بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا )
الفتح :10
( قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا )
طه : 97
( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ )
الحجرات : 9
( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ )
القصص : 56
تقديم
1
تسلّم الإمامعليهالسلام قيادة الحكم بعد الإطاحة بحكومة عثمان بن عفّان ، وقد أعلن بين المسلمين معالم سياسته الداخلية والخارجية ، وأكّد بصورة حازمة اهتمامه البالغ بأمر الخراج وسائر ما تملكه الدولة من وارداتها المالية ، وأنّها ملك للشعب ، وليس له أن يصطفي فيها لنفسه وذويه ، وإنّما يجب أن تنفق على تطوير حياة المواطنين ، وإنقاذهم من غائلة الفقر والحرمان ، كما يجب أن تهيّأ لهم الفرص المتكافئة للعمل لئلاّ تشيع البطالة والجريمة في البلاد.
وقد ذكرنا في بعض بنود هذا الكتاب صورا رائعة من اهتمامه البالغ في عمران الأرض ، وزيادة الانتاج الزراعي الذي كان العمود الفقري للاقتصاد الإسلامي في ذلك العصر.
2
إنّ من أهمّ البرامج في السياسة الاقتصادية عند الإمام هو إشاعة الرخاء وانعاش عامّة الشعوب الإسلامية ، وتوزيع خيرات البلاد التي تعود للدولة على جميع من يقطن في بلاد الإسلام ، وعدم احتكارها لقوم دون آخرين ، كما كان الحال في أيام عثمان بن
عفّان الذي منح الثراء العريض لبني اميّة وآل أبي معيط ، وغيرهم ممّن ساروا في ركابه ، فتكدّست الثروة عند فئة من الناس حتّى ترك بعضهم بعد موته من الذهب ما يكسّر بالفؤوس في حين أنّ المجاعة قد انتشرت عند الكثيرين من الناس.
وقد اتّسم موقف الإمامعليهالسلام بالشدّة والصرامة على هؤلاء الذين نهبوا أموال المسلمين بغير حقّ ، فأصدر أوامره الحاسمة بمصادرة جميع الأموال التي اختلسوها من بيت المال ، وتأميمها للدولة ، وقد قال في الأموال التي عند عثمان :
والله! لو وجدته ـ أي المال ـ قد تزوّج به النّساء ، وملك به الإماء ، لرددته ، فإنّ في العدل سعة. ومن ضاق عليه العدل ، فالجور عليه أضيق!(1) .
هكذا كانت سيرة رائد العدالة ، ومعلن حقوق الإنسان ، الصرامة في الحقّ التي لا هوادة ولا مداهنة فيها.
3
من المؤكّد أنّ من أهمّ الأسباب الوثيقة التي أدّت إلى قيام الأمويّين والقرشيّين بعصيانهم المسلّح ، وإعلانهم التمرّد على حكومة الإمام هو سياسته الاقتصادية الهادفة إلى إعلان المساواة والعدالة بين الناس ، ومعاملة الأمويّين ومن سائرهم معاملة عادية اتّسمت بالكراهية والاستهانة لأنّ إيمانهم لم يكن وثيقا ، وإنّما كان ظاهريا لم ينفذ إلى أعماق قلوبهم ودخائل نفوسهم ، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ نفوس الأمويّين قد اترعت بالبغض والكراهية للإمام لأنّه قد وترهم ، وحصد رءوس أعلامهم ، حينما أعلنوا الحرب بلا هوادة على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي جاء لتحرير عقولهم ، وإقامة مجتمع فيهم متوازن في سلوكه وأخلاقه ، وهي ، كما ناجزت الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم في واقعة بدر واحد والأحزاب
__________________
(1) نهج البلاغة 1 : 46.
وغيرها ، هبّت إلى مناجزة وصيّه وباب مدينة علمه ، ووضعت أمام مخطّطاته الإصلاحية السدود والحواجز ، وألقت الأمّة في شرّ عظيم.
4
ويعرض ـ بإيجاز ـ هذا الكتاب ، الذي هو جزء من موسوعة الإمامعليهالسلام إلى الحروب الثلاث التي خاضها الإمام ضدّ المنحرفين عن الحقّ ، والمتمرّدين على القيم الإسلامية ، وهي تصوّر مدى محنته الكبرى ، وما لاقاه فيها من جهد شاق وعناء عسير ، حتّى تركته في أرباض الكوفة قد طافت به المحن والخطوب حتّى لاقى مصيره المشرق بالجهاد والكفاح.
لقد بحثت في جميع هذا الكتاب عن أسمى شخصية في العالم الإسلامي ، عملاق هذه الأمّة ورائد نهضتها الفكرية والحضارية ، الإمامعليهالسلام ، وقد صوّرت بدقّة سيرته وحياته وجهاده ، ونصرته للإسلام في أيام محنته وغربته معتمدا على أوثق المصادر التاريخية وغيرها ، والله تعالى هو وليّ التوفيق.
النّجف الأشرف باقر شريف القريشى 27 / محرّم الحرام / 1420 هـ |
حكومة الإمام عليهالسلام
واستقبل الإمامعليهالسلام مصرع عثمان بكثير من القلق والوجوم والاضطراب ، وذلك لعلمه بمجريات الأحداث ، وأنّ الأمويّين والطامعين والمنحرفين سيتّخذون من دمه ورقة رابحة يطالبون بها ؛ للاستيلاء على الحكم ونهب ثروات البلاد.
وشيء آخر دعا الإمام إلى الوجوم وهو أنّه المرشّح الأوّل لقيادة الحكم ، فإذا تقلّد الخلافة فإنّه يسير بالامّة سياسة مبنيّة على الحقّ المحض ، والعدل الخالص ، ويطبّق على مسرح الحياة كتاب الله تعالى ، ومنهاج نبيّه ، ويبعد الطامعين واللصوص عن مناصب الدولة. ومن الطبيعي أنّ القوى المنحرفة ستهبّ في وجهه وتعمل على إفشال مخطّطاته ، وإبعاد مناهجه عن حياة المسلمين.
وعلى أي حال فإنّا نعرض إلى صور من بيعة الإمام ، ومقرّرات حكومته حينما استلم الخلافة وما يرتبط بذلك من شئون.
ومن المؤكّد أنّ الإمام لم تكن له أيّة رغبة في الخلافة التي تعني الزهو والإمرة والظفر بخيرات البلاد ، فإنّ هذه الأهداف محرّمة وغير مشروعة عند الإمامعليهالسلام الذي يبغي الحكم لتحقيق الأهداف النبيلة ، والمثل العليا ، وإسعاد المجتمع ، وإنقاذه من البؤس والحرمان ، وإشاعة الرفاهية والأمن بين الجميع.
وقد هتف الإمام أمام الجماهير التي أحاطت به وهي تطالبه بتقلّده للحكم فقال لهم :
« لا حاجة لي في أمركم ، فمن اخترتم رضيت به ».
أجل ، إنّه لا حاجة له ولا رغبة له في الخلافة ما لم يحقّق أهدافه النبيلة وقد أعرب الإمامعليهالسلام في بعض أحاديثه عن الأسباب التي دعته لمنازعة الخلفاء فقال :
« اللهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الّذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك ، فيأمن المظلومون من عبادك ».
وعلى أي حال فقد أحاطت الجماهير بالإمام وهي تعلن رغبتها الملحّة في ولايته قائلة :
لا إمام لنا غيرك ..
وهتفت ثانية :
ما نختار غيرك ..
ولم يعن بهم الإمام وأصرّ على الامتناع من إجابتهم ، وذلك لعلمه بما يعانيه من المصاعب والمشاكل وما يطرحه المنحرفون من الفتن والأضاليل في سبيل أطماعهم. لقد خلق الحكم العثماني فئة لا تفقه من أحكام الإسلام شيئا ، وقد تسلّطت على المسلمين وبيوت الأموال فنهبت ما شاءت ، وأذلّت من شاءت ، وأنّها سوف تهبّ في وجه الإمام وتناجزه الحرب وتعمل كلّ ما تستطيعه ضدّه.
وعقدت القوّات المسلّحة مؤتمرا خاصّا بها بعد امتناع الإمام من إجابتها ، وقد بحثت ما تواجهه الأمّة من الأخطار إن بقيت بلا إمام ، وقد قرّرت إحضار المدنيّين وذوي النفوذ والوجوه ، فلمّا حضروا قالوا لهم :
أنتم أهل الشورى ، وأنتم تعقدون الإمامة ، وحكمكم جائز على الأمّة ،
فانظروا رجلا تنصبونه ونحن لكم تبع ، وقد أجّلناكم يومكم ، فو الله! لئن لم تفرغوا لنقتلنّ عليّا وطلحة والزبير ، وتذهب من اضحية ذلك أمّة من الناس(1) ، وهرع المدنيّون نحو الإمام وقد علاهم الرعب ، وهم يهتفون :
البيعة البيعة ..
أما ترى ما نزل بالإسلام ، وما ابتلينا به من أبناء القرى؟ ..
أصرّ الإمام على الرفض قائلا :
« دعوني والتمسوا غيري ».
وأعرب لهم الإمام عن الموانع من قبول خلافتهم قائلا :
« فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه والوان ؛ لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول » (2) .
وحكى حديث الإمام الأحداث الجسام التي سيواجهها إن قبل خلافتهم ، وفعلا فقد تحقّقت ، فلم يمض وقت قليل حتى أعلن الطامعون تمرّدهم على حكومة الإمام وقاموا بعصيان مسلّح لإسقاطها ، كما سنتحدّث عن ذلك.
وعلى أي حال فقد ازدحمت الجماهير على الإمام وهي تهتف باسمه قائلة له : أمير المؤمنين أمير المؤمنين ..
وصارحهم الإمام بالمنهج الذي يسير عليه في دور حكومته قائلا :
« إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب ، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ؛ ولعلّي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم ،
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 : 80.
(2) نهج البلاغة ـ محمّد عبده 1 : 182.
وأنا لكم وزيرا ، خير لكم منّي أميرا! ».
لقد وضع أمامهم المنهج الذي يسير عليه وهو الحقّ بجميع رحابه والعدل بجميع ألوانه ورضوا بما قاله ، وهتفوا : ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك ..
وانثال عليه الناس من كلّ جانب وهم يطالبونه بقبول خلافتهم ،ووصف الإمام في خطبته الشقشقيّة إصرار الجماهير وازدحامهم عليه بقوله :
« فما راعني إلاّ والنّاس كعرف الضّبع (1) إليّ ، ينثالون عليّ من كلّ جانب ، حتّى لقد وطئ الحسنان ، وشقّ عطفاي (2) ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم » (3) .
وأجّلهم الإمام إلى صباح اليوم الثاني لينظر في الأمر ، فافترقوا على ذلك(4) .
وفكّر الإمام في قبول الخلافة ، فرأى أنّ المصلحة تقتضي قبولها ، وذلك خوفا من أن ينزو عليها علج من فسّاق بني أميّة ، قالعليهالسلام :
« والله! ما تقدّمت عليها ـ أي على الخلافة ـ إلاّ خوفا من أن ينزو على الأمّة تيس من بني أميّة ، فيلعب بكتاب الله عزّ وجلّ »(5) .
إنّ الإمام لم تكن له أية رغبة في الخلافة ، فإنّه لم يكن من عشّاق الملك والسلطان ، ولا ممّن يبغي الحكم لينعم في خيرات البلاد إنّه ربيب الوحي الذي
__________________
(1)عرف الضبع : الشعر الكثير الذي يكون على عنق الضبع ، يضرب به المثل في كثرة ازدحام الناس.
(2)شقّ عطفاي : أراد به ما أصابه من الخدش من كثرة ازدحام الناس.
(3)ربيضة الغنم : الطائفة الرابضة ، وهو وصف لجثوم الناس حوله.
(4) حياة الإمام الحسينعليهالسلام 1 : 400.
(5) العقد الفريد 3 : 93.
برهن في جميع أدوار حياته على الزهد في الدنيا والعزوف عن جميع رغباتها.
وهرعت الجماهير إلى الجامع الأعظم وهي تنتظر بفارغ الصبر قبول الإمام لخلافتهم ، وأقبل الإمامعليهالسلام وإلى جانبيه سبطا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد احتفّت به البقيّة الطاهرة من صحابة رسول الله كعمار بن ياسر ومالك الأشتر وغيرهما ،وقد ارتفعت أصوات الجماهير بالتأييد الكامل له والهتاف بحياته ، فاعتلىعليهالسلام أعواد المنبر وخاطب الجماهير :
« أيّها النّاس! إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلاّ من أمّرتم ، وقد افترقنا بالأمس وكنت كارها لأمركم ، فأبيتم إلاّ أن اكون عليكم ، ألا وإنّه ليس لي أن آخذ درهما دونكم ، فإن شئتم قعدت لكم ، وإلاّ فلا آخذ على احد ـ يعني البيعة ».
وحكى كلام الإمامعليهالسلام أنّ أمر الخلافة راجع إلى الأمّة ، وليس له أي دخل فيه ، كما أعرب الإمام عن سياسته المالية ، فهو يحتاط فيها كأشدّ ما يكون الاحتياط ، فإنّه لا يستأثر بدرهم واحد فينفقه على نفسه أو على من يختصّ به ، وقد أشار بذلك إلى الحكم المباد ، فقد نهب الأمويّون أموال المسلمين وأنفقوها على شهواتهم ورغباتهم.
وعلى أي حال فقد تعالت الهتافات من جميع جنبات الجامع وهي تعلن الاصرار الكامل على انتخابه قائلين :
نحن على ما فارقناك عليه بالأمس ..
وتدافعت الجماهير إلى بيعته ، وتقدّم طلحة فبايع بيده الشلاّء التي سرعان ما نكث بها عهد الله ، وتطيّر منه الإمام وقال :
« ما أخلقه أن ينكث »!
وقد نكث بيعته ، وخاس بعهده ، وأعلن التمرّد والعصيان على حكومة الإمامعليهالسلام ، كما سنتحدّث عن ذلك.
وعلى أي حال فقد انثالت الجماهير تبايع الإمام وهي إنّما تبايع الله ورسوله ، وقد بايعته القوّات المسلّحة من المصريّين والعراقيّين وغيرهم ، كما بايعه عرب الأمصار وأهل بدر والمهاجرون والأنصار عامّة(1) .
ولم يظفر أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة في شمولها واتّساعها ، فلم تكن بيعته « فلتة » كما كانت بيعة أبي بكر ، ولا تضارعها بيعة أي أحد من الخلفاء(2) .
وابتهج المسلمون بهذه البيعة ، وعمّت الفرحة الكبرى جميع أنحاء العالم الإسلامي ، فقد رجع الحقّ إلى نصابه وقامت دولة العدل ، وتقلّد الخلافة أبو الأيتام وناصر المحرومين والمظلومين. وقد حكى الإمام في بعض خطبه مدى سرور الناس ببيعته ، قالعليهالسلام :
« وبلغ من سرور النّاس ببيعتهم إيّاى أن ابتهج بها الصّغير ، وهدج إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب ».
لقد انتشرت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الإسلام ألوية العدالة الإسلامية ، وتحقّقت الأهداف الأصيلة التي ينشدها الإسلام في عالم السياسة والإدارة والحكم.
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 : 22.
(2) كانت بيعة الإمام يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة ، ذكر ذلك البلاذري في أنساب الأشراف ( 3 : 933 ) وفي جواهر المطالب ( 1 : 291 ) أنّ بيعته كانت يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من ذي الحجّة سنة 35 ه.
وانبرى كبار الصحابة الذين ناصروا الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم وساهموا في بناء الإسلام فأعلنوا تأييدهم الكامل للإمام ، وهم :
ووقف ثابت بن قيس خطيب الأنصار أمام الإمام وخاطبه قائلا :
والله! يا أمير المؤمنين ، لئن كانوا قد تقدّموك في الولاية فما تقدّموك في الدين ، ولئن كانوا سبقوك أمس لقد لحقتهم اليوم ، ولقد كانوا وكنت ، لا يخفى موضعك ، ولا يجهل مكانك ، يحتاجون إليك فيما لا يعلمون وما احتجت إلى أحد مع علمك.
وحكى هذا الخطاب سموّ مكانة الإمام وعظيم منزلته ، فانّ الخلفاء الذين سبقوه إنّما سبقوه في الخلافة لا في الدين ، فإنّه أوّل من آمن بالله وبرسوله ، وهو المجاهد الأوّل في دنيا الإسلام ، والخلفاء وغيرهم محتاجون لعلمه وهو غير محتاج لأحد منهم.
وهو الصحابي الفذّ الذي نال ثقة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم فجعل شهادته تساوي شهادة اثنين ، وقد أقبل نحو الإمام وقال له :
يا أمير المؤمنين ، ما أصبنا لأمرنا هذا ـ أي الخلافة ـ غيرك ، ولا كان المنقلب إلاّ إليك ، ولئن صدقنا أنفسنا فيك لأنت أقدم الناس إيمانا ، واعلم الناس بالله ، وأولى المؤمنين برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، لك ما لهم ، وليس لهم ما لك ..
ثمّ خاطب الجماهير بهذه الأبيات :
إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا |
أبو حسن ممّا نخاف من الفتن |
|
وجدناه أولى الناس بالناس إنّه |
أطبّ قريش بالكتاب وبالسّنن |
وإنّ قريشا ما تشقّ غباره |
إذا ما جرى يوما على الضّمّر البدن |
|
وفيه الذي فيهم من الخير كلّه |
وما فيهم كلّ الّذي فيه من حسن(1) |
وأشادت هذه الكلمات نثرا ونظما بمكانة الإمام ، وأنّه أوّل الناس إسلاما ، وأقدمهم إيمانا ، وأنّه أعلم الناس بالله ، وأولاهم برسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنّه شارك الخلفاء في مؤهّلاتهم ولم يشاركوه في مؤهّلاته وصفاته.
وانبرى المجاهد الكبير صعصعة بن صوحان فخاطب الإمام قائلا :
والله! يا أمير المؤمنين ، لقد زيّنت الخلافة وما زانتك ، ورفعتها وما رفعتك ، ولهي أحوج منك إليها(2) .
وحكت هذه الكلمات الصدق بجميع رحابه ومفاهيمه ، فالإمام بتسلّمه للحكم قد زان الخلافة وازدهرت به ، ولم تكسبه أي شيء من معطياتها.
وانبرى الزعيم الكبير مالك الأشتر ، وهو من ألصق الناس بالإمام ومن أكثرهم فهما له ، فخاطب المسلمين قائلا :
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 : 115. وذكر السيّد المرتضى في الفصول المختارة 2 : 67 زيادة على هذه الأبيات وهي :
وصيّ رسول الله من دون أهله |
وفارسه قد كان في سالف الزمن |
|
وأوّل من صلّى من الناس كلّهم |
سوى خيرة النسوان والله ذو المنن |
|
وصاحب كبش القوم في كلّ وقعة |
يكون لها نفس الشجاع لدى الذّقن |
|
فذاك الذي تثني الخناصر باسمه |
إمامهم حتى اغيّب في الكفن |
(2) بهذا المعنى أدلى أحمد بن حنبل قال : « إنّ الخلافة لم تزيّن عليّا بل عليّ زانها ». مناقب أحمد : ص 163.
أيّها الناس ، هذا وصيّ الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء ، العظيم البلاء ، الحسن العناء ، الذي شهد له كتاب الله بالإيمان ، ورسوله بجنّة الرضوان ، من كملت فيه الفضائل ، ولم يشكّ في سابقته وعلمه وفضله الأواخر ولا الأوائل ..
أمّا الزعيم مالك فهو من أكثر أصحاب الإمام وعيا وفهما لحقيقته ، وقد حكت هذه الكلمات مدى فهمه للإمامعليهالسلام ، فهو وصيّ الأوصياء ، ووارث علم الأنبياء ، وهذه هي عقيدة الشيعة في الإمام منذ فجر تأريخهم حتى يوم الناس هذا.
وانبرى عبد الرحمن بن حنبل الجمحي فأبدى سروره البالغ ببيعة الإمام ، وأنشأ هذه الأبيات :
لعمري لقد بايعتموا ذا حفيظة |
على الدّين معروف العفاف موفّقا |
|
عفيفا عن الفحشاء أبيض ماجدا |
صدوقا مع الجبّار قدما مصدّقا |
|
أبا حسن فارضوا به وتمسّكوا |
فليس لمن فيه يرى العيب مطلقا |
|
عليّا وصيّ المصطفى وابن عمّه |
و أوّل من صلّى لذي العرش واثقا(1) |
ومعنى هذه الأبيات أنّ المسلمين قد بايعوا المحافظ على دينهم ، العفيف في سلوكه ، المنزّه عن كلّ عيب ونقص ، وفيها دعوة المسلمين إلى التمسّك ببيعته ، فهو وصي المصطفى وابن عمّه ، وأوّل من صلّى وآمن بالله.
وقام عقبة بن عمرو فأشاد بفضل الإمامعليهالسلام قائلا :
من له يوم كيوم العقبة ، وبيعة كبيعة الرضوان ، والإمام الأهدى الذي لا يخاف
__________________
(1) حياة الإمام الحسنعليهالسلام 1 : 379.
جوره ، والعالم الذي لا يخاف جهله(1) ؟
وتتابعت كلمات أعلام الصحابة وهي تشيد بفضل أبي الحسن ، وتذكر مناقبه وفضائله ، وتدعو المسلمين إلى دعم حكومته.
وعمّت الفرحة الكبرى جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وهرعت الوفود إلى المدينة ، وهي تعلن تأييدها لحكومة الإمام وولاءها ، وهذه بعضها :
ووفدت إلى المدينة جمهرة كبيرة من اليمن لتهنئة الإمام والمسلمين بهذه البيعة المباركة ، وكان الوفد في أثناء مسيرته ينشد ارجوزة له كان منها هذا البيت :
سيروا بنا في ظلمة الحنادس |
في مهمة قفر الفلاة واهس |
ولمّا قدموا إلى المدينة أمر الإمامعليهالسلام باستقبالهم والترحيب بهم ، فخرج إليهم مالك وقال لهم :
قدمتم خير مقدم إلى قوم يحبّونكم وتحبّونهم ، إلى إمام عادل ، وخليفة فاضل ، قد رضي به المسلمون ، وبايعه الأنصار والمهاجرون ..
وأقبل الوفد يسير وأمامهم الزعيم مالك الأشتر ، فلمّا تشرّفوا بمقابلة الإمام رفع مالك صوته قائلا :
أتتك عصابة من خير قوم |
يمانيّون من حضر وبادي |
ورحّب بهم الإمام وقدّم لهم شكره الجزيل على تهنئتهم له بالخلافة.
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 155.
أمّا قبائل همدان فقد عرفت بالولاء والإخلاص للإمام ، وقد زحفت إلى المدينة بقيادة زعيمها رفاعة بن وائل ، وهي تقدّم ولاءها للإمام ودعمها الكامل لحكومته ، وكان ممّا قاله رفاعة زعيم الوفد :
نسير إلى عليّ ذي المعالي |
بخير عصابة يمن كرام |
ومن جملة الوفود المهنّئة وفد جهينة بزعامة كيسون بن سلمة الجهني ، وقد أنشد عند مقابلته للإمام أبياتا منها هذا البيت :
أجبنا عليّا بعل بنت نبيّنا |
على كلّ حنذيذ من الخيل سابح |
ووفدت بجيلة على الإمام ترفع تهانيها له ، وعلى رأسها شاعرها رويبة العجلي وهو ينشد :
أجبناه دون الهاشميّ سوابح |
ومواه براق مقفرات موادخ(1) |
هذه بعض الوفود التي أقبلت إلى المدينة ، وهي تهنّئ الإمامعليهالسلام بالخلافة ، ولم يعهد نظير ذلك في بيعة الخلفاء الذين سبقوا الإمام.
أمّا الإمامعليهالسلام فهو أوّل خليفة دعي له على المنابر بالتأييد والنصر ، ولم يحظ بمثل ذلك غيره ، وكان أوّل من دعا له عبد الله بن عباس ، فقال :
__________________
(1) حياة الإمام الحسنعليهالسلام 1 : 379 ـ 380.
اللهمّ انصر عليا على الحقّ(1) .
واستقبلت قريش خلافة الإمامعليهالسلام بكثير من الفزع والوجوم والاضطراب ؛ لأنّ الإمامعليهالسلام قد وترهم في سبيل الدعوة الإسلامية ، وقضى على الكثيرين من أعيانهم ووجوههم ، فقد قتل من أعلام بني أميّة عتبة بن ربيعة جدّ معاوية ، والوليد ابن عتبة خال معاوية ، وحنظلة أخاه ، وغيرهم من أقطاب الشرك والالحاد ، فكانت نفوسهم مترعة بالحقد والعداء للإمام ، ومضافا لذلك فإنّ سياسة الإمام ومنهجه في الحكم يتصادم مع مصالحهم ومنافعهم ، فالإمام يحارب الأثرة والاستغلال ، ولا يقرّ بحال من الأحوال سياسة النهب التي سار عليها عثمان ، لذلك كرهت قريش حكومة الإمام وأعلنت عليه التمرّد والعصيان.
وقد سارع الوليد ومعه بنو أميّة إلى الإمام ليبايعوه على الغضّ بما في أيديهم من الأموال التي استأثروا بها في أيام عثمان ، وقال الوليد للإمام :
إنّك قد وترتنا جميعا ، أمّا أنا فقتلت أبي صبرا يوم بدر ، وأمّا سعيد فقتلت أباه يوم بدر ، وكان أبوه من نور قريش ، وأمّا مروان فشتمت أباه ، وعبت على عثمان حين ضمّه إليه ، فنبايع على أن تضع عنّا ما أصبنا ، وتعفو لنا عمّا في أيدينا ، وتقتل قتلة صاحبنا ـ يعنى عثمان ..
فردّ عليه الإمام بمنطق الحقّ الذي لا تعيه قريش قائلا :
« أمّا ما ذكرت من وتري إيّاكم فالحقّ وتركم ، وأمّا وضعي عنكم عمّا في أيديكم فليس لي أن أضع حقّ الله عنكم ولا عن غيركم ، وأمّا إعفائي عمّا في أيديكم فما كان لله
__________________
(1) مآثر الانافة في معالم الخلافة 2 : 231 ، وجاء فيه : « أنّ الناس بعد الدعاء للإمام اقتدوا به للدعاء للخلفاء ».
وللمسلمين فالعدل يسعكم ، وأمّا قتلي قتلة عثمان فلو لزمني قتالهم اليوم لزمني قتالهم غدا ولكن لكم أن أحملكم على كتاب الله وسنّة نبيّه ، فمن ضاق عليه الحقّ فالباطل عليه أضيق ، وإن شئتم فالحقوا بملاحقكم .. »(1) .
إنّ بني اميّة ومعها قريش تريد من الإمام أن يهبها الأموال التي اختلسوها في أيام عثمان ، وتريد منه الانحراف عن منهجه وإيثاره لمصالح المسلمين على كلّ شيء ، ولكن الإمام لم يحفل بهم ، وقد عاهد الله أن يسير بين المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص ، وأن يقف بالمرصاد لكلّ ظالم ، وأن لا يخضع للأحداث مهما كانت قاسية وشديدة ، فلذا تنكّرت له القوى الباغية من قريش التي ما آمنت بالله طرفة عين ، وقد وصف ابن أبي الحديد حالهم حينما آلت الخلافة للإمام بقوله :
« كأنّها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمّه من إظهار ما في النفوس ، وهيجان ما في القلوب حتّى انّ الأخلاف من قريش ، والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم فعلوا ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله »(2) .
لقد امتحن الإمام امتحانا عسيرا بالأسر القرشيّة ، وراح يصعّد آلامه وزفراته منهم قائلا :
« ما لي ولقريش! والله! لقد قاتلتهم كافرين ، ولأقاتلنّهم مفتونين ، والله! لأبقرنّ الباطل حتّى أخرج الحقّ من خاصرته! فقل لقريش : فلتضجّ ضجيجها ».
إنّ قريشا حالت بين الإمام والخلافة منذ وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فصرفتها تارة لتيم ، وأخرى إلى عدي ، وثالثة إلى بني اميّة ، وهي جادّة في خلق الفتن والمشاكل حتى تجهز على حكومته.
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 155.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 11 : 114.
وتخلّف عن بيعة الإمام جماعة سمّاهم المسعودي بـ « القعّاد »(1) ، وسمّاهم أبو الفداء بـ « المعتزلة »(2) ، وقال فيهم الإمام :
« اولئك قوم قعدوا عن الحقّ ، ولم يقوموا مع الباطل »(3) ، وهم : سعد بن أبي وقّاص ، وعبد الله بن عمر ، وحسّان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ومسلمة بن مخلد ، وأبو سعيد الخدري ، ومحمّد بن مسلمة ، والنعمان بن بشير ، وزيد بن ثابت ، ورافع ابن خديج ، وفضالة بن عبيدة ، وكعب بن عجرة ، وعبد الله بن سلام ، وصهيب بن سنان ، وسلامة بن سلامة ، واسامة بن زيد ، وقدامة بن مظعون ، والمغيرة بن شعبة(4) ، وهؤلاء قد انحرفوا عن الحقّ ، ومالوا عن الطريق القويم ، وليس لهم أي مبرّر في تخلّفهم عن بيعة الإمام رائد العدالة في دنيا الإسلام.
واعتذر سعد بن أبي وقّاص ـ وهو أحد العشرة المبشّرة في الجنّة ـ كما يقولون عن سبب اعتزاله عن بيعة الإمام وعن بني اميّة أيام المحنة الكبرى ، فقال : إنّي لا اقاتل حتى يأتوني بسيف مبصر ، عاقل ، ناطق ينبئني أنّ هذا مسلم وهذا كافر ، وهو اعتذار مردود مرفوض ؛ فإنّ بيعة الإمامعليهالسلام كانت شرعية ، فقد صرّح بها الإمام وبايعه جمهور المسلمين ، ولم تكن بيعته فلتة ، ولم يتخلّف عنها إلاّ من شذّ عن طريق العدل ، ألم يسمع سعد وغيره حديث النبيّ في عليّ :« عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ »؟ بلى والله! قد سمعوا ذلك ، وسمعوا ما هو أكثر من ذلك ، ولكنّ الأحقاد والأضغان هي التي دفعت سعدا لأن يتخلّف عن البيعة ، وقد ردّ عليه الطيّب
__________________
(1) مروج الذهب ( المطبوع بهامش ابن الأثير ) 6 : 78.
(2) تاريخ أبي الفداء 1 : 176 ـ 178.
(3) الاستيعاب 3 : 55.
(4) الكامل في التاريخ 3 : 74.
ابن الطيّب عمّار بن ياسر فقال له :
ويحك يا سعد! أما تتّقي الله الذي إليه معادك؟ أيدعوك أمير المؤمنين إلى البيعة فتسأله أن يعطيك سيفا له لسان وشفتان؟ والله! إنّ فيك لهنات ، وأنشأ أبياتا مطلعها :
قال سعد : لدى الإمام وسعد |
في الذي قاله حقيق ظلوم(1) |
وأخيرا ندم سعد على ما فرّط في أمره ، وودّ أن يكون مع الإمام.
أمّا عبد الله بن عمر فقد اترعت نفسه بالحقد على الإمام ، وقد انبرى إليه رافعا عقيرته قائلا : يا عليّ ، اتّق الله ولا تنزونّ(2) على أمر الأمّة بغير مشورة(3) .
الإمام الذي انتزى على الامّة بغير مشورتها كما يقول عبد الله ، وقد بايعه المسلمون على اختلاف طبقاتهم وميولهم وقد ندم على تخلّفه عن بيعة الإمام حيث لم يجد الندم شيئا ، وكان يقول عند موته : إنّي لم أخرج من الدنيا وليس في قلبى حسرة إلاّ تخلّفي عن عليّ وقد انتقم الله منه وأراه الذلّ ، فقد عاش إلى زمن عبد الملك ، فجاء الحجّاج ليأخذ البيعة له ، فجاء عبد الله في آخر الناس لئلا يراه أحد ، فعرف الحجّاج ذلك فاحتقره ، وقال له :
لم لم تبايع أبا تراب؟ وجئت تبايع عبد الملك آخر الناس؟ أنت أحقر من أن أمدّ لك يدي ، دونك رجلي فبايع ...
ومدّ إليه رجله وفيها نعله فبايعها(4) .
__________________
(1) حياة الإمام الحسينعليهالسلام 1 : 384 ، نقلا عن الفتوح 2 : 258.
(2) كذا في الأصل ، والصحيح : « لا تنزونّ » أي لا تثبنّ.
(3) أنساب الأشراف 2 : 149.
(4) حياة الإمام الحسنعليهالسلام 1 : 384 ـ 385.
أرأيتم هذه الاستهانة والتحقير؟ فإنّ الله تعالى بالمرصاد لكلّ ظالم منحرف عن الطريق القويم.
إنّ هؤلاء القعّاد على علم أنّ الإمامعليهالسلام أولى بمقام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وأحقّ بمركزه من بعد وفاته مباشرة ، وذلك لسابقته إلى الإسلام ، وجهاده في قمع أئمّة الكفر والضلالة ، بالاضافة إلى مواهبه وعبقرياته ، ولكن الأهواء باعدت بين القوم وبين دينهم ، فناصبوه العداء ، وأزالوه عن مركزه ومقامه ، وقال فيهم الإمام أولئك قوم قصدوا عن الحقّ(1) .
وأوّل عمل باشره الإمام بعد توليته للخلافة أنّه أصدر قراره الحاسم بمصادرة القطائع التي أقطعها عثمان لبني اميّة وغيرهم ، واسترجاع الأموال الهائلة التي وهبها لهم ؛ لأنّها اخذت بغير وجه مشروع ، وقد صودرت أموال عثمان حتى سيفه ودرعه ، وفي ذلك يقول الوليد بن عقبة مخاطبا بني هاشم :
بني هاشم ردّوا سلاح ابن اختكم |
ولا تنهبوه لا تحلّ مناهبه |
|
بني هاشم كيف الهوادة بيننا |
وعند عليّ درعه ونجائبه |
|
بني هاشم كيف التودّد منكم |
وبزّ ابن أروى فيكم وحرائبه |
|
بني هاشم إلاّ تردّوا فإنّنا |
سواء علينا قاتلاه وسالبه |
|
بني هاشم إنّا وما كان منكم |
كصدع الصفا لا يشعب الصدع شاعبه |
|
قتلتم أخي كيما تكونوا مكانه |
كما غدرت يوما بكسرى مرازبه |
وحكت هذه الأبيات لوعة الأمويّين وخوفهم من مصادرة أموالهم
__________________
(1) الرياض النضرة 2 : 324.
وممتلكاتهم التي استأثروا بها بغير وجه مشروع وشاعت هذه الأبيات بين الناس فردّ عليه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بأبيات منها :
فلا تسألونا سيفكم إنّ سيفكم |
اضيع وألقاه لدى الروع صاحبه |
|
وشبّهته كسرى وقد كان مثله |
شبيها بكسرى هديه وضرائبه(1) |
ومعنى هذا الشعر أنّه ليس للأمويّين المطالبة بسيف عثمان ولا بما اخذ منه لأنّ السلطة الشرعية قد صادرته بحقّ ، كما أنّ الشاعر قد صادق الوليد في تشبيهه لعثمان بكسرى فقد كان مثله في هديه وسلوكه.
وعلى أي حال فقد كانت هذه الإجراءات العادلة التي اتّخذها الامام ضدّ الأمويّين متّفقة مع قواعد الشرع ، فإنّ تلك الأموال التي اختصّ بها عثمان وبنو اميّة كانت من بيت مال المسلمين ، وقد أخذت بغير وجه مشروع ، فالواجب على الحاكم الشرعي إرجاعها إلى بيت المال ..
وقد أثارت هذه السياسة سخط الأمويّين وفزعهم ، كما أثارت فزع الذين منحهم عثمان الأموال الهائلة ، فقد أوجس خيفة في نفسه كلّ من طلحة والزبير وغيرهما ممّن وهبهم عثمان الثراء العريض. وقد كتب عمرو بن العاص إلى معاوية رسالة جاء فيها :
ما كنت صانعا فاصنع إذا قشّرك ابن أبي طالب من كلّ مال تملكه ، كما تقشّر عن العصا لحاها ..
لقد خافت الفئة التي غرقت بالأموال من حكم الإمام بمصادرتها ومصادرة كلّ مال نهب من أموال المسلمين ولهذا السبب وغيره أظهرت هذه القوى النفعية بوادر الشقاق والبغي ، وأعلنت العصيان المسلّح ضدّ حكومة الإمام.
__________________
(1) حياة الإمام الحسنعليهالسلام 1 : 385.
وثمّة إجراء آخر قام به الإمام ضدّ حكومة عثمان ، فقد بادر إلى عزل ولاته واحدا بعد واحد ممّن أظهروا الجور والفساد في الأرض ، فقد أقصى جميع الأمويّين عن جهاز دولته لأنّ إبقاءهم في مناصبهم إقرار للظلم والطغيان ، وقد عزل بالفور معاوية بن أبي سفيان الذي هو من أعظم ولاة عمر وعثمان ، وقد نصحه جماعة من المخلصين له بإبقائه على عمله حتى تستقرّ الأوضاع ، فأبى وامتنع من المداهنة في دينه ، وقد دخل عليه زياد بن حنظلة ليعرف رأيه في معاوية فقال له الإمام :
لأي شيء يا أمير المؤمنين نغزوا الشام؟ الرفق والأناة أمثل ..
فأجابه الإمام :
« متى تجمع القلب الذّكيّ وصارما |
و أنفا حميا تجتنبك المظالم » |
وعبأ جنوده لغزو الشام ، والقضاء على معاوية إلاّ أنّه فوجئ بتمرّد طلحة والزبير وعائشة ، فانشغل بهم ، وانصرف إلى البصرة لانقاذها منهم.
وأجهد الإمام نفسه على أن يسوس الناس بسياسة مشرقة قوامها العدل الخالص ، والحقّ المحض ، وينشر الرفاه والأمن ، ويوزّع الخيرات على العباد بالسواء ، فلا يختصّ بها قوم دون آخرين ..
وهذه شذرات من سياسته الداخلية :
وتبنّى الإمامعليهالسلام في جميع مراحل حكمه المساواة والعدالة بين الناس ، فلا امتياز لأي أحد على غيره ، وهذه بعض مظاهر مساواته :
وساوى الإمامعليهالسلام في العطاء بين المسلمين وغيرهم ، فلم يقدّم عربيا على غيره ، ولا مسلما على مسيحي(1) ، ولا قريبا على غيره ، وسنتحدّث عن كثير من مساواته في العطاء الأمر الذي نجم منه أنّه تنكّرت له الأوساط الرأسمالية وأعلنوا الحرب عليه.
وألزم الإمام عمّاله وولاته على الأقطار بتطبيق المساواة الكاملة بين الناس في القضاء وغيره ، قالعليهالسلام في إحدى رسائله إلى بعض عمّاله :
« فاخفض لهم جناحك ، وألن لهم جانبك ، وابسط لهم وجهك ، واس بينهم في اللّحظة والنّظرة ، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ، ولا ييأس الضّعفاء من عدلك »(2) .
ومن مظاهر المساواة العادلة التي أعلنها الإمامعليهالسلام المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ، فلم يفرض حقّا على الضعيف ويعف عن القوي ، بل الكلّ متساوون أمام عدله.
من برامج سياسة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام مواساته للفقراء والضعفاء في جشوبة العيش ومكاره الدهر ، وقد أعلن عن مواساته للشعوب الإسلامية بقوله :
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 129.
(2) نهج البلاغة 3 : 563.
« أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدّهر ، أو أكون اسوة لهم في جشوبة العيش! ولعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ...
وحسبك داء أن تبيت ببطنة |
وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ » |
هذه مواساته للمحرومين والفقراء ، وليس في تاريخ الإسلام وغيره حاكم واسى رعيّته في آلامهم وبؤسهم وفقرهم غيره.
ونهى الإمامعليهالسلام رعيّته عن التفاخر بالآباء والأجداد والمباهات بالبنين والأموال(1) ، وغير ذلك من التفاخر بما يؤول أمره إلى التراب.
إنّ التفاخر والتفاضل إنّما هو بعمل الخير ، وما يسديه الإنسان لوطنه وامّته من ألطاف ينتعش بها الجميع وتتطوّر بها حياتهم الفكرية والاجتماعية ، أمّا غير ذلك فهو من الفضول الذي ليس وراءه إلاّ السراب.
ومنع الإمام في دور حكومته من اللعب بالشطرنج ، فقد مرّ على قوم يلعبون به فقال : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ، وقلب الرقعة عليهم(2) .
ومنععليهالسلام الناس في الكوفة من الجلوس على ظهر الطريق ؛ لأنّه مظنّة للتعرّض لأعراض الناس ، فكلّمه الكوفيون في ذلك فقال لهم :
« أدعكم على شريطة؟ ».
__________________
(1) خزانة الأدب 3 : 59.
(2) الفروسية ـ ابن الجوزي : 73.
قالوا : وما هي يا أمير المؤمنين؟
قال :« غضّ الأبصار ، وردّ السّلام ، وإرشاد الضّالّ » ، قالوا قد قبلنا فتركهم.
أمّا الخمر فإنّه من الجرائم التي تصدّ عن ذكر الله وتلقي الناس في شرّ عظيم ، وقد اتّخذ الإمام جميع الإجراءات لمنع انتشاره بين الناس ، وقد حرق الإمام قرية من قرى الكوفة يباع فيها الخمر.
والإمام هو أوّل خليفة أحدث السجن ، وقد بنى سجنا يسمّى نافعا ، ولم يكن بناؤه محكما ، فكان السجناء يخرجون منه ، فهدّمه وبنى سجنا سمّاه نحيسا وقال :
« ألا تراني كيّسا مكيسا؟ |
بنيت بعد نافع نحيسا |
|
حصنا حصينا وأميرا كيسا » |
وأنشأ الإمام بيتا للمظالم أنشاه للذين لا يتمكّنون من الوصول إلى السلطة ، وكانعليهالسلام يشرف عليه بنفسه ولا يدع أحدا يصل إليه فيطّلع على الرقاع ، ويبعث خلف المظلوم ويأخذ بحقّه من الظالم ، ولمّا صارت واقعة النهروان ورجع إلى الكوفة فتح باب البيت فوجد الرقاع كلّها مليئة بسبابه وشتمه ، فألغى ذلك البيت(1) .
وأحدث الإمامعليهالسلام جهازا للمحافظة على الأمن ومراقبة الأحداث ، وقد سمّاه ( شرطة الخميس ) ، وقد اختار لها خيرة الرجال في إيمانهم وتحرّجهم في الدين ،
__________________
(1) صبح الأعشى 1 : 471.
وكان منهم المجاهد الشهيد حبيب بن مظاهر وعفاق بن المسيح الفزاري(1) .
رأى الإمامعليهالسلام رجلا طويل الذيل في لباسه فقالعليهالسلام :
« يا هذا ، قصّر من هذا ، فإنّه أنقى ، وأبقى ، وأتقى »(2) .
وكان من مظاهر عدله وسموّ ذاته أنّه قدّم خادمه قنبرا على نفسه في لباسه وطعامه ، فقد اشترى ثوبين أحدهما بثلاثة دراهم والآخر بدرهمين ، فقال لقنبر : خذ الثوب الذي بثلاثة دراهم ، فقال قنبر :
أنت أولى به يا أمير المؤمنين ، أنت تصعد المنبر وتخطب؟ فقالعليهالسلام :
« يا قنبر ، أنت شابّ ، ولك شره الشّباب ، وأنا استحي من ربّي أن اتفضّل عليك »(3) .
وأصدر الإمامعليهالسلام مرسوما بكتابة الحوائج وعدم ذكر أسمائهم ، فقد قالعليهالسلام لأصحابه :
« من كانت له إليّ منكم حاجة فليرفعها في كتاب لأصون وجوهكم من المسألة » (4) .
__________________
(1) خزانة الأدب 7 : 130.
(2) التمثيل والمحاضرة : 284.
(3) الغارات 1 : 99.
(4) العقد الفريد 1 : 238.
أمّا مدير شرطة الإمام فهو من خيار الرجال ، وهو معقل بن قيس الرياحي(1) .
أمّا كاتبه فهو سعيد بن نمران سيّد همدان(2) ، وكان الإمام يقول للكاتب :« فرّج ما بين السّطور ، وقرّب بين الحروف » (3) .
ومن الجدير بالذكر أنّ الخلفاء الذين سبقوا الإمام كانوا يستكتبون بعض الأشخاص من الذين خانوهم ، فكان مروان كاتبا لعثمان وقد خانه ، وهو الذي أشعل الرعية حربا عليه ، ولكن لمّا آل الأمر إلى عليّ اشتدّ في الأمر ، وبذل المزيد من الاهتمام بما لم ير مثله(4) .
وكان من كتّابه عبيد الله بن أبي رافع مولى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم (5) .
والشيء البارز في سياسة الإمامعليهالسلام التزام الصراحة والصدق في جميع شئون حياته ، فلم يوارب ولم يخادع ولم يداهن في دينه ، وسار على منهج أخيه وابن عمّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولو أنّه التزم بالأعراف السياسية السائدة في عصره وغيره لمّا آلت الخلافة إلى عثمان بن عفّان ، فقد ألحّ عليه عبد الرحمن بن عوف أن يبايعه شريطة أن يسير بسيرة الشيخين ، فامتنع من إجابته ، وصارحه أنّه يسوس الأمّة بمنهاج الكتاب والسنّة وليس غيرهما رصيدا يستند إليه في عالم السياسة والحكم ، لقد أبى
__________________
(1) المجد : 373.
(2) المجد : 377. لطائف المعارف : 59.
(3) تاج العروس 5 : 204.
(4) رسائل الجاحظ 2 : 189.
(5) صبح الأعشى 1 : 126.
ضميره الحيّ أن يخادع أو يماكر في سبيل الوصول إلى السلطة ، فقد زهد فيها ، وتنكّر لجميع مغرياتها ، وكان كثيرا ما يتنفّس الصعداء من الآلام المحيطة به من جرّاء خصومة القرشيين ، فكان يقول :
« وا ويلاه! يمكرون بي ، ويعلمون أنّي بمكرهم عالم ، وأعرف منهم بوجوه المكر ، ولكنّي أعلم أنّ المكر والخديعة في النّار ، فأصبر على مكرهم ولا أرتكب مثل ما ارتكبوا »(1) .
وردّ على من قال فيه إنّه لا دراية له بالشؤون السياسة وإنّ معاوية خبير بها قالعليهالسلام :
«والله! ما معاوية بأدهى منّي ، ولكنّه يغدر ويفجر. ولو لا كراهية الغدر لكنت من أدهى النّاس » (2) .
وأنكر على بعض الناس الذين يتوسّلون ويستخدمون جميع الوسائل للوصول إلى الحكم ، وقد برّروا ذلك بأنّها حيلة منهم قالعليهالسلام :
« وما يغدر من علم كيف المرجع. ولقد أصبحنا في زمان قد اتّخذ أكثر أهله الغدر كيسا ، ونسبهم أهل الجهل فيه إلى حسن الحيلة. ما لهم! قاتلهم الله! قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة ودونها مانع من أمر الله ونهيه ، فيدعها رأي العين بعد القدرة عليها ، وينتهز فرصتها من لا حريجة له في الدّين(3) .
على هذا الخلق الرفيع بنى الإمام سياسته الرشيدة التي لا التواء ولا خداع فيها ، والتي كانت السبب في خلوده في جميع الأجيال والآباد.
__________________
(1) جامع السعادات 1 : 202.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 20 : 206.
(3) حياة الإمام الحسينعليهالسلام 1 : 423.
ولم يحفل الإمامعليهالسلام بالمهرجانات الشعبية ونفر منها ، وكان من ذلك أنّه لمّا قدم من حرب الجمل واجتاز على المدائن خرج أهلها لاستقباله ، وعلت زغردة النساء ، وذهل الإمام من ذلك فسألهم عن مهرجانهم ، فقالوا له : إنّا نستقبل ملوكنا بمثل ذلك ، فقال لهم الإمام بما مضمونه : إنّه ليس ملكا وإنّما هو كأحدهم ، يقيم فيهم الحقّ والعدل ، ولم ينصرف عن مكانه حتى انصرف الناس إلى أعمالهم.
كان النجاشي شاعرا رقيقا في نظمه ، موهوبا في أدبه ، وهو من شعراء الإمامعليهالسلام ، والشعراء في تلك العصور ألسنة الأمّة ، ووسائل إعلامها ، وقد شرب النجاشي الخمر في شهر رمضان ، فقد أغراه أبو سمّال العدويّ ، وقال له : ما تقول في رءوس حملان في كرش في تنوّر قد أينع من أوّل الليل إلى آخره؟ فقال له النجاشي : ويحك! في شهر رمضان تقول هذا؟ فقال له : ما شهر رمضان وشوّال إلاّ سواء ، وقال له النجاشي : فما تسقيني عليه؟ قال : شرابا كأنّه الورس يطيّب النفس ويجري في العظام ويسهّل الكلام ، ودخلا المنزل فأكلا وشربا ، فلمّا أخذ الشراب منهما مأخذا تفاخرا ، وعلت أصواتهما ، فسمع جار صوتهما فسارع إلى الإمام فأخبره ، فأرسل للقبض عليهما بعض شرطته ، فأمّا أبو سمّال فقد هرب ولم يقبض عليه ، وأمّا النجاشي فقد قبضت عليه الشرطة وجاءت به مخفورا إلى الإمام فقال له :
« ويحك! إنّنا صيام وأنت مفطر؟ ».
ثمّ أمر أن يضرب ثمانين سوطا ، وزاده عشرين سوطا ، فقال النجاشي :
ما هذه الزيادة يا أبا الحسن؟ ..
فقالعليهالسلام : « لجرأتك على الله في شهر رمضان » ، ثمّ رفعه إلى الناس في
تبّان(1) ، وذلك لإهانته حتى يرتدع الناس من شرب الخمر ، ولم يقم أي وزن لمدح النجاشي له ، ومن جيّد شعره في الإمام قوله مخاطبا معاوية :
واعلم بأنّ عليّ الخير من بشر |
شمّ العرانين لا يعلوهم بشر |
|
نعم الفتى هو إلاّ أنّ بينكما |
كما تفاضل نور الشّمس والقمر |
|
وما أظنّك إلاّ لست منتهيا |
حتّى يمسّك من أظفارهم ظفر |
|
إنّي امرؤ قلّما اثني على أحد |
حتّى أرى بعض ما يأتي وما يذر |
|
لا تحمدنّ امرأ حتّى تجرّبه |
ولا تذمّنّ من لم يبله الخبر(2) |
كان للإمامعليهالسلام منهج خاصّ متميّز في سياسته المالية ، ومن أبرز مناهجه أنّه كان يرى المال الذي تملكه الدولة مال الله تعالى ومال المسلمين ، ويجب إنفاقه على تطوير حياتهم ، وإنقاذهم من غائلة البؤس والحاجة ، ولا يختصّ ذلك بالمسلمين ، وإنّما يعمّ جميع من سكن بلاد المسلمين من اليهود والنصارى والصابئة ، فإنّ لهم الحقّ فيها كما للمسلمين ، وقد تقدّم في البحوث السابقة ما يدعم ذلك. كان الإمامعليهالسلام يرى الفقر كارثة اجتماعية مدمّرة يجب القضاء عليه بجميع الوسائل ، وقد اثر عنه أنّه لو كان رجلا لأجهز عليه ..
ونلمّح ـ بإيجاز ـ إلى بعض معالم سياسته المالية :
من المناهج في السياسية المالية التي انتهجها الإمامعليهالسلام في حكومته توزيع الأموال التي تجبى للخزينة المركزية حين وصولها ، فكان يبادر إلى إنفاقها على
__________________
(1) التبّان : سراويل صغيرة تستر العورة فقط يستعملها الملاّحون.
(2) خزانة الأدب 1 : 420.
مستحقّيها ، والجهات المختصّة كتعمير الأراضي وإصلاح الري ، الأمر الذي يعود على البلاد بالفائدة ، وكانت هذه سيرته ومنهجه.
ويقول الرواة : إنّ ابن النباح وهو أمين بيت المال جاءه وقال : يا أمير المؤمنين ، امتلأ بيت المال من الصفراء والبيضاء ، فقالعليهالسلام : «الله أكبر » ، وقام متوكّئا على ابن النباح ، فلمّا انتهى إلى بيت المال قال :
« هذا جناي وخياره فيه |
وكلّ جان يده إلى فيه » |
ثمّ أمر الإمامعليهالسلام باتباع الكوفة(1) فحضروا ، ووزّع جميع ما في بيت المال ، وهو يقول : «يا صفراء! ويا بيضاء! غرّي غيري » ولم يبق فيه دينارا ولا درهما ، ثمّ أمر بنضحه ، وصلّى فيه ركعتين(2) ، وورد إليه مال فقسّمه ، ففضل منه رغيف فقسّمه سبعة أقسام وأعطاها لهم ، كما وردت إليه زقاق من عسل ، فقسّمه عليهم ، ثمّ جمع الأيتام فجعل يطعمهم ما بقي في الزقاق من عسل.
لقد كانت هذه سيرة إمام الحقّ ورائد العدل في الأموال التي تجبى للخزينة المركزية ، ثمّ لا يستأثر بأي شيء منها لا هو ولا أهل بيته.
__________________
(1) هكذا ورد ، والصحيح الأسباع لأنّ الجيش في عهد الإمامعليهالسلام قد وزّع سباعيا ، وهي :
السبع الأوّل : يضمّ كنانة ، وحلفاءها من الأحابيش وغيرهم وجديلة.
السبع الثاني : يضمّ قضاعة وغسّان وبجيلة وخشعما وكندة وحضرموت والأزد.
السبع الثالث : يضمّ مذحجا وحميرا وهمدان وحلفاءهم ، وهؤلاء قد اتّسموا بالولاء للإمام والكراهية لبني اميّة.
السبع الرابع : ويضمّ تميما وسائر الرباب وحلفاءهم.
السبع الخامس : يضمّ أسدا وغطفان ومحاربا وضبيعة وتغلب.
السبع السادس : يضمّ أيادا وعكا وعبد القيس وأهل هجر والحمراء وهم الفرس.
السبع السابع : ويضمّ طيّا جاء ذلك في حياة الإمام الحسين عليه السلام 2 : 645.
(2) حلية الأولياء 1 : 81.
وانتهج الإمامعليهالسلام طريقة خاصّة في العطاء ، وهي التسوية بين المسلمين ، فلم يميّز قوما على قوم ، ولا فئة على فئة ، وقد جرت له هذه السياسة الأزمات ، وخلقت له المصاعب ، فقد فسد عليه جيشه وتنكّرت له الوجوه والأعيان ، وناهضته الرأسمالية القرشية التي استأثرت بأموال المسلمين في عهد الخلفاء.
وقد خالف الإمامعليهالسلام بذلك سياسة عمر التي بنيت على التفاوت بين المسلمين في العطاء فقد فضّل البدريّين على غيرهم ، وفضّل الأنصار على غيرهم ، وبذلك فقد أوجد الطبقيّة والرأسمالية بين المسلمين ..
لقد ألغى الإمام هذه السياسة إلغاء تامّا ، وساوى بين المسلمين كما كان يفعل رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولمّا مني جيش الإمامعليهالسلام بالانحلال والتخاذل واتّجهوا صوب معاوية سارع ابن عباس نحو الإمامعليهالسلام فعرض عليه حالة جيشه ، وما يصلحه قائلا :
يا أمير المؤمنين ، فضّل العرب على العجم ، وفضّل قريشا على سائر العرب ..
فرمقه الإمام بطرفه ، وردّ عليه قائلا :
« أتأمرونّي أن أطلب النّصر بالجور؟ ولو كان المال لي لسويت بينهم ، فكيف وإنّما المال مال الله ».
لقد تبنّى هذا العملاق العظيم مصالح البؤساء والمحرومين وآثرهم على كلّ شيء ، فمن مظاهر عدله في مساواته أنّ سيّدة قرشية ، وفدت عليه طالبة منه زيادة مرتبها ، فلمّا انتهت إلى الكوفة لم تهتد إلى محل إقامته ، فسألت سيّدة عنه ، وطلبت منها أن تأتي معها لتدلّها عليه وسارت معها السيّدة ، فسألتها القرشية عن مرتبها فأخبرتها به ، وإذا هو يساوي مرتبها ، وسألتها عن هويّتها فأخبرتها أنّها أعجمية ،
فلمّا انتهت إلى الجامع الأعظم الذي يقيم فيه الإمام ، أمسكت بها القرشية ، ولمّا انتهت إلى الإمام أخذت تصيح :
أمن العدل يا ابن أبي طالب أن تساوي بيني وبين هذه الأعجمية؟ فالتاع الإمام منها ، وأخذ قبضة من التراب وجعل يقلّبها بيده وهو يقول :
« لم يك بعض هذا التّراب أفضل من بعض » ، وتلا قوله تعالى :( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ ) .
لقد أدّت هذه السياسة المشرقة التي انتهجها الإمام إلى إجماع القوى المنحرفة والباغية على الاطاحة بحكومته وشلّ فعاليّاتها.
يقولالمدائني : « إنّ من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى تخاذل العرب عن الإمام اتّباعه لمبدإ المساواة حيث كان لا يفضّل شريفا على مشروف في العطاء ولا عربيا على أعجمي »(1)
.إنّ الإنسانية على ما جربت من تجارب ، وبلغت من رقي وإبداع في الأنظمة الاقتصادية التي تسير عليها الدولة ، فإنّها لم تستطع بحال من الأحوال أن تنشئ أو تقيم مثل هذا النظام.
واحتاط الإمام كاشدّ ما يكون الاحتياط في أموال الدولة ، وقد روى المؤرّخون صورا مدهشة من احتياطه فيها كان منها ما يلي :
وفد عليه عقيل طالبا منه أن يرفّه عليه ويمنحه الصلة ، فأخبره الإمام أنّ ما في
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 180.
بيت المال للمسلمين ، وليس له أن يأخذ منه قليلا ولا كثيرا ، وإذا منحه وأعطاه منه فإنّه يكون خائنا ومختلسا ، وأخذ عقيل يلحّ عليه ويجهد في مطالبته ، فأحمى له الإمام حديدة وأدناها منه ، فظنّ أنّها صرّة فيها مال ، فألقى نفسه عليها ، فلمّا مسّها كاد أن يحترق من ميسمها ، وضجّ ضجيج ذي دنف منها ، فلمّا أفاق أجمع رأيه على الالتحاق بمعاوية لينعم في صلاته وأمواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين.
ولم يمنح الإمام أي شيء من بيت المال لسبطي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وعاملهما كبقيّة أبناء المسلمين. يقول خالد بن معمر الأوسي لعلياء بن الهيثم وكان من أصحاب الإمام : اتّق الله يا علياء! في عشيرتك ، وانظر لنفسك ولرحمك ، ما ذا تؤمّل عند رجل أردته أن يزيد في عطاء الحسن والحسين دريهمات يسيرة ريثما يرأبان بها ظلف العيش فأبى وغضب فلم يفعل(1) ؟
ووفد عبد الله بن جعفر ومعه زوجته عقيلة بني هاشم طالبا منه أن يسعفه بالأموال ، ويهبه الثراء العريض ، فتنكّر له الإمام ، وأعرض عنه ، وخطب خطبة بليغة ذكر فيها ما يريد تحقيقه من إقامة العدل بين الناس ، فتنكّر له القريب والبعيد.
إنّ النظام الاقتصادي الذي أقامه الإمام يهدف إلى إقامة مجتمع متوازن لا تقف فيه الرأسمالية ولا يوجد فيه بائس وفقير ومحروم.
اهتمّ الإمامعليهالسلام اهتماما بالغا بتنمية المشاريع الزراعية وأولاها المزيد من
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 10 : 250.
رعايته لأنّها في تلك العصور العمود الفقري للاقتصاد العام للبلاد ، وقد أكّد الإمام في عهده لمالك الأشتر على ضرورة إصلاح الأرض قبل أخذ الخراج منها فلنستمع لقوله :
وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ، لأنّ ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة ؛ ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد ، وأهلك العباد.
أرأيتم كيف نظر الإمام بعمق وشمول إلى الإصلاح الزراعي الذي يتولّد منه زيادة الدخل الفردي ، ويرتبط به نشر الرخاء والرفاه بين الناس؟ وفي نفس الوقت فإنّه من العناصر الأساسية في القضاء على البطالة.
من المبادئ التي طبّقها الإمام في أيام حكومته منح الناس الحرية الكاملة شريطة أن لا تستغلّ في الاعتداء على الناس ، ولا تضرّ بمصالحهم ، وأن لا تتنافى مع قواعد الشرع ، ومن معالمها ما يلي :
ونعني بها أن تتاح للناس الحرية التامّة في اعتناق أي مذهب سياسي من دون أن تفرض السلطة عليهم رأيا معاكسا ، وقد منح الإمامعليهالسلام هذه الحرية حتى لأعدائه الذين أعلنوا رفض بيعته التي قام عليها إجماع المسلمين كسعد بن أبي وقّاص وعبد الله بن عمر ، وكعب بن مالك ، ومسلمة بن مخلد ، وأبي سعيد الخدري ، وأمثالهم من أنصار الحكم المباد الذي كان يغدق عليهم بهباته وأمواله ولم يجبرهم الإمام على بيعته ، ولم يتّخذ معهم أي إجراء حاسم كما اتّخذه أبو بكر ضدّ المتخلّفين من بيعته.
كان الإمامعليهالسلام يرى الناس أحرارا في اتّجاهاتهم وميولهم ، ويجب على الدولة
أن توفّر لهم الحرية الكاملة ما لم يعلنوا التمرّد على الحكم القائم أو يحدثوا فسادا في الأرض ، وقد منح الإمام الحرية للخوارج فلم يحرمهم العطاء ولم تطاردهم الشرطة والجيش مع العلم أنّهم كانوا من ألد أعدائه وخصومه ، ولمّا سعوا في الأرض فسادا ، وأذاعوا الذعر والخوف بين الناس انبرى إلى قتالهم حفظا على المصلحة العامّة.
وعلى أي حال فيتفرّع عن الحرية السياسية ما يلي :
من مظاهر الحرية الواسعة التي منحها الإمامعليهالسلام للمواطنين حرية القول ، وإن كان في غير صالح الدولة ما لم يتعقّبه فساد ، فالعقاب يكون عليه.
وقد روى المؤرّخون أنّ الإمام لمّا رجع من النهروان استقبل بمزيد من السبّ والشتم ، فلم يتّخذ الإمام مع القائلين أي إجراء ، ولم يقابلهم بالعقوبة والحرمان(1) ، وقد التقى أبو خليفة الطائي بجماعة من اخوانه وكان فيهم أبو العيزار الطائي وهو ممّن يعتنق فكرة الخوارج فقال لعدي بن حاتم : يا أبا طريف ، أانم سالم أم ظالم آثم؟
وقد عرّض بذلك إلى الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، فقال له عدي :
بل غانم سالم ..
الحكم ذاك إليك ..
وأوجس منه خيفة الأسود بن زيد ، والأسود بن قيس ، فألقيا القبض عليه ، ونقلا كلامه المنطوي على الشرّ والخبث إلى الإمام ، فقال الإمام لهما :
« ما أصنع؟ ».
نقتله ..
« أقتل من لا يخرج عليّ؟ ».
__________________
(1) الغارات 1 : 31.
تحبسه ..
« ليس له جناية ، خلّيا سبيل الرّجل » (1) .
ولم يشاهد الناس مثل هذه الحرية في جميع مراحل التأريخ ، فلم يحاسب الإمام الناس على ما يقولون وإنّما تركهم وشأنهم ، فلم يفرض عليهم رقابة تحول بينهم وبين حرّيتهم.
ومنح الإمام الحرية الواسعة لنقد حكمه ، ولم يتعرّض للناقدين له بسوء ، وكان ابن الكوّاء من ألدّ أعدائه ، فقد اعترض عليه وقال له :
( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) ، فردّ عليهعليهالسلام :
( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) ، ولم يتّخذ الإمام ضدّه أي إجراء وإنّما عفا عنه وخلّى سبيله.
