بسم الله الرحمن الرحيم
( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ * إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
القرآن الكريم
الإهداء
إليك يا مفجّر العلم والإيمان في الأرض.
إليك يا رائد النور والوعي ومحرّر الإنسانية.
إليك يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
إلى مقامك العظيم أرفع هذا البحث المتواضع عن حياة ريحانتك وولدك الثاني الإمام الحسين (عليه السّلام) الذي غذّيته من كمال النبوة ، ووهبته حبّك وإخلاصك ، وقلّدته وسامك المشرق بقولك : «حسين منّي وأنا من حسين». فكان المجدّد لدينك ، والمنقذ لاُمّتك ، فاستشهد في سبيل أهدافك ومبادئك ، فلا أحد أولى به منك ، فتقبّل هذه البضاعة المزجّاة ، وامنحني الرضى والقبول ، وحسبي ذلك ذخراً يوم ألقى الله.
بين يديك يا اُنشودة الأحرار |
تمثّلت يومك يوم الطفوف ، وأنت ترفع الضحايا من أهل بيتك وأصحابك قرابين خالصة لوجه الله ؛ إيماناً منك بأن الإسلام لا يمكن أن ينتصر في كفاحه ضد قوى البغي والإلحاد إلاّ بالتضحية الفذّة التي لا يقوى على أدائها سواك.
لقد استطعت أيها الفاتح العظيم أن تُملي إرادتك على صفحات هذا الكون ، وتعالج المشاكل الرهيبة التي مُني بها عصرك بالحلول المطلوبة ، لكن ذلك قام بدمك القاني المعطّر بشذى الرسالة ووحي السماء ؛ فدمّرت اُولئك الأقزام من حكّام بني أميّة الذين اغتالوا الإصلاح الاجتماعي ، ودفعوا الناس إلى السراب السياسي ، وتاجروا بمقوّمات الاُمّة ومقدّراتها ، وقذفوا بها في متاهات سحيقة لا حدّ لها من الانحطاط والجهل والتأخّر ، حتّى توارت فكرة النور التي أوقد سناها الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وحلّت محلّها الوثنية القرشية ، فعقد لها في كل جامع ومنتدى من بلاد المسلمين صنم يقذف بشواظٍ من نار ؛ لإذابة هدي العقيدة ، وتدمير المثُل العليا ، وتجريد الاُمّة من عناصرها الخلاّقة وأفكارها الأصيلة ، حتّى توارت بوارق النهضة الفكرية والاجتماعية ، وكادت تنطوي رسالة الإسلام بقِيَمها ومثُلها ومكوّناتها.
وانبعث صوتك ـ أيّها الفاتح العظيم ـ فاستوعب صداه جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وهو ينادي بفجرٍ جديد ويومٍ جديد ، ليستأنف فيه الإنسان المسلم رسالته ، ويبدأ تأريخه ، ويبني كرامته ، ويعدل سلوكه ، وينفض عنه غبار الذلّ ، وعار العبودية ، وينطلق في ميادين التحرّر ؛ ليساهم في بناء الحضارة ويدخل موكب التاريخ.
لقد تحدّى أبو الأحرار بثورته الكبرى الطبيعة البشرية التي هي أسيرة الغرائز والعواطف ، فقد تحرّر منها ، ولم يعُد لها أيّ حُكم أو سلطان عليه ، وقد مكّنته قواه الروحية ـ في ذاتيّة مذهلة ـ أن يشقّ طريقه الخالد ليحقّق المعجز ، ويقول كلمة الله بإيمانٍ لا حدّ لأبعاده.
إنّه الإيمان الذي هيمن على جميع مناحي تفكيره ومقوّمات ذاتيّاته ، فهوّن عليه أهوال تلك الكوارث التي تذوب منها القلوب ، ويقف الفكر أمامها هائماً وهو حسير فقد رأى أصحابه الذين هم من أصدق وأنبل وأوفى مَن عرفهم التاريخ الإنساني ، يتسابقون إلى الموت بين يديه. رأى الكواكب من أهل بيته وأبنائه ، وهم في غضارة العمر وريعان الشباب ، تتناهب أشلاءهم السيوف والرماح.
رأى حرم الرسالة ومخدّرات النبوّة تعجّ من ألَم الرزايا ، وتستغيث به من أليم العطش والظمأ القاتل ، وهو لا يجد سبيلاً لإنقاذهن ، فوقف السّبط أمام هذه الخطوب التي تذهل كل كائن حي ، فقال كلمته الخالدة التي نمت عن
عمق الإيمان وروعة التصميم : «هوّن ما نزل بي أنّه بعين الله».
أجل ، بعين الله رزاياك ، وفي سبيل الإسلام ما عانيته من أهوال تلك الكوارث والخطوب.
سيّدي أبا الأحرار ، لقد عوّضك الله عمّا قاسيته من ضروب المحن وصنوف البلاء أنواع الكرامة ، فمنحك في الدار الآخرة الفردوس الأعلى ، وأنزلك به منزلاً كريماً تتبوّأ به حيثما شئت ، وجعلك سيّد شباب أهل الجنّة ، والشفيع المطاع.
وأمّا في هذه الدار الفانية فقد جعل ذِكرك فيها ندياً خالداً ، والدنيا بأسرها خاضعة لك ، فأنت حديث الدهر مهما تطاولت لَياليه أيّاماً وصرن لَيالياً. وأمّا خصومك فقد تمزّقوا كل ممزّق ، ودفنهم التاريخ في مجاهل سحيقة من الخزي والعار ولعنة الناس.
لقد بقيت أنت وحدك ملء فم الدنيا ورهن الخلود ، وأُنشودة الأحرار في كل جيل ، وعَلماً يهتدي بك المصلحون في تحقيق ما ينفع الناس.
المقدّمة
ـ 1 ـ
الإمام الحسين (عليه السّلام) من أبرز مَن خلّدتهم الإنسانية في جميع مراحل تاريخها. ومن أروع مَن ظهر على صفحات التاريخ من العظماء والمصلحين الذين ساهموا في بناء الفكر الإنساني ، وتكوين الحضارة الاجتماعية ، وبلورة القضايا المصيرية لجميع شعوب الأرض.
إنّ الإمام أبا الأحرار من ألمع القادة المصلحين الذين حقّقوا المعجز على مسرح الحياة ، وقادوا المسيرة الإنسانية نحو أهدافها وآمالها ، ودفعوا بها إلى إيجاد مجتمع متوازن تتحقّق فيه الفرص المتكافئة التي ينعم فيها الناس على اختلاف قوميّاتهم وأديانهم.
لقد كان الإمام من أكثر المصلحين جهاداً وبذلاً وتضحية ، فقد انطلق إلى ساحات الجهاد مع كوكبة من أهل بيته وأصحابه مضحّياً بنفسه وبهم ؛ ليُقيم في ربوع هذا الشرق حُكم القرآن وعدالة السماء الهادفة إلى تقويض الظلم ، وتدمير الجور وإزالة الاستبداد ، وإقامة حُكم عادل يجِد فيه الإنسان أمنه وكرامته ورخاءه حسب ما تقتضيه عدالة الله في الأرض ؛ ومن ثمّ كانت حياة الإمام في جميع العصور والأجيال رمزاً للعدل ، ورمزاً لجميع القِيَم الإنسانية.
إنّ أغلب حياة المصلحين الذين وهبوا حياتهم لاُممهم وشعوبهم ، تبقى مشعّة تعطى ثمارها ونِتاجها للناس ، ولكن في فترة خاصّة ومحدودة من الزمن ، لم تلبث أن تتلاشى كما يتلاشى الضوء في الفضاء.
أمّا حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) فقد شقّت أجواء التاريخ وهي تحمل النور والهدى لجميع الناس ، كما تحمل شارات الموت والدمار للمخرّبين والظالمين في جميع الأجيال.
لقد تفاعلت حياة الإمام الحسين مع أرواح الناس وامتزجت بعواطفهم ومشاعرهم ، وهي نَديّة عاطرة تتدفّق بالعزّة والكرامة ، وتدفع المجتمع إلى ساحات النضال لتحقيق أهدافه وتقرير مصيره.
إنّها مدرسة الأجيال الكبرى التي تفيض بالخير والعطاء على الناس جميعاً متّفقين ومختلفين ، فهي تغذّيهم بالوفاء والصبر ، وتدفعهم إلى الايمان بالله ، وتعمل على توجيههم الوجهة الصالحة ، المتّسمة بالكرامة وحسن السلوك ، كما تعمل على تهذيب الضمائر ، وتكوين العواطف وتنمية الوعي.
فهي أجدر بالبقاء من كل كائن حي ، بل أحقّ بالخلود من هذا الكوكب الذي يعيش فيه الإنسان ؛ لأنّها إطار لأسمى معاني الكرامة الإنسانية.
إنّ حياة ريحانة الرسول ومثُله ستبقى حيّة وخالدة إلى الأبد ؛ لأنّها استهدفت القضايا المصيرية لجميع الشعوب ، فإنّ الإمام لم ينشد في ثورته الخالدة أي مطمع سياسي أو نفع مادي ، وإنّما استهدف المصلحة الاجتماعية ، وعنى بأمر الناس جميعاً ؛ ليوفّر لهم العدل السياسي والعدل الاجتماعي ، وقد أعلن (سلام الله عليه) أهدافه المشرقة بقوله : «إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، ولا ظالماً ولا مفسداً ، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».
من أجل هذه المبادئ العليا خُلّدت قصّة الحسين واستوعبت جميع لغات الأرض ، وأخذ الناس يقيمون لها الذكرى مقتبسين منها الايمان بالله ، ومقتبسين منها العِبَر والعظات التي تنفعهم في جميع ميادين حياتهم إنّها
من دون شكّ ستظلّ تساير الركب الإنساني وهي ترفع شعار العدل ، وشعار الحق ، وشعار الكرامة ، وتضئ الطريق وتوضّح القصد أمام كل مصلح يعمل من أجل صالح الإنسان.
ـ 2 ـ
وليس في تاريخ الإسلام مَن هو أكثر عائدة ولطفاً وفضلاً على الإسلام من الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فهو المنقذ والمجدّد لهذا الدين العظيم الذي أجهزت عليه السياسة الاُمويّة ، وتركته جريحاً على مفترق الطرق تتحدّاه عوامل الانحلال والانهيار من الداخل والخارج ، ولم يعُد أيّ مفهوم من مفاهيمه الحيّة ماثلاً في واقع الحياة العامّة للمسلمين. قد جمدت طاقاته وأخمد نوره وانتُهكت سُننه ، ولم يبقَ منه سوى شبح خافت وظِل متهافت ؛ قد أعلنت السلطة في منتدياتها العامّة والخاصّة أنّه لا دين ولا إسلام ولا وحي ولا كتاب.
يقول يزيد بن معاوية :
لعبت هاشمُ بالمُلكِ فلا |
خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ |
ويقول الوليد بن يزيد :
تلعّب بالخلافةِ هاشميٌ |
بلا وحيٍ أتاه ولا كتابُ(1) |
وإذا استعرضنا ما أُثِرَ عنهم في هذا المجال فلا نجد إلاّ الكفر والإلحاد والمروق من الدين ، وقلّما نجِد منهم مَن يؤمن بالله واليوم الآخر أو يرجو وقاراً للإسلام. إنّه ـ من دون شكّ ـ لم يدخل أي بصيص من نور الإسلام في قلوبهم ومشاعرهم ، وإنّما ظلّت نفوسهم مترعة بروح الجاهلية ونزعاتها ، لم تتغيّر فيهم أيّ ظاهرة من ظواهر الكفر بعد إرغامهم
__________________
(1) مروج الذهب 3 / 149
على الإسلام ، فكانوا يحملون الحقد والعداء للرسول (صلّى الله عليه وآله) ، ويكفرون بجميع ما جاء به من هدى ورحمة للناس.
رأى الإمام السّبط الغزو الجاهلي الذي اجتاح العالم الإسلامي ، وما مُنيت به العقيدة الإسلامية من أخطار هائلة ، تنذر بالردّة الرجعية والانقلاب الشامل ، وتخلّي المسلمين عن عقيدتهم ودينهم ؛ فإنّ السلطة الاُمويّة كانت جاهدة في مسيرتها ، وجادّة في سياستها على استئصال جذور هذا الدين وإزالة ركائزه وقواعده ، وقد تحذّر المسلمون بشكل فظيع نتيجة أوبئة الخوف المفزعة التي انتشرت فيهم ، وما طعمتهم به السياسة الاُمويّة من روح الخيانة والغدر ، فلا صوت يصدع بالإصلاح ، ولا طبل يدقّ للحرب ، ولا وازع ولا رادع ولا زاجر لِما كانت تصنعه الطغمة الحاكمة من المخططات الرهيبة ، الهادفة إلى استعباد المسلمين وإرغامهم على ما يكرهون.
رأى الإمام أنّه المسؤول الوحيد أمام الله ، وأمام أجيال الاُمّة إن وقف موقفاً سلبيّاً تجاه هذه الأوضاع المنكرة ، ولم يغيّر ولم يبدّل ولم يفجّر ثورته الحمراء التي تعصف بالاستبداد وتهدم صروح الظلم والطغيان ، وتقود الجماهير إلى ميادين الحقّ والعدل.
وقد أدلى الإمام (عليه السّلام) بذلك في خطابه الرائع الذي ألقاه على الحر وأصحابه من شرطة ابن زياد قائلاً : «أيّها الناس ، إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : مَن رأى سلطاناً جائراً ؛ مستحلاً لحرم الله ، ناكثاً عهده ، مخالفاً لسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله. ألا إنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان ، وتولّوا عن طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله»(1) .
__________________
(1) تاريخ الطبري
إنّ هذه العوامل الخطيرة هي التي حفّزت الإمام على الثورة ، والخروج على النظام القائم الذي استباح كل ما خالف كتاب الله وسنّة نبيّه.
لقد أمعنت السلطة الاُمويّة في اضطهاد الناس وإرهاقهم ، واعتبرت القطّاعات الشعبيّة بستاناً لها تتحكّم في مصائرها ومقدّراتها ، وتستنزف ثرواتها فتنفقها على ما يثير الشهوات ويفسد الأخلاق ؛ من أجل ذلك ثار الإمام لينقذ الاُمّة ، ويعيد لها كرامتها وأصالتها.
ـ 3 ـ
وأهمّ فترة في تاريخ الإسلام السياسي هي الفترة التي عاشها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فقد حفلت بأحداث رهيبة تغيّرت بها مجرى الحياة الإسلامية ، وامتحن المسلمون بها امتحاناً عسيراً ، واُرهقوا إرهاقاً شديداً ، قد أخلت لهم الفتن والمصاعب ، وجرت لهم الخطوب والكوارث وألقتهم في شرٍّ عظيم ، ومن أفجع تلك الأحداث وأخلدها كارثة كربلاء التي هي أخطر كارثة في التاريخ الإنساني ، وهي لا تزال قائمة في قلوب المسلمين وعواطفهم تثير في نفوسهم الحزن واللوعة.
ولم تكن هذه الحادثة الخطيرة وليدة المصادفة أو المفاجأة وإنّما جاءت نتيجة حتميّة لتلك الأحداث المفزعة التي أخمدت الوعي الإسلامي ، وأماتت الشعور بالمسؤولية وجعلت المسلمين أشباحاً مبهمة ، وأعصاباً رخوة خالية من الحياة والإحساس. قد سادت فيهم روح التخاذل والانهزامية ، ولم تعُد فيهم أيّ روح من روح الإسلام وهَديه ، وأوضح شاهد على ذلك : أنّ ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وريحانته يُقتل في وضح النهار ، ويرفع رأسه على أطراف الرماح ويُطاف به في الأقطار والأمصار ، ومعه عائلة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سبايا قد هُتكت ستورهن وأُبديت
وجوههن يتصفّحها القريب والبعيد ، فلم يثِر ذلك حفيظة المسلمين ، فيهبّوا إلى الانتفاضة على حُكم يزيد للثأر لابن بنت نبيّهم ، ورحم الله دعبل الخزاعي إذ يقول :
رأسُ ابنِ بنتِ محمّدٍ ووصيهِ |
يا للرجالِ على قناةِ يُرفعُ |
|
والمسلمون بمنظرٍ وبمسمعٍ |
لا جازعٌ من ذا ولا متخشّعُ(1) |
إنّ كارثة كربلاء لم تأتِ إلاّ بعد تخذير الاُمّة وتغيير سلوكها ، وإصابتها بكثير من الأوبئة الأخلاقية والسلوكية ، الناشئة من عدم تقريرها لمصيرها في أدقّ الفترات الحاسمة من تاريخها أمثال : مؤتمر السقيفة والشورى وصفّين.
وعلى أيّ حال ، فإنّ الأحداث التاريخية التي عاشها الإمام الحسين (عليه السّلام) يجب أن تخضع للدراسة العلمية المتّسمة بالعمق والتحليل ، والتجرّد من العواطف وسائر التقاليد المذهبية التي أوجبت خفاء الحق ، وتضليل الرأي العام في كثير من مناحي حياته العقائدية ؛ فإنّ التاريخ الإسلامي لم يُدرس دراسة موضوعية وشاملة ، وإنّما عرض له أكثر البحّاث بصورة تقليدية ، وهي لا تجدي المجتمع ولا تفيده ، كما لا تلقي الأضواء على واقع تلك الأحداث التي جرّت للمجتمع كثيراً من الخطوب والمشاكل ، وأوقفت مسيرته نحو التطوّر حسب ما يريده الإسلام.
إنّ الذي لا مجال للشكّ فيه هو أنّ لتلك الأحداث كثيراً من المنعطفات التاريخية الخطيرة التي تعمّد بعض المؤرّخين على إهمالها ، وعدم الكشف عنها ، كما أنّ التاريخ قد خلط بكثير من الموضوعات التي تعمّد بعض الرواة إلى افتعالها ؛ تدعيماً لسياسة السلطات الحاكمة في تلك العصور.
__________________
(1) ديوان دعبل بن علي الخزاعي / 107.
وهي مما توجب على الباحث التعمّق والتدقيق فيها ؛ حتّى يخلص إلى الحقّ مهما استطاع إليه سبيلاً.
ونحن لا نجد بُدّاً من عرض بعض تلك الأحداث وتحليلها ؛ لأنها من وسائل الكشف عن حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، كما أنّها في نفس الوقت من وسائل الوقوف على الحياة الفكرية والاجتماعية في ذلك العصر ، الذي تعدّ دراسة شؤونه من البحوث المنهجية التي تكشف عن أبعاد الشخصية وتحليلها حسب الدراسات الحديثة.
إنّي أعتقد أنّه لا يمكننا أن نلمّ إلماماً واضحاً بقصة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وما جرى فيها من الأحداث المفزعة من دون أن نكون قد درسنا الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في ذلك العصر ؛ فإنّ لها تأثيراً إيجابياً مباشراً في حدوث هذه النكبة.
إنّ التاريخ الإسلامي في حاجة لأن يتحرّر من التقديس ، ويكون كغيره من البحوث خاضعاً للنقد والتحليل ، والشكّ والرفض ، كما تخضع المادة لتجارب العلماء ؛ حتّى يستقيم ويزدهر ، ويؤتي ثمراً ممتعاً.
إنّ السلطات السياسية في تلك العصور أخذت على المؤرّخين أن يضعوا التاريخ تحت تصرّفهم فلا يكتبون إلاّ ما فيه تأييد للسلطة السياسية ، وبذلك فقد حفل التاريخ بكثير من الموضوعات التي تكلّف أصحابها على وضعها وجعلها جزءاً من تاريخ الإسلام ، وقد شوّهت واقعه ، وحادت بكثير من بحوثه عن الواقع.
إنّ الأقلام التي تناولت كتابة التاريخ الإسلامي في عصوره الاُولى لم تكن نزيهة ولا بريئة على الإطلاق ، فكانت تخيّم عليها النزعة المذهبية أو التزلّف إلى السلطة الحاكمة ، فلا بدّ إذاً أن يخضع لمجاهر الفحص وأضواء الدراسة والنقد.
ـ 4 ـ
لا أحسب أنّ هناك خدمة للاُمّة أو عائدة عليها بخير تضارع نشر فضائل أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) ، وإذاعة سيرتهم ومآثرهم ؛ فإنّها تفيض بالخير والهدى على الناس جميعاً ففيها الدروس الحيّة ، والعظات البالغة التي تبعث على الاستقامة والتوازن في السلوك ، وهي من أثمن ما يملكه المسلمون من طاقات نديّة حافلة بالقِيَم الكريمة والمثُل العليا ، التي هي السِّر في أصالة هذا الدين وخلوده.
وحياة الإمام الحسين (عليه السّلام) من أروع حياة الأئمة الطاهرين ؛ فقد تخطّت حدود الزمان والمكان ، وتمثّلت فيها العبقرية الإنسانية التي تثير في نفس كل إنسان أسمى صور الإكبار والتقدير. فقد تجسّد في سيرته ومقتله أروع موضوع في تاريخ الإسلام كلّه ؛ فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم من القِيَم الإنسانية مثل ما ظهر من الإمام على صعيد كربلاء.
فقد ظهر منه من الصمود والإيمان بالله ، والرضى بقضائه والتسليم لأمره ما لم يشاهده الناس في جميع مراحل تاريخهم ، وكان هذا الإيمان الذي لا حدّ له هو الطابع الخاص الذي امتاز به أهل بيته وأصحابه على بقيّة الشهداء ؛ فقد أخلصوا في دفاعهم لله ، وأخلصوا في نضالهم للحق ، ولم يكونوا مدفوعين بأيّ دافع مادّي.
فالعباس (عليه السّلام) الذي كان من أقرب الناس للإمام الحسين وألصقهم به لم يندفع بتضحيته الفذّة بدافع الأخوّة والرَحم ، وإنّما أقدم على ذلك بدافع الإيمان ، والذبّ عن الإسلام ، وقد أعلن (سلام الله عليه) ذلك فيما أثر عنه من رجز ، ظلّ يهتف به وينشده شعاراً له في تلك المعركة الرهيبة ، بعد أن يرى القوم يمينه قائلاً :
واللهِ إن قطعتمُ يميني |
إنّي اُحامي أبداً عن ديني |
|
وعن إمامٍ صادقِ اليقيني |
نجلِ النبيِّ الطاهرِ الأمينِ |
ومعنى ذلك ـ بوضوح ـ أنّ تضحيته لم تكن مشفوعة بأيّ دافع من دوافع الحبّ أو العاطفة ، أو غيرها من الاعتبارات التي يؤول أمرها إلى التراب ، وإنّما كانت من أجل الذبّ عن دين الله ، والدفاع عن إمام من أئمة المسلمين فرض الله طاعته وولاءه على جميع المسلمين.
وكثير من أمثال هذه الصور الرائعة الخالدة في التاريخ الإنساني ظهرت من الإمام الحسين (عليه السّلام) وأهل بيته وأصحابه ، وهي بحقٍّ من أثمن الدروس عن الإيمان والوفاء والتضحية في سبيل الله ، وأنّ أيّة بادرة من بوادر يوم الطفِّ لتَرفع الحسين وأهل بيته وأصحابه على جميع شهداء الحق والعدل في العالم.
لقد رفع الإمام الحسين (عليه السّلام) راية الإسلام عاليةً خفّاقة ، وحرّر إرادة الاُمّة العربية والإسلامية ، فقد كانت قبل واقعة كربلاء جثّة هامدة لا حراك فيها ولا وعي ، قد كبّلت بقيود الحكم الاُموي ، ووضعت الحواجز والسدود في طريق حريتها وكرامتها ، فحطّم الإمام بثورته تلك القيود ، وحرّرها من جميع السلبيّات التي كانت مُلمّة بها ، وقلب مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت سائدة فيها إلى مبادئ الثورة والنضال.
لقد عملت نهضة الإمام على تكوين الحسّ الاجتماعي ، وخلق الشخصية الاجتماعية ، فقد انطلقت الاُمّة كالمارد الجبار ـ بعد تخديرها ـ وهي تنادي بحقوقها ، وتعمل جاهدة على إسقاط الحكم الاُموي الذي جهد على إذلالها واستعبادها ، وهي تقدّم القرابين تلو القرابين في ثورات متلاحقة حتّى أطاحت بذلك الحكم ، واكتسحت مشاعر زهوه وطغيانه وجبروته.
لقد كانت ثورة أبي الأحرار (عليه السّلام) من أعظم الثورات التحرّرية
في الأرض ، فقد حملت مشعل النور والفكر في الأرض ، وسجّلت شرفاً للإسلام وشرفاً للإنسانية ، وأعطت الدروس المشرقة عن العقيدة التي لا تضعف ، والإيمان الذي لا يقهر ، وستظل مصدر عزّ وفخر وشرف للمسلمين في جميع أجيالهم.
ـ 5 ـ
ومن أغلى أمانيي ـ يعلم الله ـ أن أحظى بالبحث عن سيّد الشهداء (عليه السّلام) ، وأكون من المساهمين في هذا الميدان المشرق ، وكانت هذه الفكرة تراودني في كثير من الأوقات ، وكان أخي في الله المحسن الكبير الحاج محمد رشاد عجينة (حفظه الله) يدفعني إلى ذلك ويحثّني عليه بإصرار ؛ راجياً بذلك التقرّب إلى الله.
وإنّي أقول للتاريخ : إنّ هذا المحسن من أندر مَن عرفتهم في ولائه وتفانيه في حبّ أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ فهو يتحرّى كل خدمة لهم ، وقد قام بخدمات مشكورة في هذا المجال كان منها : قيامه بالإنفاق على كتابنا حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) بجميع طبعاته ، وقيامه بطبع كتابنا حياة الإمام موسى بن جعفر (عليه السّلام) ، أجزل الله له المزيد من الأجر ووفّقه لكل مسعى نبيل.
وقد رغب سيادته أن تكون نفقات طبع هذا الكتاب من المبرّات التي أوصى بها المغفور له والده الحاج محمد جواد عجينة (رحمه الله) ؛ آملاً منه تعالى أن يتولى جزاءه بالخير والإحسان ، ويثيبه على ذلك. كما أنّ من الحقّ عليّ أن أشكر بكل تقدير ما قام به سماحة الحجّة المجاهد السّيد محمد كلانتر (حفظه الله) من التشجيع لي في تأليف هذا المجهود ؛ شاكراً له ألطافه ، وأخصّ بالشكر سماحة الحجّة الأخ الزكي الشيخ هادي القرشي على ما أبداه من لطف في مراجعة بعض المصادر التي تخصّ البحث.
وإنّي في ختام هذا التقديم أعلن بكل ثقة وإيمان : أنّي لا أجد عملاً جديراً برضاء الله ، وجديراً ببلوغ مغفرته ورضوانه سوى التعلّق بسيّد الشهداء (عليه السّلام) ؛ فقذفت نفسي بسفينته التي وسعت الكثيرين من المقصّرين أمثالي ، وإنّي تمسّكت بأهداب ولائه ، فأنا به ألوذ ، وبحبل ولائه أتمسّك يوم ألقى ربّي.
الّلهم لا تخيّب سعيي ، ولا تقطع رجائي ، ولا تضيّع أملي ، إنّك ولي ذلك والقادر عليه.
لنجف الأشرف 3 رجب 1394 هـ 21 تموز 1974 م |
المؤلّف |
غرس الرسالة
ألا بورك هذا الغرس الذي امتدّ على هامة الزمن وعياً وإشراقاً ، وهو يضيء للناس حياتهم الفكرية والاجتماعية ، ويهديهم إلى سواء السبيل.
إنّه الغرس الطيّب من سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) التي طهّرها الله بفضله ، وجعلها تهدي من ضَلال ، وتجمع من فرقة إنّها فاطمة الزهراء التي تحمل قبساً من روح أبيها وفيضاً من نوره ، وأشعّة من هَديه ، فكانت موضع عنايته واهتمامه ، وقد أحاطها بهالة من الإكبار والتقدير ؛ ففرض ولاءها على المسلمين ؛ ليكون ذلك جزءاً من عقيدتهم ودينهم ، وقد أذاع فضلها وعظيم مكانتها في الإسلام ؛ لتكون قدوة لنساء اُمّته ، لقد أشاد (صلّى الله عليه وآله) بقِيَمها ومثُلها في منتدياته العامّة والخاصّة ، وعلى منبره ليحفظه المسلمون ، فقد قال فيما أجمع عليه رواة الإسلام :
1 ـ «إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(1) .
2 ـ «إنّما فاطمة بضعة منّي ، يؤذيني ما يؤذيها ، وينصبني ما أنصبها»(2) .
__________________
(1) مستدرك الصحيحين 3 / 153 ، تهذيب التهذيب 12 / 441 ، كنز العمال 7 / 111 ، أسد الغابة 5 / 522 ، ميزان الاعتدال 2 / 72 ، ذخائر العقبى / 39.
(2) صحيح الترمذي 2 / 319 ، مسند أحمد بن حنبل 4 / 5 ، وفي صحيح الترمذي ، قال (صلّى الله عليه وآله) : «فإنّما ابنتي ـ يعني فاطمة ـ بضعة منّي ، يريبني ما رابها ، ويؤذيني ما آذاها». وفي كنز العمال 6 / 219 ، قال (صلّى الله عليه وآله) : «إنّما فاطمة شجنة منّي ، يبسطني ما يبسطها ، ويغضبني ما يغضبها».
3 ـ «فاطمة سيّدة نساء العالمين»(1) .
إلى غير ذلك من الأخبار التي تحدّثت عن معالم شخصية الزهراء (عليها السّلام) ، وأنّها قدوة الإسلام ، والمثَل الأعلى لنساء هذه الاُمّة التي تضيء لهنّ الطريق في حسن السلوك والعفّة وإنجاب أجيال مهذّبة فما أعظم بركتها وأكثر عائدتها على الإسلام ، ويكفي في عظيم شأنها أنه سمّيت على اسمها الدولة الفاطمية العظيمة ، كما أنّ الجامع الأزهر اشتقّ من اسمها(2) . بل يكفي في عظمة الدولة الفاطمية أن تبرّكت باسم الزهراء.
وعلى أيّ حال فإنّ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) استشفّ من وراء الغيب أنّ بضعته الطاهرة هي التي تتفرّع منها الثمرة الطيّبة من أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) خلفاء الرسول ، ودعاة الحق في الأرض ، الذين يتحمّلون أعباء رسالة الإسلام ، ويعانون في سبيل الإصلاح الاجتماعي كل جهد وضيق ؛ فلذا أولاها النبي اهتمامه ، وجعل ذرّيتها موضع رعايته وعنايته.
إنّه ثمرة علي رائد الحقّ والعدالة في الأرض ، أخو النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وباب مدينة علمه ، ومَن كان منه بمنزلة هارون من موسى ، وأوّل مَن آمن بالله وصدق رسوله ، والقائد الأعلى في مركز القيادة الإسلامية بعد الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله) ، تحمّل أعباء الجهاد المقدس منذ فجر الدعوة
__________________
(1) أسد الغابة 5 / 522 ، وفي مسند أحمد بن حنبل 6 / 112 ، قال : «فاطمة سيّدة نساء هذه الاُمّة أو نساء المؤمنين». وفي صحيح البخاري في كتاب بدء الخلق : «أمَا ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة أو نساء المؤمنين».
(2) نساء لهن في تاريخ الإسلام نصيب / 84.
الإسلامية ، فخاض الأهوال ، والتَحَم التحاماً رهيباً مع قوى الشرك والإلحاد ، حتّى قام هذا الدين وهو عبل الذراع بجهاده وجهوده ، قد حَباه الله بكل مكرمة وخصّه بكل فضيلة ، وأنّه أبو الأئمة الطاهرين الذين فجّروا ينابيع الحكمة والنور في الأرض.
وأفرعت دوحة النبوّة وشجرة الإمامة الذرّية الطاهرة التي تشكّل الامتداد الرسالي بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فكان الوليد الأوّل أبا محمد الزكي ، وقد امتلأت نفس النبي (صلّى الله عليه وآله) سروراً به ، فأخذ يتعاهده ، ويغذّيه بمثُله ومكرمات نفسه التي طبق شذاها العالم بأسره(1) .
ولم تمضِ إلاّ أيّام يسيرة ـ حدّدها بعض المؤرّخين باثنين وخمسين يوماً(2) ـ حتّى علقت سيّدة النساء بحمل جديد ، ظلّ يتطلّع إليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وسائر المسلمين بفارغ الصبر ، وكلهم رجاء وأمل في أن يشفع الله ذلك الكوكب بكوكب آخر ليضيئا في سماء الاُمّة الإسلامية ، ويكونا امتداداً لحياة المنقذ العظيم.
ورأت السّيدة اُمّ الفضل بنت الحارث(3) في منامها رؤيا غريبة
__________________
(1) ذكرنا عرضاً مفصّلاً لولادة الإمام الزكي أبي محمد (عليه السّلام) في كتابنا حياة الإمام الحسن 1 / 49 ـ 56.
(2) المعارف ـ لابن قتيبة / 158.
(3) اُمّ الفضل : هي لبابة الكبرى زوج العباس بن عبد المطلب
لم تهتدِ إلى تأويلها ، فهرعت إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قائلة له :
إنّي رأيت حلماً منكراً ؛ كأنّ قطعة من جسدك قُطعت ووضعت في حجري!
فأزاح النبي (صلّى الله عليه وآله) مخاوفها ، وبشّرها بخير قائلاً :
«خيراً رأيتِ ؛ تَلد فاطمة إن شاء الله غلاماً فيكون في حجرك» ومضت الأيّام سريعة فوضعت سيّدة النساء فاطمة ولدها الحسين ، فكان في حجر اُمّ الفضل كما أخبر النبي (ص)(1) .
وظلّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) يترقّب بزوغ نجم الوليد الجديد ، الذي تزدهر به حياة بضعته التي هي أعزّ الباقين والباقيات عنده من أبنائه وبناته.
__________________
وهي أوّل امرأة أسلمت بمكة بعد السيّدة خديجة بنت خويلد ، وكانت أثيرة عند النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ فكان يزورها ويقيل في بيتها. روت عنه أحاديث كثيرة. ولدت للعباس : الفضل ، وعبد الله ، وعبيد الله ، وقثم ، وعبد الرحمن ، واُمّ حبيب.
وفيها يقول عبد الله بن يزيد الهلالي :
ما ولدت نجيبةٌ من فحلِ |
بجبلٍ نعلمُهُ أو سهلِ |
|
كستّةٍ من بطنِ اُمّ الفضلِ |
أكرمْ بها من كهلةٍ وكهلِ |
|
عمّ النبي المصطفى ذي الفضلِ |
وخاتمِ الرُّسل وخيرِ الرُّسل |
تُرجمت في كل من الطبقات الكبرى 8 / 278 ، والإصابة 4 / 464 ، والاستيعاب.
(1) مستدرك الصحيحين 3 / 127 ، وفي مسند الفردوسي ، قالت اُمّ الفضل : رأيت كأن في بيتي طرفاً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فجزعت من ذلك ، فأتيته فذكرت له ذلك ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : «هو ذلك». فولدت فاطمة حسين ، فأرضعته حتّى فطمته. وفي تاريخ الخميس 1 / 418 : إنّ هذه الرؤيا كانت قبل ولادة الإمام الحسن (ع).
ووضعت سيّدة نساء العالمين وليدها العظيم ، الذي لم تضع مثله سيّدة من بنات حواء ، لا في عصر النبوة ولا فيما بعده ، أعظم بركة ولا أكثر عائدة على الإنسانية منه ، فلم يكن أطيب ، ولا أزكى ولا أنور منه.
لقد أشرقت الدنيا به ، وسعدت به الإنسانية في جميع أجيالها ، واعتزّ به المسلمون ، وعمدوا إلى إحياء هذه الذكرى ، افتخاراً بها في كل عام ، فتقيم وزارة الأوقاف في مصر احتفالاً رسميّاً داخل المسجد الحسيني اعتزازاً بهذه الذكرى العظيمة ، كما تقام في أكثر مناطق العالم الإسلامي. وتَردّد في آفاق يثرب صدى هذا النبأ المفرح ، فهرعت اُمّهات المؤمنين وسائر السّيدات من نساء المسلمين إلى دار سيّدة النّساء ، وهنّ يهنئنها بمولودها الجديد ، ويشاركنها في أفراحها ومسرّاتها.
ولمّا بشّر الرسول الأعظم بسبطه المبارك خفّ مسرعاً إلى بيت بضعته فاطمة (عليها السّلام) وهو مثقل الخطا ، قد ساد عليه الوجوم والحزن ، فنادى بصوت خافت حزين النبرات : «يا أسماء ، هلمّي ابني».
فناولته أسماء ، فاحتضنه النبي (صلّى الله عليه وآله) وجعل يوسعه تقبيلاً ، وقد انفجر بالبكاء ، فذُهلت أسماء ، وانبرت تقول : فداك أبي واُمّي! ممّ بكاؤك؟!
فأجابها النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ وقد غامت عيناه بالدموع ـ :
«من ابني هذا».
وملكت الحيرة إهابها فلم تدرك معنى هذه الظاهرة ومغزاها ، فانطلقت تقول : إنه وُلد الساعة.
فأجابها الرسول بصوت متقطّع النبرات حزناً وأسى قائلاً :
«تقتله الفئة الباغية من بعدي ، لا أنالهم الله شفاعتي».
ثمّ نهض وهو مثقل بالهمّ ، وأسرَّ إلى أسماء قائلاً :
«لا تخبري فاطمة ؛ فإنها حديثة عهد بولادة»(1) .
وانصرف النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو غارق بالأسى والشجون ؛ فقد استشفّ من وراء الغيب ما سيجري على ولده من النكبات والخطوب التي تذهل كل كائن حي.
واستقبل سبط النبي (صلّى الله عليه وآله) دنيا الوجود في السنة الرابعة من الهجرة(2)
__________________
(1) مسند الإمام زيد / 468 ، وفي أمالي الصدوق / 120. وأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أخذ الحسين بعد ولادته ، ثمّ دفعه إلى صفية بنت عبد المطلب وهو يبكي ويقول : لعن الله قوماً هم قاتلوك يا بُني». قالها ثلاثاً ، قالت : فداك أبي واُمّي! ومَن يقتله؟ قال : «تقتله الفئة الباغية من بني اُمية.
(2) تاريخ ابن عساكر 14 / 313 ، تهذيب الأسماء 1 / 163 ، مقاتل الطالبيّين / 78 ، خطط المقريزي 2 / 285 ، دائرة المعارف ـ للبستاني 7 / 48 ، جوهرة الكلام في مدح السّادة الأعلام / 116 ،
وقيل : في السنة الثالثة(1) . واختلف الرواة في الشهر الذي ولِد فيه ، فذهب الأكثر إلى أنّه ولِد في شعبان في اليوم الخامس منه(2) ، ولم يحدّد بعضهم اليوم ، وإنّما قال : ولِد لليالي خلون من شعبان(3) . وأهمل بعض المؤرّخين ذلك مكتفياً بالقول : إنّه ولِد في شعبان(4) . وذهب بعض الأعلام إلى أنّه ولِد في آخر ربيع الأوّل إلاّ أنّه خلاف المشهور فلا يُعنى به(5) .
وأجرى النبي (صلّى الله عليه وآله) بنفسه أكثر المراسيم الشرعية لوليده المبارك ، فقام (صلّى الله عليه وآله) بما يلي :
__________________
الإفادة في تاريخ الأئمة السّادة ـ ليحيى بن الحسين المتوفّى سنة 424 هـ ، من مصورات مكتبة الإمام الحكيم ، الذرّية الطاهرة ، من مخطوطات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) العامة ، مجمع الزوائد 9 / 194 ، اُسد الغابة 2 / 18 ، الإرشاد / 18.
(1) اُصول الكافي 1 / 463 ، خطط المقريزي 2 / 285 ، الاستيعاب ـ المطبوع على هامش الإصابة 1 / 377.
(2) المعجم الكبير ـ للطبراني ، من مخطوطات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، تحفة الأزهار وزلال الأنهار ، من مخطوطات مكتبة الإمام كاشف الغطاء العامة ، خطط المقريزي 2 / 185.
(3) إمتاع الأسماع / 187 ، اُسد الغابة 2 / 18 ، الذرّيّة الطاهرة.
(4) فتح الباري في باب مناقب الحسن والحسين (عليهما السّلام).
(5) المقنعة ، التهذيب ، الدروس.
واحتضن النبي (صلّى الله عليه وآله) وليده العظيم (عليه السّلام) ، فأذّن في اُذنه اليمنى ، وأقام في اليسرى(1) . وجاء في الخبر : «إنّ ذلك عصمة للمولود من الشيطان الرجيم»(2) .
إنّ أوّل صوت اخترق سمع الحسين هو صوت جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، الذي هو أوّل مَن أناب إلى الله ودعا إليه ، وأنشودة ذلك الصوت :
«الله أكبر ، لا إله إلاّ الله».
لقد غرس النبي (صلّى الله عليه وآله) هذه الكلمات ، التي تحمل جوهر الإيمان وواقع الإسلام ، في نفس وليده ، وغذّاه بها فكانت من عناصره ومقوّماته ، وقد هام بها في جميع مراحل حياته ، فانطلق إلى ميادين الجهاد مضحّياً بكل شيء في سبيل أن تعلو هذه الكلمات في الأرض ، وتسود قوى الخير والسّلام ، وتتحطّم معالم الردّة الجاهليّة التي جهدت على إطفاء نور الله.
وسمّاه النبي (صلّى الله عليه وآله) حسيناً كما سمّى أخاه حسناً(3) . ويقول المؤرّخون : لم تكن العرب في جاهليتها تعرف هذين الاسمين حتّى تسمّي أبناءهما بهما ،
__________________
(1) كشف الغمة 2 / 216 ، تحفة الأزهار وزلال الأنهار.
(2) روى علي (عليه السّلام) أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : «مَن ولِد له مولود فليؤذّن في اُذنه اليمنى ، وليُقم في اليسرى ؛ فإنّ ذلك عصمة له من الشيطان الرجيم». وقد أمرني بذلك في الحسن والحسين ، وأن يقرأ مع الأذان والإقامة فاتحة الكتاب وآية الكرسي ، وآخر سورة الحشر ، وسورة الإخلاص والمعوذتين ، جاء ذلك في دعائم الإسلام 1 / 178.
(3) الرياض النضرة.
وإنّما سمّاهما النبي (صلّى الله عليه وآله) بهما بوحي من السماء(1) .
وقد صار هذا الاسم الشريف علماً لتلك الذات العظيمة التي فجّرت الوعي والإيمان في الأرض ، واستوعب ذكرها جميع لغات العالم ، وهام الناس بحبّها حتّى صارت عندهم شعاراً مقدّساً لجميع المثُل العليا ، وشعاراً لكل تضحية تقوم على الحقّ والعدل.
أقوال شاذّة
وحفلت بعض مصادر التاريخ والأخبار بصور مختلفة لتسمية الإمام الحسين (عليه السّلام) لا تخلو من التكلّف والانتحال ، وهي :
1 ـ ما رواه هانئ بن هانئ ، عن علي (عليه السّلام) قال : «لمّا ولد الحسن جاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال : أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلت : سمّيته حرباً. قال : بل هو حسن. فلمّا ولِد الحسين قال : أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلتُ : سمّيته حرباً. قال : بل هو حسين. فلمّا ولِد الثالث جاء النبي صلى الله عليه وآله فقال : أروني ابني ما سمّيتموه؟ قلت : حرباً. فقال : بل هو محسن(2) .
وهذه الرواية ـ فيما نحسب ـ لا نصيب لها من الصحة وذلك :
أ ـ إنّ سيرة أهل البيت (عليهم السّلام) قامت على الالتزام بحرفية الإسلام
__________________
(1) اُسد الغابة 2 / 11 ، وفي تاريخ الخلفاء / 188 ، روى عمران بن سليمان قال : الحسن والحسين اسمان من أسماء أهل الجنّة ، ما سمعت العرب بهما في الجاهليّة.
(2) نهاية الأرب 18 / 213 ، الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 1 / 368 ، تهذيب التهذيب 2 / 296 ، مسند أحمد بن حنبل.
وعدم الشذوذ عن أيّ بند من أحكامه ، وقد كره الإسلام تسمية الأبناء بأسماء الجاهليّة التي هي رمز للتأخّر والانحطاط الفكري ، مضافاً إلى أنّ هذا الاسم علم لجد الاُسرة الاُمويّة التي تمثّل القوى الحاقدة على الإسلام والباغية عليه ، فكيف يسمّي الإمام أبناءه به؟!
ب ـ إنّ إعراض النبي (صلّى الله عليه وآله) عن تسمية سبطه الأوّل به ممّا يوجب ردع الإمام عن تسمية بقية أبنائه به.
ج ـ إنّ المحسن باتّفاق المؤرّخين لم يولد في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وإنّما ولِد بعد حياته بقليل ، وهذا مما يؤكّد انتحال الرواية وعدم صحتها.
2 ـ روى أحمد بن حنبل بسنده عن الإمام علي (عليه السّلام) قال : «لمّا ولِد لي الحسن سمّيته باسم عمّي حمزة ، ولمّا ولِد الحسين سمّيته باسم أخي جعفر ، فدعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال : إنّ الله قد أمرني أن أغيّر اسم هذين ؛ فسمّاهما حسناً وحسيناً»(1) . وهذه الرواية كسابقتها في الضعف ؛ فإنّ تسمية السبطين بهذين الاسمين وقعت عقيب ولادتهما حسب ما ذهب إليه المشهور ، ولم يذهب أحد إلى ما ذكره أحمد.
3 ـ روى الطبراني بسنده عن الإمام علي (عليه السّلام) أنه قال : «لمّا ولِد الحسين سمّيته باسم أخي جعفر ، فدعاني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأمرني أن أسمّيه حسيناً»(2) . وهذه الرواية تضارع الروايتين في ضعفها ؛ فإنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لم يسبق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في تسمية سبطه وريحانته ، وهو الذي أسماه بذلك حسب ما ذهب إليه المشهور وأجمعت عليه روايات أهل البيت (عليهم السّلام).
__________________
(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل.
(2) المعجم الكبير للطبراني.
وبعدما انطوت سبعة أيّام من ولادة السّبط أمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يعقّ عنه بكبش ، ويوزّع لحمه على الفقراء ، كما أمر أن تعطى القابلة فخذاً منها(1) ، وكان ذلك من جملة ما شرّعه الإسلام في ميادين البِرّ والإحسان إلى الفقراء.
وأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) أن يحلق رأس وليده ، ويتصدّق بزِنَته فضة على الفقراء(2) ؛ فكان وزنه ـ كما في الحديث ـ درهماً ونصفاً(3) . وطلى رأسه بالخلوق(4) ، ونهى عمّا كان يفعله أهل الجاهليّة من إطلاء رأس الوليد بالدم(5) .
__________________
(1) مسند الإمام زيد / 468 ، تحفة الأزهار وزلال الأنهار ، وجاء في الذرّية الطاهرة عن عائشة : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عقّ عن الحسن والحسين شاتين شاتين ، وذبح عنهما يوم السابع ، وقال : «اذبحوا على اسمه فقولوا : بسم الله ، اللّهمّ لك وإليك ، هذه عقيقة فلان». وروى هذه الرواية الحاكم في المستدرك 4 / 237 ، وطعن بها شمس الدين الذهبي في تلخيص المستدرك 4 / 237 وقال : إنّ راويها سوار وهو ضعيف ، وذهب مشهور الفقهاء إلى استحباب ذبح شاة واحدة في العقيقة.
(2) الرياض النضرة ، صحيح الترمذي ، نور الأبصار.
(3) دعائم الإسلام 2 / 185.
(4) الخلوق : طيب مركّب من زعفران وغيره.
(5) البحار 10 / 68.
وأوعز النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أهل بيته بإجراء الختان على وليده في اليوم السابع من ولادته ، وقد حثّ النبي (صلّى الله عليه وآله) على ختان الطفل في هذا الوقت المبكر ؛ لأنه أطيب له وأطهر(1) .
وتولّى النبي (صلّى الله عليه وآله) بنفسه رعاية الحسين ، واهتمّ به اهتماماً بالغاً فمزج روحه بروحه ، ومزج عواطفه بعواطفه ، وكان ـ فيما يقول المؤرّخون ـ : يضع إبهامه في فيه ، وأنّه أخذه بعد ولادته فجعل لسانه في فمه ليغذّيه بريق النبوّة ، وهو يقول له : «إيهاً حسين ، إيهاً حسين ، أبى الله إلاّ ما يريد ، هو ـ يعني الإمامة ـ فيك وفي ولدك»(2) .
وفي ذلك يقول السّيد الطباطبائي :
ذادوا عن الماءِ ضمآناً مراضعُهُ |
من جدّه المصطفى الساقي أصابعُهُ |
|
يُعطيه إبهامه آناً وآونةً |
لسانَهُ فاستوتْ منه طبائعُهُ |
|
غرس سقاه رسولُ الله من يدِهِ |
وطاب من بعد طيبِ الأصل فارعُهُ |
__________________
(1) جواهر الأحكام ـ كتاب النكاح ، وجاء فيه : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : «طهّروا أولادكم يوم السابع ؛ فإنّه أطيب وأطهر ، وأسرع لنبات اللحم ، وأنّ الأرض تنجس من بول الأغلف أربعين يوماً».
(2) المناقب 3 / 50.
لقد سكب الرسول (صلّى الله عليه وآله) في نفس وليده مثُله ومكرماته ؛ ليكون صورة عنه ، وامتداداً لحياته ، ومثلاً له في نشر أهدافه وحماية مبادئه.
وبلغ من رعاية النبي (صلّى الله عليه وآله) لسبطيه ، وحرصه على وقايتهما من كل سوء وشَر أنّه كان كثيراً ما كان يعوذهما ، فقد روى ابن عباس قال : كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يعوذ الحسن والحسين قائلاً : «أعوذ بكلمات الله التامّة من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة». ويقول : «هكذا كان إبراهيم يعوّذ ابنيه إسماعيل وإسحاق»(1) .
ويقول عبد الرحمن بن عوف : قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «يا عبد الرحمن ، ألا اُعلمك عوذة ؛ عوذة كان إبراهيم يعوّذ بها ابنيه إسماعيل وإسحاق ، وأنا اُعوّذ بها ابني الحسن والحسين كفى بالله واعياً لمَن دعا ، ولا مرمى وراء أمر الله لمَن رمى»(2) .
ودلّ ذلك على مدى الحنان والعطف الذي يُكنّه (صلّى الله عليه وآله) لهما ، وأنّه كان يخشى عليهما من أن تصيبهما عيون الحسّاد فيقيهما منها بهذا الدعاء.
وبدت في ملاح الإمام الحسين (عليه السّلام) ملامح جدّه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فكان يحاكيه في أوصافه ، كما كان يحاكيه في أخلاقه
__________________
(1) ذخائر العقبى / 134 ، مشكل الآثار.
(2) ذخائر العقبى / 134.
التي امتاز بها على سائر النبيّين ، ووصفه محمد بن الضحاك فقال : كان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله (ص)(1) ، وقيل : إنّه كان يشبه النبي (صلّى الله عليه وآله) ما بين سرته إلى قدميه(2) . وقال الإمام علي (عليه السّلام) :
«مَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما بين عنقه وثغره فلينظر إلى الحسن ، ومَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) ما بين عنقه إلى كعبه خَلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين بن علي»(3) .
لقد بدت على وجهه الشريف أسارير الإمامة فكان من أشرق الناس وجهاً ، فكان كما يقول أبوكبير الهذلي :
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت كبرق العارض المتهلل
ووصفه بعض المترجمين له بقوله : كان أبيض اللون ، فإذا جلس في موضع فيه ظلمة يُهتدى إليه ؛ لبياض حسنه ونحره(4) . ويقول آخر : كان له جمال عظيم ، ونور يتلألأ في جبينه وخدّه ، يضيء حواليه في الليلة الظلماء ، وكان أشبه الناس برسول الله (ص)(5) . ووصفه بعض الشهداء من
__________________
(1) المعجم الكبير ـ للطبراني ، من مصورات مكتبة الإمام أمير المؤمنين العامة.
(2) المنمق في أخبار قريش / 535 ، خطط المقريزي 2 / 285 ، الإفادة في تاريخ الأئمة السّادة ، من مصورات مكتبة الإمام الحكيم العامة.
(3) المعجم الكبير ـ للطبراني.
(4) الإفادة في تاريخ الأئمة السّادة.
(5) محاضرات الأوائل والأواخر ـ لعلي درّة الحنفي / 71 ، وفي مصابيح السنّة 2 / 202 عن أنس قال : لم يكن أحد أشبه بالنبي (صلّى الله عليه وآله) من الحسن بن علي. وقال في الحسين (عليه السّلام) : كان أشبههم برسول الله (صلّى الله عليه وآله). وفي أنساب الأشراف 1 ق 1 : إنّ الحسين كان يشبه النبي (صلّى الله عليه وآله).
أصحابه في رجز كان نشيداً له في يوم الطفِّ يقول :
له طلعةٌ مثلُ شمسِ الضحى |
له غرّةٌ مثلُ بدرٍ مُنير |
وكانت عليه سيماء الأنبياء ؛ فكان في هيبته يحكي هيبة جدّه التي تعنو لها الجباه ، ووصَفَ عظيم هيبته بعض الجلاّدين من شرطة ابن زياد بقوله :
لقد شغلنا نور وجهه ، وجمال هيبته عن الفكرة في قتله.
ولم تحجب نور وجهه يوم الطفِّ ضربات السّيوف ، ولا طعنات الرماح ؛ فكان كالبدر في بهائه ونضارته ، وفي ذلك يقول الكعبي :
ومُجرّحٌ ما غيّرتْ منه القنا حُسناً |
ولا أخلقنَ منه جديدا |
|
قد كان بدراً فاغتدى شمسَ الضحى |
مُذ ألبستهُ يدُ الدماءِ بُرودا |
ولمّا جيء برأسه الشريف إلى الطاغية ابن زياد بهر بنور وجهه ، فانطلق يقول :
ما رأيت مثل هذا حسناً!
فانبرى إليه أنس بن مالك منكراً عليه قائلاً :
أمَا أنّه كان أشبههم برسول الله!(1) .
وحينما عرض الرأس الشريف على يزيد بن معاوية ذهل من جمال هيبته ، وطفق يقول:
ما رأيت وجهاً قط أحسن منه!
__________________
(1) أنساب الأشراف ـ للبلاذري 1 ق 1 ، مخطوط بمكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) العامة.
فقال له بعض مَن حضر :
إنّه كان يشبه رسول الله (ص)(1) .
لقد أجمع الرواة أنّه كان يحاكي جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) في أوصافه وملامحه ، وأنّه كان يضارعه في مثله وصفاته ، ولمّا تشرّف عبد الله بن الحر الجعفي بمقابلته امتلأت نفسه إكباراً وإجلالاً له وراح يقول :
ما رأيت أحداً قط أحسن ، ولا أملأ للعين من الحسين.
لقد بدت على ملامحه سيماء الأنبياء وبهاء المتقين ، فكان يملأ عيون الناظرين إليه ، وتنحني الجباه خضوعاً وإكباراً له.
أمّا ألقابه فتدلّ على سموّ ذاته ، وما يتمتع به من الصفات الرفيعة ، وهي :
1 ـ الشهيد.
2 ـ الطيّب.
3 ـ سيّد شباب أهل الجنّة.
4 ـ السبط(2) ؛ لقوله (صلّى الله عليه وآله) : «حسين سبط من الأسباط»(3) .
5 ـ الرشيد.
6 ـ الوفي.
7 ـ المبارك.
__________________
(1) أنساب الأشراف ـ للبلاذري 1 ق 1.
(2) تحفة الأزهار وزلال الأنهار.
(3) دائرة المعارف ـ للبستاني 7 / 48.
8 ـ التابع لمرضاة الله(1) .
9 ـ الدليل على ذات الله.
10 ـ المطهّر.
11 ـ البَر.
12 ـ أحد الكاظمين(2) .
كان يكنّى بأبي عبد الله(3) ، وذكر غير واحد من المؤرّخين أنّه لا كنية له غيرها(4) . وقيل : إنّه يكنّى بأبي علي(5) ، وكنّاه الناس من بعد شهادته بأبي الشهداء وأبي الأحرار.
كان له خاتمان ؛ أحدهما من عقيق ، وقد نقش عليه : إنّ الله بالغ أمره(6) . الثاني وهو الذي سُلب منه يوم قتل ، وقد كتب عليه : لا إله
__________________
(1) نور الأبصار / 114 ، جوهرة الكلام في مدح السّادة الأعلام / 116.
(2) دلائل الإمامة / 73.
(3) الإرشاد / 103.
(4) الفصول المهمّة / 176 ، نور الأبصار / 152.
(5) المناقب 4 / 717 ، أنساب الأشراف 1 ق 1.
(6) جاء في نور الأبصار : أنّ نقش خاتمه كان : لكل أجل كتاب.
إلاّ الله عدد لقاء الله، وقد ورد : «إنّ مَن يتختّم بمثله كان له حرز من الشيطان»(1) .
وكان الطيب محبّباً إليه فكان المسك لا يفارقه في حلّه وترحاله ، كما كان بخور العود في مجلسه(2) .
وأوّل دار سكنها مع أبويه كانت الدار المجاورة لبيت عائشة ولها باب من المسجد ، وتُعرف بدار فاطمة(3) .
__________________
(1) دلائل الإمامة / 73.
(2) ريحانة الرسول / 38.
(3) وفاء الوفاء.
المكوّنات التربويّة
وتوفّرت في سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) وريحانته الإمام الحسين (عليه السّلام) جميع العناصر التربوية الفذّة التي لم يظفر بها غيره ، فأخذ بجوهرها ولبابها وقد أعدّته لقيادة الاُمّة ، وتحمّل رسالة الإسلام بجميع أبعادها ومكوّناتها ، كما أمدّته بقوى روحية لا حدّ لها من الإيمان العميق بالله ، والخلود إلى الصبر على ما انتابه من المحن والخطوب ، التي لا يطيقها أي كائن حي من بني الإنسان.
أمّا الطاقات التربوية التي ظفر بها ، وعملت على تقويمه وتزويده بأضخم الثروات الفكرية والإصلاحية فهي :
حدّدت الوراثة بأنها مُشابَهة الفرع لأصله ، ولا تقتصر على المشابهة في المظاهر الشكلية وإنّما تشمل الخواص الذاتية ، والمقوّمات الطبيعية ، كما نصّ على ذلك علماء الوراثة وقالوا : إنّ ذلك أمر بيّن في جميع الكائنات الحيّة فبذور القطن تخرج القطن ، وبذور الزهرة تخرج الزهرة ، وهكذا غيرها ، فالفرع يحاكي أصله ويساويه في خواصّه ، وأدقّ صفاته ، يقول (مندل) :
إنّ كثيراً من الصفات الوراثية تنتقل بدون تجزئة أو تغيّر من أحد الأصلين أو منهما إلى الفرع.
وأكّد هذه الظاهرة (هكسلي) بقوله :
إنّه ما أثَر أو خاصة لكائن عضوي إلاّ ويرجع إلى الوراثة أو إلى البيئة ، فالتكوين الوراثي يضع الحدود لِما هو محتمل ، والبيئة تقرر أنّ هذا
الاحتمال سيتحقق ، فالتكوين الوراثي إذاً ليس إلاّ القدرة على التفاعل مع أيّة بيئة بطريق خاص.
ومعنى ذلك أنّ جميع الآثار والخواص التي تبدو في الأجهزة الحسّاسة من جسم الإنسان ترجع إلى العوامل الوراثية وقوانينها ، والبيئة تقرّر وقوع تلك المميّزات وظهورها في الخارج ، فإذاً ليست البيئة إلاّ عاملاً مساعداً للوراثة ، حسب البحوث التجربية التي قام بها الاختصاصيّون في بحوث الوراثة.
وعلى أيّ حال فقد أكّد علماء الوراثة ـ بدون تردّد ـ : إنّ الأبناء والأحفاد يَرِثون معظم صفات آباءهم وأجدادهم النفسية والجسمية ، وهي تنتقل إليهم بغير إرادة ولا اختيار ، وقد جاء هذا المعنى صريحاً فيما كتبه الدكتور (الكسيس كارل) عن الوراثة بقوله : يمتد الزمن مثلما يمتد في الفرع إلى ما وراء حدوده الجسمية وحدوده الزمنية ليست أكثر دقّة ولا ثباتاً من حدوده الاتّساعية ، فهو مرتبط بالماضي والمستقبل ، على الرغم من أنّ ذاته لا تمتد خارج الحاضر.
وتأتي فرديّتنا ـ كما نعلم ـ إلى الوجود حينما يدخل الحويمن في البويضة ، ولكن عناصر الذات تكون موجودة قبل هذه اللحظة ومبعثرة في أنسجة أبوينا وأجدادنا وأسلافنا البعيدين جداً ؛ لأنّا مصنوعون من مواد آبائنا واُمّهاتنا الخلوية ، وتتوقف في الماضي على حالة عضوية لا تتحلل ونحمل في أنفسنا قطعاً ضئيلة لأعداد من أجسام أسلافنا ، وما صفاتنا ونقائصنا إلاّ امتداداً لنقائصهم وصفاتهم(1) .
وقد اكتشف الإسلام قبل غيره هذه الظاهرة ، ودلّل على فعّاليتها في التكوين النفسي والتربوي للفرد ، وقد حثّ بإصرار بالغ على
__________________
(1) النظام التربوي في الإسلام / 61 ـ 62.
أن تقوم الرابطة الزوجية على أساس وثيق من الاختيار والفحص عن سلوك الزوجين ، وسلامتهما النفسية والخُلقية من العيوب والنقص ، ففي الحديث : «تخيّروا لنطفتكم فإنّ العرق دسّاس». وأشار القرآن الكريم إلى ما تنقله الوراثة من أدقّ الصفات ، قال تعالى حكاية عن نبيّه نوح :( رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً ) (1) . فالآية دلّت بوضوح على انتقال الكفر والإلحاد بالوراثة من الآباء إلى الأبناء ، وقد حفلت موسوعات الحديث بكوكبة كبيرة من الأخبار التي أثرت عن أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) ، وهي تدلّل على واقع الوراثة وقوانينها ، وما لها من الأهمية البالغة في سلوك الإنسان وتقويم كيانه.
على ضوء هذه الظاهرة التي لا تشذّ في عطائها نجزم بأنّ سبط الرسول (عليه السّلام) قد ورث من جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) صفاته الخُلقية والنفسية ، ومكوّناته الروحيّة التي امتاز بها على سائر النبيّين ، وقد حدّدت كثير من الروايات مدى ما ورثه هو وأخوه الإمام الحسن من الصفات الجسمية من جدّهما النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ فقد جاء عن علي (عليه السّلام) أنّه قال : «مَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما بين عنقه وشعره فلينظر إلى الحسن ، ومَن سرّه أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما بين عنقه إلى كعبه خُلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين»(2) . وفي رواية : أنّه كان أشبه النبي ما بين سرّته إلى قَدمه(3) . وكما ورث هذه الظاهرة من جدّه فقد ورث منه مثُله وسائر نزعاته وصفاته.
__________________
(1) سورة نوح / 26 ـ 27.
(2) المعجم الكبير ـ للطبراني ، مخطوط بخطّ العلاّمة السّيد عزيز الطباطبائي اليزدي.
(3) المنمق في أخبار قريش / 499.
الاُسرة(1) من العوامل المهمّة في إيجاد عملية التطبيع الاجتماعي ، وتشكيل شخصية الطفل ، وإكسابه العادات التي تبقى ملازمة له طوال حياته ، فهي البذرة الاُولى في تكوين النموّ الفردي ، والسلوك الاجتماعي ، وهي أكثر فعالية في إيجاد التوازن في سلوك الشخص من سائر العوامل التربوية الاُخرى ، فمنها يتعلّم الطفل اللغة ، ويكتسب القِيَم والتقاليد الاجتماعية.
والاُسرة إنّما تنشأ أطفالها نشأة سليمة متّسمة بالاتّزان والبُعد عن الشذوذ والانحراف فيما إذا شاع في البيت الاستقرار والمودّة والطمأنينة ، وابتعد عن ألوان العنف والكراهية ، وإذا لم ترعَ ذلك فإنّ أطفالها تصاب بعُقد نفسية خطيرة ، تسبّب لهم كثيراً من المشاكل والمصاعب ، وقد ثبت في علم النفس أنّ أشدّ العُقد خطورة ، وأكثرها تمهيداً للاضطرابات الشخصية هي التي تكون في مرحلة الطفولة الباكرة خاصّةً من صلة الطفل بأبويه(2) .
كما أنّ من أهمّ وظائف الاُسرة الإشراف على تربية الأطفال ؛ فإنها مسؤولة عن عمليات التنشئة الاجتماعية ، التي يتعلّم الطفل من خلالها خبرات الثقافة وقواعدها في صورة تؤهّله في مستقبل حياته من المشاركة التفاعلية مع غيره من أعضاء المجتمع.
وأهمّ وظائف الاُسرة عند علماء التربية هي ما يلي :
__________________
(1) الاُسرة عند علماء الاجتماع : هي الرابطة الاجتماعية التي تتكوّن من زوج وزوجة وأطفالها وتشمل الجدود والأحفاد. انظر علم الاجتماع / 92.
(2) الأمراض النفسية والعقلية (ص ب).
أ ـ إعداد الأطفال بالبيئة الصالحة لتحقيق حاجاتهم البيولوجية والاجتماعية.
ب ـ إعدادهم للمشاركة في حياة المجتمع والتعرّف على قِيَمه وعاداته.
ج ـ توفير الاستقرار والأمن والحماية لهم.
د ـ إمدادهم بالوسائل التي تهيّئ لهم تكوين ذواتهم داخل المجتمع(1) .
ه ـ تربيتهم بالتربية الأخلاقية والوجدانية والدينية(2) .
وعلى ضوء هذه البحوث التربوية الحديثة عن الاُسرة ومدى أهمّيتها في تكوين الطفل ، وتقويم سلوكه نجزم بأنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كان وحيداً في خصائصه ومقوّماته ، التي استمدّها من اُسرته ، فقد نشأ في اُسرة تنتهي إليها كل مكرمة وفضيلة في الإسلام ، فما أظلّت قبّة السماء اُسرة أسمى ولا أزكى من اُسرة آل الرسول (صلّى الله عليه وآله) لقد نشأ الإمام الحسين (عليه السّلام) في ظلّ هذ الاُسرة ، وتغذّى بطباعها وأخلاقها ، ونعرض ـ بإيجاز ـ لبعض النقاط المضيئة النابضة بالتربية الفذّة ، التي ظفر بها الحسين (عليه السّلام) في ظلّ الاُسرة النبويّة.
وقام الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) بدوره بتربية سبطه وريحانته ، فأفاض عليه بمكرماته ومثُله ، وغذّاه بقِيَمه ومكوّناته ؛ ليكون صورة عنه ، ويقول الرواة : إنّه كان كثير الاهتمام والاعتناء بشأنه ، فكان يصحبه معه في أكثر أوقاته فيشمّه عرفه وطيبه ، ويرسم له محاسن أفعاله ، ومكارم أخلاقه ، وقد علّمه وهو في غضون الصبا سورة التوحيد(3) ، ووردت إليه من تمر الصدقة
__________________
(1) النظام التربوي في الإسلام.
(2) نظام الاُسرة في الإسلام.
(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 319.
فتناول منها الحسين (عليه السّلام) تمرة وجعلها في فيه ، فنزعها منه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وقال له : «لا تحلّ لنا الصدقة»(1) ، وقد عوّده وهو في سنه المبكر بذلك على الإباء ، وعدم تناول ما لا يحل له ، ومن الطبيعي أن إبعاد الطفل عن تناول الأغذية المشتبه فيها أو المحرّمة لها أثرها الذاتي في سلوك الطفل وتنمية مداركه حسب ما دللت عليه البحوث الطبيّة الحديثة ؛ فإنّ تناول الطفل للأغذية المحرّمة مما يوقف فعالياته السلوكية ، ويغرس في نفسه النزعات الشريرة ؛ كالقسوة والاعتداء والهجوم المتطرّف على الغير، وقد راعى الإسلام باهتمام بالغ هذه الجوانب فألزم بإبعاد الطفل عن تناول الغذاء المحرّم(2) ، وكان إبعاد النبي (صلى الله عليه وآله) لسبطه الحسين عن تناول تمر الصدقة التي لا تحل لأهل البيت (عليهم السلام) تطبيقاً لهذا المنهج التربوي الفذ. وسنذكر المزيد من ألوان تربيته له عند عرض ما أثر عنه (صلى الله عليه وآله) في حقه (عليه السلام).
أما الإمام علي (عليه السلام) فهو المربّي الأول الذي وضع اُصول التربية ، ومناهج السلوك وقواعد الآداب ، وقد ربّى ولده الإمام الحسين (عليه السلام) بتربيته المشرقة فغذّاه بالحكمة ، وغذّاه بالعفة والنزاهة ، ورسم له مكارم الأخلاق والآداب ، وغرس في نفسه معنوياته المتدفقة فجعله يتطلّع إلى الفضائل حتى جعل اتجاهه السليم نحو الخير والحق ، وقد زوده بعدّة وصايا حافلة بالقيم الكريمة والمثل الإنسانية ومنها هذه الوصية القيّمة الحافلة بالمواعظ والآداب الاجتماعية وما يحتاج إليه الناس في سلوكهم ، وهي من أروع
__________________
(1) مسند الإمام أحمد 1 / 201.
(2) النظام التربوي في الإسلام / 92 ـ 93.
