التربية والتعليم في الإسلام
الدّكتور علي شريعتمداري
بسم اللّه الرّحْمن الرّحيم
مقدّمة المترجم
التربية في الإسلام تعني: إعداد العناصر الصالحة في المجتمع، من أجل خيره وسعادته. ويتطلّب الإعداد: وجود مُربِّين لهم كفاءات، وملاكات خاصة.
والتربية تؤتي أُكلها إذا كان المربّون بدرجة من الحرص على تيسير المهمّة التربوية؛ ذلك لأنّها مهمّة شاقّة، لا يضطلع بها إلاّ الهادف الواعي. وعندما نقول: إعداد العناصر الصالحة، فإنّ هذا هو الهدف الأساس الذي يتوخّاه الإسلام، من وراء تأكيده على التربية السليمة السويّة، التي تتكفّل رفد المجتمع بطاقات رائدة.
فالتربية الإسلامية التي تنهل من نمير القرآن، هي تربية سويّة. وهدى النبوّة، وسيرة أئمّة أهل البيت، والصحابة الأبرار، والعلماء الفضلاء، وكِبار المُربِّين الإسلاميين، هي مصادر أُخرى تستمد منها التربية وجودها. فالقرآن الكريم، والسنة الشريفة، وما دوّنه ِكبار المُربين الإسلاميين في الحقل التربوي، هي المصادر التي تعتمدها التربية الإسلامية. وفي مقابل التربية السويّة التي ينادي بها الإسلام، نلحظ هناك تربية منحرفة شاذة ذات مواصفات جاهلية، تتبنّاها نُظُم علمانية تخطط لها بشكل هادف. وقد لمسنا آثارها السيّئة في مجالات متنوّعة: قومية، وسياسية، وثقافية، واقتصادية، واجتماعية... ونحن هنا لا نرمي التعرّض لها على نحو التفصيل، بل نشير إليها إشارة عابرة؛ لنتوفّرعلى صورة مشرقة عندما نتلو قوله تعالى:( وَالْبَلَدُ الطيِّب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذِي خَبُثَ لا َيَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً... ) ، (الأعراف: 58). ونُنبّه هنا على أنّ
التربية قد تكون سويّة، بَيْد أنّها لا تُؤثر في صياغة بعض النماذج الاجتماعية؛ وهذا ما يدعونا إلى التعرّف على العناصر التي تتكوّن منها التربية.
فهذه العناصر هي: المُربِّي، ومادّة التربية، والمتربي، والظروف الاجتماعية، فإذا كان المُربِّي كفوءاً، ومادّة التربية مفيدة مناسبة، والمُتربِّي متفاعلاً، والظروف الاجتماعية مؤاتية، حقّقت التربية ما تصبو إليه من أهداف؛ بلحاظ فاعليّة العناصر الأربعة إيجابيّاً. أمّا إذا كان هناك خلل في أحد هذه العناصر ولاسيّما المُتربِّي، فإنّ التربية تتعثّر في مهمّتها وقد يضمر دورها.
تمتاز التربية في الإسلام بأنّها تربية ذات حس ديني معنوي. وعندما أقول هذا فإني أقصد: أنّها تتفوّق على غيرها من ضروب التربية الأرضية البعيدة عن إشعاع السماء، من حيث علاقتها بالعالم الغيبيّ، وواقعيّتها؛ لتجاوبها مع الفطرة البشرية، وطبيعتها العملية من حيث إنها - من وجهة نظر الإسلام - سلوك عملي ملموس قبل أن تكون نظرية مسطورة في الكتب. وكذلك تمتاز بدعوتها إلى الأخلاق الكريمة الرفيعة، فهي تشعّ على بني الإنسان بالفضائل التي يرنو إليها كلّ فرد، وتمتاز - أيضاً - بنقاوة مفرداتها من شوائب الأفكار الوافدة الدخيلة. هذا والإسلام يؤمن بأنّ التربية تُلازم كل مجال من المجالات الحياتية المتنوّعة، ولا تنفك عنه بأيّ حالٍ من الأحوال. وهذه سمة تُفضي إلى تفوّق النظام التربوي في الإسلام على غيره من النُظُم، إذ إنّه يكثِّف من العملية التربوية؛ ليعيش المجتمع سعادة لا تُوفرها نُظُم تربوية أُخرى.
إذا مارس الإنسان العملية التربوية، فإنّه يعيش في جوٍّ تربويٍّ حافلٍ بالعطاء، شريطة أن تكون هذه العملية محصّنة بمناعة وقائيّة، ضدّ أعراض قد تنتابها، نحو: عدم استحضار العلاقة مع الله تعالى، والغفلة عن الحسّ الديني، والفتور، والتأثّر بالأفكار الترقيعية الهجينة، وتثبيط العزائم هادفاً كان أو عفوياً. فهذه حالات غير صحيّة ربما تمر بها العملية التربوية عبر مسيرتها الشائكة. والإفادة من الأساليب الوقائية تحول دون هذه الحالات المرَضية، فتظل العملية التربوية نابضة بالحياة، محافظة على فاعليّتها وهدفيّتها،
واستقامتها.
لقد بلغ اهتمام الإسلام بالتربية درجة أنّه قدّمها على التعليم، مع عدم تغافله عن أهميّته. فقد قال عزّ من قائل:( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ... ) ،(الجمعة: 2)، وقال جلّ شأنه:( لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهم ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ... ) ، (آل عمران: 164).
فالإسلام يؤكِّد على التربية أوّلاً، ثمّ التعليم؛ لأنّ البُعد التربوي في المجتمع، أهم من البُعد التعليمي. ولا أُبالغ إذا قلتُ: بأنّ الإسلام أغنى نظامٍ بمفرداته التربوية والتعليمية.
لقد أنجزتُ تعريب هذا الكتاب لمؤلِّفه الدكتور علي شريعتمداري، وهو جهد علمي مشكور في الحقل التربوي، بَيْدَ أنّه لا يخلو من بعض الثغرات. وهذا أمر لا مندوحة منه، إذ ليس لأحد أن يدّعي الكمال؛ فالكمال لله وحده.. ويظلّ الكلام قاصراً؛ لصدوره من قاصر. ولا عيب في القصور، بل العيب في التقصير.فإذا واصلنا سيرنا فنحن غير مقصِّرين. وإذا قعدنا وتخلّفنا، فقد جمعنا بين القصور والتقصير؛ وهذا هو الداء العضال.
لقد دوّنتُ بعض الملاحظات العامة حول الكتاب، وقدّمتُها مع هذا التعريب لمن يهمّهم الأمر، وذلك في ورقة مستقلّة. ولي ملاحظات خاصة، ذكرتها في هوامش الكتاب عند الضرورة، لعلّها تماثل التعليقات على بعض المواضيع، حيثما استوجب ذلك. وقد يلحظ القارئ الكريم نوعاً من الجفاف في بعض مواضيع الكتاب، فلا غرو لأنّ أُسلوب الكتاب علمي، ومواضيعه اختصاصية. وقد ينعكس ذلك على التعريب أيضاً؛ لأنّي راعيتُ الأمانة بدقّة، ولم أتصرّف إلاّ قليلاً بشكل لم يخل بأصل الموضوع وفكرته، مع ترحيبي بكلّ ملاحظة بنّاءة مفيدة حول التعريب وذلك من أجل تطوير العمل، والسيرقُدُماً نحو الأفضل. وأخيراً أبتهلُ إلى الله تعالى أن يجعلني والناقدين من المعتصمين به،( .. وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ، (آل عمران: 101)، وأن يُعيننا على أنفسنا أن نزكّيها:( .. وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ
عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَداً ) ، (النور: 21).
علي هاشم
شوّال 1412هـ ق
تمهيد
إنّ القرّاء الكرام(1) على علم بأنّ كتاب (التربية والتعليم في الإسلام) قد ُطبع مرّات عديدة في الفترة الواقعة بين سنتي 1400 و1402هـ، بَيْدَ أنّ مشاغل عديدة أعاقتني عن مراجعته. ومن حسن الحظ أن أُتيحت الفرصة أخيراً فوُفّقت لمراجعته بأكمله، وأضفتُ إليه مباحث جديدة، وهي: البُعد الإلهي للتربية الإسلامية، أضفته إلى القسم الّذي يتناول خصائص النظام التربوي الإسلامي. كما أضفت البُعد المعنوي أو الإلهي في شخصيّة الإنسان، إلى البحث المتعلِّق بأبعاد شخصيته. وأجريت بعض التعديلات على الترتيب الوارد في ذكر الأهداف عند الحديث عن القسم الخاص بالأهداف. وفي القسم الذي يتطرّق إلى الأساليب التربوية في الإسلام، أشرتُ إلى الدعاء بوصفه أحد الأساليب التربوية الجوهرية. كما أضفت إليه بعض النقاط في مجال دمج الإيمان بالعقل.
وعند التحدّث حول التربية والتعليم في الإسلام، تبرز ضرورة التركيز على أنّ الإسلام - كنظام - ذو بُعد تربوي في كلّ ميدان، وأنّ لجميع أُصول الدين - وهي: التوحيد، والعدل، والنبوّة، والإمامة، والمعاد - دوراً تربوياً. والقرآن الكريم - بمعناه الواسع - أفضل وأكمل كتاب تربوي للإنسان من الناحية التربوية.
وتتميّز جميع أقوال الأئمّة وبشكل عام جميع الأخبار الواردة عن النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ، والأئمة الأطهارعليهمالسلام ، ببعدها التربوي. كما تشكل فروع الدين ومنها الدعاء، أساس التربية والتعليم في الإسلام. وما شُرّعت الأحكام الإسلاميّة؛ إلاّ لإصلاح بني الإنسان وتربيتهم.
____________________
(1) يقصد الكاتب قرّاء الفارسيّة.
فإذا ما رام أحد الخوض في حقل التربية والتعليم في الإسلام، فلابد له من التوفّر على دراسة الإسلام من جميع الجهات، واستخراج التلميحات التربوية في كل حقل. وهذه مهمّة عسيرة من الناحية العملية، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ضخامتها، إلاّ إنّ الاهتمام بجزء من جوانب الحياة الإنسانيّة مثل: النموّ والتكامل الفردي، وإصلاح المجتمع، وإقامة العلاقات الأساسية بين أعضائه، وعلاج المشاكل الفردية والجماعية، وتنمية الأبعاد الرئيسة في شخصية الإنسان وتوطيدها، وأُمور أُخرى مماثلة تشجّعنا على دراسة خصائص التربية والتعليم في الإسلام، وأهداف المدرسة الإسلاميّة، وأساليبها الجوهريّة.
نأمل أن تحظى الطبعة الجديدة لهذا الكتاب مع ما حصل فيه من تعديلات باهتمام القرّاء والراغبين، وأن ينظر إليه المتخصصون في الدراسات الإسلاميّة، وروّاد التربية والتعليم كخطوة أُولى على الدرب، مُحفِّزاً إيّاهم على دراسات أكثر في رحاب هذا الموضوع.
علي شريعتمداري
تشرين الأوّل 1985
الثورة الثقافيّة والتعليميّة
الثورة الثقافية والتعليمية
اقترح علينا بعض الأصدقاء: أن ندلي بحديث حول الثورة الثقافية والثورة التعليمية. ونزولاً عند رغباتهم فإنّا نتكلّم بإيجاز عن الثورة الثقافية، وضرورة إحداث تطوير في النظام التعليمي، رغم المشاغل الكثيرة في المجلس الأعلى للثورة الثقافية(1) .
تطرّقتُ إلى موضوع الثقافة وإشاراتها التربويّة في كتاب (المجتمع والتربية والتعليم) الذي تكفلت جامعة شيراز بطبعه وإصداره لأوّل مرّة عام 1961م (من الصفحة التاسعة حتى الصفحة الثامنة والثلاثين). ولا أرى ضرورة لنقل مواضيع ذلك الكتاب في هذا التمهيد، إلاّ أنّ الإشارة إلى بعض النقاط من ذلك الكتاب تبدو مفيدة.
ورد معنى الثقافة في الكتاب المذكور على أنّها مجموعة أساليب الحياة. ومعنى الأساليب: الكيفيات، والطرق المتنوّعة، التي ينهجها أفراد المجتمع في كافّة شؤون حياتهم الجماعية. فطرق وكيفيات: طهو الطعام، وارتداء الملابس، والتربية
____________________
(1) وهو المجلس الذي أسّسه الإمام الخميني (رضي الله عنه) سنة 1399هـ - 1980م لأسلمة الجامعات والتعليم العالي، ويضمّ علماء وأساتذة كبار.
والإعداد، والزراعة، والإنتاج الصناعي، والحُكم، والتعليم، والتفكير، وتجسيد الأفكار والتصورات في النتاجات الفنيّة، والعبادة، ونظائرها، كلّها تُكوِّن ثقافة المجتمع.
وقد جاء في قسم آخر من الكتاب، أنّ الثقافة: هي مجموعة الأشياء التي تدرَّج الإنسان في تعلّمها، وإبداعها، وإدراكها.
وبلغ الجانب الثقافي في حياة الإنسان درجة من القوّة، جعل البعض يعرِّفون الإنسان على أنّه: حيوان ثقافي. ويرى أحدالعلماء أنّ عناصر الثقافة هي:
1- الوسائل والأساليب.
2- النَظم الإجتماعي وأجهزته.
3- القيم والـمُثُل أو المعتقدات.
ويعتقد بعض العلماء أنّ الثقافة تتكوّن من ثلاثة عناصر هي:
1-العناصر العامّة: وهي الأُمور المشتركة، أو العامّة بين أفراد المجتمع.
2-العناصر الاختصاصيّة: وهي الأعمال الّتي تبرز في سلوك ذوي الاختصاص.
3-العناصر الإبداعيّة: وهي المستجدات والإبداعات التي تُعرض من قبل شخص واحد، أو أشخاص معدودين تدريجيّاً، ويمكن أن تطوِّر من نمط حياة الناس في بعض الشؤون الاجتماعية.
تحقق التربية والتعليم وحدة المجتمع، عن طريق تعزيز العناصر العامة. وتوضع المناهج التعليمية المهنية على مستوى التعليم الثانوي والتعليم العالي، لتكوين العناصر الاختصاصية. ويؤدّي تشجيع الأفراد على التفكير الحر في حقول مختلفة إلى بروز العناصر الإبداعيّة.
ينبغي الالتفات إلى دور العلوم والتكنولوجيا في مجال التطورات الثقافية، وقد تحدّثتُ حول هذا الموضوع بإسهاب في كتاب (المجتمع والتربية والتعليم) أيضاً.
تقع على عاتق المراكز التعليمية والتربوية ثلاثة واجبات مهمّة إزاء التراث الثقافي، وهي:
1- التعريف بالتراث الثقافي ونقله.
2- تقويم التراث الثقافي.
3- توسيع التراث الثقافي.
إنّ الإسلام - بوصفه الدين الوحيد الذي يتجاوب مع جميع شؤون الحياة الإنسانية - غني بثقافته الثريّة المعطاء، التي تستمد وجودها من الوحي، والتعاليم السماوية. وكان للثقافة الإسلامية دورها في إيران، منذ أشرقت أرضها بنور الإسلام الذي لقي ترحيب أهالي فارس واستجابتهم، لِما يتّسم به من مرونة وانفتاح، وهوية جماهيرية، ومنهج متّزن. وكان نفوذه ملحوظاً بشكل واسع في الآداب، والفلسفة، والفنّ، والتقاليد الاجتماعية، وأفكار الناس وعقائدهم. ولم يقف حجر عثرة في طريق سيادة الإسلام على جميع شؤون حياة الناس إلاّ الحكّام المعاندون المتعجرفون. بَيْد أنّ هذه العقبة قد أُزيحت مع انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني (رضي الله عنه)، وجهود علماء الدين المناضلين، وأغلبية الشعب الإيراني المسلم، حيث أُطيح بالنظام الملكي الجائر المنبوذ. فإنّ الأوان لانقلاب جذري في ثقافة المجتمع، بالاستلهام من تعاليم الإسلام المفعمة بالحيوية، والرافدة بالحياة في ظل ولاية الفقيه ذات النزعة الإنسانية، التي تمثّل أعلى منصب في النظام الإسلامي. ونجسّد الثقافة الإسلامية - عند طرح المعارف الإسلاميّة وقيمها المعنوية - على أنّها المدافعة عن الحرية، والسيادة الوطنية، والإستقلال، والعدالة، والعلم، والفنّ الأصيل، في جميع ميادين الحياة.
لا تتحقق الثورة الثقافية إلاّ إذا بادر الجميع بتغيير أنفسهم ومجتمعهم، قال تعالى:( .. إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ.. ) ، (الرعد: 11)، ويؤدّي: المسجد، والمدرسة، والمذياع، والتلفاز، والصحف، والمجلاّت، والعاملون في الحقل الإذاعي والتلفزيوني، والكتّاب، وكافة شرائح المجتمع دوراً مهمّاً في تحقيق الثورة الثقافية. وكذلك الحوزات العلميّة، لاسيّما العاملون في ميدان التبليغ، فإنّ لهم دوراً خطيراً في تحقيق الثورة الثقافية بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، وفي أرجاء البلاد كافّة.
وفي عقيدتي، فإنّ على أساتذة الحوزات العلمية المحترمين، وأساتذة الجامعات، والمعلمين الرساليين، والفنانين، والكتّاب، والإذاعيين، ومسؤولي الإذاعة والتلفزيون، وبقيّة وسائل الإعلام أن يتعاونوا مع المجلس الأعلى للثورة الثقافية في التخطيط لتحقيق الثورة الثقافية. ويمكن لممثّلي الأحزاب والمنظّمات المختلفة أن يشاركوا في الجلسات الّتي تُعقد لهذا الغرض، فيتدارسوا الأهداف المعيّنة للثورة الثقافية، والأساليب والمحتويات، ليخطوا بذلك خطوات ناجعة في تحقيق الثورة الثقافية، من خلال طرح الإقتراحات المفيدة حول البرامج الأساسية.
تقع على عاتق المراكز التعليميّة، مثل: المدارس الابتدائية، والمتوسطة، والإعداديّة، والجامعة مسؤولية التعريف بالتراث الثقافي للمجتمع، ونقله كما نوّهنا بذلك سالفاً. ولو تحرّرت هذه المراكز من قالب ضخ المواد العلمية والأدبية في ذهن الطلاب، وأصبحت المدارس والجامعات مرآة تعكس الوجه الناصع للثقافة الإسلامية، فسوف نلمس تطورات جوهرية في النظام التعليمي برُمّته، كما سنشاهد بصمات التغيير مطبوعة على محفّزات الدراسة، والأهداف التربوية، وطرق
التدريس، والمخططات والمناهج التعليمية، والعلاقات بين المعلّم والطالب، وعلاقات المدرسة والمجتمع، وكيفيّة إدارة المؤسسات التربوية، مستلهمين ذلك من القيم والمُثُل الإسلامية. وعندها سيهفو طالب العلم نحو العلم تقرّباً إلى الله (عزّ وجل)، وإشباعاً لغريزة حب الاستطلاع، وتحقيقاً لمعرفة أفضل لنفسه، وبني جنسه، ولما يدور حوله في العالم.
وعندما تضع الأهداف التربوية عملية التعليم في نهجها الأساس المرسوم لها، ومفرداته مثلاً: استيعاب المفاهيم، والنظريات، والمبادئ، والقوانين، وما سواها، فسوف ينظر إليها بصورة جديّة بصفتها فريضة دينيّة، وسيقوم المعلّم والطالب بالسّعي، وبذل الجهود، في هذا السبيل بكلِّ صدق وإخلاص، وستتحرّر طُرق التدريس - على أساس القرآن والسنّة النبويّة وهدى الأئمّة المعصومين - من رِبقة التسلُّط والتلقين، والتبجّح بالعلم، والتظاهر بالفضل؛ لتتبلور في قالب الهداية والبحث والتعقّل. وستوضع المناهج الدراسية وفقاً لحاجات الفرد والمجتمع، مع الأخذ بنظر الاعتبار أُسس كل فرع دراسي ومبادئه، وستنعتق علاقات المعلّم والطالب من شكلها القائم، حيث تتّسم بروح عدائيّة غالباً، لتصبح مثل علاقات الوالد بولده، أو علاقات شخصين يعملان معاًَ لبلوغ هدف مشترك ومقدّس في نفس الوقت. وسينظر المجتمع إلى المدرسة على أنّها جزء منه، وسترى المدرسة نفسها مسؤولة أمام المجتمع. وفي ضوء هذه الرؤية، فإنّ الهُوّة الموجودة بين المدرسة والمجتمع سوف تُردم. وستُدار المدرسة بمساهمة أفراد المجتمع، فتكون إحدى المؤسّسات الاجتماعية التي تتحمّل رسالة تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع.
وهناك مسائل متنوّعة في قضيّة التعليم بمستوياته المختلفة، علينا أن نناقشها بإيجاز.
إنّ المسألة الأساسية في التربية والتعليم - حسب رأينا - هي التعامل بجديّة مع قضيّة التربية والتعليم. لقد كانت الأُسر ترسل أبناءها إلى المدارس؛ لكي لا تبقى متخلّفةً عن ركب الآخرين، أو لأجل أن ينشغلوا بالدراسة، أو يتعلّموا من المدارس شيئاً ما. وفي المقابل كانت المدارس تحثّ خرّيجيها، ممّن أكملوا مرحلة الإعدادية، أو مرحلة أعلى منها، فأصبحت لديهم حصيلة علميّة معيّنة على التدريس. فعمل المعلّم يتجلّى في نقل ما عنده من معلومات إلى طلاّبه، ولم ينظر إلى طريقة النقل، أو كيفيّة التعلّم بعين الأهميّة، علماً أنّ هذا الوضع كان سائداً في مختلف المراحل الدراسيّة. أمّا الآن فلابد من إحداث تبديل في هذا النمط القائم. وعلى الوالدين أن يرسلا ولدهما إلى المدرسة؛ لتربيته، وإعداده. وعملُ المعلّم هو تربية الطالب، وتطوير سلوكه. وينبغي أن يُمارَس التعليم بشكل علمي، ويُنظر إليه - في نفس الوقت - كوسيلة للتربية والإعداد. ويجب إعداد المعلّم لممارسة مهنته المقدّسة، حتى يتمكن من أداء رسالته التربوية، ولا تتحقّق التغييرات اللاّزمة في إعداد المعلّم إلاّ اذا تعامل ذوو العلاقة مع مسألة التربية والتعليم بجدّية فائقة.
يدور الحديث في بعض الأوساط اليوم حول الالتزام الديني، والاختصاص في الفروع العلمية المختلفة. وبالرغم من أنّ الخوض في هذا الموضوع هو لتبرير ما تمّ إنجازه، بيدَ أنّ الاهتمام بهذين الجانبين يبدو ضرورياً لأسباب مختلفة. وعندما نتحدّث عن الالتزام الديني، فينبغي أن نضع في حسابنا شخصاً لا ينطق إلاّ بالحق، ولا يسلك إلاّ سبيل الحق، يسحق ذاته وهواه، ويمارس أعماله وفق الموازين الإسلاميّة بعد تعرّفه عليها. وليس لأحدٍ أن يعتبر نفسه ملتزماً إذا راعى بعض
الموازين، وأهمل بعضها الآخر.
وأمّا الاختصاص، فيجب تحديده أيضاً، فمن الذي نسمّيه مختصّاً؟ هل نسمّي الشخص مختصّاً، وهو لم يدرس في فرع من الفروع، كما ليس له أيّة حصيلة أساسيّة في ذلك الفرع؟ فالإشكال الجوهري يكمن في غموض المفهوم الحقيقي للإختصاص أو في إهماله. وما أكثر الأشخاص الذين يعدّون أنفسهم مختصّين في علم النفس، والفلسفة، والتربية والتعليم، والإقتصاد، وعلم الاجتماع، والحقوق، والآداب، وغيرها من الفروع، في حين لا هم أصحاب تحصيل دراسي منظّم في هذه الفروع، ولا هم من ذوي المعرفة بأساس هذه الفروع ومبادئها.
لا ريب إنّنا نحتاج إلى أشخاص ملتزمين ومختصّين في عملية بناء المجتمع، فلا الشخص الملتزم وحده يستطيع علاج المسائل التخصصية، ولا المختص غير الملتزم يرى نفسه مُلزماً في علاج المسائل الاجتماعية، لذلك ينبغي مراعاة الدقة الكافية في تحديد مصداق الملتزم والمختص.
إنّ التربية والتعليم من الفروع التي يرى كثير من العلماء، والكتّاب، والأساتذة، والسياسيّين والمعلّمين أنفسهم مختصّين فيهما؛ بيد أنّ وقفة قصيرة في ميدان المسائل التربوية تكشف لنا أنّ هؤلاء المذكورين ليس لهم أدنى اطّلاع على مبادئ التربية والتعليم وأُسسهما.
نحن نحتاج إلى الأشخاص المختصّين، في عملية التربية والتعليم، فالتعليم الابتدائي والتعليم الثانوي، والإدارة التعليمية، وتأليف المناهج الدارسية، والتخطيط للعملية التعليمية، وإعداد المعلمين، و...، كلّها امور تخصّصية. وما لم يتلقَّ الإنسان التعليم العالي، فليس في مقدوره الخوض في فلسفة التخطيط والإدارة الجامعية، وهدفهما، وسبكهما، ومحتواهما، وكيفيّتهما.
وفي ضوء ما تقدّم، لابد من تكريس الجهود للإستفادة من وجود المختص الملتزم، لإحداث تطوّرات جذريّة في النظام التعليمي القائم في بلادنا. وفيما يلي
نستعرض قسماً من المسائل التعليميّة بإيجاز:
يجب أن يجتمع فريق يتكوّن من الكتّاب المسلمين، وعلماء النفس، والمربّين، وعلماء الاجتماع، والملمّين بالثقافة الإسلامية لاتّخاذ ما يلزم في شأن البرمجة، والتخطيط، وانتخاب المواد، أو محتوى التعليم وشكله في هذه المرحلة.
ينبغي تقويم مدّة الدراسة في هذه المرحلة، فالمرحلة ذات السنوات الست، تمثّل متوسّط النموّ، وتعكس فترة المراهقة، ولم يقدّم دليل على تقليص هذه المرحلة إلى خمس سنوات من ناحية النموّ والتربية.
يجب أن يساهم المتخصّصون في التعليم الابتدائي، والمعلّمون، المتخصّصون في الفروع العلمية والأدبية والتاريخية، ومعهم الكتّاب من أصحاب الكلمة المسؤولة، وعلماء الاجتماع الواعون، يؤازرهم المتخصّصون في الثقافة الإسلامية، في التخطيط لعمليّة التعليم في المرحلة الابتدائية. ولاريب في ضرورة مساهمة علماء النفس المتخصّصون في التربية والتعليم في هذه العملية.
تحظى هذه المرحلة بأهميّة خاصّة، بوصفها مرحلة التعليم العام. وتشكّل الحاجات النفسيّة، والاجتماعية، والمهنيّة، والعلميّة أساس المنهج التعليمي في هذه المرحلة. وينبغي أن تندمج هذه المرحلة بمرحلة التعليم الثانوي أو الإعدادي،
لأنّ توسيع منهج التعليم العام طيلة المرحلة الثانوية، واحتمال حدوث تبديل في البرامج المهنيّة والعلميّة، سيكون ميسّراً للطلاّب عند الاندماج. ولابد من الاستعانة بالمتخصّصين في التعليم الثانوي، والأخصائيّين في الفروع الدراسية، والأخصائيّين في الثقافة الإسلامية عند انتخاب المواد، وتحديد محتوى البرنامج التعليمي، وتقديم تعليم يسد الحاجات المهنية والعلمية من جهة، والحاجات العامّة من جهة أُخرى.
يجب أن يخضع مستوى التعليم الثانوي للتبديل والتغيير أكثر من المستويات الأُخرى، فليس هناك أساس منطقي لتعليمنا الثانوي. وتكمن فلسفة التعليم الثانوي في إعداد الطلاّب لدخول الجامعة. وهناك ملاحظات جديرة بالاهتمام في هذا الصدد.
أوّلاً: لا يجد جميع خرّيجي الإعدادية طريقهم إلى الجامعة مباشرة في أيّ قطر من أقطارالعالم.
ثانياً: لا يرى أيّ مجتمع من المجتمعات حاجة في إرسال خرّيجي الإعدادية كافّة إلى الجامعة، سواء من ناحية توسيع التعليم العام، أو من ناحية تربية الطاقة البشريّة. وفي بعض البلدان، مثل: انجلترا يُعد فقط ما يقارب 8% من الخرّيجين أنفسهم لدخول الجامعة.
ثالثاً: في بلادنا، ولا سيّما في السنين الأخيرة، فإنّ أقلّ من عُشر المتقدّمين إلى الجامعات دائماً، كانت تتاح لهم فرصة الدراسة في مراكز التعليم العالي. بكلمة بديلة، لا تستقبل الجامعات أكثر من سبعة أو ثمانية بالمائة من المتقدّمين. وينبغي الأخذ بنظر الاعتبار أنّ كثيراً من الطلاب الجامعيين كانوا يواصلون دراساتهم في فروع لا يمارسون فيها اختصاصاتهم بعد التخرّج.
رابعاً: وتتعلّق هذه الملاحظة بتبديل برنامج التعليم الثانوي، من حيث الشكل والمحتوى.
وهنا يجب أن ننظر: هل إنّ المجتمع يحتاج إلى خدمات، يمكن بواسطتها إعداد الطلاّب في المرحلة الإعداديّة، لتقديم تلك الخدمات. فما استفدناه من استشارة ذوي الاختصاص، هو: إمكانيّة تقديم خدمات من قبل خرّيجي الإعداديّات في المجالات الصحيّة، والفنيّة، والزراعيّة، والتجارية.
فينبغي تحديد مثل هذه الخدمات من خلال دراسة دقيقة، لتشكل أساس البرامج التعليميّة. وفي مثل هذه الحالة، لعلّ أكثر من ستّين بالمائة من خرّيجي الإعداديّة يدخلون ميدان العمل بعد التخرّج مباشرة، ويذهب عدد منهم إلى الجامعة لتأمين الطاقة البشرية التي يحتاجها المجتمع، ويعمل بعضهم في السلك العسكري، وفي إدارات مؤسّسات أُخرى.
وفي العصر الحاضر يمكن إعداد طلاّب السنة الأخيرة في المرحلة الإعداديّة، لدخول ميدان العمل وتقديم الخدمات اللاّزمة، من خلال إحداث تبديلات عاجلة في المنهج التعليمي للسنة الأخيرة من مرحلة الإعداديّة، والإستعانة بالطاقات الموجودة في المراكز الصحيّة، ودوائر الزراعة، والمكاتب الفنيّة، وكذلك الإستفادة من الإمكانيّات المتوفّرة في المؤسّسات الحكومية والخاصة.
لابد للتعليم العالي أن يأخذ بنظر الإعتبار أنّ عليه أن يحقِّق هدفين جوهريين هما: تقديم الخدمات، وتوسيع رقعة الفروع العلميّة، عن طريق البحث والتنقيب.
تحدّثنا سابقاً عن أهداف التعليم العالي في مقالة أُعدّت في شهر مايس، سنة 1968م، وُطبعت في كتاب (المجتمع والتربية والتعليم)، ثمّ طُبعت مرّة أُخرى في رسالة حملت عنوان (رسالة الجامعة والتزام الجامعي). وهذه الأهداف هي:
1- رعاية السنن العلميّة وحفظها.
2- إعداد المتخصّصين.
3- التربية العامّة.
4- توسيع التراث الثقافي.
5- تأسيس المراكز التخصصيّة(1) .
6- علاج المسائل الاجتماعية.
7- إعداد المعلّمين.
وبعد انتصار الثورة الإسلاميّة، أصبحت الجامعة مُلزمة بتكييف وجودها مع هذه الثورة، أُسوةً ببقيّة الدوائر والمؤسّسات؛ وذلك لتؤدي رسالتها في توطيد أركان النظام الإسلامي، وتحقيق الأهداف المذكورة.
إنّ على الذين تذمّروا من تعطيل الجامعات أن ينظروا، هل أنّ الجامعة أفلحت في أداء رسالتها أم لا؟ هل إنّ التعليم في جامعاتنا كان يجري بشكل أساسٍ وجوهري؟ هل كان الأساتذة المحترمون ملمّين بمبادئ التربية والتعليم؟ هل وُضعت المناهج الدراسيّة وفقاً للأُسس العلميّة لكلّ فرع، وتلبيةً للحاجات الاجتماعية؟ هل كُنّا نراعي السنن العلمية في تدريسنا وتحقيقنا؟ هل كان الهدف من إعداد المختصين هو تأمين الطاقة البشريّة للمجتمع؟ هل كان الأطبّاء، والمهندسون، المتخصّصون في الحقل الزراعي يبادرون إلى علاج مشاكل أغلبيّة الناس؟. يقال إنَّ أربعين بالمائة من أطبّائنا كانوا يقيمون في طهران، فهل إنّ هذا العدد يعمل لصالح ستّة ملايين نسمة يعيشون في طهران، أو أنّه يعمل لصالح شريحة معيّنة؟ ألا يجب على كليّة الطب أن تعد طبيباً يعالج أغلبيّة أبناء هذا الشعب، أعني: أبناء النواحي والأرياف؟ فهل أدّت كليّات الطب لحدّ الآن دورها في هذا المجال؟.
____________________
(1) ورد في المصدر الذي يشير إليه الكاتب (تأسيس المراكز التحقيقية).
فما ينتظره المجتمع - إذاً - من الجامعات بعد استقرار النظام الإسلامي يتلخص فيمايلي: ينتظرالمجتمع من الطالب المسلم أن يكون حافزه الأساس من دراسته في الجامعات هو التقرّب إلى الله، وخدمة عباده، بديلاً عن الحوافز الشخصيّة، والماديّة. وهذا لايعني - بالطبع - أن يقدّم الطبيب، أو المهندس، أو القاضي خدماتهم اللاّزمة، وهم يتضوّرون جوعاً. فممّا لا ريب فيه هو أنّ كلّ فريق من أرباب هذه المهن لابد له أن يتمتّع ببعض الامتيازات الماديّة متناسباً مع وضعه، ووضع أرباب المهن الأُخرى في المجتمع الإسلامي.
وينتظر المجتمع من الطالب غير المسلم أن يكون مع النظام الإسلامي بكلّ صدق وإخلاص، وأن يقدِّم خدماته للناس في مجال اختصاصه من خلال شعوره بالالتزام، والمسؤوليّة، أمام المجتمع، وتحلّيه بالمعايير الأخلاقيّة السليمة.
وينتظر المجتمع من الجامعيّين أن يجعلوا من الجامعة مركزاً للتعليم الحقيقي، والبحث والتنقيب المهمَّين. ولابد للأُستاذ أن يكون مُلمّاً بمبادئ التعليم، ويعمل على تصعيد مستواه العلمي ومستويات الآخرين.
يجب أن تكون الجامعة مركزاً للبحث والتحقيق. وليس التحقيق من أجل إعداد مقالة في صفحات معدودة بهدف نيل درجة أُستاذ مساعد، أو أُستاذ؛ إنّما التحقيق من أجل توسيع نطاق الاختصاص، وإضافة معلومات جديدة إلى المعلومات السابقة. وفي هذا المجال وحده يتحقّق الاستقلال العلمي للجامعات. مضافاً إلى أنّ البحث والتحقيق يجب أن يتركزا على المسائل الداخليّة للبلاد. يقول الإمام الخميني (رحمه الله) في إحدى خطاباته: (إنّ معلّمي مدارسنا ليسوا إسلاميّين بشكلٍ عام، إذ لم تكن التربية إلى جانب التعليم في يوم من الأيّام. لذلك لم تخرِّج جامعاتنا إنساناً ملتزماً، ومتحمساً لخدمة بلاده، لا تهمّه مصلحته الشخصية.. فليس عندنا خرّيج جامعيّ يحمل هذه المواصفات).
هل إنّ التربية - كمهمّة جوهريّة لجامعاتنا - متحقّقة في الجامعات؟ فمعظم عملنا يتركّز على تصعيد مستوى الطلاّب في مجال الحفظ، ويندر أن يتركّز على تصعيد مستواهم في المجال العلمي. والشيء الذي لا ننظر إليه بعين الاهتمام والأهميّة هو التربية.
يجب أن تكون الجامعة مركزاً للتفكير الحر، وتلاقح الآراء، وتبادل وجهات النظر. بيد أنّنا ينبغي أن نلتفت إلى حقيقة هي أَنّ التفكير الحر يتناقض مع التعصب، كما لا يتّفق مع السباب والشتم، ومهاجمة الآخرين، وانتقاصهم، وكذلك فهو يتعارض مع تشويه الحقائق. وقد ذُكرت أُسس التفكير والتفكير الحر في الإسلام، من خلال عدد من الآيات القرآنيّة، مثل قوله تعالى:( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) ، (الإسراء: 36)، وقوله تعالى:( لاإكْراه في الدِّين ) ، (البقرة: 256)، وقوله تعالى:( فَبَشّرْ عِبَادِ * الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.. ) ، (الزمر: 17 - 18)، وقوله تعالى:( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ) ، (النحل: 125).
فلا إشكال عندنا على تحقيق حريّة النقاش، بل إنّ اشكالنا على النقاش ذاته. بعبارة أُخرى، نحن من أهل النقاش والتحقيق والتفكير، بل ولا نخشى التفكير. يقول الإمام الخمينيّ (رحمه الله) في هذا المجال:
(نحن لا نريد أن نقول: بأنّ العلوم قسمان، كما يناقش بعضهم في ذلك عمداً، أو جهلاً، بل نريد أن نقول: إِنّه لا وجود للأخلاق والتربية الإسلاميّة في جامعاتنا، ولو كانت موجودة، لما أضحتْ ميداناً للمنازلات العقائديّة المضرّة لبلادنا).
إنّ إعداد المعلمين هو إحدى الحاجات الجوهرية للمجتمع. وكما أُقترح سالفاً، فبسبب اتّساع المعلومات البشريّة، ونظراً لأهميّة التعليم الابتدائي، وإشباعاً لغريزة
حب الاستطلاع عند الناشئة والأحداث، وتربيةً لعنصر الإبداع فيهم، لذلك يجب العمل على تصعيد المستوى العلمي لمعلّمي المرحلة المتوسّطة، ومدرّسي المرحلة الإعداديّة، حتى درجة البكالوريوس.
وينبغي أن يكون المعلّم - في أيّ مستوىً كان - مُلمّاً بمبادئ التربية والتعليم، وعلم النفس، ومطّلعاً على الثقافة والمعارف الإسلامية، ومتضلّعاً في الفروع الدراسية، وله ثقافة ومعلومات عامّة. فالتركيز على هذه الأركان الأربعة الأساسيّة في البرنامج التعليمي لإعداد المعلمين، يجعل مسألة تصعيد المستوى العلمي لهم حتى درجة (البكالوريوس) ضروريّة.
وفي عقيدتي، فإنّ القسط الأكبر من النشاطات الجامعيّة في: العلوم، والآداب، والعلوم الإنسانية، والإدارة التجارية يجب أن يتركز على إعداد المعلمين؛ وذلك نظراً لدور الجامعات في تأمين حاجات البلاد، وإدراكاً لهذه الحقيقة القائلة: بأنّ تربية الطالب الجامعي بمستوى الظروف المعاصرة وفي بعض الفروع، يسفر عن: تضييع وقت الطالب والأُستاذ، وتبديد المبالغ الطائلة من خزينة الدولة. وتبقى نسبة ضئيلة تكرَّس للطلاّب الراغبين في البحث والتحقيق، ومواصلة الدراسات العليا.
وفي هذا الإطار، فإنّ على الجامعيين التعاون الوثيق المتواصل مع المعلمين والمدرّسين في التخطيط التعليمي، ووضع المناهج الدراسية، وإعداد الإداريّين، وكذلك في توسيع الإمكانيّات التعليميّة.
خاصّيّتان أساسيّتان للإنسان
خاصّيتان أساسيّتان للإنسان
من الخصائص الأساسيّة للإنسان: وعيه لسلوكه، ووجود القوة المفكِّرة لديه. فيمكن للإنسان أن يكون واعياً لسلوكه(1) ، ويستعين بالقوة المفكِّرة المودعة عنده، لدى مواجهته للمسائل والقضايا المختلفة(2) . وينبغي أن ننتبه أنّ الإنسان لا يعي ما يقوم به من أعمال دائماً. بكلمة بديلة، فقد ينهج الإنسان سلوكاً معيناً، بيد أنّه لا يدرك دوافع هذا السلوك وأهدافه.
ولا يستعمل الإنسان قوّته المفكرة بصورة دائمة عند مواجهته لمختلف المسائل. فتجده أحياناً يُقلّد تقليداً أعمى، أو يندفع اندفاعاً طائشاً بدل أن يُعمل فكره. وكما نعلم، فإنّ سلوك الإنسان ليس على وتيرة واحدة، فتارةً يظهر سلوكه على شكل ردود فعل انعكاسيّة، وأُخرى يكون نتيجةً لنموّه وتكامله، وفي بعض المواطن لا يخلو أن ينشأ من التعليم.
ولسلوك الإنسان شكل خاص في المجال الاجتماعي أيضاً، فما يتعلّمه الإنسان من الجماعة ينعكس على سلوكه بأشكال مختلفة. فالتكلّم والتوافق الإجتماعي، والتعاون مع الآخرين، والتكييف والإنسجام، والتعارض، والتشابه، وأمثال هذه الأشياء تُكون الشكل الاجتماعي لسلوك الإنسان. ويراعي الإنسان تقاليد معيّنة
____________________
(1) قال تعالى:( بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) ، (القيامة: 14).
(2) قال الإمام عليعليهالسلام :«لا يُستعان على الدهرِ إلاّ بالعقل» .
في شرائح شتّى. ويبدو في السلوك الاجتماعي نوع من الجبر، واللاّشعور. بعبارة أُخرى، يرى الإنسان نفسه مجبراً على اتّباع تقاليد معيّنة، يغلب فيها عدم شعوره بما يفعل، هذا مع أنّه يمكن أن يكون شاعراً بجميع ما يقوم به. فمثلاً عندما تحضرون مجلس فاتحة، فإنّكم على علم - سابقاً - بأنّ عليكم مراعاة الصمت والهدوء، فتحاولون المحافظة على هذا التقليد.
بصورة عامّة، يتسنّى للإنسان أن يدرك جميع ما يفعله تدريجاً، وهذا الإدراك أمارة من أمارات نموّ شخصيّته.
من جهة أُخرى، فإنّ حياة الإنسان محفوفة بمشاكل كثيرة، ومواجهة هذه المشاكل تُنمِّي في الإنسان القابليّة على التفكير. أمّا الإنسان - كما ذكرنا سالفاً - فإنّه لا يستعمل قوّته المفكِّرة العاقلة دائماً. وفي نفس الوقت، فإنّه يطمح إلى أن يحكم سيطرته على بيئته، ويرقب ظروفه الحياتيّة. فالسيطرة على البيئة تتطلّب منه إدراكاً ووعياً لما يجري فيها، وفي هذا الإطار، كما قلنا،فإنّ علاج المشاكل لا يتيسّر إلاّ عن طريق القوّة المفكِّرة، لذلك فإنّ الإنسان مجبر على استعمال فكره من أجل مواصلة حياته.
إنّ حافز الإنسان في التعرّف على بيئته، ورغبته في الإلمام بما يدور فيها، وكذلك تأمين الحاجات الأساسية، ومساعدة البيئة على الحياة، كلّ ذلك يُرْغم الإنسان على الجِد والسعي والاهتمام. وفي هذا المضمار، استطاع الإنسان أن يعالج بعض مشاكله بمساعدة فكره. وفي خِضَمّ علاج المشاكل، أصبحت نشاطات الإنسان في قالب العلم، والفن، والفلسفة، والآداب والتقاليد.
وإذا أخرجنا عمليّة التربية والتعليم من نطاق الدرس، والكتاب، والمعلّم، والطالب، ونظرنا إليها عمليّة يروم فيها الجيل الأكبر أن يوسِّع من دائرة وعي الجيل الأصغر، في مجالات: معرفة الكون، معرفة الإنسان، الظروف الاقتصادية والسياسيّة، والتقدّم والتطوّر. وعملية تُعِد الإنسان لمواجهة مسائل الحياة عن طريق تربية قدرة
التفكير فيه، حينئذ تصبح هذه العملية أهم نشاط من نشاطات الإنسان. إنّ النُظُم ذات الجانب التربوي، سواء تلك التي تُعنى بالمسائل التربويّة الخاصّة، أو التي تهتمّ بحياة الإنسان عموماً لا تؤثِّر في نموّ الإنسان، وتطوّره، إلاّ اذا ركّزت على تربية قوّة التفكير، والوعي فيه، ونظرت إليه على أنّه في تطوّر وتكامل متواصلين.
إنّ بعض النُظُم الفكرية، مع أنّها تُولي أهمية لعلاقات الإنسان مع الكون، ومع بني جنسه، وتتّخذ من هذه العلاقات ركيزةً لمبادئها وأُسسها، بَيْدَ أنّها تقوِّم الإنسان، سواء في حياته الفردية، أو الاجتماعية، على أنّه نتاج بيئته، ولا تُؤْمن بأيّ دور لوعيه في النموّ والتطوّر.
وهذا خلل، كما أنّ - هناك - خللاً آخر في تلك النُظُم، وهو قصور نظرتها في موقفها من المسائل المختلفة، وقد ينعكس هذا التصور في فهمها لماهيّة الإنسان وهويّته. إنّها لا تأخذ في حسابها الجوانب المختلفة في شخصيّة الإنسان، حيث يرى بعضها أنّ الجانب البيولوجي، أو الفسيولوجي، هو محور سلوك الإنسان، في حين يرى بعضها الآخر أنّ الجانب الاجتماعي هو المحور. فكلاهما يقيِّد الإنسان في نطاق النشاطات البدنية، أو الاجتماعية، ويصادر قدرته الروحية في موقفه من المسائل المختلفة. فأنصار الجانب البيولوجي، يضعون الإنسان في مصاف الحيوانات - على نحو الإرغام - ويستعينون بمشاهداتهم لسلوك الحيوانات، من أجل شرح سلوكه، وتبيانه. أمّا أنصار الجانب الاجتماعي، فيحصرون دائرة نشاطه في المجال الاجتماعي، إذ يرَوْن سلوكه انعكاساً لما يتعلّمه من المجتمع، غافلين عن أنّ الإنسان عضو يعيش في الجماعة، والحياة الجماعية لا تسلب منه شخصيّته الفردية واستقلاله. إنّ كلا الفريقين ينكر جانب الإبداع الكامن في الإنسان، أو أنّهما يتعثّران عند الحديث حول هذا الجانب، وكذلك يُلغِيان دور الإنسان في توجيه نفسه وإرشادها.
وترى بعضُ النُظُم أنَّ الجانب المادّي في حياة الإنسان يقع في الدرجة الأُولى من حيث الأهميّة، وترى نظُم أخرى أنّ الجانب المعنوي هو الأهم.
في الحقل الاجتماعي، تؤمن بعض المجتمعات الغربيّة - كما يبدو - بأنّ الحريّة، و(الديمقراطيّة)، والحقوق الفرديّة تُمثِّل القيم الأساسية في قاموسها. أمّا المجتمعات الشيوعيّة، فترى بأنّ الهدف الأصلي من الحياة الجماعية هو: العدالة الاجتماعية مع ضمان الإمكانيات الماديّة للجميع، وإنهاء الإستغلال الذي يصبّ في صالح طبقة على حساب طبقة أُخرى.
وفي خِضَمّ هذه التوجّهات، نلتقي فريقاً ينظر بعين الأهميّة إلى الأفراد بصفة أنّهم أفراد، مُلغياً تأثير الجوانب الاجتماعية على حياتهم. فالتربية في قاموس هذا الفريق هي: ذات جانب فردي، ويتصوّر أتباع هذا الفريق بأنّ الأفراد لو تربّوا تربية سليمة، وتخرّجوا منها صالحين، فإنّ المجتمع سوف يتحسّن اوتوماتيكيّاً. ولا يعتقد هؤلاء بقيمة الحياة الجماعية وأهميّتها، كما لا يدركون الحقيقة القائلة بأنّ نموّ الفرد في المجالات المختلفة لا يتيسّر إلاّ من خلال الحياة الجماعيّة.
بكلمة بديلة، إنّ نموّ الفرد في مجال العقل والعاطفة والبدن تابع للحياة الجماعيّة إلى حدّ كبير. وكما مرّ بنا، فإنّ التطرّف في تأثير الحياة الجماعيّة ليس منطقيّاً كالتطرّف في الشخصيّة الفرديّة للإنسان. فلو كان الإنسان نتاج بيئته ومجتمعه، وأنّ الظروف هي التي تمنح سلوكه وشخصيّته قالباً خاصّاً، فما هو دور التربية والتعليم إذَن؟ ولو كان سلوك الفرد خاضعاً للظروف الاجتماعية، فكيف نُبرّر توقّعاتنا من الأفراد؟
إنّ اموراً من نحو الحريّة، والديموقراطيّة، والحقوق الفردية، والعدالة الاجتماعية، مع الأخذ بنظر الإعتبار الجانب الفردي والاجتماعي، لها شكلها الخاص بها.
وفي المجتمعات الغربيّة ينصبّ الاهتمام - غالباً - على هذه الأمور من خلال
التركيز على الجانب الفردي، وعدم تدخّل المجتمع في شؤون الفرد، فالحريّة تعني أنّ في مقدور كل شخص أن يعمل ما يشاء. ويضيفون إلى ذلك شرط عدم إزعاج الآخرين، بيد أنّ ذلك الشرط لايشكّل عائقاً إلى حدٍّ بعيد، لأنّ في مقدور الأشخاص - في مواطن خاصّة - العمل على إشباع ميولهم ورغباتهم دون أن ُيسبّبوا إزعاجاً للآخرين.
يمشي أحدهم بحريّة، ويمارس شخصان الإتصال الجنسي أمام أنظار الآخرين، فالكل أحرار، ويستطيعون القيام بأي عمل تحت غطاء الحريّة. والمتزوّج حر في أن يترك زوجته ويعشق امرأة غيرها، وزوجته - أيضاً - حرّة في أن تعشق رجلاً آخر. فليس من حق المجتمع أن يقف بوجه هذه الممارسات، وذلك لأنّ الناس أحرار، وليس لأحد الحق في أن يحدّ من حريّة الآخرين.
يسود هذا التصوّر عن الديمقراطيّة كثيراً من الأوساط الثقافية في الغرب، حيث يعمل الإنسان ما يشاء تحت لواء الديمقراطية.
وللحقوق الفرديّة أيضاً في المجال الاجتماعي، والنظام الاقتصادي الخاص شكل معيّن. فللمالك الحق في أن يبني علاقاته مع الآخرين كيفما يشاء. ولِربِّ العمل حق استغلال العامل، وليس لأحد أن يطرح حقوق المستضعفين أو الكادحين على بساط البحث. ويبدو أنّ لهؤلاء حقوقاً، بيد أنّ ضمان حقوق أرباب العمل والملاّكين لا يسمح بالحديث عن حقوق المستضعفين، وهنا تفقد العدالة الاجتماعية مفهومها وقيمتها. وبما أنّ الفرد هو المهم، وأنّ المجتمع أو المنظّمات الاجتماعية ليس لها حق التدخّل في شؤون الأفراد، لذلك فإنّ القضاء على الاستغلال يُعدّ تدخّلاً في شؤونهم، وليس له أيّ مبرّر. وفي مجتمع، يحظى فيه الحسُّ الجماعي بأهميّة خاصّة، يكون لمثل هذه الأمور شكل معيّن. وكما نعلم فإنّ الجماعة تُلقي ظلّها على الأفراد في مثل هذه المجتمعات، فالجماعة ومصالحها هي المهمّة، وما على الفرد إلاّ أن يكون تابعاً لها. وفي هذا المجال تُهمل الحريّة والحقوق الفردية، فالفرد ليس حرّاً
في إشباع ميوله ورغباته، بل هو محروم من الحريّة حتى في انتخاب النظام الفكري، والتعبير عن رأيه، والخوض في مختلف القضايا، والنقد، ومعارضة الحكومة، وأمور من هذا القبيل، فكلّ شيء في مثل هذا المجتمع تحت ظل الجماعة. ومن الطبيعي فإنّ عمل الجماعة وتشخيص مصالح المجتمع ينحصران بيد فريق معين، أمّا الأَفراد فهم مرغمون على اتّباع هذا الفريق. ففي هذا المجتمع يضمحلّ استقلال الفرد وحريّته وإبداعه.
إنّ المؤسّسات الجماعية ذاتياً تُعتبر مقدّسة وذات قيمة في مثل هذا المجتمع، وما على الأفراد إلاّ تكييف أنفسهم مع هذه المؤسّسات. وهنا يأتي دَور التربية والتعليم، فهو: العمل على تكييف الأفراد مع المؤسّسات الجماعية. وفي مثل هذا الوضع، ما على الأفراد - في أيّ جماعة كانوا - إلاّ أن يستسلموا للوضع القائم، ويواصلوا حياتهم كالأداة الطيّعة، أو ينفصلوا عن الجماعة وعن أفراد آخرين ليعيشوا في وضع متأرجح. وفي الحالة الثانية يكون الأفراد - عادة - غرباء بالنسبة إلى أنفسهم ومجتمعهم، أو أنّهم يشعرون بالغربة. وليس هناك من هدف أو محفِّز قوي يوجّه أعمالهم وممارساتهم. الحياة في قاموسهم عبث وهُراء، وكل شيء - مبدئيّاً - عبث بالنسبة إليهم، كما أنّهم يحسبون أنفسهم ليسوا ذوي شأن أوبال. وتتحقق هذه الحالة لجميع الذين لا يريدون الإستسلام للوضع القائم. بكلمة بديلة، إنّ الفرد - عاملاً كان أو رئيساً للعمل، وكاتباً كان أو عالماً، ورئيساً كان أو موظّفاً، ومعلماً كان أو طالباً - سيصاب بعدوى هذا الوضع.
