سلسلة المجالس الحسينية
مختصر المصيبة الراتبة
في مقتل سيد الشهداء
1430 هـ
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على رسوله محمّد المصطفى وعلى آله المظلومين المطهّرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً..
وبعد..
فهذا الكتاب هو اختصارٌ لكتاب المصيبة الراتبة، الذي اعتاد معهد سيّد الشهداءعليهالسلام للمنبر الحسينيّ إصداره سنويّاً، ويمتاز عنه باختصار بعض فقراته بالشكل الذي لا يخلّ بسياق الأحداث والوقائع المفجعة التي جرت في اليوم العاشر من المحرّم.
والهدف الذي توخّيناه من هذا الكتاب، هو أن نضع بين أيدي الأخوة القرّاء متناً موجزاً صالحاً للاعتماد في المجالس التي لا تحتمل الإطالة في قراءة المقتل، بعد أن رأينا الحاجة الموجودة لمثل هذا المتن، وكون كتب المقاتل المطبوعة- في الغالب- تحتوي على أكثر تفاصيل ما جرى في يوم عاشوراء، ممّا بالإمكان تلخيصه وذكر أهمّ الأحداث فيه.
وإنّ غاية ما نصبو إليه، أن يكون هذا الكتاب قد ملأ هذا الفراغ وسدَّ هذه الحاجة، وكلّنا رجاء من القرّاء الأعزّاء أن يتحفونا بملاحظاتهم وانتقاداتهم البنّاءة، لنصل بهذا العمل إلى المحلّ اللائق به، وأن لا ينسونا في مجالسهم من خالص دعائهم...
اللهم اجعلنا عندك وجهاء بالحسينعليهالسلام في الدنيا والآخرة إنّك سميعٌ مجيب..
ملاحظة: مدّة المجلس 60 دقيقة
والله من وراء القصد.
معهد سيّد الشهداءعليهالسلام للمنبر الحسيني
مختصر المصيبة الراتبة
مقدّمة المجلس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأفضَلُ الصلاةِ والسلامِ على نبيِّ الرحمةِ والهدى محمَّدٍ المصطفى وآلِهِ المعصومين، أعلامِ الدينِ وقواعدِ العلمِ، الذينَ قالَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيهِمْ:
( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .
وجعلَ أجرَ نبيِّهِ محمّدٍ صلواتُهُ عليهِ وعليهمْ مودَّتَهُمْ في كتابِهِ، فقال:
( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَ المَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) .
وقال محذّراً من انقلابِ أمّتِهِ عليهِ وعليهم:
( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ ) .
والحمدُ للهِ الذي مَنَّ علينا من بينِهِمْ بسفينةِ النجاة، ومِصباحِ الهدى، الإمامِ الحسينِ بْنِ عليّعليهالسلام الذي أجمعَ المسلمون على أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم، قالَ فيه:
«حسينٌ مني وأنا من حسين».
«حسينٌ سِبْطٌ من الأسباط».
«أحبَّ الله من أحبَّ حسينا».
أعظمَ اللهُ أجورَنا بمُصابِنا بالحسينِعليهالسلام ، وجعَلَنا وإيَّاكُمْ من الطالبيَن بثارِهِ معَ الإمامِ المهديِّ من آلِ محمَّدٍ صلواتُ اللهِ عليهِ وعليهِمْ.
أعظمَ اللهُ لكُمُ الأجرَ سادتي يا رسولَ اللهِ، ويا أميرَ المؤمنينَ، ويا أبا محمَّدٍ الحسنَ المـُجتبى وأهلَ البيتِ جميعاً، وأعظمَ اللهُ لكَ الأجرَ سيِّدي يا بقيَّةَ اللهِ في الأرضِينَ صاحبَ العصرِ والزمانِ، بمُصابِ المولى أبي عبدِ اللهِ الحسينِ صلواتُ اللهِ عليه.
من قصيدةٍ للسيّد جعفر الحلّي قدس سره:
بِـأَبِي أَبيَّ الضَّيم صَالَ ومَا لَه |
إِلَّا الـمُثَقَّفُ وَالـحسامُ نـصيرُ |
|
فَهَوى عَلَيهم مِثلَ صَاعقةِ السَّمَا |
فَالرؤوسُ تسقُطُ وَالنُفوسُ تَطِيرُ |
|
حَـتَّى إِذَا نَفَذَ القَضَاءُ وَقُدِّر الـ |
مـحتومُ فِـيه وحُـتِّمَ المـَقدورُ |
|
زَجَّـتْ لَـه الأَقدارُ سهمَ مَنِيَّةٍ |
فَـهَوى لُـقىً فَانْدَكَّ ذَاكَ الطّورُ |
|
وَتَـعطَّلَ الـفُلكُ الـمُدارُ كَأنَّمَا |
هَـوَ قُـطْبُهُ وَعَـلَيهِ كَانَ يَدورُ |
|
بِـأَبِي القَتيلُ وغُسلهُ عَلَقُ الدِّمَا |
وَعَـلَيهِ مِـن أَرَجِ الثَّنا كَافورُ |
|
ظَـمآنُ يَـعتلجُ الغَليلُ بِصدرِهِ |
وتَـبَلُّ لِـلخِطيِّ مِـنه صُدُورُ |
|
وَتَحَكَّمَت بِيْضُ السُّيوفِ بِجِسمِهِ |
وَيـحَ السُّيوفِ فَحُكمُهُنَّ يَجُورُ |
|
وَغَدَتْ تَدوسُ الخَيلُ مِنهُ أَضَالِعَاً |
سِـرُّ الـنَّبي بِـطَيِّهَا مَـستُورُ |
يوم عاشوراء
لما أصبحَ الحسينُعليهالسلام يومَ عاشوراءَ وصلَّى بأصحابهِ صلاةَ الصُبحِ، قامَ خطيباً فيهِمْ، فحَمِدَ اللهَ وأَثْنى عليهِ، ثُمَّ قالْ:
«إنَّ اللهَ تعالى قد أذِنَ في قتلِكُمْ وقتلي في هذا اليوم، فعليكُمْ بالصبَّرِ والقتالْ».
ثُمَّ صفَّهُمْ للحرب وكانوا - على روايةٍ - اثنينِ وثلاثينَ فارساً وأربعين راجلاً.
فجعلَ زهيرَ بنَ القَيْنِ في الميمنةْ، وحبيبَ بنَ مُظاهِرٍ في الميسرةْ، وَثَبتَ هوَعليهالسلام في القلبْ، وأعطَى رايتَهُ العُظمى أخاهُ العباسَعليهالسلام .
وعبَّأَ عمرُ بنُ سعدٍ أصحابَهُ، وكانوا على بعضِ الرِواياتِ ثلاثينَ ألفاً، فجعَلَ عمرَو بنَ الحَجّاجِ في المَيْمَنةِ، وشِمْرَ بنَ ذي الجوشَنِ في الميسَرةْ، وعلى الخَيْلِ عَزْرَةَ بنَ قيسْ، وعلى الرَجَّالةِ شَبَثَ بنَ رِبعيّ، وأعطَى رايتَهُ ذُويداً مولاه.
ولما نظرَ الحسينُعليهالسلام إلى جمعِهِمْ كأنَّهُمُ السيلُ المنحَدِرُ، رفَعَ يديهِ بالدعاءِ قائلاً:
«أللهُمَ أنتَ ثِقتي في كلِّ كَرْب، ورَجائي في كلِّ شدَّةْ، وأنتَ لي في كلِّ أمرٍ نزَلَ بي ثِقةٌ وعُدَّةٌ، كمْ منْ همٍّ يَضْعُفُ فيهِ الفؤادُ، وتقِلُّ فيهِ الحِيلةُ، ويَخْذُلُ فيهِ الصديقُ، ويَشْمَتُ فيهِ العدُوُ، أنزلْتُهُ بكَ، وشكَوْتُهُ إليكَ، رَغْبةً مِنّي إليكَ عمَّنْ سِواكَ، ففرَّجْتَهُ وكشفتَهُ، فأنتَ وَلِيُّ كلِّ نِعمةٍ، وصاحبُ كلِّ حسنةٍ، ومنتهَى كلِّ رغبةٍ».
خطبة الحسينعليهالسلام الأولى
ثّم دعا الحسينُعليهالسلام براحلتِهِ فركِبَها، وتقدَّمَ نحوَ القومِ ونادى بأعلى صوتٍ يُسمِعُ جلَّهم:
«أيُّها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجَلُوا حتى أعِظَكُمْ بما يحِقُّ لكُمْ عليّ، وحتّى أُعْذَرَ إليكُمْ، فإنْ أعطيتُموني النَّصفَ كنتُمْ بذلكَ أسعد، وإنْ لم تُعطوني النَّصفَ من أنفسِكُمْ فأجمعِوا رأْيَكُمْ ثمّ لا يكُنْ أمرُكُمْ عليكُمْ غُمّةً. ثُمَّ اقضُوا إليَّ ولا تُنْظِرونْ، إنَّ وليِّيَ اللهُ الذي نزَّلَ الكتابَ وهو يتولَّى الصالحين».
ثم حمِدَ اللهَ وأثنى عليه وذكَرَهُ بما هو أهلُهُ وصلَّى على النبيِّ وآلهِ وعلى الملائكةِ والأنبياء.
ثم قالعليهالسلام :
«أيّها الناس: فانسِبوُني فانظُروا مَنْ أنا؟ ثُّمَ ارْجِعوا إلى أنفسِكُمْ وعاتِبوها، فانظُروا هلْ يصلُحُ لكُمْ قتلي وانتهاكُ حُرمتي؟! ألستُ ابنَ بنتِ نبيِّكُمْ، وابنَ وصيِّهِ وابنَ عمِّهِ وأوَّلَ المؤمنِينَ المصدِّقِ لرسولِ اللهِ بما جاءَ بهِ من عندِ ربِّه؟ أوليسَ حمزةُ سيّدُ الشهداءِ عمّي؟ أوليسَ جعفرٌ الطيّارُ في الجنَّةِ بجناحَيْنِ عمّي؟ أَوَلَمْ يبلُغْكُمْ ما قالَ رسولُ اللهِ لي ولأخي: هذانِ سيِّدا شبابِ أهلِ الجنَّة؟
فإن صدَّقتموني بما أقولُ وهوَ الحَقُّ، فواللهِ ما تعمَّدْتُ كَذِباً منذُ علمْتُ أنَّ اللهَ يمقُتُ عليْهِ أهلَه، وإنْ كذَّبتُمُوني فإنَّ فيكُمْ منْ إنْ سأَلتُموهُ عن ذلكَ أخبرَكُم. سلُوا جابرَ بنَ عبدِ اللهِ الأنصاري، وأبا سعيدٍ الخِدْريّ، وسهلَ بنَ سعدٍ الساعديّ، وزيدَ بنَ أرقَمْ، وأَنَسَ بنَ مالكْ، يُخْبِرُوكُمْ أنّهم سمعُوا هذهِ المقالةَ من رسولِ اللهِ إليَّ ولأخي، أَمَا في هذا حاجزٌ لكُمْ عن سفكِ دمي؟!».