ما جاء في الإسلام من الاُسس التربوية التي تبعث على التوازن والاستقامة في السلوك. قال (عليه السلام) :
«يا بُني ، اُوصيك بتقوى الله عزّ وجلّ في الغيب والشهادة ، وكلمة الحق في الرضى(1) ، والقصد في الغنى والفقر ، والعدل في الصديق والعدو ، والعمل في النشاط والكسل ، والرضى عن الله تعالى في الشدّة والرخاء.
يا بُني ، ما شرٌّ بعده الجنّة بشرٍّ ، ولا خيرٌ بعده النار بخير. وكل نعيم دون الجنّة محقور ، وكل بلاء دون النار عافية اعلم يا بُني ، أنّ مَنْ أبصر عيب نفسه شُغل عن غيره ، ومَنْ رضى بقسم الله تعالى لم يحزن على ما فاته ، ومَنْ سلّ سيف البغي قُتل به ، ومَنْ حفر بئراً وقع فيها ، ومَنْ هتك حجاب غيره انكشفت عورات بيته ، ومَنْ نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره ، ومَنْ كابد الاُمور عطب ، ومَنْ اقتحم البحر غرق ، ومَنْ اُعجب برأيه ضلّ ، ومَنْ استغنى بعقله زلّ ، ومَنْ تكبّر على الناس ذلّ ، ومَنْ سفه عليهم شُتم ، ومَنْ دخل مداخل السوء اتُّهم ، ومَنْ خالط الأنذال حُقّر ، ومَنْ جالس العلماء وُقّر ، ومَنْ مزح استُخفّ به ، ومَنْ اعتزل سَلم ، ومَنْ ترك الشهوات كان حُرّاً ، ومَنْ ترك الحسد كان له المحبّة من الناس.
يا بُني ، عزّ المؤمن غناء عن الناس ، والقناعة مال لا ينفد ، ومَنْ أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ، ومَنْ علم أنّ كلامه من عمله قلّ كلامه إلاّ فيما ينفعه. العجب ممّن خاف العقاب ورجا الثواب فلم يعمل. الذكر نور ، والغفلة ظلمة ، والجهالة ضلالة ، والسعيد مَنْ وُعظ بغيره ، والأدب خير ميراث ، وحُسن الخلق خير قرين.
يا بُني ، ليس مع قطيعة الرحم نماء ، ولا مع الفجور غنى. يا بُني ، العافية عشرة أجزاء ؛ تسعة منها في الصمت إلاّ بذكر الله ، وواحد في ترك
__________________
(1) في نسخة : في الرضى والغضب.
مجالسة السفهاء. ومَنْ تزيّن بمعاصي الله عزّ وجلّ في المجالس ورثته ذلاً. من طلب العلم عَلِم.
يا بُني ، رأس العلم الرفق ، وآفته الخرق. ومن كنوز الإيمان الصبر على المصائب. العفاف زينة الفقر ، والشكر زينة الغنى ، ومَنْ أكثر من شيء عُرف به ، ومَنْ كثر كلامه كثر خطؤه ، ومَنْ كثر خطؤه قلّ حياؤه ، ومَنْ قلّ حياؤه قلّ ورعه ، ومَنْ قلّ ورعه مات قلبه ، ومَنْ مات قلبه دخل النار.
يا بُني ، لا تؤيسن مذنباً ؛ فكم من عاكف على ذنبه خُتم له بالخير ، ومن مقبل على عمله مفسد له في آخر عمره صار إلى النار. مَنْ تحرّى القصد خفّت عليه الاُمور.
يا بُني ، كثرة الزيارة تورث الملالة. يا بُني ، الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم. إعجاب المرء بنفسه دليل على ضعف عقله.
يا بُني ، كم من نظرة جلبت حسرة ، وكم من كلمة جلبت نعمة. لا شرف أعلا من الإسلام ، ولا كرم أعلا من التقوى ، ولا معقل أحرز من الورع ، ولا شفيع أنجح من التوبة ، ولا لباس أجمل من العافية ، ولا مال أذهب للفاقة من الرضى بالفوت ، ومَنْ اقتصر على بلغة الكفاف تعجّل الراحة ، وتبوأ حفظ الدعة. الحرص مفتاح التعب ، ومطية النصب ، وداع إلى التقحّم في الذنوب. والشرّ جامع لمساوئ العيوب. وكفى أدباً لنفسك ما كرهته من غيرك. لأخيك مثل الذي عليك(1) لك ، ومَنْ تورّط في الاُمور من غير نظر في الصواب فقد تعرّض لمفاجأة النوائب. التدبير قبل العمل يؤمنك الندم. مَنْ استقبل وجوه العمل والآراء عرف مواقع الخطأ. الصبر جُنّة من الفاقة. في خلاف النفس رشدها. الساعات
__________________
(1) هكذا في الأصل ولعل الصواب (عليه).
تنقص الأعمار. ربّك للباغين من أحكم الحاكمين ، وعالم بضمير المضمرين. بئس الزاد للمعاد العدوان على العباد. في كلّ جرعة شرق ، وفي كلّ أكلة غصص. لا تنال نعمة إلاّ بفراق اُخرى. ما أقرب الراحة من التعب ، والبؤس من النعيم ، والموت من الحياة ؛ فطوبى لمَنْ أخلص لله تعالى علمه وعمله ، وحبّه وبغضه ، وأخذه وتركه ، وكلامه وصمته. وبخ بخ لعالم علم فكفّ ، وعمل فجدّ ، وخاف التباب(1) فأعد واستعدّ ؛ إن سُئل أفصح ، وإن تُرك سكت ؛ كلامه صواب ، وصمته من غير عيٍّ عن الجواب ، والويل كل الويل لمَنْ بُلي بحرمان وخذلان وعصيان ، واستحسن لنفسه ما يكرهه لغيره. مَنْ لانت كلمته وجبت محبّته. مَنْ لم يكن له حياءٌ ولا سخاء فالموت أولى به من الحياة. لا تتم مروءة الرجل حتى لا يبالي أي ثوبيه لبس ، ولا أي طعاميه أكل»(2) .
وحفلت هذه الوصية بآداب السلوك وتهذيب الأخلاق ، والدعوة إلى تقوى الله التي هي القاعدة الاُولى في وقاية النفس من الانحراف والآثام ، وتوجيهها الوجهة الصالحة التي تتّسم بالهدى والرشاد.
وعنت سيدة النساء (عليها السلام) بتربية وليدها الحسين (عليه السّلام) ، فغمرته بالحنان والعطف ؛ لتكون له بذلك شخصيته الاستقلالية ، والشعور بذاتياته ، كما
__________________
(1) التباب : الهلال والخسران ، ومنه قوله تعالى :( تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ) .
(2) الإعجاز والإيجاز / 33.
غذته بالآداب الإسلامية ، وعوّدته على الاستقامة ، والاتّجاه المطلق نحو الخير. يقول العلائلي :
والذي انتهى إلينا من مجموعة أخبار الحسين (عليه السّلام) أنّ أمّه عنيت ببث المثل الإسلامية الاعتقادية ؛ لتشيع في نفسه فكرة الفضيلة على أتم معانيها ، وأصح أوضاعها ؛ ولا بدع فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أشرف على توجيهه أيضاً في هذا الدور الذي يشعر الطفل فيه بالاستقلال.
فالسيدة فاطمة (عليها السّلام) أنمت في نفسه فكرة الخير ، والحبّ المطلق والواجب ، ومدّدت في جوانحه وخوالجه أفكار الفضائل العليا ؛ بأن وجّهت المبادئ الأدبية في طبيعته الوليدة من أن تكون هي نقطة دائرتها إلى الله الذي هو فكرة يشترك فيها الجميع.
وبذلك يكون الطفل قد رسم بنفسه دائرة محدودة قصيرة حين أدار هذه المبادئ الأدبية على شخص والدته ، وقصرها عليها وما تجاوز بها إلى سواها من الكوائن ، ورسمت له والدته دائرة غير متناهية حين جعلت فكرة الله نقطة الارتكاز ، ثم أدارت المبادئ الأدبية والفضائل عليها ؛ فاتّسعت نفسه لتشمل وتستغرق العالم بعواطفها المهذّبة ، وتأخذه بالمثل الأعلى للخير والجمال(1) .
لقد نشأ الإمام الحسين (عليه السلام) في جو تلك الاُسرة العظيمة التي ما عرف التاريخ الإنساني لها نظيراً في إيمانها وهديها ، وقد صار (عليه السلام) بحكم نشأته فيها من أفذاذ الفكر الإنساني ومن أبرز أئمة المسلمين.
__________________
(1) الإمام الحسين (عليه السّلام) / 289.
وأجمع المعنيون في البحوث التربوية والنفسية على أن البيئة من أهم العوامل التي تعتمد عليها التربية في تشكيل شخصية الطفل وإكسابه الغرائز والعادات ، وهي مسؤولة عن أي انحطاط أو تأخّر للقيم التربوية ، كما أن استقرارها وعدم اضطراب الاُسرة لهما دخل كبير في استقامة سلوك النشء ووداعته. وقد بحثت مؤسسة اليونسكو في هيئة الاُمم المتّحدة عن المؤثرات الخارجة عن الطبيعة في نفس الطفل ، وبعد دراسة مستفيضة قام بها الاختصاصيّون قدّموا هذا التقرير :
مما لا شك فيه أن البيئة المستقرة سيكولوجياً ، والاُسرة الموحّدة التي يعيش أعضاؤها في جو من العطف المتبادل هي أول أساس يرتكز عليه تكيف الطفل من الناحية العاطفية ، وعلى هذا الأساس يستند الطفل فيما بعد في تركيز علاقاته الاجتماعية بصورة مرضية ، أما إذا شوّهت شخصية الطفل بسوء معاملة الوالدين فقد يعجز عن الاندماج في المجتمع(1) .
إنّ استقرار البيئة وعدم اضطرابها من أهم الأسباب الوثيقة في تماسك شخصية الطفل وازدهار حياته ، ومناعته من القلق ، وقد ذهب علماء النفس إلى أن اضطراب البيئة وما تحويه من تعقيدات ، وما تشتمل عليه من أنوار الحرمان كل هذا يجعل الطفل يشعر بأنه يعيش في عالم متناقض مليء بالغش والخداع والخيانة والحسد وأنه مخلوق ضعيف لا حول له ولا قوة تجاه
__________________
(1) أثر الاُسرة والمجتمع في الأحداث الذين هم دون الثالثة عشرة ـ مؤسسة اليونسكو / 35.
هذا العالم العنيف(1) وقد عنى الإسلام بصورة إيجابية في شؤون البيئة فأرصد لإصلاحها وتطورها جميع أجهزته وطاقاته ، وكان يهدف قبل كل شيء أن تسود فيها القيم العليا من الحق والعدل والمساواة ، وأن تتلاشى فيها عوامل الانحطاط والتأخر من الجور والظلم والغبن ، وأن تكون آمنة مستقرة خالية من الفتن والاضطراب حتى تمد الأمة بخيرة الرجال وأكثرهم كفاءة ، وانطلاقاً في ميادين البر والخير والإصلاح.
وقد أنتجت البيئة الإسلامية العظماء والأفذاذ والعباقرة المصلحين الذين هم من خيرة ما أنتجته الإنسانية في جميع مراحل تاريخها كسيدنا الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وعمار بن ياسر ، وأبي ذر وأمثالهم من بناة العدل الاجتماعي في الإسلام.
لقد نشأ الإمام الحسين (عليه السلام) في جو تلك البيئة الإسلامية الواعية التي فجّرت النور وصنعت حضارة الإنسان ، وقادت شعوب الأرض لتحقيق قضاياها المصيرية ، وأبادت القوى التي تعمل على تأخير الإنسان وانحطاطه ، تلك البيئة العظيمة التي هبت إلى ينابيع العدل تعب منها فتروي وتروي الأجيال الظامئة.
وقد شاهد الإمام الحسين (عليه السّلام) وهو في غضون الصبا ما حققته البيئة الإسلامية من الانتصارات الرائعة في إقامة دولة الإسلام ، وتركيز اُسسها وأهدافها ، وبثّ مبادئها الهادفة إلى نشر المودّة والدعة والأمن بين الناس.
هذه بعض المكونات التربوية التي توفرت للإمام الحسين (عليه السلام) ، وقد أعدّته ليكون الممثل الأعلى لجدّه الرسول (صلى الله عليه وآله) في الدعوة إلى الحق ، والصلابة في العدل.
__________________
(1) التكيف النفسي / 22.
في ظلال القرآن والسنّة
وعنى الإسلام كتاباًَ وسنّة بشأن الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وأولاه المزيد من العناية والاهتمام ؛ لأنّه من مراكز القيادة العليا في الإسلام التي تطلّ على هذا الكون ، فتشرق على معالمه ، وتصلح من شأن الإنسان ، وتدفعه إلى السلوك النيّر والمنهج السليم.
لقد قابل الإسلام بكل تكريم واحتفاء الإمام الحسين (عليه السّلام) كما عنى به مع أبويه وأخيه ؛ فرفع ذكرهم ، وحثّ بإصرار على اتّباع سلوكهم والاقتداء بهم ، وضمن للاُمّة أن لا تزيغ عن طريق الهدى إذا لم تتقدم عليهم في مجالات الحكم والتشريع وغيرهما. ونشير بإيجاز إلى بعض ما اُثر في الكتاب والسنّة في حقّهم :
أما كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، فقد أعلن فضل الإمام الحسين في إطار أهل البيت (عليهم السلام) ، وله في كتاب الله غنى عن مدح المادحين ووصف الواصفين ، وهذه بعض الآيات الناطقة في فضلهم :
قال تعالى :( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) . ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذه الآية.
__________________
(1) سورة الأحزاب / 22.
أجمع المفسّرون وثقاة الرواة(1) أنّ أهل البيت هم الخمسة أصحاب الكساء ، وهم : سيد الكائنات الرسول (صلى الله عليه وآله) ، وصنوه الجاري مجرى نفسه أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وبضعته الطاهرة عديلة مريم بنت عمران سيدة النساء فاطمة الزهراء التي يرضى الله لرضاها ويغضب لغضبها ، وريحانتاه من الدنيا سبطاه الشهيدان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. ولم يشاركهم أحد من الصحابة وغيرهم في هذه الآية ، ويدلّ على هذا الاختصاص ما يلي :
أولاً : أنّ اُمّ سلمة قالت : نزلت هذه الآية في بيتي ، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين (عليهم السّلام) ، فجلّلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكساء كان عليه ، ثم قال : «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي ، فاذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً». يكرر ذلك واُمّ سلمة تسمع وترى ، فقالت : وأنا معكم يا رسول الله؟ ورفعت الكساء لتدخل ، فجذبه منها وقال لها : «إنّك على خير»
__________________
(1) تفسير الفخر 6 / 783 ، النيسابوري في تفسير سورة الأحزاب ، صحيح مسلم 2 / 331 ، ما نزل من القرآن في أهل البيت / 41 ، من المخطوطات المصوّرة في مكتبة الإمام الحكيم نُقلت من الخزانة المستنصريّة سنة (666 هـ) ، تأليف الحسين بن الحكم الخنزي ، الخصائص الكبرى 2 / 264 ، الرياض النضرة 2 / 188 ، خصائص النسائي ، تفسير ابن جرير 22 / 5 ، مسند أحمد بن حنبل 4 / 107 ، سنن البيهقي 2 / 150 ، مشكل الآثار 1 / 334. وقد أورد جلال الدين السيوطي في (الدر المنثور) عشرين رواية من طرق مختلفة في اختصاص الآية بأهل البيت (عليهم السّلام) ، وأورد ابن جرير في تفسيره خمس عشرة رواية بأسانيد مختلفة في قصر الآية عليهم بالخصوص.
وتواترت الصحاح بذلك(1) ، وهي حسب رواية اُمّ سلمة تدلّ بوضوح على الحصر بهم ، وامتيازهم عن غيرهم بهذه المأثرة المشرفة.
ثانياً : أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) قد سلك كل مسلك في إعلان اختصاص الآية بهم ؛ فقد روى ابن عباس قال : شهدت رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعة أشهر ، يأتي كل يوم باب علي بن أبي طالب عند وقت كل صلاة فيقول : «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أهل البيت ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. الصلاة يرحمكم الله». كل يوم خمس مرات(2) .
وروى أنس بن مالك أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يمرّ ببيت فاطمة (عليها السّلام) ستّة أشهر ، إذا خرج إلى الفجر فيقول : «الصلاة يا أهل البيت ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(3) .
وروى أبو برزة قال : صلّيت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سبعة أشهر ، فإذا خرج من بيته أتى باب فاطمة (عليها السلام) فقال : «السلام عليكم ، إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً»(4) .
وقد أكّد النبي (صلى الله عليه وآله) اختصاص الآية بأهل بيته ، ونفاها عن غيرهم ؛ إرشاداً للاُمّة ، وإلزاماً باتّباعهم وتسليم قيادتها لهم.
ثالثاً : احتجاج العترة الطاهرة على اختصاص الآية بهم ؛ فقد قال الإمام الحسن الزكي (عليه السّلام) في بعض خطبه :
«وأنا من أهل البيت الذي كان جبرئيل ينزل إلينا ، ويصعد من
__________________
(1) مستدرك الحاكم 2 / 416 ، اُسد الغابة 5 / 521.
(2) الدر المنثور 5 / 199.
(3) مجمع الزوائد 9 / 169 ، أنساب الأشراف 1 ق 1 / 157.
(4) ذخائر العقبى / 24.
عندنا ، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً»(1) .
وتواترت الأخبار من طرق العترة الطاهرة معلنة اختصاص الآية بالخمسة من أصحاب الكساء ، وعدم تناولها لغيرهم من اُسرة النبي (صلّى الله عليه وآله).
وليس لنساء النبي (صلّى الله عليه وآله) أيُّ نصيب في هذه الآية ؛ فقد خرجن عنها موضوعاً أو حكماً كما يقول علماء الاُصول. وللتدليل على ذلك نذكر ما يلي :
1 ـ إنّ الأهل في اللغة موضوع لعشيرة الرجل وذوي قرباه(2) ، ولا يشمل الزوجة. وأكّد هذا المعنى زيد بن أرقم حينما سُئل عن أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) هل يشمل زوجاته؟ فأنكر ذلك ، وقال : لا وايم الله ، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ، ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها أهل بيته أصله وعصبته الذين حُرموا الصدقة بعده(3) .
2 ـ إنّا لو سلّمنا أنّ الأهل يشمل الزوجة ويطلق عليها فلا بدّ من تخصيصه بالأخبار المتقدّمة ؛ فإنها توجب التخصيص من دون شكّ ، فقد بلغت حدّ التواتر اللفظي أو المعنوي.
وهناك جماعة من صنائع بني اُميّة ودعاة الخوارج حاولوا صرف الآية عن العترة الطاهرة واختصاصها بنساء النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ متمسّكين بسياق الآية. ومن الذاهبين إلى ذلك عكرمة ، ومقاتل بن سليمان. وكان عكرمة من
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 / 172.
(2) القاموس المحيط 1 / 331 ، أقرب الموارد.
(3) تفسير ابن كثير 3 / 486 ، صحيح مسلم 2 / 238.
أشدّ الناس تحاملاً على أصحاب الكساء ، وكان ينادي بذلك في السوق(1) ، وبلغ من إصراره وعناده أنه كان يقول : مَن شاء باهلته أنّها نزلت في أزواج النبي(2) . ومن الطبيعي أنّ نداءه في السوق ، وعرضه للمباهلة إنّما يدلّ على بغضه الشديد للعترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم ، ولا بدّ لنا من النظر في شؤون عكرمة ومقاتل حتى يتبيّن اندفاعهما لِما زعماه.
عكرمة البربري : هو أبو عبد الله المدني ، أصله من البربر ، كان مولى للحصين بن أبي الحر العنبري ، فوهبه لابن عباس لمّا ولي البصرة من قِبَل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وبقى رقّاً حتى توفّي ابن عباس ، فباعه علي بن عبد الله ثمّ استردّه(3) . وقد جُرح في عقيدته واتّهم في سلوكه ؛ فقد ذكر المترجمون له ما يلي :
1 ـ أنّه كان من الخوارج(4) ، وقد وقف على باب المسجد فقال : ما فيه إلاّ كافر(5) ؛ لأنّ الخوارج ذهبوا إلى كفر المسلمين. أمّا موقفهم من الإمام أمير المؤمنين فمعروف بالنصب والعداء.
2 ـ أنّه عُرف بالكذب ، وعدم الحريجة منه ، وقد اشتهر بهذه الظاهرة. فعن ابن المسيّب أنه قال لمولاه برد : لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس(6) . وعن عثمان بن مرة أنّه قال للقاسم : إنّ
__________________
(1) أسباب النزول ـ للواحدي / 268.
(2) الدر المنثور 5 / 198.
(3) تهذيب التهذيب 7 / 263.
(4) ميزان الاعتدال 3 / 95 ، طبقات القرّاء 1 / 15 ، طبقات ابن سعد 5 / 216.
(5) ميزان الاعتدال 3 / 95.
(6) ميزان الاعتدال 3 / 96.
عكرمة حدّثنا عن ابن عباس كذا ، فقال القاسم : يابن أخي ، إنّ عكرمة كذّاب ؛ يحدّث غدوة حديثاً يخالفه عشيّاً(1) .
ومع اتّهامه بالكذب لا يمكن التعويل على أيّ رواية من رواياته ؛ فإنّ اقتراف الكذب من أظهر الأسباب التي توجب القدح في الراوي.
3 ـ أنّه كان فاسقاً يسمع الغناء ، ويلعب بالنرد ، ويتهاون في الصلاة ، وكان خفيف العقل(2) .
4 ـ أنّ المسلمين قد نبذوه وجفوه ، وقد توفّي هو وكثير عزة في يوم واحد ، فشهد الناس جنازة كثير ولم يشهدوا جنازته(3) .
ومع هذه الطعون التي احتفت به كيف يمكن الاعتماد على روايته والوثوق بها؟ وقد اعتمد عليه البخاري وتجنّبه مسلم(4) . قال البخاري : ليس أحد من أصحابنا إلاّ وهو يحتجّ بعكرمة(5) . ومن الغريب أنّ البخاري يعتمد في رواياته على عكرمة وأمثاله من المطعونين في دينهم ، ويتحرّج من رواية العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم.
أمّا مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخراساني ، فهو كصاحبه عكرمة كان متّهماً في دينه ، وذكر المترجمون له ما يلي :
1 ـ أنّه كان كذّاباً. قال النسائي : كان مقاتل يكذب(6) ، وكذلك
__________________
(1) معجم الأدباء.
(2) تهذيب التهذيب 7 / 263.
(3) تهذيب التهذيب 7 / 271.
(4) ميزان الاعتدال 3 / 93.
(5) تهذيب التهذيب 7 / 271.
(6) ميزان الاعتدال 4 / 173.
قال وكيع: وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي : أخرجت خراسان ثلاثة لم يكن لهم نظير ـ يعني في البدعة والكذب ـ : جهم ، ومقاتل ، وعمر بن صبح. وقال خارجة بن مصعب : كان جهم ومقاتل عندنا فاسقَين فاجرين(1) ومع اتّهامه بالكذب لا يصحّ الاعتماد على روايته ، ويسقط حديثه عن الاستدلال به.
2 ـ أنّه كان متّهماً في دينه ، وكان يقول بالتشبيه. قال ابن حبان : كان مقاتل يأخذ عن اليهود والنصارى علم القرآن الذي يوافق كتبهم ، وكان مُشبّهاً يشبّه الرب سبحانه بالمخلوقين ، وكان يكذب في الحديث(2) . وقد استحلّ بعض الأخيار دمه. يقول خارجة : لم استحلّ دم يهودي ولا ذمّي ، ولو قدرت على مقاتل بن سليمان في موضع لا يرانا فيه أحد لقتلته(3) .
3 ـ عُرف مقاتل بالنصب والعداء لأمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وكان دأبه صرف فضائل الإمام (عليه السّلام) ، وقد اُثر عن الإمام أنّه كان يقول : «سلوني قبل أن تفقدوني». فأراد مقاتل أن يجاريه في ذلك ، فكان يقول : سلوني عمّا دون العرش. فقام إليه رجل فقال له : أخبرني عن النملة أين أمعاؤها؟ فسكت ولم يطق جواباً(4) . وقال مرة : سلوني عمّا دون العرش. فقام إليه رجل فقال له : أخبرني مَن حلق رأس آدم حين حجّ؟ فحار ولم يطق جواباً(5) .
__________________
(1) تهذيب التهذيب 10 / 281.
(2) تهذيب التهذيب 10 / 284 ، ميزان الاعتدال 4 / 175.
(3) تهذيب التهذيب 10 / 281.
(4) تهذيب التهذيب 10 / 283.
(5) وفيات الأعيان.
وهذه البوادر تدلّ على فساد آرائه ، وعدم التعويل على أيّ حديث من أحاديثه.
واستدلّ عكرمة ومقاتل بسياق الآية على أنّها نزلت في نساء النبي (صلى الله عليه وآله) ولا تشمل أهل بيته ، وقد عرض الإمام شرف الدين بصورة موضوعية إلى إبطال ذلك. قال رحمه الله : ولنا في ردّه وجوه :
الأوّل : إنّه اجتهاد في مقابل النصوص الصريحة ، والأحاديث المتواترة الصحيحة.
الثاني : إنّها لو كانت خاصّة في النساء كما يزعم هؤلاء لكان الخطاب في الآية بما يصلح للإناث ، ولَقال عزّ مَن قائل : عنكنّ ، ويطهّركنّ ، كما في غيرهما في آياتهن ؛ فتذكير ضمير الخطاب فيها دون غيرها من آيات النساء كافٍ في ردّ تضليلهم.
الثالث : إنّ الكلام البليغ يدخله الاستطراد والاعتراض ، وهو تخلّل الجملة الأجنبية بين الكلام المتناسق ، كقوله تعالى في حكاية خطاب العزيز لزوجته إذ يقول لها :( إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ) . فقوله :( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ) مستطرد بين خطابيه معها كما ترى. ومثله قوله تعالى :( إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) . فقوله :( وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ) مستطرد من جهة الله تعالى بين كلام بلقيس. ونحوه قوله عزّ مَن قائل :( فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ
كَرِيمٌ ) . تقديره أفلا أقسم بمواقع النجوم ، إنّه لقرآن كريم ، وما بينهما استطراد على استطراد ، وهذا كثير في الكتاب والسنّة وكلام العرب وغيرهم من البلغاء.
وآية التطهير من هذا القبيل جاءت مستطردة بين آيات النساء ، فتبيّن بسبب استطرادها أنّ خطاب الله لهنّ بتلك الأوامر والنواهي والنصائح والآداب لم يكن إلاّ لعناية الله تعالى بأهل البيت ـ أعني الخمسة ـ ؛ لئلاّ ينالهم ـ ولو من جهتهن ـ لَوم ، أو ينسب إليهم ـ ولو بواسطة ـ هناة ، أو يكون عليهم للمنافقين ـ ولو بسببهن ـ سبيل. ولولا هذا الاستطراد ما حصلت النكتة الشريفة التي عظمت بها بلاغة الذكر الحكيم ، وكمل إعجازه الباهر كما لا يخفى(1) .
ورأي الإمام شرف الدين رأي وثيق فقد قطع به تأويل المتأوّلين ، ودحض به أوهام المعاندين ، وتمّت به الحجّة على المناوئين.
دلالتها على العصمة
ودلّت الآية بوضوح على عصمة الخمسة من أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ فقد أذهب تعالى عنهم الرجس ـ أي المعاصي ـ وطهّرهم منها تطهيراً ، وهذا هو واقع العصمة وحقيقتها.
وقد تصدّرت الآية للدلالة على ذلك بكلمة (إنّما) التي هي من أقوى أدوات الحصر ، ويضاف إليه دخول اللام في الكلام الخبري ، وتكرار لفظ الطهارة ، وكل ذلك يدل ـ بحسب الصناعة ـ على الحصر والاختصاص وإرادة الله في ذلك إرادة تكوينية يستحيل فيها تخلّف المراد عن الإرادة ، (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
ويقول الإمام شرف الدين : إنّها دلّت بالالتزام على إمامة أمير المؤمنين
__________________
(1) الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء (عليها السّلام) / 196 ـ 197.
(عليه السّلام) لأنّه ادّعى الخلافة لنفسه ، وادّعاها له الحسنان وفاطمة (عليهم السّلام) ، ولا يكونون كاذبين ؛ لأن الكذب من الرجس الذي أذهبه الله عنهم وطهّرهم منه تطهيراً(1) .
وفرض الله على المسلمين مودّة أهل البيت (عليهم السّلام). قال تعالى :( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ ) (2) .
ذهب جمهور المسلمين إلى أنّ المراد بالقربى هم : علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين (عليهم السّلام) ، وإنّ اقتراف الحسنة إنّما هي في مودّتهم ومحبّتهم. وفيما يلي بعض ما أثر في ذلك :
1 ـ روى ابن عباس قال : لمّا نزلت هذه الآية قالوا : يا رسول الله ، مَن قرابتك هؤلاء الذين أوجبت علينا مودّتهم؟ قال (صلّى الله عليه وآله) : «علي وفاطمة وابناهما»(3) .
2 ـ روى جابر بن عبد الله قال : جاء أعرابي إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال : يا محمد ، اعرض عليّ الإسلام. فقال (صلّى الله عليه وآله) : «تشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّ محمداً عبده ورسوله». قال الأعرابي : تسألني عليه أجراً؟
__________________
(1) الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء (عليها السّلام) / 201.
(2) سورة الشورى / 23.
(3) مجمع الزوائد 7 / 103 ، ذخائر العقبى / 25 ، نور الأبصار / 101 ، الدر المنثور.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «لا ، إلاّ المودّة في القربى».
الأعرابي : قرباي أمْ قرباك؟
الرسول (صلّى الله عليه وآله) : «قرباي».
الأعرابي : هات اُبايعك ؛ فعلى مَن لا يحبّك ولا يحبّ قرباك لعنة الله.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «آمين»(1) .
3 ـ روى ابن عباس قال : لمّا نزل قوله تعالى :( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، قال قوم في نفوسهم : ما يريد إلاّ أن يحثّنا على قرابته من بعده ، فأخبر جبرئيل النبي (صلّى الله عليه وآله) أنهم اتّهموه ، فأنزل :( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ) ، فقال القوم : يا رسول الله ، إنّك صادق. فنزل :( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ) (2) .
4 ـ احتجاج العترة الطاهرة بأنها نزلت فيهم ؛ فقد خطب سبط الرسول (صلى الله عليه وآله) الأوّل وريحانته الإمام الحسن (عليه السّلام) ، فقال في جملة خطابه : «وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودّتهم على كل مسلم ، فقال تبارك وتعالى :( قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا ) ، فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت»(3) .
واحتجّ بها سيّد الساجدين والعابدين الإمام علي بن الحسين (عليه السّلام) لمّا جيء به أسيراً إلى الطاغية يزيد ، واُقيم على درج دمشق ، انبرى إليه رجل من أهل الشام فقال له:
الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرني الفتنة.
__________________
(1) حلية الأولياء 3 / 201.
(2) الصواعق المحرقة / 102.
(3) حياة الإمام الحسن 1 / 68.
فنظر إليه الإمام (عليه السّلام) فرآه مغفّلاً قد خدعته الدعايات المضللة ، وحادت به عن الطريق القويم ، فقال له : «أقرأت القرآن؟».
ـ نعم.
ـ «أقرأت آل حم؟».
ـ قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم.
ـ «ما قرأت( لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ؟».
فذُهل الرجل ، ومشت الرعدة بأوصاله وسارع يقول : وإنّكم لأنتم هم؟
ـ «نعم»(1) .
وقال الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) : «فينا آل حم ، آية لا يحفظ مودّتنا إلاّ كل مؤمن». ثمّ قرأ : «قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»(2) .
كلمة الفخر الرازي.
وعلّق الفخر الرازي على هذه الآية مشيداً بآل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، قال ما نصّه :
وإذا ثبت هذا ـ يعني اختصاص الآية بآل البيت (عليهم السّلام) ـ وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم. قال : ويدلّ عليه وجوه :
الأوّل : قوله تعالى :( إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) . ووجه الاستدلال به ما سبق ، وهو ما ذكره من قبل أنّ آل محمد (صلّى الله عليه وآله) هم الذين يؤول أمرهم إليه ، فكل مَن كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل ، ولا شكّ أنّ فاطمة وعلياً والحسن والحسين (عليهم السّلام) كان التعلّق بهم وبين رسول الله (ص)
__________________
(1) تفسير الطبري 25 / 16.
(2) كنز العمال 1 / 218 ، الصواعق المحرقة / 101.
أشدّ التعلّقات ، وهذا كالمعلوم بالنقل المتواتر ، فوجب أن يكونوا هم الآل.
الثاني : لا شكّ أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يحب فاطمة (عليها السّلام) ، قال (صلّى الله عليه وآله) : «فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها». وثبت بالنقل المتواتر عن محمد (صلّى الله عليه وآله) أنّه كان يحبّ علياً والحسن والحسين (عليهم السّلام) ، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الاُمة مثله ؛ لقوله تعالى :( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ، ولقوله تعالى :( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه ) ، ولقوله :( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ ) ، ولقوله سبحانه :( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .
الثالث : إنّ الدعاء للآل منصب عظيم ؛ ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة ، وهو قوله : اللّهمّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد ، وارحم محمداً وآل محمد ، واجب(1) .
إنّ مودّة أهل البيت (عليهم السّلام) من أهمّ الواجبات الإسلامية ، ومن أقدس الفروض الدينية ، يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي :
يا أهلَ بيتِ رسولِ الله حبّكمُ |
فرضٌ من الله في القرآن أنزلهُ |
|
كفاكُمُ من عظيمِ القدرِ أنّكُمُ |
مَن لم يصلِّ عليكُمْ لا صلاة لهُ(2) |
وقال ابن العربي :
رأيتُ ولائي آل طه فريضةً |
على رغمِ أهل البُعد يورثني القربى |
|
فما طلب المبعوثُ أجراً على الهدى |
بتبليغِهِ إلاّ المودّة في القربى |
ويقول شاعر الإسلام الكميت :
وجدنا لكُمْ في آل حم آيةً |
تأوّلها منّا تقيٌ ومعربُ |
إنّ في مودّة آل البيت (عليهم السّلام) أداءً لأجر الرسالة ، وصلة للرسول
__________________
(1) تفسير الرازي في ذيل تفسير آية المودة في سورة الشورى.
(2) الصواعق المحرقة / 88.
الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، وشكراً له على ما لاقاه من عظيم العناء والجهد في سبيل إنقاذ المسلمين من الشرك ، وتحرير عقولهم من الخرافات ، وقد جعل تعالى حقّ نبيّه العظيم على هذه الأمّة أن توالي عترته ، وتكنّ لها المودّة والولاء.
من آيات الله البيّنات التي أعلنت فضل أهل البيت (عليهم السّلام) آية المباهلة ، قال تعالى :( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (1) .
واتّفق المفسّرون ورواة الحديث أنّها نزلت في أهل البيت (عليهم السّلام)(2) .
وإنّ (أَبْنَاءَنَا) إشارة إلى الحسَنَين (عليهما السّلام) ، (وَنِسَاءَنَا) إشارة إلى فاطمة (عليها السّلام) ، (وَأَنْفُسَنَا) إلى علي. نزلت الآية الكريمة في واقعة تاريخية بالغة الخطورة جرت بين قوى الإسلام وبين القوى الممثّلة للنصارى ، وموجز هذه الحادثة : إنّ وفداً من نصارى نجران قَدِموا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليناظروه في الإسلام ، وبعد حديث دار بينهم وبين النبي (صلّى الله عليه وآله) اتّفقوا على الابتهال أمام الله ، ليجعل لعنته وعذابه على الكاذبين والحائدين على الحق ، وعيّنوا
__________________
(1) سورة آل عمران / 60.
(2) تفسير الرازي 2 / 699 ، تفسير البيضاوي / 76) ، تفسير الكشاف 1 / 49 ، تفسير روح البيان 1 / 457 ، تفسير الجلالين 1 / 35 ، صحيح الترمذي 2 / 166 ، سنن البيهقي 7 / 63 ، صحيح مسلم ـ كتاب فضائل الصحابة ، مسند أحمد بن حنبل 1 / 185 ، مصابيح السنّة للبغوي 2 / 201 ، سير أعلام النبلاء 3 / 193.
وقتاً خاصّاً لذلك ، وانصرف وفد النصارى على موعد للعودة للمباهلة حتّى يستبين أمر الله ويظهر الحقّ ويزهق الباطل ، وقد هامت نفوسهم بتيّارات من الهواجس والأحاسيس ، لا يعلمون أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) بمَن يباهلهم.
وفي اليوم الذي اتّفقا عليه خرج النبي (صلّى الله عليه وآله) وقد اختار للمباهلة أفضل الناس وأكرمهم عند الله ، وهو باب مدينة علمه ، وأبو سبطيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وبضعته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين ، والحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنة.
وأقبل (صلّى الله عليه وآله) وقد احتضن الحسين ، وأمسك بيده الاُخرى الحسن ، وسارت خلفه الزهراء مغشاة بملاءة من نور الله ، يسير خلفها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو باد الجلال.
وخرج السيّد والعاقب بولديهما وعليهما الحلي والحلل ، ومعهم نصارى نجران وفرسان بني الحرث على خيولهم ، وهم على أحسن هيئة واستعداد ، واحتشدت الجماهير وقد اشرأبت الأعناق تراقب الحادث الخطير ، وساد الوجوم وصار الكلام همساً ، ولمّا رأت النصارى هيئة الرسول مع أهل بيته ، وهي تملأ العيون وتعنو لها الجباه ، امتلأت نفوسهم رعباً وهلعاً من هيبة الرسول وروعة طلعته ، وجثا النبي (صلى الله عليه وآله) للمباهلة بخضوع ، فتقدم إليه السّيد والعاقب وقد سرت الرعدة في نفوسهم قائلين :
يا أبا القاسم ، بمَن تباهلنا؟
فأجابهم (صلّى الله عليه وآله) بكلمات تمثّلت فيها روعة الإيمان والخشية من الله قائلاً : «اُباهلكم بخير أهل الأرض ، وأكرمهم إلى الله». وأشار إلى علي وفاطمة والحسنين.
وانبريا يسألان بتعجّب قائلين :
لِمَ لا تباهلنا بأهل الكرامة والكبر ، وأهل الشارة ممن آمن بك واتّبعك؟!
فانطلق الرسول (صلّى الله عليه وآله) يؤكّد لهم أنّ أهل بيته أفضل الخلق عند الله قائلاً : «أجل ، اُباهلكم بهؤلاء خير أهل الأرض وأفضل الخلق».
فذهلوا وعرفوا أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) على حقّ ، وقفلوا راجعين إلى الأسقف زعيمهم يستشيرونه في الأمر قائلين له : يا أبا حارثة ، ماذا ترى في الأمر؟
ـ أرى وجوهاً لو سأل الله بها أحد أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله.
ولا يكتفي بذلك ، وإنّما دعم قوله بالبرهان واليمين قائلاً : أفلا تنظرون محمداً رافعاً يديه ، ينظر ما تجيئان به؟! وحقِّ المسيح ، إن نطق فوه بكلمة لا نرجع إلى أهل ولا إلى مال.
وجعل ينهاهم عن المباهلة ويهتف فيهم قائلاً : ألا ترون الشمس قد تغيّر لونها ، والاُفق تنجع فيه السحب الداكنة ، والريح تهبّ هائجة سوداء حمراء ، وهذه الجبال يتصاعد منها الدخان؟! لقد أطلّ علينا العذاب! انظروا إلى الطير وهي تقيء حواصلها ، وإلى الشجر كيف تتساقط أوراقها ، وإلى هذه الأرض كيف ترجف تحت أقدامنا!
لقد غمرتهم تلك الوجوه العظيمة ، رأوا بالعيان ما لها من مزيد الفضل والكرامة عند الله ، ويتدارك النصارى الأمر فأسرعوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) قائلين : يا أبا القاسم ، أقلنا أقال الله عثرتك.
ويخضعون لِما شرطه النبي (صلّى الله عليه وآله) عليهم ، وأعلن بعد ذلك أنّهم لو استجابوا للمباهلة لهلكت النصارى قائلاً :
والذي نفسي بيده ، إنّ العذاب تدلّى على أهل نجران ، ولو لاعَنوا لمُسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم عليهم الوادي ناراً ، ولاستأصل الله نجران وأهله ، حتّى الطير على الشجر ، وما حالَ الحَول على النصارى كلّهم(1) .
وأوضحت هذه الحادثة الخطيرة مدى أهمّية أهل البيت (عليهم السّلام) ، وأنّهم لا مثيل لهم في المجتمع الإسلامي الحافل آنذاك بالمجاهدين والمكافحين في سبيل الإسلام ، ولو أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) وجَدَ مَن هو خير منهم ورعاً وتقوى لاختارهم للمباهلة ، بل لو كان هناك مَن يساويهم في الفضل لامتنع أن يقدّم أهل بيته عليهم ؛ لقبح الترجيح بلا مرجّح ـ كما يقول علماء الاُصول.
كما أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم ينتدب للمباهلة أحداً من عشيرته الأقربين فلم يدعُ صنو أبيه وعمّه العباس بن عبد المطلب ، ولم يدعُ أحداً من أبناء الهاشميّين ليضمّه إلى سبطيه ، وكذلك لم يدعُ واحدةً من اُمّهات المؤمنين وهنّ كنّ في حجراته ، بل لم يدعُ شقيقة أبيه صفية ولا غيرها ليضمّها إلى بضعته سيّدة نساء العالمين. ولم يدعُ غيرها من عقائل الشرف وخفرات عمرو العلا وشيبة الحمد ، ولا واحدة من نساء الخلفاء الثلاثة وغيرهم من المهاجرين والأنصار ، وجميع اُسرته كانوا بمرأى منه ومسمع ؛ والغرض من ذلك التدليل على فضل أهل بيته وعظيم شأنه عند الله :( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) .
يقول الإمام شرف الدين (رحمه الله) : وأنت تعلم أنّ مباهلته (صلّى الله عليه وآله) بهم والتماسه منهم التأمين على دعائه بمجرده لفضل عظيم ، وانتخابه إيّاهم لهذه المهمّة العظيمة ، واختصاصهم بهذا الشأن الكبير ، وإيثارهم فيه على مَن سواهم من أهل السوابق ، فضل على فضل لم يسبقهم إليه سابق ولن
__________________
(1) نور الأبصار / 100.
يلحقهم فيه لاحق ، ونزول القرآن العزيز آمراً بالمباهلة بهم بالخصوص فضل ثالث ، يزيد فضل المباهلة ظهوراً ، ويضيف إلى شرف اختصاصهم بها شرفاً ، وإلى نوره نوراً(1) .
كما دلّت الآية بوضوح على أنّ الإمام أمير المؤمنين هو نفس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ورسول الله أفضل من جميع خلق الله ؛ فعلي كذلك بمقتضى المساواة بينهما. وقد أدلى بهذا الفخر الرازي في تفسيره الكبير قال : كان في الري رجل يُقال له محمد بن الحسن الحمصي ، وكان معلم الاثني عشرية ، وكان يزعم أنّ علياً أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد (صلّى الله عليه وآله) ، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى :( وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ) ؛ إذ ليس المراد بقوله :( وَأَنْفُسَنَا ) نفس محمد (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد غيرها ، وأجمعوا على أنّ ذلك الغير كان علي بن أبي طالب ، فدلّت الآية على أنّ نفس علي هي نفس محمد.
ولا يمكن أن يكون المراد أنّ هذه النفس هي عين تلك ، فالمراد أنّ هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك يقتضي المساواة بينهما في جميع الوجوه ، تركنا العمل بهذا العموم في حقّ النبوّة ، وفي حقّ الفضل بقيام الدلائل على أنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) كان نبيّاً ، وما كان علي كذلك ، ولانعقاد الإجماع على أنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) كان أفضل من علي فبقي ما وراءه معمولاً به ، ثمّ الإجماع دلّ على أنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) كان أفضل من سائر الأنبياء (عليهم السّلام) ، فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء(2) .
__________________
(1) الكلمة الغرّاء / 184.
(2) تفسير الرازي 2 / 488.
من آيات الله الباهرات التي أشادت بفضل العترة الطاهرة آية الأبرار ، قال تعالى :( إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراًًً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراًً * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً ) (1) .
روى جمهور المفسّرين والمحدّثين أنّها نزلت في أهل البيت (عليهم السّلام)(2) ، وكان السبب في ذلك أنّ الحسن والحسين (عليهما السّلام) مرضا فعادهما جدّهما الرسول (صلى الله عليه وآله) مع كوكبة من أصحابه ، وطلبوا من علي أن ينذر لله صوماً إن عافاهما مما ألمّ بهما من السقم ، فنذر أمير المؤمنين صوم ثلاثة أيّام ، وتابعته الصديقة (عليها السّلام) وجاريتها فضة في ذلك. ولمّا [شُفي] الحسنان من المرض صاموا جميعاً ، ولم يكن عند الإمام في ذلك الوقت شيء من الطعام ليجعله إفطاراً لهم ، فاستقرض (سلام الله عليه) ثلاث أصواع من الشعير ، فعمدت الصدّيقة في اليوم الأوّل إلى صاع فطحنته وخبزته ، فلمّا آنَ وقت الإفطار وإذا بمسكين يطرق الباب يستمنحهم شيئاً من الطعام ، فعمدوا جميعاً إلى هبة قوتهم إلى المسكين ، واستمرّوا في صيامهم لم يتناولوا سوى الماء.
وفي اليوم الثاني عمدت بضعة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى تهيئة الطعام الذي
__________________
(1) سورة الإنسان / 5 ـ 7.
(2) تفسير الفخر الرازي 8 / 392 ، أسباب النزول للواحدي / 133 النيسابوري في تفسير سورة هل أتى ، روح البيان 6 / 546 ، الدر المنثور ، ينابيع المودة 1 / 93 ، الرياض النضرة 2 / 227 ، إمتاع الأسماع للمقريزي / 502.
كان قوامه خبز الشعير ، ولمّا حان وقت الغروب وإذا بيتيم قد أضناه الجوع وهو يطلب الإسعاف منهم ، فتبرّعوا جميعاً بقوتهم ، ولم يتنالوا سوى الماء.
وفي اليوم الثالث قامت سيّدة النساء فطحنت ما فضل من الطعام وخبزته ، فلمّا حان وقت الإفطار قدّمت لهم الطعام ، وسرعان ما طرق الباب أسير قد ألمّ به الجوع فسحبوا أيديهم من الطعام ومنحوه له.
سبحانك اللّهمّ أيّ مبرّة أعظم من هذه المبرة! أيّ إيثار أبلغ من هذا الإيثار! إنه إيثار ما قصد به إلاّ وجه الله الكريم.
ووفد عليهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في اليوم الرابع فرآهم ، ويا لهول ما رأى! رأى أجساماً مرتعشة من الضعف ، ونفوساً قد ذابت من الجوع ، فتغيّر حاله وطفق يقول : «واغوثاه! أهل بيت محمد يموتون جياعاً!».
ولم ينهِ الرسول كلامه حتّى هبط عليه أمين الوحي وهو يحمل المكافأة العظمى لأهل البيت والتقييم لإيثارهم الخالد إنها مكافأة لا توصف بكيف ولا تقدّر بكم ، فهي مغفرة ورحمة ورضوان من الله ليس لها حدّ ، فقد (جَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلاً).
إنّه عطاء سمح وجزيل ؛ فقد حباهم ربّهم في الدار الآخرة من عظيم النِعَم والكرامات ، وأجزل لهم المزيد من مغفرته ورضوانه.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض الآيات الكريمة التي نزلت في أهل البيت (عليهم السّلام) ، ومما لا شكّ فيه أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) من المعنيين
بتلك الآيات الكريمة النازلة من السماء ، وقد أبرزت مدى مقامه العظيم عند الله.
في السنّة النبوية كوكبة ضخمة من الأحاديث نطق بها الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله) أبرزت معالم شخصية الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وحدّدت أبعاد فضله على سائر المسلمين وقد تضافرت النصوص بذلك ، وتواترت وهي على طوائف بعضها ورد في أهل البيت (عليهم السّلام) مما هو شامل للإمام الحسين قطعاً ، وبعضها الآخر ورد فيه وفي أخيه الحسن (عليه السّلام) ، وطائفة ثالثة وردت فيه خاصة ، وفيما يلي ذلك :
أمّا ما أثر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في فضل عترته ولزوم مودّتهم فطائفة كبيرة من الأخبار ، وفيما يلي بعضها :
1 ـ روى أبو بكر قال : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خيّم خيمة وهو متكئ على قوس عربية ، وفي الخيمة علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السّلام) ، فقال : «معشر المسلمين ، أنا سلم لمَن سالم أهل الخيمة ، وحرب لمَن حاربهم ، وولي لمَن والاهم. لا يحبّهم إلاّ سعيد الجدّ ، ولا يبغضهم إلاّ شقي الجدّ رديء الولادة»(1) .
2 ـ روى زيد بن أرقم أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لعلي وفاطمة
__________________
(1) الرياض النضرة 2 / 252.
والحسن والحسين (عليهم السلام) : «أنا حرب لمَن حاربتم ، وسلمٌ لمَن سالمتم»(1) .
3 ـ روى أحمد بن حنبل بسنده أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أخذ بيد الحسن والحسين وقال : «مَن أحبّني وأحبّ هذين ، وأباهما واُمّهما كان معي في درجتي يوم القيامة»(2) .
4 ـ روى جابر ، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ذات يوم بعرفات وعلي تجاهه : «ادنُ منّي يا علي. خُلقتُ أنا وأنت من شجرة ؛ أنا أصلها ، وأنت فرعها ، والحسن والحسين أغصانها ، فمَن تعلّق بغصن منها أدخله الله الجنة»(3) .
5 ـ روى ابن عباس قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لاُمّتي من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس»(4) .
__________________
(1) صحيح الترمذي 2 / 319 ، وروى ابن ماجة في سُننه 1 / 52 أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال : «أنا سلم لمَن سالمتم ، وحرب لمَن حاربتم». ومثله رواه الحاكم في مستدركه 3 / 149 ، وابن الأثير في اُسد الغابة 5 / 523 ، ورواه أحمد في مسنده 2 / 442 بسنده عن أبي هريرة ، وكذلك رواه الخطيب البغدادي في تاريخه 7 / 36.
(2) مسند أحمد 1 / 77 ، صحيح الترمذي 2 / 301 ، وجاء في تهذيب التهذيب 10 / 430 أنّ نصر بن علي حدّث بهذا الحديث ، فأمر المتوكّل بضربه ألف سوط ، فكلّمه فيه جعفر بن عبد الواحد ، وجعل يقول له : هذا من أهل السنّة ، فلم يزل به حتّى تركه.
(3) مسند أحمد 1 / 77.
(4) مستدرك الحاكم 3 / 149 ، وفي كنز العمال 6 / 116 ، والصواعق المحرقة / 111 أنّه (صلّى الله عليه وآله) قال : «النجوم أمان لأهل الأرض ، وأهل
6 ـ روى زيد بن أرقم قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما»(1) .
إنّ حديث الثقلين من أروع الأحاديث النبويّة وأكثرها ذيوعاً وانتشاراً بين المسلمين ، وقد تكرّر هذا الحديث من النبي (صلّى الله عليه وآله) في مواضع كثيرة نشير إلى بعضها :
أ ـ أعلن (صلّى الله عليه وآله) ذلك وهو في حجّة يوم عرفة فقد روى جابر بن عبد الله الأنصاري قال : رأيت رسول الله في حجّته يوم عرفة وهو على ناقته القصوى يخطب ، فسمعته يقول : «يا أيها الناس ، إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(2) .
ب ـ إنّه (صلّى الله عليه وآله) أدلى بذلك في يوم الغدير ، فقد روى زيد بن أرقم قال : نزل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) (الجحفة) ، ثمّ أقبل على الناس فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : «إنّي لا أجد النبي إلاّ نصف عمر الذي قبَله ، وإنّي اُوشك أن اُدعى فأجيب ، فما أنتم قائلون؟».
قالوا : نصحت.
قال : «أليس تشهدون أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله ، وأنّ الجنّة حقّ ، وأنّ النار حق؟».
قالوا : نشهد.
__________________
بيتي أمان لاُمّتي». ورواه المناوي في فيض القدير 6 / 297 ، والهيثمي في مجمعه 9 / 174.
(1) صحيح الترمذي 2 / 308 ، اُسد الغابة 2 / 12.
(2) كنز العمال 1 / 48 ، صحيح الترمذي 2 / 308.
فرفع (صلّى الله عليه وآله) يده فوضعها على صدره ، ثمّ قال : «وأنا أشهد معكم». والتفت (صلّى الله عليه وآله) إليهم فقال :
«ألا تسعمون؟».
ـ نعم.
ـ «فإنّي فرط على الحوض ، وأنتم واردون على الحوض ، وإنّ عرضه ما بين صنعاء وبصرى ، فيه أقداح عدد النجوم من فضة ، فانظروا كيف تخلّفوني في الثقلين».
فناداه مناد : وما الثقلان يا رسول الله؟
قال (صلّى الله عليه وآله) : «كتاب الله ، طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأديكم فتمسّكوا به ، والآخر عشيرتي(1) ، وأنّ اللطيف الخبير نبّأني أنهّما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فسألت ذلك لهما ربّي ؛ فلا تقدِموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما ، ولا تعلّموهما فهم أعلم منكم». ثمّ أخذ بيد علي (عليه السّلام) فقال : «مَن كنت أولى به من نفسه فعلي وليه ، اللّهمّ وال مَن والاه وعاد مَن عاداه»(2) .
ج ـ أعلن (صلّى الله عليه وآله) ذلك وهو على فراش الموت ، فقد التفت (صلّى الله عليه وآله) إلى أصحابه فقال لهم : «أيها الناس ، يوشك أن اُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم ، إلاّ أنّي مخلّف فيكم كتاب ربّي عزّ وجلّ ، وعترتي أهل بيتي». ثم أخذ بيد علي (عليه السّلام) فرفعها ، فقال : «هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض ، فأسألهما ما خلّفت فيهما»(3) .
__________________
(1) في كنز العمال 1 / 48 لفظ (عترتي).
(2) مجمع الزوائد للهيثمي 9 / 163.
(3) الصواعق المحرقة / 75.
إنّ حديث الثقلين من أوثق الأحاديث النبويّة وأوفرها صحّة ، وقد ذكر المناوي عن السمهودي أنه قال : وفي الباب ما يزيد على عشرين من الصحابة(1) ، وكلّهم قد رووا هذا الحديث. وقال ابن حجر : ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بعض وعشرين صحابيّاً(2) .
ويدلّ هذا الحديث دلالة صريحة واضحة على حصر الإمامة في أهل البيت (عليهم السّلام) وعلى عصمتهم من الآثام والأهواء ؛ لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قرنهم بكتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ومن الطبيعي أنّ أيّ انحراف منهم عن الدين يعتبر افتراقاً عن الكتاب العزيز.
وقد صرّح (صلّى الله عليه وآله) بعدم افتراقهما حتّى يردا عليه الحوض ، فدلالته على العصمة ظاهرة جلية لا خفاء فيها ، كما أكّد النبي (صلّى الله عليه وآله) في هذا الحديث على اُمّته أن لا تتقدّم عليهم ، وأن تسلّم إليهم قيادتها ؛ لئلاّ تهلك في مجال هذه الحياة. والبحث عن معطيات هذا الحديث الشريف يستدعي وضع كتاب خاص فيه ، وقد عرض جماعة من العلماء بصورة موضوعية وشاملة للبحث عنه(3) .
7 ـ روى أبو سعيد الخدري قال : سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول : «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح ؛ مَن ركبها نجا ، ومَن تخلّف عنها غرق. وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل ؛ مَن دخله غُفر له»(4) .
__________________
(1) فيض القدير 3 / 14.
(2) الصواعق المحرقة / 136.
(3) يراجع في ذلك المراجعات / 49 ـ 52 ، الاُصول العامة للفقه المقارن / 164 ـ 187.
(4) مجمع الزوائد 9 / 168 ، ورواه الحاكم في مستدركه 2 / 43
وفي هذا الحديث دعوة خلاّقة وملزمة إلى التمسّك بالعترة الطاهرة ؛ فإنّه ضمان لنجاة الاُمّة وسلامتها ، كما أنّ في البُعد عنها غواية وهلاكاً ، يقول الإمام شرف الدين في بيان هذا الحديث :
وأنت تعلم أنّ المراد من تشبيههم (عليهم السّلام) بسفينة نوح أنّ مَن لجأ إليهم في الدين ، فأخذ فروعه وأصوله عن أئمّته ، نجا من عذاب النار ، ومَن تخلّف عنهم كان كمَن آوى " يوم الطوفان " إلى جبل ليعصمه من أمر الله ، غير أنّ ذاك غرق في الماء ، وهذا في الحميم والعياذ بالله. والوجه في تشبيههم (عليهم السّلام) بباب حطّة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه ، وبهذا كان سبباً للمغفرة
هذا وجه الشبه. وقد حاوله ابن حجر إذ قال بعد أن أورد هذه الأحاديث وغيرها من أمثالها :
ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة شرفهم وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات ، ومَن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في مفاوز الطغيان إلى أن قال : وباب حطّة ـ يعني ووجه تشبيههم بباب حطّة ـ أنّ الله جعل دخول ذلك الباب ، الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس ، مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة ، وجعل
__________________
عن حنش عن أبي ذر ، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه 2 / 19 بسنده عن أنس بن مالك ، ورواه أبو نعيم في الحلية 4 / 306 بسنده عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ، ورواه المتقي في كنز العمال بسنده عن ابن الزبير وابن عباس ، ورواه المحب الطبري في ذخائر العقبى / 20 بسنده عن علي ، ورواه الطبراني في كتابيه الأصغر والأوسط عن أبي سعيد الخدري.
لهذه الاُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها(1) .
واستدلّ المتكلّمون من الشيعة بهذا الحديث على حصر الإمامة في أهل البيت (عليهم السّلام) ؛ لأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) جعلهم كسفينة نوح تميزاً لهم عن غيرهم ، فالرجوع إليهم سبب للنجاة والتخلّف عنهم سبب للضلالة والهلاك.
8 ـ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «معرفة آل محمد براءة من النار ، وحبُّ آل محمد جواز على الصراط ، والولاية لآل محمد أمان من العذاب»(2) .
9 ـ قال (صلّى الله عليه وآله) : «مَن مات على حبّ آل محمد مات شهيداً ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد مات مغفوراً له ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد مات تائباً ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد بشّره ملك الموت بالجنّة ثمّ منكر ونكير ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد يُزفّ إلى الجنّة كما تُزفّ العروس إلى بيت زوجها ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد فُتح في قبره بابان إلى الجنّة ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد جعل قبره مزار ملائكة الرحمة ، ألا ومَن مات على حبّ آل محمد مات على السنّة والجماعة ، ألا ومَن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله»(3) .
لقد دعا الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى موالاة عترته ، وأن نُكنّ لهم في أعماق
__________________
(1) المراجعات / 54.
(2) المراجعات / 54.
(3) المراجعات / 59 ، نقله عن الثعلبي في تفسير آية المودة من تفسير الكبير.
نفوسنا أصدق آيات الحبّ والولاء ، وأن يكون ذلك مستمراً حتّى آخر لحظة من حياتنا.
10 ـ قال (صلّى الله عليه وآله) : «اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد ، ومكان العينين من الرأس ، ولا يهتدي الرأس إلاّ بالعينين»(1) .
11 ـ قال (صلّى الله عليه وآله) : «لا تزول قدما عبد ـ يوم القيامة ـ حتّى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه ، وعن جسده فيما أبلاه ، وعن ماله فيما أنفقه ومن أين اكتسبه ، وعن محبّتنا أهل البيت»(2) .
12 ـ قال (صلّى الله عليه وآله) : «مَن سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي ، ويسكن جنة عدن غرسها ربّي ، فليوال علياً من بعدي ، وليوال وليّه ، وليعتد بأهل بيتي من بعدي ؛ فإنهم عترتي ، خُلقوا من طينتي ، ورُزقوا فهمي وعلمي ، فويلٌ للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي»(3) .
13 ـ قال علي (عليه السّلام) : «أخبرني رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إنّ أوّل مَن يدخل الجنّة أنا وفاطمة والحسن والحسين ، قلت : يا رسول الله ، فمحبّونا؟ قال : من ورائكم»(4) .
14 ـ روى أبو سعيد الخدري أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) دخل على فاطمة (عليها السّلام) ، قفال : «إنّي وإيّاكِ وهذا النائم ـ يعني علياً ، وهما ـ يعني الحسن والحسين ـ لفي مكان واحد يوم القيامة»(5) .
__________________
(1) المراجعات / 58 ، نقله عن الشرف المؤبد / 58.
(2) المراجعات نقله عن السيوطي في إحياء الميّت ، والنبهاني في أربعينه.
(3) كنز العمال 6 / 217.
(4) مستدرك الحاكم 3 / 151.
(5) مستدرك الحاكم 3 / 137.
هذه بعض الأحاديث التي أثرت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في فضل عترته ، والمتأمّل فيها يطلّ على الغاية التي ينشدها (صلّى الله عليه وآله) وهي جعل القيادة الإسلامية بيد أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) ، الذين آثروا طاعة الله على كل شيء ؛ حتّى لا تزيغ الاُمّة في مسيرتها عن طريق الهدى والصلاح ، ولا تنحرف عن سلوكها عمّا أمر الله به وتشيع في أوساطها العدالة والحق ، وينسدّ الطريق أمام القوى الباغية من أن تنزو على منابر الحكم والخلافة الإسلامية.
وحفلت مصادر السيرة النبويّة والأحاديث بحشد كبير من الأخبار التي أثرت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في حقّ السبطين (عليهم السّلام) ، ومدى أهمّيتهما ومقامهما الكريم عنده ، ونتعرض فيما يلي لبعضها :
1 ـ روى أبو أيوب قال : دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والحسن والحسين (عليهما السّلام) يلعبان بين يديه (أو في حجره) ، فقلت : يا رسول الله ، أتحبّهما؟ فقال : «وكيف لا اُحبّهما وهما ريحانتاي من الدنيا أشمّهما!»(1) .
وقد أضفى الرسول (صلّى الله عليه وآله) عليهما لقب الريحانتين في مواطن عديدة ونشير إلى بعضها :
أ ـ روى سعيد بن راشد قال : جاء الحسن والحسين (عليهما السّلام) يسعيان إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فأخذ أحدهما فضمّه إلى إبطه ، ثمّ جاء الآخر فضمّه
__________________
(1) مجمع الزوائد 9 / 181 ، ورواه الذهبي في سير أعلام النبلاء 2 / 189 مع تغيير يسير ، مختصر صفة الصفوة / 62 ، تاريخ ابن عساكر 13 / 39.
إلى إبطه الاُخرى وقال : «هذان ريحانتاي من الدنيا ، مَن حبّني فليحبّهما»(1) .
ب ـ قال سعد بن مالك : دخلت على النبي (صلّى الله عليه وآله) والحسن والحسين يلعبان على ظهره ، فقلت : يا رسول الله ، أتحبّهما؟ فقال : «وما لي لا اُحبّهما ، وإنّهما ريحانتاي من الدنيا!»(2) .
ج ـ روى أنس بن مالك قال : دخلت (أو ربما دخلت) على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والحسن والحسين يتقلّبان على بطنه ، ويقول : «ريحانتي من هذه الاُمّة»(3) .
د ـ روى أبو بكرة قال : كان الحسن والحسين (عليهما السّلام) يثبان على ظهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في الصلاة فيمسكهما بيده حتّى يرفع صلبه ، ويقومان على الأرض ، فلمّا فرغ أجلسهما في حجره ، ثمّ قال : «إنّ ابنَي هذين ريحانتاي من الدنيا»(4) .
هـ ـ روى جابر أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) : «سلام عليك يا أبا الريحانتين ، اُوصيك بريحانتي من الدنيا خيراً ؛ فعن قليل ينهدّ ركناك ، والله خليفتي عليك». قال : فلمّا قبض النبي (صلّى الله عليه وآله) قال علي (عليه السّلام) : «هذا أحد الركنين اللَّذَين قال النبي (صلّى الله عليه وآله)». فلمّا ماتت فاطمة (عليها السّلام) قال علي (عليه السّلام) : «هذا الركن الآخر الذي قال النبي (صلّى الله عليه وآله)»(5) .
و ـ روى البخاري بسنده عن ابن أبي نعم قال : كنت شاهداً
__________________
(1) ذخائر العقبى / 124.
(2) كنز العمال 7 / 110.
(3) خصائص النسائي / 37 ، وفي مسند الإمام زيد / 469 «الولد ريحانة ، وريحانتي الحسن والحسين».
(4) كنز العمال 7 / 109.
(5) حلية الأولياء 3 / 201.
لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض ، فقال : ممّن أنت؟ فقال : من أهل العراق. قال : انظروا إلى هذا يسألني عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وسمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول : «هما ريحانتاي من الدنيا»(1) !
2 ـ روى انس بن مالك قال : سُئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أيّ أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال (صلّى الله عليه وآله) : «الحسن والحسين». وكان يقول لفاطمة (عليها السّلام) : «ادعي ابنَيَّ». فيشمّهما ويضمّهما إليه(2) .
3 ـ روى ابن عباس قال : بينا نحن ذات يوم مع النبي (صلّى الله عليه وآله) إذ أقبلت فاطمة (عليها السّلام) تبكي ، فقال لها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «فداك أبوك! ما يبكيك؟». قالت : «إنّ الحسن والحسين خرجا ، ولا أدري أين باتا». فقال لها رسول (صلّى الله عليه وآله) : «لا تبكين ؛ فإنّ خالقهما ألطف بهما منّي ومنك». ثمّ رفع يديه وقال : «اللّهمّ احفظهما وسلمّهما». فهبط جبرئيل وقال : يا محمد ، لا تحزن فإنّهما في حظيرة بني النّجار نائمان ، وقد وكّل الله بهما ملكاً يحفظهما.
فقام النبي (صلّى الله عليه وآله) ومعه أصحابه حتّى أتى الحظيرة ، فإذا الحسن والحسين (عليهما السّلام) معتنقان نائمان ، وإذا الملك الموكّل بهما قد جعل أحد جناحيه تحتهما والآخر فوقهما يظلّهما ، فأكبّ النبي (صلّى الله عليه وآله) يقبّلهما حتّى انتبها من نومهما ، ثمّ جعل الحسن على عاتقه الأيمن ، والحسين على عاتقه الأيسر ، فتلقّاه أبو بكر وقال : يا رسول الله ، ناولني أحد الصبيين أحمله عنك. فقال (صلّى الله عليه وآله) : «نِعم المطيّ مطيهما ، ونِعم الراكبان هما ، وأبوهما خير منهما». حتّى أتى المسجد ، فقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على قدميه ، وهما على عاتقيه ، ثمّ قال :
__________________
(1) صحيح البخاري ـ كتاب الأدب ، فضائل الخمسة من الصحاح السّتة 3 / 183.
(2) صحيح الترمذي 2 / 306 ، فيض القدير 1 / 148.
«معاشر المسلمين ، ألا أدلّكم على خير الناس جدّاً وجدّة؟».
فقالوا : بلى يا رسول الله.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «الحسن والحسين جدّهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خاتم المرسلين ، وجدّتهما خديجة بنت خويلد سيّدة نساء أهل الجنة».
ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : «ألا أدلّكم على خير الناس عمّاً وعمّة؟».
قالوا : بلى يا رسول الله.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «الحسن والحسين عمّهما جعفر بن أبي طالب ، وعمّتهما اُمّ هانئ بنت أبي طالب».
ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : «أيها الناس ، ألا أدلّكم على خير الناس خالاً وخالة؟».
قالوا : بلى يا رسول الله.
قال (صلى الله عليه وآله) : «الحسن والحسين خالهما القاسم بن رسول الله ، وخالتهما زينت بنت رسول الله».
ثمّ قال (صلى الله عليه وآله) : «اللّهمّ إنّك تعلم أنّ الحسن والحسين في الجنّة ، وعمّهما في الجنّة ، وعمّتهما في الجنّة ، ومَن أحبّهما في الجنّة ، ومَن أبغضهما في النار»(1) .
وهذا الحديث الشريف دلّ بوضوح على مدى حبّه (صلى الله عليه وآله) لسبطيه ، وأنّهما أحبّ أهل بيته إليه ، كما أنّهما أفضل الناس نسباً وحسباً ، وأنّ مَن أحبّهما ينزل معهم مقاماً كريماً في الفردوس.
4 ـ روى عمر قال : رأيت الحسن والحسين (عليهما السّلام) على عاتقي النبي (صلى الله عليه وآله) ، فقلت : نِعم الفرس تحتكما ، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) : «ونِعم الفارسان هما»(2) . وبهذا المضمون روى جابر
__________________
(1) ذخائر العقبى / 130.
(2) مجمع الزوائد 9 / 182 ، كنز العمال 7 / 108.
قال : دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله) والحسن والحسين على ظهره وهو يقول : «نِعم الجمل جملكما ، ونِعم العدلان أنتما»(1) .
وقد نظم ذلك السّيد الحميري بقوله :
أتى حسناً والحسينَ الرسول |
وقد برزا ضحوةً يلعبانِ |
|
فضمّهما وتفدّاهما |
وكانا لديهِ بذاك المكانِ |
|
ومرّا وتحتهما عاتقاهْ |
فنعمَ المطيةُ والراكبانِ |
5 ـ روى أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة»(2) .