والرائع في مثل هذه الظروف هو طرح النظام الفكري للإسلام، فهو - إطلاقاً - لايشبه الأنظمة الأُخرى، هذا من جانب، كما أنّه ليس نظاماً هجيناً ترقيعيّاً من جانب آخر. وهو - بشكل عام - ذو بعد تربوي، ولنظامه التربوي ميزات معيّنة. فلا الفرد وحده هو المحور، ولا المجتمع. الفرد حر، بيد أنّ للحريّة - في قاموسه - معنىً منسجماً مع الحس الإنساني الرفيع، وفي رحاب الحريّة نفسها، يكون الفرد مكلّفاً
مسؤولاً. وهو حر في انتخاب عقيدته، وله حق التعبير عن رأيه في شتّى المسائل، ويمكنه أن يستمتع بثمرة عمله وجهده، وتضمن مصالحه المشروعة عندما لا ترتطم مع المصالح الاجتماعية العامّة، وليس في مقدور أيّة سلطة أو جهاز أن يحدّا من سيادته على نفسه في تقرير مصيره.
إنّ الفرد - مضافاً إلى حريّته واختياره - يشعر بالمسؤولية أمام المجتمع في النظام الإسلامي، ولا تنفصل حياته عن حياة المجتمع. بعبارة أُخرى، لا يقف أحدهما مقابل الآخر على نحو التنازع أو التعارض. وتندمج الحقوق والحريّات الفردية مع رفاه الجماعة في النظام الإسلامي، وفي نفس الوقت يضع النظام التوحيدي الفرد والمجتمع على خط التكامل والتطوّر.
يضطلع المجتمع بمهمّات وواجبات معيّنة في النظام التربوي الإسلامي، فهو لا يترك الفرد بدون قيِّم، إنّما يكفل له ضروريّات الحياة، كما يضمن رفاهه، ويهيّئ له مستلزمات رُقيّه وتطوّره.
وفي هذا النظام تُناقَش معرفة الكون مثلما تناقش علاقة الإنسان بالكون، وعلاقة الكون بالله (عزّوجَل).
وفي التربية والتعليم، يدور البحث حول العلم، ويدور حول التفكير في الوقت نفسه. كما يدور حول تربية القدرة العقليّة، وفي الوقت ذاته يدور حول تربية الجانب الاجتماعي في شخصيّة الإنسان. كما يهتم هذا النظام بالحياة المادية والمعنوية على السواء. وكما ذكرنا آنفاً، فإنّ حريّة الفرد - في هذا النظام - تندمج في رفاه الجماعة. ويدور الحديث فيه حول العدالة، وحول الإيثار ونكران الذات على التوازن. ويُشكِّل العمل وبذل الجهد أساس الملْكية في هذا النظام، بيد أنّ كل شيءٍ يعود إلى الله، ويصب في صالح الرفاه العام. ويتميّز هذا النظام بأنّ مقياس التفاضل فيه هو التقوى. ومن الطريف فيه أنّه لا يقصر مهمّة التربية والتعليم على المعلم أو على الوالدين فقط، بل يجعلها مهمّة جماعية من خلال طرح مبدأ الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، فيصبح الجميع مربّين بعضهم للبعض الآخر.
وفي هذا النظام يحظى الفرد، والمجتمع، والنوع الإنساني قاطبةً بالعناية والاهتمام، وتتحرّك العلاقات الإنسانية في خط التطوّر متوكئة على النظام التوحيدي. ويكون مثَل الأخلاق التوحيديّة كمثَل المِنوار أو المشعل الكهربي (Projector) إذ ينير جميع شؤون حياة الإنسان.
النّظام التّربوي في الإسلام
النظام التربوي في الإسلام
نتطرق في البداية إلى ذكر خصائص النظام التربوي في الإسلام، ثمّ نعرِّج على مناقشة أهداف هذا النظام وأساليبه ومحتواه.
خصائص النظام التربوي في الإسلام
التربية الإسلاميّة تربية إلهيّة، وقد ورد في الحديث المشهور، قولهصلىاللهعليهوآله : « أدّبني ربّي فأحسن تأديبي». والتربية الإِلهيّة - كما جاءت في القرآن الكريم - صالحة للتطبيق بالنسبة إلى جميع أفراد النوع الإنساني، سواء الأنبياء منهم أو الناس العاديّون.
وفيما يلي عدد من الآيات القرآنية الكريمة التي تخصّ الموضوع، فإلى تلاوتها ودراستها:
قال تعالى:( وَعَلّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلّهَا ثُمّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) ، (البقرة: 31).
وقال (جلّ من قائل):( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبّكَ الّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسان مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبّكَ الأكْرَمُ * الّذِي عَلّمَ بِالْقَلَمِ * عَلّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ ) ، (العلق: 1 - 5).
ويخبرنا الباري تعالى في الآية الكريمة التالية عن بلوغ الصالحين من أولاد
إبراهيم الخليلعليهالسلام منصب الإمامة، بعد خضوعهم لتربية إلهيّة مركّزة، فيقول:
( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلّاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) ، (الانبياء: 73 - 72) وحول اصطفاء طالوت، يقول (جلّ شأنه):
( .. إِنّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) ، (البقرة: 247).
وفيما يرتبط بالتربية الإلهيّة التي خصّها الله نبيّه الكريمصلىاللهعليهوآله جاء في القرآن قوله تعالى:
( .. وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عليك عظيماً ) (النساء: 113).
وذُكرت التربية الإلهيّة التي تخصّ العباد في الآيات التي تتحدّث حول المبعث النبوي الشريف، فقال (عزّ من قائل):
( لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) ، (آل عمران: 164).
وردت خصائص التربية الإلهيّة في القرآن الكريم، والأخبار والأحاديث، وسيرة المعصومين، والأدعية المأثورة عن أهل البيتعليهمالسلام ، على نحو التفصيل. وها نحن نتحدّث بإيجاز عن قسم من هذه الخصائص:
تمتاز التربية الإلهيّة بميزة الكمال المطلق. وبالموازنة بين التربية الإلهيّة، وضروب التربية العاديّة، تظهر لنا بعض الحقائق: الأُولى: لا تتمتّع ضروب التربية العاديّة بالشموليّة المطلوبة. بكلمة بديلة، إنّ التربية العادية أو النظم التربوية العلمانية مبتورة - غالباً - حيث تعالج بعداً واحداً، أو عدداً من الأبعاد في شخصيّة الإنسان، في حين أنّ التربية الإلهية، تربية شاملة تُعنى بجميع جوانب الشخصيّة الإنسانية. على سبيل المثال: في التربية الإلهيّة، يغطّي العمل التربوي البُعد المعنوي أو الإيماني بمعيّة الأبعاد العقلية، والاجتماعية، والعاطفيّة، والأخلاقيّة.
بعامّة، بعض المدارس التربويّة العلمانية تهتم بالجانب الفردي فقط، وبعضها يُعنى بالجانب الاجتماعي دون غيره، ولكن في نطاق محدود، أو في قالب خاص. وثمّة مدارس تقصر اهتمامها على تربية الجانب العاطفي، وأُخرى تركِّز على الجانب العقلي. الثانية: تهمل النُظُم التربوية العادية - غالباً - البعد المعنوي.
يمكن التركيز على الكمال من ناحية أُخرى، وهي أنّ التعاليم الدينيّة لا تتأثّر بالعامل الزماني، أو المكاني، أو الاجتماعي، وبعامّة، لا تتأثّر بعامل واحد أو عدد من العوامل، ولا يمكن أن نتصوّر وجود أيّ نوع من التقييد يطبعها، كل ذلك يعود إلى انبثاقها عن السماء. أمّا التعاليم التربوية التي تطبع المدارس العلمانية، فهي محدودة - غالباً - وتسير في اتّجاه واحد او اتّجاهين خاصّين.
تنسجم التربية الإلهية مع طبيعة الإنسان وحاجاته، نموّه وتطوّره. وكما ذكرنا - فيما مضى - فإنّ التربية الإلهيّة تعالج الجانبين: الفردي، والاجتماعي، في شخصية الإنسان. كما تعالج البعد المادّي بمقدار الحاجة والضرورة، مثلما تعالج البعد المعنوي الذي يشع على جميع شؤون حياة الإنسان. فالتعاليم الإلهيّة تُلبِّي الحاجات المعنوية
للإنسان، ولا تغفل عن حاجاته الاجتماعية والعقلية. وتثير مشاعره وعواطفه، وفي الآن ذاته، تعمل على إشباع غريزة حب الاستطلاع، والبحث عن الحقيقة فيه. إنّ النظم التربوية العادية، مع أنّها تواكب أهدافاً موسّعة، بيد أنّها تؤمن بنوع من التقييد في طريق كمال الإنسان ورُقِيِّه. أمّا التربية الإلهيّة فإنّها تُعَبِّد الطريق أمام نموّ الإنسان، وتطوّره الدائم اللاّمحدود، ولذلك فهي تُلبّي حاجات الإنسان الذي ينزع نحو الرُقِي والكمال فطريّاً.
إنّ المدارس العلمانية الماديّة تحدِّد حياة الإنسان في المسافة الواقعة بين الإخصاب والموت. ووفقاً لما تعتقده هذه المدارس، فإنّ الإنسان يولد من بطن أُمّه في ظروف خاصّة، وينمو في بعض المجالات طاوياً مراحل من الحياة، تؤول إلى مرحلة الشيخوخة، وهي المحطّة الأخيرة التي تنتهي عند مَوته. هذه النظرة لا تنسجم مع ما يُلاحَظ في حياة الإنسان.
إنّ الحياة المؤقّتة لا تتلاءم مع الجانب العقلي، وجانب الطموح نحو الكمال في الإنسان، وكذلك فهي لا تتماشى مع أهدافه الأخلاقية والمعنوية بالنسبة إلى الآخرين، وإلى خالق الكون.
مضافاً إلى ذلك، فإنّ اعتبار حياة الإنسان مؤقّتة، يُقلِّص من حافز السعي لديه، ويصوّر الحياة عبثاً في منظاره، ويجعله يعيش في تخبُّط وضياع، مع شعور بالقلق والتزعزع.
أمّا الاتّصال بعالم الغيب، والاعتقاد بأنّ وجودنا من الله، وأنّنا كادحون إليه فملاقوه، فهذا يهب حياة الإنسان هويّة سرمدية خالدة. وفي ظلّ هذا التوجّه، يصبح للحياة معناها، ويحفِّز الإنسان نحو السعي والجد، وتصطبغ العلاقات مع الآخرين بصبغة خاصّة، ويتقدّم الإنسان خطوة على طريق الكمال.
إنّ التربية الدينيّة لا تزيّن الإنسان في عالمنا هذا بالفضائل المعنوية والأخلاقية فقط، ولا تصنع منه إنساناً طامحاً نحو الكمال، مُحبّاً للعلم، مضحّياً، مؤثِراً على نفسه، ورِعاً متّقياً، ناشداً للعدالة فحسب، بل هي تكفل له السعادة السرمدية أيضاً من خلال شدّه إلى بارئ الوجود، وهدايته نحوه. وسنرى بأنّ الإنسان الموحِّد العابد السائر في جادّة التكامل بصورة متواصلة يعيش في حركة دؤوبة، وكلّما دنا من مبدأ الكمال، فإنّه سيظفر بدرجات من الكمال الذي هو أمارة سعادته الحقيقيّة.
إنّ المدارس العلمانية تعمل على ضمان السعادة المؤقتة للإنسان عادة. على سبيل المثال: وجود الإنسان كعضو مفيد في البيت، تَكيّفُه مع المجتمع، ووجوده كطالب منضبط منظّم في المدرسة، أو كفرد ناجح في مهنته ومحلّ عمله.. كل هذه الأشياء هي الأهداف الجوهريّة لحياة الإنسان، وهي التي تعكس سعادته.
جاء في القرآن الكريم، وسائر النصوص الإسلامية، أنّ الله - تعالى - هو الهادي والمرشد. وفي الآية المباركة التالية، يشير الباري - جلّ شأنه - إلى دوره في هداية الإنسان، وذلك في طيّات تبيان قضيّة الوحي، فيخاطب نبيَّه العظيمصلىاللهعليهوآله ، مذكِّراً إيّاه بأنّه - هوأيضاً - هُدي إلى صراطٍ مستقيم(*) .
( وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَن نّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مّسْتَقِيمٍ *
____________________
(*) نذكِّر هنا أنّ الآية هنا تذكرُه على أنّه هو هادٍ أيضاً، وليس مهديّاً إلى صراط مستقيم. كما قال المؤلِّف.
فالأولى إذاً يقول بأنه «هو ايضاً يهدي إلى صراط مستقيم » بدل أن يقول: هُدي إلى صراط مستقيم. المـُعرِّب.
صِرَاطِ اللّهِ الّذِي لَهُ مَا فِي السَّموات وَمَا فِي الإرْضِ أَلاَ إلى اللّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ) ، (الشورى: 53 - 52).
وتنقسم الهداية الإلهيّة الى: هداية تكوينيّة، وهداية تشريعيّة.
تتحقّق الهداية التكوينيّة بشأن كافّة الموجودات، أو بعبارة أُخرى: بشأن العالم كلّه. ولله سنن معيّنة، تنقاد إليها جميع المخلوقات. هذه حقيقة تتجلّى في الآيتين التاليتين:
( .. وَأَوْحَى فِي كُلّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ) ، (فصلت: 12).
( قَالَ رَبُّنا الّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمّ هَدَى ) ، (طه: 50).
تتحقّق الهداية التشريعيّة بواسطة الأنبياء. والقرآن الكريم يهدي الإنسان كأحسن ما يكون، كما ورد ذلك في الآية التالية:
( إِنّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلّتي هِيَ أَقْوَمُ.. ) ، (الإسراء: 9).
ويؤدّي الأنبياء أيضاً دوراً إرشاديّاً موجِّهاً، في تبليغ الأحكام الإلهيّة. فقد قال جلّ من قائل:
( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) ، (الإنبياء: 73).
تتحقّق هداية الله - تبارك وتعالى - للإنسان عن طريقين: الأوّل: عن طريق القوى التي أودعَها فيه. الثاني: عن طريق الأنبياءِ الكرام. إنّ قوّة الإنسان العقلية،
ونزعته الطبيعيّة لطلب الحق، والبحث عنه، هيّأت الظروف اللاّزمة لتحرّك الإنسان في طريق الحق، جاء في الجزء الأوّل من كتاب الكافي: أنّ الإمام موسى الكاظمعليهالسلام خاطب هشام بن الحكم قائلاً:
«يا هشام، إنّ للهِ على الناسِ حُجَّتينِ: حُجّةً ظاهرة، وحجّةً باطنة. فأمّا الظاهرةُ فالرسلُ والانبياءُ والأئمّةعليهمالسلام وأَمّا الباطنة فالعقول». الحديث 12 من كتاب العقل والجهل.
وقال - تعالى - في سورة البلد:
( أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النّجْدَيْنِ ) ، (البلد، 8 - 10).
وقال - جلّ شأنه -:
( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ.. ) ، (الروم: 30).
ويدلّ الحديث المشهور عن النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله على انسجام النظام الإلهي مع الفطرة البشريّة، والحديث هو:
«كلّ مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه: يمجّسانه، أو ينصّرانه، أو يهوّدانه».
كما قلنا فيما تقدّم، فإنّ الهدف المتوخّى من وراء بعثة الأنبياء، هو: هداية الإنسان إلى الصراط المستقيم.
إنّ الإنسان - وهو مشمول بالهداية الإلهيّة - حرٌّ في انتخاب طريقه. ولقد تحقّقت هداية الله للإنسان عن طريق الأنبياء. وهو الذي حثّه على التفكّر، والتعقّل، في خلق العالم، وما هو إلاّ الإنسان نفسه، حيث يجب عليه أن يستفيد من التعاليم الإلهيّة، وقوّته العقليّة، فيختار الصراط المستقيم، ويمهِّد بذلك مستلزمات نموّه، وتكامله، وسعادته. قال تعالى:
( إِنّا هَدَيْنَاهُ السّبِيلَ إِمّا شَاكِراً وَإِمّا كَفُوراً ) ، (الإنسان: 3).
وفيما يخصّ قضيّة هداية الإنسان، فإنّ الله - تعالى - حثّ الإنسان على التعقّل
والتفكّر في خلق العالم من جانب، ووهبه قوّة التعقّل والتفكّر من جانب آخر؛ ليميِّز بها الطريق السويّ، من الطريق المتعرِّج، وفي طيّات ذلك تركه حرّاً، مختاراً لانتخاب طريقه. وهذا يكشف لنا عن حقيقةٍ هي أنّ الدين الإلهي لا يفرض على الإنسان فرضاً بالقوّة. وعندما يكون رد فعل الإنسان - في موقفه من نظام اعتقاديّ ما - مرتكزاً على التعقّل والتفكّر، ويستطيع ذلك الإنسان تمييز صحّة أُسسه ومصداقيّتها، وفي نفس الوقت، يُترك حرّاً لانتخاب طريقه، حينئذٍ لا يعتبر قبول الدين أمراً قسريّاً إلزاميّاً.
قال تعالى:( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ.. ) . عندما نعقد مقارنة بين الإسلام وسائر الإيديولوجيّات والنُظُم، نجده يتفوّق عليها بوجود جانب الهداية والإرشاد فيه، في حين تقوم تلك الإيديولوجيّات والنظم بفرض تعاليمها ومبادئها على الناس كالمعتاد.
وتبيّن الآيات التالية جانب الهداية في القرآن بكل وضوح، فتقول:
( الم * ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ * الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (البقرة: 1 - 5).
فأُشير في هذه الآية - كما جاء في تفسير الميزان - إلى أُصول الدين الثلاثة، وهي: التوحيد، والنبوّة، والمعاد.
يحظى مفهوم الهداية في التربية والتعليم بقيمة متميّزة. وينظر كثير من المختصّين في حقل التربية والتعليم إلى الهداية، والتربية والتعليم على أنّهما مترادفان. بكلمة بديلة، يعتبرون عملية التربية والتعليم هي نفسها هداية الفرد أو المجتمع، ويرى بعض المربّين أنّ الهداية هي الرسالة الأصلية للتربية والتعليم.
إنّ الهداية مفردة ذات مفهوم واسع، فهي تختلف عن مسألة إصدار الأوامر، حيث إنّ إصدار الأوامر يعني أن يطلب الآمر من شخص آخر، القيام بعمل معيّن، وفقاً للتعليمات الصادرة. وتختلف الهداية عن الوصيّة، إذ إنّ الوصيّة تعني: أنّ الفرد الموصي يريد من شخص آخر تنفيذ ما طلبه منه في وصيّته، دون أن يرغمه على ذلك. وتتفاوت عن الموعظة - أيضاً - لأن الموعظة تعني: تنبيه الشخص على القيام بعمل معيّن. وكذلك تختلف الهداية عن التلقين، من حيث إنّ الملقِّن - في عملية التلقين - يريد أن يفرض رأيه على شخص آخر، ويسلب منه فرصة التعقّل والمناقشة. يقال - عادة - إن الهداية تعني: مساعدة الإنسان لمعرفة نفسه وبيئته، وهي قضيّة يريد الشخص الهادي من خلالها: مساعدة الإنسان لحلّ مشاكله عن طريق الحوار، والمناقشة، وتقديم الحلول المختلفة، وإشعاره بإمكانيّاته. وقد يكون موضوع الهداية أحياناً معرفة شيء من الأشياء. وهنا يحاول الشخص الموجِّه (الهادي) - ضمن إشعار الفرد بتجاربه - أن يوضّح الجوانب المختلفة للموضوع كي يبادر الفرد شخصيّاً إلى التعرّف على الموضوع.
إنّ هداية الفرد أحد المفاهيم الأساسية في التربية والتعليم، والمقصود من هداية الفرد هنا توجيهه في مختلف الجوانب المؤثرِّة على نموّ شخصيّته. وكما نعلم فإنّ شخصيّة الإنسان ذات أبعاد أساسية، يحصرها علماء النفس - عادة - في أربعة أبعاد هي:
1- البعد العقلي.
2- البعد الاجتماعي.
3- البعد العاطفي.
4 - البعد البدني.
فإذا قمنا بتحليلٍ لسلوك الفرد، فسوف نكون قادرين على تمييز الجوانب الإيمانية، أو الاعتقادية، والعقلية، والاجتماعية، والعاطفية بعضها عن بعض، وسيتجلّى لنا أنّ الجانب البدني أكثر الجوانب محسوسيّة في شخصيّة الإنسان، وهو
يتّصل بالجوانب الأُخرى عن طريق الدماغ والأعصاب.
إنّ حبّ الاستطلاع في مجال حقيقة العالم، وتدوين نوع من النظرة الكونية، والطموح نحو الكمال، والهدفيّة، وإعداد وجهة نظر إعتقادية، وتكوين نظام أخلاقي، كلّها إفرازات تترشّح عن البعد الإيماني أو الإعتقادي للإنسان. وهذا البعد - بعامّة - لم يلْقَ اهتماماً من لدنْ علماء النفس، لأسباب منها: أوّلاً: إنّ بعض علماء النفس يتصوّرون أنّ للبعد الإيماني جانباً عقليّاً ذهنيّاً، وليس له أساس حسّي ملموس. إذا نظرنا إلى الحسّيّة على أنّها تعني: وجود شيء في شخصيّة الإنسان، نلاحظ آثاره على سلوكه، ففي مثل هذه الحالة لا يمكن أن تجعل الحسيّة البعد الإيماني بمنأى عن وجود الإنسان، وتتغاضى عن آثاره في حياته ونموّه.
كما قلنا سابقاً، فإنّ الحافز لدراسة الكون، وإعداد نظرة كونيّة، وانتخاب أهداف أساسيّة، والسعي لكشف معنى الحياة، والجدّ في تدوين فلسفة أو وجهة نظر اعتقادية له، ومحاولة التنازل عن المسائل الشخصية، وبناء علاقات جوهرية مع الآخرين، وكذلك ترسيخ نظام أخلاقي في شخصيّته، كل هذه الأشياء أُمور واقعيّة حقيقيّة لا سبيل إلى إنكارها، وإنّ اهمال هذا البعد نابع من الأرضيّة الذهنيّة لعالم النفس، وقبول فرضيات سابقة ليس لها نصيب من الواقع في أغلب المواطن.
ثانياً: إنّ أتباع مدرسة السلوك، وكذلك علماء النفس الذين يريدون أن يفسّروا سلوك الإنسان وجميع ممارساته من منطلق بدني أو بيولوجي يمتنعون عن الإقرار بوجود البعد الإيماني أو الإعتقادي في الإنسان. مضافاً إلى ذلك فإنّ أنصار هذه المدرسة يؤمنون بوجود شيء ذي طابع حسّي في وجود الإنسان، يخضع للمشاهدة والقياس. إنّ قبول هذا المبدأ أوقع علماء السلوك في ورطة عند تفسيرهم لأبسط عمل نفسي، وهو التعلّم، وكذلك التفكّر والإبداع في الإنسان. لا محالة، أنّ هذا الفريق من علماء النفس قاصر عن تفسير السلوك النابع من البعد الإيماني أو
الإعتقادي.
يتصوّر بعض علماء النفس أنّ الخوض في البعد الإيماني من وظيفة علماء الدين أو المتكلِّمين، بيد أنّهم غافلون عن أنّ مهمّة عالم النفس هي تفسير أكبر قدر ممكن من سلوك الإنسان. وفي ضوء التفسير العلمي ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار كل ما يلحظ على سلوك الإنسان. واذا ما انبرت نظرية إلى تفسير جانب أو عدد من الجوانب في سلوك الإنسان، وأهملت الجوانب الاُخرى، فإنّ هذا يدل على ضعفها، كما أنّه لا ينفي حقيقة وجود تلك الجوانب.
إنّ الإدراك والمعرفة، وعقد مقارنة بين الأشياء، وتمييز الأشياء بعضها عن بعض، والتقويم والخوض في مختلف الأُمور، والتنبؤ والتخيّل، كلّها تدخل ضمن البعد العقلي من الشخصيّة.
أمّا التكلّم، والاختلاط مع الآخرين، والتكيّف الجماعي، والتعاون، والمعارضة، والتوافق، والتشابه، وممارسة الأُمور المهنيّة، فجميعها تعود إلى الجانب الاجتماعي من شخصيّة الفرد.
وأمّا السرور والحزن، والخوف والغضب، والحب والكره، والحقد والانفتاح على الآخرين، وأُمور نحوها فتدخل في دائرة الجانب العاطفي من شخصيّة الإنسان.
إنّ الإحساس - بصورة عامّة - وسائر النشاطات البدنية تشكّل جزءاً آخر من شخصيّة الإنسان.
فما ينبغي أن نأخذه بنظر الاعتبار في هذا المجال هو وجود صلة قريبة بين هذه الجوانب بعضها مع بعض. والنشاطات الحسيّة الملموسة لا تنفصل عن النشاطات العقلية، فتنمو قوّة الإدراك لدى الإنسان - بحجم كبير - في المجال الاجتماعي. اما كسب المهارات الاجتماعية فهي ثمرة من ثمار التعلّم. وكيفيّة ظهور العواطف والسيطرة عليها تتّصل بالجانب البدني من جهة، وتأخذ شكلها في المجال الاجتماعي من جهة أُخرى، علماً أنّ للنموّ العاطفي جانباً عقليّاً. وما يجب أن نأخذه في
الحساب هو كيفيّة هداية وتوجيه كلّ واحد من هذه الجوانب.
يهتمّ الإسلام بتوجيه وهداية أبعاد الشخصيّة الإنسانية كافّة. ووفقاً لنظامه التربوي، فإنّ البعد الإيماني يجد حظّه من التربية بمعيّة الأبعاد الأُخرى للشخصيّة. بكلمة بديلة، إنّ الإسلام - ضمن توثيقه عُرى الإيمان لدى الأفراد - أنار الطريق للمسلمين من خلال تعليماته المفيدة في مجال تربية الجوانب العقلية، والعاطفية، والاجتماعية، والبدنية. ونقوم فيمايلي باستعراض تعاليم القرآن الكريم، ووصايا النبيّ الأعظمصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام في حقل تربية الأبعاد المختلفة لشخصيّة الإنسان.
ورد البعد المعنوي أو الإيماني للإنسان في القرآن الكريم بأشكال مختلفة، فالآية التالية تقدّم لنا الإنسان بصفة أنّه خليفة الله في الأرض:
( وَإِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً... ) ، (البقرة: 30).
وفي سورة (ص) ضمن بيان خلق الإنسان من التراب، ذكر نفخ الروح الإلهيّة فيه:
( إِذْ قَالَ رَبّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ«71» فَإِذَا سَوّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) ، (ص71 - 72).
ويقول الباري - تعالى - حول خلق الإنسان في أحسن شكل:
( لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) ، (التين: 4).
وتتحدّث الآية التالية عن كيفيّة خلق الإنسان من نطفة، ثمّ تزويده بالعين والأُذن، أو العقل والذكاء:
( إِنّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ) ، (الإنسان: 2).
ويخاطب الله - جلّ شأنه - الإنسان الذي بلغتْ نفسه درجةَ النفس المطمئنّة، فيقول:
( يَا أَيّتُهَا النّفْسُ الْمُطْمَئِنّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيّةً ) ، (الفجر: 27 - 28).
وذكرت الآية السادسة من سورة الانشقاق عاقبة المؤمنين المتعبدين، فقالت:( يَا أَيّهَا الإنسان إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) .
وحدّدت الآية التالية مكان الأفراد الذين يخافون الله ويبتعدون عن هوى النفس، فقالت:
( وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فإنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) ، (النازعات: 40 - 41).
وفي قسم من الآية السادسة والعشرين من سورة الفتح، يذكر الله - تعالى - السَّكينة التي أنزلها على النبيّصلىاللهعليهوآله وعلى المؤمنين، فيقول:
( .. فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التّقْوَى وَكَانُوا أَحَقّ بِهَا وَأَهْلَهَا... ) .
وجاء في الآية الرابعة من هذه السورة أيضاً:
( هُوَ الّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ ) .
وتطرّقت الآية السابعة والخمسين بعد المائتين من سورة البقرة إلى حالة المؤمنين والكافرين، فقالت:
( اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النّورِ وَالّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النّورِ إلى الظّلُمَاتِ أُولئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .
يقع الإنسان - إلى حدٍّ بعيد - تحت تأثير الجانب العقلي من شخصيّته بصفته كائناً يمكنه أن يكون واعياً لسلوكه، وكذلك باعتباره يتمتّع بقوّة التفكير، بكلمة بديلة، يقع الجانبان: الاجتماعي والعاطفي - إلى حدٍّ بعيد - تحت تأثير الجانب العقلي. إنّ أفراد النوع الإنساني - كما سنرى - يستعملون قوّة إدراك الذات للتعبير عن مشاعرهم وعواطفهم، ومسك زمام تلك المشاعر والعواطف، كما إنّهم يخضعون لتأثير القوّة العاقلة. ويتيسّر كسب المهارات الاجتماعية أيضاً بالإفادة من القوّة العاقلة، وفي ضوء ما تقدّم، فإنّ الجانب العقلي لشخصيّة الإنسان يحظى باهتمام خاص.
جاء في وصيّة نبيّنا الأعظمصلىاللهعليهوآله للإمام عليعليهالسلام ، ما نصّه:
«يا علي، إنّه لا فقرَ أشدُّ من الجهل، ولا مالَ أعودُ من العقل، ولا وحدةَ أوحشُ من العُجْب، ولا مُظاهرةَ أحسنُ من المشاورة، ولا عقلَ كالتدبير، ولا حَسبَ كحُسْنِ الخُلق، ولا عبادةَ كالتفكّر»، (تحف العقول، 7).
إنّ جميع ما جاء في هذا الكلام مهم من الناحية التربويّة، وما يُلحظ فيه هو أنه اعتبر الجهل أشد ضروب الفقر، ولا غرو فإنّ إحدى خصائص الإسلام تأكيده الشديد على طلب العلم. وهذا الدين العظيم يتفوّق على سائر النُظُم الفكرية بتركيزه على العقل، وإصراره على العمل بتعقّل واتّزان. وإنّ التأكيد على المشاورة والتفكير يبيّنان أهميّة الجانب العقلي في المدرسة الإسلامية، وسنتحدّث لاحقاً حول التفكير في الإسلام.
جاء في الصفحة السادسة والأربعين من كتاب (تحف العقول) حول خصائص المؤمن ضمن الكلام النبوي الحِكَمي مايلي:
«العلم خدين المؤمن، والحلمُ وزيره، والعقلُ دليله، والصبر أميرُ جنوده،
والرفق والدهُ، والبرّ أخوه، والنَسبُ آدم، والحسبُ التقوى، والمروءة إصلاحُ المال».
فمن بين صفات المؤمن - كما نلحظه في هذا الكلام - هي أنّ العلم خدينه، والحلم وزيره، والعقل دليله. وجاء التأكيد فيه أيضاً على الجانب الاجتماعي، والجانب العاطفي. فعلى صعيد العلاقات الاجتماعية وردت التوصية بالصبر والرفق والبر وإصلاح المال من جانب، ومن جانب آخر، اعتبر الكلام جميع أفراد البشر متساوين لأنّهم من آدم، فمقياس التفاضل إذاً هو التقوى.
يحدّد النبيّ الأعظمصلىاللهعليهوآله - في هذا الكلام - العقل بأنّه دليل الإنسان. وفي كلام آخر أُثر عنه في كتاب (تحف العقول)، ذكر أنّ شرط التديّن هو وجود العقل. وفيما يلي نص هذا الكلام:
«إنّما يُدرك الخيرُ كُلّه بالعقل، ولا دينَ لمن لا عقل له». (تحف العقول، 53).
ونُقل نفس هذا المضمون في المصدر المذكور على لسان الإمام الصادقعليهالسلام : «من كان عاقلاً كان له دين).
لقد كثر الحديث عن العقل، يقول الإمام الصادقعليهالسلام : «بالعقل يعرف الخير من الشر». وكما ذكرنا فيما تقدم، فإنّ قابلية الإنسان على الإدراك، وتمييز الأشياء، وعقد المقارنة، والتنبؤ والتوقّع، تدخل ضمن دائرة البعد العقلي. وما حديث النبيصلىاللهعليهوآله الاّ دليل على انّ الإنسان يجب أن يستعين بالعقل على طول منحنى حياته، علماً بأنّ الاستعانة بالعقل تعني العمل بتعقل، ولا يستطيع الإنسان أن يمارس أعماله بتعقل إلاّ إذا طوى مراحل معيّنة في تعامله مع المشاكل، أو الأُمور المختلفة، أو في علاقاته الإنسانية، أو حتى فيما يتّصل بالكون وخالقه.
مراحل النشاط العقلي
لابدّ للإنسان - مهما كان وضعه - أن يبادر إلى تحليل الظرف المحيط به لكي يتمكّن مِن إدراك ما يواجهه أو تحديد الشيء الذي اتّخذ طابع المشكلة وأدّى إلى إرباك وضعه الاعتيادي. فتحليل الوضع أو الظرف الذي يعيشه الإنسان يجعله وجهاً لوجه أمام الموضوع الذي هو محل البحث أو المشكلة الطارئة، ويساعده هذا التحليل على تحديد ذلك الموضوع أو تلك المشكلة.
فعمل الشخص المثقف أو العاقل هو تحليل الظرف الذي يحيط به. وبهذا يصبح قادراً على تحديد ما يدور حوله أو ما يطرأ من مشكلة أو مشاكل تجعل الوضع مضطرباً.
إنّ المرحلة الثانية من مراحل النشاط العقلي أو العمل بتعقّل، هي تحديد المشكلة. خلافاً للتصور السائد، فهناك بعض المشاكل، سواء في الحياة الفردية، أو العائلية، أو الاجتماعية يكتنفها الغموض. وعمل الإنسان - بعد مواجهته للوضع المضطرب وتحليله - هو تحديد المشكلة وتبيان حقيقتها. والإنسان العاقل هو من يحدّد المشكلة جيداً ويرسمها في ذهنه بشكل واضح، وفي هذا الحقل بالذات، يحظى تمييز المشكلة الأساسية عن غير الأساسية بأهميّة فائقة. ونحن نعلم أنّ الإنسان يواجه في حياته مشاكل متنوّعة، بيد أنّ هذه المشاكل ليست بمستوى واحد من الأهميّة، لذلك فإنّ تحديد المشكلة الأساسية ضروريّ أيضاً، إذ إنّ بعض المشاكل ليست بالمعنى الحقيقي للمشكلة، وإدراك هذه الحقيقة يُعين الإنسان على ان لا يبذِّر وقته عبثاً من أجل أُمور ليست ذات شأن، مضافاً إلى ذلك، هناك بعض المشاكل يستعصي علاجها في وقت معيّن، بكلمة بديلة، قد يواجه الإنسان مشاكل يجد نفسه قاصراً
عن علاجها في ظروف زمنيّة خاصّة، وفي مثل هذا الوضع، إذا بادر الإنسان إلى علاج هذه المشاكل في ظرف غير مناسب، فإنّه سيقع في ورطة.
إنّ تحديد المشكلة يمهّد الطريق لعلاجها. بكلمة بديلة، عندما يواجه الإنسان مشكلة ما، ويتمكّن من تحديدها، ويجعلها ماثلة أمام عينيه، ولها صورة جليّة في ذهنه، فإنّه سيقوم بعلاجها دون أيّ مصاعب.
ينبغي للإنسان - في المرحلة الثالثة - أن يقوم بجمع المعلومات المتعلّقة بالمشكلة ذات العلاقة، ويمكن أن تكون هذه المعلومات مشتقّة من تجاربه السابقة، ومتوفرة من خلال الاطّلاع على تجارب الآخرين أيضاً. بكلمة بديلة، إنّ ما يمكن أن يساعد الإنسان على علاج المشكلة، له مصادر عديدة، منها: تجاربه نفسه. عادة، حينما يتّخذُ أمرٌ منَ الأمور طابع المشكلة لأحد، فإنّ له صلةً بتجاربه وإمكانياته بنحو من الأنحاء. مضافاً إلى ذلك، فإنّ في مقدور الإنسان أن يفيد من تجارب الآخرين عند مواجهته لهذه المشكلة أو لمشاكل مماثلة. ويمكن أن تكون هذه التجارب حاوية على معلومات متعلّقة بالمشكلة، أو أنّها متضمّنة للحلول المطروحة. بإيجاز، يستطيع المرء أن يفيد من آراء الآخرين في علاج المشكلة. ومن المصادر الاخرى: قوّة خيال المرء ذاته أو قوّة تفكيره، إذ يُحتمل أن تموّنه بمعلومات مفيدة.
عادة، لا وجود لعلاج المشكلة في التجارب السابقة للمرء، لأنّه لو كان موجوداً، لما اتّخذ الأمر المعنيّ طابع المشكلة عنده. وفي التوفّر على العلاج، يفاد من التجارب السابقة للمرء، وتجارب الآخرين. مضافاً إلى ذلك، فإنّ قوّة الخيال المودعة لدى الإنسان مؤثّرة تماماً في إعداد العلاج. وعند التعامل مع المسائل العلمية، يدور الحديث حول جمع المعلومات مشفوعة بالأدلّة والوثائق، علماً بأنّ هذه الأدلّة والوثائق لا تقع جميعها تحت تصرّف الإنسان، إذ عليه أن يوفّر بعضها عن
طريق المشاهدة والاختبار. وتتكفل دراسات الآخرين بوضع قسم منها تحت تصرفه، كما وتؤدّي القوّة الفكرية أو الإبداعية دورها أيضاً في التوفّر على العلاج.
أمّا عند التعامل مع المسائل الشخصيّة والاجتماعية، فيمكن أن يدور الحديث حول الإمكانيات بدلاً عن المعلومات. بكلمة أُخرى، يمكن للمرء أن يواجه المشاكل، فيبادر إلى علاجها اتكاءً على إمكانياته.
فعندما يواجه الإنسان مشكلة ما، فإنّه يُسخِّر إمكانياته لعلاجها شاء أم أبى، وتشمل هذه الإمكانيات أشياء تقع تحت تصرفه، وأشياء يستطيع أن يوفّرها لنفسه أيضاً. فمثلاً عندما يعيش مشكلة السكن، فإنّه يستطيع أن يفيد ممّا يدّخره لشراء دار له، وكذلك يستطيع أن يبيع قسماً من أثاثه المنزلي ليفيد من المال الحاصل في تحقيق مراده. في الوقت نفسه، يعتبر الإلتجاء إلى المصرف أو الاقتراض من الأصدقاء، من ضمن إمكانياته. فالعمل بتعقّل في مثل هذه الحالات يعني تشخيص الإمكانيات، وتشخيص الحد الأعلى للإفادة منها. ويستطيع الأشخاص أن يفيدوا من تجارب الآخرين في المشاكل الشخصيّة والاجتماعية أيضاً.
ينصبّ نشاط الإنسان في المرحلة الرابعة على السعي لإيجاد العلاج أو طريقة حل معيّنة، وكما ذكرنا من قبل، فإنّ العلاج يجب أن يكون متناسباً مع الإمكانيات المتوفّرة. وتُقدّم حلول متعدّدة أحياناً عند مواجهة المشاكل، سواء كانت هذه المشاكل علمية أو فردية أو اجتماعية، كما في مثال السكن المذكور آنفاً حيث قلنا إنّ الإنسان، حيناً، يفيد من سلفة المصرف لشراء دار له، وحيناً آخر يبيع أثاثه المنزلي، وقد يستعين بأصدقائه في ظرف خاص لتحقيق ذلك. فلكلّ واحد من هذه الحلول المطروحة تأثيره في علاج المشكلة، وما ينبغي للمرء أن يفعله هو انتخاب أفضل الحلول، فالمهم هنا هو تناسب العلاج مع إمكانيات الإنسان.
يجب على المرء أن يبادر إلى انتخاب أفضل الحلول المطروحة، والحل الأفضل هنا يعني الحل الأكثر تناسباً أو انسجاماً مع إمكانيات الفرد أو الجماعة. ففي الحقل العلمي،يُعتبر الحل الذي يتناسب أكثر مع المعلومات أو الأدلّة والوثائق المتوفّرة هو أفضل الحلول.
إنّ الإنسان العاقل هو الذي يأخذ في حسابه امكانياته أكثر فأكثر عند تعامله مع مختلف المشاكل، ويختار الحل المنسجم مع تلك الإمكانيّات. وعندما يظفر الإنسان بحلٍّ على هذا المنوال،فإنّه يفيد منه لعلاج المشاكل أيضاً في حالات مماثلة. لذلك حينما يقال إنّ عليه أن يعمل بتعقّل، أو يتّخذ من العقل دليلاً له في عمله، فربّما يُطلب منه أن يجتاز هذه المراحل.
واجتياز هذه المراحل، ليس ضروريّاً في علاج المشاكل العلمية فحسب، بل ويجب الإفادة منه عند التعامل مع المشاكل الفردية والجماعية أيضاً.
قلنا - فيما مضى - إنّ حالات الخوف، والغضب، والكراهية، والسرور، والحزن، وأمثالها تدخل في دائرة البعد العاطفي من شخصية الإنسان، وهذا البعد له أهميته لأسباب، منها: أوّلاً: إنّه بُعدٌ معقّد جدّاً لِما لَهُ من أرضيةٍ فسيولوجية، وصلة حميمة مع الأرضية العقلية والاجتماعية. ثانياً: إنّ العواطف تدفع الإنسان نحو الجِدّ والسعي، بوصفها محفّزات قويّة. ثالثاً: إنّ تاريخ الحياة الإنسانية يشهد بأنّ الإنسان يتأثّر بالبعد العاطفي أكثر من البعد العقلي. إنّ عمل االمُربِّي - في صعيد واسع - هو تعليم الإنسان كيفية التعبير عن عواطفه، والتحكّم بها، أمّا مهمّة المثقّفين - في موقفهم من الآراء والعقائد المتنوّعة - فهي: أن يُحرّروا أفكارهم من رِبقة العواطف ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، ويدخلوا في رحاب دراستها من وحي المنطق.
إنّ العواطف - بوصفها محفّزات قويّة - تطبع علاقات الناس فيما بينهم بطابع غير إنساني إذا ما انفلت زمامها من يد الإنسان، فكما إنّ الغضب، والحقد، والكراهية تُحوّل علاقات الناس إلى جحيم لا يطاق، كذلك تفعل في علاقات الشعوب إذْ تجرّها إلى الحروب وتكدير الأجواء. بعامّة، فإنّ العواطف تؤثّر في الحياة الفردية والجماعية معاً.
ثمّة نقاط رائعة تستوقف الإنسان وردت في الدعاء الثامن من أدعية الصحيفة السجّاديّة إذ يقول الإمام السجّادعليهالسلام :
«اللّهمّ إنّي أعوذُ بك من هيجان الحرص، وسَورةِ الغضب، وغلبَةِ الحسدْ(*) ، وضَعفِ الصبر، وقلّةِ القناعة... ومُتابعةِ الهوى...».
لقد عُدّت آثار العواطف - من نحو: الحرص، والغضب، وضعف الصبر، ومتابعة الهوى - على جانب من الأهميّة. والإمامعليهالسلام يتعوّذ بالله كي يجعله في حصن حصين من تأثير مثل هذه العواطف فيه.
وقد طلب القرآن الكريم من المسلمين أن يعملوا على مسك زِمام عواطفهم، فقال عزّ من قائل:
( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ... ) ، (آل عمران: 134).
وينظر الإسلام إلى التعصّب(**) - وهو من العواطف العاتية ذات الضرر الفادح، على أنّه أمر غير محمود ولا مستحسن، فقد أُثر عن الإمام الصادقعليهالسلام قوله كما جاء في كتاب (أُصول الكافي):
«مَنْ تَعصَّبَ أو تُعُصِّبَ له فقد خلَع رِبْقَةَ الإيمانِ عن عنقه».
وأُثر عن النبيّ الأعظمصلىاللهعليهوآله قوله:
____________________
(*) هذا هو الصحيح وليس كما ورد في هذا الكتاب. المعرِّب.
(**) القصد من التعصب هنا هو التعامل اللاّ منطقي مع الأمور.
«مَنْ كانَ في قلبهِ حَبّةٌ مِن خَردلٍ من عصبيةٍ بعثه اللهُ يومَ القيامةِ مع أَعرابِ الجاهلية».
فالتعصّب مزيج من الجهل والميل والكره، وبعامّة، هو تعامل لا منطقي منبوذ مع الأُمور، وجاء في الصفحة الرابعة عشرة من كتاب (تحف العقول) ضمن توجيهات النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله ووصاياه إلى الإمام عليعليهالسلام ما نصّه:
«يا عليّ لا تغضب، فإذا غضبتَ فاقعد وتفكّر في قدرة الربّ على العباد وحلمه عنهم. وإذا قيل لك: إتقّ الله، فانبذ غضبك وراجع حلمك».
تبرز ملامح الوعي العاطفي على شكل تعبير عن العواطف، وتَحكُّم بها، فعندما يقال بأنّ فلاناً من الناس يتمتّع بوعي عاطفي، فهذا يعني أنّه يعرف كيف يعبّر عن عواطفه أو كيف يُبدي عواطفه. على سبيل المثال، يمكن أن يبدر الغضب من الإنسان بأشكال متنوّعة، فقد يعبّر عن غضبه من خلال التفوّه بكلمات بذيئة، أو افتعال ضجّة وضوضاء، أو عتاب منطقي، أو التزام جانب الصمت، أو اعتزال الموقف، وأمثال ذلك. وبعض هذه الممارسات لا تتفق - عادة - مع المعايير الأخلاقية والاجتماعية، فالإنسان الذي يتمتع بالوعي العقلي، يُعبّر عن غضبه - مثلاً - بشكل مستساغ يُقرّه المجتمع. وغنيّ عن القول بأنّ العتاب المنطقي أفضل من التفوّه بالكلمات البذيئة، والصمت أفضل من الضجّة والضوضاء. فجودة سلوك معيّن أمر يتعلّق بانسجامه مع المعايير الأساسية في المجتمع.
إنّ البعد الآخر من الوعي العاطفي يرتبط بكيفيّة التحكّم بالعواطف، فالشخص الذي يتمتع بالوعي العاطفي هو من يستطيع أن يتحكّم بعواطفه أكثر. والإنسان - بالطبع - يواجه المنغِّصات والمشاكل المتنوّعة في حياته، وهذه - بدورها - تثير
عواطفه، فإذا ما عجز عن التحكّم بعواطفه والسيطرة عليها، فلن يُعَدَّ قادراً على مواصلة حياته، وسيجد صعوبة في مخالطة الآخرين ومعاشرتهم.
وقد جاءت التوصيات في القرآن الكريم، وأقوال المعصومين، تؤكّد على المسلمين أن: يكظموا غيظهم، ويملكوا أنفسهم عند الغضب، ولا ينساقوا وراء رغباتهم اللاّإنسانية أو هوى أنفسهم، ويصفحوا عند مشاهداتهم للممارسات العابثة الطائشة خلال تعاملهم مع الآخرين.
وسوف نلحظ في فصول قادمة من هذا الكتاب أنّ للإسلام بُعدين تربويين جوهريين: أحدهما: البعد النظري، حيث تمّ تبليغ التعاليم الأساسية من خلال الآيات القرآنية وأقوال أئمّة أهل البيتعليهمالسلام على شكل مبادئ وقواعد وتعليمات. والثاني: البعد العملي، وهذا هو المعوَّل عليه في الإسلام، إذ إنّ المهم فيه هو التربية العملية أو التعريف بالشخصيات التي تتميّز سيرتها بطابع تربوي تام. وسيرة النبيّ الإكرمصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام والصحابة، والمسلمين الأبرار، سيرة تعليميّة توجيهيّة. فاحتكاكهم بالناس، وكون أعمالهم وممارساتهم مرآة للمبادئ التي يعلّمونها أو يبلّغون لها بشكل تام، كلّ ذلك له تأثيره البالغ في تربية المجتمع.
أدعوكم لمطالعة القصّة التالية المذكورة في الجزء الأوّل من كتاب (قصص الأبرار) لمؤلفه العلاّمة الراحل المرحوم مطهّري نقلاً عن الجزء الحادي عشر من كتاب (بحار الأنوار).
أراد رجل نصراني أن يستهزئ بالإمام محمّد بن عليّ بن الحسينعليهالسلام الملقّب بـ (الباقر)، فقال له: أنت بقرة؟، وبكلّ سماحته ولطفه أجابه الباقرعليهالسلام : لا، أنا الباقر. فمضى النصراني يمعن باستخفافه بالإمام، فقال: أنت ابن الطبّاخة؟، فقالعليهالسلام : «تلك هي حرفتها..» فقال: أنت ابن السوداء الزنجية البذيئة. فاجابه الإمام: «إن كنتَ صدقتَ غفر اللهُ لها، وإن كنتَ كذبتَ
غفر اللهُ لك».
وتدلُ هذه الحادثة على عظمة الإمام، وسموّ شخصيّته، وعمق البعد النفسي لها من خلال ما أبداه من ردّ فعل تجاه هذا الرجل، كما تدل على المدى البعيد الذي بلغه في كبح جماح نفسه، والتحكّم بعواطفه.
يحظى البعد الاجتماعي لشخصيّة الإنسان بأهميّة خاصّة. وكما نعلم فإنّ الإنسان حيوان اجتماعي، وإنسانيّته تَبَع للبعد الاجتماعي من حياته إلى حدّ بعيد. فلغته، وإدراكه، وقوّة تفكيره، وكيفيّة تعبيره عن عواطفه وتحكّمه بها، وثقافته، وحضارته، أمور تقع تحت تأثير الحياة الجماعية. والتيارات الاجتماعية من نحو: التكييف أو الانسجام والتفاهم، والتعاون، والمعارضة، والوفاق أو الاتّفاق، والتعايش بين الأُمم والشعوب، تشكّل الركائز الأصلية للحياة الجماعية.
إنّ التيّار الجماعي يمثّل حالة يتآصر فيها الفرد والجماعة معاً، وهذه الآصرة تحدث تبدّلاً مستساغاً، تتيسّر الحياة الجماعية للناس في ظلّه.
إنّ أهمّ التيّارات الجماعية هي: التكييف الاجتماعي، والتعاون، والمعارضة، والوفاق، والتشابه.
ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار عدداً من الملاحظات في التكييف الاجتماعي.
____________________
(*) ورد هذا العنوان في كتاب آخر للمؤلف عنوانه (مباديء التربية والتعليم وفلسفتهما)، وذكر معه ما يقابله بالإنجليزية (Social adjustment) وبناء على هذا الاصطلاح الإنجليزي، فإنّه اصطلاح نفساني يعني: (التوافق الاجتماعي) لكن بما أنّ التوافق سيأتي أيضاً ضمن التيارات الجماعية وعرّبناه: الوفاق أو الاتفاق، لذلك آثرنا أن يكون تعريب هذا الاصطلاح هنا (التكييف الاجتماعي) لمناسبته مع الموضوع.
الأُولى: يجب أن يعيش أفراد النوع الإنساني جنباً إلى جنب، سواء كانوا في شرائح اجتماعية صغيرة، أو في مجتمع خاص، أو في المجتمع الإنساني الكبير. فوجود التفاهم والإنسجام بين الأشخاص والأُمم والشعوب ضروري لمواصلة الحياة الإنسانية. الثانية: لابُد للمرء في التكيّف الاجتماعي أن يتمرّس على عادات ومهارات ضرورية من أجل المساهمة في الحياة الاجتماعية. هذا من جانب، ومن جانب آخر، عليه أن يترك قسماً من عاداته، أو يجعل ميوله ورغباته الشخصيّة تحت ظلّ المصالح الجماعية كي يتسنى له العيش مع الجماعة. الثالثة: لا يعني التكيّف الاجتماعي الاستسلام أو الخضوع أمام الجماعة، أو الإقرار بالوضع القائم. وكما قلنا فيما سبق، فإنّ الإنسان شخص يعيش مع الجماعة، ومدلول هذه العبارة هو أنّ الإنسان، وهو يعيش مع الآخرين، لا يفقد استقلاليّته وهويّته. بكلمة بديلة، إنّ الإنسان، وهو يحافظ على خصائصه الفردية، يعيش التفاهم والوحدة مع الآخرين. ولابد أن يظلّ حرّاً حتى يتسنّى له تحديد الهدف، واختيار النهج المناسب، والتعامل مع المشاكل على أساس تجاربه وامكانياته، عند ذلك يستطيع أن يستعمل قدرته الابداعية ويأتي بأشياء جديدة. في الآن ذاته، فإنّ الحياة الجماعية تتطلّب منه أن ينسجم مع الآخرين، ويستعذب الحياة معهم.