ثمّ قال لهم الحسينعليهالسلام :
«فإن كنتم في شكٍّ من هذا! أفتشُكُّونَ أنّي ابنُ بنتِ نبيِّكم! فواللهِ ما بينَ المشرقِ والمغربِ ابنُ بنتِ نبيٍّ غيري فيكُمْ ولا في غيرِكُمْ. ويحَكُمْ! أتطلبونني بقتيلٍ منكم قتلتُهُ! أو مالٍ لكمُ استهلكتُهُ! أو بقِصاصِ جراحة!؟».
فأخذوا لا يكلِّمونه. فنادىعليهالسلام :
«يا شَبثَ بن ربعيّ، يا حجّارَ بنَ أبجَر، يا قيسَ بنَ الأشعث، يا يزيدَ بنَ الحارث، ألم تكتُبوا إليَّ أنْ قد أينعَتِ الثِّمارُ واخْضَرَّ الجَناب، وإنّما تُقْدِمُ على جندٍ لك مُجنَّدة؟!».
فقال له قيسُ بنُ الأشعث: ما ندري ما تقول! ولكن انَزِلْ على حُكْمِ بني عمِّك، فإنّهم لا يُرونَكَ إلا ما تحبّ!.
فقال له الحسينُعليهالسلام :
«أنت أخو أخيك، أتريدُ أن يطلبَكَ بنو هاشمٍ بأكثرَ من دمِ مسلمِ بنِ عقيل، لا واللهِ، لا أُعطيهِمْ بيدي إعطاءَ الذليلِ، ولا أُقِرُّ إقرارَ العبيد. عبادَ اللهِ، إنيّ عُذْتُ بربّي وربِّكُمْ أنْ ترجُمون، أعوذُ بربِّي وربِّكُمْ من كلِّ متكبِّرٍ لا يؤمنُ بيومِ الحساب».
ثُمَّ إنَّهُ أناخَ راحلتَهُ وأمرَ عُقبةَ بنَ سَمعانَ فعَقلَها، وأقبلوا يزحفونَ نحوَه.
زهير يكلمهم وبرير:
ثم خطب فيهم زهير بن القين فوعظهم وحذرهم، فَسبُّوهُ، وأثْنَوْا على عُبيدِ اللهِ بنِ زيادٍ ودعَوْا لهُ، وقالُوا: واللهِ، لا نَبْرَحُ حتَّى نقتلَ صاحبَكَ ومَنْ معَهُ أوْ نَبْعَثَ بهِ وبأصحابِهِ إلى الأميرِ عُبيدِ اللهِ سَلَمَاً.
فقالَ لهُمْ زهير:
«عِبادَ اللهِ إنَّ وُلْدَ فاطمةَ رضوانُ اللهِ علَيْها أحقُّ بالوُدِّ والنَّصْرِ منِ ابْنِ سُميَّة، فإنْ لم تنْصُروهُم فأُعيذُكُم باللهِ أنْ تقتُلُوهُم، فخَلُّوا بينَ هذا الرجُلِ وبينَ ابْنِ عمِّهِ يزيدَ بنِ مُعاوِية، فَلَعَمْري إنَّ يزيدَ لَيَرْضى مِنْ طاعتِكُمْ بدونِ قَتْلِ الحسينِعليهالسلام ».
فَرَماهُ شِمرُ بنُ ذي الجوشَنِ بسهمٍ، وقال: اُسْكُتْ، أسْكَتَ اللهُ نَأمَتَكَ، أَبْرَمْتَنا بكَثرةِ كلامِك.
فناداهُ رجلٌ فقالَ لَه: إنَّ أبا عبدِ اللهِعليهالسلام يقولُ لك:
«أقبِلْ، فلَعَمْري لئنْ كانَ مؤمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ نصَحَ لقومِهِ وأبلَغَ في الدُعاءِ، لقَدْ نصحْتَ لهؤلاءِ وأبلغْتَ لو نَفَعَ النُّصْحُ والإبلاغ».
ورُوِيَ أنَّ الحسينَعليهالسلام قالَ لبُريْرِ بنِ خُضَيرٍ الهمدانيّ:
«كلِّمِ القومَ يا بُريرُ وعِظْهُم».
فتقدَّمَ بُرَيرٌ حتَّى وقَفَ قريباً منَ القومِ، والقومُ قَدْ زحَفُوا إليهِ عنْ بِكرةِ أبيهِم، وكلّم القوم.. فجعَلَوا يَرْمُونَهُ بالسِّهامِ، فَرجَعَ بريرٌ إلى وَرائِه.
خطبة الحسينعليهالسلام الثانية
وتقدَّمَ الحسينُعليهالسلام ورأَى صفوفَهُم كالسَّيْلِ فخطَبَ فقال:
«الحمدُ للهِ الذي خلَقَ الدنيا فجعَلَها دارَ فَناءٍ وزَوال، مُتصرِّفةً بأهلِها حالاً بعدَ حال، فالمغرورُ مَنْ غرَّتْهُ، والشقيُّ من فتَنَتْهُ، فلا تغرَّنَّكُمُ الحياةُ الدنيا ولا يَغُرَّنَّكُم باللهِ الغَرور».
وممَّا قال:
فنِعْمَ الربُّ ربُّنَا وبئِسَ العِبادُ أنتُمْ، أقرَرْتُمْ بالطاعةِ وآمنتُمْ بالرَّسولِ محمَّدٍ، ثُمَّ أنتُمْ رجَعْتُمْ إلى ذُرّيَّتِهِ وعِتْرتِهِ تريدُونَ قتلَهُم، لقدِ استحْوَذَ عليكُمُ الشيطانُ فأنساكُمْ ذِكْرَ اللهِ العظيم، فتَبّاً لكُمْ ولمِا تُرِيدُون، إنَّا للهِ وإنَّا إليهِ راجعون، هؤلاءِ قومٌ كفَرُوا بعدَ إيمانِهِمْ فبُعْداً للقَوْمِ الظالمين.
تبَّاً لكم أيَّتُها الجَماعةُ وتَرْحاً، أَحِينَ اسْتَصْرَخْتُمونا والِهين، فأصرَخْناكُمْ مُوجِفين، سَلَلْتُمْ علَيْنا سيفاً لنا في أيْمانِكُم، وحَشَشْتُمْ علينا ناراً اقْتدَحْناها على عَدُوِّنا وعدوِّكُم، فأصبحتُمْ إلْباً لأعدائِكُمْ على أوليائِكُمْ، بغيرِ عَدْلٍ أفشَوْهُ فيكُمْ، ولا أملٍ أصبحَ لكُمْ فيهِمْ. فهلّا، لكُمُ الويلات، تركْتُمُونا والسيفُ مَشِيمٌ، والجأْشُ طامِنٌ، والرأيُ لمَّا يُستحْصَف، ولكنْ أسرعْتُمْ إلَيْها كطَيْرةِ الدُبى، وتداعيتُمْ إلَيْها كتهافُتِ الفَراش، فَسُحْقاً يا عبيدَ الأمّةِ وشُذَّاذَ الأحزاب، ونَبَذَةَ الكِتاب، ومُحرِّفي الكَلِم، وعصبةَ الآثامِ ونفثَةَ
الشَيطان، ومُطْفئِي السُّنَن، أهؤلاءِ تَعْضُدُونَ وعنَّا تتخاذَلُونْ؟ أجلْ والله، ألغَدْرُ فيكُمْ قديم، وشَجَتْ إليهِ أصولُكُم وتأزَّرَتْ عليهِ فُروعُكُم، فكُنتُم
أخبثَ ثَمَرٍ، شجّاً للناظرِ وأُكْلةً للغاصِب، ألاَ وإنَّ الدَعِيَّ ابنَ الدعيِّ قدْ رَكَزَ بينَ اثنتين، بينَ السَّلَّةِ والذِلَّة، وهيهاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يأبى اللهُ ذلكَ لنا ورسولُهُ والمؤمنون، وحُجورٌ طابَتْ وطهُرَتْ، وأنوفٌ حَميّةٌ ونفوسٌ أبيَّةٌ، مِنْ أنْ نُؤْثِرَ طاعةَ اللئامِ على مَصارِعِ الكرام، ألا وإنّي زاحفٌ بهذهِ الأُسرةِ معَ قِلَّةِ العددِ وخُذلةِ الناصر.
ثمَّ أيْمُ اللهِ، لا تَلْبَثُونَ بعدَها إلاَّ كرَيْثِما يُركَبُ الفرَسُ، حتَّى تدورَ بكُمْ دَوْرَ الرَّحى وتقلقَ بكُمْ قلَقَ المِحْوَرِ، عَهْدٌ عَهِدَهُ إليَّ أبي عنْ جدِّي. فأَجْمِعُوا أمرَكُمْ وشُركاءَكُم، ثمَّ لا يكُنْ أمرُكُمْ عليكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقضُوا إليَّ ولا تُنْظِرون، إنّي توكَّلْتُ على اللهِ ربِّي وربِّكُمْ، ما منْ دابَّةٍ إلاّ هوَ آخذٌ بناصِيتِها، إنَّ ربّي على صراطٍ مستقيْم.
أللهمَّ احبِسْ عنْهُمْ قَطْرَ السماءِ وابعَثْ عليهِمْ سِنينَ كسِنيّ يُوسُف، وسلِّطْ عليهِمْ غُلامَ ثَقيفٍ فيَسُومَهُمْ كأساً مُصَبَّرةً، فإنَّهُمْ كذَبُونا وخذَلُونا، وأنتَ ربُّنا عليكَ توكَّلْنا وإليكَ أنَبْنا وإليكَ المصير.
ثُمَّ نزَلَعليهالسلام ودعا بفَرَسِهِ، فركِبَهُ وعَبَّأ أصحابَهُ للقِتالِ...
موقف الحرّ الرياحيّ
وجاءَ الحرُّ بنُ يزيدَ الرياحيُّ، إلى عُمرَ بنِ سعدٍ، فقالَ له: «أمقاتلٌ أنتَ هذا الرجل؟».
قالَ: إيْ واللهِ قتالاً أيْسَرُهُ أنْ تسقُطَ الرؤوسُ وتَطِيحَ الأيدي.
قالَ الحرّ:
«أفما لكُمْ في واحدةٍ منَ الخصالِ التي عرَضَ عليكُمْ رضىً؟».
قالَ عمرُ بنُ سعد: أمَا واللهِ، لو كانَ الأمرُ إلَيَّ لفعَلْتُ، ولكنَّ أميرَكَ قد أبى ذلك.
فأقْبلَ الحُرُّ حتَّى وقَفَ منَ الناسِ موقِفاً، ومعَهُ رجلٌ منْ قومِهِ يُقالُ له قُرَّةُ بنُ قيسْ، فقال:
يا قرّةُ، هل سقَيْتَ فرسَكَ اليوم؟
قالَ: لا.
قالَ: أما تُرِيدُ أنْ تَسْقِيَه؟
قالْ: فظنَنْتُ - واللهِ - أنَّهُ يريدُ أنْ يتنحَّى فلا يشهدَ القتالَ، وكرِهَ أنْ أراهُ حينَ يصنَعُ ذلك.
