأنظمة الحديثة.
على وليّ أمر المسلمين أن يقف بيقظة وحزم أمام ولاته على الأقطار والأقاليم فيراقب تصرّفاتهم ، ويحاسبهم على ما جبوه وأنفقوه من بيت المال ، وينظر إلى ما عندهم من ثراء ، فإن كان قد اصطفوه من بيت المال بغير وجه مشروع فالواجب مصادرته ، وعزلهم وذلك لخيانتهم ، وقد سنّ ذلك ، ووضع منهاجه الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكان يحاسب عمّاله على ما في أيديهم وعلى ما أنفقوه ، وقد استعمل رجلا من الأزد على الصدقات فلمّا رجع حاسبه فقال الرجل :
ـ هذا لكم ، وهذا اهدي لي.
فأنكر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك وقال :
__________________
(1) الغدر : هو ما غادره السيل من الماء.
(2) النطاف : المياه القليلة.
(3) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 3 : 23 ـ 26.
« ما بال الرّجل نستعمله على العمل ممّا ولاّنا الله ، فيقول : هذا لكم ، وهذا اهدي لي؟ أفلا قعد في بيت امّه وأبيه فنظر أيهدى له أم لا؟ والّذي نفسي بيده! لا نستعمل رجلا على العمل ممّا ولاّنا الله فيغلّ منه شيئا إلاّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ، إن كان بعيرا له رغاء ، وإن كانت بقرة لها خوار ، وإن كانت شاة تمغر ».
ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال : « اللهمّ بلّغت » قالها مرّتين أو ثلاثا (1) .
وسار الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام على هذا المنهج في دور حكومته فكان يراقب الولاة والعمّال ، ويمعن في محاسبتهم ، فإذا بدرت من أحدهم خيانة بادر إلى عزله ، ومصادرة ما اختلسه من الأموال ، وقد بلغه عن بعض عمّاله أنّه استأثر ببعض أموال المسلمين فكتب إليه :
أمّا بعد ، فقد بلغني عنك أمر ، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك ، وعصيت إمامك ، بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك ، وأكلت ما تحت يديك ، فارفع إليّ حسابك ، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب النّاس (2) .
وكتب إلى زياد بن أبيه ، وهو وال من قبل عامله على البصرة عبد الله بن عباس ، يحذّره من الخيانة ، وقد جاء فيما كتبه إليه :
وإنّي أقسم بالله قسما صادقا ، لئن بلغني أنّك خنت من فيء المسلمين شيئا صغيرا أو كبيرا ، لأشدّنّ عليك شدّة تدعك قليل الوفر ، ثقيل الظّهر ، ضئيل الأمر (3) .
__________________
(1) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية : 248.
(2) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 3 : 22.
(3) المصدر السابق 3 : 22.
ما أحوج المسلمين إلى هذا العدل الصارم الذي لا تطغى فيه النزعات والأهواء ، ولا ميل فيه إلاّ للعدل والحقّ ، ولا مكسب فيه إلاّ خدمة الامّة ورعاية مصالحها (1) .
وروى المؤرّخون أنّ عمر بن الخطّاب كان يحاسب عمّاله ويشاطرهم ما عندهم من أموال ، فقد شاطر أموال سعد بن أبي وقّاص وعمرو بن العاص والحجّاج ابن عتيك الثقفي وغيرهم ، ويقول المعنيّون بهذه البحوث إنّ الواجب كان يقضي بمصادرة جميع أموالهم إن كانوا قد اختلسوها ، وإن لم يكونوا قد اختلسوها فلا وجه لمصادرة نصفها (2) .
لا يجوز فصل الولاة وإقالتهم إذا كانوا قائمين بواجباتهم وملتزمين بما عهد إليهم ، أمّا إذا اقترفوا الظلم وشذّوا عن الطريق القويم فإنّهم يفصلون ، ويقدّمون إلى القضاء ، وقد عزل الإمام عليهالسلام أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة الهمدانية أنّه قد جار في حكمه ، فبكى الإمام وقال في حرارة :
اللهمّ أنت الشّاهد عليّ وعليهم ، إنّي لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقّك.
ثمّ عزله في الوقت (3) ، إنّ سعادة الامّة منوطة باستقامة حكّامها ، وعدل موظّفيها ، فإذا مالوا عن الحقّ ، وابتعدوا عن العدل وجب عزلهم لئلا تتعرّض البلاد إلى الأزمات والنكسات.
__________________
(1) نظام الحكم والإدارة في الإسلام : 373.
(2) المصدر السابق : 374.
(3) العقد الفريد 1 : 211.
ومن مظاهر عدل الإمام عليهالسلام عزله للمنذر بن الجارود حينما بلغه أنّه جافى سيرة أبيه الجارود الحافلة بالتقوى والصلاح ، فقد كتب إليه الإمام عليهالسلام ما نصّه :
أمّا بعد ، فإنّ صلاح أبيك ما غرّني منك ، وظننت أنّك تتّبع هديه ، وتسلك سبيله ، فإذا أنت فيما رقّي إليّ عنك لا تدع لهواك انقيادا ، ولا تبقي لآخرتك عتادا. تعمر دنياك بخراب آخرتك ، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك. ولئن كان ما بلغني عنك حقّا ، لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك ، ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسدّ به ثغر ، أو ينفذ به أمر ، أو يعلى له قدر ، أو يشرك في أمانة ، أو يؤمن على جباية فأقبل إليّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله (1) .
لقد صبّ الإمام عليهالسلام جام غضبه على المنذر حينما بلغه أنّه خان المسلمين ، فقد عنّفه بهذا اللون من العنف الذي هو أشدّ من ضرب السيوف ، ثمّ عزله عن منصبه من أجل صيانة العدل ، والحفاظ على حقوق المسلمين ومصالحهم ، وليس من العدل في شيء إبقاء من خان المسلمين في منصبه بل لا بدّ من عزله وإقصائه.
أمّا الجيش فهو السياج الواقي للامّة ، والحامي لها من الاعتداء والغزو ، وهو أفضل جهاز في الدولة ، و لننظر إلى ما قاله الإمام عليهالسلام من المدح والاطراء :
فالجنود ، بإذن الله ، حصون الرّعيّة ، وزين الولاة ، وعزّ الدّين ، وسبل الأمن ، وليس تقوم الرّعيّة إلاّ بهم.
أرأيتم هذا التمجيد؟
__________________
(1) نهج البلاغة 3 : 145.
أرأيتم هذا الثناء؟
إنّ الجند حصون الرعية ، وزين الولاة ، وسبل الأمن العامّ في البلاد ، وليس فوق هذا الثناء من ثناء.
وأضاف الإمام عليهالسلام يقول :
فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله ولرسوله ولإمامك ، وأنقاهم جيبا ، وأفضلهم حلما ممّن يبطئ عن الغضب ، ويستريح إلى العذر ، ويرأف بالضّعفاء ، وينبو على الأقوياء ، وممّن لا يثيره العنف ، ولا يقعد به الضّعف.
عرض الإمام إلى من يولّيه ويرشّحه مالك لبعض المراتب المهمّة في الجيش واشترط أن تتوفّر فيهم الصفات التالية :
1 ـ أن يتّصف المرشّح لقيادة الجيش بالنصيحة لله ورسوله ولوالي الامّة.
2 ـ أن يكون بعيدا عن أكل المال الحرام.
3 ـ أن يكون من أفضل الناس ، ويبطئ عن الغضب الذي هو مصدر كلّ رذيلة.
4 ـ أن يتّصف بالرأفة والرحمة على الضعفاء والفقراء.
5 ـ أن يكون ذا بأس وقوّة على الأقوياء.
6 ـ أن يكون قوي الشخصية ، فلا يثيره العنف ولا يقعد به الضعف.
وأكّد الإمام في عهده لمالك على العناية بقادة الجيش ، قال عليهالسلام :
وليكن آثر رءوس جندك عندك من واساهم في معونته ، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم ، حتّى يكون همّهم همّا واحدا في جهاد العدوّ ؛ فإنّ عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك.
وألمّت هذه الكلمات بأرقى الوسائل التي توجب تلاحم الجيش مع قادته بولاة الأمر ، وأنّهم يكونون جميعا يدا واحدة على عدوّهم.
أمّا الشرطة فهي من أجهزة الدولة الحسّاسة ، وأوّل من أسّسها في الإسلام هو الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، فقد انتخب جماعة من خيار جنوده ، وأطلق عليهم « شرطة الخميس » وكانوا يمثّلون النزاهة والتقوى حتى كانت شهادة أحدهم في المحاكم تعدل شهادة رجلين ، وكان منهم الشهيد الخالد حبيب بن مظاهر والثقة الأمين عبد الله بن يحيى الحضرمي ، وقد قال له الإمام عليهالسلام :
« ابشر يا عبد الله ، فإنّك وأباك من شرطة الخميس ، حقّا لقد أخبرني رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم باسمك واسم أبيك في شرطة الخميس » (1) .
وانيطت بالشرطة كثير من الواجبات والمسئوليات كان من بينها :
1 ـ القبض على المجرمين.
2 ـ اتّخاذ التدابير الوقائية لمنع وقوع الجرائم.
3 ـ المحافظة على النظام والأمن العام.
4 ـ المحافظة على أموال الناس وأعراضهم.
وقد حدّد الإسلام صلاحيّات الشرطة فليس لها أن تعتقل أي شخص إلاّ إذا ثبتت في حقّه تهمة يعاقب عليها القانون الإسلامي ، وإذا ارتكب بعض الشرطة المخالفات فإنّهم يقدّمون للقضاء ، وتجري عليهم العقوبات المقرّرة في الإسلام (2) .
ومن الجدير بالذكر أنّ الشرطة في الأندلس قد انقسمت إلى شرطة كبرى ،
__________________
(1) حياة الإمام الحسن عليهالسلام 2 : 377.
(2) نظام الحكم والإدارة في الإسلام : 441.
وشرطة صغرى ، فالكبرى هي التي تضرب على أيدي الزعماء ، ومن يتّصل بهم ، والصغرى تحكم في الغوغاء وعامّة الناس وكانت ولاية الشرطة للزعماء والأكابر من رجال الدولة (1) .
عرض الإمام عليهالسلام في حديثه التالي إلى حقّ الوالي على الرعية ، وحقّها عليه ، قال :
حقّ الوالي على الرّعيّة ، وحقّ الرّعيّة على الوالي ، فريضة فرضها الله سبحانه لكلّ على كلّ ، فجعلها نظاما لألفتهم ، وعزّا لدينهم ، فليست تصلح الرّعيّة إلاّ بصلاح الولاة ، ولا تصلح الولاة إلاّ باستقامة الرّعيّة.
فإذا أدّت الرّعيّة إلى الوالي حقّه ، وأدّى الوالي إليها حقّها عزّ الحقّ بينهم ، وقامت مناهج الدّين ، واعتدلت معالم العدل ، وجرت على أذلالها السّنن ، فصلح بذلك الزّمان ، وطمع في بقاء الدّولة ، ويئست مطامع الأعداء.
وإذا غلبت الرّعيّة واليها ، أو أجحف الوالي برعيّته ، اختلفت هنا لك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الإدغال في الدّين ، وتركت محاجّ السّنن ، فعمل بالهوى ، وعطّلت الأحكام ، وكثرت علل النّفوس ، فلا يستوحش لعظيم حقّ عطّل ، ولا لعظيم باطل فعل! فهنالك تذلّ الأبرار ، وتعزّ الأشرار (2) .
__________________
(1) النظم الإسلامية : 334.
(2) ربيع الأبرار 4 : 241 ـ 242.
ولاته على مصر
عرضنا في البحوث السابقة إلى أهميّة الولاة وواجباتهم ، وما يرتبط بهم من الأعمال في ميادين الاصلاح الاجتماعي وبعد هذا نعرض إلى ولاة الإمام وعمّاله على الأقطار والأقاليم الإسلامية.
إنّ الإمام عليهالسلام حينما تسلّم السلطة بعد مقتل عثمان بن عفّان بادر إلى عزل جميع ولاته وعمّاله ؛ لأنّهم كانوا مصدر فتنة واضطراب في البلاد الإسلامية ، وبعضهم قد استأثر بفيء المسلمين ، واستحلّ الخراج ، ومن المؤكّد أنّ منحهم الوظائف المهمّة في الدولة لم تكن عن كفاءة واختيار ، وإنّما كانت محاباة واثرة.
وعلى أي حال فإنّا نعرض إلى ولاة مصر التي هي أمّ البلاد الإسلامية ، ومركز الثقل فيها ، وقد ولّى الإمام عليهالسلام عليها خيرة الرجال كفاءة ووعيا وإحاطة بما تحتاج إليه الامّة في شئونها الإدارية والاجتماعية والسياسية وكان أوّل من تقلّد منصب الامارة فيها هو :
قيس بن سعد
أمّا قيس بن سعد فهو من أفذاذ القادة الإسلاميّين ، وعلم من أعلام الجهاد في الإسلام ، ومن ذخائر الرجال الذين أنجبتهم مدرسة الإسلام ونعرض ـ بصورة موجزة ـ إلى بعض شئونه :
اوتي قيس بسطة في الجسم ، فهو أطول إنسان في عصره ، وكان إذا ركب الحمار تخطّ رجلاه في الأرض ، وقد بعث قيصر إلى معاوية أن ابعث لي سراويل أطول رجل من العرب ، فقال لقيس : ما أظنّ إلاّ قد احتجنا إلى سراويلك ، فقام وتنحّى وخلع سراويله ، وجاء بها إليه ، فقال له معاوية : ألاّ ذهبت إلى منزلك ثمّ بعثت بها ، فقال قيس :
أردت بها أن يعلم النّاس أنّها |
سراويل قيس والوفود شهود |
|
و ألاّ يقولوا غاب قيس وهذه |
سراويل عاد خاطها لثمود |
|
و أنّي من الحيّ اليماني لسيّد |
و ما النّاس إلاّ سيّد ومسود |
|
فكدهم بمثلي إنّ مثلي عليهم |
شديد وخلقي في الرّجال مديد (1) |
وأمر معاوية أطول رجل في الجيش فوضعها على أنفه فوقفت بالأرض.
__________________
(1) النجوم الزاهرة 1 : 96.
وتميّز قيس بوفور العقل وحسن التدبير ، وروي عنه أنّه قال : لو لا أنّي سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : « المكر والخديعة في النّار » لكنت من أمكر هذه الامّة (1) .
وكان قيس ندي الكفّ جوادا لا يبارى ، فكان يستدين ويطعم الفقراء ، وقال أبو بكر وعمر : إن تركنا هذا الفتى أهلك مال أبيه ، فمشيا في الناس يمنعونهم من سؤاله ، وسار النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم يوما ، فقام سعد بن عبادة خلفه ، وقال : من يعذرني من ابن أبي قحافة وابن الخطّاب يبخلان على ابني (2) .
قلّده الإمام عليهالسلام ولاية مصر في سنة ( 37 ه ) وقال له الإمام عليهالسلام :
« اخرج إلى رحلك ، واجمع إليك ثقاتك ومن أحببت أن يصحبك حتّى تأتيها ومعك جندك ، فإنّ ذلك أرعب لعدوّك ، وأعزّ لوليّك ، وأحسن إلى المحسن ، واشتدّ على المريب ، وارفق بالعامّة والخاصّة ، فإنّ الرّفق يمن ».
فقال له قيس : اخرج إليها بجند ، فو الله! لئن لم أدخلها إلاّ بجند آتيها به من المدينة لا أدخلها أبدا ، فأنا ادع ذلك الجند فإن كنت احتجت إليهم كانوا منك قريبا ، وإن أردت أن تبعثهم إلى وجه من وجوهك كانوا عدّة لك.
وخرج قيس في سبعة من أصحابه ، حتى انتهى إلى مصر ، وفور انتهائه صعد المنبر ، وأمر بقراءة كتاب الإمام عليهالسلام الذي فيه ولايته ، ثمّ خطب الناس قائلا :
الحمد لله الذي جاء بالحقّ ، وأمات الباطل ، وكبت الظالمين.
__________________
(1) النجوم الزاهرة 1 : 95.
(2) المصدر السابق 1 : 96.
أيّها الناس ، إنّا قد بايعنا خير من نعلم بعد نبيّنا صلىاللهعليهوآلهوسلم فقوموا أيّها الناس فبايعوه على كتاب الله وسنّة رسوله ، فإن نحن لم نعمل لكم بذلك فلا بيعة لنا.
وانبرت الجماهير فبايعت الإمام عليهالسلام (1) .
وورم أنف معاوية ، وانتفخ سحره حينما علم بتقلّد قيس ولاية مصر فراح يدبّر المؤامرات لجلبه إليه ، وقد كتب إليه الرسالة التالية :
من معاوية بن أبي سفيان إلى قيس بن سعد بن عبادة ، سلام عليك أمّا بعد : فإنّكم إن كنتم نقمتم على عثمان في امور رأيتموها أو ضربة سوط ضربها ، أو شتمة شتمها ، أو في سير سيّره ، أو في استعماله الفيء ، فقد علمتم أنّ دمه لم يكن حلالا لكم فقد ركبتم عظيما من الأمر وجئتم شيئا ادّا ، فتب إلى الله يا قيس بن سعد ، فإنّك ممّن أعان على قتل عثمان ، إن كانت التوبة من قتل المؤمن تغني شيئا ، وأمّا صاحبك ـ يعني الإمام أمير المؤمنين ـ فقد تيقّنا أنّه الذي أغرى به ، وحملهم على قتله حتى قتلوه ، وأنّه لم يسلم من دمه عظم قومك فإن استطعت أن تكون ممّن يطلب بدم عثمان فافعل ، فإن بايعتنا على هذا الأمر فلك سلطان العراقين ، ولمن شئت من أهلك سلطان الحجاز ما دام لي سلطان ، وسلني غير هذا ممّا تحبّ فإنّك لا تسألني شيئا إلاّ اوتيته ، واكتب إليّ برأيك فيما كتبت به إليك والسلام.
وحفلت هذه الرسالة بالخداع والأكاذيب ، فليس قيس ولا الإمام لهما ضلع في إراقة دم عثمان وإنّما أجهز عليه عمله وسوء سياسته ، وقد بسطنا الكلام فيها.
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 : 137.
وأجابه قيس بهذه الرسالة :
أمّا بعد : فقد بلغني كتابك ، وفهمت ما ذكرت فيه.
فأمّا ما ذكرت من أمر عثمان فذلك أمر لم أقاربه ، ولم انتطف فيه (1) .
وأمّا قولك : إنّ صاحبي أغرى الناس بعثمان ، فهذا أمر لم أطّلع عليه.
وذكرت انّ معظم عشيرتي لم يسلموا من دم عثمان ، فأوّل الناس فيه قياما عشيرتي ، ولهم اسوة غيرهم.
وأمّا ما ذكرت من مبايعتي إيّاك وما عرضت عليّ ، فلي فيه نظر وفكرة ، وليس هذا ممّا يسارع إليه ، وأنا كاف عنك ، ولن يبدو لك من قبلي شيء ممّا تكره ، والسلام (2) .
ولمّا قرأها معاوية لم يجد فيها ثغرة يسلك فيها لإفساد قيس ، فكتب إليه :
أمّا بعد : فقد قرأت كتابك فلم أرك تدنو فأعدك سلما ، ولم أرك مباعدا فأعدك حربا ، وليس مثلي من يخدع ، وبيده أعنّة الخيل ، ومعه أعداد الرجال ، والسلام.
ورأى قيس أنّ معاوية لا يقبل المماطلة فأظهر له ما في نفسه وكتب له :
أمّا بعد : فالعجب من اغترارك بي يا معاوية! وطمعك فيّ تسومني الخروج
__________________
(1) لم انتطف فيه : أي لم أتلطّخ به.
(2) النجوم الزاهرة 1 : 99.
عن طاعة أولى الناس بالامرة ، وأقربهم بالخلافة ، وأقولهم بالحقّ ، وأهداهم سبيلا ، وأقربهم إلى رسوله وسيلة ، وأوفرهم فضيلة ، وتأمرني بالدخول في طاعتك ، طاعة أبعد الناس من هذا الأمر ، وأقولهم بالزور ، وأضلّهم سبيلا ، وأبعدهم من الله ورسوله وسيلة ، ولا ضالّين ولا مضلّين طاغوت من طواغيت إبليس ، وأمّا قولك معك أعنّة الخيل وأعداد الرجال لتشتغلنّ بنفسك حتى العدم (1) .
وقطعت هذه الرسالة كلّ أمل في معاوية ، فراح يفتّش عن مكيدة اخرى لإقصاء قيس عن مصر ، فأذاع بين الشاميّين أنّ قيسا قد بايعه ، واختلق في ذلك كتابا ينعى فيه عثمان بن عفّان ، وأنّه لا يسعه مسالمة المتّهمين بقتله ...
وشاع بين أهل الشام أنّ قيسا قد بايع معاوية وأخلص له ، وبلغ ذلك الإمام عليهالسلام فشقّ عليه ذلك ، وأشار عليه عبد الله بن جعفر بعزل قيس ، فامتنع الإمام ، وتكرّرت الأحداث وإشاعة معاوية أنّ قيسا قد بايع معاوية فاضطرّ الإمام إلى عزله ، وولّى الزعيم مالك الأشتر مكانه ، وقيل محمّد بن أبي بكر.
__________________
(1) النجوم الزاهرة 1 : 100.
ولاية مالك الأشتر
أمّا مالك فهو سيف من سيوف الله تعالى ، وعلم من أعلام الجهاد في الإسلام ، قد وهب حياته لله تعالى ، وأخلص لدينه كأعظم ما يكون الإخلاص ...
وقد وقف بحزم وإخلاص إلى جانب إمام المتّقين وسيّد الموحّدين الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام يحميه ، ويذبّ عنه في أحلك الظروف ، وأشدّها محنة وبلاء ، وقد أدلى الإمام عليهالسلام بعظيم منزلته وجهاده تجاهه قائلا :
« لقد كان لي كما كنت لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وقد انتخبه الإمام لولاية مصر بعد عزل قيس عنها ، وذلك لسموّ شخصيّته ، وحزمه الجبّار ، وقدرته الفائقة ، وإحاطته التامّة بالشؤون السياسية والإدارية ، وقد زوّده برسالتين مع العهد الذهبي الذي لم ينشأ مثله في الإسلام وغيره ، أمّا الرسالتان فهما :
الاولى : تضمّنت الإشادة بمكانة مالك ، وحكت كريم صفاته وقد جاء فيها :
من عبد الله عليّ أمير المؤمنين ، إلى القوم الّذين غضبوا لله حين عصي في أرضه ، وذهب بحقّه ، فضرب الجور سرادقه على البرّ والفاجر ، والمقيم والظّاعن ، فلا معروف يستراح إليه ، ولا منكر يتناهى عنه.