6 ـ روى سلمان الفارسي قال : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : «الحسن والحسين ابناي ، مَن أحبّهما أحبّني ، ومَن أحبّني
__________________
(1) كنز العمال 7 / 108 ، مجمع الزوائد 9 / 182.
(2) صحيح الترمذي 2 / 306 ، مختصر صفة الصفوة / 62 ، مسند أحمد بن حنبل 3 / 62 ، حلية الأولياء 5 / 71 ، تاريخ بغداد 9 / 231. ورواه الحاكم في المستدرك 3 / 167 بسنده عن ابن عمر ، قال (صلّى الله عليه وآله) : «الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما خير منهما».وبهذا النص ورد في مسند الإمام زيد ، وفي الإصابة 1 / 266 روى جهم قال : سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : «إنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ؛ مَن أحبّهما فقد أحبّني ، ومَن أبغضهما فقد أبغضني». وفي الجامع الكبير للسيوطي ، عن ابن عساكر بسنده ، عن حذيفة أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : «أتاني ملك فسلّم عليّ ، نزل من السماء لم ينزل قبلها ، فبشّرني أنّ الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأنّ فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة».
أحبّه الله ، ومَن أحبّه الله أدخله الجنّة. ومَن أبغضهما أبغضني ، ومَن أبغضني أبغضه الله ، ومَن أبغضه الله أدخله النار»(1) .
7 ـ كان النبي (صلّى الله عليه وآله) يخطب ، فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران ، وهما يمشيان ويعثران ، فنزل (صلّى الله عليه وآله) عن المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ، وقال : «صدق الله إذ يقول : أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ. لقد نظرت إلى هذين الصبيين وهما يمشيان ويعثران فلم أصبر حتّى قطعت حديثي ورفعتهما»(2) .
8 ـ روى يعلى بن مرة قال : جاء الحسن والحسين يستبقان إلى
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 / 166 ، وبتغيير يسير رواه الهيثمي في معجمه 9 / 111 ، وكذلك رواه المتقي في كنز العمال 6 / 221. وفي سنن ابن ماجة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «مَن أحبّ الحسن والحسين فقد أحبّني ، ومَن أبغضهما فقد أبغضني». وفي تهذيب التهذيب في ترجمة نصر بن علي الأزدي ، روى علي بن الصواف ، عن عبد الله بن أحمد : إنّ نصراً حدّث أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أخذ بيد حسن وحسين فقال : «مَن أحبّني وأحبّ هذين وأباهما كان معي في درجتي يوم القيامة». فلما سمع ذلك المتوكّل أمر بضربه ألف سوط ، فكلّمه فيه جعفر بن عبد الواحد ، وجعل يقول له : هذا من أهل السنّة ، فلم يزل به حتّى تركه.
(2) صحيح الترمذي 2 / 306 ، سنن النسائي 1 / 201 ، مستدرك الحاكم 1 / 287 ، سنن أبي داود 6 / 110 ، مسند أحمد بن حنبل 5 / 354 ، سنن البيهقي 3 / 218 ، اُسد الغابة 2 / 12 ، كنز العمال 7 / 168 ، سنن النسائي 3 / 108.
رسول الله فضمّهما ، وقال : «إنّ الولد مبخلة مجبنة»(1) .
9 ـ قال (صلّى الله عليه وآله) : «الحسن والحسين سبطان(2) من الأسباط»(3) .
10 ـ روى أنس أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : «أحبّ أهل بيتي إليّ الحسن والحسين»(4) .
11 ـ روى أنس قال : سُئل النبي (صلّى الله عليه وآله) : أيّ أهل بيتك أحبّ إليك؟ قال : «الحسن والحسين». وكان يقول لفاطمة (عليها السّلام) : «ادعي لي ابنيَّ». فيشمّهما ويضمّهما إليه(5) .
12 ـ قال (صلّى الله عليه وآله) : «الحسن والحسين إمامان إن قاما وإن قعدا»(6) .
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 / 168 ، مسند أحمد بن حنبل 4 / 172 ، ومعنى الحديث أنّ الولد يحمل أباه على البخل والجبن.
(2) السبطان : تثنية سبط ، وفي لسان العرب 9 / 181 أنّ السبط أمّة من الاُمم في الخير.
(3) كنز العمال 6 / 221 ، الصواعق المحرقة / 114 ، الأدب المفرد ، وفي صبح الأعشى 1 / 430 : إنّ الحسن والحسين (عليهما السّلام) أوّل مَن سُمّيا بالسبطين في الإسلام.
(4) صحيح الترمذي.
(5) تيسير الوصول لابن الديبغ 3 / 376.
(6) بحار الأنوار 1078 ، وفي نزهة المجالس 2 / 184 : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال للحسن والحسين (عليهما السّلام) : «أنتما الإمامان ، ولاُمّكما الشفاعة». وورد هذا الحديث في الإتحاف بحبّ الأشراف / 129.
لقد أضفى النبي (صلّى الله عليه وآله) على ريحانتيه حلّة الإمامة ، وجعلها من ذاتيّاتهما ؛ سواء أقاما بالأمر وتقلّدا شؤون الخلافة أم لا.
وذكر الرواة بوادر كثيرة تدلّ على مدى تعلّق النبي (صلّى الله عليه وآله) بسبطيه وشدّة حبّه لهما ، وفيما يلي بعض منها :
1 ـ إنّه كان إذا غاب عنه الحسن والحسين اشتدّ شوقه إليهما ، وأمر بمَن يدعوهما إليه فيأخذهما ويشمّهما ، ويضمّهما إلى صدره(1) .
2 ـ قال عبد الله بن جعفر : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا قفل من سفر تلقّى بي أو بالحسن أو بالحسين(2) .
3 ـ وبلغ من حبّه (صلّى الله عليه وآله) لسبطيه أنّه قَبِل بيعتهما له ضمن الثلاثة الصغار الذين بايعوه من أهل البيت ، هما مع ابن عمّهما عبد الله بن جعفر ، ولم يبايع صغيراً قط إلاّ هُم(3) .
4 ـ وكان (صلّى الله عليه وآله) يحملهما على دابّته ، فيجعل أحدهما قدامه والآخر خلفه(4) .
5 ـ وبلغ من حنانه (صلّى الله عليه وآله) وعطفه على سبطيه أنّه كان يصلّي العشاء ، فإذا سجد وثبا على ظهره ، فإذا رفع رأسه أخذهما أخذاً رقيقاً فيضعهما
__________________
(1) صحيح الترمذي.
(2) سنن الدارمي 2 / 285.
(3) العقد الفريد 2 / 243.
(4) صحيح مسلم 5 / 191.
على الأرض ، فإذا عاد عادا ، حتّى إذا قضى صلاته أقعدهما على فخذيه(1) .
لقد أولى النبي (صلّى الله عليه وآله) سبطيه رعايته ومحبّته ؛ ليري المسلمين مدى مكانتهما عنده حتّى تخفض لهما جناح المودّة ، وتقلّدهما قيادتها الروحية والزمنية ؛ ليسيرا بها إلى مدارج الحياة الكريمة التي يجد فيها الإنسان جميع ما يصبو إليه.
وتواترت الأخبار التي أثرت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في فضل ريحانته الإمام الحسين (عليه السّلام) وهي تحدّد معالم شخصيته ، كما تحمل جانباً كبيراً من اهتمام الرسول (صلّى الله عليه وآله) به ، وفيما يلي بعضها :
1 ـ روى جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «مَن أراد أن ينظر إلى سيّد شباب أهل الجنّة فلينظر إلى الحسين بن علي»(2) .
2 ـ روى أبو هريرة قال : رأيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو حامل الحسين بن علي ، ويقول : «اللّهمّ إنّي اُحبّه فأحبه»(3) .
3 ـ روى يعلى بن مرة قال : خرجنا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى طعام دعونا له ، فإذا حسين يلعب بالسكّة ، فتقدّم النبي (صلّى الله عليه وآله) وبسط يديه ، فجعل الغلام يفرّ ها هنا وها هنا ، ويضاحكه النبي (صلّى الله عليه وآله) ،
__________________
(1) مسند الإمام أحمد.
(2) تاريخ ابن عساكر 13 / 50 ، من مخطوطات مكتبة الإمام أمير المؤمنين ، سير أعلام النبلاء 3 / 190.
(3) مستدرك الحاكم 3 / 177 ، وفي نور الأبصار / 129 : لفظ الحديث «اللّهمّ إنّي اُحبّه ، وأحبّ كلَّ مَن يحبّه».
حتّى أخذه فجعل إحدى يديه تحت ذقنه والاُخرى في فأس رأسه(1) ، فقبّله وقال : «حسين منّي وأنا من حسين ، أحبّ الله مَن أحبّ حسيناً. حسين سبط من الأسباط»(2) .
ودلّل النبي (صلّى الله عليه وآله) بهذا الحديث الشريف على مدى الصلة العميقة التي بينه وبين وليده ، وأكبر الظنّ أنّه (صلّى الله عليه وآله) لم يعنِ بقوله : «حسين منّي» الرابطة النسبية التي بينه وبينه ، وإنّما عنى أمراً آخر هو أدقّ وأعمق. فالحسين منه ؛ لأنّه يحمل روحه وهَديه ، ويحمل اتجاهاته العظيمة الهادفة إلى إصلاح الإنسان ورفع مستواه ، وتطوير وسائل حياته على أساس الإيمان بالله الذي يحمل جميع مفاهيم الخير والسلام في الأرض. كما عنى (صلّى الله عليه وآله) بقوله : «وأنا من حسين» أنّ ما يبذله السّبط العظيم من التضحية والفداء في سبيل الدين ، وما تؤدّيه تضحيته من الفعاليات الهائلة في تجديد رسالة الإسلام ، وجعلها نابضة بالحياة على مرّ الأجيال الصاعدة ، فكان النبي (صلّى الله عليه وآله) بذلك حقّاً من الإمام الحسين (عليه السّلام) ؛ فهو المجدّد لدينه ، والمنقذ له من شرّ تلك الطغمة الحاكمة التي جهدت على محو الإسلام من خريطة هذا الكون ، وإعادة مفاهيم الجاهليّة وخرافاتها على مسرح الحياة. وقد نسف الإمام بنهضته أحلام الاُمويِّين ، وأعاد للإسلام نضارته وحياته ، ورفع رايته عالية خفّاقة في جميع الأجيال.
__________________
(1) وفي رواية : فوضع إحدى يديه تحت قفاه ، والاُخرى تحت ذقنه ، فوضع فاه على فيه وهو يقول : «حسين منّي ...» إلخ.
(2) سنن ابن ماجة 1 / 51 ، مسند أحمد بن حنبل 4 / 172 ، اُسد الغابة 2 / 19 ، تهذيب الكمال / 71 ، تيسير الوصول 3 / 276 ، مستدرك الحاكم 3 / 177 ، أنساب الأشراف ج 1 ق 1.
كما دلّل (صلّى الله عليه وآله) على عظمة حفيده بأن أضفى عليه كلمة السّبط ، وأراد بها أنّه أمّة من الاُمم بذاته ، ومستقل بنفسه ، فهو أمّة من الاُمم في الخير ، وأمّة من الشرف في جميع الأجيال والآباد.
5 ـ روى الصحابي العظيم سلمان الفارسي قال : دخلت على النبي (صلّى الله عليه وآله) فإذا الحسين بن علي على فخذه ، وهو يلثم فاه ، ويقول : «أنت سيّد ابن سيّد ، أنت إمام ابن إمام أخو إمام ، وأبو الأئمة ، وأنت حجّة الله وابن حجّته ، وأبو حجج تسعة من صلبك ، تاسعهم قائمهم»(1) .
6 ـ قال النبي (صلّى الله عليه وآله) : «هذا ـ يعني الحسين ـ إمام ابن إمام أخو إمام ، أبو أئمة تسعة»(2) .
7 ـ روى أبو العباس قال : كنت عند النبي (صلّى الله عليه وآله) وعلى فخذه الأيسر ابنه إبراهيم ، وعلى فخذه الأيمن الحسين بن علي ، والنبي تارة يقبّل هذا وأخرى يقبّل هذا ، إذ هبط عليه جبرئيل بوحي من رب العالمين ، فلمّا سرى عنه قال (صلّى الله عليه وآله) : «أتاني جبرئيل من ربّي فقال لي : يا محمد ، إنّ ربّك يقرؤك السّلام ويقول لك : لست أجمعهما لك ، فافْدِ أحدهما بصاحبه».
فنظر النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى إبراهيم فبكى ، ثمّ قال : «إنّ إبراهيم متى مات لم يحزن عليه غيري ، واُمّ الحسين فاطمة ، وأبوه علي ابن عمّي لحمي ودمي ، ومتى مات حزنت ابنتي ، وحزن ابنُ عمّي ، وحزنت أنا عليه ، وأنا اُوثر حزني على حزنهما. يا جبرئيل ، يُقبض إبراهيم ، فديتُ الحسين بإبراهيم». وقُبض إبراهيم بعد ثلاث ، فكان النبي (صلّى الله عليه وآله) إذا رأى الحسين مقبلاً قبّله وضمّه إلى صدره ، ورشف ثتاياه ، وقال : «فديتُ مَن فديته بابني إبراهيم»(3) .
__________________
(1) المراجعات / 228.
(2) منهاج السنّة 4 / 210.
(3) تاريخ بغداد 2 / 204.
8 ـ روى ابن عباس قال : كان النبي (صلّى الله عليه وآله) حامل الحسين على عاتقه ، فقال له رجل : نِعم المركب ركبت يا غلام. فأجابه الرسول (صلّى الله عليه وآله) : «ونِعم الراكب هو»(1) .
9 ـ روى يزيد بن أبي زياد قال : خرج النبي (صلّى الله عليه وآله) من بيت عائشة ، فمرّ على بيت فاطمة فسمع حسيناً يبكي ، فالتاع (صلّى الله عليه وآله) من ذلك فقال لفاطمة : «ألم تعلمي أنّ بكاءه يؤذيني؟»(2) .
10 ـ روى عبد الله بن شداد عن أبيه قال : سجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سجدة أطالها ، حتّى ظنّنا أنّه قد حدث أمر ، أو أنه يوحى إليه ، فسألناه عن ذلك ، فقال : «كل ذلك لم يكن ، ولكن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجّله حتّى يقضي حاجته»(3) .
هذه بعض الأخبار التي أثرت عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في ريحانته ، وهي أوسمة شرف ومجد قلّده بها ؛ إشعاراً منه بأنّ ظلّه وحقيقته ستمثّل في هذا الطفل ، وسيكون صورة فذّة لإنسانيّته العليا ، وأسراره العظمى.
__________________
(1) التاج الجامع للاُصول 3 / 218.
(2) مجمع الزوائد 9 / 201 ، سير أعلام النبلاء 3 / 191 ، المعجم الكبير للطبراني ، ذخائر العقبى / 143.
(3) تهذيب التهذيب 2 / 346 ، تيسير الوصول إلى جامع الاُصول 3 / 285 ، سنن النسائي.
وأحاط النبي (صلّى الله عليه وآله) أصحابه علماً بمقتل ريحانته وسبطه ، وأذاع ذلك بين المسلمين ، حتّى بات عندهم من الاُمور المتيقّنة التي لم يخالجهم فيها أدنى شكّ ، يقول ابن عباس : ما كنّا نشكّ ـ وأهل البيت متوافرون ـ أنّ الحسين بن علي يقتل بالطفِّ(1) .
وقد بكى النبي (صلّى الله عليه وآله) أمرّ البكاء وأفجعه ـ في غير موطن ـ على ما سيحلّ بريحانته من الخطوب والكوارث التي تذوب منها القلوب ، وفيما يلي عرضاً لتلك الأخبار.
1 ـ روت أُمّ الفضل بنت الحارث قالت : كان الحسين في حجري فدخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد حملت معي الحسين ، فوضعته في حجر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثمّ حانت منّي التفاتة ، فإذا عينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) تهريقان من الدموع ، فقلت له :
ـ يا نبي الله ، بأبي أنت واُمّي ما لك؟!
ـ «أتاني جبرائيل فأخبرني أنّ اُمّتي ستقتل ابني هذا».
وذعرت اُمّ الفضل ، فانبرت تقول :
ـ تقتل هذا؟! وأشارت إلى الحسين.
ـ «نعم ، وأتاني جبرئيل بتربة من تربته حمراء»(2) .
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 / 179.
(2) مستدرك الحاكم 3 / 176 ، وفي رواية ابن عساكر 13 / 62 ، عن اُمّ الفضل قالت : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) دخل عليّ يوماً وحسين معي ، فأخذه وجعل يلاعبه ساعة ثمّ ذرفت عيناه ، فقلت له : ما يبكيك؟ فقال : «هذا جبرئيل يخبرني أنّ اُمّتي تقتل ابني هذا».
وغرقت اُمّ الفضل بالبكاء ، وهامت في تيّارات مذهلة من الأسى والحزن.
2 ـ روت السّيدة اُمّ سلمة قالت : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اضطجع ذات ليلة للنوم فاستيقظ وهو خاثر(1) ، ثمّ اضطجع فاستيقظ وهو خاثر دون ما رأيت به المرّة الاُولى ، ثمّ اضطجع فاستيقظ ، وفي يده تربة حمراء وهو يقبّلها فقلت له : ما هذه التربة يا رسول الله؟
ـ «أخبرني جبرئيل أنّ هذا ـ يعني الحسين ـ يُقتل بأرض العراق ، فقلت لجبرئيل : أرني تربة الأرض التي يُقتل بها ، فهذه تربته»(2) .
3 ـ وروت اُمّ سلمة قالت : كان النبي (صلّى الله عليه وآله) جالساً ذات يوم في بيتي ، فقال : «لا يدخلنّ عليّ أحد». فانتظرت فدخل الحسين فسمعت نشيج النبي ، فإذا الحسين في حجره (أو إلى جنبه) يمسح رأسه وهو يبكي ، فقلت له : والله ما علمت حتّى دخل. فقال لي : «إنّ جبرئيل كان معنا في البيت ، فقال : أتحبّه؟ فقلت : نعم. فقال : إنّ اُمّتك ستقتله بأرض يقال لها كربلاء». فتناول جبرئيل من ترابها ، فأراه النبي(3) .
4 ـ روت عائشة قالت : دخل الحسين بن علي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وهو يوحى إليه ، فنزا على رسول الله وهو منكب ، فقال جبرئيل : أتحبّه يا محمد؟ قال : «وما لي لا اُحبّ ابني؟». قال : فإنّ اُمّتك ستقتله
__________________
(1) الخاثر : المضطرب.
(2) مستدرك الحاكم 4 / 398 ، كنز العمال 7 / 106 ، سير أعلام النبلاء 3 / 15 ، ذخائر العقبى / 148.
(3) كنز العمال 7 / 106 ، المعجم الكبير للطبراني.
من بعدك ، فمدّ جبرئيل فأتاه بتربة بيضاء ، فقال : في هذه الأرض يقتل ابنك هذا ، واسمها الطفّ ، فلمّا ذهب جبرئيل من عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والتربة في يده وهو يبكي ، فقال : «يا عائشة ، إنّ جبرئيل أخبرني أنّ ابني حسيناً مقتول في أرض الطفِّ ، وإنّ اُمّتي ستفتن بعدي».
ثمّ خرج إلى أصحابه وفيهم علي ، وأبو بكر وعمر ، وحذيفة وعمار وأبو ذر ، وهو يبكى ، فبادروا إليه قائلين : ما يبكيك يا رسول الله؟!
ـ «أخبرني جبرئيل أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي بأرض الطفِّ ، وجاءني بهذه التربة ، وأخبرني أنّ فيها مضجعه»(1) .
5 ـ روت زينب بنت جحش زوج النبي (صلّى الله عليه وآله) قالت : كان النبي نائماً عندي ، وحسين يحبو في البيت ، فغفلت عنه حتّى أتى النبي فصعد على بطنه ، ثمّ قام النبي يصلّي واحتضنه ، فكان إذا ركع وسجد وضعه ، وإذا قام حمله ، فلمّا جلس جعل يدعو ويرفع يديه ويقول فلمّا قضى الصلاة قلتُ له : يا رسول الله ، لقد رأيتك تصنع اليوم شيئاً ما رأيتك تصنعه؟ فقال : «إنّ جبرئيل أتاني فأخبرني أنّ ابني يُقتل ، قلت : فأرني إذاً ، فأتاني بتربة حمراء»(2) .
6 ـ روى ابن عباس قال : كان الحسين في حجر النبي (صلّى الله عليه وآله) ،
__________________
(1) مجمع الزوائد 9 / 187 ، وفي تهذيب الكمال / 71 : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أخذ التربة التي جاء بها جبرئيل فجعل يشمّها ويقول : «ويح كرب وبلاء».
(2) مجمع الزوائد 9 / 189.
فقال جبرئيل : أتحبّه؟ فقال : «كيف لا اُحبّه وهو ثمرة فؤادي؟!». فقال : إنّ اُمّتك ستقتله. ألا اُريك من موضع قبره؟ فقبض قبضة فإذا تربة حمراء(1) .
7 ـ روى أبو أمامة قال : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لنسائه : «لا تبكوا هذا الصبي» ـ يعني حسيناً ـ. قال : وكان يوم اُمّ سلمة فنزل جبرئيل فدخل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الداخل ، وقال لاُمّ سلمة : «لا تدعي أحداً يدخل عليّ». فجاء الحسين فلمّا نظر إلى النبي في البيت أراد أن يدخل فأخذته اُمّ سلمة فاحتضنته وجعلت تناغيه ، وتسكنه ، فلمّا اشتدّ في البكاء خلّت عنه ، فدخل حتّى جلس في حجر النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فقال جبرئيل للنبي : إنّ اُمّتك ستقتل ابنك هذا.
ـ «يقتلونه وهم مؤمنون بي؟!».
ـ نعم يقتلونه.
وتناول جبرئيل تربة ، فقال له : بمكان كذا وكذا يقتل ، فخرج رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ـ قد احتضن حسيناً ـ وهو كاسف البال مغموم ، فظنّت اُمّ سلمة أنّه غضب من دخول الصبي عليه ، فقالت : يا نبي الله جعلت لك الفداء! إنّك قد قلت لا تبكوا هذا الصبي ، وأمرتني أن لا أدع أحداً يدخل عليك ، فجاء فخلّيت عنه ، فلم يجِبها النبي بشيء ، وخرج إلى أصحابه ، وهو غارق في الهَمّ والأسى ، فقال لهم : «إنّ اُمّتي يقتلون هذا» ـ وأشار الحسين ـ.
فانبرى إليه أبو بكر وعمر فقالا له :
يا نبي الله ، وهم مؤمنون؟!(2) .
__________________
(1) مجمع الزوائد 9 / 191.
(2) مؤمنون : أي مسلمون.
ـ «نعم وهذه تربته»(1) .
8 ـ روى أنس بن الحارث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : «إنّ ابني هذا ـ وأشار إلى الحسين ـ يُقتل بأرض يُقال لها كربلاء ، فمَن شهد ذلك منكم فلينصره». ولمّا خرج الحسين إلى كربلاء خرج معه أنس ، واستشهد بين يديه(2) .
9 ـ روت اُمّ سلمة قالت : كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي النبي في بيتي ، فنزل جبرئيل فقال : يا محمد ، إنّ اُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك ، وأشار إلى الحسين. فبكى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وضمّه إلى صدره ، وكان بيده تربة فجعل يشمّها وهو يقول : «ويح كرب وبلاء». وناولها اُمّ سلمة فقال لها : «إذا تحوّلت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قُتل». فجعلتها اُمّ سلمة في قارورة ، وجعلت تتعاهدها كل يوم وهي تقول : إنّ يوماً تتحوّلين دماً لَيوم عظيم(3) .
10 ـ رأى النبي (صلّى الله عليه وآله) في منامه كأنّ كلباً أبقع يلغ في دمه ، فأوّله بأنّ رجلاً يقتل ولده الحسين ، فكان شمر بن ذي الجوشن الأبرص هو الذي قتل الإمام (ع)(4) .
11 ـ روت اُمّ سلمة قالت : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «يُقتل الحسين بن علي على رأس ستين من مهاجرتي»(5) .
__________________
(1) مجمع الزوائد 9 / 189.
(2) تاريخ ابن الوردي 1 / 173 ـ 174.
(3) المعجم الكبير للطبراني في ترجمة الإمام الحسين (عليه السّلام).
(4) تاريخ الخميس 2 / 334.
(5) المعجم الكبير للطبراني.
12 ـ روى معاذ بن جبل قال : خرج علينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال : «أنا محمد ، اُوتيت فواتح الكلام وخواتمه ، فأطيعوني ما دمتُ بين أظهركم. فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله عزّ وجلّ ؛ أحلّوا حلاله ، وحرّموا حرامه. أتتكم الموتة أتتكم فتن كقطع الليل المظلم ، كلمّا ذهب رسل جاءت رسل ، تناسخت النبوة فصارت ملكاً ، رحم الله مَن أخذها بحقّها وخرج منها كما دخلها. أمسك يا معاذ وأحصِ».
قال معاذ : فأحصيت خمسة ـ يعني من الخلفاء ـ ، فقال النبي (ص) : «يزيد ، لا بارك الله في يزيد». ثمّ ذرفت عيناه بالدموع ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : «نُعي إليّ الحسين ، واُتيت بتربته ، واُخبرت بقاتله ، لا يُقتل بين ظهراني قوم لا يمنعوه إلاّ خالف الله بين صدورهم وقلوبهم ، وسلّط عليهم أشرارهم ، وألبسهم شيعاً».
ثمّ قال (ص) : «وآهاً لفراخ آل محمد من خليفة مستخلف مترف ، يقتل خَلَفي وخَلَف الخَلَف! أمسك يا معاذ». فلمّا بلغت عشرة ـ أي عشرة أشخاص من الذين يتولّون الحكم من بعده ـ قال : «الوليد(1) اسم فرعون هادم شرايع الإسلام ، يبوء بدمه رجل من أهل بيته ، يسلّ الله سيفه فلا غماد له ، واختلف الناس
__________________
(1) الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الملك الفاسق الذي انتهك جميع حرمات الله ، أراد الحجّ لشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ، وهو أشدّ على هذه الاُمّة من فرعون على قومه ، كما في الحديث ، وهو الذي رشق المصحف بالسهام. وقد نقم عليه المسلمون لِما أظهره من الإلحاد والبدع والاستهتار بالفسق ، وقد ثاروا عليه وقتلوه. جاء ذلك في تاريخ الخلفاء / 250 ـ 252.
وكانوا هكذا». وشبك بين أصابعه ، ثمّ قال : «بعد العشرين ومئة موت سريع ، وقتل ذريع ، ففيه هلاكهم ، ويلي عليهم رجل من ولد العباس»(1) .
لقد استشفّ النبي (صلّى الله عليه وآله) من وراء الغيب ما تُمنى به اُمّته من بعده من الكوارث والفتن ؛ من جرّاء ما يحدث فيما بينها من الصراع الرهيب على الحكم ، حتّى يؤول أمر المسلمين إلى فراعنة الشر ، وجبابرة الكفر من بني أميّة فيمعنون في قتل المسلمين وإذلالهم ، كما أخبر بما سيجري على سبطه من القتل والتنكيل من يزيد بن معاوية ، وأخبره (صلّى الله عليه وآله) عن زوال الحكم الاُموي وانتقاله إلى بني العباس ، وعمّا تعانيه الاُمّة في تلك الفترات العصبية من القتل والجور والظلم ، وقد تحقق جميع ذلك على مسرح الحياة كما أخبر الصادق الأمين.
13 ـ روى ابن عباس قال : لمّا أتت على الحسين سنتان من مولده خرج النبي (صلّى الله عليه وآله) في سفر له ، فلمّا كان في بعض الطريق وقف فاسترجع ، ودمعت عيناه ، فسئل عن ذلك؟ فقال : «هذا جبرئيل يخبرني عن أرضٍ بشاطئ الفرات يُقال لها كربلاء ، يُقتل بها ولدي الحسين بن فاطمة». فانبرى إليه نفر من أصحابه فقالوا له : مَن يقتله يا رسول الله؟!
فاندفع يجيبهم بنبرات متقطعة حزينة قائلاً : «رجل يُقال له يزيد ، لا بارك الله في نفسه. وكأنّي أنظر إلى مصرعه ومدفنه بها ، وقد أهدى برأسه. والله ما ينظر أحد إلى رأس ولدي الحسين فيفرح إلاّ خالف الله بين قلبه ولسانه».
ولمّا قفل النبي (صلّى الله عليه وآله) من سفره كان مغموماً ، فصعد المنبر ووعظ المسلمين وقد حمل حفيديه وريحانتيه ، فرفع رأسه صوب السماء وقال :
__________________
(1) المعجم الكبير للطبراني في ترجمة الإمام الحسين ، مجمع الزوائد 9 / 190.
«اللّهمّ إنّي محمد عبدك ونبيّك ، وهذا أطايب عترتي ، وخيار ذرّيتي وأرومتي ، ومَن اُخلّفهم في اُمّتي. اللّهمّ وقد أخبرني جبريل بأنّ ولدي هذا ـ وأشار إلى الحسين ـ مقتول مخذول. اللّهمّ فبارك له في قتله ، واجعله من سادات الشهداء ، إنّك على كل شيء قدير. اللّهمّ ولا تبارك في قاتله وخاذله».
وانقلبت ساحة الجامع إلى صرخة مدويّة من البكاء والعويل ، فقال لهم النبي : «أتبكون ولا تنصرونه؟! اللّهمّ فكن أنت ولياً وناصراً».
قال ابن عباس : وبقي النبي (صلّى الله عليه وآله) متغيّر اللون محمرّ الوجه ، فصعد المنبر مرة اُخرى وخطب الناس خطبة بليغة موجزة ، وعيناه تهملان دموعاً ، ثمّ قال : «أيها الناس ، إنّي قد خلّفت فيكم الثقلين ؛ كتاب الله وعترتي وأرومتي ومراح مماتي(1) وثمرتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض. ألا وإنّي لا أسألكم في ذلك إلاّ ما أمرني ربّي أن أسألكم المودّة في القربى ، فانظروا أن لا تلقوني غداً على الحوض وقد أبغضتم عترتي.
ألا وإنّه سيرد عليّ في القيامة ثلاث رايات من هذه الاُمّة : راية سوداء مظلمة قد فزعت لها الملائكة ، فتقف عليّ ، فأقول : مَن انتم؟ فينسون ذكري ، ويقولون : نحن من أهل التوحيد من العرب. فأقول : أنا أحمد نبي العرب والعجم. فيقولون نحن من اُمّتك يا أحمد. فأقول لهم : كيف خلّفتموني من بعدي في أهلي وعترتي وكتاب ربّي؟ فيقولون : أمّا الكتاب فضيّعنا ومزّقنا ، وأمّا عترتك فحرصنا على أن يندهم(2) من جديد الأرض
__________________
(1) هكذا في الأصل ، والصحيح (ومزاج مائي).
(2) هكذا في الأصل ، والصحيح على أن نبيدهم.
فأولّي عنهم وجهي ، فيصدرون ظماء عطاشى مسودّة وجوههم. ثمّ ترد عليّ راية اُخرى أشدّ سواداً من الاُولى ، فأقول لهم : مَن أنتم؟ فيقولون كما تقول الاُولى : إنّهم من أهل التوحيد نحن من اُمّتك. فأقول لهم : كيف خلّفتموني في الثقلين الأصغر والأكبر ؛ في كتاب الله وفي عترتي؟ فيقولون : أمّا الأكبر فخالفنا ، وأمّا الأصغر فخذلنا ومزّقناهم كل ممزّق. فأقول : إليكم عنّي. فيصدرون ظماء عطاشى مسودّة وجوههم.
ثمّ ترد عليّ راية اُخرى تلمع نوراً ، فأقول لهم : مَن أنتم؟ فيقولون : نحن كلمة التوحيد ، نحن اُمّة محمد ، ونحن بقية أهل الحقّ الذي حملنا كتاب ربّنا ؛ فأحللنا حلاله ، وحرّمنا حرامه ، وأحببنا ذرّيّة نبينا محمد (صلّى الله عليه وآله) فنصرناهم بما نصرنا أنفسنا ، وقاتلنا معهم ، وقاتلنا مَن ناواهم. فأقول لهم : أبشروا فأنا نبيّكم محمد ، ولقد كنتم في دار الدنيا كما وصفتم ، ثمّ أسقيهم من حوضي فيصدرون مرويِّين. ألا وإنّ جبرئيل قد أخبرني بأنّ اُمّتي تقتل ولدي الحسين بأرض كرب وبلاء ، ألا فلعنة الله على قاتله وخاذله إلى آخر الدهر». ثمّ نزل عن المنبر ، ولم يبقَ أحد من المهاجرين والأنصار إلاّ واستيقن أنّ الحسين (عليه السّلام) مقتول(1) .
هذه بعض الأخبار التي أعلن بها النبي (صلّى الله عليه وآله) عن مقتل سبطه وريحانته ، ويلمس فيها ذوب روحه أسى وحزناً عليه ، وقد تأكّد المسلمون من هذه الأخبار بقتل الإمام ولم يخالجهم فيه أدنى شكّ ، كما آمن بها الحسين (عليه السّلام) ، وأعلن ذلك في كثير من المواقف التي سنتعرض لها في غضون هذا الكتاب.
__________________
(1) الفتوح 4 / 216 ـ 219.
واحتفت الصحابة بالإمام الحسين احتفاءً بالغاً ، وقابلوه بمزيد من التكريم والتعظيم ، وأحلّوه محلّ جدّه العظيم (صلّى الله عليه وآله) ، وقد وجدوا فيه ما يرومونه من العلم والتقوى والحريجة في الدين ، ويقول المؤرّخون : إنّه كان يحنو عليهم ويحدب على ضعفائهم ، ويشاركهم في البأساء والضراء ، ويصفح عن مسيئهم ، ويتعهّد جميع شؤونهم كما كان يصنع معهم جدّه الأعظم (صلى الله عليه وآله).
وتسابق أعلام الصحابة ووجوههم للقيام بخدمته وخدمة أخيه الزكي الإمام أبي محمد الحسن (عليه السّلام) ، وكانوا يرون أنّ أيّة خدمة تسدى لهما فإنّما هي شرف ومجد لمَن يقوم بها ، فهذا عبد الله بن عباس حبر الاُمّة ، على جلالة قدره وعظيم مكانته بين المسلمين ، كان إذا أراد الحسن والحسين أن يركبا بادر فأمسك لهما الركاب ، وسوى عليهما الثياب معتزّاً بذلك. وقد لامه على ذلك مدرك بن زياد أو ابن عمارة ، فزجره ابن عباس وقال له : يا لكع ، أو تدري مَن هذان؟ هذان ابنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، أو ليس مما أنعم الله به عليّ أن أمسك لهما الركاب ، واُسوي عليهما الثياب؟(1) .
وبلغ من تعظيم المسلمين ، وتكريمهم لهما أنّهما لمّا كانا يَفِدان إلى بيت الله الحرام ماشيين يترجّل الركب ـ الذي يجتازان عليه ـ تعظيماً لهما ، حتّى شَقَ المشي على كثير من الحجّاج فكلّموا أحد أعلام الصحابة ، وطلبوا منه أن يعرض عليهما الركوب أو التنكّب عن الطريق ، فعرض عليهما ذلك ،
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 212 ، مناقب ابن شهر آشوب 2 / 143.
فقالا : لا نركب ، ولكن نتنكّب عن الطريق. وسلكا طريقاً آخر.
وكانا إذا طافا بالبيت الحرام يكاد الناس أن يحطموهما من كثرة السّلام عليهما ، والتبرّك بزيارتهما(1) .
ومن ألوان ذلك التقدير أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) اجتاز في مسجد جدّه على جماعة فيهم عبد الله بن عمرو بن العاص فسلّم عليهم فردّوا عليه السّلام ، فانبرى إليه عبد الله فردّ عليه السّلام بصوت عالٍ ، وأقبل على القوم فقال لهم : ألا أخبركم بأحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟
ـ بلى.
ـ هذا الماشي ـ وأشار إلى الحسين ـ ما كلّمني كلمة منذ ليالي صفّين ، ولئن يرضى عنّي أحبّ إليّ من أن يكون لي حمر النِعم.
وانبرى إليه أبو سعيد الخدري ، فقال : ألا تعتذر إليه؟ فأجابه إلى ذلك. وخفّا إلى بيت الإمام ، فاستأذنا منه فأذن لهما ، ولمّا استقرّ بهما المجلس أقبل الإمام على عبد الله فقال له : «أعلمت يا عبد الله أنّي أحبّ أهل الأرض إلى أهل السماء؟».
فأسرع عبد الله مجيباً : أي وربّ الكعبة.
ـ «ما حملك على أن قاتلتني وأبي يوم صفّين ، فوالله لأبي كان خيراً منّي؟!».
وألقى عبد الله معاذيره قائلاً :
أجل ، ولكن عمرو ـ يعني أباه ـ شكاني إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ،
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 37.
قال له : إنّ عبد الله يقوم الليل ويصوم النهار ، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «صلِّ ونَم ، وصُم وأفطر ، وأطع عمرواً». فلمّا كان يوم صفّين أقسم عليّ فخرجت. أما والله ما اخترطت سيفاً ، ولا طعنت برمح ، ولا رميت بسهم ، وما زال يتلطّف بالإمام حتّى رضي عنه(1) . وقد كان عذره في طاعة أبيه في محاربة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لا يحمل طابعاً من المشروعية ؛ فإنّ طاعة الأبوين لا تشرع في معصية الله حسب ما جاء في القرآن.
وعلى أيّ حال فقد كان الإمام الحسين موضع عناية المسلمين وإجلالهم ، ويقول المؤرّخون : إنّه حضر تشييع جنازة فسارع أبو هريرة فجعل ينفض بثوبه التراب والغبار عن قدمه(2) ، وقد أوصى المقداد بن الأسود صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأحد السابقين الأوّلين للإسلام أن تدفع للحسين ستة وثلاثون ألفاً من تركته بعد وفاته(3) .
لقد رأت الصحابة أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) هو بقية الله في أرضه والمثل الأعلى لجدّه ، فأوْلَته المزيد من حبّها وتقديرها ، وراحت تتسابق للتشرّف بخدمته وزيارته.
__________________
(1) اُسد الغابة 2 / 34 ، كنز العمال 6 / 86 ، مجمع الزوائد 9 / 186.
(2) سير أعلام النبلاء 3 / 193 ، وفي كفاية الطالب / 425 عن أبي المهزام قال : كنّا في جنازة امرأة ومعنا أبو هريرة ، فجيء بجنازة رجل فجعلها بين المرأة فصلّى عليهما ، فلمّا أقبلنا أعيا الحسين فقعد في الطريق ، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه ، فقال الحسين : «أتفعل هذا؟!». فقال أبو هريرة : دعني منك ، فوالله لو علم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم.
(3) سير أعلام النبلاء 1 / 280.
لمحات
من مُثل الإمام الحسين (عليه السّلام)
وتجسّدت في شخصية أبي الأحرار جميع القِيَم الإنسانية والمثُل العليا ، والتقت به عناصر النبوّة والإمامة ، فكان بحكم مثُله وتهذيبه فذّاً من أفذاذ التكامل الإنساني ، ومثلاً رائعاً من أمثلة الرسالة الإسلامية ، فهو ـ بحق ـ الاُطروحة الخالدة للإسلام بجميع طاقاته ومقوّماته.
إنّ أيّة صفة من صفات أبي الشهداء أو نزعة من نزعاته الكريمة لترفعه عالياً على جميع عظماء العالم ، وتدفع إلى القول ـ بلا مغالاة ـ : إنّه نسخة لا ثاني لها في تاريخ البشرية على الإطلاق ما عدا جدّه وأبيه ، ونعرض ـ بإيجاز ـ إلى بعض خصائصه وذاتيّاته.
الإمام الحسين أحد الكواكب المشرقة من أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) الذين استكملت فيهم الصفات الإنسانية ، وبلغوا ذروة الكمال المطلق ، وأقاموا منار هذا الدين ، ورفعوا شعار الحق والعدل في الأرض ، وتبنّوا القضايا المصيرية للإسلام ، وعانوا في سبيله جميع ألوان الكوارث والخطوب ، ولاقوا كل جهد وضيق من جبابرة عصورهم الذين اتّخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً.
وقد نظر النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ وهو يوحى إليه ـ من خلال الأحقاب المترامية إلى الأئمة الطاهرين من أهل بيته فعرّفهم بأسمائهم وصفاتهم ، ودلّل بنصوصه العامّة والخاصّة على أنّهم خلفاؤه وأوصياؤه ، وأنّهم سفن النجاة وأمن العباد ، وقرنهم بكتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وقد ألمعنا إلى الكثير من تلكم النصوص في البحوث
السابقة فلم تعُد هنا ضرورة لذكرها ، كما أنّا بحثنا بصورة موضوعية وشاملة عن الإمامة وضرورتها ، وواجبات الإمام وصفاته في كتابنا (حياة الإمام الحسن) فلا حاجة لإعادة البحث هنا.
أمّا الظاهر الفذّة التي اتّصفت بها شخصية أبي الأحرار ، وكانت من عناصره ومقوّماته فهي :
من النزعات الذاتية لأبي الشهداء (عليه السّلام) قوّة الإرادة ، وصلابة العزم والتصميم ، وقد ورث هذه الظاهرة الكريمة من جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي غيّر التاريخ ، وقلب مفاهيم الحياة ، ووقف صامداً وحده أمام القوى الهائلة التي هبّت لتمنعه من أن يقول كلمة الله ، فلم يعنِ بها وراح يقول لعمّه أبي طالب مؤمن قريش : «والله ، لو وضعوا الشمس بيميني والقمر بيساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتّى أموت أو يظهره الله».
بهذا الإرادة الجبارة قابل قوى الشرك ، واستطاع أن يتغلّب على مجريات الأحداث ، وكذلك وقف سبطه العظيم في وجه الحكم الاُموي فأعلن بلا تردّد رفضه لبيعة يزيد ، وانطلق مع قلّة الناصر إلى ساحات الجهاد ليرفع كلمة الحق ، ويدحض كلمة الباطل ، وقد حشدت عليه الدولة
الاُمويّة جيوشها الهائلة ، فلم يحفل بها ، وأعلن عن عزمه وتصميمه بكلمته الخالدة قائلاً : «لا أرى الموت إلاّ سعادة ، والحياة مع الظالمين إلاّ برما».
وانطلق مع الاُسرة الكريمة من أهل بيته وأصحابه إلى ميدان الشرف والمجد ليرفع راية الإسلام ، ويحقّق للاُمّة الإسلامية أعظم الانتصارات والفتح حتّى استشهد سلام الله عليه ، وهو من أقوى الناس إرادة ، وأمضاهم عزيمة وتصميماً ، غير حافل بما عاناه من الكوارث التي تذهل العقول وتحيّر الألباب.
والصفة البارزة من نزعات الإمام الحسين (عليه السّلام) الإباء عن الضيم ، حتّى لقّب (بأبي الضيم) ، وهي من أعظم ألقابه ذيوعاً وانتشاراً بين الناس ؛ فقد كان المثل الأعلى لهذه الظاهرة ، فهو الذي رفع شعار الكرامة الإنسانية ورسم طريق الشرف والعزّة ، فلم يخنع ولم يخضع لقرود بني اُميّة ، وآثر الموت تحت ظلال الأسنة. يقول عبد العزيز بن نباتة السعدي :
والحسينُ الذي رأى الموتَ في العـ |
ـزِ حياةً والعيشَ في الذلِّ قتلا |
ووصفه المؤرّخ الشهير اليعقوبي بأنّه شديد العزّة(1) . يقول ابن أبي الحديد :
سيّد أهل الإباء الذي علّم الناس الحميّة ، والموت تحت ظلال السيوف اختياراً على الدنيّة ، أبو عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) عرض عليه الأمان هو وأصحابه فأنف من الذل ، وخاف ابن زياد أن يناله بنوع من الهوان مع أنه لا يقتله ، فاختار الموت على ذلك. وسمعت النقيب
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 293.
أبا زيد يحيى بن زيد العلوي يقول : كأنّ أبيات أبي تمام في محمد بن حميد الطائي ما قيلت إلاّ في الحسين :
وَقَد كانَ فَوتُ المَوتِ سَهلاً فَرَدَّهُ |
إِلَيهِ الحِفاظُ المُرُّ وَالخُلُقُ الوَعرُ |
|
وَنَفسٌ تَعافُ العارَ حَتّى كَأَنَّهُ |
هُوَ الكُفرُ يَومَ الرَوعِ أَو دونَهُ الكُفرُ |
|
فَأَثبَتَ في مُستَنقَعِ المَوتِ رِجلَهُ |
وَقالَ لَها مِن تَحتِ أَخمُصِكِ الحَشرُ |
|
تَرَدّى ثِيابَ المَوتِ حُمراً فَما بدا |
لَها اللَيلُ إِلاّ وَهيَ مِن سُندُسٍ خُضرُ(1) |
لقد علّم أبو الأحرار الناس نبل الإباء ونبل التضحية ، يقول فيه مصعب ابن الزبير : واختار الميتة الكريمة على الحياة الذميمة(2) ، ثمّ تمثّل :
وإن الاُلى بالطفِّ من آل هاشم |
تآسوا فسنّوا للكرام التآسيا |
وقد كات كلماته يوم الطفِّ من أروع ما أثر من الكلام العربي في تصوير العزّة والمنعة والاعتداد بالنفس يقول : «ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ؛ بين السلّة والذلّة ، وهيهات منّا الذلّة ، يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت ، واُنوف حميّة ، ونفوس أبّية من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».
ووقف يوم الطفِّ كالجبل الأشم ، غير حافل بتلك الوحوش الكاسرة من جيوش الردّة الاُمويّة ، وقد ألقى عليهم وعلى الأجيال أروع الدروس عن الكرامة وعزّة النفس وشرف الإباء قائلاً :
«والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أفرّ فرار العبيد ، إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ».
وألقت هذه الكلمات المشرقة الأضواء على مدى ما يحمله الإمام العظيم
__________________
(1) شرح ابن أبي الحديد 1 / 302.
(2) تاريخ الطبري 6 / 273.
من الكرامة التي التي لا حدّ لأبعادها ، والتي هي من أروع ما حفل به تاريخ الإسلام من صور البطولات الخالدة في جميع الآباد.
وتسابق شعراء أهل البيت (عليهم السّلام) إلى تصوير هذه الظاهرة الكريمة ، فكان ما نظموه في ذلك من أثمن ما دوّنته مصادر الأدب العربي ، وقد عنى السّيد حيدر الحلّي إلى تصوير ذلك في كثير من روائعه الخالدة التي رثى بها جدّه الحسين ، يقول :
طمعتْ أن تسومَهُ القومُ ضيماً |
وأبى الله والحسامُ الصنيعُ |
|
كيف يلوي على الدنيةِ جيداً |
لسوى اللهِ ما لواه الخضوعُ |
|
ولديه جأشٌ أردُّ من الدرع |
لضمأى القنا وهنَّ شُروعُ |
|
وبه يرجعُ الحفاظُ لصدرٍ |
ضاقت الأرضُ وهي فيه تضيعُ |
|
فأبى أن يَعيشَ إلاَّ عزيزاً |
أو تجلَّى الكفاحُ وهو صريعُ(1) |
ولم تصوّر منعة النفس وإباؤها بمثل هذا التصوير الرائع ، فقد عرض حيدر إلى ما صممت عليه الدولة الاُمويّة من إرغام الإمام الحسين (عليه السّلام) على الذل والهوان ، وإخضاعه لجورهم واستبدادهم ، ولكن يأبى له الله ذلك ، وتأبى له نفسه العظيمة التي ورثت عزّ النبوة أن يقرّ على الضيم ؛ فإنّه سلام الله عليه لم يلو جيده خاضعاً لأيّ أحد إلاّ لله ، فكيف يخضع لأقزام بني اُميّة؟! وكيف يلويه سلطانهم عن عزمه الجبار الذي هو أرد من الدرع للقنا الضامئة ، وما أروع قوله :
وبه يرجعُ الحفاظُ لصدرٍ |
ضاقت الأرضُ وهي فيه تضيعُ |
وهل هناك أبلغ أو أدقّ وصفاً لإباء الإمام الحسين (عليه السّلام) وعزّته من هذا الوصف؟ فقد أرجع جميع طاقات الحفّاظ والذمام لصدر الإمام (عليه السّلام) التي ضاقت الأرض من صلابة عزمه وتصميمه ، بل إنّها على سعتها تضيع فيه
__________________
(1) ديوان السّيد حيدر / 87.
ومن الحقّ أنّه قد حلّق في وصفه لإباء الإمام ، ويضاف لذلك جمال اللفظ فليس في هذا الشعر كلمة غريبة أو حرف ينبو على السمع. وانظر إلى هذه الأبيات من رائعته الاُخرى التي يصف بها إباء الحسين (عليه السّلام) ، يقول :
لقد مات لكنْ ميتةً هاشميّةً |
لهمْ عُرفت تحت القنا المتقصّدِ |
|
كريمٌ أبى شمّ الدنيةِ أنفُهُ |
فأشمَمهُ شوكَ الوشيج المُسدّدِ |
|
وقال قفي يا نفسُ وقفةَ واردٍ |
حياضَ الردى لا وقفة المتردّدِ |
|
رأى أنّ ظهرَ الذلِّ أخشن مركباً |
من الموتِ حيثُ الموتُ منه بمرصدِ |
|
فآثر أن يسعى على جمرةِ الوغى |
برجلٍ ولا يعطي المقادةَ عن يدِ(1) |
لا أكاد أعرف شعراً أدقّ ولا أعذب من هذا الشعر ، فهو يمثّل أصدق تمثيل منعة الإمام العظيم ، وعزّة نفسه التي آثرت الموت تحت ظلال الأسنة على العيش الرغيد بذلٍّ وخنوع ، ناهجاً بذلك منهج الشهداء من أسرته الذين تسابقوا إلى ساحات النضال ، واندفعوا بشوق إلى ميادين التضحية والفداء لينعموا بالكرامة والعزّة.
ومضى السيد حيدر في تصويره لإباء الإمام الشهيد فوصفه بأنّه أبى شمّ الدنيّة والضيم ، وعمد إلى شمّ الرماح والسيوف ؛ لأن بها طعام الإباء وطعم الشرف والمجد وعلى هذا الغرار من الوصف الرائع يمضي حيدر في تصويره لمنعة الإمام ، تلك المنعة التي ملكت مشاعره وعواطفه كما ملكت عواطف غيره ، ومن المقطوع به أنّه لم يكن متكلّفاً بذلك ولا منتحلاً ، وإنما وصف الواقع وصفاً صادقاً لا تكلّف فيه.
ويقول السيد حيدر في رائعة اُخرى يصف بها إباء الإمام وسموّ ذاته ،
__________________
(1) ديوان السّيد حيدر / 71.
ولعلّها من أجمل ما رثى به الإمام (عليه السّلام) ، يقول :
وسامتهُ يركبُ إحدى اثنتينْ |
وقد صرّت الحربُ أسنانَها |
|
فإمّا يُرى مُذعناً أو تموت |
نفسٌ أبى العزُّ إذعانَها |
|
فقال لها اعتصمي بالإباءِ |
فنفسُ الأبيّ وما زانَها |
|
إذا لم تجد غيرَ لبسِ الهوانِ |
فبالموتِ تنزع جثمانَها |
|
رأى القتل صبراً شعارَ الكرامِ |
وفخراً يُزينُ لها شأنَها |
|
فشمَّر للحرب في مَعركٍ |
به عرك الموتُ فرسانَها(1) |
إنّ مراثي حيدر للإمام تعدّ بحقٍّ طغراء مشرقاً في تراث الاُمّة العربية ، فقد فكّر فيها تفكيراً جادّاً ، ورتّب أجزاءها ترتيباً دقيقاً حتّى جاءت بهذه الروعة ، وكان ـ فيما يقول معاصروه ـ ينظم في كل حول قصيدة خاصّة في الإمام (عليه السّلام) ويعكف طيلة عامه على إصلاحها ، ويمعن إمعاناً دقيقاً في كل كلمة من كلماتها ، حتّى جاءت بمنتهى الروعة والإبداع.
ولم يشاهد الناس في جميع مراحل التاريخ أشجع ، ولا أربط جأشاً ، ولا أقوى جناناً من الإمام الحسين (عليه السّلام) ، فقد وقف يوم الطفِّ موقفاً حيّر فيه الألباب ، وأذهل فيه العقول ، وأخذت الأجيال تتحدّث بإعجاب وإكبار عن بسالته وصلابة عزمه ، وقدّم الناس شجاعته على شجاعة أبيه التي استوعبت جميع لغات الأرض.
وقد بهر أعداؤه الجبناء بقوّة بأسه ؛ فإنه لم ينهار أمام تلك النكبات المذهلة التي أخذت تتواكب عليه ، وكان يزداد انطلاقاً وبشراً كلمّا ازداد
__________________
(1) ديوان السّيد حيدر.
الموقف بلاءً ومحنة ؛ فإنّه بعد ما فَقَد أصحابه وأهل بيته زحف عليه الجيش بأسره وكان عدده ـ فيما يقول الرواة ـ ثلاثين ألفاً ، فحمل عليهم وحده وقد ملك الخوف والرعب قلوبهم ، فكانوا ينهزمون أمامه كالمعزى إذا شدّ عليها الذئب ـ على حدّ تعبير الرواة ـ ، وبقي صامداً كالجبل يتلقّى الطعنات من كل جانب ، ولم يوهَ له ركن ، وإنّما مضى في أمره استبسالاً واستخفافاً بالمنيّة.
يقول السّيد حيدر :
فتلقّى الجموعَ فرداً ولكنْ |
كلّ عضوٍ في الروع منه جموعُ |
|
رمحهُ من بَنانهِ وكأنّ من |
عزمهِ حدُّ سيفِهِ مطبوعُ |
|
زوّج السّيفَ بالنفوسِ ولكنْ |
مهرها الموتُ والخضابُ النجيعُ |
ويقول في رائعة اُخرى :
ركينٌ وللأرض تحت الكماة |
رجيفٌ يزلزل ثهلانَها |
|
أقرّ على الأرض من ظهرها |
إذا ململ الرعبُ أقرانَها |
|
تزيد الطلاقةُ في وجههِ |
إذا غيّر الخوفُ ألوانَها |
ولمّا سقط أبي الضيم على الأرض جريحاً ـ وقد أعياه نزف الدماء ـ تحامى الجيش بأسره من الإجهاز عليه ؛ رعباً وخوفاً منه. يقول السّيد حيدر :
عفيراً متى عاينتهُ الكماة |
يختطفُ الرعبُ ألوانَها |
|
فما أجلت الحربُ عن مثلهِ |
صريعاً يُجبّن شجعانَها |
وتغذّى أهل بيته وأصحابه بهذه الروح العظيمة ، فتسابقوا إلى الموت بشوق وإخلاص لم يختلج في قلوبهم رعب ولا خوف ، وقد شهد لهم عدوّهم بالبسالة ورباطة الجأش ، فقد قيل لرجل شهد يوم الطفِّ مع عمر بن سعد : ويحك! أقتلتم ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟ فاندفع قائلاً :
عضضت بالجندل ، إنّك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ؛ ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية ، تحطم
الفرسان يميناً وشمالاً ، وتلقي أنفسها على الموت ، لا تقبل الأمان ، ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنيّة والاستيلاء على الملك ، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافيره ، فما كنّا فاعلين لا اُمّ لك؟!(1) .
ووصف بعض الشعراء هذه البسالة النادرة بقوله :
فلو وقفتْ صُمّ الجبالِ مكانهمْ |
لمادتْ على سهلٍ ودكّت على وعرِ |
|
فمِن قائمٍ يستعرض النبلُ وجههُ |
ومن مقدمٍ يرمي الأسنّة بالصدرِ |
وما أروع قول السّيد حيدر :
دكّوا رباها ثمّ قالوا لها |
وقد جثوا نحنُ مكان الرّبا |
لقد تحدّى أبو الأحرار ببسالته النادرة الطبيعة البشرية ، فسخِر من الموت وهزأ من الحياة ، وقد قال لأصحابه حينما مطرت عليه سهام الأعداء : «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه ؛ فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم».
لقد دعا أصحابه إلى الموت كأنّما هو يدعوهم إلى مأدبة لذيذة ، ولقد كانت لذيذة عنده حقّاً ؛ لأنّه هو ينازل الباطل ويرتسم له برهان ربّه الذي هو مبدؤه(2) .
من صفات أبي الأحرار الصراحة في القول والصراحة في السلوك ، ففي جميع فترات حياته لم يوارب ولم يخادع ، ولم يسلك طريقاً فيه أيّ
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 3 / 263.
(2) الإمام الحسين / 101.
التواء ، وإنّما سلك الطريق الواضح الذي يتجاوب مع ضميره الحي ، وابتعد عن المنعطفات التي لا يقرّها دينه وخلقه ، وكان من ألوان ذلك السلوك النيّر أنّ الوليد حاكم يثرب دعاه في غلس الليل ، وأحاطه علماً بهلاك معاوية ، وطلب منه البيعة ليزيد مكتفياً بها في جنح الظلام ، فامتنع (عليه السّلام) وصارحه بالواقع قائلا : «يا أمير ، إنّا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد فاسق فاجر ، شارب الخمر ، قاتل النفس المحرمة ، معلن بالفسق والفجور ، ومثلي لا يبايع مثله».
وكشفت هذه الكلمات عن مدى صراحته وسموّ ذاته ، وقوة العارضة عنده في سبيل الحق.
ومن ألوان تلك الصراحة التي اعتادها وصارت من ذاتيّاته أنّه لمّا خرج إلى العراق وافاه النبأ المؤلم وهو في أثناء الطريق بمقتل سفيره مسلم بن عقيل ، وخذلان أهل الكوفة ، فقال للذين اتبعوه طلباً للعافية لا للحقِّ : «قد خذَلَنا شيعتنا ، فمَن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف ، ليس عليه ذمام». فتفرّق عنه ذوو الأطماع ، وبقي معه الصفوة من أهل بيته(1) .
لقد تجنّب (عليه السّلام) في تلك الساعات الحرجة التي يتطلّب فيها إلى الناصر الإغراء والخداع ، مؤمناً أنّ ذلك لا يمكن أن تتصف به النفوس العظيمة المؤمنة بربّها والمؤمنة بعدالة قضيّتها.
ومن ألوان تلك الصراحة أنّه جمع أهل بيته وأصحابه في ليلة العاشر من المحرم ، فأحاطهم علماً بأنّه يُقتل في غد ، ويُقتل جميع مَن كان معه. صارحهم بذلك ليكونوا على بصيرة وبيّنة من أمرهم ، وأمرهم بالتفرّق
__________________
(1) أنساب الأشراف 1 ق 1.
في سواد ذلك الليل ، فأبت تلك الاُسرة العظيمة مفارقته ، وأصرّت على الشهادة بين يديه.
تدول الدول ، وتزول الممالك ، وهذه الأخلاق الرفيعة أحقّ بالبقاء وأجدر بالخلود من كل كائن حي ؛ لأنها تمثّل القِيَم العليا التي لا كرامة للإنسان بدونها.
أمّا الصلابة في الحق فهي من مقوّمات أبي الشهداء ومن أبرز ذاتيّاته ، فقد شقّ الطريق في صعوبة مذهلة لإقامة الحق ، ودكّ حصون الباطل ، وتدمير خلايا الجور.
لقد تبنّى الإمام (عليه السّلام) الحقّ بجميع رحابه ومفاهيمه ، واندفع إلى ساحات النضال ليقيم الحقّ في ربوع الوطن الإسلامي ، وينقذ الاُمّة من التيّارات العنيفة التي خلقت في أجوائها قواعد للباطل وخلايا للظلم ، وأوكاراً للطغيان ، تركتها تتردّى في مجاهل سحيقة من هذه الحياة.
رأى الإمام (عليه السّلام) الاُمّة قد غمرتها الأباطيل والأضاليل ، ولم يعد ماثلاً في حياتها أيّ مفهوم من مفاهيم الحق ، فانبرى (عليه السّلام) إلى ميادين التضحية والفداء ليرفع راية الحق ، وقد أعلن (عليه السّلام) هذا الهدف المشرق في خطابه الذي ألقاه أمام أصحابه قائلاً : «ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به ، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء الله».
لقد كان الحقّ من العناصر الوضّاءة في شخصية أبي الأحرار ، وقد استشفّ النبي (صلّى الله عليه وآله) فيه هذه الظاهرة الكريمة فكان ـ فيما يقول المؤرّخون ـ
يرشف دوماً ثغره الكريم ، ذلك الثغر الذي قال كلمة الله وفجّر ينابيع العدل والحقّ في الأرض.
من النزعات الفذّة التي تفرّد بها سيّد الشهداء الصبر على نوائب الدنيا ومحن الأيّام ، فقد تجرّع مرارة الصبر منذ أن كان طفلاً ، فرزئ بجدّه واُمّه ، وشاهد الأحداث الرهيبة التي جرت على أبيه ، وما عاناه من المحن والخطوب ، وتجرّع مرارة الصبر في عهد أخيه ، وهو ينظر إلى خذلان جيشه له وغدرهم به ، حتّى اُرغم على الصلح ، وبقي معه يشاركه في محنه وآلامه ، حتّى اغتاله معاوية بالسمّ ، ورام أن يوارى جثمانه بجوار جدّه فمنعته بنو اُميّة فكان ذلك من أشقّ المحن عليه.
ومن أعظم الرزايا التي صبر عليها أنّه كان يرى انتقاض مبادئ الإسلام ، وما يوضع على لسان جدّه من الأحاديث المنكرة التي تغيّر وتبدّل شريعة الله ، ومن الدواهي التي عاناها أنّه كان يسمع سبّ أبيه وانتقاصه على المنابر ، وقيام الطاغية زياد بإبادة شيعتهم واستأصل محبّيهم ، فصبر على كلّ هذه الرزايا والمصائب.
وتواكبت عليه المحن الشاقّة التي تميد بالصبر في يوم العاشر من المحرم ، فلم يكد ينتهي من محنة حتّى تطوف به مجموعة من الرزايا والآلام ، فكان يقف على الكواكب المشرقة من أبنائه وأهل بيته ، وقد تناهبت السيوف والرماح أشلاءهم فيخاطبهم بكل طمأنينة وثبات : «صبراً يا أهل بيتي ، صبراً يا بني عمومتي ، لا رأيتم هواناً بعد هذا اليوم».
وقد بصر شقيقته عقيلة بني هاشم ، وقد أذهلها الخطب ، ومزّق الأسى قلبها ، فسارع إليها ، وأمرها بالخلود إلى الصبر والرضى بما قسم الله.
ومن أهوال تلك الكوارث التي صبر الإمام عليها ، أنّه كان يرى أطفاله وعياله ، وهم يضجّون من ألم الظمأ القاتل ، ويستغيثون به من أليم العطش ، فكان يأمرهم بالصبر والاستقامة ، ويخبرهم بالعاقبة المشرقة التي يؤول إليها أمرهم بعد هذه المحن الحازبة.
وقد صبر على ملاقاة الأعداء الذين ملأت الأرض جموعهم المتدفّقة ، وهو وحده يتلقّى الضرب والطعن من جميع الجهات ، قد تفتّت كبده من العطش وهو غير حافل بذلك كلّه. لقد كان صبره وموقفه الصلب يوم الطفِّ من أندر ما عرفته الإنسانية ، يقول الأربلي : شجاعة الحسين (عليه السّلام) يُضرب بها المثل ، وصبره في الحرب أعجز الأوائل والأواخر(1) .
إنّ أيّ واحدة من رزاياه لو ابتلى بها أيّ إنسان مهما تدرّع بالصبر والعزم وقوّة النفس ، لأوهنت قواه واستسلم للضعف النفسي ، ولكنه (عليه السّلام) لم يعنِ بما ابتلي به في سبيل الغاية الشريفة التي سمت بروحه أن تستسلم للجزع أو تضرع للخطوب.
يقول المؤرّخون : إنّه تفرّد بهذه الظاهرة ، فلم توهِ عزمه الأحداث مهما كانت ، وقد توفّى له ولد في حياته فلم يرَ عليه أثر للكآبه ، فقيل له في ذلك ، فقال (عليه السّلام) : «إنّا أهل بيت نسأل الله فيعطينا ، فإذا أراد ما نكره فيما نحب رضينا»(2) .
__________________
(1) كشف الغمة.
(2) الإصابة 2 / 222.
لقد رضى بقضاء الله واستسلم لأمره ، وهذا هو جوهر الإسلام ومنتهى الإيمان.
أمّا الحلم فهو من أسمى صفات أبي شهداء (عليه السّلام) ومن أبرز خصائصه ، فقد كان ـ فيما أجمع عليه الرواة ـ لا يقابل مسيئاً بإساءته ، ولا مذنباً بذنبه ، وإنّما كان يغدق عليهم ببرّه ومعروفه ، شأنه في ذلك شأن جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي وسع الناس جميعاً بأخلاقه وفضائله. وقد عُرف بهذه الظاهرة وشاعت عنه ، وقد استغلّها بعض مواليه ؛ فكان يعمد إلى اقتراف الإساءة إليه لينعم بصلته وإحسانه.
ويقول المؤرّخون : إنّ بعض مواليه قد جنى عليه جناية توجب التأديب ، فأمر (عليه السّلام) بتأديبه ، فانبرى العبد قائلاً : يا مولاي ، إنّ الله تعالى يقول :( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ) .
فقابله الإمام ببسماته الفيّاضة وقال له : «خلوا عنه ، فقد كظمت غيظي».
وسارع العبد قائلاً :( وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ ) .
ـ «قد عفوت عنك».
وانبرى العبد يطلب المزيد من الإحسان قائلاً :( وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) .
ـ «أنت حرٌّ لوجه الله».
ثمّ أمر له بجائزة سنية(1) تغنيه عن الحاجة ومسألة الناس.
__________________
(1) الحسين (عليه السّلام) 1 / 117.
لقد كان هذا الخلق العظيم من مقوّماته التي لم تنفكّ عنه ، وظلّت ملازمة له طوال حياته.
وجُبِل الإمام الحسين (عليه السّلام) على التواضع ومجافاة الأنانية والكبرياء ، وقد ورث هذه الظاهرة من جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) الذي أقام اُصول الفضائل ومعالي الأخلاق في الأرض ، وقد نقل الرواة بوادر كثيرة من سموّ أخلاقه وتواضعه نلمع إلى بعضها :
1 ـ إنّه اجتاز على مساكين يأكلون في (الصفة) فدعوه إلى الغداء فنزل عن راحلته ، وتغدّى معهم ، ثمّ قال لهم : «قد أجبتكم فأجيبوني». فلبّوا كلامه وخفوا معه إلى منزله ، فقال (عليه السّلام) لزوجه الرباب : «أخرجي ما كنتِ تدّخرين». فأخرجت ما عندها من نقود فناولها لهم(1) .
2 ـ مرّ على فقراء يأكلون كسراً من أموال الصدقة ، فسلّم عليهم فدعوه إلى طعامهم ، فجلس معهم ، وقال : «لولا أنّه صدقة لأكلت معهم». ثمّ دعاهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم ، وأمر لهم بدراهم(2) .
لقد اقتدى (عليه السّلام) في ذلك بجدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وسار على هديه ، فقد كان ـ فيما يقول المؤرّخون ـ يخالط الفقراء ويجالسهم ، ويفيض عليهم ببرّه وإحسانه ، حتّى لا يتبيغ بالفقير فقره ، ولا يبطر الغني ثراؤه.
3 ـ وجرت مشادّة بين الحسين وأخيه محمد بن الحنفيّة ، فانصرف محمد إلى داره وكتب إليه رسالة جاء فيها : أمّا بعد ، فإنّ لك شرفاً
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 54.
(2) أعيان الشيعة 4 / 110.
لا أبلغه ، وفضلاً لا أدركه ، أبونا علي لا أفضلك فيه ولا تفضلني ، واُمّي امرأة من بني حنيفة ، واُمّك فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولو كان ملء الأرض مثل اُمّي ما وفين باُمّك ، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وسِر إليّ وترضّيني ، وإيّاك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به منّي.
ولمّا قرأ الحسين رسالة أخيه سارع إليه وترضّاه(1) ، وكان ذلك من معالي أخلاقه وسموّ ذاته.
ومن صفات أبي الأحرار أنّه كان شديد الرأفة بالناس ، يمدّ يده لكل ذي حاجة ، ويسعف كل ذي لهفة ، ويجير كل مَن استجار به ، وقد فزع مروان إليه وإلى أخيه وهو من ألدّ أعدائهم بعد فشل واقعة الجمل ، وطلب منهما أن يشفعا له عند أبيهما ، فخفّا إليه وكلّماه في شأنه ، وقالا له : «يبايعك يا أمير المؤمنين».
فقال (عليه السّلام) : «أوَلم يبايعني قبل قتل عثمان ، لا حاجة لي في بيعته ؛ إنها كف يهودية ، لو بايعني بيده لغدر بسبابته. أما أنّ له إمرة كلعقة الكلب أنفه ، وهو أبو الأكبش الأربعة ، وستلقى الاُمّة من ولده يوماً أحمر».
وما زالا يلطفان به حتّى عفا عنه ، إلاّ أنّ هذا الوغد قد تنكّر لهذا المعروف وقابل السّبطين بكل ما يملك من وسائل الشرّ والمكروه ، فهو الذي منع جنازة الإمام الحسن أن تدفن بجواز جدّه ، وهو الذي أشار على
__________________
(1) نهاية الأرب 3 / 260 ، ألف باء 1 / 467.