إنّ المسائل المشتركة، والحاجات الاجتماعية الأساسية، ومواصلة الحياة الجماعية، أمور تقتضي الوحدة والانسجام بين الفرد والجماعة. وقد ورد التأكيد في الإسلام على وحدة المسلمين، حيث جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:
( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرّقُوا.. ) ، (آل عمران: 103).
( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ.. ) ، (الحجرات: 10).
( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ.. ) ، (التوبة: 71).
( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا.. ) ، (الحجرات: 13).
إنّ أحد التيارات الأساسية في الحياة الإنسانية هو التعاون، وهودعامة جوهرية فيها، وشرط أصلي من شروط الحياة الجماعية مهما كانت الظروف والأحوال، قال تعالى:
( .. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى.. ) ، (المائدة: 2).
وتشكّل وحدة الهدف، وتقسيم العمل، وتقبّل المسؤولية، والتنسيق بين النشاطات، وتمتع الناس كافّة بالعمل الجماعي، العناصر الأصلية للتعاون. بكلمة بديلة، يجب أن يكون هناك هدف مشترك للأشخاص الذين يعيشون مع الجماعة. وليس ثمّة شك في أنّ الحاجات المشتركة تتمحّض أهدافاً متماثلة. ففي الحياة الجماعية، ينبغي لكل أحد أن يضطلع بالمسؤولية وفقاً لاستعداده. وإنّ تقسيم الأعمال، والاضطلاع بالمسؤولية شرطان لمواصلة الحياة الجماعية مبدئيّاً. في الآن ذاته يجب أن تكون ممارسات ونشاطات الأفراد، والشرائح الاجتماعية متناسقة في تيّار التعاون - بعامّة - وفي الحياة الجماعية. وإذا شيّد أفرادُ مجتمع من المجتمعات أساس حياتهم على التعاون، فإنّ الجميع سيقطفون ثمار الممارسات والنشاطات الجماعية.
وقد عَدَّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله الالتزام الاجتماعي والقيام بالمسؤولية، من شروط الإسلام، فقالصلىاللهعليهوآله :
«من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم».
عادة، ثمّة فريق من الناس لا يهتم بالحياة الجماعية، ويتنصّل عن رسالته أمام المجتمع. ويتصوّر هؤلاء أن الاهتمام بالحياة الخاصّة وتنظيمها، وعلاج المشاكل الشخصية من واجباتهم الأصلية، كما يرون أنّ الحياة الجماعية مجموعة من الحياة الخصوصية للأفراد، لذلك إذا قام كل فرد ببذل جهده في تنظيم عمله، وبادر إلى علاج مشاكله بنفسه، فلا تعد هناك مشكلة تذكر في المجتمع.
بيد أنّ للحياة الجماعية أيضاً حالتها الخاصّة بها، إذ أنها - بمعزل عن الحياة الفردية - تحمل معها مشاكل ومصاعب تخصّها. فكلّ وحدة اجتماعية - مهما كانت ضئيلة الحجم - تطرح مسائل وقضايا متميّزة عن مسائل الأفراد وقضاياهم. وفي واقعنا المعاصر يثار سؤال مفاده: من الذي يأخذ على عاتقه علاج المشاكل الاجتماعية؟ فلو قام جميع الأشخاص بعلاج مشاكلهم الخاصّة بهم فقط، فإنّ المشاكل الاجتماعية العامّة ستظلّ مستعصية، كما أنّهم سيحدثون خللاً في الحياة الجماعية.
وبسبب الأهميّة التي يحظى بها هذا البعد من حياة الإنسان، ورد التأكيد في الإسلام على أمور، نحو: التعاون، والصفح، والعدالة، والأخوّة، والمساواة أمام القانون، وأمور مماثلة.
ثمّة تيّار آخر من التيارات الاجتماعية هو اختلاف الأفراد - أو المعارضة المبدئية - فيما بينهم في المجتمع. وكما نعلم، فإنّ أفراد النوع الإنساني يتفاوتون فيما بينهم من حيث الخصائص النفسية، والتجارب الاجتماعية، والإمكانيات والاختصاصات. وهذا الاختلاف يفضي إلى حلول متنوّعة يقدّمها الأشخاص لعلاج مختلف المشاكل. وتتحقق تلبية الحاجات الاجتماعية بطرق متنوعة، فينبغي
أن تُتْرك الحرية للأشخاص كي يتسنى لهم تقديم الأسلوب الكفيل بتلبية الحاجات. وعلى هذا النمط يطرحون آراء متباينة حول مختلف الأمور، علماً بأنّ الاختلاف في وجهات النظر - من جهة - أمر طبيعي، إذ يتيح الفرصة للأشخاص أن يتناموا حسب استعداداتهم ليؤدّوا دورهم في الحياة الجماعية. مضافاً إلى ذلك، فإنّ ترك الأشخاص أحراراً في طرح عقائدهم المتنوّعة يمهّد السبيل لتقديم آراء ونظرات جوهرية. بكلمة بديلة، عندما يكون الأشخاص أحراراً، ويستعملون عقولهم، فإنّهم يستطيعون أن يقدّموا حلولاً متنوّعة لاجتثاث جذور المشاكل القائمة، ومن بين هذه الحلول يمكن العثور - غالباً - على الأساليب الجوهرية للتعامل مع المشاكل.
ولابدّ من التفريق هنا بين المعارضة المبدئية، وبين المشاكسة، وتتبّع العثرات، والتعييب، والتهجّم على الآخرين، وإثارة العداء والتفرقة.
عندما تُطرح مشكلة في المجتمع، فيمكن أن يتصدّى المسؤولون أو ذووالعلاقة - ممّن لهم تماس مباشر مع المشكلة - إلى تقديم علاج معيّن لحلّها. وقد لا يتّفق المرء مع هذا العلاج، ولديه دليل مخالفته. فالانفتاح على مثل هذا الأمر، وإتاحة الفرصة لتقديم خطط متنوّعة، وتبادل وجهات النظر ومناقشتها بحريّة، كل ذلك يمهّد الطريق للظفر بأفكار ونظريات جديدة. وما على الأشخاص إلاّ مناقشة النظريات المتنوّعة ودراستها، ومن ثمّ قبول ما هو منطقي منها. قال تعالى:
( فَبَشّرْ عِبَادِ * الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.. ) ، (الزمر: 17 - 18).
ويجب أن يكون أسلوب المعارضة، وتبادل وجهات النظر ومناقشتها، منطقيّاً وإنسانيّاً. في هذا المجال، فإنّ في الآية التالية توجيهات جمّة. قال تعالى:
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ) ، (النحل: 125).
وهو تيّار اجتماعي يطمح أشخاصه إلى تقليص تضادّهم أو اختلافاتهم. ومن الصعوبة بمكان - أحياناً - أن يقبل الأشخاص آراء بعضهم البعض، ففي مثل هذه الحالة يعزم الطرفان المتباحثان أو المتنازعان على إحلال الوفاق بينهما محل الاختلاف. وقد أكّد الشارع المقدّس على الإصلاح بين إخوة الدين، قال تعالى:
( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.. ) ، (الحجرات:10).
حثّ الإسلام - بعامّة - أتْباعَه على التعايش، وحسن المعاشرة. جاء في الآية الثامنة من سورة الممتحنة، قوله تعالى:
( لَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ ) .
فقد ورد التأكيد بصراحة على التعايش مع الآخرين. وعندما أوصى الإمام عليعليهالسلام مالك الأشتر (رضي الله عنه) بالإحسان إلى الآخرين، أكّد عليه أن لا يفرّق بين الأخ في الدين والنظير في الخَلْق. وتقدّم لنا الآية الكريمة التالية، مسألة التفاهم والانسجام بين الشعوب، فتقول:
( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا.. ) ، (الحجرات: 13).
بالرغم من أنّ الإسلام أكّد على وجوب تأمين كل ما هو ضروري لمواصلة الحياة الطبيعية، بيد أنّه أوصى أيضاً بالمحافظة على سلامة البدن، وله تعليماته المبثوثة في القرآن الكريم، والأخبار الواردة في هذا المجال.
كما تقدّم الكلام فيما مضى، فإنّ للسمع والبصر دوراً أساسياً، كدور العقل في دراسة الكون، والتعرف على الأمور المختلفة. بكلمة بديلة، يتحقق النشاط البدني (الجوارح) بنفس الشكل الذي يتحقق فيه النشاط العقلي، وذلك من خلال التعرف على الكون ودراسته.
وقد أوصى الإسلام بمزاولة رياضات تخصّ تربية البدن، من نحو: الرماية، وركوب الخيل.
تتمتع مفردة الحركية باعتبار خاص من بين المفردات الكثيرة، وتستعمل هذه المفردة في علم الاجتماع بكثرة، فالمجتمعات الحركية هي المجتمعات التي تعيش في تبدل وتطور دائبين، أمّا المجتمعات التي تفقد صفة الحركية، ولا تحدث فيها تبدّلات وتطوّرات أساسية، فهي مجتمعات ساكنة أو متوقفّة.
تستعمل هذه المفردة - أحياناً - فيما يخصّ المدارس الفكرية، أو أساليب نظام من الإنظمة، فالمدرسة القابلة للتبدّل والتطور أو المرنة، تعتبر مدرسة متطوّرة أو حركية. وتتّصل حركية أُسلوب من الأساليب بمرونته.
تنبثق المدرسة أو النظام من مبادئ أو أُسس، وأهداف، وأساليب، ومحتوى خاص. وفي مدرسة من المدارس أو نظام فكري من النظم، تأخذ المبادئ، والأهداف، والأساليب، والمحتوى مكانها في خطّة واحدة بشكل منطقي. وعلاقة هذه الأمور بعضها مع البعض، ومع النظام كلّه علاقة ذات جوانب متعدّدة. وتتأثّر أجزاء نظام من النظم بعضها ببعض: فكلّ جزء يؤثّر على الجزء الآخر، وهو نفسه يقع تحت تأثير الأجزاء الأخرى. وهذا التأثير المتبادل أو ذو الجوانب المتعدّدة قائم بين النظام بمجموعه وبين كلّ جزء من أجزائه.
يعبّرون عن هذه العلاقة - أحياناً - بأنّها علاقة عضوية أو حيوية. وكلّما كان
هناك تنسيق أكثر بين أجزاء النظام الواحد، وكذلك بين كل جزء وبين النظام بمجموعه، فإنّ تماسك ذلك النظام سوف يكون أكثر. وحركية نظام من الأنظمة جديرة بالملاحظة لسببين: أحدهما: داخلي، والآخر: خارجي. ففيما يخصّ السبب الداخلي، لا نعبّر عن نظام بأنّه نظام حركي إلاّ إذا كانت لمبادئه وأهدافه وأساليبه ميزات خاصّة. على سبيل المثال، ينبغي أن تكون المبادئ شاملة، أو أنّها تستوعب جوانب مختلفة، وكذلك تكون الأهداف موسّعة ومنميّة، والأساليب مرنة وقابلة للتطبيق في حالات متنوّعة.
مضافاً إلى ذلك، فإنّ الحركية الداخلية لنظام من النظم ترتبط بكيفيّة اتّصال أجزائه أو أركانه أيضاً. فإذا كانت المبادئ، والأهداف، والأساليب متناسقة فيما بينها، ويكمّل أحدها دور الآخر في تطبيق النظام، فإنّ حركية النظام سوف تزداد في هذه الحالة.
وتتجلّى حركية كل نظام من الناحية الخارجية من خلال تأثير هذا النظام ودوره في الأمور الأخرى. وعندما نتحدث عن نظام فكري أو تربوي، فعلينا أن نلحظ كيف يكون موقفه من الإنسان؟ على سبيل المثال، هل إنّ هذا النظام مؤثّر في تطوّر الإنسان؟ هل يعزّز علاقات الأفراد والمجتمعات الإنسانية؟ هل هو قادر على علاج مشاكل بني الإنسان؟ هل ينظّم علاقة الإنسان والكون بشكل منطقي؟ هل يجعل علاقات الأفراد والمجتمعات الإنسانية بشكل لا تكون فيه صالحة للاستمرار والبقاء فحسب، بل لها دورها في تحسين وضع الفرد والمجتمع وتطوّرهما أيضاً؟
فالحركية الداخلية، والحركية الخارجية لنظام من النظم غير منفصلتين عن بعضهما، ويستطيع النظام أن يؤدّي دوره بالنسبة إلى الإنسان في وقت تكون فيه مبادؤه وأسسه ذات شمولية كافية، وأهدافه موسّعة ومنميّة، وأساليبه صالحة للتطبيق في حالات متنوّعة.
إنّ حركية كل نظام ترتبط بالبعد العقلي لذلك النظام إلى حدّ بعيد. والقصد
من البعد العقلي هو قابليّة النظام للمناقشة والدراسة المنطقية، ومجاراته للتفكير الصحيح. وكلّما كانت أُسس نظام من الأنظمة قابلة للتسويغ والتبرير من الناحية العقلية أو المنطقية، فإنّ ذلك النظام يتّسم بالحركية بنفس ذلك الحجم.
وكما نعلم، أنّ النظام الفكري للإسلام نظام توحيدي يشكّل الاعتقاد بالله ركيزته ودعامته. وما يلحظ بخصوص قضية الله في تاريخ الحياة الفكرية للإنسان هو طرح هذا الاعتقاد من قبل مختلف الفئات. ففي تاريخ الفلسفة، نلتقي نماذج لها نزعات متنوّعة، بيد أنّها تطرح ضرورة وجود الله في تفسير قضيّة الخلق، وتطوّر الكائنات، وعلاقة هذه الكائنات فيما بينها، وعلاقة الإنسان بالكون. مضافاً إلى الفلاسفة، فإنّ كثيراً من العلماء آمنوا بوجود الله من باب تفسير قضية خلق الكون، وتسويغ النظام المسيطر عليه أيضاً. ومن توخّى دراسةً أكثر لهذا الموضوع، فله مراجعة كتابي (نقد الفلسفة الماديّة الديالكتيكيّة وخصائص النظام التوحيدي).
ليس الاعتقاد بالله ذا بعد عقلي فحسب، بل هو العامل الموحّد بين الكائنات. وكذلك يربط بين الإنسان والكون، والإنسان وأخيه الإنسان. والله - تعالى - بوصفه الوجود المطلق، هو مظهر العلم والحكمة، والقائم بالقسط، ومصدر القدرة، وإليه تصير الأُمور. والإنسان يعيش في حركة نحو الله، وفي مسيرته هذه، يشكّل الكمال المعنوي، والتقوى، والدعوة إلى العدالة، وحب الناس، أهدافه الجوهرية.
إنّ الكمال المعنوي في مجال معرفة خالق الكون أكثر فأكثر، والتقوى في مجال تطوّر شخصيّة الإنسان وتحكمّه بنفسه، والدعوة إلى العدالة في مجال اجتثاث جذور الظلم والاستغلال، وحبّ الناس في قالب الإيثار ونكران الذات، وتعزيز العلاقات الإنسانية، كل تلك الأشياء توجّه ممارسات المسلمين وأعمالهم على امتداد حياتهم.
إنّ تنوّع الأساليب في الإسلام يمنح نظامه الفكري مرونة خاصّة. وإنّ التزام المنهج العقلي في كافّة الجوانب الدينيّة، والتأكيد على استعماله في جميع ميادين الحياة مشفوعاً بأساليب من نحو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والثواب
والعقاب، والترغيب في دراسة مصير الماضين، والموعظة والنصيحة، كل ذلك يُظهر البعد الحركي للنظام الإسلامي.
كما قلنا - فيما مضى - فإنّ الاعتقاد بالله ينبع من التأمل والتفكر في الخلق. والكمال المعنوي، والتقوى، والدعوة إلى العدالة، ونكران الذات، أهداف موسعة لاتحدّ من نموّ الإنسان فحسب، بل توفّرله متطلّبات تكامله وتطوّره.
مضافاً إلى ذلك، فإنّ الاعتقاد بالله، بوصفه ركيزة منطقيّة قويّة، يوجّه الإنسان نحو الأهداف المذكورة باطمئنان بالغ.
إنّ النظام التوحيدي يطبع حياة الإنسان بطابع سرمدي، من خلال ربطه بالله، وينير في قلبه جذوة الأمل، ويضمن تحرّكه صوب الكمال.
إنّ الإسلام - وهو يتحدّث حول المحبّة، والأُخوّة، والعدالة، والمساواة، ونكران الذات، والتقوى، والكفاح والجهاد في سبيل الحق، والتضامن مع المستضعفين - يهتمّ بالبعد العقلي للنظام الفكري أكثر من المدارس الفكرية الأخرى. ومع أنّ حياة النبيّصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام تمثّل الإيمان، ونكران الذات، والتقوى، والدعوة إلى العدالة، وحب الناس، ورفض الفساد والظلم. بيد أنّهم يُعدّون في قائمة كبار حكماء العالم وعقلائه، حيث يبرز الاتّجاه العقلي في اعتقاداتهم، ووصاياهم، وجهادهم، وكذلك في تعاليمهم بكلّ وضوح.
إنّ التوكّؤ على العقل، ودعم الاتّجاه العقلي من خصائص التربية الإسلامية. ونحن نعلم بأنّ على المسلم ان يذعن لمبادئ اعتقاداته وأُسسها عن طريق العقل. وكلّما نلتقي بمدرسة من المدارس الاجتماعية الموجودة نجدها تؤكّد على أتباعها بصراحة أن يذعنوا لأُسسها وتعليماتها عن طريق الدراسة العقلية. وهذا الاتّجاه هو
أحد أمارات الحسّ الحركي في الإسلام، فما يدفع الفكر إلى الجدّ والسعي، ويشيد الأساس على التفكير، فهو ذو بعد حركي. وقد وضّحنا - فيما مضى - أهميّة العقل والتعقل في الإسلام عند حديثنا حول البعد العقلي في شخصية الإنسان، وذلك في موضوع البعد الإرشادي للإسلام. أمّا حديثنا هذا فهو لأجل توضيح الحقيقة القائلة بأنّ المدرسة الإسلامية مرتكزة على أُسسٍ عقلية، وأنّها تنادي بأهميّة العقل في المجالات المتنوّعة.
جاء في الجزء الأول من الكافي، (ص20) كلام للإمام موسى الكاظمعليهالسلام يخاطب به هشام بن الحكم قائلاً:
«يا هشام إنّ الله - تبارك وتعالى - أكملَ للناسِ الحُججَ بالعقول، ونصرَ النبيّينَ بالبيان، ودَلّهم على ربوبيّته بالأدلّة، فقال:( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الرّحْمنُ الرّحِيمُ * إِنّ فِي خَلْقِ السّموات وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيلِ وَالنّهَارِ وَالْفُلْكِ الّتِي تَجْرِى فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنَ السّماءِ مِن مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثّ فِيهَا مِن كُلّ دَابّةٍ وَتَصْرِيفِ الرّيَاحِ وَالسّحَابِ الْمُسَخّرِ بَيْنَ السّماءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ، (البقرة: 163 - 164).
وفي الصفحة الرابعة والعشرين منه، يخاطب الإمامعليهالسلام هشاماً قائلاً:
«إنّ الله - تعالى - يقول في كتابه:( إنّ في ذلكَ لَذِكْرى لِمَن كان لَهُ قَلْبٌ ) ، (ق: 37)، يعني: العقل. وقال:( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ.. ) ، (لقمان: 12)، قال: الفهم والعقل».
والالتفات إلى آيات قرآنية اُخرى مفيد في هذا المجال أيضاً، نحو:
( كَذلِكَ يُبَيّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ، (البقرة: 242).
( إِنّ فِي خَلْقِ السَّموَات وَالْأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ لآيَاتٍ لَأُوْلِي الْأَلْبَابِ * الّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكّرُونَ فِي خلق
السّموَات وَالْأَرْضِ رَبّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النّارِ ) ، (آل عمران: 190 - 191).
( أَمِ اتّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ.. ) ، (الأنبياء: 24).
( أُفّ لّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) ، (الأنبياء: 67).
( وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظّالِمِينَ مِن نّصِيرٍ ) ، (الحج: 71).
( وَمَن يَدْعُ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ) ، (المؤمنون: 117).
وجاء في القسم الأخير من الآية التاسعة والتسعين من سورة يونس قوله جلّ من قائل:
( .. وَيَجْعَلُ الرّجْسَ عَلَى الّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ) .
وقال تعالى:
( هذا بَلاَغٌ لِلنّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذّكّرَ أُولُوا الْأَلْبَابِ ) ، (ابراهيم: 52).
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ) ، (النحل: 125).( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ الْسّمْعَ وَالْبَصَرَ كُلّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ، (الإسراء: 36).
( وَسَخّرَ لَكُم مَا فِي السَّموَات وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنّ فِي ذلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْم يَتَفَكَّرون ) ، (الجاثية: 13).
( وَقَالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنّا فِي أَصْحَابِ السّعِيرِ ) ، (المُلْك: 10).
وجاء في الجزء الأول من كتاب الكافي، (ص25) كلام للإمام الكاظمعليهالسلام يخاطب به هشام بن الحكم:
«يا هشام، ما بعثَ اللهُ أنبياءَهُ ورسُلَه إلى عبادهِ إلاّ ليعقلوا عنِ الله، فأحسنهم استجابةً أحسنُهم معرفة، وأعلمهم بأمر اللهِ أحسنُهم عقلاً، وأكملهُم عقلاً أرفعهُم درجةً في الدنيا والآخرة».
«يا هشام إنّ لله على الناس حجّتين: حجّةً ظاهرة، وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة: فالرسل والأنبياء والأئمّةعليهمالسلام ، وأمّا الباطنةُ: فالعقول».
وجاء في الجزء الثالث منه (ص90) كلام للإمام الرضاعليهالسلام يقول فيه:
«ليس العبادة كثرة الصلاة والصوم، إنّما العبادة التفكّر في أمر الله عزّ وجلّ».
يقول الإمام عليعليهالسلام في نهج البلاغة (ص1102):
«لاغنى كالعقل».
ويقول في مكان آخر منه (ص1094):
«إنّ أغنى الغنى العقل».
وفي (ص1274) جاء عنه،عليهالسلام :
«كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيّك من رشدك».
ويقول في (ص1275):
«والعقل حسام قاطع».
إنّ إنسانيّة الإنسان مرتبطة بقدرته العقلية، ويتعرّف الإنسان على الأمور عن طريق العقل، فيشخّص مشاكله، ويحدّد المثل والقيم، ويحسّن علاقاته مع الآخرين، ويمّهد السبيل لنموّه وتطوّره. لذلك فكلّ نظام يتوّكأ على قوّة العقل أكثر، فإنّه يستطيع أن يخطو خطوات أفضل على طريق رقيّ الإنسان وتطوّره. وعظمة شخصيّة الفرد منوطة بقدرته العقلية، كما إنّ عظمة مجتمع من المجتمعات منوطة بانتهاجه المذهب العقلي، وتأثير عقلائه ونفوذهم فيه.
إنّ النقطة المهمّة التي هي مثار البحث هنا، هي العلاقة القائمة بين الدين والعقل، فالدين ركيزة أمينة للعقل، وهو الذي يحدّ من انحرافاته، ويوجّهه في طريق خير المجتمع وصلاحه. ولعلّ هناك من يقول بأنّ العقل لا يسخَّر دائماً في طريق الخير والصلاح. وبالرغم من أنّ تصوّر هذا الأمر - بعامّة - شيء عسير، بيد أنّ طبيعة العقل والإيمان تدفعه وترفضه. بكلمة بديلة، إنّ العاقل المؤمن يسير قدماً نحو تطوّره وتطوّر مجتمعه بكلّ ثقة واطمئنان.
إنّ أغلب المذاهب والمناهج الاجتماعية تتوكّأ على الجانب العاطفي أو الشعور، وبواسطته تكسب الناس إلى مصافّها. ويخشى رجال هذه المذاهب والمناهج الاجتماعية من بروز الاتّجاه العقلي لدى أتْباعهم، لأنّهم غير واثقين من صمود أُسس مدارسهم وعقائدهم أمام القوّة العقلية أو الدراسة العقلية.
أمّا الإسلام، فمع دعوته إلى العقل وتوكّؤ فكره على التعقّل، فإنّه لا يغفل الجوانب العاطفية. وفي حديثه عن مكافحة الظلم والفساد، ومناداته بالأُخوّة والمساواة، والتعايش السلمي، ودعم المستضعفين، يحرّك الإيمان والقوّة العاطفية، ويوصي بمراعاة العقل والمنطق أيضاً.
تنبثق الأحكام الإسلامية - كما تعلم - من القرآن الكريم والسنّة الشريفة المعصومة. مضافاً إلى ذلك، فإنّ هناك مواضيع متنوّعة لم يرد فيها نص صريح في المصدرين المتقدّمين، لذلك فإنّ الأئمّة المعصومين(*) ونوّابهم من العلماء يستعينون بالعقل أو بقوّة استنباطهم؛ لإصدار حكم معيّن بحقّها. وعندما طلبوا من الإمام عليعليهالسلام
____________________
(*) هذا العمل مقصور فقط على نواب الأئمّة، وهم العلماء المجتهدون الجامعون للشرائط. أمّا الأئمّة فإنّ قولهم وفعلهم وتقريرهم سنّة كسنّة جدّهم الأعظمصلىاللهعليهوآله حسب اعتقاد الإمامية.
أن يعمل بالقرآن والسنّة وسيرة أبي بكر وعمر، رفض قائلاً: « أنا أعمل بالقرآن والسنّة ورأيي». إنّ الاجتهاد في الإسلام ولا سيّما في المذهب الإمامي يدلّ على حركيّة الإسلام واتّجاهه العقلي.
تنقسم الأحكام الإسلامية إلى خمسة أقسام هي: الوجوب، والاستحباب، والكراهة، والإباحة، والحرمة. والمناط في هذه الأحكام، وارتباطها بأفعال العباد هو المصلحة أو المفسدة التي تستتلي تلك الأفعال. فمفسدة تلك الأفعال ومصلحتها هما الموجبتان لاستحسانها أو استقباحها. والعمل المحرّم والقبيح في الآن ذاته هو الذي يتضمن فعله مفسدة، ويستحق فاعله الذمّ والتوبيخ. ويتمّ تشخيص المصلحة والمفسدة، أو استحسان الأفعال واستقباحها بواسطة العقل السليم. لذلك فإنّ الأحكام الدينية في الإسلام ولا سيّما في مذهب الإمامية تتحدد على أساس المصالح والمفاسد الواقعية. جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:
( قُلْ إِنّمَا حَرّمَ رَبّيَ الْفَوَاحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.. ) ، (الاعراف: 33).
فالمبدأ المهم الذي يقرّه علماء الشيعة هو: كلُّ ما حكم به العقل، حكم به الشرع. وقد تحدّث العلاّمة الحلّي (قدس سره) في كتابه (كشف المراد) عن رأي الخواجة نصير الدين الطوسي القائل بأنّ حسن الأشياء وقُبَحها منوطان بتشخيص العقل، وذلك ضمن شرحه لنظريات الطوسي حول الأحكام الخمسة.
إنّ مصادر الأحكام الإسلامية هي:
1- القرآن الكريم.
2- السنّة الشريفة، وهي عبارة عن قول المعصوم وفعله وتقريره.
3- الإجماع او اتّفاق رأي الفقهاء.
4- العقل وله دور أساس مهم في استنباط الأحكام الإسلامية.
لقد طرحت آراء متنوّعة حول حسن المدارس الاجتماعية وقبحها، أو حول قيمها الأخلاقية. فصفة الحسن والقبح - من منظور تلك المدارس - تُطلَقُ على أمور
تقرُّ بها تلك المدارس أو ترفضها. وتموّن المدارس الاجتماعية أتباعها بتعليمات محدّدة، تطلب فيها منهم قبول كل ما تراه حسناً، دون نقاش، وتطبيقه، كما تدعوهم إلى رفض كل ما تراه قبيحاً، فالحسن والقبيح هو ما تمليه تلك المدارس على أتباعها.
إنّ الحسن والقبح - هنا - ليسا مثارَ بحثٍ ونقاش. بكلمة بديلة، لا يدور الكلام حول العمل أنّه بذاته أو في الحقل الاجتماعي حسن أو قبيح، بل - كما قيل - إنّ ما تقرّ به هذه المدرسة أو تلك، وتمليه على أتباعها حسن، وما لا تقرّ به، وتمنع أتباعها منه قبيح. وكما ذكرنا بشأن الأحكام الخمسة، فإنّ الأحكام المثالية أو التعليمات الأخلاقية مرتكزة في الإسلام على أساس المصلحة أو المفسدة، ويُحدّد الحسن والقبح على هذا الأساس نفسه.
لقد ظهرت إلى الوجود آراء متنوّعة حول الحسن والقبح، والقيم التي تتكفّل بتبيان مفهومهما. فمن منظار أتباع مدرسة التحليل المنطقي، ومدرسة الفلسفة الوضعية المنطقية (positivism)(*) ، نرى أنّ الحسن والقبح أمران شخصيّان يعكسان رغبة الأفراد. فعندما يعتبر أحد شيئاً أو عملاً ما حسناً، فإنّما يعبّر عن شعوره ويبدي رغبته في هذا المجال. بكلمة جديدة، ما يرغب به المرء، فهو صالح، وما يرغب عنه، فهو قبيح.
فمن منظور أصحاب هاتين المدرستين، فإنّ القضايا المثالية ليست قضايا واقعية، بل هي تحمل صفة (شبه القضية). والقصد هنا هو أنّ القضايا المثالية لا تماثل القضايا العلمية، فما تبيّنه القضيّة العلمية أمر يمكن أن يحدث في زمان ومكان معيّنين، بيد أنّ ما تبيّنه القضية المثالية هو شعور الفرد ورغبته. وتموّننا
____________________
(*) وهي فلسفة (أوغوست كونْت) التي تُعنى بالظواهر والوقائع اليقينية فحسب، مهمِلة كل تفكير تجريدي في الأسباب المطلقة. المعرّب.
القضيّة العلمية بمعلومات ذات معرفة، فيما تُظهر القضية المثالية شعور الفرد ورغبته فقط، ولا تمّوننا بمعلومات حول الأمور الخارجية قط.
هذا التباين يثير سؤالاً آخر هو: هل إنّ القضايا المثالية تخضع للمناقشة العقلية؟ وهنا أيضاً يختلف رأي أتْباع مدرسة التحليل المنطقي أو المدرسة الوضعية المنطقية، عن رأي الآخرين. فأتْباع هاتين المدرستين يعتقدون بأنّ القضيّة المثالية لا تخضع للمناقشة العلمية والعقلية؛ لأنّها لا تمدّنا بمعرفة حول الأمور الخارجية. من جهة أُخرى، وكما ذكرنا فيما سبق، فإنّ هذه القضية تعكس شعور الأفراد ورغبتهم، ومثل هذه الأُمور لا يخضع للمناقشة العقلية.
ويرى (كانت) و(ديوي) وفلاسفة آخرون بأنّ القضايا الأخلاقية كسائر القضايا من حيث إنّها تخضع للمناقشة العقلية. ولقد تعرّضنا إلى هذا البحث بالتفصيل في كتاب (الفلسفة) مبحث علم المُثُل، لذلك نحجم عن تكرار ما ورد فيه من مواضيع.
فالحسن والقبح، كالفكر الصحيح والسقيم، يتجليّان من خلال تجربة الإنسان، ولابدّ أن يكونا منسجمين مع الفطرة أو الطبيعة البشرية. وكما أنّ الإنسان - بمرور الزمن ونتيجة لتعامله مع شتى المسائل والمشاكل - يعتبر بعض الأساليب في التفكير أسمى من أساليب اُخرى، كذلك في المجال الأخلاقي، فإنّه يعتبر بعض الأمورحسناً، وبعضها الآخر قبيحاً. فالأساليب المؤثّرة في التفكير عند علاج مشكلة الإنسان تصبح أساليب أساسية تدريجاً، وما لم يظفر الإنسان بأساليب أكثر تأثيراً، فإنّه يظلّ يفيد منها في تعامله مع مختلف المسائل والمشاكل. وفي الحياة الجماعية أيضاً، فإنّ هناك أعمالا أكثر تأثيراً من أعمال أُخرى في تحسين العلاقات الإنسانية. على سبيل المثال، إنّ العدالة والإيثار مؤثّران في رقيّ الحياة الاجتماعية، وتحسين علاقات الناس فيما بينهم، ويلحظ الإنسان هذا التأثير عملياً، لذلك يحكم على العدالة والإيثار بأنّهما حسَنان، وعلى الظلم والأثرة بأنّهما قبيحان منطلقاً من
مشاهداته وملاحظاته. وكما يستعين الإنسان بالتجربة عند تبنّي أُسلوب من الأساليب أو رأي من الآراء مطعّماً ذلك بالدليل، كذلك يفعل في تبنّي المثل وتحديدها. وكما تمّ انتقاء قواعد المنطق وتثبيتها من المناهج المتوفّرة والمؤثّرة عملياً، بحيث أصبحت بمثابة تعليمات لسير العمل (اتّخذ البعد الوصفي طابع البعد المعياري (Normative) أو تحوّل الوصف إلى قاعدة عمل)، كذلك الإنسان، فإنّه انتقى ما هو حسن، أو بكلمة بديلة، انتقى المُثُل من بين ما هو مؤثّر في حياته، فصاغها على شكل تعليمات أخلاقية.
ينبغي التنبيه هنا على نقطتين: الأُولى: إنّ الكمال المطلوب في كيفية التفكير منسجم مع فطرة الإنسان، كالكمال المطلوب في السلوك الأخلاقي، وسعي الإنسان طيلة حياته هو أن يقترب من هذا الكمال كلّما استطاع اليه سبيلا. ولا جرم فإنّ الإنسان يحقّق في هذا الطريق هدفين في آن واحد، فهو يستفيد من تعاليم الأنبياء، وكذلك يكتشف ما ينسجم مع فطرته من خلال تجاربه. الثانية: إنّ الإدراك التدريجي للقيم الأخلاقية، والالتفات إلى تأثيرها في حياة الإنسان لا يتنافى مع صفة الإطلاق التي عليها بعض القيم. بعامّة، فإنّ الأديان السماوية بادرت إلى بثّ هذه القيم وإشاعتها في مجتمعات متنوّعة. فتعرّف الإنسان على بعض هذه القيم بواسطة ذلك العمل. أمّا مستوى توسّع التجربة البشرية، وتأثير العوامل الثقافية لكلّ مجتمع في تفسير القيم وتأويلها، فقد حدّا من تأثير القيم نوعاً ما.
عندما توصف بعض الأُمور بأنّها حسنة أو محمودة - مثل: التقوى، والإيثار، وسيادة الناس على شؤونهم ومصائرهم، والحريّة، والجهاد في سبيل الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومكافحة الظلم، فبغضّ النظر عن البعد الديني الذي يشكّل الركيزة الأساسية للسلوك الأخلاقي، فإنّها أُمور آتتْ أُكُلها، وأثبتتْ حُسَنها وجودتها من خلال معطياتها وقيمتها في حياة الإنسان. ولا غرو فهي منسجمة مع فطرته، لذلك تعتبر حسنة ومحمودة في قاموس جميع أفراد النوع الإنساني.
إنّ الإسلام منسجم مع فطرة الإنسان لأنّه حافل بمفاهيم وأفكار في المجال الأخلاقي والتربوي - كما لحظنا فيما تقدّم - قدّمها على أنّها مبادئ وقواعد ووصايا ثابتة، لا ينكر تأثيرها الإيجابي على المجتمع من حيث تحسين العلاقات الإنسانية بين أفراده. والآن لابدّ أن نلحظ، هل إنّ القضايا المثالية خالية من بعد المعرفة العلمية؟ فالتقوى أو الإيثار مفهومان جوهريان، وتبيان معناهما في قضية من القضايا ذو بعد عقلي ومنطقي تماماً. إنّ التقوى صفة محمودة تعرّفنا على حقائق تبدو آثارها في علاقات الناس. بكلمة بديلة، إنّ الحديث عن التقوى ليس حديثاً عن الشعور أو الرغبة الفردية، بل هو حديث عن مفهوم يشكّل ركيزة تربية الإنسان.
على هذا الأساس، فإنّ التقوى صفة محمودة تخضع للمناقشة العقلية، لذلك فهي لا تختلف عن أيّ قضيّة علمية. ولا ريب فإنّ القضايا العلمية تختلف عن القضايا الأخلاقية، لكن لا علاقة لهذا الاختلاف بالخضوع للمناقشة العقلية. إنّ ما يفصل القضية الأخلاقية عن القضية العلمية هو موضوعها، حيث إنّ موضوع القضية العلمية هو الظاهرة الطبيعية. أمّا موضوع القضية الأخلاقية فهو سلوك الإنسان وعلاقاته بالآخرين. إنّ الظاهرة العلمية التي تشكّل موضوع العلوم أقلّ تعقيداً من الظاهرة البشرية، بيد أنّ تكوين المفاهيم، وتدوين النظريات، وعرض المبادئ في كلا الفرعين، كل ذلك يتطلّب نشاطاً عقليّاً.
إنّ الإسلام - وهو يقدّم المبادئ الأساسية للأخلاق وإرشاد الناس في علاقاتهم مع الآخرين - يقرّ بحكم العقل في الأُمور الأخلاقية. بكلمة بديلة، كما قيل بشأن الأحكام الخمسة سالفاً، فإنّه يعتبر تحديد الحسن والقبح أمراً عقلياً. علماً بأنّ هذا الموضوع قد ذُكر في كتاب (شرح التجريد)..
التعليم في الإسلام
التعليم في الإسلام
اتجاهان رئيسان في التّربية والتّعليم
يجب أن نفصل بين اتّجاهين في أمر التربية والتعليم. ويُعرّف هذان الاتّجاهان في الأوساط التربوية بالدراسة، والتدريب، علماً بأنّ بعض المربِّين ينظر إليهما على أنّهما اتّجاه واحد، معتبرين الدراسة هي التدريب نفسه.
يتعلّم الإنسان في حياته كثيراً من الأشياء، ويُمارس أفراد النوع الإنساني عادات متنوّعة خلال المراحل المختلفة للنمو. ويمكن القول بأنّ رغبات الإنسان تعلّمية أيضاً، لأسباب متنوّعة وتمثّل بعض رغباته حاجاته الأساسية التي كانت تعتبر في الماضي غرائز. وهذه الرغبات نفسها من حيث الشكل يتمّ تعلّمها بأشكال متباينة في الحضارات المتنوّعة. فالرغبة في الاستطلاع والرغبة في الحياة مع الآخرين، والرغبة في الطعام، والرغبة في الحركة والنشاط، والرغبة في الاستراحة، هي من الرغبات الجوهرية للإنسان. بيد أنّ ظهورها وإشباعها يختلفان تبعاً للحضارات المتنوّعة، والشرائح الاجتماعية المعيّنة. فبعض الرغبات من نحو الرغبات المتعلّقة بالنشاطات العلمية، ومطالعة الكتب، والنشاطات النفنيّة،
والرياضة، والنشاطات الاجتماعية، والنشاطات الدينيّة على صعيد واسع هي رغبات تعلّميّة. ولابدّ للإنسان أن يكتسب مهارات معيّنة في تعامله مع الطبيعة، ومع بني جنسه، وكذلك في تعامله مع مختلف المسائل والمشاكل. تبدأ هذه المهارات من أشكال بسيطة، نحو: قطف الثمار، وفصل الحبوب، وتنتهي بمهارات معقّدة من نحو: تصليح السيّارة والباخرة، وكذلك المهارات الفكرية في التعامل مع مختلف المسائل، فهذه المهارات يتمّ تعلّمها أيضاً.
مضافاً إلى العادات والرغبات والمهارات، فإنّ الإنسان - تدريجاً وفي ظلّ دراسة الظواهر المتنوّعة - يقوم بتدوين العلم والفلسفة والفن والأخلاق، ويأتي بمعلومات متنوّعة في هذه الحقول. ومن أجل أن يتعرف الأشخاص على الظواهر، لابدّ لهم من الحصول على المعلومات الضرورية، وعلى نفس النسق، فإنّ فهم الأفراد للأُمور المختلفة، وكذلك طريقة حياتهم، من الأشياء التي يتعلّمونها.
إنّ الحديث يدور حول كيفية تعلّم الإنسان لهذه الأشياء. مضافاً إلى ذلك، فإنّ القضية الأساسية تتمثّل في الشكل الذي تتحقق فيه طريقة التعلّم، والظروف التي تكون فيها مفيدة للإنسان، بحيث تحدث تطوّرات جذرية في سلوكه. وبالنظر إلى أنّ الدراسة ترتبط بعملية التعلّم، لذلك يجب أن نلحظ كيف يتّخذ هذا الاتّجاه طابعاً تربوياً.
إنّ مدرسة السلوك هي واضعة الحجر الأساس لهذا الاتّجاه، فلقد طُرح التعلّم
____________________
(*) ويطلق عليه الترويض، والترابط، ويعبّر عنه بعض العلماء بقولهم: النظرية الترابطية لوجود الترابط بين المثير والاستجابة. المعرِّب.
عن طريق التدريب، أو بتعبير علمي أدق عن الطّريق الترابطي أو الشرطي من قِبَل العالم الروسي (بافلوف)، حيث تنبّه هذا العالِم إلى البعد الشرطي في السلوك من خلال دراسته لسلوك الكلب وردّ الفعل الذي أبداه حيال المثير. ولحظ في تجاربه أنّ مجاورة شيء - من طبيعته أنّه يدفع الحيوان إلى إبداء ردّ فعل معيّن - يؤدّي إلى انتقال ردّ فعل الحيوان إلى ذلك الشيء. وكان (بافلوف) يعلم بأنّ الكلب عندما تقع عينه على قطعة من اللحم، يسيل لعابه ذاتياً، فالقطعة هي المثير أو العامل الطبيعي، والحيوان يبدي ردّ فعل حياله لا إرادياً، وسيل اللعاب في فم الكلب هو ردّ فعل أيضاً إزاء مشاهدة اللحم. فعَلِم (بافلوف) بأنّه لو تمّ قرع الجرس، متزامناً مع تقديم قطعة اللحم أمام الكلب، وتكرر هذا الأمر في ظرف خاص، فإنّ صوت الجرس - بوصفه مثيراً شرطيّاً أو غير طبيعي - هو الذي يحدث ردّ الفعل الطبيعي أو سيل اللعاب. بكلمة بديلة، يتدرّب الكلب على إبداء ردّ الفعل الطبيعي بمجرّد سماع صوت الجرس، وذلك بسبب مجاورة صوت الجرس لقطعة اللحم. وفي المعسكرات تتدرّب الخيول على النوم تدريجاً بمجرّد سماع صوت الصفّارة، علماً أنّه في بادئ الأمر كان الجنود يجبرون الخيول على النوم بمجرّد سماع صوت الصفّارة، بيد أنّ صوت الصفّارة ذاتياً أحدث ردّ الفعل هذا عند الخيول تدريجاً.
يتعلم الإنسان كثيراً من الأشياء عن هذا الطريق أيضاً. على سبيل المثال، يتعلم الأطفال أسماء الأشياء عن هذا الطريق، ففي البداية يسمع الأطفال كلمات ليس لها معنى عندهم، بيد أنّ مجاورة هذه الكلمات للأشياء أو الحركات المعيّنة تفضي إلى تعلّمها من قبلهم.
وهنا يصرّ أتْباعُ مدرسة السلوك أن يفسّروا جميع نشاطات الإنسان في ضوء هذا الاتّجاه، حتى أنّهم يرون أنّ الإدراك البسيط للأشياء، وكذلك الممارسات المعقدة كالتفكير والاستدلال، تخضع للتفسير وفقاً لهذا الاتّجاه.
وكما تقدّم، فإنّ الإنسان لا يتعلم أسماء الأشياء بهذا المنحى فحسب، بل
يمكنه أن يحصل على معلوماته بواسطته أيضاً. على سبيل المثال، نجد الطفل الموهوب يقوم بما يسمّى تعلّم القصيدة وعنوانها أو حفظها. ففي بادئ الأمر، نرى أنّه لا يتبادر إلى ذهن الطفل أيّ موضوع من وراء عنوان القصيدة، بيد أنّ تكرار العنوان ومجاورته لأبيات معيّنة يجعلان الطفل يقرأ تلك الأبيات بمجرّد ذكر العنوان. كما يلحظ أنّ الفهم والتعقّل غير ضروريين في مثل هذه الحالة. وفي الأعمّ الأغلب، فإنّ الطلاّب يتعلمون مواضيع درس ما على نفس النسق، حيث يطرح المعلّم عنوان الموضوع، ثم تستتليه مباشرة ما يتعلّق به من آراء أو مواضيع.
إنّ مجاورة العنوان للمواضيع تُحدِثُ علاقةً ميكانيكية في ذهن الطالب، فبمجرّد طرح العنوان، تأتي المواضيع في ذهنه تباعاً. ويصادف أحياناً أن تكون ذاكرة الطلاّب جيّدة، فيستطيعون أن يستعيدوا شريط المواضيع المسموعة أو المقروءة بسهولة، وأحياناً يعتريهم خلل عند تذكّر المواضيع. وعندما تكون هناك حلول معيّنة للمسائل المتنوّعة، وتطرح كلّ مسألة مع حلولها، فإنّ هذه الحلول تباشر ذهن الطالب اوتوماتيكيّاً بمجرّد طرح المسألة.
بيد أنّ الإنسان يمكن أن يتعلّم حتى أسماء الأشياء عن طريق الفهم والتعقل. لقد أصبحت نظرية بافلوف في الإتّحاد السوفيتي (سابقاً) أساس الدراسات الخاصّة بعلم النفس والطبّ النفساني. ويفاد من هذه النظرية أيضاً في الدراسة، ثم أصبحت هذه النظرية - كما ذكرنا - أساس مدرسة السلوك في الولايات المتّحدة.
لقد جاء بعد واتسون، عالم النفس الأميركي: (سكينر)، فواصَلَ أبحاثَه حول ردّ الفعل الشرطي، وبادر إلى طرح النظرية الشرطية - العملية. وفي ضوء هذه النظرية، فإنّ الكائن الحي يقوم بنشاط معيّن إرادياً، ولو كان هذا النشاط مقروناً بالمكافأة، فإنّ الكائن الحي سيقوم بنفس النشاط في ظروف خاصّة مستقبلاً. وعلى هذا الأساس، فإنّ المكافأة ترسّخ سلوكاً معيّناً فيه. والعقوبة أيضاً تردع الكائن الحي - بنفس الشكل - عن القيام بذلك النشاط. فلا ريب أنّ المكافأة والعقوبة
مؤثّرتان في ترسيخ سلوك معيّن أو تركه، ويخضع أفراد النوع الإنساني لتأثير هذين العاملين أيضاً.
كان لآراء (سكينر) تأثير بالغ في نظام التربية والتعليم في أميركا، حتى قامت بعض المدارس التربوية بجعل آرائه أساساً لبرامجها التعليميّة.
وهنا لا ننوي أن نتحدث حول النظرية الشرطية، علماً بأنّ ثمّة شبهاً واختلافاً بين النظرية الشرطية الكلاسيكية المتوكّئة على تجارب (بافلوف)، وبين النظرية الشرطية - العملية. فيجب الرجوع إلى كتب علم النفس، للحصول على معلومات أكثر في هذا المجال.
بيد أنّ المقطوع به هو تأثّر النظام التربوي في أميركا بتعاليم (واتسون) و(سكينر) وبقيّة رجال مدرسة السلوك. وبالرغم من أنّ (ديوي) وعدداً من المتخصّصين في حقل التربية والتعليم لم يثمّنوا مدرسة السلوك أو الاتّجاه الشرطي من الناحية التربوية، بيد أنّ كثيراً من المربّين تأثّروا بأُسس هذه المدرسة. من جهة أُخرى، بما أنّ الأبحاث التجريبيّة في هذا المجال تجري بشكل أيسر، وأنّ الباحثين يقدّمون نتائج تجاربهم بالإفادة من التقنيات الإحصائية غالباً، لذلك توجّهت أنظار الأوساط التربوية إلى هذه المدرسة أكثر. وسوف نلحظ أنّ البحث التجريبي فيما يخصّ الفهم والتعقّل لا يتحقّق بسهولة، لذلك فإنّ كثيراً من علماء النفس يبدون اهتماماً أقل بمثل هذه الأمور. وسوف نلحظ في البحوث القادمة بأنّ الفهم والتعقل يشكّلان أساس الدراسة.
تخرج عملية التعليم من شكلها الميكانيكي في هذا الاتّجاه، وقد رأينا في حديثنا عن التدريب أنّ مجرّد المجاورة أو التضاد أو الشبه، يكفي بعقد صلة بين أمرين، فينتقل ذهن الإنسان من أمرٍ إلى آخر ذاتياً، أو ينتقل ردّ فعله من أحدهما
الى الآخر.
وللتفكير دورٌ أساس في هذا الاتّجاه. فما يريد الإنسان أن يتعرّف عليه أو يتعلّمه، يجب أن يتّخذ طابع المشكلة ليثير تفكيره، وعندها ينبري للتعرّف على الموضوع أو تعلّمه.
إنّ تعلّم اسم الأشياء - حتى في هذا الاتّجاه - بالفهم والتعقّل أيضاً. يقوم الإنسان بتحليل الظرف المحيط به حتى يتسنّى له تحديد المشكلة ذات العلاقة أو الموضوع المراد معرفته. في الآن ذاته، تدخل عناصر ظرف ما، أو إدراك الصلة بين المشكلة ذات العلاقة مع المشاكل الأُخرى، ضمن النشاطات الأساسية في هذا الاتّجاه. وعندما تتحقّق المعرفة أو التعلّم عن طريق طرح المشكلة، فإنّ الشخص يتوفّر على تشخيص تلك المشكلة، ويكون مرغماً على تحديد عناصر أو أجزاء المشكلة، وإدراك صلتها مع بعضها، ثمّ الأخذ بنظر الاعتبار كيفيّة التعامل مع مثل هذه المشاكل ضمن الإفادة من تجاربه، وعند ذلك يبادر إلى حلّ المشكلة. فنشاطه - بعامّة - يشكّل أساس العمل، والمعلّم - هنا - يؤدّي دور المرشد والموجّه، وعلى الشخص نفسه تبيان المشكلة.
ولابدّ له أن ينظّم تجاربه الشخصيّة فيما يخصّ المشكلة المعنيّة، ويستفيد من تجارب الآخرين، ويجعل تجاربه مع تجارب الآخرين في خطّة منطقيّة، ويحاول - عن هذا الطريق - أن يدوّن العلاج الأساس، ووجهة النظر التي ساعدته على معرفة الموضوع. بعامّة، فهو يدرس ويقوّم الأُمور المختلفة عن طريق التفكير والتعقّل، ويبادر هو بنفسه إلى معرفة الموضوع المعنيّ أو علاج المشكل بالإفادة من توجيهات الآخرين.
إنّ الاتّجاه التربوي في عصرنا متوكّئ على التدريب أو الترابط الشرطي، لعدّة
أسباب: الأوّل: إنّ مدرسة السلوك في علم النفس تعزّز هذا الإتّجاه.
فكما تقدّم، أنّ العالم الفسلجي الروسي (بافلوف) يعتبر الترابط الشرطي أساس السلوك الاعتيادي وغير الاعتيادي، ويجري النظام التعليمي في الاتّحاد السوفيتي وفقاً لهذه النظرية.
الثاني: إنّ بعض الأبحاث في حقل علم النفس تدعم النظرية الشرطية في تعلّم الأمور المتنوّعة. كما قلنا - فيما سبق - فإنّ قياس التعلّم عن الطريق الشرطي، وتوقّع نتائجه يخضع للبحث والدراسة بشكل أيسر. بكلمة بديلة، يمكن قياس ما يتعلّمه المرء نتيجة مجاورة شيئين، وهذا قابل للتوقّع في حالات مماثلة. فالتعلّم عن هذا الطريق أيسر. يطرح المعلّم موضوعاً، ويكرّره، وبعد التكرار يمكنه أن يتوقّع بأنّ الطالب قد تعلّم ذلك الموضوع. وكذلك على الصعيد العملي. وعند تعلّم كثير من الأُمور، فإنّ للمكافأة دوراً حاسماً. وعالم النفس يستطيع أن يحدّد هذا الدور أثناء التجربة، ويتوقع أثره. لذلك يبدو أنّ للإتكاء على النظرية الشرطية بعداً علمياً. ومن هذا المنطلق، فهي تقنع المربّي. والتعلّم عن هذا الطريق ينسجم أكثر مع التفسير الماديّ لنشاطات الإنسان.
الثالث: إنّ الإنسان - كما ذكرنا آنفاً - يقبل كثيراً من الأُمور عن الطريق الشرطي. عندما شاركت في المؤتمر العالمي للتربية والتعليم في بلجيكا، كان أحد المتخصّصين في التربية والتعليم يتحدث عن (التأهيل الاجتماعي) و(الإعداد الثقافي) للأشخاص، وكان موضوع المؤتمر: التربية والتعليم عن طريق نموّ الشخصية. فتحدّثتُ مع أخصائي ألماني حول التأهيل الاجتماعي والإعداد الثقافي ودورهما في نموّ شخصية الفرد، فقلت له: إنّ التأهيل والإعداد عمليتان شرطيتان، فإذا وضعوا الإنسان في وسط اجتماعي معين، فإنّه يتعلم التقاليد والآداب الاجتماعية ذاتياً، كما إنّ ولادة فرد من الأفراد ونشأته في مجتمع معين، تفضيان إلى أن يتعلّم ذلك الفرد لغة ذلك المجتمع. كذلك فإنّ لتأهيل الفرد اجتماعياً - بالشكل الذي يجعلونه في
وسط اجتماعي معين، ويتعلّم التقاليد والآداب ذاتياً - بعداً شرطياً لا ينسجم مع اتجاه الدراسة.
