مقدّمة لا بدّ منها:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

وبعد ...

فإنّ المثل يقول: «مَن كان بيته من زجاج فليس له أن يرشق الناس بالحجارة ». وإذا ما فعل أحد ذلك وقابله المظلومون المُعتدى عليهم بالمثل وتحطّم بيته الزجاجي، فلا يلومنَّ إلاّ نفسه، فإنما «على نفسها جنت براقش ».

وإنّ أمرنا مع المتعصبين والمتحاملين على أهل البيتعليهم‌السلام الذين نذروا أنفسهم لنقض فضائلهم، وتصغير شأنهم، وغمط حقوقهم (صلوات الله عليهم) حتّى أصبح ذلك هو شغلهم الشاغل وخبزهم اليومي إنّ أمرنا مع هؤلاء قد أصبح مصداقاً لذلك المثل الذي عرضناه آنفاً.

فهؤلاء المتحذلقون لا يملكون من الحق والصواب إلاّ الدعاوى العريضة والاستعراضات، والانتفاخات الفارغة التي تخفي وراءها الوهن والعُدْم والفقر، والضّآلة والضحالة، الأمر الذي يضطرهم إلى التزوير والتعمية، وإلى استخدام وسائل الإرهاب والقهر، معتمدين



على حربة مسمومة هي إثارة البغضاء، وشحن النفوس بالحقد والضغينة، والكيد للحقِّ وأهل الحقِّ، وتصويره على أنه هو الباطل والزيف والكفر الصريح والقبيح.

بل إنك ترى هؤلاء رحماء على الكفار ومعهم، يخفضون لهم جناح الذل والضعة، أشداء على المسلمين والمؤمنين، يبطشون بهم أفحش البطش، ويرتكبون في حقهم أعظم الجرائم، وتلك هي السنة التي سنها لهم وجرّأهم عليها إمامهم يزيد بن معاوية (لعنه الله)، حتّى إذا ما وجدوا أنفسهم في موقع العجز عن ذلك سلقوا أهل الإيمان بألسنة حداد، سراً وجهراً، غير مبالين بما يصيب المسلمين من وهن وأذى وتمزّق من جرّاء ذلك.

أما المسلمون الشيعة الإماميّة فإنهم يدركون أنّ هؤلاء لا يمثلون إلاّ أنفسهم، ويرون أن واجبهم - أعني الشيعة - هو أن يحفظوا لهذا الدين قوته، وللمجتمع الإسلامي وحدته، فالشيعة هم «اُمّ الصبي » التي تريد أن تحفظ ولدها بكل وسيلة حتّى لو كلّفها ذلك حياتها ..

ولأجل ذلك كانوا وما زالوا يكتفون بالرد على هؤلاء العابثين بالدين وبوحدة المسلمين، بالكلمة الطيبة وبمنطق العلم والحوار الموضوعي الهادئ الصريح، والبنَّاء والصحيح، فيدحضون شبهاتهم، ويزيفون ادعاءاتهم بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة.

ولكن اُولئك سرعان ما يعودون لتكرار استعراضاتهم وانتفاخاتهم، وعرض بضائعهم الطحلبية ذاتها، ونسائجهم العنكبوتية نفسها من جديد.

ويعود أهل الحق والدين لفضح أباطيلهم وتزييف أضاليلهم، على قاعدة:


إن عادت العقربُ عدنا لها

وكانت النعلُ لها حاضره

ولا تزال هذه الدوامة تعصف بالكيان الإسلامي، وتتكرر عاماً بعد عام، منذ العهد الاُموي وحتّى يومنا هذا، ونتوقع لها أن تستمر في المستقبل أيضاً.

غير أنّ ما يحسن لفت النظر إليه هو أنّ هؤلاء على يقين من أن الشيعة الإماميّة لهم نهج وقضية، فهم لا يتعدون نهجهم، ولا يفرطون بقضيتهم، أي إنهم يعلمون أنّ الشيعة لو أرادوا نشر ما لدى هؤلاء الحاقدين من بدع وترّهات، ومخازٍ وضلالات لضاقت على هؤلاء الجناة على الدين وأهله الأرضُ بما رحبت، ولكنهم يعلمون حرص الشيعة على عدم المقابلة بالمثل إذا كانت سلبيات نشر هذه الفضائح سوف تطال الكيان الإسلامي كله، وسوف تعصف براحته، وستؤثر على وحدته.

ولأجل ذلك فهم يؤثرون ولا يزالون تحمّل هذا الأذى الكبير من هؤلاء، انطلاقاً من منطق الإسلام في آياته المباركة( أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ) (1) .

ولأجل ذلك فإننا نأمل أن لا يظن أهل السنّة أننا حين نرد على هؤلاء المتعوذين بالتسنن أننا نقصدهم أيضاً في خطابنا معهم، لإدراكنا العميق المستند إلى العلم والمشاهدة أنّ أهل السنة لا يرضون بمنطق هؤلاء، بل إنّ الكثيرين منهم قد تصدّوا لهم كما تصدينا ونتصدى،

____________________

1 - الآية 29 من سورة الفتح.


وأدانوا منطقهم كما ندين. فنحن وإياهم في خندق واحد في رد التجني، وفي التصدي لأهل الأهواء.

حفظ الله هذه الاُمّة من أخطارهم، وصانها من شرورهم، وهدانا جميعاً إلى التمسّك بحبل ولاية أهل البيتعليهم‌السلام ، والأخذ عنهم، والقبول منهم، استسلاماً وانقياداً لقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

«إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض »، أو نحو ذلك(1) .

وبالمناسبة: فإنّ هناك من يوزّع منشوراً في مناسبات عاشوراء وسواها يتضمّن الكثير من التجني على الحق والتزوير للوقائع، [وقد] طلب منّا بعض الإخوة النظر فيه وبيان زيف ما فيه من دعاوى وأباطيل، فاستجبنا لطلبه، وأجبناه بما هو ماثل الآن أمام عيني القارئ الكريم، فنحن نذكر نص الرسالة والمنشور أوّلاً، ثمّ نعقّب على ذلك بما سنحت لنا الفرصة بتسجيله. فإلى ما يلي من مطالب وفصول، وعلى الله نتوكل، ومنه نستمد العون والقوة، إنه ولي قدير، وبالإجابة حري وجدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

____________________

1 - كنز العمال 1 / 187، والمعجم الصغير للطبراني 1 / 131 - 135، والمعجم الأوسط 3 / 274 و 4 / 33، والمعجم الكبير 5 / 154 - 166، وكتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم / 630، ومسند أبي يعلى 2 / 303، وشرح النهج للمعتزلي 6 / 375.


منشور الممهّدين للسفياني:

أرسل إلينا بعض الإخوة الرسالة التالية:

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ جمعية يعود دعمها إلى الحركة الوهابيّة، وبعض الجمعيات المتعصبة في مصر تدَّعي أن من أنشطتها محاربة البدعة، قد نشرت كتباً وكتيبات توزع مجاناً على الناس فيها الكثير من التجنّي على الشيعة.

ولقد وقع بيدي منشور كان يوزّع في العاشر من المحرم، والآن هم يوزعون منه بمناسبة الأربعين لاستشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام .

واسم هذا المنشور:

«البرهان الجلي في مقتل الحسين بن عليرضي‌الله‌عنهما »

قد رأيت أن أرسله لكم طباعة هنا على البريد الإلكتروني حتّى ترسلوا لي الرد بالطريقة التي ترونها مناسبة.

نص المنشور:

«بويع يزيد للخلافة سنة ستّين للهجرة، وكان له من العمر أربع وثلاثون سنة، ولم يبايع الحسين بن علي ولا عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم.


ذكر ابن كثير عن عبد الله بن مطيع وأصحابه أنهم مشوا إلى محمّد بن الحنفيّة (محمد بن علي بن أبي طالب أخو الحسن والحسين) فراودوه على خلع يزيد فأبى عليهم، قال ابن مطيع: إنّ يزيد يشرب الخمرة ويترك الصلاة. فقال محمّد بن الحنفيّة: لقد لزمت يزيد فوجدته متحرّياً للسنة، غير تارك للصلاة.

وبلغ الخبر أهل العراق أن الحسين لم يبايع ليزيد، فأرسلوا إليه الرسل والكتب أنّا قد بايعناك ولا نريد إلاّ أنت، حتّى بلغت أكثر من خمسمئة كتاب كلها جاءت من الكوفة.

فأرسل الحسين رضي الله عنه ابن عمّه مسلم بن عقيل إلى الكوفة ليتقصّى الاُمور ويعرف حقيقة الأمر.

فلما وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة جاء الناس أرتالاً يبايعون مسلماً على بيعة الحسين رضي الله عنه، فتمت البيعة عند أهل الكوفة للحسين.

فما كان من يزيد إلاّ أن أرسل عبيد الله بن زياد إلى الكوفة ليمنع مسألة الحسين، أن يأخذ الكوفة لكي لا تعود الاُمور كما كانت قبل عام الجماعة فيرجع القتال بين أهل العراق وأهل الشام، ولم يأمر عبيد الله بن زياد بقتل الحسين.

وبعد أن استقرت الأحوال وبايع الناس لمسلم بن عقيل أرسل إلى الحسين رضي الله عنه أن أقدم وأنّ الجو قد تهيأ.

فخرج الحسين رضي الله عنه من مكة في يوم التروية قاصداً الكوفة.

فلمّا علم عبيد الله بن زياد بذلك أمر بقتل مسلم بن عقيل، فما كان


من الأخير إلاّ أن خرج مع أربعة آلاف من أهل الكوفة وحاصر قصر ابن زياد، إلاّ أن أهل الكوفة ما زالوا يتخاذلون عن مسلم بن عقيل حتّى بقي معه ثلاثون رجلاً من أربعة آلاف، فقُتل (رحمه الله) يوم عرفة.

وكان الحسين رضي الله عنه قد خرج قاصداً العراق يوم التروية، وكان كثير من الصحابة نهوا الحسين عن الخروج، منهم: أبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وكذلك أخوه محمّد بن الحنفيّة، وابن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم.

قال الشعبي: كان ابن عمر بمكّة، فلمّا علم أنه توجّه إلى العراق لحق به إلى العراق على مسيرة ثلاثة أميال، فقال: أين تريد؟

فقال: «العراق». وأخرج له الكتب التي اُرسلت له من العراق، وأنهم معه.

فقال له: «هذه كتبهم وبيعتهم».

فقال ابن عمر: لا تأتيهم، فأبى الحسين إلاّ أن يذهب.

فقال ابن عمر: إني محدّثك حديثاً: إنّ جبريل أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فخيّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولن يريد الدنيا، وأنك بضعة منه. والله، لا يليها أحد منكم أبداً، ولا صرفها الله عنكم إلاّ للذي هو خير لكم. أبى أن يرجع، فاعتنقه ابن عمر فبكى، وقال: استودعك الله من قتيل.

وكلّمه أبو سعيد الخدري، قال: يا أبا عبد الله، إنّي ناصح لك، وإني عليكم مشفق، وقد بلغنا أنّ قوماً من شيعتكم قد كاتبوكم من الكوفة، فلا تخرج إليهم فإني سمعت أباك يقول:


«والله إني مللتهم وأبغضتهم، وملّوني وأبغضوني».

ولمّا علم عبيد الله بن زياد بقرب وصول الحسين أمر الحر بن يزيد التميمي أن يخرج بألف رجل ليلقى الحسين في الطريق، فلقيه قريباً من القادسية، وأخبره بخبر مسلم بن عقيل، وأن أهل الكوفة قد خدعوك وخذلوك، فهمّ الحسين رضي الله عنه أن يرجع، فتكلّم أبناء مسلم بن عقيل، قالوا: لا والله لن نرجع حتّى نأخذ بثأر أبينا. عند ذلك رفض الحسين رضي الله عنه الرجوع.

وأراد أن يتقدّم فجاء الحر بن يزيد فسايره، وقال: إلى أين تذهب يا بن بنت رسول الله؟

قال: «إلى العراق».

قال: ارجع من حيث أتيت، أو اذهب إلى الشام حيث يزيد بن معاوية، ولكن لا ترجع إلى الكوفة.

فأبى الحسين، ثم سار إلى العراق والحر بن يزيد يمنعه، فقال الحسين: «ابتعد عنّي ثكلتك اُمّك». فقال الحر بن يزيد: والله، لو غيرك قالها من العرب لاقتصصت منه، ولكن ماذا أقول واُمّك سيدة نساء العرب!

فعند ذلك امتنع الحسين عن الذهاب.

ثمّ جاءت مؤخرة الجيش، وكان مقدارها أربعة آلاف بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، وواجهوا الحسين في مكان يقال له: كربلاء.

ولمّا رأى الحسين رضي الله عنه أن الأمر جدّ قال لعمر بن سعد: إنّي اُخيّرك بين ثلاث فاختر منها ما تشاء. قال: ما هي؟


قال الحسين: أن تدعني أرجع، أو تتركني إلى ثغر من ثغور المسلمين، أو تتركني أذهب إلى يزيد.

وأرسل عمر بن سعد إلى عبيد الله بن زياد بالخبر، فرضي عبيد الله بأي واحدة يختارها الحسين، وكان عند عبيد الله بن زياد رجل يقال له: شمر بن ذي الجوشن، قال: لا حتّى ينزل على حكمك. فقال ابن زياد: نعم حتّى ينزل على حكمي بأن يأتي إلى الكوفة وأنا اُسيّره إلى الشام أو إلى الثغور أو اُرجعه إلى المدينة. وأرسل عبيد الله شمر بن ذي الجوشن إلى الحسين، إلاّ أنّ الحسين أبى أن ينزل على حكم ابن زياد.

فتوافق الفريقان، وكان مع الحسين اثنان وسبعون فارساً، قال الحسين لجيش بن زياد: راجعوا أنفسكم وحاسبوها، هل ينفعكم مثل هذا القتال وأنا ابن بنت نبيكم وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري؟

وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لي ولأخي: «سيدا شباب أهل الجنة».

فانضمّ الحر بن يزيد إلى الحسين، فقيل له: كيف جئت معنا أمير المقدّمة والآن تذهب إلى الحسين؟!

قال: ويحكم! والله إني اُخيّر نفسي بين الجنّة والنار، والله لأختار الجنة على النار [حتّى] لو قُطّعت واُحرقت.

وبات الحسين تلك الليلة يصلّي ويدعو الله ويستغفر هو ومَن معه، وكان جيش ابن زياد بقيادة الشمر بن ذي الجوشن يحاصره ومَن معه، فلمّا أصبح الصبح شبّ القتال بين الفريقين، وذلك لأن الحسين رفض


أن يستأثر عبيد الله بن زياد.

ولمّا رأى الحسين بأنه لا طاقة لهم بمقاتلة هذا الجيش، أصبح همهم الوحيد الموت بين يدي الحسين رضي الله عنه، فأصبحوا يموتون الواحد تلو الآخر حتّى فنوا جميعاً، لم يبقَ منهم أحد إلاّ الحسين بن عليرضي‌الله‌عنهما ، وبقي بعد ذلك نهاراً طويلاً لا يقدم عليه أحد حتّى يرجع، لأنه لا يريد أن يبتلي بالحسين. فعند ذلك صاح الشمر بن ذي الجوشن: ويحكم! ما حلّ بكم؟! أقدموا نحو الحسين فاقتلوه. كان ذلك في العاشر من محرم سنة 61 هجرية، والذي باشر قتله أنس بن سنان النخعي، وقيل: إنّه الشمر بن ذي الجوشن.

قُتل مع الحسين كثير من أهل بيته، وممّن قُتل من أولاد علي بن أبي طالب الحسينُ وجعفرُ بن علي، والعباس وأبو بكر، وعثمان ومحمّد، ثمانية عشر رجلاً كلهم من آل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

ولمّا بلغ يزيد قتلُ الحسين ظهر التوجع عليه، وظهر البكاء في داره، ولم يسبِ لهم حريماً أصلاً، بل أكرم أهل البيت وأجازهم حتّى ردّهم إلى ديارهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: لم يكن في خروج الحسين لا مصلحة دين ولا مصلحة دنيا، أي أن خروجه ما كان سليماً، لذلك نهاه كبار الصحابة عن ذلك. يقول: بل يمكّن اُولئك الطغاة من سبط النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وكان في خروجه وقتله من الفساد ما لم يكن ليحصل لو بقي في بلده، ولكنه أمرٌ من الله تعالى، وقدر الله كان ولو لم يشأ الناس.


وطبعاً مقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء، وقد قُدّم رأس يحيى بن زكرياعليهما‌السلام لبغي، ونُشر زكريا، وأرادوا قتل موسىعليه‌السلام ، وعيسىعليه‌السلام ، وكذلك قتل عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، وهؤلاء كلّهم أفضل من الحسين، ولذلك لا يجوز إذا جاء ذكرى الحسين اللطم والشطم وما شابه ذلك، بل هذا منهي عنه، فقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : «ليس منّا مَن لطم الخدود وشقّ الجيوب ». والواجب على الإنسان المسلم أمثال هذه المصائب أن يقول كما قال تعالى:( الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ ) .

اللهمّ ارحم شهداء آل البيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وسائر شهداء وموتى المسلمين، واحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، واجمعنا على كتابك المنزل، وعلى سنة نبيك المرسل (صلى‌الله‌عليه‌وآله وصحبه وسلم).

انتهى نص الكتيب.

هذا النص أضعه بين يديكم الكريمة، وبإذن الله ترون كيف تردون عليهم ولكم الأجر والثواب.




الجواب

توطئة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبعد

فإنّ هذا المنشور الذي أرسلتموه إلينا، وقلتم: إنّهم يوزّعونه عن الإمام الحسينعليه‌السلام وعاشوراء، ليس بذي قيمة علمية، بل هو يسعى لعرض أخطر قضية حدثت في الإسلام بصورة مزاجية، تهدف إلى تبرير موقف يزيد (لعنه الله)، والإيحاء بإدانة الإمام الحسينعليه‌السلام مع حفظ ماء الوجه بإظهار الترضّي على الإمام الحسينعليه‌السلام على طريقة ذر الرماد بالعيون.

ولأجل ذلك، فإننا لا نرى أنه يستحق الردّ أو المناقشة، غير أننا نشير هنا إلى نقاط يسيرة نكتفي بها عن الكثير الذي كان من المفترض بالكاتب لو كان منصفاً أن لا يتجاهله، فكيف وهو قد عرض أخطر


قضية بصورة متناقضة تماماً مع سائر الحقائق التي سجّلها لنا التاريخ!

وسوف نقتصر في بحثنا المقتضب هذا على أقل القليل من الشواهد ومن المصادر على حد سواء.

ونعتبر هذا الذي نذكره هنا بمثابة إطلالة سريعة تهدف إلى مجرّد الإشارة إلى مدى تجنّي الممهّدين للسفياني على الحقيقة وعلى أهلها.

فإلى ما يلي من فصول ومطالب:


القسم الأول:

يزيد (لعنه الله)

هو الباغي بجميع المعايير



الفصل الأوّل:

سياسات ونتائج



الكذبة الكبيرة

إنّ الملاحظ هو:

أنّ بداية الكلام في المنشور وفي السطرين الأوّلين منه بالذات تضمّنت كذبة كبيرة، مفادها:

أنّ يزيد (لعنه الله) قد بويع ولم يبايع الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام ، ولا عبد الله بن الزبير.

قد جاءت هذه الكذبة لتعطي الانطباع بأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قد خرج على إمام قد تمّت بيعته، وصحَّت إمامته، ممّا يعني أنّه هو الباغي على إمام زمانه، وأن يزيد (لعنه الله) كان في موقع الدفاع!

مع أنّ الحقيقة هي عكس ذلك تماماً، وقد كان عليه أن يأخذ بنظر الاعتبار اُموراً كثيرة كلها تدحض هذا المنطق وتدينه، نسوق في هذه العجالة بعضاً منها، وذلك ضمن ما يلي من مطالب:

الحسن والحسينعليهما‌السلام إمامان:

1 - إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال عن الحسن والحسينعليهما‌السلام :


«ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا»(1) .

وفي نص آخر: «الحسن والحسين إماما اُمّتي بعد أبيهما»(2) .

وهناك حديث الخلفاء أو الأئمة بعدي اثنا عشر، والأحاديث الدالة على أنهم من ذرّيتهعليه‌السلام (3) .

فإمامة الحسن والحسينعليهما‌السلام مجعولة من قبل الله تعالى ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي لا ينطق عن الهوى، وليس لأحد الحقّ في الافتئات عليهما في ذلك ..

فما معنى تصدّي معاوية للإمام الحسنعليه‌السلام ، ثمّ تصدّي يزيد (لعنه الله) للإمام الحسينعليه‌السلام ، واغتصاب مقام جعله الله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله لهماعليهما‌السلام دون ابن آكلة الأكباد وولده؟!

الصلح الحسني العظيم

ثمّ إنّ الصلح الحسني العظيم قد ضمن لحركة الإمام الحسينعليه‌السلام الجهادية صفاءها ونقاءها، وأبطل كل محاولات النيل منها،

____________________

(1) علل الشرايع 1 / 211، والإرشاد 2 / 30، ومناقب آل أبي طالب 3 / 367، ط مكتبة مصطفوي - قم - إيران، والبحار 36 / 289، 325، وج43 / 278، وج44 / 2، وج21 / 279، وج37 / 7، وج16 / 307، واللمعة البيضاء / 40.

(2) فرائد السمطين للحمويني 1 / 55، وإحقاق الحق 5 / 55 عنه.

(3) راجع إحقاق الحقِّ وملحقاته للسيد المرعشي النجفي تجد أحاديث كثيرة مروية عن أهل السنة، كلها تصب في هذا الاتجاه.


وتوضيح ذلك يحتاج إلى بسط في القول وفنون من البيان.

فنقول:

عظمة عمر بن الخطاب في العرب

لقد كان لعمر بن الخطاب مكانة عظيمة وهيمنة على قلوب العرب، فكان قوله فيهم كالشرع المتبع، حتّى لقد رووا أنّ القرآن قد نزل بموافقته مرات عديدة، ولا نريد أن نقول أكثر من ذلك(1) .

ومحبتهم له ترجع إلى عدة أسباب، منها: ما قام به من فتوحات استفادوا منها الأموال والمقامات والرياسات، وحصلوا على الحسناوات، ومنها سياسة تفضيل العرب على غيرهم التي انتهجها وتوسّع فيها لتشمل مختلف الجهات والحالات، وقطع فيها شوطاً بعيداً، فسقطت منزلة غير العرب لصالح العرب كما أوضحناه في كتابنا «سلمان الفارسي في مواجهة التحدّي ».

معاوية الرجل المفضّل عند عمر:

وكان معاوية بن أبي سفيان عاملاً على الشام لعمر بن الخطاب، فكان هو الرجل المفضّل والمدلل عنده، حتّى إنه كان طيلة فترة حكمه يحاسب جميع عماله في كل عام، ويقاسمهم أموالهم، ويُبقي مَن يُبقي ويعزل مَن يعزل منهم، ولا يبقي عاملاً أكثر من عامين(2) ، باستثناء

____________________

(1) شرح النهج 6 / 328، وج12 / 57، وتاريخ القرآن الكريم لمحمد طاهر الكردي / 32، وتهذيب الكمال 21 / 324، وتهذيب التهذيب 7 / 387.

(2) راجع التراتيب الإدارية 1 / 269.


معاوية، فإنه أبقاه وأطلق يده، وقال له: لا آمرك ولا أنهاك(1) . ليتصرف كيف يشاء من دون حساب ولا كتاب، ولا سؤال ولا جواب.

فهو بعمله هذا تجاه عمّاله يشكّكهم في أنفسهم، ويشكك الناس بهم، ويجعلهم مظنّة للخيانة، ويواجههم بما يضعف شخصيتهم، ولكنه يرفع شأن معاوية، ويعزز مقامه، ويزيده شوكة وعظمة ونفوذاً، بل هو قد كان إذا نظر إليه يقول: هذا كسرى العرب(2) .

