من وحي الثورة الحسينيَّة
تأليف:
هاشم معروف الحسني
دارُ القَلَم
بيروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
من وحي الثورة الحسينيَّة
يعرض هذا الكتاب صوراً عن مواقف الحسينعليهالسلام من الحاكمين قبل ثورته وأهداف الثورة بعد أن وجد لها المناخ المناسب، كما يقدِّم صوراً عن بطولات العقيلة زينب بنت علي والعلويِّين والطالبيِّين، وعن حياة العقيلة منذ طفولتها حتّى فارقت الدنيا وعن مرقدها، والمآتم الحسينية والمراحل التي مرَّت بها ومواقف الحاكمين منها، معتمداً أوثق المصادر وأقربها من المنطق والواقع لإبراز هذه الجوانب من سيرة أهل البيت على واقعها، وأرجو أن أكون قد وفِّقت لذلك.
هاشم معروف الحسني
المقدِّمة
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيِم
والصلاة والسلام على محمد وآله والأئمة الهداة المهديِّين ورحمته وبركاته.
وبعد، فإن المتتبِّع في بطون الأسفار والمصادر يجد الكثير من الأبطال وعظماء الرجال الذين دفعهم دينهم وإيمانهم إلى الجهر بكلمة الحق والدعوة إلى العدالة باقتحام ميادين الجهاد والثورة على الظلم هنا وهناك؛ لينالوا شرف الدفاع عن عقيدتهم والمعذَّبين في الأرض من جور الطغاة وفراعنة العصور ولو أدى ذلك إلى استشهادهم والتضحية بكل ما يملكون. ولقد سجَّل التاريخ عشرات الثورات والانتفاضات لأولئك الأبطال المجاهدين وتحدَّث عن انتصاراتهم ومنجزاتهم، ولكنَّه لم يحدِّث عن ثورة في تاريخ الشعوب والأمم عاشت كما عاشت ثورة
الحسين وكان لها من الضجَّة في عالمها وما بعده - في كل زمان ومكان - ما كان لثورة الحسين، وأعطت وقدَّمت للإنسان المسلم وغيره من المنجزات والقيم والمُثُل العليا ما أعطته وقدَّمته ثورة الحسين، ولا تزال حيَّة تعكس تفاعل الأمَّة مع التاريخ في تحرُّكٍ وعطاءٍ مستمرٍ في حاضر المسلمين كما كانت في ماضيهم الغابر، وأغنت بعطائها وأفكارها وأهدافها النبيلة تاريخ الإسلام، كما كشفت زيف أدعيائه والمتَّخذين منه ستاراً يخفون وراءه ما يضمرونه من شركٍ وشرّ وسوء لدعاته المخلصين؛ ولم يكن ذاك إلاَّ لأنَّها لم تكن لعصر دون عصر ولا لفئة من الناس دون فئة، كما لم تكن وليدة ظروف طارئة أو تحرُّكات سياسيَّة محدودة الآثار والدوافع وبعيدة عن أحاسيس الأمَّة وانفعالاتها، بل كانت النور الساطع للمسلمين في جميع تحرُّكاتهم الهادفة لإتمام المسيرة بالإسلام إلى الهدف الأسمى والغاية القصوى التي أُرسل محمد بن عبدالله - رسول الرحمة والكرامة والحريف - من أجلها، وكانت المرآة الصافية للحاضر الذي كانت تعيشه الأمَّة، ولواقعها الذي كانت ترسف في أغلاله، والحقيقة الدائمة التي تتَّصل بالتكوين الدائم لعقل الإنسان وقلبه ومجتمعه وتلبِّي جميع حاجاته وطموحاته.
إنَّها الثورة الوحيدة من بين تلك الثورات والانتفاضات التي عبَّأت الإنسان المسلم وغيره منذ حدوثها ودفعت به في الطريق الدامي الطويل؛ طريق النضال والتحرير من الاستغلال والاستعباد والتسلُّط، وأسهمت - ولا تزال تُسهم - بدور هامٍ في تكوين الشخصية الثقافية والاجتماعية والسياسية، بعد أن كان المسلمون يوم ذاك يفقدون حريَّتهم وروحهم النضالية وحتّى وجودهم بفعل سياسة الحاكمين الأمويِّين، وقدَّمت مع ذلك للأمَّة نماذج من القيادات والأتباع ترسم لها مواقعها في مواجهة الأحداث والمواقف التي تعترض طريقها في مسيرتها نحو المستقبل الأفضل والمجتمع الأفضل. واستمرَّت تلك القيادات في مسيرتها بالرغم ممَّا كان
يعترضها من انتكاسات تعرقل مسيرتها، وأحياناً تودي بها إلى الفشل الذي كان من نتائج تشدُّد تلك الأنظمة في إجراءات القمع والإرهاب لترسيخ أنظمتهم التي فرضوها على المجتمع من جميع نواحيه، ومع كل ما مرَّت به تلك القيادات خلال مسيرتها التاريخية من مراحل الصراع والجهاد تعرَّض فيها الشيعة لألوان من الأذى والعدوان، فقد كان لها مواقف مشهورة وبطولات رائعة كانت ثورة الحسين تمدُّها بالعزيمة والثبات وتدفع بهم إلى الأمام.
واستمرَّت تلك الثورات التي كانت روح كربلاء تسيِّرها يتلو بعضها بعضاً في مواجهة تلك الدولة الجائرة حتّى أنهكتها وقضت عليها وحلَّت محلَّها دولة أخرى قامت بسواعد الشيعة التي كانت تمثِّلها دولة الحسين، ولكنَّها مثّلت أسوأ الأدوار التي كانت تمثِّلها الدولة الأموية، فكانت الثورات والانتفاضات تتلو الواحدة الأخرى بقيادة العلويِّين وغيرهم، إلى غير ذلك من الانتفاضات التي لا يخلو منها عصر من العصور ولا زمان ومكان، ولكن البعض من تلك الثورات لم يكتب لها ولا لقادتها الخلود إلاّ لفترات محدودة من الزمن؛ لأنَّها كانت وليدة ظروف محدودة أو انفعالات عاطفية أو مصالح مخصوصة إلى غير ذلك من الدوافع، وكان عمرها محدوداً بعمر محتواها، ومن ثمَّ طواها التاريخ كما طوى غيرها من الأحداث.
إنَّ ثورة الحسين كانت الوهج الساطع الذي أضاء المسالك لمَن أراد المسيرة بالإسلام في طريقها الصحيح، والمرآة الصافية للتخلُّص من الحاضر الذي كانت تعيشه الأمَّة ومن واقعها الذي كانت ترسف في أغلاله، ومن أجل ذلك فقد دخلت في أعماقهم جيلاً بعد جيل، وستبقى خالدة خلود
قادتها؛ تستمدُّ بقاءها وخلودها من إخلاص قادتها وتفانيهم في سبيل الإسلام والمُثُل العليا ما دام التاريخ.
وكنتُ قد تحدَّثت عن ثورة الحسين ودوافعها بشكل أقرب إلى الإيجاز منه إلى التبسيط في كتابيالانتفاضات الشِّيعيَّة في العصر الأموي ،
وعرضت فيه صوراً عن مواقف العقيلة الكبرى زينب بنت علي وفاطمة في كربلاء والكوفة وقصر الخضراء في مجلس يزيد بن ميسون، وبعد تقديم الكتاب إلى الناشر وتقديمه إلى المطبعة وجدت رغبة ملحَّة من بعض الشباب المؤمن في إصدار كتاب مستقل حول أهداف الثورة الحسينية ومراحلها، وحياة العقيلة ومراحلها، من طفولتها إلى آخر مرحلة منها، ومرقدها الذي لا يزال مجهولاً ومردَّداً بين المدينة وضاحية الشام ومحلَّة الفسطاط من القاهرة، وعن المآتم الحسينية والمراحل التي مرَّت بها خلال تلك العصور التي تلت مصرع الحسينعليهالسلام ؛ لتكون في متناول الجميع على حدِّ تعبير أولئك الشباب.
بعد تردُّد دام وقتاً ليس بالقصير وبعد الإلحاح لتحقيق هذه الأمنية وضعت هذا الكتاب، وافتتحته بفصل عن الثورة الحسينية وأهدافها، استخلصت قسماً من ذلك الفصل ممَّا عرضته في كتابيالانتفاضات الشِّيعيَّة ، وأضفت إليه ما انتهيت إليه في هذه الدراسة، وعرضت أبرز الجوانب من حياة العقلية منذ طفولتها وما قيل حول مرقدها، كما تعرَّضت للمآتم الحسينية ومراحلها ومواقف الحاكمين منها؛ الموالين والمخالفين، وقد جرَّني البحث عن مراقد الأئمَّة والأولياء إلى الوقوف قليلاً مع أولئك الحاقدين على الشيعة من شيوخ الوهابيِّين وغيرهم، وأرجو أن أكون قد وفِّقت لكشف بعض الحقائق التي لا يزال يكتنفها الغموض ولتلبية رغبات الشباب وبقيَّة القرَّاء، ومنه سبحانه أستمد العون والتوفيق وأن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم وأن لا يحرمني من شفاعة الحسين وأبيه وجدِّه إنَّه قريب مجيب.
هاشم معروف الحسني
موقف الحسين عليهالسلام من معاوية وتحرُّكاته
لقد اتخذ معاوية وغيره من الحاكمين الأمويِّين من الإسلام طلاء خفيفاً يسترون به نزعاتهم الجاهلية التي كانوا يعملون لإحيائها وتحوير الإسلام إلى مؤسَّسة تخدم مصالحهم وأهوائهم، وكان المجتمع الإسلامي يتململ تحت وطأة الظلم والاضطهاد الذي عبَّرت عنه مواقف حجر عن عدي وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابهما الذين قاوموا ظلم معاوية وأنصاره، ولكنَّ تلك المقاومة لم تأخذ مداها ولم تضع حدَّاً لتصرُّفات الحاكمين وجورهم، بل سرعان ما كانت تهمد أو تموت في مهدها عندما يلاحق أولئك الجزَّارون طلائعها بقتلهم أو زجِّهم في السجون والمعتقلات بدون أن يحرِّك المجتمع ساكناً، وإذا تحرك إنسان أغدقوا عليه الأموال وأغروه بالوعود كما حدث لمالك بن هبيرة السكوني الذي غضب لمصرع حجر بن عدي وأصحابه وراح يستعد للثورة، ولمَّا علم بتحركه معاوية، أرسل إليه معاوية مائة ألف درهم، فأخذها وطابت نفسه.
لقد عاصر الحسينعليهالسلام جميع تلك التحرُّكات التي قام بها الأمويُّون
والحاقدون على الإسلام ومبادئه الإنسانية العادلة، لقد عاصرها منذ أن نشأت مع أبيه وأخيه وأصحابهما الكرام، وها هو بعد استشهاد أخيه بجنود العسل التي أعدَّها معاوية لكل مَن كان يخشى منه على دولته وأمويَّته، يقف وحيداً في وجه معاوية وأجهزة حكمه الإرهابي، ويرى بعيته اولئك الصفوة، بقيَّة السيف من شيعة أبيه وأخيه، يساقون أفواجاً إلى الجلاَّدين والجزَّارين في مرج عذراء وقصر الخضراء، ويرى منهج معاوية وحواشيه الذي اعتمدوه للوصول بالأمَّة إلى هذا المصير الكالح، وكيف يطاردون ويضطهدون العشرات والمئات من المسلمين عندما ينكرون ظلماً وعدواناً على القيم والمقدَّسات وكرامة الإنسان.
لقد عاصر مع أبيه وأخيه جميع تحرُّكاتهم المعادية للإسلام، وبقي وحيداً في ساحة الصراع مع معاوية وأجهزة حكمه الإرهابي المستبد الذي أراد للأمَّة أن تتحوَّل عن أهدافها، وللإسلام أن ينحرف عن مسيرته، ورآهم كيف يحوِّرون الإسلام ويزوّرون مبادئه الإنسانية التي جاء بها محمد بن عبدالله رحمة للعالمين، ورأى حملة التخدير على حساب الدين والكذب على رسول الله وكيف يبيع المسلم نفسه وحياته وحريَّته وكرامته بحفنة من الدراهم للحاكمين الظالمين ويرضى بحياته على ما فيها من نكد وقسوة وحرمان.
لقد رأى كل ذلك، وكان القلق يستبدُّ به والألم يحزُّ نفسه وقلبه لمصير الرسالة والإنسانية في ظل هذا التحوُّل الخطير الذي كان الأمويُّون يعملون على تعميقه واستئصال الشخصية الإسلامية؛ ليطمئن الحاكمون أنَّ تصرُّفاتهم لن تثير أي استنكار لدى الجماهير ويختفي من ضمائرهم الشعور بالإثم الذي يدفع المسلم إلى الثورة على الظلم والظالمين.
لقد استخدم الأمويُّون لاستئصال الروح الإسلامية والشخصية الإسلامية، بالإضافة إلى الأموال وجميع وسائل الإرهاب، مدرسة الرواة
والمحدِّثين والقصَّاصين، وعلى رأس هذه المدرسة أبو هريرة وكعب الأحبار وسمرة بن جندب وغيرهم ممَّن استخدموهم لصنع الأحاديث، وأفرزت مصانعهم ألواناً من الأحاديث نسبت إلى النبيصلىاللهعليهوآله افتراءً وبهتاناً، ومن أبرزها وأرضاها لمعاوية والحزب الأموي ما كان يتضمَّن القدح في علي وآل علي.
لقد بذل معاوية ما يعادل نصف المليون من الدراهم لسمرة بن جندب ليروي له عن الرسول أنَّ الآية:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... *... وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ )
في علي بن أبي طالب، وأنَّ الآية:( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ ) في قاتله عبد الرحمن بن ملجم، فروى له ما أراد، إلى كثير من أمثال ذلك حتّى أصبح تسخير المحدِّثين لهذه الغاية من السُّنَن المتَّبعة عند من جاء بعده من الأمويِّين والعبَّاسيِّين.
فقد جاء عن هشام بن الحكم أنَّه طلب من شهاب الزهري أو غيره من الرواة أن يروي له عن الرسول أنَّ الآية:( وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) نزلت في علي بن أبي طالب، فروى له ما أراد، وعندما أوعز الحاكمون لأنصارهم بتدوين الحديث دوَّنوا جميع هذه الأنواع من المخترعات، ولم يأذنوا لهم بتدوين ما جاء عن النبي في فضله، فقد جاء في المجلَّد الثاني من ضحى الإسلام لأحمد أمين أنَّ خالد بن عبدالله القسري طلب من الزهري أن يكتب سيرة النبي، فقال له الزهري: إنَّ سيرة النبي يمرُّ بها الكثير من سيرة علي ومواقفه الخالدة في خدمة الإسلام فما أصنع بهذا النوع من المرويات؟ فلم يأذن له بتدوين شيء يشير إلى فضل علي وتمجيده إلاَّ إذا تضمَّن قدحاً أو ذماً.
ومن تلك الألوان التي أفرزتها تلك المدرسة ما يرجع إلى تمجيد بني أميَّة وبلاد الشام؛ وما إلى ذلك ممَّا يتعلق بعثمان بن عفَّان ومعاوية بن هند
وإعطائهما صفات القدِّيسين؛ كالذي رواه أبو هريرة عن النبيصلىاللهعليهوآله أنه قال:(إن الله ائتمن على وحيه ثلاثة: أنا وجبرائيل ومعاوية) وأنَّه قال:(إذا لقيتم بعدي اختلافاً، فعليكم بالأمين عثمان بن عفَّان) .
ومن تلك المرويات ما يرجع إلى تخدير المسلمين عن الثورة والتحرُّك ضد الحاكمين مهما بالغوا في الجور والظلم، وأنَّ مقاومتهم لاستبدالهم بغيرهم - حتّى ولو كان البديل من أعدل الناس وأحرصهم على مصالح المسلمين وعلى مسيرة الإسلام - لا يقرُّها الإسلام.
فمن ذلك ما رواه أصحاب الصحاح عن النبيصلىاللهعليهوآله أنَّه كان يقول:(مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه، فليصبر عليه، فإنَّ من فارق الجماعة شبراً ومات، مات ميتة جاهلية) ، وأنَّه كان يقول:(ستكون هنات وهنات، فمَن أراد أن يفرَّق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائناً مَن كان) إلى غير ذلك ممَّا رواه البخاري في صحيحه وغيره من محدِّثي السُّنَّة في مجاميعهم.
وإلى جانب ما أنتجته مصانع أبي هريرة وغيره من تلك العصابة، اخترع الحاكمون لوناً آخر من ألوان التضليل الديني وهو تأسيس الفرق الدينية التي تقدِّم للجماهير تفسيرات للدين تخدم تسلُّط الحاكمين وتبرِّر جورهم وظلمهم؛ كفرقتي المرجئة والمجبرة اللَّتين ظهرتا في عهد معاوية، وساعد على دعمهما وانتشارهما حتّى أصبحتا من أوفر المذاهب حظَّاً لدى الحاكمين وفراعنة العصور، هذا بالإضافة إلى عدالة الصحابة التي لا تقلُّ خطراً عن فكرتي الإرجاء والجبر، والتي تجعله وأباه والمروانيِّين الأوزاغ من الكذَبة والمجرمين في صفوف الصلحاء، ولا تسمح لأحد أن ينالهم بسوء.
لقد رافق أبو عبد الله كل ذلك، وكان يتلوَّى ويتألَّم للمصير الذي ينتظر الإسلام من معاوية وغيره من القردة الذين سينزون على منبر الرسول ويستخدمون الإسلام لجاهليَّتهم الأولى، وكانت مبرِّرات
الثورة على الحكم الأموي موفورة في عهد معاوية، والحسين يدركها ويعرفها، وأحياناً كان يعبِّر عنها في المجالس والمجتمعات والمناسبات ويصارح بها معاوية في الرسائل التي كان يوجهها إليه بين الحين والأخر.
وجاء في بعض أجوبة رسائله إليه: (وهيهات هيهات يا معاوية، فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ولقد فضلت حتَّى أفرطت، واستأثرت حتَّى أجحفت، ومنعت حتّى أجحفت، ومنعت حتّى بخلت، وجرت حتّى جاوزت، ما بذلت لذي حقٍّ من اسم حقِّه من نصيب حتّى أخذ الشيطان حظَّه الأوفر ونصيبه الأكمل).
وفي رسالة ثانية وجَّهها إليه جاء فيها: (أولَستَ المدَّعي زياد بن سُمية، المولود على فراش عبيد عبد ثقيف، فزعمت أنَّه ابن أبيك، وقد قال رسول الله: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فتركت سنَّة رسول الله واتبعت هواك بغير هدى من الله، ثم سلَّطته على أهل العراق، فقطع أيدي المسلمين وأرجلهم وسمل أعينهم وصلبهم على جذوع النخل، كأنَّك لست من هذه الأمة، وليسوا منك؟!
أولَستَ صاحب الحضرميين الذين كتب إليك فيهم ابن سمية: أنَّهم على دين علي ورأيه، فكتبت إليه اقتل كل مَن كان على دين عليعليهالسلام ورأيه، فقتلهم ومثَّل بهم بأمرك، ودين علي - والله - وابن علي الذي كان يضرب عليه أباك، وهو أجلسك بمجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك، لكان أفضل شرفك وشرف أبيك تجشُّم الرحلتين اللَّتين بنا من الله عليكم فوضعهما عنكم؟ وقلت فيما تقول: (أنظر نفسك ولدينك ولأمَّة محمدصلىاللهعليهوآله ، واتَّق شقَّ عصا هذه الأمة وأن تَرِدَهم في فتنة)، فلا أعرف فتنة أعظم من ولايتك عليها، ولا أعلم نظراً لنفسي وولدي وأمَّة جدِّي أفضل من جهادك).
وكان معاوية يتمنَّى عليه أن يخفِّف من أسلوبه معه ويتوسَّل لذلك، بالشدة حيناً وباللين والمغريات حيناً آخر، وبخاصة عندما عزم على البيعة لولده من بعده؛ لأنَّ سكوته يؤمِّن له انقياد الأمَّة ويمكِّنه من ممارسة سياسته بدون خشية، ولكن الشدة لم تكن لتحدَّ من نشاطه ولا المغريات
لتخدعه عمَّا يؤمن به ويعمل من أجله؛ لأنَّ دوره الرسالي يفرض عليه أن لا يسكت ولا يهادن، وأن يثور راجياً أن تهزَّ ثورته ضمير الأمة التي انحنت وخضعت لجبروت السلطة زمناً طويلاً، ولأن المجتمع الذي خضع طويلاً لجبروت الأمويِّين وانحنى لكبريائهم لم يعد يصلحه الكلام ولا بدَّ له من شيء جديد يهزه ويحركه.
هذا الواقع الكالح الذي كانت تتخبط فيه الأمَّة وضع الحسينعليهالسلام وجهاً لوجه أمام دوره التاريخي ورسالته النضالية، وفرض عليه أن يثور من أجل كرامة الأمة وإنقاذ شريعة جده من أعدائها الألداء عندما يجد أن ثورته ستعطي ثمارها المرجوة وأن شهادته ستقضّ مضاجع الظالمين والطغاة المستبدين وتبقى المثل الغني بالعطاء لكل ثائر على الظلم والجور والطغيان في شرق الأرض وغربها.
لماذا حارب الحسين يزيداً ولم يحارب معاوية؟
والسؤال الذي يراود الأذهان في المقام ويفرض نفسه هو: إنَّ الحسينعليهالسلام قد عاصر معاوية مع أبيه وأخيه وعاصره بعد أخيه كما ذكرنا نحواً من عشر سنوات، وكان وحده مهوى الأفئدة ومحطَّ آمال المعذَّبين والمشرَّدين والمضطهدين، ولم يترك معاوية خلال تلك المدة من حكمه باباً من أبواب الظلم إلاّ وانطلق منه، ولا منفذاً للتسلُّط على الناس إلاّ وأطلَّ منه؛ فقتل آلاف الصلحاء وعذَّب وشرَّد واضطهد مئات الألوف بلا جرم ارتكبوه ولا بيعة نقضوها، وكان ذنبهم الأوَّل والأخير هو ولائهم لعلي وآل علي. وكان القدوة لجميع مَن جاء بعده من الأمويِّين في جورهم واستهتارهم بالقيم والمقدَّسات وتحوير الإسلام إلى الشكل الذي يحقِّق أحلام أبي جهل وأبي سفيان وغيرهما من طواغيت القرشيِّين والأمويِّين، ولم يكن ولده ابن ميسون إلاَّ صنيعة من صنائعه وسيئة من سيآته، فلماذا والحالة هذه قعد عن الثورة المسلَّحة في عهد معاوية مع وجود جميع مبرِّراتها واكتفى بالثورة الإعلامية في حين أنَّ المبرِّرات التي
دفعته على الثورة على يزيد كانت امتداداً لتلك التي كان يمارسها معاوية من قبله؟
هذا التساؤل يبدو - ولأول نظرة - سليماً ومقبولاً، ولكنَّه بعد التدقيق ومتابعة الإحداث التي كان المسلمون يعانون منها، وواقع معاوية بن هند والوسائل التي كان يستعملها لتغطية جرائمه لم يعد لهذا التساؤل ما يبرِّره؛ ذلك لأنَّ الواقع المرير الذي فرض على الإمام أبي محمد الحسن بن عليعليهالسلام أن يصالح معاوية ويتنازل له عن السلطة الزمنية فرض على الحسين أن لا يتحرَّك عسكرياً في عهد معاوية، وأن يفرض على شيعته وأصحابه الخلود إلى السكينة وانتظار الوقت المناسب؛ لأنَّ الحسن لو حارب معاوية في تلك الظروف المشحونة بالفتن والمتناقضات مع تخاذل جيشه وتشتيت أهوائهم وآرائهم، ومع شراء معاوية لأكثر قادتهم ورؤسائهم بالأموال والوعود المغرية، بالإضافة إلى ما كان يملكه من وسائل التضليل والإعلام التي كان يستخدمها لتضليل الرأي العام، لو حارب الحسن في تلك الظروف، فكل الدلائل تشير إلى أنَّ الحرب ستكلِّفه نفسه ونفس أخيه الحسين واستئصال المخلصين من أتباعه وشيعته، ولا ينتج منها سوى قائمة جديدة من الشهداء تضاف إلى القوائم التي دفنت في مرج عذراء ودمشق والكوفة وغيرها من مقابر الشهداء الأبرار.
وبلا شك فإنَّ الإمام أبا محمد الحسن لم يكن يتهيَّب الشهادة لو كانت تخدم المصلحة العامة وتعدُّ المجتمع الإسلامي إعداداً سليماً للثورة والتضحية بكل شيء في سبيل المبدأ والعقيدة كما فعلت ثورة الحسين في حينها؛ التي قدَّمت للإنسان المسلم نمطاً جديداً من الثوَّار لا يستسلم للضغوط مهما بلغ حجمها، ولا يساوم على إنسانيته ودينه ومبدأه مهما كانت التضحيات، ولم يكن الحسين أقلُّ إدراكاً لواقع المجتمع العراقي
من أخيه الحسن، فقد رأى من خيانته وتخاذله واستسلامه للضغوط مثل ما رأى أخوه وأبوه من قبله؛ لذلك كلِّه فقد آثر التريُّث بينما تتوفَّر لشهادته أن تعطي النتائج التي تخدم الإسلام وتبعث اليقظة والروح النضالية في نفوس المسلمين، وراح يعمل على تهيئة المجتمع الإسلامي للثورة وتعبئته لها بدل أن يحمل على القيام بثورة ستكون فاشلة في عهد معاوية وتكون نتائجها لغير صالحه.
لقد مضى على ذلك في حياة أخيه وبعد وفاته؛ ففي حياته حينما جاءته وفود الكوفة تطلب منه أن يثور على معاوية بعد أن يئسوا من استجابة أخيه، قال لهم: (صدق أبو محمد: فليكن كل رجل منكم حلساً من أحلاس بيته ما دام هذا الإنسان حيَّاً) كما جاء في الأخبار الطوال للدينوري، وبعد أخيه كتبوا إليه وأكَّدوا عليه يسألونه القدوم عليهم ومناهضة معاوية، فأصرَّ على موقفه الأول، وقال لهم: (أمَّا أخي، فأرجو أن يكون قد وفَّقه الله وسدَّده فيما يأتي، وأمَّا أنا، فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا - رحمكم الله - بالأرض، واَكمنوا في البيوت، واحترسوا من الظنَّة ما دام معاوية حيَّاً) إلى كثير من مواقفه التي تؤكِّد بأنه كان يرى أن الثورة على معاوية لا تخدم مصلحة الإسلام والمسلمين، وأن الخلود إلى السكينة والابتعاد عن كل ما يثير الشبهات وضغائن الأمويِّين عليه وعلى شيعته وأنصاره في حياة معاوية أجدى وأنفع لهم وللمصلحة العامة، وفي الوقت ذاته كان كما ذكرنا يعمل لإعداد المجتمع وتعبئته بانتظار اليوم الذي يطمئن فيه بأن شهادته ستعطي النتائج المرجوَّة.
وبالفعل! لقد اتسعت المعارضة في عهده وظهرت عليها بوادر التغيُّر والميل إلى العنف والشدَّة، وبخاصة بعد أن جعل ولاية عهده لولده الخليع المستهتر، فكان لكل حدث من أحداث معاوية صدى مدوِّياً في أوساط المدينة وخارجها حيث الإمام الحسين الرجل الذي اتجهت إليه الأنظار
من كل حدب وصوب، وهو ما حدا بالأمويِّين إلى التحسُّس بهذا الواقع والتخوُّف من نتائجه. فكتب مروان بن الحكم إلى معاوية يحذِّره من التغاضي عن الحسين وأنصاره، وجاء في كتابه إليه: (إن رجالاً من أهل العراق ووجوه الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وإنِّي لا آمن وثوبه بين لحظة وأخرى، وقد بلغني استعداده لذلك، فاكتب إليَّ برأيك في أمره). ولم يكن معاوية في غفلة عن ذلك، وكان قد أعدَّ لكل أمر عدته بوسائله التي كان يهيمن بها على الجماهير المسلمة، والحسين يعرف ذلك ويعرف بأن ثورته لو كانت في ذلك الظرف ستنجلي عن استشهاده، والاستشهاد بنظره لا وزن له ولا قيمة إذا لم يترك على دروب الناس وفي قلوبهم وهجاً ساطعاً تسير الأجيال على ضوئه في ثورتها على الظلم والطغيان في كل أرض وزمان.
وكان معاوية يدرك ويعي بما للحسين من منزلة في القلوب وبأن ثورته عليه ستزجُّه في أجواء تعكر عليه بهاء انتصاراته التي أحرزها في معركة صفِّين وفي صلحه مع الإمام الحسن بن عليعليهالسلام ، ولو قدِّر لها أن تحدث يوم ذاك، فسوف يعمل بكل ما لديه من الوسائل ليتخلَّص منه قبل
استفحالها، وقبل أن يكون لها ذلك الصدى المفزع في الأوساط الإسلامية ولو بواسطة جنود العسل التي كان يتباهى بها ويستعملها للفتك بخصومه السياسيين حينما كان يحسُّ بخطرهم على دولته وأمويَّته، ولو تعذر عليه ذلك، فسوف يمارس جميع أشكال الاحتيال والتضليل والمراوغة حتّى لا يكون لشهادة الحسين ذلك الوهج الساطع الذي ينفذ إلى الأعماق ويحرِّك الضمائر والقلوب للثورة على دولته وأعوانها، ولكي يبقى أثرها محدوداً لا يتجاوز قلوب أهله ومحبِّيه وشيعته إلى حين ثمَّ يطوي النسيان ذكراه كما يطوي جميع الذكريات والإحداث.
ولعل ذلك هو الذي اضطر الحسين إلى التريُّث وعدم مواجهة معاوية بالحرب، ودعوة أصحابه وشيعته الذين كانوا يراسلونه ويتوافدون
عليه بين الحين والآخر إلى أن يلتصقوا بالأرض ويكمنوا في بيوتهم، ويحترسوا من كل ما يثير حولهم الظنون والشبهات ما دام معاوية حيَّاً.
وكما كان يعرف معاويةَ وأساليبه كان يعرف أن خليفته الجديد محدود في تفكيره؛ ينساق مع عواطفه وشهواته وتلبية رغباته إلى أبعد الحدود بارتكاب المحارم والآثام والتحلُّل من التقاليد الإسلامية، ويندفع مع نزقه فيما يعترضه من الصعاب من غير تقدير لِمَا وراءها من المخاطر، ومن أجل ذلك وقف من بيعته ذلك الموقف، واعتبرها من أخطر الإحداث على مصير الأمَّة ومقدَّراتها، ولم يجد بدَّاً من مقاومتها. وهو يعلم بأن وراء مقاومته الشهادة، وأنَّ شهادته ستؤدِّي دورها الكامل وتصنع الانتفاضة تلو الأخرى.. حتّى النصر، ولم يكن باستطاعة يزيد مواجهتها بالأساليب التي اعتاد أبوه تغطية جرائمه بها؛ لأنه كما وصفه البلاذري في أنساب الأشراف من أبعد الناس عن الحذر والحيطة والتروِّي، صغير العقل متهوراً، سطحيِّ التفكير لا يهم بشيء إلاّ ركبه. ومن كان بهذه الصفات لا بدَّ وأن يواجه الأحداث بالأسلوب الذي يتَّفق مع شخصيَّته، وهو ما حدث في النهاية بالنسبة إليها وإلى غيرها من المشاكل التي واجهته خلال السنين الخمس التي حكم فيها بعد أبيه.
موقف الحسين من بيعة يزيد بن ميسون
لقد كان الحسين الوارث الوحيد لتلك الثورة التي فجَّرها جدُّه الرسول الأعظم على الجاهلية الرعناء والعنصرية والوثنية لإنقاذ المستضعفين في الأرض من الظلم والتسلُّط والاستعباد وواصلها أبوه وأخوه من قبله، وكان دوره القيادي السيرُ بها على خطى جدِّه وأبيه سَنة ستين للهجرة، حيث الأمَّة كانت بانتظار مَن ينهض بأعبائها ويكون الحارس الأمين المسؤول عنها بعد أن أخذت دعائمها تنهار وتتقوَّض تحت ضربات بني أميَّة وأعوانهم. وجميع معطياتها التي انطلقت قبل خمسين عاماً أو أكثر قد صادرها الأمويُّون وأعوانهم، والكتاب الكريم رفع على حرابهم وحراب جلاَّديهم، والفكر العقائدي الذي جاء به الإسلام ليبني العقول والقلوب خضع لتوجيه السلطات الحاكمة، وسيوف المجاهدين انتقلت إلى الجلاوزة والجلاَّدين للتنكيل بالصلحاء والأبرياء، والصدقات والغنائم التي كانت تصل إلى مسجد الرسول وتذهب منه إلى بيوت الفقراء والمساكين أصبحت تنتقل إلى قصر الخضراء لشراء الضمائر
وتخدير المعارضين للسلطة الحاكمة، وجيل الثورة الثاني بين مَن تعرَّض للإبادة الجماعية في مرج عذراء وقصر الخضراء وبين مَن سيطرة عليهم مبادئ الردَّة والمرجئة والمجبِّرة والمتصوِّفة، فأقعدتهم عن التحرُّك وأفقدتهم القدرة على النضال، وغرست في نفوسهم وقلوبهم بذور الاستسلام للواقع المرير الذي كانت تتخبَّط فيه الأمَّة من جور الأمويين وإمعانهم في تزوير السُّنَّة وتحريف مبادئ الإسلام وتعاليمه لصالح جاهليَّتهم التي حاربت محمداً أكثر من عشرين عاماً.
ومن هنا كان دور الحسين - الوريث الوحيد لثورة جدِّه وأبيه على الشرك والوثنية والعنصرية - شاقَّاً وعسيراً؛ لأنه لم يرث معها جيشاً ولا سلاحاً ولا مالاً ولا أيَّ قوَّة جبهوية أو مجموعة منظمة غير نفسه وحفنة من بنيه وإخوته، لم يكن يملك غير ذلك، ويملك في الوقت ذاته القدرة على الانزواء للعبادة، ومكانه من الجنَّة مضمون، ولكنَّه لم يكن من طينة أولئك الذين اختاروا العبادة طريقاً إلى الجنَّة بدلاً عن الجهاد والتضحيات؛ لأنه يدرك أن الطريق الأكمل إلى الله هو طريق الحق، وطريق الحق هو الجهاد والنضال والإلتزام بمبادئ الثورة الإسلامية وتعاليمها. وإذا جاز على غيره من صلحاء المسلمين أن ينزوي في المساجد للعبادة ويتخلَّى عن النضال والجهاد، فلا يجوز ذلك على الحسين وارث الرسول وعليعليهالسلام بأن يتخلَّى عن وعيه النضالي ويلجأ إلى زوايا المعابد تاركاً للجاهلية الجديدة المتمثِّلة في حكم يزيد أن تستفحل في بطشها بقيم الحق والعدل وكرامة الإنسان. فلم يبق أمامه إلاّ الثورة، وبدونها لا يكون سبطاً للرسول وابناً لعليعليهالسلام ووارثاً لهما، وقدره أن يكون شهيداً وابناً لأكرم الشهداء وأباً لآلاف الشهداء، وأن يكون المثل الأعلى لجميع الأحرار الذين يناضلون من أجل الحق والعدل والمستضعفين في الأرض من الرجال والنساء.
لقد حاول معاوية أن يفرض بيعة ولده يزيد على الحسين فلم يتهيَّأ له ذلك ولا سكوته عنه وهو أدنى ما كان يرجوه معاوية ويتمنَّاه، واستمر الحسين على موقفه من تلك البيعة التي فرضها معاوية على المسلمين بالسلاح والمال والتشهير بمعاوية وأحداثه وتحريض المسلمين على تلك البيعة الغادرة، ومات معاوية سَنة ستِّين من الهجرة والحسين على موقفه المتصلِّب منها، كما امتنع جماعة من البيعة تاسِّياً بالحسينعليهالسلام .
وكما ذكرنا من قبل فإنَّ يزيد بن ميسون لم يكن كأبيه في حزمه واحتياطه للمشاكل والأحداث والتستر بالدين ليسدل ذلك الستار الشفاف على جرائمه وتصرفاته كما كان يفعل أبوه من قبله، ولمَّا انتقلت السلطة إليه كان من الأولويَّات عنده أنْ يُلزم الحسين ومَن تخلَّف معه من وجوه الصحابة ببيعته؛ فكتب إلى الوليد بن عقبة - حاكم المدينة يوم ذاك - كتاباً يأمره فيه أن يأخذ البيعة من الحسين وعبدالله بن عمر وابن الزبير ولا يسمح لهم بالتأخُّير ولو لحظة واحدة، وعندما استلم الكتاب استدعي الحسين إليه ليلاً، وعندما دخل الحسين عليه أخبره بموت معاوية وقرأ عليه كتاب يزيد إليه، فأراد الحسينعليهالسلام أنْ يتخلَّص منه بدون استعمال العنف، فقال له: (مثلي لا يبايع سرَّاً، فإذا خرجت غداً إلى الناس ودعوتنا معهم، كان الأمر واحداً). وكان الوليد يتمنَّى أن لا تضطرُّه الأمور إلى التورُّط مع الحسين بما يسيء إليه، فاقتنع بجوابه، ولكنَّ مروان بن الحكم أبت له أمويَّته الحاقدة أن يخرج الحسين من مجلس الوالي معزَّزاً مكرَّماً كما دخل، فحاول أن يستفزَّه ويشحنه عليه، فقال له: لأنْ فارقك الحسين الساعة ولم يبايع، لا قدرت منه على مثلها حتّى تكثر القتل بينك وبينه، ولكن احبسه، فإنْ أبى ولم يبايع، فاضرب عنقه.
وهنا لم يعد أمام الحسينعليهالسلام في مقابل هذا التحدِّي الصارخ إلاّ أن
يعلن عن موقفه من يزيد وحكومته وعن تصميمه على الثورة مهما كانت التضحيات، وقد أصبح وجهاً لوجه أمام دوره التاريخي الذي يتحتَّم عليه أن يصنعه، فوثب عند ذلك ليعلن عمَّا ينطوي عليه بكل ما في الصراحة من معنى، فقال له: (ويلي عليك يا ابن الزرقاء، أنت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت والله وأثمت). ثم أقبل على الوليد فقال: (أيُّها الأمير! إنَّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله).
وجاء في مثير الأحزان لإبن نما أنَّ الوليد - وبتحريض من مروان - ردَّ على الحسين بأسلوب يتَّسم بالحجة والغلظة، فهجم مَن كان مع الحسين من إخوته ومواليه وبيدهم الخناجر وأخرجوه من المنزل، فقال له مروان: أمرتك فعصيتني وسترى ما يصير أمرهم إليه. فردَّ عليه الوليد بقوله(كما جاء في رواية الطبري): ويح غيرك يا مروان؛ إنَّك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحب أنَّ لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وأنَّي قتلت حسيناً، سبحان الله! أأقتل حسيناً إنْ قال لا أبايع، والله إنِّي لا أظنُّ امرءاً يحاسب بدم حسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة.
وأضاف إلى ذلك ابن عساكر في تاريخه أن أسماء بنت عبد الرحمن بن الحارث - زوجة الوليد - أنكرت عليه ما جرى منه مع الحسينعليهالسلام ، فأجابها بأنه كان هو البادئ بالشتم والسب، فقالت له: سببت حسيناً؟! قال: هو بدأ فسبني. قالت: وإن سبَّك حسين تسبُّه!؟ وإن سبَّ أباك تسبُّ أباه؟! قال: لا.
لقد أعلن الحسين ثورته على يزيد ودولته بتلك الكلمات التي وجَّهها إلى الوليد بن عقبة المكلَّف بتوطيد حكمه في الحجاز وفي مدينة الرسول بالذات، ولم يكن الوالي يحسب أن الحسين سيعلنها في مجلسه بتلك الصراحة وفي المجلس من هم أشدُّ عداء لمحمد وآل محمد ورسالة محمد
من يزيد وأبيه.
إن فيه الوزغ وابن الوزغ طريد رسول الله الذي لا يستطيع أن يزيح عن قلبه ونفسه تلك العقد الدفينة التي خلَّفتها معاركهم مع الإسلام وانتصاراته التي أرغمتهم على التظاهر به مرغمين، وما تلا ذلك من إبعادهم عن المدينة إلى مكان مقفر من بلاد الطائف، وتحريض المسلمين على مقاطعتهم ردَّاً على إيذائهم للنبي وتجسُّسهم عليه وهو في بيته مع أهله ونسائه.
هذا الموقف وما تلاه من المواقف الأخرى التي كان من جملتها موقفه مع مروان بن الحكم وهو ينصحه أن يبايع ليزيد بن معاوية فردَّ عليه بقوله: (وعلى الإسلام السلام إذ قد بليت الأمة براعٍ مثل يزيد)،وقوله: (إنَّ الخلافة محرَّمة على آل أبي سفيان). كل هذه المواقف الحسينية تشكِّل إعلاناً صريحاً لتصميمه على الثورة ومناهضة الحكم الأموي بقيادة يزيد بن معاوية مهما بلغ حجم التضحيات في سبيلها، وقد بلغت مواقفه هذه يزيداً بأقصى حدود السرعة؛ بواسطة الأمويِّين الذين كانوا يفاوضونه ويراقبون جميع تحرُّكاته وتصرُّفاته ويحصون عليه حتّى أنفاسه.
لقد بلغت مواقف الحسين يزيداً بكل أبعادها ومضاعفاتها، فأفقدته وعيه واندفع مع نزقه ومضى يعمل للتخلص من الحسين قبل أن يخرج من مدينة جدِّه ويستفحل خطره، فدسَّ جماعة من جلاديه لقتله في المدينة قبل مغادرتها إلى العراق أو إي بلد آخر كما تؤكِّد ذلك أكثر المصادر؛ ولعل ذلك هو ما حدا بالحسين إلى مغادرة المدينة إلى مكَّة مع بنيه وأخوته وأسرته؛ ليفوِّت على يزيد بن ميسون وحفيد هند آكلة الأكباد ما كان يخطِّط له من إجهاض ثورته وهي لا تزال في مراحلها الأولى.
وقد اختار الحسينعليهالسلام لنفسه مكَّة وهو في طريقه إلى الشهادة على تراب كربلاء ليضع المسلمين - حيث يجتمعون فيها في ذلك الفصل من جميع مناطق الحجاز - أمام الواقع المرير الذي ينتظرهم في ذلك العهد المظلم، ويضع
بين أيديهم ما يحدق بالإسلام من دولة أبي سفيان؛ العدو الأكبر لمحمد ورسالته، وما عزم عليه من الثورة والتضحية لإنقاذ شريعة جدِّه من أولئك المردة، أحفاد أبي سفيان والحكم بن العاص طريد رسول الله، حتّى ولو كلَّفه ذلك حياته وحياة بنيه وجميع أسرته. وفيها اجتمع بتلك الوفود ومَن بقي من أنصار جدِّه، ووضعهم تجاه مسؤوليَّاتهم، واستعرضَ جميع أحداث معاوية ومواقفه المعادية للإسلام وما ينتظرهم من خليفته المستهتر الخليع، ودعاهم إلى نصرته وجهاد الظالمين، ومضى في طريقه إلى الهدف الأسمى والغاية القصوى وهو يتمثَّل بقول القائل:
إنْ كان دين محمدٍ لم يستقم |
إلاّ بقتلي يا سيوف خذيني |
تاركاً وراءه آراء المشيرين والناصحين الذين لم تتَّسع آفاقهم لأهداف ثورته وما سيكون لها من الآثار السخية بالعطاء على مدى التاريخ.
سَنة إحدى وستِّين
لقد كانت سَنة إحدى وستِّين مسرحاً لصراع عنيف بين إرادتين، ووقف التاريخ مذهولاً بين تلك الإرادتين: إرادة الخير وإرادة الشر، تمثَّلت الأولى في شخصية عظيمة خرجت من بيت علي وفاطمة أضفت عليها القداسة هالة من الإشعاع كأنَّه إشعاع الفجر المنبلج في كبد الظلام، وتمثَّلت الثانية إرادة الشر في رجلٍ أقلُّ ما يقال فيه أنَّه كان ربيب الشرك والجاهلية وحفيداً لأبي سفيان وزوجته هند آكلة الأكباد.
والأول هو الإمام الحسين: سبط الرسول الأعظم وشبل علي بن أبي طالبعليهالسلام ، ذلك الإمام العظيم والبطل الخالد.
لقد كان الحسين فرعاً لشجرة التوحيد الممتدَّة جذورها الطيِّبة الزكيَّة لهاشم سيِّد العرب في زمانه، ويزيد شوكة من حسك نابت في تربة سبخة من أرض موات أنبتت أخبث شجرة كان بنو أميَّة من نتاجها، ولقد عكست واقعة الطف الدامية التي شهدت مأساتها أرض كربلاء أثَر كلا الجانبين، بل أثر تلك الإرادتين: الإرادة الخيرة الهادفة
للإصلاح واستئصال الشرك والوثنية؛ تلك الإرادة المتمثِّلة في الحسين وصحبه، والإرادة الثانية: الإرادة الشريرة الهادفة للفساد وسفك الدماء واستعباد الصلحاء والأحرار وإعادة الجاهلية بكل أشكالها ومعالمها كما كان يمثِّلها حفيد أبي سفيان وآكلة الأكباد.
لقد وقف الحسين في سبيل العقيدة والمبدأ وحريَّة الإنسان وكرامته وقفته العظيمة التي حيَّرت العقول بما فيها من معاني البطولات والتضحيات التي لم يحدِّث التاريخ بمثلها فرداً، أمام دولة جبَّارة تخضع لنفوذ ملك ظالم جبار يحتلُّ الصدارة في قائمة الطغاة والسفَّاحين والمجرمين
في كل أرض وزمان. لقد وقف الحسين وقفته الخالدة التي كانت ولا تزال مصدراً من أوفر المصادر حظَّاً بكل معاني الخير والفضيلة و
المُثُل العليا، رافضاً الخنوع والاستكانة لحكم ذلك الذئب الكاسر المتمثِّل في هيكل إنسان يسمِّيه الناس يزيداً، وقدَّم دمه ودماء ذويه وإخوته وأنصاره قرباناً لله وللدين؛ ليبقى حيَّاً ما دامت الإنسانية تحتضن الأجيال على مدى العصور وبقي الحسين خالداً خلود الدهر بدفاعه عن كرامة الإنسان وحرِّيته وعقيدته وبمواقفه التي أعلن فيها أن كرامة الإنسان فوق ميول الحاكمين ولا سبيل لأحد عليها.
وذهب يزيد ومَن على شاكلته من الحاكمين في متاهات الفناء والتاريخ، تتبَّعهم لعنات الأجيال إلى قيام يوم الدين.
عشْ في زمانك ما استطعت نبيلا |
واترك حديثك للرواة جميلا |
|
ولعزِّك استرخص حياتَك إنَّه |
أغلى وإلاّ غادرتك ذليلاً |
تعطي الحياةُ قيادَها لك كلَّما |
صيَّرتها للمكرمات ذلولا |
|
العزُّ مقياس الحياة وضلَّ مَن |
قد عدَّ مقياس الحياة الطولا |
|
قلْ كيف عاش ولا تقل كم عاش مَن |
جعل الحياة إلى عُلاه سبيلا |
|
لا غرو إنْ طوت المنيَّةُ ماجداً |
كثُرت محاسنه وعاش قليلا |
|
قتلوك للدنيا ولكن لم تدم |
لبني أميَّة بعد قتلك جيلا |
بين هجرة الرسول وهجرة الحسين
هجرتان من أجل الإسلام ورسالة الإسلام: الأولى منهما كانت فراراً من الموت الذي استهدف رسالة محمد بشخصه، وقد نفَّذها الرسول الأعظم بأمر من ربِّه؛ ليتابع رسالته وينقذها من مشركي مكَّة وجبابرة قريش كأبي سفيان وأمثاله، والثانية قام بها سبطه الحسين بن عليعليهالسلام ، ولكنَّها كانت للشهادة بعد أن أدرك أنَّ الأخطار المحدقة برسالة جدِّه لا يمكن تفاديها وتجاوزها إلاَّ بشهادة.
لقد هاجر رسول الله من مكَّة إلى يثرب لأجل رسالته، بعد أن تآمرت قريش على قتله لتتخلَّص منها؛ لأنَّ بقاءها وانتشارها مرهون بحياته، وبعد أن وجدت أنَّ جميع وسائل العنف التي استعملتها معه على اختلاف اصنافها وأنواعها خلال ثلاثة عشر عاماً لم تغيِّر من موقفه شيئاً، كما لم تجْدِها جميع الإغراءات والعروض السخيَّة، وكان ردُّه الأخير على عروض أبي سفيان وأبي جهل ومغرياتهما: (والله، لو وضعتم الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا الأمر أو أموت دونه).
وعادت قريش بعد جميع تلك المراحل التي مرَّت بها معه تخطِّط من جديد للقضاء على رسالته، لاسيما بعد أن أحسَّت بأنَّ يثرب ستكون من أعظم معاقلها وستنطلق منها إلى جميع أنحاء الحجاز وإلى العالم بأسره، فاجتمع قادتها في مكان يعرف بدار الندوة وراحوا يتبادلون الآراء
للتخلُّص منه، فاقترح بعضهم أن يضعوه في إحدى البيوت مكبَّلاً بالحديد بعيداً عن أعين الناس ومجالسهم إلى أن يأتيه الموت، كما اقترح آخرون أن يُطرد من مكَّة حتّى لا يتحمَّلوا مسؤولية قتله، واتفقوا أخيراً على أنْ يباشروا قتله على أن تشترك فيه جميع القبائل المكِّيَّة، ويتولَّى ذلك من كل قبيلة فتى من أشدِّ فتيانها، واتفقوا على الزمان والمكان الذي يتمُّ فيه التنفيذ، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في الآية:( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) . والذي تعنيه الآية: أن الله قد فوَّت عليهم هذا التخطيط، وأخبر رسوله بما كان من أمرهم، وأمَرَه بالخروج من مكَّة ليلاً وأن يأمر عليَّاً في المبيت على فراشه قبيل خروجه.