إنّ حضور الفرد في شريحة اجتماعية، وتعامله المكرر مع ذلك الموقع يؤدي إلى أن يتعلّم أشياء معيّنة ذاتياً، وكما قلنا سالفاً، فإنّ هذه الطريقة من التعلّم لا تقترن بالفهم والتعقّل، وفي هذه العملية يؤهّلون الفرد اجتماعياً أو يعرّفونه على تقاليد وآداب معيّنة، وبواسطة هذا العمل يهيّئون مستلزمات انسجامه مع المجتمع.
الرابع: إن ما هو قائم في المجتمعات الغربية من نظام مثالي تقرّه الحضارة الغربية نفسها، وعليه طابع ديني وإنساني شكلياً، بيد أنّه - في الحقيقة - ضد الدين والأخلاق والإنسانية - يُملى على الطلاب ويُلَقَّنونه. وكما نعلم، فإنّ الاستعمار والاستغلال من سمات الحضارة الغربية، حيث إنَّ خلفيات دول مثل: إنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والولايات المتّحدة، في علاقاتها مع الدول النامية تدلّ على الطابع الاستعماري والاستغلالي الذي تَتَسم به توجّهات تلك الدول. وقد خرج الدين - بشكل عام - عن شكله الحقيقي فيها، حيث تمّ حصره في ما يسمّى بقوالب ومبادئ لا تخضع للبحث والدراسة.
لقد سلبت المنظّمات الدينية - مع رعاية تسلسلها الهرمي - الفرصة من الأفراد لإبداء وجهات نظرهم. والنشاطات الدينية ذات بعد رسمي غالباً، أو أنّها تأخذ طابع ما يسمّى بالأعمال الخيرية. يسيطر النظام الرأسمالي على الحضارة الغربية. والدين أيضاً يخضع لنفوذ هذا النظام. وبالرغم من وجود توجّهات اشتراكية وديموقراطية في بعض المجتمعات الغربية، بيد أنّ هذه التوجّهات تخضع أيضاً لنفوذ الحضارة الغربية والاتّجاه الاستعماري والاستغلالي لها بكلّ قوّة.
فعندما يؤخذ أربعة مستشارين كرهائن في مكان ما، أو يقع (جومبو) أو (محمد رضا بهلوي) في مأزق، فإنّ جميع الأوساط السياسية والدينية والاجتماعية الغربية ترفع أصواتها بالاحتجاج. ولكن عندما يُذبح مائة شخص بريء من الناس
العُزّل، فلا أحد ينبس ببنت شفة، إلاّ بعض وكالات الأنباء، إذ قد تذكُر خبرهم بشكل عابر. والقصد هو أنّ الاشتراكية، والدين، والديمقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان تطرح في إطار معيّن، وتفقد هذه المفاهيم معناها الحقيقي في علاقات الدول الغربية مع دول العالم الثالث أو الدول النامية، وتطرح بشكل مشوّه، وما أبدته الأوساط المتنوّعة حول السفارة الأميركية في طهران، يدعم وجهة نظرنا حول الموضوع.
يصرّح (كارتر) بأنّه يمتنع عن تسليم (محمد رضا بهلوي) التزاماً بالمبادئ التي يؤمن بها على حدّ زعمه، ولا يبالي بأيّ تهديد في هذا الشأن، ثمّ يصدر أوامره بتجميد الأموال الإيرانية الموجودة في الولايات المتحدّة، وكذلك يأمر بمنع استيراد النفط من إيران. وثمّة سياسيّون آخرون في أميركا من أمثال: (إدوارد كيندي)، و(مك غاورن)، يعلنون عن دعمهم للإجراءات التي اتّخذها (كارتر). وعلى أثر الدعايات التي تبثّها الحكومة الأميركية، يقوم أفراد من الشعب الأميركي بمهاجمة الإيرانيين المقيمين في أميركا، وتنشر الإذاعة والتلفزيون وبعض الصحف والمجلاّت ما تطلبه الحكومة الأميركية منها.
وتَعتبر بعض وكالات الأنباء وبعض الإذاعات، مثل: الإذاعة البريطانية - نقلاً عن معلّقيها - مسألة حجز بعض الأميركيين كرهائن مخالفاً للعهود والمواثيق الدولية، وبعيداً عمّا يتوقّع من شعب متحضّر. ويرسل البابا ممثّلاً عنه للتوسّط في قضية إطلاق سراحهم، ويطالب مجلس الأمن بالإفراج عنهم أيضاً.
إنّ أكثر هذه الأوساط تدين إيران على أساس المعايير الإنسانية، بزعمها، وبذريعة عدم مراعاة العهود والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان، ولا أحد يثير السؤال التالي: هل إنّ السفارة الأجنبية مركز للتفاهم، وتبادل وجهات النظر، وتوطيد العلاقات الوديّة بين البلدين، أو هي مركز للتآمر والتجسّس والتحريض ضدّ الشعب؟ ولا أحد يسأل: لماذا سمحتْ أميركا للشاه أن يدخل أراضيها؟ ولماذا دعمته؟ فهل هذا العمل هو
كما تزمّر الأبواق الإعلامية بأنّه عمل إنساني منبثق عن حب الإنسان؟ ولو كان كذلك، فلماذا لا تسمح أميركا لبعض الناس غير الرسميّين أن يسافروا إليها للعلاج؟ هل إنّ دعم الولايات المتّحدة للشاه من أجل مراعاة حقوق الإنسان؟ أمْ هو إيواء لرجل دموي فاسد محتال وعميل لها؟ هل إنّ اقتراح الطلبة الجامعيّين الذين احتجزوا الرهائن، هو شيء آخر غير محاكمة مجرم دولي؟ ألا يجب على الأوساط المسمّاة بالأوساط الحضارية أو التقدمية أن تدعم قضية تسليم مثل هذا المجرم؟ إنّ دعاء (كارتر) للرهائن في الكنيسة يدلّ على إدراكه لقضية الدين. وما يتّضح من هذه الحادثة الصغيرة هو أنّ الأوساط الغربية لا تنادي بالديمقراطية، والحرية، وحقوق الإنسان، والأخلاق، والدين، والعلاقات الدولية، ومُثُل إنسانية أُخرى إلاّ على أساس المصالح الاستعمارية. طبيعياً، أنّ هذه الحالة وحدها ليست دليلاً على هذا التقويم والحكم، بيد أنّ ما يُلحَظ في التاريخ المعاصر للمجتمع البشري من علاقات الدول الغربية مع الدول الضعيفة يدعم هذه الحقيقة، ولو كان هناك متكلّم أو كاتب يدافع عن المثل الإنسانية، فإنّه لايصمد أمام أجهزة الدعاية الإعلامية في الغرب، ولا يصل صوته إلى مكان.
إنّ الأجهزة التربوية في الدول الغربية - سواء كانت واعية أو غير واعية - تقع تحت تأثير النُظُم الموجودة فيها. وبالرغم من أنّ الحديث في بعض الأوساط التربوية الغربية يدور حول حريّة الفكر والديمقراطية، بيد أنّ المعلّمين يلقّنون الطلاّب أفكاراً وآراء ونزعات معيّنة بصورة غير مباشرة. وفي المجال التاريخي والاجتماعي، تقدّم الحقائق الملموسة إلى الطلاّب غالباً بشكل مشوّه، وعندما يلتقي الأجانب بطلاّب المدارس والجامعات في المجتمعات الغربية، يشعرون إلى أيّ مدى يعيش هؤلاء الطلاّب بمنأى عن الحقائق الواقعية. أما وسائل الإعلام فهي ناطقة باسم هذه النظم إلى حدّ بعيد، وهي تملي على الشعب آراء خاصّة، وحقائق معيّنة، وأساليب استنباط محدودة، ونزعات خاصّة. ويبدو أنّ الأشخاص أحرار في اختيار
الدين، واتّخاذ نهج معيّن، وإيجاد نزعات اجتماعية، والمناقشة والتعبير عن آرائهم حول مختلف المسائل، بيد أنّ الدعايات الإذاعية، والمقالات الصادرة في الصحف والمجلاّت، تؤثّر على أُسلوب التفكير الذي ينهجه الناس، وتقوم الشركات التجارية الكبرى - عادة - والفئات المتنفّذة، ومنظّرو الأحزاب بجعل أفكار الناس حسب الشكل الذي يريدونه، وذلك عن طريق الصحف، والبرامج الإذاعية والتلفزيونية.
بإيجاز، إنَّ هناك آراء وتصوّرات معروفة سابقاً، تُلقى على الناس، سواء في الأجهزة التربوية، أو في وسائل الإعلام، حتى عندما يدور الحديث حول المسائل الاجتماعية والسياسية.
في الأقطار الشيوعية، تسيطر الإيديولوجية الماركسية - من خلال نظام فكري معيّن - على الشؤون الفكرية والتربوية للمجتمع، وفي مثل هذه الأقطار، فإنّ الفرضية تقضي بأنّ هذه الإيديولوجية حدّدت معالم الحركة الفكرية للإنسان في المجالات المتنوّعة، ولا سيّما في: علم الاجتماع، علم النفس، الفلسفة، التاريخ، وفي بعض الفروع العلمية، وهذا الفهم يسيطر على المؤسّسات التربوية والعلمية، وعلى وسائل الإعلام أيضاً.
إنّ عمل التربية والتعليم هو - إلى حدّ بعيد - تقديم الإيديولوجية المتبناة والتعريف بها. وينبغي الالتفات إلى أنّ هذه الإيديولوجية تأخذ طابعاً رسمياً. بكلمة بديلة، فإنّ تفسير الإيديولوجية من شأن العلماء الثقاة، والممثّلين الرسميين للحزب. وجميع الأفراد لا يستطيعون مناقشة الإيديولوجية، وإبداء انطباعاتهم عنها بحريّة. في المؤتمر العالمي آنف الذكر، وبعد أن ألقى ممثّل ألمانيا الشرقية كلمته، وجهّت إليه سؤالاً، فقلت له: أَنتم تعلمون بأنّ الاستقلال الفكري هو روح التربية والتعليم، وعمل المربّي هو إعداد الأفراد الذين يمارسون أعمالَهم مستقلّين في عملية التفكير، وأنتم في مدارسكم تفرضون إيديولوجيّتكم، وتريدون من الطلاّب قبولها، فهنا يثار سؤال هو: كيف ينسجم فرض إيديولوجية معيّنة مع الاستقلال الفكري؟
ومن هذا المنطق، فلا يمكن الحديث عن التربية والتعليم في مثل هذه الحالة.
لذلك فإنّ الاتّجاه التربوي الأساس في الظروف المعاصرة - سواء بين الغربيّين أو الشرقيّين - ينسجم مع التدريب أكثر من انسجامه مع الدراسة الصحيحة.
إنّ الفهم ذا البعد الواحد لماهيّة الإنسان - الإنسان كالحيوان ويفترق عنه في بعض الأمور - والإصرار على أنّ الإنسان يتعلّم الأمور المختلفة كالحيوان، والسعي لتفسير عملية التعلّم، والتفكّر، وإبداع الإنسان عن الطريق الشرطي والبعد العلمي، ومحاولة فرض نظام خاص في المجتمعات الغربية، وفرض إيديولوجية معيّنة في المجتمعات الشيوعية، كل ذلك يخرج العملية التربوية عن صورة الدراسة الحقيقيّة، ويجعلها في صورة التدريب. وقبل أن نقوم بدراسة التربية والتعليم في الإسلام، نذكر سمات هاتين العمليتين.
التيار الشرطي: ذكرنا فيما سبق أنّ أساس التدريب هو إحداث ردّ فعل شَرْطيّ عند الفرد. ومن خلال ذكر عنوان ما، وطرح مواضيع معيّنة، وتكرار هذا الأمر، تتكون علاقة بين ذينك الشيئين في ذهن الفرد، وينقل الفرد المواضيع المطروحة إلى ذهنه ذاتياً بمجرّد طرح العنوان. لذلك فإنّ الشرط الأساس في مثل هذا اللون من التعلّم هو وجود المجاورة والتكرار والتمرين. فكما يسمع الطفل اسم الشيء مقروناً معه مرّات عديدة، فيتعلّم اسم ذلك الشيء ذاتياً، كذلك يتعلّم مختلف الأمور عن طريق وسائل الإعلام أو في الصف.
يذكر المعلّم عنوان بحث ما، تتلوه مواضيع خاصّة تتعلّق به، يكرّر ذلك العمل، نلحظ هنا أنّ التكرار يفضي إلى أنّ المواضيع المطروحة ترتبط مع عنوان البحث، عند ذلك يتذكّر الطالب الموضوع المطلوب من خلال طرح العنوان.
وعندما يكون عمل المعلّم طرح مواضيع معيّنة، سواء كانت نظريات علمية، أو
نظاماً مثاليّاً خاصّاً أو أفكاراً وعقائدَ معيّنة، ففي مثل هذه الحالة تنتقل المواضيع إلى ذهن الطالب عن طريق التكرار، ويتّخذ الامتحان طابع عرض المعلومات المخزونة في الذهن. يذكر الطالب عنوان بحثٍ لنفسه، فيقرأ المواضيع المتعلّقة به في كتاب أو كرّاس، وبتكرار هذا العمل، يودع أشياء في ذهنه، تنساب إلى الورق عند الامتحان.
كما ذكرنا آنفاً، لو تمّ عرض المواضيع العلمية، وطرح المبادئ الأخلاقية، وانتقال أُسس إيديولوجية ما بهذا الشكل، فإنّ الطالب يستطيع أن يتعلم المواضيع عن طريق التكرار والتمرين. وكما أنّ اللاعبين في السيرك يعلّمون الحيوانات القيام ببعض الأعمال. ومن خلال المجاورة بين قرع الجرس أو تحريك الخشبة، أوأيّ نشاط خاص، يدفعون الحيوان إلى القيام بالفعل، بنفس الشكل ينقل المعلّمون أو وسائل الإعلام موضوعاً ما إلى ذهن الأشخاص.
التلقين: في عملية التدريب يتقبّل الطالب ما يُعرض عليه، فعندما يُلقي المعلّم موضوعاً، ويستمع إليه الطالب، وتتكرر هذه العملية مرّات، ففي هذه الحالة، يتقبل الطالب ما يعرض ذاتياً، وبدون وعي وإرادة. وما ينشر في الصحف أو المجلاّت، أو ما يبث من الإذاعة أو التلفزيون، يلقى قبولاً لدى الناس دون نقاش.
إذا بادر الطالب إلى قراءة موضوع ما، وتفاعل مع ما هو مكتوب دون نقاش، فقد تأثّر بكاتب ذلك الموضوع، وشمله تلقينه أيضاً. والذين يتعلّمون مواضيع متنوّعة دون نقاش، وينقلونها إلى الآخرين، فقد خضعوا لعملية تلقين الكتّاب، وأخضعوا الآخرين لتلقين ما حفظوه.
ليس مهمّا في التحصيل الدراسي سعة محفوظات الفرد أو معلوماته، بل المهم هو كيف يقبل الفرد المواضيع المعيّنة. بكلمة بديلة، إنّ مَن عمل على تصعيد معلوماته أو محفوظاته، واستطاع أن يتحدث حول موضوع معيّن لساعات، بيد أنّه - شخصيّاً - لم يدقّق فيما حصل عليه من علم، ولم يناقش ذلك، فقد شمله تلقين
الآخرين.
إنّ نتيجة التعلّم - في عملية التدريب - خاضعة للتوقّع، فما يُلقى على الحيوان، يمكن توقّع القيام به من قبل الحيوان في ظروف خاصّة. وفي المعسكرات تنام الخيول بإطلاق صوت الصفّارة، فيمكن توقّع رقود الخيول في الليلة الخامسة مثلاً، بمجرّد إطلاق صوت الصفّارة.
وعندما يقرأ تلميذ في الابتدائية قصيدة عدّة مرات، أو يحفظ جدول الضرب، فيمكن التوقّع بسهولة أن يقرأ القصيدة بمجرّد سماع عنوانها، أو عندما يُسأل عن ناتج ضرب العدد (5) في نفسه، يجيب: خمسة وعشرون.
بعامّة، عندما يُلقَّن أحد عقيدةً، أو فكراً، أو رأياً، أو أُسلوباً، أو طريقة عمل، أو اموراً من هذا القبيل، يمكن أن نتوقّع منه عرضَ ما تلقّاه بنفس الشكل، أو بشكل ناقص في الوقت المعيّن. كما أنّ قيام الحيوان بنشاط معيّن، خاضع للتوقّع في ظروف خاصّة، فكذلك نتيجة هذا الضرب من التعلّم، إذ هي بيّنة جليّة. والفرد كجهاز التسجيل - وهو أقّل بطبيعة الحال - يخزن في ذهنه ما يسمعه، ثمّ ينقل ذلك بنفس الشكل أو بشكل ناقص، وفي مثل هذه الحالة، يمكن أن يتعلم الفرد مواضيع متناقضة، ثم لا يدرك تناقضها. إنّ مثل هذا اللون من التعلّم لا يؤثّر في تغيير شخصيّة الفرد وأعماله، ولو كان له أثر، فهو أثر طفيف، عابر، مؤقت.
إنّ مؤاخذة الناس العاديّين طلاّبَ المدارس تعكس هذا الأمر ذاته، فالوالدان الأُميّان يلحظان ولدهما يذهب إلى المدرسة وقد تعلّم بعض الأشياء، بيد أنّ تغييراً ملحوظاً لم يطرأ على سلوكه.
ففرق الطالب عن غيره يكمن في حجم معلوماته. بكلمة بديلة، إنّ ما يميّز الطالب عن غيره ليس أسلوب التفكير، والعادات، والرغبات، وطريقة التعامل، بل
المعلومات التي حصل عليها الطالب خلال مرحلة الدراسة.
الفهم: يحلّ الفهم محلّ المجاورة والتكرار في عملية الدراسة. والفهم يعني أن يقوم الطالب بالتدقيق في كلّ ما يشاهده أو يسمعه. على سبيل المثال، ثمّة عنوان ما واضح لديه، وهو يستطيع أن يتمثّل صورة في ذهنه عن ذلك العنوان.
مضافاً إلى ذلك، فإنّ صلة العنوان بالمواضيع التي هي مدار البحث واضحة عنده أيضاً. على سبيل المثال، هو يدرك جيّداً معنى كلمة الحرارة، وصلة هذه الكلمة بالمباحث ذات العلاقة. ويعلم ماذا يدرس، وخطّة البحث أو كيفية طرح المواضيع واضحة بالنسبة إليه.
فالتكرار والتمرين ليسا شرطين ضرورين للتعلّم في هذه العملية، فأحياناً يمكن أن يتعلّم الطالب ما يُلقى عليه من خلال طرح عنوان ما وتقديم موضوع معيّن. عندما تطرح معادلة في الرياضيات، ويتّضح مفهومها بالنسبة إلى الطالب، يمكن أن يبادر إلى حلِّها أيضاً قبل أن يقوم المعلّم بذلك. ودليل هذا الأمر هو إدراك معنى عنوان المعادلة وصلتها بطريقة الحل.
إنّ عنوان قصيدة من الشعر وأبياتها واضح بالنسبة إلى الطالب من ناحية المعنى والترابط الموجود فيها، وفي جدول الضرب يستطيع الطالب أن يتصوّر معنى ضرب العدد (4) في العدد (5)، ويلحظ - عن هذا الطريق - لماذا يكون ناتج ضرب العددين عشريناً.
التعقل: إنّ العامل الأساس الثاني في عملية الدراسة هو التعقّل أو التفكير، فلا يدرك الطالب ما يطرح فحسب، بل يقوم بتقويمه، ويحكم عليه بالصواب أو الخطأ أيضاً.
ولو سألتَ الطالبَ: ماذا تعلّم؟، فإنّه يستطيع أن يبيّن - بوضوح - ما تعلّمه، ويفهم مغزى بيانه. وكذلك لو سألته عن موضوع ما، هل هو صحيح أم لا؟ فسيقوم بتقويم الآراء، والنظريات، والأساليب، وينتقي ما هو منطقي ومبرهَن ليقدّمه ويقرّبَه.
بعامّة، في عملية الدراسة، فإنّ تربية القابلية على تقديم الحكم الصحيح المتوكّئ على الدليل، تشكّل أساس العمل. وفي الدراسة الحقيقية يقوم المعلّم أو المربّي بمساعدة الطالب في كلّ مرحلة من النمو أو التحصيل الدراسي، لينبري إلى تحليل ما يريده أو يسمعه. يدرس أدلّة وشواهد رأي أو فرضية، أو تصميم، وبعد ذلك يحكم على الموضوع الذي هو موضع البحث والنقاش.
يدور الحديث - في روضة الأطفال - حول اللعب أو القصص. وفي هذا المركز التربوي، إذا كان المربّي واعياً ومدركاً لمفهوم الدراسة الصحيحة، فإنّه سيقوم - عند طرحه للقضية - بذكر دليل جودتها أو انتخابها. وعندما يوصي الأطفال بممارسة لعبة من الألعاب، فإنّه يشفع ذلك بالدليل. وفي المقابل، هو - أيضاً - يطلب من الأطفال أن يذكروا دليل انتخابهم لعبةً معيّنة أو استحسانهم قصّةً من القصص، وكلّما ازداد نموّ الفرد، وتمرّس على المسائل العلمية والاجتماعية أكثر، فإنّه يظفر بفرصة أكبر للتقويم الصحيح.
إنّ دراسة قيمة شعر، أو نصيحة، أو كلام قصير، أو نظرية علمية، أو رأي تاريخي، أو أُسلوب، أو مهارة، أو نظام فكري، وأمثال ذلك، تجري في جميع المراحل التربوية بشكل منطقي، فيقوم المربوّن بمساعدة الفرد ليأخذ بما هو مبرهَن ضمن دراسة الأُمور المختلفة، وينبذ ما هو غير مبرهن. إنّ توظيف الفكر والعقل هو المطلوب في قبول شتى الأُمور أو رفضها، وفي طرح المواضيع.
وينبغي انتهاج هذا الأسلوب نفسه في وسائل الإعلام، إذ على الكاتب أن يأتي بالدليل على ما يطرحه من مواضيع، وعليه أن يفيد من الأسلوب العلمي في
الدراسات الاجتماعية، وأن يكون ما يعرضه مدعوماً بالدليل. كذلك ينبغي على العاملين في الحقل الإذاعي والتلفزيوني، وبعامّة، كلّ الذين لهم برامج في مثل هذه الوسائل الإعلامية، عليهم الاهتمام بمنطقيّة مقالاتهم، وأن يحاولوا بأن تكون كتاباتهم وكلماتهم مشفوعة بالدليل.
النتيجة غير خاضعة للتوقّع: عندما تكون عملية الدراسة مرتكزة على الفكر، فإنّ النتيجة غير خاضعة للتوقّع مسبقاً، ولا يقبل في عملية التفكير أو الاستدلال إلاّ ما هو منطقي، لا ما يخزنه المربّي أو المتكلّم في ذاكرته منذ البداية. بكلمة بديلة، إنّ الفرد - في هذه العملية - لا يقرّ بأمر مقتَرح من البداية ما لم يكن مدعوماً بالدليل، وإذا كان ما يطرحه المتكلّم أو الكاتب أو العالم منطقيّاً، فإنّ الفرد يقبله.
ويصادف أحياناً أن يُبدي عالِمٌ من العلماء وجهةَ نظرٍ معيّنة، بيدَ أنّه يلتفت إلى ضعفها أثناء حديثه، فيغيّرها. أو أنّ عالماً آخر يأتي بالدليل على ضعفها، فيقرّ ذلك العالم بضعف وجهة نظره. من هذا المنطلق يقال بأنّ النتيجة على شكل أمر معيّن غير معروفة سابقاً في عملية الدراسة.
إنّ عملية الدراسة الصحيحة تترك آثاراً متألّقة، فينمو الطالب خلالها من الناحية الفكرية بشكل ملحوظ، فهو لا يتعلّم مواضيع جديدة فحسب، بل يُقرن تعلّمه بالفهم، ويبدي رأيه حول صوابها أو خطأها. لذلك فإنّه يتعلّم مواضيع علمية وأدبية، وكذلك يتعلّم كيفية التقويم، والتفكير، والحكم، والتفريق بين الرأي المبرهن من غير المبرهن. هذا النحو من التعلّم - كما قيل - يحدث تغييراً في شخصية الفرد وسلوكه، كما يوفر مستلزمات تطوّره وتكامله.
إنّ الطالب - بحضوره في الصف، أو استماعه لمحاضرة، أو مطالعته لمقالة - لا يتعرّف على مفاهيم، ونظريات، ومبادئ، وقواعد جديدة فحسب، بل يتطوّر أُسلوبُ تفكيره أيضاً ضمن تعلّمه لمثل هذه الأُمور، فهو يُعنى بالمسائل المتنوّعة بصورة
مبدئية، ويتجنّب إصدار الأحكام السطحية الساذجة، ولا يقبل شيئاً ما لم يقم عليه الدليل، كما لا يرفض شيئاً على نفس النسق، ويبادر إلى تربية قوّته الفكرية أيضاً مقرونة بتصعيد مستواه العلمي.
وكما لحظنا، فإنّ الفهم والتعقل هما الركنان الأصليان في عملية الدراسة. وفيما يلي نقوم بدراسة الأُسس التربوية في الإسلام:
إنّ القرّاء على علم بأنّ بحثنا يدور حول خصائص النظام الفكري أو النظام التربوي في الإسلام، وفي هذا القسم، ندرس البعد العقلي في النظام الإسلامي. وبما أنّ للتربية والتعليم في الإسلام بعداً عقلياً إلى حدّ بعيد، فإنّنا نقوم بدراسة الأُسس التربوية في الإسلام. وسنذكر بعض الأُسس التربوية في طيّات حديثنا عن الأهداف، والأساليب. والنظام التعليمي في المدارس الدينية. ونناقش - هنا - الملاحظة القائلة بأنّ الإسلام، ضمن تأكيده على الفهم والعقل، لا يرى في نظامه التربوي بأنّ التدريب من شأن الإنسان، ويطرح الدراسة الحقيقيّة. جاء في الجزء الأوّل من الكافي، (ص20) أنّ هشام بن الحكم روى عن الإمام الكاظمعليهالسلام قوله:
قال لي أبو الحسن موسى بن جعفرعليهماالسلام : «يا هشام إنّ الله تبارك وتعالى بشّر أهلَ العقل والفهم في كتابه، فقال:( فَبَشّرْ عِبَادِ * الّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُولئِكَ الّذِينَ هَدَاهُمُ اللّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ ) ».
«يا هشام: إنّ الله - تبارك وتعالى - أكملَ للناس الحُجج بالعقول، ونصرَ النبيّين بالبيان، ودلّهم على ربوبيّته بالأدلّة، فقال:( وَإِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلهَ إِلاّ هُوَ الرّحْمنُ الرّحِيمُ * إِنّ فِي خَلْقِ السّموَات... لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ».
لقد ورد في هذا الكلام - وما تضمّنه من آيات قرآنية - عددٌ من النقاط
الأساسية، يقول الإمامعليهالسلام : «إن الله - تبارك وتعالى - بشّر أهل العقل والفهم». وفي الآية الكريمة:( فَبَشّرْ عِبَادِ... ) نفس الملاحظة الأساسية التي ذكرناها في العملية التربوية، وهذه الآية تبيّنها بصراحة، يستمع أهل الفهم والعقل أقوالاً متنوّعة فيتّبعون أحسنها.
وفي آيات أُخرى أُثير اهتمام العقلاء بجهاز الخِلْقة في طيّات الحديث عن التوحيد، والقرآن طالما يدعو العقلاءَ إلى التفكّر والتدبّر في الخلْق، كما يُلحظ ذلك في كثير من آياته.
يخاطب الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام هشام بن الحكم كما ورد في (ص24) من الكافي قائلاً:
«يا هشام، إنّ الله تعالى يقول في كتابه:( إنّ في ذلك لذكرى لِمَن كان له قلب.. ) يعني:عقل.
وقال:( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ) ، قال: الفهم والعقل».
فتكرار الفهم والعقل في الآيات القرآنية، والأخبار، والأحاديث يبيّن أهميّة هذين المفهومين في النظام التربوي الإسلامي، ففي الآية التالية ذُكرت التربية مقرونة مع الحكمة، وتعليم الكتاب، يقول عزّ من قائل:
( هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الْأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) ، (الجمعة: 2).
ذكرنا في أقسامٍ أُخرى من هذا الكتاب بأنّ الإسلام وضع أساس معرفة الله على التعقل، وهو يرى بأنّ القواعد العقلية مؤثِّرة في تحديد الأحكام والمُثُل الأخلاقية. جاء في الجزء الثالث من كتاب الكافي (ص95) كلام أُثر عن الإمام الرضاعليهالسلام يقول فيه:
«ليس العبادةُ كثرةَ الصلاة والصوم، إنّما العبادةُ التفكّرُ في أمر الله، عزّ وجل».
وجاء في (ج3 منه، ص50) أنّ الإمام الصادقعليهالسلام خاطب المفضّل
قائلاً:
«يا مُفضّل، لا يفلح من لا يعقل، ولا يعقل من لا يعلم، وسوف ينجب من يفهم...».
وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى:
( إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمّةٍ وَإِنّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ ) ، (الزخرف: 23).
نلحظ أنّ هذه الآية ذمّت التقليد الأعمى لنهج الآباء والأجداد. ويرى الإمام الصادقعليهالسلام في الحديث التالي أنّ الأشخاص الذين يقلّدون الفقهاء من غير متابعة لسلوكهم، هم كعوامّ اليهود يستحقّون اللوم والتوبيخ.
(وكذلك عوامّ امّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، والعصبية الشديدة، والتكالب على حطام الدنيا وحرامها، وإهلاك مَنْ يتعصّبون عليه، وإن كان لإصلاح أمره مستحقّاً، وبالترفّق بالبر والإحسان على من تعصبوا له وإن كان للإذلال والإهانة مستحقّاً، فمن قلّد مِن عوامّنا مثل هؤلاء الفقهاء، فهم مثل اليهود الذين ذمّهم الله بالتقليد لفسقة فقهائهم) من كتاب (عشر مقالات) (ص93) للأُستاذ الشهيد مطهري.
يدور الحديث هنا حول تقليد الفقهاء. ومع أنّ التقليد في الفروع التّخصّصيّة لكل حقل لا مندوحة منه بالنسبة إلى الأشخاص غير المتخصّصين في عصرنا، بيد أنّ سلوك الفقيه أو المرجع يجب أن يخضع للدقّة والمراقبة، فلو عمل الفقيه خلاف المبادئ والأُصول، أو تعصّب في كلامه وعمله، فلا ينبغي لأحد تقليده. ومن الأخبار الواردة حول الاجتهاد، والتي ذُكرت فيها قضيّة التقليد، هو الحديث التالي:
«وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا».
وقد ذكرنا - فيما مضى - بأنّ الاجتهاد: هو بذل الجهد لاستنباط الأحكام بمساعدة مصادرها الشرعية، وهي: القرآن، والسنّة، والعقل، والإجماع. وكلّ مسلم
يستطيع أن يستنبط الأحكام بعد تعلّم المقدّمات، أو بعد التبحّر في القرآن والسنّة، وعندما يكون عاجزاً عن ذلك، يجب عليه أن يقلّد فرداً واجداً للشرائط. ونحن نعلم بأنّ كلّ إنسان - في عصرنا هذا - ملزم أن يرجع إلى ذوي الاختصاص في المجال الذي ليس من اختصاصه. والمهم في الإسلام ومذهب أهل البيتعليهمالسلام أن يتحلّى المرجع بمواصفات أخلاقية خاصّة، مضافاً إلى اختصاصه في الفقه أو المعالم الإسلامية. وفي الخبر المأثور عن الإمام الصادقعليهالسلام حول المواصفات الأخلاقية التي يجب أن يتحلّى بها مرجع التقليد:
«... فأمّا مَن كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوامّ أن يقلّدوه..».
وبناءً على الآيات والأخبار المأثورة في فصول ماضية من هذا الكتاب، تتّضح هذه النقطة، وهي أنّ النظام التوحيدي أو النظام الفكري في الإسلام لا يتوكّأ على العقل، ولا ينسجم مع طبيعة الإنسان فحسب، بل يطلب من أتباعه - لأجل قبول تعاليمه - أن يتّخذوا من الفهم والعقل ركيزتين لتديّنهم. وكما ذكرنا آنفاً، فإنّه يرى أيضاً بأنّ للتعقّل دوراً مهمّاً في الأحكام والقيم، وقد خاطب الله - تعالى - نبيّه الكريمصلىاللهعليهوآله في الآية التي نقلناها فيما مضى، وهي:
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ، (النحل: 125).
فالاتّكاء هنا - كما يلحظ - على الحكمة والكلام المنطقي.
وكما ذكر المرحوم مطهّري في كتابه: (عشر مقالات)، فإنّ كلمة الربّ توحي بمعنى التربية، مضافاً إلى ذلك، فإنّ التربية في خطّ معرفة الله أو خطّ النظام التوحيدي يجب أن يرافقها تعقلٌ وكلامٌ منطقيّ.
إنّ رسالة الإسلام رسالة ثورية، ومن أجل أن نحكم على رسالة ما بالثورية، فلابدّ أن نتعرّف - بادئ الأمر - على المعايير الثورية التي يمكننا من خلالها الحكم عليها بالثورية. فلو أطلق فريق من الناس على نفسه عنوان: الثورية، أو اعتبروا رسالتهم رسالة ثورية، ولكن لا تتوفر فيهم ضوابط هذه الثورية، فلا يمكن تسميتهم: ثوريّين، أو تسمية رسالتهم: ثورية.
إنّ الرسالة المناصرة للتقلبّات أو لتغيير الأشياء اللاّ أساسية ليست رسالة ثورية. وكذلك الرسالة المناصرة للتبدّلات الجذرية في بعد واحد من أبعاد الحياة الجماعية مع تجاهل الأبعاد الأُخرى، فلا يمكن عدّها رسالة ثورية بكلّ معنى الكلمة، على سبيل المثال، إنّ التغيير في المجال الاقتصادي أو في النظام السياسي لا يعتبر ظاهرة ثورية وحده.
إنّ الرسالة الثورية - حسب رأينا - هي:
1- الرسالة التي تقدّم نظاماً فكرياً حركياً، وذا اتّجاه عقلي في نفس الوقت.
2- وتُحْدث تغييراً جذرياً في نظام المُثُل، والنظام الاقتصادي، والنظام السياسي، والاجتماعي، والتربوي.
3- وتطرح أهدافاً موسّعة للفرد والمجتمع، كي لاتحدّ من نموّهما. وكذلك توجّه الممارسات والنشاطات اليومية، علماً بأنّ هذه الأهداف يجب أن تكون بشكل تُهيّأ فيه مستلزمات تطوّر الإنسان.
4- وتُعِد الأفراد والجماعات لمكافحة الاستبداد، والاستعمار، والاستغلال، وتجتثّ جذور الديكتاتورية، والظلم، والاستعمار.
5- وتوطّد القيم والمُثُل الإنسانية الجوهرية، وتقضي على المُثُل والقيم الزائفة.
6- وتمهّد الطريق لنموّ الفرد وتطوّره، وتأمين الرفاه الجماعي.
7 - وتتكفل بسيادة المبادئ والقوانين بدل سيادة الأفراد والجماعات.
8 - وتدعم حكم أهل التقوى والفضيلة، والمستضعفين، بشكل تام.
9 - وتفتح الباب أمام طرح أفكار جديدة، وتقديم آراء وحلول منطقية.
10 - وتدافع عن العلم بوصفه نظرية مبرهنة.
11 - وتؤيّد مبدأ سيادة الناس على مصائرهم.
ويمكن - على نحو الاحتمال - ذكر أشياء أُخرى أو دمج بعض المواصفات المار ذكرها. على أيّ حال، فإنّ الهدف هو عرض بعض الأبعاد الأساسية لنظام ثوري.
والآن، ينبغي أن نلحظ، هل إنّ للرسالة الإسلامية أبعاداً ثورية أساسية؟
إنّ النظام التوحيدي - كما يرتأيه الإسلام - لا يتحكّم بجميع شؤون الكون، وحياة الإنسان فحسب، بل يضع الناس على خطّ التطوّر والتكامل، والله تعالى - فيه - مَظْهر الكمال، والحكمة، والعدل، والإحسان.
( إِنّا للّهِِ وإِنّا إِلَيهِ رَاجِعُونَ ) ، (البقرة: 156).
ويربط هذا النظامُ الإنسان بالأبديّة والسرمدية، ويسوقه إلى الله. والحركة إلى الله هي حركة في خطّ الكمال، والحكمة، والعدل، والإحسان.
هذا الخط، وهذه الأهداف في النظام التوحيدي، لا تضمن نموّ الفرد والجماعة وتطوّرهما فحسب، بل وتوجّه الممارسات والنشاطات اليومية أيضاً.
إنّ النظام التوحيدي - كما يُستشفّ من الآيات القرآنية - نظام عقلي، وذوو الألباب في ظلِّ التفكّر يقرّون به، ويطيعونه. وفي شعار (لا إله إلاّ الله) - كما ذكرنا آنفاً - رفض المُثُل الزائفة، من نحو: عبادة الأصنام (الصنمية)، التهافت وراء النزوات وضروب الهوس، عبادة المال، عشق المنصب، كما أنّ فيه تعزيز المُثُل الإنسانية، من نحو: التقوى، والدعوة إلى العدالة، والإيثار ونكران الذات، وحب العِلم.
إنّ النظام التوحيدي متوكّئ على حكومة الله، ولا وجود للاستغلال والظلم في هذه الحكومة، لأنّ كلّ شيء يعود إلى الله في الحقيقة، ويعود إلى الجميع عملياً.
والله هو الحاكم في هذا النظام، لذلك لا وجود لسيادة فرد أو جماعة معيّنة. ونرى أنّ الفضيلة، والعدالة، والحكمة هي المفردات التي تسود العلاقات الإنسانية. بمعنى آخر، إنّ السيادة للقانون الإلهي في النظام التوحيدي، فالنبيّ، والإمام، والمرجع، والفقيه والناس كلّهم خاضعون للقانون الإلهي.
لقد قوّض الإسلام نظام المثل القائم، وشيّد مكانه نظاماً إنسانياً مثاليّاً رفيعاً، كما أحدث ثورة في معايير الحُسْن والقبح، وقوّض النظام الذي كان يحافظ على وضع الأرستقراطيين، ويدافع عن التقاليد والسنن الجاهلية. وفي النظام المثالي للإسلام، حلّت سلطة العقل محلّ التقاليد والسنن الأرستقراطية اللاّإنسانية، ودافع هذا النظام عن المثل الإنسانية الرفيعة باتّكائه على التقوى، والعدالة، والإيثار.
أمّا في الحقل الاقتصادي فقد شجب الإسلام الاستغلال والظلم، من خلال إقراره لقوانين خاصّة. وشيّد أركان نظام اقتصادي عادل من خلال تحريمه لتكديس الثروة والربا، ومَنعَ الاعتداءَ على حقوق الآخرين، وقام بتقويض أركان الظلم والاستغلال ضمن تأكيده على أنّ العمل يشكّل أساس الملكية.
مضافاً إلى ذلك، فإنّ الإسلام - بفرضه ضرائب متنوّعة - لم يحد من تكديس الثروة بيد طبقة معيّنة فحسب، بل تكفّل بمصدر لتلبية الحاجات الأساسية للمجتمع. وبما أنّ الرفاه الجماعي وتأمين ضروريات الحياة للجميع من الأهداف الأساسية للإسلام، فإنّ الالتفات إلى هذه الحقيقة ضروري، وهي إنّ الإسلام جعل الملكية المشروعة تابعة للرفاه الجماعي والمصلحة العامّة أيضاً.
وأمّا في الحقل السياسي فقد حدثت تطوّرات جذرية بعد البعثة النبوية الشريفة، حيث أصبح زمام الأمور بيد أتقى وأعلم إنسان، وأضحت سيادة الأرستقراطيّين والمترفين غير شرعية، وتسلّم المستضعفون من أهل التقوى والتجربة مقاليد الأمور. وكما أنّ القسط الإسلامي يسود النظام الاقتصادي، كذلك التقوى، والعلم، والوعي، مفاهيم تسود النظام السياسي.
إنّ تطبيق القوانين على الجميع، ومساواة الناس كافّة أمام القانون، تلك المساواة التي تحقّقت في عصر النبيّ (صلّى الله علي وآله) وحكومة الإمام عليعليهالسلام وبعض الخلفاء.. كلّ ذلك من إمارات التطوّرات الجذرية للنظام السياسي.
وأمّا في الحقل الاجتماعي فقد فقدت الآداب والسنن البالية شأنها، وحلّت محلّها السنن والآداب الإسلامية التي كانت متمثّلةً في سيرة النبيّصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام .
وأمّا في الحقل التربوي فقد انبثق كيانٌ جديد أيضاً. وأصبحت التربية مقرونة بتعليم الحكمة (الكلام المنطقي)، والنصيحة والإحسان. وطلب العلم أصبحَ فريضة على المسلمين، وتحرر العلم من الاحتكار، ليشمل الناس كافّة. وأضحى التعليم أمراً متواصلاً ثابتاً، ودمجت التربية في التعليم - كما سنرى - الجانبين: النظري والعملي.
قلنا فيما تقدّم بأنّه لا مكان لحكومة فرد أو جماعة خاصّة في النظام الإسلامي. فالحاكم، مضافاً إلى أنّه يتحلّى بالفضائل العلمية والأخلاقية، وأنّه مبعوث ومنتخب من قبل الناس، فهو خادم للشعب.
إنّ الإسلام نصير المستضعفين، وهو يحارب كلّ شكل من أشكال الاستغلال، وعندما تنوي بعض الشعوب الاعتداء، فإنّ المسلمين يهبّون لصدّ المعتدين بكلّ حزم، ويقطعون أيديهم. ترتكز علاقات المسلمين مع شتى الشعوب التي ليس لها نوايا استعمارية على مبدأ التعايش السِّلمي، وفي هذا المجال، يتفوّق الإسلام على سائر النظم من حيث أنّه يطلب من المسلمين أن لا يدّخروا وسعاً في مودّة الشعوب غير المعتدية، ومراعاة العدالة في التعامل معها.
والفرد - في الإسلام - حرّ في اختيار العقيدة، والمناقشة، وتبادل وجهات النظر، وتقديم الحلول المتنوّعة، وانتخاب المهنة، ويمهّد الإسلام له الطريق من أجل نموّه
وتطوّره، في الآن ذاته، ينظر الإسلام إلى الرفاه الجماعي على أنّه أمر مهم، فيندمج نموّ الفرد مع الرفاه الجماعي في النظام الإسلامي.
يؤيّد الإسلام الديمقراطيّة(*) بوصفها أكثر أساليب الحياة اتزاناً وإنسانية. والإسلام، مضافاً إلى احترامه للإنسان، فإنّه يعتبر التقوى مقياساً للتفاضل بين الناس، ولا يمكن أن تكون الثروة، والمنصب، والموقع الاجتماعي، والجنس، والعنصر، والانتماء القومي، مقاييس للتفاضل بين الأفراد أو الشعوب. في الآن ذاته، فإنّ العدالة الاجتماعية أو الرفاه الجماعي من الأركان الأساسية للإسلام. وكما قلنا، فإنّ الإسلام يدعم العلم بوصفه نظرية مُبرهَنة (الحكمة). وفي النظام الإسلامي، ضمن تقديم القوانين الإلهية، فإنّ الناس أسياد على مصائرهم، وهم الذين يتولّون تسوية أُمورهم بواسطة قانون الشورى.
والآن نقوم بذكر بعض الآيات والأحاديث التي تترجم الأبعاد الثورية للنظام الإسلامي في الميادين والحقول المتنوّعة.
إنّ القُرّاء على علم بأنّ خصائص النظام الإسلامي جميعها في مُخطّط واحد، وهناك علاقة حميمة تربط فيما بينها. على سبيل المثال، فإنّ البعد الثوري في النظام الإسلامي غير منفصل عن البعد الحركي، أو البعد العقلي، من هذا المنطلق نضطرّ إلى تكرار الآيات والأحاديث عند تبيان بعض الأبعاد.
تذكر الآية التالية الحقيقة القائلة بأنّ خطّ الأنبياء يعارض خطّ المترفين - الذين
____________________
(*) يرفض الإسلام الديمقراطية بوصفها نظرية بشرية غربية للحكم. ولا يسمح أن تُطلق هذه الكلمة عليه، كما لا يقرّ بها من حيث إنّها تعني حكم الشعب للشعب، في حين أنّ الحكم في الإسلام لله وحده، مضافاً إلى ذلك فإنّها فكرة وافدة دخيلة يربأ كلّ مسلم واع عن استعمالها. المعرِّب.
يفيدون من النظام الاجتماعي المتعسّف، ويحولون دون أيّة مبادرة ثورية - وهؤلاء كانوا يعارضون أيّ لون من التجديد، وكانوا يتكتّلون ضدّ الأنبياء بذريعة مراعاة السنن والتقاليد، ومواصلة التسلّط الاستغلالي، قال تعالى:
( وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إِلّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمّةٍ وَإِنّا عَلَى آثَارِهِم مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمّا وَجَدْتّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُم قَالُوا إِنّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ) ، (الزخرف: 23 - 24).
وجاء في الآية الثامنة والعشرين من سورة الأعراف قوله تعالى:
( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنّ اللّهَ لاَيَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .
وتوضّح (الآية 157) من السورة نفسها دور النبيّصلىاللهعليهوآله في مكافحة التقاليد الباطلة والأفكار الواهية:
( الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّورَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلّ لَهُمُ الطّيّبَاتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلاَلَ الّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ.. ) .
ويعلم الجميع بأنّ الرِّبا كان سائداً قبل الإسلام، وعندما جاء الإسلام منع هذا الأُسلوب المرفوض، الذي يُفضي إلى الاستغلال وتكديس الثورة، قال تعالى:
( وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا ) ، (البقرة: 275).
قال تعالى:( .. وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ، (التوبة: 34).
ينقل الفقيه المجاهد المرحوم آية الله الطالقاني في (ص187) من كتابه: (الإسلام والمِلْكيّة) عند مقارنة الإسلام مع النُظُم الاقتصادية الغربية، ملاحظةً أفادها من كلامٍ للإمام عليعليهالسلام فيقول: إنّ الفائض على أربعة آلاف درهم: كنز، سواء دفع صاحبه زكاته أو لم يدفعها، وأقلّ من ذلك، نفقة. وفي نفس الصفحة، نقلاً عن كلام للإمام الباقرعليهالسلام حول الآية التي تصدّرت الموضوع، يذكر بأنّ ما يفيض على ألفي درهم فهو كنز. ويستطرد في كلامه قائلاً: (إنّ اختلاف الحديثين في مقدار الكنز تابع لاختلاف ظروف المعيشة والاقتصاد العام. وفي الحقيقة، فإنّ ما كان للاستهلاك فهو نفقة، وما أدّخر فائضاً على ذلك، أي: الجَمْع والحفظ، فيشمله عنوان الكنز، وهذا حرام، وفقاً لظاهر الآية وصريحها، والروايات الواردة في تفسيرها).
وقد أكّد القرآن على المسلمين بأن ينفقوا في سبيل الله، ما فاض على ضروريات الحياة، وذلك في قسم من (الآية 219) من سورة البقرة، فقال عزّ من قائل:
( وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ) .
وجاء في القرآن أنّ النُظُم المَلَكيّة والدكتاتورية مصدر الفساد والدمار، وهذا ما تنطق به (الآية 34) من سورة النمل على لسان ملكة سبأ، قال تعالى:
( قَالَتْ إِنّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزّةَ أَهْلِهَا أَذِلّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ ) .
وفيما يخصّ فرعون، قال تعالى:
( إِنّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مّنْهُمْ يُذبّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيي نِسَاءَهُمْ إِنّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) ، (القصص: 4).
إنّ رسالة الأنبياء - مبدئيّاً - هي حثّ الناس على إقامة العدل، والوقوف في وجه الظالمين، لاحظوا قوله تعالى:
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ
بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنّاسِ.. ) ، (الحديد: 25).
وقوله تعالى:
( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ ) ، (النحل: 90).
وكان النبيّصلىاللهعليهوآله يحذّر المسلمين من الاعتزاز القومي، ويقول لهم بأنّ دين الإسلام هو بمثابة ماضي الأُسرة ومجدها، ومروءة المرء أخلاقه، وأساس شخصيّة الإنسان عقله، وأكرم الناس أتقاهم، ولا فضل لعربيّ أو أعجمي أو أسود أو أبيض على غيره إلاّ بالتقوى.
إنّ الإسلام يعارض النظام الطبقي مبدئيّاً، ويدافع عن المستضعفين، ضمن إدانته للمستكبرين، ويعتبر المستضعفين هم الوارثين وأئمّة المجتمع، قال تعالى:
( وَنُرِيدُ أَن نّمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ) ، (القصص: 5 - 6).
والإسلام - ضمن تأكيده على مساهمة الناس في العمل - فإنّه يؤيّد كفاءتهم في علاج مشاكلهم، جاء في الآيتين التاليتين قوله تعالى:
( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) ،( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) .
إنّ احترام الناس على أساس الفضيلة والتقوى، ورفض المعايير الزائفة في التفاضل بين الناس، يبيّن لنا أنّ الإسلام يدعم أُسس الديمقراطية، قبل أن تنادي الثقافة الغربية بمسألة حكم الشعب، واحترام الإنسان.
ونحن نعلم أنّ انتهاج الأُسلوب العقلي في شؤون الحياة، والتعاون لحلّ المشاكل الاجتماعية من أُسس الديمقراطية، وكما نقل سالفاً فإنّ المبدأ القائل: «كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع»، والأخبار والآيات الواردة في هذا المجال توضّح لنا أهميّة انتهاج الأُسلوب العقلي في حياة الإنسان، والآية التالية توضّح لنا تعاون الناس فيما بينهم في أُمور الخير
والتقوى، فتقول:
( .. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ.. ) ، (المائدة: 2).
مضافاً إلى ذلك، فإنّ على كلّ شخص - في الإسلام - مسؤوليةً محدّدة ضمن تمتّعه بحقوق معيّنة. وكلّ شخص مسؤول من عمله، وفي الآن ذاته، فإنّ جميع الناس مسؤولون أمام بعضهم البعض. قال تعالى:( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ) ، (فاطر: 18). والناس كافّة مسؤولون في الأُمور الاجتماعية. قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «ألا كلّكُم راعٍ وكلّكُم مسؤولٌ عن رعيّته».
وكما ذكرنا فيما سبق، فإنّ الإسلام يدمج الحقوق الفردية في المصالح الجماعية، ومن جهة أخرى، فإنّه يدعم الملكية المشروعة أو الملكية التي هي نتيجة الكدِّ والعمل. قال تعالى:( وَأَن لّيْسَ لِلاِْنسَانِ إِلّا مَا سَعَى ) ، (النجم: 39). وفي الحديث:
«الناس مسلَّطون على أموالِهم وأنفسهم» (مبدأ عقلي).
ومن جهة أُخرى، يؤكّد على المصالح العامّة انطلاقاً من قاعدة: (لا ضرر ولاضرار في الإسلام).
يقول المرحوم الطالقاني في (ص206) من كتاب (الإسلام والملكية):
(تحدّد هذه القاعدة حقّ التصرف والملكية والمعاملة بالمصلحة وعدم الضرر الذي قد يلحق الفرد والمجتمَع، وتشخيص حد الضرر الذي يحدّ من حق الملكية والتصرف، وقاعدة التسلّط موكول إلى العُرف العام). في هذا المجال، يقول المؤلّف في (ص233) من كتابه تحت عنوان: (كلّ حسب طاقته، ولكلّ حسب حاجته): هذه العبارة شعار الإسلام الأوّل، وشعار الاشتراكية الأخير.
ومن مجموع أحكام الإسلام وتعاليمه فيما يخصّ الملكية وحدودها، يحرز المبدأ القائل بأنّ ملكية الأشياء والتصرف بها واستثمار هذه العلاقة على صعيد العمل بالمعنى الواسع له، والتوزيع (أو الإنفاق)، كلّ ذلك يجري حسب الحاجة.
(إنّ العلم بعامّة، والعلم بمعنى النظرية المبرهنة يحظيان بتأييد الإسلام بشكل
صريح).
وفي قوله تعالى:( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ الْسّمْعَ وَالْبَصَرَ والفؤاد كُلّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ، (الإسراء: 37).
ليس العلم فقط منشأ قبول الآراء، بل تمّ التأكيد على دور الجوارح (الأُذن والعين) والعقل في المعرفة. ولقد ذُكر العلم أو الحكمة في القرآن، وفي الأخبار الواردة عن الأئمّة المعصومينعليهالسلام مرّات كثيرة. ووردت الوصية بتعلّم الحكمة، يقول الإمام عليعليهالسلام :
«الحكمة ضالّة المؤمن فخذِ الحكمة ولو من أهل النفاق».
«طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة»، «اطلبوا العلم من المهد إلى اللّحد»، «اطلبوا العلم ولو بالصين». وآية القرآن التي تتحدّث عن عدم تكافؤ العالم والجاهل، تدلّ على أنّ النظام الإسلامي يقف إلى جانب العلم.
إنّ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الباعث على ديمومة الجذوة الإسلامية، وهو سلطة وقائية للفرد والمجتمع من الانحراف. وعندما يرتكب الإمام، أو الخليفة، أو المرجع، أو أيّ شخص آخر خلافاً، فإنّه سيكون عُرضة للّوم والعتاب. فتطبيق مبدأ الأمر بالمعروف - كما ذكرنا سالفاً - يحول دون انحراف الناس.
مضافاً إلى الأمر بالمعروف، فإنّ الجهاد في سبيل الله، والجهاد لتطبيق
____________________
(*) الإمام - بالمعنى الخاص - لا يرتكب خلافاً أبداً كما يعتقد الإمامية بذلك. ولكن إذا كانت كلمة الإمام بالمعنى العام، أي: خارجة عن دائرة الأئمّة المعصومينعليهمالسلام ، فذلك وارد لا إشكال فيه. المعرِّب.
العدالة، والجهاد ضدّ الظالمين، والدفاع عن المستضعفين، كل ذلك يدلّل على البعد الثوري للنظام الإسلامي. وسنتحدث بالتفصيل فيما بعد حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد، ونكتفي هنا بذكر آية في الجهاد، وهي:
( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ) ، (الحجرات: 15).
من الخصائص الأُخرى للتربية الإسلامية: استمرارها، وكما جاء في الحديث المعروف عن النبيصلىاللهعليهوآله :
«اطلبوا العلم من المهد إلى اللّحد»، فإنّ طلب العلم، وبالنّتيجة، التربية والتعليم أمر دائمي متواصل.
إنّ أحد الأهداف التربوية الأساسية هو استمرار التعلّم، والتربية والتعليم. ووفقاً لرأي المتخصّصين في التربية والتعليم، ينبغي تعليم الطلاّب بشكل يواصلون فيه تعلّمهم وتربية أنفسهم بعد التخرّج. وعندما يؤكّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله على طلب العلم بوصفه فريضة، ويقول: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة»، فإنّ هذا الأمر غير مقصور على زمان معيّن. بكلمة بديلة، إنّ واجب كلّ مسلم هو أن يجدّ في طلب العلم دائماً وأبداً دون تذبذب وانقطاع.
وكما لحظنا، فإنّ عملية التربية والتعليم مقرونة بالتفكّير. ويمكن القول - مبدئيّاً - بأنّ عملية التربية والتعليم، من جهة، هي نفسها تربية القدرة على التفكّر، والتفكّر أساس استمرار التعليم، يقول النبيّ الأكرمصلىاللهعليهوآله : «لا عبادةَ كالتفكّر»، وهذا غير مقصور على زمان معيّن أيضاً. وكما جاء في حديث معروف عنهصلىاللهعليهوآله يقول فيه: «تفكّر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة»، فإنّ التفكّر في هذا الحديث أمر ذو قيمة، والواجب المحتّم على المسلمين هو أن يبادروا إلى تربية القدرة على التفكّر، جاء في بعض الأحاديث بأنّ ثواب طلب
العلم في ليالي القدر أكثر من ثواب تلاوة الدعاء. وأُثر عن الإمام عليعليهالسلام في نهج البلاغة قوله: «لا علم كالتفكّر».
إنّ إحدى المسائل الجوهرية في التربية والتعليم هي طلب العلم عن طريق التفكّر أو التحقيق.
ويرى بعض روّاد التربية والتعليم بأنّ طلب العلم بذاته مهم، أمّا الكيفية فليست ذات شأن في قاموسهم.
إنّ المهم في طلب العلم - من الناحية التربوية - هو كيفية التعلّم وطلب العلم. فقد يتصوّر البعض بأنّ تزويد ذهن الطالب بالمعلومات مفيد بذاته. عادةً، يقوم المعلّمون والأساتذة في المدارس والكليّات بإلقاء المحاضرات، وتقديم المواضيع العلمية، ويستمع الطلاّب إليهم، ثمّ يقرأون الكرّاس أو الكتاب الذي يحتوي على المعلومات التي سمعوها منهم، وذلك من أجل اجتياز الامتحان. وبتكرار هذا العمل، يعملون على تصعيد معلوماتهم، حتى إذا حان موعد الامتحان، يجيبون على الأسئلة بما عندهم من معلومات.
إنّ هذا الأُسلوب يفتقد إلى البعد التربوي، حيث يتعلّم الطالب بشكل سطحي، لذلك ينسى ما تعلّمه بعد مدّة، مضافاً إلى ذلك، فإنّ هذا الأُسلوب لا يحدث تطوّراً في تفكّره وعاداته، حيث يحفظ المواضيع الدراسية ناقصة بالشكل الذي طرحها المعلّم أو مؤلّف الكتاب. وكما قلنا فيما سبق، فإنّه يجيب على الأسئلة الامتحانية بما عنده من معلومات، علماً بأنّ بعض المربّين - كما ذكرنا - لا يرى لتحصيل المعلومات بذاته قيمة، إذ إنّ المهم عند هذا البعض هو الكيفية.
إنّ الذين يرون بأنّ تعلّم العلم وسيلة لتربية الشخصية، يعتقدون بأنّه من الممكن تعلّم المواضيع العلمية عن طريق التفكّر والتحقيق، وفي الآن ذاته، العمل على تربية القدرة الفكرية. ولكي يقوم المعلّم بمناقشة المواضيع العلمية وتعليمها عن طريق التفكّر، فإنّ عليه أن يبدّل منهجه في العمل، إذ يقوم بطرح المسائل الجوهرية بدل طرح المواضيع العلمية، أو حث الطلاّب على قراءة المواضيع من الكتب الدراسية. وتتألف المباحث العلمية من الدراسات أو نتائج دراسات العلماء. بكلمة
بديلة: إنّ عملنا - في كلّ مبحث علمي - هو مع المسائل العلمية الأساسية، فالعلماء قاموا بالتحقيق والتفكّر بعد تعاملهم مع مثل هذه المسائل، ثمّ صبّوا نتائج عملهم على شكل مقالة أو كتاب، لذا على معلّم العلوم أيضاً أن يقوم بطرح المسائل المتنوّعة بدل طرح هذه المواضيع مع نتائج عمل العلماء، ويطلب من تلاميذه أن يعينوه على دراسة تلك المسائل ومعالجتها.
وهذا العمل نفسه يتقولب بقالب التحقيق أو التفكّر في المسائل العلمية، علماً بأنّ المعلم والطالب معاً ينجزان هذا العمل، ويبادران إلى تدوين الآراء ودراستها بعد البحث والتدقيق والمناقشة، وإجراء التجارب، مع قطع أشواط المنهج العلمي.
ففي هذه العملية، يتعلّم الطلاّب المواضيع العلمية، وفي الآن ذاته، يعملون على تربية قدرتهم الفكرية من خلال المشاركة في المناقشة. ومن المحتمل أن نتناول بشيء من التفصيل مسألة تطبيق هذا المنهج في التعليم في فصول قادمة من هذا الكتاب.
يُثار سؤال آخر - في هذا المجال - أجاب عليه المربّون الكبار بأجوبة متنوّعة، والسؤال هو: لو دار الأمر بين تطبيق أحد العملين في الصف: إمّا تعلّم المواضيع، أو تربية القدرة على التفكّر، فأيّهما يُقَدَّمُ على الآخر من الناحية التربوية؟
يجيب البعض بأنّ تعلّم المواضيع أو تحصيل المعلومات هو الأهم؛ لأنّ المدرسة مكان للدراسة.
ويجيب آخرون بأنّ المعلومات - عادةً - موجودة في الكتب بشكل منطقي واضح، ومتى شاء الطالب، فإنّه يستطيع أن يرجع إلى الكتب العلمية، ويتعلّم منها شتّى المواضيع، فالعسير على الطالب دائماً هو مشاركته في المناقشة وتبادل وجهات النظر.
من هذا المنطلق، يعتقدون، بأنّه - في ظروف خاصّة - لو دارت النشاطات التعليمية بين أمرين: تحصيل المعلومات أو التفكّر، فإنّ التفكّر هو الأهم، وله قصب السبق على تحصيل المعلومات، وكلام الإمام عليعليهالسلام أيضاً يبيّن هذا الموضوع بشكل صريح.
فالمهم والباعث على ديمومة التعليم، إذاً، هو التفكّر.
بكلمة بديلة: إذا نالت القدرة على التفكّر، أي كيفية مناقشة المواضيع ودراستها، نصيبها من التربية، فسوف يُفتح الطريق أمام تعلّم مواضيع جديدة في المستقبل من أجل مواصلة الدراسة والتعلّم.
وفي النظام التربوي الإسلامي، فإنّ من الضروري الاهتمام بحقيقة أُخرى، وهي: إنّ التكاليف الإسلامية واجبة التطبيق في المجالات المتنوّعة. ومادام الإنسان حائزاً على شروط التكليف، فعليه القيام بهذه التكاليف. أي عندما يكون المسلم بالغاً سالماً عاقلاً، فإنّ عليه العمل بالتكاليف الدينية بصورة متواصلة.
ويجب أن يكون الإنسان المسلم دائماً: مجدّاً في التفكّر في خلق الكون، واستيعاب النظام التوحيدي، مبادراً إلى عبادة الله وحده، عاملاً على تكامل شخصيّته المعنوية، ساعياً إلى توطيد أركان العدالة، واجتثاث جذور الظلم، جاهداً في مكافحة الفساد، لا يدّخر وسعاً في التضحية بنفسه وماله من أجل الجهاد في سبيل الله، وهو سبيل الخير والكمال، وتثبيت العدالة، وتأمين رفاه المستضعفين، وهو سبيل الأُخوّة والسلام والوئام، باذلاً جهده في طلب العلم وتوسيع دائرته، مجدّاً في تربية قابليّته الكفرية، مبادراً إلى حلّ المشاكل الاجتماعية، معدّاً نفسه للدفاع عن نظامه التوحيدي ومجتمعه الإسلامي، طامحاً في إنقاذ مستضعفي العالم، وتقويض أركان الحكومات الفاسدة الجائرة، مقيماً علاقات وديّة مع الشعوب التي لا تحارب المسلمين، و... و... الخ.
وفي ضوء ما تقدّم، فإنّ النظام التربوي في الإسلام ينبض بالحياة دائماً في المجالات كافّة، ويجب على المسلم أن يجدّ في الأصعدة المتنوّعة دون انقطاع، ويعمل على تكامل شخصيّته وأداء رسالته الإنسانية.
يعارض الإسلام مسألة الطبقية، ومنح امتيازات خاصّة لطبقة معيّنة دون
أُخرى. وكما نعلم، فإنّ الامتيازات المادية تتوفّر في ظلّ العمل وجهد الأشخاص. والتفاضل بين أفراد النوع الإنساني يرتكز على الفضيلة والتقوى، مضافاً إلى ذلك، فإنّ تأمين ضروريات الحياة وإتاحة فرصة التعليم للجميع في المجتمع الإسلامي من واجبات الحكومة الإسلامية.
وكما أنّ طلب العلم والإفادة من الفرص التربوية من واجبات الأفراد، فإنّ تأمين الخدمات التعليمية والتربوية من واجبات الحكومة.
وفي النظام الإسلامي، ليس التحصيل الدراسي حكراً على طبقة معيّنة دون غيرها، فالجميع ينبغي أن يستفيدوا من الخدمات التعليمية. والحكومة مكلّفة أيضاً أن تهيّئ الإمكانيات التربوية بشكل يستطيع فيه كلّ فرد أن يواصل دراسته - على مستويات متنوّعة - وفقاً لاستعداده ورغبته. مبدئياً، بما أنّ توسيع الخدمات التعليمية والتربوية مقدّمة لنموّ الفرد وتكامله، ورقيّ المجتمع، لذلك تبادر الحكومة إلى تأسيس المراكز التربوية.
وقبل أن تطرح مسألة التعليم الإجباري في الغرب، فإنّ نبيّنا الكريمصلىاللهعليهوآله جعل التربية والتعليم أمراً إجبارياً، والمسجد مركزاً لهما. وكانت مدارس التربية الإسلامية ومراكزها مفتوحة أمام الجميع، والأشخاص - أيّاً كان انتماؤهم القومي وموقعهم الاجتماعي - كانوا يحضرون في تلك المراكز التعليمية. وكان للنساء أيضاً حقّ الإفادة من الفرص التربوية المتاحة أُسوةً بالرجال.
والآن أيضاً، لابدّ من الإسراع في اجتثاث جذور الأُميّة، وتوجيه الجميع من أجل الإقبال على المراكز التربوية، كما يجب توفير المستلزمات الكافية لفتح المدارس في أرجاء البلاد كافّة؛ لينعم أبناؤها بالخدمات التعليمية.
بعامّة، فإنّ للنظام التربوي في الإسلام وضعاً متميّزاً من حيث الهدف، والأُسلوب، والمحتوى. وسنرى بأنّ الأهداف التربوية للنظام الإسلامي واسعة وشاملة، والأساليب التربوية متنوّعة وصالحة للتطبيق في حالات مختلفة، وسنناقش - في الفصول القادمة - ضروب الأساليب التربوية في الإسلام. ولا يخفى فإنّ محتوى
النظام الإسلامي غنيّ غنىً خاصّاً.
في هذا النظام، تمّ تبيان النظرة الكونيّة التوحيدية بشكل مبسّط، ومنطقي في الآن ذاته، وتمّ التأكيد في القرآن وبقيّة المصادر الإسلامية المعتبرة على علاقات أفراد النوع الإنساني، في حقول الحياة المتنوّعة، وتطرّق القرآن إلى العلاقات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية بين الأُمم والشعوب، والاتّصال فيما بينها بشكل مفصّل.
وسنتحدث حول هذا الموضوع لاحقاً.
الأهداف التربويّة في الإسلام
الأهداف التربويّة في الإسلام
وردت الأهداف التربوية بأشكال متنوّعة في القرآن الكريم ونهج البلاغة، وكذلك في المصادر الإسلامية الموثوقة الأُخرى التي تكفّلت بنقل الأحاديث والأخبار عن النبيّصلىاللهعليهوآله وأئمّة أهل البيتعليهمالسلام . ونحن لا نستطيع أن ننقل جميع تلك الأهداف في هذا الكتاب، لذلك نضطرّ إلى انتقاء بعضها لنتحدث حول الأبعاد التربوية لكلّ منها.
إنّ الهدف التربوي الأساس للرسالة الإسلامية هو عبادة الله وحده، قال تعالى:
( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنّ وَالْإِنسَ إِلّا لِيَعْبُدُونِ ) ، (الذاريات: 56).
وعبادة الله - كما نعلم - تعني التسليم له، وطاعته. ومن يعبد الله، فإنّه يخضع له بكلّ وجوده، ويتحرّك في خطّ معرفته، جاء في سورة الفاتحة قوله تعالى:( إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِين ) ، فالقول بأنّ الله وحده يستحقّ العبادة، وما على الإنسان إلاّ التسليم له، والاستعانة به فقط، يثير أشياء جوهرية أُخرى أيضاً.
ذكرنا - مراراً - بأنّ الله مَظهر الحكمة والعدل والإحسان والقدرة. ومن يعبد الله، ويسير على منهج التوحيد، فإنّه يساهم في تيارٍ، دعائمهُ: العقل، والمحبّة، والدعوة إلى العدالة، والتقوى، والإيثار، فعبادة الله - من جهة - تعني العيش الإيماني، والتحرك
في إطار التوحيد.
ومن يخضع لله الحكيم العادل الرحيم، ويقبل عبوديّته، فقد حكّم أسمى الدوافع الإنسانية في وجوده. ونحن نعلم بأنّ معرفة الله، وعبادته، والإيمان به هي الأهداف الجوهرية الأصلية للنظام العقائدي في الإسلام، والأهداف التربوية في الإسلام من نحو: التقوى، والدعوة إلى العدالة، وطلب العلم، وحب العقل، والإيثار، هي أسمى الأهداف التي لا تهيّئ مستلزمات تنمية الإنسان وكماله في حياته الشخصية فحسب، بل وتبعث على تنمية الحياة الجماعية أيضاً.
من جهة أُخرى، فإنّ معرفة الله وعبادته كيان راسخ لا يكفل تحرّك الإنسان المتواصل صوب التنمية والكمال فحسب، بل ويحول دون انحراف الفرد والجماعة بنحو يبعث على الإطمئنان.
إنّ من يرتبط بالله، فقد حرّر نفسه من الخسّة والدناءة، والظلم، والهوى والهوس أو النزوات الزائفة التافهة، والأنانية. ويسلِّم لله، فيعتق نفسه من رِبقة الطاغوت، ومسّ القوى الشيطانية الشريرة.
إنّ المحفّز لسلوك الشخص العارف بالله هو فقط التقرّب إلى الله، والسير على منهج التوحيد، لذلك فإنّ ما يقوم به، يقوم به خالصاً لوجه الله. وبما أنّ منهج الله - بنحو تام - يريد خير البشرية وصلاحها، لذلك فإنّ أعماله كفيلة بسعادته وسعادة الآخرين، يقول الإمام عليعليهالسلام في خطبته حول خلق الكون:
«أوّل الدين معرفتهُ، وكمالُ معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه...».
في ضوء ما تقدّم، يتبيّن لنا أنّ عبادة الله تعني السير على منهج التوحيد، ذلك السير الأمين المتواصل نحو الأبدية، ذلك السير الذي يكفل تنمية الفرد والجماعة في جميع المراحل، ذلك السير الذي تُكتسح فيه كل ألوان الوضاعة والانحطاط، وتترسّخ فيه المُثُل والقيم الأساسية، ذلك السير الذي تتحقق فيه العدالة والإيثار في العلاقات
الإنسانية بنحو تام، ويذيق الإنسان طعم السعادة الأبدية ولقاء ربّه ومعبوده، قال تعالى:
( يَا أَيّهَا الإنسان إِنّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ ) ، (الإنشقاق: 6).
وفي هذا المجال، يذكر المرحوم آية الله المطهّري في الجزء الثاني من كتاب (النظرة الكونية التوحيدية) (ص22، ص23) نقاطاً رائعة أرى نقلها هنا مفيداً، يقول المرحوم المطهّري:
(إنّ النظرة الكونيّة التوحيدية مدعومة بقوّة المنطق والعلم والاستدلال، ففي كل ذرّة من ذرّات العالم دليل على وجود الله الحكيم، وكل ورقة من أوراق الأشجار دفتر في معرفة الله. وهذه النظرة تمنح الحياة معنىً وروحاً وهدفاً، لأنّها تجعل الإنسان في مسار من الكمال لا يتوقف عند حد معيّن أبداً، بل يسير قُدُماً نحو الأمام. ولهذه النظرة قوّة جذب.. وهي تهب الإنسان نشاطاً ودفئاً، وتعرض أهدافاً سامية مقدّسة، وتصنع من الأشخاص أُناساً مضحّين. وهذه النظرة الكونية هي النظرة الوحيدة التي يكون للالتزام، ومسؤولية الأشخاص بعضهم أمام بعض، مفهومهما ومعناهما في ظلّها. وكذلك فهي النظرة الوحيدة التي تنتشل الإنسان من التردّي في حضيض العبث والضياع والعدم).
التقوى هدف تربوي جوهري. قال تعالى:( والعاقبة للتقوى ) . والتقوى تعني الحفظ والوقاية. وعندما تستعمل هذه الكلمة بخصوص الإنسان في المجال الأخلاقي والتربوي، فهي تعني: حفظه، والتحكّم بنفسه، وإدارة شؤونه، وجعل سلوكه وممارساته في المسار العقلي.
إنّ الهدف الأساس للتربية والتعليم هو تأهيل الإنسان ليكون مديراً لنفسه، ومسيطراً على نزواته وأهوائه النفسانية، ومبعداً عن نفسه كلّ ما هو غير منطقي وغير
عقلي، ومنجزاً ما يليق بإنسانيته.
نحن نعلم بأنّ الاستقلال لدى أفراد النوع الإنساني يشكّل أحد الأبعاد الأساسية للشخصيّة. ولابدّ أن يملك الإنسان ناصية الأُمور بيده شئنا أم أبينا، ينظّم برنامجاً لنفسه، ينجز أعماله في أوقات معيّنة، يختار لنفسه أصدقاء وزملاء صالحين، يجعل علاقاته مع الآخرين بشكل إنساني معقول، يتّخذ قراره بنفسه حول دراسته، يبادر إلى انتخاب المهنة التي يريدها، يدوّن لنفسه معايير في المجال الأخلاقي والاجتماعي، يحدّد هدفه في الحياة، يعيّن فلسفته ومنهجيّته، ينجز كلّ ما عليه من تكاليف في كلّ مرحلة من مراحل النمو، يتعلّم المهارات الأساسية في معاشرته للآخرين، يؤدّي دوره في الحياة رجلاً كان أو امرأة، وشاباً كان أو شابّة، وأخيراً يجدّ في سبيل رُقِيِّه وتكامله.
والآن يجب أن نلحظ أننا كيف يمكن أن نربّي الإنسان الذي يستطيع القيام بالأعمال المارّ ذكرها، وأعمال أُخرى، ضرورية، فهل هو ينجز أعماله شخصيّاً أم يتدخل الآخرون لإنجاز أعماله؟
متى يستطيع الإنسان أن يدير شؤونه شخصياً؟
هل يمكن أن يتمتع بالاستقلال بكلّ ما للكلمة من معنى؟
هل إنّ اضطلاعه بإدارة شؤونه شخصياً، يحظى بقبول والده ووالدته المربّين؟
كما ذكرنا فيما سبق، فإنّ الهدف الأساس للتربية والتعليم هو تربية وإعداد مثل هذه الشخصية، لكنْ يجب أن نلتفت إلى أنّ كثيراً من الأشخاص، سواء كانوا من بين الآباء والأُمّهات أو من بين المربّين والقادة والمسؤولين في المجتمع، لا يتركون الناس أحراراً في إدارة شؤونهم على الصعيد العملي، إذ يعتقد بعض الأشخاص بأنّه يجب إدارة شؤونهم على الصعيد العملي، إذ يعتقد بعض الأشخاص بأنّه يجب إدارة شؤون الناس وتوجيههم في كلّ مرحلة من مراحل النمو، وهم يرون بأنّ الناس أنفسهم غير كفوئين في إدارة شؤونهم بأنفسهم. لا يعتقد بعض المربّين أيضاً بأنّه يجب إدارة شؤون الطلاّب وتوجيههم.
ويتصوّر البعض بأنّ الإنسان في مرحلة الطفولة تدار شؤونه من قِبَل والديه،
وفي المرحلة الابتدائية تدار من قِبَل المعلّم، وفي مرحلة البلوغ يدير القانون والمربّون شؤونه، وبعد التخرّج ومزاولة العمل الوظيفي، فإنّ المقرّرات القانونية لعمله هي التي تتولّى الإشراف عليه، لذلك فإنّ قضيّة الإشراف الذاتي، أو السيطرة على النفس، أو ضبطها، كلّ ذلك غير مطروح في حياة الإنسان.
هذا التصوّر الخاطئ ينعكس في علاقات الوالدين مع ولدهما، وعلاقات المربّي مع الطالب. إنّ الوالدين يشرفان على جميع ممارسات ولدهما من دافع التعلّق به حيناً، ومن أجل تربيته وإعداده حيناً آخر. فهما قد شَرَعا في الإشراف عليه منذ ولادته، ويريد أن يظلّ هذا الإشراف مستمرّاً لشهور وسنين بعد ولادته، وعندما يرغب ابنهما أن يأكل الطعام أو يشرب الماء أو ينظّف نفسه، يمنعانه من القيام بمثل هذه الأعمال، ويتولّيان القيام بها بدلاً عنه.
إنّ التربية الأخلاقية للطفل في هذه المرحلة تتحقق من خلال الأمر والنهي، أو إفعلْ ولا تفعل. فالطفل ليس من حقّه أن يعرف علّة قيامه بالفعل الفلاني أو عدم قيامه به، بل عليه أن يكون أداة طيّعة فقط، فيأخذ بما يُؤمر به، وينتهي عمّا يُنهى عنه.
هذا الطفل نفسه يدخل المدرسة، ويرى المعلّم أنّ من واجبه تربيته وتعليمه، بيد أنّه يفتقد إلى تصوّر واضح مشرق عن التربية والتعليم، حيث يعلم أشياء محدودة، يروم تزريقها في ذهنه. وما على الطفل إلاّ أن يكون مستعدّاً، ويتقبّل من المعلم ما يملي عليه، ويحفظ ذلك. وعند الامتحان، إمّا أن ينسى معلوماته أو يكتبها على ورقة الامتحان. فدور الطفل في المدرسة، إذاً، هو دور المنفعل أو المتقبّل، وعمله - كما قلنا - هو قبول ما يطرحه المعلّم دون نقاش، وليس له دور غير ذلك. والتربية الأخلاقية تطبّق على نفس النسق أيضاً. ينظر المعلّم إلى أشياء على أنّها جيّدة، فيطلب من الطالب القيام بها. وكذلك ينظر إلى أشياء أُخرى على أنّها رديئة، فيمنع الطالب من القيام بها. وكما أنّ الافتراض السائد يقتضي أن يكون الطفل
تحت إشراف أبويه في البيت، وهما اللّذان يتوليّان شؤونه، كذلك الطالب في المدرسة، فإنه تحت إشراف المعلّم دائماً، وهو الذي يتولّى شؤونه. وممّا يؤسف له هو أنّ هذا الوضع قد يستمرّ في الإعدادية، وكما قلنا، فإنّ الطالب بعد تخرّجه، يكون تحت إشراف القانون.
فلا ذلك الضرب من التعليم مؤثّر في تحصيل المعلومات، ولا هذا الضرب من التربية مؤثّر في التنمية الأخلاقية للطالب. والأشخاص الذين يتربّون على هذه الوتيرة، يُحتمل انّهم سوف يحرمون من الاستقلال حتى آخر عمرهم، إذ لابدّ أن تدار شؤونهم من قِبَل الآخرين.
لذا يجب تأهيل الطفل وتربيته منذ بداية حياته بشكل يستطيع أن يقف على قدميه وحده، وما يستطيع أن يفعله في البيت، يجب أن يقوم به بذاته، فلو استطاع - مثلاً - أن يقوم ويملأ القدح ماءً، ويشرب ذلك الماء، فيجب تركه ليُنْجِز هذا العمل بنفسه. فالأُم التي تتصوّر بأنّ منع الطفل من القيام بهذا العمل، وإعطاءها الماء له دليل على حبّها له وتعلّقها به، هي أُمّ غير مصيبة في عملها، فهي لا تقدّم أيّ خدمة لولدها، بل وتحول دون نمّوه الأساس واستقلاله.
وفي حقل التربية الأخلاقية أيضاً، يملك الطفل استعداداً لإدراك بعض المسائل، فهو يستطيع أن يدرك، مثلاً، لماذا يضرب جارَه الصغير مثله؟ ويستطيع أن يتوقّع ماذا تكون نتيجة هذا العمل، فيمتنع من القيام به. وبمقدار ما تسمح به تجربته وإدراكه، ينبغي مساعدته حتى يتوقّع هو نفسه ماذا تكون نتيجة أعماله وممارساته، فما ينبغي فعله، ينجزه، وما لا ينبغي، يتركه.
وينطبق هذا الأمر نفسه على المرحلة الابتدائية، فما يستطيع أن ينجره الطفل أو يتعلّمه، يجب عليه أن يبادر إلى ذلك شخصيّاً، فلو استطاع أن يرتّب بعض الأعداد ويجمعها، فعلى المعلّم أن يتركه، ليقوم بهذا العمل وحده. ولو استطاع أن يستفيد من تجاربه ويعرف مفهوم الجمع، فعلى المعلّم أيضاً أن يفسح له المجال ليقوم
بهذا العمل وحده. صحيح أنّ للمعلّم دوراً أساسياً في بداية المرحلة الدراسية، بيد أنّ هذا الأمر لا يتطلّب أن نتصوّر بأنّ التعليم يتحقّق بواسطته. وما هو إلاّ الطالب حيث يقوم بتعلّم الأمور، ويوسّع تجاربه، ذلك يجب أن يكون له دور فاعل في عملية التعلّم.
وفي مجال التربية الأخلاقية والاجتماعية، يجب أن يؤدّي المعلّم - أيضاً - دور الدليل والمرشد، فيمكنه أن يُعين الطفل من خلال توفير الفرص له؛ ليدرك بنفسه جودة بعض الأعمال أو رداءتها في الظروف المتنوّعة، ويرى نتائجها، وعن هذا الطريق يعمل في حقل تنميته الأخلاقية. وكلّما كبر الشخص، ودخل مراحل لاحقة من النمو، فهو يستطيع أن يتولّى إدارة شؤونه بنفسه. وللوالدين، والمعلّم، والقانون، دور الدليل والمرشد.
إنّ الملفت للنظر هو أنّ الإنسان - حتى لو كان في مرحلة الطفولة - لا يخضع لإشراف والديه أو إشراف الآخرين في جميع الأوقات واللحظات. وسواء كان الطفل لا يزال غير قادر على المشي، أو كان قادراً، فإنّ الأُم أو المشرف - في أوقات متنوّعة - مشغولان بعملهما، ولذلك فهما إمّا يغفلان عن الإشراف عليه، أو يعجزان عن ذلك، فما هو التكليف إذاً في مثل هذه الحالات؟ فلو تربّى الطفل على الاتّكال على أُمّه، أو على المشرف في إدارة شؤونه، فماذا عساه أن يفعل لو كان وحده؟
وبناءاً على ذلك، يقال بأنّه يجب تربية الأطفال من البداية بشكل هم يتولّون فيه إدارة شؤونهم. وعندما يستطيع الإنسان أن يمشي أو يذهب إلى المدرسة، أو يمارس عملاً في مؤسّسة ما، فعند ذلك يخرج من دائرة إشراف الآخرين عليه.
والمعلّم في الابتدائية لا يستطيع أن يراقب الطفل في جميع اللحظات، وكذلك الوضع في الإعدادية. والقانون هو الآخر، ليس له سيطرة على الأشخاص دائماً، لذلك فإنّ الإنسان قادر أن يدير شؤونه بنفسه، فعليه أن يقوم بذلك.
والرسالة التي لها دور تربويّ، عليها أن تذعن لهذه الحقيقة، فتعمل على تربية الإنسان بهذا النسق.
فالتقوى - كما مرّ بنا - تعني السيطرة على النفس وتولّي شؤونها ذاتياً، والإنسان المتّقي يراقب سلوكه، لاخوفاً من الآخرين، ولا خوفاً من القانون، بل لأنّه يعرف أنّ عليه أن يعمل بصورة منطقيّة معقولة. وهذا المعنى للتقوى وبُعدها التربوي، كان يدور في خلدي، من هذا المنطلق، جمعت آيات من القرآن، ونصوصاً من نهج البلاغة حول التقوى، لكي يتسنى لي أن أنقلها عند تأليف هذا الكتاب.
كنت ذات يوم مشغولاً بمطالعة الجزء الأوّل من كتاب (پرتوي از قرآن): (قبس من القرآن) فرأيت أنّ المجاهد الكبير المرحوم آية الله الطالقاني، له رأي يحمل هذا المضمون نفسه، في الجزء الثالث من الصفحة الرابعة والخمسين من الكتاب، وذلك ضمن تفسيره لقوله تعالى:
( الم * ذلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتّقِينَ ) ، (البقرة: 1 - 2).
يقول فيه: (إنّ الضمير الفاعل الواعي الذي يقي الشهوات والعواطف والغضب من التمرد والاصطدام بحقوق الآخرين هو وقاية النفس الإنسانية، وصاحبها هو المتّقي. هذا الضمير موجود في كلّ نفس مع الاختلاف من شخص إلى آخر).
وللمرحوم آية الله مطهّري مناقشة دقيقة حول مفهوم التقوى وآثارها، ضمن مقالة له تحت عنوان: (التقوى) مطبوعة في كتاب (عشر مقالات) من قِبَل (منشورات الحكمة). يقول في الصفحة الرابعة من الكتاب حول التقوى في العرف الشرعي: (التقوى في عرف الشرع تعني وقاية النفس من أن ينجرّ الإنسان إلى المعصية، فيترك الممنوعات والمحرّمات). ويقول في الصفحة السابعة من الكتاب المذكور تتمّة للبحث: (لذلك فإنّ التقوى - بالمعنى العام للكلمة - ضرورة في حياة كل شخص يريد أن يكون إنساناً يعيش بتوجيه عقله، ويتبع مبادئ معيّنة).
وجاء حول التقوى الدينية قوله أيضاً: (إنّ التقوى الدينية والإلهيّة تعني أنّ الإنسان يصون نفسه من كلّ شيءٍ حدّده الدين في الحياة، على أنّه خطأ وذنب وقبح، فلا يرتكب شيئاً من ذلك).
بإيجاز، فإنّ ما يُستشفّ من التقوى هو أنّها السيطرة على النفس، أي: السيطرة على نزواتها، ومراقبة ممارستها. وكما قلنا - فيما سبق - فإنّ هدف التربية والتعليم هو تربية الشخصية التي تستطيع أن تسيطر على نفسها، وتجعل نزواتها وعواطفها تحت إشرافها، لتعمل وفقاً للمعايير المنطقية والعقلية.
وبالنظر إلى أنّ الأُسس الإسلامية - كما ذكرنا فيما مضى أيضاً - في كلّ مجال، ولا سيّما في مجال التربية والأخلاق، تدعم حكم العقل، لذلك يمكن القول بأنّ التقوى الدينيّة، أو بعبارة أصح: التقوى الإسلامية مؤيّدة للتقوى بصورة عامّة. من جهة أُخرى، فإنّ التقوى المنبثقة من النظام التوحيدي أقوى من التقوى العاديّة.
وهنا يُثار هذا السؤال في حقل الأخلاق، وهو: هل إنّ المعايير الأخلاقية تستطيع أن توجّه الناس وتحول دون انحرافهم بدون التوكؤ على الأُسس الدينية؟
يعتقد البعض بأنّ للأخلاق أن توجّه الناس بدون التوكؤ على الدين أيضاً. وهذا صحيح إلى حدّ ما، لأننا نلتقي بأشخاص غير متدينين يمتنعون من فعل ما هو قبيح، ويجدّون في فعل ما هو حسن. في مقابل هؤلاء، نلتقي بأشخاص آخرين لهم ميول دينية كما يبدو عليهم، بيد أنّ في عملهم شطحات وزلاّت كثيرة.
أمّا فيما يخصّ الفريق الأوّل، فينبغي أن نضع في الحسبان استعداد هؤلاء للانحراف. فالإنسان يخضع لنزواته الشخصية إلى حدٍّ بعيد، ويمكن أن تجرّه الماديّات إلى الانحراف. وفي واقعنا المعاصر، نرى بعض القادة الوطنيّين في ما يسمّى بالدول الديمقراطية أو الإشتراكية يبتلون بالانحراف من الناحية المالية والاقتصادية، مع أنّهم في مناصب يقلّ معها احتمال انحرافهم، وهم موضع ثقة شعوبهم، إذ لولا هذه الثقة لما تمّ انتخابهم، مع ذلك فإنّ طبيعة النفس الإنسانية في المجال العاطفي والنزوات الشخصية تجرّ هؤلاء إلى الانحراف. وفي المجتمعات التي لا تسود فيها سلطة المال، فإنّ حب المنصب والتسلّط يسوق القادة والمسؤولين إلى حضيض الانحراف.
إنّ ما يمكن أن يحول دون الانحراف هو ارتباط الإنسان بعالم الغَيْب الأبدي،
أي: ارتباطه بالله بوصفه مَظهر العلم، والقدرة، والعدالة، والرأفة. ففي رحاب هذا الارتباط، يشعر الإنسان أنّه دائماً أمام القوّة الإلهيّة الدائمة، ولذلك قلّما يُبتلى بالانحراف.
في ضوء ما تقدّم، يمكن القول بأنّ التّقوى الدينية كيان قوي يحول دون انحراف الناس، ومن المفيد هنا الالتفات إلى هذه الآية الكريمة:
( أَفَمَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَىً مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَنْ أَسّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفا جُرُفٍ هَارٍ ) ، (التوبة: 109).
وأمّا ما يخصّ الفريق الثاني، فينبغي القول: إنّ هؤلاء متديّنون في ظاهرهم، وغير متدينين في صعيد الحقيقة والواقع، حيث لا يمتلكون رؤية واعية وإدراكاً صحيحاً للدين وأُسسه. فهم يقومون ببعض الأعمال من وحي التقليد والمجاراة للوسط الاجتماعي الذي يعيشون فيه، وليس لهم روح دينية. لقد ذُكرت التقوى في الآيات القرآنية بأشكال متنوّعة، فقد جاءت في الآية التالية بوصفها معياراً للأخلاق ومقياساً للتفاضل بين الناس:
( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) ، (الحجرات: 13).
وقال جلّ من قائل:( .. إِن تَتّقُوا اللّهَ يَجْعَل لَكُمْ فُرْقَاناً.. ) ، (الأنفال: 29).
ويقول الإمام عليعليهالسلام في شأنها:
«فإنّ تقوى الله مفتاحُ سَداد، وذخيرةُ معاد، وعتْقٌ من كلّ مَلكَة، ونجاةٌ من كلِّ هَلَكة. بها يَنجَحُ الطّالب، وينجو الهارب، وتُنالُ الرغائب».
ووردت التقوى في سورة البقرة بوصفها خير زاد. قال تعالى:
( وَتَزَوّدُوا فإنّ خَيْرَ الزّادِ التّقْوَى ) ، (البقرة: 197).
وجاءت في سورة المائدة بوصفها هدفاً للعدالة. قال تعالى:
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للّهِِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ
عَلَى أَلّا تَعْدِلُوا إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَى وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ، (المائدة: 8).
ويوصي الإمام عليعليهالسلام الناس بالتقوى في خطبة من خطبه الحكمية، منبّهاً على دورها في توجيه أعمالهم، وترسيخ سلوكيّاتهم، فيقول في (ص620) من نهج البلاغة:
«أُوصيكم عبادَ الله بتقوى الله، فإنّها الزمامُ والقِوام، فتمسّكوا بوثائِقها، واعتصموا بحقائقها، تَؤُلْ بكم إلى أكنان الدَّعَة، وأوطان السَّعة، ومعاقلِ الحرز، ومنازل العزّ..».
وفي فقرة من خطبة أُخرى، يتطرّق إلى آثارها ونتائجها، فيقول:
(فإنّ تقوى الله دواءُ داءِ قلوبكم، وبَصرُ عمى أفئدتكم، وشِفاءُ مرضِ أجسادِكم، وصلاحُ فسادِ صدورِكم، وطهورُ دنَسِ أنفسِكم، وجِلاءُ عشا أبصاركم...).
نلحظ في هذه الفقرة أنّهعليهالسلام يتحدّث حول نتائج التقوى في مجال علاج الأمراض الروحية، وزوال عمى القلوب، واجتثاث فساد العقول والأفكار، وتزكية النفس وتهذيبها، ويصف التقوى في كلماته القصار من نهج البلاغة بأنّها رئيس الأخلاق، فيقول: «التُّقى رئيسُ الأخلاق».
للتقوى علاقة حميمة مع الحريّة، وربّما يمكننا القول بأنّ التقوى ركيزة الحريّة ودعامتها. ولقد تحدّثت عن موضوع الحريّة في كتابي: (من هو المثقّف؟). وتوضيحاً للعلاقة القائمة بين الحريّة والتقوى، من المناسب أن ننقل هنا شطراً من ذلك الحديث:
نحن نعلم أنّ بعض الكتّاب يعرّف الحريّة بأنّها: تعني أنّ لكلّ أحد أن يفعل ما يشاء بشرط أن لا يُزعج الآخرين.
ثمّة إشكالات على هذا التعريف:
الأوّل: لا يستطيع الإنسان أن ينساق وراء نزواته وميوله في حالات متنوّعة، إذ ليست جميع نزواته ذات قيمة. فقد يكون عرضة لرغبات ونزوات متضاربة في ظروف متباينة.
بكلمة بديلة: إنّ تنوّع الرغبات وعدم استقرارها يمنع من أن يستسلم الإنسان لها. ولو فرضنا أنّ الإنسان حيوان يمكن أن يعيش منفرداً، ففي مثل هذه الحالة أيضاً، لا يمكن للإنسان السير وراء الرغبات بسبب تغيّرها ووجود التضارب فيما بينها.. مبدئيّاً، فإنّ إشباع الرغبات لا يُسعد الإنسان دائماً.
سنرى فيما بعد أنّ الحريّة تعني - من جهة - إزالة العراقيل، والقضاء على الديكتاتوريّين المستبدّين الذين يصادرون حريّات الآخرين، من خلال فرض آرائهم وميولهم ومصالحهم عليهم. والآن يجب أن نلحظ فيما لو أُزيلت العوائق أو انمحت الحوائل، واستسلم المرء لنزواته ورغباته، فهل هو حرّ في مثل هذه الحالة؟ وهل يفيد من الحريّة؟
لا ريب أنّه أنقذ نفسه من عامل خارجي، بيد أنّه - من جهة أُخرى - ارتمى في أحضان عامل آخر لا تقلّ سلطته عن سلطة ذلك العامل، وفي الانجراف وراءه ضرر له، جاء في القرآن الكريم بأنّ الذين يطيعون هوى أنفسهم (رغباتهم)، أو شهواتهم العابرة، فإنّ صنعتهم خاسرة، وتجارتهم غير رابحة. لذلك يمكن القول بأنّه من غير الصحيح أن ينجرف الإنسان وراء رغباته ونزواته تحقيقاً للحريّة، فالانجراف وراء النزوات والرغبات يعني - من جهة - التنكّر للحريّة.
الثاني: إنّ شرط عدم إزعاج الآخرين الوارد في التعريف هو شرط غامض. ومن أجل تبيان هذا الغموض، واثبات عدم جدواه، أُلفت أنظار القرّاء إلى المثال التالي:
افرضوا أنّ أربعة من الطلاّب الجامعيّين يعيشون في غرفة واحدة، وهم جميعهم من أنصار الحريّة. لا ريب أنّ الحياة الجماعية لهؤلاء تحمل معها فوائد لهم، حيث
يستعذبون الحديث فيما بينهم، وأحدهم يفيد من معلومات الآخر، ويقسّمون الأعمال المنزلية فيما بينهم، ويدفعون إيجاراً أقل... وهكذا.
قلنا: إنّ هؤلاء من دعاة الحرية وأنصارها. والآن لنرى هل إنّ للحريّة، التي تعني: اشباع الرغبات بشرط عدم ازعاج الآخرين، معنى في قاموسهم؟ وهل هي قابلة للتطبيق؟
في الليلة الأُولى، وبعد الاستقرار في الغرفة، ونظراً إلى أنّهم طلاّب جامعيّون، فهم مصممّون على مطالعة دروسهم، وهو أمر معقول ومستساغ، فلنر كيف تطبّق الحريّة - التي تعني: إشباع الرغبات - في قضيّة قراءة الدروس؟
افرضوا أنّ أحدهم يقول: بأنّه يرغب أن يقرأ درسه ماشياً، والآخر يرغب أن يقرأ وهو مضطجع على فراشه، والثالث متعوّد أن يقرأ وهو يستمع إلى المذياع، والرابع لا يستطيع أن يقرأ إلاّ في جوٍّ هادئ يسوده الصمت والسكوت.
فمع أنّ الموضوع هو قراءة الدروس، هل يا ترى يستطيع كلُّ واحد من هؤلاء أن يعمل وفق رغبته؟
والنتيجة هي: بما أنّ رغبات هؤلاء الأربعة غير متماثلة، فلا محالة أنّه لا يستطيع كل واحد منهم أن يعمل حسب رغبته.
والقضية الأُخرى هي: أيّ واحد منهم يكون سبباً لإزعاج رفيقه الآخر؟
فهل هو الشخص الذي يقرأ ماشياً؟ أم الذي يقراً مضطجعاً؟
أم إنّ الثاني يزعج الأوّل؟
أم الثالث الذي يرغب أن يقرأ وهو يستمع إلى المذياع، يزعج الآخرين؟
أم إنّ الآخرين يزعجونه؟
فتلحظون، إذاً، أنّ مسألة إزعاج الآخرين غير واضحة، وليس لأيّ واحد من هؤلاء الحق أن يعتبر الآخر مزعجاً له.
في ضوء ذلك ترون أنّ الحريّة - بمعنى إشباع الرغبات، وعدم إزعاج الآخرين - ليس لها معنى في قاموس هذه المجموعة، ولا المجموعة الأكبر منها، وهي: المجتمع.
يقول الإمام الصادقعليهالسلام : «الهوى عدوّ العقل»، فاتّباع الهوى لا ينسجم مع السلوك العقلي، فما معنى الحريّة، إذاً؟
للحريّة بُعدان: سلبي،
وإيجابي.
ففي البُعد السلبي - كما مرّ بنا - تعني الحرية إزالة العراقيل أو عدم وجودها، حيث يطمح الشخص أن ينقذ نفسه من شرّ شخص آخر يحول دون حريّته. وعندما يقال بأنّ تاريخ الإنسان كفاح في سبيل الحريّة، فإنّ هذا يعني: قطع يد المستبدّين والديكتاتوريّين من التحكّم في رقاب الناس.
والآن علينا أن ننظر، هل تتحقّق الحريّة عندما يُقضى على الشخص الذي يحدّ من حريّة الآخرين، أو على الدكتاتور؟ كما نرى، أنّ القضاء على مثل هذا الشخص لا يفضي إلى الحريّة بذاته. وهنا يأتي دور البُعد الإيجابي للحرية، فعندما يتخلّص الشخص من شرّ عامل خارجي، ويُحكم سيطرته على نزواته ورغباته، فعند ذلك تعني الحريّة بالنسبة إليه اتّباع العقل أو العمل بتعقّل.
في الحقل الاجتماعي أيضاً، عندما يسقط الدكتاتور، فلا تعني الحريّة أن يَعمل كلُّ شخص مايشاء، أو أن يكتب كلُّ أحد ما يشتهي، بل الحرية تعني أن تسلك الجماعة منهجاً عقلياً أو علمياً في تعاملها مع كل قضيّة، وذلك لأنّه لا وجود لأحد أفضل من الآخرين(*) من الناحية العلمية والفكرية في إدارة الشؤون الاجتماعية وعلاج المشاكل الجماعية.
لذلك يجب أن يكون الناس سادة على مصائرهم، وينبغي أن تتحقّق الحريّة على أيديهم. بيد أنّهم لابدّ لهم من سلوك المنهج العقلي أو العلمي في المسائل المتنوّعة، حتى يتسنّى لهم علاجها بأنفسهم. وهم أنفسهم يعيّنون حدود الحريّة عن طريق وضع القوانين.
إنّ الكاتب حرٌّ، بيد أنّ حريّته في تفكيره، وفي صحّة هذا التفكير، لا في سبابه وشتائمه، وتحريض الآخرين، وتصفية الحساب معهم من خلال تلقين
____________________
(*) هذا رأي مرفوض، لأنّ الواقع الاجتماعي يدفعه من حيث وجود من هو فاضل، ومن هو أفضل، ومن هو الأفضل.. وهكذا. المعرِّب.
الآخرين آراءه. فبسلوكه المنهج العلمي، يقوم بتحليل الظروف الاجتماعية المحيطة به وفقاً لاستعداده وتجاربه، حيث يحدّد المشاكل، ويأخذ بنظر الاعتبار إمكانيات المجتمع، ويقترح حلولاً أساسية، ويقدّم أهمّ حلّ يراه مناسباً للإمكانيات الاجتماعية المتوفّرة. فهذا هو معنى اتّباع العقل، أو العيش بتعقّل، أو كون الإنسان حرّاً.
في ضوء ما تقدم، يظهر لنا أنّ الحريّة تتحقّق في المجتمع من خلال سيادة الناس وحكمهم، وسلوك المنهج العقلي، من هذا المنطق، يقال بأنّ الحريّة تعني: اتّباع العقل أو انتهاج رؤية عقلية في شؤون الحياة.
لقد تحدثنا سابقاً حول رأي الإسلام في العقل، لذلك نُعرض عن تكرار ذلك في هذا الفصل،
يقول رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «صديق كلِّ امرئ عقله».
ويقول الإمام عليعليهالسلام : «إنّ أغنى الغنى العقل».
لقد رأينا في مناقشة معنى التقوى بأنّها تعني - من جهة - السيطرة على النزوات والرغبات، واتّباع العقل. من هذا المنطلق، يمكن القول بأنّ التقوى - من جهة - هي نفسها الحريّة.
وفي فقرة من كلام مرّ بنا للإمام عليعليهالسلام ، ورد البُعد السلبي والإيجابي للحريّة، في تعريف التقوى، يقول الإمام:
«فإنّ تقوى الله مفتاحُ سَداد، وذخيرةُ معاد، وعتقٌ من كلِّ ملكَةَ، ونجاة من كلِّ هلكة، بها ينجح الطالب، وينجو الهارب، وتُنال الرغائب..».
ونُقل في كتاب: تحف العقول (ص154) وصف الإمام عليعليهالسلام للمتّقين، نكتفي هنا بذكر فقرات منه:
«فالمتّقون فيها هم أهل الفضائل: منطقهم الصواب، وملبسُهم الاقتصاد، ومشيُهم التواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم...».
إنّ شمولية النظام التربوي في الإسلام، والترابط الموجود بين أبعاده المتنوّعة يفضيان إلى تداخل المواضيع وتكرارها.
وكما ألمحنا مراراً في هذا الكتاب، فإنّ النظام التربوي في الإسلام يشمل جميع أبعاد الحياة الإنسانية، لذلك عندما نتحدث حوله، أو نناقش خصائصه، لانجد مندوحة من الحديث حول البعد العقلي، والبعد الاجتماعي، والبعد الحركي، والبعد الثوري فيه. وحينما نتكلم حول أهداف النظام التربوي في الإسلام، وأساليبه، ومحتوياته، فإننا نضطرّ إلى تكرار بعض المواضيع.
على القرّاء الكرام الالتفات إلى شتّى المواضيع وفقاً لأرضية طرحها، وجهدنا هو أن نستفيد من الغنى الذي عليه الثقافة والتعاليم الإسلامية، وننقل الآيات والأحاديث غير المذكورة عند دراسة موضوع معيّن في مجالات متنوّعة. وأحياناً نجد أنّ أهميّة الموضوع في المجالات المتنوّعة تتطلّب تكرار حديث أو آية. لاحظوا الآيات التالية فيما يخصّ تعليم الحكمة:
( رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ، (البقرة: 129).
( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكّيكُمْ وَيُعَلّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ) ، (البقرة: 151).
( لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمَهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) ، (آل عمران: 164).
( هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الْأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ ) ، (الجمعة: 2).
لقد تمّ التأكيد في الآيات المذكورة - كما يُلحظ - على التزكية والتعليم والحكمة. وكما قلنا فيما سبق، فإنّ الإسلام يؤكّد أهميّة العلم والحكمة، ويعتبر رسالة
الأنبياء هي تعليم الحكمة، وواجب الناس هو طلب العلم.
إنّ كلمة الحكمة تعني الكلام المنطقي أو المعرفة الحقيقيّة. ولتعليم الكلام المنطقي أو المعرفة المبرهنة أهميّة خاصّة من الناحية التربوية، حيث يرى بعض المربّين أنّ عملية التربية والتعليم تعني تربية القابلية على إصدار الحكم الصحيح، أو الحكم مع الدليل. بكلمة بديلة: إنّ عمل المربّي هو مساعدة الشخص ليتعلّم ما هو منطقي، ويقرّ به، ويرفض ما هو بعيد عن المنطق. وبما أنّ تعلّم موضوع من المواضيع أو قبوله يتطلّب الحكم عليه، لذلك تشكّل تربية القابلية على إصدار الحكم المنطقي أساس التربية والتعليم وهدفهما. ولهذا المفهوم عن التربية والتعليم عدد من المواصفات الجوهرية منها:
اوّلاً: أنْ يكون معناه واضحاً بيّناً، فالمربّي في الروضة، والمعلّم، والمدّرس، والأُستاذ الجامعي، وأكثر الأشخاص الذين لهم باع في الخدمات التعليمية، كلّ أولئك يدركون معنى الحكم الصحيح، أو الحكم مقروناً بالدليل.
ثانياً: إنّ مفهوم الحكم المنطقي هو غير تحصيل المعلومات. ويُلحَظ - غالباً - أنّ بعض المربّين والأشخاص العاديّين لا يفرّقون بين التربية، وتحصيل المعلومات، ففي رأيهم، إنّ طلب المعرفة، وتصعيد مستوى المعلومات مرادفان للتربّي، بيد أنّ الواقع يحكي انّ التربية منفصلة عن تصعيد مستوى المعلومات. طبيعياً، ومن الناحية التربوية، فإنّ من يتعلّم أمراً، ينبغي عليه أن يجعل التعليم وسيلة لتربيته أو تربية الآخرين، ولكن في الصعيد العملي، فإنّ التعليم بشكلٍ، ينقل المعلّم فيه المواضيع إلى ذهن الطالب، فيصعّد من معلوماته، ولا يستفيد من التعليم كوسيلة للتربية.