ولم يفرض الإمامعليهالسلام الإقامة الجبرية على أي أحد من الصحابة وغيرهم كما فرضها عمر بن الخطّاب ، وقد سمح الإمام لطلحة والزبير بالخروج من المدينة مع علمه أنّهما يريدان الغدرة لا العمرة.
هذه بعض مظاهر الحرية التي منحها الإمامعليهالسلام للمواطنين ، وقد حقّقت العدل بين الناس بجميع رحابه ومفاهيمه.
الإمامعليهالسلام أوّل خليفة في الإسلام قام بالرقابة على السوق ، وكان يتجوّل بين
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 3 : 73.
الباعة ، ويوصيهم بتقوى الله تعالى ، وينهاهم عن معصيته ، ويأمرهم بالاستقامة في معاملاتهم وكان يقول لهم : أحسنوا ، أرخصوا بيعكم على المسلمين فإنّه أعظم للبركة.
كانعليهالسلام يسير في الأسواق وفي يده الدرّة ، ويقول للتجّار :
« يا معشر التجّار! خذوا الحقّ وأعطوا الحقّ تسلموا »(1) .
كانعليهالسلام يمشي وحده في الأسواق ، ويأمر الناس بتقوى الله ، وحسن البيع ويقول :« أوفوا الكيل والميزان ولا تنفخوا اللّحم » (2) .
ووفد غالب بن صعصعة أبو الفرزدق فقال له الإمام :
« ما فعلت بإبلك الكثيرة؟ ».
فقال غالب : ذعذعتها الحقوق ، أي فرّقتها ، فقد أنفقتها في أداء حقوق الناس. وأثنى عليه الإمام قائلا :
« ذاك أحمد سبيلها » (3) .
كان رجل مجنون في عهد الإمام يمشي أمام الجنائز وينادي : الرحيل
__________________
(1) أخبار القضاة لوكيع 1 : 196. وفي ربيع الأبرار 4 : 144 زيادة على ذلك : « ولا تردّوا قليل الحقّ فتحرموا كثيره ، ما منع من حقّ إلاّ ذهبت في باطل أضعافه ».
(2) طبقات ابن سعد 2 / ق 1 / 18.
(3) خزانة الأدب 1 : 222.
الرحيل ، ولا تكاد جنازة تخلو منه ، فمرّت جنازة بالإمام ولم ير أمامها المجنون فسأل عنه ، فقيل له : هو هذا الميّت ، فقالعليهالسلام :
« لا إله إلاّ الله » ثمّ تمثّل بهذا البيت :
« ما زال يصرخ بالرّحيل مناديا |
حتّى أناخ ببابه الجمّال »(1) |
قالعليهالسلام لأهل الكوفة :
« إذا تركتم عدتم إلى مجالسكم عزين تضربون الأمثال ، وتنشدون الأشعار »(2) .
خرج الإمامعليهالسلام إلى سوق الإبل فلمّا توسّطه رفع صوته قائلا :« يا معشر التجّار! إيّاكم اليمين الفاجرة فإنّها تنفق السّلعة ، وتمحق البركة » (3) .
كان الإمامعليهالسلام لا يشتري أيّة سلعة ممّن يعرفه خوفا من أن يسامحه فيها ، فقد روى الرواة أنّه جاء إلى سوق الكرابيس فقصد رجلا وسيما فقال له :
« يا هذا! عندك ثوبان بخمسة دراهم؟ ».
فقال الرجل : نعم ، يا أمير المؤمنين ، فلمّا عرفه تركه الإمام وانصرف(4) .
__________________
(1) فوات الوفيات 2 : 269.
(2) العقد المفصّل 9 : 220.
(3) الغارات 1 : 105.
(4) المصدر السابق 1 : 99.
وبهذا العرض الموجز ينتهي بنا الحديث عن بعض معالم سياسته الهادفة إلى تحقيق مجتمع متوازن لا ظلّ فيه للغبن والتأخّر.
حرب الجمل
والشيء المؤكّد الذي اتّفق عليه المؤرّخون والرواة هو أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد عهد إلى وصيّه وباب مدينة علمه بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين(1) ، أمّا الناكثون فهم الذين قاموا بحرب الجمل ، ومهّدوا الطريق إلى معاوية وحزبه لحرب الإمام ، وهم الذين سمّاهم النبيّ بالقاسطين ، وأمّا المارقون فهم الخوارج الذين مرقوا عن الإسلام وحاربوا الإمام ، وقد أجمع فقهاء المسلمين على تأثيمهم وتجريحهم وخروجهم عن الطريق القويم ، فقد اثر عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم غير مرّة قوله :« من حمل علينا السّلاح فليس منّا » ، وقوله :« لا ترجعوا بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض » ، لقد واكبوا أهواءهم ، واستجابوا لأطماعهم ، وفيما يلي عرض لاولى تلك الحروب.
حرب الجمل
أمّا الذين قاموا بهذه الحرب فقد نكثوا بيعة الإمام وخاسوا ما عاهدوا عليه الله تعالى من الطاعة للإمام ، ومتابعة أمره ، وقد عناهم الإمام بقوله :
« من نكث بيعته لقي الله أجذم ليس له يد »(2) .
وعلى أي حال فإنّ الذين أشعلوا هذه الحرب قد أثاروا الفتنة بين المسلمين ،
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 : 139. تاريخ بغداد 8 : 340. اسد الغابة 4 : 33. كنز العمّال 6 : 82.
مجمع الزوائد 9 : 235.
(2) النجوم الزاهرة 2 : 302.
وخالفوا ما أمر الله تعالى به من الاعتصام بحبله جميعا وأن لا يتفرّقوا ، وهم قد فارقوا الجماعة ، وسفكوا دماء المسلمين بغير حقّ ، وأشاعوا فيهم الحزن والحداد ، والله تعالى هو الذي يتولّى حسابهم على ما اقترفوه من إثم عظيم ..
ونعرض ـ بإيجاز ـ لبعض أعلام هؤلاء المنحرفين مع بيان أسباب تمرّدهم على حكومة الإمام :
وقبل الحديث عن تمرّد عائشة وخروجها على حكومة الإمامعليهالسلام نعرض إلى شيء بالغ الأهمية وهو موقف عائشة من عثمان.
أمّا عائشة فقد كانت في طليعة الحاقدين على عثمان والناقمين عليه ، وقد روى المؤرّخون صورا من إنكارها الشديد عليه كان منها :
1 ـ روى محمّد بن إسحاق عن مشايخه عن حكيم بن عبد الله قال :
دخلت المدينة وأتيت إلى مسجد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإذا بكفّ مرتفعة ، وصاحب الكفّ يقول : هذان نعلا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقميصه ، وكأنّي أرى ذلك القميص يلوح ، وإنّ فيكم فرعون هذه الأمّة ، فإذا هي عائشة وعثمان يقول لها : اسكتي ، ثمّ يقول للناس : إنّها امرأة وعقلها عقل النساء ، فلا تصغوا إلى قولها.
2 ـ روى الحسن بن سعد قال :
رفعت عائشة ورقة من المصحف بين عودتين من وراء حجابها ، وعثمان قائم ، ثمّ قالت : يا عثمان ، أقم ما في هذا الكتاب ، فقال لتنتهنّ عمّا أنت عليه أو لأدخلنّ عليك حرّ النار ، فقالت له عائشة : أما والله! لأن فعلت ذلك بنساء النبيّ يلعنك الله ورسوله ، وهذا قميص رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لم يتغيّر ، وقد غيّرت سننه يا نعثل!
3 ـ روى الليث بن أبي سليمان ، عن ثابت الأنصاري ، عن ابن أبي عامر
مولى الأنصار قال :
كنت عند المسجد فمرّ عثمان فنادته عائشة : يا غادر! يا فاجر! حقّرت أمانتك ، وضيّعت رعيّتك لو لا الصلوات الخمس لمشى إليك الرجال حتى يذبحوك ذبح الشاة. فقال عثمان :
( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (1) .
إنّ السيّدة عائشة كانت في طليعة الثائرين على حكومة عثمان ، وقد أشعلت العواطف ، وألهبت القلوب ضده ، فأباحت دمه وجرّدته من جميع الشرعية للحكم ، ولمّا علمت بدنوّ مصرعه على أيدي الثوّار غادرت يثرب ، واتّجهت صوب مكّة تترقّب أخباره بفارغ الصبر.
وغادرت عائشة مكّة متّجهة صوب المدينة ، فلمّا انتهت إلى سرف(2) لقيها عبيد بن أمّ كلاب فبادرت مسرعة تسأله عن الأحداث قائلة له :
مهيم ـ يعني ما عندك من نبأ؟
قتلوا عثمان.
ولم تهتمّ بقتله ، وإنّما كانت تترقّب الخليفة من بعده ، فقالت :
ثمّ صنعوا ما ذا؟
أخذها أهل المدينة بالإجماع فجازت بهم الأمور إلى غير مجاز ، اجتمعوا إلى
__________________
(1) التحريم : 10.
(2)سرف : موضع يقع على مسيرة ليلة من مكّة.
عليّ بن أبي طالب ...
وفقدت عائشة إهابها وراحت تقول بحرارة وجزع وبصرها يشير إلى السماء ثمّ ينخفض إلى الأرض :
ليت هذه ـ أي السماء ـ انطبقت على هذه ـ أي الأرض ـ إن تمّ الأمر لصاحبك ، ويحك انظر ما تقول؟
هو ما قلت لك يا أمّ المؤمنين ..
فولولت وجزعت ، وأصابها ذهول ورعدة ، فبهر عبيد وقال لها :
ما شأنك يا أمّ المؤمنين؟ والله! لا أعرف بين لابتيها(1) أحدا أولى بها ـ أي الخلافة ـ منه ـ أي من الإمام ، ولا أحقّ ولا أرى له نظيرا في جميع حالاته ، فما ذا تكرهين منه؟
وراحت تلتمس المعاذير لموقفها ، فتمسّكت بما هو أوهى من بيت العنكبوت قائلة :
قتل عثمان والله مظلوما! وأنا طالبة بدمه ...
فأنكر عليها عبيد ، وأبدى دهشته قائلا :
إنّ أوّل من طعن عليه ـ أي على عثمان ـ لأنت ، وأطمع الناس في قتله ، وقلت : اقتلوا نعثلا فقد فجر.
وأبدت معاذيرها الواهية قائلة :
والله! قلت وقال الناس ، وآخر قولي خير من أوّله ...
وسخر عبيد من قولها وقال :
عذر والله! ضعيف يا أمّ المؤمنين!
__________________
(1)لابتيها : موضعان يكتنفان المدينة.
وخاطبها عبيد بهذه الأبيات التي ارتجلها قائلا :
فمنك البداء ومنك الغير |
ومنك الرياح ومنك المطر |
|
وأنت أمرت بقتل الإمام |
وقلت لنا : إنّه قد كفر |
|
ولم يسقط السقف من فوقنا |
ولم تنكسف شمسنا والقمر |
|
وقد بايع الناس ذا تدرإ |
يزيل الشّبا ويقيم الصعر |
|
ويلبس للحرب أثوابها |
وما من وفى مثل من قد غدر |
ويقول شاعر مصر :
أثار عثمان الذي شجاها |
أم غصّة لم ينتزع شجاها |
|
ذلك فتق لم يكن بالبال |
كيد النساء موهن الجبال |
وقفلت عائشة راجعة إلى مكّة ، فلمّا انتهت إليها استقبلها القرشيّون فقالت لهم :
يا معشر قريش ، إنّ عثمان قتل ، قتله عليّ بن أبي طالب ، والله! لليلة من عثمان خير من عليّ الدهر كلّه(1) .
وتناست عائشة أنّ عليّا نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأحبّ الناس إليه ، وأنّه منه بمنزلة هارون من موسى لقد نسيت عائشة ذلك أو لم تحفل به في سبيل أغراضها وأطماعها السياسية.
أحاطت جماهير أهل مكّة بعائشة ، فخطبت فيهم خطابها السياسي ، وخلاصته أنّها حمّلت المسئولية في إراقة دم عثمان على الغوغاء ، فهم الذين استباحوا سفك دمه في البلد الحرام وفي الشهر الحرام ، وذلك بعد ما أقلع من ذنوبه ،
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 : 172. أنساب الأشراف 5 : 91. الإمامة والسياسة 1 : 53.
وأخلص في توبته ، ولا حجّة لهم فيما اقترفوه من سفك دمه(1) .
وحفل خطابها بالمغالطات السياسية ، فقد اتّهمت الغوغاء بسفك دم عثمان ، مع أنّهم بريئون منه ، وإنّما الذي أجهز عليه القوّات العسكرية من المصريّين والعراقيّين ، وانضمام كبار الصحابة إليهم كعمّار بن ياسر ومالك الأشتر وطلحة والزبير ، وهي بالذات فقد كانت تخاطب الجماهير قائلة : اقتلوا نعثلا فقد كفر.
وأمّا توبة عثمان فهي كما تقول : إلاّ أنّه تراجع عنها بسبب ضغط الأمويّين عليه.
وعلى أي حال فإنّ خطاب عائشة بمكّة كان أوّل صوت انطلق ضدّ حكومة الإمامعليهالسلام .
ولم يكن تمرّد عائشة على حكومة الإمام عفويا وإنّما كان ناشئا عن أسباب هذه بعضها :
1 ـ وهو من أوثق الأسباب ، أنّها كانت تروم إرجاع الخلافة إلى ابن عمّها طلحة ، وجعلها في تيم اسرتها ، وقد أعربت عن ذلك حينما كانت في مكّة فجعلت تناجي ابن عمّها طلحة وتخاطبه قائلة :
إيه ذا الإصبع! إيه أبا شبل! إيه ابن عمّ! لله أبوك! أما إنّهم وجدوا طلحة لها ـ أي الخلافة ـ كفوا ، لكأنّي أنظر إلى اصبعه ، وهو يبايع حثو الإبل(2) .
لقد جهدت عائشة وبذلت جميع طاقاتها لإرجاع الخلافة لاسرتها وعلى رأسهم طلحة إلاّ أنّها باءت بالفشل إذ لم تكن له قاعدة شعبية يستند إليها.
__________________
(1) نصّ خطابها الكامل في تاريخ الطبري 3 : 268.
(2) أحاديث أمّ المؤمنين عائشة : ص 118.
2 ـ ومن بواعث حقد عائشة على الإمام هو أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان دوما يشيد بفضله ، ويقدّمه على سائر أصحابه واسرته ، وكانت له عنده المنزلة الرفيعة التي لم يحظ بمثلها أحد غيره ، ومن المؤكّد أنّ ذلك يتنافى مع ما طبعت عليه المرأة من كراهية من هو أقرب إلى زوجها منها.
3 ـ ومن الأسباب التي أدّت إلى حقد عائشة على الإمام وزوجته سيّدة نساء العالمين أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قد أخلص في الحبّ كأعظم ما يكون الإخلاص لابنته وبضعته ، وأضفى عليها أوسمة مشرقة من التكريم كان منها :
ـ أنّ الله تعالى يرضى لرضاها ويغضب لغضبها.
ـ أنّها شجنة منه ، يرضيه ما يرضيها ويسخطه ما يسخطها.
ـ أنّها بضعة منه ، يؤذيه ما يؤذيها.
ـ أنّها إذا مرّت في الموقف يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش : يا أهل الموقف ، غضّوا أبصاركم لتعبر فاطمة بنت محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم (1) . وأمثال هذه الأحاديث في سموّ شأنها كثيرة ، ولم تظفر عائشة بشيء.
من أمثال ذلك التكريم الذي ظفرت به زهراء الرسول ، وهذا ممّا أوجب حقدها عليها وعلى زوجها ، كما حدثت منافرة بين سيّدة النساء فاطمة وعائشة ، وكانت بضعة الرسول ترفع شكواها منها إلى أبيها ، الأمر الذي أدّى إلى شيوع الحقد والعداء بينهما.
4 ـ وممّا زاد في حقد عائشة على زهراء الرسول أنّها قد حظيت بالذرّية المباركة سيّدي شباب أهل الجنّة ، وشبيهة مريم بنت عمران السيّدة زينب سلام الله عليها ، وقد أخلص النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لهم في الحبّ ، وكان يسمّيهم بأبنائه ويوسعهم تقبيلا ،
__________________
(1) الأحاديث مجمع عليها روتها الصحاح والسنن.
ويشيد بفضلهم وسموّ مكانتهم عنده ، وقد حرمت عائشة من البنين الأمر الذي أثار كوامن الحسد والحقد في نفسها على الإمام وزوجته وأبنائه وظلّ ذلك ملازما لها طوال حياتها ، فقد منعت من دفن جنازة سبط الرسول الإمام الحسنعليهالسلام بجوار جدّه ، وقالت : لا تدخلوا بيتي من لا أحبّ.
5 ـ ومن بواعث حقد عائشة على الاسرة النبوية أنّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم كان دوما يشيد بامّ الزهراءعليهاالسلام السيّدة خديجة ويترحّم عليها ، وكان إذا ذبح شاة اختار أطيب ما فيها من لحم وبعثه إلى صديقات خديجة ، وكانت عائشة تتميّز غيظا من ذلك وتقول له بحرارة : ما تذكر من عجوز حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرا منها؟
ويسارع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم رادّا عليها :
« ما أبدلني الله خيرا منها ، آمنت بي حين كفر بي النّاس ، وواستني بمالها حين حرمني النّاس ، ورزقت منها الولد ـ وهي سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليهاالسلام ـ وحرمته من غيرها ».
هذه بعض الأسباب ـ فيما نحسب ـ هي التي أدّت إلى حقد عائشة على الإمام ومناهضتها لحكومته.
وخفّت عائشة مسرعة إلى السيّدة أمّ سلمة تطلب القيام معها لإسقاط حكومة الإمام وهو من الغرابة بمكان ، فإنّ أمّ سلمة قد شاع عنها ولاؤها للإمام ، وكانت تكنّ له خالص المودّة ، فهل خفي ذلك على عائشة؟ الأمر الذي يدلّ على عدم عمقها بالاتّجاهات الفكرية والسياسية.
وعلى أي حال فقد التقت عائشة بامّ سلمة ، وقدّمت لها هذه الكلمات الناعمة لإغرائها قائلة لها :
يا بنت أبي أميّة ، أنت أوّل مهاجرة من أزواج رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأنت كبيرة
امّهات المؤمنين ، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقسم لنا من بيتك ، وكان جبرئيل أكثر ما يكون في منزلك ...
ورمقتها أمّ سلمة بريبة ، وقالت لها :
لأمر قلت هذه المقالة؟
فأجابتها عائشة مخادعة :
إنّ القوم استتابوا عثمان ، فلمّا تاب قتلوه صائما في الشهر الحرام ، وقد عزمت على الخروج إلى البصرة ، ومعي طلحة والزبير ، فاخرجي معنا لعلّ الله يصلح هذا الأمر على أيدينا ...
وأنكرت أمّ سلمة مقالتها وراحت تبدي لها النصيحة في التخلّي عن هذا الاتّجاه قائلة :
يا بنت أبي بكر ، أبدم عثمان تطلبين؟ والله! لقد كنت من أشدّ الناس عليه عداوة ، وما كنت تسمّينه إلاّ نعثلا ، فما لك ودم عثمان؟ وعثمان رجل من بني عبد مناف ، وأنت من بني تيم بن مرّة؟
ويحك يا عائشة! أعلى عليّ تخرجين وهو ابن عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد بايعه المهاجرون والأنصار؟
وأخذت أمّ سلمة تذكّر عائشة بفضائل الإمام ، وقرب منزلته من الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان عبد الله بن الزبير ، وهو من ألدّ أعداء الإمام يسمع حديث أمّ سلمة ، وخاف أن تستجيب لها عائشة ، ويفسد عليها الأمر فصاح بها :
يا بنت أبي أميّة ، قد عرفنا عداوتك لآل الزبير ...
فنهرته أمّ سلمة ، وقالت له بعنف :
والله! لتوردنّها ، ثمّ لا تصدرنّها أنت ، ولا أبوك ، أتطمع أن يرضى المهاجرون
والأنصار بأبيك الزبير وصاحبه طلحة ، وعليّ بن أبي طالب حيّ ، وهو وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة كما يقول رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ...
فردّ عليها ابن الزبير قائلا :
ما سمعنا هذا من رسول الله ساعة قطّ ...
فأجابته أمّ سلمة بمنطق الحقّ قائلة :
إن لم تكن أنت سمعته ، فقد سمعته خالتك عائشة ، وها هي فاسألها فقد سمعته يقول : «عليّ خليفتي عليكم في حياتي ومماتي ، من عصاه فقد عصاني » ، أتشهدين يا عائشة بهذا أم لا؟
ولم يسع عائشة الإنكار فقالت :
اللهمّ نعم.
ومضت أمّ سلمة تسدي نصائحها لعائشة قائلة :
اتّقي الله يا عائشة! في نفسك ، واحذري ما حذّرك الله ورسوله ولا تكوني صاحبة كلاب الحوأب ، ولا يغرّنك الزبير وطلحة فإنّهما لا يغنيان عنك من الله شيئا.
ولم تحفل عائشة بنصائح أمّ سلمة ، واستجابت لعواطفها المترعة بالحقد والكراهية للإمام.
وبادرت أمّ سلمة فرفعت للإمامعليهالسلام رسالة سجّلت فيها ما دار بينها وبين عائشة من شجار وعرّفته بتمرّدها على حكومته(1) .
وعقدت عائشة مع طلحة والزبير وغيرهما من الحاقدين على الإمام
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 79.
والخالعين لبيعته مؤتمرا ، وقد وجدوا في هذا البلد الحرام تجاوبا فكريا لهم ، وتعاطفا من أبناء الاسر القرشية الحاقدة على الإمام ، والتي ناجزت الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بجميع ما تملكه من الوسائل ، وقد عرضنا لذلك في بحوث هذه الموسوعة.
وتداول زعماء الفتنة الآراء في البلد الذي يغزونه ويتّخذونه مقرّا لتمرّدهم ، والشعارات التي يرفعونها :
وقرّر المؤتمر الزحف إلى البصرة واحتلالها ، واتّخاذها المركز الرئيسي للثورة على حكومة الإمام ؛ لأنّ بها حزبا وأنصارا لهم ، وقد أعرضوا عن الزحف إلى المدينة لأنّ فيها الخليفة الشرعي ، وهو يملك قوّة عسكرية لا طاقة لهم بمقابلتها ، كما أعرضوا عن النزوح إلى الشام لأنّها خاضعة لهم ففيها معاوية ، وخافوا من تصدّع حكومته المعادية للإمام.
واختاروا الشعار الذي يرفعونه وهو المطالبة بدم عثمان ، فقد قتل مظلوما في البلد الحرام واتّخذوا دمه وقميصه شعارا لتمرّدهم على السلطة الشرعية.
وقرّر المؤتمر تحميل الإمام المسئولية الكاملة في إراقة دم عثمان وأنّه قد آوى قتلته ولم يقدّمهم للقضاء هذه بعض قرارات مؤتمر مكّة.
قام معاوية بخديعة الزبير وطلحة واتّخاذهما سلّما يعبر فيه لأهدافه ، فقد منّاهما بالخلافة والبيعة لهما إن خلعا بيعة الإمام ، وقد كتب للزبير هذه الرسالة :
لعبد الله الزبير أمير المؤمنين من معاوية بن أبي سفيان :
سلام عليك ، أمّا بعد فإنّي قد بايعت لك أهل الشام فأجابوا واستوسقوا كما يستوسق الجلب ، فدونك الكوفة والبصرة ، لا يسبقك إليهما ابن أبي طالب ، فإنّه لا شيء بعد هذين المصرين ، وقد بايعت لطلحة من بعدك فأظهرا الطلب بدم عثمان وادعوا الناس إلى ذلك ، وليكن منكما الجدّ والتشمير ، أظفركما الله ، وخذل مناوئكما ...
ولمّا وصلت الرسالة إلى الزبير لم يملك صوابه من الفرح والسرور وخفّ مسرعا إلى طلحة يخبره بذلك ، فلمّا قرأ طلحة رسالة معاوية لم يشكّ هو والزبير في صدق هذا الذئب ، وتحفّزا بصورة جادّة إلى إعلان الثورة على الإمام لتكون لهما الخلافة بعد الإجهاز على حكومة الإمام ، وقد اتّخذا ـ كما عهد إليهما معاوية ـ دم عثمان بن عفّان شعارا لهما(1) .
وتكشف هذه الصورة المؤسفة عن مدى ضعف الإيمان في نفوس القوم ، وتهالكهم على الحكم والسلطان ليتّخذاه وسيلة إلى التحكّم في رقاب المسلمين.
وقام ولاة عثمان بتجهيز جيش عائشة بالأموال التي نهبوها من الخزينة المركزية ، فجهّز يعلي بن اميّة ـ الذي كان واليا من قبل عثمان على اليمن ـ الجيش بستمائة بعير وستمائة ألف درهم(2) وأمدّهم عبد الله بن عامر والي عثمان على البصرة بمال كثير كان قد اختلسه من بيت المال(3) ، ولم يتحرّج أعضاء القيادة العامّة في جيش عائشة من هذه الأموال المحرّمة.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 231.
(2) تاريخ ابن الأثير 3 : 106.
(3) تاريخ ابن الأثير 3 : 106.
وتحرّكت جيوش عائشة من مكّة متّجهة صوب البصرة لاحتلالها ، وقد دقّت طبول الحرب وانتشرت الرايات ، وتهافتت القوى المنحرفة عن الحقّ وذوو الأطماع على الالتحاق بجيش عائشة ، وشعارهم المطالبة بدم عثمان الذي سفكه طلحة والزبير وعائشة.
واتّجهت تلك الجيوش لمحاربة السلطة الشرعية ، وشقّ صفوف المسلمين ، وأعضاء قيادتها على يقين بضلال مسيرهم وقصدهم.
وسارت جيوش عائشة تجدّ في السير لا تلوي على شيء متّجهة صوب البصرة ، وفي الطريق صادفهم العرني صاحب الجمل المسمّى بعسكر ، فقال له راكب :
يا صاحب الجمل ، أتبيع جملك؟
نعم.
بكم؟
بألف درهم.
ويحك أمجنون أنت جمل يباع بألف درهم!!
نعم جملي هذا ما طلبت عليه أحدا قطّ إلاّ أدركته ، ولا طلبني وأنا عليه أحد قطّ إلاّ فتّه.
لو تعلم لمن نريده لأحسنت بيعنا.
لمن تريده؟
لامّك.
لقد تركت امّي في بيتها قاعدة ما تريد براحا.
إنّا نريده لأمّ المؤمنين عائشة.
هو لك خذه بغير ثمن.
ارجع معنا إلى الرحل لنعطيك ناقة مهرية ونزيدك دراهم.
فقفل معهم فأعطوه ناقة وأربعمائة درهم أو ستمائة درهم واستلموا منه الجمل ، وقدّموه لأمّ المؤمنين عائشة فاعتلت عليه(1) لتحارب وصيّ رسول الله وباب مدينة علمه ، وقد أصبح جملها كعجل بني إسرائيل فقطعت حوله الأيدي ، وأزهقت الأنفس ، واريقت الدماء.
وسارت قافلة عائشة في البيداء تحفّها الجيوش فاجتازت على مكان يقال له « الحوأب » فتلقّتها كلاب الحيّ بهرير وعواء فذعرت عائشة فالتفت إلى محمّد بن طلحة فقالت له :
أيّ ماء هذا يا محمّد؟
ماء الحوأب يا أمّ المؤمنين! فهتفت بحرارة قائلة :
ما أراني إلاّ راجعة.
لم يا أمّ المؤمنين؟
سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول لنسائه :
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 : 107. تاريخ الطبري 3 : 475.
« كأنّي بإحداكنّ قد نبحتها كلاب الحوأب ، وإيّاك أن تكوني يا حميراء » (1) .
فسارع محمّد قائلا :
تقدّمي يرحمك الله ، ودعي هذا القول ...
ولم تبرح من مكانها ، وطافت بها الهموم والأحزان ، فقد أيقنت بضلالة قصدها وذعرت القيادة العامّة في جيشها ، وانبرى إليها بعضهم قائلا :
يا امّاه ، تقدّمي ..
وبقيت تائهة تراودها كلمات الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وراحت تقول بنبرات ملؤها الأسى والحزن :
ردّوني ، أنا والله! صاحبة كلاب الحوأب.
ردّوني.
وأسرع إليها ابن اختها عبد الله بن الزبير كأنّه ذئب ، وهو يلهث ، فلمّا رأته انهارت أمامه ، فجاء بشهود اشترى ضمائرهم فشهدوا أنّ هذا الماء ليس بماء الحوأب ، وهي أوّل شهادة زور في الإسلام(2) ، فأقلعت عن فكرتها ، وأخذت تقود الجيوش لحرب وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه.
__________________
(1) روى ابن عبّاس عن النبيّ أنّه قال يوما لنسائه وهنّ جميعا عنده : «أيّتكنّ صاحبة الجمل الأدب تنبحها كلاب الحوأب ، يقتل عن يمينها وشمالها قتلى كثيرة كلّهم في النار ، وتنجو بعد ما كادت ».
جاء ذلك في كلّ من شرح النهج 2 : 297. تاريخ ابن كثير 6 : 212. الخصائص للسيوطي 2 : 137.
وجاء في الاستيعاب : أنّ هذا الحديث من علائم النبوّة.
(2) مروج الذهب 2 : 347. تاريخ اليعقوبي 2 : 181.
وراحت جيوش عائشة تطوي البيداء حتى داهمت البصرة ففزع أهلها كأشدّ ما يكون الفزع ، وسارع والي البصرة عثمان بن حنيف فأوفد أبا الأسود الدؤلي للقيى عائشة يسألها عن سبب قدومها إلى مصرهم ، ولمّا مثل أمامها قال لها :
ما أقدمك يا أمّ المؤمنين؟
أطلب بدم عثمان ...
فأجابها أبو الأسود بمنطقه الفيّاض قائلا :
ليس في البصرة من قتلة عثمان أحد ..
صدقت ، ولكنّهم مع عليّ بن أبي طالب بالمدينة ، وجئت أستنهض أهل البصرة لقتاله ، أنغضب لكم من سوط عثمان ، ولا نغضب لعثمان من سيوفكم.
وردّ عليها أبو الأسود هذه المغالطات الواهية قائلا :
ما أنت من السوط والسيف ، إنّما أنت حبيسة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أمرك أن تقرّي في بيتك ، وتتلي كتاب ربّك ، وليس على النساء قتال ، ولا لهنّ الطلب بالدماء؟
وأنّ عليّا لأولى منك ، وأمسّ رحما فإنّهما ابنا عبد مناف ...
ولم تحفل عائشة بهذه الحجج الدامغة وراحت مصرّة على رأيها قائلة :
لست بمنصرفة حتى أمضي لما قدمت إليه أفتظنّ يا أبا الأسود أنّ أحدا يقدم على قتالي ..
وظنّت عائشة أنّها تتمتّع بحصانة الزوجية من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فلا يقدم أحد على قتالها ، فأجابها أبو الأسود :
أما والله! لتقاتلنّ قتالا أهونه الشديد وانصرف أبو الأسود وقد أخفق في مهمّته فلم يحقّق أي نجاح في حديثه مع عائشة.
واتّجه أبو الأسود صوب الزبير فكلّمه بناعم القول ، وذكر له ماضيه الزاهر وتجاوبه مع الإمام في يوم السقيفة قائلا :
يا أبا عبد الله ، عهد الناس بك ، وأنت يوم بويع أبو بكر آخذا بقائم سيفك تقول : لا أحد أولى بهذا الأمر من ابن أبي طالب ، وأين هذا المقام من ذاك؟
فأجابه الزبير بنفاق ومغالطة :
نطلب بدم عثمان ...
فردّ عليه أبو الأسود : أنت وصاحبك ـ يعني طلحة ـ ولّيتماه ـ يعني عليّا ـ فيما بعد. ولان الزبير لدعوة الحقّ ، واستجاب لنصيحة أبي الأسود إلاّ أنّه طلب منه أن يعرض الأمر على طلحة.
وأسرع أبو الأسود إلى طلحة ، وطلب منه الانصياع إلى الحقّ وجمع كلمة المسلمين ، فأبى وأصرّ على الغيّ والعدوان(1) .
ورجع أبو الأسود ، وقد أخفق في وفادته ، فأخبر والي البصرة بفشله.
وجمع عثمان بن حنيف والي البصرة أصحابه فخطب فيهم قائلا :
أيّها الناس ، إنّما بايعتم الله ،( يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ) (2) .
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 64.
(2) الفتح : 10.
والله! لو علم عليّ أحدا أحقّ بهذا الأمر منه ما قبله ، ولو بايع الناس غيره لبايع وأطاع ، وما به إلى أحد من صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم حاجة ، وما بأحد عنه غنى ، ولقد شاركهم في محاسنهم ، وما شاركوه في محاسنه ، ولقد بايع هذان الرجلان ـ يعني طلحة والزبير ـ وما يريدان الله ، فاستعجلا الفطام قبل الرضاع ، والرضاع قبل الولادة ، والولادة قبل الحمل ، وطلبا ثواب الله من العباد ، وقد زعما أنّهما بايعا مستكرهين ، فإن كانا استكرها قبل بيعتهما ، كانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يأمرا.
ألا وإنّ الهدى ما كانت عليه العامّة ، والعامّة على بيعة عليّ ، فما ترون أيّها الناس؟
وهذا الخطاب حافل بالحجّة ، وعار من المغالطات السياسية ، وفيه الدعوة إلى الحقّ وجمع الكلمة ، فاستجاب له حكيم بن جبلة وهو من شخصيات البصرة ووجوهها وأعرب عن استعداده لمناصرته ولو أعلن الحرب على الجماعة(1) .
وجرت مصادمات عنيفة اريقت فيها الدماء من حزب عائشة وجماعة الإمام ، وبعد هذا الصراع الذي لم يحرز فيه كل منهما نصرا على خصمه اتّفقا على عقد هدنة مؤقّتة بينهما حتى يقدم الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام ، ويعرض عليه الأمر وتنحلّ عقدة الخلاف ، وكتب الفريقان وثيقة وقّعها ابن حنيف والي البصرة وطلحة والزبير ، وكان من بنودها إقرار ابن حنيف على إمرته للبصرة وترك ما في بيت المال والمسلحة له ، وأن يباح للزبير وطلحة وعائشة أن ينزلوا حيثما شاءوا من البصرة.
ومضى ابن حنيف يقيم بالناس الصلاة ويقسّم المال بينهم ويشيع الأمن
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 64.
والاستقرار في ربوع المصر ، إلاّ أنّ حزب عائشة قد خاسوا بعهدهم ، ونقضوا مواثيقهم ، فأجمعوا على الفتك بابن حنيف ، ونهب ما في بيت المال ، وقد انتهزوا ليلة قاتمة شديدة العواصف ، فهجموا على ابن حنيف وهو يصلّي بالناس صلاة العشاء ، فأخذوه ثمّ عدوا إلى بيت المال فقتلوا من حرسه أربعين رجلا ، واستولوا عليه ، وشدّ مروان على ابن حنيف فاعتقله وقتل أصحابه ، وعمد مروان إلى ابن حنيف فنتف لحيته ورأسه وحاجبيه وتركه أصلع(1) .
وعمد أصحاب عائشة إلى العيث والفساد والإخلال بالأمن ، فغضب جمهور من أهل البصرة بقيادة البطل المجاهد حكيم بن جبلة ، وكان عدد من معه ثلاثمائة رجل وكلّهم من بني عبد القيس(2) فشهروا سيوفهم ، وخرج أصحاب عائشة فحملوها على جمل ، وسمّي ذلك اليوم يوم الجمل الأصغر(3) ، والتحم الفريقان في معركة رهيبة ، وأبلى القائد ابن جبلة بلاء حسنا ، فخاض أعنف المعارك ، فضربه رجل من أصحاب طلحة على رجله فبراها ، فجثا حكيم على الأرض وأخذ رجله المقطوعة فضرب بها الرجل الذي قطعها فقتله.
ولم يزل هذا البطل الفذّ يقاتل أعنف القتال وهو ينزف دما حتّى استشهد مدافعا عن وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وانتهت المعركة في صالح أصحاب عائشة ، فقد استولوا على البصرة استيلاء كاملا ، وسقطت بأيديهم ، أمّا ابن حنيف حاكم البصرة فقد همّوا بقتله إلاّ أنّه هدّدهم بأخيه الذي كان واليا على المدينة من قبل الإمامعليهالسلام ، وأنّهم إن قتلوه فسوف يثأر له.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 50.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 50.
(3) حياة الإمام الحسنعليهالسلام 1 : 430.
ويضع السيف في رقاب اخوانهم وأبنائهم في يثرب ، فخافوا ذلك ، وأطلقوا سراحه ، فانطلق حتى التحق بالإمامعليهالسلام في بعض طريقه إلى البصرة ، فلمّا دخل على الإمام قال له مداعبا :
أرسلتني إلى البصرة شيخا فجئتك أمرد ...
وأوغرت هذه الأحداث صدور الناس بالبصرة ، وفرّقت كلمتهم ، فطائفة التحقت بالإمامعليهالسلام ، وطائفة أخرى التحقت بعائشة ، وطائفة ثالثة اعتزلت الفتنة ، ولم يطب لها الانضمام إلى إحدى الطائفتين.
وتهالك حزب طلحة وحزب الزبير على الصلاة ، فكان كلّ منهما يريد إمامة الجماعة ليكون هو الزعيم في المستقبل ، وأدّى النزاع بينهما إلى فوت وقت الصلاة ، وخافت عائشة من تطوّر الأحداث فأمرت أن يصلّي بالناس يوما محمّد بن طلحة ، ويوما عبد الله بن الزبير(1) ، وذهب ابن الزبير ليصلّي بالناس فجذبه ابن طلحة ، وتقدّم ابن طلحة ليصلّي فمنعه ابن الزبير ، ورأى الناس أنّ خير وسيلة لحسم النزاع بينهما القرعة ، فاقترعا فخرج ابن طلحة فتقدّم وصلّى بالناس ، وقرأ في صلاته( سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ ) (2) ، وحكت الآية عن العذاب الذي مني به المسلمون من جرّاء هؤلاء الذين دفعتهم الأطماع السياسية إلى التلاعب في شئون الدين.
وعلى أي حال فقد أثارت هذه الصور الهزيلة السخرية والاستهانة بهم بين الناس ، وفي ذلك يقول الشاعر باستهزاء :
تبارى الغلامان إذ صليا |
و شحّ على الملك شيخاهما |
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 157.
(2) المعارج : 1.
وما لي وطلحة ، وابن الزبير |
وهذا بذي الجذع مولاهما |
|
فامّهما اليوم غرّتهما |
ويعلي بن منية ولاّهما(1) |
لقد تهالك القوم على السلطة ، وهم في بداية الطريق ، فلو كتب النجاح لهما ، فما ذا يعملان؟ لا شكّ أنّ كلاّ منهما يفتح الحرب على صاحبه ، ولا يهمّه إغراق البلاد بالفتن ، وإشاعة الحزن والحداد فيها.
ورأى الإمام الممتحن أنّه لا وسيلة للقضاء على هذا الجيب المتمرّد الذي فتحته عائشة إلاّ بالقوّة العسكرية ، فاستنجد بالكوفة وهي أعظم حامية عسكرية في عصر الإمام ، فأوفد كوكبة من أعلام أصحابه بقيادة المجاهد الكبير هاشم بن عتبة المرقال وزوّده برسالة إلى حاكم الكوفة أبي موسى الأشعري جاء فيها بعد البسملة :
« أمّا بعد فإنّي قد بعثت إليك هاشم بن عتبة ، لتشخص إليّ من قبلك من المسلمين ليتوجّهوا إلى قوم نكثوا بيعتي ، وقتلوا شيعتي ، وأحدثوا في الإسلام هذا الحدث العظيم ، فاشخص بالنّاس إليّ معه حين يقدم عليك ، فإنّي لم اولّك المصر الّذي أنت فيه ، ولم اقرّك عليه إلاّ لتكون من أعواني على الحقّ ، وأنصاري على هذا الأمر ، والسّلام »(2) .
ولمّا انتهى الوفد إلى الكوفة عرض هاشم الرسالة على أبي موسى فمحاه ، وأخذ يتوعّد هاشما بالسجن والتنكيل ، وجعل يثبّط الناس ويحرّضهم على عدم الاستجابة للإمامعليهالسلام ، ورفع المرقال إلى الإمام رسالة عرّفه فيها بموقف هذا
__________________
(1) الأغاني 11 : 120.
(2) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 55.
المنافق ، وما قام به من إفساد الناس وحثّهم على الاعتزال ، ولمّا قرأ الإمام الرسالة أوفد ولده الزكي الحسنعليهالسلام والصحابي العظيم عمّار بن ياسر ، والزعيم قيس بن سعد ، وزوّدهم برسالة عزل فيها الخائن الأشعري ، ويتوعّده بالتنكيل إن تأخّر عن إجابتهم وأظهر العصيان والتمرّد.
ولمّا انتهى الإمام الحسن إلى الكوفة وبصحبته هؤلاء الأعلام احتفّت به الجماهير ، فدعا الأشعري إلى الطاعة فلم يستجب له ، وأصرّ على غيّه وعدوانه ، فعزله عن منصبه ، وأقام مقامه قرضة بن كعب ، وخطب عمّار بن ياسر خطابا بليغا حفّز فيه أهل الكوفة إلى مناصرة الإمامعليهالسلام والذبّ عنه ، وجاء في خطابه :
إنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليهالسلام حفظه الله ونصره نصرا عزيزا وأبرم له أمرا رشيدا بعثني إليكم وابنه يأمركم بالنفر إليه ، فانفروا إليه ، واتّقوا وأطيعوا الله ، وو الله! لو علمت أنّ على وجه الأرض بشرا أعلم بكتاب الله تعالى وسنّة نبيّه منه ما استنفرتكم ولا بايعته على الموت.
يا معشر أهل الكوفة ، الله الله في الجهاد فو الله! لئن صارت الأمور إلى غير عليّ لتصيرن إلى البلاء العظيم ، والله يعلم أنّي قد نصحت لكم ، وأمرتكم بما أخذت بيقيني ، وما اريد أن اخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن اريد إلاّ الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه انيب.
وحفل خطاب عمّار بالدعوة إلى الحقّ ، وجمع الكلمة ، ونصرة أخي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الذي ثارت عليه هذه الفئة في سبيل أطماعها ومنافعها التي لا صلة لها بالحقّ ، ولا فقه لها بما يرضي الله تعالى ، ثمّ خطب عمّار خطابا آخر دعا فيه إلى نصرة الإمام ، والذبّ عنه ، والدفاع عن قيم الإسلام التي يناضل من أجلها الإمام.
وظلّ الأشعري مخذّلا للناس ، ويدعوهم إلى التمرّد والعصيان ، فرأى الزعيم الكبير مالك الأشتر أنّه لا يتمّ الأمر إلاّ بإخراج الأشعري من الكوفة مهان الجانب
محطّم الكيان ، فجمع رهطا من قومه فهجموا على قصر الامارة حيث كان الأشعري مقيما فيه ، فاضطرّ الجبان المنافق إلى الاعتزال عن عمله وأنفق ليلته في الكوفة خائفا مضطربا ، ولمّا اندلع ضوء الصبح ولّى منهزما حتى أتى مكّة ، فأقام بها مع المعتزلين يصاحبه العار والخزي.
وانبرى الصحابي الجليل الشهيد الخالد حجر بن عدي فخطب في الناس ودعاهم إلى نصرة إمام الحقّ ، والاستجابة لدعوة سبط النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم الإمام الحسنعليهالسلام قائلا :
أيّها الناس ، هذا الحسن ابن أمير المؤمنين ، وهو من عرفتم أحد أبويه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والآخر الإمام الرضي المأمون الوصيّ ، صلّى الله عليهما اللذين ليس لهما شبيه في الإسلام ، سيّد شباب أهل الجنّة ، وسيّد سادات العرب ، أكملهم صلاحا ، وأفضلهم علما وعملا ، وهو رسول أبيه إليكم ، يدعوكم إلى الحقّ ، ويسألكم النصر ، السعيد من وردهم ونصرهم ، والشقيّ من تخلّف عنهم بنفسه عن مواساتهم ، فانفروا معه رحمكم الله خفافا وثقالا ، واحتسبوا في ذلك الأجر ، فإنّ الله لا يضيع أجر المحسنين.
واستجاب الناس إلى الجهاد لنصرة الحقّ ، وقد نفر معه أربعة آلاف ، فريق منهم ركب السفن ، وفريق آخر ركب المطايا ، وهم مسرورون بجهادهم لنصرة الإمامعليهالسلام .
وطوت الجيوش البيداء لا تلوي على شيء بقياده ريحانة رسول الله الإمام الحسنعليهالسلام حتى التقت بالإمامعليهالسلام بذي قار حيث كان مقيما فيها ، وقد سرّ الإمام أي سرور بنجاح ولده والوفد المرافق له فشكر لهم جهودهم ومساعيهم ، وكان عدد الجيش أربعة آلاف.
خطب الإمامعليهالسلام بذي قار خطابا بالغ الأهمّية عرض فيه الأحداث الرهيبة التي واجهها بعد وفاة أخيه وابن عمّه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد جاء فيها بعد البسملة والثناء على الله تعالى :
« الحمد لله على كلّ أمر وحال ، في الغدوّ والآصال.
وأشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، ابتعثه رحمة للعباد ، وحياة للبلاد ، حين امتلأت الأرض فتنة واضطرب حبلها وعبد الشّيطان في أكنافها ، واشتمل عدوّ الله إبليس على عقائد أهلها ، فكان محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب الّذي أطفأ الله به نيرانها ، وأحمد به شرارها ، ونزع به أوتادها ، وأقام به ميلها ، إمام الهدى ، والنّبيّ المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلقد صدع بما امر به وبلّغ رسالات ربّه ، فأصلح الله به ذات البين ، وأمّن به السّبل ، وحقن به الدّماء ، وألّف به بين ذوي الضّغائن الواغرة في الصّدور حتّى أتاه اليقين ، ثمّ قبضه الله إليه حميدا.
ثمّ استخلف النّاس أبا بكر فلم يأل جهده.
ثمّ استخلف أبو بكر عمر فلم يأل جهده.
ثمّ استخلف النّاس عثمان بن عفّان ، فنال منكم ونلتم منه ، حتّى إذا كان من أمره ما كان أتيتموني لتبايعوني ، فقلت : لا حاجة لي في ذلك ودخلت منزلي فاستخرجتموني ، فقبضت يدي فبسطتموها ، وتداككتم عليّ حتّى ظننت أنّكم قاتليّ ، أو أنّ بعضكم قاتل بعض ، فبايعتموني وأنا غير مسرور بذلك ، ولا جذل ، وقد علم الله سبحانه أنّي كنت كارها للحكومة بين أمّة محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولقد سمعته يقول : « ما من وال يلي شيئا من أمر أمّتي إلاّ أتي به يوم القيامة مغلولة يداه إلى عنقه على رءوس الخلائق ، ثمّ ينشر كتابه ، فإن كان عادلا نجا ، وإن كان جائرا هوى » ،
حتّى اجتمع عليّ ملؤكم ، وبايعني طلحة والزّبير ، وأنا أعرف الغدر في أوجههما والنّكث في أعينهما ، ثمّ استأذناني في العمرة ، فأعلمتهما أن ليس العمرة يريدان ، فسارا إلى مكّة ، واستخفّا عائشة ، وخدعاها وشخص معهما أبناء الطّلقاء فقدموا البصرة فقتلوا بها المسلمين وفعلوا المنكر ، فيا عجبا لاستقامتهما لأبي بكر وعمر وبغيهما عليّ ، وهما يعلمان أنّي لست دون أحدهما ولو شئت أن أقول لقلت.
ولقد كان معاوية كتب إليهما من الشّام كتابا يخدعهما فيه ، فكتماه عنّي وخرجا يوهمان الطّغام أنّهما يطلبان بدم عثمان ، والله! ما أنكرا عليّ منكرا ولا جعلا بيني وبينهم نصفا ، وإنّ دم عثمان لمعصوب بهما ، ومطلوب منهما يا خيبة الدّاعي إلى ما دعا وبما ذا أجيب!! والله! إنّهما لعلى ضلالة صمّاء ، وجهالة عمياء ، وإنّ الشّيطان قد ذمر لهما حزبه واستجلب منهما خيله ورجله ليعيد الجور إلى أوطانه ، ويردّ الباطل إلى نصابه ».
ثمّ رفع الإمامعليهالسلام يديه وقال :
« اللهمّ إنّ طلحة والزّبير قطعاني وظلماني وألّبا عليّ ، ونكثا بيعتي فاحلل ما عقدا ، وانكث ما أبرما ، ولا تغفر لهما أبدا ، وأرهما المساءة فيما عملا وأمّلا » (1) .
وانبرى الزعيم المجاهد مالك الأشتر فقال للإمام :
« خفّض عليك يا أمير المؤمنين! فو الله! ما أمر طلحة والزبير علينا بمحيل ، لقد دخلا في هذا الأمر اختيارا ، ثمّ فارقانا على غير جور عملناه ، ولا حدث في الإسلام أحدثناه ، ثمّ أقبلا بنار الفتنة علينا تائهين جائرين ليس معهما حجّة ترى ، ولا أثر يعرف قد لبسا العار ، وتوجّها نحو الديار فإن زعما أنّ عثمان قتل مظلوما فليستقد منهما آل عثمان ، فاشهد أنّهما قتلاه واشهد الله يا أمير المؤمنين! لئن لم
__________________
(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 1 : 319 ـ 322.
يدخلا فيما خرجا منه ولم يرجعا إلى طاعتك وما كانا عليه لنلحقنّهما بابن عفّان ».
عرض الإمامعليهالسلام في خطابه الرائع إلى الأمور التالية :
1 ـ تحدّث الإمامعليهالسلام عن البعثة النبوية التي هي أعظم حدث تاريخي في العالم ، فقد غيّر النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم مجرى التأريخ وطوّر الحياة العامّة من واقعها البائس القاتم إلى عالم مشرق بالحضارة والنور ، فألّف ما بين القلوب المتنافرة ، وجمع الكلمة ، وأقام صروح الفضيلة في الأرض.
2 ـ حكى خطاب الإمام ما عاناه من الخطوب والكوارث بعد وفاة أخيه وابن عمّه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد دفع عن حقّه وتجاهل القوم مكانته من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعظيم جهاده ، وما أسداه على الأمّة من عوائد لا تنسى ، فقد عمد القوم إلى جحد فضائله والغضّ من شأنه ومعاملته معاملة عادية ، وقد عرضنا إلى ذلك في بعض بحوث هذا الكتاب.
3 ـ عرض الإمامعليهالسلام إلى حكومة عثمان بن عفّان عميد الأسرة الأموية ، وما قام به من أحداث مؤسفة أدّت إلى سخط المسلمين ، وقيامهم بقتله وإسقاط حكومته.
4 ـ أعرب الإمامعليهالسلام عن تدافع الجماهير على مبايعته بعد مقتل عثمان ، وامتناعه من إجابتهم لأنّه كان كارها للحكم ، وذلك لما يترتّب عليه من المسئوليات أمام الله تعالى ، وبالإضافة لذلك فقد خاف من قتل المسلمين بعضهم لبعض إن لم يستجب لهم ، ويتولّى شئونهم ، فقبل ببيعتهم له على كراهية منه لخلافتهم.
5 ـ تناول الإمام في خطابه تمرّد طلحة والزبير على حكومته ، فقد بايعاه أمام ملأ من الناس ، ثمّ نكثا بيعتهما ، وخرجا إلى مكّة يريدان الغدرة لا العمرة ـ كما يقول الإمامعليهالسلام ـ وقد خفّا إلى عائشة فوجدا عندها تجاوبا فكريا معهما ، فانضمّت إليهما كما انضمّ إليهما أبناء الطلقاء من الأمويّين وآل بني معيط وغيرهما من الأسر القرشية
الذين حاربوا رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وجهدوا على إطفاء نور الإسلام هؤلاء جميعا خلعوا طاعة الإمامعليهالسلام ، وأعلنوا العصيان المسلّح على حكومته واتّخذوا دم عثمان بن عفّان شعارا لهم ، ومعظهم قد شاركوا في إراقة دمه ، وليس للإمامعليهالسلام أي ضلع في الإجهاز عليه ، وقد فتحوا باب الحرب على الإمام فاحتلّوا البصرة ، وأراقوا دماء المسلمين بغير حقّ هذا بعض ما حفل به خطاب الإمام من بنود.
ورافق الإمام في مسيره لحرب عائشة جمهرة من أعلام الصحابة وخيارهم ، كما رافقوه في حربه لمعاوية ، ومن المؤكّد أنّهم قد اتّبعوه على هدى وبصيرة من أمرهم لا لعاطفة أو هوى وتقليد ، فقد أيقنوا أنّه على الحقّ ، وخصومه على مزلة الباطل ، فلم يغب عن أذهانهم قول النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه :« عليّ مع الحقّ ، والحقّ مع عليّ » و قوله فيه :« عليّ منّي بمنزلة هارون من موسى » وغير ذلك من أحاديثه في شأن الإمامعليهالسلام .
وعلى أيّ حال فقد ذكر محمّد بن حبيب القرشي البغدادي المتوفّى سنة 225 ه أسماء بعض الصحابة الذين نفروا مع الإمام في حرب الجمل الذي فرضته عليه الاسر القرشية ، وهم :
1 ـ الصحابي العظيم الطيّب ابن الطيّبعمّار بن ياسر : شهد مع الإمام حرب الجمل وصفّين ، واستشهد في صفّين.
2 ـسهل بن حنيف : شهد مع الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم بدرا ، وكان من أفاضل الصحابة وخيارهم ، ورافق الإمام في حرب الجمل وصفّين ، توفّي بالكوفة.
3 ـعثمان بن حنيف : من أفذاذ الصحابة وخيارهم ، شهد مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم واقعة احد والمشاهد كلّها ، وقد وجّهه عمر إلى مسح السواد ، وولاّه الإمام البصرة ، وحضر
معه في واقعة الجمل.
4 ـسعد بن الحارث بن عمرو : من أفاضل الصحابة ، كان مع الإمام في واقعة الجمل ، واستشهد في صفّين.
5 ـجارية بن قدامة بن زهير : من بني سعد ، روى عن النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بعض الأحاديث ، حضر مع الإمام في واقعة الجمل ، ورافق الإمام وقد وجّهه إلى محاربة ابن الحضرمي الذي بعثه معاوية لاحتلال البصرة فحاصره جارية وقتله.
6 ـأبو مسعود الأنصاري : حضر مع الإمام حرب الجمل ، وقد استخلفه الإمام على الكوفة ، وكان الإمام الحسين سيّد الشهداءعليهالسلام قد تزوّج بإحدى الفاضلات من بناته.
7 ـأبو سعيد الخدري : شهد مع الإمام في حرب الجمل وصفّين ثمّ رجع إلى المدينة.
8 ـأبو امامة العبدي بن العجلان الباهلي : شهد مع الإمام حرب الجمل وصفّين ، وقد روى عن الإمام أنّه لا يجهز على جريح ، ولا يطلب مولّيا ، ولا يسلب قتيلا.
9 ـخزيمة بن ثابت بن الفاكه : من بني خطمة ، من أعلام الصحابة ، وهو ذو الشهادتين ، وكانت معه راية المسلمين يوم فتح مكّة ، شهد مع الإمام حرب الجمل ، واستشهد في صفّين.
10 ـهاشم بن عتبة بن أبي وقّاص : الصحابي الملهم العظيم ، أسلم يوم الفتح ، شهد مع الإمام حرب الجمل ، فقئت عينه يوم اليرموك ، وكان من قادة جيش الإمام في صفّين ، وهو القائل :
أعور يبغي أهله محلاّ |
قد عالج الحياة حتى ملاّ |
استشهد في صفّين مدافعا عن أخي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه ، ومناجزا لأئمّة الكفر والضلال.
11 ـسليمان بن صرد الخزاعي : من أجلاّء الصحابة ، كان اسمه يسارا فسمّاه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم سليمان ، فلمّا قبض النبيّ تحوّل إلى الكوفة فأقام بها ، شهد مع الإمام حرب الجمل وصفّين ، وهو من التوّابين.
12 ـالأشعث بن قيس الكندي : وفد على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في سبعين من قومه فأسلموا ، شهد مع الإمام حرب الجمل وصفّين ، ثمّ انحرف عن الحقّ ، وهو ممّن أفسد جيش الإمام في رفع المصاحف ، وله مواقف مخزية عرضنا لها في بعض بحوث هذا الكتاب.
13 ـقيس بن سعد بن عبادة : من أفذاذ الصحابة ، أمره أبوه بخدمة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد شهد مع الإمام جميع حروبه ، وهو من أبطال الإسلام ، وأعلام المتّقين الأخيار.
14 ـأبو عمرة ، اسمه بشير بن عمر : وامّه كبشة اخت حسّان بن ثابت ، حضر واقعة الجمل ، واستشهد في صفّين.
15 ـحجر بن عدي بن الأدبر الكندي : من أشهر الصحابة في جهاده وإيمانه ، وفد على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وشهد القادسية ، وحضر واقعة الجمل وصفّين ، وكان من خلّص أصحاب الإمامعليهالسلام ، ومن أكثرهم تفانيا وولاء له ، وهو أوّل من وحّد الله تعالى بمرج عذراء حينما فتحها ، وقد دخلها مبكّرا ، قتله معاوية فيها صبرا لولائه للإمام أمير المؤمنينعليهالسلام .
16 ـعمرو بن الحمق الخزاعي : من أعلام الصحابة في جهاده ومواقفه في نصرة الإسلام ، وهو من الناقمين على عثمان بن عفّان شهد مع الإمام الجمل وصفّين ، وتعرّض للخطوب والتنكيل حينما آل الحكم إلى ابن هند ، قتله ابن أمّ الحكم بالجزيرة وبعث برأسه إلى معاوية ، وطيف برأسه الشريف تشفّيا منه.
17 ـعبد الله بن عباس : حبر الأمّة ، ومستشار الإمامعليهالسلام ووزيره ، شهد معه الجمل وصفّين والنهروان.
18 ـعبيد الله بن عباس : حضر واقعة الجمل وصفّين ، وكان عمره يوم وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم اثنتي عشر سنة.
19 ـعبد الله بن جعفر : من أجواد العرب ، حضر مع الإمام حرب الجمل وصفّين ، وقد ألمعنا إلى سيرته في كتابنا السيّدة زينب سلام الله عليها.
20 ـالإمام الحسن : سبط رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وريحانته ، شهد مع أبيه حرب الجمل وصفّين والنهروان.
21 ـعمر بن أبي سلمة : شاهد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وهو ابن تسع سنين ، شهد مع الإمامعليهالسلام حرب الجمل.
22 ـجعدة بن هبيرة بن أبي وهب : امّه هند بنت أبي طالب ، شهد مع خاله جميع حروبه.
23 ـالإمام الحسين : سيّد شباب أهل الجنّة ، وعلم الإسلام المنقذ الأعظم للمسلمين من الطغمة الأموية التي جهدت على إطفاء نور الإسلام ، وإعادة الحياة الجاهلية.
هؤلاء بعض الصحابة الذين ذكرهم محمّد بن حبيب القرشي(1) .
وتحرّكت قوّات الإمام من ذي قار ، وهي على بيّنة صادقة من أمرها لا يخامرها شكّ أنّها على الحقّ ، ومع أخي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه ، وأنّها تحارب فئة
__________________
(1) المحبّر : 289 ـ 293.
باغية لا هدف لها إلاّ الوصول إلى الحكم ، وقد انتهت جيوش الإمام في زحفها إلى مكان يسمّى بالزاوية ويقع قريبا من البصرة ، فأقام فيه الإمام ، وبادر إلى الصلاة ، وبعد الفراغ منها أخذ يبكي ، ودموعه تسيل على سحنات وجهه الشريف ، وهو يتضرّع إلى الله تعالى في أن يحقن دماء المسلمين ، ويجنّبه ويلات الحرب ، ويجمع كلمة المسلمين على الهدى والحقّ.
وقبل أن تندلع نار الحرب أوفد الإمام رسل السلم إلى القوم يحذّرونهم عقاب الله في تصديع كلمة المسلمين ، وإراقة دمائهم ومن بين رسل الإمام :
وأوفد الإمامعليهالسلام للقاء طلحة والزبير وعائشة الصحابي الجليل صعصعة بن صوحان ، وزوّده برسالة لهم تنعي عليهم حرمة ما اقترفوه من قتل المسلمين بالبصرة ، وما صنعوه من التنكيل بصاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عثمان بن حنيف ، وانطلق صعصعة في أداء رسالته فالتقى أوّلا :
مع طلحة : وعرض صعصعة رسالة الإمام على طلحة ، ودعاه إلى السلم فلم يستجب له ، وأصرّ على الغيّ والعدوان ، وفتح باب الحرب على الإمام ، ولم يجد عنده أي استجابة لدعوة الحقّ.
مع الزبير : والتقى صعصعة مع الزبير ، وناوله رسالة الإمام ، فوجده ألين جانبا من طلحة ، وأسرع إجابة منه.
مع عائشة : وسارع صعصعة نحو عائشة ، وناولها رسالة الإمامعليهالسلام فوجدها مصرّة على الحرب ، وقالت له :
خرجت للطلب بدم عثمان ، والله! لأفعلنّ ، وأفعلنّ ...
وقفل صعصعة راجعا لم يحقّق في وفادته أي شيء ، فأخبر الإمامعليهالسلام أنّهم لا يريدون إلاّ قتاله ، فتألّم وقال بذوب روحه :
« الله المستعان ».
وأوفد الإمامعليهالسلام للقاء القوم حبر الأمّة عبد الله بن عباس ليحاججهم بمنطقه الفيّاض ، فسارع إليهم ، والتقى أوّلا :
مع طلحة : وبدأ ابن عبّاس مع طلحة ، فذكّره ببيعته للإمام ، وأنّها عهد في رقبته ، فقال طلحة :
بايعت عليّا والسيف على رقبتي ...
فردّ عليه ابن عباس :
أنا رأيتك بايعت عليّا طائعا ، أو لم يقل لك قبل بيعتك له : إن أحببت ابايعك ، فقلت : لا بل نحن نبايعك ..؟
ولم يستطع طلحة إنكار ذلك ، وإنّما أخذ يلفّق معاذيره في تمرّده قائلا :
إنّما قال لي ذلك ، وقد بايعه القوم فلم أستطع خلافهم.
والله يا ابن عبّاس! إنّ القوم الذين معه يغرّونه ...
أما علمت يا بن عبّاس إنّي جئت إليه والزبير ، ولنا من الصحبة ما لنا مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والقدم في الإسلام ، وقد أحاط به الناس قياما على رأسه بالسيف ، فقال لنا ـ بهزل ـ : إن أحببتما بايعت لكما ، فلو قلنا : نعم ، أفتراه يفعل؟ وقد بايع الناس له ، فليخلع نفسه ، ويبايعنا ، لا والله! ما كان يفعل ، وحتّى إن يغري بنا من لا يرى لنا حرمة ، فبايعناه كارهين ، وقد جئنا نطلب بدم عثمان ، فقل لابن عمّك : إن كان يريد
حقن الدماء وإصلاح أمر الامّة فليمكّننا من قتلة عثمان فهم معه ، ويخلع نفسه ، ويردّ الأمر ليكون شورى بين المسلمين فيولّوا من شاءوا ، فإنّما عليّ رجل كأحدنا ، وإنّ أبى أعطيناه السيف فما له عندنا غير هذا ...
وحفل كلام طلحة بالمغالطات ، فليست عنده حجّة أو دليل يركن إليه ، أيستقيل الإمام من منصبه بعد ما بايعه المسلمون بيعة عامّة لم يظفر بمثلها أحد من الخلفاء؟ إذ لم تكن بيعته فلتة ، ولم تكن عن الشورى الهزيلة التي دبّرت ضدّ الإمام فكيف يتخلّى الإمام عن منصبه ويغرق الأمّة بالفتن والخطوب؟ وردّ عليه ابن عبّاس بقوله :
يا أبا محمّد ، لست تنصف ، ألم تعلم أنّك حضرت عثمان ، حتّى مكث عشرة أيام يشرب من ماء بئره ، وتمنعه من شرب ماء الفرات حتى كلّمك عليّ في أن تخلّي الماء له ، وأنت تأبى ذلك.