وحينما عرض الأمر على عليعليهالسلام لم يتردَّد لحظة واحدة في التضحية بنفسه في سبيله، وقال له: (أو تسلم أنت يا رسول الله إن فديتك بنفسي) فردَّ عليه النبيصلىاللهعليهوآله بقوله: (نعم)، فطابت نفسه عند ذلك وتبدَّد ما كان يساوره من خوف وقلق على النبي، وتقدَّم إلى فراشه مطمئن
النفس، رابط الجأش، ثابت الفؤاد، واتَّشح ببُرد الحضرمي الذي أعتاد أن يتَّشح به في نومه.
وتمَّت الهجرة في جوف الليل من مكَّة إلى الغار ومنها إلى يثرب في السادس من ربيع الأول، واعتمد المسلمون تلك الهجرة في تواريخهم منذ عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطَّاب على أثر خصومة بين اثنين في دين يدَّعي أحدهما استحقاقه في شهر شعبان بموجب سند بيده. وسأل
الخليفة الدائن أي شعبان هذا؟ أشعبان هذه السنة أو التي بعدها؟ ولمَّا لم يطمئن لأحد منهما، جمع المسلمين في المسجد ليعتمد لهم
تاريخاً. والمسلمون يوم ذاك لم يكن لهم تاريخ خاص، فكان بعضهم يؤرِّخ بعام الفيل، وبعضهم بحرب الفُجَار، وأكثرهم كانوا يعتمدون تواريخ الدول المجاورة لشبه الجزيرة العربية، واختلفت آراء الصحابة في الزمان الذين يعتمدونه في تواريخهم وكادوا أن يتفرَّقوا بدون أن ينتهوا إلى نتيجة حاسمة لولا أنَّ عليَّاً أقبل عليهم بالمعهود من رأيه السديد واقترح أن يكون التأريخ بهجرة الرسول من مكَّة إلى المدينة، فأعجب ابن الخطَّاب برأيه وهتف قائلاً: (لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها أبو الحسن)، واقترن رأيه هذا بإعجاب الحضور وتقديرهم؛ لأنَّ هجرة الرسول كانت المنطلق لانتصار الإسلام على الشرك و
الوثنية، وحدثا تاريخياً لعله من أبرز الأحداث في تاريخ الدعوة. واستمر المسلمون على ذلك في تواريخهم ولم يحدِّث التاريخ عنهم بأنَّهم اعتبروا شهر المحرَّم بداية لسنتهم الهجرية، ولعل ذلك لم يحدث إلاّ بعد مقتل الحسين، وبعد أن أصبحت الأيَّام الأولى من شهر المحرَّم أيَّام حزن عند أهل البيت وشيعتهم، فجعلها الأمويُّون بداية للسنة الهجرية وعيداً من أعيادهم. ولا يزال المسلمون عند مواقفهم من تلك الأيَّام الأولى من ذلك الشهر، فالشيعة يحتفلون بذكرى الحسينعليهالسلام ويردِّدون تلك المأساة في مجالسهم ومجتمعاتهم بما تحمله وتنطوي عليه من الإخلاص للعقيدة والمبدأ والتضحيات الجسام في سبيل الحق والمستضعفين وكرامة الإنسان، وغيرهم من مسلمي السُّنَّة يحتفلون به كبقية الأعياد ويتباهون بمظاهر الفرح والزينة وأنواع الأطعمة.
ومهما يكن، فلقد كانت الهجرة من مكَّة إلى المدينة في السادس من ربيع الأول بعد مرور ثلاثة عشر عاماً على ولادة الإسلام، وفي اليوم الثاني عشر منه كان النبي في المدينة بين أنصاره الجدد الذين احتضنوه
وأخلصوا لرسالته، وأنقذه الله من تلك المؤامرة الدنيئة التي استهدفت حياته ورسالته وحاك خيوطها شيخ الأمويِّين يوم ذاك أبو سفيان
بن حرب، وسلم محمد لرسالته التي أرغمت أبا سفيان وغيره من مشركي مكَّة، بعد سنوات قليلة من تلك الهجرة، على الانضواء تحت لوائها بقلوبهم المشركة الحاقدة، يتململون بين أقدام طريدهم بالأمس يستجدون عفوه ورأفته أذلاَّء صاغرين.
وأبت نفسه الكبيرة التي اتسعت لتعاليم السماء ورسالة الإسلام إلاّ أن تتَّسع لأبي سفيان وحتّى لزوجته هند آكلة الأكباد وغيرها من المشركين والمشركات، وأعلن العفو العام حينما دخل مكَّة فاتحاً منتصراً، متجاهلاً جميع سيآتهم بكلماته الخالدة التي لا تزال سمة خزي وعار ما دام التاريخ: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، وأعطى لأبي سفيان - العدو الأكبر للإسلام - ما لم يعطه لأحد من المشركين.
وهل غيّر هذا الموقف العظيم الذي لا يمكن أن يصدر من أيِّ إنسان مهما كان نوعه، هل غيّر من نفس أبي سفيان وروحه شيئاً؟ وهل أدرك أنَّ موقفاً كهذا لا يصدر إلاّ عن إنسان تسيِّره إرادة السماء؟ إن النفوس الحقودة اللئيمة لا علاج لها إلاّ بالاستئصال، والرسول العظيم يعلم ذلك، ويعلم أنَّ ما صنعه مع البيت الأموي لا يغيِّر من طبيعته، ولكن مصلحة الإسلام يوم ذاك فرضت عليه أن يعالجهم بهذا الأسلوب ويستعمل معهم العفو والرحمة بدلاً من معاملتهم بما يستحقُّون.
وبقي الحزب الأموي بقيادة أبي سفيان يتحيَّن الفرص ويستغل المناسبات، وحينما انتقلت الخلافة إلى سليل بيته عثمان بن عفَّان، أحسَّ بنشوة تملأ نفسه الحاقدة وذهب يقوده غلامه لينفِّس عمَّا تراكم في نفسه من أحقاد على الإسلام ودعاته، إلى قبر الحمزة ليركله برجله ويقول: قم يا أبا عمارة، إنَّ الذي تجالدنا عليه لقد أصبح تحت أقدامنا.
وخلال سنوات معدودات من حكمهم، استطاعوا أن يحقِّقوا لهذا البيت أكثر أمانيه، واتجهوا يعملون لوثنيَّتهم وجاهليَّتهم حتّى لا يبقى لرسالة محمد ناطق على منبر أو محراب، وليصبح أئمة المساجد والقرَّاء والرواة أبواقاً للسلطة الحاكمة والقبضة الأموية الجديدة، التي تعمل للسلطة والجاهلية باسم الإسلام أداةً لغسل الأدمغة من عقائده وحشوها بمبادئ الردَّة والوثنية. وظلُّوا يعملون بهذا الاتجاه الوثني حتّى انقلبت القيم وسُحقت التعاليم وذهبت رياح الجاهلية بجهود المخلصين وجاءت بكنوز الذهب للمنافقين، وأصبح التوحيد ستاراً للشرك والإسلام لا يعني سوى الاستسلام للحاكمين، والسُّنَّة قاعدة للسلطة، والحديث عرضة للوضع والتزوير والتحريف، والألسن قطعت أو اشتريت بأموال الفقراء والمساكين.
أمَّا أصحاب السابقة والجهاد، فقد تقاضوا الثمن ولايات وإمارات، واعتزل فريق للعباد وفريق ساوموا على سكوتهم عن الظلم والجور حتّى لا يواجهون النفي والموت في صحراء الربذة ومرج عذراء وقصر الخضراء، وعادت الجاهلية الجديدة أثقلَ ظلَّاً وأشدَّ ظلمة ووحشية والعدو الجديد أشدَّ دهاءً وأكثر نضجاً وذكاء.
وفجأة سطع ضوء في الظلام ومن بين ركام الإسلام المتداعي، وأضاءت للملأ ملامح أمل جديد في دياجي ذلك الظلام المطبق، وبدأ للعالم إنسان يخط على التراب بدمه (إنِّي لا أرى الموت إلاّ السعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما).
إنَّه الحسين بن علي وفاطمة، سبط ذلك الرسول الذي هاجر من مكَّة ليثرب قبل ستِّين عاماً لأجل رسالته وإنقاذها من الشرك والوثنية، ومرَّة ثانية وفي ظروف لعلَّها أسوأ على الإنسانية والرسالة من الظروف التي خرج فيها جدَّه من قبل لإنقاذ البشرية ممَّا كانت تعانيه من عسف وجور
واستغلال، خرج من بيت محمد وعلي، البيت الذي وسع التاريخ كلَّه فكان أكبر منه، خرج غاضباً مصمِّماً على الموت كأنَّ في صدره إعصاراً هو في طريقه إلى الانطلاق، خرج لأجل الرسالة التي هاجر لأجلها جدَّه الرسول الأعظم من قبل، يتلفَّت من حوله وحيداً أعزل، يرى الرسالة وآمال الفقراء والمستضعفين تساق إلى قصر الخضراء في دمشق، لا يملك سلاحاً غير الشهادة التي يراها زينة للرجال كما تكون القلادة زينة للفتاة، وهاجر للحصول عليها على هدى وبصيرة وشبحها ماثل نصب عينيه يتطلَّع إلى تربة كربلاء مع ركبه بصبر وصمود وهو يقول: (خط الموت على ولْد آدم مخطَّ القلادة على جيد الفتاة... أفلا ترون أنَّ الحق لا يُعمل به وأنَّ الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربِّه محقَّاً).
لقد هاجر من مدينة جدِّه إلى مكَّة ومنها إلى العراق بعد أن رأى رسالة الإسلام تتعرَّض للانهيار ومصير الإنسان يوم ذاك أسوأ من مصير إنسان الجاهلية، نافضاً يديه من الحياة، لا يملك في مقابل عدوِّه سوى سلاح الشهادة، وفي كل مرحلة كان يقطعها وهو يحثُّ السير إليها كان يشير إلى أنصاره الذين رافقوه في تلك الرحلة ليموتوا معه وإلى أهل بيته الذين هم كل ما يملكه من الحياة، إلى هؤلاء جميعاً كان يشير ويكشف لهم عن معاني الشهادة وأهدافها ومعطياتها، ويشهد العالم بأسره بأنَّه قد أدَّى للإنسانية كلَّ ما يقدر عليه.
لقد كان سيِّد الشهداء يدرك ويعي أهميَّة الرسالة المُلقاة على عاتقه، ويعلم بأنَّ التاريخ ينتظر شهادته، وأنَّها ستكون ضماناً لحياة أمَّة، وأساساً لبناء عقيدة، وهتكاً لأقنعة الخداع والظلم والقسوة، وأداته لسحق القيم ومحوها من الأذهان، وإنقاذاً لرسالة الله من أيدي الشياطين والجلاَّدين، وهذا هو الذي كان يعنيه بقوله لأخيه محمد بن الحنفية وهو يلحُّ عليه ويتململ بين يديه باكياً حزيناً ليرجع إلى حرم جدِّه: (شاء الله أن يراني قتيلا، وأن يرى النساء سبايا).
لقد أعطى الحسين للعالم كلِّه بشهادته دروساً مليئة بالحياة غنية بالقيم وروعة الجمال، وأصبح هو ومَن معه من طفله إلى إخوته وأنصاره وغلمانه القدوة الغنية بمعطياتها للعالم في كل زمان ومكان، يعلِّمون الأبطال كيف يموتون في مملكة الجلاَّدين الذين ذهبت ضحية سيوفهم آمال أجيال من
الشباب، وتلوَّت تحت سياطهم جنوب النساء، وأبادوا وأجاعوا واستعبدوا رجالاً ونساء ومؤذِّنين ومعلِّمين ومحدِّثين.
لقد ترك الحسين وإخوته وأصحابه وحتّى غلمانه دروساً سخيَّة بالعطاء والقيم، حافلة بالعبر والمثل التي تنير العقول وتبعث في النفوس والقلوب قوة الإيمان بالمثل العليا والمبادئ السامية التي دعا إليها وضحَّى بكل ما يملك من أجلها، ولا تزال الأجيال تستلهم منها كل معاني الخير والعبر و
الفضيلة، وسيبقى الحسين وأنصاره مثلاً كريماً لكلِّ ثائر على الظلم والجور والطغيان إلى حيث يشاء الله.
لقد هاجر من مدينة جدِّه إلى أرض الشهادة والخلود ليقدِّم دمه الزكي ودماء إخوته وأنصاره الخالدين ثمناً لإحياء شريعة جدَّه الرسول الأعظم وإنقاذها من مخالب الكفر والانحراف، ولكي يضع حدَّاً لسياسة البطش والتنكيل وإراقة الدماء، وليعلن بصوته المدوِّي الذي لا يزال صداه يقضُّ مضاجع الظالمين أنَّ الإسلام فوق ميول الحاكمين، وأنَّ المثل والقيم فوق مستوى مطامعهم الرخيصة، وأنَّ الحريَّة والكرامة من حقوق الإنسان في حياته ولا سلطان للحكَّام والطغاة عليها.
أجل إنَّ رسالة الحسينعليهالسلام كانت ولا تزال امتداداً لرسالة جدِّه، وجهاده امتداداً لجهاد جدِّه وأبيه أمير المؤمنين بطل الإسلام الخالد الذي قام الإسلام وانتشر بسيفه وجهاده.
وكما خيَّبت هجرة الرسول مساعي المتآمرين على قتله بخروجه من
مكَّة إلى يثرب، بعد أن بات على فراشه بطل الإسلام الخالد ليدرأ عنه خطر الأعداء ويفيده بنفسه من مؤامرة أبي سفيان وحزبه، كذلك خيَّبت شهادة سبطه الثائر العظيم آمال أميَّة وأمانيها وما يطمح إليه حفيدها يزيد بن معاوية من تحطيم الإسلام وعودة الجاهلية والأصنام، آلهة آبائه وأجداده، وسجَّلت انتصاراً حطَّم أولئك الجبابرة الطغاة ودولتهم الجائرة العاتية التي قابلها الحسين وقضى عليها بشهادته ودمه الزكي الطاهر بالرجال والعتاد والأموال.
ولربَّ نصر عاد بشر هزيمة |
تركت بيوت الظالمين طلولا |
لقد قاتل مع الحسينعليهالسلام اثنان وسبعون شخصاً من إخوته وأبنائه وأنصاره الأبطال الذين امتحن الله قلوبهم بالإيمان، فقاتلوا دفاعاً عن الحق والعقيدة ورسالة الإسلام، وأرخصوا حياتهم لإعلاء كلمة الله في الأرض، وكانوا - مع قلَّة عددهم وكثرة الحشود التي اجتمعت لقتالهم - يكرُّون على تلك الحشود بقلوبهم العامرة بالتقوى ونفوسهم المطمئنة إلى المصير الذي أعدَّه الله للمجاهدين في سبيله، فيفرُّون من بين أيدهم فرار المعزى إذا شدَّت
عليها الذئاب. ورحم الله السيِّد حيدر الحلِّي القائل:
جاءوا بسبعين إلفٍ، سَلْ بقيَّتهم: |
هل قابلونا وقد جئنا بسبعين؟ |
لقد ترك لنا الحسين وجدِّ الحسين والأئمة من ذريَّة الحسين من أقوالهم وسيرتهم وسلوكهم وجهادهم مدرسة غنية بكل ما نحتاجه في الحرب و
السلم، والشدَّة والرخاء، والفقر والغنى وكل نواحي الحياة، فما أولانا ونحن ندَّعي الإسلام والتشيُّع لهم أنْ نرجع إلى سيرتهم ونسير على خطاهم، ونصنع من ميراث أمَّتنا وقادتنا خير أمَّة أُخرجت للناس.
ولو نظرنا - ومع الأسف الشديد - إلى مبادئ التشيُّع التي تجسِّد الإسلام بكل فصوله وخطوطه، وقارنَّا بينها وبين ما نحن عليه من تخاذل وتراجع وإذلال وانحراف عن الإسلام ومبادئه وقيمه، لوجدنا أنفسنا من أبعد الناس عن علي وبنيه وعن الحسين بالذات، الذي نحتفل في كل عام بذكراه ونبكيه ونردِّد بألسنتنا: يا ليتنا كنَّا معكم فنفوز فوزاً عظيماً. وأنا لا أشكُّ بأنَّ الحسين لو وُجِد في زماننا هذا، لصنع من القدس وجنوب لبنان كربلاء
ثانية، وسوف لا يناصره ممَّن يدعون الإسلام والتشيُّع ومَن يتباكون على القدس والجنوب ويتاجرون بهما في البيانات والخطب وعلى صفحات الجرائد أكثر من العدد الذي ناصره في كربلاء الأولى.
إنَّ بكاء الباكين وتباكيهم على الحسين وعلى القدس والجنوب لم يكن إلاّ لأنَّه يلتقي مع مصالحهم أو لبعض الحالات الطبيعية التي تسيطر على الإنسان أحياناً، فهل هؤلاء مع الحسين ومبادئه ومع القدس القبلة الأولى للمسلمين وفلسطين التي اغتصبتها وشردَّتَ أهاليها قوى الشر والعدوان؟ ومع جنوب لبنان الذي عبثت فيه الأهواء والأطماع ومزَّقته إلى أحزاب وشيع لا تحصى حتّى ولو تعارض ذلك مع مصالحهم وأهوائهم؟ فعشرات الشواهد والأرقام تؤكِّد أنَّ مصالحنا وأهوائنا إذا تعارضت مع الحسين وجميع القيم ومع القدس والجنوب وجميع المظلومين والمعذَّبين، فإنَّا لم نعد نتعرَّف على الحسين ولا على مبادئه وقيمه، ولا على القدس والجنوب، ولا على المظلومين والمعذَّبين. ولو خرج مَن يحمل مبادئ الحسين في زماننا هذا، لحاربناه كما حاربه أولئك بالأمس، ولقطعنا رأسه ورؤوس مَن يناصره وأهديناها لمَن يحمل روح يزيد وابن زياد، وما أكثرهم في زماننا هذا!
لقد بكى عمر بن سعد على الحسين في كربلاء وسالت دموعه على لحيته عندما رآه يجود بنفسه والدماء تنزف من جسده، وفي نفس الوقت
أمر أصحابه بقتله وقال لهم: انزلوا إليه وأريحوه. والإنسان في الغالب قد يتأثَّر وينفعل من غير قصد واختيار كما يتنفَّس ويتألَّم ويفرح
ويحزن، وسرعان ما يتغير وكأنَّه إنسان آخر، وبذلك نستطيع أن نفسِّر بكاء أكثر الباكين على الحسين من المحبِّين والمجرمين القساة وهم يستمعون إلى حديث كربلاء وما حلَّ بها من الفجائع على أهل البيتعليهمالسلام .
وجاء عن بعض العلويَّات أنَّها قالت: حين استشهد أخي الحسين هجم العدو على خيامنا بالسلب والنهب، ودخل خيمتي رجل أزرق العينين، فأخذ ما في الخيمة ونظر إلى زين العابدين وهو على نطع وكان مريضاً، فجذبه مِن تحته ورماه إلى الأرض، والتفت إليَّ وأخذ القناع عن رأسي وقرطين كانا في أذني وجعل يعالجهما ويبكي حتّى انتزعهما، فقلت له: تسلبني وأنت تبكي؟ فقال: أبكي لمصابكم أهل البيت.
وبلا شك فإنَّ الكثيرين من الَّذين يبكون لمصاب أهل البيت وما حلَّ بهم في كربلاء، يحملون روح هذا المجرم أزرق العينين، ولو تسنَّى لهم أن يسلبوا الحوراء أو غيرها خمارها إذا اقتضت مصلحتهم ذلك، فإنَّهم لا يقصِّرون ولا يتورَّعون، وأيُّ فرق بين أزرق العينين الذي اقتحم خيام الحسين وأخذ النطع من تحت الإمام السجاد وانتزع القرطين من أذني الحوراء وبين مَن يدَّعون التشيُّع والإسلام في زماننا هذا ويعتدون على أموال الناس وحقوق الناس وكرامتهم، غير مكترثين بالأديان ولا بالأخلاق والأعراف التي لا تقرُّ الإساءة لأحد من الناس.
إنَّ هؤلاء لا فرق بينهم وبين عمر بن سعد وأزرق العينين، ولو وجدت العقيلة الحوراء في زماننا هذا لَمَا تورَّعوا عن انتزاع قرطها ولا عن قتل أخيها وأبيها إذا اقتضت مصلحتهم ذلك، وفي الوقت ذاته يتأثَّرون وينفعلون وقد يبكون عندما يستمعون إلى حديث كربلاء وما فعله أزرق
العينين.
وسلام الله على الحسين وأنصاره شيوخاً وشباناً الذين لا تزال ذكراهم حيَّة تثير الأسى والشجن في نفوس المحبِّين وحتّى في نفوس الكثيرين في زماننا هذا من أمثال ابن سعد وأزرق العينين، ولكن ذلك الأسى سرعان ما يتبخَّر ولا يعلق من تلك الذكرى وأهدافها السامية في النفوس والعقول إلاّ صوراً لا تتجاوز عالمها ومحيطها، ثم تتبخَّر وكأنَّها لم تكن.
وأعود لأكرِّر بأنَّ المسلمين لو استغلُّوا ذكراك يا أبا عبدالله وتضحياتك الجسام في سبيل الإسلام وخير الإنسانية، واستغلُّوا مولد الرسول وسيرته العطرة الغنية بمعطياتها الذي يحتفلون به في هذه الأيَّام من كل عام من على منابرهم وبالهتاف والتصفيق في شوارعهم لبضع ساعات ثم يعودون مسرعين إلى نوادي القمار والخمور والبغاء وخدمة أعداء الإسلام بأموالهم وجميع طاقاتهم، لو استغلُّوا ذكرى سيد الشهداء ومولد الرسولصلىاللهعليهوآله لمرضاة الله ورسوله ولصالح الإسلام والمسلمين وبثِّ الوعي ورصِّ الصفوف في مقابل الغزاة من أعداء الإسلام والمسلمين، لا لإشاعة الجهل والتفريق والاتجار بالدين وعواطف الناس، لكانوا من أفضل الأمم وأقواها في مشرق الدنيا ومغربها، وسلام الله على الحسين الذي لم يحدِّث عن مثله التاريخ:
ورحم الله مَن قال في وصفه:
أضمير غيب الله كيف لك القنا |
نفذت وراءَ حجابه المخزون |
|
وتصكُّ جبهتك السيوفُ |
وإنَّها لولا يمينُك لم تكن ليمين |
|
ما كنتَ حين صُرعتَ مضعوف القوى |
فأقول لم تُرفد بنصر معين |
|
أمَا وشيبتِكَ الخضيبةِ إنَّها |
لأبرُّ كلِّ إليّةٍ ويمين |
|
لو كنتَ تستامُ الحياةَ لأرخصت |
منها لك الأقدارُ كلّ ثمين |
|
أو شئتَ محوَ عداك حتَّى لا يُرى |
منهم على الغبراء شخص قطين |
|
لأخذتَ آفاقَ البلادِ عليهم |
وشحنتَ قطريها بجيش منون |
|
حتَّى بها لم تُبق نافخَ ضرمةٍ |
منهم بكلِّ مفاوزٍ وَحصون |
|
لكنْ دعتك لبذل نفسكِ عصبةٌ |
حان انتشارُ ضلالِها المدفون |
|
فرأيتَ أنَّ لقاء ربِّك باذلاً |
للنفس أفضلُ من بقاء ضنين |
ما أروع يومك يا أبا الشهداء
شموخ مع التاريخ وصمود مع الأجيال يتجلَّى بكل وضوح في أفق الحياة الواسع ومع سير الزمن السرمدي، لا يطويه دوران الأيَّام ولا تنسيه الدهور والأعوام، يُجدِّد الآلام ويثير الأحزان والأشجان بالرغم من مرور المئات من الأعوام؛ ذلك هو يومك الخالد يا أبا عبدالله، الذي ضربت فيه أمثالاً بلغت أقصى حدود السمو في التضحية والفداء، وأوضحت المعالم البارزة للسبل التي يجب أن تكون منهجاً لعبور العقبات الصعاب في هذه الحياة، فما أروع هذا الخلود، وما أسمى معانيه لو بَرَزت بوضوح حقائقها ورُسمت دقائق خطوط أهدافها؛ لترفع المشعل الوهَّاج للأجيال المتعاقبة وتلتهم ثمرات تلك المآثر السامية، وتستلهم منها الصبر والعقيدة لتحقيق الأهداف التي دعا إليها الإسلام وكافح من أجلها دعاته الوفياء؛ لتطهير الأرض المقدَّسة من دنس الظالمين والغاصبين.
ما أروع يومك يا أبا عبدالله ويا أبا الشهداء، ذلك اليوم الذي وقفتَ فيه تخاطب أنصارك وأهل بيتك قائلاً:
(أمَّا بعد، فإنَّه قد نزل بنا من الأمر ما
قد ترون، ألا وإنَّ الدنيا قد تغيَّرت وتنكَّرت وأدبر معروفها، واستمرَّت حذاء ولم يبق منها إلاَّ صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون إلى الحقَّ لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه؟!، فليرغب المؤمن في لقاء ربه محقَّاً، فإنِّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برما).
فكانت التضحية وكان الداء الذي أدمى القلوب ومزَّقها وكان النصر حليفه، فلقد استقامت بشهادتك يا أبا عبدالله أركان الإسلام وتبين الرشد من
الغي، وظلَّت كلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله - التي حاربها الحزب الأموي - مدوِّية في الفضاء، خالدة في أجوائه خلود يومك.
لقد أراد لها يزيد بن ميسون الفناء بقتلك وأراد الله لك ولها البقاء، فبقيتْ وبقيتَ مع التاريخ تستنير الأجيالُ بذكراك ويستلهم منها المخلصون سُبُل الثورة على الظلم والطغيان، وبقي ذكر أولئك الطغاة عاراً تتبرَّأ منه الأحفاد والأجيال وتتبعهم اللعنات ما دام التاريخ.
فما أصبرك يا أبا عبدالله، وما أروع يومك حينما وقفتَ في أرض المعركة وحيداً لا ناصر لك ولا معين، تتلفتُ يميناً وشمالاً، فلا ترى سوى أصحابك وبنيك وإخوتك صرعى على ثرى الطفِّ المديد، والأعداء تحيط بك من كل نواحيك، تحدِّق في خيامك الخالية إلاّ من النساء و
الأطفال، والصراخ يتعالى من هنا وهناك، وأنت تتلوَّى لهول ذلك المشهد وتلك الحشود الهائلة وقد شهرت أسنَّة رماحها في وجهك، فتغمض عينيك من هول ذلك المنظر وممَّا حلَّ ببيت الرسالة وأحفاد الرسول، فلا تجد من يأويهم ويكفلهم من بعدك.
ثم تتلفَّت إلى أنصارك فلا ترى سوى الجثث المبعثرة من حولك، فما أهوله من منظر وما أرزأها من مصيبة لم يحدِّث التاريخ بمثلها، ومع كل
ذلك، فلم تلنْ لأولئك الطغاة، ومضيت في ثورتك على الباطل، ثورة الإيمان بكل معانيه وأبعاده على الكفر بكل أباطيله، تقول: (والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقرُّ لكم إقرار العبيد) وبقيت خالداً خلود الدهر.
لقد تمخَّضت مواقف الحسين بن عليعليهالسلام يوم عاشوراء، ذلك اليوم التاريخي، من خلال ما ارتسم فيها من البطولات والصمود أمام تلك الجحافل العاتية عن جلائل المعاني السامية، وتجلَّتْ من سطورها الدامية روائع من صفحات الإيمان الثابت والعقيدة المخلصة، وطفقتْ تحمل في مشاعلها نزعة الانعتاق من ربقة الاستغلال والاستعباد، واندفعت تخطُّ للأجيال أبعاد الكفاح الثوري وترسم للعصور سمات للصمود والثبات، وتدفع بالمناضلين المكافحين إلى تعلُّقهم بما يرسمونه من تخطيط لمعتقداتهم الفكرية، وما ينتهجونه من تحديد لمنطلقاتهم النضالية في المسار النضالي، وما يحدِّدونه من مواقف جريئة أمام تحدِّيات الحاكمين واستغلالهم لخيرات الشعوب وأرزاق العباد.
ان المسار الثوري الذي حفلت به ثورة الحسينعليهالسلام لقد عزز الكثير من طموح الشعوب المستغلة من اجل انهاض هذه الشعوب وايقاد فتيل الثورة للاطاحة بالنظم المستبدة وايجاد المجتمعات السليمة التي تحقق للشعوب حريتها وكرامتها وطموحاتها في التخلص من الاستغلال وتطوير الحياة وما يضمن لتلك الشعوب أمنها ورفاهيتها.
إنَّ ثورة الحسين تركت في دروب الأحرار المجاهدين والصامدين علامات مضيئة تنير مسالك الكفاح، وتمهِّد الطريق الذي يمكِّن كل ثائر - إذا اعتمد في الدرجة الأولى على نزعة السخاء بالأرواح وبذل الأنفس من أجل العقيدة الثابتة ومن أجل مواقع الصمود - للوصول إلى النصر.
إنَّ طرح الحسين الخالد لهذا السخاء العظيم بتقديمه نفسه وذويه وصحبه واستشهادهم إلى جانبه، مكَّن هذه الثورة من الديمومة والبقاء لتكون المنار لكل الثائرين الصامدين عبر مسيرات الانتفاضات الشعبية التي تحدث هنا وهناك، ومكَّن لها الانتصار إذا اقترنت بالنزاهة والإخلاص وبمثل ذلك السخاء الذي قدَّمه الحسين وأنصاره من أجل الإنسان وكرامته. لقد انتصر الحسينعليهالسلام باستشهاده انتصاراً لم يسجِّل
التاريخ انتصاراً أوسع منه، ولا فتحاً كان أرضى لله منه، وكان واثقاً من هذا الانتصار ومن هذا الفتح كما كان واثقاً من هزيمته عسكرياً كما يبدو ذلك من كتابه الذي كتبه إلى الهاشميين وهو في طريقه إلى العراق؛ فقد قال فيه: (أمَّا بعد، فإنَّه مَن لحق بي استشهد ومَن تخلَّف لم يبلغ الفتح).
وكما ذكرنا؛ فالفتح الذي يعنيه الحسين من كتابه إلى الهاشميين هو ما أحدثته ثورته من النقمة العامة على الأمويِّين وما رافقها من الانتفاضات التي أطاحت بدولتهم.
(إنَّ الله قد شاء أن يراهنَّ سبايا)
لقد كان محمد بن الحنفية، شقيق الحسين، في طليعة أولئك الذين حاولوا مع الحسينعليهالسلام أن لا يستجيب لأهل العراق، وأن يبقى بعيداً عنهم، وقد ذكَّره مع مَن ذكَّروه بمواقفهم مع أبيه وأخيه، وكان قد أشار عليه أن يذهب إلى اليمن أو بعض نواحي البر ولا يذهب إلى الكوفة، فوعده الحسينعليهالسلام أن ينظر في الأمر، وفي مطلع الفجر من تلك الليلة أُخبر ابن الحنفية أن الحسينعليهالسلام قد تهيَّأ للخروج مع إخوته وبني عمومته ونسائه إلى العراق، فأقبل عليه وقد أشرف موكبه على التحرُّك، فأخذ بزمام ناقته وهو يبكي، وقال له: ألم تعدني النظر فيما سألتك فما حداك على الخروج عاجلاً؟ فردَّ عليه الحسين قائلاً: (أتاني رسول الله بعد ما فارقتك فقال: يا حسين، أخرج فإنَّ الله قد شاء أن يراك قتيلا) فاسترجع ابن الحنفية وقال: إذا كان الأمر كما تقول، فما معنى حملك للنساء وأنت تخرج لهذه الغاية، فقال له: (إنَّ الله قد شاء أن يراهنَّ سبايا).
بهذا الجواب القصير وبهاتين الكلمتين بما لهما من المدلول الواسع
وبدون مواربة أو تمويه أجاب الحسين أخاه محمد بن الحنفية وعيناه تنهمر بالدموع والألم يحزُّ في قلبه ونفسه. وكما قال أبو عبداللهعليهالسلام : (إنَّ الله قد شاء أن يراهنَّ سبايا) كما شاء أن يراه قتيلاً موزَّع الأشلاء، هو ومَن معه من أسرته وأصحابه على ثرى الطف، لإنَّ سبيهنَّ بعده من بلد إلى بلد لم يكن أقل أثراً على تلك الدولة الجائرة وعلى تلك الأسرة التي تكيد للإسلام من شهادته، إن لم يكن أشدُّ وقعاً على نفوس المسلمين من استشهاده.
لقد كان لسبي النساء والأطفال والطواف بهنَّ من بلد إلى بلد أثراً من أسوأ الآثار على الأمويَِّين ودولتهم، وكان الجزء المتمِّم للغاية التي أرادها الحسين من نهضته؛ فلقد أثار الأحزان والأشجان في نفوس المسلمين وكشف أسرار الأمويين وواقعهم السيىء للقاصي والداني، وأظهر قبائحهم ومخازيهم للعالم والجاهل وأوضح للمسلمين في كل مكان وزمان أنَّ الأمويِّين من ألدِّ أعداء الإسلام؛ يبطنون الكفر والإلحاد ويتظاهرون بالإسلام رياء ودجلاً ونفاقاً. وفي الوقت ذاته، فلقد كان سبيهم من جملة الوسائل لنشر الدعوة إلى العلويِّين ومبدأ التشيُّع لأهل البيت، ولعن مَن شايع وتابع وبايع على قتل
الحسين، وقد أشارت إلى ذلك العقيلة الكبرى في قولها ليزيد بن ميسون في مجلسه بقصر الخضراء:فوالله ما فريت إلاَّ جلدك، وما حززت إلاّ لحمك .
لقد حملهم معه وهو على يقين بأنَّ الأمويِّين سيطوفون بهم في البلدان إلى أن يصلوا بهنَّ إلى عاصمتهم الشام، وسيراهم كل إنسان مكشفات الوجوه وفي أيديهم الأغلال والسلاسل، وأكثر الناس سيقابلون ذلك بالنقمة على الأمويِّين، وبالأسف والحزن لآل بيت نبيِّهم الذي بعث رحمة للعالمين.
جاء في كتاب المنتخب أنَّ عبيد الله بن زياد دعا شمر بن ذي
الجوشن وشبث بن ربعي وعمرو بن الحجاج وضمَّ إليهم إلف فارس وأمرهم بإيصال السبايا والرؤوس إلى الشام.
ويدَّعي أبو مخنف أنَّهم مرُّوا بهم بمدينة تكريت وكان أغلب أهلها من النصارى، فلمَّا اقتربوا منها وأرادوا دخولها، اجتمع القسِّيسون والرهبان في الكنائس وضربوا النواقيس حزناً على الحسين، وقالوا: إنَّا نبرأ من قوم قتلوا ابن بنت نبيِّهم، فلم يجرأوا على دخول البلدة وباتوا ليلتهم خارجها
في البرية.
وهكذا كانوا يُقابَلون بالجفاء والإعراض والتوبيخ كلَّما مرُّوا بدَير من الأديرة أو بلد من بلاد النصارى، وحينما دخلوا مدينة لينا، وكانت عامرة يومذاك، تظاهر أهلها رجالاً ونساءً وشيباً وشبَّاناً وهتفوا بالصلاة والسلام على الحسين وجده وأبيه ولعن الأمويِّين وأشياعهم وأتباعهم وأخرجوهم من المدينة وتعالى الصراخ من كل جانب، وأرادوا الدخول إلى جهينة من بلاد سوريا، فتجمَّع أهلها لقتالهم، فعدلوا عنها واستقبلتهم معرَّة النعمان
بالترحاب، بلدة المعري الذي يقول:
أليس قريشكم قتلت حسيناً |
وصار على خلافتكم يزيد |
وقال:
وعلى الأفق من دماء الشهيدين |
علي ونجله شاهدان |
وحينما أشرفوا على مدينة كفرطاب أغلق أهلها الأبواب في وجوههم، فطلبوا منهم الماء ليشربوا فقالوا لهم: والله لا نسقيكم قطرة من الماء بعد أن منعتم الحسين وأصحابه منه، واشتبكوا مع أهالي حمص وكان أهلها يهتفون قائلين: أكفراً بعد إيمان وضلالاً بعد هدى، ورشقوهم بالحجارة فقتلوا منهم 26 فارساً، ولم تستقبلهم سوى مدينة بعلبك كما جاء في الدمعة الساكبة، فدقَّت الطبول وقدَّموا لهم الطعام والشراب.
وجاء عن سبط بن الجوزي عن جدِّه أنَّه كان يقول: ليس العجب أن يقتل ابن زياد حسيناً، وإنَّما العجب كل العجب أن يضرب يزيد ثناياه بالقضيب ويحمل نساءه سبايا على أعقاب الجمال.
قد رأى الناس في السبايا من الفجيعة أكثر ممَّا رأوه في قتل الحسين، وهذا ما أراده الحسينعليهالسلام من الخروج بالنساء والصبيان، ولو لم يخرج
بهنَّ، لَمَا حصل السبي الذي ساهم مساهمة فعَّالة في الهدف الذي أراده الحسين من نهضته؛ وهو انهيار تلك الدولة الجائرة.
ولو افترضنا أنَّ السيدة الكبرى زينب بنت علي وفاطمة بقيت في المدينة وقتل أخوها في كربلاء، فما عساها تصنع؟ وأيُّ عمل تستطيعه غير البكاء والنحيب وإقامة العزاء؟ وهل كان يتسنَّى لها الدخول على ابن زياد لتقول له بحضور حشد من الناس: (الحمد لله الذي أكرمنا بنبيِّه محمد، وطهَّرنا من الرجس تطهيراً، وإنَّما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله) وهل كان بإمكانها أن تدخل مجلس يزيد في قصر الخضراء وهو مزهو بملكه وسلطانه، وتلقى تلك الخطب التي أعلنت فيها فسقه وفجوره ولعنت فيها آبائه وأجداده، وقالت له فيما قالت: (أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك إماءك وحرائرك وسوقك بنات رسول الله سبايا... ولئن جرَّت عليَّ الدواهي مخاطبتك إنِّي لاستصغر قدرك وأستعظم تقريعك) إلى غير ذلك من كلماتها التي كانت تنهال عليه كالصواعق وغيَّرت اتجاه الرأي العام نحوه ونحو بيته، ممَّا اضطره لأن يتنصَّل من تلك الجريمة ويلعن
ابن زياد، ويحاول أن يحمِّله مسؤوليتها بعد أن بلغته آثار تلك المأساة في المدن والقرى التي مرَّ بها موكب السبايا، واللعنات التي كانت تنهال عليه وعلى أهل بيته، وبعد أن رأى الوجوه تغيَّرت عليه حين وقفت في مجلسه ذلك الموقف التاريخي الذي
لا يزال حديث الأجيال.
بعد أن رأى ذلك وسمع ما أحدثه موكب السبايا في نفوس الناس وقلوبهم وبخاصة بعد أن عرف الناس في عاصمته وخارجها أنَّ هذا الموكب لآل الرسول وبناته ن جعل يتنصَّل من تلك الجريمة ويحمل أوزارها لإبن زياد ومعاونيه. لقد كان باستطاعة يزيد ومعاونيه لو لم يتعرَّض لأسر النساء والأطفال وسبيهن من بلد إلى بلد، أن يموِّه على الناس ويقول لهم: لقد نازعني الحسين ملكي وقاتلني فقتلته، ولكنَّه بعد أن صنع مع النساء والأطفال ما صنع من الأسر والسبي والامتهان، ضاقت عليه الحجج والذرائع ولم يعد أمامه إلاّ أن يتنصَّل منها ويضع مسؤوليَّتها على غيره حيث لا يجديه التنصُّل ولا تستره الأعذار، وقد أيقن بعدها الكثير من الناس بأنَّه كان في عمله هذا مسيَّراً لأمويَّته الحاقدة على بيت محمد ورسالته، ولو أنَّه ترك النساء والأطفال بعد تلك المجزرة وشأنهم، ولم يعاملهم بتلك المعاملة التي لم يعامل المسلمون بها أسرى المشركين ونسائهم، لم يكن لجريمته كل ذلك الصدى الذي هزَّ العالم الإسلامي بكل فئاته وطبقاته.
لقد كان الحسين يرى من وراء الغيب بأنَّ شهادته وحدها لا تعطي النتائج المطلوبة ولا تحقِّق له جميع أهدافه ما لم تقترن بسبي النساء والأطفال والطواف بهنَّ من بلد إلى بلد؛ ليتاح لشقيقته العقيلة أن تؤدِّي دورها ورسالتها، فقال لأخيه ابن الحنفية وهو يتململ بين يديه باكياً حزيناً[نقلاً عمَّا قاله له رسول الله في رؤياه]: (إنَّ الله قد شاء أن يراك قتيلا... إنَّ الله قد شاء أن يراهنَّ سبايا) وكان على أميَّة وحفيدها يزيد بن ميسون لو كانت تملك ذرَّة من الوفاء والشرف، أن تعود إلى الوراء قليلاً لترى ما فعله جد زينب والحسين وبقية العلويِّين والعلويَّات مع أبي سفيان وزوجته هند بنت عتبة التي مثَّلت بعمِّه الحمزة وأكلت من كبده وكيف عاملهما بالعفو والصفح وجعل لهما ما لم يجعله
لأحد من مشركي مكَّة وطواغيتها، ورحم الله بعض الشعراء الذي ذهب يعاتب الأمويِّين بقوله:
وعليك خزي يا أميَّة دائم |
يبقى كما في النار دام بقاك |
|
فلقد حملت من الآثام جهالة |
ما عنه ضاق لمَن دعاك دُعاك |
|
هلا صفحت عن الحسين ورهطه |
صفح الوصي أبيه عن أباك |
|
وعففت يوم الطف عفَّة جدِّه |
المبعوث يوم الفتح عن طلقاك |
|
أفهل يد سلبت إماءك مثلما |
سلبتْ كريماتِ الطفوف يداك |
|
أم هل برزن بفتح مكَّة حُسَّراً |
كنسائه يوم الطفوف نساك |
ورحم الله القائل في وصف السبايا:
وزاكية لم تلقَ في النوح مُسعداً |
سوى أنَّها بالسوط يزجرها زجر |
|
ومذعورة أضحت وخِفَاق قلبها |
تكاد شظاياه يطير بها الذعر |
|
ومذهولة من دهشة الخيل أبرزت |
عشية لا كهف لديها ولا خدر |
|
تُجاذبها أيدي العدو خمارَها |
فتستر بالأيدي إذا أعوز الستر |
سرتْ تتراماها العداة سوافرات |
يروح بها مِصر ويغدو بها مصر |
|
تطوف بها الأعداء في كل مهمة |
فيجذبها قِفر ويقذفها قفر |
بطولات الشَّباب في كربلاء
إذا كانت مطامح الشباب عيشاً رغيداً ومستقبلاً سعيداً حافلاً بكل ألوان النعيم كما نشاهد ونرى، فشباب كربلاء كانت كل أمانيهم ومطامحهم صموداً في الأهوال وصبراً في البأساء واستشهاداً بحدِّ السيوف، ولم يكن لتلك الفتوَّة الغضَّة والصبا الريَّان أن تهتمَّ أو تفكِّر بما أُعدَّ لها من غضارة الدنيا وما ينتظرها من صفو الحياة ولهوها ومتعها، بل كان كل همِّهم التطلُّع إلى أيِّ سبيل من سُبُل الشهادة يعبرون وأيِّ موقف من مواقف البطولات يقفون.
هناك وعلى مشارف العراق وفي الطريق إلى كربلاء كان الحسينعليهالسلام يسير على رأس قافلة الشباب الأبطال متحدِّياً أقوى سلطة وأبشع طغيان وأسوأ مَن عرفه التاريخ من الحاكمين، متحدِّياً كل ذلك بسبعين من الرجال والشباب؛ ليحطِّم بهذا العدد القليل قوى الشر والطغيان ومعاقل البغي و
العدوان؛ وليعلِّم أبناء آدم كيف يموتون في سبيل العزَّة والكرامة.
كان يسير أبو عبدالله على رأس تلك القافلة ممَّن اصطفاهم الله إلى الشهادة التي لم يجد وسيلة غيرها تَحفظ لشريعة جدِّه ممَّا كان يخطِّطه لها الحزب الأموي الحاكم الذي سخَّر جميع طاقات الأمَّة وإمكانيَّاتها وفئاتها للقضاء عليها.
كان يسير إلى الشهادة ومِن حوله عشرون شاباً، أو أكثر، من بنيه وإخوته وأبناء أخيه الحسن السبطعليهالسلام وأبناء أخته بطلة كربلاء وشريكته في الجهاد والتضحيات وأحفاد عمِّه عقيل بن أبي طالب، وما أسرع أن كبّر قائلا: (الله أكبر)، ولم يكن الموقف موقف تكبير! فلا بدَّ وأن يكون تكبيره
لأمر ما، أو لهمٍّ من همومه أراد أن يستنجد عليه بالله سبحانه. وإذا كان للتكبير روعته مهما كانت دوافعه وأسبابه، فما أحسب أن تكبيراً في تلك الساعة كان له من الروعة ما كان لتكبير الحسينعليهالسلام وهو منطلق في تلك الصحراء المديدة إلى الهدف الأسمى والغاية العليا تحت سماء العراق الصافية. على رأس ذلك الركب كبّر الحسين، فكانت تكبيرة لم يعرف التاريخ تكبيراً أكثر منها دويَّاً، تكبيرة اقتحمت تلك البيداء ومضت من صعيد إلى صعيد تهزُّ النفوس وتثير الضمائر الحيَّة وتحضُّ على الظالمين والعابثين بتراث محمد ورسالته.
وما كان لعلي الأكبر ابن العشرين الذي كان يسير إلى جنب أبيه إلاّ أن يسأل أباه لم كبّرت يا أبتاه؟ فقال له: (يا بني، إنِّي خفقت خفقة، فعنّ لي فارس على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير في إليهم، فعلمت أنَّها نفوسنا نعيت إلينا).
لقد كان جواب الحسين لولَده موجزاً وبكلمة واحدة، لا مواربة فيها ولا تمويه، إنه الموت ينتظرنا على الطريق وسوف نموت ولا نستسلم للطغاة ولا نهادن الجور والتسلُّط على عباد الله والمستضعفين في الأرض، مع أنَّه لا سبيل لنا إلى استنهاض ثورة عارمة تدكُّ عروش أولئك الطغاة
بقوَّتها المادية تنتصر عليهم بقوُّة السلاح وكثرة الرجال.
إنَّ سبيلنا الوحيد هو بين أيدينا ورهن إرادتنا؛ وهو أنْ نكون وحدنا الثورة، ومن غير المعقول أن نتغلَّب بهؤلاء السبعين على ألوفهم ونهزم بهم سبعين ألفاً من رجالهم، ولكن باستطاعتنا أن نقلب الدنيا على رؤوسهم إذا ضحَّينا وقُتلنا في سبيل الإسلام ورسالته.
وكان الحسينعليهالسلام وهو يلقي كلماته هذه على ولده علي الأكبر ابن العشرين وأشبه الناس بجده الرسول الأمين خَلقاً وخُلقاً؛ يريد أن يَسمع رأي ولده الأكبر، ولم ينتظر الإمام طويلاً حتّى سمع جواب الشاب الذي بادره بقوله: يا أبتاه - لا أراك الله سوء - أولسنا على الحق؟ هذا هو القول الفصل عند علي بن أبي طالب وأبنائه شيوخاً وشباباً، والقرار الأول والأخير أنَّهم يسعون إلى الحق ويعملون من أجله ويحاربون الباطل، وحيث يكون الحق فهو هدفهم وغايتهم مهما كلَّفهم ذلك من جهود وتضحيات.
أولسنا على الحق يا أبتاه؟ هكذا كان جواب الأكبر ابن العشرين لأبيه، وكان رد الحسينعليهالسلام : (بلى، والذي إليه مرجع العباد)، وردَّ عليه ولده بقوله: إذن، لا نبالي بالموت ما دمنا نموت محقِّين.
إنَّ الحسينعليهالسلام لم يكن ينتظر من ولده غير هذا الجواب، ولكنَّه لم يتمالك إلاّ أن يزهو بمثل هذه الروح التي يحملها شاب في مطلع شبابه، فردَّ عليه قائلاً: (جزاك الله من ولد خيرَ ما جزى ولداً عن والده).
إنَّ علي الأكبر بكلماته هذه لم يكن يعبر عن نفسه وروحه خاصة بل، كان يتكلَّم باسم الشباب العشرين من أحفاد أبي طالب وكان يعلن قرارهم الأخير الذي هاجروا من المدينة لأجله، وكان في طليعة أولئك الشباب العشرين العبَّاس بن علي أكبرهم سنَّاً، وكان الحسين يحبُّه حبَّ الأخ لأخيه والوالد لولده الوحيد، وللعبَّاس من المؤهِّلات والصفات الفاضلة ما جعله
محبَّباً لكلِّ عارفيه. وكما تكلَّم الأكبر باسم الطالبيِّين جميعاً، فقد تكلَّم العبَّاس باسمهم بمناسبة أخرى وبنفس الروح والعزيمة والاستهانة بالحياة التي كان يحملها الأكبر؛ وذلك عندما عرض عليه ابن ذي الجوشن الأمان لاتصال أمه أم البنين بنسبه، فردَّ عليه العبَّاس بعد أن أمره الحسين
بالردِّ عليه قائلاً: لعنك الله ولعن أمانك؛ أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له؟! ولقد كرَّروا تصميمهم على التضحية في سبيل الحق الذي يمثِّله الحسين مرة أخرى؛ وذلك عندما جمع الحسين أنصاره وأهل بيته وأذن لهم بالانصراف، وقال: (ألا وإنِّي أظن يومناً من هؤلاء الأعداء غدا، ألا وإنِّي قد رأيت
لكم فانطلقوا جميعاً فليس عليكم مني ذمام، هذا ليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي) وكان أوَّل المتكلِّمين باسمهم جميعاً العبَّاس بن علي، فقال: (ولم نفعل ذلك؟! لنبقى بعدك يا أبا عبدالله! لا أراني الله ذلك أبدا)، وتتابعوا جميعاً على الكلام بنفس الروح واللغة التي تكلَّم بها العبَّاس.
