السيدة رقية بنت الامام الحسين عليه السلام
التجميع شخصيات إسلامية
الکاتب الشيخ علي ربّاني الخلخالي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ

كلمة المترجم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على الهادي البشير والسراج المنير محمّد وآله الطاهرين.

أمّا بعد ، فأنّ الذي يلاحظ صفحات التاريخ يجدها قد ضمّت بين طيّاتها للعديد من الأحداث التي لاتفيد البشرية في حياتها شيئاً. فالكثير من كتب التاريخ ملئت بمخازي الحكّام الطغاة وكيف أنّهم كانوا يحيون لياليهم في اللهو والمجون وإعاثة الفساد في البلاد الإسلامية. بل إنّ بعض مقاطع التاريخ خصّصت حول سيرة المجهولين الذين لم يكن لهم أيّة خدمة للبشرية ، وإنّما لمجرّد أنّهم كانوا من حاشية السلاطين أو من مريديهم.

ومع الأسف الشديد مقابل افراط كهذا في تسليط الأضواء على بعض الشخصيات الذين لا تستفيد البشرية من معرفتهم شيئاً نجد أنّ الكثير من عظماء التاريخ قد بخسوا حقّهم وضاعت سيرتهم المعطاءة التي كانت مركز إشعاع واستفادة للناس. وفي واقع الأمر إنّ المسؤولية في ذلك تعود إلى كتّاب التاريخ الذين خضعوا لأهوائهم واستسلموا لضغوط الحكومات التي ظلّت تدعوهم إلى طمس الحقائق المفيدة التي يمكن أن تخدم الأجيال الصاعدة عبر العصور المختلفة.

ومن الذين بخسوا حقّهم وضاعت تفاصيل سيرتهم الوضّاءة هم أبناء المعصومين الأربعة عشر عليهم السلام حيث تعمّد الكثير من مؤرخي التاريخ بإيعاز من سلاطين الجور في إقصاء الحقائق المهمّة من حياتهم عملوا جاهدين من أجل تضييع كلّ ما يرتبط بهم من قريب أو بعيد. وبالفعل فقد وفّقوا ي ذلك بحيث إنّ الباحث اليوم لا يجد من تاريخ بعضهم شيئاً يذكر سوى بعض المقتطفات البسيطة التي لا تتجاوز الأسطر القليلة. وهنا تتجلّى عظمة هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ حيث إنّه جمع بين طيّاته أكبر قدر يمكن تحصيله حول نجمة من نجوم أهل البيت عليهم السلام وكوكبة من أنوار قدس المعصومين عليهم السلام ألا وهي عزيزة سيّد الشهداء عليه السلام السيّدة رقيّة بنت الإمام الحسين عليه السلام التي أُيتمت على صغر سنّها وعايشت المآسي رغم نعومة أظفارها إلى أن فارقت الحياة الدنيا في خربة الشام شهيدة مظلومة.

يبقى القول إنّ هذا الكتاب بمثابة فتح الباب للبحث والتحرّي حول سيرة هذه السيّدة الجليلة التي تحدّث الطاغية على صغر سنّها وهزّت عرشه وكيانه بمظلوميتها ، فسلام الله عليها يوم ولدت ويوم عاشت سعيدة ويوم تبعث حيّة.

الشيخ جاسم الأديب

قم المقدّسة


المقدّمة

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم وغاصبي حقوقهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم من الجنّ والإنس أجمعين إلى يوم الدين.

قال رسول الله صلى الله عليه واله : «النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأُمّتي»(1) .

وقال رسول الله صلى الله عليه واله : «النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أما لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض»(2) .

وقال صلى الله عليه واله : «النجوم أمان لأهل الأُض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف»(3) . وقد عدّ الحاكم الرواية صحيحة وصحّحها آخرون ونقلوها عنه.

وقال الشيخ الصبان في كتاب «إسعاف الراغبين» بعد ذكره لهذه الرواية : قد يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى :( وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) (4) أُقيم أهل بيته مقامه في الأمان لأنّهم منه وهو صلى الله عليه واله منهم عليهم السلام(5) .

ونقل الحاكم عن طريق أبي موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه واله أنّه قال : «النجوم أمان لأهب السماء ، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء وإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض»(6) . وعلى هذا الأساس فأهل بيت النبي صلى الله عليه واله في

__________________

(1) انظر ملحقات إحقاق الحقّ للمرجع الكبير آية الله العظمى السيّج شهاب الدين المرعشي (النجفي المتوفّى عام 1411 ه) ج 33 ص 61 الطبعة الأُولى ، ولمزيد من التوضيح راجع كتاب (سيرتنا وسنّتنا) تأليف المرحوم العلّامة الأميني صاحب موسوعة الغدير.

(2) بحار الأنوار ج 27 ص 309 ح 6.

(3) سيرتنا وسنّتنا للعلّامة الأميني.

(4) سورة الأنفال : 33.

(5) إسعاف الراغبين وهو هامش على نور الأبصار ص 141.

(6) أمالي الطوسي ص 379.


كلّ زمان ومكان نجوم نورانية متألّقة في سماء الفضيلة ينيرون درب الهداية للسائرين.

وهذا الكتاب «كوكبة الشام المتألّقة السيّدة رقيّة بنت الإمام الحسين عليهما السلام» الذي نضعه بين يديك عزيزي القارئ عبارة عن تأريخ حياة هذه السيّدة الجليلة واستعراض لقصّتها التي تُبكي الحجر. والتي شاركت في إيصال مظلومية الإمام الحسين وثورته الخالدة في عاشوراء على صغر سنّها ، فها هو قبرها الصغير اليوم إلى جانب القصر الأخضر لمعاوية ويزيد (لعنهما الله) من أقوى الأدلّة على إدانتهما وهو شاهد آخر على مظلومية أهل البيت عليهم السلام واستبداد آل أُميّة وطاغوتيتهم الذين عبّر عنهم القرآن الكريم بـ «الشجرة الملعونة في القرآن»(1) وقبل البدء نذكر هذا الحديث الشريف لتنوير قلوب محبّي أهل البيت عليهم السلام وإحراقاً لقلوب أعدائهم حيث قال رسول الله صلى الله عليه واله : «معرفة آل محمّد براءة من النار وحبّ آل محمّد جواز على الصراط ، والولاية لآل محمّد أمان من العذاب»(2) .

سبب تأليف الكتاب

في حدود عام 56 ـ 57 شمسي الموافق عام 1978 م تقريباً مرض أحد أبنائي مرضاً شديداً ألمّ به حتّى أيقنّا بأنه سيُعاق في المستقبل على أقلّ التقادير ، ولكن مع ذلك توسّلنا بعزيزة الحسين عليه السلام صاحبة الهمّ والغمّ السيّدة رقيّة عليها السلام بعدما راجعنا الطبيب وعملنا طبق إرشاداته ، فنذرت لله تعالى نذراً في كتابة كتاب عن هذه الماجدة الصغيرة إن قام ولدي من مرضه بسلام ، والحمد لله فببركة عنايات هذه الكوكبة الماجدة من آل محمّد صلى الله عليه واله شُفي ولدي وكأن شيئاً لم يكن ، ومنذ ذلك الوقت شرعت في مطالعة المصادر والكتب التي تناولت ذكر السيّدة رقيّة عليها السلام فجمعت منها ما استطعت بعد جهد وعناء.

__________________

(1) سورة الإسراء : 60.

(2) البحار للمجلسي (المتوفّى عام 1111 ه) ، والمراجعات للمرحوم شرف الدين العاملي (المتوفّى عام 1377 ه) ص 29 ، والغدير.


إلّا أنّ مدوناتي هذه بقيت فترة من الزمن من دون أن أُنسّقها وأُرتّبها إلى أن طبعت الجزء الأوّل من كتابي «الشخصية المتألذقة ـ اللامعة ـ قمر بني هاشم أبا الفضل العبّاس عليه السلام»(1) . الذي قدّمته إلى محبّي أهل البيت عليهم السلام وحينها ذكّرتني زوجتي ـ حفظها الله وأولادها من فتن وشرور آخر الزمان ـ بنذري وقالت لي : حاول أن تعمل بنذرك ، وكان ذلك منها قبل حلول محرّم الحرام عام 1418 ه ومنذ ذلك الوقت نويت أن أبدأ بتأليف الكتاب ، إلّا أنّ التفكير بالمشاكل وصعوبات الحياة عاقني عن تحقيق نذري فتأخّرت في إنجازه ولذلك كنت مهموماً لهذا التأخير فتوسّلت إلى الله تعالى بعد صلاة الصبح وطلبت منه الاستعداد لإكمال هذا الكتاب ثمّ استخرت الله في ذلك فخرجت الآية الكريمة :( وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ ) (2) التي أخرجت من قلبي كلّ شكّ وتردّد ، ومنذ ذلك اليوم بدأت العمل بهذا الكتاب إلى أن انتهيت منه وأشكر الله سبحانه وتعالى الذي شملني بالطفه وعنايته حتّى استطعت أن أُنجزه بأقلّ وقت وهو بضاعة مزجاة من حياة السيّدة المظلومة والدرّة اليتيمة رقيّة سلام الله عليها أُقدّمه إلى جميع شيعة أهل البيت عليهم السلام ونرفع من خلاله الستار عن ظلامتها وظلامة آل الله صلوات الله عليهم ، ونكشف الحقيقة عن أعدائهم وظالميهم ولله الحمد وله الشكر.

وكلّي أمل أن يكون هذا الأثر المبارك مورداً مقبولاً عند منقذ البشرية الكبير المنتقم للدماء المراقة للشهداء في كربلاء الحجّة ابن الحسن العسكري عجّل الله فرجه الشريف.

11 شعبان 1418 ه ـ مولد علي الأكبر عليه السلام

قم ـ حرم أهل البيت عليهم السلام

الشيخ علي الربّاني الخلخالي

__________________

(1) الذي تضمّن حياته الشريفة مع 240 كرامة له عليه السلام مع الشيعة وأهل السنّة والمسيحيين والزرادشتيين.

(2) سورة الحج : 31.


الفصل الأوّل

[السيّدة رقيّة في المستندات التأريخية]

أقدم المصادر التأريخية حول السيّدة رقيّة عليها السلام :

(1)

ذكر المرحوم الحاج آية الله الميرزا هاشم الخراساني (المتوفّى عام 1352 ه) في منتخب التواريخ : قال لي العالم الجليل الشيخ محمّد علي الشامي وهو من جملة العلماء العاملين في النجف الأشرف : أنّ جدّ أُمّي السيّد إبراهيم الدمشقي الذي ينتهي نسبه إلى السيّد المرتضى علم الهدى كان في زمانه قد تجاوز عمره التسعين ويُعدّ في عصره من الأشراف والأجلّاء وكان عنده ثلاث بنات فقط وليس له أي ذكر.

وفي واحدة من الليالي رأت ابنته الكبيرة السيّد رقيّة عليها السلام في عالم الرؤيا وقد طلبت منها أن تخبر والدها أنّ الماء قد تسرّب إلى قبرها ولحدها ممّا تسبّب في إحداث ضرراً في بدنها الشريف وطالبتها أن تقول له بضرورة إصلاح القبر طالباً ذلك من والي الشام ، فامتثلت الفتاة لذلك إلّا أنّ السيّد خشي من أهل السنّة فلم يبدِ اعتناءً بهذا المنام.

وفي الليلة الثانية تكرّر الأمر مع ابنته الوسطى وأخبرته بذلك أيضاً إلّا أنّ السيّد بقي متردّداً وخائفاً ، وفي الليلة الثالثة جاءت السيّدة رقيّة عليها السلام لابنته الصغرى في عالم الرؤيا وجرى ما جرى سابقاً ، إلى أن رأى السيّدة رقيّة في المنام في الليلة الرابعة وهي تقول له معاتبة : لماذا لم تخبر الوالي؟!

وفي الصباح انطلق السيّد إلى والي الشام وحدّثه بالرؤيا وما حصل معه ومع بناته ، فأمر الوالي علماء السنّة والشيعة بالغُسل وارتداء أنظف ثيابهم ثمّ قال لهم : إنّا سنعطي مفتاح القبر لكلّ واحد منكم ، وكلّ مَن فُتح القفل بيده فهو الذي ينزل إلى القبر ويُخرج


الجسد الطاهر ليتمّ إصلاحه(1) ، وفعلاً فقد اغتسلوا كلّهم ولبسوا أنظف ثيابهم وذهبوا برفقة الوالي إلى القبر الطاهر وحينها لم يعمل المفتاح عمله إلّا بيد السيّد إبراهيم ، وحينما حاولوا نبش القبر وحفره لم تعمل الفؤوس إلّا بيد السيّد إبراهيم وفعلاً فقد حفروه بعدما أخرجوا الناس من الحرم الشريف ثمّ شاهدوا جسد هذه الطاهرة طريّاً وهي مكفّنة إلّا أنّ الماء قد تجمّع في لحدها. فحمل السيّد الشريف هذه المخدّرة الطاهرة بيديه وأخرجها من اللحد وحملها على ذراعيه وخرج بها وهكذا بقيت على ذراعيه وهو يهمل عليها الدموع الجاريات على ما نزل بهذه الماجدة الصغيرة ، فاستمرّ الوضع ثلاثة أيّام كان السيّد خلالها لا يترك هذه السيّدة العظيمة إلّا في أوقات الصلاة فكان يضعها على شيء طاهر ونظيف ويؤدّي صلاته ثمّ يعود ليحملها مرّة أُخرى ، ومن العجائب أنّ السيّد طيلة هذه الفترة ما كان بحاجة إلى الأكل والشرب والوضوء ببركة السيّدة رقيّة عليها السلام وهي إحدى كراماتها حتّى انتهوا من إصلاح القبر ، وقام السيّد ليدفنها ولكنّه طلب من الله تعالى متوسّلاً إليه بهذه السيّدة الماجدة أن يرزقه ولداً فحقّق الله له مرامه ورزقه ولداً سمّاه السيّد مصطفى.

ثمّ قام الوالي بنقل هذه الاعجوبة إلى السلطان عبد الحميد العثماني فأمرا لأخير بجعل تولية مرقد السيّدة زينب عليها السلام ومرقد السيّدة رقيّة عليها السلام ومرقد السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام مرقد السيّدة سكينة عليها السلام بيد السيّد إبراهيم ومنه انتقلت إلى ولده السيّد مصطفى ومنه إلى ولده السيّد عبّاس.

قال ناقل القصّة آية الله الحاج الميرزا هاشم الخراساني : وكان تأريخ هذه الحادثة الجليلة في حدود عام 1280 ه(2) .

وقد نقل المرحوم آية الله السيّد هادي الخراساني هذه القصّة في كتابه «المعجزات

__________________

(1) يحتمل أنّ الوالي قام بذلك لأجل التأكّد من صحّة الرؤيا.

(2) منتخب التواريخ ص 388 الباب 6 طبع ونشر علمية إسلامية.


والكرامات» ثمّ قال :

لقد كنّا ذات مرّة نياماً مع جماعة وقد لدغت الحيّة أحدنا وكلّما عالجها بالأدوية والمراهم ولكن دون جدوى ، وفي نهاية الأمر جاء عندنا أحد الشباب يدعى بالسيّد عبد الأمير وقال : أين الرجل الذي لدغته الحيّة؟ ثمّ أخذ بيده بعدما عيّنوا له الموضع فأمرّ يده على المكان فشوفي للحال والتفت السيّد إلينا وقال : أنا لا أملك دعاءً ولا دواءً غاية الأمر أنّ لنا كرامة موروثة من جدّنا الأعلى عندما كان في الشام وقد حمل السيّدة رقيّة عليها السلام على ذراعيه ثلاثة أيّام متتالية حتّى أصلحوا قبرها وأبعدوا الماء عنه ومنذ ذلك الحين أُعطيت هذه الكرامة له وهي الشفاء من لسعة الزنبور أو العقرب أو الحيّة السامّة وبقيت في نسله إلى أن وصلت إلينا.

(2)

يُعتقد أنّ تأريخ بناء المرقد الشريف يعود في أقلّ التقادير إلى أكثر من ثلاثمائة عام ، (أي قبل أربعة قرون ونصف من تأريخنا الحاضر).

يقول عبدالوهاب بن أحمد الشافعي المصري المشهور بالشعراني (المتوفّى عام 973 ه) في كتاب «المنن» : وأخبرني بعض الخواص أنّ رقيّة بنت الحسين عليه السلام في المشهد القريب من جامع دار الخليفة وهو معروف الآن بجامع شجرة الدرّ والمكان الذي فيه السيّدة رقيّة عن يمينه ومكتوب على الحجر الذي ببابه : هذا البيت بقعة شرّفت بآل النبي صلى الله عليه واله وببنت الحسين الشهيد ، رقية عليها السلام(1) .

(3)

ويقول المؤرخ الخبير والناقد البصير عماد الدين الحسن بن علي بن محمّد الطبري المعاصر للخواجة نصير الدين الطوسي في الكتاب الجليل «كامل البهائي» :

إنّ نساء أهل بيت النبوّة أخفين على الأطفال شهادة آبائهم وكن يقلن لهم : أنّ

__________________

(1) معاني السبطين ج 2 ص 162 ط الشريف الرضي ـ قم.


آبائكم قد سافروا إلى كذا وكذا وكان الحال على ذلك المنوال حتّى أمر يزيد أن يدخلن داره وكان للحسين عليه السلام بنت صغيرة لها أربع سنين قامت ليلة من منامها وقالت : أين أبي الحسين فإنّي رأيته في المنام مضطرباً شديداً؟ فلمّا سمع النسوة ذلك بكين وبكى معهنّ سائر الأطفال وارتفع العويل فانتبه يزيد من نومه وقال : ما الخبر؟ ففضحوا عن الواقعة وقصّوها عليه فأمر (لعنه الله) أن يذهبوا برأس أبيها فأتوا بالرأس الشريف وجعلوه في حجرها ، فقالت : ما هذا؟ قالوا : رأس أبيك ففزعت الصبية وصاحت فمرضت وتوفّيت في أيّامها بالشام(1) .

ويُعدّ هذا الكتاب (لعماد الدين الطبري) من الكتب النادرة الذي قلّ نظيره وقد كتبه سنة 675 ه معتمداً فيه على المصادر المهمّة والكثيرة التي لا وجود لها في عصرنا الحاضر بسبب تلفها وضياعها عبر هذا الزمان الكَلِب وبعضها تمّ إحراقه من قِبل أعداء أهل البيت عليهم السلام.

يقول المرحوم المحدّث القمّي قدس سره : كتاب «كامل البهائي» تأليف عماد الدين الطبري ذلك الشيخ العالم ، والماهر الخبير ، والمتدرّب النحرير ، والمتكلّم الجليل ، والمحدّث النبيل ، والفاضل الفهّامة فرغ من تأليفه سنة 675 ه بعد عناء طويل استغرق (12) سنة انعكف فيها على تأليفه ، وهو كتاب مليئ بالفائدة ....

وأضاف المحدّث القمّي قائلاً : ويعلم من الكتاب أنّ الكثير من نسخ الأُصول والكتب القديمة للأصحاب كانت موجودة عند المؤلّف ، ونحن نشير إلى أحد هذه الكتب التي كانت بيد المؤلّف ولم تصلنا إلّا وهو كتاب «الحاوية في مثالب معاوية» تأليف قاسم ابن محمّد بن أحمد المأموني وهو أحد علماء السنّة.

وقد نقل عماد الدين الطبري قصّة السيّدة رقيّة من هذا الكتاب(2) .

__________________

(1) كامل البهائي ج 2 ص 179.

(2) الفوائد الرضوية ص 111.


وعلى ضوء ذلك يمكن القول أنّ تأريخ قصّة السيّدة رقيّة عليها السلام يرجع إلى سبعمائة عام ونصف تقريباً.

وبغضّ النظر عن ذلك فإنّ هناك بعض مصنّفات التاريخ أشارت إلى وجود السيّدة رقيّة عليها السلام منها كتاب «اللهوف» لابن طاووس قدس سره.

(4)

يُعدّ كتاب (اللهوف) للسيّد ابن طاووس المتوفّى عام 664 ه المعروف بكثرة إحاطته بالنصوص الروائية والأحداث التأريخية الإسلامية الشيعية ، من أقدم الكتب التي جاء فيه ذكر اسم السيّدة رقية عليها السلام ، فقد ذكر السيّد رحمه الله في كتابه هذا عبارة للإمام الحسين عليه السلام حينما دعا أُخته زينب عليها السلام للصبر والتحمّل فقال : «يا أُختاه يا أُمّ كلثوم وأنتِ يا زينب ، وأنتِ يا رقية ، وأنتِ يافاطمة ، وأنتِ يا رباب انظرن إذا أنا قُتلت فلا تشققن عليَّ جيباً ولا تخمشن عليَّ وجهاً ولا تقلن عليَّ هجراً(1) .

وهذا يعني أنّ السيّدة رقيّة عليها السلام كانت في كربلاء ، وممّا يؤيّد ذلك أيضاً ما ذكره الشيخ سليمان بن إبراهيم النقدوزي الحنفي (المتوفّى عام 1294 ه) في كتابه «ينابيع المودّة» نقلاً عن مقتل أبي مخنف : فبعدما ما ذكر كيفية استشهاد أصغر أولاد الحسين عليه السلام وهو الذي لم يتجاوز الستّة أشهر قال : ثمّ نادى عليه السلام : يا أُمّ كلثوم ويا سكينة ويا رقيّة ويا عاتكة ويا زينب يا أهل بيتي عليكنّ منّي السلام(2) .

والسؤال هنا هو : أيمكن أن نجد للسيّدة رقيّة عليها السلام ذكراً في المصادر التي هي أقدم من هذه إذا رجعنا إلى التأريخ أكثر؟ هذا ما سنتناوله وله في البحث القادم.

__________________

(1) اللهوف في قتلى الطفوف ص 140 ـ 141 تحقيق الشيخ فارس تبريزيان ط أُسوة 1414.

(2) ينابيع المودّة ص 346 ، وإحقاق الحقّ ج 11 ص 633 وانظر مقتل أبي مخنف ص 131 طبع الشريف الرضي وعبارته هذه : ثمّ نادى يا أُمّ كلثوم ويا زينب ويا سكينة ويارقية ويا عاتكة ويا صفية عليكنّ منّي السلام.


(5)

من الواضح لدى كلّ مَن له إلمامة واطّلاع على التأريخ الإسلامي الشيعي أنّ الشيعة تعرّضوا لجميع أنواع الاستبداد والعنف والقهر من قِبل السلاطين وحكّام الجور على طول التاريخ ، فكم مرّة ومرّة كانوا عرضة لهجوم المستبدّين ووحشيتهم حتّى تعرّض أبرز رجالهم للقتل والاستشهاد ، كما وتعرّضت الآثار العلمية لعلمائهم من كتب ورسائل وموسوعات إلى عمليات إبادة وحرق ، ومنها : المجزرة الشهيرة التي قام بها محمود الغزنوي في عام 423 ه وحرقه للكتب ، وحادثة إحراق الكتب التي قام بها طغرل في بغداد في عصر الشيخ الطوسي ، وهكذا حادثة حسَنَك الوزير ومجزرة «الجزّار» الحاكم العثماني في الشام وحرقه للكتب في جنوب لبنان و... الخ.

وعلى كلّ فقد عانى الشيعة الكثير من الآلام والمآسي والاضطهاد في التأريخ ممّا أدّى إلى أمرين :

أوّلاً : عدم توفّر الفرص المناسبة لتدوين هذه الحوادث التأريخية.

ثانياً : عدم القدرة على حفظ ما تمّ تدوينه لا سيّما تلك المطالب التي لها صلة في إثبات مظلومية الشيعة ، أو عن جرم وقساوة أعدائهم من حكّام الجور. فقد أدّت الحوادث العصبية إلى ضياع أكثر هذه المدوّنات ولم يبق إلّا القليل القليل ، أو ما هو يتناول شفهياً بين رجال الشيعة من جيل إلى جيل فبقى شاخصاً في الذهنية الشيعية ولكن من دون سند بل هي مشهورات تأريخية.

ولهذا لا ينقضي العجب حينما نرى الوثائق التأريخية حول السيّدة زينب الكبرى عليها السلام مثلاً قليلة جدّاً مع جلالتها وعظمتها ودورها الكبير في ثورة الإمام الحسين عليه السلام ، بل يمكن القول : أنّ ما هو موجود عن هذه السيّدة الجليلة يُعدّ صفراً على الشمال إذا قيس مع دورها التأريخي المهمّ ، وعليه فكيف سيكون الحال مع غيرها كالسيّدة أُمّ كلثوم أو السيّدة رقيّة عليها السلام؟!

ففي ظلّ الأوضاع الصعبة كيف سيكون عمل المحقّقين الذين تصل بهم الطرق


إلى نقطة مغلقة فلا يحصلون على المستندات التي قد تساهم في إبراز الواقع التاريخي بما هو مطلوب؟

وقد نحى بعض المحقّقين في مثل هذه المطالب منحىً سلبيّاً تمثّل في نفي هذه الحوادث الشهيرة تحت ذريعة «الاستحسان والذوق الشخصي» أو «مجرّد الاستبعاد» القابل للمناقشة والبحث العلمي ، أو قولهم إنّ هذه الحوادث والمطالب لم تستند إلى دليل قوي ، وهذا الطريق من أهل الطرق ـ أعني نفي الحقائق التأريخية المعروفة والشهيرة ـ بلا بذل أي جهد وعناء في الكشف عنها يمحو الحقيقة من الواقع أكثر من أن يحلّ معضلتها.

والطريق الآخر الذي سلكه البعض الآخر من المحقّقين تمثّل في تحمّلهم لعناء البحث العلمي وصبرهم في الوصول إلى الحقيقة وإثباتها بدل نفيها ، وهمّتهم في تجميع أكبر قدر يمكن تحصيله من القرائن والمؤيّدات التي تدعم الحادثة من مراجعة كتب التأريخ ، والتفسير واللغة والحديث بل ومراجعة دواوين الشعراء المعاصرين لتلك الحقبة الزمانية والدقّة في فهم النصوص ومدى دلالتها الالتزامية والمطابقية والبحث في منطوقها ومفهومها وأبعاد السياق اللفظي ومعالجة كلّ ذلك مع الواقع التأريخي آنذاك بكلّ تتبّع وإشراف ، ومن خلال ذلك يصل رويداً رويداً إلى اكتشاف الكثير من الحقائق فمثلاً :

عندما نتأمّل في موضوع إحراق الكتب الشيعية قديماً وعمليات الإبادة التي تعرّض لها رجالات الشيعة ، أو محاكم التفتيش العقائدي ـ إن صحّ التعبير ـ من قِبل سلاطين الجور ووعّاظهم نعرف الحقيقة التالية :

أوّلاً : أنّ عدم الحصول على الدليل التأريخي مع شهرة الحادثة لا يدلّ على عدمها وكما قالوا : عدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود.

ثانياً : لا يمكن دائماً وأبداً إجراء المقولة : لو كان لبان فننكر المشهورات تحت هذه الذريعة وذلك لأنّ للظروف مدخلية لا يمكن البتّ بدون ملاحظتها.

ثالثاً : لا يمكن وبكلّ بساطة أن ننكر ما عندنا من بعض الأدلّة والوثائق بدافع الاستبعاد أو الاستحسان الموجّه ، ونعدها من جملة الخرافات أو الموضوعات ، لأنّه من


الممكن أن يكون الاستبعاد ناتجاً عن عدم الاطّلاع أو عن الغفلة ببعض جوانب القضيّة التي لو عرفت لتبدّل الاستبعاد إلى حالة من القبول وفقاً للتحليل العلمي ، أو في أقلّ التقادير ينقدح في أُفق الذهن تصوّر جديد.

رابعاً : علينا أن ندرك أنّ دلالة الخبر الواحد أو غير المعتبر لا يستلزم بالضرورة الكذب وما هو خلاف الحقّ ، بل المطلوب هو أن نجعل مثل هذه الأخبار بديلاً عن قراراتنا القطعية في نفي الواقعة التأريخية ، لتكون ـ الأخبار ـ مورداً للبحث والتحقيق الواسع ويمكن الموازنة بينها وبين روايات أُخرى لنعرف الصحيح ، بل يمكن أن تكون هذه الأخبار الآحاد رأس خيط للوصول إلى حقائق كبيرة أو أنّها قد تصلح في حالة تعارض الأدلّة مؤيّداً ومرجّحاً لإحدى الطوائف.

وطبيعياً فإنّ الانكار يحتاج إلى دليل كما أنّ إثبات أي شيء بحاجة إلى دليل ، نعم ما لا يحتاج إلى دليل هو قول : لا أدري بل إنّ النفي يستلزم مؤونة أكثر من الإثبات ، وعلينا أن لا ننسى أنّ الاستحسانات أو الاستبعادات والتحليلات العقلية لها مكانها الخاص بها ولا يمكن أن نغليها تماماً ، كما لا يمكن أن نطرح الأُمور خلافاً للقواعد العقلية المسلّمة ، ولا ننسى أيضاً أنّ الكلمة الأخيرة في هذا الميدان هي : التتبّع والتحقيق التحليل في الأدلّة والوقائق التأريخية بشكل مباشر أو غير مباشر(1) .

والبحث الذي نحن بصدده عن السيّدة رقيّة عليها السلام لا يستثنى من هذه الأُصول والقواعد ، فمضاناً لما تقدّم منّا من ذكر المصادر التأريخية القديمة الدالّة على وجود هذه الشخصية ، أيمكن أن نستدلّ بمصادر أُخرى أكثر قدماً من «اللهوف» و «كامل البهائي» على وجود هذه الشخصية الشريفة من خلال التتبّع؟ الجواب بحمد لله هو نعم يمكن أن نجد أكثر من هذه المصادر لإثبات ذلك بالتتبّع والتحقيق.

فمن أقدم النصوص ـ على حسب تتبّعنا ـ الذي أشار إلى وجود هذه السيّدة

__________________

(1) أُنظر كتاب : الماء في عاشوراء.


الشريفة المظلومة المضطهدة بنت سيّد الشهداء عليه السلام في كربلاء المسّاة بـ (رقية) ـ إلى جانب السيّدة سكينة ـ هي القصيدة المؤلمة لسيف بن عميرة أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام.

(6)

إنّ سيف بن عميرة النخعي الكوفي هو من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام الأجلّاء ، وهو من رواة الشيعة المتألّقين والمشهورين فقد وثّقه الشيخ الطوسي في كتاب (الفهرست) وكذا النجاشي في كتاب «الرجال» ، والعلّامة الحلّي في كتاب (خلاصة الأقوال) وابن داود في الرجال أيضاً والعلّامة المجلسي في كتاب (الوجيزة) ، وقد عدّه ابن النديم في «الفهرست» من مشايخ الشيعة الذي يروي الفقه عن الأئمّة عليهم السلام وذكر الشيخ الطوسي في رجاله أنّ سيف ابن عميرة له كتاب رواية عن الإمام الصادق عليه السلام ، وقد ذكره المرحوم السيّد بحر العلوم في الفوائد الرجالية مع جملة رواة الشيعة المشهورين أمثال محمّد بن أبي عمير ويونس بن عبد الرحمن اللذين رويا عنه ، وسيف بن عميرة من جملة الذين رووا زيارة عاشوراء المعروفة نقلاً عن الإمام الباقر عليه السلام وهي زيارة مشهورة قد راج قرائتها طوال السنين عند الشيعة(1) .

على كلّ فإنّ لسيف بن عميرة قصيدة مؤلمة في رثاء سيّد الشهداء عليه السلام وهي التي مطلعها :

جلّ المصائب بمن أصبنا فاعذري

يا هذه وعن الملامة فاقصري

وهي قصيدة أليمة ومؤثّرة ، إلّا أنّ العلّامة السيّد محسن الأمين(2) وتبعه الشهيد

__________________

(1) سياه پوشي در سوگ ائمه نور «لبس السواد في عزاء أئمّة النور» تأليف المحقّق القدير الشيخ علي أبو الحسن (منذر) ص 140 ـ 141.

(2) أعيان الشيعة ج 7 ص 326 ط دار التعارف بيروت عام 1983 م.


السيّد جواد شبّر ـ وهو من خطباء لبنان(1) ـ لم يذكرا إلّا هذا البيت ، وأمّا الشيخ فخر الدين الطريحي ـ الفقيه والرجالي والأديب الألمعي والعالم الشيعي اللغوي الكبير صاحب كتاب مجمع البحرين ـ ذكر كلّ القصيدة في كتابه المنتخب(2) ـ وهو كتاب يتناول رثاء سيّد الشهداء عليه السلام بالنثر والشعر ، إذ يصرّح الشاعر في أواخر القصيدة بهويّته النسبية والولائية فيقول :

وعُبيدكم سيف فتى ابن عميرة

عبدٌ لعبد عبيد حيدر قنبر

أمّا ما يخصّ بحثنا هنا هو ذكر للسيّدة رقيّة في طيّات أبياته حيث قال :

وسكينة عنها السكينة فارقت

لمّا ابتديت بفرقة وتغيّر

ورقيّة رقّ الحسود لضعفها

وغدا ليعذرها الذي لم يعذر

ولأُمّ كلثوم يجد جديدها

لثم عقيب دموعها لم يكرّر

لم أنسها وسكينة ورقيّة

يبكينه بتحسّر وتزفر

يدعون أُمّهم البتولة فاطماً

دعوى الحزين الواله المتحيّر

يا أُمّنا هذا الحسين مجدلاً

ملقى عفيراً مثل بدر مزهر

في تربها متعفّراً ومضخّماً

جثمانه بنجيع دم أحمر(3)

__________________

(1) أدب الطفّ أو شعراء الحسين عليه السلام ج 1 ص 196 ط مؤسّسة البلاغ بيروت 1988 م.

(2) المنتخب في جمع المراثي والخطب ج 2 ص 436 ط الأعلمي بيروت عام 1412 ه.

(3) لبس السواد في عزاء أئمّة النور ص 320 نقلاً عن المنتخب للطريحي.


الفصل الثاني

الشام : جغرافيّاً وسكّانياً وتأريخياً

1 ـ الجغرافية : بلاد الشام اليوم هي سوريا البلد الذي تبلغ مساحته (72000) مايل بما يعادل (115200) كيلومتر مربّع تحدّها من الشمال تركيا ومن الشرق العراق ومن الجنوب الأردن وفلسطين المحتلة ومن الغرب لبنان وبحر مديترانة(1) .

وتُعدّ سوريا اليوم من أكثر البلدان العربية جذّابية واسمها الرسمي الجمهورية العربية السورية.

2 ـ السكّان : يبلغ عدد السكّان في سوريا وفق إحصائية عام 1979 م (8350000) إنسان وتصنّف في الرتبة (63) عالمياً من الناحية السكّانية ، إلّا أنّ المهتمّين بالشؤون السكّانية من السوريين في وزارة الإرشاد قالوا : إنّ عدد السكّان في سوريا هي (12000000) نسمة ، وهؤلاء يصنّفون إلى :

88% من العرب و 3 / 6% من الأكراد ، و 8 / 2% من الأرامنة وبقيّتهم من الترك والآشوريين والچركس ، و 88% منهم مسلمون ما بين السنّة والعلويين والدروز و 12% منهم نصارى ، وأمّا اللغة الدارجة في سوريا فهي العربية والكردية التي تكتب بالخطّ العربي ، والفرنسية والأرمنية أيضاً.

وتعتبر مدينة دمشق عاصمة سوريا والتي يسكن فيها (1097205) نسمة ، وأمّا أكثر المدن السورية مأهولة بالسكّان فهي حلب وحمص وحماة واللاذقية وأهمّ الأبنية

__________________

(1) مراقد أهل البيت عليهم السلام في الشام ص 7 آية الله الحاج السيّد أحمد الفهري الزنجاني إمام جمعة الحرم الزينبي في الشام.


تقع في مدينة اللاذقية وطرطوس وبانياس المطلّة على بحر مديترانه(1) .

3 ـ التأريخ :

أ ـ وجه تسمية الشام بـ (الشام) :

يقال أنّه سمّي بذلك لأنّه يقع في جهة الشمال من القبلة ولذا قيل عنه شام الشمال ، كما أُطلق على اليمن اسم (اليمن) باعتباره يقع إلى يمين القبلة الثانية.

وهناك وجه آخر لهذه التسمية وهي أنّ سام بن نوح عليه السلام كانت له سلطة وحكومة في هذه البلاد وهو الذي أمر ببنائها ومن هنا جاءت تسميتها باسمه لأنّ تلفّظ بالسين في اللغة السريانية وتلفّظ بالشين في اللغة العربية والعبرانية.

وقال البعض أنّها من (الشامة) وهي مناطق في الشام كانت أراضيها خضراء وسوداء وبيضاء كأنّها خال وأوّل من بناها سام بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام وكان لديه خمسة أولاد لكلّ واحد منهم منطقة وهي : فلسطين ، وحمص ، والأردن ، وإبليا (يعني بيت المقدس) ودمشق.

ب ـ أولاد سام وولايات الشام :

1 ـ فلسطين : وهي أرض النبي`جرجيس عليه السلام ومن بعده بعث النبي عيسى عليه السلام إليهم ، ويقع قبر النبي جرجيس عليه السلام في مدينة الموصل أو الرقّة أو فلسطين التي دفن فيها سبعين نبيّاً.

وهذه المناطق الخمسة التي تدور عبارات دعاء السمات حولها هي محطّ أنظار اليهود والنصارى والمسلمين وذلك لكونها المسلمين الأُولى ، ومدفناً لكبار الرجال وهكذا هي مقبرة الأنبياء عليهم السلام وآثار مدينتهم السالفة ، وفيها آثار العمالقة عاد ، وثمود والرسّ وأهل البيت عليهم السلام وغيرهم موزّعة في مدينة بعلبك وتل سليمان وغيرها ، ولعلّ أهمّها جميعاً هو بيت المقدس وبيت لحم والخليل وهي الآثار المقدّسة التي مضى عليها

__________________

(1) شام أرض الذكريات (فارسي) ص 22 للعالم المعاصر والكاتب القدير مهدي پيشوائي.


ستّة آلاف عام يقصدها المسلمون والنصارى واليهود للزيارة.

وفي عام 1370 ه اقتضت سياسة المستعمر ومن أجل كسب الأصوات أن تقسّم فلسطين إلى قسمين ، فأُعطي القسم الشمالي لليهود والقسم الجنوبي وهو القسم الأكبر من فلسطين للعرب وهي الأردن اليوم وعاصمتها عمّان من أجمل المدن الحديثة في المنطقة ، وتضمّ فلسطين اليهود أُورشليم وهو المعبد الخاصّ لليهود ، بينما تضمّ فلسطين العرب بيت المقدس وبيت لحم ومدينة الخليل وآثار أُخرى.

2 ـ حِمص : تُنسب هذه المدينة العظيمة إلى حمص بن سام الذي بناها وتقع بين دمشق وحلب ، وفيها إحدى المناطق المقدّسة والمهمّة التي وقف فيها أمير المؤمنين علي عليه السلام وزار قبور الصالحين وأمر أصحابه بزيارتهم وقال لهم إنّ عدداً من الصالحين قد دفن فيها ويُعدّ هذا المكان مزاراً عامّاً في هذه المدينة ، وقال بعضهم : إنّ قبر قنبر مولى الإمام علي عليه السلام فيها ، ولكن الأصحّ أنّ قبره في بغداد(1) وذكر في معجم البلدان أنّ حمص مدينة مشهورة في طرفي دمشق وحلب وسُميّت بإسم حمص بن سام بن نوح عليه السلام ، وفيها قبر خالد بن الوليد وابنه عبد الرحمن ، والعاص بن أعثم ، وبالقرب منها قصر خالد بن الوليد وقبور بعض الصحابة.

وحمص هذه غير حمص الواقعة في اشبيلية وغير حمص الواقعة في مصر وخلخال ، وقدورد في كتاب رحلات ناصر خسرو : إنّ من الشام إلى حمص خمسين فرسخاً.

3 ـ الأردن : وهو اسم أحد أولاد سام بن نوح عليه السلام فسمّيت المنطقة باسمه ، وكانت الطائف تابعة للأردن وقد عرفت بمائها وهوائها ومناظرها الخلّابة ، وقد كان النبي إبراهيم الخليل عليه السلام قد سكن هذه المنطقة حتّى نزل عليه وحي الرسالة فتركها وسكن في الخليل.

وأمّا الناصرة فهي القرية التي سكنها النبي عيسى عليه السلام وأتباعه الذين أُطلق عليهم

__________________

(1) بستان السياحة وبقاع الأمكنة.


النصارى نسبة للمنطقة ، وقد كانت الناصرة تابعة لدمشق وهي القرية التي دخلها الخضر والنبي موسى عليه السلام في سفرهما ، وقد أشار القرآن الكريم إليها( فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ) (1) .

وهذه الآية تحكي قصّة دخول النبي موسى عليه السلام والخضر عليه السلام إلى قرية ثمّ طلبوا من أهلها الطعام فأبوا أن يطعموها فانطلقا إلى جدار ليتيمين في المدينة مشرف على السقوط ، فعمل الخضر على بنائه وإقامته لحفظ الكنز الذي كان تحته وقد ورثاه من أبيهما الخ.

وهكذا فالأردن تحفل بعدّة قبور مقدّسة للعظماء ، مثل قبر لقمان الحكيم الذي ورد ذكره في القرآن الكريم وقد سميّت سورة كاملة باسمه ، ويقع قبره في مدينة طبرية ، ناهيك عن قبور كلّ من حجر بن عدي وأُويس القرني وبلال الحبشي التي تقع في هذه المنطقة بين الأردن والشام.

4 ـ بيت المقدس : مدينة تعرف اليوم بالقدس بنيت على يد إيليا بن سام بن نوح ، وقد ورد ذكرها في الروايات على أنّها أرض المحشر ، كما ورد أنّ فيها قبور العديد من الأنبياء والأولياء والعلماء والأوتاد وعباد الله الصلحاء ، وتُعدّ منطقة الخليل من أشهر مناطقها لوجود قبر خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام وابنه إسحاق ، وكذا قبر النبي زكريا عليه السلام والنبي يحيى عليه السلام.

وقد تمّ بناء بيت المقدس الكبير من الحجر قبل أكثر من ستّة آلاف عام ، وبني بطراز خاصّ وكان فيه قبّة وضريح لقبور الأنبياء ، مضافاً إلى الآثار القديمة فيه ثمّ بنيت أطراف المسجد الأُخرى ممّا أضفى جمالاً آخراً لجمال المدينة المحاطة بالطيور والخضراء ، هذا وقد تولّى بناء بيت المقدس نبي الله سليمان عليه السلام.

__________________

(1) سورة الكهف : 77.


كما ويُعدّ المسجد الأقصى من المساجد المحترمة والمعظمّة في العالم فهو ـ كما سلف ـ قبلة المسلمين الأُولى ومسجد ليلة المعراج ومن أكبر المعابد التي يقصدها اليهود والنصارى والمسلمين الذي لم يسمع ولم ير مثله قطّ ، فإنّ الصلاة فيه تعدل ألف صلاة في غيره.

وأمّا قصّة بناء المسجد الأقصى فقد روي أنّ ذرّية إبراهيم الخليل كثرت ببركة الموقف العظيم لولده إسماعيل عليه السلام الذي استمرّ نسله وتكاثروا في فلسطين حتّى انزلق بعضهم عن طريق الهداية ومال إلى الضلال وعصى الربّ سبحانه وتعالى ، فأوحى الله للنبي داود عليه السلام الذي كان آنذاك حجّة الله في الأرض أن يقول للعصاة : إنّ الله تعالى سيبتليهم بثلاثة أنواع من البلاء ، إمّا ثلاث سنين من القحط ، أو ثلاثة أشهر من الحرب ، أو ثلاثة أيّام من الطاعون ، فلمّا أبلغهم بذلك قالوا : لا طاقة لنا بالقحط والحرب ، وأمّا الموت بالطاعون فنحن مستعدّون ، فذهب جماعة من العصاة واغتسلوا غسل التوبة ولبسوا الأكفان وخرجوا مع نسائهم وأطفالهم إلى الصحراء ينتظرون الموت ، بينما بقي القسم الآخر من العصاة في المدينة وهم يستهزؤون بهم فجاءهم الطاعون وقتلهم جميعاً ، بينما كان داود عليه السلام واقفاً على التلّ مع العصاة وقد توجّه إلى الله تعالى بالدعاء والتضرّع أن يغفر لهم حتّى استجاب الله دعائه وصلاته ورفع البلاء عنهم ببركته ثمّ خاطبه أن يبني على هذا التلّ مسجداً بمناسبة هذه الدعوة المستجابة ، «وهو مكان بيت المقدس اليوم ومكان خيمة النبي موسى عليه السلام والصلحاء من بني اسرائيل» فقبل الناس جميعاً بالتعاون لبناء هذا المسجد المقدّس ، إلّا أنّ أحد الصلحاء من بني اسرائيل قال : إنّ المكان ملكي ولا أسمح أن تبنوا عليه مسجداً دون رضاي ، فقالوا له : نعطيك ما تطلب حتّى ترضى ، فأوصلوا الخبر للنبي داود عليه السلام فقال لهم : لابدّ من رضاه ، فقال الرجل : أُريد مئة شاة ومئة بقرة ومئة جمل ، فلمّا كادوا أن يدفعوا له ذلك أبدى عدم رضاه أيضاً وقال : أُريد أن تحوطوا التل بحائط وتقيموا بما يعادله من الفضّة لكي أرضى. ومع ذلك أبدى الناس استعدادهم لارضائه ، فلمّا رأى همّتهم ونيّاتهم صادقة قال : قد رضيت بلا أن تدفعوا لي شيئاً وقد


وهبتكم حقّي والأرض لكم وأنا معكم من العاملين ، وبهذا الشكل بدأوا ببناء المسجد الأقصى ، حتّى حمل النبي داود عليه السلام مع الناس الحجارة الكبيرة بنفسه وفي أثناء البناء جاء الخطاب الإلهي لداود عليه السلام : قد انتهى دورك من البناء وما تبقّى يكمله إبنك سليمان فأت بما أُمرت به ، وكان عمر داود عليه السلام آنذاك ـ أي حينما بدأ ببناء المسجد ـ 127 عاماً ، وتوفّي وعمره 140 عاماً.

ثمّ جاء سليمان عليه السلام وله من العمر 13 عاماً وجلس في مجلس أبيه وبدأ العمل في إكمال المسجد المقدّس إلّا أنّه إمتاز بكادر عمّالي عجيب وغريب وفريد من نوعه فقد عمل معه الجنّ والإنس سواء ، فكانوا يجلبون له الحجر الأبيض والأخضر والمعادن والأحجار الكبيرة والعريضة حتّى أكمل بناء المسجد وأكمل مدينة القدس التي قسّمها إلى اثنتي عشر قسماً على عدد أسباط بني اسرائيل.

وقد استغرق إنجاز هذا المشروع العملاق أربعين عاماً متواصلة من العمل الدؤوب ، فكان عرمه عليه السلام آنذاك 53 عاماً ، وفي مكان ما كانوا قد صنعوا لسليمان عليه السلام غرفة من الزجاج وكان عليه السلام قد أمر بعدم الدخول عليه إلّا مع أخذ الرخصة والإذن منه ، فوقف يوماً وهو ملكاً على عصاه في هذه الغرفة وفجأة دخل عليه أحدهم فتعجّب سليمان عليه السلام من ذلك وقال له : من أنت؟

فقال : أنا الذي لا أقبل الرشاء ولا أهاب من الملوك ، أنا ملك الموت فقبض روحه وعلى هيئته التي كان عليها.

وتُعدّ اليوم منطقة بيت المقدس والمسجد الأقصى من المناطق الجذّابة في العالم بآثارها وطبيعتها الخلّابة وأشجار الفواكه الشهيرة فيها.

5 ـ دمشق : وهي اليوم دولة سوريا ومركزها الشام يطلق عليها ـ أي على العاصمة ـ دمشق ، لقد بنيت هذه المنطقة العامرة على يد أحد أولاد سام بن نوح عليه السلام على رأي بعض المؤرخين ، بينما ذهب البعض الآخر أنّ نسبتها إلى غلام إبراهيم الخليل عليه السلام ، وذهب آخرون أنّها لغلام النمرود بن كنعان ، وعلى أي حال فإنّ دمشق تمتاز بهوائها


الطيّب ومائها وفواكهها اللذيذة كالزيتون بأنواعه والموز ، إلّا أنّ أهلها عرفوا بالجفاء لآل الله عليهم السلام آل بيت النبي الأكرم صلى الله عليه واله عندما جاءوا بهم أُسارى من كربلاء. وقد بكى لمصيبة الإمام الحسين عليه السلام كلّ شيء إلّا هؤلاء الجفاة ومن كان على شاكلتهم في الكوفة والبصرة.

فقد روي أنّه ما رفع حجر إلّا وخرج من تحته دم عبيط دلالة على البكاء الكوني والحزن العام في العالم. إلّا هذه المدن الثلاث فقد كانت الكوفة والبصرة تحت سلطة ابن زياد والشام تحت سلطة السكّير يزيد ولهذا فلم تظهر علامات الحزن في هذه المدن بل أُتّخذ يوم عاشوراء يوم فرح وسرور وبركة في بعضها(1) .

ج ـ الشام في العهد القديم :

الشام في عصرنا الحاضر يشمل دولة سوريا ولبنان وأقسام من الأردن وفلسطين ، فكانت هذه الدول تشمل منطقة الشام قديماً وأمّا هذا التجزّأ بين هذه الدول فهو نتيجة السياسة الاستعمارية الفرنسية والبريطانية بعد الحرب العالمية الأُولى.

ففي عام 63 م احتلّ امبراطور الروم سوريا ومنذ ذلك التأريخ دخلت تحت السلطة الرومانية إلى عام 395 م التي انقسمت فيها الامبراطورية الرومية إلى قسمين الروم الشرقية والروم الغربية ، فكانت سوريا ضمن الروم الشرقية التي حكمها الملك (بيزانس) الذي ضعفت سلطته بالتدريج على سوريا حتّى تحرّرت من قبضته في القرن السابع على يد المسلمين(2) .

د ـ الشام في التاريخ الإسلامي :

1 ـ سفر النبي صلى الله عليه واله إلى الشام :

تُعدّ الشام من المناطق التي يرتبط بها العرب ارتباطاً وثيقاً وقديماً وذلك قبل

__________________

(1) راجع كتاب حضرة زينب كبرى عليها السلام فارسي ص 257 للكاتب عماد زاده.

(2) گيتا شناسي كشورها (فارسي) ص 185 طبع عام 1365 ش.


تحريرها من الاستعمار الروماني ، فقد كان العرب يقصدونها للتجارة ، وقد سافر إليها النبي صلى الله عليه واله قبل بعثته برفقة عمّه في قصّة مفصّلة مفادها كالتالي :

فقد جرت العادة أن يسافر تجّار قريش إلى الشام كلّ سنة مرّة واحدة ، فعزم أبو طالب أن يشارك في رحلة قريش السنوية هذه ذات مرّة وقرّر أن يترك ابن أخيه محمّداً صلى الله عليه واله في مكّة في حراسة جماعة من الرجال ولكنّه وجد في ساعة الرحيل من ابن أخيه العزيز ما جعله يغيّر قراره المذكور واصطحب محمّداً صلى الله عليه واله معه وكان عمره الشريف آنذاك (12 ـ 13) عاماً ، ولمّا وصلت القافلة إلى منطقة (بُصرى) وهي إحدى نواحي الشام توقّفت عند راهب مسيحي وكانت القوافل التجارية إذا مرّت على صومعته توقّفت عنده بعض الوقت.

وعندما انتهوا عنده من الطعام كان الراهب ينظر إلى محمّد صلى الله عليه واله ويتأمّله جيّداً بنظرات فاحصة ثمّ قال : أيّكم وليّه؟ فقالوا : هذا وليّه وقد أشاروا إلى أبي طالب فقال الراهب لأبي طالب : إنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا هذا سيّد العالمين ، هذا رسول ربّ العالمين يبعثه رحمة للعالمين ، إحذر عليه اليهود لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليقصدنّ قتله ....

ومنذ ذلك الحين صمّم أبو طالب على الرجوع مصطحباً معه ابن أخيه العزيز على قلبه فكرّا راجعين إلى مكّة بعدما رتّب أُمور التجارية مع بقيّة أصحابه في القافلة(1) .

2 ـ السفرة الثانية :

وقد سافر النبي الأكرم إلى الشام مرّة أُخرى وذلك حينما كان عمره الشريف (25) عاماً إلّا أنّه كان لا يزال في كنف عمّه أبي طالب الذي كان يفكّر في عمل لابن أخيه وكان سبب سفره إلى الشام أنّ السيّدة الجليلة خديجة بنت خويلد التي كانت امرأة تاجرة ذات

__________________

(1) تاريخ الإسلام تأليف المحقّق الكبير آية الله الحاج الشيخ جعفر السبحاني ص 27 (فارسي) ، وانظر السيرة النبوية ج 1 ص 182.


شرف عظيم ومال كثير تبحث عن رجل أمين تستأجره في مالها أو تضاربها إيّاه بشيء تجعله له منه فأرسلت إلى النبي صلى الله عليه واله ، بعدما امتنع صلى الله عليه واله من أن يتقدّم هو بطلب العمل معها بسبب إبائه وعلو طبعه ، وحينما حضر عندها النبي صلى الله عليه واله قالت له : إنّي دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك وأنا أعطيك ضعف ما أُعطي رجلاً من قومك فوافق النبي صلى الله عليه واله على هذا العرض وانطلق بالقافلة متوجّهاً إلى الشام للتجارة وقد رافقه غلامين لخديجة أحدهما ميسرة فوصلوا إلى الشام وباعوا ما عندهم وربحوا ربحاً كثيراً ثمّ عادوا إلى مكّة وقد اشترى النبي صلى الله عليه واله من سوق «تهامة» متاعاً أتى به إلى مكّة أيضاً(1) .

3 ـ رسالة الإسلام في الشام :

لقد طرح النبي الأكرم صلى الله عليه واله نفسه منذ اليوم الأوّل لبعثته على أنّه رسول للعالمين كما أشار القرآن الكريم لذلك إذ جاء فيه :( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ) (2) وقد عمل بجهده لاقتناص الفرص بل لصناعة الفرص ليعرّف الناس رسالته ونبوّته وأنّه مبعوث للعالم كلّه إلّا أنّ أعداء الإسلام كانوا دائماً في طريق انطلاقته وإعاقته ، ولكن وبعد أن دخل النبي صلى الله عليه واله في معاهدة الصلح التي جرت في الحديبية مع المشركين اطمأنّ من جانبهم قليلاً وأخذ يفكّر في الاتّصال بكبار ملوك الأرض ويعرّفهم نفسه ويلقي عليهم الحجّة وعلى أُممهم عبر الرسائل التي يدعوهم فيها إلى الإسلام ، وبذلك يكون قد خرج من الدائرة الصغيرة التي كان يتحرّك فيها إلى مساحة عالمية كبيرة فانتخب صلى الله عليه واله ستّة أشخاص من أبرز ما يكونوا ودفع لكلّ واحد منهم رسالة دوّن فيها نبوّته التي ألزم الله سبحانه بها العباد ، ودعاهم إلى دين الله الجديد فانطلق أُلئك الأبطال لكلٍ وجهة هو

__________________

(1) فروغ ابديت للسبحاني ج 1 ص 156 ومعناه «شمس الأبدية أو الشعاع والنور الأبدي» وانظر البحار ج 16 ص 22.

(2) سورة الأعراف : 158.


منطلق إليها : ايران ، الروم ، الحبشة ، مصر ، اليمامة ، البحرين ، والحيرة(1) .

ووقتها كان قيصر ملك الروم الشرقية قد عاهد الله تعالى أنّه إذا نصره في صراعه المرير مع ايران فإنّه يقصد زيارة بيت المقدس مشياً على الأقدام من مقرّ حكومته في القسطنطينية إلى فلسطين ، وفعلاً قام بتحقيق عهده عندما نال الظفر والانتصار ، فقصد بيت المقدس. وكان الشخص المؤهّل لحمل رسالة رسول الله صلى الله عليه واله إلى قيصر الروم هو دحية الكلبي وذلك لعدّة اعتبارات توفّرت فيه منها :

أ ـ لأنّه كان قد سافر إلى عدّة مناطق من الشام سابقاً فهو عارف بها.

ب ـ كونه صاحب طلعة بهيّة ووجه جميل وسيرة حسنة تؤهّله للقاء قيصر الروم. وقبل أن ينطق دحية الكلبي إلى القسطنطينية عرف أنّ قيصر الروم عزم إلى بيت المقدس وكان ـ دحية ـ حينها في بُصرى(2) وهي إحدى نواحي الشام ، فالتقى دحية مع والي بُصرى الحارث بن أبي شمر وأخبره بمهمّته ثمّ دفع إليه رسالة النبي صلى الله عليه واله ، لأنّ الواقدي(3) روى أنّ النبي صلى الله عليه واله كان قد أمر دحية بدفع الرسالة إلى والي بُصرى والأخير يرفعها إلى قيصر الروم.

ويحتمل أنّ النبي صلى الله عليه واله أمره بذلك لأنّه كان يعلم أنّ قيصراً قد غادر قسطنطينية ، أو لأنّ الدحية لا يمكنه الوصول إليها وعلى كلّ حال فقد أمر الحارث أحد الرجال وهو عدي بن حاتم أن ينطلق مع دحية إلى بيت المقدس ليقدّمه إلى قيصر.

وفعلاً فقد وصل دحية بركب الامبراطور في مدينة حمص ولكن قبل اللقاء به أو عز إليه حاشية السلطان بأن يسجد أمامه معبّراً عن التعظيم والاحترام وإلّا فإنّ

__________________

(1) راجع البحار ج 20 ص 382 ح 8 / المترجم.

(2) بُصرى : مركز حوران وهي إحدى المستعمرات الرومانية وكان الحارث بن أبي شمر وغيره من ملوك الغساسنة يُنصبون من قبل قيصر وهم يمثّلونه في هذه المناطق.

(3) الطبقات الكبرى ج 1 ص 259.


الامبراطور لا يعتني بك ولا يستقبل رسالتك ، فقال دحية بما معناه : إنّي ما قطعت كلّ هذه المسافات إلّا لأقضى على هذه التقاليد المنحرفة ، ثمّ إنّي لم أُمر بهذا بل أُمرت أن أوصل رسالة النبي محمّد صلى الله عليه واله إلى قيصر يدعوه فيها إلى ترك عبادة البشر ، وأنّه لا معبود إلّا الله تعالى ولا يُسأل الناس إلّا عن عبادته ، بهذا أعتقد وبه أُمرت فكيف تطلبون منّي أن أسجد لغير الله تعالى؟

فأخذ هذا القول الرصين موقعه من قلوب حاشية الملك ونظروا إليه بنظرة الإعجاب والإكبار ، لأنّه يدلّ على استقامته وصلابته في الاعتقاد ثمّ تقدّم إليه أحد الصلحاء من حاشية الملك قائلاً : تستطيع أن تضع كتابك على طاولة الملك هذه لأنّ رسائل الملك لا يطلّع عليها إلّا هو ، وعندما يقرأها سوف يبعث خلفك فامتثل دحية لذلك وشكره على نصيحته وتركه. وعندما جاء قيصر تناول الرسالة وقرأها وكان فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

من محمّد بن عبدالله إلى هرقيل عظيم الروم ، سلام على من اتّبع الهدى.

أمّا بعد : فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين فإن تولّيت فإنّما عليك إثم (الاريسين) ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألّا نعبد إلّا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتّخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإنّ تولّوا فقولوا بأنّا مسلمون. محمّد رسول الله(1) .

4 ـ نفوذ الإسلام في الشام :

في العام 14 ه الموافق للنصف الأوّل من القرن السابع الميلادي التحقت الشام بالبلاد الإسلامية وذلك حينما زحفت الجيوش الإسلامية ـ إبان خلافة أبي بكر ـ نحو الشام لتخوض حرباً مع هرقل «هراكليوس» امبراطور الروم الشرقية ، في الأردن وفلسطين وقد انتصر المسلمون في حروبهم هذه وهزم هرقل ورجع القهقرى إلى دمشق ،

__________________

(1) انظر البحار ج 20 ص 386 / المترجم.


ولكن مع ذلك فقد حاصره المسلمون الذين جاءهم خبر موت أبي بكر في (22 جمادى الثانية عام 13 ه) ذلك الوقت ، فعيّن عمر بن الخطّاب مكانه واستمرّت المواجهة حتّى سقطت دمشق في رجب من عام 14 ه على يد المسلمين الذين قادهم خالد بن الوليد حينها وأبو عبيدة فقد طال على صاحب دمشق الأمر ـ أي الحصار ـ فأرسل إلى أبي عبيدة فصالحه وفتح له باب الجابية وألحّ خالد على باب الشرقي لمّا بلغه أنّ أبا عبيدة عزم على أن يصالح القوم ففتحه عنوة وروي أنّ خالد بن الوليد صالحهم أيضاً فأجاز أبو عبيدة ذلك(1) .

يقول المؤرخ اليعقوبي في هذا الصدد : تُعدّ مدينة دمشق من المدن الجميلة والقديمة وكانت مركزاً لجميع مدن الشام في الجاهلية والإسلام وفيها عمران وأنهار وأعظمها نهر «بردا» الذي يمكن القول عنه أنّه لا نظير له ، وقد فتحت هذه المدينة في خلافة عمر بن الخطّاب عام 14 ه بعد أن حاصرها أبو عبيدة بن الجرّاح عاماً كاملاً ، ثمّ صالح أهلها من طرف باب الجابية ودخلها فاتحاً بينما قاتلهم خالد بن الوليد من الباب الشرقي ودخلها بدون صلح ، وكتب أبو عبيدة بذلك إلى عمر وأنقذه(2) .

ومن عوامل انتصار الإسلام هو أنّ أهالي تلك المناطق رغبوا في الإٍسلام قبل كلّ شيء لأنّهم كانوا على علم بتقاليد العرب والمسلمين وآدابهم وأطباعهم وتواضع جيش الإسلام ، وانعدام الضرائب الثقيلة في الاسلام التي أرهقتهم بها الحكومات السابقة ، ومللهم من الآراء المختلفة بين المسيحيين حول الدين المسيحي وتعدّد المدارس الفكرية التي لا طائل منها سوى الاختلاف والضجر والملل من الحكومة الرومانية والدين

__________________

(1) فتوح البلدان ، لأبي الحسن البلاذري ص 128 ـ 130 لقد كان خالد بن الوليد في العراق والكن لمّا وصلت الأخبار لأبي بكر بكثرة جيوش الروم بعث خلف خالد وألزمه مهمّة فتح دمشق انظر المصدر أعلاه ص 117.

(2) البلدان لأحمد بن أبي اليعقوبي (فارسي) ص 105.


المسيحي(1) .

وعلى أي حال فقد عرفت منطقة الشام على أنّها جزءاً من البلاد الإسلامية ، ومنذ عام 40 ه إلى عام 132 ه ، أي ما بعد استشهاد أمير المؤمنين علي عليه السلام كانت دمشق عاصمة الدولة الأموية التي بدأ حكمها معاوية ، والتي تعرّضت طيلة هذه الفترة لثورات العبّاسيين الذين وجدوا مناصرة حقيقيّة من قبل الشيعة والايرانيين حتّى سقطت تلك الدولة الظالمة وحلّت محلّها الدولة العبّاسية التي اتّخذت من بغداد عاصمة لها ، ومنذ ذلك اليوم فقدت الشام أهميتها(2) .

وبعد سقوط دولة بين أُميّة مرّت الشام بأدوار مختلفة يحتاج شرحها إلى كتاب مستقلّ.

__________________

(1) التأريخ التحليلي للإسلام د. سيد جعفر شهيدي ص 108 / فارسي.

(2) الشام أرض الذكريات ص 19 / فارسي.


الفصل الثالث

الشجرة الملعونة

قال الله تعالى :( وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَاناً كَبِيراً ) (1) .

ذكر المفسّرون في سبب نزول هذه الآية أنّ رسول الله صلى الله عليه واله رأى في منامه قروداً تصعد منبره وتنزل فساءه ذلك واغتمّ به ، وروي أنّ جبرئيل أخبره أنّ هؤلاء هم بنو أُميّة أخبره الله سبحانه بتغلّبهم على بني هاشم وقتلهم ذريته ، فلم يستجمع النبي صلى الله عليه واله بعد ذلك ضاحكاً حتّى مات(2) فبنوا أُميّة هم الشجرة الملعونة.

ومن جملة الآيات النازلة في ذمّ بني أُميّة ، هي آيات سورة القدر المباركة فإنّ المقصود من قوله تعالى «ألف شهر» هي مدّة حكم بني أُميّة لانّهم حكموا البلاد ألف شهر بعدما حُرموا من البركات الأُخروية لهذه الليلة طيلة سنين حكمهم ، فقد روى الفخر الرازي في تفسيره وابن الأثير في أُسد الغابة عن الإمام المجتبى عليه السلام أنّ رسول الله رأى بني أُميّة في منامه وهم قرود ينزون على منبره فساءه ذلك فأنزل الله تعالى قوله :( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ... ) حيث أخبره أنا مدّة ملكهم ألف شهر ، يقول القاسم ـ الراوي ـ : عددنا

__________________

(1) سورة بني اسرائيل : 60 وقد صرّح القمّي في تفسير ج 2 ص 21 طبع النجف 1387 ه والعياشي في تفسيره ج 2 ص 298 طبع علمية إسلامية وغيرهما إنّ الشجرة الملعونة هم بنو أُميّة.

(2) مجمع البيان ج 3 ص 424.


السنين فوجدنا أنّ أيّام بني أُميّة كانت ألف شهر(1) .

وقال المسعودي في مروج الذهب : كانت مدّة حكم بني أُميّة إلى زمان انقراضهم ومجيء بنو العبّاس الف شهر بلا زيادة ولا نقيصة.

هل كان بنو أُميّة من قريش؟

هناك كلام كثير في صحّة نسبة بني أُميّة إلى قريش لا سيّما البارزين منهم ، بل صرّح بعدم اتّصالهم بقريش وذلك لأن أُميّة وهو جدّهم الأعلى كان عبداً رومياً لعبد شمس اشتراه في إحدى سفراته وكان العرب أيّام الجاهلية يلحقون الولد بالتبنّي بسيّده فعُرف في الأوساط أنّه ابن عبد شمس وفقاً لتقاليدهم الجاهلية وقد صرّح أمير المؤمنين علي عليه السلام في إحدى رسائله إلى معاوية حيث خاطبه : ليس أُميّة كهاشم ولا حرب كعبد المطّلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ولا الصريح كاللصيق»(2) وصرّح العالم المصري محمّد عبده في شرحه لنهج البلاغة عن كلمة «صريح» وهو كلّ من كان نسبه صحيحاً و «اللصيق» كلّ مَن لم يكن نسبه صحيحاً بل لُصق بغير أصله من القبائل.

وقد عُرف أُميّة بالانحراف فقد كان يتعرّض للنساء ويعمل الفواحش والزنا ، وحينما حُكم عليه بترك مكّة عشرة سنين غادرها إلى الشام وهناك مارس الزنا مع امرأة يهودية متبّعلة من يهودي فحملت منه ـ من أُميّة ـ ثمّ أنجبت ولداً اعتبره أُميّة ولده وأطلق عليه كنية أبو عمرو وسمّاه ذكوان وهو والد أبي معيط وجدّ العقبة ، وعقبة هذا هو والد الوليد بن عقبة أخو عثمان بن عفّان من أُمّه(3) .

__________________

(1) تتمّة منتهى الآمال للمحدّث القمّي ص 108 / فارسي.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 16 ص 118.

(3) قبس من عظمة الإمام الحسين عليه السلام لآية الله العظمى الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني ص 230 / فارسي ، نقلاً عن شرح نهج البلاغة ج 3 ص 254 وص 467.


أُسرة أبي سفيان :

من بين الذين صدّوا دعوة الإسلام ووقفوا منها موقفاً سلبيّاً تمثّل في العناد واللجاج والمقاومة والحرب هو أبو سفيان الذي كان أكثرهم عناداً ، فقد عمل على إطفاء نور الإسلام في معركة بدر وأُحد والخندق التي قاد فيها المشركين ، بل كان زعيمهم وقائدهم في أُحد والخندق.

فكان أبو سفيان وزوجته وأولاده في طليعة الذين عملوا على إيذاء رسول الله صلى الله عليه واله وصدّه ومنعه ، والعمل على حماية المشركين والدفاع عنهم ، فقد اشترك فيم عركة بدر مع أولاده معاوية وحنظلة وعمرو فقتل الإمام علي عليه السلام حنظلة منهم وأسر عمرو ولاذ معاوية بالفرار من الحرب الضروس وانطلق إلى مكّة هارباً ولمّا وصلها كانت قدماء قد ورمتا(1) .

هند آكلة الكبد :

عرفت هند أُمّ معاوية بهذا الاسم «آكلة الأكباد» لأنّها مثّلت بحمزة سيّد الشهداء عمّ النبي صلى الله عليه واله بعد حرب أُحد بسبب حقدها وكرهها له ثمّ استخرجت كبده وقطعته ولاكته في فيها ثمّ استخرجته وعملت منه ثلادة حول عنقها وهذا دليل كفرها وشدّة بغضها للإسلام فهي كأبي سفيان لا تختلف عنه في عدائها للرسول صلى الله عليه واله وللإسلام بل كانت أكثرهم عداوة.

عداء أبي سفيان :

لقد كان أبو سفيان في كفره وعدائه للإسلام أوضح بكثير من كفر إبليس منذ بدايات البعثة وإلى ىخر يوم توفّي فيه النبي صلى الله عليه واله ، فقد كان من قادة المشركين في عداوة النبي صلى الله عليه واله ، وتولّى بنفسه التصدّي لرفع راية الكفر والشرك وصدّ الشباب الذين يعتنقون الإسلام ، فقد كانت له في مكّة شباك وخداع ومكر يتصيّد بها هؤلاء ويمنعهم من الدين الجديد ، وحتّى لمّا هاجر النبي صلى الله عليه واله إلى المدينة عمل أبو سفيان على صدّه ومنعه من نشر

__________________

(1) المصدر السابق ص 237 / فارسي.


الدين فأوجد له الحرب تلو الأُخرى كلّ ذلك دفاعاً منه عن الشرك وعبادة الأصنام والاطاحة بالرسالة الإلهية وبثّ التحلّل الأخلاقي مقابل الدعوات الأخلاقية التي كان النبي صلى الله عليه واله يعمل النشرها بين الناس(1) .

فقد ذكر الزمخشري وهو أحد أعلام أهل السنّة قائلاً :

كان أبو سفيان رجلاً قصير القامة قبيح المنظر وزوجته هند ، وكانت له أجيرة وعاملة تعمل له اسمها صباح (ذات جمال وطراوة في قمّة أُنوثتها) فكانت هند تنظر لها على أنّها أجيرة وأمة إلّا أنّ الأُمور لم تدم هكذا بل اندفع أبو سفيان إلى صباح ليشكّل معها علاقة غير مشروعة في الخفاء ، حتّى اعتقد بعض المؤرخين أنّ عتبة ـ فضلاً عن معاوية ـ ابن أبي سفيان من صباح وليسا من هند ، ولهذا كانت هند غيرسعيدة بهذا الولد الجديد بعدما فضلت صباح أن تضعه بعيداً عن بيت أبي سفيان بل اختارت أن تضعه في الصحراء وهكذا كانت ولادة عتبة(2) .

أُسرة بني أُميّة :

قال رسول الله صلى الله عليه واله : «بنو أُميّة عائلة مطرودة ومكروهة ليسوا من المهاجرين ولا من الأنصار ، حصلوا على ثروات المسلمين بالغارات والمكر والتظاهر بالدين واستعبدوهم»(3) .

وخلال فترة حكم بني أُميّة لم يكن منهم شيء يذكر سوى الرجوع إلى عصر الجاهلية والكفر والإلحاد(4) .

وكان أبو سفيان يقول : اللهمّ أرجع إلينا أيّام الجاهلية لنحمي فيها حكمنا ،

__________________

(1) فلسفة ثورة الحسين عليه السلام ص 80 / فارسي.

(2) ربيع الأبرار.

(3) الف شهر أسود ص 84 / فارسي.

(4) المصدر السابق ص 76 / وقد ترجمت النصوص بالمعنى.


واستقلالنا(1) .

وقال أيضاً : أقسم بالله إنّي إن بقيت حيّاً لانتزعت الحكم من بني هاشم(2) .

وقال معاوية ابنه بعد ما صالح الإمام الحسن عليه السلام : إنّي لم أُحاربكم لتصوموا وتصلّوا بل قاتلتكم لأتأمّر عليكم(3) .

وحينما وصلت الخلافة لعثمان ودخل عليه أبو سفيان قال لمن كان عند عثمان من بني أُميّة : تلقّفوها تلقّف الكرة فوالذي يقسم به أبو سفيان لا جنّة ولا نار(4) .

لقد حكم معاوية بلاد الشام طيلة اثنين وأربعين عاماً من بعد رحيل النبي صلى الله عليه واله ، (أي من بعد استشهاد الإمام علي عليه السلام عشرين عاماً وعشرة سنين من بعد استشهاد الإمام الحسن عليه السلام) إلى أن توفّي عام ستين للهجرة في النصف من رجب.

فقد حكم الشام خمس سنوات من قبل عمر بن الخطّاب ، وبقي حاكماً فيها أيّام عثمان بن عفّان ، وخمس سنوات (أو أقل) في زمان خلافة أمير المؤمنين علي عليه السلام وستّة أشهر في خلافة الإمام الحسن عليه السلام وخلال هذه السنين كان في صراع مرير مع أمير المؤمنين علي والحسن صلوات الله عليهما وخاض ضدّهما الحروب ، ثمّ حكم الشام بعدهما عشرون عاماً ، وامتازت فترة حكمه هذه بالحروب الظالمة وفي نهاية عمره أخذ البيعة لابنه يزيد الطاغية من المسلمين.

وبُعّد عثمان بن عفّان ومعاوية في طليعة الحكّام الأربعة عشر المنحدرين من السلالة السفيانية والمروانية الأموية الذين حكموا المسلمين من عام 41 ه وإلى عام 132 ه بما يعادل الف شهر(5) .

__________________

(1) المصدر السابق ص 63 / وقد ترجمت النصوص بالمعنى.

(2) الإمام علي عليه السلام ص 212.

(3) عائشة في عهد معاوية للعلّامة السيّد مرتضى العسكري ص 125.

(4) فلسفة ثورة الحسين ص 28.

(5) بررسي تاريخ عاشوراء ص 47 (دراسة تاريخ عاشوراء) للدكتور أيتي بيرجندي / فارسي.


وأمّا عن جرائم معاوية فهي كثيرة جدّاً منها أنّه نقض عهده مع الإمام الحسن عليه السلام حينما صالحه على شروط ، ووضعه لعهوده وتعهّداته تحت قدميه بالنسبة لشيعة علي عليه السلام ولذلك فإنّه أسرف في قتلهم وشدّد عليهم ولاحقهم في كلّ مكان ، وكان من جملة الذين قتلهم الزاهد المعروف حجر بن عدي وستّة أشخاص من أصحابه وبلغ الأمر بمعاوية أنّه كان يفعل ما يشاء!!

الشجرة المدعو عليها :

قال رسول الله صلى الله عليه واله : «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»(1) .

وذات مرّة أرسل النبي صلى الله عليه واله ابن عبّاس خلف معاوية ، فلمّا ذهب إليه وجده مشغولاً بالأكل فلمّا عاد أخبر النبي بذلك فقال صلى الله عليه واله : «لا أشبع الله بطنه»(2) ، وبالنتيجة فقد استجاب الله دعاء النبي صلى الله عليه واله في حقّ معاوية ، فكان كلّما جلس على طعام لا يقوم منه وكان يقول عن نفسه : ما تركت الطعام عن شبع وإنّما تركته عن ملالة!! وكان يشرب الخمر ويحكم الناس باسم الإسلام(3) !

بين جارية ومعاوية :

في عهد معاوية كان أحد رؤوساء عشائر العرب اسمه جارية وهو بمعنى : الحيّة من جنس الأفعى كما قال به صاحب كتاب أقرب الموارد في اللغة ، وكان جارية رجلاً قويّاً صريحاً ذو شخصية مهيبة ، وكان قد أعرب من عدم رضاه من حكم معاوية ومن كان معه بل كان يكرهه ويعاديه ، فقرّر معاوية ذات يوم أن يهينه أمام الناس من خلال اسمه ولمّا حانت الفرصة الجيّدة والتقى به قال له : ما أقلّ قدرك وحقارتك عند قومك

__________________

(1) الغدير ج 10 ص 142 لآية الله الشيخ عبد الحسين الأميني طبع بيروت ، وفضائل الخمسة ج 3 ص 243 لآية الله السيد مرتضى الفيروزآبادي ، وميزان الاعتدال للذهبي ج 2 ص 7 و 129.

(2) سفينة البحار ج 1 ص 683 للمحدّث المرحوم عبّاس القمّي.

(3) الغدير ج 10 ص 83.


حين سمّوك أفعى ، فأجابه جارية على البداهة : وما أقلّ قدرتك وحقارتك في قومك حين سمّوك معاوية (وهي أُنثى الكلب) فغضب معاوية لمّا سمع ذلك منه وقال له : اسكت لا أُمّ لك ، فقال جارية : إنّ لي أُمّاً أنجبتني ، أُقسم بالله أنّ القلوب التي أبغضناك بها ما تزال في صدورنا ، والسيوف التي قاتلناك بها ما تزال بأيدينا ، وإنّك لعاجز عن حكمنا واهلاكنا بالقوّة ، فإنّك قد عاهدتنا في ملكك ونحن موفون بعهدنا معك على الطاعة وعدم الخروج عليك ، فإن وفيت بعهدك معنا وفينا لك بالطاعة ، وإن نقضت عهدك فاعلم أنّ خلفنا رجال أشدّاء ورماح قاطعة ، فلمّا سمع معاوية ذلك منه ورأى انكساره أمامه قال : لاكثّر الله من أمثالك.

شريك بن الأعور ومعاوية :

كان شريك بن الأعور رئيس قومه المطاع في زمان معاوية ، وكان ذو شكل قبيح ، علاوة على اسمه واسم أبيه ، وكان شريك من جملة الذين حاول معاوية الاستهزاء بهم وإذلالهم أمام الناس كعادته الحقيرة ، فقال له معاوية يوماً حينما دخل عليه وهو ـ معاوية ـ في أوج قدرته : اسمك شريك وليس لله شريك ، وأنت بن الأعور والصحيح أحسن منه ، ولك وجه قبيح والجميل أفضل منه ، كيف مع كلّ ذلك ولّاك قومك أمرهم؟!

فقال شريك : أقسم الله إنّك معاوية وهي الكلبة العوّاء فكأنّي بك تعوي حتّى سمّاك أهلك معاوية ، وأنت ابن حرب وصخر ، والأرض الصافية خير من الأرض الصخرية ، ومع كلّ هذا كيف ولّاك المسلمون زمام أمرهم؟!

فغضب معاوية وانكسر امام اتباعه فأقسم على شريك أن لا يخرج من مجلسه(1) .

سياستان متضادّتان :

من كلام للإمام علي عليه السلام وجّهه إلى جيشه : لا تريقوا دماً بغير حقّ على الأرض وإن قلّ.

__________________

(1) الطفل بين الوراثة والتربية ج 2 ص 232 فلسفي / فارسي.


بينما قال معاوية لجيشه : لا تتركوا النساء والأطفال من دون قتلٍ(1) .