أشاد الإمام عليهالسلام بهذه الكلمات بالجهود الجبّارة التي بذلها الجيش المصري
لحماية الإسلام في أيام محنته حينما توالت عليه الأحداث الرهيبة أيام حكومة عثمان ، فهبّ الجيش المصري للاطاحة بحكومته ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في بعض بحوث هذا الكتاب ثمّ أخذ الإمام في الثناء على مالك :
أمّا بعد ، فقد بعثت إليكم عبدا من عباد الله ، لا ينام أيّام الخوف ، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الرّوع ، أشدّ على الفجّار من حريق النّار ، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج ، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ ، فإنّه سيف من سيوف الله لا كليل الظّبة (1) ، ولا نابى الضّريبة (2) : فإن أمركم أن تنفروا فانفروا ، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، فإنّه لا يقدم ولا يحجم ، ولا يؤخّر ولا يقدّم إلاّ عن أمري ؛ وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم ، وشدّة شكيمته على عدوّكم (3) .
وهذه الكلمات وسام شرف لمالك ، فقد حكت بعض قيمه ومثله والتي منها :
1 ـ ألمّت بشجاعة مالك ، وقوّة بأسه ، وصلابة عزيمته ، وأنّه لا ينام أيام الخوف ، ولا ينكل عند الروع.
2 ـ إنّ مالك أشدّ من النار على المارقين والمنحرفين عن الحقّ ، الذين لا يرجون لله وقارا.
3 ـ إنّ مالك من سيوف الله الواقعيّين الذين لم يلوّثوا بجريمة ولا باقتراف منكر.
4 ـ أمر الإمام ـ بهذه الرسالة ـ الشعب المصري بإطاعة مالك والانصياع
__________________
(1) الظّبة : حدّ السيف. الكليل : الذي لا يقطع.
(2) الضريبة : المضروب بالسيف.
(3) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 3 : 63.
لأوامره ، فإنّه لا يقدم على شيء ، ولا يعمل عملا إلاّ بعد أخذ رأي الإمام عليهالسلام .
الثانية : عرضت إلى الأحداث المؤسفة التي عاناها الإمام عليهالسلام بعد وفاة أخيه وابن عمّه الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم :
قال :
أمّا بعد ، فإنّ الله سبحانه بعث محمّدا ـ صلىاللهعليهوآله ـ نذيرا للعالمين ، ومهيمنا (1) على المرسلين.
فلمّا مضى عليهالسلام تنازع المسلمون الأمر من بعده. فو الله ما كان يلقى في روعي (2) ، ولا يخطر ببالي ، أنّ العرب تزعج هذا الأمر من بعده صلىاللهعليهوآله ـ عن أهل بيته ، ولا أنّهم منحّوه عنّي من بعده! فما راعني إلاّ انثيال النّاس على فلان (3) يبايعونه ، فأمسكت يدي حتّى رأيت راجعة النّاس قد رجعت عن الإسلام ، يدعون إلى محق دين محمّد ـ صلىاللهعليهوآله ـ فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما ، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم الّتي إنّما هي متاع أيّام قلائل ، يزول منها ما كان ، كما يزول السّراب ، أو كما يتقشّع السّحاب ؛ فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق ، واطمأنّ الدّين وتنهنه.
عرض الإمام في هذا المقطع إلى الخلافة التي هي من حقّه وهو أولى بها من غيره ، وما كان يدور في خلده أنّها تنصرف عنه إلى غيره ، ولم يدخل مع القوم الذين
__________________
(1) المهيمن : الشاهد.
(2) روعي : أي في خاطري.
(3) يعني بفلان : أبا بكر.
انتزعوه تراثه وحقّه في ميدان الصراع المسلّح ، وذلك خشية على الإسلام من أن تشيع فيه الردّة ، وينقلب المسلمون على أعقابهم فصبر على ضياع حقّه وفي العين قذى وفي الحلق شجى ـ كما يقول في خطبته الشقشقية ـ ، ومن بنود هذه الرسالة قوله :
إنّي والله! لو لقيتهم واحدا وهم طلاع الأرض كلّها ما باليت ولا استوحشت ، وإنّي من ضلالهم الّذي هم فيه والهدى الّذي أنا عليه لعلى بصيرة من نفسي ويقين من ربّي. وإنّي إلى لقاء الله لمشتاق ، وحسن ثوابه لمنتظر راج ؛ ولكنّني آسى أن يلي أمر هذه الأمّة سفهاؤها وفجّارها ، فيتّخذوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، والصّالحين حربا ، والفاسقين حزبا ، فإنّ منهم الّذي قد شرب فيكم الحرام (1) ، وجلد حدّا في الإسلام ، وإنّ منهم من لم يسلم حتّى رضخت له على الإسلام الرّضائخ (2) .
فلو لا ذلك ما أكثرت تأليبكم (3) ، وتأنيبكم ، وجمعكم ، وتحريضكم ، ولتركتكم إذ أبيتم وونيتم.
ألا ترون إلى أطرافكم قد انتقصت ، وإلى أمصاركم قد افتتحت ، وإلى ممالككم تزوى ، وإلى بلادكم تغزى! انفروا ـ رحمكم الله ـ إلى قتال عدوّكم ، ولا تثّاقلوا إلى الأرض فتقرّوا
__________________
(1) الحرام : وهو الخمر ، وقد شربها علنا عتبة بن أبي سفيان ، وحدّ خالد بن عبد الله في الطائف.
(2) الرضائخ : العطايا ، ويشير بذلك إلى عمرو بن العاص فإنّه لم يسلم حتى أعطاه النبيّ.
(3) التأليب : التحريض.
بالخسف ، وتبوءوا بالذّلّ ، ويكون نصيبكم الأخسّ ، وإنّ أخا الحرب الأرق (1) ، ومن نام لم ينم عنه ، والسّلام (2) .
حكت هذه الكلمات عن يقين الإمام عليهالسلام بأنّه على ثقة وبصيرة من أمره ، وأنّه على اتّصال وثيق بالله تعالى لا يستوحش من الذين فارقوه وحاربوه ونابذوه ، فإنّهم على ضلال يا له من ضلال ، كما أعرب عليهالسلام عن زهده في السلطة ، وأنّه لو لا يخاف من أن يحكم المسلمين من لا دين له فيتّخذ مال الله دولا وعباده خولا لما تصدّى إلى الحكم ، ولم يقم له أي وزن لأنّ السلطة عنده ليست مغنما وإنّما هي من سبل الاصلاح الاجتماعي ، فليس فيها إلاّ التعب والجهد والعناء.
ثمّ دعا الإمام الشعب المصري إلى جهاد المارقين عن الإسلام ، وهم الحزب الأموي ، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان الذي أفنى حياته في محاربة الله ورسوله.
وهو أروع عهد حافل بحقوق الإنسان ، وقضاياه المصيرية لم يقنّن مثله ، ولم يوضع في جميع المحافل الدولية نظيره ، قد صاغه رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، وقد عرضنا إلى معظم بنوده في البحوث التمهيدية التي صدّرنا بها هذا الكتاب ، و قد ختم الإمام عليهالسلام هذا العهد الشريف بهذه الكلمات القيّمة بقوله :
والواجب عليك أن تتذكّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة ، أو سنّة فاضلة ، أو أثر عن نبيّنا ـ صلىاللهعليهوآله ـ أو فريضة في كتاب
__________________
(1) الأرق : السهر.
(2) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 3 : 118 ـ 121.
الله ، فتقتدي بما شاهدته ممّا عملنا به فيها ، وتجتهد لنفسك في اتّباع ما عهدت إليك في عهدي هذا ، واستوثقت به من الحجّة لنفسي عليك ، لكيلا تكون لك علّة عند تسرّع نفسك إلى هواها.
وأنا أسأل الله بسعة رحمته ، وعظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة ، أن يوفّقني وإيّاك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه ، مع حسن الثّناء في العباد ، وجميل الأثر في البلاد ، وتمام النّعمة ، وتضعيف الكرامة ، وأن يختم لي ولك بالسّعادة والشّهادة ، « وإنّا إلى الله راغبون ».
والسّلام على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الطّيّبين الطّاهرين ، وسلّم تسليما كثيرا ، والسّلام.
أرأيتم هذه الآداب العلوية الحافلة بجميع مقوّمات السموّ والكرامة ، وما تعتزّ به الإنسانية في جميع أدوارها.
وخرج الأشتر ميمّما وجهه صوب مصر ، وسارت قافلته تطوي البيداء ، لا تلوي على شيء ، فلمّا انتهت إلى « أبلّة » (1) فالتقى به نافع مولى عثمان بن عفّان ، وقد أرسله معاوية لاغتياله ، وكان لبقا ، فأخذ مالك يسأله :
ـ ممّن أنت؟
ـ من أهل المدينة.
ـ من أيّهم؟
__________________
(1) أبلّة : مدينة تقع على شاطئ دجلة في الطريق إلى البصرة.
فأخفى وضعه ، وقال :
ـ مولى عمر بن الخطّاب.
ـ أين تريد؟
ـ مصر.
ـ ما حاجتك بها؟
ـ أشبع من الخبز فإنّا في المدينة لا نشبع منه.
ـ فرقّ له ـ الزمني فإنّي سأصيبك من الخبز.
ومضى مالك في سفره ، وعميل معاوية ملازم له ، حتى انتهى إلى القلزم (1) ، فنزل ضيفا على امرأة من جهينة فرحّبت به ، وقابلته بمزيد من التكريم ، وسألته أي الطعام أحبّ إليه في العراق حتى تصنعه له ، فقال لها : الحيتان الطرية ، فقدّمت له ما اشتهى فلمّا أكل أصابه عطش شديد فأخذ يكثر من شرب الماء ، فقال له نافع مولى عثمان : إنّ الطعام لا يقتل سمّه إلاّ العسل ، فدعا الأشتر بإحضاره من ثقله ، فلم يكن فيه ، فبادر نافع قائلا : هو عندي ، فقال الأشتر : عليّ به ، فأحضره فتناول منه ، وكان قد دسّ فيه سمّا قاتلا ، ولمّا انتهى إلى جوفه تقطّعت أمعاؤه ، وأخذ الموت يدنو منه سريعا ، وطلب الأشتر إحضار نافع فوجده منهزما ، فلم يعثر عليه ، وسرى السمّ في جميع أوصاله ، وقد طوت حياته شربة العسل التي كان يردّدها معاوية « إنّ لله جنودا من عسل » (2) .
لقد انتهت حياة هذا العملاق العظيم الذي جاهد أعداء الله كأعظم ما يكون
__________________
(1) القلزم : مدينة تقع على شفير البحر ليس بها زرع ولا ماء ، يحمل إليها الماء من آبار بعيدة ، وتقع ما بين الحجاز ومصر على ثلاثة أيام منها ـ معجم البلدان.
(2) مالك الأشتر ـ محمّد رضا الحكيم : 174 ـ 175.
الجهاد ، وقد كانت شهادته على يد أقذر اموي عرفه تاريخ البشرية ، وهو ابن هند الذي حارب الإسلام هو وأبوه وامّه وقبيلته بجميع ما يملكون من طاقات.
ولمّا انتهى النبأ الفجيع بوفاة القائد العظيم إلى الإمام عليهالسلام ذابت نفسه أسى وحزنا ، وأخذ يذرف عليه أحرّ الدموع قائلا :
« إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، والحمد لله ربّ العالمين.
اللهمّ إنّي أحتسبه عندك ، فإنّ موته من مصائب الدّهر ».
ثمّ قال :
« رحم الله مالكا فقد وفى بعهده ، وقضى نحبه ، ولقي ربّه ، مع أنّا قد وطّنّا أنفسنا أن نصبر على كلّ مصيبة بعد مصابنا برسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فإنّها من أعظم المصائب » (1) .
وأخذ الإمام يتلهّف وهو يقول بحزن بالغ :
« لله درّ مالك ، وما مالك؟ لو كان من جبل لكان فندا (2) ، ولو كان من حجر لكان صلدا ، أما والله! ليهدنّ موتك عالما ، وليفرحنّ عالما ، على مثل مالك فلتبك البواكي ، وهل موجود كمالك؟ » (3) .
لقد كانت شهادة مالك من الأحداث الجسام التي مني بها العالم الإسلامي ، وكان الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام من أفجع المصابين به.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 29.
(2) الفند : القطعة العظيمة من الجبل.
(3) الغدير 9 : 40.
وطار معاوية سرورا وبهجة بشهادة مالك ، وخطب الناس ، وقال :
أمّا بعد : فإنّه كانت لعليّ بن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفّين ، وهو عمّار بن ياسر ، وقطعت الاخرى اليوم ، وهو مالك الأشتر (1) .
لقد انتهت حياة عمار ومالك ، وسمت روحهما إلى الله تعالى كأسمى روحين صعدتا إلى السماء ، فقد لفعا بدم الشهادة في أقدس قضية نصرا فيها الإسلام ، فقد وقفا إلى جانب وصيّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يذبّان عنه ، ويحميانه من الردّة الجاهلية المتمثّلة في كسرى العرب.
ورثي جماعة من الشعراء الزعيم مالك كان منهم المثنّى ، يقول :
ألا ما لضوء الصبح أسود حالك |
وما للرواسي زعزعتها الدكادك |
|
وما لهموم النفس شتّى شئونها |
تظلّ تناجيها النجوم الشوابك |
|
على مالك فليبك ذو الليث معولا |
إذا ذكرت في الفيلقين المعارك |
|
إذا ابتدر الخطي وانتدب الملا |
وكان غياث القوم نصر مواشك |
|
إذا ابتدرت يوما قبائل مذحج |
ونودي بها أين المظفّر مالك |
|
فلهفي عليه حين تختلف القنا |
ويرعش للموت الرجال الصعالك |
|
ولهفي عليه يوم دبّ له الردى |
وديف له سمّ من الموت حانك |
|
فلو بارزوه يوم يبغون هلكه |
لكانوا بإذن الله ميت وهالك |
|
ولو مارسوه مارسوا ليث غابة |
له كالتي لا ترقد الليل فاتك |
__________________
(1) تاريخ الطبري 6 : 255. تاريخ ابن الأثير 3 : 153.
فقل لابن هند لو منيت بمالك |
وفي كفّه ماضي الضريبة باتك |
|
لألفيت هندا تشتكي على الردى |
تنوح وتخبوها النساء العواتك (1) |
ورثته السيّدة الفاضلة سلمى أمّ الأسود بهذه الأبيات :
نبا بي مضجعي ونبا وسادى |
وعيني ما تهمّ إلى رقادي |
|
كأنّ الليل اوثق جانباه |
وأوسطه بأمراس شداد |
|
أبعد الأشتر النخعي نرجو |
مكاثرة ونقطع بطن واد |
|
اكر إذا الفوارس محجمات |
واضرب حين تختلف الهوادى (2) |
رحم الله مالكا ، وأجزل له المزيد من الأجر لنصرته أخا رسول الله وابن عمّه ، وحشره مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا.
__________________
(1) الولاة والقضاة ـ الكندي : 25 ـ 26.
(2) المصدر السابق : 25.
محمّد بن أبي بكر
وبعد ما نكب الإمام عليهالسلام بشهادة أخيه وعضده مالك الأشتر قلّد محمّد بن أبي بكر ولاية مصر وهو من ألمع الرجال في فضله وتقواه ، ومن أكثرهم حبّا وولاء للإمام عليهالسلام ، فكان ابنا بارّا للإمام ، وولدا مخلصا له ، وشفيقا عليه.
وزوّد الإمام محمّد بن أبي بكر بالرسالة التالية حينما قلّده ولاية مصر ، وهذا نصّها :
فاخفض لهم جناحك ، وألن لهم جانبك ، وابسط لهم وجهك ، وآس (1) بينهم في اللّحظة والنّظرة ، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ، ولا ييأس الضّعفاء من عدلك عليهم ، فإنّ الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصّغيرة من أعمالكم والكبيرة ، والظّاهرة والمستورة ، فإن يعذّب فأنتم أظلم ، وإن يعف فهو أكرم.
ومثّلت هذه الكلمات روعة العدل الذي لم يقنّن مثله في جميع ما شرّع من الشؤون السياسية ، فقد أمر الإمام عليهالسلام محمّد بالمواد التالية :
__________________
(1) آس : أي ساو بينهم.
1 ـ أن يخفض للرعية جناحه ، فلا يتكبّر ، ولا يعلو عليهم ، بل يكون كأحدهم.
2 ـ أن يلين للناس جانبيه فلا يظهر عليهم العظمة والكبرياء.
3 ـ أن يبسط للجميع وجهه ، فلا يخصّ قوما ببسماته ويقبض وجهه مع قوم آخرين.
4 ـ أن يساوي بين الناس حتى في اللحظة والنظرة ، وهذا هو منتهى العدل ...
ويستأنف الإمام في رسالته قائلا :
واعلموا عباد الله! أنّ المتّقين ذهبوا بعاجل الدّنيا وآجل الآخرة ، فشاركوا أهل الدّنيا في دنياهم ، ولم يشاركهم أهل الدّنيا في آخرتهم ؛ سكنوا الدّنيا بأفضل ما سكنت ، وأكلوها بأفضل ما أكلت ، فحظوا من الدّنيا بما حظي به المترفون ، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبّرون ؛ ثمّ انقلبوا عنها بالزّاد المبلّغ ؛ والمتجر الرّابح. أصابوا لذّة زهد الدّنيا في دنياهم ، وتيقّنوا أنّهم جيران الله غدا في آخرتهم. لا تردّ لهم دعوة ، ولا ينقص لهم نصيب من لذّة.
فاحذروا عباد الله الموت وقربه ، وأعدّوا له عدّته ، فإنّه يأتي بأمر عظيم ، وخطب جليل ، بخير لا يكون معه شرّ أبدا ، أو شرّ لا يكون معه خير أبدا.
فمن أقرب إلى الجنّة من عاملها!
ومن أقرب إلى النّار من عاملها!
وأنتم طرداء الموت ، إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ،
وهو ألزم لكم من ظلّكم. الموت معقود بنواصيكم ؛ والدّنيا تطوى من خلفكم.
فاحذروا نارا قعرها بعيد ، وحرّها شديد ، وعذابها جديد.
دار ليس فيها رحمة ، ولا تسمع فيها دعوة ، ولا تفرّج فيها كربة.
وإن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من الله ، وأن يحسن ظنّكم به ، فاجمعوا بينهما ، فإنّ العبد إنّما يكون حسن ظنّه بربّه على قدر خوفه من ربّه ، وإنّ أحسن النّاس ظنّا بالله أشدّهم خوفا لله.
وحكت هذه الكلمات النصائح الرفيعة ، والمواعظ الكاملة التي يجب أن يعتبر بها الناس ليكونوا بمأمن من عذاب الله تعالى ، ويفوزوا بمغفرته ورضوانه
ثمّ يستمر الإمام في عهده قائلا :
واعلم ـ يا محمّد بن أبي بكر ـ أنّي قد ولّيتك أعظم أجنادي في نفسي ، أهل مصر ، فأنت محقوق (1) أن تخالف على نفسك ، وأن تنافح عن دينك ، ولو لم يكن لك إلاّ ساعة من الدّهر ، ولا تسخط الله برضى أحد من خلقه ، فإنّ في الله خلفا من غيره ، وليس من الله خلف في غيره.
صلّ الصّلاة لوقتها المؤقّت لها ، ولا تعجّل وقتها لفراغ ، ولا تؤخّرها عن وقتها لاشتغال.
واعلم أنّ كلّ شيء من عملك تبع لصلاتك.
وحفلت هذه الكلمات بدعوة محمّد بن أبي بكر بمخالفة هوى نفسه والمنافحة عن دينه ، وأن لا يسخط الله تعالى في أي عمل من أعماله ، فإنّه ليس لله تعالى خلف
__________________
(1) محقوق : أي مطالب بمخالفتك شهوة نفسك.
في جميع الكائنات.
ثمّ أوصى الإمام عليهالسلام محمّدا بأداء الصلاة في وقتها فإنّها من أفضل العبادات ، ومن أعظمها عند الله تعالى ويأخذ الإمام في عهده قائلا :
فإنّه لا سواء ، إمام الهدى وإمام الرّدى ، ووليّ النّبيّ ، وعدوّ النّبيّ.
ولقد قال لي رسول الله ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ : « إنّي لا أخاف على أمّتي مؤمنا ولا مشركا :
أمّا المؤمن فيمنعه الله بإيمانه.
وأمّا المشرك فيقمعه الله بشركه.
ولكنّي أخاف عليكم كلّ منافق الجنان ، عالم اللّسان ، يقول ما تعرفون ، ويفعل ما تنكرون (1) .
وتمثّلت روعة الإسلام وما ينشده من تقوى وهدى واستقامة في سلوك الإنسان بهذا العهد المبارك الذي زوّد به الإمام عليهالسلام واليه على مصر لينشر في ربوعه العدل والحقّ والمساواة بين المصريّين.
وهذه صورة اخرى من عهد الإمام عليهالسلام لمحمّد رواها الطبري ، وهذا نصّه بعد البسملة :
هذا ما عهد عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى محمّد بن أبي بكر حين ولاّه مصر :
__________________
(1) نهج البلاغة 3 : 516 ـ 518.
أمره بتقوى الله في السّرّ والعلانية ، وخوف الله عزّ وجلّ في المغيب والمشهد ، وأمره باللّين على المسلم ، والغلظة على الفاجر ، وبالعدل على أهل الذّمّة ، وبإنصاف المظلوم ، وبالشّدّة على الظّالم ، وبالعفو عن النّاس ، وبالإحسان ما استطاع ، والله يجزي المحسنين ، ويعذّب المجرمين.
وأمره أن يدعو من قبله إلى الطّاعة والجماعة ، فإنّ لهم في ذلك من العاقبة ، وعظيم المثوبة ما لا يقدرون قدره ولا يعرفون كنهه.
وأمره أن يجبي خراج الأرض على ما كانت تجبى عليه من قبل ، لا ينتقص منه ولا يبتدع فيه ، ثمّ يقسمه بين أهله على ما كانوا يقسمون عليه من قبل.