فقلتُ له: لمْ أسقِهِ وأنا منطلِقٌ فأَسقِيه.
قالَ: فاعتزلْتُ ذلكَ المكانَ الذي كانَ فيهِ، فأخَذَ يدنُو منْ حسينٍ قليلاً قليلاً.
فقالَ لهُ رجُلٌ من قومِهِ يُقالُ لهُ المهاجرُ بنُ أوْس: ما تريدُ يا ابنَ يزيد؟ أتريدُ أنْ تَحْمِل؟
فسكَتَ وأخذَتْهُ رَعْدة.
فقالَ لهُ صاحبُه: يا ابنَ يزيد، واللهِ، إنَّ أمْرَكَ لمـَريبٌ، واللهِ، ما رأيتُ منكَ في موقِفٍ قطُّ مثلَ شيءٍ أراهُ الآن، ولو قِيلَ لي من أشجَعُ أهلِ الكوفةِ رجلاً ما عدَوْتُك، فما هذا الذي أرَى منك؟
قالَ الحرّ:
«إنّي - واللهِ - أخيِّرُ نفسي بينَ الجنَّةِ والنار، وَوَاللهِ لا أَختارُ على الجنَّةِ شيئاً ولو قطِّعْتُ وحرِّقْت».
ثُمَّ ضرَبَ فرسَهُ فلحقَ بالحسينِعليهالسلام وقالَ له:
«جَعَلنِيَ اللهُ فِداكَ يا ابنَ رسولِ الله، أنا صاحِبُكَ الذي حبَسْتُكَ عنِ الرجوعِ وسايَرْتُكَ في الطريق، وجعْجَعْتُ بكَ في هذا المكان. واللهِ الذي لا إلهَ إلاَّ هوَ، ما ظننْتُ أنَّ القومَ يَرُدُّونَ عليكَ ما عرَضْتَ عليهِمْ أبداً ولا يبلُغُونَ منكَ هذهِ المـَنْزِلة. فقلْتُ في نفسي: لا أبالي أنْ أُطِيعَ القومَ في بعضِ أمرِهِمْ ولا يرَوْنَ أنّي خرَجْتُ من طاعتِهِم. وأمَّا هُمْ فسيَقْبَلُونَ
منْ حسينٍ هذهِ الخِصالَ التي يَعْرِضُ عليهِم، وَوَاللهِ، لو ظنَنْتُ أنَّهُمْ لا يقبَلُونَها منكَ ما رَكِبْتُها منك، وإني قدْ جئتُكَ تائباً ممَّا كانَ منّي
إلى ربّي، ومُواسِياً لكَ بنفسي حتَّى أموتَ بينَ يديْك، أفترَى ذلكَ لي توبة؟».
قالعليهالسلام :
«نعَمْ يَتُوبُ اللهُ عليكَ ويغَفِرُ لك. ما اسمُك؟».
قال:
«أنا الحرُّ بنُ يزيد».
قالَعليهالسلام :
«أنتَ الحرُّ كما سمَّتْكَ أمُّك، أنتَ الحرُّ إنْ شاءَ اللهُ في الدنيا والآخرة، انزِلْ».
قال:
«أنا لكَ فارِساً خيرٌ مِنّي راجلاً، أقاتِلُهُمْ على فرَسي ساعةً وإلى النُزولِ ما يَصِيرُ آخرُ أمري».
قالَ الحسينُعليهالسلام :
«فاصنَعْ - يرْحَمُكَ اللهُ - ما بدا لك».
وأقبل إلى القوم يعظهم ويحذرهم، فحمَلَتْ عليهِ رَجَّالةٌ لهُمْ ترميهِ بالنَّبْلِ، فأقبلَ حتَّى وقَفَ أمامَ الحسينِعليهالسلام .
بداية الحرب
وتقدَّمَ عمرُ بنُ سعدٍ فرمَى نحوَ عسكَرِ الحسينِعليهالسلام بسهمٍ وقال: اشهَدُوا لي عندَ الأميرِ أنّي أوَّلُ مَنْ رمى. وأقْبلَتِ السِّهامُ مَن القومِ كأنَّها المطَر.
فقالَعليهالسلام لأصحابِه:
«قومُوا رحِمَكُمُ اللهُ إلى الموتِ الذي لا بدَّ منه، فإنَّ هذهِ السهامَ رُسُلُ القومِ إليكم».
فلَمَّا ارْتَمَوْا بالسهامِ خرَجَ يَسارٌ مولَى زيادِ بنِ أبي سفيان، وسالِمٌ مولى عُبَيْدِ اللهِ بنِ زياد، فقالا: مَنْ يُبارِز؟ لِيخْرُجْ إلينا بعضُكُمْ!
فوثَبَ حبيبُ بنُ مُظاهِرٍ وبُريرُ بنُ خُضَيرٍ، فقالَ لهما الحسينُعليهالسلام :
«اجلسا...».
فقامَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَيرٍ الكلبيُّ، فقال:
«أبا عبدِ اللهْ! رَحِمَكَ الله، ائذَنْ لي فأَخْرُجَ إلَيْهِما».
فأذِنَ لهُ فشدَّ عليهِما وقتلَهما.
فأخذَتْ أمُّ وهبٍ امرأتُهُ عمُوداً ثُمَّ أقبلَتْ نحوَ زوجِها تقولُ له:
«فِدَاكَ أبي وأمي! قاتِلْ دونَ الطيِّبينَ ذريَّةِ مُحمَّد صلى الله عليه وآله وسلم ».
فأقبلَ إليها يردُّها نحوَ النساء، فأخذَتْ تُجَاذِبُ ثوبَهُ، وهي تقول:
«لن أدعَكَ دونَ أن أموتَ معَك».
فناداها الحسينُعليهالسلام :
«جُزِيتُم منْ أهلِ بيتٍ خيراً، ارجِعِي رحِمَكِ اللهُ إلى النساء، فإنَّهُ ليسَ على النساءِ قتال».
الحملة الأولى
وكانتِ الحملةُ الأُولى على مُعَسكرِ الإمامِ الحسينِعليهالسلام ، فحمَلَ عمرُو بنُ الحَجَّاجِ في مَيْمَنةِ جيشِ عُمَرَ بنِ سعدٍ من نَحْوِ الفُراتِ فاضطربُوا ساعة، وما ارتفعَتِ الغَبَرَةُ إلا ومُسلِمُ بنُ عوسجةَ الأسدِيُّ صريعٌ، فمشَى إليهِ الحسينُعليهالسلام فإذا بهِ رَمَقٌ، فقالَ له:
«رحِمَكَ اللهُ يا مُسلِم،( فمنهُمْ مَنْ قضَى نَحْبَهُ ومنْهُمْ مَنْ ينتظِرُ وما بدَّلُوا تبديلاً ) ».
ودَنا منهُ حبيبُ بنُ مظاهرٍ، فقال:
«عزَّ عليَّ مصرَعُكَ يا مُسلِم! أبشِرْ بالجنَّة!».
فقالَ لهُ مسلمٌ قولاً ضعيفاً:
«بشَّرَكَ اللهُ بخير».
فقالَ لهُ حبيب:
«لولا أنّي أعلَمُ أنّي في أثَرِكَ لاحِقٌ بكَ مَنْ ساعتي لأحببْتُ أنْ تُوصِيَني بكلِّ ما أهمَّك».
فقالَ لهُ مسلم:
«فإنّي أُوصِيكَ بهذا - وأشارَ إلى الحسينِعليهالسلام - فقاتِلْ دونَهُ حتَّى تموت».
گربت يبن ظاهر منيتي |
ما وصّيك بعيالي او بيتي |
|
إنكان نيتك مثل نيتي |
بالحسين واعياله وصيتي |
فقالَ لهُ حبيب:
«لأُنعِمَنَّكَ عيناً».
ثُمَّ فاضَتْ روحُهُ الطاهرةُ، رِضوانُ اللهِ عليه.
وهجَمَ شمرُ بنُ ذي الجوشَنِ في أصحابِهِ، على خِيَمِ الحسينِعليهالسلام ، فحمَلَ عليهِم زهيرُ بنُ القينِ رحمه الله في عشَرَةٍ منْ أصحابِ الحسينِعليهالسلام فكشَفَهُمْ عنِ الخِيَم، وقُتِلَ بعضُهُمْ وتفرَّقَ الباقون.
ثُمَّ تراجَعَ القومُ إلى الحسينِعليهالسلام ، فحمَلَ شمرُ بنُ ذي الجوشَنِ - لعَنَهُ اللهُ - على أهلِ المَيْسَرةِ فَثَبتُوا لَهُ فطاعَنُوهُ، وأُحِيطُ بالحسينِعليهالسلام وأصحابِهِ من كلِّ جانِب، وكانَ أصحابُ الحسينعليهالسلام أطوادَ بصيرةٍ وهدىً وثَباتٍ، يقتُلونَ كلَّ مَنْ يَبْرُزُ إليهِمْ.
فقالَ عمرُو بنُ الحجَّاجِ - وكانَ على الميمنة - ويلَكُمْ، يا حُمَقاء.
مهلاً! أتدْرُونَ مَنْ تُقاتِلون؟ إنَّما تقاتلُونَ فرسانَ المِصرِ، وأهلَ البصائرِ وقوماً مستمِيتينَ، لا يبرُزُ لهُم منكُم أحدٌ إلاَّ قتلُوهُ على قِلَّتِهِم، واللهِ، لو لم ترْمُوهُم إلاَّ بالحجارةِ لقتَلْتُمُوهُم.
فقالَ ابنُ سعدٍ: صدَقْت. الرَّأيُ ما رأيْت، فأرْسَلَ في العسكَرِ يعزُمُ عليهم أنْ لا يبارِزَ رجلٌ منْكُمْ، فلو خرجْتُم وُحْداناً لأَتَوا عليكُم مُبارزَة.
فأخذَتِ الخيلُ تحمِلُ، وأصحابُ الحسينِ يَثْبُتُونَ، وإنَّما هُمُ اثنانِ وثلاثونَ فارساً، ولم يكونُوا يحمِلونَ على جانبٍ من هذا الجيشِ إلا كَشفُوه.
فبَعَثَ عمر بن سعد المجَفِّفةَ - وهيَ قوةٌ كانَتْ تحتمِي معَ خُيولِها بالدُروعِ - وخمسَمِئةٍ منَ الرُّماةِ، فأقبَلُوا حتى إذا دنَوْا من الحسينعليهالسلام وأصحابِهِ رشقُوهُم بالنَّبْلِ، فلم يَلْبَثُوا أنْ عَقَرُوا خيولَهُم وصاروا رَجَّالةً كلُّهُم.
صلاة الظهيرة
وبقيَ القِتالُ على أَشُدِّهِ حتَّى انتصفَ النهار، فكانَ إذا قُتِلَ الرجُلُ والرجلانِ من أصحابِ الحسينِعليهالسلام يَبِينُ ذلكَ فيهِمْ لِقلَّتِهِم، ولا يَبينُ القتْلُ في جيشِ عُمَرَ
بْنِ سعدٍ معَ كَثْرةِ مَنْ يُقتَلُ منْهُم لِكَثْرَتِهِم.
