تصدير
1 - الأستاد العلامة الشيخ باقر الشيخ شريف القرشي احد النّابهين من خرّيجي مدرسة النّجف الأشرف، الحاضرة العلمية الكبرى للشّيعة الاماميّة. وهو غنيّ بآثاره وبحوثه الّتي تناولت شتّى الموضوعات الدّينيّة والتّاريخية الّتي حظيت كلّها بالاقبال الشّديد من قبل عامّة القرّاء. وخاصّة كتبه الّتي تناول فيها تاريخ الأئمّة من اهل البيت عليهم السلام وسيرهم. ومن اوضح الادلّة على هذا انّ كتبه كلّها اعيد طبعها مرات ومرات في فواصل زمنّية قصيرة جدّاً.
2 - وصف كتابه هذا (العمل وحقوق العامل في الاسلام) في احدى طبعاته بانّه «دراسة شاملة عن (العامل والفلاّح) في النظام الاسلامّي مع مقارنتها بالاسس العامة للمبادئ الحديثة يجلّي فيه المؤلف المفهوم الذي قدمه الاسلام في ميدان العمل والعاملين بانسانيتّه الأصيلة وثروته البناءة الشّاملة. وقد توفّرت في هذا الكتاب جميع عناصر البحث المنهجي المتكامل الذي لا تحيز فيه».
وهذا الوصف صادق الى حد بعيد حينما يكون بحسباننا انّ الكتاب وضع لعامّة القّراء، ولكي يحقق متطلباتهم التّثقيفيّة وحاجاتهم الفكريّة، ومشاكلهم الّتي يواجهونها عندما تعرض عليهم شتّى المبادئ الحديثة، وعندما تعترض طريقهم شتّى النّزعات، وتبلبل افكارهم شتّى الاهواء والشّعارات.
3 - و (دار احياء تراث اهل البيت عليهم السّلام) التّابعة للمؤسّسة العالميّة للخدمات الاسلاميّة لمّا رأت في هذا الكتاب ما تقّدم عزمت على اعادة طبعه، آملة ان يكون عملها هذا خطوة أخرى تقرّبها إلى أهدافها، وبهذا تقربها من رضى اللّه سبحانه، وراجية منه عزّ وجل ان يسددّ خطاها، وان يوفقها لما فيه خير المسلمين، انّه نعم المولى ونعم النّصير.
13 / 1 / 1403 دار احياء تراث اهل البيت
31 / 10 / 1982 عليهم السلام
طهران - ايران
بسم اللّه الرحمن الرحيم
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (1) ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّـهِ وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (2) ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) (3) .
القرآن الكريم
____________________
1 - سورة الملك: آية 15.
2 - سورة الجمعة: آية 10.
3 - سورة القصص: آية 77.
إلى العمال المتعطشين للعدل الاجتماعي
إلى الكادحين الذين يترقبون الحياة الكريمة، ويجاهدون من أجل مجتمع أفضل.
اقدم لهم هذا المجهود الذي يحوي ما شرعه الاسلام لهم من الحقوق العادلة التي توفر لهم العيش الرغيد في ظل نظام رفيع مستقر يمنحهم السعادة، ويقضي على آلامهم ومصاعب حياتهم.
المؤلف
مقدمة الطبعة الثانية
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه على نعمائه وآلائه والصلاة والسلام على خير خلق اللّه البشير النذير محمد (ص) والتحية العاطرة على آله الطاهرين وصحبه المنتجبين، وبعد: فيسعدنا أن نقدم الى القراء (الطبعة الثانية) من كتابنا هذا بعد أن ندرت نسخ الطبعة الأولى منذ الأيام القليلة من صدورها، ونظراً لما لمسناه من اقبال القارئ الكريم على مثل هذه البحوث الاسلامية المفيدة ومن الحاجة الملحة الى اطلاع المجتمع الاسلامي على التشريعات العظيمة التي سنها الاسلام وشرعها في ميدان العمل والعاملين ومقارنتها بالتشريعات الأخرى التي هي أبعد ما تكون عن مصلحة العامل فقد اتخذته وسيلة لتحقيق مآربها وأطماعها، ولا يمكن بأي حال أن تحل مشاكله حلاً جذرياً شاملاً أو تحقق أهدافه العريضة في العزة الاجتماعية والحياة المرفهة.
وقد كشف هذا الكتاب عن الأخطاء الفظيعة التي اتصفت بها الانظمة المناوئة للاسلام والتي شهد العالم انهيارها وافلاسها في الميدان الاقتصادي وغيره، ولا منجاة للمسلمين في مثل هذه المراحل الحاسمة من تأريخهم إلا بالتمسك بأهداف الاسلام وتطبيق مثله السليمة على واقع حياتهم واقصاء المبادئ المستوردة عن بلادهم.
ونعلن الى القراء عن ترجمة هذا الكتاب الى اللغة الايرانية واللغة الاندنوسية سائلين منه تعالى التوفيق والسداد «وما توفيقي إلا باللّه عليه توكلت واليه أنيب».
17 ربيع الأول سنة 1384 هجري
المؤلف
مقدمة الطبعة الاولى
(1)
في أفق الحياة وفي ميادينها وجميع شؤونها مشاكل ومشاكل فصراع مرير وآلام مرهقة، ونكايات موجعة، وخطوب مريعة قد أحاطت بابن آدم المجهود المكدود فلم يجد منفذاً للخروج من شرورها والتخلص من محنها، حتى تعقدت حياته تعقداً فظيعاً حار في حلها العظماء والمصلحون.
ولم تنشأ المشكلة من جانب خاص، و من زاوية واحدة فجميع جوانب الحياة محفوفة بالمشاكل والخطوب، وحافلة بالمصاعب والمكاره، فلا تجد إنساناً مهما أوتي من متع الحياة ورغائبها إلا محاطاً بالآلام النفسية والمصاعب الخارجية.
وقد حاول رجال الفكر من قدامى ومعاصرين أن يضعوا الحلول السليمة لمشاكل الحياة مادية كانت أو فكرية لتنحسر متاعب الانسان، ويقضي على آلامه وشقائه ويظفر بحلم الراحة والدعة والاستقرار، فنظر بعض المصلحين الى جانب
الروح فدعا الى تصفية النفوس، وطهارة القلوب، والترفع عن المادة، واهمالها في جميع المجالات، وتمحضت لهذه الدعوة الخالصة الديانة المسيحية فقد جاء في الرسالة العيسوية:
(إنكم لا تقدرون أن تخدموا اللّه والمال، لذلك أقول لكم لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون، وبما تشربون، ولا لأجسامكم بما تلبسون)(1) .
وزعموا أن المسيح عليه السلام قال: « دع ما تملك واتبعني » ومن الطبيعي أن يمنى هذا العلاج بالفشل والخذلان لأنه قد اصطدم بالواقع فان الانسان بمقتضى وجود طبعه وطبيعة وجوده مرتبط بالمادة ارتباطاً وثيقاً لا تستقيم له حياة، ولا يسير له نظام إلا بها، فاهمالها وجعلها في معزل عن واقع الحياة إنما هو تدمير للانسان، وتحطيم لكيانه وحياته.
إن الانسان منذ وجوده على هذه الكرة الارضية مجبول على حب الاثرة، وحب التمتع بملاذ الحياة، وقد كشف القرآن الكريم عن هذه الظاهرة النفسية في الانسان قال اللّه تعالى:( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ
____________________
1 - انجيل متى الاصحاح السادس: ص 25.
الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ) (1) وقال تعالى:( الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) (2) وقال اللّه عن الانسان:( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) (3) .
وقال تعالى: حكاية عن نبيه موسى( إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ) (4) وقد ذهب اكثر المفسرين الى أن المقصود من الخير في الآيتين هو المال. إن غريزة حب المال والتملك من أقوى الغرائز الانسانية الأصيلة فلا تدانيها غريزة أخرى من غرائزه غير حب البقاء، فهما سر الحركة الدائبة في الحياة، ومصدر القوى الفعالة في بعث النشاط والتقدم ويستحيل أن يتجرد الانسان من هذه الظاهرة النفسية.
ومهما يكن من أمر فان تجريد الانسان من حب المادة وتوجيهه توجيهاً روحياً خالصاً لا يمكن بأي حال أن يكون علاجاً يحسم به الداء يقول الاستاذ محمد قطب:
____________________
1 - سورة آل عمران آية 14.
2 - سورة الكهف آية 46.
3 - سورة العاديات آية 8.
4 - سورة القصص آية 24.
« وقد فشلت المسيحية في صورتها تلك عند التطبيق العملي لانها تتطلب من البشر فوق ما يطيقون احتماله. ولان كبت النوازع الفطرية على هذه الصورة أمر مستحيل. فدفعة الجسد قوية عنيفة. وهي لا تفتأ تلح على الانسان، وتضغط عليه ضغطاً ليستجيب اليها فاذا وقع الفرد بين ضغط الغريزة الدائم الملح، وبين العقيدة التي توحي أن الاستجابة لهذا الضغط دنس لا يجوز أن يلوث به نفسه، فليس لذلك إلا نتيجة واحدة، أو احدى نتيجتين: إما أن يستجيب لوحي العقيدة - إن استطاع - فيترهبن، وينقطع عن الحياة والأحياء أو يستجيب لدفعة الجسد العنيفة الملحة، فيطلق الشحنة التي يرهقه حبسها ويعذبه ولكنه مع هذا لا ينجو من العذاب. فهناك الصراع الداخلي العنيف الذي ينشب في ضمير الفرد الذي تستولي عليه هذه العقيدة، صراع بين ما فعله وما كان ينبغي أن يفعله: صراع بين الجسد والروح ينتهي بالعقد النفسية التي أشار اليها فرويد، وخصص حياته للكشف عنها، أو ينتهي بالاضطرابات العصبية التي تضيع نشاط الفرد وتبدد طاقاته، فلا ينتفع لنفسه، ولا ينتفع بها أحد من الأحياء(1) .
____________________
1 - الانسان بين المادية والاسلام ص 1.
إن الدعوة الى الترهب ونكران المتع والرغائب دعوة قاسية لا تحتملها الحياة، ولا تستقيم عليها طبائع الناس.
وعلى عكس المسيحية كانت الديانة اليهودية فقد انطلقت تدعو الى المادة والتحريض على تكديس الثراء بأى طريق كان، وتطورت هذه الدعوى الى الاسراف عند معتنقيها الى حد بعيد فقد غالى بعضهم فجعلها أساس التكوين ومصدر القوى النامية في حياة الانسان والسبب الوحيد في سعادته وشقائه، واخضع لها جميع ظواهر الحياة حتى فسر التاريخ تفسيراً مادياً بحتاً، وعلى هذا الرأي بنيت الفلسفة المادية التي تنظر الى الانسان أنه كائن أرضي بحت لا يرتفع بمشاعره وعواطفه عن عالم الأرض إلا في حالات الشذوذ وقد تنكرت هذه الفلسفة لجميع القيم الانسانية فلم تؤمن بالكرامة ولا بالأفكار العليا، ولا بغيرها من صفات السمو والكمال، وعند أصحابها أن البحث عن الروح إنما هو ضرب من ضروب الجهل ونوع من أنواع الخرافة ولون من الوان الرجعية إذ لا أثر عندهم للطاقات الروحية، ولا أهمية للمثل الدينية، ولا قيمة للعادات الانسانية المهذبة التي أصبح الانسان فيها له سيادة على الغريزة وتميز واضح على الحيوان، وان مطالب المعدة والجسد في مذهبهم هي أصل الفنون
والآداب، وأصل المعتقدات والأخلاق وليس عندهم شيء في الحياة الانسانية يرجع الى أصل غير ما يسمونه عوامل الانتاج »(1) .
وعلى أي حال فقد نظرت هذه الفلسفة المادية الى الانسان بأنه مجرد من العواطف وسائر الميول لا يستجيب إلا للنزاعات الاقتصادية وعلى ذلك بنى الكلاسيكيون اقتصادهم فأقاموا صراحة على الغاء دخائل النفوس وعدم استجابتها لأي عاطفة من العواطف سوى الجانب المادي، ومما لا ريب فيه أن الكيان الانساني ينهار ويتحطم على هذه النظرية الخرقاء يقول الاستاذ محمد الغزالي:
«إن الحياة البشرية تتحول في ظلال هذه الفلسفة الجافة الى انسان ميكانيكي لا يدري من وجوده إلا ما يزحم المعدة من وقود ويثير الغرائز من شهوات، ويهيج المطامع من حروب ثم تنقطع الصلة بين الانسانية وبارئها - سبحانه - ويتحول الرجال والنساء الى رقيق للارض وعبيد للمصنع».
إن الانسان ذو النفس الجياشة المتميز على سائر الموجودات بعقله وتفكيره وسائر عواطفه لم يكن حيواناً اعجماً فاقداً للتفكير
____________________
1 - مذهب ذوي العاهات.
ومجرداً عن العواطف والغرائز بل هو على العكس من ذلك قد أترعت مشاعره بالعواطف وخضعت نفسه للقيم العليا، وأنه يشعر من أعماق نفسه بافتقاره الى المثل الدينية، والى الاعتقاد بخالقه وواهب الحياة له، ومن يحاول تجريد الانسان من ذلك فانما يحاول تشويه الحياة وتحطيم الانسان وقذفه في هوة سحيقة لا بصيص فيها من النور، وذلك لأن الدين يمنع الانسان من التعدي على كرامة الآخرين، ويجنبه عن كل رذيلة، ويحبب له كل فضيلة.
وعلى أي حال فان الفلسفة المادية لا يمكن أن تنقذ الإنسان عن محنته وتعالج مشاكله، أو تقضي على مصاعب حياته لأنها لا تعتني باهدافه وأمانيه، ولا تعترف بأنه يملك ضميراً حياً تدفعه القوى الروحية الواعية الى التهذيب والسمو وطلب الخير. إذ مقياس كل اعتبار عندهم لا يكون إلا بالمادة ومعنى ذلك أن يسقط جانب الروح من الحساب.
كما ان الدعوة الروحية لا تحسم الداء أو تزيل كابوس الشقاء عن الانسان لأنه لا يمكن تجريده من مقومات ذاته واستغنائه عن المادة، فان المدار عندهم على الروح ومعنى ذلك أن تلغى الماديات من الاعتبار، وبقيت المشكلة بحالها فلم يأت
دعاة الروح ولا دعاة المادة بشيء.
وأجدر بالاسلام أن يكون النطاسي الخبير فقد شخص الداء ووصف له الدواء الناجع، فقلعه من جذوره، وقضى على جراثيمه يقول شوقي: في مدحه للنبي (ص):
داء الجماعة من ارسطاليس لم |
يوصف له حتى أتيت دواء |
نعم لم توصف الحلول السليمة لمشاكل الانسان كما وصفها نبي الاسلام فقد نظر الى الحياة نظرة عميقة فمنح جميع مجالاتها الحلول الصحيحة الحاسمة فلم يقتصر على جانب خاص من جوانبها بل شملت تعاليمه الخلاقة جميع مفاهيمها وألوانها وصورها.
إنها لم تكن قاصرة على جهة، ومنعزلة عن جهة أخرى بل كانت - والحمد للّه - شاملة لجميع جوانب الحياة مادية كانت أو فكرية فتناولت حياة الفرد، وارتباطات الجماعات، وأسس الدولة، والعلاقات الدولية، وتناولت حياة الانسان من جميع الجهات فوضعت لها التشريعات التي تنظمها جنائياً ومدنياً وتجارياً واجتماعياً وسياسياً، ولم تترك جانباً من جوانبها إلا رصدت له الاصلاح.
لم يقتصر الاسلام في نظامه الرفيع، ودستوره الخالد على
المادة واهمال الروح بل نظر اليهما نظرة واحدة وهيأ للانسان في تشريعة طريقاً موصلاً إليهما ولا يختص بأحدهما دون الآخر، فلا يصح من المسلم أن يترهب، ويترك متع الدنيا، كما لا يصح منه أن يقبل على المادة ويهيم في طلبها بأي طريق كان، والى ذلك يشير الحديث الشريف: (ليس منا من ترك دنياه لآخرته، ولا آخرته لدنياه)(1) .
وجاء في حديث آخر الحث على العمل للدنيا والآخرة معاً يقول (ص):
«اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً» على هذا التوازن بنى الاسلام حضارته الخالدة التي شقت أجواء التأريخ ونفذت الى أعماق القلوب وأنقذت الانسان من ضراوة المادة وخمول الرهبانية.
لقد نظر الاسالم الى المادة فاعتبرها أداة استهلاكية لا غير ومنع من أن تكون هي الغاية للانسان حيث ندد بمن قصر همه على المعيشة المادية من طعام وشراب فقال تعالى:( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (2)
____________________
1 - من لا يحضره الفقيه، 3 - 94.
2 - سورة الحجر آية 3.
وقال تعالى:( فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ) (1) بهذا الإنذار والتهديد توعد من وجه نشاطه وقواه العقلية نحو المادة وترك القيم العليا والمثل الكاملة ولم يعمل على تطهير نفسهمن الرجس والرذائل وخدمة مجتمعه خدمة صحيحة.
إن الاسلام يدعو الى الوئام بين الروح والجسم ويدعو الى التوازن بينهما فلا يفرض سيادة المعدة على العقل، وبذلك فقد ركز دعوته على الأسس الانسانية العادلة التي تنتظم بها الحياة الاجتماعية ويتحقق بها التوازن بين الافراد والجماعات.
(2)
وبنى الاسلام في ربوع العالم معالم الحضارة وأقام صروح العدالة، وأوجد انقلاباً جذرياً في طريقة العيش واسلوب الحياة، فقد أذاب سطوة القبائل، وغلبة الفرد، وقضى على كيان الفوضى والتمرد، واخضع الجميع للقانون والدستور بعدما كان الناس لا يعرفون شيئاً من المبادئ الدستورية والنظم القانونية يقول البروفسور (ليك):
«هناك حقيقة جديرة بالاعتبار والتقدير وهي أنه في
____________________
1 - سورة الزخرف آية 83.
الوقت الذي كان العالم كه يرزح تحت نير العبودية جاء الاسلام ينادي بالحرية والاخاء والمساواة في الحقوق والواجبات».
لقد انطلق الاسلام في حضارته يشق أجواء التأريخ ويصنع للانسانية ما لم تصنعه أي حضارة أخرى في العالم.
يقول (السير. ب. اسكوت): إن الحضارة الحديثة مدينة بالكثير للاسلام الذي حرر العقل البشري من عقال الوهم والخرافة، لقد بهرت الحضارة الاسلامية أوربا في القرون الوسطى(1) .
إن العالم بأسره يشهد ما للاسلام من فضل في تنوير العقول وتقرير الحقوق الكاملة للانسان، وان في تراثه ما يوفر للانسانية الراحة والاستقرار، وانها لا تجد بأي حال نظاماً يحقق في ربوعها العدل الاجتماعي سوى نظام الاسلام.
لقد انطلق الاسلام قوة هائلة تطهر الأرض من جميع المفاسد والمهازل التي توجب شقاء الانسان وعذابه وسلب راحته واستقراره وأمنه.
إن من المفاهيم التي ركز الاسلام اتجاهاته على تحطيمها هو الفقر فهو رديف الكفر، فما دخل الفقر الى بلد
____________________
1 - امبراطورية المغاربة: ص 532.
الا صحب معه الالحاد والمبادئ الشاذة كما نص على ذلك الحديث الشريف، وورد في بعض الأدعية «اللهم اني أعوذ بك من الكفر والفقر».
لقد عمل الاسلام علي اذابة الفقر وتحطيمه وإزالة شبحه وذلك بما سنه من النظم الاقتصادية الخلاقة، فقد نظر الى المال فوضع له منهاجاً خاصاً يمنع من تكديسه وتضخمه عند طبقة خاصة، وذلك بتحديده لطرق الكسب والتجارة، كما اعتبر المال مال اللّه وليس حائزه إلا وسيطاً ومستخلفاً عليه قال اللّه تعالى:( آمِنُوا بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) (1) وقال تعالى:( وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّـهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) (2) فالمال مال اللّه وسنة اللّه تمنع أن تتضخم النقود ويتكدس الثراء الفاحش، ولاتخرج منها الحقوق المفروضة التي جعلها الشارع للمعوزين والمحرومين.
إن الاسلام قد قضى في تشريعه على الرأسمالية الظالمة فقد نهى عن الربا، ومنع من الاحتكار، وحرم الاستغلال، والتضخم النقدي في أغلب صوره ناتج عن هذه الاسباب،
____________________
1 - سورة الحديد: آية 7.
2 - سورة النور: آية 33.
وفي تحريم الاسلام لها حكمة بالغة وذلك لئلا تنحصر الثروة عند فريق من الناس وتحرم منها الاكثرية الساحقة الأمر الذي يؤدي الى اشاعة الاضطراب وفقدان التوازن في الحياة الاجتماعية وحدوث الانفجارات الشعبية التي توجب دمار البلاد وهلاك العباد في جميع مجالات.
وليس الاسلام في تحديده لاسباب الثروة وحصرها في الطرق المباحة وفرضه للضرائب المالية على أموال الأغنياء انه يلتقي بذلك مع الشيوعية الكافرة أو الاشتراكية الملفقة بطريق فان للاسلام مناهجه الخاصة ونظرياته الصائبة التي تواكب الفطرة المستقيمة والوعي السليم، وعليهما يرتكز اقتصاده الخاص.
اما الشيوعية فانها تنسف المجتمع من أصله وأساسه، وتبني بعد خرابة لاقتصادياته ومعالمه اقتصاداً مشوهاً لا يلتقي مع الفطرة الأصيلة للانسان، إقتصاد مبنى على أن يكون الانسان كالآلة الصماء لا حرية له ولا تفكير، ولا ارادة، ولا وعي، يعمل ويعطي للدولة، يعمل والحرس السرى على رأسه يحصي عليه أنفاسه في المعمل، وفي البيت، وفي النادي، فلا يكاد يظفر من دنياه إلا بما يسد الرمق يتناوله على خوف ويطعمه على حذر.
إن الاقتصاد الشيوعي مبني على محو الملكية وزوالها، وحصرها عند الدولة، وحرمان الفرد من استغلال سعيه واستثمار جهده وتعبه والانسان منذ وجد وجدت معه غريزة حب الملك ويستحيل القضاء على هذه الغريزة ما دام الانسان يملك وعيه واختياره والذي ينكر ذلك فانما ينكر كل ما يوحي به طبع الانسان وفطرته التي فطر اللّه الناس عليها.
إن الاقتصاد الذي جعل شعاره الدم، وازهاق الانفس ولايهم معتنقيه أن تذهب ثلاثة أرباع العالم في سبيل تطبيقه(1) لهو اقتصاد مشوه ليس له واقع في الحياة الاقتصادية.
إن الاقتصاد الذي لا يعتني بالعواطف والمشاعر وحقائق الأمور ما هو إلا حقيقة وهمية، وخيال محض، لا يؤمن به إلا ذوو العاهات الذين يعيشون في الخيال والأوهام ولا ينظرون إلا الى الخلف.
وحاول فريق من انصار الرأسمالية الظالمة، والشيوعية الكافرة والاشتراكية المرتجلة أن يتمسكوا ببعض التعاليم الاسلامية
____________________
1 - كتب الزعيم لينين الى مكسيم جورجي الاديب الروسي رسالة جاء فيها «هناك ثلاثة ارباع العالم ليس بشيء، انما الشيء الهام ان يصبح الباقي منهم شيوعيين».
للاستدلال على أفكارهم وتدعيم عقائدهم، وقد اقترفوا بذلك ظلماً فان الاسلام أسمى وأرفع من أن يشبه هذه الانظمة الفاسدة التي بنيت على الخداع والتضليل والمواربة وتلبيس الحق بلباس الباطل، واغراء السذج والبسطاء وسلب اقتصاديات الشعوب الضعيفة والتلاعب في مقدارتها.
إن الاسلام يبرأ من تلك الأنظمة الجائرة، ولا تربطه أي صلة مع تلك المبادئ الهزيلة التي نشرت التسيب والميوعة والفساد في الأرض.
إن للاسلام أهدافاً واضحة المعالم ثابتة الدعائم تتميز عن هذه القوانين الحديثة التي لا تنشد إلا مطالب الجسد ونشر الشهوات وتحطيم الاخلاق.
فللاسلام خططه الصريحة الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض، إنه جاء ليسمو بالانسانية، ويرفع مستواها الخلقي والثقافي والاقتصادي، ويحقق في ربوعها العدل الاجتماعي، ويزيل عنها الظلم والجهل.
إن من الجناية على الحق، ومن الظلم للواقع أن يشبه الاسلام بشيء من تلك المبادئ القذرة التي لا تحمل في روحها وجوهرها معنى من معاني العدل والخير، وقد أثبتت الأدلة
والتجارب انهيارها وافلاسها وعدم امكان تطبيقها في زمن يسير أو طويل إلا بالقسوة على الشعب والتهديد بالقوة الاستبدادية بينما الاسلام قد سار مع الانسانية أجيالاً وأجيالاً، وهو يحميها ويصونها ويقودها من نصر الى نصر، وذلك لأن احكامه العادلة لا تجافي الطبيعة، ولا تناهض الفطرة ولا تنكر الحقائق ولا تحاول الخروج على السنن، ولا تضيق صدراً بالاصلاح ولا تكلف الناس ما ليس في استطاعتهم، ولذا لما أقصي الاسلام عن جميع المجالات وجمدت طاقاته أصيبت الانسانية بمثل هذه الانتكاسات الكبرى، والاخطار الهائلة التي تنذر بفناء الحياة وانعدام الانسان والموجودات عن هذه الأرض، فقد انتشر الجشع بين الساسة والقادة، واستحكم العداء والبلاء فيما بينهم كل يريد أن ينفرد بالحكم ويغزو الجانب الآخر، ومن جراء ذلك خيم الخوف وعم الذعر على جميع الناس، وزاد في نشر الاضطراب والهلع بين الناس اتجاه افكار المخترعين والمبدعين الى صنع الآلات المبيدة للانسان والمحرقة للارض ببضع ساعات، وكان ذلك ناشئاً من دون شك من فقدان المثل العليا من النفوس واتجاه العالم نحو المادة اتجاهاً جر له الويل والدمار.
ونحن نؤمن ايماناً لايخامره شك ان الاسلام لا بد وأن ينتصر في صراعه مع هذه المبادئ الدخيلة، ولا بد أن تتبلور أفكاره في المحيط العالمي ويكون ملاذاً للانسانية يحميها، ويذب عنها الكيد والعدوان، ويدراً عنها الأهوال والاخطار.
(3)
وسرت موجة الدعوة الاسلامية بسرعة الضوء نحو شعوب العالم ففي قرن واحد من الزمن امتد الفتح الاسلامي من هضاب الهند الى سهول الاندلس، وبادرت الشعوب الى اعتناق الاسلام، والايمان به، والتفت حوله تحميه وتصونه لأنها وجدت في ظلاله الحماية لها من الاستغلال والاستبداد والخلاص من تحكم القوي بالضعيف.
وظل الاسلام أجيالاً وهو قوي الجانب شامخ الكيان، قد بسط العدل، ونشر الخير، ووحد الكلمة، والف ما بين القلوب، وبقي المسلمون، وهم الجماعة القائدة للمجتمع الانساني، يخططون سياسة العالم، ويقررون مصيره على أساس من السياسة البناءة التي لا تعرف التحيز، ولا تسلب قوت الشعوب ومقدراتها ولا تستأثر بالخيرات أو تنفرد بالثروات.
وحقدت القوى الكافرة على تلك الانتصارات الهائلة التي أحرزها الاسلام فقامت بعدوان مسلح وشنت الحروب الصليبة على العالم الاسلامي ولكن صمود المسلمين، وشعورهم بالمسؤولية أمام اللّه في ضرورة الدفاع عن الاسلام أزال عنهم الخطوب والكوارث، ومنيت القوى المعادية لهم بالفشل والخسران، ورجع لهم عزهم ومجدهم وفي نفس الوقت زادتهم الأحداث التي مرت بهم ايماناً بدينهم وتصلباً لعقيدتهم.
وتوالت أحداث رهيبة على العالم الاسلامي، وكان أشدها خطراً وأعظمها محنة وبلاء ان الخلافة الاسلامية العظمى قد تقصمها جماعة من الادعياء ممن لا كفاءة لهم ولا دين عندهم فاخذوا يتلاعبون في مقدرات الاقاليم الاسلامية فصرفوا أموال المسلمين بسخاء على المجون والدعارة واضطهدوا رجال الفكر والمصلحين من ابناء هذه الأمة، وطاردوا كل من يطالب بتحقيق العدالة الاجتماعية ورفع مستوى البلاد وتطبيق الاسلام تطبيقاً صحيحاً، وقد جنوا بذلك على الأمة جناية لا تعدلها جناية، فقد مكنوا الفرصة لاعداء الاسلام لاحتلال بلاد المسلمين واستعمارها والتحكم في مصيرها ونشر مبادئهم الكافرة، وكان ذلك أهم ما مني به الاسلام من خطر ينذر بالفناء والدمار.
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر فيما تركه المستعمرون في بلاد المسلمين من الدمار والفساد فنحن أحوج ما نكون في مثل هذه الظروف الحاسمة من تأريخنا أن نقف على النكبات الموجعة التي صبها علينا عدونا الماكر لعلنا بذلك أن نستيقظ من سباتنا ونلتفت الى واقعنا المرير فنصلح بعض تلك الأوضاع الهزيلة التي سادت في بلادنا، وإلى القراء ذلك:
(أ) تجزئة البلاد:
وطعن الاستعمار العالم الاسلامي طعنة نجلاء في صميمه فقد فصم الوحدة الاسلامية الكبرى وجزأ البلاد الى دويلات خاضعة لنفوذه لا تتمكن على حماية نفسها وصيانة رعاياها من التحكم السافر في مصيرها ونهب مقدراتها، والاستيلاء على جميع امكانياتها الاقتصادية، وبذلك ترك البلاد تئن من الظلم والاستبداد والحرمان.
إن قضاء الاستعمار على الدولة الاسلامية العظمى من أشد المآسي التي حلت بالمسلمين فقد فصل بعضهم عن بعض، وفرق كلمتهم، وشتت شملهم وترك البؤس ماثلاً في بلادهم والذل مخيماً عليهم، ولا يمكن بحال أن تقوم للمسلمين قائمة وهم متفرقون متباعدون لا تجمعهم جامعة ولا تحميهم دولة تسير في ظلال القرآن
فلا يصلح آخرها إلا بما صلح له أولها.
(ب) اقصاء النظام الاسلامي.
إن الإستعمار حينما استولى على الوطن الاسلامي الكبير وجه قذائفه بمهارة نحو تراثنا الديني، ونحو قيمنا العليا، فعمل بكل قواه مع أذنابه وعملائه على تجميد الطاقات الاسلامية واقصاء نظامه في جميع المجالات من حياتنا فبدل أحكام الاسلام وتعالميه بالانظمة المستوردة ليسير المسلمون على وفقها في منازعاتهم ومرافعاتهم في المحاكم الجزائية وغيرها، وانما صنع ذلك لأن النظام الاسلامي قائم حي قد عمر قلوب المسلمين آنذاك وقدمهم على بقية الأمم، فاذا وجد له ظل في حياة المسلمين فانه حتماً سيدفعهم الى تحطيمه والاجهاز عليه.
لقد حال المستعمرون بين المسلمين وبين نظام دينهم، وبذلك قد حكم عليهم بالموت والفناء وجعلهم عبيداً واقناناً له يستغل ثرواتهم، ويتحكم في مصيرهم ويوجههم حيثما شاء.
(ج) الطعن في الاسلام
وعمل المستعمرون على تشويه الاسلام والطعن فيه، والنيل من قادته فقد انطلقت أجهزة دعاياتهم في البلاد الاسلامية وغيرها تذيع أن الاسلام يجافي منطق العقل، وينافي التحرر،
ويعادي العلم، وفي كنفه يتغلغل الجمود والأوهام الى غير ذلك من الوان الأظاليل والأكاذيب، والغرض من ذلك - أولاً - أن يزهد المسلمين في دينهم ويبعدهم عنه - وثانياً - أن يبرز الاسلام بصورة مشوهة أمام المحيط العالمي، وقد قامت بهذه العملية لجان التبشير التي كان يرسلها الاستعمار لتحقيق أغراضه الدنيئة حيث أخذت تصطنع الاكاذيب وتلفقها وتلصقها بالاسلام والمسلمين، وقد جاء هذا المعنى صريحاً فيما نشرته مجلة (العالم الاسلامي) وهو خلاصة مقال كتبه (ادوار ميدايرل) أحد أساتذة التأريخ في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة لمجلة (الشؤون الخارجية) عنوانه الارساليات في الشرق الأدنى جاء فيه:
«قد حمل هؤلاء المبشرون على أن يقدموا لنا في الولايات المتحدة صورة ناقصة أو ساخرة في بعض الأحيان للمسلمين وللاسلام»(1) .
كما طعنوا بشخصية الرسول الأعظم (ص) ووصفوه بما لا يليق به فقد ألف «السنيوركولي» كتاباً أسماه «البحث عن الدين الحقيقي» وقد صدر الكتاب عن اتحاد مؤسسات التعليم المسيحي في باريس، ونال الكتاب رضا البابا ليون الثالث عشر
____________________
1 - التبشير والاستعمار: ص 24.
جاء فيه ما يلي:
«الاسلام في القرن السابع «للميلاد» برز في الشرق عدو جديد ذلك هو الاسلام الذي أسس على القوة، وقام على أشد أنواع التعصب، لقد وضع محمد السيف في أيدي الذين اتبعوه وتساهل في أقدس قوانين الأخلاق، ثم سمح لاتباعه بالفجور والسلب ووعد الذين يهلكون في القتال بالاستمتاع الدائم بالملذات».
لقد ألفت لهذا القصد مئات من الكتب والمقالات نشرتها الصحف الاستعمارية وعمل المستعمرون على نشرها في الاوساط الاسلامية ليحول بذلك بين المسلمين ودينهم، ويسلب منهم التقدير البالغ للاسلام.
(د) الغزو الثقافي
وبعد ما سقطت الدولة الاسلامية صريعة بأيدي الغزاة والمستعمرين غزت البلاد الإسلامية موجات من الثقافة الغربية، ولم يكن ذلك الغزو الثقافي أقل خطراً من الغزو المسلح، فقد اقتحمت عقول المسلمين ألوان من الثقافة المسمومة في حين لم تكن للفكرة الاسلامية في أفكارهم معالم واضحة تثبت أمام الغزو، أو مقاييس بينة تميز الخبيث من الطيب، وكانت نتيجة
ذلك فساد تفكير المسلمين، وانهيارهم وتقبلهم الدعايات الاستعمارية حتى بلغ الحال - وياللاسف - ان جملة من شبابنا المثقفين بالثقافة الحديثة قد اعتنقوا تلك الافكار الهزيلة التي حملها المستعمرون الى بلادنا، من دون وعي أو تعقل لأهدافها ومعالمها.
إن الغزو الثقافي تناول جميع انحاء التعليم فقد عمل الحكم الصليبي على وضعها وسهر على حمايتها ومن ورائه مؤتمرات التبشير توجهه، وترسم خطوطه وطرائفه، وكان أهم مقاصدها تغذية الناشئة والأحداث من أبنائنا بالوان من ثقافتهم الاستعمارية وقد أبدى ذلك المبشر (جون موت) قال:
«يجب أن نؤكد في جميع ميادين التبشير جانب العمل بين الصغار وللصغار وينما يبدو مثل هذا العمل، وكأنه غيرية، ترانا مقتنعين لأسباب مختلفة بأن نجعله عمدة عملنا في البلاد الاسلامية. إن الأثر المفسد في الاسلام يبدأ باكراً جداً، من أجل ذلك يجب أن يحمل الاطفال الصغار الى المسيح قبل بلوغهم الرشد، وقبل أن تأخذ طبائعهم اشكالها الاسلامية ان اختبار الارساليات في الجزائر فيما يتعلق بهذا الامر، وكما ظهر من بحوث مؤتمر شمالي افريقية اختبار جديد ومقنع وهكذا نجد أن وجود التعليم في يد المسيحيين لا يزال وسيلة من أحسن الوسائل
للوصول الى المسلمين ...»(1) .
وبهذه الوسائل القذرة هيمنوا على أغلب المعاهد والمدارس ولم يدعوا أي مجال لنشر الثقافة الاسلامية حتى شحنوا أفكار الطلبة وعواطفهم بالكره للاسلام والمعاداة لدعاته، وصاروا جنوداً للمستعمرين وأداة طيعة بيد كل كافر ملحد يخدمون الاجنبي ويحققون أطماعه، والغريب المؤلم أنك إذا عرضت عليهم الافكار الأصيلة والمثل العليا التي جاء بها الاسلام أشاحوا بوجوههم وانطلقوا بكل وقاحة يقولون:
إنه لا يمكن تطبيق الاسلام!!
وانما أعربوا بذلك عن دخائل نفوسهم وأعماق قلوبهم التي لم ينطبع فيها شيء من الوعي الاصيل.
إنهم لا يريدون حكم الاسلام.
إنهم لا يرغبون أن تسود العدالة الاجتماعية في ربوعهم.
إنهم يريدون الفوضى والهوس والانحطاط.
إنهم يريدون التسيب والدعارة والمجون.
أن ذلك كان ناجماً من دون شك من تلك التربية الاستعمارية التي نشأ عليها هذا الفريق المترهل من الشباب.
____________________
1 - التبشير والاستعمار: ص 68.
ونحن نؤمن بأن الاسلام انما غزي من جانب المعارف وانطلقت الحربة الاولى التي طعن بها الاسلام من المعاهد والمدارس ولا يمكن بأي حال من الاحوال أن يقضى على الداء إلا من تلك الزاوية، فاذا أراد المسلمون أن يعيدوا للاسلام مكانته عليهم أن يهتموا قبل كل شيء بمعاهد التعليم ليدرس بها الاسلام على حقيقته النازلة من رب العالمين، ولتفتح أعين الناشئة على ما فيه من الطاقات الندية التي عالجت جميع مشاكل الحياة.
لقد وضعت المعارف الدروس الدينية في سلة المهملات فلم ندرس منه إلا دروساً باهتة لا تنفع ولا تجدي في تهذيب الطالب وتغذية مشاعره بالروح الدينية، كما انها في نفس الوقت لم تعرها أي اهتمام في مقام الامتحانات العامة الامر الذي أوجب انصرافهم واعراضهم عنه حتى لم تكن تساير الطالب في جميع مراحل دراسته.
إن الحكومات الاسلامية مدعوة الى إصلاح المناهج الدراسية ووضعها على أساس إسلامي سليم لتحفظ بذلك كيان الاسلام وأبناء المسلمين.
(ه) نشر التسيب والميوعة
وعمد المستعمرن إلى إفساد المسلمين حيث غمروا أرضهم
بالمغريات وملأوها بالدعارة والمجون، وفتحوا باب الفساد على مصراعيه وذلك بما نشروه من الصور الخلاعية في دور السينما والملاهي القذرة الداعية الى نشر الميوعة والتسيب في نفوس الشباب.
لقد وجه المستعمرون جميع جهودهم الى تدمير المسلمين وانتزاع الوعي والاسلامي من نفوسهم والارادة الصلبة من قلوبهم ليذهل المسلمون عن معالي الامور، فلا يطالبوا باستقلال بلادهم ولا يفكروا في طرد الاجنبي عنهم.
إن الاستعمار عمد الى اقبار الافكار الاصيلة التي جاء بها الاسلام، واقصاء المثل الدينية العليا عن المجتمع الاسلامي، وذلك بما عمله من الوسائل الداعية الى فساد الاخلاق، وترهل النفوس فقد عمد الى عرض صور الدعارة والمجون في الصحف والمجلات وأجهزة التلفزيون بدل أن تكون مثل هذه الاجهزة أداة نافعة لنشر الثقافة المهذبة والعلوم النافعة والتربية الصحيحة وكان الهدف من أعمالهم تلك هو اشغال المسلمين والشباب منهم خاصة عن الاهداف الاساسية التي دعا اليها الاسلام.
(و) نشر الفقر
ونشر المستعمرون الفقر في بلاد المسلمين، ونهبوا ثرواتهم
وامتصوا دماءهم، واستغلوا خيراتهم، ومنحوا الشركات الاحتكارية لاذنابهم وعملائهم، حتى عمت الفاقة والحرمان وانتشرت البطالة، وتكدست الاموال وتضخمت النقود عند طبقة خاصة قد اتخمت بطونها بالطعام الحرام وتلوثت ضمائرها بجرائيم الفسق والفجور، لا عطف ولا رأفة ولا رقة عندها على البائس والمحروم قد استحالت أفكارها الى هياكل ميتة.
هذه بعض متارك الاستعمار في الوطن الاسلامي، ولولا فيض عارم في مبادئ الاسلام وعناية به قبل كل شيء من الخالق الحكيم للف لواؤه، ولم يبق له عين ولا أثر، فعلى المسلمين أن يتفهموا أن لا حياة لهم مع بقاء الاستعمار في بلادهم فانه هو العدو الغادر الذي يمكر بهم في الليل اذا يخشى وفي النهار اذا تجلّى.
على المسلمين أن يلتفتوا الى واقعهم المرير فيتفهموا دينهم ويربطوا نهضتهم الاجتماعية، وتطورهم السياسي والاقتصادي بتعاليم الاسلام وأحكامه ليسيروا على ضوئه ويهتدوا بهداه.
إن على رجال الفكر والمسؤولين من أبناء الاسلام أن يقوموا في مثل هذه المرحلة الحاسمة من تأريحهم بنشر الدين على حقيقته، وأن يسهروا على افهام المسلمين بأن دينهم قد
تناول جميع مشاكل حياتهم، وليس هو علقة بين الانسان وربه كما يتهمه بذلك خصومه وأعداؤه، بل هو أرفع وأسمى من أن يكون مجرد علاقة أو يكون مقتصراً على بعض الطقوس الدينية، فان له آراؤه الحاسمة في عالم السياسة، والاجتماع والتجارة والاقتصاد، وغير ذلك مما يحتاج اليه الناس، فليس هو نظاماً روحياً فحسب فقد أترع بما يعود لاصلاح الحياة من ناحية المادة، فقد حرم الربا، وحرم كنز الأموال، وحارب البطالة، ونهى عن اقراض المال بفائدة، ودعا الى استغلال ثروة الأرض ووضع الخطوط الرئيسية لمعائش الناس، وبعد هذا فكيف يكون الاسلام مجرد دعوة روحية تسوق الناس الى الزهد ورفض العمل ؟ ؟
إن القوى الكافرة وجدت فراغاً عقائدياً في نفوس المسلمين ووجدت آذاناً صاغية لكل ما تلفقه من الاباطيل فراحت تشيع في الاوساط هذه الاكاذيب، وتلصق بالاسلام هذه الاتهامات التي هو بريء منها.
إن الواقع الذي يعيشه المسلمون اليوم في حياتهم بعيد كل البعد عن روح الاسلام، فتسيب في الاخلاق، وميوعة في النفوس واستهتار بالقيم والمثل الى غير ذلك من ألوان
التأخر والانحطاط الامر الذي يدعو الى ضرورة العمل الجدي للقضاء على الرواسب السيئة التي خلفها المستعمرون في بلادنا وانقاذ المسلمين مما هم فيه من الانحراف عن جادة العدل وطريق الصواب.
إن المسلمين جميعاً مدعوون الى مكافحة القوى المعادية لهم بكل اشكالها وألوانها وباي اسم تسترت فقد جاء في الحديث الشريف « كلكم مسؤول عن رعيته » فالجميع مسؤولون عن رعاية الاسلام والحفاظ عليه، وان الذي يتخلى عن القيام بالواجب أو يقصر في أدائه، ولايهمه ما مني به الاسلام من الاخطار والنكبات، فانما هو مقصر في حق دينه وأمته، ومسؤول أمام اللّه عن تخلفه عن أداء الواجب.
والمسؤولية الكبرى تقع على الحكومات الاسلامية القائمة في البلاد فهي مسؤولة قبل غيرها عن صيانة الاسلام وحمايته، والقضاء على العناصر المعادية له ونحن على ثقة انها إن التزمت جانب الاسلام، وعملت على اعلاء كلمة التوحيد، وقاها اللّه من المكاره، وجعل لها النصر حليفاً والظفر اليفا، (إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقدامكم ان وعد اللّه حق، وان اللّه لا يخلف الميعاد).
وبالعكس من ذلك اذا انحرفت عن الاهداف النيرة للتشريع الاسلامي فسوف تصطدم بالامة في عقيدتها وفي أهدافها مما يضعف شوكتها أو يسبب زوالها وانهيارها.
(4)
وكانت البساطة في العيش سائدة في العصور الاسلامية الاولى، والقناعة ماثلة في حياة المسلمين، والروح التعاونية موجودة باسمى معانيها في الحياة العامة، فقد عقد المسلمون أواصر الاخوة فيما بينهم، واشتركوا في السراء والضراء، وبهذا الوعي الاسلامي الاصيل القائم في عواطفهم ومشاعرهم تمكنوا على نشر الاسلام وبسط تعاليمه في أنحاء المعمورة.
لقد غرس الاسلام في نفوس المسلمين روح المودة والتعاون على البر والتقوى وألف ما بين قلوبهم، وجعلهم إخواناً في اللّه قال اللّه تعالى: « إنما المؤمنون إخوة » وقال (ص) «مثل المؤمنين في توادهم ورحمتهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالحمى والسهر».
وإذا انتشرت الاخوة، وساد الحب وعمت المودة بين أفراد المجتمع فانهم حتماً سيشتركون في مآسي الحياة وأحزانها ومسراتها ويعطف بعضهم على بعض، وبذلك ينعدم ظل البؤس
ويقضى على شبح الفقر والحرمان والتفرق.
وكان الود سائداً بين المسلمين قد أترعت نفوسهم بالرحمة والعطف على الفقير والمحروم ولكن بعد ما لعب الاستعمار لعبته الكبرى في القضاء على كيان المسلمين، ومحاربته لمثلهم، وافساده لشؤونهم، تغيرت الاوضاع وانقلبت المفاهيم واسودت القلوب، فتنكر المسلمون لكل ما أمر به دينهم وانحرفوا عن المبادئ الاصيلة التي جاء بها الاسلام، ومن أظهر ألوان ذلك الانحراف، فقدان التآلف، وانعدام التعاون، وذهاب الرحمة من القلوب، فقد أصبحت الطبقة الثرية مشغولة بتكديس الاموال، وجمع الثراء بالطرق الملتوية، وعدم مساهتمها في تحسين الحالة الاقتصادية للفقراء والضعفاء وامتناعها من أداء الحقوق المفروضة عليها، الامر الذي أدى الى بغض الفقراء لها وحب الانتقام منها، ومساندتهم للحركات الهدامة التي لا تبقى ظلا لثرائهم ونعيمهم وبالتالي تقضي على راحة الجميع وسعادته.
لقد أترعت نفوس الأثرياء بالجشع والطمع والتهالك على الاحتكار، والتفنن في الملذات والشهوات، وهم لا يمدون يد المعونة الى اخوانهم الذين لسعهم الحرمان ونهشهم الجوع، وقد أدت هذه الاوضاع المؤلمة التي سادت في البلاد الى حدوث
الاضطراب والقلق في المحيط الاقتصادي والاجتماعي وتأرجح سفينة المجتمع بين أفكار متضاربة تنذره بالدمار والشر المستطير.
لقد أصبحت الحياة في هذا العصر مفتقرة الى الأسباب الكمالية كافتقارها الى الأسباب الضرورية وأصبحت الاسواق المحلية تزخر بأفخر أنواع المتع والملاذ، ولا نصيب للفقير منها سوى النظر اليها مشفوعاً بالحسرات والآلام.
وكان من الطبيعي أن يترك ذلك الحرمان حقداً بالغاً في نفوس المحرومين على أولئك المترهلين من الاغنياء الذين لا هم لهم إلا اشباع رغباتهم وشهواتهم ولا يهمهم ما مني به الفقراء من البؤس.
إن الواجب على الطبقة الثرية أن تلتفت الى واقع نفسها وتعي ما حف بها من الاخطار التي تهدد كيانها وكيان المجتمع عامة في الجانب الاقتصادي فتوجه جهدها الى أعمال البر والخير وتقوم بالمعونات الاجتماعية، وتؤدي من أموالها ما فرضه اللّه عليها لتنقذ نفسها من العنت والخطر والارهاق، وبالتالي تنقذ مجتمعها من الانهيار.
انه من الواضح أن لا موطن للافكار المستوردة، ولا مجال لدعايات المخربين والفوضويين إلا في البلاد التي انعدم
فيها الوعي وعم البؤس، وانتشر فيها الظلم الاجتماعي فيها تنتعش الأفكار الدخيلة المعادية لتربة الوطن، وأما البلاد التي تسودها العدالة الاجتماعية ويعمها الخير، فلا تمر بها الشرور ولا تثمر فيها أعمال المخربين.
إن هذه الموجات الالحادية التي غزت البلاد كانت ناشئة من عدم قيام المسؤولين بواجباتهم واهمالهم للمصالح العامة وانحرافهم عن مبادئ الاسلام وأهدافه العظيمة الأمر الذي أدى الى انتشار تلك المبادئ الهزيلة في بلاد المسلمين فعلى المسؤولين أن ينقذوا المسلمين منها ويعملوا على تطوير البلاد اقتصادياً وإنعاش المواطنين والترفيه عليهم وزيادة الدخل الفردي، وأهم ما تعمله الترفيه على العمال، واحلالهم بالكرامة والعزة الاجتماعية التي يريدها الاسلام لهم فانهم الدعامة الأولى التي يستعان بها في ميدان الانتاج والعمود الفقري للمجتمع وقد أصبحوا الهدف للغزاة فأخذوا يقدمون لهم الوعود المعسولة ويمنونهم بتسلم الحكم مرة وبالظفر بخيرات البلاد تارة أخرى، والغرض من ذلك أن يجعلوهم كبش الفداء في سبيل تحقيق أطماعهم وأهدافهم المعادية للإنسانية والاسلام.