ويقول عن عمرو بن العاص:

ما ينبغي لعمرو أن يمشي على الأرض إلاّ أميراً(3) .

بل هو قد قال لأهل الشورى: يا أصحاب محمّد، تناصحوا فإنّكم إن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان(4) .

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 133، وتاريخ مدينة دمشق 59 / 112، وسير أعلام النبلاء 3 / 133، وشرح النهج - للمعتزلي 8 / 300، وراجع دلائل الصدق 3 قسم 1 / 212 عن الطبري 6 / 184 وعن الاستيعاب.

(2) البداية والنهاية 8 / 134، 135، وتاريخ مدينة دمشق 59 / 114، واُسد الغابة 4 / 386، والإصابة 3 / 434، والاستيعاب بهامش الإصابة 3 / 396 - 397، وسير أعلام النبلاء 3 / 134، وراجع الفخري في الآداب السلطانية / 105.

(3) فتوح مصر وأخبارها / 180، والإصابة 3 / 2، وسير أعلام النبلاء 3 / 70، وفي هامشه عن ابن عساكر 13 / 257.

(4) شرح النهج - لابن أبي الحديد المعتزلي 3 / 99، وراجع 1 / 187، وكنز العمال 11 / 267 ط مؤسسة الرسالة، وراجع أيضاً 5 / 436 ط سنة 1384 هـ


ومدائح عمر لمعاوية كثيرة( 1 ) .

وقد صرح معاوية نفسه بأنه قد دبّر الأمر من زمن عمر(2) ، وما إلى ذلك.

مع أن معاوية وعمرو بن العاص لم يكن لهما ذلك الشأن بين المسلمين، كما فقد أبو سفيان زعيم الشرك وقائد جيوشه ضد الإسلام قد فقد موقعه وأهميته ونفوذه.

عمر يمهّد لمعاوية وبني اُميّة

ولعل سبب محبة عمر لمعاوية هو أنه وجد فيه الرجل المناسب، إذ اعتمد على بني اُميّة ومَن تابعهم لإنجاز أمر هام طالما كان عمر يفكّر فيه.

وهذا الأمر هو أنه قد كانت لدى عمر بن الخطاب رغبة بإبعاد أمر الخلافة عن الإمام عليعليه‌السلام وبني هاشم، وكان يعلم أن أيّاً من أبنائه غير قادر على التصدي لهذا الأمر، كما كان يدرك أن بني اُميّة هم الأكثر جرأة على اقتحام الصعاب في هذا السبيل. ولكنه كان يعلم أيضاً أنّ نقل الأمر لمعاوية مباشرة لن يكون مقبولاً ولا معقولاً مع وجود الإمام عليعليه‌السلام وغيره من وجوه ومشاهير الصحابة، وذوي [الشأن] منهم، خصوصاً أنّ معاوية من أبناء الطلقاء، فآثر من أجل هذه

____________________

وتاريخ مدينة دمشق 46 / 175، والإصابة 3 / 434 فإنّ النصوص وإن اختلفت لكنها تؤكّد على معنى واحد.

(1) راجع كتابنا «الحياة السياسيّة للإمام الحسنعليه‌السلام » / 73 - 74.

(2) راجع الأذكياء - لابن الجوزي / 28.


الأسباب وسواها أن يكون ثمة همزة وصل وسبب نقل.

فكان عثمان بن عفان - الشيخ الاُموي - هو المؤهّل بنظره لذلك، فإذا تولّى الأمر فسوف يبقي معاوية على الشام ما دام حياً، وسيزيد ذلك معاوية قوة، أمّا بعد موته فإنّ معاوية لن يستسلم للإمام عليعليه‌السلام ولا لغيره بعد أن يكون قد حكم بلاد الشام حوالي عشرين سنة، وربّاهم على يديه، وثقَّفهم بمفاهيمه، ونشَّأهم على محبته والارتباط به، ومحبة من أحب، والعداء لمن عادى حتّى لو كان الإمام علياًعليه‌السلام . لأنّ أهل الشام لم يعرفوا الإمام علياًعليه‌السلام ، ولا جهاده، ولا زهده، ولا علمه، ولا ولا ..، بل عرفوا وتربّوا على إسلام معاوية، وإسلام الأطماع والغدر، والخيانات والظلم، والاستئثار والاحتيال، والبحث عن الشهوات، وارتكاب الجرائم، والتزام مفاهيم الجاهليّة الملبّسة بلباس الدين.

فرسم الخطة في الشورى، واختار الأشخاص، وأصدر قرارات تجعل من تولّي عثمان من بعده أمراً يقينياً وحتمياً ..

فقد روي أن عمر حين طُعن قال:

ادعوا لي أبا طلحة الأنصاري. فدعوه له، فقال: انظر يا أبا طلحة، إذا عدتم من حفرتي فكن في خمسين رجلاً من الأنصار، حاملي سيوفكم، فخذ هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله، واجمعهم في بيت، وقف بأصحابك على باب البيت ليتشاوروا ويختاروا واحداً منهم.

فإن اتفق خمسة وأبى واحد فاضرب عنقه ..


وإن اتفق أربعة وأبى اثنان فاضرب أعناقهما ...

وإن اتفق ثلاثة وخالف ثلاثة فانظر الثلاثة التي فيها عبد الرحمن، فارجع إلى ما قد اتفقت عليه، فإن أصرّت الثلاثة الاُخرى على خلافها فاضرب أعناقها ...

وإن مضت ثلاثة أيام ولم يتفقوا على أمر فاضرب أعناق الستة، ودع المسلمين يختاروا لأنفسهم(1) .

وفي نص آخر:

حدّثنا موسى بن هارون، عن قتيبة بن سعيد، عن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه:

أن عمر قال للستة: هم الذين خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الدنيا وهو عنهم راض، بايعوا لمن بايع له عبد الرحمن بن عوف، فإذا بايعتم لمن بايع له عبد الرحمن، فمن أبى فاضربوا عنقه(2) .

وسارت الاُمور بالاتجاه الذي رسمه عمر لها. فإنه كان يعرف ميول ابن عوف، ويعرف طبيعة التركيبة التي اختارها لأركان الشورى أيضاً. وانتهت الاُمور بقتل عثمان، وبغى معاوية على الإمام عليعليه‌السلام

____________________

(1) شرح نهج البلاغة 1 / 187، التنبيه والإشراف / 253.

(2) المعجم الأوسط 8 / 95، وكنز العمال 5 / 743، ومجمع الزوائد 5 / 184، وتاريخ اليعقوبي 2 / 160، وتاريخ مدينة دمشق 35 / 289، وج39 / 190، سبل الهدى والرشاد 11 / 273.


وحاربه، وأثار الشبهات، واستفاد من سياسات عمر ومن غيرها لإحكام قبضته على ما في يده، والتوثّب على ما في يد الإمام عليعليه‌السلام ، إلى أن استشهد الإمامعليه‌السلام ، وأمسك الإمام الحسنعليه‌السلام بأزمة الاُمور بعد وفاة أبيه، فتحرك معاوية بعد ثمانية عشر يوماً(1) بجيشه نحو العراق ليحاربه كما حارب أباه من قبل.

وكان جيش معاوية يتّفق معه في الأهداف وفي السلوك، وفي النهج السياسي وفي الولاء وغير ذلك ...

أمّا الإمام الحسنعليه‌السلام فلم يكن جيشه يتفق معه في شيء من ذلك، بل هو إلى معاوية أقرب وأكثر انسجاماً معه. كما أن العراقيِّين أنفسهم إنما يعرفون إسلام معاوية لا إسلام الإمام عليعليه‌السلام ، ولا الإمام الحسنعليه‌السلام ، ولم يكن بينه وبينهم علاقة مصالح، ولا علاقة عاطفية، بل كانوا يرون أن مصالحهم مع المناوئين له، وهم لا يقاتلون على نفس الشيء الذي كان الإمام علي والإمام الحسنعليهما‌السلام يقاتلون من أجله، فهم كانوا في وادٍ والإمامانعليهما‌السلام في وادٍ آخر. بل كانوا منسجمين في فكرهم وعقائدهم، وسلوكهم وأهدافهم وارتباطاتهم العاطفية مع معاوية أكثر ممّا هم منسجمون مع الإمام علي والحسنعليهما‌السلام .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 214.


التأسيس في الخمسين سنة الاُولى

هذا من جهة، ومن جهة اُخرى فإنّ التأمّل في الاُمور يعطي أنّ الخمسين سنة التي تلت استشهاد الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت هي فترة التأسيس لبقاء هذا الدين، وإرساء قواعده العقديّة والفكريّة والسياسيّة لتجد سبيلها إلى فكر ووعي الاُمم والأجيال المتعاقبة.

فكل ما يقال ويمارس في هذه الفترة لا بدّ أن يكون له صدى وحضور في الفكر والعقيدة، والسياسة والممارسة الدينية عبر الدهور والعصور المتعاقبة، فغياب الحق وأهله في هذه الفترة معناه غيابهما في المراحل التي تليها، وبمقدار ما يكون لهما حضور في فترة التأسيس فسيكون لهما حضور في المراحل التالية، وذلك لأنّ الأجيال والاُمم سوف تستقي من فترة التأسيس المشار إليها، حيث ستصبح المنبع والرافد للناس في جميع العصور والدهور في فكرهم وعقائدهم، ودينهم ومفردات إيمانهم.

الحسنانعليهما‌السلام في فترة التأسيس:

وقد عاش الإمامان الحسن والحسينعليهما‌السلام في هذه الفترة بالذات، وكان لا بدّ لهما فيها من التعاطي مع الاُمور بصورة تحقّق أمرين:

أحدهما: حفظ الشيعة.

والثاني: حفظ جهود الأنبياء بحفظ الدين الذي جاؤوا به، وبحفظ معالمه واُسسه ومبانيه في سياساته، وفي عقائده ومفاهيمه، ومن أهمها وأخطرها موضوع الإمامة في مبانيها الفكرية والإيمانية


والعقديّة، وتحديد مفهومها، وبيان شؤونها وحالاتها، ومواصفات وشرائط وحالات الإمام الحق، وليتميَّز بذلك عن المزيفين والمدّعين للباطل.


الفصل الثاني:

الإمام الحسنعليه‌السلام

بين خياري السلم والحرب



بعد استشهاد الإمامعليه‌السلام

لقد استشهد الإمام عليعليه‌السلام في سنة أربعين للهجرة بعد معاناة طويلة وحروب دامية له ضد الظالمين والطامعين وطلاب اللبانات، وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان.

وكانت الإمامة والخلافة من بعد الإمام عليعليه‌السلام للإمام الحسنعليه‌السلام ، في الوقت الذي كان لا يزال معاوية مصراً على موقفه، رافضاً التخلّي عن حكم الشام والدخول فيما دخل فيه المسلمون.

بل هو بمجرد أن سمع باستشهاد الإمام عليعليه‌السلام ، وبعد ثمانية عشر يوماً فقط جرَّد جيشاً قوامه ستون ألفاً، وقصد العراق ليحارب الإمام الحسن (صلوات الله وسلامه عليه).

الإمام الحسنعليه‌السلام بين خياري السلم والحرب:

وقد قلنا: إنه كان لا بدّ للإمام الحسنعليه‌السلام من السعي لتحقيق هدفين:

أحدهما: حفظ الشيعة.

والثاني: حفظ جهود الأنبياء بحفظ الدين في عقائده وسياساته،


ومفاهيمه وقيمه، وفي أحكامه وشرائعه.

وقد كان أمام الإمام الحسنعليه‌السلام خياران للوصول إلى هذين الهدفين:

أحدهما: الحرب.

الثاني: السلم.

خيار الحرب:

أمّا خيار الحرب فإنه يجعله أمام ثلاثة احتمالات لا بدّ في كل واحد منها من الموازنة بين التضحيات وبين النتائج، ثمّ اختيار الخيار الذي يحقق الأتم والأفضل والأصلح منها، حيث إنّ موقع الإمامة يفرض على الإمام التفكير في جميع الجوانب والحالات التي تواجهه في سياسة الاُمّة من أجل حفظ دينها، ووجودها ومصالحها.

ومهما يكن من أمر فإنّ الخيارات الثلاثة هي التالية:

الأوّل: أن يتمكن من تحقيق النصر ولا بدّ في هذه الحالة من دفع ثمن لهذا النصر، وهو:

أولاً - أرواح المئات والاُلوف من المسلمين(1)، وفيهم المخلصون، والأطياب الأطهار من أهل الإيمان، ومن شيعته الذين هم خلاصة جهود

___________________

(1) يلاحظ أنهم يقولون: إن الذين قتلوا في حرب صفّين قد بلغوا سبعين ألفاً، منهم خمسة وعشرون ألفاً من جيش الإمام عليعليه‌السلام ، وخمسة وعشرون ألفاً من جيش معاوية. راجع صفّين - للمنقري / 558.


أمير المؤمنينعليه‌السلام ، ومن قبله الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والذين كان معاوية نفسه قد قتل قسماً منهم في حرب صفّين، وقُتل قسم آخر منهم في حرب الجمل قبل ذلك.

ثانياً - ما ينشأ عن الحرب من سلبيات وأخطار اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة وغيرها.

أمّا نتائج الحرب: فقد لا تكون في قيمتها وأهمّيتها في مستوى تلك الخسائر، لأنّ هزيمة أتباع الخط المناوئ لأهل البيتعليهم‌السلام لا تعني القضاء عليهم، لأن انتصار الإمام الحسنعليه‌السلام ليس مثل انتصار معاوية - كما بيّنّاه - لأنّ انتصار الإمامعليه‌السلام يقتصر على وأد الفتنة، وإسقاط القدرة القتالية للطرف الآخر، وسوف يصبح الجميع بعد الحرب في أمن وأمان. ثمّ البدء في عملية إصلاح واستصلاح مع حفظ سلامة الجميع، تماماً كما حصل في حرب الجمل، فإنّه بعد أن وضعت الحرب أوزارها عومل اُولئك المحاربون - حتّى زعماء الحرب وأركانها مثل ابن الزبير ومروان وأضرابهما - بالرفق واللين، حتّى وكأن شيئاً لم يكن، كما أنّ علياً في النهروان قد داوى جرحى الخوارج ولم يتعرض لهم بالأذى، وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في فتح مكة قد عفا عنهم، وقال لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء ».

أمّا انتصار معاوية فإنّه لا يكون إلاّ بقتل الحسن ثمّ الحسينعليهما‌السلام ، وبني هاشم وشيعتهم، فضلاً عمّن يُقتل من سائر الناس. فنصر معاوية نصر إبادة، ونصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام علي والإمام الحسن والأئمةعليهم‌السلام نصر حقن الدماء وإصلاح واستصلاح.


انتصار الإبادة

وقد طبّق معاوية سياسة الإبادة هذه حتّى بعد معاهدة الصلح حيث بطش في أصحاب عليعليه‌السلام واستأصل شأفتهم ..

فقد نادى منادي معاوية أن قد برئت الذمة ممّن يروي حديثاً من مناقب علي وفضل أهل بيته.

وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة، لكثرة مَن بها من الشيعة، فاستعمل زياد ابن أبيه وضمّ إليه العراقَيْن: الكوفة والبصرة، فجعل يتتبع الشيعة، وهو بهم عارف، يقتلهم تحت كل حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وصلبهم في جذوع النخل، وسمل أعينهم، وطردهم وشرّدهم حتّى نُفوا عن العراق، فلم يبقَ بها أحد معروف مشهور، فهم بين مقتول أو مصلوب، أو محبوس، أو طريد أو شريد.

وكتب معاوية إلى جميع عمّاله في جميع الأمصار: أن لا تجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة(1) ...

وكتب إليهم أيضاً أن يقتلوا كل من يحبّ أهل البيت، أو يُشكّ أو يُتّهم بحبه لهم(2) .

____________________

(1) الاحتجاج 2 / 17، وسليم بن قيس / 316، وبحار الأنوار 33 / 192، وج44 / 125، 126، ومناقب أهل البيتعليهم‌السلام - للشيرواني / 27، شرح النهج 10 / 244، والغدير 11 / 28.

(2) راجع المصادر في الهامش السابق.


ومن جهة اُخرى ، فإنّ النصر العسكري للإمام الحسنعليه‌السلام لا يعني بطلان اُطروحتهم وبوار حجتهم ...

والشاهد على ما نقول: إنّ معاوية قد استطاع أن يخدع الناس بباطله حتّى في مقابل أمير المؤمنينعليه‌السلام الذي لا يدانيه أحد في الاُمّة في جهاده وتضحياته، ومقامه وفضائله.

ولا يجرؤ أحد على ادّعاء شيء منها في مقابله. فهل يعجز هو والأخطبوط الاُموي من ورائه، والزبيريّون وأتباعهم، والخوارج وأصحاب الأطماع، وكذلك الذين لا يعتقدون بإمامتهعليه‌السلام ، بل يوالون غيره، هل يعجز هؤلاء كلهم عن بلبلة الأفكار وإثارة الشبهات والشكوك حول الإمامة والإمام، خصوصاً بعد خديعة التحكيم التي أعطته الجرأة ليتسمى بأمير المؤمنين؟!

ثمّ بعد استشهاد الإمام عليعليه‌السلام وصيرورة الأمر إلى ولده الإمام الحسنعليه‌السلام ، حيث تداعى الجيش العراقي، وظهرت فيهم حسيكة النفاق، وساروا في صراط الخيانة والغدر.

والخلاصة: أنّ انتصار الإمام الحسنعليه‌السلام لا يعني أن تصبح النتائج على صعيد وضوح الحق وإبطال كيد أهل الباطل في المستوى المطلوب، بل سيبقى مثيروا الشبهات وأصحاب الادّعاءات الباطلة يثيرون الشبهات بدعواهم شراكة الإمام عليعليه‌السلام في قتل عثمان، ولادّعاء أن معاوية قد ظلم، وأن كل مَن معه قد ظلموا معه، وسيقولون للناس: إن النصر العسكري لا يعني أن المنتصر محق.


فالانتصار عليهم إذاً لن يكون مانعاً لهم من التشكيك في أحقّية أهل البيتعليهم‌السلام بمقام الإمامة، فكيف إذا أصبحوا يدَّعون المظلومية لأنفسهم، والغاصبيّة والعدوانيّة من أهل البيتعليهم‌السلام ، وعلى رأسهم الإمام عليعليه‌السلام ، عليهم وعلى حقوقهم؟!

وسوف يجدون الكثيرين من البسطاء والسّذّج، وطلاب الدنيا والجهال، وحديثي العهد بالجاهليّة يستمعون إليهم، ويقبلون منهم، ويأخذون عنهم.

كما أن الخوارج والزبيريّة والعثمانيّة، والموالين لغير أهل البيتعليهم‌السلام ، وأهل المطامع والأهواء سوف ينشطون لمواجهة خط أهل البيتعليهم‌السلام ونهجهم، وسوف يسرحون ويمرحون، ويضلون ويشككون، ويثيرون الفتن، ويشيعون الباطل في الناس، ولربما تحدث تقلّبات وفتن تزيد الطين بلة، والخرق اتساعاً حين تتشارك آلاف الأيدي الأثيمة في تشويه صورة الحق، وفي زرع الفتنة وتمزيق المسلمين.

الثاني: أن لا يتحقق انتصار حاسم لأي من الطرفين، بل يبقى كل فريق في موقعه كما كان الحال عليه في زمن الإمام عليعليه‌السلام .

ومن الواضح: أنّ هذا الأمر لن يأتي بسهولة، بل سوف يكون ثمنه خوض حروب صعبة قد تكون كبيرة وخطيرة، بالإضافة إلى الكثير من الضحايا من خلّص الشيعة ومن الناس عامة.

أمّا النتائج فهي بلا شك ستكون ضئيلة وغير متكافئة مع حجم التضحيات وفقاً لما أوضحناه آنفاً، وذلك في ظل النشاط التخريبي


للأخطبوط الاُموي وكل المناوئين لأهل البيتعليهم‌السلام .

ولعلّك تقول:

إذا كان الأمر كذلك فلماذا حارب الإمام عليعليه‌السلام معاوية ولم يسعَ إلى الصلح معه؟!

ونقول في الجواب:

سيأتي: أنّ الإمام علياًعليه‌السلام كان قادراً على الحرب، وعلى تسجيل النصر الحاسم فيها فسعيه لمسالمة معاوية يعطي الانطباع بأنّ معاوية محق فيما يدّعيه كما سيأتي.

الثالث: أن ينتصر معاوية في الحرب، والثمن سوف يكون في هذه الحالة أعلى وأغلى، فإنّ الدماء التي سوف تسفك في حرب كهذه سوف تكون كثيرة وغزيرة، ولن يقتصر ذلك على دماء شيعة الإمام عليعليه‌السلام ، بل هي سوف تتعداهم إلى غيرهم. كما أنّ الآثار السلبية للحرب السياسيّة منها والاجتماعيّة، والأخلاقية والاقتصاديّة وغيرها سوف تكون كبيرة وخطيرة جداً.

أضف إلى ذلك: أنّ هذه الحرب سوف تتمخض عن نتائج مرعبة هي بلا شك الأشر والأضر: هي قتل أهل بيت النبوة واستئصالهم، ثمّ الملاحقة بالإبادة الأكيدة لجميع أهل الإيمان أينما كانوا وحيثما وجدوا.

وإذا كان معاوية قد تتبّع شيعة الإمام عليعليه‌السلام حتّى استأصلهم - كما تقدم - رغم أنه لم يخض مع الإمام الحسنعليه‌السلام


حرباً، ورغم العهود التي أعطاها في صلحه وعقد هدنته معه، فماذا ستكون النتيجة؟

وكيف سيعامل شيعة الإمام علي والإمام الحسنعليهما‌السلام لو أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام كان قد حاربه وانتصر هو على الإمامعليه‌السلام ؟!

وإذا تمخّضت الحرب عن هذه النتائج فمَن يا تُرى يمكن أن يكون الداعي إلى الحق والمدافع عنه، ومن يجرؤ على تعريف الناس به أو دلالتهم عليه؟!

فإنّ هذا الدين سوف يصبح بلا شك أسيراً بأيدي الأشرار، وعلى رأسهم من هو مثل يزيد (لعنه الله)، والوليد ومروان، ومن تابعهم وشايعهم من أمثال الشمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد، وعبيد الله بن زياد، والحجاج، وخالد القسري، وغيرهم ممن هو على شاكلتهم.

ومن جهة اُخرى: فإنّ معاوية الذي استطاع أن يجنّد المسلمين لحرب أعظم رجل بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأن يخدع الناس بشبهاته وشائعاته، وأن يستفيد إلى أبعد الحدود من قتل عثمان، ومن علاقته بعمر بن الخطاب، لو انتصر على الإمام الحسنعليه‌السلام فسوف يكون أقدر على تشويه الصورة وقلب الحقائق، وسوف يستعين بكلِّ ما له من مال ورجال، وسيشتري الضمائر، ويشوّه الدين، ويعبث بأحكامه بلا رقيب أو عتيد.

فلا بدّ من تجاوز مرحلة معاوية بأفضل الطرق والوسائل، خصوصاً


بعد أن سمّى نفسه بأمير المؤمنين بعد التحكيم، حيث إنّ هذا سيجعله أكثر شراسة في الدفاع عمّا يعتبره إنجازاً عظيماً في سياق تحقيق طموحاته وأطماعه الكبرى.

ولعلّك تقول:

إنّ هذه الاُمور لا بدّ أن تمنع أيضاً من مواجهة الإمام الحسينعليه‌السلام ليزيد (لعنه الله).

ونقول في الجواب:

إنّ الأمر بعد الصلح قد أصبحت له حيثيات اُخرى، فإنّ حركة الإمام الحسينعليه‌السلام الجهاديّة قد جاءت لتؤكد ثمرات هذا الصلح وتحفظها.