ولمّا رأى أهل مصر فعلك ، وأنت صاحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دخلوا عليه بسلاحهم فقتلوه ، ثمّ بايع الناس رجلا له من السابقة والفضل والقرابة برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم والبلاء العظيم ما لا يدفع وجئت أنت وصاحبك طائعين غير مكرهين حتى بايعتما ثمّ نكثتما ، فعجب والله! إقرارك لأبي بكر وعمر وعثمان بالبيعة ، ووثوبك على ابن أبي طالب ، فو الله! ما عليّ دون أحد منكم.
وأمّا قولك : يمكّنني من قتلة عثمان ، فما يخفى عليك من قتل عثمان.
وأمّا قولك : إن أبى عليّ فالسيف ، فو الله! إنّك تعلم أنّ عليّا لا يتخوّف ....
لقد فنّد ابن عبّاس أغاليط طلحة وحججه الواهية الرخيصة التي تذرّع بها لمحاربة الحقّ ، والخروج على إمام زمانه ، ومضى طلحة يهدّد ويتوعّد قائلا :
أيها الآن دعنا من جدالك ..
وعرض ابن عبّاس حديث طلحة على الإمامعليهالسلام فقال بألم :
( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) (1) .
مع عائشة : وندب الإمامعليهالسلام ابن عبّاس للقيى عائشة ، وأمره أن يقول لها :
« إنّ هذه الامور لا تصلحها النّساء ، وإنّك لم تؤمري بذلك ، فلم ترضين بالخروج عن أمر الله في تبرّجك؟ وبيتك الّذي أمرك النّبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بالمقام فيه؟ حتّى سرت إلى البصرة فقتلت المسلمين؟ وعمدت إلى عمّالي فأخرجتهم؟ وأمرت بالتّنكيل بالمسلمين؟ وأبحت دماء الصّالحين؟ فارعي وراقبي الله عزّ وجلّ ، فقد تعلمين أنّك كنت أشدّ النّاس على عثمان ، فما عدا ممّا بدا » (2) .
وفي الحقيقة الدعوة إلى الحقّ بجميع رحابه ، فقد سدّ على عائشة كلّ نافذة تسلك فيها لتبرير خروجها على الإمام ، فليس لها أي مشروعيّة في خروجها من بيتها الذي أمرها الله تعالى أن تقرّ فيه ، كما أنّه لا سبيل لها في قتل المسلمين ، ونهب ما في بيت المال كلّ ذلك لا سبيل لها فيه وعرض ابن عبّاس حديث الإمامعليهالسلام على عائشة فقالت له :
يا ابن عبّاس ، ابن عمّك يرى أنّه قد تملّك البلاد ، لا والله! ما بيده أي شيء منها إلاّ وبيدنا أكثر منها ...
وردّ عليها ابن عبّاس قائلا :
يا امّاه ، إنّ أمير المؤمنين له فضل وسابقة في الإسلام ، وعظم عناء ...
وسارعت عائشة قائلة :
ألا تذكر طلحة وعناءه يوم احد؟
__________________
(1) الأعراف : 89.
(2) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 77 ـ 78.
فأجابها ابن عبّاس :
والله! ما نعلم أحدا أفضل من علي ...
ولم يجد نصح ابن عبّاس لعائشة ، ولم تخضع لمنطقه الفيّاض ، وأصرّت على تمرّدها ، فانبرى إليها ابن عبّاس قائلا :
الله الله في دماء المسلمين! وسارعت عائشة قائلة :
وأي دم يكون للمسلمين إلاّ أن يكون عليّ يقتل نفسه ومن معه ..؟
وتبسّم ابن عبّاس من منطقها الرخيص ، وعدم اهتمامها بإراقة دماء المسلمين ، فأنكرت ذلك عائشة وقالت له :
مم تضحك يا بن عبّاس؟
فقال لها : إنّ عليّا معه قوم على بصيرة من أمرهم يبذلون مهجهم دونه ...
ثمّ تركها وانصرف ، ولم يلق معها أي استجابة لنصحه ، فقد أصرّت على رأيها.
مع الزبير : وسارع ابن عبّاس إلى الزبير ، فالتقى به وحده ، وكان يخشى أن يكون معه ابنه عبد الله الذي كان من ألدّ أعداء الإمامعليهالسلام ، وعرض عليه نصيحة الإمام ، ودارت بينهما بعض الأحاديث ، وكاد أن يلين لها الزبير ، إلاّ أنّ بعض الحاضرين سارع إلى ولده عبد الله فأخبره بمجيء ابن عبّاس فخشي من استجابة أبيه فبادر مسرعا إلى أبيه ، وجرت مناظرة بينه وبين ابن عبّاس ، فصرف أباه ، وأفسد الأمر ، فانصرف ابن عبّاس وقد فشل في مهمّته ، فأخبر الإمامعليهالسلام بذلك.
ولم يكتف الإمامعليهالسلام بالوفد الذي أرسله للزبير وطلحة وعائشة ، فقد خرج بنفسه ليقيم الحجّة عليهم ، فالتقى بطلحة والزبير ، وقال لهما :
« استحلفا عائشة بحقّ الله ، وبحقّ رسوله على أربع خصال أن تصدق فيها : هل تعلم رجلا من قريش أولى منّي بالله ورسوله ، وإسلامي قبل كافّة النّاس أجمعين ، وكفايتي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كفّار العرب بسيفي ورمحي ، وعلى براءتي من دم عثمان ، وعلى أنّي لم أكن أستكره أحدا على بيعتي ، وعلى أنّي كنت أحسن قولا في عثمان منكما؟ ».
فأجابه طلحة جوابا منكرا ، ورقّ له الزبير ، وقفل الإمام راجعا إلى أصحابه فقالوا له : بم كلّمت الرجلين؟ فقالعليهالسلام :
« إنّ شأنهما لمختلف ، أمّا الزّبير فقاده اللّجاج ، ولن يقاتلكم ، وأمّا طلحة فسألته عن الحقّ فأجابني بالباطل ، ولقيته باليقين فقابلني بالشّكّ ، فو الله! ما نفعه الحقّ ، وأضرّ به الباطل ، وهو ـ أي طلحة ـ مقتول في الرّعيل » (1) .
وتحقّق ما تنبّأ به الإمامعليهالسلام ، فقد صرع طلحة ، وزهقت نفسه لا على حقّ ، وإنّما على باطل صريح واضح.
ورأى الإمامعليهالسلام أن يكسب الزبير ، وينقذه من الضلالة فخرج إليه ، وقد اعتلى بغلة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الشهباء ، وكان عاريا من السلاح ، فنادى أين الزبير؟ فخرج إليه شاكّا بسلاحه ، فقيل لعائشة إنّ الزبير قد خرج للإمام ، فخافت عليه وصاحت :
واحرباه يا أسماء(2) !
فقيل لها : إنّ عليّا خرج حاسرا فاطمأنّت ، واعتنق الإمام الزبير وقال له
__________________
(1) واقعة صفّين ـ محمّد بن زكريا : 35.
(2)أسماء : هي بنت أبي بكر ، اخت عائشة ، وهي زوجة الزبير ، وقد خافت عائشة عليه من القتل بيد الإمام فقالت : وا حرباه يا أسماء!
بلطف :« ما الّذي أخرجك؟ ».
دم عثمان.
ولم يحفل الإمام بهذا الاعتذار الذي لا نصيب له من الصحّة ، فأشاح عنه ، وأخذ يذكّره بما قاله رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيه :
« اناشدك بالله ، هل تعلم يا زبير أنّي كنت أنا وأنت في سقيفة بني فلان تعالجني واعالجك فمرّ بي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقال : كأنّك تحبّه؟ قلت : وما يمنعني إنّه على ديني وهو ابن عمّتي. فقال رسول الله : أما إنّه ليقاتلنّك وهو الظّالم ».
ولم يسع الزبير إنكار ذلك ، وراح يقول بأسى وحزن : اللهمّ نعم.
« فعلام تقاتلني؟ ».
نسيتها والله! ولو ذكرتها ما خرجت إليك ، ولا قاتلتك ...
وانصرف الزبير ، وقد طافت به موجات من الأسى ، وندم كأشدّ ما يكون الندم على ما فرّط في أمر نفسه ، وقفل الإمام راجعا إلى أصحابه فبادروا قائلين :
يا أمير المؤمنين ، سرت إلى رجل في سلاحه ، وأنت حاسر؟
فأجابهم الإمام :
« أتدرون من الرّجل؟ إنّه الزبير بن صفيّة عمّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أما أنّه قد أعطى عهدا لا يقاتلكم إنّي ذكرت له حديثا قاله رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فقال : لو ذكرته ما أتيتك ».
وصاح أصحاب الإمام : الحمد لله يا أمير المؤمنين! ما كنّا نخشى في هذه الحرب غيره ، ولا نتّقي سواه(1) .
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 73.
ولمّا باءت بالفشل جميع الوسائل والجهود التي بذلها الإمام من أجل السلم وحقن الدماء ، ندب أصحابه لرفع كتاب الله تعالى والدعوة إلى الحكم بما فيه ، وأحاطهم علما أنّ من يقوم بهذه المهمّة فإنّه يستشهد ، فوجم أصحابه سوى فتى نبيل مؤمن من أهل الكوفة ، فانبرى قائلا :
أنا له يا أمير المؤمنين!
وقد وطّن الفتى نفسه على الموت ، فأشاح الإمام بوجهه عنه ، وندب أصحابه لهذه المهمّة فلم يستجب له أحد منهم سوى الفتى ، فناوله الإمام المصحف ، فانطلق به إلى ساحة الحرب ، وهو يلوّح به أمام عسكر عائشة ، وقد رفع صوته بالدعوة إلى تحكيم القرآن الكريم ، فحمل القوم عليه ، وقطعوا يمينه ، فأخذ المصحف بيساره ، وهو يناديهم ويدعوهم إلى العمل بما في كتاب الله تعالى ، فحملوا عليه وقطعوا يساره ، فأخذ المصحف بأسنانه ، وقد نزف دمه ، وهو يقول :
الله في دمائنا ودمائكم ...
وانثالوا عليه من كلّ جانب يرشقونه بالسهام ، فهوى إلى الأرض جثّة هامدة ، فانطلقت إليه امّه تبكيه وترثيه بذوب روحها قائلة :
يا ربّ إنّ مسلما أتاهم |
يتلو كتاب الله لا يخشاهم |
|
فخضّبوا من دمه لحاهم |
و امّه قائمة تراهم(1) |
ورأى الإمام بعد شهادة هذا الفتى أنّه لا وسيلة إلاّ الحرب ، فقال لأصحابه :
« الآن حلّ قتالهم ، وطاب لكم الضّراب ».
__________________
(1) مروج الذهب 2 : 246.
ودعا الإمام الحصين بن المنذر ، وكان شابّا ، فقال له :
« يا حصين ، دونك هذه الرّاية ، فو الله ما خفقت قطّ فيما مضى ، ولا تخفق فيما بقي راية أهدى منها إلاّ راية خفقت على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ».
وأنشد الإمام :
« لمن راية سوداء يخفق ظلّها |
إذا قيل قدّمها حصين تقدّما |
|
يقدّمها للموت حين يزيرها |
حياض المنايا يقطر الموت والدّما »(1) |
ولمّا يئس الإمامعليهالسلام من السلم وحقن الدماء ، عبّأ جيشه تعبئة عامّة وأسند قيادة جيشه إلى الزعيم مالك الأشتر ، والصحابي العظيم عمّار بن ياسر وغيرهما من أعلام الصحابة ، ودعا بدرع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلبسه ، واعتلى على بغلة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ووقف أمام صفوف جيشه ، ونشر عليه اللواء ، فوقف قيس بن عبادة أمامه وأنشأ يقول :
هذا اللّواء الّذي كنّا نخفّ |
مع النّبيّ وجبريل لنا مددا |
|
ما ضرّ من كانت الأنصار عيبته |
أن لا يكون له من غيرها أحدا |
|
قوم إذا حاربوا طالت أكفّهم |
بالمشرفيّة حتّى يفتحوا البلدا |
وصفّ جند عائشة صفوفهم ، وجاءوا بالجمل الذي يقلّ عائشة وخطامه بيد كعب بن شور ، وقد رفع صوته قائلا :
يا معشر الأزد عليكم امّكم |
فإنّها صلاتكم وصومكم |
__________________
(1) أنساب الأشراف 1 : 180.
والحرمة العظمى الّتي تعمّكم |
فأحضروها جدّكم وحزمكم |
|
لا يغلبن سمّ العدوّ(1) سمّكم |
إنّ العدوّ إن علاكم زمّكم |
|
وخصّكم بجوره وعمّكم |
لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم(2) |
وتقدّم رجل من بني ضبّة وبيده السيف أمام جمل عائشة ، وقد رفع عقيرته قائلة :
أضربهم ولو أرى عليّا |
عمّمته أبيض مشرفيّا |
أريح منه معشرا غويّا فشدّ عليه رجل من أصحاب الإمام يقال له اميّة العبدي فردّ عليه بقوله :
هذا عليّ والهدى سبيله |
والرشد فيه والتقى دليله |
من يتبع الحقّ يكن خليله وحمل الإمامعليهالسلام عليهم ، وقد رفع اللواء بيسراه ، وشهر بيمينه سيفه ذا الفقار الذي ذبّ به عن دين الله ، وحارب به المشركين على عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، واقتتل الفريقان كأشدّ ما يكون القتال يريد أصحاب الإمام أن يحموا إمامهم ، وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ويريد أصحاب عائشة أن يحموا أمّهم.
وحمل رجل من أصحاب عائشة يقال له أبو الحرباء على جيش الإمام وهو يقول :
أنا أبو الحرباء واسمي عاصم |
وأمّنا أمّ لها محارم |
وأرداه قتيلا ، وحمل رجل من جند عائشة على أصحاب الإمام وقد رفع صوته عاليا :
__________________
(1) يريد بالعدو : الإمام أمير المؤمنين صدّيق المؤمنين وعدوّ المنافقين.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 81.
نحن نوالي أمّنا الرضيّه |
وننصر الصحابة المرضية |
فشدّ عليه رجل من أصحاب الإمام وهو يقول :
دليلكم عجل بني اميّة |
وامّكم حاسرة شقيّة |
|
هاوية في فتنة عميّة |
وضربه على هامته ففلقها وخرّ إلى الأرض صريعا ، وقد استخدم الرجز في هذه الحرب من الفريقين كلّ منهما يعلن أهدافه ، وسبب حربه إلى الفريق الآخر.
وبرز عبد الله بن الزبير لحومة الحرب ، فبرز إليه الزعيم مالك الأشتر فعلا صدر ابن الزبير فصاح مستجيرا :
اقتلوني ومالكا |
واقتلوا مالكا معي |
وأخذ الأشتر برجل ابن الزبير وألقاه في الخندق ، وقال : والله! لو لا قرابتك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما اجتمع منك عضو إلى عضو أبدا.
وعلمت عائشة بمبارزة ابن اختها عبد الله إلى مالك الأشتر ففقدت صوابها وراحت تقول : من بشّرني بسلامته فله عشرة آلاف درهم ، ودخل عليها بعد ذلك الأشتر فقالت له معاتبة :
يا أشتر ، أنت الذي أردت قتل ابن اختي يوم الواقعة ...
فردّ عليها الأشتر بهذه الأبيات :
أعائش لو لا أنّني كنت طاويا |
ثلاثا لألفيت ابن اختك هالكا |
|
غداة ينادي والرّجال تحوزه |
بأضعف صوت : اقتلوني ومالكا |
فنجّاه منّي أكله وشبابه |
وأنّي شيخ لم أكن متماسكا(1) |
أمّا الزبير فكان رقيق القلب ، وشديد الوله لأهل البيتعليهمالسلام وقد زجّ به في هذه المهالك حبّه للملك ، وإغراء ولده له ، إلاّ أنّه بعد اجتماعه بالإمامعليهالسلام ثاب إلى رشده ، وراح يقول :
اخترت عارا على نار مؤجّجة |
ما أن يقوم لها خلق من الطين |
|
نادى عليّ بأمر لست أجهله |
عار لعمرك في الدنيا وفي الدين |
|
فقلت : حسبك من عذل أبا حسن |
فبعض هذا الذي قد قلت : يكفيني(2) |
وملكت الحيرة صوابه ، واتّجه صوب عائشة ، وراح يقول لها :
يا أمّ المؤمنين ، إنّي والله! ما وقفت موقفا قطّ إلاّ عرفت أين أضع قدمي فيه إلاّ هذا الموقف؟ فإنّي لا أدري أمقبل فيه أم مدبر؟
وعرفت عائشة دخائل ذاته ، وأنّه قد استجاب لنداء الحقّ ، فأثارت عواطفه ، وقالت له بسخرية :
يا أبا عبد الله ، خفت سيوف بني عبد المطّلب؟
وعاثت هذه السخرية فسادا في نفسه ، والتفت إليه ولده عبد الله فعيّره بالجبن قائلا له :
إنّك خرجت على بصيرة ، ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب ، وعرفت أنّها تحتها الموت ...
__________________
(1) النجوم الزاهرة 1 : 105 ـ 106.
(2) مروج الذهب 2 : 247.
إنّ الزبير لم يخرج على بصيرة من أمره ـ كما يقول ولده ـ وإنّما خرج محاربا لله ورسوله ، من أجل الملك والسلطان ، فهو على علم لا يخامره شكّ أنّ عليّا مع الحقّ ، والحقّ معه ، كما قال النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فكيف يكون خروج الزبير لحرب الإمام عليّ على بصيرة؟
وعلى أي حال فقد التاع الزبير من تعيير ابنه له بالجبن ، وهي من أبغض الصفات وأمقتها عند الزبير(1) والتفت إلى ولده فقال له :
ويحك! إنّي قد حلفت له ـ أي للإمام ـ أن لا اقاتله ...
فقال له ولده :
كفّر عن يمينك بعتق غلامك سرجس ...
فأعتق الزبير غلامه ، وراح يجول في ساحة الحرب ليرى ولده شجاعته ...
وأخذت تراوده الأفكار ، واستبان له أنّه على ضلال فانصرف عن ساحة القتال ، وأخذ يجدّ في السير حتّى انتهى إلى وادي السباع ، فلقيه عمرو بن جرموز ، فقال له :
يا أبا عبد الله ، أحييت حربا ظالما أو مظلوما ، ثمّ تنصرف ، أتائب أنت أم عاجز؟
فسكت الزبير ولم يجبه ، وأعاد ابن جرموز عليه الحديث فقال له : حدّثني عن خصال خمس : أسألك عنها؟
هات.
خذلك عثمان ، وبيعتك عليّا ، وإخراجك أمّ المؤمنين ، وصلاتك خلف ابنك ، ورجوعك عن الحرب ...
نعم ، اخبرك أمّا خذلي عثمان فأمر قدّم الله لي الخطيئة وأخّر لي فيه التوبة ،
__________________
(1) مروج الذهب 2 : 247.
وأمّا بيعتي عليّا فو الله! ما وجدت من ذلك بدّا ، حيث بايعه المهاجرون والأنصار وخشيت القتل ، وأمّا إخراج أمّنا عائشة فأردنا أمرا وأراد الله غيره ، وأمّا صلاتي خلف ابني فإنّما قدّمته عائشة أمّ المؤمنين ، ولم يكن دون صاحبي أمر ، وأمّا رجوعي عن الحرب فظنّ بي ما شئت غير الجبن ..
ولم يقتنع ابن جرموز بهذه الأجوبة الواهية ، فصمّم على قتله ، وأخذ يدبّر الحيلة في اغتياله ، فأعرب له عن شفقته وحرصه عليه قائلا :
يا أبا عبد الله ، إنّ دون أهلك مسافة فخذ نجيبي هذا وخلّ فرسك ودرعك فإنّهما شاهدتان عليك بما نكره ...
انظر في ذلك ..
ولم يلتفت إلى مكره ، وأخذ يلحّ عليه ، فاستجاب له وأعطاه فرسه ودرعه وبقي حاسرا ليس معه سلاح يدافع به عن نفسه ، وسارع ابن جرموز إلى الأحنف بن قيس فأخبره بما صمّم عليه من قتل الزبير فأقرّه على ذلك ، وقال له :
اقتله ، قتله الله مخادعا ...
ورأى رجل الزبير ، وهو عار عن السلاح ، وعرف ما دار بينه وبين ابن جرموز ، فقال له ناصحا :
يا أبا عبد الله ، أنت لي صهر ، وابن جرموز لم يعتزل هذه الحرب مخافة لله ، ولكنّه كره أن يخالف الأحنف وقد ندم الأحنف في خذلانه لعليّ ، وقد أراد أن يتقرّب بك إليه ، فأخذ درعك وفرسك ، وهذا تصديق ما قلت : فبت عندي الليلة ، ثمّ اخرج بعد نومه فإنّك إن فتهم لم يطلبوك ...
وتهاون الزبير عن نصيحة الرجل ، وطلب أن يرشده إلى أمر آخر فقال له :
ما نرى يا أخا بني كلب؟
فأشار عليه بالصواب قائلا :
أرى أن ترجع إلى فرسك ودرعك فتأخذهما فإنّ أحدا لا يقدم عليك وأنت فارس ...
ولم يستجب الزبير لهذا النصح الخالص الذي يضمن حياته ، فقد أعرض عنه ، وأصبح وابن جرموز معه قد لبس درعه واعتلى فرسه ، وقد غفل الزبير عمّا دبّر له ، وبينما هو في غفلة وذهول من أمره بادر إليه ابن جرموز فطعنه ثمّ أجهز عليه ، فاحتزّ رأسه وأتى به وبسيفه إلى الإمامعليهالسلام ، فأخذ السيف وبدا عليه الحزن ، وقال بنبرات تقطر أسى :
« سيف والله! طالما جلى به عن وجه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم الكرب ».
لقد انتهت حياة الزبير بمثل هذا المصير المؤلم ، وقد كان من أعلام المجاهدين في الإسلام. لقد ختم حياته بالتمرّد وإعلان الحرب على وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه ، وقد ألقاه في هذا المستوى السحيق جشعه وحبّه للدنيا وولده عبد الله الذي هام في حبّ الملك والسلطان ، وعلى أي حال فقد فجعت زوجته عاتكة بنت زيد ، وقالت ترثيه بذوب روحها ، كما عرضت إلى غدر ابن جرموز به قالت :
غدر ابن جرموز بفارس بهمة |
يوم اللقاء وكان غير مسدّد |
|
يا عمرو ، لو نبّهته لوجدته |
لا طائشا رعش الجنان ولا اليد |
|
شلّت يمينك إن قتلت لمسلما |
وجبت عليك عقوبة المتعمّد(1) |
أمّا طلحة فهو ثاني شخصيّة في هذه الحرب الظالمة ، وكان من الحاقدين على
__________________
(1) طبقات ابن سعد 3 : 112.
الإمام لموقفه من بيعة أبي بكر الذي هو من ألصق الناس بطلحة وهو الذي أغرى الزبير بالتمرّد على حكومة الإمامعليهالسلام .
وعلى أي حال فقد اتّفق الرواة على أنّ مروان بن الحكم قد انتهز غفلته ورماه بسهم أجهز عليه ، وقال : لا أطلب ثارا بعد اليوم إنّ دم عثمان عند هذا ، وقال لبعض ولد عثمان :
لقد كفيتك ثأر أبيك من طلحة وبمقتله ومصرع الزبير فقد انتهت القيادة العامّة في جيش عائشة.
وتولّت عائشة القيادة العامّة للجيش بعد هلاك الزبير وطلحة ، فكانت هي التي تتولّى إصدار الأوامر في العمليات الحربية ، وقد احتفّ بهودجها بنو ضبّة وهم من أغلظ الناس قلوبا وطباعا وهم ينشدون :
نحن بنو ضبّة أصحاب الجمل |
ننازل القرن إذا القرن نزل |
|
والقتل أشهى عندنا من العسل |
نبغي ابن عفّان بأطراف الأسل |
ردّوا علينا شيخنا ثمّ بجل
كما أحاطت بجمل عائشة الأزد وبنو ناجية ، وقد هاموا بحبّها والإخلاص إليها فكانوا يأخذون بعر جملها ويشمّونه ويقولون : بعر جمل أمّنا ريحه ريح المسك ...
وكان جملها ـ عسكر ـ هو الراية التي يقاتل تحتها اولئك البسطاء ، ويتساقطون جملة وأفرادا ، وخرج كعب بن سور مع اخوة له ثلاثة أو أربعة ، وفي عنقه مصحف ، فقتلوا جميعا وتتابع الرجال بلهفة بأخذ خطام جملها ، حتى قتل سبعون من قريش خاصّة ، وكانت عائشة تسأل عن الآخذ بخطام جملها فتمجّده ، وتغريه للدفاع
عنها ، وجاءت بنو ناجية فأخذت بزمام ناقتها ، وكانوا مشكوكين في انتسابهم لقريش فقالت لهم :
صبرا بني ناجية فإنّي أعرف فيكم شمائل قريش ...
لقد أضفت عليهم لقب الانتساب لقريش ليتفانوا في الدفاع عنها ، وفعلا فقد فنوا جميعا وبادرت بنو ضبّة بأخذ خطام جملها ، وشاعرهم يرتجز ..
نحن بنو ضبّة لا نفرّ |
حتى نرى جما جما تخرّ |
يخرّ منها العلق المحمرّ
يا أمّنا يا زوجة النبيّ |
يا زوجة المبارك المهديّ |
وقابلوا الموت بشوق حتى قتل منهم أربعون رجلا ، وسارعت الأزد بأخذ خطام الجمل ، فقالت عائشة :
من أنتم؟
الأزد.
فألهبت في نفوسهم العواطف قائلة : إنّما يصبر الأحرار ، ما زلت أرى النصر مع بني ضبّة ، فلمّا فقدتهم أنكرته واندفع هؤلاء السذّج إلى القتال حتى قتل معظمهم ، واشتدّ القتال كأشدّ وأعنف ما يكون القتال ، وملئت الأرض بأشلاء القتلى والجرحى ، يقول الواقدي : إنّهم كانوا حول الجمل يحامون عنه ، وقد كانت الرءوس تندر عن الكواهل ، والأيدي تطيح من المعاصم ، وأقتاب البطون تنزلق من الأجواف ، وهم كالجبال الثابتة حول الجمل(1) .
لقد أريقت الدماء ، وازهقت الأنفس حول جمل عائشة ، وقد تهافت هؤلاء
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 10 : 84.
الأعراب عليه لا يريمون عنه ، ويقدّمون نفوسهم بسخاء للحفاظ عليه.
رأى الإمامعليهالسلام أنّ الحرب لا تنتهي ما دام الجمل موجودا فرفع صوته عاليا :
« اعقروا الجمل ، فإنّه شيطان ، اعقروه وإلاّ فنيت العرب ، لا يزال السّيف قائما وراكعا حتّى يهوي هذا البعير إلى الأرض »(1) .
فحمل عليه ـ في رواية ـ الإمام الحسنعليهالسلام فقطع يده اليمنى ، وشدّ عليه الإمام الحسين فقطع يده اليسرى فهوى إلى جنبه وله عجيج منكر لم يسمع مثله ، كأنّه عجل بني إسرائيل.
وفرّ حماة الجمل في البيداء لا يلوون على شيء فقد تحطّم صنمهم الذي قدّموا له هذه القرابين ، وأمر الإمامعليهالسلام بحرقه وذري رماده في الهواء لئلاّ تبقى منه بقيّة تكون مصدر فتنة وبلاء ، وبعد الفراغ من حرقه قالعليهالسلام :
« لعنه الله من دابة ، ما أشبهه بعجل بني إسرائيل » ، ثمّ مدّ بصره نحو الرماد الذي تناهبته الريح وتلا قوله تعالى :( وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً ) (2) .
وبذلك فقد وضعت الحرب أوزارها ، وكتب النصر الحاسم للإمام ـ وباءت القوى المعادية له بالهزيمة والخسران.
وأوفد الإمام الممتحن للقيى عائشة السبطين الحسن والحسينعليهماالسلام ومحمّد بن
__________________
(1) وقعة الجمل : 45.
(2) طه : 97.
أبي بكر فانطلقوا إليها ، ومدّ أخوها محمّد بيده في هودجها فجفلت منه ، وصاحت به :
من أنت؟
أبغض أهلك إليك ..
ابن الخثعميّة؟
نعم ، أخوك البرّ ..
عقوق ..
هل أصابك مكروه؟
سهم لم يضرّني ..
فانتزعه منها ، وأخذ بخطام هودجها ، وأدخلها في الهزيع الأخير من الليل إلى دار عبد الله بن خلف الخزاعي ، وفيه صفيّة بنت الحارث فأقامت فيه أياما.
وأشاعت هذه الحرب الظالمة الحزن والحداد في بيوت البصرة وغيرها ، فقد قيل إنّ عدد القتلى أكثر من ثلاثين ألفا ، وقيل : أقلّ من ذلك(1) ، ففي ذمّة الله ما لاقى إمام المتّقين من الخطوب من الاسر القرشية التي ملئت نفوسها بالحقد والعداء له.
ولمّا انجلت الحرب سار الإمام ومعه خيار أصحابه كعمّار بن ياسر ، فجعل يطوف على القتلى من أصحاب عائشة ، فرأى عبد الرحمن بن عتاب وقد قتل فقال :
__________________
(1) جاء في العقد الفريد 4 : 326 أنّ عدد القتلى من أصحاب عائشة عشرون ألفا ، وعدد القتلى من أصحاب الإمام خمسمائة ، وجاء مثل ذلك في أنساب الأشراف 1 : 180.
هذا يعسوب قريش(1) ، ومرّ بعبد الله بن خلف الخزاعي وعليه ثياب حسّان مشهرة فقال الناس : هذا والله رأس الناس ، فقالعليهالسلام :
« ليس برأس النّاس ولكنّه شريف منيع النّفس ».
وجعل يستعرض القتلى رجلا رجلا ، فرأى أشراف قريش صرعى فقال :
« هذه قريش جدعت أنفي ، أما والله! إنّ مصرعكم لبغيض إليّ ، ولقد تقدّمت إليكم احذّركم عضّ السّيوف ، وكنتم أحداثا لا علم لكم بما ترون ولكنّه الحين وسوء المصرع ، نعوذ بالله من سوء المصرع ».
واجتاز الإمام على كعب بن سور القاضي ، وهو صريع وفي عنقه المصحف فأمر بإخراج المصحف من عنقه ووضعه بمكان طاهر وأمر بجلوسه ، فاجلس ، وخاطبه الإمام فقال :
« يا كعب ، قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا؟ ».
ومرّ الإمام بطلحة صريعا فقال : « أجلسوا طلحة » ، فاجلس ، فقال له :
« يا طلحة بن عبيد الله ، قد وجدت ما وعدني ربّي حقّا ، فهل وجدت ما وعدك ربّك حقّا »؟ ثمّ قال: « اضجعوه ».
وانبرى إلى الإمام رجل من القرّاء فقال له :
ما كلامك لهذه الأموات التي لا تسمع؟
« إنّهم ليسمعون كلامي كما سمع أصحاب القليب كلام رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوم بدر ، ولو اذن لهم في الجواب لرأيت عجبا ».
__________________
(1) مجالس ثعلب : 156.
ومرّ بعبد الله بن ربيعة وهو في القتلى فقال :
« هذا البائس ما كان أخرجه؟ أدين أخرجه أم نصر لعثمان ، والله! ما كان رأي عثمان فيه ولا في أبيه بحسن ».
واجتاز على جماعة آخرين صرعى فنعى عليهم مصيرهم الأسود وتأسّف عليهم كأشدّ ما يكون الأسف.
وأصدر الإمامعليهالسلام عفوا عامّا عن جيش عائشة ، وسار فيهم سيرة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم في أهل مكّة فآمن الأسود والأحمر على حدّ تعبير اليعقوبي(1) .
ونادى مناديه بتنفيذ المواد التالية :
1 ـ لا يجهز على جريح.
2 ـ لا يطعن مدبر.
3 ـ لا يستحلّ فرج.
4 ـ لا يستحلّ مال.
5 ـ لا يتبع مولّ.
وعفا عن عائشة ، ومروان بن الحكم ، وموسى بن طلحة ، وعمر بن سعيد بن العاص ، وهم قادة ذلك الجيش الضالّ والمنحرف عن الحقّ.
وسار الإمامعليهالسلام نحو عائشة ، فاستقبلته صفيّة بنت الحارث شرّ لقاء ، فقالت
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 256.
له : يا قاتل الأحبّة ، أيتم الله بنيك كما أيتمت بني ، وكانوا قد قتلوا في المعركة ، فأعرض عنها ، ولم يجبها بشيء ، ومضى حتى دخل على عائشة ، فقالت له : ملكت فأسجح(1) .
وأمرها الإمام بمغادرة البصرة ، وأن تقرّ في بيتها كما أمرها الله ورسوله ، ولمّا قفل راجعا استقبلته صفيّة بمثل ما قالت له أوّلا فردّ عليها الإمام قائلا :
« لو كنت قاتل الأحبّة لقتلت من في هذا البيت ».
وأشار الإمام إلى بعض البيوت ، وقد كمن فيه كثير من الجرحى فسكتت صفيّة وخافت عليهم ، وأراد من كان مع الإمام البطش بهم فنهاهم عن ذلك.
لقد منح الإمام العفو العامّ لألدّ أعدائه وخصومه الذين ناجزوه الحرب ، وخلعوا يد الطاعة ، فلم يقابلهم بأيّ لون من ألوان العنف.
وعهد الإمامعليهالسلام إلى ابن عبّاس أن يأتي إلى عائشة ويأمرها بالرجوع إلى بيتها في المدينة ، فاستأذن عليها فأبت أن تأذن له ، فدخل عليها بلا إذن ، ومدّ يده إلى وسادة في البيت فجلس عليها فأنكرت ذلك ، وقالت له :
أخطأت السّنة مرّتين : دخلت بيتي بغير إذني ، وجلست على متاعي بغير أمري ..
فردّ عليها ابن عبّاس بمنطقه الفيّاض قائلا :
والله! ما بيتك إلاّ الذي أمرك الله أن تقرّي فيه إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي إلى بلدك الذي خرجت منه ..
__________________
(1) التمثيل والمحاضرة : 39.
فردّت عليه بعنف واستهانة بالإمام قائلة :
رحم الله أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطّاب ..
ولم تعترف عائشة بإمامة عثمان ، وحصرتها بعمر ، فردّ عليها ابن عبّاس :
نعم هذا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ..
أبيت ، أبيت ..
لقد أصرّت على جحدها لإمامة الإمام ، ولذع كلامها ابن عبّاس فقال لها :
ما كان آباؤك إلاّ فواق ناقة بكيئة(1) ثمّ حرّمت ما تحلّين ، ولا تأمرين ولا تنهين فالتاعت من كلامه ، وأرسلت ما في عينيها من دموع ، وقالت :
نعم ، ارجع ، فإنّ أبغض البلدان إليّ بلد أنتم فيه ..
فثار ابن عبّاس ، وردّ عليها ببالغ الحجّة قائلا :
أما والله! ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين امّا ، وجعلنا أباك لهم صدّيقا ..
فأجابته بمنطق هزيل قائلة :
أتمنّ عليّ برسول الله؟
نعم ، إنّه يمنّ عليها برسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلولاه لم تكن هي وغيرها أيّة قيمة لهم في الوجود ، وسارع ابن عبّاس في ردّها قائلا :
نمنّ عليك بمن لو كان منك بمنزلته منّا لمننت به علينا.
وتركها ابن عبّاس ، وهي تتميّز غيظا ، وقفل راجعا إلى الإمام فأخبره بحديثه
__________________
(1)الفواق : الناقة التي تحلب ثمّ تترك ليرضعها الفصيل حتى تدرّ فتحلب.البكيئة : الناقة التي قلّ لبنها.
فشكره الإمام وأثنى عليه(1) ، ثمّ إنّ الإمام سرّح عائشة تسريحا جميلا ، وأرسل معها كوكبة من النساء بزيّ الرجال فغضبت وراحت تقول : فعل الله في ابن أبي طالب وفعل ، بعث معي الرجال ولم تلتفت إلى نفسها أنّها قادت الجيوش ، ودخلت في ميادين الحرب ، فإنّ ذلك أمر مسموح لها حسب زعمها ، ولمّا قدمت المدينة نزعن النساء العمائم وألقين السيوف ، فاستبان لها خطأ ما اتّهمت به الإمام وراحت تقول :
جزى الله ابن أبي طالب الجنّة(2) .
ورحلت عائشة من البصرة ، وقد أشاعت في بيوتها الثكل والحزن والحداد ، ويقول عمير بن الأهلب وهو من أنصارها :
لقد أوردتنا حومة الموت أمّنا |
فلم تنصرف إلاّ ونحن رواء |
|
أطعنا بني تيم لشقوة جدّنا |
وما تيم إلاّ أعبد وإماء(3) |
وعلى أي حال فقد تركت حرب الجمل في نفس الإمامعليهالسلام أعمق الحزن وأقساه.
وأجمع فقهاء المسلمين على تأثيم القائمين بهذه الحرب ، وأنّه لا مبرّر لهم بحال من الأحوال ، ونعتوهم بالبغاة ، وأنّ الواجب الديني يقضي بمناجزتهم عملا بقوله تعالى :( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) (4) ، وقد أعلنوا أنّهم مسئولون أمام الله تعالى ، وهذه كلماتهم :
__________________
(1) العقد الفريد 3 : 103 ـ 104.
(2) الإمامة والسياسة 1 : 80.
(3) مروج الذهب 2 : 256.
(4) الحجرات : 9.
قال أبو حنيفة : ما قاتل أحد عليّا إلاّ وعليّ أولى بالحقّ منه ، ولو لا ما سار عليّ فيهم ما علم أحد كيف السيرة في المسلمين ، ولا شكّ أنّ عليّا إنّما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه ، وفي يوم الجمل سار عليّ فيهم بالعدل ، وهو أعلم المسلمين ، وكانت السنّة في قتال أهل البغي(1) .
قال ابن حجر : إنّ أهل الجمل وصفّين رموا عليّا بالمواطاة مع قتلة عثمان ، وهو بريء من ذلك ، وحاشاه ، وأضاف يقول : ويجب على الإمام قتال البغاة لإجماع الصحابة عليه ، ولا يقاتلهم حتى يبعث إليهم عدلا فطنا ناصحا يسألهم عمّا نقموا على الإمام تأسّيا بعليّ في بعثه ابن عبّاس إلى الخوارج بالنهروان(2) .
قال الجويني إمام الحرمين : كان عليّ بن أبي طالب إمام حقّ في توليته ، ومقاتلوه بغاة(3) .
إنّ الشريعة الإسلامية تلزم بمناجزة الخارجين على السلطة الشرعية وتأثيمهم لأنّ في خروجهم تصديعا لوحدة المسلمين ، وتدميرا لاخوّتهم.
إنّ العدوان المسلّح الذي قامت به العصابات القرشية على حكومة الإمامعليهالسلام إنّما هو حرب على القيم والمبادئ التي تبنّاها الإمام رائد العدالة الاجتماعية في الأرض.
__________________
(1) مناقب أبي حنيفة ـ الخوارزمي 2 : 82 ـ 83.
(2) تحفة المحتاج ـ النووي 4 : 110.
(3) الإرشاد في اصول الاعتقاد : 433.
إنّ تلك القوى التي ثارت على الإمامعليهالسلام كانت مدفوعة وراء مصالحها ، وحبّها للملك والسلطان. يقول البلاذري : حينما فتح الزبير البصرة واستولى على بيت المال ورأى كثرته تلا قوله تعالى :( وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها ) (1) ، وهذا ما وعدنا الله ، ولمّا قضى الإمامعليهالسلام على تمرّدهم ودخل بيت المال قالعليهالسلام : «يا دنيا غرّي غيري ... »(2) .
وعلي أي حال فإنّ القوم إنّما هبّوا لمناجزة الإمامعليهالسلام من أجل المطامع الرخيصة فخاضوا الباطل وسفكوا دماء المسلمين بغير حقّ ، وهم مسئولون ومحاسبون أمام الله تعالى عليها.
وأعقبت حرب الجمل أفدح الخسائر في المجتمع الإسلامي وأفظع الكوارث ، وقد ابتلي بها المسلمون وامتحن الإمام كأشدّ ما يكون الامتحان ، وفيما يلي بعض تلك المتارك :
1 ـ أنّها مهّدت السبيل لتمرّد معاوية ، ومكّنته من مناجزة الإمام ، ولولاها لما وجد معاوية إلى ذلك سبيلا.
إنّ معركة الجمل قد تبنّت المطالبة بدم عثمان ، وأظهرت أنّه مظلوم ، وأنّهم يطالبون بدمه مع أنّهم لا صلة نسبية لهم به.
أمّا معاوية فهو ابن عمّه ، واتّخذ دمه ورقة رابحة لعصيانه على حكومة الإمام.
2 ـ أنّها أشاعت الفرقة والخلاف بين المسلمين ، ودمّرت ما كان بينهم من روح الألفة والمودّة ، فقد اختلفوا بعد نهاية الحرب كأشدّ ما يكون الاختلاف ، فقبائل
__________________
(1) الفتح : 20.
(2) حياة الإمام الحسنعليهالسلام 1 : 461.
ربيعة واليمن القاطنون في البصرة أصبحوا يحملون الحقد والعداء لاخوانهم من ربيعة واليمن القاطنين في الكوفة ، وكلّ من الفريقين يطالب الفريق الآخر بالدماء التي سفكت في البصرة ، بل أصبحت ظاهرة العداء شائعة حتى في البيت الواحد من المصرين فبعض أبنائه شيعة لعليّ والبعض الآخر شيعة لعائشة ، وأخذ النزاع والخلاف يحتدم فيما بينهم.
3 ـ أنّ هذه الحرب أسقطت هيبة الحكم وجرّأت الخروج عليه ، وقد نجم من ذلك تشكيل الأحزاب النفعية كحزب ابن الزبير وحزب الأمويّين وحزب الخوارج ، وليس لتلك الأحزاب من هدف إلاّ الاستيلاء على السلطة ، والظفر بخيرات البلاد.
4 ـ أنّها فتحت باب الحرب بين المسلمين ، وكانوا قبل ذلك يتحرّجون كأشدّ ما يكون التحرّج في سفك دماء بعضهم بعضا.
5 ـ أنّها قد عملت على تأخير الإسلام وشلّ حركته ، وإيقاف نموّه ، فقد انصرف الإمام بعد حرب الجمل إلى مقاومة التمرّد الذي أعلنه معاوية ، يقول الفيلسوف ولز : إنّ الإسلام كاد أن يفتح العالم أجمع لو بقي سائرا سيرته الاولى ولو لم تنشب في وسطه من أوّل الأمر الحرب الداخلية. فقد كان همّ عائشة أن تقهر عليّا قبل كلّ شيء(1) .
6 ـ إنّ هذه الحرب استباحت حرمة العترة الطاهرة التي قرنها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمحكم التنزيل ، وجعلها سفن النجاة وأمن العباد ، فقد فتحت عائشة باب الحرب عليها ، ومن المؤكّد أنّها لو نجحت في حربها لنفّذت حكم الإعدام في الإمام وأبنائه. هذه بعض متارك حرب الجمل التي أخلدت للمسلمين الفتن وألقتهم في شرّ عظيم(2) .
__________________
(1) شيخ المضيرة : 173.
(2) حياة الإمام الحسينعليهالسلام 2 : 50 ـ 51.
تمرّد معاوية
ولم يسترح الإمام وقتا قصيرا من حرب الجمل حتى رأى خطرا رهيبا محدقا بالدولة من ابن أبي سفيان الذي لم يع الإسلام ، ولم يؤمن بقيمه وأهدافه ، وهو أمكر سياسي في تاريخ العرب على الإطلاق ، فقد استطاع بقابليّاته الدبلوماسية أن يغزو قلب الخليفة الثاني ، ويسيطر على مشاعره وعواطفه ، فلم يفتح معه سجلّ المحاسبة الذي فتحه أمام ولاته وعمّاله ، كما لم يحاسبه على تصرّفاته الشاذّة المجافية لروح الإسلام وتعاليمه من استعماله أواني الذهب والفضّة ولبسه الحرير وغير ذلك ممّا هو محرّم في الإسلام ، وقد اتّهم بشرب الخمر ، فكان الخليفة يبالغ في تسديده والاعتذار عنه ، ويقول عنه : ذاك كسرى العرب ، وهو اعتذار مهلهل حسب ما يقول المحقّقون.
وعلى أيّ حال فقد حظي معاوية بالتأييد الشامل من قبل عمر ، فكان أقوى وال في الأقاليم الإسلامية ، وظلّ يعمل في الشام عمل من يريد الملك والسلطان ، فسخّر اقتصاد بلاده في تدعيم ملكه وسلطانه ، فاشترى الضمائر ، ووهب الثراء العريض لرؤساء القبائل وللوجوه والأعيان ، كما نشر الجهل والأمّية في أوساط الشام ، فلم يعد فيه أي وعي سياسي مناهض لحكومته ، ويحاسبه على تصرّفاته ، كما أمدّ وسائل الإعلام بالكذب والنفاق تدعيما لسياسته وقد أحاط نفسه بجهاز دبلوماسي رهيب يسيطر على الأحداث مهما تلبّدت.
ومهما يكن الأمر فإنّ معاوية كان بصيرا بالمخطّطات السياسية التي انتهجها عميد اسرته عثمان بن عفّان ، وأنّها ـ حتما ـ تؤدّي إلى قتله ، وانهيار حكومته ،
وقد علم بإحاطة القوى المعارضة به ، وهي تهتف بسقوط حكمه ، أو قتله ، فلم يهب إلى نصرته حينما استجار به وتركه وحده بأيدي الثوّار حتّى أجهزوا عليه ، وقد اتّخذ من دمه وقميصه ورقة رابحة لنيل الملك والسلطان وقد فتحت له عائشة الباب على مصراعيه ومهّدت له الطريق في حربها للإمام ، فقد اتّخذت دم عثمان شعارا لها في مناهضة حكومة الإمام ، ومعاوية اقرب إلى عثمان من عائشة ، فهو أحقّ بالمطالبة بدمه والأخذ بثأره وراح يبني ملكه ويقيم دولته على المطالبة بدم عثمان ، واتّهام الإمام بأنّ له ضلعا في إراقة دمه ، وإيواء قتلته ومضافا لذلك ، فقد كان معاوية على علم لا يخامره شكّ أنّ الإمام لا يبقيه في منصبه لحظة واحدة ، وأنّه لا يتّخذ المضلّين عضدا ، ولا بدّ أن يصادر جميع أمواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين.
وعلى أي حال فسوف نتحدّث عن بعض سياسته الماكرة والتي منها :
وجهد معاوية على خداع الوجوه والأعيان وإفسادهم ، وقد منّى بعضهم بالخلافة والبيعة له ، كما منّى آخرين بالوظائف المهمّة والثراء العريض ، وفيما يلي بعضهم :
من أضاليل معاوية ومكره أنّه كتب إلى الزبير قبل حرب الجمل يمنّيه بالخلافة ، ومن بعده تكون إلى طلحة ، فطار الزبير فرحا ، وكذلك طلحة ، وأعلنا التمرّد والعصيان على حكومة الإمام ، وقد عرضنا لذلك في البحوث السابقة.
وعرف معاوية امتناع عبد الله بن عمر عن بيعة الإمام واعتزاله عنها ، فراح
يخطب ودّه ، ويمنّيه بالإمارة ، ويطلب منه الانضمام إليه ، وكتب إليه هذه الرسالة :
أمّا بعد فإنّه لم يكن أحد من قريش أحبّ إليّ من أن يجتمع الناس عليه منك بعد عثمان ، فذكرت خذلك إيّاه ، وطعنك على أنصاره ، فتغيّرت لك ، وقد هوّن عليّ ذلك خلافك على عليّ ، وطعنك عليه ، وردّني إليك بعض ما كان منك ، فأعنّا يرحمك الله على حقّ هذا الخليفة المظلوم ، فإنّي لست اريد الإمارة عليك ، ولكنّي اريدها لك ، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين ..
وحكت هذه الرسالة خداع معاوية لابن عمر ، فقد منّاه بالخلافة ، والحكم على المسلمين ، وعلّق عبد الكريم الخطيب على هذه الرسالة بقوله : « والكتاب جدير بأن يكون من معاوية ، فما أحد يحسن هذا النمط من الحديث إلى الناس مثل معاوية يلقى كلّ إنسان بما يناسبه ، ويجيء إليه من حيث يجد الطريق إلى قلبه وعقله جميعا.
وأضاف يقول :
بل هو ذا يعود إلى ابن عمر راضيا غاية الرضا حين يذكر له خلافه على عليّ وطعنه عليه ، وتلك من ابن عمر تثلج صدر معاوية وتعطفه عليه.
وختم الخطيب قوله : سياسة ودهاء ، وبصر نافذ لا يكون إلاّ من معاوية(1) .
ورفض ابن عمر طلب معاوية وأجابه عن رسالته بهذه الرسالة :
أمّا بعد : فإنّ الرأي الذي أطمعك فيّ هذا هو الذي صيّرك إلى ما صيّرك ، تركت عليّا في المهاجرين والأنصار ، واتّبعتك فيمن اتّبعك.
وأمّا قولك : إنّي طعنت على عليّ فلعمري ما أنا كعليّ في الإسلام والهجرة ومكانه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ولكن حدث أمر لم يكن إلينا فيه من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم عهد ،
__________________
(1) علي بن أبي طالب بقيّة النبوّة وخاتم الخلافة : 402.
ففزعت إلى الوقوف ، وقلت : إن كان هذا فضلا تركته ، وإن كان ضلالة فشرّ منه نجوت ، فاغن عنّي نفسك(1) .
وحفلت هذه الرسالة ببعض المغالطات السياسية ، وهو تركه لمبايعة الإمامعليهالسلام لأنّه لم يكن فيها عهد من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، أصحيح منه ذلك؟ فهل خفيت عليه النصوص الواردة من النبيّ في حقّ عليّ؟ وأنّه منه بمنزلة هارون من موسى؟
وأنّه وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة من بعده؟ وأنّه مع الحقّ ، والحقّ معه؟ وهل خفيت البيعة العامّة للإمام يوم غدير خم؟ وهل كانت ولاية أبي بكر بنصّ من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
ولكنّ الله تعالى هو الذي يحكم بين عباده في حشرهم ونشرهم ، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.
وعلى أي حال فقد قنع معاوية برسالة ابن عمر وعرف أنّه لا يناصر الإمام ولا يكون من حزبه ، وذلك ربح ونصر له.
وسعد بن أبي وقّاص هو ممّن تخلّف عن بيعة الإمام ، فكتب إليه معاوية يمنّيه ويغريه ليجلبه إليه ، وكتب إليه هذه الرسالة :
أمّا بعد فإنّ أحقّ الناس بنصرة عثمان أهل الشورى من قريش ، الذين أثبتوا حقّه ، واختاروه على غيره.
وقد نصره طلحة والزبير ، وهما شريكاك في الأمر والشورى ، ونظيراك في الإسلام وخفّت لذلك ـ أي للطلب بدم عثمان ـ أمّ المؤمنين ، فلا تكرهن ما رضوا ، ولا تردّنّ ما قبلوا ، فإنّما نردّها شورى بين المسلمين(2) .
وفي هذا الكتاب الدعوة إلى الأخذ بثار عثمان الذي هبّ إلى المطالبة بدمه
__________________
(1) و (2) الإمامة والسياسة 1 : 103.
كلّ من طلحة والزبير وعائشة ، ولم يخف على سعد زيف ذلك ، فأجابه بهذه الرسالة :
أمّا بعد فإنّ أهل الشورى ليس أحد منهم أحقّ بها ـ أي بالخلافة ـ من صاحبه ، غير أنّ عليّا كان من السابقة ، ولم يكن فينا ما فيه ، فشاركنا في محاسننا ولم نشاركه في محاسنه ، وكان أحقّنا كلّنا بالخلافة ، ولكن مقادير الله تعالى التي صرفتها عنه ، حيث شاء لعلمه وقدره ، وقد علمنا أنّه أحقّ بها منّا ، ولكن لم يكن بدّ من الكلام في ذلك وأمّا التشاجر فدع ذا ، وأمّا أمرك يا معاوية ، فإنّه أمر كرهنا أوّله وآخره ...
وأمّا طلحة والزبير ، فلو لزما بيعتهما لكان خيرا لهما ، والله تعالى يغفر لعائشة أمّ المؤمنين(1) .
وحكت هذه الرسالة اعتراف سعد بأنّ الإمامعليهالسلام أحقّ بالخلافة وأولى بها من غيره ، ولكنّ المقادير قد حالت بينه وبينها إنّ الذي حال بين الإمام والخلافة هي الضغائن والأحقاد القرشية التي تمثّلت في مؤتمر السقيفة والشورى ، وهتاف بعض الصحابة أنّه لا تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد ومع اعتراف سعد بأنّ الإمام أولى بالخلافة فلم لم يبايعه في الشورى ، وفي هذه البيعة التي أجمع عليها المسلمون.
رأى معاوية أنّه لا يستطيع الوقوف أمام الإمامعليهالسلام إلاّ إذا انضمّ إلى جهازه داهية العرب عمرو بن العاص ، فراسله ومنّاه طالبا منه الحضور إلى دمشق ، فلمّا انتهت إليه رسالة معاوية استشار ولديه عبد الله ومحمّدا ، أمّا عبد الله فأشار عليه أن
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 104.
يعتزل الناس ويقيم في بيته ولا يجيب معاوية إلى شيء حتى تجتمع الكلمة ، ويدخل فيما دخل فيه المسلمون ، وأمّا ابنه محمّد فقط طمع فيما يطمع فيه فتيان قريش من الثراء وذيوع الاسم ، فأشار عليه بالالتحاق بمعاوية لينال من دنياه.
والتفت ابن العاص إلى ولده عبد الله فقال له : أمّا أنت فأمرتني بما هو خير لي في ديني ، ثمّ قال لولده محمّد أمّا أنت فأمرتني بما هو خير لي في دنياي.
وأنفق ابن العاص ليله ساهرا يفكّر في الأمر ، هل يلتحق بالإمام فيكون رجلا كسائر المسلمين له ما لهم ، وعليه ما عليهم من دون أن ينال من الدنيا شيئا ، ولكنّه يضمن بذلك آخرته ، أو يكون مع معاوية فيظفر بدنيا رخيّة وثراء عريض ، وكان ـ فيما يقول المؤرّخون ـ يحنّ حنينا متّصلة إلى ولاية مصر فإذا صار في سلك معاوية نال ولايتها وقد اثر عنه في تلك الليلة من الكلام ما يدلّ على مدى الصراع النفسي الذي خامره.
ولم يسفر الصبح حتّى آثر الدنيا على الآخرة فصمّم على الالتحاق بمعاوية ، فارتحل إلى دمشق ومعه ابناه ، فلمّا بلغها جعل يبكي أمرّ البكاء أمام أهل الشام ، وقد رفع صوته عاليا.
وا عثماناه! أنعى الحياء والدين ...
فعل ذلك لينقل إلى معاوية لقد امتحن المسلمون كأشدّ ما يكون الامتحان بابن العاص وأمثاله من أبناء الأسر القرشية العاتية التي بقيت على جاهليّتها الاولى ، ولم ينفذ الإسلام إلى دخائل نفوسهم وأعماق قلوبهم.
ابن العاص يبكي على عثمان ، وهو الذي أوغر عليه الصدور وأثار عليه الأحقاد ، وهو ممّن أطاح بحكومته ، وأجهز عليه ، فكان ـ فيما يقول المؤرّخون ـ يلقى كلّ أحد حتى الراعي فيحرّضه على سفك دم عثمان ، وهو الآن ينعاه ويبكي عليه لقد بلغ التهالك على السلطة في ذلك العصر وما قبله مبلغا مؤسفا وأليما
أنسى معظم الوجوه والأعيان ذكر الله تعالى ، فاقترفوا كلّ إثم وحرام.
والتقى ابن العاص بمثله وشريكه معاوية بن هند ، ففتح معه الحديث طالبا منه الانضمام إلى جهازه حتى يستعين به على حرب وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه ، وعرض ابن العاص رأيه بصراحة قائلا :
يا معاوية ، أمّا عليّ فو الله! لا تساوي العرب بينك وبينه في شيء من الأشياء ، وإنّ له في الحرب لحظّا ، ما هو لأحد من قريش إلاّ أنّ تظلمه ، وسارع معاوية قائلا :
صدقت ، ولكنّا نقاتله على ما في أيدينا ونلزمه قتله عثمان ...
إنّ مناجزة معاوية للإمام من أجل الحفاظ على ما عنده من الأموال الحرام التي نهبها من بيت مال المسلمين وسخر ابن العاص من اتّخاذ دم عثمان وسيلة لاتّهام الإمام قائلا :
وا سوءتاه! إنّ أحقّ الناس أن لا يذكر عثمان أنت ...
ولم ويحك؟
وصارحه ابن العاص بالواقع قائلا :
أمّا أنت فخذلته ومعك أهل الشام ، حتى استغاث بيزيد بن أسد البجليّ فسار إليه ، وأمّا أنا فتركته عيانا وهربت إلى فلسطين(1) .
وأيقن معاوية أنّ ابن العاص لا يستجيب له حتّى يجعل له أجرا كبيرا فقال له :
أتحبّني يا عمرو؟
وسخر منه ابن العاص فقال له :
ولما ذا احبّك؟ للآخرة؟ فو الله! ما معك آخرة ، أم للدنيا؟ فو الله! لا كان حتّى
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 162.
أكون شريكك فيها ..
واستجاب معاوية له فبادر قائلا :
أنت شريكي فيها ..
اكتب لي مصرا وكورها ..
لك ما تريد ..
إنّها مساومة مفضوحة على الملك ، ولم يكن لدم ابن عفّان نصيب ، وسجّل معاوية لابن العاص ولاية مصر وجعلها ثمنا لانضمامه إليه على محاربة الإمامعليهالسلام الذي هو أفضل إنسان خلقه الله بعد نبيّه وكتب ابن العاص في أسفل الكتاب ، ولا تنقص طاعته شرطا.
رفع معاوية بمشورة ابن العاص رسالة إلى أهل المدينة يدعوهم فيها إلى خذلان الإمامعليهالسلام ، والتمرّد على حكومته ، جاء فيها :
أمّا بعد فإنّه مهما غاب عنّا ، فإنّه لم يغب عنّا أنّ عليّا قتل عثمان ، والدليل على ذلك أنّ قتلته عنده ، وإنّا نطلب بدمه حتى يدفع إلينا قتلته ، فنقتلهم ، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه ، وجعلناها شورى بين المسلمين ، على ما جعلها عليه عمر بن الخطّاب فأمّا الخلافة فلسنا نطلبها فأعينونا يرحمكم الله ، وانهضوا يرحمكم الله(1) .
وحفلت هذه الرسالة بالمغالطات والأكاذيب ، فقد اتّهم معاوية الإمام بقتل عثمان ، مع علمه إنّ الإمام بريء منه ، وإنّما أجهزت عليه سياسته التي عرضنا لها
__________________
(1) نسب هذا الكتاب إلى المسور بن مخرمة كما في الإمامة والسياسة 1 : 119.
في البحوث السابقة ، وأمّا تسليم الإمام قتلة عثمان فإنّ معاوية يعلم باستحالته لأنّ الذي قتله هي القوّات المسلّحة من المصريّين والعراقين ، وفي طليعتهم خيار الصحابة كعمّار بن ياسر ، وعمرو بن حمق الخزاعي ، ومحمّد بن أبي بكر فكيف يسلمهم الإمام إلى معاوية؟ بالإضافة إلى أنّهم قتلوه بحجّة شرعية حسب ما يرون ، والحدود تدرأ بالشبهات.
ومن مغالطات هذه الرسالة أنّ معاوية جرّد نفسه من الطمع بالخلافة ، وأنّه لا شأن له بها وهو إنّما ثار على الإمام من أجل الملك والسلطان.
وعلى أي حال فلم يخف على أهل المدينة زيف رسالته ، وأجابوه جوابا عنيفا جاء فيه :
أمّا بعد فإنّك أخطأت خطأ عظيما ، وأخطأت مواضع النصرة وتناولتها من مكان بعيد وما أنت والخلافة وأنت طليق وأبوك من الأحزاب؟ فكفّ عنّا ، فليس لك قبلنا وليّ ولا نصير(1) .
هذه بعض الرسائل التي بعثها معاوية للوجوه والأعيان لخداعهم وتضليلهم ، وقد استجاب له بعضهم فالتحقوا به في حرب صفّين كما أخذ بعض المنافقين يثبّط العزائم من الالتحاق بجيش الإمام.
وعمد معاوية إلى تضليل الرأي العامّ في الشام ، فأشاع فيهم أنّ الإمام هو الذي سفك دم عثمان ، وهو المسئول عن دمه ، وهذه صور من تضليله :
1 ـ أرسل معاوية إلى الزعيم الكبير قيس بن سعد رسالة يستميله فيها ، ويمنّيه
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 : 118.
بسلطان العراقين ، وبسلطان الحجاز لمن أحبّ من أهل بيته ، فردّ عليه قيس بأعنف الردّ ، فلمّا قرأه أظهر لأهل الشام أنّ قيسا قد بايع ، وأمرهم بالدعاء له ، وافتعل كتابا نسبه إليه ، وأوعز بقراءته عليهم وهذا نصّه :
أمّا بعد فإنّ قتل عثمان كان حدثا في الإسلام عظيما ، وقد نظرت لنفسي وديني ، فلم أر يسعني مظاهرة قوم قتلوا إمامهم مسلما محرما برّا تقيّا فنستغفر الله لذنوبنا ، ألا وإنّي ألقيت لكم بالسّلم ، وأحبّ قتال قتلة إمام الهدى المظلوم ، فاطلب منّي ما أحببت من الأموال والرجال اعجّله إليك(1) .
ولم يشكّ أهل الشام في صدق هذه الرسالة فاندفعوا بشوق إلى مناصرته ، والطلب بدم عثمان.
2 ـ أنّ الإمامعليهالسلام لمّا أوفد جريرا البجلي إلى معاوية يدعوه إلى بيعته ، أمر معاوية بحضور شرحبيل الكندي ، وهو من أبرز الشخصيات في الشام ، وعهد معاوية إلى عصابة من أعوانه أن ينفرد كلّ واحد منهم بشرحبيل ويلقي في روعه أنّ عليّا هو الذي قتل عثمان بن عفّان ، والتقى شرحبيل بمعاوية ، فأخبره بوفادة البجلي عليه من قبل الإمام ، وأنّه يدعوه إلى بيعته ، وأنّه لم يستجب له حتّى يأخذ رأيه في ذلك لأنّ الإمام هو الذي قتل عثمان ، وطلب شرحبيل منه أن يمهله حتّى يستبين له الأمر ، فلمّا خرج منه التقى به القوم على انفراد ، وأخبره كلّ واحد منهم بأنّ عليّا هو الذي قتل عثمان ، فلم يشكّ في صدقهم وقفل راجعا إلى معاوية وهو يلهث قائلا :
يا معاوية ، أين الناس؟ ألاّ إنّ عليّا قتل عثمان ، والله! إن بايعت لنخرجنّك من شامنا أو لنقتلنّك ...
فقال معاوية مخادعا له :
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 129.
ما كنت لأخالف عليكم ، ما أنا إلاّ رجل من أهل الشام(1) .
بمثل هذه الأكاذيب أقام معاوية دولته التي جهدت في إطفاء نور الله تعالى ، وألقت الناس في شرّ عظيم.