الوليد بقتل الإمام الحسين إن امتنع من البيعة ليزيد ، كما أظهر السرور والفرح بمقتل الإمام (عليه السّلام) ، وحسب مروان أنّه من تلك الشجرة التي لم تثمر إلاّ الخبيث الدنس وما يضرّ الناس.
ومن ألوان تلك الصور الخالدة لعطف الإمام ورأفته بالناس أنّه لمّا استقبله الحر بجيشه البالغ ألف فارس ، وكان قد اُرسل لمناجزته وقتاله ، فرآه الإمام وقد أشرف على الهلاك من شدّة العطش ، فلم تدعه أريحيته ولا سموّ ذاته أن لا يقوم بإنقاذهم ؛ فأمر (عليه السّلام) غلمانه وأهل بيته أن يسقوا القوم عن آخرهم ، ويسقوا خيولهم فسقوهم عن آخرهم ، وكان فيهم علي بن الطعان المحاربي الذي اشتدّ به العطش فلم يدرِ كيف يشرب ، فقام (عليه السّلام) بنفسه فسقاه ، وكانت هذه البادرة من أروع ما سجّل في قاموس الإنسانية من الشرف والنبل.
من مزايا الإمام أبي الأحرار (عليه السّلام) الجود والسخاء ، فقد كان ملاذاً للفقراء والمحرومين ، وملجأ لمَن جارت عليه الأيّام ، وكان يثلج قلوب الوافدين إليه بهباته وعطاياه ، يقول كمال الدين بن طلحة : وقد اشتهر النقل عنه أنّه كان يكرم الضيف ، ويمنح الطالب ، ويصل الرحم ، ويسعف السائل ، ويكسو العاري ، ويشبع الجائع ، ويعطي الغارم ويشدّ من الضعيف ، ويشفق على اليتيم ، ويغني ذا الحاجة ، وقلّ أن وصله مال إلاّ فرّقه ، وهذه سجية الجواد وشنشنة الكريم ، وسمة ذي السماحة ، وصفة مَن قد حوى مكارم الأخلاق. فأفعاله المتلوّة شاهدة له
بصنعة الكرم ، ناطقة بأنّه متّصف بمحاسن الشيم(1) .
ويقول المؤرّخون : إنّه كان يحمل في دجى الليل السهم الجراب يملؤه طعاماً ونقوداً إلى منازل الأرامل واليتامى والمساكين حتّى أثر ذلك في ظهره(2) .
وكان يحمل إليه المتاع الكثير فلا يقوم حتّى يَهَبَ عامّته ، وقد عرف معاوية فيه هذه الظاهرة فأرسل إليه بهدايا وألطاف ، كما أرسل إلى غيره من شخصيات يثرب ، وأخذ يحدّث جلساءه بما يفعله كل واحد منهم بتلك الألطاف فقال في الحسين : أمّا الحسين فيبدأ بأيتام مَن قُتل مع أبيه بصفّين ، فإن بقي شيء نحر به الجزور وسقى به اللبن.
وبعث رقيباً يرى ما يفعله القوم فكان كما أخبر ، فقال معاوية : أنا ابن هند ، أنا أعلم بقريش من قريش(3) .
وعلى أيّ حال فقد نقل المؤرّخون بوادر كثيرة من جود الإمام وسخائه نلمع إلى بعضها :
1 ـ مع أسامة بن زيد.
ومرض أسامة بن زيد مرضه الذي توفّي فيه فدخل عليه الإمام عائداً ، فلمّا استقرّ به المجلس قال أسامة : وا غمّاه!
ـ «ما غمّك؟».
ـ دَيني وهو ستون ألفاً.
ـ «هو عليّ».
__________________
(1) مطالب السؤول / 73.
(2) ريحانة الرسول / 71.
(3) عيون الأخبار 3 / 40.
ـ أخشى أن أموت قبل أن يُقضى.
ـ «لن تموت حتّى أقضيها عنك».
وبادر الإمام (عليه السّلام) فقضاها عنه قبل موته(1) ، وقد غضّ طرفه عن أسامة فقد كان من المتخلّفين عن بيعة أبيه ، فلم يجازيه بالمثل ، وإنّما أغدق عليه بالإحسان.
2 ـ مع جارية له.
روى أنس قال : كنت عند الحسين فدخلت عليه جارية بيدها طاقة ريحانة فحيّته بها ، فقال لها : «أنت حرّة لوجه الله تعالى». وبهر أنس فانصرف يقول : جارية تجيئك بطاقة ريحان ، فتعتقها؟!
ـ «كذا أدّبنا الله ، قال تبارك وتعالى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا. وكان أحسن منها عتقها»(2) . وبهذا السخاء والخلق الرفيع ملك قلوب المسلمين وهاموا بحبّه وولائه.
3 ـ مع غارم.
كان الإمام الحسين (عليه السّلام) جالساً في مسجد جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وذلك بعد وفاة أخيه الحسن (عليه السّلام) ، وكان عبد الله بن الزبير جالساً في ناحية منه كما كان عتبة بن أبي سفيان جالساً في ناحية اُخرى منه ، فجاء أعرابي على ناقة فعقلها ودخل المسجد ، فوقف على عتبة بن أبي سفيان فسلّم عليه فردّ عليه السلام ، فقال له الأعرابي :
إنّي قتلت ابن عمّ لي وطُولبت بالديّة ، فهل لك أن تعطيني شيئاً؟
__________________
(1) أعيان الشيعة 4 / 104.
(2) الفصول المهمة لابن الصباغ / 184.
فرفع عتبة إليه رأسه وقال لغلامه : ادفع إليه مئة درهم. فقال له الأعرابي : ما أريد إلاّ الديّة تامة.
فلم يعنَ به عتبة ، فانصرف الأعرابي آيساً منه ، فالتقى بابن الزبير فعرض عليه قصّته ، فأمر له بمئتي درهم فردّها عليه ، وأقبل نحو الإمام الحسين (عليه السّلام) فرفع إليه حاجته ، فأمر له بعشرة آلاف درهم ، وقال له : «هذه لقضاء ديونك». وأمر له بعشرة آلاف درهم اُخرى وقال له : «هذه تلمّ بها شعثك ، وتحسن بها حالك ، وتنفق بها على عيالك». فاستولت على الأعرابي موجات من السرور ، واندفع يقول :
طربتُ وما هاج لي معبقُ |
ولا لي مُقامٌ ولا معشَقُ |
|
ولكنْ طربتُ لآل الرسو |
لْ فلذّ ليَ الشعرُ والمنطقُ |
|
هُمُ الأكرمونَ هُمُ الأنجبون |
نجومُ السماء بهم تُشرقُ |
|
سبقتَ الأنام إلى المكرماتِ |
وأنت الجوادُ فلا تُلحَقُ |
|
أبوك الذي ساد بالمكرماتْ |
فقصّر عن سبقه السُّبّقُ |
|
به فتح اللهُ باب الرشادِ |
وبابُ الفساد بكم مُغلَقُ(1) |
4 ـ مع أعرابي :
وقصده أعرابي فسلّم عليه وسأله حاجته ، وقال : سمعت جدّك يقول : «إذا سألتم حاجة فاسألوها من أربعة ؛ إمّا عربي شريف ، أو مولى كريم ، أو حامل القرآن ، أو صاحب وجه صبيح». فأمّا العرب فشرفت بجدّك ؛ وأمّا الكرم فدأبكم وسيرتكم ؛ وأمّا القرآن ففي بيوتكم نزل ؛ وأمّا الوجه الصبيح فإنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : «إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين».
__________________
(1) عقد الآل في مناقب الآل للبحراني.
فقال له الحسين (عليه السّلام) : «ما حاجتك؟». فكتبها الأعرابي على الأرض ، فقال له الحسين (عليه السّلام) : «سمعت أبي علياً يقول : المعروف بقدر المعرفة ، فأسألك عن ثلاث مسائل ؛ إن أجبت عن واحدة فلك ثلث ما عندي ، وإن أجبت عن اثنين فلك ثلثا ما عندي ، وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي ، وقد حملت إليّ صرّة من العراق».
ـ الأعرابي : سل ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
ـ الإمام الحسين : «أيّ الأعمال أفضل؟».
ـ الإيمان بالله.
ـ «ما نجاة العبد من الهلكة؟».
ـ الثقة بالله.
ـ «ما يزيّن المرء؟».
ـ علم معه حلم.
ـ «فإن أخطأه ذلك؟».
ـ مال معه كرم.
ـ «فإن أخطأه ذلك؟».
ـ فقر معه صبر.
ـ «فإن أخطأه ذلك؟».
ـ صاعقة تنزل من السماء فتحرقه. فضحك الإمام (عليه السّلام) ورمى إليه بالصرّة(1) .
5 ـ مع سائل.
ووفد عليه سائل ، فقرع الباب وأنشأ يقول :
لم يخبِ اليوم مَن رجاك ومَن |
حرّك من خلفِ بابك الحلقهْ |
__________________
(1) فضائل الخمسة من الصحاح الستة 3 / 268.
أنت ذو الجودِ أنت معدنهُ |
أبوك قد كان قاتلَ الفسقهْ |
وكان الإمام واقفاً يصلّي فخفّ من صلاته ، وخرج إلى الأعرابي فرأى عليه أثر الفاقة ، فرجع ونادى بقنبر ، فلمّا مَثل عنده قال له : «ما تبقّى من نفقتنا؟». قال : مئتا درهم أمرتني بتفرقتها في أهل بيتك. فقال : «هاتها فقد أتى مَن هو أحقّ بها منهم». فأخذها ودفعها إلى الأعرابي معتذراً منه ، وهو ينشد هذه الأبيات :
خذها فإنّي إليك معتذرٌ |
واعلم بأني عليك ذو شفقهْ |
|
لو كان في سيرنا عصاً تُمدّ إذاً |
كانت سمانا عليك مندفقهْ |
|
لكنّ ريبَ المنونِ ذو نكدٍ |
والكفّ منّا قليلة النفقهْ |
فأخذها الأعرابي شاكراً وداعياً له بالخير ، وانبرى مادحاً له :
مطهّرون نقياتٌ جيوبهمُ |
تجري الصلاةُ عليهم أينما ذُكروا |
|
وأنتمُ أنتمُ الأعلونَ عندكُمُ |
علمُ الكتابِ وما جاءت بهِ السُّورُ |
|
مَن لم يكن علوياً حين تنسبهُ |
فما له في جميع الناسِ مفتخرُ(1) |
هذه بعض بوادر كرمه وسخائه وهي تكشف عن مدى تعاطفه وحنوه على الفقراء ، وأنه لم يبغِ أي مكسب سوى ابتغاء مرضاة الله والتماس الأجر في الدار الآخرة. وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض نزعاته وصفاته التي بلغ بها ذروة الكمال المطلق ، واحتلّ بها قلوب المسلمين فهاموا بحبّه والولاء له.
واتّجه الإمام الحسين (عليه السّلام) بعواطفه ومشاعره نحو الله ، فقد تفاعلت
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 4 / 323 ـ 324.
جميع ذاتيّاته بحبّ الله والخوف منه ، ويقول المؤرّخون : إنّه عمل كل ما يقرّبه إلى الله ، فكان كثير الصلاة والصوم والحجّ والصدقة وأفعال الخير(1) . ونعرض لبعض ما أثر عنه من عبادته واتّجاهه نحو الله :
كان الإمام (عليه السّلام) في طليعة العارفين بالله ، وكان عظيم الخوف منه شديد الحذر من مخالفته ، حتّى قال له بعض أصحابه :
ما أعظم خوفك من ربّك؟!
فقال (عليه السّلام) : «لا يأمن يوم القيامة إلاّ مَن خاف الله في الدنيا»(2) . وكانت هذه سيرة المتّقين الذين أضاؤوا الطريق ، وفتحوا آفاق المعرفة ، ودلّلوا على خالق الكون وواهب الحياة.
كان (عليه السّلام) أكثر أوقاته مشغولاً بالصلاة والصوم(3) ، وكان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة كما حدّث بذلك ولده زين العابدين (ع)(4) . وكان يختم القرآن الكريم في شهر رمضان(5) .
وتحدّث ابن الزبير عن عبادة الإمام (عليه السّلام) فقال : أما والله ، لقد قتلوه ؛ طويلاً بالليل قيامه ، كثيراً في النهار صومه(6) .
__________________
(1) تهذيب الأسماء 1 / 163.
(2) أعيان الشيعة 4 / 104 ، ريحانة الرسول / 85.
(3) تهذيب الأسماء 1 / 163 ، خطط المقريزي 2 / 285.
(4) تاريخ اليعقوبي 2 / 219 ، تاريخ ابن الوردي 1 / 173.
(5) سير أعلام النبلاء 3 / 193.
(6) تاريخ الطبري 6 / 273.
كان الإمام (عليه السّلام) كثير الحجّ ، وقد حجّ خمساً وعشرين حجّة ماشياً على قدميه(1) ، وكانت نجائبه تقاد بين يديه(2) ، وكان يمسك الركن الأسود ويناجي الله ويدعو قائلاً :
«إلهي ، أنعمتني فلم تجدني شاكراً ، وابتليتني فلم تجدني صابراً ؛ فلا أنت سلبت النعمة بترك الشكر ، ولا أدمت الشدّة بترك الصبر. إلهي ما يكون من الكريم إلاّ الكرم»(3) .
وخرج (عليه السّلام) معتمراً لبيت الله فمرض في الطريق ، فبلغ ذلك أباه أمير المؤمنين (عليه السّلام) وكان في يثرب ، فخرج في طلبه فأدركه في (السقيا) وهو مريض ، فقال له :
«يا بني ، ما تشتكي؟».
«أشتكي رأسي».
فدعا أمير المؤمنين (عليه السّلام) ببدنة فنحرها ، وحلق رأسه وردّه إلى المدينة ، فلمّا أبل من مرضه قفل راجعاً إلى مكة واعتمر(4) ، هذا بعض ما أثر من طاعته وعبادته.
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 254 ، سير أعلام النبلاء 3 / 193 مجمع الزوائد 9 / 201 ، تهذيب الأسماء 1 / 163 ، مناقب ابن المغازلي رقم الحديث 64 ، مختصر صفوة الصفوة / 62.
(2) صفوة الصفوة 1 / 321 ، طبقات الشعراني 1 / 23 ، تاريخ ابن عساكر 13 / 54.
(3) الكواكب الدرّية 1 / 58.
(4) دعائم الإسلام 1 / 395.
كان (عليه السّلام) كثير البر والصدقة ، وقد ورث أرضاً وأشياء فتصدّق بها قبل أن يقبضها(1) ، وكان يحمل الطعام في غلس الليل إلى مساكين أهل المدينة(2) ، لم يبتغِ بذلك إلاّ الأجر من الله ، والتقرّب إليه ، وقد ألمعنا ـ فيما سبق ـ إلى كثير من ألوان برّه وإحسانه.
ولم يدان الإمام الحسين (عليه السّلام) أحد في فضله وعلمه ، فقد فاق غيره بملكاته ومواهبه العلمية ، وقد انتهل وهو في سنّه المبكّر من نمير علوم جدّه التي أضاءت آفاق هذا الكون ، كما تتلمذ على يد أبيه الإمام أمير المؤمنين باب مدينة علم النبي (صلّى الله عليه وآله) وأعلم الاُمّة ، وأفقهها بشؤون الدين ، وورد في الحديث : «كان الحسن والحسين يغرّان العلم غراً»(3) .
وقال حبر الاُمّة عبد الله بن عباس : الحسين من بيت النبوّة وهم ورثة العلم(4) .
وقال بعض مَن ترجمه : كان الحسن أفضل أهل زمانه في العلم والمعرفة بالكتاب والسنّة(5) ، ونعرض بإيجاز لبعض شؤونه العلمية.
__________________
(1) دعائم الإسلام 2 / 337.
(2) تذكرة الخواص / 264.
(3) النهاية لابن الأثير ـ مادة : غر.
(4) الثائر الأوّل في الإسلام / 10.
(5) الكواكب الدرّية 1 / 58.
كان الإمام الحسين (عليه السّلام) من مراجع الفتيا في العالم الإسلامي ، وقد رجع إليه أكابر الصحابة في مسائل الدين ، وكان ممّن سأله عبد الله بن الزبير ، فقد استفتاه قائلاً : يا أبا عبد الله ، ما تقول في فكاك الأسير ، على مَن هو؟ فأجابه (عليه السّلام) : «على القوم الذين أعانهم أو قاتل معهم».
وسأله ثانياً : يا أبا عبد الله ، متى يجب عطاء الصبي؟ فأجابه (عليه السّلام) : «إذا استهلّ وجب له عطاؤه ورزقه».
وسأله ثالثاً : عن الشرب قائماً ، فدعا (عليه السّلام) بلقحة ـ أي ناقة ـ له فحُلبت ، فشرب قائماً وناوله(1) .
قال ابن القيم الجوزي : إنّ الباقي من الصحابة من رجال الفتيا هم : أبو الدرداء ، وأبو عبيدة الجراح ، والحسن والحسين(2) .
لقد كان المسلمون يرجعون إليه في مسائل الحلال والحرام ويأخذون من أحكام الإسلام وآداب الشريعة كما كانوا يرجعون إلى أبيه.
كان مجلسه مجلس علم ووقار قد ازدان بأهل العلم من الصحابة ، وهم يأخذون عنه ما يلقيه عليهم من الأدب والحكمة ، ويسجّلون ما يروون عنه من أحاديث جدّه (صلّى الله عليه وآله) ، ويقول المؤرّخون : إنّ الناس كانوا يجتمعون إليه
__________________
(1) الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 2 / 283.
(2) الأعلام.
ويحتفون به ، وكأنّ على رؤوسهم الطير ، يسمعون منه العلم الواسع والحديث الصادق(1) . وكان مجلسه في جامع جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وله حلقة خاصّة به ، وسأل رجل من قريش معاوية أين يجد الحسين ، فقال له : إذا دخلت مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فرأيت حلقة فيها قوم كأنّ على رؤوسهم الطير فتلك حلقة أبي عبد الله(2) .
ويقول العلائلي : كان مجلسه مهوى الأفئدة ، ومتراوح الأملاك ، يشعر الجالس بين يديه أنه ليس في حضرة إنسان من عمل الدنيا ، وصنيعة الدنيا ، تمتدّ أسبابها برهبته وجلاله وروعته ، بل في حضرة طفاح بالسكينة ، كأنّ الملائكة تروح فيها وتغدو(3) .
لقد جذبت شخصية الإمام ، وسموّ مكانته الروحية قلوب المسلمين ومشاعرهم فراحوا يتهافتون على مجلسه ، ويستمعون لأحاديثه ، وهم في منتهى الإجلال والخضوع.
كان الإمام (عليه السّلام) من أعلام النهضة الفكرية والعلمية في عصره ، وقد ساهم مساهمة إيجابية في نشر العلوم الإسلامية ، وإشاعة المعارف والآداب بين الناس ، وقد انتهل من نمير علومه حشد كبير من الصحابة وأبنائهم وهم : ولده الإمام زين العابدين ، وبنته فاطمة(4) وسكينة ، وحفيده
__________________
(1) الحقائق في الجوامع والفوارق / 105.
(2) تاريخ ابن عساكر 4 / 222.
(3) أشعة من حياة الحسين 93.
(4) الجرح والتعديل القسم الثاني من المجلد الأوّل / 55.
الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السّلام) والشعبي ، وعكرمة ، وكرز التميمي ، وسنان ابن أبي سنان الدؤلي ، وعبد الله بن عمر ، وابن عثمان ، والفرزدق(1) ، وابن أخيه زيد بن الحسن(2) ، وطلحة العقيلي ، وعبيد بن حنين(3) ، وأبو هريرة ، وعبيد الله بن أبي يزيد ، والمطلب بن عبيد الله بن حنطب ، وأبو حازم الأشجعي ، وشعيب بن خالد ، ويوسف الصباغ ، وأبو هشام(4) ، وغيرهم. وقد ألّف أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني كتاباً في أسماء مَن روى عن الحسن والحسين(5) .
لقد اتّخذ الإمام الجامع النبوي مدرسة له فكان به يلقي محاضراته في علم الفقه والتفسير ، ورواية الحديث ، وقواعد الأخلاق وآداب السلوك ، وكان المسلمون يفدون عليه من كل فجّ للانتهال من نمير علومه المستمدّة من علوم النبي (صلّى الله عليه وآله) ومعارفه.
وروى الإمام الحسين (عليه السّلام) مجموعة كبيرة من الأحاديث عن جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وقد ذكر الزهري في كتاب (المغازي) أنّ البخاري روى عن الحسين أحاديث كثيرة ، وفيها باب تحريض النبي (صلّى الله عليه وآله) على قيام الليل ، كما روى عنه الترمذي في كتاب (الشمائل النبوية) أحاديث
__________________
(1) تهذيب التهذيب 2 / 345.
(2) تاريخ ابن عساكر 4 / 311.
(3) سير أعلام النبلاء 3 / 188.
(4) تاريخ ابن عساكر 13 / 50.
(5) النجاشي / 73.
كثيرة ، وقد نقلها عنه سفيان بن وكيع(1) ، ونلمع إلى بعض رواياته عن جدّه :
1 ـ قال (عليه السّلام) : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : من حسن إسلام المرء قلّة الكلام فيما لا يعنيه»(2) .
2 ـ قال (عليه السّلام) : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»(3) .
3 ـ قال (عليه السّلام) : «سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة ـ أو قال : تصيبه مصيبة ـ وإن قدم عهدها ، فيحدث لها استرجاعاً إلاّ أحدث الله عنه ذلك ، وأعطاه ثواب ما وعده عليها يوم اُصيب بها»(4) .
4 ـ قال (عليه السّلام) : «سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول : إنّ الله يحبّ معالي الاُمور ، ويكره سفاسفها»(5) .
5 ـ قال (عليه السّلام) : «سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله) يقول : مَن يطع الله يرفعه ، ومَن يعص الله يضعه ، ومَن يخلص نيّته لله يزينه ، ومَن يثق بما عند الله يُغنيه ، ومَن يتعزّز على الله يذلّه»(6) .
6 ـ قال (عليه السّلام) : «كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) إذا استقى قال : اللّهمّ اسقنا سقياً واسعة وادعة عامة نافعة غير ضارّة ، تعمّ بها حاضرنا وبادينا ، وتزيد بها في رزقنا وشكرنا. اللّهمّ اجعله رزق إيمان وعطاء ايمان ، إنّ عطاءك لم
__________________
(1) الثائر الأوّل في الإسلام / 10.
(2) و (3) مسند الإمام أحمد بن حنبل 1 / 201.
(4) تاريخ ابن عساكر 4 / 312 ، اُسد الغابة 2 / 19 ، الإصابة 1 / 222.
(5) و (6) تاريخ اليعقوبي 2 / 219.
يكن محظوراً. اللّهمّ انزل علينا في أرضنا سكنها(1) ، وانبت فيها زينتها ومرعاها»(2) .
7 ـ قال (عليه السّلام) : «حدّثني أبي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال : المغبون لا محمود ولا مأجور»(3) .
8 ـ روى (عليه السّلام) عن أبيه قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : رأس العقل بعد الإيمان بالله عزّ وجلّ التحبب إلى الناس»(4) .
9 ـ روى (عليه السّلام) عن أبيه قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتّى يُسأل عن أربع ، عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وعن حُبّنا أهل البيت»(5) .
ألّف هذا المسند أبو بشير محمد بن أحمد الدولابي المتوفّى سنة (320 هـ) ، وقد أدرجه في غضون كتابه الذرّية الطاهرة(6) ، وهذه بعض بنوده :
__________________
(1) سكنها : بفتح السين والكاف ، غياث أهلها الذين تسكن أنفسهم إليه.
(2) عيون الأخبار 2 / 273.
(3) تاريخ ابن عساكر 4 / 312.
(4) الخصال / 17.
(5) الخصال / 23.
(6) من مخطوطات المكتبة الأحمدية بجامع الزيتونة في تونس ، توجد منه نسخة مصورة في مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، استنسخها العلاّمة السّيد عبد العزيز الطباطبائي اليزدي.
1 ـ روى علي بن الحسين عن أبيه أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
2 ـ قال الحسين (عليه السّلام) : «وجدت في قائم سيف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صحيفة مربوطة وهي : أشدّ الناس على الله عذاباً القاتل غير قاتله ، والضارب غير ضاربه. ومَن جحد نعمة مواليه فقد برئ مما أنزل الله عزّ وجلّ».
3 ـ روى الحسين (عليه السّلام) قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إنّ البخيل مَن ذُكرتُ عنده فلم يصلِّ عليّ».
4 ـ روى الحسين عن أبيه عن جدّه ، قال (صلّى الله عليه وآله) : «يكون بعدي ثلاث فرق : مرجئة ، وحرورية ، وقدرية ؛ فإن مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تشهدوهم ، وإن دعوا فلا تجيبوهم».
5 ـ روى (عليه السّلام) عن جدّه (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : «ما من عبد أو أمة يضنّ بنفقة ينفقها فيما يرضي الله إلاّ أنفق أضعافها في سخط الله ، وما من عبد يدع معونة أخيه المسلم والسعي في حاجته ، قُضيت تلك الحاجة أو لم تقضَ ، إلاّ ابُتلي بمعونة مَن يأثم فيه ، ولا يؤجر عليه. وما من عبد ولا أمة يدع الحجّ وهو يجد السبيل إليه لحاجة من حوائج الدنيا إلاّ نظر إلى المحلّقين قبل أن يقضي الله تلك الحاجة».
6 ـ روى يحيى بن سعيد قال : كنت عند علي بن الحسين (عليه السّلام) فجاءه نفر من الكوفيِّين ، فقال علي بن الحسين : «يا أهل العراق ، أحبّونا حبّ الإسلام ؛ فإنّي سمعت أبي يقول : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يا أيها الناس ، لا ترفعوني فوق حقّي ؛ فإنّ الله عزّ وجلّ قد اتخذني عبداً قبل أن يتّخذني نبياً».
7 ـ روت فاطمة بنت الحسين (عليهما السّلام) عن أبيها وعبد الله بن عباس أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان يقول :
«لا تديموا النظر إلى المجذومين ؛ مَن كلّمهم منكم فليكن بينه وبينكم قيد رمح».
8 ـ روت فاطمة بنت الحسين (عليهما السّلام) عن أبيها قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : إنّ الله يحبّ معالي الأخلاق وأشرافها ، ويكره سفاسفها».
9 ـ روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : «لا تديموا النظر إلى المجذومين».
10 ـ روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال : «كان رأس رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في حجر علي ، وكان يُوحى إليه ، فلمّا سرى عنه ـ أي الوحي ـ قال : يا علي ، صلّيتَ العصر؟ قال : لا. قال : اللّهمّ إنّك تعلم أنّه كان في حاجتك وحاجة رسولك فردها عليه. فردّها عليه ، فصلّى وغابت الشمس».
11 ـ روت فاطمة عن أبيها أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال : «للسائل حقٌّ وإن جاء على فرس».
12 ـ روت فاطمة بنت الحسين عن أبيها قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : مَن اُصيب بمصيبة فذكرها ، وإن تقادم عهدها ، فأحدث لها استرجاعاً أحدث الله له ثواب ما وعده حين اُصيب بها».
13 ـ روت فاطمة بنت الحسين (عليها السّلام) عن أبيها ، قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : لمّا أخذ الله ميثاق العباد جعل في (الحجر) ، فمِن الوفاء بالبيعة استلام الحجر».
14 ـ روى عبد الله بن سليمان بن نافع مولى بني هاشم ، عن الحسين بن علي قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : يا بني هاشم ، أطيبوا الكلام ، وأطعموا الطعام».
15 ـ روى أبو سعيد الميثمي قال : سمعت الحسين بن علي يقول : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : مَن لبس ثوب شهرة كساه الله ثوب نار».
هذه بعض بنود مسند الإمام الحسين (عليه السّلام) وهي حافلة بآداب السلوك وتهذيب الأخلاق التي لا غنى للناس عنها.
وروى (عليه السّلام) عن اُمّه سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السّلام) من الأحاديث ما يلي :
1 ـ روى محمد بن علي بن الحسين (عليه السّلام) قال : «خرجت مع جدّي الحسين بن علي إلى أرضه ، فأدركنا النعمان بن بشير على بغلة له ، فنزل عنها وقال للحسين : اركب أبا عبد الله. فأبى ، فلم يزل يقسم عليه حتّى قال : أما أنّك قد كلّفتني ما أكره ، ولكن اُحدّثك حديثاً حدّثتنيه اُمّي فاطمة : أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قال : الرجل أحقّ بصدر دابته وفراشه ، والصلاة في بيته إلاّ إماماً لجمع من الناس ، فاركب أنت على صدر الدابة. وسارت تدفّ ، فقال النعمان : صدقت فاطمة».
2 ـ روت فاطمة بنت الحسين ، عن أبيها ، عن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قالت : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : لا يلومنّ إلاّ نفسه مَن بات وفي يده غَمَر(1) »(2) .
__________________
(1) الغَمَر ـ بالتحريك ـ : الدسم والزهومة من اللحم.
(2) الذرّية الطاهرة ، مسند الفردوس ج 41.
وروى الإمام الحسين عن أبيه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) الشيء الكثير ؛ سواء أكان مما يتعلّق بالسيرة النبويّة أم في الأحكام الشرعية ، وهذه بعضها :
1 ـ روى عن أبيه (عليه السّلام) : «أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بعث سرية فأسّروا رجلاً من بني سليم يُقال له الأصيد بن سلمة ، فلمّا رآه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رقّ لحاله ، وعرض عليه الإسلام فأسلم ، فبلغ ذلك أباه ـ وكان شيخاً ـ فكتب إليه رسالة فيها هذه الأبيات :
مَنْ راكب نحو المدينةِ سالماً |
حتّى يبلّغ ما أقول الأصيدا |
|
إنّ البنينَ شرارُهُمْ أمثالُهمْ |
مَنْ عقّ والده وبرّ الأبعدا |
|
أتركتَ دين أبيك والشمَّ الاُلى |
أودوا وتابعتَ الغداة محمّدا |
وعرض الأصيد رسالة أبيه على النبي (صلّى الله عليه وآله) ، واستأذنه في جوابه فأذن له ، فكتب إليه :
إنّ الذي سمكَ السماءَ بقُدرةٍ |
حتّى علا في مُلكهِ فتوحّدا |
|
بعث الذي لا مثله فيما مضى |
يدعو لرحمتهِ النبيَّ محمّدا |
|
فدعا العبادَ لدينهِ فتتابعوا |
طَوعاً وكرهاً مقبلينَ على الهُدى |
|
وتخوّفوا النارَ التي من أجلِها |
كان الشقيُّ الخاسرَ المتلددا |
|
واعلم بأنّك ميّتٌ ومحاسبٌ |
فإلى متى هذي الضلالةُ والردى |
ولمّا قرأ سلمة رسالة ابنه وفد على النبي (صلّى الله عليه وآله) وأسلم»(1) .
2 ـ قال (عليه السّلام) : «سألت أبي عن سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في جلسائه ،
__________________
(1) اُسد الغابة 1 / 100.
فقال : كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دائم البشر ، سهل الخلق ، ليّن الجانب ، ليس بفظٍّ ولا غليظ ، ولا صخّاب ولا فحّاش ، ولا عيّاب ولا مشّاح ، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه ، ولا يخيب فيه. قد ترك نفسه من ثلاث : المراء ، والإكبار ، وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذمّ أحداً ولا يعيبه ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلّم إلاّ فيما رجا ثوابه ؛ وإذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلّموا ، لا يتنازعون عنده الحديث ، ومَن تكلّم عنده أنصتوا إليه حتّى يفرغ.
حديثهم عنده حديث أوّلهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجّب مما يتعجّبون ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتّى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ، ويقول : إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فأرفدوه. ولا يقبل الثناء إلاّ من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجور(1) فيقطعه بنهي أو قيام»(2) .
وقد امتاز النبي (صلّى الله عليه وآله) على عامة النبيين بهذه الأخلاق العالية التي ألّفت ما بين قلوب المسلمين ، ووحّدت ما بين مشاعرهم وعواطفهم ، وجعلتهم في عصورهم الاُولى سادة الاُمم ، والأدلاّء على مرضاة الله وطاعته.
3 ـ روى (عليه السّلام) عن أبيه قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : مَن قُتل دون ماله فهو شهيد»(3) .
4 ـ روى (عليه السّلام) عن أبيه قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : عجبت لمَن يحتمي من الطعام مخافة الداء ، كيف لا يحتمي من الذنوب مخافة النار»(4) .
__________________
(1) يجور : أي يميل عن الحق.
(2) الحسين 1 / 137 ـ 138.
(3) مسند أحمد بن حنبل.
(4) الأربعين ـ لبهاء الدين العاملي / 111.
5 ـ قال (عليه السّلام) : «سمعت أبي يقول : الإيمان معرفة بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان»(1) .
6 ـ روى (عليه السّلام) عن أبيه أنّه قال : «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطنّ الله عليكم أشراركم ، ثمّ يدعو خياركم فلا يُستجاب لهم»(2) .
7 ـ روى (عليه السّلام) عن أبيه أنّه قال : «إنّ الله تبارك وتعالى أخفى أربعة في أربعة ؛ أخفى رضاه في طاعته ، فلا تستصغرنّ شيئاً من طاعته ؛ فربّما وافق رضاه وأنت لا تعلم. وأخفى سخطه ، فلا تستصغرنّ شيئاً من طاعته ؛ فربّما وافق سخطه معصيته وأنت لا تعلم. وأخفى إجابته في دعوته ، فلا تستصغرنّ شيئاً من دعائه ، فربّما وافق إجابته وأنت لا تعلم. وأخفى وليّه في عباده ، فلا تستصغرنّ عبداً من عبيد الله ؛ فربّما يكون وليّه وأنت لا تعلم»(3) .
8 ـ روى (عليه السّلام) عن أبيه أنّه قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : خير دور الأنصار بنو النّجار ، ثمّ بنو عبد الأشهل ، ثمّ بنو الحرث ، ثمّ بنو ساعدة ، وفي كل دور الأنصار خير»(4) .
9 ـ روى (عليه السّلام) عن أبيه أنّه قال : «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : خير الدعاء الاستغفار ، وخير العبادة قول لا إله إلاّ الله»(5) .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض رواياته عن جدّه وأبويه.
__________________
(1) الحسين (عليه السّلام) 1 / 140.
(2) مسند الإمام زيد / 185.
(3) الخصال / 191.
(4) مسند الفردوس ، من مصورات مكتبة الإمام الحكيم ، تأليف شهردار بن شيرويه الشافعي المتوفّى سنة (558) هـ.
(5) مسند الفردوس 37 / 27.
للإمام (عليه السّلام) تراث رائع خاض في جملة منه مجموعة من البحوث الفلسفية والمسائل الكلامية التي مُنيت بالغموض والتعقيد ، فأوضحها وبيّن وجهة الإسلام فيها ، كما خاض في كثير من كلماته اُصول الأخلاق وقواعد الآداب ، وأسس الإصلاح الاجتماعي والفردي ، ونتعرض فيما يلي لبعض ما اُثر عنه :
من أهمّ المسائل الكلامية وأعمقها مسألة القدر ، فقد اُثير حولها الكلام منذ فجر التاريخ الإسلامي ، وقد تصدّى أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) لبيانها ودفع الشبهات عنها ، وقد سأل الحسن بن الحسن البصري الإمام الحسين عنها ، فأجابه (عليه السّلام) برسالة هذا نصّها : «اتّبع ما شرحت لك في القدر ممّا أفضى إلينا أهل البيت ؛ فإنّه مَن لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه كفر ، ومَن حمل المعاصي على الله عزّ وجلّ فقد افترى على الله افتراءً عظيماً ، وإنّ الله لا يُطاع بإكراه ، ولا يُعصى بغلبة ، ولا يهمل العباد في الهلكة ، لكنه المالك لِما ملكهم ، والقادر لِما عليه أقدرهم ، فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله صادراً عنها مبطئاً ، وإن ائتمروا بالمعصية فشاء أن يمنّ عليهم فيحول بينهم وبين ما ائتمروا به فعل ، فليس هو حملهم عليها قسراً ، ولا كلّفهم جبراً ، بل بتمكينه إيّاهم بعد إعذاره وإنذاره لهم
واحتجاجه عليهم ؛ طوّقهم ومكّنهم وجعل لهم السبيل إلى أخذ ما إليه دعاهم ، وترك ما نهاهم عنه. جعلهم مستطيعين لأخذ ما أمرهم به من شيء غير آخذ به ، ولترك ما نهاهم عنه من شيء غير تاركيه ، والحمد لله الذي جعل عباده أقوياء لِما أمرهم به ينالون بتلك القوة ، وما نهاهم عنه ، وجعل العذر لمَن لم يجعل له السبيل حمداً متقبّلاً ، فأنا على ذلك أذهب ، وبه أقول أنا وأصحابي أيضاً عليه وله الحمد»(1) .
وقد عرض هذا الكلام الشريف إلى بحوث كلامية مهمة ، والتعرّض لها يستدعي الإطالة والخروج عن الموضوع.
كتب إليه جماعة يسألونه عن معنى الصمد في قوله تعالى :( الله الصمد ) . فكتب (عليه السّلام) لهم بعد البسملة : «أمّا بعد ، فلا تخوضوا في القرآن ، ولا تجادلوا فيه ، ولا تتكلّموا فيه بغير علم ، فقد سمعت جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : مَن قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. وأنّ الله سبحانه قد فسّر الصمد فقال( اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ ) ، ثمّ فسّره فقال :( لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) .
( لَمْ يَلِدْ ) : لم يخرج منه شيء كثيف كالولد وسائر الأشياء الكثيفة التي تخرج من المخلوقين ، ولا شيء لطيف كالنفس ، ولا يتشعّب منه البدوات كالسِّنة والنوم ، والخطرة والهمّ ، والحزن والبهجة ، والضحك والبكاء ، والخوف والرجاء ، والرغبة والسأمة ، والجوع والشبع ، تعالى عن أن يخرج منه شيء ، وأن يتولّد منه شيء كثيف أو لطيف.( وَلَمْ يُولَدْ ) :
__________________
(1) فقه الرضا / 55 ، بحار الأنوار 5 / 123.
لم يتولّد منه شيء ، ولم يخرج منه شيء كما تخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها ، والدابة من الدابة ، والنبات من الأرض ، والماء من الينابيع ، والثمار من الأشجار ، ولا كما يخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها ؛ كالبصر من العين ، والسمع من الاُذن ، والشمّ من الأنف ، والذوق من الفم ، والكلام من اللسان ، والمعرفة والتمييز من القلب ، وكالنار من الحجر ، لا بل هو الله الصمد الذي لا شيء ، ولا في شيء ، ولا على شيء ؛ مبدع الأشياء وخالقها ، ومنشئ الأشياء بقدرته ، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئته ، ويبقى ما خلق للبناء بعلمه ، فذلكم الله الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»(1) .
وعرض الإمام الحسين (عليه السّلام) في كثير من كلامه إلى توحيد الله فبيّن حقيقته وجوهره ، وفنّد شُبه الملحدين وأوهامهم. ونعرض فيما يلي لبعض ما اُثر عنه :
1 ـ قال (عليه السّلام) : «أيّها الناس ، اتّقوا هؤلاء المارقة الذين يشبّهون الله بأنفسهم ، يضاهون قول الذين كفروا من أهل الكتاب ، بل هو الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، لا تدركه الأبصار ، وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير.
استخلص الوحدانية والجبروت ، وأمضى المشيئة والإرادة والقدرة والعلم بما هو كائن ، لا منازع له في شيء من أمره ، ولا كفو له يعادله ، ولا ضدّ له ينازعه ، ولا سميّ له يشابهه ، ولا مثل له يشاركه ، لا تتداوله الاُمور ، ولا تجري عليه الأحوال ، ولا تنزل عليه
__________________
(1) معادن الحكمة في مكاتيب الأئمة 2 / 48 ـ 49.
الأحداث ، ولا يقدر الواصفون كُنه عظمته ، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته ؛ لأنه ليس له في الأشياء عديل ، ولا تدركه العلماء بألبابها ، ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلاّ بالتحقيق ، إيقاناً بالغيب ؛ لأنّه لا يُوصف بشيء من صفات المخلوقين ، وهو الواحد الصمد. ما تصوّر في الأوهام فهو خلافه ، ليس بربِّ مَن طرح تحت البلاغ ، ومعبود مَن وجِد في هواء أو غير هواء ، هو في الأشياء كائن لا كينونة محظور بها عليه ، ومن الأشياء بائن لا بينونة غائب عنها ، ليس بقادر مَن قارنه ضد أو ساواه نِدّ. ليس عن الدهر قدمه ، ولا بالناحية اُممه ، احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار ، وعمّن في السماء احتجابه كمَن في الأرض ، قرّبه به كرامته ، وبُعده إهانته ، لا يحلّه في ، ولا توقته إذ ، ولا تؤامره إن ؛ علوّه من غير توقّل ، ومجيئه من غير تنقّل ، يوجد المفقود ، ويفقد الموجود ، ولا تجتمع لغيره الصفتان في وقت. يصيب الفكر منه الإيمان به موجوداً ، ووجود الإيمان لا وجود صفة ، به تُوصف الصفات لا بها يُوصف ، وبه تعرف المعارف لا بها يُعرف ، فذلك الله لا سميّ له ، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»(1) .
وحذّر الإمام من تشبيه الخالق العظيم بعباده أو بسائر الممكنات التي يلاحقها العدم ، ويطاردها الفناء.
إنّ الإنسان مهما اُوتي من طاقات فهي محدودة كمّاً وكيفاً ، ويستحيل أن يصل إلى إدارك حقيقة المبدع العظيم الذي خلق هذه الأكوان وخلق هذه المجرّات التي تذهل العقول تصوّرها ، وما بُنيت عليه من الأنظمة الدقيقة المذهلة إنّ الإنسان قد عجز عن معرفة نفسه التي انطوت على هذه
__________________
(1) تحف العقول / 244.
الأجهزة العميقة كجهاز البصر والسمع والإحساس وغيرها ، فكيف يصل إلى إدراك خالقه؟!
وعلى أيّ حال فقد أوضحت هذه اللوحة الرائعة كثيراً من شؤون التوحيد ، ودلّلت على كيفيته ، وهي من أثمن ما أثر عن أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) في هذا المجال.
2 ـ يقول المؤرّخون : إنّ حبر الاُمّة عبد الله بن عباس كان يحدّث الناس في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقام إليه نافع الأزرق فقال له : تفتي الناس في النملة والقملة صف لي إلهك الذي تعبد؟! فأطرق إعظاماً لقوله ، وكان الإمام الحسين (عليه السّلام) جالساً فانبرى قائلاً : «إليّ يابن الأزرق».
ـ لست إيّاك.
فثار ابن عباس ، وقال له : إنّه من بيت النبوة ، وهم ورثة العلم.
فأقبل نافع نحو الحسين فقال (عليه السّلام) له : «يا نافع ، مَن وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في التباس ، سائلاً ناكباً عن المنهاج ، ظاعناً بالاعوجاج ، ضالاً عن السبيل ، قائلاً غير الجميل. أصف لك إلهي بما وصف به نفسه ، واُعرّفه بما عرّف به نفسه ؛ لا يُدرك بالحواس ولا يُقاس بالناس ، قريب غير ملتصق ، بعيد غير منتقص ، يوحّد ولا يُبعّض ، معروف بالآيات ، موصوف بالعلامات ، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال»(1) .
فحار الأزرق ولم يطق جواباً ، فقد ملكت الحيرة أهابه ، وسدّ عليه الإمام كل نافذة ينفذ منها ، وبهر جميع مَن سمعوا مقالة الإمام ، وراحوا
__________________
(1) الكواكب الدرّية 1 / 58.
يردّدون كلام ابن عباس : إنّ الحسين من بيت النبوة ، وهم ورثة العلم.
وجّه الإمام (عليه السّلام) هذه الكلمة النيّرة إلى الأنصار والمهاجرين ، ونعى عليهم تسامحهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الّلذَين بني عليهما المجتمع الإسلامي ، كما عرض إلى المظالم الاجتماعية التي مُنيت بها الاُمّة ، والتي كانت ناجمة عن تقصيرها في إقامة هذا الواجب الخطير ، وهذا نصّها : «اعتبروا أيّها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار ، إذ يقول : لَوْلاَ يَنْهَاهُمْ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمْ الإِثْمَ(1) . وقال : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(2) .
وإنّما عاب الله ذلك عليهم ؛ لأنهم كانوا يرون من الظَّلَمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك ؛ رغبة فيما كانوا ينالون منهم ، ورهبة مما يحذرون ، والله يقول : فَلاَ تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي(3) . وقال : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ(4) .
فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه ؛ لعلمه بأنّها إذا اُدّيت واُقيمت استقامت الفرائض كلّها ، هيّنها وصعبها ؛ وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام ، مع ردّ المظالم ، ومخالفة الظالم ، وقسمة الفيء والغنائم ، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها ثم
__________________
(1) سورة المائدة / 63.
(2) سورة المائدة / 78.
(3) سورة المائدة / 44.
(4) سورة التوبة / 71.
أنتم أيّتها العصابة ، عصابة بالعلم مشهورة ، وبالخير مذكورة ، وبالنصيحة معروفة ، وبالله في أنفس الناس مهابة ؛ يهابكم الشريف ، ويكرمكم الضعيف ، ويؤثركم مَن لا فضل لكم عليه ، ولا يد لكم عنده ، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلاّبها ، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الأكابر ، أليس كل ذلك إنّما نلتموه بما يرجى عندكم من القيام بحقّ الله ، وإن كنتم عن أكثر حقّه تقصّرون ، فاستخففتم بحقّ الأئمة ؛فأمّا حقّ الضعفاء فضيّعتم ؛ وأمّا حقّكم بزعمكم فطلبتم ، فلا مالاً بذلتموه ، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها ، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله.أنتم تتمنون على الله جنته ومجاورة رسله ، وأماناً من عذابه ، لقد خشيت عليكم أيها المتمنّون على الله أن تحلّ بكم نقمة من نقماته ؛ لأنكم بلغتم من كرامة الله منزلة فُضّلتم بها ، ومَن يعرف بالله لا تكرمون ، وأنتم بالله في عباده تُكرمون! وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون ، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون! وذمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) محقورة ، والعمى والبكم والزمن في المدائن مهملة لا ترحمون! ولا في منزلتكم تعملون ، ولا من عمل فيها تعينون! وبالإدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون ، كل ذلك ممّا أمركم الله به من النهي والتناهي وأنتم عنه غافلون! وأنتم أعظم الناس مصيبة لِما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تسعون ذلك ؛ بأن مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله ، الاُمناء على حلاله وحرامه ، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة ، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرّقكم عن الحقّ واختلافكم في السنّة بعد البيّنة الواضحة. ولو صبرتم على الأذى ، وتحمّلتم المؤونة في ذات الله ، كانت اُمور الله عليكم ترد ، وعنكم تصدر ، وإليكم ترجع ، ولكنكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم ، واستسلمتم اُمور الله في أيديهم يعملون بالشبهات ، ويسيرون في الشهوات ، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت ، وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم ؛ فأسلمتم الضعفاء في أيديهم ، فمن
بين مستعبد مقهور ، وبين مستضعف على معيشته مغلوب ، يتقلّبون في الملك بآرائهم ، ويستشعرون الخزي بأهوائهم ؛ اقتداءً بالأشرار ، وجرأةً على على الجبار ، في كلِّ بلد منهم على منبره خطيب يصقع ، فالأرض لهم شاغرة ، وأيديهم فيها مبسوطة ، والناس لهم خول ، لا يدفعون يد لامس ، فمن بين جبار عنيد ، وذي سطوة على الضَعَفة شديد ، مطاع لا يعرف المبدئ المعيد. فيا عجباً! وما لي لا أعجب والأرض من غاش غشوم ، ومتصدّق ظلوم ، وعامل على المؤمنين بهم غير رحيم ، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا ، القاضي بحكمه فيما شجر بيننا»(1) .
وحفلت هذه الوثيقة السياسية بذكر الأسباب التي أدّت إلى تردّي الأخلاق وشيوع المنكر في البلاد ، الناجمة من عدم قيام المهاجرين والأنصار بمسؤولياتهم وواجباتهم الدينية والاجتماعية ، فقد كانت لهم المكانة المرموقة في المجتمع الإسلامي ؛ لأنهم صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله) وحضنة الإسلام ، ويمكنهم أن يقولوا كلمة الحق ، ويناهضوا الباطل ، إلاّ أنهم تقاعسوا عن واجباتهم ، مما أدّى إلى أن تتحكّم في رقاب المسلمين الطغمة الحاكمة من بني اُميّة الذين اتخذوا عباد الله خولاً ، ومال الله دولاً.
وسئل الإمام أبو عبد الله (عليه السّلام) عن الجهاد هل هو سنّة أو فريضة؟ فأجاب (عليه السّلام) :
«الجهاد على أربعة أوجه : فجهادان فرض ، وجهاد سنّة لا يقام إلاّ مع فرض ، وجهاد سنّة ؛ فأمّا أحد الفرضين فجهاد الرجل نفسه عن
__________________
(1) تحف العقول / 237 ـ 239.
معاصي الله ، وهو من أعظم الجهاد ، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفار فرض ؛ وأمّا الجهاد الذي هو سنّة لا يقام إلاّ مع فرض فإنّ مجاهدة العدو فرض على جميع الاُمّة ، لو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب ، وهذا هو من عذاب الاُمّة ، وهو سنّة على الإمام وحده أن يأتي العدو مع الاُمّة فيجاهدهم.
وأمّا الجهاد الذي هو سنّة فكل سنّة أقامها الرجل وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها فالعمل والسعي فيها من أفضل الأعمال ؛ لأنها إحياء سّنة ، وقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : مَن سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر مَن عمل بها إلى يوم القيامة ، من غير أن ينقص من اُجورهم شيئاً»(1) .
سُئل الإمام الحسين (عليه السّلام) عن الحكمة في تشريع الصوم على العباد ، فقال (عليه السّلام) : «ليجد الغني مسّ الجوع فيعود بالفضل على المساكين»(2) .
وتحدّث (عليه السّلام) عن أنواع العبادة ، فقال : «إنّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد ، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار ، وهي أفضل العبادة»(3) .
__________________
(1) تحف العقول / 243.
(2) تاريخ ابن عساكر 13 / 56.
(3) بحار الأنوار ، تحف العقول / 246.
وتحدّث (عليه السّلام) عمّن عَبَدَ الله حقّ عبادته ، فقال : «مَن عَبَد الله حقّ عبادته أتاه الله فوق أمانيه وكفايته»(1) .
وحثّ الإمام الحسين على مودّة أهل البيت (عليهم السّلام). يقول أبو سعيد : سمعت الحسين يقول : «مَن أحبّنا نفعه الله بحبّنا وإن كان أسيراً في الديلم ، وإنّ حبّنا ليساقط الذنوب كما تساقط الريح الورق»(2) .
قال (عليه السّلام) : «الزموا مودّتنا أهل البيت ؛ فإنّ مَن لقي الله وهو يودّنا دخل في شفاعتنا».
روى بشير بن غالب أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قال : «مَن أحبّنا لله وردنا نحن وهو على نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) هكذا ـ وضمّ إصبعيه ـ ومَن أحبّنا للدنيا فإن الدنيا تَسَع البر والفاجر»(3) .
وحدّث (عليه السّلام) عمّا يكتسبه مَن أتى إليهم من الفوائد ، قال : «مَن أتانا لم يعدم خصلة من أربع : آية محكمة ، وقضية عادلة ، وأخاً مستفاداً ، ومجالسة العلماء»(4) .
__________________
(1) تفسير العسكري.
(2) مناقب ابن المغازلي : رقم الحديث 388 ، من مخطوطات مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام).
(3) تاريخ ابن عساكر 13 / 56.
(4) كشف الغمة.
ورسم الإمام (عليه السّلام) لأهل بيته وأصحابه مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات ، وأمرهم بالتحلّي بها ؛ ليكونوا قدوة لغيرهم ، وفيما يلي بعضها.
1 ـ قال (عليه السّلام) : «الحلم زينة ، والوفاء مروءة ، والصلة نعمة ، والاستكثار صلف ، والعجلة سفه ، والسفه ضعف ، والغلو ورطة ، ومجالسة أهل الدناءة شر ، ومجالسة أهل الفسوق ريبة»(1) .
2 ـ قال (عليه السّلام) : «الصدق عز ، والكذب عجز ، والسر أمانة ، والجوار قرابة ، والمعونة صدقة ، والعمل تجربة ، والخلق الحسن عبادة ، والصمت زين ، والشحّ فقر ، والسخاء غنى ، والرفق لب»(2) .
3 ـ قال (عليه السّلام) : «أيّها الناس ، مَن جاد ساد ، ومَن بخل رذل ، وإنّ أجود الناس مَن أعطى مَن لا يرجوه»(3) .
4 ـ قال (عليه السّلام) : «مَن جاد ساد ، ومَن بخل رذل ، ومَن تعجّل لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غداً»(4) .
5 ـ قال (عليه السّلام) : «اعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نِعَم الله عزّ وجلّ عليكم ، فلا تملّوا النِعَم فتعود النقم»(5) .
6 ـ رأى الإمام (عليه السّلام) رجلاً قد دعي إلى طعام فامتنع من الإجابة ،
__________________
(1) نور الأبصار / 166.
(2) تاريخ اليعقوبي 2 / 219.
(3) نهاية الأرب 3 / 205.
(4) نهاية الأرب 3 / 205.
(5) طبقات الشعراني 1 / 23 ، مختصر صفوة الصفوة / 62.
فقال (عليه السّلام) له : «قُم فليس في الدعوة عفو ، وإن كنت مفطراً فكُل ، وإن كنت صائماً فبارك»(1) .
7 ـ قال (عليه السّلام) : «صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك ، فأكرم وجهك عن ردّه»(2) .
8 ـ كان (عليه السّلام) دوماً ينشد هذه الأبيات الداعية إلى حسن الخلق ، وعدم العناء في طلب الدنيا ، ويزعم بعض الرواة أنها من نظمه ، وهي :
لئن كانت الأفعالُ يوماً لأهلها |
كمالاً فحُسن الخلق أبهى وأكملُ |
|
وإن كانت الأرزاقُ رزقاً مقدّراً |
فقلّة جهد المرءِ في الكسب أجملُ |
|
وإن كانت الدنيا تُعدّ نفيسةً |
فدارُ ثوابِ الله أعلى وأنبلُ |
|
وإن كانت الأبدانُ للموت اُنشأتْ |
فقتلُ امرِئٍ بالسيف في الله أفضلُ |
|
وإن كانت الأموالُ للترك جمعُها |
فما بالُ متروكٍ به المرءُ يبخلُ(3) |
وألمّت هذه الأبيات برغبة الإمام بالشهادة في سبيل الله ، كما حكت عن طبيعة كرمه وسخائه.
9 ـ قال (عليه السّلام) : «لا تتكلّف ما لا تطيق ، ولا تتعرّض لِما لا تدرك ، ولا تعد بما لا تقدر عليه ، ولا تنفق إلاّ بقدر ما تستفيد ، ولا تطلب من الجزاء إلاّ بقدر ما صنعت ، ولا تفرح إلاّ بما نلت من طاعة الله ، ولا تتناول إلاّ ما رأيت نفسك أهلاً له»(4) .
10 ـ قال (عليه السّلام) لابن عباس : «لا تتكلمن فيما لا يعنيك ؛ فإنّي أخاف عليك الوزر ، ولا تتكلمن فيما لا يعنيك حتّى ترى للكلام موضعاً ؛
__________________
(1) دعائم الإسلام 2 / 105.
(2) نور الأبصار / 166 ، كشف الغمة 2 / 244.
(3) مختصر صفة الصفوة / 62 ، الأنوار البهيّة / 46.
(4) أسرار الحكماء لياقوت المستعصمي / 90.
فربّ متكلّم قد تكلّم بالحقّ فعِيب ، ولا تمارين حليماً ولا سفيهاً ؛ فإنّ الحليم يقليك والسّفيه يؤذيك ، ولا تقولنّ في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلاّ ما تحبّ أن يقول فيك إذا تواريت عنه ، واعمل عمل رجل يعلم أنّه مأخوذ بالإجرام مجزي بالإحسان»(1) .
وهذه الكلمات الذهبية هي بعض ما أثر عنه في مكارم الأخلاق ، ومحاسن الصفات التي يكسب بها الإنسان المنهج السليم ، وحسن السلوك وسلامة الدارين.
وزعم بعض المعاصرين للإمام أنّ الذي شرّع الأذان عبد الله بن زيد لرؤيا رآها فأخبر بها النبي (صلّى الله عليه وآله) فأمر (صلّى الله عليه وآله) به ، فأنكر الإمام (عليه السّلام) ذلك وقال : «الوحي يتنزّل على نبيّكم ، وتزعمون أنّه أخذ الأذان عن عبد الله بن زيد ، والأذان وجه دينكم!»(1) .
قال (عليه السّلام) : «الإخوان أربعة : فأخ لك وله ، وأخ عليك ، وأخ لا لك ولا له».
وأوضح (عليه السّلام) ذلك بقوله :
__________________
(1) البحار.
(2) دعائم الإسلام 1 / 172.
«الأخ الذي هو لك وله : فهو الأخ الذي يطلب بإخائه بقاء الإخاء ولا يطلب بإخائه موت الإخاء فهذا لك وله ؛ لأنه إذا تمّ الإخاء طابت حياتهما جميعاً ، وإذا دخل الإخاء في حال التناقض بطلا جميعاً ؛ والأخ الذي لك : فهو الأخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع إلى حال الرغبة ، فلم يطمع في الدنيا إذا رغب في الإخاء فهو موفور عليك بكليته ؛ والأخ الذي هو عليك : فهو الأخ الذي يتربّص بك الدوائر ، ويغشى السرائر ، ويكذب عليك بين العشائر ، وينظر في وجهك نظر الحاسد فعليه لعنة الواحد ؛ والأخ الذي لك ولا له : فهو الذي قد ملاه الله حمقاً فأبعده سحقاً ، فتراه يؤثر نفسه عليك ، ويطلب شحّ ما لديك»(1) .
قال (عليه السّلام) : «دراسة العلم لقاح المعرفة ، وطول التجارب زيادة في العقل ، والشرف والتقوى والقنوع راحة الأبدان ، ومَن حبّك نهاك ، ومَن أبغضك أغراك»(2) .
وتصدّق رجل من بني اُميّة بأموال كثيرة ، ولم تكن تلك الأموال من حلال ، وإنما كانت من حرام ، فقال الإمام (عليه السّلام) : «مثلُه مثل الذي سرق الحاج وتصدّق بما سرق ، إنّما الصدقة
__________________
(1) البحار.
(2) البحار.
صدقة مَن عرق فيها جبينه ، وأغبر فيها وجهه»(1) .
وعنى الإمام (عليه السّلام) بوعظ الناس وإرشادهم كما عنى أبوه من قَبله ، مستهدفين من ذلك تنمية القوى الخيّرة في النفوس ، وتوجيه الناس نحو الحقّ والخير ، وإبعادهم عن نزعات الشرّ من الاعتداء والغرور والطيش وغير ذلك ، ونعرض فيما يلي لبعض ما أثر عنه :
1 ـ قال (عليه السّلام) : «اُوصيكم بتقوى الله ، واُحذّركم أيّامه ، وأرفع لكم أعلامه ؛ فكأن المخوف قد أقل بمهول وروده ونكير حلوله وبشع مذاقه ، فاغتلق مهجكم ، وحال بين العمل وبينكم ، فبادروا بصحة الأجسام ومدّة الأعمار ، كأنكم نبعات طوارقه ، فتنقلكم من ظهر الأرض إلى بطنها ، ومن علوّها إلى سفلها ، ومن اُنسها إلى وحشتها ، ومن روحها وضوئها إلى ظلمتها ، ومن سعتها إلى ضيقها ؛ حيث لا يُزار حميم ، ولا يُعاد سقيم ، ولا يُجاب صريخ ، أعاننا الله وإيّاكم على أهوال ذلك اليوم ، ونجّانا وإيّاكم من عقابه ، وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه.
عباد الله ، فلو كان ذلك قصر مرماكم ومدى مضعنكم ، كان حسب العامل شغلاً يستفرغ عليه أحزانه ، ويذهله عن دنياه ، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه ، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه ، مستوقف على حسابه ، لا وزير له يمنعه ، ولا ظهير عنه يدفعه ، ويومئذ :( لاَ يَنفَعُ نَفْسًا
__________________
(1) دعائم الإسلام 1 / 292.
إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلْ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ ) (1) .
اُوصيكم بتقوى الله ؛ فإنّ الله قد ضمن لمَن اتّقاه أن يحوله عمّا يكره إلى ما يحب ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، فإيّاك أن تكون ممّن يخاف على العباد بذنوبهم ، ويأمن العقوبة من ذنبه ؛ فإنّ الله تبارك وتعالى لا يخدع عن جنّته ، ولا ينال ما عنده إلاّ بطاعته إن شاء الله»(2) .
وحفل هذا الكلام بما يقرّب الناس إلى الله ، وبما يبعدهم عن معاصيه ويجنّبهم عن دواعي الهوى ونزعات الشرور.
2 ـ كتب إليه رجل يطلب منه أن يعظه بحرفين أي يوجز القول ، فكتب (عليه السّلام) له : «مَن حاول أمراً بمعصية الله تعالى كان أفوت لِما يرجو وأسرع لمجيء ما يحذر»(3) .
3 ـ قال (عليه السّلام) : «عباد الله ، اتقوا الله وكونوا من الدنيا على حذر ؛ فإنّ الدنيا لو بقيت لأحد أو بقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحقّ بالبقاء ، وأولى بالرضاء ، وأرضى بالقضاء ، غير أنّ الله خلق الدنيا للبلاء ، وخلق أهلها للفناء ؛ فجديدها بال ، ونعيمها مضمحل ، وسرورها مكفهر ، والمنزلة بلغة ، والدار قلعة ؛ فتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى»(4) .
4 ـ كتب إليه رجل يسأله عن خير الدنيا والآخرة فأجابه (عليه السّلام) : «أمّا بعد ، فإنّ مَن طلب رضى الله بسخط الناس كفاه الله اُمور
__________________
(1) سورة الأنعام / 158.
(2) الأنوار البهيّة / 45.
(3) اُصول الكافي 2 / 273.
(4) تاريخ ابن عساكر 4 / 333.
الناس ، ومَن طلب رضى الناس بسخط الله وكّله الله إلى الناس ، والسّلام»(1) .
5 ـ قال (عليه السّلام) : «إنّ جميع ما طلعت عليه الشمس في مشارق الأرض ومغاربها ، بحرها وبرّها ، سهلها وجبلها عند ولي من أولياء الله وأهل المعرفة بحق الله كفيء الظِلال»(2) .
وأضاف يقول : «ألا حرٌّ يدع هذه اللماظة ـ يعني الدنيا ـ لأهلها ، ليس لأنفسكم ثمّ إلاّ الجنّة ، فلا تبيعوها بغيرها ؛ فإنه مَن رضى الله بالدنيا فقد رضي بالخسيس».
6 ـ قال له رجل : كيف أصبحت يابن رسول الله؟ فقال (عليه السّلام) : «أصبحت ولي ربّ فوقي ، والنار أمامي ، والموت يطلبني ، والحساب محدق بي ، وأنا مرتهن بعملي ، لا أجد ما أحب ، ولا أدفع ما أكره ، والاُمور بيد غيري ، فإن شاء عذّبني ، وإن شاء عفا عنّي ، فأيّ فقير أفقر منّي؟»(3) .
7 ـ قال (عليه السّلام) : «يابن آدم ، تفكّر وقل : أين ملوك الدنيا وأربابها الذين عمّروا خرابها ، واحتفروا أنهارها ، وغرسوا أشجارها ، ومدّنوا مدائنها؟ فارقوها وهم كارهون ، وورثها قوم آخرون ، ونحن بهم عمّا قليل لاحقون.
يابن آدم ، اذكر مصرعك ، وفي قبرك مضجعك بين يدي الله ، تشهد جوارحك عليك يوم تزول فيه الأقدام ، وتبلغ القلوب الحناجر ، وتبيّض وجوه ، وتبدو السرائر ، ويُوضع الميزان القسط.
__________________
(1) مجالس الصدوق / 121.
(2) البحار.
(3) البحار.
يابن آدم ، اذكر مصارع آبائك وأبنائك كيف كانوا وحيث حلّوا ، وكأنّك عن قليل قد حللت محلّهم ، وصرت عبرة المعتبر ...». ثمّ أنشد هذه الأبيات :
أين الملوكُ التي عن حفظها غفلتْ |
حتّى سقاها بكأسِ الموت ساقيها |
|
تلك المدائنُ في الآفاق خاليةً |
عادت خراباً وذاق الموتُ بانيها |
|
أموالنا لذوي الورّاث نجمعُها |
ودورنا لخراب الدهرِ نبنيها(1) |
هذه بعض ما أثر عنه من المواعظ الهادفة إلى صلاح النفوس وتهذيبها ، وإبعادها عن نزعات الهوى والشرور.
وللإمام (عليه السّلام) مجموعة كبيرة من الخطب الرائعة التي تجسّدت فيها صلابة الحق وقوّة العزم ، وروعة التصميم على الجهاد في سبيل الله ، وقد ألقاها الإمام في وقت كان الجو ملبّداً بالمشاكل السياسية ، وقد شجب فيها سياسة الحكم الاُموي ، ودعا المسلمين إلى الانتفاضة عليه ، وسنذكر جملة منها في مواضعها الخاصة ، ونذكر هنا خطبة واحدة منها :
صعد (عليه السّلام) المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ صلّى على النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فسمع رجلاً يقول : مَن هذا الذي يخطب؟ فأجابه (عليه السّلام) : «نحن حزب الله الغالبون ، وعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الأقربون ، وأهل بيته الطيّبون ، وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ثاني كتاب الله تبارك وتعالى ، الذي فيه تفصيل كل شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والمعوّل علينا في تفسيره ، ولا يبطئنا تأويله ،
__________________
(1) الإرشاد للديلمي.
بل نتبع حقائقه ، فأطيعونا ؛ فإنّ طاعتنا مفروضة إذا كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة ، قال الله عزّ وجلّ :( أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) . وقال :( وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً ) .
واُحذّركم الإصغاء إلى هتاف الشيطان بكم ؛ فإنه لكم عدو مبين ، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم :( لاَ غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ ) . فتقلون للسيوف ضرباً ، وللرماح ورداً ، وللعمد حطماً ، وللسهام غرضاً ، ثمّ لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبلُ أو كسبت في إيمانها خيراً»(1) .
وحفل هذا الخطاب بالدعوة إلى التمسّك بعترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولزوم طاعتهم والانقياد لهم ، وحذّرهم من الدعايات المضللة التي ثبتها أجهزة الإعلام الاُموي الداعية إلى إبعاد الناس عن أهل البيت (عليهم السّلام) الذين هم مصدر الوعي والنور في الأرض.
وحفلت الأدعية التي أثرت عن الحسين (عليه السّلام) بالدروس التربوية الهادفة إلى بناء صروح العقيدة والإيمان بالله ، وتنمية الخوف والرهبة من الله في أعماق نفوس الناس ؛ لتصدّهم عن الاعتداء وتمنعهم عن الظلم والطغيان. وقد كان اهتمام أهل البيت (عليهم السّلام) بهذه الجهة اهتماماً بالغاً ، ولم يُؤثَر عن أحد من أئمة المسلمين وخيارهم من الأدعية مثل ما أثَرَ عنهم ، وإنها
__________________
(1) البحار 9 / 247.
لتعد من أروع الثروات الفكرية والأدبية في الإسلام ، فقد حوت اُصول الأخلاق وقواعد السلوك والآداب ، كما ألمّت بفلسفة التوحيد ومعالم السياسة العادلة ، وغير ذلك ، ونلمع لبعض أدعيته (عليه السّلام) :
كان (عليه السّلام) يدعو بهذا الدعاء يستجير بالله من شرور أعدائه ، وهذا نصّه : «اللّهمّ يا عدّتي عند شدّتي ، ويا غوثي عند كربتي ، احرسني بعينك التي لا تنام ، واكنفني بركنك الذي لا يرام ، وارحمني بقدرتك عليّ ، فلا أهلك وأنت رجائي. اللّهمّ إنّك أكبر وأجلّ وأقدر مما أخاف وأحذر. اللّهمّ بك أدرأ في نحره ، وأستعيذ من شرّه ، إنّك على كل شيء قدير».
ودعا بهذا الدعاء الشريف الإمام الصادق (عليه السّلام) حينما أمر الطاغية المنصور بإحضاره مخفوراً لينكل به ، فأنقذه الله من شرّه ، وفرّج عنه ، فسئل عن سبب ذلك ، فقال : إنّه دعا بدعاء جدّه الحسين (ع)(1) .
كان (عليه السّلام) يدعو بهذا الدعاء إذا خرج للاستسقاء : «اللّهمّ اسقنا سقياً واسعة وادعة ، عامة نافعة غير ضارّة ، تعمّ بها حاضرنا وبادينا ، وتزيد بها في رزقنا وشكرنا. اللّهمّ اجعله رزق إيمان ، وعطاء إيمان ؛ إنّ عطاءك لم يكن محظوراً. اللّهمّ أنزل علينا في أرضنا سكنها ، وأنبت فيها زيتها ومرعاها»(2) .
__________________
(1) نور الأبصار / 133.
(2) عيون الأخبار.