إن الأيدي العاملة تمثل الأكثرية الساحقة في البلاد وقد
وجهت الشيوعية والمبادئ الهزيلة الأخرى جميع جهودها لاستغلالها وكسبها نظراً لما تتمتع به من البساطة والسذاجة وعدم اطلاعها على أكاذيبهم وأضاليلهم.
(5)
وكنت قد نشرت فصولاً في نشرة « الاضواء » الزاهرة عن حقوق العامل في الاسلام، وكانت بحوثاً موجزة ومواضيع بسيطة غير وافية بالموضوع ولا ملمة به إلا أنه تسابق فريق من الشباب الى مراجعتها والاطلاع عليها كما ترجمت بعض فصولها الى اللغة الايرانية، ونشرت في بعض صحف طهران(1) وقد دل ذلك على مدى الشوق الكامن في نفوس المسلمين الى الوقوف على معالجة الاسلام لهذه النقطة الحساسة التي أصبحت من أهم المشاكل العامة في العصر الحديث، فقد عانى العمال في ظل الأنظمة القائمة ألواناً من الخطوب، وأنواعاً من المصاعب ففي ظل النظام الرأسمالي قد استغلت جهودهم وامتصت دماءهم الشركات الاحتكارية وقوبلوا بالاضطهاد والحرمان، وأما في ظل النظام الشيوعي، فقد وقع العمال فيه فريسة لنظام حكومي
____________________
1 - نشرتها جريدة (الوظيفة).
هو أبعد ما يكون عن النظم الانسانية السامية، فانه نظام ديكتاتوري تتمثل فيه القسوة والعذاب، وتلغى فيه شخصية العامل، ويغدو مجرد آلة دقيقة تعمل في كيان كبير وليس ثمة في وسعه أن يقول أو يطالب بحقوقه العادلة.
وظلت الطبقة العامة تعاني في ظل هذين النظامين من ويلات الاستعباد والاستغلال ما يفوق الوصف دون أن تصل الى شيء من حقوقها رغم أن مجهودها هو الأساس المركزي الذي تبتني عليه المدنية والحضارة.
وهكذا الحال في المبادئ الأخرى الملفقة من هذين النظامين والتي لم تكن لها فلسفة محددة وواضحة يقول (الآن تدرز - و - رينا هسندن) في كتابهما إشتراكية القرن العشرين فالنظريون لا يزالون يستخدمون مصوراً جغرافياً فات أوانه والتجريبيون لم يعودوا يملكون (بوصلة) ترشدهم سواء السبيل إن كليهما يكابد من انهيار فكرة النظامين المطبوعين على التناقض ومن عدم وجود أي بديل فلسفي يلائم روح منتصف القرن العشرين(1) .
____________________
1 - راجع كتاب اشتراكية القرن العشرين ترجمة محمود فتحي عمر.
وكان من الطبيعي بعد افلاس تلك الأنظمة وانهيارها وعدم استطاعتها على منح العامل حقوقه الكاملة، وعدم ضمانها لما يبتغيه من الرفاهية والكرامة، أن تتوق النفوس الى الاطلاع على نظر الاسلام تجاه العمال ومدى معالجته لمشاكلهم، ومعرفة الحقوق التي منحها لهم، إن الاسلام شرع لهم من الحقوق العادلة على رب العمل وسن لهم الضمان الاجتماعي، والتكافل الاجتماعي فيما اذا لم تف أجورهم بما يحتاجون اليه. وهي توفر لهم العيش الرغيد وتزيل عنهم كابوس الفقر ولا تبقي أي ظل للبؤس في حياتهم.
ومرت على المجتمع أحداث رهيبة وموجات عارمة وكان أشدها خطراً وأعظمها محنة وبلاء حينما رفع الشيوعيون شعاراتهم وهي تدعو الى أن « المعمل ملك للعامل » وان « الأرض ملك للفلاح » وقد رسموا هذه الشعارات على الجدران في الأزقة والشوارع، وقد استجاب لهذه الدعايات المضللة جمهور من الناس في طليعتهم السذج من العمال، والبسطاء من الفلاحين، والمغرر بهم من التلاميذ والأحداث الذين تلونهم الدعاية حيث شاءت، وأنا على ثقة انهم لا يعرفون التكتيك الشيوعي، ولا يعلمون مدى ما يتذرع به من الخداع والاضاليل.
إن هذه الشعارات التي رفعوها لا تمت الى واقع الشيوعية بصلة، ولا تلتقي معها بطريق فان (المعمل ملك الدولة) «والأرض ملك الدولة» والفرد قن مستعبد وملك للمعمل وملك للارض لا يملك من أمره قليلاً ولا كثيراً وليس له إلا الخضوع والانصياع للاوامر التي يتلقاها من الحزب، فان فاه بالمعارضة، أو أبدى التذمر فساحة الاعدام، ولغة الحبل هي التي تواجهه بعد ما ينعت بالتآمر، ويوصف بالقذارة.
ولكن سرعان ما انهار كيانهم، وتحطمت دعاياتهم وظهرت حقيقتهم واضحة لا لبس فيها، ولا غموض ولم يسر في ركابهم إلا من تنكر لدينه ووطنه.
وها نحن نقدم الى القراء دراسة عن العمل، وما جاء في تحديده وتعريفه في اللغة، وفي علم الاقتصاد، كما بينا النظرية الماركسية في تحديد العمل للقيمة، وذكرنا ما يرد عليها من النقوض والاشكالات، وعرضنا بعد ذلك رأي الاسلام الناصع عن العمل وما له من الأهمية البالغة عنده وبينا عرضاً موجزاً لأنواعه التي ذكرتها كتب الفقه الاسلامي، وبعد ذلك ذكرنا حالة العامل في ظل النظامين الرأسمالي، والشيوعي كما بسطنا الكلام في بيان الحقوق الوافرة التي منحها الاسلام للعمال
وينبغي ونحن في نهاية التمهيد أن نلفت نظر القارئ الكريم الى أن التشريع الاسلامي كل لا يتجزأ أو وحدة كاملة لا تتبعض فما لم يتحقق كاملاً لا يمكن لنا أن نحقق الازدهار المنشود كما لا يمكن لنا بحال أن نحمل بعض التشريعات على الدين الاسلامي اذا اتفقت معه في بعض الجهات البسيطة واصطدمت معه في النقاط المهمة. وقد توخينا في بحثنا هذا الوصول الى الواقع وخدمة المجتمع، وقد بحثت عن ذلك كله ببحث حر جهد ما توصل اليه تتبعي راجياً من العلي القدير أن يثيبنا على ذلك أنه تعالى ولي التوفيق.
المؤلف
العمل تحديده وأنواعه
1 - في اللغة
2 - في علم الاقتصاد
3 - النظرية الماركسية
إن العمل هو المصدر الوحيد لعمران الأرض واستخراج كنوزها، والوسيلة الأولى لضمان معيشة الانسان، واستقرار حياته فلولا عمله وسعيه في تحصيل معيشته لما أمكن أن يبقى حياً على الكرة الأرضية.
إن الانسان منذ وجد انطلق يعمل كادحاً في تحصيل قوته وسد رمقه حتى الحيوانات تشعر شعوراً ذاتياً بضرورة العمل لعيشها فتراها دائبة مجدة على تحصيل قوتها فلننظر الى أصغر المخلوقات وأعجبها وهي النملة، يقول الامام أمير المؤمنين (ع) في وصفها «وصبت على رزقها تنقل الحبة الى جحرها، وتعدها في مستقرها تجمع في حرها لبردها، وفي ورودها لصدورها»(1) .
وهكذا ألهم اللّه سبحانه كل ما دب ودرج على هذه الأرض بضرورة العمل لتستقيم الحياة ويتم النظام، ولولاه لما قامت سنة في الكون ولا وجدت معالم الحضارة، ولا حصل الرقي والابداع، وما نهضت الشعوب.
____________________
1 - نهج البلاغة محمد عبده 2 / 139.
لقد جعل اللّه الخيرات في سطح الأرض وفي باطنها، وطلب من الانسان أن يسعى لتحصيلها قال اللّه تعالى:( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ) وقد قرر علماء الاقتصاد ان الأرض إذا تركت وشأنها أجدبت وأمحلت، ولا تعطي أي ثمرة أو نتاج.
ومهما يكن من أمر فلا بد لنا من شرح حقيقة العمل وبيان ماهيته، فقد عرف بمعان مختلفة، فله في العرف اللغوي معنى، وله في الانظمة الحديثة معنى آخر ولا بد من ذكرها لنتوصل الى نظر الاسلام فيه والى القراء ذلك:
1 - المعنى اللغوي
العمل في اللغة - بالتحريك - المهنة، ويطلق ويراد به الفعل، وزعم بعض أئمتهم أن العمل أخص من الفعل، لأنه الفعل مع المشقة، وقالوا إنه لا ينسب الى اللّه، وقال الراغب العمل كل فعل يصدر من الحيوان بقصده فهو أخص من الفعل لأن الفعل قد ينسب الى الحيوانات التي يقع الفعل منها بغير قصد، والعمل قلما ينسب الى ذلك، ولم يستعمل في الحيوانات إلا في قولهم: «الابل والبقر والعوامل» وقال شيخنا: العمل
حركة البدن بكله أو بعضه، وربما اطلق على حركة النفس فهو إحداث أمر قولا كان أو فعلاً بالجارحة أو القلب لكن الأسبق للفهم اختصاصه بالجارحة، وخصه البعض بما لا يكون قولاً، ونوقش بأن تخصيص الفعل به أولى من حيث استعمالهما متقابلين فيقال الأقوال والافعال، وقيل القول لا يسمى عملا عرفاً، ولذا يعطف عليه فمن حلف أن لا يعمل فقال: لم يحنث وقيل التحقيق أنه لا يدخل في العمل والفعل إلا مجازاً(1) .
وذكرت لهذه المادة معان كثيرة واستعمالات متعددة توجد في قواميس اللغة ومعاجمها، والمهم أن العمل موضوع للمهنة، واطلاقه على غيرها أما مجاز أو حقيقة من باب الاشتراك اللفظي ولايهمنا تحقيق ذلك إذ لا يترتب عليه أثر مهم.
2 - في علم الاقتصاد
ولا بد لنا من التحدث عن تحديد العمل وبيان أنواعه في العرف الاقتصادي لأنه يرتبط ارتباطاً وثيقاً فيما نحن بصدده عندما نعرض التشريعات الاسلامية في مجال العمل والعاملين والى القراء ذلك:
____________________
1 - تاج العروس 8 - 34.
1 - تحديده:
حدد العمل في علم الاقتصاد بأنه العنصر الثاني للانتاج، وهو أثر من آثار الحباة البشرية ومظهر من مظاهر قوتها ومضائها(1) وحدده بعضهم بأنه «كل نشاط يبذله الانسان عن وعي وقصد، ويحس بالألم حين يبذله، وهدفه من ذلك خلق الأموال أي الاشياء التي تشبع الحاجات مباشرة أو بطريق غير مباشر»(2) .
ويتضح من هذا التعريف أن العمل في العرف الاقتصادي يمتاز بخواص ثلاث:
«الأول» أنه مجهود يبذل عن وعي وإرادة «الثاني» أنه يسبب ألماً لمن يبذله «الثالث» انه يهدف الى خلق الأموال ولا بد من بيان هذه الجهات الثلاثة لتتضح لنا حقيقة العمل عندهم.
«الجهة الأولى» الغرض منها - أولاً - أن يكون الجهد المبذول بدافع الوعي والقصد لا بدافع الغريزة فجهد النمل الذي يدأب على الدوام لجمع قوته، وعمل العنكبوت الذي ينسج
____________________
1 - الموجز في علم الاقتصاد 1 - 48 علم الاقتصاد 2 - 41.
2 - دروس في الاقتصاد السياسي: ص 79.
بيوته لا يسمى عملاً اقتصادياً لأن هذه الدويبات تبذل جهودها بدافع غريزي - وثانياً - تميز العمل عن الحركات التي يأتي بها الانسان دون أن يسبق قيامه بها تفكير، فالانسان حينما يتنفس مثلاً تقوم أعضاؤه بحركات معينة ينفق الجسم فيها بعض الجهد، وكذلك الشأن في عملية الهضم وغيرها من العمليات الفسيولوجية التي لا إرادة له فيها ولا تفكير وهذا كله لا مدخلية له في مدلول العمل كعنصر من عناصر الانتاج، فالعمل لا بد أن يصدر عن تفكير ووعي وإرادة.
«الجهة الثانية» ان العمل يسبب ألماً ومشقة لمن يقوم به والألم تارة يكون مادياً وأخرى يكون أدبياً وميز الاقتصاديون المتأخرون بينهما (فالألم المادي) هو الاعياء الجسماني والجهد العصبي الذي يحس به الانسان حينما يعمل، فالعامل في المصنع يبذل جهداً عضلياً لانه يأتي بحركات معينة منتظمة طوال مدة العمل، وقد يضطر الى الانتقال من مكان الى آخر وكل هذا يسبب له إعياء جسمياً كما انه قد يقوم بعمل خاص كمراقبة الآلات التي يستخدمها وفحص أجزائها، وكل ذلك الانفاق يسبب أعياء عصبياً كبيراً، هذا هو العنصر المادي للألم، وأما « العنصر الادبي » فالمقصود منه كون
العامل مضطراً للقيام بالعمل فمن يسوق سيارته الخاصة ليتنزه على ساحل البحر لا يحس بالألم الذي يحسه سائق سيارة الاجرة لان سياقته تعتبر عملاً بخلاف الاول فانها لا تعتبر عملاً وإنما هي رياضة.
ونفى بعض الاقتصاديين دخالة المشقة في حقيقة العمل وذكر أن كثيراً من الاعمال تمارس بنشاط وارتياح كاعمال المخترعين والمولعين بالفنون الجميلة ولكن لا مجال للاذعان لهذا القول فانه مصادم للوجدان، لان كون العمل مشوب بشيء من الكلفة والمشقة أمر محسوس لا يقبل الجدل والانكار.
«الجهة الثالثة» ان الغرض من العمل هو انتاج الاموال ومعنى ذلك أن كل مجهود لا يستهدف هذه الجهة لا يعتبر عملاً بالمعنى الاقتصادي مثلاً الشخص الذي يقضي أوقات فراغه في اصلاح حديقته وترتيبها وغرس أشجارها، لا بداعي انتاج الاموال فان ذلك لا يسمى عملاً عندهم، ولكن لو فرضنا أن عمله هذا يرمي الى قصد الربح والكسب من بيع ما يغرسه في حديقته فان وجه المسألة يتغير، فيكون جهده عملاً لانه ينوي بيع مجهوده وإنفاق ثمنه على إشباع حاجاته.
فالعمل بهذا المعنى لا بد أن يؤدي إلى انتاج الأموال،
ومن ثم ذهب علماء الاقتصاد إلى أن الانتاجية أحدى الخواص الاساسية للعمل.
وقد اتضح من بيان هذه الجهات حقيقة العمل وانه منوط بتحققها وتماميتها فان تحققت كان عملاً بالمعنى الاقتصادي وإلا فلا.
2 - أنواعه
ينقسم العمل عند الاقتصاديين إلى أنواع ونظراً لما فيها من مزيد الفائدة، فلا بد من التعرض لها - ولو إجمالاً والى القراء ذلك:
(أ) العقلي
الاعمال العقلية وهي التي يكون المجهود الاساسي فيها تفكيرياً كاعمال العلماء والمخترعين والمهندسين، وقد أصبح من الثابت ان الاعمال العقلية قد تكون لها من النتائج في تطوير الحياة اكثر مما تكون للاعمال العضلية، وانها تنتشر بمقدار ما تنتشر الحضارة بل هي المصدر الاساسي في تقدم الحياة وتطوير شؤونها فقد عملت المخترعات الحديثة لخدمة الانسان وقللت من مجهوده العضلي، واراحته من الارهاق والعناء الذي ألم به منذ أقدم العصور كما فتحت له آفاقاً بعيدة في ميادين
الانتاج والتطور.
(ب) العضلي.
الاعمال العضلية هي التي تكون علاقة الجسم فيها اكثر من علاقة الفكر وليست منفصلة عن الفكر تماماً إذ من المستحيل أن تكون الاعمال عضلية صرفة لا إشراف للعقل عليها لان حركات الجسم لا تحصل من نفسها بل تحتاج الى ادارة العقل واشرافه عليها، وهي تارة تحتاج الى تعلم وممارسة لاجل تحصيل القابلية عليها كالسياقة والاعمال الميكانيكية، وأخرى لا تحتاج الى ذلك كقطف الازهار وما شابهه من الاعمال الاخرى.
والعمل العضلي متشعب الانواع مختلف الالوان، قد مارس الناس كل صنف منه، ولولا ذلك لما استقامت الحياة وما أمكن أن يعيش الانسان وعلينا أن نشير اليها.
1 - الصناعة الاستخراجية:
وتعنى هذه الصناعة باستخراج المواد اللازمة للبشر من خزائن الطبيعة، وهي تتحرى المواقع والمحال التي توجد فيها المواد التي أعدتها الطبيعة - بنتيجة التحولات والتبدلات التي طرأت على الكائنات منذ قديم العصور حيث تعمل على استخراجها
سالكة في ذلك أسهل السبل وأهون الوسائل مع بذل أقل النفقات.
ويقف عمل هذه الصناعة عند هذا الحد ولا يتجاوزه، فهي لا تضيف ذرة الى المواد الموجودة في الطبيعة، ولا تزيد عليها مهما اتسعت دائرة علومهم ومعارفهم، ومهما تعاظمت مقدرتهم في التغلب على نواميس الطبيعة، وتختص هذه الصناعة باستغلال الغابات والمناجم، وصيد السمك والطير وأمثال ذلك من المواد.
2 - الزراعة.
وتعنى الزراعة بالحصول على المواد الأولية والغذائية من الأرض، وعمل الانسان فيها هو حراثته للارض، وتقويتها بانواع الاسمدة الطبيعية أو الكيمياوية، ونثر البذور، وإجراء الماء في السواقي وغير ذلك إلا أن التأثير في ذلك للّه تعالى فالانسان مهما أوتي من قوة لا يتمكن أن يتغلب على الآفات والطوارئ التي تعترض المزروعات.
وكانت الزراعة في العصور الأولى تجري تبعاً للقواعد المكتسبة من التجارب والاختبارات البسيطة ولكنها أصبحت في هذا العصر من العلوم الواسعة التي لها النصيب الوافر في
تطوير الحياة.
3 - الصناعة التحويلية.
وتعنى هذه الصناعة بتحويل المواد الأولية الى أشكال متنوعة نافعة للانسان وسادة لحاجته، ويدخل في عداد هذه الصناعة انشاء المباني لأن الاعمال المبذولة في هذا الشأن تعود الى جمع المواد الأولية الكثيرة وتأليف بعضها مع بعض.
إن مجال العمل في الصناعات التحويلية واسع جداً، فان جميع الاشياء التي نشاهدها حولنا هي من محصول هذه الصناعة، ويندر جداً استعمال المواد على حالتها الساذجة التي كانت عليها وهي في جوف الطبيعة بل يحول جلها الى اشكال أخرى غير الشكل الذي كانت عليه في حالها الطبيعي.
لقد كان لهذه الصناعة أعظم التأثير في حياة الانسان خصوصاً في هذا العصر فقد أخرجت هذه الصناعة من الامتعة ما لا يعد ولا يحصى، وأخذت في تشغيل العدد الوافر من العمال الأمر الذي نجم منه اضطراب حياة العمال وتفاقم مشاكلهم مما اضطر رجال الفكر الى وضع القوانين وسن المناهج لاصلاح حياة العامل والمطالبة بحقوقه.
4 - الصناعة النقلية:
تقوم الصناعة النقلية باعمال جسيمة في بناء الحياة العامة فهي التي توجد الأسواق والمنافذ اللازمة لتحصيل الصناعات ومنتجاتها كما انها تساعد على نشرها وتوزيعها في جميع أنحاء المعمورة وتعميمها بين أجناس البشر وطبقات الناس، ولولاها لظلت منافع الصناعات التحويلية والزراعية محصورة في محال صنعها ولكن الصناعة أعانت على نقلها الى انحاء البلاد الامر الذي أوجب زيادة الانتاج وتوسيع نطاقه.
والمهام الرئيسية التي تقوم بها هذه الصناعة - أولاً - نقل المواد المستخرجة أو المستغلة من المحال التي استخرجت منها أو استغلت فيها الى المحال التي تصنع فيها أي تحولها الى اشكال نافعة - ثانياً - نقل المصنوعات والمنتجات الى الانحاء التي تروج فيها تلك البضاعة - ثالثاً - نقل الاشخاص والاموال والمراسلات وغير ذلك. وتقوم باعباء هذه الاعمال وسائط النقل كالسيارات والبواخر والقطارات وغيرها.
5 - الصناعة التجارية:
وتعنى هذه الصناعة بجمع المحاصيل والمنتجات في المنطقة التي تكثر فيها وترسلها الى الانحاء التي تقل فيها كما انها في
نفس الوقت تعمل على حفظها وادخالها في إبان وفرتها، ثم تخرجها الى الاسواق في أوان ندرتها، وتيسر بذلك تناولها على الراغبين فيها.
ويقوم أصحاب هذه الصناعة بمهام لا تقل عناء عن بقية الأعمال الأخرى فانهم لا يتمكنون على نيل الارباح إلا ببذل المزيد من الجهود والمشاق. فهم في سعي متصل في البحث والاستقراء عن أسعار المحاصيل والمنتجات في جميع الاسواق، والوقوف على الوسائل التي يستخدمها المنافسون لهم.
إن الذين يقومون بصناعة التجارة لا يألون جهداً في التنقيب عن المصادر المختلفة التي تنتج المحصولات والمصنوعات وجلبها لعرضها في الأسواق، فان المنتج للسلعة لا يعلم أين تروج منتجاته كما ان المستهلك لها لا يظفر بما يحتاج اليه إلا بعد جلبها الى الأسواق وبذلك فقد قام أصحاب هذه المهنة بخدمة المنتج والمستهلك حيث ان المنتج يهمه تصريف منتجاته باسرع وقت ليتمكن من المواظبة على أعماله الانتاجية بانتظام، وعلى المستهلك مؤنة الانتظار لانه يجد حاجته جاهزة حين الطلب فيتناولها من دون كلفة أو عناء، ولا يتكبد في سبيلها سوى ما يضيفه التاجر من الربح القليل.
ومن المعلوم أن هذه الجهود الشاقة التي تبذل في هذه الصناعة لا تقل عن الجهود المبذولة في صنع العمل وانتاجه فكيف يصح ان تعد أصحاب هذه الصناعة متطفلين على المجتمع وسارقين لأموال العامل كما يدعي ذلك كارل ماركس وزمرته من الشيوعيين والمذاهب المتطفلة الأخرى الذين اعتبروا أن أصحاب هذه المهنة أعداء الشعب ويجب القضاء على ثرواتهم ونهب أمتعتهم والتنكيل بهم وإرهاقهم في جميع المجالات، ان الذي يدفعهم الى ذلك هو الحقد البالغ على جميع الطبقات.
6 - المهن الحرة:
وتعنى هذه المهن بخدمة الانسان والمصلحة العامة، وهم كالمهندسين والاطباء والمحامين والمعلمين وأرباب الفنون فانهم يقومون بأسمى الخدمات العامة للانسان فالاطباء والصيادلة يقومون بالمحافظة على المصلحة العامة، ومداواة العلل والامراض وازالة العاهات ومقاومة الاوبئة الفتاكة، والحيلولة دون سرايتها وفتكها بالمجتمع، كما يقوم المحامون باحقاق العدل وإنقاذ الحق، وفصل الخصومة، ولا تقل أعمالهم من أعمال الاطباء من حيث النفع والفائدة للمجتمع، وكذلك يقوم المخترعون بخدمة الحياة العامة فان القيمة المادية لمخترعاتهم تضاهي نتاج أعمال المئات من أصحاب
الصناعات، فان جميع ما نشاهده اليوم من آثار الرقي والتقدم إنما هو من آثار المكتشفين والمخترعين، وقد عد بعض علماء الاقتصاد أن اعمال هؤلاء من جملة العوامل الاصيلة في الانتاج.
7 - الخدمات الشخصية:
ويعنى أرباب هذه المهنة بالقيام بكل ما يلزم من الاعمال لمعاونة أرباب الصناعات والمهن الذين مر ذكرهم في إدارة شؤونهم الشخصية والمنزلية، وما تقتضيه تكاليف حياتهم، وهم كالفراشين وسائقي السيارات الخاصة، وخدم المنزل وغيرهم فان خدماتهم توفر على أرباب الصناعات المختلفة وذوي المهن الحرة أوقاتهم الثمينة من أن تبذل في مثل هذه الاعمال البسيطة.
هذا مجموع ما ذكره الاقتصاديون من أنواع الاعمال والصناعات(1) .
وقد تعرض للبحث عنها على نحو التفصيل أحد مؤسسي المدرسة التقليدية في علم الاقتصاد، وذكر النتائج الاجتماعية والاقتصادية المترتبة على ذلك، كما تعرض لها آدم سميث وغيره ممن تقدمه(2) .
____________________
1 - علم الاقتصاد 2 - 53 - 84.
2 - دروس في الإقتصاد السياسي: ص 96.
ومهما يكن من أمر فان كل نوع من هذه الاعمال ينقسم الى أنواع متعددة، والتعرض لذكرها قد يعد خروجاً عن الموضوع فلذا نكتفي بما ذكرناه من العرض الموجز لاصول أنواعها.
3 - النظرية الماركسية
ونحن حينما نناقش النظرية الماركسية والنظرية الرأسمالية لاننا نؤمن أن النظم الاقتصادية الاخرى كالمذاهب الاشتراكية غير الماركسية وغيرها من المناهج في الميدان الاقتصادي إنما تأخذ فلسفتها وخطوطها العامة من هاتين النظريتين واعني بهما الماركسية والرأسمالية فبعضها حاول أن يجلب أكثر خطوط الماركسية كالمذاهب الاشتراكية المعاصرة وبعضها حاول أخذ اكثر المناهج الرأسمالية كالآراء الحديثة في البلاد الرأسمالية.
ذهب ماركس الى أن العمل هو مصدر الثروة الاجتماعية والمنبع المهم الذي يمد الأمة بالاشياء الضرورية التي تتوقف عليها الحياة، وهذا المعنى هو الذي ذكره الاقتصاديون فلم يأت بشيء آخر غير ما هو مشهور عندهم إلا انه سلك طريقاً آخر فجعل
العمل أساساً للقيمة، وقد استمد اصول هذه النظرية من الاقتصاديين الكلاسيكيين الانكليز فلم تكن من بنات أفكاره.
وتعتبر هذه النظرية بمنزلة العمود الفقري لتعاليمه ومبادئه ولا بد لنا من التعرض لجهات توضح فكرة ماركس وبيان ما يترتب عليها من اللوازم، والى القراء ذلك:
1 - تحديد العمل للقيمة
وجعل ماركس العمل أساساً للقيمة وليس معناه أنه مقياس لها فحسب بل هو مادتها حقيقة وواقعاً، فقال: «تحدد قيمة البضائع حسب كمية العمل الذي صرف في انتاجها»(1) فالعمل هو الذي يخلق القيمة فتدور مداره وتقدر بقدره، فقيمة السلعة التي يتطلب انتاجها ساعة تساوي نصف قيمة السلعة التي ينفق عليها من العمل ساعتان، وهذا موجز نظرية ماركس عن تحديد العمل للقيمة وسوف نذكر استدلاله عليها وايضاحه لها.
2 - عدم ابتكاره لها
ولم يخترع ماركس هذه النظرية - على وهنها - فقد سبقه اليها غيره من الاقتصاديين فقد ذكرها «دافيد ريكاردو»
____________________
1 - خلاصة الاقتصاد السياسي: 69.
الاقتصادي الانجليزي المعروف فقال: « تحدد قيمة السلعة بكمية العمل المبذول في انتاجها»(1) وسبق ريكاردو غيره من الاقتصاديين في التنويه عنها فقد ذهب اليها « جون لوك » في سنة 1689 فقال: ان العمل هو مقياس القيمة التبادلية(2) ثم شرح هذه الفكرة «آدم سميث» حيث قال في كتابه (ثروة الأمم): اني اعتبر العمل مقياساً لقيمة الاشياء.
وعلى أي حال فان ماركس لم يبتكر هذه النظرية كما يطبل بذلك الشيوعيون فقد سبقه غير واحد الى التصريح بها أو التنويه عنها.
3 - استدلاله عليها
أشاد كارل ماركس بهذه النظرية وأدخل على جوانبها بعض الايضاحات واستدل عليها في أغلب مؤلفاته، فمن جملة الأمثلة التي استدل بها على ذلك هي مبادلة الثوب بالسرير فان لكل واحد منهما منفعة تناقض المنفعة الأخرى، وبالرغم من وجود التناقض بين منفعتيهما فانهما يشتركان في قيمة تبادلية واحدة بحيث يمكن استبدال كل منهما بالآخر.
____________________
1 - النظام الشيوعي: ص 62.
2 - اصول المذاهب الاقتصادية بين التجارين والتوجيه ص 63.
ثم يأخذ بالاستدلال على أن الخصائص الطبيعية لا تدخل في حساب القيمة، فلا بد من طرحها وبعد طرحها لا يبقى عندنا سوى العمل وهو الصفة الوحيدة التي تشترك فيها السلعتان ولما كانت كمية العمل المنفقة على السرير والثوب واحدة من حيث الزمان نتج تساويهما في القيمة(1) وبهذا الاستدلال أثبت ان العمل هو جوهر القيمة.
وأضاف في بعض مؤلفاته يقول في الاستدلال على ذلك ما نصه:
ان أول سؤال يجب علينا أن نطرحه على أنفسنا هو التالي: ما هي قيمة بضاعة ما، وكيف يمكن تحديدها ؟
يبدو لأول نظرة، ان قيمة بضاعة من البضائع هي شيء نسبي تماماً، ولا يمكن تحديدها إلا اذا نظرنا الى بضاعة ما في علاقاتها مع بضائع أخرى. وفعلا عندما نتكلم عن القيمة المتبادلة لبضاعة من البضائع فانما نتصور في ذهننا الكميات النسبية التي يمكن بها مبادلة هذه البضاعة مع كل البضائع الأخرى. ولكن هنا يبرز هذا السؤال: كيف هي منضمة الى هذه العلاقات التي تجري وفقاً لها مبادلة البضائع بعضها مع بعض ؟
____________________
1 - رأس المال ج 1 ق 1 ف 1 ص 44 - 49.
اننا نعرف بالتجربة ان هذه العلاقات متنوعة تنوعاً لا نهاية له لنأخذ بضاعة واحدة ولتكن قمحاً على سبيل المثال. فنجد ان كوارتر(1) من القمح يبادل مقابل بضائع مختلفة بنسب لا نهاية لها تقريباً. ومع ذلك ما دامت قيمته تبقى هي نفسها دائماً سواه كان التعبير عنها بالحرير أم بالذهب أم باية بضاعة أخرى فان قيمته هذه يجب أن تكون إذن شيئاً متميزاً ومستقلاً عن مختلف النسب التي يبادل وفقها مقابل مواد أخرى ينبغي أن يكون من الممكن التعبير عن كل هذه المعادلات بين بضائع مختلفة بصيغة أخرى مختلفة تماماً.
وعلاوة على ذلك عندما أقول ان كوارتر من القمح يعبر عنها بكمية معينة من الحديد، فانما أقول بهذا ان قيمة القمح ومعادلها من الحديد يساويان شيئاً ثالثاً ليس هو بالقمح ولا بالحديد ما دمت أقبل - كما ترون - انهما يعبران عن وحدة بذاتها بشكلين مختلفين. ان كلاً منهما سواء القمح أو الحديد يجب أن يكون إذن من الممكن إرجاعه الى هذا الشيء الثالث الذي يؤلف قياسهما المشترك(2) .
____________________
1 - الكوارتر مكيال للحبوب مستعمل في انكلترا.
2 - الاجور والاسعار والارباح: ص 3 - 4.
وأراد ماركس بالشيء الثالث الذي يؤلف بينهما ويندرجان تحته هو العمل الذي هو جوهر القيمة التبادلية عنده والذي تدور القيمة مداره وجوداً وعدماً.
4 - المؤاخذات
لقد أثبتت الأدلة العلمية خطأ ما ذهب اليه ماركس من تحديد العمل للقيمة، فقد تناول ذلك علماء الاقتصاد بالنقد، حتى صارت الفكرة من الوهن باقصى مكان وعادت من الفكر الهزيلة التي لا يعضدها الدليل في جميع أحوالها، حتى هجرت عند أغلب الماركسيين واتخذت بدلها نظرية المنفعة النهائية ونظرية التعاون الاقتصادي. وعلى أي حال فانا نذكر بعض النقود العلمية التي ترد على هذه الفكرة كما نتبين معنى القيمة وفساد ما يترتب على الفكرة الماركسية من اللوازم والى القراء ذلك:
1 - اغفال الندرة
إن هذه النظرية قد أغفلت عامل الندرة، ولم تفطن لأثره الكبير في تحديد القيمة، فالندرة ليست عاملاً بارزاً في تحديد القيمة بالنسبة للمعادن النفيسة، وأعمال الفنون البارزة فحسب بل وفي الأرض قبل ذلك وفي غيرها من عوامل
الأنتاج الأخرى.
إن عامل الندرة النسبية هو الذي يتيح أحياناً للمصانع والمؤسسات أن تحظى بميزة استقلال هذا العمل عندما يزداد الطلب على السلع فتنعم بارباح وفيرة في الفترة اللازمة لانشاء مصانع جديدة تواجه الطلب المتزايد، وهكذا نجد ان لعامل الندرة اكبر الاثر في تحديد القيمة.
إن عامل الندرة له الأثر التام في رفع القيمة، ولا يمكن بأي حال أن يمنع بيع شيء نادر الحصول بقيمة هي اكثر باضعاف من قيمة الشيء المبذول الذي تكلف انتاجه مدة من الزمن، وبذلت عليه جهود كثيرة هي اكثر من ذلك الشيء النادر فكيف يكون العمل بعد هذا مقياساً لتحديد القيمة ؟ كما زعمه ماركس.
2 - تغيير القيمة
إن العمل اذا كان أساساً لتحديد القيمة فلا بد أن تبقى ثابتة لا تتغير لانها بدل من العمل وهو أمر مستقر ثابت مع أن قيمة الاشياء كثيرة التغيير فتارة ترتفع وأخرى تهبط ولا يمكن أن تكون هذه التغييرات ناتجة عن العمل، وبذلك يتضح بطلان تحديد العمل للقيمة.
3 - المياه المعدنية
إن العمل اذا كان مقياساً لتحديد القيمة فلا بد أن تكون الاشياء التي لم تحتج الى عمل عديمة القيمة كالمياه المعدنية النابعة أو بئر البترول الذي يتفجر منه الزيت من دون أي تدخل للانسان فيه على سبيل الفرض فعلى نظرية ماركس من تحديد العمل للقيمة أن تصبح هذه الاشياء عديمة القيمة مع أن الواقع يثبت عكس ذلك فانها من أعظم المواد التي تعتمد عليها البلاد في ثروتها الاقتصادية.
4 - الابداع والفن
ولا شبهة أن للفن دخلاً في رفع القيمة فلو قام نحاتان أحدهما فنان قدير والآخر مبتدئ بصنع تمثالين وأنفق كل منهما شهراً في صنع تمثاله فبرز التمثال الذي صنعه الفنان بصورة رائعة من الفن ولم يكن الآخر بتلك الصورة فانه لا شبهة في زيادة قيمة الأول على الثاني مع أن وقت العمل واحد، وعلى النظرية الماركسية يقتضي أن لا يكون للروعة والفن أثر في زيادة القيمة ما داما متساويين في زمان العمل وهو يناقض الحقيقة ويصادم الوجدان.
ان العبرة في تحديد القيمة ليس بكمية العمل الذي تحتويه
السلعة ولكن بالنتائج التي تنحسر عنها جهود الفن والابداع، فالغاء ذلك وعدم دخالته في زيادة القيمة لا يلتزم به أي انسان فيما نحسب.
5 - انخفاض الرغبة
ان شدة الرغبة الى السلعة تؤدي الى زيادة قيمتها كما ان انخفاضها يؤدي الى نقص القيمة مع احتفاظ السلعة بكمية العمل وبقاء ظروف انتاجها وهو دليل على أن للرغبة أثراً في تكوين القيمة التبادلية ومن الخطأ أن تناط القيمة بكمية العمل المبذول في ايجادها.
6 - لغوية التحديد
اذا كان العمل أساساً لتحديد القيمة فما الداعي إذن لتحديد قيمة العمل فانه لا شبهة أن العمل في حد ذاته قيمة لانه يباع ويشترى أي بعبارة أخرى انه يستاجر بأجور محدودة، ومن السهل تحديد قيمة العمل بنسبة قيمة ما ينتجه العامل وتحديد قيمة الاراضي الزراعية حسب قيمة ما تنتجه من المحصول، وإذا أردنا تحديد قيمة هذه المحاصيل حسب ما احتاجت اليه من العمل فانا نقع في الدائرة الفاسدة(1) .
____________________
1 - خلاصة الاقتصاد السياسي: ص 71.
7 - تعسر ضبط العناصر
إن العمل وان أمكن ضبطه كما بالساعات والدقائق إلا أنه من العسير ضبط عناصره الذاتية وأوصافه ونوعيته وما فيه ممن روعة الابداع والفن، فانه كيف يمكن أن تحصى ساعات العمل لتأليف كتاب فني أو لرسم لوحة فنية، فاذا تعذر تحديد الزمان في صنع ذلك فيصبح العمل محفوفاً بالجهالة ومعه كيف يجعل حداً للقيمة ؟!
8 - التفاوت في العمل
ومما يرد على هذه النظرية ان كثيراً ما نصادف وحدتين من سلعة معينة قد كلف انتاج أحدهما كمية من العمل اكثر من الأخرى ومع ذلك فان قيمة كل منهما تساوي قيمة الاخرى وما سبب ذلك إلا لأن العمل ليس هو المقياس في تحديد القيمة(1) .
9 - اختلافه
إن العمل المنتج للسلعة قد يضم جهوداً مختلفة وأنواعاً من العمل متفاوتة كالعمل الفني والاداري، وعمل اليد، وكيف يتسنّى في مثل هذه الحالة تمييز كل واحد منهما ليجعل حداً للقيمة؟
____________________
1 - دروس في الاقتصاد السياسي لاسماعيل صبري ص 215.
هذه بعض الاشكالات التي تواجه الفكرة الماركسية، وإن حاول ماركس وأنصاره الاجابة عن بعضها إلا أن أجوبتهم لم تكن مشفوعة بالدليل العلمي وظلت الفكرة هزيلة ينقصها الدليل والبرهان.
ومهما يكن من أمر فلا بد لنا من إعطاء صورة - ولو إجمالية - عن تحديد القيمة عند الاقتصاديين.
5 - تحديد القيمة
تطلق القيمة على معان لا علاقة لها بالنشاط الاقتصادي، ولا بعلم الاقتصاد كاطلاقها على ظاهرة من ظواهر الشيء كما في قولنا « القيمة الفنية » لهذه اللوحة تجعلها في مستوى لوحات الفنانين العظام فاطلاقها على هذه الظاهرة لا علاقة له بعلم الاقتصاد كما تطلق ويراد بها المنفعة كقولنا ان لهذا الكتاب قيمة - أي منفعة - فاطلاقها على مثل هذه الظواهر لا علاقة له بعلم الاقتصاد ايضاً.
والقيمة في العرف الاقتصادي (نسبة مبادلة سلعة بسلعة أخرى)(1) وقد عرفها بعضهم بأنها صفة للشيء النافع تتعين بنتيجة ما يدور في ذهن المتبادلين من المقارنة بين الاشياء حين
____________________
1 - دروس في الاقتصاد السياسي: ص 218.
مبادلة بعضها ببعض(1) وهذا التعريف لا يخلو من مسامحة لأن القيمة ليست صفة للسلعة وانما من أوصافها المنفعة، فالقيمة تتقوم بالمبادلة، وانما تتقوم بها فيما اذا تجرد طرفاها من كل علاقة شخصية، اما اذا استندت الى ذلك فانها لا تصلح قيمة للاموال لانها لا تقوم على فكرة المساواة في القيمة بين الشيئين، وانما تخضع لاعتبارات أخرى فالشخص الذي يقوم بمبادلة سلعة بأخرى مع ولده أو قريبه لا يسعى - على الاكثر - في الحصول على مال يساوي قيمته قيمة ما قدمه لولده فانه قد تكون قيمة أحد المالين المتبادلين أضعاف قيمة المال الآخر، فلا تكون مطلق المبادلة كاشفة عن القيمة إلا اذا أعربت عن جميع العلائق الشخصية.
أما الأمور التي تتوقف عليها القيمة فقد ذكروا عدة أسباب، ونحن نشير الى بعضها.
(أ) المفعة الحدية
قال بعض الاقتصادين: «ان قيمة السلعة تتوقف على منفعتها للانسان، أي على مدى اشباعها لحاجاته»(2) ويقولون
____________________
1 - علم الاقتصاد 1 - 130.
2 - دروس في الاقتصاد السياسي: ص 218.
(مارشال) تحدد قيمة الاشياء حسب منفعتها الأخيرة، وما تحتاج اليه من تكاليف الانتاج(1) ولكن القائلين بأن العمل محدد للقيمة قد اشكلوا على ذلك فقالوا: ان هناك أشياء عظيمة المنفعة ومع ذلك ليس لها قيمة مطلقة وذلك مثل الهواء الذي تتوقف عليه حياة الانسان ومع ذلك فليس له أي قيمة في المبادلات، وأشكلوا على ذلك أيضاً بان هناك بعض الاشياء ذات نفع كبير ومع ذلك فان قيمتها أقل من قيمة بعض الأشياء التي لها منفعة محدودة، فالذهب والاحجار الثمنية ذات نفع محدود ومع ذلك فانها اكثر قيمة من الخبز - مثلاً - الذي هو ذو منفعة عامة لجميع الناس(2) .
(ب) الندرة
من الاسباب التي تحدد القيمة وترفع مستواها ندرة الشيء فقد ذهب بعض الاقتصاديين الى أن قيمة السلعة تتوقف على ندرتها فالاشياء النادرة كحجر «الماس» ترتفع قيمته في حين ان الاشياء التي تتوفر فيها كميات كبيرة من العمل تكون منخفضة القيمة - كالخبز - والسبب في ذلك عدم ندرته، وقد
____________________
1 - خلاصة الاقتصاد السياسي: 71.
2 - دروس في الاقتصاد السياسي: ص 218.
نوقشت هذه النظرية بان الندرة ليست أساساً للقيمة فهناك أشياء نادرة ولكن ليس لها قيمة عالية.
(ج) النظرية الذاتية
وظهرت في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر (النظرية الذاتية الحديثة) للقيمة وهي تجمع بين فكرتي المنفعة والندرة فقد ذهب أصحابها الى أن العمل لا يصلح أساساً للقيمة لان العمل الذي لا ينتج شيئاً نافعاً لا يمكن أن يؤدي الى خلق أي قيمة. كذلك لا يصلح العمل مقياساً سليماً للقيمة لانه ليس مصدراً لها بل ان هناك أشياء لها قيمة من دون أن يتدخل العمل في ايجادها مثل الاشياء الموجودة في الطبيعة، أما المنفعة فهي ولا شك - على حسب هذه النظرية - أساس للقيمة فالشيء الذي لا منفعة له لا يمكن أن تكون له قيمة. والمنفعة أمر ذاتي، فمنفعة مال معين بالنسبة لشخص معين تختلف عن منفعته بالنسبة لشخص آخر. مثال ذلك ان منفعة الطعام لشخص جائع اكبر بكثير من منفعته بالنسبة لشخص غير جائع، والشخص الأمي لا يجد أي منفعة لمؤلف في الفلسفة بخلاف الشخص الذي له اطلاع في هذا العلم فان له منفعة في اقتناء مثل هذا الكتاب، ونظراً لتأسيس هذه النظرية على المنفعة أطلق عليها
اسم «النظرية الذاتية»(1) .
(د) الرغبة
وذهب بعض الاقتصاديين الى ان القيمة تستند الى الرغبة فقال «شارل جيد» قيمة الاشياء حسب رغبتنا في الحصول عليها وتختلف هذه الرغبة حسب قلة الكمية، وتكون هذه الكمية الضرورية لنا عسيرة المنال، صعب انتاجها(2) .
فالرغبة تحدد القيمة، وهي تختلف شدة وضعفاً بالنسبة الى الاشخاص الذين لهم رغبة في اقتنائها.
(ه) العمل والطلب
وذهب «رسكين» الى أن القيمة تحدد حسب العمل والطلب(3) أما العمل فقد تقدم الكلام في بيانه، وأما الطلب فقد ذكر الاقتصاديون حقيقته وشروطه ومدى مدخليته هو والعرض في تحديد الثمن، ولولا خوف الاطالة لذكرنا ذلك بالتفصيل.
ومهما يكن من أمر فقد تبين مما ذكرناه من تحديد القيمة
____________________
1 - دروس في الاقتصاد السياسي: ص 219.
2 - مبادئ في الاقتصاد السياسي: ص 66.
3 - خلاصة الاقتصاد السياسي: ص 71.
مدى الفساد الذي منيت به الفكرة الماركسية، وانها لم تعتمد على الدليل والبرهان حيث أن مثل هذه النظريات لها جانب من الصحة وإن وقعت في أخطاء من جهة أخرى.
6 - اللوازم
وتترتب على النظرية الماركسية أمور نادى بها الشيوعيون وهي تدعو الى تخريب الاقتصاد، وتحطيم ما بناه الانسان من قواعد الأخلاق، والقضاء على جميع النظم الانسانية والى القراء بعضها.
1 - حصر الانتاج بالعمال
ويترتب على نظرية ماركس من تحديد العمل للقيمة ان انتاج السلعة يختص بالعمال، وان بقية الاصناف لاتساهم فيه، وانها تعيش عالة على العمال إذ ليس عندها قوى انتاجية فهي تسرق (فائض القيمة) من دون أن تبذل في سبيله كداً أو جهداً.
ولكن الدليل العلمي يخالف ذلك فان جهد العامل جزء في الانتاج، وليس هو تمام السبب، وان إبراز العمل بالشكل الذي هو فيه يستند الى جهود العمال وغيرهم، وعلينا أن نبحث عن حقيقة الانتاج وعناصره ليتبين بذلك خطأ ماركس وبُعد قوله عن واقع الدليل والى القراء ذلك:
1 - تعريفه
وعرف الانتاج بأنه (استخراج المواد النافعة من خزائن الطبيعة، وتنمية خاصة النفع الكامنة في تلك المواد بتغيير شكلها أو بنقلها) فهذه الامور التي اشتمل عليها التعريف هي المكونة للانتاج فانه لولا استخراج الانسان المواد الطبيعية من الأرض لبقيت على حالها لا ينتفع بها ولا تعد صالحة للاستعمال، فاي نفع للانسان من السمك السابح في الماء أو الطير المحلق في الهواء، وأية فائدة يجنيها الانسان من الوحش السارح في الصحارى والقفار، وما يستفيد الانسان من الفحم والحديد المدفونين تحت التراب اذا لم يعمل الانسان جهده على استخراجها من مناجمها، ويتخذ منها بمعونة الوسائط الفنية المختلفة ما يستوفي به حاجاته من الملبس والمسكن والمأكل مما هو ضروري لحفظ حياته.
إن كل ما يأتيه الانسان من ضروب الاعمال في سبيل بلوغ حاجاته وما يتعلق بتلك الاعمال أو يتفرع عليها من الشؤون يعد انتاجاً ويمكن تلخيص ذلك في المواد الآتية:
أ - استخراج المواد النافعة من خزائن الطبيعة.
ب - تحويل هذه المواد الى اشكال صالحة للاستعمال.
ج - نقل هذه المواد والأشياء من المحل الذي تتوفر فيه الى المكان الذي تقلّ فيه
د - حفرها وادخارها في زمان كثرتها وإخراجها الى السوق أوان ندرتها(1) .
2 - عناصره
إن عناصر الانتاج في العصور الأولى للانسان هي الطبيعة والعمل، واضيف اليهما في العصور الحديثة «رأس المال وأدوات الانتاج» ويضاف الى هذه الأمور في الانتاج الرأسمالي « المنظم » ولكن لا يتساوى تأثير هذه العناصر في الانتاج كما انه ليس من الضروري اشتراكها جميعاً في حصوله فقد يحصل بانتاج عاملين من هذه العوامل، وقد يحدث أحياناً بتأثير عامل واحد كما اذا أفرغت نواة في الأرض عن شجرة لا من صنع الانسان فانه لا دخل للعمل، ولا لرأس المال في الانتاج بل الطبيعة وحدها هي العامل في حصول هذه الثروة.
أما الأصل في الانتاج فهو العمل لانه العنصر الفاعل، وأما الطبيعة ورأس المال فكل منهما عنصر منفعل لا يسعه إلا
____________________
1 - علم الاقتصاد 2 - 2 - 4.