وفي اليوم العاشر من المحرَّم؛ اليوم الحاسم الرهيب، كان الشباب أحفاد أبي طالب يتسابقون إلى الموت بأرواحهم الطيبة السخية بالبذل والفداء في سبيل الحسين، وكما كان الأكبر يتكلَّم باسمهم ويعبِّر عمَّا في نفوسهم وضمائرهم، فقد كان أوَّل شهيد من أولئك الشباب الأبطال، وحينما أقبل على المعركة قال:
أنا علي بن الحسين بن علي |
نحن وبيت الله أولى بالنبي |
والله لا يحكم فينا ابن الدعي
وتناولته السيوف والرماح بعد أن فتك بهم فتكا ذريعاً وقَتل نحواً من مائتين من فرسانهم وأبطالهم الأشداء وأدَّى للبطولة حقَّها وللشهادة
كرامتها، وتتابع الطالبيُّون من بعده شاباً بعد شاب دفاعاً عن الحق
والعقيدة وكرامة الإنسان ومبادئ الإسلام مطمئنين بالمصير الذي أُعدَّ لهم والنصر المبين.
عشرون شاباً من نسل أبي طالب وأحفاد محمد بن عبدالله رفضوا الذلَّ والهوان ومشوا إلى الموت بأنوف شامخة ورؤوس مرفوعة عالية لحماية الإسلام من الوثنية والجاهلية الرعناء، التي حمل لوائها يزيد بن ميسون بعد أبيه معاوية وجدِّه أبي سفيان عدو الإسلام الأكبر الذي أرغمه الإسلام على الاستسلام عام الفتح ووقف بين يدي محمد بن عبدالله ذليلاً يستجديه العفو والصفح. مشوا إلى الموت يرددون مقالة جدِّهم أبي طالب وهو يخاطب أبا سفيان وحزبه يوم كانوا يطاردون النبي في مكَّة ويسومونه كل أنواع العسف والجور ويساومون أبا طالب ليتخلَّى عنه وهو يقول لهم:
كذبتم وبيت الله نخلي محمداً |
ولما نطاعن دونه ونناضل |
|
وننصره حتّى نصرع حوله |
نذهل عن أبنائنا والحلائل |
إنَّ أبا طالب حينما أنشد هذين البيتين لم يقصد بهما نفسه ولا جيله من الهاشميِّين والطالبيِّين، بل كان يقصد بهما كلَّ هاشمي من نسله، ويناشد كل جيل من أحفاده أن يضحِّي بنفسه وبكل ما لديه عندما يرى رسالة محمد معرَّضة للتحريف والتزوير والاستغلال، كان يخاطبهم من وراء الغيب أينما وجدوا ليكونوا حماة لرسالة محمد ونهجه، وهكذا كان؛ فلقد نفَّذوا جميع وصاياه وناضلوا وضحُّوا بأنفسهم من أجلها حتّى استشهدوا حول
الحسين، تاركين للعالم وللتاريخ صوراً ناصعة من الوفاء، ودروساً غنية بالعطاء والمثل العليا تستلهم منها الأجيال كلَّ معاني الخير والنبل والفضيلة.
لقد نفَّذ أحفاد أبي طالب كل وصاياه ووقفوا في وجه أولئك الجلاَّدين والفراعنة أحفاد أبي سفيان، يناضلون ويدافعون عن رسالة محمد وتعاليم محمد بنفس الروح والعزيمة التي كان جدُّهما أبو طالب يدافع ويناضل بهما ويقول لابن أخيه:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
حتّى أوسَّد في التراب دفينا |
|
ولقد علمت بأن دين محمد |
من خير أديان البريَّة دينا |
إنَّ أبا طالب الذي وقف إلى جانب الدعوة ودافع وناضل عنها وعن صاحبها بكل ما لديه من مال وجاه وقوة منذ أن بزغ فجرها، ولم يتنازل عن مواقفه منها بالرغم من مغريات قريش وجبروتها، وفي الوقت ذاته كان يعلن بكل مناسبة بأن دين محمد من خير أديان البرية، ويأمر بني ذويه بالسير على خطا باعثها وحاميها واعتناق الإسلام. إنَّ أبا طالب صاحب هذه المواقف الكريمة الخالدة لقد مات كافراً وفي ضحضاح من نار عند إخواننا أهل السنَّة، ومعاوية وأبا سفيان اللذين لم يفارقا الأصنام ولم يتنازلا عن وثنيَّتهما لحظة واحدة كما تؤكِّد ذلك مواقفهما من الإسلام وحماة الإسلام في عشرات المناسبات، ماتا مسلمين مؤمنين ومن عدول الصحابة. وعشرات الشواهد تدلُّ على أنَّ أبا طالب (سلام الله عليه) لا ذنب له عند الأمويِّين ورواتهم ومحدِّثيهم إلاّ أنَّه والد الإمام علي بن أبي طالب الذي ضعضع كبريائهم وداس عنصريَّتهم ووثنيَّتهم بقدميه في بدر وأُحد والأحزاب، وفضح مخطَّطاتهم في سيرته وسلوكه وسياسته، ولو استطاعوا أن يلصقوا به الشرك لم يقصِّروا، ومع ذلك فقد وضع لهم أبو هريرة وابن جندب وكعب الأحبار والزبيريُّون وابن شهاب الزهري عشراتِ الأحاديث في ذمِّه وتجريحه ولعنوه على منابرهم نحواً من مائة عام،
ولكنَّهم كانوا بما اقترفوه في حقِّه كأنَّهم يأخذون بضبعه إلى السماء، وكأنَّهم كانوا ينشرون جيف الحمير فيما وضعوه من الأحاديث في فضل بعض الصحابة والأمويِّين على حد تعبير الشعبي وعبدالله بن عروة لولديهما.
ومهما كان الحال فستبقى مواقف أنصار الحسين وشباب كربلاء بالذات في سبيل الحق والمبدأ والعقيدة مثلاً كريماً لكل ثائر على الظلم والجور والطغيان إلى حيث يشاء الله، وسلام الله عليهم وعلى جدِّهم أبي طالب حين ولدوا وحين استشهدوا وحين يُبعثون مع الأنبياء والصدِّيقين وشهداء بدر وأُحد ورحمته وبركاته.
ونتمنَّى على شبابنا الذين ينشدون التحرُّر من الاستغلال والاستعباد وتسلُّط الحاكمين أن يرجعوا إلى تعاليم الإسلام وسيرة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم من وثنية الأمويِّين وعنصريَّتهم ومن كل ما هو غريب عن الإسلام وبعيد عنه، ونتمنَّى عليهم أن يرجعوا أيضاً إلى مدرسة كربلاء ليقتدوا بشبابها الذين كانوا ثورة عارمة على الظلم والتسلُّط والاستغلال واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان، وسيجدون فيها وفي الإسلام ما يغنيهم عن تلك المبادئ المستوردة من هنا وهناك والتي تنطوي على أسوأ أنواع التسلُّط واستعباد الشعوب باسم الحرية والعدالة والديمقراطية وما إلى ذلك من الشعارات البرَّاقة الجوفاء التي يتاجرون فيها لتضليل الشعوب والبريئين من الناس، ومنه سبحانه نستمدُّ لهم الهداية والوعي السليم ليدركوا ما تنطوي عليه تلك المبادئ من تضليل وهدم للقيم والأخلاق واستغلال للضعفاء إنَّه قريب مجيب.
لقد أوصى الحسين أهل بيته بالصبر بعد ما استشهد جميع أصحابه ولم يبق معه إلاّ أولئك الشباب من ولده وولد علي وجعفر وعقيل
والحسن السبط، فاجتمعوا يودِّع بعضهم بعضاً وهم في مطلع شبابهم
كالأسود الضواري وأثبت من الجبال الرواسي:
كرام بأرض الغاضرية عرَّسوا |
فطابت بهم أرجاء تلك المنازل |
|
أقاموا بها كالمـُزن فاخضرَّ عُودُها |
وأعشب مِن أكنافها كلُ ماحل |
|
زهت أرضها من شرِّ كلِّ شمردل |
طويلُ نجادِ السيفِ حلوُ الشمائل |
|
كأن َّلعزرائيل قد قال سيفُه |
لك السلم موفوراً ويوم الكفاح لي |
|
حموا بالظبي دين النبي وطاعنوا |
ثباتاً وخاضت جردهم بالجحافل |
|
ولما دنت آجالهم رحَّبوا بها |
كأنَّ لهم بالموت بلغة آمل |
|
عطاشى بجنب النهر والماء حولُهم |
يباح إلى الوراد عذب المناهل |
|
فلم تُفجع الأيَّامُ من قبل يومهم |
بأكرم مقتولٍ لألأم قاتل |
ورحم الله مَن قال في وصفهم:
هم القوم من عَليَا لؤيِّ بن غالب |
بهم تكشف الدجى ويستدفع الضرُّ |
|
يحيون هنديَّ السيوف بأوجه |
تهلِّل من لئلاء طلقها البشير |
|
يلفُّون آحاد الألوف بمثلها |
إذا حلَّ من معقود راياتها نشر |
|
بيوم به وجه المنون مقطَّب |
وحدُّ المـَواضي باسم الثغر يفتر |
|
إذا اسودَّ يوم النقع أشرقنَ بالبها |
لهم أوجه والشوس ألوانها صفر |
|
وما وقفوا في الحرب إلاّ ليعبروا |
إلى الموت والخطيِّ من دونه جسر |
|
يكرُّون والأبطال نكساً تقاعست |
من الخوف والآساد شيمتها الكرُّ |
|
إلى أن ثوَوْا تحت العجاج بمعرك |
هو الحشر لا بل دون موقفه الحشر |
|
وماتوا كراماً تشهد الحرب أنَّهم |
أباة إذا ألوى بهم حادث نكر |
|
أبا حسن شكوى إليك وإنَّها |
لواعج أشجان يجيش بها الصدر |
|
أتدري بما لاقتْ من الكرب والبلا |
وما واجهت بالطَّف أبناؤك الغر |
أعزِّيك فيهم إنَّهم وردوا الردى |
بأفئدة ما بلَّ غلَّتها قطر |
|
فكم نكأت منكم أميَّة قرحة |
إلى الحشر لا يأتي على جرحها السِّبر |
|
فمِن صبية قد أرضعتها أميَّة |
ضروع المنايا والدماء لها دُرُّ |
|
فها هي صرعى والسهام عواطف |
حنواً عليها والرمال لها حجر |
|
وزاكية لم تلق في النوح مُسْعِداً |
سوى أنَّها بالسوط يزجرها زجر |
|
ومذهولة من دهشة الخيل أبرزت |
عشية لا كهف لديها ولا خِدر |
|
تُجاذبها أدي العدو خمارها |
فتستر بالأيدي إذا أعوز الستر |
|
سرت تتراماها العداة سوافراً |
يروح بها مصر ويغدوا بها مصر |
|
تطوف بها الأعداء في كلِّ مَهْمَهٍ |
فيجذبها قفر ويقذفها قفر |
بطلة كربلاء زينب بنت علي عليهالسلام
لقد تحدَّث الناس عن البطولات والأبطال من النساء والرجال المعروفين بالجرأة والشجاعة ومقارعة الفرسان في المعارك التي كانت المرأة تقف فيها إلى جانب الرجل وتؤدِّي دورها الكامل بنفس الروح والعزيمة التي كان الأبطال يخوضون المعارك فيها، وبلا شك فإنَّ أهل البيتعليهالسلام يأتون في الطليعة بين أبطال التاريخ، وإنَّ زينب بنت علي وفاطمة تأتي في الطليعة بعد أبيها وإخوتها كما يشهد لها تاريخها الحافل بكل أنواع الطُّهر والفضيلة والجرأة والصبر في الشدائد.
وليس بغريب على تلك الذات العملاقة التي التقت فيها الأنوار الثلاثة: نور محمد وعلي وفاطمة، ومن تلك الأنوار تكوَّنت شخصيَّتها أن تجسِّد بمواقفها خصائص النبوة والإمامة وأمَّها الزهراء التي امتازت بفضلها على نساء العالمين.
إنَّ اللسان ليعجز وإنَّ اللغة - على سعة مفرداتها - لتضيق عن وصفها، وعن التعبير عمَّا ينطوي عليه الإنسان من الشعور نحو المرأة الكبيرة والقدوة
العظيمة ابنة علي والزهراء، التي عزَّ نظيرها بين نساء العرب والمسلمين بعد أمها البتول سيدة نساء التي ابتسمت للموت حين بشَّرها به الرسول الأمين في الساعات الأخيرة من حياته وقال لها: (أنتِ أوَّل أهل بيتي لحوقاً بي).
إنَّ الإلمام بحياة بطلة كربلاء في عهود الطفولة والصبا والأمومة، وكيف نشأت طفلة وشابَّة برعاية أمِّها الزهراء وأبيها الوصي، وفي بيت زوج كريم من كرام أحفاد أبي طالب، وبعد أن أصبحت أمَّاً لأسرة غذَّتها بتعاليم الإسلام وأخلاق أمِّها وأبيها، يضطرنا إلى التطويل الذي يعرِّض القارىء للملل في الغالب، وفي الوقت ذاته، فإنَّ الحديث عن بطولاتها التي لا تزال حديث الأجيال، والتي تجلَّت في رحلتها مع أخيها تاركة بيتها تحثُّ الخطى خلفه في رحلته إلى الشهادة لتعلِّم الرجال والنساء كيف يموتون في مملكة الجلاَّدين، يضع بين يدي القرَّاء صورة كريمة عن ذلك الغرس الطيب وعن مراحل نموه حتّى بلغ إلى هذا المستوى من النضوج والقدرة على الثبات والصمود في وجه تلك الإحداث التي لا يقوى على تحملها أحد من الناس.
ومهما كان الحال فلعلَّنا بعد هذا الفصل نتوقَّف لإعطاء فكرة كافية عن ذلك الغرس الطيب وكيف نما وتكامل نموُّه حتّى بلغ أشدَّه ونهض بأعباء المسؤولية العظمى وأدَّى دوره الكامل عندما وقعت تلك المأساة الكبرى التي حلَّت بالعلويِّين والطالبيِّين، رجالاً ونساء، على تراب كربلاء، وكيف استطاعت أن تتحمَّل تلك الصدمة وتقوم بدورها الكامل بالحكمة والصبر الجميل، ذلك الدور الذي يمثِّل أسمى درجات البطولة وأغناها بالقيم والمثل العليا، لعلَّنا بعد هذه اللمحات عن مواقفها في كربلاء نتحدَّث في فصل مستقل عن مراحل حياتها التي أهَّلتها لتلك المواقف التي لا تزال حديث الأجيال.
لقد ثبتتَ في ذلك الموقف كالطود الشامخ تاركة على تراب كربلاء آثار مسيرتها ومواقفها بين تلك الضحايا التي لا تزال حديث الأجيال ومثلاً كريماً لكلِّ ثائر على الظالم والجور وللمرأة التي تعترضها الخطوب والشدائد خلال مسيرتها في هذه الحياة.
لقد كان عويل النساء وصراخ الصبية وضجيج المنطقة كلَّها بالبكاء والنياحة، كفيلاً بأن يهدَّ أقوى الأعصاب، ويخرس أفصح الألسنة والخطباء، ويقعد بأكبر الرجال ولو لم يكن يتَّصل بأولئك الضحايا بنسب أو سبب، فكيف بمَن رأى ما حلَّ بأهله وبنيه وإخوته وأبناء إخوته وعمومته وأحسَّ بثقل المسؤولية وجسامتها؟! ولكنَّ ابنة علي، ذلك الطود الأشمِّ الذي كان أثبت من الجبال الرواسي في الشدائد، كانت تجسِّد مواقف أبيها في كل موقف تتزلزل فيه أقدام الأبطال، وبقيت ليلة العاشر من المحرَّم ساهرة العين تجول بين خيام إخوتها وأصحابهم، تنتقل من خيمة إلى خيمة، وهم يستعُّدون لمقابلة ثلاثين ألف مقاتل قد اجتمعوا لقتال أخيها وبنيه وأنصاره، ورأت أخاها العبَّاس جالساً بين إخوته وأحفاد أبي طالب وهو يقول لهم: إذا كان الصباح علينا أن نتقدَّم للمعركة قبل أن يتقدَّم إليها الأنصار؛ لأنَّ الحمل الثقيل لا ينهض به إلاّ أهله.
وفي طريقها إلى خيام الأنصار سمعت حبيب بن مظاهر يوصيهم بأن يتقدَّموا إلى المعركة حتّى لا يرون هاشمياً مضرَّجاً بدمه، وسمعت الأنصار يقولون: ستجدنا كما تريد وتحسب يا ابن مظاهر، فانطلقت نحو خيمة أخيها الحسينعليهالسلام وهي تبتسم وقد غمرها السرور وطفا منه على وجهها أثر ردَّ عليه لمحة من بهائه وصفائه، ومضت تريد أخاها الحسين لتخبره بما رأت وسمعت من إخوتها والأنصار، وما هي إلاّ خطوات حتّى رأته
مقبلاً، فابتسمت له، وتلقَّاها مرحِّباً وقال لها: (يا أختاه، منذ رحلنا من المدينة ما رأيتك مبتسمة، أخبريني ما سبب تبسُّمك؟) فقصَّت عليه ما سمعته من
الهاشميِّين وأنصارهم وظلَّت العقيلة ليلتها تلك ساهرة العين تنتقل من خيمة إلى خيمة ومن خباء إلى خباء بين النساء والأطفال وأخواتها، حتّى إذا أقبلت ضحوة النهار وسقط أكثر أنصار أخيها ومَن معه من بنيه وإخوته وأبناء عمِّه على ثرى الطَّف، ورجع الحسين للوداع الأخير وزينب على جانبه كالمذهولة قال لها: (يا أخية، إنِّي أقسمت فأبري قسمي، لا تشقِّي عليَّ جيبا، ولا تخمشي عليَّ وجها، ولا تدعي عليَّ بالويل والثبور
إذا أنا هلكت) وأوصاها بالنساء والأطفال، فقالت له: طبْ نفساً وقرْ عيناً،فإنَّك ستجدني كما تحبُّ إن شاء الله.
ولمَّا سقط عن جواده صريعاً، أسرعت على مصرعه وصاحت تستغيث بجدِّها وأبيها، وأوشكت الصرخة أن تنطلق من حشاها الَّلاهب عندما رأت رأسه مفصولاً عن بدنه والسيوف والسهام قد عبثت بجسمه وقلبه، ورأت إخوتها وبنيها وأبناء عمومتها من حوله كالأضاحي ومعها قافلة من النساء والأطفال وأمامها صفوف الأعداء تملأ صحراء كربلاء، فرفعت يديها في تلك اللحظات الحاسمة نحو السماء لتندَّ عن فمها عبقة من فيض النبوَّة والخلود تناجي ربها وتتضرع إليه قائلة: اللَّهم تقبَّل منَّا هذا القربان.
وهكذا كان على العقيلة أن تنفِّذ وصية أخيها وتثبت في وجه تلك الأهوال، وأن تحمل قلباً كقلب أبيها في غمار جولاته، وتقف كالطود الشامخ في وجه أولئك الذين وقفوا إلى جانب يزيد بن ميسون وجلاّديه؛ المُمعنين في انتهاك الحرمات والمقدَّسات والذين باعوا ضمائرهم لأولئك الطغاة الجناة بأبخس
الأثمان.
ويقطع الحادي الطريق من كربلاء إلى الكوفة والسبايا على أقتاب الجمال تتقدَّمهم رؤوس سبعين من الأنصار وعشرين من أحفاد أبي طالب بينهم رأس الحسين سيد شباب أهل الجنَّة، وما أن أطلَّ موكب السبايا والرؤوس ودنت طلائعه من مداخل الكوفة حتّى ازدحم الناس في الطرقات ومن على المشارف والنساء على سطوح المنازل، ولم يكن نبأ
مصرع الحسين قد انتشر في جميع أوساط الكوفيين، وأشرفت امرأة من على سطح بيتها فرأت نساء كالعاريات لولا أسمال من الثياب
تقنَّعن بها، فظنَّت المرأة أنَّهن من سبايا الروم أو الديلم، وأرادت أن تستوثق لنفسها من الظن، فطالما كانت ترى مواكب من سبايا الروم والترك تمرُّ بالكوفة إلاّ أنَّها لم تر مثل ما رأت على هذا الموكب من الحزن واللَّوعة، ولم تر قبل اليوم أسرى مع تلك المواكب من الصبيان يُشَدون بالحبال على أقتاب الجمال كما رأت في هذا الموكب، فأدنت المرأة رأسها من إحدى السبايا وقالت لها: من أيِّ الأسارى أنتنَّ؟ فردَّت عليها والألم يقطِّع أحشاءها: (نحن أسارى آل بيت محمد رسول الله).
وما كادت المرأة تسمع قولها حتّى خرجت مولولة معولة وكادت أن تسقط من على سطحها من هول الصدمة، والتفتت إلى النساء اللواتي على سطوحهنَّ وقالت: إنهنَّ نساء أهل البيت، فتعالى الصياح عند ذلك من كلِّ جانب حتّى ارتجَّت الكوفة بأهلها ولفَّت نواحيها صرخات متتالية كأنَّها العواصف في أرجائها، والتفَّ النسوة بالموكب يقذفن عليه الأرز والمقانع ليتستَّرن بها بنات علي وفاطمة عن أعين الناس، وغصَّت الطرقات بالنساء والرجال يبكون ويندبون، فالتفتت ابنة علي وفاطمة إليهم ببصرها النافذ وقالت:
(يا أهل الكوفة، يا أهل الغدر والختل والمكر، أتبكون؟! فلا رفأت الدمعة ولا هدأت الرنة، إنَّما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة
أنكاثاً، وهل فيكم إلاّ الصَّلَف وملق الإماء وغمز الأعداء، ألا ساء ما قدَّمت لكم أنفسكم: أن سخط الله عليكم وفي العذاب أنتم خالدون، فابكوا كثيراً واضحكوا قليلاً، فلقد ذهبتم بعارها وشنارها بعد أن قتلتم سليل خاتم النبوة ومعدن الرسالة وسيد شباب أهل الجنَّة).
ويسير الموكب متخطِّياً تلك الحشود من الرجال والنساء إلى قصر
الإمارة ليضمَّها مجلس ابن مرجانة، فتجلس متنكِّرة مطرِقة يحفُّ بها موكب النسوة في ذلك المجلس الذميم، وهو ينظر إليها ببسمة الشامت
المنتصر، ويسأل من هذه المتنكرة، فلا تردُّ عليه احتقاراً وازدراء لشأنه، وأعاد السؤال ثانياً وثالثاً، فأجابته بعض إمائها: هذه زينب ابنة علي. فانطلق عند ذلك بكلمات تنم عن لؤمه وحقده وخسته قائلاً: (الحمد لله الذي فضحكم وأكذب أحدوثتكم) فردَّت عليه غير هيَّابة لسلطانه ولا لجبروته قائلة:
(الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد (صلَّى الله عليه وآله وطهَّرنا) من الرجس تطهيراً، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر، وهو غيرنا والحمد لله).
فقال لها وقد استبدَّ به الحقد والغضب: كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك؟ قالت: (ما رأيتُ إلاّ جميلاً، هولاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم وتختصمون عنده، وستعلم لمَن الفلج ثكلتك أمك يا بن مرجانة).
ويأبى له حقده وصلفه إلاّ أن يتناول قضيباً كان إلى جانبه ليضربها به، ولكن عمرو بن حريث - أحد جلاوزته - نظر إلى الوجوه قد تغيَّرت على ابن مرجانة وأيقن أنَّ عملاً من هذا النوع سيلهب المشاعر، لاسيما وأنَّ النفوس قد أصبحت مشحونة بالحقد والكراهية ومهيَّأة للانفجار بين الحين والآخر لِمَا حلَّ بالحسين وبنيه وأصحابه، فحال بين ابن مرجانة وما أراد، فرمى القضيب من يده وعاد يخاطبها بلغة الشامت الحاقد، ويقول لها: لقد شفى الله قلبي من طاغيتك الحسين والعتاة المردة من أهل بيتك. فبكت عند ذلك وقالت: (لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن كان هذا شفاك فقد اشتفيت).
ثم يأتيه البريد بكتاب يزيد يأمره أن يحمل السبايا والرؤوس والأطفال إلى قصر الخضراء في دمشق، عاصمة الجلاَّدين، ويسير الحداة بموكب السبايا إلى حيث ابن ميسون في اعتساف وإرهاق في الليل
والنهار، ليقطع موكب الرؤوس والسبايا مسافة ثلاثين يوماً في عشرة أيَّام، ويضمُّ العقيلة مجلس يزيد ورأس الحسين بن علي والزهراء بين يديه ينكث ثناياه بمخصرته ويتمثَّل بقول القائل:
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الأسل |
|
لأهلُّوا واستهلًّوا فرحاً |
ثمَّ قالوا: يا يزيد لا تُشل |
|
لعبت هاشم بالملك فلا |
خبر جاء ولا وحي نزل |
|
لستُ من خندق إنْ لم أنتقم |
من بني أحمد ما كان فعل |
وكان على زينب، وقد رأته بتلك الحالة فرحاً مسروراً يتمثَّل بهذه الأبيات التي تعبِّر عن حقده وتعصُّبه لجاهلية جدِّه وأبيه ووثنيتهما ويعبث بثنايا أبي عبدالله الحسين بمخصرته، أن تتكلَّم بين تلك الحشود المجتمعة في مجلسه؛ لتحرق دنيا سروره وفرحه بكلماتها التي كانت أشدّ وقعاً عليه من
الصواعق، ولتضع الكثيرين ممَّن كانوا يجهلون مكانة الأسرى ولا يعرفون عنهم شيئاُ في جوِّ تلك الأحداث، وافتتحت كلامها بعد حمد الله بقولها:
(أظننت - يا يزيد - حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، وأصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أنَّ بنا على الله هواناً وبك عليه
كرامة).
ومضت في حديثها وأبصار تلك الحشود المحيطة بيزيد شاخصة إليها، تذكِّرهم بمنطق أبيها ومواقفه بين المعسكرين في صِفِّين، حينما كان يخاطب معاوية وحزبه ويناشدهم الرجوع عن غيِّهم وضلالهم إلى حظيرة الإسلام وعدالته السمحاء، مضت تقول:
(أمن العدل - يا ابن الطلقاء - تخديرك إماءك وحرائرك وسوقك بنات رسول الله سبايا؟! قد هتكت ستورهنَّ وأبديت وجوههنَّ، تحدو إليهنَّ الأعداء من بلد إلى بلد، ويستشرفهنَّ أهل المناهل والمعاقل،
يتصفَّح وجوههن القريب والبعيد، والدني والشريف، وتتمنَّى حضور آباءك قائلاً:
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الأسل |
|
لأهلُّوا واستهلُّوا فرحاً |
ثم قالوا: يا يزيد لا تُشل |
منحنياً على ثنايا أبي عبدالله سيِّد شباب أهل الجنَّة تنكثها بمخصرتك. وستردنَّ وشيكاً موردهم وتَودنَّ أنَّك شُللت وبُكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت).
ومضت في خطابها توجِّه إليه أسوأ أنواع التحقير والتقريع حتّى سيطرت على المجلس بمنطقها وأسلوبها الرائع، وراح الناس يتهامسون ويتلاومون وبكى بعضهم لهول المصاب وجسامته.
واستطردت العقيلة تقول:
(ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك، إنِّي لأستصغر قدرك، وأستعظم توبيخك، ألا فالعجب العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء).
لقد دخلت زينب ابنة علي وفاطمة إلى عاصمة الجلاَّدين برسالتها، رافعة صوتها إلى كل مَن لهم عهد مع أهل هذا البيت، وكل مَن آمنوا برسالة محمد في عصر وجيل وأرض، ووراءها قافلة من الأسرى وصفوف العداء من أمامها تملأ الأفق وتسدُّ طريقها؛ وكانت مسؤوليَّتها التاريخية الكبرى هي إكمال الرسالة وإتمام المسيرة ولساناً لمَن قطعت ألسنتهم سيوف الجلاَّدين، ودخلت مدينة الجريمة، عاصمة القهر والبطش والتنكيل بالأبرياء، وهناك رفعت صوتها المدوِّي في أعماق التاريخ لتقول لابن ميسون مستخفَّة به بكل ما في الاستخفاف والاحتقار من معنى:
(ولئن جرَّت عليَّ الدواهي مخاطبتك، إنِّي لاستصغر قدرك)
إنَّها الدواهي التي لا تترك للإنسان رأياً ولا اختياراً وتسيطر على كل مشاعره وأحاسيسه هي التي فرضت عليَّ أن أخاطبك يا بن ميسون ويا ربيب الشرك والوثنية، ولولا تلك الدواهي الجسام لَمَا خاطبتك ولا يمكن لذكرك أن يمرَّ في خاطري، ولو بما هو فيك من صلف وخسَّة ونزق ووحشية. هذا الذي تعنيه بطلة كربلاء بقولها لذلك الجبار الأحمق الذي تمنَّى حضور أشياخه من أميَّة ومشركي مكَّة ليشاهدوا رأس الحسين بين يديه وليشاطروه الفرح والسرور وهو ينكث ثناياه بمخصرته، هذا الذي كانت تعنيه من قولها: ولئن جرَّت عليَّ الدواهي مخاطبتك وحضور مجلسك.
إنَّ مأساة العقيلة ابنة علي والزهراء تشكِّل الشطر الثاني من مأساة أخيها الحسين؛ فمِن صبرٍ لا يطيقه أحد من الناس إلى رعاية تلك القافلة من السبايا والأيتام ونضال دون البقية الباقية من آل الرسول، واحتجاج
وخطب واستنكار لسحق القيم وكرامة الإنسان ومحو الرسالة من الأذهان، ومتابعة المسيرة التي قام بها أخوها الحسين، وبهذا وذاك لقد ألَّبت المسلمين على الطغاة والظالمين، وضعضعت كبرياء الحاكمين المستبدين، وخلَّدت ذكرى تلك المعركة التي أقلقت آل أميَّة وغيرهم من الظلمة وفراعنة العصور، وخطَّت هي وإخوتها بأحرف من النور الوهَّاج الذي يبدد ظلمات الليل البهيم على تراب كربلاء، وفي كل موقف وقفوه مع أولئك الجبابرة والجلادين.
(إنَّ دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة)
لقد شاركت أخاها الحسين في جميع مواقفه من الظالمين، ورجعت من كربلاء حاملة لرسالة أبيها وأخيها لتبلِّغها للأجيال من الرجال والنساء من الأجيال في كل أرض وزمان بالرغم من ضجيج الجلاَّدين ووعيدهم، وكانت القدوة التي تعلِّم الأجيال من سيرتها وبطولاتها معاني الرجولة. وتعلِّم النساء كيف يتخلَّصن من فتن الإغراءات الخبيثة التي تَدْلَهم من حولهنَّ ومن دهاليز الحضارة الجديدة التي تقتحم العصور بمفاتنها ومغرياتها لتستلَّ منها أخلاقها ومعتقداتها وأعرافها.
فأين من زينب وأخوات زينب نساءنا وبناتنا الضائعات في تلك المتاهات، إيماناً وعزيمة وصبراً في الشدائد والأهوال، وتمسُّكاً بالقيم وتعاليم الإسلام والأخلاق الكريمة الفاضلة؟
وأين من الحسين وأنصاره مَن يدَّعون التشيُّع للحسين وأبيه وأبنائه، وقد باعوا أنفسهم لمَن يحملون روح يزيد ومعاوية بأبخس الأثمان، كما باعها أسلافهم لمعاوية وأمثال معاوية من الحاكمين والجلادين من قبل؟
إنَّ الأحداث الجِسام التي اعترضت حياة العقيلة ابنة علي والزهراء في معركة كربلاء وما تلاها من المواقف، ألْفَتَتْ إليها الأنظار وجعلتها في طليعة الأبطال ومن شركاء الحسينعليهالسلام في جميع مواقفه من أولئك الطغاة، فتحدَّث عنها المؤرِّخون وأصحاب السير في مجاميعهم، والكتَّاب المحدِّثون في مؤلَّفاتهم، وأشاد الخطباء بفضلها ومواقفها من على المنابر، ونظم الكثير من الشعراء القصائد الرنَّانة في وصف أحزانها وأشجانها وصبرها
وثباتها، ونذكر على سبيل المثال ما جاء في وصف حالتها من قصيدة لأحد شعراء الطفِّ السيد محمد حسين الكشوان (رحمه الله) يقول فيها:
أهوت على جسم الحسين وقلبُها |
المصدوع كاد يذوب من حسراتها |
|
وقعت عليه تشمُّ موضع نحره |
وعيونها تنهلُّ في عبراتها |
|
ترتاع من ضرب السياط فتنثني |
تدعو سرايا قومها وحِماتها |
|
أين الحِفاظ وهذه أشلاؤكم |
بقيت ثلاثاً في هجيرِ فَلاتها |
|
أين الحفاظ وهذه فتياتكم |
حُملت على الأقتاب بين عداتها |
|
ومخدَّراتٍ من عقائل أحمد |
هجمت عليها الخيل في أبياتها |
|
حملت برغم الدين وهي ثواكل |
عبرى تُرَدَدُ بالشجى زفراتها |
وله من قصيدة أخرى في وصفها عندما شاهدت أخاها صريعاً على
ثرى الطفِّ وقد عبثت سيوف الأعداء ورماحهم بجسمه وأعضائه:
وهاتفة من جانب الخدر ثاكل |
بدت وهي حسرى تلطم الخد باليد |
|
يؤلمها قرع السياط فتنثني |
تحنُّ فيشجي صوتها كلَ جلمد |
|
وسيقت على عجف المطايا أسيرة |
يطاف بها في مشهدٍ بعد مشهد |
|
سرت تهاداها علوج أميَّة |
فمِن ملحد تُهدى إلى شرِّ ملحد |
ورحم الله هاشم الكعبي الذي هيمن عليه الولاء لأهل البيت وانتقل به من عالمه ودنياه إلى عالم الثواكل في كربلاء، فشعر بشعورهنَّ وأحسَّ بأحاسيسهنَّ حتّى أصبح مثلهنَّ ثاكلاً يندب وينوح بعبرات تُحيي الثرى وزفرات تدع الرياض همودا؛ فقال في وصف زينب وأخواتها بعد أن انجلت المعركة عن تلك المجزرة الرهيبة:
وثواكل في النوح تُسعد مثلها |
أرأيت ذا ثكل يكون سعيدا |
|
ناحت فلم تُر مثلهنَّ نوائحاً |
إذ ليس مثل فقيدهنَّ فقيدا |
|
لا العيس تحكيها إذا حنَّت ولا |
الورقاء تحسن عندها الترديدا |
|
إن تنعِ أعطت كلَّ قلبٍ حسرة |
أو تدع صدَّعت الجبال الميدا |
|
عبراتها تُحي الثرى لو لم تكن |
زفراتُها تَدع الرياض همودا |
|
وغذت أسيرة خدرها ابنة فاطمٍ |
لم تلقَ غير أسيرها مصفودا |
|
تدعو بلهفة ثاكل لعبَ الأسى |
بفؤاده حتّى انطوى مفؤدا |
تخفي الشجا جَلَداً فإنْ غلب الأسى |
ضعفت فأبدت شجوها المكمودا |
|
نادت فقطَّعت القلوبَ بشجوها |
لكنَّما انتظم البنيان فريدا |
|
إنسان عيني يا حسين أخي |
يا أملي وعقد جُماني المنضودا |
ما بعد مجزرة كربلاء
لقد أحدثت تلك المجزرة هزَّة عنيفة في العالم الإسلامي لم يعرف المسلمون في تاريخهم الحافل بالأحداث أعنف منها أو مثلها، ولا حادثاً من الأحداث كان له من الآثار العميقة في النفوس والعقائد والحياة السياسية والاجتماعية والأدبية ما كان لمجزرة كربلاء.
لقد تركت تلك المجزرة صدمة في نفوس المسلمين لم يُحدِّث التاريخ بمثلها، ألهبت مشاعر المسلمين ولا تزال ذكراها تُلهب المشاعر وتثير الأحاسيس حتّى يومنا الحالي، وستبقى لها تلك الآثار ما دام التاريخ، وأصبح التشيُّع بعدها عقيدة ممزوجة بالدماء متغلغلة في النفوس بعد أن كان عقيدة هامدة تنقصها الحماسة، وشتَّان بين العقيدة الهامدة والعقيدة الممزوجة بالحماس والدماء، وغدت ذكرى تلك المجزرة الرهيبة الملطَّخة بدماء آل بيت الرسول كافية لأن تثير عاطفة الحماس والحزن في قلوب الناس في مختلف العصور ومنبعاً لكل ما يلهب النفوس وحتّى للأخيلة والأقاصيص.
ولا احسب أنَّ في كل ذلك شيئاً من الغلو والغرابة؛ لأنَّ المسلمين - على
ما بينهم من خلافات في النزعات والاتجاهات - يقدِّرون للحسينعليهالسلام مكانته من الإسلام وصلاته بجده صاحب الرسالة، وقد سمعوا منه الكثير الكثير ممَّا كان يقوله فيه وفي أخيه الحسين وكيف كان يعامله في مجالسه العامَّة والخاصَّة، ورأوه أحياناً وكأنَّ الغيب قد تكشَّف له عن مصيره يبكي لحاله ولِمَا يجري عليه، وكانوا يبكون لبكائه، فليس بغريب إذا ألهب مصرعه على النحو الذي وقع عليه المشاعر وأرهف الأحاسيس وأطلق الألسن وترك في نفوس المسلمين أثراً حزيناً دامياً يجمع القلوب حول هذا البيت المنكوب:
وأيُّ رزيَّة عدلت حسيناً |
غداة تبيُّره كفَّاً سنان |
نعم، ليس بغريب إذا استعظم الناس على اختلاف ميولهم ونزعاتهم هذا التنكيل الشائن بعترة الرسول الأمينصلىاللهعليهوآله وسلالته وفلذَّات كبده و
قرَّة عينه، ورأوا فيه كفراناً لحقِّه وتعريضاً لغضبه وامتهاناً لكرامته، وقال قائلهم:
ماذا تقولون إذ قال النبي لكم |
ماذا فعلتم وأنتم أخر الأمم |
|
بعترتي وبأهلي بعد مُفتقدي |
نصفٌ أُسارى ونصفٌ ضُرِّجوا بدم |
|
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم |
أن تخلفوني بشرٍّ في ذوي رحمِ |
فبهذا وأمثاله قالت النائحات في جميع العواصم والبلاد الإسلامية، يندبن الحسين ومَن قُتل معه من بنيه وإخوته وأنصاره، ويبكن لمصارعهم وما جرى لهم من حفيد هند وأبي سفيان وجلاَّديه، وانطلقت الألسن الشاعرة ترثيه وتُصور أسف النبيصلىاللهعليهوآله وهو في قبره، وحزنه العميق على
سبطه، واحتجاجه على أمته التي لم تحفظ له حقَّاً وترعَ له حرمة، وتُلقي على الأمويِّين مسؤولية جريمتهم ومروقهم من الدين وانتهاكهم لجميع الحرمات والمقدَّسات.
لقد هال الناس هذا الحادث الجلل حتّى الأمويِّين أنفسهم، فأقضَّ المضاجع وأذهل العقول، وارتسم في الأذهان حتّى أصبح الشغل الشاغل
للجماهير، وحديث النوادي ومسرحاً خصباً للتخيُّلات، وادعى الناس في المدينة غيرها: إنَّ الجنَّ كانت تنوح على الحسين وإنَّهم سمعوا هاتفاً يقول كما جاء في الطبري وابن الأثير:
أيُّها القاتلون جهلاً حسينا |
ابشروا بالعذاب والتنكيل |
|
كل أهل السماء يدعو عليكم |
من نبيٍّ ومَلاكٍ وقبيل |
|
قد لُعنتم على لسان بن داود |
وموسى وصاحب الإنجيل |
وراحوا يتصوَّرون لمدة شهرين أو أكثر كأنَّ الحيطان ملطَّخة بالدماء ساعة تطلع الشمس حتّى ترتفع كما نص على ذلك الطبري في تاريخه.
ورووا عن النوار - زوجة خولي بن يزيد الأصبحي - أنَّها قالت لزوجها ليلة دخل الكوفة برأس الحسين وأدخله عليها: لقد جاء الناس بالذهب والفضة وجئتني برأس الحسين، وكان قد وضعه تحت الإجانة في صحن الدار، فقامت من فراشها غضبى وخرجت إلى الدار، فرأتْ نوراً يسطع مثل العمود من السماء إلى الإجانة وطيوراً بيضاء تتهاوى من السماء وترفرف حولها.
كما استغلَّ الشعراء هذا الحادث المفجع فرووا حوله شتى الأحاديث وصاغوها بألوان شعرية دامية يصدرها قلب مكلوم ثائر حزين يدعو إلى الثورة العارمة بعنف وصرامة، ويسجِّل تلك الأحزان العلَوَيَّة بأسف ولوعة، منادياً: يالثارات الحسين، وغلبت على الأدب الشيعي والشعر الشيعي وبخاصة العراقي منه هذه النزعة الحزينة الباكية، وغدوا أمام أدب تبعثه عاطفتان بارزتان: عاطفة الحزن، وعاطفة الغضب، تُصدره الأولى حزيناً باكياًَ، وتبعثه الثانية قويَّاً ثائراً، ومن هذه النماذج التي حفظها لنا تاريخ تلك
الفترة ما رواء الرواة عن عبدالله بن الحُرِّ الجعفي، الذي زار المعركة بعد أيَّام من حدوثها وهو يتلوَّى أسفاً ولوعة ويتمنَّى لو أنَّه وفِّق لنصرته والاستشهاد بين يديه، وأنشد على قبر الحسينعليهالسلام :
يقول أمير غادر حق غادر |
ألا كنتَ قاتلتَ الحسين بن فاطمه |
|
فيا ندمي ألاَّ أكون نصرتُه |
ألا كلُّ نفسٍ لا تُسدِّد نادمه |
|
وأنِّي لأنِّي لم أكنُ من حُماته |
لذو حسرة ما أن تفارق لازمه |
|
سقى الله أرواح الَّذين تآزروا |
على نصره سقياً من الغيث دائمه |
|
وقفتُ على أجداثهم ومجالهم |
فكاد الحشى ينقضُّ والعين ساجمه |
|
لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى |
سِراعاً إلى الهيجا حماة خضارمه |
|
تأسُّوا على نصر ابن بنت نبيِّهم |
بأسيافهم آساد غيل ضراغمه |
|
وما أن رأى الراؤن أفضل منهم |
لدى الموت سادات وزُهرٌ قماقمه |
|
أتقتلهم ظلماً وترجو ودادنا |
فدعْ خطة ليست لنا بملائمه |
|
لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم |
فكم ناقمٍ منَّا عليكم وناقمه |
|
أهمُّ مراراً أن أسير بجحفل |
إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه |
|
فكفُّوا وإلاّ زرتكم بكتائب |
أشدَّ عليكم من زحوف الديالمه |
ومن هؤلاء الذين أحسُّوا بأخطار تلك الجريمة النكراء رضي بن منقذ العبدي، فقال:
ولو شاء ربي ما شهدت قتالهم |
ولا جعل النعماء عندي ابن جابر(1) |
___________
(1) لقد كان كعب بن جابر أحد جنود الجيش الذي شارك في حرب الحسينعليهالسلام ، فقالت له زوجته بعد أن رجع من المعركة: أعنت على ابن فاطمة وقتلت سيِّد القراء - وكان قد قتل برير سيِّد القراء في الكوفة - لقد أتيت عظيماً من الأمر، والله لا أكلِّمك من رأسي كلمة أبداً، فأجابها بأبيات يفتخر فيها بفعله وضمنها بيتاً يذكر فيه أنَّه أنقذ رضيَّ بن منقذ من القتل حيث أعانه على قتل خصمه.
لقد كان ذاك اليوم عاراً وسبة |
تعيُّره الأبناء بعد المعاشر |
|
فيا ليت أنِّي كنتُ من قبل قتلة |
ويوم حسين كنت في رمس قابر |
لقد أحسَّ المسلمون على اختلاف ميولهم واتجاهاتهم بالندم والخيبة لخذلانه وعدم مناصرته، وحتّى الذين قاتلوه وقادوا المعركة ضدَّه كانوا يبكون ويندبون مصيرهم السيِّء، فقد جاء عن عمر بن سعد الذي قاد تلك المعركة أنَّه كان يقول: لا تسل عن حالي؛ فإنَّه لم يرجع غائب عن منزله بأشرَّ ممَّا رجعت به، فلقد قطعت القرابة القريبة وارتكبت الأمر العظيم. وحتّى أنَّ يزيداً بكى وندم على قتله، وكلَّما ذكر الحسين، كان يقول: وما عليَّ لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري، وحكَّمته فيما يريد وإن كان عليَّ وهن في سلطاني؛ حفظاً لرسول الله ورعاية لحقِّه وقرابته من رسول الله، لعن الله ابن مرجانة فإنَّه اضطره، وقد سأله أن يضع يده في يدي أو يلحق بثغر من الثغور حتّى يتوفَّاه الله، فلم يجبه إلى ذلك، فبغضني إلى قلوب المسلمين
بقتله وزرع لي في قلوبهم العداوة، فأبغضني البرُّ والفاجر، مالي ولابن مرجانة لعنه الله وغضب عليه).
وحينما علم ملك الروم بتلك المجزرة غضب لذلك وكتب إلى يزيد كتاباً جاء فيه: لقد قتلتم نبيَّاً أو ابن نبيٍّ ظلماً وعدواناً على حد تعبير البيهقي في كتابه المجالس والجسادي. وقال عثمان بن زياد شقيق عبيد الله: والله، لوددت أنَّه ليس من بني زياد رجل إلاّ وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأنَّ حسيناً لم يُقتل.
والى جانب تلك الآثار النفسية السيئة التي خلَّفتها تلك المجزرة الرهيبة في نفوس الجماهير المسلمة، فلقد كان لها أعظم الأثر في تقويض الدولة الأمويَّة وعدم الاطمئنان إليها واستغلالها من قبل أعداء أهل البيت كابن الزبير وأمثاله، وجعل يندِّد على يزيد والأمويِّين ويرثي الحسين وأصحابه ويلعن
أهل الكوفة لخذلانهم أباه ويزيد بن معاوية وجميع مَن اشترك في قتاله، ويقول: أبعد الحسين نطمئن إلى هؤلاء القوم ونصدِّق لهم قولاً، أمَا والله لقد قتلوه، طويلاً بالليل قيامه، كثيراً بالنهار صيامه، أحقَّ بما هم فيه منهم، وأولى في الدين والفضل.
لقد استغل ابن الزبير مصرع الحسين وراح يندبه ويتباكى عليه في حين لم يكن في العالم الإسلامي أحد أثقل عليه من الحسينعليهالسلام ، ولم يكن معاوية ويزيد ابنه أشدَّ عداء للبيت العلوي من ابن الزبير، وكان ذلك معروفاً لدى عامة المسلمين؛ لأنَّ مواقفه من أمير المؤمنين وتحريضه عليه في البصرة وسواها لا تزال ماثلة لهم، وبالإضافة إلى ذلك، فلقد اشترك هو وطلحة في التغرير بعائشة وأخرجاها من البيت الذي أمرها الله أن تقرَّ فيه إلى البصرة لتقود المعركة، وقد قال فيه وفي أبيه أمير المؤمنين: (ما زال الزبير منَّا أهل البيت حتّى نشأ ابنه عبد الله)، وكان وجود الحسين في مكَّة حائلاً بينه وبين الاتصال بالناس، وقال له ابن عبَّاس بعد أن يئس من إقناع الحسين بعدم التوجُّه إلى العراق: قرَّت عينك يا ابن الزبير بخروج الحسين إلى العراق.
لقد أقرَّ الحسين عين الزبير وهيَّأ له بخروجه من مكَّة المناخ المناسب لغرس أطماعه، ولم يبق على الساحة غيره، فالتفَّ حوله المكِّيُّون
وغيرهم، وبخاصة بعد تلك المجزرة التي أدمت قلوبهم وألهبت مشاعرهم وأصبحوا يدركون أنَّ الأخطار باتت تهدِّدهم وتطاردهم من كل جانب ومكان.
لقد كان موقف ابن الزبير من مصرع الحسينعليهالسلام أشبه ما يكون بموقف معاوية من مصرع عثمان بن عفَّان، وهما كما يبدو من تاريخهما من معدن واحد في الدجل والنفاق والإجرام واستعمال الدين غشاء للتضليل والتمويه عندما تدعو الحاجة، لقد كان بن هند يتمنَّى أن يُقتل عثمان خلال ثورة المهاجرين والأنصار عليه، ويَعمل بكل ما لديه من وسائل الإجرام من أجل ذلك؛ ليتَّخذ من قتله أداة للتشنيع على عليعليهالسلام
والمطالبة بالخلافة، وكان يتمنَّى لعائشة أن تُقتل في البصرة ليشنِّع بقتلها على أمير المؤمنين كما صارحها بذلك خلال زيارته للمدينة بعد أن تمَّ له الاستيلاء على السلطة.