وكان قد قُتلَ منْ أنصارِ الإمامِعليهالسلام أكثرُ منْ أربعين.
واقتربَ وقتُ زَوالِ الشمسِ، فقالَ أبو ثُمامةَ الصائدِيّ:
«يا أبا عبدِ الله! نفسِي لكَ الفِداء، إنّي أرَى هؤلاءِ قدِ اقتربوا منك، لا واللهِ، لا تُقْتَلُ حتَّى أُقتلَ دونَكَ إنْ شاءَ الله، وأُحِبُّ أنْ ألقَى ربِّيَ وقد صلَّيْتُ هذهِ الصلاةَ التي
قد دَنا وقتُها».
فرفَعَ الحسينُعليهالسلام رأسَهَ ثم قال:
«ذَكرْتَ الصلاةَ، جعلَكَ اللهُ من المُصلِّينَ الذاكرين، نعَمْ هذا أوَّلُ وقتِها».
ثُمَّ قالَعليهالسلام :
«سَلُوهُم أنْ يَكُفُّوا عنَّا حتّى نصلّي».
ففعلوا.
فقالَ لهُمُ الحُصَينُ بنُ تميم: إنَّها لا تُقْبَل.
فردَّ عليهِ حبيبُ بنُ مُظاهِر:
«زعمْتَ الصلاةَ منْ آلِ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِمْ لا تُقْبَلُ، وتُقْبَلُ منكَ يا خَمَّار!».
فحمَلَ عليهِ الحصينُ بنُ تميمٍ فخرَجَ إليهِ حبيبُ بنُ مُظاهِرٍ فضرَبَ وجْهَ فرسِهِ بالسيفِ، فشَبَّ ووقَعَ عنه، وحمَلَهُ أصحابُهُ فاستنقذُوه.
وقاتلَ حبيب قتالاً شديداً حتّى استُشْهِدَ، فهدَّ ذلكَ الحسينَعليهالسلام ، وقال:
«عندَ اللهِ أَحتسِبُ نفسي وحُماةَ أصحابي».
ولما قُتِلَ حبيبٌ أخَذَ الحرُّ يقاتِلُ راجلاً، فحمَلَ على القومِ معَ زهيرِ بنِ القَيْن، فكانَ إذا شَدَّ أحدُهُما فاستلْحَمَ شدَّ الآخرُ واستنقذَه، ففعَلا ذلكَ ساعة.
فبَيْنا الناسُ يتجاوَلُونَ ويقْتتِلُونَ والحُرُّ يَحْمِلُ على القومِ مُقْدِماً، فبرَزَ لهُ يزيدُ بنُ سُفيان، فما لَبِثَ الحرُّ أنْ قتلَهُ(..).
واستبسَلَ يضربُهُم بسيفِهِ وتكاثَرُوا عليهِ حتَّى استُشهِدَ رِضوانُ اللهِ عليه، فحمَلَهُ أصحابُهُ ووضعُوهُ بينْ يدَيْ الإمامِ الحسينِعليهالسلام وبهِ رَمَقٌ، فجعَلَ الحسينُعليهالسلام يمسَحُ وجهَهُ ويقول:
«أنتَ الحرُّ كما سمَّتْكَ أمُّك، وأنتَ الحرُّ في الدنيا وأنتَ الحرُّ في الآخرة».
وصلَّى الحسينُعليهالسلام بأصحابِهِ صلاةَ الظُّهر.
فوصَلَ إلى الحسينِعليهالسلام سهمٌ فتقدَّمَ سعيدُ بنُ عبدِ اللهِ الحنَفِيُّ ووقَاه بنفسِهِ ما زالَ ولا تخَطَّى حتَّى سقَطَ إلى الأرضِ وهُوَ يقول:
«أللهُمَّ العنْهُمْ لعنَ عادٍ وثمود، اللهمَ أَبْلِغْ نبيَّكَ عنّي السلامَ وأبْلِغْهُ ما لَقِيتُ من ألَمِ الجِراحِ فإنّي أردْتُ ثوابَكَ في نَصْرِ ذريَّةِ نبيِّك».
ثُمَّ التفتَ إلى الحسينِعليهالسلام ، فقالَ لهْ:
«أَوفَّيْتُ يا ابنَ رسولِ الله؟».
فقالَ الإمامُعليهالسلام :
«نعمْ، أنتَ أمامي في الجنَّة».
ثُمَّ قَضى نحبَهُ رِضوانُ اللهِ عليهِ، فوُجِدَ بهِ ثلاثَةَ عشَرَ سَهْماً سوَى ما بهِ منْ ضَرْبِ السيوفِ وطَعْنِ الرِماح.
الحملة الثانية
ثمَّ قالَعليهالسلام لبقيَّةِ أصحابِه:
«يا كِرام، هذهِ الجنَّةُ فُتحَتْ أبوابُها واتَّصلَتْ أنهارُها وأينعَتْ ثِمارُها، وهذا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم والشهداءُ الذينَ قُتلِوا في سبيلِ اللهِ يتوقَّعُونَ
قدومَكُم، ويتباشَرُونَ بكُمْ، فحامُوا عن دينِ اللهِ ودينِ نبيِّهِ، وذُبُّوا عن حُرَمِ رسولِ الله».
وجعلَ أصحابُ الحسينِعليهالسلام يسارِعونَ إلى القِتالِ بينَ يديهِ، وكانَ كلُّ مَنْ أرادَ القِتالَ يأتي إلى الحسينِعليهالسلام يودِّعُهُ، ويقول:
«السلامُ عليكَ يا ابنَ رسولِ الله».
فيجيبُهُ الحسينُعليهالسلام :
«وعليكَ السلامُ، ونحنُ خلفَك، ويقرأ:( فمنهُمْ منْ قضى نحبَهُ ومنهُمْ من ينتظِرُ وما بدَّلوا تبديلاً ) ».
واستأذنَ الصحابيُّ الجليلُ أَنَسُ بنُ الحارِثِ الكاهليُّ الإمامَ الحسينَعليهالسلام بالمبارَزةِ فأذِنَ لهُ، فنزَلَ إلى الميدانِ شادّاً وسَطَهُ بالعِمامةِ، رافعاً حاجبَيْهِ بالعِصَابةِ لِكِبَرِ سِنِّه، فلمّا رآهُ الحسينُعليهالسلام بهذهِ الهيئةِ، بكى، وقالَ له:
«شكَرَ اللهُ لكَ يا شيخ».
وكانَ هذا الصحابيُّ ممَّنْ سمعَ حديثَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم، عن شهادةِ الحسينِعليهالسلام ، والحثِّ على نصرتِه، وقد قاتَلَ رضوانُ اللهِ عليهِ قتالَ الأبطالِ حتَّى نالَ الفوزَ بالشهادة.
ثُمَّ تقدَّمَ زهيرُ بنُ القَيْنِ واستأذنَ بالقِتالِ، ووضَعَ يدَهُ على مَنْكِبِ الحسينِعليهالسلام وهوَ يقول:
أقدِمْ فُدِيتَ هادياً مَهْديَّاً |
فاليومَ تَلْقَى جدَّكَ النبيّا |
|
وحَسَناً والمرُتضَى عليَّا |
وذا الجناحيْنِ الفتى الكَمِيّا |
وأسَدَ اللهِ الشهيدَ الحيّا
ثُمَّ برَزَ وقاتلَ قتالاً شديداً حتى استُشْهِد.
فقالَ الحسينُعليهالسلام : «لا يُبْعِدَنَّكَ اللهُ يا زهير، ولعَنَ اللهُ قاتلِيك!».
ثم برَزَ بُريرُ بنُ خضيرٍ الهَمَدانيُّ إلى الميدانِ وهوَ يقول:
«اقترِبوا منِّي يا قتَلَةَ المؤمنين، إِقترِبُوا منِّي يا قتلَةَ أولادِ البدْريّين، اقتربُوا منّي يا قتلَةَ أولادِ رسولِ ربِّ العالمينَ وذُرّيَّتِهِ الباقين».
فقاتلَ حتّى استُشْهِدَ رضوانُ اللهِ عليه.
واشتدَّ القتالُ والتحمَ وكثُرَ القتلُ والجراحُ في أصحابِ أبي عبدِ اللهِ الحسينِعليهالسلام .
وتقدَّمَ حنظلةُ بنُ أسعدَ الشَّبامِيُّ بينَ يدَي الحسينِعليهالسلام فنادى
أهلَ الكوفة:
«يا قومُ، إنّي أخافُ عليكُم مثلَ يومِ الأحزاب، يا قومُ، إنّي أخافُ عليكُم يومَ التنادْ، يا قومُ، لا تقتلُوا حُسَيْناً فيُسْحِتَكُمُ اللهُ بعذابٍ وقد خابَ منِ افترَى».
ثمَّ تقدَّمَ فقاتلَ حتَّى قُتِلَ رحمه الله.
وتقدَّمَ بعدَهُ شَوْذَبٌ مولى شاكرٍ فقال:
«السلامُ عليكَ يا أبا عبدِ اللهِ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، أستودِعُكَ اللهَ وأسترْعِيك».
ثمَّ قاتلَ حتى قُتِلَ رحمه الله.
ثُمَّ برَزَ إلى الميدانِ عابِسُ بنُ أبي شَبيبٍ الشاكريُّ فسلَّمَ على الحسينِعليهالسلام وقال:
«يا أبا عبدِ الله: واللهِ، ما أمسَى على وَجْهِ الأرضِ قريبٌ ولا بعيدٌ أعزُّ عليَّ ولا أحبُّ إليَّ منك، ولو قدِرْتُ على أنْ أدفعَ عنكَ الضَّيْمَ أو القتلَ بشيءٍ أعزَّ علَيَّ منْ نفسي ودمِي لَفعَلْت، السلامُ عليكَ يا أبا عبدِ اللهْ، أشهدُ أنّي على هَداكَ وهدى أبيك».
ثمَّ مضى بالسيفِ نحوَهُمْ، فقاتلَ حتّى استُشهِد.
شهادة أهل البيتعليهمالسلام
ولمَّا لم يبقَ مع الحسينعليهالسلام إلا أهلَ بيتِه عَزَمُوا على الحربِ ومُلاقاةِ الحتوفِ وأقبلَ بعضُهم يُودِّعُ بَعضَاً:
هذا يشبك ابهذا أويحبه |
او هذا ابقلب هذا ايحط قلبه |
|
او هذا دمعه الهذا يصبه |
او هذا يشم خد هذا او يصفر |
مصرع عليّ الأكبرعليهالسلام
وأوّلُ من تقدَّمَ عليٌّ الأكبرُ بنُ الحسينِعليهالسلام وكانَ مِنْ أصْبَحِ الناسِ وَجْهاً وأحسنِهِم خُلُقاً فاستأذنَ أباهُ في القِتالِ فأذِنَ لَه، ثُمَّ نظَرَ إليهِ نظْرةَ آيِسٍ منهُ وأرخىعليهالسلام عينَيْهِ وبكَى، محترِقاً قلبُهُ، مُظْهِراً حزنَهُ إلى اللهِ تعالَى، (ورفَعَ سبَّابتَيْهِ نحوَ السماءِ وقال):
«اللهمَّ اشهَدْ على هؤلاءِ، فقَدْ برَزَ إليهِم أشْبَهُ الناسِ خَلْقاً وخُلُقاً ومَنْطِقاً برسولِكَ محمَّدِ صلى الله عليه وآله وسلم، وكنّا إذا اشتقْنا إلى رؤيةِ نبيِّكَ نظَرْنا إليه، اللهمَّ امنعْ عنهم بركاتِ الأرضِ، وفرِّقْهُمْ تفريقاً، ومزِّقْهُم تمزيقاً، واجعَلْهُم طرائقَ قِدَداً ولا تُرْضِ الولاةَ عنْهُم أبداً، فإنَّهُم دَعَوْنا لِيَنْصُرُونا فعَدَوْا علينا يُقاتِلُوننا».