الخضوع والانقياد لعمل الانسان، وأول من قال بذلك هو « آدم سميث » أما الطبيعيون « الفيزيوقراطيون » فكانوا يعتبرون الطبيعة - بل الأرض - العنصر الوحيد العامل في الانتاج ويعتقدون أن لا شيء غير الأِض يولد الثروة وينميها.
ومهما يكن من أمر فلا بد لنا من بيان هذه العناصر - ولو إجمالاً - ليتسنى لنا الوقوف على الانتاج ومعرفة عناصره والى القراء ذلك:
1 - الطبيعة
الطبيعة عنصر من عناصر الانتاج تشمل الأرض وما حوت في باطنها من معادن، وما على سطحها من بحار وأنهار، ونباتات طبيعية وما يسقط عليها من مطر، وما ينالها من أشعة الشمس الى غير ذلك من المواد الطبيعية التي لا دخل للانسان في وجودها كما لا قدرة له على زيادة عنصر غير ما هو موجود فيها، انها من صنع اللّه خالق الاشياء بقدرته وإرادته.
2 - العمل:
وقد تقدم الكلام في ايضاحه وبيان حقيقته وأقسامه وله في نظر الاسلام أهمية عظمى ولذلك رتب عليه الأحكام التالية:
1 - من أحيى أرضاً فهي له، كما جاء في الحديث.
2 - من كشف بالحفر عيناً طبيعية للماء، فهو أحق بها.
3 - اذا حاز الفرد الحيوان النافر بالصيد، والخشب بالاحتطاب والحجر الطبيعي بحمله، والماء من النهر باغترافه في آنية وغيرها ملكه بالحيازة. كما نص على ذلك الفقهاء جميعاً.
الاستنتاج:
كل هذه الأحكام تشترك في ظاهرة واحدة، وهي أن العمل مصدر للحقوق والملكيات الخاصة (في الثروات الطبيعية) التي تكتنف الانسان من كل جانب، وبالرغم من أن هذه الظاهرة التشريعية نجدها في كل تلك الاحكام فاننا بالتدقيق فيها، وفي نصوصها التشريعية وأدلتها يمكننا أن نكتشف عنصراً ثابتاً في هذه الظاهرة، وعنصرين متغيرين يختلفان باختلاف أنواع الثروة وأقسامها، فالعنصر الثابث هو: ربط الحقوق الخاصة للفرد في الثروات الطبيعية الخام بالعمل، فما لم يقدم عملاً لا يحصل على شيء، واذا اندمج مع ثروة طبيعية في عملية من العمليات، استطاع أن يظفر بحق خاص فيها، فالعلاقة بين العمل والحقوق الخاصة بشكل عام، هي المضمون المشترك لكل تلك الاحكام والعنصر الثابت فيها(1) .
وأما العمل في غير الثروات الطبيعية فقد سمح له باسلوبين
____________________
1 - اقتصادنا، الكتاب الثاني ص 144، 145 لمحمد باقر الصدر.
من الكسب: اسلوب الأجور وتقاضي الأجرة عما بذله من العمل كالخياط يخيط الثوب والعامل ينجز عملاً معيناً بأجرة، واسلوب المشاركة في الناتج والأرباح كما في المزارعة والمساقاة فان الفلاح بمقتضي عقدهما يكون شريكاً في الزرع والثمر وكما في المضاربة حيث يكون العامل شريكاً في الأرباح ويتحمل المالك الخسارة كلها.
3 - رأس المال وأدوات الانتاج
رأس المال هو ثالث العناصر التي يتكون منها الانتاج، وقد عرفه بعض العلماء بانه عبارة عن «الاعمال والمساعي المدخرة» وقال آخرون في تعريفه انه «جزء من الثروة المدخرة معد للاستعمال في انتاج ثروة أخرى» وهذا التعريف ناقص لأنه يخرج من عداد الثروة ما لا يستعمل في الانتاج ولكنه يكفل لصاحبه المنافع والأرباح كالنقود والحلي وغيرها ولذا عدل عن هذا التعريف وعرف بتعريف آخر وهو أنه «جزء من الثروة المدخرة سواء كان معداً للاستعمال في انتاج الثروة أم كان غير معد لذلك، ولكنه يبقى زمناً طويلاً ويكفل
لصاحبه النفع والثروة»(1) .
وأما أدوات الانتاج: فهي التي تشترك فيها المواد الطبيعية مع الجهد البشري المبذول فيها فالحراث مثلاً مكون من الحديد الذي هو معدن خام مع الجهد البشري الذي أنفق في ذلك المعدن وجعله صالحاً للانتفاع به في الزراعة وهكذا أدوات المصانع وغيرها مما يستعان بها على الانتاج والاستثمار.
وقد فرق الاسلام بين رأس المال وأداة الانتاج في أحكامه.
(وعلى أي حال فأداة الانتاج لا تساهم في الارباح وإنما يتقاضى الأجور فقط. فالكسب الناتج عن ملكية الأداة أضيق حدوداً من الكسب الناتج عن العمل، لانه ذو لون واحد بينما سمح للعمل باسلوبين من الكسب.
وعلى العكس من أدوات الانتاج رأس المال التجاري فانه لم يسمح له بالكسب على أساس الأجور، فلا يجوز لصاحب النقد أن يقرض نقده بفائدة، أي أن يدفعه للعامل ليتاجر به ويتقاضى من العامل أجراً على ذلك، لأن الأجر يتمتع بميزة الضمان، وعدم الارتباط بنتائج العملية وما تكتنفها
____________________
1 - علم الاقتصاد 2 - 95.
من خسائر وأرباح، وهذا هو الربا المحرم شرعاً كما مر في فقرة(1) وإنما يجوز لصاحب النقد أو السلعة أن يدفع ماله الى العامل ليتاجر به ويتحمل وحده الخسارة بينما يقاسمه الأرباح بنسبة مئوية اذا حققت العملية ربحاً فالمشاركة في الربح مع تحمل أعباء الخسارة هو الأسلوب الوحيد الذي أجيز لرأس المال التجاري باتخاذه.
وبهذا نعرف أن أداة الانتاج ورأس المال التجاري متعاكسان في الأسلوب المشروع للكسب، فلكل منهما أسلوبه بينما يجمع العمل الاسلوبين(1) .
وقد بينا أحكاماً مفصلة في موضوع إحياء الموات والمزارعة والمساقاة والمضاربة وسيأتي البحث عنها بالتفصيل.
وأما مركز الانسان في النظرية الاسلامية (كما عرفت) فهو مركز الغاية لا الوسيلة، فليس هو في مستوى سائر الوسائل المادية لتنوزع الثروة المنتجة بين الانسان وتلك الوسائل جميعاً على نسق واحد كما هي في الرأسمالية. بل إن الوسائل المادية في الاسلام تعتبر خادمة للانسان في انجاز عملية الانتاج لان عملية الانتاج نفسها إنما هي لاجل الانسان.
____________________
1 - اقتصادنا، الكتاب الثاني ص 265، 266 لمحمد باقر الصدر.
وبهذا يفترق عن النظرية الماركسية أيضاً حيث حرمت سائر الوسائل من أدوات انتاج ورأس مال عن المساهمة في الانتاج والمشاركة فيه ولم تجعل له أي أجرة أو ربح مع ما عرفت من وجود جهود بشرية قد بذلت فيها وجعلتها صالحة للانتفاع والاستثمار.
2 - [ فائض القيمة ]
وذهب ماركس الى أن فائض القيمة، وهو الربح الذي يزيد عن قيمة الأجور المدفوعة الى العمال قد سرق منهم ودخل في جيوب الرأسماليين فان الفرق بين الأجر الذي يدفع الى العامل منتج السلعة، وبين الثمن الذي تباع به وهو الفائض - أي الربح - لا تظفر به الطبقة العاملة، ويسلبه منها اصحاب رؤوس الأموال الذين يعيشون من وجهة هذه النظرية عالة عليهم.
ان أخذ فائض القيمة عند ماركس هو السر في تناقضات المجتمع وشقائه، والمصدر الوحيد لترتب الطبقية، وتضخم الأموال عند البرجوازيين، الأمر الذي تتكون منه الرأسمالية التي شن عليها الحرب ودعا الى تحطيمها، ونحن لسنا في مقام الدفاع عن النظام الرأسمالي فان فيه من المفاسد والظلم والاستغلال ما لا يقل عن النظام الشيوعي في جوره واستبداده وإنما يهمنا التعرف على صحة هذه النظرية، والتقائها بمنطق الواقع.
إن هذه الفكرة - كما ذكرنا سابقاً - تبتني على أن العمل محدد للقيمة وجوهر لها، وقد ذكرنا المؤاخذات العلمية التي ترد عليها، وأثبتنا ان القيمة لا يحددها العمل بل تستند الى عوامل أخرى كثيرة، بالاضافة الى ان العامل لم يكن هو العلة في الانتاج بل هو أحد أسبابه، فمدير المصنع والمخترع وصاحب المال قد ساهموا بشطر كبير في إبراز العمل وانتاجه وان جهود هؤلاء لا يقل عن جهود العامل وكده.
ولو سلمنا - مجاراة له - ان العمل هو جوهر القيمة والمحدد لها، وان فائض القيمة قد نهب من العامل، وان اللازم إرجاعه اليه، فانا بدورنا نسأل أن العمال في ظل النظام الشيوعي القائم في روسيا، وفي غيرها من الدول الشيوعية هل يظفرون بفائض القيمة أم لا ؟ ؟
انه مما لا ريب فيه ان العمال في الاتحاد السوفيتي وفي غيره من دول العالم لا يعطون فائض القيمة، ولو حصلوا عليها لاستحال ايجاد الأموال اللازمة للتوسع الصناعي، ولتجديد ما يستهلك من منشآت الانتاج، وللانفاق على المسائل الادارية.
إن جميع رواتب العاملين في جهاز الدولة من حكام، وساسة، ورجال الأمن والجيش وبقية الموظفين إنما يأخذون
رواتبهم - على الاكثر - من فائض القيمة، ولولا ذلك لما أمكن إقامة النظام العام للجهاز الاداري في جميع الدول بأي لون كان شكلها.
لقد شن الشيوعيون الحرب بغير هوادة على الرأسماليين فدعوا الى تحطيمهم في جميع المجالات لانهم يتناولون فائض القيمة من العمال، ولكن الفائض في النظام الشيوعي عاد الى الدولة بشكل أفظع فقد استولت عليه بيد من حديد فاخذت تشتري البضائع من العمال والفلاحين بابخس الاثمان وتبيعها عليهم وعلى غيرهم باغلى الاثمان(1) ولم يتمكن العمال أن ينطقوا ولا ببنت شفة نظراً لقسوة الحكم وصرامته، وما هذه القنابل الذرية والأقمار الصناعية التي تطلقها روسيا في كل فترة إلا من جهود العمال وعرق جبينهم وفائض قيمة أرباحهم، لقد أصبحت الحكومة الروسية وهي من أثرى دول العالم، والعمال الذين عندها يعانون الشقاء والحرمان والاضطهاد فلم لا ترفع عنهم كابوس البؤس وتعطيهم فائض القيمة ؟
إن مناداة الشيوعيين بسرقة الفائض لم يكن الغرض منه إلا التغرير بالعمال وسوقهم لميادين التضحية، وجعلهم كبش الفداء.
____________________
1 - الاتحاد السوفياتي في مائة سؤال وجواب.
حتى اذا ظفروا بما يريدون واستولوا على زمام الحكم ألهبوا ظهور العمال بالسياط وسلبوهم الحرية والاختيار، وحطموا جميع أمانيهم وآمالهم.
3 - الغاء الملكية
ومن ضروريات المذهب الشيوعي الغاء الملكية الفردية، والقضاء عليها في جميع المجالات سواء في مجال الانتاج، أم في مجال الاستهلاك فكافة البضائع الاستهلاكية، وجميع الوسائل الانتاجية لا بد أن تؤمم للمجموع.
ولما استولى الحزب الشيوعي على زمام الحكم في روسيا صار له جميع العقارات، والابنية والمصانع، ولم يسمح للفرد أن يملك شيئاً منها، وحجة الشيوعيين على ذلك ان الغاء الملكية يحول دون استغلال العمال، وأخذ فائض القيمة منهم، وان الملكية هي المنشأ لجميع الشرور، والمنبع لجميع المفاسد والمصدر الوحيد لاضطهاد العمال وشقائهم، فلا بد من قلعها عن الأرض، ومحو ظلها، وقالوا: ان الافراد ما كانت لهم حقوق الملكية الشخصية في بدء وجود الانسان، وانما أحدثتها الطبقات القوية فيما بعد.
ولا بد لنا من ذكر السبب الذي من أجله نجحت هذه
الفكرة في روسيا، وبيان المؤاخذات على هذه النظرية التي أصبحت من أوليات مقاصد الشيوعيين والى القراء ذلك:
1 - سبب نجاحها
لم يكن متوقعاً بأي حال من الاحوال أن تحظى هذه الفكرة بأي قسط من النجاح والاستقرار نظراً لمجافاتها لطبيعة الانسان، وعدم التقائها بمصالحه واتجاهاته، ولكن ظروف المجتمع الروسي الذي يتألف سواده من العمال والفلاحين الذين سحقهم طغيان القيصرية، والارستقراطية هي التي ساعدت على نجاح ذلك، في الوقت الذي كان فيه الشيوعيون يخفون مقاصدهم على السواد، ويظهرون العطف على الفقراء والمحرومين، ويتذرعون بجميع وسائل الكذب والخداع لتضليل العمال والفلاحين بانهم ينشدون مصالحهم الخاصة، ويطالبون بحقوقهم، وأهم العوامل التي ساعدت على تنفيذ هذه الفكرة انشاء الجيش الاحمر الذي كان سياجاً للحزب الشيوعي، وعاملاً مهماً في تنفيذ خططه والتطويح بخصومه والمعارضين له فأباد الرؤوس والصرس وقضى على جميع العناصر المعادية له.
2 - المؤاخذات
ان تحريم الملكية الفردية من الافكار المهلهلة التي يحوطها
الفساد من جميع الجهات، وأصبحت من القضايا التي يؤمن بفسادها كل انسان يملك وعيه واختياره، إلا الذين ينظرون الى الواقع بمنظار أسود ويتنكرون لجميع القيم الانسانية فانهم لا يرون بأساً في ذلك، وعلينا أن نشير - ولو إجمالاً - الى بعض المؤاخذات التي ترد على تحريم الملكية والى القراء ذلك:
1 - الغاء المنفعة الذاتية
إن الانسان منذ وجد وجدت معه غريزة حب الملك وعاطفة السعي لمنفعته الذاتية، ويستحيل عليه أن يتجرد من هذه الظاهرة النفسية، ولكن الشيوعيين لم يعتنوا بحقائق الاشياء وواقعها، وقالوا: بان الاثرة، والميل الى طلب المنفعة الذاتية ما هي إلا كلمات فارغة أو أسماء ليس لها مسميات، وان الفرد لا بد أن تنتزع من قرارة نفسه هذه الظواهر وتنشأ فيه العقلية الجماعية، ومعنى ذلك أن يصوغوا للانسان عقلية غير العقلية التي نشأ عليها وأن يبدلوا مشاعره بمشاعر أخرى، وما هذه الأقاويل إلا لون من ألوان الخرافة لانها تصادم الواقع وتتنكر لفطرة الانسان وطبعه، وكل شيء يتنافى مع ذلك ما هو إلا أمر وهمي وخيال محض لا يؤمن به إلا ذو العاهات والنقص.
ومهما يكن من أمر فان الغاء الملكية يبتني على تجريد الانسان من حب الاثرة وعلى تبديل خصائصه وعقليته، وجعله آلة صماء لا يعي، ولا يعقل وهيهات أن يكون الانسان كذلك.
2 - الاثمان الباهضة
إن تطبيق هذه الفكرة في الخارج يحتاج الى اثمان باهضة فانها تتوقف على الاسراف في الدماء وعلى ذيوع الفزع ونشر الخوف بين الناس فانه ليس من الطبيعي ولا من السهل انتزاع الأراضي والمعامل والأبنية والعمارات من أيدي أهلها الذين بذلوا عصارة جهودهم في الحصول عليها، وتحويلها منهم الى الملكية الجماعية، وقد تقدمت روسيا في سبيل ذلك ثمناً من أغلى الأثمان فقد قدرت الضحايا بخمسة ملايين نسمة كما أخبر بذلك ستالين تشرشل(1) بالإضافة الى الأشخاص الذين حكمتهم المحاكم الشعبية ؟ ؟ بالعقوبات المختلفة والذين نفتهم الى مجاهل سيبريا.
ولكنه مع هذه الضحايا الغالية التي بذلتها روسيا، لم تنجح الفكرة وباءت بالفشل فقد انحط الانتاج الزراعي والصناعي
____________________
1 - ادراك الحقائق عن روسيا: ص 76.
فيها انحطاطاً شديداً، وواجهت شبح المجاعة والفوضي، وكادت التجربة الشيوعية أن تنهار في مهدها الأمر الذي اضطر لينين أن ينحرف عن المقررات الشيوعية، فكان أبرز ما عمله أن أعاد نظام الملكية الفردية بصورة مخففة وقيود معينة، وذلك بالنسبة للاراضي الزراعية الصغيرة والمساكن، أما المشاريع والمناجم، والضياع الكبيرة فبقيت على ملك الدولة، ولكن الحكومة السوفياتية التي رفعت شعار ماركس لم يرق لها هذا الانحراف عن مبادئه، فاعادت تحريم الملكية من جديد وذلك في سنة (28 - 30) فاستأنف الفلاحون ثورتهم واضرابهم، وأخذت السلطة تمعن في قتلهم وتشريدهم حتى أسرفت في القتل والتنكيل فانتشر الخوف وعمت المجاعة، وقدرت ضحية المجاعة الشاملة بستة ملايين نسمة حتى اضطرت الحكومة الى التراجع عن مقرراتها فمنحت الفلاح شيئاً من الأرض وبعض الحيوانات.
ومهما يكن من أمر فان الحكومة السوفياتية قد قدمت في سبيل تطبيق الفكرة الماركسية سيلاً عارماً من دم أبنائها، وهي بعد لم تتمكن من تطبيقها، ويستحيل تطبيقها ما دام الانسان يشعر بضرورة استغلال سعيه لنفسه.
3 - شل الحركة الانتاجية:
إن التقدم الاقتصادي إنما يكون فيما اذا شعر الفرد بان ربح السلعة التي ينتحها يكون له يتصرف فيه حيثما شاء، فعندئذ يندفع الى تحسين سلعته واتقانها، ويعمل جاهداً على الابداع في إخراجها ليجلب لها الأنظار حتى يظفر بالربح، وعلى هذا الأساس ترى التنافس بين أصحاب المعامل في إخراج السلعة بصورة رائعة تجلب الانظار، أما اذا كان الربح للدولة فان الفرد لا يندفع لذلك، ولا يتحفز الى العمل فضلاً عن الابداع فيه، الأمر الذي يؤدي حتماً الى شل الحركة الانتاجية، وتخريب المعالم الاقتصادية.
إن من أهم العوامل التي تدفع الفرد الى النشاط في الانتاج والى بذل المزيد من الجهود في استثمار الأموال وحمايتها من التلف، وصيانتها من الخراب والفساد، هي المنفعة الشخصية ودخول الربح في جيبه، أما اذا علم الفرد انه لا ينتفع بها لا هو ولا بنوه من بعده وانها تدخل في ميزانية الدولة، فمن الطبيعي انه ليس هناك أمر يخفزه الى العمل ويدعوه الى الابداع فيه ولذلك آمن الاسلام بهذا الجانب وآمن بالملكية العامة ليحصل الثمرتين معاً.
ومهما يكن من الأمر فان الغاء الملكية الفردية لا يمكن أن ينجح باي حال من الأحوال لأنه يشل الحركة الاقتصادية،
ويخرب معالم الحضارة، ويصرف الناس عن الجد في العمل فلا يندفعون اليه إلا بالقسر والاكراه، ولذا التجأت روسيا الى الطرق الملتوية ففتحت أبواب السجون على مصراعيها، وفرضت العقوبات الشديدة على تارك العمل والمتهاون فيه حتى ألهبت ظهور العمال بالسياط، وصبت عليهم جميع ألوان التنكيل والارهاق، لان كل عملية تشذ عن الفطرة ولا تلتقي بها لا يمكن تطبيقها ولا بد أن تفشل ان عاجلاً وان آجلاً، ولذا اضطرت روسياً أن تنحرف عن مبادئ ماركس ففتحت منفذاً صغيراً للملكية الفردية فوجدت ان ذلك هو العلاج الوحيد الى استمرار الناس في أعمالهم من دون كره ولا إجبار.
4 - التنكر للاديان
وتنكر الشيوعيون لجميع الأدبان، واعتقدوا انها خرافة، وانها من صنع الانسان لأنها تحمي ممتلكات الناس، وتدعو الى صيانة أرباحهم، واستغلال سعيهم، كما تدعو الى حرمة إراقة الدماء، وحرمة نشر الخوف في البلاد وكل ذلك يتناقض مع المبادئ الاشتراكية والشيوعية التي تركز على إباحة جميع هذه الاشياء بالاضافة الى ايمانهم الشديد بالمادة، والى ما يرجح الى مطالب المعدة والجسد، وقد وجهوا جميع جهودهم الى غرس الكفر
والالحاد في نفوس العمال.
يقول لينين:
«إن من أهداف حزب العمال الديمقراطي الاشتراكي في روسيا هو أن يحارب بلا هوادة كل نزعة دينية في أفئدة العمال ان منهاجنا يتضمن بالتالي الدعوة للالحاد على أوسع نطاق ممكن»(1) .
إن الشيوعية والدين ضدان لا يجتمعان فاذا ولج أحدهما خرج الآخر من النافذة - كما يقول شكسبير - ولهذا فان أي محاولة للتوفيق بينهما فانما هي خداع للجماهير، وتزييف للفكرة الشيوعية التي بنيت على الكفر والالحاد.
إن الاختلاف في أمر الدين هو الحد الفاصل بين الشيوعية والأديان فالشيوعي الكامل هو الذي ينبذ دينه، ويتبرأ منه، ويقطع كل صلة تربطه في كل شأن من شؤون حياته العملية.
ونسوق الى القراء بعض مظاهر إلحادهم ومعاداتهم للاديان بصورة عامة وللاسلام بصورة خاصة، والى القراء ذلك:
1 - انكار اللّه
وبنيت الفلسفة الشيوعية الهوجاء على انكار اللّه وجحوده
____________________
1 - الاشتراكية والدين تأليف لينين.
وعدم الاعتراف بخالق الكون، وواهب الحياة فزعموا - ويا لهول ما زعموا - ان اللّه خرافة فقد قال ستالين:
«يجب أن يكون مفهوماً ان الدين خرافة، وان فكرة اللّه خرافة، وان الالحاد هو مذهبنا»(1) .
وقال لينين:
«ليس صحيحاً ان اللّه هو الذي ينظم الاكوان وانما الصحيح هو ان اللّه فكرة خرافية اختلقها الانسان ليبرر عجزه ولهذا فان كل شخص يدافع عن فكرة اللّه انما هو شخص جاهل عاجز»(2) .
وكتب لينين بصدد المفهوم المادي عند «هيرا كليت» الذي جاء فيه «ان العالم هو واحد، لم يخلقه إله ولا انسان وقد كان ولا يزال وسيكون شعلة حية الى الأبد تشتعل وتنطفئ تبعاً لقوانين معينة» وعلق على ذلك بقوله: «يا له من شرح رائع لمبادئ المادية الديالكتيكية»(3) .
____________________
1 - النظام الشيوعي: ص 54.
2 - نفس المصدر ص 53.
3 - المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية تأليف ستالين وترجمة خالد بكداش ص 17 مطبعة العاني - بغداد.
وقال ستالين:
«نحن ملحدون ونحن نومن بان فكرة اللّه خرافة ونحن نؤمن بان الإيمان بالدين يعرقل تقدمنا ونحن لا نريد أن نجعل الدين مسيطراً علينا، لانا لا نريد أن نكون سكارى»(1) .
وقال إنجلز في رده على نظرية هيجل الذي ذهب الى أن الوجود قبل الأرض ما نصه:
«الوجود قبل الأرض للفكرة المطلقة الذي قال به هيجل ان هو إلا بقايا وهمية الايمان بخالق فوق الأرض، وان العالم المادي الذي تدركه حواسنا والذي ننتمي اليه نحن أنفسنا هو الحقيقة الوحيدة»(2) .
الى غير ذلك من تصريحاتهم القذرة التي إن دلت فانما تدل على كفرهم السافر، وسقم تفكيرهم فان أبسط الأشياء لا يوجد إلا وله موجد، فكيف بهذا العالم الذي يحتوي على الانظمة الدقيقة والأسرار العجيبة التي لا زال العلم الحديث في كل فترة
____________________
1 - النظام الشيوعي: ص 53.
2 - مقدمة كتاب: «لودفيح فيورباخ» تأليف انجلز، ترجمة جورج ستورت: ص 17.
يكشف عما فيه من الغرائب والعجائب فكيف قد وجد وحده من دون خالق له، ان الموجودات بأسرها تنادي بوجود اللّه فالأرض بسهولها وجبالها ومعادنها ومياهها والكواكب المحيطة بها، وصنع الانسان نفسه بما فيه من التراكيب والاجهزة كل ذلك دليل ناطق على وجود اللّه تعالى.
إن جحود الشيوعيين للّه حقيقة لا جدال فيها فمن يتظاهر منهم ببعض الطقوس الدينية ويقر باللّه ظاهراً ولا ينكره فهو أما شيوعي غبي، وأما شيوعي حاذق يريد التغرير بالبسطاء من أن الشيوعية لا تتنافى مع الدين كما قال بعضهم.
إن أول نقطة نفترق بها مع الشيوعيين هو جحودهم للّه وإنكارهم له، ونحن نؤمن به إيماناً مطلقاً، ليس فيه أدنى مجال للشك والتردد.
2 - نبذ الأديان
من الطبيعي أن يعلن الشيوعيون - بعد إنكارهم للّه - الحرب على الأديان ونبذهم لها ذلك لأنها تسد عليهم الطريق لانتهاك الحرمات، وسلب الأموال، والحفاظ على القيم، ولذا حملوا عليها معول الهدم فوصفوها بأنها أفيون الشعوب ومخدرة الجماهير فقد قال لينين:
«قال ماركس: الدين هو أفيون الفقراء، وهذا هو حجر الزاوية في الفلسفة الماركسية جميعها، وتعد الماركسية الديانات الحديثة جميعها والكنائس، وكل أنواع المنظمات الدينية آلة لرد الفعل البرجوازي الذي يستهدف الاستغلال بتخدير الطبقة العاملة»(1) .
وقال لينين:
«الدين هو أفيون الشعوب الدين نوع من الخمرة الروحية يفرق فيها عبيد الرأسمالية صفتهم الانسانية، ومطالبتهم باي حياة إنسانية كريمة»(2) .
وقال لينين:
«كلما تحررنا من نفوذ الدين ازددنا اقتراباً من الواقع الاشتراكي ولهذا يجب علينا أن نحرر عقولنا من خرافة الدين»(3) .
وقال ماركس:
«الدين زفرة الكائن المثقل بالألم وروح عالم لم تبعث
____________________
1 - النظام الشيوعي.
2 - نفس المصدر.
3 - كارل ماركس تأليف هنزي لوفافر ترجمة محمد عيتاني ص 16.
فيه فكرة، وفكر عالمي يبعث فيه فكر، انه أفيون الشعوب، إذن فنقد الدين هو الخطوط الأولى لنقذ هذا الوادي الغارق في الدموع حيث يركز الدين هالته».
بهذه الكلمات القاسية وصف الدين ماركس اليهودي هو وأتباعه من شذاذ الآفاق الممسوخين، مع العلم ان الدين أعظم قوة وقفت الى جانب الفقراء والمحرومين، والى جانب المجتمع لانقاذهم من ظلم الطغاة وعنف المستبدين في جميع مراحل التاريخ لقد وقف الدين بالمرصاد لفرعون طاغية عصره، وأنقذ منه بني إسرائيل المستضعفين، كما وقف بالمرصاد لشذاذ الآفاق من اليهود الذين شوهوا أهداف الدين الأصيلة فاعلن عليهم حرباً لا هوادة فيها، وكانت تلك الصرخة متمثلة في المسيح والحواريين من أتباعه، كما وقف الدين بالمرصاد لجبابرة قريش والعتاة المردة في ذلك العصر الذين تلاعبوا بمقدرات المجتمع وكرامته، ولا يزال الدين يمد الشعوب الضعيفة بروح العزة والكرامة والتضحية، فهذه الجزائر التي دوخت المستعمرين، وقدمت أروع ألوان التضحيات في سبيل استقلالها والذود عن كرامتها وهل كانت مدفوعة إلا بوحي من العقيدة الدينية الاسلامية كما اعترفت بذلك فرنسا.
وعلق سماحة العلامة الشيخ محمد أمين زين الدين على مقال ماركس وأتباعه قال ما نصه:
أفدين اللّه يخدر العمال ويخضعهم لارباب الأموال ؟!
أفدين اللّه ايديولوجية وضعها الاقطاعيون يحرسون بها أموالهم ويضمنون بها نفوذهم ويخضعون بها عبيدهم ؟!
أألاسلام بذاته دين محمد الثائر على الظلم المكافح للاستبداد والاستبعاد المحطم للاصنام والأوهام ؟!
أالدين الذي ينكر على من يعتنقه أن يخضع لغير ربه وان يخشى غير ذنبه، والذي يقيم نظامه الاجتماعي على مبدأ الأخوة العامة، والولاية الجامعة، والعدل الشامل، والمساواة المطلقة أمام الحق وعلى مبدأ التعاون على البر والتواصي بالخير والتناصر على الظلم ؟!
أهذا الدين بذاته أفيون الشعوب وال « ايديولوجية التي وضعها الاقطاعيون والرأسماليون لحماية مآربهم وتثبيت أقدامهم والوعي المزور عن العالم لأنه صدر عن عالم مزور ؟!
ما أفحشه كذباً وما أقبحه هراء ؟!
ومتى كان الاسلام يقمع روح الثروة من نفوس الناس ويميت إحساس الكرامة في قلوبهم ؟ أحين قال في كتابه يعدد
صفات المؤمنين التي يستحقون بها الكرامة الكبرى ؟ (والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على اللّه انه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فاولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم)(1) .
إن الشيوعيين قد تنكروا لجميع الأديان لانها تحول بينهم وبين مقاصدهم من سفك الدماء وإذاعة الذعر والفزع وإشاعة المرأة وغير ذلك من الوسائل التي يأباها الدين ولا يقرها بأي حال من الأحوال.
ولم يكتف الشيوعيون بمجرد الاقوال والتصريحات المعادية للاديان بل اتخذوا جميع الاجراءات الحاسمة لاستئصاله من البلاد. فان أول عمل قام به الشيوعيون في روسيا ان أصدروا قانوناً في فبراير سنة 1918 نص على ما يلي:
1 - فصل الدين عن الدولة.
2 - الغاء القسم بالدين.
3 - فصل التعليم عن الدين، وتحريم التعليم الديني في كافة الهيئات والمنشآت، وإباحة تعليم الدين للمواطنين فرادى.
____________________
1 - الاسلام: ص 118.
4 - لا يجوز للكنائس وأماكن العبادة، والجمعيات الدينية ان تمتلك، ولا يحق لها اكتساب صفة « الشخص المعنوي ».
5 - كافة أملاك الكنائس والهيئات الدينية تعتبر ملكاً للشعب.
وكان إصدار هذا القانون ضربة هائلة للكنيسة (الارثوذكسية) وقتل عدد كبير من رجال الدين، وفي كثير من المدن والقرى حولت الكنائس الى مدارس وأندية أو مخازن، وانشئت متاحف لنشر الالحاد، بعضها في الكنائس نفسها، وتعرض فيها على الشباب ما يفسد أخلاقهم.
وتألفت الجماعات والهيئات للدعاية اللادينية، وأصدرت مجلة اسبوعية هي (بلا دين) وفي عام (1925) عقد بموسكو مؤتمر لوضع الاجراءات الخاصة بالقضاء على النزعة الدينية، وبث روح الالحاد في المدارس والجيش وفي صفوف الاقليات القومية، وفي المدن والقرى، ووحدت الهيئات الالحادية جهودها في (اتحاد الالحاد) الذي بث فروعه في كافة انحاء الاتحاد السوفياتي، وفي عام (1929) بلغ عدد فروعه تسعة آلاف فرع وفي عام (1935) بلغ عدد فروع الاتحاد سبعين ألفاً تضم الملايين، وبلغ من تأثير تلك الدعاية أن أصبح
معظم السكان ملحدين وفي سبتمبر عام (1929) ذكرت صحيفة (المناهضة للدين) انه تم في مارس (1929) إغلاق (423) كنيسة (243 في المدن و 180 في القرى) كما حولت من الكنائس (156) كنيسة الى مسارح وسينما ومتاحف و 138 الى مدارس و 14 الى محال عامة تعاونية، و 10 الى مراكز بيطرية.
وفي 15 مايو سنة 1932 صدر قانون هدفه القضاء على الهيئات الدينية في غضون خمسة أعوام ومما جاء فيه «في أول مايو سنة (1937) لن يبقى في كافة أرجاء الاتحاد السوفياتي أي مكان للعبادة، ويجب القضاء على فكرة الاله من الاتحاد السوفياتي بحسبانها من بقايا القرون الوسطى وأداة لاضطهاد الجماهير العاملة»(1) .
وعمل الشيوعيون بهذا المخطط المرسوم لهم من قادتهم فحملوا معول الهدم على جميع الأديان، ويبدو هذا الاتجاه واضحاً عند كل شيوعي اعتنق الفلسفة الماركسية عن إيمان وتدبر وقد أضفى لينين هذا الطابع الخاص على حزبه، فعرفهم بانهم يؤمنون بالماركسية، ولا يقيمون للدين ولا للعواطف وزناً في
____________________
1 - الدستور السوفيتي ص 137 - 139.
تنفيذ مبادئهم(1) وقد ألم هذا التحديد الذي أدلى به لينين بصفات الشيوعيين فهم لا يؤمنون بالأديان، ولا يقيمون وزناً لجميع قيمها، كما لا يعتنون باي عاطفة من العواطف الانسانية النبيلة.
ومن هنا يتضح لك ان محاربة الشيوعيين للاديان من النقاط الرئيسية التي تبتني عليها فكرتهم المجافية للعدل والحق.
3 - معاداة الاسلام
إن في الاسلام من النظم الاقتصادية الخلاقة ما تبيد الفقر وتقضي على البؤس والحرمان، وإن في تعاليمه من الطاقات الندية ما تقضي على جميع مشاكل الحياة ومصاعبها، فهو يجمع الناس على الحق، ولا يفرقهم، ويوحدهم ولا يشتتهم ويتسامح ولا يتعصب، ويجاري الاعصار ولا يتخلف، فلذا لا يحذر الشيوعيون إلا منه، ولا يقف أمامهم إلا الوعي الاسلامي اذا ساد في البلاد، ولذا دعا (ل أكليموفيتش) الى الامعان في الطرق التي ينبغي أن تتخذ لمحاربة الاسلام قال ما نصه:
«إن الحاجة لماسة الى تبصر سياسي كبير، وفهم عميق للعمليات الاجتماعية المعاصرة، وذلك من أجل الكفاح
____________________
1 - نفس المصدر: ص 258.
ضد الاسلام كفاحاً سليماً»(1) .
وقد جهد الشيوعيون في محاربته، وبذلوا قصارى جهودهم في اقصائه عن حياة المسلمين القاطنين هناك، وقد بلغوا ما أرادوا فقد حالوا بين المسلمين وبين دينهم، فقد ذكروا ان القوانين الاسلامية القائمة على الشريعة قد استؤصلت من الاتحاد السوفياتي(2) .
ولا يزال هجومهم على الاسلام مستمراً حيث اتهموه بضد ما جاء به ونطقت به تعاليمه، فقد اتهموه بانه يناهض العلم، ويشل نشاط الناس وإبداعهم(3) مع انه من المسلم به ان العلم مظهر من مظاهر الاسلام فقد بني على العلم، ونطق القرآن الكريم في بيان خطره، وفي تبجيل حملته قال اللّه تعالى:( يَرْفَعِ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) (4) وقال اللّه تعالى:( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا
____________________
1 - الاسلام اصله وروحه الاجتماعي.
2 - القاموس السياسي السوفيتي.
3 - الاسلام اصله وروحه الاجتماعي.
4 - سورة المجادلة: آية 11.
إِلَّا الْعَالِمُونَ ) (1) ويقول تعالى:( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ) (2) ، ويقول تعالى:( إِنَّمَا يَخْـشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) (3) ويقول الرسول (ص): «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة» وقال صلى اللّه عليه وآله وسلم: «العلم رأس الخير كله والجهل رأس الشر كله» الى غير ذلك من الاخبار المتواترة التي وردت في فضل العلم وتقدير أصحابه، حتى اشتهر ان الاسلام هو الدين الوحيد الذي أرسى قواعده على العلم والفضيلة وعلى تحطيم الجهل والازدراء بالجاهلين، ولكن الشيوعيين الذين تنكروا لكل معنى أصيل من معاني الحياة أخذوا يطعنون في الاسلام، ويكيلون له التهم ويلصقون به هذه الاكاذيب التي دلت على حقدهم البالغ لكل مبدأ تسعد به الانسانية، ويزيح عنها كابوس الظلم والشقاء.
إن أهم دعوة يتجه الشيوعيون الى محاربتها، ويبذلون جميع قواهم في زعزعتها وتحطيمها هي الدعوة لانشاء دولة اسلامية
____________________
1 - سورة العنكبوت: آية 43.
2 - سورة الزمر: آية 9.
3 - سورة فاطر: آية 28.
كبرى تجمع شتات المسلمين، وتوحد كلمتهم، وتحكم فيهم بنظام القرآن، وتسير بهداه، وطبق أهدافه، فان هذه الدعوة الرفيعة أعظم خطر يهدد كيان الشيوعيين والمستعمرين ويقضي على مآربهم الرخيصة، ويبدد أحلامهم الدنيئة، فانها تعيد للاسلام مكانته العليا، وترجع للمسلمين عزهم السليب، وقد أوصى لينين أتباعه بضرورة الاجهاز على هذه الفكرة قال:
«يجب أن لا ننسى - أولاً - الى جميع الاحزاب الشيوعية، ضرورة تقديم المساعدة الى حركة التحرر الديمقراطية البرجوازية - ثانياً - ضرورة مكافحة الاكليروس وغيره - ثالثاً - ضرورة مكافحة فكرة الدولة الاسلامية الكبرى»(1) .
إن الشيوعيين يعملون مستميتين لمحاربة تأسيس دولة إسلامية لأنها تقضي على أطماعهم وعلى مصالحهم ولا تبقي لهم ولا للمستعمرين ظلاً في الوطن الاسلامي الكبير.
وعلى المسلمين أن يقوموا بنهضة شاملة الى تدمير القوى المعادية لهم التي تكيد لهم في النهار اذا تجلى وفي الليل اذا يغشى.
إن من العار على المسلمين أن توجد في بلادهم خلايا
____________________
1 - حركة التحرر الوطني في الشرق تأليف لينين ترجمة الياس مرقص ص 177.
للكفر والالحاد وقواعد للمستعمرين، وهي تعمل على جر أوطانهم تحت مناطق النفوذ، تناهض استقلالهم وتحارب مبادءهم وتقاوم أي وعي فيهم، وهيهات أن يظفر المسلمون باستقلالهم أو يسترجعوا مجدهم السليب ما لم تتحد كلمتهم وتتضامن شعوبهم على أن يسود فيهم حكم القرآن، وتطبق أهدافه ومعالمه.
5 - التنكر للاخلاق
إن الانسان منذ وجد على الأرض يشعر من أعماق نفسه ودخائل ذاته بحاجته الماسة الى الاخلاق المثالية، وانه بدونها يعيش باضطراب نفسي غير مرتاح الضمير ولا ناعم الفكر ولكن الشيوعيين قد تنكروا لهذه الظاهرة النفسية وجعلوها من ضروب الخرافة لأن الاخلاق في عقيدتهم تحمي البرجوازيين والرأسماليين، واذا سادت الاخلاق الرفيعة في المجتمع فانه لا يمكن إيجاد ثورة على البرجوازيين تحطمهم وتسلب رؤوس الاموال منهم، فلذا انطلقوا يعملون على مسخ الانسان وتجريده من عواطفه حتى لا يرى بأساً في ارتكاب الجرائم والموبقات التي تتركز عليها ثورتهم ضد التقاليد الاجتماعية، بالاضافة الى أن الاخلاق المثالية هي من توابع الروح، والفلسفة المادية لا تؤمن بذلك وقد أعرب عن هذه الجهة لينين بقوله:
«علمنا (فرديك انجلز) إن أساس مبادئنا هو إيماننا بالمادة لا بالروح ولهذا فان الأخلاق التي نؤمن بها أخلاق مستمدة من الواقع المادي لا من عالم الروح المثالي. ولما كان الواقع يفرض علينا أن نحقق الشيوعية فانه لأمر طبيعي أن تكون الأخلاق الصالحة في نظرنا مرادفة تماماً للوسائل التي تحقق الأهداف الشيوعية».
إن الأخلاق التي يؤمنون بها هي الأخلاق التي تستمد من الواقع المادي الذي يحطم كل صرح بنته الانسانية منذ أقدم العصور من قواعد الأخلاق والدين والفضيلة والمروءة وعلينا أن ننظر الى مفهوم الأخلاق الذي يومنون به والى الصفات الخلقية التي يعتنقونها، ويعملون على تنميتها، وتركيزها في نفوس أتباعهم والى القراء ذلك:
1 - مفهوم الأخلاق
وحدد إنجلز مفهوم الاخلاق الذي يذهبون اليه، فقال: «إننا نرفض شتى المحاولات التي تحاول أن نفرض علينا اخلاقاً تستند الى (المثاليات) ذلك إننا نؤمن ان الاخلاق هي نتاج الاوضاح الاجتماعية ولما كانت الاوضاع الاجتماعية متغيرة فان مفاهيم الاخلاق لا بد أن تتغير.
إن الاخلاق التي نؤمن بها هي كل عمل يؤدي الى تحقيق انتصار مبادئنا مهما كان هذا العمل منافياً للاخلاق المعمول بها».
إن مفهوم الاخلاق عندهم ليس حقيقة ثابتة بل هو مفهوم متغير، وان الذي يؤمنون به من مفاهيم الاخلاق هي التي تحقق انتصار مبادئهم وأفكارهم المجافية لروح العدل والمنطق وصرح ستالين بعين ما أدلى به إنجلز فقال:
«الاخلاق الصالحة - في نظرنا - هي التي تيسر لنا القضاء على النظام القديم، وهي التي تدعم النظام الشيوعي، ولا شىء غير هذا يمكن أن يسمى أخلاقاً فاضلة».
وقال لينين: عندما يتحدث الينا الناس عن الاخلاق نقول لهم:
إن الاخلاق الشيوعية هي - بصفة قاطعة الوسائل التي نلجأ اليها للقضاء على أعدائنا إننا لا نؤمن بما يسميه الناس «الاخلاق الثابتة الابدية» ونحن نرفض رفضاً قاطعاً كل نوع آخر من الاخلاق فيما عدا أخلاقنا نحن بل اننا نطالب بان تكون تربية النشء مستندة الى الاخلاق بمفهومها الذي نعرفه، لا بمفهومها العاطفي المثالي.
واستنكر لينين كل مفهوم أخلاقي لا يؤدي الى انتصارهم فقال:
«إننا نستنكر كل ضرب من ضروب الاخلاق الذي لا يؤدي الى تحقيق أهدافنا الشيوعية، ذلك لأن الاخلاق التي نأخذ بها إنما ترتبط كل الارتباط بمصالح الطبقة التي ندافع عنها، بل انني أرى في الاخلاق المثالية التي تختلف عن الاخلاق التي نؤمن بها ضرباً من ضروب الخداع والغش والتضليل لانها لا تساعد على تحقيق أهدافنا»(1) .
إن مفهوم الاخلاق عندهم يغاير مفهوم الاخلاق التي دان بها الناس منذ أقدم عصورهم، حتى عرف الشيوعيون بمسخ الحقائق، والتنكر لكل معنى أصيل من معاني الحياة.
وأما الصفات التي يؤمنون بها ويعملون على تنيمتها وتركيزها في نفوس أتباعهم فهي:
2 - العنف
إن الشيوعيين لا يؤمنون بالتسامح ولا بالتساهل فقد بني نظامهم على العنف ولذلك لا يقفون عن الهدم والتدمير وإزهاق الارواح وإراقة الدماء فان كل وسيلة تتكفل بتحقيق أهدافهم هي وسيلة جائزة ومشروعة وقد تناول ستالين هذه الجهة فقال:
«أوصانا لينين بان نكون قساة عتاة في معاملتنا لاعدائنا
____________________
1 - النظام الشيوعي.
في الداخل والخارج، ونحن لا نريد أن ندع أعدائنا في الداخل والخارج يعملون ضدنا بل انه يتعين علينا أن نمنعهم - بالقوة - من ذلك، ولهذا نعتبر الوسائل العنيفة القاسية التي نعامل بها خصومنا عملاً مشروعاً له ما يبرره مهما بدا هذا العمل استبدادياً وطاغياً».
وقال ستالين أيضاً:
يجب أن يكون مفهوماً أننا نؤمن بالاستبداد، ونؤمن بالطغيان، ونؤمن بالعنف لان نظامنا الثوري القائم على أساس القضاء على الطبقات يتطلب الالتجاء الى كل هذه الوسائل.
انهم لا يؤمنون إلا بالعنف والاستبداد فان ذلك عنصر أساسي في دعوتهم وهذا هو السبب في فشلهم ونبذ الجماهير الشعبية لهم.
إن منطق العنف دليل على فساد المبدأ من الناحية العلمية ولو كان يمت الى البرهان بصلة لما التجأ مؤسسوه الى تطبيقه الى مثل هذا المنطق المفلوج الذي لا يسلكه إلا من لا يجد وسيلة غير العنف والقسر.
3 - الخداع
ويفقد الشيوعيون كل وسيلة من وسائل الفضيلة في تدعيم أفكارهم فاعتمدوا في نشر دعوتهم على الخداع والاضاليل، وساير الصفات المرذولة وآمنوا بكل عمل غير مشروع ما دام يؤدي الى انتصارهم، وقد أوصى لينين أتباعه بذلك فقال:
« انه من الضرورة أن نستخدم كافة الوسائل مهما كانت غير مشروعة، ومهما اعتمدت على المكر والخديعة والكذب والمراوغة لتحقيق غاياتنا ».
وقال: اذا دعت الحاجة فيجب اللجوء الى أنواع الحيلة واستخدام كافة الوسائل حتى ولو كانت غير مشروعة للتغلغل في النقابات المهنية، ونشر الشيوعية في صفوف العمال باي ثمن »(1) .
إن استخدام جميع الوسائل القذرة التي أجمع الناس على عدم مشروعيتها هي في منطق لينين وأتباعه من الممسوخين مشروعة ما دامت تؤدي الى نشر الشيوعية.
إننا في عصر ازدهر فيه العلم وتقدم فيه الانسان في جميع المجالات فغزى الفضاء الخارجي، ومن العار أن يؤمن الانسان بمثل هذه الافكار الهزيلة التي تناقض العلم، وتطارد الوعي،
____________________
1 - شيوعية الجناح الايسر بقلم لينين ص 28 - 52.
وتحارب المواهب، وتدعو أن يكون الانسان حيواناً أعجماً معرى من الرأى، ومجرداً من الوعي والأخلاق ان الشيوعية تنسف الاخلاق، وتحطم كل عنصر من عناصر الفضيلة والكرامة وتفرض على معتنقيها تغيير سلوكهم وأخلاقهم، واتصافهم بالخداع والاضاليل، وقد أكد هذه الناحية لينين بقوله:
« اذا لم يكن المناضل الشيوعي قادراً على أن يغير أخلاقه وسلوكه وفقاً للظروف مهما تطلب ذلك من كذب، وتضليل وخداع فانه لن يكون مناضلاً ثورياً حقيقياً »(1) .
إن تغيير الاخلاق، ومسخ الذات، ونزع الصفات الأصيلة من النفس كل ذلك يعتبر عنصراً أساسياً في الشيوعي الثوري - كما يقول لينين -.
وأضفى لينين على تعاليمه بانه لا يوجد فيها ظل للفضيلة، ولا منطق للعدل، ولا صورة للصدق وإن جميع ما عندهم يغاير جميع المفاهيم التي اصطلح الانسان على تقديسها فقال:
« إن الدعامة الأساسية التي يستند اليها مذهبنا، هي انه لا يوجد على الاطلاق أي شيء يسمى العدل الخالص، أو الخير الخالص أو الفضيلة الخالصة. فكل شيء نسبي في نظرنا
____________________
1 - التظام الشيوعي: ص 21.
ما عدى الشيوعية التي نعتبرها مصدراً للصدق الخالص، والعدل الخالص، والخير الخالص، والفضيلة الخالصة »(1) .
وبعد: فهذه جملة من مظاهر سلوك الشيوعيين وأخلاقهم وإيمانهم بالصفات المرذولة التي لا يعتنقها إلا من تجردت ذاته عن جميع أفانين الانسانية والكرامة، أو كان مصاباً بعاهة أو نقص خلقي يدفعه الى محق الصفات الأصيلة، والحقد على جميع المثل الرفيعة التي امتاز بها الانسان عن الحيوان السائم.