أمَّا ابن الزبير، فلم يكن شيء من الدنيا أحبُّ إليه من خروج الحسين من مكَّة إلى العراق، ومن المصير الذي انتهى إليه. وكان يرغِّبه في الخروج إلى العراق والاستجابة لطلب أهل الكوفة بأسلوب مليء بالمكر والدهاء، وحينما بلغه نبأ مقتله ووجَدَ المسلمين - على ما بينهم من خلاف في
الاتجاهات - يتململون لِمَا جرى عليه، ويندبونه ويلعنون أميَّة وأشياعها، طابت نفسه واطمأنَّ لمصيره، وراح يتباكى على الحسين ويردِّد فضله وما جرى عليه في مجالسه واجتماعاته ويندِّد بالأمويِّين وجرائمهم، تجاوباً مع شعور الجماهير ورغباتهم دجلاً ونفاقاً؛ ليعْبُر من وراء ذلك إلى السلطة التي كان يتمنَّاها، واستطاع بهذا الأسلوب الماكر أن يستحوذ على العدد الأكبر من مسلمي الحجاز الذين كانوا يبحثون عن بديل للأمويِّين، وأصبح الناس يقولون - كما جاء في رواية الطبري -: ليس لها بعد الحسين غير ابن الزبير. وتمَّت له البيعة في الحجاز بسبب ما جرى للحسين وبنيه وإخوته وأسرته من قتل وتمثيل وسبي وامتهان لعترة الرسول وكرامته، وتوالت الانتفاضات في مختلف أنحاء العالم الإسلامي ضدَّ الأمويِّين وأنصارهم، وشعار الثائرين - مع ما بينهم من خلاف في الاتجاهات -: يا لثارات الحسين.
ولم تخمد ثورة في مكان إلاّ لتقوم ثورة أخرى في مكان آخر بسواعد الشيعة وشعارهم الوحيد: يا لثارات الحسين.
لقد كانت تلك المجزرة ذا حدَّين استفاد منها أعداء الحسين كابن الزبير الذي استغلها في الحجاز للتشهير بيزيد والأمويِّين وجعل يتباكى ويتظاهر بالحزن على الحسين وأصحابه حتّى اجتمع الناس عليه والتفَّوا من حوله، كما أيقظت شيعةَ الحسين وجعلتهم يشعرون بأخطائهم وتقصيرهم وتخاذلهم عنه وعن أبيه وأخيه، وانضمَّ إليهم جميع العناصر
المناوئة للأمويِّين من الموالي وغيرهم واتفقوا جميعاً على صيحة واحدة تستر وراءها أغراضهم المختلفة: يا لثارات الحسين، فكان لهذه الصيحة الصدى الواسع في جميع الأوساط الإسلامية الذي أقلق الظالمين وزعزع عروشهم وقوَّض دعائهم دولتهم في المشرق العربي وأصبحوا لعنة على لسان الأجيال إلى قيام يوم الدين، وباء الحسين وحده بالفخر الذي لا فخر مثله في تاريخ بني الإنسان؛ وحسبه أنَّه وحده في هذه الدنيا الشهيد بن الشهيد وأب للمئات من الشهداء والقدوة لكل ثائر على الظلم والظالمين وفراعنة العصور في كل مكان وزمان.
لمحات عن حياة العقيلة قبل معركة كربلاء
بعد هذه اللمحات عن مواقفها من معركة كربلاء وما تلاها من الأحداث الجسام التي صمدت فيها العقيلة كالطود الشامخ وضعضعت كبرياء أولئك الجلاَّدين وقلبت الدنيا على رؤوسهم، وقبل الحديث عن مرقدها أرى من الوفاء لحقِّها العظيم عليَّ وعلى كلِّ مَن آمن برسالة جدِّها وأبيها وأخويها التي كانت تجسذِدها في جميع مواقفها من الطغاة والحاكمين، أن نشير ولو بصورة موجزة عن المراحل التي مرَّت بها في صباها وشبابها وأمومتها تلك المراحل التي أهَّلتها وأعدَّتها لأن تكون في عداد العظماء من أبطال التاريخ ومن طلائعهم بعد أبيها وإخوتها.
لقد كانت ولادتها في مطلع جمادي الأولى من السنة الخامسة لهجرة جدِّها من مكَّة إلى المدينة كما جاء في بعض المرويات، وجاء في بعضها أنَّ ولادتها كانت في مطلع شعبان من السنة السادسة بعد أخويها الحسن والحسينعليهالسلام ، ولمَّا وُلدت جاءت بها أمها الزهراء إلى أبيها، وقالت له: (سمِّ هذه المولودة) فقال: (ما كنت لأسبق أبيك رسول الله - صلَّى الله عليه وآله)، وكان غائباً عن المدينة يومذاك، ولمَّا رجع من سفره سأله أمير المؤمنين
عن اسمها، فقال على حد تعبير الراوي: ما كنتُ لأسبق خالقها في اسمها، فهبط عليه الأمين جبرائيل وقال له: إنَّ الله قد اختار لها اسم زينب، وأخبره - كما يدَّعي الراوي - بما يجري عليها من المصائب، فبكى النبيصلىاللهعليهوآله وقال: (مَن بكى لمصاب هذه البنت كان كمَن بكى لمصاب أخويها الحسن والحسين).
وكانت تكنَّى كما يدَّعي الشيخ فرج القطيفي في كتابه المرقد الزينبي بـ: أم كلثوم وأم الحسن. وتلقَّب بالصديقة الصغرى وعقيلة بني هاشم على لسان جماعة، وعلى لسان آخرين عقيلة الطالبيِّين، إلى غير ذلك من الصفات الفاضلة التي تغلب على الاسم أحياناً.
لقد ولدت الحوراء زينب في بيت لا شيء فيه من متع الدنيا ولهوها وزخرفها، ورأت النور في ذلك البيت الطاهر الذي ضمَّ أباها سيِّد الوصيِّين وأمَّها سيدة نساء العالمين وأخويها ريحاتني رسول ربِّ العالمين.
ولدت في بيت كان النبي لا يشغله عنه شاغل ولا ينساه في ليله ونهاره، وكلَّما دخله يقبّل مَن فيه من أحفاده ويشمَّهما ويبتسم لهما وينعم فيه بالسكينة والاطمئنان، في ذلك البيت ولدت الحوراء ورضعت من ثدي الطهر والفضيلة بضعة الرسول الأعظم، ودرجت مع أخويها سيِّدي شباب
أهل الجنَّة، وأخذت العلم عن أبيها باب مدينة العلم، ورأت جدَّها الرسول مُمَثَّلاً في أمِّها فاطمة بجميع صفاته ومزاياه، وحينما فقدت أمَّها في السنة السادسة من عمرها قالت: يا أبتاه يا رسول الله، الآن فقدناك فقداً لا لقاء بعده. وهي تعني بذلك أنَّها بفقد أمِّها التي كانت تجسِّد أباها قد فقدت جدَّها أيضاً.
لقد انعكست صفات الزهراء سيدة نساء العالمين ومزاياها في نفس ابنتها عقيلة بني هاشم، وظهرت واضحة جليَّة في زهدها وعبادتها وصبرها في الشدائد، وقال مَن تحدَّث عنها من الرواة: إنَّها لم تدَّخر شيئاً من
يومها لغدها، وتمضي عامرة لياليها بالتهجُّد وتلاوة القرآن، وحتّى في ليلة الحادي عشر من المحرم، وهي تتلوَّى من آلام تلك المجزرة الرهيبة وإخوتها صرعى مجزَّرين كالأضاحي، لم تدعْ صلاة الليل وتلاوة القرآن، وقد تحدَّثنا عن صبرها وشجاعتها وبعض مواقفها الخالدة التي كانت ولا تزال من أغنى المواقف البطولية بالقيم والمُثُل العليا في تاريخ الأبطال.
لقد بقيت زينب ابنة علي مع أمِّها ست سنوات، وفي هذه المرحلة من طفولتها كانت ترى أمَّها الزهراء تقوم للصلاة والعبادة حتّى ينقضي الشطر الأكبر من الليل، وتبيت طاوية وتطعم ما عندها الأيتام والمساكين، وتلبس الثياب الخلقة البالية وتكسو الفقراء جديد الملابس، ورآها سلمان الفارسي مرَّة فبكى وقال: إنَّ قيصر وكسرى بناتهما في السندس والحرير وابنة محمد رسول الله في تلك الثياب البالية.
ولا شك في أنَّ تلك الصور التي كانت تشاهدها العقيلة وهي في هذا السن من طفولتها قد انعكست في نفسها ورافقتها حتّى النفس الأخير من
حياتها، لأنَّ مشاهدات الأطفال وما يحيط بها في المراحل الأولى من حياتهم وما يمرُّ عليهم في سنِّ الطفولة تترك آثاراً في نفوسهم ترافقهم في الغالب ما داموا بين الأحياء.
ويؤكِّد علماء النفس أنَّ الطفل في السنة الثالثة من عمره تبدأ مرحلة التوافق بينه وبين بيئته ومرحلة التمييز بين الألفاظ والمعاني، وأنَّ نموه العقلي في هذه المرحلة يتَّجه به إلى كشف ما يحيط به ممَّا يرى ويسمع، وهذا الكشف يترك آثاراً تعمل عملها في نفس الطفل ترافقه إلى أخر يوم من حياته.
هذا بالإضافة إلى أنَّ السيدة زينب (سلام الله عليها) بعد وفاة أمِّها الزهراء عاشت برعاية أبيها أمير المؤمنين الذي كان يجسِّد جدَّها الرسول من جميع نواحيه بين أخويها الحسن والحسينعليهالسلام ، وتولَّت حضانتهم
امرأة من كرام النساء وأفاضلهنَّ؛ وهي أمامة بنت زينب بنت رسول الله، وكان قد تزوَّجها أمير المؤمنينعليهالسلام بعد وفاة الصديقة الزهراءعليهالسلام بوصية منها، وجاء في وصيَّتها له كما ترويها جميع الآثار: (يا بن عم، ما أراني إلاّ لما بي، وأنا أوصيك أن تتزوَّج بنت أختي زينب تكون لولدي مثلي)، وبالفعل فلقد كانت أمامة كما كانت ترجوه منها خالتها من ناحية عطفها ورعايتها لأولادها بالإضافة إلى ما كانوا ينعمون به من رعاية أبيهم الذي كان يلقِّنهم من أسرار الكون وغوامضه، وظلَّت العقيلة في رعاية ذلك البيت الكريم، بيت النبوَّة والإمامة، إلى أن تجاوزت سن الطفولة إلى مطلع الصبا والشباب. وقد كان من عادة نساء المسلمين يومذاك أن يخرجن ليلاً لزيارة قبر النبي وأداء فريضة العشاء إلى جواره كما كان يفعل الرجال، ثم يرجعن إلى بيوتهنَّ وملامح السرور والبهجة بادية على وجوههنَّ، وأرادت العقيلة أن تخرج لزيارة قبر جدِّها والصلاة إلى جواره كما يفعل النساء، ولكنَّ والدها لم يشأ لها أن تخرج كما يخرج غيرها من النساء والمسجد مملوء بالزائرين والمصلِّين من الرجال، فكان يخرج معها بعد أن يعود الزائرون إلى بيوتهم ويخرج الحسن والحسين عن يمينها وشمالها ويتقدَّمهم هو ليخمد ضوء القناديل إذا وجد في مرقد جدِّها أحد من الرجال، وذات ليلة أرادت أن تخرج في أوَّل الليل مع الزائرات اللواتي كنَّ يخرجن لأداء الصلاة، فخرج يتقدَّمها ليخفت ضوء المصابيح، وفجأة أحسَّ المصلُّون من الرجال والنساء أنَّ ضوء المصابيح أخذ يخفت واحداً بعد واحد خفوتاً ظاهراً وعلى عجل، وظلَّ يضيق ويضعف حتّى شمل المسجد كله ضوء مختنق ولم تبق من الضوء إلاّ ومضات ضئيلة توشك أن تنطفىء فيعمُّ الظلام المسجد والحرم من كل جوانبهما، فتطلَّعت العيون الأشعث بن قيس الكندي كما جاء في بعض المرويات، لتتعرَّف مَن هو الذي أضعف تلك المصابيح واحداً بعد واحد ولم يترك منها سوى ومضات ضئيلة لا تجديهم شيئاً، ولمَّا عرفوه، تركوه يفعل
ما يشاء؛ لأنَّه لا يفعل غير الصواب، وراحت العيون تتطلَّع لتعرف الأسباب التي حملته على ذلك، فرأت أشباحاً ثلاثة قد تقدَّمت نحو قبر
النبيصلىاللهعليهوآله ، وما أن وصلوا إليه حتّى وقفوا إلى جانبه لفترة طويلة في خشوع وتضرع، ثم رجع الثلاثة عن القبر الشريف يمسحون دموعهم وانصرفوا باتجاه باب الحرم راجعين إلى بيت أبيهم الكريم، وتقدَّم أمير المؤمنينعليهالسلام نحو المصابيح يفك خناقها ويعلي أضوائها، وكان الثلاثة الذين تقدَّموا نحو الحرم في ستر ذلك الضوء الخامد أولاده الحسن والحسين وبينهما ابنته زينب أرادت أن تزور قبر جدِّها في الوقت الذي يجتمع فيه الزائرون، فتقدَّمها ليخمد الضياء ومضت إليه بين أخويها حتّى لا يرى شخصها أحد من الناس.
وبقيت العقيلة في ذلك البيت الكريم في رعاية أبيها وأخويها وخالتها أمامة وزوجة أبيها أسماء بنت عميس التي لم تكن بأقلَّ عطفاً وحنواً على أولاد فاطمة من أمِّهما والتي احتضنتها لتكون زوجة لولدها عبدالله بن جعفر بعد سنوات قليلات.
لمَّا بلغت الحوراء مبلغ الزواج وتخطَّت عهد الطفولة، طلبها الكثيرون من الأشراف، وكان الأمام يردُّهم برفق ولين لأنَّه كان - كما يبدو - قد صمَّم على زواجها من ابن أخيه عبدالله بن جعفر الطيار كما كان النبي يردُّ خاطبي أمِّها الزهراء ليزوِّجها من ابن عمِّه أوُّل القوم إسلاماً وأكثرهم جهاداً وتضحية في سبيله بأمر من الله سبحانه. وكان ممَّن خطب الحوراء الأشعث بن قيس الكندي كما جاء في بعض المرويات، ففي بعض الأيَّام والإمامعليهالسلام جالس في داره دخل عليه رجل بَيِّن الطول عليه مسحة من الجمال ومظهر من مظاهر العنف والبطش، وكان قد صار على أبواب الكهولة وبدأ يخطو نحو الكبر، فوقع نظره على فتاة قد أضاء صباها ولمعت محاسنها، وهي تدرج بين يدي أبيها، وحينما رأته الفتاة قد دخل على حين غفلة أسرعت إلى غرفة في الدار عجلى تتعثر في أذيالها، لاسيما وقد رأته ينظر إليها وتكاد نظراته تستبق خطواتها المسرِعة، وكان قد ملأ عينيه منها قبل أن تغيب عنه وأعجب بحسنها وشمائلها، وأحسن ما رأت عيناه من الخفرات الحِسان.
وكان الرجل في خمول وضعة في أوساط المسلمين، وإلى جانب ذلك فاتكاً شجاعاً جميلاً، وهو أخمل حسباً وأوضع نسباً إذا قيس حسبه ونسبه بالقرشيِّين فضلاً عن أهل هذا البيت الذين بلغوا القمَّة في كل ما يتفاضل فيه الناس من كل نواحيهم، ولكن الذي جرَّأه على الحديث مع أمير المؤمنين بأمر من هذا النوع أن الخليفة الأول ابن أبي قحافة كان قد تلطَّف به وزوَّجه من أخته أم فروة، فجرَّأته هذه المصاهرة على التطلُّع إلى بنات الأنبياء
والأوصياء. وما كادت الحوراء زينب تصل إلى داخل البيت بتلك السرعة الخاطفة حتّى قال الأشعث لعليعليهالسلام : مَن هذه الفتاة يا أبا الحسن؟ فردَّ عليه قائلاً: (هذه زينب...) فقال له: زوجنيها يا أبا الحسن، فاستخف به أمير المؤمنينعليهالسلام وقال له: (أغرب بفيك الكثكث ولك الأثلب، أغرَّك ابن أبي قحافة حين زوجك أم فروة؟ وأنَّها لم تكن من الفواطم ولا العواتك من سليم...)(1) .
وقد حمله الصلف والغرور على أن يردَّ على أمير المؤمنين بقوله: لقد زوَّجتم مَن هو أخمل منِّي حسباً وأوضع منِّي نسباً وهو المقداد بن عمرو المعروف بالمقداد الأسود، فردَّ عليه أمير المؤمنين قائلاً: (ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآله فعله، وهو أعلم بما فعل، ولئن عدتَ إلى مثلها لأسوأنَّك).
لقد كان الأشعث فظَّاً غليظاً ثقيلاً على أكثر المسلمين لغلظته وجفوته
____________
(1) الفواطم جمع فاطمة، وقد أصبح كالعلم على مجموعة من الهاشميَّات؛ فهنَّ: فاطمة الزهراء، وفاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت الحمزة، و
غيرهنَّ، كما وأنَّ العواتك جمع عاتكة؛ وهو اسم لمجموعة من نساء الهاشميِّين البارزات، منهن: عاتكة بنت عبد المطَّلب عمَّة النبي، وأم زينب بنت جحش التي تزوَّجها النبي بعد أن طلَّقها زيد بن حارثة.
وجرأته على الحق، وكان من المتآمرين على أمير المؤمنين بعد أن تولَّى الخلافة، ويعمل لمصلحة معاوية، وقد لعنه عليعليهالسلام أكثر من مرَّة وزجره وحاول أن يضع حدَّاً لتجاوزاته ومؤامراته، وأخيراً اشترك في قتله مع عبد الرحمن بن ملجم وجماعة ممَّن سخَّرهم معاوية لذلك، كما وأنَّ ابنته جعدة قد حقَّقت لمعاوية ما كان يتمنَّاه ويعمل من أجله؛ فدسَّت السمَّ إلى الحسن بن عليعليهالسلام بعد أن أغراها معاوية بالمال ووعدها بأن يزوِّجها ولده الخليع يزيد بن ميسون، واشترك ولده قيس بن الأشعث في جميع الجرائم التي ارتكبها معاوية وولده يزيد مع العلويِّين وشيعتهم.
لقد بقيت العقيلة في بيت أبيها والخطَّاب يتوافدون عليه من هنا وهناك، وكان يردًّهم وكأنَّه كان قد صمَّم على أمر ينتظر الوقت المناسب لتنفيذه، لا سيما وقد سمع النبيصلىاللهعليهوآله يقول وهو ينظر إلى أولاد علي وجعفر قبل أن يتجاوزوا سنَّ الطفولة: (بناتنا لبنينا وبنونا لبناتنا) كما جاء في بعض المرويَّات عنه.
وإذا لم يكن النبيصلىاللهعليهوآله جدَّاً لأولاد جعفر فإنَّه لهم بمنزلة الأب والجد وهو وليُّهم، ولا شيء أحبُّ إلى الجدِّ من اقتران أحفاده بعضهم ببعض؛ لأنَّه يعتبر ذلك تأكيداً لنسله وامتداداً لنوع من أنواع وجوده، ولا بدَّ وأن يكون علياًعليهالسلام الذي كان في كل مراحل حياته يقتدي بأقوال الرسول وأفعاله قد سمع من الرسول هذه المقالة واعتبرها تأكيداً لِمَا كان يضمره نحو أطفال أخيه جعفر شهيد مؤتة وبطل الإسلام الخالد، وكان كفيلهم ووليُّ أمرهم بعد استشهاد أخيه، فنفَّذها كما أراد رسول اللهصلىاللهعليهوآله وردَّ جميع الخطَّاب الذين كانوا يتوافدون عليه من هنا وهناك للحصول على شرف المصاهرة الذين يحصلون عليه بزواجهم من ابنة علي والزهراء، ولا أحسب أنَّ أحداً كان أقرب إلى قلب عليعليهالسلام بعد أولاده من أولاد أخيه جعفر بن أبي طالب وعلى رأسهم عبدالله بن جعفر، وكانوا في عداد
أولاده ونشأوا في بيته، وبخاصة بعد أن تزوَّج من أمِّهم أسماء بنت عميس بعد استشهاد زوجها جعفر الطيار ووفاة أبي بكر عنها.
وقبل أن نتابع الحديث عن زينب وزوجها عبدالله في بيتهما الجديد كزوجين كريمين من أكرم ما عرفه بيت أبي طالب بعد بيت أبيها وإخوتها، أرى من الوفاء لبيت أبي طالب الذي كان له الفضل الأكبر على الإسلام والمسلمين كما تؤكِّد جميع الشواهد التي مرَّ بها الإسلام ورسول الإسلام في مراحله الأولى، أنَّه لولا بيت أبي طالب لكان مصير محمد ورسالته كمصير زكريا ويحيى وغيرها من الأنبياء الذين كانوا يتعرَّضون للقتل والمصاردة من بني إسرائيل قبل أن تنتشر رسالاتهم، وقديماً قال الجاحدون لنبوَّة شعيب كما حكى الله عنهم في كتابه:( وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ) .
لقد وقف أبو طالب وزوجته فاطمة بنت أسد وأولادهم إلى جانبه منذ إعلان الدعوة، وأعلن أبو طالب بأنَّه سيمنع عنه كل مَن تحدِّثه نفسه بالإساءة إليه والنيل منه، كما أوقفت زوجته فاطمة بنت أسد نفسها لخدمته في اليوم الذي مات فيه جدُّه عبد المطَّلب، وكانت كما وصفها هو (صلَّى الله عليه وآله) تفضِّله على أولادها في المأكل والملبس وفي كل شيء، وظلَّ يذكرها ويترحَّم عليها حتّى النفس الأخير من حياته، وسبق ولداها علي وجعفر جميع المسلمين إلى الإسلام والإيمان برسالة محمد، فكان أوَّلهم علي بعد خديجة الكبرى، ومرَّ أبو طالب وعليِّ يصلِّي وحده إلى جانب محمدصلىاللهعليهوآله ، فقال لولده جعفر: صل جناح ابن عمِّك، فأسلم بعد أخيه علي بأمر من أبيه، وظلَّ أبو طالب حياته بعد مبعث النبيصلىاللهعليهوآله يدافع ويناضل عن رسالة محمد بكل طاقاته وإمكانيَّاته، ويقول:
ولقد علمتُ بأنَّ دين محمد |
من خير أديان البريَّة دينا |
ومع ذلك فإنَّ رواة السنة ومحدِّثيهم الذين كانوا ولا يزالون يجترُّون
مرويَّات أذناب الأمويِّين وصنائعهم الذين سخَّروهم للكذب والافتراء على الإسلام وحُماة الإسلام ودُعاته المخلصين، هؤلاء يدَّعون بأنَّ أبا طالب مات كافراً برسالة محمد وأبا سفيان بن حرب، العدو اللدود للإسلام ولكل مَن آمن به وجاهد في سبيله، مات مؤمناً، في حين أنَّه كان في أكثر مواقفه لا يتحاشى المجاهرة بشركه ووثنيَّته، وقد ذكرنا سابقاً أنَّ أبا طالب لو لم يكن أبا لعليعليهالسلام لكان من الصدِّيقين ومن خيار المسلمين.
لمحات عن إسلام جعفر الطيَّار وهجرته ووفاته
وأعود لأكرِّر أنَّه قبل الحديث عن زواجهما أرى من الوفاء لهذا البيت الكريم أن أشير - ولو بإيجاز - لجعفر الطيَّار، ثالث المسلمين ووالد عبدالله بن جعفر الذي أختار له النبي عقيلة بني هاشم لتكون زوجة له كما ذكرنا.
لقد كان جعفر الطيَّار أكبر من عليعليهالسلام بعشر سنين كما يدَّعي أكثر المؤرِّخين، ولم يسبقه أحد إلى الإسلام سوى خديجة الكبرى وعلي، وكان هو ثالث المسلمين والمصلِّين، وقد ذكرنا أنَّ أباه رأى علياً يصلِّي عن يمين النبي، فقال لولده جعفر: صل جناح ابن عمِّك، ومضى أمد غير قصير وليس في مكَّة مَن يعبد الله سبحانه سوى محمد وعلي وخديجة بنت خويلد وجعفر بن أبي طالب، فكان النبي يتقدَّمهم للصلاة في أوقاتها وعلي عن يمينه وجعفر عن يساره وخديجة من خلفه، وكان جعفر يشبه النبي في خَلْقه وخُلِقه كما وصفه النبي بذلك، كما كان يكنِّيه: أبا المساكين.
وجاء عن أبي هريرة أنّه كان يقول: لقد كنت أسأل الرجل من أصحاب رسول اللهصلىاللهعليهوآله عن الآية من القرآن وأنا أعلم بها منه، ولكنِّي كنت أسأله
ليطعمني شيئاً، وكنت إن سألت جعفر بن أبي طالب لم يجبني حتّى يذهب بي إلى بيته، فيطعمني ثم يجيبني.
وجاء في الحديث عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنَّه قال: (إنَّ إلهي عزَّ وجلَّ اختارني في ثلاثة من أهل بيتي على جميع أمتي، أنا سيد الثلاثة، وسيد ولد آدم يوم القيامة، ولا فخر، اختارني وعلي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطًَّلب، وجعفر بن أبي طالب)، وفي المجلَّد الأوَّل من الاستيعاب، خلال حديثه عن جعفر بن أبي طالب أنَّ النبيصلىاللهعليهوآله قال: (دخلت الجنة البارحة فنظرت فيها، فإذا جعفر يطير مع الملائكة).
لقد كان جعفر بن أبي طالب من المهاجرين الأوَّلين إلى الحبشة حين وسَّعت قريش حلقة الاضطهاد على المسلمين في مكَّة، وكان خروجه بإيعاز من النبيصلىاللهعليهوآله ، فخرج هو وزوجته وجماعة من المسلمين المستضعفين من مكَّة فراراً بدينهم، وولدت له فيها عبدالله وعوناً ومحمداً. ولقي المسلمون من النجاشي - ملك الحبشة - من الرعاية وكرم الضيافة والإحسان ما أثار غضب قريش وتخوِّفها من هذه الظاهرة التي ستكون بداية لتحوُّل جديد في تاريخ العلاقات بينهم وبين الأحباش الذين كانوا على ارتباط معهم في مختلف مرافق الحياة، وبقاء المسلمين إلى جوارهم سيضاعف من هذا التحوُّل، وربَّما يؤدِّي إلى توتُّر الأجواء بينهما، وبالتالي إلى القطيعة بين البلدين المتجاورين، وقد تصبح الحبشة مقرَّاً لعدد كبير من المسلمين، ومنطلقاً لدعوتهم التي تساندها دولة لا طاقة لهم على مقابلتها، هذه الاحتمالات كلُّها أصبحت تراود القرشيِّين بعد أن بلغتهم حفاوة الأحباش بالمسلمين، فراحوا يعملون بكل ما لديهم من الوسائل لإيجاد فجوة بين الطرفين وإعادة العلاقات بينهما إلى سابق عهدها وإخراج المسلمين من بلادهم، فجمعوا مبلغاً من الأموال ليشتروا بها أَنْفَس الهدايا وأثمنها للملك وبطارقته، وبعثوا بالهدايا مع عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد شقيق خالد بن الوليد، وكتبوا إلى النجاشي يحذِّرونه من المسلمين
ويطلبون منه أن يردَّهم إلى مكَّة، وكان ابن العاص حديث عهد بالزواج من إحدى المكِّيَّات الفاتنات في جمالهنَّ فلم يستطع فراقها، فمضت معه في تلك الرحلة، وفي الطريق كانت تتحدَّث إلى عمارة ويتغازلان، وكان فتى مديد القامة جميلاً بهي الطلعة، فتعلَّقت به وتعلَّق بها، وأخيراً هجرت فراش زوجها وارتمت في فراشه، وعبثاً حاول ابن العاص أن يضع حدَّاً لشذوذها، وبالتالي بقيت بينهما يشتركان بالاستمتاع بها(1) .
وسبقت أنباء هذه الفضيحة إلى المهاجرين والنجاشي، وحاول عمارة وابن العاص أن يشحنا النجاشي وبطارقته على الإسلام والمسلمين، وباءت جهودهما بالفشل الذريع بعد أن تولَّى جعفر بن أبي طالب الحديث مع النجاشي وبطارقته، وحدَّثهم عن ابن عمِّه محمد ورسالته وقرأ عليهم بعض الآيات من القرآن ومن سورة مريم كما ذكر المؤلفون في سيرة الرسولصلىاللهعليهوآله ، ورجع الوفد فاشلاً إلى قريش يتعثَّر بأذيال الخيبة، وبقي النجاشي على كرمه وإحسانه إلى المهاجرين، كما بقي جعفر بن أبي طالب ومَن معه في الحبشة إلى السنة السابعة من هجرة الرسولصلىاللهعليهوآله وفيها رجع إلى المدينة، و
النبيصلىاللهعليهوآله كان قد اتجه لحرب اليهود في خيبر واستولى عليها بعد أن اقتحم أمير المؤمنين حصونهم وجندل أبطالهم وفرسانهم، وفي اليوم الذي رجع فيه النبي إلى المدينة دخلها جعفر بمَن معه من المسلمين، فقام إليه النبيصلىاللهعليهوآله وقبله ما بين عينيه، وقال: (ما أدري بأيِّهما أشدُّ فرحاً بقدوم جعفر أو بفتح خيبر) وقال له: (أنت أشبه الناس بخَلقي وخُلقي، و خُلقتَ من الطينة التي خلقتُ منها) كما جاء في ذخائر العقبى للمحبِّ الطبري وغيره من مجاميع الحديث.
وأعطاه وزوجته أسماء من غنائم خيبر مثل ما أعطى غيره مِن
____________
(1) الشرقاوي، محمد رسول الحرية.
المسلمين الذين اشتركوا في فتحها، وبقي مع النبي بعد رجوعه إلى المدينة أشهراً معدودات، وبدخول السنة الثامنة للهجرة بعث رسول اللهصلىاللهعليهوآله أحد أصحابه، وهو الحارث بن عمير، بكتاب إلى ملك بصري من أرض الشام، فلمَّا بلغ الرسول مؤتة، تعرَّض له شرحبيل الغسَّاني أحد ولاة الروم وقتله ولم يقتل غيره ممَّن كان يبعثهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى الملوك والأمراء، فاشتد ذلك على النبيصلىاللهعليهوآله وجهز جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل بقيادة جعفر بن أبي طالب وعيَّن اثنين غيره للقيادة على التوالي فيما لو قتل جعفر، وهما: زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحه، وانطلق الجيش إلى مشارف الشام يجدُّ في
سيره، وحينما بلغت أخباره ملك الروم أوعز إلى جيوشه بأن ترابط على الحدود بين بلاد الشام والحجاز وحشد عليها أكثر من مائة إلف مقاتل، وكانت المعركة الحاسمة على الحدود في مؤتة، فأخذ الراية جعفر وتقدَّم بمَن معه من المسلمين وحمل على تلك الحشود التي ملأت الصحراء بعددها و
عتادها، فانهزموا بين يديه وظلَّ يطاردهم حتّى قطعت يمينه وشماله وخرَّ صريعاً.
وجاء في بعض المرويات أنَّه لمَّا اشتدَّ القتال، نزل عن فرسه وعقرها، فكان كما قيل: أوَّل مَن عقر فرسه في الإسلام. ومضى يقاتل راجلاً ويقول:
يا حبَّذا الجنَّة واقترابها |
طيِّبة وبارد شرابها |
|
والروم روم قد دنا عذابها |
كافرة بعيدة أنسابها |
عليَّ إذ لاقيتها خرابها
وبعد أن استشهد وجدوا في مقدَّم جسده أكثر من تسعين ضربة وطعنة، وجزع مَن في المدينة لقتله، وبكاه المسلمون وبخاصة أهله وذووه، فلمَّا رأى ذلك رسول اللهصلىاللهعليهوآله قال: (لا تبكوا على أخي بعد اليوم) (وقد جعل الله له جناحين يطير بهما في الجنَّة) فسمِّي ذا الجناحين والطيَّار.
وجاء عن عبدالله بن جعفر أنَّه قال: لقد دخل علينا رسول الله بعد موت أبي وقال: (لا تبكوا على أخي بعد اليوم) ودعا بالحلاَّق فحلق رؤوسنا، وقال: (أمَّا محمد فشبيه عمِّنا أبي طالب، وأمَّا عبدالله فشبيه خَلقي وخُلقي) ثم اخذ بيدي وقال: (اللَّهم اخلف جعفراً في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه) ولمَّا ذكرت أمي يتمناً قال لها: (العيلة تخافين عليهم، وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟)(1) .
وظلَّ أيتام جعفر في رعاية رسول اللهصلىاللهعليهوآله وعمِّهما علي بن أبي طالب وحضانة أمِّهم أسماء بنت عميس، وكانت امرأة كريمة شريفة ذات رأي حازم ومعرفة وتجربة وحجة بيان على حد تعبير عبد العزيز سيد الأهل في كتابه (زينب بنت علي)، لا تصبر على مذلَّة ولا تبيت على ضيم، هاجرت في سبيل الله هجرتين: أوَّلاهما مع المسلمين الأوَّلين وزوجها إلى الحبشة، وثانيتهما إلى المدينة مع زوجها جعفر الطيَّار، فأكرمها رسول الله وعلَّمها دعاء تدعو به في الشدائد، وقال لها: (ألا أعلِّمكِ كلمات تقوليهنَّ عند الكرب: الله الله ربي لا أشرك به شيئاً) فلم يصبها كرب بعد ذلك إلاّ أزاحته عنها بدعاء رسول الله كما جاء عنها.
وحدث بعد أن رجعت مع زوجها إلى المدينة أن رآها عمر بن الخطاب فقال لها: يا حبشية سبقناكم بالهجرة. ولعله كان يريد أن يتباهى عليها في هجرته مع الرسول وصحبته له أو ممازحاً لها كما يدَّعي بعض الرواة، وما كاد عمر ينتهي من حديثه حتّى انبرت له قائلة: لعمري لقد كنتم مع رسول الله يطعم جائعكم ويعلِّم جاهلكم، وكنَّا البُعَدَاء عنه نتحمَّل الأهوال والشدائد حرصاً على ديننا، وأضافت إلى ذلك: والله لأتين رسول الله وأذكرنَّ له مقالتك يا ابن الخطَّاب.
____________
(1) الغزالي، الشيخ محمد، فقه السيرة، ص 281.
ومضت مسرعة إلى النبي وقالت: يا رسول الله، إنَّ رجالاً من أصحابك يتفاخرون علينا ويتباهون ويزعمون أنَّنا لم نكن من المهاجرين الأوَّلين، فردَّ عليها الرسول قائلاً: (بل لكم هجرتان؛ هاجرتم إلى أرض الحبشة ونحن مرهنون بمكة، ثم هاجرتم بعد ذلك).
لقد تزوَّجت بعد مصرع زوجها من أبي بكر فأولدها محمد بن أبي بكر، وخلال تلك المدة القصيرة التي قضتها معه لم تكن تفارق أولادها ولا بيت فاطمة الزهراء، وقد روت الحديث عنها، وحينما توفِّيت الزهراءعليهالسلام تولَّت غسلها وتكفينها، وبعد وفاة زوجها أبي بكر تزوَّج منها وضمَّها أمير المؤمنين إلى عياله مع ولدها محمد بن أبي بكر - وكان طفلاً في الرابعة من عمره - وبقيت في بيته هي وأولادها، وأولدها ولداً اسماه يحيى كما جاء في المجلَّد الأوَّل من حياة الحيوان(1) .
وبقي عبدالله منذ طفولته إلى أن شبَّ وترعرع هو وإخوته إلى جانب عمِّه أمير المؤمنين مع أولاده يتلقَّى منه العلم والمعرفة ويغذِّيه بأخلاق الإسلام وتعاليم الإسلام حتّى أصبح من كرام المسلمين وأعلامهم. وكان كما يصفه المؤرخون أسخى رجل بين المسلمين في عصره. وكان هو وزينب في سن متقاربة، فلمَّا بلغا سنَّ الشباب وراح الطلاَّب يتوافدون على بيت عليعليهالسلام يطمعون في مصاهرته، لم يجد لابنته كفء غير ابن أخيه عبدالله، فزوَّجه منها، ولكن هذا الزواج لم يفرِّق بين زينب وأبيها وإخوتها، وبلغ من تعلم الإمامعليهالسلام بابنته وابن أخيه أن بقيا معه يرعاهما ويتفقَّدهما كما كانا قبل
الزواج، وحينما تولَّى أمور المسلمين وانتقل من المدينة إلى الكوفة انتقلا معه. ووقف عبدالله إلى جانب عمِّه في جميع
____________
(1) انظر: عبد العزيز سيد الأهل، زينب بنت علي، عن المجلَّد الأوَّل من حياة الحيوان، ص 228.
مواقفه النضالية قبل خلافته وبعدها من الناكثين والقاسطين والمارقين.
وما كادت زينب تنتقل إلى بيتها الجديد المتواضع في أثاثه ومعيشته حتّى أصبح المال يتدفَّق عليه، ولكنَّه كان يهب ويعطي عطاء مَن لا يخشى الفقر ولا يدَّخر شيئاً من يومه لغده، وأصبح الجود والسخاء من أشهر صفاته وألقابه وسمَّاه الناس بحر الجود. وحدَّث الرواة أنَّ جماعة كانوا يتحدَّثون عن كرام المسلمين وأجوادهم، فادَّعى جماعة أنَّ أجودهم عبدالله بن جعفر، فطلب منهم الباقون دليلاً على ذلك، فجاءه أحدهم وهو على راحلته يريد ضيعة له خارج المدينة، فتعلَّق بركابه وقال له: أنا من أبناء السبيل ولا أملك شيئاً، فأخرج عبدالله رجله من الركاب ونزل عن راحلته وقال له: ضع رجلك في الركاب واستوي على الناقة وخذ ما في الحقيبة، وإيَّاك أن تُخدع عن السيف؛ فإنَّه من سيوف علي بن أبي طالب، ثم ترك الرجل ورجع ماشياً إلى بيته في المدينة، ولمَّا وضع الرجل رجله في الركاب واستوى على الناقة ومد يده إلى الحقيبة، وجدها مملوءة بمطارف الخزِّ وفيها بالإضافة إلى ذلك أربعة آلاف دينار، وكان سيف عليعليهالسلام أنفس من المطارف وأجلَّ من الدنانير على حد تعبير الراوي، ولمَّا رأى القوم صنيعه قالوا: صدق مَن سمَّاه بحر الجود(1) .
وبلغت شهرته في الأوساط الإسلامية حدَّاً ضاقت بها نفوس أعداء الطالبيِّين وقلوبهم الحاقدة ولم تعد تتسع لمديحه وثناء الجماهير عليه، فراحوا يحاولون تزييف سخائه وتسميته سرفاً لا يقرُُّه الإسلام.
فقد حدث الرواة عن الشعبي أنَّ عبدالله بن جعفر الطيَّار دخل على معاوية وعنده ولده يزيد بن ميسون، فجعل يزيد يعرِّض بعبدالله
____________
(1) عبد العزيز سيد الأهل، زينب بنت علي، ص 60 عن (المستجدات في فعلات الأجواد).
في كلامه ويتَّهمه بالإسراف والتبذير، فقال عبدالله ليزيد: إنِّي لأرفع نفسي عن جوابك، ولو قالها صاحب السرير لأجبته، فقال معاوية: كأنَّك تظنُّ أنَّك أشرف منه يا عبدالله، فقال عبدالله: أي والله، ومنك ومن أبيك وجدِّك يا معاوية، فردَّ عليه معاوية بقوله: ما كانت أحسب أنَّ أحداً في عصر حرب بن أميَّة جدي أشرف منه، فقال عبدالله بلى والله، إنَّ أشرف منه مَن أكفءَ عليه إناءه وأجاره بردائه، فقال: صدقت يا أبا جعفر(1) .
وكان يقول كما جاء عنه: إن الله قد عوَّدني أن يتفضَّل عليَّ، وعوَّدته أن أتفضَّل على عباده، وأضاف: إنْ يقطع عني إذا قطعت عن عباده(2) .
وقد تحدَّث المؤرِّخون وأكثروا عن كرمه وسخائه وإيثاره الأيتام والمساكين وأبناء السبيل على نفسه وولْده، ولقد رأته العقيلة يصنع كل ذلك فلم تعارضه في شيء من عطائه وسخائه، بل كانت تشاركه أحياناً وتشجِّعه على البذل والعطاء. وظلَّت العقيلة وفيَّة لزوجها ساهرة على راحته وتربية أولادها، وفي الوقت ذاته على صلة دائمة بأخويها الحسن والحسين وبقيَّة إخوتها، وتحمَّلت من المحن والمصائب ما لا يقوى على حمله أحد من
الناس، وثبتت لجميع تلك الأهوال وتحمَّلت مرارتها وآلامها وبصبر وشجاعة قلَّ نظيرهما في تاريخ الأبطال وعظماء العالم، وقد تحدَّث المؤرِّخون والكتَّاب القدامى والمحدثون عن مواقفها وبطولاتها في معركة الطفِّ وما تلاها من الأحداث في الكوفة والشام وعن تحدِّياتها لأولئك الطغاة والجلاَّدين التي زعزعت فيها عروشهم وضعضعت كبرياءهم
____________
(1) جعفر نقدي، زينب الكبرى، ص 89، ط النجف.
(2) ابن عبد ربه، العقد الفريد.
وأصبحوا لعنة على لسان الأجيال إلى أن تقوم الساعة، ولم يتحدَّثوا عن حياتها مع زوجها عبدالله لأنَّها في تلك الفترة من تاريخها كانت منصرفة لبيتها وأولادها وإعدادهم الإعداد السليم كما كان أبوها يعدُّها ويعدُّ إخوتها، وقد اكتفتْ بذكر الله وعبادته والتضرَّع إليه في ليلتها ونهارها والاستفادة من مدرسة أمِّها وأبيها وأخويها الحسن والحسين عن ذكر الناس والقيل والقال والاشتراك في الفتن والأحداث.
وقد اعتاد المؤرِّخون والكتَّاب أن يتحدَّثوا عن المرأة من خلال نزعاتها واشتراكها في الفتن وأحداث عصرها وركوبها الجمال والبغال في ساحات الحروب والمعارك، وعمَّا ترويه من الأحاديث المكذوبة عن النبيصلىاللهعليهوآله كالتي كانت تنسبها بعض زوجاته إليه زوراً وافتراء، كما يتحدَّثون أحياناً عن ربَّات البيوت من خلال مظاهر البذخ والترف وعدد الجواري والعبيد ومجالس الغناء والشراب. أمَّا البيوت التي تكون لله وفي سبيل الله والتهجد والعبادة وللعلم والتعليم والإرشاد، فلا يعنيهم من أمرها شيئاً.
لقد كان بيت العقيلة من تلك البيوت التي وصفها بعض الشعراء بقوله:
منازل كانت للرشاد وللتقى |
وللصوم والتطهير والصلوات |
ووصفها أبو فراس الحمداني في قصيدته التي يعدِّد فيها فضائل العلويِّين ومساوئ الأمويِّين والعبَّاسيِّين بقوله وهو يخاطب العبَّاسيِّين:
تنشي التلاوة في أبياتهم سَحَراً |
وفي بيوتكم الأوتار والنغم |
|
ما في ديارهم للخمر معتصر |
ولا بيوتهم للسوء معتصم |
|
ولا تبيت لهم خنثى تنادمهم |
ولا يرى لهم قرد له حشم |
|
الركن والبيت والأستار منزلهم |
وزمزم والصفا والخيف والحرم |
لقد رُوى عنها أعيان الصحابة، وكان عبدالله بن العبَّاس عندما يروي عنها يقول: حدَّثتني زينب ابنة عليعليهالسلام .
وولد لعبد الله من زوجته زينب أربعة ذكور وأنثى واحدة، وهم: علي ومحمد وعبَّاس وعون وأم كلثوم، وكان قد خطبها معاوية لولده يزيد بن ميسون وحاول بكل وسائله ومغرياته إتمام هذه الصفقة، ولكن خالها الحسينعليهالسلام كان له بالمرصاد، فزوَّجها من ابن عمِّها القاسم بن محمد بن
جعفر(1) ، وقُتل محمد وعون مع الحسين في كربلاء وقدَّمتهما العقيلة لينالا شرف الشهادة مع أخيها، فبرزَ عون وهم يقول كما تروي كتب المقاتل:
إن تنكروني فأنا ابن جعفر |
شهيد صدق في الجنان أزهر |
|
يطير فيها بجناح أخضر |
كفى بهذا شرفاً في المحشر |
ومضى يقاتل حتّى قتل ثلاثة فوارس وثمانية عشر رجلاً، ثم تكاثروا عليه وقتلوه. وبرز بعده أخوه محمد بن عبدالله وهو يقول:
أشكو إلى الله من العدوان |
فِعال قوم في الردى عميان |
|
قد بدَّلوا معالم القرآن |
ومحكم التنزيل والتبيان |
وقَتل من أهل الكوفة عشرة من فرسانهم، ثم حملوا عليه وقتلوه، وكان الذي تولَّى قتله ابن نهشل التميمي كما ذكر أرباب المقاتل، ولم يحدِّث التاريخ ولا أرباب المقاتل أنَّ العقيلة زينب ندبت ولديها أو تعلَّقت بهما كما كانت الأمهات يصنعن حين خروج أولادهنَّ ومصرعهم، بل كان الحسين شاغلها الوحيد الذي أنساها كل شيء وهان عليها مصابها بهما
____________
(1) انظر: أعيان الشيعة، المجلَّد 33، ص 191، ط 1950.
لأنَّهما قتلا في سبيله، وحتّى أنَّ زوجها عبدالله والدهما كان يقول بعد أن بلغته أخبار تلك المجزرة وما جرى لولديه: لقد هوَّن عليَّ مصابهما أنَّهما قتلا مع أخي وابن عمِّي مواسين له صابرين معه، وإذا لم أكن قد واسيته بيدي فلقد واسيته بولْدي. ودخل عليه أحد غلمانه يبكيهما ويقول: ماذا لقينا من الحسين بن علي، فغضب عبدالله وحذفه بنعله وقال له: يا ابن اللخناء أللحسين تقول هذا، والله لو شهدته لَمَا فارقته حتّى أقتل دونه وأفديه بنفسي.
والسؤال الذي قد يعترض هو: لماذا لم يخرج مع الحسين كما خرجت معه زوجته وأكثر الطالبيِّين ومَن هو أولى من عبدالله بذلك؟ وقد اعتذر عنه جماعة بأعذار لا تعدو أن تكون من نوع الحدس والتخمين، والذي أراه أنَّ عبدالله بن جعفر لم يتخلَّف عن الحسينعليهالسلام إلاّ برأيه، وقد أمره بالبقاء في المدينة لأسباب تفرضها المصلحة كما أمر أخاه محمد بن الحنفية بذلك، ولم يحدِّث التاريخ عن عبدالله بأنَّه كان يعصي للحسن والحسين أمراً أو يخالفهما في شيء. وقد ذكرنا أنَّ معاوية حينما خطب ابنته لولده يزيد ترك أمرها إلى الحسين بالرغم من العروض السخيَّة التي عرضها عليه معاوية، كما ترك أمر زوجته زينب من حيث خروجها معه إليه وإليها، وهو الذي أمر ولديه بالخروج معه وكان مغتبطاً باستشهادهما معه ومواساتهما له، وإنَّ سيرته ومواقفه بعد الحسينعليهالسلام لأصدق شاهد على إيمانه وإخلاصه في ولائه لعمِّه وأبناء عمِّه ولدينه وعقيدته.
افتراءات الأمويِّين على عبدالله بن جعفر
وجاء في العيون والمجالس للبيهقي أنَّ عبدالله بن عبَّاس وعمرو بن العاص كانا في مجلس معاوية فتعرَّض عمرو بن العاص لعبدالله بن جعفر ونال منه، فقال له ابن عبَّاس (رحمه الله): إنَّ عبدالله ليس كما تذكر يا ابن العاص، ولكنَّه لله ذَكُوْراً ولنعمائه شكوراً وعن الخني زجوراً، جواد كريم وسيَّد حليم، لا يدَّعى لدعي ولا يدنو لدني، كما اختصم فيه من قريش شرارها وغلب عليه جزارها، فأصبح آلامها حسباً وأدناها نسباً. ومضى يقول: وليت شعري بأيِّ قدم تتعرَّض للرجال وبأيِّ حسب تبارز عند النضال، أبنفسك وأنت الوغد الزنيم أم بمَن تنتمي إليه من أهل السفه والطيش والدناءة في
قريش، لا بشرف في الجاهلية اشتهروا ولا بقديم في الإسلام ذُكروا. وكان ابن عبَّاس في قوله هذا يعرِّض بابن العاص لأنَّه كان متَّهماً في نسبه كما تؤكِّد ذلك أكثر المصادر التي تعرَّضت لتاريخه.
أمَّا ما جاء في بعض المجاميع عنه من أنَّه في الشطر الأخير من حياته كان مولعاً بالقيان والغناء واللهو والفساد وما إلى ذلك من الافتراءات،
فهو من وضع الأمويِّين الذين سخَّروا بعض الرواة والقصَّاصين للنيل من مقام أمير المؤمنينعليهالسلام ومَن يتَّصل به بنسب قريب أو بعيد، وعبدالله بن جعفر هو بمنزلة أولاده والابن المفضَّل عنده من أولاد أخيه جعفر وزوج ابنته عقيلة بني هاشم وكان من أبرز الطالبيِّين بعد أولاده عمِّه أمير المؤمنينعليهالسلام في أكثر صفاته ومواهبه.