وقبل إعلان الحرب بعث الإمام الممتحن جمهرة من الرسائل إلى معاوية يدعوه فيها إلى بيعته ، والدخول فيما دخل فيه المسلمون في طاعته وأن لا يفرّق كلمة المسلمين ، ويشتّت شملهم ، فأجابه معاوية مراوغا ومنافقا ، ومطالبا بدم عثمان والاقتصاص من قتلته ونعرض لبعض تلك الرسائل :
روى ابن أبي الحديد أنّ الإمامعليهالسلام لمّا بويع كتب إلى معاوية :
« أمّا بعد فإنّ النّاس قتلوا عثمان عن غير مشورة منّي ، وبايعوني عن مشورة منهم واجتماع ، فإذا أتاك كتابي فبايع لي ، وأوفد إليّ أشراف أهل الشّام قبلك ».
حكت هذه الرسالة براءة الإمام من دم عثمان وأضافته إلى الناس ، وأنّهم اجتمعوا على مبايعته ، والواجب أن يدخل فيما أجمع عليه المسلمون من مبايعتهم للإمام.
ولمّا انتهت رسالة الإمام إلى معاوية وقرأها دعا بطومار وكتب فيه :
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 77.
من معاوية إلى عليّ ، أمّا بعد فإنّه
ليس بيني وبين قيس عتاب |
غير طعن الكلى وضرب الرّقاب(1) |
ومعنى هذا الجواب أنّ معاوية مصمّم على حرب الإمام ومناهضته لحكمه ، ولم يعرض في هذه الرسالة إلى اتّهام الإمام بقتل عثمان.
روى ابن قتيبة أنّ الإمامعليهالسلام لمّا فرغ من وقعة الجمل واستقام له الأمر كتب إلى معاوية هذه الرسالة :
« أمّا بعد فإنّ القضاء السّابق ، والقدر النّافذ ينزل من السّماء كقطر المطر ، فتمضي أحكامه عزّ وجلّ ، وتنفذ مشيئته بغير تحابّ المخلوقين ، ولا رضا الآدميّين ، وقد بلغك ما كان من قتل عثمان ، وبيعة النّاس عامّة إيّاي ومصارع النّاكثين لي ، فادخل فيما دخل النّاس فيه ، وإلاّ فأنا الّذي عرفت ، وحولي من تعلمه ، والسّلام »(2) .
حكت هذه الرسالة :
1 ـ أنّ مجريات الأحداث كلّها بيد الخالق العظيم ، وليس للمخلوقين فيها أي شأن.
2 ـ مبايعة عموم المسلمين للإمام بعد مقتل عثمان ، ومناهضة الناكثين له وهم الزبير وطلحة وعائشة ، وقضاءه عليهم.
3 ـ دعوة الإمام لمعاوية بالبيعة له والدخول في طاعته ، وإذا لم يستجب له
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 77.
(2) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 89.
فقد هدّده بالحرب والقتال.
وأجاب معاوية عن هذه الرسالة برسالة كتب فيها البسملة ولم يسجّل فيها أي شيء ، ولمّا قرأها الإمام عرف أنّ معاوية مصمّم على حربه.
أرسل الإمامعليهالسلام هذه الرسالة إلى معاوية بيد جرير بن عبد الله البجلي ، جاء فيها بعد السلام :
« أمّا بعد فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشّام ؛ لأنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه ، فلم يكن للشّاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يردّ ، وإنّما الشّورى للمهاجرين والأنصار ، إذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما كان ذلك لله رضا ، وإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتّباع غير سبيل المؤمنين وولاّه الله ما تولّى ، ويصليه جهنّم وساءت مصيرا.
وإنّ طلحة والزّبير بايعاني ثمّ نقضا بيعتي ، فكان نقضهما كردّتهما ، فجاهدتهما على ذلك حتّى جاء الحقّ ، وظهر أمر الله وهم كارهون.
فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فإنّ أحبّ الأمور إليّ فيك العافية ، إلاّ أن تتعرّض للبلاء ، فإن تعرّضت له قاتلتك واستعنت بالله عليك ، وقد أكثرت في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه النّاس ، ثمّ حاكم القوم إليّ ـ يعني الذين قتلوا عثمان ـ أحملك وإيّاهم على
كتاب الله ، فأمّا تلك الّتي تريدها فخدعة الصّبيّ عن اللّبن.
ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ قريش من دم عثمان ، وقد أرسلت إليك جرير بن عبد الله البجليّ ، وهو من أهل الإيمان والهجرة ، فبايع ولا قوّة إلاّ بالله(1) .
وفي هذه الرسالة دعوة الإمامعليهالسلام إلى معاوية بمبايعته ولزوم طاعته ، ولا سبيل لنقضها فقد بايعه المهاجرون والأنصار الذين بايعوا قبله من الخلفاء.
وعرض الإمام إلى نقض طلحة والزبير لبيعته ، وأنّ ذلك كردّتهما عن طريق الحقّ ، فجاهدهما الإمام حتى ظهر أمر الله وهم له كارهون ...
وأعرب الإمام في رسالته إلى معاوية أنّه إن لم يستجب لبيعته فسوف يقاتله حتّى يفيء لأمر الله تعالى ، وأنّه لا يستحقّ الخلافة لأنّه من الطلقاء الذين لا نصيب لهم بالحكم كما لا نصيب لهم لأن يكونوا من أعضاء الشورى.
وعلى أي حال فإنّ معاوية أخذ يماهل جريرا حتّى سئم منه ، وقال له : يا معاوية ، إنّ المنافق لا يصلّي حتّى لا يجد من الصلاة بدّا ، ولا أحسبك تبايع حتى لا تجد من البيعة بدّا ، فردّ عليه معاوية : إنّها ليست بـ « خدعة الصبيّ عن اللبن »! إنّه أمر له ما بعده وفي يوم رفع معاوية عقيرته ليسمع جريرا وهو ينشد هذه الأبيات :
تطاول ليلي واعترتني وساوسي |
لات أتى بالتّرّهات البسابس |
|
أتاني جرير والحوادث جمّة |
بتلك الّتي فيها اجتداع المعاطس |
|
اكايده والسّيف بيني وبينه |
ولست لأثواب الدّنيء بلابس |
|
فإنّ الشّام أعطت طاعة بمنيّة |
تواصفها أشياخها في المجالس |
__________________
(1) العقد الفريد 2 : 233. الإمامة والسياسة 1 : 71. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 3 : 300.
فإن يفعلوا أصدم عليّا بجبهة |
تغتّ عليه كلّ رطب ويابس |
|
وإنّي لأرجو خير ما نال نائل |
وما أنا من ملك العراق بآيس(1) |
وحكى هذا الشعر تصميمه على حرب الإمام لأنّ الشام انقادت له وأطاعته إطاعة عمياء ، وإنّه ليطمع في حكم العراق والاستيلاء عليه.
وأجاب معاوية على رسالة الإمامعليهالسلام بهذا الكتاب :
من معاوية بن صخر إلى عليّ بن أبي طالب ، أمّا بعد فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك ، وأنت بريء من دم عثمان ، لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين ، ولكنّك أغريت بدم عثمان المهاجرين ، وخذّلت عنه الأنصار ، فأطاعك الجاهل ، وقوي بك الضعيف ، وقد أبى أهل الشام إلاّ قتالك حتّى تدفع إليهم قتلة عثمان ، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين ، وإنّما كان الحجازيون هم الحكّام على الناس والحقّ فيهم ، فلمّا فارقوه كان الحكّام على الناس أهل الشام.
ولعمري ما حجّتك عليّ كحجّتك على طلحة والزبير لأنّهما بايعاك ولم ابايعك ، وما حجّتك على أهل الشام كحجّتك على أهل البصرة لأنّ أهل البصرة أطاعوك ، ولم يطعك أهل الشام ، فأمّا شرفك في الإسلام وقرابتك من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وموضعك من قريش فلست أدفعه ثمّ ختم رسالته بأبيات لكعب بن جعيل :
أرى الشام تكره ملك العراق |
وأهل العراق لهم كارهينا |
|
وكلاّ لصاحبه مبغض |
يرى كلّ ما كان من ذاك دينا |
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 3 : 78. ربيع الأبرار 4 : 243.
إذا ما رمونا رميناهم |
ودنّاهم مثل ما يقرضونا |
|
فقالوا : عليّ إمام لنا |
فقلنا : رضينا ابن هند رضينا |
|
وقالوا : نرى أن تدينوا له |
فقلنا : ألا لا نرى أن ندينا |
|
ومن دون ذلك خرط القتاد |
وضرب وطعن يفضّ الشّئونا(1) |
|
وكلّ يسرّ بما عنده |
يرى غثّ ما في يديه سمينا |
|
وما في عليّ لمستعتب |
مقال سوى ضمّه المحدثينا(2) |
|
وإيثاره اليوم أهل الذنوب |
ورفع القصاص عن القاتلينا |
|
إذا سيل عنه حذا شبهة |
وعمّى الجواب على السّائلينا |
|
فليس براض ولا ساخط |
ولا في النّهاة ولا الآمرينا |
|
ولا هو ساء ولا سرّه |
ولا بدّ من بعض ذا أن يكونا(3) |
وليس في هذه الوثيقة إلاّ المغالطات السياسية والتمرّد على الحقّ والإصرار على الباطل ، وهي من سمات معاوية ومن عناصره وذاتياته.
ولمّا وردت تلك الرسالة على الإمامعليهالسلام قرأها فرأى الباطل ماثلا في كلّ كلمة منها ، فأجابه بهذه الرسالة :
« من عليّ بن أبي طالب إلى معاوية بن صخر ..
أمّا بعد فقد أتانا كتابك كتاب امرئ ليس له بصر يهديه ،
__________________
(1)الشؤن : هي الشعب التي تجمع القبائل.
(2)المحدثون : هم الجناة.
(3) الكامل ـ المبرد 1 : 155. العقد الفريد 2 : 233. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 202. الإمامة والسياسة 1 : 77.
ولا قائد يرشده ، دعاه الهوى فأجابه وقاده فاتّبعه ، زعمت أنّك إنّما أفسد عليك بيعتي خفوري (1) لعثمان ، ولعمري ما كنت إلاّ رجلا من المهاجرين ، أوردت كما أوردوا ، وأصدرت كما أصدروا ، وما كان الله ليجمعهم على ضلالة ، ولا ليضربهم بالعمى ، وما أمرت ـ أي بقتل عثمان ـ فلزمتني خطيئة الأمر ، ولا قتلت فأخاف على نفسي قصاص القاتل.
وأمّا قولك : إنّ أهل الشّام هم حكّام أهل الحجاز ، فهات رجلا من قريش الشّام يقبل في الشّورى ، أو تحلّ له الخلافة ، فإن سمّيت كذّبك المهاجرون والأنصار ، ونحن نأتيك به من قريش الحجاز.
وأمّا قولك : ادفع إليّ قتلة عثمان ، فما أنت وذاك؟ وهاهنا بنو عثمان ، وهم أولى بذلك منك ، فإن زعمت أنّك أقوى على طلب دم عثمان منهم فارجع إلى البيعة الّتي لزمتك ، وحاكم القوم إليّ.
وأمّا تمييزك بين أهل الشّام والبصرة ، وبينك وبين طلحة والزّبير ، فلعمري فما الأمر هناك إلاّ واحد ، لأنّها بيعة عامّة لا يتأتّى فيها النّظر ، ولا يستأنف فيها الخيار.
وأمّا قرابتي من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وقدمي في الإسلام فلو استطعت دفعه لدفعته » (2) .
وحفل هذا الكتاب بالردّ على أباطيل معاوية وزيف أضاليله التي ذكرها
__________________
(1)الخفر : نقض العهد والغدر.
(2) الكامل ـ المبرد 1 : 155. العقد الفريد 2 : 233. شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 202. الإمامة والسياسة 1 : 77.
في رسالته ، وأنّها لا تحمل أي طابع من الصدق ، وأنّها جاءت تمثّل أمويّته وما تحمله من خبث وسوء.
ورفع معاوية رسالة للإمامعليهالسلام جاء فيها بعد البسملة :
سلام الله على من اتّبع الهدى ، أمّا بعد فإنّا كنّا وإيّاكم يدا جامعة ، والفة أليفة ، حتى طمعت بابن أبي طالب فتغيّرت ، وأصبحت تعدّ نفسك قويا على من عاداك ، بطغام(1) أهل الحجاز ، وأوباش أهل العراق ، وحمقى الفسطاط ، وغوغاء السّواد ، وأيم الله لينجلينّ عنك حمقاها ، ولينقشعنّ عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء.
قتلت عثمان بن عفّان ، ورقيت سلّما أطلعك الله عليه مطلع سوء عليك لا لك ، وقتلت الزبير وطلحة ، وشرّدت امّك عائشة ، ونزلت بين المصرين فمنّيت وتمنّيت ، وخيّل لك أنّ الدنيا قد سخّرت لك بخيلها ورجلها(2) وإنّما تعرف امنيّتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقيّة الإسلام فيحيطون بك من ورائك ، ثمّ يقضي الله علمه فيك ، والسلام على أولياء الله »(3) .
حكت هذه الرسالة الأكاذيب والدجل والنفاق بجميع ما له من معنى وليس عند ابن هند من أرصدة سوى ذلك ، ولنستمع إلى ردّ الإمامعليهالسلام على هذه الرسالة :
وردّ الإمامعليهالسلام على رسالة معاوية بهذا الكتاب جاء فيه بعد البسملة :
__________________
(1)الطغام : أوغاد الناس.
(2)الراجل : ضد الفارس.
(3) الإمامة والسياسة 1 : 65.
« أمّا بعد فقدّر الامور تقدير من ينظر لنفسه دون جنده ، ولا يشتغل بالهزل من قوله ، فلعمري! لئن كانت قوّتي بأهل العراق أوثق عندي من قوّتي بالله ، ومعرفتي به ليس عنده بالله تعالى يقين من كان على هذا ، فناج نفسك مناجاة من يستغني بالجدّ دون الهزل ، فإنّ في القول سعة ، ولن يعذر مثلك فيما طمح إليه الرّجال.
وأمّا ما ذكرت من أنّا كنّا وإيّاكم يدا جامعة ، فكنّا كما ذكرت ، ففرق بيننا وبينكم ، أنّ الله بعث رسوله منّا ، فآمنّا به وكفرتم.
ثمّ زعمت إنّي قتلت طلحة والزّبير فذلك أمر غبت عنه ولم تحضره ، ولو حضرته لعلمته ، فلا عليك ، ولا العذر فيه إليك.
وزعمت أنّك زائري في المهاجرين ، وقد انقطعت الهجرة حين اسر أخوك(1) ، فإن يك فيك عجل فاسترقه ، وإن أزرك فجدير أن يكون الله بعثني عليك للنّقمة منك ، والسّلام » (2) .
وفنّد الإمامعليهالسلام مزاعم معاوية وأباطيله ، ورويت رسالة معاوية للإمام وجوابه عنها بصورة اخرى ذكرهما ابن أبي الحديد(3) .
وجّه الإمامعليهالسلام رسالة لمعاوية يعظه فيها ويحذّره من عذاب الله تعالى وعقابه
__________________
(1) أخو معاوية يزيد بن أبي سفيان ، اسر يوم فتح مكّة في باب الخندق ، وكان قد خرج مع جماعة من قريش لمحاربة المسلمين لئلا يدخلوا مكّة فقتل منهم واسر يزيد وهو الذي استعمله أبو بكر واليا على الشام وخرج لتوديعه عدّة فراسخ!!
(2) الإمامة والسياسة 1 : 62.
(3) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 2 : 201.
على تمرّده ، وهذا نصّها :
« من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.
أمّا بعد فإنّ الدّنيا دار تجارة ، وربحها أو خسرها الآخرة ، فالسّعيد من كانت بضاعته فيها الأعمال الصّالحة ، ومن رأى الدّنيا بعينها ، وقدّرها بقدرها ، وإنّي لأعظك مع علمي بسابق العلم فيك ممّا لا مردّ له دون نفاذه ، ولكنّ الله تعالى أخذ على العلماء أن يؤدّوا الأمانة ، وأن ينصحوا الغويّ والرّشيد ، فاتّق الله ، ولا تكن ممّن لا يرجو لله وقارا ؛ ومن حقّت عليه كلمة العذاب ، فإنّ الله بالمرصاد وإنّ دنياك ستدبر عنك ، وستعود حسرة عليك ، فاقلع عمّا أنت عليه من الغيّ والضّلال على كبر سنّك وفناء عمرك ، فإنّ حالك اليوم كحال الثّوب المهيل الّذي لا يصلح من جانب إلاّ فسد من آخر.
وقد أرديت جيلا من النّاس كثيرا ، خدعتهم بغيّك ، وألقيتهم في موج بحرك تغشاهم الظّلمات ، وتتلاطم بهم الشّبهات ، فجاروا عن وجهتهم ، ونكصوا على أعقابهم ، وتولّوا على أدبارهم ، وعوّلوا على أحسابهم ، إلاّ من فاء من أهل البصائر ، فإنّهم فارقوك بعد معرفتك ، وهربوا إلى الله من موازرتك ، إذ حملتهم على الصّعب ، وعدلت بهم عن القصد.
فاتّق الله يا معاوية في نفسك ، وجاذب الشّيطان قيادك ، فإنّ الدّنيا منقطعة عنك ، والآخرة قريبة منك ، والسّلام »(1) .
وحكت هذه الرسالة دعوة الإمامعليهالسلام إلى معاوية أن يثيب إلى الحقّ ،
__________________
(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 200 ـ 201.
ويجتنب الخداع والتضليل ، ولم تنفع مواعظ الإمام مع هذا الإنسان الممسوخ الذي ران الباطل على قلبه فأنساه ذكر الله ولم يعد أي بصيص من النور في ضميره.
ولم يعن معاوية بوعظ الإمام ونصيحته ، وإنّما عمد إلى السباب والتهديد فقد أجابه :
أمّا بعد : فقد وقفت على كتابك ، وقد أبيت على الفتن إلاّ تماديا ، وإنّي لعالم أنّ الذي يدعوك إلى ذلك مصرعك الذي لا بدّ لك منه ، وإن كنت موائلا فازدد غيّا إلى غيّك ، فطالما خفّ عقلك ، ومنّيت نفسك ما ليس لك ، والتويت على من هو خير منك(1) .
ثمّ كانت العاقبة لغيرك ، واحتملت الوزر بما أحاط بك من خطيئتك والسلام(2) .
حكت هذه الرسالة تمادي معاوية بالإثم والعدوان وإصراره على الغيّ.
وأجاب الإمامعليهالسلام معاوية بهذه الرسالة :
« أمّا بعد فإنّ ما أتيت به من ضلالك ليس ببعيد الشّبه ممّا أتى به أهلك وقومك الّذين حملهم الكفر ، وتمنّي الأباطيل على حسد محمّد صلّى الله عليه وسلّم حتّى صرعوا مصارعهم حيث علمت ، لم يمنعوا حريما ، ولم يدفعوا عظيما ، وأنا صاحبهم في تلك المواطن ، الصّالي (3)
__________________
(1) عرض معاوية إلى موقف الإمامعليهالسلام من بيعة أبي بكر وشجبه لها.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 4 : 50.
(3)صلي النّار كرضي ،وصلي بها : قاسى حرّها.
بحربهم ، والفالّ لحدّهم ، والقاتل لرؤوسهم ورءوس الضّلالة ، والمتبع ـ إن شاء الله ـ خلفهم بسلفهم ، فبئس الخلف خلف أتبع سلفا محلّه ومحطّه النّار ، والسّلام » (1) .
ومعنى هذه الرسالة أنّ ما قام به معاوية من مجانبة الحقّ ومحاربة العدل كان بذلك شبيها بأسلافه وقومه في محاربتهم لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، حتّى حصد الإمام رءوس أعلامه بسيفه ، وأنّه سيتبع خلفهم بهم ، ويوردهم جميعا نار جهنّم.
وأجاب معاوية عن رسالة الإمام بهذا الجواب الذي هدّد الإمام بإعلان الحرب عليه :
أمّا بعد فقد طال في الغيّ ما استمررت أدراجك ، كما طالما تمادى عن الحرب نكوصك وإبطاؤك ، فتوعّد وعيد الأسد ، وتروغ روغان الثعلب ، فحتّام تحيد عن لقاء مباشرة الليوث الضارية ، والأفاعي القاتلة ، ولا تستبعدنّها ، فكلّ ما هو آت قريب إن شاء الله ، والسلام(2) .
حكت هذه الرسالة تطاول معاوية على الإمام وتهديده بأبطال أهل الشام.
وردّ الإمام على معاوية بهذه الرسالة التي أعربت عن استعداده للحرب ، وعدم اكتراثه بأبطال أهل الشام ، وهذا نصّها :
« أمّا بعد فما أعجب ما يأتيني منك ، وما أعلمني بما أنت إليه صائر ،
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 4 : 50. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 203.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 4 : 50.
وليس إبطائي عنك إلاّ ترقّبا لما أنت له مكذّب وأنا به مصدّق ، وكأنّي بك غدا وأنت تضجّ من الحرب ضجيج الجمال من الأثقال ، وستدعوني أنت وأصحابك إلى كتاب تعظّمونه بألسنتكم وتجحدونه بقلوبكم ، والسّلام » (1) .
أشار الإمامعليهالسلام في آخر رسالته إلى ما سيقوم به معاوية من رفع المصاحف لينجو بها من الحرب التي كادت أن تلفّ وجوده وتقضي عليه ، وأنّ تلك المصاحف التي يتّقي بها يعظّمونها بألسنتهم ، ويجحدون بها في قلوبهم وهذا من إخبار الإمامعليهالسلام بالمغيّبات.
وأجاب معاوية عن رسالة الإمامعليهالسلام بهذه الرسالة :
أمّا بعد فدعني من أساطيرك ، واكفف عنّي من أحاديثك ، وأقصر عن تقوّلك على رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وافترائك من الكذب ما لم يقل ، وغرور من معك ، والخداع لهم ، فقد استغويتهم ، ويوشك أمرك أن ينكشف لهم فيعتزلوك ، ويعلموا أنّ ما جئت به باطل مضمحلّ ، والسلام(2) .
وليس في رسالة معاوية إلاّ التمادي في الباطل ، والعداء للحقّ ، والتنكّر للقيم والأعراف والمثل التي تؤمن بها الامم والشعوب.
وأجاب الإمامعليهالسلام عن هذا الكتاب بما يلي :
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 4 : 50. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 204.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 4 : 50.
« أمّا بعد فطالما دعوت أنت وأولياؤك أولياء الشّيطان الرّجيم ، الحقّ أساطير الأوّلين ، ونبذتموه وراء ظهوركم ، وجهدتم بإطفاء نور الله بأيديكم وأفواهكم ، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون.
ولعمري ليتمّنّ النّور على كرهك ، ولينفّذنّ العلم بصغارك ، ولتجازينّ بعملك ، فعث في دنياك المنقطعة عنك ما طاب لك فكأنّك بباطلك وقد انقضى وبعملك وقد هوى ثمّ تصير إلى لظى(1) ، لم يظلمك الله شيئا ، وما ربّك بظلاّم للعبيد.
وقد أسهبت في ذكر عثمان ، ولعمري ما قتله غيرك ، ولا خذله سواك ، ولقد تربّصت به الدّوائر (2) ، وتمنّيت له الأمانيّ طمعا فيما ظهر منك ، ودلّ عليه فعلك ، وإنّي لأرجو أن الحقك به على أعظم من ذنبه ، وأكبر من خطيئته ، فأنا ابن عبد المطّلب صاحب السّيف وإنّ قائمه لفي يدي ، وقد علمت من قتلت من صناديد بني عبد شمس ، وفراعنة بني سهم وجمح وبني مخزوم ، وأيتمت أبناءهم ، وأيّمت نساءهم.
وأذكّرك ما لست له ناسيا يوم قتلت أخاك حنظلة ، وجررت برجله إلى القليب ، وأسرت أخاك عمرا فجعلت عنقه بين ساقيه رباطا ، وطلبتك ففررت ، ولك حصاص (3) ، فلولا أنّي لا أتبع فارّا لجعلتك ثالثهما ، وإنّي أولي لك بالله (4) أليّة برّة غير فاجرة ، لئن جمعتني
__________________
(1)لظى : نار جهنّم.
(2)الدوائر : جمع دائرة وهي الهزيمة.
(3)الحصاص : الضراط.
(4)أولي : أي اقسم.
وإيّاك جوامع الأقدار ، لأتركنّك مثلا يتمثّل به النّاس أبدا ، ولأجعجعنّ بك في مناخك حتّى يحكم الله بيني وبينك وهو خير الحاكمين.
ولئن أنسأ(1) الله في أجلي لأغزينّك سرايا المسلمين ، ولانهدنّ إليك في جحفل من المهاجرين والأنصار ، ثمّ لا أقبل لك معذرة ولا شفاعة ، ولا اجيبك إلى طلب وسؤال ، ولترجعنّ إلى تحيّرك وتردّدك وتلدّدك ، فقد شاهدت وأبصرت ، ورأيت سحب الموت كيف هطلت عليك بصيّبها حتّى اعتصمت بكتاب أنت وأبوك أوّل من كفر وكذّب بنزوله ، ولقد كنت تفرّستها ، وآذنتك أنّك فاعلها ، وقد مضى منها ما مضى ، وانقضى من كيدك فيها ما انقضى ، وأنا سائر نحوك على أثر هذا الكتاب ، فاختر لنفسك ، وانظر لها وتداركها ، فإنّك إن فرّطت واستمررت على غيّك وغلوائك حتّى ينهد إليك عباد الله ، ارتجت عليك الامور ومنعت أمرا هو اليوم منك مقبول.
يا ابن حرب ، إنّ لجاجك في منازعة الأمر أهله من سفاه الرّأي ، فلا يطمعنّك أهل الضّلال ، ولا يوبقنّك سفه رأي الجهال ، فو الّذي نفس عليّ بيده! لئن برقت في وجهك بارقة من ذي الفقار ـ وهو سيف الإمام ـ لتصعقنّ صعقة لا تفيق منها حتّى ينفخ في الصّور النّفخة الّتي يئست منها ( كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ) » (2) .
حكت هذه الرسالة دعوة الإمامعليهالسلام لمعاوية بالاستجابة لنداء الحقّ ، ورضا
__________________
(1)انسأ : أي أخر.
(2) جمهرة رسائل العرب 1 : 424 ـ 427. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 210 ـ 213.
الله تعالى ، ولكنّ ابن هند أعار ذلك اذنا صمّاء وعينا عمياء ، فأصرّ على الغيّ والعدوان ، ومناجزة وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه.
وأجاب معاوية عن رسالة الإمامعليهالسلام بما يلي :
أمّا بعد فما أعظم الرّين على قلبك! والغطاء على بصرك! والشّره من شيمتك! والحسد من خليقتك! فشمّر للحرب ، واصبر للضرب ، فو الله! ليرجعنّ الأمر إلى ما علمت ، والعاقبة للمتّقين. هيهات هيهات أخطأك ما تتمنّى ، وهوى قلبك مع من هوى ، فاربع على ظلعك(1) وقس شبرك بفترك ، لتعلم أين حالك من حال من يزن الجبال حلمه ، ويفصل بين أهل الشكّ علمه ، والسلام(2) .
وهدّد معاوية الإمام بإعلان الحرب ، واستعداده الكامل لمناجزته.
وكتب الإمامعليهالسلام رسالة فندّ فيها أباطيل معاوية التي احتواها كتابه جاء فيها بعد البسملة :
« أمّا بعد فإنّ مساويك مع علم الله تعالى فيك حالت بينك وبين أن يصلح لك أمرك ، وأن يرعوي قلبك.
يا ابن الصّخر اللّعين (3) ، زعمت أن يزن الجبال حلمك ، ويفصل
__________________
(1)اربع على ظلعك : أي ارفق بنفسك ، وابصر ما أنت فيه من الضعف.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 4 : 51.
(3) يشير بذلك إلى الحديث النبوي ، وقد رواه الإمام الحسنعليهالسلام إلى معاوية فقد قال له :
« أنشدك الله يا معاوية ، أتذكر يوم جاء أبوك على جمل أحمر وأنت تسوقه وأخوك عتبة يقوده فرآكم رسول الله فقال : اللهمّ العن الراكب والقائد والسائق ».
بين أهل الشّكّ علمك ، وأنت الجلف المنافق ، الأغلف القلب ، القليل العقل ، الجبان الرّذل.
فإن كنت صادقا فيما تسطر ، ويعينك عليه ابن أخي بني سهم(1) ، فدع النّاس جانبا وتيسّر لما دعوتني إليه من الحرب ، والصّبر على الضّرب ، واعف الفريقين من القتال ، ليعلم أيّنا المرين على قلبه ، المغطّى على بصره ، فأنا أبو الحسن ، قاتل جدّك وأخيك وخالك ، وما أنت منهم ببعيد » (2) .
وحكت رسالة الإمامعليهالسلام نزعات معاوية وصفاته الشريرة ، فليس له صفة شريفة ، وليس له قدم في الإسلام ، وإنّما له قدم ثابتة في الباطل والنفاق.
بعث معاوية رسالة للإمام قبل مسيره إلى صفّين ، وقد حملها أبو مسلم الخولاني ، وهذا نصّها :
من معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب سلام عليك ، فإنّي أحمد إليك الله الذي لا إله إلاّ هو ، أمّا بعد فإنّ الله اصطفى محمّدا بعلمه ، وجعله الأمين على وحيه ، والرسول إلى خلقه ، واجتبى له من المسلمين أعوانا أيّده بهم ، وكانوا في منازلهم على قدر فضائلهم في الإسلام ، فكان أفضلهم في الإسلام ، وأنصحهم لله ولرسوله الخليفة من بعده ثمّ خليفة الخليفة ، ثمّ الخليفة الثالث المظلوم عثمان ، فكلّهم حسدت ، وعلى كلّهم بغيت ، عرفنا ذلك في نظرك الشزر ، وقولك الهجر ، وتنفّسك الصعداء ، وإبطائك عن الخلفاء ، وأنت في كلّ ذلك تقاد كما يقاد البعير
__________________
(1) هو عمرو بن العاص وزير معاوية ، كانت امّه مشهورة بالبغاء.
(2) جمهرة رسائل العرب 1 : 427.
المخشوش(1) حتى تبايع ، وأنت كاره ، ولم تكن لأحد منهم أشدّ حسدا منك لابن عمّك ، وكان أحقّهم أن لا تفعل ذلك به في قرابته وصهره فقطعت رحمه ، وقبّحت محاسنه ، وألّبت عليه الناس ، وبطنت وظهرت حتى ضربت إليه آباط الإبل ، وشهر عليه السلاح في حرم الرسول ، فقتل معك في المحلّة ، وأنت تسمع في داره الهائعة(2) لا تؤدّي عن نفسك في أمره بقول ولا فعل ، واقسم قسما صادقا لو قمت في أمره مقاما واحدا تنهنه الناس عنه(3) ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا ، ولمحا ذلك عنك ما كانوا يعرفونك به من المجانبة لعثمان ، والبغي عليه ، واخرى أنت بها عند أولياء ابن عفّان ضنين ، ايواؤك قتلة عثمان فهم بطانتك وعضدك وأنصارك ، وقد بلغني أنّك تنتفي من دمه ، فإن كنت صادقا فادفع إلينا قتلته نقتلهم به ، ثمّ نحن أسرع الناس إليك ، وإلاّ فليس لك ولا لأصحابك عندنا إلاّ السيف فو الذي نفس معاوية بيده! لأطلبن قتلة عثمان في الجبال والرمال والبرّ والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله(4) .
حكت هذه الرسالة أباطيل معاوية ، وعدم تحرّجه من الإفك والكذب فقد اتّهم الإمام بتحريضه على سفك دم عثمان ، وهو افتراء محض بريء من دمه ، وإنّما الذي أجهز عليه سوء سياسته ، وتلاعبه بمقدّرات الأمّة ، وهباته لبني اميّة وآل أبي معيط ، ومنحهم الثراء العريض ، وتقليدهم المراكز الحسّاسة في الدولة ، وقد شذّ هؤلاء الأرجاس في سلوكهم وانحرفوا عن الطريق القويم ، وقد عرضنا لذلك بالتفصيل في البحوث السابقة ، وقد استنجد عثمان بمعاوية حينما أحاط الثوّار به ، فلم يسعفه ، وبقيت قوّاته المسلّحة مرابطة حتّى قتل عثمان ، فأي علاقة للإمام
__________________
(1)المخشوش : البعير الذي يجعل في أنفه الخشبة لينقاد.
(2)الهائعة : الصوت المفزع.
(3)تنهنه : أي تكفّ عنه.
(4) صبح الأعشى 1 : 228. العقد الفريد 2 : 233.
بسفك دمه أو التحريض على قتله؟
وأجاب الإمامعليهالسلام معاوية بجواب حاسم فنّد فيه مزاعمه وأباطيله ، وجاء فيه بعد البسملة :
« من عبد الله عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان.
أمّا بعد فإنّ أخا خولان قدم عليّ بكتاب منك تذكر فيه محمّدا صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما أنعم الله عليه به من الهدى والوحي.
والحمد لله الّذي صدقه الوعد ، وتمّم له النّصر ، ومكّن له في البلاد ، وأظهره على أهل العداء والشّنئان (1) من قومه الّذين وثبوا به ، وشنفوا له (2) ، وأظهروا التّكذيب ، وبارزوه بالعداوة ، وظاهروا على إخراجه وإخراج أصحابه وأهله ، وألّبوا عليه العرب ، وجامعوهم على حربه ، وجهدوا في أمره كلّ الجهد ، وقلّبوا (3) له الأمور حتّى ظهر أمر الله وهم كارهون ، وكان أشدّ النّاس عليه ألبة اسرته ، والأدنى فالأدنى من قومه إلاّ من عصمه الله.
يا بن هند ، فلقد خبّأ لنا الدّهر منك عجبا ، ولقد قدمت فأفحشت إذ طفقت تخبرنا عن بلاء الله تعالى في نبيّه محمّد صلّى الله عليه وسلّم وفينا ، فكنت في ذلك كجالب التّمر إلى هجر ، أو كداعي
__________________
(1)الشنآن : البغض والكراهية.
(2)شنفوا : أي تنكّروا وأبغضوا.
(3) يشير الإمام بذلك إلى ما قامت به قريش وعلى رأسهم أبو سفيان من محاربة النبيّ ، وهذه الأسر القرشية التي حاربت النبيّ هي التي أبت أن تجتمع الخلافة والنبوّة في بيت واحد.
مسدّده إلى النّضال.
وذكرت أنّ الله اجتبى له من المسلمين أعوانا أيّده بهم ، فكانوا في منازلهم عنده على قدر فضائلهم في الإسلام ، فكان أفضلهم ـ زعمت ـ في الإسلام ، وأنصحهم لله ورسوله الخليفة ، وخليفة الخليفة ، ولعمري إنّ مكانهما من الإسلام لعظيم ، وإنّ المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد رحمهما الله وجزاهما بأحسن الجزاء.
وذكرت أنّ عثمان كان في الفضل ثالثا ، فإن يكن عثمان محسنا فسيجزيه الله بإحسانه ، وإن يك مسيئا فسيلقى ربّا غفورا لا يتعاظمه ذنب أن يغفره.
ولعمر الله إنّي لأرجو إذا أعطى الله النّاس على قدر فضائلهم في الإسلام ، ونصيحتهم لله ورسوله ، أن يكون نصيبنا في ذلك ـ أهل البيت ـ الأوفر.
إنّ محمّدا صلّى الله عليه وسلّم لمّا دعا إلى الإيمان بالله والتّوحيد كنّا أهل البيت أوّل من آمن به وصدّق بما جاء به ، فلبثنا أحوالا مجرّمة ، وما يعبد الله في ربع(1) ساكن من العرب غيرنا ، فأراد قومنا قتل نبيّنا ، واجتياح أصلنا (2) ، وهمّوا بنا الهموم ، وفعلوا بنا الأفاعيل ، فمنعونا الميرة ، وأمسكوا عنّا العذب (3) ، وأحلسونا (4) الخوف ، وجعلوا علينا
__________________
(1)الربع : المنزل.
(2)الاجتياح : الاستئصال.
(3)العذب : الماء.
(4)أحلسونا : ألزمونا.
الأرصاد والعيون ، واضطرّونا إلى جبل وعر (1) ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، وكتبوا بينهم كتابا لا يواكلوننا ، ولا يشاربوننا ، ولا يناكحوننا ، ولا يبايعوننا ، ولا نأمن فيهم حتّى ندفع النّبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم فيقتلوه ويمثّلوا به ، فلم نكن نأمن فيهم إلاّ من موسم إلى موسم ، فعزم الله لنا على منعه ، والذّبّ عن حوزته ، والرّمي من وراء حرمته ، والقيام بأسيافنا دونه في ساعات الخوف باللّيل والنّهار ، فمؤمننا يرجو بذلك الثّواب ، وكافرنا يحامي عن الأصل.
فأمّا من أسلم من قريش بعد ، فإنّهم ممّا نحن فيه أخلياء ، فمنهم حليف ممنوع ، أو ذو عشيرة تدافع عنه فلا يبغيه أحد بمثل ما بغانا به قومنا من التّلف ، فهم من القتل بمكان نجوة (2) وأمن ، فكان ما شاء الله أن يكون.
ثمّ أمر الله رسوله بالهجرة ، وأذن له بعد ذلك في قتال المشركين ، فكان إذا احمرّ البأس (3) ، ودعي للنّزال أقام أهل بيته فاستقدموا ، فوقى بهم أصحابه حرّ الأسنّة والسّيوف ، فقتل عبيدة (4) يوم بدر ، وحمزة يوم احد ، وجعفر وزيد يوم مؤتة ، وأراد والله! من لو شئت ذكرت اسمه (5) مثل الّذي أرادوا من الشّهادة مع النّبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم غير مرّة إلاّ أنّ آجالهم عجّلت ، ومنيّته اخّرت ، والله مولى الإحسان إليهم ،
__________________
(1)الجبل الوعر : هو شعب أبي طالب ، وهو الذي سجن فيه النبيّ مع اسرته.
(2)النجوة : المكان المرتفع.
(3)حمر البأس : شدّة القتال.
(4) هو الشهيد الخالد عبيدة بن الحارث الهاشمي.
(5) يعني به نفسه الشريفة ، المناضل الأوّل عن الإسلام.
والمنّان عليهم بما قد أسلفوا من الصّالحات ، فما سمعت بأحد ، ولا رأيت فيهم من هو أنصح لله في طاعة رسوله ، ولا أطوع لرسوله في طاعة ربّه ، ولا أصبر على اللأواء (1) والضّرّاء وحين البأس ومواطن المكروه مع النّبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم من هؤلاء النّفر الّذين سمّيت لك وفي المهاجرين خير كثير نعرفه جزاهم الله بأحسن أعمالهم.
وذكرت حسدي الخلفاء ، وإبطائي عنهم ، وبغيي عليهم ، فأمّا البغي فمعاذ الله أن يكون.
وأمّا الإبطاء عنهم ، والكراهة لأمرهم فلست أعتذر منه إلى النّاس ، لأنّ الله جلّ ذكره لمّا قبض نبيّه صلّى الله عليه وسلّم قالت قريش : منّا أمير ، وقالت الأنصار : منّا أمير ، فقالت قريش : منّا محمّد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فنحن أحقّ بالأمر ، فعرفت ذلك الأنصار فسلّمت لهم الولاية والسّلطان ، فإذا استحقّوها بمحمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم دون الأنصار ، فإنّ أولى النّاس بمحمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم أحقّ بها منهم ، وإلاّ فإنّ الأنصار أعظم العرب فيها نصيبا.
فلا أدري أصحابي سلّموا من أن يكونوا حقّي أخذوا ، أو الأنصار ظلموا ، بل عرفت أنّ حقّي هو المأخوذ ، وقد تركته لهم ، تجاوز الله عنهم.
وأمّا ما ذكرت من أمر عثمان ، وقطيعتي رحمه ، وتأليبي عليه ، فإنّ عثمان عمل ما بلغك ، فصنع النّاس ما قد رأيت ، وقد علمت لتعلم أنّي كنت في عزلة عنه ، إلاّ أن تتجنّى ، فتجنّ ما بدا لك.
__________________
(1)اللأواء : الشدّة.
وأمّا ما ذكرت من أمر قتلة عثمان ، فإنّي نظرت في هذا الأمر ، وضربت أنفه وعينيه فلم أر دفعهم إليك ولا إلى غيرك.
ولعمري لئن لم تنزع عن غيّك وشقاقك لتعرفنّهم عن قليل يطلبونك ولا يكلّفونك أن تطلبهم في برّ ولا بحر ، ولا جبل ولا سهل.
وقد كان أبوك أتاني حين ولّى النّاس أبا بكر ، فقال : أنت أحقّ بعد محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم بهذا الأمر وأنا زعيم لك بذلك على من خالف عليك ، ابسط يدك ابايعك. فلم أفعل.
وأنت تعلم أنّ أباك قد كان قال ذلك وأراده حتّى كنت أنا الّذي أبيت ، لقرب عهد النّاس بالكفر ، مخافة الفرقة بين أهل الإسلام فأبوك كان أعرف بحقّي منك ، فإن تعرف من حقّي ما كان يعرف أبوك ، تصب رشدك ، وإن لم تفعل فسيغني الله عنك ، والسّلام » (1) .
وحفلت هذه الرسالة بامور بالغة الأهمّية ، فقد عرضت إلى ما لاقاه المنقذ العظيم الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم من الجهد الشاقّ والعسير من الاسر القرشية التي هبّت في وجهه لإطفاء نور الله تعالى ، وإعادة الجاهلية الرعناء بآثامها إلى مسرح الحياة ، وقد انبرت الاسرة الهاشمية إلى اعتناق الإسلام ، والإيمان بالدعوة المباركة العظيمة ، فلاقت أقسى الأزمات وأكثرها محنة ، وأعظمها بلاء ، فحبست مع النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في شعب أبي طالب ، وحرمت عليهم قريش جميع وسائل الحياة ، حتّى منّ الله عليهم بالخروج من ذلك السجن الرهيب ، ولمّا أمر الله تعالى نبيّه الكريم بالهجرة من مكّة إلى المدينة ، أضرمت عليه قريش أخزاها الله نار الحرب ، وجنّدت الجيوش للقضاء
__________________
(1) العقد الفريد 2 : 234. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 177 ـ 185.
عليه ، فقدّم النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم اسرته الممجّدة للدفاع عن حياض الإسلام ، فاستشهد عبيدة يوم بدر وعمّه حمزة في يوم احد ، وابن عمّه جعفر في واقعة مؤتة ، فاسرة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم هي المحامية عن الإسلام ، والمناصرة له في أيام محنته وغربته ، فهي أولى بمركز النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأحقّ بمقامه من غيرها ، الذين ليس لهم أيّة سابقة أو جهاد يذكر في سبيل الله تعالى.
كما ذكرت هذه الرسالة موقف الإمامعليهالسلام من الخلفاء وكان متّسما بالكراهية وعدم الرضا لأنّهم تقمّصوا حقّه ، ونهبوا تراثه ، والله تعالى هو الذي يحكم بينهم وبين الإمام حينما يعرضون عليه هذه لقطات ممّا حفلت به هذه الرسالة.
أرسل معاوية إلى الإمامعليهالسلام هذه الرسالة مع أبي امامة الباهلي ، وليس في أي بند من بنودها موطن حقّ وصدق ، وهذه نسختها :
من عبد الله معاوية بن أبي سفيان إلى عليّ بن أبي طالب.
أمّا بعد فإنّ الله تعالى جدّه اصطفى محمّدا عليه الصلاة والسلام لرسالته ، واختصّه بوحيه ، وتأدية شريعته ، فأنقذ به من العماية(1) وهدى به من الغواية ، ثمّ قبضه إليه رشيدا حميدا ، قد بلغ الشرع ، ومحق الشرك ، وأخمد نار الإفك ، فأحسن الله جزاءه ، وضاعف عليه نعمه وآلاءه(2) ، ثمّ إنّ الله سبحانه اختصّ محمّدا عليه الصلاة والسلام بأصحاب أيّدوه ونصروه ، وكانوا كما قال الله سبحانه لهم :( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) (3) فكان أفضلهم مرتبة ، وأعلاهم عند الله والمسلمين
__________________
(1)العماية : الغواية والإفك.
(2)الآلاء : النعم.
(3) الفتح : 29.
منزلة الخليفة الأوّل الذي جمع الكلمة ، ولمّ الدعوة ، وقاتل أهل الردّة ، ثمّ الخليفة الثاني الذي فتح الفتوح ، ومصر الأمصار ، ثمّ الخليفة الثالث المظلوم الذي نشر الملّة ، وطبق الآفاق بالكلمة الحنيفيّة.
فلمّا استوثق الإسلام وضرب بجرانه(1) ، عدوت عليه ، فبغيت له الغوائل ، ونصبت له المكايد ، وضربت له بطن الأمر وظهره ، ودسست عليه ، وأغريت به ، وقعدت ، حيث استنصرك ، عن نصره ، وسألك أن تدركه قبل أن يمزق ، فما أدركته ، وما يوم المسلمين منك بواحد ، لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه ، ورمت إفساد أمره ، وقعدت في بيتك ، واستغويت عصابة من الناس حتّى تأخّروا عن بيعته ، ثمّ كرهت خلافة عمر وحسدته ، واستطلت مدّته ، وسررت بقتله ، وأظهرت الشماتة بمصابه ، حتّى أنّك حاولت قتل ولده(2) لأنّه قتل قاتل أبيه ، ثمّ لم تكن أشدّ منك حسدا لابن عمّك عثمان ، نشرت مقابحه ، وطويت محاسنه ، وطعنت في فقهه ، ثمّ في دينه ، ثمّ في سيرته ، ثمّ في عقله ، وأغريت به السفهاء من أصحابك وشيعتك ، حتّى قتلوه بمحضر منك ، لا تدفع عنه بلسان ولا يد ، وما من هؤلاء ـ يعني الخلفاء ـ إلاّ بغيت عليه ، وتلكّأت في بيعته حتى حملت إليه قهرا تساق بحزائم الاقتسار(3) كما يساق الفحل المغشوش ، ثمّ نهضت الآن تطلب الخلافة وقتلة عثمان خلصاؤك ، وسجراؤك(4) والمحدقون بك ، وتلك من أماني النفوس ، وضلالات الأهواء.
فدع اللجاج والعبث جانبا ، وادفع إلينا قتلة عثمان ، وأعد الأمر شورى بين
__________________
(1)جران البعير : مقدّم عنقه ، والمراد أنّ الإسلام استقام وتمّت له الامور.
(2) أشار معاوية إلى عبيد الله بن عمر الذي قتل الهرمزان وابنته لأنّه من أصحاب أبي لؤلؤة الذي اغتال عمر ، وقد عفا عنه عثمان وأقطعه أرضا في الكوفة ، ورام الإمام أن يقتصّ منه فمنعه عثمان ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك في البحوث السابقة.
(3)الاقتسار : القهر.
(4)السجراء : الأصفياء والأخلاّء.
المسلمين ، ليتّفقوا على من هو لله رضا ، فلا بيعة لك في أعناقنا ، ولا طاعة لك علينا ، ولا عتبى لك عندنا ، وليس لك ولأصحابك عندي إلاّ السيف.
والذي لا إله إلاّ هو! لأطلبن قتلة عثمان أينما كانوا وحيث كانوا حتى أقتلهم أو تلحق روحي بالله ، فأمّا ما تزال تمنّ به من سابقتك وجهادك فإنّى وجدت الله سبحانه يقول :( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) (1) ولو نظرت في حال نفسك لوجدتها أشدّ الأنفس امتنانا على الله بعملها ، وإذا كان الامتنان على السائل يبطل أجر الصدقة ، فالامتنان على الله يبطل أجر الجهاد ، ويجعله كصفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء ممّا كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين(2) .
أوليس في هذه الرسالة إلاّ الكذب والافتراء ، وهي من سمات هذا الجاهلي الذي تربّى بآثام الجاهلية وشرورها.
وقد ردّ عليه الإمامعليهالسلام بهذه الرسالة ، وجاء فيها بعد البسملة :
« أمّا بعد فقد أتاني كتابك تذكر فيه اصطفاء الله تعالى محمّداصلىاللهعليهوآلهوسلم لدينه ، وتأييده إيّاه بمن أيّده من أصحابه ، فلقد خبّأ لنا الدّهر منك عجبا ، إذ طفقت تخبرنا ببلاء الله (3) عندنا ، ونعمته علينا في نبيّنا ، فكنت في ذلك كناقل التّمر إلى هجر ، أو داعي مسدّده إلى النّضال.و زعمت أنّ أفضل النّاس في الإسلام فلان وفلان (4) ، فذكرت أمرا
__________________
(1) الحجرات : 17.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 3 : 448.
(3)البلاء : النعمة.
(4) يعني بفلان وفلان أبا بكر وعمر.
إن تمّ اعتزلك كلّه ، وإن نقص لم يلحقك ثلمه ، وما أنت والفاضل والمفضول ، والسّائس والمسوس ، وما للطّلقاء وأبناء الطّلقاء والتّمييز بين المهاجرين الأوّلين ، وترتيب درجاتهم ، وتعريف طبقاتهم؟!
هيهات لقد حنّ قدح(1) ليس منها ، وطفق يحكم فيها من عليه الحكم لها! ألا تربع أيّها الإنسان على ظلعك ، وتعرف قصور ذرعك ، وتتأخّر حيث أخّرك القدر! فما عليك غلبة المغلوب ، ولا لك ظفر الظّافر ، وإنّك لذهّاب في التّيه(2) ، روّاغ عن القصد ، ألا ترى ـ غير مخبر لك ، ولكن بنعمة الله احدّث ـ أنّ قوما استشهدوا في سبيل الله تعالى من المهاجرين والأنصار ، ولكلّ فضل حتّى إذا استشهد شهيدنا قيل سيّد الشّهداء ، وخصّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بسبعين تكبيرة عند صلاته عليه(3) !
أولا ترى أنّ قوما قطّعت أيديهم في سبيل الله ولكلّ فضل حتّى إذا فعل بواحدنا ما فعل بواحدهم ، قيل الطّيّار في الجنّة(4) وذو الجناحين! ولو لا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه ، لذكر ذاكر (5) فضائل جمّة تعرفها قلوب المؤمنين ، ولا تمجّها آذان السّامعين.
فدع عنك من مالت به الرّميّة ، فإنّا صنائع ربّنا ، والنّاس بعد
__________________
(1)حنّ : هو الصوت. القدح : أحد أقداح الميسر ، فإذا كان من غير جنسها ثمّ أجاله المفيض ...
(2)التيه : الضلال والكبر.
(3) خصّ النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم عمّه الشهيد حمزة بسبعين تكبيرة على جثمانه المقدّس.
(4) هو الشهيد العظيم جعفر الطيّار.
(5) يعني بذلك نفسه العظيمة التي هي مجمع الفضائل التي خلقها الله تعالى.
صنائع لنا (1) لم يمنعنا قديم عزّنا ولا عاديّ طولنا (2) على قومك أن اخلطناكم بأنفسنا ؛ فنكحنا وأنكحنا ، فعل الأكفاء ، ولستم هناك! وأنّى يكون ذلك كذلك (3) ومنّا النّبيّ ومنكم المكذّب (4) ؟
ومنّا أسد الله (5) ومنكم أسد الأحلاف (6) ؟
ومنّا سيّدا شباب أهل الجنّة (7) ومنكم صبية النّار (8) ، ومنّا خير نساء العالمين (9) ، ومنكم حمّالة الحطب (10) ، في كثير ممّا لنا وعليكم! فإسلامنا قد سمع ، وجاهليّتكم لا تدفع ، وكتاب الله يجمع لنا ما شذّ عنّا ، وهو قوله سبحانه وتعالى :
__________________
(1) معنى هذه الكلمات أنّ الله تعالى اصطفى أهل البيتعليهمالسلام بفضله فجعل النبوّة فيهم ، ومنهم فاضت الهداية على الامم والشعوب.
(2)عادي طولنا : أي قديم فضلنا.
(3)أنّى يكون ذلك كذلك : أي كيف يكون شرفكم كشرفنا؟.
(4) المكذّب من بني اميّة هو زعيم المنافقين ورأس الضلال هو أبو سفيان ، وقيل : هو أبو جهل ، وهو اشتباه فإنّه ليس من بني اميّة وإنّما هو من بني مخزوم.
(5) أسد الله هو الشهيد الخالد حمزة بن عبد المطّلب عمّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
(6)أسد الأحلاف : هو عتبة بن ربيعة ، ويعني به أنّه أسد الأجمة المعادية للإسلام.
(7) سيّدا شباب أهل الجنّة هما ريحانتا رسول الله الحسن والحسينعليهمالسلام .
(8)صبية النار : هم صبية بني أميّة.
(9)خير نساء العالمين : هي زهراء الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
(10)حمّالة الحطب : هي أمّ جميل عمّة معاوية لقّبت بحمّالة الحطب لأنّها كانت تضع الشوك في طريق النبيّ.
( وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ ) (1) وقوله تعالى : ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (2) ، فنحن مرّة أولى بالقرابة ، وتارة أولى بالطّاعة. ولمّا احتجّ المهاجرون على الأنصار يوم السّقيفة برسول الله ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ فلجوا عليهم ، فإن يكن الفلج به فالحقّ لنا دونكم ، وإن يكن بغيره فالأنصار على دعواهم.
وزعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت ، وعلى كلّهم بغيت ، فإن يكن ذلك كذلك فليست الجناية عليك ، فيكون العذر إليك.
* وتلك شكاة ظاهر عنك عارها *
وقلت : إنّي كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتّى أبايع ؛ ولعمر الله! لقد أردت أن تذمّ فمدحت ، وأن تفضح فافتضحت! وما على المسلم من غضاضة (3) في أن يكون مظلوما ما لم يكن شاكّا في دينه ، ولا مرتابا بيقينه! وهذه حجّتي إلى غيرك قصدها ، ولكنّي أطلقت لك منها بقدر ما سنح من ذكرها.
ثمّ ذكرت ما كان من أمري وأمر عثمان ، فلك أن تجاب عن هذه لرحمك منه ، فأيّنا كان أعدى له ، وأهدى إلى مقاتله! أمن بذل له نصرته فاستقعده (4) واستكفّه ، أم من استنصره فتراخى عنه (5) وبثّ المنون
__________________
(1) الأنفال : 75.
(2) آل عمران : 68.
(3)الغضاضة : النقص.
(4) يشير الإمام إلى نصحه لعثمان في إقصاء بني اميّة عنه إلاّ أنّه لم يستجب له.
(5) أشار الإمام إلى استنجاد عثمان بمعاوية إلاّ أنّه خذله ولم يستجب له.
إليه ، حتّى أتى قدره عليه.
كلاّ والله( قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ (1) مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً ) (2) .
وما كنت لأعتذر من أنّي كنت أنقم عليه أحداثا ؛ فإن كان الذّنب إليه إرشادي وهدايتي له ؛ فربّ ملوم لا ذنب له.
وقد يستفيد الظّنّة المتنصّح
وما أردت إلاّ الإصلاح ما استطعت ، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه أنيب.
وذكرت أنّه ليس لي ولأصحابي عندك إلاّ السّيف ، فلقد أضحكت بعد استعبار! متى ألفيت بني عبد المطّلب عن الأعداء ناكلين ، وبالسّيف مخوّفين؟!
« لبّث قليلا يلحق الهيجا حمل »(3)
فسيطلبك من تطلب ، ويقرب منك ما تستبعد ، وأنا مرقل (4) نحوك في جحفل من المهاجرين والأنصار ، والتّابعين لهم بإحسان ، شديد زحامهم ، ساطع قتامهم (5) ، متسربلين سرابيل الموت ؛ أحبّ اللّقاء إليهم لقاء ربّهم ، وقد صحبتهم ذرّيّة بدريّة ، وسيوف هاشميّة ، قد عرفت مواقع نصالها في أخيك وخالك وجدّك وأهلك
__________________
(1)المعوقون : هم الذين لم ينصروه.
(2) الأحزاب : 18.
(3)حمل : اسم رجل ، يضرب به المثل للتهديد بالحرب.
(4)مرقل : أي مسرع.
(5)القتام : الغبار.
وما هي من الظّالمين ببعيد (1) .
وضارعت هذه الرسالة بعض الرسائل المتقدّمة في كثير من بنودها ، وليس من المستبعد أنّها رويت بطريقين مختلفين مع وحدتهما.
وعلى أي حال فقد فنّد الإمامعليهالسلام في هذه الرسالة أغاليط معاوية التي ليس فيها أي بصيص من نور الحقّ ، وبيّن زيفها ، كما عرض الإمامعليهالسلام بصورة لا تقبل الشكّ أنّه أولى بمقام النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وأحقّ بمركزه من غيره من الخلفاء ، وبيّن أنّ ما لاقاه منهم من الاعتداء والغضّ من شأنه فإنّه بعين الله ، وليس عليه أي غضاضة لأنّه لم يكن ظالما ، ولا شاكّا في دينه ، وسيجمع الله تعالى بينهم وبينه ، وهو الحاكم الفصل.
وحفلت هذه الرسالة بامور بالغة الأهمّية ذكرنا معظمها في البحوث السابقة.
وفشلت جميع الوسائل التي اتّخذها الإمامعليهالسلام لحقن الدماء وجمع كلمة المسلمين ، فقد قرّر معاوية إعلان التمرّد والعصيان ومناهضة حكم الإمام بالسلاح ، وقد شرط على الإمام في رجوعه إلى طاعته شرطين وهما :
1 ـ تسليم قتلة عثمان إليه ليقتصّ منهم ، وفيهم خيار الصحابة.
2 ـ حلّ حكومة الإمام ، وجعل الأمر شورى بين المسلمين لينتخبوا من شاءوا حاكما لهم ، وقد اتّخذ هذين الشرطين التعجيزيّين وسيلة لإعلان حربه على الإمام.
وعلى أي حال فقد استعدّ كلا الفريقين للحرب ، وتهيّأ بجمع معدّاته وأسلحته.
__________________
(1) صبح الأعشى 1 : 229. نهاية الإرب 7 : 233. نهج البلاغة 2 : 21.
وأرسل الإمام بعض الرسائل إلى ولاته وامراء الأجناد يدعوهم فيها لنجدته ونصرته والالتحاق به لمحاربة خصمه العنيد الذي خالف الجماعة ، وخلع يد الطاعة ، وفيما يلي ذلك :
وكتب الإمامعليهالسلام رسالة إلى مخنف بن سليم عامله على أصبهان وهمذان يدعوه فيها لنجدته ، وجاء فيها بعد البسملة :
« سلام عليك ، فإنّي أحمد الله إليك الّذي لا إله إلاّ هو.
أمّا بعد فإنّ جهاد من صدف (1) عن الحقّ رغبة عنه ، وهبّ في نعاس العمى والضّلال اختيارا له ، فريضة على العارفين.
إنّ الله يرضى عمّن أرضاه ، ويسخط على من عصاه ، وإنّا قد هممنا بالسير إلى هؤلاء القوم الّذين عملوا في عباد الله بغير ما أنزل الله واستأثروا بالفيء ، وعطّلوا الحدود ، وأماتوا الحقّ وأظهروا في الأرض الفساد ، واتّخذوا الفاسقين وليجة (2) من دون المؤمنين ، فإذا وليّ الله أعظم أحداثهم أبغضوه وأقصوه وحرموه ، وإذا ظالم ساعدهم على ظلمهم أحبّوه وأدنوه وبرّوه ، فقد أصرّوا على الظّلم وأجمعوا على الخلاف ، وقديما ما صدّوا عن الحقّ وتعاونوا على الإثم وكانوا ظالمين.
فإذا أتيت بكتابي هذا فاستخلف على عملك أوثق أصحابك في
__________________
(1)صدف : مال وأعرض.
(2)الوليجة : الخاصّة.
نفسك ، وأقبل إلينا لعلّك تلقى معنا هذا العدوّ المحلّ (1) فتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، وتجامع المحقّ وتباين المبطل ، فإنّه لا غنى بنا ولا بك عن أجر الجهاد ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ».
وكتب هذه الرسالة ـ التي هي بإملاء الإمام ـ عبيد الله بن أبي رافع وذلك في سنة 37 ه ، واستخلف على أصبهان الحرث بن أبي الحرث بن الربيع ، واستعمل على همذان سعيد بن وهب وكلاهما من قومه ، وأقبل مخنف يجدّ في سيره حتى شهد مع الإمام صفّين(2) .
حكت رسالة الإمامعليهالسلام تمادى معاوية في الموبقات والآثام وأنّه وحزبه قد حكموا بغير ما أنزل الله تعالى فاستأثروا بالفيء وعطّلوا الحدود ، وأماتوا الحقّ ، وأظهروا الفساد في الأرض ، فجهادهم واجب إسلامي لإنقاذ المسلمين من شرورهم وآثامهم.
كتب الإمامعليهالسلام رسالة إلى امراء الأجناد يستنهضهم فيها لنصرته في الورع والتقوى جاء فيها بعد البسملة :
أمّا بعد ..
فإنّي أبرأ إليكم من معرّة الجنود ، فأعزبوا (3) النّاس عن الظّلم والعدوان ، وخذوا على أيدي سفهائكم ، واحترسوا أن تعملوا أعمالا لا يرضى الله بها عنّا فيردّ بها علينا وعليكم دعاءنا ؛ فإنّه تعالى يقول :
__________________
(1)المحلّ : أي أنّه قد أحلّ حرمات الله تعالى.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 282.
(3)أعزبه : أبعده.
( ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْ لا دُعاؤُكُمْ ) (1) وانّ الله تعالى إذا مقت قوما من السّماء هلكوا في الأرض ، فلا تألوا أنفسكم خيرا ، ولا الجند حسن سيرة ، ولا الرّعيّة معونة ، ولا دين الله قوّة ، وأبلوا في سبيل الله ما استوجب عليكم ، فإنّ الله سبحانه قد اصطنع عندنا وعندكم أن نشكره بجهدنا ، وأن ننصره بما بلغت قوّتنا ، ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم (2) .
حكت هذه الرسالة دعوة الإمامعليهالسلام لامراء جنده بالاستقامة والتوازن في سلوكهم ، واتّباع مرضاة الله تعالى ، والعمل بطاعته ، والاجتناب عن سخطه ومعاصيه لينزل الله تعالى عليهم نصره وتأييده.
كتب الإمامعليهالسلام رسالة إلى القرشيّين بما فيهم معاوية يدعوهم جميعا إلى حقن الدماء ، وجمع الكلمة ، وجاء في رسالته لهم بعد البسملة :
« سلام عليكم ، فإنّي أحمد الله الّذي لا إله إلاّ هو.
أمّا بعد فإنّ لله تعالى عبادا آمنوا بالتّنزيل ، وعرفوا التّأويل ، وتفقّهوا في الدّين ، وبيّن الله فضلهم في القرآن الحكيم ، وأنتم في ذلك الزّمان أعداء للرّسول تكذّبون بالكتاب ، ومجمعون على حرب المسلمين ، من ثقفتم (3) منهم حبستموه أو عذّبتموه أو قتلتموه حتّى أراد الله إعزاز دينه ، وإظهار أمره ، فدخلت العرب في الدّين أفواجا ،
__________________
(1) الفرقان : 77.
(2) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 1 : 282.
(3)ثقفتم : أي صادفتم.
وأسلمت له هذه الأمّة طوعا وكرها ، فكنتم فيمن دخل في هذا الدّين ، إمّا رغبة وإمّا رهبة ، على حين فاز أهل السّبق بسبقهم ، وفاز المهاجرون بفضلهم ، ولا ينبغي لمن ليست له مثل سوابقهم في الدّين ، ولا مثل فضائلهم في الإسلام أن ينازعهم الأمر الّذي هم أهله فيحوب (1) ويظلم ، ولا ينبغي لمن كان له عقل أن يجهل قدره ، ويعدو طوره ، ويشقي نفسه بالتماس ما ليس بأهله ، فإنّ أولى النّاس بأمر هذه الأمّة قديما وحديثا أقربها من الرّسول ، وأعلمها بالكتاب ، وأفقهها في الدّين ، أوّلهم إسلاما ، وأفضلهم جهادا ، وأشدّهم بما تحمله الأئمّة من أمر الأمّة اضطلاعا ، فاتّقوا الله الّذي إليه ترجعون ، ولا تلبسوا الحقّ بالباطل وتكتموا الحقّ وأنتم تعلمون.