جيش الإمامعليه‌السلام

وإذا كانت الاُمور تسير باتجاه تكريس النصر العسكري لصالح معاوية حين استطاع أن يخرج الاُلوف الكثيرة من جيش الإمام الحسنعليه‌السلام من دائرة الصراع المسلّح، من خلال شراء ضمائر قادتهم، وكان من بينهم أقرب الناس إلى الإمام، وواليه على اليمن، وابن عم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو عبيد الله بن العباس(1) الذي خان الإمام الحسن

__________________

(1) بحار الأنوار 44 / 51، الغارات / 644، شرح النهج - للمعتزلي 16 / 42، وراجع حول استسلام قادة جيش الإمام الحسنعليه‌السلام أعيانَ الشيعة 4 قسم 1 / 22.


عليه‌السلام ولحق بمعاوية في ثمانية آلاف، لقاء مئة ألف درهم كما رواه الفضل بن شاذان في بعض كتبه(1) ، أو مليون درهم(2) ..

مع أنّ معاوية قد قتل له طفلين في اليمن، فقد أتي بهما أحد قواده، وهو بسر بن أبي أرطأة، فذبحهما(3) .

هذا فضلاً عمّن انحاز إلى معاوية مع غير عبيد الله، مع العلم بأن جيش الإمام الحسنعليه‌السلام بأجمعه ربما لم يكن يزيد على العشرين ألفاً(4) في مقابل ستّين ألفاً عند معاوية كما نصّت عليه المصادر(5) .

وفي بعضها أنّ معاوية كان في مئة ألف(6) .

ويدلّ على أن عدة جيش الإمام الحسنعليه‌السلام لا تزيد على

__________________

(1) قاموس الرجال 6 / 216 عن الفضل بن شاذان في بعض كتبه، والبحار 44 / 60 عن الكشي.

(2) الإرشاد - للمفيد 2 / 13، وشرح النهج - للمعتزلي 6 / 42، وتاريخ اليعقوبي 2 / 214.

(3) سير أعلام النبلاء 3 / 837، وتاريخ مدينة دمشق 10 / 152، وراجع الاستيعاب مطبوع بهامش الإصابة 1 / 163 عن الدار قطني، والمبرد، وراجع مقاتل الطالبيِّين / 65.

(4) راجع صلح الإمام الحسنعليه‌السلام - لآل ياسين / 106.

(5) الإمامة والسياسة 1 / 184.

(6) راجع الهداية الكبرى / 192.


ذلك، أمّا ما ذكروه من أنه كان ولّى كندياً على أربعة آلاف فانحاز إلى معاوية في مئتين منهم، ثمّ أرسل أحد بني مراد على أربعة آلاف أيضاً فانحاز إلى معاوية أيضاً، فأعلم الناس بذلك، فادعوا أنهم مناصحون له، فقال لهم:

«إنّ معسكري بالتحلية فوافوني، وإنّي لأعلم أنكم غادرون بي، ووالله لا تفون بعهدي، ولتنقضن الميثاق بيني وبينكم».

ثمَّ إنه أخذ طريق النخيلة فعسكر عشرة أيام، فلم يحضره إلاّ أربعة آلاف،

وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية بـ:

«أنَّا معك، وإن شئت أخذنا الحسن أسيراً وبعثناه إليك»(1) .

بل لقد قالعليه‌السلام لحجر بن عدي:

«والله يا حجر، لو أني في ألف رجل، لا والله إلاّ مئتي رجل، لا والله إلاّ في سبع نفر لما وسعني تركه»(2) ، يعني ترك معاوية الذي جاء في مئة ألف حسب نص تلك الرواية نفسها.

___________________

(1) راجع الخرائج والجرائح 2 / 574، 575، 576، والبحار 44 / 43 - 45، ومعالي السبطين / 34، والعوالم 16 / 141، وراجع إثبات الهداة 5 / 151، والهداية الكبرى / 189 - 191 لكن فيه: إنّ الذين وافوه إلى النخيلة هم عشرة آلاف راجل.

(2) الهداية الكبرى / 192.


بل ذكر المرتضى في تنزيه الأنبياء أنهعليه‌السلام دعاهم إلى أن يخرجوا إلى معسكرهم بالنخيلة فلم يجبه منهم أحد(1) .

وبذلك يظهر: أنّ ما ذكره البعض من أنه قد كان عنده أربعون ألفاً، أو نيف وأربعون ألفاً(2) فهو ناظر إلى الذين كان الإمام عليعليه‌السلام قد جهّزهم قبل استشهاده لحرب معاوية كما ألمح إليه، بل صرح به بعضهم(3) .

أمّا مَن بقي معهعليه‌السلام فهم يرون أن الدنيا التي يحبونها كانت عند معاوية الذي يرون بينهم وبينه العقبات والحواجز، كما أنهم كانت أهواؤهم وولاءاتهم مختلفة، فمنهم الخوارج، ومنهم - وهم الأكثر - من يكنّ الولاء لعمر بن الخطاب لا للإمام عليعليه‌السلام .

وذلك لأنّ عمر هو الذي فتح بلادهم، ووجههم للفتوحات في بلاد فارس، فاستفادوا المال والمناصب وغير ذلك، وهو الذي مصَّر الكوفة والبصرة، بالإضافة إلى أن الكثيرين ما كان يهمهم سوى الحصول على الولايات والمناصب والزعامات، ومنهم من كان يكنّ الولاء لبني اُميّة.

وقد رأوا أنّ الإمام علياًعليه‌السلام يريد أن يحملهم على المحجّة،

___________________

(1) راجع البحار 44 / 25.

(2) راجع عمدة الطالب / 66، والمختصر في أخبار البشر 1 / 182، والبحار 44 / 57، وتاريخ الخميس 2 / 289، والكامل في التاريخ 3، وراجع كلام المسيب بن نجبة في شرح النهج - للمعتزلي.

(3) راجع المختصر في أخبار البشر 1 / 193، وابن الأثير في الكامل.


ويعاملهم بالعدل، وقد جاهد بهم أعداء الله، وضحوا بالأموال والأنفس، وبالعلاقات وبغير ذلك من دون أن يحصلوا على غنائم ولا على سبايا، ولا على مناصب أو مقامات، بل إنّ الإمام علياًعليه‌السلام لا يسكت حتّى عن وليمة يُدعى إليها واليه على البصرة، وهو ابن حنيف، فيكتب إليه رسالة لوم وتقريع يخلّدها التاريخ، كما أنهعليه‌السلام لم يكن ليفسح لهم المجال لأية مخالفة، بل هو يعاقب المخالف وفق أحكام الشرع والدين.

وهذا أمر لم يعتادوه، بل اعتادوا حياة الانفلات والسعي وراء الشهوات، وكانوا يعرفون أن الإمام الحسنعليه‌السلام لا يختلف عن أبيه في ذلك، بل هو يسير على نفس الخط.

بل إنّ هذا الجيش نفسه الذي أعدّه الإمام الحسنعليه‌السلام لحرب عدوه قد اعتدى على نفس قائده وإمامه، فنهبوا فسطاطه، وأخذوا مطرفه عن عاتقه، وسحبوا البساط الذي يصلّي عليه من تحته، وضربوه بالمعول في فخذه بساباط المدائن، وبقي يتداوى من هذه الضربة أكثر من شهرين(1) .

ورماه أحدهم بسهم وهو يصلي، فلم يثبت فيه لأنهعليه‌السلام كان يلبس درعه(2) .

_____________________

(1) شرح النهج - للمعتزلي 16 / 26، 41، وراجع مقاتل الطالبيِّين / 41، وكمال الدين وتمام النعمة / 546، والبحار 51 / 232.

(2) أعيان الشيعة 4 قسم 1 / 22 عن المفيد.


فالجيش الذي يفعل ذلك بقائده وسيده هل يمكن أن يضحّي بالغالي والنفيس امتثالاً لأمر ذلك القائد ونصرة لقضيته؟!

وقد قالوا في وصف جيش الإمام الحسنعليه‌السلام :

خف معه أخلاط من الناس، بعضهم شيعة له ولأبيهعليهما‌السلام ، وبعضهم محكّمة (أي خوارج) يؤثرون قتال معاوية بكل حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبية اتّبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين(1) .

أمّا معاوية فمعه جيش قوي متماسك يلتقي معه في الأهداف، وفي السلوك، وفي الولاء، وقد تربى على يده، وعلى نهجه، وله نفس طموحاته، وعين أهدافه، ويكنّ له الولاء والحب.

وله أيضاً جانب كبير من أهل العراق، وفي جيش الإمام الحسنعليه‌السلام بالذات ممّن اشترى ضمائرهم، أو أنهم من أنصاره والموالين له مباشرة، أو يلتقون معه في الأهداف، أو في المطامع، أو في الولاء والانتساب لغير أهل البيتعليهم‌السلام .

التحرك نحو الحرب:

وقد كان الإمام الحسنعليه‌السلام يعلم بكل هذه الحقائق، ولكن

­­­­­­­­­­___________________

(1) الإرشاد - للمفيد 2 / 10، وراجع البحار 44 / 46، 56، وأعيان الشيعة 4 / 20 ط دار التعارف سنة 1400 هـ، والفصول المهمة - لابن الصباغ / 143، وفي طبعة دار الكتب التجارية / 161، وكشف الغمة للأربلي 2 / 165.


كان لا بدّ له - بعد أن سار معاوية إليه بجيشه - من أن يتحرك للدفاع وللتصدي، لكي تتجسد الحقائق واقعاً، حياً وملموساً، وليرى الناس باُمِّ أعينهم حقيقة جيش الإمام في تركيبته، وفي ممارساته لكل أحد. ولكي يمكّن أن يخضع معاوية لشرائطه، أو على الأقل أن يقبل بأن يفاوضه عليها، ويحقق أعظم الأهداف رغم أنه في أضعف جيش، وفي مواجهته معاوية الداهية وهو في أقوى جيش، وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على أن الإمامعليه‌السلام قد حقق معجزة كبرى في مجال السياسة كما هو واضح.

خيار السلم:

وأمّا خيار السلم فهو أيضاً على نحوين:

أحدهما: أن يستسلم الإمام الحسنعليه‌السلام لمعاوية، ويقول له: افعل ما تشاء، فإنني قد انسحبت من ساحة الصراع.

فهذا السلام هو عين الهزيمة، وهو سوف يعطي الشرعيّة لكل ممارسات وجرائم وجنايات معاوية، وهو أعظم خطراً من الهزيمة العسكرية ثمَّ الإبادة.

ثاني: السلام القائم على شروط، وهو عقد الهدنة المسمّى بالصلح، فإنه ليس فيه تضحية لا بالأنفس ولا بالأموال، ولا تنشأ عنه أي من سلبيات الحرب الكثيرة.

كما أنه على صعيد النتائج لا يعطي أي مبرر لاُولئك الطغاة والمجرمين للعدوان على حياة القيادة، أو على حياة أي من الرموز


المؤثرة والفاعلة في الحياة الدينية أو السياسيّة.

وهو أيضاً يحفظ الشيعة من تسهيل استئصالهم وإبادتهم حين يزيّن المجرمون لأنفسهم وللبسطاء من الناس أنّ جرائمهم هذه لا بدّ منها، لأنهم إنما يقتلون عدوهم الذي حاربهم وأراد قتلهم.

ولعلك تقول:

لقد رأينا أنّ الشيعة لم يسلموا بعد الصلح من ظلم معاوية وبني اُميّة، حيث تتبعهم زياد بن أبيه وغيره من ولاة معاوية تحت كل حجر ومدر، وألحقوا بهم أكبر الأذى.

ونقول في مجال التوضيح والتصحيح:

إنه كان ظلماً مفضوحاً، فاقداً لأي مبرر، ولا يمكن أن يتسبب بأي تضليل أو شبهة ..

لأنّ هذه الخسائر في السلم قد جاءت على سبيل نكث العهد، ونقض العقد، فهي إذاً لم تكن بلا ثمن، بل صار ثمن دم الشيعي هو اكتشاف الناس للخائن والغادر، ووعيهم لحقيقة هؤلاء الظالمين، ووضوح بطلان دعاواهم، وفضح مكائدهم، وإدراك أنهم غادرون ظالمون، ناكثون للعهود، وأنهم ليسوا أهلاً لما يدّعونه من إمامة وخلافة.

وهذا معناه: أنّ الصورة ستصبح أكثر نقاء ووضوحاً للأجيال الآتية، وفي هذا الوضوح يحفظ الدين من غائلة تراكم الشبهات والأباطيل، ويحفظ المسلمون من التضليل وبذلك يفضح أمر الطرف الآخر، ويسلب أية شرعيّة لما يدّعيه، وتسقط جميع تصرفاته عن الاعتبار،


ويظهر زيف ادعاءاته، وبوار ممارساته، وعوار أهدافه.

كما أنّ ذلك يسقط شرعيّة كلّ ما يدّعيه الغاصبون الذين يأتون بعد معاوية ممّن يرتكزون في شرعيتهم إليه ويعتمدون فيها عليه.

فاتّضح: أنه لولا هذا السلم المتمثل بعقد الهدنة «الصلح » لبقي أعداء أهل البيت يبثّون شبهاتهم، ويشيعون أضاليلهم وأباطيلهم التي تتهدّد إيمان الناس واعتقادهم على مر الدهور والعصور.

واتضح أيضاً: أنّ ما يحصل عليه الإمام الحسنعليه‌السلام عن طريق السلم يستحيل أن يحصل عليه في الحرب حتّى لو انتصر فيها.

ولعلك تقول:

لماذا حارب الإمام عليعليه‌السلام معاوية ولم يسعَ إلى مصالحته؟

ونقول في الجواب:

إنّ من الضروري التنبيه إلى أن هذا لم يكن يمكن حصوله في حرب معاوية للإمام عليعليه‌السلام ، فإنّ الإمام علياًعليه‌السلام كان يملك القدرة على الحرب، فلا مبرر للصلح بنظر الناس، بل إنّ السعي إليه يوجب الشبهة لدى الناس في أن يكون معاوية محقاً فيما يدّعيه، وبذلك تصبح خيانة معاوية مبررة عند الكثيرين من الجهّال والبسطاء حتّى لو بادر إلى قتل الإمام عليعليه‌السلام نفسه، لأنه سيكون قادراً على التمويه على الناس في أمر اتهام الإمام عليعليه‌السلام بدم عثمان، وكفى ذلك مبرراً لنقض العهد والإقدام على جريمة قتلهعليه‌السلام


بدافع من إحنه البدرية وأحقاده الأحدية.

ولكن قتل الإمام الحسنعليه‌السلام ليس له مبرر ما دام أنّ الحسنينعليهما‌السلام قد دافعا عن عثمان حين هوجم وقُتل كما أوضحناه في كتابنا: الحياة السياسيّة للإمام الحسنعليه‌السلام .

حسابات معاوية في صلحه:

وإذا رجعنا إلى حسابات معاوية لأمر الصلح فإنّه وإن كان يرى نفسه في موقع القوة، ويرى أن انتصاره العسكري سيكون سهلاً وميسوراً بملاحظة واقع الجيشين، ولكنه كان يعلم أيضاً أنّ هذا الانتصار إذا انتهى باستشهاد الإمامين الحسنينعليهما‌السلام وبني هاشم فإنه يحمل معه احتمالات حدوث مفاجآت غير محسوبة(1) هو في غنى عن معاناة الخوف والحذر منها، وسوف تنغّص تلك المفاجآت المحتملة عليه لذة العيش إذا كانت تتحرك في دائرة انتقال الملك إلى ولده يزيد (لعنه الله) وبني اُميّة، فإنّ الأيام قد تتمخض عن تقلّبات لم يحسب لها هو ولا غيره حساباً، وقد لا يستطيع من يأتي بعده من بني أبيه معالجتها بما يحفظ له النتائج الطيّبة التي يتوخاها ..

ولأجل ذلك، فقد آثر أن يعطي الإمام الحسنعليه‌السلام ما يريد، معتمداً على ما بيَّته من نوايا الغدر والخيانة له، ونكث عهده ونقض

____________________

(1) ولو مثل أن يأتي سهم غرب فيقتله أو يقتل ولده، أو أن يتمكّن إنسان من التسلل إليه أو إلى مَن يحب فيقتله، إلى غير ذلك من احتمالات.


عقده، وإبطال كل ما كان شرطه له. وقد أفصح هو نفسه عن نواياه هذه بجلاء حينما أعلن بعد توقيعه على وثيقة الصلح، يقول:

ألا إنّ كلَّ شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين، لا أفي به(1) .

وهذا ما صرّح به عدد من المؤرّخين أيضاً(2) .

معاوية يظهر على حقيقته:

ولكن من الواضح: أنّ هذا الغدر والخيانة ليس فقط لا يخلّ بالبنية الفكرية والاعتقادية، بل هو يحصِّن هذه البنية ويزيدها قوة ومناعة، من حيث إنه يمثّل الدليل الحي لسقوط الدعاوى الكاذبة بأنّ لبني اُميّة الحقَّ في امتلاك قيادة الاُمّة فإنّ الخائن والغادر والكاذب لا يمكن أن يكون أهلاً لشيء من ذلك.

وليكن هذا الانطباع الناشئ عن المعاينة بمثابة صمّام الأمان حتّى لا تتعرض الحقيقة بعد هذا للتزوير، وليكن هو الحافظ لها من التشكيك

____________________

(1) راجع مقاتل الطالبيِّين / 69، والغدير 11 / 7، وشرح النهج - للمعتزلي 16 / 46، وراجع الإرشاد - للمفيد 2 / 14، والإمامة والسياسة 1 / 186، والبحار 44 / 3.

(2) راجع النصائح الكافية لمحمد بن عقيل / 193، وترجمة الإمام الحسنعليه‌السلام - لابن عساكر - بتحقيق المحمودي / 186، وجواهر المطالب في إمامة الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام - لابن الدمشقي 2 / 198، والبداية والنهاية 8 / 131.


والتلاعب وخداع الناس فيها ..

وبذلك يصبح للفكر السياسي والديني قوته ورسوخه وأصالته، ليؤمن بعد هذا مَن آمن عن بينة، وليكفر من كفر عن بينة.

الوفاء والخيانة لشروط الصلح

وبعدما تقدّم نقول: إنّ الإمام الحسنعليه‌السلام قد استطاع بعقد الهدنة الذي أبرمه مع معاوية أن يحفظ للشيعة المخلصين حقهم في الحياة، وأصبح أي تعامل غير إنساني معهم يمثّل دليلاً على سقوط اُطروحة وادّعاءات مناوئي أهل البيتعليهم‌السلام ، لأنه سوف يكون عدواناً غادراً ومفضوحاً لا يمكن تبريره بأي منطق كان حتّى بمنطق أهل الجاهليّة ومَن لا يؤمن بدين.

كما أنه عدوان يدركه الناس كلهم، كبيرهم وصغيرهم، وعالمهم وجاهلهم، والذكي والغبي، والقريب والبعيد من حيث إنّ البشر كلهم يدركون أنّ الحياة الإنسانيّة لا يمكن أن تستمر إذا لم يتم الالتزام بالعهود والمواثيق، فمن لا يلتزم بها فإنه يصادم البداهة، ولا بدّ من إدانته، لأنه بنظر الناس جميعاً يعبث بسلامة الحياة الإنسانيّة، وهو ما لا يمكن السماح ولا الرضا به في أي من الظروف والأحوال.

وبذلك يصبح الوفاء والخيانة للعهود هو المفتاح الذي إذا حرّكه الإنسان وعرف الخائن والوفي فإنه يعرف بذلك المحق من المبطل، والمصلح من المفسد، وقد استطاع الإمام الحسنعليه‌السلام أن يوجد هذا المفتاح، وأن يجعله في متناول يد كل إنسان عاش معه أو يأتي بعده.


الفصل الثالث:

شروط الصلح

تجعل يزيد (لعنه الله) هو الباغي



شروط الهدنة:

إنّ الشروط التي وقَّع عليها معاوية قد جاءت على غاية من الأهمية والخطورة ..

وهي شروط كثيرة لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا إلاّ عن بعض منها، غير أنه قد أشار التاريخ إلى كثرة هذه الشروط حين صرّح بأنّ معاوية قد أرسل إلى الإمام الحسنعليه‌السلام وثيقة ضمن له فيها شروطاً، ولكن الإمام الحسنعليه‌السلام قد شرط عليه أضعاف ذلك(1) .

والذي أفصح لنا عنه التاريخ من هذه الشروط مهم جدّاً، ولعل ما لم يصل إلينا ممّا سعى الاُمويّون إلى طمسه وإغفاله كان هو الأهم والأكثر حساسيّة.

بعض شروط الصلح:

ومن جملة شروط معاهدة الهدنة التي كانت بين معاوية والإمام

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 124 ط الأعلمي، وجواهر المطالب في مناقب الإمام علي - لابن الدمشقي 2 / 198 ط مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة.


الحسنعليه‌السلام هو أنّ الإمام الحسنعليه‌السلام يسلم الأمر(1) لمعاوية على أن يكون له الأمر من بعده، فإن حدث به حدث فللحسينعليه‌السلام (2) .

وممّا يدل على ثبوت هذا الشرط: أنّ الإمام الحسينعليه‌السلام قد قال لابن الزبير بمجرد ورود الخبر بموت معاوية:

«إنّي لا اُبايع أبداً، لأنّ الأمر إنما كان لي من بعد أخي الحسن،

____________________

(1) راجع الفصول المهمة لابن الصباغ / 163، وعمدة الطالب / 67، المطبعة الحيدريّة، وحياة الإمام الحسنعليه‌السلام - للقرشي 2 / 287. ويلاحظ أنهعليه‌السلام قد اختار كلمة «الأمر»، ولم يقل: «الإمامة»، أو «الخلافة»، أو «الملك»، أو «السلطان»، أو «الحكم»، لكي لا يُظَنَّ أنهعليه‌السلام قد اعترف أو رضي بأن يكون له إمامة، أو ملكاً، أو حاكمية، أو سلطاناً، أو غير ذلك، فهو على حدِّ ما جاء في كتاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لكسرى وقيصر حيث كتبصلى‌الله‌عليه‌وآله إليهما: «إلى عظيم فارس ...»، و «إلى عظيم الروم ...»، ولم يقل: «إلى ملك الروم»، أو «... فارس»، على اعتبار أنّ التعبير بكلمة «ملك» أو «سلطان»، أو نحوهما قد يفهم منه الإقرار بالملكية أو السلطنة لهما، وأنه ليس لهصلى‌الله‌عليه‌وآله سلطة في تلك البلاد. أو أنّ ذلك يتضمّن الإقرار بأنّ لكسرى أو لقيصر استقلالاً في منطقته، وله حق التصرف والقرار فيها، وليس لغيره حقّ التدخل في دائرة سلطانه وملكه، أما كلمة عظيم فهي لا تدلّ لا على كونه آمراً أو مأموراً، ولا على كونه ملكاً أو سوقة، ولا على غير ذلك.

(2) عمدة الطالب / 67 ط المطبعة الحيدريّة، وحياة الإمام الحسينعليه‌السلام - للشيخ باقر القرشي 2 / 287.


فصنع معاوية ما صنع، وحلف لأخي الحسن أنه لا يجعل الخلافة لأحد من بعده من ولده، وأن يردّها إليَّ إن كنت حيّاً، فإن كان معاوية قد خرج من دنياه ولم يفِ لي ولا لأخي الحسن بما كان ضمن فقد والله أتانا ما لا قوام لنا به»(1) .

كما أنّ من شروط تلك الهدنة:

أن لا يسمّي الإمام الحسنعليه‌السلام معاوية أميرَ المؤمنين(2) .

وأن لا يقيم عنده شهادة(3) .

وأن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة رسوله(4) .

وزاد بعضهم: وسنة الخلفاء الراشدين المهتدين، وبعضهم زاد: وسنة الخلفاء الصالحين(5) .

____________________

(1) الفتوح - لابن أعثم 5 / 12، وموسوعة كلمات الإمام الحسنعليه‌السلام - للشيخ الشريفي / 278.

(2) بحار الأنوار 44 / 2، وعلل الشرايع 1 / 212 ط الحيدريّة - النجف الأشرف، ومستدرك الوسائل 13 / 180.

(3) علل الشرائع 1 / 212 ط الحيدريّة - النجف الأشرف - العراق، ومستدرك الوسائل 13 / 180.