وأن يلين لهم جناحه ، وأن يواسي بينهم في مجلسه ووجهه ، وليكن القريب والبعيد في الحقّ سواء.
وأمره أن يحكم بين النّاس بالحقّ ، وأن يقوم بالقسط ، ولا يتّبع الهوى ، ولا يخف في الله عزّ وجلّ لومة لائم ، فإنّ الله جلّ ثناؤه مع من اتّقاه ، وآثر طاعته ، وأمره على ما سواه.
وكتب هذا العهد عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لغرّة رمضان سنة ( 36 ه ) (1) .
وحفل هذا العهد بجميع ألوان التقوى ، والتمسّك بطاعة الله تعالى التي هي الدرع الحصين لمن ألتجئ إليها.
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 : 231. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 25.
ولمّا استقرّ محمّد في مصر كتب رسالة إلى معاوية يدعوه فيها إلى الجماعة والطاعة ، ويذكر فيها فضائل الإمام عليهالسلام وهذا نصّها :
من محمّد بن أبي بكر إلى الغاوي معاوية بن صخر :
سلام على أهل طاعة الله ممّن هو سلم لأهل ولاية الله ، أمّا بعد :
فإنّ الله بجلاله وعظمته ، وسلطانه وقدرته خلق خلقا بلا عبث منه ، ولا ضعف في قوّته ، ولا حاجة به إلى خلقهم ؛ ولكنّه خلقهم عبيدا ، وجعل منهم غويا ورشيدا وشقيّا وسعيدا.
ثمّ اختارهم على علمه ، فاصطفى وانتخب منهم محمّدا صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فاختصّه برسالته ، واختاره لوحيه ، وائتمنه على أثره ، وبعثه رسولا ، ومبشرا ونذيرا ، مصدّقا لما بين يديه من الكتب ، ودليلا على الشرائع ، فدعا إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة.
فكان أوّل من أجاب وأناب ، وآمن وصدّق ، وأسلم وسلّم ، أخوه وابن عمّه ، صدّقه بالغيب المكتوم ، وآثره على كلّ حميم ، ووقاه بنفسه كلّ هول ، وواساه بنفسه في كلّ خوف وحارب حربه ، وسالم سلمه ، فلم يبرح مبتذلا لنفسه في ساعات الأزل (1) ومقامات الرّوع ، حتى برّز سابقا لا نظير له في جهاده ولا مقارب له في فعله.
وقد رأيتك تساميه ، وأنت أنت ، وهو هو السابق المبرّز في كلّ خير أوّل النّاس إسلاما ، وأصدق الناس نيّة ، وأطيب الناس ذرّيّة ، وخير الناس زوجة ، وخير الناس ابن عمّ ، أخوه الشاري لنفسه يوم مؤتة ، وعمّه سيّد الشهداء يوم احد ، وأبوه الذابّ
__________________
(1) الأزل : الضيق والشدّة.
عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وعن حوزته.
وأنت اللعين ابن اللعين ، لم تزل أنت وأبوك تبغيان لدين الله الغوائل ، وتجهدان في إطفاء نور الله ، وتجمعان على ذلك الجموع ، وتبذلان فيه المال ، وتؤلّبان عليه القبائل ، على هذا مات أبوك ، وعلى ذلك خلفته ، والشاهد عليك بذلك من يأوي ، ويلجأ إليك ، من بقيّة الأحزاب ، ورءوس النفاق والشقاق لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
والشاهد لعليّ مع فضله المبين وسابقته القديمة أنصاره الذين معه الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن ففضّلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار ، فهم معه كتائب وعصائب ، يجالدون حوله بأسيافهم ، ويهريقون دماءهم دونه ، يرون الحقّ في اتّباعه والشّقاق والعصيان في خلافه ، فكيف ـ يا لك الويل ـ تعدل نفسك بعليّ ، وهو وارث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ووصيّه وأبو ولده ، وأوّل النّاس له اتّباعا ، وأقربهم به عهدا ، يخبره بسرّه ، ويطلعه على أمره ، وأنت عدوّه وابن عدوّه.
فتمتّع في دنياك ما استطعت بباطلك ، وليمددك ابن العاص في غوايتك ، فكأنّ أجلك قد انقضى ، وكيدك قد وهى ، وسوف يستبين لك لمن تكون العاقبة العليا ، واعلم أنّك إنّما تكايد ربّك الذي قد أمنت كيده ، وأيست من روحه ، وهو لك بالمرصاد وأنت منه في غرور والسلام على من اتّبع الهدى (1) .
وهذه الرسالة ناطقة بالحقّ ، ملمّة بالواقع ، ليس فيها دجل ولا افتراء ، فقد حكت جهاد الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام وعظيم مكانته عند النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كما حكت زيغ معاوية وضلاله ، وتطاوله على أخي النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومنازعته له بغير حقّ ، وعلى أي حال فهذه الرسالة من غرر الرسائل الحافلة بالواقع والحقّ.
__________________
(1) مروج الذهب 2 : 59. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 3 : 188 ـ 190.
وأجاب معاوية عن رسالة محمّد ، بهذه الرسالة جاء فيها :
من معاوية بن صخر إلى الزّاري (1) على أبيه محمّد بن أبي بكر.
سلام على أهل طاعة الله.
أمّا بعد : فقد أتاني كتابك تذكر فيه ما الله أهله في عظمته وقدرته وسلطانه ، وما أصفى (2) به نبيّه مع كلام كثير ألفته ووضعته لرأيك فيه تضعيف ، ولأبيك فيه تعنيف ، ذكرت فيه حقّ ابن أبي طالب ، وقديم سوابقته وقرابته من نبيّ الله ، ونصرته له ، ومواساته إيّاه ، في كلّ هول وخوف ، فكان احتجاجك عليّ ، وفخرك بفضل غيرك لا بفضلك ، فاحمد إلها صرف ذلك الفضل عنك ، وجعله لغيرك ، فقد كنّا وأبوك معنا في حياة نبيّنا نعرف حقّ ابن أبي طالب لازما لنا ، وفضله مبرزا علينا.
فلمّا اختار الله لنبيّه ما عنده ، وأتمّ له ما وعده ، وأظهر دعوته ، وأفلج حجّته (3) ، قبضه الله إليه فكان أبوك وفاروقه أوّل من ابتزّه حقّه (4) ، وخالفه على أمره ، على ذلك اتّفقا واتّسقا ، ثمّ انّهما دعواه إلى أنفسهما فأبطأ عنهما ، فهمّا به الهموم ، وأرادا به العظيم ـ أي القتل ـ.
ثمّ إنّه بايعهما وسلّم لهما ، وأقاما لا يشركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرّهما حتى قبضا وانقضى أمرهما ثمّ أقاما بعدهما عثمان يهتدي بهديهما ، ويسير بسيرتهما ، فعبته أنت وصاحبك ، حتى طمع فيه الأقاصي من أهل المعاصي ،
__________________
(1) الزاري : العائب.
(2) أصفى : أي آثره.
(3) أفلج حجّته : أي أظهرها.
(4) ابتزّه حقّه : أي سلبه حقّه.
وبطنتما وظهرتما ، وكشفتما له عداوتكما وغلّكما ، حتى بلغتما منه مناكما.
فخذ حذرك يا ابن أبي بكر ، فسترى وبال أمرك ، وقس شبرك بفترك ، تقصر عن أن توازي أو تساوي من بزن الجبال حلمه ، ولا تلين على قسر (1) قناته ، ولا يدرك ذو مدى أناته ، أبوك مهّد له مهاده ، وبنى ملكه وشادّه ، فإن يك ما نحن فيه صوابا فأبوك أوّله ، وإن يك جورا فأبوك اسّه ، ونحن شركاؤه ، فبهداه أخذنا ، وبفعله اقتدينا ، ولو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ، ولسلّمنا إليه ، ولكنّا رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا ، فاحتذينا مثاله ، واقتدينا بفعاله ، فعب أباك بما بدا لك ، أو دع ، والسلام على من أناب ورجع من غوايته وتاب وناب (2) .
وشيء بالغ الأهمّية في رسالة معاوية وهو أنّه عزى مخالفته للإمام أمير المؤمنين عليهالسلام إلى أبي بكر وعمر فهما اللذان مهّدا الطريق ، وفتحا الباب لمنازعة الإمام ومناجزته ، وقد سلك معاوية ما رسمه الشيخان له ، وهذا الرأي وثيق للغاية فإنّه لو لا منازعة الشيخين للإمام ، وقسرهما له لما استطاع معاوية سبيلا إلى مناجزة الإمام عليهالسلام .
ولمّا تسلّم محمّد قيادة ولاية مصر قامت قيامة معاوية فأرسل جيشا بقيادة ابن العاص لاحتلال مصر ، والتحم الجيشان ، فانهزم أهل الشام ، فاستنجد ابن العاص بمعاوية فأمدّه بجيش جرّار بقيادة معاوية بن خديج ، ودارت بين الجيشين معركة رهيبة استشهد فيها القائد العامّ لجيش محمّد ، وعلى أثره فقد انهزم الجيش وفرّ محمّد ، ولم يجد ركنا شديدا يأوي إليه ، فالتجأ إلى خربة فأقام فيها ، وخرج
__________________
(1) القسر : الاكراه.
(2) مروج الذهب 2 : 60. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 284.
وفرّ محمّد ، ولم يجد ركنا شديدا يأوي إليه ، فالتجأ إلى خربة فأقام فيها ، وخرج ابن حديج في طلبه ، فأخبره بعض علوج المصريّين أنّه في الخربة فهجم عليه ، وألقى عليه القبض ، وقد بلغ منه العطش مبلغا عظيما ، فطلب الماء فردّ عليه السفّاك الأثيم ابن خديج قائلا :
لا سقاني الله إن سقيتك قطرة ، إنّكم منعتم عثمان الماء ، ثمّ قتلتموه وكان صائما ، والله! لأقتلنّك يا ابن أبي بكر فيسقيك الله الجحيم ...
وتمثّلت الروح الأموية القذرة التي تحمل طبيعة وخسّة الأشرار بهذا الإنسان الممسوخ الذي منع الماء عن أسير عنده ، والتفت إليه البطل قائلا :
يا ابن اليهودية النسّاجة! أما والله! لو كان سيفي بيدي ما بلغتم بي هذا.
والتفت ابن خديج إلى محمّد قائلا :
أتدري ما أصنع بك ، ادخلك في جوف حمار ثمّ أحرقه عليك بالنار.
وأجابه البطل المؤمن :
إن فعلتم ذلك بي فطالما فعلتموه بأولياء الله.
وطال الجدل بينهما فانبرى ابن خديج فانفذ فيه حكم الاعدام وألقى جسده الطاهر في جيفة حمار ميّت وأحرقه بالنار بعد أن احتزّ رأسه الشريف ، وأرسله هدية إلى ابن آكلة الأكباد سيّده معاوية ، وهو أوّل رأس طيف به في الإسلام (1) .
وانتهت بذلك حياة هذا المجاهد الكبير الذي وهب حياته لله تعالى ، وقد خسر المسلمون بوفاته علما من أعلام العقيدة والجهاد.
ولمّا انتهى الخبر المؤلم بشهادة محمّد إلى الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام بلغ به
__________________
(1) النجوم الزاهرة 1 : 110.
الحزن أقصاه ، وراح يصوغ من أساه هذه الكلمات :
« لقد كان لي حبيبا وكان لي ربيبا » (1) .
وقال بمرارة وحزن عميق :
ومحمّد بن أبي بكر رحمهالله قد استشهد ، فعند الله نحتسبه ولدا ناصحا ، وعاملا كادحا ، وسيفا قاطعا ، وركنا دافعا (2) .
رحم الله محمّدا ، وأجزل له المزيد من الأجر ، فقد كان من عمالقة المجاهدين العارفين للحقّ ، والمستشهدين من أجل رفع كلمة الله في الأرض وحسم مادة الشرك.
__________________
(1) نهج البلاغة 1 : 117.
(2) نهج البلاغة 3 : 60.
ولاته على
مكّة ـ المدينة ـ اليمن ـ البحرين
وأقام الإمام عليهالسلام ولاته وعمّاله على بعض المناطق والأقاليم الإسلامية ، وقد عهد إليهم بتقوى الله وطاعته ، والسهر على خدمة المواطنين ، مسلمين وغير مسلمين ، وأن يشيعوا بينهم روح المودّة والالفة ، والأمن والرخاء ، ليكونوا أمثلة مشرقة للحكم الصالح الذي يسعد المجتمع في ظلاله وفيما يلي بعض ولاته :
استعمل الإمام عليهالسلام على مكّة ابن عمّه قثم بن العباس ، وامّه لبابة بنت الحارث الهلالية ، روي أنّها أوّل امرأة أسلمت بعد أمّ المؤمنين خديجة ، وكان أثيرا عند الإمام عليهالسلام وذلك لورعه وتقواه ، وقد سأله عبد الرحمن بن خالد فقال له :
ما شأن عليّ ، هل كانت له منزلة من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لم تكن للعباس؟ فأجابه إنّه كان أوّلنا لحوقا ، وأشدّنا لزوقا (1) ، وقد استعمله على مكّة وبقي فيها حتى استشهد الإمام عليهالسلام .
كتب الإمام عليهالسلام إلى قثم هذه الرسالة حينما علم أنّ معاوية دسّ إلى مكّة بعض عملائه يخذّلون الناس عن نصرة الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، ويشيعون بينهم أنّ الإمام
__________________
(1) اسد الغابة 3 : 373.
إمّا قاتل لعثمان ، أو خاذل له ، وهو لا يصلح للإمامة ، وأنّ الصالح للإمامة معاوية بن أبي سفيان (1) ، فكتب إليه الإمام يحذّره من معاوية وأذنابه :
أمّا بعد ، فإنّ عيني ـ بالمغرب (2) ـ كتب إليّ يعلمني أنّه وجّه على الموسم اناس من أهل الشّام العمي القلوب ، الصمّ الأسماع ، الكمه الأبصار (3) ، الّذين يلتمسون الحق بالباطل ، ويطيعون المخلوق في معصية الخالق ، ويحتلبون الدّنيا درّها بالدّين ، ويشترون عاجلها بآجل الأبرار والمتّقين ؛ ولن يفوز بالخير إلاّ عامله ، ولا يجزى جزاء الشّرّ إلاّ فاعله. فأقم على ما في يديك قيام الحازم الصّليب ، والنّاصح اللّبيب ، والتّابع لسلطانه ، المطيع لإمامه.
وإيّاك وما يعتذر منه ، ولا تكن عند النّعماء بطرا (4) ، ولا عند البأساء فشلا ، والسّلام (5) .
وحكت هذه الرسالة الصفات البارزة لأذناب معاوية وعملائه ، وهي :
1 ـ أنّهم عمي القلوب.
2 ـ صمّ الأسماع.
3 ـ كمه الأبصار.
4 ـ يلتمسون الباطل باسم الحقّ.
5 ـ يطيعون المخلوق بمعصية الخالق.
__________________
(1) شرح ابن أبي الحديد. شرح ابن ميثم على الرسالة التالية.
(2) أراد بـ « المغرب » : الشام ، وسمّي مغربا لأنّه من الأقاليم الغربية.
(3) الكمه : جمع أكمه ، وهو من ولد أعمى.
(4) البطر : شدّة الفرح.
(5) مصادر نهج البلاغة وأسانيده ـ قسم الرسائل والعهود 3 : 318.
هذه بعض الصفات السيّئة الماثلة فيهم ، وهي ـ من دون شكّ ـ تخرجهم عن اطار المؤمنين.
أمّا بعد ، فأقم للنّاس الحجّ ، وذكّرهم بأيّام الله ، واجلس لهم العصرين ، فأفت المستفتي ، وعلّم الجاهل ، وذاكر العالم. ولا يكن لك إلى النّاس سفير إلاّ لسانك ، ولا حاجب إلاّ وجهك. ولا تحجبنّ ذا حاجة عن لقائك بها ، فإنّها إن ذيدت (1) عن أبوابك في أوّل وردها لم تحمد فيما بعد على قضائها.
وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة ، مصيبا به مواضع الفاقة والخلاّت وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا.
ومر أهل مكّة ألاّ يأخذوا من ساكن أجرا ، فإنّ الله سبحانه يقول : ( سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ ) فالعاكف : المقيم به ، والبادي : الّذي يحجّ إليه من غير أهله.
وفّقنا الله وإيّاكم لمحابّه والسّلام » (2) .
وحفلت هذه الرسالة بجميع مقوّمات الإنسانية ، فقد حفلت بما يلي :
1 ـ أن يجلس للناس مجلسا عامّا يعظهم ، ويرشدهم للتي هي أقوم ، يجلس لهم صباحا ومساء ، ويقوم في مجلسه بإفتاء المستفتي ، وتعليم الجاهل
__________________
(1) ذيدت : أي منعت.
(2) مصادر نهج البلاغة وأسانيده ـ قسم الرسائل والعهود : 307.
ومذاكرة العالم.
2 ـ أن لا يكون بينه وبين الناس سفير ولا حاجب ولا شرطي ولا بوّاب وأن يقوم بدوره بقضاء حوائج المحتاجين.
3 ـ أن ينفق ما عنده من أموال على مكافحة الفقر ، وإزالة البؤس وما فضل من ذلك فيحمله إلى الإمام عليهالسلام ليتولّى صرفه في مواضعه.
4 ـ أن يشيع بين أهل مكّة أن لا يأخذوا أجرا على ساكن لأنّ الله تعالى يقول : ( سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ ) .
واليه على المدينة سهل بن حنيف
ولمّا نزح الإمام عليهالسلام إلى حرب الجمل أقام على يثرب واليا ، سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي ، وكان من أعلام الصحابة وخيارهم ، ومن السابقين لاعتناق الإسلام ، شهد بدرا ، وثبت يوم احد حين انكشف الناس عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وبايع النبيّ على الموت ، وكان ينفح عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالنبل فيقول : نبلوا سهلا فإنّه سهل.
كما شهد الخندق والمشاهد كلّها ، وقد ولاّه الإمام بعد ذلك على البصرة.
يقال : إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم آخى بينه وبين الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام (1) .
وحينما كان واليا على المدينة بلغ الإمام عليهالسلام أنّ عصابة من أهل المدينة التحقوا بمعاوية ، فكتب إليه الإمام عليهالسلام هذه الرسالة :
أمّا بعد ، فقد بلغني أنّ رجالا ممّن قبلك يتسلّلون إلى معاوية ، فلا تأسّف على ما يفوتك من عددهم ، ويذهب عنك من مددهم ، فكفى لهم غيّا ، ولك منهم شافيا ، فرارهم من الهدى والحقّ ، وإيضاعهم (2) إلى العمى والجهل ؛ وإنّما هم أهل دنيا مقبلون عليها ، ومهطعون
__________________
(1) الاصابة 2 : 86.
(2) الايضاع : الاسراع.
إليها (1) ، وقد عرفوا العدل ورأوه ، وسمعوه ووعوه ، وعلموا أنّ النّاس عندنا في الحقّ أسوة ، فهربوا إلى الأثرة فبعدا لهم وسحقا!! (2)
وحفلت هذه الرسالة بعدم الحزن والتأثّر على من ولّى إلى معاوية فإنّهم إنّما فرّوا من العدل إلى الجور والظلم ، وقد آثروا العمى على الهدى والباطل على الحقّ فبعدا لهم وسحقا.
وعلى أي حال فإنّ سهل بن حنيف من خيرة الأنصار ، ومن طلائع المجاهدين في نصرة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان أثيرا عند الإمام عليهالسلام ، توفّي سنة ( 38 ه ) ، وذلك بعد رجوع الإمام من صفّين ، فوجد عليه وقال : « لو أحبّني جبل لتهافت ».
__________________
(1) مهطعون : أي مسرعون.
(2) نهج البلاغة 2 : 192.
واليه على اليمن عبيد الله بن العباس
واستعمل الإمام عليهالسلام على اليمن عبيد الله بن العبّاس ، وكان الوالي عليها من قبل عثمان يعلى بن منبّه ، ونهب جميع ما جمع من الجبابة ، وخرج به إلى مكّة (1) ، وقد جهّز بالأموال جيش عائشة ، وأمدّه بما يحتاج إليه من النفقات ، وكان أعظم عون قدّمه للمتمرّدين على حكومة الإمام عليهالسلام .
وبقي عبيد الله بن العباس واليا على اليمن ، فجهّز معاوية جيشا بقيادة المجرم الأثيم بسر بن أبي أرطاة لاحتلال اليمن ، وحينما علم عبيد الله بذلك هرب من اليمن إلى الكوفة ، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد الحارثي ، فألقى عليه القبض بسر ، وقتله وعمد إلى طفلين لعبيد الله وهما عبد الرحمن وقثم فقتلهما ، وقد انبرى إليه رجل من كنانة فقال له :
لم تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فاقتلني معهما ، فقتله ثمّ قتلهما.
وبادرت إليه نسوة من بني كنانة فقالت له إحداهن :
يا هذا قتلت الرجال فعلام تقتل هذين ، والله! ما كانوا يقتلون في الجاهلية والإسلام ، والله! يا ابن أبي ارطاة إنّ سلطانا لا يقوم إلاّ بقتل الصبي الصغير والشيخ
__________________
(1) الكامل لابن الأثير 3 : 103.
الكبير ، ونزع الرحمة وعقوق الأرحام لسلطان سوء (1) .
إنّ سلطان معاوية « كسرى العرب » قام على قتل الأطفال والشيوخ وإشاعة الرعب والخوف بين الناس ، وهو سلطان شرّ.
وكانت أمّ الطفلين وهي عائشة بنت عبد الله المدان قد هامت على وجهها لا تعقل وكانت تنشد في المواسم هذه الأبيات التي مثّلت أساها ، وهي :
يا من أحسّ بنيّ اللّذين هما |
كالدّرّتين تشظّى عنهما الصّدف |
|
يا من أحسّ بنيّ اللّذين هما |
مخّ العظام فمخّي اليوم مزدهف |
|
يا من أحسّ بنيّ اللّذين هما |
قلبي وسمعي ، فقلبي اليوم مختطف |
|
من ذلّ والهة حيرى مدلّهة |
على صبيّين ذلاّ إذ غدا السّلف؟ |
|
نبّئت بسرا وما صدّقت ما زعموا |
من إفكهم ومن القول الذي اقترفوا |
|
أحنى على ودجي ابنيّ مرهفة |
من الشّفار كذاك الإثم يقترف |
ولمّا سمع الإمام عليهالسلام بقتل الصبيّين جزع جزعا شديدا ودعا على بسر ، فقال : « اسلبه دينه وعقله » ، واستجاب الله دعاء الإمام فقد فقد عقله ، فكان يهذي ويطلب السيف فيؤتى بسيف من خشب ، ويجعل بين يديه زقّ منفوخ فلا يزال يضربه حتى مات (2) .