لقد شقَّ على معاوية وحزبه أن يبرز حفيد أبي طالب على أقرانه من أبناء المهاجرين والأنصار بفضله وعبادته وجوده وكرمه، وأن يسميه الناس بحر الجود، وأن يتحدَّثون عنه في نواديهم ومجالسهم بأكرم الصفات والمزايا، ولا يذكرون أحداً من أحفاد أميَّة وفتيانهم إلاّ بما هم عليه من ممارسة الفجور والفساد والغناء وانتهاك الحرمات، فسخَّر رواته وقصَّاصيه لينسبوا إليه ممارسة الغناء والفساد والتلهِّي بالجواري والراقصات؛ حتّى لا يبقى الفساد والفجور من محتكرات أبنائهم وأحفادهم ووقفاً على قصورهم ومنتجعاتهم،وليصرف الأنظار عمَّا شاع وذاع عن ولده الخليع الفاجر. وليس ذلك بغريب على ابن هند وسليل أميَّة؛ فلقد كان يعمل بكل ما لديه وبدون حياء وخشية هو ومَن سخَّرهم من الرواة والقصَّاصين، ويفتري على علي وولده الحسن سبط الرسول، فوضعوا له عشرات الأحاديث التي تسيء إليهما وترفع من شأنه وشأن أسرته، ويبذل الأموال بلا حساب في هذا السبيل، وكان بذلك كأنَّه يأخذ بضبعيهما إلى السماء، وكانوا بما رووه له في أسرته وذويه كأنما ينشرون جيف الحمير على حد تعبير الشعبي وعبدالله بن عروة بن الزبير.
لقد حاول أن يضع من شأن الحسن السبط فسخَّرهم لأن يقولوا أنَّ عليَّاًعليهالسلام كان إذا مرَّ على حشد من النساء يقول لهن: (مَن منكنَّ تحبُّ أن تكون زوجة لأمير المؤمنين؟) فيقلن له: كلُّنا مطلَّقات ولدك الحسن، وأنَّ الحسنعليهالسلام تزوَّج بأكثر من مائتين وخمسين إمرأة إلى غير ذلك من
مفترياته، ولم يعد غريباً عليه إذا سخَّر أذنابه ليلصقوا بحفيد أبي طالب عبدالله بن جعفر وبحر الجود كما كان يصفه الناس: أنَّه كان منصرفاً إلى القيان والغلمان والجواري الراقصات؛ ليستر بذلك إسراف ولده وأسرته، أحفاد أميَّة، بالفجور والمنكرات.
وعلى ذلك مضى مَن جاء بعده من الأمويِّين؛ فحيث كانت قصورهم تعجُّ بالغلمان والندمان والراقصات، وكانت بناتهم ونساؤهم يمارسن الفجور والرقص والغناء إلى جانب الرجال والغلمان، سخَّروا القصَّاصين والكذبة من الرواة لينسبوا إلى سكينة بنت الحسينعليهالسلام شقيقة الإمام زين العابدين أنَّها كانت تجتمع إلى المغنِّين والمغنِّيات والشعراء والمخنَّثين وتبادلهم الشعر والغناء، وعندما يستبد بها الطرب أو الإعجاب بشعر أحدهم تمدُّ لهم يدها لينتزعوا الحلي من سواعدها، وما إلى ذلك من المنكرات؛ ليستروا بذلك مفاسدهم وفجورهم واستهتارهم، نساءً ورجالاً، بالإسلام وتعاليمه وقيمه وآدابه.
لمحات عن المصائب التي اعترضت حياة زينب منذ طفولتها
لقد شاءت الأقدار والصُّدف أن تتعرَّض الحوراء زينب بنت علي وفاطمة لتلك الأحداث الجسام منذ طفولتها حتّى النفس الأخير من حياتها، وأصبحت حياتها محفوفة بسلسلة من الآلام منذ البداية وحتّى النهاية.
صحيح أنَّ كل الناس لا تخلو حياتهم من الهموم والمتاعب والآلام، من غير فرق بين عامَّة الناس وبين ذوي الجاه والسلطان والثراء، وقديماً قيل: (إذا أنصفك الدهر، فيوم لك ويوم عليك)، ومَن الذي استطاع في حياته أن ينجو من البلاء والنكبات وأن يحقِّق جميع رغباته وما يطمح إليه في حياته، ولم يبتلى إمَّا بنفسه أو بعزيز من أعزَّائه وأبنائه أو بأشخاص من خارج أسرته ينغِّصون عليه حياته.
ولكن من غير المألوف أن يكون الإنسان مستهدفاً للمحن والأرزاء والمصائب منذ طفولته وحتّى أخر لحظة من حياته، وأن يعيش في خضم الأحداث والمصائب والأرزاء كما عاشت عقيلة الهاشميِّين التي أحاطت بها الشدائد والنوائب من كل جهاتها، وتوالت عليها الواحدة تلو الأخرى حتّى وكأنَّها وإيَّاها على ميعاد، وأصبحت تعرف بأمِّ المصائب أكثر ممَّا تعرف
باسمها.
فقد شاهدت جدَّها المصطفى وهو يصارع الموت وأمَّها وأبوها وخيار الصحابة يتلوَّون بين يديه مذهولين عن كل شيء إلاَّ عن شخصه الكريم ومصير الإسلام من بعده، وشاهدت وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى وفجيعة المسلمين به وبخاصة أبيها وأمِّها، وسمعت أباها أمير المؤمنين يقول يومذاك: (فنزل بي من وفاة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ما لم أكن أظن الجبال لو حملته عنوة كانت تنهض به، فرأيت الناس من أهل بيتي ما بين جازع لا يملك جزعه ولا يضبط نفسه، ولا يقوى على حمل فادح ما نزل به، قد أذهب الجزع صبره وأذهل عقله، وحال بينه وبين الفهم والإفهام والقول والإسماع) وليس ذلك بغريب ولا مستهجن إذا أُصيب أهل البيت بذلك وأكثر منه؛ فإنَّ تأثير المصائب والأحداث إنَّما يكون حسب جسامتها وما يرافقها ويحدث بعدها على ذوي الفقيد وعلى مجتمعه، وأهل البيتعليهالسلام من أعرف الناس بمقام النبي وأكثرهم انصهاراً بمبادئه ورسالته وبما قدَّمه للبشرية في كل عصر وزمان، ويدركون الأخطار التي ستحيط بالرسالة وبهم ممَّن لم يخالط الإسلام قلوبهم وممَّن كانوا ينتظرون وفاته بفارغ الصبر.
هذا بالإضافة إلى أنَّه كان قد حدَّث أهل بيته بكل ما سيجري عليهم من بعده وكرَّره على مسامعهم أكثر من مرَّة تصريحاً وتلويحاً، وحتّى ساعة وفاته كان ينظر إليهم ويبكى وقال لمَن سأله عن بكائه: (أبكي لذرَّيتي وما تصنعه بهم شرار أمتي من بعدي).
لقد شاهدت زينب كل ذلك وكانت تتلوَّى وتتألَّم إلى جانب أمِّها وأبيها، وشاهدت محنة أمِّها الزهراء وبكائها المتواصل على أبيها في بيت الأحزان، ودخول القوم إلى بيتها وانتهاك حرمتها واغتصاب حقِّها وإرثها وإسقاط جنينها، وهي تستغيث وتناشد القوم أن يراعوا وصية
رسول اللهصلىاللهعليهوآله فيها وفي أهل بيته فلا تغاث. هذا وبلا شك فإنَّ العقيلة يومذاك كانت تتلوَّى وتصرخ إلى جانب أمِّها وتكاد صرختها تخرج من حشاها اللاَّهب الذي يقطعه الأسى والألم، وبعد أيَّام معدودات من مواقف القوم وإسقاط جنينها من آثار تلك الصدمة شاهدت أمَّها جثة هامدة على المغتسل تجهزها أسماء بن عميس وجاريتها فضة إلى مقرِّها الأخير بجوار أبيها الذي بشَّرها بالموت السريع وقال لها: (إنَّك أوَّل أهلي لحوقاً بي) فابتسمت للموت السريع الذي لا يَبتسم له إلاّ مَن اتَّخذ عند الرحمن عهداً، ورأت أباها وهو يبكيها ويندبها بقوله: (قلَّ - يا رسول الله - عن صفيَّتك صبري ورَّق عنها تجلُّدي... لقد استُرجعت الوديعة، وأُخذت الرهينة، وستنبئك ابنتك بتضافر أمَّتك على هضمها، فأحفَّها السؤال واستخبرها الحال. أمَّا حزني فسرمد، وأمَّا ليلي فمسهَّد) إلى أخر ما جاء عنه في وداعها وهي تتلوَّى لفقد أمِّها وما حلَّ بأبيها.
وظلَّت تتجرَّع آلام تلك الأحداث طيلة حياتها، وشاهدت بعد أن أصبحت زوجة وأمَّاً لأسرة من أحفاد جدِّها أبي طالب مصرع أبيها
أمير المؤمنين، وآثار تلك الضربة الغادرة بسيف البغي والعدوان في رأسه وسريان السُّمِّ في جسده الشريف ودموعه تتحدَّر على خدَّيه وهو يقلِّب طرفه بالنظر إليها تارة والى أخويها الحسن والحسين أخرى ويتلوَّى لِمَا سيجري عليهم من بعده من مردة الأمويِّين وطواغيتهم.
وشاهدت أخاها الحسن السبط أصفر اللون يجود بنفسه ويلفظ كبده قطعاً من آثار السُّمِّ الذي دسَّه إليه ابن هند، وكان مَن في البيت قد وضعوا طشتاً بين يديه وهو يقذف كبده فيه، ولمَّا أحسَّ بدخولها عليه كالمذهولة أمرهم بإخراج الطشت من أمامه إشفاقاً عليها، وحينما حمل المسلمون نعشه لمواراته إلى جانب مرقد جدِّه كما كان يتمنَّى جاءت عائشة المسمَّاة بأم المؤمنين على بغلة وحولها طواغيت بني أميَّة وهي
تصيح بأعلى صوتها: (والله، لا يدفن الحسن مع جدِّه أو تجزُّ هذه) مشيرة إلى ناصيتها، وتقول لمَن كان محيطاً بنعشه من الهاشميِّين: (يا بني هاشم، لا تُدخلوا بيتي مَن لا أحب) وهي لا تملك من البيت غير الثُّمن من التُّسع. ورأت أخاها الحسينعليهالسلام حينما واراه في قبره يبكيه بلوعة وأسف ويقول:
سأبكيك ما ناحت حمامة أيكة |
وما اخضرَّ في دوح الحجاز قضيب |
|
أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي |
وخدك معفور وأنت سليب |
|
غريب وأكناف الحجاز تحوطه |
ألا كلُّ مَن تحت التراب غريب |
|
فلا يفرح الباقي ببَعد الذي مضى |
فكل فتى للموت فيه نصيب |
|
بكائي طويل والدموع غزيرة |
وأنت بعيد والمزار قريب |
|
وليس حريباً مَن أصيب بماله |
ولكنَّ مَن وارى أخاه حريب |
وكانت العقيلة شريكته في كل ما كان يعانيه لفقد أخيه وما رافق ذلك من أحداث تلت وفاته، واستمرت طيلة حياتها في سلسلة من المصائب والأحزان بين الحين والأخر طيلة تلك الأعوام، حتّى كانت مصيبتها الكبرى بأخوتها وسراة قومها على صعيد كربلاء واشتركت بأكثر فصولها، ولم يبق غيرها لتلك القافلة من النساء والأيتام والأسرى بعد تلك المجزرة الرهيبة وخلال مسيرتها من كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام، عاصمة الجلاّدين.
هكذا كانت حياة السيدة زينب من حين طفولتها إلى الشطر الأخير من حياتها حياة مشبعة بالأحزان متخمة بالمصائب والآلام. وبعد هذه الإشارة الموجزة إلى جميع مراحل حياتها يحقُّ لنا أن نتساءل عن مواقفها من تلك الأحداث، هل أصيبت بما تُصاب به النساء وحتّى الرجال من الاضطراب؟ وهل هيمنت عليها العاطفة العمياء التي لا يبقى معها أثر لعقل
ودين، وخرجت عن حدود الاحتشام والاتزان كما يخرج عامة الناس في مثل هذه الحالات والأحداث الجسام؟
لقد كانت ابنة محمد وعلي وفاطمة وأخت الحسنين وحفيدة أبي طالب أثبت من الجبال الرواسي وأقوى من جميع تلك الأحداث والخطوب التي لا يقوى على مواجهتها أحد من الناس، لقد وقفت في مجلس ابن زياد في الكوفة متحدِّية لسلطانه وجبروته تنقض عليه كالصاعقة غير هيَّابة لوعيده ولا لسياط جلاَّديه، كما وقفت نفس الموقف في مجلس بن ميسون وأثارت عليه الرأي العام الإسلامي بحجَّتها ومنطقها ممَّا جعله يتباكى على الحسين ويكيل الشتائم لابن مرجانة كما ذكرنا.
لقد تحوَّلت تلك المحن والمصائب بكاملها إلى عقل وصبر وثقة بالله، وكشفت كل نازلة نزلت بها عن أسمى معاني الكمال والجلال في نفسها و
عقلها، وعن أسمى درجات الإيمان والصبر الجميل. ولم يكن اعتصامها بالله وثقتها به إلاّ صورة صادقة لاعتصام جدِّها وأبيها وثقتهما به في أحلك الساعات وأشدِّ الأزمات، وأيُّ شيء أدلُّ على ذلك من قيامها بين يدي الله سبحانه للصلاة ليلة الحادي عشر من المحرم وأخيها الحسين وبنيها وإخوتها وأبناء عمومتها وأصحاب أخيها جثث على ثرى الطفِّ تسفي عليهم الرياح، ومن حولها عشرات النساء والأطفال في صياح وعويل يملأ صحراء كربلاء وجيش ابن زياد وابن سعد يحيط بها من كل جانب.
إنَّ صلاتها في تلك الليلة وفي ذلك الجو الذي يذهل فيه الإنسان عن نفسه مهما بلغ من رباطة الجأش وقوَّة الإرادة كصلاة جدِّها رسول اللهصلىاللهعليهوآله في المسجد الحرام في مطلع الدعوة والمشركون يومذاك على شراستهم يحيطون به من كل جانب ومكان، يرشقونه بالحجارة وبما أعدُّوه لإهانته من الأوساخ والنافيات ويتوعَّدونه بكل أنواع الإساءة،
وكصلاة أبيها أمير المؤمنين في وسط المعركة في صِفِّين والقتلى تتساقط عن يمينه وشماله، ومعاوية يحرِّض جيشه على مواصلة القتال واغتياله بكل الوسائل، وكصلاة أخيها سيِّدة الشهداء في وسط المعركة يوم العاشر من المحرَّم وسهام أهل الكوفة تنهال عليه من كل جانب ومكان. وإن لم يكن لها إلاّ قولها حين مرُّوا بموكب السبايا في طريقهم على مصارع القتلى ورأت أخاها الحسين وبنيها وإخوتها وأبناء عمومتها وأنصارهم أشلاء مبعثرة هنا و
هناك، إن لم يكن لها إلاّ قولها حين نظرت إلى تلك الأشلاء: (اللَّهُم تقبَّل منَّا هذا القربان) يكفها لأنَّ تكون فوق مستوى الإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة والصبر وقوة الإيمان.
وخلال حديثي عن ثورة الحسينعليهالسلام لقد عرضتُ بعض الجوانب من مواقف العقيلة في كربلاء خلال المعركة وبعدها، وفي الكوفة مع أهالي الكوفة الذي خرجوا يبكون ويندبون الحسين ومَن قُتل معه، ومع ابن مرجانة في قصر الخضراء حينما رأت الابتسامة تملأ شدقيه ورأس أخيها سيد الشهداء بين يديه ينكث ثناياه بمخصرته ويتمنَّى حضور أشياخه الذين صرعهم علي بن أبي طالب والد الحسين في معركة بدر، إلى غير ذلك من مواقفها الكريمة التي ضربت فيها أروع الأمثلة في البطولات والشمم والمثل العليا، وبيَّنتْ - بمواقفها - للعالم في كل عصر وجيل أنَّ المرأة المسلمة باستطاعتها أن تزعزع عروش الطغاة وفراعنة العصور وأن تقلب الدنيا على رؤوسهم كما فعلت ابنة علي والزهراء.
وأرى بعد هذا العرض السريع للمراحل التي مرَّت بها العقيلة في بيت أبيها وزوجها ومع أخيها في رحلته إلى الشهادة أن أتحدَّث ولو بأقصى ما يمكن من الإيجاز عن مرقدها الذي ادَّعته الأقطار الثلاثة: المدينة المنورة في الحجاز، ومحلّة الفسطاط من القاهرة في مصر، ومحلة الغوطة في القرب من دمشق الشام. لها مرقدان حتّى يومنا هذا في القاهرة ودمشق الشام تقصدها مئات الألوف كل عام من المسلمين لزيارتها والتبرُّك بمرقدها والتوسُّل إلى الله بجدِّها المصطفى وأبيها المرتضى وأمِّها الزهراء لقضاء حوائجهم. أمَّا قبرها في المدينة، فلقد كان في البقيع إلى جانب غيره من قبور أهل البيت وصلحاء المسلمين من صحابة الرسول وغيرهم، ولمَّا انتقلت السلطة إلى الوهابيِّين وحكموا الحجاز هدَّموا قبور أهل البيت وغيرهم من المسلمين وحاولوا هدم قبر النبيصلىاللهعليهوآله بحجة أنَّ بناء القبور وزيارتها من أنواع الشرك بالله لولا الضجة العالمية من جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم التي اعترضت تصميمهم على هدمه.
إنَّهم يرون زيارة البناء الذي يضم رفات الأنبياء والصدِّيقين والأئمَّة
الطاهرين شركاً وإلحاداً. أمَّا القصور التي تجمع بين جدرانها آلاف الجواري والراقصات ومئات الأطنان من الخمور، فلا تتنافى مع الإسلام ولا مع تعاليمه ومقدَّساته عند أدعياء الإسلام وحكَّام العصور. إنَّ تقديس المسلمين لقبر النبيصلىاللهعليهوآله وقبور الأئمَّة الطاهرين وزيارتهم اللَّذين ضحوا بأنفسهم وبكل ما يملكون في سبيل الإسلام ومقدَّساته ومن أجل الإنسان وكرامته التي داسها الأمويَّون وفراعنة العصور بأقدامهم، ليست إلاّ احتجاجاً صارخاً على الباطل وأهله، وتعبيراً صادقاً عن الإخلاص للحق والنقمة على الجور، وصواعقاً تنهال على رؤوس الطغاة والظالمين في كل زمان ومكان.
مع الوهَّابيِّين بمناسبة الحديث عن مرقد العقيلة
بهذه المناسبة وقبل الخوض في تفاصيل ما قيل حول مرقدها، ونظراً لأنَّ الوهابيِّين يرون تشييد قبور الأولياء وزيارتها من أنواع الشرك ولا يزالون يواصلون حملاتهم المسعورة على الشيعة، رأيت نفسي مدفوعاً إلى هذه الوقفة القصيرة معهم لأعود بعدها إلى مواصلة الحديث عن مرقدها الذي تضاربت الآراء حوله؛ لأنَّ السكوت الذي التزمناه عن أولئك المسعورين حرصاً منَّا على وحدة الصف لم يضع حدَّاً لعدوانهم، بل زادهم إمعاناً في البغي والعدوان والتعامل مع الشيعة بأسوأ من معاملتهم لغير المسلمين كما سنقدِّم بعض الأرقام على ذلك.
إنَّ حماة الحرمين يحافظون على معابد السُّنَّة ومقابرهم ويبذلون لتشييدها وترميمها الملايين من الدولارات، ونحن نبارك عملهم هذا لو كانوا لا يميزون بين مسجد ومسجد ولا بين مقبرة ومقبرة، ولكنَّهم - ومع الأسف الشديد - لا يبذلون قرشاً واحداً على مساجد الشيعة ومعابدهم، ويتتبَّعون قبور صلحائهم وأوليائهم بالهدم والتخريب ويدَّعون بأن تشييد قبور الأنبياء والأئمَّة من ذرِّية الرسول كفر وشرك بالله، مع العلم
بأنَّ الشيعة إنَّما يحترمون قبور الأنبياء والأئمَّة باعتبارها رمزاً لمَن حلَّ بها من أولئك الذين ضحُّوا بأنفسهم وبكل ما يملكون في سبيل الله والإسلام والمستضعفين في الأرض وكانوا ثورة على الشرك والظلم والعدوان ومن أجل الإنسان وكرامة الإنسان.
ولم يكتف الوهابيُّون بذلك، بل يعاملون الشيعة بأسوأ ممَّا يعاملون به الكفَّار والمشركين بالله كما ذكرنا، فلا يقبلون شهادة الشيعي على غيره مهما بلغ من الدين والتقوى، ويقبلون شهادة السُّنِّي والبدوي عليه ولو خرجا من نوادي القمار وموائد الخمور ومن بين أحضان البغايا والمومسات، في حين أنَّ الشيعة يقبلون شهادة البدوي والقروي والنجدي على الشيعي وغيره إذا كان الشاهد عادلاً ملتزماً بفعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، هذا مع العلم بأنَّ الحنابلة الذين يعمل الوهابيُّون بفقههم لا يقبلون شهادة البدوي على القروي ويقبلها الوهابيُّون إذا كان البدوي نجدياً والقروي من خارج نجد(1) .
إنَّ الوهابيِّين يفرِّقون بين الشيعي وغيره في أكثر الأحكام الشرعية، ويحاربون جميع الآثار الشيعية، ويبذلون ملايين الدولارات للدسِّ والكذب على الشيعة وأئمة الشيعة الذين بذلوا حياتهم وجميع ما يملكون في سبيل الإسلام والمسلمين، ولم يفرِّقوا بين فئة وفئة ولا فريق وفريق ما دام الجميع يشهدون لله بالوحدانية ولمحمد بالنبوة والرسالة.
إنَّهم يتعاملون مع الشيعة بنفس الروح التي كان يتعامل بها معهم الأمويُّون والعبَّاسيُّون، ويراقبون جميع تحرُّكاتهم وتصرُّفاتهم حتّى وكأنَّهم من ألدِّ أعداء العرب والإسلام. ولم يأخذوا بأيِّ أثر من آثار أهل البيت التي
____________
(1) ميزان الشعراني في باب الشهادات.
تجسِّد إسلام محمد بن عبدالله ويمنعون جميع الكتب الشيعية القديم منها والحديث من الدخول للبلاد التي يحكمونها في شبه الجزيرة العربية و، يحظرون على بائعي الكتب استيراد جميع المؤلفات الشيعية التي تتحدث عن الدين والأخلاق الإسلامية والأدب والفلسفة والتاريخ وما إلى ذلك من المواضيع الإسلامية، مع العلم بأنَّ أصحاب تلك المؤلَّفات يحملون روحاً إسلامية صادقة تدافع وتناضل عن كل مَن ينتسب إلى الإسلام حتّى ولو لم يكن شيعياً، ولا يتعرَّضون في مؤلَّفاتهم للعائلة الحاكمة ولا لسياستهم وسيرتهم وإسرافهم في اللهو والمنكرات كما تتحدَّث عنهم الصحف ووكالات الأنباء العالمية والأجنبية، ولا ذنب للشيعة إلاّ أنَّهم يوالون أهل بيت نبيهم محمد بن عبداللهصلىاللهعليهوآله الذين أمر الله بمودَّتهم كما جاء في الآية:( لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) وأكَّدته عشرات النصوص التي روتها مجاميع الحديث السُّنِّة وصحاحهم.
إنَّهم يمنعون الكتب الشيعية ومؤلَّفات الشيعة القديم منها والجديد من الدخول لبلادهم ويعاقبون مَن يستوردها ويقتنيها ويقتنون ويستوردون كتب الفسوق والفجور والخلاعة والمستشرقين من أعداء الاستلام، والكتب التي تعلمَّ الناس الفوضى والفساد والكفر والإلحاد، والتي تعود بالحياة مئات السنين والأعوام إلى الوراء، ويحاربون الكتب التي تدعو إلى الاستلام وتدافع عنه وتحثُّ على العمل بكتاب الله وسنة نبيه رسول الرحمة والحرية والكرامة.
إنَّ شيوخ الوهابية في أواخر القرن العشرين يحكمون بعدم صحة زواج السُّنَّة من الشيعي الموالي لعلي وآل بيت نبيهم محمد بن عبدالله رسول الرحمة والعدالة والمحبة كما يحكمون بعدم صحة زواجها من المشركين.
فقد جاء في جريدة الجزيرة السعودية، عدد 3105/ تاريخ 14 شباط/
سنة 1981 - 10 ربيع الثاني 1401 جاء فيها سؤال موجَّه إلى أحد شيوخ الوهابية من شخص يدَّعى حسين حاجي في الرياض يسأل فيه: ما حكم زواج السُّنِّيَّة من الشيعي؟ ويقول الشيخ الوهابي في جوابه كما جاء في الجريدة المذكورة: لا يجوز زواج السُّنِّيَّة من الشيعي، ولا يقبل هذا
الزواج، ويفسخ إذا حصل ويعاقب مَن يفعل ذلك؛ لأنَّ أهل السُّنَّة والجماعة طريقهم معروف في القول والعمل والاعتقاد والشيعة طريقهم معروف، ولا مقاربة بينهما لا في الأصول ولا في الفروع.
بهذه الصلافة والوقاحة والجرأة على الله ورسوله يتكلَّم أحد شيوخ الوهابية، ويحكم بفساد عقد النكاح إذا وقع بين سُنِّيَّة مسلمة وشيعي
مسلم، وبفسخه ومعاقبة مَن يفعل ذلك، وينطلق شيخ الوهابيِّين لجوابه هذا - وهو في أواخر القرن العشرين - من أنْ الشيعة لا يلتقون ولو من بعيد مع أهل السُّنَّة لا في أصول الإسلام ولا في فروعه.
وهذا الجواب وأن كان من نوع اللغو والهذيان ولا يستحق غير السخرية، ولكنِّي أرى لزاماً عليَّ أن أقول لهذا الشيخ ولغيره من شيوخ السوء الحاقدين على أهل البيت وشيعتهم والذين يتكلَّمون بلغة الأمويِّين وابن تيميَّة ومحمد بن عبد الوهاب: إنَّ أصول الإسلام عند الشيعة هي: توحيد الله الواحد الأحد، وعدله، ونبوَّة محمد بن عبدالله، والمعاد. وفروع الإسلام هي: الصلاة والصيام والحجُّ والزكاة وجهاد الكافرين والظالمين المستهترين بأحكام الله وحقوق الناس وكرامتهم. وهذه الأصول والفروع يجب الالتزام بها على كلِّ بالغ عاقل قولاً وعملاً، والشيعة يعتقدون بأنَّهم يلتقون مع إخوانهم أهل السُّنَّة في أصول هذه المبادئ والاعتراف بها؛ وعلى أساس ذلك فهم يزوِّجون أهل السُّنَّة من بناتهم ويتزوَّجون بنات أهل السُّنَّة.
وإذا كان المذهب الوهابي الذي قيل عنه في جميع الأوساط
السُّنِّيَّة بأنَّه بدعة - ولا يزال هذا الوصف شائعاً عنه بين أهل السُّنَّة - إلى جانب قولهم بأنَّه لا يمتُّ إلى الإسلام بسبب، إذا كان المذهب الوهابي لا يعترف بهذه الفروع والأصول أو ببعضها، فلا مقاربة بين الشيعة والوهابية كما يدَّعي فضيلة الشيخ الوهابي. والشيعة بناء لذلك لا بدَّ وأن يلتزموا بأنَّه لا يصحُّ زواج الشيعية من الوهابي، وإذا وقع بينهما زواج، يفسخ الزواج ويعاقب مَن يفعل ذلك، ويجب أن يعلم فضيلة الشيخ الوهابي الذي يكفِّر الشيعة لأنَّهم يوالون أهل البيتعليهالسلام أنَّه لولا المليارات التي تتدفَّق على البلاد الإسلامية من السعودية لكان المذهب الوهابي بدعة بنظر أكثر علماء السُّنَّة ومفكِّريهم، وقد سبق لعلماء السُّنَّة قبل أن يظهر البترول في تلك البلاد وفي عهد إبراهيم باشا بالذات الذي ملك بلادهم ودخل عاصمتهم الدرعية أن حكموا على المذهب الوهابي بذلك وعلى أساسه قُتل إبراهيم باشا نحواً من خمسمائة من علمائهم وفقهائهم.
فقد جاء في كتاب إبراهيم باشا للمستشرق (بيير كربيس) ص 40 طبعة سنة 1937 جاء فيه أنَّه لمَّا تغلَّب إبراهيم باشا على السعوديِّين وملك بلادهم ودخل عاصمتهم الدرعية وخضع له جميع أمراء البيت السعودي استدعى رجالَ الدين والفقهاء السعوديِّين، وكان عددهم خمسمائة، وقال لهم: لقد أحضرت معي من القاهرة جماعة من أكابر العلماء السُّنِّيين أريد أن تجتمعوا بهم وتبحثوا أسباب الخلاف المستحكم بين عقائدكم وعقائد أهل السُّنَّة من المسلمين، فاجتمع الفريقان نزولاً عند أمره وظلَّ خطباؤهم ثلاثة أيَّام كاملة يتناقشون في الفروق الدقيقة بين المذهبين، وإبراهيم باشا معهم يستمع لأقوال الفريقين، ولمَّا لم يتوصَّلوا إلى نتيجة حاسمة، أقفل باب الجدل وتوجَّه بالسؤال إلى كبير مشايخ الوهابيِّين وقال له:
هل تؤمن بأن الله واحد وأنَّ الدين الصحيح هو دينكم وحده؟ فقال له الشيخ: إنِّي أؤمن بذلك، فقال له ابراهيم باشا: ما رأيك في الجنَّة
أيُّها الخنزير وما عرضها (على حدِّ تعبير المؤلف)؟ فقال له الشيخ: عرضها كعرض السموات والأرض أعدَّت للمتَّقين، وهنا قال له الباشا: إذا كان عرضها كعرض السموات والأرض وأنت وأصحابك تظللكم شجرة واحدة من شجراتها فلمَن تكون المساحة الباقية؟ ولماذا جعلها الله بتلك السعة إذا كنتم وحدكم من أهلها كما تدعون؟ فأفحم الشيخ وبان عليه الفشل والانكسار، فأمر إبراهيم باشا جنوده بقتلهم عن آخرهم، فلم تمض سوى دقائق معدودة حتّى كان مسجد الدرعية مقبرة لجميع أولئك الفقهاء(1) .
إنَّ ما فعله إبراهيم باشا بفتوى فقهاء السُّنَّة لا يقرَّه المذهب الشيعي، ولا يكفِّر فقهاء الشيعة أحداً من أهل القبلة، سواء في ذلك الوهابيِّين وغيرهم، ما لم ينكر أصلاً من أصول الإسلام وفرعاً من فروعه أو يعلن ارتداده عن الإسلام، وإن كان الشيخ الوهابي وغيره من شيوخ السوء يعتبرون الشيعة كغيرهم من المشركين والكافرين كما يقتضيه حكمهم بعدم جواز تزويجهم من السُّنِّيَّات.
ويجب أن يعلم شيوخ الوهابية بأن الشيعة يؤمنون بالله الواحد الأحد الذي لا شبيه له ولا ولَد، وبنبوة محمد بن عبدالله، وبكل ما جاء به من
عند الله، ويعتبرون الصلاة والصيام والزكاة وجهاد الكافرين والمفسدين في الأرض والظالمين من أركان الإسلام، ومَن أنكر شيئاً من ذلك فهو بحكم الكافرين والمشركين عندهم، ويفرضون على الرجال والنساء أن يتعلَّموا أصول دينهم وفروعه، كما يكفِّرون القائلين بالتجسيم والتشبيه والحلول والاتحاد من فرق المسلمين. كما يجب
____________
(1) انظر ص 194 و195 من الشيعة والحاكمون للشيخ محمد جواد مُغْنيَّة عن كتاب إبراهيم باشا.
أن يعلم شيوخ الوهابية أن الخلافات الواقعة بين السُّنَّة والشيعة في الأصول والفروع ليست بأكثر ولا أسوأ من الخلافات الواقعة بين الفرق السُّنَّة العقائدية والمذهبية، وأنَّ الخلاف بين السُّنَّة والوهابيِّين قد بلغ أقصى حدوده؛ ومن أجل ذلك فقد عدَّهم أهل السُّنَّة من أصحاب البدع وأباد فقهائهم إبراهيم باشا بفتوى علماء السُّنَّة كما ذكرنا، ولكنَّ ذلك قد كان قبل ظهور البترول في بلادهم.
ومع أنَّ الشيعة لم يقفوا في يوم من الأيَّام من الوهابيِّين موقف أهل السُّنَّة منهم إلاّ أنَّهم قد كانوا - ولا يزالون - مستهدفين لحملاتهم
المسعورة، وتدرِّس حكومة الوهابيِّين في مدارسها الرسمية كتب المستأجرين الذين يزوِّرون التاريخ ويفترون على أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس كما نصَّت على ذلك الآية الكريمة، والذين جعلهم النبي كسفينة نوح لا ينجو إلاّ مَن تمسَّك بهم كما روت ذلك أكثر مجاميع الحديث السُّنِّيَّة. وفي السَّنة الماضية أصدرت وزارة الأوقاف كتاباً للجبهان أسماه: (تبديد الظلام وتنبيه النيام) ووزَّعته مجاناً في البلاد الإسلامية، مشحوناً بالكذب والافتراء على الشيعة وأئمَّة الشيعة والسباب والشتائم لعلمائهم ومؤلِّفيهم، وبلغت به الوقاحة والصلف أن تناول فيه إمام المسلمين والأستاذ الأكبر لقادة فقهاء المذاهب الإسلامية الأربعة - كما يعترف بذلك أهل السُّنَّة في مؤلَّفاتهم - جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام ووصفه بالماسونية وأنَّه هو الذي وضع
أصولها، وقد أُهدي إليَّ الكتاب فرفضت قبوله وأفتيتُ بحرمة اقتنائه وقراءته؛ لأنَّه من كتب الضلال التي يجب إتلافها ووضعها في بيوت الخلاء ومع النفايات.
ويجب أن يعلم الوهابيون وأسيادهم أنَّ الطاقات العلمية والفكرية والأدبية الموجودة عند الشيعة وعلمائهم ومفكِّريهم ليست موفورة لدى أحد من علماء الوهابيين وغيرهم، وباستطاعة الشيعة أن يردُّوا الصاع أكثر من صاعين والليل أكثر من مثليه، وأن يثبتوا للجبهان وغيره من شيوخ
الوهابية المبتدعة المسعورين الذين لا يعرفون من الإسلام إلاّ اسمه: أنَّ الشيعة هم المسلمون الذين كانوا ولا يزالون متمسِّكين وعاملين بإسلام محمد بن عبداللهصلىاللهعليهوآله كما أُنزل عليه من خالق الأرض والسماء، وأنَّ غيرهم شذَّ عن الإسلام وانحرف عنه قولاً وعملاً وفكراً، ولكنَّهم لا ينزلون إلى مستوى الجبهان وأمثاله من حلفاء الشيطان الحاقدين على أهل البيت وشيعتهم؛ لأنَّ ذلك لا يخدم مصلحة الإسلام ولا يستفيد منه سوى أعداؤه، وستبقى مصلحة الإسلام العليا هدفهم الأول والأخير كما عوَّدهم على ذلك أئمَّتهمعليهالسلام ، وسلام الله وتحياته على سيِّد المسلمين وإمامهم أمير المؤمنين الذي كان يتجاهل كل حقوقه ويتنكَّر لجميع مصالحه عندما يرى الخطر محدقاً بالإسلام، ويقول: (والله، لأسالمنَّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن من جور إلاّ عليَّ خاصة).
وإنَّا نناشد المسؤولين في المملكة السعودية أن يراقبوا تصرُّفات شيوخهم وأحكامهم الجائرة، ودائرة الأوقاف التي تبذل الملايين على طباعة كتب المسعورين والحاقدين على الإسلام وحُماته وعلمائه كالجبهان وأمثاله، الذين يسيئون في كتبهم وأحكامهم وأجوبتهم على ما يوجَّه إليهم من الأسئلة إلى أئمَّة المسلمين وعلماء المسلمين، ويعملون على تمزيق شمل الأمَّة وتبديد وحدتها وقوَّتها وطاقاتها التي تجب أن تستغل لصدِّ هجمات الأعداء في الشرق والغرب وتحرير القدس - أولى القبلتين - من أيدي الغزاة الغاصبين. والمسلمون في أيَّامهم هذه في أمس الحاجة إلى المخلصين العاملين لجمع الكلمة وتوحيد الصفوف ونبذ الخلافات الطائفية والمذهبية التي لا تخدم غير إسرائيل وأعوانها من أعداء العرب والإسلام.
كما تتمنَّى على علماء المسلمين في مصر وغيرها من الأقطار الإسلامية أن لا يقفوا موقف المتفرِّج من تلك التحدِّيات والاستفزازات التي تصدر من شيوخ الوهابيِّين بين الحين والآخر لأخوانٍ لهم في الدين لا لشيءٍ إلاّ لأنَّهم يدينون بالولاء والمحبَّة لأهل بيت رسول الرحمة والمحبَّة
والكرامة، وأن ينصحوا أولئك الشيوخ وحكَّامهم عن التحرُّش والتحدِّيات السافرة المتواصلة للطائفة الشيعية التي تشكِّل أكبر مجموعة في العالم الإسلامي، وأن يصرفوا طاقاتهم المادية والعلمية لردِّ هجمات العدو المشترك في الشرق والغرب وصنيعته الجاثم على حدودهم والطامع الأوَّل بخيرات بلادهم، وحسب تقديري أنَّ نداء واحداً يوجِّهه شيخ الأزهر لحكَّام السعودية بهذا الخصوص سيكون أجدى وأنفع من كتاب يصدره أحد الشيعة لردِّ تلك الهجمات المسعورة.
ومهما كان الحال، فلقد جرَّني الحديث عن موقف الوهابيين من قبور الأئمَّة والأولياء إلى هذه الصورة الموجزة عن حملات الوهابيِين على
الشيعة والتي ما زالت تتصاعد بين الحين والآخر، مكتفياً بهذا المقدار اليسير من الحوار الهادئ من الوهابيين لأعود إلى الحديث عن مرقد العقيلة وموقف الشيعة من زيارة القبور ولأقول لهؤلاء أنَّ الصخور والأحجار ليست الهدف والغاية، ولو كانت هي المقصودة لذاتها، لكان في الجبال الشامخات والصخور العاليات غنى عن مشقَّة السفر والترحال إلى مراقد الأئمَّة والأولياء، إنَّ المقصود بالذات من الزيارة تخليد ما قدَّمه صاحب القبر من المُثُل العليا والتضحيات الجسام في سبيل الحق والواجب والعقيدة والمستضعفين في الأرض من بني الإنسان.
أمَّا الأحجار، فليس لها إلاّ شرف الانتساب لصاحب القبر، كالأحجار التي بُني منها البيت الحرام ومسجد الرسول وسائر المعابد، وكجلد القرآن الكريم(1) .
____________
(1) لقد حكم فقهاء المسلمين بتحريم تنجيس المساجد، أرضها وحيطانها وما فيها من الفرش، وأوجبوا إزالة النجاسة عنها، وقالوا بتحريم مسِّ كتابة القرآن الكريم لغير المتوضئ، وقال الشافعية: لا يجوز مسُّ جلده حتّى ولو انفصل عنه، ولا مسُّ الخيوط المعلَّق بها القرآن.
وقد جرت عادة الأمم والدول في زماننا هذا على الاحتفاظ ببيوت عظمائها وقبورها وإحاطتها بهالة من التقديس والتعظيم، حتّى ولو عرض للبيع أيُّ شيء ينتسب للعظماء، لبَذَلَ أتباعه في سبيله أغلى الأثمان؛ وما ذاك إلاّ لشرف الانتساب إليه.
وحدَّث المؤرِّخون أنَّه حين أدخل رأس الحسينعليهالسلام على يزيد بن معاوية كان في مجلس للشرب فوضعوا الرأس بين يديه، فدخل عليه رسول ملك الروم في ذلك الوقت فأنكر عليه أشدَّ الإنكار حينما علم أنَّ الرأس للحسين ابن بنت نبيِّهم، وقال ليزيد: هل سمعت يا يزيد بكنية الحافر؟ قال: وما هي؟ قال: عندنا مكان يقال بأنَّ الحمار الذي كان يركبه عيسى بن مريم مرَّ به، فبنينا كنيسة في ذلك المكان سمَّيناها كنيسة الحافر: نسبة إلى حافر حمار عيسى، ونحن نحجُّ إلى المكان في كل عام ومن كل قطر وناحية، وننذر له النذور ونعظِّمه كما تعظِّمون كتبكم ومقدَّساتكم، وأنتم تقتلون ابن نبيكم وتطوفون برأسه في البلدان، فأشار عليه جلازوته بقتله لئلاّ يفضحه بعد رجوعه لبلاده، فقتله وصلبه على باب قصره بعد أن قام النصراني إلى الرأس فقبَّله وتشهَّد الشهادتين.
وهذا شيء مألوف لدى جميع الأمم على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم، والكل حينما يعظِّمون مرقداً أو أثراً من آثار عظمائهم إنَّما يعظِّمونه باعتباره رمزاً لِمَا كان يتمتَّع به من صفات ومواهب وما قدَّمه لأمَّته ووطنه من خدمات وتضحيات وإصلاحات.
وقال العقاد في كتابه (أبو الشهداء): إنَّ حرم الحسينعليهالسلام في كربلاء يزوره المسلمون للعبرة والذكرى، ويزوره غيرهم للنظر والمشاهدة، ولكنَّ كربلاء لو أعطيت حقَّها من التنويه والتخليد، لحقَّ لها أن تصبح مزاراً لكلِّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيباً من القداسة وحظَّاً من الفضيلة؛ لأنَّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة
من الفضائل والمناقب أسمى وألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم الحسينعليهالسلام بعد مصرعه فيها، ولولا الحسين وشقيقته زينب - شريكته في الجهاد والتضحيات - وبقيَّة الأئمَّة، لم تكن تلك القباب الشامخة التي أصبحت رمزاً للحق والعدالة والفضيلة ومقصداً لمئات الألوف من المسلمين في كل عام شيئاً مذكوراً.
ومهما كان الحال، فمرقد العقيلة زينب بنت علي وفاطمة مردد بنظر العلماء والباحثين بين المدينة المنوَّرة والشام ومصر، وكما ذكرنا إنَّ مرقدها في المدينة لم يعد له وجود كغيره من مراقد الأئمَّة وأعلام الصحابة والتابعين؛ لأنَّ بناء المراقد وتعظيم مَن حلَّ فيها على حدِّ الشرك بالله بنظر حُماة
الحرمين. أمَّا المرقدين المنسوبين إليها في الشام ومصر، فلا يزالان كعبة الوفَّاد في كل عام على مرور الشهور والأيَّام؛ تقصدهما مئات الألوف للزيارة والتوسُّل بها وبأبيها وجدِّها لقضاء حوائجهم، ولا أحسب أنَّ الذين يتوافدون على زيارة أبيها وأخيها في كربلاء والنجف أكثر ممَّن يتوافدون على المرقدين المنسوبين إليها في الشام والقاهرة، وجاء في جريدة الأهرام تاريخ 23 - 6 - 1972 مقال للأستاذ فتحي رضوان - وزير الثقافة يومذاك - يصف فيه الوافدين على حي السيدة زينب جاء فيه:
إنَّ مسجد السيدة زينب تشدُّ إليه الرحال وكأنَّه الكعبة أكثر ممَّا تشدُّ الرحال إلى المسجد الحسيني، فالألوف الذين يقصدون هذا المسجد من فقراء الريف والحضر، من النساء والرجال، والمرضى وأصحاب الحاجات، من المغلوب على أمرهم والذين سدَّت في وجوههم الأبواب وتحطمت الآمال، كانوا قد أطلقوا على صاحبة الضريح أسماء تدخل إلى قلوبهم العزاء وتبعث فيهم الرجاء، وكانوا يهتفون حول قبرها: يا أم العواجز ويا أم هاشم ويا ابنة محمد والزهراء.
ومضى يقول: ولَكَم رأيت رجالاً ونساء في مقتبل العمر وفي خريف الحياة قد وضعوا أيديهم على شبَّاك ضريح السيدة
زينب ورائحة البخور تملأ المسجد كلَّه وراحوا يهمسون في ذهن أم العواجز وقد تمثَّلت لهم بشراً يسمع ويتنفَّس ويمدُّ راحتيه ويضعهما بين أيد الزائرين والقاصدين، وأصوات الزائرين تتعالى: يا أم العواجز،ويا أم هاشم، يا أخت الإمام، ويا بنت الإمام نظرة بحق جدِّك النبي.
والآن ونحن بصدد الحديث عن مرقدها الشريف الذي تدَّعيه الأقطار الثلاثة، ويتوافد عليه المسلمون من جميع الأقطار لا لشيء إلاّ لأنَّها وقفت إلى جانب أخيها من الطغاة والظالمين دفاعاً عن الحق والعقيدة وكرامة الإنسان وبقيت في سجل الخالدين والخالدات لتكون القدرة الصالحة الغنية بالمُثُل والقيم للرجال والنساء في جميع نواحي الحياة، لا بدَّ لنا ونحن بصدد البحث عن مرقدها أن نقف - ولو قليلاً - مع أدلة الأقوال الثلاثة في محاولة كشف ما أحيط بمرقدها من غموض لا يزال محل أخذ وردٍّ بين الباحثين:
لم يختلف أحد من المؤرِّخين والمحدِّثين بأنَّ السيدة زينب بنت علي وفاطمة تركت بيتها وزوجها ورافقت أخاها الحسينعليهالسلام في رحلته إلى الشهادة التي لم يجد وسيلة غيرها لإنقاذ شريعة جدِّه ممَّا كان يخططه لها الحزب الأموي الحاكم من تحريف وتشويه، وأدَّت دورها خلال مواقفها في كربلاء والكوفة ومجلس بن ميسون في قصر الخضراء، تلك المواقف التي جعلتها في طليعة الخالدين والخالدات من أبناء آدم وحواء، كما لم يختلفوا في أنَّها رجعت من الشام على رأس تلك القافلة من السبايا والأسرى إلى مدينة جدِّها عاصمة الإسلام الأولى في الحجاز، وأنَّ مسؤوليَّتها التاريخية كانت هي إثارة الرأي العام الإسلامي على حكومة يزيد وجلاَّديه، واستطاعت خلال أشهر معدودات أن تلهب المشاعر وتقلب الدنيا على رؤوس الحاكمين حتّى أصبحت المدينة التي كان الحاكمون يحسبون لها ألف حساب وحساب، بكل فئاتها الموالية لأهل البيت وغيرها،
تكيل اللعنات لأميَّة وأحفادها، وترى أنَّ مِن أقدس واجباتها مناهضة الحكم الأموي وأعلان موقفها المعادي منه مهما كلَّفها ذلك من تضحيات. كل ذلك لم يخالف فيه أحد من الباحثين والمؤرِّخين. أمَّا خروجها من المدينة بعد أن دخلت إليها حاملة لرسالة أخيها إلى الشام مع زوجها بسبب المجاعة التي اجتاحت المدينة سنة 67 للهجرة أو 74 كما جاء في رواية ثانية إلى قرية كان يملكها في الغوطة من ضواحي الشام، وعند وصولها إلى مشارف الشام عاودتها تلك الذكريات الأليمة المريرة وخيَّم عليها جوٌّ من الحزن والألم تسبَّب لها بمرض كانت به نهاية حياتها، ودفنت في تلك الضيعة حيث مرقدها الآن، كما يدَّعي القائلون بأنَّ المرقد الحالي لقد ضمَّ رفاتها، وهو لها لا لغيرها من الزينبيات العلويَّات اللواتي يحملن هذا الاسم، فليس في التاريخ ما يبعث على الاطمئنان بصحته.
وممَّن ذهب إلى ذلك من الذين كتبوا على مرقدها المازندارني في الجزء الثاني من معالي السبطين والسيد حسن الصدر وصاحب الخيرات الحسان والسيد هبة الدين الشهرستاني عن ناسخ التواريخ لمؤلِّفه لسان الملك، كما جاء في كتاب المرقد الزينبي للشيخ عمران القطيفي.
والظاهر اتفاق جميع القائلين بأنَّ المرقد الموجود في ضواحي الشام هو مرقدها على أنَّ رجوعها إلى الشام كان بسبب المجاعة التي أصابت أهل المدينة، وأنَّ زوجها عبدالله بن جعفر انتقل بها سنة 65 أو 74 إلى ضيعته بغوطة دمشق وتوفِّيت بها في النصف من رجب ذلك العام.
لقد اختلف القائلون بأنَّها توفِّيت في ضواحي الشام وفي ضاحيتها حيث المرقد الموجود الآن دفنت في تاريخ وفاتها بين 65 و74، واتفقوا على أنَّ المجاعة التي أصابت أهل المدينة هي التي فرضت على زوجها الرحيل بها إلى ذلك المكان، في حين أنَّ المجاعة التي تفرض على شخص كعبدالله بن جعفر كان واسع الثراء وكثير العطاء ويعرف ببحر الجود وتضطرُّه على أن يرحل بزوجته وأولاده إلى غوطة
دمشق، لا بدَّ وأن يكون لها أثرها البالغ بالنسبة لعامة الناس، وأن تفتك بالطبقات الكادحة الفقيرة، وحدثٌ من هذا النوع يصيب مدينة الرسول في تلك الفترة من التاريخ لا يتجاهله التاريخ ولا الذين كانوا يسجِّلون أحداث العالم الإسلامي صغيرها وكبيرها، مع العلم أنّ المؤرِّخين لإحداث 65 و74 لم يتعرَّض أحد منهم لحدث من هذا النوع، وعلى تقدير صحة ذلك، فلا بدَّ وأن تكون المجاعة التي شرَّدت بحر الجود وعقيلته الحوراء ابنة علي وفاطمة قد أصابت بقيَّة العلويِّين والعلويَّات وتلك القافلة من النساء والأطفال التي كانت ترعاها وتحرسها عقيلة آل أبي طالب، فإلى أين ذهب العلويُّون بنسائهم وأطفالهم وعلى رأسهم الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام الذي لم يفارق المدينة وبها كانت وفاته؟
إنَّ التاريخ لم يتعرَّض لشيء من هذا النوع، وهل يجوز على بحر الجود وعقيلته أن يتركا العلويِّين والطالبيِّين وأبناء الحسن والحسين يتجرَّعون مرارة الجوع ويفرَّا منها إلى عاصمة الجلادين دمشق التي سيقت إليها بالأمس القريب ابنة علي والزهراء على رأس تلك القافلة من الأسرى والرؤوس التي كانت يتقَّدمها رأس الحسينعليهالسلام وكانت تتمنَّى الموت في كل مرحلة كان الحداة يسيرون بها، وتفضله على أن تتعرَّض لأولئك الشامتين من أعداء جدِّها وأبيها؟ فهل يجوز عليها مع ذلك كلِّه وعلى ابن عمِّها بحر الجود أن يتركوا العلويِّين ونساءهم وأطفالهم يقاسون آلام الجوع ومرارته ويذهبا إلى عاصمة معاوية لينعما بطيِّبات العيش ومُتع الحياة؟ لو جاز ذلك على أب المساكين - كما كان يسمِّيه أهل المدينة - فإنَّه لا يجوز على مَن وهبت حياتها لخدمة أخيها وعائلته ورعايتها بعد مصرعه كما أوصاها بذلك.