ونلتقي في حياتنا بأشخاص على مستوى عالٍ من حيث المعلومات أو الحفظيات، بيد أنّهم ضعفاء جدّاً من حيث الفكر، أو من حيث كيفية التقويم وإصدار الحكم.
ثالثاً: إنّ عملية التربية والتعليم بوصفها تربية القابلية على الحكم المنطقي،
قابلة للتطبيق في كلّ مستوى، وكلّ مرحلة من مراحل النمو، فالمربّي في الروضة يستطيع أن ينمّي في الأطفال القابلية على الحكم المنطقي تدريجاً من خلال انتخاب القصص والألعاب المناسبة، حيث يطلب منهم أن يقدّموا سبباً لانتخابهم لقصّةٍ ما أو لعبة ما، وهو أيضاً يقدم لهم السبب الذي دعاه إلى اختيار لعبة أو قصّة خاصّة، وبواسطة هذا العمل، يربّي فيهم القابلية على الحكم وإبداءِ الرأي.
ونسجاً على نفس المنوال، فإنّ المعلّم في الابتدائية بمقدوره دعوة الطلاّب إلى الحكم والتقويم، وحثُّهم على امتلاك القابلية على الحكم الصحيح تدريجاً، وذلك من خلال طرح المواضيع العلمية المبسّطة، أو النصائح والأمثال، أو القصص التاريخية.
وفي المستويات الأُخرى من التعليم، وبعامّة، في جميع مراحل النموّ، على الشخص أن يحكم بصورة صحيحة.
إنّ الناس يبدون وجهات نظرهم ويحكمون ويقوّمون باستمرار سواء في أمور الحياة، أو في المسائل الاجتماعية والعلمية. ولو كان المربّون - منذ البداية - يهتمّون بهذا المفهوم من التربية والتعليم، لاستطاعوا أن يعينوا طلاّبهم في مجال تربية القابلية على الحكم الصحيح بسهولة. وفي هذا المجال، يذكر المرحوم آية الله مطهّري في (ص136) من كتاب (عشر مقالات) حديثاً أُثر عن السيد المسيحعليهالسلام ضمن المقالة التي تتحدّث عن فريضة العلم، يقول فيه:
«خذوا الحقّ من أهل الباطل ولا تأخذوا الباطل من أهل الحق. كونوا نقّاد الكلام».
ثمّة نقاط رائعة في هذا الحديث:
الأُولى: إنّ كلام الحق قيّم بذاته.
الثانية: يجب أن لا يكون المتكلّم عنصراً مؤثّراً في قبول الكلام أو رفضه.
بكلمة بديلة: يجب تدقيق الكلام ودراسته.
الثالثة: التأكيد على نقد الكلام.
وعلى الأشخاص أنفسهم أن يقوموا بنقد الكلام. كما لحظنا، أنّ كلمة الحكمة
تعني الكلام المنطقي، والنقد أو التفريق بين الجيّد والردئ، وهو من جهة أُخرى نفسه القابلية على الحكم الصحيح. فشرط انتقاء الكلام المنطقي هو تربية القابلية على النقد أو القابلية على الحكم الصحيح.
نحن نعلم بأنّ العدالة من الدعائم الأصلية للحياة الإنسانية، والمجتمع الذي يسوده الظلم والإجحاف هو مجتمع تنعدم فيه الإنسانية. إنّ المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يسوده العدل الإلهي، والعمل فيه أساس الملكية، ويعتبر استغلال الناس فيه ذنباً لا يغتفر، ورسالة الأنبياء - من وجهة نظر الإسلام - هي إقامة العدل.
( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ ) ، (الحديد: 25).
وجاء في القرآن الكريم أنّ الله (تعالى) قائم بالقسط. قال تعالى:
( شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لاَ إِلهَ إِلّا هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ.. ) ، (آل عمران: 18).
وورد في حديث مشهور أنّ الدنيا تبقى مع الكفر، ولا تبقى مع الظلم، وتمّ التأكيد فيه على خطر الظلم:
«الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم».
وقال تعالى:( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للّهِ ) ، (النساء: 135).
وفي الآية الكريمة التالية، يأمر الله - تعالى - الناس بالعدل والإحسان:
( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ.. ) ، (النحل: 90).
والآية التالية، ضمن أمرها بأداء الأمانات إلى أهلها، تؤكّد على مراعاة العدالة
عند الحكم بين الناس:
( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.. ) ، (النساء: 58).
وكما نعلم، فإنّ قائد المسلمين يجب أن يكون عادلاً. قال تعالى:( قل أمَرَ ربّي بالقسط ) . والآية التالية، ضمن دعوتها الناس إلى مراعاة العدالة، تذكّر المسلمين بأن شنآن قوم لا يمنعهم عن الحكم بالعدل، بل يجب مراعاة العدل في كلِّ حال، لأنّه أقرب للتقوى من أيّ عمل آخر، قال تعالى:
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للّهِِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلّا تَعْدِلُوا إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَى وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ، (المائدة: 8).
فينبغي - إذاً - مراعاة العدل في شؤون الحياة كافّة، وفي المجتمع - كما ذكرنا - تشكّل العدالة أساس الحياة الجماعية. ولابدّ من مراعاة العدل في البيت، وفي التعامل مع الآخرين، وفي العلاقات مع الشعوب الأُخرى:
( إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ ) ، (النحل: 90).
كما نعلم، فإنّ القائد الديني يجب أن يكون عادلاً، وكذلك حكّام المسلمين، وعلى كلِّ مسلم مراعاة العدالة في تعامله مع الآخرين. ويجب أن يكون المربّي عادلاً، ويعمل على ترسيخ روح الدعوة إلى العدالة بين طلاّبه، كما ينبغي للوالدين مراعاة العدالة أيضاً في علاقة أحدهما بالآخر، أو في علاقتهما مع بقيّة أعضاء العائلة.
ومن أجل أن يدرك الطلاّب معنى العدالة، ويراعوها عملياً في تعاملهم مع الآخرين، لابدّ للمربين من أن يجعلوهم في ظروف محسوسة، ويساعدوهم حتى يلحظوا بأنفسهم العدالة مع الآخرين، ونتائجها. وضمن إدراكهم لمفهوم العدالة، يطابقون أعمالهم مع موازين العدل تدريجاً.
إنّ للإنسان منزلة مرموقة في الرسالة الإسلامية، يقول الباري - تعالى - في الآية السبعين من سورة الإسراء:
( وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) .
للإنسان - من منظور إسلامي - أبعاد متنوّعة، فهو - من جانب - يقطع مراحل النمو كسائر الكائنات الحيّة، ومن جانب آخر، فإنّ الأبعاد المعنوية والفكرية لشخصيّته تميّزه عن سائر الحيوانات. قال تعالى:
( مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ * مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ * ثُمّ السّبِيلَ يَسّرَهُ ) (عبس: 18 - 20).
تحدّث الإسلام حول النفس الأمّارة، التي تُرغّب الإنسان في الانجراف وراء الهوى والهوس. قال تعالى:
( إِنّ النّفْسَ لَأَمّارَةُ بِالسّوءِ.. ) ، (يوسف: 53).
( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ.. ) ، (ق: 16).
وتحدّث أيضاً حول النفس اللّوامّة، قال تعالى:
( وَلاَ أُقْسِمُ بِالنّفْسِ اللّوّامَةِ ) ، (القيامة: 2).
وتحدّث كذلك حول النفس المطمئنّة، كما جاء في سورة الفجر، ويبدو أنّ الإنسان عندما يبلغ مرحلة النفس المطمئنّة، فإنّه يتمتع بالاطمئنان الباطني، والهدوء النفسي، بسبب الإيمان والعمل. قال تعالى:
( يَا أَيّتُهَا النّفْسُ الْمُطْمَئِنّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنّتِي ) ، (الفجر: 27 - 30).
والإنسان نفسه، لو خضع للبُعد الحيواني من شخصيّته، وتولّع بالظلم، والفساد، والأنانية، فإنّه يتساقط نحو أكثر المواطن وضاعة وحقارة وخسّة، قال تعالى:
( ثُمّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ) ، (التين: 5).
لم يُخلَق الإنسان عاصياً - كما يعتقد النصارى، ولم يخلق محسناً، بل خلق مستعدّاً للفضيلة والرذيلة، مع جنوح فطري نحو الإحسان. وهذا ما تنطق به الآية الكريمة التالية:
( وَنَفْسٍ وَمَا سَوّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا ) ، (الشمس: 7 - 10).
وجاء في سورة العصر:
( وَالْعَصْرِ * إِنّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ * إِلّا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْا بِالصّبْرِ ) .
إنّ إحدى مواصفات النظام الإسلامي هي تربية الإنسان على الاستقلال. وكما نعلم، فإنّ المسلم، بمجرّد بلوغه سنّ الرشد، حيث يستطيع تمييز الحسن من القبيح، أو ما يسمّى بالوقوف على قدميه، فعليه أن يتقصّى مبادئ الدين عن طريق التعقّل والاستدلال. وقلّما نلحظ مذهباً من المذاهب الاجتماعية يدعو أتباعه إلى تقصّي مبادئه وأُسسه عن طريق التعقّل، ومن ثمّ المبادرة إلى قبولها عن نفس
الطريق. وكما مرّ بنا - فيما مضى - فإنّ أغلب المذاهب الاجتماعية تلقّن أتباعها أُسسها ومبادئها. جاء في الآيات التالية:
( بَلِ الإنسان عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ) ، (القيامة: 14).
( كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) ، (المدّثّر: 38).
( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ قَد تَبَيّنَ الرّشْدُ مِنَ الْغَيّ.. ) ، (البقرة: 256).
( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّ الْسّمْعَ وَالْبَصَرَ كُلّ أُوْلئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) ، (الإسراء: 36).
إنّ الإنسان - من منظور إسلامي - مسؤول عن أعماله، كما ألمحنا إلى ذلك سابقاً، فهو لم يخلق عاصياً، ولم يكن في مقدور أحد غفران ذنوبه. وكما نعلم، فإنّ أتباع(*) السيّد المسيحعليهالسلام يعتقدون بأنّ الإنسان مذنب بطبيعته، والسيّد المسيحعليهالسلام يتكفّل غفران ذنوب الجميع، ولذلك فهو منقذ الناس.
إنّ ما يحصل عليه الإنسان من فائدة هو عطاء عمله. قال تعالى:
( وَأَن لّيْسَ لِلاِْنسَانِ إِلّا مَا سَعَى ) ، (النجم: 39).
( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى.. ) ، (فاطر: 18).
ويتحقّق عمل الخير أو عمل الشر على يد الإنسان نفسه. قال تعالى:
( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرّةٍ شَرّاً يَرَهُ ) ، (الزلزلة: 7 - 8).
وقال تعالى:( وَأَنّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) ، (النجم: 40).
____________________
(*) لا نستطيع أن نعبّر عنهم: (أتباع)، لأنّهم لو كانوا كذلك لاتّبعوه حقّاً، في حين هم ليسوا كذلك. فالصحيح هو أن نقول: فإنّ الذين يدّعون أنّهم اتباع.. المعرِّب.
ويظهر الفساد في العالم بسبب الإنسان نفسه. قال تعالى:( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ.. )
(الروم: 41).
ويتقرّر التكليف في الإسلام وفقاً لاستعداد الإنسان نفسه، وتعود نتيجة عمله الصالح أو القبيح إليه نفسه. قال تعالى:
( لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ.. ) ، (البقرة: 286).
وللمسؤولية بعد جماعي أيضاً. قال تعالى:( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى.. ) ، (المائدة: 2).
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «كُلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته».
يرى الإسلام بأنّ سلوك الإنسان خاضع للتغيير، فحياة الفرد أو حياة الجماعة لم تُشَيّد من قبل، حيث إنّ الإنسان، مع خضوعه للعوامل الجغرافية والبيولوجية والاجتماعية، هو سيّد مصيره، وفي مقدوره تغيير سلوكه متى شاء، بالصمود أمام العوامل المؤثّرة على السلوك، ولابدّ لنا أن نتحدث حول بعض النقاط من أجل توضيح هذا الموضوع.
يعتقد بعض علماء النفس، وعلماء الاجتماع، بأنّ سلوك الفرد والجماعة هو من نتاج البيئة أو الوسط الاجتماعي، فهم لا يقولون بأنّ للبيئة الطبيعية والاجتماعية تأثيراً على سلوك الإنسان فحسب، بل ويرون بأنّ البيئة نفسها هي التي تحدّد شكل سلوكه، مصادرين كلّ دورٍ له.
بكلمة بديلة: إنّهم يرون بإنّ شخصية الإنسان أو قدرته الفكرية والأخلاقية غير مؤثّرة في تغيير سلوكه، فالشخص الذي يعيش في وسط عائلي أو اجتماعي خاص، يعمل بشكل خاص، شئنا أم أبينا،
ولا سبيل له إلاّ تطبيق ماتملي عليه بيئته.
إنّ أنصار مدرسة السلوك - سواء أنصار عالم الفسلجة الروسي (بافلوف)، أو أنصار (واتسون) أو (اسكير) يعتقدون عادة بأنّ البيئة هي التي تحدّد سلوك الفرد أو الجماعة، ولا تأثير لعملية الدراسة في تغيير سلوك الإنسان، إذ هو مرغم على ما يفعله. ومن منظار هؤلاء، فإنّ الحديث حول حريّة الإرادة، وتوجيه الإنسان لأعماله وممارساته، حديث ليس له أيّ معنى.
وهنا ينبغي الالتفات إلى أنّ الإنسان يستطيع الصمود أمام البيئة، فهو قادر على أن يربّي نفسه، أو يُحبط ما تقرّرُه بيئته من خلال الأعمال التربوية، ومن هذا المنطلق، يكون مسؤولاً عن أعماله.
إنّ الإسلام - كما نعلم - يرى بأنّ الأفراد والجماعات مسؤولون عن أعمالهم. ومن وحي هذا المبدأ، يعتقد بأنّ التغييرات الاجتماعية ناتجة عن تغيير الأفراد. لاحظوا الآيات التالية:
( ذلِكَ بِأَنّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ.. ) ، (الأنفال: 53).
( ..إِنّ اللّهَ لاَ يُغَيّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ.. ) ، (الرعد: 11).
( تِلْكَ أُمّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَا كَسَبْتُمْ.. ) ، (البقرة: 134).
إنّ من سمات الإسلام البارزة تقويضه المقاييس السابقة في العلاقات الإنسانية، فقد كانت مقاييس التفاضل في الماضي هي: المنصب، والثروة، والموقع الاجتماعي، والجنس واللون، والموقع العائلي، والمَحْتِد، وأمثالها. وممّا يؤسف له أنّنا في القرن العشرين نرى أنّ بعض هذه المقاييس لا يزال سائداً في أجزاء العلاقات الإنسانية أيضاً.
ونلحظ في الساحة الدولية هذا اليوم أنّ أصحاب الشركات متعدّدة الجنسيات،
والعصابات المتكالبة على نهب مصادر الشعوب الاقتصادية والطبيعية وثرواتها، والمتهافتة على تكريس المصادر المالية في العالم لصالحها عن هذا الطريق، هؤلاء جميعاً هم الذين يوجّهون السياسة العالمية وينظّرون لها، وما الحكومات، وعلماء الدين الدنيويّون إلاّ أدوات طيّعة بأيديهم.
ونرى في الأقطار التي تقوّضت فيها سيادة المال، أنّ الذين يشغلون المناصب الرسمية التي حصلوا عليها بواسطة التكتلات، وكمّ الأفواه، والاستعانة بالعسكر، يحظون باحترام خاص، وأنّ كلمة: القوّة العظمى، ودور القوى العظمى في السياسة الدوليّة تكشف لنا هذه الحقيقة، التي تفصح عن سيطرة مثل هذه المفردات على العلاقات الدولية. ونلحظ كذلك أنّ الحديث يدور في الأوساط الدولية عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بيد أنّ التمييز العنصري، والحرمان الذي تعيشه النساء، والمستضعفون في العالم، ماثلان للعيان في كلِّ مكان. وتظن بعض الشعوب أنّها أفضل من شعوب أُخرى نتيجة الإيحاءات السّيئة.
أمّا في الإسلام، فقد فقدت جميع هذه المقاييس أهميّتها واعتبارها، فلا المال مجلبة للاحترام، ولا المنصب، ولا تأثير للمنسوبية، والموقع الاجتماعي، والعنصرية، والقومية على منزلة الإنسان سلباً أو إيجاباً. فمقياس التفاضل في الإسلام منذ البداية هو الفضيلة والتقوى. وتصرّح الآية الكريمة التالية بذلك فتقول:
( يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ.. ) ، (الحجرات: 13).
وقد تمّ التأكيد مراراً على هذا المبدأ - القاضي بأن يكون احترام الناس على أساس التقوى والفضيلة - في كلام رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
وما احترامهصلىاللهعليهوآله لسلمان الفارسي، وبلال الحبشي، وأبي ذر، وكذلك احترامه للنساء الاّ معالم لهذا المبدأ.
يدعم الإسلام مسألة كفاءة الناس في تسيير شؤونهم. وفي عصرنا الحاضر، وبالرغم من أنّ معظم الكتّاب والحكّام يتحدثون حول الشعب وكفاءته، بيد أنّهم يحدّون من تدخّله في الأُمور عمليّاً. وفي البلدان التي تنتهج إيديولوجية خاصّة، يحدّد أعضاء الحزب والكادر القيادي خطّة العمل التي تسير عليها البلاد غالباً، فيصبح تدخّل الشعب في الشؤون السياسية محدوداً. وفي الدول التي تدّعي الديمقراطية، أو حكم الشعب للشعب، يخضع الشعب للدعايات التي يبثّها الجهاز الحاكم، وما القرارات التي تتّخذها مجالس النوّاب في القضايا المتنوّعة إلاّ دليل ساطع على ما نقول، فالتصويت على الحرب الفيتنامية من قِبَل الكونغرس الأميركي، والتصويت على قرارات حكومة العمّال أو المحافظين في إنجلترا في المجالات المتنوّعة، وما يجري في فرنسا أو إيطاليا أو السويد، كلّه يمثّل كيفيّة تأثير الحكومات على الرأي العام لشعوبها بصورة غير مباشرة، ومن ثمّ تنفيذ ما تريده باسم الشعب.
طبيعياً، في حالات تُطرح فيها المصالح الملموسة للشعب، يُحتمل أن تتّخذ البرلمانات قرارات لصالح الشعب. لكنْ يرى الإسلام أنَّ الناس يمتلكون الكفاءة والجدارة في تسيير شؤون بلادهم، وفقاً لصريح الآيتين التاليتين:
( ..وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ.. ) ، (الشورى: 38).
( ..وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ.. ) ، (آل عمران: 159).
وفي عهد الإمام عليعليهالسلام إلى مالك الأشتر (رضي الله عنه) نقطة ينبّه عليها وهي: أنّه يمكن معرفة المحسنين ممّا يجري على ألسنة الناس بشأنهم. وفي هذه الفقرة من العهد، يطلب الإمام من مالك أن يشاور الناس في تسيير أمور البلاد.
ينظر الإسلام إلى الوحدة، والتفاهم، والمساواة، والتعاون بين الناس على أنّها أُمور أساسية. إنّ الإنسان كائن اجتماعي، وهذه الكينونة الاجتماعية تثير مسائل، لا مندوحة أمام الأفكار والنظم التربوية، من ترك الاهتمام بها للحياة الجماعية حالة خاصّة بها.
بكلمة بديلة: إنّ الحياة الجماعية منفصلة عن الحياة الفردية، فأعضاء المجتمع خاضعون للحسّ الشخصي، وفي الآن ذاته، خاضعون للحسّ الجماعي. والحياة الفردية تختلف عن الحياة الجماعية من حيث الظروف، والامكانيات، والأهداف. وهناك بعض الأشخاص يهتمّون بحياتهم الخصوصية والشخصية، ولا يهتمّون بعلاقاتهم مع الآخرين، ولا بالحياة الجماعية ومشاكلها ومتمخضاتها، فهم يرون أنّه لو عولجت المشاكل الشخصية، فإنّ الأرضية الاجتماعية سوف تكون مساعدة بذاتها. وتتركز جهود هؤلاء على تأمين الرفاه والمصالح الفردية. ولو كان جميع أعضاء المجتمع يحملون هذا اللون من التفكير، لأُهملت الحياة الجماعية ومشاكلها، ولظّلت المشاكل المنبثقة عن الحياة الجماعية مستعصية في مثل هذا المجتمع، بل وتتضاعف يوماً بعد يوم.
بإيجاز: فإنّ الذين يعيشون معاً، يواجهون مسائل وقضايا مصدرها الحياة الجماعية، مضافاً إلى المسائل الشخصية التي يعيشونها. وبما أنّ أحداً لا يأتي من وراء الحجب لعلاج المشاكل الاجتماعية، لذلك تقع المسؤولية على أفراد المجتمع ليبذلوا جهودهم من أجل علاجها.
وينبغي أن يسود التفاهم والانسجام بين الأفراد والجماعات ليتسنّى لهم علاج مشاكلهم. فالحاجات المشتركة والمسائل المتماثلة يجب أن توجِد - لا محالة - وحدةً بين أفراد المجتمع. وعندما يعيش المجتمع حياة سليمة، فإنّ التعاون يشكّل الأُسلوب الأساس للحياة فيه، مضافاً إلى وجود التفاهم والوحدة بين أفراده.
وكما قلنا سابقاً، فإنّ وحدة الهدف، وتقسيم العمل، وتحمّل المشؤولية من قبل جميع الأفراد، وتنسيق
النشاطات، والاستمتاع المشترك بنتائج الأعمال الجماعية، كل ذلك يجري على أفضل صورة في عملية التعاون.
من هذا المنطلق يؤكّد الإسلام على أهميّة مبدأ الأُخوّة، ومبدأ التعاون، وقد أوصت الآيتان التاليتان برعاية هذين المبدأين:
( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ.. ) ، (الحجرات: 10).
( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى.. ) ، (المائدة: 2).
وكما نعلم، فإنّ الناس - في الإسلام - جميعهم أُمّة واحدة(*) .
بكلمة بديلة: إنّ انتماء الأشخاص غير محدود بوحدة العامل الجغرافي، ووحدة اللغة، والعنصر، والقومية. فالهدف هو تأمين مصالح الجميع، وكذلك فإنّ الثقافة المشتركة، والمثل المشتركة ترسّخ دعائم الحياة الجماعية.
كانت المجتمعات البشرية في الماضي تعيش منفصلة عن بعضها البعض، بسبب تأثير الاتّجاهات القومية، والشوفينيّة، والعقائد الدينية. وفي حالات متنوّعة، كانت هذه العوامل بمعيّة المصالح الاقتصادية تشعل فتيل الاختلاف والتناحر بين الشعوب، فتؤدّي إلى نشوب الحرب فيما بينها. ولا زلنا نشهد في عصرنا الحاضر أيضاً تأثير الاتّجاهات الوطنية والمصالح القومية على بعض الشعوب، ومن بينها شعوب الكتلة الاشتراكية، من نحو: ألبانيا، ويوغسلافيا، والصين، والاتّحاد السوفيتي (المنحل)، فتنجم عن اندلاع نار الصراعات والتناقضات فيما بينها.
ومنذ زمن سحيق، وقادة البلدان المختلفة يضربون على وتر التعايش السلمي، ويدافع ميثاق الأُمم المتّحدة عن هذا المبدأ أيضاً، بيد أنّ الواقع العملي يشهد بأنّ
____________________
(*) في الإسلام، المسلمون أُمّة واحدة وليس الناس جميعهم، هذا مع أنّ القرآن صرّح بأنّ الناس كانوا أُمّة واحدة، لكن هذا له معنى آخر غير المعنى الذي يقصده المؤلّف هنا.
الدول الرأسمالية والشيوعية جميعها لا تعمل به في كافّة المواضع والحالات.
أمّا الإسلام، فهو لا يوصي بمبدأ التعايش السلمي فحسب، بل تخطّاه إلى أبعد من ذلك، فحثّ أتباعه على إقامة وشائج الصداقة والمحبّة مع الشعوب غير المسلمة كافّة(*) . قال تعالى:
( لَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنّ اللّهَ يُحِبّ الْمُقْسِطِينَ ) ، (الممتحنة: 8).
وفي عهد مالك الأشتر، عندما يوصي الإمام عليعليهالسلام مالكاً بمحبّة الناس والرأفة بهم، لم يفرِّق الإمامعليهالسلام بين المسلم الذي عبّر عنه بالأخ في الدين، وغير المسلم الذي عبّر عنه بالنظير في الخَلْق.
ذكرنا فيما سبق أنّ تربية قوّة التفكّر، والقدرة العقلية، من الأهداف الأساسية للنظام التربوي. يرغّب الله - تعالى - الناس أن يتفكّروا في خلق الكون، فيقول:
( ...وَيَتَفَكّرُونَ فِي خَلْقِ السّموَات وَالْأَرْضِ... ) ، (آل عمران: 191).
ولا يرى رسول اللهصلىاللهعليهوآله عبادة تبلغ من الأهميّة كما يبلغه التفكّر، فيقول: «لا عبادة كالتفكّر». ويرى أنّ تفكّر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة: «تفكّر ساعة أفضل من عبادة سبعين سنة». ومرّبنا أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام يرى أنّ التفكّر أفضل من العلم، وأكثر منه قيمة، فيقول: «لا علم كالتفكّر».
____________________
(*) طبعاً بشرط أن لا تعتدي على المسلمين، ولا تحاربهم، ولا تخرجهم من ديارهم.. المعرِّب.
تحدّثنا حول تربية الروح الاجتماعية في القسم الخاص بالبعد الاجتماعي من شخصية الإنسان. ويدلُّ تعبير الأُمّة، وتعبير الأخ، الواردان في القرآن بشأن المسلمين، على أهميّة التضامن والترابط بين أفراد المجتمع. ويذكر رسول اللهصلىاللهعليهوآله الالتزام الاجتماعي بصراحة في الحديث المعروف الذي مرّبنا ذكره:
«من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم».
إنّ النظام الإسلامي - من جهة - نظام أخلاقي. ولو نظرنا إلى الأخلاق - سواء من الناحية الفردية أو الجماعية - على أنّها هي المبادئ، والمعايير، والأهداف، والحركة تلقاء الكمال المطلق، ففي هذه الحالة، تعتبر الرسالة الإسلامية رسالة أخلاقية، يقول النبيّصلىاللهعليهوآله :
«إنما بُعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق».
وتعتبر العبادات عاملاً مؤثّراً في تهذيب الأخلاق:
( ...إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ... ) ، (العنكبوت: 45).
ذكرنا فيما سبق أنّ التقوى هدف تربوي أساس في الرسالة الإسلامية، وثمّة أهداف أُخرى أيضاً، يمكن استنباطها من القرآن الكريم والمصادر الإسلامية الموثوقة، بيد أنّا نكتفي بذكر ما ارتأيناه من أهداف مذكورة.
إنّ الأهداف التربوية في كلِّ مرحلة من مراحل النموّ، يجب أن تمثّل الحاجات الفردية والاجتماعية للأفراد، وكذلك الأهداف التربوية للمواد الدراسية، عندما تكون ذا بُعد تربويّ حقيقي، فإذا كانت كذلك، فإنّها تحظى بتأييد الإسلام، لذلك فإنّ كلَّ ما يحدث في مرحلة الحضانة، والطفولة، والبلوغ، والكبر، فإنّه ينال نصيبه من الاهتمام والعناية في النظام التربوي للإسلام.
إنّ تعزيز الروح العلمية، والتعرّف على المفاهيم والفرضيات والمبادئ والقوانين في الفروع العلمية، والتعرّف على المجتمع وحضارته وتراثه الثقافي، وتوسيع العلوم والتكنولوجيا، وإيجاد المودّة والمحبّة على صعيد أفراد الأُمّة الإسلامية، وعلى الصعيد العالمي، كلّها من الأهداف الأساسية للرسالة الإسلامية.
إنّ إحدى خصائص النظام التربوي في الإسلام: تنوّع أساليبه التربوية، حيث تستعمل أساليب متنوّعة في الإسلام لتربية أفراد المجتمع.
ومن بين أساليب التربية الإسلامية، نتحدّث حول الأساليب التالية:
1 - دمج العلم في العمل.
2 - الجمع بين الإيمان والعمل.
3 - التربية العلمية.
4 - المنهج العقلي في التربية الإسلامية.
5 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
6 - الجهاد أُسلوب تربوي حاسم.
7 - المكافأة والعقوبة.
8 - التوبة أُسلوب تربوي.
9 - أُسلوب النصح والوعظ.
10 - التربية عن طريق ذكرالأمثال.
11 - التربية عن طريق قصص الأُمم والشعوب.
12 - الدعاء والابتهال.
لا ينفصل العلم عن العمل في الإسلام، لاحظوا الآية التالية:
( ..إِنّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ.. ) ، (فاطر: 28).
وجاء في (ص67) من الجزء الأوّل من كتاب الكافي، كلام للإمام الصادقعليهالسلام في تفسير كلمة العلماء:
«يعني بالعلماء من صدّق فعلُه قولَه، ومن لم يصدّق فعلُه قولَه فليس بعالم».
وفقاً للأبحاث التي قام بها بعض علماء النفس، فإنّ الطلاّب - في معظم الحالات - يتأثّرون بعمل المعلّم لا بكلامه.
بكلمة بديلة: لو تحدّث المعلّم عن الروح العلمية أو الحكم المنطقي، بيد أنّه - عمليّاً - لم يراعِ الروح العلمية عند إبداء وجهات نظره، فإنّ الطلاّب يتأثّرون بكيفية إبداء وجهات نظره أكثر من كلامه. ومن الناحية التربوية، فإنّ عمل المعلّم أكثر تأثيراً من كلامه في عملية التعليم.
وفي علم النفس، ينظرون إلى التعلّم على أنّه تغيير السلوك عن طريق التجربة.
فلو تعلّم أحد علماً، نتيجته فقط إيداع المواضيع العلمية في الذهن وحفظها، فهو لم يتعلّم ذلك العلم حقيقة. وعندما يقال بأنّ سلوك الإنسان يجب أن يتغيّر في التعليم، فالقصد من هذا التغيير هو تغيير طريقة تفكيره، وعاداته، ورغباته، ومهاراته، وفهمه للمسائل، كل ذلك مقرون مع تحصيل المعلومات.
إنّ دراسة مبحث علمي ما، تكون لها قيمتها عندما يُحدِث الفرد تغييرات أساسية في سلوكه على أثرها، فتعلّم الفيزياء غير محدود بحفظ الطالب عدداً من النظريّات التي تصعّد من مستواه العلمي، فهو يجب أن يقوم بتشخيص المسائل العلمية الأساسية ضمن تحليله للنظريات، ويتعلّم كيفية توضيح المسائل، وطريقة جمع الأدلّة عن طريق المشاهدة والتجربة، وكذلك عن طريق دراسة نظريات العلماء، واستعمال قدرته الفكرية، ويتعلّم كذلك كيفية تسجيل الفرضيات أو النظريات، وكيفية تدقيقها وتقويمها أو كيفية اختيار أفضلها، فلابدّ أن يكون الطالب فاعلاً نشيطاً في هذه العملية. ففي مثل هذه الحالة، لا يتعلّم الفرضيات العلمية فحسب، بل ويتعلّم كيفية استعمال المنهج العلمي، ويربّي في نفسه الروح العلمية أو التفكّر المنطقي خلال عملية التحقيق، ويتعلم العادات العلمية ومهارات الاستدلال الأساسية، فتصبح عنده رغبة في الفرع الذي هو موضع اهتمامه.
ويستعمل الطالب أيضاً المنهج العلمي تدريجاً عند مواجهته مسائل غير علمية، ويمتنع
عن إبداء وجهات نظر خاطئة حول المسائل المتنوّعة. لاحظوا كلام الإمام عليعليهالسلام الوارد في نهج البلاغة حيث يقول:
«أوضع العلم ما وقف على اللّسان، وأرفعه ما ظهر في الجوارح والأركان».
نقلنا - فيما سبق - كلاماً للإمام عليعليهالسلام حول التفكّر وقيمته، وهو: «لا علم كالتفكّر». وأُثر عن الإمام علي والإمام الرضاعليهماالسلام كلام رواه صاحب الكافي في الجزء الأول من كتابه، (ص67). وذِكرُ هذا الكلام مفيد في توضيح العلاقة القائمة بين العلم والتفكّر والأخلاق.
إنّ ما يُنتظر من عالم ما - عادةً - هو أن لا يدّخر علماً فحسب، بل ويتحلّى بالتفكّر المنطقي، والروح العلمية أيضاً، ويكون أُسوةً وقدوةً من الناحية الأخلاقية.
تحدّثنا - فيما مضى - عن تربية التفكّر في تعلّم العلم، والآن ينبغي أن ننبّه على نقاط جوهرية في المجال الأخلاقي أيضاً.
إنّ تربية الضمير الأخلاقي، والسير وفق معايير أساسية في العلاقات مع الآخرين، هما من الأهداف الأساسية للتربية والتعليم، وينتظر الناس من الدارسين أو العلماء - عادةً - أن يكونوا قدوة في المجال الأخلاقي أيضاً. ويُتوقّع من العلماء أن يقرنوا العلم بالفهم، وأن تكون لهم سيطرة متواصلة على عواطفهم. يقول الإمام عليعليهالسلام :
«ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفكّر»، (أصول الكافي 1/67).
وجاء عن الإمام الرضاعليهالسلام بعد هذا الحديث قوله:
«إنّ من علامات الفقه الحلم والصمت».
ويقول الإمام عليعليهالسلام :
«لا يكون السفه والغِرَّة في قلب العالم».
وجاء في (ص68) من الكافي الجزء الأول، كلام مأثور عن السيّد المسيحعليهالسلام يقول فيه:
«إنّ أحقّ الناس بالخدمة العالم».
ويقول الإمام عليعليهالسلام :
«يا طالب العلم، إنّ للعالم ثلاث علامات: العلم، والحلم، والصمت».
قال تعالى:( وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ أُولئِكَ أَصْحَابُ الْجَنّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) ، (البقرة: 82).
وقال جلّ من قائل:( لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ الْسّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرّقابِ وَأَقَامَ الصّلاَةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الّذِينَ صَدَقُوْا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ ) (البقرة: 177).
وجاء في سورة العصر:( وَالْعَصْرِ * إِنّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ * إِلّا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقّ وَتَوَاصَوْا بِالصّبْرِ ) .
وفي الآيات (130 إلى 136) من سورة آل عمران، يمنع الله المؤمنين من الربا، ويدعوهم إلى التقوى، ويذكّرهم بأن يحذروا من النار التي أُعدّت للكافرين، وأن يطيعوا الله ورسوله، ويسارعوا إلى مغفرة من الله، وجنّة عرضها السموات والأرض أُعدّت للمتّقين، ويصف هؤلاء المتّقين، فيقول:
( الّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السّرّاءِ وَالضّرّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ * وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ
وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلاّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ، (آل عمران: 134 - 135).
وتمّ تبيان أعمال المؤمنين أيضاً في الآيات التالية:
( الّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) ، (النساء: 76).
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ... ) ، (النساء: 135).
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ للّهِِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلّا تَعْدِلُوا إِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتّقْوَى وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ، (المائدة: 8).
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) (التوبة: 34).
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلّا قَلِيلٌ ) ، (التوبة: 38).
( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ... ) ، (التوبة: 71).
( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ) ، (الحجرات: 15).
ثمّة حدّ بين العقل والإيمان في الثقافة المسيحية عادةً، فمعظم المتكلّمين المسيحيّين، والعلماء في البلدان الغربية، يفصلون نطاق العقل عن نطاق الإيمان. وبعد ظهور التناقض بين بعض النظريات العلمية، والعقائد الواردة في التوراة والإنجيل، قام بعض المتكلّمين والفلاسفة المسيحيين بالتمييز بين الموضوعين في طُرق دراستهما، وذلك من أجل إزالة التناقض القائم بين العلم والدين المسيحي. فخوّلوا العقل والمنهج العقلي أمر العلم والفلسفة، وخوّلوا الإيمان والشعور والاستنباط الشخصي، أمر الدين والأخلاق، والمُثُل بعامّة.
ومحصّلة هذا الفرز هي المحافظة على العقائد العلمية والمنطقية، وفي نفس الوقت، دعم العقائد التي عليها مسحة دينية ظاهرية، وفي الآن ذاته، منسجمة مع الأُسس العلمية والمنطقيّة.
نحن نعلم أنّ أغلب المسيحيّين يعتقدون بالتثليث والوحدة. فمن جهة، يعتقدون بالأقانيم الثلاثة: الله، عيسى، روح القُدُس، ومن جهة أُخرى، يعتبرون هذه الأقانيم الثلاثة أُقنوماً واحداً.
وقد سُمعتْ هذه العبارة الواردة على لسان بعض القساوسة، في أكثر المرّات، وهي قوله: (أنا لا أُدرك مسألة التثليث والوحدة - البُعد العقلي - بيد أنّي أعتقد بهما - البُعد الإيماني -).
ويطرحون هذه القضية نفسها فيما يخصّ القيم الأخلاقية، فيفرضون مبدأ الحسن والقبح مبدأً إيمانياً أو مبدأً متوكّئاً على الشعور والاستنباط الشخصي، ويعتبرون القضايا العلمية أحكاماً حِسيَّة مادية ملموسة.
ويدور الحديث في الكتب الفلسفية وكتابات المتكلّمين المسيحيّين، حول ضربين من الحُكْم: الحكم المادّي أو التقويم العلمي، والحُكْم المثالي أو التقويم المثالي. فيمكن أن يكون أمر ما قبيحاً من الناحية العقلية، بيد أنّ الإنسان يستحسنه.
وبفصل الحُكْم المثالي عن الحُكْم العقلي أو العلمي، تزول المنازعات الكلامية بين العلماء وأرباب الكنيسة. والآن لابدّ أن نلاحظ، هل يمكن - حقيقةً - التفريق بين هذين الضربين من الحكم؟
كما قلنا - فيما مضى - فإنّ الإسلام لا يفصل بين هذين اللونين من الحُكْم أو التقويم، ففي مبادئه وأُسسه، يشكّل الاستدلال والتعقّل أساس اعتقادات الناس. وما يصطلح عليه النظرة الكونية الإسلامية أو النظام التوحيدي في الإسلام، فإنّه يقوم على أساس العقل، ولذلك لا وجود لأيِّ فرق بين الأحكام العلمية والأحكام الفلسفية، ورأينا في القوانين الإسلامية أنّ العقل هو أحد مصادر الاستنباط الرئيسة في الشريعة الإسلامية. وفيما يخصّ القيم الأخلاقية أيضاً - فكما مرّبنا في فصول ماضية - يدعم الإسلام حكم العقل في هذا المجال أيضاً.
ويمتزج العقل في العاطفة في الاعتقادات الدينية أيضاً، فيعتقد الإنسان بوجود الله عن الطريق العقلي، ويضمن هذا الاعتقاد حبّه لله، يقول الإمام عليعليهالسلام حول الإيمان كما أُثر عنه في نهج البلاغة:
«الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد. والصبر منها على أربع شُعَب: على الشوق والشفق والزهد والترقّب. فمن اشتاق إلى الجنّة، سلا عن الشهوات. ومن أشفق من النار، اجتنب المحرّمات. ومن زهد في الدنيا، استهان بالمصيبات. من ارتقب الموت، سارع في الخيرات.
واليقين منها على أربع شُعَب:
على تبصرة الفطنة، وتأوّل الحكمة، وموعظة العِبْرة، وسُنّة الأوّلين. فَمَن تبصّر في الفطنة، تبيّنت له الحكمة. ومن تبيّنت له الحكمة، عرف العِبْرة. ومن عرف العِبْرة، فكأنّما كان في الأوّلين.
والعدل منها على أربع شُعَب: على غائص الفهم، وغور العلم، وزُهرة الحكم، ورساخة الحلم. فمن فهم، علم غور العلم. ومن علم غور العلم، صدر عن شرائع الحكم. ومن حلُم، لم يفرّطْ في أمره، وعاش في الناس حميداً.
والجهاد منها على أربع شُعَب: على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصدق في المواطن، وشنآن الفاسقين، فمن أمر بالمعروف، شدّ ظهور المؤمنين، ومن نهى عن المنكر، أرغم أُنوف الكافرين. ومن صدق في المواطن، قضى ما عليه. ومن شنيءَ الفاسقين وغضِب لله، غضِب اللهُ وأرضاه يوم القيامة».
وبما أنّ نقاطاً أساسية وردت في هذا الكلام بشكل مفصّل، لذلك نحجم عن الحديث حولها.
وقد ذُكرتْ أجزاء الإيمان في نهج البلاغة:«الإيمان: معرفة بالقلب، وإقرار باللّسان، وعمل بالأركان».
وعندما تكون هناك معرفة عميقة وموسّعة، وتغطّي جميع وجود الإنسان، فإنّها تبلغ مرحلة الكمال على حدّ تعبير الإمام عليعليهالسلام : «أوّلُ الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به» ففي هذه الحالة، تغطّي المعرفة مشاعر الإنسان وعواطفه، وتجذبه إلى الموضوع، فيتكهرب ليسير بكلّ وجوده نحو ما عرفه، وصدّقه قلبه. وهنا تصبح السيادة للعقل والإيمان معاً، بالفكر وعمل الإنسان.
إنّ أحد الأساليب التربوية في الإسلام هو التعريف بالأنبياء والأئمّة المعصومينعليهمالسلام والصحابة الأبرار (رضي الله عنهم) بوصفهم النماذج التي
تمثّل الإسلام. وقد كان رسول اللهصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومونعليهمالسلام هم المظهر الحقيقي للإسلام الأصيل، والتجسيد الواقعي له. وكما نعلم، فإنّ السنّة أحد مصادر التشريع الإسلامي المعتبرة. وتطلق السنّة على قول المعصوم وفعله وتقريره، والتقرير هو تأييد المعصوم لعمل يقوم به أحد المسلمين، أو كلام يقوله.
وقد كان النبيّصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومونعليهمالسلام يتمتعون بوحدة الشخصية التامّة، حيث كانوا يطبّقون ما يعتقدون به أو يبلّغونه.
بكلمة بديلة: كانت عقائدهم وأقوالهم وأعمالهم متناسقة منسجمة. ومن وحي هذا المبدأ، فإنّ قولهم وفعلهم وتقريرهم حجّة، ومصدر للأحكام الإسلامية.
وكانت الوحدة والتناسق ملحوظين في سلوكهم، فكانوا مربّين عمليّين، ووسائل لاستمرار الرسالة وديمومتها، ومعايير للسلوك الإسلامي.
والمسلمون لم يسمعوا كلامهم فحسب، بل كانوا يشاهدون أعمالهم عن قرب. وكما ذكرنا في موضوع دمج العلم في العمل، فإنّ هذا الأُسلوب التربوي مؤثّر تماماً في تغيير سلوك الإنسان.
بالنسبة الينا نحن المسلمين، فإنّنا نعتقد أنّ تعاليم الأئمّةعليهمالسلام قيمّة، وكذلك مطالعة قصصهم وأساليب حياتهم.
وفي متناول أيدينا كتب عديدة حول سيرة النبيصلىاللهعليهوآله وأئمّة أهل البيتعليهمالسلام ، تعتبر بمثابة مصادر للتربية الإسلامية العملية.
ننقل الآن عدداً من النماذج المتعلّقة بسيرة النبيصلىاللهعليهوآله والأئمّةعليهمالسلام .
نحن نعلم أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله اعتبر طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم ومسلمة، وكان يرى أنّ مِداد العلماء أفضل من دماء الشهداء. وقد وردت
القصّة التالية في الجزء الأوّل من كتاب (قصص الأبرار) للمرحوم آية الله مطهّري، نقلاً عن كتاب (منية المريد):
دخل النبيّصلىاللهعليهوآله ذات يوم مسجد المدينة، فشاهد جماعتين من الناس، كانت الجماعة الأُولى منشغلة بالعبادة والذكر. والأُخرى بالتعليم والتعلّم، فألقى عليهما نظرة فرح واستبشار وقال للذين كانوا برفقته مشيراً إلى الفئة الثانية: ما أحسن ما يقوم به هؤلاء، ثمّ أضاف قائلاً: إنّما بُعثت للتعليم. ثمّ ذهب وجلس مع الجماعة الثانية.
ووردت القصّة التالية في الجزء الثاني من نفس الكتاب حول وصيّة النبيصلىاللهعليهوآله بالمشاركة في مجلس العلماء.
جاء رجل من الأنصار إلى النبيصلىاللهعليهوآله فقال: يا رسول الله، أتّفقت جنازة، ومجلس عالم في وقت واحد فأيّهما أحبّ اليك أن أشهد؟ فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : إن كان للجنازة من يتبعها ويدفنها، فإنّ حضور مجلس عالم أفضل من حضور ألف جنازة، ومن عيادة ألف مريض، ومن قيام ألف ليلة، ومن صيام ألف يوم،.... أما علمتَ أنّ الله يطاع بالعلم ويُعبد بالعلم؟ وخير الدنيا والآخرة مع العلم، وشرّ الدنيا والآخرة مع الجهل.
نحن نعلم بأنّ التعاون شرط مهم لاستمرار الحياة الإنسانية. فوجود الهدف المشترك، وضرورة تقسيم العمل، وتحمّل المسؤولية، وتنسيق الأعمال والنشاطات، ولمس الناس نتائج عمل بعضهم البعض، كلُّ ذلك يوضّح لنا أهميّة التعاون بين الناس. وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى... ) .
وحول التعاون، وردت الحكاية التالية في كتاب: (قصص الأبرار) نقلاً عن (كحل البصر).
اتّفق صحابة النبيصلىاللهعليهوآله مرّة على تقسيم الأعمال بينهم، لإعداد طعام لهم، فقال النبيّصلىاللهعليهوآله : أمّا أنا فعليّ جمع الحطب، فقال الصحابة: نحن نكفيك يا رسول الله، فقالصلىاللهعليهوآله : «أعلم ذلك، إلاّ أنّني اكره أن أتميّز عليكم، فإنّ الله يكره من عبده أن يراه متميّزاً بين أصحابه. فجمع مقداراً من الحطب وأتى به».
إنّ خدمة الناس من الواجبات الملقاة على عاتق المسلمين، يقول النبيّصلىاللهعليهوآله : «خير الناس من نفع الناس». ويقول: «من أصبح ولم يهتم بأُمور المسلمين فليس بمسلم». فالسَّعي لقضاء حوائج الآخرين من الواجبات الملقاة على عاتق المسلمين أيضاً. جاء في حكاية القافلة التي كانت تريد الحج:
التحق رجل في طريق مكة بقافلة كان يعرف رجالها، فرأى الإمام السجادعليهالسلام مشغولاً في خدمة رجال القافلة. فسألهم: أتعرفون هذا الرجل المشغول بخدمتكم وانجاز أعمالكم؟ فقالوا: لا. فقال: إنّه عليّ بن الحسين، زين العابدين. فنهض رجال القافلة، وتقدموا صوب الإمامعليهالسلام معتذرين نادمين، فقالعليهالسلام : إنّما رغبت بكم رفقاء للسفر لأنكم لا تعرفونني... ولهذا فإنّني أرغب أن أُسافر مع الذين لا يعرفونني كي أحظى بخدمتهم.
وجاء في الجزء الثاني من كتاب: (قصص الأبرار) تحت عنوان: (السعي في قضاء حاجة المؤمن): دخل رجل على الإمام الصادقعليهالسلام ، وكانت عنده حاجة. فأمر الإمام أحد أصحابه لقضائها. وبعد قضاء الحاجة، قال الإمام: أما إنّك إذا أعنت أخاك المسلم أحبّ اليّ من طواف أُسبوع بالبيت. ثمّ أضاف وإنّ رجلاً أتى الإمام الحسنعليهالسلام وقال: أعنّي على قضاء حاجة، فتنعّل الإمام وقام معه، فمرّا على الحسينعليهالسلام وهو قائم يصلّي، فقال الإمام الحسنعليهالسلام
للرجل: أين كنت عن أبي عبد الله تستعينه على حاجتك؟ قال: أردتُ أن أُعلمه بحاجتي، فأخبرني بأنّه معتكف. فقال الإمامعليهالسلام : أما إنّه لو أعانك، كان خيراً له من اعتكافه شهراً.
وأُثر عن الإمام الصادقعليهالسلام ، ثلاثة أشياء حول حقوق المسلمين فيما بينهم: مراعاة العدل، عدم إمساك المال عن الآخرين، وذكر الله في كلِّ حال. وجاء في كتاب (قصص الأبرار) أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام ، عندما لقي رجلاً نصرانياً أعمى، قال ما مضمونه: على الحكومة تأمين نفقاته.
ذكرنا - فيما مضى - بأنّ إحدى نتائج النموّ العاطفي: السيطرة على العواطف، جاء في القرآن الكريم قوله تعالى:
( ...وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النّاسِ... ) ، (آل عمران: 134).
وفي مطالعة القصّة التالية، التي نقلناها فيما سبق، فائدة تعليمية توجيهيّة: أراد رجل نصراني أن يستهزئ بالإمام محمّد بن عليّ بن الحسين الملقّب بـ (الباقر)، فقال له: أنت بقرة. وبكلِّ سماحته ولطفه أجابه الباقرعليهالسلام : لا، أنا الباقر. فمضى النصراني يُمعن باستخفافه بالإمام، فقال: أنت ابن الطبّاخة، فقال: تلك هي حرفتها! فقال: أنت ابن السوداء الزنجية البذيئة. فأجابه الإمام: إن كنت صدقت غفر الله لها، وإن كنت كذبت، غفر الله لك.
إنّ صفح الإمامعليهالسلام وحلمه، أوجدا في نفس النصراني وروحيّته انقلاباً، أدّى بالنتيجة إلى إسلامه. وقصّة لقاء الرجل الشامي مع الإمام الحسنعليهالسلام قصّة رائعة:
عندما عرف رجل شامي الإمام الحسنعليهالسلام بالغ في شتمه وشتم أبيه. (وكان سبّ الإمام عليعليهالسلام وأولاده سائداً في الشام بسبب إيحاءات
السلطة الأمويّة). ثمّ سأله الإمام: أَمِن أهل الشام أنت؟ فقال: نعم. فبدأ الحسنعليهالسلام يلاطفه، ودعاه إلى بيته، وقال له: إبسط لنا حاجتك وما يعرض لك، تجدني عند أفضل ظنّك، إن شاء الله. فضاقت الأرض على الشامي الذي كان يتوقّع ردَّ فعلٍ شديد يصدر عن الإمام الحسنعليهالسلام ، فخجل، ثمّ انصرف معتذراً.
للنظام الإسلامي خاصيّتان رئيستان:
الأُولى: القانون فيه يسود الناس، فالنبيّ، والأئمّة، وعلماء الدين، كلّهم يسيرون على القانون الإلهي.الثانية: يُطبّق القانون على الجميع بصورة واحدة. وما أروع قصّة ذلك الرجل المسيحي والدرع!،
ضاعت دِرْع الإمام عليعليهالسلام أيّام حكومته بالكوفة، وبعد مدّة، وُجدت عند رجل مسيحي، فأقبل به إلى أحد القضاة، فقال له: إنّها درعي ولم أبع ولم أهب. فأنكر المسيحي ذلك، فطلب القاضي من الإمام بيّنة على مدّعاه. (البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر). فقال الإمام: مالي بيّنة. ثمّ ترك المجلس وانصرف بعد أن حكم القاضي بالدرع للرجل المسيحي. بيد أنّ المسيحي دهش من مثل هذا الحكم وانبهر حتى اعترف بأنّ الدرع لأمير المؤمنينعليهالسلام ثمّ أسلم.
وفي زمان خلافة عمر، شكا أحد الناس عليّ بن أبي طالبعليهالسلام إلى عمر بن الخطّاب في خصومة وقعت بينهما، فأحضرهما، ثمّ خاطب الشاكي باسمه، وخاطب الإمام بكنيته قاصداً أن يحترمه، فاعترض الإمام متأثّراً، وهو يقول لعمر: لم تسوّ بيني وبينه.
كان النبيصلىاللهعليهوآله والإمام عليعليهالسلام يجسّدان المثل الأعلى للحاكم الإسلامي، فكانا يساويان أنفسهما بضَعَفَة الناس، عندما كانا حاكمين، وكانا يجهدان أن تظلّ حياتهما بمستوى حياة المستضعفين. وفي قصّة الإمام عليعليهالسلام مع عاصم - المنقولة في كتاب (قصص الأبرار)، ضمن توضيح هذا الموضوع - أمران آخران يُطرحان في النظام الإسلامي، وهما:
أوّلاً: يجب أن يقنع الناس في حياتهم بالضروريات، ويتجنبوا الإسراف.
ثانياً: عدم جواز ترك الدنيا، وعدم جواز التقتير على النفس والعائلة. قال تعالى:
( ..وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ.. ) ، (البقرة: 219).