واعلموا أنّ خيار عباد الله الّذين يعملون بما يعلمون ، وأنّ شرارهم الجهّال الّذين ينازعون بالجهل أهل العلم ؛ فإنّ للعالم بعلمه فضلا ، وإنّ الجاهل لا يزداد بمنازعته العالم إلاّ جهلا ، ألا وإنّي أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ، وحقن دماء هذه الأمّة ، فإن قبلتم أصبتم رشدكم واهتديتم لحظّكم ، وإن أبيتم إلاّ الفرقة وشقّ عصا هذه الأمّة لم تزدادوا من الله إلاّ بعدا ، ولا يزداد الرّبّ عليكم إلاّ سخطا ، والسّلام.
حكت هذه الرسالة الدعوة المباركة التي دعا بها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم قريشا إلى الإسلام ونبذ الأصنام فقاومتها قريش بجميع ما تملك من الوسائل ، والتي كان منها إنزال العذاب القاسي الأليم على من آمن بالله ورسوله قتلا وحبسا حتّى اضطرّ المسلمون
__________________
(1)يحوب : أي يأثم.
إلى الهجرة إلى الحبشة ، ولمّا أعزّ الله دينه ، ونصر عبده ورسوله ، وأرغم انوف القرشيّين ، دخلوا في الإسلام لا إيمانا به ، وإنّما كان خوفا من حدّ السيف.
وعرض الإمامعليهالسلام في رسالته إلى من هو أولى بأمر الامّة ، وأحقّ بخلافتها ، وهم العترة الطاهرة ، وذلك لقربها من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، بالإضافة إلى علمها بكتاب الله تعالى ، وإحاطتها بسنّة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وغير العترة لا نصيب لها من العلم والفضل.
وختم الإمام رسالته بالدعوة إلى جمع الكلمة ، والمحافظة على دماء المسلمين.
وانتهت نسخة الإمام إلى معاوية فأجاب :
أمّا بعد فإنّه :
ليس بيني وبين قيس عتاب |
غير طعن الكلى وضرب الرّقاب |
ولمّا قرأ الإمامعليهالسلام هذا الجواب تلا قوله تعالى :( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (1) .
وتهيّأت لمعاوية جميع الوسائل التي يستطيع بها على محاربة الإمام من العدد والعدّة ، فقد استطاع بمكره وخداعه أن يغري أهل الشام بأنّ الإمامعليهالسلام هو الذي قتل عثمان بن عفّان فكان ينشر قميصه الملطّخ بدمه على المنبر فيضجّ الشاميّون بالبكاء والعويل ، وكان كلّما فتر حزنهم يقول له ابن العاص بسخرية واستهزاء بهم :
حرّك لها حوارها تحن.
فيخرج لهم قميص عثمان ـ الذي هو كعجل بني إسرائيل ـ فيعود لهم الحزن
__________________
(1) القصص : 56.
والبكاء ، وبلغ من أساهم على عثمان أنّهم أقسموا بالله تعالى أن لا يمسّهم الماء إلاّ من الاحتلام ، ولا يأتوا النساء ولا يناموا على الفراش حتى يقتلوا قتلة عثمان(1) ، وكانت قلوبهم تتحرّق شوقا إلى الحرب للأخذ بثأره ، وكانوا يستنهضون معاوية للحرب أكثر منه.
إنّ أهل الشام قد عرفوا بالطاعة العمياء والإخلاص الشديد إلى ولاة امورهم ، وكان يضرب بهم المثل في الطاعة والمشايعة للسلطان على عكس جند الإمام(2) .
وعلى أي حال فقد سار معاوية بجيشه المغرّر المخدوع لمحاربة وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه ، وقدّم بين يديه الطلائع ، وسارت كتائب جيوشه لا تلوي على شيء ، فنزل بهم أحسن منزل وأقربه إلى حوض الفرات ، وأوعز إلى فرقة من جيشه باحتلال نهر الفرات ، وأحاطت به آلاف من الجنود ، وعدّ هذا أوّل الفتح ؛ لأنّه حبس الماء على عدوّه ، وبقيت جيوشه مرابطة في ذلك المكان المسمّى بـ « صفّين » ، وهي تصلح أمرها ، وتنظّم قواها استعدادا للحرب.
وتهيّأ الإمام للحرب بعد ما علم بزحف عدوّه لمناجزته ، وقام الخطباء من أنصار الإمام يدعون الناس للحرب ، ويحثّونهم على الجهاد بعد ما أحرزوه من النصر الكبير في معركة الجمل ومن بين الخطباء ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسبطه الإمام الحسنعليهالسلام فقد خطب خطابا حماسيا رائعا ألهب فيه العواطف ، دعا فيه إلى الجهاد ومناجزة عدوّ الإسلام الذي يكيد للمسلمين في غلس الليل وفي وضح النهار ، وقد استجابت الجماهير لدعوة ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وانطلقوا معه وهم يجدّون في
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 : 141.
(2) لطائف المعارف ـ الثعالبي : 158.
تنظيم قواهم ، ولمّا تمّت عدّتهم زحف بهم الإمامعليهالسلام لحرب عدوّه وقد قدّم طلائع جيشه ، وأمرهم بملازمة الفرات ، فقال لهم : عليكم بملازمة هذا المكان ـ يعني الفرات ـ حتى يأتيكم أمري(1) ، كما أمرهم أن لا يبدءوا أهل الشام بقتال حتى يلحق بهم.
وزحفت كتائب الجيش العراقي كأنّها السيل ترفرف عليها ألوية العدل والحقّ ، وهي على يقين لا يخامره الشكّ أنّها إنّما تحارب القوى الباغية على الإسلام والمعادية لأهدافه ، وأخذت تجدّ في السير لا تلوي على شيء حتى انتهت إلى صفّين.
ولمّا استقرّت جيوش الإمام في صفّين لم يجدوا شريعة يستقون منها الماء إلاّ وهي محاطة بقوى مكثّفة من جيش معاوية ، وهم يمنعونهم أشدّ المنع من الارتواء منه ، والوصول إليه ، ولمّا رأى ذلك الإمام أوفد بعض أصحابه إلى معاوية يطلب منه أن يخلّي بينهم وبين الماء ليشربوا منه ، وعرض معاوية ذلك على خاصّته من الأمويّين والشاميّين ، فأبوا أن يسمحوا لهم بشرب الماء ، وأصرّوا على حرمانهم منه كما حرموا عثمان بن عفّان منه ، ورجع رسول الإمام فأخبره بإصرار القوم على منع الماء عنهم ، وأضرّ العطش بأصحاب الإمام فانبرى إليه الأشعث بن قيس يطلب منه الإذن بفتح باب الحرب عليهم لرفع الحصار عن حوض الفرات ، ولم يجد الإمام بدّا من إجابته ، وكان ذلك في آخر النهار ، وانتظر الأشعث طلوع الفجر ليحمل على جيش معاوية ، ولمّا انبثق نور الصبح خرج الأشعث رافعا صوته :
من كان يريد الماء أو الموت فميعاده الصبح فإنّي ناهض إلى الماء ، فاستجاب
__________________
(1) لسان العرب 7 : 408.
له اثنا عشر ألف رجل فشدّ على معسكر معاوية وقد رفع عقيرته قائلا :
ميعادنا اليوم بياض الصّبح |
هل يصلح الزّاد بغير ملح؟ |
|
لا لا ، ولا أمر بغير نصح |
دبّوا إلى القوم بطعن سمح |
|
مثل العزالى بطعان نفح(1) |
لا صلح للقوم وأين صلحي |
حسبي من الإقحام قاب رمح
ودبّ الأشعث مع الجيش وسيوفهم على عواتقهم ، وجعل يلقي رمحه وهو يستنهض همم الجيش قائلا : بأبي أنتم وأمّي تقدّموا قاب رمحي ، ولم يزل ذلك دأبه حتى خالط القوم ، ثمّ حسر عن رأسه ورفع صوته قائلا : أنا الأشعث بن قيس ، خلّوا عن الماء ، فنادى أبو الأعور السّلمي أما والله! لا تشربون من الماء حتى تأخذنا وإيّاكم السيوف ، فأجابه الأشعث قد والله! أظنّها دنت منّا ، وكان الأشتر قد قرب منه مع خيله حيث أمره الإمام بمساندة الأشعث ، وهجمت الخيل على الفرات وأخذت سيوف الحقّ تحصد رءوس أهل الشام حتى ولّوا مدبرين يلاحقهم العار والخزي(2) .
واحتلّت جيوش الإمام الفرات ، وأراد أصحابه أن يقابلوا جيش معاوية بالمثل فيحرموهم من الماء ، فأبى الإمامعليهالسلام وعاملهم معاملة المحسن الكريم ، فخلّى بين أعدائه وبين الماء ، وكانت هذه طبيعته التي تحكي الشرف والإحسان والبرّ ، وليس أي شيء منها في نفس معاوية ، فقد كانت نزعاته الشريرة اللؤم والخسّة.
شخص رجل من أهل الشام إلى الإمامعليهالسلام حينما كان في صفّين ، فقدّم له
__________________
(1)العزالى : جمع عزلاء ، وهي فم المزادة شبه بها اتّساع الطعنة ، واندفاق الدماء منها ،والنفح : الدفع.
(2) وقعة صفّين : 185.
السؤال التالي :
يا أمير المؤمنين ، أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء من الله تعالى وقدره؟
فأجابه الإمام :
« نعم ، يا أخا أهل الشّام ، والّذي فلق الحبّة ، وبرأ النّسمة! ما قطعنا واديا ، ولا علونا تلعة إلاّ بقضاء من الله وقدره ».
إنّ جميع مجريات الأحداث بيد الله تعالى ، وليس للإنسان أي شأن فيها ، وانبرى الشامي قائلا :
عند الله أحتسب عنائي يا أمير المؤمنين ، وما أظنّ لي أجرا في سعيي إذا كان الله قضاه عليّ وقدّره ...
وردّ الإمام عليه شبهة الجبر قائلا :
« ولم؟ بل عظّم الله أجركم في مسيركم وأنتم مصعدون ، وفي منحدركم وأنتم منحدرون ، وما كنتم في شيء من اموركم مكرهين ، ولا إليها مضطرّين ».
وسارع الشامي قائلا :
وكيف ذاك ، والقدر ساقنا ، وعنهما كان مسيرنا وانصرافنا؟
وطفق الإمام يوضّح له الحقيقة التي خفيت عليه قائلا :
« يا أخا أهل الشّام ، لعلّك ظننت قضاء لازما ، وقدرا حتما ، لو كان ذلك كذلك لبطل الثّواب والعقاب ، وسقط الوعد والوعيد ، والأمر من الله والنّهي ، وما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء ، والمسيء أولى بعقوبة الذّنب من المحسن ، تلك مقالة عبدة الأوثان ، وحزب الشّيطان ، وخصماء الرّحمن ، وشهداء الزّور ، وقدريّة هذه الأمّة ومجوسها ، إنّ الله تعالى أمر عباده تخييرا ،
و نهاهم تحذيرا ، وكلّف يسيرا ، وأعطى على القليل كثيرا ، ولم يطع مكرها ، ولم يعص مغلوبا ، ولم يكلّف عسيرا ، ولم يرسل الأنبياء لعبا ، ولم ينزل الكتب إلى عباده عبثا ، ولا خلق السّماوات والأرض وما بينهما باطلا ، ( ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ) (1) .
وبادر الشامي قائلا :
فما القضاء والقدر الذي كان مسيرنا بهما وعنهما؟
فأجابه الإمام عن الحكمة في ذلك قائلا :
« الأمر من الله بذلك والحكم » ، ثمّ تلا : ( وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً ) (2) .
واقتنع الشامي بما أدلاه الإمام من الحجج قائلا :
فرّجت عنّي فرّج الله عنك يا أمير المؤمنين! ثمّ أنشأ قائلا :
أنت الإمام الّذي نرجو بطاعته |
يوم الحساب من الرّحمن غفرانا |
|
أوضحت من أمرنا ما كان ملتبسا |
جزاك ربّك بالإحسان إحسانا(3) |
كان الإمامعليهالسلام متحرّجا كأشدّ ما يكون التحرّج في دماء المسلمين ، فقد جهد نفسه على نشر السلم والوئام ، واجتناب الحرب ، فأوفد كوكبة من أصحابه إلى معاوية يدعونه إلى حقن الدماء ، ويحذّرونه مغبة ما يحدث من الخسائر بين
__________________
(1) سورة ص : 27.
(2) الأحزاب : 38.
(3) أمالي المرتضى 1 : 150 ـ 151.
المسلمين ، وقد أوفد مثل ذلك في حرب الجمل إلى عائشة وطلحة والزبير.
وعلى أي حال فهؤلاء التالية أسماؤهم وحديثهم قد أرسلهم الإمام إلى معاوية.
وفي طليعة رسل الإمام إلى معاوية عدي بن حاتم ، وهو من أفذاذ أصحاب الإمام ، فقد خاطب معاوية قائلا :
أمّا بعد فإنّا أتيناك لندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وامّتنا ، ويحقن الله به دماء المسلمين ، وندعوك إلى أفضلهم سابقة وأحسنهم في الإسلام آثارا ، وقد اجتمع له الناس وقد أرشدهم الله بالذي رأوا فأتوا فلم يبق أحد غيرك ، وغير من معك ، فأت يا معاوية! من قبل أن يصيبك الله وأصحابك بمثل يوم الجمل ...
وحفل كلام عدي بالدعوة إلى السلم والحفاظ على دماء المسلمين وجمع كلمتهم ، والدخول فيما دخل فيه المسلمون من البيعة الشاملة للإمامعليهالسلام .
وثار معاوية وتميّز غيظا من نصح عدي له ، فقال له :
كأنّك إنّما جئت متهدّدا ، ولم تأت مصلحا ، هيهات يا عدي! كلاّ والله! إنّي لابن حرب ما يقعقع لي بالشنآن(1) أما والله! إنّك لمن المجلبين على ابن عفّان ، وإنّك لمن قتلته ، وإنّي لأرجو أن تكون ممّن يقتله الله ، هيهات يا عدي! قد حلبت بالساعد الأشد ...
وليس في كلام معاوية أيّة رغبة في الصلح وحقن الدماء ، وإنّما كان مصرّا على
__________________
(1)الشنآن : جمع شن ، وهو القربة الخلق يحرّكونها إذا أرادوا الحثّ على السير ، مجمع الأمثال ـ الميداني 2 : 191.
التمرّد والعصيان وإعلان الحرب.
وانبرى يزيد بن قيس الأرحبي فألقى كلمة رائعة دعى فيها معاوية إلى الحقّ قائلا :
إنّا لم نأتك إلاّ لنبلّغك ما بعثنا به إليك ، ولنؤدّي ما سمعنا منك ، لن ندع أن ننصح لك ، وأن نذكر ما ظننّا أنّ لنا به عليك حجّة ، أو أنّه راجع بك إلى الألفة والجماعة ، إنّ صاحبنا لمن قد عرفت ، وعرف المسلمون فضله ، ولا أظنّه يخفى عليك : إنّ أهل الدين والفضل لن يعدلوك بعليّعليهالسلام ، ولن يميّلوا بينك وبينه ، فاتّق الله يا معاوية! ولا تخالف عليّا ، فإنّا والله! ما رأينا رجلا قطّ أعمل بالتقوى ، ولا أزهد في الدنيا ، ولا أجمع لخصال الخير كلّها منه ...
وأشاد هذا الخطاب بفضل الإمامعليهالسلام ، وأنّه نسخة لا ثاني لها في المسلمين تقوى وورعا وجهادا وتجرّدا عن متع الحياة وزهوها ولكنّ ابن هند لم يع منطق الحقّ ، ولم يهتمّ بامور المسلمين فردّ عليه :
وأجاب معاوية بأغاليطه قائلا :
أمّا بعد فإنّكم دعوتم إلى الطاعة والجماعة ، فأمّا الجماعة التي دعوتم إليها فنعمّا هي ، وأمّا الطاعة إلى صاحبكم فإنّا لا نراها ، إنّ صاحبكم قتل خليفتنا ، وفرّق جماعتنا ، وآوى ثأرنا ، وقتلتنا ، وصاحبكم يزعم أنّه لم يقتله ، فنحن لا نردّ ذلك عليه ، أرأيتم قتلة صاحبنا؟ ألستم تعلمون أنّهم أصحاب صاحبكم؟ فليدفعهم إلينا فلنقتلهم به ، ونحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة ...
وحفل خطاب معاوية بالكذب والنفاق ، فقد عزى قتل عثمان إلى الإمام ،
وهو يعلم براءته من دمه ، وإنّما الذي أجهز عليه منحه الثراء العريض لبني اميّة وآل أبي معيط ، وتنكيله بخيار الصحابة أمثال أبي ذرّ وعمّار بن ياسر وعبد الله بن مسعود ، ومنحه الوظائف المهمّة في الدولة لاسرته وغير ذلك ممّا اقترفه ، الأمر الذي أثار عليه غضب الأخيار والمتحرّجين في دينهم فقتلوه ، وليس للإمام أي دور أو ضلع في قتله ، كما ألمحنا إلى ذلك في البحوث السابقة.
وانبرى شبث بن ربعي فقال لمعاوية :
أيسرك بالله يا معاوية! إن أمكنك من عمّار بن ياسر تقتله؟ إنّ عمّارا هو من المحرّضين على قتل عثمان فاندفع معاوية قائلا :
وما يمنعني من ذلك ، والله! لو أمكنني صاحبكم من ابن سميّة ما قتلته بعثمان ، ولكن كنت قتلته بنائل مولى عثمان بن عفّان ...
وأي قيمة لعمّار عند معاوية الذي لم يفقه من قيم الإسلام شيئا؟ إنّ عمّار بن ياسر أجلّ صحابي ، وأسمى شخصية في الإسلام ، فقد ساهم مساهمة إيجابية في إقامة صروح الدين ، واستشهد أبوه ياسر وأمّه سميّة في سبيل الإسلام ، وكان من أقرب الصحابة إلى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن أكثرهم مودّة وحبّا له ، ومن الطبيعي أنّ معاوية لا يحفل به ولا يقيم له أي وزن.
وعلى أي حال فقد غضب شبث من كلام معاوية ، وقال له :
وإله السماء! ما عدلت معدلا ، لا والله الذي لا إله إلاّ هو! لا تصل إلى قتل ابن ياسر حتى تندر الهام عن كواهل الرجال ، وتضيق الأرض من الفضاء عليك برحبها ...
ورجع الوفد إلى الإمامعليهالسلام وأخبروه بعدم نجاحهم في وفادتهم ، وأنّ معاوية
مصرّ على الحرب والعصيان(1) .
ولمّا فشلت جميع الوسائل التي اتّخذها الإمام من أجل السلم وحقن الدماء عبّأ أصحابه للحرب ، وكذلك عبّأ معاوية جيشه للقتال.
وأوعز الإمامعليهالسلام إلى جيشه بتطبيق ما يلي في ميادين الحرب قائلا لهم :
« لا تقاتلوا القوم حتّى يبدءوكم ، فأنتم ـ بحمد الله ـ على حجّة وترككم إيّاهم حتّى يبدءوكم حجّة اخرى لكم عليهم ، فإذا قاتلتموهم فهزمتموهم فلا تقتلوا مدبرا ، ولا تجهزوا على جريح ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثّلوا بقتيل ، فإذا وصلتم إلى رحال القوم فلا تهتكوا سترا ، ولا تدخلوا دارا إلاّ بإذن ، ولا تأخذوا شيئا من أموالهم إلاّ ما وجدتم في عسكرهم ، ولا تهيّجوا امرأة بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم وصلحاءكم ؛ فإنّهنّ ضعاف القوى »(2) .
ومثّلت هذه التعاليم شرف القيادة العسكرية في الإسلام ، والتي اتّخذها فقهاء المسلمين منهجا في حروب المسلمين بعضهم لبعض ، ولم يكونوا قبل ذلك على علم بها.
ونظر الإمام الممتحن بأسى بالغ وحزن عميق إلى الجيوش الإسلامية وقد
__________________
(1) وقعة صفّين : 221 ـ 224.
(2) وقعة صفّين : 266. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 8 : 346 ـ 347.
استعدّت لتحارب بعضها فذابت نفسه أسى ، وراح يدعو الله تعالى بهذا الدعاء.
« اللهمّ ربّ هذا السّقف المرفوع ، المكفوف المحفوظ ، الّذي جعلته مغيض اللّيل والنّهار ، وجعلت فيها مجاري الشّمس والقمر ، ومنازل الكواكب والنّجوم ، وجعلت ساكنه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة.
وربّ هذه الأرض الّتي جعلتها قرارا للنّاس ، والأنعام والهوامّ ، وما نعلم وما لا نعلم ، ممّا يرى ، وممّا لا يرى من خلقك العظيم.
وربّ الجبال الّتي جعلتها للأرض أوتادا ، وللخلق متاعا.
وربّ البحر المسجور المحيط بالعالم.
وربّ السّحاب المسخّر بين السّماء والأرض.
وربّ الفلك الّتي تجري في البحر بما ينفع النّاس ، إن أظفرتنا على عدوّنا ، فجنّبنا الكبر ، وسدّدنا للرّشد ، وإن أظفرتهم علينا فارزقنا الشّهادة ، واعصم بقيّة أصحابي من الفتنة »(1) .
وأنت ترى في هذا الدعاء مدى تبتّل الإمام وانقطاعه إلى الله تعالى وطلبه للسداد منه ، وأن يجنّبه البغي والعدوان في هذه الحرب.
واستعدّ الإمامعليهالسلام للحرب فخرج لابسا لامة حربه ، وكان على ميمنة جيشه عبد الله بن بديل الخزاعي ، وعلى ميسرته عبد الله بن عباس ، وقرّاء العراق ، ومن بينهم الصحابي العظيم عمّار بن ياسر ، وباقي الصحابة الأجلاّء ، فاستقبلتهم جحافل
__________________
(1) وقعة صفّين : 232.
جيوش الشام ، والتحمت معهم في معركة رهيبة ، وقد أبلى الجيش العراقي بلاء حسنا ، وزرع الرعب والخوف في جند معاوية ، واستمرّت الحرب ، فلمّا حلّ شهر المحرّم توقّف القتال.
وطلب معاوية من قادة جيشه وفرسانهم اغتيال الإمام فقال لهم :
إنّ عليّا يخرج في سرعان الخيل فمن ينتدب له؟
فقام إليه عبد الرحمن بن خالد ، فقال : أنا له. فأمره معاوية بالجلوس لأنّه ليس خفيفا في الحرب.
وقام عبد الرحمن العكّيّ ، فقال : أنا له. فمنعه معاوية لأنّه كان عجولا.
وقام عمرو بن الحصين السّكوني فقال : أنا له.
فقال معاوية : أنت له حقّا ، فخرج مع عكّ والصّدف.
وخرج الإمام على عادته إلى ساحة الحرب فترقّبه السكوني ، وحمل عليه من خلفه ، فلمّا كاد أن يطعنه اعترضه سعيد بن قيس الهمداني فطعنه طعنة نجلاء قصم بها صلبه ، فالتفت الإمام إلى خلفه فرأى السكوني صريعا ، ورأى رجلا من ذي رعين قد قتله سعيد أيضا فجزع عليهما معاوية جزعا شديدا ، ونظم سعيد بن قيس هذه الأبيات :
لقد فجعت بفارسها رعين |
كما فجعت بفارسها السّكون |
|
غداة أتى أبا حسن عليّا |
وأمّ النقع مشبلة طحون |
|
ليطعنه فقلت له : خذنها |
مسوّمة يخفّ لها القطين |
|
أقول له : ورمحي في صلاه |
وقد قرّت بمصرعه العيون |
|
ألا يا عمرو عمرو بن الحصين |
وكلّ فتى ستدركه المنون |
أترجو أن تنال إمام صدق |
أبا حسن وذا ما لا يكون |
|
لقد بكت السّكون عليك حتى |
وهت منها النواظر والجفون |
|
ألا أبلغ معاوية بن حرب |
ورجم الغيب يكشفه اليقين |
|
بأنّا لا نزال لكم عدوّا |
طوال الدهر ما سمع الحنين |
|
ألم تر أنّ والينا عليّا |
أب برّ ونحن له بنون |
|
وأنّا لا نريد سواه يوما |
وذاك الرّشد والحقّ المبين |
|
وإنّ له العراق وكلّ كبش |
حديد القرن ترهبه القرون(1) |
واستؤنفت العلميات الحربية بعد تصرّم محرّم إلاّ أنّها لم تكن عامّة ، وإنّما كانت متقطّعة ، تخرج الكتيبة للكتيبة والفرقة للفرقة ، وقد سئم الفريقان هذه الحرب المتقطّعة وتعجّلوا الحرب العامّة ، فعبّأ الإمام جيوشه تعبئة عامّة وكذلك فعل معاوية ، والتحم الجيشان التحاما رهيبا ، واقتتلوا أبرح قتال ، وأشدّه وانكشفت ميمنة جيش الإمام انكشافا ذريعا بلغ حدّ الهزيمة ، وقاتل الإمام ومعه الحسنان(2) ، وانحاز الإمام إلى ميسرة جيشه ، وكانت فيها ربيعة ، وقد بذلت من الجهد أقساه ، وكان قائلهم يقول :
لا عذر لكم بعد اليوم عند العرب إن اصيب عليّ.
واشتدّ القتال ، وقد تحالفت ربيعة على الموت وصمدت في ميادين الحرب ، ورجعت ميمنة الإمام إلى حالها من التماسك ، وكان ذلك بفضل القائد الملهم الزعيم مالك الأشتر ، واستمرّت الحرب على حالها من العنف.
__________________
(1) خزانة الأدب 8 : 77 ـ 78.
(2) أنساب الأشراف 1 : 305.
وبرز الإمام في ساحة الحرب ونادى رافعا صوته :
يا معاوية! فالتفت معاوية إلى جماعته ، وقال لهم :
اسألوه ما شأنه؟
أحب أن يظهر لي فاكلّمه كلمة واحدة ..
وخرج معاوية ومعه ابن العاص ، وهما يحتميان بالجند ، فوجّه الإمام خطابه إلى معاوية قائلا :
« ويحك! علام يقتتل النّاس بيني وبينك ، ويضرب بعضهم بعضا؟ ابرز إليّ فأيّنا قتل صاحبه فالأمر له ».
والتفت معاوية إلى ابن العاص فقال له :
ما ترى يا أبا عبد الله؟
لقد أنصفك الرجل.
والتاع معاوية من كلام ابن العاص ، وقال له بعنف :
ليس من مثلي يخدع عن نفسه ، والله! ما بارز ابن أبي طالب رجلا قطّ إلاّ سقى الأرض من دمه ...
وانصرف معاوية مغيظا محنقا يطارده الرعب والفزع ، وتأثّر من ابن العاص ، وحقد عليه لمّا أشار عليه بمبارزة الإمام ، فقد أشار عليه بالموت والهلاك ، وقال له يعاتبه بهذه الأبيات :
يا عمرو إنّك قد قشرت لي العصا |
برضاك في وسط العجاج برازي |
|
يا عمرو إنّك قد أشرت بظنّة |
إنّ المبارز كالجديّ النّازي |
ما للملوك وللبراز وإنّما |
حتف المبارز خطفة للبازي |
|
ولقد أعدت فقلت مزحة مازح |
والمزح يحمله مقال الهازي |
|
فإذا الذي منّتك نفسك خاليا |
قتلي جزاك بما نويت الجازي |
|
فلقد كشفت قناعها مذمومة |
ولقد لبست بها ثياب الخازي |
فأجابه عمرو :
أيّها الرجل! أتجبن عن خصمك ، وتتّهم نصيحتك؟
وأجابه عن شعره بهذه الأبيات :
معاوي إن نكلت عن البراز |
لك الويلات فانظر في المخازي |
|
معاوي ما اجترمت إليك ذنبا |
وما أنا في التي حدثت بخازي |
|
وما ذنبي بأن نادى عليّ |
وكبش القوم يدعى للبراز |
|
فلو بارزته بارزت ليثا |
حديد النّاب يخطف كلّ بازي |
|
ويزعم أنّني أضمرت غشّا |
جزاني بالذي أضمرت جازي |
|
أضبع في العجاجة يا ابن هند |
وعند الباه كالتّيس الحجازي(1) ؟ |
وكيف يستطيع هذا الجبان الصعلوك أن يبارز أسد الله الذي حصد ببتّاره رءوس المشركين من قريش وأنزل بهم الهزيمة والعار.
وبرز ابن العاص في بعض أيام صفّين إلى ساحة الحرب ، فتصدّى له الإمام ، فلمّا عرفه انخلع قلبه وجمد دمه ، وكشف عن عورته ، فصرف الإمام وجهه عنه حياء وخجلا ، وقال أصحاب الإمام له :
__________________
(1) وقعة صفّين : 311 ـ 313.
أفلت الرجل يا أمير المؤمنين؟
أتدرون من هو؟
لا.
إنّه عمرو بن العاص تلقّاني بعورته فصرفت وجهي عنه ...
ورجع ابن العاص إلى معاوية ، فقال له :
ما صنعت يا عمرو؟
لقيني عليّ فصرعني ...
فسخر معاوية وقال مستهزئا به :
احمد الله وعورتك ...
وتلى معاوية على ابن العاص هذه الأبيات :
ألا لله من هفوات عمرو |
يعاتبني على تركي برازي |
|
فقد لاقى أبا حسن عليّا |
فآب الوائليّ مآب خازي |
|
فلو لم يبد عورته للاقى |
به ليثا يذلّل كلّ نازي |
|
له كفّ كأن براحتيها |
منايا القوم يخطف خطف بازي |
|
فإن تكن المنايا أخطأته |
فقد غنّى بها أهل الحجاز(1) |
وقد بقيت هذه الحادثة لطخة عار وخزي على ابن العاص المجرم الجبان الذي لا يرجو لله وقارا ، وقد وقع مثل ذلك من الخبيث الدنس بسر بن أبي أرطأة فقد كشف عورته حينما برز له الإمامعليهالسلام فأعرض عنه ، هؤلاء الجبناء هم أعمدة السياسة الأمويّة.
__________________
(1) وقعة صفّين : 463 ـ 464.
أمّا عمّار بن ياسر فهو من أفضل صحابة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ومن أكثرهم جهادا في الإسلام ، وكان أثيرا عند النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم فقد أخلص له في الحبّ كأعظم ما يكون الإخلاص ، وقد اثرت في حقّه بعض الآيات والروايات ، وبعد وفاة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم لازم وصيّه وباب مدينة علمه ، وقد آمن إيمانا لا يخامره شكّ أو وهم أنّ الإمام أولى بمركز النبيّ ، وأحقّ بمقامه ، وقد احتفّ به وناصره ، وجاهد معه في حرب الجمل ، وفي أيام صفّين كان عضدا للإمام ، وقد بلغ ذروة الشيخوخة فقد ناهز التسعين عاما أو أكثر من ذلك ، وكان قلبه وبصيرته بمأمن من الشيخوخة ، فكان في معركة صفّين نشطا قويا كأنّه في ريعان الشباب ، وقد حارب ابن العاص وهو يشير إلى رايته قائلا :
والله! إنّ هذه الراية قاتلتها ثلاث عركات ، وما هذه بأرشدهنّ ...
وكان يبعث الحماس والعزم في جيش الإمام قائلا لهم :
والله! لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنّا على الحقّ وهم على الباطل ...
ويقول الرواة إنّه جلس مبكّرا في يوم من أيام صفّين ، وقد ازداد قلبه وجيبا وشوقا إلى ملاقاة حبيبه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وملاقاة أبويه الشهيدين ياسر وسميّة ، فخفّ مسرعا نحو الإمام يطلب منه الإذن ليلج في الحرب لعلّه يرزق الشهادة وعرض ذلك على الإمام فلم يسمح له بذلك ، وظلّ يعاود الإمام مستأذنا على ذلك ، فلم تطب نفس الإمام بالسماح له ، وراح يلحّ عليه فلم يجد بدّا من إجابته ، فأذن له ، وقد ذابت نفس الإمام حزنا عليه ، وقد أجهش بالبكاء.
وانطلق عمّار إلى ساحة الحرب وهو جذلان فرح بما سيصير إليه من الشهادة وملاقاة الأحبّة وقد رفع صوته عاليا :
اليوم ألقى الأحبّه |
محمّدا وحزبه ... |
وكان صاحب الراية والقائد لتلك الكتيبة الصحابي الجليل هاشم بن عتبة المرقال ، وهو من فرسان المسلمين وخيارهم ، وأحبّهم للإمام ، وأخلصهم له ، وكان أعور فاتّجه عمّار نحوه وجعل يحرّضه على الهجوم فتارة يقول له برفق :
احمل فداك أبي وأمّي ...
واخرى يقول له بشدّة وعنف :
تقدّم يا أعور ...
وهاشم يقول لعمّار بأدب ولطف وتكريم :
رحمك الله يا أبا اليقظان! إنّك رجل تستخفّ بالحرب ، وإنّي إنّما أزحف زحفا لعلّي أبلغ ما اريد ...
ولم يزل عمّار يحرّض هاشما على الحملة حتى ضجر فحمل وهو يرتجز :
قد أكثروا لومي وما أقلاّ |
إنّي شربت النّفس لن اعتلاّ |
|
أعور يبغي نفسه محلاّ |
لا بدّ أن يفلّ أو يفلاّ |
|
قد عالج الحياة حتّى ملاّ |
أشدّهم بذي الكعوب شلاّ |
ودلّ هذا الرجز على سأم هاشم من الحياة ، وشوقه إلى ملاقاة الله تعالى ، وجال معه في ميدان الحرب عمّار وهو يقاتل أعنف القتال ويرتجز :
نحن ضربناكم على تنزيله |
واليوم نضربكم على تأويله |
|
ضربا يزيل الهام عن مقيله |
ويذهل الخليل عن خليله |
|
أو يرجع الحقّ إلى سبيله |
لقد قاتل عمّار وجاهد بإيمان مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دفاعا عن الإسلام ، واليوم يقاتل مع أخي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم دفاعا عن تأويل القرآن ودفاعا عن إمام المسلمين ، فما أعظم عائدة عمّار على الإسلام!
والتحم بطل الإيمان عمّار مع القوى الباغية التحاما رهيبا ، ولمّا رأى ذلك معاوية اضطرب وقال : هلكت العرب إن أخذتهم خفّة العبد الأسود يعني عمّارا(1) .
وبينما عمّار يقاتل قتال الأبطال إذ حمل عليه رجس من أرجاس البشرية وهو أبو العادية الفزاري فطعنه طعنة قاتلة فهوى إلى الأرض ذلك الصرح الشامخ من العقيدة والإيمان يتخبّط بدمه المعطّر بالشهادة في سبيل الله تعالى.
وأضرّ العطش بعمّار وهو ينزف دما فبادرت إليه امرأة بلبن ، فلمّا رآه تبسّم وراح يقول :
قال لي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم :« آخر شرابك من الدّنيا ضياح من لبن ، وتقتلك الفئة الباغية ».
ولم يلبث قليلا حتى صعدت روحه الطاهرة إلى الله تحفّها الملائكة المقرّبون ، وقد انطوت بشهادته أروع صفحة مشرقة بالإيمان والجهاد.
لقد سمت روح عمّار إلى الله تعالى وهي تحمل جميع ألوان الجهاد والإيمان والإخلاص والحبّ لله تعالى.
وكان الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام برحا ومضطربا لم يقرّ له قرار حينما برز عمّار إلى ساحة الجهاد فكان يقول بأسى بالغ :
« فتّشوا لي عن ابن سميّة ».
وانطلقت فصيلة من الجيش تبحث عنه فوجدته قتيلا مضمّخا بدم الشهادة ، فانبرى بعضهم مسرعا إلى الإمام فأخبره بشهادته ، ووقع النبأ على الإمام كالصاعقة فقد انهارت قواه ، وانهدّ ركنه ، وأحاطت به موجات من الألم القاسي ،
__________________
(1) وقعة صفّين : 384.
ومشى لمصرعه كئيبا حزينا ، وعيناه تفيضان دموعا ، وسار معه قادة الجيش ، وهم يذرفون الدموع.
ولمّا انتهى الإمامعليهالسلام إلى الجثمان المقدّس ألقى بنفسه عليه وجعل يوسعه تقبيلا وأخذ يؤبّنه بحرارة قائلا :
« إنّ امرأ من المسلمين لم يعظم عليه قتل عمّار ـ ويدخل عليه بقتله مصيبة موجعة ـ لغير رشيد.
رحم الله عمّارا يوم أسلم.
ورحم الله عمّارا يوم قتل.
ورحم الله عمّارا يوم يبعث حيّا.
لقد رأيت عمّارا ما يذكر من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أربعة إلاّ كان الرّابع ، ولا خمسة إلاّ كان الخامس ، وما كان أحد من أصحاب محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم يشكّ في أنّ عمّارا قد وجبت له الجنّة في غير موطن ولا اثنين ، فهنيئا لعمّار الجنّة ».
وأخذ الإمام رأس البطل الشهيد فجعله في حجره ودموعه على وجهه الشريف ، وهو يبدي حزنه وأساه عليه ، ويقول :
ألا أيّها الموت الذي ليس تاركي |
أرحني فقد أفنيت كلّ خليل |
|
أراك بصيرا بالذين احبّهم |
كأنّك تسعى نحوهم بدليل |
وانبرى الإمام الحسنعليهالسلام سبط النبيّ فألقى كلمة في تأبينه كما أبّنه قادة الجيش ، ثمّ قام الإمام الثاكل الحزين الذي فقد أعزّ أنصاره وأصحابه فواروا جثمان الشهيد العظيم في مقرّه الأخير ، وقد واروا معه الإيمان والتقوى ، ونكران الذات ، وقد دفنه الإمامعليهالسلام بثيابه ولم يغسّله عملا بالسنّة في دفن الشهيد.
ولمّا اذيع مقتل عمّار وقعت الفتنة في جيش معاوية ، فقد سمع الجميع مقالة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في حقّه : « تقتله الفئة الباغية » فقد اتّضح لهم أنّهم الفئة الباغية التي عناها النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم وكان ابن العاص من بين الذين رووا حديث النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في عمّار تقتله الفئة الباغية ، وشاع ذلك عنه في أوساط أهل الشام ، فتراجع بعض العارفين من أصحاب معاوية والتحقوا بالإمام كان منهم العنسي ، وهو القائل :
والرّاقصات بركب عامدين له |
إنّ الذي جاء من عمرو لمأثور |
|
قد كنت أسمع والأنباء شائعة |
هذا الحديث فقلت الكذب والزّور |
|
حتّى تلقّيته من أهل عيبته |
فاليوم أرجع والمغرور مغرور |
|
واليوم أبرأ من عمرو وشيعته |
ومن معاوية المحدو به العير |
|
لا لا اقاتل عمّارا على طمع |
بعد الرّواية حتّى ينفخ الصّور |
|
تركت عمرا وأشياعا له نكدا |
إنّي بتركهم يا صاح معذور |
|
يا ذا الكلاع فدع لي معشرا كفروا |
أو لا فديتك عين فيه تعزير |
|
ما في مقال رسول الله في رجل |
شكّ ولا في مقال الرّسل تحبير(1) |
وأنت ترى في هذا الشعر مدى التراجع الذي لا حق العنسي ، فقد بانت له الحقيقة وآمن أنّ معاوية وابن العاص على باطل لا شكّ فيه ، وأنّ الحقّ مع عمّار ومع الإمامعليهالسلام .
وغضب معاوية على ابن العاص لروايته الحديث في عمّار وانتفخ سحره فقال له بغضب :
أفسدت عليّ أهل الشام ، أكلّ ما سمعته من رسول الله تقوله؟
__________________
(1) وقعة صفّين : 390 ـ 391.
فقال ابن العاص : قلتها ولست والله! أعلم الغيب ، ولا أدري أنّ صفّين تكون(1) ونظم في ذلك هذه الأبيات :
تعاتبني أن قلت شيئا سمعته |
وقد قلت ـ لو أنصفتني ـ مثله قبلي |
|
أرجلك فيما قلت رجل ثبيتة |
وتزلق بي في مثل ما قلته رجلي؟ |
|
وما كان لي علم بصفّين أنّها |
تكون وعمّار يحثّ على قتلي |
|
فلو كان لي بالغيب علم كتمتها |
وكابدت أقواما مراجلهم تغلي |
|
أبى الله إلاّ أنّ صدرك واغر |
عليّ بلا ذنب جنيت ولا ذحل |
|
سوى أنّني ، والرّاقصات عشيّة |
بنصرك مدخول الهوى ذاهل العقل |
وردّ عليه معاوية بهذه الأبيات :
فقلت لك القول الذي ليس ضائرا |
ولو ضرّ لم يضررك حملك لي ثقلي |
|
فعاتبتني في كلّ يوم وليلة |
كأنّ الذي ابليك ليس كما ابلي |
|
فيا قبّح الله العتاب وأهله |
ألم تر ما أصبحت فيه من الشّغل |
|
فدع ذا ، ولكن هل لك اليوم حيلة |
تردّ بها قوما مراجلهم تغلي؟ |
|
دعاهم عليّ فاستجابوا لدعوة |
أحبّ إليهم من ثرى المال والأهل |
|
إذا قلت هابوا حومة الموت أرقلوا |
إلى الموت إرقال الهلوك إلى الفحل(2) |
وقد صوّرت هذه الأبيات هلع معاوية وخوفه من الإمامعليهالسلام الذي استجابت له جماهير المسلمين ، واستطابوا الموت دونه ، وهو زاحف بهم إلى قتاله.
وعلى أي حال فقد أوجد قتل عمّار زلزالا في جيش معاوية ، وتمرّدا في كتائبه
إلاّ أنّ ابن العاص قد استطاع بمكره وخداعه أن يضلّل الجماهير فقال لهم :
__________________
(1) و (2) وقعة صفّين : 390 ـ 391.
إنّ الذي قتل عمّارا هو الذي أخرجه إلى حومة الحرب وآمن الغوغاء من أهل الشام بمقالته ، ونقل إلى الإمامعليهالسلام قوله فردّ عليه قائلا :
« إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم هو الّذي قتل حمزة وجعفرا لأنّه أخرجهما للحرب ».
وفنّد الإمام بذلك المنطق الرخيص لابن العاص.
أمّا ليلة الهرير فهي أقسى ليلة وأشدّها هولا وعنفا في جميع حروب صفّين ، وقد وصفها الرواة بأنّ الجيشين زحف بعضهما إلى بعض فتراموا بالنبل والحجارة حتى فنيت ، ثمّ تطاعنوا بالرماح حتى تكسّرت ، ثمّ مشى القوم بعضهم إلى بعض بالسيف وعمد الحديد فلم يسمع السامع إلاّ وقع الحديد بعضه على بعض ، وهو أشدّ هولا في صدور الرجال من الصواعق ومن جبال تهامة يدكّ بعضها بعضا ، وبقوا على هذا الصراع العنيف حتى انكشفت الشمس ، وثار القتام وظلّت الألوية والرايات قائمة والمعارك مستمرة ، ثمّ اجتلدوا بالسيوف وعمد الحديد من صلاة الغداة إلى نصف الليل لم يصلّوا لله صلاة ، واستمر القتال حتى أصبحوا وكانت الضحايا سبعين ألف قتيل من الفريقين ، وكان الإمام في قلب الجيش والأشتر يزحف بجنده ، وهو يقول لهم :
ازحفوا قيد رمحي هذا ، فإذا فعلوا ذلك قال لهم : ازحفوا قاب هذا القوس(1) ولم يزل القتال مستمرّا حتى تفلّلت جميع قوى معاوية ، وبان عليه الانكسار وهمّ بالفرار إلاّ أنّه تذكّر قول ابن الأطنابة :
أبت لي همّتي وأبى بلائي |
وإقدامي على البطل المشيح |
__________________
(1) وقعة صفّين : 390 ـ 391.
وإعطائي على المكروه مالي |
وأخذي الحمد بالثّمن الرّبيح |
|
وقولي كلّما جشأت وجاشت |
مكانك تحمدي أو تستريحي |
وقد ردّه هذا الشعر إلى الصبر والثبات كما كان يتحدّث بذلك أيام الملك والسلطان.
ولمّا بان الانكسار الهائل في معسكر الطاغية ابن أبي سفيان ، وتفلّلت جميع كتائبه العسكرية قام الإمامعليهالسلام خطيبا في جيشه فقال بعد حمد الله تعالى والثناء عليه :
« أيّها النّاس ، قد بلغ بكم الأمر وبعدوّكم ما قد رأيتم ، ولم يبق منهم إلاّ آخر نفس ، وإنّ الامور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأوّلها ، وقد صبر لكم القوم على غير دين حتّى بلغنا منهم ما بلغنا ، وأنا غاد عليهم بالغداة احاكمهم إلى الله عزّ وجلّ ».
واحتدم القتال كأشدّه ، وزحف القائد العام مالك الأشتر وقد أحرز الفتح ، ولم يبق على الاستيلاء على معاوية الذي فرّق كلمة المسلمين وألقاهم في شرّ عظيم إلاّ حلبة شاة أو عدوة فرس ، وقد شاءت المقادير عكس ذلك.
إنّ أبشع مهزلة في التاريخ البشري وأسوأ كارثة مني بها المسلمون على امتداد التأريخ هي مكيدة رفع المصاحف ، وقد وصفها « راوجوست ميلر » بأنّها من أبشع المهازل وأسوئها في التاريخ البشري(1) .
__________________
(1) العقيدة والشريعة في الإسلام : 190.
واعتقد أنّ هذه المكيدة القاصمة لم تكن وليدة المصادفة أو المفاجأة ، فقد حيكت اصولها قبل هذا الوقت ، فقد كان ابن العاص الماكر الخبيث وزير معاوية على اتّصال دائم ببعض القادة في الجيش العراقي ، كان من بينهم الخبيث العميل الأشعث بن قيس مع جماعة من قادة الجيش العراقي ، وجرت بينهم وبين ابن العاص اتّصالات سرّية احيطت بكثير من الكتمان بتدبير مؤامرة انقلابية في جيش الإمام ، وذهب إلى هذا الرأي عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين قائلا :
« فما استبعد أن يكون الأشعث بن قيس وهو ماكر أهل العراق وداهيتهم قد اتّصل بعمرو بن العاص ماكر أهل الشام وداهيتهم ودبّرا هذا الأمر بينهم تدبيرا ، ودبّرا أن يقاتلوا القوم فإن ظهر أهل الشام فذاك ، وإن خافوا الهزيمة أو أشرفوا عليها رفعوا المصاحف فأوقعوا الفرقة بين أصحاب عليّ ، وجعلوا بأسهم بينهم شديدا »(1) .
وعلى أي حال فقد بدت الهزيمة المنكرة في جيش معاوية ، وانهارت جميع قواه العسكرية ، ففزع إلى ابن العاص ، وقال له بذعر وخوف :
إنّما هي الليلة حتى يغدو علينا بالفصيل ، فما ترى؟
وأشار عليه ابن العاص قائلا :
إنّ رجالك لا يقومون لرجاله ، ولست مثله ، هو يقاتلك على أمر ، وأنت تقاتله على أمر آخر ، أنت تريد البقاء ، وهو يريد الفناء ، وأهل العراق يخافون منك إن ظفرت بهم ، وأهل الشام لا يخافون عليّا إن ظفر بهم ، ولكن ألق إليهم أمرا إن قبلوه اختلفوا ، وإن ردّوه اختلفوا ، ادعهم إلى كتاب الله حكما فيما بينك وبينهم ، فأنت بالغ به حاجتك في القوم ، فإنّي لم أزل أؤخّر هذا الأمر لوقت حاجتك إليه.
واستطاب معاوية رأي ابن العاص ، وعرف صدق نصيحته ، فمعاوية يقاتل
__________________
(1) الفتنة الكبرى 2 : 89.
الإمام من أجل الملك والسلطان ، والإمام يقاتله من أجل الإسلام وإقامة حكم الله في الأرض.
وعلى أي حال فقد أوعز معاوية برفع المصاحف أمام الجيش العراقي ، فرفعت زهاء خمسمائة مصحف ، وتعالت أصوات أهل الشام بلهجة واحدة :
يا أهل العراق! هذا كتاب الله بيننا وبينكم من فاتحته إلى خاتمته من لثغور أهل الشام بعد أهل الشام؟ ومن لثغور أهل العراق بعد أهل العراق؟ ومن لجهاد الروم؟ ومن للترك؟ ومن للكفّار؟
وكانت هذه الهتافات التي تعالت من أهل الشام كالصاعقة على رءوس الجيش العراقي ، فقد انقلب رأسا على عقب ، فخلع طاعة الإمام ومني بانقلاب مدمّر ، وراح الإمام الممتحن يحذّر جيشه من هذه الدعاوى المضلّلة ويفنّد مزاعم معاوية قائلا :
يا لسوء الأقدار! يا للأسف! يا للمصيبة العظمى! لقد أحاطت تلك الوحوش الكاسرة والبهائم المخدوعة بالإمام المظلوم الممتحن ، وكان عددهم زهاء عشرين ألفا ، وهم مقنّعون بالحديد ، شاكّون بالسلاح ، قد اسودّت وجوههم من السجود ، يتقدّمهم مسعر بن فدكيّ ، وزيد بن حصين ، وعصابة من القرّاء ، فنادوا الإمام باسمه لا بإمرة المؤمنين قائلين :
يا عليّ ، أجب القوم إلى كتاب الله إذا دعيت إليه ، وإلاّ قتلناك كما قتلنا ابن عفّان ، فو الله لنفعلنّها إن لم تجبهم ...
فردّ عليهم الإمام قائلا والأسى ملء فؤاده :
« ويحكم أنا أوّل من دعا إلى كتاب الله ، وأوّل من أجاب إليه ، وليس يحلّ لي
ولا يسعني في ديني أن ادعى إلى كتاب الله فلا أقبله ، إنّي إنّما اقاتلهم ليدينوا بحكم القرآن ، فإنّهم قد عصوا الله فيما أمرهم ونقضوا عهده ونبذوا كتابه ، ولكنّي قد أعلمتكم أنّهم قد كادوكم وأنّهم ليسوا العمل بالقرآن يريدون ».
لقد نصحهم الإمام ودلّهم على زيف هذه الحيلة ، وإنّما لجئوا إليها لفشلهم في العمليات العسكرية ، وأنّهم لم يقصدوا بها إلاّ خداعهم ...
ومن المؤسف أنّ تلك الوحوش لم يعوا منطق الإمام ، وانخدعوا بهذه المكيدة ، وراحوا في غيّهم يعمهون ، وقد جلبوا لأنفسهم ولأمّتهم الدمار والهلاك ، فاندفعوا كالموج صوب الإمام بأصوات عالية قائلين :
أجب القوم ...
أجب القوم وإلاّ قتلناك ...
وفي طليعة هؤلاء المنافق الخبيث الأشعث بن قيس الذي كان على اتّصال وثيق بابن العاص ، فقد تسلّح بهؤلاء المتمرّدين ، وهو ينادي بقبول التحكيم ، والاستجابة لدعوة أهل الشام.
ولم يجد الإمام بدّا من إجابتهم فأصدر أوامره بإيقاف عمليات الحرب ، وقد ذاب قلبه الشريف ألما وحزنا فقد أيقن بزوال دولة الحقّ ، وانتصار دولة الظلم والبغي وأنّ دماء جيشه التي سفكت في سبيل الله قد ضاعت وذهبت سدى.
وأصرّ عليه اولئك الأقزام بسحب قائده العام مالك الأشتر من ساحة الحرب ، وكان الأشتر قد أشرف على نهاية الفتح ، ولم يبق بينه وبين النصر الحاسم إلاّ حلبة شاة أو عدوة فرس ، فأرسل إليه الإمام بإيقاف العمليات العسكرية ، فلم يعن مالك بما امر به ، وقال لرسول الإمام :
قل لسيّدي ليست هذه بالساعة التي ينبغي لك أن تزيلني فيها عن موقفي ،
إنّي قد رجوت الله أن يفتح لي ، فلا تعجلني ...
وقفل الرسول راجعا إلى الإمام ، وأخبره بمقالة مالك ، فارتفعت أصوات اولئك الوحوش بالإنكار على الإمام قائلين له :
والله! ما نراك أمرته إلاّ أن يقاتل ...
وامتحن الإمام المظلوم كأشدّ ما يكون الامتحان ، فقال لهم :
أرأيتموني ساررت رسولي إليه ، أليس إنّما كلمته على رءوسكم علانية ، وأنتم تسمعون؟
ولم يستجيبوا لقول الإمام ، وأصرّوا على تمرّدهم وغيّهم قائلين :
ابعث إليه فليأتك وإلاّ فو الله! اعتزلناك ...
وأجمعوا على الشرّ والعدوان قائلين بعنف :
ابعث إليه فليأتك ...
وأجمعوا على الفتك بالإمام ومناجزته ، فلم يجد الإمام بدّا من إصدار أوامره المشدّدة إلى مالك بالانسحاب الفوري عن ساحة الحرب ، فاستجاب الأشتر على كره ، وقد انهارت قواه ، فقال لرسول الإمام :
ألرفع هذه المصاحف حدثت هذه الفتنة؟
نعم.
وعرف الأشتر أنّ مكيدة ابن العاص قد أوجدت هذا الانقلاب في جيش الإمام ، فقال بحرارة وألم :
أما والله! لقد ظننت أنّها ـ أي رفع المصاحف ـ ستوقع اختلافا وفرقة ، إنّها مشورة ابن العاهرة ـ يعني عمرو بن العاص ـ ألا ترى إلى الفتح؟! ألا ترى إلى ما يلقون؟
ألا ترى ما يصنع الله بهم؟
أيبتغي أن ندع هذا وننصرف عنه؟
وأحاطه رسول الإمام علما بحراجة الموقف والأخطار الهائلة المحدقة بالإمام قائلا :
أتحبّ أنّك إن ظفرت هاهنا ، وأنّ أمير المؤمنين بمكانه الذي هو به يفرّج عنه ، ويسلّم إلى عدوّه ...
فقال الأشتر مقالة المؤمن الممتحن :
سبحان الله لا والله! ما أحبّ ذلك.
وطفق رسول الإمام يخبر الأشتر بحراجة الموقف ، وما احيط به الإمام من أخطار قائلا :
إنّهم قالوا : لترسلنّ إلى الأشتر فليأتينّك أو لنقتلنّك بأسيافنا كما قتلنا ابن عفّان ، أو لنسلمنّك إلى عدوّك ...
وقفل الأشتر راجعا ، وقد ذهبت نفسه شعاعا ، فقد تحطّمت آماله ، وضاعت أهدافه ، وخسر المعركة بعد أن أشرف على الظفر ، وطلب من اولئك الممسوخين أن يخلّوا بينه وبين عدوّهم الذي سفك دماءهم ، وحصد رءوس أخيارهم ، وأنزل أفدح الخسائر الموجعة بهم فلم يذعنوا له ، ولم يستجيبوا لقوله ، وطلب منهم قائلا :
أمهلوني عدوة الفرس فإنّي قد طمعت في النصر.
فردّوا عليه بشراسة وعنف قائلين :
إذن ندخل معك في خطيئتك ...
وانبرى الأشتر يحاججهم ببالغ الحجّة ، ويفنّد ببرهانه ما ذهبوا إليه قائلا :
فحدّثوني عنكم ، وقد قتل أماثلكم ، وبقي أراذلكم ، متى كنتم محقّين؟
أحين كنتم تقتلون أهل الشام ، فأنتم الآن حين أمسكتم عن القتال محقّون ، فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم وكانوا خيرا منكم في النار ...
ولم تجد معهم هذه الحجج ، وراحوا مصرّين على جهلهم وغيّهم الذي جرّ للمسلمين الويلات والكوارث ، وألقاهم في شرّ عظيم ...
واندفع هؤلاء الممسوخون قائلين للأشتر :
دعنا منك يا أشتر! قاتلناهم في الله إنّا لا نطيعك ، فاجتنبنا ...
وأخذ الأشتر يمعن في نصحهم ، ويحذّرهم مغبة هذه الفتنة العمياء ، وأنّهم لا يرون عزّا أبدا ، وفعلا فقد صاروا بعد هذا التمرّد أذلّ من قوم سبأ ، فقد آل الأمر إلى معاوية فأخذ يسومهم سوء العذاب ويسقيهم كأسا مصبرة.
وطلب مالك من الإمام أن يناجزهم الحرب فأبى لأنّهم كانوا الأكثرية الساحقة في جيشه ، وفتح باب الحرب معهم يؤدّي إلى أفظع النتائج لأنّهم يقعون فريسة سائغة بأيدي الأمويّين.
وأطرق الإمام الممتحن برأسه إلى الأرض ، وقد طافت به موجات من الألم القاسي ، وتمثّلت أمامه الأخطار المحدقة بالمسلمين ، فلم يكلّم هؤلاء الوحوش بكلمة ، وراحوا يهتفون :
إنّ عليّا أمير المؤمنين قد رضي الحكومة ، ورضي بحكم القرآن ...
وغرق الإمام في تيارات قاسية وموجعة من الألم الممضّ ، فقد مني بانقلاب مدمّر في جيشه ولا يستطيع أن يعمل أي شيء ، وراح يقول :
« لقد كنت أمس أميرا ، فأصبحت اليوم مأمورا ، وكنت ناهيا فأصبحت اليوم منهيّا ».
وتركهم يتخبّطون في دياجير قاتمة أدّت إلى هلاكهم ، وانتصار الجور والطغيان عليهم.
وانتصر معاوية ، وطار فرحاً على ما آل إليه جيش الإمام من التمرّد والعصيان وكتب إلى الإمام رسالة جاء فيها :
أمّا بعد عافانا الله وإيّاك فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا والالفة بيننا ، وقد فعلت وأنا أعرف حقّي ، ولكن اشتريت بالعفو صلاح الامّة ، ولا أكثر فرحا بشيء جاء ولا ذهب ، وإنّما أدخلني في هذا الأمر القيام بالحقّ فيما بين الباغي والمبغيّ عليه ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فدعوت إلى كتاب الله فيما بيننا وبينك فإنّه لا يجمعنا وإيّاك إلاّ هو ، نحيي ما أحيا القرآن ، ونميت ما أمات القرآن ، والسلام.
وحفلت هذه الرسالة بالكذب والنفاق ، فهل معاوية بن هند يعرف القرآن ويخضع له وهو وأبوه وأمّه ومعهم الكثير من الاسر القرشية قد كفروا بالقرآن وآمنوا بأصنامهم وأوثانهم؟
ولم يعرض معاوية إلى دم عثمان في رسالته ، وإنّما عرض إلى الكذب السافر ، فقد أعرب أنّه يبغي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أي معروف هذا الذي ينشده هذا الذئب الجاهلي؟ وأي منكر ينكره؟ وهو الذي سفك دماء المسلمين وأغرق البلاد بالمحن والخطوب؟
وكتب الإمام رسالة لابن العاص يعظه ويرشده إلى اتّباع الحقّ ، وجاء في رسالته :
« أمّا بعد فإنّ الدّنيا مشغلة عن غيرها ، ولم يصب صاحبها منها شيئا إلاّ فتحت له حرصا يزيده فيها رغبة ، ولن يستغني صاحبها بما نال عمّا لم يبلغه ،
ومن وراء ذلك فراق ما جمع ، والسّعيد من وعظ بغيره ، فلا تحبط أبا عبد الله أجرك ، ولا تجار معاوية في باطله » (1) .
ولم يستجب ابن العاص للإمام وكتب له الرسالة التالية :
أمّا بعد فإنّ ما فيه صلاحنا وإلف ذات بيننا الإنابة إلى الحقّ ، وقد جعلنا القرآن حكما بيننا فأجبنا إليه ، وصبّر الرجل منّا نفسه على ما حكم عليه القرآن ، وعذره الناس بعد المحاجزة ، والسلام(2) .
وأصرّ ابن العاص على غيّه وأطماعه ، وكتب له الإمام رسالة اخرى فأعرض عنها ، ولم يتجاوب مع الإمام ، وتمسّك بابن هند. وعلى أي حال فلم تقف محنة الإمام وبلاؤه عند هذا الحدّ من عصيان جيشه ، فقد تجاوز الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك ، فقد حيكت مؤامرة دبّرها الأشعث مع جماعة من قادة الجيش إلى انتخاب الأشعري الخامل المنافق الذي هو من ألدّ أعداء الإمام ، ومن أكثرهم حقدا عليه ، ليقوم بتنفيذ المؤامرة ، وهي عزل الإمام عن الحكم.
وأقبل الأشعث عميل الأمويّين يلهث كأنّه الكلب ، فقال للإمام :
يا أمير المؤمنين ، ما أرى الناس إلاّ قد رضوا ، وسرّهم أن يجيبوا القوم إلى ما دعوهم إليه من حكم القرآن ، فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد ونظرت ما الذي يسأل؟
فرمقه الإمام بطرفه ، ولم يجد وسيلة لصدّه عمّا يريد ، فقال له :
«ائته إن شئت ».
وراح المنافق العميل يركض صوب معاوية ، فلمّا انتهى إليه قال له :
__________________
(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 4 : 268.
(2) وقعة صفّين : 569 ـ 571.
ـ يا معاوية ، لأيّ شيء رفعتم المصاحف؟
ـ لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه ، فابعثوا منكم رجلا ترضون به ، ونبعث منّا رجلا نرضى به ، ثمّ نأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ، لا يعدوانه ، ثمّ نتّبع ما اتّفقا عليه ...
وكان بين الأشعث اتّفاق سرّي على ذلك ، فراح الأشعث يقول :
هذا هو الحقّ ...
وقفل راجعا إلى الإمام ، وأخبره بالأمر ، وتعالت أصوات العراقيّين قائلين :
رضينا وقبلنا ...
ولم يكن للإمام أي دور في ذلك.
وصاح أهل الشام :
رضينا واخترنا عمرو بن العاص.
وأحاط العراقيّون بالإمام ولهم هرير كهرير الكلاب قائلين :
إنّا رضينا بأبي موسى الأشعري.
فزجرهم الإمام ونهاهم عن انتخابه قائلا :
« إنّ معاوية لم يكن ليضع لهذا الأمر أحدا هو أوثق برأيه ونظره من عمرو بن العاص ، وأنّه لا يصلح للقرشيّ إلاّ مثله ، فعليكم بعبد الله بن عبّاس فارموه به ، فإنّ عمرا لا يعقد عقدة إلاّ حلّها عبد الله ، ولا يبرم أمرا إلاّ نقضه ».
فردّ عليه الأشعث المنافق قائلا :
لا والله! لا يحكم فينا مضريان حتّى تقوم الساعة ، ولكن اجعله رجلا من أهل اليمن إذ جعلوا رجلا من مضر.
فأجابه الإمام :
« إنّي أخاف أن يخدع يمنّيكم ، فإنّ عمرا ليس من الله في شيء إذا كان له في أمر هوى ».
وقام الخبيث الدنس ابن الكوّاء ، فقال للإمام : هذا عبد الله بن قيس وافد أهل اليمن إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وصاحب مقاسم أبي بكر وعامل عمر ، وقد رضي به القوم.
وامتنعوا أشدّ الامتناع من ترشيح ابن عبّاس ، وأجمعوا على انتخاب الغبي المنافق الأشعري ، ولم يجد الإمام بدّا من إجابتهم ، وقد سجّلوا لهم العار والخزي ، وهجاهم أيمن بن خريم الأسدي بقوله :
لو كان للقوم رأي يعصمون به |
من الضّلال رموكم بابن عبّاس |
|
لله درّ أبيه أيّما رجل |
ما مثله لفصال الخطب في الناس |
|
لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن |
لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس |
|
إن يخل عمر به يقذفه في لجج |
يهوي به النّجم تيسا بين أتياس |
|
أبلغ لديك عليّا غير عاتبه |
قول امرئ لا يرى بالحقّ من باس |
|
ما الأشعريّ بمأمون أبا حسن |
فاعلم هديت وليس العجز كالراس |
|
فاصدم بصاحبك الأدنى زعيمهم |
إنّ ابن عمّك عبّاس هو الآسي(1) |
وبادر أبو الأسود الدؤلي تلميذ الإمام فحذّره من انتخاب الأشعري قائلا :
يا أمير المؤمنين ، لا ترض بأبي موسى فإنّي قد عجنت الرجل وبلوته فحلبت أشطره ، فوجدته قريب القعر(2) مع أنّه يماني(3) .