(4) شرح نهج البلاغة - للمعتزلي 16 / 22 عن المدائني، وراجع الفتوح - المجلد الثاني 4 / 291، وأضاف إلى ذلك: سنّة الخلفاء الصالحين أيضاً.

(5) ويلاحظ هنا المغزى الذي يرمي إليه هذا التقييد بكلمة المهتدين أو بكلمة الصالحين.


وليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده(1) .

وهناك شروط اُخرى مثل:

أن يترك سب الإمام عليعليه‌السلام ولا يذكره إلاّ بخير ...

واستثناء مال بيت مال الكوفة فلا يُسلّم إلى معاوية.

وعلى معاوية أن يحمل إلى الإمام الحسينعليه‌السلام في كلِّ عام ألفَي ألف درهم.

وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس ...

وأن يفرق في أولاد مَن قُتل مع عليعليه‌السلام في الجمل وصفّين ألف ألف درهم(2) .

وأن يجعل ذلك من خراج دارابجرد.

وفي نص آخر: أن يكون له خراج دارابجرد(3) .

وأنّ الناس آمنون حيث كانوا، أسودهم وأحمرهم ..

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - للمعتزلي 16 / 22، والفصول المهمة - لابن الصباغ / 163، والفتوح - لابن أعثم - المجلد الثاني 4 / 291، وتاريخ مدينة دمشق 13 / 265، والإمامة والسياسة 1 / 184.

(2) ويلاحظ تخصيص هذين الفريقين، ولم يذكر معهما أيتام حرب النهراوان، وذلك لكي تفهم القضية بما لها من مضمون سياسي واعتقادي، ولا تفهم على أساس أنها مجرد عمل إنساني وأخلاقي.

(3) هي كلمة فارسية، أصلها: داراب كرد.


وأن يحتمل هفوات الناس.

وأن لا يتبع أحداً بما مضى.

وأن لا يأخذ أهل العراق بإحنة.

وعلى أمان أصحاب الإمام عليعليه‌السلام أينما كانوا.

وأن لا ينال أحداً من شيعة الإمام عليعليه‌السلام بمكروه.

وأن يكون أصحاب علي وشيعته آمنين على أنفسهم وأموالهم، ونسائهم وأولادهم.

وأن يوصل لكل ذي حقٍّ حقه.

وأن لا يبغي للحسن وللحسينعليهم‌السلام ، ولا لأحد من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غائلة.

وأن لا يخيف أحداً في اُفق من الآفاق(1) .

____________________

(1) هذه الشروط تجدها متفرقة في كثير من كتب التاريخ والحديث والتراجم، ولم نذكر مصادرها، لأنّ المقصود هو التعريف لا الاستدلال بها، غير أننا نحيل القارئ على بعض منها كنموذج ومثال، فراجع الفتوح - لابن أعثم - المجلد الثاني 4 / 291، 292 متناً وهامشاً، وشرح نهج البلاغة - للمعتزلي 16 / 36، 44، والأخبار الطوال / 218، وتاريخ الخلفاء للسيوطي / 194، والإصابة 2 / 12، 13، ومقاتل الطالبيِّين / 66، 67، والفصول المهمة - لابن الصباغ / 163، والكامل - لابن الأثير 3 / 405 ط دار صادر، وتذكرة الخواص / 198، والبحار 44 / 2، 3، 48، 49، 53، 56، 65، ومعالي السبطين 1 / 38، 39، وغير ذلك.


وهناك شروط اُخرى تفهم بالمراجعة إلى المصادر.

الشروط وسياسة سحب الذرائع:

وعلى كلِّ حال: فإنّ إلقاء نظرة على هذه الشروط تعطينا أنها قد ركّزت على سحب جميع الذرائع من معاوية والاُمويّين، وإسقاط كل اُطروحتهم، وسلبهم أية شرعيّة يمكن أن يدّعيها أي فريق بشري حتّى لو كان من أهل الجاهليّة، أو غير مسلم، حتّى مَن لا يدين بأي دين ولا يعترف حتّى بوجود الله سبحانه.

وذلك لأنّ علاقات البشر ببعضهم تقوم على احترام العهود والمواثيق فيما بينهم، ولولا ذلك لاختلت الحياة، ولأكل الناس بعضهم بعضاً، فأيّ إقدام على نقض العهود من طرف واحد مرفوض شرعاً وعرفاً، ومدان عند جميع المجتمعات الإنسانيّة، بل لا بدّ أن يُصنّف هو في عداد الخيانة للعهود والمواثيق، وهو ليس فقط مرفوضاً شرعاً، بل ممّا لا يرضاه جميع عقلاء البشر، وتأباه مختلف المجتمعات الإنسانيّة حتّى المجتمع الجاهلي.

والذي نلاحظه هنا:

1 - أنّه شَرَطَ أن يكون خراج دارابجرد للإمامعليه‌السلام ، يدل على أنهعليه‌السلام لا يرى معاوية إماماً، من حيث إنّ هذه المنطقة إنما فُتحت صلحاً(1) ولم تُفتح عنوة، وما كان كذلك فهو للإمامعليه‌السلام .

____________________

(1) فتوح البلدان / 380.


أمّا سائر البلاد فقد فُتحت عنوة، وما كان كذلك فهو يُقسّم بين المقاتلة الفاتحين، فإذا تعدّى معاوية على حقوق الناس وظلمهم فإنّ على الناس أن يطالبوا بحقوقهم، وأن لا يرضوا بهذا الظلم.

أمّا ما يرجع إلى الإمام فإنما هو حق له من حيث هو إمام.

وبذلك يكون عليه‌السلام قد أفهم من يريد أن يفهم: أنّ هذه الهدنة قد تضمّنت سلب معاوية كلّ ما يدّعيه لنفسه من مقامات، وبيّنت أنّ الإمام الحق إنما هادنه في دائرة محدودة جداً، ولكنه سلب عنه كل شرعيّة فيها كما سيتضح.

2 - أنّه شرط عليه أن لا يسمّيه بأمير المؤمنين، وقد سجّل هو قبوله بذلك بخط يده، طائعاً مختاراً، مع أنّ هذا إعلان صريح بأنهعليه‌السلام لا يرى شرعيّة ما يدعيه معاوية لنفسه، وأن تسمِّيه بأمير المؤمنين ما هو إلاّ توثب شخصي منه على أمر لا حق له فيه، وأن ما يسفكه من أجل ذلك من دماء بريئة ما هو إلاّ إقدام على ارتكاب الجرائم والموبقات والعظائم.

ولنفترض جدلاً أن محبّيه قد نسوا ما سفكه معاوية من دماء بريئة من أجل الحصول على هذا الأمر، وتذرّعوا باحتمال واهٍ وسخيف، وهو أنّ معاوية إنما أعطى هذا الشرط للإمام الحسنعليه‌السلام على سبيل التكرم والسماحة وسعة الصدر، بهدف إدخال السرور على قلبه (عليه الصلاة والسلام)، لا لأنه قد قبل واعترف بأن هذا المقام ليس له.

فيأتي الشرط الثاني ليبين بوار هذا الاحتمال، ويقول:

3 - أنّ الأمر بعد معاوية للحسن، ثم للحسينعليهما‌السلام .


فالقضية إذاً ليست قضية مجاملات، ولا هي نزاع حول التفوّه بألفاظ المدح والثناء، أو النطق بالألقاب، أو السكوت عنها، بل القضية قضية إحقاق الحق وإرجاعه إلى أهله، وهو الحق الذي غيّر اغتصابه من أهله مجرى التاريخ.

فلا يصح أن يقال: إنّ معاوية جعل الأمر لهماعليهما‌السلام من بعده على سبيل التنازل عن حق هو له، إرفاقاً بهما، وتقرباً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإذا بدا له بعد ذلك أن يسترجع هذا العطاء حين رأى المصلحة في ذلك فإنما يسترجع حقه.

نعم، لا يصح أن يقال هذا، لأنه إنما قال:

إنّ الأمر من بعده للحسن ثم للحسين.

ولم يقل: إنّ معاوية قد جعل الأمر لهماعليهما‌السلام .

وهذا معناه: أنّ معاوية قد سجّل اعترافاً بحقيقة راهنة لم يكن له بدّ من الاعتراف بها، وهي التي قرّرها الله ورسوله في حديث: «الأئمة بعدي اثنا عشر ...»، وغيره من الأحاديث الصحيحة الثابتة، بالإضافة إلى حديث: «ابناي هذان إمامان ...»(1) ، وغير ذلك.

وبعبارة اُخرى: إنّ التعبير الوارد لم يكن أنّ معاوية قد جعل لهما الأمر من بعده لكي يرد احتمال أن يكون قد جعل لهما ما هو حق له.

بل التعبير هو: «إنّ الأمر بعد معاوية للحسن ثمّ للحسين »، أي أنه قد

____________________

(1) تقدمت مصادر ذلك في أول هذا البحث، فراجع.


جاء بصيغة التقرير لحقيقة راهنة، واعتراف بأمر واقع لا ينفي أن يكون هذا الأمر مجعولاً لهماعليهما‌السلام من قبل الله ورسوله، ومعاوية يعترف ويقر بذلك.

ولو أغمضنا النظر أيضاً عن ذلك وقبلنا باحتمال هو أوهى وأسخف من الاحتمال الذي ذكرناه في الشرط السابق، وهو أن يكون قد أعطاهما ما هو حق له أيضاً، فيصح له التراجع عن هذا العطاء إذا رأى المصلحة في التراجع، فيأتي دور الشرط الآخر لينفي صحة هذا الاحتمال وليؤكد بواره، ويقول:

4 - وليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده.

فهذا الشرط قد بيّن أن لا حق لمعاوية في هذا الأمر أصلاً، وهو يدل على أمرين:

أحدهما: أنّ جعل الأمر من بعده للحسن ثمّ للحسين لم يكن من قِبَلِ معاوية، لأنه لا يحق له ذلك ..

وهذا يدل على أن ذكر ذلك في وثيقة الهدنة والصلح قد جاء على سبيل الاعتراف والتقرير لحقيقة ليس لمعاوية فيها حيلة، ولا يملك إلى دفعها سبيلاً ..

الثاني: أنّه حين نكث معاوية بعهده هذا وعَهِدَ إلى ولده يزيد (لعنه الله) فإنما فعل أمراً قد اعترف هو بعدم مشروعيته، لأنه صدر عمّن ليس له الحق في أن يفعله.

والذي يؤكّد هذه الحقيقة: أنّ التعبير في وثيقة العهد هو: «ليس له أن


يعهد لأحد»، ولم يقل: «وأن لا يعهد لأحد ».

فإنّ العبارة الثانية قد يحتمل فيها أن يكون قد تعهد بأن لا يفعل ذلك تفضلاً منه وكرماً.

ولكن العبارة الأولى لا يحتمل فيها ذلك أصلاً.

ولنفترض محالاً أنه قد جعل ذلك تكرّماً منه وتفضّلاً وسماحة، ومن خلال سجاحة خلقه وسعة صدره وحلمه، فإنّ الشرط التالي يبطل هذا الاحتمال الهجين بنفسه، ويجعله أكثر هجنة وأشد قباحة. حيث يشترط:

5 - أن لا يقيم الحسنعليه‌السلام عند معاوية شهادة.

ولبيان ذلك نقول:

إنّ هذا الشرط ليس فقط قد جعل معاوية في موقع الغاصب لمقام لا حقّ له فيه، وهو مقام خلافة النبوة، وإنّما هو بمثابة الدليل القاطع على أنه ليس لمعاوية ولا لبني اُميّة في هذا الأمر من نصيب وذلك لأنه قد أظهر أنّ معاوية يفقد أدنى شرائط التصدّي لمثل هذا المقام الخطير.

وغني عن القول: إنه لم يكن ليخطر على بال أحد أن يدرج الإمامعليه‌السلام في صلح بهذه الخطورة يراد منه حفظ دماء الناس، ويمس مستقبل ومصير الاُمة، وبه يكون حفظ الدين كله فإنّه قد لا يحتاجعليه‌السلام إلى إقامة هذه الشهادة ولو مرة واحدة في عمره كله، وقد تكون شهادة على حق إنسان في فرس أو شاة، أو على لطمة أو نحو ذلك.

فإذا أخذنا هذا البند بنظر الاعتبار فسنجد أنه يبطل كل ما يدّعيه


معاوية لنفسه من مقامات، ويبطل معه كلّ شرعيّة للحكم الاُموي الذي يرتكز إليه في مشروعيته إلى مشروعيّة.

إنه يبطل ذلك بشكل استدلالي يبيّن فيه فقدان معاوية للمؤهلات الأساسية التي تفيد في توهّم أن له حقاً في ذلك.

فإذا أقرّ معاوية على نفسه بفقده لها فإنّ ذلك يوفّر على أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم الكثير من الجهد لإقناع الناس الذين تغرّهم المظاهر، وتؤثر عليهم الدعاوى العريضة، فإنّ وضوح فقدان المؤهلات والمواصفات يمكن أن يفهمه الناس، وأن يدركوا ما يترتب عليه بسهولة، خصوصاً مع إقرار المعني بهذا الأمر بفقدانها بالفعل.

وهكذا كان، فإن معاوية نفسه مؤسس تلك الحكومات قد وقَّع على هذه الوثيقة بمبادرة منه، ومن دون أي إكراه أو اضطرار، بل هو الذي يختار ذلك من موضع القوة والاقتدار، والإمام الحسنعليه‌السلام لا حول له ولا قوة يُخاف منها.

وهذا مهم جداً للتأسيس للشأن الديني والاعتقادي والسياسي الذي سوف ترصده الأجيال، وتتوقف ملياً عنده لتتخذ قرارها فيه ..

وبذلك يتم حفظ الحق والحقيقة الواضحة للأجيال الآتية على حالة النقاء والصفاء لا تشوبها أية شائبة، لأنّ الأباطيل والشبهات سوف تتلاشى، وسوف يساعد نكث معاوية للعهد وعدم وفائه به على هذا الأمر بما لا مزيد عليه ..

وذلك لأنّ هذا الشرط يعني أحد أمرين أو كليهما:


أولهما: أنّ معاوية لا يملك صفة العدالة المشترطة في القاضي إلى حدٍّ أنه يصبح غير مأمون حتّى على القضاء، وحتى في مثل هذه الاُمور الجزئية والبسيطة التي تعني أفراداً من الناس ...

ومن لا يُؤْمَنُ على مثل هذه الاُمور البسيطة كيف يؤمن على دماء الاُمّة وأموالها وأعراضها، وعلى دينها وأخلاقها ومستقبلها؟!

وكيف يكون له مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخلافته في تعليم الدين، وفي بيان شرائعه، وفي التصدي للشبهات وحل المعضلات؟!

والتصدي للقضاء بين الناس، ولقيادة الجيوش، واتخاذ القرارات الخطيرة والحساسة التي تمس مصير الأمة وحياتها ومستقبلها في الصميم ...

فضلاً عن أن يتصدى للإجابة على دقائق المسائل الفقهية والعقدية وغيرها؟!

وكيف تكون قراراته نافذة في اختيار الإمام الذي يجلس في مقام الرسول، ويحكم الأمة باسمهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، لا سيما إذا كان يسوق الاُمور باتجاه ولده المعروف بفسقه وفجوره بعد أن أثبت هو نفسه قبل ولده الذي قتل أئمة الحق، وسفك دماء عشرات الألوف من المسلمين، من أجل الحصول على هذا الأمر والوصول إليه؟!

نعم، إنه يريد ليس فقط أن يحتفظ به لنفسه، بل يريد أن يكرّسه في ولده يزيد الفاجر المعلن بالفسق والفجور، والقاتل للنفوس المحترمة.


الثاني: أن يكون قد شرط عليه ذلك بسبب جهله بأحكام القضاء، ومَن كان جاهلاً حتّى بمثل هذه الاُمور البسيطة التي هي من شؤون الحاكم، فهل يكون عالماً بسائر القضايا الحسّاسة والمصيرية والمعقّدة والتي تحتاج إلى المزيد من التعمق في الشريعة وأحكامها؟!

وهل يصح تفويضها إليه وإعطاؤه مقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووظائفه باستثناء الوحي الإلهي وهو على هذه الصفة من الجهل بأبسط مسؤوليات النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

وهل يمكن أن يكون الأمين عليها والمصيب في قراراته فيها؟!

ومَن كان بهذا المستوى من الجهل أو عدم الأمانة وقلّة الدين كيف يمكن أن يفي بتعهداته بأن يعمل بالكتاب والسنة؟!

وبعد، فإنّه إذا كان يمكن أن يدّعي أحد ولو على سبيل المكابرة أنّ معاوية قد أعطى الإمام الحسنعليه‌السلام ما هو حقّ له في الشرط الأول والثاني والثالث حسبما أوضحناه، وأنّ ذلك قد كان منه، وفي تلك وسواهما تكرماً وتفضلاً، فإنه لا يتصور ذلك في موضوع اشتراط عدم إقامة الشهادة عنده، لأنّ ذلك لا يدخل في دائرة التنازل والسماحة والتكرم، بل هو يمثل القبول بالإهانة والانتقاص لشخصه، من حيث إنه يستبطن الحكم عليه بأنه إمّا جاهل بأبسط الأحكام أو أنه بلا دين.

ولكن معاوية قد قبل حتّى هذا الشرط، وسجل التاريخ ذلك عليه، وربما كان معتمداً على ما عقد العزم عليه من النكث للعهد بعد الوصول إلى ما يريد حسبما قلناه ..


وبذلك يتضح: أنهعليه‌السلام قد حفظ الشيعة والمسلمين كلهم، وحفظ التشيع والإسلام كله، وسلب من بني اُميّة ومن كل مناوئيه كلَّ ما يدَّعونه لأنفسهم، وأظهر أنهم طغاة بغاة يريدون التوسّل بالباطل إلى طمس الحق وإزالة معالمه.

ثمّ هناك شروط أخرى كلها تصب في هذا الاتجاه، مثل اشتراطه:

6 - أن يجعل للإمام الحسينعليه‌السلام مليوني درهم في كل عام.

7 - أن يكون خراج دارابجرد للإمام الحسنعليه‌السلام ليفرّقها بين يتامى حرب الجمل وصفين، ولم يذكر النهراوان(1) .

ومن شأن هذا الاشتراط: خصوصاً مع عدم ذكر أيتام النهروان، أن يظهر مظلومية أمير المؤمنينعليه‌السلام في حرب الجمل، ويشير إلى بغي معاوية عليه، وإجرامه في حقه وفي حق الأمة بخروجه عليه في صفين، ممّا يعني إبطال جهود معاوية للنيل من الإمام عليعليه‌السلام وإظهار أنه كان ظالماً في حربه له.

وذلك كله يدل دلالة واضحة على: أن بنود الهدنة «الصلح» سواء في ذلك ما ذكرناه منها وشرحناه، أو ما لم نتمكن من شرحه، قد أسقطت شرعيّة معاوية بصورة مباشرة، وجعلتها ترزح تحت وطأة كل هذه العوامل الناسفة لها.

فهل يمكن بعد هذا كله أن يعطي مَن لا مشروعيّة له مشروعيّة

____________________

(1) راجع البحار 44 / 3.


لغيره ولا سيما لمَن كان مثل يزيد (لعنه الله) الذي كان فسقه وفجوره وظلمه كالنار على المنار، وكالشمس في رابعة النهار؟!

لا حقّ لمعاوية في أن يعهد لأحد

ونعود فنكرر القول: إنه إذا كان معاوية نفسه قد اعترف بأنّ الأمر من بعده للحسن ثمّ للحسينعليهما‌السلام ، وسلب عن نفسه مشروعيّة كل ما يقدم عليه، حين صرّح بأنه ليس له حق بأن يعهد لأحد من بعده حتّى لو مات الإمامان الحسنانعليهما‌السلام قبله؟! وذلك حين قبل بأنه ليس له حق أن يولّي أحداً بعده ..

فذلك معناه: أن يعترف بأنه لا حق لولده ولا لغيره في هذا الأمر من بعده، وأنّ ما أقدم عليه من جعل الأمر ليزيد (لعنه الله) هو من السعي الباطل الذي لا يصح ترتيب الأثر عليه في جميع الشرائع والأعراف والإنسانيّة.

وإذا كانت خلافة يزيد (لعنه الله) غير شرعيّة بجميع المقاييس ..

أفلا يكون يزيد (لعنه الله) هو الخارج والباغي على إمام زمانه؟!

فكيف إذا كان فقدانه للشرعيّة قد جاء بقرار موقَّعٍ من أبيه، ولا يحق لأبيه نقض المواثيق؟!

وكيف إذا كان أبوه متغلّباً وغاصباً لنفس هذا الأمر الذي أقر على نفسه بأنه ليس له حق فيه؟!

علماً بأنّ ذلك الأب لا يملك الشرائط الموضوعيّة التي تخوّله التصدي لأمور كهذه! ومن الطبيعي أن يكون سعيه لما لا يحق له من السعي الباطل بالسبب الباطل، فإنّ فاقد الشيء لا يعطيه ..


هل بويع يزيد (لعنه الله) حقاً؟!

وقد لفت نظرنا ما ورد في المنشور من أن يزيد (لعنه الله) قد بويع ...

ونقول:

إنّ السؤال هو: كيف يصح القول: إنّ يزيد (لعنه الله) قد بُويع؟!

مع أنه لا بدّ من ملاحظة ما يلي:

أوّلاً: أنّ البيعة إنما تصح - كما يقوله هؤلاء - لو كان أهل الحل والعقد هم الذين يقومون بها، فهل بايع أهل الحل والعقد يزيد بن معاوية (لعنه الله)؟

ولماذا سجّل في رسالته لوالي المدينة فور وفاة أبيه التأكيدَ عليه بأن يُكره على البيعة جماعة من أهل الشأن، مثل: ابن عمر، وعبد الرحمان بن أبي بكر، وابن الزبير، والإمام الحسينعليه‌السلام .

ولم يكن أهل المدينة فضلاً عن أهل الحجاز، وفضلاً عن أهل العراق، قد بايعوه بعدُ؟! بل إن أهل العراق قد كتبوا للإمام الحسينعليه‌السلام معلنين بأنهم ليس عليهم إمام، وأنهم يحبسون أنفسهم على الإمام الحسينعليه‌السلام ولم يبايعوا أحداً بعد(1) .

____________________

(1) راجع البداية والنهاية 8 / 151، 152 ط سنة 1966م، وأي كتاب تاريخي شئت. خصوصاً ما يتكفّل ببيان ما جرى بين أهل العراق والإمام الحسينعليه‌السلام وكذلك ما جرى بين أهل المدينة ومكة، وأهل الحجاز عامة، وبين ولاة معاوية حين وفاته حتّى انتهت الأحداث بفاجعة كربلاء، وبوقعة الحرة، ورمي الكعبة بالمنجنيق.


ثانياً: قال الشبراوي الشافعي وهو يتحدث عن الغزالي وابن العربي: «فإنّ كلاهما قد بالغ في تحريم سبه ولعنه ...

لكن كلاهما مردود، لأنّه مبني على صحة بيعة يزيد (لعنه الله) لسبقها، والذي عليه المحققون خلاف ما قالاه»(1) .

ثالثاً: ألم يكن الإمام الحسينعليه‌السلام ، وهو بقية النبوة، هو رأس أهل الحل والعقد؟!

ولم يكن أحد في زمانه يساويه أو يساميه؟

فمتى بايع يزيد (لعنه الله)؟

أو متى رضي ببيعته؟

ومَن هم أهل الحل والعقد في الحجاز وفي العراق الذين بايعوه أو رضوا ببيعته؟!

يزيد (لعنه الله) التقي!

إنّ كاتب هذا المنشور قد ساق الحديث باتجاه ادعاء أن محمّد بن الحنفيّة قال لابن مطيع: إنه قد لزم يزيد (لعنه الله) فوجده متحرّياً للسنة، غير تارك للصلاة.