لقد واجه المسلمون في عهد معاوية ألوانا من الجور والارهاب لم ير المسلمون له نظيرا ، فقد أمعن في الظلم وارغام الناس على ما يكرهون.
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 : 192.
(2) المصدر السابق : 193 ، وغيره.
ولاته على البحرين
واستعمل الإمام على البحرين كوكبة من الولاة ، وهم كما يلي :
عمر بن أبي سلمة
واستعمل الإمام عليهالسلام على البحرين عمر بن أبي سلمة المخزومي ربيب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، امّه أمّ المؤمنين السيّدة أمّ سلمة ، يكنّى أبا جعفر ، ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة ، وكان على جانب كبير من الإخلاص والولاء للإمام عليهالسلام ، وقد أرسلته امّه لمساعدة الإمام عليهالسلام في حرب الجمل ، وقد بعثت معه رسالة إلى الإمام عليهالسلام جاء فيها :
لو لا أنّ الجهاد موضوع عن النساء لجئت فجاهدت بين يديك ، هذا ابني عديل النفس فاستوص به خيرا يا أمير المؤمنين! وشهد معه حرب الجمل ، توفّي بالمدينة أيام عبد الملك بن مروان سنة ( 83 ه ) (1) .
وقد عزله الإمام عليهالسلام عن ولاية البحرين ، وكتب إليه هذه الرسالة :
أمّا بعد ، فإنّي قد ولّيت نعمان بن عجلان الزّرقيّ على البحرين ، ونزعت
__________________
(1) اسد الغابة ـ باب العين 2 : 169 ـ 170.
يدك بلا ذمّ لك ، ولا تثريب عليك (1) ؛ فلقد أحسنت الولاية ، وأدّيت الأمانة ، فأقبل غير ظنين (2) ، ولا ملوم ، ولا متّهم ، ولا مأثوم ، فقد أردت المسير إلى ظلمة أهل الشّام ، وأحببت أن تشهد معي ، فإنّك ممّن أستظهر به على جهاد العدوّ ، وإقامة عمود الدّين ، إن شاء الله (3) .
وحكت هذه الرسالة توثيق الإمام لعمر ، وقيامه بإدارة البلاد بأحسن ما يرام ، وأنّه إنّما عزله ليستعين بآرائه في محاربة معاوية.
__________________
(1) التثريب : الاستقصاء في اللوم.
(2) ظنين : أي غير متّهم.
(3) تاريخ ابن واضح 2 : 190.
النعمان بن عجلان
النعمان بن عجلان من سادات الأنصار ، وكان لسانهم وشاعرهم ، وهو القائل يوم السقيفة في تمجيد الأنصار ، وذكر الخلافة بعد النبي :
فقل لقريش نحن أصحاب مكّة |
ويوم حنين والفوارس في بدر |
|
وأصحاب احد والنّضير وخيبر |
ونحن رجعنا من قريظة بالذّكر |
|
ويوم بأرض الشّام إذ قتل جعفر |
وزيد وعبد الله في علق نجري |
|
وفي كلّ يوم ينكر الكلب أهله |
نطاعن فيه بالمثقّفة السّمر |
|
نصرنا وآوينا النّبيّ ولم نخف |
صروف اللّيالي والعظيم من الأمر |
|
وقلنا لقوم هاجروا قبل : مرحبا |
وأهلا وسهلا قد أمنتم من الفقر |
|
نقاسمكم أموالنا وبيوتنا |
كقسمة أيسار الجزور على الشّطر |
|
ونكفيكم الأمر الّذي تكرهونه |
وكنّا اناسا نذهب العسر باليسر |
|
وقلتم : حرام نصب سعد ونصبكم |
عتيق بن عثمان حلال أبا بكر؟! |
|
وكان هوانا في عليّ وإنّه |
لأهل لها يا عمرو من حيث لا تدري |
|
وصيّ النّبيّ المصطفى وابن عمّه |
وقاتل فرسان الضّلالة والكفر (1) |
وحكت هذه اللوحة كثيرا من الأحداث التاريخية ، والتي منها جهاد الأنصار
__________________
(1) مصادر نهج البلاغة ـ قسم الرسائل 3 : 345 ـ 346.
ومساهمتهم في بناء الإسلام ، وقيامهم بإعانة الفقراء من المهاجرين ، فقد شاطروهم بأموالهم ومنازلهم ، وهذا من عظيم المواساة ، كما حكت هذه الأبيات ما قاله المهاجرون في سعد بن عبادة زعيم الأنصار أنّه لا يصلح للخلافة ، وأنّها حرام عليه ، واستعملوا أبا بكر ، وصرفوا الأمر عن وصيّ النبيّ وابن عمّه والمجاهد الأوّل في الإسلام الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام .
وعلى أي حال فقد استعمل الإمام على البحرين النعمان ، فجعل يهب الأموال الكثيرة إلى اسرته ، وفيه يقول أبو الأسود الدؤلي :
أرى فتنة قد ألهت النّاس عنكم |
فندلا زريق المال ندل الثّعالب (1) |
|
فإنّ ابن عجلان الّذي قد علمتم |
يبدّد مال الله فعل المناهب (2) |
ولمّا علم الإمام عليهالسلام ذلك عزله ، وولّى منهزما إلى معاوية (3) .
__________________
(1) زريق : قبيلة. الندل : أن تجذبه جذبا. الثعالب : يريد سرعة الثعالب.
(2) الإصابة 3 : 532.
(3) تاريخ اليعقوبي 2 : 201.
ولاته على
اصبهان ـ اردشيرخرّه
هيت ـ اذربيجان
استعمل الإمام عليهالسلام ولاة على بعض مناطق ايران وغيرها ، وزوّدهم بنصائحه القيّمة ، ووصاياه الجليلة ، كما طلب من بعضهم الالتحاق به لجهاد عدوّه الباغي معاوية بن أبي سفيان وهذا عرض لبعضهم :
مخنف بن سليم واليه على اصبهان
مخنف بن سليم الأزدي الغامدي له صحبة ، وكان من أصحاب الإمام عليهالسلام ، استعمله على اصبهان ، وشهد معه صفّين ، وقد زوّده بهذه الرسالة :
أمره بتقوى الله في سرائر أمره وخفيّات عمله ، حيث لا شاهد غيره ، ولا وكيل دونه.
وأمره ألاّ يعمل بشيء من طاعة الله فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسرّ ، ومن لم يختلف سرّه وعلانيته ، وفعله ومقالته ، فقد أدّى الأمانة ، وأخلص العبادة.
وأمره ألاّ يجبههم ولا يعضههم ، ولا يرغب عنهم تفضّلا بالإمارة عليهم ، فإنّهم الإخوان في الدّين ، والأعوان على استخراج الحقوق.
وإنّ لك في هذه الصّدقة نصيبا مفروضا ، وحقّا معلوما ، وشركاء أهل مسكنة ، وضعفاء ذوي فاقة ، وإنّا موفّوك حقّك ، فوفّهم حقوقهم ،
وإلاّ تفعل فإنّك من أكثر النّاس خصوما يوم القيامة ، وبؤسى لمن خصمه ـ عند الله ـ الفقراء والمساكين والسّائلون والمدفوعون ، والغارمون وابن السّبيل! ومن استهان بالأمانة ، ورتع في الخيانة ، ولم ينزّه نفسه ودينه عنها ، فقد أحلّ بنفسه الذّلّ والخزي في الدّنيا ، وهو في الآخرة أذلّ وأخزى.
وإنّ أعظم الخيانة خيانة الأمّة ، وأفظع الغشّ غشّ الأئمّة ، والسّلام (1) .
وأنت ترى أنّ هذه الرسالة قد حوت جميع مقوّمات الأمانة والإخلاص للرعية ، والعطف على البؤساء والمحرومين ومراعاة حقوقهم ، ولم يرع هذه القيم إلاّ رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام إمام المتّقين وسيّد الموحّدين.
ولمّا عزم الإمام عليهالسلام على حرب معاوية أرسل إلى مخنف بن سليم الرسالة التالية يطلب منه أن يكون معه لمناجزة طاغية الأمويّين وهذا نصّها :
سلام عليك ، فإنّي أحمد الله إليك الّذي لا إله إلاّ هو.
أمّا بعد فإنّ جهاد من صدف عن الحقّ رغبة عنه ، وهبّ في نعاس العمى والضّلال اختيارا له ، فريضة على العارفين.
إنّ الله يرضى عمّن أرضاه ، ويسخط على من عصاه ، وإنّا قد هممنا بالسّير إلى هؤلاء القوم الّذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله واستأثروا بالفيء ، وعطّلوا الحدود ، وأماتوا الحقّ وأظهروا في الأرض الفساد ، واتّخذوا الفاسقين وليجة (2) من دون المؤمنين ، فإذا وليّ الله أعظم
__________________
(1) نصّ على ذلك السيّد عبد الزهرة الحسيني ، نقلا عن دعائم الإسلام 1 : 252.
(2) الوليجة : البطانة.
أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه ، وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبّوه وأدنوه وبرّوه ، فقد أصرّوا على الظّلم وأجمعوا على الخلاف ، وقديما ما صدّوا عن الحقّ وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين.
فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في نفسك ، وأقبل إلينا لعلّك تلقى معنا هذا العدوّ المحلّ (1) ، فتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتجامع المحقّ وتباين المبطل ، فإنّه لا غنى بنا ولا بك عن أجر الجهاد ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
كتب هذه الرسالة عبيد الله بن رافع في سنة ( 37 ه ) ، ونفر مخنف للجهاد ، واستعمل على اصبهان الحارث بن أبي الحارث ومعه سعيد بن وهب ، وأقبل يجدّ في السير حتى شهد مع الإمام صفّين (2) .
وحكت هذه الرسالة الخطر الذي داهم المسلمين من معاوية وبطانته الذين جهدوا على محق دين الله تعالى ، ونهب ثروات المسلمين وإذلالهم ، وإرغامهم على ما يكرهون.
__________________
(1) المحلّ : الذي أحلّ ما حرّم الله تعالى.
(2) كتاب صفّين : 104.
كتابه إلى واليه على أردشيرخرّة
أردشيرخرّة من أجلّ كور فارس ومنها مدينة شيراز (1) ، وقد استعمل عليها مصقلة بن هبيرة الشيباني ، وقد بلغه أنّه يهب أموال المسلمين ويفرّقها بين الشعراء وعشيرته ، ومن يقصده من السائلين ، فكتب الإمام عليهالسلام هذه الرسالة :
أمّا بعد ، فقد بلغني عنك أمر أكبرت أن أصدّقه ، بلغني أنّك تقسم في المسلمين في قومك ومن اعتراك (2) من السّألة والأحزاب ، وأهل الكذب من الشّعراء ، كما تقسّم الجوز.
فو الّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة! لأفتّشنّ عن ذلك تفتيشا شافيا ، فإن وجدته حقّا لتجدنّ بنفسك عليّ هوانا ، فلا تكوننّ من الخاسرين أعمالا ، الّذين ضلّ سعيهم في الحياة الدّنيا ، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعا.
حكت هذه الرسالة مدى احتياط الإمام عليهالسلام على أموال الدولة وسهره على الفحص عن سيرة عمّاله وولاته خوفا من أن يكونوا قد فرّطوا في أموال المسلمين التي يجب أن تنفق على تطوير حياتهم ، وإنقاذهم من غائلة الفقر والجوع.
__________________
(1) معجم البلدان 1 : 184.
(2) اعتراك : أي قصدك.
ولمّا انتهت الرسالة إلى مصقلة أجاب الإمام عليهالسلام بما يلي :
أمّا بعد فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين فليسأل إن كان حقّا فليعجّل عزلي بعد نكال ، فكلّ مملوك لي حرّ.
وعليّ آثام ربيعة ومضر إن كنت رزأت (1) من عملي دينارا ولا درهما منذ ولّيته إلى أن ورد عليّ كتاب أمير المؤمنين ، ولتعلمنّ أنّ العزل أهون عليّ من التهمة.
ولمّا انتهى الكتاب إلى الإمام عليهالسلام وقرأه قال :
« ما أظنّ أبا الفضل إلاّ صادقا » (2) .
من المؤسف أنّ مصقلة قد هرب إلى معاوية.
وقد روى المؤرّخون قصّة هربه ، فقد حدّثوا أنّ الخريت بن راشد الناجي ، وهو من أعلام الخوارج المفسدين في الأرض ، قد نقم على الإمام قصّة التحكيم ، وخرج يفسد الناس ، وقد انضمّ إليه جماعة من قومه ، وكانوا نصارى ، فأخلّوا بشروط الذمّة ، كما ارتدّ بنو ناجية عن الإسلام ، وأخذوا يشيعون الرعب والفساد بين الناس.
فبعث إليهم الإمام عليهالسلام فرقة من جيشه لقتال الخريت وعصابته فأدركتهم في سيف البحر بفارس ، فقتل الخريت وقتل معه جمهرة من أتباعه ، وسبوا من أدرك في رحالهم من النساء والصبيان ، وكانوا خمسمائة أسير ، فارتفعت أصواتهم بالبكاء واستغاثوا بمصقلة فرقّ ، فاشتراهم من معقل قائد جيش الإمام بخمسمائة ألف درهم ثمّ أعتقهم ، وأدّى ثلث ثمنهم ، وأشهد على نفسه بالباقي ، ثمّ امتنع عن أدائه ،
__________________
(1) رزأت : أي أخذت.
(2) الكامل في التاريخ 3 : 420.
ولما ثقلت عليه المطالبة هرب تحت جنح الظلام إلى معاوية (1) .
ولمّا انتهى خبره إلى الإمام عليهالسلام قال :
قبّح الله مصقلة ، فعل فعل السّادة ، وفرّ فرار العبيد ، فما أنطق مادحه حتّى أسكته ، ولا صدّق واصفه حتّى بكّته ، ولو أقام لأخذنا ميسوره ، وانتظرنا بماله وفوره (2) .
وأسف مصقلة كأشدّ ما يكون الأسف ، وقد أعرب عن أساه بأبيات من الشعر كان منها :
تركت نساء الحيّ بكر بن وائل |
وأعتقت سبيا من لؤيّ بن غالب |
|
وفارقت خير النّاس بعد محمّد |
لمال قليل لا محالة ذاهب |
__________________
(1) تاريخ الطبري 6 : 65 ـ 77.
(2) شرح نهج البلاغة 1 : 264 ـ 271.
عامله كميل على هيت
من ألمع ولاة الإمام عليهالسلام كميل بن زياد النخعي العالم الجليل الذي احتلّ مكانة مرموقة عند الإمام ، فكان حامل أسراره ـ كما يقول علماء الرجال ـ وقالوا فيه : إنّه كان شريفا مطاعا في قومه ، وإنّه من أجلّ علماء وقته ، وعقلاء زمانه ، ونسّاك عصره (1) .
وهو الذي روى دعاء الإمام المشهور الذي هو من أسمى أدعية الإمام ، وقد نسب إلى كميل باعتبار أنّه راويه ، وقد غذّاه الإمام بمكارم الآداب ومحاسن الأخلاق ، وسنذكر وصيّته له ، وما عهد به إليه عند عرض الأنظمة التربوية عند الإمام.
وعلى أيّ حال ، فقد ولاّه على هيت ، وهي بلدة تقع على الفرات ، من نواحي بغداد ، وتتّصل ببادية الشام ، وتشكّل حدودا بين العراق وسوريا (2) .
وقد وجّه معاوية سفيان بن عوف في ستّة آلاف ، وأمره أن يقطع هيت ويغير على الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها ، وغار سفيان على هيت فلم يجد بها أحدا ، فتوجّه صوب الأنبار ، وكانت فيه مسلحة للإمام تتكوّن من خمسمائة رجل ، وقد تفرّقوا فلم يبق منهم إلاّ مائتان ، وكان عليهم كميل بن زياد ، فبلغه أن قوما
__________________
(1) أضواء على دعاء كميل : 85.
(2) معجم البلدان 5 : 483.
بقرقيسيا يريدون الغارة على هيت ، فسار إليهم بغير مشورة الإمام عليهالسلام ، فأتى أصحاب سفيان الأنبار فرأوا قلّة الجيش الذي فيها فطمعوا فيهم فحملوا عليهم ، فقتل قائد جيش الإمام مع ثلاثين رجلا ، ونهبوا ما في الأنبار من أموال أهلها ، ورجعوا ظافرين إلى معاوية ، و لمّا انتهى الخبر إلى الإمام عليهالسلام تأثّر من كميل ، وأنكر عليه فعله بها ، وكتب إليه :
أمّا بعد ، فإنّ تضييع المرء ما ولّي ، وتكلّفه ما كفي ، لعجز حاضر ، ورأي متبّر (1) .
وإنّ تعاطيك الغارة على أهل قرقيسيا ، وتعطيلك مسالحك الّتي ولّيناك ـ ليس بها من يمنعها ، ولا يردّ الجيش عنها ـ لرأي شعاع (2) . فقد صرت جسرا لمن أراد الغارة من أعدائك على أوليائك ، غير شديد المنكب ، ولا مهيب الجانب ، ولا سادّ ثغرة ، ولا كاسر لعدوّ شوكة ، ولا مغن عن أهل مصره ، ولا مجز عن أميره (3) .
وقد عرض بصورة موضوعيّة لدراسة حياته المرحوم الخطيب السيّد علي الهاشمي في كتابه ( كميل بن زياد ).
__________________
(1) متبّر : أي رأي فاسد.
(2) رأي شعاع : أي غير ملتئم.
(3) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5 : 320.
عامله الأشعث على آذربيجان
أمّا الأشعث بن قيس فهو من أخبث المنافقين ، وكان عاملا لعثمان بن عفّان على آذربيجان ، وقد كانت ابنته زوجة لعمرو بن عثمان ، ولمّا قتل عثمان بقي واليا عليها ، فكتب إليه الإمام الرسالة التالية :
أمّا بعد ، فلولا هناة كنّ فيك كنت المقدّم في هذا الأمر قبل النّاس ، ولعلّ أمرك يحمل بعضه بعضا إن اتّقيت الله.
ثمّ إنّه كان من بيعة النّاس إيّاي ما قد بلغك ، وكان طلحة والزّبير ممّن بايعاني ثمّ نقضا بيعتي على غير حدث ، وأخرجا أمّ المؤمنين وسارا إلى البصرة ، فسرت إليهما فالتقينا ، فدعوتهم إلى أن يرجعوا فيما خرجوا منه فأبوا ، فأبلغت في الدّعاء ، وأحسنت في البقيّة.
وإنّ عملك ليس لك بطعمة ولكنّه أمانة ، وفي يديك مال من مال الله ، وأنت من خزّان الله عليه حتّى تسلّمه إليّ ، ولعلّي ألاّ أكون شرّ ولاتك لك إن استقمت ولا قوّة إلاّ بالله (1) .
وحفلت هذه الرسالة بإخبار الأشعث عن تمرّد طلحة والزبير على حكومة الإمام عليهالسلام ومناجزته لهما حتى أطفأ نار التمرّد ، كما أعرب الإمام عليهالسلام عن أموال
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 91. كتاب صفّين : 20.
الدولة فإنّها ليست للأشعث ولا لغيره وإنّما هي للمسلمين فليس له أن يستأثر بأي شيء منها.
كتب الإمام عليهالسلام رسالة اخرى إلى الأشعث جاء فيها :
أمّا بعد ، فإنّما غرّك من نفسك وجرّأك على الآخرين إملاء الله لك ؛ إذ ما زلت قديما تأكل رزقه وتلحد في آياته وتستمتع بخلاقك وتذهب بحسناتك إلى يومك هذا ، فإذا أتاك رسولي بكتابي هذا فأقبل واحمل ما قبلك من مال المسلمين إن شاء الله (1) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 176.
ولاته على البصرة
أمّا البصرة فكان السائد فيها الولاء المطلق لعثمان بن عفّان ، وقد اتّخذها المتمرّدون على حكومة الإمام عليهالسلام معقلا لهم فزحفوا إليها واحتلّوها ، ووجدوا فيها ميولا فكرية لهم ، وتجاذبا عاطفيا نحوهم ...
وقد استعمل الإمام عليهالسلام عليها عدّة ولاة كان منهم ما يلي :
عثمان بن حنيف
كان عثمان بن حنيف الأنصاري الأوسي من أعلام الصحابة ، شهد احدا والمشاهد بعدها مع النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان له رأي ثاقب ، ومعرفة كاملة بالامور (1) ، وقد استعمله الإمام عليهالسلام واليا على البصرة ، وقد دعاه قوم منها إلى وليمة فأجابهم ، ولمّا علم الإمام ذلك أنكره ، وبعث له الرسالة التالية :
رفع الإمام رسالة لعثمان بن حنيف هذه الرسالة التي تقطع دابر الرشوة عند الولاة ، وتحملهم على خدمة الامّة بإخلاص وإيمان ، وهذا نصّها :
أمّا بعد ، يا ابن حنيف : فقد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى
__________________
(1) الاستيعاب 3 : 90.
مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان ، وتنقل إليك الجفان (1) .
وما ظننت أنّك تجيب إلى طعام قوم ، عائلهم (2) مجفوّ (3) ، وغنيّهم مدعوّ.
فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم (4) ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه (5) ، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.
ألا وإنّ لكلّ مأموم إماما ، يقتدي به ويستضيء بنور علمه ؛ ألا وإنّ إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه (6) ، ومن طعمه بقرصيه.
ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفّة وسداد.
فو الله! ما كنزت من دنياكم تبرا (7) ، ولا ادّخرت من غنائمها وفرا (8) ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا ، ولا حزت من أرضها شبرا ، ولا أخذت منه إلاّ كقوت أتان دبرة ، ولهي في عيني أوهى وأهون من عفصة (9)
__________________
(1) الجفان : جمع جفنة ، وهي القصعة.
(2) العائل : الفقير المحتاج.
(3) المجفو : المعرض عنه.
(4) المقضم : المأكول.