وبالمقابل فإنّ معاوية لمّا استتبّت له الأُمور أوصى جلاوزته أن يبحثوا عن أتباع الإمام علي عليه السلام ويقتلوهم تحت كلّ حجر ومدر.

أين قبر معاوية اليوم؟

ينقل أنّ السيّد محمّد صادق الطباطبائي وهو رجل معروف في ايران كان في عصر المشروطة في عهد الپهلوي نائباً لرئيس مجلس الشورى الوطنوي ، وقد سافر في عام 1957 م إلى سوريا ، وهناك فكّر في نفسه في أن يرى قبر معاوية ، فأخذ يسأل الناس عن ذلك ولكن كلّ مَن سأله رأى عليه آثار النفور والفرار من الجواب ، فبقي يواصل البحث والسؤال إلى أن انتهى به الأمر إلى محلّ خارج المدينة فالتقى بصاحبه وعرض عليه السؤال مع مبلغ من المال ، فوافق الأخير إلّا أنّه اشترط عليه أن يدلّه من خارج المدينة وعن بعد ثمّ يتركه ويعود ماشياً ليبقى الأمر على السيّد الطباطبائي ، فوافق السيّد ومضيا معاً إلى قبر معاوية. والآن لنترك السيّد نفسه يصف الموقف حيث قال : لم تكن المسافة بعيدة كثيراً إلى أن وصلت إلى منزل خرب فدخلتُ فيه وكان وسطه باحة حقيرة وخربة وكان فيه غرفتان صغيرتان في حدود 20 متراً فتقدّمت إلى أن وصلت إلى سلّم صغير من ثلاث درجات نزلت منها إلى باحة الدار الذي كان يتوسّطه حوض فيه ماء غضّ راكد تسبيح فيه بطّتين ، وفي جانب من الدار هناك امرأة عجوز طاعنة في السنّ بيدها مغزل وأمامها قليل من الصوف فلمّا رأتني قالت : ماذا تعمل هنا؟ فقلت لها : جئت لأرى قبر معاوية ، فقالت : أنت من العراق أليس كذلك؟ وذلك لأنّ أهل الشام لا يأتون هذا المكان أبداً ، فأشارت بيدها إلى إحدى الغرفتين العتيقتين فذهبت إليها وكانت بابها من الخشب ففتحتها ودخلت وكانت غرفة تبلغ مساحتها 12 متراً تقريباً في وسطها قبرين على أحدهما خرقة خضراء مندرسة وشمعدان فضّي قديم فوقفت عليه لحظات متظاهراً

__________________

(1) عائشة في عصر معاوية ص 120 / فارسي.


بقراءة سورة فاتحة إلّا أنّني لعنته وبني أُميّة معه ثمّ خرجت(1) .

جواز لعن معاوية :

روي عن كتاب «عين الأئمّة» عشرة أدلّة لجواز لعن معاوية وهي :

1 ـ خروجه عن طاعة أمير المؤمنين علي عليه السلام.

2 ـ محاربته بالسيف لخليفة المسلمين وأمير المؤمنين علي عليه السلام.

3 ـ غصبه لخلافته عليه السلام.

4 ـ التنكّر لأهل البيت عليهم السلام وإنكار منزلتهم.

5 ـ اعتقاده بأحقّيته للإمامة.

6 ـ كتمان فضائل أمير المؤمنين عليه السلام.

7 ـ لعنه لأمير المؤمنين علي عليه السلام على المنبر.

8 ـ تحميله قتل عثمان للإمام علي عليه السلام بهتاناً.

9 ـ اعطاءه الولاية بعده ليزيد الكافر.

10 ـ قتله للإمام الحسن عليه السلام ووصيّته لمن بعده بقتل الحسين عليه السلام ولذلك فهو يستحقّ اللعن من دون أي شرط أو محذور(2) .

المحامي الأوحد عن الإسلام :

لقد عمل معاوية لعنه الله طيلة أيّام حكمه ـ عشرون عاماً ـ على تقوية أساس الحكم لمن سيأتي بعده وهو ابنه الحقير يزيد ، رأس الفساد والثمرة المشؤومة من الشجرة الأموية الملعونة ، فبعد أن هلك معاوية جاء الطاغية يزيد إلى السلطة وهو يحمل كرهاً وحقداً شديدين للنبي صلى الله عليه واله وكان ينظر إلى حروبه ـ بدر وأُحد والأحزاب وغيرها ـ بنظره المخالف الكاره ، وهكذا صارت زمام الإسلام وهو الدين الذي يُراد منه انقاذ الإنسان من

__________________

(1) الف شهر أسود ص 167 نقلاً عن مجلّة المطالعة العدد 131 / فارسي.

(2) كامل البهائي ج 2 ص 210 / فارسي.


كلّ ألوان التخلّف من خلال قوانينه ومبادئه التي تسمح للناس في المشاركة وابداء وجهة النظر صارت زمامه اليوم بيد يزيد الرجس الذي انكر الرسالة المحمّدية والوحي بكلّ وضوح وصراحة كجدّه أبي سفيان الذي لم يعترف بكلّ شيء في هذا الاتجّاه(1) ، ففي مثل هذه الأوضاع من انتشار الفساد في أرجاء الحكومة الإسلامية ، وعودة العناصر الرذيلة إلى السلطة الذين يعملون على إعادة الجاهلية إلى مسرح الحياة من جديد ماذا يعمل الإمام الحسين عليه السلام الذي هو رمز التقوى والطهارة وسنبل الحرّية والمدافع الوحيد عن الدين الإسلامي؟ فهل يبايع مثل يزيد ويؤيّد جرائمه وانحرافه ويقرّ بصحّة نواياه القذرة؟ بالطبع لا ، فالحسين عليه السلام لا يفعل ذلك ، كما صرّح هو بنفسه حينما دعاه الوليد والي المدينة وقرأ عليه رسالة يزيد التي تطالبه بأخذ البيعة من الحسين عليه السلام فقال عليه السلام حينها : «إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة بنا فتح وبنا يختم ومثلي لا يبايع مثله ..»(2) .

ومنذ ذلك الحين انطلق الإمام الحسين عليه السلام في نهضته وحركته ليعرّف المسلمين حقيقة يزيد القذرة ويحذّرهم من نواياه الخطيرة وذلك من خلال إعلان الثورة عليه حتّى قتل مظلوماً شهيداً وحينها عرف الناس حقيقة بني أُميّة ، فانطلقوا في محاربتهم من خلال الثورات المتواصلة في أرجاء البلاد الإسلامية حتّى سقط هذا النظام في نهاية الأمر وأدّى إلى زوال بني أُميّة(3) .

وكما قلنا سابقاً ففي عهد معاوية ثمّ تصفية أكبر وأبرز رجال الشيعة أمثال حجر بن عدي ورشيد الهجري جرّاء حبّهم ولائهم لأهل البيت والتزامهم بولاية أمير

__________________

(1) انظر البداية والنهاية ص 197 ، ومقاتل الطالبيين ص 120.

(2) البحار ج 44 ص 325 ، والدمعة الساكبة ص 273 ، وأعيان الشيعة ج 4 ص 112 ، ومقتل الخوارزمي ج 1 ص 184.

(3) مجلّة مكتب اسلام رقم 2 ص 12 / فارسي.


المؤمنين عليه السلام ، فضلاً عن تمهيده المقدّمات لقتل الإمام الحسن عليه السلام سبط رسول الله صلى الله عليه واله عن طريق دسّ السمّ إليه(1) .

الإمام الحسين عليه السلام يحمي المظلومين :

من أبرز صفات الإمام الحسين عليه السلام هو دفاعه عن المظلوم ومحاربته للظالم المستبدّ وأوضح مصداق على ذلك هي قصّة أُرينب زوجة عبدالله بن سلام وهي كما يلي : فقد عرف يزيد في عهده وقبل ذلك أيضاً بشهوانية وحيوانية لم تعرف الحدود ولذلك كان يسعى للوصول إلى أهدافه القذرة ومنها جمع الأموال والجواري الراقصات والزعامة بكلّ طريقة ، بل إنّه تمنّى أن يحصل على امرأة عبدالله بن سلام تلك المرأة المحصنة العفيفة مع وجود زوجها!! وبدل ان يعمل معاوية على ردعه عن هذه الأُمنية الحقيرة عمل على تهيئة المقدّمات والأجواء له. فقد استعان بالمكر والاحتيال والكذب والخداع ـ كعادته ـ فاضطّر عبدالله بن سلام إلى طلاق زوجته وهو لا يعلم بنوايا يزيد ومعاوية ، وكان من المقرّر أن يبعث يزيد بن معاوية مَن يعقدها له ، ولمّا علم الإمام الحسين عليه السلام بالأمر أرسل خلف أُرينب وعقد عليها ـ بعد انتهاء العدّة ـ إلّا أنّه لم يدخل بها إذ لم يكن قصده سوى إفشال خطّة يزيد ، ولمّا علم يزيد بذلك غضب غضباً شديداً إلّا أنّه لم يقدر على فعل أي شيء وفي نفس الوقت اطّلع عبدالله بن سلام بالموضوع وندم كثيراً فما كان من سيّد الشهداء عليه السلام إلّا أن طلّقها وأرجعها إليه ، ولمّا علم الناس بذلك عرفوا أنّ قصد الإمام عليه السلام هو قطع يد المعتدي والمحافظة على الأُسرة المؤمنة حيث أظهر للناس غيرته واهتمامه بالمسلمين ، وهي من المظاهر التي عرف بها بنو هاشم وعدّها الناس من مفاخر آل علي عليهم السلام وبنفس الوقت عرفوا دناءة بني أُميّة أيضاً(2) .

__________________

(1) اقتباس من كتاب : تحقيق قصير عن الشيعة للعلّامة الشيخ يحيى النوري ص 93 / فارسي.

(2) الإمام الثالث طبع مؤسّسة في طريق الحقّ نقلاً عن كتاب الإمامة والسياسة ج 1 ص 253 وما بعدها.


وصيّة معاوية ليزيد :

لمّا مرض معاوية مرضه الذي هلك فيه دعا يزيداً ابنه وقال له : يابني إنّي قد كفيتك الرحلة والترحال ووطّأت لك الأشياء وذلّلت لك الأعداء وأخضعت لك أعناق العرب وجمعت لك من جمع واحد وإنّي لا أتخوّف أن ينازعك هذا الأمر الذي استتبّ لك إلّا أربعة نفر من قريش : الحسين بن علي ، وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير وعبدالرحمن بن أبي بكر ، فأمّا عبدالله بن عمر فرجل قد وقذته العبادة وإذا لم يبق أحدٌ غيره بايعك ، وأمّا الحسين بن علي فإنّ أهل العراق لن يدعوه حتّى يخرجوه فإن خرج عليك فظفرت به فاصفح عنه فإنّ له رحماً ماسّة وحقّاً عظيماً ، وأمّا ابن أبي بكر فرجل إن رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثلهم ليس له همّة إلّا في النساء واللهو ، وأمّا الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإذا أمكنته فرصة وثب فذاك ابن الزبير فإن هو فعلها بك فقدرت عليه فقطّعه إرباً إرباً(1) وقال المحدّث القمّي : والصحيح إنّ عبدالرحمن ابن أبي بكر كان قد توفّي قبل موت معاوية(2) .

يزيد الجاني

إنّ والد يزيد هو معاوية وأُمّه ميسون ، وكان ـ يزيد ـ قد سكن الصحراء ثمّ تعلّم على يد سرجون الرومي وقد ورث يزيد من أبيه الحقد والكره والعداوة لبني هاشم وآل النبي صلى الله عليه واله ، كما طغت عليه صفات البداوة قبيل الغرور والتصوّرات الخرافية والطباع الجاهلية والإدمان على شرب الخمر ، والعداء التقليدي للإسلام والمسلمين الذي تعلّمه من معلّمه المسيحي الرومي.

وقد عُلِمَ تأريخياً أنّ يزيد لم تكن له أيّة صلة تربطه بالدين ، فهو شاب عاش في عهد أبيه بعيداً عن أُصول الدين الإسلامي ومبادئه وأخلاقه بل قضى أغلب أوقاته في

__________________

(1) نفس المهموم ص 29.

(2) المصدر نفسه.


الإدمان واللذائذ والشهوات التي لا يعرف شيئاً غيرها ، وخلال سنوات حكمه الثلاث لم تكن منه سوى الفجائع والفظائع التي لم يُسمع مثلها منذ الصدر الأوّل إلى أيّامه حتّى صارت جرائمه عديمة النظير.

ففي السنة الأُولى من حكمه قتل الإمام الحسين عليه السلام سبط النبي الأكرم مع أولاده وأصحابه وأهل بيته بأفجع قتلة عرفها التاريخ ، ثمّ أمر بسبي نساءه وأسرهنّ مع حمل الرؤوس الطاهرة على الرماح والطواف بها في المدن(1) .

وفي السنة الثانية من حكمه الشمؤوم أغار بجيش عنيف على المدينة المنوّرة وقتل أهلها وأهدر دماءهم ظلماً وأباح الأموال والأعراض والدماء فيها ثلاثة أيّام(2) .

وفي سنته الثالثة أحرق الكعبة المقدّسة ودمّرها وخرّبها(3) .

وبعد يزيد الطاغية حكم بنوا مروان وهم من بني أُميّة أيضاً (وقد تناولت الموسوعات التأريخية تفصيل ذلك) وكانوا أحد عشر حاكماً حكموا طيلة سبعين عاماً وكانت أيّامهم كلّها شؤم مئلت بالظلم والظلام وقلّ أن تكون في الإسلام أيّام صعاب مرّت على المسلمين كما مرّ عليهم في عهد هؤلاء الطغاة ، وبالأحرى كانت دولتهم عبارة عن امبراطورية استبدادية عربية لا تربطهم بالإسلام أيّة رابطة سوى الاسم وقد وصلت بهم الجرأة أنّ أحدهم الذي يحكم المسلمين بعنوان خليفة رسول الله صلى الله عليه واله تمنّى أن تبنى له غرفة فوق الكعبة الشريفة يجلس فيها للاستجمام والراحة في موسم الحجّ(4) !!

يزيد شارب الخمر :

بعد قتل الإمام الحسين عليه السلام جلس يزيد في مجلس أُنسه وطربه مع ابن زياد

__________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 216 ، وتاريخ أبوالفداء ج 1 ص 190 ، ومروج الذهب ج 3 ص 63 وغيرها.

(2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 243 ، وتاريخ أبوالفداء ج 1 ص 192 ، ومروج الذهب ج 3 ص 78.

(3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 224 ، وتاريخ أبوالفداء ج 1 ص 192 ، ومروج الذهب ج 3 ص 81.

(4) الشيعة في الإسلام للعلّامة الطباطبائي ص 25.


الذي كان يجلس إلى يمينه فقال لساقي الشراب : اسقني شربة تروي مشاشي ثمّ مِل مثلها ابن زياد صاحب السرّ والأمانة عندي ولتسديد مغنمي وجهادي ثمّ أمر الغنّين فغنّوا به(1) .

وكان قد شرب الخمر أيضاً حينما جاءوا إليه برأس الحسين عليه السلام وقد تجرّأ على الله تعالى وسكب فضلة شرابه على الرأس الشريف! فقامت زوجته وغسلت الرأس بماء الورد ثمّ رأت في منامها السيّدة الزهراء عليها السلام وعي تتفقّد ابنها وبعدها أمر يزيد لعنه الله بالرؤوس أن تعلّق على بوابّة المدينة مع إخراج عيال الإمام الحسين عليه السلام إلى الخربة(2) .

ولم يكن يزيد يشرب الخمر فقط بل كان لا يعرف الصلاة ويلعب بالكلاب ويضرب الطنبور والدفّ والناي ويأتي الأُمّهات والأخوات والبنات(3) .

إذا رأيت آلة القمار فالعن يزيد :

عن الفضل بن شاذان قال : سمعت الإمام الرضا عليه السلام يقول : لمّا حمل رأس الحسين إلى الشام أمر يزيد لعنه الله فوضع ونصب عليه مائدة فأقبل هو وأصحابه يأكلون ويشربون الفقّاع ، فلمّا فرغوا أمر بالرأس فوضع في طست تحت سريره ، وبسط عليه رقعة الشطرنج وجلس يزيد لعنه الله يلعب بالشطرنج ويذكر الحسين وأباه وجدّه صلى الله عليه واله ويستهزئ بذكرهم فمتى خمر صاحبه تناول الفقّاع فشربه ثلاث مرّات ثمّ صبّ فضلته ممّا يلي الطست من الأرض.

فمن كان من شيعتنا فليتورّع عن شرب الفقّاع واللعب بالشطرنج ومن نظر إلى الفقّاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحسين عليه السلام وليلعن يزيد وآل زياد يمحو الله عزّ وجلّ بذلك

__________________

(1) مروج الذهب ج 3 ص 67.

(2) كامل البهائي ج 1 ص 188.

(3) مروج الذهب ج 3 ص 67 وتتمّة المنتهى ص 36.


ذنوبه ولو كانت كعدد النجوم(1) .

وقبل أن يموت يزيد عهد بالأمر إلى ابنه معاوية وأخذ البيعة من الناس له ، إلّا أنّ ابنه تنازل عن حكومته كما جاء في كتاب «النجوم الزاهرة»(2) حيث جاء فيه أنّ معاوية ابن يزيد خطب بالناس وقال : أيّها الناس ما أنا بالراغب في الائتمار عليكم لعظيم ما اكرهه منكم ، وإنّي لا أعلم أنّكم تكرهوننا أيضاً لأنّا بليناكم ، وبليتم بنا ، إلّا أنّ جدّي معاوية قد نازع في هذا الأمر من كان أولى به منه ومن غيره ، لقرابته من رسول الله صلى الله عليه واله إلى أن قال : ولقد كان أبي يزيد بسوء فعله وإسرافه على نفسه غير خليق بالخلافة على أُمّة محمّد صلى الله عليه واله فركب هواه. واستحسن خطاه ، وأقدم على ما أقدم من جرأته على الله ، وبغيه على من استحلّ حرمته من أولاد رسول الله صلى الله عليه واله فقلّت مدّته ، وانقطع أثره ، وضاجع عمله ، وصار حليف حفرته ، ورهين خطيئته ، وبقيت أوزاره وتبعاته ، وحصل على ما قدّم(3) .

وقال المسعودي : وملك معاوية بن يزيد بن معاوية بعد أبيه ، فكانت أيّامه أربعين يوماً إلى أن مات(4) .

كيف تعامل يزيد مع رأس الحسين عليه السلام

إنّ ما فعله يزيد مع الرأس الشريف يكشف عن خبثه ، وقد أشرنا إلى إهراقه الشراب على الرأس الشريف ومع ذلك فهو لم يكتفِ بهذا بل جاء في الرسالة الحاوية لركن الإسلام الخوارزمي أنّه قال : لمّا وصل رأس الحسين عليه السلام ووضع أمامه ووضع قدمه على الرأس الطاهر فكان في المجلس الصحابي زيد بن أرقم فقاله «لا تفعل ذلك يا يزيد

__________________

(1) جزاء الأعمال ج 2 ص 75 / فارسي ، والبحار ج 45 ص 176.

(2) النجوم الزاهرة الطبعة الأُولى ج 1 ص 246.

(3) حياة الحيوان ج 1 ص 61 ـ 62.

(4) مروج الذهب ج 3 ص 72.


فإني رأيت رسول الله صلى الله عليه واله يقبّل ذلك الفمّ» إلّا أنّ اللعين مسك القضيب وأخذ ينكثه به ثنايا الإمام الحسين عليه السلام.

وجاء في الحاوية أيضاً : إنّ اللعين طلب خمراً وكان الرأس الشريف عنده فشرب حتّى سكر ورقص وهو على العرش حتّى سقط منه إلى الأ{ض من شدّة السكر ، كما مات أبوه سكراناً وقد علّق الصليب في عنقه.

وقال جماعة : إنّ يزيد خرج ذات يوم مع حرسه إلى صيد الغزلان ، فأخذ يطارد غزالة حتّى أمر الله الأرض فخسفت به( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ ) (1) .

وذكر الشيخ الصدوق في أماليه : أنّه لمّا جاءوا برأس الحسين عليه السلام إلى يزيد وضع في طشت من ذهب وأخذ يزيد القضيب وجعل ينكث ثغر الحسين عليه السلام ويقول : ما أجمل ثغرك ، فقال له من كان حاضراً : يا يزيد كيف تفعل ذلك ، أشهد لقد رأيت النبي صلى الله عليه واله يرشف ثناياه(2) .

رمي الإمام الحسين بالحجارة :

ذكر أبو ريحان البيروني فقال له : ما تعرّض إليه الإمام الحسين عليه السلام من الظلم لم يتعرّض إليه أحد في جميع الأُمم من قِبل أقبح الأفراد ، فقد ضربوه بالسيوف والرماح ورموه بالحجارة حتّى ضعف عن القتال ثم قتلوه وسحقوا بدنه بالخيل ، وذكر أنّ واحداً من هذه الخيل التي سحقت الإمام الحسين عليه السلام كان في مصر ، فخلع بعض الناس نعله وعلّقه على باب بيته تبرّكاً به لأنّه لامس بدن الإمام الطاهر حتّى صار هذا العمل عادة فأخذ أهل مصر يعلّقون نعل الخيل على أبوابهم.(3) .

وروي أنّ دم الإمام الحسين عليه السلام بقي يفور حتّى قتل المختار بن أبي عبيدة الثقفي

__________________

(1) كامل بهائي ج 2 ص 173 / فارسي.

(2) أمالي الصدوق ص 99.

(3) الوجه المدمى ص 368 فارسي ، نقلاً عن الآثار الباقية ص 319 ، وكتاب التعجّب ص 46.


سبعين الفاً من قتلة الإمام الحسين عليه السلام وقال المختار : إنّي قد قتلت سبعين الفاً ووالله لو قتلت أهل الأرض كلّهم لما قابل اصبع الحسين الذي قطعوه(1) .

لنعرف أعداء أهل البيت عليهم السلام

المعروف أنّ أعداء أهل البيت عليهم السلام كلّهم أولاد حرام يقول المرحوم الحوماني : إنّ النشاشيبي الذي يعود نسبه إلى الأمويين يقول : يجب القول إنّ الذين يكرهون أهل البيت تعشعش العداوة في أعماق قلوبهم اتّجاه أهل البيت عليهم السلام ، وفي بعض الأحيان تراهم يشمئزّون من سماع فضائل ومعاجز وكرامات الأئمّة عليهم السلام وسائر شؤون ولايتهم ولذا تراهم يقفون ضدّ عزاء سيّد الشهداء عليه السلام محاولة منعه وصدّه فعندما يرى الإنسان أمثال هؤلاء يتحقّق عنده الاطمئنان أنّ آباء هؤلاء كانوا من النواصب أعداء أهل البيت عليهم السلام أو أنّ أسلافهم كانوا بعيدين عن طريقة أهل البيت عليهم السلام(2) .

أمثال هؤلاء ينطبق عليهم حديث الإمام الصادق عليه السلام حيث قال : «لا يبغضنا إلّا من خبثت ولادته أو حملت به أُمّه في طمثها يعني حيضها»(3) وعن أبي رافع عن الإمام علي عليه السلام قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : «من لم يحبّ عترتي فهو لإحدى ثلاث إمّا منافق وإمّا الزنية وإمّا امرؤ حملت به أُمّه في غير طهر»(4) .

لنعرف أولاد الحرام :

ذكر قطب الدين الأشكوري في «محبوب القلوب» وعلي بن الحسين المسعودي في «مروج الذهب» وعبدالله بن أسعد اليمني في «مرآة الجنان» وابن خلّكان الإربلي

__________________

(1) إثبات الوصية ص 310.

(2) تحقيق حول يوم الأربعين لآية الله الشهيد السيّد محمّد علي القاضي الطباطبائي ص 392.

(3) جامع أحاديث الشيعة ص 190.

(4) وسائل الشيعة ج 2 ص 319 ح 2244.


في «وفيّات الأعيان» وغيرهم قصّة تكشف لنا سبب عداوة النواصب للإمام علي عليه السلام وهي : يقول أبو دلف عيسى بن أبي دلف أنّ أخاه دلف ـ وبه كان يكنّى أبوه أبا دلف ـ كان ينتقض علي بن أبي طالب ، ويضع منه ومن شيعته ، وينسبهم إلى الجهل وأنّه قال يوماً وهو في مجلس أبيه ولم يكن أبوه حاضراً : إنّهم يزعمون أن لا ينتقص علياً أحد إلّا كان لغير رشدة ، وأنتم تعلمون غير الأمير ، يعني أباه ، وأنّه لا يتهيّأ الطعن على أحد من حرمه وأنا أبغض علياً ، قال : فما كان بأوشك من أن خرج أبو دلف ، فلمّا رأيناه قمنا له ، فقال : سمعت ما قاله دلف ، والحديث لا يكذب ، والخبر الوارد في هذا المعنى لا يختلف ، هو والله لزَنيْةٍ وحيضة ، وذلك أنّي كنت علياً فبعثت إليّ أُختي جارية لها ، كنت بها معجباً ، فلم أتمالك أن وقعت عليها وكانت حائضاً فعلقت به ، فلمّا ظهر حملها وهبتها لي(1) .

قبر يزيد عبرة على مدى التأريخ :

«وأي عبرة لأُولى الأبصار أعظم من كون ضريح الإمام الحسين عليه السلام حرماً معظّماً ويبقى قبر يزيد بن معاوية مزبلة» وحقّاً أنّها لعبرة لمن كان له قلب حفيظ ، فها هو قبر الإمام الحسين عليه السلام تعلوه القبّة الذهبية العملاقة مزهياً بالجلالة والعظمة ، وذاك قبر يزيد الطاغية مزبلة لم يبق منه شيء يذكر.

فقد جاء في كتاب «أخبار الدول» : أنّ يزيد مرض في شهر ربيع الأوّل عام 64 ه بذات الجنب في حوران ثمّ هلك فيها ، فحملوا جنازته إلى دمشق ودفنوه عند الباب الصغير ، وقبره اليوم مزبلة وهلك عن سنّ 37 عاماً وكانت زعامته ثلاث سنين وتسعة أشهر(2) .

وبالرغم أنّ الإمام الحسين عليه السلام استشهد وجميع أولاده طلباً لمرضاة الله ولم يبق له من الذرّية إلّا علي بن الحسين عليه السلام الذي كان مريضاً آنذاك ، إلّا أنّ الله جعل ذرّية الإمام

__________________

(1) مروج الذهب ج 3 ص 475.

(2) تتمّة المنتهى ص 63 ط العربية.


الحسين عليه السلام منه وهم اليوم ملؤوا العالم كلّه(1) .

واقعة الحرّة وإحراق البيت :

روى أبو الحسن المدائني فقال : ولدت الف امرأة بعد الحرّة من غير زوج فسمّوا بـ (أولاد الحرّة) وقال آخر : عشرة آلاف امرأة بكر ولدت بعد فاجعة الحرّة من غير زوج(2) ، وفي أخبار الدول : أنّ الجيش الأموي زنا بألف فتاة باكرة ولم ينتهي الأمر إلى هذا الحدّ بل نهبوا أموال الناس وأباحوا دمائهم وأعراضهم فعاثوا فساداً وفسقاً في مدينه النبي صلى الله عليه واله حتّى ذكر بعضهم أنّهم مارسوا الزنا في مسجد النبي صلى الله عليه واله.

وكانت هذه الهجمة الهمجية على المدينة بعدما خلع أهلها بيعة يزيد وقاموا ثائرين ضدّه بعد واقعة كربلاء ، وبعد ما جلب رسل يزيد وعمّاله من الشام كلّ الرذائل الأخلاقية وافشوها في المدينة.

فمن كلام لابن الجوزي قال فيه : إنّ وفداً من أهل المدينة قدموا إلى الشام ولمّا رجعوا جهروا بشتمه ولعنه وقالوا : قدمنا من عند رجل لا دين له يسكر ويدع الصلاة(3) .

فجنايات هذا الرجل وفساده وخبث طينته وظلمه وتعدّيه على الدين وتوهين أهله وتحقير شعائر ومقدّسات الإسلام من الأُمور المشهورة عند المؤرخين وقد ذكرها أكابر أهل السنّة أيضاً.

لنعرف يزيد وابن زياد بشكل أفضل

جاء في كتاب «جواهر المطالب» لأبي البركات شمس الدين محمّد الباغندي الذي توجد نسخته الخطّية في مكتبة الروضة الرضوية المقدّسة ، ذكر أبوالبركات نقلاً عن ابن الفوطي في تاريخه فقال :

__________________

(1) شخصية الإمام الحسين بن علي عليه السلام المتألّقة للمؤلّف ط 1 ص 254.

(2) راجع تذكرة الخواص ص 259 ـ 260.

(3) تذكرة الخواص ص 259.


كان ليزيد قرد يدعى «أبو قبيس» وكان يرافقه دائماً ، وكلّما زادت فضلة من شرابه في الكأس سقاها لأبي قبيس وكان يقول عنه : هذا القرد أحد شيوخ بني اسرائيل مسخه الله قرداً بعد المعصية وكان يركبه على الحمار ويقامر به في سباق الخيل ، حتّى أنّه غلب ذات مرّة فابتهج يزيد كثيراً وأنشد شعراً بالمناسبة ، وأفظع من ذلك أنّه حينما مات هذا القرد حزن عليه كثيراً وتأثّر وتأسّف لموته وأمر بأن يشيع جثمانه كالإنسان تماماً فكفّن ودفن وأقام عليه أهل الشام مجالس العزاء!!

وذكر سبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص» فقال : إنّ يزيد استدعى ابن زياد إليه ـ بعد قتل الحسين عليه السلام ـ وأعطاه أموالاً كثيرة وتحفاً عظيمة وقرب مجلسه ورفع منزلته وأدخله على نسائه وجعله نديمه وسكر ليلة وقال للمغنّي غنّ ثمّ قال يزيد بديهيّاً :

اسقني شربة تروي فؤادي

ثمّ مل فاسق مثلها ابن زياد

صاحب السرّ والأمانة عندي

ولتسديد مغنمي وجهادي

قاتل الخارجي أعني حسيناً

ومبيد الأعداء والحسّاد

وقال ابن عقيل : وممّا يدلّ على كفره وزندقته فضلاً عن سبّه ولعنه أشعاره التي أفصح بها بالإلحاد وأبان عن خبث الضمائر وسوء الاعتقاد فمنها قوله في قصيدته التي أوّلها :

علّية هاتي واعلني وترنّمي

بذلك أنّي لا أُحبّ التناجيا

حديث أبي سفيان قدماً سمى بها

إلى أحد حتّى أقام البواكيا

ألا هات فاسقيني على ذاك قهوة

غيرها العنسي كرماً شاميا

إذا ما نظرنا في أُمور قديمة

وجدنا حلالاً شربها متواليا

وإن مت يا أُمّ الأحيمر فانكحي

ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا

فإنّ الذي حدّثت عن يوم بعثنا

أحاديث طسم تجعل القلب ساهيا

ولابدّ لي من أزور محمّداً

بمشمولة صفراء تروي عظاميا

وإلى غير ذلك ممّا نقلته من ديوانه ولهذا تطرّق إلى هذه الأمة العار بولايته حتّى


قال أبو العلاء المعرّي مشيراً إلى ذلك العار :

أرى الأيّام تفعل كلّ نكر

فما أنا في العجائب مستزيد

أليس قريشكم قتلت حسيناً

وكان على خلافتكم يزيد

وقال ابن الجوزي : ولمّا لعنه جدّي أبو الفرج على المنبر ببغداد بحضرة الناصر وأكابر العلماء قام جماعة من الجفاة من مجلسه فذهبوا فقال جدّي( أَلاَ بُعْداً لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ) (1) ـ(2) .

وحكى لي بعض أشياخنا عن ذلك اليوم : أنّ جماعة سألوا جدّي عن يزيد فقال : ما تقولون في رجل ولي ثلاث سنين في السنة الاُولى قتل الحسين وفي الثانية أخاف المدينة وأباحها وفي الثالثة رمى الكعبة بالمجانيق وهدمها؟

فقالوا : نلعن ، فقال : فالعنوه(3) .

وقال جدّي في كتاب (الردّ المتعصّب العنيد) جاء في الحديث : لعن من فعل ما لا يقارب عشر معشار فعل يزيد وذكر الأحاديث التي ذكرها البخاري ومسلم في (الصحيحين) مثل حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه واله أنّه لعن الواشمات والمتوشّمات ، وحديث ابن عمر لعن الله الواشمة والمتوشّمة ولعن الله المصوّرين وحديث جابر لعن رسول الله صلى الله عليه واله أكل الربا وموكله ، وحديث ابن عمر في مسند أحمد لعنت الخمر على عشرة وجود وأورد أخباراً كثيرة في هذا الباب وكلّ هذه الأشياء دون فعل يزيد الذي قتل الإمام الحسين وأخوته وأهله ونهب المدينة وهدم الكعبة ضربها بالمجانيق وأشعاره الدالّة على فساد عقيدته ومن رام الزيادة على هذا فاليقف على كتابه(4) .

__________________

(1) سورة هود : 95.

(2) تذكرة الخواص ص 261.

(3) تذكرة الخواص ص 261.

(4) تذكرة الخواص ص 260 ـ 262.


اللهمّ العن أوّل ظالم ظلم حقّ محمّد وآل محمّد وآخر تابع له على ذلك اللهمّ العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت وتابعت على قتله اللهمّ العنهم جميعاً(1) .

يزيد يفتضح ويتورّط (2)

وبعد واقعة الطفّ أحسّ يزيد أنذه وقع في ورطة كبيرة ، فقد كرهه الناس ولم يعد لحديثه في آل البيت عليهم السلام أي أثر في نفوس الجماهير بعدما عرفوا كذبه وخيانته وإجرامه ، وكان يحاول عبر أحاديثه المزيّفة أن يلوّث سمعة سيّد الشهداء عليه السلام إلّا أنّ جهوده ذهبت أدراج الرياح ، فلم ينجح هذا الطاغية في اتّهام الإمام الحسين عليه السلام على أنّه خارجي أو كافر ، وكيف يكون ذلك وقد تكلّم رأسه الشريف أمام الناس في مجلس يزيد عندما أمر الأخير بقتل سفير الروم جرّاء اعتراضه عليه في قتل الإمام الحسين عليه السلام فنطق الرأس قائلاً : لا حول ولا قوّة إلّا بالله.

فمن الذي رأى أو سمع أنّ رأساً مقطوعاً يتكلّم بلغة فصيحة؟ وهل يستطيع ابن ميسون أن يقاوم هذا الإعجاز الإلهي؟ وهل أنّه يقدر على إطفاء هذا النور الربّاني؟ كلّا وحاشا.

وكذلك كان السخط الجماهيري قد غطّى نظرة عامّة الناس تجاه يزيد اللعين بل شملت هذه النظرة بيته أيضاً ، فعندما شاهدت زوجته هند بنت عمرو بن سهيل(3) الأنوار

__________________

(1) زيارة عاشوراء.

(2) إلى هذا المبحث كانت الترجمة لسماحة الشيخ فاضل الفراتي أمّا البقية فقد ترجمت على يد الشيخ جاسم الأديب.

(3) هند كانت زوجة عبدالله بن عامر بن كريز وهو ابن خال عثمان بن عفّان ، ولمّا علم معاوية إنّ ابنه يزيد يرغب في هند ، عمل على تطليقها من زوجها عبدالله ، وقد ذكر الخوارزمي في مقتل الحسين عليه السلام حيلة معاوية ومكره في تطليق هذه المرأة وزواجها من يزيد ، وهو أمر غير بعيد عن سياسة معاوية فإنّه عرف


الإلهية نازلة وصاعدة من السماء على المكان الذي تسكن فيه هالها المنظر الرهيب وانطلقت نحو موضع النور فوجدت رأس الإمام الحسين عليه السلام ولكنّه كان أمام يزيد في مجلسه فدخلت عليه بدون حجاب وكان يزيد يقول : هذا رأس ابن بنت رسول الله في بيتنا ، ولمّا رأى اللعين زوجته مكشفة الرأس نهض إليها وغطّى رأسها وقال لها : أبكي وانحبي على الحسين فإنّه كان صريخ بني هاشم وقد تعجّل ابن زياد قتله(1) .

وذات مرّة شاهدت هند في عالم الرؤيا ملائكة الله تنزّل من السماء على رأس الإمام الحسين عليه السلام وتطوف حوله ثمّ تسلّم عليه ، ولمّا استيقظت ذهبت إلى يزيد لتخبره بالرؤيا فوجدته في إحدى الغرف وهو جالس يبكي ويقول : مالي ومال الحسين ، فعلمت أنّ يزيد هو الآخر قد شاهد ما رأته هي.

نعم لقد تعرّض يزيد إلى موجة عظيمة من السخط الجماهيري وكلّما حاول أن يتدارك الأمر بالخطابات التعسّفية اتّجاه أهل البيت عليهم السلام لم ينجح أبداً ، وغاية ما حقّقه هو أنّه ألقى بالذنب كلّه على ابن زياد لكي ينجو هو من هذه الورطة ، ولكن حتّى هذا الأمر لم يخف على الناس بعدما عرفوا رسالته إلى والي المدينة يطالبه في أخذ بيعة أهل المدينة له وكان في ضمن هذه الرسالة رسالة صغيرة كتب فيها خذ البيعة من الحسين أيضاً فإن امتنع اضرب عنقه(2) .

ولا يخفى أنّ الذي دعا يزيد إلى ذلك هو علمه الواضح أنّ الخليفة الشرعي هو ابن رسول الله صلى الله عليه واله وأنّه مورد اتّفاق جميع المسلمين ، وكان يعلم أيضاً أنّ الناس بايعوا معاوية خوفاً من سطوته لا حبّاً له ، وبهذا فشل يزيد في تبرئة نفسه من دم الحسين الشهيد عليه السلام

__________________

بهذه الأساليب ، وقد ذكر ابن قتيبة في الأمامة والسياسة كيف أنّ يزيد رغب في جمال أُرينب فعمل معاوية على طلاقها من زوجها عبدالله بن سلام ج 1 ص 61 وقد ذكر مؤلّف كتاب نهاية الارب ج 6 ص 180 هذه القصّة كاملة لكنّه أبدل أرينب بـ «زينب».

(1) مقتل العوالم ص 151 ، وتاريخ الطبري ج 6 ص 150.

(2) تاريخ الطبري ج 6 ص 188 ، وتاريخ ابن الأثير ج 4 ص 5 ، والبداية ج 8 ص 146.


فشل في القاء الأمر كلّه على ابن زياد ظنّاً منه أنّ الحقائق لا تظهر بعد حين ، فها هو التاريخ اليوم يشهد أنّ يزيد قتل الإمام الحسين عليه السلام.

دفاع الغزالي عن يزيد!

بالرغم من كلّ هذه الأُمور الدالّة على كفر يزيد الطاغية إلّا أنّ الغزالي يصرّح في كتابه «إحياء العلوم» بعدم جواز لعنه ، بل إنّه منع من لعن قتلة سيّد الشهداء عليه السلام قاطبة ولو كان اللعن مجملاً كقولك (لعنة الله على قاتل الحسين) فحتّى مثل هذا يعدّه ممنوعاً شرعاً ، وحجّته في ذلك أنّ من الممكن توبة قاتل الحسين مع أنّ خباثة يزيد لم تنقطع يوماً عنه فقد استمرّ اللعين في إجرامه إلى أواخر أيّامه كإباحة المدينة ورجم الكعبة وما إلى ذلك ، وقد شبّه الغزالي يزيد بوحشي قاتل حمزة عليه السلام الذي تاب من عمله ، ولذلك فلا يجوز لعنه مع أنّ القتل من الذنوب الكبيرة إن لم يتب صاحبه منه فإنّه في خطر عظيم.

والحال أنّ هذا النوع من القياس غير صحيح لأنّ وحشي عندما قتل حمزة سيّد الشهداء عليه السلام كان كافراً ولمّا أسلم جُبّ عنه كلّ شيء إذ أنّ الإسلام يجب ما قبله ، ومع ذلك فإنّ النبي صلى الله عليه واله لم يطق رؤية وحشي حتّى مع إسلامه وقال له : غيّب وجهك عنّي!!

أمّا يزيد فلم يكن في الظاهر كافر بل كان يدّعي الإسلام وأنّه خليفة النبي صلى الله عليه واله على المسلمين! ومع ذلك قتل الإمام الحسين عليه السلام ، فتشبيهه بوحشي ليس بصحيح أصلاً ، بل إنّ فعل يزيد يكفي للحكم عليه بالكفر والارتداد لأنّه كان يعرف مَن هو الإمام الحسين عليه السلام ، الجدير ذكره أنّ هذا الطاغية صرّح في أشعاره وكشف عن دوافعه الخبيثة في قتل الإمام الحسين ألا وهي الانتقام من النبي صلى الله عليه واله الذي قتل آبائه وأجداده في بدر وأُحد فقد أنشد :

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج.

وقال :

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل ..

ولذلك فلا معنى لتوقّف الغزالي عن لعن هذا المجرم ، الذي لعنه نفس علماء السنّة


وصرّحوا بجواز لعنه لأنّه خارج عن الدين مستدلّين على ذلك بمثل هذه الأشعار المصرّح بها بالكفر.

فقد نقل أنّه لمّار رأى سبايا آل محمّد صلى الله عليه واله على الجمال على ربى جيرون وسمع صوت الغراب ينعق قال :

لمّا بدت تلك الحمول وأشرقت

تلك الشموس على ربي جيرون

نعب الغراب فقلت قل أولا تقل

فقد اقتضيت من الرسول ديونِ(1)

وممّن صرّح بكفر يزيد من علماء أهل السنّة القاضي أبو يعلى وأحمد بن حنبل وابن الجوزي(2) والكياهرسي(3) والشيخ محمّد البكري وسعد التفتازاني(4) .

فمن الكلام للجاحظ قال فيه : إنّ الجرائم التي ارتكبها يزيد من قتله للإمام الحسين عليه السلام وإخافته لأهل المدينة وخرابه الكعبة وأسره لبنات رسول الله صلى الله عليه واله وضربه ثنايا الحسين عليه السلام بالعصا ، ألا تُعد دليلاً على قساوته وعداوته وكرهه وحقده وعناده ونفاقه ، أمّ أنّها تدلّ على محبّته وإخلاصه للنبي وآله عليهم السلام؟

ثمّ إنّه قال : وعلى أي حال فهذه الأعمال مصداق لنفسه وضلاله ، فهو فاسق ملعون وكلّ من منع من لعنه فهو ملعون(5) .

كما لم يتردّد العلّامة الآلوسي في لعن يزيد ، الذي جمع الخصائص الخبيثة وقضى أيّام حياته بارتكاب المعاصي الكبيرة والإصرار عليها ، فمن خباثته وفسقه ما ارتكبه في مكة ورضاه بقتل الإمام الحسين ـ على جدّه وعليه أفضل السلام ـ بل وسروره لقتله ، وإهانته لآل الحسين عليه السلام ، واعتقد الآلوسي أنّ هذا الخبيث لم يعتقد بالرسالة الخاتمة

__________________

(1) روح المعاني ج 8 ص 125 في تفسير قوله :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ ) .

(2) تذكرة الخواص ص 162.

(3) وفيّات الأعيان.

(4) السيرة الحلبية ج 1 ص 172.

(5) رسائل الجاحظ ص 298.


للنبي صلى الله عليه واله ، وعلى أي حال فإنّ مجموع ما ارتكبه يزيد الطاغية من إهانته الساكنين في الحرم الإلهي (مكة) وما جناه بحقّ آل النبي صلى الله عليه واله وعترته الطاهرة سواء في حياة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام أو بعد شهادته ، فضلاً عن تفاخره وتكبّره الذي لا يقلّ عن تجاسره على القرآن الكريم لمّا جعله في الأوساخ والقاذورات ، ولا أتصوّر أنّ أمره يخفى على أغلب المسلمين ، نعم أنّ المسلمين آنذاك كانوا مغلوبين على أمرهم من «حكّام الجور» ولم يكن أمامهم سوى الصبر إلى أن قضى الله تعالى فيه بقضائه العادل فأهلكه وأراح العباد من شرّه.

وإذا كان هناك من يحتاط ويخشى أن يلعن يزيد علانية ، فليقل هكذا :

«اللهمّ العن الراضين بقتل الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه وعترة الرسول صلى الله عليه واله الذين آذوهم بلا ذنب وغصبوا حقّهم» وبهذه الطريقة فإنّه يلعن «يزيد» الذي يشمله اللعن بالخصوص.

فضيحة ألاعيب معاوية

فور ما تلقّى مروان بن الحكم رسالة معاوية توجّه نحو منزل عبدالله بن جعفر مسروراً متصوّراً أنّ بني هاشم سيقبلون هذا الطرح ويرحبّون به كسائر الناس العاديين المنكبين على حطام الدنيا وأنّ هذه الخدمة الجليلة ستخلّد اسمه في التاريخ.

ولذلك اجتمع بجماعته وطرح عليهم اقتراح معاوية الشيطاني وألقى عليهم خطبة مفصّلة أثنى فيها على آل بيت رسول صلى الله عليه واله وأشاد بفضائلهم ، ثمّ أشار إلى مسألة المهر وأبدى استعداده لتسديد جميع ديون عبدالله بن جعفر وضروة رفع الخصومة بين الطرفين والسعي من أجل فتح صفحة جديدة في تاريخيهما ثمّ جلس مسروراً لينظر ماذا يكون الجواب؟

لحظات قليلة والصمت يعمّ المجلس بينما غرق العديد من الحضور في بحر لجي من الأفكار الطويلة التي لاأوّل لها ولا آخر فيما أخذ البعض يحدّث نفسه بأهميّة مثل


هذه الفرصة الذهبية.

وبينما هم كذلك إذا بسيّد الشهداء عليه السلام الذي كان مطّلعاً على المخطّط الشيطاني أقبل وجلس في جانب المجلس ليرى ما هي ردّة فعل الحاضرين وكيف سيتعاملون مع هذه الأُلعوبة التي دبّرتها الأيادي الأموية بكلّ خباثة.

مباشرة التفت عبدالله بن جعفر إلى مروان والي المدينة وقال له : إنّ أمر ابنتي بيد خالها فهو زعيم بني هاشم وملاذهم.

آنذاك التفت أبوعبدالله الحسين عليه السلام إلى القوم وخطب فيهم خطبة بليغة قطع فيها نزاع القوم وخيّب آمال بني أُميّة وحدّد للجميع حقيقة آل الرسول صلى الله عليه واله وواقع بني أُميّة المخبوء على بعض الناس.

ومن الأُمور التي أشار إليها سيّد الشهداء عليه السلام في خطابه هي الشروط الثلاثة التي طرحها مروان فقال :

يامروان ، قد قلت ، فسمعنا ، أمّا قولك : مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول الله صلى الله عليه واله في بناته ونسائه وأهل بيته عليهم السلام ، وهو اثنتا عشرة أُوقية ، يكون أربعمائة وثمانين درهماً. وأمّا قولك مع قضاء ديَن أبيها ، فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا؟!

وفي هذا إشارة أنّ بين أُميّة كانوا يوسطون نساءهم في تسديد ديونهم.

وقال عليه السلام : واعلم أنّ من يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبط يزيد بكم ، وأمّا قولك : من يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا ، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل ، ويغبطه بنا أهل العقل(1) .

صراع الحقّ والباطل

كما أشار سيّد الشهداء عليه السلام في خطبته إلى استحالة تحقّق الشرط الثالث الذي كان

__________________

(1) مناقب آل أبي طالبت ج 4 ص 38.


بنو أُميّة يركزّون عليه ألا وهو الصلح بينهم وبين بني هاشم ومدّ جسور العلاقة والمودّة بينهما فقال عليه السلام : إنّا قوم عاديناكم في الله ولم نكن نصالحكم للدنيا فلقد أعيى الناس فكيف السبب(1) .

وحقيقة إنّ هذه العبارة من سيّد الشهداء عليه السلام خيّبت كلّ آمال معاوية وأتباعه وكشفت لهم حقيقة موقف آل الرسول عليهم السلام وأتباعهم تجاههم ، الجدير ذكره أنّ سيّد الشهداء عليه السلام في نفس المجلس زوّج ابنة عبدالله بن جعفر من أحد الهاشميين بعد أن وهبهما ضيعة في المدينة ليقطع بذلك كلّ آمال يزيد ويخيّب أحلامه.

وعندما سمع مروان البليد هذه الكلمات النارية اضطرّ أن يترك المجلس خجلاً وهو يجرّ أذيال الخزي والعار بعد أن عرف الجميع الفرق الجلي بين أهل الحقّ والباطل.

وفي واقع الأمر أنّ سيرة أهل البيت عليهم السلام قد جرت على ذلك ، فهم لا يداهنون أهل الباطل ولا يجاملونهم أو يمدّوا إليهم يد السلام أبداً.

ولذا فمن الواجب على كلّ من يواليهم ويظهر المحبّة لهم ـ خاصّة لسيّد الشهداء عليه السلام الذي رفض الانصياع لأهل الباطل ـ أن يرفض أهل الباطل ولا ينخدع بهم ويدقّق جيّداً في تعامله معهم.

خطبة الإمام الحسين عليه السلام في مجلس معاوية

نقل أنّ سيّد الشهداء عليه السلام دخل مجلس معاوية بن سفيان في أحد الأيّام فألحّ الناس عليه بشدّة وتوسّلوا به كي يخطب فيهم ويعظم ، فخطب أبو عبدالله عليه السلام خطبة بليغة أشار فيها إلى شرائط القائد في نظر الإسلام وفضح بذلك معاوية السوء الذي كان يدّعي زوراً أنّه يتحلّى بمثل هذه الشرائط.

ومن أهم تلك الشرائط التي أكّد عليها سيّد الشهداء عليه السلام في خطبته هو اطّلاع القائد الإسلامي على حقائق القرآن الكريم والتزامه التامّ بها وعمله المستمرّ بإرشاداته وأوامره

__________________

(1) مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 339.


ونواهيه.

وفي طيّات خطابه عليه السلام أشار إلى مسؤولية الأُمّة في اختيار القائد المناسب ولزوم إطاعتهم له فقال :

نحن حزب الله الغالبون ، وعترة رسول الله صلى الله عليه واله الأقربون ، وأهل بيته الطيّبون ، وأحد الثقلين اللذين جعلنا رسول الله صلى الله عليه واله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي تفصيل كلّ شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والمعوّل علينا في تفسيره ولا يبطينا تأويله ، بل نتّبع حقائقه ، فأطيعونا فإنّ طاعتنا مفروضة ، أن كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة(1) .

إنّهم لا يميّزون بين الناقة والجمل

نقل المؤرّخ الشهير علي بن حسين المسعودي الذي يعتبر من المؤرخين الإسلاميين الكبار في كتابه «مروج الذهب» فقال : إنّ رجلاً من أهل الكوفة دخل على بعير له إلى دمشق في حال منصرفهم عن صفّين ، فتعلّق به رجل من دمشق فقال : هذه ناقتي أُخذت منّي بصفّين ، فارتفع أمرهما إلى معاوية ، وأقام الدمشقي خمسين رجلاً بيّنة يشهدون أنّها ناقته ، فقضى معاوية على الكوفي ، وأمره بتسليم البعير إليه ، فقال الكوفي : أصلحك الله! إنّه جمل وليس بناقة ، فقال معاوية : هذا حكم قد مضى ، ودسّ إلى الكوفي بعد تفرّقهم فأحضره وقال له : أبلغ علياً أنّي أُقاتله بمائة ألف ما فيهم من يفرّق بين الناقة والجمل(2) .

وذكر المسعودي بعد نقله لهذه القضية فقال : وقد بلغت طاعة الناس لمعاوية حدّاً بحيث أنّه صلّى بهم حين ذهابه إلى صفّين الجمعة يوم الأربعاء ولم يقل له أحد أنّ اليوم هو

__________________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ص 144 ح 45.

(2) مروج الذهب ج 3 ص 31 ـ 32.


الأربعاء ، فلماذا تصلّي صلاة الجمعة(1) ؟!

كفر بني أُميّة

عندما آلت الخلافة إلى بني أُميّة أخذوا يتلاعبون بها تلاعب الصبيان في الكرة وعمدوا إلى تضليل أهل الشام واقصائهم عن أهل البيت عليهم السلام فابتدعوا قضيّة لعن وسبّ أميرالمؤمنين عليه السلام على المنابر ما يقارب ثمانين عاماً حتّى شبّ على ذلك الصغار وشاب عليها الكبار فصار الشاميون لا يميّزون بين الحقّ والباطل.

وقد بلغ من شدّة الحرب الإعلامية ضدّ أهل البيت عليهم السلام في الشام أنّ الكثير من الناس آنذاك لم يكونوا يسمعوا باسم الحسنين عليهما السلام بل ولم يطّلعوا على الواحد من الألف من فضائل أهل البيت عليهم السلام.

بل إنّهم لم يسمعوا بفضائل آل الرسول صلى الله عليه واله إلّا في مجلس يزيد الطاغية عندما ارتقى سيّد الساجدين عليه السلام الأعواد وأخذ يعدّد فضائل أميرالمؤمنين وسائر أهل البيت عليهم السلام وكشف للشاميين رذائل بني أُميّة وآل مروان ، وكيف أنّهم تجاسروا على الله تعالى وقتلوا ريحانة الرسول وسيّد شباب أهل الجنّة عليه السلام والصفوة المختارة من أهله وصحابته.

وعلى كلّ فقد بلغ تأثير الحرب الإعلامية التي شنّها بنو أُميّة ضدّ أهل البيت عليهم السلام أنّهم لمّا سمعوا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد استشهد في المحراب تساءلوا بكلّ تعجّب وقالوا : وهل كان علي يصلّي حتّى يقتل في المحراب(2) ؟!

__________________

(1) بررسى تاريخ عاشوراء ص 48 للمرحوم الدكتور محمّد إبراهيم آيتي بيرجندي.

(2) بررسي تاريخ عاشوراء دكتور محمّد إبراهيم بيرجندي ص 48.


الخلافة الموروثة

بعد أن استشهد أميرالمؤمنين عليه السلام رجع الناس حسب وصيّته إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام وبايعوه ، وقد تصدّى الإمام عليه السلام للخلافة ونهض بأعباءها إلّا أنّ معاوية السوء لم يجلس مكتوف اليدين وبقي يجيّش الجيوش ويجنّد الرجال إلى أن خرج بجيش جرّار متّجها نحو العراق لمقاتلته عليه السلام.

وليس ذلك فحسب ، وإنّما أخذ معاوية يدبّر المؤامرات الشيطانية وينفق الأموال الطائلة فاشترى العديد من أنصار من الإمام الحسن عليه السلام وأغرى الكثير منهم حتّى اضطرّ سبط رسول الله عليه السلام أن يصالحه ويتنازل عن حقّه في الخلافة ولكن بشرط أن تعود إليه بعد موت معاوية اللعين(1) .

وفي عام 40 ه وبعد أن استولى معاوية على الخلافة جاء إلى العراق وخطب في الناس وكشف لهم مدى خباثته وحماقته فقال : ما قاتلتكم لتصوموا أو تصلّوا وإنّما قاتلتكم لأتولّى عليكم وقد مكّنني الله من ذلك(2) .

وقال أيضاً : كنت قد عاهدت الحسن بن علي بأُمور ، وها أنا ذا أضعها تحت أقدامي(3) .

وفي واقع الأمر أنّ معاوية عبر كلامه هذا كشف للناس أنّ سياسته لا ربط لها بالدين أصلاً ، وأنّه غير حاضر للالتزام بكلّ العهود والمواثيق التي عاهد الإمام الحسن عليه السلام والناس عليها ، ولذلك عكف على تسخير كلّ القوى للمحافظة على حكومته وسلطنته في البلاد. ولا يخفى أنّ هكذا طريقة في الحكم لا يمكن أن تسمّى خلافة وإنّما هي ملكية

__________________

(1) نفس المصدر ص 43.

(2) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 4 ص 160 ، تاريخ الطبري ج 4 ص 124 ، تاريخ ابن الأثير ج 3 ص 203.

(3) نفس المصدر.


وفرض للسلطنة ، ولذا فإنّ بعض من ذهبوا لملاقاته كانوا يسلّمون عليه بالملوكية(1) بل إنّه شخصياً عبّر في بعض مجالسه الخاصّة عن حكومته بالملكية وإن كان يتظاهر أمام الملأ بالخلافة(2) .

كما سعى معاوية السوء أن يصير ملكه الذي شيّده على الظلم والطغيان والاستيلاء على رقاب العباد وراثة يتداول بين ذرّيته وجماعته من بني أُميّة.

وبالفعل فقد عيّن معاوية ابنه يزيد كخليفة من بعده رغم تجاهره بالفسق واطلاع الناس على فساده وانحرافه.

من جانب آخر فإنّ معاوية لكي يصل إلى ما أذاع به أمام الناس من نقضه لمعاهدته مع الإمام الحسن عليه السلام وإدلائه بالخلافة لابنه يزيد شارب الخمور دبّر مخطّطاً شيطانياً آخراً للإمام الحسن عليه السلام ودسّ إليه السمّ الفتّاك فاستشهد مسموماً مظلوماً صلوات الله عليه وخلى الجو لابنه يزيد.

ولا يخفى أنّ معاوية بالغائه المعاهدة مع الإمام الحسن عليه السلام صرّح عمليّاً أنّه لن يترك شيعة أهل البيت عليه السلام آمنين يتّصلون بأئمّتهم ويستفيدون من إرشاداتهم القيّمة ومواعظهم المفيدة ، وهذا ما حصل فعلاً.

فقد أعلن أمام الملأ أنّ كلّ من ينقل حديثاً أو منقبة من مناقب أهل البيت عليهم السلام لا حرمة لنفسه وماله وعرضه ، كما أكّد اللعين على نشر الفضائل المبتدعة لبعض من يسمّونهم بالصحابة والخلفاء. وبالمقابل ابتدع معاوية المسألة لعن أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر وبقي ذلك حتّى زمان الخليفة الأموي عمر ابن عبد العزيز.

وبالاضافة إلى ذلك فقد بعث إلى عمّاله في كلّ البلاد وأمرهم بقتل ومطاردة صحابة أمير المؤمنين عليه السلام وخواصّه فضلاً عن الجاء الشيعة عامّة إلى التبرّي من الإمام

__________________

(1) راجع تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 193.

(2) راجع تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 202.


علي عليه السلام ولعنه علانية ومن يأبي منهم فلا يتردّدون في قتله(1) .

التشديد على الشيعة

من أشدّ الأزمنة التي مرّت على الشيعة في تاريخهم الطويل هو زمان معاوية بن أبي سفيان الذي حكم عشرين عاماً وأذاقهم فيها أشدّ المعاناة والمحن ، علماً أنّ إمامين من أئمّة الهدى ـ الحسن والحسين عليهما السلام ـ كانا في ذلك العهد يشاهدان ويعايشان الأحداث المأساوية التي تمرّ على شيعتهم ومحبّيهم إلّا أنّهما لا يستطيعان دفع هذه المآسي عنهم.

وحتّى سيّد الشهداء عليه السلام الذي ثار ضدّ يزيد الطاغية خلال الستّة أشهر الأُولى من حكومته واستشهد هو وأنصاره الخلّص لم يستطيع أن يصنع شيئاً أيّام معاوية.

الملفت للانتباه أنّ أكثر أهل السنّة يوجّهون قتل من يسمّونهم بالصحابة للشيعة المظلومين وتنكيلهم بهم ـ خاصّة معاوية الذي أخذ الكثير من علماء السنّة يوجّهون أفعاله ويحملونها على المحامل الحسنة كأن يقولوا : هؤلاء من صحابة الرسول صلى الله عليه واله وقد ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه واله أنّ الصحابة مجتهدون ومعذورون ، وأنّ الله تعالى راضٍ عنهم وأنّ كلّ ما يفعلونه من جرائم وجنايات سيغفرها الله لهم. مقابل توجيهات السنّة البعيدة عن الإنصاف رفض الشيعة مثل هذه الإعذار والتوجيهات وذلك لـ :

1 ـ ليس من المعقول أنّ مثل الرسول صلى الله عليه واله الذي بعث لإحياء الحقّ وتطبيق العدالة ونشر الحرّية بعد أن ضحّى التضحيات العظيمة وعانى هو وأتباعه أمرّ الويلات والمصائب يترك الأُمّة سدى دون راعي أو قائد يقودها من بعده.

2 ـ إنّ الروايات المجعولة الدالّة على عدالة مطلق الصحابة مهما كانوا إنّما وردتنا من نفس الصحابة الذين وضعوا مثل هذه الروايات ليغطّوا بها فضائحهم وزلّاتهم.

وممّا يشهد على ذلك أنّ نفس الصحابة لم يعملوا بمثل هذه الروايات وكانوا ينالون

__________________

(1) النصائح الكافية ص 58 ، 64 ، 77 ، 78.


من بعضهم البعض ويتهجّمون على غيرهم حتّى قتل بعضهم بعضاً ولعن كلّ منهم البقيّة.

وعليه فإنّ نفس عمل الصحابة يكذب مثل هذه الروايات الموضوعة ، وإذا سلّمنا بصحّتها فلابدّ من حملها على معنى آخر غير المعنى الخاطئ الذي يفسّره البعض من تقديس البعض ممّن يسمّونهم بالصحابة.

وعلى فرض أنّ الله تعالى دعا إلى تقديس الصحابة واحترامهم فإنّ ذلك مقتصراً على المواضع الخاصّة التي مدحهم الله تعالى(1) ولا تبقى هذه القداسة لهم على مرّ الزمان حتّى لو سوّدوا بأفعالهم صفحات التاريخ.

استقرار سلطنة بني أُميّة

بعد أن توفّي معاوية بن أبي سفيان عام 60 ه تولّى ابنه يزيد الطاغية زمام الحكومة الإسلامية وذلك طبق البيعة التي أخذها له والده زوراً من الناس.

وكما قلنا سابقاً فإنّ يزيد بشهادة التاريخ لم يكن متديّناً أصلاً ، بل كان شاباً لا أُبالياً حتّى في زمان والده المشؤوم لم يكن يعتني بالقوانين الإسلامية ولم يكن له همّ سوى اللهو والفساد.

وقد ارتكب يزيد خلال السنين التي حكم فيها المسلمين مخازي وفجائع لم يسمع بها التاريخ من قبله. ومن يعد يزيد استلم بنو مروان الخلافة ووصلت إلى أيديهم ، وكما ينقل المؤرخون أنّ الحكومة الإسلامية بقيت بيد بني مروان ما يقارب سبعين عاماً ولم يمرّ على الإسلام والمسلمين مثل هذه السنين العجاف حتّى بلغ الأمر أنّ أحدهم ممّن يسمّونهم بخلفاء الرسول وحماة الدين صمّم أن يتّخذ لنفسه غرفة فوق الكعبة المقدّسة

__________________

(1) هذه إشارة إلى قوله تعالى :( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) سورة التوبة : 100.


يقضي فيها أوقات اللهو وساعات المجون أيّام الحجّ(1) .

كما أنّ أحدهم تفأّل بالقرآن الكريم وإذا به يقرأ قوله تعالى :( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) (2) ، فوضع القرآن ورماه بسهامه وقال :

تهدّدني بجبّار عنيد

فها آنذا جبّار عنيد

فإذا ما جئنا يوم حشر

فقل يا ربّ مزّقني الوليد(3)

بالطبع فإنّ الشيعة لهم اختلاف أساسي مع السنّة في مسألتين وهما : الخلافة والمرجعية الدينية.

وحيث إنّ الحكومات الجائرة على مرّ التاريخ كانت تطارد الشيعة وتضيّق عليهم الخناق في معتقداتهم فإنّ الكثير منهم حرم من نعمة جوار الأئمّة عليهم السلام ونزلوا البلاد النائية.

وبالرغم أنّ المضايقات الشديدة التي لاقاها الشيعة الموالون لا تكاد تعدّ أو تحصى إلّا أنّهم كانوا يوماً بعد الآخر يزدادون اعتقاداً بأئمّتهم خاصّة سيّد الشهداء عليه السلام الذي قتل جوراً بيد الطاغية يزيد وأعوانه الطغاة.

ولعلّ خير شاهد على هذا الكلام أنّ الشيعة لمّا أحسّوا بالفرج أيّام الإمام الباقر عليه السلام حيث كانت الحكومة الأموية مشغولة بنفسها أخذوا يتقاطرون عليه من كلّ حدب وصوب وبقوا ينهلون ويستفيدون من علومه المباركة.

وقد بلغت هذه الحالة حدّاً بحيث إنّ القرن الأوّل للهجرة لم ينته إلّا والشيعة قد نزلوا قم وعمّروها(4) .

ومع أنّ الشيعة كانوا يعملون بالتقيّة كما أوصاهم الأئمّة الأطهار عليهم السلام إلّا أنّ الكثير

__________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 73.

(2) سورة إبراهيم : 15.

(3) مروج الذهب ج 3 ص 228.

(4) معجم البلدان مادّة قم.


من العلويين ثاروا ضدّ الحكومات الفاسدة آنذاك لشدّة المضايقات المفروضة عليهم وعادة ما كان هؤلاء العلويين يحوزون على الشهادة.

وكانت الحكومات الجائرة تتفنّن في التمثيل بمثل هؤلاء السادة والشواهد على ذلك كثيرة منها ما صنعوه بزيد بن الإمام السجّاد عليه السلام حيث أخرجوا جسده من قبره وصلبوه ثلاث سنين ثمّ أنزلوه وحرقوه وذروا رماد جسده في الهواء(1) .

الشيعة في القرن الثاني للهجرة

في أواخر الثلث الأوّل من القرن الثاني للهجرة توالت العديد من الانقلابات والحروب الدامية التي جاءت على أثر ظلم بني أُميّة وسوء تعاملهم مع الناس في مختلف المناطق الإسلامية في العالم.

من جانب آخر فقد ظهرت في خراسان حركة جديدة باسم أهل البيت عليهم السلام وكان المتصدّي لها هو أبو مسلم المروزي القائد الايراني الذي ثار ضدّ بني أُميّة وقاوم حكّامها إلى أن أطاح بدولتهم(2) .

وعلى الرغم أنّ هذا الانقلاب الجديد أخذ يدّعي التبليغ للتشيّع كثيراً ويطالب بالدماء الزاكية لشهداء أهل البيت عليهم السلام علّ الناس يبايعوا أبو مسلم الخراساني الذي يدّعي أنّه مرضي من قبل أهل البيت عليهم السلام إلّا أنّ مثل هذا الانقلاب لم يكن مقبولاً عند الشيعة بدليل أنّ نفس أبو مسلم عرضه بيعته على الإمام الصادق في المدينة فرفضها عليه السلام وقال : «أنت لست من رجالنا ولا الزمان زماننا»(3) .

__________________

(1) مروج الذهب ج 3 ص 217 ـ 219 ، تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 66.

(2) الشيعة في الإسلام العلّامة الطباطبائي ص 26.

(3) تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 86 ، مروج الذهب ج 3 ص 268.


ولمّا استولى بنو العبّاس على الخلافة باسم أهل البيت عليهم السلام(1) تلاطفوا في بداية الأمر مع الناس والعلويين خاصّة وأذاعوا بني الملأ أنّهم سينتقمون لشهداء العلويين وأعربوا عن سخطهم الكامل على بني أُميّة واهداروا دمائهم بحيث إنّهم كلّما وجدوا قبر أحد أُمرائهم أحرقوه(2) إلّا أنّهم بعد ذلك كشفوا عن حقيقتهم السيّئة وأعادوا تاريخ بني أُميّة كاملاً بل وتجاوزوا الحدّ وأنسوا الناس ظلم بني أُميّة.

على كلّ فقد تجاوز الأمويون على الإمام السجّاد عليه السلام ودسّوا إليه السمّ الفتّاك فمات عليه السلام شهيداً مسموماً(3) .

ناهيك عن قتلهم لريحانتي رسول الله صلى الله عليه واله وسيّدا شباب أهل الجنّة حيث دسّوا للإمام الحسن عليه السلام السمّ وقتلوا سيّد الشهداء عليه السلام بتلك الصورة البشعة.

وقد بلغت فضائح بني أُميّة حدّاً أنّ أهل الذين يعتبرون مطلق الخلفاء مفترضي قسّموا الخلفاء إلى :

1 ـ الخلفاء الأربعة الأوائل بعد رسول الله صلى الله عليه واله وهم : أبوبكر وعمر وعثمان والإمام علي عليه السلام.

2 ـ الخلفاء الغاصبون : ويبدأون من معاوية بن أبي سفيان وينتهون إلى بني مروان.

وعلى أثر شدّة ظلم الأمويين وإعاثتهم الفساد في البلاد سخط الناس عليهم وتفاعلوا مع العبّاسيين ضدّهم وأطاحوا بدولتهم وذلك في عهد آخرهم وهو مروان الحمّار.

وكما ينقل المؤرخون : أنّ العبّاسيين عندما ثاروا ضدّ الأمويين فرّ أبناء مروان وعياله على وجوههم وطرقوا أبواب الكثير من الناس علّهم يؤونهم ويحمونهم إلّا أنّ

__________________

(1) تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 86 ، مروج الذهب ج 3 ص 268.

(2) تاريخ اليعقوبي ج 3 ص 91 ـ 96 ، تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 212.

(3) بحارالأنوار ج 12.


أحداً لم يقبل ذلك فبقوا في صحراء «النوبة» حيارى مدّة وقد مات الكثير منهم من شدّة الجوع والعطش ، أمّا البقيّة فقد لجأوا إلى اليمن بزي الحمّالين ومنها ذهبوا إلى مكّة واختفوا فيها(1) .

خلاصة القول إنّ بني العبّاس لم يبقوا لبني أُميّة في الظلم شيئاً حتّى صار الناس يترحّمون على أيّام الأمويين من شدّة ما عاثوا في الأرض الفساد.

ففي التاريخ أنّ أحد الغنّين أنشد للأمين العبّاسي بيتين من الشعر حرّك فيهما شهوته فوهب له ثلاثة ملايين درهماً ، وإذا بالمغنّي يسقط على قدمي الأمين يقبّلهما من شدّة الفرح وهو يقول : يا أميرالمؤمنين أكلّ هذه الأموال لي؟ فأجابه الأمين قائلاً : لا يهمّ ، سأُعوّضها من إحدى البلاد(2) .

يزيد والسرور الذي لم يدم

لقد بلغت بني اُميّة ضدّ أمير المؤمنين في الشام حدّاً بحيث إنّ الناس في ذلك البلد كانوا يعتقدون أنّ بني أُميّة أقرب الناس إلى الرسول صلى الله عليه واله.

ولكن وبعد أن قدم أهل البيت عليهم السلام إلى الشام أُسارى ، وعلى أثر خطابات الإمام السجّاد عليه السلام فوق منابر دمشق وفي شوارعها فضلاً عن خطابات السيّدة زينب عليها السلام في مجلس يزيد وبعد أن اتصّل الناس بالإمام زين العابدين عليه السلام وحقّقوا عنه انكشفت لهم الحقيقة وافتضح يزيد اللعين ، ولذا فإنّه بعد تلك الخطابات لم يستطع ابقاء أهل البيت عليهم السلام في الشام خشية أن ينقلب الناس عليه.

فقد كان الأمويون يوصلون الحقائق إلى الناس في الشام معكوسة ضدّ أهل البيت عليهم السلام بحيث إنّ هذه التبليغات السيّئة أخذت مأخذها عند أهل الشام حتّى أنّ مشايخ دمشق حسب نقل «تجارب السلف» تأثّروا بمثل هذه الدعايات الضالّة ، ولو أنّ

__________________

(1) الشيعة في الإسلام العلّامة الطباطبائي ص 26.

(2) الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.


أهل البيت عليهم السلام لم يدخلوا الشام أُسارى لما انكشفت لهم الحقيقة ولبقوا مخدوعين حتّى اليوم.

وعلى أيّة حال ، فقد ظنّ يزيد اللعين أنّه ـ وحسب الظاهر ـ انتصر على سيّد الشهداء عليه السلام بعد قتله إيّاه وسبي ذرّيته إلى الشام وأنّ الأُمور ستسقرّ له ويصفو له الجو بحيث يبقى هو وأحفاده رغيدي العيش مرتاحين البال يتنعّمون في ملكهم.

ولم يعلم ذلك الطاغية أنّ المنتصر الحقيقي هو سيّد الشهداء عليه السلام ، ولذا فإنّه لم تنقض مدّة بسيطة حتّى ذهب ملكه وضاع سلطانه وبقي لعنه في التاريخ حتّى أنّ ابنه معاوية ارتقى المنبر يوماً في نفس الشام وتبّرأ من أفعاله السيّئة التي سوّد بها صفحات التاريخ.

نعم ، فقد استرّ يزيد في بادئ الأمر بقتل سيّد الشهداء عليه السلام وبعث خلف ابن زياد اللعين وأكرمه بالهدايا والعطايا الجزيلة إلّا أنّ هذه الفرحة لم تدم طويلاً حتّى انقلبت إلى أحزان وآهات.

فقد نقل المحدّث القمّي في كتابه نفس المهموم فقال : أقول : يظهر لمن تأمّل أفعال يزيد وأقواله أنّه لما جيء برأس الحسين عليه السلام وأهل بيته سرّ بذلك غاية السرور ، ففعل ما فعل مع الرأس الشريف وقال ما قال وحبس علياً بن الحسين عليه السلام وسائر أهل بيته في محبس لا يكنّهم من حرّ ولا قرّ حتّى تقشّرت وجوههم(1) ، فلمّا عرفهم الناس واطّلعوا على جلالتهم وأنّهم مظلومون ومن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله كرهوا فعل يزيد بل لعنوه وسبّوه وأقبلوا على أهل البيت عليهم السلام ، فلمّا اطّلع يزيد على ذلك أراد أن يفرغ ذمّته من دم الحسين عليه السلام ، فنسب قتله إلى ابن زياد ولعنه بفعله ذلك وأظهر الندم على قتله عليه السلام وغيّر

__________________

(1) ربما يتصوّر البعض من هذه العبارة أنّ أهل البيت عليهم السلام بقوا مدّة طويلة في خرابة الشام حتّى تقشّرت جلودهم ، والحال أنّ هذا ليس بصحيح إذ أنّ جلودهم تقشّرت على أثر السير تحت الهجير في الصحاري عندما ساقوهم أُسارى في الصحاري بحيث أنّهم لمّا أُودعوا في خرابة الشام تساقطت جلودهم.


حاله مع علي بن الحسين وسائر أهل بيته ، فأنزلهم في داره الخاصّة حفظاً للملك والسلطنة وجلباً لقلوب العامّة لا أنّه ندم على قتل الحسين عليه السلام وساءه ما فعل ابن زياد بحسب الواقع ونفس الأمر ، والذي يدلّ على هذا ما نقله السبط ابن الجوزي في التذكرة : أنّه استدعى ابن زياد إليه وأعطاه أموالاً كثيرة وتحفاً عظيمة وقرّب مجلسه ورفع منزلته وأدخله على نسائه وجعله نديمه ، وسكر ليلة وقال للمغنّي غنّ ثمّ قال يزيد بديهاً :

اسقني شربة تروي مشاشي

ثمّ مل فاسق مثلها ابن زياد

صاحب السرّ والأمانة عندي

ولتسديد مغنمي وجهادي

قاتل الخارجي أعني حسيناً

ومبيد الأعداء والحسّاد(1)

وفي الكامل لابن الأثير : أنّ ابن زياد التقى بمسافر بن شريح في طريق الشام وقال له : لقد قتلت الحسين بن علي بأمر يزيد ، فهو الذي أمرني بذلك وقال : إمّا تقتل الحسين أو أقتلك ، فاخترت قتله.

ومن هنا يعلم أن تظاهر يزيد اللعين بالندامة بعد قتل سيّد الشهداء عليه السلام لم يكن إلّا من باب الحيلة والخدعة والغدر ليبرّء نفسه أمام الناس الذين سخطوا عليه ليجلب رضاهم وودّهم أمّا في الواقع والحقيقة فهو كان مسروراً بقتل الحسين عليه السلام.

ولعلّ خير شاهد على ذلك هو أنّ شمر بن ذي الجوشن اللعين كان يصلّي ويقول بعد صلاته(2) :

__________________

(1) نفس المهموم ص 421 ، تذكرة الخواص ص 164.

(2) ينبغي لمن يعتقدون بمثل معاوية ويزيد أنّهم من أُولى الأمر ويجب طاعتهم وأن يحكّموا عقولهم ويرجعوا إلى ضمائرهم ويرون هل من الممكن أن يكون أمثال هؤلاء من أُولي الأمر؟!

وهل يمكن أن يكون أمثال هؤلاء الذين حكموا بخلاف أحكام الله وقتلوا ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله من أُولي الأمر؟!

بالطبع إنّ الحكم بأنّ أمثال هؤلاء الأوباش من أُولي الأمر هو من التناقض العجيب ، ومن المعروف أنّ الله


إلهي إنّ طاعة أُولي الأمر هو الذي حداني لقتل ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله(1) .

من هم أُولوا الأمر؟

قال الله تعالى في كتابه الكريم :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (2) فقد تظافرت الروايات بين الفريقين أنّ المراد بأولي الأمر هو أمير المؤمنين عليه السلام والأئمّة المعصومين عليهم السلام من ذرّيته ، فعن أبي بصير قال : سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ :( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) فقال : نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام(3) .

وفي حديث آخر عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزّ وجلّ :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) قال عليه السلام : «الأئمّة من ولد علي وفاطمة عليهما السلام إلى أن تقوم الساعة».

فنفس رسول الله صلى الله عليه واله الذي صرّح قائلاً : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» ـ وفي ذلك كناية بأن لا طاعة لمخلوق إطلاقاً لأنّهم غير معصومين وبالتالي فربما يأمرون بمعصية الخالق ـ ينصّ على طاعة الإمام علي وذرّيته المعصومين عليهم السلام طاعة مطلقة وهذا خير دليل على عصمتهم إذ أنّهم لو لم يكونوا معصومين لأمكن أن يأمروا بمعصية الخالق

__________________

تعالى لا يصدر منه التناقض أبداً.

وكما أنّ الله تعالى لا يصدر عنه التناقض ، كذلك القرآن الكريم فهو كلام الله ومن المحال أن يدعوا إلى التناقض؟!

إذن لابدّ من الرجوع إلى العقول السليمة والاعتراف أنّ أُولي الأمر يجب أن يكونوا من المعصومين حتّى لا يلزم التناقض.

(1) راجع ميزان الاعتدال للذهبي ج 2 ص 280.

(2) سورة النساء : 59.

(3) الكافي ج 1 ص 286 ح 1.


والحال أنّ الرسول ينفيها مطلقاً فلابدّ من القول بعصمتهم مطلقاً.

وممّا يدلّ على أنّ المراد بأُولي الأمر هم الأئمّة الأطهار عليهم السلام هو ما نقله المفسّرون من الروايات الكثيرة التي فسّر رسول الله صلى الله عليه واله فيها المراد الحقيقي من الآية ونصّ فيها على أسماء الأئمّة المعصومين عليهم السلام واحداً بعد الآخر إلى الإمام الثاني عشر عليه السلام.

ومن هنا يتّضح أنّ ولي أمر شمر بن ذي الجوشن هو يزيد بن معاوية ، وأنّ العزاء الذي أقامه هذا الطاغية على سيّد الشهداء عليه السلام لم يكن إلّا حيلة ومحاولة لاشغال الناس عن جرائمه البشعة التي سوّد بها صفحات التاريخ.