__________________
(1) وقعة صفّين : 576.
(2) من لطائف التعبير قول أبي الأسود : فوجدته قريب القعر.
(3) أمالي المرتضى 1 : 292.
وعلى أي حال فقد ارغم الإمام على انتخاب الأشعري الذي جرّ للعراقيّين الويل والعطبا.
ولمّا اتّفق الفريقان على تحكيم ابن العاص والأشعري ، سجّلا وثيقة على ذلك ، وجاء فيها بعد البسملة :
هذا ما تقاضى عليه عليّ بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، قضيّة عليّ على أهل العراق ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب ، وقضيّة معاوية على أهل الشام ومن كان من شيعته من شاهد أو غائب.
إنّا رضينا أن ننزل عند حكم القرآن فيما حكم ، وأن نقف عند أمره فيما أمر ، وأن لا يجمع بيننا إلاّ ذلك ، وإنّا جعلنا كتاب الله فيما بيننا حكما فيما اختلفنا فيه من فاتحته إلى خاتمته ، نحيي ما أحيا ، ونميت ما أمات ، على ذلك تقاضيا وبه تراضيا ، وإنّ عليّا وشيعته رضوا أن يبعثوا عبد الله بن قيس ناظرا ومحاكما ، ورضي معاوية وشيعته أن يبعثوا عمرو بن العاص ناظرا ومحاكما على أنّهما أخذوا عليهما عهد الله وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه ، ليتّخذان الكتاب إماما فيما بعثا له ، لا يعدوانه إلى غيره في الحكم بما وجداه مسطورا ، وما لم يجداه مسمّى في الكتاب ردّاه إلى سنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الجامعة لا يتعمدان لهما خلافا ، ولا يتبعان في ذلك لهما هوى ، ولا يدخلان في شبهة.
وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على عليّ ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضا بما حكما به من كتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم وليس لهما أن ينقضا ذلك ولا يخالفاه إلى غيره ، وأنّهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأهلهما ما لم يعدوا
الحقّ ، رضي بذلك راض أو أنكره منكر ، وأنّ الأمّة أنصار لهما على ما قضيا به من العدل ، فإن توفّي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة فأمير شيعته وأصحابه يختارون رجلا مكانه لا يألون عن أهل المعدلة والأقساط على ما كان صاحبه من العهد والميثاق ، والحكم بكتاب الله وسنّة رسولهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وله مثل شرط صاحبه وإن مات أحد الأميرين قبل القضاء فلشيعته أن يولّوا مكانه رجلا يرضون عدله ، وقد وقعت القضيّة ومعها الأمن والتفاوض ووضع السلاح والسلام والموادعة ، وعلى الحكمين عهد الله وميثاقه ألاّ يألوا اجتهادا ولا يتعمّدا جورا ، ولا يدخلا في شبهة ، ولا يعدوا حكم الكتاب وسنّة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فإن لم يفعلا برئت الأمّة من حكمهما ، ولا عهد لهما ولا ذمّة ، وقد وجبت القضيّة على ما قد سمّي في هذا الكتاب من مواقع الشروط على الأميرين والحكمين والفريقين ، والله أقرب شهيد وأدنى حفيظ ، والناس آمنون على أنفسهم وأهليهم وأموالهم إلى انقضاء مدّة الأجل ، والسلاح موضوع ، والسبل مخلاّة ، والغائب والشاهد من الفريقين سواء في الأمن.
وللحكمين أن ينزلا منزلا عدلا بين أهل العراق وأهل الشام ، ولا يحضرهما إلاّ من أحبّا عن ملأ منهما وتراض ، وأنّ المسلمين قد أجّلوا القاضيين إلى انسلاخ رمضان فإن رأى الحكمان تعجيل الحكومة فيما وجها له عجّلاها ، وإن أرادا تأخيرها بعد رمضان إلى انقضاء الموسم فإنّ ذلك إليهما ، فإن هما لم يحكما بكتاب الله وسنّة نبيّهصلىاللهعليهوآلهوسلم إلى انقضاء الموسم فالمسلمون على أمرهم الأوّل في الحرب ، ولا شرط بين واحد من الفريقين ، وعلى الأمّة عهد الله وميثاقه على التمام والوفاء بما في هذا الكتاب ، وهم يد على من أراد فيه إلحادا وظلما أو حاول له نقضا(1) .
وقد وقّع على هذه الوثيقة جمهرة من الفريقين ، وليس فيها سوى الدعوة إلى
__________________
(1) وقعة صفّين : 578 ـ 580 ، ورواها الطبري في الجزء السادس ، ص 30 ولكن بصورة أوجز ممّا عليه هنا.
السلم وعدم إراقة الدماء ، وليس فيها أي تعرّض للمطالبة بدم عثمان ، فقد أهملت الوثيقة ذلك إهمالا تامّا ، وفيما اعتقد أنّه لم يكن للإمام أي رأي في هذه الوثيقة ، وإنّما أملاها الشاميّون وعملاؤهم من أهل العراق.
لا أعتقد أن يلمّ أي كاتب بتصوير المحنة الكبرى التي ألمّت بالإمام في رجوعه من صفّين ، فقد رجع مثقلا بالآلام والهموم ، فقد أيقن أنّ باطل معاوية قد استحكم وأمره قد تمّ ، وأنّ حكومته قد أفلت ، وخبا ضياؤها ، وأنّ جيشه قد أصبح متمرّدا عليه يدعوه فلا يستجيب له ، ويأمره فلا يطيعه ، قد مزّقت الفتن جميع كتائبه وفرقه ، فقد رجعوا وهم يتشاتمون ويتضاربون بالسياط ، ويبغي بعضهم على بعض ، ففريق منهم يرى ضرورة إيقاف القتال ، والبعض الآخر ينكر ذلك ، وينقم على الذاهبين إليه.
وعلى أي حال فقد انبثقت في جيش الإمام الفكرة الحرورية التي كانت سوسة تنخر في جيش الإمام ، وسنتحدّث عنها في الفصول الآتية.
وكان ممّا مني به الإمام من الهوان والآلام في طريق رجوعه إلى الكوفة أنّه سمع سبّه وشتمه ، فقد استقبله قوم فقالوا له :
أقتلت المسلمين بغير جرم ، وداهنت في أمر الله ، وطلبت الملك ، وحكّمت الرجال في دين الله لا حكم إلاّ الله ...
وبلغ الحزن والأسى أقساهما في نفس الإمام ، وقال لهم :
« حكم الله في رقابكم ، ما يحبس أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم »؟ ثمّ جاء حتى دخل الكوفة(1) .
__________________
(1) الغارات 1 : 30.
وانتهت المدّة التي عيّنها الفريقان للتحكيم ، وقد استردّ معاوية فيها قواه العسكرية التي فقدها أيام صفّين ، فأرسل إلى الإمام يطلب منه الوفاء في التحكيم ، وإنّما سارع إلى ذلك لعلمه بما مني به جيش الإمام من التفكّك والانحلال والتخاذل ، كما كان على يقين لا يخامره شكّ أنّ التحكيم سيكون من صالحه لأنّ المنتخب له من قبل العراقيّين الأشعري وهو من الدّ أعداء الإمام ، ومن الحاقدين عليه وأنّه لا ينتخب الإمام.
وعلى أي حال فقد أشخص العراقيّون الخامل الغبي الأشعري أخزاه الله ومعه أربعمائة شخص من أصحابه كان من بينهم حبر الامّة عبد الله بن عباس يقيم فيهم الصلاة ، وكذلك الشخص الماكر ابن العاص ومعه أربعمائة شخص من أهل الشام ، والتقوا بدومة الجندل أو في أذرح ، وكان ابن العاص قد أفرد للأشعري مكانا خاصّا ، وجعل يقدّم له أطائب الطعام والشراب حتى استنبطه وأرشاه ، ولم يفتح معه الحديث ثلاثة أيام حتى صار العوبة بيده يوجّهه حيث ما شاء ، وأخذ يضفي عليه النعوت الحسنة والألقاب الكريمة ، وكان من بنود حديثه معه.
يا أبا موسى ، إنّك شيخ أصحاب محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وذو فضلها ، وذو سابقتها ، وقد ترى ما وقعت فيه هذه الامّة من الفتنة العمياء التي لا بقاء معها ، فهل لك أن تكون ميمون هذه الامّة فيحقن الله بك دماءها؟ فإنّه يقول في نفس واحدة :( وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) ، فكيف بمن أحيا هذا الخلق كلّه؟
إيه يا ابن العاص! متى كان الأشعري الضالّ المضلّ شيخ صحابة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟ ومتى كان من ذوي الفضائل والسوابق في الإسلام؟
قاتل الله السياسة! فقد بنيت على المكر والخداع والتضليل ، وليس لها أيّة صلة بالحقّ والواقع.
وعلى أي حال فقد انخدع هذا القزم الحقير بهذا التكريم والتعظيم ، وطفق يسأل ابن العاص عن طرق الاصلاح التي يحقن بها الدماء فقال له :
تخلع أنت عليّ بن أبي طالب ، وأخلع أنا معاوية بن أبي سفيان ، ونختار لهذه الامّة رجلا لم يحضر في شيء من الفتنة ، ولم يغمس يده فيها ...
وكان ابن العاص عالما بانحرافه عن الإمام ، ويعني بالشخص الذي لم يحضر الفتنة هو عبد الله بن عمر ، وكان الأشعري يميل إليه ، فقال له : من هو؟
عبد الله بن عمر.
وسرّ الأشعري بذلك ، وانبرى يطلب منه العهود والمواثيق على الالتزام بما قاله قائلا : كيف لي بالوثيقة منك؟
يا أبا موسى ، ألا بذكر الله تطمئنّ القلوب ، خذ من العهود والمواثيق حتى ترضى ...
ولم يترك ابن العاص يمينا إلاّ أقسم به. وما قيمة الأيمان والمواثيق عند ابن العاص؟ وهو الذي نشأ نشأة جاهلية؟ وعلى أي حال فقد انخدع الأشعري بمقالة ابن العاص فأجابه بالرضا والقبول وعيّنا وقتا يذيعان فيه ما اتّفقا عليه.
وأقبلت الساعة الرهيبة التي تنتظرها الجاهير بفارغ الصبر ، واتّجه الماكر ابن العاص والغبي الأشعري نحو منصّة الخطابة ليعلنا للناس ما اتّفقا عليه ، فقال ابن العاص لأبي موسى :
قم فاخطب الناس يا أبا موسى! قم أنت فاخطبهم ...
وراح الماكر يخدع الأشعري ، ويضفي عليه الألقاب الكريمة ، ويبالغ في تعظيمه قائلا :
سبحان الله! أنا أتقدّم عليك ، وأنت شيخ أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، والله! لا فعلت ذلك أبدا(1) .
وغرّت هذه الكلمات المعسولة ، التي ألقاها ابن العاص مشاعر الأشعري وعواطفه ، وراح يطلب منه الوفاء بما عاهده عليه ، فراح يقسم له بالله تعالى على الوفاء بما قال ، وما أرخص القسم الكاذب عند ابن العاص الذي لا يرجو لله وقارا! فأقسم له بكلّ يمين بتنفيذ ما قاله ، ولم يخف على حبر الامّة زيف يمين ابن العاص ، فالتفت إلى الأشعري يحذّره من مكيدة ابن العاص قائلا له :
ويحك! والله! إنّي لأظنّه قد خدعك ، إن كنتما قد اتّفقتما على أمر فقدّمه قبلك فليتكلّم ، ثمّ تكلّم أنت بعده ، فإنّ عمرا رجل غدّار ، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا فيما بينك وبينه ، فإذا قمت للناس خالفك ...
ولم يحفل الغبي بكلام ابن عباس ، وراح يشتدّ كأنّه الكلب نحو منصّة الخطابة ، فلمّا استوى عليها قال :
أيّها الناس ، إنّا قد نظرنا في أمرنا فرأينا أقرب ما يحضرنا من الأمن والصلاح ، ولمّ الشعث ، وحقن الدماء ، وجمع الالفة خلعنا عليّا ومعاوية! فقد خلعت عليّا كما خلعت عمامتي هذه ، وأهوى إلى عمامته فخلعها ، واستخلفنا رجلا صحب رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم بنفسه ، وصحب أبوه النبيّ فبرز في سابقته وهو عبد الله بن عمر(2) .
__________________
(1) العقد الفريد 3 : 315.
(2) تاريخ الطبري 6 : 39 ، وجاء في شرح النهج 13 : 315 : روى سويد بن غفلة قال : كنت مع أبي موسى على شاطئ الفرات في خلافة عثمان فروى لي خبرا عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قال : سمعته يقول : « إنّ بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل الاختلاف بينهم حتّى بعثوا حكمين ضالّين ، ضلاّ وأضلاّ من اتّبعهما ، ولا تنفك أمّتي حتى يبعثوا حكمين يضلاّن ويضلاّن من اتّبعهما » فقلت له : احذر يا أبا موسى أن تكون أحدهما ، قال : فخلع قميصه وقال : ابرأ إلى الله من ذلك كما برىء قميصي من هذا.
افّ لك يا زمان! وتعسا لك يا دهر! هذا الصعلوك الغبي يتحكّم في رقاب المسلمين؟ ويعزل وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وباب مدينة علمه ، وأبا سبطيه ، والبائت على فراشه ، وحاميه من كيد الطغاة القرشيّين ، والمجاهد الأوّل في الإسلام الذي ليس مثله في نصرته وحمايته للنبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ؟
إنّ الذي خلع الإمامعليهالسلام ، وجعل الأشعري يتحكّم في مصير المسلمين ، إنّما هم أعضاء السقيفة والشورى ، والحكم في ذلك لا يحتاج إلى الدليل فهو واضح وضوح الشمس.
وعلى أي حال فقد عزل الأشعري الإمام أمير المؤمنين عملاق هذه الامّة ، ورائد العدالة الكبرى في الأرض الذي طوّق الدنيا بمواهبه وعبقرياته ، ورشّح لخلافة المسلمين عبد الله بن عمر الذي لا يحسن طلاق زوجته ( على حدّ تعبير أبيه ) حقّا إنّها من مهازل الزمن التي تمثّلت في ذلك العصر الذي أخمدت فيه أضواء الفكر ، وأفلت تعاليم القرآن. ومهما يكن الأمر فقد انبرى الماكر الخبيث ابن العاص إلى منصّة الخطابة ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال :
أيّها الناس ، إنّ أبا موسى عبد الله بن قيس خلع عليّا ، وأخرجه من هذا الأمر الذي يطلب ، وهو أعلم به ، ألا وأنّي خلعت عليّا معه ، وأثبتّ معاوية عليّ وعليكم ، وإنّ أبا موسى قد كتب في الصحيفة أنّ عثمان قتل مظلوما(1) شهيدا ، وأنّ لوليّه أن يطلب بدمه حيث كان ، وقد صحب معاوية رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وصحب أبوه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم (2) .
__________________
(1) إنّ الصحيفة التي تمّ الاتّفاق عليها لم يذكر فيها المطالبة بدم عثمان عميد الأمويّين وشيخهم.
(2) إنّ أبا سفيان صحب النبيّ في واقعة احد وغيرها من الحروب التي قادها للقضاء على الإسلام.
ثمّ أخذ يضفي على معاوية بن هند صفات المتّقين التي لم يتّصف إلاّ بضدّها والتفت إلى الجماهير فقال لهم :
هو الخليفة علينا ، وله طاعتنا وبيعتنا على الطلب بدم عثمان(1) .
واشتدّ الأشعري وهو يلهث نحو ابن العاص بعد ما غدر به ونكث عهده قائلا له :
ما لك؟ عليك لعنة الله ، ما أنت إلاّ كمثل الكلب( إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ) (2) ...
فزجره ابن العاص قائلا :
لكنّك مثل الحمار يحمل أسفارا ...
لقد صدق كلّ منهما في وصف صاحبه ، فقد مالا عن الحقّ واقترفا كلّ ما حرّم الله تعالى من إثم وغدر.
لقد جرّ هذا التحكيم الظالم للامّة الكثير من المصاعب والفتن وألقاها في شرّ عظيم فقد ماج الجيش العراقي الذي أجبر الإمام على التحكيم في الفتن ، وأيقن بالخيبة والخسران ، وانهزم الأشعري نحو مكّة يصحب معه العار والخزي له ولذرّيته(3) ولمن رشّحه للتحكيم ، فقد غدر بالمسلمين غدرة منكرة وألقاهم في شرّ عظيم.
__________________
(1) أنساب الأشراف 2 : 351. الإمامة والسياسة 1 : 143.
(2) الأعراف : 176.
(3) احتقر المسلمون ذرّية الأشعري ، فقد سمع الفرزدق أبا بردة بن الأشعري يقول : كيف لا أتبختر ، وأنا ابن أحد الحكمين ، فقال له الفرزدق : أمّا أحدهما ـ أي الحكمين ـ فمائق ، وأمّا الآخر ففاسق ، فكن ابن أيّهما شئت. شرح النهج 19 : 353.
ونظر رجل إلى بعض ولدي أبي موسى يتبختر في مشيته ، فقال : ألا ترون مشيته كأنّ أباه خدع ابن العاص.
افتخر ابن العاص على أهل الشام بما حقّقه من انجاز عظيم في خداعه للغبي الأشعري ، واثر عنه من الشعر اعتزازه بذلك قال :
خدعت أبا موسى خديعة شيظم(1) |
يخادع سقبا في فلاة من الأرض |
|
فقلت له : إنّا كرهنا كليهما |
فنخلعهما قبل التّلاتل والدّحض(2) |
|
فإنّهما لا يغضيان على قذى |
من الدّهر حتّى يفصلان على أمض(3) |
|
فطاوعني حتّى خلعت أخاهم |
وصار اخونا مستقيما لدى القبض |
|
وإنّ ابن حرب غير معطيهم الولا |
ولا الهاشميّ الدهر أو ربع الحمض |
وأعرب ابن العاص بهذه الأبيات عن سروره البالغ لخديعته للأشعري وأنّه حقّق الانتصار الكاسح لمعاوية.
وردّ ابن عبّاس على ابن العاص أبياته بقوله :
كذبت ولكن مثلك اليوم فاسق |
على أمركم يبغي لنا الشّرّ والعزلا |
|
وتزعم أنّ الأمر منك خديعة |
إليه وكلّ القول في شأنكم فضلا |
|
فأنتم وربّ البيت! قد صار دينكم |
خلافا لدين المصطفى الطيّب العدلا |
|
أعاديتم حبّ النّبيّ ونفسه |
فما لكم من سابقات ولا فضلا |
|
فأنتم وربّ البيت! أخبث من مشى |
على الأرض ذا نعلين أو حافيا رجلا |
|
غدرتم وكان الغدر منكم سجيّة |
كأن لم يكن حرثا ولا لم يكن نسلا(4) |
__________________
(1)الشيظم : الطويل الجسم ، الفتى من الناس. والسقب : ولد الناقة.
(2)التلاتل : الشدائد. الدحض : الزلل.
(3)الأمض : الباطل.
(4) وقعة صفّين : 633.
ولمّا شاع أمر التحكيم واذيعت نتائجه فرح الشاميّون كأشدّ ما يكون الفرح وطابت نفوسهم بفوز معاوية وافول دولة الحقّ ، وشمتوا بالعراقيّين ، وقد أعلن ذلك شاعرهم كعب بن جعيل بقوله :
كأنّ أبا موسى عشيّة أذرح |
يطوف بلقمان الحكيم يواربه |
|
فلمّا تلاقوا في تراث محمّد |
نمت بابن هند في قريش مضاربه |
|
سعى بابن عفّان ليدرك ثأره |
وأولى عباد الله بالثأر طالبه |
|
وقد غشيتنا في الزّبير غضاضة |
وطلحة إذ قامت عليه نوادبه |
|
فردّ ابن هند ملكه في نصابه |
ومن غالب الأقدار فالله غالبه |
|
وما لابن هند في لؤيّ بن غالب |
نظير وإن جاشت عليه أقاربه |
|
فهذاك ملك الشّام واف سنامه |
وهذاك ملك القوم قد جبّ غاربه |
|
يحاول عبد الله عمرا وإنّه |
ليضرب في بحر عريض مذاهبه |
|
دحا دحوة نجلاء أودت بنفسه |
إلى أسفل المهوى ظنون كواذبه(1) |
وأنت ترى في هذا الشعر الاستهانة بالأشعري ، وأنّه ليس أهلا لأن يكون كفؤا لابن العاص ، والشماتة من الشاعر ظاهرة في العراقيّين الذين لم يقرّروا مصيرهم الحاسم بعد أن أشرفوا على الفتح فكان مثلهم كالتي نقضت غزلها.
وبعث ابن العاص إلى سيّده معاوية رسالة يهنّيه بما أحرزه من النصر في خديعته للأشعري ، وما أحدثه من الفتن والاختلاف في جيش الإمام ، وكتب في
__________________
(1) وقعة صفّين : 632.
آخر الكتاب هذه الأبيات :
أتتك الخلافة مزفوفة |
هنيئا مريئا تقرّ العيونا |
|
تزفّ إليك كزفّ العروس |
بأهون من طعنك الدّار عينا |
|
وما الأشعريّ بصلد الزّناد |
ولا خامل الذّكر في الأشعرينا |
|
ولكن اتيحت له حيّة |
يظلّ الشجاع لها مستكينا |
|
فقالوا وقلت وكنت امرأ |
أجهجه بالخصم حتّى يلينا |
|
فخذها ابن هند على بأسها |
فقد دافع الله ما تحذرونا |
|
وقد صرف الله عن شامكم |
عدوّا شنيّا وحربا زبونا(1) |
لقد أقام ابن العاص بمكره وسياسته دولة معاوية ، وأنقذها من السقوط بعد ما أشرف الجيش العراقي على الفتح والانتصار.
ولمّا انتهى النبأ المفزع والمؤلم بأمر التحكيم إلى الإمام القاضي بخلعه بلغ به الحزن أقصاه ، وذهبت نفسه شعاعا ألما وأسى ، فجمع الناس فخطب فيهم خطابا صعد فيه آلامه وأحزانه على مخالفة أمره بعدم إيقاف القتال ، والاستجابة لنداء عدوّه الماكر الذي قضى على ما أحرزه جيشه من النصر الحاسم يقولعليهالسلام :
« الحمد لله وإن أتى الدّهر بالخطب الفادح ، والحدث الجليل ، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له ، ليس معه إله غيره ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ،صلىاللهعليهوآلهوسلم .
أمّا بعد ، فإنّ معصية النّاصح الشّفيق العالم المجرّب تورث الحسرة ، وتعقب
__________________
(1) وقعة صفّين : 547.
النّدامة.
وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري ، ونخلت لكم مخزون رأيي ، لو كان يطاع لقصير أمر! فأبيتم عليّ إباء المخالفين الجفاة ، والمنابذين العصاة ، حتّى ارتاب النّاصح بنصحه ، وضنّ الزّند بقدحه ، فكنت أنا وإيّاكم كما قال أخو هوازن :
أمرتكم أمري بمنعرج اللّوى |
فلم تستبينوا الرّشد إلاّ ضحى الغد |
ألا إنّ الرّجلين اللّذين اخترتموهما حكمين قد نبذا حكم الكتاب وراء ظهورهما ، وارتأيا الرّأي من قبل أنفسهما ، فأماتا ما أحياه القرآن ، ثمّ اختلفا في حكمهما ، فكلاهما لا يرشد ولا يسدّد فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين ، فاستعدّوا للجهاد ، وتأهّبوا للمسير ، وأصبحوا في معسكركم يوم الإثنين إن شاء الله (1) .
وتوالت المحن الكبرى على إمام العدل والحقّ يتبع بعضها بعضا ، فقد أفلت دولته ، وانهارت حكومته ، فقد تمرّد عليه جيشه كأشدّ ما يكون التمرّد ، فكان يأمره فلا يطيع ، ويدعوه فلا يستجيب ، قد مزّقه معاوية ، وعبث به وذلك بما كان يرسل من الأموال إلى قادة الجيش حتى آثروه على الإمام ، وقد قيل لرجل من بني تغلب : آثرتم معاوية على عليّ؟
فقال : ما آثرناه ، ولكنّا آثرنا العنب الأصفر والبرّ الأحمر والزيت الأخضر(2) .
وبالإضافة إلى ذلك فقد انبثقت في الجيش العراقي فكرة الخوارج وكانت سوسة تنخر في جسم الجيش ، وتدعوه إلى التمرّد والعصيان وهذا ما سنتحدّث عنه.
__________________
(1) نهج البلاغة 1 : 85.
(2) الامتاع والمؤانسة 2 : 63.
تمرّد المارقين
من المحن الشاقّة التي امتحن بها الإمام امتحانا عسيرا هي الفتنة الكبرى التي مني بها جيشه ، فقد فتن برفع المصاحف من قبل أهل الشام الذين طويت أعلامهم وخسروا المعركة فلجئوا إلى هذه الحيلة التي خدع بها القرّاء في جيش الإمام ، وتبنّوها بصورة إيجابية ، فأحاطوا بالإمام من كل جانب شاهرين السيوف في وجهه رافعين أصواتهم : ندعى إلى كتاب الله تعالى ولا نجيب؟! ووبّخهم الإمام ، وأقام لهم الحجج البالغة على زيف ما ذهبوا إليه ، فلم تجد معهم شيئا ، فتركهم وشأنهم ، ولمّا أصرّوا ثانيا على انتخاب الأشعري نهاهم عنه ، وأمرهم بانتخاب ابن عباس فلم يذعنوا له ، ولمّا آل التحكيم إلى تلك الصورة الهزيلة ندموا على ما فرّطوا في أمر الامّة وأنفسهم ، ورفعوا شعارهم ملوّحين به ، وداعين إليه ، وهو « لا حكم إلاّ لله » ، وسرعان ما تحوّل هذا الشعار إلى حكم النطع والسيف ، وإشاعة الرعب والخوف بين الناس ، وقد علّق الإمام على شعارهم بقوله :« كلمة حقّ يراد بها باطل ».
لقد انغمس الخوارج في الباطل ، وماجوا في الجهل والضلال ، فلم يملكوا أي وعي ديني أو سياسي ، كما لم يفقهوا شيئا من القيم الإسلامية والتعاليم الدينية.
وتهيّأت قوات الإمام لحرب معاوية ، والتحقت بها كتائب من أهل البصرة ، وسار الإمام بجيشه لمناجزة أهل الشام ، ولكنّه لم يلبث إلاّ قليلا حتّى وافته الأنباء
بتمرّد الخوارج ، وإعلانهم العصيان المسلّح ، وقد أقاموا في النهروان ، وأخذوا يعيثون في الأرض فسادا ، فاستحلّوا دماء المسلمين ، وقالوا بكفر من لا يذهب لرأيهم ، وقد اجتاز عليهم الصحابي الجليل عبد الله بن خباب بن الأرت فسألوه عن اسمه فأخبرهم به ، ثمّ سألوه عن انطباعاته عن الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام فأثنى عليه ، فاستشاطوا غضبا ، وقاموا فأوثقوه كتافا ، وأقبلوا به ، وبالسيّدة زوجته ، وكانت حبلى قد أشرفت على الولادة فجاؤوا بهما تحت نخلة فسقطت منها رطبة ، فبادر إليها بعضهم فألقاها في فيه ، فأنكروا عليه ذلك ، فألقاها من فمه ، وشهر بعضهم سيفه فضرب به خنزيرا لأهل الذمّة فقتله ، فصاح به بعضهم قائلا إنّ هذا من الفساد في الأرض ، فبادر الرجل إلى الذمّي فأرضاه ، فلمّا نظر عبد الله إلى شدّة احتياطهم في أموال الناس اطمأنّ ، وقال لهم :
إن كنتم صادقين فيما أرى ما عليّ منكم بأس ، والله! ما أحدثت حدثا في الإسلام وإنّي لمؤمن ، وقد آمنتموني ، وقلتم : لا روع عليك فلم يحفلوا بكلامه ، وعمدوا إليه فسحبوه وألقوه على الخنزير الذي قتلوه وذبحوه وأقبلوا على امرأته وهي ترتعد من الخوف فقالت لهم مسترحمة :
أنا امرأة أما تتّقون الله؟
ولم تلن قلوب اولئك الممسوخين التي ران عليها الباطل ، فذبحوها ، وبقروا بطنها ، وعمدوا إلى ثلاث نسوة كانت معها فقتلوهنّ ، وفيهنّ أمّ سنان الصيداوية ، وكانت قد صحبت النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وأخذ هؤلاء الوحوش ينشرون الرعب بين الناس ، فأوفد الإمام للقياهم الحرث بن مرّة العبدي ليسألهم عن الفساد الذي أحدثوه ، ويطلب منهم تسليم من استحلّ منهم قتل الأنفس التي حرّم الله إزهاقها بغير الحقّ ، فلمّا قرب منهم عمدوا إلى قتله ، ولم يدعوه يدلي برسالة الإمام إليهم.
وخاف أصحاب الإمام من السير لحرب معاوية ، ويتركوا الخوارج من ورائهم يستبيحون أموالهم وأعراضهم من بعدهم ، فانكشفت نواياهم التخريبية بقتلهم عبد الله بن خبّاب وزوجته ، فطلبوا من الإمام مناجزتهم فإذا فرغوا منهم ساروا لحرب معاوية ، فأجابهم الإمام إلى ذلك ، وسار بجيشه حتّى انتهى إلى النهروان حيث كانوا يقيمون فيه ، فأرسل إليهم أن يمكّنوه من قتلة عبد الله بن خبّاب ليقتصّ منهم ، ويمضي إلى قتال معاوية فأجابوه جميعا بلهجة واحدة :
ليس بيننا وبينك إلاّ السيف إلاّ أن تقرّ بالكفر ، وتتوب كما تبنا ...
فردّ عليهم الإمام قائلا :
« أصابكم حاصب (1) ، ولا بقي منكم آبر (2) . أبعد إيماني بالله ، وجهادي مع رسول الله صلّى الله عليه ، أشهد على نفسي بالكفر! ( قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ) (3) ! فأوبوا شرّ مآب ، وارجعوا على أثر الأعقاب.
أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا ، وسيفا قاطعا ، وأثرة يتّخذها الظّالمون فيكم سنّة » (4) .
وأخذ الإمامعليهالسلام يعظهم تارة ، ويراسلهم اخرى ، فجعل كثير منهم يتسلّلون ويعودون إلى الكوفة ، وقسم منهم التحق بجيش الإمام ، وفريق آخر اعتزل الحرب ، ولم يبق منهم إلاّ ذو الثفنات عبد الله بن وهب الراسبي زعيمهم ومعه ثلاثة آلاف.
__________________
(1)الحاصب : ريح شديدة.
(2)الآبر : الذي يؤبّر النخل ، أي يصلحه.
(3) الأنعام : 56.
(4) نهج البلاغة 1 : 159.
ولمّا يئس الإمام من هدايتهم عبّأ جيشه تعبئة عامّة ، وأمرهم أن لا يبدءوهم بقتال حتى يكونوا هم الذين يبدءون به ، ولمّا نظر الخوارج إلى تهيئة الإمام للحرب تهيّأوا أيضا ، وكانت نفوسهم تتحرّق إلى الحرب ، وهتف بعضهم :
هل من رائح إلى الجنة؟
فصاحوا جميعا :
الرواح إلى الجنّة ، وحملوا حملة منكرة على جيش الإمام وهم يهتفون بشعارهم :
« لا حكم إلاّ لله ».
وانفرجت لهم خيل الإمام فرقتين : فرقة تمضي إلى الميمنة ، وفرقة تمضي إلى الميسرة ، والخوارج اندفعوا بين الفرقتين فتلقّاهم أصحاب الإمام بالنبل وما هي إلاّ ساعة حتى قتلوا عن آخرهم ، ولم يفلت منهم إلاّ تسعة(1) .
وقيل للإمام :
هلك القوم بأجمعهم.
وراح الإمام يخبرهم بما أخبره به النبيصلىاللهعليهوآلهوسلم من أنّهم لم يهلكوا جميعا ، وأنّه سيدين بفكرتهم من في أصلاب الرجال قائلا :
« كلاّ والله! إنّهم نطف في أصلاب الرّجال ، وقرارات النّساء (2) ، كلّما نجم منهم قرن قطع ، حتّى يكون آخرهم لصوصا سلاّبين ».
__________________
(1) الملل والنحل ـ الشهرستاني 1 : 159 ، وجاء فيه أنّه انهزم منهم اثنان إلى عمان ، واثنان إلى كرمان ، واثنان إلى سجستان ، واثنان إلى الجزيرة ، وواحد إلى تل موزون ، وأخذ هؤلاء يبثّون فكرتهم في هذه المواضع حتى ظهرت فيها بدعة الخوارج.
(2)قرارات النساء : أرحامهنّ.
ولمّا وضعت الحرب أوزارها طلب الإمامعليهالسلام أن يلتمسوا له ذا الثدية(1) في القتلى ، ففتّشوا عنه فلم يظفروا به ، فعادوا إليه وأخبروه أنّهم لم يجدوه ، فأمرهم بالبحث عنه ثانيا وقال :
« والله! ما كذبت ولا كذّبت ، ويحكم التمسوا الرّجل فإنّه في القتلى ».
فانطلقوا يبحثون عنه ، فظفر به رجل من أصحابه وهو جثّة هامدة ، فمضى
__________________
(1) جاء في الإصابة 1 : 484 في ترجمته عن أنس أنّه قال : كان في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم رجل يعجبنا تعبّده ، وقد ذكرنا ذلك لرسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فلم يعرفه ، فبينما نحن في ذكره إذ طلع علينا الرجل ، فقلنا له : يا رسول الله ، هو هذا؟ فلمّا نظر إليه قالصلىاللهعليهوآلهوسلم :
« إنّكم لتخبروني عن رجل انّ وجهه لسفعة ـ السفعة العلامة ـ من الشيطان ».
فأقبل حتى وقف ولم يسلّم ، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « انشدك الله! هل قلت حين وقفت على المجلس : ما في القوم أحد أفضل منّي أو خير منّي »؟
قال : نعم ، ثمّ دخل يصلّي.
فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من يقتل الرجل؟ ».
فقال أبو بكر : أنا ، فمضى إليه فوجده يصلّي.
فقال : سبحان الله! أقتل رجلا يصلّي ، وقد نهى رسول الله عن قتل المصلّين ، فخرج فقال له رسول الله : « ما فعلت؟ ».
فقال : كرهت أن أقتله وهو يصلّي ، وأنت قد نهيت عن قتل المصلّين.
فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم لأصحابه : « من يقتل الرجل؟ ».
فقال عمر : أنا ، فمضى إليه فوجده يصلّي ، وقد وضع جبهته على الأرض ، فقال عمر :
أبو بكر أفضل منّي ثمّ خرج فقال له رسول الله : « ما فعلت؟ ».
فقال عمر : وجدته واضعا وجهه لله فكرهت أن أقتله ، فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « من يقتل الرجل؟ ».
فقال الإمام : أنا.
فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أنت له إن أدركته » ، فمضى الإمام فوجده قد خرج ، فجاء إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم فأخبره بالأمر.
فقال صلىاللهعليهوآلهوسلم : « لو قتل ما اختلف من أمّتي رجلان كان أوّلهم وآخرهم سواء ».
مسرعا إلى الإمام فأخبره بذلك ، فخرّ الإمام ساجدا وكذلك فعل بعض أصحابه ، ثمّ رفع رأسه من السجود وهو يقول : «ما كذبت ولا كذّبت ، قتلتم شرّ النّاس »(1) .
وحدّث الإمام أصحابه بما سمعه من النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم في شأن ذي الثدية قائلا :
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لي :
« سيخرج قوم يتكلّمون بكلام الحقّ ، لا يجاوز حلوقهم ، يخرجون من الحقّ خروج السّهم ـ أو مروق السّهم ـ ، سيماهم أنّ فيهم رجلا مخدج اليد(2) في يده شعرات سود ، فإن كان فيهم فقد قتلتم شرّ النّاس ».
وأمر الإمام بإحضار جثّته ، فاحضرت له ، فكشف عن يده فإذا على منكبه ثدي كثدي المرأة ، وعليها شعرات سود تمتدّ حتى تحاذي باطن يده الاخرى ، فإذا تركت عادت إلى منكبه ، فلمّا رأى الإمام ذلك خرّ ساجدا ، ثمّ إنّ الإمام عمد إلى القتلى من الفريقين فدفنهم ، وقسّم بين أصحابه سلاح الخوارج الذين سمّوا بالشراة(3) ، ثمّ ردّ الأمتعة والعبيد إلى أهليهم كما فعل مثل ذلك بأصحاب الجمل.
وانتهت بذلك حرب النهروان التي تفرّعت من رفع المصاحف ، وقد أسفرت عن تشكيل حزب ثوري عنيف ظهر في الإسلام ، قد أخذ على نفسه التمرّد وإعلان الثورة على الحكومات القائمة في بلاد المسلمين ، ممّا أدّى إلى إراقة أنهار من الدماء
__________________
(1) حلية الأولياء 7 : 99 ، وجاء فيه عن محمّد بن قيس الهمداني ، قال :
كنت مع عليّ يوم النهروان فقال : « التمسوا ذا الثدية » ، فجعلوا لا يجدونه ، فجعل جبين عليّ يرشح عرقا ويقول : « ما كذبت ولا كذّبت فالتمسوه » فوجدوه في دالية أو جدول فأتي به إلى عليّ فخر ساجدا الخ.
(2) أي ناقص إليه ، والخداج ـ بكسر الخاء ـ : النقصان.
(3) سمّي الخوارج بالشراة لقولهم : إنّا شرينا أنفسنا في طاعة الله ، جاء ذلك في خزانة الأدب 8 : 74.
وإشاعة الفتنة والخلاف بين المسلمين.
لقد كان البارز في أنظمة الخوارج الحكم بكفر من لا يدين بنظامهم من المسلمين ، واستباحة دمائهم وأموالهم.
افول دولة الحقّ
وأعقبت حرب صفّين والنهروان أعظم المحن ، وأشدّها هولا وقسوة على الإمام ، ولم يمتحن بها وحده ، وإنّما امتحن بها العالم الإسلامي ، فقد أخرجته من الدعة والاستقرار ، وأخلدت له المحن والويلات.
لقد أفلت دولة الحقّ ودولة المظلومين والمضطهدين ، وغاب نجمها ، وانتصرت الوثنية القرشية التي يمثّلها معاوية بن أبي سفيان ، فقد أعلن انتصاره الحاسم على الإمام بقوله :
لقد حاربت عليّا بعد صفّين بغير جيش ، ولا عناء ولا عتاد(1) .
لقد لانت لابن هند الرقاب ، وخضعت له الوجوه والأعيان ، وأعلن أنّه الحاكم العامّ على جميع الأقاليم الإسلامية.
أمّا الإمام فقد طويت أعلام دولته ، وأصبح بمعزل تامّ عن السلطة السياسية والعسكرية ، فقد مني جيشه بانقلاب مدمّر ، وأصبح يدعو فلا يستجيب له أحد ، وكانت القوى المعارضة له وعلى رأسها الخوارج تعلن معارضتها له ، وتواجهه بأقسى ألوان السبّ من دون أن تخشى معاقبته ، فقد قطع الباغي الأثيم ابن الكوّاء عليه خطابه ، وخاطبه بالآية الكريمة :
( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) (2) ، فأجابه الإمام الممتحن بقوله تعالى :( فَاصْبِرْ )
__________________
(1) أنساب الأشراف : 1 : 200.
(2) الزمر : 65.
( إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) (1) .
وعلى أي حال فإنّا نعرض إلى بعض الأحداث القاسية ، والمتارك الفظيعة التي مني بها الإمام بعد واقعة صفّين والنهروان وهي :
وتفلّلت جميع القوّات العسكرية في جيش الإمام وانهارت انهيارا فظيعا ، وشاعت فيها الفرقة والاختلاف ، ولم تعد قوّة صلبة يأوي إليها الإمام ، ويحتمي بها من جيش معاوية الذي أصبح متماسكا قويّا يتمتّع بالطاعة الكاملة لقيادته.
يقول البلاذري : إنّ معاوية أرسل عمارة بن عقبة إلى الكوفة يتجسّس له عن حالة جيش الإمام فكتب إليه ، خرج على عليّ أصحابه ونسّاكهم فسار إليهم فقتلهم ، فقد فسد عليه جنده وأهل مصره ، ووقعت بينهم العداوة ، وتفرّقوا أشدّ الفرقة.
والتفت معاوية ـ وقد ملأ وجهه السرور ـ إلى الوليد بن عقبة فقال له وهو غارق في الضحك :
أترضى أن يكون أخوك لنا عينا؟
فضحك الوليد ، وقال لمعاوية : إنّ لك في ذلك حظّا ونفعا ، وقال الوليد لأخيه عمارة :
فإن يك ظنّي بابن امّي صادقا |
عمارة لا يطلب بذحل ولا وتر |
|
مقيم واقبال ابن عفّان حوله |
فيمشي بها بين الخورنق والجسر |
|
وتمشي رخيّ البال منتشر القوى |
كأنّك لم تشعر بقتل ابنها عمرو(2) |
__________________
(1) الروم : 60.
(2) حياة الإمام الحسين 2 : 86 ، نقلا عن أنساب الأشراف.
لقد منيت القوّات العسكرية في جيش الإمام بالفتنة والخلاف والسأم من الحرب ، ولم يكن باستطاعة الإمام بما يملك من طاقات هائلة أن يرجع إليهم القوّة المعنوية ، ويقضي على عناصر الشغب والتمرّد التي أصبحت الظاهرة السائدة فيهم ، فقد بلغ من تمرّدهم أنّ الإمام أقام بالنخيلة ليزحف بهم إلى حرب معاوية ، فجعل الجيش يتسلّلون ويدخلون الكوفة ، ولم يبق معه إلاّ رجال من وجوه شيعته ، فلمّا رأى أنّه لم يعد إليه أحد من جيشه الذين دخلوا الكوفة ، وبقي معسكرا وحده ليس معه إلاّ فئة لا تغني شيئا قفل راجعا إلى الكوفة(1) ، وقد ذهبت نفسه الشريفة أسى وحزنا.
وشيء مهم جدّا بالغ الخطورة في تمرّد جيش الإمام هو أنّ معظم القادة العسكريّين كان لهم اتّصال سرّي وثيق بمعاوية ، وكانت هباته ومنحه تصلهم ، ولم تكن هناك رقابة في جيش الإمام عليهم.
وكان من أبرز اولئك القادة الخائن العميل الأشعث بن قيس ، فقد منّاه معاوية بالأموال والثراء العريض ، ووعده بالمناصب العليا في الجيش ، فقام بعمليات التخريب في جيش الإمام ، وقد استجاب له فريق كبير من القادة العسكريّين ، فقاموا بدورهم بنشر الأراجيف ، وإشاعة الخوف في كتائب جيش الإمام حتّى خلعوا طاعة الإمام ، وأعلنوا عصيان أوامره(2) .
ولم يمن جيش معاوية بشيء من الفرقة والاختلاف ، فقد سادت فيه روح الطاعة والانقياد التامّ.
يقول الحجّاج بن خزيمة لمعاوية : إنّك تقوى بدون ما يقوى به عليّ ؛
__________________
(1) الغارات 1 : 31.
(2) حياة الإمام الحسينعليهالسلام 2 : 87.
لأنّ معك قوما لا يقولون إذا أمسكت ، ويسكتون إذا نطقت ، ولا يسألون إذا أمرت ، ومع عليّ قوم يقولون إذا قال ، ويسألون إذا سكت(1) .
وكان باستطاعة الإمام أن يرجع جيشه إلى الطاعة ، ويقضي على تمرّدهم وذلك بسلوكه لأمرين :
1 ـ إرشاء الزعماء.
2 ـ إعدام القادة المتمرّدين.
وابتعد الإمام عن ذلك كأشدّ ما يكون الابتعاد ، فلم يسلك في جميع فترات حياته طريقا ملتويا لا يقرّه الشرع ، ويأباه ضميره الحيّ ، وقد أعلن الإمامعليهالسلام ذلك في بعض خطبه قال :
« وإنّي لعالم بما يصلحكم ، ويقيم أودكم ، ولكنّي لا أرى إصلاحكم بإفساد نفسي. أضرع الله خدودكم ، وأتعس جدودكم! لا تعرفون الحقّ كمعرفتكم الباطل ، ولا تبطلون الباطل كإبطالكم الحقّ! »(2) .
لقد انساب جيشه وراء الباطل وأمعنوا في اقتراف الإثم ، وكان باستطاعته أن يقيم أودهم ، ويصلح شأنهم ، ولكن ذلك بارتكاب ما حرّمه الإسلام من الرشوة وغيرها.
ولم تقف محنة الإمام المظلوم عند حدّ ، فقد أخذت تتتابع عليه الكوارث والخطوب يتبع بعضها بعضا ، فإنّه لم يكد ينتهي من قتال المارقين حتى ابتلي في أمر
__________________
(1) الأخبار الطوال : 156.
(2) نهج البلاغة 1 : 118.
دولته ، فقد قوي معاوية واستحكم سلطانه ، فأخذ يحتلّ الأقاليم الخاضعة لحكم الإمام ، كما أخذ يغير على بعضها ليشيع فيها الخوف والارهاب ، ويفهم المواطنين بعجز حكومة الإمام عن حمايتهم وتوفير الأمن لهم وإنّما قدم معاوية على هذه الخطة لعلمه بما مني به جيش الإمام من التخاذل والانحلال ، فلم تعد عند الإمام قوّة عسكرية يحتمي بها ...
وقد أجمع رأي معاوية على احتلال مصر التي تعدّ الأمّ للبلاد الإسلامية ، وقد جعلها طعمة إلى وزيره وباني دولته عمرو بن العاص.
وكانت مصر قد ولّى الإمام عليها قيس بن سعد الأنصاري وهو من ألمع الشخصيات الإسلامية في عمق تفكيره وبعد نظره وحسن سياسته ، وقد ساس المصريّين سياسة عدل وحقّ وقضى على ما كان شائعا من الفتن والاضطرابات الداخلية ، وأشاع فيها المحبّة والوئام ، وقد عزله الإمام وولّى مكانه الطيّب الفذّ محمّد بن أبي بكر ، فاضطربت مصر ، وشاعت فيها الدعوة العثمانية ، ولم يتمكّن محمّد بن إطفاء نار الفتنة فعزله الإمام وولّى مكانه القائد الفذّ مالكا الأشتر النخعي الذي هو من أنصح الناس للإمام ومن أكثرهم ولاء له ومعرفة بشأنه.
ولمّا انتهى مالك في مسيره إلى القلزم دسّ إليه معاوية سمّا جعله في عسل ، فلمّا تناوله قتله ، وكان معاوية وابن العاص يتحدّثان بعد ذلك ، ويقولان : إنّ لله جنودا من عسل.
وعلى أي حال فقد جهّز معاوية جيشا بقيادة ابن العاص لاحتلال مصر ، وكان الإمام قد أقرّ محمّد بن أبي بكر على ولاية مصر ، ووعده أن يمدّه بالجيش والمال ، وأخذ الإمام يحفّز أهل الكوفة على نجدة اخوانهم المصريّين فلم يستجيبوا له ، ثمّ أخذ يلحّ عليهم إلحاحا شديدا ، فاستجاب له بعض الجنود على كره ، وساروا لمصر كأنّهم يساقون إلى الموت ، ولم يلبثوا إلاّ قليلا في مسيرهم حتى وافت الأنباء الإمام
باحتلال مصر من قبل ابن العاص ، وأنّ عامله عليها محمّد بن أبي بكر قد قتل ، واحرقت جثّته فردّ جنده إلى الكوفة ، وخطب خطابا مثيرا نعى فيه تخاذل جيشه وخور عزائمهم ، وأبّن واليه على مصر محمّدا بتأبين أعرب فيه عن خسارته لمحمّد ، وتفجّعه عليه.
وعلى أي حال فإنّ احتلال مصر قد قوّى شوكة معاوية وبسط سلطانه وأضعف حكومة الإمام إلى حدّ بعيد ، وأشاع في جيشه التمرّد والعصيان.
رأى معاوية أنّ من أهمّ الوسائل لبسط سلطانه وإضعاف حكومة الإمام بعث الغارات العسكرية على المناطق الخاضعة لحكم الإمام وذلك لإظهار ضعفه وعدم قدرته على حماية المواطنين ، وعدم استطاعته على صيانة الأمن العام ، ومن بين المناطق التي استهدفها معاوية هي :
وبعث معاوية كتيبة من جنده تتألّف من ثلاثة آلاف جندي بقيادة الارهابي بسر بن أبي ارطاة للغارة على الحجاز واليمن ، واتّجه جنده نحو المدينة ، فلم يجد من أهلها أيّة مقاومة ، فصعد بسر المنبر ورفع عقيرته يندب شيخ الأمويّين عثمان بن عفّان ويشيع الفزع والرعب بين المدنيّين قائلا :
يا أهل المدينة ، والله! لو لا ما عهد إليّ معاوية ما تركت بها محتلما إلاّ قتلته ...
وغادر هذا الخبيث المدينة متوجّها إلى مكّة ، فاحتلّها وأخذ البيعة من أهلها لمعاوية قسرا ، ثمّ انعطف بعد ذلك إلى احتلال اليمن ، وكان واليها عبيد الله بن العباس فانهزم بنفسه ناجيا من شرّه ، قاصدا نحو الكوفة ليعرّف الإمام بذلك ، ولمّا دخل بسر اليمن أخذ البيعة من أهلها ، وفتّش عن طفلين لعبيد الله فلمّا ظفر بهما
قتلهما(1) فقالت إحدى سيّدات اليمن :
إنّ سلطانا لا يقوم إلاّ بقتل الأطفال لسلطان سوء.
وهكذا اتّسم سلطان معاوية بجميع مراحله ومكوّناته بالسوء والظلم والجور واقتراف كلّ ما حرّم الله تعالى.
وهامت أمّ الطفلين بتيارات مذهلة من الحزن والجزع عليهما حتّى فقدت شعورها ، ورثتهما بذوب روحها قائلة :
يا من أحسّ بنيّيي اللّذين هما |
كالدّرّتين تشظّى عنهما الصّدف! |
|
يا من أحس بنيّيي اللّذين هما |
قلبي وسمعي فقلبي اليوم مختطف! |
|
من ذلّ والهة حرّى وثاكلة |
على صبيّين ضلاّ إذ غدا السّلف |
|
خبّرت بسرا وما صدّقت ما زعموا |
من إفكهم وما القول الذي اقترفوا |
|
انحى على ودجي ابنيّ مرهفة |
مشحوذة وكذاك الأمر مقترف(2) |
ونشر بسر في اليمن الفزع والخوف ، وأشاع القتل بين اليمانيّين ، وسبى نساءهم ، وفعل القبائح والمنكرات.
ولمّا انتهى النبأ المروّع إلى الإمام بما اقترفه بسر في اليمن من المجازر والسبي وغير ذلك انهارت قواه ، ومزّق الأسى قلبه الشريف ، وخطب في جيشه الممزّق هذه الخطبة التي حكت لوعته وأساه قائلا :
« انبئت بسرا قد اطّلع اليمن(3) ، وإنّي والله! لأظنّ أنّ هؤلاء القوم ـ يعنى أهل الشام ـ سيدالون (4) منكم باجتماعهم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم ، وبمعصيتكم
__________________
(1) تاريخ أبي الفداء 1 : 180.
(2) حياة الإمام الحسنعليهالسلام 1 : 445.
(3)اطّلع اليمن : أي بلغها ، واحتلّتها قوّاته.
(4)سيدالون : أي ستكون لهم الدولة ، وذلك بسبب اجتماع كلمتهم وتفرّق كلمة جيش الإمام.
إمامكم في الحقّ ، وطاعتهم إمامهم في الباطل ، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم ، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم. فلو ائتمنت أحدكم على قعب (1) لخشيت أن يذهب بعلاقته (2) .
اللهمّ إنّي قد مللتهم وملّوني ، وسئمتهم وسئموني ، فأبدلني بهم خيرا منهم ، وأبدلهم بي شرّا منّي.
اللهمّ مث قلوبهم كما يماث الملح(3) في الماء ، أما والله! لوددت أنّ لي بكم ألف فارس من بني فراس بن غنم.
هنالك ، لو دعوت ، أتاك منهم |
فوارس مثل أرمية الحميم » |
ثمّ نزل عن المنبر(4) وهو غارق في الأسى والشجون ، قد استولى عليه اليأس من جيشه الذي أصبح أعصابا ميّتة خالية من الشعور والاحساس.
وعلم معاوية بانهيار جيش الإمام وفقده لجميع المعنويات العسكرية ، وأنّه لا قدرة له على مقاومته ، فشكّل أربع فرق للغارة على العراق وذلك بعد احتلاله لمصر وغيرها من الأقاليم الإسلامية ، وقد عمد إلى ذلك ليملأ قلوب العراقيّين خوفا وفزعا ، ويشعرهم بعدم تمكن الإمام على حمايتهم وهذه بعض المناطق العراقية التي غارت عليها جيوش معاوية.
__________________
(1)القعب ـ بالفتح ـ : القدح الكبير.
(2)علاقته ـ بكسر العين ـ : ما يتعلّق به القعب من ليف وغيره ، وقد اتّهم الإمام جيشه باللصوصية والسرقة.
(3)ماث : أي ذاب.
(4) نهج البلاغة 1 : 60.
وأرسل معاوية النعمان بن بشير الأنصاري في ألف رجل لغزو عين التمر ، وإشاعة الرعب عند أهلها ، وكان مالك بن كعب واليا عليها ، ومعه كتيبة من الجيش تبلغ ألف مقاتل ، ولم يعلم بغزو أهل الشام ، فأذن لجنده بإتيان أهاليهم في الكوفة ، فنفروا ، وبقي في مائة رجل ، ولما دهمه جيش معاوية قاومهم مقاومة باسلة ، والتحق به خمسون رجلا ، فلمّا رآهم النعمان فزع منهم وولّى هاربا ، ولمّا انتهت الأنباء إلى الإمام قام خطيبا في جيشه وأخذ يدعوهم إلى نجدة عامله على عين التمر ، قائلا :
يا أهل الكوفة ، أكلّما أقبل منسر من مناسر أهل الشّام أغلق كلّ امرى منكم بابه ، وانحجر في بيته انحجار الضّبّ ، والضّبع؟ الذّليل والله! من نصرتموه ، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل ، فقبحا لكم وترحا ، يوما اناجيكم ويوما أناديكم ، فلا أحرار عند اللّقاء ، ولا إخوان عند النّجاء(1) .
وهكذا بلغ التخاذل مبلغا فظيعا في جيشه ، فأصبحوا كالأنصاب ، لا إرادة ولا اختيار لهم قد قبعوا بالذلّ والهوان.
ووجّه معاوية للغارة على هيت(2) سفيان بن عوف ، وأمدّه بستّة آلاف مقاتل ، وعهد إليه أن يأتي بعد الغارة عليها إلى الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها القتل
__________________
(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 2 : 546 ـ 547.
(2)هيت : بكسر الهاء ، قال ابن السكّيت : إنّما سمّيت هيت بهذا الاسم لأنّها في هفوة من الأرض ، وقد انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، وهي بلدة من نواحي بغداد فوق الأنبار وهي ذات نخل كثير وخيرات واسعة ـ معجم البلدان 1 : 340.
والدمار ، وسار سفيان بجيشه إلى هيت فلم يجد بها أحدا ، فانعطف نحو الأنبار ، فوجد بها مسلحة للإمام تتكوّن من مائتي رجل ، عليهم أشرس بن حسّان البكري ، فقاتلهم سفيان فقتل أشرس مع ثلاثين رجلا من أصحابه ، ثمّ نهبوا ما في الأنبار من أموال وقفلوا راجعين إلى سيّدهم معاوية وهم في أقصى الفرح والسرور بما أحرزوه من نصر ، وما نهبوه من أموال(1) .
ووافت أنباء الأنبار الإمام المظلوم فبلغ به الحزن أقصاه ، وكان مريضا لا يمكنه أن يخطب بين الناس فكتب كتابا ألقاه شخص ، وكان الإمام قريبا منه ، وهذا نصّه :
« أمّا بعد ، فإنّ الجهاد باب من أبواب الجنّة ، فتحه الله لخاصّة أوليائه ، وهو لباس التّقوى ، ودرع الله الحصينة ، وجنّته الوثيقة. فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذّلّ ، وشمله البلاء ، وديّث بالصّغار والقماءة(2) ، وضرب على قلبه الأسداد (3) ، وأديل الحقّ منه بتضييع الجهاد ، وسيم الخسف (4) ، ومنع النّصف.
ألا وإنّي قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرّا وإعلانا ، وقلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم ، فو الله! ما غزي قوم قطّ في عقر دارهم (5) إلاّ ذلّوا. فتواكلتم وتخاذلتم حتّى شنّت عليكم الغارات ، وملكت عليكم الأوطان. وهذا أخو غامد (6) وقد وردت خيله الأنبار ، وقد قتل حسّان بن حسّان البكريّ ، وأزال خيلكم عن مسالحها ، ولقد بلغني أنّ الرّجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة ،
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 : 189.
(2)القماءة : الذلّ والصغار.
(3)الأسداد : هي الحجب التي تحول بين الإنسان ورشده.
(4)الخسف : الذلّ.
(5)عقر الدار : وسطها.
(6)أخو غامد : هو سفيان بن عوف من بني غامد قبيلة باليمن.
والأخرى المعاهدة ، فينتزع حجلها وقلبها(1) وقلائدها ورعاثها(2) ، ما تمتنع منه إلاّ بالاسترجاع والاسترحام. ثمّ انصرفوا وافرين ما نال رجلا منهم كلم(3) ، ولا أريق لهم دم ، فلو أن امرأ مسلما مات من بعد هذا أسفا ما كان به ملوما ، بل كان به عندي جديرا ، فيا عجبا! عجبا ـ والله! ـ يميت القلب ويجلب الهمّ من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم! فقبحا لكم وترحا(4) ، حين صرتم غرضا يرمى : يغار عليكم ولا تغيرون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون! فإذا أمرتكم بالسّير إليهم في أيّام الحرّ ، قلتم : هذه حمّارة القيظ(5) أمهلنا يسبّخ(6) عنّا الحرّ ، وإذا أمرتكم بالسّير إليهم في الشّتاء قلتم : هذه صبارّة(7) القرّ ، أمهلنا ينسلخ عنّا البرد ، كلّ هذا فرارا من الحرّ والقرّ(8) ؟ فإذا كنتم من الحرّ والقرّ تفرّون فأنتم والله! من السّيف أفرّ!
يا أشباه الرّجال ولا رجال! حلوم الأطفال ، وعقول ربّات الحجال ، لوددت أنّي لم أركم ولم أعرفكم ، معرفة ـ والله! ـ جرت ندما ، وأعقبت سدما(9) .
قاتلكم الله! لقد ملأتم قلبي قيحا ، وشحنتم صدري غيظا ، وجرّعتموني نغب
__________________
(1) أي قلادتها.
(2)رعاثها : القرط.
(3)الكلم : الجرح.
(4)الترح : الحزن.
(5)حمارة القيظ : شدّة الحرّ.
(6)السبخ : التخفيف.
(7)الصبارة : الشتاء.
(8)القر : شدّة البرد.
(9)السدم : الهمّ.
التّهمام (1) أنفاسا ، وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان ، حتّى لقد قالت قريش : إنّ ابن أبي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب.
لله أبوهم! وهل أحد منهم أشدّ لها مراسا (2) ، وأقدم فيها مقاما منّي؟! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، وهأنذا قد ذرّفت (3) على السّتّين! ولكن لا رأي لمن لا يطاع! (4)
وأنت ترى في هذه الخطبة صورا مروّعة من الآلام القاسية التي أحاطت بالإمام المظلوم المهتضم ، فقد تجرّع الويلات والكوارث من جيشه الذي تمرّد عليه كأشدّ وأقسى ما يكون التمرّد حتى لم يعد له فيهم أي وجود لسلطته وحكومته.
ووجّه معاوية الضحّاك بن قيس الفهري إلى واقصة ليغير ويروّع كلّ من كان فيها من شيعة الإمام ، وضمّ إليه ثلاثة آلاف رجل ، فسار الضحّاك فنهب الأموال ، وقتل كلّ من ظنّ أو احتمل أنّه من شيعة الإمام ، وانتهى إلى القطقطانة فأشاع فيها القتل والدمار ، وسار إلى السماوات فاقترف فيها كلّ ما حرّمه الله من إثم ثمّ قفل راجعا إلى الشام.
ولمّا وافت الأنباء إلى الإمام بلغ به الحزن أقصاه ، ودعا جيشه لصدّ هذا الاعتداء فلم يستجب له أحد ، فقام خطيبا عرض في خطابه لمحنته الكبرى من ذلك المجتمع الذي لا عهد له بالشرف والكرامة ومن بين خطابه قوله :
__________________
(1)نغب التهمام : أي تجرّعت منكم الهمّ والأسى.
(2)المراس : المعالجة والمزاولة.
(3)ذرفت : أي أشرفت أو زدت.
(4) نهج البلاغة 1 : 69 ـ 70.
« والله! لوددت أنّ لي بكلّ ثمانية منكم رجلا منهم ، ويحكم! اخرجوا معي ثمّ فرّوا عنّي ما بدا لكم!! فو الله! ما أكره لقاء ربّي على نيّتي وبصيرتي ، وفي ذلك روح لي عظيم ، وفرج من مناجاتكم ومقاساتكم » (1) .
وسار الإمام نحو الغريّين لصدّ هذا الاعتداء الغادر فلم يلتحق به أحد وسارع ابن أخيه عبد الله بن جعفر فالتحق به ، ولمّا رأى الناس ذلك خفّ للمسيرة معه بعض الجيش ، فسرح بهم الإمام لطلب الضحّاك ومناجزته ، وجعل قيادتهم بيد حجر بن عدي ، وسار في طلب الضحّاك فلم يدركه.
وأخذت غارات معاوية تتوالى على العراق من دون أن تتعرّض لأيّة مقاومة ، وقد أيقن معاوية بالنصر الحاسم ، والظفر باسقاط حكومة الإمام ، وكان باستطاعته احتلال الكوفة ، التي هي عاصمة الإمام لأنّه لم تكن عنده قوّة عسكرية على حمايتها ، وذلك لانحلال جيشه ، وشيوع الفتن بين كتائبه.
وعلى أي حال فقد انتهت غارات معاوية إلى قرب الكوفة العاصمة وهي تنشر الذعر والخوف والارهاب ، والإمام ليس له أيّة قدرة على حماية الأمن العام لأنّ جيشه قد خلع الطاعة ، وأعلن العصيان والتمرّد ، ولم يعد للإمام أي نفوذ أو سلطان عليه.
ومن بين المحن الكبرى التي امتحن بها الإمام امتحانا عسيرا هي فتنة الخوارج ، فإنّ الإمام لم يقض عليهم في النهروان ، وإنّما قضى على عصابة منهم ،
__________________
(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 2 : 537.
وبقي الكثيرون منهم يعيشون معه وهم يكيدون له ، ويتربّصون به الدوائر ، ويحوّلون قلوب الناس عنه ، فقد أمنوا من بطشه وعقوبته ، وأطمعهم فيه عدله ، وأغراهم لينه ، وبسطه للحريات العامّة ، فراحوا يجاهرونه بالانكار عليه فقد قطع ابن الكوّاء على الإمام خطابه ، وتلا قوله تعالى :( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) ، فردّ عليه الإمام بآية اخرى :( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ ) .
وجاءه خارجي آخر وهو الخريت بن راشد السامي في ثلاثين من أصحابه فقال له :
يا علي ، والله! لا اطيع أمرك ، ولا اصلّي خلفك ، وإنّي غدا مفارقك ...