وصاحَعليهالسلام بعُمرَ بنِ سعد:
«ما لكَ يا ابنَ سعد، قطَعَ اللهُ رحِمَكَ كما قطَعْتَ رَحِمي، ولم تحفَظْ
قرابتي من رسولِ الله».
ثمَّ رفَعَ الحسينُعليهالسلام صوتَهُ وتلا قولَهُ تعالى:
( إنَّ اللهَ اصطفى آدمَ ونوحاً وآلَ إبراهيمَ وآلَ عِمرانَ على العالمينَ ذُرَّيةً بعضُها منْ بعضٍ واللهُ سميعٌ عليم ) .
ثُمَّ حمَلَ عليُّ بنُ الحسينِعليهالسلام على القومِ، وهو يقول:
أنا عليُّ بْنُ الحسينِ بْنِ علي |
نحنُ وبيتُ اللهِ أوْلى بالنبي |
|
تاللهِ لا يحكُمُ فينا ابنُ الدَّعي |
أطعنُكُمْ بالرُّمحِ حتى ينثني |
|
أضرِبُكُمْ بالسيفِ أحمي عن أبي |
ضرْبَ غُلامٍ هاشميٍّ علوي |
فلَمْ يزَلْ يقاتلُ حتَّى ضجَّ الناسُ منْ كَثْرةِ مَنْ قتَلَ منهُم (...).
ثُمَّ رَجَعَ إلى أبيهِ وقدْ أصابتْهُ جراحاتٌ كثيرةٌ فقال:
«يا أبه! ألْعطشُ قد قتَلني وثِقْلُ الحديدِ أجْهَدَني، فهلْ إلى شُربةٍ ماء منْ سبيلٌ أتقوَّى بها على الأعداء؟».
فبكَى الحسينُعليهالسلام ودفَعَ إليهِ خاتَمَهُ وقال:
«خُذْ هذا الخاتَمَ في فيكَ وارجِعْ إلى قِتالِ عدوِّكَ، فإنّي أرجُو أنَّكَ لا تُمْسي حتَّى يَسْقِيَكَ جدُّكَ بكأسِهِ الأوفى شَرْبةً لا تظمأُ بعدَها أبداً».
يبويه شربة اميه الكبدي اتقوى ورد للميدان وحدي
يبويه انفطر قلبي وحق جدي العطش والشمس والميدان والحر
فرجَعَ إلى موقِفِ النِّزالِ وقاتلَ أعظمَ القِتالِ، فاعترضَهُ مُرَّةُ بْنُ منقِذٍ فطَعَنهُ فصُرِعَ، واحتواهُ القومُ فأثخَنُوهُ طَعْنَا، فنادى بأعلى صوتِه:
«يا أبتاه! هذا جدِّي رسولُ اللهِ قد سقاني بكأسِهِ الأوفَى شَرْبةً لا أظمأُ بعدَها أبداً، وهوَ يقولُ لك: العَجَلَ! فإنَّ لكَ كأساً مَذْخورَة».
فصاحَ الحسينُعليهالسلام :
«وا ولداه...».
وأقبلعليهالسلام إلى ولدِهِ، وكانَ في طريقِهِ يلهَجُ بذِكْرِهِ ويُكْثِرُ من قولِه:
«ولدي علِيّ.. ولدي عليّ».
حتَّى وصَلَ إليهِ، فأرخَى رِجلَيْهِ معاً منَ الرِّكابِ، ورمَى بنفسِهِ على جسَدِ ولدِهِ، وأخَذَ رأسَهُ فوضَعَهُ في حِجْرِهِ، وجعَلَ يمسَحُ الدَّمَ والترابَ عن وجهِه، وانكَبَّ عليهِ واضِعاً خدَّهُ على خدِّهِ، وجعَلَ يقول:
«قتَلَ اللهُ قوماً قتلُوكَ يا بُنَيّ! ما أجرأَهُم على اللهِ وعلى انتهاكِ حُرمةِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم ».
وانهملَتْ عيناهُ بالدموعِ ثُمَّ قال:
«على الدنيا بعدَكَ العفا».
قعد عنده اوشافه امغمض العين |
ابدمه سابح امترّب الخدين |
|
متواصل ضرب والراس نصّين |
حنه ظهره على ابنيّه او تحسر |
ثم طلَبَ الحسينعليهالسلام من فتيانِهِ منْ بني هاشمٍ وقالَ لهُم:
يـبويه گول منهو الضرب راسك |
يـنور الـعين مـن خمّد انفاسك |
|
يـعقلي من نهب درعك اوطاسك |
يـروحي اشـلون أشوفنّك امطبّر |
|
يـبويه مـن عدل راسك ورجليك |
او من غمّض عيونك واسبل ايديك |
|
ينور العين كل سيف الوصل ليك |
قـطع قـلبي او لعند احشاي سدّر |
«احْمِلُوا أخاكُم».
فحملُوهُ منْ مَصْرَعِهِ، وجاؤوا بهِ إلى الفُسطاطِ الذي يُقاتِلُونَ أمامَه.
مقاتل آل عقيلعليهمالسلام
ثُمَّ برَزَ أبناءُ عقيلِ بنِ أبي طالِبٍ، وأبناءُ مُسْلمٍ وأبناءُ جعفرِ بنِ عقيلٍ وجعَلُوا يقاتلونَ قتالاً شديداً والحسينُعليهالسلام يقولُ لهُم:
«صَبْراً على الموتِ يا بَنِي عمومتي، لا رأيتُم هواناً بعدَ هذا اليوم».
فجعلُوا يَسْتَبْسلِونَ في الدِّفاعِ عنِ ابنِ رسولِ اللهِ حتى استُشْهِدُوا رحِمَهُمُ الله.
وتقدَّمَ القاسمُ بنُ الإمامِ الحسنِعليهالسلام ، يستأذُنِ عمَّهُ للقتال - وكأنَّ الإمامَ الحسَنَعليهالسلام أبى إلاَّ أنْ يكونَ حاضراً في كربلاءَ بخمسةٍ من أولادِهِ، وهوَ القائل: لا يومَ كيومِكَ يا أبا عبدِ الله - فخرَجَ القاسمُ وهُوَ يرتجُزِ ويقول:
إنْ تُنْكِروني فأنا فَرْعُ الحسَن |
سِبْطِ النبيِّ المصطفى والمؤتمَن |
|
هذا حسينٌ كالأسيرِ الـمُرْتهَن |
بينَ أناسٍ لا سُقُوا صَوْبَ الـمُزُن |
وفيما كانَ يجُولُ في الـمَيْدانِ ويصُولُ، انقطعَ شِسْعُ نعلِهِ، فانحنى ليُصْلِحَه.
قالَ من شهِدَ الواقعة: فقالَ لي عمرُو بنُ سعدٍ بنِ نفيلٍ الأزْدِيّ: واللهِ، لأَشُدَّنَّ عليهْ. فقْلُت لهُ: سبحانَ اللهِ، وما تُرِيدُ إلى ذلك؟ يكفيكَ قتلَهُ
هؤلاءِ الذينَ تَراهُم قدِ احتَوَشُوهْ، فقالَ: واللهِ، لأشُدَّنَّ علَيْه. فما ولَّى حتَّى ضرَبَ رأسَهُ بالسيفِ، فوقَعَ الغلامُ لوجهِهِ، فصاح:
«يا عمَّاه!».
فجَلّى الحسينُعليهالسلام كما يجلِّي الصقرُ، وانجلَتِ الغَبَرَةُ، فإذا بالحسينِعليهالسلام قائمٌ على رأسِ الغُلامِ والغلامُ يفْحَصُ برجلَيْهِ، والحسينُعليهالسلام يقول:
«بُعْداً لقومٍ قتلوكَ ومَنْ خصْمُهُم يومَ القيامةِ فيكَ جدُّك».
ثُمَّ قالَ:
«عزَّ - واللهِ - على عمِّكَ أنْ تَدْعُوَهُ فلا يُجيبُك، أو يُجيبَكَ ثُمَّ لا يَنْفعُكَ، صوتٌ واللهِ كثُرَ واترُهُ وقلَّ ناصرُهُ».
بكى او نادى يجاسم اشبيدي |
يريت السيف قبلك حزّ وريدي |
|
هان الكم تخلوني اوحيدي |
على اخيمّي يعمّي الخيل تفتر |
قالَ الراوي: ثُمَّ احتملَهُ، فكأنّي أنظُرُ إلى رِجلَي الغُلامِ يخُطّانِ في الأرضِ وقدْ وضَعَ الحسينُعليهالسلام صدرَهُ على صدرِهِ، قالَ: فقلتُ في نفسي: ما يصنَعُ بهِ؟ فجاءَ بهِ حتَّى ألقاهُ معَ ابنِهِ عليِّ بنِ الحسينِ وقَتْلى قدْ قُتِلَتْ حولَهُ منْ أهلِ بيتِهِ، فسألْتُ عنِ الغُلامِ، فقِيلَ: هوَ القاسِمُ بنُ
الحسَنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍعليهمالسلام .
جـابه اومـدّده مـا بين اخوته |
بـكى عـدهم يويلي وهم موته |
|
بـس ما سمعن النسوان صوته |
إجـت امّـه تـصيح الله أكبر |
|
ردتـك مـا ردت دنيه ولا مال |
تحضرني لو وقع حملي ولا مال |
|
يـبني خـابت اظنوني والامال |
مـحل الضيق يبني اقطعت بيّه |
مقاتل إخوة العباسعليهالسلام
ثُمَّ إنَّ أبا الفضلِ العبَّاسَعليهالسلام ، قالَ لإخوتِهِ منْ أبيهِ وأمِّهِ أمِّ البنينَ - وهُمْ عبدُ اللهِ وجعفرٌ وعُثمانُ -.
«تقدَّمُوا حتَّى أراكُم قد نصحْتُم للهِ ولرسولِه، تقدَّموا، بنفسي أنتُم، فحامُوا عن سيِّدِكُم حتى (تُقْتَلُوا) دونَه».
فتقدَّمُوا جميعاً. فصارُوا أمامَ الحسينِعليهالسلام ، يَقُونَهُ بوُجوهِهِم ونُحُورِهِم، حتى استُشهِدوا بِأَجمَعِهم.