وهو من أجلّ أدعية أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) ، وأكثرها استيعاباً لألطاف الله ونعمه على عباده ، وقد روى هذا الدعاء الشريف بشر وبشير الأسديان قالا : كنّا مع الحسين بن علي (عليه السّلام) عشيّة عرفة ، فخرج (عليه السّلام) من فسطاطه متذللاً خاشعاً ، فجعل يمشي هوناً هوناً حتّى وقف هو وجماعة من أهل بيته وولده ومواليه في ميسرة الجبل مستقبل البيت ، ثمّ رفع يديه تلقاء وجهه كاستطعام المسكين ، وقال : «الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع ، ولا لعطائه مانع ، ولا كصنعه صانع ، وهو الجواد الواسع ، فطر أجناس البدائع ، وأتقن بحكمته الصنائع ، لا تخفى عليه الطلائع ، ولا تضيع عند الودائع ، ورأيش كل قانع ، وراحم كل ضارع ، منزل المنافع ، والكتاب الجامع بالنور الساطع ، وهو للدعوات سامع ، وللكُربات دافع ، وللدرجات رافع ، وللجبابرة قامع ، فلا إله غيره ، ولا شيء يعدله ، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، اللطيف الخبير ، وهو على كل شيء قدير.
اللّهمّ إنّي أرغب إليك وأشهد بالربوبية لك ، مقرّاً بأنّك ربّي وإليك مردّي ، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً ، وخلقتني من التراب ، ثم أسكنتني الأصلاب آمناً لريب المنون ، واختلاف الدهور والسنين ، فلم أزل ظاعناً من صلب إلى رحم ، في تقادم من الأيام الماضية والقرون الخالية ، لم تخرجني ـ لرأفتك بي ولطفك لي (أو بي) وإحسانك إليّ ـ في دولة أئمة الكفر الذين نقضوا عهدك وكذبوا رسلك ، لكنك أخرجتني رأفة منك وتحنناً (ـ علي خ ل ـ) للذي سبق لي من الهدى الذي
له يسّرتني ، وفيه أنشأتني ، ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك وسوابغ نعمك ، فابتدعت خلقي من يمني ، وأسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحم ودم وجلد ، لم تشهدني خلقي (لم تشهرني بخلقي ـ خ ل ـ) ، ولم تجعل إليّ شيئاً من أمري ، لم ترضَ لي يا إلهي نعمة دون اُخرى ، ورزقتني من أنواع المعاش وصنوف الرياش بمنّك العظيم الأعظم عليّ ، وإحسانك القديم إليّ. حتّى إذا أتممت عليّ جميع النعم ، وصرفت عنّي كل النقم ، لم يمنعك جهلي وجرأتي عليك أن دللتني إلى (على ـ خ ل ـ) ما يقرّبني إليك ، ووفّقتني لِما يزلفني لديك فإن دعوتك أجبتني ، وأن أطعتك شكرتني ، وإن شكرتك زدتني(1) ، كل ذلك إكمال (لا ـ خ ل ـ) لأنعمك عليّ ، وإحسانك إليّ ، فسبحانك سبحانك من مبدئ معيد حميد مجيد ، تقدّست أسماؤك ، وعظمت آلاؤك ، فأي نعمك أحصي عدداً!
ثمّ أخرجتني للذي سبق لي من الهدى إلى الدنيا تامّاً سوياً ، وحفظتني في المهد طفلاً صبياً ، ورزقتني من الغذاء لبناً مريّاً ، وعطفت عليّ قلوب الحواضن الاُمّهات ، وكفلتني الاُمّهات الرواحم (الرحائم ـ خ ل ـ) ، وكلأتني من طوارق الجان ، وسلمتني من الزيادة والنقصان ، فتعاليت يا رحيم يا رحمن.
حتّى إذا استهللت ناطقاً بالكلام أتممت عليّ سوابغ الإنعام ، وربّيتني زائداً في كل عام ، حتّى إذا اكتملت فطرتي ، واعتدلت مِرّتي(2) أوجبت عليّ حجّتك بأن ألهمتني معرفتك ، وروعتني بعجائب حكمتك ، وأيقظتني لِما ذرأت في سمائك وأرضك من بدائع خلقك ، ونبّهتني لشكرك وذكرك ، وأوجبت عليّ طاعتك وعبادتك ، وفهّمتني ما جاءت به رسلك ، ويسّرت لي تقبّل مرضاتك ، ومننت عليّ في جميع ذلك بعونك ولطفك، ثمّ إذ
__________________
(1) يشير (عليه السّلام) إلى قوله تعالى في سورة إبراهيم / 7 :( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ) .
(2) المِرة (بكسر الميم) : قوة الخلق وشدته ، أصالة العقل.
خلقتني من خير الثرى يا إلهي فأيّ نعمك أحصى عدداً وذكراً؟ أم أيّ عطاياك أقوم بها شكراً وهي يا ربِّ أكثر من أن يحصيها العادون ، أو يبلغ علماً بها الحافظون؟! ثمّ ما صرفت ودرأت(1) عنّي الّلهمّ من الضر والضراء أكثر مما ظهر لي من العافية والسرّاء.
وأنا أشهد يا إلهي بحقيقة إيماني ، وعقد عزمات يقيني ، وخالص صريح توحيدي ، وباطن مكنون ضميري ، وعلائق مجاري نور بصري ، وأسارير صفحة جبيني(2) ، وخرق مسارب(3) نفسي ، وخذاريف(4) مارن عريني ، ومسارب سماخ(5) (صماخ ـ خ ل ـ) سمعي ، وما ضمّت وأطبقت عليه شفتاي ، وحركات لفظ لساني ، ومغرز(6) حنك فمي وفكّي ، ومنابت(7) أضراسي ومساغ(8) مطعمي ومشربي ، وحمالة(9) اُمّ رأسي ، وبلوغ فارغ حبائل (وبلوغ حبائل) عنقي ، وما اشتمل عليه تامور(10) صدري ، وحمائل
__________________
(1) الدرأ : الدفع.
(2) أسارير (أسرار) : وهي جمع السر (بالكسر والضم) ، خطوط الجبهة.
(3) مسارب النفس : مجاريها في العروق والأعضاء ، وخرقها : منافذها.
(4) خذاريف : جمع خذروف ، القطعة. والمارن : ما لانَ من الأنف.
(5) مسارب الصماخ : ملتوياتها وقنواتها التي تصل منها الهواء إلى السامعة.
(6) المغرز : موضع الغرز ، ومغرز الفكين : محل اتصالهما بالجسم.
(7) المنابت : جمع منبت محل النبت. والأضراس : جمع ضِرس (بالكسر) ، الأسنان الخمسة أو الأربعة من كل جانب من جوانب الفك.
(8) مساغ : مصدر ميمي ، الذي سهل ولانَ وهنأ.
(9) الحمالة : علاقة السيف ؛ لأنها تحمله. وحمالة اُمّ الرأس : الرابطة التي تربط اُمّ الرأس ـ وهو المخ ـ بالبدن حتّى لا يتزحزح عن محله.
(10) التامور : الوعاء.
حبل وتيني(1) ، ونياط حجاب قلبي(2) ، وأفلاذ حواشي كبدي(3) ، وما حوته شراسيف أضلاعي(4) ، وحقاق مفاصلي(5) ، وقبض عواملي ، وأطراف أناملي ولحمي ودمي ، وشعري وبشري ، وعصبي وقصبي(6) ، وعظامي ومخّي ، وعروقي وجميع جوارحي ، وما انتسج على ذلك أيّام رضاعي ، وما أقلّت الأرض منّي(7) ، ونومي ويقظتي(8) وسكوني ، وحركات ركوعي وسجودي : أن لو حاولت واجتهدت مدى الأعصار والأحقاب(9) ـ لو عمّرتها ـ أن اُؤدّي شكر واحدة من أنعمك ما استطعت ذلك إلاّ بمنّك الموجب
__________________
(1) الوتين : عرق في القلب يجري منه الدم إلى كافة العروق. وحمائله : مواضع اتصاله بالجسم.
(2) نياط القلب : عرقه الغليظ الذي إذا قُطع مات الشخص.
(3) الأفلاذ : جمع فلذة (بالكسرة) ، القطعة ، أي قطع أطراف الكبد التي تعمل لأخذ الغذاء ، وتقسيمه إلى الأخلاط الأربعة.
(4) شراسيف : جمع شرسوف (بالضم) ، طرف الضلع المشرف على البطن ؛ وهو القلب والرئتان وما إليهما من الأعضاء الرئيسة.
(5) الحِقاق (بالكسر) : جمع الحُق (بالضم) ، النقر التي هي الأقفال للقبض والبسط.
(6) العصب : الأطناب المنتشرة في الجسم الذي بها يتحرك الإنسان. والقصب : كل شيء مجوف مثل الاُنبوب ، ومنه القصب الذي يخرج منه النفس.
(7) أقل : رفع.
(8) اليقظة (بالتحريك) : خلاف النوم.
(9) الأحقاب : جمع الحقب (بضمّتين) ، الدهر ، السنة أو السنون ، ثمانون سنة أو أكثر.
عليّ به شكرك أبداً جديداً ، وثناءً طارفاً عتيداً(1) . أجل ولو حرصت أنا والعادون من أنامك أن نحصي مدى إنعامك سالفة (لفة ـ خ ل ـ) وآنفة ما حصرناه عدداً ، ولا أحصيناه أمداً ، هيهات أنّى ذلك! وأنت المخبر في كتابك الناطق والنبأ الصادق :( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ) (2) . صدق كتابك اللّهمّ وأنباؤك ، وبلّغتْ أنبياؤك ورسلك ما أنزلت عليهم من وحيك ، وشرّعت لهم وبهم من دينك ، غير أنّي يا إلهي أشهد بجهدي وجدّي ، ومبلغ طاعتي ووسعي ، وأقول مؤمناً موقناً : الحمد لله الذي لم يتّخذ ولداً فيكون موروثاً ، ولم يكن له شريك في ملكه فيضادّه فيما ابتدع ، ولا ولي من الذلّ فيرفده فيما صنع(3) ، فسبحانه سبحانه( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ) وتفطّرتا(4) ! سبحان الله الواحد الأحد ، الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد! الحمد لله حمداً يعادل حمد ملائكته المقرّبين وأنبيائه المرسلين ، وصلّى الله على خيرته محمد خاتم النبيِّين ، وآله الطيبين الطاهرين المخلصين وسلّم».
وأخذ الحسين (عليه السّلام) يدعو الله وقد جرت دموع عينيه على سحنات وجهه الشريف وهو يقول :
«اللّهمّ اجعلني أخشاك كأنّي أراك ، وأسعدني بتقواك ، ولا تشقني بمعصيتك ، وخر لي في قضائك(5) ، وبارك لي في قدرك حتّى لا اُحبّ تعجيل ما أخّرت ، ولا تأخير ما عجّلت. اللّهمّ اجعل غناي في نفسي ، واليقين
__________________
(1) الطارف : المستحدث. العتيد : الجسيم.
(2) سورة إبراهيم / 34.
(3) رفده ، وأرفده : أعطاه.
(4) تفطّر : انشق.
(5) «اللّهمّ خر لي» : أي اختر لي أصلح الأمرين.
في قلبي ، والإخلاص في عملي ، والنور في بصري ، والبصيرة في ديني ، ومتّعني بجوارحي ، واجعل سمعي وبصري الوارثين منّي ، وانصرني على مَن ظلمني ، وأرني فيه ثاري ومآربي(1) ، وأقرّ بذلك عيني. اللّهمّ اكشف كربتي ، واستر عورتي ، واغفر لي خطيئتي ، واخسأ شيطاني(2) ، وفكّ رهاني ، واجعل لي يا إلهي الدرجة العليا في الآخرة والاُولى. اللّهمّ لك الحمد كما خلقتني فجعلتني سميعاً بصيراً ، ولك الحمد كما خلقتني فجعلتني خلقاً (حيا ـ خ ل ـ) سوياً ؛ رحمة بي وقد كنت عن خلقي غنياً. ربّ بما برأتني فعدلت فطرتي ، ربّ بما أنشأتني فأحسنت صورتي ، ربّ بما أحسنت إليّ وفي نفسي عافيتي ، ربّ بما كلأتني ووفّقتني ، ربّ بما أنعمت عليّ فهديتني ، ربّ بما أوليتني ومن كلِّ خير أعطيتني ، ربّ بما أطعمتني وسقيتني ، ربّ بما أغنيتني وأفنيتني ، ربّ بما أعنتني وأعززتني ، ربّ بما ألبستني من سترك الصافي ويسّرت لي من صنعك الكافي ، صلِّ على محمد وآل محمد ، وأعنّي بوائق الدهور(3) ، وصروف الليالي والأيّام ، ونجّنا من أهوال الدنيا وكربات الآخرة ، واكفني شرّ ما يعمل الظالمون في الأرض.
اللّهمّ ما أخاف فاكفني ، وما أحذر فقني ، وفي نفسي وديني فاحرسني ، وفي سفري فاحفظني ، وفي أهلي ومالي فاخلفني(4) ، وفيما رزقتني فبارك لي ، وفي نفسي فذلّلني ، وفي أعين الناس فعظّمني ، ومن شرِّ الجن والإنس فسلّمني ، وبذنوبي فلا تفضحني ، وبسريرتي فلا تخزني ، وبعملي
__________________
(1) الثار ، من ثأر من باب منع الدم ، والمآرب جمع مأرب بتثليث الراء : الحاجة.
(2) خسأ ، من باب منع : طرد.
(3) بوائق : جمع بائقة ، الشر والغائلة.
(4) أي عوضني.
فلا تبتلني ، ونعمك فلا تسلبني ، وإلى غيرك فلا تكلّني(1) . إلهي إلى مَن تكلّني؟ إلى قريب فيقطعني ، أم إلى بعيد فيتجهمني(2) ، أم إلى المستضعفين لي وأنت ربّي ومليك أمري؟ أشكو إليك غربتي وبُعد داري ، وهواني على مَن ملكته أمري. إلهي فلا تحلل عليّ غضبك ؛ فإن لم تكن غضبت عليّ فلا اُبالي سواك. سبحانك! غير أنّ عافيتك أوسع لي ، فأسألك يا ربّ بنور وجهك الذي أشرقت له الأرض والسماوات ، وكشف به الظلمات ، وصلح به أمر الأوّلين والآخرين أن لا تميتني على غضبك ، ولا تنزل بي سخطك ، لك العتبى(3) حتّى ترضى قبل ذلك ، لا إله إلاّ أنت ربّ البلد الحرام والمشعر الحرام ، والبيت العتيق الذي أحللته البركة وجعلته للناس أمناً.
يا مَن عفا عن عظيم الذنوب بحلمه ، يا مَن أسبغ النعماء بفضله(4) ، يا مَن أعطى الجزيل بكرمه ، يا عدّتي في شدّتي(5) ، يا صاحبي في وحدتي ، يا غياثي في كربتي ، يا وليي في نعمتي ، يا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ، وربّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل ، وربّ محمد خاتم النبيين وآله المنتجبين ، منزل التوراة والإنجيل والزبور والفرقان ، ومنزل كهيعص وطه ويس القرآن الحكيم ، أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها(6) وتضيق بي الأرض برحبها ، ولولا رحمتك لكنتُ من الهالكين ،
__________________
(1) من وكل يكل ، من باب ضرب : التفويض والتسليم إلى الغير.
(2) تجهمه : استقبله بوجه كريه عبوس.
(3) العتبى (بالضم) : الرضى.
(4) أسبغ عليه النعم : وسع وأتمّ عليه جميع ما يحتاجه.
(5) العدة (بالضم) : ما يستعد به الإنسان من مال أو سلاح.
(6) الكهف (بالفتح) : الملجأ. والعي : العجز.
وأنت مقيل عثرتي(1) ، ولولا سترك إيّاي لكنت من المفضوحين ، وأنت مؤيّدي بالنصر على أعدائي ، ولولا نصرك إيّاى (لي ـ خ ل ـ) لكنت من المغلوبين.
يا مَن خصّ نفسه بالسموّ والرفعة فأولياؤه بعزّه يعتزّون ، يا مَن جعلت له الملوك نير المذلّة على أعناقهم(2) فهم من سطواته خائفون ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، وغيب ما تأتي به الأزمنة والدهور ، يا مَن لا يعلم كيف هو إلاّ هو ، يا مَن لا يعلم ما هو إلاّ هو ، يا مَن لا يعلمه إلاّ هو (يا مَن لا يعلم ما يعلمه إلاّ هو ـ خ ل ـ) ، يا مَن كبس الأرض على الماء(3) وسدّ الهواء بالسماء(4) ، يا مَن له أكرم الأسماء ، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً.
يا مقيض الركب ليوسف في البلد القفر ومخرجه من الجب(5) وجاعله بعد العبودية ملكاً ، يا رادّه على يعقوب بعد أن ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم ، يا كاشف الضرّ والبلوى عن أيوب ، وممسك يدي إبراهيم عن ذبح ابنه بعد كبر سنّه وفناء عمره ، يا مَن استجاب لزكريا فوهب له يحيى ، ولم يدعه فرداً وحيداً ، يا مَن أخرج يونس من بطن الحوت ، يا مَن فلق البحر لبني إسرائيل فأنجاهم ، وجعل فرعون وجنوده من المغرقين ، يا مَن أرسل الرياح مبشّرات بين يدي رحمته ، يا مَن لم يعجل على مَن عصاه من خلقه ، يا مَن استنقذ السحرة من بعد طول الجحود ،
__________________
(1) مقيل العثرة : الذي يصفح عن الذنوب ، ومنه الحديث : «مَن أقال مؤمناً أقاله الله يوم القيامة».
(2) النير : الخشبة التي توضع على عنق الثور.
(3) الكبس على الشيء : الشد والضغط عليه.
(4) وهو الغلاف الجوّي الذي يمنع من تسرّب الهواء من الأرض.
(5) الجب : البئر والحفرة العميقتين.
وقد غدوا في نعمته يأكلون رزقه ، ويعبدون غيره وقد حادوه ونادوه(1) وكذبوا رسله ، يا الله يا الله. يا بدئ يا بديع لا ندّ لك ، يا دائماً لا نفاد لك(2) يا حيّاً حين لا حي ، يا محي الموتى ، يا مَن هو قائم على كل نفس بما كسبت ، يا مَن قلّ له شكري فلم يحرمني ، وعظمت خطيئتي فلم يفضحني ، ورآني على المعاصي فلم يشهرني ، يا مَن حفظني في صغري ، يا مَن رزقني في كبري ، يا مَن أياديه عندي لا تحصى ونعمه لا تجازى ، يا مَن عارضني بالخير والإحسان وعارضته بالإساءة والعصيان ، يا مَن هداني للإيمان من قبل أن أعرف شكر الامتنان ، يا مَن دعوته مريضاً فشفاني ، وعرياناً فكساني ، وجائعاً فأشبعني ، وعطشانَ فأرواني ، وذليلاً فأعزّني ، وجاهلاً فعرّفني ، ووحيداً فكثّرني ، وغائباً فردّني ، ومقلاًّ فأغناني ، ومنتصراً فنصرني ، وغنيّاً فلم يسلبني ، وأمسكت عن جميع ذلك فابتدأني فلك الحمد والشكر.
يا مَن أقال عثرتي ونفّس كربتي ، وأجاب دعوتي ، وستر عورتي ، وغفر ذنوبي ، وبلغني طلبتي ، ونصرني على عدويّ ، وإن أعدّ نعمك ومننك وكرائم منحك لا أحصيها ، أنت الذي أجملت ، أنت الذي أفضلت ، أنت الذي أكملت ، أنت الذي رزقت ، أنت الذي وفّقت ، أنت الذي أعطيت ، أنت الذي أغنيت ، أنت الذي أقنيت(3) ، أنت الذي آويت ، أنت الذي كفيت ، أنت الذي هديت ، أنت الذي عصمت أنت الذي سترت ، أنت الذي غفرت ، أنت الذي أقلت ، أنت
__________________
(1) حاده : غضبه وأظهر العداوة له ، نادوه : أي جعلوا له ندّاً وشريكاً.
(2) النفاد : الفناء والانقطاع.
(3) أقناه الله : أي أعطاه بقدر ما يكفيه.
الذي مكّنت ، أنت الذي أعززت ، أنت الذي أعنت ، أنت الذي عضدت أنت الذي أيّدت ، أنت الذي نصرت ، أنت الذي شفيت ، أنت الذي عافيت ، أنت الذي أكرمت ، تباركت وتعاليت فلك الحمد دائماً ، ولك الشكر واصباً أبداً ، ثمّ أنا يا إلهي المعترف بذنوبي فاغفرها لي.
أنا الذي أسأت ، أنا الذي أخطأت ، أنا الذي هممت ، أنا الذي جهلت ، أنا الذي غفلت ، أنا الذي سهوت ، أنا الذي اعتمدت ، أنا الذي تعمّدت ، أنا الذي وعدت ، أنا الذي أخلفت ، أنا الذي نكثت ، أنا الذي أقررت أنا الذي اعترفت بنعمتك عليّ وعندي ، وأبوء بذنوبي فاغفرها لي(1) . يا مَن لا تضرّه ذنوب عباده وهو الغني عن طاعتهم ، والموفّق مَن عمل صالحاً منهم بمعونته ورحمته ، فلك الحمد إلهي وسيّدي.
إلهي أمرتني فعصيتك ، ونهيتني فارتكبت نهيك ، فأصبحت لا ذا براءة (لي ـ خ ل ـ) فاعتذر ، ولا ذا قوة فانتصر ، فبأي شيء استقبلك (استقيلك ـ خ ل ـ) يا مولاي؟! أبسمعي أم ببصري أم بلساني أم بيدي أم برجلي؟ أليس كلها نعمك عندي وبكلها عصيتك؟! يا مولاي فلك الحجة والسبيل عليّ.
يا مَن سترني من الآباء والاُمّهات أن يزجروني ، ومن العشائر والإخوان أن يعيروني ، ومن السلاطين أن يعاقبوني ، ولو اطّلعوا يا مولاي على ما اطّلعت عليه منّي إذاً ما أنظروني ، ولرفضوني وقطعوني ، فها أنا ذا يا إلهي بين يديك يا سيّدي خاضع ذليل حصير حقير ، لا ذو براءة فأعتذر ، ولا ذو قوة فأنتصر ، ولا حجة فاحتجّ بها ، ولا قائل لَم اجترح(2) ولم أعمل سوءاً ، وما عسى الجحود ولو جحدت يا مولاي ينفعني! كيف وأنّى ذلك وجوارحي كلّها شاهدة عليّ بما قد عملت ، وعلمت يقيناً غير ذي شكّ أنّك سائلي من عظائم الأمور ،
__________________
(1) باء ، يبوء بالذنب : اعترف وتكلم به.
(2) الاجتراح : الارتكاب والاكتساب.
وأنّك الحكم العدل الذي لا تجور ، وعدلك مهلكي ، ومن كل عدلك مهربي ؛ فإن تعذّبني يا إلهي فبذنوبي بعد حجّتك عليّ ، وإن تعفُ عنّي فبحلمك وجودك وكرمك ، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الوجلين ، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الراجين ، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الراغبين ، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من المهلّلين ، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من السائلين ، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من المسبّحين ، لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من المكبّرين ، لا إله إلاّ أنت سبحانك ربّي وربّ آبائي الأوّلين.
اللّهمّ هذا ثنائي عليك ممجّداً ، وإخلاصي لذكرك موحداً ، وإقراري بآلائك معدداً ، وإن كنت مقرّاً أنّي لم أحصها لكثرتها وسبوغها ، وتظاهرها وتقادمها إلى حادث ما لم تزل تتعهّدني به معها منذ خلقتني ، وبرأتني من أوّل العمر من الإغناء بعد الفقر ، وكشف الضر ، وتسبيب اليسر ، ودفع العسر ، وتفريج الكرب ، والعافية في البدن ، والسلامة في الدين. ولو رفدني على قدر ذكر نعمتك جميع العالمين من الأوّلين والآخرين ما قدرت ، ولا هم على ذلك ، تقدّست وتعاليت من ربّ كريم ، عظيم رحيم لا تحصى آلاؤك ، ولا يبلغ ثناؤك ، ولا تُكافى نعماؤك ، صلِّ على محمد وآل محمد ، وأتمم علينا نعمك ، وأسعدنا بطاعتك ، سبحانك لا إله إلاّ أنت.
اللّهمّ إنّك تجيب المضطر وتكشف السوء ، وتغيث المكروب ، وتشفي السقيم وتغني الفقير ، وتجبر الكسير ، وترحم الصغير ، وتعين الكبير ، وليس دونك ظهير ، ولا فوقك قدير ، وأنت العلي الكبير. يا مطلق المكبل الأسير ، يا رازق الطفل الصغير ، يا عصمة الخائف المستجير ، يا مَن لا شريك له ولا وزير صلّ على محمد وآله محمد ، وأعطني في هذه العشيّة أفضل ما أعطيت وأنلت
أحداً من عبادك ، ومن نعمة توليها ، وآلاء تجددها ، وبلية تصرفها ، وكربة تكشفها ، ودعوة تسمعها ، وحسنة تتقبّلها ، وسيّئة تتغمّدها ، إنّك لطيف بما تشاء خبير وعلى كل شيء قدير.
اللّهمّ انك أقرب مَن دعي ، وأسرع مَن أجاب ، وأكرم مَن عفا ، وأوسع مَن أعطى ، وأسمع مَن سُئل ، يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، ليس كمثلك مسؤول ، ولا سواك مأمول ؛ دعوتك فأجبتني ، وسألتك فأعطيتني ، ورغبت إليك فرحمتني ، ووثقت بك فنجّيتني ، وفزعت إليك فكفيتني ، اللّهمّ فصلّ على محمد عبدك ورسولك ونبيّك ، وعلى آله الطيبين الطاهرين أجمعين ، وتمّم لنا نعماءك ، وهنّئنا عطاءك ، واكتبنا لك شاكرين ، ولآلائك ذاكرين آمين آمين رب العالمين.
اللّهمّ يا مَن ملك فقدر ، وقدر فقهر وعصي فستر ، واستغفر فغفر يا غاية الطالبين الراغبين ، ومنتهى أمل الراجين. يا مَن أحاط بكل شيء علماً ، ووسع المستقيلين رأفةً ورحمةً وحلماً. اللّهمّ إنّا نتوجّه إليك في هذه العشيّة التي شرّفتها وعظّمتها بمحمد نبيّك ورسولك ، وخيرتك من خلقك ، وأمينك على وحيك البشير النذير ، السراج المنير الذي أنعمت به على المسلمين ، وجعلته رحمة للعالمين ، اللّهمّ فصلّ على محمد وآله محمد ، كما محمد أهلٌ لذلك منك يا عظيم ، فصلّ عليه وعلى آله المنتجبين الطيبين الطاهرين أجمعين ، وتغمدنا بعفوك عنّا ، فإليك عجّت(1) الأصوات بصنوف اللغات فاجعل لنا اللّهمّ في هذه العشيّة نصيباً من كل خير تقسمه بين عبادك ، ونوراً تهدي به ، ورحمة تنشرها وبركة تنزلها ، وعافية تجللها ورزقاً تبسطه يا أرحم الراحمين.
اللّهمّ اقبلنا في هذا الوقت منجحين مفلحين ، مبرورين غانمين(2) ،
__________________
(1) عج : صاح وارتفع صوته.
(2) البر (بالكسر) : الصلاح والطاعة. والغانم : هو الذي يفوز وينال الغنيمة.
ولا تجعلنا من القانطين(1) ولا تخلنا من رحمتك ، ولا تحرمنا ما نؤمله من فضلك ، ولا تجعلنا من رحمتك محرومين ولا لفضل ما نؤمله من عطائك قانطين ولا تردّنا خائبين ، ولا من بابك مطرودين ، يا أجود الأجودين وأكرم الأكرمين ، إليك أقبلنا موقنين ، ولبيتك الحرام آمّين قاصدين(2) ، فأعنّا على مناسكنا ، وأكمل لنا حجّنا واعف عنّا ، وعافنا فقد مددنا إليك أيدينا ، فهي بذلّة الاعتراف موسومة.
اللّهمّ فأعطنا في هذه العشيّة ما سألناك ، واكفنا ما استكفيناك ، فلا كافي لنا سواك ، ولا ربّ لنا غيرك ، نافذ فينا حكمك ، محيط بنا علمك ، عدل فينا قضاؤك ، اقض لنا الخير ، واجعلنا من أهل الخير. اللّهمّ أوجب لنا بجودك عظيم الأجر وكريم الذخر ودوام اليسر ، واغفر لنا ذنوبنا أجمعين ، ولا تهلكنا مع الهالكين ولا تصرف عنّا رأفتك ورحمتك يا أرحم الراحمين. اللّهمّ اجعلنا في هذا الوقت ممّن سألك فأعطيته وشكرك فزدته ، وتاب إليك فقبلته ، وتنصّل(3) إليك من ذنوبه كلّها فغفرتها له يا ذا الجلال والإكرام.
اللّهمّ ونقنا (وفقنا ـ خ ل ـ) وسددنا (واعصمنا ـ خ ل ـ) وأقبل تضرّعنا ، يا خير مَن سُئل ، ويا أرحم مَن استرحم ، يا مَن لا يخفى عليه إغماض الجفون ولا لحظ العيون ، ولا ما استقرّ في المكنون ولا ما انطوت عليه مضمرات القلوب ، ألا كل ذلك قد أحصاه علمك ووسعه حلمك ، سبحانك وتعاليت عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً! تسبّح لك السموات السبع والأرضون ومَن فيهن ، وإن من شيء إلاّ يسبح بحمدك ، فلك الحمد والمجد وعلو الجد ، يا ذا الجلال والإكرام ، والفضل والإنعام ، والأيادي الجسام ، وأنت
__________________
(1) القنوط (بالضم) : اليأس.
(2) آمين (بالتشديد) : قاصدين.
(3) تنصّل : خرج وتبرّأ.
الجواد الكريم ، الرؤوف الرحيم. اللّهمّ أوسع عليّ من رزقك الحلال ، وعافني في بدني وديني ، وآمن خوفي ، واعتق رقبتي من النار. اللّهمّ لا تمكر بي ، ولا تستدرجني(1) ولا تخدعني ، وادرأ عنّي شرّ فسقة الجن والإنس».
ثمّ رفع بصره إلى السماء وقال برفيع صوته : «يا أسمع السامعين ، يا أبصر الناظرين ويا أسرع الحاسبين ، ويا أرحم الراحمين ، صلّ على محمد وآل محمد السادة الميامين(2) وأسألك اللّهمّ حاجتي التي إن أعطيتنيها لم يضرنّي ما منعتني ، وإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني ، أسألك فكاك رقبتي من النار ، لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك ، لك الملك ولك الحمد ، وأنت على كل شيء قدير يا رب يا رب».
وأثّر هذا الدعاء تأثيراً عظيما في نفوس مَن كان مع الإمام ، فاتّجهوا بقلوبهم وعواطفهم نحوه يستمعون دعاءه ، وعلت أصواتهم بالبكاء معه ، وذهلوا عن الدعاء لأنفسهم في ذلك المكان الذي يستحب فيه الدعاء ، ويقول الرواة : إنّ الإمام استمرّ يدعو حتّى غربت الشمس ، فأفاض إلى (المزدلفة) وفاض الناس معه(3) .
ومنح الله الإمام الحسين أعنة الحكمة ، وفصل الخطاب فكانت تتدفّق
__________________
(1) الاستدراج من الله للعبد أن يفعل شيئاً بالنسبة إلى العبد حتّى لا يوفّق أن يتوب ويرجع إلى خالقه.
(2) الميامين جمع ميمون : ذو اليمين والبركة.
(3) زاد المعاد للمجلسي ، البلد الأمين للكفعمي ، بلاغة الإمام الحسين (عليه السّلام) ، الإقبال لابن طاووس وفيه زيادة على هذا الدعاء.
على لسانه سيول من الموعظة والآداب ، والأمثال السائرة ، وفيما يلي بعض حِكمه القصار.
1 ـ قال (عليه السلام) : «العاقل لا يحدّث مَن يخاف تكذيبه ، ولا يسأل مَن يخاف منعه ، ولا يثق بمَن يخاف غدره ، ولا يرجو مَن لا يوثق برجائه»(1) .
2 ـ قال (عليه السّلام) لابنه علي بن الحسين : «أي بني ، إيّاك وظلم مَن لا يجد عليك ناصراً إلاّ الله عزّ وجلّ»(2) .
3 ـ قال (عليه السّلام) : «ما أخذ الله طاقة أحد إلاّ وضع عنه طاعته ، ولا أخذ قدرته إلاّ وضع عنه كلفته»(3) .
4 ـ قال (عليه السّلام) : «إيّاك وما تعتذر منه ؛ فإن المؤمن لا يسيء ولا يعتذر ، والمنافق كل يوم يسيء ويعتذر»(4) .
5 ـ قال (عليه السّلام) : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإنّ الكذب ريبة ، والصدق طمأنينة»(5) .
6 ـ قال (عليه السّلام) : «اللّهمّ لا تستدرجني بالإحسان ، ولا تؤدّبني بالبلاء»(6) .
7 ـ قال (عليه السّلام) : «خمس مَن لم تكن فيه ، لم يكن فيه كثير مستمتع العقل ، والدين والأدب ، والحياء ، وحسن الخلق»(7) .
__________________
(1) ريحانة الرسول / 55.
(2) و (3) و (4) تحف العقول / 46.
(5) أنساب الأشراف 1 ق 1.
(6) كشف الغمة 2 / 243.
(7) ريحانة الرسول / 55.
8 ـ قال (عليه السّلام) : «البخيل مَن بخل بالسّلام»(1) .
9 ـ قال (عليه السّلام) : «مَن حاول أمراً بمعصية الله كان أفوت لِما يرجو وأسرع لِما يحذر»(2) .
10 ـ قال (عليه السّلام) : «من دلائل علامات القبول : الجلوس إلى أهل العقول ، ومن علامات الجهل المماراة لغير أهل الكفر ، ومن دلائل العالم انتقاده لحديثه ، وعلمه بحقائق فنون النظر»(3) .
11 ـ قال (عليه السّلام) : «إنّ المؤمن اتّخذ الله عصمته ، وقوله مرآته ؛ فمرّة ينظر في نعت المؤمنين ، وتارة ينظر في وصف المتجبّرين ، فهو منه في لطائف ، ومن نفسه في تعارف ، ومن فطنته في يقين ، ومن قدسه في على تمكين»(4) .
12 ـ قال (عليه السّلام) : «إذا سمعت أحداً يتناول أعراض الناس فاجتهد أن لا يعرفك»(5) .
13 ـ قال (عليه السّلام) لرجل اغتاب عنده رجلاً : «يا هذا ، كف عن الغيبة ؛ فإنها أدام كلاب النار»(6) .
14 ـ تكلّم رجل عنده فقال : إنّ المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع ، فقال (عليه السّلام) : «ليس كذلك ، ولكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر ؛ تصيب البر والفاجر»(7) .
__________________
(1) ريحانة الرسول / 55.
(2) و (3) و (4) تحف العقول / 246 ـ 248.
(5) ريحانة الرسول / 55.
(6) البحار ، تحف العقول / 245.
(7) تحف العقول / 245.
15 ـ سأله رجل عن تفسير قوله تعالى :( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (1) ، فقال (عليه السّلام) : «أمره أن يحدّث بما أنعم الله به عليه في دينه»(2) .
16 ـ قال (عليه السّلام) : «موت في عزّ خير من حياة في ذل»(3) .
17 ـ قال (عليه السّلام) : «البكاء من خشية الله نجاة من النار»(4) .
18 ـ قال (عليه السّلام) : «مَن أحجم عن الرأي ، وأعيت له الحيل كان الرفق مفتاحه»(5) .
19 ـ قال (عليه السّلام) : «مَن قبل عطاءك فقد أعانك على الكرم»(6) .
20 ـ قال (عليه السّلام) : «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ ، أيها الناس ، مَن كان له على الله أجر فليقم ، فلا يقوم إلاّ أهل المعروف»(7) .
21 ـ قال (عليه السّلام) : «ما من أعمال هذه الاُمّة من صباح إلاّ ويعرض على الله عزّ وجلّ»(8) .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بعض ما أثر عنه من روائع الحكم والمواعظ والآداب ، ولم نحلّل مضامينها إيثاراً للإيجاز ، وابتعاداً عن الإطالة.
__________________
(1) سورة الضحى / 11.
(2) تحف العقول / 246.
(3) البحار.
(4) نزهة الناظر في تنبيه الخاطر.
(5) تاريخ ابن عساكر 4 / 323.
(6) و (7) و (8) البحار.
وعرضت مصادر التاريخ والأدب العربي إلى بعض ما نظمه الإمام الحسين (عليه السّلام) من الشعر وما استشهد به في بعض المناسبات ، وإن كان بعضها ـ فيما نحسب ـ لا يخلو من الانتحال ، وهذه بعضها :
1 ـ دخل أعرابي مسجد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) فوقف على الحسين بن علي وحوله حلقة مجتمعة من الناس فسأل عنه ، فقيل له : إنّه الحسين بن علي ، فقال : إيّاه أردت بلغتي ، إنّهم يتكلّمون فيعربون في كلامهم ، وإنّي قطعت بوادي وقفاراً ، وأودية وجبالاً ، وجئت لا طارحه الكلام وأسأله عن عويص العربية ، فقال له أحد جلساء الإمام : إن كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب ، وأومأ إلى الحسين.
فبادر إليه ، ووقف فسلّم عليه ، فردّ الإمام عليه السّلام ، فقال له :
ـ «ما حاجتك؟».
ـ جئتك من الهرقل ، والجعلل ، والأينم ، والهمهم.
فتبسّم الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وقال له : «يا أعرابي ، لقد تكلّمت بكلام ما يعقله إلاّ العالمون». فقال الأعرابي : وأقول أكثر من هذا ، فهل أنت مجيبي على قدر كلامي؟ فقال له الحسين (عليه السّلام) : «قل ما شئت ، فإنّي مجيبك».
ـ إنّي بدوي ، وأكثر مقالي الشعر ، وهو ديوان العرب.
ـ «قل ما شئت ، فإنّي مجيبك».
وأنشأ الأعرابي يقول :
هفا قلبي إلى اللهو |
وقد ودّعَ شرخيهِ |
|
وقد كان أنيقاً عصـ |
ـر تجراريَ ذيليهِ |
|
عيالاتٌ ولذّاتٌ |
فيا سقياً لعصريهِ |
|
فلمّا عمّم الشيبُ |
من الرأس نطاقيهِ |
|
وأمسى قد عناني منـ |
ـه تجديد خضابيهِ |
|
تسلّيت عن اللهو |
وألقيت قِناعيهِ |
|
وفي الدهر أعاجيبٌ |
لمَنْ يلبسُ حاليهِ |
|
فلو يُعمل ذو رأي |
أصيلٍ فيه رأيَيهِ |
|
لألفى عِبرة منه |
له في كرِّ عصريهِ |
فأجابه الإمام الحسين (عليه السّلام) ارتجالاً :
فما رسمٌ شجاني قد |
محت آيات رسميهِ |
|
سفورٌ درجت ذيلين |
في بوغاء قاعيهِ(1) |
|
هتوفٌ حرجفٌ تترى |
على تلبيد ثوبيهِ(2) |
|
وولاّج من المُزنِ |
دنا نوءُ سماكيهِ |
|
أتى مثعنجر الودقِ |
بجود من خلاليهِ |
|
وقد أحمد برقاهُ |
فلا ذمٌّ لبرقيهِ |
|
وقد جلل رعداه |
فلا ذمٌّ لرعديهِ |
|
ثجيج الرعد ثجّاجٌ |
اذا أرخى نطاقيهِ |
__________________
(1) سفور : مأخوذ من سفرت الريح التراب أو الورق : أزالتهما وذهبت بهما كل مذهب. درجت : من نعوت الريح. البوغاء : التراب.
(2) الهتوف : الريح ذات الصوت. والحرجف : الريح الباردة. التلبيد : التداخل.
فأضحى دارساً قفرا |
لبينونة أهليهِ |
فلمّا سمع الأعرابي ذلك بهر وانطلق يقول : ما رأيت كاليوم أحسن من هذا الغلام كلاماً وأذرب لساناً ، ولا أفصح منه نطقاً!
فقال له الإمام الحسن (عليه السّلام) : «يا أعرابي ،
غلام كرّم الرحم نُ بالتطهير جدّيهِ |
كساه القمر القمقا م من نور سناءيهِ |
وقد أرصنت من شعري وقوّمت عروضيه»
فلمّا سمع الأعرابي قول الإمام الحسن (عليه السّلام) انبرى يقول : بارك الله عليكما ، مثلكما تجلّهما الرجال ، فجزاكما الله خيراً. وانصرف(1) . ودلّت هذه البادرة على مدى ما يتمتع به الإمام (عليه السّلام) من قوة العارضة في الشعر ، ومقدرته الفائقة في الارتجال والإبداع ، إلاّ أنّ بعض فصول هذه القصة ـ فيما نحسب ـ لا يخلو من الانتحال ؛ وهو مجيء الأعرابي من بلد نائي قد تحمّل عناء السفر وشدّته من أجل اختبار الإمام ومعرفة مقدراته الأدبية.
2 ـ نسبت له هذه الأبيات الحكمية :
إذا ما عضك الدهرُ |
فلا تجنح إلى الخلقِ |
|
ولا تسأل سوى الله |
تعالى قاسم الرزقِ |
|
فلو عشت وطوّفتَ |
من الغرب إلى الشرقِ |
|
لما صادفت من يقد |
رُ أن يُسعد أو يشقي(2) |
وحثّ هذا الشعر على القناعة وإباء النفس ، وعدم الخنوع للغير ، وأهاب بالإنسان أن لا يسأل أحداً إلاّ ربّه الذي بيده مجريات الأحداث.
__________________
(1) مطالب السؤل في مناقب آل الرسول.
(2) كشف الغمة 2 / 246 ، الفصول المهمة.
3 ـ قال (عليه السّلام) :
اغنِ عن المخلوق بالخالقِ |
تغن عن الكاذب والصادقِ |
|
واسترزق الرحمن من فضلهِ |
فليس غيرُ الله من رازقِ |
|
مَن ظنَّ أن الناس يغنونهُ |
فليس بالرحمن بالواثقِ |
|
أو ظنّ أنّ المال من كسبهِ |
زلّت به النعلان من حالقِ(1) |
وفي هذه الأبيات دعوة إلى الالتجاء إلى الله خالق الكون وواهب الحياة ، والاستغناء عمّن سواه ؛ فإنّ مَن ركن لغيره فقد خاب سعيه وحاد عن الصواب.
4 ـ زار الإمام الحسين (عليه السّلام) مقابر الشهداء بالبقيع ، فانبرى يقول :
ناديت سكّان القبور فأسكتوا |
فأجابني عن صمتهم تربُ الحشا |
|
قالت أتدري ما صنعت بساكني |
مزّقتُ لحمَهمُ وخرّقت الكسا |
|
وحشوت أعينهم تراباً بعدما |
كانت تأذّى باليسير من القذا |
|
أمّا العظام فإنني مزّقتها |
حتّى تباينت المفاصل والشَّوى |
|
قطّعت ذا من ذا ومن هذا كذا |
فتركتها ممّا يطول بها البِلى(2) |
وحفلت هذه الأبيات بالدعوة إلى الاعتبار والعظة بمصير الإنسان ، وأنّه حينما يودَع في بطن الأرض لم يلبث أن يتلاشى وتذهب نضارته ويعود بعد قليل كتلة من التراب المهين.
5 ـ ونسب الأعشى هذه الأبيات للإمام الحسين (عليه السّلام) :
كلّما زيد صاحب المال مالاً |
زِيد في همّهِ وفي الاشتغالِ |
|
قد عرفناك يا منغّصة العيـ |
ـشِ ويا دارَ كلّ فانٍ وبالِ |
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 4 / 324.
(2) البداية والنهاية 8 / 208.
ليس يصفو لزاهد طلب الزه دِ إذا كان مثقلاً بالعيال(1)
وتحدّث الإمام بهذه الأبيات عن ظاهرة خاصّة من ظواهر الحياة : وهي أنّ الإنسان كلّما اتّسع نطاقه المادّي ازدادت آلامه وهمومه ، وازداد جهداً وعناءً في تصريف شؤون أمواله وزيادة أرباحه ، كما تحدّث الإمام عمّن يرغب في الزهد في الحياة فإنّه لا يجد سبيلاً إلى ذلك ما دام مثقلاً بالعيال ؛ فإنّ شغله بذلك يمنعه عن الزهد في الدنيا.
6 ـ روى الأربلي أنّ الإمام قال هذه الأبيات في ذمّ البغي :
ذهب الذين أحبهمْ |
وبقيت فيمن لا اُحبّهْ |
|
فيمن أراه يسبّني |
ظهر المغيب ولا أسبّهْ |
|
يبغي فسادي ما استطا |
ع وأمره مما أربّهْ(2) |
|
حنقاً يدبّ لي الضرا |
ء وذاك ممّا لا أدبّهْ |
|
ويرى ذباب الشرّ من |
حولي يطنّ ولا يذبّهْ |
|
وإذا خبا(3) وغرُ الصدو |
ر فلا يزال به يشبّهْ |
|
أفلا يعيج بعقلهِ(4) |
أفلا يثوب إليه لبّهْ(5) |
|
أفلا يرى من فعلهِ |
ما قد يسور إليه غبّهْ(6) |
|
حسبى بربّي كافياً |
ما أختشي والبغي حسبهْ |
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 4 / 324.
(2) أربّه : أصلحه.
(3) خبا : سكن.
(4) يعيج : ينتفع.
(5) اللب : العقل.
(6) يسور : يرجع.
ولقلّ مَن يبغي عليـ |
ـه فما كفاه الله ربه(1) |
وتحدّث الإمام (عليه السّلام) بهذه الأبيات عن إحدى النزعات الشريرة في الإنسان وهي البغي ، فإنّ مَن يتلوّث به يسعى دوماً إلى سبّ أخيه والاعتداء عليه وإفساده أمره ، وإنه إذا سكن وغر الصدور فإنه يسعى لإثارتها ؛ انطلاقاً منه في البغي والاعتداء.
وقد وجّه (عليه السّلام) إليه النصح ، فإنه إذا رجع إلى عقله وفكر في أمره فإنّ غيّه على أخيه يرجع إليه وتلحقه أضراره وآثامه ، ومن الطبيعي أنه إذا أطال التفكير في ذلك فإنه يقلع عن نفسه هذه الصفة الشريرة حسب ما نصّ عليه علماء الأخلاق.
7 ـ وزعم أبو الفرج الأصبهاني أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) قال هذين البيتين في بنته سكينة واُمّها الرباب :
لعمرك أنني لاُحبّ داراً |
تكون بها سكينة والربابُ |
|
اُحبّهما وأبذل جُلّ مالي |
وليس لعاتب عندي عتابُ(2) |
وزاد غيره هذا البيت :
فلستُ لهم وان غابوا مضيعاً |
حياتي أو يُغيّبني الترابُ(3) |
وهذه الأبيات فيما نحسب من المنتحلات والموضوعات ؛ فإنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) أجلّ شأناً وأرفع قدراً من أن يذيع حبّه لزوجته وابنته بين الناس ، فليس هذا من خلقه ولا يليق به ، إنّ ذلك ـ من دون شك ـ من المفتريات التي تعمّد وضعها للحطّ من شأن أهل البيت (عليهم السّلام).
8 ـ ومما قاله :
الله يعلم أنّ ما |
بيدي يزيد لغيرهِ |
__________________
(1) كشف الغمة. ريحانة الرسول / 48.
(2) الأغاني.
(3) ذكرى الحسين 1 / 139 ، البداية والنهاية 8 / 209.
وبأنه لم يكتسبْـ |
ـهُ بخيره وبميرهِ |
|
لو أنصف النفس الخؤو |
ن لقصّرت من سيرهِ |
|
ولكان ذلك منه أد |
نى شرّه من خيرهِ(1) |
وبهذا ينتهي بنا المطاف عن بعض مثُل الإمام الحسين (عليه السّلام) ونزعاته التي كان بها فذّاً من أفذاذ العقل الإنساني ، ومثلاً رائعاً من أمثلة الرسالة الإسلامية بجميع قِيَمها ومكوّناتها.
__________________
(1) ريحانة الرسول / 49.
مأساة الإسلام الكبرى
عاش الإمام الحسين (عليه السّلام) وهو في ريعان الصبا وغضارة العمر في كنف جدّه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، وكان يغدق عليه بعطفه ، ويفيض عليه بحنانه ، ويعمل على توجيهه وتقويمه ، حتّى توسّعت مداركه ، ونمت ملكاته وهو في سنّه المبكّر.
وكانت هذه الفترة القصيرة التي عاش مع جدّه من أهمّ الفترات وأروعها في تاريخ الإسلام كلّه ؛ فقد وطّد الرسول (صلّى الله عليه وآله) فيها أركان دولته ، وأقامها على أساس العلم والإيمان ، وهزم جيوش الشرك ، وفلّل قواعد الإلحاد ، وقام الإسلام على سوقه عبل الذراع مفتول الساعد ، وأخذت الانتصارات الرائعة تترى على الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأصحابه ، فقد دخل الناس في دين الله أفواجاً أفواجاً ، وامتدّ حُكم الإسلام على أغلب مناطق الجزيرة العربية.
وفي غمرات هذه الانتصارات الرائعة شعر الرسول (صلّى الله عليه وآله) بأنّ حياته قد انطوت وأيّامه قد انتهت ؛ لأنّه أدّى ما عليه ، وأقام دينه العظيم يؤدّي فعالياته في توجيه الإنسان وإقامة سلوكه ، فإذاً لا بدّ له من الرحيل عن هذه الحياة ونتحدّث عن فصول هذه المأساة الكبرى التي مُني بها المسلمون وننظر إلى ما رافقها من الأحداث الخطيرة ، فإنها ترتبط ارتباطاً موضوعياً بما نحن فيه ، فهي تكشف عن كثير من الأسباب التي أدّت إلى ما عاناه الإمام الحسين (عليه السّلام) مع أهل البيت من النكبات والخطوب.
وبدت طلائع الوفاة ومفارقة الحياة للقائد والمنقذ والمعلّم الرسول (صلّى الله عليه وآله) فقد كانت هناك إنذارات متوالية تدلل على ذلك ، وهي كما يلي :
1 ـ إنّ القرآن نزل على الرسول (صلّى الله عليه وآله) مرّتين فاستشعر (صلّى الله عليه وآله) بذلك حضور الأجل المحتوم(1) وأخذ ينعى نفسه ، ويذيع بين المسلمين مفارقته لهذه الحياة ، وكان يقول لبضعته سيّدة نساء العالمين فاطمة (عليها السلام) : «إنّ جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرة ، وأنه عارضني به العام مرّتين ، وما أرى ذلك إلاّ اقتراب أجلي»(2) .
2 ـ إنّه نزل عليه الوحي بهذه الآية :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) . وكانت هذه الآية إنذاراً له بمفارقة الحياة ، فأثارت كوامن التوجّس في نفسه ، وسمعه المسلمون يقول : «ليتني أعلم متى يكون ذلك؟!».
ونزلت عليه سورة (النصر) ، فكان يسكت بين التكبير والقراءة ويقول : «سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه». وفزع المسلمون وذهلوا ، وانطلقوا إليه يسألونه عن هذه الحالة الرهيبة ، فأجابهم (صلّى الله عليه وآله) : «إنّ نفسي قد نُعيت إليّ»(3) .
وفزع المسلمون وهاموا في تيّارات مذهلة من الهواجس والأفكار ، فقد كان وَقْع ذلك عليهم كالصاعقة ، فلا يدرون ماذا سيجري عليهم إن خلت هذه الدنيا من النبي (صلّى الله عليه وآله).
ولمّا علم النبي (صلّى الله عليه وآله) بدنو الأجل المحتوم منه رأى أن يحجّ إلى
__________________
(1) الخصائص الكبرى 2 / 386.
(2) تاريخ ابن كثير 5 / 223.
(3) مناقب ابن شهر آشوب 1 / 167.
بيت الله الحرام ليلتقي بعامة المسلمين ، ويعقد هناك مؤتمراً عامّاً يضع فيه الخطوط السليمة لنجاة اُمّته ، ووقايتها من الزيغ والانحراف.
وحجّ النبي (صلّى الله عليه وآله) حجّته الأخيرة الشهيرة بحجّة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة ، فأشاع فيها بين الوافدين لبيت الله الحرام أنّ التقاءه بهم في عامهم هذا هو آخر عهدهم به قائلاً : «إنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً». وجعل يطوف على الجماهير ، ويعرّفهم بما يضمن لهم نجاحهم وسعادتهم قائلاً : «يا أيها الناس ، إنّي تركت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي»(1) .
إنّ الركيزة الاُولى لسلامة الاُمّة وصيانتها عن أيّ زيغ عقائدي هو تمسّكها بكتاب الله ، والتمسّك بالعترة الطاهرة ، فهما أساس سعادتها ونجاحها في الدنيا والآخرة.
ولمّا انتهى (صلّى الله عليه وآله) من مراسيم الحج ، وقف عند بئر (زمزم) وأمر ربيعة بن اُميّة بن خلف فوقف تحت صدر راحلته ، وكان صبيّاً ، فقال : «يا ربيعة ، قل : يا أيها الناس ، إنّ رسول الله يقول لكم : لعلّكم لا تلقونني على مثل حالي هذه وعليكم هذا ، هل تدرون أي بلد هذا؟ وهل تدرون أي شهر هذا؟ وهل تدرون أي يوم هذا؟»
فقال الناس : نعم ، هذا البلد الحرام ، والشهر الحرام ، واليوم الحرام ، وبعدما أقرّوا بذلك قال (صلّى الله عليه وآله) :
«إنّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة بلدكم هذا ، وكحرمة
__________________
(1) صحيح الترمذي 2 / 308.
شهركم هذا ، وكحرمة يومكم هذا ألا هل بلّغت؟».
قالوا : نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «اللّهمّ اشهد ، واتقوا الله وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ، فمَن كانت عنده أمانة فليؤدّها». ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : «الناس في الإسلام سواء ، الناس طفّ الصاع لآدم وحواء ، لا فضل لعربي على عجمي ، ولا عجمي على عربي إلاّ بتقوى الله ، ألا هل بلّغت؟».
قالوا : نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «اللّهمّ اشهد». ثمّ قال : «لا تأتوني بأنسابكم واتوني بأعمالكم ، فأقول للناس هكذا ولكم هكذا ، ألا هل بلّغت؟».
قالوا : نعم.
قال : «اللّهمّ اشهد». ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله) : «كل دم كان في الجاهليّة موضوع تحت قدمي ، وأوّل دم أضعه دم آدم بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب(1) ، ألا هل بلغت؟».
قالوا : نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «اللّهمّ اشهد ، وكل ربا كان في الجاهليّة موضوع تحت قدمي ، وأوّل ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب ، ألا هل بلغت؟».
قالوا : نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «اللّهمّ اشهد ، أيها الناس ، إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ». ثمّ قال :
«اُوصيكم بالنساء خيراً ؛ فإنما هنّ عوار عندكم ، لا يملكن لأنفسهن شيئاً
__________________
(1) آدم بن ربيعة كان مسترضعاً في هذيل فقتله بنو سعد بن بكر.
وإنّما أخذتموهنّ بأمانة الله ، واستحللتم فروجهنّ بكتاب الله ، ولكم عليهنّ حقّ ، ولهنّ عليكم حقّ ؛ كسوتهنّ ورزقهنّ بالمعروف ، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فراشكم أحداً ، ولا يأذنّ في بيوتكم إلاّ بعلمكم وإذنكم ، فإن فعلنّ شيئاً من ذلك فاهجروهنّ في المضاجع ، واضربوهن ضرباً غير مبرح ، ألا هل بلّغت؟».
قالوا : نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «اللّهمّ اشهد ، فاُوصيكم بمَن ملكت أيمانكم فأطعموهم مما تأكلون ، وألبسوهم مما تلبسون ، وإن أذنبوا فكالوا عقوباتهم إلى شراركم ، ألا هل بلّغت؟».
قالوا : نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «اللّهمّ اشهد». ثمّ قال : «إنّ المسلم أخو المسلم ؛ لا يغشّه ، ولا يخونه ، ولا يغتابه ، ولا يحلّ له دمه ، ولا شيء من ماله إلاّ بطيب نفسه ، ألا هل بلّغت؟».
قالوا : نعم.
قال : «اللّهمّ اشهد».
ويستمر (صلّى الله عليه وآله) في خطابه الحافل بما تضمّنته الرسالة الإسلامية من البنود المشرقة في عالم التشريع ، ثمّ ختمه بقوله : «لا ترجعوا بعدي كفاراً مضللين يملك بعضكم رقاب بعض ، إنّي خلّفت فيكم ما أن تمسّكتم به لن تضلّوا ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ألا هل بلّغت؟».
قالوا : نعم.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «اللّهمّ اشهد». ثمّ التفت إليهم فطالبهم بالالتزام بما أعلنه وأذاعه فيهم قائلاً :
«إنّكم مسؤولون فليبلّغ الشاهد منكم الغائب»(1) .
وبذلك انتهى خطابه الرائع الحافل بما تحتاجه الاُمّة في الصعيد الاجتماعي والسياسي ، كما عيّن لها القادة من أهل بيته الذين يعنون بالإصلاح العام ، وببلوغ أهداف الاُمّة في مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية.
ولمّا انتهى الرسول (صلّى الله عليه وآله) من حجّه قفل راجعاً إلى يثرب ، وحينما انتهى موكبه إلى غدير خم ، هبط عليه أمين الوحي يحمل رسالة من السماء بالغة الخطورة ، تحتّم عليه بأن يحطّ رحله ليقوم بأداء هذه المهمة الكبرى وهي نصب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) خليفةً ومرجعاً للاُمّة من بعده ، وكان أمر السماء بذلك يحمل طابعاً من الشدّة ولزوم الإسراع في إذاعة ذلك بين المسلمين ، فقد نزل عليه الوحي بهذه الآية :( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ) (2) .
لقد أنذر النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه إن لم ينفذ إرادة السماء ذهبت أتعابه ، وضاعت جهوده وتبدّد ما لاقاه من العناء في سبيل هذا الدين ، فانبرى (صلّى الله عليه وآله) بعزم ثابت وإرادة صلبة إلى تنفيذ إرادة الله ، فوضع أعباء المسير وحطّ رحله في رمضاء الهجير ، وأمر القوافل أن تفعل مثل ذلك ، وكان الوقت قاسياً في حرارته حتّى كان الرجل يضع طرف ردائه تحت قدميه ليتّقي به من
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 90 ـ 92.
(2) سورة المائدة : نصّ على نزول هذه الآية في يوم الغدير الواحدي في أسباب النزول ، والرازي في تفسيره ، وغيرهما.
الحرّ ، وأمر (صلّى الله عليه وآله) باجتماع الناس فصلّى بهم ، وبعد ما انتهى من الصلاة أمر أن توضع حدائج الإبل لتكون له منبراً ، ففعلوا له ذلك ، فاعتلى عليها وكان عدد الحاضرين فيما يقول المؤرّخون : مئة ألف أو يزيدون. وأقبلوا بقلوبهم نحو الرسول (صلّى الله عليه وآله) ليسمعوا خطابه ، فأعلن (صلّى الله عليه وآله) ما لاقاه من العناء والجهد في سبيل هدايتهم وإنقاذهم من الحياة الجاهليّة إلى الحياة الكريمة التي جاء بها الإسلام ، كما ذكر لهم كوكبة من الأحكام الدينية وألزمهم بتطبيقها على واقع حياتهم ، ثمّ قال لهم : «انظروا كيف تخلفوني في الثقلين؟».
فناداه مناد من القوم : ما الثقلان يا رسول الله؟
فقال (صلّى الله عليه وآله) : «الثقل الأكبر كتاب الله طرف بيد الله عزّ وجلّ وطرف بأيديكم ، فتمسّكوا به لا تضلوا ، والآخر الأصغر عترتي ، وإنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فسألت ذلك لهما ربّي ؛ فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا».
ثمّ أخذ بيد وصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ليفرض ولايته على الناس جميعاً ، حتّى بان بياض إبطيهما ، ونظر إليهما القوم ، فرفع (صلّى الله عليه وآله) صوته قائلاً : «يا أيها الناس ، مَن أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟»
فأجابوه جميعاً : الله ورسوله أعلم.
فقال (صلّى الله عليه وآله) : «إنّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمَن كنت مولاه فعليّ مولاه». قال ذلك ثلاث مرات أو أربع ، ثمّ قال :
«اللّهمّ وال مَن والاه ، وعاد مَن عاداه ، وأحبّ مَن أحبّه ، وابغض
مَن أبغضه ، وانصر مَن نصره ، واخذل مَن خذله ، وأدر الحقّ معه حيث دار ، ألا فليبلّغ الشاهد الغائب».
وبذلك أنهى خطابه الشريف الذي أدّى فيه رسالة الله ، فنصّب أمير المؤمنين (عليه السّلام) خليفة ، وأقامه علماً للاُمّة ، وقلّده منصب الإمامة ، وأقبل المسلمون يهرعون وهم يبايعون الإمام بالخلافة ، ويهنّئونه بإمرة المسلمين ، وأمر النبي (صلّى الله عليه وآله) اُمّهات المؤمنين أن يسرن إليه ويهنّئنّه ففعلن ذلك(1) .
وأقبل عمر بن الخطاب فهنّأ الإمام وصافحه وقال له : هنيئاً يابن أبي طالب ، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة(2) .
وانبرى حسان بن ثابت فاستأذن النبي (صلّى الله عليه وآله) بتلاوة ما نظمه ، فأذن له النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال :
يناديهمُ يوم الغدير نبيُّهمْ |
بخمٍّ واسمع بالرسول مناديا |
|
فقال فمَنْ مولاكمُ ونبيُّكمْ؟ |
فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا |
|
إلهُكَ مولانا وأنت نبيُّنا |
ولم تلقَ منّا في الولاية عاصيا |
|
فقال له قم يا عليُّ فإنّني |
رضيتكَ من بعدي إماماً وهاديا |
|
فمَنْ كنت مولاه فهذا وليّهُ |
فكونوا له أتباع صدقٍ مواليا |
|
هناك دعا اللّهمّ والِ وليّه |
وكن للذي عادى علياً مُعاديا(3) |
ونزلت في ذلك اليوم الخالد في دنيا الإسلام هذه الآية الكريمة :
__________________
(1) الغدير 2 / 34.
(2) مسند أحمد 4 / 281.
(3) الغدير 1 / 271.
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا)(1) .
لقد كمل الدين بولاية أمير المؤمنين ، وتمّت نعمة الله على المسلمين بسمو أحكام دينهم ، وسمو قيادتهم التي تحقّق آمالهم في بلوغ الحياة الكريمة ، وقد خطا النبي (صلّى الله عليه وآله) بذلك الخطوة الأخيرة في صيانة اُمّته من الفتن والزيغ ، فلم يترك أمرها فوضى ـ كما يزعمون ـ وإنّما عيّن لها القائد والموجّه الذي يعنى بأمورها الاجتماعية والسياسية.
إنّ هذه البيعة الكبرى التي عقدها الرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله) إلى باب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) من أوثق الأدلّة على اختصاص الخلافة والإمامة به ، وقد احتجّ بها الإمام الحسين (عليه السّلام) في مؤتمره الذي عقده بمكة لمعارضة حكومة معاوية وشجب سياسته ، فقد قال (عليه السّلام) : «أمّا بعد ، فإنّ هذا الطاغية ـ يعني معاوية ـ قد صنع بنا وبشيعتنا ما علمتم ورأيتم ، وشهدتم وبلغكم ، وإنّي اُريد أن أسألكم عن شيء ، فإن صدقت فصدّقوني ، وإن كذبت فكذّبوني. واسمعوا مقالتي ، واكتبوا قولي ، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم ، ومَن ائتمنتموه من الناس ووثقتم به فادعوه إلى ما تعلمون من حقّنا ؛ فإنّا نخاف أن يدرس هذا الحقّ ، ويذهب ويغلب ، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون».
وما ترك شيئاً مما أنزل الله في القرآن فيهم إلاّ تلاه وفسّره ، ولا شيئاً مما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في أبيه واُمّه ونفسه وأهل بيته إلاّ رواه ، وكل ذلك يقولون : اللّهمّ نعم ، قد سمعنا وشهدنا. ويقول التابعون : اللّهمّ نعم ، قد حدّثني به مَن أصدقه وآتمنه من الصحابة. وقال (عليه السّلام) في عرض استدلاله :
__________________
(1) ذكر نزول الآية في يوم الغدير الخطيب البغدادي في تاريخه 8 / 290 ، والسيوطي في الدر المنثور وغيرهما.
«أنشدكم الله أتعلمون أنّ رسول الله نصّبه ـ يعني علياً ـ يوم غدير خمٍّ ، فنادى له بالولاية ، وقال : ليبلّغ الشاهد الغائب». قالوا : اللّهمّ نعم(1) .
إنّ البيعة للإمام في يوم عيد الغدير جزء من رسالة الإسلام ، وركن من أركان الدين ، وهي تستهدف صيانة الاُمّة من التيّارات العقائدية ، ووقايتها من الانحراف.
ولمّا قفل النبي (صلّى الله عليه وآله) راجعاً إلى يثرب بدأت صحته تنهار يوما بعد يوم ، فقد ألم به المرض ، وأصابته حمى مبرحة حتّى كأنّ به لهباً منها ، فكانت عليه قطيفة فإذا وضع أزواجه وعوّاده أيديهم عليها شعروا بحرّها(2) ، وقد وضعوا إلى جواره إناء فيه ماء بارد ، فما زال يضع يده فيه ويمسح به وجهه الشريف ، وكان (صلّى الله عليه وآله) يقول : «ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر ، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السمّ».
وهرع المسلمون إلى عيادته وقد خيّم عليهم الأسى والذهول ، فازدحمت حجرته بهم فنعى إليهم نفسه ، وأوصاهم بما يضمن لهم السعادة والنجاه قائلاً : «أيها الناس ، يوشك أن اُقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي ، وقدّمت إليكم القول معذرة إليكم ، ألا إنّي مخلّف فيكم كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي». ثمّ أخذ بيد وصيّه وخليفته من بعده الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) قائلاً لهم :
__________________
(1) الغدير 1 / 199.
(2) البداية والنهاية 5 / 266.
«هذا علي مع القرآن ، والقرآن مع علي لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض»(1) .
وقد قرّر (صلّى الله عليه وآله) بذلك أهمّ القضايا المصيرية لاُمّته ، وعيّن لها القائد العظيم الذي تنال به جميع أهدافها وآمالها.
وحينما ألم المرض بالنبي (صلّى الله عليه وآله) أيقن بمفارقته لهذه الحياة ، وحدّثته نفسه أن يذهب ليودّع مقابر المسلمين ويستغفر لهم ، فاستدعى أبا مويهبة في غلس الليل البهيم ، فلمّا مثل عنده أمره أن يمضي معه إلى البقيع قائلاً له : «لقد أمرت بالاستغفار لأهل البقيع ؛ فلذا بعثت إليك للانطلاق معي».
وسار النبي (صلّى الله عليه وآله) حتّى انتهى إلى بقيع الغرقد ، فسلّم على الأموات وقال لهم : «السّلام عليكم يا أهل المقابر ، ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه ؛ أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم ، يتبع آخرها أوّلها ، الآخرة شرّ من الاُولى».
لقد استشفّ (صلّى الله عليه وآله) من وراء الغيب ما تُمنى به اُمّته من الانقلاب على الأعقاب ، وما تصاب به من الانحراف بدينها وعقيدتها ، وأنها ستواجه أمواجاً رهيبة من الفتن والضلال تعصف بها إلى مجاهل سحيقة من هذه الحياة ، والتفت (صلّى الله عليه وآله) إلى أبي مويهبة قائلاً له : «يا أبا مويهبة ، إنّي قد اُوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثمّ الجنّة ، فخُيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنّة».
__________________
(1) الصواعق المحرقة.
فبهر أبو مويهبة وانطلق قائلاً : بأبي أنت واُمّي! فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثمّ الجنّة. فقال (صلّى الله عليه وآله) : «لا والله ، لقد اخترت لقاء ربي والجنّة».
واستغفر (صلّى الله عليه وآله) لأهل البقيع ثمّ انصرف إلى منزله (صلّى الله عليه وآله)(1) فاستقبله عائشة وكانت تشكو صداعاً في رأسها وهي تقول : وا رأساه!
ـ «بل أنا والله يا عائشة أقول وا رأساه! ما ضرّك لو متّ قبلي فقمت عليك ، وكفّنتك وصلّيت عليك ودفنتك؟». فأثار ذلك حفيظتها ، واندفعت تقول : والله لكأنّي بك لو فعلت ذلك لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك.
فتبسّم النبي (ص)(2) وجعل يطوف بأزواجه ، وقد رأى نفسه أنّه في حاجة إلى التمريض ، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة فأذنّ له في ذلك ، فخرج عاصباً رأسه معتمداً على علي بن أبي طالب وعمّه العباس ، وقدماه لا تكادان تحملانه من المرض حتّى دخل بيت عائشة.
واستبانت التيارات الحزبية للرسول (صلّى الله عليه وآله) وأيقن أنّها جادّة في
__________________
(1) البداية والنهاية / 224 ، سيرة ابن هشام 3 / 93 ، تاريخ الطبري 3 / 190 ، وذكرت المصادر الشيعية : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لمّا أحسّ بالمرض أخذ بيد علي وتبعه الناس فتوجّه إلى البقيع واستغفر لأهله.
(2) البداية والنهاية 5 / 224 ـ 225.