فلطف به الإمام وحاججه ، وخلّى سبيله ، ولم يأمر باعتقاله ، وقفل الخريت راجعا إلى قومه من بني ناجية ، الذين كانوا من حزب عائشة فأحاطهم علما بما جرى بينه وبين الإمام ، فأجمع رأيهم على إعلان الحرب على الإمام ، فأرسل الإمام إليهم جيشا لردّهم إلى الطاعة أو مناجزتهم إن أبوا ذلك ، فلحق بهم جيش الإمام فكانت بينهما مناظرات لكنّها لم تجد شيئا معهم فقد أصرّوا على تمرّدهم ووقع القتال بينهما ، ولم يحرز أحد الفريقين نصرا على الآخر وهرب الخريت مع أصحابه إلى البصرة ، وقفل جيش الإمام راجعا إلى الكوفة.
وأرسل الإمام جيشا آخر يتعقّب الخريت وأرسل إلى ابن عباس عامله على البصرة أن يمدّ جيشه بالسلاح والعتاد ، فأمدّهم ابن عباس بما أمر به ، والتقى الفريقان واحتدم القتال كأشدّه بينهما ، وبدت امارة الانحلال والضعف في جيش الخريت ، إلاّ أنّه انهزم مع أصحابه في غلس الليل متّجها صوب الأهواز.
فلمّا انتهى إليها أخذ يبذر الفتنة فيها ، ويشيع الجريمة ، ويدعو إلى الزهد في الإسلام ، فمنع العرب من إعطاء الزكاة ، ومنع النصارى من إعطاء الجزية حتى ارتدّ الكثيرون من النصارى الذين دخلوا في الإسلام ، والتفّوا حوله ، كما استجاب له
جمع من الغوغائيّين ، حتى ظهر أمره وقويت شوكته ، ألا إنّ جيش الإمام قد تتبعه ، فقتله ، وقتل عصابة من حزبه ، وأسر جماعة منهم ، فمن أعلن إسلامه وتوبته عفا عنه ، ومن لم يسلم وبقي مصرّا على فكرته أخذه أسيرا معه(1) .
وعلى أي حال فقد أخذت الفتن تتّسع وتتوالى في البلاد الخاضعة لحكم الإمام ، ولم تسلم منها عاصمته ، حتى أوجبت خذلان الإمام وشهادته ، وخذلان ولده الإمام الزكي ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم الإمام الحسنعليهالسلام ...
وقد ألحقت هذه الأحداث الرهيبة أضرارا بالغة في المجتمع الإسلامي كان من أقساها وأفجعها أن آلت الخلافة الإسلامية إلى معاوية بن أبي سفيان فأخذ يمعن في إذلال المسلمين ، وإرغامهم على ما يكرهون.
وطافت بالإمام موجات رهيبة ومفزعة من الأزمات يتبع بعضها بعضا ، وكان من أقسى ما حلّ به أنّه رأى باطل معاوية قد استحكم ، وسلطانه قد تمّ ، ورأى نفسه في أرباض الكوفة قد احتوشته ذئاب العرب الذين كرهوا عدله ، ونقموا من سياسته الهادفة إلى تحقيق العدالة ونشر المساواة بين الناس.
وممّا أقضّ مضجع الإمام تمزّق جيشه ، وتفلّل جميع فرقه ووحداته فقد كان هوى معظم قادة الفرق مع معاوية لأنّه أغدق عليهم بالأموال فكاتبوه سرّا بالطاعة والانقياد لأمره ، وبالاضافة إلى هذا البلاء فتنة الخوارج وشيوع أفكارهم في الجيش ، وهي تقضي بلزوم عزل الإمام عن الحكم.
وعلى أي حال فقد أصبح الإمام بمعزل تام عن جميع السلطات فكان يأمر
__________________
(1) حياة الإمام الحسنعليهالسلام 1 : 550.
فلا يطاع ، ويدعو فلا يستجاب له ، وجعل يخبرهم عمّا سيلاقونه من بعده من التنكيل والارهاق من السلطات الظالمة التي ستحكم بلادهم ، قالعليهالسلام :
« أما إنّكم ستلقون بعدي ذلاّ شاملا ، وسيفا قاطعا ، وأثرة يتّخذها الظّالمون فيكم سنّة. فيفرّق جماعتكم ، ويبكي عيونكم وتمنّون عن قليل أنّكم رأيتموني فنصرتموني ، فستعلمون حقّ ما أقول لكم ، ولا يبعد الله إلاّ من ظلم وأثم ».
وتحقّق ما تنبأ به الإمام فيهم فقد سلّط الله عليهم أرجاس البشرية فأخذوا يمعنون في ظلمهم وإرهاقهم ، فأخذوا البريء بالسقيم والمقبل بالمدبر ، وقتلوا على الظنّة والتهمة ، واستيقظوا بعد أن حلّ بهم العذاب الأليم من قبل معاوية وولاته ، وسائر حكّام بني اميّة ، وقد ندموا كأشدّ ما يكون الندم على ما اقترفوه من خذلان الإمام ، وعصيان أوامره.
وعلى أي حال فقد سئم الإمام من ذلك المجتمع ، وراح يتمنّى مفارقة الحياة ، وكان كثيرا ما يقول :
« متى يبعث أشقاها؟ ».
وأخذ يدعو الله تعالى أن ينقله إلى جواره ؛ ويريحه من ذلك المجتمع الشقي ، فقد روى البلاذري عن أبي صالح ، قال : شهدت عليّا ، وقد وضع المصحف على رأسه حتى سمعت تقطع الورق ، وهو يقول :
« اللهمّ إنّي سألتهم ما فيه فمنعوني ذلك ، اللهمّ إنّي قد مللتهم وملّوني ، وأبغضتهم وأبغضوني ، وحملوني على غير خلقي فأبدلني بهم خيرا لي منهم ، وأبدلهم بي شرّا منّي ، ومث قلوبهم ميث الملح في الماء »(1) .
__________________
(1) أنساب الأشراف : 1 : 200.
واستجاب الله تعالى دعاء وليّه المظلوم الممتحن فنقله إلى حظيرة القدس مع النبيّين والصدّيقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا ، وأراحه من ذلك المجتمع المصاب بدينه وأفكاره فانساب في دياجير قاتمة ليس فيها أي بصيص من النور.
المأساة الخالدة
ليس في هذا الشرق العربي ولا في غيره من مناطق العالم وامم الأرض حاكم مثل الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام في نزاهته وعدله ، وتجرّده من جميع المحسوبيات والأطماع ، فقد كان فيما أجمع عليه المؤرّخون لم يخضع لأيّة نزعة مادية أو عاطفية ، وإنّما آثر الحقّ ورضا الله تعالى في سلوكه وجميع تصرّفاته فلم يحاب أحدا ولم يداهن أي شخص في دينه ، فقد تبنّى بصورة إيجابية العدل الخالص والحقّ المحض ، وقد جهد أن يرفع الحيف والظلم والغبن عن الناس ، ويحطّم الفوارق التي مآلها إلى التراب بين المسلمين.
وقد احتاط هذا الإمام العظيم في أموال الدولة كأشدّ ما يكون الاحتياط فلم ينفق أي شيء منها قليلا أو كثيرا إلاّ في المواقع التي عيّنها الإسلام ، لم يتاجر ولم يشتر بها العواطف والضمائر ـ كما كان يفعل معاوية ـ ولمّا آلت دولته إلى الانحلال والتمزّق أشار عليه وزيره ومستشاره حبر الامّة عبد الله بن عبّاس برأي يرجع لدولته قوّتها ، ويعيد لها نضارتها قائلا : يا أمير المؤمنين ، فضّل العرب على العجم ـ أي في العطاء والمناصب ـ وفضّل قريشا على العرب ...
كان ابن عبّاس يرى أنّ التفاضل في العطاء هو الضمان الوحيد لحماية دولة الإمام من التمزّق ، ورمق الإمام بطرفه ابن عباس ، ونفر من رأيه ، وقال له :
« يا بن عبّاس ، تريد منّي أن أطلب النّصر بالجور؟ لو كان المال لي لسوّيت بينهم بالعطاء فكيف والمال مال الله ».
لقد أجهد الإمام نفسه ، وحملها من أمره رهقا من أجل أن يبسط العدالة بين الناس ، ويرفع عنهم الفقر والحاجة ، ويشيع بينهم الأمن والرخاء.
يقول عبد الله بن رزين : دخلت على عليّ يوم الأضحى فقرب إلينا حريرة فقلت : أصلحك الله لو قرّبت إلينا من هذا البطّ ، فإنّ الله تعالى قد أكثر الخير؟
فقالعليهالسلام :
« يا بن رزين ، سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : لا يحلّ لخليفة من مال الله إلاّ قصعتان ، قصعة يأكلها هو وأهله ، وقصعة يضعها بين النّاس » (1) .
لقد نقمت عليه الرأسمالية القرشية ، ونقم عليه كلّ من استسلم لدوافع المادة وشهواتها ، فوضعوا أمام حكومته الحواجز والسدود ، وعملوا جاهدين للإطاحة بدولته ، وتسليمها إلى معاوية بن أبي سفيان الذي يضمن لهم ما يريدون ويحقّق لهم ما يصبون إليه من المنافع.
ومن المؤكّد أنّ الإمامعليهالسلام كان يعلم كيف يجلب طاعة المتمرّدين ولكنّ ذلك لا يتمّ إلاّ بأن يداهن في دينه ، فيمنح الثراء العريض للوجوه والأعيان من قريش وغيرهم من وجوه العرب.
ومن الطبيعي أنّ ذلك هو الانحراف الكامل عن الحقّ ، والمتاجرة بمصالح الأمّة ، وهو ممّا يأباه ضمير الإمام الذي ربّاه النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمثله وقيمه ليكون صورة صادقة عنه.
لقد أراد الإمام أن يوزّع خيرات الله تعالى على الفقراء والبؤساء ، ولا يجعل في المجتمع أي ظلّ للحاجة والحرمان ، وممّا لا شبهة فيه أنّ هذه السياسة المشرقة لا تعيها النفوس التي ران عليها الباطل ، وعشعش فيها إبليس أمثال الأشعث بن
__________________
(1) جواهر المطالب : 43.
قيس ، والمغيرة بن شعبة ، وعمرو بن العاص وأمثالهم من الذين لا يرجون لله وقارا.
إنّ الإيمان الخالص بحقّ الله وحقّ الناس لم ينته إلاّ للقلّة المؤمنة من أصحاب الإمام وخاصّته وحواريه أمثال حجر بن عدي ومالك الأشتر وميثم التمّار وعدي بن حاتم وعمّار بن ياسر وأمثالهم ممّن تغذّوا بهدي الإمام ، أمّا الأكثرية الساحقة من جيش الإمام وشعبه فإنّهم لا يفقهون أي شيء من مثل الإمام وسياسته ، فلذا ابتعدوا عنه ، وانضمّوا إلى معاوية وحزبه حزب الشيطان.
وعلى أي حال فإنّ الإمامعليهالسلام قد أخضع سياسته للقيم الدينية فبسط العدل ، وأشاع الحقّ ، ولم يعد أي ظلّ للظلم والحرمان ، ولذا هبّت في وجهه الاسر القرشية التي كانت تعتبر السواد بستانا لها ، فأشعلت نار الحرب عليه ، ورفعت شعارا لتمرّدها وهو المطالبة بدم عثمان عميد الاسرة الأموية ، فأغرقت البلاد بالدماء ، ونشرت الحزن والحداد في بيوت المسلمين ، وقد وقف عملاق العدالة الإسلامية ملتاعا حزينا ، قد احتوشته ذئاب الأثرة والاستغلال ، فأفسدت عليه جيشه وشعبه ولم يعد باستطاعته أن يسيطر على الأوضاع الراهنة في جيشه إذ لم يكن له ركن شديد يأوي إليه.
وشيء بالغ الأهمّيّة في مآسي الإمام هو فقده للصفوة الطاهرة من أعلام أصحابه الذين قرءوا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه وأحيوا السنّة ، وأماتوا البدعة أمثال الشهيد الخالد عمّار بن ياسر ، وابن التّيهان ، وذي الشهادتين ، ونظرائهم من الذين مضوا على الحقّ ، فقد استشهدوا في ميادين صفّين وابرد برءوسهم إلى الفسقة الفجرة معاوية وحزبه ، وقد كان فقدهم قد هدّ في ركن الإمام ، وأضعفه إلى حدّ بعيد.
وعلى أي حال فإنّا نلقي نظرة سريعة على شهادة الإمامعليهالسلام وما رافقها من أحداث.
نزحت عصابة من الخوارج إلى مكّة لأداء الحجّ ، فلمّا انتهى موسمه عقدوا مؤتمرا عرضوا فيه الأحداث الجسام التي مني بها العالم الإسلامي والتي أدّت إلى سفك الدماء ، واختلاف كلمة المسلمين ، وعزوها إلى ثلاثة أشخاص وهم :
الإمام أمير المؤمنين.
معاوية بن أبي سفيان.
عمرو بن العاص.
وأجمع رأيهم على اغتيال هؤلاء الأشخاص ، وانبرى إلى تنفيذ عملية اغتيالهم الأشخاص التالية أسماؤهم :
1 ـ عبد الرحمن بن ملجم ، تعهّد بقتل الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام .
2 ـ الحجّاج بن عبد الله الصريمي ، تعهّد بقتل معاوية.
3 ـ عمرو بن بكر التميمي ، تعهّد بقتل ابن العاص.
وعيّنوا وقتا خاصّا لاغتيالهم وهو ليلة الثامن عشر من شهر رمضان ساعة خروجهم إلى صلاة الصبح ، وبعد انفضاض المؤتمر أقاموا بمكّة أشهرا ، ثمّ اعتمروا في شهر رجب ، وافترقوا وقصد كلّ واحد منهم البلد الذي تعاهد على القيام بعملية الاغتيال فيه.
ذكر المؤرّخون أنّ اغتيال الإمامعليهالسلام يعزى إلى الخوارج ، وليس لغيرهم أي ضلع فيه ، والذي نراه بكثير من التأمّل والترجيح أنّ للأمويّين صلة فيه ، ويدعم ذلك ما يلي :
1 ـ إنّ أبا الأسود الدؤلي من خواص الإمامعليهالسلام ومن تلاميذه ، وكان من المتحرّجين في دينه قد ألقى تبعة قتل الإمام على بني اميّة وذلك في مقطوعته التي رثا بها الإمام ، فقد جاء فيها :
ألا أبلغ معاوية بن حرب |
فلا قرّت عيون الشامتينا |
|
أفي شهر الصّيام فجعتمونا |
بخير الناس طرّا أجمعينا؟ |
|
قتلتم خير من ركب المطايا |
ورحّلها ومن ركب السّفينا(1) |
ومعنى هذه الأبيات أنّ معاوية هو الذي فجع المسلمين بقتل الإمام الذي هو خير الناس بعد أخيه وابن عمّه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
ومن المؤكّد أنّ أبا الأسود لم ينسب جريمة اغتيال الإمام إلى معاوية إلاّ بعد وثوقه بذلك ، ومن المحتمل أنّ أبا الأسود إنّما ألقى المسئولية على معاوية في اغتيال الإمام لأنّه هو السبب في نشأة الخوارج وتمرّدهم على حكم الإمام ، وجميع ما صدر منهم من جرائم وآثام تستند إلى معاوية.
2 ـ أنّ القاضي نعمان المصري ، وهو من المؤرّخين القدامى ذكر قولا هو أنّ معاوية دسّ ابن ملجم لاغتيال الإمام ، وهذا نصّ كلامه :
« وقيل إنّ معاوية عامله ـ أي عامل ابن ملجم ـ على ذلك ـ أي على اغتيال الإمام ، ودسّ إليه فيه ، وجعل له مالا عليه »(2) .
وهذا القول يؤكّد ما جاء في شعر أبي الأسود الدؤلي من اسناد قتل الإمام إلى معاوية.
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 : 198.
(2) المناقب والمثالب ـ القاضي نعمان المصري : 98.
3 ـ وممّا يدلّل على أنّ للحزب الأموي ضلعا في اغتيال الإمام أنّ الأشعث بن قيس(1) ، كان عينا لبني اميّة وعميلا لهم في العراق ، وقد ساهم مساهمة إيجابية في اغتيال الإمام ، فقد رافق ابن ملجم في أثناء قتله للإمام ، وقد شجّعه على ذلك ، وهو القائل له : النجا فقد فضحك الصبح ، ولمّا سمعه حجر بن عدي صاح به ، وقال له :
قتلته يا أعور؟ وصلة الأشعث ببني اميّة معروفة ، وعداؤه للإمام مشهور ، وقد هدّد الإمام قبل قتله بقليل.
إنّ المؤامرة باغتيال الإمام قد احيطت بكثير من السرّ والكتمان ، فما الذي أوجب اطّلاع الأشعث عليها ودعمه لها ، لو لا الايعاز إليه من الأمويّين؟
4 ـ أنّ مؤتمر الخوارج قد انعقد في مكّة أيام موسم الحجّ ، وهي حافلة ـ من دون شكّ ـ بالأمويّين لأنّها الوطن المهم لهم ، وكانوا يبثّون الدعايات المضلّلة ضدّ الإمام ، ويشيعون في أوساط الحجّاج الأكاذيب ضدّه ، وأغلب الظنّ أنّهم تعرّفوا على الخوارج الذين هم من أعدى الناس للإمام.
وممّا يساعد على تعرّف الأمويّين لابن ملجم أنّه أقام مع بقيّة الخوارج في مكّة بعد انقضاء موسم الحجّ إلى شهر رجب ، واعتمروا بالبيت الحرام عمرة مفردة ، ثمّ نزحوا بعد ذلك إلى تنفيذ مخطّطاتهم ، فمن المحتمل أنّ الخوارج اتّصلوا بالأمويّين ، ودفعوهم إلى اغتيال الإمام.
5 ـ أنّ ابن ملجم كان معلّما للقرآن(2) وكان يأخذ رزقه من بيت المال ، ولم تكن عنده سعة مالية ، فمن أين له الأموال التي اشترى بها سيفه بألف درهم؟
__________________
(1) الأشعث بن قيس اسمه معدي كرب لقّب بالأشعث لأنّه كان أشعث الرأس ـ خزانة الأدب 5 : 424.
(2) لسان الميزان 3 : 440.
وسمّه بألف درهم؟ ومن أين له الأموال البالغة ثلاثة آلاف درهم؟ وعبد وقينة؟ وقد أعطاها مهرا للبغية قطام؟
كلّ ذلك ممّا يدعو إلى الظنّ أنّه تلقّى دعما ماليّا من الأمويّين ليقوم باغتيال الإمام.
6 ـ أنّ ابن ملجم كان على اتّصال وثيق بابن العاص ، وكان معه حينما فتح مصر وأمره بالنزول بالقرب منه(1) ويروي الصفدي أنّ عمر بن الخطّاب أوصى ابن العاص برعاية ابن ملجم ، وأكبر الظنّ أنّه أحاط ابن العاص علما بما اتّفق عليه مع زميليه من القيام باغتياله واغتيال الإمام ومعاوية ، ولذا لم يخرج ابن العاص للصلاة في تلك الليلة واستناب خارجة ، فقام التميمي باغتياله ظانّا أنّه ابن العاص فلذا لم تكن نجاته وليدة مصادفة ، وإنّما كانت عن علم بذلك.
هذه بعض الملاحظات التي توجب الظنّ في اشتراك الحزب الأموي في اغتيال الإمام(2) .
كان الإمامعليهالسلام لا يخامره شكّ في أنّ ابن ملجم هو الذي يقوم باغتياله ، وقد ذكر الرواة أنّه جاء ليبايع الإمام فردّه مرّتين أو ثلاثا ، ثمّ بايعه ، فأخذ الإمام منه المواثيق بأن لا يغدر ، ولا ينكث بيعته ، فقال له ابن ملجم :
ما رأيتك تفعل هذا بغيري؟ فأعرض عنه الإمام ، فلمّا ولّى قال الإمام لغزوان :« احمله على الأشقر » ، فحمله عليه ، ثمّ تمثّل الإمام :
__________________
(1) لسان الميزان 3 : 440.
(2) حياة الإمام الحسين 2 : 104 ـ 106.
« اريد حياته ويريد قتلي |
عذيرك من خليلك من مراد »(1) |
و التفت الإمام إلى من حضر وقال لهم :« والله! ما أراه يفي بما قال » (2) ، وما كان هذا الإنسان الممسوخ يفي بما قال ، فقد نكث ما عاهد عليه الله فاغتال إمام المتّقين وسيّد العابدين.
كان الإمامعليهالسلام على المنبر يخطب ، وكان الخبيث الدنس ابن ملجم إلى جانب منصّة الخطابة ، فقال مهدّدا ومتوعّدا للإمام : والله! لأريحنّهم منك ، فسمعه بعض الجالسين ، فألقى عليه القبض ، وجاء به مخفورا إلى الإمام فأخبره بمقالته ، فأمر الإمام بإطلاق سراحه ، وقال : «لم يقتلني بعد »(3) ، وهكذا فتح الإمام باب الحرية على نطاق واسع لأعدائه وخصومه ، فلذا كانوا لا يخشونه ولا يخافون عقابه.
ولمّا دخل الدنس الخبيث ابن ملجم إلى الكوفة التقى ببعض أصحابه من تيم الرباب ، وكانت قطام عنده ، وكان الإمام قد قتل أباها وأخاها في واقعة النهروان ،
__________________
(1) يروى اريد حباءه أي عطاءه وصلته ، والبيت من قصيدة لعمر بن معدي كرب منها هذه الأبيات :
تمنّا من ليقتلن أبي |
وددت وأينما منّي ودادي |
|
فلو لاقيتني للقيت قرنا |
وصرح شحم قلبك عن سواد |
|
إذن للقيت عمّك غير نكس |
ولا متعلم قتل الوحاد |
اريد حباءه البيت جاء ذلك في خزانة الأدب 6 : 360 والأغاني 15 : 228.
(2) المناقب 3 : 93.
(3) علي بن أبي طالب بقيّة النبوّة وخاتم الخلافة : 562.
وكانت بارعة في الجمال ، فلمّا رآها ابن ملجم فتن بها ، فخطبها فأجابته إلى ذلك ، وشرطت عليه الباغية مهرا وهو ثلاثة آلاف درهم ، ووصيفا ، وخادما ، وقتل الإمامعليهالسلام ، وفي هذا المهر المنحوس يقول الشاعر :
فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة |
كمهر قطام من غنيّ ومعدم |
|
ثلاثة آلاف وعبد وقينة |
وضرب عليّ بالحسام المسمّم |
|
فلا مهر أغلى من عليّ وإن غلا |
ولا فتك إلاّ دون فتك ابن ملجم |
|
فاقسم بالبيت الحرام ومن أتى |
إليه جهارا من محلّ ومحرم |
|
لقد خاب من يسعى بقتل إمامه |
وويل له من حرّ نار جهنّم(1) |
وانبرى الخبيث قائلا لقطام : لك جميع ما سألت ، فأمّا قتل عليّ فإنّي لي ذلك؟
قالت : تلتمس غرّته ، فإن قتلته شفيت نفسي ، وهنأك العيش معي ، وإن قتلت فما عند الله خير لك.
فقال لها الزنيم الأثيم : ما أقدمني إلى هذا المصر إلاّ قتل عليّ.
فقالت له : فأنا طالبة لك من يساعدك ، وبعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرباب فأخبرته بما عزمت عليه مع ابن ملجم ، وطلبت منه أن يعين ابن ملجم فأجابها إلى ذلك ، ومضى ابن ملجم إلى رجل من الخوارج من قبيلة أشجع يقال له :
شبيب بن بحيرة فقال له :
ـ هل لك من شرف الدنيا والآخرة؟
ـ وما ذاك؟
__________________
(1) بحار الأنوار 42 : 267.
ـ تساعدني على قتل عليّ.
فأجابه إلى ذلك ، ومضوا إلى قطام ، وكانت معتكفة في المسجد قد ضربت عليها قبّة ، فقالوا لها : قد اجتمعنا على قتل الرجل(1) فشكرتهم على ذلك ، وحفّزتهم على اقتراف الجريمة.
أطلّ على العالم الإسلامي شهر رمضان المبارك الذي أنزل الله فيه القرآن هدى للناس ورحمة وكان وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام على يقين لا يخامره شكّ بانتقاله إلى حظيرة القدس في بحر هذا الشهر العظيم ، وقد أجهد نفسه ، وأرهقها إرهاقا شديدا على الإفطار على خبز الشعير ، وجريش الملح ، وكان لا يزيد في طعامه على ثلاث لقم ، كما كان ينفق لياليه ساهرا في العبادة والتضرّع إلى الله تعالى في أن ينقذه من ذلك المجتمع الذي جحد حقّه وتنكّر لقيمه ، وزاد في وجيبه وشوقه إلى ملاقاة الله تعالى ما عاناه من العصيان والتمرّد من جيشه الذي مزّقته الأهواء ونخرته الدعايات المضلّلة.
لقد اشتاق هذا الإمام الممتحن إلى ملاقاة الله وملاقاة رسوله ليعرض عليه ما عاناه من المحن والخطوب من امّته التي جرّعته نغب التّهمام.
ويقول الرواة : إنّه لمّا حلّت ليلة التاسع عشر من رمضان أحسّ الإمام بنزول الرزء القاصم ، فكان برما تساوره الهموم والأحزان وهو يقول :
« ما كذّبت ولا كذّبت ، إنّها اللّيلة الّتي وعدت فيها ».
وراودته تلك الليلة ذكريات جهاده مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وما قاساه من طغاة
__________________
(1) إعلام الورى : 200.
قريش وذؤبان العرب ومردة أهل الكتاب من الجهد والعناء ، فقد التحم معهم في ميادين الحروب التحاما رهيبا في سبيل نشر كلمة التوحيد وحماية النبيّ العظيم من كيدهم ومكرهم.
وعلى أي حال فلندع الحديث إلى السيّدة الزكية أمّ كلثوم(1) تحدّثنا بما شاهدته من أبيها في تلك الليلة الخالدة في دنيا الأحزان ، قالت :
لمّا كانت ليلة التاسع عشر من رمضان قدّمت إلى أبي عند إفطاره طبقا فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن ، وملح جريش ، فلمّا فرغ من صلاته أقبل على فطوره ، فلمّا نظر إليه حرّك رأسه وبكى وقال :
« ما ظننت بنتا تسوء أباها كما أسأت إليّ ».
« ما ذاك؟ ».
« تقدّمين إلى أبيك إدامين في طبق واحد ، أتريدين أن يطول وقوفي بين يدي الله تعالى يوم القيامة؟ أنا أريد أن أتّبع أخي وابن عمّي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ما قدّم له إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله تعالى.
يا بنيّة ، ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلاّ طال وقوفه بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة ..
يا بنيّة ، إنّ الدّنيا في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، وقد أخبرني حبيبي رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أنّ جبرئيل نزل إليه ومعه مفاتيح كنوز الأرض ، وقال : يا محمّد ، السّلام يقرؤك السّلام ، ويقول لك : إن شئت صيّرت معك جبال تهامة ذهبا وفضّة ، وخذ مفاتيح كنوز الأرض ولا ينقص ذلك من حظّك يوم القيامة ، قال صلىاللهعليهوآلهوسلم :
__________________
(1) السيّدة أمّ كلثوم هي في أغلب الظنّ سيّدة النساء السيّدة المعظّمة زينب سلام الله عليها ، وهذه كنيتها.
يا جبرئيل ، وما يكون بعد ذلك؟ قال : الموت ، فقال : لا حاجة لي في الدّنيا ، دعني أجوع يوما ، وأشبع يوما ، فاليوم الّذي أجوع فيه أتضرّع إلى ربّي ، واليوم الّذي أشبع فيه أشكر ربّي وأحمده ، فقال جبرئيل : وفّقت لكلّ خير يا محمّد! ».
ثمّ قالعليهالسلام : « يا بنيّة ، الدّار دار غرور ، ودار هوان ، فمن قدّم شيئا وجده. يا بنيّة ، لا آكل شيئا حتّى ترفعي أحد الإدامين » ، فلمّا رفعته أكل قرصا واحدا بالملح الجريش ، ثمّ حمد الله تعالى وأثنى عليه ، ثمّ قام إلى صلاته فصلّى ، ولم يزل راكعا وساجدا ومبتهلا ومتضرّعا إلى الله سبحانه ، ويكثر الدخول والخروج ، وهو ينظر إلى السماء وهو قلق ، ثمّ قرأ سورة « يس » حتى ختمها ، ثمّ رقد هنيهة ، وانتبه مرعوبا ، وجعل يمسح وجهه بثوبه ، ونهض قائما على قدميه وهو يقول : «اللهمّ بارك لنا في لقائك ».
ويكثر من قول : لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ، ثمّ صلّى حتّى ذهب بعض الليل ، ثمّ جلس للتعقيب ، ثمّ نامت عيناه ، ثمّ انتبه مرعوبا ، وجمع أولاده فقال لهم :
« في هذا الشّهر تفقدوني ، إنّي رأيت رؤيا هالتني ».
« ما رأيت؟ ».
« رأيت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في منامي وهو يقول : يا أبا الحسن ، إنّك قادم إلينا عن قريب ، يجيء إليك أشقاها فيخضّب شيبتك من أمّ رأسك ، وأنا مشتاق إليك ، وإنّك عندنا في العشر الأواخر من شهر رمضان ».
فضجّ أبناؤه بالبكاء ، فأمرهم بالخلود إلى الصبر وطاعة الله ، ولم يزل تلك الليلة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا ، ويخرج ساعة بعد ساعة ، يقلب طرفه في السماء ، وينظر في الكواكب وهو يقول :
« ما كذّبت ولا كذّبت ، إنّها اللّيلة الّتي وعدت بها ».
ثمّ يعود إلى مصلاّه وهو يقول :« اللهمّ بارك لي في الموت » ، ويكثر من قول :
« لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم » ، ويصلّي على النبيّ كثيرا.
قالت أمّ كلثوم : قلت له :« يا أبتاه ، ما لي أراك هذه اللّيلة لا تذوق طعم الرقاد؟ ».
فأجابها الإمام :« يا بنيّة ، إنّ أباك قتل الأبطال ، وخاض الأهوال ، وما دخل الخوف جوفه ، وما دخل في قلبي رعب أكثر ممّا دخله اللّيلة ».
ثمّ قال : « إنّا لله وإنّا إليه راجعون » ، وفزعت السيّدة أمّ كلثوم ، وقالت له بنبرات مشفوعة بالبكاء :
« ما لك تنعى نفسك منذ اللّيلة؟ ».
« يا بنيّة ، قد قرب الأجل وانقطع الأمل ».
واستولى الأسى والحزن على أمّ كلثوم ، وغرقت بالبكاء ، وأخذ يهدّىء لوعتها قائلا :« يا بنيّة ، إنّي لم أقل ذلك إلاّ بما عهد إليّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم » (1) . هذا بعض ما حدّثت به السيّدة أمّ كلثوم من الأحداث المفزعة التي رافقت اغتيال أبيها.
وأقبل الإمام في غلس الليل البهيم على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى ، ففي ظلام ذلك الليل الذي دام على البؤساء والمحرومين ، قام الإمام فأسبغ الوضوء ، وتهيّأ إلى الخروج إلى بيت الله ليؤدّي صلاة الصبح ، فلمّا بلغ صحن الدار كانت فيه وزّ أهديت إلى الإمام الحسنعليهالسلام فصحن في وجهه الشريف منذرة بالخطر العظيم الذي سيعصف بالشرق العربي ، وسائر الوطن الإسلامي ، ويحوّله إلى ركام ،
__________________
(1) بحار الأنوار 42 : 279 ـ 280.
وتنبّأ الإمامعليهالسلام بنزول الرزء القاصم فقال : « لا حول ولا قوّة إلاّ بالله تعالى ، صوائح تتبعها نوائح »(1) ، إنّ تلك الصوائح التي انطلقت من الطيور تحوّلت إلى عويل ، وصراخ اليتامى والمساكين ، فقد فقدوا من كان يرعاهم ويعطف عليهم ، وراح الإمام يوصي ابنته برعاية تلك الطيور قائلا :
« يا بنيّة ، بحقّي عليك إلاّ ما أطلقتها ، فقد حبست ما ليس له لسان ، ولا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش ، فأطعميها واسقيها وإلاّ خلّي سبيلها تأكل من حشائش الأرض »(2) .
وأقبل الإمام على فتح الباب فعسر عليه فتحها لأنّها كانت من جذوع النخل ، وعالجها حتى فتحها فانحلّ مئزره فشدّه وهو يقول :
« اشدد حيازيمك للموت |
فإنّ الموت لاقيكا |
|
ولا تجزع من الموت |
إذا حلّ بواديكا |
|
كما أضحكك الدّهر |
كذاك الدّهر يبكيكا » |
وفزع الإمام الحسن كأشدّ ما يكون الفزع من حالة أبيه فسارع إليه قائلا :
« ما أخرجك في هذا الوقت؟ ».
« رؤيا رأيتها في هذه اللّيلة هالتني ».
« خيرا رأيت ، وخيرا يكون ، قصّها عليّ ».
« رأيت جبرئيل قد نزل من السّماء على جبل أبي قبيس ، فتناول منه حجرين ، ومضى بهما إلى الكعبة ، فضرب أحدهما بالآخر ، فصارا كالرّميم ، فما بقي بمكّة
__________________
(1) مروج الذهب 2 : 291.
(2) بحار الأنوار 42 : 278.
ولا بالمدينة بيت إلاّ دخله من ذلك الرّماد شيء ».
واضطرب الإمام الحسن فسارع قائلا :
« ما تأويل هذه الرّؤيا؟ ».
« إن صدقت رؤياي ، فإنّ أباك مقتول ، ولا يبقى بمكّة ولا بالمدينة بيت إلاّ دخله الحزن من أجلي ».
ووجم الإمام الحسن وراح يقول بذوب روحه :
« متى يكون ذلك؟ ».
« إنّ الله تعالى يقول :( وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ) ، ولكن عهد إليّ حبيبي رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه يكون في العشر الأواخر من شهر رمضان ، يقتلني عبد الرّحمن بن ملجم ».
وراح الإمام يقول بلوعة وفزع :
« إذا علمت ذلك فاقتله ».
« لا يجوز القصاص قبل الجناية ، والجناية لم تحصل منه ».
وأراد الإمام الحسن أن يصحبه إلى الجامع فأقسم عليه الإمام بالرجوع إلى فراشه ، ولم يسمح له بالخروج معه ، ومضى الإمامعليهالسلام إلى بيت الله تعالى فجعل يوقظ الناس على عادته لعبادة الله الواحد القهّار ، واجتاز على قوم فقبض على كريمته وقال :« ظننت فيكم أشقاها الّذي يخضّب هذه من هذه » ، وأومأ إلى لحيته(1) ، ثمّ شرع إمام المتّقين وسيّد الموحّدين في صلاته ، وبينما هو ماثل بين
__________________
(1) الكامل ـ المبرّد 3 : 142.
يدي الحقّ يناجيه بقلبه وعواطفه ولسانه مشغول بذكره إذ هوى عليه بسيفه شقيق عاقر ناقة صالح عبد الرحمن بن ملجم ، ومعه شبيب بن بحيرة الأشجعيّ(1) ، وهو يهتف بشعار المجرمين الخوارج قائلا :
« الحكم لله لا لك » .
وعلا الرجس الدنس بالسيف رأس الإمام بطل الإسلام وعلم المجاهدين والمتّقين فقدّ جبهته الشريفة التي طالما عفّرها بالسجود لله تعالى ، وانتهت الضربة الغادرة إلى دماغه المقدّس الذي ما فكّر إلاّ في سعادة الناس وجمعهم على صعيد الحقّ والعدل وإزالة شبح الفقر والحرمان عنهم.
ولمّا أحسّ الإمام بلذع السيف انفرجت شفتاه عن ابتسامة الرضا بقضاء الله تعالى ، وانطلق صوته يدوّي في رحاب المسجد :
« فزت وربّ الكعبة ».
يا أمير الحقّ!
يا رائد العدل!
يا بطل الإسلام!
يا وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ! لقد فزت برضى الله تعالى ، وفازت قيمك ومبادئك ، وبقيت أنت وحدك رهن الخلود بما أوجدته في دنيا الإسلام من المثل والقيم الكريمة.
__________________
(1) شبيب بن بحيرة الأشجعي الخارجي علا الإمام بضربة إلاّ أنّه أخطأ فيها فوقعت على الباب ومضى الأثيم هاربا إلى منزله فدخل فيه ، وكان له ابن عمّ من شيعة الإمام فرآه يحلّ الحرير من صدره ، فقال له : ما هذا لعلّك قتلت أمير المؤمنين؟ فأراد أن يقول لا ، فقال : نعم ، فضربه بالسيف وقتله ، جاء ذلك في أعلام الورى : 200.
يا إمام المتّقين ، لقد كنت من أعظم الرابحين بمرضاة الخالق العظيم ، فقد رفعت منذ نعومة أظفارك كلمة الله ، وجاهدت في سبيله كأعظم ما يكون الجهاد فحطّمت الأصنام ، وطهرت الأرض من أوثان الجاهلية ، وبذلت روحك ـ بسخاء ـ للدفاع عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فبت على فراشه ووقيته من شرك الأوغاد ، ولو لا جهادك وجهاد أبيك أبي طالب لما أبقى القرشيّون ظلاّ للإسلام ، وقضوا عليه منذ بزوغ نوره.
يا إمام الموحّدين ، لقد فزت وانتصرت وخسر خصمك ابن هند ، فأنت وحدك حديث الدهر مهما تطاولت لياليه أياما ، وها هو معاوية لا يذكر إلاّ بالخيبة والخسران ، فقد قذف في مزبلة التأريخ تلاحقه أعماله التي سوّد بها وجه التاريخ.
وعلى أي حال فإنّه حينما اذيع النبأ المؤلم باغتيال الإمام سارع الناس إلى الجامع ، فوجدوا الإمام طريحا في محرابه ، وهو يلهج بذكر الله تعالى قد نزف دمه ، وانهارت قواه ، واصفرّ لونه ، ثمّ حمل إلى داره والناس خلفه قد عجّوا بالبكاء والنحيب ، قد أخذتهم المائقة ، وهم يهتفون بذوب الروح قائلين بأسى وألم :
قتل إمام الحقّ والعدل ...
قتل أبو الضعفاء وأخو الغرباء ...
قتل أبو اليتامى والمساكين ...
واستقبلته مخدّرات الرسالة بالصراخ والعويل ، فأمرهنّ الإمام بالخلود إلى الصبر ، والرضا بقضاء الله تعالى ...
وكان من أشدّ أبنائه لوعة الإمام الحسن الزكي ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فنظر إليه الإمام فقال له بلطف :
« يا بنيّ ، لا تبك فإنّك تقتل بالسّمّ ، ويقتل أخوك بالسّيف ».
وتحقّق ما أخبر به وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه ، فلم تمض الأيام
حتى اغتال معاوية الإمام الحسن بالسمّ ، وكذلك استشهد أخوه الإمام الحسين سيّد الشهداء بصورة مروّعة في صعيد كربلاء ومعه أهل بيته نجوم الأرض ، والصفوة الممجّدة من أصحابه ، فقد حصدت رءوسهم البغاة من شرطة يزيد بن معاوية.
ووصف الشقي ابن ملجم ضربته الغادرة للإمام بقوله : أمّا أنا فقد أرهفت السيف ، وطردت الخوف ، وحثثت الأمل وضربته ضربة لو كانت بأهل عكاظ قتلتهم(1) .
ولم يعلم الأثيم أنّ ضربته التي قدّت جبهة الإمام قد شقّت جبهة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم لأنّه نفسه وأخوه وباب مدينة علمه وأبو سبطيه.
وطار الخبيث الأشعث بن قيس فرحا وسرورا بضربة الإمام ، فقد تمّت بوارق آماله وأحلامه للاتّصال بمعاوية ، وبعث ولده للاطّلاع على حال الإمام ، فقال له :
انظر كيف أصبح الرجل ، وكيف تراه؟
وانطلق ابنه إلى منزل الإمام ، فرآه مثقلا حاله ، فقفل راجعا إلى أبيه فأخبره بحالته قائلا :
رأيت عينيه داخلتين في رأسه ...
فصاح الأشعث ، وقد غمرته موجات من السرور :
عينا دميغ وربّ الكعبة(2) .
__________________
(1) الأمالي ـ أبي علي القالي 2 : 255.
(2) أنساب الأشراف 1 : 216.
إنّ هذا المجرم العميل هو الذي نادى بالتحكيم ، ورشّح الأشعري ليكون ممثّلا عن العراقيّين ، وهو الذي اشترك في اغتيال الإمامعليهالسلام ، وقد تمّت بوارق آماله بقتل الإمام.
والقي القبض على المجرم الأثيم ابن ملجم فجيء به مكشوف الرأس ، مكتوفا فأوقف بين يدي الإمام الزكي الحسنعليهالسلام ، فقال له :
« يا ملعون ، قتلت أمير المؤمنين ، وإمام المسلمين ، هذا جزاؤه حين آواك وقرّبك ، حتّى تجازيه بهذا الجزاء ...؟ ».
والتفت الإمام الحسن إلى أبيه قائلا :
« يا أبة ، هذا عدوّ الله وعدوّك ابن ملجم قد أمكننا الله منه ».
وفتح الإمام عينيه وقال له بصوت خافت :
« لقد جئت شيئا إدّا وأمرا عظيما ، ألم أشفق عليك وأقدّمك على غيرك في العطاء فلما ذا تجازيني بهذا الجزاء؟ ».
والتفت الإمام إلى ولده فجعل يوصيهم بالبرّ إلى قاتله قائلا :
« أطعموه ، واسقوه ، فإن عشت فأنا وليّ دمي ، إن شئت قتلت ، وإن شئت عفوت ، وإن متّ فاقتلوه ، ولا تعتدوا إنّ الله لا يحبّ المعتدين » (1) .
وبهر الإمام الحسن من وصيّة أبيه بالبر والإحسان لقاتله قائلا :
« يا أبتاه ، قتلك هذا اللّعين ، وفجعنا بك ، وأنت تأمرنا بالرّفق به ».
__________________
(1) النجوم الزاهرة 1 : 119.
فأجابه الإمام بما انطوت عليه روحه الملائكيّة قائلا :
« يا بنيّ ، نحن أهل بيت الرّحمة والمغفرة ، أطعمه ممّا تأكل ، واسقه ممّا تشرب ، فإن أنا متّ فاقتصّ منه بأن تقتله ، ولا تمثّل بالرّجل فإنّي سمعت جدّك رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور ، وإن أنا عشت فأنا أعلم ما أفعل به فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفوا وكرما ».
وهكذا نفسية هذا الإمام العظيم العفو والإحسان والبرّ بمن اعتدى عليه وظلمه.
وكانت العقيلة أمّ كلثوم غارقة في الأسى والشجون ، والتفتت إلى المجرم الخبيث ابن ملجم فقالت له :
« يا عدوّ الله ، قتلت أمير المؤمنين؟ ».
فردّها الأثيم بوقاحة وصلف :
لم أقتل أمير المؤمنين ولكن قتلت أباك ...
فأجابته حفيدة الرسول :
« إنّي لأرجو أن لا يكون عليه بأس ».
وسارع المجرم قائلا :
فلم تبكين إذا؟ عليّ تبكين؟
وراح ابن ملجم يقرح عواطفها وشعورها ويعلمها عن ضربته الغادرة للإمام قائلا : والله! لقد سمّمته ـ أي السيف ـ شهرا فإن أخلفني فأبعده الله سيفا وأسحقه(1) .
__________________
(1) أنساب الأشراف 1 : 216.
جمع الإمام الحسنعليهالسلام لجنة من الأطباء لمعالجة الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام وكان أبصرهم بالطب أثير بن عمرو السكوني(1) ، فاستدعى برئة شاة حارّة فتتبع عرقا منها فاستخرجه ، ثمّ أدخله في جرح الإمام وأخرجه وإذا به مكلّل ببياض دماغ الإمام لأنّ الضربة القاسية قد وصلت إليه ، فارتبك أثير ، والتفت إلى الإمام وقال له بصوت خافت حزين النبرات :
يا أمير المؤمنين ، اعهد عهدك فإنّك ميّت(2) .
وأوصى إمام المتّقين ورائد الحكمة أولاده بكوكبة من الوصايا الذهبية قبل وفاته ، وهذه بعضها :
1 ـ قالعليهالسلام للحسنين وهو على فراش الموت يعاني من آلام الضربة الغادرة قال :
« أوصيكما بتقوى الله ، وألاّ تبغيا الدّنيا وإن بغتكما (3) ، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما ، وقولا بالحقّ ، واعملا للأجر ، وكونا للظّالم خصما ، وللمظلوم عونا.
أوصيكما ، وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي ، بتقوى الله ، ونظم أمركم ، وصلاح ذات بينكم ، فإنّي سمعت جدّكما ـ صلىاللهعليهوآله ـ يقول : صلاح
__________________
(1) أثير بن عمر السكوني أحد الأطباء الماهرين يعالج الجراحات الصعبة ، وكان صاحب كرسي ، تنسب إليه صحراء أثير.
(2) الاستيعاب 2 : 62. معجم ما استعجم 1 : 109.
(3)تبغيا : أي تطلبا.
ذات البين أفضل من عامّة الصّلاة والصّيام.
الله الله في الأيتام! فلا تغبّوا أفواههم(1) ، ولا يضيعوا بحضرتكم.
والله الله في جيرانكم! فإنّهم وصيّة نبيّكم ؛ ما زال يوصي بهم حتّى ظننّا أنّه سيورّثهم.
والله الله في القرآن! لا يسبقكم بالعمل به غيركم.
والله الله في الصّلاة! فإنّها عمود دينكم.
والله الله في بيت ربّكم ، لا تخلّوه ما بقيتم ، فإنّه إن ترك لم تناظروا(2) .
والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله! وعليكم بالتّواصل والتّباذل (3) ، وإيّاكم والتّدابر والتّقاطع لا تتركوا الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ، ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم.
يا بني عبد المطّلب ، لا ألفينّكم تخوضون في دماء المسلمين خوضا ، تقولون : قتل أمير المؤمنين. ألا لا تقتلنّ بي إلاّ قاتلي.
انظروا إذا أنا متّ من ضربته هذه ، فاضربوه ضربة بضربة ، ولا تمثّلوا بالرّجل ، فإنّي سمعت رسول الله ـصلىاللهعليهوآله ـ يقول : « إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور » (4) .
حكت هذه الوصية روحانيّة الأنبياء ، وقداسة الأوصياء ، وما يحمله هذا الإمام العظيم من الشرف وسموّ الذات ، فقد أوصى أبناءه بقول الحقّ ، والعمل
__________________
(1) المراد : صلوا الأيتام باتّصال.
(2)لم تناظروا : أي لا ينظر إليكم.
(3)التباذل : العطاء.
(4) نهج البلاغة 3 : 77.
بمرضاة الله تعالى ، ومساندة المظلومين ، ومناجزة الظالمين ، كما أوصاهم بإصلاح ذات البين ، ومراعاة الأيتام والإحسان إليهم ، كما أوصاهم بالبرّ بالجيران فإنّه يؤدّي إلى ربط المجتمع وصيانته من التفرّق والاختلاف ، وأوصاهم بالصلاة التي هي أفضل العبادات.
ومن هذه الوصايا أن لا يخوض أبناؤه وسائر بني هاشم في إراقة دماء المسلمين مطالبين بثأره فلا يقتلوا غير قاتله ، ولا يرتكبوا مثل ما ارتكبه الأمويّون وأنصارهم من المطالبة بدم عثمان بن عفّان ، فقد أراقوا أنهارا من دماء المسلمين بغير حقّ.
2 ـ أدلى الإمام بهذه الوصية لعموم الناس ، ولم يخصّ بها أهل بيته ، وجاء فيها :
« أيّها النّاس ، كلّ امرئ لاق ما يفرّ منه في فراره. والأجل مساق النّفس(1) . والهرب منه موافاته. كم أطردت الأيّام أبحثها عن مكنون هذا الأمر ، فأبى الله إلاّ إخفاءه. هيهات! علم مخزون! أمّا وصيّتي : فالله لا تشركوا به شيئا ، ومحمّدا صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا تضيّعوا سنّته. أقيموا هذين العمودين ، وأوقدوا هذين المصباحين ، وخلاكم ذمّ ما لم تشردوا (2) .
حمّل كلّ امرئ منكم مجهوده ، وخفّف عن الجهلة ربّ رحيم ودين قويم ، وإمام عليم.
أنا بالأمس صاحبكم ، وأنا اليوم عبرة لكم ، وغدا مفارقكم! غفر الله
__________________
(1)الأجل مساق : أي يسوق الإنسان إلى مقرّه الأخير.
(2) تشردوا : أي تميلوا.
لي ولكم!
إن تثبت الوطأة في هذه المزلّة فذاك(1) ، وإن تدحض القدم فإنّا كنّا في أفياء أغصان ، ومهابّ رياح ، وتحت ظلّ غمام ، اضمحلّ في الجوّ متلفّقها (2) ، وعفا في الأرض مخطّها وإنّما كنت جارا جاوركم بدني أيّاما ، وستعقبون منّي جثّة خلاء (3) ساكنة بعد حراك ، وصامتة بعد نطق ليعظكم هدوّي ، وخفوت إطراقي ، وسكون أطرافي ، فإنّه أوعظ للمعتبرين من المنطق البليغ والقول المسموع.
وداعي لكم وداع امرئ مرصد للتّلاقي! غدا ترون أيّامي ، ويكشف لكم عن سرائري ، وتعرفونني بعد خلوّ مكاني وقيام غيري مقامي » (4) .
وضع الإمامعليهالسلام في هذه الوصية المناهج السليمة التي تضمن للإنسان المسلم سلامته في دنياه وآخرته وهي التمسّك بالعمودين كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه العظيم.
ووعظ الإمام أهل بيته وسائر المسلمين بنفسه الذي كان مثلهم وعمّا قليل سيفارقهم إلى دار الحقّ ، فما أعظم هذه الموعظة التي تدعو إلى الاستقامة والتوازن في السلوك ، وعدم الغرور.
3 ـ ومن وصيّة لهعليهالسلام إلى ولده السبط الأكبر الإمام الحسن المجتبىعليهالسلام عند ما حضرت الإمام الوفاة :
« أوّل وصيّتي أنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله ، وأنّ محمّدا رسوله وخيرته ، اختاره
__________________
(1) أرادعليهالسلام إنّه إن عوفي من ضربته فذاك.
(2)فتلفقها : المتلفّق المنضمّ بعضه إلى بعض.
(3)خلاء : أي خالية من الروح.
(4) نهج البلاغة 2 : 33 ـ 34.
بعلمه ، وارتضاه لخيرته ، وأنّ الله باعث من في القبور ، وسائل النّاس عن أعمالهم عالم بما في الصّدور. ثمّ إنّي اوصيك يا حسن ، وكفى بك وصيّا بما أوصاني به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، لا تكن الدّنيا أكبر همّك.
واوصيك يا بنيّ! بالصّلاة عند وقتها ، والزّكاة في أهلها عند محلّها ، والصّمت عند الشّبهة ، والاقتصاد والعدل في الرّضا والغضب ، وحسن الجوار ، وإكرام الضّيف ، ورحمة المجهود وأصحاب البلاء ، وصلة الرّحم ، وحبّ المساكين ومجالستهم ، والتّواضع فإنّه من أفضل العبادة ، وقصر الأمل ، واذكر الموت ، وازهد في الدّنيا فإنّك رهين موت ، وغرض بلاء ، وطريح سقم.
واوصيك بخشية الله في سرّ أمرك وعلانيّتك ، وأنهاك عن التّسرّع بالقول والفعل ، وإذا عرض شيء من أمر الآخرة فابدأ به ، وإذا عرض شيء من أمر الدّنيا فتأنّه حتّى تصيب رشدك فيه ، وإيّاك ومواطن التّهمة والمجلس المظنون به السّوء ، فإنّ قرين السّوء يغرّ جليسه.
وكن يا بنيّ! لله عاملا ، وعن الخناز جورا ، وبالمعروف آمرا ، وعن المنكر ناهيا ، وواخ الإخوان في الله ، وأحبّ الصّالح لصلاحه ، ودار الفاسق عن دينك ، وابغضه بقلبك ، وزايله بأعمالك لئلا تكون مثله ، وإيّاك والجلوس في الطّرقات ، ودع المماراة ومجاراة من لا عقل له ولا علم له.
واقتصد يا بنيّ! في مشيتك ، واقتصد في عبادتك ، وعليك فيها بالأمر الدّائم الّذي تطيقه ، والزم الصّمت تسلم ، وقدّم لنفسك تغنم ، وتعلّم الخير تعلم ، وكن لله ذاكرا على كلّ حال ، وارحم من أهلك الصّغير ، ووقّر منهم الكبير ، ولا تأكل طعاما حتّى تتصدّق منه قبل أكله ، وعليك بالصّوم فإنّه زكاة البدن ، وجنّة لأهله ، وجاهد نفسك ، واحذر جليسك ، واجتنب عدوّك ، وعليك بمجالس الذّكر ،
وأكثر من الدّعاء فإنّي لم آلك يا بنيّ نصحا ، وهذا فراق بيني وبينك.
واوصيك بأخيك محمّد خيرا فإنّه شقيقك ، وابن أبيك ، وقد تعلم حبّي له ، وأمّا أخوك الحسين فهو ابن امّك ، ولا اريد الوصاة بذلك العظم ، والله الخليفة عليكم ، وإيّاه أسأل أن يصلحكم ، وأن يكفّ الطّغاة والبغاة عنكم ، والصّبر الصّبر حتّى ينزل الله الأمر ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم »(1) .
وحكت هذه الوصية اصول الآداب ومحاسن الصفات ومعالي الأخلاق ودعت أبناء الإمامعليهالسلام إلى التحلّي بها ، وتطبيقها على واقع حياتهم ليكونوا سادة الامّة ، ومصدر هدايتها وسعادتها.
ووفدت كوكبة من أصحاب الإمامعليهالسلام لعيادته ، كان منهم :
تشرّف حبيب بن عمرو بعيادة الإمامعليهالسلام ، فقال له بلطف : يا أمير المؤمنين ، ما جرحك هذا بشيء؟ وما بك من بأس ...
فنظر إليه الإمام برفق وقال له :
« يا حبيب ، أنا والله! مفارقكم السّاعة ».
فكان ذلك كالصاعقة على حبيب فلم يملك نفسه ، وإنّما أجهش بالبكاء ، وكانت السيّدة أمّ كلثوم إلى جانب أبيها ، فبكت بكاء مرّا فالتفت إليها الإمام قائلا :
« ما يبكيك يا بنيّة؟ ».
__________________
(1) المجالس السنيّة 2 : 235 ـ 236. نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 8 : 137 ـ 143.
« كيف لا أبكي وأنت تقول : إنّك تفارقنا »؟
وهدّأ الإمام روعتها وأخبرها بما سيصير إليه من المنزلة الرفيعة عند الله قائلا :
« يا بنيّة ، لا تبكي ، فو الله! لو ترين ما يرى أبوك ما بكيت ».
وسارع حبيب قائلا :
ما الذي ترى يا أمير المؤمنين؟
« يا حبيب ، أرى ملائكة السّماء والنّبيّين بعضهم في إثر بعض وقوفا يتلقّونني ، وهذا أخي محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم جالسا عندي يقول : أقدم فإنّ ما أمامك خير ممّا أنت فيه » (1) .
وساد البكاء وعمّ الحزن وانتشر العويل عند السيّدات من بنات الإمام وعياله.
أمّا الأصبغ بن نباتة فهو من خواص أصحاب الإمامعليهالسلام وأحبّائه ، وقد أذهله الخطب ومزّق الأسى قلبه باغتيال الإمام فسارع مع جماعة من أصحابه إلى دار الإمام كان منهم الحارث ، وسويد بن غفلة ، فجلسوا خلف الإمام فسمعوا البكاء والعويل من داخل الدار فأجهشوا في البكاء ، فخرج إليهم الإمام الحسن فقال لهم :
« يقول لكم أمير المؤمنين : انصرفوا إلى منازلكم ».
فانصرف القوم سوى الأصبغ بن نباتة ، واشتدّ بكاء العلويّات وأبناء الإمام من داخل الدار ، حينما أيقنوا أنّ أباهم في الساعات الأخيرة من حياته ، وبكى الأصبغ بكاء عاليا ، فخرج إليه الإمام الحسن فقال له :
« ألم أقل انصرفوا »؟
__________________
(1) المجالس السنيّة 2 : 241.
وقام الأصبغ وهو يذرف من الدموع مهما ساعدته الجفون قائلا بصوت حزين النبرات :
لا والله! يا ابن رسول الله ، ما تتابعني نفسي ، ولا تحملني رجلاي أن انصرف حتى أرى أمير المؤمنين.
ودخل الإمام الحسن على أبيه ، وأخبره بأسى الأصبغ وذهوله ، فأذن له الإمام ، فدخل عليه ، ووصف الأصبغ حالة الإمام بقوله :
دخلت على أمير المؤمنين ، فإذا هو مستند معصوب الرأس بعمامة صفراء قد نزف دمه ، واصفرّ لونه ، فما أدري وجهه أشد صفرة أم العمامة ، فأكببت عليه فقبّلته ، وبكيت.
والتفت إليه الإمام يهدّى روعه قائلا :
« لا تبك يا أصبغ ، فإنّها والله الجنّة! ».
وطفق الأصبغ ودموعه تجري على سحنات وجهه قائلا للإمام بنبرات حزينة :
إنّي والله! أعلم أنّك تصير إلى الجنّة ، وإنّما أبكي لفقدي إيّاك(1) .
وخرج الأصبغ وهو غارق بالبكاء ، قد ذابت نفسه أسى وحسرات.
وسارع عمرو بن الحمق الخزاعي لعيادة الإمام وكان من أخلص الناس له ومن أكثرهم ولاء وحبّا له ، ولم يتمكّن أن يقلّ أقدامه من الحزن وأذن له الإمام ، وأراد عمرو أن يخفّف لوعة المصاب على الإمام قائلا :
__________________
(1) أمالي الشيخ الطوسي : 123.
يا أمير المؤمنين ، ليس عليك بأس ، إنّما هو خدش ...
فأجابه الإمام آيسا من حياته قائلا :
« إنّي مفارقكم ».
ثمّ اغمي عليه فبكت السيّدة أمّ كلثوم بكاء عاليا ، فانتبه الإمام ، فلمّا رآها تبكي قال لها :
« يا أمّ كلثوم ، لا تؤذيني فإنّك لو ترين ما أرى ، إنّ الملائكة من السّماوات السّبع بعضهم خلف بعض ، والنّبيّين يقولون : انطلق فما أمامك خير لك ممّا أنت فيه » (1) .
إنّ ملائكة السماء ـ ومعهم النبيّون ـ يستقبلون روح إمام المتّقين وسيّد العابدين الممتحن والصابر على ما ألمّ به من الأحداث الجسام التي مزّقت قلبه أسى وحزنا ، وكان من أعظمها فجيعة انتصار معاوية الباغي الأثيم ، وافول دولة الحقّ.
أمّا صعصعة فكان من الأخيار الزاهدين في الدنيا ، والمتحرّجين في دينه ، وكان على اتّصال وثيق بالإمامعليهالسلام ، وقد هرع لعيادته وقال للرجل الذي يتولّى الإذن بالدخول عليه ، قل له :
يا أمير المؤمنين ، يرحمك الله ، فلقد كنت خفيف المئونة ، كثير المعونة(2) .
ودخل صعصعة على الإمام فرآه يجود بنفسه قد خيّم عليه الموت ، فاضطرب صعصعة ، وودّ أنّ المنية قد وافته ولم يشاهد الإمام بمثل هذه الحالة.
أمّا حجر بن عدي الشهيد الخالد في دنيا الإسلام فكان من خيار أصحاب
__________________
(1) أمالي الشيخ الطوسي : 123.
(2) مقاتل الطالبيّين : 50.
الإمام ، ومن أكثرهم ولاء وإخلاصا له ، وقد استولى عليه الحزن ، فدخل على الإمام وهو يقول بذوب روحه :
فيا أسفي على المولى التّقيّ |
أبي الأطهار حيدرة الزّكيّ |
ولمّا بصر به الإمام قال له برفق وعطف :
« كيف بك ـ يا حجر ـ إذا دعيت إلى البراءة منّي فما عساك أن تقول ...؟ ».
وانبرى حجر بإيمان وصدق قائلا :
والله! يا أمير المؤمنين لو قطّعت بالسيف إربا إربا ، واضرم لي النار ، والقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك.
فشكره الإمام على ولائه وإخلاصه ، وقال له :
« وفّقت لكلّ خير يا حجر! جزاك الله خيرا عن أهل بيت نبيّك » (1) .
وصدق حجر فيما عاهد عليه الإمام ، فقد أخلص له كأعظم ما يكون الإخلاص ، فقد طلب منه ابن هند معاوية البراءة من الإمام فلم يجبه ، فنفّذ فيه الإعدام في مرج عذراء ، وكانت شهادته من الأحداث الجسام في ذلك العصر.
وأذن الإمامعليهالسلام للناس إذنا عامّا لعيادته ليتزوّدوا بالنظر إليه قبل رحيله إلى دار الحقّ ، وازدحمت الجماهير على عيادة الإمام ، وهم يذرفون الدموع ويندبون حظّهم التعيس على ما فرّطوا في عصيانهم للإمام ، فقد خسروا القائد والمربّي الذي كان يحنو عليهم ويعطف ، والتفت إليهم وهو يعاني الآلام القاسية قائلا :
« سلوني قبل أن تفقدوني ، وخفّفوا سؤالكم لمصيبة إمامكم »(2) .
__________________
(1) بحار الأنوار 42 : 290.
(2) بحار الأنوار 42 : 290.
وكان ذلك من حبّه العارم لإشاعة العلم وإقصاء الجهل ، وأحجم الناس أن يسألوه ، وذلك لما يعانيه من آلام الضربة الغادرة.
وطلب الإمامعليهالسلام من أهل بيته أن يأتوه بلبن لأنّه يقاوم السمّ الذي سرى في بدنه من سيف ابن ملجم الذي سمّه بألف درهم ، واتي الإمام بقعب فيه لبن فشربه كلّه ، ثمّ تذكّر الرجس الخبيث ابن ملجم ، وأنّه لم يترك له من اللبن شيئا ، فقالعليهالسلام :
« وكان أمر الله قدرا مقدورا ، اعلموا أنّي شربت الجميع ، ولم ابق لأسيركم شيئا إلاّ أنّه آخر رزقي من الدّنيا ، فبالله! عليكم إلاّ ما سقيتموه مثل ما شربت » ، فحمل إليه مثل ذا اللبن فشربه الباغي اللئيم(1) .
وهكذا تمثّلت الرحمة الإلهيّة في وصيّ رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وباب مدينة علمه ، فقد رفق وأحسن حتى لقاتله.
ولمّا علم الإمامعليهالسلام أنّه مفارق لهذه الدنيا أقام ولده الزكي الإمام الحسنعليهالسلام خليفة من بعده ، فقد ذكر ثقة الإسلام الحجّة الكليني نضّر الله مثواه أنّ أمير المؤمنين أوصى إلى الحسن ، وأشهد على وصيّته الإمام الحسينعليهالسلام وولده محمّدا وجميع ولده ورؤساء شيعته ، وأهل بيته ، ودفع إليه الكتب والسلاح وقال له :
« يا بنيّ ، أمرني رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم أن اوصي إليك وأن ادفع إليك كتبي وسلاحي ، كما أوصى إليّ رسول الله ودفع إليّ كتبه وسلاحه ، وأمرني أن آمرك
__________________
(1) بحار الأنوار 42 : 290.
إذا حضرك الموت أن تدفع ذلك إلى أخيك الحسين » (1) .
وهكذا أقام ولده الزكي ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم علما ومرجعا وإماما للأمّة من بعده ، ولكنّ الظروف السيّئة التي أحاطت بالإمامعليهالسلام هي التي ألجأته إلى الصلح ولولاه لواجهت الأمّة أزمات خطيرة ، وقد عرضنا لذلك في كتابنا حياة الإمام الحسنعليهالسلام .