ومن الواضح:

أوّلاً: إنّ هذا النص مشبوه، بل لا شك في أنه مفتعل، خصوصاً مع شهرة إعلان الإمام الحسينعليه‌السلام بأنّ يزيد بن معاوية (لعنه الله)

____________________

(1) الإتحاف بحب الأشراف / 68.


شارب للخمر، قاتل للنفس المحترمة، معلن بالفسق.

ومع إجماع التاريخ على خلاف هذا الذي ينسبونه إلى ابن الحنفيّة، وصحة وواقعية ما قاله الإمام الحسينعليه‌السلام عنه ..

فلماذا أهمل كاتب المنشور هذا النص المجمع عليه، وكذلك سائر النصوص المتواترة، والتجأ إلى نص مشبوه تفوح منه رائحة الافتعال والكذب؟!

ثانياً: إنّ النص المشار إليه يقول: إنّ محمّد بن علي بن أبي طالب قد لزم يزيد (لعنه الله) فوجده متحرّياً للسنة.

والسؤال هو:

ألف: متى لزم محمّد بن علي بن أبي طالب يزيدَ (لعنه الله)؟ وأين؟ وكيف؟

فإنّ من المعلوم: أنّ الحروب قد بدأت بين الإمام عليعليه‌السلام ومعاوية قبل ثلاث وعشرين سنة، أي في الوقت الذي كان فيه يزيد (لعنه الله) في سن الطفولة، وكان عمره إحدى عشرة سنة.

ب: إنّ التاريخ مجمع على فسق يزيد (لعنه الله)، وعلى شربه للخمر، وارتكابه للمنكرات والموبقات، لم يخرج عن هذا الإجماع إلاّ ثلة من الشذاذ أرادوا المكابرة، وتكذيب حقائق التاريخ(1) جهاراً نهاراً.

فهل نكذب هذا الإجماع ونأخذ بهذه الرواية الاُمويّة اليزيديّة الشاذّة؟!

____________________

(1) راجع مقتل الحسينعليه‌السلام - للسيد عبد الرزاق المقرم / 6 - 16.


ج: إنّ قضية ابن مطيع إنما كانت بعد قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فكيف استساغ محمّد بن الحنفيّة الدفاع عن يزيد (لعنه الله) بعد أن فعل بأخيه الإمام الحسين وسائر أهل البيت وأصحابهمعليهم‌السلام في كربلاء ما فعل؟!

وهل كان يزيد (لعنه الله) إلى ذلك الوقت لا يزال متحرياً للسنة، غير تارك للصلاة؟!

وحين اضطر ابن الحنفيّة إلى الذهاب إلى الشام، وحاول يزيد (لعنه الله) أن يسترضيه ويكسب تأييده مقابل ابن الزبير، فهل هو قد جعله في قصره وأحضره مجالس شربه، أم أنه كان يتظاهر بعكس ذلك؟!

وهل تظاهره له بالدين بعد كلِّ ما ارتكبه من جرائم وموبقات يُخدع ابن الحنفيّة بهذه السرعة وبهذه البساطة؟!



القسم الثاني:

من هو القاتل؟



الفصل الأوّل:

يزيد (لعنه الله)

الآمر بقتل الإمام والراضي به



أتباع السفياني يبرؤون يزيد (لعنه الله)

ثمّ إنّ هذا المنشور قد زعم أنّ يزيد بن معاوية (لعنه الله) لم يأمر ابن زياد (لعنه الله) بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ..

وهذه الدعوى قد سبقه إليها أناس سعوا إلى تبرئة يزيد (لعنه الله) من هذه الجريمة النكراء، فأنكروا أن يكون (لعنه الله) قد رضي بقتلهعليه‌السلام ، أو أنه أمر به. ومن هؤلاء ابن حجر الهيثمي(1) ، ومحمّد كرد علي، وتقي الدين ابن الصلاح، والغزالي، وابن العربي، وابن تيمية وأضرابهم(2) .

بل إن بعضهم كابن خلدون وابن العربي قالوا: إنّ الحسين قُتل

____________________

(1) راجع الفتاوى الحديثية / 193.

(2) راجع رسالة ابن تيمية، سؤال في يزيد بن معاوية (لعنه الله) / 14، 15، 17، والعواصم من القواصم / 232، 233، وإحياء علوم الدين 3 / 125، والإتحاف بحب الأشراف / 67، 68، والصواعق المحرقة / 221، وخطط الشام 1 / 145، وقيد الشريد / 57، 59.


بسيف جده(1) !

بل صرّح محمّد أبو اليسر عابدين، مفتي الشام، بقوله: «بيعة يزيد شرعيّة، ومَن خرج عليه كان باغياً»(2) !

واعتبره أبو الخير الشافعي القزويني إماماً مجتهداً(3) !

وقال محمّد الخضري: الحسين أخطأ خطأً عظيماً في خروجه هذا الذي جرّ على الاُمّة وبال الفرقة، وزعزع اُلفتها إلى يومنا هذا. إلى غير ذلك من أقواله التي تنضح باللؤم والتجنّي على الإمام الحسينعليه‌السلام ، فراجع كلامه(4) .

بل ادّعى بعضهم أن يزيد (لعنه الله) من الصحابة، أو من الخلفاء الراشدين المهديِّين، أو من الأنبياء(5) !

____________________

(1) الضوء اللامع 4 / 147 دار الجيل، وفيض القدير بشرح الجامع الصغير 1 / 265، وج5 / 213، ولكنهم قالوا: إنّ ذلك لم يوجد في تاريخ ابن خلدون، فلعله كان في النسخة الأولى لذلك الكتاب، ثمّ حذفها منه في النسخة الثانية. وكلام ابن العربي نقله عنه أيضاً ابن خلدون في المقدمة / 181 ط سنة 1391 هـ، مؤسسة الأعلمي - بيروت - لبنان.

(2) أغاليط المؤرّخين / 120.

(3) تراجم رجال القرنين السادس والسابع / 6.

(4) محاضرات في تاريخ الاُمم الإسلاميّة 2 / 129.

(5) راجع منهاج السنة - لابن تيمية 4 / 549 فما بعدها.


ونقول لهؤلاء:

قُتل بسيف جدّه!!:

وبعد، فإنّ الإمام الحسينعليه‌السلام لم يُقتل بسيف جده، بل قُتل بسيف يزيد (لعنه الله) الباغي على إمامه، والظالم لنفسه، وللاُمّة، ولرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ..

لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد قرّر إمامة الحسنينعليهما‌السلام في كثير من النصوص العامة والخاصة ..

ولأن يزيد (لعنه الله) كان فاقد الشرعيّة بنص واعتراف من أبيه معاوية.

ولأنه قد أمر بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام بمجرد موت أبيه، وقبل أن يبايعه الناس، خصوصاً في العراق والحجاز واليمن، و و ..

ولأنّ الإمام الحسينعليه‌السلام وآخرون من كبار صحابة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم أهل الحل والعقد، قد رفضوا تأمّره عليهم بالقوة، وهو المعروف بفسقه وجوره، إلى غير ذلك ممّا ألمحنا إليه في هذه الدراسة، وألمح إليه علماء الاُمّة في مؤلفاتهم وبحوثهم.

إنّ يزيد (لعنه الله) هو القاتل

ليس من الضروري أن يكون يزيد هو الذي مارس قتل الإمام الحسينعليه‌السلام بيده إذ إنّ الملوك يُنسب إليهم الانتصار والهزيمة في الحروب، ويُنسب إليهم أيضاً قتل أعدائهم مع أنهم لا يباشرون قتل أعدائهم بأنفسهم إلاّ بعض الشذاذ منهم، يقدمون على ذلك بهدف


التشفي والانتقام.

وإنّ ممّا لا شك فيه ولا شبهة تعتريه هو أن يزيد بن معاوية (لعنه الله) هو قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام بسيف ابن زياد والشمر وعمر بن سعد.

ولبيان ذلك نقول:

إنّ هناك ثلاثة أنواع من النصوص:

الأوّل: ما دلّ على أن يزيد (لعنه الله) قد أمر ابن زياد وغيره بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويدخل في ذلك ما ورد فيه التصريح بأنه هو القاتل.

الثاني: ما صرّح برضاه بقتلهعليه‌السلام .

الثالث: أفعاله الدالّة على فرحه بما جرى عليه وعلى أهل بيته وصحبه (سلام الله عليهم).

ونحن نتكلم حول هذه الاُمور الثلاثة، كل على حدة، فنقول:

ألف: أوامر يزيد (لعنه الله) بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام

إنّ ممّا دل على أن يزيد بن معاوية (لعنه الله) قد أمر بقتل سيد الشهداءعليه‌السلام وصحبه:

1 - قال ابن زياد لمسافر بن شريح اليشكري: أمّا قتلي الحسين فإنه أشار عليَّ يزيد بقتله أو قتلي، فاخترت قتله(1) .

____________________

(1) الكامل في التاريخ 3 / 324.


2 - كتب ابن زياد (لعنه الله) إلى الإمام الحسينعليه‌السلام : قد بلغني نزولك كربلاء، وقد كتب إليَّ أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير أو اُلحقك باللطيف الخبير، أو تنزل على حكمي وحكم يزيد. والسلام(1) .

قال اليعقوبي: إنّ يزيد قد كتب إلى ابن زياد: قد بلغني أنّ أهل الكوفة قد كتبوا إلى الحسين في القدوم عليهم، وأنه قد خرج من مكّة متوجّهاً نحوهم، وقد بُلي به بلدك من بين البلدان، وأيامك من بين الأيام، فإن قتلته وإلاّ رجعت إلى نسبك وأبيك عبيد، فاحذر أن يفوتك(2) .

3 - إنّ يزيد (لعنه الله) قد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر على الحاج، وولاّه أمر الموسم، وأوصاه بالفتك بالإمام الحسينعليه‌السلام أينما وُجد(3) .

4 - إنّ يزيد (لعنه الله) كتب إلى الوليد بن عتبة: «خذ الحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمان بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً، ومَن أبى فاضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه(4) .

____________________

(1) البحار 24 / 383، ومقتل العوالم / 243، الفتوح - لابن الأعثم - المجلد الثالث 5 / 85.

(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 242 ط صادر.

(3) المتنخب / 304.

(4) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 1 / 178 - 180، ومناقب آل أبي طالب 4 / 88 ط مكتبة مصطفوي - قم - إيران، والفتوح - لابن أعثم 5 / 10.


وحسب نص اليعقوبي: «إذا أتاك كتابي فاحضر الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، فخذهما بالبيعة، فإن امتنعا فاضرب أعناقهما وابعث إليَّ برأسيهما، وخذ الناس بالبيعة، فمَن امتنع فانفذ فيه الحكم وفي الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير. والسّلام»(1) .

5 - كتب إلى عامله على المدينة بكتاب قال له فيه: «وعجّل عليَّ بجوابه، وبيّن لي في كتابك كلّ مَن في طاعتي أو خرج عنها، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي»(2) .

6 - وفي نص آخر أنّ الوليد بن عتبة أخبر يزيد (لعنه الله) بما جرى له مع الإمام الحسينعليه‌السلام وابن الزبير، فغضب يزيد (لعنه الله) وكتب إليه:

إذا ورد عليك كتابي هذا فخذ بالبيعة ثانياً على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبد الله بن الزبير، فإنه لن يفوتنا، ولن ينجو منّا أبداً ما دام حيّاً. وليكن مع جوابك إليَّ رأس الحسين بن علي، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل، ولك عندي الجائزة والحظ الأوفر إلخ(3) .

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 241.

(2) الأمالي للصدوق / 134، 135 ط سنة 1389 - النجف الأشرف - العراق، والبحار 44 / 312.

(3) الفتوح - لابن أعثم - المجلد الثالث 5 / 18.


7 - وقد كتب يزيد (لعنه الله) إلى ابن عباس، وإلى مَن بمكة والمدينة من قريش أبياتاً منها:

أبلغ قريشاً على نأي المزار بها

بيني وبين حسين اللهُ والرحمُ

إلى أن قال:

إني لأعلم أو ظنّاً كعالمه

والظنُّ يصدق أحياناً فينتظمُ

أن سوف يترككم ما تدَّعون بها

قتلى تهاداكم العقبانُ والرخمُ(1)

8 - قال ابن عساكر: بلغ يزيد خروجه، فكتب إلى عبيد الله بن زياد، وهو عامله على العراق، يأمره بمحاربته وحمله إليه إن ظفر به(2) .

وحسب نص ابن أعثم أن ابن زياد قال لأهل الكوفة: «كتب إليَّ يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار، ومئتي ألف درهم» أفرقها عليكم، وأخرجكم لحرب عدوه الحسين بن علي، فاسمعوا له وأطيعوا(3) .

ونحو ذلك ما في نص آخر عنه: «وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة»(4) .

____________________

(1) تاريخ دمشق 14 / 206، وفي هامشه عن بغية الطالب 6 / 210، وراجع البداية والنهاية 8 / 177 ط دار إحياء التراث، والفتوح - لابن أعثم 5 / 68، 69، وتذكرة الخواص / 238.

(2) تاريخ دمشق 14 / 208، وفي هامشه عن بغية الطالب 6 / 14، 26.

(3) الفتوح - لابن أعثم - المجلد الثالث 5 / 89.

(4) الأخبار الطوال / 253.


وقال السيوطي: «فكتب يزيد إلى واليه بالعراق عبيد الله بن زياد بقتاله»(1) .

والأمر بالحرب هل يعني إلاّ السعي لقتل الطرف الآخر وبذل الجهد لإزهاق نفسه أو أسره؟!

9 - ولما وضع رأس الإمام الحسينعليه‌السلام بين يدي يزيد (لعنه الله)، صار (لعنه الله) ينكت ثناياه بقضيب، ويقول:

أبى قومُنا أن ينصفونا فأنصفتْ

قواضبُ في إيماننا تقطر الدما

نفلّقُ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما(2)

فهو يعترف بالبيت الثاني بأنه هو فاعل ذلك.

10 - وقد نقل الآلوسي عن تاريخ ابن الوردي، وكتاب الوافي بالوفيات:

أنّه لما ورد على يزيد نساء الحسينعليه‌السلام وأطفاله، والرؤوس على الرماح، وقد أشرف على ثنية جيرون، ونعب الغراب، قال:

____________________

(1) تاريخ الخلفاء / 193 ط دار الفكر سنة 1394 هجري - بيروت.

(2) راجع مروج الذهب 3 / 61، والأخبار الطوال / 261، والفتوح - المجلد الثالث 5 / 128، والنجوم الزاهرة 1 / 203 ط دار الكتب العلمية، والفصول المهمة - لابن الصباغ / 205، ومرآة الجنان - لليافعي 1 / 135، ومقاتل الطالبيِّين / 119، والإرشاد - للمفيد 2 / 119، ومناقب آل أبي طالب 4 / 114 ط مكتبة مصطفوي - قم - إيران، وسير أعلام النبلاء 3 / 39.


لما بدت تلك الحمولُ وأشرفت

تلك الرؤوسُ على رُبى جيرونِ

نعب الغرابُ فقلت نح أو لا

تنح فلقد قضيتُ من النبيِّ ديوني(1)

إلى أن قال:

وهذا كفر صريح، فإذا صحّ فقد كفر به. ومثله تمثّله بقول ابن الزبعرى قبل إسلامه:

(ليت أشياخي ) الأبيات انتهى(2) .

11 - كما أنّ الغزالي قد ذكر أن يزيد قد كاتب ابن زياد وحثّه على قتل الحسينعليه‌السلام (3) .

12 - وتمثّل وهو ينكت ثنايا الإمام الحسينعليه‌السلام بقضيب، بهذه الأبيات

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا

جزعَ الخزرجِ من وقع الأسلْ

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثمّ قالوا لي هنيئاً لا تشلْ

حين حكّت بفناءٍ بركها

واستحرّ القتلُ في عبد الأسلْ

قد قتلنا الضعفَ من أشرافكمْ

وعدلنا ميلَ بدرٍ فاعتدلْ

لعبت هاشمُ بالملك فلا

خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ

____________________

(1) روح المعاني 26 / 72، وتذكرة الخواص / 261، 262، ومنهاج السنة 4 / 549 فما بعدها.

(2) روح المعاني 26 / 73.

(3) تذكرة الخواص / 63، وراجع الصواعق المحرقة 2 / 631.


وفي نص آخر:

فجزيناهم ببدرٍ مثلَها

وأقمنا ميلَ بدرٍ فاعتدلْ

لستُ من عتبةَ إن لم أنتقم

من بني أحمدَ ما كان فعل(1)

وفي هذه الأبيات اعتراف صريح بأنه هو فاعل ذلك.

13 - ويذكرون أيضاً أن يزيد (لعنه الله) قد عهد إلى عمرو بن سعيد الأشدق أن يناجز الإمام الحرب، وإن عجز عن ذلك اغتاله. وقدم الأشدق في جند كثيف إلى مكّة، فلمّا علم الإمام خرج منها(2) .

مواجهة يزيد (لعنه الله) بجريمته

وهناك نصوص كثيرة تجد فيها مواجهة يزيد (لعنه الله) بأنه هو قاتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، من دون أن ينكر هو ذلك أو أن ينحي باللائمة على غيره. فمن ذلك:

1 - ما كتب به ابن عباس إلى يزيد (لعنه الله) في رسالة جاء فيها:

«وسألتني أن أحثّ الناس عليك، واُخذّلهم عن ابن الزبير، فلا ولا

____________________

(1) راجع البداية والنهاية 8 / 187 ط دار إحياء التراث، ومناقب آل أبي طالب 4 / 114 ط مكتبة مصطفوي - قم - إيران، والفتوح - المجلد الثالث 5 / 129، والمنتظم 5 / 343، وتذكرة الخواص / 261، 262، وآثار الجاحظ / 130، وسؤال في يزيد / 14 فما بعدها، ومصادر ذلك لا تكاد تحصى.

(2) حياة الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام - للقرشي 3 / 46 عن مرآة الزمان / 67 نسخة مصورة في مكتبة الإمام أمير المؤمنينعليه‌السلام - النجف الأشرف - العراق.


سروراً ولا حبوراً، وأنت قتلت الحسين بن علي، بفيك الكِثكِث»(1) .

إلى أن قال:

«لا تحسبني - لا أباً لك! - نسيت قتلك حسيناً وفتيان بني عبد المطلب».

إلى أن قال أيضاً:

«وما أنس من الأشياء فلست بناسٍ إطرادك الحسين بن علي من حرم رسول الله إلى حرم الله، ودسّك إليه الرجال تغتاله».

إلى أن قال:

«قد سقت إليه الرجال فيها ليقاتل».

إلى أن قال:

«ثمّ إنك الكاتب إلى ابن مرجانة أن يستقبل حسيناً بالرجال، وأمرته بمعالجته وترك مطاولته، والإلحاح عليه حتّى يقتله ومن معه من بني عبد الملطب».

إلى أن قال:

«فلا شيء عندي أعجب من طلبك ودّي ونصري وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي ...» إلخ.

إلى أن قال أيضاً:

«ولا يستقرّ بك الجدل، ولا علم(2) يمهلك الله بعد قتلك عترة

____________________

(1) الكِثِكث (بكسر الكاف المكررة): التراب أو فتات الحجارة.

(2) لعل الصحيح «ولا أعلم».


رسول الله إلاّ قليلاً»(1) .

2 - إنّ ولده معاوية بن يزيد قد أكّد في خطبة توليه الخلافة بعهد من أبيه يزيد (لعنه الله)، أكَّد على أن أباه هو القاتل، فقد جاء في تلك الخطبة:

«... إنّ من أعظم الاُمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وبئيس منقلبه، وقد قتل عترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأباح الحرم، وخرّب الكعبة ...» إلخ(2) .

3 - وقال يزيد (لعنه الله) للإمام السجادعليه‌السلام حينما اُدخل عليه: أنت ابن الذي قتله الله؟

فقالعليه‌السلام : «أنا علي، ابنُ مَن قتلته أنت».

ثم قرأ:( وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا (3) ) (4) .

4 - وقالت له [زينب بنت عليعليهما‌السلام ]: يا يزيد، حسبك من دمائنا(5) .

5 - وروى ابن أعثم أنّ الإمام السجادعليه‌السلام قال ليزيد (لعنه الله): «إنّك لو تدري ما صنعت، وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي،

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 248، 249، وراجع الكامل في التاريخ 4 / 128.

(2) الصواعق المحرقة 2 / 641.

(3) الآية 93 من سورة النساء.

(4) تذكرة الخواص / 63 عن الغزالي.

(5) مقاتل الطالبيِّين / 120.


وأخي وعمومتي، إذاً لهربت في الجبال، وفرشت الرماد، ودعوت بالويل والثبور. أن يكون رأس الحسين بن فاطمة وعليرضي‌الله‌عنهما منصوباً على باب المدينة وهو وديعة الله فيكم!»(1) .

6 - وقالعليه‌السلام مخاطباً يزيد (لعنه الله) في خطبته الشهيرة بدمشق: «محمّد هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنه جدّك فقد كذبت وكفرت، وإن زعمت أنه جدّي فلِمَ قتلت عترته؟»(2) .

7 - وقالت له السيدة زينبعليها‌السلام في خطبتها المعروفة: «... وقد نكأت القرحة، واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرّيّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ...»(3) .

ب: رضا يزيد (لعنه الله) بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام

وحول رضا يزيد (لعنه الله) بقتل الإمام الحسين عليه‌السلام نقول: إنّ من المستحسن أن نشير أولاً إلى موقف علماء أهل السنة من هذا الأمر، ثمّ نتكلم حول ما يرتبط برضاه (لعنه الله) بقتل سيد الشهداءعليه‌السلام ، فلاحظ ما يلي:

____________________

(1) الفتوح - لابن أعثم - المجلد الثالث 5 / 132.

(2) الفتوح - لابن أعثم - المجلد الثالث 5 / 133، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 242.

(3) الخطبة في بلاغات النساء / 21، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 64، وأعلام النساء 2 / 504، واللهوف / 79 - 80، والحدائق الوردية 1 / 129 - 131.


إدانة علماء أهل السنة ليزيد (لعنه الله)

لقد ردَّ هذا الأمر علماء أهل السنة أنفسهم فضلاً عن غيرهم، وكلماتهم كثيرة حول هذا الأمر:

فالجاحظ مثلاً قد قال عن لعن يزيد (لعنه الله) بعد أن ذكر قتله الإمام الحسينعليه‌السلام وغير ذلك: «فالفاسق ملعون، ومن نهى عن شتم الملعون فملعون»(1) .

ويقول: «على أنهم مجمعون على أنه ملعون من قتل مؤمناً متعمداً أو متأوّلاً، فإذا كان القاتل سلطاناً جائراً، أو أميراً عاصياً، لم يستحلوا سبّه ولا خلعه، ولا نفيه ولا عيبه ...» إلخ(2) .

ويقول: «على أنه ليس مَن استحقّ اسم الكفر بالقتل كمن استحقّه بردّ السنة وهدم الكعبة»(3) .

وراجع ما قاله البرهان الحلبي، وعلي بن محمّد الكياهراسي، والذهبي، والشيخ محمّد عبده(4) ، وابن جرير وغيرهم.

____________________

(1) آثار الجاحظ / 129، الرسالة الحادية عشرة في بني اُميّة.

(2) آثار الجاحظ / 30.

(3) آثار الجاحظ / 129، 130.

(4) السيرة الحلبية 1 / 267، وتاريخ ابن خلكان 1 / 355 ط إيران - ترجمة الكياهراسي علي بن محمد، وعن سير أعلام النبلاء - للذهبي، وعن الروض الباسم 2 / 36، وعن تفسير المنار 1 / 367، وج2 / 183، 185، وشذرات الذهب 1 / 69.


وقد حكم أحمد بن حنبل بكفر يزيد (لعنه الله)(1) .

وضرب عمر بن عبد العزيز الذي وصف يزيد بـ «أمير المؤمنين » عشرين سوطاً(2) .

وقال السيوطي: «لعن الله قاتله، وابن زياد، ومعه يزيد»(3) .