فمن كان للمحدّث القمّي في كتاب «نفس المهموم» نقلاً عن كامل البهائي : أنّ السيّدة زينب عليها السلام أرسلت إلى يزيد تسأله الإذن أن يقمن المأتم على الحسين عليه السلام ، فأجاز ذلك وأنزلهنّ في دار للحجارة ، فأقمن المأتم هناك سبعة أيّام ويجتمع عندهنّ في كلّ يوم جماعة كثيرة لا تحصي من النساء. فقصد الناس أن يهجموا على يزيد في داره ويقتلوه ، فاطّلع على ذلك مروان وقال ليزيد : لا يصلح لك أن توقف أهل بيت الحسين في الشام فأعدّ لهم الجهاز وابعث بهم إلى الحجاز. فهيّأ لهم المسير وبعث بهم إلى المدينة(1) .

وعلى كلّ ، فقد سعى يزيد اللعين وبذل جهده على تزييف الحقائق علّه يخمّد من ثورة الناس وسخطهم عليه وكان مروان مطّلعاً أيضاً على غضب الناس ولذا فإنّه اضطرّ إلى إخراج أهل البيت عليهم السلام من الشام. وعليه فمن البعيد أن يسمح يزيد لأهل البيت عليهم السلام كي يقيموا العزاء على سيّد الشهداء عليه السلام سبعة أيّام إذ أنّه مع تلك الأوضاع العصبية وهيجان الناس واضطرابهم عليه كيف يمكن أن يسمح لأهل البيت عليهم السلام أن يبقوا في الشام أكثر ويبقي رأس سيّد الشهداء عليه السلام معلّقاً على القنا في مسجد الجامع؟ بل إنّ كلّ من يلاحظ سياسة يزيد الشيطانية وحيله الخبيثة التي كان يجلب من خلالها القلوب الضعيفة ويخدع بها العقول البسيطة يثق تماماً أنّ يزيد لم يبق الرأس الشريف وإنّما بعثه مع أهل

__________________

(1) نفس المهموم ص 411 ـ 412.


البيت عليهم السلام خشية أن تضطرب عليه الأوضاع أكثر فيذهب سلطانه.

فمن كلام للطبري قال فيه : إنّ يزيد أبقى أهل البيت عليهم السلام ثلاثة أيّام أقاموا فيها العزاء على سيّد الشهداء عليه السلام بداية ورودهم إلى الشام وذلك في خرابة من خرابات الشام.

ونقل عن الإمام الصادق في بصائر الدرجات وغيره أنّه لمّا أُتي بعلي بن الحسين عليهما السلام يزيد بن معاوية ـ عليهما لعائن الله ـ ومن معه جعلوه في بيت فقال بعضهم : إنّما جُعلنا في هذا البيت ليقع علينا فيقتلنا ، فراطن الحرس فقالوا : انظروا إلى هؤلاء يخافون أن تقع عليهم البيت وإنّما يخرجون غداً فيقتلون. فقال علي بن الحسين : لم يكن فينا أحد يحسن الرطانة غيري والرِّطانة عند أهل المدينة الرومية(1) .

ومع الالتفات إلى جميع هذه الأُمور يتّضح لماذا لم يبق يزيد أهل البيت عليهم السلام في الشام؟ ولماذا انصرف عن نيّته في قتلهم؟ ولماذا انهار عرشه وذهب سلطانه بعد هذه الأحداث بقليل حتّى أنّ ابنه معاوية صعد المنبر وتبّرأ من أفعاله البشعة؟

ويتضّح أيضاً أنّ يزيد أجبر قادة السجون على التكلّم باللغة الرومية وربما أنّهم لم يكونوا من أصل رومي وإنّما لوجود العلاقات الوثيقة بين الأمويين والروم ، ولنفوذ الروم بين الحكّام الأمويين خاصّة معاوية ويزيد اللذين اتّخذوا سرجون الرومي ككاتب ومستشار إلى زمان عبدالملك بن مروان. فإنّ هذا اللعين هو الذي أشار على يزيد أن يأمر ابن زياد بقتل سيّد الشهداء عليه السلام.

وبإشارة من سرجون الرومي أيضاً أولى يزيد ابن زياد حكومة الكوفة والبصرة ثمّ أمره بالخروج لمقاتلة ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله(2) .

__________________

(1) بصائر الدرجات ص 338.

(2) من أراد مزيد الإطّلاع على سيرة هذا اللعين الرومي فليراجع كتاب «التدوين في أحوال جبال شروين» تأليف محمّد حسن خان اعتماد السلطنة وزير علوم ايران في أيّام القاجار. وراجع الإرشاد حول سيّد الشهداء ص 96.


ولا يخفى أنّ علاقة بني أُميّة مع الروم كانت عريقة جدّاً ، إذ أنّ بني أُميّة لم يكونوا من أصل عربي أصلاً وإنّما كانوا من الروم.

كما يستفاد من الرواية السابقة أنّ الأئمّة الأطهار عليهم السلام يعرفون اللغة الرومية جيّداً ، علماً أنّ مع معتقدات الشيعة الإمامية في الأئمّة عليهم السلام أنّهم يعرفون جميع اللغات بل ويحسنون التكلّم بها إذ أنّه لا يمكن أن يكون حجّة الله على الخلق جاهلاً بلغة ما لأنّ ذلك يستوجب النقص النافي لحجّيته على العباد.

من جانب آخر تدلّ الرواية أنّ يزيد في بادئ الأمر بعد دخول أهل البيت عليهم السلام الشام وحبسهم في دمشق كان ينوي قتلهم ومحو آثارهم تماماً وهذا ما يظهر من حديث ابن عساكر إلّا أنّه وبعد مدّة انصرف عن هذه الفكرة الشيطانية(1) .

أيّها الظالمون اعتبروا

انظر عزيزي القارئ بعين الاعتبار كيف أنّ معاوية ويزيد اللذين كانا يبلّغان لأنفسهما ويدّعون أمام أهل الشام أنّهما من المقرّبين عند الرسول صلى الله عليه واله أنّ ذلك لم يدم طويلاً حيث انكشفت هذه الأُلعوبة وعرف الناس خداعهما حتّى أنّ معاوية بن يزيد أقرب الناس إليهما ارتقى المنبر أمام الملأ العام وأقرّ أنّ أمير المؤمنين عليه السلام وأحفاده عليهم السلام أحقّ بالخلافة من بني أُميّة(2) .

فقد شاءت إرادة السماء أن تجري الحقائق على لسان أقرب الناس إلى بني أُميّة ويبقى هذا الحديث علامة بارزة في جبين التاريخ لتعتبر منه الأجيال عبر العصور المختلفة.

__________________

(1) راجع تحقيق حول يوم أربعين سيّد الشهداء عليه السلام فارسي للشهيد آية الله سيّد محمّد علي القاضي الطباطبائي التبريزي رحمه الله ص 458 ـ 466.

(2) أشرنا إلى بعض المقتطفات من خطبته فليراجع.


الملفت للانتباه أنّ التاريخ أثنى على معاوية بن يزيد لقوله الحقّ ونبذه للتعصّب الجاهلي وأشاد بموقفه العظيم مقابل جرائم والحده إلّا أنّ ابن تيمية الحراني ذلك المعصّب وبعد مضي أكثر من الف عام جاء ليعلن عن ملكيته أكثر من نفس الملك وأنكر الواضحات ورفض ضروريات التاريخ ولذا أصبح من أعلام الضلالة المنبوذين الذين يتشاءم الناس من ذكر أسمائهم جرّاء تعصّبه الجاهلي ليزيد بن معاوية وأمثاله(1) .

ومن المتعصّبين الضالّين أيضاً هو القهستاني الذي قال : إذا أراد الإنسان أن يقرأ مصيبة سيّد الشهداء عليه السلام فمن الأفضل أن يقرأ مصائب الصحابة أولاً كي لا يتشبّه بالروافض.

ولا يخفى أن مراده من ذلك أن يذكر القارئ مصيبة عثمان بن عفّان الأموي ، الذي أجمع الصحابة على كفره وحكموا بوجوب قتله إلى أن قتل ودفن في مزبلة من مزابل اليهود(2) ، فهل يمكن القياس بين سيّد الشهداء عليه السلام الذي قتل مظلوماً ونصر بدمه الإسلام وبين من أجمع الصحابة بكفره ووجوب قتله؟!

العجيب أنّ حجّة الإسلام لأهل السنّة الغزالي قال : يحرم على الواعظ قراءة مصيبة سيّد الشهداء عليه السلام وينبغي له أن يمرّ على النزاعات والخلافات التي حدثت بين الصحابة وكأنّه لم يسمعها بل عليه أن يغضّ الطرف عن هكذا أحداث حتّى لا يقع بعض الصحابة الذين نصّ القرآن الكريم على نفاقهم في قفص الاتّهام.

بالطبع أنّه قال هذا الكلام كي تنطلي الحقائق على الناس وينخدعوا بأمثال أبي سفيان وابنه معاوية وعمرو بن العاص وغيرهم من المنافقين الذين أصبحوا زوراً من

__________________

(1) تحقيق حول أربعين سيّد الشهداء عليه السلام لآية الله القاضي التبريزي ص 468.

(2) فقد قتلوا عثمان ورموا جنازته في مزبلة وبقي ثلاثة أيّام إلى أن جاء مروان وبعض رفاقه فحملوا الجنازة ودفنوها إلّا أنّ قوماً من بني مازن تعهّدوا وقالوا : في أي مكان تدفنوه فإنّنا سنخبر الناس عن مكانه ولذا فإنّهم أخذوه إلى مقبرة من مقابر اليهود.


أعلام الدين وخلفاء المسلمين(1) .

وفي عصرنا الراهن هناك الكثير ممّن ارتضوا مقولة الغزالي إلّا أنّهم لا يتمكّنون من منع الناس عن فهم حقائق التاريخ ، ولذا فقد لجأوا إلى ترويج الأفكار السطحية المستوردة من الغرب وخرافات الفلسفة علّهم عبر هذه السفسطات الفلسفية والفتاوى البعيدة عن الدليل يخدعوا الناس ويقنعوهم بخلفاء بني أُميّة الذين ادّعوا ظلماً وعدواناً أنّهم أولياء الأمر.

وبالرغم من كلّ هذه الخطابات والكتابات الضالّة الرامية لاقصاء الشعوب عن العقائد الحقّة إلّا أنّ الناس عامّة خاصّة الشباب الواعي كانوا لهم بالمرصاد حيث ردّوا مثل هذه الادّعاءات الخاوية ولم يعتقدوا بهم طرفة عين أبداً بل وبقوا ينظرون إليهم كملوك جبابرة حكموا البلاد ظلماً ونشروا فيها الفساد.

وعلى كلّ ، فإنّ أمثال فتاوي الغزالي والقهستاني ليس لها قيمة أبداً إذ أنّه من ضروريات مذهب الشيعة التابعين لأهل البيت عليهم السلام هو إقامة العزاء على سيّد الشهداء عليه السلام وإحياء مأساته ومصابه طيلة السنة ، وقد أكّد أهل البيت عليهم السلام على ذلك بشدّة وأشاروا إلى قداسنة هذه الشعائر في رواياتهم الشريفة بشكل متظافر حتّى أصبحت عند الشيعة من أفضل المقدّسات المجمع عليها.

من جانب آخر فإنّ زيارة مراقد أهل البيت عليهم السلام والبكاء عليهم وإقامة مأتمهم وإحياء شعائرهم هي من أفضل المستحبّات بل ومن ألزم الأُمور التي يجب على عموم الشيعة حفظها والالتزام بها خاصّة البكاء على سيّد الشهداء عليه السلام وزيارته. وقد صنّف العلّامة المتبحّر أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه القمّي كتاباً قيّماً باسم «كامل الزيارات» جمع فيه أصحّ الروايات وأسدّها حول هذه المسألة علماً أنّ الكتاب قد طبع بهمّة العلّامة الكبير الشيخ عبدالحسين الأميني صاحب الموسوعة النفيسة المسمّاة

__________________

(1) تحقيق حول أربعين سيّد الشهداء عليه السلام ص 174.


بالغدير.

بطبيعة الحال أنّه مع وجود وصايا كهذه من قبل أهل البيت عليهم السلام على إقامة الشعائر لا تبقي قيمة لفتاوى النواصب والخوارج من أعداء الأئمّة الأطهار عليهم السلام الذين أفتوا وفق عقولهم الناقصة وآرائهم الفاسدة بحرمتها خاصّة مع الالتفات أنّ مثل هذه الوصايا من أئمّة الهدى عليهم السلام تناقلت إليهم واحداً بعد الآخر عن جدّهم الأطهر صلى الله عليه واله الذي هو سيّد العارفين بأحكام الشريعة.

ولذا فمن المفترض أن نسأل الغزالي نفسه ونقول له : بأي دليل أفتيت بحرمة إقامة العزاء لسيّد الشهداء عليه السلام؟ فهل وصلك خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه واله أمّ أنّك تنقل عن بعض من يسمّون بالصحابة أمثالك ممّن لم يعصمهم الله تعالى؟

وهل إنّنا نتّبع آراؤك الضالّة أم نلتزم بأقوال الإمام الصادق عليه السلام حفيد رسول الله صلى الله عليه واله؟

بلا شكّ إنّ كلّ من عنده أدنى قدر من الإيمان يرجّح أتباع أهل بيت عليهم السلام الذين نصّ القرآن الكريم على عصمتهم في آية التطهير ويترك فتاواك الضالّة التي عبّر الإمام الصادق عليه السلام من أمثالها : لمثل هذا تمنع السماء قطرها(1) .

__________________

(1) تحقيق حول أربعين سيّد الشهداء عليه السلام ص 278.


الفصل الرابع

بعد أن تعرّفنا على الشجرة الملعونة ومدى خباثة معاوية ونجله النجس يزيد ، ومن باب أنّ الأشياء تعرف بأضدادها ، فلا بأس أن نتعرّف أيضاً على الشجرة الطيّبة لأهل بيت العصمة والطهارة صلوات الله عليهم أجمعين.

وحتّى لا يطول بنا المقام ونخرج عن أصل البحث ، ومراعاة للاختصار فقد قدّمنا بعض المقتطفات السريعة حول أفضل شخصية في هذه الأُسرة الطيّبة ألا وهو ابن عمّ النبي صلى الله عليه واله وزوج الزهراء البتول عليها السلام ووالد السبطين الحسن والحسين عليهما السلام وأبو الأئمّة الأطهار عليهم السلام أسد الله الغالب علي بن أبي طالب عليه أفضل صلوات الله وسلامه.

فقد اخترنا بعض مناقب أمير المؤمنين عليه السلام ليدرك العالم عمق الخسارة وعظم المصيبة التي ارتكبها أرباب الشجرة الملعونة في حقّ هذا البيت الطاهر ، ولنعرف الشيء القليل من مقامات هذا البيت الطاهر الذي اصطفى الله تعالى أهله وجعلهم مضرب للخير والبركة فقال عزّ من قائل :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ * يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) (1) .

أمّا هذه المناقب فهي :

علي عليه السلام ركن التوحيد

روي عن أبي الحسن عليه السلام أنّه قال : «ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء ،

__________________

(1) سورة إبراهيم : 24 ـ 27.


ولن يبعث الله نبيّاً إلّا بنبوّة محمّد صلى الله عليه واله وولاية وصيّه علي عليه السلام»(1) .

وعن الإمام الرضا عليه السلام عن أبيه عن جدّه عن أبيه محمّد بن علي بن الحسين عليهم السلام في قوله تعالى :( فِطْرَةَ اللهِ الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ) (2) قال : «هو لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، علي أمير المؤمنين ولي الله ، إلى هاهنا التوحيد»(3) .

مكتوب على أبواب الجنّة

عن جابر الأنصاري قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : ليلة أُسرى بي إلى السماء أُمر بعرض الجنّة والنار عليّ ، فرأيتهما جميعاً ، رأيت الجنّة وألوان نعيمها ، ورأيت النار وألوان عذابها ، وعلى كلّ باب من أبواب الجنّة الثمانية : لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، علي ولي الله(4) .

مكتوب على العرش

عن أبي عبدالله عليه السلام قال : «مسطور بخطّ جليل حول العرش : لا إله إلّا الله ، محمّد رسول الله ، علي أمير المؤمنين»(5) .

الشاكّ في ولاية علي عليه السلام

عن عطاء قال : سألت عائشة عن علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت : «ذاك خير البشر ولا يشكّ فيه إلّا كافر»(6) .

حرب الجمل من أين؟

قيل إنّ عائشة بعد أن نقلت حديث رسول الله صلى الله عليه واله : «علي خبر البشر فمن أبى فقد

__________________

(1) الصراط المستقيم ص 10 نقلاً عن بصائر الدرجات ص 72 ح 1.

(2) سورة الروم : 3.

(3) الصراط المستقيم ص 19 نقلاً عن تفسير علي بن إبراهيم القمّي ج 2 ص 155.

(4) بحار الأنوار ج 27 ح 24.

(5) بحار الأنوار ج 27 ص 11 ـ 12 ح 27.

(6) بحار الأنوار ج 38 ص 5 ح 7.


كفر ومن رضى قد شكر». قيل لها : فلِمَ حاربتيه؟ قالت : ما حاربته من ذات نفسي إلّا حملني طلحة والزبير(1) .

الفضل ما شهدت به الأعداء

عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : «من فضّل أحداً من أصحابي على علي فقد كفر»(2) .

وهذا الحديث صريح الدلالة على أنّ كلّ من يفضّل أحداً على أمير المؤمنين عليه السلام فهو كافر ، فياترى ما هو حال الذين تجاسروا عليه واغتصبوا حقّه جهاراً ولم يرعوا له حرمة أبداً.

عمر يعترف بفضائل الإمام علي عليه السلام

عن عمر بن الخطّاب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه واله يقول : فضل علي بن أبي طالب على هذه الأُمّة كفضل شهر رمضان على سائر الشهور ، وفضل علي هذه الأُمّة كفضل ليلة القدر على سائر الليالي ، وفضل علي على هذه الأُمّة كفضل ليلة الجمعة على سائر الليالي ، فطوبى لمن آمن به وصدّق بولايته والويل كلّ الويل لمن جحده وجحد حقّه ، حقّاً على الله أن يحرمه القيامة شفاعة محمّد صلى الله عليه واله(3) .

وحقيقة إنّ هذا الحديث من خيرة الأحاديث الدالّة على فضل أميرالمؤمنين عليه السلام وكونه صاحب الولاية بعد رسول الله صلى الله عليه واله وأنّ كلّ من أنكر هذ الولاية في الحياة الدنيا سيحرم يوم القيامة قطعاً من شفاعة رسول الرحمة صلى الله عليه واله. الملفت للانتباه أنّ نفس عمر يروي هذا الحديث بينما يقدّم أبا بكر للخلافة ، ثمّ يتولّى هو الخلافة وقبل أن يرحل يجعلها شورى ولا يرضى أن تصل مقاليد الخلافة لصاحبها الواقعي الذي اعترف هو

__________________

(1) بحار الأنوار ج 38 ص 7 ح 13.

(2) بحار الأنوار ج 38 ص 14 ح 19.

(3) بحار الأنوار ج 38 ص 14 ـ 15 ح 21.


شخصياً بفضيلته كما في هذا الحديث فاعتبروا يا أُولي الألباب.

من يشتري سيفي؟

عن أبي حيّان التيمي عن أبيه قال؟ رأيت علي بن أبي طالب عليه السلام على المنبر يقول : من يشتري منّي سيفي هذا؟ فلو كان عندي ثمن إزار ما بعته ، فقام إليه رجل فقال : نسلفك ثمن إزار. قال : قال عبدالرزاق ـ الراوي ـ وكانت بيده الدنيا كلّها إلّا ما كان من الشام(1) .

أوّل من صلّى مع الرسول صلى الله عليه واله

من كلام لسعد بن أبي وقّاص في الإمام علي عليه السلام قال فيه : ألم يكن أوّل من أسلم؟ ألم يكن أوّل من صلّى مع رسول الله صلى الله عليه واله؟ ألم يكن أزهد الناس؟ ألم يكن أعلم الناس(2) ؟

علي عليه السلام سيّد في الدارين

عن ابن عباس قال : نظر النبي صلى الله عليه واله إلى علي عليه السلام فقال : «أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة ، حبيبك حبيبي ، وحبيبي حبيب الله ، وعدوّك عدوّي ، وعدوّي عدو الله ، والويل لمن أبغضك بعدي»(3) .

وهنا يحقّ لنا أن نسأل ونقول : إنّ الذين جعلوا أميرالمؤمنين عليه السلام يجلس في داره بعد أن غصبوا حقّه وأحرقوا باب الصدّيقة الزهراء عليها السلام هل كانوا من أحبّاء الإمام علي عليه السلام أم من مبغضيه؟ بلا شكّ كانوا من أعداءه وبالتالي فإنّهم ـ وكما ينصّ الحديث ـ أعداء لله ولرسوله صلى الله عليه واله ، فكيف يمكن أن يكونوا خلفاءه؟! إنّ هذا لعجباً؟!

__________________

(1) الاستيعاب في هامش الاصابة ج 2 ص 465.

(2) الفضائل الخمسة ج 3 ص 7.

(3) مستدرك الصحيحين ج 3 ص 127.


مَن فارق عليّاً

عن أبي ذرّ رضوان الله عليه قال : قال النبي صلى الله عليه واله : «يا علي من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك يا علي فقد فارقني»(1) .

ويحقّ لنا أن نسأل هنا أيضاً ونقول : هل إنّ الذين غصبوا الخلافة من أمير المؤمنين عليه السلام فارقوه أم لا؟

بالطبع أنّهم فارقوه وبذلك فإنّهم فارقوا الله ورسوله صلى الله عليه واله ولا يحقّ لمن يفارق الله ورسوله أن يستلم خلافة المسلمين.

لا فتى إلّا علي عليه السلام

عن أبي جعفر عليه السلام قال : نادى ملك من السماء يوم بدر يقال له رضوان أن لا سيف إلّا ذوالفقار ولا فتى إلّا علي(2) .

جبرئيل ينصر الإمام علي عليه السلام

عن سعيد بن المسيّب قال : لقد أصابت علياً عليه السلام يوم أُحد ستّ عشرة ضربة كلّ ضربة تلزمه الأرض فما كان يرفعه إلّا جبرئيل عليه السلام(3) .

مبارزة علي عليه السلام أفضل من أعمال الأُمّة

عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه قال : قال رسول الله صلى الله عليه واله : «لمبارزة علي بن أبي طالب عليه السلام لعمرو بن ودّ يوم الخندق أفضل من أعمال أُمّتي إلى يوم القيامة»(4) .

إرادتكم إرادة الله عزّ وجلّ

روي أنّه اختصم رجل وامرأة إليه ـ الإمام علي عليه السلام ـ فعلا صوت الرجل على

__________________

(1) مستدرك الصحيحين ج 3 ص 123.

(2) ذخائر العقبى ص 74 وفي الرياض النضرة ج 2 ص 190.

(3) أُسد الغابة في معرفة الصحابة ج 4 ص 20.

(4) مستدرك الصحيحن ج 3 ص 32 تاريخ بغداد ج 13 ص 19 ح 6978.


المرأة فقال له الإمام علي عليه السلام : اخسأ ـ وكان خارجياً ـ فإذا رأسه رأس كلب ، فقال رجل : يا أمير المؤمنين صحت بهذا الخارجي فصار رأسه رأس كلب فما يمنعك عن معاوية؟ قال : ويحك لو أشاء أن آتي معاوية إلى ههنا على سريرة لدعوت الله حتّى فعل ، ولكنّا لله خزّان لا على ذهب ولا على فضّة ولا إنكاراً بل على أسرار تدابير الله ، أما تقرأ :( بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ) (1) وفي رواية قال عليه السلام : «إنّما أدعوهم لثبوت الحجّة وكمال المحنة ، ولو أُذن لي في الدعاء بهلاك معاوية لما تأخّر»(2) .

من قضاء أمير المؤمنين عليه السلام

عن عمّار بن ياسر قال : كنت بين يدي مولانا المؤمنين عليه السلام وإذا بصوت قد أخذ جامع الكوفة فقال : يا عمّار ائت بذي الفقار الباتر للأعمار فجئته بذي الفقار ، فقال : اخرج يا عمّار وامنع عن ظلامة هذه المرأة ، فإن انتهى وإلّا منعته بذي الفقار ، قال : فخرجت وإذا أنا برجل وامرأة قد تعلّقوا بزمام جمل والمرأة تقول : الجمل لي ، والرجل يقول : الجمل لي ، فقالت : إنّ أمير المؤمنين عليه السلام ينهاك عن ظلم هذه المرأة ، فقال : يشتغل علي بشغله ويغسل يده من دماء المسلمين الذين قتلهم بالبصرة ويريد أن يأخذ جملي ويدفعه إلى هذه المرأة الكاذبة؟! فقال عمّار رضي الله عنه : فرجعت لأخبر مولاي فإذا به قد خرج ولاح الغضب في وجهه وقال : ويلك خلّ جمل المرأة ، فقال : الشاهد الذي لا يكذّبه أحد من الكوفة ، فقال الرجل : إذا شهد شاهد وكان صادقاً سلّمته إلى المرأة ، فقال الإمام علي عليه السلام : تكلّم أيّها الجمل لمن أنت؟ فقال بلسان فصيح : يا أمير المؤمنين وخير الوصيّين أنا لهذه المرأة منذ بضع عشر سنة ، فقال الإمام علي عليه السلام خذي

__________________

(1) سورة الأنبياء : 26 ـ 27.

(2) بحار الأنوار ج 41 ص 191.


جملك ، وعارض الرجل بضربة قسّمه نصفين(1) .

في مدح أمير المؤمنين عليه السلام

ومن خير ما نظم في مدح أمير المؤمنين عليه السلام هو ما نظمه الصاحب بن عبّاد قدّس الله روحه الزكيّة في قصيدته الرائعة التي جاء فيها :

قالت : فمن صاحب الدين الحنيف أجب

فقلت : أحمد خير السّادة الرسلِ

قالت : فمن بعده تُصفي الولاء له؟

قلت : الوصيّ الذي أربى على زُحلِ

قالت : فمن باب من فوق الفراش فدى؟

فقلت : أثبت خلق الله في الوهلِ

قالت : فمن ذا الذي آخاه عن مقةٍ؟

فقلت : من حاز ردّ الشمس في الطفل

قالت : فمن زوّج الزهراء فاطمة؟

فقلت : أفضل من حافٍ ومنتعلِ

قالت : فمن والد السبطين إذ فرعا؟

فقلت : سابق أهل السبق في مهلِ

قالت : فمن فاز في بدر بمعجزها؟

فقلت : أضرب خلق الله في القللِ

قالت : فمن أسد الأحزاب يفرسها؟

فقلت : قاتل عمرو الضغيم البطلِ

قالت : فيوم حنين مَن فرا وبرا؟

فقلت : حاصد أهل الشرك في عجلِ

قالت : فمن ذا دُعي للطير يأكله؟

فقلت : أقرب مرضيٍّ ومنتحلِ

قالت : فمن تلوه يوم الكساء أجب؟

فقلت : أفضل مكسوٍ ومشتملِ

قالت : فمن ساد في يوم «الغدير» أبن؟

فقلت : مَن كان للإسلام خير ولي

قالت : ففي مَن أتى في هل أتى شرفٌ؟

فقلت : أبذل أهل الأرض للنفلِ

قالت : فمن راكع زكّى بخاتمه؟

فقلت : أطعنهم مذ كان بالأُسلِ

قالت : فمن ذا قسيم النار يسهمها؟

فقلت : مَن رأيه أذكى من الشعلِ

قالت : فمن باهل الطهر النبي به؟

فقلت : تاليه في حلٍّ ومرتحل

قالت : فمن شبه هارون لنعرفه؟

فقلت : مَن لم يحل يوماً ولم يزلِ

__________________

(1) بحار الأنوار ج 41 ص 236 ح 7.


قالت : فمن ذا غدا باب المدينة قل؟

فقلت : من سألوه وهو لم يسلِ

قالت : فمن قاتل الأقوام إذ نكثوا؟

فقلت : تفسيره في وقعة الجملِ

قالت : فمن حارب الأرجاس إذ قسطوا؟

فقلت : صفّين تُبدي صفحة العملِ

قالت : فمن قارع الأنجاس إذ مرقوا؟

فقلت : معناه يوم النهروان جَلي

قالت:فمن صاحب الحوض الشريف غداً؟

فقلت : مَن بيته في أشرف الحللِ

قالت : فمن ذا لواء الحمد يحمله؟

فقلت : مَن لم يكن في الرَّوع بالوجلِ

قالت : أكلُّ الذي قد قلت في رجلٍ؟

فقلت : كلُّ الذي قد قلت في رجلِ

قالت : فمن هو هذا الفرد سمّه لنا؟

فقلت : ذاك أمير المؤمنين علي


الفصل الخامس

بعد أن وضعت الحرب أوزارها ظهر عاشوراء حيث ارتكب أزلام بنو أُميّة أبشع المآسي وأوجعوا قلب رسول الله صلى الله عليه واله بسفكهم للدماء الزاكية لأهل البيت عليهم السلام أخذوا النساء والأطفال ومعهم الإمام السجّاد عليه السلام الذي كان عليلاً أُسراء إلى الكوفة.

وبعد أن نزل الأُسراء الكوفة بعث ابن زياد اللعين إلى يزيد الطاغية يستأذنه في بعث القافلة إلى الشام ولمّا أذن اللعين قادوا أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام إلى الشام وذلك عبر طريق الموصل.

وقد أمر ابن زياد اللعين كلّ من : زجر بن قيس ، ومحض بن أبي ثعلبة ، وشمر بن ذي الجوشن ، أن يقودوا الأسارى والرؤوس مع خمسة آلاف فارس نحو الشام ، التي دخلها ركب الأُسارى في اليوم الأوّل من شهر صفر المظفّر.

والآن لا بأس أن نذكر المآسي والحوادث المفجعة التي جرت على أهل البيت عليهم السلام خلال هذه المسيرة الطويلة.

1 ـ في جنب الفرات : أمر شمر بن ذي الجوشن الذي كان رئيس القافلة أن يقيّد الإمام السجّاد بالأغلال فوق النياق الهزلة وأن تجعل النساء والأطفال في الأكوار المكشوفة وأن توضع رؤوس الشهداء فوق الرماح العالية. وبعد أن سارت القافلة مسافة من الطريق نزلوا إلى جانب الفرات وجعلوا الرؤوس الشريفة على حائط إحدى الخربات وعمدوا اللعب بالقمار واللهو وشرب الخمر.

وفي ذلك الأثناء رأوا أنّ يداً ظهرت من فوق رأس سيّد الشهداء عليه السلام وكتبت بالدم على الحائط :

أترجوا أُمّة قتلت حسيناً

شفاعة جدّه يوم الحساب؟!


ولمّا أسرع القوم ليلقوا القبض على هذه اليد لم يجدوا شيئاً ، فعادوا إلى مكانهم وانشغلوا بفسادهم ولهوهم تارةً أُخرى ، وبعد لحظات ظهرت اليد مرّة أُخرى وكتبت بالدماء الزاكية :

فلا والله ليس لهم شفيع

وهم يوم القيامة في العذاب

فأسرع القوم من جديد ليأخذوا أمامها إلّا أنّهم لم يجدوا شيئاً ، وحينما عادوا إلى لعبهم سمعوا هاتفاً يقول :

ماذا تقولون إذ قال النبي لكم

ماذا فعلتم وأنتم آخر الأُمم

بعترتي وبأهلي عند مفتقدي

منهم أُسارى ومنهم ضرّجوا بدم(1)

2 ـ تكريت : كانت تكريت المنزل الثاني لأهل البيت عليهم السلام ، فلمّا وصلت القافلة قريباً منها بعثوا بعضهم ليخبروا أهل المدينة ويأمروهم كي يأتوا ويستقبلوا الأُسارى ، فأقبل أهل تكريت فرحين ، وكان في تكريت بعض النصارى فتساءلوا من الناس : ما الخبر؟ ومن هؤلاء؟ فقالوا : لقد جيء برأس الحسين مع الأسارى من أهل بيته؟

فقال النصارى : وأي حسين هذا؟

قالوا : الحسين بن فاطمة بنت رسول آخر الزمان.

وإذا بالنصارى يضجرون ويتألّمون لهذا المصاب ويقولون لهم : الويل لكم قتلتم ابن بنت نبيّكم؟!

ثمّ إنّهم ذهبوا إلى كنائسهم وضربوا نواقيسهم وأخذوا يبكون ويبرؤون من هذا العمل ويلعنون أهله.

__________________

(1) راجع مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي ج 2 ص 105 ـ 106 ، ذخائر العقبى ص 145 ، ورواه ابن المغازلي في المناقب ص 388 رقم 442 ، وقال محقّق كتاب ابن المغازلي «البهبودي» : أخرجه العلّامة الطبراني في المعجم الكبير ص 147 ، كفاية الطالب ص 291 ، مجمع الزوائد ج 9 ص 199 ، تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 13 ، الخصائص الكبرى ج 2 ص 127 ، الاتحاف بحبّ الأشرف ص 23 ، نظم درر السمطين ص 219 ، تاريخ دمشق ج 14 ص 244 ، نفس المهموم ص 422.


3 ـ وادي النخلة : ثمّ إنّ القافلة خرجت من تكريت ووصلت إلى وادي النخلة ، وقد سمعوا في هذا الوادي ضجّة عظيمة ونياحة شديدة إلّا أنّهم لم يكونوا يرون أحداً ، وقد سمعوا شخصاً يقول :

مسح النبي جبينه ولو يريق في الخدود

أبواه من عليا قريش وجدّه خير الجدود

وكان شخص آخر يقول :

ألا ياعين جودي فوق جدّي

فمن يبكي على الشهداء بعدي

على رهط تقودهم المنايا

إلى متجبّر بالملك عبدي

4 ـ المرشاد : ثمّ إنّ القافلة تحرّكت من وادي النخلة ووصلت إلى المرشاد فجاء أهل المحلّة نساءً ورجالاً لاستقبال القافلة ، ولمّا شاهدوا الأسارى اعتلى بكاءهم وأنينهم وصياحهم وحملوا على قتلة سيّد الشهداء.

5 ـ الحرّان : لمّا وصلت القافلة إلى مشارف الحرّان كان هناك يهودياً اسمه يحيى الخزاعي واقفاً على سطح عالي جدّاً فرأى دخول الأسارى ولذلك نزل ليتفرّج عليهم ويشاهد حالهم ، ولمّا دنا من القافلة شاهد الرأس الشريف يتلو قوله تعالى :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (1) فتعجّب من هذا المنظر المذهل وتساءل قائلاً : هذا الرأس لمن؟

فقالوا له : إنّه رأس الحسين بن علي ، فقال لهم : ومَن أُمّه؟ قالوا : فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه واله.

فقال اليهودي : لو لم يكن دينه حقّ لما بدت منه هذه الكرامة المذهلة ، فأسلم يحيى وخلع عمامته ومزّقها قطعة قطعة ثمّ ناولها للعلويات المخدّرات ، ثمّ بعث ثوباً من الخز كان يرتديها إلى الإمام زين العابدين عليه السلام ومعها الف درهم ليصرفها في حاجته.

فصاح جلاوزة ابن زياد به وقالوا له : أيّها اللعين أتعين أعداء الخليفة؟!

__________________

(1) سورة الشعراء : 227.


ابتعدوا وإلّا قتلناك ، فحمل يحيى السيف وقاتلهم قتال الأبطال ثمّ قتل شهيداً بعد أن قتل منهم خمسة أفراد. وقد دفن يحيى في دروازه حران ومقبرته معروفة اليوم باسم مقبرة الشهيد وهي محلّ لاستجابة الدعاء.

بنفسي رأس الدين ترفع رأسه

رفيع العوالي السمهرية ميد

تخاطبه مقروحة القلب زينب

فتشكو له أحوالها وتعيد

أخي كيف ترضى أن نساق حواسراً

وتسلب أبرادٌ لنا وعقود؟

أخي أترضى أن نساق أذلّة

ويطمع فينا شامت وحسود؟

أخي إنّ قلبي بات للوجد عنده

مواثيق لم تنقض لهنّ عهود

إذا رمت إخفاء الدموع فللجوى

مع الدمع منّي سائق وشهيد

6 ـ نصيبين : ولمّا وصلت القافلة إلى نصيبين بعث شمر اللعين من يخبر أمير المدينة ليأمر بتزيين المدينة فرحاً بمجيىء أسارى أهل البيت عليهم السلام.

وما أن خرج أمير المدينة المسمّى بـ «المنصور بن الياس» لاستقبال القافلة إذا بصاعقة تنزل وتحرق نصف المدينة وقد احترق كلّ من في هذا النصف من المدينة فاغتمّ أميرها بشدّة وخشي من غضب الله تعالى ولذلك أمر قوّاد القافلة بالخروج فخرجوا من المدينة بسرعة وهم يجرّون أذيال الخزي والعار.

7 ـ المدينة المجهولة : ثمّ إنّ القافلة وصلت إلى مدينة جديدة لم يذكر المؤرخون اسمها وقد كان اسم واليها سليمان بن يوسف وكان له أخوان : أحدهما قتل في معركة صفّين بيد أميرالمؤمنين عليه السلام والآخر كان شريكه في رئاسة هذه المدينة.

وعلى أيّة حال فقد أمر سليمان بالرؤوس أن تدخل من دروازة الرئيس إلّا أنّ أخيه خالفه في ذلك فاحتدّ النزاع بينهما وآل الأمر إلى المقاتلة ، فقتل سليمان وعمّت الفوضى في المدينة وخاف الشمر وأتباعه من هذه الحالة فخرجوا من المدينة بسرعة.

يا أُمّة السوء لا سقياً لربعكم

يا أُمّة لم تراع جدّنا فينا

لو أنّنا ورسول الله يجمعنا

يوم القيامة ما كنتم تقولونا؟


تسيّرونا على على الأقتاب عارية

كأنّنا لم نشيّد فيكم دينا

تصفّقون علينا كفّكم ضرباً

وأنتم في فجاج الأرض تسبّونا

أليس جدّي رسول الله ويلكم

أهدى البريّة من سبل المضلّينا؟

8 ـ حلب : يوجد بقرب مدينة حلب جبل يسكنه اليهود كانوا يعيشون في قلعة مهيبة ومحكمة. وقد كانت حرفتهم هي الحياكة علماً أنّ حياكتهم كانت معروفة بالنعومة عند أهل الحجاز والعراق والشام.

وكان في ساحل الجبل والي يدعى عزيز بن هارون كان رئيس اليهود ، قيل أنّهم جاءوا بالقافلة إلى هذه المدينة لترعى النياق من العلف وترتوي من الماء.

عتيقة الإمام الحسين عليه السلام

نقل البعض فقال : عندما نزلت قافلة الأُسارى هذه المدينة وبعد أن أرخى الليل سدوله جاءت إحدى الجواري إلى الأسارى وتعرّفت على مولاة لها في أيّام سيّد الشهداء عليه السلام البعض يقول : إنّ سيّدة الجارية هي شهر بانو ، وكما يبدو أنّ ذلك ليس بصحيح ولعلّها كانت الرباب.

وما أن رأت هذه الجارية مولاتها سابقاً وهي على هذه الحال من الأسر والملابس الرثّة حتّى أخذت تبكي ، فتساءلوا منها : لماذا تبكين؟ قالت : أنا لا أنسى عناية سيّد الشهداء عليه السلام الخاصّة بي وكيف أنّ السيّدة شهر بانو أهدتني إليه لأكون في خدمته إلّا أنّه عليه السلام أعتقني في سبيل الله ، ولمّا رأت السيّدة شهر بانو ذلك من سيّد الشهداء عليه السلام أهدتني خلعة نفيسة جدّاً ، فالتفت إليها سيّد الشهداء عليه السلام قائلاً : لقد أعتقت الكثير من الجواري ولم تصنعي مع إحداهنّ هكذا؟

قالت : أُولئك عتقائي وهذه عتيقتك يا أبا عبدالله ولابدّ أن يكون هناك فرق بين عتقائي وعتقائك.

فدعا لها سيّد الشهداء عليه السلام وبقيت الجارية عند شهربانو مدّة من الزمن إلى اليوم الذي فارقت المدينة واليوم وبعد هذه المدّة الطويلة التقت بالأسارى وشاهدتهم على


هذه الحالة المأساوية فتذكّرت تلك الأيّام الجميلة ولذلك ذهبت وأعدّت لهم الثياب الجيّدة وجاءت بها ليلاً لتقدّمها لهم.

وحيث إنّ الأسارى كانوا محاصرين فقد استأذنت شيرين أحد رؤوساء القبيلة التي نزلت القافلة عندهم وكان يدعى «عزيز» كي يسمح لها في مساعدة الأُسارى ، وإذا به يستاءل منها قائلاً : أنت شيرين؟ فقالت : نعم ، من أين عرفت اسمي؟

قال : لقد شاهدت في الرؤيا نبي الله موسى ووصيّه هارون عليه السلام حفاة حاسرين باكيان فسلّمت عليهما وتساءلت قائلاً : ما الخطب؟ ولماذا تبكيان هكذا؟ فقالا : لقد قتل الحسين بن علي عليهما السلام واحتزّوا رأسه وطافوا به وعياله البلاد وقد أُودع الرأس الشريف في أحد الجبال.

يقول عزيز : فتساءلت من نبي الله موسى عليه السلام قائلاً : أنت تعتقد بنبوّة محمّد؟! قال : نعم ، إن محمّداً نبي حقّاً وقد أخذ الله تعالى من الأنبياء قاطبة ميثاقاً بأن يعتقدوا به وكلّ من يعرض عنه فنحن منه براء.

يقول عزيز : فطالبت نبي الله موسى عليه السلام ببعض العلائم لأطمئن بما جرى ، فقال : اذهب الآن خلف القلعة ستجد جارية اسمها شيرين عتقها الإمام الحسين عليه السلام استقبلها وأبلغها سلامي وأعلن إسلامك أمامها وهي التي ستأخذك إلى الرأس الشريف. وبالفعل فقد أخذت شيرين الثياب والطعام والطيب وأخذ عزيز الف درهم أعطاها للحرّاس كي لا يمانعوا وصولهم إلى الأسارى.

كما قدّم عزيز الفين درهماً إلى الإمام السجّاد عليه السلام وأسلم على يديه ثمّ دنا من الرأس الشريف وقال : السلام عليك يابن رسول الله ، أشهد إنّني رأيت جدّك خاتم الرسل وإلى جانبه نبي الله موسى وقد أبلغاك سلامهما ، وإذا بالرأس الشريف يجيب السلام بكلّ فصاحة قائلاً : وسلام الله عليّ.

فقال عزيز : سيّدي ارض عنّي واشفع لي عند جدّك رسول الله صلى الله عليه واله ، وإذا بالرأس الشريف يجيب : لقد رضي رسول الله صلى الله عليه واله عنك لإسلامك كما رضي أبي علي وأُمّي


فاطمة عليهما السلام عنك لاهتداءك إلى مذهب الحقّ كما إنّي قد رضيت عنك وإنّ سلامك عليَّ كان سبباً لسروري.

وما هي إلّا لحظات وإذا بسيّد الساجدين عليه السلام يعقد عزيز على شيرين وقد آمن كافّة أهل القلعة جرّاء هذه الواقعة.

9 ـ دير النصراني : ثمّ إنّ القافلة تحرّكت نحو الدير وقد كان مع عسكر القافلة أبو سعيد الشامي وهو الذي نقل القضية التالية فقال : بلغ شمر بن ذي الجوشن خبراً أنّ نصر الحزامي قد أعدّ جيشاً ضخماً وهو يريد أن يسطو عليكم ليلاً ليأخذ الرؤوس المباركة ، ولذا اضطرب رؤساء العسكر وأخذوا يتباحثون حول حلّ هذه المشكلة فصمّموا أن يلوذوا إلى الدير ويحتموا به.

وحينما قرب الشمر وأتباعه من الدير إذا بأحد القساوسة يطلّ عليهم من وراء الجدار ويتساءل منهم عن سبب مجيئهم إلى الدير ، فقال له شمر : إنّنا من عسكر ابن زياد وقد جئنا من العراق إلى الشام ، فتساءل القس قائلاً : ولأي شيء جئتم؟ فقال الشمر : خرج رجل على يزيد فبعث إليه جيشاً جرّاراً ليقاتلوه وقد جئنا الآ برأسه ورؤوس أصحابه وقدنا حرمه كأُسارى إلى يزيد ، فقال القس : دعوني أنظر إلى الرؤوس ، ولمّا جاءوا إليه بها وقع نظره على رأس سيّد الشهداء عليه السلام ورأى النور الساطع من رأسه المبارك فأخذته حالة عجيبة من الهيبة والإجلال لهذا الرأس الطاهر وقال لهم : إنّ هذا الدير لا يسعكم جميعاً ، فإذا كان ولابدّ فأدخلوا الرؤوس والأسارى وابقوا أنتم خلف الجدار لتحرسوا القافلة ، فربما حمل عليكم العدو على حين غفلة وأنتم لا تعلمون ، ولا داعي أن تقلقوا على الأُسارى والرؤوس فإنّهم في حمايتنا وحراستنا.

فاستحسن الشمر هذا الاقتراح وقدّم إليه الرؤوس وسمح للقافلة التي يتقدّمها سيّد الساجدين عليه السلام بالدخول إلى الدير ، ثمّ إنّه جعل الأسارى في مكان مناسب وأودع الرؤوس في حجرة خاصّة ، وفي منتصف الليل مرّ على الرؤوس الشريفة فشاهد نوراً يسطع إلى السماء من رأس سيّد الشهداء عليه السلام وما هي إلّا لحظات إذا بسقف الغرفة ينفلق


وتدخل امرأة كانت مجلّلة كانت جالسة على عرش من نور والهاتف يقول : «طرّقوا رؤوسكم ولا تنظروا».

يقول القس : حقّقت النظر وإذا بحواء أُمّ البشر ، وهاجر زوجة نبي الله إبراهيم عليه السلام وأُمّ نبي الله إسماعيل عليه السلام ، وراحيل أُمّ نبي الله يوسف عليه السلام ، وأُمّ موسى عليه السلام ، وآسية زوجة فرعون ، ومريم بنت عمران أُمّ نبي الله عيسى عليه السلام ، وبعض زوجات النبي صلى الله عليه واله قد أقبلن وأخذن الرأس المبارك من الصندوق وهنّ باكيات نائحات فبقين على هذا الحال ساعة ثمّ زرن سيّد الشهداء عليه السلام وأرجعن الرأس إلى الصندوق.

وبينما هم على هذا الحال إذا بضجّة واضطراب تعمّ الحجرة فنزل عرش نوراني آخر وإذا بهاتف يقول : غضّوا أبصاركم فإنّ شفيعة المحشر الصدّيقة الزهراء عليها السلام ستأتي ، لا شعورياً ارتعشت فرائصي وأُغمي عليّ. وبالرغم من ذلك إلّا أنّني كنت أسمع بين تلك الضجّة صوت امرأة حزينة تنادي : السلام عليك يا ولدي أيّها المظلوم ، أيّها الشهيد ، أيّها الغريب ، يا نور عيني ، فداك أُمّك يا أباعبدالله ، ولدي عزيزي سيأتي ذلك اليوم الذي ينتقم فيه لثارك من أعداءك.

ولمّا رجع أكبر القساوسة إلى وعيه تطهّر ولبس أطهر ثيابه واتّخذ من الطيب أحسنه ودخل الغرفة التي فيها الرؤوس الشريفة وأخرج رأس سيّد الشهداء عليه السلام من الصندوق وغسّله بالكافور والمسك والزعفران ثمّ وضعه باتّجاه القبلة ووقف أمامه وقال : أيّها الرأس الشريف ، إنّني أعلم أنّك رأس من مدحهم الله تعالى في التوراة والانجيل إلّا أنّني أُقسم عليك بالله العظيم الذي حباك بهكذا منزلة إلّا ما كلّمتني وعرّفتني على نفسك.

فنطق الرأس الشريف بلسان فصيح قائلاً : أنا المظلوم وأنا المغموم وأنا المهموم ، أنا المقتول بسيف الجفا ، أنا المذبوح من القفا.

ومع ذلك لم يكتف كبير القساوسة بهذا البيان وطلب من الرأس الشريف أن يعرّف نفسه أكثر ، وإذا بالرأس ينطق بكلّ فصاحة : أنا ابن محمّد المصطفى صلى الله عليه واله أنا ابن علي المرتضى عليه السلام أنا ابن فاطمة الزهراء عليها السلام أنا الحسين الشهيد المظلوم بكربلاء.


فهاج الحزن بالراهب من هذه الكلمات وضجّ بالبكاء وأخذ الرأس الشريف وقبّله وجعله على وجهه وهو يقول : لن أُفارقك أبداً حتّى تضمن لي الشفاعة يوم القيامة.

وإذا بصوت من الرأس يهتف قائلاً : أوّلاً أُدخل في دين جدّي رسول الله صلى الله عليه واله حتّى أشفع لك ، وإذا بالقس يقول : أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمّداً رسول الله صلى الله عليه واله. ثمّ أنّه جمع جميع القساوسة وقصّ عليهم قصّته ودعاهم إلى الدخول في الدين الإسلامي فأسلموا جميعاً وكان عددهم سبعين رجلاً وكانوا قد بكوا جميعاً لمصيبة سيّد الشهداء عليه السلام ، ثمّ إنّهم ارتدوا ثياب السواد حزناً على سيّد الشهداء عليه السلام بل إنّهم جاءوا جميعاً إلى الإمام السجّاد ليعزّوه وأعلنوا إسلامهم أمامه بعد أن كسّروا نواقيسهم وطبلوا من الإمام عليه السلام أن يأذن لهم في مقاتلة هؤلاء اللعناء ويطلبوا بثأر أبيه سيّد الشهداء عليه السلام إلّا أنّه عليه السلام لم يأذن لهم وقال : إنّ الله عزّوجلّ سينتقم منهم لا محالة(1) .

10 ـ عسقلان : وفي الصباح ـ بعد أن نام شمر بن ذي الجوشن وجماعته خارج الدير ـ تحرّكوا برفقة الأسارى والرؤوس نحو عسقلان وكان أمير هذه المدينة «يعقوب العسقلاني» حاضراً في معركة كربلاء وشارك في جناياتها.

ولذا فإنّه ريثما وصل إلى المدينة أمر بتزيينها وتعطيل الأسواق وأن يجلبوا الملاهي ووسائل الطرب والغناء خارج المدينة فرحاً بهذه المصيبة العظمى ، ثمّ جلس هو وأعوانه مسروراً جذلاً شامتاً بمقتل أهل البيت عليهم السلام وكان الناس يباركون لبعضهم البعض هذا العيد.

ومن سوء الصدف أنّ أحد التجار وهو زرير الخزاعي كان واقفاً يشاهد ما جرى فتساءل من الناس عن الخبر ، فقالوا له : شخص في العراق خرج على يزيد فبعث إليه ابن زياد جيشاً جرّاراً قتلوه وجاءوا برأسه وأهل بيته أُسارى إلى مدينتنا اليوم ويتحرّك

__________________

(1) راجع : تذكرة الخواص لابن الجوزي ص 236 ـ 237 ، مقتل الخوارزمي ج 2 ص 115 ـ 116 ، مدينة المعاجز ج 4 ص 146 ، العوالم ج 17 ص 417 ، البحار ج 45 ص 172 مع اختلاف يسير معها.


قافلتهم غداً نحو الشام.

فتساءل زرير الخزاعي : وهل كان هذا الشخص مسلماً؟ فقالوا : كان من أكابر المسلمين ، ولمّا تساءل عن سبب خروجه قالوا له : كان يدّعي أنّه ابن رسول الله صلى الله عليه واله وأنّه أحقّ بالخلافة من يزيد ، فتساءل زرير قائلاً : ومن أُمّه أبوه؟ فقالوا : اسمه الحسين ، وأخيه الحسن ، وأُمّه فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه واله ، وأبوه علي بن أبي طالب عليه السلام ، وجدّه رسول الله محمّد صلى الله عليه واله.

وما أن سمع زرير هذا الكلام انتفض من مكانه وارتعدت فرائصه وتفايضت عيناه بالدموع ، ثمّ إنّه أوصل نفسه بسرعة ليرى بنفسه الأسارى الذين أدخلوهم المدينة ، وريثما وقعت عيناه على الإمام السجّاد عليه السلام أجهش بالبكاء وارتفعت نياحته وأنينه ، فتساءل منه الإمام السجّاد عليه السلام قائلاً : ممّ بكاءك؟ ألا ترى أهل المدينة فرحين مسرورين؟ فأجابه زرير : سيّدي أنا تاجر غريب في هذه البلاد وقد دخلت المدينة اليوم ، وياليت قدماي قد شلّتا حين دخلتها ، ليت عيناي عميتا قبل أن أراكم على هذه الحالة.

فقال الإمام عليه السلام : كأنّك من محبّينا؟!

قال زرير : سيّدي أنا عبدك مرني فأنا في خدمتك؟

قال الإمام عليه السلام : إذا كان لديك أموال فقدّمها إلى حامل رأس أبي وأمره كي يرفع الرأس الشريف كي ينشغل الناس بالنظر إليه ، فقد خزينا من نظر الخلق إلينا.

فذهب زرير إلى حامل الرأس وأعطاه خمسين أشرفياً فتأخّر عن القافلة وانشغل الناس بالنظر إلى الرأس الشريف.

ثمّ إنّ زرير عاد إلى الإمام عليه السلام ثانية وقال له : سيّدي ألك حاجة أُخرى؟

فقال الإمام عليه السلام : إذا كان لديك شيء من القماش فأتي به لتتستّر بنات محمّد صلى الله عليه واله ، به فذهب مباشرة وجاء بالأخمرة وقدّمها للعائلة وجاء بعمامة للإمام عليه السلام.

وفيما هم كذلك إذا بضجّة ترتفع من بين الناس وكان شمر اللعين يهلهل والناس


يهلهلون خلفه ، فذهب زرير إليه ونال منه وقال : شمر! أما تخشى من الله ، هذا رأس ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله على القنا وهذه بنات فاطمة وعلي عليهما السلام أُسارى وأنت تهلهل فرحاً مسروراً.

وإذا باللعين يغضب ويأمر جلاوزته بأخذه فأخذوه وضربوه بشدّة حتّى أُغمي عليه فتصوّروا أنّه قد مات فتركوه.

وفي منتصف الليل استيقظ زرير وأوصل نفسه إلى قبر نبي الله سليمان عليه السلام فوجد جماعة من محبّي أهل البيت عليهم السلام حفاة حاسري الرؤوس قد جلسوا للعزاء على سيّد الشهداء عليه السلام.

أيعلى على السنان سنان

الرجس رأس الحسين بين الأنام

ثمّ يسري به يأمّ السبايا

قاصداً بالمسير نحوا الشآم

لعن الله آل حرب الكفر

والغدر عابد الأصنام

ويزيد اللعين نسل اللعين

عصبة الكفر والخنا والحرام

وزياداً ونسل آل زياد

وابن سعد اللعين ثمّ حبتر والدلام

زادهم ربّنا إلى لعناً لعناً

سرمديّاً مخلّداً بالدوام

11 ـ بعلبك : ثمّ إنّ قافلة الأُسارى تحرّكت من عسقلان نحو بعلبك ، وكما في المدن السابقة فقد أرسل شمر بعض أعوانه ليأمروا الناس بالخروج بآلات اللهو والطرب لاستقبال القافلة فهبّ الجميع بما فيهم الشيوخ والأطفال وهم يضربون الدفوف فرحين مستبشرين بقدوم القافلة وذلك على بعد ما يقارب ستّة فراسخ خارج المدينة.

والحال أنّ أهل بيت الرسالة عليهم السلام ينظرون إليهم ويتألّمون من أفعالهم بحيث لم تتحمّل السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام هذا المنظر فرفعت يديها بالدعاء وقالت : فرّق الله جمعكم


وسلّط عليكم من يقتلكم جميعاً(1) .

ونقل عما الدين الطبري في كامل البهائي ج 2 ص 292 فقال : إنّ حملة رأس سيّد الشهداء عليه السلام عندما خرجوا من الكوفة كانوا خائفين من قبائل العرب فلربما جاءوا وأخذوا الرأس منهم ، ولذا فإنّهم غيّروا مسارهم من العراق واتّخذوا طريقاً آخراً ، وفي أثناء الطريق نزلوا عند إحدى القبائل وطلبوا منها علفاً لدوابهم وأخبروهم أنّ الرؤوس التي معهم هي رؤوس بعض الخوارج ، وقد استمرّوا على هذا النهج حتّى وصلوا إلى بعلبك.

وعلى كلّ فإنّ القاسم بن ربيع والي بعلبك أمر بتزيين المدينة وأمر الناس أن يخرجوا وهم يضربون المزامير والطنابير والدفوف فرحين مستبشرين بقتل سيّد الشهداء عليه السلام وقد استقبلوا الأسارى على هذه الحال وقادوهم إلى المدينة.

ولم تمض سوى سويعات وإذا بالخبر يصل إلى الناس أنّ الرأس الشريف هو رأس سيّد الشهداء عليه السلام فخرج أكثرهم خارج المدينة وأحرقوا الزينة وقد اضطربت المدينة عدّة أيّام جرّاء هذ الفاجعة المؤلمة.

ولمّا رأى حملة الرؤوس اضطراب الأوضاع في بعلبك خرجوا إلى «مرزين» وهي أوّل مدينة من مدن الشام وإذا بنصر بن عتبة اللعين والي يزيد على هذه المدينة يحتفل بهذه المناسبة وينصب الزينة فرحاً ثمّ قضى الليل كلّه بالطرب واللهو فرحاً بمقتل سيّد الشهداء عليه السلام إلّا أنّ فرحته لم تتمّ إذ أنّ صاعقة من السماء نزلت على زينتهم هذه فأحرقتها فاضطرّوا أن يدخلوا الأُسارى إلى الشام.

ورود الأُسارى إلى الشام

يقول الشيخ أبو الحقّ : بينما كان جلاوزة يزيد يطوفون برأس سيّد الشهداء عليه السلام

__________________

(1) بحار الأنوار ج 45 ص 126 ـ 127.


في زقاق الشام سقط الرأس الشريف فجأة وإذا بالحائط ينحني ويحتضنه بحيث إنّه لم يصل إلى الأرض ، وقد شيّد في نفس هذا المكان مسجداً ما زال إلى اليوم موجوداً.

وقال أبو الحق أيضاً : ازدحم أهل الشام وتجمّعوا من كلّ حدب وصوب ليتفرّجوا على السبايا من بنات الرسول صلى الله عليه واله يقدمهم الإمام السجّاد عليه السلام الذي كان مقيّداً بالحبال القيود ومن أمامهم الرؤوس الشريفة تتقدّم القافلة ، فوالله ما شاهد أهل الشام أُناس أكثر نورانية ولا أشرف من هؤلاء الأُسارى ثمّ أنّهم أدخلوا القافلة إلى قصر يزيد الطاغية الذي كان ينتظر قدومهم.

وقبل أن يدخلوا القافلة على يزيد أخّروهم على حسب بعض الروايات ثلاث ساعات حتّى أذن لهم الطاغية اللعين بالدخول إلى قصره فأدخلهم خولّه عليه(1) .

وقد نقل عماد الدين الطبري عن دخول الأسارى فقال : ما يقارب على خمسمائة رجل وامرأة خرجوا لاستقبال الأسارى وهم يضربون بالدفوف الطبول بينما كان الكثير من الناس يرقصون فرحاً فضلاً عن الذين اءوا ليتفرّجوا على السبايا(2) .

آه من الشام

ورد في الخبر الشريف أنّ أحدهم سأل من الإمام السجّاد عليه السلام فقال : أي المصائب كانت أشدّ عليكم؟ وإذا بالإمام عليه السلام يجيب ثلاثاً : الشام الشام الشام. أو أنّه قال : آه من الشام قالها ثلاثاً. وفي خبر آخر أنّ الإمام عليه السلام قال للمنذر بن النعمان ما مضمونه : لقد نزلت علينا في الشام سبع مصائب لم نر مثلها من قبل أصلاً منها :

1 ـ أنّ قادة العسكر كانوا يقدوننا في الشام وهم شاهرون سيوفهم حاملون الرماح وكانوا بين الحين والآخر يتجاسرون علينا بكعب الرماح والناس محدقين بنا من كلّ جانب وهم يضربون بالدفوف ويرقصون فرحاً بما يجري علينا.

__________________

(1) تذكرة الشهداء للكاشاني ص 414.

(2) كامل البهائي ج 2 ص 292.


2 ـ إنّهم مرّوا بالرؤوس الشريفة بين هوادج المخدّرات وجعلوا رأس عمّي العبّاس عليه السلام مقابل عمّاتي زينب وأُمّ كلثوم ، كما يجعلوا رأس علي الأكبر والقاسم قبال عيني سكينة وفاطمة أُختي ، وكانوا يلعبون بالرؤوس تهوي على الأرض أحياناً وتصبح موطأ لأقدام الخيول.

3 ـ كانت النساء الشاميات فوق السطوح ترمينا بالماء والنار حتّى احترقت عمّاتي وحيث إنّني مقيّد لم أستطع إخماد النيران فوصلت النار إلى رأسي واحترق بألسنة النار.

4 ـ أوقفونا منذ طلوع الشمس إلى قريب الغروب بين المغنّين وأهل اللهو فأصبحنا فرجة للناس الذين كانوا يأتون من كلّ مكان ليتفرّجوا علينا ، وكان أزلام يزيد يقولون لهم : إنّ هؤلاء الناس لا احترام لهم في الإسلام أصلاً.

5 ـ قيّدونا بالحبال ومرّوا بنا إلى جانب منازل اليهود والنصارى وقالوا لهم : هؤلاء الذين قتلوا أبوهم آباءكم في معركة خيبر فهلمّوا وخذوا بثاراتكم منهم. وقد قال الإمام السجّاد عليه السلام أيضاً : يا نعمان فما بقي أحد منهم إلّا وقد ألقى علينا ما أراد من التراب والأحجار والأخشاب.

6 ـ أخذونا إلى سوق النخاسين وأرادوا أن يبيعونا كما يبيعوا العبيد والجواري لو لا أنّ الله عزّوجلّ حال دون ذلك.

7 ـ جعلونا في دار لم يكن لها سقف ، فكانت لا تقينا من الحرّ والبرد(1) .

لهفي لرأس ابن النبي هديّة

لابن الدعي على سنان العامل

لهفي لزين العابدين مكتّفاً

يكبو له يقتاد بين عقائل

لهفي على حرم الحسين يسقن في

ذلّ السبا وما لها من كافل

لهفي لهنّ وقد برزن حواسراً

من بعد قصم أساور وخلاخل

__________________

(1) سوگنامه آل محمّد صلى الله عليه واله نقلاً عن تذكرة الشهداء للملّا حبيب الله الكاشاني ص 412.


لهفي لهنّ وقد سلبن معاجراً

شعثاً وقد ركبن فوق رواحل

فدعت بعمّتها الزكيّة فاطم

بنت النبي دعاء حزين ثاكل

يا عمّتاه أين الحسين وما بنا

بين العداة كأنّنا من كابل

قالت بصرت له على عفر الثرى

ومترّب ما منه رجاء الآمل

متخضّباً بدمائه متعفّراً

في القاع بين جوامع وعواسل

قالت ألا يا عمّتاه واحسرتا

لشقاء أيتام له وأرامل

يا عمّتا كان الحسين يحوطنا

وبه نصول على الزمان الصائل

يا عمّتا كان الحسين وسيلة

ترجى وقد قطع الزمان وسائلي

يا عمّتا ماذا نؤمل ومن

يعتادنا بعوارف وفواضل

يا عمّتا ليس الصديق بزائر

أبداً وليس عدوّنا بمجامل

يا عمّتا وا شقوتا من بعده

ضغناً فليس لكلّنا من حامل


الفصل السادس

ينقل المؤرخون أنّ يزيد اللعين كان قد أعدّ مجلساً احتفالاً بالنصر الظاهري الذي حقّقه ولكي ينال من أهل البيت عليهم السلام في هذا المجلس إلّا أنّه لم يتمكّن من ذلك وانقلب السحر على الساحر حيث تحوّل هذا المجلس إلى محكمة أُصدر فيها حكم جريمته النكراء.

فقد تحوّل النصر إلى هزيمة وانتصرت المظلومية على الطغيان والديكتاتورية الهوجاء ....

ولعلّ خير حكم صدر في هذه الجلسة هو الذي صدر من قبل زوجة يزيد هند التي عاشت تلك الأحداث وشاهدت وقائعها المؤلمة.

ففي التاريخ أنّها لمّا دخلت المجلس تساءلت من يزيد وقالت : هذا رأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلي الله عليه واله؟ قال : نعم ، فاذهبي وابكي عليه فخرجت من المجلس مذهولة ساخطة عليه ، وفي واقع الأمر أنّ هذا الأمر يعدّ معجزة من معاجز السيّدة زينب عليها السلام.

ونقل أيضاً أنّ أحد صحابة الرسول صلى الله عليه واله اعترض على الطاغية وقال : سوف تأتي أنت وابن زياد يوم القيامة ويختصم رسول الله صلى الله عليه واله منكما بمحضر هذا الرأس الشريف. وليس هؤلاء فقط بل إنّ كلّ أهل ذلك الزمان خاصّة أهل الشام سخطوا على يزيد الطاغية وتبرّءوا من أفعاله القبيحة التي سوّد بها صفحات التاريخ.

وقد أشارت العقيلة زينب عليها السلام إلى هذه المحاكمة وقالت : ولتردنّ على رسول الله صلى الله عليه واله بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيته وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته حيث يجمع الله شملهم ويلمّ شعثهم ويأخذ بحقّهم( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ


أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1) .

وكفى بالله حاكماً وبمحمّد صلى الله عليه واله خصيماً وبجبرئيل ظهيراً.

ومن هنا فإنّ اللعين أمر أن يودع أهل البيت عليهم السلام في خرابة لاتقيهم من الحرّ والبرد حتّى تقشّرت جلودهم نعم هكذا كانت ضيافة الطاغية لأهل البيت عليهم السلام فضلاً عن ضيافة أهل الكوفة لهم حيث إنّهم هتكوا بسوء أفعالهم القبيحة حرمة الإسلام وعمدوا إلى طمس معالم الدين الأصيلة ، ولكن ومع ذلك فإن استقامة السيدة زينب عليها السلام في أسرها وتحدّيها للطواغيت أوصل صوت سيّد الشهداء عليه السلام إلى العالم على مرّ الزمان ولم يجعل الهدف السامي الذي ضحّى من أجله ريحانة رسول الله صلى الله عليه واله بنفسه الزكيّة يذهب سدى(2) .

أهل البيت عليهم السلام في قصر يزيد

عندما أُدخل الأسارى في قصر يزيد اللعين جئن نساء آل أبي سفيان لاستقبال بنات الرسول صلى الله عليه واله وأخذن يبكين وينحن لما جرى عليهنّ ، بل وأخذن يتبركنّ ببنات الرسالة فضلاً عن عقدهنّ مجلساً لمصاب سيد الشهداء عليه السلام مدّة ثلاثة أيّام.

وقيل : أنّهنّ عندما شاهدن بنات الرسالة وهنّ يرتدين الملابس الرثّة أخرج ملابسهنّ وقدّمنها لهم ، وفي بعض الروايات : أنّه لمّا أُدخل أهل البيت عليهم السلام مجلس يزيد اللعين أمر اللعين في نهاية المجلس أن يحضر رأس سيّد الشهداء عليه السلام ليتفرّج النساء عليه إلّا أنّ نساء يزيد لمّا شاهدنّ حال أهل البيت عليهم السلام انشغلن بالعزاء والبكاء على سيّد الشهداء عليه السلام فبهت اللعين وذهب بخزي الدنيا وعذاب الآخرة(3) .

__________________

(1) آل عمران : 169.

(2) پيشواى شهيدان ، تأليف آية الله السيّد رضا الصدر ص 276.

(3) راجع : أنساب الأشرف ج 3 ص 417 ، روضة الواعظين ج 1 ص 191 ، العقد الفريد ج 5 ص 132 ، جواهر المطالب ج 2 ص 273 ، الفصول المهمّة ص 195 ، نور الأبصار ص 12 ، تاريخ الطبري ج 4


شجاعة عمر بن الحسن أمام يزيد

ينقل أنّ يزيد اللعين أحضر الإمام السجّاد عليه السلام وعمر بن الحسن عليه السلام وكان عمره آنذاك إحدى عشر سنة فقال له يزيد : أتقاتل ولدي خالد؟ فقال عمر في جوابه؟ لا ، إنّني غير حاضر لمقاتلته ، وإنّما اعطني وناوله خنجراً وانظر كيف سنتقاتل ، فانشد يزيد اللعين :

شنشنة أعرفها من أخزم

هل تلد الحيّة إلا الحيّة

علماً أنّ هذين المثالين عند العرب تقال لا ستحسان الكلام ونحن نقول في مثل هذا المقام استحساناً لكلام عمر : شبل الأسد كأبيه.

وفي بعض النسخ : أنّ يزيد لمّا قال لعمرو تقاتل خالد؟! أجابه : أعطه خنجراً ، وناولني خنجراً آخراً لنتقاتل.

حديث أُمّ كلثوم مع أُخت يزيد

وفي بعض الروايات : عندما كان أهل البيت عليهم السلام في مجلس يزيد الطاغية جعل رأس سيّد الشهداء عليه السلام كان أمامه لتنظر إليه فاطمة وسكينة ، وقد أمر يزيد اللعين أن تحضر نساءه ويتفرّجن على الأسارى. وفي بعض الأخبار أنّ نساء يزيد لمّا رأين العلويات على تلك الحالة المأساوية قدّمنّ لهنّ الثياب والمقانع إلّا أنّهنّ رفضن قبولهنّ ، وفي خبر آخر أنّ ليزيد أُختاً اسمها هند كانت جاءت عند العلويات وأخذت تتساءل قائلة : من منكنّ أمّ كلثوم أُخت الحسين عليه السلام.

فقالت أُمّ كلثوم : أنا أُمّ كلثوم ابنة الإمام التقي الزكي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقالت هند : قتلتم ربيعة وأبو جهل وعتبة فانتقم الله منكم وأنزل عليكم هذا البلاء ، فهل نسيتم ماذا صنع أبوكم بآبائنا؟!

__________________

ص 353 ، تذكرة الخواص ص 265 ، الكامل في التاريخ ج 4 ص 86 ، مقتل الخوارزمي ج 2 ص 73 ، البداية والنهاية ج 8 ص 197 ، تسلية المجالس ج 2 ص 399 ، البحار ج 45 ص 142.


فأجابتها السيّدة أُمّ كلثوم قائلة : ايه يا ابنة آكلة الأكباد ، إنّه ليس هناك نساء كنسائكم المشهورات بالفجور ، وليس هناك رجال كرجالكم عبدة الأوثان والأصنام ، ألم يكن أبوك أبو سفيان الذي كان يجيّش الجيوش ضدّ رسول الله صلى الله عليه واله؟!

وألم تكن أُمّك هند التي عرضت نفسها على وحشي ليقتل حمزة سيّد الشهداء ، ولمّا قتله أكلت كبده؟!

وألم يكن والدك معاوية الذي حمل السلاح في وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؟

وأو ليس يزيد اللعين أخيك قاتل سيّد شباب الجنّة وريحانة رسول الله صلى الله عليه واله الذي كان جبرئيل ومكائيل خادميه ظلماً وعدواناً؟!

ولمّا سمعت هذا الكلام الشديد اللهجة من أُمّ كلثوم سكتت وحارت ماذا تجيبها(1) .

كلام السيّدة سكينة لابنة يزيد

وكان ليزيد اللعين ابنة اسمها عاتكة كانت حاضرة في مجلس أبيها وتساءلت من العلويات فقالت : من منكنّ سكينة؟ فقالت السيّدة سكينة عليها السلام : أنا ابنة من قتلتموه انتقاماً لكفّار بدر ، أُف لكم أتهزؤون وتسخرون بنا؟!ٍ

فقالت عاتكة : أنا ابنة يزيد صاحب الرئاسة والعزّة ومقيم الحقّ ، وإذا بالسيّدة سكينة تجيبها قائلة : بمن تفخرين؟! أتفخرين بأبيك قاتل ذرّية الرسول صلى الله عليه واله؟! أم بأُمّك التي مكّنت نفسها من غلام ....

فبأيّهما تفخرين ، ألا لعنك الله ولعن أباك ، ولمّا سمعت ابنة يزيد هذه الشجاعة من السيّدة سكينة أُلقمت حجراً ولم تنبس ببنة شفة(2) .

__________________

(1) راجع اكسير العبادات في أسرار الشهادات للدربندي ج 3 ص 424 ـ 425.

(2) راجع : اكسير العبادات في أسرار الشهادات ج 3 ص 425.


الرأس يقرأ القرآن

عن المنهال بن عمرو قال : والله رأيت رأس الحسين بن علي عليه السلام حين حمل وأنا بدمشق وبين يدي الرأس رجل يقرأ سورة الكهف حتّى بلغ قوله :( أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً ) (1) ، قال : فأنطق الرأس بلسان ذرب فقال : أعجب من أصحاب الكهف قتلي حملي(2) .

يا شيخ أما قرأت القرآن؟

عندما دخل أهل البيت عليهم السلام الشام دخلوها من باب يقال له «توما» ثمّ أُتي بهم حتّى وقفوا على درج باب المسجد حيث يقام السبي ، وإذا بشيخ قد أقبل حتّى دنا منهم وقال : الحمدلله الذي قتلكم وأهلككم ، وأراح الرجال من سطوتكم ، وأمكن أمير المؤمنين منكم. فقال له الإمام علي بن الحسين عليهما السلام : يا شيخ هل قرأت القرآن؟

فقال : نعم قرأته.

قال : فعرفت هذه الآية :( قُلْ لَا أَسْأَلَكُمْ عَلَيْهِ أَجْرَاً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (3) ؟

قال : قد قرأت ذلك.

فقال علي بن الحسين عليهما السلام فنحن القربى يا شيخ!

قال : فهل قرأت في :( وَآتِ ذَالْقُرْبَى حَقَّهُ ) (4) ؟

فقال الشيخ : قد قرأت ذلك.

__________________

(1) سورة الكهف : 9.

(2) راجع تاريخ دمشق ج 17 ص 246 ، الخرائج ج 2 ص 577 ، الثاقب في المناقب ص 333 ، الخصائص الكبرى ج 2 ص 172 ، بحارالأنوار ج 45 ص 188 ، الصراط المستقيم ج 2 ص 196 ، نور الأبصار ص 135 ، إثبات الهداة ج 5 ص 193 ، العوالم ج 17 ص 412.

(3) سورة الشورى : 23.

(4) سورة الإسراء : 26.


فقال الإمام عليه السلام : نحن القربى يا شيخ!

ولكن هل قرأت هذه الآية :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (1) فنحن ذوالقربى يا شيخ.

وهل قرأت هذه الآية :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (2) ؟

فقال الشيخ : قد قرأت ذلك.

فقال : فنحن أهل البيت الذي خُصصنا بآية الطهارة.

فبقي الشيخ ساعة ساكتاً نادماً على ما تكلّمه ، ثمّ رفع رأسه إلى السماء وقال : اللهمّ إنّي تائب إليك تكلّمته ومن بغض هؤلاء القوم ، اللهمّ إنّي أبرأ إليك من عدوّ آل محمّد من الجنّ والإنس(3) .

وقيل : إنّ سبعين رجلاً من مشايخ دمشق أقسموا بالطلاق والعتاق والحجّ أنّهم كانوا يتصوّرون أنّ رسول الله صلى الله عليه واله راضٍ عن أفعال يزيد ، ولذا كانوا يبكون ويعتذرون من الإمام طالبين منه العفو فعفا عليه السلام عنهم.

يقول هندوشاه النخجواني في كتاب «تجارب السلف» : بلغ الأمر أنّ الشامي كان يقول للإمام السجّاد عليه السلام أُقسم بالله إنّني كنت أعتقد أنّ رسول الله صلى الله عليه واله لم يكن راضٍ عن أحد كرضا يته عن يزيد وأهل بيته.

ولذلك أقبل إلى الإمام السجّاد عليه السلام وهو باكي معتذراً عمّا بدى منهم من اساءة.

شلّت يمينك يا يزيد

قيل إنّ السيّدة سكينة عليها السلام قالت : إنّني لم أر أقسى من يزيد اللعين ، حيث كان

__________________

(1) سورة الأنفال : 41.

(2) سورة الأحزاب : 33

(3) أمالي الصدوق ص 230.


يضرب ثناي والدي أمامنا ، ولذا لم أطق تحمّل هذا العمل الشنيع منه وألقيت بنفسي على الرأس الشريف مخاطبة يزيد : ما ذنب هذا الرأس حتّى تضربه؟! فتعجّب يزيد اللعين من جرأتها وتساءل قائلاً : من أنت؟ فقلت : أنا سكينة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام(1) .

ارفع يدك يا يزيد

عندما أُدخل الأسارى في مجلس يزيد «اللعين وابن اللعين» خاطبه الإمام السجّاد عليه السلام قائلاً : ما ظنّك يا يزيد بجدّي رسول الله صلى الله عليه واله لو رآنا على هذا الحال ماذا تجيبه؟! ولمّا سمع يزيد هذا الكلام من الإمام عليه السلام أمر بفكّ الأغلال والقيود منهم وأشار على النساء أن يجلسن.

وفي بعض الأخبار أنّه لعنه الله أمر بمقراض من حديد وأخذ بيده المشؤومة يقصّ الأغلال التي في عنق الإمام السجّاد عليه السلام ويقول له : لاأُريد أن يمنّ عليك أحد غيري.

ثمّ إنّه أمر يحضروا طشتاً من ذهب ويضعوا رأس سيّد الشهداء ءعليه السلام فيه ، ولمّا شاهدت عقيلة الهاشميين هذا المنظر صاحت بصوت يفتّ الصخر : يا حسيناه ، يا حبيب رسول الله صلى الله عليه واله ثمّ صاحت ثانية : يا أبا عبدالله ، عزيز عليَّ أن أراك على هذا الحال ، عزيز عليك تنظر حالي اليوم.

وبعد أن فرغت العقيلة زينب عليها السلام من خاطبها احتضنت الرأس الشريف ، وإذا بنور يسطع من نحو السماء أدهش جميع الحاضرين.

وفي بعض الأخبار : أنّ شفتي سيّد الشهداء عليه السلام أخذ يتلو قوله تعالى :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (2) .

ولذا فإنّ يزيد اللعين أحسّ أنّه سيفتضح فحاول أن يشغل الحاضرين عن هذه

__________________

(1) راجع أمالي الصدوق ص 230 ، بحار الأنوار ج 45 ص 154 ، روضة الواعظين ج 1 ص 191.

(2) سورة الشعراء : 227.


المعجزة فلم يجد مفرّاً من هذه الفضيحة إلّا أن يأخذ عود الخيزران ويضرب ثنايا سيّد الشهداء عليه السلام.

وبينما هو كذلك إذا بـ «أبو برزة الأسلمي» يقف في وجهه ويقول له : ارفع يدك يالعين عن هاتين الشفتين.

ولا يخفى أنّ أبا برزة الأسلمي كان من صحابة رسول الله صلى الله عليه واله ، وقد سكن الشام سنين عديدة إلّا أنّه كان ملازم لداره لا يخرج منها مع أنّ معاوية السوء حاول كثيراً الالتقاء به إلّا أنّه لم يعبأ به بل لم يكن يقبل هداياه وجوائزه الكثيرة التي كان يبعثها إليه بين الحين والآخر.