ذهب جماعة من الكتّاب كان منهم عميد الأدب العربي طه حسين(2) إلى أنّ الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام لم يعهد بالخلافة إلى ولده الزكي الإمام الحسنعليهالسلام وأنّه لم يرشّحه لقيادة الامّة من بعده مستدلّين على ذلك بما رواه شعيب بن ميمون الواسطي(3) أنّ عليّا قيل له : ألا تستخلف؟
فقال : إن يرد الله بالأمّة خيرا يجمعهم على خيرهم ، وهذه الرواية من موضوعات شعيب ومن مناكيره كما نصّ على ذلك ابن حجر(4) .
إنّ الإمام الحسنعليهالسلام ريحانة رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وسيّد شباب أهل الجنة ، وإمام إن قام أو قعد ـ على حدّ تعبير جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ـ بالاضافة إلى توفّر جميع صفات
__________________
(1) اصول الكافي 1 : 297 ـ 298.
(2) إسلاميات / الفتنة الكبرى : 969.
(3) شعيب بن ميمون الواسطي صاحب البزور قال أبو حاتم : مجهول ، وكذا قال العجلي.
وقال البخاري : فيه نظر.
وقال ابن حبّان : يروي المناكير عن المشاهير على قلّته لا يحتجّ به إذا انفرد ـ تهذيب التهذيب 4 : 357.
(4) تهذيب التهذيب 4 : 357 ، وجاء فيه : ومن مناكيره عن حصين عن الشعبي عن أبي وائل قال : قيل لعليّ ألا تستخلف الرواية.
القيادة العامّة فيه ، فكيف لا يرشّحه الإمام للإمامة من بعده(1) ؟
وفي ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان التي قيل إنّها ليلة القدر اشتدّت الآلام القاسية بالإمامعليهالسلام فقد تزايد ولوج السمّ في جسده الشريف ، وقد وصف حالته ولده محمّد بن الحنفية قال :
نظرنا إلى قدميه وقد احمرّتا فكبر ذلك علينا وأيسنا منه ، ثمّ عرضنا عليه المأكول والمشروب فأبى ، ونظرنا إلى شفتيه وهما تختلجان بذكر الله تعالى ، وجعل جبينه يرشح عرقا ، فقال له محمّد(2) :
ما لي أراك يرشح جبينك عرقا؟
فأجابه الإمام :
« يا بنيّ ، إنّي سمعت رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول : إنّ المؤمن إذا نزل به الموت عرق جبينه وسكن أنينه ».
ولمّا أحسّ بدنوّ الأجل المحتوم منه أمر بجمع أولاده ليودّعهم الوداع الأخير ، فلمّا مثلوا عنده قال لهم بصوت خافت :
__________________
(1) حياة الإمام الحسنعليهالسلام 1 : 567.
(2) محمّد بن الحنفية يكنّى أبا القاسم بشّر به النبيّ قبل ولادته ، فقد قال لعليّ : « سيولد لك بعدي غلام قد نحلته اسمي وكنيتي ».
جاء ذلك في نصرة الشعائر على المثل السائر ـ الصفدي : 74.
وفي جامع الاصول 1 : 280 أنّ الإمام قال لرسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : « أرأيت إن ولد لي ولد بعدك اسمّيه باسمك واكنّيه بكنيتك؟ قال : نعم ». فلذا سمّاه الإمام محمّدا.
« الله خليفتي عليكم ، استودعكم الله ».
وتعالت أصوات أولاده بالبكاء ، والتفت إليه ولده الزكي الإمام الحسنعليهالسلام فقال له : « يا أبة ، ما الذي دعاك إلى هذا؟ ».
« يا بنيّ ، رأيت جدّك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في منامي قبل هذه الكارثة بليلة ، فشكوت إليه ما أنا فيه من التّذلّل والأذى من هذه الأمّة.
فقال لي : ادع عليهم.
فقلت : اللهمّ أبدلهم بي شرّا منّي ، وأبدلني بهم خيرا منهم ...
فقال لي : قد استجاب الله دعاءك ، وسينقلك إلينا بعد ثلاث ، وقد انقضت الثّلاث. يا أبا محمّد ، اوصيك بأبي عبد الله ـ يعني الإمام الحسين ـ خيرا ، فأنتما منّي ، وأنا منكما ».
ثمّ التفت إلى بقيّة أولاده ، وأمرهم أن لا يخالفوا سيّدي شباب أهل الجنّة الإمامين الحسن والحسين ، وأن يطيعوهما ، ثمّ قال لهم :
« أحسن الله لكم العزاء ألا وإنّي منصرف عنكم في ليلتي هذه ، ولاحق بحبيبي محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم كما وعدني ».
ثمّ اغمي عليه ساعة ، فلمّا أفاق قال لولده :
« هذا رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم وعمّي حمزة ، وأخي جعفر ، وأصحاب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كلّهم يقولون : عجّل قدومك علينا فإنّا إليك مشتاقون ».
ثمّ قال لهم برفق :
« أستودعكم الله جميعا ، الله خليفتي عليكم وكفى بالله خليفة » ، ثمّ سلّم على ملائكة الله الكرام الذين أحاطوا به لينقلوا روحه المقدّسة إلى الفردوس الأعلى ،
وأخذ يقرأ آيات من الذّكر الحكيم ، وكان آخر ما نطق به قوله تعالى :( لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ) (1) و( إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) (2) ، ثمّ فاضت روحه الطاهرة إلى جنّة المأوى تحفّها ملائكة الله والأنبياء والأوصياء.
لقد سمت تلك الروح العظيمة إلى بارئها لتقدّم إليه ما عاناه من الجهد في سبيل إعلاء كلمة الإسلام ، وما لاقاه من الخطوب من طغاة القرشيّين.
لقد ارتفع إلى الله تعالى ذلك اللطف الإلهي الذي خلقه الله تعالى ليبدّد ظلمات الجهل ، ويطهّر الأرض من أوثان الجاهلية وأرجاسها.
لقد مادت أركان العدالة ، وانطمست معالم الدين ومات أبو الغرباء ، وكهف الأيتام ، وعون الضعفاء.
لقد مضى الإمام إلى جنّة المأوى ، وهو مكدود ، مجهود غارق في الأسى والخطوب ممّا عاناه من أعمدة القرشيّين الذين أبوا أن تجتمع الخلافة والنبوّة في بيت واحد فأقصوه عن مركزه وقيادته للامّة بعد وفاة أخيه وابن عمّه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم ولمّا آلت الخلافة إليه ناجزوه الحرب ، ولا حقوه بضربات موجعة فأفسدوا عليه جيشه ، وتركوه في أرباض الكوفة يصعّد الزفرات والآلام.
__________________
(1) الصافّات : 61.
(2) النحل : 128.
روت أسماء بنت عميس أن الإمام شهق شهقة ثمّ أغمي عليه ، ثمّ أفاق فقال : « مرحبا مرحبا ، الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الجنّة ».
قيل له : ما ترى؟
قال : « هذا رسول الله وأخي جعفر وعمّي حمزة ، وأبواب السماء مفتّحة ، والملائكة ينزلون يسلّمون عليّ ويبشّرون ، وهذه فاطمة قد طافت بها وصائفها ، وهذه منازلي في الجنّة لمثل هذا فليعمل العاملون » .
جاء ذلك في ربيع الأبرار 4 : 208.
وقام الإمام الزكي الحسنعليهالسلام مع اخوته فغسّلوا الجسد الطاهر ، وطيّبوه بالحنوط الذي جاء به جبرئيل وأدرجوه في أكفانه ، وهم يذرفون أحرّ الدموع ، ولمّا حلّ الهزيع الأخير من الليل حملوا الجثمان المقدّس ، ومعهم كوكبة من خيار المؤمنين فدفنوه في النجف الأشرف حيث مقرّه الآن ، وقد واروا معه العلم والتقى والجهاد ، وببركته أصبحت النجف الأشرف أعظم جامعة دينية في العالم الإسلامي قد تخرّج منها أئمّة الفقه والبلاغة والبيان.
ورجع الإمام الحسنعليهالسلام مع بقيّة اخوانه إلى بيوتهم وهم غارقون في الأسى والشجون.
وفي صبيحة ذلك اليوم الخالد في دنيا الأحزان أمر الإمام الحسن بإحضار المجرم الأثيم عبد الرحمن بن ملجم ، فلمّا مثل أمامه قال له ابن ملجم :
ما الذي أمرك به أبوك؟
أمرني أن لا أقتل غير قاتله ، وأن اشبع بطنك ، وأنعم وطأك ، فإن عاش اقتصّ أو عفا ، وإن مات ألحقتك به ».
وبهر الأثيم وراح يقول :
إن كان أبوك ليقول الحقّ ، ويقضي به في حال الغضب والرضا ثمّ إنّ الإمام الحسن ضربه بالسيف فاتّقى الضربة بيده فبدرت ، ثمّ أجهز عليه فقتله(1) .
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 : 91. تاريخ الطبري 6 : 86. تاريخ ابن الأثير 3 : 170. مقاتل الطالبيّين : 16.
وحلّت على ابن ملجم لعنة الله ولعنة اللاعنين ، ومن ولدوا ومن ماتوا ومن قال الله لهم : كونوا فكانوا!! لعنة تجفّف النبع ، وتخضم الزرع وتحرق النبت في الأرض وهو وسيم ، وجعل الله زفير جهنّم وشهيقها في اصول تكوينه ، وأهلكه ألف شيطان كبوه على وجهه في سواء الجحيم ، وفيها لفح وفيها أفواه من اللهب ذات أجيج وذات صفير(1) .
ذهب بعض المؤرّخين إلى أنّ أولياء دم الإمامعليهالسلام قد مثّلوا بالخبيث الدنس ابن ملجم وهذه بعض أقوالهم :
1 ـ إنّ الذي مثّل به الإمام الحسين ومحمّد بن الحنفية ، وقد نهاهما الإمام الحسن عن ذلك فلم يذعنا له(2) .
2 ـ الذي مثّل به عبد الله بن جعفر(3) .
3 ـ الإمام الحسن هو الذي مثّل به(4) .
إنّ هذا الاختلاف يزيدنا وضوحا بافتعال التمثيل ، وقد جزم الدكتور طه حسين بصدور التمثيل قال : والشيء المحقّق هو أنّ ولاة الدم لم ينفّذوا وصيّة عليّ في أمر قاتله فهو قد أمرهم أن يلحقوه به ، ولا يعتدوا ولكنّهم مثّلوا به أشنع تمثيل ، فلمّا مات أحرقوه بالنار(5) .
__________________
(1) الإمام عليّ صوت العدالة الإسلامية 4 : 103.
(2) الرياض النضرة 3 : 205.
(3) تاريخ أبي الفداء 1 : 180.
(4) شرح نهج البلاغة ـ ابن أبي الحديد 5 : 452.
(5) علي وبنوه : 184.
إنّ الشيء المحقّق على خلاف ما ذكره الدكتور فإنّ أولياء دم الإمام لم يخالفوا وصيّة الإمام ، وإنّما نفّذوا فيه الإعدام لا غير ، وهم بعيدون كلّ البعد عن اقتراف ما خالف الشريعة الإسلامية مضافا إلى اختلاف المؤرّخين في من قام بالتمثيل وهو ممّا يدلّ على وضع ذلك.
وانبرى بعض أعلام الإسلام إلى تأبين الإمام وذكر الخسارة العظمى التي مني بها العالم الإسلامي كان منهم :
ولمّا وارى الإمام الحسنعليهالسلام جثمان أبيه المقدّس أقبل إلى الجامع الأعظم في الكوفة وقد احتفّ به اخوانه والبقيّة الصالحة من المهاجرين والأنصار ، فاعتلى أعواد المنبر فابتدأ بحمد الله والثناء عليه ثمّ قال :
« لقد قبض في هذه اللّيلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ولم يدركه الآخرون بعمل ، لقد كان يجاهد مع رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم فيقيه بنفسه وكان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يوجّهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن شماله ، لا يرجع حتّى يفتح الله على يديه.
لقد توفّي في هذه اللّيلة الّتي عرج فيها عيسى بن مريم ، وقبض فيها يوشع بن نون وصيّ موسى عليهالسلام ، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله ، وقد أمرني أن أردّها إلى بيت المال » (1) .
وتمثّلت صورة أبيه رائد العدالة الكبرى في الأرض فخنقته العبرة ، وأرسل ما
__________________
(1) أنساب الأشراف 2 : 499.
في عينيه من دموع ، وبكى لبكائه جميع من حضر المجلس ، وساد الحزن وعمّ الأسى ، فقد توفّي الموجّه والمربّي والقائد الذي يحنّ ويعطف عليهم ، ويتبنّى قضاياهم ومصيرهم.
لقد حفل خطاب الإمام الحسنعليهالسلام لأبيه بما يلي :
1 ـ أنّه أشاد بجهاد أبيه في نصرة الإسلام ، والذبّ عن مبادئه وقيمه ، وأنّه وقى النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم بمهجته ونفسه.
2 ـ أنّ الإمامعليهالسلام لم يسبقه الأوّلون بعمل صالح ، ولا يدركه الآخرون كذلك ، وتمثّلت بهذه الكلمة بلاغة الإعجاز وروعة الايجاز فقد حكت أنّ الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام أسمى شخصية في الأرض لم يصل إلى ما وصل إليه من الفضائل لا الأوّلون ولا الآخرون عدا النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم .
3 ـ أنّ الإمامعليهالسلام قد ارتحل إلى حظيرة القدس في أفضل ليلة ، وهي الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم إلى السماء ويوشع بن نون وصيّ موسى ، فما أعظمها حتى قيل إنّها من ليالي القدر.
4 ـ أنّ الإمام الحسنعليهالسلام أعرب عن زهد أبيه حينما تقلّد الخلافة الإسلامية ، فإنّه لم يترك صفراء ولا بيضاء ، ولا دارا ولا عقارا ، وتحرّج كأشدّ ما يكون التحرّج في أموال الدولة فلم يصطف لنفسه ، ولا لأبنائه أي شيء منها ، ورفض رفضا كاملا جميع متع الحياة وملاذها.
ووقف صعصعة بن صوحان على حافة قبر الإمام ، وهو حيران قد أذهله الخطب ، واضعا إحدى يديه على فؤاده ، والاخرى قد ملأها ترابا ، وهو يضرب بها على رأسه وهو يقول :
بأبي أنت وأمّي يا أمير المؤمنين! هنيئا لك يا أبا الحسن ، فلقد طاب مولدك ، وقوي صبرك ، وعظم جهادك ، وظفرت برأيك ، وربحت تجارتك ، وقدمت على خالقك ، فتلقّاك الله ببشارته ، وحفّتك ملائكته ، واستقررت في جوار المصطفى ، فأكرمك الله بجواره ، ولحقت بدرجة أخيك المصطفى ، وشربت بكأسه الأوفى ، فأسأل الله أن يمنّ علينا باقتفائنا أثرك ، والعمل بسيرتك ، والموالاة لأوليائك ، والمعاداة لأعدائك ، وأن يحشرنا في زمرة أوليائك فقد نلت ما لم ينله أحد ، وأدركت ما لم يدركه أحد ، وجاهدت في سبيل ربّك بين يدي أخيك المصطفى حقّ جهاده ، وقمت بدين الله حقّ القيام حتّى أقمت السنن ، وأبرت الفتن ، واستقام الإسلام ، وانتظم الإيمان ، فعليك منّي أفضل الصلاة والسلام ، بك اشتدّ ظهر المؤمنين ، واتّضحت أعلام السبل ، واقيمت السنن ، وما جمع لأحد مناقبك وخصالك ، سبقت إلى إجابة النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، مقدّما مؤثرا ، وسارعت إلى نصرته ، ووقيته بنفسك ، ورميت سيفك ذا الفقار في مواطن الخوف والحذر ، قصم الله بك كلّ جبّار عنيد ، وذلّ بك كلّ ذي بأس شديد وهدم بك حصون أهل الشرك والكفر والعدوان والردى ، وقتل بك أهل الضلال من العدى ، فهنيئا لك ، كنت أقرب الناس من رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم قربا وأوّلهم سلما ، وأكثرهم علما وفهما.
فهنيئا لك يا أبا الحسن! لقد شرّف الله مقامك ، وكنت أقرب الناس إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم نسبا ، وأوّلهم إسلاما ، وأوفاهم يقينا ، وأشدّهم قلبا ، وأبذلهم لنفسه مجاهدا ، وأعظمهم في الخير نصيبا ، فلا حرمنا الله أجرك ، ولا أذلّنا بعدك ، فو الله! لقد كانت حياتك مفتاحا للخير ، ومغلاقا للشرّ ، وإنّ يومك هذا مفتاح كلّ شرّ ، ومغلاق كلّ خير ، ولو أنّ الناس قبلوا منك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولكنّهم آثروا الدنيا على الآخرة(1) .
__________________
(1) بحار الأنوار 42 : 295 ـ 296.
حكى هذا التأبين معرفة صعصعة بالإمامعليهالسلام وإحاطته ببعض مآثره وفضائله ، التي منها جهاده في سبيل الله ، ونصرته لدينه حتى استقام على سوقه عبل الذراع ، فما أعظم عائدته على الإسلام والمسلمين ، كما حكى تأبين صعصعة للإمام الخسارة العظمى التي مني بها العالم الإسلامي بفقده للإمام رائد الحقّ والعدل في دنيا الإسلام.
ووقف ابن عبّاس وهو خائر القوى على ضريح الإمام وهو يندبه بذوب روحه قائلا :
وا أسفاه على أبي الحسن! ملك ـ والله! ـ فما غيّر ولا بدّل ولا قصّر ، ولا جمع ، ولا منع ، ولا آثر ، ولقد كانت الدنيا أهون عليه من شسع نعله ، ليث في الوغى ، بحر في المجالس ، حكيم الحكماء ، هيهات قد مضى في الدرجات العلى(1) .
أشادت هذه الكلمات الذهبية التي أدلى بها حبر الامّة عبد الله بن عباس بمآثر الإمام والتي منها :
أوّلا ـ أنّها ألقت الأضواء على المعالم المشرقة لسياسة الإمامعليهالسلام أيام حكمه ، وكان البارز منها ما يلي :
1 ـ أنّ الإمام حينما استولى على الحكم لم يغيّر ، ولم يبدّل أي حكم من كتاب الله تعالى وسنّة نبيّه ، وإنّما سار على المنهاج الكامل الذي سنّه رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم .
2 ـ ولم يقصّر الإمام في أي شأن من شئون الدولة ، وإنّما سار فيها سيرا سجحا
__________________
(1) مقتل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ ابن أبي الدنيا : 109.
لا التواء ولا منعطفات فيه.
3 ـ ولم يجمع الإمام أي شيء من أموال الدولة ، ولم يدّخر لنفسه ولا لبنيه لا قليلا ولا كثيرا ، فقد احتاط كأشدّ ما يكون الاحتياط فيها.
4 ـ ولم يمنع الإمامعليهالسلام أي مواطن من عطائه ، حتّى أعداءه الذين ناهضوه ، فقد منحهم العطاء ، ولم يحرمهم منه.
5 ـ ولم يؤثر الإمامعليهالسلام أي أحد من أبنائه وذويه بأي شيء من أموال الدولة.
ثانيا ـ حكت هذه الكلمات زهد الإمامعليهالسلام ، فقد كانت الدنيا لا تساوي شسع نعله.
ثالثا ـ أشارت هذه الكلمة إلى شجاعة الإمام ، وأنّه لا يساويه أحد في هذه الظاهرة ، فقد كان ليثا في الحروب التي أثارتها قريش على النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقد حصد رءوس أعلامهم ، وترك الحزن والحداد في بيوتهم.
رابعا : أشار ابن عباس إلى سعة علوم الإمام ومعارفه ، وأنّه بحر لا يدرك قعره.
خامسا : ومن محتويات هذه الكلمات القيّمة أنّ الإمامعليهالسلام حكيم الحكماء ، فقد بلغ من الحكمة ما لم يبلغه أي أحد قبله ولا بعده سوى أخيه وابن عمّه الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم .
وألقى رجل من تميم على جثمان الإمام المقدّس هذه الكلمة قال :
رحمك الله يا أمير المؤمنين! فلئن كانت حياتك مفتاح خير ومغلاق شرّ ، كنت للناس علما منيرا يعرف به الهدى من الضلالة ، والخير من الشرّ ، فإنّ وفاتك
لمفتاح شرّ ، ومغلاق خير ، وأنّ فقدانك لحسرة وندامة ، ولو أنّ الناس قبلوك لأكلوا من فوق رءوسهم ومن تحت أرجلهم ، ولكنّهم اختاروا الدنيا على الآخرة فأصبحوا بعدك حيارى في سبيل المطالب ، قد غلب عليهم الشقاء ، والداء العياء ، فهم ينتقضونها كما ينتقض الحبل من برمه ، فتبّا لهم خلفا تقبّلوا سخفا ، وباعوا كثيرا بقليل ، وجزيلا بيسير ، فكرّم الله مآبك ، وضاعف ثوابك ، وعليك السلام ورحمة الله وبركاته(1) .
ألمحت هذه الكلمة إلى أنّ حياة الإمامعليهالسلام كانت مفتاح خير وشرف وكرامة للامّة العربية والإسلامية ، فقد كان هذا الإمام الملهم العظيم من مصادر الرحمة والفيض ، وكان هبة من الله لعباده ولو أنّ المسلمين حالفهم التوفيق لثنيت له الوسادة وتسلّم قيادة الامّة بعد الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم مباشرة ، ولكنّ الأضغان والأحقاد وكراهة قريش أن تجتمع النبوّة والخلافة في بيت واحد هي التي حرمت المسلمين من التمتّع بمواهب هذا الإمام وعدله.
ووقف القعقاع بن معبد بن زرارة التميمي على حافّة القبر الشريف وأخذ يصوغ من حزنه ولوعته على فقد الإمام قائلا :
رضوان الله عليك يا أمير المؤمنين! فو الله! لقد كانت حياتك مفتاح خير ، ولو أنّ الناس قبلوك لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ولكنّهم غمطوا النعمة ، وآثروا الدنيا على الآخرة(2) .
إنّ حياة الإمام مصدر هداية ورحمة وخير إلى الناس أجمعين ، ولو أنّ الأمور
__________________
(1) مقتل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ـ ابن أبي الدنيا : 109.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 : 203.
استقامت للإمام بعد وفاة الرسولصلىاللهعليهوآلهوسلم لعمّ الخير ، وسادت القيم التي جاء بها الإسلام ، وما مني المسلمون بالكوارث والخطوب.
ولمّا انتهى نعي الإمامعليهالسلام إلى أبي الأسود الدؤلي ، وتقلّد الإمام الحسنعليهالسلام للخلافة خطب خطبة بليغة أبّن فيها الإمام ، وأشاد بولده الإمام الحسنعليهالسلام ، وكان من بنود خطبته ما يلي :
إنّ رجلا من أعداء الله المارقة عن دينه اغتال أمير المؤمنين عليّا ـ كرّم الله وجهه ومثواه ـ في مسجده وهو خارج لتهجّده في ليلة يرجو فيها مصادفة ليلة القدر ، فقتله فيها ، لله من قتيل! وأكرم به وبمقتله وروحه! من روح عرجت إلى الله تعالى بالبرّ والتقوى والإيمان والإحسان ، لقد أطفئ منه نور الله في أرضه ، لا يبين بعده أبدا فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ، وعند الله نحتسب مصيبتنا بأمير المؤمنين.
ثمّ بكى حتى اختلفت أضلاعه ، وقال :
ثمّ أوصى بالإمامة بعده إلى ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم وابنه وسليله ، وشبيهه في خلقه وهديه ، وإنّي لأرجو أن يجبر الله به ما وهى ، ويسدّ به ما انثلم ، ويجمع به الشمل ويطفئ به نيران الفتنة ، فبايعوه.
فبايعته الشيعة ، وتوقّف عن بيعته من كان يرى رأي العثمانية ، ورثى أبو الأسود الإمام بهذه الأبيات :
ألا أبلغ معاوية بن حرب |
فلا قرّت عيون الشّامتينا |
|
أفي شهر الصّيام فجعتمونا |
بخير النّاس طرّا أجمعينا؟ |
|
قتلتم خير من ركب المطايا |
وخيّسها(1) ومن ركب السّفينا |
__________________
(1) خيسها : أي راضها وذللها.
ومن لبس النّعال ومن حذاها |
ومن قرأ المثاني والمئينا(1) |
|
لقد علمت قريش حيث حلّت |
بأنّك خيرها حسبا ودينا(2) |
وأشاد أبو الأسود بمكانة الإمامعليهالسلام ، ووسم من اغتاله بأنّه عدوّ الله ، وأنّ قتله أعظم كارثة مدمّرة مني بها العالم الإسلامي ، فيا له من قتيل لا شبيه له في مثله وتقواه!
وأبّنته السيّدة أمّ العريان التي تمثّل لوعتها وحزنها على فقيد الإسلام وهي :
ألا يا خير من ركب المطايا |
وذلّلها ومن ركب السّفينا |
|
يقيم الحدّ لا يرتاب فيه |
ويقضي بالفرائض مستبينا |
|
كأنّ النّاس مذ فقدوا عليّا |
نعام جال في بلد سنينا |
|
فلا تشمت معاوية بن حرب |
فإنّ بقيّة الخلفاء فينا |
|
وكنّا قبل مقتله بخير |
نرى مولى رسول الله فينا(3) |
وحكت هذه الأبيات الحزن العميق لهذه السيّدة على فقد الإمام الذي أقام حدود الله من غير ارتياب أو شكّ ، وأنّ الناس لمّا فقدوه كأنّهم أنعام فقدت راعيها ، كما ناشدت معاوية أن لا يشمت بقتل الإمامعليهالسلام ، فإنّ بقيّة النبوّة موجودة في نجليه وهما الحسن والحسينعليهماالسلام .
وأبّنه أبو بكر بن حمّاد بهذه الأبيات :
__________________
(1)المثاني : فاتحة الكتاب. المئينا : مجموع القرآن.
(2) مؤلّفو الشيعة في صدر الإسلام : 23 ـ 24 ، نقلا عن حياة الحيوان للدميري.
(3) مقتل الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : 110.
وهزّ عليّ بالعراقين لحية |
مصيبتها جلّت على كلّ مسلم |
|
فقال : سيأتيها من الله حادث |
ويخضبها أشقى البريّة بالدّم |
|
فباكره بالسّيف ـ شلّت يمينه |
لشؤم قطام عند ذاك ابن ملجم |
|
فيا ضربة من خاسر ضلّ سعيه |
تبوّأ منها مقعدا في جهنّم |
|
ففاز أمير المؤمنين بحظّه |
وإن طرقت فيها الخطوب بمعظم(1) |
ورثي الإمامعليهالسلام بهذه القصيدة ، وقد اختلف الرواة في ناظمها ، فقيل : إنّها للسيّدة أمّ كلثوم بنت الإمامعليهالسلام .
وقيل : إنّها لأمّ الهيثم بنت العريان الخثعمية.
وقيل : إنّها لأبي الأسود الدؤلي ، وهذا نصّها :
ألا يا عين جودي واسعدينا |
ألا فابكي أمير المؤمنينا |
|
وتبكي أمّ كلثوم عليه |
بعبرتها وقد رأت اليقينا |
|
ألا قل للخوارج حيث كانوا |
فلا قرّت عيون الحاسدينا |
|
وأبكي خير من ركب المطايا |
وفارسها ومن ركب السّفينا |
|
ومن لبس النّعال ومن حفاها |
ومن قرأ المثاني والمئينا |
|
ومن صام الهجير وقام ليلا |
وناجى الله خير الخالقينا(2) |
والقصيدة كلّها على هذا السمت ، وهي تضارع الشعر الشعبي ، وقد تليت في الجامع الأعظم في الكوفة ، فاهتزّ الجامع ببكاء الكوفيّين وصراخهم ، وقد أسفوا كأشدّ ما يكون الأسف على خذلانهم للإمام ، وعصيانهم لأوامره.
__________________
(1) مقتل الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام : 110.
(2) بحار الأنوار 42 : 299.
وممّن أبّن الإمام الشاعر بكر بن حسّان ، فقد أبّنه بهذه القصيدة :
قل لابن ملجم ـ والأقدار غالبة |
هدّمت للدّين والإسلام أركانا |
|
قتلت أفضل من يمشي على قدم |
وأفضل النّاس إسلاما وإيمانا |
|
وأعلم النّاس بالقرآن ثمّ بما |
سنّ الرّسول لنا شرعا وتبيانا |
|
صهر النّبيّ ومولاه وناصره |
أضحت مناقبه نورا وبرهانا |
|
وكان منه على رغم الحسود له |
مكان هارون من موسى بن عمرانا |
|
ذكرت قاتله والدّمع منحدر |
فقلت سبحان ربّ العرش سبحانا! |
|
قد كان يخبرنا أن سوف يخضبها |
قبل المنيّة أشقاها وقد كانا |
|
إنّي لأحسبه ما كان من بشر |
يخشى المعاد ولكن كان شيطانا |
|
أشقى مراد إذا عدّت قبائلها |
و أخسر النّاس عند الله ميزانا |
|
كعاقر النّاقة الاولى الّتي حلبت |
على ثمود بأرض الحجر خسرانا |
|
فلا عفا الله عنه ما تحمّله |
ولا سقى قبر عمران بن حطّانا |
|
لقوله في شقيّ ظلّ مجترما |
ونال ما ناله ظلما وعدوانا |
|
« يا ضربة من تقيّ أراد بها |
إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا » |
|
بل ضربة من غويّ أورثته لظى |
مخلّدا قد أتى الرّحمن غضبانا |
|
كأنّه لم يرد قصدا بضربته |
إلاّ ليصلى عذاب الخلد نيرانا(1) |
وحكت هذه الأبيات توجّع بكر بن حسّان وأساه على اغتيال الإمام ، وأنّ ابن ملجم قد هدم الدين والإسلام بقتله للإمام الذي هو أفضل الناس بعد النبيّصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكان منه بمنزلة هارون من موسى ، وأنّ الإمامعليهالسلام قد أعلن غير مرّة أن كريمته
__________________
(1) نور الأبصار ـ الشبلنجي : 108.
الشريفة سوف تخضّب من دم رأسه ، يخضّبها أشقى الأوّلين والآخرين.
وشجب بكر بهذه الأبيات مدح عمران بن حطّان الرقاشي لابن ملجم الخارجي وثناءه عليه بقوله :
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها |
إلاّ ليبلغ من ذي العرش رضوانا |
|
إنّي لأذكره يوما فأحسبه |
أوفى البريّة عند الله ميزانا |
إنّ العقول المتخلّفة عند الخوارج قد استباحت كلّ ما حرّم الله تعالى من إثم ، فقد استحلّت دم الإمامعليهالسلام الذي هو نفس رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وحامي الإسلام ، والمجاهد الأوّل الذي حطّم الأصنام والأوثان.
وقد أثارت أبيات عمران بن حطّان سخط الأخيار ، والمتحرّجين في دينهم ونقموا عليه ، وقد ردّ عليه القاضي أبو الطيّب طاهر بن عبد الله الشافعي بقوله :
إنّي لأبرأ ممّا أنت قائله |
عن ابن ملجم الملعون بهتانا |
|
يا ضربة من شقيّ ما أراد بها |
إلاّ ليهدم للإسلام أركانا |
|
إنّي لأذكره يوما فألعنه |
دينا وألعن عمرانا وحطّانا! |
|
عليه ثمّ عليه الدّهر متّصلا |
لعائن الله إسرارا وإعلانا |
|
فأنتما من « كلاب النّار »! جاء به |
نصّ الشّريعة برهانا وتبيانا |
|
عليكما لعنة الجبّار ما طلعت |
شمس وما أوقدوا في الكون نيرانا(1) |
ومن المؤسّف أنّ البخاري في صحيحه يروي عن هذا الأثيم عمران بن حطّان الخارجي ويتحرّج من الرواية عن أئمّة الهدى ، ومصابيح الإسلام.
__________________
(1) نور الأبصار ـ الشبلنجي : 217.
ولمّا سمع ابن هند بقتل الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام طار فرحا ، فقد تمّت بوارق آماله ، وصفا له الملك ، واستوسقت له الامور ، وظفر بما أراده من الكيد للإسلام ، واستعباد المسلمين ، وإرغامهم على الذلّ والعبودية لسلطانه ، وقد اتّخذ يوم قتل الإمام عيدا رسميا(1) لا في دمشق فحسب وإنّما في عموم البلاد الإسلامية الخاضعة لنفوذه.
وكتب معاوية إلى ابن العاص يهنّيه بقتل الإمامعليهالسلام ، ورسم في أسفل كتابه هذه الأبيات :
وقتلك وأسباب الامور كثيرة |
منيّة شيخ من لؤي بن غالب |
|
فيا عمرو مهلا إنّما أنت عمّه |
وصاحبه دون الرجال الأقارب |
|
نجوت وقد بل المرادي سيفه |
من ابن أبي شيخ الأباطح طالب |
|
ويضربني بالسيف آخر مثله |
وكانت عليه تلك ضربة لازب |
|
وأنت تناغي كلّ يوم وليلة |
بمصرك بيضا كالظباء السوارب(2) |
لقد وقعت الامّة فريسة بعد مصرع الإمام بأيدي الامويّين فراحوا يسومونها سوء العذاب ، ويرغمونها على الذلّ والعبودية.
ومن المؤسف حقّا أنّ معاوية قد سلم من اغتيال الخوارج فقد ضربه البرك على أليته فاستدعى طبيبا فقال له :
أمّا أن أحمي لك حديدة فأكويك بها ، أو أسقيك شربة ينقطع بها نسلك ...
فقال له معاوية : لا طاقة لي بالحديد ، وفي عبد الله ويزيد ما يغنيني ، اسقني
__________________
(1) حياة الإمام الحسينعليهالسلام 2 : 109.
(2) نور الأبصار : 210.
الشربة ، فسقاه وبرأ ...
وجيء له بالبرك الذي ضربه ، فقال له :
البشارة قتل عليّ في هذه الساعة.
فقال معاوية : وكيف ذاك؟
فأخبره بالمؤامرة التي استهدفت الإمام وابن العاص ، فلم يعن به ، وقطع يديه ورجليه وبعد هذه الحادثة أمر معاوية باتّخاذ المقصورة ، وجعل خلفه حارسا عند ما يصلّي(1) ، وكذلك نجا ابن العاص فإنّه لم يصل في تلك الليلة لأنّه قد اشتكى علّة ، وأقام خارجة مقامه في الصلاة فعمد الخارجي إلى قتله ظانّا أنّه ابن العاص فقيل له :
أما قتلت عمروا؟
بل قتلت خارجة.
وفي ذلك يقول الشاعر :
وليتها إذ فدت عمرو الخارجة |
فدت عليّا بما شاءت من البشر |
ولما انتهى خبر مقتل الإمام إلى عائشة فقدت إهابها من الفرح والسرور ، وراحت تقول :
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى |
كما قرّ عينا بالإياب المسافر |
ثمّ استشهدت ببيت آخر :
فإن يك نائبا فلقد نعاه |
ناع ليس في فيه التراب(2) |
__________________
(1) الكامل للمبرّد 3 : 144.
(2) جواهر المطالب 2 : 104 ـ 105.
فأنكرت عليها زينب بنت أبي سلمة وقالت لها :
بمثل هذا تقولين لعليّ؟
فندمت وقالت :
إذا نسيت فذكّروني.
وبادرت عائشة قائلة.
من قتله؟
رجل من مراد.
فهزّت أعطافها فرحا وقالت :
ربّ قتيل لله ، بيدي رجل من مراد(1) !
وبهذا ـ الحمد لله ـ ينتهي بنا المطاف عن هذه الموسوعة التي تلقي الأضواء على حياة إمام المتقين ، وبطل الإسلام ، والمحامي عن رسول اللهصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهي ـ بكلّ تأكيد ـ لا تلم بحياته ، ولا تحيط بمآثره وفضائله ، فإنّ الإحاطة الكاملة بسيرته ، وسائر شئونه أمر بعيد المنال.
__________________
(1) الموفقيّات : 31.
المصادر
القرآن الكريم
أ
الآداب الشرعية والمنح المرعية |
شمس الدين الحنبلي |
أبو طالب وبنوه |
محمّد علي آل السيّد عليخان |
اتّجاهات الشعر العربي |
محمّد مصطفى هدارة |
أثر التشيّع في الأدب العربي |
محمّد سيّد الكيلاني |
أحاديث أمّ المؤمنين عائشة |
مرتضى العسكري |
الاحتجاج |
الطبرسي |
الأحكام السلطانية |
للماوردي |
أحكام القرآن |
الجصّاص |
أخبار القضاة |
وكيع القاضي |
الأخبار الطوال |
الدينوري |
أخلاق حملة القرآن |
أبي بكر البغدادي |
الإدارة الإسلاميّة |
محمّد كرد علي |
أدب الدنيا والدين |
الماوردي |
الأذكياء |
ابن الجوزي |
الارشاد |
الشيخ المفيد |
الارشاد في اصول الاعتقاد |
الجويني |
إرشاد القلوب |
الديلمي |
أسباب النزول |
أبو الحسن الواحدي النيسابوري |
اسبوع الإمام |
مجموعة من الكتّاب |
الاستبصار |
الشيخ الطوسي |
الاستيعاب |
ابن عبد البرّ المالكي |
اسد الغابة |
ابن الأثير |
أسنى المطالب في نجاة أبي طالب |
أحمد زيني دحلان |
الاشتقاق |
الأصمعي |
الاصابة |
ابن حجر العسقلاني |
الاصول العامّة |
السيّد محمّد تقي الحكيم |
اصول الكافي |
الشيخ الكليني |
أضواء على دعاء كميل |
عزّ الدين بحر العلوم |
أضواء على السنّة المحمّدية |
الشيخ محمود أبو رية |
إكمال الدين |
الشيخ الصدوق |
الاعجاز والايجاز |
الثعالبي |
أعلام النساء |
رضا عمر كحالة |
إعلام الورى |
الطبرسي |
أعيان الشيعة |
السيّد محسن العاملي |
الأغاني |
أبو فرج الأصفهاني |
الأمالي |
أبو علي القالي |
أمالي الصدوق |
الشيخ الصدوق |
أمالي الطوسي |
الشيخ الطوسي |
أمالي المرتضى |
السيّد المرتضى |
أمالي المفيد |
الشيخ المفيد |
الإمام الحسين عليهالسلام |
العلائلي |
الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام |
عبد الفتاح مقصود |
الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانيّة |
جورج جرداق |
الإمامة والسياسة |
ابن قتيبة |
إمتاع الأسماع |
المقريزي |
الامتاع والمؤانسة |
أبو حيان التوحيدي |
الأموال |
أبو عبيد قاسم بن سلام |
انباه الرواة |
الزبيدي |
أنساب الأشراف |
البلاذري |
إنسان العيون |
عليّ بن إبراهيم الحلبي |
إيضاح الوقف والابتداء |
محمّد بن قاسم الأنباري |
إيمان أبي طالب |
الشيخ المفيد |
( ب )
بحار الأنوار |
المجلسي |
البداية والنهاية |
ابن كثير |
بستان الرازي |
محمّد الرازي |
بصائر الدرجات |
محمّد بن الحسن الصفّار |
البصائر والذخائر |
أبو حيّان التوحيدي |
بلاغات النساء |
ابن طيفور |
البلد الأمين |
إبراهيم بن عليّ الكفعمي |
بهجة المجالس |
يوسف بن عبد البرّ |
البيان والتبيين |
الجاحظ |
( ت )
تاج العروس |
الزبيدي |
تاريخ ابن خلدون |
عبد الرحمن بن محمّد |
تاريخ ابن عساكر |
علي بن حسن بن عساكر |
تاريخ ابن كثير |
ابن كثير |
تاريخ أبي الفداء |
إسماعيل بن عليّ عماد الدين |
تاريخ بغداد |
الخطيب أحمد بن علي البغدادي |
تاريخ الخميس |
الحسين بن محمّد الدياربكري |
تاريخ دمشق |
ابن عساكر |
تاريخ الشعر العربي |
نجيب محمّد |
تاريخ الطبري |
محمّد بن جرير الطبري |
تاريخ العراق في ظلّ الحكم الأموي |
عليّ حسني الخربوطلي |
تاريخ اليعقوبي |
أحمد بن واضح اليعقوبي |
تبصرة الحكّام |
إبراهيم بن فرحون اليعمري |
تحف العقول |
حسن بن شعبة |
تحفة المحتاج |
النووي |
تذكرة الخواص |
ابن الجوزي |
تصنيف نهج البلاغة |
لبيب بيضون |
تفسير ابن كثير |
إسماعيل بن كثير القرشي |
تفسير الإمام العسكري عليهالسلام |
المنسوب إلى الإمام العسكريعليهالسلام |
تفسير البرهان |
السيّد هاشم البحراني |
تفسير البيضاوي |
عبد الله بن عمر البيضاوي |
تفسير الجلالين |
جلال الدين السيوطي |
تفسير الحقائق |
عثمان بن علي الزيلعي |
تفسير روح البيان |
إسماعيل حقّي البروسوي |
تفسير روح المعاني |
الآلوسي |
تفسير الصافي |
الفيض الكاشاني |
تفسير الطبري |
محمّد بن جرير الطبري |
تفسير القمّي |
عليّ بن إبراهيم القمّي |
تفسير العيّاشي |
محمّد بن مسعود العيّاشي |
تفسير فرات |
فرات بن إبراهيم الكوفي |
تفسير القرطبي |
محمّد بن أحمد القرطبي |
تفسير الكبير |
الفخر الرازي |
تفسير الكشّاف |
محمود بن عمر الزمخشري |
تفسير النعماني |
محمّد بن زينب النعماني |
تمام المتون |
خليل بن ايبك الصفدي |
التمثيل والمحاضرة |
الثعالبي |
التنبيه والأشراف |
المسعودي |
التوحيد |
الشيخ الصدوق |
تهذيب الأحكام |
الشيخ الطوسي |
تهذيب الأسماء واللغات |
النووي |
تهذيب تاريخ ابن عساكر |
عبد القادر بدران |
تهذيب التهذيب |
ابن حجر العسقلاني |
( ث )
ثمرات الأوراق |
أبو بكر بن عليّ الحموي |
ثواب الأعمال |
الشيخ الصدوق |
( ج )
جامع الاصول |
مبارك بن محمّد بن الأثير |
جامع البيان |
محمّد بن جرير الطبري |
جامع السعادات |
النراقي |
جامع العلوم في اصطلاحات الفنون |
عبد النبيّ أحمد |
الجامع الكبير |
السيوطي |
جمال الاسبوع |
ابن طاوس |
جمع الجوامع |
السيوطي |
الجمل |
محمّد بن زكريا |
جمهرة أشعار العرب |
أبو زيد القرشي |
جمهرة رسائل العرب |
أحمد زكي صفوت |
جواهر المطالب في مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب عليهالسلام |
( خ ) شمس الدين أبو البركات |
( ح )
الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري |
آدم متز |
الحضارة العربية الإسلاميّة |
الدكتور الخربوطلي |
الحقّ المبين في أحكام قضاء أمير المؤمنين عليهالسلام |
ذبيح الله محلاتي |
حقيقة الإسلام واصول الحكم |
محمّد بخيت المطيعي |
حلية الاولياء |
أبو نعيم الأصفهاني |
الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة |
محمّد حسين الزبيدي |
حياة الإمام أمير المؤمنين عليهالسلام |
السيّد محمّد صادق الصدر |
حياة الإمام الحسن بن عليّ عليهماالسلام |
للمؤلّف |
حياة الإمام الحسين بن عليّ عليهماالسلام |
للمؤلّف |
حياة الإمام رضا عليهالسلام |
للمؤلّف |
حياة الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام |
محمّد حبيب الله الشنقيطي |
حياة الإمام محمّد المهدي عليهالسلام |
للمؤلّف |
حياة الإمام موسى بن جعفر عليهالسلام |
للمؤلّف |
حياة الحيوان |
الدميري |
( خ )
الخراج |
يحيى بن آدم القرشي |
خزانة الأدب |
الشيخ عبد القادر البغدادي |
الخصائص الكبرى |
السيوطي |
الخصائص |
النسائي |
الخصال |
الشيخ الصدوق |
الخطابة في صدر الإسلام |
محمّد طاهر درويش |
خطط الخلافة |
ماسينيون |
( د )
الدرجات الرفيعة |
سيّد علي خان المدني |
الدرر اللامعة في الأحاديث الجامعة |
محمّد باقر الأبطحي |
الدرّ المنثور |
لجلال الدين السيوطي |
الدروس |
محمّد بن جمال الدين العاملي ( الشهيد الأوّل ) |
درّة الناصحين |
عثمان بن حسن الخويري |
دعائم الإسلام |
أبو حنيفة المغربي |
دلائل الصدق |
الشيخ المظفّر |
ديوان ابن معتزّ |
عبد الله بن المعتزّ |
ديوان بولس سلامة |
بولس سلامة |
ديوان الجواهري |
محمّد مهدي الجواهري |
ديوان الحميري |
إسماعيل بن محمّد الحميري |
ديوان العمري |
عبد الباقي العمري |
( ذ )
ذخائر العقبى |
محبّ الدين الطبري |
الذريعة |
العلاّمة آقا بزرگ الطهراني |
ذيل الأمالي |
إسماعيل بن القاسم القالي |
( ر )
ربيع الأبرار |
الزمخشري |
رجال الكشيّ |
محمّد بن عمر الكشيّ |
رجال النجاشي |
أحمد بن عليّ بن العبّاس النجاشي |
رسائل الجاحظ |
الجاحظ |
روح الإسلام |
السيّد مير عليّ الهندي |
الروض المعطار |
محمّد عبد المنعم الحميري |
روضات الجنّات |
محمّد باقر الخوانساري |
روضة الكافي |
الشيخ الكليني |
روضة الواعظين |
الفتّال النيسابوري |
الرياض النضرة |
محبّ الدين الطبري |
( ز )
زهر الآداب |
إبراهيم القيرواني |
الزينة في الكلمات الإسلاميّة العربيّة |
أبو الحاتم الرازي |
( س )
سفينة البحار |
الشيخ عبّاس القمّي |
سموّ المعنى في سموّ الذات |
العلائلي |
سنن ابن ماجة |
ابن ماجة |
سنن أبي داود |
أبو داود |
سنن البيهقي |
البيهقي |
سنن الترمذي |
الترمذي |
سنن النسائي |
النسائي |
سير أعلام النبلاء |
محمّد بن أحمد الذهبي |
السيرة الحلبية |
الحلبي |
السيرة النبوية |
ابن هشام |
( ش )
شرح الأخبار في فضائل الأئمّة الأطهار |
أبو حنيفة التميمي المغربي |
شرح الأزرية |
أحمد معتوق |
شرح خريدة الغيبية في شرح القصيدة العينية |
أبو البركات أحمد الدردير |
شرح نهج البلاغة |
ابن أبي الحديد |
شيخ المضيرة |
الشيخ محمود أبو رية |
( ص )
صبح الأعشى |
أحمد بن عليّ القلقشندي |
صحاح الجوهري |
إسماعيل بن حمّاد الجوهري |
صحيح البخاري |
البخاري |
صحيح الترمذي |
الترمذي |
صحيح مسلم |
مسلم النيسابوري |
الصحيفة العلوية الاولى |
عبد الله السماهيجي |
الصحيفة العلوية الثانية |
المحدّث النوري |
صفوة الصفوة |
ابن الجوزي |
صفّين |
محمّد بن زكريا |
الصناعتين |
أبو هلال العسكري |
الصواعق المحرقة |
ابن حجر العسقلاني |
( ض )
ضحى الإسلام |
أحمد أمين |
( ط )
طبقات فحول الشعراء |
ابن سلام |
الطبقات الكبرى |
ابن سعد |
الطرق الحكمية في السياسة الشرعية |
ابن القيم الجوزيّة |
( ع )
عبقرية الإمام عليّ |
العقّاد |
عبقرية الشريف الرضي |
زكي مبارك |
عجائب أحكام أمير المؤمنين عليهالسلام |
السيّد محسن الأمين |
العصبية القبلية |
إحسان النصّ |
عقد الدرر |
يوسف بن يحيى السلمي |
العقد الفريد |
ابن عبد ربّه الأندلسي |
العقد المفصل |
أبو الحسين السيّد حيدر |
العقيدة والشريعة في الإسلام |
أجناس جولد تسهر |
علل الشرائع |
محمّد بن عليّ بن بابويه |
العلم |
أبو خيثمة النسائي |
عليّ بن أبي طالب بقيّة النبوّة وخاتم الخلافة |
عبد الكريم الخطيب |
عليّ والخلفاء |
نجم الدين العسكري |
عليّ وبنوه |
طه حسين |
عيون الأثر |
ابن سيّد ناس |
عيون الأخبار |
ابن قتيبة |
عيون أخبار الرضا عليهالسلام |
محمّد بن عليّ بن بابويه |
( غ )
الغارات |
إبراهيم بن محمّد الثقفي |
غاية المرام |
السيّد هاشم البحراني |
الغدير |
العلاّمة الأميني |
الغرر والدرر |
الآمدي |
الغلوّ والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية |
عبد الله سلوم السامرائي |
( ف )
فتح الباري |
ابن حجر العسقلاني |
الفتنة الكبرى |
طه حسين |
فتوح البلدان |
البلاذري |
فرائد السمطين |
إبراهيم محمّد الجويني الخراساني |
الفروسية |
ابن الجوزي |
فروع الكافي |
الشيخ الكليني |
الفروق |
أحمد بن إدريس القرافي |
فصل الخطاب |
الميرزا حسين النوري |
الفصول المختارة |
السيّد المرتضى |
الفصول المهمّة |
ابن الصبّاغ المالكي |
الفضائل |
ابن شاذان |
فضائل الخمسة من الصحاح الستّة |
الفيروزآبادي |
فضائل الصحابة |
ابن حنبل |
فوات الوفيات |
محمّد بن شاكر الكتبي |
فيض القدير |
المناوي |
( ق )
القاموس الإسلامي |
أحمد عطية الله |
قرب الإسناد |
الحميري |
قضاء أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام |
الشيخ التستري |
القواعد والفوائد |
محمّد بن جمال الدين العاملي ( الشهيد الأوّل ) |
( ك )
الكامل |
المبرد |
كامل الزيارات |
جعفر بن محمّد بن قولويه |
الكامل في تاريخ |
ابن الأثير |
كشف الغمّة |
عليّ بن عيسى الأربلي |
الكشكول |
البحراني |
الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء |
الإمام شرف الدين |
كفاية الطالب في مناقب عليّ بن أبي طالب |
محمّد بن يوسف القرشي الكنجي |
كميل بن زياد النخعي |
الهاشمي الخطيب |
كنز العمّال |
المتّقي الهندي |
كنوز الحقائق |
المناوي |
الكنى والألقاب |
الشيخ عبّاس القمّي |
( ل )
لسان العرب |
ابن منظور |
لسان الميزان |
ابن حجر |
لطائف المعارف |
الثعالبي |
اللمعة الدمشقية |
محمّد بن جمال الدين العاملي ( الشهيد الأوّل ) |
( م )
مآثر الأناقة في معالم الخلافة |
أحمد بن عبد الله القلقشندي |
مالك الأشتر |
محمّد رضا الحكيم |
المتين في تاريخ أمير المؤمنين عليهالسلام |
مظهر حسن هندي |
مجالس ثعلب |
أحمد بن يحيى ثعلب |
المجالس السنيّة |
السيّد محسن الأمين |
مجمع الأمثال |
الميداني |
مجمع البحرين |
الطريحي |
مجمع البيان |
الطبرسي |
مجمع الزوائد |
الهيثمي |
المحاسن |
البرقي |
المحبّر |
محمّد بن حبيب البغدادي |
محاكمة في القضاء |
محمّد حسين الحسني |
المحلى |
ابن حزم الأندلسي |
المحن |
محمّد بن أحمد بن تميم المغربي |
المختار من كتاب عيون الأخبار |
أحمد بن عبد الحليم البردوي |
مختصر تاريخ العرب |
أمير عليّ |
المراجعات |
الإمام شرف الدين |
مروج الذهب |
المسعودي |
مستدرك الحاكم |
محمّد بن عبد الله حاكم النيشابوري |
مسند أبي داود |
سليمان بن داود |
مسند أبي عوانة |
يعقوب بن إسحاق النيشابوري |
مسند أحمد بن حنبل |
أحمد بن حنبل |
مسند الإمام زيد |
الإمام زيد بن عليّ |
مسند الإمام عليّ عليهالسلام |
الحضرمي |
مشكل الآثار |
أحمد بن محمّد الطحاوي |
مصابيح السنّة |
حسين بن مسعود البغوي |
مصادر نهج البلاغة |
إبراهيم النعمة |
مصادر نهج البلاغة وأسانيده |
السيّد عبد الزهراء الحسيني |
المعارف |
ابن قتيبة |
معجم ابن الاعرابي |
أحمد بن محمّد الاعرابي |
معجم الادباء |
ياقوت الحموي |
معجم البلدان |
ياقوت الحموي |
معجم رجال الحديث |
السيّد الخوئي |
المعجم الكبير |
الطبراني |
معجم ما استعجم |
البكري الأندلسي |
معجم متن اللغة |
أحمد إبراهيم رضا |
معرفة الصحابة |
أحمد بن عبد الله الأصفهاني |
المغازي |
محمّد بن عمر الواقدي |
مفتاح السعادة ومصباح السيادة |
محمّد تقي النقوي |
المفصّل في تأريخ العرب قبل الإسلام |
جواد علي |
مقاتل الطالبيّين |
أبو الفرج الأصفهاني |
مقتل الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهالسلام |
عبد الله بن أبي الدنيا |
مقتل الحسين عليهالسلام |
الخوارزمي |
المقنع |
الشيخ الصدوق |
المكاسب المحرّمة |
الشيخ الأنصاري |
ملحمة الفرطوسي |
الفرطوسي |
الملل والنحل |
الشهرستاني |
المناقب |
الموفّق بن أحمد الخوارزمي |
مناقب أبي حنيفة |
الخوارزمي |
مناقب أحمد |
أحمد بن حنبل |
مناقب آل أبي طالب |
ابن شهرآشوب |
المناقب والمثالب ( خ ) |
أبو حنيفة المناقب |
والمثالب |
القاضي نعمان المصري |
المنتقى |
سليمان بن خلف الباجي |
منتهى الآمال |
الشيخ عبّاس القمّي |
من لا يحضره الفقيه |
الشيخ الصدوق |
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة |
الشيخ إبراهيم الخوئي |
مواهب الرحمن |
السيّد السبزواري |
المواهب اللدنية |
القسطلاني |
الموطأ |
مالك بن أنس |
الموفّقيات |
الزبير بن بكّار |
مؤلّفو الشيعة في صدر الإسلام |
الإمام شرف الدين |
مهج الدعوات |
ابن طاوس |
ميزان الاعتدال |
الذهبي |
الميزان في تفسير القرآن |
السيّد الطباطبائي |
( ن )
النجوم الزاهرة |
ابن تغري بردى |
نزهة المجالس |
عبد الرحمن الصفوري |
نصرة الثائر على المثل السائر |
صلاح الدين الصفدي |
النصّ والاجتهاد |
الإمام شرف الدين |
نظام الحكم والإدارة في الإسلام |
للمؤلّف |
النظم الإسلاميّة |
ديمومييني موريس |
نفحة اليمن |
الشيخ أحمد اليمني الشيرواني |
نور الأبصار |
الشبلنجي |
نور القبس المختصر من المقتبس |
محمّد بن عمران المرزباني |
نهاية الإرب في فنون الأدب |
أحمد النويري |
نهج البلاغة |
صبحي الصالح |
نهج البلاغة |
محمّد عبده |
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة |
محمّد باقر المحمودي |
( و )
وسائل الشيعة |
الحرّ العاملي |
وقعة صفّين |
نصر بن مزاحم المنقري |
الولاة والقضاة |
محمّد بن يوسف الكندي |
وفيات الأعيان |
ابن خلّكان |
( هـ )
الهاشميات |
الكميت |
هذه هي الشيعة |
للمؤلّف |
( ي )
ينابيع المودّة |
القندوزي |
المحتويات
تقديم 5
حكومة الإمام عليهالسلام 9
رفض الإمام للخلافة :11
مؤتمر القوّات المسلّحة :12
قبول الإمام :14
البيعة :15
ابتهاج المسلمين :16
تأييد الصحابة :17
1 ـ ثابت بن قيس :17
2 ـ خزيمة بن ثابت :17
3 ـ صعصعة بن صوحان :18
4 ـ مالك الأشتر :18
5 ـ عبد الرحمن الجمحي :19
6 ـ عقبة بن عمرو :19
الوفود المهنّئة :20
1 ـ وفد اليمن :20
2 ـ قبائل همدان :21
3 ـ وفد جهينة :21
4 ـ وفد بجيلة :21
الدعاء على المنابر للإمام :21
وجوم القرشيّين :22
القعّاد :24
مصادرة الأموال المنهوبة :26
عزل الولاة :28
سياسته الداخلية :28
المساواة :28
المواساة :29
إلغاء التفاخر بالآباء :30
منع الشطرنج :30
نهيه عن الجلوس في الطريق :30
حرقه لمحلاّت الخمر :31
إحداثه للسجن :31
انشاؤه بيتا للمظالم :31
شرطة الخميس :31
مع رجل طويل الذيل :32
تقديمه لقنبر عليه :32
أمره بكتابة الحوائج :32
مدير شرطة الإمام :33
كاتبه :33
الصراحة والصدق :33
إلغاء المهرجانات الشعبية :35
إقامة الحدّ على النجاشي :35
سياسته المالية :36
توزيع المال :36
المساواة في العطاء :38
احتياطه في أموال الدولة :39
الانتاج الزراعي :40
الحرية :41
الحرية السياسية :41
الرقابة على السوق :43
1 ـ مع التجّار :44
2 ـ مع القصّابين :44
3 ـ مع غالب بن صعصعة :44
مع مجنون :44
مع أهل الكوفة :45
في سوق الإبل :45
عدم شرائه ممّن يعرفه :45
حرب الجمل 47
السيّدة عائشة :50
موقفها من بيعة الإمام :51
خطاب عائشة بمكّة :53
دوافع تمرّدها :54
عائشة مع أمّ سلمة :56
مؤتمر مكّة :58
مقرّرات المؤتمر :59
خديعة معاوية للزبير وطلحة :59
تجهيز الجيش بالأموال :60
الزحف إلى البصرة :61
شراء عسكر :61
ماء الحوأب :62
في ربوع البصرة :64
أبو الأسود مع الزبير :65
أبو الأسود مع طلحة :65
خطاب والي البصرة :65
عقد هدنة بين الفريقين :66
نقض العهد :66
يوم الجمل الأصغر :67
النزاع على الصلاة :68
استنجاد الإمام بالكوفة :69
خطبة حجر بن عدي :71
خطبة الإمام بذي قار :72
الصحابة الذين رافقوا الإمام :75
جيش الإمام بالبصرة :78
دعوة الإمام إلى السلم :79
1 ـ صعصعة بن صوحان :79
2 ـ عبد الله بن عباس :80
الإمام مع طلحة والزبير :83
الإمام مع الزبير :84
الدعوة إلى كتاب الله :86
التهيّؤ للحرب :87
الحرب العامّة :87
ابن الزبير ومالك الأشتر :89
مصرع الزبير :90
مصرع طلحة :93
قيادة عائشة للجيش :94
عقر الجمل :96
مع عائشة :96
ضحايا الحرب :97
الإمام مع القتلى :97
العفو العامّ :99
الإمام مع عائشة :99
تسريح عائشة :100
آراء الفقهاء في حرب الجمل :102
أبو حنيفة :103
ابن حجر :103
إمام الحرمين :103
متارك حرب الجمل :104
تمرّد معاوية107
خداعه للوجوه :110
1 ـ الزبير وطلحة :110
2 ـ عبد الله بن عمر :110
3 ـ سعد بن أبي وقّاص :112
4 ـ عمرو بن العاص :113
5 ـ كتابه لأهل المدينة :116
تضليل أهل الشام :117
الرسائل المتبادلة بين الإمام ومعاوية :119
رسالة للإمام :119
جواب معاوية :119
رسالة الإمام :120
جواب معاوية :121
رسالة الإمام :121
جواب معاوية :123
ردّ الإمام على معاوية :124
رسالة من معاوية للإمام :126
ردّ الإمام :126
رسالة من الإمام لمعاوية :127
ردّ معاوية :129
جواب الإمام :129
جواب معاوية :130
ردّ الإمام :130
جواب معاوية :131
جواب الإمام :131
جواب معاوية :134
ردّ الإمام :134
رسالة معاوية للإمام :135
جواب الإمام :137
كتاب معاوية للإمام :142
ردّ الإمام :144
الاستعداد للحرب :149
رسائل الإمام لولاته :150
كتابه لمخنف بن سليم :150
رسالة الإمام إلى امراء الأجناد :151
كتابه إلى قريش :152
زحف معاوية لصفّين :154
خروج الإمام للحرب :155
احتلال جيش الإمام للفرات :156
الإمام مع الشامي :157
رسل السلام :159
1 ـ عدي بن حاتم 160
2 ـ يزيد بن قيس 161
3 ـ شبث بن ربعي :162
الاستعداد للحرب :163
تعاليم الإمام :163
دعاء الإمام :163
التحام الجيشين :164
معاوية يحرّض أصحابه على اغتيال الإمام :165
استئناف الحرب :166
الإمام يدعو معاوية للبراز :167
مبارزة الإمام لابن العاص :168
مصرع الشهيد الخالد عمّار :170
وقوع الفتنة في جيش معاوية :174
ليلة الهرير :176
خطاب الإمام :177
مهزلة رفع المصاحف :177
التحكيم :184
رسالة الإمام لابن العاص :184
وثيقة التحكيم :188
رجوع الإمام إلى الكوفة :190
اجتماع الحكمين :191
افتخار ابن العاص :196
فرح الشاميّين :197
رسالة ابن العاص لمعاوية :197
مآسي الإمام :198
تمرّد المارقين 201
استعداد الإمام لحرب معاوية :203
قتال الإمام للمارقين :205
افول دولة الحقّ 211
تفلّل جيش الإمام :214
احتلال مصر :216
الغارات على مناطق حكم الإمام :218
1 ـ الحجاز واليمن :218
2 ـ الغارة على العراق :220
عبث الخوارج :225
دعاء الإمام على نفسه :227
المأساة الخالدة231
مؤتمر مكّة :236
الأمويون واغتيال الإمام :236
الإمام مع ابن ملجم :239
الوشاية بابن ملجم :240
ابن ملجم مع قطام :240
اغتيال الإمام :242
ابن ملجم يصف ضربته للإمام :250
تجسّس الأشعث على الإمام :250
إلقاء القبض على ابن ملجم :251
أمّ كلثوم وابن ملجم :252
يأس الأطباء من الإمام :253
وصاياه الخالدة :253
الوافدون لعيادة الإمام :258
1 ـ حبيب بن عمرو :258
2 ـ الأصبغ بن نباتة :259
3 ـ عمرو بن الحمق :260
4 ـ صعصعة بن صوحان :261
5 ـ حجر بن عدي :261
6 ـ الإذن للناس لعيادته :262
الإمام يطلب اللبن :263
إقامته للإمام الحسن من بعده :263
رواية موضوعة :264
إلى الفردوس الأعلى :265
تجهيزه ودفنه :268
القصاص من ابن ملجم :268
التمثيل بابن ملجم :269
تأبين الإمام :270
1 ـ الإمام الحسن عليهالسلام :270
2 ـ صعصعة :271
3 ـ ابن عبّاس :273
4 ـ رجل من تميم :274
5 ـ القعقاع :275
6 ـ أبو الأسود الدؤلي :276
7 ـ أمّ العريان :277
8 ـ أبو بكر بن حمّاد :277
9 ـ قصيدة في تأبين الإمام :278
10 ـ بكر بن حسّان :279
سرور معاوية :281
سرور عائشة :282
المحتويات 308