(5) الفظه : أي اطرحه.
(6) الطمر : الثوب الخلق.
(7) التبر : فتات الذهب والفضّة قبل صياغتها.
(8) الوفر : المال.
(9) العفصة : هو السائل الذي يكون على شجرة البلوط ، وهو مرّ.
مقرة (1) بلى! كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السّماء ، فشحّت عليها نفوس قوم (2) ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم الله.
وما أصنع بفدك وغير فدك ، والنّفس مظانّها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها ، وتغيب أخبارها ، وحفرة (3) لو زيد في فسحتها ، وأوسعت يدا حافرها ، لأضغطها الحجر والمدر ، وسدّ فرجها التّراب المتراكم ؛ وإنّما هي نفسي اروضها بالتّقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبت على جوانب المزلق (4) . ولو شئت لاهتديت الطّريق ، إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ (5) .
ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ـ ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشّبع ـ أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى ، أو أكون كما قال القائل :
وحسبك داء أن تبيت ببطنة |
وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ (6) |
أ أقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره
__________________
(1) مقرة : الشيء المرّ.
(2) أشار بذلك إلى تأميم فدك من قبل أبو بكر.
(3) الحفرة : أراد بها القبر.
(4) المزلق : هو الصراط.
(5) القزّ : ما يصنع منه الحرير.
(6) القدّ : جلد الشاة غير المدبوغ.
الدّهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش (1) !
فما خلقت ليشغلني أكل الطّيّبات ، كالبهيمة المربوطة ، همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها (2) ، تكترش من أعلافها ، وتلهو عمّا يراد بها ، أو أترك سدى ، أو أهمل عابثا ، أو أجرّ حبل الضّلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة (3) !
وكأنّي بقائلكم يقول : « إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب ، فقد قعد به الضّعف عن قتال الأقران ومنازلة الشّجعان ».
ألا وإنّ الشّجرة البرّيّة أصلب عودا ، والرّوائع الخضرة أرقّ جلودا ، والنّابتات البدويّة أقوى وقودا ، وأبطأ خمودا.
وأنا من رسول الله كالصّنو من الصّنو (4) ، والذّراع من العضد.
والله لو تظاهرت العرب على قتالي لما ولّيت عنها ، ولو أمكنت الفرص من رقابها لسارعت إليها. وسأجهد في أن أطهّر الأرض من هذا الشّخص المعكوس ، والجسم المركوس (5) حتّى تخرج المدرة (6) من بين حبّ الحصيد.
ومن هذا الكتاب ، وهو آخره :
__________________
(1) جشوبة العيش : غلظته وخشونته.
(2) تقممها : المراد بها القمامة ، أي الكناسة.
(3) المتاهة : الحيرة والهلكة.
(4) الصنو من الصنو : المراد به شدّة اتّصاله بالنبيّ كالنخلتين اللتين يجمعهما أصل واحد.
(5) الجسم المركوس : أراد به معاوية بن هند.
(6) المدرة : القطعة من الطين اليابس.
إليك عنّي يا دنيا! فحبلك على غاربك (1) ، قد انسللت من مخالبك (2) وأفلتّ من حبائلك ، واجتنبت الذّهاب في مداحضك.
أين القرون الّذين غررتهم بمداعبك!
أين الأمم الّذين فتنتهم بزخارفك!
فها هم رهائن القبور ، ومضامين اللّحود.
والله! لو كنت شخصا مرئيّا ، وقالبا حسّيّا ، لأقمت عليك حدود الله في عباد غررتهم بالأماني ، وأمم ألقيتهم في المهاوي ، وملوك أسلمتهم إلى التّلف ، وأوردتهم موارد البلاء ، إذ لا ورد ولا صدر (3) !
هيهات! من وطئ دحضك زلق ، ومن ركب لججك غرق ، ومن ازورّ (4) عن حبائلك وفّق ، والسّالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه ، والدّنيا عنده كيوم حان انسلاخه (5) .
اعزبي عنّي! فو الله! لا أذلّ لك فتستذلّيني ، ولا أسلس (6) لك فتقوديني.
وايم الله! يمينا أستثني فيها بمشيئة الله لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما ، وتقنع بالملح مأدوما ؛ ولأدعنّ
__________________
(1) الغارب : الكاهل وما بين السنام والعنق.
(2) جمع مخلب : وهو أظفار السبع.
(3) الورد : ورود الماء. الصدر : الانتهاء من شرب الماء.
(4) ازورّ : مال.
(5) الانسلاخ : الزوال.
(6) أسلس : أي انقاد.
مقلتي كعين ماء ، نضب معينها (1) ، مستفرغة دموعها. أتمتلئ السّائمة من رعيها فتبرك؟ وتشبع الرّبيضة (2) من عشبها فتربض؟ ويأكل عليّ من زاده فيهجع (3) ! قرّت إذا عينه إذا اقتدى بعد السّنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة (4) ، والسّائمة المرعيّة!
طوبى لنفس أدّت إلى ربّها فرضها ، وعركت بجنبها بؤسها ، وهجرت في اللّيل غمضها ، حتّى إذا غلب الكرى (5) عليها افترشت أرضها ، وتوسّدت كفّها ، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم ، وهمهمت بذكر ربّهم شفاههم ، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم ، ( أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .
فاتّق الله يا ابن حنيف ، ولتكفف أقراصك ، ليكون من النّار خلاصك (6) .
في هذه الرسالة الغرّاء دعوة إلى الولاة أن لا يجيبوا الوجهاء الذين يدعونهم إلى الولائم التي تستطاب فيها الألوان ، ولا نصيب فيها للفقراء والمحرومين ، وإنّما يدعى لها ذو الثراء العريض ، وإنّما يقيمونها تقرّبا للسلطة ، واستخدامها لقضاء مآربهم وشئونهم الخاصّة ، وقد نهى الإمام عليهالسلام الولاة من الاستجابة لها حسما للمؤثّرات الخارجية ، واستقلالا للسلطة ، حتى تخلص للحقّ ، ولا تتّبع الهوى ...
كما حفلت هذه الرسالة بامور بالغة الأهمّية والتي منها :
__________________
(1) نضب : غار. المعين : الماء الجاري.
(2) الربيضة : الغنم التي مع رعاتها.
(3) يهجع : أي يسكن.
(4) الهاملة : الغنم التي ترعى بلا راع.
(5) الكرى : النوم.
(6) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 32 ـ 41 ، نقلا عن بحار الأنوار 40 : 318.
1 ـ أنّ الإمام عليهالسلام أمر عثمان بالاقتداء به ، والسير على منهجه ، وهو عليهالسلام قد تجرّد تجرّدا كاملا عن جميع متع الحياة الدنيا ، وعاش عيشة البؤساء والمحرومين ، فلم يدّخر من غنائم الدنيا وفرا ، ولم يحز من أرضها شبرا ، وقد صعدت روحه العظيمة إلى الله ، ولم يخلف من حطام الدنيا سوى سبعمائة درهم جمعها من رواتبه ليشتري بها خادما يستعين به على قضاء حوائجه.
2 ـ أنّ الإمام عليهالسلام أعرب أنّ أهل البيت لم يملكوا من الدنيا سوى فدك التي منحها النبيّ لبضعته الزهراء ، فأمّمها أبو بكر واستولت عليها السلطة ، وقد سخت نفسه الشريفة ، ولم يقم لها أي وزن.
3 ـ أنّه عليهالسلام قد روّض نفسه على التقوى وحمّلها رهقا ، حتى تأتي آمنة مطمئنّة يوم الفزع الأكبر.
4 ـ أنّه لمّا تقلّد الخلافة أعرض عن جميع رغائب الحياة وبات في جميع أوقاته جائعا ، وذلك مواساة لمن لا عهد له بالقرص ، سواء كان في عاصمته أم في غيرها.
5 ـ أنّه أجاب من يسأل أنّه كيف استطاع أن ينازل الأقران ، ويجندل الأبطال ، ويخوض أعنف المعارك مع بساطة عيشه ، وقلّة طعامه ، فأجاب عليهالسلام أنّ الشجرة البرّية أصلب عودا ، وأقوى وقودا ، وأبطأ خمودا ، وأنّه من تلك الشجرة ، وأنّه من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كالصنو من الصنو ، والذراع من العضد.
6 ـ أنّه أخبر عن شجاعته النادرة ، فإنّ العرب جميعا لو اجتمعوا على قتاله لما انهزم عنهم ، وقابلهم ببسالة وشجاعة ، وسيجهد نفسه على تطهير الأرض من معاوية وحزبه الذين لا يألون جهدا في محاربة الله تعالى ورسوله.
7 ـ أنّه أعلن عن محاربته للدنيا ، وأنّها لو كانت جسما مرئيّا لأقام عليها حدود الله تعالى ثمّ أعرض إعراضا كاملا عن الدنيا ، وأنّه روّض نفسه الشريفة على
البؤس والفقر حتى جعلها تحنّ إلى القرص من الخبز.
هذه بعض محتويات هذه الرسالة الخالدة التي ألقت الأضواء على زهد الإمام عليهالسلام وتقواه.
بعث الإمام عليهالسلام رسالة إلى عثمان حينما بلغه زحف الجيش الذي تقوده عائشة والزبير وطلحة لاحتلال البصرة وقد جاء فيها :
من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى عثمان بن حنيف.
أمّا بعد ، فإنّ البغاة عاهدوا الله ثمّ نكثوا وتوجّهوا إلى مصرك ، وساقهم الشّيطان لطلب ما لا يرضى الله به ، والله أشدّ بأسا وأشدّ تنكيلا.
فإذا قدموا عليك فادعهم إلى الطّاعة والرّجوع إلى الوفاء بالعهد والميثاق الّذي فارقونا عليه.
فإن أجابوا فأحسن جوارهم ما داموا عندك ، وإن أبوا إلاّ التّمسّك بحبل النّكث والخلاف فناجزهم القتال حتّى يحكم الله بينك وبينهم وهو خير الحاكمين.
وكتبت كتابي هذا إليك من الرّبذة ، وأنا معجّل المسير إليك إن شاء الله (1) .
عرضت هذه الرسالة إلى قيام طلحة والزبير وعائشة بالتمرّد على حكومة الإمام عليهالسلام ، ونكث بيعته ، والتصدّي لهم فإن استقاموا ورجعوا إلى الحقّ قابلهم
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 9 : 312.
عثمان واليه بمزيد من الحفاوة والتكريم ، وإن أصرّوا على الغيّ والعدوان ناجزهم حتى يحكم الله بينهم وبينه ، وقد عرضنا إلى تفصيل هذه الأحداث المؤسفة في بعض فصول هذا الكتاب.
ولاية عبد الله بن عبّاس
لعلّ من المفيد جدّا أن نعرض ـ بإيجاز ـ لسيرة عبد الله بن عبّاس وسلوكه ، وولايته عن الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام لمدينة البصرة ، وما اتّهم به من الخيانة لبيت مال المسلمين ، وغير ذلك ممّا يتعلّق بهذا الموضوع.
أمّا عبد الله بن العباس فهو ألمع شخصية إسلامية في الاسرة العباسية ، فقد تتلمذ عند الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، وأخذ منه علومه ، التي منها علم الفقه وتفسير القرآن الكريم ، وقد برز في هذين العلمين ، فإنّك لا تقرأ في مصادر بحوثهما إلاّ وتجد له الرأي الأصيل فيهما ، وكما كان عالما في طليعة علماء عصره فقد كان يتمتّع بالفطنة والذكاء ووفور العقل وعمق النظر في مجريات الأحداث ، حتى اتّخذه الإمام عليهالسلام مستشارا ووزيرا له ، فكان يستشيره في شئونه السياسية والاجتماعية ، وقد ألمح المؤرّخون إلى كثير من ذلك ، وبالاضافة إلى ذلك كان الإمام عليهالسلام يبعثه للمناظرة والمحاججة مع المتمرّدين من أصحابه وغيرهم ، فقد بعثه إلى الخوارج فحاججهم وناظرهم ، ولم يستطيعوا المناقشة والرّد عليه ، وظلّوا واجمين.
وكانت له المكانة المرموقة والمتميّزة عند عمر بن الخطّاب ، فكان يجلّه ويحترمه كثيرا ، وجرت بينهما عدّة مناظرات دلّت على سعة افق ابن عباس ووفرة فضله ، ومن بين تلك المناظرات :
1 ـ أنّ ابن عبّاس كان مع عمر في بعض سكك المدينة ، ويده في يده ، فقال لابن عباس :
يا ابن عباس ، ما أظنّ صاحبك ـ يعني الإمام ـ إلاّ مظلوما.
فردّ عليه ابن عباس بمنطقه الفيّاض :
يا أمير المؤمنين ، فاردد عليه ظلامته.
فلذعه كلام ابن عباس ، وسحب يده من يده ، ووقف وجعل يهمهم ساعة ثمّ وقف فلحقه ابن عباس ، وانبرى عمر قائلا له :
ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلاّ أنّهم استصغروه.
فأجابه ابن عباس :
والله! ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر (1) .
ووجم عمر ولم يستطع أن يقول شيئا أمام هذه الحجّة الدامغة.
2 ـ والتقى ابن عباس مع عمر فبادر عمر قائلا :
يا ابن عباس ، أتدري ما منع قومكم منكم ـ أي من الخلافة ـ بعد محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
قال ابن عباس : فكرهت أن اجيبه ، وقلت له :
إن لم أكن أدري فإنّ أمير المؤمنين يدري.
وسارع عمر قائلا :
كرهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت.
وانبرى ابن عباس يفنّد هذه المقالة بلسانه الذرب وحجّته الواضحة قائلا :
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 2 : 18.
يا أمير المؤمنين ، إن تأذن لي في الكلام وتمطّ عني الغضب تكلّمت.
تكلّم.
أمّا قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش فأصابت ووفّقت ، فلو أنّ قريشا اختارت لأنفسها حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود ...
وأمّا قولك : إنّهم أبوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة فإنّ الله عزّ وجلّ وصف قوما بالكراهة فقال : « ذلك بأنّهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ».
ومن الغريب جدّا أن يكون موضوع الخلافة ، وانتخاب الخليفة بيد قريش ، وهي التي حاربت النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ولم تأل جهدا في مناجزته حتى فرّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم منهم في جنح الليل البهيم ، وترك أخاه وابن عمّه في فراشه ، ثمّ لاحقوا النبيّ في المدينة فجهّزوا الجيوش للقضاء عليه واستئصال دعوته فكانت واقعة بدر واحد وغيرهما ، وقد قاوموا النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بجميع طاقاتهم ، ولمّا أعزّ الله تعالى رسوله ، ونصره النصر المبين فاحتلّ مكّة ، وعفا عنهم بلطفه وفضله ، وكان الأجدر بهم أن تضرب أعناقهم وتسبى نساؤهم كبقيّة المشركين إلاّ أنّ للنبوّة فيضا شاملا للأعداء وغيرهم وعلى أي حال فلا علاقة لقريش في الإسلام مطلقا ، وإنّما أمر الخلافة بيد الاسرة النبوية والأنصار الذين نصروا الإسلام في أيام غربته ومحنته.
ومهما يكن الأمر فإنّ عمر قد ثقل عليه كلام ابن عباس فقال له :
هيهات والله يا ابن عباس! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرّك عليها فتزيل منزلتك منّي.
وبادر ابن عبّاس قائلا :
ما هي يا أمير المؤمنين؟ فإن كانت حقّا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، وإن كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه.
قال عمر : إنّك تقول : إنّما صرفوها ـ أي الخلافة ـ عنكم حسدا وبغيا وظلما.
وأجابه ابن عباس بأروع الحجّة قائلا :
أمّا قولك يا أمير المؤمنين! ظلما ، فقد تبيّن للجاهل والحليم ، وأمّا قولك :
حسدا ، فإنّ آدم حسد ، ونحن ولده المحسودون.
والتفت إليه عمر بغيظ قائلا :
هيهات ، هيهات ، أبت والله! قلوبكم يا بني هاشم! إلاّ حسدا لا يزول.
وأجابه ابن عباس قائلا :
مهلا يا أمير المؤمنين! لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا بالحسد والغش فإنّ قلب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من قلوب بني هاشم.
ولذع هذا الكلام مشاعر عمر ، وصاح بابن عباس :
إليك عنّي يا ابن عباس.
افعل.
وانحاز ابن عباس عنه ، فلمّا أراد الانصراف استحيا عمر فقال له :
يا ابن عباس ، مكانك ، فو الله! إنّي لراع لحقّك ، محبّ لما سرّك.
وسارع ابن عباس قائلا :
يا أمير المؤمنين ، إنّ لي عليك حقّا ، وعلى كلّ مسلم ، فمن حفظه فحظّه أصاب ، ومن أضاعه فحظّه أخطأ.
ثمّ انصرف ابن عباس عنه (1) .
__________________
(1) الكامل في التاريخ 3 : 63 ـ 64. تاريخ الطبري 5 : 31. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 3 : 107.
هذه بعض المناظرات التي جرت بين عمر وابن عباس ، وقد دلّت على قدراته العلمية وسعة معارفه وفضله.
ومنيت البصرة بعد حادثة الجمل بالفتن والخطوب السود ، فقد شاع فيها الثكل والحزن والحداد لكثرة من قتل فيها من أنصار عائشة ، والطالبين بدم عثمان ، فكان أبناؤهم واخوانهم وأصدقاؤهم يحقدون على الإمام أشدّ ألوان الحقد والبغض.
وقد عهد الإمام عليهالسلام بولاية هذا القطر الذي شاعت فيه الفتن والأهواء إلى حبر الامّة ليبلور الموقف ، ويحسم الفتن ويفنّد أباطيل أعدائه ، ويوضّح لهم القصد ، ويهديهم إلى سواء السبيل.
وقد زوّده الإمام عليهالسلام ببعض الرسائل الحافلة بالوعظ والإرشاد ونكران الذات والتي منها :
1 ـ كتب الإمام عليهالسلام إلى ابن عبّاس هذه الرسالة الموجزة :
أمّا بعد فلا يكن حظّك في ولايتك ما لا تستفيده ، ولا غيظا تشفيه ، ولكن إماتة باطل وإحياء حقّ (1) .
وحدّدت هذه الرسالة مسئولية ابن عباس في ولايته على البصرة أن يقيم الحقّ ويميت الباطل ، وأن لا يكون هدفه الحصول على المال أو التشفّي من خصومه وأعدائه ، وهو تصوّر بارع للسياسة الإسلامية التي بنيت على الحقّ المحض والعدل الخالص.
__________________
(1) مناقب آل أبي طالب 1 : 327.
2 ـ وكتب الإمام عليهالسلام إلى ابن عبّاس هذه الرسالة الحافلة بالنصح والوعظ :
أمّا بعد ، فإنّك لست بسابق أجلك ، ولا مرزوق ما ليس لك ؛ واعلم بأنّ الدّهر يومان : يوم لك ويوم عليك ، وأنّ الدّنيا دار دول (1) ، فما كان منها لك أتاك على ضعفك ، وما كان منها عليك لم تدفعه بقوّتك (2) .
وهذه الرسالة دعوة إلى الاستقامة وعدم الغرور بمباهج هذه الحياة التي لا يدوم سرورها ونعيمها على أحد.
3 ـ ولمّا أراد الإمام عليهالسلام الشخوص إلى حرب معاوية كتب إليه :
أمّا بعد ، فأشخص إليّ من قبلك من المسلمين والمؤمنين ، وذكّرهم بلائي عندهم وعفوي عنهم ، واستبقائي لهم ، ورغّبهم في الجهاد وأعلمهم الّذي في ذلك من الفضل.
وأقام الإمام في النخيلة لم يبرح عنها حتى قدم عليه ابن عباس مع أهل البصرة (3) .
واتّهم حبر الامّة بخيانة بيت مال البصرة واختلاس ما فيه من أموال ، وقد أعلن ذلك بعض المؤرّخين مستندين إلى كوكبة من الرسائل بعثها الإمام إليه ، وهي صريحة في جرحه واتّهامه بالخيانة ، وما يدرينا لعلّ تلك الكتب مفتعلة للحطّ من شأنه ، والتقليل من أهمّيته ، فقد خلط التاريخ بكثير من الموضوعات افتعلها من
__________________
(1) دار دول : أي لا تدوم لأحد ، فتارة تكون بيد شخص ، واخرى بيد غيره.
(2) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5 : 249.
(3) كتاب متين 2 : 116. بحار الأنوار 8 : 471.
لا حريجة له في الدين لدعم بعض السياسيّين في تلك العصور.
وعلى أي حال فإنّا نذكر بعض تلك الرسائل التي بعثها الإمام عليهالسلام لابن عباس :
1 ـ كتب الإمام عليهالسلام هذه الرسالة لابن عباس ، وجاء فيها :
أمّا بعد ، فقد بلغني عنك أمر ، إن كنت فعلته فقد أسخطت ربّك ، وعصيت إمامك ، وأخزيت أمانتك.
بلغني أنّك جرّدت الأرض فأخذت ما تحت قدميك ، وأكلت ما تحت يديك ، فارفع إليّ حسابك ، واعلم أنّ حساب الله أعظم من حساب النّاس ، والسّلام.
وقد أجابه ابن عباس نافيا عنه هذه التهمة بما يلي :
أمّا بعد فإنّ كلّ الذي بلغك باطل ، وأنا لما تحت يدي ضابط ، وعليه حافظ ، فلا تصدّق الضنين (1) .
وجواب ابن عباس صريح في براءته من تهمة الخيانة ، وأنّه قد اتّهمه بذلك بعض حسّاده وأعدائه.
2 ـ وكتب الإمام عليهالسلام إليه رسالة اخرى يسأله فيها ما أخذه من الجزية وجاء فيها :
أمّا بعد ، فإنّه لا يسعني تركك حتّى تعلمني ما أخذت من الجزية من أين أخذته ، وما وضعت منها فيم وضعته ، فاتّق الله فيما ائتمنتك عليه ، واسترعيتك إيّاه ، فإنّ المتاع بما أنست رازمه (2) قليل ، وتباعته وبيلة
__________________
(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة ـ المحقّق الكبير المحمودي ، نقلا عن تاريخ الطبري 4 : 108.
(2) رازمه : أي جامعه.
لا تبيد (1) والسّلام (2) .
وفي هذه الرسالة المطالبة بضرائب الجزية ، وتقديم حساب ما صرفه منها في الوجوه المخصّصة لها ، واشتملت وعظه وإرشاده إلى الطريق القويم.