إن ما ذكرناه من بعض معالم الشيوعية من العداء للاديان، والتنكر للاخلاق، وان كان بعضه لا يمت بصلة الى الموضوع الذي نحن بصدده، ولكن حرصنا الشديد وحبنا البالغ لابناء وطننا هو الذي جرنا للخوض في ذلك لاجل تنبيههم وتحذيرهم من السير في ركاب الدعايات المضللة والحركات الهدامة فقد عرفنا بعض شبابنا بالغيرة والحماس الوطني وقد انساب (ويا للاسف) مع الشيوعيين، وسار في ركبهم، وغرتهم دعاياتهم المضللة بان الشيوعية تحقق القضايا العادلة في وطننا العزيز، وهم لا يعلمون ان الشيوعيين من ألد الاعداء للأمة الاسلامية، وللعالم العربي فقد خانوا العرب والمسلمين فاقروا
____________________
1 - النظام الشيوعي: ص 20.
احتلال اليهود لفلسطين، ومدوا لهم يد المعونة مع انه كيف يمكن أن تحقق الشيوعية العدل الاجتماعي مع عدائها للدين وتنكرها للاخلاق، ونبذها لجميع ما توحي به الفطرة الانسانية وعسى أن تكون هذه البحوث وغيرها مما ألف في هذا الموضوع، والتي كشفت عن واقع الشيوعية، وحقيقة الشيوعيين سبباً لايقاظ أبنائنا من سباتهم، وإرجاعهم الى حظيرة الحق وخدمة الوطن، وأن لا ينسابوا وراء الدعايات المزيفة التي تقضي على كرامتهم، وتجعل أوطانهم تحت مناطق النفوذ.
ونحن حينما نهاجم اللا أخلاقية الشيوعية فانما نهاجمها كمفهوم أنا حصل ومن أي جهة كان صادراً.
إن من المؤسف أن لا تهتم الدعوات الوضعية المختلفة بالجانب الاخلاقي اهتماماً عملياً وجدياً وإذا ذكرته في قاموسها فانما تذكره مجرد ألفاظ فارغة لا تطابق سلوكهم العملي الذي نشاهده ولا يمكن لأي مجتمع أن يتقدم بلا أن يركز كيانه على دعامة أخلاقية متينة لانه المصدر لكل حضارة وتقدم ولذلك اهتم به الاسلام اهتماماً بالغاً حتى ورد عن رسول اللّه (ص) قوله (إنما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق).
إن الواجب على الشباب الواعي أن يعمل جاهداً في خدمة
بلاده وتطوير صناعتها وتقدمها في جميع المجالات وأن يحاربوا كل تدخل استعماري في بلادهم بأي شكل كان نوعه وبأي اسم تستر. وأن يحاربوا أي عمل لا أخلاقي وأي سلوك يريد أن يعيد شريعة الغاب.
ولنعد بعد هذا الى البحث عن حقيقة العمل في الاسلام.
العمل
1 - في القرآن
2 - في السنة
3 - أحكامه
4 - أنواعه
العمل في العرف الاسلامي يطلق تارة، ويراد به الجهد والمشقة التي تقابل بالمال، وعلى ذلك بنى الفقهاء قاعدتهم المشهورة (عمل المسلم محترم) والمراد بها ضمان عمله، وعدم ذهابه مجاناً، وقد استدلو بها في كثير من أبواب الفقه على ضمان العمل، وعدم ضياع جهد العامل.
والعمل الذي يحكم الشارع باحترامه، وضمانه ومقابلته بالمال إذا لم يكن محرماً، وأما اذا كان من المحرمات فانه يسقط في نظره عن الاحترام والضمان، وذلك لترتب المضار والمفاسد عليه، كما سنبينه.
ويطلق العمل ويراد به مطلق الفعل، وتترتب على بعضه المسؤولية والضمان والمؤاخذة، وذلك كاتلاف مال الغير، فان الاتلاف موجب للضمان سواء أكان صادراً من كبير أم صغير من عاقل أم مجنون كان بقصد الاضرار أو لم يكن، فان الشارع احترم أموال الناس، ودعا الى حماية ممتلكاتهم وصيانتها، واعتبر كل من يقوم باضرار الغير فانه يعرض نفسه للغرامة
ولا بد من استيفاء تعويض الضرر من أمواله الخاصة، كما إنه اذا كان بقصد الاضرار والعدوان، فان الشارع توعده بالعقاب والعذاب في دار الآخرة.
إن الاسلام أوجب على كل شخص إحترام أموال الغير واجتناب ضرره، وان من يخل بهذا الواجب يعتبر عمله غير مشروع، ويعرض نفسه للمسؤلية، ولتحمل الاضرار الناجمة من اعتدائه.
وعلى أي حال فقبل الدخول في بيان أحكام العمل وأنواعه لا بد لنا من عرض ما ورد عن العمل في القرآن الكريم وفي السنة:
1 - العمل في القرآن
وردت في القرآن الكريم (360) آية تحدثت عن العمل ووردت (190) آية عن (الفعل) وهي تتضمن أحكاماً شاملة للعمل، وتقديره ومسؤلية العامل وعقوبته ومثوبته(1) ولا بد لنا من عرض بعض الآيات التي حثت على العمل الصالح الذي
____________________
1 - الاسلام: ص 154.
يترتب عليه الثواب والمغفرة من اللّه كما لا بد من عرض الآيات الأخر التي حثت على لزوم السعي والكسب لتحصيل الرزق، والى القراء ذلك:
1 - العمل الصالح
إن العمل الصالح شعار الاسلام وهدفه الاسمى.
انه رمز عظمة هذا الدين الذي أقام العدل، وبسط الخير ونشر المحبة بين الناس.
انه عنوان الدعوة الاسلامية الخالدة التي أعلنها المنقذ الأعظم محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم فجعل العمل الصالح جوهرها وحقيقتها التي لا تنفصل عنه.
إنه نشيد الابرار والعظماء والمصلحين من أبناء القرآن.
إنه صلاح القلوب، وسلامة النية، وطهارة النفس، وأصل التسامح والتعاون على البر والتقوى.
إنه أساس الامتياز بين الناس في نظر الاسلام، فليس التفوق بكثرة الأموال، ولا بالمتع الزائلة، وإنما هو بالتقوى وعمل الخير «إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم».
ولنستمع الى الآيات الكريمة التي أشادت بالعمل الصالح، ورفعت من كيان الصالحين.
قال اللّه تعالى:( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّـهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (1) .
وقال تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ) (2) .
وقال تعالى:( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (3) .
وقال تعالى:( وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ) (4) .
وقال اللّه تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّـهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّـهِ قِيلًا ) (5) .
وقال تعالى:( فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا
____________________
1 - سورة حم السجدة: آية 33.
2 - سورة الكهف: آية 107.
3 - سورة النحل: آية 97.
4 - سورة النساء: آية 124.
5 - سورة النساء: آية 122.
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (1) .
وقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) (2) .
وقال اللّه تعالى:( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ ) (3) .
وقال تعالى:( الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ) (4) .
وقال اللّه تعالى:( لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) (5) .
الى غير ذلك من الآيات الكريمة التي دعت الناس الى العمل الصالح وحفزتهم الى كسبه والتسابق اليه، وانه خير ما يكتسبه الانسان في حياته فانه ذخر له في آخرته وشرف له في دنياه.
____________________
1 - سورة الكهف: آية 110.
2 - سورة المؤمنون: آية 51.
3 - سورة طه: آية 82.
4 - سورة الاسراء: آية 9.
5 - سورة الروم: آية 45.
2 - الحث على الكسب
لقد أعلن القرآن الكريم دعوته الأكيدة على ضرورة العمل، وعلى الكسب، وبذل الجهد قال اللّه تعالى:( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّـهِ وَاذْكُرُوا اللَّـهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) (1) .
إن المنهج الاسلامي يتسم بالتوازن بين العمل لمقتضيات الحياة في الأرض، وبين العمل في تهذيب النفس، والاتصال باللّه تعالى وابتغاء رضوانه، والى ذلك يشير القرآن الكريم:( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّـهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) (2) انه ليس من الاسلام في شيء أن يتجه المسلم بجميع قواه وطاقاته لتحصيل متع الحياة، والظفر بملاذها وينصرف عن اللّه، وكذا لا يتجه نحو عمل المثوبة فحسب بل عليه أن يعمل لدنياه وآخرته معاً.
إن القرآن الكريم قد دعا الناس الى العمل، وحثهم عليه وحتم عليهم أن يكونوا ايجابيين في حياتهم يتمتعون بالجد والنشاط ليفيدوا ويستفيدوا، وكره لهم الحياة السلبية، والانكماش
____________________
1 - سورة الجمعة: آية 10.
2 - سورة القصص: آية 77.
والانزواء عن العمل، قال تعالى:( فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) (1) .
إن اللّه تعالى خلق الارض، وملأها بالنعم والخيرات لاجل أن يعيش الانسان في رفاهية وسعة قال تعالى:( وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ﴿33﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ ﴿34﴾ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ) (2) ولن يظفر الانسان بهذه النعم إلا بالعمل والجد والكسب.
2 - العمل في السنة
واستفاضت كتب الحديث والاخبار بالدعوة الى العمل والحث عليه كما أضفت عليه أسمى النعوت والاوصاف، ونقدم للقراء عرضاً موجزاً لذلك:
(أ) العمل شرف
إن العمل وان هان فانه شرف للانسان، وكرامة، وخير
____________________
1 - سورة الملك: آية 15.
2 - سورة يس: آية 33 و 34 و 35.
له من أن يسأل الناس ويعيش كلاً عليهم والى ذلك يشير الحديث الشريف.
(لئن يأخذ أحدكم حبله، فيذهب به الى الجبل فيحتطب ثم يأتي به فيحمله على ظهره خير له من أن يسأل الناس)(1) .
واجتاز الاصمعي على اسكافي يصلح للناس أحذيتهم وهو ينشد:
واكرم نفسي انني ان أهنتها |
وحقك لم تكرم على أحد بعدي |
فقال له الاصمعي:
كيف اكرمتها وهذا عملك ؟!!
فسدد له سهماً وقال له:
(لقد اكرمتها حين أغنيتها عن سؤال لئيم مثلك).
ويقول الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم: (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) ان الاسلام لا يرضى للمسلم أن يعيش عالة على الغير، ولا يسمح له أن يترك الكسب ويتكل على الدعاء ليرزقه اللّه من غير عمل، فقد جاء في الحديث الشريف: (ان اللّه يكره العبد فاغرا فاه يقول: يا رب ارزقني)(2) .
____________________
1 - صحيح البخاري.
2 - مجمع البحرين.
إن اللّه تعالى خلق الاشياء وربطها باسبابها الطبيعية، وليس للانسان أن يترك ذلك لأنه يلزم منه الاخلال بالنظام وعدم استقامة الحياة.
(ب) العمل جهاد
إن الاسلام يعتبر العمل جهاداً في سبيل اللّه، ويعتبر الجهد الذي يبذله المسلم في سبيل إعاشة عائلته من أفضل الطاعات والقربات فقد روى زكريا بن آدم عن الامام أبي الحسن الرضا (ع) انه قال:
(الذي يطلب من فضل اللّه ما يكف به عياله أعظم أجراً من المجاهد في سبيل اللّه)(1) . واجتاز النبي (ص) ومعه جماعة من أصحابه برجل، فرأى الصحابة من جده ونشاطه ما اعجبهم فالتفتوا الى النبي (ص) فقالوا له:
يا رسول اللّه، لو كان هذا في سبيل اللّه ؟
فاجابهم (ص):
«إن كان خرج يسعى على ولده فهو في سبيل اللّه، وان كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل اللّه
____________________
1 - الوسائل كتاب التجارة، التهذيب كتاب المكاسب.
وان كان خرج يسعى على نفسه فهو في سبيل اللّه».
إن السعي للانفاق على النفس، وعلى الابوين وعلى الاولاد من العمل في سبيل اللّه، بل من أفضل أنواع العبادات والطاعات.
إن الاسلام يعتبر العمال أعظم أجراً من المجاهدين، وقد قدمهم القرآن الكريم في الذكر على المجاهدين قال اللّه تعالى:( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّـهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ) (1) .
وكم في هذا التقديم من معاني التكريم والتبجيل والتقدير، لقد اعتنى الاسلام بالعمل عناية بالغة فاعتبره جهاداً في سبيل اللّه، لانه أراد للمسلمين أن يعيشوا عيشة هانئة يسودها الخير والرفاهية، ولن يظفروا بذلك إلا اذا عملوا في حقل هذه الحياة.
(ج) العمل عبادة
وأضاف الاسلام الى العمل اكرم النعوت والاوصاف فجعله عبادة وطاعة للّه ليتسابق المسلمون الى ميادين العمل والانتاج فقد ورد ان صحابيين جاءا الى رسول اللّه (ص)
____________________
1 - سورة المزمل: آية 20.
وهما يحملان أخاً لهما، فسألهما النبي (ص) عنه فقالا: انه لا ينتهي من صلاة إلا الى صلاة، ولا يخلص من صيام إلا الى صيام حتى أدركه من الجهد ما ترى.
فقال (ص): فمن يرعى ابله، ويسعى على ولده ؟
فقالا: نحن
فقال (ص): أنتم أعبد منه.
إنه ليس من الاسلام في شيء أن نزهد في الدنيا، وندع متع الحياة، ونقبل على الصلاة والصيام، فقد نعى اللّه على الذين انصرفوا عن الدنيا فقال تعالى:( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّـهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) (1) .
ويقول تعالى:( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّـهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (2) .
إن الاسلام دعانا الى أن نمزج بين الدنيا والآخرة مزجاً كريماً، فليس من الاسلام أن تكون الدنيا وحدها هي همنا
____________________
1 - سورة الحديد: آية 27.
2 - سورة الاعراف: آية 31.
وغايتنا، وليس من الاسلام أن نقبل على الاخرة فنضيع دنيانا، والى ذلك يشير الحديث:
«إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً» وبهذه الدعوة الأصيلة التي تجمع بين العمل للدنيا والعمل للآخرة امتاز الاسلام عن بقية الأديان الداعية بعضها الى القداسة والتجرد عن المادة، والداعية بعضها الى الاقتصار على مطالب الجسد والغاء الروح.
لقد أعرب الرسول (ص) في غير موقف من مواقفه ان رسالته الخالدة تدعو الى الوئام بين الروح والبدن، فقد ورد ان ثلاثة رهط جاؤا الى بيوت أزواج النبي (ص) يسألون عن عبادته فلما أخبروا بها قالوا: وأين نحن من النبي، وقد غفر اللّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فانبرى أحدهم فقال لصاحبيه:
«أنا اصلي الليل أبداً».
وانطلق الثاني يقول:
«وأنا أصوم الدهر أبداً».
فقال الثالث:
«وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً».
فبلغ ذلك النبي (ص) فقام وهو مغيظ الى المسجد فاعتلى أعواد المنبر وأخذ يبين للمسلمين بُعد هؤلاء عن الصواب وعدم التقاء خطتهم بواقع الاسلام، فقال (ص): بعد حمد اللّه والثناء عليه «ما بال أقوام، قالوا كذا وكذا، أما واللّه اني لأخشاكم للّه وأتقاكم لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء وتلك سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني»(1) .
وسأل الامام الصادق (ع) عن رجل، فقيل أصابته الحاجة، فقال (ع):
- فما يصنع اليوم ؟
- في البيت يعبد ربه عز وجل.
- فمن أين قوته ؟
- من عند بعض إخوانه ؟
- واللّه الذي يقوته أشد عبادة منه(2) .
هذا هو رأي الاسلام وهو صريح واضح يقضي بأن يعمل المسلم لدنياه وآخرته، وليس له أن يتجرد من الدنيا ويقبل على الآخرة كما ليس له أن يقبل على الدنيا ويتجرد عن الآخرة.
____________________
1 - صحيح البخاري.
2 - تذكرة الفقهاء.
(د) العمل سيرة الانبياء
إن العمل من سيرة النبيين والمصلحين، ويكفي العامل فخرا وشرفاً أنه ما بعث نبي إلا كان عاملاً كادحاً فقد روى الامام الصادق عليه السلام عن جده أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: « إن اللّه أوحى الى داود (ع) يا داود إنك نعم العبد لولا أنك تأكل من بيت المال، ولا تعمل بيدك شيئاً، قال: فبكى داود أربعين صباحاً فأوحى اللّه الى الحديد أن لِنْ لعبدي داود فلان له الحديد فكان يعمل في كل يوم درعاً »(1) .
لقد كره اللّه لعبده ونبيه داود أن يكون عاطلاً ويأكل من بيت المال من دون أن يكدح ويأكل من ثمرة أتعابه فألانَ له الحديد فكان يعمل فيه ويقتات من عمله، وكان سيد النبيين محمد (ص)، قبل البعثة يرعى الأغنام ويتجر في أموال خديجة، وبعد البعثة كان يعمل مع أصحابه ويشاركهم في أتعابهم وأعمالهم، فلم يكن له تفوق وتميز عليهم فقد عمل معهم في بناء مسجده الأعظم، وكان الانصار يرددون:
لئن قعدنا والنبي يعمل |
لذاك منا العمل المضلل |
ولما رجع (ص) من بعض غزواته كانت معه شاة فقال
____________________
1 - التهذيب كتاب المكاسب.
بعض أصحابه: علي ذبحها، وقال ثان: علي سلخها، وقال ثالث وعلي طبخها، فقال (ص) وعلي جمع الحطب، وقام (ص) يجمع الحطب من تلك الصحراء(1) .
وهكذا كان النبي (ص) يعمل ويشارك أصحابه في أتعابهم ويتعاون معهم في شؤون هذه الدنيا، وكان الامام أمير المؤمنين علي (ع) يعمل بيده فقد روى حفيده الامام الصادق عليه السلام ان أمير المؤمنين اعتق الف مملوك من ماله وكد يده(2) وقد اقتدى أبناؤه بسيرته فكان الامام أبو جعفر محمد الباقر عليه السلام يعمل بنفسه، فقد حدث محمد بن المنذر قال: خرجت الى بعض نواحي المدينة، فلقيني أبو جعفر محمد بن علي (ع) وكان بادناً ثقيلاً، وهو متكئ على غلامين أسودين، وموليين، فقلت في نفسي: سبحان اللّه شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحالة في طلب الدنيا!! أما اني لأعظنه، فدنوت منه فسلمت عليه، وهو يتصاب عرقاً، فقلت له:
أصلحك اللّه شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة في طلب الدنيا!! أرأيت لو جاء أجلك على هذه الحالة ما كنت
____________________
1 - البخاري.
2 - التهذيب، الوسائل.
تصنع ؟ فأجابه الامام (ع) بمنطق الاسلام وروحه قائلاً:
«لو جاءني الموت وأنا في طاعة من طاعات اللّه عز وجل أكف بها نفسي وعيالي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف أن لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي اللّه».
فخجل محمد، ولم يجد منفذاً يسلك فيه للجواب، وانبرى يقول: «صدقت يرحمك اللّه أردت أن أعظك فوعظتني»(1) .
إن العمل طاعة من طاعات اللّه - على حد تعبير الامام (ع) - لأن به كف النفس وكف من يعول بها عما في أيدي الناس.
إن الاسلام يتطلب الرفاهية للمسلمين ولا تحصل إلا بالعمل والاستغناء عن الناس.
وحرض أئمة أهل البيت (ع) المسلمين على العمل فكانوا يعملون بأنفسهم ليقتدي بهم المسلمون فهذا الامام جعفر الصادق (ع) زعيم النهضة العلمية في العالم الاسلامي كان يعمل في بعض بساتينه، وحدث أبو عمر الشيباني قال: رأيت أبا عبد اللّه (ع) وبيده مسحاة وعليه أزار غليظ والعرق يتصاب منه، فقلت له: جعلت فداك اعطني اكفك، فقال (ع) له:
____________________
1 - التهذيب.
إني أحب أن يتأذى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة(1) .
وروى أبو بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول: «إني لأعمل في بعض ضياعي حتى أعرق، وان لي من يكفيني ليعلم اللّه عز وجل اني أطلب الرزق الحلال»(2) .
إن أئمة أهل البيت (ع) بقيامهم بالعمل لاعاشة عوائلهم مع وجود من يغنيهم عن ذلك إنما كان الغرض منه أن يعطوا للمسلمين دروساً عن الاسلام من أنه يأمر بالعمل وينهى عن الكسل والخمول، وان الشخص مهما عظم شأنه وعلت منزلته فهو مأمور بالعمل ليكف نفسه ومن يعول به عما في أيدي الناس.
(ه) رد دعاء تارك العمل
ونظراً لخطورة العمل وأهميته في الاسلام فقد ذمّ تارك العمل وتوعده بعدم استجابة دعائه في طلب الرزق، فقد أثر عن النبي (ص) انه قال: « إن أصنافاً من أمتي لا يستجاب لهم دعاء، وهم: رجل يدعو على غريم له ذهب بماله فلم يكتب له ولم يشهد عليه، ورجل يدعو على امرأته وقد جعل اللّه تخلية سبيلها بيده، ورجل يقعد في بيته، ويقول: يا رب
____________________
1 - التهذيب.
2 - نفس المصدر.
ولا يخرج، ولا يطلب الرزق، فيقول اللّه عز وجل عبدي أجعل لك السبيل الى الطلب والتصرف في الأرض بجوارح صحيحة، فتكون قد أعذرت فيما بيني وبينك في الطلب لاتباع أمري ولكيلا تكون كّلا على أهلك فان شئت رزقتك، وان شئت قترت عليك وأنت معذور عندي »(1) .
إن اللّه قد منح الانسان من الطاقات والقوى وأمره، بأن يستعملها لطلب معيشته، وأما ترك الكسب والاتكال على الدعاء فانه ليس من الاسلام في شيء، وقد حذر أئمة أهل البيت (ع) شيعتهم من ذلك فقد روى علي بن عبد العزيز ان الامام الصادق عليه السلام قال له ما فعل عمر بن مسلم ؟
جعلت فداك، أقبل على العبادة، وترك التجارة.
فتألم الامام (ع) وأزعجه ذلك، واندفع يقول:
ويحه أما علم ان تارك الطلب لا تستجاب له دعوة، إن قوماً من أصحاب رسول اللّه (ص) لما نزلت الآية: « ومن يتق اللّه يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب » اغلقوا الأبواب، وأقبلوا على العبادة، وقالوا: قد كفينا الطلب، فبلغ ذلك النبي (ص) فارسل اليهم فلما مثلوا عنده قال لهم:
____________________
1 - الوسائل كتاب التجارة.
ما حملكم على ما صنعتم ؟
فقالوا: يا رسول اللّه، تكفل اللّه لنا بأرزاقنا، فأقبلنا على العبادة.
فنهرهم (ص) وقال لهم: « إنه من فعل ذلك لم يستجب له، عليكم بالطلب »(1) .
وقد دل هذا الحديث الشريف على مدى الأهمية البالغة للعمل في الإسلام، وإنه لا يصح من المسلم أن يتركه وينصرف الى العبادة، أو يلتجئ الى الدعاء وسأل عمر بن يزيد الامام الصادق (ع) قال له ان رجلاً قال « لأقعدن في بيتي، ولأصلينّ ولأصومن، ولأعبدن ربي عز وجل فأما رزقي فسيأتيني ».
فقال الامام (ع): « هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم »(2) .
وسأل العلاء بن كامل الامام الصادق (ع) أن يدعو له اللّه في أن يرزقه، ويوسع عليه.
فقال له الامام (ع):
____________________
1 - التهذيب كتاب المكاسب.
2 - تذكرة الفقهاء.
« لا أدعو لك اطلب كما أمرك اللّه »(1) .
ويقول الامام أبو جعفر محمد الباقر (ع):
« إني اجدني أمقت الرجل يتعذر عليه المكاسب، فيستلقي على قفاه، ويقول اللهم ارزقني، ويدع أن ينتشر في الأرض ويلتمس من فضل اللّه، والذرة(2) تخرج من جحرها تلتمس رزقها(3) .
وبهذا المعنى وردت أخبار كثيرة من أهل البيت (ع) تدعو المسلمين الى العمل في حقل هذه الحياة، وذم تاركه والمعول على العبادة والمنصرف الى الدعاء لأنه بذلك يكون كّلا على المجتمع وعالة على الغير.
(و) النهي عن الكسل
ونهى الاسلام عن الكسل لأنه موجب لشل الحركة الاقتصادية وتجميد طاقات الانسان وفساد المجتمع، ويعود بالخسارة الكبرى على الناس وقد ورد في الأدعية المأثورة عن أئمة الهدى بالتعوذ منه فقد جاء في الدعاء « اللهم اني أعوذ بك
____________________
1 - تذكرة الفقهاء.
2 - الذرة النملة الصغيرة.
3 - من لا يحضره الفقيه - 3 - 95.
من الكسل والسأم والفترة والملل » ووردت أخبار كثيرة تنهى عنه فقد قال الامام الصادق (ع) لبعض أصحابه:
« إياك والكسل والضجر، فانهما مفتاح كل سوء انه من كسل لم يؤد حقاً، ومن ضجر لم يصبر على حق »(1) .
وقال الامام موسى بن جعفر (ع) لبعض ولده:
إياك والكسل والضجر فإنهما يمنعانك من حظك من الدنيا والآخرة(2) .
إن الاسلام يكره الكسل ويحرم البطالة، ويمقت صاحبها لأنها تؤدي الى فقره وسقوطه، وذهاب مروءته، واستخفاف الناس به فان من يتصف بها يكون في حكم الموتى لا تفكير له ولا تدبر، وكان السلف الصالح لا يألفون الراحة، ولا يخلدون الى السكون والبطالة، قد أقبلوا على العمل والتجارة، وقد عرض الامام الصادق (ع) على أصحابه سيرتهم وجهدهم في العمل وإقبالهم عليه قائلاً:
« لا تكسلوا في طلب معائسكم فان آباءنا كانوا يركضون
____________________
1 - من لا يحضره الفقيه.
2 - حياة الامام موسى بن جعفر.
فيها ويطلبونها »(1) .
وقصد معاذ بن كثير الامام الصادق، وعرض عليه أن يدع العمل، ويستغني بما عنده فنهاه الامام (ع) عن ذلك وقال له:
إذن يسقط رأيك ولا يستعان بك على شيء.
إن الاسلام يدعو الى الجد والنشاط، والى الانطلاق في ميادين العمل من أجل حياة حرة كريمة تعمها الرفاهية، ويسود فيها الخير، وزعم الشيوعيون أن الاسلام يعرقل سير العمل، ويقلل من قيمة الجهد، ويغري بالانحطاط والكآبة(2) .
كيف الاسلام يغري بالانحطاط، وقد تركزت تعاليمه على رفع مستوى الناس خلقياً واقتصادياً ؟!!!
هل الاسلام يقلل من قيمة الحياة وقد جاء ليضيء جوانبها وينفي عنها كابوس الكآبة والخزن ؟!!.
كيف يقلل الاسلام من قيمة الجهد الخلاق، وقد ميز كل جهد، ودعا الناس الى الابداع والتقدم، وحفزهم الى العمل بمفهومه الواسع، وجعل الهم والاهتمام به كفارة عن الذنب،
____________________
1 - من لا يحضره الفقيه.
2 - الاسلام اصله وجوهره.
وطهارة للنفس فقد جاء في الحديث: « من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة».
كما صب اللعن على من ترك العمل، والقى كله على الناس فقد روى الامام الصادق عليه السلام أن رسول اللّه (ص) قال: ملعون ملعون من القى كله على الناس(1) .
لقد حث الاسلام على العمل، ونعت العمال بأنهم أحباء اللّه وأوداؤه فقد جاء في الحديث: «إن اللّه يحب العبد يتخذ المهنة ليستغني عن الناس» وفي حديث آخر «إن اللّه يحب المؤمن المحترف، ويكره المكفي الفارغ» الى غير ذلك من الأخبار التي تظافرت بها كتب الحديث وقد دلت بوضوح على الأمر بالعمل والنهي عن البطالة والكسل.
إن اتهام الشيوعيين الاسلام من أنه يدعو الى البطالة ما هو إلا لون من ألوان أكاذيبهم ومفترياتهم، فهم لا يبالون بالكذب ولا يرون أي حريجة في ارتكاب المنكر، فان التنكر للقيم ونبذ المقاييس إنما عنصر أساسي تركزت عليه أخلاقهم وطبائعهم، وقد ذكرنا - فيما تقدم - بأنهم لا يؤمنون بأي مقياس من مقياس الفضيلة، فان الأخلاق الرفيعة والمثل
____________________
1 - تهذيب الاحكام.
الكاملة عندهم لون من ألوان الرجعية وضرب من ضروب الخرافة التي يجب إزالتها من واقع الحياة.
3 - احكامه
العمل في الشريعة الاسلامية تارة يكون موضوعاً للوجوب - على اختلاف أنواعه - وأخرى يكون موضوعاً للحرمة، كما يكون موضوعاً لغيرهما من الأحكام الخمسة، ونقدم عرضاً موجزاً لبعض تلك الأنواع.
1 - العمل الواجب
وأوجب الاسلام بعض الاعمال على المكلفين، وهي تارة تكون موضوعاً للوجوب العيني، وأخرى تكون موضوعاً للوجوب الكفائي، أما (الواجب العيني) من الاعمال فهو ما كان واجباً عينياً على المكلف لا يسقط عنه بحال، وذلك كالعمل لاعاشة الانسان نفسه، ومن يعول به فانه يجب على كل مكلف أن يقوم بذلك، وقد تظافرت الاخبار بذلك فقد أثر عن النبي (ص) انه قال « ملعون ملعون من ترك من يعول به »(1) .
____________________
1 - تهذيب الاحكام.
وقال الامام زين العابدين (ع) « كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول به » الى غير ذلك من الأخبار التي دلت على وجوبه وجوباً عينياً لا يمكن التخلف عنه بحال.
وأما (الواجب الكفائي) فهو ما كان التكليف فيه لجميع المسلمين، فان قام به بعضهم سقط الوجوب عن الآخرين، وإن لم يقم به أحد وأهمل من قبلهم أثم الجميع، وهو تارة مما لا يتوقف عليه النظام العام كانقاذ الغرقى وتجهيز الأموات وأخرى مما يتوقف عليه النظام كالصناعات والحرف ومنه تعلم بعض العلوم النافعة كالطب، وبعض العلوم الحديثة خصوصاً التي تحفظ كيان المسلمين، وتمنع عنهم عدوهم كالصناعة الدفاعية التي تحفظ عز البلد وتقيه من الاخطار، ان هذه الاعمال تجب على عموم المسلمين فان قام بها بعضهم سقط الوجوب عن الآخرين.
2 - الاعمال المحرمة
وحرم الشارع بعض الاعمال التي تعود بالضرر والفساد وتوجب هلاك المجتمع ودماره، والى القراء بعضها:
(أ) صنع آلات القمار
حرم الاسلام صنع آلات القمار، فلا يجوز للمسلم أن
يعملها، كما لا يجوز له أن يقامر بها، وقد صرح القرآن الكريم بذلك قال اللّه تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ (1) وَالْأَزْلَامُ (2) رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿90﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) (3) .
والمراد بالميسر هو القمار، فعن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام انه قال: وأما الميسر - الذي ورد في الآية - فالنرد(4) ، والشطرنج، وكل قمار ميسر، وأضاف الامام (ع) يقول: وكل هذا بيعه وشراؤه، والانتفاع بشيء منه حرام محرم(5) .
____________________
1 - الانصاب: حجارة او صنم كان العرب يذبحون قرابينهم عندها، وروي انهم كانوا يعبدونها.
2 - الأزلام: قطع رقيقة من الخشب بهيئة السهام كانوا يستقسمون بها في الجاهلية لأجل التفاؤل او التشاؤم بها.
3 - سورة المائدة: آية 90 - 91.
4 - النرد: جوالق واسع الاسفل مخروط الاعلى يتخذ من خوص النخل لعبة وضعها احد ملوك الفرس، وتعرفها العامة بلعب الطاولة.
5 - تفسير القمي.
وقد يسمى القمار بالآية الكريمة بالرجس، وهو ما يكون في نهاية القبح والخبث، وذلك لما ينشأ منه من الشرور والآثام وقد الزم الشارع المسلمين باجتنابه، ورتب على ذلك الفلاح والنجاح في الدنيا، كما مزاولته مثار للعداوة والشحناء بين الناس، وانه مما يصرف ويصد عن ذكر اللّه وعن الصلاة.
إن الاسلام إنما حرم القمار لأنه آفة على الأخلاق فهو يصد المقامرين عن الطريق القويم لكسب العيش، ويعودهم الكسل وانتظار الرزق من السبل الوهمية، وإضعاف القوى العقلية بترك الاعمال المفيدة كالزراعة والتجارة، والصناعة التي تترقى بها الأمة، كما انه في نفس الوقت تضييع للعمر واشغال الوقت من دون فائدة تجنى من ورائه.
إن في القمار تخريباً للبيوت فجأة بالانتقال من الغنى الى الفقر فكم من عائلة نشأت في الغنى والعز وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها في ليلة واحدة فصارت فقيرة لا قدرة لها على أن تعيش عيشة الكفاف والاستغناء عن الناس(1) .
إن القمار يجلب الشحناء والبغضاء بين الناس وذلك لأن ربح المقامر لا يقوم إلا على خسران الغير، فالمقامر غاصب
____________________
1 - روح الدين الاسلامي: ص 302 - 303.
لمال الغير على مرأى منه، وكلما أوغل الانسان في الخسارة اشتد حنقه على الرابح الذي يسلبه ماله في لحظات قليلة، هذا المال الذي بذل في جمعه عصارة جهده، وعقله، وكثيراً ما يتمادى لاعب القمار في الخسران حتى يفقد كل ماله، فيؤدي به ذلك الى عدم السيطرة على نفسه فيتعرض للرابح بالشتم ويضمر له كل شر وربما ينتهي الأمر الى وقوع الجريمة بينهما(1) .
إن القمار من أعظم الآفات الخلقية التي يجب القضاء عليها لأنها مدعاة الى الفسق والخنوع، وسلب الكرامة، ومن ظريف ما يؤيد ذلك ان أبا لهب قامر العاصي بن هشام فقمره حتى أخرجه من ماله، ثم عرض عليه العاصي أن يقامره فايهما قمر كان عبداً لصاحبه(2) .
إن الطمع والجشع الذي يصيب الرابح لا ينتهيان الى حد فانه يحاول بعد سلب ثروة صاحبه أن يجعله رقاً وعبداً له.
إن القمار من الرذائل والموبقات التي حرمها الاسلام، وحكم بأن الأموال التي يأخذها الشخص من هذا السبيل باقية
____________________
1 - روح الدين الاسلامي: 196.
2 - الاغاني 3 - 100.
على ملك صاحبها، كما الزم الشارع تحطيم آلاته دفعاً لمادة الفساد في الأرض.
ومن الغريب حقاً أن تنتشر الرذيلة في البلاد الاسلامية التي يؤمن مجتمعها بالقرآن وشريعة الاسلام ولم يكن عند حكامها تفكير جدي للتمسك بأحكام دينهم ليخلصوا مجتمعهم من اضرارها الخطرة الفتاكة.
(ب) آلات اللهو
وحرم الاسلام صنع آلات اللهو على اختلاف أنواعها كالمزامير والعيدان والبرابط وغيرها لأنها مدعاة الى فساد الاخلاق ونشر الدعارة والمجون، وكما يحرم صنعها كذلك تحرم اجارتها وشراؤها، وسائر وجوه التقلب فيها، ويجب تحطيمها وتغيير هيئتها لئلا تنتشر في المجتمع هذه الصور الهزيلة التي تؤدي الى انحطاطه وصرفه عن مهام الأمور.
(ج) عمل الخمر
ونهى الاسلام عن صنع الخمر فلا يجوز للمسلم أن يدخل في معامل تقطيره أو يؤجر نفسه في سائر الاعمال التي يتوقف عليها كالشحن والكتابة في المعمل، وغيرها من الأعمال.
ونظراً لخطورة هذه الجريمة فقد حرم الاسلام بيع العنب والتمر على من يعملهما خمراً بقصد ذلك، وكذا حرم إجارة المحل على من يعمل فيه الخمر أو يبيعه فيه.
لقد حرم الاسلام الخمر وجعله من كبائر الذنوب وسماه في القرآن رجساً قال اللّه تعالى: (إنما الخمر والميسر رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) ان الخمر منبع الفساد ومصدر الجرائم وأساس الرذائل وبالاضافة الى ذلك فانه آفة على الصحة وقد أحصت كتب الطب أربعاً وعشرين ضرراً مترتباً على شربه، والى القراء بعضها:
1 - ضرره على النسل
لقد ثبت في الطب الحديث ان تأثير المسكر ينتقل بالوراثة الى الأولاد، قال الدكتور (بوجونوس): أما الخمرة فالادمان عليها من مسببات العقم، قال: وقد كتب (رمانيوس دنكان) عن العقم في محاضرته قصة فتاة مدمنة ظلت أعواماً بلا حمل مع انه لم يكن في جسمها ما يدعو الى هذه العاهة ولما عولجت بالامتناع عن الخمر مدة عام حملت، ولا يفرق في ذلك بين الرجل والمرأة ويعود السبب في ذلك الى تضعف
مركز الصلب وتنبه مركز المخ، والشخص المتسمم به تنتقل سمومه وعلله الى ذريته، فهو خطر عليه وعلى ذريته وعائلته، وعلى الأمة والنوع الانساني بالتالي، وذكر ايضاً أن من يولد من أبوين مدمنين فانه يحمل آثار الضعف البنى ويكون عرضة للاصابة باضطرابات خطيرة قد تنتهي بالعته أو الشلل العام أو العقم، ثم ذكر عن تأثير الوراثة ان تأثيرها قاتل للجنين والطفل بعد ولادته حتى انه قد تلاشت عائلات باجمعها في عقبين أو ثلاثة أعقاب، وزيادة على ذلك فان ذرية المدمنين قد تصاب بتشوهات مؤلمة كعدم تساوي الجمجمة، أو قصر القامة، أو استسقاء الدماغ، أو بتاخير وانحراف في نمو القوى العقلية كضعف الذاكرة أو تحفظ الحالة الصبيانية أو البله أو الهستريا وغير ذلك من العلل النفسية، وقد حرم هذا النطاسي وغيره من أئمة الطب تزويج المدمن نظراً لهذه الاخطار الفظيعة المترتبة على زواجه.
2 - تأثيره على الدم والقلب
ذهب المحللون للخمرة الى أن العنصر الفعال في الخمرة هي الكحول أو السبيرتو، والكحول تتسرب الى الدم بكل سهولة
من غير أن تنحل، وقد يدخل ما انحل معه في المعدة الى « الدهيد » ويتوزع بواسطته الى جميع الانسجة والاعضاء، وقليل منه يكون حامضاً كربونياً وحاماً خلياً، واستدلوا على ذلك انك لو أخذت قدراً من دم سكران وأدنيته الى النار لالتهب كما تلتهب الخمر والسبيرتو.
وأما تأثيره على « القلب » فان نبضه يشتد ويسرع وذكروا ان ذلك مسبب عن نشاط العضلات القلبية، ثم انه بعد ما تنقص تلك الحركة الحماسية في القلب يصيبه الذبول والانحطاط، ثم إنه يسبب ضعط الدم على جدران الأوعية الدموية ونتيجة ذلك هو نضح الجلد عرقاً، وذكر بعض الأطباء ان الادمان على الخمر إحدى العوامل الثلاثة المسببة لتصلب الشرايين وهو مرض شديد يسبب عطباً في القلب كما يسبب انفجاراً في شرايين الدماغ فيحدث ذلك فالجاً أو شللاً لا برأ له.
3 - خطره على الكبد والكليتين
وذكر الاطباء ايضاً ان الجسم بعدما يمتص من الكحول يمر في الكبد من طريق التيار الدموي وبذلك يخرب الخليات الكبدية، ويحدث التهاباً فيها، وإذا أدمن عليها فيزمن هذا
الالتهاب ويحدث تضخماً في الكبد كما يسبب تشمعاً فيه، ذكر هذا كل من (هيل هوات) و (دوث هو هوات) في (الاقر بذين) وأما تأثيره على الكليتين فانه يسبب إدراراً في البول قليلاً وذلك بسبب تمدد الأوعية الدموية الكلوية ويخرج جانب كبير من الكحل عن طريق الكليتين ويقضي أخيراً الى التهاب خطير فيهما.
4 - تأثيره على المعدة:
وذكر أئمة الطب ان الخمر متى امتزج بمحتويات المعدة ينحل بعضه الى الدهيد، والحامض الخلي، ويرسب الببسين ومختلفات البرثون والبرتاييد، ومن المعلوم إن أهم العناصر الموجبة لهضم الطعام هو الببسين فانه متى رسب تعذر الهضم، كما انه يهيج غشاء المعدة المخاطي حتى يوجب تمدداً في الأوعية الدموية ويسبب تدفق غدد العصارة المعدية، والادمان عليه يتلف فاعلية العصارة المعدية ويحث إفرازه المخاط القلوي، وهو يسبب الابتلاء بسوء الهضم المزمن وان العاكفين على شرب الخمر دائماً يشكون الآلام الموجعة من معدهم، هذه بعض أضراره وقد تكفلت كتب الطب ببيان أضرارها بالتفصيل
ومضافاً الى هذه الأًضرار الخطرة فقد ذكروا ان الادمان يسبب عواقباً فظيعة غيرها وهي كما يلي:
1 - تضخم في الكبد يؤدي بالآخرة الى الاستسقاء.
2 - التهاب في الكليتين يحدث تسمماً عاماً في الجسم.
3 - الصرع
4 - الفالج
5 - الهستريا
6 - اضطراب عصبي عام
7 - ضعف الرئتين يعرضهما لداء السل الوبيل
8 - عدم استطاعة المدمن لمقاومة الأمراض الفتاكة مثل التيفو والالتهاب السمائي، فان جسم المدمن اذا انتابته إحدى هذه الأمراض قضت عليه لا محالة ولا تنفع معه الأدوية الحديثة كالبنسلين وأشباهه. هذه بعض الأخطار الناجمة من الادمان وقد أحصاها بعض أعلام الطب الى ثمانية عشر كلها تؤدي الى القضاء على المدمن.
ومضافاً الى هذه الأخطار الفتاكة الاضرار الاقتصادية الفظيعة فان السكير مهما كان بخيلاً لا بد وان ينجر الى الاسراف والتبذير ومضافاً الى ذلك الانغماس في الرذائل كالقمار والدعارة
والمجون وفقدان الشرف والاتزان فان منتديات الخمارين ومجتمعاتهم لا تضم إلا الرذائل والقبائح والتعرض لاعراض الناس، ومن المؤسف تغافل الحكومات الاسلامية عن هذا الوباء الخطير، بل وسماحها وإجازتها الى صنعه وتقطيره وبيعه في بلادها غير معتنية بتحريم الاسلام له فنشأ من ذلك انعكاف بعض الشباب عليه، وقد أدى ذلك الى إقبار مواهبهم وسلب الانسانية والشرف من نفوسهم ووقوعهم في هوة سحيقة من مجاهل هذه الحياة، وانا لنهيب برجال الحكم ممن يهمهم أمر الاصلاح ورفع مستوى بلادهم وأمتهم أن يعملوا مجدين في القضاء على هذه الآفة القاضية على العقل والأخلاق.
(د) السرقة:
من الأعمال التي حرمها الاسلام السرقة لأنها تضعف المجتمع وتشل الحركة الاقتصادية، وتؤدي بالمجاعة الشاملة ونشر الفقر بين الناس، وقد رتب الاسلام عليها عقوبة قطع اليد وعقاب كهذا ليست به شائبة قسوة ما دام القصد من تنفيذه تأمين الحقوق، وصيانة الجهود، وتوجيه الناس الى العيش من كسبهم الحلال لا السطو على كسب غيرهم والعيش به
من حرام(1) وما دام الاسلام قد وفر كل الطرق الوقائية التي تقي الانسان من ارتكاب هذه الجريمة من اقتصاد وفير ومن أخلاق فاضلة ومن نظام عادل.
(ه) اعانة الظالم
وحرم الاسلام معونة الظالم على ظلمه بل على كل حرام فقد ورد عن النبي (ص) « من مشى الى ظالم ليعينه وهو يعلم انه ظالم فقد خرج عن الاسلام » وروى ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد اللّه (ع) إذ دخل عليه رجل من أصحابنا فقال له: أصلحك اللّه انه ربما أصاب الرجل منا الضيق أو الشدة فيدعى الى البناء أو للنهر يكريه أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك ؟ فقال أبو عبد اللّه (ع):
ما أحب اني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء الى أن قال ان أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم اللّه بين العباد(2) وقال الامام موسى (ع) لزياد بن أبي سلمة:
«يا زياد لئن اسقط من شاهق فانقطع قطعة قطعة أحب
____________________
1 - الاسلام والاوضاع الاقتصادية ص 43.
2 - تهذيب الاحكام كتاب المكاسب.
الى من أن أتولى لهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم»(1) .
وإنما نهى الاسلام عن العمل مع الظالمين والتعاون معهم لأجل تحقيق العدالة الاجتماعية في الأرض والقضاء على جميع ضروب الظلم والطغيان، وقد أعرب عن ذلك الامام الصادق عليه السلام بقوله:
لولا أن أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم، ويجبي لهم الفيء، ويقاتل عنهم ويشهد جماعتهم لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم لما وجدوا شيئاً إلا ما وقع في أيديهم(2) .
وقد استجابت الطبقة الاخيرة في العصور الاسلامية الأولى الى نداء أئمة أهل البيت (ع) فلم تتصل بالجهاز الرسمي القائم آنذاك ولم تتعامل معه، وكان كل من يتصل بهم قوبل بالاستهانة والتحقير، فهذا اسماعيل بن ابراهيم القرشي لما ولي القضاء كتب اليه ابن المبارك هذه الأبيات:
يا جاعل العلم به بازياً |
يصطاد أموال المساكين |
|
تحتال للدنيا ولذاتها |
بحيلة تذهب بالدين |
|
فصرت مجنوناً بها بعدما |
كنت دواء للمجانين |
____________________
1 - حياة الامام موسى بن جعفر: 2 - 145.
2 - تهذيب الاحكام.
أين رواياتك فيما مضى |
عن ابن عون وابن سيرين |
|
أين رواياتك في سردها |
في ترك أبواب السلاطين |
|
ان قلت اكرهت فذا باطل |
زل حمار العلم في الطين(1) |
لقد منع الاسلام منعاً باتاً من التعامل مع الظالمين والمستبدين فلم يسمح للمسلمين القيام باي عمل لهم يؤدي الى تدعيم الظلم والجور، والى ذلك يشير الغزالي بقوله:
« ولا تكن قطباً تدور عليك رحى ظلمهم، وجسراً يعبرون بك الى بلائهم، وسلماً يصعدون منه الى ضلالاتهم ».
ولو ان المسلمين تظافرت جهودهم على عدم التعاون مع الظالمين لما وقعت البلاد في الفتن والخطوب، وما انتهكت الحرمات، ولا أصيب الاسلام بمثل هذه النكبات التي أذاقت المسلمين ألواناً قاسية من الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي.
(و) الغش
من الاعمال التي حرمها الاسلام، ومنع منها منعاً باتاً الغش في المعاملة كخلط الجيد بالرديء وكمزج اللبن بالماء وما شاكل ذلك من الأعمال التي يقوم بها من لا دين له، ولا مروءة عنده ونسوق الى القراء بعض الأخبار التي وردت في
____________________
1 - تهذيب التهذيب 1 - 278.
النهي عنه، فقد أثر عن النبي (ص)، انه قال: « ليس منا من عش مسلماً أو ضره أو ماكره » وعنه (ص) « من غش مسلماً في بيع أو شراء فليس منا ويحشر مع اليهود يوم القيامة لأن من غش الناس فليس بمسلم الى أن قال: ومن غشنا فليس منا قالها ثلاثاً، ومن غش أخاه المسلم نزع اللّه بركة رزقه وأفسد عليه معيشته ووكله الى نفسه » وفي مرسلة هشام عن أبي عبد اللّه عليه السلام انه قال لرجل يبيع الدقيق: « إياك والغش، فمن غش غش ماله، فان لم يكن له مال غش في أهله » ورواية موسى بن بكير عن أبي الحسن موسى (ع) انه أخذ ديناراً من الدنانير المصبوبة بين يديه فقطعها نصفين، ثم قال لي: القه في البالوعة حتى لا يباع بشيء فيه غش(1) الى غير ذلك من الأخبار الدالة بوضوح على حرمته والنهي عنه، وقد حكم الفقهاء بثبوت الخيار في الفسخ والامضاء لمن غش في معاملة، أما لو كان الغش باظهار الشيء على خلاف جنسه كبيع المموه على انه ذهب أو فضة ونحو ذلك فسدت المعاملة ولا مجال للحكم بصحتها(2) .
____________________
1 - المكاسب.
2 - وسيلة النجاة 2 - 6 - 7.
(ز) الشعبذة
من الاعمال التي حرمتها الشريعة الاسلامية الشعبذة وهي الحركة السريعة بحيث يلتبس على من يراها الانتقال من الشيء الى شبهه، وهي في الواقع ليست كذلك، وقد أجمع علماء المسلمين على تحريمها وتحريم عمل السحر وتعلمه لأنها من الأمور التي لا فائدة فيها ولا جدوى وفيها مضيعة للوقت، والاسلام حريص على أن لا يضيع المسلم وقته في مثل هذه الترهات المجافية للكرامة الانسانية.