شهادة العباسعليهالسلام
ولمّا استُشْهِدَ إِخوةُ العبَّاسِعليهمالسلام ، ورآهُم صرعَى على وجهِ الصعيدِ، لم يستطِعْ صبراً، فجاءَ إلى أخيهِ الحسينِعليهالسلام يستأذِنُهُ القِتالَ، فبكَى الحسينُعليهالسلام بكاءً شديداً، وقال:
«يا أخي، أنتَ صاحبُ لوائي، وإذا مضيتَ تفرَّقَ عسكري».
فلم يأذَنْ له.
فقالَ العباسُعليهالسلام :
«قد ضاقَ صَدْري وسئِمْتُ منَ الحياةِ، وأريدُ أنْ أطلُبَ ثأري من هؤلاءِ المُنافقِين».
فقالَ الحسينُعليهالسلام :
«فاطلُبْ لهؤلاءِ الأطفالِ قليلاً منَ الماء».
فذهَبَ العباسُعليهالسلام إلى عسكَرِ عُمَرَ بنِ سعدٍ ووعَظَهُم وحذَّرَهُم فلم ينفعْهُم، فرجَعَ إلى أخيهِ فأخبرَه، (وسمعَ أبو الفضلِعليهالسلام الأطفالَ ينادُون:
«العطَشَ العطشَ». فخرَجَ يطلُبُ الماءَ ليوصِلَهُ إليهِم).
وركِبَ فرَسَهُ وأخذَ رمحَهُ وسيفَهُ والقِربةَ، فأحاطَ بهِ الذينَ كانوا مُوكَلِينَ بالفُراتِ، وأخَذُوا يرْمُونَهُ بالنَّبالِ، فلَمْ يعبَأ بجَمْعِهِم، ولا راعتْهُ كثْرَتُهُم. فكشَفَهُم عن وجهِهِ، ودخَلَ الفراتَ مطمئنّاً غيرَ هيَّاب لذلكَ الجَمْعِ الغفير.
ثُمَّ اغتَرفَ منَ الماءِ غُرْفةً وأدناها من فمِهِ ليشرَبَ، فتذكَّرَ عطَشَ أخيهِ الحسينِعليهالسلام وعَطاشى أهلِ بيتِهِ وأطفالِهِعليهمالسلام ، فرمى الماءَ مِنْ يدِهِ وقال:
يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني |
وبـعدَهُ لا كـنتِ أن تكوني |
|
هـذا حـسينٌ وارِدُ الـمَنُونِ |
وتـشـربينَ بـارِدَ الـمعِينِ |
|
تاللهِ مـا هـذا فِـعَالُ ديـني |
ولا فِـعَالُ صـادقِ الـيقين |
اشلون اشرب واخوي احسين عطشان |
وسـكنه والـحرم واطـفال رضعان |
|
اظـن قـلب الـعليل الـتهب نيران |
يـريت الـماي بـعده لا حلى او مرّ |
ثُمَّ ملأَ القِرْبةَ وحمَلَها على كتِفِهِ اليُمنى، وركِبَ جوادَهُ، وتوجَّهَ نحوَ الخِيامِ مُسْرِعاً ليوصِلَ الماءَ إلى عَطاشى أهلِ البَيْتِعليهمالسلام ، فأخذُوا عليهِ الطريقَ، وتكاثَرُوا عليهِ وأحاطُوا بهِ من كلِّ جانب.
فجَعَلَ يَصُولُ في أوساطِهِم ويضرِبُ فيهِمْ بسيفِهِ، فحمَلُوا عليهِ وحمَلَ هوَ عليهِم [ففرَّقَهُم] وأخذُوا يَهْرُبونَ من بينِ يدَيْهِ، فكَمَنَ لهُ زيدُ بنُ الرقَّادِ الجهينيُّ مِنْ وَراءِ نخلةٍ فضرَبَهُ على يمينِهِ بالسيفِ فبَراها.
فأخذَ العبّاسُ السيفَ بشِمالِهِ، وضَمَّ اللّواءَ إلى صدرِهِ، وحمَلَ القِربةَ على كتِفِهِ اليُسرى، وحمَلَ عليهِم وهُوَ يرتجِز:
واللهِ إنْ قطعْتُمُ يميني |
إنّي أحامي أبداً عن ديني |
|
وعن إمامٍ صادقِ اليقين |
نجلِ النبيِّ الطاهرِ الأمين |
وقاتَلَ حتّى ضعُفَ عنِ القِتالِ، فضرَبَهُ حكيمُ بنُ الطُفَيْلِ على شِمالِهِ فقطَعَها منَ الزَّند، فوقَعَ السيفُ منْ يدِ العبّاسِ، وأخذَ القِربَة بأسنانِهِ، وقالَعليهالسلام :
يا نفسُ لا تخشَيْ منَ الكفّارِ |
وأبْشِرِي برحمةِ الجبار |
|
مــعَ النبيِّ السيِّدِ المختار |
قد قطعوا ببَغْيِهِم يساري |
فأصْلِهِم يا ربِّ حرَّ النار
وجعَلَ يسرِعُ لعلَّهُ يوصِلُ الماءَ إلى المخيَّم. فلمّا نظرَ ابْنُ سعدٍ إلى
شدّةِ اهتمامِ العباسِعليهالسلام بالقِربةِ صاحَ بالقومِ: ويلَكُم، أُرْشُقُوا القِربةَ بالنَّبْلِ، فَوَاللهِ، إنْ شرِبَ الحسينُ من هذا الماءِ أفناكُم عنْ آخرِكُم.
فقطَعُوا عليهِ طريقَهُ، وازدحَمُوا عليهِ، وأتتْهُ السِّهامُ كالمطرِ من كلِّ جانِبٍ، فأصابَ القِرْبةَ سهمٌ فأُريقَ ماؤُها، وجاءَ سهْمٌ فأصابَ صدرَهُ، وسهمٌ آخرُ أصابَ إحدى عينيْهِ، فأطْفَأها، وجمَدَتِ الدِّماءُ على عينِهِ الأخرى، فلم يُبْصِرْ بها [فضرَبَهُ ملعونٌ بعَمُودٍ من حديد].
أيها الموالي: الفارس عندما يقع إلى الأرض يتلقى الأرض بيديه، لكن إذا كانت يداه مقطوعتان والسهام في صدره فبأي حال يقع إلى الأرض.!!
فانقلَبَ عن ظَهْرِ فرسِهِ وخرَّ إلى الأرضِ صريعاً،فهجم عليه القومُ بأسيافِهِم، فنادَى برفيعِ الصوت:
«أخي أبا عبدِ اللهِ، عليكَ منِّي السلام».
فأدركَهُ الحسينُعليهالسلام وبهِ رمَقٌ منَ الحياةِ، فلمّا رآهُ الحسينُعليهالسلام [صريعاً] على شطِّ الفراتِ بكى [بكاءً شديداً]، فأخذَ رأسَهُ الشريفَ ووضَعَهُ في حِجْرِهِ، وجعَلَ يمسَحُ الدَّمَ والتّرابَ عنهُ، ثُمَّ بكى بكاءً عالياً، قائلاً: «ألآنَ انكسَرَ ظَهْري، وقلَّتْ حيلتي، وشَمِتَ بي عدوِّي».
يخويه انگسر ظهري اول اگدر اگوم |
صرت مركز يخويه الكل الهموم |
|
يخويه استوحدوني عگبك القوم |
ولا واحد عليّه بعد ينغر |
ثُمَّ انحنى عليهِ واعتنَقَهُ، وجَعَل يُقبِّلُ مَوْضِعَ السُيوفِ من وجهِهِ ونَحْرِهِ وصَدْرِه. وقد ترَكَ الحسينُعليهالسلام أخاهُ العبَّاسَ في مَكانِهِ، وقامَ عنْهُ بعدَ أنْ فاضَتْ نفسُهُ الزكيَّةُ، ولمْ يحمِلْهُ إلى الفُسطاطِ الذي كانَ يَحْمِلُ القَتْلى من أهلِ بيتِهِ وأصحابِهِ إليه.
يخويه احسين خليني ابمكاني |
يگله ليش يا زهرة زماني |
|
يگله واعدت سكنه تراني |
ابماي اومستحي منها امن اسدر |
وعادَ إلى المخيَّمِ فاجتمعَتِ النِّساءُ حولَهُ وجعلْنَ يَبْكِينَ العباسَعليهالسلام ويندُبْنَهُ، والحسينُعليهالسلام يبكي مَعهُنّ..
شَهادةُ الإِمام الحُسينعليهالسلام :
ولما بَقِيَ الحُسَينُعليهالسلام وَحيدَاً فَرِيدَاً قَدْ قُتِلَ جَميعُ أَصحابِه وأَهلُ بَيتِه، وَرآهُم عَلى وجهِ الأَرضِ مُجزّرينَ كَالأضَاحِي، وَلم يَجِدْ أَحَدَاً يَنْصُره وَيذبّ عَن حَريمِه، وَهو إِذْ ذَاك يَسمعُ عَويلَ العيالِ وصُراخَ الأطفَال.
عندَ ذلك نَادَى بِأعلَى صَوتِه: «هَل مِنْ ذَابٍ عَن حُرمِ رَسُولِ الله، هَل مِن مُوحّدٍ يَخافُ اللهَ فِينا؟ هَل مِن مُغيثٍ يَرجُو اللهَ في إِغَاثَتِنا».
فارتَفعتْ أَصواتُ النّساء بِالبُكاءِ وَالعَويْل.
الوَداعُ الأَول:
ولمَّا عَزمَ الحُسينعليهالسلام عَلَى مُلاقاةِ الحُتُوف، جَاءَ وَوَقَفَ بِبَابِ خَيمةِ النّساء مُودّعاً لحُرمه مُخَدَّراتِ الرِّسَالة وَعَقائِل النُبوَّة، وَنَادَى:
«يَا زَينب، ويَا أُمّ كُلثوم، ويَا فَاطِمة، ويَا سُكينة، عَليكنّ مِنّي السَّلام».
فَنَادته سُكينة: يَا أَبَه، أستسلمتَ للِموت؟
فَقَال: كيفَ لا يستسلمُ لِلموت مَن لا نَاصرَ لَه ولا مُعين؟
فَقَالت: رُدَّنا إِلى حَرمِ جَدّنَا رَسُولِ الله.
فَبَكَى الحُسَينُعليهالسلام بُكاءً شَدِيدَاً، وَقال: هَيهَات!! لَو تُرك القَطا لَغَفَا وَنَام..