مخططاتها الرامية لصرف الخلافة عن أهل البيت (عليهم السّلام) فرأى أنّ خير وسيلة يتدارك بها الموقف أن يبعث بجميع أصحابه لغزو الروم ؛ حتّى تخلو عاصمته منهم ، ليتمّ الأمر إلى ولي عهده الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بسهولة ويسر ، فأمر أعلام المهاجرين والأنصار بذلك ، وكان منهم ـ فيما يقول المؤرّخون ـ أبو بكر ، وعمر ، وأبو عبيدة الجراح ، وبشير بن سعد(1) ، وأمّر عليهم اُسامة بن زيد وهو شاب حدث السّن ، وكانت هذه البعثة سنة إحدى عشرة للهجرة لأربع ليال بقين من صفر.
وقال (صلّى الله عليه وآله) لاُسامة : «سر إلى موضع قتل أبيك فاوطئهم الخيل فقد وليّتك هذا الجيش ؛ فاغز صباحاً على أهل اُبْنى(2) وحرّق عليهم ، وأسرع السير لتسبق الأخبار ، فإن أظفرك الله عليهم فأقلل اللبث فيهم ، وخذ معك الأدلاّء ، وقدّم العيون والطلائع معك».
وفي اليوم التاسع والعشرين من صفر رأى جيشه قد مُني بالتمرّد فلم يلتحق أعلام الصحابة بوحداتهم العسكرية فساءه ذلك ، وخرج مع ما به من المرض الشديد فحثّهم على المسير ، وعقد بنفسه اللواء لاُسامة وقال له : «اغزُ بسم الله ، وفي سبيل الله ، وقاتل مَن كفر بالله». فخرج اُسامة بلوائه معقوداً ودفعه إلى بريدة ، وعسكر بـ (الجرف).
وتثاقل فريق من الصحابة من الالتحاق بالمعسكر ، وأظهر الطعن والاستخفاف بالقائد العام للجيش ، يقول له عمر :
__________________
(1) كنز العمال 5 / 312 ، طبقات ابن سعد 4 / 46 ، تاريخ الخميس 2 / 46.
(2) اُبْنى ، بضم الهمزة وسكون الباء ثمّ نون مفتوحة بعدها ألف مقصورة : ناحية بالبلقاء من أرض سوريا بين عسقلان والرملة ، تقع بالقرب من مؤتة التي استشهد فيها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب.
مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأنت عليّ أمير؟!
وانتهت كلماته إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وقد ازدادت به الحمّى وأخذ منه الصداع القاسي مبلغاً عظيماً ، فغضب (صلّى الله عليه وآله) وخرج وهو معصب الرأس قد دثّر بقطيفته ، وقد برح به الأسى والحزن ، فصعد المنبر وأظهر سخطه على عدم تنفيذ أوامره قائلاً : «أيها الناس ، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري اُسامة! ولئن طعنتم في تأميري اُسامة ، لقد طعنتم في تأميري أباه من قبله. وايم الله ، إنه كان لخليقاً بالإمارة ، وإنّ ابنه من بعده لخليق بها».
ثمّ نزل عن المنبر ودخل بيته(1) وجعل يوصي أصحابه بالالتحاق باُسامة وهو يقول لهم : «جهّزوا جيش اُسامة». «نفذوا جيش اُسامة». «لعن الله مَن تخلّف عن جيش اُسامة».
ومن المؤسف أنّه لم تثِر هذه الأوامر المشددة حفائظ نفوسهم ، ولم يرهف عزائمهم هذا الاهتمام البالغ من النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فقد تثاقلوا عن الالتحاق بالجيش واعتذروا للرسول (صلّى الله عليه وآله) بشتّى المعاذير ، وهو لم يمنحهم العذر وإنّما أظهر لهم السخط وعدم الرضى ، وقد حلّلنا أبعاد هذه الحادثة المؤلمة ودلّلنا على مقاصد القوم في الجزء الأوّل من كتابنا حياة الإمام الحسن بن علي (عليه السّلام).
__________________
(1) السيرة الحلبية 3 / 34.
وألم المرض بالنبي (صلّى الله عليه وآله) فكان يعاني منه أشدّ العناء ، فاستدعى الفضل بن عباس فقال له : «خذ بيدي يا فضل». فأخذ بيده حتّى أجلسه على المنبر ، وأمره أن ينادي بالناس الصلاة جامعة ، فنادى الفضل بذلك فاجتمعت الناس فقال (صلّى الله عليه وآله) : «أيها الناس ، إنّه قد دنا منّي خلوف من بين أظهركم ، ولن تروني في هذا المقام فيكم ، وقد كنت أرى أنّ غيره غير مغنٍ عنّي حتّى أقومه فيكم.
ألا فمَن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليستقد ، ومَن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه ، ومَن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد ، ولا يقولنّ قائل أخاف الشحناء من قِبَل رسول الله ، ألا وإنّ الشحناء ليست من شأني ولا من خُلقي ، وإنّ أحبّكم إليّ مَن أخذ حقّاً إن كان له عليّ ، أو حللني فلقيت الله عزّ وجلّ وليس لأحد عندي مظلمة».
وقد أسس (صلّى الله عليه وآله) بذلك معالم العدل ، ومعالم الحقّ بما لم يؤسسه أيّ مصلح في العالم ، فقد أعطى القصاص من نفسه ليخرج من هذه الدنيا وليس لأيّ أحد حقّ أو مال أو تبعة عليه ، فانبرى إليه رجل فقال له : يا رسول الله ، لي عندك ثلاثة دراهم.
فقال (صلّى الله عليه وآله) : «أمّا أنا فلا اُكذّب قائلاً ، ولا مستحلفه على يمين ، فبم كانت لك عندي؟».
قال الرجل : أما تذكر أنه مرّ بك سائل فأمرتني فأعطيته ثلاثة دراهم.
فأمر (صلّى الله عليه وآله) الفضل أن يعطيها له ، وعاد (صلّى الله عليه وآله) في خطابه فقال :
«أيها الناس ، مَن عنده من الغلول شيء فليردّه». فقام إليه رجل فقال له : يا رسول الله ، عندي ثلاثة دراهم غللتها في سبيل الله.
قال (صلّى الله عليه وآله) : «لِمَ غللتها؟».
ـ كنت إليها محتاجاً.
فأمر (صلّى الله عليه وآله) الفضل أن يأخذها منه فأخذها ، وعاد (صلّى الله عليه وآله) في مقالته فقال (صلّى الله عليه وآله) : «أيها الناس ، مَن أحسّ من نفسه شيئاً فليقم أدع الله له».
فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله ، إنّي لمنافق ، وإنّي لكذوب ، وإنّي لشؤوم. فزجره عمر فقال له : ويحك أيها الرجل! لقد سترك الله لو سترت على نفسك. فصاح به النبي (صلّى الله عليه وآله) : «صه يابن الخطاب ، فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة».
ودعا للرجل فقال : «اللّهمّ ارزقه صدقاً وإيماناً ، واذهب عنه الشؤم»(1) .
وانبرى إليه رجل من أقصى القوم يسمّى سوادة بن قيس فقال له : يا رسول الله ، إنك ضربتني بالسوط على بطني ، وأنا أريد القصاص منك فأمر (صلّى الله عليه وآله) بلالاً أن يحضر السوط ليقتصّ منه سوادة ، وانطلق بلال وهو مبهور ، فراح يجوب في أزقّة يثرب وهو رافع عقيرته قائلاً : أيها الناس ، أعطوا القصاص من أنفسكم في دار الدنيا ، فهذا رسول الله قد أعطى القصاص من نفسه.
ومضى إلى بيت النبي فأخذ السوط وجاء به إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، فأمر أن
__________________
(1) البداية والنهاية 5 / 231.
يناوله إلى سوادة ليقتصّ منه ، فأخذه سوادة وأقبل نحو رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد اتّجه المسلمون بقلوبهم إلى هذا الحادث الرهيب ، فالرسول (صلّى الله عليه وآله) قد فتك به المرض وألمّ به الدّاء وهو يعطي القصاص من نفسه.
ووقف سوادة على رسول الله فقال له : يا رسول الله ، اكشف لي عن بطنك. فكشف رسول الله (صلّى الله عليه وآله) عن بطنه ، فقال له سوادة بصوت خافت حزين النبرات : يا رسول الله ، أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك؟ فأذن له رسول الله ، فوضع سوادة فمه على بطن رسول الله يوسعها تقبيلاً ودموعه تتبلور على خديه قائلاً : أعوذ بموضع القصاص من رسول الله من النار يوم النار.
فقال له رسول الله : «أتعفو يا سوادة أم تقتص؟».
ـ بل أعفو يا رسول الله.
فرفع النبي (صلّى الله عليه وآله) يديه بالدعاء قائلاً : «اللّهمّ اعفو عن سوادة كما عفا عن نبيّك»(1) .
وذهل المسلمون وهاموا في تيارات من الهواجس والأفكار ، وأيقنوا بنزول القضاء من السماء ، فقد انتهت أيّام نبيّهم ، ولم يبقَ بينهم إلاّ لحظات هي أعزّ عندهم من الحياة.
__________________
(1) بحار الأنوار 6 / 1035.
وكانت عند النبي (صلّى الله عليه وآله) قبل مرضه سبعة دنانير أو ستة فخاف (صلّى الله عليه وآله) أن يقبضه الله وهي عنده فأمر أهله بالتصدّق بها ، ولكن انشغالهم بتمريضه أنساهم ذلك ، وكان (صلّى الله عليه وآله) يفكر بها فسألهم عنها فأجابوه : إنها لا تزال باقية عندهم ، فطلب منهم أن يحضروها ، فلمّا جيء بها إليه وضعها في كفه وقال : «ما ظنّ محمد بربّه لو لقى الله وعنده هذه».
ثمّ تصدّق بها ، ولم يبقَ عنده أي شيء من حطام الدنيا(1) ، وقد تحرّج (صلّى الله عليه وآله) في حياته عن جميع ملاذ هذه الحياة ، فكان فيما يقول الرواة : إنّه خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير(2) ، وقد توفّي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير(3) ، وكانت وسادته من أدم حشوها ليف(4) ، وكان يجلس على حصير حتّى أثر في جنبه فقال له أصحابه : يا رسول الله ، لو اتخذنا لك وطاء. فقال لهم : «ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلاّ كراكب استظلّ تحت شجرة ثمّ راح وتركها»(5) .
وقد جاءته فاطمة بكسرة خبز ، فقال لها : «ما هذه الكسرة يا فاطمة؟». قالت : «قرص خبز
__________________
(1) مسند أحمد 6 / 104.
(2) صحيح البخاري ـ كتاب الأطعمة.
(3) مسند أحمد 4 / 105.
(4) صحيح مسلم ـ كتاب اللباس والزينة.
(5) صحيح الترمذي 6 / 60.
لم تطب نفسي حتّى أتيتك بها». فقال (صلّى الله عليه وآله) : «أما أنه أوّل طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيّام»(1) .
وكان يبيت الليالي المتتابعة طاوياً وأهله لا يجدون عشاء(2) .
وروت عائشة عن زهده فقالت : ظلّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) صائماً ثمّ طوى ، ثمّ ظلّ صائماً ثمّ طوى ، ثمّ ظلّ صائماً ، فقال : «يا عائشة ، إنّ الدنيا لا تنبغي لمحمد وآل محمد. يا عائشة ، إنّ الله لم يرضَ من اُولي العزم من الرسل إلاّ بالصبر على مكروهها ، والصبر عن محبوبها ، ثمّ لم يرضَ منّي إلاّ أن يكلّفني ما كلّفهم ، فقال :( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ ) ، وإنّي والله لأصبرن كما صبروا جهدي ولا قوة إلاّ بالله»(3) .
وظلّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على هذه الحالة زاهداً في الدنيا غير حافل بجميع ما فيها من المتع والنعم حتّى توفّاه الله واختاره إليه.
واستشفّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) من التحرّكات السياسية التي صدرت من أعلام صحابته أنهم يبغون لأهل بيته الغوائل ، ويتربّصون بهم الدوائر ، وإنهم مجمعون على صرف الخلافة عنهم ، فرأى (صلّى الله عليه وآله) أن يصون اُمّته من الزيغ ، ويحميها من الفتن فقال (صلّى الله عليه وآله) :
__________________
(1) طبقات ابن سعد ج 1 القسم 2 / 114.
(2) صحيح الترمذي 2 / 57.
(3) الدر المنثور للسيوطي ، نصّ عليه في تفسيره لقوله تعالى :( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ ) .
«ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً»(1) . وهل هناك نعمة على المسلمين أعظم من هذه النعمة؟ إنّه ضمان من سيّد الأنبياء ـ الذي لا ينطق عن الهوى ـ أن لا تضلّ اُمّته في مسيرتها ، وتواكب الحقّ وتهتدي إلى سواء السبيل.
إنّه صيانة لتوازن الاُمّة واستقامتها ، وضمان لرخائها وأمنها ، وتطور لحياتها.
إنه التزام من سيّد الكائنات بأن لا تصاب اُمّته بنكسة أو أزمة في ميادينها السياسية والاقتصادية.
حقاً إنها فرصة من أثمن الفرص وأندرها في تاريخ هذه الاُمّة ، ولكن القوم لم يستغلوها ، فقد علموا قصد الرسول (صلّى الله عليه وآله) وأنه سينصّ على باب مدينة علمه وأبي سبطيه ، وتضيع بذلك أطماعهم ومصالحهم ، فردّ عليه أحدهم : حسبنا كتاب الله.
ولو كان هذا القائل يحتمل أن النبي (صلّى الله عليه وآله) يوصي بحماية الثغور أو بالمحافظة على الشؤون الدينية لَما ردّ عليه بهذه الجرأة ، ولكنه علم قصده من النصّ على خلافة أمير المؤمنين.
وكثر الخلاف بين القوم فطائفة حاولت تنفيذ ما أمر به الرسول ، وطائفة اُخرى أصرّت على معارضتها خوفاً على فوات مصالحها ، وانطلقت النسوة من وراء الستر فأنكرن عليهم هذا الموقف المتّسم بالجرأة على النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو في ساعاته الأخيرة من حياته ، فقلن لهم : ألا تسمعون ما يقول رسول الله؟!
فثار عمر وصاح فيهنّ خوفاً على الأمر أن يفلت منهم ، فقال لهنّ :
__________________
(1) الرواية أخرجها الطبراني في الأوسط ، والبخاري ، ومسلم وغيرهم.
إنكنّ صويحبات يوسف ؛ إذا مرض عصرتنّ أعينكنّ ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه.
فرمقه الرسول وصاح به : «دعوهنّ فإنهنّ خير منكم».
وبدأ صراع رهيب بين القوم ، وكادت أن تفوز الجبهة التي أرادت تنفيذ ما أمر به الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، فانبرى أحدهم فسدّد سهماً لِما رامه النبي (صلّى الله عليه وآله) وأفسد عليه ما أراد ، قائلاً : إنّ النبي ليهجر(1) .
لقد أنستهم الأطماع السياسية مقام النبي (صلّى الله عليه وآله) الذي زكّاه الله وعصمه من الهجر وغيره مما ينقص الناس. ألم يسمعوا كلام الله يتلى عليهم في اناء الليل وأطراف النهار ، وهو يعلن تكامل النبي (صلّى الله عليه وآله) وتوازن شخصيته ، قال تعالى :( مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) . وقال تعالى :( إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم ٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ ) .
لقد وعى القوم آيات الكتاب في حقّ نبيّهم لم يخامرهم شكّ في عصمته وتكامل شخصيته ، ولكن الأطماع السياسية دفعتهم إلى هذا الموقف الذي يحزّ في نفس كل مسلم ، وكان ابن عباس إذا ذكر هذا الحادث الرهيب
__________________
(1) نصّ على الحادثة المؤلمة جميع المؤرّخين في الإسلام ، وذكرها البخاري في صحيحه عدّة مرّات في 4 / 68 و 69 ، 6 / 8 ، إلاّ أنه كتم اسم القائل ، وفي نهاية غريب الحديث ، وشرح النهج المجلد الثالث / 114 تصريح باسمه.
يبكي حتّى تسيل دموعه على خديه كأنها نظام اللؤلؤ ، وهو يصعد آهاته ويقول : يوم الخميس ، وما يوم الخميس؟! قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً». فقالوا : إنّ رسول الله يهجر(1) .
حقّاً إنّها رزية الإسلام الكبرى ، فقد حيل بين المسلمين وبين سعادتهم وتقدّمهم في ميادين الحق والعدل.
ونخب الحزن قلب بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وريحانته ، وبرح بها الألم وأضناها الأسى حينما علمت أنّ أباها مفارق لهذه الحياة ، فقد جاءت إليه تتعثّر بخطاها وهي مذهولة كأنها تعاني آلام الاحتضار ، فجلست إلى جانبه وهي محدقة بوجهه وسمعته يقول : «وا كرباه!».
ويمتلئ قلبها الطاهر بالأسى والحزن والحسرات فتسرع إليه قائلة : «وا كربي لكربك يا أبتي!». فأشفق الرسول (صلّى الله عليه وآله) حينما رأى حبيبته كأنها صورة جثمان قد فارقته الحياة فقال لها مسلّياً : «لا كرب على أبيك بعد اليوم»(2) .
فكانت هذه الكلمات أشدّ على نفسها من هول الصاعقة ، فقد علمت أنّ أباها سيفارقها ، ورأها النبي (صلّى الله عليه وآله) وهي ولهى حائرة ، قد خطف
__________________
(1) مسند أحمد 1 / 355 ، وغيره.
(2) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 112.
الحزن لونها وهامت في تيارات مذهلة من الأسى ، فأراد أن يسلّيها فأمرها بالدنو إليه وأسرّ إليها بحديث فلم تملك نفسها أن غامت عيناها بالدموع ، ثمّ أسرّ إليها ثانية فقابلته ببسمات فيّاضة بالبشر والسرور ، وعجبت عائشة من ذلك وراحت تقول : ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن!
وسألتها عائشة عمّا أسرّ إليها أبوها فأشاحت بوجهها عنها وأبت أن تخبرها ، ولمّا انصرمت الأيّام أخبرت (سلام الله عليها) عن ذلك فقالت أخبرني : «إنّ جبرئيل كان يعارضني بالقرآن في كل سنة مرّة ، وإنه عارضني في هذا العام به مرّتين ولا أراه إلاّ قد حضر أجلي».
وكان هذا هو السبب في لوعتها وبكائها ، وأمّا سبب سرورها وابتهاجها فتقول أخبرني : «إنك أوّل أهل بيتي لحوقاً بي ، ونِعم السلف أنا لك ألا ترضين أن تكوني سيّدة نساء هذه الاُمّة؟»(1) .
لقد كان السبب في إخماد لوعتها إخباره لها أنّها أوّل أهل بيته لحوقاً به ، وأخذ (صلّى الله عليه وآله) يخفّف عنها لوعة المصاب قائلاً لها : «يا بنية لا تبكي ، وإذا متّ فقولي : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ؛ فإنّ فيها من كل ميت معوضة».
وقالت له بصوت خافت حزين النبرات : «ومنك يا رسول الله؟».
ـ «نعم ومنّي»(2) .
__________________
(1) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 113.
(2) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 133.
واشتدّ الوجع برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فجعلت تبكي وتقول لأبيها : «أنت والله كما قال القائل :
وأبيضَ يُستسقى الغمامُ بوجههِ |
ثِمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ |
وأفاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقال لها : «هذا قول عمّك أبي طالب». وقرأ قوله تعالى :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) (1) .
وروى أنس بن مالك قال : جاءت فاطمة ومعها الحسن والحسين إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه فانكبّت عليه ، وألصقت صدرها بصدره وهي غارقة في البكاء ، فنهاها النبي عن ذلك فانطلقت إلى بيتها والنبي تسبقه دموعه ، وهو يقول : «اللّهمّ أهل بيتي ، وأنا مستودعهم كل مؤمن».
وجعل يردّد ذلك ثلاث مرات وهو مثقل بالهمّ ؛ لعلمه بما سيجري عليهم من المحن والخطوب.
ولمّا علمت سيّدة النّساء أنّ لقاء أبيها بربّه قريب خفّت إلى دارها وصحبت معها ولديها الحسن والحسين ، وهي تذرف الدموع ، وتطلب منه أن يورثهما شيئاً من مكارم نفسه التي عطّر شذاها العالم بأسره قائلة : «أبَه ، هذان ولداك فورّثهما منك شيئاً».
__________________
(1) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 133.
ويفيض عليهما الرسول ببعض خصائصه وذاتيّاته التي امتاز بها على سائر النبيين قائلاً : «أمّا الحسن فإنّ له هيبتي وسؤددي ؛ وأمّا الحسين فإنّ له جرأتي وجودي»(1) .
ويقومان الحسنان من عند جدّهما وقد ورثا منه الهيبة والسؤدد والجرأة والجود ، وهل هناك مما تحويه هذه الأرض أثمن وأعزّ من هذا الميراث؟ الذي لا صلة له بعالم المادة وشؤونها ، وإنّما يحوي كمالات النبوّة وخصائصها.
وأوصى النبي (صلّى الله عليه وآله) الإمام علي (عليه السّلام) برعاية سبطيه ، وكان ذلك قبل موته بثلاثة أيّام ، فقد قال له : «يا أبا الريحانتين ، اُوصيك بريحانتَيَّ من الدنيا ، فعن قليل ينهدم ركناك ، والله خليفتي عليك».
__________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 465 ، وفي نظم درر السّمطين / 212 : إنّ فاطمة (عليها السّلام) قالت : «يا رسول الله ، انحل ابني الحسن والحسين». فقال : «أنحل الحسن المهابة والحلم ، وأنحل الحسين السماحة والرحمة». وفي رواية : «نحلت هذا الكبير المهابة والحلم ، ونحلت الصغير المحبة والرضى». وفي ربيع الأبرار / 315 : جاءت فاطمة بابنيها إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فقالت : «يا رسول الله ، انحلهما». قال : «فداكِ أبوك! ما لأبيك مال فينحلهما». ثمّ أخذ الحسن فقبّله وأجلسه على فخذه اليمنى ، وقال : «أمّا ابني هذا فنحلته خلقي وهيبتي». وأخذ الحسين فقبّله ووضعه على فخذه اليسرى ، وقال : «نحلته شجاعتي وجودي».
ولمّا قبض الرسول (صلّى الله عليه وآله) قال علي (عليه السّلام) : «هذا أحد ركني الذي قال لي رسول الله». فلمّا ماتت فاطمة (عليها السّلام) قال علي (عليه السّلام) : «هذا الركن الثاني الذي قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله)»(1) .
وخفّ الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) حينما كان يعاني آلام المرض وشدائد الاحتضار ، فلمّا رآه ضمّه إلى صدره وذهل عن آلام مرضه ، وجعل يقول : «ما لي وليزيد ، لا بارك الله فيه ، اللّهمّ يزيد ...».
ثمّ غشي عليه طويلاً ، فلمّا أفاق أخذ يوسع الحسين تقبيلاً ، وعيناه تفيضان بالدموع ، وهو يقول : «أما أنّ لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله عزّ وجلّ»(2) .
لقد تمثّلت كارثة الحسين (عليه السّلام) أمام جدّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) وهو في ساعاته الأخيرة فزادته آلاماً وأحزاناً.
وآن الوقت لتلك الروح العظيمة ، التي لم يخلق الله نظيراً لها فيما مضى
__________________
(1) أمالي الصدوق / 119.
(2) نفس المهموم ـ للشيخ عباس القمي / 29 ـ 30 ، نقله عن مثير الأحزان لابن نما الحلي.
من سالف الزمن وما هو آت ، أن تفارق هذه الحياة لتنعم بجوار الله ولطفه ، وجاء ملك الموت فاستأذن بالدخول على الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، فأخبرته الزهراء بأن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مشغول بنفسه عنه ، فانصرف وعاد بعد قليل يطلب الإذن ، فأفاق الرسول (صلّى الله عليه وآله) من إغمائه ، وقال لابنته : «أتعرفيه؟».
ـ «لا يا رسول الله».
ـ «إنّه معمّر القبور ، ومخرّب الدور ، ومفرّق الجماعات».
وقُدَّ قلب الزهراء (عليها السّلام) وأحاط بها الذهول وأخرسها الخطب ، واندفعت تقول : «وا ويلتاه لموت خاتم الأنبياء! وا مصيبتاه لممات خير الأتقياء ، ولانقطاع سيّد الأصفياء! وا حسرتاه لانقطاع الوحي من السماء! فقد حُرمت اليوم كلامك».
وتصدّع قلب النبي (صلّى الله عليه وآله) وأشفق على بضعته فقال لها : «لا تبكي فإنك أوّل أهلي لحوقاً بي»(1) .
وأذن النبي (صلّى الله عليه وآله) بالدخول لملك الموت ، فلمّا مثل أمامه قال له : يا رسول الله ، إنّ الله أرسلني إليك ، وأمرني أن أطيعك في كل ما تأمرني ؛ إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها ، وإن أمرتني أن أتركها تركتها.
فبهر النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال له : «أتفعل يا ملك الموت ذلك؟».
ـ بذلك اُمرت أن أطيعك في كل ما أمرتني.
وهبط جبرئيل على النبي (صلّى الله عليه وآله) فقال له :
__________________
(1) درّة الناصحين / 66.
يا أحمد ، إنّ الله قد اشتاق إليك(1) .
واختار النبي (صلّى الله عليه وآله) جوار ربّه ، فأذن لملك الموت بقبض روحه العظيمة ، ولمّا علم أهل البيت (عليهم السّلام) أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) سيفارقهم في هذه اللحظات خفّوا إلى توديعه ، وجاء السبطان فألقيا بأنفسهما عليه وهما يذرفان الدموع ، والنبي (صلّى الله عليه وآله) يوسعهما تقبيلاً ، فأراد أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن ينحّيهما عنه ، فأبى النبي (صلّى الله عليه وآله) وقال له : «دعهما يتمتّعان منّي وأتمتّع منهما ، فستصيبهما بعدي إثرة».
ثمّ التفت إلى عوّاده فقال لهم : «قد خلّفت فيكم كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، فالمضيّع لكتاب الله كالمضيّع لسنّتي ، والمضيّع لسنّتي كالمضيّع لعترتي ، إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»(2) .
وقال لوصيّه وباب مدينة علمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) : «ضع رأسي في حجرك فقد جاء أمر الله ، فإذا فاضت نفسي فتناولها وامسح بها وجهك ، ثمّ وجّهني إلى القبلة وتولّى أمري ، وصلِّ عليّ أوّل الناس ، ولا تفارقني حتّى تواريني في رمسي ، واستعن بالله عزّ وجلّ».
وأخذ أمير المؤمنين (عليه السّلام) رأس النبي (صلّى الله عليه وآله) فوضعه في حجره ، ومدّ يده اليمنى تحت حنكه ، وقد شرع ملك الموت بقبض روحه الطاهرة ، والرسول (صلّى الله عليه وآله) يعاني آلام الموت وشدّة الفزع حتّى فاضت روحه الزكية ، فمسح بها الإمام (عليه السّلام) وجهه(3) .
__________________
(1) طبقات ابن سعد 2 / 48.
(2) مقتل الحسين (عليه السّلام) ـ للخوارزمي 1 / 114.
(3) المناقب 1 / 29 ، وتضافرت الأخبار : بأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) توفّي ورأسه في حجر علي. انظر كنز العمال 4 / 55 ، طبقات ابن سعد وغيرهما.
ومادت الأرض ، وخبا نور العدل والحق ، ومضى مَن كانت حياته رحمةً ونوراً للناس جميعاً ، فما اُصيبت الإنسانية بكارثة أقسى من هذه الكارثة ، لقد مات القائد والمنقذ والمعلم ، واحتجب ذلك النور الذي أضاء الطريق للإنسان وهداه إلى سواء السبيل.
ووجم المسلمون وطاشت أحلامهم ، وعلاهم الفزع والجزع والذعر ، وهرعت نساء المسلمين ، وقد وضعن أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) الجلالبيب عن رؤوسهن ، يلتدمن صدورهن ، ونساء الأنصار قد ذبلت نفوسهن من الحزن وهن يضربن الوجوه حتّى ذبحت حلوقهن من الصياح(1) .
وكان أكثر أهل بيته لوعة وأشدّهم حزناً بضعته الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السّلام) ؛ فقد وقعت على جثمانه وهي تبكي أمرّ البكاء وأقساه ، وهي تقول : «وا أبتاه! وا رسول الله! وا نبي الرحمتاه! الآن لا يأتي الوحي ، الآن ينقطع عنّا جبرئيل. اللّهمّ الحق روحي بروحه ، واشفعني بالنظر إلى وجهه ، ولا تحرمني أجره وشفاعته يوم القيامة»(2) .
وأخذت تجول حول الجثمان العظيم ، وهي تقول : «وا أبتاه! إلى جبرئيل أنعاه! وا أبتاه! جنة الفردوس مأواه!! وا أبتاه أجاب ربّاً دعاه!»(3) .
__________________
(1) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 574.
(2) تاريخ الخميس 2 / 192.
(3) سير أعلام النبلاء 2 / 88 ، سنن ابن ماجة وجاء فيه : إنّ حماد بن زيد قال : رأيت ثابت راوي الحديث حينما يحدّث به يبكي حتّى تختلف أضلاعه.
وهرع المسلمون وهم ما بين واجم ونائح ، قد مادت بهم الأرض وذهلوا حتّى عن نفوسهم قد عرّتهم الحيرة والذهول.
وتولّى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) تجهيز النبي (صلّى الله عليه وآله) ولم يشاركه أحد فيه ، فقام بتغسيله وهو يقول : «بأبي أنت واُمّي! لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوة والأنباء وأخبار السماء. خصصت حتّى صرت مسلّياً عمّن سواك ، وعممت حتّى صار الناس فيك سواء ، ولولا أنك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لأنفذنا عليك ماء الشؤون ، ولكان الداء مماطلاً ، والكمد محالفاً»(1) .
وكان العباس عمّ النبي (صلّى الله عليه وآله) واُسامة يناولانه الماء من وراء الستر(2) ، وكان الطيب يخرج من بدن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) والإمام يقول : «بأبي أنت واُمّي يا رسول الله! طبت حيّاً وميّتاً»(3) . وكان الماء الذي
__________________
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 2 / 255.
(2) وفاء الوفاء 1 / 227 ، البداية والنهاية 5 / 263 ، وفي كنز العمال 4 / 53 : إنّ علياً غسّل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وكان الفضل بن العباس واُسامة يناولانه الماء ، وفي البداية والنهاية 5 / 260 : إنّ أوس بن خولى الأنصاري ـ وكان بدرياً ـ نادى : يا علي ، ننشدك الله وحظّنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقال علي : «ادخل». فدخل فحضر غسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولم يلِ من غسله شيئاً.
(3) طبقات ابن سعد / القسم الثاني / 63.
غسل فيه من بئر يقال لها : الغرس ، كان (صلّى الله عليه وآله) يشرب منها(1) ، وبعد الفراغ من غسله أدرجه في أكفانه ، ووضعه على السرير.
وأوّل مَن صلّى على الجثمان المقدس هو الله تعالى من فوق عرشه ، ثمّ جبرئيل ، ثمّ إسرافيل ، ثمّ الملائكة زمراً زمراً(2) ، ثمّ صلّى عليه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأقبل المسلمون للصلاة على جثمان نبيّهم ، فقال لهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) : «لا يقوم عليه إمام منكم ، هو إمامكم حيّاً وميّتاً».
فكانوا يدخلون عليه رسلاً رسلاً فيصلّون عليه صفّاً صفّاً ليس لهم إمام ، وأمير المؤمنين واقف إلى جانب الجثمان وهو يقول : «السّلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. اللّهمّ إنّا نشهد أنه قد بلّغ ما اُنزل إليه ، ونصح لاُمّته ، وجاهد في سبيل الله حتّى أعزّ الله دينه وتمّت كلمته. اللّهمّ فاجعلنا ممّن يتّبع ما اُنزل إليه ، وثبّتنا بعده ، واجمع بيننا وبينه». وكان الناس يقولون : آمين(3) .
وكانت الجموع تمرّ على الجثمان العظيم كاسفة البال كسيرة الطرف قد نخر الحزن قلوبها ، فقد مات مَن دعاهم إلى الهدى والحق ، وأسّس لهم دولة تدعو إلى إنصاف المظلوم ، والانتصاف من كل معتد أثيم ، ومَن أشعل نور الهدى ، وأضاء الحياة الفكرية في جميع أنحاء الأرض.
__________________
(1) البداية والنهاية 5 / 261.
(2) حلية الأولياء 4 / 77.
(3) كنز العمال 4 / 54.
وبعد أن فرغ المسلمون من الصلاة على الجثمان العظيم وودّعوه الوداع الأخير قام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) في غلس الليل ؛ فوارى الجثمان المقدّس في مثواه الأخير ، ووقف على حافة القبر وهو يروي ترابه بماء عينيه ، وقال بصوت خافت حزين النبرات : «إنّ الصبر لجميل إلاّ عنك ، وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك ، وإنّ المصاب بك لجليل ، وإنه قبلك وبعدك لجلل»(1) .
لقد انطوت ألوية العدل ، ومادت أركان الحق ، وارتفع ذلك اللطف الإلهي الذي غيّر مجرى الحياة إلى واقع مشرق ، تتلاشى فيه آهات المظلومين والمعذبين ، ولا يكون فيه ظلّ للحاجة والحرمان ، ويجد فيه الإنسان جميع ما يصبو إليه من الدعة والأمن والاستقرار.
وفزعت العترة الطاهرة من موت الرسول (صلّى الله عليه وآله) كأشد وأقسى ما يكون الفزع ، فقد خافت من انتفاض العرب الذين وترهم الإسلام عليها ؛ فإنّ نزعة الأخذ بالثأر متأصّلة وذاتيّة عند العرب وغيرهم ، وقد كانت قلوبهم مليئة بالحقد والكراهية لأسرة النبي (صلّى الله عليه وآله) يتربّصون بها الدوائر ، ويبغون لها الغوائل للانتقام منها ، وكانوا يرون أنّ علياً هو الذي َوتَرها وأطاح برؤوس أبنائها ؛ فهي تتطلّع إليه للأخذ بثأرها منه ، وقد أيقن علي (ع)
__________________
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 3 / 224.
وسائر أفراد أسرته بذلك ، فقد باتوا ليلة وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) وهم يتوسّدون الأرق ، قد أحاطت بهم الهواجس والآلام. وقد حكى مدى ذعرهم الإمام الصادق (عليه السّلام) بقوله : «لمّا مات النبي (صلّى الله عليه وآله) بات أهل بيته كأن لا سماء تظلّهم ، ولا أرض تقلّهم ؛ لأنّه َوتَر الأقرب والأبعد»(1) .
وقد عانى الإمام الحسين (عليه السّلام) وهو في سنّه المبكّر هذه المحنة الكبرى وعرف أبعادها ، وما تنطوي عليه من الرزايا التي ستعانيها اُسرته ، كما أنه قد فقد بموت جدّه العطف الذي كان يغدقه عليه ، وقد أضناه ما حلّ بأبويه من فادح الأسى والحزن بموت الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وقد ترك ذلك أسى في نفسه استوعب مشاعره وعواطفه.
لقد مضى الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى جنة المأوى ، وكان عمر الإمام الحسين (عليه السّلام) ـ فيما يقول المؤرّخون ـ ست سنين وسبعة أشهر(2) وقد تكاملت في ذلك الدور جميع مظاهر شخصيته ، وعرف واقع الأحداث التي جرت ، وما دبّره القوم من المخططات الرهيبة لصرف الخلافة عن أهل البيت (عليهم السّلام) ، فقد تركوا جنازة نبيّهم غير حافلين بها وذهبوا يختصمون على الحكم ويتنازعون على السلطان ، وقد عرّفته تلك الأحداث طبيعة المجتمع وسائر غرائزه واتجاهاته ، فأعلن (عليه السّلام) رأيه فيه بقوله : «الناس عبيد الدنيا ، والدين لعق على ألسنتهم يحيطونه حيث ما دارت معائشهم ، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون».
وهذه الظاهرة الذاتية سائدة في جميع أنحاء المجتمع لا تتخلف في جميع أدوار التاريخ.
__________________
(1) بحار الأنوار ج 6 / باب وفاة النبي.
(2) منهاج السنّة 3 / 11 ، وجاء فيه : إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) مات ولم يكمل الحسين (عليه السّلام) سبع سنين.
لقد حفلت وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بأحداث رهيبة بالغة الخطورة كان من أفجعها وأقساها إبعاد العترة الطاهرة عن الشؤون السياسية في البلاد ، وجعلها في معزل عن واقع الحياة الاجتماعية ، في حين أنّ الاُمّة لم تكن بأي حال في غنى عن ثرواتها الفكرية والعلمية المستمدّة من الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله).
كما أنّ الهزّات العنيفة التي مُنيت بها الاُمّة إنّما جاءت نتيجة حتمية لفصل الخلافة عن أهل البيت (عليهم السّلام) ، فقد انتشرت الأطماع السياسية بشكل سافر عند كثير من الصحابة ، مما أدّى إلى تشكيلهم للأحزاب النفعية التي لم تكن تنشد في مخططاتها السياسية سوى الوصول إلى الحكم والتنعّم بخيرات البلاد.
وعلى أيّ حال فإن موت الرسول (صلّى الله عليه وآله) كان من أفجع الكوارث الاجتماعية التي دهمت المسلمين ، وقد حكى الذكر الحكيم مدى خطورتها قال تعالى :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ) .
وقد تحقّق هذا الانقلاب الخطير الذي عناه الله على مسرح الحياة العامة ، وكان من أفجع أنواعه إبادة العترة الطاهرة على صعيد كربلاء ، ورفع رؤوس أبناء النبي (صلّى الله عليه وآله) على الحراب ، وسبي مخدرات الرسالة يُطاف بها في الأقطار والأمصار.
حكومة الشيخين
والشيء المحقّق أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) قد اهتمّ اهتماماً بالغاً بتكييف حالة المسلمين وتقرير مصيرهم ، واستمرار حياتهم في طريقها إلى التطور في مجالاتها الاجتماعية والسياسية ، ورسم لها الطريق على أساس من المنهج التجريبي الذي لا يخضع بأيّ حال لعوامل العاطفة أو المؤثرات الخارجية ، فعيّن لها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لقيادتها الروحية والزمنية ؛ وذلك لِما يتمتع به من القابليات الفذّة التي هي بإجماع المسلمين لم تتوفر في غيره ، ولعلّ من أهمّها ما يلي :
1 ـ إحاطته بالقضاء ، فقد كان المرجع الأعلى للعالم الإسلامي في ذلك ، وقد اشتهرت مقالة عمر فيه : لولا علي لهلك عمر.
ولم ينازعه أحد من الصحابة في هذه الموهبة ، فقد أجمعوا على أنّه أعلم الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبصرهم بأمور الدين وشؤون الشريعة ، وأوفرهم دراية في الشؤون السياسية والإدارية ، وعهده لمالك الأشتر من أوثق الأدلّة على هذا القول ؛ فقد حفل هذا العهد بما لم يحفل به أيّ دستور سياسي في الإسلام وغيره ، فقد عنى بواجبات الدولة تجاه المواطنين ومسؤوليتها بتوفير العدل السياسي والاجتماعي لهم.
كما حدّد صلاحيات الحكّام ومسؤولياتهم ، ونصّ على الشروط التي يجب أن تتوفر في الموظف في جهاز الحكم من الكفاءة ، والدراية التامّة بشؤون العمل الذي يعهد إليه ، وأن يتحلّى بالخلق والإيمان ، والحريجة في الدين ، إلى غير ذلك من البنود المشرقة التي حفل بها هذا العهد ، والتي لا غنى للاُمّة حكومةً وشعباً عنها.
وقد ألمعت كثير من رسائله إلى ولاته وعمّاله بالشؤون السياسية التي دلّت على أنه ألمع سياسي في الإسلام وغيره ، وكما كان أعلم المسلمين بهذه الاُمور ، فقد كان من أعلمهم بسائر العلوم الاُخرى ؛ كعلم الكلام والفلسفة وعلم الحساب وغيرها ، وقد فتق أبواباً كثيرة من العلوم تربو على ثلاثين علماً حسب ما يقول المترجمون له ، ومع هذه الثروات العلمية الهائلة
التي يتمتّع بها كيف لا ينتخبه الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، أو يرشّحه لمنصب الخلافة التي هي المحور الذي تدور عليه سيادة الاُمّة وأمنها؟!
إنّ الطاقات العلمية الضخمة التي يملكها الإمام تقضي بحكم المنطق الإسلامي ، الذي يؤثر الصالح العام على كل شيء ، أن يكون هو المرشّح للقيادة العامة دون غيره ، فإنّ الله تعالى يقول :( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) .
وليس أدعى إلى السخرية من القول : بجواز تقديم المفضول على الفاضل ؛ فإنّ هذا المنطق يوجب الغبن في العلم ، والزهد في الفضيلة ، وتأخير الاُمّة وانحطاط قِيَمها ومثُلها.
2 ـ إنّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) كان من أشجع الناس ، وأثبتهم قلباً ، وقد استوعبت شجاعته النادرة جميع لغات الأرض ، وهو القائل (سلام الله عليه) : «لو تظافرت العرب على قتالي لَما ولّيت عنها». وقد قام هذا الدين بسيفه وبُني على جهاده وجهوده ، وهو صاحب المواقف المشهورة يوم بدر ، ويوم حنين ، ويوم الأحزاب ، قد حصد رؤوس المشركين وأباد ضروسهم ، وأشاع فيهم القتل ، لم تنفتح ثغرة على الإسلام إلاّ تصدّى إلى إسكاتها ، وقدّمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أميراً في جميع المواقف والمشاهد ، وأسند إليه قيادة جيوشه العامة ، وما ولج حرباً إلاّ فتح الله على يده وهو الذي قهر اليهود ، وفتح حصون خيبر ، وكسر شوكتهم وأخمد نارهم.
والشجاعة من العناصر الأساسية التي تتوقّف عليها القيادة العامة ، فإنّ الاُمّة إذا مُنيت بالأزمات والنكسات ، وكان زعيمها ضعيف الإرادة خائر القوى جبان القلب فإنها تصاب حتماً بالكوارث والخطوب ، وتلاحقها الضربات والنكبات.
ومع توفّر هذه الصفة بأسمى معانيها في الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)
كيف لا يرشّحه النبي (صلّى الله عليه وآله) للخلافة الإسلامية؟ إنه بحكم شجاعته الفذّة التي تصحبها جميع الصفات الفاضلة والمثُل الكريمة كان متعيّناً لقيادة الاُمّة وإدارة شؤونها حتّى لو لم يكن هناك نصّ من النبي (صلّى الله عليه وآله) عليه.
3 ـ وأهمّ صفة لا بدّ من توفّرها عند مَن يتصدّى لزعامة الاُمّة نكران الذات ، وإيثار مصلحة الاُمّة على كل شيء ، وعدم الاستئثار بالفيء وغيره من أموال المسلمين ، وكانت هذه الظاهرة من أبرز ما عرف به الإمام أيّام حكومته ، فلم يعرف المسلمون ولا غيرهم حاكماً تنكّر لجميع مصالحه الخاصة كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فلم يدّخر لنفسه ولا لأهل بيته شيئاً من أموال الدولة ، وتحرّج فيها تحرّجاً شديداً ، وقد أجهد نفسه على أن يسير بين المسلمين بسيرة قوامها الحق المحض والعدل الخالص ، وسنذكر ذلك بمزيد من التفصيل عند البحث عن حكومته.
4 ـ العدالة ، وهي من أبرز الصفات الماثلة في شخصية الإمام ، فقد أترعت نفسه الشريفة بتقوى الله ، والتجنّب عن معاصيه ، فلم يؤثر أي شيء على طاعة الله ، وقد تحرّج أشدّ ما يكون التحرّج عن كل ما لا يقرّه الدين وتأباه شريعة الله ، وهو القائل : «والله ، لو اُعطيت الأقاليم السبع بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في جلب شعيرة أسلبها من فم جرادة ما فعلتُ».
وكان من مظاهر عدالته النادرة أنه امتنع من إجابة عبد الرحمان بن عوف حينما ألحّ عليه أن يقلّده الخلافة ، شريطة الالتزام بسياسة الشيخين ، فأبى إلاّ أن يسير على وفق رأيه واجتهاده الخاص ، ولو كان من طلاّب الدنيا وعشّاق السلطان لأجابه إلى ذلك ، ثمّ يسير على وفق ما يراه ، ولكنه لا يلتزم بشيء لا يقرّه ، فلم يسلك أيّ طريق فيه التواء أو انحراف عن مثُل الإسلام وهديه.
لقد توفّرت العدالة بأرحب مفاهيمها في شخصية الإمام (عليه السّلام) ، وهي
من العناصر الرئيسة التي يجب أن يتحلّى بها مَن يتقلّد زمام الحكم ويلي أمور المسلمين.
هذه بعض خصائص الإمام (عليه السّلام) فكيف لا يرشحه النبي (صلّى الله عليه وآله) ولا ينتخبه لمنصب الخلافة؟! على أنّا لو التزمنا بمبدأ الوراثة الذي احتجّ به المهاجرون على الأنصار لكان الإمام أولى من غيره بمقام النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ فهو ابن عمّه ، وختنه على ابنته ، وأبو سبطيه.
يقول (سيديو) : لو كان قد تمّ الاعتراف بمبدأ الوراثة ـ وهو في صالح علي منذ البداية ـ لكان بوسع ذلك أن يمنع المنازعات النكباء التي أغرقت الإسلام في الدم ؛ كان زوج فاطمة ، يضمّ في شخصه حقّ الوراثة كوارث شرعي للرسول ، كما يضمّ الحقّ بالانتخاب(1) .
إنّ التأمّل الدقيق الذي لا يخضع لعوامل العاطفة والتقليد يقضي بأن النبي (صلّى الله عليه وآله) قد عيّن مَن ينوب عنه في إدارة شؤون الخلافة ، ولم يهمل هذه الجهة المصيرية لاُمّته ، وإنه قد نصّ على الإمام أمير المؤمنين لا لقاعدة الوراثة وغيرها من الاعتبارات العاطفية ، وإنّما لتوفّر الصفات القيادية في شخصيته.
وإنّ من أوهى الأقوال وأكثرها بُعداً عن منطق الدليل القول : بأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قد أهمل أمر الخلافة ، ولم يعرض لها بشيء ، وإنّما ترك أمرها للمسلمين ، وجعل لهم الحرية في اختيار مَن شاؤوا ، فإنّ ذلك ـ حسب ما يقوله علماء الشيعة : تدمير للبناء الاجتماعي الذي أقامه الإسلام ، وإلقاء للاُمّة في الفتن والأزمات ، وفعلاً قد تحقّق ذلك على مسرح الحياة الإسلامية حينما عمدت الاُمّة إلى إلغاء النصوص الواردة من النبي في حقّ الإمام (عليه السّلام) ، فقد واجهت هزّات عنيفة ، وعصفت بها الفتن والأهواء ، فقد سادت الأطماع السياسية عند الكثيرين من قادة المسلمين ، وتهالكوا على
__________________
(1) روح الإسلام / 292.
الإمرة والسلطان ، فدفعوا بالقطاعات الشعبية إلى الحروب الطاحنة ؛ تحقيقاً لأهدافهم ومطامعهم ، حتّى شاع الثكل والحداد في جميع أنحاء العالم الإسلامي.
يقول الاستاذ محمد سيّد الكيلاني : لقد تنازع القوم على منصب الخلافة تنازعاً قلّ أن نجد له مثيلاً في الاُمم الاُخرى ، وارتكبوا في سبيل ذلك ما نتعفّف نحن عن ارتكابه الآن ، فترتّب على ذلك أن أزهقت أرواح ودمّرت مدن ، وهدّمت قرى وأحرقت دور ، وترمّلت نساء وتيتّمت أطفال ، وهلك من المسلمين خلق كثير(1) .
ومن الطبيعي أنّ ذلك الدمار الذي حلّ بالمسلمين كان نتيجة حتمية لانحراف الخلافة عن مجراها الأصيل ، الذي أراده الله لها من جعلها في العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم.
وعلى أيّ حال فإنّي أحاول بكل جهد في هذه البحوث أن اتّجه صوب الحقّ ، واُصوّر الأحداث التي رافقت بيعة الشيخين ، اُصوّر ذلك بدقّة وتجرّد ، شأن الباحث الذي يهمّه الوصول إلى الواقع مهما استطاع إليه سبيلاً.
لا أرى هناك حادثة أخطر على الاُمّة من مؤتمر السقيفة الذي عقده الأنصار للاستيلاء على الحكم ، والاستبداد بشؤون الدولة ، فقد كان الحجر الأساس لتدهور الاُمّة وما عانته من الكوارث والخطوب ، فقد انبثّت فيها الأطماع ، وسادت فيها الأهواء يقول بولس سلامة :
__________________
(1) أثر التشيّع في الأدب العربي / 15.
وتوالت تحت السقيفةِ أحدا |
ثٌ أثارت كوامناً وميولا |
|
نزعاتٌ تفرّقت كغصون الـ |
ـعوسجِ الغضِّ شائكاً مدخولا |
لقد جرّ هذا المؤتمر السياسي سلسلة طويلة من الأحداث المريعة التي كان منها ـ فيما يقول المحققون ـ رزية كربلاء.
يقول الإمام كاشف الغطاء رحمه الله :
تاللهِ ما كربلاء لولا (سقيفَتُهُمْ) |
ومثلُ ذا الفرعِ ذاك الأصل ينتجهُ |
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للبحث عن هذا المؤتمر الخطير ، وكيف فاز فيه أبو بكر.
أمّا البواعث التي أدّت إلى تسابق الأنصار إلى عقد مؤتمرهم بتلك السرعة الخاطفة ، وعدم التريّث في الأمر حتّى يوارى النبي (صلّى الله عليه وآله) في مثواه الأخير ، فهي :
1 ـ إنّهم رأوا التحرّك السياسي من قِبَل المهاجرين الذين يمثّلون الجبهة القرشية المعارضة للإمام ، فقد أجمعوا على صرف الخلافة عن علي ، وظهرت منهم ـ بوضوح ـ بوادر التمرّد ؛ فقد امتنعوا من الالتحاق بسرية اُسامة ، وحالوا بين النبي (صلّى الله عليه وآله) وبين ما رامه من الكتابة التي وصفها بأنها تضمن لاُمّته سعادتها وأصالتها.
وأكبر الظنّ أنّ الأنصار وقفوا على حقد المهاجرين وكراهيّتهم للإمام قبل وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) بزمان بعيد ، وأنهم لا يخضعون لحكمه ، ولا يرضون بسلطانه ؛ لأن الإمام قد وتَرَهم ، وحصد رؤوس أعلامهم. يقول عثمان بن عفان للإمام (عليه السّلام) :
ما أصنع إن كانت قريش لا تحبّكم ، وقد قتلتم منهم يوم بدر سبعين رجلاً كأنّ وجوههم شنوف الذهب ، تصرع آنافهم قبل شفاههم(1) !
ودلّل عثمان على مدى لوعة قريش وحزنها على مَن قتل منها في واقعة بدر ، من الرجال الذين كانت وجوههم شبيهة بشنوف الذهب ؛ لنضارتها وحسنها ، وقد صرعت أنافهم ذلاً قبل شفاههم. ومما لا شكّ فيه أنها كانت ترى الإمام (عليه السّلام) هو الذي وتَرَها ، فهي تطالبه بذحلها والدماء التي سفكها.
يقول الكناني محرّضاً لقريش على الوقيعة بالإمام (عليه السّلام) ، والطلب بثأرها منه :
في كلِّ مجمعِ غايةٍ أخزاكُمُ |
جذعٌ أبرُّ على المذاكي القُرّحِ |
|
لله درّكمُ ألمّا تذكروا |
قد يذكر الحرّ الكريم ويستحي |
|
هذا ابن فاطمةَ(2) الذي أفناكُمُ |
ذبحاً بقتلةِ بعضه لم يذبحِ |
|
أين الكهولُ وأين كلّ دعامةٍ |
في المعضلات وأين زينُ الأبطحِ(3) |
ويروي ابن طاووس عن أبيه يقول : قلت لعلي بن الحسين (عليه السّلام) : ما بال قريش لا تحبّ علياً؟ فأجابه (عليه السّلام) : «لأنه أورد أوّلهم النار ، وألزم آخرهم العار»(4) .
وعلى أيّ حال ، فإن الأنصار قد علمت أنّ المهاجرين من قريش يدبّرون المؤامرات ويبغون الغوائل للإمام ، وأنهم لا يرضون بحكمه ، وقد أعلنوا ذلك يوم غدير خم ، فقد قالوا : لقد حسب محمد أنّ هذا الأمر قد تمّ لابن عمّه ، وهيهات أن يتمّ. وقد أيقن الأنصار أنهم سيصيبهم الجهد والعناء إن استولى المهاجرون على زمام الحكم ؛ وذلك بسبب مودّتهم للإمام ، فلذلك
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 9 / 22.
(2) فاطمة : هي بنت أسد اُمّ الإمام أمير المؤمنين.
(3) شرح نهج البلاغة.
(4) معجم ابن الأعرابي 4 / 16.
بادروا إلى عقد مؤتمرهم ، والعمل على ترشيح أحدهم للخلافة.
2 ـ واستبان للأنصار فيما أخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله) أنّ أهل بيته لا ينالون الخلافة ، وأنهم المستضعفون من بعده ، فقد روى شيخ الإمامية الشيخ المفيد : أنه بقي عند النبي (صلّى الله عليه وآله) ، في مرضه عمّه العباس ، وابنه الفضل ، وعلي بن أبي طالب ، وأهل بيته خاصة ، فقال له العباس : إن يكن هذا الأمر مستقرّاً فينا من بعدك فبشّرنا ، وإن كنت تعلم أنّا نغلب عليه فأوصي بنا ، فقال (صلّى الله عليه وآله) : «أنتم المستضعفون من بعدي»(1) .
وسبق النبي (صلّى الله عليه وآله) أن أذاع ذلك بين المسلمين ، فاحتاطت الأنصار لأنفسها ، فبادرت لعقد مؤتمرها للاستيلاء على الحكم ؛ لئلاّ يسبقهم إليه المهاجرون من قريش.
3 ـ إنّ الأنصار كانوا العمود الفقري للقوات الإسلامية المسلّحة ، وقد أنزلوا الضربات القاصمة بالقرشيين فأبادوا أعلامهم وأشاعوا في بيوتهم الحزن والحداد في سبيل الإسلام ، وقد علموا أنّ الأمر إذا استتبّ للقرشيين فإنهم سيمعنون في قهرهم وإذلالهم طلباً بثأرهم ، وقد أعلن ذلك الحباب بن المنذر بقوله : لكننا نخاف أن يليها بعدكم مَن قتلنا أبناءهم وآباءهم وإخوانهم.
وتحقق هذا التنبّؤ ، فإنه لم يكد ينتهي حكم الخلفاء القصير الأمد حتّى آل الحكم إلى الاُمويِّين ؛ فسعوا جاهدين في إذلال الأنصار وقهرهم وإشاعة الفقر والحاجة فيهم ، وقد بالغ معاوية في الانتقام منهم ، ولمّا ولي الأمر من بعده يزيد جهد على الوقيعة بهم فأباح أموالهم ودماءهم وأعراضهم بجيوشه في واقعة الحرّة التي لم يشاهد التاريخ لها نظيراً في فظاعتها وقسوتها.
هذه بعض العوامل التي أدّت إلى مبادرة الأنصار لعقد مؤتمرهم الذي أحاطوه بكثير من السرّ والكتمان.
__________________
(1) الإرشاد / 99.
ولمّا اجتمع الأوس والخزرج في سقيفة بني ساعدة انبرى سعد بن عبادة زعيم الخزرج إلى افتتاح مؤتمرهم ، وكان مريضاً فلم يتمكّن أن يجهر بكلام ، وإنما كان يقول ويبلّغ مقالته بعض أقربائه ، وهذا هو نصّ خطابه :
يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين ، وفضيلة في الإسلام ليست لأحد من العرب. إنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) لبث في قومه بضع عشرة سنة يدعوهم إلى عبادة الرحمان وخلع الأنداد والأوثان ، فما آمن به إلاّ القليل ما كانوا يقدرون على منعه ، ولا على إعزاز دينه ، ولا على دفع ضيمٍ ، حتّى إذا أراد الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة ، وخصّكم بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله ، والمنع له ولأصحابه ، والإعزاز له ولدينه ، والجهاد لأعدائه ؛ فكنتم أشدّ الناس على عدوه ، حتّى استقامت العرب لأمر الله طوعاً وكرهاً ، وأعطى البعيد المقادة صاغراً ، فدانت لرسوله بأسيافكم العرب ، وتوفّاه الله وهو عنكم راضٍ ، وبكم قرير العين ، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس فإنه لكم دونهم(1) .
وحفل خطابه بالنقاط التالية :
1 ـ الإشادة بنضال الأنصار وبسالتهم الفذّة في نصرة الإسلام وإعزاز كلمته ، وقهر القوى المعادية له ، حتّى استقام أمره وهو عبل الذراع ، فلهم الفضل الأكبر في نشره وازدهاره ، فهم الذين حموا النبي (صلّى الله عليه وآله) أيّام محنته وغربته ، فإذاً هم أولى بالنبي (صلّى الله عليه وآله) وأحقّ بمنصبه من غيرهم ؛ لأن مَن كان عليه العزم فهو أولى بالغنم.
2 ـ التنديد بالاُسر القرشية التي ما آمنت بالنبي (صلّى الله عليه وآله) ، وناهضت
__________________
(1) الكامل في التاريخ 2 / 222 ، الطبري 3 / 307.
رسالته وناجزته الحرب حتّى اضطر إلى الهجرة ليثرب ، وإنّ مَن آمن به منهم لم يتمكّن أن يحميه ويذبّ عنه ، وبذلك فلا حقّ لهم في الحكم ، ولا نصيب لهم في إدارة شؤون الدولة الإسلامية التي أقامها الرسول (صلّى الله عليه وآله) والتي ما قامت إلاّ على سواعد الأنصار وجهادهم.
ومما يؤخذ به على سعد أنّه قد تناسى العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم ، فلم يعرض إلى سيّدها الإمام أمير المؤمنين الذي هو باب مدينة علم النبي ومَن هو منه بمنزلة هارون من موسى ، فقد تجاهله ودعا إلى نفسه وقومه ، وأوّل سهم سدّد إلى آل البيت (عليهم السّلام) كان من ذلك اليوم الذي تعمّد فيه الأنصار والمهاجرون على الغضّ من كرامة عترة نبيّهم في سبيل الوصول إلى كراسي الحكم ، والتنعّم بخيرات الدولة ومناصبها.
وعلى أيّ حال فإنّ سعداً قد أخطأ إلى حدّ بعيد في تجاهله لحقّ الإمام (عليه السّلام) ، ولا نرى له أيّ مبرّر في ذلك ، فقد جرّ للاُمّة الفتن والويلات وألقاها في شرٍّ عظيم ، فقد انحرفت الخلافة عمّا أرادها الله ورسوله من جعلها في العترة الطاهرة التي هي أحرص ما تكون على الالتزام بحرفية الإسلام وتطبيق شؤونه وأحكامه.
وقد لاقى سعد جزاء عمله ، فإنه لم يكد يستقر الحكم إلى أبي بكر حتّى جهد في ملاحقته وفرض الرقابة عليه ، حتّى اضطر إلى الهجرة من يثرب إلى أرض الشام فتبعه خالد بن الوليد مع صاحب له ، فكمنا له ليلاً وطعناه وألقياه في البئر ، وتحدّثوا أنّ الجن هي التي قتلته ، ورووا على لسانها شعراً تفتخر فيه بقتله وهو :
نحن قتلنا سيّدَ الخز رجِ سعد بن عبادهْ |
ورميناه بسهمي نِ فلم نُخطئ فؤادهْ |
ومن الغريب أنّ سياسة الحكم في تلك العصور قد استخدمت الجن واتخذته في أدواتها ، وقد آمن بذلك السذّج والبسطاء من غير وعي وإدراك للأهداف السياسية.
ولم تكن للأنصار إرادة صلبة ولا عزم ثابت ، كما لا دراية لهم في الشؤون السياسية ، فقد مُنوا ـ على كثرتهم ـ بالوهن والضعف والتخاذل ، فكانوا بعد خطاب سعد ـ فيما يقول المؤرّخون ـ قد ترادوا الكلام فيما بينهم ، فقالوا : فإن أبى المهاجرون من قريش وقالوا نحن المهاجرون وأصحابه الأوّلون ، وعشيرته وأولياؤه فعلامَ تنازعون هذا الأمر بعده؟ فقالت طائفة منهم : فإنّا نقول : منّا أمير ومنكم أمير ، ولن نرضى بدون هذا أبدا ، وثار سعد حينما رأى هذه الروح الانهزامية قد سرت في نفوس قومه ، فقال : هذا أوّل الوهن(1) .
أجل ، إنّ هذا أوّل الوهن وآخره ، فقد كشف عن ضعف نفوسهم وتفلل صفوفهم ، وعدم نضوجهم في الميادين السياسية ، فإنهم إنما عقدوا اجتماعهم وأحاطوه بكثير من الكتمان ليسبقوا الأحداث ، ويظفروا بالحكم قبل أن يعلم المهاجرون من قريش ، ولكنهم ضلّوا قابعين في هذا الصراع الفارغ حتّى أضاعوا عليهم الفرصة فقد دهمهم المهاجرون ، وأشاعوا بينهم الاختلاف والفرقة حتّى سيطروا على الوضع ، واستولوا على زمام الحكم.
__________________
(1) الكامل لابن الاثير 2 / 222.
وشيء آخر كان السبب في انهزام الأنصار هو شيوع الأحقاد والأضغان فيما بينهم. لقد كانت هناك ثورات وأحقاد بين الأوس والخزرج منذ عهد بعيد أدّت إلى إراقة الدماء وإشاعة الفرقة والعداء فيما بينهم ، وكان آخر أيّام حروبهم ـ فيما يقول المؤرّخون ـ هو يوم (بغاث) ، وذلك قبل أن يهاجر النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى يثرب بست سنين.
ولمّا أطلّ النبي (صلّى الله عليه وآله) عليهم عمل جاهداً على نشر المحبّة والوئام فيما بينهم ، وإذابة الأحقاد والأضغان ولكنها لم تزل كامنة في نفوسهم ، تظهر في كثير من الأحيان حينما تحدث عوامل التنافس فيما بينهم حسب ما نصّ عليه المؤرّخون ، وقد ظهرت بشكل سافر يوم السقيفة ، فقد حقد خضير بن أسيد زعيم الأوس على سعد حينما رشّحه القوم لمنصب الخلافة ، فكان يقول لقومه : لئن ولّيتموها سعداً عليكم مرّة واحدة لا زالت لهم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم فيها نصيباً أبداً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر(1) .
ودلّ ذلك على مدى الحقد الكامن في نفوس الأوس للخزرج ، فإنّ سعداً إن ولي الحكم مرّة واحدة فتكون بذلك فضيلة للخزرج على الأوس ، وهذا مما يثقل على زعيم الأوس ، وفعلاً قد انبرى مع قومه فبايع أبا بكر ولولاه لمّا تمّ الأمر له.
ومضافاً إلى ذلك فإنّ بعض الأوس ممن كانوا يحقدون على سعد ، ويستكثرون عليه هذا المنصب فإن بشير بن سعد الخزرجي كان من أهم
__________________
(1) تاريخ ابن الاثير 2 / 224.
المنافسين له ، فانحاز مع الخزرج فبايع أبا بكر ، وأفسد على سعد أمره.
وعلى أيّ حال فإنّ هذا الاختلاف والتشاحن مما أوجب أن يفلت الأمر من أيدي الأنصار ويظفر به المهاجرون من قريش.
وشيء خطير بالغ الأهمية قام به عمر لتجميد الأوضاع ، وإيقاف أي عملية تؤدّي إلى انتخاب مَن يخلف الرسول (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأن زميله أبا بكر لم يكن في يثرب عند وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) وإنما كان في (السنح)(1) ، فبعث خلفه مَن يأتي به ، إلاّ أنّه خشي أن يتقدّم إلى الساحة أحد قبل مجيئه ، فانطلق بحالة رهيبة وهو يجوب في أزقّة يثرب وشوارعها ، ويقف عند كل تجمّع من الناس ، ويهزّ بيده سيفه ، وينادي بصوت عالٍ قائلاً : إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد مات ، وإنه والله ما مات ، ولكنه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران. والله ليرجعنّ رسول الله فيقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممّن أرجفوا بموته.
وجعل لا يمرّ بأحد يقول مات رسول الله إلاّ خطبه بسيفه وتهدّده وتوعّده(2) ، وذهل الناس ، وساورتهم الأوهام والشكوك ، وعصفت بهم أمواج رهيبة من الحيرة فلا يدرون أيصدّقون مزاعم عمر بحياة النبي (صلّى الله عليه وآله) وهي من أعزّ ما يأملون ، ومن أروع ما يحلمون؟
__________________
(1) السنح : محل يبعد عن المدينة بميل ، وقيل : هو أحد عواليها ، ويبعد عنها بأربعة أميال.
(2) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد.
أم يصدّقون ما عاينوه من جثمان النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو مسجّى بين أهله لا حراك فيه؟
ويستمر عمر يبرق ويرعد حتّى أزبد شدقاه ، وهو يتهدّد بالقتل ويتوعّد بقطع الأيدي والأرجل ممّن أرجف بموت النبي (صلّى الله عليه وآله) ، إلاّ أنه لم يمضِ قليل من الوقت حتّى جاء خدنه وصاحبه أبو بكر من (السنح) ، فانطلق معه إلى بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فكشف أبو بكر الرداء عن وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليتحقق وفاته ، وبعدما اطمأنّ بموته خرج إلى الناس وهو يفنّد مزاعم عمر ، والتفت إلى الجماهير الحائرة التي أخرسها الخطب بموت منقذها العظيم قائلاً : مَن كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومَن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت. وتلا قوله تعالى :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) .
ولم يلبث عمر أن أسرع إلى الإذعان والتصديق ، وانبرى يقول : فوالله ، ما هو إلاّ إذ سمعتها فعقرت حتّى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي ، وقد علمت أنّ رسول الله قد مات(1) .
ونحن إذا تأمّلنا بدقّة وإمعان هذه البادرة الغريبة التي صدرت من الشيخين نجد فيها عدة نقاط مهمة تسترعي الاهتمام والتحليل ، وهي :
1 ـ إنّ عمر قد أنكر بصورة جازمة وبإصرار بالغ موت النبي
__________________
(1) الكامل 2 / 219.
(صلّى الله عليه وآله) ، فقد زعم أنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران ، وأنه لا بد أن يرجع إلى الأرض وينكّل بالمرجفين بموته ، ومما لا شكّ فيه أنّ ذلك لم يكن عن إيمان منه بحياة النبي (صلّى الله عليه وآله) وإنما كان ذلك استغلالاً للفرص ، وتوصّلاً إلى أهدافه السياسية حسب المخططات التي وضع برامجها أقطاب حزبه ؛ كأبي بكر ، وأبي عبيدة ، ويدلّ على ذلك ما يلي :
أ ـ أنّ عمر بالذات كان من المتفائلين بموت النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فكان يقول لاُسامة : مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأنت عليّ أمير؟ هذا ورسول الله (صلّى الله عليه وآله) كان حيّاً ، وقد اطمأنّ بوفاته حينما نعى (صلّى الله عليه وآله) نفسه إلى المسلمين ، وساق لهم الأمارات التي تدلّ على وفاته حسبما تقدّمت في البحوث السابقة.
ب ـ أنه وقف أمام النبي (صلّى الله عليه وآله) في مرضه الذي توفّي فيه وقد صدّه عمّا رامه من الكتابة التي تقي اُمّته من الفتن والضلال ، وقال له : حسبنا كتاب الله. ومن الطبيعي أنّه إنّما قال ذلك حينما أيقن بوفاة النبي (صلّى الله عليه وآله).
ج ـ أنّ كتاب الله العظيم أعلن أنّ كل إنسان لا بدّ أن يتجرّع كأس المنيّة ، قال تعالى :( كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) ، وقال تعالى في خصوص نبيّه :( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) ، وقال تعالى :( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) . وهذه الآيات تتلى في وضح النهار وفي غلس الليل ، أفهل خفيت على عمر وهو ممن يسمع كتاب الله ، ويصابح رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ويماسيه؟
د ـ أنّ سكون عمر وهدوء ثورته الجامحة حينما جاء خدنه أبو بكر وتصديقه بلا مناقشة لمقالته ، حينما أعلن وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، كل ذلك يقضي ـ بلا شبهة ـ أنه إنما قام بهذه العملية توصّلاً إلى مآربه وأهدافه.
2 ـ إنّ حكم عمر بأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) سوف يرجع إلى الأرض ويقطع أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجفوا بموته ، لا يخلو من وهن ، فإن تقطيع الأيدي والأرجل والحكم بالإعدام إنما يكون للذين يخرجون عن دين الله ، أو يسعون في الأرض فساداً ، وليس القول بموت النبي (صلّى الله عليه وآله) مما يوجب ذلك قطعاً.
3 ـ إنّ أبا بكر أعلن في خطابه الذي نعى به النبي (صلّى الله عليه وآله) : مَن كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات ، ومَن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت. ومن المقطوع به أنه لم يؤثر عن أيّ أحد من المسلمين أنه كان يعبد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أو اتخذه ربّاً من دون الله ، وإنما أجمع المسلمون على أنه عبد الله ورسوله ، اختاره الله لوحيه واصطفاه لرسالته.