(ح) السمسرة
وهي من أعظم الموبقات الموجبة لنشر الدعارة والفساد والمدمرة للاخلاق والاعراض، وقد حرمها الاسلام وشدد في العقوبة على مرتكبها ففي صحيحة ابن سنان يضرب ثلاثة أرباع حد الزاني خمسة وسبعين سوطاً، وينفي من المصر الذي هو فيه(1) .
هذه بعض الأعمال التي حرمها الاسلام لأنه ليس فيها نفع للامة، ولا فائدة للمجتمع، وانما تعود بالخسارة والضرر الشامل للبلاد والعباد.
____________________
1 - المكاسب.
إن الطريق الذي رسمه الشارع للعمل إنما هو الطريق الصحيح الذي تستقيم به الحياة، فان الاسلام قد نظر الى العمل بعين الحكمة فما وجده صالحاً أقره، وما وجد فيه من عوج أو ضرر نبه عليه ونهى عنه، وقد حرم الاسلام تلك الأعمال السالفة التي تؤدي الى الغبن الاجتماعي، وتؤدي الى شل الحركة الاقتصادية كما ان بعضها في نفس الوقت مدعاة الى فساد الأخلاق وذيوع الدعارة والمجون.
وذكر الفقهاء أنواعاً أخرى من المحرمات التي لا يجوز فيها الكسب والعمل والتعرض لذكرها يستدعي الاطالة فلذا نكتفي بما ذكرناه من الاشارة لبعضها.
3 - الأعمال المندوبة
لقد ندب الاسلام الى بعض الأعمال وحث عليها كاعمال الخير والمبرات الاجتماعية التي ينتفع بها المجتمع كنصب النقاط واصلاح الطرق، وانشاء المستشفيات، وحماية الاطفال، وما ضارع ذلك من الاعمال الجليلة، كاعانة الضعيف، واغاثة الملهوف وغير ذلك من أعمال الخير. وأما اذا توقف عليها النظام والمصلحة العامة فانها واجبة.
4 - الاعمال المكروهة
وكره الاسلام بعض الاعمال، وطلب من المسلم أن يترفع
عنها، ولا يكتسب بها، وذلك كالذبابة لانها تفضي الى قسوة القلب، وسلب الرحمة من النفس، وانما تكره اذا اتخذها المسلم حرفة وصنعة، لا مجرد فعلها وقد يكون العمل مباحاً ولكن أخذ الاجرة عليه مكروه وذلك كالحجامة، وأخذ الاجرة على تعليم القرآن الكريم، ونسخه، وككسب القابلة، وغير ذلك من الاعمال التي ذكرتها كتب التشريع الاسلامي بالتفصيل.
5 - الاعمال المباحة
والاعمال المباحة وهي لا تكون راجحة، ولا مرجوحة من ناحية الفعل والترك، وذلك كالعمل لزيادة الاموال في غير الجهات الراجحة والمرجوحة.
4 - انواعه
العمل الذي يكون موجباً لملكية العامل، أو لاستحقاق الاجرة عليه على صور وأنواع. وقبل أن نذكر ذلك نود أن نوضح مفهومين يتبناهما الاسلام ويخالف فيها المفاهيم التقليدية الشائعة عندنا الآن:
1 - إن مفهوم العمل والعامل ليس مفهوماً (تجزيئياً)
يختص بخصوص العامل في غير القطاع الزراعي بل إنه مفهوم (شامل) لكل عامل يقدم عملاً نافعاً له أو لمجتمعه. فالعامل إذن في المفهوم الاسلامي هو ما يشمل العامل في اللغة الحاضرة والفلاح ايضاً، فاذا ورد عن الاسلام تثمين واشادة بالعمل وبجهود العامل فانه شامل لكلا الحقلين وناظر الى الفلاح والعامل معاً.
2 - وانطلاقاً من هذا المفهوم الشامل الذي يتنباه الاسلام فانه يرى ايضاً أن العامل لا يختص بخصوص الاجير الذي يعمل بأجرة والمزارع الذي لا يملك الارض (كالمفهوم الذي تتبناه الانظمة الحالية) بل إنه يشمل العامل الذي يملك الاداة والمزارع الذي يملك الارض أيضاً وذلك عن طريق التشريعات التي شرعها في هذا المجال والتي تهيئ التملك في أغلب الاحوال، وبسبب من المفاهيم التي أطلقها في أحاديثه حيث نظر فيها كلا من المالك والاجير سواء في الحقل الصناعي أو الحقل الزراعي ونقدم عرضاً لبعضها وهي:
1 - احياء الموات
من الاعمال الموجبة للملكية شرعاً إحياء الارض الموات ولا بد من ذكر بعض الجهات المتعلقة بها وهي:
1 - تعريف الموات
ويقصد بالارض الموات المعطلة التي لا ينتفع بها لانقطاع الماء عنها، أو لاستيلاء المياه والرمول، أو السبخ عليها، أو التفاف القصب أو الاشجار، وغير ذلك من الامور الموجبة لتعطيلها وعدم الانتفاع بها.
2 - معنى الاحياء
والمراد بالاحياء جعل الارض صالحة للانتفاع بها بعد ما كانت معطلة، وذلك بجلب الماء لها ان كانت خالية من الماء أو يتجفيفها بعد ما كانت مغمورة بالماء أو باصلاح سبخها ان كانت سبخة، وغير ذلك من الامور التي توجب الانتفاع بها بعدما كانت غير صالحة للنفع.
3 - ملكية المحيي
وتظافرت الاخبار بملكية المحيي للارض، فقد صح عن النبي (ص) انه قال: « من أحيا مواتاً فهي له » وعن أبي عبد اللّه (ع) ان رسول اللّه (ص) قال: « من غرس شجراً أو حفر وادياً لم يسبقه اليه أحد، أو أحيا أرضاً ميتد فهي له قضاء من اللّه ورسوله » وفي صحيح ابن مسلم « أيما
قوم أحيوا شيئاً من الأرض، وعمروها فهم أحق بها وهي لهم »(1) وفي رواية أخرى عن النبي (ص) « من عمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها »(2) .
وعن أسمر بن مضرس، قال: أتيت النبي (ص) فبايعته، فقال: من سبق الى ما لم يسبق اليه مسلم فهو له، قال: فخرج الناس يتعادون (أي يسرعون) يتخاطون (أي يضعون على الارض علامات بالخطوط)(3) الى غير ذلك من الاخبار التي دلت بوضوح، على ملكية المحيي للارض.
إن ملكية المحيي للارض من أفضل الطرق وأصحها لتوزيع الاراضي وعمرانها، وإيصالها الى أكبر عدد ممكن وذلك لجهتين:
« الأولى » إن حلية الاراضي مجاناً من دون أن يكون لأحد حق الاحتكار أو فرض الاجور عليها تؤدي حتماً الى مبادرة جميع المواطنين وقيامهم بالاحياء للظفر بارباحها، الامر
____________________
1 - جواهر الاحكام.
2 - رواه البخاري واحمد.
3 - رواه ابو داود.
الذي يوجب القضاء على البطالة، واستفادة الامة حكومة وشعباً بوارداتها.
« الثانية » إن الاسلام جعل سبب التمليك هو الاحياء، والانسان مهما بلغ من القوة لا يتمكن بحسب العادة أن يحيي أرضاً واسعة، ومن المستبعد جداً لما كان الاحياء حقاً عاماً للجميع أن يقوم شخص باحياء الارض لغيره ويترك نفسه.
إن ملكية المحيي للارض هي أعظم طريق وقائي يقي المجتمع الاسلامي من تضخم الملكيات في الاراضي الزراعية المسماة في العصر الحديث بالاقطاع.
4 - صورها
الارض الموات على صورتين « الاولى » الموات بالاصل وهي على قسمين:
1 - ان المحيي لها لا يعلم مسبوقيتها بالملك لاحد.
2 - ان المحيي لها يعلم عدم تملك أحد لها، وذلك كصفحات الجبال واكثر المفاوز والبراري وما شاكل ذلك.
والحكم في الصورتين عند الشيعة الامامية أنهما ملك للامام عليه السلام عند حضوره وفي زمان (الغيبة) يملكها المحيي من غير فرق بين أن يكون مسلماً أو كافراً، ولا يحتاج الى إذن
من الحاكم الشرعي.
« الصورة الثانية » وهي الاراضي الميتة بالعارض بعد ما كانت مسبوقة بالملك والاحياء، وهي على قسمين:
1 - ما باد عنها أهلها، وصارت بسبب مرور الزمان عليها بلا مالك وذلك كالاراضي الدارسة، والقرى والبلاد الخربة.
والحكم في هذه الصورة أن المحيي يملكها في زمان الغيبة، ولا تعامل معاملة مجهول المالك ولا يحتاج تملكها الى إذن من الحاكم الشرعي بل يملكها المحيي والمعمر بنفس الاحياء والتعمير.
2 - ما كان لها مالك ولكنه مجهول، فيجوز إحياؤها، والقيام بتعميرها، ولكن وقع الخلاف في ملكية المحيي لها فذهب المشهور من الفقهاء الى ذلك، وذهب فريق آخر الى لزوم الفحص عن صاحبها، فان ظفر به فلا بد من مراجعته، والاتفاق معه، وان لم يظفر به فتعامل معاملة مجهول المالك ولا بد فيها من مراجعة الحاكم الشرعي ليرى رأيه فيها.
وهناك صورة أخرى: وهي ما إذا كان المالك معلوماً وأهملها حتى طرأ عليها الخراب، فان أعرض عنها كان لكل أحد احياؤها، والانتفاع بها، وان لم يعرض عنها، ولكنه ترك تعميرها اما لعدم الاعتناء بها، أو لعدم حاجته اليها،
فذهب بعض الفقهاء الى إبطال حقه فيها، ويجوز للغير احياؤها وتملكه لها، وقد تمسكوا بعموم قوله: « من أحيا أرضاً ميتة فهي له » كما استدلوا بصحيحة ابن خالد الكابلي عن الامام الباقر (ع) قال:
« وجدنا في كتاب علي (ع) ان الارض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، الى أن قال: وإن تركها أو خربها فأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها وأحياها فهو أحق بها من الذي تركها »(1) .
والرواية صريحة الدلالة على ملكية المحيي للأرض، وهناك روايات أخرى استدل بها القوم على اثبات ذلك. وأما ما ذهب اليه فقهاء العامة فقد ذكروا ان المحيي للأرض اذا تركها أجل ثلاث سنوات فاذا مضت ولم يقم باحيائها انتزعت منه، وأعطيت لغيره، واستدلوا على ذلك بما ورد من أن الرسول (ص) قال: « عادي الارض للّه وللرسول (ص) ثم لكم من بعد فمن أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين »(2) ، وقال عمر: « من عطل أرضاً ثلاث
____________________
1 - الروضة كتاب احياء الموات.
2 - الخراج لابي يوسف: ص 65.
سنين لم يعمرها فجاء غيره فعمرها فهي له »(1) ، وقال عمر: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين).
وعلى أي حال فان تشريع الاسلام لملكية موات الارض يعود بالخير والفائدة للجميع ويقضي على الفقر والحرمان.
2 - الزراعة وأهميتها
الزراعة من العناصر الرئيسية التي تتوقف عليها الحياة العامة، وقد نظر الاسلام اليها نظرة بالغة الاهمية فدعا اليها وحث عليها، فقد قام الرسول الاعظم (ص) بنفسه يغرس النخل. وكذلك عمل الامام أمير المؤمنين وأبناؤه الطيبون من بعده في حقل الزراعة ليبينوا للمسلمين أن لا حياة لهم الا بالعمل والانتاج.
لقد حث الاسلام على عمران الأرض بالزرع والغرس لأنها كانت المصدر الوحيد لثروة الأمة في ذلك العصر، وجاء في عهد الامام أمير المؤمنين (ع) الى مالك الاشتر عامله على مصر ما نصه:
____________________
1 - الخراج ليحيى بن آدم: ص 91.
وليكن نظرك في عمارة الارض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك الا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، وأهلك العباد »(1) .
ان الاسلام يأمر بعمران الارض ليظفر الانسان بخيراتها ونعمها حتى يسلم من البؤس، والفاقة. يقول الامام أمير المؤمنين (ع):
ان معائش الخلق خمسة: الامارة، والعمارة، والتجارة والصدقات، الى أن قال: وأما وجه العمارة فقوله تعالى: (هو الذي انشأكم من الارض واستعمركم فيها) فأعلمنا سبحانه انه قد أمرهم بالعمارة ليكون ذلك سبباً لمعائشهم بما يخرج من الارض من الحب والثمرات، وما شاكل ذلك مما جعله اللّه معائشاً للخلق(2) .
لقد تظافرت الاخبار الكثيرة بفضل الزراعة والحث عليها فعن أبي عبد اللّه (ع) قال: سئل النبي (ص) أي الاعمال خير ؟ فقال: زرع يزرعه صاحبه وأصلحه، وأدى حقه يوم
____________________
1 - نهج البلاغة محمد عبده 4 / 106 - 107.
2 - الوسائل: كتاب المزارعة.
حصاده(1) وسأل رجل الامام الصادق (ع) فقال له:
جعلت فداك، اسمع قوماً يقولون: ان الزراعة مكروهة ؟!
فقال (ع): ازرعوا، واغرسوا فلا واللّه ما عمل الناس عملاً أحلّ، ولا أطيب منه(2) وعن مالك بن أنس قال: قال رسول اللّه (ص) ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو انسان أو بهيمة الا كان له به صدقة(3) .
وقال الامام الصادق (ع) « الكيمياء الاكبر الزراعة » وقال (ص): من أحيا أرضاً ميتة، ثقة باللّه عز وجل، واحتساباً كان حقاً على اللّه سبحانه وتعالى أن يغنيه، وان يبارك له »(4) ودخل (ص) على أم ميسر الانصارية في نخل لها، فقال (ص) لها:
- من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر ؟ ؟
- بل مسلم.
- لا يغرس مسلم غرساً، لا يزرع زرعاً، فيأكل منه انسان
____________________
1 - العروة الوثقى 2 - 285 طبع بيروت.
2 - الوسائل.
3 - صحيح البخاري كتاب المزارعة.
4 - الترغيب والترهيب للحافظ اسماعيل بن محمد.
أو دابة، أو سبع الا كانت له به صدقة(1) .
وعن جابر ان رسول اللّه (ص) قال: من كانت له أرض فليزرعها أو ليمحنها أخاه(2) .
الى غير ذلك من الاخبار والاحاديث التي حثت على الزراعة.
____________________
1 - صحيح مسلم.
2 - صحيح البخاري.
1 - الفلاح في النظام الاسلامي
1 - منزلة الفلاح وحقوق
وأشاد الاسلام بالفلاح، ورفع من مكانته، وأعطاه وساماً، من أسمى أوسمة الشرف في الدنيا والآخرة، فقد روى يزيد بن هارون، قال سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول:
« الزارعون كنوز الأنام، يزرعون طيباً أخرجه اللّه عز وجل، وهم أحسن الناس مقاماً، وأقربهم منزلة، يدعون المباركين ».
وهل هناك منزلة أرفع من هذه المنزلة، فهم كنوز الأنام، وأقرب الناس منزلة عند اللّه كما يدعون بالمباركين يوم القيامة.
ويكفي للدلالة على أهمية الفلاح ان مهنته من أعمال الانبياء، فقد روى محمد بن عطية، قال سمعت أبا عبد اللّه عليه السلام يقول:
« إن اللّه عز وجل اختار لأنبيائه الحرث والزرع كيلا يكرهوا شيئاً من قطر السماء ».
وروى الواسطي، قال: سألت جعفر بن محمد (ع) عن الفلاحين فقال (ع):
« الزارعون كنوز اللّه في أرضه، وما في الاعمال شيء أحب الى اللّه من الزراعة، وما بعث اللّه نبياً إلا زراعاً إلا إدريس فانه كان خياطاً »(1) .
الى غير ذلك من الاخبار التي دلت على تكريمه، وتبجيله وان له المنزلة الكريمة، والمكانة العليا في الاسلام.
2 - الفلاح وملكية الارض
ان الاسلام يهدف في مخططه التشريعي العام الى جعل الفلاح مالكاً للأرض أو مسيطراً على رقبتها وزمامها يتنعم بخيراتها ومحصولاتها الزراعية المتنوعة وذلك بتشريعة (لاحياء الموات) وجعله سبباً للتملك أو الحق الخاص الذي بواسطته يتجرد من سيطرة الاشخاص الآخرين ومشاركتهم له في الخيرات والثمرات. وذلك فبدلاً من أن يذهب الفلاح ليستأجر نفسه في أرض غيره تهيئ له الدولة ما يساعده على الاستقلال من المشاريع العامة في إحياء الاراضي بل ان طبيعة هذا التشريع تساعد على جعل الكل في الغالب مالكين لرقبة
____________________
1 - الوسائل.
الارض أو للحق الخالص فيها، حيث أن التشريع الاسلامي يهيئ الفرص للمسلمين وعليهم استغلالها لصالحهم ولصالح المستقبل الذي ينتظرهم.
3 - العناية به
واعتنى الاسلام بالفلاح عناية بالغة والزم الدولة بالتخفيف عنه في أخذ الخراج منه فيما اذا شكى ثقلاً أو علة في أرضه وقد جاء في عهد الامام أمير المؤمنين (ع) لعامله مالك الاشتر قال فيه:
« فان شكوا ثقلاً(1) أو علة(2) أو انقطاع شرب أو بالة(3) أو إحالة أرض اغتمرها غرق(4) أو أجحف بها عطش خففت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم، ولا يثقلن عليك شيء خففت به المؤونة عنهم، فانه ذخر يعودون به عليك في عمارة بلادك وتزيين ولايتك مع استجلابك حسن ثنائهم، وتبجحك باستفاضة العدل فيهم معتمداً فضل
____________________
1 - ثقلاً: المراد به المال المضروب من الخراج.
2 - علة: المراد بها نزول آفة سماوية اضرت بزرعهم.
3 - بالة: المراد شكايتهم من انقطاع ما يبل الارض من ندى او مطر
4 - اغتمرها: أي عمها الغرق.
قوتهم(1) بما ذخرت عندهم من إجمامك(2) لهم، والثقة بما عودتهم من عدلك عليهم في رفقك بهم فربما حدث من الأمور ما اذا عولت فيه عليهم من بعد احتملوه طيبة أنفسهم به فان العمران محتمل ما حملته وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها »(3) .
إن الدولة الاسلامية ملزمة بالعناية بالفلاح، وملزمة بتوفير العيش الرغيد له ولأفراد عائلته، وذلك بما سنه من الضمان الاجتماعي فيما اذا لم تف غلتهم بما يحتاجون اليه، وبالاضافة الى ان الاسلام يسعى بكل جهوده في سبيل أن يكون الفلاح مالكاً للأرض، وذلك بتشريعه لاحياء الموات الذي تقدم الكلام في بيانه على نحو التفصيل.
4 - المزارعة وشروطها
المزارعة من العقود اللازمة وهي طريق لاشراك الفلاح مع مالك الأرض في النماء والثمر فيما اذا لم تساعده الظروف على تملك قطعة من الأرض أو باعها لحاجة وعوز أو لغير ذلك
____________________
1 - أي متخذاً زيادة قوتهم عماداً لك تستند اليه عند الحاجة.
2 - إجمامك: أي اراحتك لهم.
3 - نهج البلاغة محمد عبده 4 - 107.
فيشترط في تحققها أمور ان تمت صحت.
1 - الايجاب والقبول:
ولا بد من الايجاب والقبول في الزراعة بين مالك الأرض والفلاح (فالايجاب) كقول المالك: زارعتك أو سلمت اليك الارض، ونحو ذلك من الالفاظ الدالة عليه. و (القبول) كقول الفلاح قبلت، وما شاكل ذلك، ويكفي فيه القبول الفعلي.
2 - البلوغ
وهو شرط بالنسبة لمالك الارض والفلاح فلا يصح العقد مع غير البالغ مطلقاً إلا مع وليه.
3 - العقل
ولا يصح العقد مع فاقد العقل سواء أكان مالكاً للأرض أم فلاحاً.
4 - الاختيار
وهو شرط في صحة العقد، فلا يصح مع الكره والاجبار ويظهر أثر ذلك جلياً بالنسبة للفلاح، فقد جعل الاسلام له الحرية والاختيار كي لا يكون أداة مسخرة بيد مالك الارض يفرض عليه ما يشاء من الشروط، وبذلك يقف الفلاح مع صاحب الارض وقفة الاخ مع أخيه لا تمايز لاحدهما على الآخر.
5 - عدم التحجير
ونظراً لمكانة المال في الاسلام فقد فرض التحجير على أموال الشخص ومنعه من التصرف فيها فيما اذا كان مصاباً بالسفه أو بالافلاس فلم يجز جميع معاملاته المالية، وهو شرط بالنسبة لمالك الارض، أما بالنسبة الى الفلاح فانه غير شرط فيه، وذلك لأنه ليس ثمة تصرف مالي كي يحجر عليه.
6 - اشتراك النماء
ولا بد أن يكون النماء مشتركاً بينهما، فلو جعل الكل لأحدهما لا تصح المزارعة، ولعل ذلك من أقوى العوامل النفسية فيدفع الفلاح الى مضاعفة جهوده برغبة وشوق لكي تعطى الارض ثمارها، فان كل مجهود يبذله يضاعف استفادته الخاصة من الارض، كما انه من أقوى العوامل لربطه بمزرعته فهو ليس إنساناً طارئاً عليها لا علاقة له بها فان النماء مشترك بينهما.
7 - اشاعته
ولا بد أن تكون الحصة المشروطة للفلاح أو لمالك الارض مشاعة في جميع النماء، فلا يصح أن يختص أحدهما بنوع خاص دون الآخر، لأن ذلك يؤدي لان يهتم الفلاح بالحصة
المشاعة أو بحصته ويهمل بقية المزرعة وبذلك يحرم المالك والمجتمع من نتاج الارض.
8 - تعيين الحصة
ولا بد من تعيين حصة الفلاح بمثل النصف أو الثلث ونحو ذلك، فلو قال صاحب الارض للفلاح: أزرع هذه الارض على أن يكون لك أو لي شيء من حاصلها لا تصح المزارعة وتبطل.
9 - تعيين المدة
ولا بد من تعيين مدة الزراعة بالاشهر أو السنين أو الفصل الذي يكون فيه الزرع، ومع عدم التعيين تبطل المعاملة.
10 - قابلية الارض
ولا بد أن تكون الارض التي يقع عليها العقد قابلة للزرع ولو بالعلاج فلو كانت سبخة لا يمكن الانتفاع بها، أو كان يستولي عليها الماء قبل إدراك الحاصل لا تصح المزارعة، ولعل اشتراط ذلك ناشئ من احترام الاسلام لجهود الفلاح ولكي لا تذهب أتعابه أدراج الرياح اذا جعل قابلية الارض للزرع والانتاج شرطاً أساسياً في صحة العقد ونفاذه.
11 - تعيين المزروع
ولا بد من تعيين نوع الزرع كالحنطة والشعير وغيرهما
مع اختلاف الاغراض في ذلك، ومع عدم التعيين تبطل المزارعة.
12 - تحديد الارض
ولا بدّ من تحديد الارض التي وقع الاتفاق على زراعتها، ومع عدم بيان التحديد تفسد المزارعة وذلك للزوم الغرر المفسد للمعاملة.
13 - تعيين المصارف
ولا بد من تعيين من يقوم بالمصارف وسائر اللوازم التي تحتاج اليها المزارعة فهل هو صاحب الارض أو الفلاح، ومع الاهمال تبطل المزارعة.
وذهب الشيخ الطوسي الى أن البذر لا بد أن يكون من صاحب الارض خاصة.
هذا موجز الكلام في أحكام المزارعة، وهناك بحوث مهمة ذكرها الفقهاء تتعلق في ضمان حقوق الفلاح وصاحب الارض، وتلزم كلاً منهما أن يسير على وفق ما شرط عليه، وليس لهما أن يخالفا ذلك.
وعلى أي حال فان الفلاح في الاسلام حر كريم غير مستعبد لاحد يملك نتاجه ويستولي على ثمرة أتعابه من دون أن يكون سلطان لأحد عليه.
إن أحكام المزارعة في الاسلام تشيد بكرامة الفلاح، وتمنحه الحرية الواسعة، وتحقق ما يصبو اليه من الكرامة.
3 - المساقاة
من الاعمال التي تترتب عليها الملكية في الاسلام هي المساقاة وقد جعلها الاسلام واسطة في الاشتراك مع المالك في ثمر الأصول والاشجار فقد روى يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (ع): سألته عن الرجل يعطي الرجل أرضه، وفيها رمان أو نخل أو فاكهة، ويقول: اسق هذا من الماء، واعمره ولك نصف ما أخرج فقال (ع): لا بأس، وفي صحيح الحلبي قال: أخبرني أبو عبد اللّه (ع) أن أباه حدثه ان رسول اللّه (ص) أعطى خيبراً بالنصف أرضها ونخلها فلما أدركت الثمرة بعث عبد اللّه بن رواحة لاستحصال الثمرة الى غير ذلك من الأحاديث التي دلت على مشروعيتها، ولا بد لنا من ذكر المراد منها وبيان شرائطها، وأحكامها والى القراء ذلك.
1 - معناها
المساقاة في اللغة مشتقة من السقي وهي استعمال شخص في نخيل أو كروم أو غيرها لاصلاحها على سهم معلوم من غلتها، وهذا المعنى مساو للمعنى الشرعي إلا انه يشتمل على شرائط خاصة
يترتب عليها صحة العقد بخلاف المعنى اللغوي فالمغايرة بينهما من هذه الجهة(1) .
2 - شروطها
ويشترط في المساقاة الايجاب والقبول، والبلوغ والعقل بالنسبة للطرفين وأما عدم الحجر لسفه أو فلس فهو شرط بالنسبة لمالك الحقل، كما انه يشترط في الاصول أن تكون مملوكة عيناً أو منفعة فلا تصح إذا كانت مغصوبة، ويشترط في الاصول أن تكون ثابتة مغروسة فلا تصح في الودى (أي الفسيل قبل الغرس) كما انه يشترط تعيين المدة بالاشهر أو السنين فلا يصح الاهمال لأنه يؤدي الى النزاع والخصومة، كما لا بد أن يكون العقد قبل ظهور الثمرة أو بعده ولكن قبل نضوج الثمرة بحيث يحتاج الى سقي وما شاكله من الاعمال، ولا بد أيضاً من تعيين الحصة بأن تكون معينة كالنصف والثلث، كما انها لاتصح فيما اذا جعل لاحداهما مقدار معين والباقي للآخر كما انه يشترط تعيين الاعمال التي يقوم بها المالك والفلاح.
هذا مجموع ما ذكره الفقهاء من الشروط المعتبرة في صحة
____________________
1 - الفقه على المذاهب الاربعة 3 - 26.
المساقاة(1) فاذا تخلف بعضها فسدت المعاملة واذا تمت فتصح ويجب على العامل أن يقوم باصلاح الثمرة كحرث الأرض، والحفر التي يحتاج اليها، وتهذيب جريد النخل وذلك بقطع ما يحتاج الى قطعه، وكذا تهذيب أغصان الشجر المضر بقاؤها بالثمرة أو بالاصل، وكذلك تعديل الثمرة بازالة ما يضرها من الاغصان والورق ليصل اليها الهواء، وما تحتاج اليه من الشمس وكذلك يلزمه القيام بكل عمل يؤدي الى اصلاح الاصول واثمارها وليس له أن يساقي غيره إلا أن يأذن له مالك الحقل في ذلك.
وعلى المالك أن يقوم بما شرط عليه وليس له أن يتخلف عنه، كما ان عليه الخراج لأنه موضوع على الأرض والشجر فالمسؤل عنه مالكهما(2) .
واذا ظهرت الثمرة ملك العامل حصته يتصرف بها حيثما شاء من دون أن يكون سلطان لاحد عليه كما انه اذا انقضت المدة التي وقع العقد عليها فان للعامل الحرية التامة في تجديد العقد وعدمه.
هذا موجز البحث في المساقاة، وهي تضمن كرامة الفلاح
____________________
1 - العروة الوثقى 2 - 302 - 303.
2 - الروضة كتاب المساقاة.
ولم يكن بند من بنودها ينافي حريته وحقوقه.
وأما المغارسة فباطلة يقول آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي في بيان ذلك: المغارسة باطلة وهي أن يدفع أرضاً الى الغير ليغرس فيها أشجاراً على أن يكون الحاصل لهما(1) ولعل ذلك ناشئ من أن الاسلام لا يرتضي أن يكون العمل مع الشجر من شخص واحد والثاني أعني (مالك الارض) يشاركه في النماء.
وعلينا أن نشير الى حالة الفلاح في الاقطاع الأوربي، والى حالته في ظل النظام الشيوعي بعد تصفيته للاقطاع وتحويل المزارع الى الحقول الجماعية التي تملكها الدولة، وهل حقق ذلك رغبة الفلاحين وآمالهم، أو انه لم يحقق أي شيء من رغباتهم، والى القراء بيان ذلك:
2 - الاقطاع الاوربي
إن الاقطاع الأوربي الجائر يسلب كرامة الفلاح ويجعله قناً مستعبداً لصاحب الأرض لا يملك من أمره قليلاً ولا كثيراً ولا بد من الاشارة الى بيان نشأة الاقطاع هناك، والى نظام رق الأرض.
____________________
1 - المسائل المنتخبة رسالة عملية للسيد الخوئي دام ظله.
(أ) نشأة الاقطاع
ويعود السبب في نشأة الاقطاع في أوربا الى ان الامبراطورية الرومانية الغربية بعد حكم ملوك الجرمان لها لم تكن قد نجحت في تكوين سلطتها المركزية، فقد عمد أكثر ملوكهم الى نصضب قادة الجيش حكاماً للاقاليم، وسرعان ما اتخذ هؤلاء الحكام مظاهر الاستقلال، حيث أخذوا يجمعون الضرائب لا لحساب الملك، وإنما لحسابهم الخاص، وبذلك فقد الملوك حتى فرض الضرائب، وانشأوا بعد ذلك المحاكم الاقطاعية التي تحكم باسمهم لا باسم الملك، وبذلك خلعوا عن الملك سلطة القضاء.
وفي نفس الوقت الذي كان فيه الاقطاعيون يستقلون عن السلطة الملكية كانوا يؤكدون استقلالهم على من عهد اليهم بالحكم، وكان الشعب آنذاك مكوناً من فلاحين أحرار يزرعون الأرض لحسابهم الخاص فعمد الحكام الى سلب الاراضي منهم وقد اتخذوا لذلك جملة من الوسائل منها:
1 - المغالاة في الضرائب
وكان الحكام يغالون في وضع الضرائب على الفلاحين الأمر الذي اضطرهم الى الاستدانة حتى تزاكمت عليهم الديون فاضطروا الى تسليم أراضيهم للحكام.
2 - الارهاب
واتخذ الحكام جميع الوسائل الارهابية السافرة لارغام الفلاحين الاحرار على الانصياع لارادتهم في التخلي عن الاراضي وتسليمها اليهم مجاناً، فاستجاب الفلاحون لذلك وسلموا أراضيهم.
3 - الحماية من الغزو
وسعى الكثيرون من الفلاحين الى تسليم أراضيهم الى الحكام لأجل الحصول على حمايتهم من الغزو الخارجي الذي يقوم به الاقطاعيون الآخرون عليهم، فلم يكن لهم بد من الحماية إلا بتسليم الأراضي الى الحكام الذين يتولون السلطة هناك.
2 - نظام رق الأرض
وأقام الاقطاعيون بينهم وبين الفلاحين نظاماً فيما يعود الى الأرض، ويمكن أن نلخص معالمه الرئيسية الى النقاط الآتية:
1 - الارض ملك للاقطاعي الذي تلقى ملكيتها من الملك الذي عينه أو عين أحد آبائه حاكماً يحتفظ لنفسه بجزء من الارض تزرع لحسابه ويكون واردهاً له، وتوزيع بقية الارض بين الفلاحين الذين يلتزمون بزراعة حصته.
2 - يقوم الفلاح بزراعة الحصة التي أعطاها له الاقطاعي
ويلتزم بأن يعطي جزءاً معيناً من زراعته، كما انه يعمل بلا أجر في زراعة الارض التي احتفظ بها السيد لنفسه المسمى بنظام السخرة كما يلزمه بأن يؤدي لسيده خدمات وفرائض عينية أخرى.
3 - ما دام الفلاح يقوم بالتزاماته هذه فلا يملك السيد طرده من المزرعة، ويرث من بعده أولاده حق زراعة الارض على أن لا يؤدي الى تجزئة الحصة ولذلك ساد فيهم نظام توريث الارض للولد الاكبر.
4 - يلتزم الاقطاعي بحماية الفلاحين، وباقامة القضاء بينهم(1) .
5 - يقوم الفلاح بالهدايا لسيده في المناسبات المختلفة من حبوب ودواجن وغيرها ويعمل لخدمة سيده مجاناً في شق الانهار.
هذه بعض العلائق التي أقيمت بين الفلاحين ومالك الارض وهي تجعلهم أقناناً وأرقاء له يوجههم حيثما شاء لا إرادة ولا استقلال لهم في أمورهم.
____________________
1 - دروس في الاقتصاد السياسي ص 25 - 27.
3 - حالة الفلاح
أن حالة الفلاحين في ظل عهد الاقطاع الجائر مما تدعو الى الألم، فقد خيم عليهم البؤس والحرمان، وانتشرت الفاقة في ربوعهم، وصب عليهم الاقطاعيون ألواناً من العذاب والمهانة فأدى ذلك الى وقوع الثورات الهائلة بين صفوفهم مطالبين بكرامتهم وبتحقيق العدالة الاجتماعية في أوساطهم.
إن هذا اللون من الاقطاع الجائر لا يقره الاسلام ولا تربطه أي صلة به، فقد ذكرنا أحكام المزارعة في الاسلام، والمساقاة واحياء الموات وان أغلب بنودها كان من صالح الفلاح، وانه يتمتع بالحرية والكرامة لا سلطان لاحد عليه، وعلينا أن ننظر الى حالة الفلاح في ظل النظام الشيوعي والى القراء ذلك:
3 - في ظل النظام الشيوعي
عندما بدأت الثورة الشيوعية في اكتوبر (1917) كانت الاكثرية الساحقة من الشعب الروسي تتعاطى الزراعة، وقد ساند الفلاحون الشيوعيين في ثورتهم وقدموا المزيد من التضحيات في مساندتها لاجل التخلص من الاقطاعيين، وظلمهم، وكانت أبواق الشيوعية تذيع في أوساطهم ان الثورة الشيوعية من أجل الفلاح ومن أجل تحقيق رفاهيته وسعادته، وان الشيوعية هدفها
تمليك الارض للفلاح، والقضاء على الاقطاع، وان الفلاح يجب أن يعيش حراً كريماً يملك نتاجه، وثمرة أتعابه الى غير ذلك من ألوان الدعايات المضللة، ولا بد من ذكر بعض الجهات المتعلقة في ذلك وهي:
1 - منية الفلاح
ان استملاك الارض للفلاحين هي الامنية الكبرى التي تختلج في نفوسهم، والحلم الجميل الذي يداعبهم، وان بغية الفلاح في أي مكان كان هي أن يمنح قطعة من الارض يستغلها بنفسه، ويستفيد من ثمرها ونتاجها، ولو فتشنا عن دخائل نفسه لما كان يروم غير ذلك، وهذه الرغبة هي العامل الاساسي التي دفعت الفلاحين لتأييدهم الشيوعية وبذلهم المزيد من التضحيات في سبيلها.
2 - ضياع أمله
ولما استتب الامر في روسيا الى الشيوعيين، وقبض لينين على زمام الحكم أمر بمصادرة جميع الاراضي، وتمليكها الدولة، وقضي بذلك على أمل الفلاح وبغيته.
إن الاقطاع في روسيا تحول من الافراد الى الدولة، بصورة أفظع من الحالة الاولى، إذ ليس للفلاح أن يأخذ
لنفسه حفنة من الطعام الذي أرهق نفسه في انتاجه فهو يراه بيد الدولة تتصرف فيه ولا يملك من أمره شيئاً سوى النظر اليه مشفوعاً بالحسرات والآلام فان فاه بشيء أو أبدى المعارضة نعت بالتآمر ويساق الى محكمة الشعب لتصدر عليه حكم الاعدام أو الخلود في السجون.
لقد فرض نظام الشيوعية المراقبة الشديدة على الفلاحين خوفاً من تلاعبهم، وسرقتهم للحاصلات الزراعية، كما صب وابلاً من العذاب الأليم على كل من تخلى عن أداء واجبه، ولم ينفذ أوامر الدولة.
3 - الانتفاضة الكبرى
ولما رأى الفلاحون أن النظام الشيوعي قد حطم آمالهم، وأمانيهم وحرم عليهم ملكية الارض التي هي أسمى ما يصبون اليه في حياتهم، قاموا بثورتهم الكبرى، فاحرقوا الحاصلات الزراعية، وحرقوا الحيوانات، وأخذت الشرطة تعاملهم بلغة الرصاص والنار حتى قتل الملايين منهم، وقوبلوا بمنتهى القسوة والعذاب ولكن ذلك لم يثن من عزمهم فقد استمروا في ثورتهم فاضطر لينين الى أن يجيزهم امتلاك بعض الاراضي، وبعض المحاصيل بالرغم من أن ذلك يتنافى مع الفكرة الشيوعية.
ولما تولى ستالين مقاليد الحكم حنق على الفلاحين ورأى أن ما أجازه لينين سيقوي فيهم النزعة الاستقلالية والكراهية للحكم المطلق الذي يقتضيه النظام الشيوعي، فصمم على إخضاعهم أو القضاء عليهم، فاعلن في ابريل سنة (1921 م) أول برنامج من برنامج السنوات الخمس الصناعية، وعبأ له جميع القوى، وجميع المواد حتى اذا أشرف هذا البرنامج على نهايته.
كان 70% من الفلاحين قد انخرطوا في سلك الصناعة وبذلك أصبحت طبقة الزراع في مركز ضعيف من حيث أثرها في الاقتصاد القومي.
وعنذئذ رأى ستالين أن الفرصة أصبحت مواتية له للقضاء على الفلاحين المعتزين باستقلالهم وكرامتهم، فأعلن عليهم حملته الشعواء، وقد وجهها - أولاً - الى طبقة « الكولاك » وهم صغار الملاكين من الزراع فصادر أملاكهم، وشردهم عن أوطانهم، ونفى عدداً كبيراً منهم الى اقاصي سيبريا، وأعدم ذوي المكانة منهم، ثم ساق الفلاحين الى المزارع الجماعية قهراً وقد ثار في وجهه جماعة من أقطاب الحزب الشيوعي فلم يرق لهم ذلك الظلم الفاحش الذي صبه على الفلاحين، ولكنه لم يعتن بهم وقال:
« عندما بدأ الحزب حملته الهجومية ضد « الكولاك » واتخذ اجراءات الطوارئ ضدهم قام « بوخاين رابو بكوف » وجماعته يخلعون القناع، ويختلقون نظرية تقضي بأن معركة يجب أن تخف حدتها على أثر كل نصر حققته الاشتراكية، وهم بذلك يكشفون الستار عن عقيدتهم البرجوازية، ويناقضون نظرية لينين »(1) .
أن من لا يبرر ما يرتكبونه من الظلم والاعتداء على المواطنين فهو في منطقهم يميل الى البرجوازية وان كان قطباً من أقطابهم، فالشيوعي الحقيقي هو الذي يجرد نفسه من جميع العواطف الانسانية، ولا يتأثر بما يراه من المجازر وإراقة الدماء التي يقدمها الشيوعيون قرابين في سبيل أهدافهم.
ويؤكد ستالين في حديثه التالي عن لزوم تحطيم « الكولاك » والقضاء عليهم في جميع المجالات قال:
إن مهاجمتنا للكولاك يجب أن لا تعني إلا شيئاً واحداً هو تحطيمهم والقضاء عليهم كطبقة، وبغير ذلك تكون حملتنا مجرد خدش لا يليق بهجوم بلشفي، فمعنى حملتنا على الكولاك
____________________
1 - تاريخ تعاليم المذهب ص 293.
أن نتخذ التدابير الملائمة، ثم نضربهم الضربة القاضية »(1) .
إن الشيوعيين لا يعرفون التسامح والتساهل، ولا يؤمنون إلا بوسائل التدمير والابادة، وقد برهنت أعمالهم في جميع المجالات على ما يتصفون به من القسوة والتنكر لجميع ألوان القيم والأخلاق.
4 - التضييق على الفلاح
ويقضي النظام الشيوعي بضرورة التضييق على الفلاح وعدم منحه قطعة أرض يستثمرها، وقد أعرب لينين عن السبب في ذلك بقوله:
« اذا أقام الفلاح على قطعة من الارض، واستأثر بفائض قمحه، أي القمح الذي لا يحتاج اليه لا لنفسه، ولا لماشيته في حين يظل جميع الآخرين بلا خبز، فان هذا الفلاح يستحيل إذ ذاك الى مستثمر »(2) .
إن النظام الشيوعي يقضي بسلب نتاج الفلاح، ونهب الفائض من أرباح سلعته بحجة انه يكون مستثمراً وانه يوجد في المجتمع الشيوعي من يحتاج الى لقمة العيش فلا بد من سلب
____________________
1 - مقررات لينين ص 270.
2 - مهمات منظمات الشباب تاليف لينين ص 17.
نتاج الفلاح الذي بذل في سبيله جميع جهوده وأتعابه، وأي فرق بعد هذا بين النظام الشيوعي، وبين الاقطاع الفردي ؟!!
إن الفلاح يعيش بائساً فقيراً في ظل النظام الشيوعي لا يجني من أتعابه سوى الكد والألم والحرمان.
5 - عدم ملكيته لآلات الزراعة
ويقضي النظام الشيوعي بعدم جواز تملك الفلاح لآلات الزراعة من المضخات، وأدوات الحرث وآلة الحصاد وغيرها لأنه لو ملكها لاصبح برجوازياً مستثمراً، وذلك يتنافى مع مبادئهم، فلا بد أن يرجع ربح الآلات للدولة فهي التي تستوفيه وتستولي عليه، وليس للفلاح أن يسعى للحصول على ذلك فانه يناهض مبادئهم وقد جاء ذلك في الدستور السوفياتي ما نصه:
« يتألف الاقتصاد الذي يقوم عليه الاتحاد السوفياتي من النظام الاقتصادي الاشتراكي، ومن التملك لأدوات الانتاج ووسائله، وهما اللذان ثبتت دعائمهما بعد تصفية النظام الاقتصادي الرأسمالي، وبعد الملكية الخاصة لأدوات الانتاج ووسائله »(1) .
إن الحيلولة بين الفلاح وملكية المزرعة وأدواتها تؤدي حتماً الى شل الانتاج الزراعي، وعدم إقبال الفلاح على العمل
____________________
1 - الدستور السوفياتي المادة الرابعة ص 3.
بطيب نفس، ولهذا السبب قام الفلاحون هناك باتلاف مواشيهم وحرق مزارعهم انتقاماً من القوانين الجائرة التي فرضت عليهم.
6 - إجباره على العمل
ويجبر الفلاح على الزراعة، وليس له أن يتخلى عنها وقد أعرب ستالين عن ذلك بتصريحه عام (1936) قال:
« يجب أن يكون مفهوماً أن نظام المزارع الجماعية لا يعني مجرد احتكار الدولة لكل مصادر الانتاج الزارعي، فحسب، بل يعني أيضاً جعل العمل شرطاً أساسياً للحصول على لقمة العيش فنحن لا نقيم المزارع الجماعية لتطعيم المتطفلين ».
إن النظام الشيوعي لو كان يواكب الفطرة الانسانية ويتفق مع ميول الناس لما احتاجت روسيا الى تطبيقه بالجبر والاكراه، ولما التجأت الى الوسائل غير الطبيعية في جميع مشاريعها.
7 - حرمانه من الأجور الاضافية:
إن الأجور الاضافية حق طبيعي لكل إنسان يعمل في غير الوقت المستأجر عليه في المزرعة أو في المعمل، ولكن النظام الشيوعي يقضي بان لا يمنح الفلاح الأجور الاضافية(1)
____________________
1 - الزراعة السوفياتية تأليف انيسمون ص 32.
وهذا غاية ما يتصور من الظلم والغبن للفلاح.
9 - عدم الحرية:
وليس للفلاح الحرية في جميع شؤونه، وإنما تدير أموره جمعية الكولخزين العامة فهي التي تضع له البرامج ليسير عليها وليس للفلاح الحرية في انتخاب أعضائها، وإنما ينتخبهم الحزب الشيوعي لتكون الجمعية أداة طيعة بيد الحزب تخدم مصالحه، وتنفذ غباته، وقد صرح خروشوف بضرورة انتخاب أعضاء هذه المؤسسة من قبل الحزب الشيوعي فقال:
« لقد أصبح كل شيء يتوقف على كفاءة الحزب الادارية منها والزراعية، وبالدرجة الاولى على حسن اختيار رؤساء الكولخزات »(1) .
إن الفلاحين ليس لهم بأي حال أن ينتخبوا ممثلين عنهم يطالبون برغباتهم وبما يصبون اليه، وانما الحزب الشيوعي ينتخب من يشاء ويفرضه على الفلاحين ليكون ممثلاً له لا لهم.
إن الفلاح في ظل النظام الشيوعي يذيب نفسه في كيان الدولة، ولا يتلقى إلا الخيبة والخسران لا أمل له في العيش الرغيد، ولا نصيب له من الرفاهية والدعة فهو مستعبد للدولة.
____________________
1 - بيان اللجنة المركزية الشيوعية في المؤتمر العشرين 108 - 109
تسلبه اختياره وتقضي على اصالة رأيه، وتوجهه حيث تشاء.
لقد استغلّ الشيوعيون سوء الحالة الاقتصادية التي مني بها الفلاح وإرهاق الاقطاعيين له وسيلة الى بث أضاليلهم ونشر اكاذيبهم بين الفلاحين فاذاعوا ان النظام الشيوعي يضمن لهم الحياة الطيبة الكريمة، وان الأرض بما فيها من غرس وأشجار مع آلات الزراعة هي ملك لهم فلا استغلال لجهودهم ولا سلطان لاحد عليهم الى غير ذلك من ألوان الدعايات الكاذبة التي تلبس الحق بالباطل وتموه على البسطاء والكادحين.
العامل
1 - في ظل النظام الرأسمالي
2 - في ظل النظام الشيوعي
3 - في ظل النظام الإسلامي
تحدثنا في البحوث السابقة عن حقيقة العمل ومعناه في الانظمة الحديثة كما بينا أحكامه وأنواعه في الاسلام، وقد أسهبنا بعض الاسهاب في ذلك، وقد طال الأمد على القراء حيث انهم فيما نحسب يهمهم الاطلاع على حالة العامل في ظل النظامين الرأسمالي والشيوعي وعلى معرفة حقوقه التي منحها الاسلام له ليقفوا على أي الأنظمة اكثر فعالية، وأضمن لحقوقه ومصالحه وقبل الخوض في بيان ذلك لا بد لنا من ذكر ما يقصد بالعامل من معنى في قانون العمل وبيان أصنافه التي جاءت فيه وما يقدمه الاسلام من مفهوم والى القراء ذلك:
1 - معنى العامل
عرف قانون العمل (العامل) « بأنه الشخص الذي يؤدي عملاً لرب العمل لقاء أجر بموجب اتفاق خاص أو عام شفهي أو تحريري، ويكون عند أدائه تحت توجيهه وإرادته، أو على سبيل التدريب أو التجربة »(1) وعلى هذا التحديد فليس كل من أدى عملاً وقام به يعتبر عاملاً بل اذا توفرت فيه هذه الأمور التي نص عيها هذا القانون(2) فاذا انعدم بعضها لا يعتبر عاملاً
____________________
1 - قانون العمل العراقي رقم (1) سنة 1958 م.
2 - تجد بيان هذه المواد في شرح قانون العمل ص 7 - 13.
بالاصطلاح القانوني.
ولكن الاسلام يفترق افتراقاً أساسياً عن هذا المفهوم التقليدي ويقدم مفهوماً شاملاً له طابعه الخاص وله أصالته الفكرية كما مر بنا (في العمل وأنواعه) وسيأتي تفصيله في بيان حقوق العامل في ظل النظام الاسلامي.
2 - أصنافه
العمال صنفان: (الصنف الأول) العمال المستقلون وهم الذين يشتغلون لحسابهم الخاص، وهم كأرباب الحرف الذين يملكون محلاتهم الخاصة، وكاصحاب المهن الذين لهم مكاتبهم الخاصة.
« الصنف الثاني » العمال التابعون وهم الذين يستخدمون لقاء أجر أو راتب معين كالعمال في الزراعة، والمستخدمين في الصناعة، والتجارة، والخدمات سواء أكان عملهم للافراد أم للدولة، ويؤلف هذان الصنفان مجموع قوة العمل في القطر.
والبحث عن حقوق العامل في الأنظمة الحديثة إنما يعني بالدرجة الأولى النصف الثاني من العمال وهم الذين لا يشتغلون لحسابهم الخاص، وأما الاسلام فقد عنى بكل الأصناف، وشرع لهم من الحقوق العادلة التي تضمن لهم الكرامة والعيش
الرغيد، والضمان الاجتماعي الذي سنه ويشمل جميع أصنافهم - كما سنبينه - ولنعد بعد هذا الى ذكر حالة العامل في الأنظمة القائمة، وفي ظل نظام الاسلام، والى القراء ذلك:
1 - النظام الرأسمالي
ولن يتم لنا الوقوف على حالة العامل في ظل النظام الرأسمالي إلا بعد معرفة الخطوط الرئيسية التي تبتني عليها الرأسمالية وبيان المؤاخذات التي تترتب عليها فان الاحاطة بذلك - ولو إجمالاً - أمر لا بد منه وهي كما يلي:
1 - ملكية الفرد
ويقرر النظام الرأسمالي الملكية المطلقة للفرد فكل ما تصل اليه يده بأي وسيلة كانت فهو ملك له يتصرف فيه حيثما شاء وعلى الدولة القيام بحمايته، وتمكينه من التصرف فيه.