ومع ذلك لمّا سمع أنّ أهل البيت عليهم السلام قد أُدخلوا في مجلس يزيد خرج من منزله وجاء إلى قصر الطاغية ليدافع عن حرم الله.

ولذلك عندما شاهد هذا العمل الشنيع من يزيد الطاغية لم يتحمّل السكوت واتّكأ على عصاه وقال : الويل لك يا يزيد ، أتضرب ثنايا أبي عبدالله عليه السلام؟ لطالما رأيت رسول الله صلى الله عليه واله يقبّلهما ويقول في حقّه وأخيه : «أنتما سيّدا شباب أهل الجنّة ، قاتل الله قاتلكما».

وما أن سمع يزيد الطاغية هذا الكلام من أبي برزة استشاط غضباً وأمر جلاوزته بإخراجه ثمّ عاد يضرب ثنايا أبي عبدالله عليه السلام أكثر ، وفيما هو كذلك إذا بغراب يحوم حول قصره وهو ينعق ، فتشاءم اللعين من نعيقه وارتعدت فرائصه واختطف لونه(1) .

وكما في رواية سهل : أنّه لمّا جعل رأس سيّد الشهداء عليه السلام في طشت من ذهب وغطّوه بمنديل وجلس الطاغية أمامه شامتاً نعق الغراب فأنشد يزيد أشعاره الدالّة على كفره بالله تعالى.

وبينما كان يزيد مخطوف اللون شاحب الوجه من نعيق الغراب دخل عليه عالم

__________________

(1) بحار الأنوار ج 45 ص 133 مع اختلاف في العبارة.


اليهود رأس الجالوت ، والذي اتّخذه يزيد طبيباً له ، فتساءل منه قائلاً ، رأس من هذا؟ فقال رأس أحد الخوارج ، قال رأس الجالوت : وما اسمه؟ قال : حسين. قال : ولماذا قتلته؟ قال : نازعني في خلافتي وأراد أن يغتصبها منّي. فقال اليهودي بعد أن عرف من هو الإمام الحسين عليه السلام : لقد كان أليق بالخلافة منك ، وأعلم يا يزيد إنّ بيني وبين نبي الله داود واسطة أربعين جدّاً ومع ذلك فإنّ اليهود يعظّموني ويتبرّكون بي ، أمّا أنتم فبالأمس قد كان نبيّكم بينكم واليوم تقتلون أولاده وتنتهكون حرمته ، ثمّ حمل سيفه وهمّ بقتل يزيد إلّا أنّ الحرس حالوا دون ذلك ، ولمّا يأس اليهودي من الظفر بقتل الطاغية انعطف على الرأس الشريف وأخذ يقبّله ويقول : لعن الله قاتليك ، وكان جدّك رسول الله صلى الله عليه واله خصمهم يوم القيامة.

سيّدي عزيز عليَّ أن تقتل ولا أُناصرك وأُستشهد بين يديك.

سيّدي أبلغ سلامي إلى جدّك رسول الله صلى الله عليه واله وأخبره عن إيماني برسالته.

وفيما هو يخاطب الرأس الشريف التفت إليه يزيد وقال : لو لم يكن لي حاجة بمعالجتك لقتلتك شرّ قتلة ، فأجابه اليهودي قائلاً : أُقسم بالله أنّني لن أُعاجلك بعد اليوم أبداً فاستشاط يزيد من كلامه غضباً وأمر الجلّاد أن يضرب عنقه(1) .

أمثل رأسك يضرب بالسياط؟

يقول هلال بن معاوية : رأيت حامل رأس الإمام الحسين عليه السلام يحمل الرأس الشريف والرأس يخاطبه : فرّقت بيني وبين جسدي فرّق الله لحمك وجعلك آية للناس فاغتاظ اللعين ورفع سوطه وجعل يضرب الرأس الشريف حتّى سكت.

__________________

(1) راجع كلّ من : تذكرة الخواص ص 261 ـ 262 ، تهذيب الكمال ج 6 ص 428 ، تاريخ الطبري ج 4 ص 293 ، سير أعلام النبلاء ج 3 ص 309 ، البداية والنهاية ج 8 ص 194 ، أنساب الأشراف ج 3 ص 416 ، الملهوف ص 214 ، مثير الأحزان ص 100 ، بحار الأنوار ج 45 ص 132 ، مقتل الخوارزمي ج 2 ص 52.


ونقل العلّامة المقرّم قدس سره : عندما شجب مبعوث ملك الروم جنايات يزيد أمر اللعين بقتله فنظق الرأس الشريف بلسان فصيح وقال : لا حول ولا قوّة إلّا بالله.

ونقل العلّامة المقرّم أيضاً فقال : عندما نصب الرأس الشريف على شجرة اجتمع الناس حوله من كلّ صوب وشاهدوا كيف يسطع النور منه وهو يردّد قائلاً :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (1) .

وقد سمع سلمة بن كهيل الرأس الشريف يقرأ قوله تعالى :( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (2) وهناك الكثير من القصص المشابهة لمثل هذه الوقائع ومنها قصّة يحيى الحراني التي مرّ ذكرها.

نصب الرأس الشريف في الشام

بعد أن تجاسر يزيد الطاغية على رأس سيّد الشهداء عليه السلام وصنع ما صنع أمر أن ينصب في مسجد الجامع في دمشق في نفس المكان الذي نصب فيه رأس نبي الله يحيى ابن زكريا عليهما السلام(3) .

امرأة تستشهد بعد الحسين عليه السلام

يقول أحد الرواة : كنت عند يزيد ، فدخلت عليه امرأة لم أر مثلها في وقارها وعفّتها وبمجرّد أن رأت المرأة الرأس الشريف موضوعاً أمام يزيد التفتت إليه وقالت : رأس من هذا؟ قال : رأس الحسين بن علي عليهما السلام. فقالت : أُقسم بالله أنّه ليعزّ على جدّه رسول الله صلى الله عليه واله وأُمذه فاطمة ووالده علي بن أبي طالب عليهم السلام أن يرونه على هذا الحال.

والله لقد رأيت البارحة في عالم الرؤيا أنّ أبواب السماء قد فتحت وهبط خمسة

__________________

(1) سورة الشعراء : 227.

(2) سورة البقرة : 137.

(3) راجع : سيرة أعلام النبلاء ج 3 ص 319 ، الاتحاف بحبّ الأشراف ص 69 ، جواهر المطالب ج 2 ص 299 ، بحارالأنوار ج 45 ص 145.


من الملائكة في أيديهم من نار وهو يقولون : لقد أمرنا الله عزّوجلّ بحرق دار يزيد.

وما أن سمع اللعين هذا الكلام إذا به يغتاظ وتنتفخ أوداجه ويقول : الويل لك ، فوالله لأقتلنّك شرّ مقتلة.

فقالت المرأة ، وماذا أصنع لتعفو عنّي؟! قال يزيد : تصعدين المنبر وتنالين من علي وأولاده. قالت : لا بأس ، عليك بجمع الناس.

فارتقت المرأة المنبر وخاطبت الناس قائلة : أيُّها الناس إنّ يزيد أمرني أن أنال من علي بن أبي طالب عليهما السلام والحال أنّه ساقي العطاشى يوم المحشر من نهر الكوثر وهو حامل لواء رسول الله صلى الله عليه واله ووالد السبطين الحسن والحسين عليهما السلام سيّدا شباب أهل الجنّة.

أيّها الناس اسمعوا ما أقول لكم : ألا لعنة الله وجميع اللاعنين على يزيد وكلّ من تابع وشايع في قتل سيّد الشهداء عليه السلام وصلّى الله على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى قيام يوم الدين حييت على ذلك وأموت عليه إلى يوم البعث. وإذا بيزيد يمتلأ غيظاً من كلامها ويقول : من هذه المرأة؟! خذوها ، فنهض لعين من أتباعه وشهر سيفه وقتلها.

وفي بعض الأخبار أنّ هذه المرأة كانت زوجة يزيد استيقظت من النوم بعد أن رأت رؤيا عجيبة جعلتها تلطم على وجهها وتشقّ ثيابها الفاخرة وهي تخاطب يزيد ببكاء ونحيب قائلة : دع عنك يايزيد ظلم ذرّية فاطمة عليهم السلام ثمّ قصّت رؤياها التي رأتها في المنام(1) .

وقد نقل أبو مخنف هذه القصّة بشكل آخر فلتراجع.

مصرع حامي الرأس الشريف

يقول منصور بن الياس : بعد أن زيّنت الشام فرحاً بورود السبايا أراد حامل الرأس الشريف الدخول إلى المدينة فلم يطاوعه جواده ، فأمر بجواد آخر فلم يطاوعه هو الآخر

__________________

(1) تذكرة الشهداء ص 419.


فأمر بجواد ثالث وراجع فلم يطاوعه منها أحد حتّى أوشك الرأس الشريف على الوقوع فهبّ إبراهيم الموصلي لحفظ الرأس خشية أن يقع إلّا أنّ أهل الشام اللعناء حملوا عليه وقتلوه انتقاماً منهم لاحترامه الرأس المقدّس(1) .

محادثة بين الرأس والعليل

نقل أبو فراس في «شرح الوافية» فقال : عندما طلب الإمام السجّاد عليه السلام من يزيد أن يريه رأس أبيه كان اللعين يرفض بشدّة وقد غطّى الرأس بمنديل.

وبينما هما على ذلك الحال إذا بالرأس الشريف يخاطب الإمام السجّاد عليه السلام بعد أن ارتفع المنديل جانباً : السلام عليك يا ولدي يا علي ، فأجابه الإمام السجّاد عليه السلام قائلاً : وعليك السلام ورحمة الله يا أبتاه ، لقد أُيتمت على صغر سنّي ، وفرّق بيني وبينك وإنّي ماضٍ إلى حرم جدّنا رسول الله صلى الله عليه واله فأودعك الله(2) .

الرأس الشريف يصبّر العقيلة

ورد في بعض مقاتل العامّة : أنّ أهل البيت عليهم السلام لمّا دخلوا الشام التفتت العقيلة زينب إلى شمر وقالت : مرّ بنا من الطرق الفارغة إلّا أنّه لم يعتن بها ومرّ بهم من الطرق المزدحمة ، فاغتاظت العقيلة زينب عليها السلام وأمرت الأرض أن تبلعه ، فابتلعت نصف بدنه إلّا أنّ سيّد الشهداء عليه السلام حال دون هلاكه حيث أوصى الرأس الشريف العقيلة بالصبر فقال : أُختاه ، اصبري لقضاء الله ، فأمرت العقيلة عليها السلام الأرض أن تلفظه فلفظته(3) .

وزينب تدعو بالحسين وقلبها

حزين لفقدان السلو ثكول

أخي يا أخي قد كنت عزّي ومنعتي

فأصبح عزّي فيك وهو ذليل

__________________

(1) كامل البهائي ج 2 ص 292.

(2) راجع اكسير العبادات في أسرار الشهادات ج 3 ص 612 ، مثير الأحزان لابن نما ص 106 مع اختلاف في النقل.

(3) شهيد كربلا ج 2 ص 328 نقلاً عن الخصائص الزينبية للجزائري ص 120.


أخي يا أخي لم أُعط سؤلي ولم يكن

لأختك مأمول سواك وسول

أخي لو ترى عيناك ما فعل العدا

بنا لرأت أمراً هناك يهول

ترانا سبايا كالإماء حواسراً

يجدّ بنا نحو الشام رحيل

أخي لاهنتي بعد فقدك عيشتي

ولا طالب لي حتّى الممات مقيل

فإن كنت أزمعت المغيب فقل لنا

أما لك من بعد المغيب قفول

أقول كما قد قال عنّي والدي

وأدمعه بعد البتول همول

أرى علل الدنيا عليَّ كثيرة

وصاحبها حتّى الممات عليل

لكلّ اجتماع من خليلين فرقة

وإنّ بقائي بعدكم لقليل

مَن المنتصر؟

ينقل أنّ إبراهيم بن طلحة بن عبدالله عندماسمع بقدوم الأسارى خرج لاستقبالهم ، وبعد أن رأى الإمام السجّاد عليه السلام قال له مستهزأً : من الذي غلب؟

وكما في بعض الأخبار أنّ الإمام عليه السلام كان مطأطأ رأسه ولمّا سمع كلامه الجارح التفت إليه وقال : إذا أردت أن تعرف من الغالب عليك أن تسمع صوت المؤذّن إذا حان وقت الصلاة ، إشارة إلى أنّ الغالب هو من يهتف باسمه بعد لفظ الجلالة كلّ يوم خمس مرّات ألا وهو جدّ العترة الطاهرة محمّد صلى الله عليه واله.

ولا يخفى أنّ إبراهيم هذا كان من أنصار طلحة والزبير في حرب الجمل ضدّ أمير المؤمنين عليه السلام.

إنّهم إحياء يرزقون

يقول الحارث بن الوكيدة : كنت فيمن حمل رأس الحسين بن علي عليه السلام ، وفي بعض الطريق سمعته يقرأ سورة الكهف فتحيّرت وبقيت مذهولاً ، وإذا بالرأس الشريف يخاطبني قائلاً : يابن وكيدة ، ألا تعلم أنّنا معشر ـ الأئمّة ـ أحياء عند ربّنا نرزق؟ فقلت في نفسي : أسرق رأسه ، وإذا بالرأس يخاطبني قائلاً : تب إلى الله ، فإنّك لن تصل إلى


مرادك(1) ، فإنّ اراقة دمي أعظم من رأسي ، ثمّ تلا قوله تعالى :( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ ) (2) .

وفي كتاب المناقب لابن شهر آشوب : أنّ رأس سيّد الشهداء عليه السلام عندما نصب على شجرة كان يقرأ هذه الآية :( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (3) .

وقال ابن شهر آشوب أيضاً : إنّ رأس الإمام الحسين عليه السلام في بعض زقاق الكوفة كان يقرأ قوله تعالى :( نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ) (4) .

يزيد يأمر بقتل الإمام السجّاد عليه السلام

ينقل المؤرخون : أنّ يزيد اللعين قال للإمام السجّاد عليه السلام في بعض مجالسه : إنّ أباك قطع رحمي ونازعني ملكي ولم يراعِ فيَّ حقّ فصنع الله به ما صنع.

فأجابه الإمام السجّاد عليه السلام : يابن معاوية وهند! ما زالت النبوّة والملك تحطّ رحالها في بيوتنا وبيوت أجدادنا من قبل أن تولد إلى يومنا هذا.

ألم تكن راية رسول الله صلى الله عليه واله يوم بدر وأُحد والأحزاب في يد جدّي أمير المؤمنين عليه السلام؟!

أو ليس أنّ راية الكفر والضلال كانت في أيادي أجدادك؟!

فالويل لك يا يزيد ، لو كنت تعلم عظيم ما ارتكبه في حقّنا لما هنا لك العيش ولهمت على وجهك في الصحاري ولأفترشت الرمال ولقضيت العمر كلّه في الحسرة والندامة.

__________________

(1) راجع : اكسير العبادات في أسرار الشهادات ج 3 ص 256.

(2) سورة مؤمن : 71.

(3) سورة الشعراء : 227.

(4) سورة الكهف : 13.


أما تستحي ، رأس ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله وفلذة كبد المصطفى ينصب في بلادك؟! ولما سمع يزيد اللعين هذا الكلام امتلأ غيظاً وتطاير الشرر من عيناه وأومأ إلى أحد جلاوزته أن يأخذ الإمام عليه السلام إلى أحد البساتين ويضرب عنقه ، وبالفعل فقد قاد اللعين الإمام إلى بعض البساتين وأخذ يحفر له قبراً بينما اشتغل الإمام بالصلاة ، وبعد أن فرغ اللعين من تجهيز القبر همّ بقتل الإمام عليه السلام إلّا أنّ يداً من السماء صَفَعَته صفعةً فصاح صيحة شديدة وهوى إلى الأرض ميّتاً.

الملفت للانتباه أنّ خالد بن يزيد كان يشرف على قتل الإمام عليه السلام ، ولمّا شاهد هذه الكرامة هرع إلى والده وقصّ عليه القضيّة فأمر اللعين أن يُدفن الجلّاد في نفس القبر الذي حفره بيديه وأشار على بعض جلاوزته أن يعيدوا الإمام عليه السلام إلى مجلسه(1) .

جد ياجد لو رأيت عليّاً

ناحلاً والسقام قد أضناه

لو تراه بقيد وهو يبكي

بين قوم لا يرحمون بكاه

وإذا ما رأى أُمّ كلثوم نادى

أتعبوني بالقيد يا عمّتاه

فبكت رحمة له أُمّ كلثوم

وأجابت من بعد ذاك نداه

ثمّ قالت له ألا إنّ ذا الحال

عزيز لجدّنا أن يراه

وعزيز لعيه أن لو يرى اليوم

بعينيه بعض ما نلناه

لو يرانا ونحن فوق المطايا

عند رجس نسير في مسراه

وإذا ما وقفن في السير عنه

ساعة لم يكف عنّا أذاه

طالباً للشآم نحو يزيد

جعلت في جهنّم مثواه

ثمّ لمّا أتيته في دمشق

بهت الرجل إذ رأت عيناه

__________________

(1) راجع ارادتهم قتل الإمام السجّاد في كلّ من : المناقب ج 4 ص 173 ، تذكرة الخواص ص 258 ، إعلام الورى ص 247 ، بحار الأنوار ج 45 ص 200 ، إثبات الوصيّة ص 145 ، البداية والنهاية ج 8 ص 198 ، تاريخ دمشق ج 19 ص 420 ، تاريخ الإسلامي للذهبي ج 3 ص 12.


رأس سبط النبي فوق قناه

والسبايا يصحن واسنداه

ثمّ قال الزنيم ويل ابن مرجان

على الطاهرين ما أعداه

ويحه ما أشدّه من عتلّ

ويحه في الفعال ما أقساه

كنت أرضى بدون ذا الفعل منه

لكن الأمر ما أراد الله

ودعا الرجس بعد ذاك بالرأس

فأُتي به فلمّا رآه

ساطعاً بالضيا تعجّب منه

ثمّ منه تعجّبت جلساه

وعلا بالقضيب رأس حسين

ثمّ في طست عسجد ألقاه

وانثنى الرجس ثمّ أنشد شعراً

وترنّم وقال في منشاه

ليت أشاخنا تشاهد ذا اليوم

الذي قد أسرّنا لقاه

يا لها اليوم فرحة وسروراً

حيث نال الصديق فيه مناه

فعلى الطاغي اللعين يزيد

لعنة الله دائماً تغشاه

فالعنوه ببكرة وأصيل

فلقد طال في المعاد شقاه

والعنوا ما استطعتم ابن زياد

وابن سعد ومن سعى في رضاه

فلقد باع دينه من يزيد

بالزهيد القليل من دنياه

جدّدوا اللعن ما بقيتم عليه

وأطيلوا مدى الزمان سجاه

فلعنهم من المهيمن لعن

ليس يفنى ولا يزول بقاه

رواية أُخرى

نقل الشيخ المفيد والسيّد ابن طاووس وغيرهما بطرق مختلفة عن فاطمة بنت الإمام الحسين عليه السلام أنّها قالت : عندما أدخلونا في مجلس يزيد اللعين رقّ لنا في بادئ الأمر فقام رجل من أهل الشام وقال له : يزيد هب لي هذه الجارية ، فلذت بعمّتي زينب وخاطبتها : عمّة ايتمت واستخدم بعد والدي؟! فقالت : إنّ هذا ليس له ولا لأميره ، فقال يزيد : بل إنّه لي. فقالت عمّتي زينب : إلّا أن تخرج من ملّتنا وتدين بغيرها. فغضب اللعين وقال : بل خرج من الدين أبوك وأخوك.


فقالت العقيلة : بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وأبوك إن كنت مسلماً. فأجابها يزيد : كذبت يا عدوّة الله ، فعزّ على العقيلة هذا الكلام وآلمها وقالت : أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك ، فاستحى اللعين وسكت.

فأعاد الشامي قوله : يزيد ، هب لي هذه الجارية.

فنهره يزيد وأشار عليه بأن اسكت قاتلك الله.

وفي رواية أُخرى : أنّ أُمّ كلثوم خاطبة الشامي قائلة : اسكت فظّ الله فاك وأخذ الذي فيه عيناك وسقاك حرّ الجحيم ، اتستخدم أولاد الأنبياء وتدّعي أنّك ولد حلال؟!

ولم تفرغ السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام من دعاءها وإذا بالشامي يعجز عن الكلام ويفقد بصره ، فحمدت الله تعالى على إجابة دعوتها وقالت : الله أحمد الذي أراني عقوبة من يتعرّض لأبناء الرسالة في هذه الدنيا.

وفي رواية ابن طاووس : أنّ الشامي سأل من يزيد مرّتين فقال : من هذه؟ فقال : فاطمة ابنة الحسين وهذه عمّتها زينب بنت علي بن أبي طالب ، فقال الشامي : ابنة الحسين بن علي بن أبي طالب؟ قال يزيد : نعم ، وإذا به يرتعد ويقول : لعنك الله يا يزيد ، تقتل أولاد الرسول صلى الله عليه واله وتأسر ذرّيته؟! والله لقد ظننت أنّهم أُسارى من الافرنج.

فقال يزيد : والله لألحقنّه بالحسين بن علي وأمر الجلّاد أن يضرب عنقه ثمّ أشار على حرسه أن يودعوا أهل البيت عليهم السلام السجن(1) .

__________________

(1) راجع القضية على اختلاف العبارات في كلّ من الإرشاد ج 2 ص 121 ، مقتل الخوارزمي ج 2 ص 62 ، روضة الواعظين ج 1 ص 192 ، مثير الأحزان ص 100 ، إعلام الورى ص 249 ، الاحتجاج ج 2 ص 131 ، تذكرة الخواص ص 246 ، الملهوف ص 218 ، جواهر المطالب ج 2 ص 295 ، تسلية المجالس ج 2 ص 385.


من معاجز الإمام السجّاد عليه السلام

ينقل أنّ أحد الصيّادين وكان يحمل غزالاً صغيراً وإذا به يشاهد الأُسارى والأطفال فوقف هنيئة ليتفرّج عليهم.

ولمّا شاهد الأطفال الغزال الصغير جاءوا إلى الإمام السجّاد عليه السلام وقالوا له : نريد غزالاً ، فقال الإمام عليه السلام للصيّاد : أتبيع هذا الغزال؟! قال : نعم ، ولكن لن أبيعه إلّا ليزيد ، فهو غزال جميل وإذا بعته ليزيد فسيكرمني ويحسن إليّ في عطائه.

فقال الإمام عليه السلام : بعه إليّ وبأيّ ثمن تريد ، فتعجّب الصيّاد وبقى متحيّراً من كلام الإمام عليه السلام ، وبينما هو كذلك إذا بالإمام عليه السلام يأخذ بعض الحجارة الصغيرة وناولها إيّاه ، حقّق الصيّاد فيما أعطاه الإمام عليه السلام فوجدها مجموعة من الجواهر الثمينة فلم يجد بدّاً من أن يقدّم الغزال للإمام عليه السلام ويرحل.

ثمّ إنّ خبر الغزال شاع في الشام ووصل إلى يزيد اللعين ، فطلب الصيّاد وأمره أن يقصّ عليه الحدث.

وحيث إنّ الصيّاد أصبح من الموالين الخلّص للإمام عليه السلام بعد مشاهدته لكرامته العجيبة فقد نقل القضية وأكّد أمام الملأ على كرامة الإمام السجّاد عليه السلام عند الله تعالى ولذا فإنّ يزيد أمر بقتله وإخفاء أمره حتّى لا يطّلع الناس على هذه الكرامة. ولم تمض سوى أيّام قليلة إذا بخبر قتل الصيّاد يصل إلى الإمام السجّاد عليه السلام ، فجاء إلى قبره وأشار إليه وقال : قم بإذن الله ، فخرج الصيّاد من قبره سالماً كأن لم يكن به شيء أصلاً(1) .

خطبة العقيلة زينب عليها السلام

عندما كان يزيد يهزأ بأهل البيت عليهم السلام ويتغطرس بأنفه شامتاً تصدّت العقيلة زينب عليها السلام إليه بخطبتها الغرّاء وكشفت للعالم بأسره شدّة طغيانه وانحرافه فقالت عليها السلام :

__________________

(1) من الرسول صلى الله عليه واله إلى الإمام زين العابدين عليه السلام تأليف الشيخ علي الفلسفي.


«الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّد المرسلين ، صدق الله تعالى إذ يقول( ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ) (1) أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء وأصبحنا نساق كما تساق الأُسارى أنّ بنا على الله هواناً ، وبك عليه كرامة؟ وأنّ ذلك لعظم خطرك عنده؟! فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك ، جذلان مسروراً ، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة ، والأُمور لك متّسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، فمهلاً مهلاً! أنسيت قول الله تعالى :( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ) (2) .

أمن العدل يابن الطلقاء(3) تخديرك إماءك وسوقك بنات رسول الله سبايا؟! قد هتكت ستورهنّ ، وأبديت وجوههنّ ، يحدى بهنّ من بلد إلى بلد ، ويستشرفهنّ أهل المناهل والمناقل ، ويتصفّح وجوههنّ القريب والبعيد ، والدنيّ والشريف ، ليس معهنّ من رجالهنّ ولي ، ولا من حماتهنّ حميّ. وكيف تُرجى المراقبة من لفظ فوه أكباد السعداء(4) ، ونبت لحمه بدماء الشهداء؟!

وكيف لا يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والأضغان؟! ثمّ تقول غير متأثّم ولا مستعظم :

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا : يا يزيد لا تشل

منتحياً على ثنايا أبي عبدالله عليه السلام تنكتها بمخصرتك؟

__________________

(1) الروم : 10.

(2) آل عمران : 178.

(3) هذه إشارة إلى قول رسول الله صلى الله عليه واله لأبي سفيان جدّ يزيد الذي عفا عنه الرسول صلى الله عليه واله هو وأتباعه فقال صلى الله عليه واله : «إذهبوا فأنتم الطلقاء» ز

(4) هذه إشارة إلى هند آكلة الأكباد حيث إنّها مثّلث بحمزة سيّد الشهداء عليه السلام فأخرجت كبده وحاولت أن تأكله إلّا أنّها لم تستطع ذلك.


وكيف لا تقول ذلك ، وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة ، بإراقتك دماء ذرّية آل محمّد ونجوم الأرض من آل عبدالمطّلب؟!

أتهتف بأشياخك؟ زعمت تناديهم ، فلتردنّ وشيكاً موردهم ، ولتودّنّ أنّك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت.

اللهمّ خذ بحقّنا ، وانتقم ممّن ظلمنا ، واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا. فوالله ما فريت إلّا جلدك ولا جززت إلّا لحمك ، ولتردنّ على رسول الله صلى الله عليه واله بما تحمّلت من سفك دماء ذرّيته وانتهاك حرمته في لحمته وعترته ، وليخاصمنّك حيث يجمع الله تعالى شملهم ، ويلمّ شعثهم ، ويأخذ لهم بحقّهم( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) (1) . فحسبك بالله حاكماً ، وبمحمّد خصماً وبجبرائيل ظهيراً ، وسيعلم من سوّل لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، أن بئس للظالمين بدلاً ، وأيّكم شرّ مكاناً وأضعف جنداً.

ولئن جرّت عليّ الدواهي مخاطبتك ، فإنّي لأستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكبر توبيخك ، لكن العيون عبرى ، والصدر حرّى.

ألا فالعجب كلّ العجب بقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ، فتلك الأيدي تنظف من دمائنا ، وتلك الأفواه تتحلّب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تتنابها العواسل وتعفوها الذئاب ، وتؤمّها الفراعل ، ولئن اتّخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً ، حين لا تجد إلّا ما قدّمت يداك ، وأنّ الله ليس بظلّام للعبيد ، فإلى الله المشتكى ، وعليه المعوّل.

فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لاتمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها ، ولا تغيب شنارها ، فهل رأيك إلّا فند وأيّامك إلّا عدد ، وشملك إلّا بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.

__________________

(1) آل عمران : 169.


فالحمدلله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة والرحمة ، ولآخرنا بالشهادة والمغفرة.

وأسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ، وحسن المآب ، ويختم بنا الشرافة ، إنّه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، نعم المولى ونم النصير»(1) .

الإمام الباقر يعظ يزيد

حينما أُدخل أهل البيت عليهم السلام مجلس يزيد أخذ اللعين يتجاسر عليهم ويقول لجماعته : لقد أمرت بقتل كافّة رجالهم ، فلم يبق سوى هؤلاء النسوة والأطفال المقيّدين ، فماذا تشيرون أن أفعل بهم؟ فقال الجميع وبلا تردّد : مر بقتلهم كي لا يبقى من نسل علي أحد فوق الأرض.

آنذاك قام الإمام الباقر وكان إمّا عمره سنتين وشهور أو خمس سنوات وكان مع الأسارى مقيّداً فحمد الله وأثنى عليه وقال : يزيد لي أن أتكلم.

فتعجّب اللعين من جرأته وجسارته وقال : قل ماذا تريد؟

فقال الإمام عليه السلام : لقد أشار عليك هؤلاء بخلاف ما أشار جلساء فرعون عليه حيث شاورهم في موسى وهارون ، فإنّهم قالوا له : أرجه وأخاه ، وقد أشار هؤلاء بقتلنا ، ولهذا سبب. فقال يزيد : وما السبب؟ فقال عليه السلام : إنّ هؤلاء كانوا الرشدة وهؤلاء لغير رشدة ، ولا يقتل الأنبياء وأولادهم إلّا أولاد الأدعياء فأمسك يزيد مطرقاً(2) .

وأفظع الكلّ دخول الطاهرة

حاسرة على ابن هند العاهرة

وما لها ومجلس الشراب

وهي ابنة السنّة والكتاب

__________________

(1) مقتل الخوارزمي 2 / 63 ، وانظر : مثير الأحزان : 101 ، الملهوف : 215 ، الاحتجاج 2 / 123 ، الحدائق الوردية لحميد بن زيد اليماني ، بحار الأنوار 45 / 133 ، أعلام النساء 2 / 95 لعمر رضا كحالة ، وغيرهم. المترجم.

(2) إثبات الوصيّة ص 145.


أتوقف الحرّة من آل العبا

بين يدي طليقها وا عجبا

يشتمها طاغية الإلحاد

وهي سلالة النبي الهادي

بل سمعت من ذلك اللعين

سبّ أبيها وهو أصل الدين

أتنسب الطاهرة الصدّيقة

للكذب وهي أصدق الخليقة

أصفوة الولي نخبة النبي

عدوّة الله فيا للعجب

وا حرّ قلباه لقلب الحرّة

فما رأته لا أطيق ذكره

شلّت يد مدّت بقرع العود

إلى ثنايا العدل والتوحيد

تلك الثنايا مرشف الرسول

ومثلم الطاهرة البتول

وما جناه باللسان أعظم

وكفره المكنون منه يعلم

وقد أبانت كفر ذاك الطاغي

بأحسن البيان والبلاغ

حنّت بقلب موجع محترق

على أخيها فأجابها الشقي

يا صيحة تحمد من صوائح

ما أهون النوح على النوائح

خطبة الإمام السجّاد عليه السلام

لا يخفى أنّ لدخول أهل البيت عليهم السلام الشام أثراً كبيراً في افتضاح يزيد وكشف ألا عيبه الخفية التي كانت منطلية على البسطاء من الناس.

ففي أحد الأيّام طلب الإمام السجّاد عليه السلام من يزيد أن يأذن له كي يخطب في الناس في إحدى الجمع فأذن له.

وفي يوم الجمعة أمر الطاغية أحد الوعّاظ ـ الذين اشتروا سخط الله برضا المخلوق ـ أن يصعد المنبر وينال من الإمام علي عليه السلام وأولاده ويمدح آل أبي سفيان ويثني عليهم.

وفي ذلك الحال طلب الإمام عليه السلام من يزيد أن يفي بوعده إلّا أنّه أخذ يتهرّب ويراوغ وكان ابنه معاوية حاضراً فقال له : دعه يصعد المنبر ، فما يحسن هذا الغلام؟!


فقال يزيد : إنّك لا تعرف من هذا إنّه من أهل بيت زقّوا العلم زقّاً ، وهو لا ينزل إلّا بفيضحتي وفيضحة آل أبي سفيان وأخاف أن يحصل من خطبته فتنة علينا(1) ، فأصرّ الناس عليه أن يأذن له فأذن ، فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه وقال :

«أيّها الناس ، أُعطينا ستّاً وفضّلنا بسبع ، أُعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين ، وفضّلنا بأنّ منّا النبي المختار محمّداً صلى الله عليه واله ، ومنّا الصدّيق ، ومنّا الطيّار ، ومنّا أسد الله وأسد الرسول ، ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول ، ومنّا سبطا هذه الأُمّة وسيّدا شباب أهل الجنّة.

فمن عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي.

أنا ابن مكّة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن مَن حمل الزكاة بأطراف الرداء ، أنا ابن خير من ائترز وارتدى ، ، أنا ابن خير من انتعل واحتفى ، أنا ابن خير من طاف وسعى ، أنا ابن خير من حجّ ولبّى ، أنا ابن من حُمل على البراق في الهواء ، أنا ابن من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فسبحان من أسرى ، أنا ابن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى ، أنا ابن من دنا فتدلّى فكان من ربّه قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلّى بملائكة السماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن محمّد المصطفى.

أنا ابن علي المرتضى ، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتّى قالوا لا إله إلّا الله ، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين ، وطعن برمحين ، وهاجر الهجرتين ، وبايع البيعتين ، وصلّى القبلتين ، وقاتل ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين. أنا ابن صالح المؤمنين ، ووارث النببيّين ، وقامع الملحدين ، ويعسوب المسلمين ، ونور المجاهدين ، وزين العابدين ، وتاج البكّائين ، وأصبر الصابرين ، وأفضل القائمين من آل ياسين ورسول ربّ العالمين ، أنا ابن المؤيّد بجبرائيل ، والمنصور

__________________

(1) راجع نفس المهموم ص 450.


بميكائيل ، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين ، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ، والمجاهد أعداءه الناصبين ، وأفخر من مشى من قريش أجمعين ، وأوّل من أجاب واستجاب لله من المؤمنين ، وأقدم السابقين ، وقاصم المعتدين ، ومبير المشركين ، وسهم من مرامي الله على المنافقين ، ولسان حكمة العابدين ، ناصر دين الله ووليّ أمر الله ، وبستان حكمة الله ، وعيبة علم الله ، سمح سخيّ ، بهلول زكيّ أبطحيّ ، رضيّ مرضيّ ، مقدام همام ، صابر صوّام ، مهذّب قوّام ، شجاع قمقام ، قاطع الأصلاب ، ومفرّق الأحزاب ، أربطهم جناناً ، وأطبقهم عناناً ، وأجرأهم لساناً ، وأمضاهم عزيمة ، وأشدّهم شكيمة ، أسد باسل ، وغيث هاطل ، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنّة وقربت الأعنّة ، طحن الرحى ، ويذروهم ذرو الريح الهشيم ، ليث الحجاز ، وصاحب الإعجاز ، وكبش العراق ، الإمام بالنصّ والاستحقاق ، مكّيّ مدنيّ ، أبطحيّ تهاميّ ، خيفيّ عقبيّ ، بدري أُحدي ، شجري مهاجري ، من العرب سيّدها ، ومن الوغى ليثها ، وارث المشعرين ، وأبو السبطين الحسن والحسين ، مظهر العجائب ، ومفرّق الكتائب ، والشهاب الثاقب ، والنور العاقب ، أسد الله الغالب ، مطلوب كلّ طالب ، غالب كلّ غالب ، ذاك جدّي علي بن أبي طالب.

أنا ابن فاطمة الزهراء ، أنا ابن سيّدة النساء ، أنا ابن الطهر البتول أنا ابن بضعة الرسول.

قال : ولم يزل يقول «أنا أنا» حتّى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وخشي يزيد أن تكون فتنة ، فأمر المؤذّن أن يؤذّن فقطع عليه الكلام وسكت.

فلمّا قال المؤذّن : «الله أكبر» قال علي بن الحسين :

كبّرت كبيراً لا يقاس ولا يدرك بالحواس ، لا شيء أكبر من الله.

فلمّا قال : «أشهد أن لا إله إلّا الله» قال الإمام السجّاد عليه السلام :

شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي ومخّي وعظمي.

فلمّا قال : «أشهد أنّ محمّداً رسول الله صلى الله عليه واله» التفت الإمام السجّاد من أعلى المنبر


إلى يزيد وقال :

يا يزيد ، محمّد هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت ، وإن قتل إنّه جدّي فلِمَ قتلت عترته؟

ولمّا فرغ المؤذّن من الأذان والإقامة ، تقدّم يزيد وصلّى صلاة الظهر.

روى الخطبة أرباب السير والتاريخ ، فمنهم من ذكرها تفصيلاً كابن أعثم(1) والخوارزمي(2) ومحمّد بن أبي طالب(3) ومنهم من ذكر معظمها كابن شهر آشوب(4) والمجلسي(5) ومنهم من ذكر بعضها مثل أبي الفرج الأصفهاني(6) ومنهم من أشار إليها واكتفى بذكر مقدّمتها مثل ابن نما والسيّد ابن طاووس(7) .

يزيد يتبرّأ من جناياته

عندما افتضح يزيد الطاغية أمام الملأ العام واطّلع الناس على سوء جناياته وأفعاله القبيحة لجأ إلى العوبة جديدة أراد أن يغطّي بها مساوئه ألا وهي التبرّي من قتل الإمام الحسين عليه السلام والقاء العبأ واللوم على العسكر.

ولذلك فقد أحضر أُمراء العسكر أمثال شبث بن ربعي ، ومصائب بن وهيبة ، وشمر ابن ذي الجوشن ، وسنان بن أنس ، وخولي بن يزيد ، وقيس بن ربيع وغيرهم وبدأ يحاسبهم واحداً بعد الآخر.

__________________

(1) الفتوح 2 / 185.

(2) مقتل الخوارزمي 2 / 69.

(3) تسلية المجالس 2 / 391 ، عن صاحب المناقب (بحار الأنوار 45 / 137) وغيرهم.

(4) المناقب 4 / 168 ، الاحتجاج 2 / 132 ، عنه بحار الأنوار 45 / 161 ح 6.

(5) بحار الأنوار 45 / 161 ح 6.

(6) مقاتل الطالبيين : 121.

(7) مثير الأحزان : 102 ، الملهوف : 19.


ففي البدء التفت إلى قيس بن ربيع وقال : أنت قتلت الحسين بن علي عليه السلام فأجابه قائلاً : أنا لم أقتله أبداً ، ولعنة الله على قاتله.

فقال يزيد : من قتله؟ قال : مصائب.

وإذا بيزيد يلتفت إلى مصائب ويقول : أنت قتلت الحسين بن علي؟ فأجابه مثل جواب صاحبه ، ثمّ تداول الأمر كلّ يلقي باللوم على صاحبه إلى أن وصل الأمر إلى خولي الذي حار ماذا يجيب يزيد ، فالكلّ ينظر إليه شرزاً ، وفجأة اتّفق الجميع على جواب واحد وقالوا : إنّ قاتل الحسين بن علي عليه السلام هو قيس بن ربيع.

فالتفت إليه يزيد وخاطبه بكلّ خشونة وقال : أأنت قتلت الحسين؟! فقال قيس : إنّني أعرف قاتله جيّداً ولن أقول من هو إلّا بعد أن يتفضّل عليَّ الأمير بالأمان.

وبعد أن أعطاه يزيد الأمان قال : إنّ قاتل الحسين بن علي هو من جيّش الجيوش ورفع راية الحرب ضدّه ، فتساءل يزيد قائلاً : ومن هو؟ فقال قيس : أنت يايزيد فانتفض يزيد من كلامه وترك المجلس قاصداً منزله ، ولمّا دخل الدار أخذ رأس سيّد الشهداء عليه السلام وجعله في طشت من ذهب ولفّه في قطعة من القماش واحتفظ به في غرفته الخاصّة.

ثمّ إنّه أخذ يلطم على رأسه ويقول : «ما لي ولقتل الحسين»(1) .

يقول الملّا حسين الكاشفي في كتابه «روضة الشهداء» إنّ الإمام زين العابدين عليه السلام لمّا طلب من يزيد أن يسلّمه قاتل أبيه ليقتصّ منه أخذ قتلة الإمام الحسين عليه السلام يتبرّؤون من قتله ويلقي كلّ منهم باللوم على صاحب إلى أن وصل الأمر إلى شمر اللعين فاتّهم يزيداً بقتل سيّد الشهداء عليه السلام(2) .

تجدّد المآسي في الشام

نقل عن كتاب «بحر المصائب» أنّه لمّا أُودع أهل البيت عليه السلام في خرابة الشام كان

__________________

(1) اكسير العبادات في أسرار الشهادات ج 3 ص 444 ـ 445.

(2) راجع مقتل أبي مخنف ص 218 ـ 220.


هناك ثمانية عشر طفلاً وطفلة تضوّرون من شدّة الجوع والعطش وكلّهم يطلب الغوث والمساعدة من العقيلة زينب عليها السلام.

وفي أحد الأيّام طلب أحد الأطفال ماءً ، فأحضرت إليه إحدى الشاميات قدحاً وخاطبة العقيلة قائلة : بالله عليك إلّا ما أذنت لي أن أسقيه بيدي ، فإنّ رعاية الأيتام توجب قضاء الحوائج وحصول المرام.

فتساءلت منها العقيلة وقالت : ما هي حاجتك؟

قالت : إنّني من خدمة الصدّيقة الزهراء عليها السلام ، وقد سكنت هذه البلاد ، ومنذ أمد بعيد ليس لي خبر من أهل البيت عليهم السلام ، فكم إنّني مشتاقة لرؤيا سادتي وموالي : زينب بنت علي والحسين بن علي ، فلعلّ الله ببركة دعاء هذا الطفل يقضي حاجتي ويمنّ عليّ بخدمتهم في بقيّة أيّام حياتي؟!

ولمّا سمعت العقيلة منها هذا الكلام ضجّت بالبكاء وتأوّهت واجتذبت حسرة وقالت : يا أمة الله ، لقد قضى الله حاجتك ، ها أنا زينب بنت أميرالمؤمنين عليه السلام ، وهذا رأس الحسين عليه السلام على باب دار يزيد.

يقول البعض : عندما سمعت الشامية من العقيلة هذا الكلام أُسقط في يدها وصرخت صرخة ثمّ سقطت مغشيّاً عليها.

ولمّا أفاقت أخذت تنعى الإمام الحسين عليه السلام منادية : واحسيناه ، واسيّداه ، وا إماماه وا غريباه ، وا قتيلاً فأبكت ببكائها كلّ صديق وعدو(1) .

نذر امرأة

ورد في كتاب «بحر المصائب» أيضاً أنّ امرأة جاءت عند العقيلة زينب عليها السلام وقدّمت إليها طبقاً فيه طعام إلّا أنّ عقيلة الهاشميين تصوّرت أنّه صدقة وقالت : ألا تعلمين أنّ الصدقة حرام علينا أهل البيت عليهم السلام؟! فأجابتها المرأة قائلة : والله ليس هذا بصدقة ،

__________________

(1) رياحين الشريعة للعلّامة الشيخ ذبيح الله محلاتي المتوفّى سنة 1406 ه ج 2 ص 187.


وإنّما هو نذر للأسارى والغرباء.

فتساءلت العقيلة عليها السلام الهاشمية منها وقالت : ولماذا الأسارى والغرباء بالذات؟!

فقالت المرأة : أيّام طفولتي كنت أعيش في مدينة الرسول صلى الله عليه واله وقد ابتليت بمرض صعب العلاج عجز الأطبّاء الحاذقون عن علاجه.

وحيث إنّ والدي من الموالين لأهل البيت عليهم السلام فقد أخذاني إلى بيت أمير المؤمنين عليه السلام وطلبا من الصدّيقة الزهراء أن تتوسّل إلى الله في شفائي. وبينما هم كذلك إذا بالإمام الحسين عليه السلام يقبل فأشار عليه والده أمير المؤمنين عليه السلام أن يمسح بيده المباركة على رأسي ثمّ يرفع يديه بالدعاء ويتوسّل إلى الله تعالى في شفائي.

وما أن مسح الإمام الحسين عليه السلام يده المباركة على رأسي ورفع يديه بالدعاء لشفائي وإذا بصحّتي تتحسّن وتذهب آلامي تماماً وإلى اليوم لم أر مرضاً قطّ.

واليوم وبعد أن جار علينا الزمان أصبحت غريبة في هذه الديار وقد فرّق الدهر بيني وبين سادتي وموالي أهل البيت عليهم السلام ولذا فقد نذرت وتعاهدت مع الله تعالى إنّني متى ما رأيت غريباً أو أسيراً أُحسن إليه وأطلب من الله تعالى مقابل ذلك سلامة سيّدي ومولاي أبي عبدالله الحسين عليه السلام الذي أسأل الله أن يمنّ عليّ بلقائه والتشرّف بزيارته.

ولمّا سمعت العقيلة زينب عليها السلام منها هذا الكلام تأوّهت وارتفع صوتها بالبكاء وقالت : يا أمة الله اعلمي أنّ ساعات انتظارك قد ولّت وأنّ نذرك قد تحقّق ، أليس كنت تتمنّين رؤيا أهل البيت عليهم السلام فهؤلاء الأسارى هم أهل البيت عليهم السلام ، وأنا زينب بنت أمير المؤمنين عليها السلام ، وذاك رأس الحسين بن علي عليه السلام منصوباً على دار يزيد.

وحيث إنّ المرأة لم تكن تتوقّع أنّ الزمان سيجور على أهل البيت عليهم السلام هكذا فقد أسقط في يدها وخرّت مغشيّاً عليها ـ وبعد أن أفاقت ـ رمت بنفسها على قدمي العقيلة زينب عليها السلام وأخذت تقبّلهما وهي تبكي وتقول : وا سيّداه ، وا إماماه ، وا غريباه(1) .

__________________

(1) رياحين الشريعة ج 3 ص 188.


وأمست بنات الوحي بعد حماتها

وفتيانها بين المضلّين مغنما

إذا استنجدت في قومها الصيد لم تجد

برغم العلى غير العليل لها حما

وزينب تدعو والشجا ملؤ قلبها

أخاها ودمع العين ينهل عن دما

لقد كان دهري فيك بالأمس مشرقاً

فها هو أمسى بعدك اليوم مظلما

امرأة يزيد تزور الأسارى

اختلف المؤرخّون في نقل هذه القضيّة ، فالبعض منهم قال : إنّ زوجة يزيد بنت عبدالله بن كريز عندما سمعت صوت العقيلة زينب عليها السلام في مجلس يزيد ذهلت لعظم المصاب ودخلت المجلس حاسرة الرأس فألقى يزيد ردائه على رأسها. وقد وبّخت يزيد ونالت منه لفعله الشنيع بشدّة حتّى حار ماذا يجيبها فأشار عليها أن تدخل وتنعى الإمام الحسين عليه السلام وتبكي عليه.

ونقل بعض المؤرخين قصّة مجيئها إلى خرابة الشام بكيفية أُخرى لم أجد لهذا النقل مصدر معيّن ولذا فقد أعرضت عن نقل القضية وآثرت الاقتصار على القصّة المذكورة في الكتب المعتبرة.

على كلّ فقد يقال إنّ هناك قرينة تدلّ على أنّ هند المذكورة لم تكن ابنة عبدالله بن كريز وهذه القرينة هي :

ورد في كتاب «ناسخ التواريخ» اثربيانه للغزوات التي وقعت في عهد عمر وبالذات عند تطرّقه إلى وقائع فتح قلعة أبي القدس فقال : إنّ عيون أبو عبيدة بن الجرّاح ـ قائد العسكر ـ أخبروه أنّ هناك سوقاً مهمّاً للنصارى في مقابل قلعة أبي القدس وعمّا قريب ستعقد ابنة أبي القدس ، فإذا هجمنا عليهم واستولينا على السوق فسنظفر بغنائم كثيرة.

فبعث أبو عبيدة جعفر الطيّار بقيادة خمسمائة فارس إليهم ، ومن بعده أرسل خالد ابن الوليد ليؤازره حتّى فتحوا القلعة وأسروا ابنة أبي القدس.

فأرسل عبدالله بن جعفر إلى أبي عبيدة بأنّني لا أُريد من الغنائم شيئاً سوى هذه


المرأة ، وإذا بأبي عبيدة يجيبه : إنّ الأمر بيد عمر فأرسلوا إليه كي يأذن له فيها فبعث إليهم من يخبرهم عن موافقته.

وبالفعل فقد أخذ عبدالله المرأة كغنيمة إلى أن سمع معاوية السوء عن حسنها وجمالها فطلبها من عبدالله لابنه يزيد بعد أن أرسل مبلغاً طائلاً لعبدالله إلّا أنّه رفض أن يأخذ درهماً واحداً منها وأرسل الجارية إلى معاوية كهدية.

وهنا يمكن أن يقال : إنّ هذه الجارية هي التي أتت إلى خرابة الشام وزارت الأسارى ، وبالطبع فإنّ هذه الجارية عاشت سنين عديدة في بيت عبدالله بن جعفر والعقيلة زينب وتربّت على أيديهما حتّى دارت الأيّام وأُدخل أهل البيت عليهم السلام الشام كأسارى فقيل لها : إنّ بعض الأسارى الخارجيين أُودعا في الخرابة فأحبّت أن تتفرّج عليهم وتنظر من أي الأسارى هم ولذا فقد استأذنت يزيد في ذلك فأذن لها إلّا أنّه أمرها أن تذهب إليهم ليلاً.

ولمّا أرخى الليل سدوله أخذوا لها كرسيّاً وأدخلوها على الأسارى وما أن رأت حالهم رقّت لهم وتساءلت قائلة : مَن كبيركم؟ فأشاروا إلى العقيلة زينب عليها السلام.

قالت : من أي الأسارى أنتم؟ قالت العقيلة زينب عليها السلام : من أهل المدينة. قالت : كلّ المدن تسمّى بالمدينة ، فمن أي المدن أنتم؟ قالت : من مدينة رسول الله صلى الله عليه واله ، وإذا بها تجلس على الأرض ، فتساءلت منها عقيلة الهاشميين عليهم السلام قائلة : لماذا جلست على الأرض؟ قالت : احتراماً لمدينة رسول الله صلى الله عليه واله ، ثمّ أنّها قالت : بالله عليك أخبرني أتعرفين أحداً من محلّة بني هاشم؟

فقالت السيّدة زينب عليها السلام : لقد ترعرعت وكبرت في محلّة بني هاشم. فتأوّهت الجارية وقالت : لقد زديتني همّاً فوق همّي أُقسم عليك بالله العظيم ألم تمرّي بدار مولاي أمير المؤمنين عليه السلام أو زرتي سيّدي ومولاتي زينب بنت علي عليهما السلام؟ فلم تطق العقيلة تحمّل كلامها وأجهشت بالبكاء وقالت : حقّك ألّا تعرفيني أنا زينب بنت علي عليه السلام.

ثمّ إنّها قالت : أتسألين عن الحسين عليه السلام فذاك رأسه منصوباً على دار يزيد ، وإذا


بالدنيا تضيق في عيني المرأة ويرتفع صوتها بالبكاء والعويل ، بل إنّها أخذت تصيح كما يصيح المجانين ثمّ خرجت إلى قصر يزيد حاسرة الرأس مذهولة وهي تصيح قائلة : يابن معاوية! رأس ابن بنت رسول الله صلى الله عليه واله منصوباً على باب داري ، واحسيناه ، وا مظلوماه ، وا قتيل أولاد الأدعياء ، والله يعزّ ذلك على رسول الله وعلى أميرالمؤمنين عليهما السلام.

فاضطرب الطاغية يزيد ولاحظ أنّ جميع قد سخطوا عليه حتّى أهله وعياله فأخذ يتظاهر بالندامة من أفعاله الضالّة ويقول : مالي ولحسين بن علي؟!

ولذا فإنّه لم يجد بدّاً من أن يغيّر طريقة تعامله مع أهل البيت عليهم السلام فقال لزوجته : اذهبي واسكنيهم في منزل أفضل من الخرابة التي هم فيها ، فأسرعت المرأة إلى العقيلة زينب عليها السلام وهي تقول : ليتني عميت ولم أراكم على هذه الحالة.

ثمّ إنّها أخذتهم إلى منزل آخر وأوصت النساء قائلة : يا نساء بني مروان ويا بنات بني سفيان لا أراكم بعد اليوم تضحكون فرحاً ، فوالله إنّ هؤلاء ليسوا بخوارج بل إنّهم ذرّية رسول الله صلى الله عليه واله وأولاد فاطمة وعلي المرتضى عليهم السلام(1) .

رؤيا السيّدة سكينة عليها السلام

يقول الشيخ ابن نما ، رأت السيّدة سكينة في منامها وهي بدمشق وهي بدمشق كأنّ خمسة نجب من نور قد أقبلوا وعلى كلّ نجيب شيخ ، والملائكة محدقة بهم ومعهم وصيف يمشي فمضى النجب وأقبل الوصيف إليّ وقرب منّي وقال : يا سكينة إنّ جدّك يسلّم عليك ، فقلت : وعلى رسول الله السلام أيا رسول رسول الله من أنت؟ قال : وصيف من وصائف الجنّة. فقلت : من هؤلاء المشيخة الذين جاءوا على النجب؟ قال : الأوّل آدم صفوة الله عليه والسلام ، والثاني إبراهيم خليل الله عليه السلام والثالث موسى كليم الله عليه السلام ، والرابع عيسى روح الله عليه السلام ، والخامس جدّك رسول الله صلى الله عليه واله ، فقلت : وأين هم قاصدون؟ قال : إلى أبيك الحسين عليه السلام فأقبلت أسعى في طلبه لأُعرّفه ما صنع بنا الظالمون بعده ، فبينا أنا كذلك إذ

__________________

(1) رياحين الشريعة ج 3 ص 191.


أقبلت خمسة هواجد من نور في كلّ هودج امرأة ، فقلت : من هذه النسوة المقبلات؟ قال : الأوّل حواء أُمّ البشر ، والثانية آسية بنت مزاحم ، والثالثة مريم بنت عمران ، والرابعة خديجة بنت خويلد ، والخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرّة وتقوم أُخرى جدّتك فاطمة بنت محمّد أُمّ أبيك ، فقلت : والله لأخبرنّها ما صنع بنا ، فلحقتها فوقفت بين يديها أبكى ، وأقول : يا أُمّاه جحدوا الله حقّنا ، يا أُمّاه بدّدوا والله شملنا ، يا أُمّاه استباحوا والله حريمنا ، يا أُمّاه قتلوا والله الحسين أبانا. فقلت : كفّي صوتّك يا سكينة فقد أحرقت كبدي وقطعت نياط قلبي. هذا قميص أبيك الحسين معي لا يفارقني حتّى ألقى الله به. ثمّ انتبهت وأردت كتمان ذلك المنام وحدّثت به أهلي فشاع بين الناسش(1) ـ(2) .

وقد نظم النيلي هذه القضيّة في أبيات له فقال :

حتّى إذا أبرزت للسبي جارية

كأنّها البدر من حسن إذا اتّسقا

فقال من هذه قالوا سكينة بنت

الخارجي الذي عن حكمنا أبقا

فقال كيف رأيت الله مكّنني

رقابكم إذ لنا صرتم من العتقا

أخذت ثأري من ابن النبي ومن

غدا من أسلافنا من جدّكم سبقا

هناك قالت أُمّة إنّي ثكلتك يا

أردى الأنام ويا من ليس فيه تقا

اسمع مناماً رأت عيناني بارحتي

يزيد قلبك همّاً عندما طفقا

فقال قصّي لنا رؤياك فابتدرت

تقصّ والد مع منها يسبق النطقا

فبينما أنا إذ صلّيت نافلتي

أثنى عليَّ خالقي والليل قد غسقا

إذ الحسين أبي قد جاء ملتثماً

فرقى وقد مدّ لي كفّيه معتنقا

وعاينت مقلتي من بعد ذاك إلى

قصر من النور يزهو أبيضاً يققا

__________________

(1) راجع : مثير الأحزان ص 104 ، بحار الأنوار ج 45 ص 140 ، الملهوف ص 82.

(2) إلى هذا الحدّ من البحث كان تنضيد الحروف على يد الأخ العزيز عاشق أهل البيت عليهم السلام الشهيد حبيب الله كيكاوسي المعروف بـ (محمّد ربّاني الخلخالي) وقد ذكرته هنا لتكون له حصّة في هذا الكتاب.


عال شرانفه الياقوت حمرتها

للناظرين إليها يدهش الامقا

فبينما أنا نحو القصر ناظرة

إذ شرع الباب لي من بعد ما غلقا

وعاينت مقلتي خمساً وقد برزوا

من المشايخ في ترتيبهم نسقا

ومن أيديهم شخص فقلت له

والقلب منّي لمّا عاينت قد خفقا

لمن ترى يافتى ذا القصر قالوا لمو

لاك الحسين ولولاه لما خلقا

وهذه الخمسة الأشباح آدم

ثمّ الطهر نوح الذي في حبّكم سقا

وذا الخليل وهناك الكليم وذا

عيسى النبي الذي يبرئ بغير رقا

وعاينت مقلتي شخصاً لطلعته

نور علا الشمس لمّا تبلغ الأُفقا

وكفّه قابض من فوق لمّته

باك بعبرته قد صار مختنقا

وقد قطعت زفرات الحزن مهجته

والقلب منه لما قد ناله حنقا

فقلت من ذا فقالوا يا سكينة ذا

النبي جدّك ينجو من به علقا

فقمت أسعى إليه ثمّ قلت له

يا جدّ لم يبق منّا من به وثقا

يا جدّنا لو ترى بالطف قد قتلت

رجالنا وابنك السبط الشهيد لقا

يا جدّنا لو ترانا نستغيث فلا

نغاث قد قطعوا من دوننا الطرقا

يا جدّنا لو ترانا إذ نحثّ على

الأقتاب نطلب من أعداننا الرفقا

فعندها ضمّني جدّي وقبّلني

وخرّ من عظم ما حدّثته صعقا

ومدّ كفّي وصيف القوم أدخلني

في القصر وهو بطيب المسك قد عبقا

وفيه خمس نساء لو برزن إلى

الشمس الظهيرة خلتا نورها شفقا

وبين تلك النساء الخمس باكية

قد أكثرت دونهنّ النوح والحرقا

أثوابها من سود قد صبغن وفي

أزياقها الدمع في الأردان قد خرقا

وشعرها فوق كتفيها تنشره

على الحسين ومنها الجيب قد مزّقا

فقلت أخبرني يا ذالوصف فمن

هذي النساء فقل لي لا لقيت شقا

فقال هاتيك يا سكينة و

الأُخرى خديجة أو في العالمين تقا


وهذه مريم أيضاً وسارتها

مع هاجر قد ملكن الخلق والخلقا

وذي القميص الذي قد ضمّخته دماً

بنت النبي الذي فوق البراق رقا

فقمت أسعى إليها ثمّ قلت لها

أُخبرك أنّ أبي بالبيض قد مزّقا

يا جدّنا لو ترى عيناك ابنك

بين الرأس منه وبين الجسم قد مزقا

يا جدّنا لو رأيتنا وليس لنا

عن أعين الناس من فوق المطى وقا

وأقبلت وهي تشكي تستغيث على

قتل الحسين وتذري الدمع مندفقا

وا لهفتاه لحزني فيك يا ولدي

وا حسرتا يا قتيل الصحب والرفقا

وا طول لهفي عليك اليوم يا ولدي

لأهجرنّ سهادي فيك والأرقا

وظلّ من حولها النسوان في ثكل

يندبن للسبط لا لهواً ولا ملقا

هنا قامت وضمّتني براحتها

لصدرها فسكبت الدمع مندفقا

وأقبلت وهي تذري الدمع تسألني

عن الحسين وعن طاغ به طرقا

ويلاه ويلاه من أضح يكفّنه

ومن رأى وجهه والنحر والحدقا

وياه ويلاه من عبّى الحنوط

ومن ترى سار حول النعش وانطلقا

ومن ترى يكفل الأيتام ويحك بعد

ابني الحسين ومن في حبّنا صدقا

وكيف خلف زين العابدين ومَن

أوصى إليه من الأصحاب والرفقا

رؤيا هند زوجة يزيد

نقل عن هند زوجة يزيد أنّها قالت : أخذت مضجعي فرأيت باباً من السماء وقد فتحت والملاكة ينزول كتائب كتائب إلى رأس الحسين عليه السلام وهم يقولون : السلام عليك يا أبا عبدالله السلام عليك يابن رسول الله ، فبينا أنا كذلك إذ نظرت إلى سحابة قد نزلت من السماء وفيها رجال كثيرون وفيهم رجل درّي اللون قمري الوجه ، فأقبل يسعى حتّى


انكبّ على ثنايا الحسين عليه السلام يقبّلها وهو يقول : يا ولدي قتلوك أتراهم ما عرفوك ومن شرب الماء منعوك ، يا ولدي أنا جدّك رسول الله وهذا أبوك علي المرتضى وهذا أخوك الحسن وهذا عمّك جعفر وهذا عقيل وهذان حمزة والعبّاس. ثمّ جعل يعدّد أهل بيته عليهم السلام واحداً بعد واحد. تقول هند : فانتبهت من نومي فزعة مرعوبة وإذا بنور قد انتشر على رأس الحسين عليه السلام ، فجعلت أطلب يزيد وهو قد دخل إلى بيت مظلم وقد دار وجهه إلى الحائط وهو يقول : ما لي وللحسين ، وقد وقعت عليه الهمومات فقصصت عليه المنام وهو منكّس الرأس.

ولمّا أصبح الصباح استدعى حرم رسول الله صلى الله عليه واله وقال لهنّ : أيّهما أحبّ إليكنّ ، المقام عندي أو الرجوع إلى المدينة ولكم الجائزة السنيّة. قالوا : نحبّ أوّلاً أن ننوح على الحسين عليه السلام قال : افعلوا ما بدا لكم. ثمّ أخليت لهنّ الحجر والبيوت في دمشق ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلّا ولبست السواد على الحسين عليه السلام وندبوه على ما نقل سبعة أيّام(1) .

يقول ابن نما : وكنّ النساء مدّة مقامهنّ بدمشق ينحن عليه بشجو وأنّة ويندبن بعويل ورنّة ومصاب الأسرى عظم خطبة والأسى لكم الثكلي عال طبه ، وأسكن في مساكن لا يقين من حرّ ولا برد حتّى تقشّرت الجلود وسال الصديد بعد أن كنّ في الخدور وظلّ الستور ، والصبر ظاعن والجزع مقيم والحزن لهنّ نديم(2) .

__________________

(1) بحار الأنوار ج 45 ص 196.

(2) راجع : بحار الأنوار ج 45 ص 196 ، نور الأبصار ص 135.


الفصل السابع

من حياة الإمام زين العابدين عليه السلام

إنّ الإمام علي بن الحسين عليه السلام الملقّب بزين العابدين والسجّاد هو الابن الأرشد للإمام الحسين عليه السلام وأُمّه ابنة ملك الفرس يزدجر وتدعى بـ (شاه زنان)(1) ، وهو الولد الوحيد الذي بقي من أبناء الإمام الحسين عليه السلام ثلاثة. إذ أنّ بقيّة أُخوته ـ علي الأكبر وعلي الأصغر وعبدالله الرضيع ـ قد استشهدوا يوم عاشوراء.

ولا يخفى أنّ الإمام السجّاد عليه السلام قد رافق الإمام الحسين عليه السلام إلى كربلاء إلّا أنّ المصلحة اقتضت أن يتمرّض بشدّة حتّى كلّ وعجز عن حمل السلاح والخروج إلى ميدان الشهادة فبقي بعد أبيه يكفل الأُسارى والعيال حيث أُخذ أسيراً إلى الشام وجرى عليه ما جرى من المصائب والويلات ثمّ عاد مع قافلة الأُسارى إلى مدينة جدّه رسول الله صلى الله عليه واله.

الجدير ذكره أنّ الإمام السّجاد عليه السلام قد أُخذ أسيراً مرّة أُخرى إلى الشام في عهد الطاغية عبدالملك حيث قادوه عليه السلام مغلولاً بالقيود والحبال ثمّ رجع إلى وطن جدّه المصطفى صلى الله عليه واله وحيث إنّ الأوضاع السياسية في عهده عليه السلام كانت مضطربة وشديدة فقد

__________________

(1) حسب المصادر الموجودة لدينا أنّ أسماء والدة الإمام السجّاد هي : شهربانو ، شهربانويه ، شاه زنان ، جهان شاه ، شهر ناز ، جهان بانويه ، خولة ، بزه ، سلافة ، غزالة ، سلامة ، حرار ، مريم ، فاطمة ، ومن بين هذه الأسماء فإنّ اسم شهر بانوا هو المشهور.

وقد بلغت هذه الشهرة حدّاً أن يوجد مزار لها بالقرب من مدينة «شهر ري» في أحد الجبال يعرف بمقام السيّدة «شهر بانو».

وقد ذكر الشيخ الصدوق فقال : إنّ والدة الإمام زين العابدين عليه السلام توفّيت أثناء الوضع وقد ربّته عليه السلام أمة من اماء سيّد الشهداء عليه السلام.


وجد في ذلك فرصة سانحة للانشغال بالعبادة وطاعة الله تعالى والاقتصار على لقاء بعض الخواص من الشيعة أمثال «أبو حمزة الثمالي» و «خالد الكابلي»(1) .

بطبيعة الحال فإنّ أمثال هؤلاء الخواص كانوا يتصلون بالإمام عليه السلام وينزلون إلى الميدان وينشرون معارف أهل البيت عليهم السلام وأحكامهم التي كانوا يتلقّونها من الإمام عليه السلام الأمر الذي ساهم في نشر التشيّع آنذاك كثيراً.

ولادة الإمام السجّاد عليه السلام

اختلف العلماء والمحقّقون بشدّة في تعيين تاريخ ميلاد الإمام زين العابدين عليه السلام ، فقد ذهب كلّ من الشيخ المفيد والطوسي والسيّد ابن طاووس أنّ ميلاده كان في وسط شهر جمادي الأُولى سنة 36 ه بينما ذهب ابن صبّاغ المالكي في الفصول المهمّة وصاحب الدروس أنّ ميلاده كان في الخامس من شعبان سنة 38 ه(2) ، وقال الطبرسي في أعلام الورى أنّ ولادته كانت من النصف من شهر جمادي الآخرة والأصحّ حسب ما أعلم هو القول الأوّل والله العالم.

وقد ولد سلام الله عليه في المدينة المنوّرة وسبق منّا أن تطرّقنا إلى اسم والدته سلام الله عليها.

آثار الإمام زين العابدين عليه السلام

من بركات الإمام زين العابدين عليه السلام التي وصلت إلى أيدينا هي رسالته المباركة المسمّاة بـ «رسالة الحقوق» وهي رسالة عظيمة عالية المضامين وحقيق بكلّ موالي ومحبّ للحقيقة أن يدقّق فيها ويتمعّن في حكمها الإلهية ومواعظها الرفيعة التي تتكفّل ببناء المجتمع الفاضل وتهذيب الأفراد كما أراد الشارع المقدّس.

كما أنّ من آثار هذا الإمام المظلوم الباقية هي الصحيفة السجّادية الحاوية لأهمّ

__________________

(1) راجع تذكرة الخواص ص 324 ، إثبات الهداة ج 5 ص 242.

(2) الفصول المهمّة ص 212.


كنوز المعارف الإلهية ولكن بأُسلوب الدعاء ومناجاة الله عزّوجلّ.

وقد اشتهرت هذه الصحيفة بين العلماء والعظماء بـ «انجيل أهل البيت عليهم السلام» و «زبور آل محمّد عليهم السلام» فكما أنّ انجيل نبي الله عيسى عليه السلام وزبور نبي الله داود عليه السلام يحتويان على الحكم وكنوز المعارف الإلهية كذلك هي الصحيفة السجّادية ، فهي تضمّ بين طيّاتها للعديد من المعارف الإسلامية الكفيلة بتحقيق التوفيق والسعادة للبشرية على مرّ التاريخ.

الملفت للانتباه أنّ الكثير من العلماء الأعلام في اجازاتهم كما أشار إلى ذلك المحدّث النوري قدس سره في مستدرك الوسائل ـ يعبّرون عن الصحيفة السجّادية ـ بـ «أخت القرآن» إذ أنّ هذين الكتابين بمكانة من القداسة.

ألقاب الإمام زين العابدين عليه السلام

إنّ أشهر كنى الإمام السجّاد عليه أفضل الصلاة والسلام هما : أبو الحسن وأبو الحسن ، أمّا ألقابه فهي كثيرة منها : زين العابدين ، سيد الساجدين والعابدين ، الزكي ، الأمين ، السجّاد ، وذوالثفنات.

وقد كان نقش خاتمه كما ورد في الخبر عن الإمام الصادق عليه السلام هو : «الحمد لله العلي» وفي رواية الإمام الباقر عليه السلام أنّ نقشه كان هو : «العزّة لله» و «شقي قاتل الحسين ابن علي عليهما السلام» وفي الخبر عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : كان لأبي عليه السلام في موضع سجوده آثار ناتئة وكان يقطعها في السنة مرّتين في كلّ مرّة خمس ثفنات ، فسمّي ذوالثفنات لذلك(1) .

النسب الشريف

جمع الإمام السجّاد عليه السلام نجابت العرب والعجم ، فهو ابن الخيرتين أباً وأُمّاً وإلى ذلك يشير رسول الله صلى الله عليه واله قائلاً : إنّ من عباده خيرتين ، فخيرته من العرب القريش ومن

__________________

(1) علل الشرائع ص 232 ح 1 ، بحار الأنوار ج 46 ص 6 ح 10.


العجم فارس(1) ، ولذلك لقّب عليه أفضل الصلاة والسلام باب الخيرين.

ومن نسل هذا الإمام الطاهر كانت ذرّية رسول الله صلى الله عليه واله ، ولذا كانوا يطلقون عليه بـ «آدم بني الحسين عليه السلام».

وهو أول من اختار الخلوة والعزلة والتفرّغ لله عزّوجلّ ، وأوّل من اتّخذ المسبحة والسجّادة من تربة سيّدالشهداء عليه السلام وقد كان معروفاً ببكائه حتّى سمّي برئيس البكّائين الأربعة وهم : آدم ، ويعقوب ، ويوسف ، وهو بأبي وأُمّي.

أين زين العابدين؟

ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله أنّه قال : إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ أين زين العابدين؟ فكأنّي أنظر إلى ولدي علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام يخطر بين الصفوف(2) .

وفي كشف الغمّة أنّه كان سبب لقبه بزين العابدين ، أنّه كان ليلة في محرابه قائماً في تهجّده فتمثّل له الشيطان في صورة ثعبان ليشغله عن عبادته فلم يلتفت إليه ، فجاء إلى ابهام رجله فالتقمها فلم يلتفت إليه فآلمه فلم يقطع صلاته ، فلمّا فرغ منها وقد كشف الله له فعلم أنّه الشيطان فسبّه ولطمه وقال له : اخسأ يا ملعون فذهب وقام إلى تمام ورده ، فسمع صوت قائل يقول : «أنت زين العابدين حقّاً» ثلاثاً ، فظهرت هذه الكلمة واشتهرت لقباً له(3) .

الشكر على النعم

روى ابن بابوية عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : إنّ أبي علي بن الحسين عليه السلام ما ذكر نعمة الله عليه إلّا سجد ، ولا قرأ آية من كتاب الله عزّوجلّ فيها سجود إلّا سجد ، ولا دفع الله تعالى عنه سوء يخشاه أو كيد كايد إلّا سجد ، ولا فرغ من صلاة مفروضة إلّا سجد ،

__________________

(1) بحار الأنوار ج 46 ص 4.

(2) علل الشرائع ص 230 ، بحار الأنوار ج 46 ص 2.

(3) كشف الغمّة ج 2 ص 286.


ولا وفّق لإصلاح بين اثنين إلّا سجد ، وكان أثر السجود في جميع مواضع سجوده فسمّي السجّاد لذلك(1) .

عبيدك ببابك

جاء في كتاب حديقة الشيعة أنّ طاووس اليماني قال : دخلت حجر إسماعيل ليلة فرأيت علي بن الحسين عليهما السلام في السجود وهو يكرّر كلاماً فأصغيت جيّداً فإذا هو يقول : إلهي عبيدك بفنائك مسكينك بفنائك فقيرك بفنائك» فما أصابني بلاء أو مرض أو ألم فصلّيت وسجدت وقلتها إلّا كشف عنّي وفرّج بي.

والفناء في اللغة فضاء البيت أي عبدك ومسكينك والمحتاج إليك واقف ببابك منتظر رحمتك ورأفتك ، فمن قالها بإخلاص رأى أثرها وقضيت حاجته(2) .

حاله في عبادته

روى الشيخ الصدوق قدس سره عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : كان علي بن الحسين عليهما السلام يصلّي في اليوم والليلة الف ركعة كما كان يفعل أمير المؤمنين عليه السلام ، وكانت له خمس مائة نخلة فكان يصلّي عند كلّ نخلة ركعتين ، وكان إذا قام في صلاته عشي لونه لون آخر ، وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل ، كانت أعضاؤه ترتعد من خشية الله عزّوجلّ ، وكان يصلّي صلاة مودّع يرى أنّه لا يصلّي بعدها أبداً(3) .

أنت حرّ لوجه الله

روي أنّ الإمام زين العابدين عليه السلام دعا مملوكه مرّتين فلم يجبه وأجابه في الثالثة ، فقال له : يابني أما سمعت صوتي؟ قال : بلى ، قال : فما لك لم تجبني؟ قال : أمنتك ، قال :

__________________

(1) علل الشرائع ص 232 باب 166 ح 1.

(2) منتهى الآمال ج 2 ص 20.

(3) منتهى الآمال ج 2 ص 13 ـ 14.


الحمدلله الذي جعل مملوكي يأمنني(1) .

وفي رواية أُخرى : أنّ الإمام عليه السلام كان عنده قوم ضيوف ، فاستعجل خادماً له بشواء كان في التنور ، فأقبل به الخادم مسرعاً فسقط السفود منه على رأس بني للإمام عليه السلام تحت الدرجة فأصاب رأسه فقتله ، فقال الإمام السجّاد عليه السلام للغلام : وقد تحيّر واضطرب : أنت حرّ فإنّك لم تتعمّده ثمّ أخذ في جهاز ابنه ودفنه(2) .

ونقل صاحب المناقب عن المدائني : أنّه لمّا انتسب الإمام السجّاد عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه واله قال يزيد لأحد جلاوزته : أدخله في هذا البستان واقتله وادفنه فيه ، فأدخله البستان وجعل يحفر القبر والإمام السجّاد عليه السلام يصلّي ، فلمّا همّ بقتله ضربته يد من الهواء فخرّ لوجهه وشهق ودهش ، فرآه خالد بن يزيد ، فانقلب إلى أبيه فقصّ عليه الخبر ، فأمر يزيد بدفن الرجل في الحفرة ، قال المدائني : وموضع حبس زين العابدين عليه السلام هو اليوم مسجد(3) .

وصيّة الإمام السجّاد عليه السلام

روي الإمام الباقر عليه السلام قال : أوصاني أبي فقال : يا بني لا تصحبنّ خمسة ولا تحادثهم ولا ترافقهم في طريق ، فقلت : جعلت فداك يا أبة وما دونها؟ قال : يطمع فيها ثمّ لا ينالها ، قال : قلت : يا أبة ومن الثاني؟ قال : لا تصحبنّ البخيل فإنّه يقطع بك في ماله أحوج ما كنت إليه ، قال : فقلت : ومن الثالث؟ قال : لا تصحبنّ كذّاباً فإنّه بمنزلة السراب يبعد منك القريب ويقرّب منك البعيد ، قال : قلت : ومن الرابع؟

قال : لا تصحبنّ أحمق فإنّه يريد أن ينفعك فيضرّك ، قال : قلت : يا أبة من

__________________

(1) كشف الغمّة ج 2 ص 299.

(2) كشف الغمّة ج ص 293.

(3) المناقب ج 4 ص 173.


الخامس؟ قال : لا تصحبنّ قاطع رحم فإنّي وجدته ملعوناً في كتاب الله ثلاثة مواضع(1) .

وقال عليه السلام لرجل شكى إليه حاله : مسكين ابن آدم في له كلّ يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهنّ ولو اعتبر لهانت عليه المصائب وأمر الدنيا.

فأمّا المصيبة الأُولى فاليوم الذي ينقص من عمره ، قال : وإن ناله نقصان في ماله اغتمّ به ، والدرهم يخلف عنه والعمر لا يردّه شيء.

والثانية : أنّه يستوفي رزقه فإن كان حلالاً حوسب عليه وإن كان حراماً عوقب عليه ، قال : والثالثة أعظم من ذلك ، قيل : وماهي؟ قال : ما من يوم يمسي إلّا وقد دنى من الآخرة مرحلة لا يدري على الجنّة أم على النار(2) .

أبناء الإمام السجّاد عليه السلام

قال الشيخ المفيد وصاحب الفصول المهمّة : أنّ ولد الإمام علي بن الحسين عليهما السلام خمسة عشر ولداً وهم : محمّد المكنّى بأبي جعفر الباقر عليه السلام أُمّه أُمّ عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ، عبدالله ، الحسن ، الحسين ، وأُمّهم أُمّ ولد ، زيد ، عمر ، وهما لأُمّ ولد ، الحسين الأصغر ، عبدالرحمن ، سليمان ، لأمّ ولد ، علي وكان أصغر ولد الإمام السجّاد ، خديجة وأُمّها أُمّ ولد ، محمّد الأصغر ، وأُمّه أُمّ ولد ، فاطمة ، عليّة ، أُمّ كلثوم وأُمّهنّ أُمّ ولد(3) .

وقد نقل المحدّث القمّي رحمه الله حول عليّة فقال : أنّ عليّة هي التي ذكر اسمها في كتب علماء الرجال ، وقالوا أنّها جمعت كتاباً ينقل زرارة عنه(4) .

__________________

(1) كشف الغمّة ج 2 ص 293.

(2) بحار الأنوار ج 78 ص 160.

(3) الإرشاد ص 261.

(4) منتهى الآمال ج 2 ص 65.


الشهادة المؤلمة

اعلم أنّه وقع اختلاف كبير بين العلماء في وفاة الإمام السجّاد عليه السلام والمشهور أنّه استشهد في أحد الأيّام الثلاثة التالية وهي : إمّا الثاني عشر من محرّم أو الثامن عشر أو الخامش والعشرون منه في السنة الخامسة والتسعين أو الرابعة والتسعين للهجرة ، وسمّيت سنة وفاته عليه السلام بـ «سنة الفقهاء» لكثرة موت الفقهاء والعلماء فيها.

وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال : لمّا كان الليلة التي وعدها علي ابن الحسين عليهما السلام قال لمحمّد : يا بني أبغي وضوءاً ، قال : فقمت فجئت بوضوء ، قال : لا ينبغي هذا فإنّ فيه شيئاً ميّتاً ، قال : فخرجت بالمصباح فإذا فيه فأرة ميتة ، فجئته بوضوء غيره.

قال : فقال : يا بني هذه الليلة التي وعدتها(1) .