وعندما كان الإمام عليعليهالسلام مقيماً في البصرة، ذهب ذات يوم لزيارة أحد أصحابه، وهو العلاء بن زياد الحارثي، وبعد أن وقعت عينه على دار العلاء، قال:
«ما كنتَ تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا، وأنت إليها في الآخرة كنتَ أحوج؟ وبَلى إن شئتَ بلغتَ بها الآخرة: تَقري فيها الضيف، وتصل فيها الرّحم، وتُطلع منها الحقوق مطالعَها، فإذاً أنتَ قد بلغت بها الآخرة. فقال لَهُ العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو اليك أخي عاصمَ بن زياد. قال: وماله؟ قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا. قال: علَيّ به. فلما جاء، قال:... أما رحمتَ أهلك وَوَلدَك؟ أترى الله أحلَّ لك الطيّبات وهو يكره أن تأخذَها! أنت أهونُ على الله من ذلك. قال: يا أمير المؤمنين، هذا أنت في خشونة ملبسِك وجشوبة مأكلك! قال: ويحك، إنّي لستُ كأنت. إنّ الله تعالى فرض على أئمّة العدل أن يُقدّروا أنفسهم بضعفة الناس، كيلا يتبيّغ بالفقير فَقرهُ).
وعندما احتاج الإمام علي وفاطمةعليهماالسلام إلى خادمة، طُرح هذا الموضوع على النبيّصلىاللهعليهوآله ، فرغّب النبيّصلىاللهعليهوآله فاطمةعليهاالسلام
بالتسبيح.
نحن نعلم أنّ القرآن الكريم قد صرّح بمنع تكديس الثروة، قال تعالى:
( ..وَالّذِينَ يَكْنِزُونَ الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ، (التوبة: 34).
وذكر عمل الإمام الصادقعليهالسلام في كتاب: (قصص الأبرار):
عندما ازدادت عائلة الإمام الصادقعليهالسلام وأصبح القيام بمهامها ثقيلاً، صمّمعليهالسلام أن يشتغل بالتجارة، فأعطى مولاه مصادف، ألف دينار، وقال له: تجهّز حتى تسافر إلى مصر. أخذ مصادف رأس المال واشترى به بضاعة لها سوق رائجة عند أهل مصر، واتّجه إلى هناك مع جماعة من التجّار. عندما بلغ التجّار أبواب مصر، صادفوا قافلة خارجة منها، فسألوا تجّارها عن سوق بضاعتهم، فأخبروهم بنفاد البضاعة وبحاجة الناس إليها، ففرح التجّار القادمون إلى مصر واتّفقوا أن لا يبيعوا إلاّ بربح مضاعف. بيد أن الإمام لم يقبل هذا الربح، وذمّ ما عمله مصادف والتجّار.
ذكرنا - فيما مضى - أنّ العدالة أحد الدعائم الأساسية للنظام الإسلامي، قال تعالى:
( ..وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ.. ) ، (النساء: 58).
وقال تعالى:( ...وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى.. ) ، (الأنعام: 152).
وسلوك الإمام عليعليهالسلام مع أخيه عقيل، إنعكاس لمبدأ العدالة، حيث دخل عليه في الكوفة أيّام خلافته، فاندهش لما شاهده من بساطة طعامه. وبعد أن
فرغ من طعامه، قال عقيل: أعطني ما أقضي به دَيني... قالعليهالسلام : فكم دَيْنُك؟ قال: مائة ألف درهم، فقالعليهالسلام : لا والله ماهي عندي ولا أملكها، ولكن انتظر حتى الصباح كيما يخرج عطائي فأُواسيكه.... فقال عقيل: بيت المال في يدك، وأنت تسوّفني إلى عطائك، وكم عطاؤك، وما عساه يكون..؟ فقالعليهالسلام : ما أنا وأنت فيه إلاّ بمنزلة رجل من المسلمين... وبيت المال للمسلمين. وفي ظلّ إصرار عقيل، قالعليهالسلام : انزل إلى بعض هذه الصناديق (العائدة لأهل السوق) فاكسره وخذ ما فيه، فرفض عقيل ذلك، فردّ الإمامعليهالسلام قائلاً: أتأمرني أن أفتح بيت مال المسلمين فأُعطيك أموالهم وقد توكّلوا على الله فيه. بعد ذلك قال له الإمامعليهالسلام : نسرق من واحد خير من أن نسرق من المسلمين جميعاً!.
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «ملعون من ألقى كلَّه على الناس». مرّ علي بن أبي حمزة البطائني على الإمام الكاظمعليهالسلام وهو يعمل في أرضه ويعدّها للزراعة بكلِّ جدّ ونشاط بحيث كان يتصبّب عرقاً، ممّا دعاه إلى سؤاله: جُعلتُ فِداك، أين الرجال؟
لماذا لا تفوّض هذا العمل إلى الآخرين؟
فقال الإمام: ولِمَ أُفوّضه إلى غيري؟... رسول الله وأمير المؤمنين وآبائي كلّهم كانوا قد عملوا بأيديهم.
تغيّرت المعايير بعد بزوغ فجر الإسلام، وتبعاً لها، تغيّرت علاقات الناس، وعلاقات الحكّام بهم.
نحن نعلم أنّ عدداً من المسلمين هاجروا إلى الحبشة بسبب الضغوط التي
مارستها قريش ضدهم، وعلى أثر ذلك أراد كبار قريش أن يغروا النجاشي وأعوانه ليهيّئوا بذلك الأرضية من أجل إخراج المسلمين من الحبشة. وبعد أن التقى النجاشي ممثّلي قريش، صمّم أن يتحدث مع المسلمين، فاستعدّ المسلمون لذلك. ونظّم النجاشي لهم مجلساً مهيباً كما يفعل الأباطرة، فدخل عليه المسلمون بكلِّ طمأنينة ووقار، لم تؤثر عليهم عظمته ولم ترهبهم أُبهّته، بل إنهم لم يراعوا مراسم الدخول على الملوك والأباطرة في ذلك الوقت من قبيل الأرض أمام السلطان. وعندما اعترض أعضاء البلاط، أجابوهم فوراً بقولهم: إنّ ديننا الذي لذنا بسببه إلى هنا لا يبيح لنا السجود لغير الله الواحد الأحد.
هنا سألهم النجاشي قائلاً: ما هذا الدين الذي فارقتم قومكم بسببه...؟
فأجابه كبيرهم جعفر بن أبي طالبعليهالسلام قائلاً: أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف، وكنّا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله وعبادته... بعد ذلك تأثّر النجاشي بكلامه، ورفض تسليم المسلمين إلى ممثّلي قريش.. وبعد مدّة أسلم.
(وأثّرت سيرة النبيّ الأعظمصلىاللهعليهوآله على نجل حاتم الطائي من خلال تعامله معه، وحديثه مع المرأة العجوز بحضوره، وحياته العاديّة البسيطة، حتى ترك دينه واعتنق الإسلام. (قصص الأبرار، ابن حاتم الطائي، ج2».
وعندما سيطر الإمام عليعليهالسلام على الماء في معركة صفّين، فسح المجال لجيش معاوية أن يشربوا منه، على عكس ما فعله معاوية مع المسلمين في جيش الإمام عندما كان مسيطراً على الماء حيث منعهم منه.
وسلوك طاووس اليماني مع السلطان الأموي هشام بن عبد الملك، تجسيد حقيقي للمعايير الإسلامية، فعندما قَدِم هشام مكّة المكرّمة قاصداً الحج، أمر رجاله أن يأتوه برجل من الصحابة، أو من التابعين، فجاؤوه بطاووس اليماني، فلمّا دخل عليه، خلع
نعليه عند حاشية بساطه، وعندما سلّم عليه، لم يسلّم بإمرة المؤمنين، بل قال: السلام عليك، ثمّ جلس بجانبه، وعندما تحدّث معه، لم يخاطبه بكنيته، وإنّما قال له: كيف أنت يا هشام؟
فغضب هشام غضباً شديداً من سلوك طاووس، وقال له: يا طاووس، ما الذي حملك على ما صنعت؟
فأجابه: وما صنعتُ؟ ثمّ قال له: ما صنعتُ إلاّ أشياء مطابقة للشرع... وأنت لست أمير المؤمنين، لأنّ كلّ الناس غير راضين بإمرتك.
وجاء في قصّة الرجل المجهول: أنّ الإمام عليّاًعليهالسلام رأى امرأة تحمل قربة الماء على كتفها وهي لا تطيق حملها، فأخذ الإمام القربة وحملها حتى أوصلها إلى دارها. ولمّا علم بوضعها حيث كان زوجها جنديّاً قُتل في مهمّة أرسله الإمام فيها... ذهب وجلب لها اللحم والدقيق والتمر، لسد حاجتها وحاجة أطفالها، ودخل البيت وشاركها في بعض الأعمال. وكان يلوم نفسه أنّه لماذا لم يعجّل في إغاثة هذه المرأة.. بعد ذلك عرفته المرأة أنّه عليّ بن أبي طالب، فاعتذرت منه. فقال لها: وا حيائي منك يا أمة الله فيما قصّرت في أمرك.
ذكرنا - فيما مضى - أنّ الإسلام أحدث ثورة في مقياس التفاضل بين الناس. علماً بأنّ المقياس - سواء في الماضي أو في عصرنا الحاضر - هو المال، والمنصب، والعنصر، والموقع الاجتماعي، والانتماء العائلي، والقومية، وأمثالها. ورسول اللهصلىاللهعليهوآله بلّغ الناس قوله تعالى:
( ..إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ.. ) ، (الحجرات: 13).
وأزال هذه المقاييس عمليّاً. وتوضّح لنّا قصّة زواج جويبر من الذلفاء، المذكورة في كتاب (قصص الأبرار) تبدّل هذه المقاييس جيّداً.
كان جويبر من الصّحابة، وكان يقول عن نفسه بأنّه لا مال عنده ولا جَمال
ولا حسب ولا نسب، فمن يزوّجه؟ ومن ترغب فيه؟ وهو الفقير القصير الأسود. فقال له رسول اللهصلىاللهعليهوآله : يا جويبر إنّ الله قد وضع بالإسلام من كان في الجاهلية شريفاً، وشرّف بالإسلام من كان في الجاهليّة وضيعا، وأعزّ بالإسلام من كان في الجاهلية ذليلا... وما أعلم يا جويبر لأحد من المسلمين عليك اليوم فضلا، إلاّ لمن كان أتقى لله منك وأطوع.
وكانت الذلفاء شابّة جميلة، وابنة أحد أشراف المدينة ووجهائها. واتّباعاً للمعايير الإسلامية، ووفقاً لوصيّة النبيصلىاللهعليهوآله أقنعت الذلفاء أباها، وصارت زوجة لجويبر.
لقد قوّض الإسلام دعائم الخرافات من خلال دعوته إلى الحكمة، والكلام المنطقي، والاتّجاه العقلي. وجاء في قصّة المنجّم أنّه طلب من الإمام عليعليهالسلام أن يغيّر ساعة تحرّكه ليظفر بعدوّه. فقال له الإمام: سأعمل خلاف ما قلت، ونتحرك الآن دون تأخير. ثمّ وجّه أوامره بالتحرّك متقدّماً نحو العدو.
قلّما تجد نظاماً في العالم كالإسلام في انفتاحه، قال تعالى:
( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدّينِ ) ، (البقرة: 256).
فالإسلام يؤكّد دائماً على الدليل والبرهان، سواء كان ذلك في مجال التوحيد والشرك، أو في المجالات الأُخرى. قال تعالى:
( قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ، (البقرة: 111).
وجاء في قصّة (توحيد المفضّل) أنّ رجلاً تأثّر بعد مناظرته مع ابن أبي العوجاء الذي كان من الدهريّين، ووبّخه بحنق وغضب. فقال له ابن أبي العوجاء: إن كنت من أصحاب جعفر بن محمّد الصادق فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل
دليلك يجادلنا، ولقد سمع كلامنا أكثر مما سمعت، فما أفحش في خطابنا، ولا تعدّى في جوابنا، وأنّه الحكيم الرزين العاقل الرصين، لا يعتريه خرق ولا طيش، ولا نزق، ويسمع كلامنا، ويصغي إلينا، ويستغرق حجّتنا حتى اذا استفرغنا ما عندنا، وظننا أنّا قد قطعناه، أدحض حجّتنا بكلام يسير، وخطاب قصير، يلزمنا به الحجّة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردّاً. فإنّ كنتَ من أصحابه، فخاطبنا بمثل خطابه.
جاء في قصّة (مرضى الجذام) المذكورة في كتاب (قصص الأبرار) أنّه كان في المدينة عدد من الأفراد المصابين بالجذام، وكانوا بالإضافة إلى تألّمهم الجسمي يتألّمون نفسيّاً لابتعاد الناس وتنفّرهم منهم. فمرّ عليهم ذات يوم عليّ بن الحسينعليهالسلام ، وهو راكب حماراً، وكانوا يتغدّون، فدعوه إلى الغداء، فقال: أما لو لا أنّي صائم لفعلت. ثمّ دعاهم إلى منزله لتناول طعام الغداء لليوم التالي. فلمّا سار الإمام إلى منزله، أمر بطعام، فصنع، ولمّا حضر الضيوف في اليوم التالي، مدّ الخوان وأكل الجميع، وأكل الإمامعليهالسلام معهم.
قلنا - فيما تقدّم - أنّ رسالة الإسلام رسالة ثورية، وكان أئمّتناعليهمالسلام قادة ثوريّين في عصورهم، لم يتوانوا لحظة واحدة عن مكافحة الظلم والفساد والتقليد الأعمى والتزمّت.
وتمثّل قصّة الخوارج والكفاح ضدّهم أبرز أعمال الإمام عليعليهالسلام وممارساته. فقد جاء في كتاب (قصص الابرار) تحت عنوان: قتل الإمام عليعليهالسلام مايلي: كان الخوارج أُناساً تظهر عليهم آثار التنسّك، وكانوا لا يكذبون كما اعترف بذلك القاصي والداني، وكان ظاهرهم مليحاً، حيث
كانت علامات السجود ظاهرة على جباههم، ولهم لهجة عجيبة، وكانوا يتلون القرآن كثيراً، ويقيمون الليل بالعبادة، بيد أنّهم كانوا جُهلاء، سفهاء العقول، وينظرون إلى الإسلام بتزمّت وجمود.
كان الإمام عليعليهالسلام يفتخر بمبارزته معهم، ويعتبرها من الأعمال المهمّة الفريدة، حيث قال: (إنّي فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئَ عليها أحدٌ غيري...).
تحدثنا - فيما سبق - عن التقوى المنبثقة عن أُسلوب التفكّر التوحيدي. وهنا نذكر خاصيّتين من الخصائص الجوهرية التي تُميِّز شخصيّة أئمّة الإسلام عن غيرهم:
الأُولى: شموليّة شخصيّتهم، فهم النموذج البارز للرسالة الإسلامية، والممثّل الحقيقي لها.
وكما يتحدّث الإسلام حول معرفة الله، والتقوى، والحكمة والعلم، والإيثار، والمساواة، والأُخوّة، وأمثال ذلك، فإنّ أئمّة الإسلام أيضاً - سواء كانوا في مقام التوجيه والإرشاد أو في مقام العمل - يمثّلون الأبعاد المتنوّعة للاسلام في سلوكهم.
الثانية: وحدة شخصيّتهم، نلاحظ أنّ الأئمّة المعصومين يتميّزون بشخصية واحدة، سواء كانوا في المسجد، أو البيت، أو في ساحة القتال، أو في المناظرات العلمية، وغير ذلك، فالمبادئ الأساسية هي التي تطبع سلوكهم في جميع الحالات.
وعندما نلقي نظرة قصيرة على وصيّة الإمام عليعليهالسلام للإمام الحسنعليهالسلام تتّضح لنا هاتان الخاصيّتان بجلاء. وقد جاء في كتاب (قصص الأبرار)، أنّ هذه الوصيّة هي آخر وصيّة للإمام، حيث قالها وهو طريح الفراش، بسبب سيف ابن ملجم.
ونلتقي في مثل هذا الظرف بوجه عليّعليهالسلام المتألّق، إذ فكّر في الأبعاد المتنوّعة لرسالة الإسلام، حيث كان الإسلام شغله الشاغل، وفي الوقت ذاته، ودون أن يُبالي بدنوّ أجله، فإنّه يكشف لنا عن وحدة شخصيّته وشموليّتها، ضمن توجيهه وإرشاده الآخرين.
ذُكرت هذه الوصيّة
بالتفصيل في الجزء الثاني من كتاب (قصص الأبرار) تحت عنوان قتل الإمام عليعليهالسلام ، وننقل منه هنا، النقاط الأساسية فيها بإيجاز:
«... ثم إني أُوصيكَ يا حسن، وجميع أهل بيتي وولْدي، ومن بلغه كتابي، بتقوى الله ربّكم، ولا تموتُّنَ إلاّ وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، فإنّي سمعتُ رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: صلاح ذات البين أفضلُ من عامّةِ الصلاة والصيام، وإنّ المبيرة الحالقة للدين فسادُ ذات البين، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، انظروا ذوي أرحامكم، فصِلوهم، يهوّن اللهُ عليكم الحساب. الله الله في الأيتام، فلا تغبّوا أفواههم، ولا يُضيّعوا في حضرتكم...، والله الله في جيرانكم، فإنّ النبيّصلىاللهعليهوآله أوصى بهم، وما زال رسول اللهصلىاللهعليهوآله يوصي بهم حتى ظننا أنه سيورّثهم. والله الله في القرآن، فلا يسبقكم إلى العمل به غيركم. والله الله في الصلاة، فإنّها خيرُ العمل، وإنها عمود دينكم. والله الله في بيت ربّكم، فلا يخلو منكم ما بقيتم، وإنّه إنْ تُرك، لم تُناظروا.. والله الله في شهر رمضان، فإنّ صيامه جُنّةٌ من النار. والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم.. والله الله في الزكاة، فإنّها تطفي غضب ربّكم. والله الله في ذريّة نبيّكم، فلا يظلمُنَّ بحضرتكم وبين أظهركم.. والله الله في أصحاب نبيّكم..، فإنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أوصى بهم. والله الله في الفقراء والمساكين، فأشركوهم في معائشكم. والله الله في النساء وفيما ملكت أيمانكم.. ثمّ قال: الصلاة الصلاة الصلاة. لا تخافوا في الله لومة لائم، يكفيكم الله من آذاكم ومن بغى عليكم. قولوا للناس حُسناً كما أمركم الله (عزّ وجل). ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيُولّي الله أمركم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم عليهم. وعليكم يا بنيّ بالتواصل والتباذل والتبارّ، وإيّاكم والتقاطع والتدابر والتفرّق، وتعاونوا على البرّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتّقوا الله، إنّ الله شديد العقاب...».
وفيما يخصّ الإمام علياًعليهالسلام ، فإنّ الرائع هنا هو جواب عديّ بن حاتم والد الطرفات (طرفه وطريف وطارف، أولاده) عندما أراد منه معاوية أن يصف الإمام علياًعليهالسلام ، فقال، كما يذكر الجزء الثاني من كتاب (قصص الأبرار) تحت عنوان: (أين أبناؤك؟): (كان والله بعيد المدى، شديد القوى، يقول عدلاً، ويحكم فصلاً، تتفجّر الحكمة من جوانبه، والعلم من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته. وكان - والله - غزير الدمعة، طويل الفكرة، يحاسب نفسه إذا خلا، ويقلّب كفّيه على ما مضى، يعجبه من اللباس القصير، ومن المعاش الخشن. وكان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا سألناه، ويدنينا إذا أتيناه، ونحن مع تقريبه لنا وقربه منّا لا نكلّمه لهيبته.... يعظّم أهل الدين، ويتحبّب إلى المساكين، لا يخاف القويُّ ظلمَه، ولا ييأس الضعيفُ من عدله).
كان الإمام عليعليهالسلام يبذل أقصى جهده في مساعدة فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وكانا قد قسّما أعمال البيت بينهما، ويتعاملان ببالغ المودّة وعظيم الاحترام. وبالرغم من أنّ الإمامعليهالسلام كان مكلّفاً بإنجاز أعمال مهمّة خارج البيت، فإنه كان يساعد فاطمةعليهاالسلام عندما رزقها الله الأولاد، فكانت هذه الأُسرة أُسرة نموذجية من جميع النواحي.
وعندما اشتكت امرأة من زوجها في حضرتهعليهالسلام ، ذهب معها إليه، وردعه عن عمله. ثمّ أوصاه وإيّاها أن يتبادلا الاحترام والمحبّة.
لقد ذكرنا في الفصل الذي يتحدّث عن خصائص النظام التربوي في الإسلام أنّ أساس النظام التربوي في الإسلام مرتكز على التعقل والفهم. قال تعالى:
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ) ، (النحل: 125).
فتمّ التأكيد في هذه الآية على استعمال الحكمة أو الكلام المنطقي.
وجاء في آية أُخرى:( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ.. ) ، (الإسراء: 36).
فينبغي قبول مبادئ الدين عن طريق التعقّل. والسلوك الأخلاقي في الإسلام هو السلوك الذي يحظى بدعم العقل وتأييده، وقد تمّ تحديد الأحكام الإسلامية على أساس المصالح والمفاسد الواقعيّة.
والموعظة أُسلوب آخر للإرشاد والتوجيه، ويختلف أفراد النوع الإنساني بعضهم عن بعض في استيعاب الأمور، ففريق يقوم بدراستها وتحليلها عند تعامله مع موقف ما، وفريق آخر يقوم بذلك عن طريق الموعظة والنصيحة.
والمجادلة أُسلوب ثالث يُستفاد منه في ظروف خاصّة. وفي التربية والتعليم، الأصل هو الاستفادة من أساليب متنوّعة تبعاً لظروف الأشخاص والمسائل الموجودة. كما مرّبنا - فيما مضى - فإنّ التعصّب أو التعامل اللامنطقي مع الأمور محظور في الإسلام:
(من تعصّب أو تُعصّب له، خلع رِبقة الإيمان عن عنقه).
يذكر المرحوم مطهّري في الجزء الثاني من كتاب (النظرة الكونية التوحيدية) نقطة، من المناسب أن أذكرها هنا، يقول: (إنّ الإسلام دين الحقيقة والواقع. والإسلام - لغةً - هو التسليم. وهذا دليل على أنّ أوّل شروطه هو التسليم للحقائق والواقعيّات، فكلّ لون من العناد، واللجاجة، والتعصّب، والتقليد الأعمى، والتحيّز، والانانية، مرفوض ومدان من وجهة نظر الإسلام، لأنّه خلاف الحقيقة والواقع).
( وَلِتَكُن مِنكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، (آل عمران: 104).
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلْنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ... ) ، (آل عمران: 110).
( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُم أَولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.. ) ، (التوبة: 71).
إنّ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - بوصفه أمراً اجتماعياً - ذو بعد إرشادي توجيهي في حالات متنوّعة، ولذلك فهو أُسلوب تربوي جوهري، والإنسان - بطبيعته - يتقبّل الإرشاد والنصح أفضل من توجيه الأوامر إليه. وقد يقاوم مسألة توجيه الأوامر في حالات شتى، وأحياناً يرغب في العمل خلاف الأوامر. ولا ريب فإنّ الإرشاد يطبع الاتّصال بين شخصين أو مجموعتين بطابع إنساني.
واذا كان عمل المربّي أو الوالدين ذا بعد إرشادي، فإنّه يؤثّر أكثر من الأساليب الأُخرى. وعند ممارسة الإرشاد، تُطرح المسألة بصورة أوضح، وتُدرس جوانبها، ويمكن التكهّن بنتائج العمل، ويعرض الطرفان تجاربهما. والإنسان نفسه في رحاب الإرشاد ينتبه إلى حسن العمل أو قبحه، فيقْدم عليه أو يحْجم عنه.
وعندما ينظر إلى مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أنّه واجب، فإنّه يتّخذ طابع الدافع الفردي، وتكون له آثار اجتماعية أيضاً. وعند ذلك يعتزم الإنسان مراقبة أعماله وممارساته، مضافاً إلى ذلك، فإنّه يُبادر إلى إصلاح وضعه قبل أن يقوم الآخرون بتنبيهه. من هذا المنطلق، يشعر بالمسؤولية ذاتياً فيما يخصّ سلوكه، فيحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون.
في المجال الاجتماعي، يتّخذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر طابع المسؤولية المشتركة. فعندما يرى أحد الناس خلافاً بَدَر من شخص ما، فإنه يشعر بالمسؤولية، ويرغب أن يردعه عن ارتكاب ذلك الخلاف. هذا الشعور المشترك يحقّق فائدتين في آنٍ واحد، حيث يردع الإنسان عن ارتكاب الأعمال المشينة، وكذلك يردع المجتمع.
نستخلص من هذا، أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذو بعد تربوي على الصعيدين: الفردي والاجتماعي.
إنّ ترسيخ هذا المبدأ يُفضي إلى استمرار التربية والإصلاح المتواصل. فالفرد يجدّ في مراقبة عمله وضبطه دون انقطاع، وكذلك يفعل المجتمع، مضافاً إلى البعد الإرشادي، فإنّ الناس يجب أن يأخذوا بعين الاعتبار جهات أُخرى أيضاً في عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالذي يريد أن يردع الآخرين عن ارتكاب عمل مشين، ينبغي له أن يكون مطّلعاً على ماهيّة ذلك العمل حقيقة، ويعلم بأضراره، ويكون في حالة تمكّنه من ممارسة الإرشاد. كما أنّ الظرف يجب أن يكون مساعداً، ويوحي بتأثير ذلك المبدأ وفائدته.
يُطبّق مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نسبيّاً على الأشخاص، وفي ظروف معيّنة بأشكال متنوّعة. ويصادف أحياناً أن يكون عمل الشخص المخالف بشكل لا مندوحة معه من استقباحه ورفضه. وأحياناً يكون الإنسان في ظرف لا يستطيع معه أن يصارح الشخص المخالف بعمله، أو يوبّخه، ففي هذه الحالة، يعبّر الامتعاض الباطني من هذا العمل، والتزام جانب الصمت أمام المخالف، أو ترك المكان، عن نوع من الرفض والاحتجاج. ويتّفق حيناً أن يكون الشخص المخالف في حالة يمكن تنبيهه شفوياً. وهنا يضطلع المجتمع بمهمّة توبيخ المخالف وردعه. وقد تكون المخالفة انتهاكاً لحقوق الآخرين أو ممارسةً للظلم ضدّهم، عند ذلك يظهر ردّ الفعل ضدّ المخالف في نمط آخر. ويختلف ردّ الفعل الذي يبديه الناس حيال المخالفين تبعاً للظروف والحالات المتنوّعة.
ننقل هنا فقرة من كلام الإمام عليعليهالسلام الذي قاله في صفّين حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
«أيّها المؤمنون، إنّه مَنْ رأى عدواناً يُعْمَلُ به، ومنكراً يُدعى إليه، فأنكرَه بقلبهِ فقد سلِمَ وبرئ، ومَنْ أنكرَه بلسانه فقد أُجر وهو أفضلُ من صاحبه، ومَنْ أنكره بالسيف لتكون كلمةُ اللهِ هي العليا وكلمة الظالمين هي السُفلى، فذلك الذي اصابَ سبيلَ الهدى وقام على الطريق، ونوّر في قلبه اليقين».
يتحدّث الإمام هنا حول الظلم والعمل القبيح.
للمخالفة أهميّة خاصّة، وقد يكون لها بُعد اجتماعي. وهنا تُطرح ثلاثة ضروب من ردّ الفعل حيال هذا الموضوع:
الأوّل: الاستنكار القلبي، أي إنّ الإنسان يُنكر عمل المخالفين بقلبه.
الثاني: الاستنكار اللساني.
الثالث: الاستنكار بالسيف. وهنا يثب الإنسان لقبر الظلم والدفاع عن الحق ومكافحة الباطل. ويُلاحَظ هنا أنّ أجر الشخص الثاني أفضل من أجر الأوّل، والثالث وثب في سبيل الحقّ، فردُّ فعله أسمى من ردِّ فعل الآخرين، ويلاحظ أنّ الجهاد ضدّ الظلم في حالة معيّنة يجب أن يتحقّق عن طريق الحرب والصراع المستميت.
في ضوء ما تقدّم، فإنّ نطاق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نطاق فسيح الأرجاء. وعلى أصحاب المسؤولية إبداء ردّ فعل قويّ حيال ضروب الخلاف، سواء كان خلافاً لاأخلاقياً بسيطاً ذا بعد فردي، أو كان ظلماً يهدّد حياة المجتمع بالخطر.
ولو كان مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مطبَّقاً في المجتمع، فإنه لا يسمح أحد لنفسه أن ينتهك حقوق الآخرين،ومبدئيّاً،لاتتاح أيّة فرصة للظالمين أنينتهكوا حقوق الناس أو يستغلّوهم. وفي مثل هذا المجتمع، لا يبرز أيّ حاكم جائر، وذلك لأنّ الجائرين يعلمون بأنّهم سيكونون وجهاً لوجه، أمام شعوبهم، وستنالهم نقمتهم بمجرّد انتهاكهم لحقوق الآخرين.
قال تعالى:
( الّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدَوا فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ) ، (التوبة: 20).
( إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ الّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ ) ، (الحجرات: 15).
( وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) ، (العنكبوت: 69).
( لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرَاً عَظِيماً ) ، (النساء: 95).
( الّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشّيْطَانِ إِنّ كَيْدَ الشّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ) ، (النساء: 76).
طُرح الجهاد في سبيل الله في الآيات المذكورة، بأشكال متنوّعة، ففي الآية الأولى: وُصف المجاهدون بأنّهم الفائزون.
وفي الآية الثانية: وُصفوا بأنّهم المؤمنون الصادقون.
وفي الثالثة: يقول الله تعالى بأنّه هو الذي يهدي المجاهدين إلى سبيل الحق.
وفي الرابعة: عدَّ الامتناع عن الجهاد بدون عذر مشروع أمراً غير مقبول، وصُرّح فيها بأنّ منزلة المجاهدين أعلى من منزلة الآخرين.
وفي الخامسة: قُورن بين سبيل الله وسبيل الشرك والكفر، وطُرح الجهاد في الآية التّالية بأنّه: عمل يُقصد منه مساعدة المستضعفين وتحريرهم من شرّ الظالمين:
( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِن لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِن لَدُنكَ نَصِيراً ) ، (النساء: 75).
فالجهاد في سبيل الله - وهو سبيل الكمال الإنساني، وسبيل الحكمة، وسبيل العدالة، وسبيل الإيثار ونكران الذات - هو أحدُ الأركان الأصليةِ للإسلام.
والجهاد ضدّ الظلم والفساد من الواجبات المهمّة الملقاة على عاتق المسلمين أيضاً، فهو أمر دائم متواصلٌ بالنسبة إليهم. وهو نفسه يحافظ على حرارة البُعد الثوري والحركي للرسالة الإسلامية. وجهاد النفس أيضاً يكفل تكامل شخصيّة الإنسان وتطوّرها، لذلك فللجهاد معطيات فرديّة، وفي الآن ذاته، يجعل الحياة الجماعية تصبّ في صالح الإنسان.
والجهاد بمثابة عامل قوي يضع المجتمع الإسلامي في المسار التوحيدي، ذلك المسار الذي تُشكِّل فيه التقوى، والحكمة، والعدالة، والإيثار، الأهداف الأساسية، كما يجتثّ جذور الظلم والفساد، يقول الإمام عليعليهالسلام بشأن الجهاد:
«أمّا بعد، فإنَّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنّة، فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى ودرعُ الله الحصينة، وجُنّتُه الوثيقة. فمَن تركه رغبةً عنه، ألبسَه الله ثوبَ الذُّلِ، وشَمْلَة البلاء، ودُيّثَ بالصّغار والقَماءة، وضُرِب على قلبهِ بالإسهاب، وأُديلَ الحقُّ منه بتضييع الجهاد، وسِيم الخَسْف، ومُنع النصَف».
قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : «جاهدوا أهواءكم كما تجاهدون أعداءكم». وأُثر عنه قوله بأنّ جهاد النفس أكبر من جهاد الأعداء، ولا يخفى فإنّ جنوح الإنسان إلى إشباع نزواته، وتقديمها على رغبات المجتمع يُفضي إلى مشاكل كثيرة.
إِنّ للإنسان رغبات فردية، ورغبات اجتماعية أيضاً، وفي الوقت ذاته، هو كائن يطمح إلى الكمال، أو يبحث عن الكمال. والبيئة الجماعية، وطريقة التربية، وأُسلوب تفكير المرء وحالته الطبقية، عوامل مؤثّرة في تحديد منهجيّة الحياة.
إنّ النزوات والرغبات الشخصية تجرّ الإنسان نحو الوصولية والنفعية، وحبّ التسلّط، والتعرّض إلى الآخرين. وهذه الدوافع هي منشأ الإختلافات والنزاعات والحروب بين الناس، وقد تكهرب الرغبات الشخصية الإنسان لتحكم قبضتها عليه، ومن انجرف وراءها، فسيصبح أسيراً لمصالحه ومباهجه ورفاهه كالعبد الذليل.
تصنع النوازع الذاتية من الإنسان عنصراً مضادّاً للجماعة غالباً، فهو يقدّم مصالحه على مصالحها، فيفضي ذلك إلى الاصطدام بها، وينبع التناقض الطبقي من نفس المصدر أيضاً. فعندما يتهافت ربّ العمل وراء ربح أكثر، فإنّه يستغلّ العامل، وبما أنّه - شخصياً - لا يستطيع أن يحول دون احتجاج العمّال، وكذلك ديدن سائر أرباب العمل حيث يتأثّرون بنفس الدافع، لذلك فإنّ النفعيّين أو أرباب العمل يُكوّنون طبقة أو شريحة قويّة لا ترعوي عن ارتكاب أيّ جريمة لتأمين مصالحها.
إنّ الإنسان الذي تأسره رغباته الذاتية، يفقد حريّته. وكما ذكرنا - فيما مضى - فإنّه يستسلم لرغباته ونزواته.
وتستعمل الأخلاق، والقانون، والعلم، والفن، وبقيّة مظاهر الحياة الجماعية، بوصفها وسائل لتأمين المصالح الطبقية. وفي المجتمعات التي لا تخضع لسيادة المال، فإنّ حبّ التسلّط على الآخرين، بوصفه محفّزاً قويّاً، يدفع الأشخاص إلى العمل من أجل التحكّم في رقاب الناس. وفي مثل هذه المجتمعات يقوم الفرد أو الجماعة بأيّ عمل من شأنه بقاء ذلك التحكّم. وما التصفيات الدموية، والمؤامرات، والصراعات الداخلية في الأحزاب إلاّ إفرازات طبيعية لغريزة حبّ التسلّط عند الأفراد أو الجماعات.
إنّ جهود الإنسان من أجل أن تكون الرغبات الذاتية في ظلّ الرغبات الاجتماعية مؤثّرة في انبثاق الأخلاق، ولابدّ أن يضحّي الإنسان بدوافعه ومحفّزاته الذاتية من أجل الدوافع والمحفّزات الاجتماعية، على أساس المعايير الأخلاقية. بيد أنّ قوّة الرغبات الذاتية تحول دون تحقيق هذا الأمر في حالات متنوّعة.
وكما مرّبنا سلفاً، فإنّ النفعية في المجتمعات التي يحتلّ فيها المال موقعاً أساسياً، تجذب
الأشخاص نحوها.
على نفس النسق، فإنّ حبّ التسلّط أو حبّ الجاه في المجتمعات الشيوعية يُفضي إلى أن يُضحّي الفرد بالمصالح الاجتماعية من أجل حب الجاه والمنصب. وفي حالات متنوّعة، فإنّ طرح الدوافع الأخلاقية أو الاجتماعية، وتشجيع الأشخاص على اختيار هذه الدوافع، يُمنى بالفشل.
من هذا المنطلق، ينبغي أن يكون هناك رصيد أقوى لسلوك الإنسان. وهنا تُطرح التقوى المنبثقة عن النظام التوحيدي. فترسيخ التقوى في نفوس الناس يحول دون النفعيّة وحب الجاه والمنصب. وبما أنّها تربط الإنسان بمصدر الكمال، والعدل، والحكمة، فهي تمنعه من الانحراف. في هذا المجال، يأخذ الجهاد في سبيل الله طابع الإيثار ونكران الذات وخدمة الناس.
في قسم من الآية التاسعة من سورة الحشر، يقول القرآن الكريم بشأن الانصار:
( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ.. ) .
وجاء في آية أُخرى:
( وَأَمّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى النّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فإنّ الْجَنّةَ هِيَ الْمَأْوَى ) ، (النازعات: 41، 42).
إنّ أُسلوب المكافأة والعقوبة هو أحد الأساليب السائدة في التربية والتعليم. يشعر الإنسان باللّذة والسرور ذاتياً بسبب المكافأة، وتعزف نفسه عن العقوبة. هذا الاتّجاه هو الّذي يرغّب الإنسان بإنجاز الأعمال الصالحة، ويحجزه عن إنجاز الأعمال الرديئة. وما تجارب الإنسان على مرّ التاريخ إلاّ مؤشر على دعم التأثير الذي يتركه مبدأ المكافأة والعقوبة.
فالجائزة، والتشجيع، والمدح، والاحترام، والحب من الأمور التي تحظى بها
العناصر الصالحة المفيدة في المجتمع. ووجود مثل هذه المفردات في المجتمعات البشرية يكشف لنا عن عدد من الملاحظات:
الأُولى: الأعمال الصالحة المقبولة تنال رضا الناس وتأييدهم.
الثانية: ينبغي أن تكون هناك مكافأة لتشجيع أفراد المجتمع على القيام بالأعمال الصالحة.
الثالثة: إنّ بعض العناصر الصالحة تقوم بالأعمال المقبولة المحمودة من أجل نيل المكافأة. علماً بأنّنا عندما نقول: بعض العناصر الصالحة، لا جميعها، فإنّما نقصد أنّ جميع هذه العناصر لا تفعل الإحسان من أجل المكافأة.
بكلمة بديلة: إنّ بعض الناس يبلغ مرحلة من الناحية الأخلاقية والدينية، يرى فيها أنّ عمل الخير واجب أو هو ممّا بنبغي فعله.
إنّ التغريم، والزجر، والتقريع والتأنيب، وهتك الحرمة، وتشويه السمعة من الأمور التي يجب أن تطيقها العناصر الرديئة بسبب ما تمارسه من أعمال. ووجود مثل هذه المفردات يفصح لنا عن عدد من الحقائق:
الأولى: إنّ الإنسان - ذاتياً - لا يستحسن الأعمال غير الصالحة.
الثانية: بما أنّ الإنسان يخضع لتأثير النزوات الشخصية، فهو يجنح لمهاجمة الآخرين، أو يفعل ما فيه ضرر الآخرين من أجل مصلحته الشخصية، عند ذلك يجب تحذيره من القيام بالأعمال السيّئة الرديئة من خلال فرض العقوبات.
الثالثة: إنّ فرض العقوبات ضروري ومؤثّر في آن واحد.
بكلمة بديلة: لقد ثبت عملياً أنّ العقوبات مفيدة للحيلولة دون بروز المخالفات. هذا وإنّ بعض الأشخاص يرتدعون عن القيام بالأعمال السيّئة المشينة خشيةَ العقوبة.
يؤمن علماء النفس، ولا سيّما أنصار مدرسة السلوك بدور المكافأة والعقوبة. وكما وضّحنا في مقارنة التدريب مع الدراسة، فإنّ الناس يتعلّمون كثيراً من الأمور عن الطريق الشَّرطي. ووفقاً للنظرية الشَّرطية الكلاسيكية، وعلى أساس تجارب (بافلوف)، فإنّ الكائن الحي ينقل ردّ فعله الطبيعي حيال المحفّز الطبيعي إلى أمر
مجاور للمحفّز الطبيعي، ويظهر معه في ظروف خاصّة. وفي ضوء رأي أنصار مدرسة السلوك، فإنّ معظم ضروب التعلّم - سواء في المجال الفكري أو المجال الأخلاقي والقانوني - يتحقّق عن هذا الطريق.
وطبقاً للنظرية الشرطية - العلمية، التي وضعَ عالمُ النفس الأميركي المعروف (سكينر) حجرها الأساس، فإنّ المكافأة تفضي إلى ترسيخ سلوك خاص في الفرد، والعقوبة تردعه عن القيام بعمل معيّن، وكما مرّبنا - فيما مضى -، فإنّ الإنسان يتأثّر بالمكافأة والعقوبة عمليّاً. ويبرهن على هذا الأمر سَنّ القوانين، وفرض العقوبات في المجتمعات المتنوّعة ذات الأنظمة السياسية المختلفة.
يؤمن الإسلام أيضاً بمبدأ المكافأة والعقوبة بأشكال متنوّعة، حيث تحدّث القرآن وسائر المصادر الإسلامية الموثوقة حول الجنّة والنار، والربح والخسارة، والخير والصلاح، والشر والانتكاسة، وحسن العاقبة، وسوء العاقبة، والفوز، وأمثال ذلك.
فحيناً يرى أنّ المخالفين ظالمون:
( ..وَمَن يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون ) ، (البقرة: 229).
وحيناً آخر يهدد العاصين بالنار:
( وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خَالِداً فِيهَا.. ) ، (النساء: 14).
وذُكرت آثار العقوبات في بعض الآيات:
( وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الْأَلْبَابِ.. ) ، (البقرة: 170).
وطوراً يرى أنّ قتل النفس بدون حق، هو قتل للمجتمع كلّه، وإحياءها إحياءٌ للمجتمع كلّه، قال تعالى:
( ..أَنّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنّمَا قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنّمَا أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً.. ) ، (المائدة: 32).
وترى الآية الكريمة التالية أنّ الإمتناع عن القيام ببعض الأعمال يُفضي إلى
الفوز، وعلى نفس النسق، منعوا الناس من القيام بمثلها، قال تعالى:
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ، (المائدة: 90).
وجاء في كثير من الآيات القرآنية الكريمة أنّ الإيمان والعمل الصالح يفضيان إلى الفوز أو الثواب العظيم، فقد قال تعالى:
( إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النّعِيمِ ) ، (لقمان: 8).
وجاء في قسم من (الآية 62) من سورة البقرة:
( ..مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .
إنّ الهدف من الناحية التربوية هو تربية وإعداد الأفراد بشكل هم يراقبون أعمالهم، فيفعلون ما هو صالح، وينتهون عمّا هو غير صالح. طبيعيّاً، إنّ تحقيق هذا الهدف - على هذا النمط المثالي - عسير على الصعيد العملي، لذلك شُرّعت القوانين الجنائية في جميع المجتمعات لمعاقبة المخالفين.
يتمّ التأكيد أحياناً على البعد التربوي في الآية القرآنية. قال تعالى:( قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكّاهَا ) ، (الشمس: 9).
( وَقَدْ خَابَ مَن دَسّاهَا ) ، (الشمس: 10).
وكما قلنا سلفاً، فإنّ الهدف من بعثة النبيصلىاللهعليهوآله ورسالته هو: تربية الناس، وتعليم الكتاب والحكمة، قال تعالى:
( هُوَ الّذِي بَعَثَ فِي الْأُمّيّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ.. ) ، (الجمعة: 2).
إنّ تربية الإنسان، وتعليم الحكمة والكلام المنطقي أو العلم المُبرهَن، كل ذلك لا يردع الإنسان عن ارتكاب المخالفة فحسب، بل ويجعله في مسار معرفة الله، وتحصيل الفضائل الأخلاقية.
والتقوى - بمعنى السيطرة على الذات ومراقبة الرغبات
والنزوات الذاتية - هي من أقوى العوامل المرشدة والموجّهة للإنسان. ويتجسّد المثل الأعلى للتربية الإسلامية في كلام الإمام عليعليهالسلام وعمله، حيث يقول:
«إنّ قوماً عبدوا الله رغبة، فتلك عبادة التّجار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة، فتلكَ عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً، فتلك عبادة الأحرار».
ويقول في كلام آخر:
«إِلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنّتك، بل وجدتُك أهلاً للعبادةِ فعبدتُك».
وهوعليهالسلام المثال الأكمل للإنسان المدرّب على مفاهيم القرآن، والتجسيد الحقيقي للإسلام الأصيل. وفي مستوى شخصيّته، لا وجود لمسألة الجنّة والنار أو الترغيب والترهيب في قاموسه، بل إنّ ما يجب فعله، يفعلهعليهالسلام .
جاء في (الآية 257) من سورة البقرة:
( اللّهُ وَلِيّ الّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِنَ الظّلُمَاتِ إلى النّورِ وَالّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِنَ النّورِ إلى الظّلُمَاتِ أُولئِكَ أَصْحَابُ النّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .
قال تعالى:( إِنّمَا التّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلّذِينَ يَعْمَلُونَ السّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً ) ، (النساء: 17).
( فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فإنّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، (المائدة: 39).
( وَالّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذّنُوبَ إِلّا اللّهُ وَلَمْ يُصِرّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) ، (آل عمران: 135).
كما يُلحظ في الآيات المذكورة، فإنّ الذين يرتكبون الأعمال القبيحة بجهالة، ويُبادرون إلى إصلاح سلوكهم، ولا يصرّون على ما فعلوا، يمكنهم إظهار التوبة، والله
- تعالى - يقبل منهم توبتهم.
وهنا ينبغي ملاحظة عدد من النقاط في مسألة التوبة:
الأُولى: إنّ الإنسان - في أيّ مستوىً من التقوى والإيمان كان - فهو معرّض للانحراف، وكحد أدنى، يمكن أن يرتكب الصغائر.
الثانية: إنّ التوبة تستلزم علم الإنسان بأعماله، وتقويم ما فعله.
الثالثة: إنّ المسألة القائلة بأنّ مخالفة الإنسان تغتفر، والطريق مفتوح لإصلاحه، محفّز قويّ لإصلاح سلوكه.
بإيجاز: تُضاعف التوبة من اطّلاع الإنسان على نفسه، وترغّبه لإصلاح سلوكه، وتمهّد له الطريق من أجل تكامله وتطوّره.
لقد مرّبنا - فيما مضى - أَنَّ الموعظة طريقٌ من طرق دعوة الناس إلى معرفة الله، جاء في سورة لقمان، نموذج من نصيحة الأب لابنه، حيث يدعو لقمان ابنه إلى التوحيد واجتناب الشرك، ويطلب منه أن يحترم والديه، بيد أنّه يوصيه هنا أن لا يتّبعهما فيما إذا رغّباه في أمرٍ لا علم له به، أو هو غير مطّلع عليه.
إِنّ الناس معادن شتّى، فلا يمكن تربية الجميع على وتيرة واحدة. إنّ البعض يتربّى بالإرشاد، والبعض الآخر يُبادر إلى تربية نفسه وفقاً للظروف السائدة. والنصيحة والموعظة مؤثّرتان أيضاً في تربية كثير من الناس.
حيناً، توقظ الإنسان كلمةٌ أو جملةٌ قصيرة، أو تذكيرٌ أو نصيحة، فتجعله على علم بأعماله.
وحيناً آخر، تفعل النصيحة فعلها في الشخص، فتدفعه إلى التفكّر، وترغّبه في تربية نفسه.
وآياتُ القرآن الكريم، وأقوال أئمّة أهل البيتعليهمالسلام حافلة بالمواعظ والنصائح.
ذُكرتْ في الآية التّالية أساليب الدعوة:
( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ.. ) ، (النحل: 125).
فُطرحت الحكمة أو الأُسلوب المنطقي، بمعيّة الموعظة والجدال بالتي هي أحسن، في
هذه الآية.
قال تعالى:( مَثَلُ الّذِينَ اتّخَذُوا مِن دُونِ اللّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ، (العنكبوت: 41).
يتّفق أحياناً أن تكون للمَثل جاذبيّة خاصّة، فيلفت نظَر الإنسان نحوه. ويحثّ المَثَل - أحياناً - المفكّرين والعلماء فينبروا إلى التحقيق، ليوسّعوا بذلك من علمهم ووعيهم، جاء في آخر الآية المار ذكرها:
( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلّا الْعَالِمُونَ ) ، (العنكبوت: 43).
يلفت القرآن الكريم نظر الناس إلى المبادئ والحقائق الأخلاقية من خلال ذكر القصص، حيث يمكن أحياناً تربيتهم بِسَرْد القصص عليهم، وهذا اللون من التربية مفيد في مراحل النمو المتنوّعة. على سبيل المثال، من الأفضل أن تستعمل القصص والحكايات أحياناً، لكي يألف الناشئة والأحداث، المفاهيم والمبادئ الدينية والأخلاقية.
طبيعيّاً، إنّ قصّة حياة المسلمين الحقيقيّين، قيّمة ومفيدة للجميع، لذا يمكن تربية الكبار بشكل أفضل عن طريق سَرْد القصص. علماً بأنّ التربية عن طريق سَرْد القصص تكون عملية بصورة غير مباشرة. على أيّ حال، ينبغي توضيح النقاط الأساسية في القصص لدى سَرْدها، وذلك بالاستعانة بالشباب والكبار، والقصد - هنا - هو أن يؤخذ الهدف - وهو التربية الحقيقية - بعين الاعتبار، ضمن الاستفادة من جاذبيّة القصّة.
جاء في الآية الكريمة التالية:( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لاُِولِي الْأَلْبَابِ.. ) ، (يوسف: 111).
تُطرح نقاط تربوية أساسية في دراسة حياة الأُمم
والشعوب. فيتحدّد - هنا - سبب الرُقيّ والسموّ. وعلى نفس النسق، يتحدّد سبب ضمور الأُمم والشعوب وانقراضها.
جاء في القرآن الكريم أنّ سبب فوز الأُمم والشعوب وفلاحها هو الإيمان بالله، والجهاد في سبيله، وهو سبيل الكمال المعنوي، والحكمة، والعدالة، والإيثار ونكران الذات، قال تعالى:
( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ ) ، (المائدة: 35).
وكما مرّبنا سلفاً، فإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس أُسلوباً تربوياً فحسب، بل هو وسيلة لفوز الأُمم والشعوب وفلاحها. قال تعالى:
( وَلِتَكُن مِنكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ، (آل عمران: 104).
إنّ الظلم والفساد يسبّبان دمار الأمم والشعوب وهلاكها، قال تعالى:
( وَمَا كُنّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ) ، (القصص: 59).
( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمّرْنَاهَا تَدْمِيراً ) ، (الإسراء: 16).
بعامّة، فإنّ في البِين نقاطاً بشأن الموعظة والنصيحة، والأمثال، وتبيان قصص الأُمم والشعوب، وهي كمايلي:
1 - تنبيه الناس على المحمود من الأفعال، والمذموم منها.
2 - توضيح دَوْر الأشخاص ومسؤوليتهم في إنجاز الأعمال.
3 - تجسيد آثار كل عمل ونتائجه.
4 - طرح المعايير الأساسية.
5 - ترغيب الناس في التعقل والتفكّر حول القصص، والعمل على تربية أنفسهم من خلالها.
إنّ الدعاء والتضرّع إلى الله هو أحد الأساليب التربوية الأساسية في الإسلام
وقد وردت أهميّة الدعاء في كسب العناية الإلهية في (الآية 77) من سورة الفرقان:
( قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّي لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامَاً ) .
( اهْدِنَا الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ، (الفاتحة: 6).
( رَبّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ ) ، (آل عمران: 8).
( قُلْ إِنّنِي هَدَانِي رَبّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ، (الأنعام: 161).
جاء في قسم من (الآية 286) من سورة البقرة:
( ...وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) .
وقال تعالى:( الّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا إِنّنَا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النّارِ * الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ) ، (آل عمران: 16 - 17).
قال تعالى:( وَاذْكُر رَبّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوّ والآصَالِ وَلاَ تَكُن مِنَ الْغَافِلِينَ ) ، (الأعراف: 205).
قال تعالى:( فَادْعُوا اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) ، (غافر: 14).
أمّا الآيات التي نُقل فيها الدعاء على لسان الأنبياء فكثيرة، فقد جاء على لسان إبراهيم واسماعيلعليهماالسلام :
( رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنّكَ أَنْتَ التّوّابُ الرّحِيمُ * رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ، (البقرة: 128 - 129).
وجاء على لسان آدم وحوّاء:
( قَالاَ رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) ، (الأعراف: 23).
فالدعاء وسيلة لتربية الإنسان، وهو طريق التقرّب إلى الله، وطريق التحلّي بالفضائل، وبه يمكن أن نُطهّر أنفسنا من الرذائل، ونُعلن الجهاد ضدّ الطاغوت.
والدعاء لون من ألوان الشكر، وهو أُسلوب لتحميد الله وتقديسه، ووسيلة لمعرفة عظمة الله، وطريق للمناجاة مع المحبوب، ونوع من محاسبة النفس، والإقرار بالذنب، واستصغار النفس بجميع ملوّثاتها أمامَ الله - تعالى - مَظْهر الفضائل. وهو الأمل والرجاء، والخوف، والخضوع أمام الله، والخشوع قبال قدرته وعظمته، والتعوّذ به والالتجاء إليه، ورفض القيم التافهة الكاذبة الرخيصة، وهو التوبة، والندم، وتزكية النفس، والهداية، والكمال، والتذلّل، وطلب العفو والرحمة.
وبإيجاز: هو التأهّب للقاء الله، فكلّ ما أُثر من أدعيةٍ عن النبيصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام قبل الصلوات وبعدها، وفي أوقات متنوّعة، وعند التعامل مع مختلف الأحداث يدلّل على أهميّة الدعاء ومعطياتة الباهرة.