وحينما كان الأنصار في سقيفتهم يدبّرون أمرهم ويتداولون الرأي في شؤون الخلافة والبيعة ، إذ خرج من مؤتمرهم ـ وهم لا يشعرون ـ عويم بن ساعدة الأوسي ، ومعن بن عدي حليف الأنصار ، وكانا من أولياء أبي بكر على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن أعضاء حزبه ، وكانت نفوسهما مترعة بالحقد والكراهية لسعد ، وانطلقا مسرعين وأخبرا أبا بكر وعمر بذلك ، ففزعا وانطلقا مسرعين ومعهما أبو عبيدة بن الجراح(1) ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وتبعهم جماعة آخرون من المهاجرين ، فكبسوا الأنصار في ندوتهم ، وأسقط ما بأيدي الأنصار وذهلوا ، وغاض لون سعد ، وتخوّف من خروج الأمر عنهم ؛ وذلك لعلمه بضعف الأنصار وتفلل قواهم وتصدّع وحدتهم ، فهو قد أحاط مؤتمرهم بكثير من السرّ والكتمان ؛ خوفاً من
__________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 62.
المهاجرين وبدخولهم المفاجئ ، فقد انهارت جميع مخططاته ، وفشلت جميع مساعيه في عقد البيعة له.
وبعد أن ولج المهاجرون في مؤتمر الأنصار أراد عمر أن يفتح الحديث فنهره أبو بكر ؛ وذلك لعلمه بشدّته ، وهي لا تنجح في مثل هذا الموقف الملبد والمليء بالأضغان والأحقاد ، ويجب أن تستعمل فيه الأساليب السياسية والبراعة الفائقة والكلمات الناعمة لكسب الموقف.
وانبرى أبو بكر فخاطب القوم وقابلهم ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً : نحن المهاجرون أوّل الناس إسلاماً ، وأكرمهم أحساباً ، وأوسطهم داراً ، وأحسنهم وجوهاً ، وأمسّهم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأنتم إخواننا في الإسلام ، وشركاؤنا في الدين ؛ نصرتم وواسيتم فجزاكم الله خيراً ، فنحن الاُمراء وأنتم الوزراء. لا تدين العرب إلاّ لهذا الحيّ من قريش ، فلا تنفسوا على إخوتكم المهاجرين ما فضّلهم الله به ، فقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ـ يعني عمر بن الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح ـ(1) .
ولا بدّ لنا من وقفة قصيرة للنظر في هذا الخطاب :
1 ـ إنه لم يعن بوفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) التي هي أعظم رزية مُني بها المسلمون ، وأفجع كارثة تصدّعت من هولها القلوب ، وكان الأجدر به
__________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 62.
أن يعزّيهم بوفاة منقذهم ، ويذكّرهم بإحسانه وبرّه بدينهم ودنياهم ، ويدعوهم إلى القيام بتشييع جثمانه الطاهر حتّى يواروه في مثواه الأخير ، ويعودوا بعد ذلك إلى عقد مؤتمر عام يضمّ جميع الطبقات الشعبية من المسلمين لينتخبوا عن إرادتهم وحرّيتهم مَن يرضونه خليفة لهم ، على تقدير أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يعهد لأحد من بعده.
2 ـ إنّ منطق هذا الخطاب هو طلب الإمرة والسلطان ، ولا يعني بأي شيء آخر غير ذلك ، وقد عرض فيه على الأنصار أن يتنازلوا لإخوانهم المهاجرين عن الخلافة ولا ينافسوهم في شؤون الملك ، ومنّاهم عوض ذلك أن يكونوا الوزراء ، إلاّ أنه لمّا تمّ له الأمر أجحف في حقّهم فلم يمنحهم أيّ منصب من شؤون دولته ، وأقصاهم عن جميع مراتب الحكم.
3 ـ إنّ هذا الخطاب قد تجاهل بالمرّة حقّ العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم ، أو كسفينة نوح مَن ركبها نجا ، ومَن تخلف عنها غرق وهوى حسبما يقول النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فكان الأوْلى التريّث بالأمر حتّى يتمّ تجهيزه (صلّى الله عليه وآله) ويُؤخذ رأي أهل بيته في ذلك ؛ لتحمل الخلافة طابعاً شرعياً ، ولا توصم بالفلتة كما وصفها عمر إذ يقول : إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها.
ويقول الإمام شرف الدين : فلو فرض أن لا نصّ بالخلافة على أحد من آل محمد (صلّى الله عليه وآله) ، وفرض كونهم غير مبرزين في حسب أو نسب ، أو أخلاق أو جهاد ، أو علم أو عمل ، أو إيمان أو إخلاص ، ولم يكن لهم السبق في مضامير كل فضل ، بل كانوا كسائر الصحابة ، فهل كان مانع شرعي أو عقلي أو عرفي يمنع من تأجيل عقد البيعة إلى فراغهم من تجهيز رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ولو بأن يُوكل حفظ الأمن إلى القيادة العسكرية موقتاً حتّى يستتبّ أمر الخلافة؟!
أليس هذا المقدار من التريّث كان أرفق باُولئك المفجوعين وهم
وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) لديهم وبقيّته فيهم ، وقد قال الله تعالى :( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ) ؟! أليس من حقّ هذا الرسول الذي يعزّ عليه عنت الاُمّة ويحرص على سعادتها ـ وهو الرؤوف بها الرحيم لها ـ أن لا تعنت عترته ، فلا تفاجأ بمثل ما فُوجئت به ، والجرح لمّا يندمل والرسول لمّا يُقبر(1) ؟
4 ـ إنّ المنطق الذي استند إليه أبو بكر لأحقيّة المهاجرين من قريش بالخلافة هو أنهم أمسّ الناس رحماً برسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأقربهم إليه ، وهذا الملاك على أكمل وجوهه وأتمّ رحابه متوفّر في أهل البيت (عليهم السّلام) فهم ألصق الناس به وأمسّهم به ، وما أروع قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) : «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة».
وخاطب (عليه السّلام) أبا بكر بقوله :
فإن كنتَ بالقربى حججتَ خصيمَهمْ |
فغيرُكَ أولى بالنبيِّ وأقربُ |
|
وإنْ كنت بالشورى ملكت اُمورَهُمْ |
فكيف بهذا والمشيرون غيّبُ |
ويقول الكميت :
بحقّكمُ أمست قريشٌ تقودنا |
وبالفذِّ منها والرديفين نركبُ |
|
وقالوا ورثناها أبانا واُمّنا |
وما ورثتهمْ ذاك اُمٌّ ولا أبُ |
|
يرَون لهم فضلاً على الناس واجباً |
سفاهاً وحقّ الهاشميِّين أوجبُ(2) |
وعرض الإمام (عليه السّلام) في حديث له عن شدّة قربه من النبي (صلّى الله عليه وآله) وبعض مواهبه ، فقال : «والله ، إنّي لأخوه ـ أي أخ النبي (صلّى الله عليه وآله) ـ ووليه ، وابن عمّه ووارث علمه ، فمَن أحقّ به منّي؟!».
لقد انساب القوم وراء أطماعهم وأهوائهم ، وتهالكوا على الحكم
__________________
(1) النص والاجتهاد / 7.
(2) الهاشميّات / 31 ـ 33.
والظفر بخيراته ، وأعرضوا عمّا ألزمهم به النبي (صلّى الله عليه وآله) من التمسّك بعترته وعدم التقدّم عليها ، ووجوب رعايتها في كل شيء.
وربح أبو بكر في خطابه السالف وكسب به الموقف ، فقد أثنى فيه على الأنصار ، ومجّد فيه جهادهم وجهودهم في خدمة الإسلام ، وبذلك قد أخمد نار الثورة في نفوسهم ، كما منّاهم بالحكم فجعلهم الوزراء ، وفنّد ما كان يختلج في نفوسهم من استبداد المهاجرين بالأمر واستئثارهم بالحكم ، وأفهمهم أنه إنّما قدّم المهاجرون ؛ لأن العرب لا تدين إلاّ لهم ، وكأنّ هذه القضية الإسلامية الكبرى من قضايا العرب وحدهم ، وليس لبقية المسلمين فيها حق؟!
وها هنا نكتة بارعة عمد إليها أبو بكر وهو أنه جعل نفسه حاكماً في هذا الأمر ، وجرّد نفسه من جميع الأطماع السياسية ، وبذلك فقد غزا نفوس الأنصار ، وملك قلوبهم وعواطفهم وانبرى عمر فأيّد مقالة صاحبه فقال : هيهات! لا يجتمع اثنان في قرن. والله لا ترضى العرب أن يؤمّروكم ونبيّها من غيركم ، ولكن العرب لا تمتنع أن تولّي أمرها مَن كانت النبوة فيهم وولي اُمورهم منهم ، ولنا بذلك على مَن أبى الحجّة الظاهرة والسلطان المبين. مَن ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته ، إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة؟
وليس في هذا الخطاب شيء جديد سوى التأكيد لِما قاله أبو بكر من أحقّية المهاجرين بخلافة النبي (صلّى الله عليه وآله) منهم أولياؤه وعشيرته. يقول الاُستاذ محمد الكيلاني : إنه احتجّ عليهم بقرابة المهاجرين للرسول ، ومع
ذلك فقد كان واجب العدل يقضي بأن تكون الخلافة لعلي بن أبي طالب ما دامت القرابة اتخذت سنداً لحيازة ميراث الرسول. لقد كان العباس أقرب الناس إلى النبي وكان أحقّ الناس بالخلافة ولكنه تنازل بحقّه هذا لعلي ، فمن هنا صار لعلي الحقّ وحده في هذا المنصب(1) .
وانبرى الحباب فردّ على عمر قائلاً : يا معشر الأنصار ، املكوا عليكم أمركم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ؛ فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبَوا عليكم ما سألتموه فاجلوهم عن هذه البلاد ، وتولّوا عليهم هذه الاُمور فأنتم ـ والله ـ أحقّ بهذا الأمر منهم ؛ فإنه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين مَن دان ممن لم يكن يدين. أنا جذيلها المحكّك ، وعذيقها المرجّب ، أنا شبل في عرينة الأسد ، والله لو شئتم لنعيدنها جذعة ، والله لا يردّ أحد عليّ ما أقول إلاّ حطّمت أنفه بالسيف.
وحفل هذا الكلام بالعنف والتهديد والدعوة إلى الحرب ، وإجلاء المهاجرين عن يثرب ، كما عنى بالاعتزاز بنفسه ، والافتخار بشجاعته ، وقد ردّ عليه عمر وصاح به قائلاً : إذاً يقتلك الله.
فقال له الحباب : بل إيّاك يقتل. وخاف أبو بكر من تطور الأحداث فالتفت إلى الأنصار فرشّح للخلافة صاحبيه عمر وأبا عبيدة ، فأسرع إليه عمر فأجابه بلباقة قائلاً : يكون هذا وأنت حي؟ ما كان أحد ليؤخّرك عن مقامك الذي أقامك فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
ويقول بعض المحققين : لا نعلم أنه متى أقامه رسول الله (ص)
__________________
(1) أثر التشيّع في الأدب العربي / 5.
أو دلّل عليه ، وإنّما كان مع بقية إخوانه من المهاجرين جنوداً في سرية اُسامة ، ولو كان قد رشّحه لمنصب الخلافة وأقامه علماً ومرجعاً للاُمّة لأقامه معه في يثرب ، وما أخرجه إلى ساحات الجهاد ، وهو (صلّى الله عليه وآله) في ساعاته الأخيرة من حياته.
وعلى أيّ حال ، فقد بادر أعضاء حزبه بسرعة خاطفة إلى بيعته خوفاً من تطور الأحداث ؛ فبايعه عمر ، وبشير ، واُسيد بن حضير ، وعويم بن ساعدة ، ومعن بن عدي ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وخالد بن الوليد ، واشتدّ هؤلاء في حمل الناس وإرغامهم على مبايعته ، وكان من أشدّهم اندفاعاً وحماساً عمر بن الخطاب ، فقد جعل يجول ويصول ويدفع الناس دفعاً إلى البيعة ، وقد لعبت درّته شوطاً في الميدان ، وسمع الأنصار وهم يقولون : قتلتم سعداً.
فاندفع يقول بثورة وعنف : اقتلوه قتله الله ، فإنه صاحب فتنة(1) .
وكادوا يقتلون سعداً وهو مزمل وجع ، وحمل إلى داره وهو صفر اليدين قد انهارت آماله ، وتبدّدت أحلامه ، ولمّا تمّت البيعة إلى أبي بكر أقبل به حزبه يزفّونه إلى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) زفاف العروس(2) ، والنبي (صلّى الله عليه وآله) مسجّى في فراش الموت لم يغيبه عن عيون القوم مثواه ، قد انشغل الإمام أمير المؤمنين بتجهيزه ، ولمّا علم (عليه السّلام) ببيعة أبي بكر تمثّل بقول القائل :
__________________
(1) العقد الفريد 3 / 62.
(2) شرح نهج البلاغة 2 / 8.
وأصبح أقوامٌ يقولون ما اشتَهوا |
ويطغون لمّا غال زيداً غوائلُ(1) |
لقد تمّت البيعة لأبي بكر بهذه السرعة الخاطفة ، وقد أهمل فيها رأي العترة الطاهرة ولم يعن بها ، ومن ذلك اليوم واجهت جميع ألوان الرزايا والنكبات ، وما كارثة كربلاء وغيرها من المآسي التي حلّت بآل البيت (عليهم السّلام) إلاّ وهي متفرّعة من يوم السقيفة حسب ما نصّ عليه المحققون.
وابتهجت قريش حينما آل الحكم إلى أبي بكر واعتبرته فوزاً لها ، فقد تحققت آمالها وأحلامها ، وقد عبّر عن مدى سرورها أبو عبرة القرشي بقوله :
شكراً لمَنْ هو بالثناء حقيقُ |
ذهب اللجاجُ وبُويع الصدّيقُ |
|
من بعد ما زلّت بسعدٍ نعلَهُ |
ورجا رجاءً دونه العيّوقُ |
|
إنّ الخلافة في قريشٍ ما لكُمْ |
فيها وربِّ محمد معروقُ(2) |
وفي هذا الشعر التنديد والهجاء للأنصار ، وإظهار السرور البالغ بحرمانهم من الخلافة.
ومَن أبدى سروره ببيعة أبي بكر عمرو بن العاص ، ولم يكن في يثرب آنذاك وإنما كان في سفر له ، فلمّا قَدِم وسمع ببيعة أبي بكر قال :
ألا قل لأوسٍ إذا جئتها |
وقل إذا ما جئتَ للخزرجِ |
|
تمنّيتم الملكَ في يثربٍ |
فاُنزلت القدرُ لم تنضجِ(3) |
لقد عمّت الأفراح والمسرّات جميع القبائل القرشية ، ووقفت موقف التأييد لحكومة أبي بكر ، ولمّا بلغ أهل مكة موت النبي (صلّى الله عليه وآله) أرادوا أن
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 2 / 5.
(2) شرح نهج البلاغة 6 / 8 ، الموفقيات / 80.
(3) شرح نهج البلاغة.
يعلنوا الردّة والخروج عن الإسلام إلاّ أنّهم لمّا علموا بخلافة أبي بكر أذعنوا وأعلنوا الرضا والسرور.
وعمد أبو سفيان إلى إعلان المعارضة لحكومة أبي بكر ، فقد وقف على الإمام أمير المؤمنين يحفّزه على مناجزة أبي بكر ، ويعده بنصرته وهو يقول : إنّي لأرى عجاجه لا يطفئها إلاّ دم يا آل عبد مناف ، فيم أبو بكر من أموركم؟ أين المستضعفان؟ أين الأذلان علي والعباس؟ ما بال هذا الأمر في أقلّ حيّ من قريش؟
ثمّ قال لعلي : ابسط يدك أبايعك ، فوالله لئن شئت لأملأنها عليه خيلاً ورجالاً. وتمثّل بشعر المتلمس :
ولن يقيمَ على خسفٍ يُراد بهِ |
إلاّ الأذلان عيرُ الحي والوتدُ |
|
هذا على الخسفِ مربوطٌ برمّتهِ |
وذا يُشجّ فلا يبكي له أحدُ |
لقد استغلّ أبو سفيان العنصرية القبيلة لإحداث الثورة والانقلاب على حكومة أبي بكر ، لكن الإمام كان يفقه دوافعه ويعرف ذاتيّاته ، فلم يستجب له ، وإنما نهره وأغلظ له في القول قائلاً : «والله ، ما أردت بهذا إلاّ الفتنة ، وإنك والله طالما بغيت للإسلام شرّاً. لا حاجة لنا في نصيحتك»(1) .
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 2 / 220.
وراح أبو سفيان يشتدّ في إثارة الفتنة ، ويدعو الإمام إلى إعلان الثورة على أبي بكر ، وكان ينشد :
بني هاشمٍ لا تطمعوا الناسَ فيكُمُ |
ولا سيما تيم بن مرّة أو عدي |
|
فما الأمر إلاّ فيكُمُ وإليكُمُ |
وليس لها إلاّ أبو حسنٍ علي |
|
أبا حسنٍ فاشدد بها كفَّ حازمٍ |
فإنّك بالأمر الذي يُرتجى علي(1) |
ومن المقطوع به أنه لم تكن معارضة أبي سفيان عن إيمان منه بحق الإمام (عليه السّلام) ، وإنما كانت ظاهرية أراد بها الكيد للإسلام والبغي عليه. وقد أعرض الإمام عنه ولم يعن بعواطفه الكاذبة ؛ فإن علاقة أبي بكر مع أبي سفيان كانت وثيقة للغاية ، فقد روى البخاري أنّ أبا سفيان اجتاز على جماعة من المسلمين منهم أبو بكر وسلمان وصهيب وبلال ، فقال بعضهم : أما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها؟
فزجرهم أبو بكر وقال لهم : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيّدهم؟! ومضى مسرعاً إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) يخبره بمقالة القوم ، فردّ عليه الرسول (صلّى الله عليه وآله) قائلاً : «يا أبا بكر ، لعلّك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت الله»(2) .
ودلّت هذه البادرة على مدى الصلة الوثيقة بينهما ، وقد جهد أبو بكر في خلافته على استمالة أبي سفيان وكسب ودّه ، فقد استعمله عاملاً على ما بين آخر حدّ للحجاز ، وآخر حدّ من نجران(3) ، كما عيّن ولده يزيد والياً على الشام ، ومنذ ذلك اليوم قد علا نجم الاُمويِّين وقويت شوكتهم :
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 6 / 7.
(2) صحيح البخاري 2 / 362.
(3) شرح نهج البلاغة 6 / 10 ـ 11.
وأفل نجم الأنصار ، وضاعت أمانيهم ، وعرّاهم الذلّ والهوان ، وقد عبّر عن خيبة أملهم حسان بن ثابت بقوله :
نصرنا وآوينا النبيَّ ولم نخفْ |
صروفَ الليالي والبلاءَ على وجلِ |
|
بذلنا لهم أنصافَ مالِ أكفَّنا |
كقسمةِ أيسارِ الجزورِ من الفضلِ |
|
فكان جزاءُ الفضل منّا عليهمُ |
جهالتهمْ حمقاً وما ذاك بالعدلِ(1) |
وقوبلت الأنصار بمزيد من الهوان في كثير من عهود الخلفاء ، وقد استبان لهم الخطأ الفظيع في تقصيرهم بحق الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأنهم قذفوا بنفوسهم في متاهات سحيقة من هذه الحياة.
واتّفق المؤرّخون على أنّ موقف أهل البيت (عليهم السّلام) تجاه خلافة أبي بكر قد تميّز بالكراهة ، فقد كانوا لا يخالجهم ريب في أنهم أحقّ بالأمر وأولى به من غيرهم ؛ لأنهم أقرب الناس وألصقهم برسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، بالإضافة إلى ما تتوفر فيهم من القابليّات الفذّة والقدرة على تحمّل المسؤولية وقيادة الاُمّة ، ولكن القوم لم يعنوا بهم ، وتجاهلوا عامدين مكانتهم من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقابلوهم بمزيد من العنف ؛ مما أدّى إلى تشعّب صدع الاُمّة ، وجرّ الويلات والخطوب لها في جميع مراحل التاريخ.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 6 / 10 ـ 11.
ونقم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) على بيعة أبي بكر ، واعتبرها اعتداءً صارخاً عليه ، فهو يعلم أنّ محله من الخلافة محل القطب من الرحى ، ينحدر عنه السّيل ، ولا يرقى إليه الطير ـ على حدّ تعبيره ـ ، وما كان يظنّ أنّ القوم يزعجون هذا الأمر ويخرجونه عن أهل بيت نبيّهم ، فقد بادر إليه عمّه العباس قائلاً له : يابن أخي ، امدد يدك اُبايعك ، فيقول الناس : عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بايع ابن عمّ رسول الله ، فلا يختلف عليك اثنان.
فقال له الإمام : «ومَن يطلب هذا الأمر غيرنا؟»(1) .
وعلّق الدكتور طه حسين على ذلك بقوله : نظر العباس في الأمر فرأى ابن أخيه أحقّ منه بوراثة السلطان ؛ لأنه ربيب النبي ، وصاحب السابقة في الإسلام وصاحب البلاء الحسن الممتاز في المشاهد كلها ، ولأن النبي كان يدعوه أخاه حتّى قالت له اُمّ أيمن ذات يوم مداعبة : تدعوه أخاك وتزوّجه ابنتك؟! ولأن النبي قال له : «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي». وقال للمسلمين يوماً آخر : «مَن كنت مولاه فعلي مولاه». من أجل ذلك أقبل العباس بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله) على ابن أخيه ، وقال له : ابسط يدك اُبايعك(2) .
لقد تخلّف الإمام (عليه السّلام) عن بيعة أبي بكر ساخطاً ، وأعلن شجاه
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 4.
(2) علي وبنوه / 19.
وأساه على ضياع حقّه ، واستبداد القوم بالأمر من دون أن يعنوا به ، وفي نهجه شذرات من بليغ كلامه عرض فيها لذلك.
وأجمع رأي القوم على إرغام الإمام (عليه السّلام) وقسره على البيعة لأبي بكر ، فأرسلوا حفنة من الشرطة فأحاطت بداره وأخرجوه منها ، وهو مهان الجانب ، وجيء به إلى أبي بكر ، فصاح القوم به بعنف : بايع أبا بكر.
فأجابهم الإمام بمنطقه الفيّاض ، وهو غير وجِل من جبروتهم وسطوتهم قائلاً : «أنا أحقّ بهذا الأمر منكم ، لا اُبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي ؛ أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً؟! ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمّا كان محمد (صلّى الله عليه وآله) منكم ، فأعطوكم المقادة ، وسلّموا إليكم الإمارة؟ وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ؛ نحن أولى برسول الله حيّاً وميّتاً ، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون ، وإلاّ فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون».
ووضع الإمام (عليه السّلام) النقاط على الحروف بهذا الاحتجاج الرائع ، ودلّل على أنه أولى وأحقّ بالأمر منهم ؛ لأنه أقرب إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) وألصق به من غيره ، فإن القرب من النبي (صلّى الله عليه وآله) هي الجهة التي تمسّك بها القوم في التغلب على الأنصار ، وهي متوفرة في الإمام أكثر من غيره ، فهو ابن عمّ النبي (صلّى الله عليه وآله) وختنه على بنته. وثار ابن الخطاب بعد
أن أعوزته الحجّة في الردّ على الإمام ، فسلك طريق العنف قائلاً له :
إنك لست متروكاً حتّى تبايع.
فزجره الإمام قائلاً : «احلب حلباً لك شطره ، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غداً».
وكشف (عليه السّلام) السرّ في اندفعات ابن الخطاب وحماسه ؛ فإنه لم يقف هذا الموقف الصارم تجاه الإمام إلاّ من أجل أن ترجع إليه الخلافة وشؤون الملك بعد أبي بكر ، وثار الإمام وهتف يزأر قائلاً : «والله يا عمر ، لا أقبل قولك ولا اُبايعه».
وخاف أبو بكر من تطوّر الأحداث ، وخشي من غضب الإمام (عليه السّلام) ، فأقبل عليه فخاطبه بناعم القول قائلاً : إن لم تبايع فلا أكرهك.
وانبرى إليه أبو عبيدة محاولاً إخماد ثورته ، وكسب ودّه قائلاً له : يابن عم ، إنك حدث السنّ ، وهؤلاء مشيخة قومك ، ليس لك مثل تجربتهم ومعرفتهم بالاُمور ، ولا أرى أبا بكر إلاّ أقوى على هذا الأمر منك ، وأشدّ احتمالاً واضطلاعاً به ، فسلّم لأبي بكر هذا الأمر ؛ فإنك إن تعش ويطل بك بقاء فأنت لهذا الأمر خليق ، وبه حقيق في فضلك ودينك وعلمك وفهمك ، وسابقتك ونسبك وصهرك.
وأثارت هذه المخاتلة والمخادعة كوامن الألم والاستياء في نفس الإمام ، فاندفع يخاطب المهاجرين من قريش ويذكّرهم مآثر أهل البيت (عليهم السّلام) وفضائلهم قائلاً : «الله الله يا معشر المهاجرين! لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن داره وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم ، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقّه فوالله يا معشر المهاجرين ، لنحن أحقّ الناس به ؛
لأنّا أهل البيت ، ونحن أحقّ بهذا الأمر منكم. ما كان فينا القارئ لكتاب الله ، الفقيه في دين الله ، العالم بسنن رسول الله ، المضطلع بأمر الرعية ، الدافع عنهم الاُمور السيّئة ، القاسم بينهم بالسّوية؟ والله إنه لفينا ، فلا تتبعوا الهوى فتضلّوا عن سبيل الله فتزدادوا من الحقِّ بُعداً»(1) .
ولو أنهم استجابوا لنداء الإمام (عليه السّلام) الذي فيه ضمان أكيد لصالح الاُمّة ، وصيانة لها من الزيغ والانحراف في مجالاتها العقائدية وغيرها ، لجنّبوا الاُمّة كثيراً من المضاعفات السيّئة ، ولكن هيهات من ذلك! فقد انساب الإنسان منذ أقدم عصوره وراء شهواته وأطماعه مضحّياً بكل شيء في سبيل ذلك.
وعلى أيّ حال فإن القوم لم يعوا منطق الإمام وتجاهلوه ، وقدّموا مصالحهم الخاصة على كل شيء.
واقتضت سياسة أبي بكر أن يتخذ جميع الإجراءات الصارمة ضد الإمام (عليه السّلام) ، وأن يسلك جميع الوسائل التي من شأنها إضعاف جبهته والتغلب عليه ؛ لأنه يمثّل القوى المعارضة لحكومته ؛ فقد كانت الأكثرية الساحقة من الأنصار تميل للإمام ، وترغب في أن يتولّى زمام الحكم. وهذه بعض الوسائل التي سلكتها حكومة أبي بكر :
والحصار الاقتصادي من أوثق الطرق وأدقّها ، وأكثرها نجاحاً لشلّ
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 11 ـ 12.
الحركة المعارضة وإبادتها ، فإن المال في جميع فترات التاريخ هو الأداة الفعالة التي تعتمد عليها الجبهة المعارضة لقلب نظام الحكم ، ولا تزال الدول في جميع أنحاء العالم تسلك هذا الطريق فتصادر أموال خصومها ، أو تمنعهم من التصرف بها خوفاً من أن تستخدمه للإطاحة بها ، وقد أمعن أبو بكر في ذلك فبادر إلى فرض الحصار الاقتصادي على الإمام ؛ لئلاّ يقوى على الانتفاضة عليه ، وقد نفّذ ما يلي :
والخمس حقّ مفروض لآل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) نصّ عليه القرآن الكريم ، قال تعالى :( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (1) .
وقد أجمع المسلمون على أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كان يختص بسهم من الخمس ، ويخصّ أقاربه بسهم آخر منه ، وكانت هذه سيرته إلى أن اختاره الله إلى الرفيق الأعلى ، ولمّا ولي أبو بكر أسقط سهم النبي (صلّى الله عليه وآله) وسهم ذي القربى ، ومنع بني هاشم من الخمس ، وجعلهم كغيرهم(2) .
وقد أرسلت إليه بضعة الرسول وريحانته فاطمة الزهراء (عليها السّلام) تسأله أن يدفع إليها ما بقى من خمس خيبر فأبى أن يدفع إليها شيئاً(3) . وقد ترك شبح الفقر مخيّماً على آل النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وحجب عنهم أهم مواردهم الاقتصادية التي فرضها الله لهم.
__________________
(1) سورة الأنفال / 41.
(2) الكشاف في تفسير آية الخمس.
(3) صحيح البخاري 3 / 36 ، صحيح مسلم 2 / 72.
واستولى أبو بكر على جميع ما تركه النبي (صلّى الله عليه وآله) من بلغة العيش فلم يبقِ ولم يذر منه أي شيء وإنما حازه إلى بيت المال ، وقد سدَّ بذلك على العترة الطاهرة أيّ نافذة من مواردها المعاشية ، وفرض عليها حصاراً اقتصادياً لا تطيق معه من القيام بأيّ حركة ضدّه.
وكانت حجة أبي بكر في مصادرته لتركة النبي (صلّى الله عليه وآله) وحرمان ورثته منها ما رواه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال : لا نورّث ما تركناه صدقة (1) ؛ ولهذا الحديث استند أبو بكر في حجب سيّدة النّساء فاطمة (عليها السّلام) عن إرثها من أبيها.
وقد وُصم هذا الحديث بالوهن والضعف :
1 ـ إنه لو كان صحيحاً ومعتبراً لعرفته سيّدة النّساء فاطمة (عليها السّلام) ، وما دخلت ميدان المخاصمة والمحاججة معه ، وكيف تطالبه وهي سليلة النبوة بأمر لم يكن مشروعاً لها؟
2 ـ إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) كيف يحجب عن بضعته أمراً يرجع إلى تكليفها الشرعي ؛ فإن في ذلك تعريضاً للاُمّة للهلاك وإلقاء لها في ميدان الخصومة.
3 ـ إنه من الممتنع أن يحجب النبي هذا الحديث عن الإمام ، وهو حافظ سرّه ، وباب مدينة علمه ، وباب دار حكمته وأقضى اُمّته ، وأبو
__________________
(1) بلاغات النساء / 19 ، أعلام النساء 3 / 1207 ، شرح ابن أبي الحديد.
سبطيه ، ومن المقطوع به أنّه لو كان لهذا الحديث أيّ نصيب من الصحة لعرفه الإمام ، وما كتمه النبي (صلّى الله عليه وآله) عنه.
4 ـ إنه لو كان له أيّ مدى من الصحة لَما خفى على اُمّهات المؤمنين ، وقد أرسلن إلى عثمان بن عفان يسألنه أن يسأل لهنّ ميراثهنّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه بعض المؤاخذات التي تواجه الحديث ، وهي تجعله من الضعف بأقصى مكان.
وضاقت الدنيا على بضعة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وأرهقت إرهاقاً شديداً من الإجراءات الصارمة التي اتخذها أبو بكر ضدّها ، ويقول الرواة : إنّها (سلام الله عليها) استقلت غضباً ، فلاثت خمارها ، واشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملأة(1) .
ثمّ أنّت أنّة أجهش لها القوم بالبكاء وارتجّ المجلس ، فأمهلتهم حتّى إذا سكن نشيجهم وهدأت فورتهم ، افتتحت خطابها بحمد الله والثناء عليه ، وانحدرت في خطابها كالسيل ، فلم يسمع أخطب ولا أبلغ منها ، وقد تحدّثت في خطابها الرائع عن معارف الإسلام وفلسفته ، وألقت الأضواء على علل أحكامه ، وحِكم تشريعاته ، وعرضت إلى ما كانت عليه حالة الاُمم قبل أن يشرق عليها
__________________
(1) الملأة : الأزار.
نور الإسلام من التناحر والانحطاط ، ووهن العقول وضحالة التفكير خصوصاً الجزيرة العربية ؛ فقد مُنيت بالذل والهوان ، فكانت على شفا حفرة من النار ، مذقة الشارب ، ونهزة الطامع ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ، وقد بلغت من الانحطاط في حياتها الاقتصادية إلى حدّ كانت الأكثرية الساحقة ؛ تقتاد القد ، وتشرب الطرق ، وظلت على هذا الحال المرير ترسف في قيود الفقر ، إلى أن أنقذها الله بنبيّه ورسوله (صلّى الله عليه وآله) فدفعها إلى واحات الحضارة ، وجعلها سادة الاُمم والشعوب ، فما أعظم فضله على العرب وعلى الناس جميعاً وعرضت سيّدة النساء (عليها السّلام) إلى فضل ابن عمّها الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وجهاده المشرق في نصرة الإسلام ، والذبّ عن حياضه ، في حين أنّ المهاجرين من قريش كانوا في رفاهية من العيش وادعين آمنين لم يكن لهم أي ضلع في نصرة القضية الإسلامية ، وإنما كانوا ـ على حدّ تعبيرها ـ ينكصون عند النزال ، ويفرّون من القتال ، كما كانوا يتربّصون بأهل البيت الدوائر ، ويتوقّعون بهم نزول الأحداث.
وأعربت (عليها السّلام) في خطابها عن أسفها البالغ على ما مُني به المسلمون من الزيغ والانحراف ، والاستجابة لدواع الهوى والغرور ، وتنبّأت عمّا سيواجهونه من الأحداث الخطيرة والكوارث المؤلمة نتيجة لِما ارتكبوه من الأخطاء والانحراف عمّا أراده الله منهم من التمسّك بالعترة ، وبعدما أدلت بهذه النقاط المشرقة عرضت إلى حرمانها من إرث أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقالت : «وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لي من أبي! أفحكم الجاهليّة تبغون ومَن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون. أفلا تعلمون ـ بلى قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية ـ أنّي ابنته؟ ويهاً أيها المسلمون! أاُغلب على تراث أبي؟ يابن أبي قحافة ، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟
لقد جئت شيئاً فرياً. أفعلى عمدٍ تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم ، إذ يقول :( وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ) . وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا إذ يقول :( فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ) . وقال :( وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ) . وقال :( يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْن ) . وقال :( إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ) . وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا؟ أفخصّكم الله بآية أخرج منها أبي؟ أم تقولون أهل ملّتين لا يتوارثان؟ أوَلست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟».
ثمّ وجّهت خطابها إلى أبي بكر فقالت له : «فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون ، ولا ينفعكم إذ تندمون ، ولِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ».
واتّجهت نحو فئة المسلمين تستنهض هممهم ، وتوقظ عزائمهم للمطالبة بحقّها ، والثأر لها قائلة : «يا معشر الفتية وأعضاد الملّة وحضنة الإسلام ، ما هذه الغميزة في حقّي ، والسّنة عن ظلامتي؟! أما كان رسول الله أبي يقول : المرء يحفظ في ولده؟ سرعان ما أحدثتم ، وعجلان ذا إهالة ، ولكم طاقة بما أحاول ، وقوة على ما أطلب وأزاول ، أتقولون : مات محمد فخطب جليل استوسع وهيه ، واستنهر فتقه ، وانفتق رتقه ، واظلمّت الأرض لغيبته ، وكسفت
الشمس والقمر ، وانتشرت النجوم لمصيبته ، وأكدت الآمال وخشعت الجبال ، واُضيع الحريم ، وأديلت الحرمة عند مماته ، فتلك والله النازلة الكبرى والمصيبة العظمى التي لا مثلها نازلة ولا بائقة عاجلة ، أعلن بها كتاب الله جلّ ثناؤه في ممساكم ومصبحكم هتافاً وصراخاً ، وتلاوةً وألحاناً ، ولقبله ما حلت بأنبياء الله ورسله حكم فصل وقضاء حتم : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ».
وأخذت تحفّز الأنصار وتذكّرهم بجهادهم المضيء وكفاحهم المشرق في نصرة الإسلام وحماية أهدافه ومبادئه ، طالبةً منهم الانتفاضة والثورة على قلب الحكم القائم قائلةً :
«إيهاً بني قيلة(1) ! أاُهضم تراث أبي وأنتم بمرأى ومسمع ، ومنتدى ومجمع ، تلبسكم الدعوة وتشملكم الخبرة ، وأنتم ذوو العدد والعدّة والأداة والقوة ، وعندكم السلاح والجُنّة(2) ، توافيكم الدعوة فلا تجيبون ، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون ، وأنتم موصوفون بالكفاح معروفون بالخير والصلاح ، والنخبة التي انتخبت والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت.
قاتلتم العرب وتحمّلتم الكدّ والتعب ، وناطحتم الاُمم وكافحتم البُهم ، فلا نبرح وتبرحون نأمركم فتأتمرون ، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام ، ودرّ حلب الأيّام ، وخضعت نعرة الشرك ، وسكنت فورة الإفك ، وخمدت نيران الكفر ، وهدأت دعوة الهرج ، واستوسق نظام الدين ، فأنى جرتم(3) بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ، بؤساً
__________________
(1) بنو قيلة : هم الآوس والخزرج من الأنصار.
(2) الجنّة (بالضم) : ما يستتر به من السلاح.
(3) جرتم : أي ملتم.
لقوم نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ».
ولمّا رأت وهن الأنصار وتخاذلهم وعدم استجابتهم لنداء الحق ، وجّهت لهم أعنف اللوم ، وأشدّ العتب والتقريع قائلة : «ألا وقد قلت ما قلتُ على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنها فيضة النفس ، وبثة الصدر ، ونفثة الغيظ ، وتقدمة الحجة ، فدونكموها فاحتقبوها دَبرة الظهر ، نقية الخف ، باقية العار ، موسومة بغضب الله وشنار الأبد ، موصومة بـ (نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ). فبعين الله ما تفعلون ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وأنا ابنة نذيركم بين يدي عذاب شديد ، فاعملوا إنّا عاملون ، وانظروا إنّا منتظرون»(1) .
وقد وجلت القلوب ، وخشعت الأبصار ، وبخعت النفوس ، وأوشكت أن تردّ شوارد الأهواء ، ويرجع الحقّ إلى نصابه ومعدنه ، إلاّ أنّ أبا بكر قد استطاع بلباقته الهائلة وقابلياته الدبلوماسية أن يسيطر على الموقف وينقذ حكومته من الانقلاب.
وقد قابل بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) بكل تكريم واحتفاء ، وأظهر لها أنه يخلص لها أكثر مما يخلص لابنته عائشة ، وأنه يكنّ لها في أعماق نفسه الاحترام والتقدير ، كما أظهر لها حزنه العميق على وفاة أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأنه ودّ أن يكون مات قبل موته ، وعرض لها أنه لم يتقلّد منصب الحكم ولم يتخذ معها الإجراءات الصارمة عن رأيه الخاص ، وإنما كان عن رأي المسلمين وإجماعهم ، وقد جلب له بذلك القلوب بعد ما نفرت منه ، وأخمد نار الثورة وقضى على جميع معالمها.
__________________
(1) أعلام النساء 3 / 1208 ، بلاغات النساء / 12 ـ 19.
أمّا حجّة الزهراء (عليها السّلام) على إرثها من أبيها ، فقد كانت وثيقة للغاية ، فقد كان استدلالها بآيات محكمات لا ترد ولا تكابر ، احتجّت أوّلاً على توريث الأنبياء الشامل لأبيها بآيتي داود وزكريا ، وهما صريحتان بتوريثهما ، واحتجّت ثانياً بعموم آيات المواريث ، وعموم آية الوصية ، ويجب الأخذ بتلك العمومات ، وهي بالطبع شاملة لأبيها ، وخروجه عنها إنّما هو من باب التخصيص بلا مخصص.
ثمّ ذكرت لهم أن ما يوجب التخصيص والخروج عن هذه العمومات إنّما هو فيما إذا اختلف الوارث ومورثه في الدين ، وتقول لهم : «فهل لكم إذ منعتموني عن إرثي من أبي إنّي وإيّاه من أهل ملّتين وهما لا يتوارثان؟ أوَلست وإيّاه من أهل ملّة واحدة؟!».
وقد بلغت بهذا المنطق إلى أبعد الغايات ، وقدّمت أروع الحجج في الدفاع عن حقّها.
وبقي هناك شيء آخر ذات أهمية بالغة في المجال الاقتصادي وهي واردات فدك ، فقد كانت تقوم بسدّ جميع ما تحتاجه العترة الطاهرة من النفقات الاقتصادية ، وتوفّر لها أسباب المعيشة برخاء إلاّ أنها اُمّمت ، واُضيفت وارادتها إلى بيت المال ؛ لئلاّ تقوى شوكة علي (عليه السّلام) على مناهضة الحكم القائم.
وهنا بحوث بالغة الأهمية أنفقنا على تحقيقها وقتاً غير قليل ، وقد حُذفت وأعرضنا عن ذكرها ، فإنه لم تكن عندنا ـ يعلم الله ـ أيّة رغبة في الخوض
في هذه البحوث المؤلمة ، إلاّ أنّ دراسة حياة الإمام الحسين (عليه السّلام) دراسة منهجية سليمة وشاملة تتوقف على دراسة هذه الأحداث التي لعبت دورها الخطير في مسرح السياسة الإسلامية ، فقد أخذت تجري كلّها في فصل واحد مترابط ، وأعقبت أشدّ المحن والخطوب.
وطافت موجات قاسية من الهموم والأحزان ببضعة النبي (صلّى الله عليه وآله) ووديعته ، فقد احتلّ الأسى قلبها الرقيق المعذّب ، وغشيتها سحب قاتمة من الكدر واللوعة على فقد أبيها الذي كان أعزّ عندها من الحياة ، فكانت تزور جدثه الطاهر فتطوف حوله ، وهي حيرى ذاهلة الّلب ، منهدّة الكيان فتلقي بنفسها عليه ، وتأخذ حفنة من ترابه الطاهر فتضعه على عينيها ووجهها وتطيل من شمّه وتقبيله ، فتجد في نفسها راحة ، وهي تبكي أمرّ البكاء وأشجاه ، وتقول بصوت حزين النبرات :
ماذا على مَن شمَّ تربةَ أحمدٍ |
أنْ لا يشمَّ مدى الزمانِ غواليا |
|
صُبّت عليّ مصائبٌ لو أنّها |
صُبّت على الأيام صُرن لياليا |
|
قل للمُغيّب تحت أطباق الثرى |
إن كنت تسمعُ صرختي وندائيا |
|
قد كنتُ ذات حمىً بظلِّ محمدٍ |
لا أختشي ضيماً وكان جماليا |
|
فاليومَ أخضعُ للذليل وأتّقي |
ضيمي وأدفعُ ظالمي بردائيا |
|
فإذا بكت قُمريّةٌ في ليلها |
شجناً على غصنٍ بكيتُ صباحيا |
|
فلأجعلنَّ الحُزن بعدك مُؤنسي |
ولأجعلنّ الدمع فيك وشاحيا(1) |
وتصوّر هذه الأبيات أروع تصوير وأصدقه للوعة الزهراء وشجونها
__________________
(1) المناقب لابن شهر آشوب 2 / 131.
فقد مثلت أحزانها المرهقة على فراق أبيها الذي أخلصت له في الحب كما أخلص لها أبوها ، ولو صبّت مصائبها الموجعة على الأيّام لخلعت زينتها.
كما صوّرت هذه الأبيات الحزينة مدى منعتها وعزّتها أيّام أبيها ، فقد كانت من أعزّ نساء المسلمين شأناً وأعلاهنّ مكانة ، ولكنها بعدما فقدت أباها تنكّر لها القوم ، وأجمعوا على الغضّ من شأنها ، حتّى صارت تخضع للذليل ، وتتقى ممن ظلمها بردائها إذ لم يكن هناك مَن يحميها ، ولم تكن تأوي إلى ركن شديد.
وقد خلدت إلى البكاء والحزن حتّى عُدّت من البكّائين الخمس(1) الذين مثّلوا الحزن والأسى في هذه الحياة ، وقد بلغ من عظيم وَجْدها على أبيها أنّ أنس بن مالك استأذن عليها ليعزّيها بمصابها الأليم ، وكان ممّن وسّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في مثواه الأخير فقالت له : «أنس بن مالك؟».
ـ نعم ، يا بنت رسول الله.
فقالت له وهي تلفظ قطعاً من قلبها المذاب : «كيف طابت نفوسكم أن تحثوا التراب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟!»(2) .
وقطع أنس كلامه وطاش لبّه ، وخرج وهو يذرف الدموع قد غرق في عالم من الأسى والشجون.
وألحّت بضعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على ابن عمّها أمير المؤمنين (عليه السّلام) أن يريها القميص الذي غسّل فيه أباها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فجاء به إليها فأخذته بلهفة وهي توسعه تقبيلاً وشمّاً ؛ لأنها تجد فيه رائحة أبيها الذي غاب في مثواه ، ووضعته على عينيها ، وقلبها الزاكي يتقطّع من ألم الحزن والأسى
__________________
(1) البكّاؤون الخمس : آدم ، ويعقوب ، ويوسف ، وعلي بن الحسين ، وفاطمة ، جاء ذلك في بحار الأنوار 10 / 44.
(2) سنن ابن ماجة / 18) ، المواهب الّلدنية للقسطلاني 2 / 382.
حتّى غشي عليها ، وخلدت وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى البكاء في وضح النهار وفي غلس الليل ، وظلّ شبح أبيها يتابعها في كل فترة من حياتها القصيرة الأمد ، وقد ثقل على القوم ـ فيما يقول المؤرّخون ـ بكاؤها ، فشكوها إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) وطلبوا منه أن يجعل لبكائها وقتاً خاصاً ؛ لأنهم لا يهجعون ولا يستريحون.
فكلّمها أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأجابته إلى ذلك ، فكانت في نهارها تخرج خارج المدينة وتصحب معها ولديها الحسن والحسين (عليهما السّلام) فتجلس تحت شجرة من الأراك فتستظل تحتها ، وتبكي أباها طيلة النهار ، فإذا أوشكت الشمس أن تغرب تقدّمها الحسنان مع أبيهما ورجعوا قافلين إلى الدار التي خيّم عليها الحزن والأسى ، وعمد القوم إلى تلك الشجرة فقطعوها ، فكانت تبكي في حرّ الشمس ، فقام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فبنى لها بيتاً أسماه : بيت الأحزان ، ظلّ رمزاً لأساها على مرّ العصور.
ونُسب إلى قائم آل محمد (صلّى الله عليه وآله) أنه قال فيه :
أم تراني اتخذتُ لا وعُلاها |
بعد بيتِ الأحزان بيتَ سرورِ |
وكانت حبيبة رسول الله تمكث نهارها في ذلك البيت الحزين تناجي أباها وتبكيه أمرّ البكاء وأقساه ، وإذا جاء الليل أقبل علي فأرجعها إلى الدار مع ولديها الحسن والحسين (عليهما السّلام).
وأثّر الحزن المرهق ببضعة النبي وريحانته حتّى فتكت بها الأمراض فلازمت فراشها ، ولم تتمكّن من النهوض والقيام ، فبادرت السّيدات من نساء المسلمين إلى عيادتها فقلن لها : كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله؟ فرمقتهنّ بطرفها ، وأجابتهنّ بصوت خافت مشفوع بالحزن والحسرات قائلة :
«أجدني كارهة لدنياكنّ ، مسرورة لفراقكنّ ، ألقى الله ورسوله
بحسراتكنّ ؛ فما حُفظ لي الحقّ ، ولا رُعيت منّي الذمة ، ولا قُبلت الوصية ، ولا عُرفت الحرمة»(1) .
وخيّم على النسوة صمت رهيب ، وانعكس على وجوههنّ حزن شديد ، وغامت عيونهن بالدموع ، وانطلقن إلى بيوتهن بخطى ثقيلة ، فعرضن على أزواجهن كلمات زهراء الرسول ، فكانت وقعها عليهم أشدّ من ضربات السيوف ، فقد عرفوا مدى تقصيرهم تجاه وديعة نبيّهم ، وهرعن بعض اُمّهات المؤمنين إلى عيادتها ، فقلن لها : يا بنت رسول الله ، صيري لنا في حضور غسلك حظّاً.
فلم تجبهن إلى ذلك ، وقالت : «أتردن أن تقلن فيَّ كما قلتنّ في اُمّي؟ لا حاجة لي في حضوركنّ».
وتوالت الأمراض على وديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) وفتك الحزن بجسمها النحيل المعذّب حتّى انهارت قواها ، وأصبحت لا تقوى على النهوض من فراشها ، وأخذت تذوي كما تذوي الأزهار عند الضماء ، فقد مشى إليها الموت سريعاً وهي في شبابها الغضّ الأهاب ، وقد حان موعد اللقاء القريب بينها وبين أبيها الذي غاب عنها وغابت معه عواطفه الفيّاضة.
ولمّا بدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة طلبت حضور ابن عمّها الإمام أمير المؤمنين فعهدت إليه بوصيّتها ، وقد جاء فيها : أن يواري جثمانها المقدّس في غلس الليل البهيم ، وأن لا يشيّعها أحد من الذين هضموها ؛ لأنهم أعداؤها وأعداء أبيها ـ على حدّ تعبيرها ـ ، كما عهدت إليه أن يتزوّج من بعدها بابنة
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 95.
اُختها اُمامة ؛ لأنها تقوم برعاية ولديها الحسن والحسين اللذَين هما أعزّ عندها من الحياة ، وعهدت إليه أن يخفي موضع قبرها ليكون رمزاً لغضبها غير قابل للتأويل على مرّ الأجيال الصاعدة ، وضَمِن لها الإمام جميع ما عهدت إليه ، وانصرف عنها وهو غارق في الأسى والشجون.
وأسرّت بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) إلى أسماء بنت عميس ، فقالت لها : «إنّي قد استقبحت ما يصنع بالنساء بعد موتهنّ».
فقد كانت العادة أن يدرج على المرأة ثوب فيصفها لمَن رأى ، وقد كرهتْ ذلك فأحبت أن يصنع لها سرير لا يبدو فيه جسدها ، فعملت لها أسماء سريراً يستر مَن فيه قد شاهدته حينما كانت في الحبشة ، فلمّا نظرت إليه سرّت به ، وابتسمت وهي أوّل ابتسامة شوهدت لها منذ أن لحق أبوها بالرفيق الأعلى(1) .
وفي آخر يوم من حياتها أصبحت وقد ظهر بعض التحسّن على صحّتها ، وكانت بادية الفرح والسرور فقد علمت أنها في يومها تلحق بأبيها ، وعمدت إلى ولديها فغسّلت لهما ، وصنعت لهما من الطعام ما يكفيهم يومهم ، وأمرت ولديها بالخروج لزيارة قبر جدّهما ، وهي تلقي عليهما نظرة الوداع ، وقلبها يذوب من اللوعة والوجد ، وخرج الحسنان ، وقد هاما في تيّار من الهواجس ، وأحسّا ببوادر مخيفة أغرقتهما بالهموم والأحزان ، والتفتت وديعة النبي إلى سلمى بنت عميس ، وكانت تتولّى تمريضها وخدمتها ، فقالت لها : «يا اُمّاه».
ـ نعم يا حبيبة رسول الله.
ـ «اسكبي لي غسلاً».
فانبرت وأتتها بالماء ، فاغتسلت فيه ، وقالت لها ثانياً :
__________________
(1) مستدرك الحاكم 3 / 162.
«ايتيني بثيابي الجُدد».
فناولتها ثيابها ، وهتفت بها مرّة اُخرى : «اجعلي فراشي وسط البيت».
وذعرت سلمى وارتعش قلبها ، فقد عرفت أنّ الموت قد حلّ بوديعة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وصنعت لها سلمى ما أرادت فاضطجعت على فراشها ، واستقبلت القبلة والتفتت إلى سلمى قائلة بصوت خافت : «يا اُمّه ، إنّي مقبوضة الآن ، وقد تطهّرت فلا يكشفني أحد».
وأخذت تتلو آيات من الذكر الحكيم حتّى فارقت الحياة ، وسمت تلك الروح العظيمة إلى بارئها لتلتقي بأبيها الذي كرهت الحياة بعده.
لقد ارتفعت تلك الروح إلى جنان الله ورضوانه ، فما أظلّت سماء الدنيا في جميع مراحل هذه الحياة مثلها قداسةً وفضلاً وشرفاً وعظمةً ، وقد انقطع بموتها آخر مَن كان في دنيا الوجود من نسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله).
وقفل الحسنان إلى الدار فلم يجدا فيها اُمّهما ، فبادرا يسألان سلمى عن اُمّهما ، ففاجأتهما وهي غارقة في العويل والبكاء قائلة : يا سيدَيَّ ، إنّ اُمّكما قد ماتت فاخبرا بذلك أباكما.
فكان ذلك كالصاعقة عليهما فهرعا مسرعين إلى جثمانها ، فوقع عليها الحسن (عليه السّلام) ، وهو يقول : «يا اُمّاه ، كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني». وألقى الحسين (عليه السّلام) نفسه عليها وهو يعجّ بالبكاء قائلاً : «يا اُمّاه ، أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن ينصدع قلبي».
وأخذت أسماء توسعهما تقبيلاً وتعزّيهما ، وتطلب منهما أن يسرعا إلى أبيهما فيخبراه ، فانطلقا إلى مسجد جدّهما رسول الله وهما غارقان في البكاء
فلمّا قربا من المسجد رفعا صوتهما بالبكاء ، فاستقبلهما المسلمون ، وقد ظنّوا أنهما تذكّرا جدّهما فقالوا : ما يبكيكما يا بنَي رسول الله؟ لعلّكما نظرتما موقف جدّكما فبكيتما شوقاً إليه؟
ـ «أوَ ليس قد ماتت اُمّنا فاطمة؟».
واضطرب الإمام أمير المؤمنين وهزّ النبأ المؤلم كيانه ، وطفق يقول : «بمَن العزاء يا بنت محمد؟ كنت بك أتعزّى ففيم العزاء من بعدك؟». وخفّ مسرعاً إلى الدار وهو يذرف الدموع ، ولمّا ألقى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله أخذ ينشد :
لكلِّ اجتماعٍ من خليلينِ فرقةٌ |
وكلّ الذي دون الفراقِ قليلُ |
|
وإن افتقادي فاطماً بعد أحمدٍ |
دليلٌ على أن لا يدوم خليلُ |
وهرع الناس من كل صوب نحو بيت الإمام وهم يذرفون الدموع على وديعة نبيّهم ، فقد انطوت بموتها آخر صفحة من صفحات النبوة ، وتذكّروا بموتها عطف الرسول وحدبه عليهم ، وقد ارتجّت يثرب من الصراخ والعويل.
وعهد الإمام إلى سلمان الفارسي أن يعرّف الناس أنّ مواراة بضعة النبي (صلّى الله عليه وآله) تأخر هذه العشيّة ، وتفرّقت الجماهير ، وأقبلت عائشة وهي تريد الدخول إلى بيت الإمام لتلقي نظرة الوداع على جثمان بضعة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، فحجبتها أسماء وقالت لها : لقد عهدتْ إليّ أن لا يدخل عليها أحد(1) .
ولمّا مضى من الليل شطره قام الإمام فغسّل الجسد الطاهر ، ومعه
__________________
(1) مناقب ابن شهر آشوب 3 / 365.
أسماء والحسنان (عليهما السّلام) ، وقد أخذت اللوعة بمجامع قلوبهم ، وبعد أن أدرجها في أكفانها دعا بأطفالها الذين لم ينتهلوا من حنان اُمّهم ليلقوا عليها النظرة الأخيرة ، وقد مادت الأرض من كثرة صراخهم وعويلهم ، وبعد انتهاء الوداع عقد الإمام الرداء عليها ، ولمّا حلّ الهزيع الأخير من الليل قام فصلّى عليها ، وعهد إلى بني هاشم وخُلّص أصحابه أن يحملوا الجثمان المقدّس إلى مثواه الأخير ، ولم يخبر أيّ أحد بذلك سوى تلك الصفوة من أصحابه وأهل بيته ، وأودعها في قبرها وأهال عليها التراب.
ووقف على حافة القبر وهو يروي ثراه بدموع عينيه ، واندفع يؤبّنها بهذه الكلمات التي تمثّل لوعته وحزنه على هذا الرزء القاصم قائلاً : «السّلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك ، السريعة اللحاق بك قلَّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ، ورقّ عنها تجلّدي ، إلاّ أنّ في التأسّي بعظيم فرقتك وفادح مصبيتك موضع تعزٍّ ؛ فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت بين نحري وصدري نفسك إنّا لله وإنّا اليه راجعون.
لقد استُرجعت الوديعة ، واُخذت الرهينة ؛ أمّا حزني فسرمد ؛ وأمّا ليلي فمسهّد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم ، وستنبئك ابنتك بتضافر اُمّتك على هضمها ، فاحفها السؤال ، واستخبرها الحال هذا ولم يطل العهد ، ولم يخل منك الذكر ، والسّلام عليكما سلام مودع لا قالٍ ولا سئم ؛ فإن انصرف فلا عن ملالة ، وإن اُقم فلا عن سوء ظنٍّ بما وعد الله الصابرين»(1) .
وطفحت هذه الكلمات بالألم الممض والحزن العميق ، فقد أعلن فيها شكواه للرسول على ما ألمّ بابنته من الخطوب والنكبات ، ويطلب منه أن يلحّ في السؤال منها ؛ لتخبره بما جرى عليها من الظلم والضيم في تلك
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ محمد عبده 2 / 207 ـ 208.
الفترة القصيرة الأمد التي عاشتها.
كما أعلن (سلام الله عليه) عن شجاه المرهق على بضعة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فهو في حزن دائم لا تنطفئ فيه نار اللوعة حتّى يلتحق إلى جوار الله. وينصرف الإمام عن قبر الصدّيقة لكن لا عن سأم ولا عن كراهية ، وإنما استجابةً لتعاليم الإسلام الآمرة بالخلود إلى الصبر.
وعاد الإمام (عليه السّلام) إلى بيته كئيباً حزيناً ، ينظر إلى أطفاله وهم يبكون على اُمّهم أمرّ البكاء وأشجاه ، فتهيج أحزانه. وقد آثر (عليه السّلام) العزلة عن الناس وعدم الاشتراك بأيّ أمر من اُمورهم ؛ فقد أعرض عن القوم وأعرضوا عنه ، لا يشاركونه بأيّ أمر من اُمورهم ، اللّهمّ إلاّ إذا حلّت في ناديهم مشكلة لا يهتدون إلى حلّها فزعوا إليه لينتهلوا من نمير عمله.
وقد قطع الحسين (عليه السّلام) دور الطفولة في هذه المرحلة المحزنة وقلبه قد أترع بالأحزان والآلام ، فقد فَقَدَ في تلك الفترة الحزينة جدّه الذي كان يفيض عليه بالعطف والحنان ، وفَقَدَ اُمّه الروؤم التي عاشت في هذه الدنيا وعمرها كعمر الزهور ، وفاجأها الموت وهي في شبابها الغضّ الأهاب.
ومن الطبيعي أنّه ليس أكثر حزناً ولا أقوى صدمة على الطفل من فَقْد اُمّه العطوف ؛ فإنه يفقد معها جميع آمال حياته.
لقد رأى الإمام الحسين (عليه السّلام) وهو في سنّه المبكّر ما عانته اُمّه من عظيم الرزايا والخطوب فكان لها أعمق الأثر وأقساه في نفسه ، وقد أعطته هذه الأحداث دراسة عن ميول الناس واتّجاهاتهم ، وأنهم لا يندفعون نحو الحق وإنّما ينسابون وراء أطماعهم وشهواتهم.
كان جهاز الحكم الإداري في عهد أبي بكر خاضعاً لإرادة عمر بن الخطاب فهو المخطط لسياسة الدولة ، والواضع لبرامجها الداخلية والخارجية قد وثق به أبو بكر ، وأسند إليه جميع مهام حكومته ، فلم يعقد أيّ عقد أو يقطع أيّ عهد إلاّ عن رأيه ومشورته ، كما لم يوظّف أيّ عامل إلاّ بعد عرضه عليه.
أمّا تعيين الولاة على الأقطار والأقاليم الإسلامية ، أو إسناد أيّ منصب حسّاس من مناصب الجيش فإنه لا يمنح لأحد إلاّ بعد إحراز الثقة به والإخلاص منه للحكم القائم ، والتجاوب مع مخططاته السياسية ، فمَن كانت له أدنى ميول معاكسة لرغبات الدولة فإنه لا يرشّح لأيّ عمل من أعمالها ، ويقول المؤرّخون : إنّ أبا بكر عزل خالد بن سعيد بن العاص عن قيادة الجيش الذي بعثه لفتح الشام ، ولم يكن هناك أيّ موجب لعزله إلاّ لأن عمر نبّهه على ميوله لعلي ، وبيّن له مواقفه يوم السقيفة التي كانت مناهضة لأبي بكر(1) .
ولم يعهد أبو بكر بأيّ عمل أو منصب لأحد من الهاشميين ، وقد كشف عمر الغطاء عن سبب حرمانهم في حواره مع ابن عباس : من أنه يخشى إذا مات وأحد الهاشميين والياً على قطر من الأقطار الإسلامية أن يحدث في شأن الخلافة ما لا يحب(2) .
كما حرم الأنصار من وظائف الدولة ؛ وذلك لميولها الشديد إلى علي
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 135.
(2) مروج الذهب المطبوع على هامش ابن الأثير 5 / 135.
(عليه السلام) ، أمّا عماله وولاته فقد كان معظمهم من الاُسرة الاُمويّة ، وهم :
1 ـ أبو سفيان : استعمله عاملاً له على ما بين آخر حدّ للحجاز وآخر حدّ من نجران(1) .
2 ـ يزيد بن أبي سفيان : استعمل يزيد بن أبي سفيان والياً على الشام(2) . ويقول المؤرّخون : إنه خرج مودّعاً له إلى خارج يثرب.
3 ـ عتاب بن أسيد : عيّن أبو بكر عتاب بن أسيد بن أبي العاص والياً على مكة(3) .
4 ـ عثمان بن أبي العاص : جعله والياً على الطائف(4) ، ومنذ ذلك اليوم علا نجم الاُمويِّين ، واستردّوا كيانهم بعد أن فقدوه في ظلّ الإسلام.
وأبدى المراقبون لسياسة أبي بكر دهشتهم من حرمان بني هاشم من التعيين في وظائف الدولة ومنحها للعنصر الاُموي الذي ناهض النبي (صلّى الله عليه وآله) وناجزه في جميع المواقف ، يقول العلائلي : فلم يفز بنو تيم بفوز أبي بكر بل فاز الاُمويّون وحدهم ، لذلك صبغوا الدولة بصبغتهم ، وآثروا في سياستها ، وهم بعيدون عن الحكم كما يحدّثنا المقريزي في رسالته (النزاع والتخاصم)(5) .
إنّ القابليات الدبلوماسية والإحاطة بشؤون الإدارة والحكم ، والمعرفة
__________________
(1) فتوح البلدان ـ للبلاذري / 103.
(2) تاريخ ابن الأثير 2 / 289.
(3) الإصابة 2 / 444.
(4) تاريخ ابن الأثير 2 / 289.
(5) الإمام الحسين (عليه السّلام) / 191.
بشؤون الدين كان متوفرة عند الكثيرين من المهاجرين والأنصار من صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فكان الأجدر تعيين هؤلاء في مناصب الدولة ، وإبعاد الاُسرة الاُموية عنها ؛ لوقاية المجتمع الإسلامي من مكائدها وشرورها.
وقبل أن نعرض إلى السياسة المالية التي نهجها أبو بكر نودّ أن نعرض إلى السياسة المالية التي وضع برامجه الإسلام ، فقد استهدف فيها إذابة الفقر ، ومكافحة الحرمان وتطوير الحياة الاقتصادية بحيث تتحقق الفرص المتكافئة لعامة المواطنين ، بحيث لا يبقى أي ظلّ للبؤس والحاجة ، ويعيش الجميع حياة يسودها الرخاء والرفاه.
وكان أهم ما يعني به الإسلام إلزام الولاة بالاحتياط في أموال الدولة ، فلم يجِز لهم بأيّ حال أن يصطفوا منها لأنفسهم شيئاً ، كما لم يجِز لهم أن ينفقوا أيّ شيء منها لتوطيد حكمهم ودعم سلطانهم. وكان الطابع العام لهذه السياسة المساواة بين المسلمين في العطاء ، فليس لرئيس الدولة أن يميّز قوماً على آخرين ؛ فإنّ ذلك يخلق الطبقية ، ويوجد الأزمات الحادّة في الاقتصاد العام ، ويعرّض المجتمع إلى كثير من الويلات والخطوب.
ويقول المؤرّخون : إنّ أبا بكر قد ساوى في العطاء بين المسلمين ، ولم يشذ عمّا سنّه الرسول (صلّى الله عليه وآله) في هذا المجال ، إلاّ أنّ بعض البوادر التي ذكرت تجافي ذلك فقد وَهَب لأبي سفيان ما كان في يده من أموال الصدقة ؛ كسباً لعواطفه التي تشترى وتباع بالأموال(1) ، كما قام بتوزيع شطر من الأموال على
__________________
(1) تاريخ الطبري 2 / 202.
المهاجرين والأنصار ، فبعث إلى امرأة من بني عدي بقسم من المال مع زيد بن ثابت ، فأنكرت ذلك وقالت : ما هذا؟
ـ قسم قسمه أبو بكر للنساء.
ـ أترشونني عن ديني؟! والله لا أقبل منه شيئاً. وردّت المال عليه(1) . هذه بعض المؤاخذات التي ذكرها بعض النقّاد لسياسته المالية.
ولم يطل سلطان أبي بكر فقد ألمّت به الأمراض بعد مضي ما يزيد على سنتين من حكمه ، وقد صمّم على تقليد زميله عمر بن الخطاب شؤون الخلافة ، إلاّ أنّ ذلك لاقى معارضة الكثيرين من الصحابة ، فقد انبرى إليه طلحة قائلاً : ماذا تقول لربّك وقد ولّيت علينا فظّاً غليظاً ، تفرق منه النفوس وتنفضّ منه القلوب(2) ؟
وسكت أبو بكر ، فاندفع طلحة يوالي إنكاره عليه قائلاً : يا خليفة رسول الله ، إنّا كنّا لا نحتمل شراسته وأنت حيّ تأخذ على يديه ، فكيف يكون حالنا معه وأنت ميّت وهو الخليفة(3) ؟
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 133.
(2) شرح نهج البلاغة 1 / 55.
(3) شرح نهج البلاغة 6 / 343 ط دار إحياء الكتب العربية.
وبادر أكثر المهاجرين والأنصار إلى أبي بكر يعلنون كراهيتهم لخلافة عمر ، فقد قالوا له : نراك استخلفت علينا عمر ، وقد عرفته وعلمت بوائقه فينا ، وأنت بين أظهرنا ، فكيف إذا وليت عنّا ، وأنت لاق الله عزّ وجلّ فسائلك ، فما أنت قائل؟
فأجابهم أبو بكر : لئن سألني الله لأقولنّ : استخلفت عليهم خيرهم في نفسي(1) .
وكان الأجدر به فيما يقول المحققون أن يستحيب لعواطف الأكثرية الساحقة من المسلمين ، فلا يولي عليهم أحداً إلاّ بعد أخذ رضاهم واتفاق الكلمة عليه ، أو يستشير أهل الحلّ والعقد عملاً بقاعدة الشورى ، إلاّ أنه استجاب لعواطفه الخاصة المترعة بالحبّ لعمر ، وقد طلب من معقيب الدوسي ان يخبره عن رأي المسلمين في ذلك ، فقال له : ما يقول الناس في استخلافي عمر؟
ـ كرهه قوم ورضيه آخرون.
ـ الذين كرهوه أكثر أم الذين رضوه؟
ـ بل الذين كرهوه(2) .
ومع علمه بأن أكثرية الشعب كانت ناقمة عليه في هذا الأمر فكيف فرضه عليهم ، ولم يمنحهم الحرية في انتخاب مَن شاؤوا لرئاسة الحكم؟!
وعلى أيّ حال فقد لازم عمر أبا بكر في مرضه لا يفارقه ؛ خوفاً من التأثير عليه ، وكان يعزّز مقالته ورأيه في انتخابه له قائلاً :
__________________
(1) الامامة والسياسة 1 / 19.
(2) الآداب الشرعية والمنح المرعية 1 / 49.
أيها الناس ، اسمعوا وأطيعوا قول خليفة رسول الله (ص)(1) .
وطلب أبو بكر من عثمان بن عفان أن يكتب للناس عهده في عمر ، وكتب عثمان ما أملاه عليه ، وهذا نصّه : هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة ، آخر عهده في الدنيا نازحاً عنها وأوّل عهده بالآخرة داخلاً فيها ، إنّي استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، فإن تروه عدل فيكم فذلك ظنّي به ورجائي فيه ، وإن بدّل وغيّر فالخير أردت ولا أعلم الغيب ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون(2) .
ووقّع أبو بكر الكتاب فتناوله عمر ، وانطلق به يهرول إلى الجامع ليقرأه على الناس ، فانبرى إليه رجل وقد أنكر عليه ما هو فيه قائلاً : ما في الكتاب يا أبا حفص؟
فنفى عمر علمه بما فيه ، إلاّ أنّه أكّد التزامه بما جاء فيه قائلاً : لا أدري ، ولكنّي أوّل مَن سمع وأطاع. فرمقه الرجل ، وقد علم واقعه قائلاً : ولكنّي والله أدري ما فيه ، أمّرته عام أوّل ، وأمّرك العام(3) .