وعن الإمام الرضا عليه السلام قال : لمّا حضر علي بن الحسين عليه السلام الوفاة أُغمي عليه ثلاث مرّات فقال في المرّة الأخيرة : الحمدلله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوّأ من الجنّة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ، وفي الكافي أضاف على الخبر أنّه عليه السلام قرأ سورة الواقعة وسورة الفتح ثمّ تلا الآية الكريمة(2) .

ونقل أنّه عليه السلام في ساعات الاحتضار دعا الإمام الباقر عليه السلام وضمّه إلى صدره وأوصاه بوصيّه أبيه الحسين عليه السلام فقال : إيّاك وظلم من لا ناصر له سوى الله(3) .

وعن الراوندي أنّ علي بن الحسين عليهما السلام كان يقول عند الموت : اللهمّ ارحمني فإنّك كريم ، اللهمّ ارحمني فإنّك رحيم ، فلم يزل يردّدها حتّى توفّي عليه السلام(4) .

وبعد أن توفّي الإمام عليه السلام حضر الجميع جنازته ما عدا «سعيد بن المسيّب»

__________________

(1) منتهى الآمال ج 2 ص 59 ـ 60.

(2) جلاء العيون ص 500.

(3) الكافي ج 2 ص 249.

(4) دعوات الراوندي ص 250 ح 704.


فشيّعوا جثمانه إلى البقيع ودفنوه إلى جوار جدّه المظلوم الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.

وفي الخبر أنّه عليه السلام لمّا وضع على المغتسل نظروا إلى ظهره وعليه مثل ركب الإبل ممّا كان يحمل على ظهره إلى منازل الفقراء والمساكين.

وكان له عليه السلام ناقبة ذهب بها إلى الحجّ 22 عاماً ومع ذلك لم يضربها سوطاً واحداً ، ولمّا دفن عليه السلام جاءت الناقة إلى قبره الشريف وجلست عنده وأخذت تحنّ وتأنّ وتبكي.

وفي بعض الأخبار أنّ الإمام الباقر عليه السلام أتى إليها وقال لها : اسكتي وارجعي بارك الله فيك ، فعادت إلّا أنّها عادت من بعد مدّة من الزمن وأخذت تبكي وتنوح إلى ثلاثة أيّام وفي اليوم الثالث ماتت(1) .

وكما يستفاد من الأخبار الكثيرة أنّ سبب وفاة الإمام عليه السلام كانت لسقيه السمّ الفتّاك ، فقد ذهب ابن بابوية وجمع آخر أنّ الوليد بن عبدالملك هو الذي دسّ السم إليه ، وقيل هشام بن عبدالملك(2) .

وقد اختلف في مدّة حياته إلّا أنّ أكثرهم قالوا أنّه عمره المبارك حين وفاته كان 57 سنة(3) .

ونقل الكليني قدس سره بسند معتبر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : قبض علي بن الحسين عليهما السلام وهو ابن سبع وخمسين سنة ، في عام خمس وتسعين للهجرة ، وقد عاش بعد الإمام الحسين عليه السلام خمساً وثلاثين سنة(4) .

وقد نسب للإمام عليه السلام بعض الأبيات منها قوله أيّام أسره :

أُقاد ذليلاً في دمشق كأنّني

من الزنج عبد غاب عنه نصيره

__________________

(1) منتهى الآمال ج 2 ص 60.

(2) منتهى الآمال ج 2 ص 57.

(3) منتهى الآمال ج 2 ص 57.

(4) الكافي ج 1 ص 360.


وجدّي رسول الله في كلّ موطن

وشيخي أمير المؤمنين وزيره

أبيات الفرزدق

لعلّ خير ما قيل في الإمام زين العابدين عليه السلام هو ما أنشده الفرزدق عندما تساءل هشام عن الإمام عليه السلام فأجابه الفرزدق قائلاً :

يا سائلي أين حلّ الجود والكرم

عندي بيان إذا طلّابه قدموا

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحلّ والحرم

هذا ابن الخير عباد الله كلّهم

هذا التقيّ النقيّ الطاهر العَلَم

هذا الذي أحمد المختار والده

صلّى عليه إلهي ما جرى القلم

لو يعلم الركن مَن قد جاء يلثمه

لخرّ يلثم منه ما وطى القَدَم

هذا علي رسول الله والده

أمست بنور هداه تهتدي الأُمم

هذا الذي عمّه الطيّار جعفر وا

لمقتول حمزة ليث حبّه قسم

هذا ابن سيّدة النسوان فاطمة

وابن الوصي الذي في سيفه نَقَم

إذا رأته قريش قال قائلها

إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

يكاد يمسكه عرفان راحته

ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

وليس قولك من هذا بضائره

العرب تعرف من أنكرت والعجم

ينمى إلى ذروة العزّ التي قصرت

عن نيلها عرب الإسلام والعجم

يغضي حياء ويغضى ن مهابته

فما يكلّم إلّا حين يبتسم

ينجاب نور الدجى عن نور غرّته

كالشمس تنجاب عن إشراقها الظلم

بكفّه خيزران ريحه عبق

من كفّ أروع في عرنينه شمم

ما قال لا قطّ إلّا في تشهّده

لولا التشهّد كانت لاءه نعم

مشتقّة من رسول الله نبعته

طابت عناصره والخيم والشيم

حمّال أثقال أقوام إذا قدحوا

حلو الشمائل تحلو عنده نعم

إن قال قال بما يهوى جميعهم

وإن تكلّم يوماً زانه الكلم


هذا ابن فاطمة إن كانت جاهله

بجدّه أنبياء الله قد ختموا

الله فضله قدماً وشرفه

جرى بذلك له في لوحه القلم

من جدّه دان فضل الأنبياء له

وفضل أُمّته دانت له الأُمم

عمّ البرية بالإحسان وانقشعت

عنها العماية والإملاق والظلم

كلتا يديه غياث عمّ نفعهما

تستوكفان ولا يعروهما عدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره

يزيّنه خصلتان الحلم والكرم

لا يخلف الوعد ميموناً نقيبته

رحب الفناء أريب حين يعترم

من معشر حبّهم دين وبغضهم

كفر وقربهم منجى ومعتصم

يستدفع السوء والبلوى بحبّهم

ويستزاد به الإحسان والنعم

مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم

في كلّ فرض ومختوم به الكلم

إن عدّ أهل التقى كانوا أئمّتهم

أو قيل مَن خير أهل الأرض قيل هم

لا يستطيع جواد بعد غايتهم

ولا يدانيهم قوم وإن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمه أزمت

والأسد أسد الشرى والبأس محتدم

يأبى لهم أن يحلّ الذمّ ساحتهم

خيم كريم وأيد بالندى هضم

لا يقبض العسر بسطاً من أكفّهم

سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا

إنّ القبائل ليست في رقابهم

لأوّلية هذا أوّله نعم

من يعرف الله يعرف أوّلية ذا

فالدين من بيت هذا ناله الأُمم

بيوتهم في قريش يستضاء بها

في النائبات وعند الحلم إن حلموا

فجدّه من قريش في أزمتها

محمّد وعلي بعده عَلَم

بدر له شاهد والشعب من أحد

والخندقان ويوم الفتح قد علموا

وخيبر وحنين يشهدان له

وفي قريضة يوم صيلم قتم

مواطن قد علت في كلّ نائبة

وعلى الصحابة لم أكتم كما كتموا


الفصل الثامن

انتقام الحقّ

نقل أنّ الأمير قطب الدين تيمور الگورگاني كان في التسلّط والهيمنة كالاسكندر حيث سيطر على الكثير من البلاد وفرض على الكفّار الجزية.

وفي عام 803 ذهب إلى الشام وقاتل أُمراءها في حدود حلب فانتصر عليهم وأسر قادتهم ودخل حلب منتصراً ظافراً بأهلها.

ثمّ إنّه جهّز جيشاً عظيماً من حلب وتوجّه نحو الشام وفتحها وقتل أُمرائها حتّى أنّ ملك مصر السلطان فرّخ.

وكما في التاريخ أنّه لمّا فتح الشام كانت الغنائم التي حصّلها لا تعدّ ولا تحصى ، وفي نفس تلك السنة أباح تيمور بغداد لمخالفة أهلها له وأعطى الإذن العامّ في قتلهم.

على كلّ فبعد أن سيطر أمير الدين على الشام ثارت في نفسه الغيرة لمصاب أهل البيت عليهم السلام وما جرى من الصعوبات على المخدّرات في الشام فأراد أن ينتقهم لهم ولثارهم فعمد إلى الخطّة التالية.

فقد خطب ابنة ملك الشام وكانت من المحتشمات وأمر أن تزيّن المدينة ويحتفل الناس بهذا الزفاف ، ثمّ إنّه بعثها إلى الماشطات ليزيّنها ويأخذوها إلى الحمّام ، ولمّا أخذوها أمر أن يأتوا بها على ناقة هزيلة عارية ليس فيها هودج ويطوفوا بها مكشوفة أمام الناس. وما أن رأى أهل الشام هذه الحالة اعترض كبيرهم وصغيرهم على ظلم تيمور وشجبوا عمله ، فنظر إليه الأمير تيمور والحسرة تتكسّر في قلبه وقال : ما هذه الضجّة؟ ولماذا تعترضون؟

أنا لم أرد ظلم أي أحد بل ظننت أنّ رسمكم هكذا تطوفون بأبناء العظماء في


بلادكم حواسر.

فاندهش أهل الشام وقالوا : واي فاسق يرضى أن يعمل بأعراض المسلمين هكذا؟

فتأوّه الأمير تيمور وانحدرت دموعه على خدّيه وقال : لا دين لكم ، أما تستحون؟! فأي أبناء الملوك أقدس من ذريّة رسول الله صلى الله عليه واله؟! ومن أعظم من ابنة الصدّيقة الزهراء عليها السلام حتّى تقودها على النياق الهزلة وتطوفون بها حاسرة في الأسواق بعد أن حرقتم قيامها وسبيتم بنات الرسول صلى الله عليه واله من بلد إلى آخر.

ثمّ أنّه قال لهم : لا غيرة لكم ، أما تستحون ، تعلمون بتقل ذرية الرسول صلى الله عليه واله ظلماً وعدواناً ثمّ تعيّدون بدخول بناته في بلادكم أُسارى؟!

فوا أسفاه ، ثمّ وا أسفاه ، فلو إنّني كنت في ذلك اليوم لأنتقمت من أُلئك الظلمة ولمحوتهم من الوجود ، فوالله يا أهل الشام لا أنسى كيف أُدخل أهل البيت عليهم السلام مجلس يزيد الطاغية مقيّدين كأنّهم عبيد من الروم أو الفرنج دون أن ينبس احد ببنت شفة بينما يغار ذلك الفرنجي(1) على عيال الرسول صلى الله عليه واله وأطفاله. ألا لعنة الله على آبائكم وأجدادكم.

فبقي الشاميون حائرين ماذا يجيبونه.

ولمّا وجد أن لا جواب لهم التفت إليهم ثانية وقال : يا أعداء الله وأعداء رسوله ، لقد عزّ عليكم أن تأسر امرأة من أهل الشام ولا يعزّ على رسول الله صلى الله عليه واله أن يطاف ببنات فاطمة عليها السلام في بلادكم؟! ثمّ أنّه أمر قادة جيشه أن يفتكوا بهم ويبيحوا دمهم ويضرموا النيران في بلادهم فبقت الشام على ذلك الحال إلى العصور الأخيرة حيث عمّرها بعض السلاطين وأعادوا بناءها(2) .

__________________

(1) هذه إشارة إلى مبعوث ملك الروم مع يزيد وقصّته مشهورة في الكتب.

(2) قصص التاريخ لحجّة الإسلام غلام حسين عابدي ج 1 ص 187.


الفصل التاسع

1 ـ الشجرة الطيّبة

إحدى المقامات المعروفة والشمهورة في دمشق ، هو مقام ومرقد السيّدة رقيّة يتيمة الإمام الحسين عليه السلام التي استشهدت في السادس من سفر المظفّر عام 61 ه في إحدى خرابات الشام من شدّة الفراق والشوق إلى والدها سيّد الشهداء عليه السلام.

أبناء الإمام الحسين عليه السلام

إنّ الذي يراجع الكتب والأقوال المختلفة يجد أنّ البنات التي نسبن إلى سيّد الشهداء عليه السلام ثمانية وهم : فاطمة الصغرى ، زبيدة ، زينب ، سكينة ـ وهي التي توفّيت في خرابة الشام ، وقد قال البعض أنّ اسمها زبيدة بينما ذهب البعض الآخر أنّ اسمها رقيّة ـ وأُمّ كلثوم وصفية.

كما نسب للإمام الحسين عليه السلام من الذكور ثمانية أولاد وهم : 1 ـ علي الأكبر ، 2 ـ علي الأوسط ، 3 ـ على الاصغر ، 4 ـ محمّد ، 5 ـ جعفر ، 6 ـ القاسم ، 7 ـ عبدالله ، 8 ـ المحسن ، 9 ـ إبراهيم ، 10 ـ الحمزة ، 11 ـ عمر ، 12 ـ زيد ، 13 ـ عمران بن الحسين عليه السلام ، وقد نقل أنّ عدد الأولاد الذكور لسيّد الشهداء عليه السلام أكثر من ذلك وهو قول ضعيف جدّاً.

فمن كلام لآية الله الحاج ميرزا حبيب الله الكاشاني بعد تعرّضه إلى أولاد سيّد الشهداء عليه السلام قال فيه : باعتقادي على تقدير صحّة ما ذكر ، أنّ التعدّد كان في الأسماء وليس في المسمّين ، إذ أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان معروفاً بقلّة الأولاد ، ولذا نستطيع القول إنّ هذه أسماء متعدّد لأشخاص معدودين بحيث يكون لكلّ ولد من أولاد سيّد الشهداء عليه السلام أكثر من اسم ، أو أنّ هذه أسماء لذرّية الإمام الحسين عليه السلام.


ويحتمل أن يكون بعض هؤلاء ينسبون إلى سيّد الشهداء عليه السلام عن طريق بني هاشم إذ أنّ الإمام الحسين عليه السلام كان أبو الأيتام وكافلهم(1) ، وقال آية الله الميرزا حبيب الله أيضاً حول يتيمة الشام التي توفّيت في الخرابة : ربما كان اسمها رقية وقد كانت من بنات سيّد الشهداء عليه السلام إذ أنّ المزار العظيم الذي هو في خرابات الشام ينسب إليها وهو معروف بمزار السيّدة رقيّة(2) .

تحقيق مختصر حول السيّدة رقيّة

إنّ كلمة رقيّة في الأصل مأخوذة من الارتقاء بمعنى الصعود إلى الأعلى والترقّي. وقد كان هذا الاسم قبل الإسلام موجوداً أيضاً ، ففي التاريخ أنّ اسم إحدى بنات هاشم –جدّ الرسول ـ كان رقيّة ، وهي عمّة والد النبي صلى الله عليه واله(3) والمرأة الثانية التي كان اسمها رقيّة هي ربيبة النبي صلى الله عليه واله من السيّدة خديجة بنت خويلد ، ناهيك عن بنات الأئمّة عليهم السلام اللواتي سمّين برقيّة ومنهنّ ابنة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام(4) وابنتين للإمام الكاظم عليه السلام وهما رقيّة ورقيّة الصغرى.

وينبغي الاشارة أنّ أكثر المحدّثين أشاروا أنّ السيّد الشهداء ابنتين هما فاطمة والسيّدة سكينة إلّا أنّ ابن شهر آشوب ومحمّد بن جرير الطبري الشيعي أشارا أنّ للإمام الحسين عليه السلام ثلاث بنات وهنّ : سكينة ، وفاطمة وزينب.

ومن المحدّثين القدماء فقط علي بن حسين الإربلي صاحب كتاب «كشف الغمّة في معرفة الأئمّة» والذي ألّفه عام 687 ه نقل عن «كمال الدين» فقال : إنّ للإمام

__________________

(1) تذكرة الشهداء آية الله الملّا حبيب الكاشاني ص 193.

(2) منتخب التواريخ ص 299.

(3) بحار الأنوار ج 15 ص 39.

(4) ترجمة الإرشاد للمفيد ج 2 ص 16.


الحسين عليه السلام ستّة أولاد ذكور وأربعة أُناث إلّا أنّه أيضاً عند ذكره لأسمائهنّ ذكر ثلاثة وهنّ : زينب وسكينة ، وفاطمة ولم يتطرّق إلى اسم الرابعة أبداً.

ومن المحتمل أن يقال أنّ ابنة سيّد الشهداء عليه السلام الرابعة هي السيّدة رقيّة عليها السلام ، فمن كلام للعلّامة الحائري في كتابه «معالي السبطين» قال : كتب محمّد بن طلحة الشافعي وغيره من علماء الشيعة والسنّة أنّ للإمام الحسين عليه السلام ستّة أولاد وأربعة بنات.

ثمّ تطرّق إلى أسماء البنات فقال : أمّا البنات فهنّ : سكينة ، فاطمة الصغرى ، فاطمة الكبرى ، ورقيّة عليهم السلام.

وأضاف أيضاً فقال : أمّا السيّدة رقية عليها السلام فكان عمرها خمس أو سبع سنوات وقد توفّت في الشام وأُمّها «الشاه زنان» ابنة يزدجر ، وبهذا تكون السيّدة رقيّة عليها السلام أُخت الإمام السجّاد عليه السلام(1) .

سؤال وجواب

الكثير من الناس يتساءلون قائلين : الكثير من المصنّفات القديمة مثل الإرشاد للشيخ المفيد ، وأعلام الورى للطبرسي ، وكشف الغمّة للإربلي ، ودلائل الإمامة للطبري لا يوجد فيها ذكر للسيّدة رقيّة أصلاً وهذا خير دليل على عدم وجودها؟

وفي جواب مثل هذا السؤال نقول :

1 ـ في تلك العصور التي كانت الإمكانات قليلة جدّاً ، وكثرة أولاد الأئمّة عليهم السلام من جانب آخر وشدّة مضايقة حكّام بني أُميّة للكتّاب وتتبّعهم لما يكتبون فضلاً من عدم الاهتمام الزائد بضبط وتدوين كلّ صغيرة وكبيرة من حياة الأئمّة عليهم السلام ضيّع علينا الكثير من حياة الأئمّة وأخفى على البشرية الكثير من الحقائق ، ولهذا يمكن أن يقال : إنّ عدم ذكر أمثال العلماء الأعلام مع التوجّه إلى ما ذكرنا لا يكون دليلاً على عدم وجود السيّدة رقيّة عليها السلام.

__________________

(1) سرگذشت جانسوز حضرة رقيه عليها السلام ص 9 نقلاً عن معالي السبطين ج 2 ص 214.


2 ـ لعلّ الكتّاب في تلك العصور مع قلّة الإمكانات ووجود أكثر من ظفلة آنذاك باسم رقيّة عاقهم عن التطرّق إلى هذه السيّدة الجليلة.

3 ـ قد يكون لبعض بنات سيّد الشهداء عليه السلام اسمين ، فمثلاً هناك الكثير من القرائن القويّة الدالّة على أنّ السيّدة رقيّة عليها السلام هي نفسها فاطمة الصغيرة وربما كان هذا هو السبب الرئيسي للغفلة عن اسم السيّدة رقيّة عليها السلام.

4 ـ ذكرنا قبلاً أنّ بعض العلماء الأعلام من القدماء ذكروا أنّ هناك طفلة لسيّد الشهداء باسم السيّدة رقية كانت قد استشهدت في خرابة الشام.

ومن تعرّض هؤلاء البعض للسيّدة رقيّة عليها السلام يتّضح أنّه كانت في أيديهم دلائل اعتمدوا عليها في ذكرهم للسيّدة رقية عليها السلام ولم تصل ـ هذه الدلائل ـ إلى أيادي الغير حتّى يومنا هذا.

وعلى أيّة حال فإنّ عدم ذكر بعض القدماء للسيّدة رقيّة عليها السلام في مصنّفاتهم لا يكون دليلاً على عدم وجودها.

فكما أنّ عدم ذكر الكثير من الأحداث ووقائع عاشوراء وما جرى على أهل البيت عليهم السلام في طريقهم عندما كانوا في الأسر لا يكون دليلاً على عدم وجودها ، كذلك الحال بالنسبة إلى قضية السيّدة رقيّة عليها السلام(1) .

والد السيّدة رقيّة

إنّ والد السيّدة رقيّة عليها السلام هو سيّد الشهداء عليه السلام ولايحتاج أن نعرّفه لأحد فما عساني أنا القاصر أن أُعرّف عظيماً مثل الإمام الحسين عليه السلام.

والدة السيّدة رقيّة

إنّ اسم والدة السيّدة رقيّة عليها السلام حسب نقل البعض هو «أُمّ إسحاق» وكانت زوجة للإمام الحسن عليه السلام ثمّ أوصى سلام الله عليه أخيه سيّد الشهداء عليه السلام عند شهادته أن

__________________

(1) نفس المصدر ص 13.


يتزوّجها. وقد ذكر لها الكثير من الفضائل والمناقب.

وقيل أنّ والدتها هي «أُمّ جعفر القضاعية» إلّا أنّه لا دليل على هذا القول(1) .

علماً أنّ الشيخ المفيد رضوان الله عليه أشار في «الإرشاد» أنّ والدة فاطمة بنت الحسين عليه السلام هي أُمّ إسحاق بنت طلحة(2) .

عمرها المبارك

كان عمر السيّدة رقيّة عليها السلام حين شهادتها حسب بعض الروايات ثلاث سنين ، وفي البعض الآخر أنّ عمرها كان أربع سنين ، ونقل في بعض الأخبار أنّ عمرها كان خمس سنين وفي بعضها سبع سنين.

وقد ذكر في كتاب «وقائع الأيّام والشهور» للعلّامة البيرجندي : أنّ طفلة صغيرة للإمام الحسين عليه السلام توفّيت في الخامس من شهر صفر سنة 61 ه ، كما نُقل نفس هذا المطلب في كتاب «رياض القدس».

2 ـ السيّدة رقيّة في عاشوراء

نقل في بعض الأخبار : أنّ السيّدة سكينة عليها السلام قالت لإحدى خواتها ـ ويحتمل أن تكون هي السيّدة رقيّة ـ يوم عاشوراء : هلمّي نأخذ برداء والدي ونحول بينه وبين الذهاب إلى الميدان.

وعندما سمع سيّد الشهداء عليه السلام صوتهنّ بكى كثيراً ، وإذا بالسيّدة رقيّة تناديه قائلة : أبتاه! لن أحول دون ذهابك إلى الميدان ولكن قف لي هنيئة لأراك وأتزوّد منك.

فأخذها سيّد الشهداء عليه السلام في حضنه وجعل يقبّلها ويصبّرها وإذا بها تقول له : أبتاه ، العطش العطش ، فإنّ الظمأ قد آلمني.

فأشار عليها الإمام الحسين عليه السلام أن تدخل الخيمة ليذهب إلى الميدان ويطلب لها

__________________

(1) السيّدة رقيّة عليها السلام تأليف عامر الحلو ص 42.

(2) ترجمة الإرشاد ج 2 ص 137.


ماءً وما أن أراد سيّد الشهداء عليه السلام الذهاب إلى ميدان إذا بالسيّدة رقية عليها السلام تأخذ بأذياله من جديد وهي تقول : أبتاه أين تمضي عنّا؟

فأخذها الإمام الحسين عليه السلام في حضنه ثانية وطيّب خاطرها وهدّأ من روعها ثمّ ودّعها بقلب حزين(1) .

وا إماما إذ يودّع أهليه

ويرمي بطرفه للخيام

زينب أُخته تنوح بشجو

ثمّ تدعو لواحد العلّام

وتناديه يا أخي يابن أُمّي

أظلمت بعد فقدكم أيّامي

يا أخي هذه سكينة تبكي

قد أهلّت دموعها بالسجام

تستجير العدا بطرف كليل

وفؤاد مؤله مستهام

يا أخي فاطم تدور وترتاع

لما نالها من الآلام

خانها دهرها فأضحت بذلّ

بعد عزّ ونعمة واحتشام

يا أخي هذه بناتك بالذلّ

أُسارى وما لهنّ محامي

يا أخي هذه الأسارى حيارى

ساترات الوجوه بالأكمام

كم حسان وكم ربيبة خدر

صرن من غير برقع ولثام

يا أخي لو ترى علياً بقيد

ناكس الرأس ذلّة للرغام

يا أخي هدّ حزن فقدك ركني

وكساني النحول ثوب سقام

يا أخي خانني الزمان بصبري

وجفا عن جفون عيني منام

يا أخي أظلم الزمان علينا

بعدما كان ضاحكاً بابتسام

اللقاء الأخير

على الرغم أنّ كلّ وقائع وداع سيّد الشهداء عليه السلام مع أهل بيته عليهم السلام مؤلمة ومحزنة إلّا أنّ الوداع الأخير وهو وداعه مع عزيزة قلبه الصغيرة السيّدة رقيّة عليها السلام أكثر حزناً وأشدّ

__________________

(1) وقائع عاشوراء للسيّد محمّد تقي مقدّم ص 455 ، حضرة رقية للشيخ علي الفلسفي ص 550.


إيلاماً على قلوب المؤمنين.

فمن كلام لهلال بن نافع الذي كان في جيش عمر بن سعد قال فيه : كنت واقفاً خلف صفوف العسكر فرأيت الإمام يتقدّم نحو الميدان بعد أن ودّع عياله وأهل بيته ، وفي ذلك الأثناء شاهدت طفلة خرجت من الخيمة ورجلاها ترجفان فأخذت تعدو خلف الإمام الحسين عليه السلام حتّى وصلت إليه وتشبّثت بأذياله وهي تقول : أبتاه انظر إليّ فإنّي عطشانة.

وما أن سمع سيّد الشهداء عليه السلام هذه الكلمات المشجية من عزيزة قلبه رقيّة عليها السلام إذا به ينقلب حاله ويجهش بالبكاء فخاطبها بدموع جارية وقال : الله يسقيك فإنّه وكيلي عليكم.

يقول هلال بن نافع : سألت من هذه الطفلة؟ وما هي علاقتها بالإمام الحسين عليه السلام؟ فقالوا لي : إنّها السيّدة رقيّة صغيرة الإمام الحسين عليه السلام(1) .

مواساة السيّدة رقيّة لعطش الإمام الحسين عليه السلام

عندما حمل أزلام يزيد وجلاوزته على حرم الرسول صلى الله عليه واله وأخذوا يحرقون الخيام وجدوا ما يقارب 23 طفلاً كلّهم يصيحون واعطشاه ، فأخبروا عمر بن سعد بالأمر وقالوا له : إذا أردت حفظ هؤلاء الأطفال من الموت فابعث الماء لنسقيهم.

وبالفعل فقد أذن عمر بن سعد لهم أن يسقوهم الماء فجاءوا إليهم بالماء وجعلوا يسقونهم واحداً بعد الآخر.

ولمّا وصل الساقي إلى السيّدة رقيّة عليها السلام وناولها قدح الماء أخذته وهرولت نحو الميدان ، فتساءل منها الرجل وقال : إلى أين تذهبين؟ فقالت : أمضي إلى والدي لأسقيه الماء.

فأجابها اللعين : دعي عنك هذا واشربي الماء فقد قتل أباك ظمآناً.

__________________

(1) سرگذشت جانسوز حضرة رقيّه ص 22 نقلاً عن الوقائع والحوادث لمحمّد باقر مليوبي ج 3 ص 192.


وبمجرّد أن سمعت منه هذا الكلام التفت إليه بدموع جارية وقالت : إذن لن أشرب الماء أبداً(1) .

وفاطمة الصغرى تعانق أُختها

سكينة خوف السبي وهو مكيد

وزينب ما بين النساء وقلبها

قريح وبالأحزان فهو كميد

تقول وللأحزان في القلب مبدع

ومبد لأسرار الهموم معيد

أخي بابن أُمّي يا شقيقي وسيّدي

ومن لي من دون الأنام عميد

عليك جفوني الذاريات ذوارف

وأمّا دموعي المرسلات تجود

أخي مهجة الإسلام مقضي كآبة

ومتن الهدى قد قدّ وهو عميد

أخي شلّ عرش الدين وانهدّ ركنه

وعطل منه إذا أصبت حدود

أخي من يلئم الشمل بعد شتاته

ومن لبناء المكرمات يشيد

أخي من ترى للجود والندى

إذا سار وفد أو أقام وفود

فأنت لمن يبغي الوفادة والجدي

بأنفس ما يسخو المفيد تفيد

وإن أجدبت أرض فأنت ربيعها

وإن ضنّ صوب المزن أنت مجيد

وكلّ مصاب جاء بعدك هيّن

وما هان في هذا المصاب شديد

فياشيعة المختار نوحوا لمصرع

الشهيد وبالدمع الغزير فجودوا

تطأه خيول المجريات تجبّراً

ويسفي عليه بعد ذاك صعيد

وآل رسول الله يشهرن في الملأ

وآل ابن هند في الخدور رقود

يسار بآل المصطفى فوق ضمر

وترفعهم بيد وتخفض بيد

ورأس إمام السبط في رأس ذابل

طويل على رأس السنان يميد

وينكثه بالخيزران شماتة

به وسروراً كافر وعنيد

ويؤتى بزين العابدين مصفّداً

وفي قدميه للحديد حدود

__________________

(1) سرگذشت جانسوز حضرة رقيه عليها السلام ص 29 نقلاً عن ثمرات الحياة ج 2 ص 38.


فقوموا بأعباء العزاء فإنّه

جليل وأمّا غيره فزهيد

لأي مصاب يذرف الشأن ماءه

وتقضى نفوس أو تفت كبود

لأعظم من هذا المصاب وخطبه

عظيم على أهل السماء شديد

مصاب له في كلّ قلب مصيبة

سهام لحبّات القلوب تبيد

وللهم هم والرزايا رزية

وللحزن حزن زائد ويزيد

إليكم يابني الزهراء يامن سمت بهم

إلى المجد آباءهم لهم وجدود

ونقل ابن الجوزي في كتابه «مفاتيح الغيب» أنّ صالح بن عبدالله قال : عندما أحرقوا الخيام وفرّ أهل البيت عليهم السلام في كلّ مكان رأيت طفلة قد أخذت النيران بأطرافها وهي تبكي وتفرّ من الأعداء فرّق قلبي لها ودنوت منها لأخمد النيران ، ولمّا سمعت صهيل فرسي اشتدّ خوفها وارتاعت أكثر فقلت لها : لا بأس عليك بنيّة لا تخافي إنّما هي النيران قد علقت بأطرافك وأردت أن أخمدها.

وبينما كنت أطفأ النيران في أذيالها التفت إليّ وقالت : يا شيخ أنا عطشانة ، فهل إلى شربة من الماء سبيل؟ فرقّ قلبي لها وناولتها قدحاً من الماء.

فأخذت القدح وجعلت تتمعّن وتحقّق النظر فيه وهي تتحسّر ، ثمّ أنّها تركتني وجدّت في السير ، فتساءلت منها وقلت : إلى أين تريدين؟ فقالت : إنّ أُختي الصغيرة هي أشدّ منّي عطشاً.

فقلت لها : لا تخافي ، فلن يمنعوكم من الماء بعد اليوم ، وريثما أخبرتها بذلك التفت إليّ والحزن والألم بادي على وجهها وقالت : أسألك يا شيخ ، لقد كان والدي عطشاناً حينما ذهب إلى الميدان ، فهل سقوه ماءً؟

فقلت لها : بنيّة والله لقد سمعته إلى اللحظات الأخيرة وهو ينادي : اسقوني شربة من الماء ، فلم يسقه أحد حتّى قضى عطشاناً.

فانتحبت لعطش والدها وامتنعت عن شرب الماء.


وقد نقل بعض الفضلاء أنّ هذه الطفلة كانت السيّدة رقيّة عليها السلام.(1) .

مأساة تمضّ القلوب

نقل البعض عن كتاب «سرور المؤمنين» فقال : إنّ السيّدة رقيّة عليها السلام كانت كلّ يوم في أوقات الصلاة تفرش سجّادة سيّد الشهداء عليه السلام ليصلّي عليها.

وفي يوم عاشوراء لمّا حان وقت صلاة الظهر جاءت وفرشت السجّادة وجلست تنتظر والدها ليأتي ويصلّي ، وفيما هي على ذلك الحال إذا بشمر اللعين يدخل الخيمة فتساءلت منه السيّدة رقيّة وقالت : ألم تر والدي؟ فلم يجيبها اللعين إلّا أنّه أمر غلام له أن يأتي ويضربها فامتنع الغلام فجاء اللعين بنفسه ولطمها على وجهها لطمة علم الله ماذا صنعت هذه اللطمة بأهل السماء(2) .

في ليلة الحادي عشر

وجدت في كتاب «مبكي العيون» أنّ السيّدة زينب عليها السلام في ليلة الحادي عشر من محرّم جمعت العيال في خيمة قد احترق نصفها ، وبقيت تحرس النساء والأطفال طيلة تلك الليلة وبينما هي كذلك أخذتها غفوة فرأت والدتها الصدّيقة الزهراء عليها السلام وقالت لها : أُمّاه أما تدرين بما جرى علينا؟

فأجابتها الصدّيقة الزهراء عليها السلام : لا تحرقي قلبي بعتابك يابنية ، قالت العقيلة زينب : إذن لمن أشكو شجوني؟

فتأوّهت الصدّيقة الزهراء عليها السلام وقالت : لقد كنت حاضرة عندما حزّ اللعين رأس ولدي وفصل رأسه عن بدنه ، ثمّ أنّها عليها السلام قالت : والآن ابحثي عن عزيزة الحسين رقيّة.

فاستيقظت السيّدة زينب عليها السلام من النوم وأخذت تدعو السيّدة رقيّة عليها السلام فلم تجبها ، فخرجت مع السيّدة أُمّ كلثوم تبكيان يبحثن عنها ، وبينما هما كذلك صوت السيّدة

__________________

(1) حضرة رقيّة عليها السلام للشيخ علي الفلسفي ص 13.

(2) سرگذشت جانسوز حضرة رقيّه عليها السلام ص 26 نقلاً عن حضرت رقيّة تأليف الشيخ علي الفلسفي ص 7.


رقيّة عليها السلام بين القتلى.

فتوجّهنا نحو القتلى وإذا بالسيّدة رقيّة عليها السلام قد ألقت بنفسها على جسد أبيها وهي تشكو إليه ما جرى عليهم.

فهدّأتها السيّدة زينب عليها السلام ورفعتها عن جسد والدها.

ولم تمض لحظات إذا بالسيّدة سكينة تأتي فرجعوا معاً ، وفي أثناء الطريق التفت السيّدة سكينة إلى السيّدة رقيّة عليها السلام وقالت : كيف وجدت جسد أبي؟ فأجابتها السيّدة رقية : بينما كنت أصيح في البيداء أبتاه أبتاه إذا بصوت والدي يتهادى إلى سمعي قائلاً : بنيّة إليّ إليّ(1) .

رأت زينب صدر الحسين مرضضاً

فصاحت ونار الحزن في القلب تضرم

وصكّت من الضرب المبرح وجهها

ولم تر صبراً من جوى الثكل يعصم

تقول أخي قد كنت نوراً لشملنا

فياسورنا لِمَ أنت فينا مهدم

أخي يا أخي قد كنت كنزاً لفقرنا

فها أنت في أيدي العدى تتقسّم

أخي يا أخي قد كنت كهفاً لعزّنا

ألم ترنا بالذلّ نسبى ونشتم

أخي زوّد الأطفال وعداً وأوبة

فليس سوى الباري وإيّاك يرحم

أخي زوّد الولهى سكينة نظرة

فمهجتها حرّى وعبرتها دم

أخي تهتوي التقبيل منك سكينة

وشمر لها بالسوط ضرباً يؤلم

أخي فاطم الصغرى تحبّ التفاتة

وحقّك هذا قلبها فيك مغرم

أخي بنتك الأُخرى رقيّة ضمّها

إليك فأحشاها من الوجد تضرم

تقولا هلمّي يا سكينة نرتمي

على والدي دعنا من الموت نسلم

وإلّا فقومي ودعيه فإنّه

يروم ارتحالاً بعده ليس يقدم

ولم أنس وجداً أُمّ كلثوم تشتكي

إلى جدّها يا جدّ لو كنت تعلم

__________________

(1) سرگذشت جانسوز حضرة رقيّه عليها السلام ص 27.


أيا جدّ هل تنظر حسيناً مرمّلاً

لأضلعه خيل العدة تحطّم

وهل تنظر السجّاد بالقيد مؤثّقاً

يضربه التكبيل سحباً ويشتم

أيا جدّنا هذي بناتك حسرا

أُسارى قرط ابن بنتك تقسم

أيا جدّنا ساقوا علياً مكبّلاً

لينظره الطاغي يزيد المزنم

فياعترة الهادي خذوها بمدحكم

مدبّجة كالدّر حين ينظم

على كلّ بيت للمديح يتيمة

بأسماع من يهواكم تتقسّم

تزفّ إليكم كلّ عشر محرّم

يتوق إليها الشاعر المترنّم

مديحاً لمحمود العزيزي عبدكم

له بأعاديكم من اللعن أسهم

موالي مواليكم معادي عدوّكم

مودّته في حبّكم لا تكتم

ويرجى بها يوم القيامة شربة

من الحوض يا أهل الشفاعة منكم

خذوا لي وآبائي وأُمّي ووالدي

أماناً من أذى النار وأرحم

ورهطي واخواني وقارئن مدحتي

ومستمعيها واعطفوا وترحّم

وفي الخلد نرجو تدخلونا بجاهكم

فليس لنا إلّا النبي وأنتم

صلاة وتسليم مساءً وبكرةً

من الله عدّ الذرّ تترى عليكم


الفصل العاشر

شهادة السيّدة رقيّة

نقل المحدّث الخبير سماحة الشيخ عبّاس القمّي قدس سره عن كتاب «الكامل» للبهائي : أنّ نساء أهل البيت عليهم السلام أخفين على الأطفال شهادة آبائهم وقلن لهم : أنّ آباءكم قد سافروا إلى كذا وكذا وكان الحال على ذلك المنوال حتّى أمر يزيد أن يدخلن داره وكان للإمام الحسين عليه السلام بنت صغيرة لها أربع سنين قامت ليلة من منامها وقالت : أين أبي الحسين عليه السلام فإنّي رأيته الساعة في المنام مضطرباً اضطراباً شديداً.

ولمّا سمعت النسوة ذلك بكين وبكى معهنّ سائر الأطفال وارتفع العويل ، فانتبه يزيد من نومه وقال : ما الخبر؟ ففحصوا عن الواقعة وقصّوا عليه ، فأمر أن يذهبوا برأس أبيها إليها ، فأتوا بالرأس الشريف وجعلوه في حجرها ، فقالت : ما هذا؟ قالوا : رأس أبيك ، ففزعت الصبية وصاحت فمرضت وتوفّيت في أيّامها بالشام(1) .

وقال البعض : لعلّ القضيّة التالية كانت ليلة دفن هذه الطفلة المظلومة وهي : أنّ أهل البيت عليهم السلام رأوا السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام مضطربة فزعة لا قرار لها ، تبكي بكاءً مرّاً وتنوح بحرقة شديدة ، وكلّما حاولوا إسكاتها وتهدأتها كانت لا تهدأ ، فتساءلوا عن السبب في ذلك ، فقالت : في الليلة الماضية كانت في حجري ، وكانت تبكي بشدّة ولا يهدأ لها بال ، فتساءلت منها : ممّ بكاءك؟ قالت : عمّتي ألا يوجد في هذه المدينة يتيم أو أسير غيري؟ عمّتي ألا يعلم هؤلاء أنّنا مسلمون؟!

وإذا كانوا يعملون فلماذا يضيّقون علينا في الطعام والشراب ويحرمون الأيتام

__________________

(1) راجع كامل البهائي ج 2 ص 179 ، معالي السبطين ج 2 ص 170.


منهما؟

تقول السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام : منذ أن سمعت مصيبتها المشجية ودموعي تجري بلا انقطاع وقد فارغ النوم عيناي.

السيّدة رقيّة عليها السلام ترى والدها في المنام

نقل صاحب كتاب «مصباح الحرمين»(1) القضية التالية فقال : رأت طفلة للإمام الحسين عليه السلام في إحدى الليالي والدها في عالم الرؤيا فاسترّت برؤياه وتنعّمت بلقاءه خلال تلك اللحظات القصيرة التي وفّقت فيها لرؤيا سيّد الشهداء عليه السلام بعد شهادته.

وعندما استيقظت الطفلة من منامها ـ وللأسف الشديد ـ أحسّت أنّ كلّ ما رأته كان مجرّد رؤيا ولذلك فإنّها لم تتحمّل الواقع ، فقد غاب عنها والدها العزيز التي تنعّمت برؤياه قبل لحظات. فبقيت الطفلة تبكي بشدّة ، وكلّما حاول أهل البيت عليهم السلام تهدأتها لم يتمكّنوا ، ولمّا تساءلوا منها عن سبب بكاءها قالت : أين أبي ايتوني بوالدي وقرّة عيني.

آنذاك عرف الجميع أنّها رأت والدها في المنام فضجّ الجميع بالبكاء والعويل ونشرن العلويات شعورهنّ وأخذن يلطمن على وجوههنّ ويحثن التراب على رؤوسهنّ حزناً على سيّد الشهداء عليه السلام حتّى وصل صوت النائحة إلى أسماع يزيد الطاغية.

وفي رواية أُخرى أنّ طاهر بن عبدالله الدمشقي نديم يزيد الطاغية قال : كنت في أكثر الليالي أجلس مع يزيد وأُحدّثه واشغله بأحاديثي ، وفي إحدى الليالي بينما كنت أُحدّثه وقد مضى قسطاً من الليل التفت إليّ وقال : طاهر! أشعر بالوحشة والاضطراب والحزن وليس لي مزاج للحديث ، فادنوا منّي وخذ برأسي ولا تحدّثني عن أفعالي وجرائمي القبيحة. يقول طاهر : أخذت رأسه النحس وجعلته في حجري فنام اللعين وكان رأس سيّد الشهداء عليه السلام موضوعاً أمامه في طشت من ذهب.

ولم تمض ساعة إذا بصياح وبكاء أبناء الحسين عليه السلام يتعالى من خرابة الشام ، إلّا أنّ

__________________

(1) مؤلّف مصباح الحرمين هو عبدالجبّار بن زين العابدين الشكوئي.


اللعين لم يحسّ بشيء وبقيت مشدوهاً حائراً أُقلّب فكري وأتأمّل في عظمة الظلم الذي صبّه هذا الطاغية على ذرّية أميرالمؤمنين عليه السلام ، التفت إلى الرأس الشريف فوجدت الدموع تنهمر من عينيه ، تعجّبت كثيراً ، ثمّ أنّ الرأس الشريف نطق بصوت عالي يسمعه من كلّ على بعد أربعة أذرع وقال : اللهمّ هؤلاء أولادنا وأكبادنا وهؤلاء أصحابنا.

يقول طاهر : حينما شاهدت هذا المنظر غلبتني الوحشة والدهشة وأخذت أبكي ، ثمّ إنّني أشرفت من قصر يزيد ـ وقد كانت الخرابة خلفه ـ لأرى ما الحدث ، فلعلّ أحد أهل البيت عليهم السلام توفّي فأخذ البقية يبكون عليه.

حقّقت النظر فوجدت الأسارى محدقين بطفلة صغيرة كانت تحثو التراب على رأسها وتقول ، يا عمّتي ويا أُخت أبي أين أبي؟ أين أبي؟

تساءلت منهم ما الخبر؟ قالوا : طفلة للإمام الحسين عليه السلام رأت والدها في المنام والآن تبكي وتنوح وتقول : أُريد والدي. وهي لا تهدأ أبداً.

يقول طاهر : بعد أن شاهدت هذا المنظر المشجي رجعت إلى يزيد فوجدته قد استيقظ وهو ينظر إلى رأس سيّد الشهداء عليه السلام وهو يرجف كالورقة في الريح الشديدة من شدّة الخوف.

وفي ذلك الأثناء التفت الرأس الشريف إلى يزيد وقال : يابن معاوية ، ماذا صنعت لك حتّى تظلمني هكذا وتودع أهل بيتي في خرابة الشام.

ثمّ إنّ الرأس الشريف توجّه إلى الله الخبير اللطيف وقال : اللهمّ انتقم منه بما عمل بي وظلمني وأهلي( وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ) (1) .

كان الرأس يتحدّث بهذه الكلمات ويزيد اللعين يرتعد ويرجف حتّى كادت أضلاعه تلتصق ببعضها من شدّة الخوف.

ثمّ إنّ الطاغية تساءل عن بكاء أهل البيت عليهم السلام فأخبرته بالحدث ، فأشار على

__________________

(1) سورة الشعراء : 227.


جلاوزته أن يأخذوا رأس الإمام الحسين عليه السلام إلى الطفلة الصغيرة لتتسلّى به.

فأخذ جلاوزته الرأس المبارك إلى الخرابة وإذا بجميع النساء والأطفال يقبلون نحوهم ويأخذون الرأس منهم ثمّ جلسوا يبكون عليه خاصّة عقيلة الهاشميين زينب عليها السلام التي كانت تحول حول الرأس الشريف كما تحوم الفراشات حول الشمعة.

وبينما هم كذلك إذا بالسيّدة رقيّة تشاهد رأس أبيها وتقول : ما هذا الرأس؟ قالوا : هذا رأس أبيك فحملت الطفلة الرأس من الطشت وجعلته في حجرها وهي تبكي وتقول : أبتاه ، ليتني مت دونك ، أبتاه ليتني عميت قبل أن أراك على هذه الحالة ، أبتاه ليتني مت وكنت تحت التراب ولا أرى محاسنك مخضوبة بدمك ، فبقيت الطفلة تبكي وتقبّل الرأس وتنوح حتّى أُعمي عليها.

ولمّا حرّكوها وجدوها قد فارقت الدنيا وارتحلت إلى الملأ الأعلى مع جدّتها الطاهرة الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام.

وبوفاة الطفلة ضجّ كلّ من كان في الخرابة وتجدّد مصابهم من جديد.

أقول : ربما كانت هذه الطفلة التي ماتت في خرابة الشام هي السيّدة رقيّة عليها السلام بنت الإمام الحسين عليه السلام إذ أنّ المزار الشريف الموجود اليوم في خرابات الشام ينسب إليها هو معروف بمزار السيّدة رقيّة عليها السلام.

ولا يخفى أنّ وفاة هذه الطفلة وجميع القضايا المتعلّقة بها مثل أحاديثها مع السيّدة زينب عليها السلام وكيفية شهادتها ، وطريقة غسل السيّدة زينب وأُمّ كلثوم لها وغير ذلك قد دوّنت وحفظت للأجيال على مرّ الزمان لتبقى هذه المصيبة التي تهدّ الجبال وتصدع الصخور الصمّاء خالدة إلى يوم القيامة(1) .

وقد ذكر البعض أنّ اسم هذه الطفلة كان زينب وقال البعض الآخر أنّ اسمها رقيّة وذهب جماعة أنّ اسمها سكينة. وذكر البعض أنّ يزيد اللعين أمر عمّاله أن يشيدوا عمارة

__________________

(1) منتخب التواريخ الباب الخامس ص 299.


وينقشوا على جدرانها أحداث يوم عاشوراء وما جرى على الشهداء في ذلك اليوم العصيب فضلاً عن حال الأسارى والأطفال بعد استشهاد رجالهم وقد أسكنوا الأسارى فيها. فإن صحّ هذا القول فالله وحده أعلم ما هو حال أهل البيت عليهم السلام عندما شاهدوا هذه العمارة(1) .

حرّ قلبي لزينب فكم مصابٍ

حملته بقلبها المستظام

طلب الطفلة التي أثكلتها

حسن نادت بلهفة المستهام

أخبريني أبي بأيّ مكان

ولماذا هنا يكون مقامي

فزعت من منامها وهي تدعو

والدي قد رأيته بالمنام

فبكت زينب وضجّ اليتاما

والأيامي من شدّة الآلام

وقال الرجس ياقوم ماذا

حلّ إنّ البكاء نغّص جامي

قالوا للسبط طفلة طلبته

إذ رأته بعالم الأحلام

قال سيروا لها برأس أبيها

كي تراه وذا عظيم اجترام

ولها أقبلوا برأس ابن بنت الـ

ـمصطغى سيّد الأُباة الكرام

حديث الرأس الشريف

يقول أية الله ميرزا حبيب الله شريف الكاشاني المتوفّى سنة 1240 ه : أنّ امرأة من أهل الشام حملت حجراً ورمت رأس سيّد الشهداء عليه السلام وهو على الرمح وأذا بالرأس الشريف ينطق بلسان فيصيح ويقول : أنا المظلوم.

وقال الميرزا حبيب الله أيضاً : بينما كانت السيّدة زينب تنظر إلى رأس أخيها الحسين عليه السلام وإذا به يناديها قائلاً : أُختاه ، اصبري فإن الله معنا.

وفي كتاب سرّ الأسرار للشيخ عبدالكريم ص 306 ، ومنهاج الدموع ص 385 ، وكتاب العوالم ص 169 أنّ المنهال قال : أُقسم بالله تعالى أنّني رأيت رأس الإمام

__________________

(1) ناسخ التواريخ ـ حياة السيّدة زينب الكبرى عليها السلام ج 2 ص 456.


الحسين عليه السلام وهو مرفوع على القنا في الشام يقول أكثر من مرّة : لا حول ولا قوّة إلّا بالله.

محادثة بين الرأس والسيّدة رقيّة

ورد في كتاب «بحر الغرائب» قريب من المضامين التالية : أنّ الحارث وهو أحد قادة جيش يزيد نقل فقال : أمر يزيد أن نوقف أهل البيت عليهم السلام أمام دروازة الشام ثلاثة أيّام حتّى ينتهي الناس من تزيين المدينة ، وفي الليلة الأُولى وبعد أن خيّم الظلام ونام الجميع تظاهرت أنّني قد نمت فشاهدت طفلة صغيرة قد وقفت وهي تنظر العسكر فوجدتهم متعبين من الطريق وبعد المسافة فجلست على الأرض لحظات وهي خائفة ثمّ وقفت ثانية وتقدّمت خطوات نحو رأس الإمام الحسين عليه السلام الذي كان منصوباً على شجرة بالقرب من خرابة الشام ثمّ عادت خائفة وقد استمرّت على ذلك الحال تقوم وتقعد ، تتقدّم خطوات ثمّ ترجع إلى أن وقفت في الأخير تحت الشجرة وهي تنظر إلى الرأس وتخاطبه ودموعها تجري.

وما هي إلّا لحظات قليلة إذا بالرأس ينزل من على الشجرة حتّى وصل إلى مقابل الطفلة فخاطبته قائلة : السلام عليك يا أبتاه ، وا مصيبتاه بعد فراقك ، وا غربتاه بعد شهادتك.

وإذا بالرأس المقدّس يجيبها بالسان فصيح قائلاً : بنيّتي ، إنّ مصيبتك وشدّة المحن وضرب السياط وعذاب الأسر تنقضي بعد أيّام قليلة ، فإنّك صائرة إلينا عن قريب فاصبري لتنالي مقام الشفاعة : يقول الحارث : إنّ منزلي قريب من خرابة الشام لذلك كنت أنتظر متى ترحل هذه الطفلة من الدنيا إلى أن سمعت في إحدى الليالي صراخ وعويل وبكاء من خرابة الشام ، فتساءلت ما الخبر؟ قالوا : إنّ السيّدة رقية عليها السلام قد ماتت(1) .

كما نقل حجّة الإسلام والمسلمين صدر الدين القزويني في الجلد الثاني من كتابه القيّم «ثمرات الحياة» فقال : إنّ السيّدة رقيّة عليها السلام جعلت فمها على فم سيّد الشهداء عليه السلام

__________________

(1) نقلاً عن كتاب حضرة رقيّة ص 26.


وكان الرأس يقول لها : إليّ ، إليّ ، هلمّي ، فأنا لك بالانتظار ، ففارقت السيّدة رقيّة عليها السلام الدنيا على هذه الحالة.

سأبكي لبنت السبط فاطم قد غدت

قريحة جفن وهي تبكيه معولا

تحنّ فيشجي كلّ قلب حنينها

وتصدع من صمّ الصياخيد جندلا

تقول أبي أبكيك يا خير من مشى

ومن ركب الطرف الجواد المحجّلا

أبي كنت للدين الحنيفي موضّحاً

ومذ ثكلتك البيض أصبح مثكلا

أبي يا ثمال الأرملات وكهفها

إذا عاينت خطباً من الدهر معضلا

أبي يا ربيع المجد بين ومن به

يغاث من السقيا إذا الناس أمحلا

أبي يا غياث المستغيثين والذي

غداً لهم كنزاً وذخراً وموئلا

أبي إن سلا المشتاق أو وجد العزى

فإنّ فؤادي بعدك ما سلا

سأبيك تبكيك المحارب شجوها

وقد فقدت مفروضها والتنفّلا

سأبكيك تبكيك العقائد والنهى

سأبكيك تبكيك المحارم والعلا

سأبكيك تبكيك المناجاة في الدجى

سأبكيك يبكيك الكتاب مرتّلا

سأبكيك إذ تبكي عليه سكينة

ومدمعها كالغيث جاد وأسبلا

ونادت رباب أُمّتاه فأقبلت

وقد كضّها فقد الحسين وأثكلا

وقالت لها يا أُمّنا ما لوالدي

مضى مزمعاً عنّا الرحيل إلى البلا

أُنادي به يا والدي وهو لم يجب

وقد كان طلقاً ضاحكاً متهلّلا

أظنّ أبي قد حال عمّا عهدته

وإلّا فقد أمسى بنا متبدّلا

ألا أبتا قد شقّت البين شملنا

وجرعنا في الكأس صبراً وحنظلا

ونادى المنادي بالرحيل فقرّبوا

من الهاشميات الفواطم نزلا

وصار بها الحادي يغنّي مغرّداً

سل الدار عمّن قد نأى وترحّلا

تسير ورأس السبط يسري أمامها

كبدر الدجى وافى السعود فأكملا

فلهفي لها عن كربلا قد ترحّلت

مخلّفة أزكى الأنام وأنبلا


ولهفي لها بين العراق وجلق

إذ هو جلا خلفن قابلن هوجلا

ولهفي لها في أعنف السير والسرى

تأمّ زينب بالشآم مضلّلا

فلمّا رآها في حبائل سرّه

تهلّل مسروراً وأبدى التغزّلا

ونادى برأس السبط ينكث ثغره

وينشد أشعاراً بها قد تمثّلا

نفلّق هاماً من رجال أعزّه

علينا وهم كانوا أحقّ وأجملا

ألا فاعجبوا من ناكث ثغر سيداً

له أحمد يمسي ويضحى مقبلا

له عذّب الرحمن ماسح وابل

وعذّب أصحاب السقيفة أوّلا

أُولئك في يوم السقيفة أفسدوا

جميع الورى جيلاً فجيلاً لهم تلا

سجن أهل البيت عليهم السلام

في الخبر عن الشيخ الصدوق قدس سره أنّه عبّر عن خرابة الشام بالحبس والسجن إذ أنّ أهل البيت عليهم السلام حصروا فيها ومنعوا من ملاقاة الناس.

ونقل الشيخ الصدوق قدس سره في موضع آخر فقال : إنّ يزيد أمر بنساء الحسين عليه السلام ، فحبسن مع علي بن الحسين عليهما السلام في محبس لا يكنّهم من حرّ ولا قرّ ، حتّى تقشّرت وجوههنّ(1) .

والمشهور أنّ السيّدة رقيّة عليها السلام استشهدت في هذه الخرابة ، أمّا كم عاشت فيها إلى يوم شهادتها فهذا ممّا لم يحرزه المؤرخون.

نعم ، إنّ ورود أهل البيت عليهم السلام الشام كما صرّح الكثير من المؤرخين كان في غرّة شهر صفر وشهادة السيّدة رقيّة عليها السلام في الخامس من صفر ممّا يدلّ على أنّها بقيت في الخرابة أربعة أيّام إلّا أنّ هناك أقوالاً أُخرى.

وقال الإمام السجّاد عليه السلام : عندما أودعونا خرابة الشام صبّوا علينا أنواع العذاب ، ففي أحد الأيّام رأيت عمّتي زينب عليها السلام قد جعلت «القدر» على النار فتساءلت منها

__________________

(1) أمالي الصدوق ص 101.


وقلت : عمّة ما هذا القدر؟ قالت : إنّ الأطفال جياع فتظاهرت لهم بأنّني أصنع الغذاء لأُصبّرهم وأُخفّف عليهم آلامهم.

ونقل أيضاً أنّ الأطفال كانوا يطلبون من السيّدة زينب الماء والخبز حتّى رقّت لهم بعض النساء الشام وأتين لهم بالطعام(1) .

وبالاضافة إلى كلّ هذه المصائب المؤلمة التي نزلت بالعقيلة زينب عليها السلام في خرابة الشام تأتي مصيبة السيّدة رقيّة عليها السلام التي أحرقت قلوب العلويات وأمضّت أفئدة أهل البيت عليهم السلام خاصّة السيّدة زينب عليها السلام التي تكفّلت بالعائلة بعد شهادة الإمام الحسين عليه السلام.

حديث المغسّلة مع العقيلة زينب عليها السلام

ورد في بعض الأخبار أنّ المغسّلة عندما كانت تغسّل جسد السيّدة رقيّة عليها السلام ، تركت التغسيل فجأة وتساءلت قائلة : من هو كبير هؤلاء الأسرى؟

فأجابتها السيّدة زينب وقالت : ماذا تريدين؟

قالت المغسّلة : ماذا كان مرض هذه الطفلة حتّى أصبح جسدها هكذا؟

فأجابتها العقيلة عليها السلام : إنّ الطفلة لم تكن مريضة أنّها آثار السياط ، وطعنات كعب الرماح(2) .

وفي بعض الروايات أنّ يزيد اللعين أمر أن يأخذوا مصباحاً وصاجة من الخشب ليغسلوا السيّدة رقيّة عليها السلام عليها ويكفّنوها في ثوبها القديم الذي كان عليها(3) .

وفي نفس الوقت خرجت نساء الشام وهنّ لابسات السواد وقد ازدحمن من كلّ حدب وصوب يردن مشايعة أهل البيت عليهم السلام بعد أن علت أصواتهنّ بالنجيب والبكاء والصياح.

__________________

(1) زينب فروغ تابان كوثر ص 266 نقلاً عن رياحين الشريعة ج 3 ص 186 ـ 191.

(2) زينب فروغ تابان كوثر ص 366 نقلاً عن الوقائع والحوادث ج 5 ص 81.

(3) زينب فروغ تابان كوثر ص 370 نقلاً عن خصائص الزينبية ص 296.


آنذاك استفادت العقيلة زينب عليها السلام من هذه الفرصة الذهبية فأخرجت رأسها من المحمل وخاطبت أهل الشام قائلة :

يا أهل الشام ، لقد أودعناكم في هذه الخرابة أمانة ، فالله الله فيها ، يا أهل الشام تعاهدوا قبرها بالزيارة ، فهي غريبة لا أحد لها في هذه الديار ـ ولا تنسوا أن تريقوا الماء وتشعلوا المصابيح عند مرقدها الشريف(1) .

سيّدتي جئتك بالكفن

نقل مدّاح أهل البيت عليهم السلام الحاج أسد الله سليماني فقال : إنّ كلّ من شاعر أهل البيت عليهم السلام الحاج غلام رضا سازگار ومداح أهل البيت عليهم السلام الحاج حسن ذوالفقاري نقلاً فقالا : سمعت القضية التالية من البعض فقال : خلال سفري إلى زيارة السيّدة رقيّة عليها السلام في الشام شاهدت طفلة صغيرة تقرأ الزيارة بحالة روحانية بحيث إنّني توجّهت إليها وبقيت أستمع إلى زيارتها.

وبعد أن فرغت الطفلة من الزيارة جاءت بقماش أبيض وأخذت تلفّه حول الضريح الشريف ثمّ إنّها أخذت ترمي البقية فوق الضريح لتغطّيه بالقماش ولكنّها لم تكن قادرة على ذلك فدنوت نحوها وتساءلت منها وقلت : ماذا تصنعين؟

وإذا بها تتكلّم باللغة الآذرية ، وبعد قليل جاءت الطفلة مع والديها فتساءلت منها وقلت : إنّ الجميع يأتون بالألعاب للسيّدة رقيّة عليها السلام ، فلماذا جئت أنت بالقماش؟

فقالت الطفلة : لقد سمعت من والديَّ أنّ السيّدة رقيّة عليها السلام ليس لها كفن فأتيت لها بالكفن.

سيّدتي طابت جروحك أم لا؟

نقل سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد عسكر الحيدري وهو من طلّاب

__________________

(1) زينب فروغ تابان كوثر ص 370 نقلاً عن رياض القدس ج 2 ص 237.


الحوزة الزينبية(1) في سوريا فقال : في عام 1356 شمسي كنت أُصلّي في حرم السيّدة رقيّة عليها السلام وبعد الصلاة راعني الموقف التالي :

فقد شاهدت رجلاً طاعناً في السنّ من الأتراك التبريزيين وقد ألقى بنفسه على الضريح المبارك وهو يبكي وينوح حتّى ضجّ الناس لبكائه واعتلى صياحهم وبكائهم بشدّة.

كان الرجل يبكي بحرقة ويخاطب السيّدة رقيّة عليها السلام بلهجة الآذرية ، وحيث إنّني لا أعرف اللغة الآذرية تساءلت من البعض : ماذا يقول هذا الرجل؟

فقال : إنّه يقول : سيّدتي يا رقية ، إنّ أملي الوحيد منذ أمد بعيد أن آتي لزيارتك لا لكي يشفي ولدي أو يتحسّن وضعي المعيشي أو لتأخذي بيدي في يوم القيامة وإنّما جئت لأرى كيف حالك؟

سيّدتي أخبريني هل شُوفِيَ بدنك من الآلام؟ وهل طابت جروح قدميك؟ سيّدتي

__________________

(1) تأسّست الحوزة العلمية الزينبية في الشام على يد الشهيد السعيد سماحة السيّد المجاهد عن العقيد والدين آية الله السيّد حسن الشيرازي قدس سره.

وقد دعاني سماحته سنة 1357 ه. ش في مكّة المكرّة وقد تشرّفت بخدمته كراراً وكان دائماً يوصيني بالخدمة الدينية علماً أنّه دعاني للقيام ببعض النشاطات الدينية في الشام إلّا أنّه ومع الأسف الشديد لم يتح أجله للقيام بذلك حيث إنّه قدس سره استشهد على يد البعثيين الذين اغتالوه في 16 جمادي الآخر 1400 ه في بيروت ثمّ نقل جسده الشريف إلى طهران ومنها إلى قم فدفن في الحرم الشريف للسيّدة فاطمة المعصومة عليها السلام.

أقول : في أيّام الفاطمية سنة 1418 ه وفي يوم ميلاد العقيلة زينب عليها السلام بالذات نقل أحد المقيمين في الشام المجاورين للسيّدة زينب عليها السلام لأحد مراجع قم فقال : رأيت في عالم الرؤيا أنّ السيّدة زينب عليها السلام جالسة في مكان ما بينما كان الشهيد السيّد حسن الشيرازي قدس سره يمرّ من جانبها ، فأشارت إليه العقيلة زينب عليها السلام وقالت : هذا الذي أخرجني من غربتي.

ويمكن أن يكون مرادها عليها السلام أنّ هذا السيّد بتأسيسه للحوزة العلمية وتشويقه على إحياء الشعائر في سوريا أخرجني من غربتي. (علي ربّاني الخلخالي).


فداك روحي ونفسي أخبرني هل طابت جروحك ، فأنا ذاهب إلى ايران ومن ثمّ إلى تبريز ، فإذا طابت جروحك أُخبر الناس ليجمعوا الذهب ويأتوا به إلى حرمك فرحاً بذلك.

وبقي ذلك الرجل يصيح ويبكي ويخاطب السيّدة رقيّة عليها السلام بمثل هذه الكلمات فقلت في نفسي : ياليت لي مثل هذه العقيدة والإخلاص.

أهل البيت عليهم السلام يقيمون العزاء في الشام

نقل أبو مخنف وغيره من المؤرخين : أنّ يزيد الطاغية بعد أن افتضح بجرائمه غيّر نهجه في تعامله مع أهل البيت عليهم السلام وخيّر الإمام زين العابدين عليه السلام بين البقاء في الشام والرحيل إلى مدينة جدّه رسول الله صلى الله عليه واله فقال الإمام عليه السلام : لابدّ أن أُشاور في ذلك عمّتي زينب فهي كفيلة الأيتام والأرامل ، وبعد أن خيّر الإمام السجّاد عمّته زينب بين الرحيل والبقاء قالت عليها السلام : والله لا أختار شيئاً على البقاء في مدينة جدّي رسول الله صلى الله عليه واله ، ولكن قل ليزيد أن يفرغ لنا الدار وأن لا يمنعوا أحداً من الدخول معنا لنقيم العزاء على قتلانا ، فلمّا خرجنا من كربلاء منعونا من البكاء وقادونا عنوة إلى الكوفة والشام ولم يتركونا كي نقيم العزاء على قتلانا.

وحيث إنّ يزيد خيّر الإمام السجّاد عليه السلام وتظاهر أنّه يريد لأهل البيت عليهم السلام لم يكن له بدّ من الاستجابة لطلب العقيلة عليها السلام ، وإلّا فهو يعرف أنّ هذا المجلس لن يخلو من ذكر فضائل أميرالمؤمنين وإحياء مناقب أهل البيت عليهم السلام والتسقيط من بني أُميّة قاطبة وبالتالي فإنّ الزحمات الكثيرة التي بذلها هو ووالده معاوية من أجل محو ذكر أهل البيت عليهم السلام في الشام ستذهب هدراً.

وبالفعل فقد أمر الطاغية أن تفرغ لأهل البيت عليهم السلام داراً وسيعة وأمر المنادي ينادي من أراد أن يشارك في عزاء أهل البيت عليهم السلام ويعزّي السيّدة زينب بمصابها فليأت.

وما أن انتشر الخبر ـ كما في كتاب العوالم ـ لم تبق هاشمية في الشام إلّا وشاركت في المجلس بل حتّى نساء بين أُميّة وبني مروان جئن إلى المجلس وكنّ مزيّنات بزينتهنّ


إلّا أنّهنّ لمّا رأين حال المجلس انكسرت قلوبهنّ فنزعنّ زينتهنّ ولبسن السواد وجلسن مع النساء الشاميات يبكين ويطلمنّ على وجوههنّ بل ونشرن شعورهنّ وأخذن يحثن التراب على الرؤوسهنّ حتّى ضجّ المجلس بالبكاء.

آنذاك ـ وكما في البحار ـ وقفت العقيلة زينب وجعلت ترثي أخاها الحسين عليه السلام فأنشدت بعض الأبيات أحرقت بها القولب العالمين من الأوّلين والآخرين إلى يوم القيامة.

ومن المصائب الموجعة التي ذكرتها السيّدة زينب عليها السلام في ذلك المجلس هي مخاطبتها نساء الشام فقالت : انظروا ماذا صنع الأشقياء بذرّية أمير المؤمنين عليه السلام وأي بلاء صبّوه على عترة الرسول صلى الله عليه واله.

يا نساء الشام! إنّكم لا تدرون ماذا صنعوا بنا يوم عاشوراء؟ فقد قتلوا أخي وأهل بيته وأصحابه والرضّع عطاشى.

وأنّكم لاتدورن كيف ماذا جرى على أهل البيت عليهم السلام من ظلمة الكوفة وأعوان ابن زياد الذين ساقوا الأطفال والمخدّرات يقدمهم الإمام السجّاد عليه السلام حجّة الله على الخلق طيلة هذا الطريق؟

فبقيت لا تدرون كيف ماذا جرى على أهل البيت عليهم السلام من ظلمة الكوفة وأعوان ابن زياد الذين ساقوا الأطفال والمخدّرات يقدمهم الإمام السجّاد عليه السلام حجّة الله على الخلق طيلة هذا الطريق؟

فبقيت العقيلة تعدّد المصائب والنساء يبكين ويندبن الشهداء وقد استمرّ المجلس مدّة اسبوع على هذا المنوال في كلّ يوم تذكر العقيلة مصائب أهل البيت عليهم السلام وتنال من يزيد وأعوانه الظلمة الذين لم يتورّعوا عن سفك دم سيّد الشهداء عليه السلام(1) وفي كتاب «بحر المصائب» : أنّ العقيلة زينب عندما عادت إلى مدينة جدّها رسول الله صلى الله عليه واله ذهبت إلى قبر والدتها في البقيع وأنشدتها بعض الأبيات أبكت بها أهل السماء والأرض.

وفي نظري أنّ الأشعار التالية تنسب إلى العقيلة زينب وهي :

أيا أُمّ قد قتل الحسين بكربلا

أيا أُمّ ركني قد هوى وتزلزلا

أيا أُمّ قد ألقى حبيبك بالعرا

طريحاً ذبيحاً بالدماء مغسّلا

__________________

(1) رياحين الشريعة ج 3 ص 193.


أيا أُمّ نوحي فالكريم على القنا

يلوح كالبدر المنير إذ انجلا

ونوحي على النحر الخضيب واسكبي

دموعاً على الخدّ التريب مرمّلا

وحينما سمعت نساء الشام هذه الأبيات أقبلن من كلّ جانب وأخذن يسلّين العقيلة زينب عليها السلام(1) .

__________________

(1) رياحين الشريعة ج 3 ص 195.


الفصل الحادي عشر

حرم السيّدة رقيّة عليها السلام

أشرنا في بداية الكتاب أنّ عبدالوهاب بن أحمد الشافعي المصري المشهور بالشعراني والمتوفّى سنة «973 ه ق» ذكر في كتابه «المنن» الباب العاشر فقال : وبالجنب من المسجد الجامع في دمشق يوجد مرقد بمرقد السيّدة رقية بنت الإمام الحسين عليه السلام وقد كتب على باب هذا المرقد العبارة التالية هذا البيت بقعة شرّفت بآل النبي صلى الله عليه واله وبنت الحسين الشهيد رقية عليها السلام(1) .

وقد عمّر مرقد السيّدة رقيّة في القرون الأخيرة أكثر من مرّة ، ففي سنة 1280 ه عمّر الحرم الشريف على يد أحد السادة الأجلّاء باسم السيّد مرتضى وقد ذكرنا قصّته في الفصل الأوّل من الكتاب.

وقبل التعمير الأخير الذي حصل في السنين الأخيرة عمّر المرقد الشريف على يد الميرزا على أصغر خان أتابك أمين السلطان الأعظم الصدر الأعظم لايران سنة 1323 ه وقد نظم السيّد محسن الأمين العاملي المتوفّى عام 1371 ه أشعاراً ذكرهما في كتابه القيّم «أعيان الشيعة» منها هذين البيتين واللذين ذكر فيهما تاريخ تعمير المرقد الشريف علماً أنّ البيتين مكتوبين على باب الحرم الشريف وهما :

له ذو الرتبة العليا عليّ

وزير الصدر في ايران جدّد

وقد أرّختها تزهو بناءً

بقبر رقيّة من آل أحمد

وفي السنين الأخيرة نظراً لتوافد محبّي أهل البيت عليهم السلام إلى قبر السيّدة رقيّة عليها السلام

__________________

(1) معالي السبطين ج 2 ص 162.


وضيق المحل تصدّى المرحوم المغفور له الشيخ نصر الله الخلخالي لتوسعة الحرم الشريف وبمساعدة العديد من الخيّرين والموالين وفّق لشراء البيوت المجاورة للحرم الشريف علماً أنّ البعض من أصحاب البيوت لتعصّبهم الشديد وكثرة أطماعهم الدنيوية رفضوا بيع بيوتهم.

وحيث إنّ تشييد هذا المرقد المبارك هو لإقامة العبادات وإحياء الشعائر وطاعة الله عزّوجلّ لم يلجأ المتصدّون في تعاملهم مع الذين رفضوا بيع بيوتهم إلى القوّة بل اشتروا البيوت منهم بأضعاف مضاعفة من قيمتها الواقعية.

الجدير بالذكر أنّ مساومة المتصدّين لتوسعة الحرم مع أصحاب هذه البيوت استمرّت مدّة طويلة وهم يماطلون ويعارضون بحيث إنّ جميع المنال المحيطة بالحرم كانت قد هدّمت ما عدا هذه البيوت القليلة التي رفض أصحابها بيعها وتخريبها.

على كلّ ففي سنة 1364 ه المصادف لسنة 1984 ميلادي شرع في تشييد الحرم الجديد للسيّدة رقيّة عليها السلام وذلك بمحضر بعض المسؤولين والوجهاء في الحكومة السورية فضلاً عن بعض العلماء ورجال الذين شاركوا في افتتاح تشييد الحرم الشريف.

وحتّى يكون البناء محكماً فقد غيّر مسير النهر الذي كان يمرّ داخل الحرم الشريف وجه إلى خارج المرقد وقد استغرق ذلك خمسة أشهر وبعدها شرعوا بتثبيت القواعد الأساسية للبناء.

وبانتهاء التعمير الأخير للحرم أصبحت مساحة البناء 4500 متر مربّع تقريباً منها ما يقارب 600 متر مربع بناء باحة الحرم ، والباقي البناء الداخلي ، ففي الجهة الجنوبية للبناء بني مسجداً تقارب مساحته 800 متر مربع (20×40) ، وأمّا سعة الحرم بالاضافة إلى الأورقة في البناء الجديد فهي 2600 متر مربّع تقريباً جزى الله تعالى كلّ من سعى في تميره وزاد الله في توفيقاتهم إله الحقّ آمين.


زيارة السيّدة رقيّة

بِسْمِ اللهِ الْرَحْمَنِ الرَّحِيمِ

السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا سَيِّدَتَنَا رُقَيَّةَ عَلَيْكِ تَحِيَّةً وَالسَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا بِنْتَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنِ اَبِي طَالِبٍ السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا بِنْتَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا بِنْتَ خَدِيجَةَ الْكُبْرىٰ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمؤْمِنَاتِ السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا بِنْتَ وَلِيِّ اللهِ السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا أُخْتَ وَلِيِّ اللهِ السَّلَامُ عَلَيْكِ يَا بِنْتَ الْحُسَيْنِ الشَّهِيدِ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الصِّدِّيقَةُ الشَّهِيدَةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الرَّضِيَّةُ الْمَرْضِيَّةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أيَّتُهَا التَّقِيَّةُ النَّقِيَّةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الزَّكِيَّةُ الفَاضِلَةُ السَّلَامُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الُمَظْلُومَةُ الْبَهِيَّةُ صَلّىٰ اللهُ عَلَيْكِ وَعَلىٰ رُوحِكِ وَبَدَنَكِ فَجَعَلَ اللهُ مَنْزِلَكِ وَمأْوَاكِ فِي الجَنَّةِ مَعَ آبَائِكِ وأَجْدَادِكِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الْمَعْصُومِينَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ وَعَلَى الْمَلَائِكَةِ الْحَافِّينَ حَوْلَ حَرَمُكِ الشَّرِيفِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وَصَلّىٰ اللهُ عَلىٰ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ بِرَحْمَتِكَ يَا اَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

عودة السبايا إلى المدينة

اختلف المؤرخون والكتّاب في مدّة بقاء أهل البيت عليهم السلام في الشام ، فذهب كلّ واحد منهم إلى رأى وقول واستقرب كلّ منهم مدّة معيّنة حسب بعض القرائن التي يرتضيها.

ففي «طراز المذهب» نقل عن السيّد الطباطبائي أعلى الله مقامه أنّه قال في حاشية رياض المصائب : أنّ مدّة بقاء أهل البيت عليهم السلام في الشام أربعين يوماً ، وذهب الميلاني نقلاً عن الكاشفي أنّهم عليهم السلام بقوا ستّة أشهر ونسب ذلك إلى ابن بابويه قدس سره.

وقال المؤلّف «مفتاح البكاء ومهيّج الأحزان» أنّهم بقوا ثمانية عشر يوماً ، وقال البعض : إنّهم لم يبقوا إلّا عشرة أيّام والله العالم.

وعل أيّة حال ، فإنّ يزيد اللعين حينما أحسّ بالخطر وتوقّع الفتنة حيث أخذ أهل الشام يلعنونه عمد إلى تخيّر أهل البيت عليهم السلام بين البقاء في الشام والرحيل إلى مدينة


جدّهم رسول الله صلى الله عليه العقيلة زينب عليها السلام وقالت : ردّنا إلى المدينة فإنّها محلّ هجرة جدّنا رسول الله صلى الله عليه واله.

فأشار يزيد اللعين على صحابي رسول الله صلى الله عليه واله النعمان بن بشير ومعه ثلاثة رجال أن يرافقوا قافلة أهل البيت عليهم السلام في مسيرها إلى المدينة ، وفي بعض الأخبار أنّه بعث مع النعمان خمسمائة فارس من جنوده وأمرهم أن يوصلوا أهل البيت عليهم السلام إلى المدينة.

كما هيّأ يزيد وسائل السفر واحتياجاته وأشار على جماعته أن يسمعوا لأهل البيت عليهم السلام في سفرهم ويكونوا تحت اختيارهم ، فمتى أرادوا النزول ينزلوا معهم ، ومتى أرادوا المسيرة يسيروا ، وقد أمر رجاله أن يبتعدوا في مسيرهم عن القافلة كي لا يزاحموا العلويات المخدّرات(1) .

من جانب آخر فإنّ يزيد اللعين أمر أن يعطى أهل البيت عليهم السلام الكثير من الأموال والإبل ثمّ خاطب العقيلة زينب عليها السلام وأُمّ كلثوم وقال : هذه الأموال عوض دماء الإمام الحسين عليه السلام فأجابته العقيلة في نفس الوقت وقالت : ويلك يايزيد : ما أقلّ حياءك وأقسى قلبك وأصلب وجهك تقتل أخي وتقول : خذوا عوضه مالاً ، لا والله لا يكون ذلك ، فخجل يزيد.

وقال أبو مخنف وغيره من المؤرخين : أنّ يزيد طيّب رأس سيّد الشهداء عليه السلام بالمسك والكافور وأعطاه للإمام زين العابدين عليه السلام فأخذه معه إلى كربلاء المقدّسة ودفنه إلى جانب الجسد الشريف.

وفي الأمالي للشيخ الصدوق قدس سره قال : بعد أن قتل الإمام الحسين عليه السلام بقيت الآثار السماوية ولم تذهب هذه الآثار إلى أن خرج أهل البيت عليهم السلام من الشام وأعادوا الرأس الشريف وألحقوه بالجسد الشريف.

وقال أبو إسحاق الاسفرايني في كتاب «نور العين» وغيره من أمثاله من الموالين

__________________

(1) ناسخ التواريخ للمؤرخ الشهير عبّاس علي خان سپهر ج 2 ص 473.


الخلّص : أنّ الرأس الشريف أُعيد إلى كربلاء وأُلحق بالجسد الطاهر.

وبالجملة : فقد أمر يزيد أن تزيّن محامل أهل البيت عليهم السلام بالديباج بعد أن أوقفهم ثلاثة أيّام على بوّابة قصره تحت حرّ الهجير الحارقة حتّى تساقطت جلودهم ولحومهم من الحرّ والبقاء على المحامل الهزيلة وهم مقيّدين بالقيود والحبال.

فلمّا أحسّ يزيد اللعين بالخطر وشدّة الموقف تظاهر على أنّه يريد تلافي ما صنعه في البداية بأهل البيت عليهم السلام من التعذيب والإيذاء وذلك بعد أن أبرد غليله وأطفأ نار أحقاده الدفينة ضدّ الرسول صلى الله عليه واله وعترته الطاهرة عليهم السلام.