فَرفَعت سُكينةُ صَوتَها باِلبُكاءِ وَالنّحِيب، فَضَمَّها الحُسَينعليهالسلام إِلى صَدرِه، وَمَسَحَ دُمُوعَها بِكَمّه، وَكَانَ يُحبُّها حُبّاً شَدِيدَاً، وَجَعَلَ يقولُ:
طولُ بُعدي يَا سُكينةُ فَاعلَمِي |
مِنكِ البُكاءُ إِذَا الحِمَامُ دَهَانِي |
|
لا تُحرقِي قَلبِي بِدَمعِكِ حَسرَةً |
مَا دَامَ مِنّي الروحُ فِي جُثمَانِي |
|
فَـإِذَا قُتِلتُ فَأَنتِ أَولَى بِالَّذِي |
تَـأتِينَه يَـا خِـيرةَ النسوانِ |
وّنَهَضَ عَليُّ بنُ الحُسَين زينُ العَابدينعليهالسلام وَخَرَجَ يتوكَّأُ عَلَى عَصَاً وَيَجُرُّ سَيفَه، إِذْ لا يَقدِرُ عَلَى حَملِهِ لأنَّه كَانَ مَريضَاً لا يستطيعُ الحَرَكة.
فَصَاحَ الحُسَينُعليهالسلام بأمِّ كُلثوم: اِحبسيه يَا أُختَاه، لِئَلا تَبقَى الأرضُ
خَاليةً مِن نَسلِ آلِ مُحمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم.
فَقَالَ زينُ العَابدين: يَا عَمَّتَاهُ، ذرينِي أُقَاتِل بَينَ يَدَي بنَ رَسُولِ الله.
فَأَخَذت أُمُّ كُلثوم تُمانِعُه، وتُنادِي خَلفه: يا بُنيَّ ارجِع، حتَّى أَرجَعتهُ إِلى فِراشِه.
مصرعُ عبدِ اللهِ الرَّضيع:
ثمَّ تَقَدَّمعليهالسلام إِلى بَابِ الخَيمة، وَدَعَا بِابنِه عَبدِ اللهِ الرَّضيع لِيودّعه، فأَجلَسَه فِي حِجرِه، وَأَخذَ يقبِّلُهُ وَيقُولُ:
«وَيلٌ لِهَؤُلاءِ القَومِ إِذَا كَانَ جَدُّكَ المُصطَفَى خَصمَهُم».
وفي بَعضِ المَقَاتِل: «ثمَّ أَتَى بِهِ نحوَ القومِ يطلبُ لهُ المَاءَ، وقالَ: إنْ لَمْ تَرحمونِي فارحَمُوا هَذَا الطفل».
فَرَمَاه حَرملَةُ بنُ كاهلِ الأَسَدي بسهمٍ فَذَبَحَهُ- وَهُوَ فِي حِجرِ أَبيه- فَتَلقَّّى الحُسَينُعليهالسلام الدَّمَ بِكَفّه، وَرَمَى بِهِ نَحوَ السَّماء.
فَعَنِ الإِمَامِ البَاقِرِعليهالسلام أَنَّه لَمْ يَسقُط مِن ذَلِكَ الدَّم قَطرةٌ إِلى الأَرض.
وَعن الإِمامِ الحُجّة- كَمَا فِي الزّيارةِ المَنسوبةِ إِلى النّاحيةِ المقدّسة-: «السَّلامُ عَلَى عبدِ اللهِ بنِ الحُسَينِ الطّفلِ الرَّضيعِ، المَرمِيِّ الصَّريعِ، المتُشحِّطِ دَمَاً، المُصعّدِ دَمُهُ فِي السَّماءِ، المَذبوحِ بِالسّهمِ فِي حِجرِ أَبيه..».
ثمَّ قَالَ الحُسَينُعليهالسلام : «هَوَّنَ مَا نَزَلَ بِي أَنَّه بِعينِ الله، اللهمَّ لا يَكُن أَهونَ عَلَيكَ مِن فصيل[ناقة صالح]، اللهمَّ إِنْ كُنتَ حَبَستَ عَنَّا النَّصرَ فاجعلهُ لِمَا هُوَ خيرٌ مِنه، وَانتقِم لَنَا مِن الظَّالِمين..».
ونُودِيَ: «دَعْه يَا حُسَين، فِإنَّ لَه مُرضِعَاً فِي الجنَّة».
ثمَّ نَزَلَعليهالسلام عَن فَرَسِه، وَحَفَرَ لَه بِجِفنِ سَيفِه، وَصَلَّى عَلَيه وَدَفَنَه
مُرَمّلاً بِدَمِه. وَيُقال: وَضَعَه مَعَ القَتلى مِن أَهلِ بَيتِه.
يا ناس حتى الطفل مذبوح |
دمه على زند حسين مسفوح |
|
وين اليساعدني ويجي ينوح |
قلبي على فرگاه مجروح |
الوداع الثاني:
ثمَّ إِنَّهعليهالسلام أَمَرَ عِيَالَه بِالسُّكوتِ، وَوَدَّعَهم ثَانِياً..
ثمَّ تَقَدَّمَعليهالسلام نَحوَ القَومِ مُصلتاً سَيفَه، عَازِمَاً عَلَى الشَّهادَة، فَدَعَا النَّاسَ إِلَى البِرَازِ، فَلَم يَزَلْ يَقتلُ كلَّ مَن بَرَزَ إِليه حَتَّى قَتَلَ جَمعاً كَثيرَاً.
ثمّ حَمَل عَلَى المَيمَنَةِ، وَهَوَ يقول:
المَوتُ أَولَى مِنْ رُكُوبِ العَارِ وَالعَارُ أَولَى مِنْ دُخُولِ النَّارِ
ثمَّ حَمَلَ عَلَى المَيسَرةِ، وَهَوَ يَقول:
أَنَا الحُسَينَ بنُ عَلي |
آليتُ أَنْ لا أَنثنِي |
|
أَحمِي عِيالاتِ أَبِي |
أَمضِي عَلَى دِينِ النَّبِيّ |
قَالَ بعضُ مَن حَضَرَ المعرَكَة: «فَوَاللهِ مَا رأيتُ مَكثورَاً قَطّ، قَد قُتلَ وُلدُه وَأهلُ بيتِه وَصحبُه أَربطَ جَأْشَاًً مِنه، وَلا أَمضَى جِنَانَاً وَلا أَجْرأَ مَقدَمَاً، وَلَم أَرَ قبلَه وَلا بَعدَه مثلَه، وَلقد كَانت الرِّجالُ لَتَشدُّ عَلَيه، فَيشدُّ عَلَيها، فَتَنكشفُ بينَ يَديه...».
ولَقَد كَانَ يَحملُ فِيهِم، وَقَد تَكامَلَوا ثَلاثِينَ أَلفَاً، فَينهزِمونَ بينَ يَديه كَأنَّهم الجَرَادُ المنتشرُ، وَلَم يثبتْ لَه أَحَدٌ، ثمَّ يَرجعُ إِلى مَركَزِه وَهَوَ يقولُ: «لاحولَ وَلا قوّةَ إِلا بِاللهِ العَلِيِّ العَظيم»، حتَّى قَتَل مِنهم مَقَتلةً عَظِيمَة.
فَقَصَدَهُ القومُ واشتدَّ القِتَالُ، وجَعَلَ يحمِلُ عليهم ويحملونَ عليهِ،
وقَدْ اشتدَّ بهِ العطَشُ، وكلَّمَا حمَلَ بفرسِهِ على الفراتِ حملوا عليهِ حتى أجلّوه عنه.
ودنَا من الفراتِ- ثانياً- فرمَاه الحُصينُ بنُ نُمَير بسهمٍ وقعَ في فمِهِ الشريفِ، فجعَلَ يتلقّى الدمَ مِن فمِهِ، ويرمي بهِ نحوَ السماءِ.
الوداعُ الثالثُ:
ثمَّ إنَّهعليهالسلام عادَ إلى الخيمَةِ، وودَّعَ عِيالَهُ وأهلَ بيتِهِ- ثالِثاً- وأمرَهمْ بالصبرِ، وقالَ لهُم:
«استعدّوا للبلاءِ، واعلمُوا أنَّ اللهَ تعالى حاميكُم وحافظُكُم، وسينجيْكُم من شرِّ الأعداءِ، ويجعلُ عاقبةَ أمرِكُم إلى خَيرٍ، ويعذِّبُ عدوَّكم بأنواعِ العذابِ، ويعوّضُكم عن البليَّةِ بأنواعِ النِّعمِ والكرامةِ، فلا تَشكوا، ولا تقولُوا بأَلسنَتِكُم ما يُنقصُ مِنْ قدرِكُم».
فصاحَ عمرُ بنُ سعدٍ بقومِهِ: «ويحكُم، اهجمُوا عليهِ ما دامَ مشغولاً بنفسهِ وحُرَمِهِ، واللهِ إنْ فَرَغَ لكُمْ لا تمتازُ مَيمَنَتِكُم عنْ مَيْسَرَتِكُم».
فَحَمَلوا عليهِ يرمونَه بالسِّهامِ، حتى تخالَفَتِ السِهَامُ بينَ أطنابِ المخيَّمِ، وشكَّ سهمٌ بعضَ أُزُرِ النساءِ، فدُهِشنَ وأُرعِبنَ وصِحنَ ودَخلْنَ الخيمةَ، وهنَّ ينظرنَ الحسينَ كيفَ يصنعُ فحَمَلَ على القومِ كالليثِ الغضبانِ، فلا يلحقُ أَحداً إلا بعَجَهُ بسيفِهِ فقتلَهُ، أو طعنَهُ برمحِهِ فصرعَهُ، والسهامُ تأخذُهُ منْ كلِّ جانبٍ وهو يتَّقيْهَا بصدرِهِ ونحرِهِ، ويقولُ:
«يا أُمَّةَ السُوءِ، بئسَمَا خلّفتُم محمّداً في عترتِهِ، أمَا إنَّكُم لن تقتلُوا
بَعدي عَبداً مِنْ عبادَ اللهِ، فتهابُوا قتلَهُ، بلْ يهونُ عليكُم ذلكَ عندَ قتلِكُم إيَّايَ، ثمَّ ينتقِمُ لي منكُم مِنْ حيثُ لا تَشعُرونَ».
ورَجَعَعليهالسلام إلى مركزِهِ، وهو يُكثِرُ مِنْ قَولِ: «لا حَولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ».
ورّماهُ أبو الحتوفِ الجُعفيُّ بسَهمٍ وقَعَ في جبهتِهِ المقدّسةِ فنزَعَهُ، وسالَتْ الدماءُ على وجهِهِ وكريمتِهِ، فقالَ:
«اللهُمَّ إنَّكَ تَرى مَا أَنَا فيهِ مِن عبادِكَ هؤلاءِ العُصَاةِ، اللهمَّ أحصِهم عَدَداً، واقتلْهم بَدَدَاً، ولا تذَرْ على وجهِ الأرضِ منهم أحَداً ولا تغفرْ لهُم أبَداً».
ثمَّ لمْ يزلْ يقاتلُ حتَّى أصابتْهُ جراحاتٍ كثيرةٍ... ولمَّا ضعُفَ عن القتالِ وقفَ ليستريحَ ساعةً، فبينمَا هو واقفٌ إذ رمَاهُ رجلٌ بحَجَرٍ وقعَ في جبهتِهِ الشريفةِ، فسَالتْ الدماءُ على وجهِهِ، فأخذَ الثوبَ ليمسحَ الدمَ عنْ وجهِهِ وعينَيهِ، إذ رمَاهُ لَعينٌ آخرَ مِنَ القومِ بسهمٍ محدَّدٍ مسمومٍ لهُ ثلاثُ شعبٍ وقعَ على صدرِهِ...