3 ـ من الرسائل التي حملت طابع الشدّة والصرامة على ابن عبّاس هذه الرسالة ، التي رواها عبد الله بن عبيد عن أبي الكنود ، قال : كنت من أعوان عبد الله بن عباس بالبصرة ، فلمّا كان من ما كان أتيت عليّا فأخبرته ، فتلا قوله تعالى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ ) (3) . ثمّ كتب معه هذه الرسالة إلى ابن عباس :
أمّا بعد ، فإنّي كنت أشركتك في أمانتي ولم يكن من أهل بيتي رجل أوثق عندي منك بمواساتي وموازرتي بأداء الأمانة ، فلمّا رأيت الزّمان قد كلب على ابن عمّك (4) ، والعدوّ ـ يعني معاوية ـ قد حرد (5) ، وأمانة النّاس قد خربت ، وهذه الأمّة قد فتنت ، قلبت لابن عمّك ظهر المجنّ (6) ، ففارقته مع القوم المفارقين ، وخذلته أسوأ خذلان ، وخنته مع من خان فلا ابن عمّك آسيت ، ولا الأمانة أدّيت ، كأنّك لم تكن على بيّنة من ربّك وإنّما كدت أمّة محمّد عن دنياهم وغدرتهم عن فيئهم ، فلمّا أمكنتك الفرصة في خيانة الأمّة ، أسرعت الغدرة ، وعاجلت الوثبة ، فاختطفت
__________________
(1) لا تبيد : أي لا تفنى.
(2) العقد الفريد 2 : 242.
(3) الأعراف : 175.
(4) قد كلب : أي قد اشتدّ.
(5) حرد : أي غضب.
(6) قلبت له ظهر المجنّ : أي قمت على خلافه كمن يترك قائده في الحرب ويتّصل بعدوّه.
ما قدرت من أموالهم ، وانقلبت بها إلى الحجاز كأنّك إنّما حزت على أهلك ميراثك من أبيك وأمّك.
فسبحان الله أما تؤمن بالمعاد؟
أما تخاف الحساب؟
أما تعلم أنّك تأكل حراما؟ وتشرب حراما؟
وتشتري الإماء وتنكحهم بأموال اليتامى والأرامل والمجاهدين في سبيل الله الّتي أفاء الله عليهم.
فاتّق الله وأدّ إلى القوم أموالهم ، فإنّك والله! لئن لم تفعل وأمكنني الله منك لأعذرنّ إلى الله فيك ، فو الله! لو أنّ الحسن والحسين فعلا مثل الّذي فعلت ، ما كانت لهما عندي هوادة ، ولما تركتهما حتّى آخذ الحقّ منهما ، والسّلام (1) .
وأنت ترى في هذه الرسالة من اللوم والتقريع والاستهانة بابن عباس ما يدعو إلى التأمّل في هذه الرسائل ، فإنّ ابن عباس أجلّ وأسمى من ذلك.
وأعلنت بعض المصادر أنّ ابن عباس ردّ ما أخذه من بيت المال ، فقد كتب أبو الأسود الدؤلي إلى الإمام أنّ ابن عباس أخذ من بيت المال عشرة آلاف درهم ، فكتب الإمام إليه يتهدّده بردّها ، فردّها ابن عباس أو أكثرها ، فلمّا علم الإمام كتب إليه بعد البسملة :
__________________
(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5 : 228 ـ 230 ، نقلا عن كوكبة من المصادر.
أمّا بعد ، فإنّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته ، ويسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه ، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك ، وليكن أسفك على ما فاتك منها ، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا ، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا ، وليكن همّك فيما بعد الموت ، والسّلام.
ولمّا انتهت هذه الرسالة الحافلة بالوعظ والإرشاد علّق عليها ابن عباس قائلا : ما اتّعظت بكلام قطّ اتعاظي بكلام أمير المؤمنين عليهالسلام (1) .
وعلى أي حال فإنّ الذي أراه بمزيد من التأمّل أنّ اتّهام ابن عباس بالخيانة بعيد كلّ البعد عن سيرة هذا العملاق الذي تربّى في مدرسة الإمام عليهالسلام ، وأخلص للإمام كأعظم ما يكون الإخلاص.
فقد تولّى بصلابة مقاومة أعدائه ، والردّ عليهم بمنطقه الفيّاض وحججه الدامغة في حياة الإمام وبعد وفاته ، وهو أوّل من دعا له على المنابر (2) ، وقد حزن عليه كأشدّ ما يكون الحزن ، وبكاه أمرّ البكاء حتى فقد بصره (3) ، وكان يتوسّل إلى الله تعالى به ، ويجعله واسطة في قضاء مهمّاته ، فكيف ينحرف عنه ، ويخون بيت المال!
وبالاضافة إلى ذلك فإنّ الإمام كان يكبر ابن عباس ويبجّله وقال فيه :
« لله درّ ابن عباس ، إن كان لينظر إلى الغيب من ستر رقيق » (4) .
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الشبهة تصدّى إلى إبطالها عمرو بن عبيد في
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 194 ، أدب الدنيا والدين ـ الماوردي : 64.
(2) مآثر الأناقة 2 : 231.
(3) الدرجات الرفيعة في ترجمة ابن عباس : 118.
(4) العقد الفريد 2 : 363.
حديث له مع سليمان بن عليّ بن عبد الله بن العباس فقد أنكر قول الإمام في ابن عباس : « يفتينا في القملة والقميلة ، وطار بأموالنا في ليلة » كيف يقول هذا وابن عباس رحمهالله ، لم يفارق عليّا حتى قتل ، وشهد صلح الحسن ، وأي مال يجتمع في بيت المال بالبصرة مع حاجة عليّ عليهالسلام إلى الأموال ، وهو يفرغ بيت مال الكوفة في كلّ خميس ، ويرشّه؟ قالوا : إنّه كان يقيل فيه فكيف يترك المال يجتمع بالبصرة؟ وهذا باطل (1) وبهذا نطوي الحديث عن ولاية ابن عباس.
__________________
(1) أمالي المرتضى 1 : 177.
ولاية أبي الأسود
أمّا أبو الأسود الدؤلي فهو من وجوه شيعة الإمام عليهالسلام واستعمله واليا على البصرة بعد ابن عباس (1) .
وقد جعله الإمام عينا له ـ فيما يقول المؤرّخون ـ وكتب له الإمام ما يلي :
أمّا بعد ، فمثلك نصح الإمام والامّة ، وأدّى الأمانة ، ودلّ على الحقّ ، وقد كتبت إلى صاحبك ـ يعني ابن عباس ـ فيما كتبت إليّ فيه من أمره ، ولم اعلمه أنّك كتبت إليّ ، فلا تدع إعلامي بما يكون بحضرتك ممّا النّظر فيه للأمّة صلاح ، فإنّك بذلك جدير ، وهو حقّ واجب عليك ، والسّلام (2) .
وحكت هذه الرسالة مدى سهر الإمام على سيرة عمّاله وولاته وسلوكهم ، واحتياطه التامّ في معرفة شئونهم خوفا من أن يكونوا قد شذّوا عن الطريق القويم ، وخالفوا قواعد الدين الحنيف.
وكانت لأبي الأسود مكانة متميّزة عند ابن عباس ، وقد استخلفه على القضاء ، وممّا يجدر الإشارة إليه أنّه قضى على رجل في أمر فشكاه ، فبلغ ذلك أبا الأسود فقال :
__________________
(1) خزانة الأدب 1 : 281.
(2) تاريخ الطبري 4 : 108.
إذا كنت مظلوما فلا تلف راضيا |
عن القوم حتّى تأخذ النّصف واغضب |
|
وإن كنت أنت الطّالب القوم فاطرح |
مقالتهم واشعب بهم كلّ مشعب |
|
وقارب بذي عقل وباعد بجاهل |
جلوب عليك الشّرّ من كلّ مجلب |
|
ولا ترتض بالجور واصبر على الّتي |
بها كنت أقضي للبعيد على الأب |
|
فإنّي امرؤ أخشى إلهي وأتّقي |
عقابي وقد جرّبت ما لم تجرّب (1) |
وقد لاقى جهدا وعناء بعد ما آلت الخلافة إلى معاوية بن هند ، فقد ولي ابن عامر على البصرة فجفاه وأبعده وذلك لولائه للإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، فقال فيه أبو الأسود :
ذكرت ابن عبّاس بباب ابن عامر |
وما مرّ من عيشي ذكرت وما فضل |
|
أميرين كانا صاحبيّ كلاهما |
فكلاّ جزاه الله عنّي بما فعل |
|
فإن كان شرّا كان شرّا جزاؤه |
وإن كان خيرا كان خيرا إذا عدل (2) |
رحم الله أبا الأسود فقد كان من عمالقة العلماء ومن أفذاذ المصلحين ، وقد عانى الكثير من المصاعب في أيام الحكم الأسود حكم معاوية ابن هند.
__________________
(1) أخبار القضاة 1 : 289.
(2) خزانة الأدب 1 : 285.
ولاية زياد
وولي زياد بن عبيد الرومي ولاية البصرة من قبل عبد الله بن عباس ، ويتساءل الكثيرون من قدامى ومحدثين أنّه كيف أقرّ الإمام ولايته ولم يبادر إلى عزله مع أنّه ليس له أب شرعي يعرف به حتى قيل فيه زياد بن أبيه ، وقد ألحقه بنسبه معاوية بن أبي سفيان استنادا إلى شهادة أبي مريم الخمّار الذي هو من عهّار الجاهلية ، وقد شهد له بشهادة تندى لها الجبين ، وقد بنى عليها معاوية ، واعتبره أخا له ، لكن لا شرعي.
والتحقيق الذي يقتضيه النظر حسب القواعد الشرعية أنّ زيادا هو ابن عبيد الرومي ، فقد كانت امّه سميّة زوجة لعبيد ، وقد زنا بها أبو سفيان حسب شهادة أبي مريم ، والولد يلحق بأبيه عملا بالحديث النبوي : « الولد للفراش وللعاهر الحجر » وعليه فلا مجال لتلك الشبهة ، فهو ابن عبيد ، وليس ابنا لأبي سفيان.
وكتب الإمام عليهالسلام مجموعة من الرسائل إلى زياد كان منها ما يلي :
حدثت في البصرة فتنة أحدثها معاوية بعد شهادة البطل الخالد محمّد بن أبي بكر ، فقد أوعز إلى عبد الله الحضرمي أن يسير إلى البصرة ، ويطلب من أهلها التمرّد على حكومة الإمام ؛ لأنّ الكثيرين منهم يرون أنّ عثمان قد قتل مظلوما ، وقد هلك
جمهور غفير منهم في ذلك ، وسار عبد الله يطوي البيداء حتى انتهى إلى البصرة وعرض على أهلها ما طلب منهم معاوية من التمرّد على الإمام عليهالسلام ، فأجابه جمهور غفير منهم ، فخاف زياد منهم ، وكتب إلى ابن عباس يخبره بذلك ، وبادر ابن عباس فأحاط الإمام علما بأنّ جلّ أهل البصرة قد خلعوا يد الطاعة وفارقوا الجماعة ، فندب الإمام أهل الكوفة لمناجزة ابن الحضرمي فتكاسلوا عن إجابته ، فقام إليه أعين بن ضبيعة المجاشعي ، فقال له : أنا أكفيك هذا الخطب ، فأمره بالشخوص إلى البصرة ، وزوّده بهذه الرسالة إلى زياد : من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد ، سلام عليك.
أمّا بعد ، فإنّي بعثت أعين بن ضبيعة ليفرّق قومه عن ابن الحضرميّ ، فارقب ما يكون منه ، فإن فعل وبلغ من ذلك ما يظنّ به وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش ، فهو ما نحبّ وإن ترامت الأمور بالقوم إلى الشّقاق والعصيان فانبذ من أطاعك إلى من عصاك فجاهدهم فإن ظهرت فهو ما ظننت عليك ، وإلاّ فطاولهم وماطلهم فكأنّ كتائب المسلمين قد أطلّت عليك ، فقتل الله المفسدين الظّالمين ، ونصر المؤمنين المحقّين ، والسّلام.
وانتهى أعين إلى البصرة ، وعرض رسالة الإمام على زياد ، فلمّا قرأها قال : إنّي لأرجو أن يكفيني هذا الأمر ، وبادر أعين إلى قومه فحذّرهم وخوّفهم ، فاستجابوا له ، فنهض بهم إلى ابن الحضرمي ، وجرت بينهما مناوشات ومجادلات كلامية ، وأراد زياد مناجزته إلاّ أنّه عدل عن ذلك ، ورفع إلى الإمام رسالة جاء فيها :
أمّا بعد يا أمير المؤمنين! فإنّ أعين قدم علينا بجدّ ومناصحة وصدق يقين ، فجمع إليه من أطاعه من عشيرته فحثّهم على الطاعة ، وحذّرهم الخلاف ، ثمّ نهض بمن أقبل معه إلى من أدبر عنه ، فوافقهم عامّة النهار ، فهال أهل الخلاف تقدّمه ،
وتصدّع عن ابن الحضرمي كثير ممّن كان يريد نصرته ، فكان كذلك حتى أمسى فأتى رحله ، فبيته نفر من هذه الخارجة المارقة فاصيب رحمهالله تعالى فأردت أن اناهض ابن الحضرمي فحدث أمر قد أمرت رسولي هذا أن يذكره لأمير المؤمنين ، وقد رأيت أنّ رأي أمير المؤمنين ما رأيت أن يبعث إليهم جارية بن قدامة ، فإنّه نافذ البصيرة ومطاع في العشيرة ، شديد على عدوّ أمير المؤمنين ، فإن يقدم يفرق بينهم بإذن الله ، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ».
ولمّا وردت الرسالة إلى الإمام دعا جارية بن قدامة ، وعرض عليه الأمر فاستجاب له ، ومضى يجدّ السير حتى انتهى إلى البصرة ، فقام بما عهد إليه ، فاستجاب له خلق من الأزد ، وثابوا إلى الطاعة ونبذ الخلاف.
وزوّد الإمام عليهالسلام جارية بن قدامة بالرسالة التالية فقرأها على أهل البصرة وهي : من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى من قرئ عليه كتابي هذا من ساكني البصرة من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم.
أمّا بعد ، فإنّ الله حليم ذو أناة لا يعجل بالعقوبة قبل البيّنة ، ولا يأخذ المذنب عند أوّل وهلة ، ولكنّه يقبل التّوبة ، ويستديم الأناة ، ويرضى بالإنابة ، ليكون أعظم للحجّة ، وأبلغ في المعذرة.
وقد كان من شقاق جلّكم ـ أيّها النّاس ـ ما استحققتم أن تعاقبوا عليه ، فعفوت عن مجرمكم ورفعت السّيف عن مدبركم ، وقبلت من مقبلكم ، وأخذت بيعتكم ، فإن تفوا ببيعتي وتقبلوا نصيحتي ، وتستقيموا على طاعتي أعمل فيكم بالكتاب والسّنّة وقصد الحقّ ، واقم فيكم سبيل الهدى.
فو الله! ما أعلم أنّ واليا بعد محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم أعلم بذلك منّي ، ولا أعمل.
أقول قولي هذا صادقا غير ذامّ لمن مضى ، ولا منتقصا لأعمالهم.
فإن خطت بكم الأهواء المردية ، وسفه الرّأي الجائر إلى منابذتي تريدون خلافي ، فها أنا ذا قد قرّبت جيادي ، ورحّلت ركابي (1) .
وأيم الله لئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلاّ كلعقة لاعق ، وإنّي لظانّ ألاّ تجعلوا إن شاء الله على أنفسكم سبيلا.
وقد قدّمت هذا الكتاب إليكم حجّة عليكم ، ولن أكتب إليكم من بعده كتابا إن أنتم استغششتم نصيحتي ، ونابذتم رسولي حتّى أكون أنا الشّاخص نحوكم إن شاء الله تعالى ، والسّلام (2) .
وحوت هذه الرسالة دعوة الإمام عليهالسلام أهل البصرة إلى السلم والطاعة ، ونبذ التمرّد ، وذكّرتهم بما أسداه عليهم من الإحسان بعد واقعة الجمل فقد غمرهم بلطفه فعفى عن مجرمهم ومسيئهم وأشاع الأمن في ديارهم ولم يقابلهم بالمثل ، وأنّهم إن أطاعوه فيعمل فيهم بكتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ، ويحكم فيهم بالحقّ المحض والعدل الخالص ، كما هدّدهم أنّهم إذا ما استجابوا لنصيحته فسوف يقابلهم بالشدّة والصرامة ، ولا يدع أي ظلّ للخائنين والمجرمين ...
هذا بعض ما حوته رسالة الإمام عليهالسلام إلى أهل البصرة.
__________________
(1) الجياد : الفرس السريع. الركاب : الإبل التي تحمل جيشه.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 4 : 50. الكامل لابن الأثير 3 : 182.
كتب الإمام عليهالسلام هذه الرسالة إلى زياد بعد ما بلغه أنّه يتكبّر على الناس ، ويكثر من الألوان المختلفة في طعامه وهذه رسالته :
أمّا بعد ، فإنّ سعدا ذكر أنّك شتمته ظلما ، وهدّدته وجبهته (1) تجبّرا وتكبّرا ، فما دعاك إلى التّكبّر ، وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « الكبر رداء الله ، فمن نازع الله رداءه قصمه ».
وقد أخبرني أنّك تكثر من الألوان المختلفة في الطّعام في اليوم الواحد ، وتدّهن كلّ يوم ، فما عليك لو صمت لله أيّاما ، وتصدّقت ببعض ما عندك محتسبا ، وأكلت طعامك قفارا (2) ، فإنّ ذلك شعار الصّالحين.
أفتطمع وأنت متمرّغ في النّعيم تستأثر به على الجار والمسكين والضّعيف والفقير والأرملة واليتيم أن يحسب لك أجر المتصدّقين.
وأخبرني أنّك تتكلّم بكلام الأبرار ، وتعمل عمل الخاطئين ، فإن كنت تفعل ذلك فنفسك ظلمت ، وعملك أحبطت ، فتب إلى ربّك يصلح لك عملك ، واقتصد في أمرك وقدّم إلى ربّك الفضل ليوم حاجتك ، وادّهن غبّا ، فإنّي سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : « ادّهنوا غبّا ولا تدّهنوا رفها » (3) .
حكت هذه الرسالة التنديد بزياد لتكبّره وتجبّره على الناس ، واختياره
__________________
(1) جبهته : أي رددته.
(2) قفارا : أي خال من الإدام.
(3) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 16 : 196.
للألوان المختلفة في الطعام في اليوم الواحد ، وأنّه بذلك قد استأثر على الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى ، فأخذ ما أعدّه الله لهم في بيت مال المسلمين هذا بعض ما حوته هذه الرسالة من القيم والآداب.
قام زياد بدور إيجابي في بعض أعمال فارس فضبطها ضبطا صالحا وجبا خراجها وحماها ، وعرف ذلك معاوية فورم أنفه ، فقام لخداعه وجلبه إليه ، وكتب إليه :
أمّا بعد ، فإنّه غرّتك قلاع تأوي إليها ليلا كما تأوي الطير إلى وكرها ، وأيم الله لو لا انتظاري بك ما الله أعلم به لكان ذلك منّي ما قاله العبد الصالح : ( فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ) (1) .
وكتب في أسفل الكتاب شعرا كان منه هذا البيت :
تنسى أباك وقد شالت نعامته |
إذ تخطب النّاس والوالي عمر |
ولمّا ورد الكتاب على زياد قام خطيبا ، وقال : العجب من ابن آكلة الأكباد ورأس النفاق يهدّدني وبيني وبينه ابن عمّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وزوج سيّدة نساء العالمين ، وأبو السبطين ، وصاحب الولاية والاخاء في مائة ألف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ، أما والله! لو تخطّى هؤلاء أجمعين إليّ لوجدني فحشا (2) ضرّابا بالسيف.
وكتب إلى الإمام عليهالسلام يخبره بما جرى وأرسل معه كتاب معاوية إليه ، فبعث الإمام عليهالسلام هذه الرسالة :
__________________
(1) النمل : 37.
(2) المفحش : الجريء.
أمّا بعد ، فإنّي قد ولّيتك ما ولّيتك وأنا أراك لذلك أهلا ، وإنّه قد كانت من أبي سفيان فلتة في أيّام عمر من أمانيّ التّيه وكذب النّفس ، لم تستوجب بها نسبا ، وإنّ معاوية كالشّيطان الرّجيم يأتي المرء من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ، فاحذره ثمّ احذره ثمّ احذره ، والسّلام (1) .
وحذّر الإمام عليهالسلام في هذه الرسالة زيادا من أضاليل معاوية وخداعه ، فقد حاول أن يلحق زيادا بنسبه ، وذلك شبهة لزنا أبيه بسميّة أمّ زياد ، والقصّة ممّا يندى له جبين الإنسانية ففيها فضيحة لأبي سفيان وسميّة ، ولكن معاوية لم يحفل بالعار في سبيل تدعيم أغراضه السياسية ، وبناء سلطانه ، وأخيرا فقد استجاب زياد لمعاوية ، وصار من أقوى أعوانه وأخذ يتتبّع شيعة الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، وكان بهم عالما ، فجعل يسمل أعينهم ويقطع ألسنتهم ، ويقتلهم على الظنّة والتّهمة.
وبهذا نطوي الحديث عن ولاية زياد للبصرة.
__________________
(1) تهذيب تاريخ ابن عساكر 5 : 410. الغدير 10 : 219.