وسُئل ابن الجوزي عن لعن يزيد (لعنه الله)، فقال: قد أجاز أحمد لعنه، ونحن نقول: لا نحبه لما فعل بابن بنت نبيّنا، وحمله آل رسول الله سبايا إلى الشام على أقتاب الجمال(4) .

وراجع كلام الآلوسي حول ما فعله يزيد (لعنه الله) بعترة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإنه كلام جيد، وقد نقل عن البرزنجي في الإشاعة، وأبي يعلى، وابن الجوزي، والتفتازاني، والسيوطي جواز لعن يزيد (لعنه الله)، فراجع(5) .

____________________

(1) الإتحاف بحب الأشراف / 68، 63، وراجع البداية والنهاية 8 / 245 ط دار إحياء التراث العربي.

(2) الصواعق المحرقة 2 / 633، 634، 642، وسير أعلام النبلاء 4 / 40، وتاريخ الخلفاء / 194 ط دار الفكر سنة 1394 هجري.

(3) تاريخ الخلفاء / 207.

(4) مرآة الزمان 8 / 496 - حوادث سنة 597، وراجع الصواعق المحرقة 2 / 634، 635، وراجع منهاج السنة 4 / 565 - 573.

(5) روح المعاني 26 / 72، 73، وراجع المنتظم - لابن الجوزي 5 / 342، 345، والصواعق المحرقة 2 / 580، 634، 635.


وقال الذهبي: «كان ناصبياً غليظاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر، فتح دولته بقتل الحسين، وختمها بوقعة الحرة»(1) .

ويقول ابن خلدون عن قتل يزيد للإمام الحسين عليه‌السلام : «إنّ قتله من فعلاته المؤكدة لفسقه، والحسين فيها شهيد»(2) .

فهذا غيض من فيض، والحر تكفيه الإشارة.

سيرته (لعنه الله) تشهد عليه:

أمّا فيما يرتبط برضا يزيد (لعنه الله) بقتله عليه‌السلام ،وسروره بذلك، فنقول:

قد صرّح يزيد (لعنه الله) نفسه برضاه، وبسروره بهذا الأمر، فقد قال للنعمان بن بشير: «الحمد لله الذي قتل الحسين»(3) .

كما أن أفعاله (لعنه الله) تدل على هذا الرضا والسرور فقد قال السيوطي، وابن جرير: لمّا قُتل الحسينُ سُرَّ يزيد بمقتله، وحسنت حال ابن زياد عنده، وزاده ووصله، وسرّه ما فعل، ثمّ بعد ذلك ندم، فمقته المسلمون وأبغضه الناس(4) .

____________________

(1) شذرات الذهب 1 / 69.

(2) مقدمة ابن خلدون / 181 عند ذكره ولاية العهد.

(3) راجع مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 59.

(4) راجع الكامل في التاريخ 4 / 87 ط دار صادر، وتاريخ الخلفاء / 195 ط دار الفكر، وراجع سير أعلام النبلاء 3 / 317.


وقال الجاحظ ما ملخّصه: «المنكرات التي اقترفها يزيد، من قتل الحسين، وحمله بنات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبايا، وقرعه ثنايا الحسين بالعود، وإخافته أهل المدينة، وهدم الكعبة، تدل على القسوة والغلظة، والنصب وسوء الرأي، والحقد والبغضاء، والنفاق والخروج عن الإيمان ...» إلخ(1) .

وقال التفتازاني: «الحق إن رضا يزيد بقتل الحسين، واستبشاره بذلك، وإهانته أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ممّا تواتر معناه، وإن كان تفاصيله أحاداً، فنحن لا نتوقف في شأنه، بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه»(2) .

وقال سبط [ابن] الجوزي: إنّ الغزالي قال: وادّعوا أن قتله كان غلطاً.

قال: وكيف يكون هذا وحال الحسين لا يحتمل الغلط، لمّا جرى من قتاله، ومكاتبة يزيد إلى ابن زياد بسببه، وحثّه على قتله، ومنعه من الماء، وقتله عطشاً، وحمل رأسه وأهله سبايا عرايا على أقتاب الجمال إليه، وقرع ثناه بالقضيب ...؟!» إلخ(3) .

وقال ابن الجوزي عن بيعة يزيد (لعنه الله): «ظهرت منه اُمور كلّ منها يوجب فسخ ذلك العقد، من نهب المدينة، ورمي الكعبة بالمنجنيق،

____________________

(1) آثار الجاحظ / 128، 129.

(2) راجع شذرات الذهب 1 / 68، 69، وشرح العقائد النسفية - للتفتازاني / 188.

(3) تذكرة الخواص / 63، وراجع الصواعق المحرقة 2 / 631.


وقتل الحسين وأهل بيته، وضربه على ثناياه بالقضيب، وحمل رأسه على خشبة»(1) .

وقال يزيد (لعنه الله) للإمام السجاد عليه‌السلام : «كيف رأيت صنع الله بأبيك يا علي بن الحسين؟ ...

وشاور مَن كان حاضراً في أمره، فأشاروا عليه بقتله ...»(2) فسكت.

وقد واجهت السيدة زينبعليها‌السلام يزيد (لعنه الله) بالتقريع من أجل ذلك(3) .

وقال للإمام السجاد عليه‌السلام أيضاً: ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ) (4) .

وقال يزيد (لعنه الله) للإمام السجادعليه‌السلام أيضاً: أراد أبوك وجدك أن يكونا أميرين، فالحمد لله الذي أذلّهما وسفك دماءهما(5) .

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للمقرّم / 11 عن الفروع 3 / 548 - باب قتل أهل البغي، ط المنار سنة 1345.

(2) إثبات الوصية / 143، وراجع الفتوح - لابن أعثم - المجلد الثالث 5 / 130.

(3) بلاغات النساء - لأحمد بن أبي طاهر / 21، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 62، وأخبار الزينبات - للعبيدلي / 86، واللهوف / 79 ط سنة 1369 هـ.

(4) راجع الكامل في التاريخ 4 / 87، وتاريخ الطبري 4 / 352، 355، وتفسير القمي 2 / 352 في تفسير الآية في سورة الشورى، وتذكرة الخواص / 262، ومقاتل الطالبيِّين / 120، والإرشاد - للمفيد 2 / 120، وسير أعلام النبلاء 3 / 320.

(5) الفتوح - لابن أعثم - المجلد الثالث 5 / 131.


ودعا يزيد (لعنه الله) برأس الإمام الحسينعليه‌السلام ، وجعل يضرب أو ينكت (والنكت: هو الضرب) ثغر الإمام الحسينعليه‌السلام بقضيب في يده(1) ، وجعل يقول: قد لقيت بغيك يا حسين(2) .

جوائز يزيد (لعنه الله) لابن زياد

ولمّا قتل ابنُ زياد الإمامَ الحسينعليه‌السلام أوصله يزيد (لعنه الله) بألف ألف درهم جائزة(3) .

وقال لسلم بن زياد، أخي عبيد الله بن زياد، حينما قدم عليه بعد قتل الإمام الحسينعليه‌السلام : لقد وجبت محبّتكم يا بني زياد على آل سفيان(4) .

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للمقرّم / 454 عن الإتحاف بحبِّ الأشراف / 23، والكامل في التاريخ 4 / 85 ط دار صادر، وتذكرة الخواص / 148، والصواعق المحرقة 2 / 580. ونقل أيضاً عن الفروع - لابن مفلح 3 / 549، وعن شرح مقامات الحريري - للشربشي 1 / 93.

وراجع مجمع الزوائد 9 / 195، والفصول المهمة - لابن الصباغ / 205، والخطط للمقريزي 2 / 289، والبداية والنهاية 6 / 260 ط دار إحياء التراث.

وراجع مناقب ابن شهر آشوب 3 / 261 المطبعة الحيدريّة، وسير أعلام النبلاء 3 / 319، 320، 309.

(2) الكواكب الدرية - للمناوي 1 / 56.

(3) الفتوح - لابن أعثم - المجلد الثالث 5 / 135.

(4) الفتوح - لابن أعثم - المجلد الثالث 5 / 36، وينابيع المودة 3 / 31 ط دار الاُسوة، والصراط السوي في مناقب آل النبي / 85.


وكتب يزيد (لعنه الله) بعد مقتل الإمام الحسينعليه‌السلام إلى ابن زياد: أمّا بعد، فإنك قد ارتفعت إلى غاية أنت فيها كما قال الأوّل:

رفعتَ فجاوزت السحابَ وفوقَه

فما لك إلاّ مرتقى الشمس مقعدا

أفد عليَّ لأجازيك على ما فعلت

ولما جاء استقبله يزيد (لعنه الله)، وقبّل ما بين عينيه، وأجلسه على سرير ملكه، وأدخله على نسائه.

وقال للمغني: غنِّ.

وللساقي: اسق.

ثمّ قال:

اسقني شربةً اُروّي فؤادي

ثمَّ صلْ فاسق مثلها ابنَ زيادِ

موضعَ السر والأمانة عندي

وعلى ثغر مغنمي وجهادي

زاد ابن الجوزي:

قاتلَ الخارجي أعني حسيناً

ومبيدَ الأعداءِ والحسّادِ

وأوصله ألف ألف درهم، ومثلها لعمر بن سعد، وأطلق له خراج العراق سنة(1) .

كما أنه حين وافاه النبأ بمقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، وكان في

____________________

(1) راجع شرح الأخبار 3 / 253 ط جماعة المدرسين - قم - إيران، ومرآة الزمان في تواريخ الأعيان / 106، وتذكرة الخواص / 290، وراجع مروج الذهب 3 / 67.


بستانه الخضرا، كبّر تكبيرة عظيمة(1) .

وحين وصل السبايا إلى الشام «جمع يزيد مَن كان بحضرته من أهل الشام، ثمّ دخلوا عليه، فهنّوه بالفتح»(2) .

وتقدّم أنه حين وضع رأس الإمام الحسينعليه‌السلام جعل ينكت ثناياه بالقضيب، وهو يقول:

أبى قومُنا أن ينصفونا فأنصفتْ

قواضبُ في أيماننا تقطر الدما

نفلّق هاماً من رجالٍ أعزّةٍ

علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما

ثم صلب الرأس الشريف على باب القصر ثلاثة أيام(3) .

وفي نص آخر: نصبه بدمشق ثلاثة أيام، ثمّ وضع في خزائن السلاح(4) .

وفي نص آخر: أنه نصبه على باب مسجد دمشق(5) .

وفي نص آخر: نصبه في جامع دمشق في المكان الذي نُصب فيه

____________________

(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 222.

(2) البداية والنهاية 8 / 197 ط سنة 1966م، وراجع سير أعلام النبلاء 3 / 309.

(3) راجع الخطط - للمقريزي 2 / 289، والإتحاف بحبِّ الأشراف / 23، ومقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 75، وسير أعلام النبلاء 3 / 319.

(4) البداية والنهاية 8 / 222 دار إحياء التراث، وسير أعلام النبلاء 3 / 319.

(5) الأمالي للصدوق / 147 ط سنة 1389 هـ - النجف الأشرف.


رأس النبي يحيى بن زكرياعليهما‌السلام (1) .

ثمّ حبس السبايا في محبس لا يكنّهم من حر ولا برد(2) ..

ولعلّه نصبه في أكثر من موضع في الأيام المختلفة.

لو صحت مزاعمهم

وبعد، فلو صح ما يزعمونه من أن يزيد (لعنه الله) لم يأمر ابن زياد بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فقد كان من المفترض أن يقتص منه، أو على الأقل أن يحاسب ويعاقب ابن زياد، وعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وغيرهم (لعنهم الله) ممّن شارك في قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ريحانة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيد شباب أهل الجنة.

وكان عليه أيضاً أن يعاقب عمرو بن سعيد الأشدق الذي أمر صاحب شرطته على المدينة عمرو بن الزبير بن العوام بهدم دور بني هاشم في المدينة، ففعل، وبلغ منهم كل مبلغ، وهدم دار ابن مطيع(3) .

وكان عليه أن يستغني - على الأقل - عن خدمات ابن زياد والأشدق وغيرهما ..

وكان عليه أن لا يرضى من سفيانيّة أهل دمشق بأن يستقبلوا السبايا

____________________

(1) صبح الأعشى 4 / 97 ط المؤسسة المصرية العامة، ونقل عن تذهيب التهذيب 1 / 157.

(2) الأمالي للصدوق / 148.

(3) راجع الأغاني 4 / 156 ط.


بالدفوف، وبالفرح والسرور(1) .

وبعد كل ما تقدم:

فما معنى محاولة هؤلاء تبرئة يزيد (لعنه الله) ممّا اقترفته يداه، وادعاء أنه لم يأمر بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، ولا رضي به، بل حاول أن يمنع من عودة القتال بين أهل الشام وأهل العراق؟!

أنصار السفياني:

وبعد أن اتضح: أن هذا المنشور قد اعتمد في عرضه لما جرى للإمام الحسينعليه‌السلام الرواية السفيانيّة اليزيديّة الشاذة التي أجمعت الدلائل والشواهد، والنصوص التاريخية على خلافها.

نقول:

ما كنا نظن أننا نعيش إلى اليوم الذي نحتاج فيه إلى إثبات أنّ يزيد (لعنه الله) هو الذي قتل الإمام الحسينعليه‌السلام ، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم!

وإن أخشى ما نخشاه هو أن يكون هذا النوع من الطروحات التي تسعى لتبرئة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (لعنه الله) الذي ارتكب أعظم الجرائم وأفظعها في حق الدين - أن تكون من إرهاصات عودة السفيانيّة، وأن يكون هؤلاء المروِّجون لها من الموطّئين لظهور السفياني في آخر الزمان ..

____________________

(1) أمالي الصدوق / 100.


ولعلّ ما يؤكّد هذا المعنى: أنّ المنشور يسعى للنيل من شخص الإمام الحسينعليه‌السلام ، سيد شباب أهل الجنة، والإمام المنصوص على إمامته من قِبل الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله نفسه، بقوله: «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»، وتصويره على أنه كان طالباً للدنيا كما أشارت إليه الرواية المكذوبة عن ابن عمر.

وذلك توطئة للطعن في أصل الإمامة الذي لم يزل يؤرِّق هؤلاء الناس، ويمثّل الشوكة الجارحة في قلوبهم، والقذ المؤلم في عيونهم، والشجا المعترض في حلوقهم.

ابن تيمية المتجرِّئ على حرمات الله:

وأمّا كلام ابن تيمية الذي ورد في المنشور، فهو ظاهر في أنه يدافع عن يزيد (لعنه الله)، ويتهم الإمام الحسينعليه‌السلام بأنه لا عقل أو لا دين له، والعياذ بالله، وذلك حين زعم أنه أقدم على أمر ليس فيه مصلحة دين ولا مصلحة دنيا!

فهل أصبح ابن تيمية المجسِّم، المتحامل على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيتهعليهم‌السلام أعرف بالتكليف الشرعي من سيد شباب أهل الجنة؟!

ثمّ إننا لا ندري كيف يكون الإمام الحسينعليه‌السلام سيداً لشبابها، وليس على وجه الأرض أحد يساميه أو يساويه على حد تعبير ابن كثير الحنبلي(1) ما دام أنه لا يعرف مصلحة الدين ولا

____________________

(1) البداية والنهاية 8 / 162 ط دار إحياء التراث العربي سنة 1413.


مصلحة الدنيا، ويقدم على أمر «ما كان سليماً » على حدِّ تعبير ابن تيمية، وقد أوجب الفساد على حدِّ تعبير هذا المتعصب البعيد عن الأدب مع أهل بيت النبوة؟!

أليس في ذلك تعذير ليزيد (لعنه الله)، ولابن زياد، وللشمر بن ذي الجوشن، ولعمر بن سعد، ولحرملة، و و ..؟!

وانتهاك لحرمة ومقام الإمام الحسينعليه‌السلام ، وتسفيه لرأيه، وتصويب أعدائه، أو على الأقل تهوين لجريمتهم؟!

ثمَّ هو اعتراض على الله وعلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين أعطيا الأوسمة للإمام الحسينعليه‌السلام دون يزيد القرود والفهود، والخمور والفجور!

النصب وإيحاءاته

ويلاحظ أنه قد ورد التعبير في المنشور أنّ الحر قال عن السيدة فاطمة الزهراءعليها‌السلام : إنها «سيدة نساء العرب »، مع أن الرواية تصرح بأنها:

سيدة نساء هذه الاُمّة ..

وسيدة نساء العالمين.

وسيدة نساء أهل الجنّة(1) !

____________________

(1) راجع أسرار الأسماء لفاطمة الزهراءعليها‌السلام / 69 - 83 فإنه قد ذكر طائفة كبيرة من النصوص عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن مصادر كثيرة جدّاً من السنة والشيعة على حدٍّ سواء.



الفصل الثاني:

اللطم

على الإمام الحسينعليه‌السلام



قتل الإمام الحسين وقتل الأنبياءعليهم‌السلام

ثم ذكر المنشور الذي يبدو أنه مأخوذ ممّا جاء في البداية والنهاية لابن كثير أنّ الأنبياء قُتلوا، وكذلك قُتل علي، وعمر، وعثمان، وهؤلاء كلّهم أفضل من الحسين، ولذلك لا يجوز إذا جاء ذكرى الحسين اللطم إلخ.

ثمّ استشهد بحديث: ليس منّا من لطم الخدود وشق الجيوب.

ونقول:

إنّ هذا الكلام كله أيضاً غير دقيق ولا صحيح، ونلخّص ما نرمي إليه ضمن النقاط التالية:

فظاعة جريمة يزيد (لعنه الله)

بالنسبة إلى قولهم: «إن مقتل الحسين ليس هو بأعظم من قتل الأنبياء».

نقول:

إنه غير صحيح، فإنّ قتل الإمام الحسينعليه‌السلام بهذه الصورة التي تم فيها قد كان هو الأفظع والأبشع، والأعظم خطراً، وذلك لأنه كان يهدف إلى اغتيال جهود جميع الأنبياء كلهم، وذلك بالقضاء على دين


الإسلام الذي جاء به خاتم الرسلصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي هو الدين الأتم والأكمل، ونبيّه هو الأشرف والأفضل من كلِّ ما ومَن خلق الله، والذي هو ثمرة جهود وتضحيات جميع الأنبياء والأوصياء والصالحين، من النبي آدمعليه‌السلام إلى النبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أوصياء نبينا أفضل:

وأمّا بالنسبة لتفضيل الأنبياء على الإمام الحسين عليه‌السلام ، فإننا نقول:

إنّ أوصياء نبينا الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل وأشرف من سائر الأوصياء، بل هم أفضل من كلِّ من عدا نبيناصلى‌الله‌عليه‌وآله كما تدلّ عليه النصوص الكثيرة التي أثبتت أن آدم، ونوحاً، وإبراهيم، ويونس، وغيرهم من الأنبياءعليهم‌السلام قد توسّلوا إلى الله بهم، وطلبوا الفرج والغوث من الله بواسطتهم.

وإذا كان الأمر كذلك فلا تصل النوبة إلى الحديث عن كونهم أفضل من عمر بن الخطاب، ومن عثمان بن عفان، فكيف إذا كان هؤلاء قد اعتدوا على بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً بالضرب، وأسقطوا جنينها حتّى ماتت واجدة على أبي بكر وعمر كما صرح به البخاري وغيره!

وكيف إذا كان الصحابة والتابعون قد نقموا على عثمان حتّى قُتل بحضرتهم، وبمشاركة منهم.

فهل يصح بعد هذا المقايسة بين هؤلاء وبين الإمام الحسينعليه‌السلام


فضلاً عن السعي لتفضيلهم عليه؟!

اللطم على الإمام الحسينعليه‌السلام مطلوب لله تعالى:

أمّا ما ادعاه المنشور من أنه لا يجوز إذا جاءت ذكرى الإمام الحسينعليه‌السلام اللطم وما شابه، فهو غير صحيح أيضاً، بل هو مستحب ومطلوب ومحبوب لله تعالى، خصوصاً إذا كان فيه إدانة للباطل وتأييد للحق، وتربية للنفوس على مقت الظلم ورفضه، والبراءة من الظالمين والمفسدين.

ونحن نكتفي في هذا السياق بالتذكير بما يلي:

أيهما أعظم

هل لطم الصدور والخدود أعظم؟

أم البكاء حتّى العمى الحقيقي أعظم؟

فإن القرآن قد صرح بأنّ النبي يعقوبعليه‌السلام قد بكى على ولده النبي يوسفعليه‌السلام - الذي كان حياً - حتّى ابيضّت عيناه من الحزن، بل هو قد كاد أن يهلك من ذلك، قال تعالى:( وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُواْ تَالله تَفْتؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ ) (1) .

حديث لطم الخدود، لا يدلّ:

بالنسبة لحديث: «ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهليّة»،نقول:

____________________

(1) سورة يوسف / 84 - 85.


إنه لا بدّ أن يكون ناظراً إلى من يفعل ذلك استعظاماً واعتراضاً على قضاء الله لمجرد موت عزيز له.

وقد ألمح العسقلاني، والقاري، والكرماني، والقسطلاني، والمناوي إلى ذلك، فقد ذكروا أن:

السبب فيه أي في هذا النهي - ما تضمنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء(1) أو نحو ذلك ..

والدليل على ذلك:

أولاً: إنهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: ليس منّا مَن لطم الخدود إلخ، مع أن الذي يلطم صدره وخده في المصاب، أو يشقّ جيبه لا يخرج من الدين، فلا يصح أن يقال: ليس منا.

أمّا إذا فعل ذلك اعتراضاً على الله سبحانه، كما ربما يصدر من بعض ضعفاء الإيمان، فإنه لا يكون من أهل الإيمان حقيقة، لأنّ المؤمن لا يعترض على ربه، وينطبق عليه مضمون هذا الحديث بصورة حقيقية.

ثانياً: إنّ ممّا يدل على ذلك أيضاً ذيل الحديث، أعني قوله: ودعا بدعوى الجاهليّة فإن من يدعو بدعوى الجاهليّة، ويعود إلى التزام رسومها، ويترك ما يدعوه إليه الإسلام لا يكون من أهل الإيمان والإسلام.

____________________

(1) فتح الباري 3 / 195 ط دار الريان للتراث، وشرح الكرماني على البخاري 7 / 88، وإرشاد الساري 2 / 406، وعمدة القاري 8 / 87.


وبذلك يظهر: أنه لا مجال للتأويلات الباردة التي يحاولون المصير إليها، والسعي إلى حمل قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ليس منا على المجاز، فراجع(1) .

1 - وقد قال الكرماني: إلاّ أن يفسر دعوى الجاهليّة بما يوجب الكفر، نحو تحليل الحرام، أو عدم التسليم لقضاء الله، فحينئذ يكون النفي حقيقة(2) .

وقال المناوي: وهو يدل على عدم الرضا، وسببه ما تضمّنه من عدم الرضا بالقضاء(3) .

فهذا الحديث ليس ناظر إلى ما هو من قبيل اللطم في عاشوراء الذي هو لأجل إعزاز الدين، وإظهار الحب لأهل بيت النبوةعليهم‌السلام ، وإحياء شعائر الله تعالى.

2 - وقد روى الخوارزمي أن دعبلاً أنشد الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام قصيدته التائية، ومنها قوله:

أفاطمُ لو خلتِ الحسينَ مجدّلا

وقد مات عطشاناً بشطِّ فراتِ

إذاً للطمت الخدَّ فاطمُ عنده

وأجريت دمع العين في الوجناتِ

فلم يعترض عليه الإمامعليه‌السلام ، ولو بأن يقول له: إن أمنا

____________________

(1) فتح الباري 3 / 195.

(2) شرح الكرماني على البخاري 7 / 88، وعمدة القاري 8 / 87.

(3) فيض القدير شرح الجامع الصغير 5 / 493.


فاطمةعليها‌السلام لا تفعل ذلك، لأنه حرام، بل هوعليه‌السلام قد بكى وأعطى الشاعر جائزة، وأقرّه على ما قال(1) .