وفي واقع الأمر أنّ سخط الناس على يزيد بما فيهم المقرّبين من أهل بيته وعياله وغلمانه هو الذي جعل يتظاهر بالمحبّة والعطف لأهل البيت عليهم السلام ويقدّم لهم الأموال الطائلة ويوصي قادة القافلة أن يوصلوهم إلى المدينة معزّزين مكرّمين.

ولذلك فإنّ يزيد أرسل مع أهل البيت عليهم السلام من يرافقهم بعد أن أوصاه أن لا يقصّر لحظة عن خدمتهم واحترامهم في مسيرهم حتّى يوصلوا إلى مدينة الرسول صلى الله عليه واله.

ناهيك أنّه هيّأ لهم مستلزمات السفر على أحسن وجه وسمح لنساء الشام أن يرتدين السواد ويخرجن مع الرجال لمشايعة القافلة.

وبعد أن خرج الإمام زين العابدين عليه السلام من مجلس يزيد أمر القافلة أن تخرج فخرجت العلويات المخدّرات وخرجت نساء آل أبي سفيان وبنات وزوجاته صارخات باكيات بأعلى أصواتهنّ.

يقول البعض : عندما رأت العقيلة زينب عليها السلام المحامل المزيّنة تأوّهت وجذبت في قلبها حسرة وقالت : ماذا نصنع بالمحامل المزيّنة؟!

فأمروا بالمحامل وضربوا عليها السواد وضجّ الناس لهذا المنظر واعتلى بكاءهم وعويلهم حزناً لمصاب أهل البيت عليهم السلام.

وقيل : إنّ أهل البيت عليهم السلام عندما أرادوا أن يركبوا المحامل تذكّروا يوم خروجهم من المدينة ، وبكوا بشدّة وكان الإمام السجّاد عليه السلام يصبّرهم ويسلّيهم.


وحقيقة كان ذلك اليوم صعب على أهل البيت عليهم السلام إذ أنّ كلّ واحد منهم راح يظهر شجونه وآلامه بلسان خاصّ إلى أن خرجوا من دروازة الشام.

أمّا أهل الشام الذين خرجوا لمشايعة أهل البيت عليهم السلام فلم يهدأ ضجيجهم وبكائهم إلّا بعد أن غابت أشخاص أهل البيت عليهم السلام عن الشام فعادوا إلى ديارهم باكين مهمومين.

وعلى خلاف مسير أهل البيت عليهم السلام إلى الشام حيث كانوا يسوقونهم بلا هوادة رجعوا إلى مدينة جدّهم رسول الله صلى الله عليه واله معزّزين أحراراً ، متى أرادوا المسير ساروا ، ومتى ما أحبّوا البقاء والمكوث بقوا ، بل وفي أي مدينة يريدون الدخول يسمح لهم بكلّ حرّية ، فكان أهل البيت عليهم السلام يدخلون المدن ويقيمون العزاء على سيّد الشهداء عليه السلام وينصبون له المآتم طيلة سفرهم.

وفي طيلة مسيرهم إلى المدينة كان النعمان بن بشير يرافقهم بكلّ احترام وتوقير ، ومتى ما نزلت القافلة كان يبتعد وهو وجماعته عن الحرم لتطمئنّ العلويات ويهدأ بالهنّ ولا يضطرب خاطر أحد منهم ، وقد استمرّ الوضع على هذا الحال إلى أن قربت القافلة من العراق.

يبقى القول إنّ مسيرة السبايا من أوّلها إلى آخرها حيث عاد أهل البيت عليهم السلام إلى مدينة جدّهم رسول الله صلى الله عليه واله ستبقى شاهد صدق على مرّ التاريخ يشهد للأجيال على مرّ الزمان ويشيد ببطولة عقيلة الهاشميين السيّدة زينب عليها السلام التي هدّت عرش الطاغية يزيد ، وقلبت عاصمته رأس على عقب حتّى جعلت ذلك الأرعن يسمح لها بإقامة مجلس العزاء في دياره ولا يمنع أحداً من الدخول إلى هذا المجلس علماً أنّه يعلم أنّ العقيلة لم تعقد المجلس إلّا لتشيد بفضائل أهل البيت عليهم السلام وتنال من آل أبي سفيان.

فلولا السيّدة زينب عليها السلام لما افتضح يزيد الطاغية بهذه الكيفية بحيث إنّ أهل الشام ينصبون أعلام السواد حزناً على سيّد الشهداء عليه السلام ، وبالطبع فإنّ هذا غير مقتصر على الشام فقط ، بل في كلّ مكان نزلت به العقيلة زينب عليها السلام كانت تشيد بفضائل أهل البيت عليهم السلام وتبذل مساعيها الجبّارة من أجل أعلاء كلمة الحقّ خفّاقة.


ولذا فإنّ العالم اليوم مدين في عقيدته لمواقف العقيلة زينب عليها السلام التي حفظت الشريعة من الضياع وأوصلت صوت سيّد الشهداء عليه السلام إلى العالم عبر مرّ التاريخ ، وهذا خير شاهد على عظمتها وجلالة شأنها وعلوّ همّتها وشرافة فضلها وارتفاع مقامها الذي حباها الباري تعالى به حيث منحها كلّ هذه الصفات حتّى حقّقت ما حقّقته بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام(1) .

مصيبة السيّدة رقيّة في المدينة

ينقل أهل البيت عليهم السلام حينما رجعوا إلى المدينة أقبلن نساء المدينة ليواسين العلويات في مصابهنّ.

وقد كانت العقيلة زينب عليها السلام تحدّث النساء بما جرى عليهم في كربلاء والكوفة والشام من مصائب وآلام وتعدّد لهنّ الرزايا المؤلمة التي نزلت بهم وكان النساء يبكين ويندبن سيّد الشهداء عليه السلام.

ولمّا وصلت العقيلة زينب عليها السلام إلى مصيبة السيّدة رقيّة عليها السلام تأوّهت وقالت : أمّا مصيبة رقية في خرابة الشام فقد أحنت ظهري وشيّبت رأسي ، فارتفع صوت نساء المدينة بالبكاء واعتلى أنينهنّ وعويلهنّ لمصاب يتيمة سيّد الشهداء عليه السلام(2) .

__________________

(1) رياحين الشريعة ج 3 ص 198.

(2) حضرة رقيه عليها السلام تأليف حجّة الإسلام الشيخ علي الفلسفي ص 48 نقلاً عن نواسخ التواريخ ص 507.


الفصل الثاني عشر

كرامات السيّدة رقيّة

لقد ظهرت للسيّدة رقيّة عليه السلام كرامات عديدة تدلّ على قداستها وجلالة قدرها وعلو مكانتها الرفيعة عند الله عزّوجلّ أنّنا أشرنا إلى بعضها في طيّات البحث سابقاً إلّا أنّنا في هذا الفصل نذكر البقية ليطلع القارئ الكريم عليها ولتقام الحجّة على أُولئك المشكّكين الذين يشكّكون في المقامات العالية التي أولاها الله تعالى لأهل البيت عليهم السلام.

1 ـ اقرأ مصيبة ابنتي رقيّة عليها السلام

يقول الشيخ علي نجل المحدّث العظيم الشيخ عبّاس القمّي قدس سره والذي يعدّ من أكابر الخطباء المشهورين في مدينة طهران : ابتليت في إحدى السنوات بمرض في حنجرتي بحيث عجزت عن ارتقاء المنبر والوعظ والإرشاد.

لذلك وكسائر المرضى عندما يصابون بالمرض فقد راجعت طبيباً متخصّصاً وقد أخبرني بعد المعاينة قائلاً : إنّ مرضك بلغ من الشدّة بحيث أنّ بعض أوتارك الصوتية قد شلّت ، ومن الصعب جدّاً معالجتها ، وربما يكون علاجها بلا فائدة. إلّا أنّ الطبيب كتب لي وصفة ببعض الأدوية ونصحني بالاستراحة التامّة والتجنّب من صعود المنبر بل منعني من التحدّث مع الناس حتّى زوجتي وأطفالي ، وإذا احتجت إلى شيء عليَّ أن أستفيد من الكتابة علّ ذلك يجدي في خلاصي من هذا المرض الصعب العلاج.

وفي واقع الأمر كان هذا العلاج صعباً جدّاً لأنّ الإنسان لا يستغني عن الحديث والتحدّث مع الناس ، فكيف يمكنني تحمّل كلّ هذه المدّة دون أن أتحدّث على أنّ الأمل في الشفاء قليل جدّاً؟

لقد شعرت أنّ جميع الأبواب أُغلقت في وجهي وأدركت بكلّ كياني أنّ قدرات


الناس العاديين لا يمكن أن تخلّصني من هذا الابتلاء الشديد وليس هنا من حيلة سوى التوسّل بباب نجاة الأُمّة أبي عبدالله عليه السلام.

وبالفعل في أحد الأيّام بعد انتهائي من صلاة الظهر والعصر شعرت بانكسار عجيب فبكيت بكاءً ومرّاً واعتلى أنيني وحنيني ولا شعورياً أخذت أتوسّل بأبي عبدالله الحسين عليه السلام وأقول له : سيّدي ، يابن رسول الله إنّ الصبر على مرض كهذا صعب جدّاً ، علماً أنّ الناس من أهل المجالس يتوقّعون صعودي المنبر.

سيّدي إنّ شهر رمضان المبارك على الأبواب وقد قضيت عمري في خدمتكم فماذا حصل حتّى أقع في مثل هذا المرض المعضل وأحرم من خدمتكم؟!

سيّدي كن أنت الشفيع إلى الله في خلاصي من هذا المرض الصعب.

وبعد هذه التوسّلات خلدت إلى النوم كعادتي كلّ يوم فرأيت في عالم الرؤيا أنّ شخصاً نورانياً دخل الغرفة بحيث أنّ نورانيّته ملأت أطراف الغرفة.

لا إرادياً شعرت أنّ هذا الشخص هو سيّد الشهداء عليه السلام وقد غمرتني الفرحة وأخذت أُكرّر التوسّلات التي توسّلتها في عالم اليقظة وأخذت أصرّ بشدّة وأتوسّل بإلحاح قائلاً : سيّدي إنّ شهر رمضان على الأبواب وقد دعيت في مساجد متعدّدة ، ومع هذا الحال كيف أستطيع صعود المنبر؟ وإذا بسيّد الشهداء عليه السلام يشير قائلاً : قل لهذا الجالس عند الباب ـ وقد كان هناك رجل جالس عند الباب ـ أن يقرأ مصيبة عزيزتي رقية وابك أنت وسوف تشافى وتعافى إن شاء الله.

دقّقت النظر عند الباب وإذا به زوج أُختي الحاج مصطفى الطباطبائي القمّي الذي هو من علماء طهران ، فأخبرته بأمر سيّد الشهداء عليه السلام إلّا أنّه كان يعتذر عن قراءة المصيبة وأنا أبكي. ومع الأسف الشديد استيقظ أبنائي من نومهم ، وأيقظوني فاستيقظت من النوم منزعجاً متأسّفاً على حرماني من مواصلة البكاء في ذلك المجلس النوراني.


وفي اليوم نفسه أو اليوم الذي بعده راجعت المتخصّص نفسه وإذا به يتعجّب كثيراً ويقول : لا يوجد أثر للمرض أصلاً ، ثمّ إنّه أخذ يسألني قائلاً : ماذا تناولت حتّى شفيت بهذه السرعة؟!

فنقلت له القصّة وكيف أنّني توسّلت بسيّد الشهداء عليه السلام وإذا بالطبيب يتسمّر في مكانه وكان يحمل قلماً فسقط القلم من يده دون إرادة ، وأخذ يبكي بشدّة ويئن بكلّ حرقة بحيث إنّ لحيته ابتلّت بالدموع وقال : إنّ مرضك لم يكن له علاج سوى التوسّل بسيّد الشهداء عليه السلام وقد حصلت على مرادك ببركة هذا التوسّل.

2 ـ حضور الزهراء في خرابة الشام

كتب سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد مرتضى مجتهدي السيستاني أحد مدرّسي الحوزة العلمية في قم المقدّسة رسالة إلى مكتب انتشارات الإمام الحسين عليه السلام جاء فيها :

نقل العالم الربّاني ومفسّر القرآن الكريم حجّة الإسلام والمسلمين السيّد حسن در افشان(1) بعض كرامات آية الله العظمى السيّد علي السيستاني رحمه الله(2) فقال :

في أحد الأيّام كنت جالساً عند سماحة آية الله العظمى السيّد علي السيستاني وكنت أدرس كتاب قطر الندى ـ في النحو ـ وكان يرتدي ثوباً خشناً وهو مشغول بالمطالعة ، وبينما هو كذلك إذا بالباب تطرق فأخبروه أنّ معتم الوزراء وراء الباب وهو

__________________

(1) هو ابن أخ آية الله العظمى السيستاني وقد أدركه عمّه مدّة من الزمن.

(2) المرحوم آية الله العظمى السيستاني من تلاميذ الميرزا الشيرازي الكبير والسيّد الصدر ، وقد أدرك بعض أيّام الشيخ الأنصاري قدس سره.

ينسب هذا المرجع المرحوم إلى مدينة مشهد المقدّسة وله كرامات عديدة ومعروفة وكان من المعارضين المعروفين للحكومة في زمانه.

ولذا فإنّهم حاوا اغتياله أكثر من مرّة إلّا أنّ عناية الصدّيقة الزهراء عليها السلام كانت تخفظه ، وقد توفّي في 13 من شهر رمضان المبارك سنة 1341 ه ودفن في حرم الإمام الرضا عليه السلام.


يريد ملاقاتك ، ففتحوا له الباب وأذنوا له بالدخول وإذا به يدخل بحذاءه ، فلم يعتن به آية الله السيستاني للحظات ثمّ التفت إليه وقال : أما تستحي تطأ الفرش النبوي بحذاءك؟!

فخرج المعتمد وخلع حذاءه ثمّ عاد وأخرج سلاحاً وورقة من جيبه وقال : هذا حكم اعدامك قد صدر من المركز ، فماذا تقول أُنفّذ الحكم أم تسكت وتحترم نفسك؟!

فكشف آية الله السيستاني عن صدره وقال : يابن الخرابات وربيبها تهدّدني؟! اذهب وافرغ السلاح في رأسك!

يقول السيّد حسين در افشان : نظرت إلى المعتمد وإذا بعينيه تدمع ويقول : إنّ أُمّي تعرف ابن من أنا ـ ومراده بذلك أنّني ولد حلال ولست ابن زنا ـ ثمّ وضع سلاحه في جيبه ومضى.

آنذاك التفت ابن عم آية الله السيستاني(1) وقال له : لماذا لم تتق منه؟ أتريد أن تيتّم العالم؟!

فقال آية الله العظمى السيستاني : أُدن منّي ، فدنا السيّد محمّد وجلس بالقرب منه ، حينها التفت آية الله العظمى السيستاني إليه وقال : رأيت البارحة إنّني في خرابة الشام وقد كان جميع أُسارى كربلاء فيها وعلى رأسهم جدّتي الصدّيقة الزهراء عليها السلام ، وحينما دخلت الخرابة أشارت عليَّ جدّتي الزهراء عليها السلام ودعتني أن أدنو منها ، فدنوت منها حتّى أخذتني في حجرها وجعلت تقبّلني وتقول : ولدي قل ولا تخف فأنا أحفظك.

ثمّ التفت آية الله السيستاني إلى السيّد محمّد وقال : إن الذي تحفظه مثل الصدّيقة الزهراء عليها السلام لا يعبأ بمثل هؤلاء الذئاب.

3 ـ تشيّع امرأة فرنسية

نقل حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد مهدي تاج اللنگرودي في كتابه

__________________

(1) هو آية الله العظمى السيّد محمّد باقر مجتهدي السيستاني والد المرجع الكبير سماحة آية الله العظمى السيّد علي السيستاني دام ظلّه العالي.


«التوسّلات» فقال : ذكر القصّة التالية أحد الوعّاظ المشهورين في فنّ الخطابة والذي سافر أكثر من مرّة لزيارة السيّدة رقيّة عليها السلام في إحدى محاضراته فقال : أهدت إحدى النساء الفرنسيات لحرم السيّدة رقيّة عليها السلام سجّادتين فاخرتين ممّا أثار تعجّب الناس واستغرابهم ، فهم يعلمون أنّ المرأة مسيحية ، ولا ربط لها بالإسلام ، ومع ذلك تأتي من فرنسا وتقدّم هذه الهدية القيّمة؟!

بقي الناس يتساءلون بينهم عن سبب الهدية فحملهم الشوق لمعرفة السبب إلى السؤال من المرأة ، فقالت :

كما ترون ، فإنّني لست مسلمة ، إلّا أنّني وقبل سنوات جئت إلى هنا بمهمّة ونزلت في إحدى المنازل القريبة من الحرم الشريف ، وفي أوّل ليلة ـ وكنت متعبة جدّاً ـ أردت النوم وإذا بي أسمع صوت بكاء شديد ، وحيث أنّ بكاء الزوّار لم يكن ينقطع ، تساءلت من البعض وقلت لهم : من أين هذا البكاء؟ فقالوا : هذا البكاء في حرم طفلة يتيمة مدفونة بالقرب منّا.

في البدء تصوّرت أنّ الطفلة كانت قد ماتت للتوّ والذين يبكون هم أقرباءها إلّا أنّهم قالوا لي : لقد مضى على وفاتها الف عام.

فازداد تعجّبي وتساءلت في نفسي وقلت : لماذا يصنع الناس هكذا بعد مضي مئات السنين على وفاة هذه الطفلة؟! فتبيّن لي فيما بعد أنّ هذه الطفلة تفرق عن سائر الأطفال العاديين ، إنّها طفلة الإمام الحسين عليه السلام الذي قتل الأعداء والدها ظلماً وعدواناً ثمّ سبوا عياله إلى الشام ـ عاصمة يزيد ـ فماتت الطفلة من غصّة فراق أبيها دفنها أهل البيت عليهم السلام في هذا المحلّ.

وحينما جئت إلى الحرم الشريف وشاهدت العشّاق الذين أقبلوا من مختلف بلاد العالم كيف ينذرون ويقدّمون الهدايا للحرم الشريف ويتوسّلون إلى الله تعالى بمقام السيّدة رقيّة عليها السلام كي يقضي حوائجهم ، وقعت محبّة هذه الطفلة بقلبي وأحسست بالإنشداد العظيم إليها منذ أن شاهدت حرمها المبارك.


وبعد مدّة ـ وكنت حاملة ـ أخذوني إلى المستشفى فأخبرني الأطباء بعد الفحوصات وقالوا : لابدّ من اجراء عملية جراحية لك ، فحالة الطفل غير طبيعية ، فازداد اضطرابي وقلقي وبدأت أتساءل في نفسي قائلة : إلهي ماذا أصنع؟ وما هي الحيلة؟! ولا إرادياً أحسست أنّ الحلّ الوحيد لمشكلتي هو التوسّل والدعاء.

آنذاك تذكّرت هذه الطفلة رقيّة عليها السلام وانشددت دون إرادتي إليها وقلت : إلهي أُقسم عليك بحقّ تلك الطفلة التي ألّمتها سياط الظلمة ، وبمظلومية والدها إمام الطاعة ووصي رسولك صلى الله عليه واله إلّا ما خلّصتني ممّا أنا فيه.

ثمّ إنّي خاطبت السيّدة رقية وقلت : سيّدتي إن أنقذتيني من هذه الشدّة فإنّي سأهدي سجّادتين فاخرتين لحرمك الشريف.

شهد الله أنّه لم تمض سوى لحظات على توسّلي ومخاطبتي لهذه الطفلة وإذا بي ألد ولدي بكلّ سهولة على خلاف ما توقّع الأطباء والمتخصّصون فأنجاني الله تعالى من الموت الحتمي ببركة التوسّل بهذه اليتيمة ، والآن جئت بهاتين السجّادتين وفاءً بعهدي الذي عاهدت السيّدة رقيّة عليها السلام عليه.

4 ـ إسلام امرأة مسيحية

ذكر سماحة حجّة الإسلام السيّد عسكر حيدري وهو من طلّاب الحوزة العلمية الزينبية في الشام الكرامة التالية فقال : في أحد الأيّام أقبلت امرأة مسيحية مع طفلتها المشلولة إلى سوريا بعد أن أجابها دكاترة لبنان وأخبروها بأن لاعلاج لابنتك.

ولحسن الحظّ أنّها استأجرت منزلاً كان قريباً من حرم السيّدة رقيّة عليها السلام واتّخذته كمقرّ لها أثناء بقاءها في سوريا لمعالجة طفلتها المريضة.

وفي أحد الأيّام شاهدت المرأة أفواجاً من الناس يقبلون إلى الحرم الشريف ممّا أثار تعجّبها وتساءلها فقالت : ما الخبر؟ ولماذا يأتي هؤلاء الناس إلى هنا؟ وما هي المناسبة؟ فقالوا لها : إنّ اليوم هو يوم عاشوراء وهذا حرم السيّدة رقيّة بنت الإمام الحسين عليه السلام ، والناس يأتون لإقامة العزاء عند مرقدها الطاهر ، وإذا بالمرأة تترك طفلتها


في البيت وتذهب إلى الحرم الشريف وتتوسّل بالسيّدة رقيّة عليها السلام وتلحّ عليها في قضاء حاجتها بكلّ إخلاص إلى أن فقدت الوعي وعشى عليها ، وفيما هي كذلك أحسّت المرأة أنّ شخصاً يقول لها : قومي واذهبي إلى بيتك فإنّ ابنتك بقيت وحيدة ولا أحد معها وقد شافاها الله تعالى.

وبالفعل فقد استيقظت المرأة وذهبت إلى منزلها وإذا بها تجد طفلتها تلعب وكأن لم يكن بها شيء أصلاً ، آنذاك تساءلت الأُمّ من الطفلة وقالت : ما الخبر؟ وكيف تحسّن حالك؟ قالت : عندما خرجتي من المنزل دخلت طفلة اسمها رقيّة الدار وقالت لي : قومي لنلعب معاً. ثمّ إنّها قالت لي : قولي بسم الله الرحمن الرحيم لتستطيعي القيام والنهوض على قدميك.

ثمّ إنّها أخذت يدي وأوقفتني وقد أحسست منذ ذلك الوقت إنّني قد شفيت من المرض وبينما كانت الطفلة تحدّثني إذا بك تفتحين الباب فقالت : لقد جاءت أُمّك واختفت.

يقول السيّد الحيدري : على أثر هذه الكرامة للسيّدة رقيّة عليها السلام اهتدت المرأة المسيحية ودخلت في مذهب الحقّ مذهب أهل البيت عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام.

5 ـ وشفيت من جديد

نقل حجّة الإسلام والمسلمين السيّد شهاب الدين الحسيني القمّي فقال : بعث مدّاح اهل البيت عليهم السلام المخلص الحاج أحمد أكبري إليّ رسالة كتب فيها قصّة شفاءه من الموت الحتمي ببركة يتيمة الإمام الحسين عليه السلام السيّدة رقيّة عليها أفضل الصلاة والسلام جاء فيها :

ابتليت بألم شديد عجز الأطباء عن معالجته وتشخيصه وبعد أن العديد من المعاينات والفحوصات قرّروا أن يجروا لي عملية جراحية ، علماً أنّهم أخبروني قبل ذلك أنّ العملية قد تنجح وربما تفشل.


وبعد إجراء العمليةة تبيّن أنّها كانت فاشلة فبقوا فترة الزمن يجرون لي الفحوصات ثمّ أخبروني بأن لا أمل من شفاءك وأنّ موتك حال لا محالة ، فاعقد وصيّتك وودّع أطفالك وأهلك ، ففي أي لحظة يمكن أن تفارق الدنيا.

لذلك بعثت خلف عائلتي وبقيّة الأقرباء والأرحام وكنت مسجّاً على الفراش وقد ربطوا يدي وقدماي واستسلمت للموت. وبعد ساعات أقبل الجميع وأخبرتهم بالقضية وأخذت أُصيهم بوصاياي الأخيرة وأُودّعهم ويودّعوني وقد ضجّ الجميع بالبكاء والنحيب وارتفعت أصوات الحزن والعويل من كلّ جانب ، وأتذكّر أنّ لي طفلة صغيرة قد حضرت لوداعي فضممتها إلى صدري وأخذت أُقبّلها وأُودّعها وداع مفارق لارجعة له أبداً.

وبعد ساعة خرج الجميع بعيون باكية وقلوب مصدّعة وقد هيّأوا أنفسهم لموتى واستلام جنازتي ليقوموا بواجبات الميّت من الغسل والصلاة والدفن وما شابه ذلك.

آنذاك وبعد أن أغلقت جميع الأبواب في وجهي توجّهت إلى عزيزة الإمام الحسين عليه السلام ويتيمته السيّدة رقيّة وأخذت أتوسّل بها وأقرأ مصيبتها المشجية.

ولم تمض لحظات إذا بطفلة كأنّها القفر تقف أمام السرير وتناديني باسمي وتقول : قم يا فلان.

تعجّبت كثيراً واستولت الغرابة عليّ وقلت : يا ترى من هذه التي تعرف اسمي ولا أعرفها؟!

فقلت في نفسي : لعلّها ابنة أحد المرضى النازلين في نفس الغرفة جاءت لتسأل أحوالي لحظات قليلة إذا بها تقول ثانية : قم ، فقلت : لا أستطيع إنّ يداي وقدماي مربوطتان وقد منعني الأطباء من الحركة.

قالت : قم ، لماذا تقول أنّ يداك وقدماك مربوطتان؟!

نظرت إلى يدي وقدمي إذا بهما مفتوحتان ، ثمّ أنّها قالت : لماذا لا تقوم؟ قلت : لقد أجرى الأطباء لي عملية ومنعوني من الحركة.


قالت : أين هو محلّ العملية ، أرني إيّاه؟!

فنظرت مكان العملية وإذا بي لا أرى أثراً له أصلاً وقد التأم الجرح تماماً وكأنّني لم أجر عملية جراحية قطّ ، فتعجّبت كثيراً وتساءلت منها وقلت : من أنت؟

قالت : أليس إنّك توسّلت بي قبل قليل ثمّ اختفت عن أنظاري.

مباشرة قمت من السرير وارتديت ثيابي وهرولت إلى الخارج وأخبرت الجميع بكرامة السيّدة رقيّة عليها السلام ، علماً أنّني أحرص كثيراً على ذكر هذه الكرامة في مجالسي.

6 ـ رفيق الدرب

يقول أحد العلماء الأعلام : عند ما رجعت من بيت الله الحرام سنة 1335 ه. ش ذهبت إلى الشام لأزور المراقد المقدّسة فيها ومن هناك أذهب إلى العراق لزيارة العتبات المقدّسة ، وحيث أنّني كنت وحيداً في سوريا تمنّيت أن أحصل على رفيق حسن في سفري يرافقني رحلتي ويؤنسني في غربتي.

وفي أحد الأيّام وبعد أن دخلت حرم السيّدة رقيّة عليها السلام وفرغت من زيارتها الشريفة طلبت منها أن تهيّأ لي رفيق درب يشدّ أزري في السفر ويرافقني في زيارتي.

وقبل أن أخرج من الحرم الشريف تعرّفت على أحد التجّار الخيرين من أهالي الكاظمية وأخبرته عن رغبتي لزيارة العتبات المقدّسة في العراق فأبدى استعداده لمرافقتي وبالفعل فقد سافرت مع هذا التاجر إلى العتبات ـ كربلاء والنجف والكاظمين ـ وكان حقيقة نعم الرفيق وخير صديق في السفر حتّى أنّني لم أشعر بالغربة والوحشة بل عشت معه خير أيّام عمري وحقيقة كنت دائماً أُلامس بركة توسّلي بعزيزة الإمام الحسين عليه السلام التي هيّأت لي هكذا صديق في سفري إلى العتبات المقدّسة.

7 ـ هكذا وفّقت لشراء الكتب

في ليلة السادسة والعشرين من شهر محرّم الحرام سنة 1418 ه وفّقت لزيارة آية الله السيّد مهدي الحسيني اللاجوردي ، وفي أثناء الزيارة تساءلت منه قائلاً : ألا تعرف شيئاً من كرامات عزيزة الإمام الحسين عليه السلام السيّدة رقيّة عليها السلام لأنقله في طيّات كتابي


حول هذه السيّدة الجليلة؟!

فنقل لي القصّة التالية وقال : في إحدى سفراتي إلى سوريا وبينما كنت أتمشّى مع أحد الأصدقاء بالقرب من المسجد الأموي شاهدت بعض الكتب الخطّية القديمة جدّاً ومنها كتاب نهج البلاغة بخطّ أحد العلماء الأعلام عام (600 ه). وحينما سألت من البائع عن قيمتها طلب مبلغاً كبيراً جدّاً لم أكن أملكه أصلاً ، ولذا ذهبت إلى زيارة السيّدة رقيّة عليها السلام وتوسّلت بها وطلبت منها أن تجعل الكتب من نصيبي ، وفي أثناء عودتي إلى المنزل مررت على نفس بائع الكتب وإذا به يناديني قائلاً : سيّدنا تعال أريد أن أبيع الكتب وقيمتها باختيارك.

وبحمد الله وعناية السيّدة رقيّة عليها السلام فقد اشتريت الكتب وصارت من نصيبي وهي إلى الآن موجودة عندي في المكتبة ، ولا يخفى أنّ هذه الكرامة هي من أقلّ كرامات السيّدة رقيّة عليها السلام.

8 ـ توسّل آخر

نقل العالم الجليل الورع سماحة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد مرتضى المجتهدي السيستاني حفظه الله أحد مدرّسي الحوزة العلمية في مدينة قمّ المقدّسة عن الحاج صادق متقيّان أحد خدمة الإمام الحسين عليه السلام المخلصين في مدينة مشهد المقدّسة في شهر محرّم الحرام سنة 1418 ه أنّه قال : مضت ثمان سنين على زواج ابنتي ولم ترزق بمولود وقد راجعت العديد من الأطباء والمتخصّصين ولكن دون جدوى إلى أن عزمت السفر إلى سوريا في شهر صفر المظفّر سنة 1417 ه وقبل سفري بقليل أعطتني زوجتي كاروكاً كانت قد أعدّته بيدها وقالت : اعقده بضريح السيّدة رقيّة ليقضي الله حاجة ابنتي وتنظر السيّدة رقيّة عليها السلام نظرة رحيمة. وبالفعل فقد أخذت المهد إلى الشام وحينما ذهبت إلى زيارة عزيزة الإمام الحسين عليه السلام السيّدة رقيّة عليها السلام ودخلت حرمها الشريف أخذتني روحانية عجيبة وغرقت في عالم مليئ بالحزن والمأساة فتوجّهت نحو الضريح الطاهر بروحانية وتوجّه خاص وعقدت «الكاروك» به.


وبينما أنا كذلك إذا بشخص كان ينظر إليّ يقول : أنت أيضاً لماذا تعتقد بمثل هذه العقائد؟! قلت : إنّ عقيدتي بالسيّدة رقيّة عليها السلام لا بـ «الكاروك» وما هذا «الكاروك» إلّا وسيلة لإظهار عقيدتي بهذه السيّدة الجليلة علّني أنال لطفها وعنايتها ، وكلّ شخص يظهر محبّته وولائه حسب عقيدته ومعرفته ، وهذا هو قدر معرفتي بالسيّدة رقيّة عليها السلام ولا يقدح ذلك بمقامها العالي ومكانتها الرفيعة.

وبعد رجوعي من زيارة العتبات المقدّسة في سوريا لم تمض سوى أيّام قليلة إذا بزوجتي تقول : يجب أن نأخذ «فلانة» إلى المستشفى لتجري الفحوصات ونرى هل أنّ السيّدة رقيّة عليها السلام تشفّعت إلى الله في قضاء حاجتنا أم لا؟!

وبعد إجراء الفحوصات تبيّن أنّها حامل وأنّنا عبر هذا «الكاروك» الصغير استطعنا أن ننال عناية هذه السيّدة العظيمة الجليلة ونحصل على شفاعتها عند الله في قضاء حاجتنا علماً أنّ ابنتي الآن لديها طفل صغير.

9 ـ إنّها السيّدة رقيّة عليها السلام

بعث سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد علي برهاني فريدني حفظه الله رسالة لدفتر انتشارات الإمام الحسين عليه السلام ذكر فيها كرامة للسيّدة رقيّة عليها السلام فقال : استجابة لأمر سماحة حجّة الإسلام والمسلمين ونخبة المتّقين الشيخ علي الربّاني الخلخالي «دامت توفيقاته» أُشير إلى كرامة حصلت في أحد المجالس قبل (34) سنة تقريباً وقد نقلها سماحة الخطيب المشهور السيّد عبدالله تقوي شفاهياً فقال :

من لطف الله تعالى عليَّ وتوفيقاته لي أنّه أنعم عليَّ منذ سنين بخدمة سيّد الشهداء عليه السلام من خلال ارتقائي المنبر في مدينة طهران.

وفي إحدى الليالي وبعد أن فرغت من المجلس ورجعت إلى المنزل رنّ الهاتف عند الساعة التاسعة ليلاً تقريباً فرفعت السمّاعة وإذا به أحد الأصدقاء ، وبعد السلام والتحيّة قال : إنّ «فلان» الكاسب قد توفّي وغداً بعد الظهر سيكون مجلس الفاتحة وقد اقترحت على أبناء المرحوم أن ترتقي أنت المنبر.


فلا تنسى أن تعدّ نفسك غداً بعد الظهر عند الساعة الثالثة أو الرابعة.

وفي نفس الوقت تذكّرت أنّني في الليلة الماضية قرأت مجلساً شهرياً ـ أي كلّ شهر يقرؤون ليلة واحدة ـ في أحد المنازل التي نسيت عنوانه وبعد المجلس جاءتني إحدى النساء وتوسّلت بي كثيراً كي أقرأ لها مجلساً يوم غد في نفس ساعة ذلك المجلس وذلك في المنزل المقابل للمنزل الذي قرأت فيه الليلة البارحة.

وقد ذكرت المرأة أنّها لديها نذر وتريد أن تطعم بعد المجلس تبرّكاً باسم السيّدة رقيّة عليها السلام التي سيكون المجلس باسمها ، ولذا طلبت منّي أن أعدّ نفسي لقراءة مصيبة هذه السيّدة المظلومة وأتوسّل بها لقضاء حاجتها.

وعلى كلّ فقد أخبرت صاحبي أنّني وعدت تلك المرأة أن أقرأ لها مجلساً حول السيّدة رقيّة عليها السلام ولذا فإنّني لا أستطيع القراءة في مجلس الفاتحة.

فتأثّر صاحبي كثيراً وقال : إنّك كيف تفكّر؟! لقد أردت خدمتك.

وبعد لحظات أخذت أُفكّر وأتأمّل وأقول في نفسي : كم مجلس يجب أن نقرأ للسيّدة رقيّة عليها السلام وعلي الأصغر حتّى يعطوني ثلاثين توماناً؟! أمّا إنّني إذا قرأت مجلس التاجر فإنّهم حتماً سيعطوني مبلغاً جيّداً.

ولذا فقد انصرفت عن الذهاب إلى مجلس المرأة ثمّ ذهبت إلى النوم. وفي عالم الرؤيا رأيت أنّني في نفس الشارع الذي يقع فيه منزل المرأة وكان هناك سيّد نوراني جميل المنظر قد أخذ بيد طفلة عمرها ثلاث سنين ، فسلّمت عليه وسألت أحواله وسألته عن اسمه ومسكنه فقال : إنّني أحضر في كلّ المجالس وهذه ابنتي رقيّة ، فلا تبعنا يا سيّد بمادّيات الدنيا؟!

كما أضاف ذلك الرجل قائلاً : لماذا تترك تلك المرأة تترقّب حضورك وتنتظر مجيئك بعد أن وعدتها أن تأتي إلى بيتها وتقرأ لها المجلس؟!

ولماذا تريد تخلف الوعد وترجّح مجلس التاجر ، حتّى يعطوك أموالاً أكثر؟!

فاستيقظت من النوم فزعاً حزيناً ولا إرادياً أخذت الهاتف واتّصلت بصاحبي


وقلت له ودموعي تجري : «فلان» لا تنتظروني غداً في مجلس التاجر ، فمن المستحيل أن أقرأ لكم هذا المجلس.

وفي اليوم الثاني ذهبت إلى مجلس المرأة وقرأت مصيبة السيّدة رقيّة عليها السلام ونقلت القضية على المنبر فانقلب المجلس وضجّ الحضور بالبكاء بما فيهم أنا وقد عمّت ذلك المجلس حالة من الروحانية لم أر لها مثيلاً بحيث إنّ الحضور بقوا يبكون إلى فترة من ختام المجلس. الجدير بالذكر أنّ رائحة طيّبة انتشرت في المجلس لم استشم مثلها من قبل قطّ.

10 ـ من آثار التوسّل بالسيّدة رقيّة عليها السلام

نقل سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ هادي أشرفي التبريزي فقال : في إحدى سفراتي إلى تبريز وكنت نازلاً ضيفاً عند أُختي دار الحديث حول عزيزة الإمام الحسين عليه السلام السيّدة رقيّة عليها السلام ، فقلت للحضور : إنّ البعض ينفون أن تكون للإمام الحسين عليه السلام طفلة بهذا الاسم ويكذّبون الأخبار الواردة في ذلك.

وفجأة إذا بعمّة أُختي ـ أي أُمّ زوجها ـ تلتفت إليّ وقد بدت حالة العصبانية والغضب على وجهها وقالت : لو أنكر الجميع حقيقة السيّدة رقيّة عليها السلام فلن أعتقد بكلام واحد منهم ، فإنّني ولأكثر من مرّة توسّلت بها وأخذت حاجتي منها ثمّ ذكرت القضية التالية فقالت :

قبل فترة كان ولدي «صابر ريحاني» قد ذهب إلى الجندية في إحدى المقرّات العسكرية في أهواز.

وفي أحد الأيّام مرّ زوجي الذي كان يقود سيارة «الشاحنة» على حادث لناقلة المسافرين كانت تحمل مجنّدين ، والمؤسف أنّ جميع الركّاب قد ماتوا ، فرجع زوجي إلى المنزل قلقاً مضطرباً شاحب اللون.

وبعد أن أتّصلنا بالمقرّ العسكري وسألنا عن «صابر» أخبرونا أنّه ليس موجوداً في المقرّ وإنّه قد أخذ اجازة عن الخدمة فازداد قلقنا ، وفي نفس اليوم أخبرنا بعض الجيران


أنّ البعض كان يسأل عن منزل أحد الجنود كان اسم والده «قدرة الله» ليخبروا أهله بموته فبدأنا نظنّ بقوّة بل نتيقّن بموت صابر.

آنذاك وفيما كنت مضطربة توجّهت بكلّ إخلاص إلى السيّدة رقيّة عليها السلام وخاطبتها قائلة : سيّدتي أنت تعلمين بضعف حالتي وفقري ولكن إذا بلغني خبر عن سلامة ولدي فسأُطعم الفقراء مقدار من الحليب. وما هي إلّا لحظات إذا بالهاتف يرنّ فرفعت السمّاعة والاضطراب يخيم على كياني وإذا به ولدي صابر ، وما أن سمعت صوته وإذا بي أسقط مغشيّة فهرع ولدي الأكبر وتناول السمّاعة وإذا صابر يخبره أنّه كان في إجازة عندما اتّصلنا به ولمّا عاد إلى المقرّ العسكري أخبروه باتّصالنا فاتّصل بنا ليطمأننا على أحواله.

11 ـ قلّ له يسمّيه حسيناً

بعث سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمود شريعة زاده الخراساني رسالة إلى مكتب الإمام الحسين كتبها في تاريخ 2 جمادي الآخرة 1418 ه وجاء فيها : دخلت في أحد الأيّام حرم السيّدة رقيّة عليها السلام فرأيت مجموعة من الناس كانوا واقفين مقابل الضريح المقدّس يقرؤون الزيارة الشريفة بينما كان مدّاح أهل البيت عليهم السلام الحاج نيكوئي يقرأ لهم المصيبة وقد ذكر القضية التالية فقال :

فيما كان مسؤولوا حرم السيّدة رقيّة عليها السلام يشترون المنازل المجاورة لتوسعة المرقد الشريف رفض أحد اليهود أو النصارى المجاورين للحرم أن يبيع منزله وبقي يصرّ على ذلك علماً أنّهم عرضوا عليه أكثر من ضعفي قيمة منزله إلّا أنّه رفض وبقي يعاند بكلّ إصرار.

وبعد مدّة من الزمن حملت زوجة الرجل ، وقبل ولادتها أخذها إلى بعض الدكاترة لمعاينة حالتها فأخبروه أنّ الأُمّ والطفل معرّضان للخطر ولذا من اللازم أن يبقيا تحت إشرافنا هذه المدّة. يقول الرجل : عندما أخذ الطلق من الزوجتي مأخذة أخذتها إلى المستشفى ورجعت إلى حرم السيّدة رقيّة عليها السلام وبقيت أتوسّل بها وقد عاهدتها بأنّها إذا تشفّعت لي في سلامة زوجتي وطفلي فإنّني أهدي المنزل إليها.


بقيت فترة أتوسّل بها ثمّ ذهبت إلى المتستشفى فوجدت زوجتي جالسة على «سرير» وفي حجرها طفل وهما في أحسن حال وهي تقول : أين ذهبت؟ قلت : لقد كان لدي أمر مهمّ ذهبت لأداءه ، فقالت : لا ، لقد ذهبت وتوسّلت بابنة الإمام الحسين عليه السلام ، قلت : من أين عرفتي؟ قالت : عندما كنت أُعاني آلام الطلق أُغمي عليَّ وإذا بطفلة صغيرة دخلت الغرفة وقالت : لا تقلقي ، لقد طلبت من الله تعالى سلامتك أنت وطفلك وهو ولد.

ثمّ أنّها قالت : أبلغي سلامي إلى زوجك وقولي له يسمّيه حسيناً ، فقلت لها : من أنت؟ قالت : أنا رقيّة بنت الإمام الحسين عليه السلام.

ولمّا فرغ المدّاح المذكور «الحاج نيكوئي» من قراءة المصيبة سألت منه : من أين لك هذه القصّة؟ قال : سمعتها من خادم حرم السيّدة رقيّة عليها السلام وهو من أهل السنّة وكان يفتخر بهذه الخدمة ، وكان أبوه أيضاً يخدم معه في حرم السيّدة رقيّة عليها السلام.

12 ـ إنّها الطفلة التي رأيتها في المنام

وذكر حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمود شريعة زاده في نفس الرسالة فقال : سماحة حجّة الإسلام والمسلمين خادم أهل البيت عليهم السلام الشيخ علي الربّاني الخلخالي دام عزّه سمعت القصّة التالية من البعض ، وحيث أنّها قصّة عجيبة وجدت من الجدير بي أن أذكرها لك وهي :

في أحد الأيّام كنت في حرم السيّدة رقيّة عليها السلام مشغولاً بذكر مصيبتها المشجية فسمعت أصوات بعض النساء يصحن بينما كانت إحداهنّ قد أُغمي عليها من شدّة المصيبة.

وبعد المجلس أفاقت المرأة وجاءت إليّ وقالت :

كنت مبتلاة بمرض القلب وقد أجابني الدكاترة بعدم الفائدة من العلاج فيأست من الحياة وسأمتها وقلت لزوجي : أُريد الذهاب إلى حرم السيّدة رقيّة عليها السلام ففي الليلة البارحة رأيت في عالم الرؤيا طفلة صغيرة أعطتني ورقة خضراء وقالت : إذا أردت أن يتحسّن حالك فكلي هذه الورقة ، فسألتها : من أنت؟ قالت : أنا رقيّة بنت الإمام


الحسين عليه السلام ، واليوم وبعد أن استيقظت من النوم جئت إلى الحرم الشريف فوجدتك تقرأ مصيبة السيّدة رقيّة عليها السلام فشاهدت نفس الطفلة في عالم اليقظة تقدّم لي نفس الورقة الخضراء وقد شاهد الذين كانوا معي هذه القضية ، ولذلك لم أتحمّل ذلك المنظر العجيب وأُغشي عليَّ من شدّة الهول.

والآن وبحمد الله تعالى فإنّ حالي على أحسن وجه وكأنّ المرض قد ذهب عنّي كاملاً.

13 ـ بركات التوسّل بالسيّدة رقيّة

بعث سماحة الحاج عبدالحسين الاسماعيلي القمشه اي ـ وهو الشخصيات المثقّفة ـ في مدينة «شهر رضا» رسالة إلى مكتب الإمام الحسين عليه السلام ذكر فيها كرامة للسيّدة رقيّة عليها السلام حصلت له شخصياً وذلك بعد أن سألناه أن يذكر لنا ما يعرفه من الكرامات لهذه السيّدة الجليلة فقال : لقد حصلت هذه القضية قبل خمسة عشر سنة تقريباً ـ أي في بدايات الانقلاب الإسلامي في ايران ـ فقد كنت مقيماً في دولة الكويت ، وفي تاريخ 7 مهر 1361 ه. ش عزمت الذهاب إلى الكويت ولكن عن طريق سوريا لأبقى فيها يومين وأحظى بزيارة العتبات المقدّسة ، وفي سوريا حصلت لي هذه القضية العجيبة ، فقد كانت لي حاجة مهمّة ولذا فإنّني لمّا دخلت حرم السيّدة رقيّة ألقيت بنفسي على أعتاب الضريح الطاهر وخاطبت السيّدة رقيّة قائلاً : يا عزيزة الحسين عليه السلام إنّ أخذي بأطراف ضريحك هو كناية عن أخذي بأذيالك الطاهرة وإنّك تعرفين حاجتي وعلمك بحالي يكفيك عن سؤالي ، فبحقّك عندالله تعالى ، وبجاه أجدادك الطاهرين إلّا ما سألت والدك سيّد الشهداء عليه السلام أن يشفع لي عند جدّه رسول الله صلى الله عليه واله في قضاء حاجتي.

ولمّا عزمت السفر إلى الكويت وقد كانت أيّام الحرب المشؤومة التي شنّها البعثيون ضدّ ايران وكانت الحكومة الايرانية تمنع أن يأخذ المسافر معه أكثر من الفين تومان وهو مبلغ زهيد جدّاً إلّا أنّني كنت أقضي سفرتي بأن أقترض من البعض مقدار من المال لأسدّ به تكاليف السفر كالكراية وما شابه ثمّ أُرجعها لهم في ايران. وعلى كلّ عندما ذهبت إلى


الكويت عرفت أنّ الحكومة الايرانية سمحت للايرانيين المقيمين في الكويت أن يدخلوا ما يعادل مئة الف تومان من البضاعة إلى البلد ولذا فقد وقعت في مضيقة مالية ولم أجد من يقرضني مبلغاً من المال لأقضي به بعض احتياجات سفري إلى ايران كالأُجرة وما شابه.

وفي إحدى الليالي عند السحر توسّلت مرّة أُخرى بالسيّدة رقيّة عليها السلام وقلت لها : سيّدتي أين جواب توسّلي بك؟

مباشرة وبدون أيّة مقدّمات طرأ في ذهني ما يلي : أن أذهب إلى المدرسة الايرانية وأعمل عندهم كخطّاط ، وبالفعل فقد قضت السيّدة رقيّة عليها السلام حاجتي حيث وافق مسؤولوا لمدرسة على طلبي وحلّت مشكلتي تماماً.

وبعد سنة من القضية ذهبت إلى الكويت بدعوة من وزارة التعليم إلّا إنّني أُخرجت منها لشدّة المضايقات على الايرانيين في الكويت جرّاء الحرب المفروضة على ايران وهذا أيضاً بعناية السيّدة رقيّة عليها السلام وقد أذكر لكم تفاصيله في يوم ما.

14 ـ هكذا ذهبت إلى الحجّ

كتب سماحة المحقّق الشيخ علي أبو الحسني (منذر) في مقالة له فقال : طلب سماحة حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ علي ربّاني الخلخالي (دام ظلّه) منّي أن أكتب له شيئاً ممّا رأيته أو سمعته من كرامات يتيمة الشام السيّدة رقيّة عليها السلام لينقلها للقرّاء الكرام فانتخبت له الكرامة التالية :

ففي ليلة السبت الموافقة 2آبان 1376 ه. ش كنت عند والدتي في منزل والدي حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمد أبو الحسني ، وتساءلت منها قائلاً : لقد ذهبت مع الوالد أكثر من مرّة إلى العتبات المقدّسة في العراق وسوريا ، فهل رأيت كرامة للسيّدة رقيّة عليها السلام لينقلها سماحة الشيخ علي الخلخالي في كتابه «السيّدة رقيّة بنت الإمام الحسين» فتأوّهت الوالدة العزيزة وقالت : نعم ، لقد رأيت كرامة للسيّدة رقيّة عليها السلام بعيناي ، ففي بداية حكومة «البازرگان» وفي شهر رجب سنة 1399 ه. ش تقريباً


أعطاني والدك صورته وصور اخوانك وقال : اذهبي إلى السفارة العراقية لعلّهم يعطوك «تأشيرة» لنذهب بها إلى زيارة سيّد الشهداء عليه السلام.

فأخذت الصور وذهبت إلى السفارة وكتبت أسمائنا خلفها وقدّمتها إليهم ثمّ رجعت إلى المنزل ، وبقينا ننتظر أن يعلنوا أسمائنا للزيارة. وبعد أشهر ـ وكنّا ننتظر يعلنوا عن أسمائنا بفارق الصبر علّنا نوفّق لزيارة أبا عبدالله عليه السلام ـ وفي شهر رمضان بالذات ، راجعت السفارة أكثر من مرّة علّني أجد خبراً منهم إلّا إنّني في كلّ مرّة أعود خائبة مهمومة.

وفي شهر شوال راجعت السفارة وكانت قد أعلنت عن أسماء البعض إلّا أنّ أسمائنا لم تكن معها ، رجعت إلى المنزل مغمومة حزينة باكلية وقد توجّهت إلى الله تعالى وقلت : إلهي إمّا أن تقسم لنا زيارة حجّ بيتك الحرام أو زيارة العتبات المقدّسة ، وحقيقة كنت مشتاقة أيضاً لزيارة بيت الله الحرام إلّا إنّنا لم نكن نملك جواز السفر الخاص لزيارة بيت الله الحرام أيّام الحجّ الأمر الذي جعلني أفقد الأمل في الذهاب إلى بيت الله الحرام.

لحظات قليلة إذا بزوجي يدخل الدار ويقول : ماذا حصل؟ فهل أعلنوا أسمائنا؟ قلت : لا ، فاغتمّ هو أيضاً.

وفي تلك الأيّام كان زوجي يرتقي المنبر في منزل آية الله الزنجاني ، ولمّا رآه السيّد الزنجاني مغموماً تساءل منه وقال : ما هي مشكلتك؟ فنقل والدك له القضية ، وإذا بآية الله الزنجاني يطمئنه ويقول : لا بأس عليك سأكتب لك رسالة للسفارة السعودية ليعطوك تأشيرة الذهاب إلى بيت الله الحرام.

وبالفعل فقد كتب له الرسالة وأخذها والدك إلى السفارة السعودية وتحدّث معهم بالعربية فاستأنسوا به وأعطوه تأشيرة له وحده وهو يتصوّر أنّهم أعطوه تأشيرة لنا جميعاً ولمّا عاد والدك إلى المنزل وأخبرنا بالخبر كنّا لا نصدّق من شدّة الفرح خاصّة الأطفال الذين كانوا يذهبون لأوّل مرّة إلى بيت الله الحرام.

وفي نصف شوال تقريباً سنة 1399 ه وبعد أن أعدّ والدك لوازم السفر إلى سوريا


لننتقل منها إلى السعودية وكنت قد أعددت للأطفال الإحرام وعندما وصلنا إلى سوريا استأجرنا غرفة وكان يسكن في جوارنا شخص عربي وقد تصادق مع والدك ....

وفي أحد الأيّام طلب ذلك الرجل من والدك أن يرى جواز سفره ، ولمّا أخذ الجواز من والدك وقلّب صفحاته قال : لقد منحوك وحدك تأشيرة السفر إلى مكّة أمّا أبناءك وزوجتك فلم يعطوهم شيئاً.

وحقيقة أنّ الدنيا ضاقت بأعيننا عندما قال هذا الكلام خاصّة الأطفال فقد بلغ من شدّة حزنهم أنّهم أخذوا يبكون بشدّة وكان زوجي يطمأنهم ويقول : لا بأس عليكم ، لماذا تبكون ، إنّني لن اترككم وحدكم ، فلابدّ أن نذهب معاً إلى الحجّ.

آنذاك أشار ذلك الرجل العربي على والدك أن يراجع السفارة السعودية في سوريا أو السفارة الايرانية علّهم يحلّون المشكلة إلّا أنّ والدك رفض ذلك وقال : إنّ السيّدة رقيّة عليها السلام هي التي جاءت بنا إلى هنا وهي التي تهيّأ لنا تأشيرة السفر إلى الحجّ.

وفي اليوم الثاني صباحاً ـ وكان يوم الأربعاء وعند الساعة السابعة صباحاً ـ ذهبنا إلى حرم السيّدة رقيّة عليها السلام وكان الباب مغلقاً فوقنا خلف الباب وأخذنا نتوسّل بالسيّدة رقيّة عليها السلام ودموعنا تجري على خديّنا.

لحظات قليلة إذا بأحد السادة العلماء وكان شاباً ـ ولعل عمره 25 عاماً ـ جاء ووقف خلف الباب بكلّ وقار وأخذ ينتظر أن يفتحوا باب الحرم الشريف وكانت إلى جانبه امرأة محجّبة لم أر وجهها لأنّها كانت ترتدي البوشية ، فذهب والدك إليه وتساءل منه بالعربية وقال : من أين أتيت؟ فقال السيّد : من النجف الأشرف.

وبعد مدّة من الزمن كان والدك يتحدّث مع ذلك السيّد الوقور وينقل له القضيّة ، ولأنّ والدك والسيّد كان يقفا بعيداً عنّا لم أسمع تفاصيل الحديث إلّا أنّني سمعت السيّد يقول : اعطني جوازك ، فأعطاه والدك الجواز ثمّ جاء الخدم وفتحوا الحرم فدخل السيّد وزوجته أوّلاً ثمّ دخلنا نحن وكان هناك مسجد على اليمين يسمّى بـ «خرابة الشام» ويقال أنّ السيّدة رقيّة عليها السلام استشهدت فيه ، فذهبنا نحن إلى ضريح السيّدة رقيّة عليها السلام بينما


دخل السيّد وزوجته ذلك المسجد.

ولم تمض سوى لحظات قليلة إذا به بالسيّد يرجع الجواز إلى والدك ويقول : لقد أخذنا لك تأشيرة من أهل البيت عليهم السلام لتذهب أنت وعيالك إلى الحجّ ، ثمّ ودّعه وذهب سريعاً.

مباشرة التفت والدك إليّ وقال : بعد أن حصلنا على تأشيره الحجّ فلنذهب سريعاً إلى مكّة المكرّمة ، فاستأجرنا مع بعض الركّاب سيارة كبيرة للسفر وتحرّكنا يوم الخميس نحو المدينة المنوّرة.

وأتذكّر أنّ والدك قال : ينبغي أن نرافق أحد العرب الذين يعرفون الطريق جيّداً ليصحبنا معه في الطريق ، ثمّ تحرّكنا نحو السعودية عبر الحدود الأردنية إذ أنّ العلاقات بين العراق وسوريا كانت مقطوعة.

ومن نعم الله تعالى وعناية السيّدة رقيّة عليها السلام أنّنا تعرّفنا على شخص عربي كان خبيراً بالطريق وقد قبل أن نرافقه طيلة الطريق.

وما أن تحرّكنا من سوريا وقبل أن نخرج من الحدود إذا بالسيارة تعطّل ، فذخب السائق ليأتي بسيارة أُخرى وبقينا نحن من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة الرابعة بعد الظهر ننتظره دون أن يأتي ، فاتّصل أحد المسافرين معنا بالمرور السوري وأخبرهم بالقضية وطلب منهم أن يبعثوا لنا سيارة لننتقل عبرها إلى مكّة. وما هي إلّا نصف ساعة إذا بالسيارة تأتي وكانت أفضل من السابقة بكثير فركبنا فيها وتحرّكنا بسرعة نحو الحدود السعودية ، وقبل أن نصل إلى الحدود وقفنا عند أحدى المقاهي حيث إنّ والدك طلب من السائق أن ينزل عندها لنستريح قليلاً ، فنزلنا هناك ساعة ثمّ تحرّكنا من جديد حتّى وصلنا إلى الحدود في الساعة الواحدة أو الثانية ليلاً الموافق 29 شوال 1399 ه.

وعند الحدود أخذ المسؤلون الحدود يحقّقون في التأشيرات ويجرون الاجراءات اللازمة فقلقنا جدّاً لأنّ تأشيرتنا كانت صادرة من حرم السيّدة رقيّة إلّا أنّ عناية عزيزة الحسين عليه السلام بقيت ترعانا حتّى في تلك اللحظات حيث جاء المفتّش ونظر إلى التأشيرة


ولم يقل شيئاً أبداً.

ويا سبحان الله ، فقد دخلنا السعودية وفي الساعة الحادية عشرة صباحاً من اليوم الثاني كنّا عند قبور أهل البيت عليهم السلام في البقيع بعد أن أجّرنا منزلاً لاستراحتنا في المدينة.

وبالرغم أنّنا دخلنا السعودية إلّا أنّ القلق كان يراودنا كثيراً ، فبعد أن زرنا المدينة وأدّينا بعض الأعمال هناك قال والدك : ربما لا يسمحوا لنا أن نذهب إلى مكّة فمن الأفضل أن نذهب إلى مكّة ونؤدّي أعمال العمرة المفردة قبل أن يذهب الحجّاج ويزدحم الطريق.

ولذلك فقد تحرّكنا في الخامس أو السادس من ذي القعدة نحو مكّة مع أحد الشيعة الذي أخذنا معه في سيارته ـ وقد قام الرجل بجميع مستلزمات السفر ـ وكلّما مررنا على نقطة مرور كان يأخذ الجوازات ويريهم إيّاها ثمّ يعود إلى أن وصلنا إلى مكّة المكرّمة في حدود الساعة الثانية عشرة ليلاً.

بالطبع أنّنا قبل أن ندخل مكّة أحرمنا في «مسجد الشجرة» وأدّينا الأعمال اللازمة في نفس الليلة التي وصلنا فيها إلى أذّن الصبح فصلّينا صلاة الصبح واسترحنا قليلاً ثمّ ذهبنا إلى مقرّ السيارات التي تذهب إلى المدينة. إلّا أنّنا لم نجد أحداً أصلاً فقلت في نفسي : إلهي ، أنت الذي جئت بنا إلى ضيافتك هنا فلا تتركنا في هذه المخمصة لوحدنا. وما هي إلّا لحظات إذا بسيارة حديثة جدّاً تقف أمامنا ، وبعد أن تكلّم السائق مع والدك ببعض الكلمات قال : اركبوا ، وأخذنا معه إلى المدينة وقد رفض أن يأخذ الأُجرة بتاتاً.

وبعد مدّة من إقامتنا في المدينة المنوّرة وكان الحجّاج يتوافدون من كلّ حدب وصوب أخذ رؤساء الحملات والكثير من الحجّاج الذين يعرفون والدك يتوسّلون به ويطلبون منه أن يلتحق بهم كمرشد لحملاتهم فقبل والدك الالتحاق بحملة الحاج سيّد محسن آل أحمد لأنّه كان يصرّ كثيراً على والدك.

واستمرّ الحال على ذلك إلى أن أدّينا أعمال الحجّ كافّة دون أن يتعرّض لنا أحد أصلاً ثمّ ركبنا بالقرب من جسر أبو طالب أحد السيارات في مكّة وعدنا إلى مدينة قم المقدّسة ومنها انتقلنا إلى مدينة طهران.


هذه كرامة للسيّدة رقيّة عليها السلام رأيتها بعيني وعايشتها بنفسي.

15 ـ التوفيق لزيارة الإمام الحسين عليه السلام

يقول الشيخ علي أبو الحسين سألت من الوالدة أيضاً أتعرفين كرامة أُخرى للسيّدة رقيّة؟ فقالت : نعم ، أتذكّر إحدى الكرامات التي حصلت قبل كم سنة وهي :

قبل عشرين عاماً تقريباً عندما كانت حكومة الشاه في قمّة طغيانها ذهبت مع المرحوم والدك إلى سوريا لنأخذ منها تأشيرة لزيارة العتبات المقدّسة في العراق. وفي سوريا بقينا ما يقارب خمسة عشر يوماً تردّدنا أثنائها أكثر من مرّة على لبنان علّنا نحصل على تأشيرة زيارة عتبات العراق من السفارة العراقية ولكن دون جدوى.

وفي الخامس عشر من شهر شعبان المبارك كنت جالسة وحدي في الفندق وقد أغمّني عدم اعتناء أهل لبنان بهذه المناسبة المهمّة فضلاً عن اشتياقي للزيارة فتوجّهت إلى إمام العصر والزمان عليه السلام بقلب منكسر وقلت : يا إمام الزمان ماذا يجري اليوم في ايران بمناسبة ميلادك الميمون؟

حتماً أنّ الجميع هناك محتفلين بهذه المناسبة أمّا هنا فلا خبر ولا أثر لهذا المولود المبارك ثمّ أخذتني غفوة فرأيت في عالم الرؤيا شاباً حسن المحاسن جميل المنظر طويل القامة يتمشّى يميناً وشمالاً وهو يقول : لقد تهيّأت أسباب سفركم إلى كربلاء.

وبعد أن استيقظت من النوم عاد والدك من السفارة العراقية وقال : لقد كتب أسمائنا ورجعت إلى سوريا إلّا أنّني عرفت ـ بعد أيّام ـ أنّهم رفضوا أن يمنحونا تأشيرة الزيارة.

ولمّا رأيت أن لا فائدة من هذه الطريقة ذهبت إلى أحد الملّاك اسمه «السيّد أنور» وكان خبيراً في المعاملات وله علاقة بالسوّاق الايرانيين وكان يأخذ الجوازات من الزوّار ويبعثها إلى ايران ليأخذوا له معارفه تأشيرة الحجّ للزوّار ثمّ يبعثوا بالجوازات إلى سوريا ثانية.

ومن ضمن الجوازات التي أخذها السيّد أنور هي جوازاتنا وقد بعثها مع جوازات أُخرى إلى ايران ليأخذوا لنا تأشيرة الحجّ وعلماً أنّ الذي أخذ الجوازات رجل أفغاني.


وبعد مدّة قليلة أخبرونا أنّ الرجل قد وقع في يد الأمن الايراني وقد حكموا عليه بالسجن الأمر الذي أدّى إلى قلق الزوّار وحزنهم الشديد إذ أنّهم فضلاً عن حرمان من حجّ بيت الله الحرام سيواجهون مشكلة سياسية في ايران ولذلك اقترح بعضهم أن يبعثوا رسالة إلى زوجة الشاه يطلبون منها أن تحلّ المشكلة إلّا أنّ والدك نهاهم عن ذلك ودعاهم إلى التوسّل بعزيزة سيّد الشهداء السيّدة رقيّة عليها السلام.

ومن هنا فإنّ العديد من الزوّار كانوا يجتمعون كلّ يوم في الحرم الشريف وكان والدك يقرأ لهم مجلس التعزية ويختم مجلسه بالتوسّل بالسيّدة رقيّة عليها السلام.

وبعد عشرين يوماً من التوسّل أخبرنا أنّهم بعثوا بعض الجوازات وتبيّن فيما بعد أنّ الفرد الأفغاني بعد أخذه لتأشيرة الزيارة من طهران شكّ الأمن الايراني به في المطار وأرادوا القبض عليه إلّا أنّه فرّ منهم وفي ذلك الأثناء وقعت بعض الجوازات من جيبه وبقيت البقيّة الباقية ومنها جوازي وجواز والدك.

والملفت للانتباه أنّ الأمن بعد قبضهم على الأفغاني لم يتوجّهوا إلى الجوازات التي في جيبه على كلّ بعد أخذنا للجوازات وكانت فيها تأشيرة عرفنا أنّه لم يبق من مدّة التأشيرة إلّا يوم واحد ولذا فقد استأجرة سيارة وتحرّكنا بسرعة فوصلنا في الليل إلى المدينة ، وبعد أداءنا لأعمال الحجّ عدنا إلى ايران دون أن نواجه أيّة مشكلة.

الجدير بالذكر أنّنا عندما أخذنا تأشيرة الحجّ كنت قد توسّلت بالسيّدة رقيّة عليها السلام وقلت : سيّدتي إذا تيّسر أمرنا للسفر إلى كربلاء المقدّسة فسأعود ثانية إلى زيارتك من جديد وهذا ما حصل تماماً ، فلمّا رجعنا من الحجّ راجعنا السفارة العراقية في طهران وسجّلنا أسمائنا كما أعطى والدك جوازاتنا لأحد الأشخاص كي يتوسّط لنا في أحد التأشيرة.

مضت ثلاث أسابيع ولم نحصل على أي خبر فانتابنا اليأس وكدنا نأخذ الجوازات من الرجل إلّا أنّه رفض ذلك وقال : لنحاول مرّة أُخرى علّنا نصل إلى نتيجة ، وما هي إلّا أيّام قليلة إذا بهم يعلنون أسمائنا في إحدى الصحف وفي نفس الوقت استطاع ذلك الرجل


أن يأخذ تأشيرة ولكن تختلف عن الأُولى إذ أنّ مدّة المسموحة للسفر في الأُولى سبعة أيّام أمّا الثانية فمدّتها أكثر.

ولذلك قال والدك : أُريد البقاء في كربلاء أكثر ولن أُسافر بالتأشيرة الأُولى. وحيث إنّني تعاهدت مع السيّدة رقيّة عليها السلام أن أزورها إذا وفّقت للذهاب إلى كربلاء فقد ذهبنا إلى سوريا لنتحرّك منها نحو العراق إلّا أنّني خفت من الذهاب عبر السيارات ورفضت بشدّة. ولحسن الحظّ أنّ والدك سأل أحدهم في سوريا ويدعى الحاج محمود الشيرازي ـ كان يؤجّر المنازل للزوّار ـ فقال : ألا يوجد هنا طائرة إلى بغداد فإنّ زوجتي تخشى الذهاب عبر السيارة؟ فقال الحاج محمود : اليوم ستصل طائرة من فرنسا إلى دمشق سينزل منها شخصان ثمّ تحلّق إلى بغداد فإذا تحبّ أحجز لك مكانهما ، فوافق والدك وأخذ الحاج محمود لنا تذكرتين وحرّكنا في نفس اليوم من مطار دمشق نحو بغداد في الساعة التاسعة ليلاً.

وفي الساعة العاشرة دخلنا بغداد فأشار بعض المسافرين علينا أن نذهب إلى الكاظمين إلّا أنّ والدك رفض وقال : الليلة ليلة الجمعة وهي ليلة زيارة سيّد الشهدا عليه السلام ولذلك سأذهب إلى كربلاء فأخذنا متاعنا وذهبنا إلى كربلاء وكان الوقت بعد منتصف الليل فبقينا نتردّد بين الحرمين إلى الصباح وقد استمرّ سفرنا في العراق أربعين يوماً ثمّ رجعنا إلى ايران سالمين غانمين رزقنا الله تعالى في الدنيا زيارتهم وفي الآخرة شفاعتهم.

16 ـ طفلة صغيرة ولكنّها باب للحوائج

في أواخر شهر رمضان المبارك سنة 1417 ه عرضت إحدى القنوات التفازية في ايران بمناسبة يوم القدس فيلماً بعنوان «الباقي» وقد عرض نفس الفيلم قبلاً في السينما في شتّى انحاء ايران.

أمّا محور الفيلم فهو يدور حول حياة رجل وامرأة فلسطينيين واسمهما «سعيد ولطيفة» وكان قد قتلا أيّام الانتهاكات الوحشية والقتل العشوائي الذي كانت تقوم به


اسرائيل ضدّ المسلمين الفلسطينيين عام 1948 م في مدينة حيفا.

وتشاء إرادة الله تعالى أن يترك هذان الزوجان طفل رضيع اسمه «فرحان» كان قد بقي ثلاثة أيّام بلا طعام أو شراب إلى ان احتلّت أُسرة من اليهود كانت قد هاجرت من أوربا الشرقية إلى فلسطين منزلهما وعثرت على الطفل هناك ففرحا به خاصّة أنّ الأُسرة اليهودية كانت محرومة من الأولاد فأخذوه وغيّروا اسمه من «فرحان» إلى «موشه» وهو موسى بالعبرانية.

وفي طيلة الفيلم سلّطت الأضواء على حياة «فرحان» والمسمّاة بـ «صفيّة» إلى الأُسرة اليهودية وتدّعي أنّها مربيّة للأطفال ومحافظة لهم علّها تجد فرصة جيّدة لتخلّص حفيدها «فرحان» من يد الصهاينة وما هي إلّا أيّام قليلة إذا بالأُسرة اليهودية تعزم السفر إلى «يافا» وقد صمّموا أن يصحبوا فرحان وجدّته معهم عبر القطار الذي كان ينقل العديد من الجنود والمعدّات العسكرية التي جاءوا بهم لقتل الفلسطينيين ، وفي الطريق وبينما كان القطار يسير في السهول والمرتفعات تنتهي الحلقة الأُولى من الفليم.

في الحلقة الثانية استعرضوا وبشكل جذّاب كيف أنّ جدّة «فرحان» وبإشارة من زوجها المقاوم «رشيد» أخذت حقيبة المتفجرات إلى القطار ، وكيف أنّها دخلت إحدى الغرف الخالية بحجّة تغيير الطفل فوضعت حقيبة المتفجرات وبقيت تنتظر حتّى انفجرت فحملت الطفل فرحان ورمت بنفسها خارج القطار.

أمّا الجدّة صفيّة فقد ماتت في نفس المكان ، وبقي الطفل فرحان يضجّ بالبكاء إلّا أنّ عناية الله عزّوجلّ كانت ترعاه وتحفظه.

على كلّ فقد مثّل الفيلم في سوريا وكان أبطاله من السوريين والمصريين إلّا أنّ مخرج الفيلم كان ايرانياً واسمه «سيف الله داد».

أمّا حول نجاح الفيلم فقد عقد في سوريا مهرجان حول الأفلام فنال هذا الفيلم


إعجاب الكثير من الناس ومن شتّى الطبقات خاصّة المقطع الأخير منه وحسب ما قال ممثّلوا الفيلم في إحدى اللقاءات التي أجرتها معهم مجلّة «نيستان سنة 1375 شمسي ص 60 : إنّ الفيلم عرض خمس مرّات في قاعة المهرجانات التي تستوعب لما يقارب 300 شخص إلّا أنّ كثافة الإقبال على الفيلم جعل المسؤولين يبدّلوا القاعدة بأُخرى تستوعب 1500 فرد فضلاً عن تكرار عرض الفيلم في أكثر من مكان كالجامعات وغيرها.

من جانب آخر فإنّ وسائل الإعلام كالصحف وغيرها تداولت أحداث هذا الفيلم واستعرضت وقائعة وأشادت به وأثنت عليه بشدّة ممّا جعل اشتياق الناس يزداد لرؤيته أكثر.

وقد رأيت شخصياً أكثر من مرّة كيف أن النساء كنّ يبكين عندما يصل الفيلم إلى الأحداث الأخيرة المؤلمة فضلاً عن الرجال الذين كانت آثار البغض بادية عليهم بوضوح خاصّة أُولئك الذين تجرّعوا آلام الظلم الصهيوني وعانوا من طغيانهم المستمر.

الملفت للانتباه أنّ المخرج «سيف الله» قال : أنّ موفّقية الممثّلين للتمثيل بهذه الجذّابية هو ببركة التوسّل بالسيّدة رقيّة عليها السلام في دمشق ، وقد أشار إلى تفاصيل ذلك في نفس اللقاء ص 67 فقال : إنّ موضوع الفيلم بعد مطالعة التاريخ ومراجعة بعض الأحداث الأُخرى تغيّر كلّياً وأصبح أشبه ما يكون بقصّة نبي الله موسى عليه السلام علماً أنّ كلّ فصل منه أُعيدت كتابته من أوّله إلى آخره ما يقارب أربع أو خمس مرّات ولذا صار الفيلم أكثر تأثيراً وجذّابية.

ففي البداية كنت قد كتبت إلى أحداث الانفجار في القطار وفيما بعد أحسست بالإشكالات ، فمثلاً بالنسبة إلى رشيد جدّ الطفل «فرحان» في البدء كان دوره ينتهي بقتله عند انفجار القطار إلّا أنّنا بعد التعديلات غيّرنا ذلك وجعلناه يمثّل أدواراً أُخرى بعد حادثة انفجار القطار.

ومع ذلك كلّه فقد بقيت حائراً ماذا أصنع في أواخر الفيلم؟ لقد كان لدي


«سيناريو» ولكنّه غير كافٍ ولذا كنت قلقاً حتّى انقطعنا عن التمثيل للحلقات التي بعد الانفجار مدّة اسبوعين ....

بل إنّني كنت أكتب كلّ ليلة تفاصيل الأدوار المفترض تصويرها في اليوم الآتي ولكن وبعد أن أجرينا التغييرات وجدت نفسي عاجزاً عن ذلك تماماً فبقيت متحيّراً كتحيّر «صفيّة» إلّا أنّني أخفيت ذلك على البقية إلى أن توجّهت إلى عزيزة سيّد الشهداء السيّدة رقيّة عليها السلام ونذرت لها ممّا جعل الفيلم يوفّق مثل هذا التوفيق العظيم.

وفي دمشق عندما ذهبت للمرّة الأخيرة إلى المهرجان شاهدت كيف أنّ أواخر الفيلم كانت مؤثّرة على الجميع وكان واضحاً جدّاً أنّ هناك عناية خارجية قد تدخّلت في القضية ، ولذا فإنّني بعد المهرجان مباشرة ذهبت إلى حرم السيّدة رقيّة عليها السلام لأتشكّر منها وأفي بنذري.

بالطبع أنّ أهل السينما والفنّانين لا يعتقدون بمثل هذه الأُمور إلّا أنّه في بعض الأحيان ولكرم أهل البيت عليهم السلام يشمل لطفهم وعناياتهم الجميع وإن كانوا غير لائقين لذلك.

وحقيقة لامست قوله تعالى :( وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ) (1) ورأينا جميعاً تأثير الفيلم على حتّى غير المتديّنين الذين كانت تنقلب أوضاعهم يتأثّرون بشدّة وكلّ ذلك ببركات وعناية السيّدة رقيّة عليها السلام ومن الكفر والجهالة أن نقول : إنّ هذا التأثير من غيرها.

تعليق لابدّ منه

بعد كلّ هذه الكرامات هل فكّرنا قليلاً في عظمة البركات الجليلة التي أنزلها الله تعالى ببركة السيّدة رقيّة وعمّتها عقيلة الهاشميين السيّدة زينب عليها السلام ومنها حفظ المنطقة

__________________

(1) سورة الطلاق : 3.


من اعتداءات الصهاينة في القرون الوسطى والإحالة دون وصول اليهود لمخطّطهم الشيطاني ـ من النيل إلى الفرات ـ في العصر الحاضر؟ وهل توسّل أحد بقلب محروق بهاتين السيّدتين المقدّستين لنجاة القدس الأسير وخلاصه من يد اليهود الطغاة؟

فهذا المخرج «سيّد الله داد» الذي توسّل بعزيزة الإمام الحسين عليه السلام شاهد بأُمّ عينيه بركات هذه السيّدة رقيّة عليها السلام يقول : والآن توجّهت كيف يمكن حاجتك من البعض والحال أنّك غير مستحقّ لذلك أصلاً ، ولذا فمن المفترض على جميع المسلمين أن يدركوا أنّ السيّدة رقيّة عليها السلام طفلة صغيرة إلّا أنّها باب عظيم من أبواب الحوائج.


الفصل الثالث عشر

الشام في القرآن والروايات

إنّ من يراجع الآيات والروايات الواردة في مدح الشام خاصّة دمشق يجد لهذه الأرض قداسة عظيمة في الإسلام ، فمن الآيات الواردة في مدح أرض الشام هي قوله تعالى :( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) (1) .

وقد نصّت روايات العامّة والخاصّة على أنّ المراد من الأرض المقدّسة هي بلاد الشام ، فقد نقل المحدّث الجليل الفيض الكاشاني في تفسيره «الصافي» اثر تفسير للآية الكريمة نقلاً عن الإمام الباقر عليه السلام أنّه قال : الأرض المقدّسة يعني الشام(2) .

أمّا شيخ المفسّرين الطبرسي قدس سره فقد قال في تفسير الآية : وهي ـ الأرض المقدّسة ـ دمشق ، وفلسطين ، وبعض الأردن ....

والمقدّسة : المطهّرة ، طهرت من الشرك ، وجعلت مكاناً وقراراً للأنبياء والمؤمنين(3) .

وجاء في بعض الكتب أنّ نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبيّنا وآله السلام عندما كان مقيماً في بعض جبال لبنان اشتاق إلى رؤية الأرض المقدّسة ، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه فقال : اصعد على رأس الجبل وانظر ، فما أدرك نظرك فهو مقدّس ، فنظر فانتهى نظره إلى دمشق وفلسطين والأردن.

__________________

(1) سورة المائدة : 21.

(2) راجع مستدرك الوسائل ج 13 ص 291 ح 15385.

(3) مجمع البيان ج 6 مج 3 ص 308.


ومن الآيات الكريمة الواردة في مدح الشام أيضاً قوله تعالى :( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) (1) فقد قيل أنّ المراد بقوله : باركنا حوله هي دمشق وفلسطين.

أربعة قصور من الآخرة

أمّا الروايات الشريفة الواردة عن طريق أهل البيت عليهم السلام في مدح الشام منها ما ورد عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال : أربعة من قصور الجنّة في الدنيا : المسجد الحرام ، ومسجد الرسول صلى الله عليه واله ، ومسجد بيت المقدّس ومسجد الكوفة(2) .

وقد وردت العديد من الروايات الشريفة المؤكّدة على كثرة الثواب لكلّ من يصلّي في المسجد الأقصى منها ما عن أمير المؤمنين عليه السلام قال : صلاة في بيت المقدس تعدل ألف صلاة وصلاة في المسجد الأعظم تعدل مائة ألف صلاة ، وصلاة في مسجد القبلة تعدل خمساً وعشرين صلاة ، وصلاة في مسجد السوق تعدل اثنتي عشرة صلاة ، وصلاة الرجل في بيته تعدل صلاة واحدة(3) .

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال : صلاة في بيت المقدس ألف صلاة ، وصلاة في المسجد الأعظم مائة صلاة وصلاة في مسجد القبيلة خمس وعشرون صلاة وصلاة في مسجد السوق إثنا عشر صلاة ، وصلاة الرجل في بيته وحده صلاة واحدة(4) .

وعن رسول الله صلى الله عليه واله قال : الصلاة في المسجد الحرام مائة الف صلاة ، والصلاة في المسجد الأعظم مائة صلاة ، والصلاة في مسجد القبيلة خمس وعشرون صلاة ، والصلاة في مسجد السوق اثنا عشرة صلاة ، وصلاة الرجل وحده في بيته صلاة واحدة(5) .

__________________

(1) سورة الإسراء : 1.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 282 ح 6556.

(3) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 233 ح 702.

(4) تهذيب الأحكام ج 3 ص 253 ح 18.

(5) مستدرك الوسائل ج 3 ص 430 ح 3933.