ولاته على
المدائن ـ كسكر ـ الجبل
ألمحنا في البحوث السابقة إلى ولاة الإمام عليهالسلام على الأقطار والأقاليم والمدن الإسلامية ، وأنّه لم يستعمل أي وال محاباة أو اثرة ، وإنّما كان يبغي الحقّ والمصلحة العامّة للامّة ، وكان يضع العيون والرقباء على تصرّفاتهم ، فمن شذّ في سلوكه وسيرته عن منهج الحقّ بادر إلى عزله كما سنبيّن ذلك في البحوث الآتية :
وعلى أيّ حال ، فإنّا نعرض ـ فيما يلي ـ إلى ولاة الإمام عليهالسلام على المدائن وكسكر :
ولاته على المدائن
وعهد الإمام عليهالسلام بولاية المدائن إلى الأشخاص التالية أسماؤهم ، وهم :
حذيفة اليماني
نصّ الباحث الكبير السيّد صدر الدين السيّد علي خان على أنّ الإمام عليهالسلام أقام الصحابي الجليل حذيفة اليماني واليا على المدائن ، وهو من أبرز الصحابة في فضله وتقواه ، وكان يسمّى صاحب السرّ ؛ لأنّه كان يعرف المنافقين على عهد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد اتّصل اتّصالا وثيقا بالإمام أمير المؤمنين عليهالسلام ، فكان يذيع فضائله ، وينشر مناقبه ، وهو القائل : إنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم سيّد المرسلين ، وإمام المتّقين ،
ورسول ربّ العالمين ، ليس له شبيه ولا نظير ، وعليّ عليهالسلام أخوه ، وإلى هذا المعنى أشار الصفيّ الحلّي بمدحه للإمام :
أنت سرّ النّبيّ والصّنو وابن |
العمّ والصّهر والأخ السّجّاد |
|
لو رأى مثلك النّبيّ لآخاه |
وإلاّ فأخطأ الانتقاد |
وعهد الإمام عليهالسلام بولاية المدائن إلى حذيفة ، وكتب إليه هذه الرسالة ، وقد جاء فيها بعد البسملة :
من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى حذيفة بن اليمان
سلام عليك.
أمّا بعد ، فإنّي قد ولّيتك ما كنت عليه لمن كان قبلي من حرف المدائن ، وقد جعلت إليك أعمال الخراج والرّستاق وجباية أهل الذّمّة ، فاجمع إليك ثقاتك ومن أحببت ممّن ترضى دينه وأمانته ، واستعن بهم على أعمالك فإنّ ذلك أعزّ إليك ولوليّك ، وأكبت لعدوّك وإنّي آمرك بتقوى الله وطاعته في السّرّ والعلانيّة ، وأحذّرك عقابه في الغيب والمشهد ، وأتقدّم إليك بالإحسان إلى المحسن ، والشّدّة على المعاند ، وآمرك بالرّفق في أمورك ، والدّين (1) والعدل في رعيّتك ، فإنّك مسائل عن ذلك ، وإنصاف المظلوم ، والعفو عن النّاس ، وحسن السّيرة ما استطعت ، فإنّ الله يجزي المحسنين.
وآمرك أن تجبي خراج الأرضين على الحقّ والنّصفة ، ولا تجاوز
__________________
(1) كذا جاء في النسخة.
ما تقدّمت به إليك ، ولا تدع منه شيئا ، ولا تبدع فيه أمرا.
ثمّ اقسم بين أهله بالسّويّة والعدل ، واخفض لرعيّتك جناحك ، وواس بينهم في مجلسك ، وليكن القريب والبعيد عندك في الحقّ سواء ، واحكم بين النّاس بالحقّ ، وأقسم فيهم بالقسط ، ولا تتّبع الهوى ، ولا تخف في الله لومة لائم ، فإنّ الله مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون. وقد وجّهت إليك كتابا لتقرأه على أهل مملكتك ليعلموا رأينا فيهم وفي جميع المسلمين ، فأحضرهم واقرأ عليهم ، وخذ البيعة لنا على الصّغير والكبير منهم إن شاء الله تعالى.
وحوت هذه الرسالة جميع صنوف العدل وما تبنّاه الإمام عليهالسلام في سياسته المشرقة من إسعاد الشعوب ونشر القيم الكريمة بينهم.
وأرسل الإمام عليهالسلام إلى أهل المدائن هذه الرسالة وأمر عامله حذيفة بقراءتها عليهم ، وهذا نصّها بعد البسملة :
من عبد الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إلى من بلغه كتابي هذا من المسلمين.
سلام عليكم ، فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلاّ هو وأسأله أن يصلّي على محمّد وآله.
أمّا بعد ، فإنّ الله تعالى اختار الإسلام دينا لنفسه وملائكته ورسله ، إحكاما لصنعه وحسن تدبيره ، ونظرا منه لعباده ، وخصّ به من أحبّه من خلقه ، فبعث إليهم محمّدا فعلّمهم الكتاب والحكمة ، إكراما وتفضّلا
لهذه الأمّة ، وأدّبهم لكي يهتدوا ، وجمعهم لئلاّ يتفرّقوا ، ووقفهم (1) لئلاّ يجوروا ، فلمّا قضى ما كان عليه من ذلك مضى إلى رحمة الله حميدا محمودا.
ثمّ إنّ بعض المسلمين أقاموا بعده رجلين رضوا بهديهما وسيرتهما ، فأقاما ما شاء الله ثمّ توفّاهما الله عزّ وجلّ ، ثمّ ولّوا بعدهما الثّالث فأحدث أحداثا ، ووجدت الأمّة عليه فعالا فاتّفقوا عليه ، ثمّ نقموا منه فغيّروا ، ثمّ جاءوني كتتابع الخيل فبايعوني ، وإنّي أستهدي الله بهداه ، وأستعينه على التّقوى.
ألا وإنّ لكم علينا العمل بكتاب الله وسنّة نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والقيام عليكم بحقّه ، وإحياء سنّته ، والنّصح لكم بالمغيب والمشهد ، وبالله نستعين على ذلك ، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقد ولّيت أموركم حذيفة بن اليمان ، وهو ممّن أرضى بهداه وأرجو صلاحه ، وقد أمرته بالإحسان إلى محسنكم والشّدّة على مريبكم ، والرّفق بجمعكم.
أسأل الله لنا ولكم حسن الخيرة والإسلام ورحمته الواسعة في الدّنيا والآخرة ، ورحمة الله وبركاته (2) .
وحكت هذه الرسالة نعمة الله على عباده بأن أرسل لهم رسوله العظيم ، فجاءهم بالإسلام الذي هو الدين القيّم الذي ارتضاه الله تعالى لعباده ، وجعله مشعلا
__________________
(1) أي وقّف الامة على ما أعدّه تعالى من الجنّة للمطيعين والنار للعاصين.
(2) الدرجات الرفيعة : 288. نهج السعادة 4 : 19 ـ 24.
للهداية والسلامة من مآثم الحياة ، كما عرضت هذه الرسالة إلى الأحداث المؤسفة التي رافقت وفاة المنقذ الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما آلت إليه الامّة بعد أن تقلّد الخلافة من الفتن التي أثارتها قريش ضدّه ، وقد قطع الإمام عليهالسلام على نفسه عهدا أن يسير بين المسلمين بسنّة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويطبق على الحياة العامّة منهج القرآن الكريم ، هذا بعض ما حوته هذه الرسالة.
سعد بن مسعود
كان سعد من خيار أصحاب الإمام عليهالسلام وهو عمّ البطل الخالد المختار ، الذي استأصل شأفة المجرمين من قتلة سيّد الشهداء عليهالسلام .
عهد الإمام عليهالسلام بولاية المدائن إلى سعد ، وذلك بعد وفاة حذيفة بن اليمان ، وقد كتب إليه الرسالة التالية :
أما بعد فانك قد أديت خراجك ، وأطعتربك ، وأرضيت إمامك ، فعل البر التقي انجيب ، فغفر الله ذنبك ، وتقبل ، وتقبل سعيك ، وحسن مابك (1)
وحوت هذه الرسالة أجمل الثناء وأطيب الذكر إلى سعد الذي أطاع وأرضى إمامه.
ولمّا أراد الإمام عليهالسلام الشخوص لمحاربة معاوية كتب إلى سعد هذه الرسالة :
أمّا بعد ، فإنّي قد بعثت إليك زياد بن حصفة ، فأشخص معه من قبلك من مقاتلة أهل الكوفة ، وعجّل ذلك إن شاء الله ، ولا قوّة إلاّ بالله (2) .
ولو لا أنّه ركن وثيق ، وبطل من أبطال الإسلام لما استعان به الإمام لمحاربة خصمه العنيد.
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 176.
(2) تاريخ الطبري 4 : 59.
عامله على كسكر
وكان عامله على كسكر (1) عجلان بن قدامة ، وقد كتب إليه هذه الرسالة :
أمّا بعد ، فاحمل ما قبلك من مال الله فإنّه فيء للمسلمين ، لست بأوفر حظّا فيه من رجل فيهم ، ولا تحسبنّ يا ابن قدامة أنّ مال كسكر مباح لك كمال ورثته عن أبيك وامّك ، فتعجّل حمله وأعجل في الإقبال إلينا إن شاء الله (2) .
لقد احتاط الإمام عليهالسلام كأشدّ ما يكون الاحتياط في أموال الدولة وشدّد على ولاته فيها فأقام عليهم العيون ، وراقب جميع تصرّفاتهم وامورهم.
__________________
(1) كسكر : مدينة تقع بين الكوفة والبصرة ، وقصبتها واسط ، وفيها يقول عبيد الله بن الحرّ :
أنا الّذي أجليتكم عن كسكر |
ثمّ هزمت جمعكم بتستر |
|
ثمّ انقضضت بالخيول الضّمّر |
حتّى حللت بين وادي حمير |
جاء ذلك في معجم البلدان ـ باب الكاف.
(2) نهج السعادة 5 : 350 ، نقلا عن أنساب الأشراف : 338.
عامله على الجبل
وأقام الإمام واليا على الجبل سليمان بن صرد الخزاعي ، وهو من أفذاذ شيعته ، وأحد المطالبين بدم سيّد الشهداء عليهالسلام ، وكان زعيم التوّابين ، وقد كتب إليه الإمام عليهالسلام الرسالة التالية :
ذكرت ما صار في يديك من حقوق المسلمين ، وإنّ من قبلك وقبلنا في الحقّ سواء ، فأعلمني ما اجتمع عندك من ذلك ، وأعط كلّ ذي حقّ حقّه ، وابعث إلينا بما سوى ذلك لنقسمه فيمن قبلنا إن شاء الله (1) .
وترى في هذه الرسالة مدى اهتمام الإمام البالغ في أموال الدولة وصرفها على تطوّر حياة المسلمين ، وإنقاذهم من كارثة الفقر والحرمان.
__________________
(1) نهج السعادة 5 : 351 ، نقلا عن أنساب الأشراف : 233.
عمّال الخراج والصّدقات
أمّا الخراج فهو الضريبة المالية التي فرضها الإسلام على غلّة الأرض (1) ، وهو شريان الاقتصاد الإسلامي ، فإنّ معظم واردات الدولة تستند إليه ، كما أنّ نفقاتها كانت عيالا عليه فرواتب الجيش ، ورواتب سائر الموظّفين في جهاز الدولة معظمها من هذه الضريبة ، وقد اعتنى الإمام بها عناية بالغة.
وهذا حديث عن أهمّية الخراج في عهده لمالك الأشتر قال عليهالسلام :
وتفقّد أمر الخراج بما يصلح أهله ، فإنّ في صلاحه وصلاحهم صلاحا لمن سواهم ، ولا صلاح لمن سواهم إلاّ بهم ، لأنّ النّاس كلّهم عيال على الخراج وأهله.
وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأنّ ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة ؛ ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد ، وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلاّ قليلا.
فإن شكوا ثقلا أو علّة ، أو انقطاع شرب أو بالّة (2) ، أو إحالة أرض اغتمرها غرق ، أو أجحف بها عطش ، خفّفت عنهم بما ترجو أن يصلح
__________________
(1) مجمع البحرين ـ مادة خرج ، وجاء فيه : أنّه قيل : يقع اسمه على الضريبة والجزية والغلّة.
(2) البلّة : ما يبل به الأرض من الماء.
به أمرهم ؛ ولا يثقلنّ عليك شيء خفّفت به المئونة عنهم ، فإنّه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك ، وتزيين ولايتك ، مع استجلابك حسن ثنائهم ، وتبجّحك باستفاضة العدل فيهم ، معتمدا فضل قوّتهم ، بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم ، والثّقة منهم بما عوّدتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم ، فربّما حدث من الأمور ما إذا عوّلت فيه عليهم من بعد ما احتملوه طيّبة أنفسهم به ؛ فإنّ العمران محتمل ما حمّلته ، وإنّما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها ، وإنّما يعوز أهلها لإشراف أنفس الولاة على الجمع (1) ، وسوء ظنّهم بالبقاء ، وقلّة انتفاعهم بالعبر (2) .
وحوى هذا المقطع جميع صنوف العدل والشرف ، وما ينشده الإسلام من عمران الأرض ، وإشاعة الرخاء بين الناس ، وقد حفل بامور بالغة الأهمّية كان منها :
أمّا الخراج فهو من أهمّ واردات الدولة الإسلامية في تلك العصور ، وأمّا كيفيّة شرائطه وشئونه فقد تعرّضت لها كتب الفقه الإسلامي ، وقد عرض الإمام عليهالسلام في كلامه إلى أنّ صلاح الخراج صلاح لأهله ، وصلاح لجميع المواطنين لأنّهم جميعا عيال عليه.
وأكّد الإمام عليهالسلام على ضرورة إعمار الأرض ، وذلك بشقّ الأنهر وما يحتاجه المزارعون في شئون زراعتهم وتنميتها ، فإنّ زيادة الخراج لا يكون إلاّ بعمارة الأرض.
__________________
(1) الجمع : يراد به جمع المسئولين للمال.
(2) نهج البلاغة : 436 ـ 437.
أمّا إهمال الأرض وعدم الاهتمام بها فإنّه يعود بالأضرار الفادحة على المزارعين والمواطنين ، ويشيع البؤس والفقر بين الناس.
وحثّ الإمام عليهالسلام السلطة على الاستجابة الكاملة للمزارعين فيما يطلبونه من إصلاح لأرضهم ، وما يعود على زرعهم بالنماء فإنّ إهمال طلباتهم يوجب خراب الأرض ، وموت الزرع.
كما أنّ الاستجابة لطلباتهم فيه زين للمسؤولين ، وتبجحّ لهم بإشاعة العدل ، ومن الطبيعي أنّ ذلك يوجب ربط المواطنين بالدولة وإخلاصهم لها.
أمّا السبب في خراب الأرض فإنّه ناجم عن فقر المزارعين وعدم تمكّنهم من إصلاح زرعهم ، ومن المؤكّد أنّ ذلك ناشئ عن جشع المسئولين ، واهتمامهم بجلب الخراج ، ولا يعيرون أي اهتمام لإصلاح الأرض ، وسنتحدّث في بعض بحوث هذا الكتاب عمّا عاناه المزارعون من الظلم والدمار من الجباة أيام الحكم الأموي والعباسي.
ووضع الإمام عليهالسلام المناهج الرفيعة لعمّال الخراج ، وأوصاهم بتطبيقها والأخذ بها في ميدان عملهم ، وهذه وصيّته بعد البسملة :
من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى امراء الخراج :
أمّا بعد ، فإنّه من لم يحذر ما هو صائر إليه لم يقدّم لنفسه ولم يحرزها ،
ومن اتّبع هواه وانقاد له على ما يعرف نفع عاقبته عمّا قليل ليصبحنّ من النّادمين.
ألا وإنّ أسعد النّاس في الدّنيا من عدل عمّا يعرف ضرّه ، وإن أشقاهم من اتّبع هواه ، فاعتبروا واعلموا أنّ لكم ما قدّمتم من خير ، وما سوى ذلك وددتم لو أنّ بينكم وبينه أمدا بعيدا ، ويحذّركم الله نفسه والله رءوف ورحيم بالعباد ، وأنّ عليكم ما فرّطتم فيه ، وأنّ الّذي طلبتم ليسير وأنّ ثوابه لكثير ، ولو لم يكن فيما نهي عنه من الظّلم والعدوان عقاب يخاف ، كان في ثوابه ما لا عذر لأحد بترك طلبته ، فارحموا ترحموا ولا تعذّبوا خلق الله ، ولا تكلّفوهم فوق طاقتهم وأنصفوا النّاس من أنفسكم واصبروا لحوائجهم فإنّكم خزّان الرّعيّة ، لا تتّخذنّ حجّابا ولا تحجبنّ أحدا عن حاجته حتّى ينهيها (1) إليكم ، ولا تأخذوا أحدا بأحد إلاّ كفيلا عمّن كفل عنه ، واصبروا أنفسكم على ما فيه الاغتباط ، وإيّاكم وتأخير العمل ودفع الخير ، فإنّ في ذلك النّدم ، والسّلام (2) .
وحفل هذا الكلام بامور بالغة الأهمّية ، وهي :
1 ـ أنّ الإمام عليهالسلام أوصى عمّال الخراج بتقوى الله تعالى وطاعته ، والاجتناب عن معاصيه ، وممّا لا ريب فيه أنّ من يتّقي الله تعالى فإنّه لا يعتدي ، ولا يظلم ، ولا يقترف إثما ، ويسعد المجتمع في حكمه إذا كان حاكما.
2 ـ أنّه أمر العمّال بأن لا يكلّفوا الناس فيما يجبونه فوق طاقتهم وعليهم أن يسيروا بين الناس بالمعروف.
__________________
(1) ينهيها : أي يتركها.
(2) كتاب صفّين : 108 ، وقريب منه في نهج البلاغة 3 : 80 ـ 81.
3 ـ وعهد عليهالسلام لعمّاله بانصاف الناس ، والصبر على قضاء حوائجهم ، فإنّهم خدم الرعية وخزّان أموالها.
4 ـ أنّه أمرهم أن لا يتّخذوا حجّابا يمنعون الناس من الوصول إليهم ، فإنّ ذلك ممّا يوجب شيوع البغضاء بين المواطنين والحكومة.
5 ـ أنّه أوصاهم أن لا يأخذوا أحدا من الناس بجرم غيره إلاّ أن يكون كفيلا عنه.
6 ـ أنّه عليهالسلام نهى عن تأخير أعمال المواطنين ، والواجب أن يقوموا بقضائها بالوقت دون تأخير.
وأوصى الإمام عليهالسلام عمّال الخراج بهذه الوصيّة القيّمة ، وقد جاء فيها :
ولا تبيعنّ للنّاس في الخراج كسوة شتاء ، ولا صيف ، ولا دابّة يعملون عليها ، ولا عبدا ، ولا تضربنّ أحدا سوطا لمكان درهم ، ولا تمسّنّ مال أحد من النّاس ، مصلّ ولا معاهد ، إلاّ أن تجدوا فرسا أو سلاحا يعدى به على أهل الإسلام ، فإنّه لا ينبغي للمسلم أن يدع ذلك في أيدي أعداء الإسلام ، فيكون شوكة عليه. ولا تدّخروا أنفسكم نصيحة ، ولا الجند حسن سيرة ، ولا الرّعيّة معونة ، ولا دين الله قوّة ، وأبلوا في سبيل الله ما استوجب عليكم ، فإنّ الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا ، وأن ننصره بما بلغت قوّتنا ، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم (1) .
__________________
(1) مصادر نهج البلاغة ـ قسم الرسائل والوصايا : 235 ـ 236.
وحوت هذه الكلمات جميع صور العدل ، وما ينشده الإسلام من الرحمة والرأفة للناس جميعا على اختلاف قوميّاتهم ولغاتهم وأديانهم.
وضع الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام البرامج الرفيعة والآداب الإسلامية للعمّال الذين يجلبون الزكاة من المواطنين ، انظروا بعمق إلى هذه التعاليم العلوية.
قال عليهالسلام لبعض عمّاله :
أمره بتقوى الله في سرائر أمره وخفيّات عمله ، حيث لا شهيد غيره ، ولا وكيل دونه.
وأمره ألاّ يعمل بشيء من طاعة الله فيما ظهر فيخالف إلى غيره فيما أسرّ ، ومن لم يختلف سرّه وعلانيته ، وفعله ومقالته ، فقد أدّى الأمانة ، وأخلص العبادة.
وأمره ألاّ يجبههم ولا يعضههم ، ولا يرغب عنهم تفضّلا بالإمارة عليهم ، فإنّهم الإخوان في الدّين ، والأعوان على استخراج الحقوق.
وإنّ لك في هذه الصّدقة نصيبا مفروضا ، وحقّا معلوما ، وشركاء أهل مسكنة ، وضعفاء ذوي فاقة ، وإنّا موفّوك حقّك ، فوفّهم حقوقهم ، وإلاّ تفعل فإنّك من أكثر النّاس خصوما يوم القيامة ، وبؤسى لمن ـ خصمه عند الله ـ الفقراء والمساكين والسّائلون والمدفوعون ، والغارمون وابن السّبيل!
ومن استهان بالأمانة ، ورتع في الخيانة ، ولم ينزّه نفسه ودينه عنها ، فقد أحلّ بنفسه في الدّنيا الذّلّ والخزي ، وهو في الآخرة أذلّ وأخزى.
وإنّ أعظم الخيانة خيانة الأمّة ، وأفظع الغشّ غشّ الأئمّة ، والسّلام (1) .
من وصايا الإمام الخالدة التي حوت الفضائل والآداب الرفيعة هذه الوصية التي عهد بها إلى عمّال الصدقة ، قال عليهالسلام :
انطلق على تقوى الله وحده لا شريك له ، ولا تروّعنّ مسلما ، ولا تجتازنّ عليه كارها ، ولا تأخذنّ منه أكثر من حقّ الله في ماله ، فإذا قدمت على الحيّ فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ، ثمّ امض إليهم بالسّكينة والوقار ؛ حتّى تقوم بينهم فتسلّم عليهم ، ولا تخدج بالتّحيّة لهم (2) ، ثمّ تقول : عباد الله ، أرسلني إليكم وليّ الله وخليفته ، لآخذ منكم حقّ الله في أموالكم ، فهل لله في أموالكم من حقّ فتؤدّوه إلى وليّه؟
فإن قال قائل : لا ، فلا تراجعه ، وإن أنعم (3) لك منعم (4) فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه ، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضّة ، فإن كان له ماشية أو إبل فلا تدخلها إلاّ بإذنه ، فإنّ أكثرها له ، فإذا أتيتها فلا تدخل عليها دخول متسلّط عليه ولا عنيف به. ولا تنفّرنّ بهيمة ولا تفزعنّها ، ولا تسوأنّ صاحبها فيها ، واصدع المال (5) صدعين ثمّ خيّره ، فإذا اختار فلا تعرضنّ لما اختاره. ثمّ اصدع
__________________
(1) نهج البلاغة 3 : 26.
(2) تخدج : أي تبخل.
(3) أنعم : أي قال لك نعم.
(4) المنعم : هو الذي يدفع الزكاة ، وهذا من روائع الأدب العلوي.
(5) أصدع المال : أي قسّمه نصفين.