والإمام الرضاعليه‌السلام لا يمكن أن يخفى عليه مثل هذا الحكم الشرعي في أمر هو محل ابتلاء الناس، ولا بدّ أن يكون الناس قد بدؤوا بممارسته منذ الأيام الأولى لوقوع الفاجعة. ويشير إلى ذلك ما ورد في النص التالي:

3 - لمّا مرّوا بالسبايا على الإمام الحسينعليه‌السلام وأصحابه صاحت النساء، ولطمن وجوههن، وصاحت زينبعليها‌السلام : يا محمّداه(2) !

ولم يعترض عليهنّ الإمام السجادعليه‌السلام ، ولم نسمع أن أحداً من الاُمّة قد خطَّأهن في ذلك.

4 - وحين ارتجز الإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء:

يا دهرُ اُفٍّ لك من خليلِ

كم لك في الإشراق والأصيلِ

سمعته السيدة زينبعليها‌السلام ، فشقّت ثوبها، ولطمت وجهها،

____________________

(1) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 131، والبحار 49 / 237، 239 - 252، والغدير للعلامة الأميني وغير ذلك.

(2) مقتل الحسينعليه‌السلام - للخوارزمي 2 / 39، والبداية والنهاية 8 / 210 ط دار إحياء التراث العربي.


وخرجت حاسرة تنادي: وا ثكلاه! وا حزناه! إلخ(1) .

5 - وممّا يدل على عدم حرمة اللطم في موت الأنبياء والأوصياء وأبناء الأنبياء، خصوصاً الذين ليس على الأرض أحد يساميهم أو يساويهم، ما رواه أحمد وغيره، وهو: عبد الله، عن أبيه، عن يعقوب، عن أبيه، عن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال:

سمعت عائشة تقول: مات رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين سحري ونحري، وفي دولتي، لم أظلم فيه أحداً، فمن سفهي وحداثة سني أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قُبض وهو في حجري، ثمّ وضعت رأسه على وسادة وقمت ألتدم مع النساء، وأضرب وجهي(2) .

قال محمّد سليم أسد عن هذا الحديث بهذا الإسناد: وهذا إسناد صحيح(3) .

ورواه أبو يعلى، عن جعفر بن مهران، عن عبد الأعلى، عن محمّد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد، عن أبيه.

____________________

(1) مقاتل الطالبيِّين / 113، وراجع تاريخ الاُمم والملوك 4 / 319 ط الاستقامة، وتاريخ اليعقوبي 2 / 244 ط صادر، والإرشاد - للمفيد 2 / 94، والكامل - لابن الأثير 4 / 59.

(2) مسند أحمد 6 / 274.

(3) مسند أبي يعلى 8 / 63 هامش.


وقال محمّد سليم أسد: إسناده حسن من أجل جعفر(1) .

وروي أيضاً عن سعيد بن المسيب مثل ذلك(2) .

ونحن إنما نستدل على هؤلاء بما عندهم، وفي كتبهم، على قاعدة: «ألزمواهم بما ألزموا به أنفسهم ».

6 - إنّ مجرد أن يضرب الإنسان نفسه لمصيبة تحلّ به ليس حراماً، فقد روى أحمد، عن روح، عن محمّد بن أبي حفصة، عن ابن شهاب، عن محمّد بن عبد الرحمان، عن أبي هريرة أنّ أعرابياً جاء يلطم وجهه، وينتف شعره، ويقول: ما أراني إلاّ قد هلكت!

فقال له رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «وما أهلكك؟».

قال: أصبت أهلي في رمضان!

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : «تستطيع أن تعتق رقبة ...» إلخ(3) .

حيث يلاحظ: أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يعترض عليه، ولم ينهه عما يفعله بنفسه.

7 - كما أنّ ابن عباس يروي لنا قضية طلاق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لنسائه، وفي حديثه: قال عمر: فدخلت على حفصة وهي قائمة تلتدم، ونساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قائمات يلتدمن.

____________________

(1) المصدر السابق متناً وهامشاً.

(2) مسند أحمد 2 / 516، ونصب الراية - للزيعلي 3 / 15 ط دار الحديث - القاهرة، عن الموطأ، وعن الدارقطني، والكتب الستة.

(3) مسند أحمد 2 / 516.


فقلت لها: أطلّقك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ...؟ إلخ(1) .

ابنُ أبي أوفى فهم خطأً:

وأمّا ما رواه أحمد، عن علي، عن عاصم، عن الهجري أن عبد الله بن أبي أوفى كان في جنازة ابنته، فسمع امرأة تلتدم.

وقال مرة: ترثي.

فقال: مه، ألم أنهكن عن هذا؟

إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ينهى عن المراثي. لتفض إحداكن من عبرتها ما شاءت(2) .

أمّا هذه الرواية فإنّ سياق الكلام يشير إلى أنّ الحديث إنما هو عن المراثي [التي كانت شائعةً] في تلك الأيام، حيث إنّ النساء كنّ ينحن بالباطل، ويذكرن في نوحهن أموراً لا حقيقة لها وينسبنها للميت، وقد ورد النهي الأكيد عن ذلك.

وهذا هو الأنسب بقول ابن أبي أوفى: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان ينهى عن المراثي. وتكون كلمة «تلتدم » خطأً، وهي من تصرفات الرواة.

وحتّى لو كانت رواية تلتدم هي الأصح، فإن النهي عن المراثي لا يستلزم النهي عن اللدم واللطم.

____________________

(1) كنز العمال 2 / 534 عن ابن مردويه.

(2) مسند أحمد 4 / 383.


ولعل ابن أبي أوفى قد فهم ذلك خطأً ..

أو أنه أراد أن يساير الجو الضاغط والسياسة المتبعة منذ منع عمر بن الخطاب وأبو بكر السيدةَ فاطمة الزهراءعليها‌السلام من البكاء على ما أصابها بمجرد وفاة أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله . حيث صارت السياسة تقضي بالمنع من البكاء على الميت مدة من الزمن كما هو مذكور في كتابنا «الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله »، وذلك حين الحديث عن شهداء غزوة أحد، وبكاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على عمّه حمزةعليه‌السلام ، فراجع.

ما ورد عن أهل البيتعليهم‌السلام هو الحجة:

وأخيراً نقول: إنّه حتّى لو لم يكن أهل السنة قد ذكروا ذلك وسواه في مصادرهم، فإنّ ما روي عن أهل البيتعليهم‌السلام من طرق شيعتهم الأبرار كافٍ في إثبات جواز، بل رجحان ما يقومون به في مناسبة ذكرى استشهاد الإمام الحسينعليه‌السلام ، من لطم وبكاء(1) ، وهو الحجة لهم.

وإنما هم يذكرون ما روي من طرق سائر الفرق، انطلاقاً من قاعدة: «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم ».

ويدل على صحة مسلك الشيعة الإماميّة في ذلك حديث الثقلين الذي اعتبر أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والقرآن الحجةَ على أهل

____________________

(1) راجع مراسم عاشوراء - لجعفر مرتضى العاملي.


الدنيا إلى يوم القيامة، وأوجب على الاُمّة التمسك بهما إلى يوم القيامة(1) .

ويدل على ذلك أيضاً حديث: «مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، مَن ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى»(2) .

ولأجل ذلك، ولأجل أنّ اُصول المناظرة تفرض ذلك، نقول: إنه ليس من حق الآخرين أن يستدلوا على الشيعة بما ليس في كتب الشيعة، بل اللازم هو أن يبحثوا معهم أولاً موضوع الإمامة، ودلالات حديث الثقلين وغيره، فإذا ظهر الحق فيها فإنّ على الجميع أن يلتزم به وبما يقتضيه.

وأمّا الاحتجاج بروايات سفيانيّة على مَن لا يؤمن بنهج آل أبي سفيان، فهو ظلم قبيح، وجبرية ظاهرة الفظاظة والغلظة، أعاذنا الله منها ومن شرورها.

لماذا المأتم للحسين دون عليعليهما‌السلام

بقي أن نشير إلى السؤال الذي ورد في المنشور، من أنه: لماذا لا يفعل الشيعة في مناسبة قتل الإمام عليعليه‌السلام ، أو يحيى بن زكريا

____________________

(1) راجع حديث الثقلين - للشيخ قوام الدين الوشنوي للاطلاع على بعض مصادر هذا الحديث الشريف.

(2) راجع المعجم الصغير للطبراني 1 / 139، وج2 / 22، والمعجم الأوسط 4 / 10، والمعجم الكبير 3 / 246، وكنز العمال 12 / 298 ط مؤسسة الرسالة، وتفسير ابن كثير 4 / 123، وينابيع المودة 1 / 94، وج2 / 327، 443.


كفعلهم في عاشوراء؟

ولماذا لا يفعل السنة مثل ذلك في مناسبة قتل عمر بن الخطاب أو عثمان؟

ونقول:

أوّلاً: إنّ الشيعة يحيون مناسبة ذكرى استشهاد الإمام عليعليه‌السلام ، ويلطمون صدورهم فيها أيضاً.

ثانياً: إنّ هناك فرقاً بين ما جرى للإمام عليعليه‌السلام وبين ما جرى للإمام الحسينعليه‌السلام في كربلاء، فإنّ الإمام علياًعليه‌السلام قتله شخص أنكرت عليه ذلك الاُمّة بأسرها، وأعلنت بالبراءة منه ومن فعله، ولم تلتزم بتبرئته، ولم ترتض نهجه، ولا خطّأت الإمام علياًعليه‌السلام ، ولا شككت فيه.

ولكن الذي قتل الإمام الحسينعليه‌السلام هو من يضع نفسه في موقع الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويسعى أتباع السفياني والسفيانيّة باسم العلم والدين ليس فقط لتبرئته من دم الإمام الحسينعليه‌السلام ، بل هم قد تعدوا ذلك إلى محاولات التلويح والتصريح بإدانة الإمام الحسينعليه‌السلام نفسه، واعتباره هو الباغي، والطالب للدنيا، والذي لا يعرف المصالح من المفاسد، و و كما تقدم.

وليتمكنوا بذلك من إسقاط الإمامة بإسقاط الإمام رغم الاعتراف بأنه ليس على وجه الأرض أحد يساويه أو يساميه.

ثالثاً: إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أقام للإمام الحسينعليه‌السلام


المآتم، وعقد له مجالس البكاء، ولم يفعل ذلك بالنسبة للإمام عليعليه‌السلام ، ولا بالنسبة للنبي يحيى بن زكرياعليهما‌السلام ، فراجع كتاب «سيرتنا وسنّتنا » للعلامة الإميني للاطلاع على جانب من النصوص والمصادر.

لماذا لا يُقام المأتم لعمر بن الخطاب وعثمان؟

وأمّا لماذا لا يقيم أهل السنة مأتماً لعمر وعثمان، فإننا نقول في جوابه:

أوّلاً: أمّا عمر بن الخطاب فإنّ قاتله رجل يزعم البعض أنه مجوسي - وإن كنّا نحن نشك في صحة هذا الإدعاء - لأنه رأى نفسه في موقع المظلوم.

والمطالَب بإقامة العزاء لعمر إنما هم أهل السنة، فلعل سبب إحجامهم عن هذا هو حتّى لا تنكشف اُمور لا يحبون كشفها.

ثانياً: أمّا عثمان فإنه قد قُتل برضاً من الصحابة، وبمشاركة منهم، فإقامة الذكرى له سوف تكشف أيضاً أموراً يحرص محبوه على التستر عليها، وعلى أن ينساها الناس.

ثالثاً: لعل أهل السنة لا يقيمون العزاء لعثمان لأنهم ملتزمون بحرمة إقامة مثل هذه الشعائر، لأنهم فهموا بعض الأحاديث خطأً كما أوضحناه، أو لأنهم ملتزمون بسياسات خلفائهم حسبما أشرنا إليه ..



الفصل الثالث:

عاشوراء

عيد أم مأتم؟!



عاشوراء عيد الشامتين بأهل البيتعليهم‌السلام

وإذا أردنا أن نسلّم بما يقال من أنّ عمل السلف حجة وإن لم يكن المعصوم داخلاً فيهم.

وإذا فرضنا صحة قولهم: إنّ عصر الصحابة والتابعين هو العصر الذي تنعقد فيه الإجماعات، وتصير حجة، وتشريعاً متّبعاً.

وإذا كان الإجماع معصوماً، ونبوّة بعد نبوّة حسبما يدّعون(1) .

وإذا كان يحلّ لمسلم أن يدّعي وجود نبوّة بعد نبوّة خاتم النبيّين، خلافاً لنص القرآن الكريم:( مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ) (2) .

وإذا كان يجوز عند هؤلاء اطّراح القرآن، وكل ما قاله النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لمجرد أنه انعقد الإجماع بعد عصر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على

____________________

(1) راجع المنتظم - لابن الجوزي 9 / 210، والإلمام 6 / 123، والأحكام في اُصول الأحكام 1 / 204، 205.

(2) الآية 40 من سورة الأحزاب.


خلافهما، مع التصريح بأن الأمة معصومة(1) .

إذا جاز كل ذلك جاز أن يقال لهؤلاء: لقد سُبَّ أمير المؤمنينعليه‌السلام على اُلوف المنابر في جميع أقطار العالم الإسلامي من قبل وعّاظ السلاطين طيلة عشرات السنين، وشارك في ذلك العديد بل العشرات من الصحابة ..

فهل يجوِّز هؤلاء العودة إلى سبه، وهل يعتبرون ذلك شريعة مرضية لله ولرسوله؟!

كما أن بني اُميّة وكلّ أتباعهم، ومَن كان تحت سيطرتهم، وكذلك بنو أيّوب، ولمدة عشرات السنين قد اتخذوا يوم عاشوراء عيداً، وأوّل من فعل ذلك الحجاج برضا وبمرأى ومسمع من الخليفة عبد الملك بن مروان، وبمرأى ومسمع من بقايا الصحابة وجميع التابعين.

ولم نجد اعتراضاً من أحدٍ منهم، ولا من أيٍّ من علماء الاُمّة وصلحائها - باستثناء أهل البيتعليهم‌السلام الذين كانوا يعملون بمبدأ التقية آنئذٍ - لا في تلك الفترة في عهد الاُمويّين، ولا في زمان بني أيوب وبعده.

____________________

(1) راجع تهذيب الأسماء 1 / 42، وراجع الإلمام 6 / 123، والباعث الحثيث / 35، وشرح النووي على صحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 1 / 28، ونهاية السول 3 / 325، وسلم الوصول 3 / 326، وعلوم الحديث - لابن الصلاح / 24، وإرشاد الفحول / 82، 80، والإحكام في اُصول الأحكام - للآمدي 4 / 188، 189.


ثمّ إنّهم يؤكّدون لزوم السرور في هذا اليوم بما يروونه من حوادث عظيمة اتّفق وقوعها فيه، من قبيل: توبة الله فيه على آدم، واستواء السفينة على الجودي، وإنجاء النبي إبراهيمعليه‌السلام من النار، وفداء الذبيح بالكبش ونحو ذلك(1) .

ويا ليتهم اكتفوا بذلك، بل لقد تعدّو ذلك إلى الإفتاء بحرمة لعن يزيد (لعنه الله)، وعدم جواز تكفيره، وقالوا: إنّه من جملة المؤمنين(2) .

بل لقد قال ابن الصلاح: «وأمّا سب يزيد ولعنه فليس ذلك من شأن المؤمنين وإن صحّ أنه قتله أو أمر بقتله»(3) ، زاعمين أنه يجوز لعن قتلة الأنبياء ومَن عُلم موته على الكفر.

وتقدّمت بعض محاولاتهم في الدفاع عنه.

كما أن الجمهور قد خالفوا في جواز لعنه بالتعيين(4) .

____________________

(1) راجع على سبيل المثال عجائب المخلوقات، بهامش حياة الحيوان 1 / 114، والصواعق المحرقة 2 / 535.

(2) الصواعق المحرقة 2 / 639، وإحياء علوم الدين 3 / 125، وقيد الشريد / 61 عن مال الدين الأردبيلي، وراجع / 63، 70، 80، وراجع العواصم من القواصم / 232، 233، وهوامشه لترى دفاعهم المستميت عن يزيد (لعنه الله) تعالى. وراجع البداية والنهاية 8، وذكر في كتاب (يزيد بن معاوية الخليفة المُفترى عليه) طائفة من هؤلاء، فراجع / 124 وغير ذلك.

(3) الصواعق المحرقة 2 / 639، وقيد الشريد / 59.

(4) الإتحاف بحب الأشراف / 62، والصواعق المحرقة 2 / 638.


وقال عبد الغني سرور المقدسي: إنّما يمنع من التعرّض للوقوع فيه خوفاً من التسلق إلى أبيه، وشكَّاً لباب الفتنة(1) ! بل قال الشبراوي الشافعي، عن الغزالي وابن العربي: فإنّ كلاهما قد بالغ في تحريم سبّه ولعنه، لكن كلاهما مردود(2) .

تحريم رواية المقتل

ثمّ زادوا في الطنبور نغمة، فقالوا: «يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسين وحكاياته».

قال ذلك الغزالي وغيره(3) .

وليس ذلك ببعيد على من لا يرى بأساً بالسكوت حتّى عن لعن إبليس كما عن ابن أبي شريف، بل قال الرملي: «ينبغي لنا أن لا نلعنه»(4) !

وقال الغزالي: «بل ولو لم يلعن إبليس طول عمره، مع جواز اللعن عليه، لا يُقال له يوم القيامة: لمَ لا تلعن إبليس؟»!

وقال: «وأما الترحم عليه (أي على يزيد) فجائز، بل مستحب، وهو داخل في قولنا: اللهمَّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنه كان مؤمناً»(5) !

____________________

(1) قيد الشريد / 70.

(2) الإتحاف بحب الأشراف / 68.

(3) الصواعق المحرقة 2 / 640، وأغاليط المؤرّخين / 131، وقيد الشريد / 61.

(4) الإتحاف بحب الأشراف / 67، 68، وإحياء العلوم 3 / 125، 126.

(5) إحياء العلوم 3 / 126 فما بعدها، وقيد الشريد / 57.


تحريم التحزّن والتفجّع في عاشوراء

أمّا تحريم التحزّن والتجمع في يوم عاشوراء(1) فلعله أهون تلكم الشرور بعد أن كانوا وما زالوا يهاجمون مجالس عزاء الإمام الحسينعليه‌السلام ، ويقتلون مَن يقدرون عليه من المشاركين فيها، بل ويحرقون المساجد، ويفعلون الأفاعيل في سبيل ذلك(2) .

وتلك هي تطبيقات ذلك في باكستان، وفي غيرها من البلاد ماثلة للعيان، يراها ويسمع الناس بها في كل عام.

المزيد من الشواهد

ومن أجل التأكيد على حقيقة اعتبارهم عاشوراء عيداً، التي ألمحنا إليها فيما سبق، نزيد في توضيح ذلك من خلال إيراد النصوص التالية:

قال زكريا القزويني: زعم بنو اُميّة أنهم اتخذوه عيداً، فتزيّنوا فيه، وأقاموا الضيافات.

والشيعة اتخذوه يوم عزاء، ينوحون فيه ويجتنبون الزينة.

وأهل السنّة يزعمون: أنّ الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد

____________________

(1) إقتضاء الصراط المستقيم / 299، 300، ونظم درر السمطين / 228.

(2) راجع كتاب صراع الحرية في عصر الشيخ المفيد، والمنتظم، وشذرات الذهب، والكامل - لابن الأثير، والبداية والنهاية، وهم يتحدّثون عن الفتن في بغداد بين أهل السنّة والرافضة في مطلع كل عام بمناسبة عاشوراء.


في تلك السنة(1) .

ومَن اغتسل فيه لم يمرض ذلك العام، ومَن وسّع على عياله وسّع الله عليه سائر سنته(2) .

وقال عن شهر صفر: اليوم الأول منه عيد بني اُميّة، أدخلت فيه رأس الحسين رضي الله عنه بدمشق(3) .

وقال البيروني بعد ذكر ما جرى على الإمام الحسينعليه‌السلام يوم عاشوراء:

فأمّا بنو اُميّة فقد لبسوا فيه ما تجدّد، وتزيّنوا، واكتحلوا، وعيّدوا، وأقاموا الولائم والضيافات، وأطعموا الحلاوات والطيّبات، وجرى الرسم في العامّة على ذلك أيّام ملكهم، وبقي فيهم بعد زواله عنهم.

وأمّا الشيعة فإنّهم ينوحون ويبكون، أسفا لقتل سيد الشهداء فيه(4) .

____________________

(1) عجائب المخلوقات، بهامش حياة الحيوان 1 / 115، ونظم درر السمطين / 230، والصواعق المحرقة 2 / 534، والحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 1 / 138.

(2) نظم درر السمطين / 230، والصواعق المحرقة 2 / 535، 536، وراجع المعجم الكبير 10 / 94، والكامل - لابن عدي 5 / 211، والعلل المتناهية 2 / 62، 63، والضعفاء - للعقيلي 4 / 65، ومعجم الزوائد 3 / 89 وغير ذلك كثير.

(3) نظم درر السمطين / 230.

(4) الكنى والألقاب 1 / 431، وراجع الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 1 / 137، والآثار الباقية - للبيروني / 329 ط أوربا.


ويقول المقريزي: ... فلمّا زالت الدولة اتخذ الملوك من بني أيّوب يوم عاشوراء يوم سرور، يوسّعون فيه على عيالهم، وينبسطون في المطاعم، ويتّخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام، جرياً على عادة أهل الشام التي سنّها الحجّاج في أيّام عبد الملك بن مروان، ليرغموا به آناف شيعة علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي، لأنه قُتل فيه.

وقال: وقد أدركنا بقايا ممّا عمله بنو أيّوب من اتخاذ عاشوراء يوم سرور وتبسّط(1) .

أمّا ابن حجر الهيثمي والزرندي فقد أشارا إلى هذا الأمر في معرض نهيهما عن الندب والنياحة، والحزن يوم عاشوراء الذي هو من بدع الرافضة بزعمهما، ثم أشار إلى ما يقابل ذلك، فنهيا عن العمل ببدع الناصبة «المتعصبين على أهل البيت »، أو الجهّال المقابلين الفاسد بالفاسد، والبدعة بالبدعة، والشر بالشر، من إظهار غاية الفرح، واتخاذه عيداً، وإظهار الزينة فيه، كالخضاب والاكتحال، ولبس جديد الثياب، وتوسيع النفقات، وطبخ الأطعمة والحبوب الخارجة عن العادات، واعتقادهم أنّ ذلك من السنة والمعتاد(2) .

____________________

(1) الخطط والآثار 1 / 490، والحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري 1 / 138 عنه.

(2) الصواعق المحرقة 2 / 534، ونظم درر السمطين / 228، 229، 230.


هذا .. وقد ورد في زيارة عاشوراء المروية عن الإمام الباقرعليه‌السلام قوله: «اللهمَّ إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو اُميّة، وابنُ آكلة الأكباد ...»(1) .

وحتّى ابن تيمية، وهو المتعصب المتحامل على أهل البيتعليهم‌السلام وشيعتهم، لم يستطع أن يظهر الرضا بهذا الأمر، فهو يقول: ...

«وإظهار الفرح والسرور يوم عاشوراء، وتوسيع النفقات فيه هو من البدع المحدثة، المقابلة للرافضة »(2) .

التزلّف الوقح

وأضاف ابن تيمية إلى عبارته الآنفة الذكر قوله:

... وقد وُضعت في ذلك أحاديث مكذوبة في فضائل ما يصنع فيه، من الاغتسال والاكتحال إلخ(3) .

وقال: ... وأحدث فيه بعض الناس أشياء مستندة إلى أحاديث موضوعة لا أصل لها، مثل فضل الاغتسال فيه، أو التكحّل، أو المصافحة.

وهذه الأشياء ونحوها من الاُمور المبتدعة، كلها مكروهة، وإنما المستحب صومه.

وقد روي في التوسع على العيال آثار معروفة، أعلى ما فيها حديث

____________________

(1) مصابيح الجنان / 291.

(2) إقتضاء الصراط المستقيم / 301.