إنَّ الذين رووا أسطورة خروج عبدالله من المدينة إلى قريته بضواحيها مع زوجته عقيلة الطالبيِّين كلُّهم من متأخِّري المؤلِّفين، ومن غير
المعروفين ببعد النظر وتحرِّي الحقائق، ولم يسندوها إلى أحد المؤرِّخين القدامى، ولا إلى أحد الرواة الذين كانوا يتتبَّعون أحداث تلك الفترة من تاريخ المسلمين.
هذا بالإضافة إلى أنَّ سنة خمس وستين كانت سنة صراع على الخلافة بين الأمويِّين أنفسهم في بلاد الشام، وكان قد تغلَّب على دمشق الشام الضحَّاك بن قيس بعد أن اتفق الأمويُّون على خلافة مروان وخالد بن يزيد من بعده ومن بعدهما عمرو بن سعيد بن العاص، وبعد أن اتفق رأي الأمويِّين على التوجَّه إلى دمشق - وكان الضحَّاك قد تغلَّب عليها - ووقعت بينهم معارك طاحنة في مرج راهط، وكان مع الضحَّاك جماعة من أهالي دمشق وفتيانهم الأشدَّاء وأمدَّه النعمان بن بشير - عامل حمص - بشرحبيل ابن ذي الكلاع في أهل حمص وزفر بن الحارث الكلابي بقيس بن طريف ابن حسَّان الهلالي وانتهت المعركة لصالح مروان بن الحكم والأمويِّين(1) ، ومن المستبعد والبلاد الإسلامية تموج بالفتن بسبب الصراع على الحكم والمعارك بين مروان بن الحكم ومعارضيه في ضواحي دمشق وعلى أبوابها أن يرحل بزوجته وأولاده إلى قريته الواقعة في ضواح دمشق كما يدَّعي القائلون بذلك.
أمَّا القول بأنَّها هاجرت مع زوجها إلى غوطة دمشق هرباً من المجاعة سنة 74 هجرية، فهو أبعد عن الواقع من القول الأول؛ ذلك لأنَّ المسعودي في المجلَّد الثاني من مروجه يقول: إنَّ عبدالله بن جعفر توفِّي وله من العمر سبع وستون سنة، ويدَّعي عبد العزيز سيد الأهل أنَّ عبدالله بن جعفر كان له من العمر عشر سنوات عند وفاة النبيصلىاللهعليهوآله عن الجزء الثاني من معالي السبطي؛ ولازم ذلك أنَّ ولادته كانت في الحبشة كما هو مؤكَّد.
____________
(1) انظر: تاريخ اليعقوبي، ج3، ص 3، ط النجف.
أمَّا في السنة التي هاجر فيها النبيصلىاللهعليهوآله إلى المدينة أو قبلها، وهو أكبر أولاد جعفر الطيَّار، ويروي الرواة عنه أنَّه قال: لقد دخل علينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بعد موت أبي وقال: (لا تبكوا على أخي بعد اليوم) ودعا بالحلاق فحلق رؤوسنا، ولابدَّ وأن يكون في السادسة أو السابعة يومذاك على
أبعد التقادير، فلم يعد مجال للقول بأنَّه هاجر إلى ضيعته في ضواحي الشام سنة 74؛ لأنَّ وفاته تكون قبل هذا التاريخ بسبع سنوات تقريباً، إذ لم يكن قد عاش أكثر من سبع وستين عاماً كما يدَّعي ذلك المسعودي وغيره.
ومهما كان الحال، فالقول بأنَّ المرقد الزينبي الموجود في ضاحية دمشق الذي يقصده مئات الألوف من المسلمين في كل عام للزيارة والتبرُّك ويبذلون في سبيله الملايين من النقود هو لزينب الكبرى عقيلة الهاشميين، لا يعتمد على دليل مقبول ولا يؤيِّده المنطق ولا الدراسة بحال من الأحوال، بل هو لإحدى العلويَّات بلا شك في ذلك، وسيبقى تعيينها غامضاً لعدم توفُّر الأدلَّة على هذا الأمر، ولا يمنع ذلك من زيارة العقيلة في ذلك المكان ما دام يرمز الزائر إلى قصدها بالذات، وما دامت الأعمال مرهونة بالنوايا.
المرقد الزينبي في مصر
بعد استقصاء أدلة القائلين بأنَّ السيدة زينب توفِّيت في مصر ودفنت فيها في المرقد المنسوب إليها، بعد استقصاء تلك الأدلة يبدو للمتتبِّع - ولأوَّل نظرة - أنَّها أسلم وأقرب إلى المنطق من أدلة القائلين بأنَّها خرجت مع زوجها إلى ضاحية من ضواحي الشام فراراُ من المجاعة وتوفِّيت فيها كما تشير إلى ذلك رواية القائلين بأن مرقدها في محلة الفسطاط من القاهرة.
لقد اعتمد القائلون بأنَّها توفِّيت في مصر ودفنت فيها على رواية ابن عساكر في تاريخه الكبير وابن طولون في كتابه الزينبيات، ويدَّعي أنصار هذا الرأي أنَّها بعد رجوعها من السبي مع عائلة الحسين وعائلات القتلى من آل أبي طالب والأنصار كانت لا تدع البكاء والنحيب والحديث بما جرى للحسين ومَن معه، وتحاول إثارة الرأي العام على الأمويِّين وأنصارهم واستطاعت خلال أشهر معدودات أن تشحن النفوس بالحقد والكراهية ليزيد وأسرته وأصبحت المدينة كالبركان المهيَّأ للانفجار بين لحظة وأخرى، فكتب عمر بن سعيد الأشدق إلى يزيد يخبره بتأزُّم
الموقف وبمواقف العقيلة التي ألهبت المشاعر وهيَّجت عليه الرأي العام، فكتب إليه (كما جاء في ص 185 من زينب الكبرى للشيخ جعفر نقدي عن الطراز المذهَّب لعبَّاس قلي خان) يأمره بأن يفرِّق بينها وبين الناس ويخرجها من الحجاز، فجاءها الوالي وعرض عليها كتاب يزيد بن مسيون وطلب منها أن تخرج من الحجاز إلى حيث شاءت، فرفضت طلب الوالي وأصرَّت على عدم خروجها من المدينة، وقالت: لقد علم الله بما جرى علينا من القتل والسبي، وكنَّا نساق كما تساق الأنعام من بلد إلى بلد على الأقتاب، ومضت تقول: فوالله لا أخرج من مدينة جدِّي وإن أُهرقت دماؤنا على حد تعبير الراوي، ولمَّا أصرَّ الوالي على إخراجها اجتمع عليها نساء بني هاشم في محاولة لإقناعها بالخروج من المدينة، وقالت لها زينب بنت عقيل: يا ابنة عمَّاه لقد صدقنا الله وعده وأورثنا الأرض نتبوَّأ منها حيث نشاء، فطيبي نفساً وقرِّي عيناً وسيجزي الله الظالمين بما جنته أيديهم، أتريدين بعد هذا هوانا؟! ارحلي إلى بلد آمن. واتفق الرأي على خروجها، فاختارت مصر، وخرج معها من العلويات كل من سكينة وفاطمة ابنتي أخيها الحسين، وكان ذلك سنة إحدى وستين وفي شهر شعبان من تلك السنة وبعد مرور سبعة أشهر على مجزرة كربلاء وخمسة أشهر على رجوعها من السبي إلى المدينة، واستقبلها الوالي على مصر مسلمة بن مخلَّد الأنصاري في جماعة معه وأنزلها داره في الحمراء كما تدَّعي الرواية التي وصفت رحلتها، فأقامت بها أحد عشر شهراً وتوفِّيت في النصف من رجب سنة 62 هجرية، ودفنت بالقرب من دار الوالي ومن بساتين عبد الرحمن بن عوف على حدِّ تعبير جعفر نقدي عن النسَّابة العبيدلي، ولم يرد في حديثه عن ملابسات رحلتها وعن سفرها ذكر لزوجها عبدالله بن جعفر ولا لأحد ممَّن بقي مع الأحياء من أولادها وأولاد أخوتها وغيرهم من الهاشميِّين.
وقالت الدكتورة بنت الشاطئ في ص 137 من كتابها (بطلة كربلاء) في وصف رحلتها إلى مصر: لقد بزغ هلال شعبان من سنة إحدى وستين في اللحظات التي وطأت فيها السيدة أرض النيل فإذا جموع من الناس قد احتشدت لاستقبالها وساروا في موكبها حتّى بلغوا قرية بلبيس، فقابلتهم هناك جموع آتية من عاصمة الوادي الأمين ومسلمة بن مخلَّد الأنصاري أمير مصر في وفد من أعيان البلاد وعلمائها قد خرجوا لاستقبال ابنة الزهراء وأخت الإمام الشهيد، فلمَّا أطلَّت عليهم بطلعتها المشرقة بنور الاستشهاد والنبوة اجهشوا بالبكاء والنحيب، ومضوا بركبها حتّى إذا بلغوا العاصمة مضى بها مسلمة بن مخلَّد إلى داره، فأقامت بها قرابة عام لم تُر خلاله إلاّ عابدة متبتِّلة، وكانت وفاتها عشية الأحد لأربع عشرة مضين من رجب عام 62 على أصحِّ الأقوال على حدِّ تعبير بنت الشاطئ.
وأكثر الذين يدَّعون بأنَّ المرقد الموجود في مصر هو مرقدها يدَّعون أنَّ خروجها من المدينة كان بعد رجوعها من السبي إليها بأشهر معدودات وفي الشطر الأخير من سنة 61 بالذات، وأنَّ يزيداً أخرجها من المدينة لأنَّ بقاءها بها كان يشكِّل خطراً على دولته، وأنَّها كانت تعمل لإعداد أهل المدينة وغيرهم من المسلمين للثورة، ولم يسجِّلوا موقفاً لزوجها ولا لأحد من أولادها والعلويِّين والطالبيِّين من رحلتها، ولم يذكروا أنَّ أحداً منهم كان معها في منفاها.
ويبدو بعد التتبُّع أنَّ القائلين بأنَّها توفِّيت في مصر ودفنت فيها أكثر من القائلين بأنَّ المرقد الموجود في ضاحية الشام هو مرقدها، وانَّ ابن عساكر في تاريخه الكبير وابن طولون الدمشقي في رسالته الزينبية كانا أوَّل مَن تعرَّضا لمرقدها على هذا النحو، ودوَّنه من بعدهما الشعراني في كتابه (لواقح الأنوار) والشيخ محمد الصبان في (إسعاف الراغبين) والشبلنجي في كتابه (نور الأبصار) والشبراوي في (الإتحاف)، إلى غير ذلك ممَّن تأخَّر عنهما من المؤلِّفين، في حين أنَّ المؤلِّفين والمؤرِّخين القدامى
الذين كانوا يتتبَّعون الأحداث كبيرها وصغيرها لم يتعرَّضوا لشيء من ذلك، مع العلم بأنَّ إخراجها من المدينة لو كان على النحو المذكور من المستبعَد أن يتجاهله المؤرِّخون الذين كتبوا التاريخ والسير ولم يتجاهلوا شيئاً ممَّا حدث بين المسلمين وبخاصة ما كان منها في تلك الفترة من تاريخهم المشحون بالأحداث والاضطرابات.
ومهما كان، فالذي أراه أنَّ حديث سفرها إلى مصر وأسبابه ليس بأسلم من جميع جهاته من حديث سفرها إلى ضواحي الشام ووفاتها بها، ولا بأقرب إلى الواقع منه؛ ذلك لأنَّهم لم يتعرَّضوا لزوجها عبدالله بن جعفر مع العلم بأنَّه كان حيَّاً يرزق ومن أعلام المسلمين يومذاك، ولا لأحد من أولادهم وأخوتها وآل أبي طالب من هذا الحادث، وهل يجوز على رجل كعبدالله بن جعفر الذي كان يتمتَّع بمكانة عالية بين أولاد المهاجرين والأنصار أن يقف مكتوف اليدين من تسفير زوجته عقيلة آل أبي طالب ولا يتدخَّل في إنقاذها أو يسافر معها؟ وإذا جاز عليه - ولو من باب الافتراض - فهل يجوز ذلك على ابن أخيها السجَّاد وهي التي كانت ترعاه وتحرسه منذ خروجها من المدينة في ركب أخيها إلى حين رجوعها إليها وقد تعرَّض للقتل أكثر من مرَّة، ولكنَّها كانت تدافع عنه دفاع مَن لا يرى للحياة وزناً بدونه وتطلب من أولئك الجزَّارين أن يقتلوها قبله؟
ولماذا لم يخرج معها أحد سوى فاطمة وسكينة كما تدَّعي الرواية؟ وأين منها أولادها وأولاد إخوتها وأحفاد عبد المطَّلب وأبو طالب والهاشميَّات من بنات أبي طالب؟
وهل كانت وحدها تحرِّض الناس على الثورة بعد مجزرة كربلاء وكل الدلائل تشير إلى أنَّ جميع مواقف العلويِّين والعلويَّات والطالبيَّات كانت تلهب المشاعر وتحثُّ الجماهير المسلمة على الثورة والانتقام من يزيد وحزبه لمقتل الحسين؟
ولم تكن مواقف الإمام علي بن الحسينعليهالسلام بأقل تأثيراً على الرأي العام من مواقف عمَّته العقيلة ابنة علي والزهراء إن لم تكن أكبر تأثيراً منها.
لقد بقي لسنوات عديدة وقيل أكثر من عشرين عاماً يبكي أباه وبقيَّة القتلى من إخوته وأبناء عمومته كلَّما ذكرهم ذاكر، وعندما يقدِّم له طعامه يبله بدموع عينيه - كما يدَّعي الرواة - والمسلمون يتلوُّون لحاله، وكان يدخل أحياناً سوق القصَّابين ويوصيهم بأن يسقوا الذبيحة قبل ذبحها ثم يصيح: (لقد ذُبح أبو عبدالله عطشاناً) فيجتمع عليه الناس يبكون لبكائه، ولم تكن ثورة المدينة وليدة انفعال طائش، بل كانت من نتائج مواقف الإمام السجَّاد وعمَّته العقيلة والأحزان التي خيَّمت على أهل البيت، بالإضافة إلى تحسُّس المسلمين بوقع تلك الجريمة التي لم يحدِّث التاريخ بأسوأ منها، فلماذا لم يأمر ابن مسيون بإخراج السجَّاد من المدينة؟ ولماذا ترك لها الخيار في الذهاب إلى أيِّ بلد شاءت، ولم يعارض في اختيارها لمصر؟ في حين أنَّ وجودها في مصر يشكِّل عليه نفس الأخطار التي كان يتخوَّفها من بقائها في الحجاز؛ لأنَّ المصريِّين كانوا أقرب إلى العلويِّين من الحجازيِّين، وفيها من الشيعة يومذاك أعداد كبيرة، والذين رووا أسطورة خروجها إلى مصر يدَّعون بأنَّ المصريِّين تلقُّوها بالبكاء والعويل والنياحة كما ذكرنا.
وإذا كان حفيد هند وأبي سفيان يحاذر من بقاء زينب ابنة علي في الحجاز ويتخوَّف أن يتسبَّب بقاؤها في الثورة عليه، فكان من المفروض أن يضعها تحت رقابته وفي عاصمته أو في الربذة كما كان يفعل ابن عفَّان مع مَن يخاف منهم؛ فكان يرسلهم إلى الشام ليكونوا تحت رقابة معاوية، وعندما يعجز معاوية عن وضع حدٍّ لنشاطهم إمَّا أن يضعهم في سجونه أو يردَّهم إلى المدينة؛ ليحدِّد الخليفة مصيرهم، وكانت الربذة ومَن على شاكلتها من البراري المقفرة من أوفر الناس حظَّاً بأولئك الأحرار كما فعل
خليفة المسلمين مع الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري؛ حتّى لا يرى أحداً ولا يراه أحد، وبها كانت نهايته.
هذا كلُّه بالإضافة إلى أنَّ يزيد بن معاوية بعد تلك النقمة العارمة عليه بسبب مجزرة كربلاء كان يتظاهر بالندم والتنصُّل من مسؤولياتها، ويحاول تغطية نتائجها المريرة بالتقرُّب من العلويِّين والإحسان إليهم، وقد أوصى مسلم بن عقبة عندما أرسله إلى المدينة لقمع الثورة بعدم التعرُّض لأحد من العلويِّين والطالبيِّين والإحسان إليهم، وجرت بينه وبين عبدالله بن العباس (رحمه الله) مراسلة أوردها اليعقوبي في تاريخ وغيره بعد تلك الجريمة النكراء التي ارتكبها مع أهل البيتعليهالسلام لم يترك ابن عباس عيباً من العيوب إلاّ وألصقه فيه، ولا منقصة إلاّ ووصفه فيها، محتقراً له بكل ما في الاحتقار من معنى، ومع ذلك لم يصدر منه ما يسيء إليه، ولم يكن ذلك منه إلاّ لِمَا تركته في نفسه تلك المجزرة الرهيبة من الخوف والقلق على مصيره ومصير أسرته ودولته بعد النقمة العامَّة التي شملت جميع الأوساط الإسلامية على اختلاف ميولها واتجاهاتها.
ومهما كان الحال، فإنَّ أسطورة نفي العقيلة إلى مصر ووفاتها فيها ليست بأقرب إلى الواقع من خروجها من المدينة مع زوجها إلى الشام ووفاتها
فيها، إنْ لم تكن أبعد منها.
أين مرقدها إذن؟
بعد هذا العرض اليسير لآراء الفريقين القائلين بأنَّها دفنت في ضواحي دمشق والقائلين بأنَّها في محلَّة الفسطاط من القاهرة وما أبديتاه من الملاحظات عليها، التي - كما أرى - تثير أكثر من الشك في صحة ما يقال إنَّها دفنت في أحد هذين القطرين، فلم يبق أمامنا سوى القول الذي يرجِّح قائلوه أنَّها دفنت في مدينة جدِّها الرسولصلىاللهعليهوآله بعد رجوعها من السبي بأشهر معدودات أو سنوات معدودات، وإثبات ذلك لا يحتاج إلى مزيد من الاستدلال والبحث بعد العلم القطعي أنَّها رجعت إلى المدينة على رأس تلك القافلة من السبايا والأسرى، وتؤكِّد جميع المصادر أنَّها بقيت في المدينة لمدَّة من الزمن تندب وتبكي وتتلوَّى هي والهاشميِّين والهاشميَّات على ما حلَّ بأهلها وإخوتها ويبكي لحالها القريب والبعيد والعدو والصديق، واستمرت على ذلك حتّى تأثَّرت المدينة بكل فئاتها بمواقفها ومواقف العلويِّين وأحزانهم وأصبحت بكل فئاتها كالبركان المهيَّأ للانفجار بين لحظة وأخرى. فرجوعها من الشام إلى المدينة لا يختلف
فيه اثنان. أمَّا خروجها من المدينة بعد خمس سنوات على رجوعها إليها إلى ضاحية من ضواحي الشام مع زوجها ووفاتها فيها، كما يدَّعي القائلون بأنَّ المرقد الزينبي الموجود في تلك الضاحية هو مرقدها، أو خروجها إلى مصر بعد أشهر معدودات من رجوعها إلى المدينة ووفاتها في مصر وفي محلَّة الفسطاط من القاهرة، فلم يخرجا عن دائرة الشك أو الاحتمال؛ لأنَّ الأدلة التي اعتمدها أنصار القولين لا تكفي لنقض اليقين السابق المتعلِّق بوجودها في المدينة، ولا تفيد أكثر من احتمال خروجها منها ووفاتها في خارجها، وما لم يوجد لدينا دليل يفيد العلم أو الظن المعتبر شرعاً، يتعيَّن الرجوع إلى استصحاب بقائها في المدينة إلى حين العلم بوفاتها.
وهذا النوع من الاستصحاب ليس مثبِتاً كما تخيَّله بعض المؤلِّفين في هذا الموضوع؛ لأنَّ المقصود منه إثبات عدم خروجها من المدينة إلى زمان العلم بوفاتها، فأحد جزئي الموضوع يثبُت بالاستصحاب والثاني - وهو وفاتها - بالوجدان، وهذا غير ما يسمِّيه الأصوليون بالأصول المثبِتة ويدَّعون أنَّ أدلة الاستصحاب لا تشمل هذا النوع من الأصول التعبُّديَّة؛ لأنَّ المقصود من الأصول المثبتة الأصل الذي يثبِت أمراً عادياً أو عقلياً لم يكن موضوعاً للآثار الشرعية، كاستصحاب حياة زيد لهذه المدَّة يكون حجة شرعية لناحية الآثار الشرعية المترتِّبة على حياته كبقاء زوجته في عصمته ووجوب الاتفاق عليها وعلى أولاده وعدم انتقال أمواله إلى ورثته ونحو ذلك. أمَّا نبات لحيته وزيادة طوله ووزنه مثلاً، فالاستصحاب لا يكون دليلاً شرعياً بالنسبة لهذا النوع من الآثار، ومن ذلك استصحاب بقاء زيد حيَّاً إلى زمن يلزمه بالقياس إليه أن يكون قد بلغ التسعين من عمره، فإنَّ كونه من ذوي التسعين أو المائة من اللوازم العقيلة أو العادية لبقاء زيد حيَّاً لسنة الثمانين فيما لو كانت ولادته سنة تسعين وحصل الشك في
بقائه حيَّاً سنة ثمانين من القرن الثاني مثلاً، فأدلة الاستصحاب لا تشمل هذا النوع من الآثار. وما نحن بصدد إثباته بأصالة عدم خروجها من المدينة هو بقاؤها فيها إلى زمان القطع بوفاتها، ويرافق القطع بوفاتها القطع بأنَّها لم تنقل بعد وفاتها من البلد الذي توفِّيت فيه إلى بلد أخر قد وقع عليه الاختيار ليكون مدفناً لها.
وممَّن رجَّح أنَّها دفنت بالمدينة في البقيع، إلى جوار مرقد زوجها عبدالله بن جعفر، عبَّاس قلي خان في كتابه (الطراز المذهَّب) عن كتاب (بحر المصائب) والشيخ ميثم البحراني كما نقل عنه الشيخ مهدي المازندراني في كتابه (معالي السبطين) والسيد محسن الأمين في المجلَّد الثالث والثلاثين من (أعيان الشيعة)(1) .
وجاء في المرقد الزينبي للشيخ فرج القطيفي أنَّ لجنة الأوقاف الدينية في كربلاء أوردت في كتابها (أجوبة المسائل الدينية) بأنَّ للإمام عليعليهالسلام ثلاثة من البنات كلٌّ منهنَّ تُعرف بزينب وتكنَّى بأمِّ كلثوم: أولاهنَّ زينب شقيقة الحسينعليهالسلام لأمِّه وأبيه، وهذه سقط عليها الحائط وتوفِّيت فصلَّى عليها
الحسينعليهالسلام ودفنها بالمدينة، والثانية زينب الوسطى، وهي من فاطمة أيضاً؛ وهذه تزوَّجها عبدالله بن جعفر، وهي التي رافقت الحسينعليهالسلام إلى كربلاء مع ولديها محمد بن عبدالله وعون بن عبدالله، وهي التي كانت تدير شؤون العائلة والسبايا، ولمَّا عادت إلى المدينة، سافرت مع زوجها إلى ضواحي الشام على إثر مجاعة أصابت أهل المدينة وتوفِّيت فيها فدفنها في ضيعته، واليها ينسب المرقد الزينبي الموجود هناك وتُعرف بزينب الوسطى.
والثالثة كانت تسمَّى بزينب الصغرى وتكنَّى بأم كلثوم، ولكنَّها ليست من فاطمة الزهراء. وأضافوا إلى ذلك أنَّها كانت من أشدَّهنَّ بكاء ولوعة
____________
(1) انظر: القطيفي، الشيخ عمران، المرقد الزينبي، ص 87 وما بعدها.
على أخيها الحسين في كربلاء وغيرها من المواقف، وبعد وقعة الحَرَّة واستباحة المدينة كانت تقيم النياحات والمآتم على الحسين وتشنِّع على يزيد وجوره، وهي التي نفاها عمرو بن سعيد الأشدق إلى مصر وتوفِّيت فيها ودفنت في المكان الذي يقدِّسه المصريِّون ويتبرَّكون به، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا تعتمد على غير الحدث والظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً.
ولقد تعرَّض الشيخ المفيد في إرشاده لأخوات الحسينعليهالسلام خلال حديثه عن أولاد أمير المؤمنين، وعدَّ من بناته اللواتي وُلِدن له من غير فاطمة: زينب الصغرى، وخلال حديثه عن أحداث كربلاء وما رافقها من تقتيل وسلب وأسر وسبي لم يتعرَّض لغير زينب العقيلة شقيقة الحسين
لأمِّه وأبيه، وأسهب في الحديث عنها وتعداد مواقفها وما تجرَّعته من آلام وغصص من أجل أخيها وعياله وأطفاله. أمَّا زينب الصغرى هذه، فلم يتعرَّض هو وغيره من المؤلِّفين في مقتل الحسين لها، ولم يسجِّلوا لها موقفها من المواقف خلال أحداث كربلاء وما تلاها من المواقف من الكوفة وقصر الحمراء وغيرهما، وجميع أحاديثهم كانت عن العقيلة الحوراء. كما وأنَّ الذين كتبوا عن أهل البيت من أعلام الشيعة الأوائل كالكليني والصدوق والمرتضى والطوسي والحلِّي وغيرهم من المتقدِّمين لم يتعرَّضوا لزينب العقيلة وما جرى عليها بعد رجوعها من السبي إلى المدينة بأكثر من أنَّها كانت لا تدع البكاء والنحيب على أخيها ومَن قُتل معه، و لم يتعرَّضوا لا لمرقدها ولا لمراقد غيرها من الزينبيات، كما لم يتعرَّض لذلك أحد من المؤرِّخين
القدامى. ومن مجموع ذلك تبيَّن أن أقرب الأقوال إلى الواقع أنَّها دفنت في المدينة وفي البقيع - مقبرة المسلمين الأوائل - ولم تخرج من المدينة بعد رجوعها إليها من السبي مع النساء والأطفال وابن أخيها السجَّاد، وإذا صحَّ بأنَّه وجد على القبر الموجود في ضواحي الشام: (هذا
قبر زينب الوسطى بنت علي بن أبي طالب) كما يدَّعي الشيخ فرج القطيفي، فيمكن أن يكون القبر المذكور لإحدى بنات أمير المؤمنينعليهالسلام ، ولكنَّ ذلك وحده لا يبعث على الاطمئنان بهذا الأمر، ولا يمنع من أن تكون الصخرة وضعت على القبر بعد ذلك بمئات السنين حينما بُني القبر وشُيِّد بشكله الحالي اعتماداً على الشهرة أو لأسباب أخرى. لعل أيدي الذي حكموا بلاد الشام من الشيعة ضالعة في ذلك.
المرقد الزينبي في القاهرة وضاحية الشام
الظاهر أنَّ هذين المرقدين - كما لعله أقرب الاحتمالات وبخاصة بالنسبة إلى المرقد المصري - أنَّ أحدهما؛ وهو الموجود في ضاحية الشام وفي المكان الذي يًعرف حالياً بقرية الست، هو لزينب بنت عبد الله الأصغر بن عقيل من زوجته أم كلثوم الصغرى بنت أمير المؤمنين ومن غير
فاطمة الزهراءعليهالسلام (1)، والمرقد الزينبي الموجود في محلَّة الفسطاط عند قناطر السباع من القاهرة الذي يقدِّسه المصريِّون ويقصدونه من سائر الجهات ويبذلون الأموال الطائلة في سبيله تقرُّباً إلى الله تعالى هو لزينب بنت يحيى المتوَّج بن الحسن الأنور بن زيد بن الحسن السبطعليهالسلام ؛ ولأجل وضع هذا الظن موضع الاعتبار والعناية، وحتّى لا يكون كغيره من
____________
(1) لقد نصَّ في تاريخ الخميس، ص 286، المجلَّد الثاني أنَّ عبدالله الأصغر كان متزوِّجاً من أم كلثوم الصغرى بنت أمير المؤمنين، وجاء في (أهل البيت) لأبي علم أنَّ زينب الشام هي ابنة أم كلثوم كما سنتعرض لذلك خلال هذا الفضل، وهي غير أم كلثوم التي تزوَّجها ابن الخطَّاب ومات عنها.
الأقوال العابرة حول هذا الموضوع، لا بدَّ من المرور ببعض الجوانب عن حياة الحسن الأنور وابنته السيدة نفسية المعروفة عند المصريِّين بكريمة الدارين.
لقد ذكر جماعة من المؤلِّفين في أحوال أهل البيت، ومن بينهم المؤلِّف المصري توفيق أبو علم رئيس إدارة مسجد السيدة نفسية ووكيل وزارة العدل الصادر بتاريخ 1970، فلقد عدَّه - كغيره - في كتابه المذكور من جملة أولاد زيد بن الحسن السبط، ووصفه بكرم الطبع وجلالة القدر وكثرة البر والإحسان وأنَّ الناس كانوا يقصدونه من جميع الآفاق طمعاً في برِّه وإحسانه، وأنَّه كان يتولَّى صدقات رسول اللهصلىاللهعليهوآله وبقيت في يده إلى أن جاء للحُكم سليمان بن عبد الملك، فعزله عنها، وأرجعها إليه عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي العادل، ومضى يقول: إنَّ محمد بن بشير الخارجي كان من جملة الشعراء الذين مدحوه، وقال فيه:
إِذا نَزَلَ اِبنُ المـُصطَفى بَطنَ تَلعَةٍ |
نَفى جَدبَها وَاِخضَرَّ بِالغَيثِ عودُها |
|
وَزَيدٌ رَبيعُ الناسِ في كُلِّ شَتوَةٍ |
إِذا اِختَلَفَت أَنواؤُها وَرُعودُها |
وقد توفَّى زيد بن الحسن وله من العمر تسعون عاماً، وبكاه الناس ورثاه عدد من الشعراء، ومن أولاده الحسن الأنور، وكان من علماء أهل البيت المبرَّزين وولاه أبو جعفر المنصور العبَّاسي سنة 150 هجرية إمارة المدينة بعد أن عزل عنها جعفر بن سليمان، وبقي على المدينة لسنة 65، فعزله عنها لوشاية عليه بأنَّه يساند الثوَّار العلويِّين لإعادة الخلافة إليهم ووضعه في حبسه إلى أن جاء ولده المهدي إلى الحكم فأخرجه من الحبس، وكان معروفاً بالصلاح والتقوى والبر والإحسان ومستجاب الدعاء على حدِّ تعبير المؤلف.
وقد خلف الحسن الأنور - كما يدَّعي توفيق أبو علم - تسعة ذكور وبنتين؛ وهما: نفيسة وأم كلثوم، ومن أولاده الذكور يحيى المتوَّج. واشتهرت نفيسة من بين أولاده بالزهد والصلاح والمعرفة وكانت تلقَّب بنفيسة الدارين ونفيسة العلم والطاهرة والعابدة، ولمَّا بلغت سنَّ الزواج خطبها العلماء والأشراف من شباب العلويِّين وفتيانهم، فكان والدها يأبى عليهم ويردُّهم رداً جميلاً، وحينما خطبها إسحاق المؤتمن ابن الإمام جعفر بن محمد الصادقعليهالسلام زوَّجها إيَّاه وذلك سنة 161، وكان من المعروفين بالفضل والصلاح والخير ومن المحيطين بأحاديث أبيه وأجداده كما وصفه المقريزي في خططه، وأولدها ولدين: القاسم وأم كلثوم، ومن نسل القاسم السادة بنو زهرة في حلب ونواحيها(1) .
ورحلت السيدة نفيسة الدارين مع زوجها من المدينة إلى القاهرة وفي طريقها إلى القاهرة مرَّت على دمشق الشام وزارت فيها بغوطة دمشق مقام السيدة زينب بنت أم كلثوم بنت أمير المؤمنين، وأم كلثوم هذه هي المعروفة بالصغرى من بنات أمير المؤمنين ومن غير فاطمة الزهراء وكانت زوجة لعبد الله الأصغر بن عقيل بن أبي طالب كما جاء في ص 286 من المجلَّد الثاني تاريخ الخميس. والظاهر أنَّ زينب التي زارت قبرها نفيسة هي
ابنتها؛ لأنَّ أم كلثوم الكبرى، ابنة الزهراء، كانت زوجة لعمر بن الخطَّاب، وقد أولدها ولداً سمَّاه زيداً، وبعد وفاة ابن الخطاب عنها تزوَّجها محمد بن عبدالله بن جعفر ولم تنجب منه كما جاء في تاريخ الخميس(2) .
ثم زارت قبر عمَّتها فاطمة بنت الحسن بن عليعليهالسلام وقبر فضَّة جارية الزهراءعليهالسلام ، وقد استقبلها جمهور كبير من أهالي دمشق وعلمائها مرحِّبين بقدومها، وبعد دخولها دمشق بأيَّام قليلة رحلت منها إلى
____________
(1) انظر: ص 283 و284 و538 لتوفيق أبو علم.
(2) المصدر، ص 285 و286.
القاهرة ودخلتها في شهر رمضان سنة 193 - قبل أن يدخلها الشافعي بخمس سنين - فاستقبلها المصريون رجالاً ونساء أحسن استقبال، ونزلت داراً لأحد التجَّار الكبار، وأخيراً استقرت في البيت الذي أُعدَّ لها مع زوجها، وراح الناس بمختلف فئاتهم يتردَّدون عليها وعلى زوجها يأخذون عنهما العلم والحديث واستفادوا من علمهما واستمر الناس يتدفَّقون عليهما وأصبحت رمزاً للطهر والقداسة في تلك الديار.
ولم يكن لأخيها يحيى المتوَّج سوى بنت واحدة تُدعى زينب وكانت قد رحلت مع أبيها إلى مصر، وحينما دخلتها عمَّتها وغمرتها بعطفها وحنانها وتعلَّقت بها وأبت أن تتزوَّج من أحد بالرغم من توافد الخطَّاب على أبيها، ولازمت عمَّتها ولاقت من عطف عمَّتها عليها والإحسان إليها ما جعلها تتفانى في خدمتها وتسهر على حوائجها لمدة طويلة من الزمن وبخاصة بعد أن بلغت من العمر سنا أقعدها عن القيام بأكثر حوائجها.
وروى عنها أبو علم أنَّها كانت تقول: لقد خدمت عمَّتي نفيسة أربعين سنة فما رأيتها نامت بليل ولا أفطرت في نهار إلاَّ في العيدين وأيَّام التشريق.
ومضت تقول - كما جاء في ص 540 من كتاب أبو علم وكيل وزارة العدل المصرية -: كانت عمَّتي نفيسة تحفظ القرآن وتفسيره وتقرأه
وتبكي، وكنت أجد عندها ما لا يخطر بخاطري ولا أعلم مَن يأتيها به، فكنت أتعجَّب من ذلك، فتقولي لي: يا ابنة أخي، مَن استقام مع الله كان الكون بيده وفي استطاعته.
ويدَّعي توفيق أبو علم في كتابه (أهل البيت) بأن للسيدة نفيسة عشرات الكرامات التي لا تجوز على غير الأنبياء والصدِّيقين ومن عباده
الصالحين، وهي جائزة عقلاً ومن جملة الممكنات التي لا تستحيل على القدرة الإلهية وقد غمر الله سبحانه آل بنت نبيه بفضله وشملهم بفيوضاته حتّى ظهرت
على أيديهم الكرامات وتتابعت على الناس منهم البركات والنفحات؛ من إجابة الدعوات وكشف الكربات وقضاء الحاجات، وأضاف إلى ذلك أنَّ علماء أهل السنة قد اتفقوا على جوازها واختص بها الله مَن أحبَّ من عباده وأوليائه وأصفيائه آل بيت نبيه الطاهرين.
وبقيت السيدة نفيسة في القاهرة نحواً من عشرين سنة، ولمَّا جاء أجلُها على أثر مرض ألمَّ بها، احتضنتها ابنة أخيها زينب بنت يحيى وتوفِّيت في حضنها سنة 208 وكانت قد أعدَّت لنفسها قبراً، فدفنت فيه وراح الناس بعد ذلك يعدون قبورهم حولها تبرُّكاً بمرقدها، وفي سنة 544 أمر الحافظ لدين الله ببناء قبة على قبرها ولا تزال من أعظم المزارات عند المصريين. وكان أخوها يحيى قد توفِّي قبلها في مصر، وقبره لا يزال من المقدَّسات عند المصريين يتبرَّكون به ويتوسَّلون إلى الله في قضاء حوائجهم، وبعدهما توفِّيت زينب بنت يحيى ودفنت بجوار قبر عمرو ابن العاص. ومضى أبو علم يقول: وكان أهل مصر يأتون لزيارة قبرها من كل فج، وحتّى أنَّ الظاهر الخليفة الفاطمي كان يأتي لزيارتها ماشياً على قدميه ومعه جمهور
من الناس، وأضاف إلى ذلك: أنَّ النيل توقَّف في بعض السنين عن الجريان فتوسَّل المصريون بقبرها إلى الله، فجرى النيل على عادته، إلى غير ذلك ممَّا جاء في كتابه عن نفيسة الدارين وابنة أخيها زينب.
بعد هذه اللمحات عن حياة السيدة نفيسة حفيدة الحسن السبطعليهالسلام يمكن القول بأنَّ المرقد المنسوب لزينب العقيلة في مصر - والذي لا يزال المصريون يقدِّسونه ويعظِّمونه - هو لزينب بنت يحيى المتوَّج، وبتعاقب العصور والأجيال أصبح ينسب لزينب العقيلة؛ لأنَّها اشتهرت من نساء العلويِّين الأوائل وأصبح اسمها مقروناً باسم أخيها الحسينعليهالسلام بعد معركة الطف، وتحدَّث الكتَّاب والمؤلِّفون عن مواقفها الخالدة من تلك المجزرة و
ما رافقها؛ والألفاظ المشتركة تنصرف في الغالب إلى أكمل الأفراد
وأكثرها شيوعاً، وبلا شك فإنَّ أكمل الزينبيات وأعلاهنَّ شأناً هي زينب العقيلة، كما يحتمل أن يكون للفاطميين ضلع في نسبة ذلك المرقد لها ونسبة المرقد الثاني لرأس أخيها الحسين وهم الذين أشاعوا بأنَّ الرأس كان مدفوناً في عسقلان ونقلوه إلى القاهرة وراحوا يعظِّمون المرقدين لأسباب سياسية أو لغيرها.
أمَّا المرقد الموجود في ضاحية الشام وفي بلدة الست بالذات الذي زارته السيدة نفيسة في طريقها إلى مصر، فليس لزينب الكبرى عقيلة الطالبيِّين وبطلة كربلاء كما هو الراجح، ومن الجائز أن يكون لزينب بنت عبدالله الأصغر بن عقيل من زوجته أم كلثوم الصغرى ابنة أمير المؤمنينعليهالسلام من غير الزهراء وهي ليست بأم كلثوم التي تزوَّجها عمر بن الخطاب وأولدها ولده زيداً، وهذه قد تزوَّجت بعد ابن الخطاب من محمد بن جعفر ولم تنجب منه وهي شقيقة الحسين لأمِّه وأبيه.
ومهما كان الحال، فلا يمكن الجزم بشيء حول واقع تلك المراقد، وأعود لأكرِّر ما ذكرته سابقاً من أن المراقد التي يقدِّسها الشيعة وبقية المسلمين المعتدلين لا يقدسونها إلاّ بصفتها رمزاً لمَن تنتسب إليه، وتقديراً لِمَا كان يتمتَّع به من القيم والمثل العليا والجهاد والتضحيات في سبيل المبدأ والعقيدة، لا للبناء والأحجار المزخرفة والنفائس التي فيها، وسواء كانت رفات ذلك الشخص صاحب تلك الفضائل في داخل ذلك المرقد أم لم تكن في واقع الأمر، فمادام يرمز إليه فإنَّ زيارته والتوسُّل به إلى الله سبحانه من الأمور الراجحة وتعظيماً للدين وللقيم التي كان ذلك الشخص يجسِّدها ويستهين بحياته من أجلها.
إنَّ الزائر حينما يتَّجه إلى المسجد الذي فيه مقام رأس الحسين في القاهرة ومقام السيدة زينب في ضاحية الشام وفي محلة الفسطاط من القاهرة إنَّما يتَّجه بقلبه وأحاسيسه لمَن ترمز إليه تلك القباب الشامخة أي لرأس الحسين وللسيدة زينب وإن لم تكن في واقع الأمر قد ضمنت
رفاتهما، وليس بغريب على الله سبحانه إذا استجاب للموالين لأهل البيت علي والزهراء ومن تناسل منهما من الأئمة الأطهار والصلحاء الأبرار الذين عناهم النبيصلىاللهعليهوآله بقوله - كما جاء في رواية أبي بكر بن أبي قحافة - أنَّه قال: رأيت رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد خيَّم خيمة وهو متكئ على قوس له عربية، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين، وهو يقول: (معاشر المسلمين، أنا سلم لمَن سالم أهل هذه الخيمة، وحرب لمَن حاربهم، وولي لمَن
والاهم، لا يحبهم إلاّ سعيد الجد طيِّب المولد، ولا يبغضهم إلاّ شقيُّ الجد رديء الولادة)(1) .
ليس بغريب إذا أجار الله مَن استجار بمراقدهم واستجاب لمَن توسَّل إليه بهم في قضاء حوائجه؛ لأنَّهم قد بذلوا أنفسهم وكل ما يملكون في
سبيله، وتركوا الدنيا ومتعها ونعيمها بعد أن أصبحت تحت أقدامهم من أجل إعلاء كلمة الله وخير الناس أجمعين، ورحم الله القائل في وصفهم:
هم القوم مَن أصفاهم الودَّ مخلصاً |
تمسَّك في أُخراه بالسبب الأقوى |
|
هم القوم فاقوا العالمين مناقباً |
محاسنهم تحكى وآياتهم تروى |
|
موالاتهم فرض وحبُّهم هدى |
وطاعتهم ودٌّ وودُّهم تقوى |
____________
(1) أبو علم، أهل البيت، ص 8.
المآتم الحسينية ومواقف الأئمَّة منها
لقد كانت العشرة الأولى من شهر المحرم - ولا تزال - مأتماً سنوياً للأحزان والآلام عند الشيعة منذ مجزرة كربلاء التي كان على رأس ضحاياها الحسين بن علي سبط الرسول وسيد شباب أهل الجنة في اليوم العاشر من المحرَّم سنة إحدى وستين للهجرة، فكان الشيعة ولا يزالون في مختلف أنحاء دنيا الإسلام يجتمعون في مجالسهم وندواتهم يردِّدون مواقف أهل البيت وتضحياتهم في سبيل الحق والعدالة وكرامة الإنسان التي داستها أميَّة بأقدامها، وما حلَّ بهم من أحفاد أميَّة وجلاديهم من القتل والسبي والتشريد والاستخفاف بجدِّهم الأعظم الذي بعثة الله رحمة للعالمين.
هذه الذكريات الغنية بالقيم والمثل العليا والتي تعلِّمنا كيف نعيش أحراراً وكيف نموت في مملكة الجلادين سعداء منتصرين، لو أدركنا أهداف تلك الثورة وأحسنَّا استغلالها، هذه الذكريات قد اقترنت كما يبدو بعد الإحصاء الدقيق لتاريخها بتلك المجزرة الرهيبة التي أيقظت المسلمين على اختلاف فئاتهم وانتماءاتهم ونزعاتهم، وأدركوا بعدها أن
كرامة الإسلام والمسلمين قد أصبحت - بسبب تخاذلهم - تحت أقدام الأمويِّين وفراعنة العصور، فاستولى عليهم الخوف والندم لتقصيرهم في نصرته وتخاذلهم عن دعواتهم، ففريق وجدوا أنَّ التكفير عن تخاذلهم لا يكون إلاّ بالثورة والثأر له من أولئك الطغاة، وآخرون سيطر عليهم الخوف فخلدوا إلى الهدوء ينتظرون الظروف المناسبة، ولكنَّ ذلك لم يكن ليمنعهم عن الاحتفال بذكراه كلَّما هلَّ شهر المحرَّم من كل عام واستبدال جميع مظاهرهم بمظاهر الحزن والأسف، وترديد الأحداث التي رافقت تلك المجزرة من تمثيل بالضحايا وأسر وسبي وما إلى ذلك من الجرائم التي لم يعرف المسلمون لها نظير في تاريخ المعارك والغزوات قبل ذلك اليوم.
وممَّا يشير إلى أنَّ المآتم الحسينية يقترن تاريخها بتلك المجزرة ما جاء في تاريخ العراق في ظل العهد الأموي للدكتور علي الخرطبولي أنَّ بيعة أبي العبَّاس السفَّاح بدأت في الكوفة، وشاء لها القدر أن تتمَّ لأبي العبَّاس كأوَّل خليفة من خلفاء تلك الأسرة في عيد الشيعة الأكبر، وهو يوم عاشوراء العاشر من المحرَّم سنة 132، وفي نفس الوقت الذي كان الشيعة يحتفلون فيه بذكرى الحسين بن عليعليهالسلام (1) .
ومعلوم أنَّ كلمة عيد الشيعة الأكبر يوم العاشر من المحرَّم تشير إلى أنَّ الشيعة كانوا معتادين من زمن بعيد على الاحتفال بذكرى الحسينعليهالسلام في ذلك اليوم من كل عام، وأنَّه كان من أعظم المناسبات التي اعتادوا فيها أن يندبوا الحسين ويبكونه ويردِّدون مواقفه وتضحياته من أجل الحق والمبدأ والعدالة التي تمكِّن كل إنسان من حقِّه وتحفظ له كرامته وحرِّيَّته.
وكما اتخذ الشيعة وأهل البيت تلك الأيَّام أيَّام حزن وأسف وبكاء
____________
(1) انظر: ص 226 من تاريخ العراق عن الأخبار الطوال للدينوري.
على ما جرى للحسين وأسرته من قتل وأسر وسبي، اتخذها غيرهم من الأعياد يتبادلون فيها التهاني والزيارات ويتباهون بكل مظاهر الفرح والسرور في ملابسهم وندواتهم ومآكلهم وما إلى ذلك من مظاهر الفرح؛ تحدِّياً لشعور الشيعة واستخفافاً بأهل بيت نبيِّهم الذين فرض الله ولاءهم على كل مَن آمن بمحمد ورسالته.
وجاء في ص 202 من البداية والنهاية لابن كثير المجلّد الثامن أنَّ النواصب من أهل الشام لقد عاكسوا الرافضة والشيعة فكانوا في يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيَّبون ويلبسون أفخر ثيابهم ويتَّخذون ذلك اليوم عيداً يصنعون فيه أنواع الأطعمة ويظهرون الفرح والسرور فرحاً
بقتله؛ لأنَّه حاول أن يفرِّق كلمة المسلمين بعد اجتماعها على حدِّ تعبيره.
ولا يزال المسلمون في أهل السنة يعتبرون أوَّل يوم من المحرم عيداً إسلامياً يتبادلون فيه التهاني والزيارات ويصرفون أكثر ساعاته في نوادي اللهو والطرب والحفلات ويسمُّونه بعيد الهجرة، مع العلم بأنَّ هجرة النبي من مكَّة إلى المدينة كانت في السادس من ربيع الأوَّل وفي الثاني عشر منه دَخَل المدينة ونزل ضيفاً على أبي أيوب الأنصاري.
ومهما كان الحال، فلقد رافقت هذه الذكرى في أوساط الشيعة مصرع الحسينعليهالسلام وكان الأئمة يحرصون على تخليدها واستمرارها؛ لتكون حافزاً للأجيال على مقاومة الظلم والطغيان والاستهانة بالحياة مع الظالمين تقودهم بمعانيها السامية الخيِّرة للتضحية والبذل بسخاء في سبيل المبدأ والعقيدة.
لقد دخل الإمام علي بن الحسين زين العابدين إلى المدينة بعد أن أطلق سراحه وسراح عمَّاته وأخواته يزيد بن معاوية وهو يبكي أباه وأهله وإخوته، وظل لفترة طويلة من الزمن يبكيهم حتّى عدَّه الناس من
البكَّائين، وكان عندما يسأله سائل عن كثرة بكائه يقول: (لا تلوموني؛ فإنَّ يعقوب فقد سبطا من ولده فبكى حتّى ابيضت عيناه من الحزن ولم يعلم أنَّه مات، وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلاً من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا؟!).
وروى الرواة عن الإمام الصادقعليهالسلام أنَّه قال: (بكى علي بن الحسين على أبيه حسين بن عليعليهماالسلام عشرين سنة أو أربعين سنة، وما وضع بين يديه طعام إلاّ بكى على الحسين، حتّى قال له مولى له: جعلت فداك يا بن رسول الله، إنِّي أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله مالا تعلمون، إنِّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاّ خنقتني العبرة لذلك).