وعن ابن عبّاس أنّه قال : فانطلقوا ـ بنو اسرائيل ـ يؤمّون الأرض المقدّسة وهي فلسطين وإنّما قدسها لأنّ يعقوب عليه السلام ولد بها وكانت مسكن أبيه إسحاق ويوسف ونقلوا كلّهم بعد الموت إلى أرض فلسطين(1) .

تقديس الامبراطوريتين للبيت المقدس

عندما انتصر الروم على الفرس استرجح الامبراطور «هراكليوس» البيت المقدس من الملك خسرو خرج الامبراطور «هراكليوس» من الحدود الايرانية حافي القدمين إلى البيت المقدس شكراً لله تعالى لهذا النصر بينما كان الناس ينشرون في طريقه الورود والرياحين(2) .

وفي «منتخبات التواريخ» للحصني نقل عن السهيلي أنّه قال : أنّ المراد بـ «باركنا حوله» هي الشام ، وأنّ المراد بالشام في اللغة السريانية بمعني النظيفة ، ومن هنا قالوا : أنّ أرض الشام نظيفة مليئة بالخيرات والنعم.

وقيل أيضاً أنّ المراد من قوله تعالى «باركنا فيه» في الآية الكريمة :( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدَاً وسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدَاً فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرِينَ ) ( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) (3) وقوله تعالى :( تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ) (4) هي الشام.

وذكر أبو بكر الخوارزمي فقال : جنّات الدنيا أربع : غوطة دمشق وصفد سمرقند وشعب بوان وايلة البصرة. وأفضلها غوطة دمشق.

وفي روايات العامّة ورد الكثير من المدح لأرض الشام خاصّة دمشق وإن كان

__________________

(1) بحار الأنوار ج 13 ص 178 ح 7.

(2) بيت المقدس وتحويل القبلة تأليف آية الله ميرزا خليل كمره اى ص 52.

(3) سورة الأنبياء : 69 ـ 71.

(4) سورة الأنبياء : 81.


يقوى الظنّ أنّ معظمها قد جعلت من وعّاظ السلاطين ليرضوا رؤوساءهم ويغطّوا جرائمهم أمثال أبي هريرة وضّاع السنّة الشهير الذي روى العديد من الروايات في مدح أرض الشام ، ومنها قوله : أربع مدن من مدن الجنّة : مكّة والمدينة وبيت المقدس والشام.

وروى أيضاً أنّ رسول الله صلى الله عليه واله قال : ستكون فتن ، قيل : يا رسول الله فماذا تأمرنا؟ قال : عليكم بالشام.

ونحن نتساءل منه قائلين كيف يكون ذلك والحال أنّ الشام منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه واله إلى اليوم محلّ للقردة الأمويين بحيث إنّ الإمام الباقر عليه السلام لا يذكر أهل هذه البلادة إلّا واستاء؟ ففي الحديث أنّه عليه السلام قال : نعم الأرض الشام ، وبئس القوم أهلها ، وبئس البلاد مصر؛ أما إنّها سجن من سخط الله عليه ، ولم يكن دخول بني اسرائيل إلّا معصية منهم لله. لأنّ الله قال :( ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ ) (1) ، يعني الشام ، فأبوا أن يدخلوها بعد أربعين سنة. قال : وما خروجهم من مصر ودخلوهم الشام إلّا بعد توبتهم ورضا الله عنهم(2) .

وفي تفسير الإمام العسكري عليه السلام أنّه لمّا بلغ أمير المؤمنين عليه السلام أمر معاوية ، وأنّه في مائة ألف قال : من أي القوم؟ قالوا : من أهل الشام. قال : لا تقولوا من أهل الشام ، ولكن قولوا من أهل الشؤم ، هم من أبناء مصر ، لعنوا على لسان داود ، فجعل منهم القردة والخنازير(3) .

__________________

(1) سورة المائدة : 21.

(2) سفينة البحار ج 4 ص 361.

(3) سفينة البحار ج 4 ص 361.


الفصل الرابع عشر

الآثار التاريخية في الشام

هنك عدّة أُمور جعلت منطقة الشام خاصّة تنال اهتمام الطواغيت الذين أخذوا يتنافسون لبسط قدراتهم عليها منها نقاء هواءها ولطافت الجو وكثرة نعمها وموقعها السياسي الحسّاس فضلاً عن الآثار التاريخية والمشاهد العظيمة والمزارات المباركة ، فمن أهم تلك الآثار التاريخية هو :

آثار الشام في عهد الأنبياء عليهم السلام

نقل محمّد أديب الحصني في كتابه «منتخبات التواريخ» عن رحلة ابن بطوطة فقال : قاسيون هم اسم لجبل يقع في شمال دمشق ، والصالحية تقع في ساحل هذا الجبل ، وهو جبل معروف بالبركة إذ أنّ الأنبياء كانوا يتسلّقون عليه. ومن المشاهد المقدّسة في هذا الجبل هو غار نبي الله إبراهيم عليه السلام الذي ولد فيه وغار ضيّق ، كما يوجد على الجبل مسجد كبير وصومعة ، وقيل إنّ نبي الله إبراهيم عندما كان يشكّك في الآلهة المزيّفة ـ كما هو مذكور في القرآن الكريم ـ إنّما شكّك فيها في هذا الغار.

وفي خلف الغار يقع مقام نبي الله إبراهيم عليه السلام حيث كان يجلس فيه عندما يخرج من الغار ، ناهيك عن «مغارة الدم» التي تقع بالقرب من الغار وعليها صخرة حمراء يقال إنّ قابيل عندما قتل أخيه هابيل أخذ يجرّ جسده إلى هذا الغار فحفظ الله تبارك وتعالى دم هابيل وأبقاه كعبرة على هذه الصخرة.

ويقال إنّ في هذا الغار صلّى نبي الله إبراهيم وموسى وعيسى وأيّوب ولوط عليهم السلام ، وفي نفس الغار وعندما يصعد الإنسان بعض الدرجات يوجد مسجد وبعض البيوت والحجر التي كانوا يسكنون فيها.


بالاضافة إلى ذلك هناك كهف فوق الجبل ينسب لنبي الله آدم عليه السلام وله بناء لا بأس به ، وبالأسفل منه يقع «غار الجوع».

ونقل القزويني وابن الوردي بشكل مختصر عن هذه الآثار فقالا : جبل قاسيون يطلّ على دمشق وفيه آثار الأنبياء فضلاً عن الغارات والكهوف ومنها غار «الدم» الذي نقل أنّ قابيل قتل هابيل فيه ، وهناك صخرة يقال إنّ قابيل هشّم رأس أخيه هابيل بها ، ويوجد أيضاً غار يسمّى بغار الجوع.

ونقل شهاب المينني فقال : يطلّ جبل قاسيون على مدينة دمشق ، وعلى ساحل الجبل هناك مدينة الصالحية وكانت تسمّى قديماً بـ «قرية النخل» أو «قرية الجبل». وعلى ساحل الجبل هناك قبور لا تحصى للأنبياء والصلحاء وقد اندرس أكثرها ولم يبق منها سوى قبر ذي الكفل عليه السلام.

ومن الآثار التاريخية أيضاً هو الكهف الذي أُشير إليه في القرآن الكريم كما نقل البعض ، إلّا أنّ الأصحّ أنّ هذا الكهف هو كهف طرطوس ، وفي هذا الجبل مقام بعض الصالحين كانوا يتعبّدون ويدعون الله تعالى هناك ، وبالجنب من هذا المقام يوجد «غار الدم» وبالأعلى من هذا المقام هناك مكان يستجاب فيه الدعاء يقال له «المستغاث» يقصده أصحاب الحوائج ويدعون فيه ويتوسّلون.

الآثار التاريخية في عهد الإسلام

1 ـ المسجد الجامع : من الأبنية التاريخية في الشام هو مسجد الجامع في دمشق الذي يعدّ من عجائب هذه البلاد.

شيّد هذا المسجد الوليد بن عبد الملك سنة 86 أو 87 أو 88 بعد أن صرف عليه خراج البلاد لمدّة سبع سنين وقد بالغ المؤرخون في الحديث عنه ، فمن كلام لابن بطوطة قال فيه : أنّ مسجد دمشق هو من أكبر مساجد الدنيا من حيث السعة ومن أقواها بناءً وأبدعها جمالاً فهو مسجد عديم النظير ولا شبيه له ، ثمّ أخذ يشرح خصوصيات بناءه


وحال أعمدته ومحرابه وقبّته المسمّاة بالنسر.

وعلى أيّة حال فالإنصاف أنّ المسجد هو في غاية الجمال والدقّة خاصّة أحجار المحراب والمنبر التي تجذب الأنظار وتنال اعجاب كلّ من ينظر إليها.

ففي وسط المسجد هناك قبّة تسمّى بـ «قبّة النسر» فضلاً عن الأعمدة الحجرية الجميلة والتي يصل عددها إلى أربعين عموداً.

وفي القسم الغربي من المسجد يوجد بئر فوقه حوض حجري قد غطّى فم البئر فمن كلام للحموي في معجم البلدان قال فيه : مسجد دمشق وكان قد بناه الوليد بن عبدالملك بن مروان وكان الابتداء بعمارته في سنة 87 ، وقيل 88.

وقال أيضاً : وعمل له أربعة أبواب : في شرقية باب جيرون ، وفي غربيّة باب البريد ، وفي القبلة الزيادة وباب الناطفانيين مقابله وباب الفراديس في دبر القبلة(1) .

احتراق في المسجد الجامع في دمشق

أشار أحمد غسّان سباكو في كتابه «دمشق في دوائر المعارف العربية والعالمية» ص 119 إلى المسجد الجامع في دمشق فقال : لقد صرف من خراج الشام لمدّة سنتين أو أكثر ـ كما في بعض الأقوال ـ في تشييد المسجد الجامع حتّى صار من أجمل المساجد في العالم الإسلامي. وبقي المسجد على ذلك الحال إلى عام 46 ، وفي ذلك العام ـ وكان في عهد الفاطميين ـ اندلع حريق عظيم في المسجد وقد احترق المسجد بعد ذلك ما يقارب ست مرّات آخرها كانت سنة 1310 ه ، وكما يشير الكاتب ، أنّ المسجد كان في البداية عبارة عن كنيسة بناها الامبراطور «كليودسيوس»(2) .

أمّا ابن عساكر الذي ألّف ثمانين كتاباً في تاريخ دمشق قال : إنّ أصل المسجد الجامع كان كنيسة للنصارى ، وبعد أن فتح المسلمون الشام أخذوا يصلّون في زواية منه

__________________

(1) معجم البلدان ج 2 ص 465 ـ 466.

(2) مراقد أهل البيت عليهم السلام ص 14.


بينما كان النصارى يصلّون في القسم البقيّة إلى أن استولى الوليد بن عبدالملك بن مروان على البقية وصار المسجد كلّه للمسلمين(1) .

وقد وصف صاحب كتاب «زيارات الشام» مسجد الجامع في دمشق ، ومن ضمن الأُمور التي أشار إليها في كتابه هي «صخرة القربان» فقال : بالقرب من «باب الساعات» صخرة كبيرة كانوا يجعلون القرابين عليها.

ومن كلام لابن عساكر في تاريخه قال فيه : كانوا يجعلون القربان على الصخرة فإذا كان مقبولاً فإنّ النار تنزل من السماء وتحرقه ، أمّا إذا لم يكن مقبولاً فيبقى على حاله(2) ، وقد ذكر ياقوت الحموي صاحب كتاب «معجم البلدان» هذا الكلام أيضاً.

ومن كلام لابن عساكر أيضاً في هذا المقام قال فيه : أنّ مسجد علي بن الحسين عليهما السلام معروف في مسجد الجامع وكان عليه السلام يصلّي في القسم الشمالي الشرقي من المسجد في كلّ يوم وليلة ألف ركعة(3) .

باحة المسجد

إنّ مساحة باحة المسجد في العصر الراهن تسع 1532 متر مربع ، وفي هذه الباحة يوجد 44 عموداً وبناء مكوّن من طبقتين ، وتنقسم هذه الباحة إلى ثلاثة أقسام في القسم المتوسّط منها هناك قبّة كبيرة تسمّى بـ «العقاب».

وهناك منبر داخل المسجد مشهور بأنّ الإمام السجّاد عليه السلام ارتقاه وخطب الناس خطبته المعروفة عندما أُدخلوا على الطاغية يزيد بن معاوية ، وفي الناحية الأُخرى من المسجد توجد قبّة صغيرة تعتمد على أربعة أعمدة ويعرف هذا المكان بمقام الإمام زين العابدين عليه السلام حيث نقل إنّه عليه السلام كان يستريح في هذا المكان.

__________________

(1) مهذّب تاريخ دمشق لابن عساكر ج 1.

(2) مهذّب تاريخ دمشق لابن عساكر ج 1 ص 197.

(3) مراقد أهل البيت في الشام ص 7 ـ 15.


وإلى جنب المسجد المذكور ـ في الجهة الشرقية منه ـ يقع مقام رأس الإمام الحسين عليه السلام ـ وهو موضع زيارة يقصده الشيعة الموالون والمحبّون من شتّى أطراف العالم(1) .

مقامات الأنبياء

1 ـ مقام رأس نبي الله يحيى عليه السلام : وفي هذا المسجد يوجد مقام رأس نبي الله يحيى عليه السلام ، أمّا موضع جسده الشريف كما في «منتخبات التواريخ» فهو في مسجد القلب في الزبداني وهي إحدى مدن سوريا.

ونقل صاحب «منتخبات التواريخ» أيضاً عن زيد بن واقد أنّه قال : عندما أرادوا بناء المسجد شاهدت رأس نبي الله يحيى عليه السلام أخرجوه من تحت أحد أركان القبّة وكانت محاسن الرأس الشريف بما فيها الشعر لم تتغيّر أصلاً.

وقال زيد بن واقد أيضاً : كنت مشرفاً على العمّال من قبل الوليد أيّام تشيّد المسجد ، وفجأة عثرنا على غار فنقلنا الخبر إلى الوليد وكان الوقت ليلاً فأخذوا الشموع أمامه ودخل الغار فوجدنا آثار إحدى الكنائس ومعها مصلّى صغيرين لعلّ مساحتهما ثلاث أذرع في ثلاثة أذرع ، وفي هذه الكنيسة يوجد صندوق صغير فتحه الوليد فوجد رأس نبي الله يحيى عليه السلام وقد وضع في سلّة وجعلت داخل الصندوق وكتب على السلّة : «هذا رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام» فأمر الوليد أن يرجع الرأس الشريف مكانه ويبنو فوق عموداً يتميّز عن بقيّة الأعمدة(2) .

ولا يخفى أنّ القرآن أشار إلى هذا العبد الصالح في بداية سورة مريم حيث قال

__________________

(1) شام سرزمين خاطره ها ص 63.

(2) من أراد الاطّلاع أكثر فليراجع كتاب مراقد البيت عليهم السلام في الشام تأليف آية الله السيّد أحمد الفهري الزنجاني.


تعالى :( كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ... ) (1) الخ ، وقد أُوتي هذا العظيم النبوّة في طفولته فقال عزّ من قائل :( وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً ) (2) ، وكان لنبي الله يحيى عند الله عزّوجلّ مقام عظيم ، وكما يشير الإمام الباقر عليه السلام في «الكافي» أنّه كلّما ذكر الله تعالى أجابه بـ «لبّيك يا يحيى»(3) .

وقد بكى هذا النبيّ عليه السلام من خشية الله تعالى إلى أن تساقط لحم وجهه فكان يضع القماش على وجهه حتّى لا تؤذيه الدموع إذا بكى(4) .

وبالاضافة إلى مرقد رأس نبي الله يحيى هناك الكثير من قبور الأنبياء في مسجد الشام ، وكما نقل صاحب «منتخب التواريخ» عن مؤلّف «روضة الأنام» أنّه قال : إنّ قبر نبي الله هود عليه السلام في الحائط الجنوبي من المسجد الجامع في مقابل مقام رأس نبي الله يحيى عليه السلام إلّا أنّه ليس له علامة ظاهرة تدلّ عليه وقد ذكر الكثير من مؤرخين الشام ذلك.

2 ـ قبر نبي الله هود عليه السلام : نقل الهروي أيضاً في «الاشارات» أنّ قبر نبي الله هود عليه السلام في حائط في جهة قبلة المسجد ، وحسب قول البعض أنّ هناك حجراً بالقرب من قبره مكتوب عيه :( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ) (5) أنا هود بن الجلود ابن عاد بن عوص بن سام بن نوح ، جئتهم بالرسالة وبقيت فيهم مدّة عمر فكذّبوني فأخذهم الله بالريح العظيم(6) .

3 ـ مقام الخضر عليه السلام :

كان نبي الله الخضر عليه السلام يصلّي دائماً في هذا المسجد ، وهو يقع من الجهة الشرقية

__________________

(1) سورة مريم : 1.

(2) سورة مريم : 12.

(3) الكافي ج 2 ص 534 ح 38.

(4) للاطّلاع على المطلب أكثر راجع مراقد أهل البيت عليهم السلام في الشام.

(5) سورة الإسراء : 23.

(6) مراقد أهل البيت عليهم السلام في الشام ص 24.


للقبلة بالقرب من المنارة الشرقية.

أمّا الآن فهو يقع بالقرب من المحراب الأصلي للمسجد موازياً لمقام نبي الله هود عليه السلام وقد كتب على جدار القبلة «هذا مقام خضر النبي عليه السلام».

وكما في الأخبار الشريفة أنّ نبي الله الخضر عليه السلام سيبقى حيّاً إلى عصر ظهور الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف ثمّ يظهر ويتقدي هو وجماعته بالإمام الحجّة عليه السلام ويصلّون خلفه.

4 ـ مكان نزول نبي الله عيسى عليه السلام : ورد عن رسول الله صلى الله عليه واله أنّه قال : إنّ نبي الله عيسى بن مريم عليهما السلام ينزل بالجنب من المنارة الشرقية في دمشق ـ أي في المسجد الجامع ـ يوجد حجر كان نبي الله موسى عليه السلام قد ضربه بعصاه فانفجرت عنه اثنتا عشرة عيناً(1) .

مراقد أهل البيت عليهم السلام في الشام

1 ـ حرم السيّدة زينب عليها السلام :

تفيد الدلائل الكثيرة أنّ القبر الموجود في الجنوب الشرقي من العاصمة السورية والذي عمّر في السنوات الأخيرة وأُعيدت توسعته من جديد هو قبر عقيلة الهاشميين السيّدة زينب بنت أمير المؤمنين عليه السلام إلّا أنّ البعض من الأعلام ذهبوا أنّ القبر الموجود في الغوطة هو قبر «أُمّ كلثوم» ، كما ذهب البعض الآخر أنّه قبر للسيّدة زينب عليها السلام.

ولكي يتّضح المطلب فإنّ أقوال المؤرخين حول القبر الموجود في سوريا اليوم هي :

1 ـ قبر السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام.

2 ـ قبر السيّدة زينب وكنيتها أُمّ كلثوم وأضافوا بأنّها بنت السيّدة الزهراء عليها السلام.

__________________

(1) تاريخ الأماكن السياحية في سوريا ص 92 ـ 93 ، ومراقد أهل البيت عليهم السلام في الشام ص 24.


3 ـ قبر السيّدة زينب الصغرى عليها السلام ، كنّاه بأُمّ كلثوم زوجة محمّد بن عقيل وكانت أُمّها جارية.

4 ـ ذهب عدّة من الشيعة والسنّة أنّ القبر هو للسيّدة زينب الكبرى بنت الإمام علي عليه السلام ووالدتها الصدّيقة فاطمة عليها أفضل الصلاة والسلام.

ويمكن الجمع بين الأقوال أنّ السيّدة زينب عليها السلام الموجودة في سوريا تكنّى بأمّ كلثوم فينتفي التنافي بين القول الأوّل والثاني والرابع ، ومع الالتفات أنّ القول الثالث لا دليل تاريخي معتبر له ، فيكون القبر للسيّدة زينب بنت أمير المؤمنين عليه السلام والصدّيقة الزهراء عليها السلام.

أمّا كيف جاءت هذه السيّدة الجليلة إلى الشام ولماذا؟ وأيّهما أصحّ أنّها سافرت إلى سوريا مع زوجها عبدالله بن جعفر في إحدى السنين المجدبة أم أنّها هاجرت من المدينة أيّام واقعة الحرّة الأليمة عندما أباح يزيد اللعين المدينة المنوّرة؟

فهذا وللأسف الشديد ما لم يتطرّق إليه التاريخ ، نعم كتب بعض المتأخرين حول سفر العقيلة إلّا أنّهم لم يعتمدوا في ذلك على مصادر تاريخية.

فقد نقل أنّ الحافظ شمس الدين محمّد بن طولون الدمشقي المتوفّى سنة 952 ه ذكر في كتابه حول حياة السيّدة زينب عليها السلام أنّها سافرت إلى الشام أيّام واقعة الحرّة سنة 62 ه.

أمّا العلّامة الأمين قدس سره فقد نقل عن كتاب «تحيّة أهل القبور بالمأثور» أنّها عليها السلام سافرت في عهد عبدالملك بن مروان سنة القحط ليتفقّد عبدالله بن جعفر مزارعه التي في الشام ، فماتت العقيلة ودفنت في ذلك المكان.

وكتب اعتماد الدولة أيضاً في كتابه «خيرات الحسان» حول ذلك فقال : أمّا قبر السيّدة زينب عليها السلام ـ أصحّ الروايات ـ فهو في أحدى قرى الشام ، فلمّا أصابت المجاعة أهل المدينة أخذ عبدالله بن جعفر أهله إلى الشام ، وفي أثناء توقّفه في إحدى القرى ـ


والتي قبر السيّدة موجود فيه اليوم ـ استمرضت العقيلة وماتت ودفنت في نفس القرية(1) .

ميلاد السيّدة زينب

فتحت العقيلة زينب عينيها المباركتين في المدينة المنوّرة في الخامس من جمادي الأُولى السنة الخامسة أو السادسة للهجرة ، وحينما أخبر رسول الله صلى الله عليه واله بولادتها جاء إلى منزل الصدّيقة الزهراء عليها السلام وقال : ايتوني بالمولودة لأراها ، فجاءته الصدّيقة عليها السلام بها فأخذها في حضنه وهو ينظر إليها ودموعه تنحدر على خدّيه ، فتوجّهت الصدّيقة الزهراء عليها السلام إلى ذلك وهاج بها الحزن بها وقالت : ممّا بكاءك يا أبة؟! قال صلى الله عليه واله : إنّ بكائي لما يجري على هذه الطفلة بعدنا من المصائب.

فقد عرضت عليّ مصائب كربلاء وما يجري على ابنتي هذه يوم عاشوراء بعد قتل أخيها الحسين عليه السلام وكيف أنّها ستصبر على قضاء الله تعالى وقدره ، ثمّ مكث رسول الله صلى الله عليه واله ينظر إليها مليّاً ويبكي مدّة إلى أن قال صلى الله عليه واله ما مضمونه : يا فاطمة! كلّ من بكى لمصائب زينب ينال ثواب من بكى على الحسن والحسين عليهما السلام.

الاسم المبارك

جرياً على العادة ، فإنّ أمير المؤمنين والصدّيقة الزهراء عليها السلام لم يكونا يسبقا رسول الله صلى الله عليه واله في تسمية أبناءهما ، ولذا فإنّهما عند تسمية عقيلة الهاشميين بقيا ينتظران رسول الله صلى الله عليه واله الذي كان ينتظر السماء ماذا تسمّيهم.

وعندما دخل رسول الله صلى الله عليه واله عليهما الدار هبط الأمين جبرائيل عليه السلام وأشار عليه أن يسمّيها بـ «زينب» وبالطبع فإنّ لأمير المؤمنين بنتين بهذا الإسم إحداهما زينب الكبرى والأُخرى زينب الصغرى ، أمّا كنيتها عليها السلام فهي أُمّ الحسن ، وفي بعض الأخبار أنّ كنيتها أُمّ كلثوم.

وكانت عليها السلام تلقّب بـ «العقيلة» و «عقيلة بني هاشم» و «عقيلة الطالبيين» ،

__________________

(1) شام سرزمين خاطره ها تأليف مهدي پيشوايى ص 215 ـ 216.


والعقيلة هي التي تكون عزيزة جدّاً في قبيلتها.

كما أنّ لها ألقاباً أُخرى منها : الموثّقة ، العارفة ، العالمة غير المعلّمة ، الفاضلة ، الكاملة ، عابدة آل علي ، والمحدّثة ، وبطلة كربلاء.

ويكفيها فضلاً أنّ الإمام السجّاد عليه السلام قال في حقّها : أنت بحمد الله عالمة غير معلّمة وفهيمة غير مفهّمة.

الرؤيا العجيبة

نقل مؤلّف «طراز المذهب» فقال : في أواخر عمر النبي صلى الله عليه واله جاءته العقيلة زينب عليها السلام وقالت : يا جدّاه : رأيت في الرؤيا عاصفة شديدة جعلت الدنيا ظلماء ومن شدّة العاصفة لذت بشجرة كبيرة وفجأة إذا بالريح تقلع الغصن الذي كنت متمسّكة به فلذت بغصن آخر فاقتلع هو الآخر فلذت بالثالث ثمّ الرابع فاستيقظت من النوم فزعة مرعوبة.

فالتفت الرسول صلى الله عليه واله إليها ودموعه الشريفة تجري على محاسنه وقال : إنّ الشجرة الكبيرة أنا وعمّا قليل أُفارقكم ، والغصن الأوّل هو أُمّك فاطمة عليها السلام ، والغصن الثاني هو أبيك علي عليه السلام والغصنين الآخرين هما الحسنان عليهما السلام وبفقدهما تظلّم الدنيا(1) .

عبادة السيّدة زينب عليها السلام

لقد ورثت السيّدة زينب في العبادة أُمّها فاطمة الزهراء عليها السلام ، فكما أنّ الصدّيقة فاطمة عليها السلام كانت تقوم الليل كلّه بالعبادة والتهجّد وتلاوة القرآن ، كذلك هي العقيلة زينب عليها السلام ، كانت تقوم الليل كلّه ولذلك قال لها سيّد الشهداء عليه السلام : يا أُختاه لا تنسيني في نافلة الليل(2) .

وكما نقل بعض الأعلام : أنّ السيّدة زينب عليها السلام لم تترك قيام الليل طيلة عمرها

__________________

(1) حضرة زينب كبرى تأليف محمد مقيمى ص 49.

(2) الخصائص الزينبية ص 105.


المبارك حتّى في ليلة الحادي عشر عندما رأت تلك المصائب التي تجعل رأس الطفل شيباً كانت تصلّي من جلوس وإلى ذلك يشير الإمام السجّاد عليه السلام فيقول : إنّ عمّتي زينب لم تترك صلاة الليل رغم شدّة تعبها ، وقد رأيتها في أحد المنازل تصلّي صلاة الليل من جلوس ، ولمّا سألتها عن ذلك قالت : منذ ثلاثة أيّام وأنا أُقدّم طعامي إلى الأطفال ولشدّة الجوع عجزت عن الصلاة من قيام.

نعم ، فلولا جهاد السيّدة زينب في كربلاء والكوفة والشام لم يبق من الإسلام إلّا اسمه ومن الدين إلّا رسمه.

زهد السيّدة زينب عليها السلام

لقد بلغت السيّدة زينب عليها السلام درجة في التسليم والرضا بقضاء الله تعالى أنّها عافت العزّ والجاه الذي كان في بيت زوجها وخرجت إلى كربلاء ـ بعد إذن زوجها طبعاً ـ لتنصر دين الله تعالى وتؤازر إمام زمانها سيّد الشهداء عليه السلام الذي خرج لطلب الإصلاح في أُمّة جدّه رسول الله صلى الله عليه واله.

وفي واقع الأمر إنّ هذا هو قمّة الزهد ، حيث يتخلّى الإنسان عن كلّ شيء ويخرج من أجل نصرة الدين وإعلاء كلمة الله في الأرض(1) .

مجلس العقيلة في الكوفة

ذكر الجزائري فقال : عندما كان أمير المؤمنين عليه السلام في الكوفة كانت العقيلة زينب عليها السلام تفسّر لنساء الكوفة القرآن الكريم في بيتها.

وفي أحد الأيّام كانت تفسّر قوله تعالى «كهيعص»(2) فدخل أمير المؤمنين عليه السلام الدار وقال : سمعتك تفسّرين قوله «كهيعص» قالت : نعم يا ابتاه ، قال : أما أنّها رموز للمصائب التي تنزل بكم آل الرسول صلى الله عليه واله ثمّ أخذ يعدّد لها المصائب التي ستنزل بهم يوم

__________________

(1) رياحين الشريعة ج 3 ص 63.

(2) سورة مريم : 1.


عاشوراء فارتفع صوت العقيلة بالبكاء والأنين(1) .

جود السيّدة زينب عليها السلام

سأل أحد المحتاجين أميرالمؤمنين عليه السلام أن يساعده ، فذهب الإمام علي عليه السلام إلى بيته وقال للصدّيقة الزهراء عليها السلام : هل لدينا طعام نعطيه لهذا المحتاج؟ قالت عليها السلام : ليس لدينا إلّا قرصاً واحداً من خبز الشعير وهو للسيّدة زينب عليها السلام ، آنذاك التفت عقيلة الهاشميين إلى الصدّيقة فاطمة عليها السلام وقالت : اعطي الخبز للمحتاج وأنا أصبر على الجوع.

وقد بلغ من شدّة جود وكرم هذه المرأة العظيمة أنّها أنفقت كلّ ما تملك وضحّت بنفسها من أجل إعلاء كلمة الحقّ وهذا قمّة الجود والسخاء(2) .

ولا غرابة في ذلك ، فإنّ الطفلة التي لا يتجاوز عمرها خمس سنوات تكون بهذه الكيفية من الكرم بالطبع إنّها تضحّي من أجل العقيدة الإسلامية كلّ هذه التضحيات العظيمة.

استجابة دعاءها

من كلام لميرزا محمّد تقي سپهر في «ناسخ التواريخ» قال فيه : إنّ جلاوزة يزيد أدخلوا أهل البيت عليهم السلام من دروازة الساعات وهو أبعد الطرق إلى قصر يزيد في الشام.

وقبل أن يدخلوهم الشام أمروا الناس أن يزيّنوا المدينة وتعطّل الأسواق وتخرج المغنّيات في الشوارع ومعنّ الطبول والمزامير ، وقد أمر يزيد أن يرفعوا مئة وعشرين علماً ويبارك الناس بعضهم بعضاً فرحاً بهذا العيد المشؤوم.

ففي الخبر عن أبي مخنف : أنّهم مرّوا بأهل البيت عليهم السلام على قصر لعجوزة تدعى أُمّ الحجّام ، وقد كانت جالسة مع أربع نساء ، ولمّا رأت العجوزة رأس سيّد الشهداء عليه السلام وهويسطع نوراً ضربته بحجر فسالت الدماء الزاكية من جبينه.

__________________

(1) الخصائص الزينبية ص 27 ، رياحين الشريعة ج 3 ص 27.

(2) رياحين الشريعة ج 3 ص 64.


أنذاك ضجّت العلوبات بالبكاء والعويل خاصّة العقيلة زينب عليها السلام التي زادها المنظر همّاً فوق همّها فرفعت يديها المباركتين نحو السماء ودعت الله بقلب حزين وقالت : اللهمّ خرّب قصرها وأحرقها بنار الدنيا قبل نار الآخرة.

يقول الراوي : أُقسم بالله ، ما أن دعت العقيلة بهذا الدعاء إذا بالقصر يلتهب ناراً يحترق حتّى صار رماداً ثمّ هبّت ريح عاصفة وذرته الرماد في كلّ مكان بحيث إنّه لا يمكن إعادة تشييده أبداً.

خطبة العقيلة عليها السلام في الشام

يقول مؤلّف «بحر المصائب» : حينما مرّوا بالعقيلة زينب عليها السلام في أسواق الشام يقدمها الرأس الشريف والناس ينظرون إليها فرحين مسرورين يضربون الطبول والمزامير فرحاً بهذا العيد كان الرأس الشريف بين الفترة والأُخرى يقول : لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم.

في ذلك الحال وبينما كان الناس يستهزؤون بأهل البيت عليهم السلام توجّهت عقيلة الهاشميين عليها السلام إلى رأس أخيها المظلوم عليه السلام وقالت : يا أخاه! انظر إلينا ولا تغمض عينيك عنّا ونحن بين العدى.

فالتفت الرأس الشريف إليها وقال : يا أُختاه اصبري ، فإنّ الله تعالى معنا.

ولذلك فإنّ السيّدة زينب عليها السلام لم تتحمّل جسارة القوم على الله تعالى فالتفت إليهم وقالت : أيّتها الأُمّة المشؤومة ، تقتلون ابن نبيّكم وسيّد شباب أهل الجنّة وتطوفون بأهله وعياله في أسواقكم فرحين بذلك؟! لا أنالكم الله رحمته وسخط عليكم

بعض كرامات السيّدة زينب عليها السلام

بداية وقبل كلّ شيء ينبغي الالتفات أنّ أصل وجود سيّدة زينب عليها السلام هو كرامة من الله تعالى ، فهي فرع من تلك الشجرة الطيّبة التي مدحها الله تعالى فقال :( أَصْلُهَا ثَابِتٌ


وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ) (1) .

من جانب آخر فإنّ حياة هذه السيّدة الجليلة شاهد حقّ على كراماتها العظيمة ، ومع ذلك فإنّنا سنذكر بعض كراماتها ليعتبر منها الموالون ويتّعظ بها كلّ من كان له عقل سليم.

أمّا الكرامات فهي :

1 ـ نفس قصّة العجوزة التي ذكرناها هي شاهد صدق على كرامة السيّدة زينب عليها السلام.

2 ـ قصّة جبل الجوشن الذي كان من النحاس وسقوط الطفل محسن المذكورة في التاريخ.

3 ـ تصرّفها عليها السلام في النفوس عندما خطبت خطبتها في سوق الكوفة ، بل وتصرّفها في الجمادات كما نقلوا إذ أنّها عليها السلام لمّا أشارت على القوم أن اسكتوا هدأت الأنفاس وسكنت الأجراس.

4 ـ علمها اللدنيّ الذي أشار إليه الإمام زين العابدين عليه السلام فقال : عمّة! أنت بحمد الله عالمة غير معلّمة.

5 ـ إجابة دعاءها في حقّ ذلك الرجل الذي قال ليزيد الطاغية هب لي هذه الطفلة ـ أي سكينة ـ.

6 ـ كيفية ولادتها عليها السلام.

7 ـ قصّة طبخ الحلوى المذكورة في الكتب.

8 ـ إخبارها عليها السلام ببقاء ذكر أهل البيت عليهم السلام وسرعة زوال سلطنة بني أُميّة في مجلس يزيد الطاغية حينما خطبت المعروفة والتي تعدّ في حدّ ذاتها كرامة لها.

9 ـ قصّة «فضّة والأسد» المذكورة في فروع الكافي وبحار الأنوار وغيرها من

__________________

(1) سورة إبراهيم : 24.


الكتب(1) .

10 ـ استجابة دعاءها حينما دعت على ذلك الرجل إثر حرقهم للخيام.

11 ـ رؤيتها للرسول صلى الله عليه واله وجبرئيل وادي كربلاء.

فقد ذكر الشيخ جعفر النقدي في كتاب السيّدة زينب نقلاً عن رواية في البحار عن الإمام الصادق عليه السلام أنّ السيّدة زينب عليها السلام لمّا جاءت إلى مصرع سيّد الشهداء عليه السلام ظهر عاشوراء رأت جدّها رسول الله صلى الله عليه واله وخاطبت عسكر بن سعد قائلة : الويل لكم ألا ترون رسول الله صلى الله عليه واله كيف يبكي لهذه المصيبة؟!

فإذا دعا عليكم لابتلعتكم الأرض ولهلكتم ، إلّا أنّهم يلم يعتنوا بكلامها.

12 ـ نقلا العلّامة النوري في «دار السلام» الكرامة التالية للسيّدة زينب وهي : حدّثني السيّد السند والحبر المعتمد العالم العامل وقدوة أرباب الفضائل البحر الزاخر عمدة العلماء الراسخين السيّد محمّد باقر السلطان آبادي نفع الله به الحاضر والبادي ، قال : عرض لي في أيّام واشتغالي ببروجرد مرض شديد ، فانتقلت إلى وطني فساعدت الحركة المرض ، فزاد وانصبت المواد إلى عيني اليسرى فصار بها رمد شديد وبياض ، واشتدّ به الوجع ، فمنعني الرقاد فجمع والدي العليم ما كان في بلدتنا من الأطباء ، فقال بعضهم : لابدّ له من شرب الدواء مقدار ستّة أشهر لعلّ عينه تعود صحيحة وقال بعضهم : يكفي في أربعين يوماً ، فضاق خلقي وكثر همّي من سماع كلماتهم لكثرة ما شربت من الدواء في تلك المدّة ، وكان لي أخ صالح تقي أراد السفر إلى المشاهد العظيمة ، وزيارة سادات البرية ، فهاج شوقي وقلت : أُصاحبك في الطريق لعلّي امسح عيني بعتبة من تربته شفاء من كلّ داء ، وفرج من كلّ ضيق ، فقال : وأنت في هذا المرض والوجع لا يمكنك الحركة وسمع بذلك الأطباء فقال بعضهم : يصير عمياء في المنزل الثاني ، وقال بعضهم : بعمى ولمّا يبلغ أوّل منازله ، فمنعوني فقصدت مشايعته في الظاهر ، فسافرت معه إلى

__________________

(1) راجع بحارالأنوار ج 45 ص 169 ح 17.


المنزل الأوّل ، وكان هناك رجل من الصلحاء الأخيار ، فلمّا سمع حكايتي حرّضني على المسير وقال : لا شفاء إلّا عند خلفاء الإله الكبير : فإنّي كنت مبتلى بوجع في القلب في مدّة تسع سنين وكلّت الأطباء عن تداويه فزرت أبا عبدالله الحسين عليه السلام فشفاني بحمد الله من غير تعب ومشقّة ، فلا تصغ إلى خرافات الأطباء وزر متوكّلاً بخالق البرايا ، فعزمت على المسير فلمّا بلغنا المنزل الثاني وجنّ الليل اشتدّ الوجع ، فطالت ألسنة العذّال وقالوا جميعاً : إمّا أن ترجع أو نترك السفر على كلّ حال؟ فقلت : عند الصباح تنكشف الأحوال ، فلمّا كان وقت السحر وسكن الوجع قليلاً ، وقدت فرأيت الصدّيقة الصغرى زينب الكبرى بنت إمام الأتقياء عليه آلاف التحية والثناء ، قد دخلت عليَّ وأخذت بطرف مقنعة كانت في رأسها ، وأدخلته في عيني ومسحتها به ، فانتبهت فلم أر في عيني وجعاً.

فلمّا أصبحنا قلت لأصحابي : لا أجد وجعاً فلا تمنعوني من المسير ، فحملوا كلامي أوّلاً على الحيلة ، فحلفت لهم ، فسرنا فلمّا مشينا بعض النهار عمدت إلى عيني فكشفت عنها الخرق التي كانت مشدودة عليها مذ خرجت من البلد ، ونظرت إلى التلال والجبال ، فلم أر فرقاً بينها وبين الأُخرى ، فقلت لبعض أصحابي : ادن منّي وانظر إلى عيني ، فنظر وقال : سبحان الله ليس فيها رمد ولا بياض ولا أثر من المرض ، ولا تفاوت بين العينين ، فوقفت وناديت جميع الزوّار وأخبرتهم بالرؤيا وكرامة الصدّيقة الصغرى ، ففرحوا واستبشروا وبعثوا بالخبر إلى الوالد وأهل البلد ، فقرّت عيونهم واطمأنّت قلوبهم ، وحدّثني بتلك الكرامة شيخنا الجليل النبيل والعالم الذي عدم له النظير والبديل المولى فتح علي السلطان آبادي الذي يأتي الاشارة إلى شطر من مناقبه ، وقال : كنت وقتئذ في سلطان آباد وشاهدت ما ذكره.

13 ـ كتب الحاج محمّد تقي صادق إحدى الكرامات التي ذكرها صاجب كتاب «التوسّلات» وهي كالتالي : فبعد التحية والسلام على الشيعة الموالين في كلّ مكان قال : أنقل لكم كرامة من كرامات عقيلة الهاشميين السيّدة زينب عليها السلام التي اصطفاها الله تعالى على الأُمّة.


أمّا تفاصيل القضيّة فهي كالتالي :

ابتليت الأُخت المؤمنة فوزية زيدان(1) وهي من أهل جبل عامل في قرية جوية بألم شديد في قدميها وقد أُجريت له العديد من العمليات الجراحية ولكن دون جدوى حتّى بلغ بها الحال أنّها لا تستطيع تحريك قدميها وصارت تمشي جالسة وبمساعدة يديها وقد بقيت 25 سنة جليسة الدار صابرة.

وفي إحدى السنين حينما أقبل شهر محرّم الحرام نفذ صبرها وعجزت من نفسها فطلبت من أهلها أن يأخذوها إلى سوريا لزيارة السيّدة زينب عليها السلام للتوسّل بها وتأخذ شفاءها منها ، إلّا أنّهم رفضوا ذلك وقالوا : ليس من الجيّد أن نأخذك إلى حرم السيّدة زينب عليها السلام وأنت على حالك هذه ، وإذا كانت العقيلة زينب عليها السلام تريد شفاءك لشفتك وأنت في بيتك.

وكلّما أصرّت فوزية عليهم أن يأخذوها إلى سوريا لم يقبلوا فاضطرّت أن تستسلم لهم وتصبر على علّتها.

وفي أحد أيّام شهر محرّم أقام أحد جيرانهم مجلساً لسيّد الشهداء عليه السلام في منزله ، فذهبت فوزية على حالتها المؤلمة متكئة على يديها واستمعت إلى القارئ وشاركت المستمعين البكاء والتوسّل بأهل البيت عليهم السلام ثمّ رجعت طبق الحالة السابقة إلى المنزل فصلّت الفريضة وخلدت إلى النوم بحالتها المنكسرة ودموعها الجارية لمصاب أهل البيت عليهم السلام.

ولمّا قرب الصباح استيقظت فوزية لتصلّي صلاة الصبح فتوجّهت أنّ الفجر لم يطلع فبقيت تنظر الفجر ، وفيما هي كذلك إذا بها تحسّ أنّ شخصاً قد أخذ بعضدها ويقول : قومي يا فوزية قومي وما أن سمعت فوزية هذا الكلام قامت بمساعدة ذلك الشخص

__________________

(1) لقد حازت هذه المرأة على عناية السيّدة زينب بعد 25 سنة من المعاناة والآلام التي كانت تعانيها من قدميها. وقد كتبت الصحف قضيّتها مفصّلاً ومنها الصحف التالية السياسة المساء ، الهدى وغيرها.


على قدميها فرحة مسرورة ، ثمّ التفتت يميناً وشمالاً فلم تجد أحداً توجّهت إلى والدتها التي كانت نائمة معها في الغرفة وقالت : الله أكبر ولا إله إلّا الله والله أكبر ، فاستيقظت الوالدة ولمّا رأتها على ذلك الحال ذهلت واندهشت ، ثمّ خرجت فوزية خارج المنزل وهي تقول : الله أكبر ولا إله إلّا الله والله أكبر فسمع أخواتها صوتها وخرجوا خلفها ولمّا شاهدوها رفعوا أصواتهم بالصلوات فبلغ الخبر إلى الجيران فاجتمعوا حول دارهم وأخذوا يكبّرون ويهلّلون ، وشيئاً فشيئاً انتشر الخبر في كلّ القرية بل وإلى القرى والمدن المجاورة وأقبل العديد من الناس ليشاهدوها ويتبرّكوا بها حتّى صار منزلهم محطّ للزوّار ، فسلام الله عليك يا عقيلة بني هاشم يوم ولدت ويوم استشهدت مظلومة ويوم تبعثين حيّة.

شفاء طفلة هندية

نقل في بعض الكتب : أنّ المتولّي باشا عندما أعاد بناء حرم عقيلة الهاشميين عليها السلام في الشام أخذ الناس يقدّمون إليه النذورات من كلّ مكان وبالمقابل فإنّه كان يعطيهم الوصولات.

وفي أحد الأيّام دخل أحد الهنود الحرم الشريف وتوسّل بالسيّدة زينب عليها السلام وطلب منها أن تقض حاجته وقال : سيّدتي أعاهدك من الآن أُقدّم لحرمك ضريحاً مرصّعاً بالجواهر إذا قضيتي حاجتي على أن تتجاوز قيمة الضريح المليون دينار قال ذلك ثمّ خرج من الحرم الشريف إلى بيروت.

ولم تنقض مدّة طويلة إذا به بعث الرسالة إلى المتولّي باشا جاء فيها : لقد أمرت بعض المتخصّصين أن يعدّوا ضريحاً مرصّعاً بالجواهر ، وفي اليوم «الفلاني» سنأتي به حسب المراسم الخاصّة إلى سوريا فعليك أن تقيم بهذه المناسبة مجلساً مجلّلاً وسأدفع أنا كلّ تكاليفه.

وبالفعل ففي نفس اليوم الموعود جاءوا بالضريح المقدّس حسب التشريفات الهندية بعد أن خطب فيهم أحدهم خطبة عجيبة قال فيها : إنّ لي ابنة مريضة قد شلّت


قداماها منذ سنين طويلة ، وعلى الرغم إنّني سخّرت ثروتي العظيمة كلّها من أجل شفاءها إلّا أنّني لم أصل إلى نتيجة أصلاً حتّى أتيت إلى زيارة السيّدة زينب عليها السلام وتوسّلت بها ونذرت لها بأن إذا شافت ابنتي أُهدي لحرمها ضريحاً مرصّعاً بالجواهر.

ولمّا رجعت إلى بيروت وجدت أنّهم بعثوا لي رسالة يخبروني بشفاء ابنتي من مرضها فبعثت لكم الرسالة أُبشّركم بشفاءها ولذا فقد سافرت إلى بلدي وشاهدت كيف شافت عقيلة الطالبيين عليها السلام ابنتي فتشيّعت بسبب هذه الكرامة وتشيّع معي الكثير من الناس(1) .

بكاء الإمام الحجّة لمصيبة عمّته

نقل الحاج ملّا علي السلطان على الخطيب التبريزي الذي يعدّ من العبّاد والزهّاد فقال : رأيت في المنام إمام العصر والزمان عليه السلام وقلت له : سيّدي إنّ ما نسب إليك في الزيارة الناحية أنّك قلت : فلأندبنّك صباحاً ومساءً ولأبكينّ عليك بدل الدموع دماً صحيح؟!

قال : نعم. قلت : سيّدي ما هي المصيبة التي جعلتك تبكي بدلاً الدمع دماً؟! فهل هي مصيبة علي الأكبر؟ قال : لا ، فلو كان علي الأكبر حي لبكى هو أيضاً لتلك المصيبة دماً. قلت : سيّدي ألمصيبة عمّك العبّاس تبكي دماً؟ قال : لا ، لو كان عمّي العبّاس لبكى لتلك المصيبة دماً.

قلت : حتماً إنّها مصيبة جدّك الحسين عليه السلام هي التي جعلتك تبكي دماً؟! قال : لا ، ولو كان جدّي سيّد الشهداء عليه السلام حيّاً لبكى من أجل تلك المصيبة دماً. قتل : ما هي تلك المصيبة التي جعلتك تبكي دماً؟! قال : إنّها مصيبة عمّتي زينب عليها السلام(2) .

__________________

(1) مجموعة أنوار علمى معصومين عليهم السلام ص 65 تأليف الشيخ علي الفلسفي.

(2) شيفتگان حضرة مهدى عليه السلام تأليف الشيخ قاضي زاهدي ص 145 نقلاً عن العبقري الحسان للمرحوم النهاوندي.


مقام السيّدة زينب عليها السلام

نقل آية الله الميرزا أحمد السيوبويه الساكن في طهران عن سماحة الشيخ حسين السامرائي الذي كان من الخطباء المتّقين في العراق أنّه قال : في إحدى سفراتي إلى مدينة سامراء وكان يوم الجمعة ذهبت قريب الغروب إلى سرداب الغيبة فوجدته خالياً لا أحد فيه ، وفيما أنا أتوسّل بإمام العصر والزمان عليه السلام أخذتني حالة من الروحانية العجيبة وإذا بي أسمع صوتاً من خلفي يقول : قل للشيعة والمحبّين أن يقسموا على الله تعالى بحقّ عمّتي زينب عليها السلام كي يعجّل الفرج(1) .

ولنعم ما نظم السيّد رضا الهندي قدس سره في مصيبتها حيث قال :

إن كان عندك عبرة تجريها

فانزل بأرض الطفّ كي نسقيها

فعسى نبلُّ مضاجع صفوة

ما بلّت الأكباد من جاريها

ولقد مررت على منازل عصمة

ثقل النبوّة كان أُلقي فيها

فبكيت حتّى خلتها ستجيبني

ببكائها حزناً على أهليها

وذكرت إذ وقفت عقيلة حيدر

مذهولة تصغي لصوت أخيها

بأبي التي ورثت مصائب أُمّها

فغدت تقابلها بصبر أخيها

لم تله عن جمع العيال وحفظهم

بفراق اخواتها وفقد بنيها

لم أنس إذ هتكوا حماها فانثنت

تشكو لواعجها إلى حاميها

تدعو فتحترق القلوب كأنّما

يرمي حشاها جمرة من فيها

هذي نساؤك من يكون إذا سرت

في الأسر سائقها ومن حاديها

أيسوقها زجر بضرب متونها

والشمر يحدوها بسبّ أبيها

عجباً لها بالأمس أنت تصونها

واليوم آل أُميّة تبديها

حسرى وعزّ عليك أن لم يتركوا

لك من ثيابك ساتراً يكفيها

__________________

(1) شيفتگان حضرة مهدى عليه السلام ج 1 ص 251.


وسروا برأسك في القنا وقلوبها

تسمو إليه ووجدها يضنيها

إن أخّروه شجاه رؤية حالها

أو قدّموه فحالة يشجيها

وفاة السيّدة زينب عليها السلام

نقل صاحب «بحر المصائب» فقال : إنّ السيّدة زينب عليها السلام بعد فاجعة كربلاء ومآسي الشام والبكاء الطويل على سيّد الشهداء عليه السلام احدودب ظهرها وشاب رأسها وقضت بقيّة عمرها الشريف بالحزن والأسى إلى أن فارقت الدنيا مظلومة.

وقال صاحب «بحر المصائب» أيضاً : إنّ السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام توفّت بعد أربعة أشهر من رجوع أهل البيت عليهم السلام إلى المدينة المنوّرة ، وبعد ثمانين يوماً من رحيل السيّدة أُمّ كلثوم شاهدت العقيلة زينب عليها السلام أُمّها الصدّيقة الزهراء عليها السلام في المنام ، ولمّا استيقظت من النوم بقيت تبكي وتلطم على رأسها وجهها إلى أن أُغمي عليها ، ولمّا جاءوا إليها وحرّكوها وجدوها قد فارقت الدنيا.

وبرحيل العقيلة زينب عليها السلام تجدّد مصاب أهل البيت عليهم السلام وجلسوا عليها بالعزاء وأعادوا ببكاءهم ذكريات عاشوراء الأليمة التي أمضّت قلوب العلويين.

أمّا تاريخ وفاتها فقيل أنّه في العاشر من شهر رمضان المبارك ، وقيل في الرابع عشر من شهر رجب الأصب سنة 62 ه كما ذهب إلى ذلك النسّابة عبيدلي المتوفّى سنة 277 في كتابه أخبار الزينبيات.

وكما يبدو أنّ المؤرخين لم يختلفوا في سنة وفاة العقيلة زينب عليها السلام إلّا أنّهم وكما أشرنا اختلفوا في تاريخ وفاتها إلى قولين ، وهناك قول ثالث ذهب أنّ وفاتها في الخامس من شهر رجب الأصب ، والله أعلم بحقائق الأُمور.

أولاد السيّدة زينب عليها السلام

ذكر السبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص» فقال : إنّ لعبد الله بن جعفر أولاداً متعدّدين منهم : علي ، وعون الأكبر ، ومحمّد ، والعبّاس وأُمّ كلثوم ، وأُمّهم السيّدة زينب عليها السلام بنت الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام والصدّيقة فاطمة عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه واله.


وعدّ ابن قتيبة في كتاب «المعارف» : جعفر الأكبر من أولاد السيّدة زينب عليها السلام.

أمّا مؤلّف «عمدة الطالب» فقال : زينب الكبرى بنت الإمام علي عليه السلام وكنيتها أُمّ الحسن ، كانت تروي عن أُمّها فاطمة الزهراء عليها السلام الأخبار ، وقد تزوّجت من ابن عمّها عبدالله بن جعفر بن أبي طالب وولدت منه : علي وعون وعباس وغيرهم.

وقال الطبرسي في «أعلام الورى» : أمّا زينب الكبرى بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله فتزوّجها عبدالله بن جعفر بن أبي طالب وولد منها : علي ، وجعفر ، وعون الأكبر ، وأُمّ كلثوم أولاد عبدالله بن جعفر ، وقد روت زينب عن أُمّها فاطمة عليها السلام أخباراً(1) .

ونقل الشبلنجي في «نور الأبصار» فقال : ولدت السيّدة زينب عليها السلام من عبدالله بن جعفر أربعة أولاد وبنت واحدة.

وقال أيضاً : وإنّ ذرّيتها ـ السيّدة زينب عليها السلام ـ منتشرين إلى اليوم في البلاد والأمصار وهم من الشرفاء وأهل البركة.

وفي ناسخ التواريخ : إنّ عون بن عبدالله بن جعفر وأخيه محمّد ولدي السيّدة زينب عليها السلام استشهدوا في أرض كربلاء.

محلّ دفن العقيلة زينب عليها السلام

هناك ثلاثة أقوال بالنسبة إلى محلّ دفن السيّدة زينب عليها السلام وهي :

1 ـ أنّها دفنت في المدينة المنوّرة إلى جنب أئمّة البقيع عليهم السلام.

2 ـ دفنت في القاهرة.

3 ـ دفنت في دمشق في منطقة الغوطة وقبرها معروف اليوم يقصده الكثير من الشيعة والحبّين كلّ يوم.

أمّا القول الأوّل فالظاهر أنّه لا دليل له إلّا الحدس والظن ، ولعلّ منشأ هذا الظنّ هو أنّ العقيلة بعد الأسر عادت إلى المدينة ومن الطبيعي أن تموت فيها وتدفن في البقيع مقبرة

__________________

(1) أعلام الورى ج 1 ص 396 ـ 397.


بني هاشم.

وكذا الحال بالنسبة إلى القول الثاني ـ في مصر ـ فهو لا دليل معتبر له.

وبرّد القولين الأوّلين يثبت القول الثالث وهو أنّها عليها السلام دفنت في قرية «رواية» من منطقة الغوطة في الشام ، وهي تقع على بعد سبعة كيلومترات من الجنوب الشرقي لدمشق.

وفي هذا المكان شيّد للعقيلة زينب عليها السلام مرقد عظيم وهو مزار للشيعة والمحبّين بل إنّه مزار لغير الشيعة أيضاً.

وكما يبدو من بعض التواريخ أنّ تاريخ هذا المزار للسيّدة زينب عليها السلام قديم جدّاً وإنّه كان موجوداً حتّى في القرن الثاني إذ أنّ ـ كما في التاريخ ـ السيّدة نفيسة زوجة إسحاق المؤتمن ابن الإمام الصادق عليه السلام كانت تأتي لزيارة هذا المرقد الشريف(1) .

بكاء الكون لمصاب السيّدة زينب عليها السلام

نقل العالم الجليل السيّد أسد الله الأصفهاني المقيم في كربلاء المقدّسة سنة 1319 لمؤلّف كتاب «الكبريت الأحمر» فقال : إنّ الإمام الحجّة بن الحسن عليه السلام قال لي في الرؤيا : إنّ أهل السماء يجتمعون يوم وفاة عمّتي زينب عليها السلام ويقرأون خطبتها الغرّاء في الكوفة ويبكون لمصابها الجلل(2) .

كما نقل العالم الجليل الملّا علي الخياباني في كتاب «وقايع الأيّام» في تتمّة محرّم الحرام قصّة طويلة نذكر منها ما يتعلّق بالعقيلة زينب عليها السلام وهو :

يقول أحد الثقات : شاهدت الإمام الحجّة عجّل الله تعالى فرجه الشريف في عالم الرؤيا وهو في غاية الحزن ، فتقدّمت نحوه خطوات وسلّمت عليه وسألته عن حالته

__________________

(1) من أجل الاطّلاع أكثر راجع كتاب مراقد أهل البيت عليهم السلام للفهري.

(2) الكبريت الأحمر ص 85.


فقال : اعلم أنّه منذ اليوم الذي توفّيت فيه عمّتي زينب عليها السلام وملائكة السماء تعقد مجلساً يوم وفاتها في السماء يقرؤون خطبتها في سوق الكوفة ويبكون إلى أن أذهب إليهم وأُسكتهم ، واليوم هو يوم وفاة عمّتي زينب عليها السلام وقد رجعت للتوّ من ذلك المجلس.

نعم ، يحقّ للملائكة أن تبكي لفقد هذه السيّدة الجليلة ، فلو لم يكن منها سوى السنة والنصف التي عاشتها بعد مقتل سيّد الشهداء عليه السلام فغيّرت من خلالها التاريخ لكفى.

بل إنّ يزيد الطاغية قبل أن تدخل العقيلة زينب عليها السلام الشام أسيرة كان فرحاً مسروراً بقتل سيّد الشهداء عليه السلام ولكن وبعد أن دخلت عليه قلبت نهاره إلى ليل وجعلته يجرّ آهات الحزن والحسرة طيلة عمره المتبقّي إلى أن فطس وذهب بعار الدنيا وعذاب الآخرة ألا فلعنة الله عليه وعلى أبيه وعلى بني أُميّة قاطبة ولعنة الله على كلّ من ملّكهم رقاب المسلمين.

علاقة السيّدة زينب بأخيها المظلوم

عندما كان البعثيون يقصفون مدينة قم المقدّسة التجأت أكثر من مرّة بمسجد جمكران المعروف. وفي أحد الأيّام خرجت من المسجد وقصدت زيارة السيّدة فاطمة المعصومة عليها السلام في قم المقدّسة ، وبعد الزيارة ذهبت لزيارة آية الله العظمى السيّد شهاب الدين مرعشي قدس سره فدار الحديث حول أهل البيت عليهم السلام وفضائلهم وإذا بآية الله المرعشي يقول : عندما ولدت السيّدة زينب عليها السلام أعطتها الصدّيقة الزهراء عليها السلام إلى رسول الله والإمام علي والحسن عليهم السلام وكانت السيّدة زينب عليها السلام مطبقة عيناها لم تفتحها في وجه أحدهم ، إلّا أنّها حينما أخذها أخوها سيّد الشهداء عليه السلام فتحت عيناها في وجهه المبارك.

وأضاف سماحته قدس سره فقال : وفي مجلس يزيد ـ لعنة الله عليه ـ كان الرأس الشريف ينظر إلى جميع الأسارى وهو على الرمح الطويل ، إلّا أنّه عندما نظر إلى حال أُخته العقيلة عليها السلام أطبق جفنيه وجرت دموعه وكأنّه عليه السلام يقول لها : أُخيّ زينب ، لقد حفظتي لي عيالي ، فجزاك الله خيراً ولاتزيدني خجلاً فوق خجلي.


في حرم السيّدة زينب عليها السلام

نقل الخطيب الشهير محمّد رضا سقا زاده في مقدّمة كتاب «الخصائص الزينبية» عن سماحة آية الله العظمى الملّا علي الهمداني ذلك العالم الورع الذي توفّي قبل سنين أنّه قال :

سألت سماحة آية الله آقا ضياء العراقي عن قبر السيّدة زينب عليها السلام فنقل في جوابه القصّة التالية : أنّ أحد الشيعة من أهل القطيف في السعودية قصد زيارة الإمام الرضا عليه السلام ، وفي وسط الطريق نفدت أمواله وبقي حائراً فهو لا يستطيع الرجوع إلى وطنه ولا يقدر على مواصلة الطريق ، ولذا فقد توسّل بإمام العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه الشريف ليخلّصه من هذه الحيرة.

وفيما هو كذلك إذا بسيّد نوراني جليل القدر يتعرّف عليه ويقدّم له بعض الأموال لتوصله إلى سامراء.

وكان ممّا قال له هذا السيّد الجليل : راجع في سامراء وكيلنا الميرزا محمّد حسن الشيرازي وقل له يعطيك من أموالنا التي عنده لتذهب بها إلى زيارة جدّي علي بن موسى الرضا عليه السلام.

يقول الرجل القطيفي : لم أعرف حقيقة الرجل ولا من أين أتى إلّا أنّني تساءلت منه وقلت : إذا سألني آية الله الشيرازي من هو السيّد مهدي وما هي صفاته ماذا أُجيبه؟ فقال السيّد مهدي : قل للميرزا الشيرازي إنّ السيّد مهدي قال : إنّ العلامة هي : أنّك سافرت في الصيف أنت والحاج ملّا علي كني الطهراني إلى حرم عمّتي زينب عليها السلام ، وحيث إنّ الحرم الشريف كان مزدحماً بالزوّار ذهبت أنت والملّا علي كني إلى سطح الحرم وكانت الأوساخ والقاذورات قد تجمّعت فخلعت أنت عباءتك وأخذت تكنس سطح الحرم الشريف بها بينما كان الملّا علي كني يأخذ الغبار والأوساخ بيده إلى خارج الحرم الشريف ، وقد كنت حاضراً آنذاك أُشاهدكما.


يقول القطيفي : حينما التقيت بالميرزا الشيرازي وذكرته له القضيّة قام على قدميه واحتضنني وجعل يقبّل عينيه ويبارك لي هذا التوفيق.

وأضاف الرجل القطيفي قائلاً : كما ذهبت إلى آية الله كني وذكرت له القضيّة فقام هو أيضاً إجلالاً لي وقبّل ما بين عينيه إلّا أنّه كان حزيناً لأنّ الإمام الحجّة عليه السلام لم يحوّل الرجل القطيفي عليه(1) .

__________________

(1) مراقد أهل البيت عليهم السلام في الشام للفهري ص 75.


الفصل الخامس عشر

السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام

إنّ السيّدة أُمّ كلثوم هي عمّة السيّدة رقيّة وبنت الصدّيقة فاطمة الزهراء عليها السلام بنت رسول الله صلى الله عليه واله.

فقد ذكرها ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» وكذا سبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص» حيث قال : إنّ أبناء فاطمة الزهراء كالتالي : 1 ـ الإمام الحسن عليه السلام 2 ـ الإمام الحسين عليه السلام 3 ـ زينب عليها السلام 4 ـ أُمّ كلثوم عليها السلام.

كما أشار إليها العلّامة السيّد محسن الأمين في «أعيان الشيعة» وفي نهاية تعرّضه لسيرتها قال : وقد تزوّجت من عون بن جعفر الطيار رضوان الله عليه(1) .

وفي الخبر : أنّه لمّا ماتت الصدّيقة الزهراء عليها السلام اجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخوا صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهنّ وهن يقلن : يا سيّدتاه ، يا بنت رسول الله ، وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى الإمام علي عليه السلام وهو جالس والحسن والحسين بين يديه يبكيان ، فبكى الناس وخرجت أُمّ كلثوم وعليها برقعة وتجرّ ذيالها متجلّلة برداء عليها تسحبها وهي تقول : يا أبتاه يا رسول الله الآن حقّاً فقدناك فقداً لالقاء بعد أبداً(2) .

ونقل الشيخان ـ المفيد والطوسي ـ في أماليها : أنّه لمّا ضرب أمير المؤمنين عليه السلام احتمل فادخل داره فقعدت لبابة عند رأسه وجلست أُمّ كلثوم عند رجليه ففتح عينيه

__________________

(1) رياحين الشريعة ج 3 ص 245.

(2) بحار الأنوار ج 43 ص 298 ح 20.


ونظر إليهما وقال : الرفيق الأعلى خير مستقر وأحسن مقيلاً ، فنادت أُمّ كلثوم : وا أبتاه ثمّ جاءت إلى عبدالرحمن بن ملجم وقالت : يا عدوّ الله قتلت أمير المؤمنين عليه السلام قال : إنّما قتلت أباك ، قالت : يا عدوّ الله والله إنّي لأرجو أن لا يكون عليه بأس. قال : فأراك تبكين عليه والله ضربته ضربة لو قسّمت بين أهل الكوفة لأهلكتهم.

خطبتها في الكوفة

بعد أن ذكر السيّد ابن طاووس في اللهوف خطبة بنت الإمام الحسين عليه السلام أشار إلى خطبة أُمّ كلثوم عليها السلام حيث قالت :

يا أهل الكوفة سوأة لكم ما لكم خذلتم حسيناً وقتلتموه وانتهبتم أمواله وورثتموه وسبيتم نساءه ونكبتموهنّ فتبّاً لكم وسحقاً ، ويلكم أتدرون أي دواه دهتكم؟ وأي وزر على ظهركم حملتم؟! وأي دماء سفكتموها؟! وأي أموال نهبتموها؟! وأي كريمة أصبتموها؟! وأي صبية سلبتموهنّ؟! قتلتم خير رجالات بعد النبي صلى الله عليه واله ونزعت الرحمة من قلوبكم؟! ألا إنّ حزب الله هم الفائزون وحزب الشيطان هم الخاسرون ، ثمّ قالت :

قتلتم أخي صبراً فويل لأُمّكم

ستجزون ناراً حرّها يتوقّد

سفكتم دماءً حرّم الله سفكها

وحرّمها القرآن ثمّ محمّد

ألا فابشروا بالنار أنّكم غداً

لفي سقر حقّاً يقيناً مخلّد

وإنّ لأبكي في حياتي على أخي

على خير من بعد النبي مولد

بدمع غزير مستهلّ مكفكف

على خدّ منّي دائماً ليس يجمد

التحدّي العظيم

كتب صاحب «ناسخ التواريخ» : أنّ السيّدة زينب عليها السلام عندما فرغت من خطبتها شرعت السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام بالحديث فقالت : يابن زياد! إن كان قرّت عينك بقتل الحسين عليه السلام فقد كانت بعين رسول الله صلى الله عليه واله قرّت برؤيته وكان يقبّله ويمصّ شفتيه ويحمله هو وأخوه على ظهره فاستعدّ غداً للجواب.


إنّ الصدقة حرام علينا

يقول مسلم الجصّاص : دعاني ابن زياد لإصلاح دار الامارة بالكوفة ، فبينما أنا أُجصّص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قد ارتفعت من جنبات الكوفة فأقبلت على خادم كان معنا ، فقلت : ما لي أرى الكوفة تضجّ؟ قال : الساعة أتو برأس خارجي خرج على يزيد ، فقلت : من هذا الخارجي؟ فقال : الحسين بن علي عليهما السلام قال : فتركت الخادم حتّى خرج ولطمت وجهي حتّى خشيت على عينيّي أن تذهبا وغسلت يدي من الجصّ وخرجت من ظهر القصر وأتيت إلى الكنائس. فبينما أنا واقف والناس يتوقّعون وصول السبايا والرؤوس إذ أقبلت نحو أربعين شقّة تحمل أربعين جملاً فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة عليهم السلام وإذا بعلي بن الحسين عليه السلام على بعير وطاء ، وأوداجه تشخب دماً ، وهو مع ذلك يبكي ويقول : يا أُمّة السوء لا سقياً لربعكم.

قال : وصار أهل الكوفة يناولون أطفال الحسين عليه السلام على المحامل بعض التمر والخبز والجوز ، فصاحت بهم أُمّ كلثوم وقالت : يا أهل الكوفة إنّ الصدقة حرام علينا.

ثمّ أنّها لمّا رأت نساء الكوفة يبكون على ما أصابهم أخرجت رأسها من المحمل وقالت لهم : يا أهل الكوفة تقتلنا رجالكم وتبكينا نساؤكم نساؤكم؟! فالحكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء(1) .

استجابة دعاءها

نقل صاحب «ناسخ التواريخ» إنّ أهل البيت عليهم السلام حينما قربوا من سيبور كان فيها شيخ كبير وقد شهد عثمان بن عفّان فجمع أهل سيبور المشايخ والشبّان منهم وقال : يا قوم هذا رأس الحسين عليه السلام قتله هؤلاء اللعناء. فقالوا : والله ما يجوزوا في مدينتنا ، فقال المشايخ : يا قوم إنّ الله كره الفتنة وقد مرّ هذا الرأس في جميع البلدان ولم يعارضه أحد فدعوه يجوز في بلدكم. فقال الشبّان : والله لا كان ذلك أبداً. ثمّ عمدوا على القنطرة

__________________

(1) بحار الأنوار ج 45 ص 114.


فقطعوها فخرجوا عليهم شاكين في السلاح. فقال لهم خولي : إليكم عنّا ، فحملوا عليه وعلى أصحابه فقاتلوهم قتالاً شديداً فقتل من أصحاب خولي لعنه الله ستمائة فارس وقتل من الشبّان خمس فوارس ، فقالت أُمّ كلثوم : ما يقال لهذه المدينة؟ فقالوا : سيبور. فقالت عليها السلام : أعذب الله شرابهم وأرخص الله أسعارهم ورفع أيدي الظلمة عنهم. قال أبو مخنف : فلو أنّ الدنيا مملوّة ظلماً وجوراً لما نالهم إلّا قسطاً وعدلاً(1) .

دعاءها على أهل بعلبك

ذكر في ناسخ التواريخ : أنّ أهل البيت عليهم السلام عندما قربوا من بعلبك كتب جلاوزة ابن سعد إلى حاكم بعلبك : بأن الرؤوس التي معنا رؤوس خوارج وهؤلاء أهلهم ونساءهم أخذنا إلى يزيد فأعدّوا المدينة لقدومهم.

فأمر حاكم البلدة أن يخرج أهلها بالدفوف والمزامير تسبقهم المغنّيات فرحاً بقتل أهل البيت عليهم السلام ، آنذاك التفتت السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام وقالت : ما اسم هذه البلدة؟ قالوا : بعلبك ، فقالت : أباد الله تعالى خضرائهم ولا أعذب الله شرابهم ولا رفع الله أيدي الظلمة عنهم(2) .

وصيّتها لشمر اللعين

ذكر السيّد ابن طاووس في اللهوف فقال : فلمّا قربوا ـ أي أهل البيت عليهم السلام ـ من دمشق دنت أُمّ كلثوم عليها السلام من الشمر وكان من جملتهم ، فقالت له : لي إليك حاجة؛ فقال : ما حاجتك؟

فقالت : إذا دخلت بنا البلد فاحملنا إلى درب قليل النظّارة ، وتقدّم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحّونا عنها فقد خزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال ، فأمر في جواب سؤالها أن تجعل الرؤوس على الرماح في أوساط

__________________

(1) مقتل أبي مخنف ص 125 ـ 126.

(2) اكسير العبادات في أسرار الشهادات ج 3 ص 137.


المحامل بغياً منه وكفراً ، وسلك بهم بين النظّارة على تلك الصفة حتّى أتى بهم باب دمشق فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يقام السبي.

يقول مؤلّف «ناسخ التواريخ» : إنّ الشمر اللعين كان يفتخر بحمله رأس سيّد الشهداء عليه السلام ويقول : أنا صاحب الرمح الطويل ، أنا قاتل الدين الأصيل ، أنا قتلت ابن سيّد الوصيين ، وأتيت برأسه إلى يزيد أمير المؤمنين.

ولمّا سمعته السيّدة أُمّ كلثوم يفتخر بذلك قالت : يا لعين وابن اللعين ، ألا لعنة الله على الظالمين ويا ويلك أتفتخر على يزيد الملعون بن الملعون بقتل من ناغاه في المهد جبرئيل ومن اسمه مكتبو على سرادق عرش الجليل ، ومن ختم الله بجدّه المرسلين وقمع بأبيه المشركين ، فأين منل جدّي محمّد المصطفى وأبي المرتضى وأُمّي فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ولمّا سمع خولي كلامها قال : تأبين الشجاعة وأنت بنت الشجاع.

الرجوع إلى المدينة

ذكر العلّامة المجلسي قدس سره في البحار وغيره : أنّ أهل البيت عليهم السلام عندما رجعو إلى المدينة وشاهدوا جدرانها تأوّهت السيّدة أُمّ كلثوم وبكت بدمع يحرق القلوب وأنشدت :

مدينة جدّنا لا تقبلينا

فبالحسرات والأحزان جئنا

ألا أخبر رسول الله عنّا

بأنّا قد فجعنا في أخينا

وقد نسب أرباب المقاتل مجموعة من الأبيات للسيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام انتخبنا منها هذين البيتين.

ونقل أنّها ذهبت إلى قبر أُمّها فاطمة عليها السلام شاكية باكية تصيح واحسيناه وتقول :

أفاطم لو نظرت إلى السبايا

بناتك في البلاد مشتّتينا

أفاطم لو نظرت إلى الحيارى

ولو أبصرت زين العابدينا

أفاطم لو رأيت بتنا سهارى

ومن سهر الميالي قد عيينا

فلو دامت حياتك لم تزالي

إلى يوم القيامة تندبينا


الوفاة الأليمة

نقل في «بحر المصائب» أنّ السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام عندما رجعت إلى المدينة بعد فاجعة كربلاء لم تعش سوى أربعة أشهر ثمّ ماتت مظلومة.

وإذا قلنا بقول العلّامة الحلّي في «منهاج الصلاح» والشيخ الكفعمي في «المصباح» والمفيد في «الإرشاد» أنّ دخول أهل البيت عليهم السلام المدينة كان في العشرين من شهر صفر المظفّر فإنّ تاريخ وفاة هذه السيّدة الجليلة يكون في أواخر شهر جمادى الآخرة سنة 62 ه والله العالم.

أمّا مدفنها فهو في المدينة ولم يذكر أنّ هناك أُمّ كلثوم دفنت في غير المدينة فسلام الله عليها وعلى جدّها وأُمّها وأبيها وأخويها(1) .

__________________

(1) رياحين الشريعة ج 3 ص 256.


الفصل السادس عشر

السيّدة سكينة بنت الإمام الحسين عليه السلام

وأُمّها الرباب ابنة امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر ، وقد نسب إلى الإمام الحسين عليه السلام أنّه أنشد بحقّها الأبيات التالية :

لعمرك إنّني لأُحبّ داراً

تضيّفها سكينة والرباب

أُحبّهما وأبذل بعد مالي

وليس للائمي بها عتاب

ولست لهم وإن عتبوا مطيعاً

حياتي أو يغيّبني التراب

وقيل : إنّ الأصبغ عبدالعزيز بن مروان بن الحكم خطبها ، وقد أخذوها إلى مصر إلّا أنّها لمّا وصلت كان الأصبغ قد مات.

وقد عبّر عنها سيّد الشهداء عليه السلام في بعض الأبيات المنسوبة إليه بـ «يا خيرة النسوان».

وكان للسيّدة سكينة مقام عظيم ومنزلة رفيعة عند أهل البيت عليهم السلام ، بل إنّها كانت من النساء العارفات بالله تعالى عايشت جميع أحداث كربلاء المأساوية ودورها في الأسر لا يخفى على أحد ، فقد بقيت برفقة عمّتها زينب عليها السلام تبلغ رسالة الإمام الحسين عليه السلام في كلّ مكان.

ولهذه السيّدة الجليلة مقام عظيم في مصر فضلاً عن مقامها في الشام وفي المقامين يتقاطر المئات بل الأُلوف من الزوّار المحبّين.

يبقى القول أنّ هذه السيّدة الجليلة طيلة عمرها الشريف كانت تروى للناس أحداث كربلاء المؤلمة وما جرى على أهل البيت عليهم السلام من المآسي المشجية التي ارتكبها


بنو أُميّة بحقّهم(1) .

السيّدة فاطمة الصغرى بنت الإمام الحسين عليه السلام

ولدت السيّدة فاطمة الصغرى بنت الإمام الحسين عليه السلام سنة ثلاثين للهجرة وأُمّها «أُمّ إسحاق» بنت طلحة بن عبيدالله بن تيمية(2) .

وفي واقعة كربلاء كان عمرها الشريف ثلاثين سنة تقريباً(3) ولذا يمكن القول أنّها كانت أكبر من السيّدة سكينة ، وكانت ذات مقام رفيع في العلم والتقى وقد شهد الإمام الحسين عليه السلام لها بذلك عندما خطبها الحسن المثنّى فقال عليه السلام : أختار لك فاطمة ، فهي أكثر شبهاً بأُمّي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله. أمّا في الدين : فتقوم الليل كلّه ، وتصوم النهار ، وفي الجمال تشبه الحور العين(4) .

وقد روت هذه السيّدة الجليلة عن كلّ من : 1 ـ والدها الإمام الحسين عليه السلام 2 ـ أخوها الإمام سجّاد عليه السلام 3 ـ عمّتها السيّدة زينب عليها السلام 4 ـ عبدالله بن عبّاس.

أمّا أبناء فهم : عبدالله ، إبراهيم ، الحسين.

وقد روى عنها كلّ من : أُمّ جعفر ، أبو المقدام ، وزهير بن معاوية ، علماً أنّ رواياتها موجودة اليوم في سنن الترمذي ، وسنن ابن داود ، وسنن ابن ماجة ، وسنن النسائي فضلاً عن تأليفات ابن حجر العسقلاني.

ويذكر أنّها في بيت أُمّها الصدّيقة الزهراء عليها السلام في مسجد النبي صلى الله عليه واله إلى أنّ أمر الوليد بتخريبها فاتّخذت بيتاً آخراً وحفرت فيه بئراً كان معروفاً بالبركات وكانوا يسمّونه

__________________

(1) راهنماي حج وزيارتگاههاى جهان اسلام ص 120.

(2) راجع كتاب نسب قريش لزبير بن بكّار ص 25 ودائرة المعارف الإسلامية الشيعية ج 1.

(3) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 4 ص 35 ، تهذيب التهذيب لابن حجر ج 12 ص 442.

(4) اسعاف الراغبين لمحمّد بن الصبّان المصري المطبوع بهامش نور الأبصار ص 210.


بـ «بئر زمزم».

وكانت هذه السيّدة الجليلة كالسيّدة زينب الكبرى عليها السلام ملاذاً ومأمناً للأسارى وقد خطبت أمام ابن زياد لعنه الله خطبة غرّاء كشفت فيها للناس ظلم يزيد وأتباعه الأوغاد.

أمّا وفاتها فقد كانت سنة 110 ه(1) ، وقبرها موجود اليوم خلف قبر السيّدة سكينة وأُمّ كلثوم عليها السلام في دمشق.

وعلى الرغم أنّ للسيّدة فاطمة قبراً معروف في الشام إلّا أنّ أكثر المصادر تصرّح أنّها توفّيت في منزلها الواقع خلف مسجد النبي صلى الله عليه واله ودفنت في البقيع.

ففي كتاب «من الرسول صلى الله عليه واله إلى الإمام زين العابدين عليه السلام» لسماحة الشيخ علي الفلسفي : أنّ السيّدة فاطمة دفنت في الشام ولها حرم مجلّل يقصده الكثير من الزوّار.