(3) إقتضاء الصراط المستقيم / 301، وراجع نظم درر السمطين / 230.


إبراهيم بن محمّد بن المنتشر، عن أبيه قال: بلغنا أنه مَن وسّع على أهله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته. رواه ابن عيينة.

وهذا بلاغ منقطع لا يُعرف قائله.

والأشبه أنّ هذا وُضع لمّا ظهرت العصبية بين الناصبة والرافضة، فإنّ هؤلاء عدّوا يوم عاشوراء مأتماً، فوضع اُولئك فيه آثاراً تقتضي التوسّع فيه، واتخاذه عيداً(1) .

ونقول: قد عرفت أنّ صومه مكذوب أيضاً.

بل لقد بلغ بهم الأمر: أن رووا عن ابن عباس في تفسير آية:( مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ ) .

أنه قال: يوم الزينة يوم عاشوراء(2) .

وعن ابن عمر، عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله : مَن صام يوم الزينة أدرك ما فاته من صيام تلك السنة، ومَن تصدّق يومئذ بصدقة أدرك ما فاته من صدقة تلك السنة. يعني يوم عاشوراء(3) .

____________________

(1) إقتضاء الصراط المستقيم / 300، وللاطلاع على بعض هذه الأحاديث راجع نوادر الاُصول / 246، والسيرة الحلبية 2 / 134، واللآلئ المصنوعة 1 / 108 - 116، وتذكرة الموضوعات / 118، ونظم درر السمطين / 230.

(2) الدر المنثور 4 / 303 عن سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وراجع عجائب المخلوقات، بهامش حياة الحيوان 1 / 114.

(3) الدر المنثور 4 / 303 عن ابن المنذر.


بل تقدّم أنّ أهل السنّة يزعمون: «أنّ الاكتحال في هذا اليوم مانع من الرمد في تلك السنة» ..

أمّا ابن الحاج فذكر عن يوم عاشوراء: «أنه يستحب التوسعة فيه على الأهل والأقارب، واليتامى والمساكين، وزيادة النفقة والصدقة مندوب إليها، بحيث لا يجهل ذلك»(1) .

وبعد أن ذكر أشياء تُفعل في هذا اليوم لم تُعرف عن السلف، كذبح الدجاج، وطبخ الحبوب، وزيارة القبور، ودخول النساء الجامع العتيق بمصر وهنّ في حال الزينة الحسنة، والتحلّي، والتبرّج للرجال، وكشف بعض أبدانهنّ، ويقمن فيه من أول النهار إلى الزوال، بعد أن ذكر ذلك قال:

ومن البدع أيضاً محرهن فيه الكتان، وتسريحه، وغزله، وتبييضه في ذلك اليوم بعينه، ويشلنه ليخطن به الكفن، ويزعمن أنّ منكراً ونكيراً لا يأتيان من كفنها مخيط بذلك الغزل.

إلى أن قال:

وممّا أحدثوه فيه من البدع: البخورُ، فمن لم يشتره منهم في ذلك اليوم ويتبخّر به فكأنه ارتكب أمراً عظيماً. وكونه سنّة عندهن لا بدّ من فعلها، وادخارهن له طول السنة يتبركن به، ويتبخّرن إلى أن يأتي مثله يوم عاشوراء الثاني.

ويزعمون أنه إذا بخّر به المسجون خرج من سجنه، وأنه يبرئ من

____________________

(1) المدخل - لابن الحاج 1 / 289.


العين، والنظرة، والمصاب، والموعوك إلخ(1) .

نعم، هذه هي أقاويلهم، وتلك هي أفاعيلهم في يوم مصاب الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله بولده الإمام الحسينعليه‌السلام ، فاضحك من ذلك، أو فابكِ، فإنك حقيق بهذا أو بذاك، بل بهما معاً ..

فإلى الله المشتكى من اُمّة قتلت ابن بنت نبيها، ثمّ لم يزل يسعى هؤلاء المتحذلقون، ليس فقط إلى تبرئة قاتله، بل هم قد لا يرضيهم إلاّ أن يرفعوه إلى درجات القدّيسين، وإعطائه مقامات الأنبياء والمرسلين لو وجدوا إلى ذلك سبيلاً.

ولكن يأبى الله إلاّ أن يتم نوره، وينصر دينه، ويعزّ أولياءه، إنه قوي عزيز.

____________________

(1) المدخل 1 / 291، وراجع ص 290.



كلمة أخيرة

وبعد ..

فإننا نحسب أنّ ما ذكرناه في هذه الإطلالة كافٍ ووافٍ لإعطاء الانطباع الصحيح عن الحقِّ والحقيقة في أمر يعتبر من البديهيات التي لا تحتاج لاكتشافها والتعرف عليها إلى هذا الحشد الكثير، ولا إلى ذلك جهد كبير.

ولكن التجارب والأيام قد علّمتنا أنّ هؤلاء الناس لا يقتنعون بالمنطق وبالعلم الصحيح، ولا يريدون أن يقنعوا الناس به. ثمَّ هم يريدون أن يصدّوهم عنه، ولو بأن يتلاعبوا بعواطفهم ومشاعرهم، وأن يشحنوهم بالكراهية والضغينة على إخوانهم، وأن تكون الأحقاد التي يغذيها الكذب والتزوير هي سيدة الموقف، وهي التي تحكم الحركة والسلوك والعلاقات بين المسلمين.

إنّهم يريدون أن يزيّنوا آراءهم الباطلة وضلالاتهم للناس بترّهات خادعة، وبشعارات لامعة، وإثارات بارعة ومائعة، حتّى إذا فشلت في التضليل وفي التجهيل، كان البديل عنها لديهم هو أساليب القمع الفظة


واللإنسانيّة، وفرض رأيهم وطاعتهم، والانقياد الأعمى لهم على الناس لهم ولو بالقوة وبالقهر ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً.

فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين ...

وسلام على المرسلين ...

حُرر بتاريخ 5 شهر رمضان المبارك 1424 هجرية

جعفر مرتضى العاملي


الفهارس:

1 - الفهرس الاجمالي

2 - الفهرس التفصيلي



المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

- أ -

1 - الآثار الباقية - للبيروني - ط أوروبا.

2 - آثار الجاحظ - ط سنة 1969 م.

3 - الإتحاف بحب الأشراف - للشبراوي الشافعي - المطبعة الأدبية بمصر سنة 1316 هـ ق.

4 - إثبات الهداة - للحر العاملي - المطبعة العلمية - قم - إيران.

5 - إثبات الوصية - للمسعودي - ط النجف الأشرف العراق، وأيضاً منشورات مكتبة بصيرتي - قم - إيران.

6 - الإحتجاج للطبرسي - ط سنة 1413هـ، قم - إيران.

7 - إحقاق الحق للشهيد التستري - مطبعة الخيام - قم - إيران، وملحقاته للسيد المرعشي النجفي - ط قم - إيران.

8 - الإحكام في اُصول الأحكام - للآمدي - ط سنة 1387 هـ ق، مؤسسة الحلبي وشركاه - مصر.

9 - إحياء علوم الدين - للغزالي - ط دار المعرفة - بيروت - لبنان، وطبعات اُخرى.

10 - أخبار الزينبيات للعبيدلي - نشر مكتبة المرعشي النجفي - قم - إيران.


11 - الأخبار الطوال - لأبي حنيفة الدينوري - دار إحياء الكتب العربية - ط سنة 1960م.

12 - الأذكياء - لابن الجوزي - ط سنة 1389 هـ، النجف الأشرف - العراق.

13 - الإرشاد - للشيخ المفيد - ط سنة 1414 هـ، دار المفيد - بيروت - لبنان.

14 - إرشاد الساري بشرح صحيح البخاري - للقسطلاني - ط سنة 1304 هـ ق، دار صادر - بيروت - لبنان.

15 - إرشاد الفحول - للشوكاني - ط سنة 1399 هـ ق، دار المعرفة - بيروت - لبنان.

16 - أسد الغابة - لابن الأثير الجزري - ط سنة 1380 هـ، ثمّ نشر مؤسسة إسماعيليان - طهران - إيران، وطبعة أخرى صدرت بعد ذلك أيضاً.

17 - أسرار الأسماء لفاطمة الزهراءعليها‌السلام - لحسين مرعي - دار المجتبى - بيروت - لبنان.

18 - الإصابة - لابن حجر العسقلاني - ط سنة 1328 هـ ق - مصر، ثمّ سنة 1399 هـ ق.

19 - أعلام النساء - لعمر رضا كحالة - ط سنة 1404 هـ ق، مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان.

20 - أعيان الشيعة - للسيد محسن الأمين العاملي - ط سنة 1403 هـ ق، دار التعارف - بيروت - لبنان، والطبعة الأولى أيضاً.

21 - الأغاني - لأبي الفرج الأصبهاني - ط ساسي، وط دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان.

22 - أغاليط المؤرّخين - لمحمد أبو اليسر عابدين - ط سنة 1391 هـ، دمشق - سوري.

23 - اقتضاء الصراط المستقيم - لابن تيمية - مكتبة الرياض الحديثة.


24 - الإلمام - لابن قاسم النويري الإسكندراني - ط سنة 1388هـ، حيدر آباد - الدكن - الهند.

25 - أمالي الشيخ الصدوق - ط سنة 1389 هـ، الحيدريّة - النجف الأشرف - العراق.

26 - الإمامة والسياسة - لابن قتيبة الدينوري - ط سنة 1388 هـ ق - مصر.

- ب -

27 - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث - لأحمد محمّد شاكر - ط دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.

28 - بحار الأنوار - للعلامة المجلسي (رحمه الله) - ط سنة 1403 هـ، مؤسسة الوفاء - لبنان.

29 - البداية والنهاية - لابن كثير - ط سنة 1966م، مكتبة المعارف - بيروت - لبنان، بالإضافة إلى طبعة دار إحياء التراث العربي.

30 - بلاغات النساء - لطيفور - ط بيروت سنة 1972م، دار النهضة الحديثة، وطبعة اُخرى - مكتبة بصيرتي - قم - إيران.

- ت -

31 - تاريخ ابن خلكان (بعنوان وفيات الأعيان) - لابن خلكان - ط سنة 1398هـ ق، دار صادر - بيروت - لبنان، والطبعة القديمة سنة 1310 هـ ق.

32 - تاريخ الاُمم والملوك - لابن جرير الطبري - ط دار المعارف - مصر، وط الاستقامة - القاهرة - مصر.

33 - تاريخ الخلفاء - للسيوطي - ط دار الفكر سنة 1394 هـ ق.

34 - تاريخ الخميس - للديار بكري - ط سنة 1383 هـ - مصر.

35 - تاريخ القرآن الكريم - لمحمد طاهر الكردي.

36 - تاريخ مدينة دمشق - لابن عساكر - ط دار احياء التراث العربي -


بيروت - لبنان.

37 - تاريخ اليعقوبي - لابن واضح - ط دار صادر - بيروت، وط النجف الأشرف - العراق.

38 - تذكرة الخواص - لسبط ابن الجوزي - ط سنة 1383 هـ ق، النجف الأشرف - العراق.

39 - تذكرة الموضوعات - للفتني - نشر أمين دمج - بيروت - لبنان.

40 - التراتيب الإدراية - للكتاني - ط دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان.

41 - تراجم رجال القرنين: السادس والسابع - للمقدسي الدمشقي.

42 - ترجمة الإمام الحسنعليه‌السلام من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) - ط سنة 1400 هـ ق - بيروت - لبنان.

43 - تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - منشورات دار الفكر.

44 - تفسير القمي - لعلي بن إبراهيم بن هاشم - ط سنة 1387 هـ ق - بيروت - لبنان.

45 - التنبيه والإشراف - للمسعودي - ط سنة 1357 هـ ق، دار الصاوي بمصر.

46 - تهذيب الأسماء واللغات - للنووي - إدارة الطباعة المنيرية بمصر.

47 - تهذيب التهذيب - لابن حجر العسقلاني - ط دار صادر - بيروت - لبنان.

48 - تهذيب الكمال - للمزي - ط سنة 1408هـ ق، مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان.

- ج -

49 - جواهر المطالب في إمامة الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، لابن


الدمشقي - بتحقيق المحمودي - مجمع إحياء الثقافة الإسلاميّة.

- ح -

50 - الحدائق الوردية - أبو الحسن حسام الدين حميد بن أحمد المحلي - ط سنة 1402 هـ - صنعاء - جامع النهرين - اليمن.

51 - حديث الثقلين - للوشنوي - ط سنة 1421 هـ، مركز الأبحاث العقائدية.

52 - الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع الهجري - لآدم متز - ط سنة 1387 هـ - بيروت - لبنان.

53 - حياة الإمام الحسينعليه‌السلام - للقرشي - ط سنة 1413 هـ، دار البلاغة - بيروت - لبنان.

- خ -

54 - الخرائج والجرائح - للراوندي - المطبعة العلمية سنة 1409 هـ، وطبعة جديدة صدرت في قم - إيران.

55 - خطط الشام - لمحمد كر علي - الطبعة الثالثة - مطبعة النويري - دمشق - سوري.

56 - الخطط والآثار - للمقريزي - ط سنة 1270 هـ - مصر.

- د -

57 - الدر المنثور - للسيوطي - ط سنة 1377 هـ

58 - دلائل الصدق - للمظفر - ط سنة 1395 هـ - إيران.

- ر -

59 - روح المعاني - للآلوسي - دار إحياء التراث - بيروت - لبنان.

- س -

60 - سؤال في يزيد بن معاوية - لابن تيمية - الطبعة الثالثة - ط دار


الكتاب الجديد - بيروت - لبنان.

61 - سبل الهدى والرشاد - للصالحي الشامي - ط مصر.

62 - سلم الوصول في شرح نهاية السول - لمحمد بخيت المطيعي - مطبوع مع نهاية السول - عالم الكتب.

63 - سليم بن قيس - ط سنة 1407 هـ، مؤسسة البعثة - طهران - إيران.

64 - السنّة - لعمر بن أبي عاصم.

65 - سير أعلام النبلاء - للذهبي - ط سنة 1406 هـ، مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان.

66 - السيرة الحلبية - للحلبي الشافعي - ط سنة 1320 هـ، و 1382هـ.

- ش -

67 - شذرات الذهب - لابن العماد الحنبلي - المكتب التجاري - بيروت - لبنان.

68 - شرح الأخبار - ط جماعة المدرسين - قم - إيران.

69 - شرح العقائد النسفية - للتفتازاني.

70 - شرح الكرماني على البخاري - ط سنة 1401 هـ، وط دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان.

71 - شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد المعتزلي - ط سنة 1385هـ مصر، ودار إحياء التراث العربي.

72 - شرح النووي على صحيح مسلم، بهامش إرشاد الساري - سنة 1304 هـ.

- ص -

73 - صبح الأعشى - للقلقشندي - ط سنة 1407 هـ، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، وط المؤسسة المصرية العامة.


74 - الصراط السوي في مناقب آل النبي.

75 - الصراط المستقيم - للبياضي العاملي - ط سنة 1384 هـ، المكتبة المرتضوية - النجف الأشرف - العراق.

76 - صراع الحرية في عصر الشيخ المفيد - لجعفر مرتضى العاملي - ط المؤتمر العالمي بمناسبة الذكرى الألفية لوفاة الشيخ المفيد - سنة 1413 هـ ق، وط دار السيرة - بيروت - لبنان.

77 - صفّين - لنصر بن مزاحم المنقري - ط سنة 1382 هـ ق.

78 - الصواعق المحرقة - لابن حجر الهيثمي المكي - دار الطباعة المحمدية - القاهرة - مصر، وطبعة اُخرى سنة 1312هـ، وط دار البلاغة - مصر.

- ض -

79 - الضعفاء - للعقيلي - ط سنة 1404 هـ - دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.

80 - الضوء اللامع - للسنحاوي - ط سنة 1412 هـ - دار الجبل - لبنان.

- ع -

81 - عجائب المخلوقات، بهامش حياة الحيوان - دار القاموس الحديث - بيروت - لبنان.

82 - العقد الفريد - لابن عبد ربه - ط سنة 1384 هـ، دار الكتاب العربي.

83 - علل الشرايع - للصدوق - ط المطبعة الحيدريّة - سنة 1385 هـ، النجف الأشرف - العراق.

84 - العلل المتناهية.

85 - علوم الحديث - لابن الصلاح - ط سنة 1972م، المكتبة العلمية بالمدينة المنورة - الحجاز.

86 - عمدة الطالب - لابن عنبة - ط سنة 1380 هـ، الحيدريّة، النجف


الأشرف - العراق.

87 - عمدة القارئ - للعيني - دار إحياء التراث العربي، ودار الفكر - بيروت - لبنان.

88 - العواصم من القواصم - لابن العربي - تحقيق محب الدين الخطيب.

89 - العوالم - للشيخ عبد الله البحراني - ط مدرسة الإمام المهدي سنة 1405 هـ - قم - إيران.

- غ -

90 - الغدير - للعلامة الأميني - ط سنة 1397 هـ، دار الكتاب العربي - بيروت - لبنان.

- ف -

91 - الفتاوى الحديثية.

92 - فتح الباري - للعسقلاني - ط دار الريان للتراث.

93 - الفتوح - لابن أعثم الكوفي - ط سنة 1395 هـ - الهند، وط سنة 1411 هـ، دار الأضواء - بيروت - لبنان.

94 - فتوح البلدان - للبلاذري - تحقيق صلاح الدين المنجد - مكتبة النهضة المصرية، وط السعادة سنة 1959م - مصر.

95 - الفخري في الآداب السلطانية - لابن طباطبا - ط سنة 1388 هـ - بيروت - لبنان.

96 - فرائد السمطين - للحمويني - ط سنة 1400 هـ، مؤسسة المحمودي - بيروت - لبنان.

97 - الفصول المهمة - لابن الصباغ المالكي - ط سنة 1381 هـ، الحيدريّة - النجف الأشرف - العراق.


98 - فيض القدير بشرح الجامع الصغير - لعبد الرؤوف المناوي - ط سنة 1391هـ، دار المعرفة - بيروت - لبنان.

- ق -

99 - قيد الشريد في أخبار يزيد - لابن طولون - سنة 1406 هـ - دار الصحوة - القاهرة.

- ك -

100 - الكامل - لابن عدي.

101 - الكامل في التاريخ - لابن الأثير - ط دار صادر - سنة 1385 هـ - بيروت - لبنان.

102 - الكنى والألقاب - للشيخ عباس القمي - ط سنة 1389 هـ، الحيدريّة - النجف الأشرف - العراق.

103 - كنز العمال - ط مؤسسة الرسالة - سنة 1409 هـ، بيروت - لبنان، وط الهند - سنة 1364هـ، و 1381هـ.

104 - الكواكب الدرية - للمناوي.

- ل -

105 - اللآلي المصنوعة - للسيوطي - ط سنة 1395 هـ، دار إحياء التراث العربي، أو دار المعرفة - بيروت - لبنان.

106 - اللمعة البيضاء في شرح خطبة السيدة الزهراءعليها‌السلام .

107 - اللهوف - لابن طاووس - منشورات مكتبة الداوري - قم - إيران، وطبعات اُخرى.

- م -

108 - مجمع الزوائد - لابن حجر الهيثمي - ط سنة 1967م.

109 - محاضرات في تاريخ الأمم الإسلاميّة - لمحمد الخضري،


الطبعة السادسة - ط المكتبة التجارية الكبرى بمصر.

110 - المختصر في أخبار البشر - لأبي الفداء - ط دار المعرفة - بيروت - لبنان.

111 - المدخل - لابن الحاج - ط سنة 1348هـ، المطبعة المصرية بالأزهر - القاهرة - مصر.

112 - مرآة الجنان - لليافعي - ط سنة 1390 هـ، مؤسسة الأعلمي - بيروت - لبنان.

113 - مرآة الزمان في تواريخ الأعيان.

114 - مراسم عاشوراء - لجعفر مرتضى العاملي - ط المركز الإسلامي للدراسات - بيروت - لبنان.

115 - مروج الذهب - للمسعودي - ط دار الأندلس - سنة 1965 - بيروت - لبنان.

116 - مستدرك الوسائل - للمحدث النوري - ط مؤسسة آل البيتعليهم‌السلام - قم - إيران.

117 - مسند أبي يعلى - لابن المثنى التميمي - ط دار المأمون للتراث - بيروت ودمشق - ط سنة 1407 هـ ق.

118 - مسند أحمد بن حنبل - ط سنة 1313 هـ - مصر، وط دار صادر - بيروت - لبنان.

119 - مصابيح الجنان - للسيد عباس الكاشاني - ط حجرية - دار الكتب العلمية - النجف الأشرف - العراق.

120 - معالي السبطين - للشيخ محمّد مهدي الحائري - ط مؤسسة النعمان - بيروت - لبنان.

121 - المعجم الأوسط - للطبراني - ط سنة 1415 هـ، دار الحرمين.


122 - المعجم الصغير - للطبراني - ط سنة 1388هـ، المكتبة السلفية - المدينة المنورة - الحجاز.

123 - المعجم الكبير - للطبراني - ط دار إحياء التراث العربي - نشر مكتبة ابن تيمية - القاهرة.

124 - مقاتل الطالبيِّين - لأبي الفرج الأصفهاني - ط سنة 1970م، مؤسسة إسماعيليان - طهران - إيران.

125 - مقتل الحسين - للخوارزمي - ط النجف الأشرف - العراق، ومنشورات مكتبة المفيد - قم - إيران.

126 - مقتل الحسينعليه‌السلام - للمقرّم - ط سنة 1372هـ، الآداب - النجف الأشرف - العراق.

127 - مقدمة ابن خلدون - ط سنة 1391 هـ، مؤسسة الأعلمي - بيروت.

128 - مناقب آل أبي طالب - لابن شهر آشوب - ط مكتبة مصطفوي - قم - إيران.

129 - مناقب أهل البيتعليهم‌السلام - للشيرواني - ط سنة 1414هـ، مطبعة المنشورات الإسلاميّة.

130 - المنتخب - للطريحي - ط مؤسسة الأعلمي - بيروت - لبنان.

131 - المنتظم - لابن الجوزي - ط سنة 1359 هـ، حيدر آباد الدكن - الهند.

132 - منهاج السنة - لابن تيمية - ط سنة 1322هـ، المطبعة الأميريّة ببولاق - مصر.

133 - موسوعة كلمات الإمام الحسنعليه‌السلام - للشيخ الشريفي - ط سنة 1415 هـ، مؤسسة الهادي - قم - إيران.

- ن -

134 - النجوم الزاهرة - لابن تغري بردي - ط دار الكتب العلمية.


135 - النصائح الكافية - لمحمد بن عقيل - مطبعة النجاح - بغداد - العراق.

136 - نصب الراية - للزيعلي - ط دار الحديث - القاهرة - مصر.

137 - نظم درر السمطين - للزرندي الحنفي - إصدار مكتبة نينوى - طهران - إيران.

138 - نهاية السول في شرح منهاج الاُصول - للأسنوي - عالم الكتب.

139 - نوادر الاُصول - للحكيم الترمذي - ط دار صادر - بيروت - لبنان.

- هـ -

140 - الهداية الكبرى - للحسين بن حمدان الخصيبي - ط سنة 1411 هـ، مؤسسة البلاغ - بيروت - لبنان.

- ي -

141 - يزيد بن معاوية (لعنه الله) الخليفة المُفترى عليه - لهزاع بن عيد الشمري - ط سنة 1413 هـ، نشر أجا - الرياض.

142 - ينابيع المودة - للقندوزي الحنفي - ط دار الأسوة.


الفهرس

مقدّمة لا بدّ منها:6

منشور الممهّدين للسفياني:11

الجواب 20

يزيد (لعنه الله)22

سياسات ونتائج 24

الإمام الحسن عليه‌السلام 36

شروط الصلح 58

من هو القاتل؟80

يزيد (لعنه الله)82

الآمر بقتل الإمام والراضي به82

اللطم110

عاشوراء126

الفهارس:142

المصادر والمراجع 144