وأحياناً كان الإمام السجَّاد يطلب المناسبة ويخلقها أحياناً ليحدِّث الناس بما جرى على الحسين وأهل بيته، فيذهب إلى سوق القصَّابين في المدينة ليسألهم عمَّا إذا كانوا يسقون الشاة قبل ذبحها وإنَّه ليعلم أنَّهم يفعلون ذلك؛ لأنَّه من السنن المأثورة، ولكنَّه يريد أن يحدِّثهم عمَّا جرى لأبيه ليبعث في نفوسهم النقمة على الظلم والظالمين، فيقول لهم: (قتل ابن رسول الله عطشانا) فيجتمعون عليه ويبكون لبكائه. وكان إذا رأى غريباً دعاه إلى بيته لضيافته ثم يقول: (قتل ابن رسول الله جائعا)، واستمر طيلة حياته حزيناً كئيباً. وهكذا كان غيره من الأئمة يحرصون على بقاء تلك الذكرى حيَّة في نفوس الأجيال خالدة خلود الدهر؛ لأنَّها لا تنفصل بمعانيها السامية عن أهداف الإسلام العليا ومقاصده الكريمة.
وقال الإمام الصادقعليهالسلام لجماعة من أصحابه دخلوا عليه في اليوم العاشر:(أتجتمعون وتتحدَّثون؟) فقالوا: نعم يا ابن رسول الله، فقال:(أتذكرون ما صُنع بجدي الحسين؟ لقد ذبح - والله - كما يذبح الكبش وقُتل
معه عشرون شاباً من أهله وبنيه وإخوته ما لهم على وجه الأرض من مثيل) .
وروى عنه معاوية بن وهب وقد دخل عليه في اليوم العاشر من المحرم فرآه حزيناً كاسف اللون وهو يدعو ويقول: (اللهم يا مَن خصَّنا
بالكرامة: ارحم تلك الوجوه التي غيَّرتها الشمس... وارحم تلك الخدود التي تقلَّبت على حفرة أبي عبد الله الحسين... وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا) ومضى يقول في دعائه لزوَّار الحسين والباكين عليه كما جاء في رواية ابن وهب: (اللهم إنِّي استودعك تلك الأبدان وتلك الأنفس حتّى توفِّيهم على الحوض يوم العطش الأكبر). ولمَّا استغرب معاوية بن وهب ما رآه من بكاء الإمام ومن دعواته لزوَّار قبر أبي عبد الله والباكين عليه، قال له: (يا معاوية، مَن يدعو لزوَّاره في السماء أكثر ممَّن يدعو لهم في الأرض) ودعاء الإمام لزوَّار قبر الحسين يشير إلى أنَّ الشيعة كانوا يتوافدون لزيارته من ذلك التاريخ.
ودخل جعفر بن عفَّان عليه فقال له: (بلغني أنَّك تقول الشعر في الحسين و تجيد؟) فقال له: نعم، جعلني الله فداك، فقال:(قل) ثم قام وأجلس نساءه خلف الستر، فلمَّا قرأ عليه من شعره في الحسين جعل يبكي وارتفع الصراخ والعويل من داخل الدار حتّى ازدحم الناس على باب الدار مخافة أن يكون قد حدث فيها حادث، فلمَّا وقف الناس على واقع الأمر تعالى الصراخ من كل جانب، ثم قال له: (يا جعفر، والله لقد شهدك ملائكة الله المقرَّبون ها هنا يسمعون قولك في الحسين عليه السلام).
وكان جعفر بن عفَّان من شعراء أهل البيت، وله مواقف مع ابن أبي حفصة شاعر العبَّاسيِّين الذي كان يتملَّق إليهم بانتقاص العلويِّين وهجائهم، ومن قصائده التي كان يتملَّق بها للعبَّاسيين قوله في أبيات يخاطب بها العلويِّين:
خلُّو الطريق لمعشر عاداتهم |
حطم المناكب كلَّ يوم زحام |
|
ارضوا بما قسم الإله لكم به |
ودعوا وراثة كلَّ أصيد حام |
|
أنَّى يكون وليس ذلك بكائن |
بني البنات وراثة الأعمام |
فردَّ عليه جعفر بن عفَّان بقوله:
لِمَ لا يكون وإنَّ ذاك لكائن |
لبني البنات وراثة الأعمام |
|
للبنت نصف كامل من ماله |
والعم متروك بغير سهام |
|
ما للطليق وللتراث وإنَّما |
صلَّى الطليق مخافة الصمصام(1) |
وكان الإمام الرضاعليهالسلام يجلس للعزاء في العشرة الأولى من شهر المحرم ولا يرى ضاحكاً قط، كما كانت مظاهر الحزن والأسف تستولي على الأئمة الأطهار وأصحابهم وتبدو ظاهرة في بيوتهم ومجالسهم ويقولون لمِن يحضر مجالسهم من الخاصة والعامة: (قل متى ذكرتهم [الحسين وأصحابه]: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيما) إنَّهم كانوا يريدون من أصحابهم وشيعتهم وجميع المسلمين أن يكونوا مع الحسين وأصحاب الحسين العاملين بمبادئ القرآن وسنن الأنبياء والمصلحين العاملين لخير الإنسان في كل زمان ومكان بأرواحهم وعزيمتهم وقلوبهم وبقاء هذه الذكرى خالدة خلود الإنسان، وأن يشحنوا النفوس بالنقمة على الظالمين وفراعنة العصور الذين يتحكَّمون بكرامة الإنسان وخيرات الأرض التي أوجدها الله لأهل الأرض لا للحاكمين والجلاّدين. ويريدون منهم أن يكونوا في كل زمان ومكان ثورة عارمة على مَن يحمل روح يزيد وجلاّديه ولا يختلف عنهما إلاّ بالاسم، ويضحُّوا بأنفسهم
____________
(1) انظر: مقتل المقرَّم عن رجال الكشي ومعاهد التنصيص، ص 119.
من أجل الحق والعدل كما ضحَّى الحسين وأصحابه في ثورته على يزيد زمانه، لقد أرادوا منهم ذلك صراحة تارة وتلميحاً أخرى كما يبدو ذلك من حثِّهم وترغيبهم على زيارة الحسين وتحمُّل المشاق وإنْ عظمت في سبيلها؛ لتبقى مواقفه وتضحياته ماثلة لدى الأجيال تتَّخذ منها دروساً في الجهاد والتضحيات في سبيل العقيدة والمبدأ.
إنَّهم كانوا يحثُّون ويرغِّبون في زيارته في أكثر من فصل من فصول السنة؛ لأنَّ الزائر عندما يقف أمام ضريحه الطاهر وكان مدركاً لواقعه، فلابدَّ وأن يتصَّور موقف الحسين وحيداً في مقابل تلك الحشود التي اجتمعت لقتاله، غير هيَّاب ولا وجِل، يدافع ويناضل عن شريعة جدِّه وكرامة الإنسان بعزيمة أثبتْ من الجبال الرواسي كما وصفها بعض شعراء الطفِّ بقوله:
من تحتهم لو تزول الأرض لتنصَّبوا |
على الهوى هضباً أرسى من الهضب |
هذه الخواطر التي تعترض زائر الحسين لا بدَّ وأن تحدث في نفسه نقمة على الظلم والظالمين وتدفعه على الصمود في الشدائد والأهوال وتؤكد صلاته بأهل هذا البيت الذين يجسدون الإسلام فكراً وقولاً وعملاً، هذا بالإضافة إلى أنَّ الزائر يعاهد الله ورسله وملائكته بالمضي على خطى الحسين وآبائه وأبنائه، ومتابعتهم في القول والعمل وفي مواقفهم من الظالمين حينما يقف على ضريحه ويخاطبه بقوله: (أشهد الله وملائكته وأنبياءه ورسله وأشهدكم أنِّي بكم مؤمن ولكم تابع في ذات نفسي وشرائع ديني وخواتيم عملي ومنقلبي إلى ربي).
إنَّ هذا التأكيد من الأئمة الأطهار على زيارة الحسينعليهالسلام والترغيب المغري بها في عدد من المواسم خلال كل عام لم يصدر منهم بالنسبة لزيارة غيره من الأئمة ولا لزيارة مَن هو أعظم منه كجدِّه المصطفى وأبيه
المرتضى، في حين أنَّ كل واحد منهم كلٌّ يجسد الإسلام بجميع فصوله وخطوطه في أقواله وأفعاله وقد وهب حياته لله ولخير الناس أجمعين وهانت عنده الدنيا بكل ما فيها من مُتع ونعيم ومغريات. إنَّ ذلك لم يكن إلاَّ لأنَّ شهادة الحسينعليهالسلام بما رافقها من الجرائم والفظائع تثير الأحاسيس وتحرِّك الضمائر الهامدة وتحثُّ على مقارعة الظلم والصبر في الشدائد والأهوال في سبيل المبدأ والعقيدة، ولأجل ما رافقها من تلك الأحداث القاسية التي لم يسجِّل التاريخ لها نظيراً، فقد اتخذها الأئمةعليهالسلام وسيلة لإثارة العواطف وإلْهاب المشاعر وبعث الروح النضالية في نفوس الجماهير المسلمة؛ لتكون مهيَّأة للثورة على الظلمة والجبابرة في كل أرض وزمان، وفي الوقت ذاته فإنَّ تلك المآتم والذكريات تكشف عن طبيعة القوى التي تناهض أهل البيت وتناصبهم العداء ومدى بعدها عن الإسلام، وتبيِّن في الوقت ذاته أنَّ جوهر الصراع بينهم وبين الحاكمين ليس ذاتيَّاً ولا مصلحيَّاً كما جرت العادة عليه في الصراعات بين الناس، بل هو من أجل الإسلام وتعاليم الإسلام والجور الذي أصاب الناس.
لقد كان موقف الأئمةعليهالسلام من تلك المآتم والحثِّ عليها والترغيب بها منذ قتل الحسينعليهالسلام من جملة الدوافع التي جعلت الشيعة يلتزمون بها بدون انقطاع في كل بلد حلُّوا فيه، بالرغم ممَّا كانوا يتعرَّضون له من الحاكمين وأعداء أهل البيت من التنديد والتنكيل والسخرية ومع كل ما قام به الحاكمون من جور وإرهاب، فلم يفلحوا في كبح ذلك التيار الشيعي الجارف الذي بقي يتعاظم باستمرار مع الزمن وبقي في تصاعد مستمر حتّى في عهد العبَّاسيِّين الذين وصلوا إلى الحكم على حساب العلويِّين كما تؤكِّد ذلك عشرات الشواهد، ومع ذلك فقد كانوا عليهم أشدَّ من الأمويِّين وحاربوهم على جميع الجبهات وتعرَّضوا في عهودهم لأسوأ أنواع العسف والجور والتشريد.
فلقد قال المنصور العبَّاسي عندما عزم على قتل الإمام الصادق: (قتلتُ من ولد فاطمة ألفاً أو يزيدون وتركت إمامهم وسيِّدهم جعفر بن محمد) كما جاء في شرح ميمية أبي فراس والأدب في ظل التشيع(1).
وترك لخليفته المهدي ميراثاً من رؤوس العلويِّين كان قد وضعها في غرفة من غرف قصره، ودفع مفاتيحاً لزوجة خليفته ريطة وأوصاها بأن لا تفتحها إلاّ هي وزوجها بعد وفاته، فأيقنت أنَّها مملوءة من التحف والأموال، ولمَّا توفِّي، فتحها المهدي هو وزوجته ليلاً فوجدها مملوءة من رؤوس العلويِّين، بينها رؤوس شيوخ وأطفال وشبان وفي كل رأس رقعة باسمه ونسبه(2) .
وهو القائل لعمِّه عبد الصمد بن علي عندما لامه على تسرُّعه في القتل والعقوبات: إنَّ بني مروان لم تبلى رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم، ونحن بين قوم رأونا بالأمس سوقة واليوم خلفاء ولا نستطيع أن نبسط هيبتنا إلاّ بنسيان العفو واستعمال العقوبة(2) .
لقد وصل المنصور إلى الحكم على حساب آل أبي طالب كما ذكرنا وبعد أن استتبَّت له الأمور قتل منهم ألفاً أو يزيدون ووضع السيف في رقابهم لا لشيء إلاّ لأنَّه يخاف منهم على هيبته وسلطانه، والخوف وحده يبرِّر له ويغره من الحاكمين قتل الملايين من البشر في كل عصر وزمان، وفي الوقت ذاته يتغنُّون بالحرية والديمقراطية والسلام وما إلى ذلك من الشعارات كما كان العبَّاسيون والأمويون يتستَّرون بالإسلام ورسالة الإسلام ويتقرَّبون من الوعَّاظ وشيوخ السوء ليصنعوا لهم المبرِّرات
____________
(1) الميمية، ص 159، والأدب في ظل التشيُّع، ص 68، وتاريخ الطبري، والمقريزي، النزاع والتخاصم.
(2) تاريخ الخلفاء للسيوطي.
لجرائمهم.
وجاء في مناقب ابن شهر آشوب أنَّ المنصور قال للإمام الصادقعليهالسلام : لأقتلنَّك ولأقتلنَّ أهلك حتّى لا أُبقي على الأرض منكم قامة سوط، ولقد هم بقتله أكثر من مرَّة وكان يستعين عليه بالله وحده، فأنجاه الله من شرِّه.
ويدَّعي عبد الجواد الكليدار آل طعمة في كتابه (تاريخ كربلاء) أنَّه أوَّل مَن تجرَّأ على قبر الحسين وهدمه عندما رأى الشيعة يتوافدون إلى زيارته ويرددون تلك المأساة الدامية التي حلَّت بأهل البيت
وجاء في (مروج الذهب) للمسعودي أنَّه جلس يوماً مع المسيَّب بن زهرة - وكان من أعوانه وجلاّديه - فذكر الحجَّاج بن يوسف ووفاءه للمروانيِّين في معرض التعريض والتنديد بأعوانه، ففهم المسيَّب غايته، فقال له المسيَّب: يا أمير المؤمنين، والله إن الحجَّاج لم يسبقنا إلى أمر من الأمور، ولم يخلق الله على وجه الأرض أحداً أحبُّ إلينا من نبينا محمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله ، ومع ذلك فقد أمرتنا بقتل أولاده وعترته، فأطعناك وقتلناهم، فهل كان الحجَّاج أنصح لبني مروان منَّا لك؟! فسكت المنصور ولم يرد عليه.
وروى الرواة عن أساليب تعذيبه للعلويّين أنَّه كان يضع العلويِّين في الاسطوانات ويسمِّرهم في الحيطان، وأحياناً يضعهم في سجن مظلم ويتركهم يموتون جوعاً ويترك الموتى بين الأحياء فتقتلهم الروائح الكريهة، ثم يهدم السجن على الجميع كما جاء في تاريخ اليعقوبي. ولقد فرَّ أبو القاسم الرسي بن إبراهيم بن طباطبا المعروف بإسماعيل الديباج إلى بلاد السند خوفاً من المنصور، وقال كما جاء عنه:
لم يرْوِهِ ما أراق البغي من دمنا |
في كلِّ أرض فلم يقصر من الطلب |
|
وليس يشفي غليلاً في حشاه سوى |
أن لا يرى فوقها ابناً لبنت نبي |
وحَكَم المسلمين من بعده ولده المهدي بنفس الروح اللئيمة الحاقدة على العلويِّين وصلحاء المسلمين، وخفَّت في عهده حدَّة القتل الجماعي للعلويِّين وشيعتهم ومطاردتهم، ولكنَّه سخَّر جماعة من أعوانه ومرتزقته لانتحال صفة الزندقة لكل مَن يناوئه من العلويِّين وشيعتهم، وأصبح الاتهام بالزندقة من أيسر التهم التي تلصق بالأبرياء كما جاء في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية.
وقال عبد الرحمن بدوي: إنَّ الاتهام بالزندقة في ذلك العصر كان يسير جنباً إلى جنب مع الانتساب إلى مذهب الرافضة. وفي ذلك يقول الطغرائي من جملة أبيات له:
ومتّى تولَّى آل أحمد مسلمٌ |
قتلوه ووصموه بالإلحاد |
ولمَّا جاء دور خليفته الهادي العبَّاسي سلَّط على العلويِّين جلاّديه وجلاوزته، فألحُّوا في طلبهم ومطاردتهم وقطع أرزاقهم وأُعطياتهم، وكتب إلى سائر المقاطعات الإسلامية يهدِّد ويتوعَّد كلَّ مَن يأويهم ويحسن إليهم، وكانت معركة فخ التي قُتل فيها أكثر من مائة وخمسين من رجال العلويِّين ونسائهم وأطفالهم بسبب ما لحقهم من الاضطهاد يومذاك وتولَّى قيادتها الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وكان موسى الهادي قد استخلف على المدينة إسحاق بن عيسى، فأوعز إسحاق إلى رجل من ولد عمر بن الخطَّاب يعرف بعبد العزيز بن عبد الله، فحمل على الطالبيِّين وأفرط في التحامل عليهم ومضايقتهم، فاجتمع على الحسين بن علي صاحب فخ جماعة من الشيعة فخرج بهم، وكانت المعركة في القرب من مكَّة وفي المكان المعروف بفخ، وقُتل الحسين ومَن معه من العلويِّين وشيعتهم وحملت رؤوسهم إلى موسى الهادي، ولمَّا بلغ العُمري
والي المدينة ما جرى للحسين بن علي قائد معركة فخ، أمر بهدم داره ودور الطالبيِّين وصادر أموالهم وممتلكاتهم.
وجاء في مقاتل الطالبيِّين للإصفهاني أنَّ النبيصلىاللهعليهوآله مرَّ بفخ، فنزل وصلَّى ركعتين، وقبل أن ينتهي منهما بكى وهو في صلاته، فلمَّا رآه المسلمون بكوا لبكائه، ولمَّا سألوه عن سبب بكائه قال: (نزل عليّ جبريل لمَّا صلَّيت الركعة الأولى وقال: يا محمد، إنَّ رجلاً من ولدك يُقتل في هذا المكان وأجر الشهيد معه أجر شهيدين)(1) .
ولمَّا جاء دور الرشيد - الخليفة العبَّاسي الخامس - مثَّل أسوأ الأدوار معهم، وأقسم - كما جاء في الأغاني، ط دار الكتب بالقاهرة - على استئصالهم وكل مَن يتشيَّع لهم وقال: حتَّام أصبر على آل أبي طالب، والله لأقتلنَّهم وأقتل شيعتهم أينما حلُّوا. وأمر بأخراجهم من بغداد إلى المدينة وأمر واليه عليها أن يأخذ الضمانات منهم ويتعهَّد بعضهم ببعض، وعندما أرسل الجلودي لحرب محمد بن جعفر بن محمد أمره أن يغير على دور آل أبي طالب ويسلب ما على نسائهم من الثياب، ولا يترك لكل واحدة منهنَّ إلاّ ثوباً واحداً يسترها.
ولم يكتفي بذلك حتّى هدم قبر الحسين وقطع السدرة الكبيرة التي كانث إلى جانبه؛ لا لشيء إلاّ لأنَّ زوَّار قبر الحسينعليهالسلام كانوا يستظلٌُّون تحتها من حرارة الشمس، وقد تولَّى له تنفيذ هذه المهمة موسى بن عيسى بن موسى العبَّاسي(2) .
____________
(1) انظر: أبو الفرج، مقاتل الطالبيِّين، ص 290 وما بعدها.
(2) المظفَّر، تاريخ الشيعة، و الشيخ عبَّاس القمي، الكنى والألقاب، والمناقب لابن شهر آشوب، والكامل لابن الأثير.
وتوَّج موبقاته كلِّها بحبس الإمام موسى بن جعفرعليهالسلام ، وأخيراً بقتله بالسم بواسطة جلاّديه وجلاوزته، وفي عهده امتلأت سجونه من العلويِّين وشيعتهم وكل مَن يُتَّهم بالتشيُّع لهم على حدِّ تعبير أحمد أمين في المجلَّد الثالث من ضحى الإسلام.
واشتهر المتوكِّل بعدائه الشديد للعلويِّين؛ فقد جاء في تاريخ ابن الأثير وهو يستعرض حوادث سنة 236 أنَّ المتوكِّل العبَّاسي كان شديد البغض والكراهة لعلي وآل علي، وإذا بلغه أنَّ أحداً يتولَّى عليَّاً وآل علي، صادر أمواله وقتله. وأضاف إلى ذلك أنَّه كتب إلى واليه في مصر يأمره بإخراج آل أبي طالب منها وطردهم إلى العراق، وكانوا في مصر يردِّدون في مجالسهم ما صنعه الأمويُّون مع الحسين وأسرته وأصحابه ويبكون لِمَا
أصابهم، فأخرجهم الوالي منها واستتر أكثر مَن كان فيها من شيعة آهل البيت، كما استعمل على المدينة ومكَّة المكرَّمة عمر بن الفرج الرجحي فمنعه من البرِّ بآل أبي طالب كما منع العلويِّين من التعرُّض للناس والاتصال بأحد، ولم يبلغه عن أحدٍ برَّ علوياً إلاّ أنهكه عقوبة وأثقله عزماً، فساءت حالة العلويِّين واضطر نساؤهم إلى التزام بيوتهن عاريات يتبادلن القميص المرقَّع في الصلاة الواحدة تلو الأخرى، ويجلسن عاريات على منازلهنَّ لكي يشترين ما يسد رمقهن من خبز الشعير بأثمان غزلهن.
لقد قضت مشيئة خليفة المسلمين العبَّاسي في نسبه الأموي الحاقد في روحه ومشاعره أن تعتكف العلويَّات الطاهرات في بيوتهن عاريات يتبادلن القميص المرقع إذا حضرت أوقات الصلاة، ثم يجلسن على مغازلهن عاريات ليشترين بأثمان غزلهن ما يسد رمقهن من الخبز، وأن تختال نساؤهم وجواريهم الفاجرات الراقصات بالحلي وحُلل الحرير والديباج بين الغلمان والسكارى من حواشي الخليفة، ويجلسن على موائد الطعام المؤلفة من جميع المأكولات والخمور، وأهل البيت ونساؤهم
وأطفالهم يتلوُّون من آلام الجوع، أذلَّاء صاغرين، وكان يقرِّب إليه كلَّ مَن يكره علياً أمير المؤمنين كعلي بن الجهم وأمثاله ممَّن كانوا يشتمون
عليَّاًعليهالسلام ، ونظراً لأنَّ أباه الجهم بن بدر كان من الموالين لعلي قال بعض شعراء الشيعة في علي بن الجهم:
لعمرك ليس الجهم بن بدر بشاعر |
وهذا علي ابنه يدَّعي الشعرا |
|
ولكنْ أبي قد كان جاراً لأمِّه |
فلمَّا ادعى الأشعار أوهمني أمرا |
يشير بهذين البيتين إلى الحديث الشائع عن النبيصلىاللهعليهوآله أنَّه قال لعليعليهالسلام بحضور جماعة من المهاجرين والأنصار: (ياعلي، لا يحبك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق).
وكان ابن السكِّيت من كبار العلماء والأدباء في زمانه وقد ألزمه المتوكِّل بتعليم ولديه المعتز والمؤيَّد، فقال له يوماً: أيُّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أو الحسن والحسين؟ فردَّ عليه ابن السكِّيت بقوله: والله، إنَّ قنبراً خادم الحسن والحسين أحبُّ إليَّ منك ومن ولديك، فأوعز المتوكِّل إلى جلاَّديه من الأتراك أن يستخرجوا لسانه من قفاه، ففعلوا به ذلك ومات من ساعته، وكان يقول:
يصاب الفتى من عثرة بلسانه |
وليس يصاب المرء من عثرة الرِّجْلِ |
|
فعثرته في القول تُذهب رأسه |
وعثرته في الرِّجْل تبرأ على مهلِ |
لقد نسي (رحمه الله) هذين البيتين اللذين كان يردِّدهما وكأنَّه كان يعني نفسه بهما، لقد سيطر عليه الولاء لأهل البيت واستفزَّه استخفاف المتوكِّل
بهم، فأبت له نفسه الكبيرة أن يتَّقيه ويقول ما لا يؤمن به، فذهب في قافلة الشهداء، ولعلَّه كان من أفاضلهم بمقتضى قول النبيصلىاللهعليهوآله : (أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطَّلب ورجل تكلَّم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله).
لم يكتف المتوكِّل بالتنكيل بشيعة أهل البيت ومطاردتهم فأراد أن يمنعهم عن زيارة الحسين ففرض عليهم الضرائب وهدَّدهم وتوعَّدهم بالقتل ومصادرة أموالهم وممتلكاتهم، فلم يخضعوا لتهديده ولا لوعيده واستمرت وفود الشيعة على كربلاء في تصاعد مستمر، يكمنون بالنهار ويسيرون ليلاً، ولمَّا لم يجد سبيلاً لاستئصال هذه الظاهرة الشيعية اتخذ قراراً بهدم القبر وإزالة معالمه؛ ليضيع مكانه ولا يهتدون إليه، ويأبى الله إلاّ أن يتمَّ نوره ولو كره
المشركون.
لقد أراد معاوية من قبله أن لا يتحدَّث أحد عن فضل علي وآثاره، فكتب إلى عمَّاله في جميع المقاطعات الإسلامية: برئت الذمة ممَّن يروي حديثاً في فضل عليّ وآل علي وممَّن يذكرهم بخير، وكتب المتوكِّل الهاشمي وابن عمِّ العلويِّين إلى عمَّاله برئت الذمة ممَّن يبرُّ العلويِّين ويحسن إلى أحد منهم، وقتل معاوية الحسن بن علي والمئات من صلحاء المسلمين لأنَّهم لم يعلنوا براءتهم من علي وآل علي، وكذلك فعل المتوكِّل وأسلافه من أحفاد هاشم وعبد المطَّلب، وقتل يزيد بن معاوية الحسن بن علي وعشرين شاباً من أحفاد أبي طالب، وقال المنصور العبَّاسي حفيد عبد المطَّلب: قتلتُ من ولد فاطمة ألفاً أو يزيدون. وترك لولَده المهدي غرفة من غرف قصره مملوءة برؤوسهم ومع كل رأس رقعة باسمه ونسبه ليقتدي به خليفته من بعده(1) وهدم المتوكِّل قبر أمير المؤمنين وقبر الحسين حتّى لا يهتدي إليهما أحد من الشيعة ويذهب لزيارتهما، ولكنَّ طيب تراب القبر دل على القبر.
فكان معاوية بمحاولته الفاشلة إخفاء فضائل أمير المؤمنين كأنَّه يأخذ بضبعه إلى السماء على حد تعبير الشعبي وعبد الله بن عروة بن الزبير
____________
(1) انظر: تاريخ الطبري، والنزاع والتخاصم للمقريزي.
لولديهما، وكان المتوكِّل بمحاولاته لإخفاء قبر الحسينعليهالسلام أنَّه جعله من الأبراج التي تناطح السحاب وتثير أحقاد الحاكمين من حكام العصور.
ونعود بعد هذه اللمحات القصار عن مواقف العبَّاسيِّين من العلويِّين إلى الحديث عن مرقد الحسين لنعود إلى إعطاء صورة أوسع عن جور العبَّاسيِّين بعد الفراغ من هذا الفصل الذي خصَّصناه للمآتم الحسينية وزيارة مرقده، وما دمنا بصدد الحديث من المآتم الحسينية وزيارة مرقد الحسين نعود لأبي الفرج الأصفهاني لنرى ما فعله المتوكِّل بقبر الحسين ومع زائريه، فقد جاء في مقاتل الطالبيين أنَّ المتوكِّل الهاشمي كان شديد الوطأة على آل أبي طالب غليظاً على جماعتهم وشديد الحقد والغيظ عليهم، وكان وزيره عبيد الله بن يحيى بن خاقان يشاركه في سوء الرأي بهم فحسَّن له القبيح في معاملتهم وبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من بني العبَّاس قبله، وكان من سوء فعله أن كرب قبر الحسين وعفى آثاره ووضع على سائر الطرق المؤدِّية إليه مسالح من جنده لا يجدون أحداً في طريقه لزيارته إلاّ قتلوه أو أنهكوه تعذيباً، ومضى يقول: لقد حدَّثني أحمد بن الجعد الوشا وقد شاهد بنفسه ذلك فقال: كان السبب في حراثة قبر الحسين أنَّ بعض المغنِّيات كانت تبعث بجواريها إلى المتوكِّل قبل خلافته يغنِّين له إذا شرب، فلمَّا تولَّى الخلافة بعث إلى تلك المغنِّية فعرف أنَّها كانت غائبة في زيارة الحسينعليهالسلام ، ولمَّا بلغها خبره أسرعت في الرجوع وبعثت إليه بجارية من جواريها كان يألفها، فقال لها: أين كنتم؟ فقالت: لقد خرجت مولاتي إلى الحج وأخرجتنا معها وكان ذلك في شعبان، فقال: وإلى أين حججتم ونحن في شعبان؟ فقالت: قصدنا قبر ابن عمِّك الحسين بن عليعليهالسلام ، فاستشاط غضباً وأمر بمولاتها فوضعها في سجنه وصادر أملاكها، وبعث برجل من أصحابه يقال له: (الديزج) - وكان يهودياً - إلى مرقد الحسين وأمره بهدمه وأن يكرب محلَّه ولا يترك له أثراً،
كما أمره بهدم كل ما حوله من الأبنية، فمضى لذلك ونفَّذ جميع ما أمره به المتوكِّل؛ فهدم ما حوله من البناء والبيوت التي كان أصحابها يستقبلون الزوَّار فيها وكرب نحواً من مائتين جريب حوله، فلمَّا بلغ إلى القبر لم يتقدَّم لهدمه أحد ممَّن كانوا معه من جنود المتوكِّل وأنصاره، فأحضر قوماً من اليهود فهدموه ثم كربوه وأجروا الماء عليه وعلى ما حوله من الأراضي، وأوكل أمر ملاحقة الزوَّار إلى جنوده وجلاوزته، فكل مَن وجدوه متوجِّها لزيارته اعتقلوه وأرسلوه إليه، وأضاف إلى ذلك الأصفهاني في مقتله أنَّ محمد بن الحسين الأشتاني قال:
لقد بَعُد عهدي بالزيارة في تلك الأيَّام خوفاً من السلطة الحاكمة، ثم عملت على المخاطرة بنفسي فيها - وساعدني رجل من العطَّارين
على ذلك - فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتّى أتينا نواحي الغاضرية وخرجنا منها نصف الليل، فسرنا بين مسلَّحتين حتّى أتينا محلَّ
القبر - وقد خفي علينا - فجعلنا نشمَّه ونتحرَّى جهته حتّى أتيناه وقد قُلع الصندوق الذي كان حواليه وأحرق وأجري الماء عليه فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق، فزرناه ثم انكببنا عليه فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها في جميع أنواع الطيب، فقلت للعطَّار الذي كان معي: أيُّ رائحة هذه؟ فقال: لا والله ما شممت مثلها شيئاً من العطر، فودَّعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدة مواضع، فلمَّا قتل المتوكِّل، اجتمعنا مع جماعة من الطالبيِّين والشيعة حتّى صرنا إلى القبر فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه(1) .
وجاء في الأمالي للشيخ الطوسي عن عبد الله بن دانية الطوري أنَّه قال: حججت سنة 247 فلمَّا انتهيت من أعمال الحج ورجعت إلى العراق
____________
(1) انظر: أبو الفرج، مقاتل الطالبيِّين، ص 395 و396.
زرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على حال خيفة من السلطان، ثم توجهت إلى زيارة الحسينعليهالسلام في كربلاء فإذا مرقده قد حرث وفجِّر فيه الماء وأرسلت الثيران والعوامل في الأرض، فبعيني وبصري رأيت الثيران تساق في الأرض فتنساق لهم حتّى إذا وصلت القبر حادت عنه يميناً وشمالاً، فتضرب بالعصي الضرب الشديد فلا ينفع ذلك ولا تطأ القبر بحال أبداً، فلم أتمكن من الزيارة، فتوجهت إلى بغداد وأنا أقول:
تالله إنْ كانت أميَّة قد أتت |
قتل ابن بنت نبيها مظلوما |
|
فلقد أتاه بنو أبيه بمثله |
هذا لعمرك قبره مهدوما |
|
أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا |
في قتله فتتبَّعوه رميما |
وقيل - كما هو الشائع - أنَّ الأبيات للشاعر البسامي ويجوز أن يكون عبد الله بن دانية قد استشهد بها بعد شيوعها.
وقال الطبري في المجلَّد التاسع وفي أحداث 236 أنَّ عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية التي فيها القبر: مَن وجدناه عند قبر الحسين بعد ثلاثة أيَّام بعثنا به إلى المطبِق، فهرب الناس من حواليه(1) .
وقد أثَّر هذا الإرهاب إلى حدٍّ ما على نشاط تحرُّكات الشيعة نحو زيارة مراقد الأئمةعليهالسلام وبخاصة زيارة الحسين، بعد أن تعاظم أسلوب القمع والإرهاب لبعض الوقت إلى حدٍّ حمل الإمام الثاني عشر محمد بن الحسنعليهالسلام إلى إصدار توجيه عام إلى الشيعة ينهاهم فيه عن زيارة مرقد الإمامين موسى بن جعفر ومحمد الجواد في مقابر قريش وحرم الحسين في كربلاء كما جاء في أعلام الورى وغيبة الطوسي، ولكن أساليب
____________
(1) المطبق: سجن تحت الأرض لا يرى الشمس ولا الهواء غالباً، وقلَّمَا ينجو أحد ممَّن يدخلون إليه، وهو سجن المحكومين بالإعدام.
القمع والإرهاب لم تدم طويلاً وكان لها ردَّة فعل واسعة في الأوساط الشيعية؛ فما أن أحسَّ الشيعة بالانفراج حتّى اخذوا يتوافدون على زيارة مرقد الحسين بكثافة وبصورة أشد تنوُّعاً ممَّا كانت عليه قبل أن يصدر الحاكمون أوامرهم بالمنع والتنكيل بالزائرين.
واعتقد الشيعة أنَّ المرقد الشريف لم يتأثَّر أبداً بالماء وظلَّ على حاله والشيعة يتوافدون عليه في مواسم معدودة من كل عام، وبعد قرن من الزمن كتب ابن حوقل عن المشهد الذي بني فوق ضريح الحسينعليهالسلام ووصفه بأنَّه غرفة واسعة تعلوها قبة لها باب من كل جهاتها الأربع، وفي عهد البويهيين هاجم البلدة المحيطة بضريح الحسينعليهالسلام فريق من الأعراب جاءوا من عين التمر وضربوا المشهد وغيره من الأماكن المجاورة له، فصب عليهم بنو بويه جام غضبهم وعاقبوهم بأقسى ما يكون من العقوبات، وأعاد عضد الدولة بناء المرقد وما تهدم حوله إلى ما كان عليه وبسط عليها الحماية فجعل الناس يتهافتون إلى زيارته من كل مكان.
وفي ربيع الأول من سنة 407 هجرية، 1016 ميلادية، شبَّ حريق في البناء فتهدَّمت القبة التي على المرقد والأروقة واحترقت، وأعاد بنائها الحسين بن الفضل وبنى سوراً حول كربلاء، ومن ذلك الوقت تشابه تاريخ النجف وكربلاء: فاحترمهما الأتراك الذين احتلوا العراق، وزار ملك شاه سنة 479 المشهدين ووزع الصدقات والأموال على أهالي البلدتين، ونجتا من غزو المغول، وتوالت زيارة أمراء الشيعة وحكَّامهم إلى البلدتين ورعايتهما. وخلال القرن السابع زار كربلاء الخان غازي - أحد حكَّام إيران - وحمل معه إلى المرقد الشريف بعض الهدايا الثمينة وشق أرغون من نهر الفرات إلى البلدة قناة أصبحت تعرف فيما بعد بنهر الحسينية، كما حافظ العثمانيون على المشهدين في كربلاء والنجف، وكانت الأوامر تصدر إلى
الولاة في بغداد بالمحافظة عليهما والعناية بهما(1) . وبقي مرقد الحسين ومراقد الأئمةعليهالسلام كعبة تتوافد إليهما الملايين في كل عام من مختلف أنحاء العالم للتبرُّك بهما والعبادة والتوسُّل إلى الله سبحانه بقضاء حوائجهم بالرغم من جميع وسائل الإرهاب والقمع التي استعملها الحاكمون للتنكيل بالوافدين على مراقدهم، وبقي أعداؤهم لعنة على لسان الأجيال ومراقدهم محلَّاً لتجمُّع النفايات في البلاد التي دفنوا فيها.
ومهما كان الحال، فلقد انفرجت الأزمة التي اجتاحت الشيعة بموت المتوكِّل العبَّاسي إلى حدٍّ ما واستيلاء ولده المنتصر على السلطة من بعده، كما نصَّ على ذلك ابن الأثير وغيره من المؤرِّخين؛ فلقد قال في معرض حديثه عن حوادث سنة 248 أنَّ المنتصر أمر بزيارة قبر الحسين وعليعليهالسلام وآمن العلويِّين وأطلق سراحهم وردَّ عليهم فدكاً، وكان أول ما أحدثه أن عزل عن المدينة صالح بن علي الذي كان يتتبعهم بكل أنواع الأذى والظلم والجور وعيَّن مكانه علي بن الحسن بن إسماعيل بن العبَّاس بن محمد، ولمَّا دخل عليه ليودِّعه وهو في طريقه إلى المدينة، قال له: يا علي، إنِّي موجِّهك إلى لحمي ودمي وساعدي فانظر كيف تكون للقوم وكيف تعاملني فيهم.
واستمر الشيعة - أينما حلُّوا - يحتفلون بذكرى الحسين الأليمة ويردِّدون ما جرى عليه وعلى أسرته وعائلته من القتل والسبي والتمثيل وبكل مظاهر التشيُّع في العشرة الأولى من المحرَّم وغيرها من المناسبات؛ سواء في ذلك البلاد التي غلب عليها التشيُّع كالعراق أم غيرها من المقاطعات التي كان
____________
(1) انظر: مُغْنِيَة، الشيخ محمد جواد، الحسين وبطلة كربلاء، ص 135.
الشيعة فيها يشكِّلون الأقلِّيَّة بالنسبة إلى غيرهم كما هو الحال في مصر يوم كانت في سلطة كافور الإخشيدي الذي كان كما يصفه بعض المؤرِّخين شديد التعصُّب على أهل البيت وشيعتهم، ومع ذلك فقد اظهروا فيها من الصلابة والتماسك مع قلَّتهم بالنسبة لغيرهم ما فرض على كافور أن يصانعهم ويتغاضى عمَّا يقومون به في كل عام من مظاهر الحزن والجزع لِمَا أصاب أهل البيتعليهالسلام .
ولم تنفرج الأزمة في مصر انفراجاً كاملاً إلاّ بعد أن تغلَّب عليها الفاطميُّون وحكمها المعز لدين الله الفاطمي، فارتفعت معنويات الشيعة بوجودهم وهيَّأوا لهم جميع الأجواء المناسبة واشتركوا معهم في إحياء تلك الذكرى وبذلوا في سبيلها الأموال بسخاء لا مثيل له، وكان ذلك منهم - كما لا يبعد - ردَّاً على حملات التشكيك في نسبهم التي شنَّها عليهم العبَّاسيُّون وساهم فها كبار علماء السُّنَّة يومذاك.
وقال المقريزي في خططه: كان الفاطميون في يوم عاشوراء ينحرون الإبل والبقر لإطعام الناس ويكثرون النوح والبكاء، ويتظاهرون بكل مظاهر الحزن والأسف، واستمروا على ذلك حتّى انقرضت دولتهم وجاء عهد الأيوبيِّين الذين مثَّلوا أدوار الأمويين والعبَّاسيين مع الشيعة، وأضاف المقريزي إلى ذلك بروايته عن ابن ذولاق في سيرة المعز لدين الله أنَّه في يوم عاشوراء من سنة 363 انصرف خلق من الشيعة إلى قبرَيْ أم كلثوم ونفيسة ومعهم جماعة من فرسان المغاربة ورجالهم بالنياحة والبكاء على الحسين ومَن قُتل معه من أسرته وبنيه وكسروا أواني السقَّائين.
وفي سنة 396 جرى الأمر على ما كان يجري في كل عام من تعطيل الأسواق وخروج المنشدين إلى جامع القاهرة ونزولهم مجتمعين بالنوح والبكاء والنشيد، واستطرد المقريزي في وصف ما كان عليه حال
الفاطميين من قيامهم بمناسبة ذكرى مصرع الحسين بمظاهر الحزن والأسف حكومةً وشعباً، ومضى يقول: إذا كان يوم العاشر، احتجب الخليفة عن الناس لمدة من الوقت، فإذا ارتفع النهار، ركب قاضي القضاة والشهود وغيَّروا زيَّهم ومضوا إلى مشهد الحسين، فإذا دخلوا اخذوا ينشدون الشعر في رثاء أهل البيتعليهالسلام إلى أن تمضي عليهم ثلاث ساعات والنشيد متواصل، وبعدها يستدعيهم الخليفة إلى قصره، فيدخل قاضي القضاة والداعي ومن معهما إلى باب الذهب فيجدون الدهاليز قد فرشت بالحصر، فيجلس القاضي والداعي إلى جانب الخليفة ويجلس الباقون من سائر الطبقات في الأماكن التي أعدَّت لهم، فيقرأ القرَّاء شيئاً من القرآن، ثم ينشدون المراثي ويتقدَّمون بعد ذلك إلى المائدة لتناول الطعام المؤلَّف من الأجبان والألبان و
العسل وغير ذلك، وبعد الفراغ يتوجَّه فريق من الناس والمنشدين ينوحون ويبكون في شوارع القاهرة وقد أغلقت المحلاَّت والحوانيت وتعطَّلت جميع الأعمال في ذلك النهار حتّى المساء، إلى غير ذلك من المظاهر التي كانت تعمُّ المدن والقرى في جميع أنحاء مصر طيلة العهد الفاطمي، وظلَّت هذه المظاهر تتصاعد وتشتد في مصر وغيرها من الأقطار إلى أن جاء دور الأيوبيين فحاربوا هذه المظاهر وتوعَّدوا الناس والشيعة بأقصى العقوبات إذا استمروا عليها، واستبدلوا مظاهر الحزن والأسى بمظاهر الفرح والسرور عند دخول شهر المحرَّم، وأصبح اليوم العاشر منه من أعظم أعيادهم يتباهون فيه بالملابس الفاخرة وأنواع الطعام والحلوى والأواني الجديدة وما إلى ذلك ممَّا يعبِّر عن ارتياحهم واغتباطهم في ذلك اليوم؛ ليرغموا بذلك أنوف الشيعة على حدِّ تعبير المقريزي في خططه.
وفي عهد البويهيين كان الشيعة والحكَّام يمثِّلون دور الفاطميين، وجاء في تاريخ أبي الفداء خلال حديثه عن أحداث 352 أنَّ معزَّ الدولة كان في
اليوم العاشر من المحرَّم يأمر بتعطيل الأسواق، كما يأمر الناس أن يخرجوا بالنياحة والنساء ناشرات الشعور قد شققن ثيابهنَّ ولطمن وجوههنَّ، وأيَّد ذلك ابن كثير في بدايته وهو يتحدَّث عن البويهيين وما كانوا يصنعونه في بغداد في الأيَّام الأولى من شهر المحرَّم والعاشر منه في كل عام، إلى غير ذلك ممَّا رواه الرواة والمؤرِّخون عن مواقف الشيعة وحكَّامهم من ذكرى مجزرة الطفِّ منذ حدوثها خلال القرون التي حكم الشيعة فيها بعض المناطق الإسلامية وغيرها من القرون التي كان الحكم فيها لأعداء الشيعة كالأمويين والعبَّاسيين والأيوبيين والأتراك، وبالرغم من كل وسائل العنف التي مارسها الحاكمون ضد التشيُّع ومظاهره فقد بقيت المآتم الحسينية تقام ولم تتأثَّر بالأخطار ووسائل العنف من الحاكمين وأعداء أهل البيت، الذين أدركوا أنَّ المآتم الحسينية في واقعها ليست إلاّ تعبيراً عن المعارضة لحكمهم الجائر وإدانة صريحة لتجاوزاتهم واستغلالهم لخيرات الشعوب والمستضعفين في الأرض، ولعل هذا المحتوى للمأتم الحسيني كان من أولى الدوافع لدعوة الأئمةعليهالسلام على إحياء هذه الذكرى والالتزام بها مهما كانت النتائج والمضاعفات، كما كان لتلك المآتم التي كانت تعقد هنا وهناك حتّى في أشدِّ الأدوار تعقيداً وقسوة آثاراً واضحة في حدوث تلك الانتفاضات الشيعية التي كانت ترفع شعارات الثورة الحسينية وتجعل منها مناراً وشعاراً لبعث الروح النضالية والتضحية في سبيل الحق والعقيدة إلى أبعد الحدود، وفي الوقت ذاته فلقد كانت تلك الشعارات التي ترفع هنا وهناك - كما يبدو - من أقوى الدوافع على تمكين الثورة الحسينية في عقول الناس وقلوبهم، سواء في ذلك ما كان منها في العصر الأموي أم العبَّاسي، فانتفاضات الحسينيين في العصر العبَّاسي ردَّاً على ما ارتكبه أولئك الطغاة من قتل وتشريد وأسر وتفنن في أساليب التعذيب، هذه الانتفاضات كانت روح كربلاء تحرِّكها وتدفعها إلى المضي
في المقاومة مهما كلَّفها ذلك من التضحيات. وما زالت الانتفاضات التي تحدث على مرور الزمن هنا وهناك تستلهم من ثورة الحسينعليهالسلام التي لم يحدِّث التاريخ عن ثورة أكثر منها عطاءً وتصميماً.
لقد واجهت هذه الذكرى في تاريخها الطويل قمعاً واضطهاداً كانا يضطرانها إلى الخمود والتستُّر، كما شهدت انفراجات محدودة حيناً، وأحياناً انفراجات واسعة، ولكن أعمال القمع والاضطهاد لم تفلح في القضاء التام عليها، بل بقيت تقام في مواعيدها وفي دور من التستُّر حتّى في العصر الأموي، وفي عصري المنصور والمتوكِّل اللذين يعتبران من أشدِّ العهود قسوة وظلماً، وكانت عندما تتوفَّر لها الانفراجات الواسعة تنفجر كالبركان كما حدث لها في عهود الفاطميين والبويهيين في بغداد وجهاتها، والحمدانيين في سوريا والموصل، وعندما أصبح الحكم في بلاد الفرس وغيرها بيد الشيعة؛ لأنَّ أساليب العنف والاضطهاد من الصعب أن تستأصل المبادئ والمعتقدات وحتّى العادات، بل تزيدها ترسيخاً وصلابة، وعندما تتوفَّر لها الظروف والمناسبات تبرز بشكل أقوى وأشدَّ ممَّا كانت عليه وقديماً قيل: لا شيء أجدى وأنفع للأفكار والمعتقدات من محاربتها.
إنَّ الذين يحاربون الأفكار والمعتقدات يساهمون في ترسيخها وإحيائها من حيث لا يريدون، ولا شيء أدلُّ على ذلك من مواقف الأمويين والعبَّاسيين المسعورة، بل وجميع الحاكمين، من أهل البيت وفضائلهم وآثارهم، ومع كل ما بذلوه من جهود للقضاء عليها فقد بقيت من أفضل الرموز الشامخة وأقدسها، وظلُّوا في القمة بين عظماء التاريخ، وظهر من صحيح فضائلهم وآثارهم ما ملأ الخافقين، وما زالت محاسنهم تُحكى وآياتهم تُروى، هذا بالإضافة إلى ما أضافه عليها المحبُّون ممَّا كان أهل البيت أنفسهم يحاربونه ويرونه إساءة لهم ويقولون: (الله بيننا وبين من هتك سترنا وجحدنا حقنا وأفشى سرَّنا ونسبنا إلى غير جدِّنا وقال فينا ما لم نقله في أنفسنا) وكانوا في مجالسهم ومجتمعاتهم يلعنون أصحاب
تلك المقالات ويتبرَّأون منهم ومن مقالاتهم.
لقد كان لتلك المواقف الجائرة التي وقفها الحاكمون من المآتم الحسينية ومن زيارة الحسين وأبيه التي تعني فيما تعنيه الإجانة لأولئك الطواغيت والمعارضة المستترة لسياستهم الجائرة، كان لها ردود فعل في الأوساط الشيعية جعلتهم يتصلَّبون في تمسُّكهم بتلك المآتم ويعتبرونها وسيلة للتنفيس عن عواطفهم الحزينة الغاضبة والكبت النفسي الذي كان الشيعي يعانيه من ضغط الحاكمين وقسوتهم.
ومهما كان الحال، فلقد مرَّت تلك المآتم والذكريات منذ أن ولدت بعد مصرع الحسينعليهالسلام وحتّى عصرنا الحالي بأدوار كثيرة ولم تثبت على صيغة واحدة في تلك العصور المتعاقبة، وكان من الطبيعي أن تتطوَّر حسب متطلَّبات العصر وأن تخمد وتنطلق بين الحين والآخر حسب الظروف المحيطة
بها.
لقد انطلقت بشكل لم يكن معروفاً ومألوفاً من قبل خلال الحكم الشيعي في مصر وبغداد وحلب وجهاتها وفي فترات متعاقبة من الزمن، وعادت إلى ما كانت عليه في العصر الذي سبق عصر الفاطميين، بعد أن تقلَّص ظل حكَّام الشيعة في تلك المقاطعات وظلَّت تقام في مواعيدها في أجواء تتَّسم بالسرية والتكتُّم كما كانت عليه في تلك العصور المظلمة. وفي العصور المتأخرة تطوَّرت بشكل أخرجها عمَّا وجدت من أجله، وعمَّا كان الأئمةعليهالسلام قد رسموه لها لتبقى منطلقاً ورمزاً لمعارضة الحكم المستبد الظالم، وأدخلت عليها بعض الزيادات التي تسيء إليها والى التشيُّع ويستغلُّها أعداء الشيعة للتنديد والتشويه والسخرية، وهذه الزيادات لقد أدخلت عليها كما هو الراجح عن طريق الأقطار الشيعية بعد أن حكمها الشيعة وغلب على أهلها التشيع كإيران وأفغانستان وغيرهما من الأقطار التي تسرَّبت إليها عادات الهنود القدامى كالضرب بالسلاسل الحديدية
والسيوف وما إلى ذلك من المظاهر التي لا يقرُّها الشرع ولا تحقِّق الأهداف التي كان الأئمة يحرصون عليها من تلك الذكريات.