وفي «بحار الأنوار» و «ناسخ التواريخ» : أنّ الإمام السجّاد عليه السلام قال : لمّا قتل الحسين عليه السلام جاء غراب فوقع في دمه ، ثمّ تمرّغ ثمّ طار ، فوقع بالمدينة على جدار دار فاطمة بنت الحسين عليه السلام وهي الصغرى ، فرفعت رأسها إليه ، فنظرته فبكت وقالت :

نعب الغراب فقلت : من

تنعاه ويلك من غراب؟

قال : الإمام فقلت : من

قال : الموفّق للصواب

إنّ الحسين بكربلا

بين المواضي والحراب

قلت : الحسين؟ فقال لي :

مُلقى على وجه التراب

ثمّ استقلّ به الجناح

ولم يطق ردّ الجواب

فبكيت منه بعبرة

ترضي الإله مع الثواب

قال محمّد بن علي عليه السلام فنعتته لأهل المدينة ، فقالوا : جاءت بسحر عبد المطّلب ،

__________________

(1) بحار الأنوار ج 45 ص 331 ، الاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 302 ، مقتل الحسين بن علي عليهما السلام للسيّد عبد الكريم سيّد علي خان ص 69 ـ 71.


فما كان بأسرع من أنّ جاءهم الخبر بقتل الحسين عليه السلام(1) .

5 ـ السيّدة ميمونة بنت الإمام الحسين عليه السلام.

6 ـ السيّدة حميدة بنت مسلم بن عقيل عليه السلام.

يقع قبر هاتين العلويتين في مقبرة أسماء بنت عميس زوجة جعفر بن أبي طالب ـ في إحدى الحجر خلف قبر السيّدة سكينة وأُمّ كلثوم ، وعلى يسارهما يقع قبر عبدالله بن الإمام الصادق عليه السلام ، ولها قبّة خضراء وفرق قبريهما صندوق خشبي عظيم.

وفي سنة 1330 ه أُعيد بناء القبور وصار قبرهما في السرداب حيث يجد الزائر هناك ثلاثة قبور قريبة إلى بعضها.

أمّا القبر الأوّل فهو قبر السيّدة حميدة بنت مسلم بن عقيل عليه السلام الموفّاة سنة سبعين للهجرة.

والقبر الثاني هو قبر أسماء بنت عميس زوجة جعفر الطيّار والإمام علي عليه السلام المتوفّاة سنة 65 ه.

والقبر الثالث هو قبر السيّدة ميمونة بنت الإمام الحسن عليه السلام (2).

7 ـ عبد الله بن جعفر عليه السلام

* والد عبدالله بن جعفر هو الشهيد العظيم الطيّار وأُمّه أسماء بنت عميس ، وهو ابن أخ الإمام علي عليه السلام وصهره ....

* كان عبدالله من أسخياء العرب المعروفين في ولائهم ومحبّتهم لأهل البيت عليهم السلام.

__________________

(1) راجع : مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي ج 2 ص 92 ، إحقاق الحقّ ج 11 ص 492 ، بحار الأنوار ج 45 ص 171 ، فرائد السمطين ج 2 ص 163 ، تسلية المجالس ج 2 ص 469 ، العوالم ج 17 ص 490.

(2) تاريخ وأماكن سياحتي وزيارتي سورية «فارسي» تأليف أصغر قائدان ص 149 الطبعة الأُولى سنة 1273 ه. ش.


* شارك عبدالله بن جعفر في معركة المسلمين مع الروم وحروب أمير المؤمنين عليه السلام وقد شهد الكثير بشجاعته وبطولته ....

أّما لماذا يخرج مع سيّد الشهداء عإلى كربلاء فربما يكون لإشارة الإمام الحسين عليه السلام عليه بذلك علماً أنّه بعث ولديه إلى كربلاء واستشهدوا في ركاب الإمام الحسين عليه السلام.

ويقال : إنّه لمّا بلغه خبر شهادة ولديه تجاسر أحد غلمانه أمامه وقال : إنّ السبب في قتلهما هو الإمام الحسين عليه السلام ، وإذا بعبدالله يمتلأ غليظاً ويزجر الغلام بشدّة لتجاسره على سيّد الشهداء عليه السلام ، وكما نقلوا أنّ عبدالله بن جعفر سافر إلى الشام لرعاية أملاكه الموجودة فيها ومات هناك.

نعم ذكر البعض أنّه توفّي في المدينة ودفن إلى جنب عمّه عقيل إلّا أنّ وفاة زوجته العقيلة في الشام ودفنها هناك يؤيّد أنّه قد دفن فيها.

وباعتقادي أنّ استيطان أهل البيت عليهم السلام وأتباعهم في الشام من أجل ردّ تحريفات الأمويين ، بل ذهب الكثير من الفضلاء أنّ وجود الشيعة في الشام هو من بركات مقل هذه الهجرات والتبعيد الذي حصل لبعض الشيعة.

بالطبع أنّ لذريّة عبدالله بن جعفر دور مهم في الثورات الكثيرة التي كانت تحصل ضدّ بين أُميّة وبي العبّاس(1) .

8 ـ مقام الرؤوس الشريفة : مقام عظيم في مقبرة الباب الصغير في الشام ، يقال إنّه دفنت فيه رؤوس سبعة عشر من شهداء أهل البيت عليهم السلام الذين قتلوا في كربلاء ، وإلى جانب هذا المقام يوجد مقام آخر يسمّى بمقام الإمام زين العابدين عليه السلام(2) .

__________________

(1) راهنماى حج وزيارتگاه جهان اسلام تأليف الشيخ محمّد إبراهيم وحيد الدامغاني ص 131 نقلاً عن الإرشاد للشيخ المفيد قدس سره.

(2) راهنماى حج وزيارتگاه جهان اسلام ص 125.


أمّا موقع هذا المقام فهو يقع على بعد خمسين متراً تقريباً من الباب الأصلي لمقبرة الباب الصغير. وعلى يساره هناك زقاق فيه ساحة داخلها غرفة صغيرة دفنت الرؤوس الشريفة فيها.

وفي السنين الأخيرة شيّدوا لهذه القبور ضريحاً من الفضّة ....

وبالرغم أنّهم كتبوا فوق الحجرة أنّ هذا المكان محلّ لدفن رأس ستّة عشر شهيداً من شهداء كربلاء إلّا أنّ الذي يقوي في الظنّ أنّ الذي دفن فيه هو ثلاثة رؤوس من رؤوس شهداء كربلاء وهم :

1 ـ رأس أبو الفضل العبّاس عليه السلام.

2 ـ رأس علي الأكبر عليه السلام.

3 ـ رأس حبيب بن مظاهر.

وقد شاهد السيّد محسن الأمين قدس سره سنة 1321 ه كتيبة كانت موضوعة باب الدخول مكتوب عليها «هذا رأس عبّاس وعلي بن الحسين عليهم السلام وحبيب بن مظاهر» إلّا أنّهم بعد أن جعلوا الضريح لهذا المكان المقدّس كتبوا اسم ستة عشر شهيداً(1) .

ومع الالتفات أنّ مصادر الشيعة تصرّح أنّ أكثر الرؤوس كانت قد ردّت إلى الأجساد في كربلاء يبقى احتمال دفن هذه الرؤوس الثلاثة هو الأقوى والله أعلم بالصواب.

أمّا أسماء الرؤوس التي يقال أنّها دفنت في هذا المكان فهي :

1 ـ العبّاس بن علي عليهما السلام 2 ـ علي الأكبر 3 ـ حبيب بن مظاهر 4 ـ القاسم بن الحسن عليهما السلام 5 ـ عبدالله بن علي 6 ـ عمر بن علي عليهما السلام 7 ـ الحرّ الرياحي 8 ـ محمّد بن علي عليهما السلام 9 ـ عبدالله بن عون 10 ـ علي بن أبي بكر 11 ـ عثمان بن علي عليهما السلام 12 ـ جعفر ابن علي عليهما السلام 13 ـ جعفر بن عقيل عليه السلام 14 ـ محمّد بن مسلم 15 ـ عبدالله بن عقيل

__________________

(1) أعيان الشيعة للسيّد الأمين ج 1 ص 627.


16 ـ الحسين بن عبدالله.

9 ـ عبدالله الباهر : يقع قبر عبدالله بن الإمام زين العابدين عليه السلام المعروف بعبدالله الباهر جنب الحائط الشرقي لباب الصغير ، وله مقبرة مستقلّة ومرقد لا بأس به عليه قبّة خضراء وساحة كبيرة ، وقد شيّدت سنة 1330 ه أطراف قبر هذا السيّد الجليل مقبرة مستقلّة. أمّا أُمّ عبدالله الباهر فهي نفس أُمّ الإمام الباقر عليه السلام ، وسمّي بالباهر لشدّة جماله ونورانيته الجذّابة بين اخوانه ، فهو لا يجلس في مجلس إلّا ويحتفّه الناس من كلّ مكان لينظروا إلى نورانيّته وجماله.

وكان عبدالله من العبّاد الزاهدين والفقهاء المحدّثين ، وقد روى عن أجداده الأطهار عليهم السلام الكثير من الأخبار.

أمّا وفاته فقد كانت في المدينة وقال البعض : إنّه توفّي في التل الزينبية في بغداد.

10 ـ عبدالله بن الإمام الصادق عليه السلام : وقبره اليوم بالقرب من قبر السيّدة فاطمة الصغرى علي اليسار ، وله قبّة صغيرة خضراء وضريح خشبي(1) .

الصحابة والتابعون

1 ـ أسماء بنت عميس : وهي من خيرة النساء اللواتي آمنّ برسول الله صلى الله عليه واله بل كانت من الأوائل في الإسلام وقد هاجرت مع زوجها الشهيد جعفر الطيّار إلى حبشة ، وولدت ابنها عبدالله فيها.

ينقل أن عبدالله بن أسماء عندما ولد رزق النجاشي ملك الحبشة بمولدة كانت أسماء ترضعه.

أمّا أولادها من جعفر الطيّار فهم : عبدالله ، محمّد ، عون.

وبعد شهادة جعفر الطيّار تزوّجت بأبي بكر ورزقت منه بمحمّد رضوان الله عليه

__________________

(1) تاريخ وأماكن سياحتى وزيارتى سوريه ص 139 ـ 149.


الذي يعدّ من خيرة صحابة الإمام علي عليه السلام وقد ولّاه الإمام عليه السلام ملك مصر ثمّ نال الشهادة على يد شرّ خلق الله تعالى.

ومن بعد أبي بكر تزوّجها الإمام علي عليه السلام ورزقت منه ولدين أحدهما يحيى الذي قال عنه البعض أنّه استشهد في كربلاء وبعضهم قالوا أنّه مات في عهد والديه ، والآخر هو محمّد الأصغر.

ومن سعادة هذه المرأة الجليلة أنّها شاركت في غسل وتكفين الصدّيقة الزهراء سلام الله عليها.

أمّا قبرها الشريف فهو موجود في الباب الصغير إلى جنب ولدها الشهيد محمّد بن أبي بكر والسيّدة ميمونة بنت الإمام الحسن عليه السلام(1) .

2 ـ فضّة جارية الزهراء عليها السلام : تعدّ السيّدة فضّة رضوان الله عليها من خيرة النساء الفاضلات اللواتي خدمن أهل البيت عليهم وأخلصن لهم في الولاء.

* ذكر بعض المؤرخين أنّها كانت من بنات الملوك الايرانيين.

* ذكر بعض الكتّاب أنّها كانت بنت ملك «نوبة» جيئ بها من الأسارى إلى بلاد الإسلام والتحقت ببيت الرسالة صلوات الله عليهم أجمعين.

* كانت الصدّيقة الزهراء عليها السلام تقسّم أعمال البيت معها يوماً بيوم.

* في العشرين سنة الأخيرة من عمرها الشريف كانت لا تتكلّم إلّا بالقرآن.

* شاركت أهل البيت عليهم السلام نذرهم من أجل شفاء الحسنين عليهما السلام وقدّمت طعامها لليتيم والمسكين والأسير فنزل بحقّهم قوله تعالى :( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وأَسِيراً ) (2) .

* بلغ من شدّة علاقتها بأهل البيت عليهم السلام أنّها لم تفارقهم حتّى في الذهاب إلى

__________________

(1) راهنماى حج وزيارتگاهاى جهان اسلام ص 127.

(2) سورة الانسان : 8.


كربلاء وكانت ممّن خرج من النساء لوداع سيّد الشهداء عليه السلام.

* قبرها الشريف اليوم في الباب الصغير في الشام وقد كتب على قبرها العبارة التالية «فضّة خادمة رسول الله صلى الله عليه واله»(1) .

3 ـ زوجات الرسول صلى الله عليه واله

في أواخر الحائط الشرقي وبالقرب من الباب الأصلي هناك حجرة مستقلّة عن القبور تقع فيها زوجتا النبي صلى الله عليه واله السيّدة أُمّ حبيبة والسيّدة أُمّ سلمة.

وبالرغم من ذلك إلّا نستطيع القول وبكل اطمئنان أنّ قبر هاتين السيّدتين ليس في الشام وإنّما هو في البقيع ولا أعلم كيف نسب لهم هذين القبرين(2) .

4 ـ قبر المقداد

يعتبر المقداد بن الأسود الكندي من المجاهدين الكبار الذين دافعوا عن حرم الإسلام الحنيف.

* تحمّل في بداية الإسلام الكثير من الشدائد الصعوبات وقد أشار بنفسه إلى ذلك فقال : عندما قدمنا إلى المدينة في بداية الدعوة الإسلامية قسّمنا رسول الله إلى مجموعات كلّ عشرة يعيشون في حجرة واحدة وكنت أنا أعيش مع رسول الله صلى الله عليه واله.

* يعدّ المقداد من الثلاثة أو الأربعة أو السبعة الخلّص الذين مدحهم أهل البيت عليهم السلام وأشادوا بمتانة عقيدتهم الراسخة.

* كان للمقداد مكانة عظيمة تفوق البقيّة ما عدا سلمان المحمّدي حتّى قيل في حقّه : ما بقي أحد إلّا وقد جال جولة إلّا المقداد فإنّ قلبه كان مثل زبر الحديد.

* زوّجه الرسول صلى الله عليه واله ابنة عمّه الزبير بن عبدالمطلّب.

على الرغم أنّ الشيخ عبّاس القمّي قال : إنّ القبر المشهور في مدينة «وان»

__________________

(1) راهنماى حج وزيارتگاهاى جهان اسلام ص 129 نقلاً عن أُسد الغابة ج 5 ص 530.

(2) تاريخ وأماكن سياحتى وزيارتى سورية ص 149.


المنسوب إلى المقداد إنّما هو قبر الشيخ الجليل فاضل المقداد وهو من علماء الشيعة الأجلّاء القدر وله تأليفات نفيسة ، أمّا قبر المقداد في جرف بالقرب من المدينة.

إلّا أنّ الذي يرجع من الزينبية نحو الشام يجد على جهة اليمين مقبرة داخل أحد المساجد وقد كتب على قطعة «سيّد المقداد» وعلى القبر توجد صخرة بيضاء كتب عليها :

أنا المقداد بو معبد

أنا ابن السيّد الأسود

تهزّ الأرض حملاتي

وأبواب السماء ترعد

أنا المقداد في يوم القتال

أبيد البيض بالسمر العوال

وسيفي في الوغا أبيض صقيلا

طليق الحدّ في أهل الضلال

5 ـ بلال بن رباح :

وهو من السابقين إلى الإسلام وكان عبداً لأُميّة بن خلف اشتراه أبو بكر واعتقه.

* كان بلال مؤذّن رسول الله صلى الله عليه واله في المدينة إلّا أنّه لم يبق بعد وفاة النبي صلى الله عليه واله وإنّما سافر إلى الشام وتوفّي فيها سنة 20 أو 21 ه وكان عمره 63 أو 70 سنة.

* بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه واله لم يؤذّن بلال أصلاً لا في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر ، وإلى ذلك يشير الشبلنجي في نور الأبصار فقال : كان بلال أوّل مؤذّن لرسول الله صلى الله عليه واله ولم يؤذّن بعد لأحد من الخلفاء وقد توفّي سنة 17 أو 18 ه(1) .

6 ـ أُويس القرني :

أنّ أُويس القرني هو الفرد الرابع من الزهّاد الممدوحين في الإسلام ، وفضلاً عن حبّه للرسول صلى الله عليه واله كان الرسول صلى الله عليه واله يحبّه.

* لم يستطع أُويس طيلة عمره أن يرى النبي صلى الله عليه واله إلّا أنّه كان يصف شمائله أدقّ من الصحابة الذين قضوا عمرهم معه صلى الله عليه واله.

__________________

(1) راهنماى حج وزيارتگاههاى جهان اسلام ص 129.


* ذات مرّة أستأذن أُويس والدته أن يذهب إلى المدينة ليرى النبي صلى الله عليه واله على أن يرجع إليها مباشرة إذا لم يجده صلى الله عليه واله ، ولمّا وصل المدينة لم يجد النبي صلى الله عليه واله فرجع إلى والدته كما وعدها.

* حينما عاد الرسول صلى الله عليه واله إلى المدينة قال : إنّي لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن.

* اتّفق المسلمون على قداسة أُويس وزهده وتقواه حتّى قال النبي صلى الله عليه واله في حقّه : إنّه راهب هذه الأُمّة ، وقال صلى الله عليه واله : إنّ أُويس يشفع لقبائل كربيعة ومضر.

* بعدّ أُويس من حواري الإمام علي عليه السلام وقد شارك في معركة صفّين واستشهد فيها ودفن في «صفّين» وقبره اليوم في مدينة الرقّة الواقعة على بعد 200 كيلومتر عن خلب و 450 كيلومتر عن الشام بالقرب من قبر عمّار بن ياسر.

7 ـ عمّار بن ياسر : قبره في الرقّة بالقرب من قبر أُويس القرني.

قبر نبي الله زكريا وقبره في الرقّة في جامع زكريا.

8 ـ عبدالله بن مكتوم العامري :

أمّه أُمّ مكتوم وأبوه قيس ، وقد قال البعض أنّ اسمه عمرو.

كان من المهاجرين القدماء في الإسلام وحيث إنّه كان ضريراً جعله رسول الله صلى الله عليه واله يصلّي مكانه في المدينة أيّام غزواته ومعاركه ، نعم كان حاضراً في معركة القادسية.

* ذهب بعض المفسّرين أنّ الأعمى الذي ورد ذكره في سورة عبس هو عبدالله.

* توفّي عبدالله بعد عودته من معركة القادسية في المدينة المنوّرة ، إلّا أنّه يوجد قبر في الباب الصغير بالقرب من قبر عبدالله الباهر ينسب إليه ، وبالقرب من قبره توجد حجرةتنسب لإحدى زوجات النبي صلى الله عليه واله.

__________________

(1) راهنماى حج وزيارتگاههاى جهان اسلام ص 131.


9 ـ قبر أوس بن أوس : وهو من أجلّاء صحابة الرسول صلى الله عليه واله وكان من الذين سكنوا مسجد النبي صلى الله عليه واله في ايوان الصفّة المعروفة.

* كان أوس فقيراً جدّاً ومع ذلك كان كثير التهجّد والعبادةز

* هاجر إلى الشام ثمّ مات في عهد عثمان بن عفّان ودفن في الباب الصغير(1) ومقبرته الآن مقابل مدرسة الصابونية على جهة الحائط الغربي من مقبرة الباب الصغير.

10 ـ وائلة بن الأصقع : فمن صحابة الرسول صلى الله عليه واله الذين كانوا مع أوس بن الأوس وعمّار بن ياسر وغيرهم في «ايوان الصفّة» هو وائلة بن الأصقع.

* كان وائلة من المعمّرين وقيل أنّه عمّر مئة وخمسين سنة.

* توفّي في عهد عبدالملك بن مروان سنة 83 ه في دمشق ودفن في الباب الصغير ، وهو آخر صحابة الرسول صلى الله عليه واله الذين توفّوا في دمشق(2) .

* نقل أنّه كان من الساخطين على آل أُميّة لقتل سيّد الشهداء عليه السلام ، وقد بقي طيلة عمره يعظ الناس ويقول لهم : إنّ آية التطهير نزلت في أهل البيت عليهم السلام(3) .

11 ـ فضالة بن عبيد : وهو من صحابة الرسول صلى الله عليه واله وقد سكن الشام بعد فتحها ، وتولّى مهمّة القضاء في عهد معاوية ثمّ توفّي سنة 53 ه ودفن إلى جنب أبي الدرداء وأُمّ الدرداء.

12 ـ سهل بن ربيع الأنصاري : وهو أيضاً من أكابر صحابة الرسول صلى الله عليه واله المنتسبين إلى قبيلة الأوس وقد سكن دمشق في أوائل حكومة معاوية. توفّي ودفن في الباب الصغير(4) .

__________________

(1) راهنماى حج وزيارتگاههاى جهان اسلام ص 43.

(2) نفس المصدر ص 49.

(3) نفس المصدر ج 3 ص 397 لباقر القرشي.

(4) نفس المصدر لابن الحوراني ص 50.


13 ـ حجر بن عدي الكندي : على بعد عشرين كيلومتر من دمشق توجد قرية تسمّى «عذرا» وأهل القرية يسمّونها عدرُ وهي من توابع دوما الواقعة بعد حرستا الي على يمين دوما.

* يعدذ حجر بن عدي من التابعين الزهّاد الأوحديين الذين ناصروا أمير المؤمنين عليه السلام ويعرف بـ «سعد الخير».

* قال أمير المؤمنين عليه السلام في حقّه :

* بعد شهادة أمير المؤمنين عليه السلام قبض عليه عامل اليمن «محمّد بن يوسف» وجيئ به إلى المسجد وضربوه ضرباً مبرحاً وأمروه أن يلعن أمير المؤمنين عليه السلام فالتفت حجر إلى الناس وقال : إنّ الأمير أمرني أن ألعن علياً ، فالعنوه لعنه الله(1) .

* كان لحجر علاقة شديدة بالعبادة وقد أنشد قبل وفاته أبياتاً لإي مدح أمير المؤمنين(2) .

* يذكر أنّ عائشة قالت لمعاوية :(3) .

* يقول ابن الأثير : أنّ قبر حجر بن عدي معروف في العذراء وهو محلّ استجابة الدعاء ، وفي السنوات الأخيرة تحرّك بعض الخيرين وأعادوا تشييد ضريح حجر بن عدي.

* على الرغم من صغر سنّ حجر بن عدي إلّا أنّه كان من أعاظم أصحاب الإمام علي عليه السلام ، وكان في معركة صفّين رئيس قبيلة كندة كما كان من قادة جيش الإمام علي عليه السلام في معركة النهروان.

أمّا سبب شهادته فقيل أنّ عبدة الدنيا وأعوان الظلمة أمثال أبي برادة بن أبي موسى

__________________

(1) معجم رجال الحديث لآية الله العظمى السيّد أبو القاسم الخوئي قدس سره المتوفّى سنة 1413 ه ج رقم 2608.

(2) راجع سفينة البحار ج 2 ص 96.

(3) سفينة البحار ج 2 ص 95.


الأشعري وشمر بن الجوشن ، وشبث بن ربعي وعمر بن سعد وشوا حجراً إلى معاوية وادّعوا أنّه يلعنه ويخطّط للقيام عليه ولذلك اعتقل حجر مع جماعته وبعثوهم إلى الشام ، وفي الطريق مرّوا على منزل «قبيصة» وهو أحد المعتقلين مع حجر فأخذن بناته يبكين إلّا أنّه أمرهنّ بالصبر وقال : إمّا أن ننال السعادة في الشهادة ويكون الله تعالى هو الحافظ لكم أو أرجع لكم بالسلامة.

* في مرج العذراء القريبة من الشام حفر أزلام معاوية القبور واستعدّوا لقتل حجر وأعوانه إلّا أنّ ستّة منهم أُطلق سراحهم لتوسّط أقرباءهم وتشفّعهم فيهم ، أمّا الرجلان المتبقّيان فقد أمروا بقتلهم فقضوا الليل كلّه حتّى الصباح بالعبادة والتهجّد ثمّ قتلوهم وبعثوهم إلى معاوية إلّا أحدهم تعهّد أن لا يدخل الكوفة فأطلقوا سراحة والآخر بعثوه إلى الكوفة وقتلوه بعد أن أذاقوه أمرّ العذاب.

* قبل أن ينفّذحكم القتل في حقّ حجر صلّى لله ركعتين أطال فيهما الدعاء والتوسّل واستغرق في تهجّده مع الله تعالى ، وبعد أن فرغ من الصلاة التفت إلى جلاوزة معاوية وقال : إنّها أقصر صلاة في حياتي ، فتساءل منه الجلّاد قائلاً : لماذا ترتعد فرائصك؟ قال : ولماذا لا أخاف والقبر مهيّأ أمامي والسيف بيدكومع ذلك فوالله لن أقول ما يسخط الله تعالى.

* إنّ أسماء الشهداء السعداء الذين قتلوا مع حجر بن عدي هي : 1 ـ حجر بن عدي 2 ـ شريك بن شدّاد الحضرمي 3 ـ شبل الشيباني 4 ـ قبيصة بن ضبيعة العبسي 5 ـ محرز بن شهاب المنقري 6 ـ كدام بن نحيان العنزي 7 ـ عبدالرحمن ابن حسّان العنزي.

* ينقل أنّ المسجد الموجود جهة الشمال الشرقي من قبر السيّدة رقيّة عليها السلام والمسمّى بمسجد السادات دفنت فيه أجساد هؤلاء الشهداء أو بعض أعضائهم.

14 ـ محمّد بن أبي بكر : ولد من أبي بكر وتربّى على يد أمير المؤمنين عليه السلام وأُمّه أسماء بنت عميس تلك المرأة الصالحة التي قدّمت للإسلام خيرة ذرّية.


* بالإضافة إلى فضائله وسجاياه الخيرة فهو جدّ أُمّ الإمام الصادق عليه السلام إذ أنّ ابنه قاسم فقيه الحرمين كان الإمام الباقر عليه السلام قد تزوّج بابنته أُمّ فروة وولدت له عميد المذهب الشيعي الإمام الصادق عليه السلام.

أمّا أُخوته فهم : محمّد وعبدالله وعون وهم أولاد جعفر الطيّار رضوان الله عليه فضلاً عن يحيى ولد الإمام علي عليه السلام.

أمّا أُخوته فهم : محمّد وعبدالله وعون وهم أولاد جعفر الطيّار رضوان الله عليه فضلاً عن يحيى ولد الإمام علي عليه السلام.

* عيّن محمّد بن أبي بكر كوالي على مصر من قبل أمير المؤمنين عليه السلام مرتين إحداهما قبل أن يتولّى مالك الأشتر مصر والأُخرى بعدها.

* ينقل أنّ معاوية بن خديج وعمرو بن العاص بعد أن قتلا محمّد بن أبي بكر بأمر معاوية جعلا جثّته في جوف حمار وأحراقها وبعثوا رأسه إلى معاوية ، قبره الشريف اليوم في الباب الصغير معروف.

* قيل إنّ عائشة أُخته كانت تكثر البكاء لشهادة محمّد وتلعن معاوية وعمرو بن العاص ومعاوية بن خديج في قنوت صلاتها.

وقد تألّم أميرالمؤمنين عليه السلام لشهادته كثيراً وبكى لفقده وقال : محمّد ابني من ظهر أبي بكر ذكر المؤرخون(1) أنّ عمره المبارك حين شهادته كان ثماني وعشرين سنة وقد أخبر رسول الله صلى الله عليه واله عن شهادته قبل ولادته ، وقبره اليوم موجود في مصر شارع الحيضان بالقرب من جامع الحيضان في أحد المساجد الواقعة خلف جامعة الأزهر ويسمّى جامع الدعاء.

* روي أنّه لمّا ضرب أميرالمؤمنين عليه السلام الضربة التي توفّي منها استأذن الناس عليه ، وكان ذلك اليوم العشرين من شهر رمضان ، فدخلوا عليه وأقبلوا يسلّموا عليه وهو يردّ ، ثمّ قال عليه السلام : أيّها الناس سلوني قبل أن تفقدوني وخفّفوا سؤالكم لمصيبة إمامكم ، قال : فبكى الناس عند ذلك بكاءً شديداً ، وأشفقوا أن يسألوه تخفيفاً عنه ، فقام إليه حجر

__________________

(1) بحار الأنوار ج 42 ص 162.


ابن عدي الطائي وقال :

فيا أسفاً على المولي التقيِّ

أبو الأطهار حيدرة الزكي

فلمّا بَصُر به وسمع شعره قال له : كيف لي بك إذا دُعيت إلى البراءة منّي ، فما عساك أن تقول؟ فقال : والله يا أميرالمؤمنين لو قطّعت بالسيف إرباً إرباً ، وأُضرم لي النار وأُلقيت فيها لآثرت ذلك على البراءة منك ، فقال : وُفّقت لكلّ خير يا حجر ، جزاك الله خيراً عن أهل بيت نبيّك عليه السلام(1) .

__________________

(1) بحار الأنوار ج 42 ص 290.


الفصل السابع عشر

السيّدة رقيّة في شعر الشعراء

من أبيات الصحابي الجليل سيف بن عميرة النخعي قال فيها :

وسكينة عنها السكينة فارقت

لمّا ابتديت بفرقة وتغيّر

ورقيّة رقّ الحسود لضعفها

وغدا ليعذرها الذي لم يعذر

ولأمّ كلثوم يجد جديدها

لثم عقيب دموعها لم يكرّر

لم أنسها وسكينة ورقيّة

يبكينه بتحسّر وتزفر

يدعون أُمّهم البتولة فاطماً

دعوى الحزين الواله المتحيّر

يا أُمّنا هذا الحسين مجدلاً

ملقى عفيراً مثل بدر مزهر

في تربها متعفّراً ومضخّماً

جثمانه بنجيع دم أحمر(1)

للعلّامة المرحوم شاعر أهل البيت الشيخ عبد المنعم الفرطوسي المتوفّى 1404 ه :

أنزلوهم في خربةٍ ليس فيها

غير مهد الثرى وسقف السماء

لا تقيهم حرّ الهجير بظلٍ

وهو يصلي ولا لهيب ذكاء

والإمام السجّاد يخرج حيناً

بعد حين من شدّة البرحاء

هارباً من حرارة الشمس فيها

مستجيراً بالظلّ بعد العراء

كان يلقى سهلاً فيشكو إليه

ما يلاقي من الأذى والعناء

فتجيء الحوارء عدواً إليه

وهي تدعو بنديةٍ ورثاء

يا حمانا الزاكي إلى أين تمضي

أنت بُقايا الآباء والأبناء

__________________

(1) لبس السواد في عزاء أئمّة النور ص 220 نقلاً عن المنتخب الطريحي.


فيخلي عنه ويمضي إليها

مستظلاً من عطفها برداء

وتراءى الحسين يوماً لعيني

طفلةٍ عند ساعة الإغفاء

فاستفاقت وطالبت بأبيها

وتعالى الصراخ بين النساء

فأتوها برأسه فأكبّت

فوقه مستغيثة بالبكاء

شهقت شهقة فماتت عليه

حين أهوت على صعيد الفناء

حرّكوها وما بها من حراكٍ

فنعاها السجّاد للحوراء

وهي كانت في أصلها حين تنمى

خير بنت لسيّد الشهداء(1)

للعلّامة الكبير رائد المنبر الحسيني وشيخ الخطباء الدكتور الشيخ أحمد الوائلي رحمه الله :

في ربى قاسيون قبر صغير

فيه غصن من البتول نظير

تربة هومت رقية فيها

حضن الطهر رملها والحفير

عندها من محمّد وعلي

والحسين الشهيد شيء كثير

والسمات الطيبات تراث

يتجلّى به البشير النذير

يحمل العبرة الصريحة إن

الحقّ يبقى ويذهب التزوير

والضريح الذي يضمّ نسجاً

علوياً بالاحترام جدير

يطل الورد عاطش الروح منه

وبيوت النبي نبع نمير

وبدرب العيون صرح تسامى

الفنّ فيه وأبدع التعمير

روضة تأشب النظارة فيها

ويجلي أبهاءها التنوير

إن أطلت شمس الصباح عليها

يتبارى بها السنا والعبير

وصخور تماوجت بالمرايا

فكأنّ الشعاع فيها غدير

ويخطّ البلّور والذهب الإبريز

ما عنه يعجز التصوير

حفلت بالشموخ مبنىً ومعنىً

فالمزايا جنباً لجنب تشير

__________________

(1) ملحمة أهل البيت ج 3 ص 386.


أيه بنت الحسين يومك يُسر

وأمام الطغاة يوم عسير

المدى فيك بالخلود طويل

والمدى عند شانئيك قصير

والرقيم الذي على صرحك الشا

مخ فيه البيان والتفسير

أن يحيق الهوان الآسر الباغي

ويسمو كما يشاء الأسير

وتروح القصور والترف الفاجر

والوشي لامعاً والحرير

والعروش التي على البغي قامت

وجنود ومنبر وأمير

أيدانيك ظالم بسريرٍ

وقد انحطّ للهوان السرير

ممّن اجترّ حقد بدر وأُحدٍ

وتمادى سُعاره الشرير

من رعيل دم الشهادة فيهم

ملأ قرقارة الشراب خمير

ولأسنان أُمّهم في لحوم

ممّن استشهدوا بأُحدٍ صرير

فذريهم إلى الهوان مصيراً

وليدم منك للخلود مصير

يا ابنة المتّقين عاقبة الأبرار

عمّا ينالهم تبرير

أُنظري خربة أقمت بها بالشام

تُرُب فراشها وحصير

إنّها عبرة على شفة التاريخ

يشتارها السميع البصير

أنت فيها رمزٌ وضرخةُ حقٍ

عند سمع الطغاة منها هدير

صاح فيها صوت الضمير وعدل

في الموازين لو أفاق الضمير

سيطال الخراب أروقة الظلم

ويجتاح صرحها التدمير

وسيبدو للتائهين بأن الله

في فعل ما يشاء قدير

أيّها الشجنة التي أذبلتها

لوعة الأسر والفلا والهجير

فهي من زحمة القيود على الصـ

ـدر أنين شهيقها والزفير

طفلة يكمن الذهول بعينيها

فيبدو بدمعها التعبير

حملت قلبها الكسير على يُتمٍ

وقلب اليتيم قلب كسير

إنّها برعم وما اشتدّ منها

عودها الغضّ والفؤاد الغرير


لم يزل مثلها تهدهده هذه الدنيا

والحلم والفراش الوثير

فإذا بالزمان يُثقل كتفيها

بما قد ينوء منه ثبير

فهي جسم يدافع السوط بالكفّ

وعين بدمعها تستجير

يالوجدي وقد مررت عليها

وعلى القبر من أساها سطور

فبدى طيفها لعيني نِضواً

من سياط حدا بهنّ الغرور

قد تعاورنها ودرن عليها

وهي من وقعها الأليم تدور

وبراها السرى ففي عودها الناحل

وهن مبرح وضمور

تسأل الأُمّهات أين أبوها

كيف أغضى وهو الشفيق الغيور

كُنّ يوهمنها بأنّ أباها

غائب حان عوده والحضور

غير أنّ الغياب طال عليها

والعشي امتدّت بها والبكور

وألحّت تريده ذات يومٍ

فهو في قعر ذهنها محفور

فأتوها بالرأس أذيل خدّيه

هجير ونحره منحور

فهوت فوقه وأغفت كما

أغفى على دفء أُمّه عصفور

حضنت رأسه وأسلمت الروح

وجفت كما تجفّ الزهور

أيّها الزائرون في ودّ ذي القربى

سعيتم فسعيكم مشكور

هل لمحتم شمائل الأُمّ في البنت

فللفرع ما روته الجذور

ما هو القبر بل شعائر قدسٍ

في محاريبها يطوف الشعور

يُكتب السعي في المسير إليها

فهي آثار فضلها مأثور

الثمو تربها الطهور احتساباً

إن ترباً ضمّ الطهورَ طَهورُ

وانظروا كيف يزدهي القبر فيها

والتراتيل والشذى والنور

فلكم أوحشت قبور بأهليها

وشعت بساكنيها قبور

للمرحوم العلّامة الشاعر الدكتور السيّد مصطفى جمال الدين المتوفّى 1417 ه ق :

في الشام في مثوى أُميّة مرقد

يُنبيك كيف دم الشهادة يخلد


صرح من الإيمان زهو أُميّة

وشموخ دولتها لديه يسجد

رقدت به بنت الحسين فأوشكت

حتّى حجارة ركنه تتوقّد

كانت سبية دولة تبني على

جثث الضحايا مجدها وتُشيّد

حتّى إذا دالت تساقط فوقها

بأس الحديد وقام هذا العسجد

هيّا استفيقي يا دمشق وأيقظي

ترفاً على وضر القمامة يرقد

وأريه كيف تربّعت في عرشه

تلك الدماء يضوع فيها المشهد

من راح يعدل ميل بدر أمسه

فُلت صوارمه ومال به الغد

ستظلّ هند في جحيم ذحولها

تجترُ أكباد الهدى وتعربد

ويظلّ مجدك يا رقيّة عبرةً

للظالمين على الزمان يجدّد

يذكو به عطر الأذان ويزدهي

بجلال مفرقة النبي محمّد

ويكاد من وهج التلاة صخره

يندى ومن وضح الهدى يتورّد

وعليه أسراب الملائك حوم

وهموم أفئدة الموالي حُشد

وبه يطوف فم الخلود مؤرخاً

بالشام قبر رقية يتجدّد

للسيّد داود بن إبراهيم صندوق الدمشقي وشقيقه السيّد يوسف :

لذ في رقيّة سرّ الله كعبته

شمس بها انشقّ داجي الليل مظلمه

وزر حماها فللزوّار إن دخلوا

ولا أبيها نعيم الخلد تُطعمَهُ

وهو الإمام علي خير منتخبٍ

صنو النبي وسيف الله مخذمه

قد شاد للدين ركناً لا انهدام له

حبل الإله صراط الله أقومه

هذا هو النور نور الله أظهره

بالطور قدماً لموسى إذ يكلّمه

يلوح من حضرة قد قُدّست وسمت

لها من الشرف العلوي أعظمه

مغنىً لدرّة قدسٍ من بني مضر

تبغي الدراري من الآفاق تلثمه

من معشر باهت الأرض السماء بهم

والذكر بالنصّ فيهم جاء محكمه

هم آل بيت رسول الله من بهم

تمّت علينا من الرحمن أنعمه


نثرت من أدمعي درّاً بمأتمهم

في سلك حبل ولائي رُحت أنظمةُ

صلّى عليهم إله العرش ما غربت

شمس الضحى وبدت في الأُفق أنجمه

مقامهم في العلى نادى مؤرخه

العرش أرجاه والكرسي معلّمه(1)

للأُستاذ الخطيب الكبير العلّامة الشيخ جعفر الهلالي :

قف عند جلق واستقرئ بها العجبا

وانظر لعاقبة الأبرار منقلبا

واستنطق الزمن الماضي بما حفلت

أيّامه حيث ضجّت في الورى صخبا

كيف انطوت دولة كانت محصنةً

منها القلاع وقد مدّت لها طُنبا

تسعون عاماً ونيف قد مضت خبباً

للملك ما شيّدوا للملك ما جُلبا

كأنّما هي طيف مرّ منصرماً

أو كالسراب لألباب الورى خلبا

فما السبيل لنيل المجد مملكةً

أو أن تحوز بها الأموال والنشبا

وإنّما المجد بالتقوى وإن قصرت

منك الحياة وعشت الهمّ والتعبا

سل عن أُميّة في دنيا مفاتنها

بالغوطتين تريك المنزل الخربا

تُريك أنّ ديار الظلم خاوية

وأن ما حاولوا قد عاد منقلبا

وسل عن الآل من أبناء حيدرةٍ

أيّام عاشوا بدنيا دهرهم غُربا

فها هو الدهر يحني هامه عظماً

لمجدهم حين يسمو عزّةً وأبا

في كلّ بقعة أرضٍ من عبيرهم

رَوح يعطر من أرجائها التُربا

كانت هنا طفلة في دار غربتها

أسيرةً زاد فيها الوجد واضطربا

وكان ثمّة باغٍ عاد منتصراً

بزعمه راح يثني عِطفه طربا

إذا به وهو لا قبرٌ ولا أثر

بذكره وبه ناعي الفنا نعبا

__________________

(1) موسم العدد 4 ص 1077 وقد أرّخ بها تجديد عمارة قبرها عام (1323 ه) وهو يرى أنّها بنت الإمام علي والصحيح هي بنت الحسين كما تقدّم.


وذي اليتيمة والأيّام تنشرها

ذكراً حديثاً جميلاً طيّباً عذبا

قبر بزاوية مرّت به عصر

أضحى يناطح في عليائه الشهبا

ثوت رقيّة فيه فاكتسى شرفاً

غداة ضمّ الهدى والهَدي والحسبا

ومن لطه نمتها في أرومتها

أُمٌّ طهور فقد عزت بها نسبا

من قبل ألف ومثواها تقدّسه

هذي الدُنار غمّ من عادى ومن غصبا

للعائذين على أعتابها زمرٌ

من الأنام ترجي عندها الرغبا

حتّى الملائك رهن عند حضرتها

يباركون بها من زار أو ندبا

هذا هو العزّ لا ملك له حشم

هبّت به الريح حتّى صيّرته هَبا

قف بالمساعي التي تسمو النفوس بها

جوداً تريك جميل الفعل مُطّلبا

تريك أنّ ثمار الحبّ ما برحت

تُجنى وأنّ ضياء الحقّ ما غَرُبا

أنّ للخير ما زالت هنا همم

ميمونة القصد ترجو الجنّة الطلبا

سعت لترفع هذا الصرح مرخّصةً

هذي الجهود تريك الصنعة العجبا

تُريك من روعة التصميم هندسة

قد أحكمته فأضحى كالسنا لهبا

أنّى تّجهت فروح الفنّ ماثلة

يبدو بها المرمر اللمّاع منتصبا

قد جدّدوه ضريحاً عزّ مفتخراً

فيه تزاحم تلك الفضّة الذهبا

وقال الشيخ جعفر الهلالي أيضاً :

قف عند باب رقيّة تتضرّع

واقصد حماها فهو حصن أمنع

بنت الحسين سمت عُلا وجلالة

لجلالها هذى الخلائق خُشع

أبداً تأمُّ ضريحها وجلالها

وبها لواهب مجدها تستشفع

للعلّامة المفضال الأديب الجليل سماحة الشيخ محمّد جواد السهلاني :

هذا هو الصرح الممرّد مرقد

لرقيّة بنت الحسين الطاهرة

سيظلّ مرقدها مناراً للهُدى

يهدي الذوات من النفوس الحائرة

وترى الملائك خشعاً من حوله

كحجيج مكّة في حشود زائره


هذي اليتيمة من سلالة حيدر

طالبت أرومتها فاضحت نادرة

ما أُمّها ذو حاجةٍ إلّا انقضت

فهي الملاذ من الأُمور الجائرة

هذا هو الشرف العظيم مخلد

بالرغم من كيد الظغاة الماكرة

الله يرفع شأن آل محمّد

ويعيش غيرهم حياة خاسرة

أهديتها هذا الشعور لآلئاً

كيما أنال به ثواب الآخرة

للأُستاذ الكبير الأديب الجليل المبدع الدكتور أسعد علي :

على نيّة نُطقي يفاوض صمته

ونخلة عذراء الهدى تتمايل

ألا ليت قومي يذكرون كرامةً

رقيّة تزجيها لمن يتراسل

رقيّة رمز لا يطوقها المدى

بآدم والعي الحنون يواصل

لتنتخب الموت الجيمل نموّه

تتّت زهرا فالطيوب رسائل

يطوِّر ما قالت رقيّة رُقيَّةً

يقام بها الموتى وتزهو الذوابل

إذا جعفر طارت بكفّيه مؤتة

ففي أُحد يحمي المزارع هاطل

وإن قيل في الدنيا نموت تجيبهم

نموت على الحسنى فموتي باطل

عباءتي الأفلاك تغتمر الدجى

رُقية روحي فالشروق جدائل

كذلك نحيا أو نموت لغايةٍ

فأطوار موسيقي الحياة مراحل

للخطيب الأديب الشاعر العلّامة السيّد محمّد مهدي السويج :

طفلة للحسين في الشام ماتت

وهي ولهى مع الأسارى شجيه

كم أرادوا لها إماتة ذكر

فعلت فوق مستوى فيه حيه

فكأنّ الزهراء فيها تجلّت

فعليها أنوارها النبويه

وهي أيضاً عن فاطمٍ لأبيها

بضعة أحمدية علويه

ولها في رسالة السبط دور

مع أطفاله لشرح القضيّه

في دُنا التضحيات من دون دين

الله جارت عليه أُميّه

وبطيف المنام لاقت أباها

وسريعاً تمّ اللقا بالمنيّه


فغدا قبرها مزاراً يطوف الناس

فيه في غدوة وعشيّه

ويرى عند قبرها الشريف سناء

عبر هذي الأجيال يهدي البريّه

كلّما جدّد البناء عليه

جدّد العهد في قلوب زكيّه

لم تزل ترتقي وتُهوي عداها

فبحقٍ كانت تسمّى رقيّه

للأُستاذ الشاعر إسماعيل خليل أبو صالح :

خبّريني يا روضة في الشآم

كيف نلت بها رفيع المقام

طفلة لم تناهز الحلم لكن

هي فرع من دوحةٍ للكرام

من أبوها من جدّها من أخوها

سائليها لها أنحنِ باحترام

سائليها تجبك أنّ أباها

بدماه سقى عرى الإسلام

وهي من جدّها تسامى عُلواً

وفخاراً على جميع الأنام

وأخوها ذاك الذي ميزته

ثفنات من فرط ذاك القيام

فلماذا رقية الطهر ذاقت

في صباها أهوال فعل اللئام؟

أكذا الأجر والمودّة في القربى

لطه يا أُمّة الأقزام؟

حكمة الله قد قضت أن يضام

الحرّ لكن الخلد للمستضام

ودليلي رقية أن تزرها

تجد التبر راسفاً بالرخام

وحوالي ضريحها تجد الناس

قياماً أو ركّعاً للسلام

ثمّ عرّج على يزيد وشاهد

كيف صار الخرابُ دار الطغام

عظة المرء بين تلك وهذا

كيف يسمو أو يهوي مثل الحُطام

للأُستاذ الشاعر الأديب إبراهيم جواد الدمشقي :

لمن البكاء وحرقة العبرات

لمن العويل ورنّة الآهات

لمن الجموع تلاطمت أمواجها

وتدافعت أفواجها سكرات

نظراتها حيرى وأكبدها لظىً

وقلوبها موقودة الجمرات

لرقيّة بنت الحسين رنينها

وأنينها المشفوع بالزفرات


بنت الإمام أخي الإمام ابن الإمام

أبي الأئمّة سادة السادات

لعظيمة ما جاوزت بعضاً من الأ

عوام أو بعضاً من السنوات

قد أشربت لبن الشهادة مترعاً

صافٍ من النزعات والنزغات

قد طهر الله الحكيم فؤادها

من كلّ رجسٍ من هوى الرغبات

فرنت لمرقدها الجموع تبثّه

أشجانها مشبوبة اللفحات

سكبت على القفص المذهب دمعها

وسقته من عبقاتها نفحات

وقفت بأرض الطف ترمق فيلقاً

سدّ القضاء بكلّ باغٍ عات

جاؤوا يصدّون الحسين وصحبه

ويروعون نساءه الخفرات

شهدت بعينيها مصارع أهلها

مستبسلين مشمّرين كماة

منعوا ورود الماء وهو أمامهم

قتلوا على ظمأ بشطّ فرات

حزت رؤوسهم ورضت أضلع

وتوزّعت مزقاً على الفلوات

رأت المشاهد لو رآها ضيغم

صعب العريكة بالغ الفتكات

لتفجّرت منه الدماء تفجّعاً

وقضى صريعاً خامد الحركات

لكنّها بنت الحسين وقلبها

قلب الحسين محصن الجنبات

فاقت أسود الغاب صبراً واحتوت

سيل الكروب بعزمةٍ وثبات

صبرت على البلوى وغالبت الأسى

وعلت كوالدها على النكبات

حتّى إذا رأت الحسين مسربلاً

بدم الشهادة طيّب العبقات

والرأس حُزت والجبين معفر

والشيب خضب بالدما الأرجلات

نادته يا أبتاه من ليتيمةٍ

من للنساء الرُّمل الثكلات

يا والدي لهفي عليك ممزقاً

والقلب ساج ساكن النبضات

أبَ يا أبي ما العيش بعدك سائغ

من عاش بعدك عاش كالأموات

أنا يا أبي ما خفت بعدك كربةً

أبداً ولا هبتُ الذي هو آت

عزّ الفراق عليَّ يا أبتي فما

معنى الحياة وأنت أنت حياتي


خذني إليك أبي فلست قريرة

بالعيش دونك فاستجب دعواتي

خذني إليك فما الوداع يروقني

أبتاه لا أقوى على المأساة

وقد استجاب لها الإمام وضمّها

بين الحنايا حاني اللمسات

أخذت إليها الرأس وهي تشمّه

وتكحل الأنظار بالنظرات

وتخاطب الرأس الشريف مروعةً

والقلب منها دائم الحرقات

بكت الصغيرة والإمام بحضنها

وعلا النشيج فهيّج الصرخات

وغفت على الرأس المخضّب بالدما

مخنوقة الأنفاس والنبرات

فقضت شهيدة حزنها ومصابها

بنت السنين الخمس كالومضات

وقضى لها الله الخلود على المدى

بين الورى وبوارف الجنّات

تأتي الجموع لترتوي من كوثر

ثرّ العطاء مبارك الثمرات

وتعود تحمل زمزماً في فكرها

وفؤادها يزكو مع السجدات

والشام نعم الشام قد أنست بها

وتشوّقت لليُمن والبركان

وتعاهدت تُعلي المقام مكرماً

وتحوطه بالحبّ والدعوات

وتبّرأت من عصبة منبوذةٍ

خانت عهود الله والآيات

عاثت فساداً في البلاد وأظهرت

فيها الفواحش فعل شرّ طغاة

إنّ الملوك إذا استباحوا أُمّةً

جعلوا أعزّة أهلها نكرات

هذي فعال بني أُميّة في الورى

من عهد صخر عابد اللذّات

حتّى يقوم بدوره سفيانها

ابن الطليق وصاحب الغدرات

فإليك يا بنت الحسين تحيّتي

وعليك حزني دائم العبرات

للدكتور الأديب لبيب وجيه بيضون :

يا آل طه المصطفى أهل الكرم

حزتم فخاراً ليس تنساه الأُمم

أنتم سراج الحقّ ما بين الورى

تاج المعالي أنتم رمز الشيم

لا سيّما بنت الحسين المجتبى

تعلو مآذنها على كلّ القمم


وقبابها مشهورة في جلقٍ

تُلقي الضياء على البسيطة والشمم

في خربة وضعت تلوذ بزينب

ولقد أمض بها وأضناها السقم

لما رأت رؤيا أبيها كامداً

ضجّت لرؤياها تنوح من الألم

طلبت أباها قيل : سافر مدّة

حتّى رأته قطيع رأس كالعلم

آوته في حجر تقبل مبسماً

منه ودمع العين يذرف كالديم

سهقت عليه شهقة فيها الأسى

راحت بها لله تشكو من ظلم

سبحان ربّي يمهل الطاغي ولا

يهمله حاشا فهو عدل إن حكم

للسيّد عامر الحلو :

بدمشق قبرك يا رقيّة يُشرق

وبه عظات بالحقيقة تنطق

كنت أسيرة دولة مغرورةٍ

فعصفت فيما زوروا أو لفّقوا

وإذا بها عند النهاية عبرة

وإذا بقبرك فيه تزهو جلق

وإذا بمجدك وهو مجد محمّدٍ

زاهٍ ويخترق المدى ويحلق

تلك الحقيقة سوف يبقى نورها

أبد الزمان على العوالم يخفق

ويظلّ هدي محمّد طول المدى

رغم الصعاب وهولها يتعمّق

والكون يخضع للرسالة خاشعاً

ويدين فيها غربُه والمشرق

وهو الذي قد رامه في كربلا

نحر الحسين وفيضه المتدفّق

ويظلّ صرحك يا رقيّة شامخاً

بالطيّبات وبالمفاخر يعبقُ

ولقد ذكرتك يا رقيّة بالشجى

لما رُزئت وغاب عنك المشفق

لمّا غفت عيناك من تعب السبا

ورأيت والدك يحنّ ويُشفق

ففزعت باكية عليه بلوعةٍ

والقلب من وقع الأسى يتحرّق

وعلا النحيب على الحسين بخربةٍ

نطق البكاء بها وكلّ المنطق

وأتوا برأس السبط في غسق الدجى

فحضنته والكلّ فيه أحدقوا

ورقدت رقدتك الأخيرة جنبه

ولقد رحلت وأنت نبع مغدق


نبع الطفولة والبراءة والصبا

نبع يظلّ على المدى يتدفّق

نبع التقى نبع الهداية والنهى

نبع أصيل في الأكارم معرق

ويظلّ قبرك يا رقيّة كعبةً

للزائرين به تطوف وتحدق

للعلاّمة الحجّة السيّد حسين بحر العلوم :

لهف نفسي لزينب وهي ثكلى

يلتظي قلبها دموعاً وآها

كم رأت في خرابة الشام أحزاناً

تسيخ الجبالُ من بَلواها

رأت الذلّ والهوان وقيد

الأسر ، فازداد حزنها وشجاها

ورأت ما يمضّ من ألم اليُتم

مصاباً يعزّ عن أن يضاهى

طفلة بنت أربع أو ثلاث

يشهق العطر من عبير شذاها

فلذة من فؤاد أحمد يجري

من علي وفاطم ريّاها

هي بنت الحسين لم تعرف اليتم

ولم تدر كيف تنعى أباها

ألفت حجره وثيراً من المهد

وكان الشغوف إذ يرعاها

لم تزل تسأل الأرامل والأيتام

عنه ، ولم تحصِّل مناها

وغفت عينها لتهجع بلواها

وتنسى مصابها وأساها

وإذا بالكرى طيوف حبالي

بالمآسي وليتها لن تراها

رأت الوالد العطوف بعينيها

فهبّت مذعورة من رؤاها

وانبرت تشتكي له الذلّ واليُتم

فتذوي القلوب من شكواها

واستفاقت من غفوة الضيم تبكي

وتنادي ولا يجاب نداها

يا أبي ، يا أبي أُريد أبي

ـ الآن ـ فقد كان لي ظلالاً وجاها

فاستجاشت عواطف الثكل بالحـ

ـزين ضجيجاً من أرضها لسماها

وتعالى البكاء واستشرت الآهات

والتاعَ في النفوس جواها

فاستفزّ الصراخ نوم يزيد

وهو في قصره فأبدى انتباها

قال : ماذا جرى لعائلة الأسر

ألم ينسها الكرى شجواها


قيل : بنت الحسين في حلم النوم

رأته ، فاشتطّ منها نهاها

فأفاقت تريد شخص أبيها

فهي لم تقتنع بغير مناها

قال : ذا رأسه احملوه إليها

فعسى تستعيض عنه عساها

فأتوها به فأهوت عليه

بانعطاف أضاع منها هداها

وانحنت فوقه تقبل فاه

وهو من عطفه يقبّل فاها

وتناديه : يا أبي أيّ سيف

جذّ منك الأوداج حتّى براها

يا أبي من تراه خضّب منك

الشيب بالدم ، من ترى أشقاها

يا أبي من إلى الأرامل والأيتام

يعنى بها ، ومن يرعاها

يا أبي أين غبت عنّا ، فقد

ضاقت رحاب الصدور من لؤاها

يا أبي عزّ أن نراك ترى

الأيتام حسى ، والعزّ فضل رداها

واستجاشت بها العواطف حرّى

يفجّر الصخر من شجى نجواها

ثمّ سرعان ما اسكانت على

رأس أبيها تبثّه شكواها

فإذا بالمصاب يضرى فيبدي

جثّة بزّها الحمام رواها

حلم وانطوى وأجهش تأريخ

وظلّت مأساتها تنعاها(1)

للخطيب الشيخ صادق ابن الشيخ جعفر الهلالي :

قبس شعّ في الشآم بهيّا

يوم وارى الثرى رفاة رقيّا

هي بنت الحسين وابنة طه

فاح منها عطر الولاء نديّا

هي من جدّها علي تسامت

في مقام يزهو به علويّا

راح يهفو الفؤاد من كلّ فجٍّ

عارفاً حقّها محبّاً تقيّا

فهنيئاً لتربة الشام فخراً

علوياً طالت بذاك الثريا

تحضن الطهر تزدهي بشذاها

فتعمّ الدهور عطراً زكيّاً

__________________

(1) مقتل الحسين للسيّد محمّد تقي بحر العلوم (298) وطبعت في ديوان الشاعر زورق الخيّال.


شتموا جدّها الوصي لدهر

فغدا الفعل منهم مخزيا

أين منهم (يزيد) أين أبوه

أين تلك القصور لم تك شيّا

قد أطاحت تلك الفعال بذكراه

وأفنت عهداً مضى مطويا

وإذا الآل رحمة الله في الأرض

وباب يهدي الصراط السويّا

يا إبنة الطاهرين فيك استضاءت

هذه الأرض بالسناء زهيّا

وضعوك بخربة كالأسارى

واستضاموا مقامك المرضيّا

وعلي السجاد في لوعة الحزن

ومن حوله النساء بكيّا

لم يراعوا كرامةً لرسول الله

فيه ولم يراعوا الوصيّا

هو يوم بيوم بدرٍ أفاضوا

فيه حقداً لدى النفوس غويّا

ورثوه حقداً قديماً على الإسلام

واستهدفوا هناك الوصيّا

فبسيف الإسلام أوترهم كفراً

بأمر من الاثله جليّا

فاشترواها دنيا بآخرة الله

وضنّوا بها البقاء الهنيّا

ثمّ ضاعت دنياهم في سراب

ثمّ ضاعوا فما نرى حربيّا

وإذا بابنة الحسين تحدّث

يوم وافت بصرحها مبنيّا

يا ابنة الأكرمين يا صرخة الحقّ

تعالت على الزمان دويّا

مهجة المرتضى ونفس حسين

مَن هوى في الطفوف المفاوز طيّا

فرأت في المنام وهي تناجي

لأبيها الحسين قلباً حفيّا

فأفاقت مذعورة القلب تدعو

عمّتي شمت والدي المرضيّا

وتعالى البكاء من شدّة الحزن

وراح الصدى يهزّ الدعيّا

قال يا قوم ذاك رأس أبيها

قدّموه لها لتسلو مليّا

عانقته ولا تزال تناغيه

وترجو حنانه الأبويّا

من لنا بعدك الحما ياحمانا

ورجانا وقد فقدنا الحميّا


ثمّ فاضت وفارقت روحها الدنيا

وعاد المصاب خطباً جليّا

إيه يا طفلة الحسين ونوراً

شعّ في هذه الربوع مضيّا

في مقام أعزّه الله فيها

يبعث اللطف بكرة وعشيّا

وضريح لمرقد الطهر يعلو

شرفاً قبرها بدا ذهبيا

فغدى صرخة يضجّ بياناً

تعلن الحقّ كالنساء جليّا

هذه مهجةّ لآل علي

ينشر الدهر فضلها النبويّا

فانحنت دونها عروش بغاة

وغدا الذكر منهم منسيّا

فإذا بالأسير يكتسح الظليم

يجلي ستارة المغشيّا

هكذا آل أحمد وعلي

زاحموا الدهر واستضافوا الثريّا

لا صلاة دون الصلاة عليهم

وكفاهم بذاك فخراً عليّا

تلك دينا فيها أعزّهم الله

ولقّاهم الرضا أُخرويا

آل مروان كم بنيتم عروشاً

وملكتم دنيا وحكماً شهيّا

وحلمتم إنّ الأُمور إذا ما

حزتموها قد فزتموا دنيويّا

قد بنيتم عهداً بظلم أُولى الأمر

ولكنّه اغتدى مفنيّا

نهجكم كلّه على الحقّ بغي

وانحراف جاز الصراط السويّا

ونسيتم يوم المعاد الذي فيه

عذاب للظالمين صليّا

تدّعوها خلافة ولأنتم

طلقاء لم تحظ من ذاك شيّا

ما دهاء فيكم ولكنّه الغدر

ولولاه ما استقمتم مليّا

قد كسبتم دنيا وعشتم هواها

حيث أغضبتم الإله العليّا

قد أتتكم عواقب السوء فيها

قد جنيتم منها ضلالاً وغيّا

فانظروها بجنبكم ترقد الأبرار

تسمو بعزّها أبديّا

للكاتب القدير والشاعر البارع الأخ سلما آل طعمة :

ضريحك إكليل من الزهر مورق

به العشق من كلّ الجوانب محدّق


ملائكة الرحمن تهبط حوله

تسبّح في أرجائه وتحلّق

شممت به عطر الربى متضوّعاً

كأنّ الصبا من روضه الخلد يعبق

إليه غدا الملهوف مختلج الرؤى

وعيناه بالدمع الهتون ترقرق

كريمة سبط المصطفى ما أجلّها

لها ينحني المجد الأثيل ويخفق

أرومتها طابت كحسن خصالها

لديها غدا العاني يحبّ ويومق

إلى ذروة العزّ انتمت وتسابقت

ومن راحتيها بأنّ فضل مطوّق

وأيّدها الباري بكلّ فضيلة

وخير محلّا بالعلى وهو يغدق

كأنّ الدجى ينشقّ عن سحر وجهها

كما يطلع البدر المنير ويشرق

أطلّي على الدنيا كشمس منيرة

لها بقلوب المخلصين تعلّق

أطلّي فهذا الكون يشدو صبابة

لمجدك مهتاجاً ويهفو ويرمق

وبوحي بآيات الجلال فإنّنا

عطاشى إلى بحر المنى يتدفّق

فياجذوة في النفس يحلو أوارها

وكلّ محبّ نحوها يتشوّق

ويا قبساً من نور أحمد يزدهي

بطيب فعّال عبر طيف يطرق

نشأت على حبّ الحسين وفضله

وحزت من الجاه الذي لا يصدّق

وإنّك أهل للخلود وشأوه

فذاك هو المجد العظيم الموفّق

وحبّك هذا ساكن القلب والحشا

سيبقى مناراً للهدى يتألّق

شعائر قدس تملأ الأرض رحمة

مدى العمر تزهر للبرايا وتبرق

وأيّ مزار صار للناس ملجأً

إليه التجى الراجي وفاض التصدّق

يتيمة أرض الشام ألف تحيّة

إليك وقلبي بالمودّة ينطق


ترجمة المؤلّف

قال في كتاب : «مشاهير الخلخال» في ترجمة المؤلّف (دام توفيقه) :

هو حجّة الإسلام والمسلمين الحاج الشيخ علي ربّاني الخلخالي نزيل قم المقدّسة ، نجل الحاج علي رحمه الله.

ولد في أُسرة متديّنة وملتزمة عام ألف وثلاثمائة وستّ وستّين هجري قمري ، وذلك في قرية : «كرين» إحدى قرى الخلخال.

تعلّم القرآن الكريم وختمه في ثلاثة أشهر وهو ابن ست سنين ، ثمّ انتمى إلى المدرسة الابتدائية وهو ابن سبع سنين وبقي يرتقي فيها من الصفّ إلى آخر بنجاح حتّى أكمل الابتدائية مظفّراً فائزاً.

ثمّ أنّه على أثر ترغيب والديه وحثّهما له على الدراسة الدينية ، فضلاً عن حبّه وعلاقته بالدروس الحوزوية هاجر إلى قم المقدّسة ، وبقي فيها عاماً واحداً ثمّ عاد بعدها إلى خلخال واشتغل بالمقدّسات في المدرسة العلمية الجعفرية وتتلمذ عند آية الله «يكتائي».

وبعد مضي عامين على ذلك أكمل درس المقدّمات ، وقفل بعدها راجعاً إلى قم المقدّسة ، واشتغل بمواصلة الدروس الحوزوية فيها ، ودرس الرسائل عند آية الله «الشيخ مصطفى الاعتمادي» وكذلك قسماً من كتاب المكاسب عند آية الله «الشيخ شهاب الدين الاشراقي» وأكمل بحث السطوح عند أساتذة آخرين من مثل آية الله «الشيخ أبو طالب تجليل التبريزي» وآية الله «السيّد مهدي اللاجوردي القمّي» وآية الله «الشيخ جعفر السبحاني» وغيرهم من العلماء الأعلام ثمّ اشترك في دروس بحث


الخارج وحضر درس آية الله العظمى «السيّد الگلباگاني» وآية الله العظمى «السيّد المرعشي النجفي» وآية الله العظمى «السيّد محمّد الشاهرودي» وآية الله العظمى «السيّد محمّد الروحاني» وآية الله العظمى «السيّد محمّد الحسيني الشيرازي» وغيرهم من المراجع العظام.

نشاطه الاجتماعي

لم يكتف الشيخ ربّاني الخلخالي بمواصلة دروسه الحوزوية فقط ، وإنّما كان إلى جانب ذلك ، يُلقي ما تلقّاه من العلوم الدينية على زملائه وأصدقائه ، وأقربائه وأهل محلّته ، ويشجّعهم على الاشتراك في الثورة الإسلامية التي اندلعت في ايران بقيادة العلماء الأعلام والمراجع العظام ، وعلى أثر نشاطاته تلك اعتقل ذات مرّة هو وجماعة من طلّاب العلوم الدينية من طرف مديرية الشرطة العامّة في مدينة خلخال ، فسعى آية الله «يكتائي» في إطلاق سراحهم حتّى وفّق إلى ذلك.

ثمّ إنّه اعتقل مرّة أُخرى من قبل سلطات الشاه المقبور على أثر كتاب كتبه باسم : «مفاسد الخمر ، والقمار ، والربا في نظر الإسلام» وسعى هذه المرّة لإطلاق سراحة آية الله «الشيخ حسين اللنكراني» واستطاع من التأثير على سلطات الشاه حتّى أمرت بإطلاق سراحه.

وفي مدّة إقامة الشيخ الخلخالي في مدينة ثم المقدّسة قام برحلات تبليغية إلى مختلف بلاد ايران ، ومن جملتها : همدان ، وكرج ، ولواسانات ، وغيرها.

نشاطه العلمي

اهتمّ الشيخ بالتأليف والتصنيف ، وقدّم للمكتبة كتباً قيّمة ، وتصاينف أنيقة وجميلة ، وقد رأت الكثير من تأليفاته عالم النور وخرجت إلى الأسواق ، وهي باللغة الفارسية ، وقد ترجم بعضها إلى اللغة الأُردية والعربية وغير ذلك من اللغات الأُخرى ، وإليك نماذج من الكتب المطبوعة :

1 ـ «شهداء رجال الدين الشيعة» ويقع كتاب في جزئين ضخمين يحتويان


على ترجمة أربعمائة عالم من رجال الدين ، الذين استشهدوا في القرن الأخير.

2 ـ «الشعائر الحسينية في نظر مراجع الدين الشيعة» ويقع في جزء واحد يضمّ بين دفّتيه فتاوى المراجع العظام حول الشعائر الحسينية. وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة الأُردية.

3 ـ «المرأة في نظر الإسلام».

4 ـ «الخيانة من منظار الإسلام».

5 ـ «مفاسد الخمر والميسر والربا في الإسلام».

6 ـ «وجه الإمام الحسين عليه السلام المنير» ويحتوي على حياة الإمام الحسين عليه السلام من الولادة حتّى الشهادة.

7 ـ «وجه العبّاس بن علي قمر بني هاشم المنير» ويقع هذا الكتاب في سبعة عشر جزءاً ضخماً ، طبع منه ثلاثة أجزاء ، والباقي على طاولة التأليف والطبع ، ويرجو المؤلّف (دام توفيقه) أن تكون هذه الموسوعة ، أشبه شيء بدائرة معارف تأريخية ، حول حياة حامل لواء كربلاء ، وبطل يوم عاشوراء ، أبي الفضل العبّاس عليه السلام ، ويأمل أن ينتفع به الفضلاء والعلماء ، والكتّاب والمحقّقون ، والشيعة والموالون.

هذا وقد حوت الأجزاء الثلاثة المطبوعة من هذه الموسوعة على شطر كبير من حياة أبي الفضل العبّاس عليه السلام وعلى أكثر من سبع مائة معجزة صدرت منه عليه السلام وظهرت من روضته المباركة ، كما وتحتوي أيضاً على ذكر ما يرتبط بأبي الفضل العبّاس عليه السلام من حسينيات ، ومقامات ، وسقايات ، ومستوصفات ، ومدارس علوم دينية ، وما أشبه ذلك من مؤسّسات اجتماعية ، ويحتوي كذلك على ذكر أولاد أبي الفضل العبّاس عليه السلام وذكر تأريخهم ونبذة من حياتهم ، وتعيين مزاراتهم ومراقدهم ، وعرض صور جميلة من روضاتهم المقدّسة.

فإلى جميع العلماء والفقهاء ، وأئمة الجماعة والخطباء ، والمدّاحين والذاكرين ، وأصحاب المجالس والمواكب أجمعين ، وكلّ المحبّين والموالين ، نوجّه خطابنا هذا ،


ونأمل منهم التعاون معنا في إخبارنا ومراسلتنا بكلّ ما لديهم من كرامات ومعجزات تخصّ أبا الفضل العبّاس عليه السلام وترتبط بعموم الناس من شيعة وسنّة ، ومسلمين وغير مسلمين ، كي ندرجها في الأجزاء الباقية إن شاء الله تعالى ولكم منّا جزيل الشكر والثناء.

الناشر


فهرس الكتاب

كلمة المترجم 5

المقدّمة6

الفصل الأوّل 9

[السيّدة رقيّة في المستندات التأريخية] 9

الفصل الثاني 19

الشام : جغرافيّاً وسكّانياً وتأريخياً19

1 ـ الجغرافية :19

2 ـ السكّان :19

3 ـ التأريخ :20

الفصل الثالث 32

الشجرة الملعونة32

هل كان بنو أُميّة من قريش؟33

أُسرة أبي سفيان :34

هند آكلة الكبد :34

عداء أبي سفيان :34

أُسرة بني أُميّة :35

الشجرة المدعو عليها :37

بين جارية ومعاوية :37

شريك بن الأعور ومعاوية :38

سياستان متضادّتان :38

أين قبر معاوية اليوم؟39


جواز لعن معاوية :40

المحامي الأوحد عن الإسلام :40

الإمام الحسين عليه السلام يحمي المظلومين :42

وصيّة معاوية ليزيد :43

يزيد الجاني 43

يزيد شارب الخمر :44

إذا رأيت آلة القمار فالعن يزيد :45

كيف تعامل يزيد مع رأس الحسين عليه السلام46

رمي الإمام الحسين بالحجارة :47

لنعرف أعداء أهل البيت عليهم السلام48

لنعرف أولاد الحرام :48

قبر يزيد عبرة على مدى التأريخ :49

واقعة الحرّة وإحراق البيت :50

لنعرف يزيد وابن زياد بشكل أفضل 50

يزيد يفتضح ويتورّط(2) 53

دفاع الغزالي عن يزيد!55

فضيحة ألاعيب معاوية57

صراع الحقّ والباطل 58

خطبة الإمام الحسين عليه السلام في مجلس معاوية59

إنّهم لا يميّزون بين الناقة والجمل 60

كفر بني أُميّة61

الخلافة الموروثة62

التشديد على الشيعة64

استقرار سلطنة بني أُميّة65


الشيعة في القرن الثاني للهجرة67

يزيد والسرور الذي لم يدم69

من هم أُولوا الأمر؟72

أيّها الظالمون اعتبروا75

الفصل الرابع 79

مكتوب على أبواب الجنّة80

مكتوب على العرش 80

الشاكّ في ولاية علي عليه السلام80

حرب الجمل من أين؟80

الفضل ما شهدت به الأعداء81

عمر يعترف بفضائل الإمام علي عليه السلام81

من يشتري سيفي؟82

أوّل من صلّى مع الرسول صلى الله عليه واله82

علي عليه السلام سيّد في الدارين 82

مَن فارق عليّاً83

لا فتى إلّا علي عليه السلام83

جبرئيل ينصر الإمام علي عليه السلام83

مبارزة علي عليه السلام أفضل من أعمال الأُمّة83

إرادتكم إرادة الله عزّ وجلّ 83

من قضاء أمير المؤمنين عليه السلام84

في مدح أمير المؤمنين عليه السلام85

الفصل الخامس 87

1 ـ في جنب الفرات :87

2 ـ تكريت :88

3 ـ وادي النخلة :89


4 ـ المرشاد :89

5 ـ الحرّان :89

6 ـ نصيبين :90

7 ـ المدينة المجهولة :90

8 ـ حلب :91

عتيقة الإمام الحسين عليه السلام91

9 ـ دير النصراني :93

10 ـ عسقلان :95

11 ـ بعلبك :97

ورود الأُسارى إلى الشام98

آه من الشام99

أهل البيت عليهم السلام في قصر يزيد 103

حديث أُمّ كلثوم مع أُخت يزيد 104

كلام السيّدة سكينة لابنة يزيد 105

الرأس يقرأ القرآن 106

يا شيخ أما قرأت القرآن؟106

شلّت يمينك يا يزيد 107

ارفع يدك يا يزيد 108

أمثل رأسك يضرب بالسياط؟110

نصب الرأس الشريف في الشام111

امرأة تستشهد بعد الحسين عليه السلام111

مصرع حامي الرأس الشريف 112

محادثة بين الرأس والعليل 113

الرأس الشريف يصبّر العقيلة113

مَن المنتصر؟114

إنّهم إحياء يرزقون 114


يزيد يأمر بقتل الإمام السجّاد عليه السلام115

رواية أُخرى 117

من معاجز الإمام السجّاد عليه السلام119

خطبة العقيلة زينب عليها السلام119

الإمام الباقر يعظ يزيد 122

خطبة الإمام السجّاد عليه السلام123

يزيد يتبرّأ من جناياته126

تجدّد المآسي في الشام127

نذر امرأة128

امرأة يزيد تزور الأسارى 130

رؤيا السيّدة سكينة عليها السلام132

رؤيا هند زوجة يزيد 135

الفصل السابع 137

من حياة الإمام زين العابدين عليه السلام137

ولادة الإمام السجّاد عليه السلام138

آثار الإمام زين العابدين عليه السلام138

ألقاب الإمام زين العابدين عليه السلام139

النسب الشريف 139

أين زين العابدين؟140

الشكر على النعم 140

عبيدك ببابك 141

حاله في عبادته141

أنت حرّ لوجه الله 141

وصيّة الإمام السجّاد عليه السلام142

أبناء الإمام السجّاد عليه السلام143


الشهادة المؤلمة144

أبيات الفرزدق 146

الفصل الثامن 148

انتقام الحقّ 148

الفصل التاسع 150

1 ـ الشجرة الطيّبة150

سؤال وجواب 152

والد السيّدة رقيّة153

والدة السيّدة رقيّة153

عمرها المبارك 154

اللقاء الأخير 155

مواساة السيّدة رقيّة لعطش الإمام الحسين عليه السلام156

مأساة تمضّ القلوب 159

في ليلة الحادي عشر159

الفصل العاشر162

شهادة السيّدة رقيّة162

السيّدة رقيّة عليها السلام ترى والدها في المنام163

حديث الرأس الشريف 166

محادثة بين الرأس والسيّدة رقيّة167

سجن أهل البيت عليهم السلام169

حديث المغسّلة مع العقيلة زينب عليها السلام170

سيّدتي جئتك بالكفن 171

سيّدتي طابت جروحك أم لا؟171

أهل البيت عليهم السلام يقيمون العزاء في الشام173


الفصل الحادي عشر176

حرم السيّدة رقيّة عليها السلام176

زيارة السيّدة رقيّة178

عودة السبايا إلى المدينة178

مصيبة السيّدة رقيّة في المدينة182

الفصل الثاني عشر183

كرامات السيّدة رقيّة183

1 ـ اقرأ مصيبة ابنتي رقيّة عليها السلام183

2 ـ حضور الزهراء في خرابة الشام185

3 ـ تشيّع امرأة فرنسية186

4 ـ إسلام امرأة مسيحية188

5 ـ وشفيت من جديد 189

6 ـ رفيق الدرب 191

7 ـ هكذا وفّقت لشراء الكتب 191

8 ـ توسّل آخر192

9 ـ إنّها السيّدة رقيّة عليها السلام193

10 ـ من آثار التوسّل بالسيّدة رقيّة عليها السلام195

11 ـ قلّ له يسمّيه حسيناً196

12 ـ إنّها الطفلة التي رأيتها في المنام197

13 ـ بركات التوسّل بالسيّدة رقيّة198

14 ـ هكذا ذهبت إلى الحجّ 199

15 ـ التوفيق لزيارة الإمام الحسين عليه السلام204

16 ـ طفلة صغيرة ولكنّها باب للحوائج 206


الفصل الثالث عشر211

الشام في القرآن والروايات 211

أربعة قصور من الآخرة212

تقديس الامبراطوريتين للبيت المقدس 213

الفصل الرابع عشر215

الآثار التاريخية في الشام215

آثار الشام في عهد الأنبياء عليهم السلام215

احتراق في المسجد الجامع في دمشق 217

باحة المسجد 218

1 ـ مقام رأس نبي الله يحيى عليه السلام :219

2 ـ قبر نبي الله هود عليه السلام :220

3 ـ مقام الخضر عليه السلام :220

4 ـ مكان نزول نبي الله عيسى عليه السلام :221

1 ـ حرم السيّدة زينب عليها السلام :221

ميلاد السيّدة زينب 223

الاسم المبارك 223

الرؤيا العجيبة224

عبادة السيّدة زينب عليها السلام224

زهد السيّدة زينب عليها السلام225

مجلس العقيلة في الكوفة225

جود السيّدة زينب عليها السلام226

استجابة دعاءها226

خطبة العقيلة عليها السلام في الشام227

بعض كرامات السيّدة زينب عليها السلام227


شفاء طفلة هندية232

بكاء الإمام الحجّة لمصيبة عمّته233

مقام السيّدة زينب عليها السلام234

وفاة السيّدة زينب عليها السلام235

أولاد السيّدة زينب عليها السلام235

محلّ دفن العقيلة زينب عليها السلام236

بكاء الكون لمصاب السيّدة زينب عليها السلام237

علاقة السيّدة زينب بأخيها المظلوم238

في حرم السيّدة زينب عليها السلام239

الفصل الخامس عشر241

السيّدة أُمّ كلثوم عليها السلام241

خطبتها في الكوفة242

التحدّي العظيم 242

إنّ الصدقة حرام علينا243

استجابة دعاءها243

دعاءها على أهل بعلبك 244

وصيّتها لشمر اللعين 244

الرجوع إلى المدينة245

الوفاة الأليمة246

السيّدة سكينة بنت الإمام الحسين عليه السلام247

5 ـ السيّدة ميمونة بنت الإمام الحسين عليه السلام 250

6 ـ السيّدة حميدة بنت مسلم بن عقيل عليه السلام 250

7 ـ عبد الله بن جعفر عليه السلام250

8 ـ مقام الرؤوس الشريفة :251


9 ـ عبدالله الباهر :253

10 ـ عبدالله بن الإمام الصادق عليه السلام :253

1 ـ أسماء بنت عميس :253

2 ـ فضّة جارية الزهراء عليها السلام :254

3 ـ زوجات الرسول صلى الله عليه واله255

4 ـ قبر المقداد255

5 ـ بلال بن رباح :256

6 ـ أُويس القرني :256

7 ـ عمّار بن ياسر :257

8 ـ عبدالله بن مكتوم العامري :257

9 ـ قبر أوس بن أوس :258

10 ـ وائلة بن الأصقع :258

11 ـ فضالة بن عبيد :258

12 ـ سهل بن ربيع الأنصاري :258

13 ـ حجر بن عدي الكندي :259

14 ـ محمّد بن أبي بكر :260

الفصل السابع عشر263

السيّدة رقيّة في شعر الشعراء263

فهرس الكتاب 284