الباقي صدعين ، ثمّ خيّره ، فإذا اختار فلا تعرضنّ لما اختاره. فلا تزال كذلك حتّى يبقى ما فيه وفاء لحقّ الله في ماله ؛ فاقبض حقّ الله منه. فإن استقالك فأقله ، ثمّ اخلطهما ثمّ اصنع مثل الّذي صنعت أوّلا حتّى تأخذ حقّ الله في ماله.
ولا تأخذنّ عودا (1) ، ولا هرمة ، ولا مكسورة ، ولا مهلوسة (2) ، ولا ذات عوار ، ولا تأمننّ عليها إلاّ من تثق بدينه ، رافقا بمال المسلمين حتّى يوصّله إلى وليّهم فيقسمه بينهم ، ولا توكّل بها إلاّ ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا ، غير معنف ولا مجحف (3) ، ولا ملغب (4) ولا متعب.
ثمّ احدر (5) إلينا ما اجتمع عندك نصيّره حيث أمر الله به ، فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه ألاّ يحول بين ناقة وبين فصيلها ، ولا يمصر (6) لبنها فيضرّ ذلك بولدها ؛ ولا يجهدنّها ركوبا ، وليعدل بين صواحباتها في ذلك وبينها ، وليرفّه على اللاّغب (7) ، وليستأن بالنّقب والظّالع ، وليوردها ما تمرّ به من الغدر (8) ، ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جوادّ الطّرق ، وليروّحها في السّاعات ، وليمهلها عند النّطاف (9) والأعشاب ،
__________________
(1) العود : المسنّة من الإبل.
(2) المهلوسة : الضعيفة.
(3) المجحف : الذي يشتدّ في سوق الأنعام حتى تهزل.
(4) الملغب : الذي أعياه التعب.
(5) احدر : أي اسرع.
(6) يمصر : أي يأخذ لبنها.
(7) الملغب : الذي أعياه التعب.
(8) الغدر : هو ما يغادره السيل.
(9) النطاف : المياه القليلة.
حتّى تأتينا بإذن الله بدّنا منقيات ، غير متعبات ولا مجهودات ، لنقسمها على كتاب الله وسنّة نبيّه ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فإنّ ذلك أعظم لأجرك ، وأقرب لرشدك ، إن شاء الله (1) .
وتمثّلت جميع صور الكرامة والشرف في هذه الوصية التي عهد الإمام بها إلى عمّال الزكاة ، وكان من بنودها ما يلي :
1 ـ أنّه أوصى الجباة في أخذهم الحقّ الشرعي من المواطنين أن لا يروّعوهم ولا يجتازوا عليهم بالكره والقوّة والاجبار.
2 ـ أن ينزل الجباة بأمكنة بعيدة عن بيوت المزارعين لئلا يخافوا.
3 ـ أن يقابل الجباة المزارعين باللطف ، والتواضع ، ولا يبخلوا عليهم بالتحية والسلام ، ويقولون لهم بأدب : إنّ خليفة الله أرسلنا لكم فإن كان عندكم حقّ من حقوق الله فسلّموه لنا ، فإن أجابوا بالايجاب استلموه منهم ، وإن قالوا ليس في أموالنا حقّ فلا يراجعوهم وينصرفوا عنهم من غير إرهاق وعسف معهم.
4 ـ أنّ الإمام عليهالسلام عرض إجمالا إلى ما تجب فيه الزكاة ، وهي الذهب والفضّة ، والأنعام الثلاثة ، والحنطة والشعير.
5 ـ وذكر الإمام عليهالسلام حكم الزكاة في الماشية والإبل فإذا كان فيها حقّ ، فعلى الجباة أن لا يدخلوا عليها دخول متسلّط ولا عنيف ، وأن يقسّموها إلى قسمين فيما إذا كانت كثيرة ويجعلوا الخيار لصاحب المال فيها ، ثمّ يقسّموها إلى قسمين آخرين ويجعلوا لصاحبها الخيار ، وهكذا يستمرّ التقسيم حتى يأخذ الجباة حقّ الله منها ، وأوصاهم أن لا يختاروا المسنّة والهرمة والمكسورة ولا ذات العوار.
6 ـ وأوصى الإمام العمّال بمراعاة الحيوان والرفق به ، وأن تصل إليه سالمة
__________________
(1) نهج البلاغة 3 : 23 ـ 26.
غير مجهدة هذا بعض ما في هذا العهد من تعاليم وآداب.
بعد ما عرضنا إلى وصايا الإمام الخالدة لعمّال الخراج والصدقة ، وما تنشده من إشاعة العدل ، ونشر العزّة والكرامة والرأفة والرحمة إلى المواطنين ، وحمايتهم من كلّ جور وظلم واعتداء من العمال والولاة ، نعرض ـ إجمالا ـ إلى ما عاناه المسلمون أيام الحكم الأموي والعباسي من المآسي المروعة ، فقد صبّ عليهم الجباة أفحش ألوان الظلم ، وأقسى صور الجور ، وفيما يلي ذلك :
وبعد ما تسلّم معاوية الحكم بالارهاب والمكر والخداع عهد بأخذ الضرائب إلى أقسى العمّال من ذوي الضمائر الميّتة فأمعنوا في ظلم الناس واستصفاء أموالهم.
يقول عقيبة بن هبيرة الأسدي مخاطبا معاوية :
معاوي إنّنا بشر فاسجح |
فلسنا بالجبال ولا الحديد |
|
أكلتم أرضنا فجردتموها |
فهل من قائم أو من حصيد؟ |
|
فهبنا أمّة ذهبت ضياعا |
يزيد أميرها وأبو يزيد |
|
أتطمع في الخلود إذا هلكنا؟ |
وليس لنا ولا لك من خلود |
|
ذروا خون الخلافة واستقيموا |
وتأمير الأراذل والعبيد (1) |
وصوّرت هذه الأبيات ما عاناه قوم عقيبة من الاضطهاد والظلم من عمّال معاوية ...
وأعلن الشاعر الرّاعي النمري في أبيات له جور عمّال عبد الملك بن مروان
__________________
(1) خزانة الأدب 2 : 225 ـ 226.
على قومه حتى افتقروا وهربوا في البيداء ، وليس عندهم إلاّ إبل مهزولة يقول :
أخليفة الرّحمن! إنّا معشر |
حنفاء نسجد بكرة وأصيلا |
|
إنّ السّعاة عصوك يوم أمرتهم |
وأتوا دواهي لو علمت وغولا |
|
أخذوا العريف فشقّقوا حيزومه |
بالأصبحيّة قائما مغلولا (1) |
|
حتّى إذا لم يتركوا لعظامه |
لحما ولا لفؤاده معقولا (2) |
|
جاءوا بصكّهم وأحدب أسأرت |
منه السّياط يراعة إجفيلا (3) |
|
أخذوا حمولته فأصبح قاعدا |
لا يستطيع عن الدّيار حويلا |
|
يدعو أمير المؤمنين ودونه |
خرق تجرّ به الرّياح ذيولا (4) |
|
كهداهد كسر الرّماة جناحه |
يدعو بقارعة الشّريف هديلا |
|
أخليفة الرّحمن! إنّ عشيرتي |
أسبى سوامهم عزين فلو لا (5) |
|
قوم على الإسلام لمّا يتركوا |
ما عونهم ويضيّعوا التّهليلا (6) |
|
قطعوا اليمامة يطردون كأنّهم |
قوم أصابوا ظالمين قتيلا |
|
شهري ربيع ما تذوق لبونهم |
إلاّ حموضا وخمة وذبيلا (7) |
|
وأتاهم يحيى فشدّ عليهم |
عقدا يراه المسلمون ثقيلا (8) |
__________________
(1) الحيزوم : وسط الظهر. الأصبحيّة : السياط.
(2) المعقول : الادراك.
(3) أسأرت : أي بقيت في الإناء بقيّة. الأجفيل : الخائف.
(4) الخرق : الصحراء الواسعة.
(5) عزين : الجماعات.
(6) الماعون : أراد به الزكاة.
(7) الحموض : المرّ المالح من النبات.
(8) يحيى : هو أحد السعاة الظالمين.
كتبا تركن غنيّهم ذا عيلة |
بعد الغنى وفقيرهم مهزولا |
|
فتركت قومي يقسمون امورهم |
إليك أم يتربّصون قليلا (1) |
أرأيتم هذا الشعر الطافح بالأسى والألم على ما أصاب الراعي وقومه من صنوف العذاب والفقر الذي صبّه الولاة والعمّال عليهم فإنّهم لم يتركوا لهم لعظامهم لحما إلاّ نهشوه ولا عظما إلاّ هشّموه.
وقد استمرّ جور العمّال حتى في عهد عمر بن عبد العزيز الذي هو أشرف ملك في بني اميّة فإنّ عمّاله لم يألوا جهدا في النهب والسلب ، وقد خاطبه كعب الأشعري بهذه الأبيات :
إن كنت تحفظ ما يليك فإنّما |
عمّال أرضك بالبلاد ذئاب |
|
لن يستجيبوا للّذي تدعو له |
حتّى تجلّد بالسّيوف رقاب |
|
بأكفّ منصلتين أهل بصائر |
في وقعهنّ مزاجر وعقاب (2) |
وكان عمر على المنبر يخطب فانبرى إليه رجل فقطع خطابه وقال له :
إنّ الّذين بعثت في أقطارها |
نبذوا كتابك ، واستحلّ المحرم |
|
طلس الثّياب على منابر أرضنا |
كلّ يجور وكلّهم يتظلّم |
|
وأردت أن يلي الأمانة منهم |
عدل وهيهات الأمين المسلم (3) |
لقد امتحن المسلمون امتحانا عسيرا وارهقوا إرهاقا شديدا من الجباة الذين لا يرجون لله وقارا ، فنهبوا واستحلّوا أموال المسلمين بغير حقّ.
__________________
(1) طبقات فحول الشعراء : 439. جمهرة أشعار العرب : 43.
(2) البيان والتبيان 3 : 308.
(3) المصدر السابق 3 : 359.
وأسندت الحكومة العبّاسية وظيفة جمع الخراج إلى جماعة من القساة والأشرار ، فكانوا يجبون الضرائب التي لم يشرّعها الإسلام ، ويأخذونها بقسوة وعنف ، وقد صوّر ذلك ابن المعتزّ في ارجوزته ، يقول :
فكم وكم من رجل نبيل! |
ذي هيبة ومركب جليل |
|
رأيته يعتلّ بالأعوان |
إلى الحبوس وإلى الدّيوان |
|
وجعلوا في يده حبالا |
من قنّب يقطّع الأوصالا |
|
وعلّقوه في عرى الجدار |
كأنّه برّادة في الدّار |
|
وصفّقوا قفاه صفق الطّبل |
نصبا بعين شامت وخلّ |
|
وصبّ سجّان عليه الزّيتا |
فصار بعد بزّة (1) كميتا |
لقد وصفت هذه الأبيات الحالة القاسية التي عاناها الناس في أخذ الخراج ، فقد قوبلوا بمنتهى الشدّة والقسوة ، ويستمر ابن المعتزّ في وصف تلك الأحوال الرهيبة فيقول :
حتّى إذا ملّ الحياة وضجر |
وقال : ليت المال جمعا في سقر |
|
أعطاهم ما طلبوا فأطلقا |
يستعمل المشي ويمشي العنقا (2) |
ويصف ابن المعتزّ ما يتعرّض له السجين من الضرب واللكم والصفع بقوله :
وأسرفوا في لكمه ودفعه |
وانطلقت أكفّهم في صفعه |
__________________
(1) البزّة : الثوب الهيئة.
(2) العنقا : السريع المشي.
ولم يزل في أضيق الحبوس |
حتّى رمى إليهم بالكيس (1) |
وهكذا يستمرّ الظلم بجميع رحابه وألوانه على المزارعين وغيرهم في معظم أيام الحكم الأموي والعباسي ، فقد فقد الناس رحمة الإسلام وما ينشده من الرفاهية والعزّة والكرامة.
__________________
(1) ديوان ابن المعتزّ : 481.
تأنيب الولاة وعزلهم
كان الإمام عليهالسلام يراقب ولاته وعمّاله مراقبة شديدة ، فجعل عليهم الرقباء والعيون يتتبّعون تصرّفاتهم ، ويسجّلون خدماتهم وتصرّفاتهم وسائر شئونهم ، ويرفعونها له ، فإذا اشتكى أحد المواطنين واليا من ولاته لسوء خلقه أو لتجبّره وتكبّره واعتزازه بوظيفته أنّبه الإمام ووبّخه ، وأرشده إلى مكارم الأخلاق ، وإذا كان الوالي خائنا ، وسارقا بادر إلى عزله ومحاسبته ، وفيما يلي تسجيل لذلك :
أنّب الإمام عليهالسلام كوكبة من ولاته لأنّ المواطنين شكوا سوء أخلاقهم للإمام ، وهذا عرض لبعضهم :
1 ـ أنّ جماعة من الدهّاقين الذين لم يدخلوا في دين الإسلام ، وبقوا على دينهم شكوا إلى الإمام عليهالسلام غلظة عاملهم ، فكتب الإمام إليه هذه الرسالة :
أمّا بعد ، فإنّ دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة ، واحتقارا وجفوة ، ونظرت في أمرهم فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم ، ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم ، فالبس لهم جلبابا من اللّين تشوبه بطرف من الشّدّة ، وداول لهم بين القسوة والرّأفة ، وامزج لهم بين التّقريب والإدناء ، والإبعاد والإقصاء. إن شاء الله (1) .
__________________
(1) نهج البلاغة : 376.
وقد أمر الإمام عليهالسلام عامله أن يتجنّب الغلظة والقسوة والاحتقار ويسير بين الذمّيّين سيرة معتدلة قوامها العدل الخالص والحقّ المحض.
2 ـ رفع بعض العيون الذي أقامهم الإمام على واليه بالبحرين النعمان بن عجلان أنّه ذهب بمال البحرين ، فكتب إليه الإمام هذه الرسالة :
أمّا بعد ، فإنّه من استهان بالأمانة ، ورغب في الخيانة ، ولم ينزّه نفسه ودينه ، أخلّ بنفسه في الدّنيا ، وما يشفي عليه بعد أمرّ وأبقى وأشقى وأطول.
فخف الله إنّك من عشيرة ذات صلاح ، فكن عند صالح الظّنّ بك ، وراجع إن كان حقّا ما بلغني عنك ، ولا تقلبنّ رأيي فيك ، واستنظف خراجك ثمّ اكتب إليّ ليأتيك رأيي وأمري إن شاء الله (1) .
لقد ساق الإمام عليهالسلام اللوم والتقريع على تهمة الخيانة لبيت المال ، وهي تهمة لم يتأكّد الإمام منها ، وإنّما وشى بها إليه ، ولو كان على بيّنة منها لبادر إلى عزله.
3 ـ وافت الأنباء إلى الإمام عليهالسلام أنّ عامله على اصطخر المنذر بن جارود العبدي قد شذّ في سلوكه ، فكتب إليه هذه الرسالة يؤنّبه وينقم عليه ، وهذا نصّها :
أمّا بعد ، فإنّ صلاح أبيك ما غرّني منك ، وظننت أنّك تتّبع هديه ، وتسلك سبيله ، فإذا أنت فيما رقّي إليّ عنك لا تدع لهواك انقيادا ، ولا تبقي لآخرتك عتادا. تعمر دنياك بخراب آخرتك ، وتصل عشيرتك بقطيعة دينك.
ولئن كان ما بلغني عنك حقّا ، لجمل أهلك وشسع نعلك خير منك ،
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 177.
ومن كان بصفتك فليس بأهل أن يسدّ به ثغر ، أو ينفذ به أمر ، أو يعلى له قدر ، أو يشرك في أمانة ، أو يؤمن على جباية فأقبل إليّ حين يصل إليك كتابي هذا إن شاء الله (1) .
وفي هذه الرسالة التقريع والتوبيخ واللوم على ما صدر من المنذر العبدي من المخالفات التي لا يقرّها الشرع.
وعزل الإمام عليهالسلام بعض الولاة لمّا انحرفوا عن الطريق القويم ، وسلكوا منهجا غير ما أمر الله به ، وهؤلاء بعضهم :
كان الأشعث بن قيس واليا على آذربيجان فبلغ الإمام عليهالسلام أنّه خان بيت المال فعزله وكتب إليه الرسالة التالية :
أمّا بعد ، فإنّما غرّك من نفسك وجرّأك على آخرك إملاء الله لك ؛ إذ ما زلت قديما تأكل رزقه ، وتلحد في آياته ، وتستمع بخلاقك ، وتذهب بحسناتك إلى يومك هذا.
فإذا أتاك رسولي بكتابي هذا فأقبل واحمل ما قبلك من مال المسلمين إن شاء الله (2) .
وبادر الإمام إلى عزل هذا الخائن اللئيم الذي استحلّ نهب أموال المسلمين.
__________________
(1) نهج السعادة 5 : 23.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 176.
رفعت سوادة بنت عمارة الهمدانية إلى الإمام أمير المؤمنين شكوى في شأن وال جار عليهم فبكى الإمام عليهالسلام ، وقال :
اللهمّ أنت الشّاهد عليّ وعليهم ، إنّي لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقّك.
وكتب إليه الرسالة التالية بعد البسملة :
قد جاءتكم بيّنة من ربّكم فأوفوا الكيل والميزان بالقسط ، ولا تبخسوا النّاس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، بقيّة الله خير لكم إن كنتم مؤمنين ، وما أنا عليكم بحفيظ.
إذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتّى يأتي من يقبضه منك والسّلام (1) .
إنّ هذا هو العدل الذي تنتعش به الشعوب وتسود فيه القيم القويمة ، ويعمّ فيه الأمن والرخاء.
كان أبو موسى الأشعري واليا على الكوفة من قبل عثمان بن عفّان ، وكان منحرفا عن الإمام ، وقد جعل يثبّط عزائم الناس من الالتحاق بجيش الإمام الذي ندبه للقضاء على تمرّد طلحة والزبير ، فعزله الإمام وكتب إليه هذه الرسالة :
اعتزل عملنا يا ابن الحائك! مذموما مدحورا ، فما هذا أوّل يومنا منك ،
__________________
(1) العقد الفريد 1 : 212.
وإنّ لك فينا لهنات وهنات (1) .
وبهذا ينتهى بنا الحديث عن عزل الإمام عليهالسلام لبعض ولاته الذين ظهرت منهم بوادر الخيانة ، وبه ينتهي المطاف عن ولاته وعمّاله.
__________________
(1) مروج الذهب 2 : 368.
المحتويات
تقديم 5
بحوث تمهيديّة 11
أهمّية الولاة : 13
1 ـ خطر الامارة : 13
انتخاب الامراء وتعيينهم : 16
2 ـ عقاب الإمام الجائر : 17
3 ـ التباعد عن السلطان الجائر : 17
امارة السفهاء : 17
عشّاق السلطة : 18
واجبات الولاة : 19
تعاليم وأحكام : 20
بطانة الولاة : 37
ولاية المظالم : 38
عمّال الخراج والصدقات : 39
محاسبة الولاة : 42
الإقالة والعزل : 44
الجيش : 45
الشرطة : 47
حق الوالي على الرعية وحقّها عليه : 48
ولاته على مصر 49
قيس بن سعد 53
ملامحه وصفاته : 53
ولايته على مصر : 54
مكائد معاوية : 55
جواب قيس : 56
رسالة اخرى من معاوية : 56
جواب قيس : 56
ولاية مالك الأشتر 58
العهد الذهبي : 62
الشهادة : 63
تأبين الإمام لمالك : 65
سرور معاوية : 66
رثاء مالك : 66
محمّد بن أبي بكر 68
عهد الإمام لمحمّد : 68
صورة اخرى من عهد الإمام لمحمّد : 71
رسالة محمّد إلى معاوية : 73
جواب معاوية : 75
شهادة محمّد : 76
ولاته على 79
مكّة ـ المدينة ـ اليمن ـ البحرين 79
واليه على مكّة قثم 81
رسالة الإمام إلى قثم : 81
رسالة اخرى إلى قثم : 83
واليه على المدينة سهل بن حنيف 85
واليه على اليمن عبيد الله بن العباس 87
ولاته على البحرين 89
عمر بن أبي سلمة 89
النعمان بن عجلان 91
ولاته على 93
اصبهان ـ اردشيرخرّه 93
هيت ـ اذربيجان 93
مخنف بن سليم واليه على اصبهان 95
كتابه إلى واليه على أردشيرخرّة 98
هرب مصقلة لمعاوية : 99
عامله كميل على هيت 101
عامله الأشعث على آذربيجان 103
عزل الأشعث : 104
ولاته على البصرة 105
عثمان بن حنيف 107
رسالة الإمام لعثمان : 107
رسالة اخرى من الإمام لعثمان : 114
ولاية عبد الله بن عبّاس 116
شخصية ابن عباس : 116
ولايته على البصرة : 120
رسائل الإمام لابن عبّاس : 120
اتّهامه بالخيانة : 121
ردّ ما أخذه ابن عباس : 124
ولاية أبي الأسود 127
ولاية زياد 129
رسائل الإمام إلى زياد : 129
الرسالة الاولى : 129
رسالة الإمام إلى أهل البصرة : 131
كتابه إلى زياد : 133
تحذير الإمام لزياد من أباطيل معاوية : 134
ولاته على 137
المدائن ـ كسكر ـ الجبل 137
ولاته على المدائن 139
حذيفة اليماني 139
عهد الإمام لحذيفة : 140
رسالته لأهل المدائن : 141
سعد بن مسعود 144
عامله على كسكر 145
عامله على الجبل 146
عمّال الخراج والصّدقات 147
أهمّية الخراج : 149
1 ـ تفقّد الخراج : 150
2 ـ عمارة الأرض : 150
3 ـ إهمال الأرض : 151
4 ـ الاستجابة لطلبات المزارعين : 151
5 ـ سبب خراب الأرض : 151
التعاليم السامية لعمّال الخراج : 151
من وصاياه لعمّاله : 153
مع عمّال الصدقات : 154
من وصاياه الخالدة لعمّال الصدقة : 155
ظلم العمّال أيام الأمويّين والعباسيّين : 158
أيام الحكم الأموي : 158
أيام الحكم العبّاسي : 161
تأنيب الولاة وعزلهم 163
تأنيب العمّال : 165
عزل الولاة : 167
1 ـ الأشعث بن قيس : 167
2 ـ عزله لوال شكت عليه سوادة : 168
3 ـ عزل الأشعري : 168
المحتويات 171