ومن أجل توضيح الأبعاد المتنوّعة للدعاء، ننقل فقرات قصيرة من الدرر الثمينة للإمام زين العابدين وسيّد الساجدين عليّ بن الحسينعليهالسلام مستقّاة من
الصحيفة السجّادية الكاملة(*) ، علماً بأنّ مطالعة الصحيفة مطالعة كاملة، وكذلك مطالعة الأدعية المأثورة عن أئمّة أهل البيتعليهمالسلام الموجودة في كتاب (مفاتيح الجنان) مفيدة للغاية، لِمَن يرومون إدراك عمق التربية الإسلامية.
يقول الإمامعليهالسلام في التّحميد لله والثناء عليه: «... حمداً يكونُ وُصلةً إلى طاعته وعفوه، وسبباً إلى رضوانه، وذريعةً إلى مغفرته، وطريقاً إلى جنّته، وخفيراً من نقمته، وأمناً من غضبه، وظهيراً على طاعته، وحاجزاً عن معصيته، وعوناً على تأدية حقِّه ووظائفه، حمداً نَسعَدُ به في السعداءِ من أوليائه، ونصيرُ به في نظْم الشهداءِ بسيوف أعدائه، إنّه وليّ حميد».
ومن دعائهعليهالسلام لنفسه وأهل ولايته: «اللهمّ إنّك مَن واليتَ لم يضرْره خِذلانُ الخاذلين، ومَن أعطيتَ لم يَنقُصْه منعُ المانعين، ومن هديتَ لم يُغْوِه إضلالُ المُضِلّين، فصلّ على محمّد وآله، وامنْعنا بعزِّك من عبادِك، وأَغنِنا عن غيرك بإرفادك، واسلُكْ بنا سبيلَ الحقِّ بأرشادك..».
ومن دعائهعليهالسلام عند الصباح والمساء: «... واجعلْه أيمنَ يومٍ عهِدناه، وأفضلَ صاحبٍ صحِبناه، وخيرَ وقتٍ ظلِلْنَا فيه. واجعلنا مِن أرضى مَنْ مرَّ عليه الليلُ والنهار من جُملة خلْقِك، أشكرهم لِما أوليتَ مِن نِعمك، وأقومَهم بما شرّعتَ من شرائعك، وأوقفَهم عمّا حذّرتَ من نهيك». ومن دعائهعليهالسلام إذا عرضت له مهمّة أو نزلت ملمّة به، وعند الكرب: «يا من تُحَلّ به عُقَدُ المكاره، ويا مَنْ يُفثأُ بهِ حدُّ الشدائد، ويا من يُلتَمسُ منه المخرج إلى رَوحِ الفرج. ذلّت لقدرتك الصِعاب، وتسبّبتْ بلطفك الأسباب، وجرى بقُدرتك القضاء.. وهب لي من لدنك رحمةً وفرجاً هنيئاً..».
____________________
(*) نؤكِّد على الطلبة الجامعيين وروّاد التربية الإسلامية، مطالعة الصحيفة السجّاديّة، لما فيها من فوائد عظيمة.
ومن دعائهعليهالسلام في الاستعاذة من المكاره وسيّء الأخلاق ومذامّ الأفعال: «اللهمّ إنّي أعوذُ بك من هَيجانِ الحرص، وسَوْرَة الغضب، وغلبة الحسد، وضَعف الصبر، وقلّة القناعة، وشكاسة الخُلق، وإلحاحِ الشهوة، وملكَة الحميّة، ومتابعةِ الهوى، ومخالفة الهدى، وسِنةِ الغفلة، وتعاطي الكلفة، وإيثار الباطلِ على الحق، والإصرار على المأثم، واستصغارِ المعصية، واستكبار الطاعة، ومُباهات المكثرين، والإزْراءِ بالمُقلّين، وسوءِ الولاية لمن تحت أيدينا، وتركِ الشكر لمنِ اصطنع العارفة عندنا..».
ومن دعائهعليهالسلام في مكارم الأخلاق ومرضيّ الأفعال: «اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلهِ وبلّغْ بأيماني أكملَ الإيمان، واجعلْ يقيني أفضلَ اليقين، وانْتهِ بنيّتي إلى أحسن النيّات، وبعملي إلى أحسنِ الأعمال. اللهمّ وفّرْ بلطفِك نيّتي، وصحّح بما عندك يقيني، واستصلح بقدرتك ما فسَد منّي...».
ومن دعائهعليهالسلام لجيرانه وأوليائه: «اللهمّ صلّ على محمّد وآله، وتولّني في جيراني ومَوالِيَّ العارفينَ بحقّنا، والمنابذين لأعدائِنا بأفضل ولايتك ووفّقْهم لإقامة سُنّتِك، والأخذِ بمحاسن أدبك، في إرفاق ضعيفهم، وسدِّ خَلّتِهم، وعيادةِ مريضهم، وهداية مسترشدِهم..».
ومن دعائهعليهالسلام في الرضا إذا نظر إلى أصحاب الدنيا: «... واجعل شكري لك على ما زويتَ عني اوفر من شكري اياك على ما خولتني، واعصمْني منْ أن أظُنَّ بذي عدَمٍ خساسة، أو اظنَّ بصاحبِ ثروة فضلا. فأنَّ الشريف مَن شرّفتْه طاعتُكَ، والعزيزَ مَنْ أعزّتُه عبادتُك، فصلّ على محمدٍ وآله، ومتّعنا بثروةٍ لا تنفَد، وأيّدْنا بعزٍّ لا يُفقد، وأسرِحْنا في مُلْك الأَبَد...».
ومن دعائهعليهالسلام في طلب العفو والرحمة: «...اللهمّ وأَيُّما عبدٍ نالَ
منّي ما حظرتَ عليه، وانتهك منّي ما حجرتَ عليه، فمضى بظُلامتي ميّتاً، أو حصلتْ لي قِبلَهُ حيّا، فاغفرْ له ما ألمَّ به منّي، واعفْ له عمّا أدبَر به عنّي...».
ومن دعائهعليهالسلام في استكشاف الهموم: «اللهمّ صلّ على محمّد وآله، واقبضْ على الصّدق نفسي، واقطع من الدنيا حاجتي، واجعل فيما عندك رغبتي شوقاً إلى لقائك، وهب لي صدقَ التوكّل عليك. أسألك من خير كتابٍ قد خلا، وأعوذ بك من شرِّ كتاب قد خلا. أسألك خوف العابدين لك، وعبادةَ الخاشعين لك، ويقين المتوكّلين عليك، وتوكّل المؤمنين عليك...».
يمكن أن نستخرج محتوى النظام التربوي في الإسلام من القرآن الكريم، وسيرة النبيّصلىاللهعليهوآله والأئمّة المعصومينعليهمالسلام ، ومن نهج البلاغة. علماً بأنّ كتابنا هذا لا يسع الحديث حول محتوى الرسالة الإسلامية، وكما نعلم، فإنّ الإسلام تطرّق الى:
التوحيد ومعرفة الله، رسالة الأنبياء وإمامة الأمّة، المعاد، العدل الإلهي، العبادات وفروع الأحكام، الطبيعة والكائنات الطبيعية، الإنسان، الأُمم والشعوب، النُظُم السياسية، الزراعة والتجارة، المعايير الأخلاقية، علاقات المسلمين فيما بينهم، علاقات المسلمين مع غير المسلمين.
وعشرات المواضيع الأُخرى.
ولقد تحدّثنا حول بعض هذه المواضيع ضمن دراستنا للأبعاد التربوية، ولكلِّ واحد من هذه المواضيع بُعد تربوي في حدوده المقرّرة، ويمكن أن يكون كل منها كتاباً كاملاً. على سبيل المثال: يمكن أن يشكّل موضوع المعاد كتاباً كبيراً من حيث الهدف، والدافع، ومبدأ الكمال ودوره المستمر في تنمية الأشخاص وتطوّرهم.
(أرجو أن يحالفني الحظ لاؤلّف كتاباً مفصّلاً يتناول الأبعاد التربوية لهذه المواضيع).
إنّ كلمة النظام من الكلمات التي لها اعتبارها العلمي، لذلك يحاول بعض الكتّاب أو أصحاب الأفكار والعقائد المتنوّعة أن يصبّوا نظرياتهم على شكل نظام.
وقد تطرّقَت الكتابات الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية غالباً إلى النظام الفكري، والنظام المثالي، والنظام الاجتماعي، والنظام الاقتصادي. وقبل أن نتناول النظام التربوي بالبحث والدراسة، نرى من الضروري أن نوضّح معنى النظام.
عندما يدور الحديث حول النظام، فإنّنا نتعامل - عادةً - مع أجزائه، وهيكله العام، والعلاقة والتأثير المتبادلين بين الأجزاء والهيكل العام، ووحدتهما وتناسقهما ودورهما.
وعندما نخوض في الحديث حول النظام الفكري، فإنّ المفاهيم، والنظريات، والمبادئ والقواعد في هذا النظام مترابطة فيما بينها ارتباطاً منطقياً في نمط معيّن. والارتباط المنطقي بين هذه الأشياء يكشف عن وحدتها وتنظيمها.
بكلمة بسيطة: يجب أن تكون المفاهيم، والنظريات، والمبادئ والقوانين متناسقة فيما بينها، ومترابطة في خطّة منطقيّة.
في النظام التربوي، مضافاً إلى المفاهيم والنظريات، والمبادئ والقواعد، فإنّ أُموراً من نحو: الهدف، والأُسلوب، والنشاطات تشكّل الأجزاء الأصلية للنظام، مضافاً إلى ذلك، فإنّ النظام التربوي ينبغي أن يكون جزءاً من النظام الفكري والنظام المثالي للمجتمع. وعندما نقول هذا، لا يتبادر إلى الذهن أنّ النظام التربوي يفقد استقلاله في ظلِّ النظام الفكري للمجتمع إلى حدٍ لا يستطيع معه أداء رسالته.
وكما ذكرنا - فيما مضى - فإنّ أجزاء النظام تعيش علاقةً وتأثيراً متبادلين، سواء في علاقات بعضها مع البعض الآخر، أو في علاقاتها مجتمعة مع النظام كلّه، لذلك كلّما كان النظام ذا اتّجاه عقلي ومنطقي، فإنّ التأثير المتبادل يتضاعف.
وبناء على
ما مرّ من كلامٍ، فإنّ مجموعة المعلومات المبعثرة، والنظريات المفكّكة لا تشكّل نظاماً.
وفيما يخصّ النظام التربوي، يجب الأخذ بعين الإعتبار العلاقة الثنائية والمنطقية معاً للأجزاء، وكما قلنا، في النظام التربوي يجب أن يكون هناك ترابط بين الأهداف، والأساليب، والنشاطات، والنظريات، والقواعد في خطّة منطقية. وفي الوقت ذاته، يكون النظام التربوي جزءاً فاعلاً بالنسبة إلى النظام الفكري للمجتمع، ليؤدّي رسالته.
ينبغي أن نلاحظ: هل إنّ جهاز التعليم الرسمي في بلادنا، منذ تأسيس التربية والتعليم في المجتمع، تَبَلْور على شكل نظام أم لا؟
فكما يُلحظ، أنّنا نتحدث حول التعليم الرسمي في بلادنا، ونريد أن نرى هل إنّ هذا التعليم الذي يجري في المدارس الابتدائية، والثانويات، والجامعات تبلور على شكل نظام أم لا؟
ندرس وضع المدارس القديمة، والحوزات العلمية، بمعزل عن التعليم الرسمي في البلاد.
لقد تم تأسيس (دار الفنون) لسدّ الحاجة إلى الاختصاصيّين في الفروع: الطبيّة، والمعمارية، والعسكرية إلى حدٍّ ما. ونظراً إلى أنّ أساتذةً أجانب كانوا يُزاولون التدريس فيها، لذلك لا مندوحة من تأثّر البرامج التعليمية هدفاً وأُسلوباً ومحتوىً بالنُظُم التربوية الغربية منذ البداية، وفي عقيدتي، فإنّ النُظُم التربوية في الغرب كانت فاقدةً للتماسك الحقيقي آنذاك.
بكلمة بديلة: كان الغموض يكتنف الأهداف، والأساليب، والنشاطات، والنظريات التربوية في النُظُم التربوية الغربية، وليس هناك ترابط منطقي فيما بينها.
أمّا التعليم العالي في بلادنا فقد بدأ
بشكل رسمي بعد تأسيس (دار الفنون) متأثراً بالثقافة الغربية.
وكانت مدارسنا الابتدائية والثانوية أيضاً تحاكي المؤسّسات التربوية الغربية من حيث تنظيم الدروس، ومنهجّيتها، ومحتواها، إلى حدٍّ بعيد. وقد نُقل أنّ أوّلَ وزيرٍ للتربية في إيران زار فرنسا، ولمّا عاد، طبّق النظام السائد في المدارس هناك على المدارس الإيرانية. ونظرة قصيرة على نظام المدارس تبيّن لنا فقدان الهدف، والأُسلوب، والبرامج المحدّدة.
نحن نعلم بأنّ المرحلة الابتدائية ذات السنوات الست، بدأت في إيران على غِرار المنظّمات التربوية القائمة في فرنسا، فانقسمت الدراسة الإعدادية إلى مرحلتين:
الأولى: وأمدها ثلاث سنوات، وكانت ذات بُعد عام إلى حدّ ما.
والثانية: وانقسمت إلى فروعين: الفرع العلمي، والفرع الأدبي.
وبعد ردح من الزمن، قاموا بإجراء تغيير في جهاز التعليم الثانوي. فتمدّدت المرحلة الأُولى أو المرحلة العامّة من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات، وفي السنة السادسة من المرحلة الثانوية، تأسّست الفروع الطبيعيّة، والرياضية، والأدبية.
وبعد بضع سنين، تغيّر نظام التعليم الثانوي مرّةً أُخرى، وعاد إلى ما كان عليه في السابق، حيث إنّ المرحلة الأُولى من التعليم الثانوي كانت ثلاث سنوات. والمرحلة الثانية كذلك، وشملت الفروع الطبيعية والرياضية والأدبية، ثم أُضيف فرع التجارة إلى برامج التعليم الثانوي.
وتقارَن تأسيس المدارس المهنية مع المدارس الثانوية. وبالرغم من أنّه يمكن تكييف برنامج المدارس المهنية لِيُلبّي الحاجات الاجتماعية بسهولة، بيد أنّه أيضاً، تمّ تأسيس المدارس المهنية لتحاكي المؤسسات المهنية في الدول الغربية إلى حدٍّ كبير.
وكان خريجو المدارس المهنية أيّام رضا خان إمّا يعملون حرّاساً، وإمّا موظّفين عاديين في الدوائر الحكومية بسبب عدم توفر فرص عمل مناسبة لهم، فمن تخرّج من فرع التجارة مثلاً، كان يعمل في دائرة الأحوال المدنية.
وفي تلك الفترة أيضاً زاول
خرّيجو كليّة الهندسة التدريس في الثانويات، بسبب عدم إتاحة فُرَص عمل مناسبة لهم في المؤسّسات المهنية. ومن الواضح أنّ هذه الحالة لا تسري على جميع المهندسين أو خرّيجي المدارس المهنية. مع هذا كلّه، كان جليّاً بأنّ تأسيس الفروع المهنية على المستوى الثانوي والجامعي لم يتحقّق وفقاً لحاجات البلاد.
نظراً لوجود بعض المسائل التعليمية، لاسيّما تضاعُف عدد خريجي المدارس الثانوية، ورغبتهم في اجتياز امتحانات القبول ليحصلوا على مقاعد جامعية، قرّر مسؤولوا التربية والتعليم - بتصوّرهم - تغيير النظام التعليمي.
وبما أنّ ما يُسمّون بالمسؤولين، تنقصهم المعلومات التربوية (تعاون عدد يسير من أساتذة الجامعات المختصّين في علم النفس، وعلم الاجتماع، مع المسؤولين عن التربية والتعليم، علماً أنّه ليس لهم إلمام بالتربية والتعليم والتخطيط التعليمي) ولم يشعروا بالمسؤولية أمام المجتمع، وفقط تظاهروا بأنّهم قاموا بعمل ما، وشغلوا أوقات الناس بضجيج دعاياتهم المزيّفة، لذلك انتخبوا - مرة أُخرى - نظاماً تعليميّاً سائداً في إحدى الدول، وقدّموه بوصفه نظاماً جديداً.
إنّ استعراض الأهداف الستّة لهذا النظام، والمبادئ العشرين، التي تتكفّل بتبيان تلك الأهداف بحذافيرها، يدلُّ على أنّ واضعي ما يُسمّى بالنظام التربوي، لم يفهموا معنى النظام التربوي، ولم يكن لهم علم بأُسس التعليم الابتدائي والثانوي.
لقد قلّصوا المرحلة الابتدائية من ست سنوات إلى خمس سنوات، بدون سبب، ووضعوا منهج الدراسة في المرحلة المتوسطة بشكل كان إدراكه عسيراً على المعلّم والطالب. ولم يكن تأسيس دورة المشاورة وإعداد المشاور مُجدياً أيضاً، لأنّ الجمود على المعايير السابقة، واعتبار الدرجات مهمّة في انتخاب الفروع الفنيّة، حالا دون تحقيق الهدف الذي كانت تتوخاه المرحلة المتوسّطة.
ويدلّ وضع التعليم الثانوي
وتقسيمه إلى نظري، وعام، وتجاري، ومماثلة البرامج الدراسية في الفرع النظري لنظيراتها في الفرع العام على عدم وجود أيّ أساس لهذا البرنامج.
وكان إعداد المعلّم مؤسفاً في ما يسمّى بهذا النظام، حيث كان خرّيجو المدارس الابتدائية يزاولون التعليم بعد أن يتلقّوا برامج خاصّة، خلال سنتين أو ثلاث سنوات، ثمّ يتولّون تربية أبناء العشائر والأرياف في بلادنا. وكانت رسالة المعلّم غير واضحة لدى واضعي ذلك النظام.
وبالرغم من وجود آلاف الخرّيجين من المرحلة الإعدادية مع تجربة دراسية جيّدة، كان (الدكتور صديق أعلم) يصرّ على بقاء دار المعلمين الابتدائية لأنّه كان مؤسسها. فكان يقبل الأحداث من أبناء الخمس عشرة سنة في الدار، حيث يدرسون سنتين، ثمّ يعيّنهم معلّمين في المدارس الابتدائية.
وكانت كتائب التعليم(*) محاكاةً لما هو سائد في أقطار أُخرى مثل تركيا. وفي تركيا حيث كانوا مجبورين على منح خرّيج الإعدادية رتبة ضابط في الجيش، مع عدم وجود حاجة إلى كلِّ ذلك العدد من الضبّاط، لذلك كانوا يعيّنونهم معلّمين. بعد ذلك رأوا أنّهم معلّمون غير جيّدين في عملهم. طرحت هذه التجربة العقيمة في إيران بوصفها من إنجازات (محمد رضا بهلوي)، حيث كانوا يدخلون خرّيجي الاعداديات في دورةٍ مدّتها ستّة أشهر، يتلقّون خلالها تدريباً عسكرياً، ودروساً في التربية والتعليم، ثمّ يعيّنونهم معلّمين في المدارس الابتدائية.
لقد تحدّثتُ بالتفصيل حول ما يُسمّى بالنظام التربوي الجديد في كتاب: (المجتمع والتربية والتعليم)، لذلك أتجنّب تكرار هذا الموضوع.
إنّ النظام المذكور لم ينجح في مجال إعداد أصحاب المهنة، ولا في الحيلولة دون ما يسمّونه بتهافت الخرّيجين على الجامعات. وعلى العموم، لم يكن واضحاً من حيث
____________________
(*) وهي الكتائب التي أسّسها محمّد رضا بهلوي ملك إيران آنذاك لنشر التعليم حسب زعمه، وفشلت آخر الآمر.
الهدف، ولم يكن ذا بُعد علمي ومنطقي من حيث المناهج.
كان وضع التعليم العالي أيضاً مؤسفاً أكثر من التعليم الابتدائي والثانوي. إنّ دار الفنون التي هي من إنجازات ومكاسب ابن الوطن البار الميرزا تقي خان أمير كبير، تحوّلت إلى جامعة. وعُدّ تأسيس جامعة طهران من إنجازات رضا خان بهلوي.
لم يكن التخطيط لجامعة طهران مُطابقاً للمواضيع العلمية، كما لم يُلبّ حاجات المجتمع. وعموماً ليس له نشاط أساس في الفروع الدراسية، ما عدا فرع الطب، وإلى حدٍّ ما فروع: الهندسة، والحقوق، والزراعة. وبعد أيلول عام 1941، كانت هناك مبادرات لتأسيس جامعات ومدارس عالية في طهران وسائر المدن أُسوة بجامعة تبريز، التي تأسّست من قبل الديمقراطيّين في آذربايجان. وعندما كانوا يرومون تأسيس مدرسة عالية، فإنّهم لم يأخذوا بعين الاعتبار، حتى الضروريّات الأوليّة لإنشائها، من نحو: التخطيط الصحيح، والأُستاذ، والوسائل التعليمية، والمكان المناسب. والآن نلاحظ عشرات الجامعات والمدارس العالية منبثّة في أرجاء البلاد، بيد أنّ برامج كثير منها لا تتناسب مع حاجات البلاد.
ووضع الهيئة التعليمية في المؤسّسات التابعة للتعليم العالي مؤسف للغاية، ولا وجود للوسائل التعليمية في مثل هذه المؤسّسات.
إنّ الملحوظ في هذه المؤسّسات هو العدد الكبير للطلبة الجامعيّين، حيث نرى أنّ خرّيجي الإعداديات كافة يطمحون إلى دخول الجامعات بسبب النظام التعليمي الخاطئ المُطبّق في مرحلة التعليم الثانوي، في حين أنّ الجامعات تسع فقط لأقل من عُشر المتقدّمين.
إنّ الأهداف التربوية، والأساليب الأساسية في التعليم، والبرامج التعليمية، وضرورة وجود نظام للتعليم العالي يكون متناسقاً مع النظام العام للمجتمع، كلُّ
اولئك لم يحظ باهتمام الجهات المختصّة.
من هذا المنطلق، فإنّ الحديث عن نظام التعليم العالي أيضاً حديث عقيم لا يجدي نفعاً.
إنّ ما طرحناه من ملاحظات حول النظام التربوي لا ينطبق على النظام السائد في الحوزات الدينية. فإنّ النظام التعليمي الوحيد الذي تأسّس في إيران منذ قرون، ولا زالت له فاعليّته هو النظام التربوي المطبّق في الحوزات الدينيّة. فلهذا النظام أهداف معيّنة، تنسجم معها برامجه التعليمية، وله منهج محدّد، ورائع من الناحية التربوية.
إنّ للمدارس الدينية مواصفات أساسية من الناحية التربوية، فهناك علاقة حيوية أو عضوية بين الأهداف، والبرامج التعليمية، ومحتوى هذه البرامج، والأُسلوب التعليمي السائد. وللنظام التربوي القائم في المدارس الدينية علاقة عضوية أو حيوية مع النظام الإسلامي.
في ضوء ما تقدّم من مواصفات، فإنّ النظام التربوي للمدارس الدينية، هو النظام التربوي الوحيد الذي وُلد من رحم مجتمعنا، وترعرع في أجوائه، متأثراً بالثقافة الإسلامية الأصلية، وبعيداً عن الأفكار الوافدة الدخلية.
لقد خصّ المرحوم الدكتور شريعتي في كتابه: (فلسفة التربية والتعليم) الكتاتيب القديمة والمدارس الدينية بالدراسة، ذاكراً مواصفاتها. فمن المفيد - للراغبين في المسائل التربوية، والذين يرومون التعرّف على المجالات الاجتماعية والثقافية للكتاتيب والمدارس الدينية - مطالعة هذا الكتاب.
لقد ذكر المرحوم آية الله المطهّري ملاحظات بارزة حول التعليم السائد في الحوزات، وذلك في كتابه: (عشر مقالات)، موضوع: الخطابة والمنبر، القسم الثاني، تحت عنوان: (ميّزات الحوزات الدينية).
الأهداف المعنوية والتربوية:
1 - إعداد أشخاص موحّدين. 2 - إعداد أشخاص متّقين.
3 - إعداد أشخاص مفكّرين. 4 - إعداد أشخاص متدينين.
5 - إعداد أشخاص زاهدين، ويهمهّم كسب المُثُل والقيم المعنوية.
6 - إعداد علماء.
7 - إعداد أشخاص ملتزمين ومسؤولين حيال النظام الفكري والمجتمع.
الأهداف التعليمية:
1 - التعرّف على أُسس التوحيد. 2 - التعرّف على القرآن.
3 - التعرّف على الأخبار والأحاديث الموثوقة.
4 - تربية القدرة على استنباط الأحكام الإسلامية.
5 - التعرّف على العلوم الأوّليّة:
التعرّف على أُسس الصرف والنحو، البلاغة والأدب العربي، الأُصول من أجل فهم واستيعاب المفاهيم والأحكام الإسلامية بشكل أفضل، آراء الفقهاء.
ومن البرامج التعليمية الأُخرى - كما سنلاحظ - هي مطالعة ودراسة المنطق لتربية القدرة الفكرية للطلاّب، وكذلك مطالعة ودراسة الفلسفة الإسلامية.
الصرف والنحو:
يتعلّم الطلاّب المبادئ الأوّلية للصرف والنحو والمنطق من خلال دراسة كتاب: (جامع المقدّمات)، وهذه الدراسة ذات مستويات متنوّعة هي:
المستوى التمهيدي، المستوى المتوسط، المستوى العالي، ففي المستوى التمهيدي، تدرّس كتب: شرح الأمثلة، والصرف للمير شريف الجرجاني، وأمثالهما في الصرف، وكتاب العوامل، والهداية في النحو، وكتاب (الكبرى) في المنطق.
وفي المستوى العالي: يُدرّس كتابا: شرح قطر الندى، والسيوطي في النحو، وكتاب (المطوّل) في المعاني والبيان، وكتاب (حاشية الملاّ عبد الله، وشرح الشمسية)، في المنطق. وكذلك شرح المنظومة لبعض الطلاّب، وهي في المنطق أيضاً.
الأُصول:
يدرس الطلاّب كتباً في الأصول بصورة تدريجيّة، وأوّل هذه الكتب هو كتاب (معالم الأُصول)، ثمّ كتاب (القوانين) أو كتاب (الفصُول) المماثل له، في الأُصول أيضاً.
الفقه:
يدرس الطلاّب الفقه أو آراء الفقهاء الماضين تدريجاً. ومن الكتب المتداولة في الحوزات العلمية هي: (الشرائع) في أربعة أجزاء و(شرح اللمعة الدمشقية) في جزأين.
الفقه والأُصول في المرحلة العليا:
تُدرَّس في هذه المرحلة كتب: (الرسائل) و(الكفاية) بجزئيها في الأُصول، وكتاب: (المكاسب) في الفقه، وثمّة كتب جديدة في الفقه والأُصول تأخذ طريقها إلى التدريس لتحلّ محلّ الكتب القديمة. ويقوم الطلاّب بدراسة تفسير القرآن ونهج البلاغة تدريجاً.
الفلسفة:
يدرس بعض الطلاّب الراغبين في الفلسفة كتاب: (المنظومة) للملاّ هادي السبزواري، في الحكمة، والذين يرغبون في مواصلة دراستهم في الفلسفة، يدرسون: (الإشارات) و(الأسفار) لصدر المتألّهين الشيرازي.
في هذه المراحل التي ينشغل فيها الطالب بالدراسة في ما يُسمّى بالمرحلة التمهيديّة(*) ، فإنّ الكتاب الدراسي هو المصدر الرئيسي في الدراسة.
البرنامج الدراسي غير مدوّن سابقاً، ووقت التدريس في كلِّ حلقة دراسية غير محدّد، والتعليم لا يجري في مستوى واحد لكلِّ الطلاّب، أمّا التنظيم المتّبع في انتخاب الدروس فتنظيم منطقي، والتعليم ليس مقسّماً على مراحل كالتقليد المتّبع في المدارس الجديدة، أو المدارس الموجودة في الدول الأوربية والأميركية.
بكلمة بديلة: لا وجود
____________________
(*) ويُطلق عليها: مرحلة (السطوح) وهي تعني المرحلة الأوليّة في الدراسة الحوزويّة.
لصفوف منظّمة معيّنة، عادةً، ينطبق البرنامج التعليمي على حالة الدارس أو الدارسين. والكتاب المقرّر في التدريس غير محدود أيضاً، وفي حالات متنوّعة، يتمّ انتخاب الأُستاذ من قِبَل الدارس.
إنّ البرامج التعليمية في مدارسنا، ومدارس الأقطار الأوربية والأميركية غير مَرِنة، فهي - في الأعمّ الأغلب - محدّدة سابقاً، والطالب والأُستاذ مرغمان على العمل بها. وما عدا حالات استثنائية، فإنّ جميع الطلاّب يجب أن يتعلّموا دروساً معيّنة خلال تسعة أشهر أو أربعة أشهر ونصف. وفي هذه المدارس، بالرغم من أنّ الحديث يدور حول الفروق الفردية، بيد أنّ التعليم - في الصعيد العملي - يطبّق على الجميع بصورة متساوية. فالطالب الذكي، والمتوسط، والضعيف، كلّهم يخضعون للتعليم.
في المدارس الجديدة، لا يجري انتخاب المواد الدراسية وفق تنظيم منطقي في جميع الحالات. وفي المدارس الدينية، مالم يدرس الطالب المبادئ الأوّليّة في الصرف والنحو، فإنّه لا يستطيع دراسة الصرف والنحو في المرحلة العليا، وما لم يدرس الصرف والنحو جيّداً، فإنّه لا يستطيع دراسة الفقه والأُصول. فالتنظيم المنطقي يُراعى في انتخاب المواد الدراسية.
نحن نعلم أنّ صفوفاً عديدة ومنظّمة موجودة في المدارس الجديدة، ابتدائية كانت أو ثانوية. وينبغي للطالب إتمام برنامج صفّ معيّن ليتسنّى له الدخول في صفّ أعلى، في حين أنّ الطلاّب في المدارس الدينيّة غير مقسّمين من هذه الناحية. وبالرغم من أنّ المربّي الأميركي (جون ديوي) أسّس في أواخر القرن التاسع عشر مدرسة اختبارية بدون صفوف عديدة (بشيكاغو)، بيد أنّ مدارس أميركا، لا زالت على نظامها القديم، من حيث وجود صفوف عديدة في المرحلة الابتدائية، والثانوية.
والآن يطالب بعض المربّين بإلغاء التقسيم المتّبع للصفوف.
وبالرغم ممّا يقال حول المدارس الجديدة، من أنّ البرامج التعليميّة يجب أن تكون متناسبة مع وضع الطلاّب، بيد أنّ هناك برنامجاً موحّداً يُفرض على الجميع
عمليّاً. وهذا الأُسلوب متبع حتى في التعليم العالي، وفي المدارس الجديدة، لاسيّما في دوراتها العالية، يُستفاد من كتب متنوّعة.
ليس للطلاّب حريّة انتخاب الأُستاذ، حتى في الدورات العالية. وفي أميركا، حيث النظام التعليمي المتطوّر من الناحية النظرية، فإنّ الامكانيات الضروريّة لانتخاب الأُستاذ، وتعيين الأُستاذ المرشد، ليست في تصرّف الطالب حتى على مستوى التعليم العالي.
في المدارس الدينيّة، قد يجتاز أحد الطلاّب المرحلة الأُولى للدراسة التقليديّة في خمس سنوات، في حين يجتازها طالب آخر في عشر سنوات أو خمس عشرة سنة.
إنّ التنظيم المنطقي للدروس ذو معطيات تعليمية منها:
الأوّل: ما لم يتعلّم الطالب درساً معيّناً، ويهضمه جيّداً، لا يستطيع الانتقال منه إلى درس آخر، وهذا ما يُفضي إلى أنّ بعض الطلاّب الذين يتعلّمون الدرس الثالث ويهضمونه جيّداً، يستطيعون تدريس الدرس الأوّل بسهولة، وهذه العملية تتيح الإمكانية للطالب من أجل انتخاب الأُستاذ.
الثاني: بما أنّ الطالب يطمح إلى تصعيد مستواه العلمي، لذلك ينبغي له أن يستوعب كلَّ درسٍ بصورة جيدة، حتى يستطيع أن يُعدّ نفسه لتعلّم الدروس القادمة.
الثالث: إنّ العلاقة المنطقية للدروس، تُفضي إلى إلمام الطلاّب بالمواضيع أكثر، وتُفضي كذلك، إلى حضور ذهني لديه عند تعامله معها.
وتُراعى الفروق الفردية في هذا النظام التعليمي جيّداً، فيمكن أن ينشغل أحد الطلاّب بتكرار درس ما، في حين نجد زميله يتقدّم في درسه، ويواصل عمله مع أُستاذه. وفقاً للأُسلوب المتّبع في المدارس الدينية، نجد أنّ عدد الأساتذة المختصّين في تدريس بعض المواد يتضاعف بشكل متواصل.
في ضوء ذلك، يمكن للطالب أن يتقدّم وفقاً لاستعداده، وهو غير مضطر أن يطابق وضعه مع وضع الطلاّب الآخرين.
إنّ التقويم أو الامتحان بالشكل المطبّق في المدارس الجديدة غير موجود في المدارس الدينية. فالامتحان يجري بمعناه الحقيقي في كلّ جلسة، وفي الدرس، يحاول الطالب - بسبب تحضيره السابق - أن يتعلم الدرس، وينتبه إلى الإشكال الموجود في عمله عند التعلّم، فيبذل جهده في الوقت من أجل إزالته، وفي الدرس القادم، لم يكن قد تعلّم الدرس الماضي فحسب، بل وعنده الاستعداد لتعلّم الدرس القادم أيضاً.
استعداد الطالب:
ما لم يكن الطالب مستعدّاً، فلا يواصل دراسته في فرع معيّن. والقصد من الاستعداد هنا هو امتلاك النموّ الكافي لاستيعاب مختلف المواضيع. وبما أنّ العمر ليس شرطاً في الدراسة، لذلك يمكن للأشخاص أن يبادروا إلى الدراسة في سنين متنوّعة. وعندما يشعر الطالب أنّه غير مستعد لتعلّم درس معيّن فإنّه غير ملزم في انتخاب ذلك الدرس، أو المشاركة مع طلاّب آخرين ممّن لهم الاستعداد في ذلك الدرس.
بكلمة بديلة: يقوم الطلاّب بانتخاب الدروس وفقاً لاستعداداتهم.
التجارب السابقة:
تعتبر التجارب السابقة لكلّ طالب عاملاً أساسيّاً في انتخاب الدرس الجديد. وفي المدارس الجديدة - بما فيها الجامعات - قد تُعرض دروس لا علاقة لها بالتجارب السابقة للطلاّب، وفي مثل هذه الحالة، يضطرّ الطالب إلى ترسيخ الدرس الجديد في ذهنه كالببغاء، لكي يتسنى له أن يحضر في الصف، أو في دورة معيّنة.
أمّا في المدارس الدينية، فإنّ وجود العلاقة المنطقية بين الدروس، يُفضي إلى أن يقوم الطالب بانتخاب الدرس الجديد بعد كسب التجارب الضرورية، أو بعد
انتخاب الدروس التمهيديّة.
المحفّز على التعلّم:
إنّ الطالب في المدارس الدينية واعٍ لهدف الدراسة، فهو يعلم - مبدئيّاً - لماذا انتخب فرع العلوم والمعارف الإسلامية، وما هو سبب دراسة النحو أو الأُصول. هذا الوعي نفسه هو الذي يحفّزه على التعلّم.
بكلمة بديلة: يشجّع الهدف - بوصفه محفِّزاً قوياً - الطالب على الدراسة.
أمّا في المدارس الجديدة أو في المدارس العالية، فيُلاحَظ غالباً، أنّ الهدف من تعلّم درس معيّن غير واضح، بالنسبة إلى المعلّم والطالب، لذلك لا يبدي الطالب رغبة في الدراسة، وليس له محفِّز عليها إلاّ أداء الواجب، واجتياز الدورة، والحصول على الشهادة.
للطالب في المدارس الدينية دور فاعل، فهو يُطالع درسه سابقاً، ويؤدّي دوره في عمليّة التعلّم بمشاركته في المناقشة والمباحثة، وسعيه لتوضيح المفاهيم والآراء. في حين نجد أنّ للطالب - في المدارس الجديدة - دور المنفعل.
بكلمة بديلة: هو مستعدّ لتقبّل ما يُطرح في الدرس وحفظه. أمّا المعلم فهو فاعل نشط في هذه المدارس، لذلك نجد أنّ التعلّم في مثل هذه المدارس سطحي، ويتّخذ طابع الحفظ غالباً.
بما أنّ الطالب في المدارس الدينية فاعل نشيط، لذلك نجد أنّ الفهم والتعقّل يرافقان التعلّم، بينما يتقبّل الطالب الموضوع بالشكل المطروح.
انتقال التعلّم:
إنّ انتقال التعلّم من مكان إلى آخر يجري بسهولة في المدارس الدينية. ويتطلّب التنظيم المنطقي للدروس أن يتعلّم الطالب مفاهيم كلِّ درس، ونظرياته، ومبادئه، وقوانينه. ومثل هذه الأمور قابلة للتعميم.
وعندما يستوعب الطالب المفاهيم والنظريات، فإنّه يستطيع أن ينقل ما تعلّمه في مكان ما إلى أماكن
أُخرى بيُسر.
يجب الالتفات إلى أنّ التشابه بين مكانين، واستعمال المفاهيم والمبادئ في مكانين، والأهم من ذلك كلّه، الفهم، كلّ هذه الأشياء تُفضي إلى انتقال التعلّم من وسط إلى وسط آخر.
الفهم والتعقّل:
ذكرنا - فيما تقدّم - أنّ الفهم والتعقّل - في صعيد واسع - يميّزان التعليم في المدارس الدينية عن التعليم في المدارس الجديدة، وحتى عن التعليم في كثير من المدارس العالية. في هذا المجال، فإنّ العلاقة المنطقية للدروس جميعها تؤثّر في تصعيد مستوى استيعاب الطالب.
مضافاً إلى استيعاب المواضيع، ينبري الطالب نفسه إلى التقويم وإبداء وجهات النظر. ومن أجل تقويم الآراء ووجهات النظر، فإنّ الطالب مضطر إلى أن يدرس كلَّ رأي ووجهة نظر، دراسةً عقلية، وبواسطة هذا العمل، يفصل الآراء المنطقيّة عن الآراء غير المنطقية.
إنّ علاقة الدروس فيما بينها تؤثّر في التيّار العام للتعلّم.
إنّ أُسلوب التعلّم هو أحد الدعائم الأساسية في الدراسة، حيث نجد أنّ معظم المشاكل التي ترافق التعلّم ناجمة عن الأساليب الخاطئة المتّبعة في التعليم، فبساطة الطلاّب وضحالة مستوياتهم، وعدم رغبتهم في التعلّم، كلّ ذلك بسبب الأُسلوب الخاطئ الذي ينتهجه المعلّمون.
ثمّة ثلاثة أساليب رئيسة للتعليم:
1 - أُسلوب طرح المواضيع:
المعلّم هنا فاعل نشيط، فما تعلّمه في حياته الدراسية ينقله إلى طلاّبه، ويتقبّل ذلك بسبب الحالة الانفعالية التي هم
عليها. وبما أنّ نشاط المعلّم ذو بُعد واحد، فمن المحتمل أنّه يستطيع أن يقوّم ما يطرحه من مواضيع، وربّما يطرح مواضيع غير صحيحة كآراء ونظريات مُبرهِنة.
يتّسم هذا الأُسلوب بأنّه ذو بعد ديكتاتوري، لأنّ المعلم يفرض رأيه على الطلاّب فرضاً، وذهن الطالب بمثابة مستودع يملأه المعلّم. علماً بأنّ تعلّم المواضيع العلمية غير مؤثّر في تغيير سلوك الطالب، فيلاقي الطالب صعوبة في فهم المواضيع واستيعابها، ويستمدّ العون من ذاكرته لتعلّم المواضيع المطروحة، وينقل إلى ذهنه أشياء غير مترابطة من خلال القراءة المتكرّرة.
2 - أُسلوب إبداء الرأي:
تطرح هنا مواضيع متنوّعة، فيُبدي الطلاّب آراءهم فيها. إنّ طريقة إبداء الرأي أو التعبير عن وجهة النظر من قِبَل الطلاّب غير مصحوبة بحركة فكرية، فما يدور في الصف هو عرض آراء غير منطقية، وإبداء وجهات نظر ضحلة.
كلُّ طالب حر في التعبير عن رأيه. وكما مرّ بنا - فيما مضى - فإنّ المناقشة ليس بالشكل الذي يفيد الطالب من قوّة تفكيره، لإبداء رأيه، أو مناقشة آراء الآخرين. المعلّم غير فعّال في تطبيق هذا الأُسلوب، أمّا نشاط الطالب فإنّه غير مثمر، إذ ليس هناك مسألة أو موضوع يوجّه المناقشة، والنتيجة هي تضييع الوقت، ومن ثمّ حفظ المواضيع الموجودة في الكتاب الدراسي.
3 - أُسلوب البحث والتحقيق:
إنّ الأُسلوب الأساس في التعليم هو أُسلوب البحث والتحقيق، بيد أنّه يجب أن تتّضح هويّة البحث، والتحقيق، لكي لا يتّخذ تطبيق هذا الأُسلوب طابعَ إبداءِ الرأي.
يعمل المعلّم والطالب على تحديد المسائل الأساسية عند تعاملهما مع مواضيع الكتاب، وبالإستفادة من تجاربهما.
فيتمّ طرح المسائل عن طريق التفكّر والبحث. ولعلّ أمراً ما يكون مشكلة
بالنسبة إلى أحد الطلاّب، بيد أنّ قليلاً من الإمعان سوف يلفت نظره إلى عكس ما تصوّره.
بإيجاز: تُطرح المسائل ذات العلاقة، قبل عرض أيّ بحث، وبعد تحديد المسائل، يحاول الطالب علاجها بالاستفادة من المصادر المتنوّعة، وباستعمال فكره. في هذا الإطار، يمكن أن يقوم كلُّ طالب أو مجاميع صغيرة من الطلاّب بجمع المعلومات والآراء من أجل حلّ المسائل، فيقدّم أحدهم نتيجة مشاهداته، ويعرض الآخر ما تمخّضت عنه تجربته وتحليله، ويطرح الثالث عصارة تفكّره في المسألة. في هذه المرحلة بالذات، يضع كلُّ واحد من الطلاّب معلوماته المتجمعّة تحت تصرّف الآخرين، وفي هذه العملية، يدقّق الطالب كيفيّة تنظيم المواضيع، وكيفيّة تبيانها، وعلاقة ما يُطرح بالمسألة التي هي مَثار البحث، ومن ثمّ يتعلّم أشياء أساسيّة. عند ذلك يتحول الصف أو الدرس إلى ميدان للبحث والتحقيق في المسألة ذات العلاقة، والمواضيع المرتبطة بها. يتمّ بعد ذلك تحليل الآراء المطروحة، ويستطيع الطالب أن يحدّد دليله على كلِّ رأي، ويوضّح صلة ذلك بالموضوع المطروح. وفي هذا الأُسلوب، يقدّم المعلّم المواضيع اللازمة حيناً، وحيناً آخر يقدّمها الطالب. بيد أنّ طرح الموضوع يتحقق من خلال المسألة التي هي مَثار البحث. وينبغي أن يستوعب المعلّم والطالب كلاهما المواضيع المقدّمة، ويعملا على تقويمها، ويقرّا - آخر الأمر - بالرأي الأكثر موضوعية ومنطقيّة. وفي تطبيق كلّ بعد من هذه العملية، يتعلّم المعلّم والطالب أشياء أساسيّة.
إنّ هذا الأُسلوب لا يصعِّد من المستوى العلمي للطلاّب فحسب، بل ويؤثّر في تغيير أفكارهم، وتربية مهاراتهم الأساسية في الاستدلال.
يستفاد من هذا الأُسلوب - عادةً - في المدارس الدينية، فيقوم الطالب بالمطالعة قبل الدرس، ويبذل جهده لتحديد المسائل الأساسية، ويعدّ نفسه للمشاركة في البحث عن طريق المطالعة. في عقيدتي، إنّ هذا الأُسلوب صالح للتطبيق في مؤسّساتنا التعليمية.
إنّ تطبيق أُسلوب البحث والتحقيق يعلّم المعلّم والطالب معاً، كيفية التعامل
مع المسائل، وطريقة تقويم الآراء، والمهارات الأساسية في الاستدلال. علماً بأنّ إصرار المدارس الدينية على دراسة المنطق هو لأجل أن يعدّ الطلاّب أنفسهم لتطبيق أُسلوب البحث والتحقيق. وفي تطبيق هذا الأُسلوب، ينمو الطالب من الناحية الفكرية، ويصبح له رأيه المستقلّ تدريجياً، ويُبادر شخصياً إلى قبول الآراء أو رفضها.
يلتحق الطالب بهذه المرحلة الدراسية بعد اجتيازه المرحلة التمهيدية (مرحلة السطوح) للدراسات الدينية، فتزول محدودية الكتاب والدرس في هذه المرحلة، حيث يُفترض أن يكون الطالب قد كسب المعلومات اللازمة. وهنا يُطبّق أُسلوب البحث والتحقيق في هذه المرحلة بنحوٍ تام. ويدير الدراسة في هذه المرحلة أساتذة بارزون، وتظهر قوّة الإبداع المودعة عند الطلاّب مضافاً إلى الفهم والتعقّل، ويجتاز الطالب فيها مرحلة مناقشة مواضيع الآخرين ودراستها، ليقوم بنفسه بطرح مواضيع جديدة. الدراسة في هذه المرحلة، مثال رائع للعلماء وأساتذة الجامعات، من الناحية التربوية.
على العموم، إنّ ما يُميّز النظام التربوي للحوزات الدينية هو مايلي:
1 - الجمع بين التقوى والعلم.
2 - الإيمان بالأشياء التي يتعلّمها الطالب.
3 - شموليّة الأهداف وسعتها.
4 - مرونة البرامج الدراسية.
5 - يتمّ انتخاب موادّ البرنامج حسب الأهداف.
6 - يتماثل محتوى كلِّ مادّة مع الأهداف التربوية والتعلميمية.
____________________
(*) ويُصطلح عليها (البحث الخارج) حوزويّاً. تقابل هذه المرحلة مرحلة الدراسات العليا في الجامعات، بل هي أركز منها وأعمق، وبما أنّ هذا الاصطلاح الحوزوي ليس اصطلاحاً عربياً، لذلك آثرت تعريبه وفقاً لموضوعه.
7 - ينصبُّ الاهتمام عمليّاً على ما هو مؤثّر في التعلّم.
8 - إنّ المحفِّز على الدراسة والتعلّم، أفضل من الحصول على الشهادة أو نيل الامتيازات الماديّة.
9 - تُراعى الفروق الفردية بنحو تام.
10 - يُحتَرَم استقلال الطالب في انتخاب الأُستاذ، والدرس، والكتاب، وفي التعبير عن رأيه.
11 - يواكب الأُستاذ والطالب كلاهما هدفاً واحداً.
الفهرس
مقدّمة المترجم5
تمهيد 9
الثورة الثقافيّة والتعليميّة11
الثقافة13
التربية والتعليم والتراث الثقافي 15
الثقافة الإسلاميّة15
المساهمة الجماعية في الثورة الثقافيّة16
الثورة التعليميّة16
المسألة الأساسيّة في التربية والتعليم18
الالتزام والاختصاص 18
التعليم ماقبل المرحلة الابتدائية20
التعليم الابتدائي 20
التخطيط في المرحلة الابتدائية20
التخطيط في المرحلة المتوسّطة20
التعليم الثانوي 21
التعليم العالي 22
إعداد المعلّمين 25
خاصّيّتان أساسيّتان للإنسان 27
مقارنة الإسلام مع النُظُم القائمة في الشرق والغرب 31
النّظام التّربوي في الإسلام37
خصائص النظام التربوي في الإسلام39
الأُولى: البُعد الإلهي 39
خصائص التربية الإلهيّة40
الكمال 41
الانسجام مع الفطرة البشرية (المرونة)41
خلود الحياة البشرية42
التربية الإلهيّة والسعادة الأبدية43
الثانية: البعد الإرشادي (التوجيهي)43
الهداية التكوينيّة44
الهداية التشريعيّة44
هداية الإنسان 44
الهداية والتربية والتعليم46
هداية الفرد47
الإسلام وهداية الفرد50
البُعد الإيماني 50
الجانب العقلي 52
هوية العقل 53
مراحل النشاط العقلي 54
1- تحليل الظرف أو الوضع 54
2 - تحديد المشكلة54
3 - جمع المعلومات 55
4 - إعداد الحلول 56
5 - انتخاب أفضل الحلول 57
البعد العاطفي 57
الوعي العاطفي 59
البُعد الاجتماعي 61
التكييف الاجتماعي 61
التعاون 63
المعارضة64
الوفاق 66
العلاقات مع الآخرين 66
التربية البدنية66
الثالثة: البُعد الحركي 67
الرابعة: البُعد العقلي 70
الأحكام الإسلامية74
القيم الأخلاقية75
التعليم في الإسلام81
اتجاهان رئيسان في التّربية والتّعليم83
الدراسة والتدريب 83
طريقة تعلّم الإنسان 83
اتجاهان في التعلّم84
الأول: التدريب 84
الثاني: الدراسة87
الاتّجاه التربوي في عصرنا 88
التدريب 94
الخضوع للتوقّع 96
الدراسة97
الأُسس التربوية في الإسلام100
الخامس: البُعد الثوري 104
تبديل النظام القائم108
منع الكنز وتكديس الثروة109
الأحاديث 113
السادس: استمرار التربية والتعليم114
السابع: عموميّة التربية والتعليم117
الأهداف التربويّة في الإسلام121
عبادة الله هدف تربوي أساس 123
التقوى 125
التقوى والحريّة133
تعليم الحكمة هدف تربوي أساس 138
تربية روح الدعوة إلى العدالة هدف تربوي 141
تكامل الإنسان كهدف تربوي 143
هويّة الإنسان 143
مراحل النفس 143
الفضيلة والرذيلة في الإنسان 144
استقلال الشخص 144
مسؤولية الإنسان 145
تغيير سلوك الإنسان 146
احترام الإنسان 147
الإيمان بكفاءة الناس 149
الأُخوّة والتعاون كهدفين تربويين 150
الصداقة مع الشعوب الأُخرى إحدى الأهداف التربوية الأساسية أيضاً151
تربية قوّة التفكّر هدف تربوي أساس 152
تربية الروح الاجتماعية هدف تربوي أساس 153
تربية الشخصية الأخلاقية هدف أساس آخر للتربية153
الأساليب التربوية في الإسلام154
دمج العلم في العمل 154
العلم والعمل في التعليم155
علاقة العلم بالتفكّر والأخلاق 156
الجمع بين الإيمان والعمل 157
الجهاد في سبيل الله والكفاح ضدّ الطاغوت:158
القيام بالقسط:158
حرمة أكل أَموال الناس ومنع الكنز وتكديس الثروة:158
الجهاد في سبيل الحق واحتقار الدنيا في مقابل الآخرة:158
تضامن المؤمنين ومودّة بعضهم البعض:159
الإيمان بالله والرسول والجهاد في سبيل الله:159
دمج الإيمان في العقل 159
التربية العملية161
سيرة الأنبياء والأئمّة عليهمالسلام 161
قيمة العلم162
التعاون في شؤون الحياة اليومية163
خدمة الناس 164
السيطرة على العواطف 165
مساواة الناس أمام القانون 166
حياة المستضعفين 167
منع تكديس الثروة168
مراعاة العدالة168
قيمة العمل 169
المعايير الإسلامية169
احترام الناس على أساس التقوى 171
مكافحة الخرافات 172
الانفتاح ورحابة الصدر أمام المخالفين 172
مواساة الآخرين 173
مكافحة المتزمّتين 173
الوصيّة الأخيرة للإمام علي عليهالسلام 174
التعاون في أُمور البيت 176
المنهج العقلي في التربية الإسلامية176
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر178
البعد الإرشادي أو التوجيهي 178
الجهاد أُسلوب تربوي حاسم181
جهاد النفس 182
المكافأة والعقوبة184
أساس علم النفس 185
التوبة أُسلوب تربوي 188
النصيحة والموعظة189
التربية عن طريق ذكر المثل 190
التربية عن طريق قصص الأُمم والشعوب 190
الدعاء والتضرّع 191
الدعاء للهداية192
الدعاء للاستغفار والتوبة192
الدعاء لذكر الله دائماً192
الدعاء في مجال الإخلاص 192
محتوى النظام التربوي في الإسلام196
ما هو النظام التربوي؟197
النظام التربوي في إيران 198
المؤسّسات التعليمية الجديدة198
النظام المصطلح عليه حديثاً: التربية والتعليم200
التعليم العالي في إيران 202
النظام التربوي في الحوزات العلمية203
الأهداف في النظام التربوي للحوزات الدينية204
البرامج التعليمية204
مرونة البرنامج التعليمي 205
طريقة التعلّم208
دور الطالب 209
أُسلوب التعلّم في المدارس الدينية210
مرحلة الدراسة العليا في الحوزات الدينية213