إن النظام الرأسمالي يبتني على الاعتراف بملكية الفرد لجميع ألوان الثروة من أرض، وآلات ومباني، وغيرها من وسائل الانتاج، وللفرد أن يملك ما شاء لا يمنع عنه، حتى ولو تضخمت نقوده، وبلغت الملايين فليس للدولة الحق في
الاستيلاء عليها أو تأميم ممتلكاته ونزعها منه بل عليها أن تفسح المجال أمامه لتنمية أمواله وزيادة أرباحه، وليس لها بأي حال أن تقوم بعمليات اقتصادية تناهض النشاط الفردي.
إن النظام الرأسمالي يؤمن بجميع الوسائل التي تؤدي الى تضخم الثراء الفاحش، كالربا والاحتكار والاستغلال وغير ذلك من الطرق الملتوية التي تعتمد على الخداع والختل، وتؤدي الى فقر المجتمع وحصر ثروته عند فئة قليلة تتحكم في مصيره، حيث ان جميع ذلك من الوسائل المشروعة في عرفهم ما دامت تؤدي الى تراكم رأس المال الفردي.
2 - الحرية
ويكفل النظام الرأسمالي الحرية التامة للفرد في جميع المجالات العملية فله أن يستعمل جميع الوسائل في الحصول على الأرباح، كما له أن يتوسع في انتاج البضائع، وان يبيعها بما شاء من الثمن القليل أو الكثير حتى لو أفرط في وضع أغلى الاثمان للسلعة فانه حر في ذلك لا سلطان لأحد عليه.
إن النظام الرأسمالي يضمن الحرية بنطاقها الواسع للفرد في سبيل الحصول على الارباح، وتنمية المال حتى لو أدى ذلك الى إرهاق العمال وعنائهم.
إن النظام الرأسمالي لا يهتم بأي حال بما يصيب العمال من حيف وظلم وحرمان، وذلك لأجل حرية صاحب المال واتساع ثروته.
إن حرية الفرد في استحصال الثروة هي الحجر الاساسي التي تبتني عليها الرأسمالية، وقد ذهب اليها مؤسسو علم الاقتصاد وأعاظم رجاله كالفيزيوقراطيين، وآدم سميث، ومالثوس، وريكاردوا، وأضرابهم، ويسمى هذا المذهب ب « المذهب الفردي » لانهم يعتبرون الفرد قطب الحركة الاقتصادية ومحورها الذي تدور عليه في جميع اوضاعها، واطوارها ان الحرية الاقتصادية عند الرأسماليين سبب لتنمية الانتاج واتساع الثروة العامة في البلاد، وعلى الدولة القيام بتوسيع المجال للاعمال الفردية بقدر ما تستطيع ورفع جميع الموانع التي تؤثر في حرية الفرد.
لقد ذهبوا الى انه لا سبيل الى حق الانسان في الحياة إلا أن يمنح الحرية الواسعة في كل ما يصبو اليه في هذه الحياة.
3 - المنفعة الذاتية
ويبتني النظام الرأسمالي على المنفعة الذاتية، فهي المحفزة للعمل، وانتاج جميع المواد الاستهلاكية، وانها من العناصر
الرئيسية التي تتكون منها معالم الرأسمالية فقد ذكر (ج. م. كيز) ان دور المال وحب المال عند الفرد من أهم مقومات الرأسمالية(1) .
إن المنفعة الذاتية من الصفات المتأصلة، وانها هي التي تدفعه الى العمل والخوض في معترك الحياة، فاذا فتحت أبواب المنفعة أمام الشخص فان الانتاج يزداد ويتوسع، واذا سدت أبوابها في وجهه فان الحياة الاقتصادية العامة تصاب بانتكاسة كبرى، ويقضى على معالم الحياة الاقتصادية في البلاد.
هذه بعض الخطوط الرئيسية التي يبتني عليها النظام الرأسمالي، وقد حفل بجميع ركائزه وخطوطه بالظلم الاجتماعي، وتمثل على مسرحه الغبن بجميع مفاهيمه وألوانه، وأدى الى نشر القلق والاضطراب في الأرض، والى تحطيم المثل العليا وإقصاء العدالة الاجتماعية عن واقع الحياة العامة.
4 - المؤاخذات
وحفل النظام الرأسمالي بالسيئات والمفاسد، وعلينا أن نشير الى بعض المآسي التي تترتب عليه والى حالة العامل في ظلاله وهي:
____________________
1 - هذه هي الرأسمالية تأليف فرنسوابيرو ترجمة محمد عيتاني ص 40.
1 - نهب الثروات
إن النظام الرأسمالي لما قضى باطلاق حرية الفرد في الكسب وإباحة جميع الوسائل لاستحصاله للثروة، عمد الرأسماليون الى الإمعان في الطرق المؤدية الى الاستيلاء على مقدرات الأمة ونهب ثرواتها الاقتصادية، والتآمر على مصالحها، وقد اعترف بذلك آدم سميث بقوله: « قلما يجمع التجار وأهل الحرف والصناعات مجلس من المجالس إلا انتهى بمؤامرة منهم على مصلحة الجمهور أو قرار لرفع أسعار البضائع، حتى لا تكاد تخلو المناسبات التي يتسنى لهم الاجتماع فيها من اقتراف مثل هذه الجريمة الشنيعة(1) .
لقد تكدست ثروات المجتمع عند فئة قليلة فراحت تتحكم في مصير البلاد، وتبني مصالحها الخاصة على اماتة الشعب وافقاره والحكومة القائمة سند لها تحافظ على ثرائها وتهيئ لها جميع الوسائل التي تؤدي الى استغلال الجماهير واستعبادها الأمر الذي أدى الى شيوع الفقر، وحدوث الاضطراب الشامل في المحيط الاقتصادي والاجتماعي.
لقد نهبت الدول الاستعمارية الكبرى جميع الثروات المعدنية
____________________
1 - اسس الاقتصاد بين الاسلام والنظم المعاصرة: ص 48.
من شعوب العالم وخصوصاً من العالم الاسلامي، فقد استغلت جميع ثرواته ومن أهمها البترول فقد استولت عليه فقدر ربحها سنة (1955) ما يساوي 500 الف مليون دولار بالاضافة الى الآبار التي حدثت أخيراً فكان ربحها في كل عام 900 الف مليون دولار(1) وتوزع هذه الأرباح الهائلة على الشركات المساهمة في لندن وباريس ونيويورك، والعالم الاسلامي يحيطه الفقر والعري والمرض والجهل.
2 - التحكم في مصير الشعوب
إن الرأسماليين الذين يملكون الشركات الرأسمالية الكبرى يتحكمون في مصير الشعوب، ويتلاعبون في مقدراتها، ويسيرون الدول حسب أطماعهم، فقد كان لهم ضلع كبير في إثارة الحرب العالمية الأولى والثانية، لأن بضائعهم أخذت تتزاحم في الاسواق العالمية فلم يجدوا مجالاً لتصريفها والظفر بالأرباح الهائلة إلا باشعال نار الحرب في العالم فالهبوا نيران الحروب، وأحرقوا البلاد والعباد في سبيل تضخم أموالهم، فاحتكروا بضائعهم ومنتجاتهم وباعوها بأغلى الأثمان، كما تلاعبوا في الأسواق، وقد نهبوا
____________________
1 - رسالة الثروة المعدنية للدكتور سعيد محمد عودة ص 9.
بذلك ثروات الأمم وامتصوا دماء الشعوب وتركوا الفقر جاثماً عليها.
إن جهاز الحكم في الدول الاستعمارية الكبرى توجهه فئة من الرأسماليين، فهي التي ترسم خطوط السياسية الاستعمارية على أساس ضمان منافعها الخاصة وزيادة أرباحها، كما أنها تتدخل تدخلاً سافراً في شؤون الشعوب الداخلية فتعرقل سير كل حركة اصلاحية تعمل على نشر الوعي وعلى استقلال البلاد والتخلص من الاستعمار.
3 - اشاعة البطالة
إن الانقلاب الصناعي الذي حدث في هذه العصور قد غير مجرى الانتاج العالمي في العصور الأولى فان الأعمال التي كانت تقوم بها القوى الانسانية من قبل أصحبت تقوم بها الآلات الحديثة فان عدداً قليلاً من العمال أخذوا ينجزون من العمل بتوسط الآلة ما يعجز عن القيام به المئات من العمال من قبل، وكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك الى تعطيل الكثيرين من العمال.
إن الانتاج الميكانيكي قد عطل كثيراً من الطاقات الانسانية كما سبب نشر البطالة التي أصبحت من أهم المشاكل العامة في
العصور الحديثة فقد عانت منها الدول الكبرى أشق ألوان المصاعب السياسية والاجتماعية.
إن الانتاج الحديث قد اضطر العمال الى التهافت على المعامل والخضوع لأربابها والتماس العمل منهم فالذين ساعدهم الحظ قبلوا فيها، وخضعوا في نفس الوقت لجميع الشروط التي يمليها عليهم صاحب المعمل مهما كانت قاسية، ومهما كان الأجر زهيداً، والذين لم يساعدهم التوفيق بقوا حيارى ينهشهم الجوع ويلسعهم البؤس حتى اضطروا الى ارتكاب الجرائم والموبقات.
إن النظام الرأسمالي هو نظام الازمات الاقتصادية المتواترة التي تحدث البطالة والتعطل بين العمال، فقد حدثت البطالة في أوربا، وأمريكا، وقدر عدد المعطلين فيهما بنحو ستين مليوناً أو سبعين مليوناً من العمال(1) وكان معنى هذا التعطل ان تعرض العمال للجوع والعري والمرض والموت.
2 - اقصاء الاخلاق
وأعقب النظام الرأسمالي اقصاء الاخلاق وتحطيم القيم الانسانية فان المصلحة الشخصية هي الهدف الأسمى للرأسماليين فلا يوجد للفضيلة أي واقع في اتجاهاتهم، قد اترعت مشاعرهم
____________________
1 - برنادشو لسلامة موسى: ص 65.
بالفسق والفجور، والختل والغدر، والتآمر على حقوق الضعيف وإشاعة الجوع في البلاد إن النظام الرأسمالي لا يمت بصلة الى الأخلاق الرفيعة، لأن الوسيلة الأولى فيه هي الظفر بالمادة وتحصيلها بأي طريق كان، فان الانسان ما دام لا يؤمن بسوى المادة، ولا يقيم وزناً إلا لمنفعته الخاصة فلا يهمه أن يؤسس بيتاً للدعارة أو للمقامرة، أو للخمور، أو يتجر بالمخدرات المهلكة وبآلات الحروب المبيدة في سبيل تراكم ثروته، وإشباع رغباته المادية.
فالنظام الرأسمالي قد أقصى الأخلاق، وحطم المثل العليا ونحى الناس عن كل معنى من معاني الخير والتعاون، وملأ الأرض بالمآسي والخطوب، وترك أفكار الناس مشغولة بالناحية الاقتصادية من حياتهم، وأبعد عنهم روح المودة والصفاء.
إن الأهداف النبيلة، والقيم الرفيعة لا ظل لها في النظام الرأسمالي الذي بني على خلق الطبقات وايجاد التفاوت والامتياز بين الناس، ومن طريف ما ينقل عن واقع ذلك المجتمع المنهار ان صاحب مقبرة للكلاب في واشنطن أعلن عام (1947) انه لا يقبل جثث الكلاب التي تملكها الزنوج ويعلل ذلك بأنه يعلم ان الكلاب لا تجد غضاضة في أن تدفن كلها في جبانة
واحدة ولكنه لاحظ ان زبائنه البيض قد ساءهم أن تعامل كلابهم المدللة هذه المعاملة المنكرة بعد وفاتها فتساوي كلاب الزنوج(1) كما انه قد قضت القوانين في بعض أنحاء الولايات المتحدة بعدم السماح للعمال والزنوج أن يقيموا مع العمال البيض على صعيد واحد في المصانع كما لا يجوز للزنوج أن يدخلواأو يخرجوا من الأبواب التي يدخل منها البيض أو يخرجون منها.
فاالمبادئ الأصيلة لا وجود لها في الحياة الرأسمالية التي بنيت على التمايز العنصري حيث قوبل الزنوج في أمريكا بكل قسوة وجفاء، وكذلك الملونون في جنوب أفريقيا فانهم قد حرموا من حقوقهم الطبيعية وعوملوا معاملة الحيوان السائم بينما الاسلام قد ساوى بين جميع الطبقات فالعربي والفارسي وغيرهما في صعيد واحد لا فضل لعنصر على آخر إلا بالتقوى، فان سين بلال خير من شينهم، و (سلمان منا أهل البيت) كما قال الرسول (ص): إنه لا يفرق بين جنس وآخر فالأبيض والأسود سواء « إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم ».
إن الاسلام ينشد كرامة الانسان، ويتطلب رفع مستواه ويحطم جميع الامتيازات بين الناس فهم في شرعه العادل ونظامه
____________________
1 - مجلة المسلمون.
الرفيع سواسية كاسنان المشط لا فضل لأحد على أحد ولا تقديم لقوم على آخرين إلا بالتقوى والعمل الصالح الذي يقرب الانسان من ربه، ويبعده عن الشر ويوجهه نحو عمل الخير، فلا المال ولا الملك ولا المتع الملذوذة في الدنيا لها دخالة في حساب الشرف والفخر عند الاسلام.
5 - الغاء الأديان
إن النظام الرأسمالي قد بنى على اقصاء الدين عن واقع الحياة فانه يدعو الى توفير الانتاج بأي طريق كان فالربا والاحتكار والرشوة والاستغلال وغير ذلك من الطرق المحرمة هي سائغة في العرف الرأسمالي بينما الأديان لا ترضى بذلك وقد حرمته في جميع المجالات.
فالفلسفة الرأسمالية لا تقيم أي وزن للأديان فهي لا ترى سوى المادة وتدعو الناس الى أن يكرسوا جهودهم ونشاطهم في سبيلها، أما الإيمان باللّه، والإنقياد لأوامر رسله وأنبيائه فكل ذلك لا ظل له في النظام الرأسمالي.
6 - حالة العمال
إن النظام الرأسمالي خال من المواساة، والتعاون، والتراحم وسائر العواطف الانسانية وقد عانى العمال فيه ألواناً من الاضطهاد
ولاقوا أبشع صور الأرهاق والمجاعة، فقد قامت الشركات الرأسمالية باضطهادهم واحتكار جهودهم، وأشاعت البؤس في أوساطهم.
إن المجتمع الرأسمالي قد تكدست فيه الثروة وتضخمت عند أفراد قلائل من الناس لا يهمها شقاء الشعب وهلاكه جوعاً، وفقراً.
إن الغاليبة العظمى من العمال تعاني الإرهاق والآلام قد أحاط بها البؤس والشقاء وألم بها المرض والحرمان، وسدت عليها نوافذ الحياة، فلم تظفر بالراحة، ولا بالدعة، ولا بالعيش قد استغلتها فئة من الاحتكاريين الذين لا بصيص من الرحمة والرأفة في مشاعرهم وعواطفهم، وقد أترعت نفوسهم بالجشع والطمع فنهبوا جهود العمال وامتصوا دماءهم ولم يمنحوهم إلا اجوراً زهيدة لا تكفيهم ولا تقيم أودهم، ولا تفي بسد حاجاتهم.
لقد زاد في شقاء العمال وعنائهم اختراع الآلات الحديثة التي استعني بها عن الكثيرين منهم فازدحموا على أبواب المعامل واضطروا الى العمل باجور بسيطة لأنها خير من البطالة، ولكنهم مع ذلك قد منوا بدخول النساء والاطفال في المعامل باجور بسيطة، وقد أدى ذلك الى نشر البطالة وتردي الحالة
الاقتصادية الأمر الذي أوجب ذيوع الأعمال المنكرة، كالبغاء واللصوصية وما ضارعها من الأعمال الاجرامية.
إن استغلال العمال قد أحدث النزاع الطبقي، والتناحر بين العمال وأصحاب العمل فثار العمال، وأضربوا عن العمل مطالبين بزيادة الاجور وتحسين حالتهم الاقتصادية، وقد ملئت قلوب أرباب المصانع بالذعر والخوف من العمال فقد ألحقوا بهم الخسائر الفادحة، والأضرار الفظيعة، وقد قامت الحكومات الرأسمالية بدورها في الحماية والذب عن أصحاب رؤوس الأموال فمنعوا العمال من الاضرابات والمظاهرات وأطلقوا عليهم النار وزجوا الكثيرين منهم في السجون بحجة ان أعمالهم هذه تخل بالأمن العام ولكن ذلك لم يكن يجدي شيئاً فان الفقر والبؤس لا يمكن الصبر عليهما والرضوح لهما.
واستمر الصراع والتناحر بين العمال وأرباب المعامل حتى ظهرت الرأسمالية الجديدة فمنحت العمال بعض حقوقهم فرفعت من أجور العمال والمستخدمين، وقللت من ساعات العمل، وروجت بعض مشروعات التأمين الاجتماعي كما أجازت بصفة رسمية تشكيل نقابات العمال، واعترفوا بالمبدأ القائل « ينبغي أن يفرض على الاستثمار الفردي من القيود والحدود ما لا يعود
مضراً بالمصلحة الاجتماعية ولا يقوم بفرض مثل هذه القيود والحدود إلا الحكومة » ولكنها مع ذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن توفر الحياة الكريمة للعمال فان الاستغلال الفظيع لهم لا يزال موجوداً، ولاتزال الشركات الرأسمالية الكبرى تصب العذاب الأليم على الانسان وتتآمر على مصالحه، ولا تحفل بأي مصلحة عامة تعود بالخير على البلاد.
والرأسمالية الجديدة لم تفلح في معالجتها لمشاكل العمال حيث ان الازمات الاقتصادية لا تزال موجودة ولا تزال إضرابات العمال ومظاهراتهم مستمرة وذلك ينم عن تردي حالتهم الاقتصادية وعدم استطاعة النظام الرأسمالي الجديد على نشر الاستقرار والرفاهية بين العمال.
وخلاصة القول ان النظام الرأسمالي بجميع أشكاله وألوانه لا يمكن أن تسعد به الانسانية لأنه نظام الفقر والغناء فالفقر والجوع والعري للعمال ولسواد الشعب وللرأسماليين الثراء والرخاء والنعيم.
إن النظام الرأسمالي لا يؤمن بمصلحة العامل ولا يهمه ما مني به من البؤس والفقر قد الغيت فيه مصلحة المجتمع، وانعدمت فيه الرحمة والايثار، كما شكل في نفس الوقت الصراع
الدائم بين أفراد المجتمع، ولا بد أن تطوى معالمه، ويقضى عليه إن عاجلاً وإن آجلاً.
2 - في ظل النظام الشيوعي
إن النظام الشيوعي الذي رفع شعاره ماركس، وتبنته روسيا والدول الاشتراكية يبتني على فلسفة مادية خاصة فهي تفسر التأريخ والاجتماع والاقتصاد بتفسير مادي بحت، وتنظر الى الانسان بأنه كائن ارضي بحت لا يرتفع بمشاعره وعواطفه عن واقع المادة، وانه لا بد أن يصاغ في قالب خاص من حيث تفكيره، ووجهة نظره الى الحياة، وانه لا بد من تجريده من غريزة حب الذات، وسكب العقلية الجماعية في نفسه بحيث لا يفكر إلا في المصلحة الاجتماعية ولا يندفع إلا في سبيلها، ولذلك بنوا على الغاء الملكية الفردية وقضوا بتمليك جميع وسائل الانتاج للدولة باعتبارها الوكيل الشرعي عن المجموع ولكن من المعلوم عدم إمكان ذلك واستحالته فان الغزائز الاصيلة في الانسان يستحيل عليها التغيير والتبديل، فان حب الانسان لنفسه من أقوى الغرائز الذاتية فيه فكيف يمكن أن
يتجرد منها ؟ والقول بذلك إنما هو خيال محض، وتزييف للحقيقة، وإنكار للضرورة، والشيء متى صادم الواقع، وخالف الفطرة، وشذ عن طباع الناس فانما هو أمر وهمي لا ينبغي أن يصدق أو يلتقت اليه.
لقد ذكرنا في غضون هذا الكتاب بعض الخطوط الرئيسية التي تبتني عليها الفلسفة الشيوعية، وأثبتنا هزالها ومجافاتها لمنطق العلم والواقع، وانها لا تلتقي بأي حال من الاحوال بمصلحة المجتمع ولا بأهدافه، ولكن لا بد لنا مع ذلك أن نبين حالة العامل في ظل أنظمتهم، والى القراء ذلك:
1 - سحق الحريات
لقد بذل الشيوعيون المزيد من الدعايات في البلاد الاسلامية من أن النظام الشيوعي يضمن للعامل حريته وكرامته، ويغدق عليه بالرزق الموفور، والحياة الكريمة، ولكن ذلك لون من ألوان الاضاليل والخداع فان الدولة قد تدخلت في صميم الشؤون العمالية، وسيطرت على نشاطهم المهني فصاروا ملزمين باتباع أوامرها لا إرادة لهم، ولا اختيار، وإنما هم مستعبدون أقنان تتحكم الدولة في جميع شؤونهم لا أثر للحرية، ولا ظل لها في واقع حياتهم، فانها تحصي عليهم أنفاسهم وتحاسبهم على
كل همسة أو خاطر يتنافى مع التعاليم الشيوعية، تحاسبهم بالقتل وتحاسبهم بالاعتقالات والسجون حتى أصبح الشعب باسره مكبلاً بالقيود لا يعرف معنى لحرية الرأي والقول قد اكرهه النظام على طراز الزامي في الحياة والتفكير.
إن استعباد العمال في النظام الشيوعي أمر واضح لا جدال فيه فليس لهم ولا لغيرهم من المواطنين نصيب من الحرية والكرامة، وقد أدلى لينين بذلك بعد قيام الثورة الشيوعية عام (1920) فقال: « نحن لا نستطيع أن نأخذ بآراء المخبولين الذين يطالبون بالحرية فنحن في ظل ديكتاتورية البروليتاريا لا نستطيع أن نمنح المواطنين حريتهم السياسية »(1) .
إن النظام الشيوعي يقوم على سحق الحريات، وهدر الكرامات، وقد صرح لينين بأن القوانين الشيوعية لم توضع لحماية جماهير الشعب، وإنما وضعت لحماية الدولة فقال:
« يقع كثير من الناس في خطأ فاحش هو الاعتقاد بأن القوانين يجب أن تحمي الحريات ونحن نرد على هؤلاء البلهاء قائلين: بأن القوانين لا توضع لحماية الحريات، وإنما توضع
____________________
1 - النظام الشيوعي.
لحماية الدولة »(1) .
إن الشعب الذي يعيش من دون حرية انما يعيش عيشة السجين والمعتقل فالحرية كالهواء للرئة لا تستقيم الحياة ولا تطيب بدونها.
ان الاستعباد يسير مع الحكم الشيوعي جنباً الى جنب فلا يسمح للفرد بالتعبير عن حقه كما لا يسمح له أن ينال ما يريده إلا بسماح الدولة، كما لا يمكن أن تطبع صحيفة أو مجلة ما لم تقم الدولة بالاشراف عليهما يقول (مسيمو): « انه لا وجود عندهم لحرية القول أو لحرية الاجتماع، ولا لأي إجراءات تمكن المواطنين من ممارسة أية رقابة على السلطات العامة، والخطب التي تمثل رأي جانب واحد تأخذ عندهم مكان المناقشات العامة. فحكومة الاقليات الصغيرة التي تتألف من الهيئة التنفيذية للحزب الشيوعي لا تدير شؤون الدولة فحسب بل تمتد سلطتها الى إرادة دفة الاقتصاد والتعليم فهم يتحكمون في النشاط الديني والثقافي، وفي أوقات الفراغ، وهم يدعون أنهم يقومون بهذا العمل نيابة عن الشعب مع أنه لا وجود عندهم لانتخابات حرة تمكن الشعب من التعبير عن رغباته
____________________
1 - النظام الشيوعي ص 28.
الحقة. ويقولون أيضاً إنهم يعملون على إسعاد دعاياهم »(1) .
إن العقلية الشيوعية لا تتصور سوى الارهاب والاستبداد ولا تؤمن بالتسامح والتساهل فان سلاحها التهديد والقتل والاعدام ولا ظل لحرية الفرد في نظامهم الحديدي.
2 - الاجبار على العمل
والنظام الشيوعي يجبر المواطنين على العمل فليس لهم الحق في تركه، وعللوا ذلك بأن نجاح حركة الانشاء الاشتراكية لا يمكن ضمانها على الأسس الاختيارية، ويجب أن يحل محلها برنامج مرسوم لتوزيع العاملين في الحياة الصناعية على سبيل الارغام(2) .
إن النظام الشيوعي إنما أجبر المواطنين على العمل لأن المحفز الذاتي الى الكدح هو ملكيتهم لثمار كدهم وكسبهم فاذا زال ذلك فلا باعث لهم على العمل سوى جبروت الدولة فهي التي تسوقهم الى المصنع سوق الانعام لا يملكون من أمرهم شيئاً.
ان إجبار المواطنين على العمل له مضاعفاته السيئة التي
____________________
1 - مذهب الاحرار ص 59.
2 - الدستور السوفياتي ص 100.
تعود بالأضرار الجسيمة على الدولة والشعب، يقول الاستاذ (بفرج):
« إن الأحرى والاكثر لياقة هو أن يكون الباعث للناس في مجال الابداع والنشاط الطموح والرغبة في القيام بشيء هو الأمل لا الخوف واذ كانت البهائم مساقة بعامل الخوف، فالناس مقادون أو يجب أن يقادوا بالامل لا بالخوف »(1) .
إن روسيا انما أجبرت المواطنين على العمل، ودفعتهم اليه قسراً لانها قد حرمت الملكية الفردية، فلم يوجد ثمة أي باعث نحو العمل، فلذا التجأت الى الجبر والقسر لايجاد الانتاج، وقد صرح لينين عن إجبار العمال وارغامهم على العمل فقال:
« نحن لا نستخدم العمال باعتبارهم أحراراً يعملون أو لا يعملون، وانما نستخدمهم باعتبارهم بالعمل ولهذا فانهم لا يملكون حق ترك العمل المحدد لهم »(2) .
ولم تفرض روسيا العمل على الرجال فقط فقد فرضته على المرأة أيضاً(3) فليس لها أن تتخلى عنه، كما انه يجب على
____________________
1 - الضمان الاجتماعي ص 197.
2 - النظام الشيوعي ص 47.
3 - دستور الاتحاد السوفييتي ص 5.
العامل أن يقبل أي عمل يعهد به اليه في أي بلد وفي أي مكان كان(1) وليس له أن يرفض ذلك.
3 - العقوبات الصارمة:
وفرضت روسيا العقوبات الصارمة على تارك العمل أو المتهاون فيه فقد صدر مرسوم في 24 سبتمير سنة (1930) نص على أنه ليس للعامل أن يتخلى من تلقاء نفسه عن أي عمل أسند اليه وإلا فانه يعد هارباً، ويحكم عليه بأن يقضي عشرة أعوام في معسكرات العمل الاجباري، كما انه صدر عين هذا المرسوم في 10 اغسطس سنة (1940)(2) كما ان مدير المعمل مسؤول عن غياب العامل ويشاركه في المسؤولية، والعقاب، وعقابه أما أن يقدم الى المحاكم أو يعزل عن منصبه(3) .
لقد صبت روسيا وابلاً من العذاب الأليم على العمال ففرضت عليهم القوانين الصارمة التي تمثلت فيها القسوة والعذاب فقد صدر مرسوم في 11 سبتمبر سنة (1932) نص على أن العامل إذا غاب يوماً واحداً أو تكرر تأخره عن مواعيد
____________________
1 - حقيقة الشيوعية ص 36.
2 - حقيقة الشيوعية.
3 - الدستور السوفييتي ص 100.
العمل ثلاث مرات في شهر واحد فانه يفصل من عمله، ويحرم من بطاقة الاتحاد المثبتة لمهنته، والتي تعطيه حق السكنى والغذاء، ويتعرض للحكم عليه بالسجن مدة تتراوح بين ستة أشهر أو سنة، وكذلك صدر مثل هذا المرسوم في 16 يونيو سنة (1940)(1) وبعد هذه القوانين الجائرة التي سنت ضد العمال فاي معنى من معاني الاشتراكية يبدو في ظلها ؟ وأين حقوق العامل عند الشيوعيين، وهل تجلب هذه القوانين إلا الموت والدمار لهم ؟
إن العامل في الاتحاد السيوفياتي يعيش في ظل هذه القوانين عيشة الحيوان السائم لا حرية له ولا اختيار يحيط به الارهاب والاضطهاد والعناد.
لقد أعطيت مدير المعمل صلاحيات واسعة النطاق لارهاق العامل فقد نص المرسوم الصادر في 26 يونيو (1940) على أن من حق مدير المعمل أن يفوض عقوبة السجن على العامل لمدة أربعة أشهر من دون تحقيق ولا محاكمة أما اذا أتى العامل في مخالفة أو أخطأ خطأ يستحق عقوبة أكثر فانه يقدم الى (محكمة الشعب) وهذه تصل أحكامها الى الاعدام، حتى ان
____________________
1 - حقيقة الشيوعية.
التغيب عن العمل في أيام المرض يجعل العامل عرضة للمحاكمة(1) وبعد سن هذه القوانين القاسية فاين الحياة الكريمة للعمال التي يتمشدق بها الشيوعيون ؟ واين الوطن الحر والشعب السعيد في ظل هذه الأحكام الجائرة التي تحمل في أعماقها الموت والعذاب نعم إنه وطن حر ولكن للشيوعيين الذين يتصرفون في مقدرات المجتمع يهبونها لمن شاؤوا ويمنعونها عمن يشاؤون.
إن النظام الشيوعي لم يحتو إلا على إرهاق العمال والتنكيل بهم في جميع المجالات فانهم يغدون في ضلاله مكبلين بالقيود ليس في وسعهم أن يدفعوا عنهم ضراً أو يجلبوا لهم نفعاً، ولولا صرامة ذلك الحكم وقسوته لما أمكن أن يستقيم، وقد صرح بذلك لينين بقوله:
«إن جميع الناس يرون أن البلاشفة كانوا يستطيعون البقاء في الحكم لا قول سنتين ونصف سنة، بل شهرين ونصف شهر لولا نظام الطاعة الصارم ولولا نظام الطاعة الحديدي حقاً في حزبنا»(2) .
ولما انتهى دور الحكم الى ستالين، وقام بالأعمال المجافية
____________________
1 - الحياة السوفيتية ص 300.
2 - اسس اللينية ص 97 - 98.
لروح الانسانية تجاه خصومه من شيوعيين وغيرهم أراد أن يبرر موقفه فصرح من أن خطته تتفق مع المبادئ الشيوعية لا تشذ عنها وقد أدلى ذلك بقوله:
« لماذا نتفاخر بسلطتنا الطاغية ؟ ولماذا نتفاخر باجراءات القمع الصارمة التي يلجأ اليها ؟ ولماذا نتفاخر بسلطتنا المطلقة! ؟ « الجواب » هو إننا نتفاخر لأنها سبيلنا الى النصر والنجاح، ولن نفلح في تدعيم النظام الشيوعي إلا إذا اتصفنا بالصرامة والقسوة والطغيان والاستبداد »(1) إنه لولا العنف والاستبداد لما أمكن أن يستقيم ذلك الحكم الذي يتنافى مع أبسط القيم الانسانية من الفطرة والطبيعة، فقوة الحديد والنار هي التي كتبت له الاستقرار.
4 - الحجر على التنقل
وليس للعامل في ظل الحكم الشيوعي الحرية في التنقل من مكان الى آخر وإنما أمر ذلك بيد الدولة فان أجازت ذلك فهو وإلا فيبقى محجراً عليه في مكانه ومعمله، ولم يختص ذلك النظام القاسي بالعمال بل شمل جميع المواطنين، فقد منعوا من السفر الى الخارج منعاً باتاً، وذلك خوفاً من اختلاطهم بافراد الشعوب
____________________
1 - النظام الشيوعي ص 25.
الأخرى التي سادت فيها الرفاهية والخير، فيؤدي ذلك الى شيوع التذمر والاضطراب في البلاد.
5 - الرقابة على العمل
وليس مدير المصنع والمعمل هو الرقيب الوحيد على العمال بل ان لكل مصنع أو مؤسسة بوليسياً خاصاً يحصي على العمال أنفاسهم ويراقبهم مراقبة شديدة، ولو كان النظام مرغوباً فيه لما كان هناك سبب لبث البوليس السري بين العمال وغيرهم من الفئات الأخرى، فان ذلك يدل دلالة واضحة على سوء العلاقة بين الحكم القائم وبين الشعب المعذب المسلوب منه حريته واختياره.
6 - هوية العمل
على كل عامل في الدول الشيوعية أن يحتفظ بكتاب منذ التحاقه في حقل العمل يسجل فيه جميع حركات العامل، ويكون في نفس الوقت أداة قوية في تدعيم النظام الشيوعي، والقضاء على طيش العمال ومحاولتهم لعرقلة سير الانتاج، كما تسجل فيه كل عقوبة أو ذنب على العامل، وان تشريعات التأمينات الاجتماعية لا يستفيد منها إلا من كان كتابه نقياً(1) .
____________________
1 - الشيوعية اليوم وغداً ص 179 - 180.
إن كتاب العمل شبح مخيف فهو يصاحب العامل أينما يتجه ويخيفه أينما يذهب فهو مجموعة من الأصفاد تكبله، ومجموعة من السلاسل تشد عليه.
إن لكل عامل كتاباً يدون فيه إسمه، وعمره، ودرجة تعليمه، ومهنته، والاعمال التي زاولها، وأسباب فصله إن كان قد فصل مرة أو أكثر، ولا يقبل لدى أي جهة من الجهات إلا بعد أن يقدم ذلك السجل، ويبقى محفوظاً في مكتب المعمل، ولا يرد اليه إلا اذا خرج من المعمل باذن خاص من المدير، كما ان المدير لا يمنحه الاذن في الخروج إلا إذا قررت لجنة العمل الطبية انه عاجر عن تأدية عمله بشرط أن لا يكون عند الادارة عمل يتناسب مع حالته الصحيحة وإلا فيعين فيه، أما اذا ترك العمل بلا إذن فان كتابه تحتفظ به الادارة ولا يستطيع الالتحاق بمعمل آخر. هذا عدى ما تقضي به القوانين من عقوبته وحجزه في معسكر السخرة عشرة أعوام، أما اذا ألحق المدير بالخدمة عاملاً لا يحمل كتابه، أو أهمل في تبليغ البوليس عن عامل خرج بلا إذن فانه يعتقل، ويعاقب باشد العقوبات، وقد أخذت روسيا هذا النظام القاسي عن
المانيا النازية(1) .
7 - إطاعة النظام
يجب على العمال احترام العمل، والخضوع للأوامر الموجهة لهم من الحزب الشيوعي، ومن لم يخضع فهو متآمر تصب عليه النقمة والعذاب وقد أدلى لينين بذلك فقال:
« إن من يضعف ولو قليلاً في نظام الطاعة الحديدي، في حزب البروليتاريا يساعد البرجوازية في الواقع ضد البروليتاريا »(2) .
إن إطاعة النظام أمر لا بد منه، والمتخلف عنها يعاقب بأقسى ألوان العقاب، ويعرض نفسه للخطر، وقد صرح لينين عام (1920) عن العقاب الذي يصب على المتذمر من نظامهم بقوله:
« نحن نعرف ان نظامنا لا يحظى بتأييد كثير من المتذمرين بل إننا لا نسمح لهم بالتذمر فكل متذمر ضدنا هو في الواقع عدو لنا ونحن لا نرحم أعداءنا، ولهذا لا نرحم المتذمرين »(3) .
____________________
1 - حقيقة الشيوعية: ص 39.
2 - اسس اللينية ص 99.
3 - النظام الشيوعي ص 23.
ان التذمر من النظام يعد جناية يستحق صاحبه العقاب والتنكيل، ولا بد أن يخضع الشعب بجميع هيآته لنظم الحكم مهما كان في قسوته وصرامته.
8 - توهين العمال
ولا أهمية للعامل، ولا مكانة له في ظل النظام الشيوعي فهو ملك للمعمل كما صرح بذلك لينين فقد قال:
« يجب أن يكون مفهوماً أن العامل الذي يعمل في معمل من المعامل لا يملك نفسه فالمعمل هو الذي يملكه »(1) .
هذا هو نظر الشيوعية للعامل بانه ملك للمعمل، لا كرامة له ولا تقدير لجهوده ومتاعبه لا كما يتحدث عنها المغرضون والمضللون الذين حاولوا أن أن يخلقوا من قبحها حسناً، ومن جحيمها جنة.
9 - ضمانهم للتلف
لقد أصدرت الحكومة السوفيتية القوانين التعسفية الجائرة ضد العمال فحكمت بضمانهم لما يصيب المعمل وأدوات الانتاج من أضرار، وان كان ذلك بغير تفريط أو تعدي منهم، وقد جاء ذلك في المرسوم الصادر في أول يونيو عام (1932)
____________________
1 - النظام الشيوعي ص 47.
جاء فيه ان العمال مسؤلون عن كل تلف يصيب المصانع أو أجهزة الانتاج، وكل تلف يصيب الآلات أو مواد الخام أو الوقود أو ملابس العمل فان ذلك يستوجب الأخذ من أجرة العامل بما يعادل عشرة أمثال قيمة التلف، وكذلك صدر مثل هذا المرسوم في 2 يونيو عام (1942)(1) فاين رفاهية العامل في ظل هذه القوانين الجائرة التي تحمل في طياتها الموت للعمال ؟ ان هذه القوانين القاسية لم يكن الغرض منها إلا ارهاق العمال وشقائهم، وقذفهم في هوة سحيقة من مجاهل هذه الحياة.
10 - اهمال العاجزين
إن العاجزين والضعفاء قد أهملوا في النظام الشيوعي فلا ضمان لهم، وقد صرح ستالين بذلك عام (1936) فقال:
« جرت العادة في وقتنا هذا على اهمال شأن الضعفاء، وعدم الاهتمام بهم فالاهتمام كله مقصور على الاقوياء وحدهم »(2) .
وهكذا أهمل النظام الشيوعي الضعيف والعاجز لأنه لا يستفاد منهما في ميادين الانتاج، فلذا لم تشملهم الضمانات الاجتماعية ولم تقرر لهم الدولة ما يقيم أودهم ويسد حاجاتهم حتى انتشر
____________________
1 - الشيوعية اليوم وغدا ص 108.
2 - النظام الشيوعي: ص 19.
الشحاذون في بلادهم(1) فاين الرخاء والرفاهية التي يطبل بها الشيوعيون ؟!
11 - الاضراب عن العمل
أما الاضراب عن العمل فانه يعد جريمة كبرى لأنه يفتح عليهم باب المعارضة، ويتنافى مع التعاليم الشيوعية التي تفرض الطاعة والخضوع للنظام مهما اتصفت بالقسوة والصرامة، فلذا تستعمل السلطات جميع الوسائل الجهنمية للقضاء عليه، ومعاقبة المضربين بأقسى ألوان العقوبات.
ان عمال المانيا الشرقية لما أعلنوا الاضراب عن العمل في شهر حزيران عام (1953) مطالبين بزيادة الأجور، وتقليل ساعات العمل هجمت عليهم الدبابات الروسية، وأطلقت عليهم النار وسحقتهم سحقاً فظيعاً، وعندما حاول (ماكس فيشن) وزير العدلية تهدئة العمال طرد من منصبه وزج في السجن(2) .
إن العمال في ظل الحكم الارهابي الشيوعي لا حق لهم في الاضراب عن العمل والمطالبة بتحسين حالتهم الاقتصادية، ولا
____________________
1 - وذكر الدكتور السباعي في بعض كتبه انه التقط صورا لأولئك الشحاذين الذين انتشروا في قلب (موسكو).
2 - الشيوعية والدمقراطية: ص 307.
بأي شيء يعود لهم بالخير والرفاهية، وليس لهم بأي حال من الأحوال إلا الخضوع لجميع مقررات الحزب فان حدث اضراب على سبيل الفرض فان النقابات بدورها يجب أن تتخذ التدابير اللازمة ضده. وقد أدلى لينين بذلك بقوله:
« وينبغي عليها - أي على النقابات - أن لا تخفي على العمال والجماهير الكادحة، ان اللجوء الى النضال الاضرابي في دولة تتولى البروليتاريا السلطة السياسية فيها أمر تفسره وتبرره فقط تشويهات بيوقراطية للدولة البروليتارية، فواجب النقابات في حالة حدوث احتكاك ومنازعات أن تسارع في حل هذا النوع بأسرع ما يمكن »(1) .
إن الشيوعية لو كانت تحرص على سعادة العمال لاجازتهم على إبداء مشاعرهم، وسمحت لهم بالاضراب عن العمل لتقف على مطالبهم وتستجيب لرغباتهم، ولكنها أغلقت الأبواب في وجوههم، ولم تعطهم أي مجال للإعراب عن رغباتهم.
12 - تحديد الأجور
وليس للعمال الحق في تحديد أجور عملهم وإنما تحدده
____________________
1 - دور النقابات ومهماتها، تاليف لينين.
النقابات التي يسيرها الحزب الشيوعي فهي التي تتولى شؤون تحديد الأجور فقد جاء في أنظمتهم ما يلي:
« في كل فرع من فروع الصناعة جدول للاجور تشترك النقابات في وضعه، وتوافق الحكومة عليه، وهو عبارة عن توزيع للتعرفات، ومقادير الأجور أما أجر العمال والمستخدمين المحدد، فيقرر حسب التعرفة »(1) .
إن العمال لا يملكون تحديد أجور عملهم، فان الحزب الشيوعي هو الذي يتولى تحديد ذلك حسب ما يتفق مع مصالحه وأما مصلحة العامل فان الحزب لا ينظر اليها، ولا يعتني بها، وبذلك فقد قاسى العمال أشد ألوان الاضطهاد والحرمان.
وزاد في إرهاق العمال وشقائهم هو ان أساس الأجور عندهم - على الاكثر - هو « الأجر بالقطعة » الذي ينفر منه العمال في جميع أنحاء العالم فانه يوجب الجهد والعناء، وبذل المزيد من المشاق في اخراج الوحدة الانتاجية بحسب الوقت الذي عين لها، والويل لمن تخلف عن إخراجها في الوقت المضروب لها أو إخراجها ولا يرتضي بها المسؤلون.
إن جميع من كتب عن نظام العمل في الاتحاد السوفييتي
____________________
1 - الاتحاد السوفياتي في مائة سؤال وجواب: ص 91.
- من مؤيدين وناقدين - يعترفون بصعوبة إنشاء جداول لتحديد المقطوعية وتقويمها لكل الأعمال والصناعات على نحو يبعث الاطمئنان بصحتها وصلاحيتها للمواطنين، وقد بذلت السلطات النقابية السوفيتية جميع جهودها في توجيه القائمين على تحديد مقطوعية الانتاج بالقطعة، وتقويمها، فانشأت في كل مشروع مكتباً فنياً لتحديد المقطوعية ملحقاً بالادارة الاقتصادية، ووظيفته تكوين معدلات الانتاج، ومعدلات الجزاء أي تعيين الزمن القياسي الذي يتطلبه إنجاز العمل، وتعيين أجر العامل الذي قام بانجازه، ولكن أحد أقطاب الشيوعيين وهو (مستروب) قد اعترف بقصور تلك المكاتب وبعدم كفاية أعضائها(1) .
إن نظام الأجور في النظام الشيوعي مرهق للعمال ولا يجدون في ظلاله أي أثر للسعادة والرفاهية والحياة الكريمة.
13 - المساواة في الأجور
إن فكرة المساواة في الأجور بين العمال هي الشعار الذي رفعه الشيوعيين لخداع العمال وتضليلهم، ولكن سرعان ما انهارت هذه النظرية وتحطمت في روسيا لأنها اصطدمت
____________________
1 - الدستور السوفييتي: ص 102.
بواقع الحياة فان المساواة بين العامل الماهر وغيره، وبين العامل النشيط والخامل توجب شل الحركة الاقتصادية وذيوع الخمول بين العمال، ولما طبقتها روسيا فترة من الزمن ظهر لها قلة الانتاج، وتعرضت البلاد للمجاعة الشاملة، فقرر ستالين في المؤتمر الذي عقد سنة (1931) ان الانهيار الاقتصادي الذي منيت به روسيا ناتج عن المساواة في الأجور فقال:
إن سير التقدم قد تعثرت خطاه نظراً للطريقة التي يسير عليها العمل من اهمال وتكاسل، وأضاف يقول: إذا أردنا المقدرة الصناعية فلا بد أن يكون الاجر على درجات تحدد الفروق بين العامل تحديداً دقيقاً، ويجب أن يحدد الأجر لا بحسب حاجة العامل بل بحسب ما أتم من عمل(1) .
وفي عام (1934) خطب ستالين بعد حملة التطهير الدامية التي صبها على رؤوس خصومه ومعارضيه في هذا الرأي من أقطاب حزبه قال:
إن هؤلاء يحسبون ان الاشتراكية الشيوعية تستلزم المساواة في الأجر ألا ما اسخفه من رأي، إن المساواة التي
____________________
1 - الشيوعية اليوم وغداً: ص 170.
نادوا بها أضرتنا اكبر الاضرار(1) .
وبذلك فقد انهارت النظرية الماركسية « من كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته » وقد نشأت في ظل نظامهم الطبقات البرجوازية، وتبين بوضوح عدم قدرة الشيوعيين على خلق مجتمع لا طبقات فيه.
لقد عدل الشيوعيون عن مبدأ توزيع السلع الاستهلاكية حسب حاجة الافراد، والغى الشعار الذي طالبوا به، وأغروا به السذج والبسطاء « لكل حسب حاجته » وأصبح المبدأ المعمول به عندهم « من كل حسب قدرته، ولكل حسب ما يؤديه من عمل، ومن لا عمل له ليس له الحق في أن يأكل » كما نص على ذلك الدستور السوفياتي الصادر سنة (1936) أما السبب في هذا التعديل فهو واضح لأنهم لما وجدوا أن الافراد لما اطمأنوا الى تأمين معاشهم بدأوا يتهربون من العمل، وأخلدوا الى الكسل والخمول، فان الدوافع الشخصية الى العمل قد زالت فاصبح العمال يتوسلون بكل الوسائل الى الدخول في الاعمال التي لا جهد فيها ولا عناء الامر الذي اضطر أقطاب الشيوعية الى إجراء تعديلات خطيرة في المبادئ الماركسية، فأوجدوا
____________________
1 - الشيوعية اليوم وغداً: ص 178.
الفوارق في الاجور، وعلى هذا فليس النظام الشيوعي نظاماً لا طبقياً كما يدخل في روع بعض السذج الذين لا يعرفون شيئاً من أوضاعهم بل هو نظام طبقي حافل بكل معاني الطبقية وبكل سماتها وخصائصها.
إن الشيوعية - كما يقول ستالين: لا تعترف بتساوي مطالب الافراد، وتسفه أحلام القائلين بأن الشيوعية تسعى الى تعادل الاجور، والى تطابق احتياجات أعضاء المجتمع في المأكل والمسكن والملبس ويرى إنجلز ان طبقة الأجراء (البروليتايا) تطالب بالمساواة أي تطالب بالغاء الطبقات فاذا ما تعدت المطالبة بالمساواة الى أبعد من ذلك فانها تتحول الى سخف ويؤمن لينين بقول إنجلز، ويصف فكرة المساواة بالسخف وبالبعد عن واقع الحياة(1) لقد قاوم ستالين مبدأ تساوي الأجور من الناحية العملية، فعمد الى بعض المصانع فجمع أجور جميع العمال من مهندسين، وفنيين، وغيرهم، ثم قسم الأجور بينهم بالتساوي، فنتج من ذلك ضرر بالغ على الإنتاج الصناعي(2) وتبين من ذلك عدم إمكان تساوي أجور العمال
____________________
1 - الدستور السوفيتي: ص 103.
2 - الدستور السوفييتي ص: 104.
لانها تؤدي الى شل الحركة الانتاجية في البلاد، وبذلك فقد انهارت الفكرة الماركسية التي نادى بها الشيوعيون وطلبوا بها « من كل حسب قدرته، ولكل حسب حاجته ».
إن جميع المبادئ الشيوعية أفكار مهلهلة يحوط بها الفساد والهزل من جميع جهاتها، ولا يمكن تطبيقها في ميادين العمل لأنها توجب مسخ الحقائق، وقلب المفاهيم، وتغيير الحياة، فلذا انطلقت السلطات الشيوعية الى الانحراف عنها مجبرة على ذلك لعدم إمكان تطبيقها في زمن قليل أو كثير.
وأخيراً أصافحك أيها العامل لألتقي معك في ظل نظام الاسلام الذي ضمن لك الحياة الكريمة التي تسودها العدالة والرفاهية والمحبة فنبتعد عن الأنظمة المختلفة التي غذاها الانسان بجوره واستبداده وشهواته.