فقالَ الحسينُعليهالسلام : «بسمِ اللهِ وباللهِ وعلى ملَّةِ رسولِ اللهِ».
ورفَعَ رأسَهُ إلى السماءِ وقالَ: «إلهيْ إنَّكَ تعلمُ أنّهم يقتلونَ رجلاً ليسَ على وجهِ الأرضِ ابنُ [بنت] نبيٍّ غيرُه».
ثمَّ أخذَ السهمَ فأخرجَهُ..فانبعثَ الدمُ كالميزابِ..
فوضَعَ يدَهُ تحتَ الجرحِ، فلمَّا امتلأَتْ دَماً رمَى بهِ نحوَ السماءِ وقالَ: «هوَّنَ مَا نَزَلَ بي أنَّهُ بعينِ اللهِ». فلَمْ تسقطْ من ذلكَ الدمِ قطرةٌ إلى الأرضِ.
ثمَّ وضعَ يدَهُ- ثانياً - فلمَّا امتلأَتْ لطَّخَ بهِ رأسَهُ ووجهَهُ، وقالَ: «هكَذَا أكونُ حتَّى ألقَى اللهَ وجَدِّي رسولَ اللهِ وأنَا مخضوبٌ بدَمِي، وأقولُ: يَا جدِّي قتَلَنِي فلانٌ وفلانٌ».
وأَعياهُ نزفُ الدمِ، فجلسَ على الأرضِ....، فانتهَى إليهِ مالكُ بنُ النِسْرِ الكِنْدِيّ في تلكَ الحالِ، فشتَمَ الإمامَعليهالسلام ثمَّ ضربَهُ على رأسِهِ بالسيفِ، فامتَلأَ البُرنُسُ دَماً..
قالوا: ولمَّا سقَطَ الحسينُ عَنْ ظهرِ فرسِهِ- وقد أُثخِنَ بالجراحِ- قاتَلَ راجلاً قِتالَ الفارسِ الشجاعِ....، وشدَّ على الخيلِ وهو يقولُ: «وَيحَكُم أَعَلَى قَتلِي تجتَمِعُونَ؟!».
الحسينُ على وجهِ الثرَى:
قالوا: ومكَثَ الحسينُ طَويلاً من النَّهارِ مَطروحَاً عَلَى وَجهِ الأرضِ وهوَ مغشيٌّ عليهِ، ولو شَاؤا أنْ يقتلوهُ لفعلُوا، إلا أنَّ كلَّ قبيلةٍ تتَّكِلُ على الأُخرى وتكرَهُ الإقدامَ.
فعندَها صاحَ شِمرٌ بالناسِ: ويحكُمْ، مَا وقوفُكُمْ؟! ومَا تنتظرونَ
بالرجلِ؟! وقدْ أثخنَتْهُ السهامُ والرماحُ، احملُوا عليهِ، اقتلوهُ، ثكلتْكُم أمُّهاتُكُم.
فحَمَلُوا عليهِ مِنْ كلِّ جانبٍ:
فضّربَهُ لعينٌ على كفِّهِ اليُسرَى فقطعَها...
وضربَهُ آخرٌ على عاتقِهِ المقدَّسِ...
وطعنَهُ سنانُ بالرمحِ على تِرقُوَتِهِ فوقَعَ، ثمَّ انتزعَ الرمحَ وطعنَهُ في بواني صدرِهِ، ثمَّ رماهُ بسهمٍ وَقَعَ في نحرِهِ..
وطعنَهُ لعينٌ بالرمحِ في خاصِرَتِهِ..
وقصدَهُ آخرٌ يضربهُ بسيفِهِ..
ورماهُ الحصينُ بنُ تميمٍ في حلقِهِ..
فعندَ ذلكَ وقعَ مغشيّاً عليهِ..
يقولُ هلالُ بنُ نافعٍ: كنتُ واقفاً نحوَ الحسينِ وهوَ يجودُ بنفسِهِ، فواللهِ ما رأيتُ قتيلاً قطُّ مضمَّخاً بدمِهِ أحسنَ وجهاً ولا أنورَ! ولقدْ شَغلَنِي نورُ وجهِهِ عن الفِكرةِ في قتلِهِ..
ولمّا اشتدَّ بهِ الحالُ رفعَ طرفَهُ إلى السماءِ وقالَ: «اللهُمَّ أنت متعالي المكانِ، عظيمُ الجبروتِ، شديدُ المِحالِ، غنيٌّ عَنِ الخلائقِ، عريضُ الكِبْرياءِ، قادرٌ علَى مَا تشاءُ، قريبُ الرحمةِ، صادقُ الوعدِ، سابغُ النّعمةِ،
حَسَنُ البلاءِ، قريبٌ إذا دُعِيتَ، مُحيطٌ بما خَلَقْتَ، قابِلُ التوبةِ لمن تابَ إليك، قادرٌ على ما أردتَ، تُدرِكُ ما طَلَبتَ، شكورٌ إذا شُكِرتَ، ذكورٌ إذا ذُكِرتَ، أدعوكَ مُحتَاجاً وأرغبُ إليك فَقيراً، وأفزَعُ إليك خائِفاً، وأبكي مَكروباً، وأستعينُ بك ضعيفاً، وأتوكّل عليك كافياً. اللهُمَّ احكُمْ بَينَنَا وبينَ قومِنَا، فإنَّهم غرُّونَا وخَذَلُونَا، وغدَرُوا بِنَا وقتلونا، ونحنُ عِترةُ نبيِّكَ، ووُلدِ حبيبِكَ محمّدٍ الذي اصطفيتَه بالرسالةِ، وائتمنتَهُ على الوحيِ، فاجعَل لنَا من أمرِنا فرَجاً ومخرجاً يا أَرحم الراحمينَ».
«صَبراً على قضائِك يا ربِّ، لا إلهَ سِواكَ يا غياثَ المُستَغيثينَ، ما لي ربُّ سِواكَ ولا معبودٌ غيرُك، صبراً على حُكمِك، يا غِياثَ من لا غِيَاثَ له، يا دائماً لا نَفَادَ له، يا مُحييَ الـمَوتى، يا قائِماً على كلِ نَفسٍ بما كَسبَت، أُحكُم بَيني وبيَنهم وأنتَ خيرُ الحاكِمين».
فرسُ الحسينِعليهالسلام :
وأقبَلَ فرسُ الحسينِعليهالسلام يدورُ حولَهُ، ويلطِّخُ عرفَهُ وناصيَتَهُ بدمِهِ، ويشَمُّهُ ويصهَلُ صهيلاً عالياً، وأقبلَ نحوَ المخيّمِ بذلكَ الصهيلِ..
«فلمَّا نظرْنَ النساءُ إلى الجوادِ مخزيّاً، وسرجُهُ عليهِ ملويّاً، برزْنَ منَ الخدورِ...، على الخدودِ لاطمَاتٍ...، وبالعويلِ داعياتٍ، وبعدَ العزِّ مذلّلاتٍ، وإلى مصرعِ الحسينِ مبادراتٍ».
فواحدةٌ تحنُوْ عليهِ تضمُّهُ وأُخرى عليهِ بالرداءِ تظلّلُ
وأُخرى بفيضِ النحرِ تصبغُ وجهَهَا وأُخرى تُفدّيهِ وأُخرى تقبّلُ
وأُخرى على خوفٍ تلوذُ بجنبِهِ وأُخرى لِمَا قَدْ نالَهَا ليسَ تعقِلُ
وخرجَتْ زينبُعليهاالسلام ومِنْ خلفِها النساءُ والأرامِلُ واليتامَى مِنَ الفِسطاطِ إلى أرضِ المعركةِ، وهيَ تنادِي: «وامحمَّداهُ، واعليّاهُ، واجعفراهُ، واحمزتاهُ، واسيِّداهُ، هذا حسينٌ بالعراءِ، صريعُ كربلاءِ، ليْتَ السماءُ أَطبقَتْ على الأرضِ، وليتَ الجبالُ تدكدَكَتْ على السهلِ».
وانتهَتْ زينبُ ابنةُ عليٍّ نحوَ الحسينِ، وقدْ دنَا منهُ عُمَرُ بنُ سعدٍ- والحسينُ يجودُ بنفسِهِ- فصاحَتْ بهِ:
أيْ عُمَرُ، وَيحَكَ أيُقتَلُ أبو عبدِ اللهِ وأنتَ تنظرُ إليهِ؟ فصرَفَ بوجهِهِ
عنْها ودموعُهُ تسيلُ على وجهِهِ ولحيتِهِ.
فعندَ ذلكَ صاحَتْ زينبُ بالقومِ: «وَيحكُمْ، أَمَا فيكُمْ مسلمٌ؟!»، فلمْ يُجبْهَا أحدٌ.
الفاجعةُ الكبرى:
ثمَّ صاحَ ابنُ سعدٍ بالناسِ: ويحَكُمْ، انزلُوا إليهِ فأريحُوهُ..
فنزَلَ إليهِ شمرُ بنُ ذي الجوشنِ...
فضربَهُ برجلِهِ..
وأَلقاهُ على وجهِهِ..
ثمَّ أخذَ بكريمتِهِ المقدَّسةِ..
فرمقَهُ الحسينُ ببصرِهِ وقالَ لهُ: أتقتُلَنِي، أَوَلا تعلمُ مَنْ أنَا؟!
فقالَ الشمرُ: أعرِفُك حقَّ المعرفةِ:
أمُّكَ فاطمةُ الزهراءُ..
وأبوكَ عليُّ المرتضَى..
وجدُّكَ محمَّدُ المصطفَى..
وخصمُكَ العليُّ الأَعلَى..
وأقتلُكَ ولا أبالي..
فضربَهُ بالسيفِ اثنتَي عشرةِ ضربةٍ...
ثمَّ..حزَّ رأسَهُ الشريفَ...
وا إماماهُ، واسيّداهُ، واغريباه.
وامذبوحاه، واعطشاناه، وامظلوماه.
واحسيناه
الفهرس
المقدمة3
مقدّمة المجلس 5
من قصيدةٍ للسيّد جعفر الحلّي قدس سره:8
يوم عاشوراء10
خطبة الحسين عليهالسلام الأولى 12
خطبة الحسين عليهالسلام الثانية16
موقف الحرّ الرياحيّ 18
بداية الحرب 21
الحملة الأولى 23
صلاة الظهيرة26
الحملة الثانية29
أهلَ الكوفة:31
شهادة أهل البيت عليهمالسلام 32
مصرع عليّ الأكبر عليهالسلام 32
مقاتل آل عقيل عليهمالسلام 36
مقاتل إخوة العباس عليهالسلام 39
شهادة العباس عليهالسلام 39
شَهادةُ الإِمام الحُسينعليهالسلام :44
الوَداعُ الأَول:45
مصرعُ عبدِ اللهِ الرَّضيع:47
الوداع الثاني:49
الوداعُ الثالثُ:51
فرسُ الحسينِ عليهالسلام:56
الفاجعةُ الكبرى:58