ولا يزال هذا النوع من المظاهر الدخيلة يمارس خلال الأيَّام الأولى من شهر المحرم في العراق وإيران، في حين أنَّ الذين يضربون ظهورهم بالسلاسل الحديدية ورؤوسهم بالسيوف ليصبغوا أبدانهم بالدماء ليسوا من الملتزمين بالدين ويمارسون الكثير من المنكرات، وقد انتقلت هذه الظاهرة الشاذة عن طريق بعض الفئات إلى بعض القرى الشيعية من جنوب لبنان في مطلع النصف الثاني من القرن الهجري المنصرم، ولا تزال حتّى يومنا هذا مصدر لسخرية الأجانب الذين يقصدون تلك البلدة في اليوم العاشر من المحرم ويسمُّونه: يوم جنون الشيعة، وبلا شك أنَّ الأئمةعليهالسلام لا يرضون بهذه المظاهر ويتبرَّأون منها.
أمَّا بقية القرى الشيعية من جنوب لبنان، فلا تزال تحتفظ بذكرى مجزرة كربلاء في العشرة الأولى من شهر المحرم وفي بعض المناسبات الطارئة بين الحين والأخرى، ولكن بالشكل المألوف الذي لا يتعدَّى قراءة أبيات في رثاء الحسين ومَن قُتل معه لبعض شعراء الطف بأسلوب يستثير العواطف وبعض الجوانب المثيرة من السيرة الحسينية التي تلهب المشاعر وتحضُّ على الظالمين، وفي اليوم العاشر يتولَّى أحد الحضور قراءة المصرع بكامله مع الاحتفاظ بمظاهر الحزن في الغالب.
وستبقى تلك المآتم مع الزمن تستمدُّ أصالتها واستمرارها من مواقف الحسين وبطولاته الخالدة التي ضرب فيها أروع الأمثلة في البذل والعطاء، وعلَّم أبناء آدم كيف يعيشون أحراراً ويموتون كراماً في مملكة الجبابرة وفراعنة العصور لو أرادوا أن يعيشوا أحراراً ويموتوا كراماً.
صور من جرائم العبَّاسيِّين على العلويِّين
لقد كان بيت أبي طالب الوحيد من بيوت الهاشميين الذي احتضن محمداً ورسالته، ووقف زعيم ذلك البيت - أبو طالب - في أشدِّ الأزمات التي اعترضت مسيرة الدعوة إلى جانب ابن أخيه، هو وأولاده وزوجته يحمونه من عدوان قريش ومخطَّطاتها الهادفة إلى القضاء عليه وعلى رسالته، وأبو طالب يردِّد ويقول لابن أخيه:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم |
حتّى أوسَّد في التراب دفينا |
ويلتفت إلى ولده جعفر عندما رأى محمداً يصلِّي وعليٌّ عن يمينه، ويقول له: صل جناح ابن عمك يا بني. وذلك في الأيَّام الأولى لبعثته، ثم يقول:
ولقد علمتُ بأنَّ دين محمد |
من خير أديان البريَّة دينا |
إلى كثير من مواقفه وتضحياته في سبيله، التي تؤكِّد بأنَّه كان من أصدق المسلمين إسلاماً ووفاء لرسالة الإسلام وعملاً بكل ما جاء به محمد
من عند الله.
وكانت مصلحة الإسلام تفرض عليه أن لا يتجاهر في بعض الأعمال والواجبات، وما ورد حول إسلامه في مجاميع الحديث السُّنِّيَّة كله من صنع الأمويين كما تؤكِّد ذلك عشرات الشواهد؛ ولا ذنب له إلاّ أنَّه وَلَدَ الإمام أمير المؤمنينعليهالسلام كما ذكرنا ذلك أكثر من مرَّة.
ولم يحدِّث التاريخ عن موقف للعبَّاس ولا لغيره من الهاشميين، باستثناء الحمزة بن عبد المطَّلب في مطلع الدعوة، يتَّسم بالحزم والصلابة في مقابل قريش وتحدِّياتها لمحمد بن عبد اللهصلىاللهعليهوآله وما أنزلته به من الأذى والمطاردة والإساءة، وبعد أن استقامت الأمور للرسول الأعظم وانتشرت رسالته وخضعت لها الجزيرة العربية وانطلقت إلى ما ورائها، لم يرد لغير عبد الله من العبّاس الذي لازم أمير المؤمنين واستفاد من علمه وأصبح بما أخذه عنه من أعلام المسلمين الأوائل وأحد المراجع الكبار فيما أشكل عليهم من المسائل، لم يرد لغيره ذكر من تلك الأسرة يلفت الأنظار إليهم، وكانوا يعتزون بقرابتهم لأمير المؤمنين وأبنائه كاعتزازهم بالنبيصلىاللهعليهوآله ، ولكنَّهم لم يكونوا بنظر الناس شيئاً بالقيام إلى العلويين. وجاء عن المنصور أنَّه كان إذا ركب محمد بن عبد الله بن الحسن يأخذ بركابه ويسوِّي له ثيابه على سرج فرسه ويمشي إلى جانبه إجلالاً وإكباراً له. وحينما توالت الانتفاضات على الأمويين بعد النقمة العارمة عليهم التي خلَّفتها مجزرة كربلاء، وبعد الظلم الفادح الذي لحق بالمسلمين منهم ومن ولاتهم في العراق وغيره من المقاطعات، انضم العبَّاسيون إلى العلويين بعد أن وجدا أن وقوفهم إلى جانب بني عمومتهم ربما يهيِّئ لهم الأجواء التي تفيدهم ولو بعد حين، واتفقوا على محمد بن عبد الله ابن الحسن المثنى؛ وكان ممَّن بايعه إبراهيم والسفَّاح والمنصور الدوانيقي، وكان المنصور أشدَّهم حماساً لبيعته، وعقدوا اجتماعاً دعوا إليه الإمام الصادقعليهالسلام لأخذ رأيه في هذه البيعة، ولمَّا حضر معهم طلبوا منه
أن يبايع لمحمد الذي كان يعرف يومذاك بذي النفس الزكية، فقال لهم الإمامعليهالسلام : (إنَّ هذا الأمر لا يتم إلاّ لهذا) وضرب بيده على كتف السفَّاح، (ثم لهذا) وأشار إلى المنصور والتفت إلى عبد الله بن الحسن وقال له: إنَّ ولَديك إبراهيم ومحمد سيقتلهما المنصور.
وجاء في رواية أبي الفرج الأصفهاني أنَّه قال له: (والله، إنَّ الأمر ليس إليك ولا ابنيك؛ وإنما هو لهذا) وأشار إلى السفَّاح (ثم لهذا) وأشار إلى المنصور (ثم لولده من بعده، ولا يزال فيهم حتّى يؤمِّروا الصبيان ويشاورا النساء).
ومضى الأصفهاني يقول: إن عبد الله بن الحسن المثنى قال للإمام: (والله يا جعفر، ما أطلعك الله على غيبه، وما قلت هذا إلاّ حسداً لابنيَّ!)، فردَّ عليه الإمام بقوله:
(لا والله، ما حسدت ابنك، وإنَّ هذا) وأشار بيده إلى أبي جعفر المنصور (يقتل ابنك على أحجار الزيت، ثم يقتل أخاه إبراهيم بعده بالطفوف، وقوائم فرسه في الماء) وقام مغضباً، فتبعه المنصور وقال له: أتدري ما قلت يا أبا عبد الله؟ قال: (إي والله وإنَّه لكائن).
وكان المنصور يحثُّ الطالبيين على النهوض بالأمر ويحرضِّ العبَّاسيين والعلويين على التماسك في بيعتهم، وهو بذلك يحاول أن يجرهم إلى المعركة ضد الأمويين في الشطر الأخير من خلافتهم التي أوشكت على الانهيار، وكان هو وأسرته وعلى رأسهم السفَّاح وداود بن علي بن عبد الله وصالح بن علي وغيرهم من العبَّاسيين يعملون في الخفاء لصالح العبَّاسيين، ويتظاهرون بالعمل لصالح العلويين؛ لعلمهم بأنَّ الناس لا ينقادون إلاّ للعلويين ولا يعملون الا لحسابهم.
ويؤيِّد ذلك ما رواء المؤرِّخين عن المدائني عن سحيم بن حفص أنَّ نفراً من بني هاشم قد اجتمعوا بالأبواء في ضواحي مكَّة فيهم إبراهيم؛
الملقَّب بالإمام؛ بن علي بن عبد الله والسفَّاح والمنصور وصالح بن علي وعبد الله بن الحسن وأبناء إبراهيم ومحمد وأخو عبد الله بن الحسن لأمِّه محمد بن عبد الله بن عمر بن عثمان، فقال لهم صالح بن علي: إنَّكم القوم الذين تمتد أعين الناس إليهم وقد جمعكم الله في هذا الموضع، فاجتمعوا على بيعة أحدكم وتفرقوا في الآفاق وادعوا الناس؛ لعلَّ الله أن يفتح عليكم وينصركم. ثم وقف المنصور وقال: لأيِّ شيء تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أصور أعناقاً ولا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى، وأشار إلى محمد بن عبد الله بن الحسين، فبايعه الجميع بما في ذلك السفَّاح والمنصور، ثم تفرقوا ولم يجتمعوا إلى أن جاء دور مروان بن محمد أخر حكَّام الأمويين الملقَّب بالحمار(1) وفي عهده اجتمعوا، فبينما هم يتشاورون إذ جاء رجل إلى إبراهيم بن علي بن عبد الله، فشاوره بشيء، ثم قام، وتبعه العبَّاسيون فسألوا عن ذلك، فإذا الرجل قد قال لإبراهيم: قد أخذت لك البيعة بخراسان، فلمَّا علم بذلك عبد الله بن الحسن احتشم إبراهيم وخافه وتوقَّاه، وكان الأمويون يعرفون نوايا العبَّاسيين ويراقبون تصرُّفاتهم أكثر من العلويِّين في تلك الفترة، وعندما قيل لمروان بن محمد: إنَّ عبد الله بن الحسن يدعو لولديه محمد وإبراهيم، قال: لستُ أخاف أهل هذا البيت؛ لأنَّه لا حظَّ لهم في الملك إنَّما الحظُّ لبني عمِّهم العبَّاسيين(2) .
ومهما كان الحال، فلقد استغلَّ بنو العبَّاس النقمة العامة على الأمويين ومعارضة الشيعة لحكمهم، وتعلُّق الناس بالعلويين والعمل لصالحهم، فمضوا مع تلك التيارات المعادية لبني أمية يندِّدون بما ارتكبوه مع
____________
(1) إنَّما لقِّب بذلك لصبره وتحمُّله في تلك الظروف التي كانت من أحرج ما مرَّ على الأمويين وعلى غيرهم من الدول.
(2) انظر: المقاتل ص 176 وما بعدها.
العلويين ويتباكون على الحسين وأسرته ويردِّدون ما جرى عليهم في كربلاء والشام من يزيد وابن زياد، وأظهروا في خراسان وغيرها من المناطق التي دخلها دعاتهم أنَّهم يعملون بدافع الثأر لأبناء فاطمة واختيار الصالح من أبنائها لقيادة الأمة.
بهذه الأقنعة والأساليب كان أحفاد العبَّاس بن عبد المطَّلب يتقنَّعون، ومن خلالها كانوا يعملون ويتحرَّكون بعد أن أدركوا أنْ ليس باستطاعتهم أن يحقِّقوا شيئاً من أمانيهم وأحلامهم إلاّ على حساب العلويين من أبناء فاطمة، وبالفعل فقد استجابت لهم الجماهير الإسلامية وبخاصة الشيعية منها، وقاوموا وانتصروا في معاركهم مع أنصار الأمويين في خراسان التي كانت من أعظم معاقل الأمويين بقيادة نصر بن سيّار.
لقد ارتفع شأن العبَّاسيين على حساب العلويين وعلى أكتاف شيعتهم، ثم تنكَّروا لهم وعاملوهم بكل أنواع العسف والجور والقتل والتشريد حتّى انسوهم جور الأمويين وجرائمهم وأصبحوا يتمنُّون أيَّامهم بكل مرارة وألم أن تعود.
لقد كان أحفاد العبَّاس بن عبد المطَّلب يتباكون على الحسين وأسرته ويردِّدون تلك المأساة في مجالسهم ومجتمعاتهم؛ ليخدعوا بذلك شيعة الحسين وأبيه الذين ذاقوا الأمرَّين من جور الأمويين، كما كان يتباكى عليهم الزبيريون حيث وجدوا يومذاك أنْ لا سبيل إلى استقطاب المسلمين إلاّ بذلك، فلمَّا أتيح لهم أن يحكموا، كانوا أشدَّ على العلويين من يزيد وأبيه.
لقد مرَّت ظروف وأحداث على العلويين بلغت أقصى حدود الشدَّة والقوَّة في عهد معاوية وولده وغيرهما من الأمويين لم يشترك فيها أحد من أبناء العبَّاس وأحفاده إلى جانب أبناء عمومتهم، ففي معركة الإمام الحسن مع معاوية كان عبيد الله بن العبَّاس الذي ولاّه الإمام قيادة
الجيش في طليعة الخونة الذين انحازوا إلى جانب معاوية لقاء مبلغ من المال كما فعل غيره من قادة العراق، ولمَّا جاء دور الحسين وأصبح مستهدفاً ليزيد بن معاوية وفرضت عليه أحداث يزيد وأبيه من قبله معركة الطفِّ التي ضحَّى فيها من أجل الإسلام والإنسان بنفسه وأهله وأطفاله، لم يشترك فيها أحد من العبَّاسيين، لا من شيوخهم ولا من شبابهم، وقامت المعركة بسواعد الطالبيِّين. كما لم يشتركوا في معركة زيد بن علي ولا في غيرها من معارك الموالين لأهل البيت مع أعدائهم التي كانت تحرِّكها روح كربلاء وتمدَّها بالصبر والتضحية إلى أبعد الحدود.
وحينما وجدوا أنَّ مصلحتهم تلتقي مع التباكي على الحسين والعلويين وقفوا إلى جانب العلويين وشيعتهم وتظاهروا بالدعوة إليهم، وحينما وصلوا إلى الحكم لم يختلفوا عن الأمويين في شيء، لا في الظلم والقسوة ولا في الفسق والفجور ولا في الاستهتار والزندقة، وقديماً قيل: إنَّ الغاية تبرِّر
الواسطة، فقطع الرؤوس وهدم الدور على الأحياء وزجِّ البرياء والصلحاء في السجون، كل ذلك سهل ومألوف لدى أصحاب المطامع والأهواء ما دام يوفِّر الحكم والتسلُّط على عباد الله. لقد أرسل إبراهيم الملقَّب بالإمام إلى أبي مسلم الخراساني بأن يستعمل السيف ولا يرحم صغيراً أو كبيراً، وكان فيما كتبه إليه - كما جاء في رواية المقريزي من كتاب النزاع والتخاصم -: وإن استطعت أن لا تدع في خراسان مَن يتكلَّم بالعربية فافعل، وأيُّما غلام بلغ خمسة أشبار تتَّهمه فاقتله، واقتل جميع مَن شككت فيه، كل ذلك منه كان في خراسان من العرب اللذين كانوا يميلون إلى الأمويين.
لقد أوصى إبراهيم العبَّاسي دُعاته في خراسان ونواحيها بقتل جميع مَن يشكُّون فيه ويتَّهمونه بموالاة الأمويين كما أوصى معاوية عماله في جميع المقاطعات الإسلامية بقتل الشيعة وكتب إليهم كتاباً جاء فيه: انظروا
مَن تتَّهموه بموالاة أهل البيت فنكِّلوا به واهدموا داره. إنَّ معاوية الأموي وإبراهيم الهاشمي لم يأمرا بذلك إلاّ لأنّ مصلحتهما تقتضي ذلك، وحينما تتحكَّم المصالح بالإنسان لم يعد يرى غيرها ويستحلُّ كل شيء في سبيلها.
لقد حكم الفاطميون والبويهيون وغيرهم ممَّن كانوا ينتسبون إلى الشيعة ولم يختلفوا عن غيرهم من الحاكمين إلاّ بطلاء خفيف من التشيُّع وأداء بعض الطقوس الشيعية، وكانوا يمارسون كغيرهم جميع أنواع المنكرات ويستحلُّون كل شيء يتعارض مع مصالحهم، ونظراً لأنَّ الدين وحده هو الذي يسيِّر الإنسان في الطريق الصحيح ويضع حدَّاً لنزواته وشهواته، كانت العصمة أو العدالة في الحاكم من الضرورات التي لا يجوز تجاهلها بحار من الأحوال.
وجاء في المجلَّد الرابع من ابن الأثير أنَّ السفَّاح أرسل محمد بن حول والياً على الموصل، فامتنع أهلها عن طاعته وسألوا السفَّاح أن يولِّي عليهم غيره، فأرسل أخاه يحيى في اثني عشر ألف مقاتل، فخافه أهل الموصل والتزموا منازلهم، فنادى بالأمان، ولمَّا زال من نفوسهم ما يحاذرونه منه، فتك بهم وقتلهم قتلاً ذريعاً وأسرف في القتل حتّى غصَّت الأرجل في الدماء، فلمَّا كان الليل سمع صراخ النساء والأطفال، فأمر جلاّديه بقتل النساء والأطفال وما بقي من الشيوخ، واستمر القتل والتنكيل بالأبرياء والنساء والأطفال ثلاثة أيَّام.
لقد بقي عبد الله الملقَّب بالسفَّاح أربع سنين في الحكم قضاها في تتبُّع فلول الأمويين ومن يُشك في ولائه للبيت العبَّاسي كأبي سلمة الخلال وأصحابه الذين كانوا يحاربون معه من الشيعة إلى جانب أبي مسلم الخراساني لصالح البيت العلوي، واشتهر بهذا اللقب لكثرة من قتله من الأمويين وغيرهم، ولم يكن الحجَّاج بن يوسف مولعاً بالقتل
والتشفِّي من خصومه أكثر من السفَّاح، بل يمكن القول بأنَّه لم يصل إلى مستوى الخليفة الهاشمي من هذه الناحية؛ فلقد نصَّ المؤرِّخون أنَّه استدرج من الأمويين ثمانين رجلاً وأعطاهم الأمان وأمرهم بأن يحضروا لأخذ جوائزهم وعطائهم ويتناولوا معه الطعام، فلمَّا حضروا أمر بقتلهم ثم بسط عليهم فراشاً ووضع الطعام عليه، وجلس هو وأصحابه يأكلون فوقهم وهم يضطربون ويستغيثون إلى أن نزفت دماؤهم وماتوا عن آخرهم، ولمَّا فرغ من تناول الطعام قال: ما أكلت أكلة قطُّ أهنأ ولا أطيب من هذه الأكلة.
ومهما بالغ الأمويون في الجرائم وأسرفوا في قتل الأبرياء والصلحاء - كما هو واقعهم - فالإسلام لا يقرُّ الاقتصاص منهم بهذا النحو، ولو انتهى الحكم بعد الأمويين إلى العلويين لم يبلغ بهم التشفِّي إلى هذه الحدود، ولا أعتقد أنَّهم كانوا يقتلون بريئاً بمجرم ولا ينسون كلمة جدِّهم أمير المؤمنينعليهالسلام الذي عفا من عمرو بن العاص في صِفِّين وعن مروان بن الحكم في البصرة وهما رأس الفتن يومذاك، وسقى معاوية وجنده الماء بعد أن منعه معاوية عن أهل العراق وكادوا يموتون عطشاً، لا ينسون كلمته التي كان يردِّدها: (إذا قدرت على عدوك، فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه) والذي كان يقول: (خُذ على عدوك بالفضل؛ فإنَّه أحلى الظفرين)، وكانوا يسيرون على خطاه إذا كانوا من المعصومين حقَّاً، وإذا لم يكونوا منهم، فلا أعتقد بأنَّهم سيسرفون في إراقة الدماء إسراف غيرهم.
وجاء في تاريخ ابن الأثير أنَّ داود بن علي بن عبد الله لمّا أراد أن يقتل مَن كان في المدينة ومكَّة من الأمويين وأنصارهم، جاءه عبد الله بن الحسن المثني بن الحسن السبطعليهالسلام وقال له: يا بن العم، إذا قتلت هؤلاء فيمَن تباهي بالملك؟ أمَا يكفيك أن يروك غادياً رائحاً فيما يذلُّهم ويسوءهم،
فلم يقبل منه وقتلهم عن آخرهم.
لقد كانت السنوات الأربع التي حكم فيها السفَّاح مرحلة انتقالية بين عهدين؛ عهد مضى وعهد أطلَّ على العالم الإسلامي، استقبله المسلمون بشوق ولهفة - وبخاصة الشيعة الذي قام على أكتافهم وبني بسواعدهم - راجين أن يحقِّق لهم عدالة الإسلام ورحمته وسماحته، ولكنَّ آمالهم قد تبدَّدت وظنونهم قد خابت، فما أن استتبَّت لهم الأمور وقضوا على خصومهم الأساسيين حتّى عادوا إلى سيرتهم وسياستهم، ولكن بشكل أسوأ وأفظع ممَّا كانوا عليه.
صحيح لم يتعرَّض السفَّاح في عهده لأحد من العلويين وشيعتهم، ولكنَّ ذلك لم يكن منه شرفاً ووفاءً لمَن مهَّدوا له الأمور وأجلسوه على كرسي
الحكم، بل لأنَّه كان يتتبَّع فلول الأمويين ويطاردهم من مكان إلى مكان، وخلال تلك المدة - بالإضافة إلى الشطر الأخير من عهد الأمويين حيث كانت الدولة في طريقها إلى الانهيار - وجد الإمامان الباقر والصادقعليهالسلام فرصة مؤاتية لبثِّ علوم أهل البيت ونشرها بين الناس وللوقوف في وجه تلك التيارات الغريبة التي غزت الفكر الإسلامي ومهَّد لها الحاكمون لإلهاء المسلمين بتلك الصراعات العقائدية عن واقعهم المرير.
لقد وقف الأئمة من أهل البيت في وجه تلك التيارات الغريبة التي غزت القلوب والأفكار بحزم وصلابة، وتركوا للعالم صوراً عن العقيدة الإسلامية خالية من كل ما كان يخطِّطه لها الحاقدون من زيف وتحريف بعد الرقابة الشديدة والتهديد بالقتل لمَن كان يروي حديثاً عن علي وبنيه أو ينسب لهم فضلاً أو أثراً كريماً، وكان علماء التابعين إذا أرادوا أن يحدِّثوا عن علي يتحاشون التصريح باسمه فيقولون: روي عن أبي زينب. وجاء عن أبي حنيفة أنَّه كان يقول: لقد كانت العلامة بيننا وبين المشايخ
إذا أردنا أن ننقل عن عليعليهالسلام أن نقول: قال الشيخ؛ حتّى لا نتعرَّض للأذى والمطاردة، وكان من آثار تلك الفترة الانتقالية التي امتدَّت من أواخر العهد الأموي إلى السنين الأولى من عهد المنصور شيوع الحديث والآثار العليَّة التي أغنت المكتبة العربية في مختلف العلوم، وبخاصة ما كان منها في التشريع والفلسفة والأخلاق والتفسير وغير ذلك من أنواع المعرفة. وقد انتشر التشيُّع في تلك الفترة وأحسَّ الناس بالانفراج وراحوا يتحدَّثون عن العلويين وآثارهم في كل بلدٍ ومكان، فدبَّ الخوف في نفس المنصور وأسرته فأخذوا يقرِّبون فقهاء المذاهب ويعملون على انتشار آثارهم، واعتنقوا هم مذاهبهم للحدِّ من انتشار التشيُّع ومذهب أهل البيت، واشتدَّت الحملات المسعورة على العلويين وبدأت الفجوة تتَّسع بين البيتين حتّى بلغت أقصى حدودها.
قال المسعودي في مروجه والمقريزي في كتابه النزاع والتخاصم: إن المنصور جمع أبناء الحسن وأمر بجعل القيود والسلاسل في أرجلهم وأعناقهم وحملهم في محامل مكشوفة للناس وبغير وطاء كما فعل يزيد بن معاوية بأسرى كربلاء، وأودعهم مكاناً تحت الأرض لا يعرفون فيه الليل من النهار ولا أوقات الصلاة، وعزَّ عليهم أن تفوتهم الصلاة حتّى وهم في أشدِّ الأحوال ضيقاً وحرجاً فجزَّأوا القرآن خمسة أجزاء وكانوا يصلُّون عند فراغ كل واحد من حزبه، ويقضون الحاجة الضرورية في مواضعهم، فاشتدت عليهم الروائح الكريهة وتورَّمت أجسامهم وماتوا من الجوع والعطش والمرض.
وجاء في المجلَّد الرابع من ابن الأثير (ص 375) أن المنصور دعا محمد بن عبد الله بن عثمان - وكان شقيقاً لعبد الله بن الحسن من أمِّه - فأمر بشق ثيابه حتّى بانت عورته، وضربه مائة وخمسين سوطاً فأصاب سوط منها وجهه، فقال للجلاد: ويحك، اكفف عن وجهي، فسمعه المنصور فقال
للجلاَّد: الرأس الرأس، فضربه على رأسه ثلاثين سوطاً فأصابت سياطه إحدى عينيه فسالت على وجهه. ومضى ابن الأثير يقول: وأحضر المنصور محمد بن إبراهيم بن الحسن - وكان يعرف بالديباج لجمال صورته - فقال له: إنَّه الديباج الأصغر، لأقتلنَّك قتلة لم أقتلها أحدا. ثم أمر به، فبني عليه أسطوانة وهو حي فمات منها.
ومع كثرة الجرائم التي ارتكبها الأمويون مع العلويين وشيعتهم فلم يحدِّث التاريخ عن أحد منهم أنَّه كان يعذَّب ويقتل بهذا النحو، ونظراً لأنَّهم كانوا يتفنَّون في جرائمهم بشكل لم يسبقهم إليه أحد، قال بعض الشعراء:
والله ما فعلت أمية فيهم |
معشار ما فعلت بنو العبَّاس |
وطلب الدوانيقي القاسم بن إبراهيم طباطبا ففر منه إلى بلاد السند، فأرسل في طلبه وهو يفرُّ من بلد إلى بلد على قدميه حافياً والدم يسيل منهما، فقال:
عسى جابر العظيم الكسير بلطفه |
سيرتاح للعظم الكسير فيجبر |
|
عسى الله لا تيأس من الله إنَّه |
ييسِّر منه ما يعزُّ ويعسر |
وقد ذكرنا سابقاً بعض جرائمه خلال حديثنا عن زيارة الشيعة لقبر الحسين وقبور الأئمة والأولياء، وكان هو يتباهى بجرائمه ويقول: لقد قتلت من ذرِّيَّة فاطمة ألفاً أو يزيدون، هذا بالإضافة إلى عشرات الألوف الذين أبادهم وشرَّدهم في الآفاق، وكان يتفنَّن في أساليب القتل والتعذيب بنحو لم يعرف عمَّن سبقه من الحاكمين كما تتفنَّن الدول الكبرى في عصرنا الحالي باختراع وسائل الخراب والدمار والتسلُّط على عباد الله والشعوب الضعيفة، وكما تتفنن دول البترول بوسائل اللهو والطرب والفساد ومعاشرة الشقراوات اللواتي يتهافتن عليهم من كل أنحاء أوربا. وكان [حال] المنصور مع تلك
الجرائم - مع قرابته القريبة من رسول
المحبَّة والعفو والرحمة - كما [هو الحال] مع دول البترول؛ تتباهى بعروبتها وإسلامها وتستعمل جميع إمكانيَّاتها لمساعدة حكم العراق في حربهم لمَن يسمُّونهم بالمجوس، في حين أن إسرائيل جاثمة على رؤوسهم وقلوبهم تعلن عن أطماعها في بلادهم وخيراتها.
وبعد أن استعرض المقريزي جرائم المنصور وما ارتكبه مع العلويين وغيرهم قال: فأين هذا الجور والفساد من عدل الشريعة المحمدية وسيرة أئمة الهدى؟ وأين هذه القسوة الشنيعة مع القرابة القريبة من النبوة؟ وتالله ما هذا من الدين في شيء، بل هو من باب قول الله سبحانه:( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) .
هذا كله بالإضافة إلى ما كان يصنعه المنصور مع الإمام الصادق من التهديد والوعيد بين الحين والأخر، ولكنَّ الله سبحانه أنجاه من شرِّه ومن وعيده وتهديده، وهلك المنصور وذهب في متاهات الفناء مع الجبابرة والطغاة وبقي جعفر الصادق مع الخالدين من ذوي الرسالات إلى قيام يوم الدين.
وكان المنصور مع كل ذلك يقرِّب إليه العلماء والوعاظ ليستر بذلك جرائمه، وجاء في المجلَّد الأوَّل من عقد الفريد: أنَّ المنصور كان يجلس ويجلس إلى جانبه واعظاً، ثم تأتي الجلاوزة في أيديهم السيوف يضربون أعناق الناس، فإذا جرت الدماء حتّى تصل إلى ثيابه، يلتفت إلى الواعظ ويقول:
عظني، فإذا ذكَّره الواعظ بالله، أطرق المنصور كالمنكسر، ثم يعود الجلاوزة إلى ضرب الأعناق، فإذا ما أصابت الدماء ثياب المنصور ثانياً، قال لواعظه: عظني
إنَّ المنصور وغيره من الحاكمين حينما يقرِّبون رجل الدين والوعاظ إنَّما يفعلون ذلك لإلهاء الناس عن جورهم وظلمهم واستخفافهم بأوامر الله ونواهيه وحقوق عباده، لقد كان المنصور يقول: ألقينا الحَب إلى العلماء
فالتقَطوه إلاّ ما كان من سفيان الثوري، فإنَّه أعيانا فراراً. وكلمة (ألقينا الحَب) تكاد تكون صريحة في أنَّه كان باتصاله بهم كالصيَّاد الذي يلقي الحَب للطيور لتقع في شباكه.
لقد هلك المنصور مع الهالكين ولم يترك أحداً ممَّن بقي حيَّاً من العلويين إلاّ وهو خائف مشرَّد من جور ظلمه، وترك غرفة من غرف قصره مملوءة من رؤوس العلويين لولده المهدي ليسير من بعده على خطاه مع العلويين. وبالفعل لقد مارس المهدي سياسة أبيه فيمَن استطاع أن يقبض عليه ممَّن بقي مع الأحياء منهم، وكانوا قد تفرَّقوا في البلدان خائفين متسترين، وظفر بعلي بن العبَّاس بن الحسن المثنى بن الحسن السبطعليهالسلام فأخذه ووضعه في
سجنه، وأخيراً دسَّ إليه السمَّ فتفسَّخ لحمه وتفشَّت أعضاؤه. واشتدَّ طلبه لعيسى بن زيد بن علي بن الحسينعليهالسلام - وكان كما يصفه المؤرِّخون من أفضل الطالبيين ديناً وعلماً وورعاً وزهداً وأشدِّهم بصيرة في أمره ومذهبه على حد تعبير الأصفهاني في مقاتله - ففرَّ من طريقه إلى الكوفة واختبأ في بعض دور الشيعة واتفق مع صاحب جمل لينقل عليه الماء لقاء أجر زهيد يسدُّ فيه رمقه، وتزوَّج من امرأة فقيرة لا تعرف عن أصله ونسبه شيئاً وأولدها بنتاً بلغت سنَّ الزواج وماتت وهي لا تعرف عن أبيها شيئاً، وظلَّ عيسى في الكوفة بزيِّ الأعراب متنكِّراً يكتم نسبه عن جميع الناس، وكان إذا لم يجد عملاً يعتاش منه، يلتقط ما يرمي به الناس من الخبز وقشور الفواكه والخضار ليتقوَّت به هو وعائلته.
لقد عاش عيسى بن زيد ما بقي من حياته مشرَّداً ينفر من الناس كما ينفر من الوحوش الضواري، ولم يعلم أحد من العلويين بمكانه سوى أخيه الحسين بن زيد ودل َّعليه ولَده يحيى، فذهب إلى الكوفة متخفِّياً يفتِّش عنه حتّى انتهى إليه واجتمع به لفترة قصيرة كانت أخر عهده به.
لقد عاش ابن رسول الله وابن عمِّ الخليفة مشرَّداً متنكِّراً ينفر من الإنس كما ينفر من الوحوش الضواري لا لشيء إلاّ لأنَّه كان عالماً عاملاً بما أمر الله ويطالب بالحق والعدل، وعاش المخنَّثون والعاهرات وأهل الفسق والجور في دعة وأمان يوفر لهم الخليفة وأعوانه جميع الملذَّات ويغدق عليهم الأموال بلا حساب، ومضى المهدي العبَّاس وهو يتتبَّع فلول العلويين ليتشفَّى بقتلهم والتنكيل بهم وترك الحكم لولده موسى الملقَّب بالهادي، وكان كما يصفه المؤرِّخون قاسي القلب شرس الأخلاق يتلذَّذ بالتنكيل بأبناء عمومته العلويين وغيرهم من الصلحاء والبرياء، وفي عهده كان على المدينة رجل من ولد عمر بن الخطَّاب يتحامل على الطالبيين ويسومهم صنوف الألوان من العذاب، ويفرض عليهم الإقامة الجبرية في المدينة على أن يثبِّتوا وجودهم لدى السلطة الحاكمة بين الحين والأخر، ويلصق بهم التهم المشينة كالخمر والفجور ونحو ذلك ليبرِّر إساءته إليهم، وفي عهده كانت معركة فخ التي قُتل فيها أكثر من مائة وخمسين علوياً بقيادة الحسين بن علي بن الحسن كما أشرنا إلى ذلك في الفصول السابقة. والحسين - قائد المعركة في فخ - أمُّه زينب بنت عبدالله بن الحسن بن الحسن ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد قَتَل المنصور أباها وإخوتها وعمومتها وزوجها علي بن الحسن، وقَتَل حفيد المنصور ابنها الحسين، وكانت تلبس المسوح على جسدها لا تلبس بينها وبينه شيئاً حتّى لحقت بالله باكية نادبة.
وما أشبهها بالعقيلة الكبرى زينب ابنة عليعليهالسلام ؛ فلقد اشترك معاوية في قتل أبيها وقَتَل أخاها الحسن بالسم، وقَتَل ولده يزيدُ بن ميسون أخاها الحسين وولداها عوناً ومحمداً وأخيها العباس وخمسة عشر شاباً من أولاد إخوتها وبني عمومتها وظلَّت تندبهم حتّى ماتت كمداً وحزناً، وقد
لاقت تلك ما لاقته من أعداء رسالة جدِّها الأمويين وهذه لاقت ما لاقته من أبناء عمومتها الذين قامت دولتهم على حساب العلويين، ورحم الله القائل:
فانظر إلى حظِّ هذا الاسم كيف لقي |
من الأواخر ما لاقى من الأُوَل |
وهلك موسى الهادي بعد مضي خمسة عشر شهراً من حكمه ليترك الحكم لأخيه هارون الرشيد الذي مثَّل أدوار جدِّه المنصور مع العلويين وشيعتهم وأدوار الأمويين في الفسق والفجور والملاهي ونثر الملايين من الدنانير تحت أقدام الراقصات والمغنِّيات العاهرات، ومع أنَّه كان من أسوأ حكَّام تلك الأسرة الظالمة، فقد شاع عنه أنَّه كان من أعظم ملوك العالم شأناً وأسماهم مكانة، وتحدَّث المؤرِّخون والناس عن شهرته وأدواره في تشجيع العلوم والآداب وإدارة شؤون الملك وبناء المساجد والقناطر والمستشفيات وما إلى ذلك من المشاريع العمرانية والاقتصادية التي تشبه الأساطير، وألبسته تلك الأساطير ثوباً فضفاضاً من العظمة والجلالة تركته في الأذهان من أعاظم ملوك العالم وأقواهم، في حين أنَّه كان كغيره من السلاطين منصرفاً إلى الملذَّات والشهوات والجواري والتنكيل بالعلويين وكل مَن ينكر عليه جوراً وظلماً وفساداً في الأرض، وفي الوقت ذاته كان محظوظاً وموفَّقاً بتلك الأسرة الكريمة البرامكة التي كانت تدير شؤون الدولة وتعمل ليل نهار لبنائها وإدارة شؤون البلاد، وكانت مقدرة تلك الأسرة ونزاهتها ونزعة التشيُّع التي ظهرت عليها هي السبب لإنزال تلك النكبة بها واستئصالها، ولا صحة لِمَا يرويه المؤرِّخون عن قصة أخته العبِّاسية وزواجها المشروط من جعفر البرمكي وحملها منه الذي أغضب الرشيد، بل هو من الأساطير المفتعلة لتغطية تلك الجريمة
وتبرير ما أنزله فيهم من الظلم والتنكيل، ولعل نزعة التشيُّع التي ظهرت في بعض تصرفاتهم ومواقفهم من بعض العلويين كان لها الدور الأكبر في القضاء عليهم واستئصالهم.
ومهما كان الحال فلقد جاء في (ثمرات الأوراق) و(الأغاني) أنَّ الرشيد كان منصرفاً إلى الملذَّات والشهوات وأنَّه أول خليفة لعب بالصولجان والشطرنج والنرد، وكان من ذلك مصمماً على القضاء على العلويين واستئصالهم على حد تعبير المؤلف.
ستُّون شهيداً
لقد جاء في كتاب عيون أخبار الرضا / ص 109 أنَّ حميد بن قحطبة الطائي الطوسي قال: طلبني الرشيد في بعض الليالي وقال لي فيما قال: خذ هذا السيف وامتثل ما يأمرك به الخادم، فجاء بي الخادم إلى دار مغلقة، ففتحها وإذ فيها ثلاثة بيوت وبئر، ففَتَح البيت الأول وأخرج منه عشرين نفساً عليهم الشعور والذوائب وفيهم الشيوخ والكهول والشبان وهم في السلاسل والأغلال وقال لي: يقول لك أمير المؤمنين اقتل هؤلاء وكلُّهم من ولد علي وفاطمة بنت محمدصلىاللهعليهوآله ، فقتلتهم الواحد بعد الواحد والخادم يرمي رؤوسهم وأجسامهم في البئر، ثم فتح البيت الثاني وإذا فيه أيضاً عشرون من نسل علي وفاطمة وكان مصيرهم كمصير مَن تقدَّمهم، ثم فتح البيت الثالث وإذا فيه عشرون من أبناء علي وفاطمة فألحقتهم بمَن سبقهم، وبقي منهم شيخ فقال: تباً لك يا ميشوم، أي عذر لك يوم القيامة عند جدِّنا رسول الله، فارتعشت يدي وارتعدت مفاصلي، فنظر إليَّ الخادم مغضباً وهدَّدني، فقتلتُ الشيخ ورمى به في البئر كما
فعل بأصحابه.
وجاء في مقاتل الطالبيين عن إبراهيم بن رياح أنَّ الرشيد حين ظفر بيحيى بن عبدالله بن الحسن بنى عليه أسطوانة وهو حي كما كان يفعل جدُّه المنصور معهم، وأضاف إلى ذلك مؤلِّف أخبار عيون الرضا: أنَّ المنصور لمَّا بني الأبنية ببغداد جعل يطلب العلويين طلباً شديداً، ويضع مَن ظفر به منهم في الاسطوانات المجوَّفة المبنية من الجص والآجر، فظفر ذات يوم بغلام منهم حسن الوجه أسود الشعر من ولْد الحسن بن عليعليهالسلام ، فسلَّمه إلى الباني وأمره أن يجعله في جوف اسطوانة ويبني عليه ووكل مَن يراقبه في ذلك، وحين أراد الباني أن يدخله حيَّاً إلى الاسطوانة أخذته الرقة
والشفقة، فأدخله الاسطوانة وترك فيها فرجة صغيرة يدخل منها الهواء، وقال للغلام: لا بأس عليك، فاَجر فإنِّي سأخرجك في جوف الليل، وفي الليل جاءه وأخرجه وقال له: اتَّقي الله في دمي وغيِّب وجهك فإنِّي قد أخرجتك خوفاً من أن يكون جدُّك خصمي يوم القيامة، فقال له الغلام: سأفعل، ولكن أريد منك أن تذهب إلى أمي وتخبرها بأنِّي قد نجوت، فذهب الباني إلى الموضع الذي وضع له فسمع فيه البكاء والنحيب، فدخله وأخبرها بنجاة ابنها.
وطلب الرشيد يحيى بن عبدالله بن الحسن وكان قد فرَّ منه إلى الديلم واجتمع عليه الناس، وأخيراً استسلم إلى الرشيد بعد أن أعطاه الأمان والعهود بأن لا يمسَّه بسوء، ولكنَّه لم يفِ بعهوده ولا بمواثيقه وقتله بفتوى بعض الشيوخ الذين أفتوه بأن عهوده لا يجب الوفاء بها، وحبس محمد بن يحيى بن عبدالله وقتله في حبسه كما ضرب الحسين بن إسماعيل بن عبدالله بن جعفر ضرباً مبرحاً حتّى مات، ودخل عليه أحد العلويين من نسل الحسينعليهالسلام فقذف هارون أمَّه، فردَّ عليه العلوي بالمثل، فأمر جلاّديه بقتله ن فضربوه بعمود من حديد فمات لأول ضربة، وأخيراً لم يستطع أن يرى الإمام موسى بن جعفر طليقاً يتابع رسالته والشيعة
يزدحمون على بابه، فأرسل جلاوزته إليه وهو إلى جانب قبر جدِّه رسول الله، فأخرجوه ووضعوا سلاسل الحديد في يديه ورجليه وأرسلوه إلى البصرة وكان عليها عيسى بن جعفر بن المنصور، فوضعه في سجنه سنة كاملة، فانصرف إلى العبادة، فكتب عيسى بن جعفر إلى الرشيد: إنِّي قد اجتهدت أن آخذ عليه حجة فما قدرت على ذلك، وما وجدته خلال هذه المدة إلاّ صائماً مصلِّياً، فإن لم تستلمه خلَّيت سبيله، فاستدعاه الرشيد ووضعه في سجون بغداد، وأخيراً دسَّ إليه السمَّ القاتل بواسطة السندي بن شاهك، إلى غير ذلك من الجرائم التي ارتكبها مع العلويين هو وغيره ممَّن حَكَم بعده من العبَّاسيين، وقد عرضتُ بعض الجوانب من سيرتهم مع العلويين أحياء وأمواتاً بنحو لم يسبقهم إليه الأمويون من قبل خلال حديثنا عن المآتم الحسينية في الفصل السابق، ويجد المتتبع لتاريخ الحاكمين في تلك العصور عشرات الشواهد على أنَّ العبَّاسيين كانوا أشدَّ على أبناء عمومتهم العلويين من الأمويين وغيرهم من الحاكمين؛ لأنَّهم لم يستطيعوا بسط هيبتهم إلاّ بنسيان العفو واستعمال العقوبة كما قال المنصور لابن عمِّه عبد الصمد بن علي بن عبدالله.
ومن مجموع ذلك يتبيَّن أنَّ الإنسان مهما بلغ من المرتبة والعظمة - إذا لم يكن معصوماً - مسيَّر لمصالحه وأهوائه، والمصالح وحدها هي التي تكيِّفه وتخلق منه بعد وجودها إنساناً أخر؛ ويتحوَّل من حقيقته قبل الحكم وغيره من المصالح إلى حقيقة أخرى بعد أن يصبح حاكماً.
لقد انحدر الأمويون والهاشميون من أب واحد وأم واحدة، ولمَّا شبَّ وترعرع هاشم ونبغ من بين إخوته وبخاصة أمية صاحب الطموح: استحكم الصراع والعداء بينه وبين هاشم على الزعامة، ومضى يتصاعد مع الزمن واتساع شهرة هاشم إلى أن أصبح العداء أصيلاً بين الحيَّين، وبعد أن ظهر محمد بن عبداللهصلىاللهعليهوآله برسالته ودعوته اتسع العداء بين الحيَّين واكتسب أبعاداً جديدة؛ لأنَّ الإسلام يقضي على جميع امتيازات الحزبين
القرشي والأموي، وبلا شك لو أنَّ قريشاً وجدت أنَّ الإسلام لا يتعارض مع مصالحها لم تقف منه ذلك الموقف، ولو أنَّ علياًعليهالسلام صاحب الحق الشرعي في الخلافة وقف من المهاجرين الذين استولوا على الخلافة بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله موقفاً أشدَّ صرامة واستمرَّ عليه، لوقفوا منه نفس الموقف الذي وقفه الحزب الأموي منه ومن ولديه الحسن والحسين وشيعتهم، ولكنَّه كان مسيَّراً لمصلحة الإسلام، وقد وجد أنَّ مصلحة الإسلام تفرض عليه أن يهادن ويسالم ويقف إلى جانبهم لإرساء قواعده وانتشاره، وما كان من الأمويين معه ومع ولديه وشيعتهم لم يكن من أجل العداء المستحكم بين الحيَّين، بل من أجل الملك والحكم الذي يغيِّر حقيقة الإنسان قريباً كان أو بعيداً، وبلا شك فإنَّ البيت العبَّاسي كان على وفاق تام مع البيت العلوي وكان يحسُّ بأحاسيسهم ويتلوَّى لِمَا أصابهم من الأمويين والزبيريين، وحينما تجسَّدت له الآمال بالوصول إلى السلطة والحكم وانهارت دولة الأمويين وتمَّت البيعة للسفَّاح تصوَّروا أن خطر أبناء عمومتهم على ملكهم من أشدِّ الأخطار، ومن أجل ذلك تتبَّعوهم بالقتل والتشريد، وقتل منهم المنصور وحده ألفاً ويزيدون، ولو كان الحسين بن علي موجوداً في عهدهم، لقتلوه وأصحابه ونساءه وأطفاله ومثَّلوا بهم كما كانوا يصنعون مع الأمويين، ولو حكم العلويون من أبناء الحسن والحسين، فلا أستبعد أن يصنعوا مع مَن يخافون منهم على حكمهم ما كان يصنعه معهم أبناء عمومتهم؛ لأنَّ المصالح - وبخاصة ما كان منها من نوع الحكم والزعامة - هي التي تكيِّف الإنسان، علويا كان أو أموياً، وتجعل منه إنساناً أخر ما لم يكن معصوماً أو حائزاً على مرتبة عالية من العدالة تجعله قادراً على التحكُّم بميوله وأهوائه، وحتّى أنَّ الزعيم الديني لا يبقى على ما كان عليه قبل الزعامة ويصبح وكأنَّه إنسان أخر بالقياس إلى ما كان عليه قبل زعامته. ومن أجل أنَّ الإنسان حينما يصل إلى الحكم والسلطة يصبح إنساناً أخر مسيَّراً لمصالحه كانت العصمة أو المرتبة العليا
من العدالة من الضرورات الأوَّليَّة التي لا بدَّ منها في الحاكم.
وسلام الله على الإمام الصادق الذي قال: (والله، ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها، أحدهما في أوَّلها والآخر في آخرها، بأفسد فيها من حب المال والشرف في دين المسلم).
وصدق مَن قال:
والظلم من شيم النفوس فإنْ تجد |
ذا عفَّة فلعلَّةٍ لا يظلم |
مصادر الكتاب
تاريخ الطبري
تاريخ ابن الأثير
مروج الذهب المسعودي
تاريخ الخميس الديار بكري
مقاتل الطالبيين أبو الفرج الأصفهاني
زينب الكبرى الشيخ رجب القطيفي
عيون أخبار الرضا محمد بن علي ابن بابويه
الشيعة والحاكمون الشيخ محمد جواد مُغْنِيَة
أهل البيت توفيق أبو علم
ثورة الحسين الشيخ محمد مهدي شمس الدين
بطلة كربلاء بنت الشاطئ
تاريخ ابن كثير
تاريخ أبي الفداء
زينب بنت علي عبد العزيز سيِّد الأهل
كتاب إبراهيم باشا لأحد المستشرقين
العراق في ظل العهد الأموي الخرطبولي
مقتل الحسين السيِّد عبد الرزَّاق المقرِّم
تاريخ اليعقوبي
النزاع والتخاصم والخطط المقريزي
الكنى والألقاب الشيخ عبَّاس القُمِّي
الفهرس
من وحي الثورة الحسينيَّة5
المقدِّمة7
موقف الحسين عليهالسلام من معاوية وتحرُّكاته11
لماذا حارب الحسين يزيداً ولم يحارب معاوية؟17
موقف الحسين من بيعة يزيد بن ميسون 22
سَنة إحدى وستِّين 28
بين هجرة الرسول وهجرة الحسين 31
ما أروع يومك يا أبا الشهداء43
بطولات الشَّباب في كربلاء54
بطلة كربلاء زينب بنت علي عليهالسلام 63
(ولئن جرَّت عليَّ الدواهي مخاطبتك، إنِّي لاستصغر قدرك)71
ما بعد مجزرة كربلاء76
لمحات عن حياة العقيلة قبل معركة كربلاء84
زواجها من عبدالله بن جعفر89
لمحات عن إسلام جعفر الطيَّار وهجرته ووفاته94
افتراءات الأمويِّين على عبدالله بن جعفر105
لمحات عن المصائب التي اعترضت حياة زينب منذ طفولتها108
مرقد العقيلة زينب بنت عليّ عليهالسلام 114
مع الوهَّابيِّين بمناسبة الحديث عن مرقد العقيلة116
أين مرقدها إذن؟138
المآتم الحسينية ومواقف الأئمَّة منها150
صور من جرائم العبَّاسيِّين على العلويِّين 176
ستُّون شهيداً192
مصادر الكتاب 197