3 - في ظل النظام الاسلامي
إن الأنظمة الاقتصادية السائدة في العالم من الرأسمالية والشيوعية لم يحققا أي أثر من آثار العدالة الاجتماعية، ولم ينعم العمال في ظلالهما حيث استغلت جهودهم، وعانوا أمرّ الكوارث
وأقسى الخطوب، وكان من الطبيعي بعد إفلاس تلك المذاهب وانهيارها أن تتوق النفوس الى الاطلاع على النظريات الاسلامية في حقل الاقتصاد والى حالة العامل وغيره من سواد الشعب في ظلاله، وعلينا أن نشير - قبل التحدث عن حقوق العامل - الى بعض الخطوط الرئيسية التي يبتني عليها الاقتصاد الاسلامي والتي تؤدي الى إسعاد العامل وغيره من أبناء الشعب ولنصطلح عليها (بالحقوق العامة للعامل):
(أ) إقرار الملكية
وأسرف النظام الرأسمالي في إقرار الملكية حيث أقر جميع الوسائل المؤدية اليها الأمر الذي أوجب تضخم الثراء الفاحش عند فئة خاصة قد أسرفت في اضطهاد الشعوب وإرهاقها فحدثت بسبب ذلك الأزمات الاقتصادية، واضطربت الأوضاع العامة في جميع طقوس العامل وأنحائه.
وأما النظام الشيوعي فقد حرم الملكية الفردية في جميع المجالات، وقضى بتأميمها، وتأميم جميع وسائل الانتاج للمجموع، وكان لهذا العلاج مضاعفته السيئة حيث شذ عن الفطرة الأصيلة التي طبع عليها الانسان، وقد ذكرنا في البحوث
السابقة بعض المؤاخذات المهمة التي توجه الى هذه الفكرة.
أما الاسلام فقد أقر الملكية الفردية، وفرض على الدولة حمايتها ولكنه وضعها في إطار خاص ففرض عليها من القيود والضرائب ما لا يوجب تضخمها وتوسعها لأنه قد حدد الوسائل التي تؤدي اليها كالتجارة من وجوهها المشروعة فليس للمسلم أن يكتسب المال بأي طريق أراد بل يجب عليه أن يسلك الطرق المشروعة وأن يكتسب المال الحلال، وليست الملكية في حد ذاتها هي السبب في شقاء العامل بل ان نوعية الملكية الرأسمالية واطلاق الحرية الى أبعد حد هي السبب في التفاوت الطبقي الظالم والشقاء المتواصل ولذلك فان العامل وغيره من كل الاصناف يشتاق ويرغب بشدة في أن يتملك جهوده وثمرات أتعابه، فالوسائل المحرمة التي توجب الاضرار بالمواطنين قد نهى الاسلام عنها وحرمها، والزم الدولة بالتدخل في ذلك لحماية الاقتصاد العام، ونحن نشير الى بعضها وهي:
1 - النهي عن الاحتكار
لقد شدد الاسلام في النهي عن الاحتكار، يقول الرسول (ص): « لا يحتكر الطعام إلا خاطئ، وانه ملعون » ويقول (ص): « من احتكر الطعام أربعين يوماً فقد برئ
من اللّه وبرئ اللّه منه» ويقول الامام أمير المؤمنين عليه السلام لعامله مالك الاشتر بعد أن مدح التجار «واعلم ان في كثير من التجار، وذوي الصناعات ضيقاً فاحشاً، وشحاً قبيحاً، واحتكاراً للمنافع، وتحكماً في البياعات. وذلك باب مضرة للعامة، وعيب على الولاة. فامنع من الاحتكار فان رسول اللّه (ص) منع منه، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه فنكل به وعاقبه في غير إسراف».
إن الدولة الاسلامية مسؤولة عن حماية المواطنين من الاحتكار، وعليها أن تصد ذلك، وتعاقب عليه، وتستولي على الأموال، وتسعرها هي ان اجحف أربابها بالسعر، وعلى هذا فليس لأرباب الأموال التلاعب في الأسواق والاضرار بالمصلحة العامة.
2 - تحريم الربا
وحرم الاسلام الربا لأنه يؤدي الى نشر الفقر، واضطراب الحياة الاقتصادية، ويفضي الى قتل المشاعر الانسانية وقطع صلات المودة والرحمة بين الناس، وذلك يتنافى مع تعاليم الاسلام التي حثت على التعاون والتآلف وبذل المساعدة لمن يحتاج اليها.
لقد اعتبر الاسلام الربا منكراً اقتصادياً عظيم الإثم فجاء
حكمه الصارم بالتحريم قال اللّه تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿278﴾ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴿279﴾ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (1) وقال تعالى:( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ) (2) وقد أفاد سماحة الامام المغفور له الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء في إيضاح هذه الآية قال ما نصه:
وهذا تصوير بديع لحال المرابين، وعظيم جشعهم، وحرصهم على جمع المال وادخاره وتوفيره فهو كالذي فيه مس من الجنون يذهب ويجيء، ويقوم ويقعد، ويأخذ ويعطي، فهو في حركة دائبة، وعمل متواصل، لا يقر له قرار، ولا يستريح من التفكير والتوفير والادخار في ليل ولا نهار وإذا اعترضه معترض قال مبرراً عمله: إنما البيع مثل الربا، والبيع حلال فالربا مثله، وهو قياس فاسد، ويعرف فساده من القاعدة الشرعية المباركة (الغنم بالغرم) فكل معاملة فيها غنم بلا غرم فهي أكل مال بالباطل، والبيع غنم بغرم، ومبادلة
____________________
1 - سورة البقرة: آية 278 - 280.
2 - سورة البقرة: آية 275.
مال بمال، بخلاف الربا فانه للآخد غنم بلا غرم، وللدافع غرم بلا غنم، فاذا أعطى عشرة باثنتي عشرة من جنس واحد فقد أخذ اثنين بلا عوض فهو أكل مال بالباطل(1) .
لقد حرم الاسلام الربا، ونهى عنه، وليس للمسلم أن يتعاطاه فهو من أعظم الكبائر والموبقات فعن النبي (ص): « من أكل الربا ملأ اللّه بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل، وان اكتسب منه لم يقبل اللّه منه شيئاً من عمله، ولم يزل في لعنة اللّه والملائكة ما كان عنده قيراط واحد » وقال الامام أمير المؤمنين (ع): « آكل الربا، وموكله وكاتبه وشاهده في الوزر سواء » وقال الامام الصادق (ع): « درهم ربا أعظم عند اللّه من سبعين زنية كلها بذات محرم في بيت اللّه الحرام ».
إن جريمة الربا من أعظم الموبقات في الاسلام، وذلك لما تترتب عليه من الاضرار الفظيعة فانه يسبب شل الحركة الاقتصادية وحصر الثروة عند فريق من الناس.
حيث ان المرابي يبني سعادته على شقاء الآخرين، فقد نهب المرابون أموال الناس وأشاعوا الفقر والبؤس في البلاد.
إن الربا وسيلة للاستعمار فقد ثبت ان الغزو الاقتصادي
____________________
1 - الفردوس الاعلى ص 176 - 177 الطبعة الثانية.
القائم على المعاملات الربوية كان الممهد الفعال للاحتلال العسكري والاقتصادي الذي سقطت اكثر دول الشرق تحت رحمته، فقد اقترضت الحكومات الشرقية وفتحت أبواب البلاد للمرابين الأجانب فما هي إلا سنوات معدودة حتى تسربت الثروة من أيدي المواطنين الى هؤلاء الغازين، حتى اذا أفاقت الحكومات وأرادت الذود عن أنفسها وأموالها استعدى هؤلاء الأجانب عليها دولهم فدخلت باسم حماية رعاياها، ثم تغلغلت هي كذلك فوضعت يدها مستثمرة مرافق البلاد(1) .
إن الربا من أهم الجراثم وأفتكها، لذا أمر الاسلام بتحطيمه وإزالته من الأرض لانه من مصادر البؤس والفاقة في المجتمع.
3 - حرمة الغبن
وحرم الاسلام الغرر في المعاملة وهو البيع بدون ثمن المثل أو الشراء باكثر منه مع الجهل بالقيمة وذلك بأن يبيع ما قيمته خمسون بمائة، وقد جعل الاسلام للمغبون خيار الفسخ فحين إطلاعه عليه له أن يبادر الى فسخ المعاملة ليسلم من الضرر.
____________________
1 - روح الدين الاسلامي: ص 299.
4 - حرمة التلاعب بالاوزان
ومما شرعه الاسلام لحفظ أموال الناس تنظيم الأوزان وعدم التلاعب بها فقد حذر الذين يتلاعبون في الأوزان بالتنكيل بهم في يوم حشرهم قال تعالى:( وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴿1﴾ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴿2﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴿3﴾ أَلَا يَظُنُّ أُولَـٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ ﴿4﴾ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ﴿5﴾ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) (1) .
لقد أمر الاسلام أبناءه باقامة الوزن بالقسط قال تعالى:( وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ) (2) .
ان الأموال التي تنشأ من التلاعب في الميزان أموال مغصوبة لا يجوز للمسلم أن يتصرف فيها بأي وجه من الوجوه ويجب عليه أن يرجعها الى أهلها.
5 - حرمة الرشوة
وحرم الاسلام الرشوة، وجعلها من كبائر الذنوب والموبقات وهي على حد الكفر باللّه تعالى، أو الشرك به،
____________________
1 - سورة المطففين آية 1 - 6.
2 - سورة الرحمن آية 9.
والأموال التي تؤخذ من هذا السبيل أموال مغصوبة لا يجوز أن يتصرف بها بأي لون من ألوان التصرف لأنها من أظهر أكل المال بالباطل الذي نهى عنه في القرآن الكريم قال اللّه تعالى:( وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) .
لقد تظافرت الأخبار بحرمتها وعدم جوازها. فعن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (ع) قال ايما وال احتجب عن حوائج الناس احتجب اللّه عنه يوم القيامة، وعن حوائجه وان أخذ هدية كان غلولاً، وان أخذ رشوة فهو شرك. وفي رواية عمار بن مروان: «وأما الرشا فهو الكفر باللّه العظيم».
لقد حرم الاسلام الرشوة في جميع المجالات لأنها تؤدي الى تحطيم الحق واماتة العدالة وإحياء الباطل، وشيوع الظلم وفساد البلاد. والموظف الذي لا يقوم بواجبه إلا بالرشوة فهو خائن لوطنه، وخارج عن ربقة الاسلام.
إن الأوضاع الهزيلة التي انتشرت في البلاد الاسلامية كان أكثرها مسبباً عن انتشار الرشوة بين بعض الموظفين وعدم قيامهم بواجبهم.
فالدولة الاسلامية أول ما تعني به القضاء على الرشوة وتحطيمها ومعاقبة المرتشين وإقصائهم عن جهاز الحكم، لأن الرشوة تؤدي الى فساد الحكومة والشعب، حيث أن المجرم لا يرى أهمية لجريمته ما دامت الرشوة موجودة، ولقطع دابرها فقد قضت سياسة الاسلام أن لا يجيب الموظف أحداً يدعوه حتى الى وليمة ما دام يحتمل إنها لأجل التقرب اليه وقد بلغ أمير المؤمنين (ع) أن عامله على البصرة عثمان بن حنيف قد دعي الى وليمة فأجاب فكتب اليه هذه الرسالة يهدده ويتوعده على ما صدر منه، ويرشده الى الاستقامة وعدم ارتكاب مثل ذلك وقد جاء فيها:
« أما بعد يابن حنيف فقد بلغني إن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك الى مأدبة فأسرعت اليها تستطاب لك الألوان وتنقل اليك الجفان، وما ظننت انك تجيب الى طعام قوم عائلهم مجفو(1) وغنيهم مدعو: فانظر الى ما تقضمه من هذا
____________________
1 - عائلهم: أي محتاجهم (مجفو) أي مطرود من الجفاء.
المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه وما أيقنت بطيب وجوهه(1) فنل منه »(2) .
وأراد الأشعث بن قيس أن يتقرب من الامام أمير المؤمنين (ع) ويتصل به ففكر في ذلك فرأى الامام (ع) لا يأكل إلا الجشب من الطعام فصنع له حلوى جيدة، وبعثها اليه.
ولنستمع الى الامام (ع) يحدثنا عن موقفه تجاه هذا الأمر يقول (ع):
« وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة(3) في وعائها، ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة فذلك محرم علينا أهل البيت فقال: لا ذا ولا ذاك، ولكنها هدية، فقلت: هبلتك الهوابل(4) ، أعن دين اللّه
____________________
1 - بطيب وجوهه: أي تتيقن بالحل في طرق كسبه.
2 - نهج البلاغة محمد عبده 3 - 78.
3 - الملفوفة: نوع من الحلوى.
4 - هبلتك - بكسر الباء - ثكلتك، والهبول - بفتح الهاء - المرأة التي لا يعيش لها ولد.
أتيتني لتخدعني ؟! أمتخبط أم ذو جنة أم تهجر(1) واللّه لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي اللّه في نملة أسلبها جلب شعيرة(2) ما فعلت، وان دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعلي ونعيم يفنى، ولذة لا تبقى، نعوذ باللّه من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين »(3) .
هذا هو موقف الاسلام تجاه الرشوة وهو موقف صريح واضح يقضي بازالة شبحها وإبعادها عن واقع الحياة الاسلامية كما حكم بان الأموال التي يرتشى بها هي ملك لصاحبها لا يجوز تملكها ولا التصرف بها.
6 - النهي عن الترف والتبذير
من معالم الاقتصاد الاسلامي المنع من الترف والتبذير لأنهما يوجبان التفاوت بين طبقات المجتمع تفاوتاً يثير الكراهية والحقد في نفوس الفقراء الذين لا يجدون سعة في الأموال بالاضافة الى أن ذلك يؤدي الى فساد أخلاق المترفين وترهلهم
____________________
1 - المختبط: من اختل نظام ادراكه (تهجر) أي تهذي بما لا معنى له.
2 - جلب الشعيرة - بكسر الجيم - قشرها.
3 - نهج البلاغة 2 - 244.
فان الطبقة المترفة كانت ولا تزال في كل أمة مصدراً للتحلل الخلقي، وسبباً لهلاك الأمة وخراب الأوطان والديار قال تعالى:( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) (1) .
إن المترفين يحاربون كل إصلاح، ويقفون حجر عثرة في طريق المصلحين معتمدين على أموالهم وأولادهم وقد حكى القرآن الكريم هذه الظاهرة النفسية عنهم بقوله:( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ﴿34﴾ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) (2) .
وقد أعد اللّه تعالى لهذه الطبقة المترفة في الدار الآخرة ألواناً من العقاب الأليم، قال تعالى:( وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴿41﴾ فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ ﴿42﴾ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ ﴿43﴾ لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ ﴿44﴾ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ) (3) .
إن من أهم الدعائم التي يبتني عليها الاقتصاد الاسلامي النهي عن السرف وتبذير الأموال في الأمور التافهة التي لا تعود
____________________
1 - سورة الاسراء: آية 16.
2 - سورة سبأ: آية 34 و 35.
3 - سورة الواقعة: آية 41 - 45.
بأي فائدة على المجتمع، فقد نهى الاسلام ووصف المبذرين بانهم إخوان الشياطين قال تعالى:( وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴿26﴾ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ) (1) .
لقد فرض الاسلام على صاحب المال رقابة تحمي أمواله من أن يذهب بها مذاهب السفه والاستخفاف، فالسفيه المتلاف إذا ساء التصرف في أمواله وجب أن يحجر عليه، ولا يعطى منها إلا ما يسد حاجته قال تعالى:( وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّـهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ) (2) .
فالسفهاء هم المسرفون، المبذرون أموالهم في غير الوجوه المعقولة أما لفساد أخلاقهم وضعف عقولهم أو لسوء تدبيرهم وتصرفهم فالآية نهت المسلمين أن يطلقوا أيدي السفهاء في الأموال يبعثرونها، ولا يحسنون التصرف فيها، وفيها إشارتان بليغتان الى حث المسلمين على المحافظة على أموال السفهاء وصيانتها من إسرافهم وتبذيرهم.
____________________
1 - سورة الاسراء: آية 26 و 27.
2 - سورة النساء: آية 5.
«الاولى» في قوله تعالى: أموالكم فلم يقل اللّه « ولا تؤتوا السفهاء أموالهم » بل قال « ولا تؤتوا السفهاء أموالكم » ليلفت أنظار المسلمين الى أن مال السفيه هو في الوقت نفسه مال الأمة فيجب المحافظة عليه وعدم إعطائه للسفيه لأنه إن بدده وأصبح فقيراً كان خطراً على المجتمع وعلى أموال أفراده فالخلافة في الملكية تقضي بأن مال السفيه هو مال المسلمين.
«الثانية» في قوله تعالى: « التي جعل اللّه لكم قياماً » أي ان الأموال جعلها اللّه قياماً أي تقوم بها معايشكم وتبنى عليها مصالحكم فهي قوام وعماد الحياة الاقتصادية، ففي تضييع السفيه لها تضييع لهذا العماد الذي هو قوام الحياة.
فالسفيه إذا بدد ماله، وأنفقه على الفساد فكأنما بدد مال الامة جميعاً، وعرض حياته وحياة مجتمعه لخطر الفقر(1) .
إنه ليس من الاسلام أن يسرف الانسان في الانفاق على شهواته وملاذه بل عليه أن ينفق بالمعروف من غير سرف أو تقتير قال تعالى:( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسـْرِفُوا ) (2) وقال تعالى:( وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ
____________________
1 - روح الدين الاسلامي ص 293.
2 - سورة الاعراف آية 30.
الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ) (1) .
وبهذا التوازن بنى الاسلام اقتصاده الخلاق فليس للمسلم أن يضيق على نفسه ويمسك يده، وليس له أن يسرف ويطلق العنان لرغباته، فان كلا الامرين لا يقرهما الاسلام بحال.
7 - حرمة كنز الأموال
من الخطوط الرئيسية في الاقتصاد الاسلامي حرمة كنز الاموال وادخارها، وعدم إخراج الحقوق المفروضة منها فان ذلك يوجب الاخلال بالاقتصاد العام، وتعريض البلاد للازمات الاقتصادية، وقد توعد تعالى المكنزين بأن أموالهم ستكون في الآخرة ناراً تحرق أجسامهم، وتكوي جنوبهم قال تعالى:
( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿34﴾ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ) (2) انه ليس من الاسلام أن تحجب الأموال وتكنز ولا تستفيد البلاد منها فان ذلك يؤدي حتماً الى شل الحركة الاقتصادية والى إضرار المسلمين، والاسلام
____________________
1 - سورة الاسراء آية 28.
2 - سورة التوبة آية 34 و 35.
يشجب ذلك ولا يقره بأي حال فقد جاء لازدهار الحياة، والقضاء على جميع صور الشقاء منها، وقد جعل اللّه سبحانه وتعالى فريضة الزكاة على النقود المكتنزة من الذهب والفضة لتكرر كل سنة فيها حتى تنخفض الى الحد الادنى وتتسرب الى العمل النافع في ميدان المجتمع العام ولعل ذلك يوجب تشغيل الثروة من قبل أصحابها بدلاً من اكتنازها وأداء الزكاة المتكررة.
(ب) الضرائب المالية
وفرض الاسلام ضرائب مالية على الاموال، وهي تخفف من طغيان رأس المال وتقضي على تضخم الملكيات وتطارد الفقر والفاقة وتنشر المحبة والوئام بين أفراد المجتمع وقد ألزم الاسلام مالكي الثروات بتأديتها للفقراء والمعوزين لتسد حاجتهم وتقيم أودهم ونشير الى بعضها وهي:
1 - الزكاة
الزكاة ليست إحساناً فردياً متروكاً لضمير الفرد فان شاء أداها، وإن شاء امتنع عن ادائها وانما هي حق لازم تأخذه الدولة وتقاتل عليه، فهي أحد أركان الاسلام، وقد جاء الامر بها في الذكر الحكيم مقرونة بالصلاة في نحو ثلاثين موضعاً
قال اللّه تعالى:( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ) (1) وقال تعالى( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ) (2) .
إن فلسفة الزكاة تقوم على مبدأ التكافل الاجتماعي ذلك المبدأ الذي أحله الاسلام مقام الذروة في مجتمعه فالفرد مسؤول عن غيره مسؤولية لا نجد لها نظيراً في أي مذهب آخر، وليست هذه المسؤولية مجرد مسؤولية معنوية، وانما هي مسؤولية مادية أيضاً بحيث لا يمكن للفرد المسلم أن يتخلص منها. وقد وجبت في الثروات الأساسية في الذهب والفضة والانعام الثلاثة الابل والبقر والغنم والغلات الأربع الحنطة والشعير والزبيب والنمر على ما يفصلها الفقهاء في كتبهم.
إن الزكاة هي الثروة الكافلة للعاطلين من المسلمين، والوسيلة للعاجزين والمرضى واليتامى فانها تنفي عنهم كابوس الفقر والحرمان يقول الامام كاشف الغطاء رحمه اللّه في فلسفة تشريعها:
(وليست فوائد هذا التشريع مقصورة على الناحية المادية بل فيها من الفوائد الاجتماعية والتأليف بين الطبقات، وتعاطف
____________________
1 - سورة البقرة: آية 43.
2 - سورة البينة: آية 5.
الناس بعضهم على بعض، وقطع دابر الفساد والشغب فيما بينهم ما هو أوسع وأجل وأجمع فان فيه غرس بذور المحبة بين الفقير والغني، فالغني يدفع وينفع الفقير باليسير من ماله عن طيب خاطره أداء لواجبه ورغبة بطلب المثوبة من ربه، والفقير يأخذها من غير مهانة ولا ذلة لأنه أخذ الحق الواجب له من مالكه وخالقه)(1) .
ويلاحظ في الزكاة ما يلي:
1 - إن الزكاة يجب أن تصرف لفئات معينة، وهم الفقراء والمساكين، وهم في الدرجة الأولى، ثم للعاملين في جبايتها ثم للمدينين الذين لا يستطيعون وفاء دينهم، ثم للعبيد لعتقهم، وأبناء السبيل المنقطعين في الغربة، والمؤلفة قلوبهم، وفي سبيل اللّه أي المصالح العامة كبناء القناطر والمدارس والمعابد وأمثال ذلك، وقد نص القرآن الكريم على تلك الفئات قال تعالى:( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ) (2) .
2 - إنها ليست إحساناً ولا منة بل هي حق إجتماعي
____________________
1 - الفردوس الاعلى ص 182.
2 - سورة التوبة: آية 60.
تشرف الدولة على استيفائها وتأخذها بالجبر من الممتنع عن ادائها.
3 - إن زكاة كل أقليم تنفق فيه، ولا يجوز اخراجها عنه، فاذا فضل منها شيء رد الى بيت المال العام لينفق على سائر سكان الوطن الاسلامي.
4 - أجمع عامة الفقهاء من مختلف المذاهب على عدم جواز إلجاء الفقير أو الغارم الى بيع شيء من حوائجه ليصلح بثمنها سبيل عيشه أو ليوفي به شيئاً من الدين الذي عليه، فان فقدان ذلك أشد ضرراً عليه من الفقر أو الدين. والحوائج هي ما يلي:
1 - مسكن لائق له ولأهله.
2 - البسة له ولهم حسب ما يقتضيه العرف العام بالنسبة لوضعه.
3 - خادم له أو لزوجته اذا كان محتاجاً أو كانت محتاجة لذلك.
4 - المركب الذي يحتاج اليه، من فرس وغيره.
فالفقير في عرف الاسلام هو الذي يملك هذه الأشياء ولكن لم تكن عنده مؤنة سنته بالفعل أو بالقوة فله أن يأخذ من أموال الزكاة ما يقيم أوده ويسد حاجته ؟ وقد سأل رجل الحسن عن الرجل تكون له الدار والخادم أفيأخذ الصدقة ؟ قال
يأخذ الصدقة ان احتاج ولا حرج(1) كما له أن يأخذ من أموال الزكاة ويشتري بها هذه الأمور اذا كان فاقداً لها وكان محتاجاً لها(2) .
5 - ان أداء الزكاة على هذا الوجه يسير بالمجتمع نحو الغنى والازدهار، وتتخلص الأمة بسببه من الفقر والفاقة.
هذا موجز الكلام في الزكاة أما بيان الموارد التي تجب فيها وتستحب وباقي أحكامها وشرائطها فقد تعرضت لها بالتفصيل كتب الفقه الاسلامي.
2 - الخمس
من الضرائب المالية الكبرى التي فرضها الاسلام على أموال الاغنياء، الخمس، فقد فرضه اللّه تعالى لنبينا محمد (ص) وذريته عوضاً عن الزكاة إكراماً لهم عنها فمن منع منه درهماً أو أقل كان مندرجاً في الظالمين لهم والغاصبين لحقهم بل من كان مستحلاً لذلك كان من الكافرين، وان أيسر ما يدخل به العبد النار أكل درهم واحد منه، ولا يعذر عبد اشترى منه
____________________
1 - رواه ابو عبيد في كتابه الاموال.
2 - الروضة كتاب الزكاة.
شيئاً أن يقول: يا رب اشتريته بمالي حتى يأذن له أهله(1) .
إن الخمس من أضخم الضرائب المالية التي توجب تخفيف رأس المال، وتقليص ظل الثراء، وهو يجب في سبع موارد اكثرها انتشاراً أرباح المكاسب، وهي ما يفضل من مؤنة السنة من أرباح التجارة والصناعة والزراعة وسائر أنواع التكسبات مثل الكتابة والخياطة والتجارة، الى غير ذلك فان الفاضل يجب فيه الخمس، ويدفع نصفه الى فقراء العترة الطاهرة من ذرية الرسول (ص) تكريماً لهم وشبه جزاء وأجر لجدهم الأعظم (ص) فيما تحمل من عناء التبليغ، وأعباء أداء الرسالة وأما النصف الآخر فيدفع الى الامام (ع) وفي حال الغيبة يدفع الى نائبه وممثله الحاكم الشرعي ليصرفه في صالح المسلمين.
هذا موجز القول في بعض الضرائب المالية التي فرضها الاسلام وهي توجب تحديد الملكية وتقضي علي تضخم الثراء.
3 - الحث على الانفاق
وحث الاسلام على الانفاق في وجوه البر والاحسان، وطلب من المثرين أن يقوموا بدورهم بالمبرات الاجتماعية كمساعدة الضعفاء ومعونة الفقراء، وما الى ذلك من وجوه الخير، وقد
____________________
1 - سفينة النجاة: 2 - 182.
تكررت الدعوة لذلك في القرآن الكريم فقلما تجد سورة من سورة المباركة خالية عن الحث على ذلك قال تعالى:( مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّـهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴿261﴾ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (1) .
ووصف تعالى الانفاق في سبيله بأنه التجارة الرابحة، التي تنفع صاحبها في يوم حشره ونشره قال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿10﴾ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (2) .
وقال تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ ) (3) .
يقول الامام كاشف الغطاء: « ما من شريعة من الشرايع
____________________
1 - سورة البقرة آية 261 و 262.
2 - سورة الصف آية 10 و 11.
3 - سورة البقرة آية 254.
ولا دين من الأديان، ولا كتاب من الكتب قد حث وبالغ في الدعوة والاحسان والمعروف وبذل المال في سبيل الخير مجاناً ولوجه اللّه كشريعة الاسلام، وكتابها المجيد »(1) إن الانفاق في سبيل اللّه من أهم العوامل التي تقضي على تضخم الملكية، وتكديس الثراء، كما إنه من أقوى البواعث لرقي الأمة ونهضتها وتوحيد كلمتها.
إن المثرين لو وجهوا جهودهم نحو فعل الخير والبر بالمعوزين لما حدثت في البلاد هذه الموجات العارمة ولما تمكن الشيوعيون وغيرهم من دعاة المبادئ المختلفة الهدامة على نشر مبادئهم وبث سمومهم وأضاليلهم بين المسلمين.
إن المثرين من أبناء هذه الأمة مسؤولون أمام اللّه عن البر بالفقراء وتقديم المعونات لهم، فانه ليس من الاسلام أن يتمتعوا بملاذ الحياة وترفها ونعيمها وفي المجتمع ممن لا عهد له بالقوت ولا طمع له بالشبع الأمر الذي أدى الى تفكك المجتمع وفصم عرى الوحدة بين الفئات، وشحن قلوب الفقراء بالكراهية والبغض للمثرين.
هذه بعض المعالم الرئيسية في الاقتصاد الاسلامي وهي
____________________
1 - الفردوس الأعلى.
تنشد صالح العامل وجميع فئات المجتمع لأنها حفلت بكل معالم الخير والتعاطف وزخرت بكل مقومات النهوض والارتقاء.
لقد ضمن الاقتصاد الاسلامي العام الحياة الكريمة لكل مواطن كما ضمن له الفرص المتكافئة في الحياة، فلا فقر ولا حرمان ولا بؤس في ظلاله وذلك لما يسعى اليه من تحقيق العدالة الاجتماعية ورفع مستوى المعيشة والقضاء على الفاقة والاعواز.
4 - الإرث
إن الاسلام فرض قانون الميراث ليمنع من اتساع الملكية عند الأقلية فان صاحب الثروة اذا توفي وطبقت قوانين الميراث في تركته فانها حتماً تتلاشى لأنها توزع على ذريته بحسب التفاوت بين أنصبتهم، ويظهر حينئذ عدد وافر من صغار الملاكين وتضمحل بذلك الملكية الكبيرة.
إن قوانين الميراث الاسلامي لو سار عليها المسلمون وطبقوها على واقع حياتهم لما بقي وجود للملكية الكبيرة، ولا وجد ظل للاقطاع في بلادهم، ولكنهم انحرفوا عن ذلك فان كثيراً منهم - يوصي بأغلب ممتلكاته الى ولده الاكبر ويحرم منها بقية الورثة الأمر الذي أدى الى خلق المشاكل، واضطراب
الاوضاع العامة في البلاد.
إن قانون الميراث يوجب بسط الثروة على الجميع، ويقضي على الثراء الفاحش، وهو من محاسن التشريع الاسلامي في عالم الاقتصاد يقول الدكتور (جوستاف لوبون) الفرنسي:
« ومبادئ المواريث التي نص عليها القرآن على جانب عظيم من العدل والانصاف والشريعة الاسلامية التي منحت الزوجات اللواتي يزعمن أن المسلمين لا يعاشروهن - إلا بالمعروف - حقاً في المواريث لا نجد مثلها في قوانيننا(1) والاسلام حينما جعل الميراث بالشكل المذكور في القرآن الكريم إنما جعله في موضعه اللائق بعد الاحتياطات السلبية والايجابية المتقدمة التي تحول دون تضخم الثروة ولذلك فهو يختلف ويفترق عن القوانين الرأسمالية التي تخص الميراث بالولد الاكبر، كما يختلف في نفس الوقت مع الاشتراكيين الذين تحولت أفكارهم من فرض ضرائب تصاعدية على الميراث الى مصادرة نفس الأموال قبل وصولها الى الورثة الشرعيين(2) .
هذا هذا موجز الكلام في الحقوق العامة للعامل باعتباره
____________________
1 - حضارة العرب ص 417ترجمة محمد عادل زعيتر.
2 - راجع اشتراكية القرن العشرين ترجمة محمود فتحي.
جزءاً لا يتجزأ من المجتمع المسلم تشمله سعادتهم والعدل الذي يسعهم.
حقوق العامل الخاصة
1 - ملكية العامل
إن تشريعات الاسلام بالنسبة لخصوص العامل تنوعت حسب ما تقتضيه مصلحة العامل فتارة شرع ملكية العامل واختصاصه وذلك في المواد الأولية والطبيعية وما يستخرجه منها كاستخراج النفط والمعادن وصيد الطير والسمك وتقطيع خشب الغابات وأمثال ذلك(1) ،
2 - المضاربة
وحث الاسلام على المضاربة لأن لها الأثر التام في تنمية الحركة الاقتصادية، وتشغيل الأيدي العاطلة، ورواج التجارة، وجلب البضاعة الى الأسواق وتمكين الناس منها، ولا بد من ذكر بعض الجهات المتعلقة بها - ولو إجمالاً - والى القراء ذلك:
____________________
1 - للاحاطة راجع اقتصادنا الكتاب الثاني.
1 - معناها
المضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض لأن العامل يضرب فيها للسعي على التجارة وابتغاء الربح بطلب صاحب المال فكان الضرب مسبباً عنهما وبذلك تحققت المفاعلة، وأهل الحجاز يسمونها قراضاً مأخوذة من القرض، وهو القطع كأن صاحب المال اقتطع منه قطعة، سلمها الى العامل أو واقتطع قطعة من الربح في مقابل عمله(1) .
وعلى أي حال فان حقيقة المضاربة أن يكون رأس المال من شخص والعمل من شخص آخر، ويتقاسمان الربح الذي يثمره ذلك المال بحسب الاتفاقية المعقودة بينهما. وهي شبيهة بنظام الشركات المساهمة في بعض النواحي.
2 - في علم الاقتصاد
إن علماء الاقتصاد يعدون المضاربة من العوامل الأصيلة التي تساعد على توفر السلع في الأسواق ولولاها لتعرض السوق لهزات عنيفة تذهب بثروات المتعاملين.
إن المضارب يساعد على كبح جماح تقلبات الاسعار العنيفة لأنه متى طرأت التقلبات على الاسعار تقدم المضارب ليشتري
____________________
1 - الروضة كتاب المضاربة.
أو ليبيع وفاقاً لحركة الاثمان. وطالما وقفت صفقاته عائقاً دون سرعة هذه الحركة(1) .
وقد أضفى عليها علماء الاقتصاد من المديح والثناء حتى جعلوها من أسمى الاعمال التي يقوم بها الانسان. يقول كلوديو حانية - العالم الفرنسي - «ضارب معناه ارتأى خطر الربح ليحققه وخطر الخسارة ليبعد عنها، وهذا النظر البعيد هو الرياضة الطبيعية لملكات العقل البشري السامية».
ويقول برودون - العالم الفرنسي - المضاربة في الوضع الصحيح هي عبقرية الاستكشاف فهي التي تبتدع وتجدد. وتسد الحاجة، وتحل المعضل، وهي كالروح اللا نهائي تخلق كل شيء من لا شيء!! وهي الملكة الاقتصادية الاصيلة، لأنها دائمة اليقظة لا تفنى مواردها مسيئة الظن في الرخاء، عظيمة الجرأة في الشدائد، ترى الرأي، وتتصور الصورة، وتضع الحدود وتجادل، وتنظم، وتأمر، وتشرع، وليس على العمل ورأس المال والتجارة سوى التنفيذ!! فتلك الرأس وهذه الأعضاء تمشي أميرة وتتبعها هذه إماء!!(2) .
____________________
1 - اعمال البورصة في مصر لجول خلاط ص 23.
2 - اعمال البورصة في مصر.
ويمكن أن نلخص المزايا الاقتصادية التي تنجم عنها المضاربة فيما يلي:
1 - انها توفق بين العمل ورأس المال، وترفع من قدر العامل فتحوله من أداة في الانتاج الى منزلة الشريك.
2 - إنها تزيد في انتاج العمل، وتبعث في العامل الاهتمام على نجاح التجارة والمشروع الذي بيده.
3 - انها تنمي دخل العامل باضافة حصة ينالها في وقت تصفية الارباح فتعينه على التوفير أو على مقابلة النفقات غير العادية.
4 - انها تمنع من البطالة بتكوينها الروابط الدائمة بين صاحب المال والعمل.
5 - انها تفتح باب التعاون الاقتصادي بين العمل ورأس المال على أساس عادل من غير ازدراء بالعمل، ولا استعلاء من جانب رأس المال بل على أساس من التعاون على الانتاج بحقوق وامتيازات متساوية، كما تضمن استقرار العمل وتفادي الازمات الاقتصادية التي تحدث في البلاد.
6 - انها تقضي على تضخم رأس المال الفردي لأن الربح يوزع توزيعاً عادلاً بين الطرفين فلا يحصل - على الاكثر -
تضخم مالي عند صاحب المال.
ولعل لهذه الجهات ولغيرها شرعها الاسلام، وندب اليها.
3 - شرائطها
ويشترط في تحقق المضاربة الايجاب والقبول، والبلوغ والعقل، والاختيار وعدم الحجر لسفه أو فلس أو جنون، ومضافاً لهذه الامور فانه يشترط كون رأس المال عيناً فلا تصح بالمنفعة، ولا بالدين فلو كان لصاحب المال دين على أحد فلا يجوز أن يجعله مضاربة إلا بعد قبضه له، كما انه لا بد أن يكون رأس المال معلوم القدر والوصف، ولا تكفي المشاهدة له وذلك لحصول الغرر الذي يؤدي الى النزاع ووقوع الخصومة بينهما كما لا بد أن يكون رأس المال معيناً فلو احضر مالين، وقال: قارضتك باحدهما أو بأيهما شئت لا تصح المضاربة، ويشترط أن يكون الربح مشاعاً بينهما فلو جعل لأحدهما مقداراً معيناً والبقية للآخر أو البقية مشتركة لا تنعقد المضاربة كما لا بد من تعيين الحصة لكل منهما كالنصف والثلث ونحو ذلك واذا لم تعين تبطل، كما لا بد أن يكون الربح بينهما فلو شرطاً جزءاً منه لاجنبي لا يصح ذلك إلا أن يقوم بعمل متعلق بالتجارة فيصح إشراكه في الربح، كما يشترط أن يكون العامل قادراً على العمل
فلو كان رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به فلا تصح المعاملة ويكون تمام الربح لصاحب رأس المال وللعامل أجرة عمله.
هذه بعض الشرائط التي ذكرها الفقهاء وهناك أمور أخرى اعتبرها بعضهم ولم يعتبرها البعض الآخر فلذا لم نذكرها.
4 - النفقات
والمراد بالنفقات ما يحتاج اليها العامل في حال سفره من مأكول وملبوس، واجور النقل والمسكن وغير ذلك مما يحتاج اليه في سفره، وتؤخذ هذه النفقات من رأس المال، وقد دلت على ذلك صحيحة علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى عليه السلام فقد جاء فيها « المضارب ما أنفق في سفره فهو من جميع المال فاذا قدم البلد فما أنفق من نصيبه ».
أما نفقاته في حال حضره فهي من ماله الخاص وليس له أن يأخذ من رأس المال شيئاً إلا اذا شرط ذلك على المالك فانه يلزم حينئذ بتنفيذه لعموم قوله عليه السلام: «المؤمنون عند شروطهم».
5 - ملكية العامل
ويملك العامل حصته من الربح بمجرد ظهوره من غير
توقف على الانضاض، أو القسمة لأن ذلك مقتضى اشتراط كون الربح بينهما.
6 - عدم ضمانه
العامل أمين غير مسؤول عن المال لو تلف كله أو بعضه لا يضمنه إلا بالخيانة كما لو اشترى لنفسه شيئاً فأدى الثمن من ذلك المال، أو سافر مع نهي رب المال عن السفر، أو اشترى ما نهي عن شرائه فانه يصير بذلك ضامناً لو تلف المال ولو بآفة من السماء.
هذا هو موجز القول في المضاربة، وقد ذكر الفقهاء بحوثاً جليلة فيما يتعلق بضمان حقوق العامل وصيانة أرباحه، وقد تعرضت لذلك كتبهم بالتفصيل.
3 - الجعالة
من الأعمال التي تترتب عليها الملكية في الاسلام « الجعالة » ولا بد من ذكر بعض الجهات المتعلقة بها والى القراء ذلك.
1 - معناها
الجعالة في اللغة ما يجعل للانسان على شيء يفعله، وهذا المعنى مقارب للمعنى الشرعي فانه عبارة عن صيغة ثمرتها تحصيل
المنفعة بعوض كقولك من خاط ثوبي فله كذا، وقد أشار اليها الذكر الحكيم قال تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم).
وحيث ان الجعالة ليست من العقود وإنما هي من الايقاعات فانها تفتقر الى الايجاب لا غير، وإيجابها مثل من بنى جداري، أو خاط ثوبي فله كذا، ولا تحتاج الى القبول.
2 - الجهالة
وليست الجهالة مانعة من صحة الجعالة فيجوز أن يكون العمل مجهولاً كما يجوز أن يكون العوض مجهولاً من بعض الجهات كما في قوله: من رد حيواني الشارد فله نصفه، أو له هذه الصبرة، وأما اذا كان مجهولاً من جميع الجهالة كما في قوله من رد حيواني فله شيء بطلت الجعالة، وكان للعامل أجرة المثل(1) .
3 - موردها
أما موردها فهو كل عمل محلل مقصود للعقلاء غير واجب على العامل القيام به فلا تصح على الاعمال المحرمة، كما لا تصح على ما لا غاية له كالجعالة على الذهاب ليلاً الى بعض المواضع
____________________
1 - منهاج الصالحين 2 - 81.
الخطيرة، وكذا لا تصح على الأعمال الواجبة، كالصلاة والصوم وما عدى ذلك فتصح فيه(1) وقد الحق سماحة آية اللّه العظمى السيد محسن الحكيم حفظه اللّه عقد التأمين بالجعالة قال ما نصه:
« عقد التأمين للنفس أو للمال المعبر عنه في هذا العصر با « لسيكورتة » صحيح إن كان للمتعهد بالتأمين عمل محترم له مالية وقيمة عند العقلاء من وصف نظام للأكل والشرب أو غيرهما، أو وضع محافظ على المال أو غير ذلك من الاعمال المحترمة فالعقد صحيح وأخذ المال من الطرفين حلال وإلا فالعقد باطل وأخذ المال حرام »(2) .
إن عقد التأمين إنما يكون صحيحاً فيما اذا قامت الشركة بعمل إيجابي له قيمة عند العقلاء وإلا فلا يكون العقد صحيحاً.
لقد انتشرت شركات التأمين في هذا العصر وفتحت لها فروع كثيرة في أغلب أنحاء البلاد، وقد قامت بعضها بدور هام في المحافظة على ممتلكات المنتمين اليها.
____________________
1 - الروضة كتاب الجعالة.
2 - منهاج الصالحين.
4 - استحقاق العوض
ويستحق العامل العوض فيما إذا قام بالعمل وأداه على الوجه المطلوب منه كما اذا خاط الثوب مثلا فانه يستحق العوض بذلك.
هذا موجز القول في الجعالة، وذكرت الموسوعات الفقهية بحوثاً مهمة فيها، والتعرض لذكرها يستدعي الاطالة فلذا نكتفي بهذا العرض الموجز لها.
4 - الاجارة
الاجارة معاوضة على المنفعة سواء كانت عملاً أو غيره والذي يهمنا البحث عن (الاجارة على العمل) وهو يتوقف على بيان بعض الجهات وهي:
1 - العقد
وهو المشتمل على الايجاب والقبول وبهما يتكون التعاقد بين الطرفين ولا بد أن يكونا واضحين في الافادة كأن يقول العامل: آجرتك نفسي، فيقول الآخر قبلت، ثم ان العقد تارة يباشره أحد الطرفين عن نفسه باعتباره مالكاً، وأخرى يكون وكيلاً عن شخص معين أو ممثلاً لشركة أو دولة أو جمعية بشرط أن يمنح الصلاحية لاجراء العقد وتولي شؤونه، أو أن
يكون وصياً على قاصر فانه يجري العقد بالنيابة عنه لولايته عليه بشرط أن تكون مصلحة في فعله تعود على القاصر أما مع انتفائها فيشكل الحكم بالصحة. ولعل مثل هذا القسم هو المتعارف في العصر الحديث.
2 - شروط المتعاقدين
ويشترط في المتعاقدين ما يلي:
1 - البلوغ
وهو بلوغ سن الخامسة عشر من العمر فلا يجوز تشغيل الاحداث، ولا يصح التعامل معهم إلا أن يكون الاتفاق مع وليهم وهو الأب أو الجد من طرف الأب أو الحاكم الشرعي فانه ولي من لا ولي له.
2 - العقل
ولا يصح العقد مع المجنون وذلك لعدم شعوره وإدراكه وقد اعتبر الشارع العقل عنصراً أساسياً في صحة العقد.
3 - الرضا
ورضاء الطرفين - العامل ورب العمل - شرط أساسي يجب أن يتوفر في كل عقد أو اتفاق فاذا انعدم لا تصح المعاملة.
4 - العوضان
وهما العمل والأجر أما (العمل) فعلى نوعين « الأول » العمل اليدوي وهو الذي يعول فيه على المجهود الجسماني، وهو تارة تلحظ فيه الوحدة الزمنية التي تبذل في ايجاده، ولا بد من النص عليها كان يقول: عملك في الساعة أو في اليوم أو في الشهر للبناء أجره كذا ديناراً، وأخرى لا تلحظ فيه الوحدة الزمنية بل يكون العمل بحسب القطعة التي ينتجها العامل كأن يقول: عملك لنسج المتر من القماش أو للمتر المكعب من التراب أجره كذا فلساً بشرط أن لا يكون للزمان دخالة في ذلك وإلا فلا بد من التصريح به.
«الثاني» العمل العقلي وهو الذي لا يحتاج في تأديته الى مجهود جسماني ويغلب عليه الطابع الاداري أو الفكري ولا بد فيه من تعيين النوع والوصف وكذا لا بد من تعيين زمان العمل فيه صباحاً أو مساء.
ويشترط في صحة الاجارة على العمل بنوعيه أن يكون مشروعاً فلا تصح الاجارة على الاعمال المحرمة كالاجارة على صنع المسكر مثلاً، وقد أشرنا فيما تقدم الى بعض الأعمال المحرمة التي يحرم صنعها فإنه كما يحرم صنعها تحرم اجارتها، كما انه
يشترط في العمل أن يكون مقدراً على تسلمه فلو كان رب العمل لا يتمكن على تسلمه من العامل لوجود مانع فلا تصح الاجارة عليه.
وأما «الأجر» وهو الثمن الذي يلتزم رب العمل بدفعه الى العامل في مقابل عمله، فهو تاره يدفع من النقود، ولا بد من معلوميتها قدراً ووصفاً بأن يقول رب العمل للعامل استأجرتك للعمل الفلاني بدينار عراقي مثلاً، وأخرى يكون بمواد عينية كالملبس والغذاء، وما أشبه ذلك، ولا بد فيه من تعيين النوع والمقدار فاذا أحيط بالجهالة فسدت الاجارة.
ويُشترط في الأجر أن يكون مملوكاً لرب العمل فلا يصح أن يدفع من أموال الغير إلا مع إذنه، كما أنه يشترط في المواد العينية التي تدفع أجراً أن تكون من الأعيان المباحة فلا يصح أن تجعل من المخدرات والاعيان النجسة أو المحرمة ويشترط فيه أيضاً أن يكون مقدوراً على تسليمه للعامل فاذا لم يتمكن على تسليمه له فلا تصح الاجارة، هذه بعض الأمور التي تعتبر في العوضين، وهناك شروط أخرى ذكرها الفقهاء لها الدخالة فيهما.
4 - استحقاق العوض
ويستحق العامل الأجور إذا أدى العمل تاماً الى صاحبه كما إنه يستحق الأجر إذا حضر لمزاولة العمل، ومنعه من القيام به مانع يرجع الى رب العمل فانه يستحق الأجور.
5 - خيار الفسخ
ليس في الاجارة خيار المجلس ولا خيار الحيوان الثابتين في البيع، وإنما الجاري فيها خيار العيب، والغبن، وسائر الخيارات الأخرى كخيار الاشتراط، وتبعض الصفقة، ونحو ذلك من الخيارات التي نص عليها الفقهاء.
هذا موجز الكلام في الاجارة، وسيأتي التعرض لبعض الجهات المتعلقة بها عند البحث عن « حقوق العامل » الاضافية.
حقوق العامل الاضافية
إن الاسلام قد اعتنى بالعامل عناية بالغة، فقد أضفى عليه أهم الأوصاف، وأسبغ عليه أشرف النعوت، فقد جعله (حبيب اللّه) وهل يطمع العامل بتقدير أسمى من هذا التقدير ؟! ويكفيه شرفاً وفخراً تكريم النبي (ص) له فقد اجتاز على عامل
من الانصار فرأى خشونة في يده فقال (ص) له:
ما هذا الذي أرى في يدك ؟؟!
انه أثر المسحاة، اضرب، وانفق على عيالي!!
فأخذ النبي (ص) يده، وجعل يقلبها أو يقبلها، ويلوح بها أمام أصحابه قائلاً:
هذه يد يحبها اللّه، وفي «رواية» هذه يد لا تمسها النار.
وهل يوجد في المذاهب الاجتماعية تقدير للعامل كهذا التقدير الذي صدر من سيد الكائنات، وعلة الموجودات، فانه لم يقتصر على هذا التكريم في الحياة الدنيا، وإنما تعداه الى الحياة الأخرى، فقد ضمن أن لا تكوى يده بلهيب النار.
إن للعامل منزلة كريمة، ومكانة سامية في الاسلام، وقد شرع له من الحقوق ما تضمن له الحياة الطبية الكريمة، وذلك قبل عصر الآلة التي تكدست فيها العمال، وقبل أن تسن لهم القوانين، وتشرع لهم الحقوق التي لم تحقق أهدافهم ورغباتهم وما يصبون اليه من الرفاهية والدعة والاستقرار.
ونقدم الى القراء عرضاً لبعض الحقوق التي منحها الاسلام للعامل، ولرب العامل وهي كما يلي:
1 - الحرية
وأعطى الاسلام الحرية التامة للعامل فليس لأحد أن يقسره على العمل أو يجبره على مهنة لا تتفق مع رغباته، ولكنه في نفس الوقت منعه من مزاولة بعض الاعمال المحرمة التي توجب دمار المجتمع، وهلاك العامل، وعلينا أن نشير الى بعض مظاهر الحرية التي منحها له الاسلام وهي:
(أ) حرية المهنة
إن للعامل الحرية التامة في اختيار أي مهنة شاء، وأي عمل أراد، فله أن يمارس الزراعة، والتجارة والصناعة، وسائر الحرف والمهن ما لم يكن ذلك العمل محرماً فقد نهي عن مزاولته.
(ب) حرية التعاقد
وللعامل التعاقد مع أي انسان شاء والدخول بأي شركة أراد حسب رغبته وميوله.
(ج) حرية المكان
وليس العامل مجبراً على العمل بمكان خاص فله أن يعمل في أي جهة من أرض وطنه أو النزوح عنها الى جهة أخرى كما ان له الحرية في الهجرة من بلده الى آخر بغير إرغام أو إكراه.
(د) حرية القول
إن العامل وغيره من المواطنين الحرية التامة، وابراز الرأي بمختلف الأساليب سواء في المجتمعات العامة أو الخاصة كما له حرية النقد للحكم القائم إذا شذ عن طريق الحق، وخالف جادة الانصاف.
هذه بعض مظاهر الحرية التي منحها الاسلام للعامل بينما يفقد ذلك كله في النظام الشيوعي والاشتراكي الذي يسلبه حرية الرأي والتفكير وحرية العمل والقول.
2 - تحديد ساعات العمل
إن صحة العامل تتأثر تبعاً لما يبذله من جهد خلال عمله فكلما طالت ساعات العمل، كان لذلك أثره السيّئ على صحة العامل بالاضافة الى أنها تؤدي الي ضعف الانتاج كماً ونوعاً، وقبل أن نذكر رأي الاسلام في ذلك نود أن نشير إشارة عابرة الى النظرية الدولية للعامل من هذه الزاوية.
إن الحرب العالمية الأولى لما انتهت خرجت منظمة العمل الدولية الى الوجود وحدد دستورها في مادته الحادية والأربعين ساعات العمل بثماني ساعات، وأخذت الدول الأعضاء بهذا القرار متبعة في ذلك النظرة الانسانية التي قسمت « اليوم » الى ثلاثة
أقسام متساوية، ثلث للعمل وثلث للراحة والثلث الثالث للنوم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل اتجهت بعض الدول الى تخفيض ساعات العمل الى أقل من ذلك حيث ان اطالة العمل اليومي لا يعتبر إرهاقاً لصحة العامل فحسب بل سبباً من أسباب ضعف الانتاج من حيث الجودة أو الكمية بل ومن أسباب زيادة سعر وحدة التكلفة خصوصاً اذا لاحظنا ان الاحصاءات العديدة من اصابة العمل تحدث في الساعات الأخيرة حيث يغلب جهد العامل بالضعف فيغلبه التعب وقلة الانتباه فيصاب بعارض من عوارض العمل الأمر الذي يؤدي الى تعويض العامل ودفع أجرة عمله طوال مدة العلاج بالاضافة الى ما يؤديه من اضعاف قيمة الانتاج الفنية، و تعطل بعض أدوات الانتاج.
وقد أرسلت هيئة العمل الى الدول المشتركة فيها تستوضح رأيها في خفض ساعات العمل اليومي أو الاسبوعي، فأجابت كل من بلجيكا والدانمارك، وفرنسا ونيوزيلندا والنرويج والولايات المتحدة الامريكية. وفي سنة (1939) بأنها ترى تخفيض الساعات الى أربعين ساعة في الاسبوع، واقترحت سويسرا التخفيض الى 44 ساعة في الاسبوع.
أما الدول التي لم توافق على التخفيض فكانت حجتها انها لا ترى إمكان تعميم هذا التخفيض في الصناعة، والتجارة بصفة عامة أو بين الصناعات المختلفة ذاتها بل يجب التفرقة بين العمل في الصناعات الشاقة والصناعات الخفيفة، وطالبت بدراسة وافية للنتائج الاقتصادية التي ستترتب على قبول التخفيض إذ ربما نشأ عنه ارتفاع في سعر الكلفة خصوصاً في الدول التي لم تتقدم صناعاتها ولا تزال ضعيفة من حيث المقدرة الفنية بسبب قلة رؤوس أموالها.
ولم تمنع هذه الملاحظات الدول التي وافقت على الأخذ باقتراح التخفيض ففي مايو سنة (1933) أصدرت الولايات المتحدة قانون « الاصلاح الصناعي » وضمنته نصوصاً خفضت ساعات العمل في الاسبوع الى 40 ساعة في جميع الصناعات وفي بعض الاعمال التجارية، وفي ايطاليا، وضعت اتفاقية بتأريخ اكتوبر سنة (1934) نصت على تخفيض ساعات العمل الى 40 ساعة في الاسبوع، وكذا حددت ذلك كل من فرنسا ونيوزيلندا وغيرهما من دول الاعضاء(1) .
____________________
1 - التامينات الاجتماعية للعمال في الدول العربية تأليف خالد العزي: ص 61 - 63.
ولعل هذا التشريع يتفق مع التشريع الاسلامي الذي ينشد صحة العامل ورفاهيته وعدم إرهاقه وعنائه، فقد جاء في الخبر الشريف ما نصه:
« اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة اللّه، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم، ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم »(1) .
إن رأى الاسلام في تحديد ساعات العمل - على هذه الرواية - هو ست ساعات لا غير.
إن العامل لا يجوز له أن يعمل أكثر من طاقته لأن فيه هلاكاً لنفسه، وهو محرم عليه قال اللّه تعالى:( وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (2) .
ويقول عز وجل:( لَا يُكَلِّفُ اللَّـهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ) (3) ويقول النبي (ص): « ولا تكلفوهم ما لا يطيقون »(4) .
____________________
1 - تحف العقول ص 109.
2 - سورة البقرة آية 195.
3 - سورة البقرة آية 286.
4 - صحيح البخاري.
كما انه لا يحق اجباره على العمل في خارج الوقت المقرر له، وإذا قدم على ذلك باختياره فيجب أن يعطى الأجر عن الساعات الاضافية، ويفقد العامل هذا الحق في ظل النظام الشيوعي فانه ليس باختياره التخلي عن العمل في خارج الوقت المتفق عليه، فانه يجبر على اتمام العمل، ولا يعطى العوض عن الساعات الاضافية، وقد أدلى بذلك أحد العمال، وقد نشرته صحيفة « ترود » وقد جاء فيه:
« عندما تصل الاجزاء اللازمة في النهاية الى المصانع يبدأ الانفجار فتلغى أيام الراحة، ويجبر العمال على العمل من 12 ساعة الى 14 ساعة يومياً. ولا فائدة من مراجعة سجلات العمل الاضافية إذ انها لا تحسب، والدفع عنها يكون اعتباطياً »(1) .
ان روسيا الغت زيادة الأجور فيما اذا زاد يوم العمل كما انه أصدر ديوان السوفييت الأعلى للاتحاد السوفييتي قراراً يخول مديري المنشآت الصناعية، والتجارية تطبيق نظام العمل الاجباري بمعدل يتراوح ما بين ساعة وثلاث ساعات يومياً(2) .
____________________
1 - ادراك الحقائق عن روسيا ص 130.
2 - الدستور السوفيتي: ص 110.
وقد عانى العمال أشد الارهاق من الساعات الاضافية فقد كتب أحدهم الى صحيفة « حياة الحزب » في حزيران سنة (1956) ما نصه:
« كلنا نقاسي متاعب الساعات الاضافية، إذ نشتغل ساعات اضافية، ونخسر أيام راحتنا ونبذل وقتاً وجهداً عصبياً غير ضروري، وينال المجرمون المسؤلوون عن كل هذا جوائز لإتمامهم برامجهم(1) .
إن هذا اللون من الارهاق لا يقره مبدأ من المبادئ سوى المبدأ الشيوعي الذي يزعم انه صديق العامل وان حكومته حكومة عمالية ؟؟!
3 - الاضراب عن العمل
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في معنى الاضراب، وأسبابه، وآثاره، وغير ذلك مما يتعلق به، وبيان ما يقره الاسلام منها وما لا يوافق عليه، والى القراء ذلك:
1 - معنى الاضراب
الاضراب هو الامتناع عن العمل، وايقافه من جانب العمال لأجل إرغام رب العمل على قبول وجهة نظرهم في النزاع
____________________
1 - ادراك الحقائق عن روسيا ص 130.
القائم بينهما، وعرفه المشرع العراقي بان اتفاق بين الأجيرين كلهم أو أكثرهم في مشروع أو مشاريع عن التوقف عن العمل بشأن أمور تتعلق بشروط العمل والاستخدام واحوالهما(1) .
وقد توسع مفهوم الاضراب فصار يشمل حالات أخرى من ايقاف العمل، وإن لم يوجد ثمة نزاع بين المضربين ورب العمل، ولكن إطلاقه مجاز على ذلك وعلى اضراب المستأجرين والمزارعين والطلاب والمساجين وغير ذلك.
2 - أسبابه
ليس للاضراب سبب خاص بل له عوامل متعددة، أهمها في الغالب هي زيادة الأجور وتقليل ساعات العمل، أو الاحتجاج على المساس بالحرية النقابية، أو الطلب باعادة العمال المسرحين:
وقد لا يكون للعمال المضربين مطالب خاصة من اعلان الاضراب سوى مؤازرة إخوانهم المضربين في مشروع التعاطف أو التضامن، وقد تعلن اضرابات ليس لها أغراض حرفية، بل غرضها الضغط السياسي، والاعراب عن المعارضة لسياسة
____________________
1 - قانون العمل العراقي لسنة 1958، المادة 50.
الحكومة، أو موقف المجالس النيابية، وقد تكون المعارضة أحياناً ضد قرارات حكومة أجنبية، وهذا النمط من الاضراب يعرف بالاضراب السياسي.
أما موقف التشريع الاسلامي من هذه الاسباب فانه يقر الاضراب عن العمل للمطالبة بزيادة الأجور أو لتقليل ساعات العمل وغير ذلك من الأمور التي تنشد صالح العامل ورفع مستوى معيشته، فان للعامل الحرية التامة في ذلك فان الاضراب إن كان يتفق مع صالحه فليس لأحد سلطان عليه، وليس للحكومة أن تقف ضده بل عليها أن تتدخل لحمايته وتنظر في مطاليبه.
نعم اذا كان العامل مستأجراً على العمل في وقت خاص فليس له الاضراب عنه إلا أن يكون هناك غبن في إجارته فحينئذ يحق له الاضراب والامتناع عن العمل حتى يستجيب رب العمل الى انصافه ورفع الغبن عنه.
وأما الاضراب لأجل التضامن مع العمال الآخرين فان ذلك سائغ ما لم يكن اضراب اولئك العمال على جهات غير مشروعة فانه يلزم من التضامن معهم معونتهم على الاثم والعدوان وهو محرم في الاسلام.
وأما الاضراب السياسي الذي يقصد منه اعلان السخط على الحكم القائم ومعارضة المسؤولين فان كان باعثه اقدام الحكومة على زج البلاد في معاهدة استعمارية تضر بصالح المسلمين وتتنافى مع المصلحة العامة وتطوح باستقلال البلاد وجره تحت مناطق نفوذ الدول الاستعمارية الكافرة، أو ان الحكومة تشرع من القوانين ما لا يقره الاسلام فان مقاومة ذلك الحكم من أفضل الواجبات ولا يختص بالعمال بل يكون واجباً على جميع المسلمين فان حفظ بيضة الاسلام والذب عن كرامة الدين والوطن واجب مقدس مسؤول عنه كل مسلم.
4 - فسخ العقد
إن للعامل الحق في فسخ العقد لاسباب، نقدم عرضاً لبعضها.
1 - اذا شرط العامل ذلك في متن العقد، وهو المعبر عنه في اصطلاح الفقهاء بخيار الشرط فان له الخيار في فسخه متى شاء، وإذا فسخ العقد فليس لأحد أن يجبره على الاستمرار في العمل.
2 - اذا ظهر غبن في الاجارة بأن أجر العامل نفسه في اليوم بنصف دينار وكان أجره يساوي اكثر من ذلك فان
له أن يبادر الى فسخ العقد.
3 - لو شرط العامل على رب العمل في متن العقد أن يقوم ببعض الأمور التي له ارب فيها فلم يلتزم بذلك رب العمل فان للعامل خيار الفسخ.
هذه بعض الأسباب التي يحق للعامل أن يفسخ العقد بموجبها، وذكر الفقهاء صوراً أخرى لجواز فسخه ذكرت في الكتب الفقهية بالتفصيل.
5 - حرمة استغلاله
إن الاسلام حرم جميع ألوان الظلم ودعا الى التخلص من خطوبه ومآسيه، ومن أظهر صور الظلم استغلال العمال ومنعهم أجرة عملهم فانه من أشد المحرمات ومن أظهر مصاديق أكل المال بالباطل فقد قال النبي (ص): ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة منهم، رجل استأجر أجيراً فلم يوفه أجره(1) ولما استولى أمير المؤمنين علي عليه السلام على زمام الحكم بعث لينادى عنه باللعن على ثلاثة (احدهم) من خان أجيراً على أجرته.
إن الاسلام حرم الاستغلال بجميع صوره وألوانه لأنه يحدث النزاع الطبقي ما بين العمال وأصحاب العمل والاسلام قد قضى على
____________________
1 - رواه ابن ماجة والبيهقي.
الطبقية وحطمها وجعل التمايز انما هو بالتقوى والعمل الصالح.
إن فكرة العدل والمساواة والاخاء التي أعلنها الرسول الاعظم (ص) قد وقفت حائلاً من ظهور النزعة الطبقية ما بين العمال واصحاب العمل فلم نجد لها أثراً في صدر الاسلام لأن المجتمع كان يقدر الفرد بجهوده وخدماته وأعماله النافعة للجميع - فخير الناس من نفع الناس - ولم تكن حينئذ فكرة استغلال العامل بظاهرة في جميع أنحاء العالم الاسلامي.
6 - تحديد الأجور
إن من أهم حقوق العامل تحديد أجور عمله فلا يجوز جهالتها لما في ذلك من الغرر والغبن، وقد ورد عن الامام الصادق عليه السلام « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يستعملن أجيراً حتى يعلمه ما أجره ».
ان تحديد الأجور من أهم القضايا الاجتماعية، وذلك لأن مستوى الأجر يحدد فعلا مستوى معيشة العامل فاذا كان عادلاً فانه يضمن له الحياة الكريمة وان لم يكن كذلك فانه يسبب بؤسه وشقائه، ويفضي بالآخرة الى المنازعات والخصومات ما بين العمال ورب العمل، وقد حرص الاسلام على أن تكون الاجور عادلة ولذلك حكم بخيار الفسخ فيما اذا تبين للعامل الغبن في أجوره كما حكم في كثير من مقامات فساد الاجارة باعطائه أجرة المثل وهي التي يقدرها العرف فلا يصيبه أي ظلم أو حيف.
1 - العامل ورب العمل بان يتفقا على تحديده:
2 - النقابة فتتولى هي تحديد الاجور مع رب العمل بشرط أن يمنحها العمال الصلاحية لذلك.
3 - الدولة، ويشترط في تدخلها أن لا تجحف بحقوق العامل ولا بحقوق رب العمل، واذا حددت الاجور فان للعامل الحرية التامة في تقبله ورفضه من دون أن يلزم بشيء.
7 - دفع الأجر
ويجب على رب العمل أن يدفع الاجور الى العامل بعد انتهائه من العمل سواء أكان الاجر على أساس اليوم أو الاسبوع أو الشهر أو كان على أساس آخر فانه يجب دفع الاجر اليه مرة واحدة، وقد أوصى الاسلام بالتعجيل في ذلك فقد ورد في الحديث « أعطوهم قبل أن يجف عرقهم ».
إن تأخير دفع الاجور يسبب ضرراً بالغاً على العامل كما يوجب شل نشاطه، وعدم رغبته في العمل.
ثم ان دفع الاجر تارة يكون في محل العمل، وأخرى في محل مجاور له، ولا يكلف العامل بالذهاب الى مكان بعيد عن محل عمله، كما ان دفع الاجور يجب أن يدفع بالعملة المتداولة، ولا يصح الدفع بالبطاقات وما أشبهها لاستبدالها بالسلع من المخازن اللهم إلا أن يرضى العمال بذلك.
8 - حمايته من الاخطار
على رب العمل أن يهيئ الوسائل الوقائية في المعمل لحماية العمال من
التعرض للاصابات والامراض المهنية، وذلك بالتحقق من سلامة الآلات والادوات التي يضعها تحت تصرفهم، كما عليه أن يتخذ دائماً الاحتياطات الفنية لسلامة العمال خصوصاً في المعامل المحتاجة الى ذلك كمعامل الفسفور والمناجم والزئبق والبترول ومشتقاته، فان اللازم في مثل هذه الاعمال وقاية محل العمل من تسرب الغاز اليهم، وقد ذكر المعنيون بهذه البحوث الوسائل التي يلزم ايجادها في المعامل لتقي العمال من الاخطار والاصابات والاسلام يقرها، ويلزم أرباب العمل بايجادها للحفاظ على صحة العمال.
9 - حق الراحة
إن الاسلام يقرر حق الراحة للعامل يقول (ع): إن لنفسك عليك حقاً، وان لجسدك عليك حقاً وإن لزوجك عليك حقاً، وان لعينك عليك حقاً(1) ويقول (ع): « روحوا القلوب ساعة بعد ساعة ».
ان للعامل الحق في الراحة الاسبوعية والشهرية، وغيرهما حسب الاتفاقية التي بينه وبين رب العمل ولا يجوز له أن يرهق نفسه فيعمل فوق طاقته فان ذلك القاء للنفس في التهلكة وهو محرم في الاسلام.
10 - حق الضمان الاجتماعي
ان الغاية من الضمان الاجتماعي هي مسؤولية الدولة عن تأمين وسائل العيش والراحة للمواطنين وايجاد الطرق لوقايتهم من التعرض للحاجة،
____________________
1 - رواه البخاري وغيره.
وامداد المعونة لهم طوال الحياة عند العجز الدائم، وقد جاء ايضاحاً لمعناه في المادة الخامسة والعشرين من اعلان حقوق الانسان الذي صادقت عليه الجمعية العمومية لمنظمة الامم المتحدة ما نصه:
« إن لكل شخص الحق في مستوى لائق كاف من المعيشة لتأمين صحته وسعادته وعائلته خاصة من حيث الغذاء والكساء والمأوى والخدمات الطبية والاجتماعية الضرورية، وله الحق في الضمان في حالات البطالة والمرض والعجز والترمل والشيخوخة وفقد وسائل العيش الاخرى نتيجة الظروف الخارجة عن إرادته كما ان للأمومة والطفولة الحق في الاعانة والمساعدة اللازمة المخصوصة(1) .
وعرفه رجال الاقتصاد والقانون بتعاريف أخرى، وهي تتفق على مسؤولية الدولة عن حماية الافراد من الفقر والاعواز وعلى ضمان معيشتهم عند العجز عن العمل.
لقد حفل بجميع ذلك الضمان الاجتماعي في الاسلام فانه يقوم باعانة كل معدم غير قادر على العمل، ويقضي على جميع ألوان البؤس والفاقة.
إن الضمان الاجتماعي الذي أعلنه الاسلام حافل بمعالم الخير، وزاخر بكل مقومات النهوض، وهو يشمل المواطنين
____________________
1 - الضمان الاجتماعي: ص 4 - 5.
وعلينا أن نشير الى بعض خطوطه الرئيسية وهي كما يلي:
1 - توفير العمل
إن الدولة الاسلامية ملزمة بتوفير العمل للمواطنين وذلك بتهيئة جميع الوسائل المؤدية له من المعامل والمصانع، والمشاريع العامة التي تنتعش بها الحياة الاجتماعية والفردية، ويشير الى ذلك ما أعلنه الامام أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه بقوله:
« أيها الناس: إن لي عليكم حقاً، ولكم على حق، فأما حقكم علي: فالنصيحة لكم وتوفير فيئكم عليكم »، والفيء الذي يوفره الامام على رعيته هو الخراج، وما يحويه بيت المال، ومن الظاهر ان توفير ذلك إنما يكون بتهيئة جميع وسائل العمل وميادين الانتاج، وأعلن الامام (ع) ذلك بوضوح في دستوره الخالد الذي بعثه لمالك الاشتر لتسير علي ضوئه الدولة الاسلامية بجميع أقاليمها يقول (ع):
« وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة »
ويقول: « ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ولم يستقم أمره إلا قليلاً وانما يؤتى خراب
الأرض من اعواز أهلها ».
إن الدولة اذا شاركت في عمارة الأرض واصلاحها مجاناً فقد توفر العمل للعمال، وبتوفيره يتوفر الخراج الذي تستند اليه ميزانية الدولة « والناس كلهم عيال على الخراج » على حد تعبير الامام عليه السلام.
إن الدولة الاسلامية ملزمة بالقضاء على الفقر وابعاد شبحه عن واقع الحياة وهو لا يكون إلا بتوفير وسائل العمل أما كيفية توفيرها كماً ونوعاً فان ذلك يناط بالظروف والملابسات الزمنية للمجتمع.
2 - مكافحة البطالة
إن الاسلام كافح البطالة وذلك بحثه على العمل وايجابه له، وقد تقدم الكلام في بيان ذلك على نحو التفصيل.
3 - رفع الضرائب عن الضعفاء
ويقضي الاسلام برفع الضرائب عن كواهل الطبقة الفقيرة وقد أعلن ذلك الامام أمير المؤمنين (ع) في دور حكومته التي تمثلت فيها العدالة الاجتماعية الكبرى يقول (ع):
« ولا تبيعن للناس في الخراج كسوة الشتاء، ولا الصيف ولا رزقاً يأكلونه، ولا دابة يعملون عليها » وأضاف يقول
ولا تبع لاحد منهم عرضاً في شيء من اخراج وانما أمرنا أن نأخذ منهم بالعفو ».
ومن الطبيعي أن هذه الاجراءات تستأصل الفقر، وتقضي عليه، ولا تبقي له أي ظل في البلاد.
4 - تسديد الاعواز
إن العامل الذي لا تكفيه أجرة عمله عن القيام بشؤونه فانه يأخذ بقية نفقته، ونفقة عياله وما يحتاج اليه من بيت المال، وكذا غيره من أصناف المجتمع فيما اذا قصرت مؤنتهم عن سد حاجاتهم فان الدولة هي التي تتولى دفع الباقي.
5 - وفاء الدين
إن العمال وغيرهم إذا استدانوا لوجه مشروع كالدين للزواج، أو لشراء مسكن، أو لبنائه، وغير ذلك من الجهات المشروعة، وعجزوا عن تسديده فان الخزينة المركزية للدولة الاسلامية هي التي تقوم بدفعه، وقد ورد في الحديث « من توفي فترك ديناً فعليّ قضاؤه »(1) .
يقول الامام موسى بن جعفر (ع):
« من طلب هذا الرزق من حله ليعود به على نفسه
____________________
1 - البخاري 17 - 29.
وعياله كان كالمجاهد في سبيل اللّه، فان غلب عليه فليستدن على اللّه وعلى رسوله ما يقوت به عياله فان مات ولم يقضه كان على الامام قضاؤه، فان لم يقضه - أي الامام - كان عليه وزره إن اللّه عز وجل يقول: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين، الى قوله تعالى: والغارمين، وهذا فقير مسكين مغرم »(1) .
6 - الانفاق على العاجز
إن العاجر عن العمل لمرض أو شيخوخة وغير ذلك، ولم يكن له مال ولا ولد ينفق عليه فان الدولة هي التي تقوم بالانفاق عليه لئلا يبقى في المجتمع متسول أو شحاذ.
7 - الاهتمام بالضعفاء
إن الاسلام يهتم قبل كل شيء بالضعفاء والمعوزين، وقد الزم المسؤولين في الدولة أن يقدموا لهم المبرات والمعونات، ويتعاهدوهم بالعطف والحنان، وقد أعلن ذلك الامام أمير المؤمنين عليه السلام في عهده لمالك الاشتر يقول (ع):
« ثم اللّه اللّه في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم من
____________________
1 - حياة الامام موسى بن جعفر (ع) 1 - 233.
المساكين والمحتاجين وأهل البؤس والزمنى(1) فان في هذه الطبقة قانعاً ومعتراً(2) واحفظ اللّه ما استحفظك من حقه فيهم، واجعل لهم قسماً من بيت مالك، وقسماً من غلات صوافي الاسلام في كل بلد(3) .
ويؤكد الامام طلبه على بذل المزيد من الاهتمام بهم فيقول:
« فلا يشغلنك عنهم بطر(4) فانك لا تعذر بتضييعك التافه(5) لاحكامك الكثير المهم فلا تشخص همك عنهم(6) ولا تصعر خدك لهم، وتفقد أمور من لا يصل اليك منهم
____________________
1 - البؤس: بضم اوله - شدة الفقر، الزمنى: - بفتح اوله - جمع زمين وهم ارباب العاهات المانعة لهم من الاكتساب.
2 - القانع: السائل: المعتر المتعرض للعطاء بلا سؤال.
3 - صوافي الاسلام: جمع صافية وهي ارض الغنيمة.
4 - البطر: طغيان النعمة.
5 - التافه: القليل والمراد إنك لا تعذر بتضييعك القليل وان احكمت الكثير المهم من امورك.
6 - لا تشخص: أي لا تصرف همك - أي اهتمامك - عن ملاحظة شؤونهم.
ممن تقتحمه العيون(1) وتحقره الرجال، ففرغ لأولئك ثقتك من أهل الخشية والتواضع فليرجع اليك أمورهم ثم اعمل فيهم بالاعذار الى اللّه يوم تلقاه فان هؤلاء من الرعية أحوج الى الانصاف من غيرهم.
ويعرض الامام صنفاً آخر من المعوزين فيأمر بمساعدتهم والعطف عليهم يقول (ع): وتعهد أهل اليتم وذوي الرقة(2) في السن ممن لا حيلة له، ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل والحق كله ثقيل(3) .
وقد احتوت هذه الفقرات من عهد الامام على جميع صنوف الرحمة وانواع البر بالطبقة الضعيفة، ولم نعهد أن هناك مذهباً من المذاهب الاجتماعية أو ديناً من الأديان قد أمر بمثل هذا العطف والحنان على الفقراء والمحرومين.
الى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض المعالم الرئيسية في الضمان الاجتماعي الذي جاء به الاسلام وهو من أروع الضمانات الاجتماعية التي شرعت في العصور الحديثة فانه قد
____________________
1 - تقتحمه العيون: أي تكره النظر اليه احتقاراً له.
2 - ذوو الرقة - المتقدمون في السن.
3 - نهج البلاغة محمد عبده 3 - 111 - 112.
حقق كل ما يصبو اليه الفقير من الرفاهية والكرامة والسعادة.
11 - التكافل الاجتماعي
لقد أعلن ارسول الأعظم (ص) مبدأ التكافل الاجتماعي ورفع شعاره ودعا المسلمين الى تطبيقه في جميع مجالات حياتهم لأنه ينفي عنهم جميع ألوان البؤس وأنواع الشقاء، ويقود مجتمعهم الى شاطئ الخير والرفاهية والمحبة، وعلينا أن نشير الى بعض معالمه وهي ما يلي:
1 - المحبة والاخاء
إن رسالة الاسلام الخالدة تبتني على الحب والاخاء فإن الهدف الأسمى الذي ينشده الاسلام هو غرس بذور المحبة في أعماق القلوب ودخائل النفوس، وقد وصف النبي (ص) المسلمين في تعاطفهم وتوادهم بقوله:
« مثل المؤمنين في توادهم ورحمتهم كمثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالحمى، والسهر ».
لقد عقد الاسلام أواصر الإخاء والمحبة في نفوس المسلمين، وجعلهم كجسم واحد، فاذا أصيب بعضهم بمكروه فانه يصيب الجماعة الاسلامية بأسرها، ومن الطبيعي ان الحب
اذا ساد بين المسلمين فانهم حتماً يشتركون في السراء والضراء، ويعطف بعضهم على بعض، لقد بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم رجلاً في حاجة له فابطأ عليه فلما مثل عنده قال له:
- ما أبطأك ؟
- العري
- أما كان لك جار له ثوبان يعيرك أحدهما ؟
- بلى: يا رسول اللّه!
فتألم النبي واندفع يقول:
« ما هذا لك باخ »(1) .
إن الاخوة الاسلامية تجمع المسلمين على صعيد المحبة والتودد، وتدفع المسلم لأن يقوم تجاه المسلم بما يقوم به تجاه أخيه من الحب له والاحسان اليه وقد جاء في الحب (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)(2) .
إن الشخص كما يحب لنفسه البقاء والكرامة والمتع
____________________
1 - المكاسب للشيخ الانصاري.
2 - صحيح مسلم وصحيح البخاري.
الملذوذة في الحياة فانه لا يكون مستكمل الايمان حتى يحب ذلك لأخيه المسلم.
لقد رفع القرآن الكريم لواء الأخوة الاسلامية قال اللّه تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (1) والاخوة اذا سادت بين المسلمين فانها تكون من أهم العوامل لتكافلهم وتضامنهم.
2 - التعاون
إن مبدأ التكامل الاجتماعي يقوم على أساس التعاون بين أفراد المسلمين في جميع أمورهم، وقد دعا القرآن الكريم الى ذلك قال اللّه تعالى:( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) (2) يقول صفوان الجمال: دخلت على أبي عبد الله الصادق (ع) إذ دخل عليه رجل من أهل مكة يقال له ميمون فشكى اليه تعذر الكراء، فقال لي:
- قم فاعن أخاك.
فانطلق صفوان فقضى حاجة ذلك الرجل ثم رجع الى مجلسه فقال له الامام:
____________________
1 - سورة الحجرات اية 10.
2 - سورة المائدة آية 2.
- ما صنعت في حاجة أخيك ؟
- قضاها اللّه.
وبدى السرور على سحنات وجه الامام فانبرى قائلاً:
« أما انك إن تعين أخاك المسلم أحب إلي من طواف اسبوع في البيت ».
ويقول الامام موسى بن جعفر عليه السلام « إن للّه تحت عرشه ظلالا يسكنه إلا من أسدى الى أخيه معروفاً، أو نفس عنه كربة أو أدخل على قلبه سروراً »(1) لقد تظافرت الاخبار بالحث على التعاون فهو من أهم الاهداف الاصيلة التي ينشدها الاسلام لأنه يؤدي الى رفع مستوى المعيشة، وتقليل الأتعاب وازدهار الحياة.
3 - لزوم الانفاق
والزم الاسلام بالانفاق على بعض الفئات تحقيقاً للتكافل الاجتماعي بين المسلمين، ولاقصاء الفقر والاعواز عن البلاد ونشير الى بعضها وهي:
1 - الأب ينفق على أولاده وعلى أحفاده وأسباطه
____________________
1 - حياة الامام موسى بن جعفر (ع) 1 - 103.
ذكوراً كانوا أم أناثاً بشرط فقرهم، وعجزهم عن العمل، وقدرته على الانفاق أما مع عجزه عن ذلك فان الدولة هي التي تتولى الصرف عليهم.
2 - الولد ينفق على أبويه وعلى آبائهم وامهاتهم، ويشترط في ذلك عين ما ذكرناه من الشروط المتقدمة أما الأمور التي يجب بذلها لهم فهي:
1 - المسكن وما يحتاج اليه من الأثاث.
2 - الكسوة التي يحتاج اليها في الصيف والشتاء.
3 - الطعام الذي يكفيهم.
وإذا امتنع المكلف من القيام بذلك فان السلطة تجبره على ذلك وتبيع أمواله عدى المستثنيات منها لتنفقها على هؤلاء(1) .
3 - الزواج: يجب عليه أن ينفق على زوجته، ويقوم بشؤونها، أما كيفية النفقة وكميتها فقد ذكرتها كتب الفقه الاسلامي بالتفصيل.
الى هنا ينتهي بنا الحديث عن مبدأ التكافل الاجتماعي
____________________
1 - الروضة كتاب النكاح.
وعن الحقوق لالتي منحها الاسلام للعمال ولغيرهم من أبناء المجتمع وهي تضمن لهم الكرامة والعيش الرغيد، وتصون حقوقهم، وتؤمن حياتهم، وتدفع عنهم غوائل الفقر والاعواز.
حقوق رب العمل
إن الاسلام شرع لرب العمل حقوقاً على العامل، والزمه بادائها وهي:
1 - نصح العامل
على العامل أن يخلص في عمله، وينصح فيه، ويراقب اللّه في ذلك ليظفر باالمال الحلال الذي هو أثمن شيء، فقد ورد في الحديث (خير الكسب كسب العامل اذا نصح) وقال النبي (ص): « إن اللّه يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه » وأما إذا لم ينصح في عمله فهو خائن لضميره ومجتمعه، ويكون آكلا للمال بالباطل، وينظر الى مقدار عمله الصحيح فيعطى عليه الأجر، وبقية العمل الآخر لا أجر له فيه بل إذا أوجب ضرراً على رب المال فهو ضامن له ومسؤل عنه.
2 - تأدية العمل
إن من أهم التزامات العامل تأديته للعمل الذي أجرى عليه العقد فعليه أن يؤديه في الوقت المقرر له كما يجب عليه أن يؤديه بنفسه، وليس له ان يستنيب غيره في تأديته لأن الاختيار قد وقع على شخصه، والغير قد لا يلائم رب العمل، وقد لا تكون لديه المؤهلات الحرفية اللهم إلا أن يكون بينهما اتفاق على اشتراك الغير في العمل أو الاستنابة فيه فانه يجوز ذلك لعموم قوله (ع): « المؤمنون عند شروطهم ».
3 - اطاعة الأوامر
على العامل أن يمتثل الأوامر الصادرة من رب العمل أو وكيله، ويشترط فيها أمران (الأول) أن يكون الأمر خاصاً بتنفيذ العمل المتفق عليه، فاذا كان خارجاً عنه فلا تجب اطاعته اللهم إلا أن يكون منصوصاً عليه في ضمن العقد (الثاني) أن لا يكون ذلك الامر مما يعرضه للخطر فانه لا يصح اشتراطه في متن العقد ولا يجوز الامر به.
4 - المحافظة على أدوات العمل
على العامل أن يحافظ على آلات العمل وأدوات الانتاج
فاذا قصر في المحافظة عليها ونشأ من ذلك التلف لها أو النقصان فهو مسؤول عنها وضامن لها.
هذه بعض الامور التي يجب على العامل القيام بها، وبهذا ينتهي بنا المطاف عن حقوق العامل في ظل النظام الاسلامي.
النقابة
1 - في اللغة
2 - في الاسلام
3 - في العصور الحديثة
إن البحث عن نقابة العمال يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحقوق العامل فقد أصبح التنظيم النقابي - في العصور الحديثة - من أوليات حقوقه بل صار حقاً طبيعياً ثابتاً لكل إنسان كما أعلنت ذلك منظمة حقوق الانسان فقد جاء فيها (لكل انسان الحق في تأسيس النقابات مع غيره، وفي الانضمام الى النقابات للدفاع عن مصالحه)(1) .
لقد أولى التنظيم النقابي المزيد من الاهتمام في العصر الحديث فعكف رجال الفكر والقانون على وضع أسسه وشروطه وبيان أهميته، ومدى ارتباطه بحياة المواطنين حتى جعل انتشاره والدقة في تنظيمه دليلاً على رقي المجتمع وحضارته، وتفهمه للحياة.
وعلى أي حال فانا لم نجد بداً من البحث عن النقابة - ولو إجمالاً - لاكمال الفائدة وللوقوف على تمام حقوق العامل وشؤونه، ونسوق الى القراء بيان معناها في (اللغة) ورأي الاسلام فيها مع ذكر بعض الجهات المتعلقة في ذلك، ثم نذكر عرضاً موجزاً لها في ظل العصور الحديثة والى القراء ذلك:
____________________
1 - اعلان حقوق الانسان الصادر في سنة (1948) في الفقرة (4) من المادة (23).
1 - في اللغة
النقابة - بالفتح - مصدر مأخوذ من نقب على القوم أي صار عليهم نقيباً، والنقيب هو كالعريف على القوم المقدم عليهم الذي يتعرف على أخبارهم وينقب على أحوالهم أي يفتش عنها(1) .
وقيل النقيب الرئيس الاكبر، وإنما سمي النقيب بهذا الاسم لأنه يعلم دخيلة أمر القوم، ويعرف مناقبهم وهو الطريق الى معرفة أمورهم التي فيها عمق، ولذلك يقال: نقبت الحائط أي بلغت في النقاب آخره(2) وذكرت المعاجم اللغوية معان كثيرة لهذه المادة إلا انها لا تمت بصلة لما نحن فيه.
____________________
1 - النهاية لابن الأثير 3 - 168.
2 - تاج العروس 1 - 492.
2 - في الاسلام
أما النقابة بالاصطلاح الحديث - الذي سنبينه - فلم يكن لها ظل في المجتمع الاسلامي الأول إلا انه ورد في القرآن الكريم ذكر النقيب بالمعنى اللغوي قال الله تعالى( وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشـَرَ نَقِيبًا ) (1) كما انه لما أعلن الرسول (ص) دعوته الخالدة بايعه جماعة من المسلمين في ليلة العقبة فجعل كل واحد منهم نقيباً على قومه وجماعته ليأخذوا عليهم الاسلام ويعرفوهم شرائطه وأحكامه، وكانوا اثني عشر نقيباً كلهم من الانصار، أما التشكيلات النقابية بالمعنى المعروف فلا وجود لها أصلاً، ولعل السبب في ذلك يعود الى أن الاسلام لما عقد أواصر الأخوة بين المسلمين، وغرس روح المودة في قلوبهم ومشاعرهم، ونهى عن الاحتكار والاستغلال وغير ذلك من الوسائل التي توجب تفكك المجتمع واستغلال جهود الفرد فانه من الطبيعي أن العمال وغيرهم لا يحتاجون الى تشكيل منظمة تطالب بحقوقهم وتداعي بانصافهم
____________________
1 - سورة المائدة: آية 12.
ولكن مع ذلك فان التشريع الاسلامي لا يأبى من تشكيل النقابة ويقرها لأنه قد منح الفرد الحرية التامة، وبمقتضى هذا الحق المشروع فان له الاختيار التام في تأسيس النقابة والانضمام الى أي مؤسسة شاء بشرط أن لا تتنافى مقرراتها مع التعاليم الدينية كما هو الحال في بعض النقابات.
3 - في العصور الحديثة
إن انشاء النقابات العمالية كان ممنوعاً في جميع الدول في بداية القرن التاسع عشر. ففي فرنسا كان هذا المنع مقرراً بموجب قانون « شابلية » الذي صدر في يوليو سنة (1791) وفي انجلترا كانت قوانين الاتحاد الصادرة سنة (1799) تحرم جميع ألوان النشاط النقابي، ولكن التضييق والمنع أسفرا عن تكوين النقابات بصورة سرية، الأمر الذي اضطر انجلترا الى رفع الحظر عن تكوين النقابات بموجب قانون صدر في أول يونيو سنة (1824)، وشرعت بعد ذلك اسس التنظيم النقابي فيها وذلك في سنة (1871) ما في فرنسا فقد رفع حظر تكوين النقابات بموجب القانون الصادر في 25 مايو سنة (1864)
ثم أصبح تكوين النقابات أمراً مشروعاً تقره الدولة وذلك بموجب قانون (فالدك روسو) الصادر سنة (1884)(1) .
لقد تغير موقف الدول الكبرى من النقابات في العصور الاخيرة من العداء المكشوف لها الى الحماية والتشجيع، والغيت القوانين القاسية التي تمنع العمال من التكتل وانشاء النقابات، لتقوم بحمايتهم والمطالبة بتحسين حالتهم الاقتصادية.
وعلى أي حال فلا بد لنا من وقفة قصيرة للنظر في معنى النقابة، والالمام ببعض أهدافها والاحاطة بها - ولو إجمالاً - وهي كما يلي:
1 - تعريفها
عرف بعض الاقتصاديين النقابة بأنها «جمعية حرفية غايتها الدفاع عن المصالح الاقتصادية لأنهائها، وكان الغرض الأول من تأسيس النقابات هو مساومة أصحاب المصانع في رفع الأجور وتخفيض ساعات العمل»(2) وعرفت في قانون العمل بأنها « منظمة ذات شخصية معنوية تتألف من العمال والمستخدمين من المنتسبين الى صناعات أو مهن مستقلة أو متشابهة أو متصلة
____________________
1 - التشريع الدولي ص 2.
2 - مذاكرات في الاقتصاد الاجتماعي: 213.
من حيث الانتاج »(1) .
ان النقابة - على هذا التحديد - شخصية معنوية معترف بها تؤهلها للمطالبة بحقوق العامل وللتوسط بينه وين أرباب العمل في المفاوضات والمنازعات وحل الخصومات.
والاسلام يهتم بالتنظيم النقابي بشرط أن لا تكون أداة ميسرة بيد حزب أو منظمة كما هي اليوم في عصورنا الحاضرة وإنما يريدها أن تكون جمعية مهنية هدفها صالح العمال وتحسين العمل ورفع مستوى المعيشة لهم.
2 - أهدافها
ان أهداف النقابة بما انها جمعية حرفية هي الاهتمام بالمصالح الحرفية والدفاع عنها، ويمكن أن نلخص أهدافها بالطرق الآتية:
1 - التوسط لدى أرباب العمل لتحسين شروط العمل كادخال أساليب العمل الحديثة التي ترمي الى تخفيف عبء العمل والمحافظة على صحة العامل وقواه.
2 - تمثيل العمال في المنظمات التي تتناول قضايا العمال كتحسين الاجور وتقليل ساعات العمل وما أشبه ذلك.
____________________
1 - قانون العمل المادة (110).
3 - انشاء المؤسسات الاجتماعية، والتعاونية والثقافية المفيدة للعمال كانشاء المدارس لتعليم الاميين وتنظيم المحاضرات التي تهم المهنة أو حياة العامل.
4 - مكافحة البطالة وذلك بالبحث عن الطرق المؤدية لتشغيل الأيدي العاطلة.
هذه بعض الأهداف الرئيسية التي من أجلها تأسست النقابات العمالية وهي بأي حال لا تتنافى مع المبادئ الاسلامية التي تنشد صالح المجتمع بجميع طبقاته بل إنه يشجعها ويعمل على ازدهارها وتهيئه الجو الصالح لها.
3 - النقابات الشيوعية
إن النقابات القائمة في ظل الحكم الشيوعي لا ترعى مصلحة العامل، ولا تعمل من أجل صالحه، وإنما هي أداة مسخرة بيد الحزب الشيوعي تعمل لتحقيق أهدافه وأمانيه، والعامل إنما هو من أدوات الانتاج لا أهمية له، وقد أدلى ستالين بذلك قوله:
(يجب أن يكون مفهوماً أن نقابات العمال لا تعمل لحساب العامل باعتباره عاملاً، وانما تعمل لحساب العمال باعتبارهم أدوات من أدوات الانتاج ولهذا فان هذه النقابات لا تحمي مصالح
العمال التي تتعارض مع مصالح الحزب)(1) .
إن العامل في نظر الشيوعية قطعة من الجهاز الانتاجي، والنقابات إنما تلاحظه بهذا الاعتبار لا باعتبار انه مواطن يجب أن ينال حقوقه ويتمتع بالكرامة والرفاهية، وهل يرضى العامل بهذه الحياة الكريهة التي يعيش فيها وهو مهان الجانب محطم الكيان قد فقد كرامته وحريته ؟ ومع ذلك يزعم الشيوعيون ان حكومتهم حكومة عمالية جاءت لاسعاد العامل ورفاهيته ؟!!
إن نقابات العمال أجهزة خاصة تعمل لصالح الشيوعية، ولا يهمها بأي حال صالح العامل، وقد حدد ستالين دور النقابات في ظل نظامهم بقوله:
(دعوني اوضح بصراحة ان نقابات العمال هي أجهزة تابعة لاجهزة الحزب، ويجب أن يكون مفهوماً ان الحزب هو الذي يختار قادة النقابة لأن فروع النقابات داخل الحزب هي المسؤولة عن هذه النقابات)(2) .
إن نقابات العمال يجب أن تكون مستقلة عن جهاز الحكم وان لا تكون خاضعة لأي جهة من الجهات لتتمكن من المطالبة
____________________
1 - الارقام التوجيهية ص 92.
2 - النظام الشيوعي: ص 48.
بحقوق العامل ورفع مستوى معيشته، وأما إذا كانت خاضعة للجهاز الرسمي فانه من الطبيعي انها تعمل لصالحه، وبذلك تصبح النقابة أجنبية عن العامل ولا ترتبط به يقول ستالين: إن نقابات العمال يجب أن تكون في خدمة الحزب(1) وإذا سارت النقابة في خدمة الحزب فانها قد خالفت الأهداف الاصيلة التي تأسس من أجلها.
إن نقابات العمال في ظل الحكم الشيوعي تنحصر وظيفتها في نقل أوامر الحزب وتعليماته الى العمال، ولا تقوم بأي عمل ايجابي يعود بالخير على العمال، وقد أدلى لينين بالاعمال التي تلزم النقابة بتنفيذها فقال:
(إن النقابات عليها واجبان: الواجب الأول هو حث العمال على التفاني في العمل، والواجب الثاني تؤديه باعتبارها ذات نصيب في استخدام سلطان الدولة ويقضي هذا الواجب بأن لا تتردد في استخدام أشد وسائل الضغط والاكراه على أعضائها في تنفيذ تعليمات الحزب)(2) .
إن الصلاحيات التي خولتها الحكومة الشيوعية للنقابة
____________________
1 - النظام الشيوعي: ص 48.
2 - مقررات لينين 2 - 767.
هي الضغط على العمال ومعاملتهم بالعنف والاكراه، ومما يدل على ذلك ما جاء في (لينكوباناميا) في 28 تشرين الأول سنة (1958) ان نجاراً في مراكز مواد البناء احتج على تشغيله 18 ساعة يومياً لمدة اسبوعين فطرده مدير العمل حالاً وفوق هذا فقد اعتبرت هيئة نزاعات العمال ولجنة اشغال النقابات ان ذلك الطرد كان حقاً وأضاف الناقل يقول: ان هذه القضية ليست هي الوحيدة من نوعها فلها أمثال كثيرة(1) .
وكيف يسعد العامل في ظل هذه النقابات الجائرة التي لا تألو جهداً في الضغط وصب العذاب الأليم عليه.
ويرى كل من لينين وستالين بأن تتخذ النقابات جميع الاجراءات الحاسمة للضغط على العمال في ضبط نشاطهم، وبذل المزيد من الدقة البالغة في إخراج العمل وانجازه، والى القراء ما جاء في ذلك:
(يجب على الاتحادات الشيوعية أن تدرب كل فرد على إلزام الدقة في تنفيذ الأوامر وانجاز العمل وهذا في سن مبكرة من السنة الثانية عشر)(2) .
____________________
1 - ادراك الحقائق عن روسيا ص 129.
2 - مقررات لينين 2 - 673.
هذا حال النقابات في ظل النظام الشيوعي فهي لا تمثل بأي حال العمال ولا تعتني بمشاعرهم وعواطفهم بالاضافة الى هذا فانها أداة لاضطهادهم وإرهاقهم في جميع المجالات.
إن النقابات الشيوعية قطعة من الجهاز الحاكم تقوم بارهاق العامل واجهاده، وتحول بينه وبين المطالبة بحقوقه، وأما البلاد التي لم تخضع للنظام الشيوعي، فان الشيوعيين يبذلون قصارى جهودهم للتدخل في شؤون نقاباتها ليوقدوا الخصومة والنزاع ما بين العمال ورب العمل، ويشجعوا العمال على الاضراب، وتخريب أدوات الانتاج ونسف المعالم الاقتصادية لأجل أن تسود الفوضى ويضطرب الامن، ويشيع التذمر حتى تجر البلاد الى عجلة الشيوعية العالمية.
وعلى أي حال فانا نهيب بالنقابات في الوطن الاسلامي الكبير أن تعمل على رفع مستوى معيشة العامل، وتطالب برفاهيته وزيادة أجوره، وان تغرس في نفسه روح التعاون وتساعده على المهارة والتدريب الاجتماعي الذي يؤهله لحسن التصرف والاندماج في بيئته.
إن الواجب على النقابات أن تقوم بنشر التعليم الفني، وان تنمي الروح الخيرة في نفوس العمال، وترشدهم الى
الاستقامة، وعدم صرف أجورهم على الدعارة واللهو، وان تجنبهم عن المآثم والمفاسد وتدلهم على الوسائل الخيرة التي بها سعادتهم.
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن هذا الكتاب سائلين من العلي القدير أن ينقذ العالم الاسلامي مما هو فيه من الواقع المرير، وان يهيئ للمسلمين من يقيم في بلادهم حكم الاسلام العادل ونظامه الرفيع.
اللهم إنا نرغب اليك في دولة كريمة تعز بها الاسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة الى طاعتك والقادة الى سبيلك إنك ولي القصد والتوفيق.
الفهرس
تصدير1
الإهداء4
مقدمة الطبعة الثانية5
مقدمة الطبعة الاولى 7
العمل تحديده وأنواعه46
1 - المعنى اللغوي 48
2 - في علم الاقتصاد49
3 - النظرية الماركسية61
العمل 119
1 - العمل في القرآن 121
2 - العمل في السنة126
3 - احكامه143
4 - انواعه161
1 - الفلاح في النظام الاسلامي 173
العامل 200
1 - النظام الرأسمالي 203
2 - في ظل النظام الشيوعي 217
3 - في ظل النظام الاسلامي 239
النقابة310
1 - في اللغة312
2 - في الاسلام313
3 - في العصور الحديثة314