وانبرى عمر إلى الجامع فقرأه على الناس ، وبذلك تمّ له الأمر بسهولة من دون منازع ، إلاّ أنّ ذلك قد ترك أعمق الأسى في نفس الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فراح بعد سنين يدلي بما انطوت عليه نفسه من الشجون ، يقول (عليه السّلام) في خطبته الشقشقية :
«فصبرت وفي العين قذى ، وفي الحلق شجاً ، أرى تراثي نهباً ، حتى
__________________
(1) تاريخ الطبري 4 / 52.
(2) الإمامة والسياسة 1 / 19 ، طبقات ابن سعد ، تاريخ الطبري.
(3) الإمامة والسياسة 1 / 20.
مضى الأوّل لسبيله ، فأدلى بها إلى فلان ـ يعني عمر ـ بعده». ثمّ تمثّل بقول الأعشى :
شتّان ما يومي على كُورِها |
ويومُ حيّانَ أخي جابرِ |
فيا عجباً! بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته ، لشدّ ما تشطرا ضرعيها»(1) .
وكشفت هذه الكلمات عن مدى أحزانه وآلامه على ضياع حقّه الذي تناهبته الرجال ، فقد وضعوه في تيم مرّة وفي عدي تارةً اُخرى ، وتناسوا جهاده المشرق في نصرة الإسلام ، وما له من المكانة القريبة من رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وعلى أيّ حال فقد تناهبت الأمراض جسم أبي بكر ، ودفعته إلى النهاية المحتومة التي ينتهي إليها كل إنسان ، وقد راح يبدي ندمه وأساه على ما فرّط تجاه حبيبة رسول الله وبضعته قائلاً : وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة ، ولو أنهم أغلقوه على الحرب.
كما أنه ودّ لو سأل رسول الله عن ميراث العمّة وبنت الأخ ، وثقل حاله فدخلت عليه بنته عائشة تعوده فلمّا رأته يعالج سكرات الموت أخذت تتمثّل بقول الشاعر :
لعمركَ ما يُغني الثراءُ عن الفتى |
إذا حشرجتْ يوماً وضاق بها الصدرُ |
فغضب أبو بكر وقال لها : ولكن قولي :( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ) (2) . ولم يلبث قليلاً حتّى وافاه الأجل المحتوم ، وانبرى صاحبه عمر إلى القيام بشؤون جنازته ، فغسّله وصلّى عليه وواراه في بيت النبي (صلّى الله عليه وآله) وألصق لحده بلحده. ويذهب النقّاد من الشيعة إلى أنّ
__________________
(1) مروج الذهب 2 / 195.
(2) تاريخ ابن الأثير 2 / 290.
هذا البيت إن كان من تركة النبي (صلّى الله عليه وآله) فإنه لم يؤثر عنه أنه وهبه لعائشة ، فلا بدّ أن يكون خاضعاً لقواعد الميراث حسبما تراه العترة الطاهرة في تركة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، وعلى هذا الرأي فلا يحلّ دفنه فيه إلاّ بعد الإذن منها ، ولا موضوعية لإذن عائشة ؛ لأنها إنما ترث من البناء لا من الأرض حسب ما ذكره الفقهاء في ميراث الزوجة. وإن كان البيت خاضعاً لعملية التأميم حسبما يرويه أبو بكر عن النبي (صلّى الله عليه وآله) من أنّ الأنبياء لا يورّثون أي شيء من متع الدنيا ، وإنما يورّثون الكتاب والحكمة ، وما تركوه فهو صدقة لعموم المسلمين ، فلا بدّ إذاً من إرضاء جماعة المسلمين في دفنه فيه ، ولم يتحقق كل ذلك بصورة مؤكدة :
وعلى أيّ حال ، فقد انتهت خلافة أبي بكر القصيرة الأمد ، وقد حفلت بأحداث رهيبة ، وكان من أخطرها ـ فيما يقول المحققون ـ معاملة العترة الطاهرة كأشخاص عاديِّين قد جرّد عنها إطار التقديس والتعظيم الذي أضفاه النبي (صلّى الله عليه وآله) عليها. وقد مُنيت بكثير من الضيم والجهد ؛ فقد كانت ترى أنها أحقّ بمقام النبي (صلّى الله عليه وآله) وأولى بمكانته من غيرها ، وقد أدّى نزاعها مع أبي بكر إلى شيوع الاختلاف وإذاعة الفتنة والفرقة بين المسلمين ، كما أدّى إلى إمعان الحكومات التي تلت حكومة الخلفاء إلى ظلمهم واستعمال البطش والقسوة معهم ، ولعلّ أقسى ما عانوه من الكوارث هي فاجعة كربلاء التي لم ترعَ فيها أيّ حقّ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) في عترته وأبنائه.
ومهّد أبو بكر الخلافة من بعده إلى عمر فتولاّها بسهولة ويُسر ، من غير أن يلاقي أيّ جهد أو عناء ، وقد قبض على الحكم بيد من حديد ، فساس
البلاء بشدّة وعنف بالغين حتّى تحامى لقاءه أكابر الصحابة ، فإنّ درّته ـ كما يقولون ـ كانت أهيب من سيف الحجّاج ، حتّى أنّ ابن عباس مع ما له من المكانة المرموقة والصلات الوثيقة به لم يستطع أن يجاهر برأيه في حلّية المتعة إلاّ بعد وفاته ، وقد خافه وهابه حتّى عياله وأبناؤه ، فلم يستطع أيّ واحد منهم أن يفرض إرادته عليه. ونعرض ـ بإيجاز ـ إلى بعض مناهج سياسته :
واتّفقت مصادر التاريخ الإسلامي على أنّ عمر عدل في سياسته عن منهج أبي بكر فلم يساوِ بين المسلمين في العطاء ، وإنما ميّز بعضهم على بعض ، وكان قد أشار على أبي بكر في أيّام خلافته العدول عن سياسته فلم يقبل وقال : إنّ الله لم يفضّل أحداً على أحد ، ولكنه قال :( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ) ، ولم يخص قوماً دون آخرين(1) .
ولمّا أفضت إليه الخلافة عمل بما كان قد أشار به على أبي بكر ، وقال : إنّ أبا بكر رأى في هذا الحال رأياً ولي فيه رأي آخر ، لا أجعل مَن قاتل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) كمَن قاتل معه. وقد فرض للمهاجرين والأنصار ممن شهد بدراً خمسة آلاف خمسة آلاف ، وفرض لمَن كان إسلامه كإسلام أهل بدر ولم يشهد بدراً أربعة آلاف أربعة آلاف ، وفرض لأزواج النبي (صلّى الله عليه وآله) اثني عشر ألفاً إلاّ صفية وجويرية ؛ فقد فرض لهما ستة آلاف فأبتا أن تقبلا بذلك.
وفرض للعباس عمّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) اثني عشر ألفاً ، وفرض لاُسامة بن زيد أربعة آلاف ، وفرض لابنه عبد الله ثلاثة آلاف ، فأنكر عليه ذلك وقال
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 8 / 111.
يا أبت ، لم زدته عليّ ألفاً؟ ما كان لأبيه من الفضل ما لم يكن لأبي ، وكان له ما لم يكن لي. فقال له عمر : إنّ أبا اُسامة كان أحبّ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أبيك ، وكان اُسامة أحبّ إلى رسول الله منك(1) .
وقد فضّل عمر العرب على العجم ، والصريح على المولى(2) ، وقد أدّت هذه السياسة إلى إيجاد الطبقية بين المسلمين ، كما استدعت إلى تصنيف القبائل بحسب اُصولها(3) ؛ مما أدّى إلى حنق الموالي على العرب ، وكراهيتهم لهم ، والتفتيش عن مثالبهم ، وظهور النعرات الشعوبية والقومية في حين أنّ الإسلام قد أمات هذه الظاهرة ، وجعل رابطة الدين أقوى من رابطة النسب ، وألزم السلطة بالمساواة والعدالة بين الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم حتّى لا تحدث ثغرة في صفوف المجتمع.
وقد أثارت هذه السياسة موجة من السخط والإنكار عند الكثيرين من المحققين ، وفيما يلي بعضهم.
يقول الدكتور عبد الله سلام : لست أدري كيف اتّخذ عمر هذا
__________________
(1) الخراج / 242.
(2) شرح نهج البلاغة 8 / 111.
(3) العصبية القبلية / 190.
الإجراء؟ ولماذا اتّخذه؟ إنه إجراء أوجد تفاوتاً اجتماعياً واقتصادياً ، إجراء أوجد بذور التنافس والتفاضل بين المسلمين(1) .
وممّن أنكر هذه السياسة الدكتور محمد مصطفى هدارة [حيث] يقول : وفرض العطاء على هذه الصورة قد أثّر تأثيراً خطيراً في الحياة الاقتصادية للجماعة الإسلامية ، إذ خلق شيئاً فشيئاً طبقة ارستقراطية يأتيها رزقها رغداً دون أن تنهض بعمل ما مقابل ما يدخل إليها من أموال ؛ ذلك أنّ فرض العطاء كان يرتكز على ناحيتين : القرابة من رسول الله ، والسابقة في الإسلام ، ولهذه القرابة ولتلك السابقة درجات ودرجات ، وبهذا لم يرعَ عمر فرض العطاء ذلك المقابل الذي لا بد أن تأخذه الدولة في صورة عمل والجهاد(2) .
وأنكر ذلك الشيخ العلائلي بقوله : هذا التنظيم المالي أوجد تمايزاً كبيراً ، وأقام المجتمع العربي على قاعدة الطبقات بعد أن كانوا سواء في نظر القانون (الشريعة) ، فقد أوجد ارستقراطية وشعباً وعامة(3) .
هؤلاء بعض الناقدين للسياسة المالية التي انتهجها عمر ، وهي حسب مقررات الاقتصاد الإسلامي لا تحمل أيّ طابع من التوازن الاقتصادي ، فقد خلقت الرأسمالية عند عدد من الصحابة ، وتضخّمت الأموال الهائلة عندهم مما أوجب تغيير الحياة الإسلامية ، وسيطرة الرأسماليين على سياسة الدولة وتسخير أجهزتها لمصالحهم ، وقيامهم بدور المعارضة لكل حركة إصلاحية أو سياسية عادلة في البلاد ، وقد اشتدّت تلك الزمرة في معارضة حكومة علي (ع)
__________________
الغلو والفرق الغالية في الحضارة الإسلامية / 251.
(2) اتجاهات الشعر العربي / 108.
(3) الإمام الحسين (عليه السّلام) / 232.
وزجّت بجميع ما تملك من الوسائل الاقتصادية وغيرها لإسقاط حكمه ؛ لأن سياسته العادلة كانت تهدف إلى منعهم من الامتيازات ومصادرة ثرواتهم التي ابتزّوها بغير حق.
واعتذر عمر عن إلغائه المساواة ، وإيجاده لهذه الطبقية في الإسلام من أنّ لبعض الصحابة فضلاً على بعض باعتبار سبقهم إلى الإسلام ، وقيامهم بعمليات الحروب وحركات الجهاد.
وهذا الاعتذار ـ فيما يبدو ـ لا موضوعية له ؛ فإنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يؤثر بشيء من أموال الدولة أي أحد من أصحابه من الذين سبقوا للإيمان وتعرّضوا لأنواع المحن والعذاب ؛ أمثال عمار بن ياسر وبلال الحبشي وأبي ذر ، كما لم يؤثر بأيّ شيء ابن عمّه علياً ، وهو بطل الإسلام ، والمنافح عنه في جميع المواقف والمشاهد ، وإنّما جعل أجر المجاهدين وثوابهم عند الله في الدار الآخرة فهو الذي يتولّى جزاءهم ويثيبهم على ذلك.
إنّ السياسة المالية التي انتهجها النبي (صلّى الله عليه وآله) كانت تقضي ببسط العطاء على الجميع ، والمساواة فيما بينهم من أجل تماسك المجتمع ووحدته ، والقضاء على جميع ألوان الطبقية والحزازات.
وندم عمر كأشد ما يكون الندم حينما رأى انتشار الثراء الفاحش عند كثير من الصحابة ولم تطب به نفسه ، وإنما راح يقول : لو استقبلت من
أمري ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء. وفيما نحسب أنّ هذا الإجراء الذي يرتأيه في معالجة التضخّم المالي لا يخلو من تأمّل ، فإنّ فضول أموال الأغنياء إن كانت من فضل الاُعطيات التي كان يغدقها عليهم فهي ـ من دون شك ـ من أموال الدولة ، واللازم يقضي بتأميمها حفظاً للتوازن الاقتصادي ، وإن كانت من أموال التجارة ـ ولا أظنّها ـ فإنّ الواجب أخذ الضرائب المالية منها من دون أن يمنّي نفسه بمصادرتها.
وعلى أيّ حال ، فإنّ الأموال التي تأتي من الفيء ، ومن جباية الجزية والخراج هي ملك للمسلمين ، ولا يجوز أن يستأثر بها فريق من الرعيّة دون غيرها ، بل لا بد من توزيعها على الجميع بالسواء كما كان يصنع النبي (صلى الله عليه وآله).
وجهد عمر على فرض سلطانه بالقوة والعنف ، فخافه القريب والبعيد ، وبلغ من عظيم خوفهم أنّ امرأة جاءت تسأله عن أمر ، وكانت حاملاً ، ولشدّة خوفها منه أجهضت حملها(1) ، وكان شديداً بالغ الشدّة ، خصوصاً مع مَن كان يعتد بنفسه.
يقول الرواة : إنه كان يقسم مالاً بين المسلمين ذات يوم ، وقد ازدحم الناس عليه فأقبل سعد بن أبي وقاص ، وبلاؤه معروف في فتح فارس ، فزاحم الناس حتّى خلص إلى عمر ، فلمّا رأى اعتداده بنفسه علاه بالدرّة ، وقال : لم تهب سلطان الله في الأرض ، فأردت أن أعلمك أنّ سلطان الله لا يهابك ، وقصته مع جبلّة تدلّ على
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 1 / 74.
مدى صرامته وشدّته ، فقد أسلم جبلّة وأسلم مَن كان معه ، وفرح المسلمون بذلك ، وحضر جبلّة الموسم ، وبينما يطوف حول البيت إذ وطأ أزاره رجل من فزارة فحلّه ، فأنف جبلّة وسارع إلى الفزاري فلطمه ، فبلغ ذلك عمر ، فاستدعى الفزاري ، وأمر جبلّة أن يقيده من نفسه أو يرضيه ، وضيّق عليه في ذلك غاية التضييق ، فارتدّ جبلّة وخرج عن الإسلام وولى إلى هرقل ، فاحتفى به وأضفى عليه النِعم ، إلاّ أنّ جبلّة كان يبكي أمرّ البكاء على ما فاته من شرف الإسلام ، وقد أعرب عن حزنه وأساه بقوله :
تنصّرتِ الأشرافُ من أجل لطمةٍ |
وما كان فيها لو صبرتُ لها ضررْ |
|
تكنّفني منها لجاجٌ ونخوةٌ |
وبعتُ لها العينَ الصحيحة بالعورْ |
|
فياليت اُمّي لم تلدني وليتَني |
رجعتُ إلى القول الذي قال لي عُمرْ |
|
ويا ليتني أرعى المخاضَ بقفرة |
وكنتُ أسيراً في ربيعةَ أو مُضرْ |
وقد أراد عمر أن يقوده بأوّل بادرة تبدو منه ببرة(1) ، محاولاً بذلك إذلاله.
ويحدّثنا ابن أبي الحديد عن شدّة عمر مع أهله فيقول : كان إذا غضب على واحد منهم لا يسكن غضبه حتّى يعضّ على يده عضّاً شديداً فيدميها(2) .
وعرض عثمان إلى شدّة عمر حينما نقم عليه المسلمون ، واشتدّوا في معارضته فأخذ يذكّرهم بغلظته وقسوته لعلّهم ينتهون عنه قائلاً :
__________________
(1) البرة : حلقة من صفر توضع في أنف الجمل الشرود ، فيربق بها حبل يقاد به.
(2) شرح نهج البلاغة 6 / 342.
لقد وطأكم ابن الخطاب برجله وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه فخفتموه ورضيتم به(1) .
ووصف الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعد حفنة من السنين سياسة عمر ومدى محنة الناس فيها بقوله : «فصيّرها ـ يعني أبا بكر في توليته لعمر ـ في حوزة خشناء ؛ يغلظ كلمها ، ويخشن مسّها ، ويكثر العثار فيها ، والاعتذار منها ، فصاحبها كراكب الصعبة ؛ إن اشنق لها خرم ، وإن أسلس لها تقحّم ، فمُني الناس ـ لعمر الله ـ بخبط وشماس ، وتلوّن واعتراض»(2) .
وتتجافى هذه السياسة عن سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله) وسياسته ، فقد سار بين الناس بالرفق واللين ، وساسهم بالرأفة والرحمة ، وكان لهم كالأب الرؤوف ، وكان يشجب جميع مظاهر الرعب التي تبدو من بعض الناس تجاهه ، فقد جاءه رجل ، وقد أخذته الرهبة منه ، فنهره (صلّى الله عليه وآله) وقال له : «إنّما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد».
وقد سار (صلّى الله عليه وآله) بين أصحابه سيرة الصديق مع صديقه والأخ مع أخيه ، من دون أن يشعرهم بأنّ له أيّة مزيّة أو تفوّق عليهم ، وقد مدح الله تعالى معالي أخلاقه بقوله :( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم ) .
ويقول المؤرّخون : إنّ عمر فرض الحصار على صحابة الرسول ، ولم يسمح لهم بمغادرة يثرب ، فكانوا لا يخرجون إلاّ بإذن خاص منه ،
__________________
(1) حياة الإمام الحسن بن علي (عليه السّلام) 1 / 175.
(2) نهج البلاغة 1 / 162.
وقد خالف بهذا الإجراء ما أثر عن الإسلام في منحه الحريّات العامة للناس جميعاً ، فقد منحهم حرية الرأي والقول ، وحرية العقيدة وحرية العمل ، وجعلها من الحقوق الذاتية للإنسان ، وألزم الدولة بحمايتها ورعايتها وتوفيرها ، وليس للسلطة أن تقف موقفاً معاكساً أو مجافياً لها ، شريطة أن لا يستغلّها الإنسان في الإضرار بالغير أو يحدث فساداً في الأرض.
وبرّر الدكتور طه حسين ما اتّخذه عمر من فرض الحصار على الصحابة بقوله : ولكنه خاف عليهم الفتنة ، وخاف منهم الفتنة ، فأمسكهم في المدينة لا يخرجون منها إلاّ بإذنه ، وحبسهم عن الأقطار المفتوحة لا يذهبون إليها إلاّ بأمر منه. خاف أن يفتتن الناس بهم ، وخاف عليهم أن يغرّهم افتتان الناس بهم ، وخاف على الدولة أعقاب هذا الافتتان(1) .
ولا يحمل هذا التوجيه أيّ طابع من العمق والتحقيق ، فإن الصحابة الذين حاولوا السفر من يثرب إلى الأقطار المفتوحة إن كانوا من الأخيار والمتحرّجين في دينهم فإنهم بكل تأكيد يكونون مصدر هداية وخير للشعوب المتطلّعة لهَدي الإسلام ، فإنهم ـ من دون شك ـ يذيعون فيهم أحكام الدين وآداب الإسلام ، ويعملون على تثقيفهم ، وإن كانوا من الذين غرّتهم الدنيا وخدعتهم مظاهر الفتوحات الإسلامية ، فله الحقّ في منعهم عن السفر رسمياً لا شرعاً ؛ حفظاً على مصالح الدولة ، ووقاية للناس من الفتنة بهم ، ولكنه لم يؤثر عنه أنه فرض الحصار على فريق من الصحابة دون فريق ،
__________________
(1) الفتنة الكبرى 1 / 17.
وإنما فرضه عليهم جميعاً ، ومن الطبيعي أنه بذلك قد شق على كثير من أصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله) فقد حال بينهم وبين حريّاتهم.
وسلك عمر ما سلكه أبو بكر في إبعاد الاُسرة الهاشمية عن جهاز الحكم ، فلم يجعل لها أيّ نصيب فيه ، وإنما عهد إلى مَن ولاّهم أبو بكر فأقرّهم في مناصبهم ، ومن الغريب أنه لم يعين أيّ واحد من الصحابة النابهين أمثال طلحة والزبير ، وقد قيل له : إنك استعملت يزيد بن أبي سفيان ، وسعيد بن العاص ، وفلاناً وفلاناً من المؤلّفة قلوبهم من الطلقاء وأبناء الطلقاء ، وتركت أن تستعمل علياً والعباس ، والزبير وطلحة؟!
فقال : أمّا عليٌّ فأنبه من ذلك ؛ وأمّا هؤلاء النفر من قريش فإنّي أخاف أن ينتشروا في البلاد فيكثروا فيها الفساد. وعلّق ابن أبي الحديد على كلامه هذا بقوله : فمَن يخاف من تأميرهم لئلاّ يطمعوا في الملك ، ويدّعيه كل واحد منهم لنفسه كيف لم يخف من جعلهم ستة متساويين في الشورى ، مرشّحين للخلافة؟! وهل شيء أقرب إلى الفساد من هذا(1) .
وكان عمر شديد المراقبة لعماله وولاته ، فكان لا يولي عاملاً إلاّ أحصى عليه ماله ، وإذا عزله أحصاه عليه حين العزل ، فإن وجد عنده فرقاً قاسمه
__________________
(1) نهج البلاغة 9 / 20 ـ 30.
ذلك الفرق فترك له شطراً ، والشطر الآخر ضمّه إلى بيت المال(1) ، واستعمل أبا هريرة الدوسي والياً على البحرين ، وقد بلغه عنه أنه استأثر بأموال المسلمين فدعاه إليه ، ولمّا حضر عنده زجره وقال له : علمت أنّي استعملتك على البحرين وأنت بلا نعلين ، ثمّ بلغني أنّك ابتعت أفراساً بألف وستمئة دينار.
واعتذر أبو هريرة فقال له : كانت لنا أفراس تناتجت ، وعطايا تلاحقت. ولم يعن به عمر وإنما زجره وصاح به : قد حسبت لك رزقك ومؤنتك ، وهذا فضل فأدّه.
وراوغ أبو هريرة فقال له : ليس لك ذلك.
ـ بلى والله ، وأوجع ظهرك.
وغضب عمر فقام إليه وعلاه بدرّته حتّى أدماه ، ولم يجد أبو هريرة بدّاً من إحضار الأموال التي انتهبها بغير حق ، فقال له : ائتِ بها ، واحتسبها عند الله.
فردّ عليه منطقه الهزيل وقال له : ذلك لو أخذتها من حلال وأدّيتها طائعاً ، أجئت بها من أقصى حجر البحرين يجبي الناس لك لا لله ، ولا للمسلمين ما رجعت بك اُميمة(2) إلاّ لرعية الحمر(3) .
وشاطره جميع أمواله ، وقد شاطر من عمّاله ما يلي :
1 ـ سمرة بن جندب.
2 ـ عاصم بن قيس.
__________________
(1) الفتنة الكبرى 1 / 20.
(2) اُميمة : اُمّ أبي هريرة.
(3) شرح ابن أبي الحديد 3 / 163.
3 ـ مجاشع بن مسعود.
4 ـ جزء بن معاوية.
5 ـ الحجّاج بن عتيك.
6 ـ بشير بن المحتفز.
7 ـ أبو مريم بن محرش.
8 ـ نافع بن الحرث.
هؤلاء بعض عمّاله وولاته الذين شاطرهم أموالهم.
ويقول المؤرّخون : إنّ السبب في اتخاذه لهذا الإجراء هو يزيد بن قيس ؛ فقد حفّزه إلى ذلك ودعاه إليه بهذه الأبيات :
أبلغ أميرَ المؤمنينَ رسالةً |
فأنت أمينُ الله في النهي والأمرِ |
|
وأنت أمينُ الله فينا ومَن يكنْ |
أميناً لربِّ العرش يسلم له صدري |
|
فلا تدعن أهلَ الرساتيقِ والقُرى |
يسيغون مال الله في الأدم والوفرِ |
|
فأرسل إلى الحجّاج فاعرف حسابَهُ |
وأرسل إلى جزءٍ وأرسل إلى بشرِ |
|
ولا تنسينّ النافعينَ كليهما |
ولا ابن غلابٍ من سراةِ بني نصرِ |
|
وما عاصمٌ منها بصفرٍ عيابهُ |
وذاك الذي في السوقِ مولى بني بدرِ |
|
وأرسل إلى النعمانِ واعرفْ حسابَهُ |
وصهرِ بني غزوان إنّي لذو خُبرِ |
|
وشبلاً فسله المال وأبن محرّشٍ |
فقد كان في أهل الرساتيقِ ذا ذكرِ |
|
فقاسمهم أهلي فداؤكَ إنهمْ |
سيرضون إنْ قاسمتهم منك بالشطرِ |
|
ولا تدعونّي للشهادة إنني أغيب |
ولكنّي أرى عجب الدهرِ |
|
نؤوب إذا آبوا ونغزوا إذا غزوا |
فإنّي لهم وفرٌ ولسنا اُولي وفرِ |
|
إذا التاجرُ الداريُ جاء بفارةٍ |
من المسكِ راحت في مفارقهمْ تجري |
وعلى إثر ذلك قام فشاطر عمّاله نعلاً بنعل(1) ، ومعنى هذا الشعر أنّ
__________________
(1) الغدير 6 / 275 ـ 276.
هؤلاء الولاة قد اقترفوا جريمة السرقة ، وخانوا بيت مال المسلمين ولكن الحكم بمشاطرة أموالهم لا يلائم السنّة ، وإنما الواجب يقضي بتقديمهم إلى ساحة القضاء ، فإن ثبتت خيانتهم فلا بدّ من إقامة الحدّ عليهم ، ومصادرة الأموال التي اختلسوها ، ولا وجه لمشاطرتها ، كما يجب عزلهم عن وظائفهم وسلب الثقة منهم.
وعلى أيّ حال فإنه بالرغم من شدّة عمر ومراقبته لولاته فإن هناك كانت شكوى متصلة منهم ، فقد أرسل إليه بعضهم شكوى من الولاة ، وخاصة على القائمين بالخراج ، وقد أرسل شكواه ببيتين من الشعر وهما :
نؤوبُ إذا آبوا ونغزوا إذا غزوا |
فإنّي لهم وفرٌ ولسنا اُولي وفرِ |
|
إذا التاجرُ الداريُ جاء بفارةٍ |
من المسكِ راحت في مفارقهمْ تجري(1) |
لقد لاحظ عليهم ثراءً حادثاً وترفاً لم يجده في غيرهم من عامة الناس ، ومن الطبيعي أنّ ذلك كان ناجماً من اختلاسهم الأموال التي لم تكن خاضعة في ذلك الوقت للحساب والتدقيق.
بقي هنا شيء يدعو إلى التساؤل : وهو أنّ عمر قد استعمل الشدّة والصرامة مع ولاته وعمّاله إلاّ معاوية بن أبي سفيان ، فإنه كان يحدب عليه ولم يفتح معه أيّ لون من ألوان التحقيق ، تتواتر إليه الأخبار أنه قد خان بيت المال وبالغ في السرف والبذخ فيعتذر عنه ، ويقول مشيداً به : تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية(2) .
وليس في هَدي الإسلام ـ والحمد لله ـ كسروية أو قيصرية ، ففي الحديث : «هلك كسرى ، ثمّ لا يكون كسرى بعده. وقيصر ليهلكنّ ثمّ
__________________
(1) فتوح البلدان / 384.
(2) تاريخ الطبري 6 / 114.
لا يكون قيصر بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقنّ كنوزهما في سبيل الله».
لقد كان عمر يبالغ في تسديد معاوية ، ويقول الرواة : إنّ جماعة من الصحابة عرضوا عليه أنّ معاوية قد جافى السنّة بسيرته فهو يلبس الحرير والديباج ويستعمل أواني الذهب والفضة ولا يتحرّج في سلوكه عمّا خالف الشرع ، فأنكر عليهم واندفع يؤنّبهم قائلاً : دعونا من ذمّ فتى من قريش مَن يضحك في الغضب ، ولا ينال ما عنده من الرضا ، ولا يؤخذ من فوق رأسه إلاّ من تحت قدمه(1) .
ويقول المؤرّخون : إنه ذهب إلى رفع شأنه وتسديده إلى أبعد من ذلك كلّه ؛ فقد نفخ فيه روح الطموح ، وهدّد به أعضاء الشورى الذين انتخبهم لتعيين مَن يلي الأمر بعده قائلاً لهم : إنكم إن تحاسدتم وتدابرتم وتباغضتم غلبكم على هذا معاوية بن أبي سفيان(2) .
ولمّا أمن معاوية من العقوبة ، وعرف أنه ملتزم من قِبَل الخليفة راح يعمل في الشام عمل مَن يريد الملك والسلطان.
ولم يختلف المؤرّخون في أنّ الإمام (عليه السّلام) قد انطوت نفسه على حزن عميق وأسى شديد على ضياع حقّه ، وسلب تراثه ، فقد جهد القوم على الغضّ من شأنه ، ومعاملته كشخص عادي غير حافلين بمواهبه ومواقفه ومكانته من النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فكان في معزل عنهم ، لا يشاركهم في أيّ أمر
__________________
(1) الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 3 / 377.
(2) نهج البلاغة 1 / 187 الطبعة الاُولى.
من أمور الملك والسلطان ولا يشاركونه فيها ، وأعرض عنهم وأعرضوا عنه ، حتّى ألصق خدّه بالتراب كما يقول المؤرّخون يقول محمد بن سليمان في أجوبته عن أسئلة جعفر بن مكي عمّا دار بين علي وعثمان قال : إنّ علياً دحضه الأوّلان ـ يعني الشيخين ـ وأسقطاه ، وكسرا ناموسه بين الناس ، فصار نسياً منسياً(1) .
ويعزو الإمام (عليه السّلام) في حديث له مع عبد الله بن عمر إلى أبيه جميع ما لاقاه من النكبات التي منها تقدم عثمان عليه(2) .
وعلى أيّ حال ، فإن الإمام (عليه السّلام) قد اعتزل عن الناس في عهد عمر كما اعتزلهم في عهد أبي بكر ، فصار جليس بيته يساور الهموم ويسامر النجوم ، ويتوسّد الأرق ويفترش الأرق ، ويتجرّع الغصص ، قد كظم غيظه فلم يتصل بأحد إلاّ بخلص أصحابه الذين عرفوا واقعه ومكانته كعمار بن ياسر ، وأبي ذر ، والمقداد ، وقد عكف على جمع القرآن وكتابته والإمعان في آياته.
وأجمع المؤرّخون على أنّ عمر كان يرجع إليه في مهامّ المسائل التي يسأل عنها ، والإمام لم يضنِ عليه بالجواب ؛ إظهاراً لأحكام الله التي يجب على العلماء إذاعتها بين الناس ، وكان عمر يذيع فضل الإمام ، ويقول : لولا علي لهلك عمر.
والشيء المحقق أنّ عمر كان في أكثر المسائل الفقهية إذا سئل عنها لم يهتدِ لجوابها ، وإنما يفزع إلى الإمام (عليه السّلام) وإلى سائر الصحابة ، وقد اشتهرت كلمته : كل الناس أفقه من عمر حتّى ربّات الحجال. وقال :
__________________
(1) نهج البلاغة 9 / 28 طبع دار إحياء الكتب العربية.
(2) نهج البلاغة 9 / 54.
كل الناس أفقه من عمر حتّى المخدّرات في البيوت. وقد دلّل المحقق الأميني على ذلك بما لا مزيد عليه(1) .
وانطوت نفس الإمام الحسين على حزن لاذع وأسى عميق على مَن احتلّ مقام أبيه ، فبعث ذلك في نفسه عنصراً من عناصر الاستياء والتذمّر ، وكان يشعر بالمرارة بكل وعي ، وهو في سنّه المبكّر ، ويقول المؤرّخون : إنّ عمر كان يخطب على المنبر ، فلم يشعر إلاّ والحسين قد صعد إليه ، وهو يهتف : «انزل انزل عن منبر أبي ، واذهب إلى منبر أبيك».
وبهت عمر ، واستولت الحيرة على إهابه ، وراح يصدّقه ويقول له : صدقت ، لم يكن لأبي منبر. وأخذه فأجلسه إلى جنبه ، وجعل يفحص عمّن أوعز إليه بذلك قائلاً له : مَن علّمك؟
ـ «والله ما علّمني أحد»(2) .
شعور طافح بالألم انبعث عن عبقرية وإدراك واسع ، نظر إلى منبر جدّه الذي كان مصدر النور والوعي ، فرأى أنه لا يليق بأن يرقاه أحد من بعده غير أبيه رائد العلم والحكمة في الأرض.
ويقول المؤرّخون : إنّ عمر كان معنياً بالإمام الحسين (عليه السّلام) وطلب
__________________
(1) الغدير 6 / 83 ـ 333.
(2) الإصابة 1 / 332.
منه أن يأتيه إذا عرض له أمر ، وقصده يوماً وهو خال بمعاوية ، ورأى ابنه عبد الله فطلب الإذن منه فلم يأذن له ، فرجع معه ، والتقى به عمر في الغد فقال له : ما منعك يا حسين أن تأتيني؟
ـ «إنّي جئت وأنت خال بمعاوية ، فراجعت مع ابن عمر».
ـ أنت أحق من ابن عمر ، فإنما أنبت ما ترى في رؤوسنا الله ثمّ أنتم(1) .
واقتضت سياسته أن يقابل سبطي الرسول (صلّى الله عليه وآله) الحسن والحسين (عليهما السّلام) بمزيد من التكريم ، فقد جعل لهما نصيباً فيما يغنمه المسلمون ، ووردت إليه حلل من وشي اليمن ، فوزعها على المسلمين ونساهما ، فبعث إلى عامله على اليمن أن يرسل له حلّتين ، فأرسلهما إليه فكساهما ، وقد جعل عطاءهما مثل عطاء أبيهما ، وألحقهما بفريضة أهل بدر ، وكانت خمسة آلاف(2) .
ولم تظهر لنا أيّ بادرة عن الإمام الحسين (عليه السّلام) في عهد عمر سوى ما ذكرناه ، ويعود السبب في ذلك إلى انعزال الإمام أمير المؤمنين مع أبنائه عن جهاز الحكم ، وإيثارهم الانطواء عن القوم ، وعدم الاشتراك معهم في أيّ شأن من شؤون الدولة ، فقد أترعت نفوسهم بالأسى المرير والحزن العميق ، وقد أعلن الإمام أساه وأحزانه في كثير من المواقف ، ويقول المؤرّخون : إنّ عمر نزلت به نازلة فحار في التخلّص منها ، وعرض على أصحابه ذلك فقال لهم :
ـ ما تقولون في هذا الأمر؟
ـ أنت المفزع والمنزع.
__________________
(1) الإصابة 1 / 332.
(2) تاريخ ابن عساكر 4 / 321.
فلم يرضِه ذلك ، وتلا قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ) (1) .
ثم قال لهم : أما والله ، إنّي وإيّاكم لنعلم ابن بجدتها والخبير بها.
ـ كأنّك أردت ابن أبي طالب.
ـ وأنّى يعدل بي عنه ، وهل طفحت حرّة مثله؟
ـ لو دعوت به يا أمير المؤمنين.
ـ إنّ هناك شمخاً من هاشم ، وأثرة من علم ، ولحمة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يؤتى ولا يأتي ، فامضوا بنا إليه.
وخفّوا جميعاً إليه فألفوه في حائط له وعليه تبان ، وهو يتركل على مسحاته ويقرأ :( أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) إلى آخر السورة ، ودموعه تهمي على خدّيه ، فأجهش القوم بالبكاء ، ثمّ سكتوا ، فسأله عمر عمّا ألمّ به ، فأجابه عنه. فقال له عمر : أما والله ، لقد أرادك الحقّ ، ولكن أبى قومك.
ـ «يا أبا حفص ، خفض عليك من هنا ، ومن هنا». وقرأ قوله تعالى :( إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ) .
وذهل عمر ، فوضع إحدى يديه على الاُخرى وخرج كأنّما ينظر في رماد(2) .
ويقول بعض المؤرّخين : إنّ العلاقة بين الإمام الحسين (عليه السّلام) وآل عمر
__________________
(1) سورة الأحزاب / 70.
(2) شرح نهج البلاغة 12 / 79 ـ 80.
كانت غير ودّية ؛ ويعود السبب في ذلك إلى أنّ عاصم بن عمر شرب الخمر فشهد عليه الحسين بذلك في مجلس القضاء أيّام عثمان فاُقيم عليه الحد ، وقد أوجبت هذه البادرة شيوع التباغض بين الاُسرتين(1) .
ولم نبسط القول في خلافة عمر ، ولم نلم بسيرته ولا بما أثر عنه من الأحداث ، خصوصا ما صدر عنه من الفتاوى التي كانت بعضها من الاجتهاد قبال النص كتحريم المتعة وغيرها ، لم نعرض لذلك فقد آثرنا الإيجاز في أمثال هذه البحوث ، وإنما عرضنا للأحداث المتقدّمة ؛ لأنها تصوّر الحياة الاجتماعية والفكرية التي عاشها الإمام الحسين (عليه السّلام) في ذلك العصر ، كما تلقي الأضواء على حياته.
وعلى أيّ حال ، فإن الذي يهمّنا أن نعرض إلى اغتيال عمر وما رافقه من الأحداث الخطير ة ، فقد عزا بعض الكتّاب من المحدّثين إلى أنّ اغتياله كان وليد مؤامرة حاكها الاُمويّون للتخلّص من حكمه ، وفرض سلطانهم على المسلمين(2) ، وقد أيّدوا ذلك بأنّ أبا لؤلؤة الذي اغتاله كان مولى للمغيرة بن شعبة ، وصلة المغيرة بالاُمويِّين كانت وثيقة للغاية.
وفيما أحسب أنّ هذا الرأي لا يحمل أيّ طابع من التحقيق ؛ لأنّ علاقة عمر كانت مع الاُمويِّين طبيعية وقوية ، فلم تقع بينهما أيّة منافسة أو كراهية ، وكان عمر شديد الميل لهم ؛ فقد استعمل أعلامهم ولاة على الأقطار والأقاليم الإسلاميّة
__________________
(1) المنمق في أخبار قريش / 499.
(2) من أنصار هذا الرأي الاُستاذ العلائلي ، وقد نصّ عليه في سموّ المعنى في سموّ الذات / 31 ، الطبعة الثانية.
أمثال يزيد بن أبي سفيان ، وسعيد بن أبي العاص ، ومعاوية ، ولم يشاطر أيّ واحد منهم أمواله كما شاطر بقية عماله ، بل كان معنياً حتّى بشؤون نسائهم ، فقد أقرض هند بنت عتبة أمّ معاوية أربعة آلاف من بيت المال تتجر فيها(1) ، فلم يعمل عمر أيّ عمل يتنافى مع مصالحهم وأطماعهم ، فكيف إذاً يقومون بتدبير المؤامرة لاغتياله؟
وعلى أيّ حال ، فمن المقطوع به أنّ أبا لؤلؤة إنما قام بوحي نفسه لا بدافع أموي لاغتيال عمر ؛ أمّا بواعث ذلك ـ فيما نحسب ـ فهي أنه كان شابّاً متحمّساً لاُمّته ووطنه ، فقد رأى بلاده قد فتحت عنوة فذهب مجد قومه وانطوى عزّهم ، ورأى أنّ عمر قد بالغ في احتقار الفرس والاستهانة بهم ، فقد تمنّى أن يحول بينه وبين الفرس جبل من حديد ، وقد حضر عليهم دخول يثرب إلاّ مَن كان سنّه دون البلوغ(2) ، وأصدر فتواه بعدم إرثهم إلاّ مَن ولد منهم في بلاد العرب(3) ، كما كان يعبّر عنهم بالعلوج(4) .
ثمّ هو بالذات قد خفّ إلى عمر يشكو إليه مما ألمّ به من ضيق وجهد من جرّاء ما فرض عليه المغيرة من ثقل الخراج ، فزجره عمر ولم يعن به ، وقال له : ما خراجك بكثير من أجل الحرف التي تحسنها.
وقد أوجدت هذه الاُمور في نفسه حنقاً وحقداً على عمر فأضمر له الشر ، وقد اجتاز عليه فسخر منه ، وقال له : بلغني أنّك تقول : لو شئت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت. ولذعته هذه السخرية ، فاندفع يقول :
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 33.
(2) شرح نهج البلاغة 12 / 185.
(3) الموطأ 2 / 12.
(4) شرح نهج البلاغة.
لأصنعنّ لك رحى يتحدّث الناس بها.
وفي اليوم الثاني قام بعملية الاغتيال(1) ؛ فطعنه ثلاث طعنات إحداهن تحت السرّة فخرقت الصفاق(2) ، وهي التي قضت عليه ، ثمّ انحاز إلى أهل المسجد فطعن من يليه حتّى طعن أحد عشر رجلاً سوى عمر ، ثمّ عمد إلى نفسه فانتحر(3) .
وحُمل عمر إلى داره وجراحاته تنزف دماً ، وقال لمَن كان حوله : مَن طعنني؟
ـ غلام المغيرة.
ـ ألم أقل لكم لا تجلبوا لنا من العلوج أحداً ، فغلبتموني(4) .
وأحضر له أهله طبيباً فقال له : أيّ الشراب أحبّ إليك؟
ـ النبيذ. فسقوه منه فخرج من بعض طعناته ، فقال الناس : خرج صديداً. ثمّ سقوه لبناً ، فخرج من بعض طعناته فيئس منه الطبيب ، وقال له : لا أرى أن تمسي(5) . ولمّا أيقن بدنو الأجل المحتوم منه أوصى ولده عبد الله فقال له : انظر ما عليّ من دين فاحصوه. فإذا به ستة وثمانون ألفاً ، فقال :
__________________
(1) مروج الذهب 2 / 212.
(2) الصفاق : الجلد الأسفل الذي تحت الجلد.
(3) شرح نهج البلاغة 12 / 185.
(4) شرح نهج البلاغة 12 / 187.
(5) الإمامة والسياسة 1 / 21 ، الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 2 / 461.
إن وفى به مال آل عمر فأدّه من أموالهم ، وإلاّ فسل في بني عدي بن كعب فإن لم تفِ به أموالهم فسل في قريش ، ولا تعدهم إلى غيرهم(1) .
ونحن إذا تأمّلنا في هذه الوصية ، نجد فيها عدّة أمور تدعو إلى التساؤل وهي :
1 ـ إنّ هذه الأموال الضخمة التي استدانها من بيت المال لم ينفقها إلاّ في شؤونه الخاصة ، ولو كان قد أنفقها على شؤون المسلمين لَما كان هناك أيّ مجال لاسترجاعها من آل الخطّاب ، وهذا ـ من دون شك ـ لا يتفق مع ما نقله الرواة عن سيرته من أنه كان متحرّجاً أشدّ التحرّج وأقساه في أموال الدولة ، وأنه لم يكن ينفق منها أي شيء على شؤونه الخاصة.
2 ـ إنه عهد إلى ابنه عبد الله أن يستوفي هذه الديون من آله ، فإن وفت أموالهم بها فهو وإلاّ فيسأل أسرته عن وفائها ، وهذا يكشف أنه قد منحها لهم وإلاّ فما هو المبرّر لاستيفائها منهم؟ إذ لا سلطان له على مال الغير وإن كان قريباً منه ، وفيما نحسب أنّ هذه الأموال قد وهبها لهم ، وهو يتصادم مع ما نقل عنه من أنه كان يشتدّ على أهله حتّى يرهقهم من أمرهم عسراً ، وأنه قد أخذهم بضروب من الشدّة والعنف ، وساوى بينهم وبين بقية المسلمين في العطاء.
3 ـ إنّ وصيّته لولده عبد الله أن يسأل من قريش خاصة بتسديد ما عليه من ديون إذا لم تف أموال اُسرته بها ، يكشف عن مدى صلته العميقة وارتباطه الوثيق بهم ، وقد كان فيما يقول المؤرّخون : الممثّل الوحيد للفئات القرشية ، وأنه كان يعكس في تصرّفاته جميع رغباتها وميولها.
هذه بعض الملاحظات التي تواجه هذه الوصية ، ولم ينص المؤرّخون
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 12 / 188.
على أنّ عبد الله قام بتسديد ما على أبيه من ديون لبيت المال ، فقد أهملوا هذه الجهة ولم يعرضوا لها.
وعلى أيّ حال فإنّ عبد الله لمّا أيقن بموت أبيه طلب منه أن يعيّن أحداً لمركز الخلافة ، ولا يهمل شؤون الاُمّة ، قال له : يا أبة ، استخلف على اُمّة محمد (صلّى الله عليه وآله) فإنه لو جاء راعي إبلك أو غنمك وترك إبله أو غنمه لا راعي لها ، وقلت له : كيف تركت أمانتك ضائعة ، فكيف باُمّة محمد (صلّى الله عليه وآله)؟ فاستخلف عليهم.
فنظر إليه نظرة ريبة وشك ، واندفع يجيبه : إن استخلف عليهم فقد استخلف أبو بكر ، وإن أتركهم فقد تركهم رسول الله (ص)(1) .
أمّا حديث عبد الله فقد كان حافلاً بالوعي والمنطق ؛ فإنه ليس من الحكمة في شيء أن يهمل الرئيس شؤون رعيته من دون أن يعيّن لها القائد من بعده الذي يعني بأمورها السياسية والاجتماعية ، فإن إهماله لهذه الجهة الخطيرة يعرّضها للأزمات ، ويلقيها في شرٍّ عظيم ، وقد زعم عمر أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يعن بالقيادة الروحية والزمنية من بعده ، ولم يعهد بأمره لأحد ، ولعلّ الوجع قد غلب عليه فأذهله ، وأنساه قيام النبي (صلّى الله عليه وآله) بنصب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) خليفة من بعده يوم (غدير خم) وإلزامه للمسلمين بمبايعته ، وكان عمر بالذات ممّن بايعه ، وقال له : بخ بخ لك يا علي ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
وعلى أيّ حال فإن عمر قد فتكت به جراحاته ، وأخذ منه الألم القاسي مأخذاً عظيماً ، وقد جزع جزعاً شديداً ، وأخذ يقول :
__________________
(1) مروج الذهب 2 / 217.
لو أنّ لي ما في الأرض ذهباً لافتديت به من عذاب الله قبل أن أراه(1) .
وقال لولده عبد الله : ضع خدّي على الأرض ، فلم يعن به وظنّ أنه قد اختلس عقله ، فأمره ثانياً بذلك فلم يجبه ، وفي المرّة الثالثة صاح به : ضع خدّي على الأرض لا اُمّ لك!
وبادر عبد الله فوضع خدّ أبيه على الأرض فأخذ يجهش بالبكاء ، وهو يقول بنبرات متقطعة : يا ويل عمر! وويل اُمّ عمر إن لم يتجاوز الله عنه(2) ! وطلب عمر من ابنه أن يستأذن من عائشة ليدفنه مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر ، فسمحت له بذلك(3) .
وعلّقت الشيعة على ذلك كما علّقت على دفن أبي بكر فقالت : إنّ ما تركه النبي (صلّى الله عليه وآله) إن كان لا يرثه أهله ، وإنما هو لولي الأمر من بعده ـ حسب ما يرويه أبو بكر ـ فلا موضوعية للإذن من عائشة ، وإن كان يرجع إلى ورثته ـ كما يقول به أهل البيت (عليهم السّلام) ـ فليس لعائشة فيه أيّ نصيب ؛ لأنّ الزوجة لا ترث من الأرض حسبما قرّره فقهاء المسلمين ، ولا بدّ له من الإذن من ورثة النبي (صلّى الله عليه وآله) ولم يتحقق ذلك.
نحن أمام كارثة مذهلة ومفزعة امتُحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 12 / 192.
(2) شرح نهج البلاغة 12 / 193.
(3) شرح نهج البلاغة 12 / 190.
وأخلدت لهم الفتن والمصاعب ، وجرّت لهم الويلات والخطوب ، وألقتهم في شرٍّ عظيم ، تلك هي قصة الشورى التي حكت عن تآمر مفضوح في إقصاء الإمام أمير المؤمنين عن ساحة الحكم ، وتسليمه إلى بني اُميّة ؛ إرضاءً للعواطف القرشية المترعة بالحقد والكراهية للإمام.
ونحن ـ يعلم الله ـ لم نكن نقصد بهذه البحوث إلاّ دراسة الأحداث التي عاشها الإمام الحسين (عليه السّلام) ، وهي ـ فيما نعتقد ـ مصدر الفتنة الكبرى التي أدّت إلى مجزرة كربلاء الرهيبة ، وغيرها من الأحداث التي غيّرت منهج الحياة الكريمة في الإسلام.
وعلى أيّ حال فإن عمر لمّا يئس من حياته ، وأيقن بدنو الأجل المحتوم منه أخذ يمعن النظر ويطيل التفكير في مَن يتولّى شؤون الحكم من بعده ، وقد تذكّر أقطاب حزبه الذين شاركوه في تمهيد الأمر لأبي بكر ، فرأى أنهم قد اقتطفتهم المنيّة فراح يصعّد آهاته وحسراته ، ويبدي أساه عليهم قائلاً : لو كان أبو عبيدة حيّاً لاستخلفته ؛ لأنه أمين هذه الاُمّة ، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيّاً لاستخلفته ؛ لأنه شديد الحب لله تعالى.
ولماذا لم يستعرض عمر الأحياء من الذين ساهموا في بناء الإسلام ؛ كسيّد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، والصفوة الطيّبة من صحابة النبي (صلّى الله عليه وآله) كعمار بن ياسر ، وأبي ذر ، وغيرهم من الأنصار ليرشّحهم لهذا المنصب الخطير؟!
لقد انطلق يفتّش في قائمة الأموات ، فتمنّى حياة أبي عبيدة ، وسالم ليقلّدهما رئاسة الدولة ، مع العلم أنّه لم تكن لهما أيّة سابقة من الجهاد والخدمة في سبيل الإسلام.
وطلب منه القوم أن يعيّن أحداً من بعده ليتولّى شؤون المسلمين ، فأبى وقال :
أكره أن أتحمّلها حيّاً وميّتاً.
ولكنه لم يلبث أن نقض رأيه ، فانتخب أعضاء الشورى السّتة ، وفوّض إليهم أمر الاُمّة ، كما فرض رأيهم على جميع المسلمين ، وبذلك فقد تحمّل الخلافة حيّاً وميّتاً. يقول ابن أبي الحديد : وأي شيء يكون من التحمّل أكثر من هذا؟! وأيّ فرق بين أن يتحمّلها بأن ينصّ على واحد بعينه ، وبين أن يفعل ما فعله من الحصر والترتيب(1) ؟!
ودعا عمر أعضاء الشورى الذين انتخبهم وزكّاهم ، وزعم أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال فيهم : إنّهم من أهل الجنّة(2) . إلاّ أنّه لمّا اجتمعوا عنده وجّه إليهم أعنف النقد وأقساه ، وطعن في كل واحد منهم طعناً لاذعاً ، ورماهم بالنزعات الشريرة التي توجب القدح في ترشيحهم لمنصب الإمامة والخلافة ، وقد روى المؤرّخون حديثه بصور مختلفة ، وفيما يلي بعضها :
1 ـ إنه لمّا نظر إليهم قال : قد جاءني كل واحد منهم يهزّ عفريته يرجو أن يكون خليفة أمّا أنت يا طلحة ، أفلست القائل : إن قبض النبي (صلّى الله عليه وآله) أنكح أزواجه من بعده؟ فما جعل الله محمداً أحقّ ببنات أعمامنا منّا ، فأنزل الله فيك :( وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) (3) .
وأمّا أنت يا زبير ، فوالله ما لانَ قلبك ولا ليلة ، وما زلت جلفاً
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 12 / 260.
(2) الكامل لابن الأثير 3 / 35.
(3) سورة الأحزاب / 53.
جافياً ؛ وأمّا أنت يا عثمان ، فوالله لروثة خير منك ؛ وأمّا أنت يا عبد الرحمان ، فإنك رجل عاجز تحبّ قومك جميعاً ؛ وأمّا أنت يا سعد ، فصاحب عصبية وفتنة ؛ وأمّا أنت يا علي ، فوالله لو وزن إيمانك بإيمان أهل الأرض لرجحهم. وقام علي مولياً ، فالتفت عمر إلى حضّار مجلسه فقال : والله ، إنّي لأعلم مكان رجل لو ولّيتموه أمركم لحملكم على المحجّة البيضاء؟
ـ مَن هو؟
ـ هذا المولي من بينكم.
ـ ما يمنعك من ذلك؟!
ـ ليس إلى ذلك من سبيل(1) .
وقد خدش في كل واحد منهم ، سوى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فإنه أبدى إكباره له ، واعترف بقابلياته وصلاحيته للحكم ، وأنه لو ولي اُمور المسلمين لحملهم على المحجّة البيضاء والطريق الواضح ، إلاّ أنه لا يجد سبيلاً إلى ذلك.
2 ـ يقول المؤرّخون : إنه لمّا التقى بأعضاء الشورى قالوا له : قل فينا يا أمير المؤمنين مقالة نستدلّ فيها برأيك ، ونقتدي به. فقال : والله ، ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلاّ شدّتك وغلظتك مع أنك رجل حرب ، وما يمنعني منك يا عبد الرحمان إلاّ أنك فرعون هذه الاُمّة ، وما يمنعني منك يا زبير إلاّ أنك مؤمن الرضى ، كافر الغضب ، وما يمنعني من طلحة إلاّ نخوته وكبره ، ولو وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته. وما يمنعني منك يا عثمان إلاّ عصبيتك وحبّك قومك وأهلك ، وما يمنعني منك يا علي
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 12 / 159.
إلاّ حرصك عليها ، وإنك أحرى القوم إن وليتها أن تقيم على الحقّ المبين والصراط المستقيم(1) .
وقد وصم أعضاء الشورى بمساوئ الصفات ، فوصف عبد الرحمان بن عوف بأنه فرعون هذه الاُمّة ، ومن الغريب حقّاً أنه لم يلبث أن فوّض إليه شؤون الانتخاب ، وجعل قوله منطق الفصل وفصل الخطاب كما اتّهم الإمام بالحرص على الخلافة ، إلاّ أنّ سيرة الإمام المشرقة تدلّ على عكس ذلك ، فإنه (عليه السّلام) لم يكن من عشّاق السلطة ولا من طلاّب الملك ، وأنه إنما نازع الخلفاء وأقام عليهم الحجّة بأنه أولى بالأمر منهم ، لا ليتخذ من الحكم وسيلة للتمتّع بخيرات البلاد ـ كما اتّخذه بعضهم ـ ولا من أجل التمتّع بالرغبات النفسية التي تتطلّب السلطان وتتهالك عليه لبسط نفوذها واستعلائها على الناس ؛ إنّ الإمام (عليه السّلام) لم يكن بأيّ حال ينشد مثل هذه الأهداف الرخيصة ، وإنما كان يبغي الحكم لنشر العدل ، وإقامة الحق ، وتطبيق شريعة الله على واقع الحياة ، من أجل هذه الغايات النبيلة كان (عليه السّلام) حريصاً على الخلافة ، وقد أدلى بذلك بقوله : «اللّهمّ إنك تعلم أنه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنردّ المعالم من دينك ، وتقام المعطلة من حدودك ، ويأمن المظلومون من عبادك».
وأعرب (عليه السّلام) في حديث له مع ابن عباس بذي قار عن مدى زهده بالسلطة. واحتقاره للحكم ، فقد كان (عليه السّلام) يخصف بيده نعلاً له فالتفت إلى ابن عباس :
«يابن عباس ، ما قيمة هذا النعل؟».
ـ يا أمير المؤمنين ، لا قيمة له.
__________________
(1) الإمامة والسياسة 1 / 24.
ـ «إنه خير من خلافتكم هذه إلاّ أن اُقيم حقّاً وأدفع باطلاً».
إنّه إنما كان حريصاً على الخلافة من أجل إقامة المثُل العليا ، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتطوير الوعي الاجتماعي ، وازدهار الحياة العامة.
3 ـ وفي رواية ثالثة أنّ عمر دعا أعضاء الشورى فلمّا مثلوا عنده قال لهم : أكلّكم يطمع بالخلافة بعدي؟
ووجموا عن الكلام ، فأعاد القول عليهم ثانياً ، فانبرى إليه الزبير رادّاً عليه مقالته : وما الذي يبعدنا منها؟! وليتها أنت فقمت بها ، ولسنا دونك في قريش ولا في السابقة ولا في القرابة.
ولم يسعه الرد عليه ، وقال لهم : أفلا اُخبركم عن أنفسكم؟
ـ قل فإنا لو استعفيناك لم تعفنا.
وأخذ يدلي عليهم اتجاهاتهم وميولهم ويحدّثهم عن نفسيّاتهم ، فاتجه صوب الزبير فقال له : أمّا أنت يا زبير ، فوعق لقس(1) ، مؤمن الرضى كافر الغضب ، يوماً إنسان ويوماً شيطان ، ولعلّها لو أفضت إليك ظلت يومك تلاطم بالبطحاء على مد من شعير. أفرأيت إن أفضت إليك ، فليت شعري مَن يكون للناس يوم تكون شيطاناً ، ومَن يكون يوم تغضب؟! وما كان الله ليجمع لك أمر هذه الاُمّة وأنت على هذه الصفة.
إنّ الزبير حسب هذا التحليل النفسي لشخصيته مبتلى بآهات خطيرة ، وهي :
__________________
(1) الوعق : الضجر المتبرّم. اللقس : مَن لا يستقيم على وجه.
1 ـ الضجر والتبرم.
2 ـ عدم الاستقامة في سلوكه.
3 ـ الغضب الهائل الذي يفقده الرشد والتوازن.
4 ـ الحرص والبخل ، وهما يجرّانه إلى ملاطمة الناس على مدّ من شعير.
وهذه النزعات من مساوئ الصفات ، ومَن اتّصف ببعضها لا يصلح لأن يتولّى أي منصب حساس في جهاز الدولة ، فضلاً عن أن يكون خليفةً وإماماً للمسلمين.
وأقبل على طلحة فقال له : أقول أم أسكت؟
فزجره طلحة ، وقال له : إنّك لا تقول من الخير شيئاً.
أما أنّي أعرفك منذ اُصيبت إصبعك يوم اُحد وائياً(1) بالذي حدث لك ، ولقد مات رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ساخطاً عليك بالكلمة التي قلتها يوم اُنزلت آية الحجاب.
وإذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ساخطاً على طلحة كيف يرشّحه خليفةً وإماماً للمسلمين؟ كما أنّ هذا يناقض ما قاله : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مات وهو راضٍ عن أعضاء الشورى؟!
وعلّق الجاحظ على هذا بقوله : لو قال لعمر قائل : أنت قلت : إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مات وهو راضٍ عن الستة ، فكيف تقول الآن لطلحة أنّه مات (عليه السّلام) ساخطاً عليك للكلمة التي قلتها؟ لكان قد رماه بمشاقصه(2) ، ولكن مَن
__________________
(1) وائياً : غاضباً.
(2) المشاقص : جمع مشقص ، وهو نصل السهم.
الذي كان يجسر على عمر أن يقول له ما دون هذا ، فكيف هذا؟!
واتّجه صوب سعد بن أبي وقاص فقال له : إنّما أنت صاحب مقنب(1) من هذه المقانب تقاتل به ، وصاحب قنص وقوس وسهم ، وما زهرة والخلافة واُمور الناس؟!
إنّ سعد رجل عسكري لا يفقه إلاّ عمليات الحروب ، ولا خبرة له بالشؤون الإدارية والاجتماعية للاُمّة ، فكيف يرشّحه للخلافة؟ كما طعن في صلاحية قبيلة سعد لتولّي شؤون الحكم.
وأقبل على عبد الرحمان بن عوف فقال له : أمّا أنت يا عبد الرحمان فلو وزن نصف إيمان المسلمين بإيمانك لرجح إيمانك عليهم ، ولكن ليس يصلح هذا الأمر لمَن فيه ضعف كضعفك ، وما زهرة وهذا الأمر؟!
وعبد الرحمان ـ حسب رأي عمر ـ رجل إيمان وتقوى ، ولا نعلم أين كان إيمانه حينما عدل عن انتخاب سيّد العترة الطاهرة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وسلّم أمور المسلمين بأيدي الاُمويِّين ، فاتخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولاً ، ثمّ إنه لم تكن له شخصية قوية ، ولا عزم ثابت ، ولا إرادة صلبة ـ حسب اعتراف عمر ـ فكيف يرشّحه للخلافة؟! كيف يجعل قوله منطق الفصل في تعيين مَن يشاء لشؤون الاُمّة؟!
والتفت إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له : لله أنت لولا دعابة فيك! أما والله لئن وليتهم لتحملنهم على الحقّ الواضح والمحجّة البيضاء.
متى كانت للإمام الدعابة وهو الذي ما ألف في حياته إلاّ الجدّ والحزم في القول والعمل؟! ثمّ إنّ مَن يتّصف بهذه النزعة كيف يتمكن أن يحمل
__________________
(1) المقنب : جماعة الخيل.
المسلمين على الحق الواضح والمحجّة البيضاء ـ كما يقول عمر ـ؟! إنّ هذه السياسة تتنافى مع الدعابة الناشئة عن ضعف الشخصية وخورها.
وأكّد عمر أنّ الإمام لو ولي أمور المسلمين لسار فيهم بالحق ، وحملهم على الصراط المستقيم ، فكيف يجعله من أعضاء الشورى ولا ينص عليه بالخصوص؟ وهل من الحيطة على الاُمّة أن يفوّت عليها الفرصة ، ولا يسلّم أمرها بيد مَن يسير فيها بسيرة قوامها العدل الخالص والحق المحض؟!
وأقبل على عثمان عميد الاُسرة الاُموية التي ناهضت الإسلام فقال له : هيهاً إليك! كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك ، فحملت بني أمية وبني أبي معيط على رقاب المسلمين ، وآثرتهم بالفيء ، فسارت إليك عصابة من ذؤبان العرب ، فذبحوك على فراشك ذبحاً ، والله لئن فعلوا لتفعلن ، ولئن فعلت ليفعلن ، ثمّ أخذ بناصيته فقال : فإذا كان ذلك فاذكر قولي(1) .
ونحن إذا تأمّلنا قليلاً في قوله لعثمان : كأنّي بك قد قلّدتك قريش هذا الأمر لحبّها إيّاك. نجده قد قلّد عثمان بالخلافة ، فإن نظام الشورى الذي وضعه كان حتماً يؤدّي إلى فوزه بالسلطة ، فقد جعله أحد أعضاء الشورى وكان أكثرهم ممّن له اتصال وثيق باُسرة عثمان ، وهم لا يعدلون عن انتخابه ولا يقدّمون غيره عليه.
وفي الحقيقة أنه هو الذي قلّده الخلافة ، وفوّض إليه أمور المسلمين ، ثمّ إنه مع دراسة لنفسيته ووقوفه على حبّه الشديد لاُسرته كيف يرشحه للخلافة ، وهو بالذات يعلم خطر بني اُميّة على الإسلام؟! وقد أعلن ذلك في حديثه مع المغيرة بن شعبة يقول له : يا مغيرة ، هل أبصرت بعينك العوراء؟
ـ لا.
__________________
(1) شرح نهج البلاغة ـ لابن أبي الحديد 1 / 185 ـ 186 الطبعة الاُولى.
ـ أما والله ، ليعورن بنو اُميّة الإسلام كما أعورت عينك هذه ، ثمّ ليعمينه حتّى لا يدري أين يذهب ولا أين يجيء(1) .
فكان الأجدر به وهو على عتبة الموت ، أن يجنّب الاُمّة خطر الاُمويِّين ، ولا يجعل لهم أيّ نصيب في الحكم.
هذه بعض الروايات التي أثرت عنه في حديثه مع أعضاء الشورى.
لا أكاد أعرف نظاماً أوهى من نظام الشورى الذى وضعه عمر ، فليس فيه أيّ توازن أو أصالة ، فقد شذّ عن حقيقة الشورى التي يجب أن تمثّل رأي الاُمّة ، وتشترك القطاعات الشعبية في الانتخاب ، فقد فوّض في هذه الشورى الرأي إلى جماعة لا يمثّلون إلاّ آراءهم الخاصة.
لقد دعا عمر مَن رشّحهم فقال لهم : احضروا معكم من شيوخ الأنصار وليس لهم من أمركم شيء ، واحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس ، فإن لهما قرابة ، وأرجو لكم البركة في حضورهما ، وليس لهما من أمركم شيء(2) .
لقد أقصى الأنصار ولم يجعل لهم أيّ نصيب في الانتخاب والاختيار ، وإنما جعل لهم الإشراف المجرّد الذي يعني حرمانهم والاستهانة بهم ، فإن الأمر إنما هو أمر أعضاء الشورى ولا يخصّ غيرهم ثمّ إنّا لم نعلم ما هي البركة التي تحصل لأعضاء الشورى بحضور الإمام الحسن وعبد الله بن عباس ، وهما لا يملكان من الأمر شيئاً؟
__________________
(1) نهج البلاغة 12 / 82.
(2) الإمامة والسياسة 1 / 24.
والتفت إلى أبي طلحة الأنصاري فعهد إليه بما يحكم أمر الشورى فقال له : يا أبا طلحة ، إنّ الله أعزّ الإسلام بكم ، فاختر خمسين رجلاً من الأنصار ، فألزم هؤلاء النفر بإمضاء الأمر وتعجيله.
واتّجه نحو المقداد بن الأسود فعهد إليه بمثل ذلك ، وقال له : إذا اتّفق خمسة وأبى واحد منهم فاضربوا عنقه ، وإن اتّفق أربعة وأبى اثنان فاضربوا عنقيهما ، وإن اتّفق ثلاثة منهم على رجل ورضي ثلاثة منهم رجل آخر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمان بن عوف ، واقتلوا الباقين إن رغبوا عمّا اجتمع عليه الناس.
وأنذر عمر الصحابة وهدّدهم بمعاوية وعمرو بن العاص إذا لم تتفق كلمتهم وتنازعوا على الحكم والسلطان ، فقد قال لهم : يا أصحاب محمد ، تناصحوا ؛ فإن لم تفعلوا غلبكم عليها عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان.
وعلّق شيخ الإمامية الشيخ المفيد على هذا الكلام بقوله : إنما أراد عمر بهذا القول إغراء معاوية وعمرو بن العاص بطلب الخلافة وأطماعهما فيها ؛ لأن معاوية كان عامله وأميره على الشام ، وعمرو بن العاص عامله وأميره على مصر ، وخاف أن يضعف عثمان أن تصير إلى علي فألقى هذه الكلمة إلى الناس لتنقل إليهما وهما بمصر والشام ، فيتغلّبا على هذين الإقليمين إن أفضت إلى علي(1) .
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 3 / 99.
والتاع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وحزن أشدّ الحزن وأقساه ، وعرف أنّ الشورى إنما هي مؤامرة ومكيدة دبّرت لصرف الأمر عنه ، فقد التقى بعمّه العباس فبادره قائلاً : «يا عم ، لقد عدلت عنّا».
ـ مَن أعلمك بذلك؟
ـ «لقد قرن بي عثمان ، وقال : كونوا مع الأكثر ، ثمّ قال : كونوا مع عبد الرحمان ؛ وسعد لا يخالف ابن عمّه عبد الرحمان ، وعبد الرحمان صهر لعثمان ، وهم لا يختلفون ؛ فإما أن يوليها عبد الرحمان عثمان ، أو يوليها عثمان عبد الرحمان»(1) .
وصدق تفرّس الإمام ، فقد ولاّها عبد الرحمان لعثمان ؛ إيثاراً لمصالحه ، وابتغاء رجوعها إليه من بعده.
لقد كانت الشورى باُسلوبها الهزيل مؤامرة مفضوحة لا سِتار عليها ، قد دبّرت ضد وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وباب مدينة علمه ، يقول الإمام كاشف الغطاء رحمه الله : الشورى بجوهرها وحقيقتها مؤامرة واقعية ، وشورى صورية ، وهي مهارة بارعة لفرض عثمان خليفة على المسلمين رغماً عليهم ، ولكن بتدبير بارع عاد على الإسلام والمسلمين بشرٍّ ما له دافع.
وكوى هذا التآمر قلب الإمام ، وأثارت الأحقاد القرشية أحزانه ، فراح يتحدّث عنها بعد سنين ، يقول (عليه السّلام) :
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 35.
«حتّى إذا مضى ـ يعني عمر ـ لسبيله جعلها في جماعة زعم أنّي أحدهم ، فيا لله وللشورى! متى اعترض الريب فيّ مع الأوّل منهم حتّى صرت اُقرن إلى هذه النظائر؟!».
أجل والله يا أمير المؤمنين ، إنه متى اعترض الريب لأحد في أنك أفضل المسلمين ، وأعظمهم جهاداً ، وأقدمهم سابقة للإسلام ، ولكن اُفٍ للزمان ، وتعساً للدهر الذي قرنك بأمثال هؤلاء الذين حرموا الاُمّة من التمتّع بعدلك ومواهبك.
بقي هنا شيء يدعو للتساؤل وهو أنّ الإمام لماذا استجاب لأن يكون من أعضاء الشورى مع وجود المفارقات الواضحة بينه وبينهم؟ وقد أجاب (عليه السلام) عن ذلك : بأنه أراد أن يظهر تناقض عمر ، فقد أعلن غير مرّة أنّ النبوة والخلافة لا يجتمعان في بيت واحد ، فلماذا إذاً جعله من أعضاء الشورى المرشّحين للخلافة؟!
وأجمع المحققون من القدامى والمحدّثين على نقد هذه الشورى وتزييف نظامها ، وذكروا لها كثيراً من المضاعفات السيّئة التي عادت على المسلمين بالفتن والخلاف ، وخلقت لهم المصاعب والمشاكل ، وقد دلّلنا عليها في كتابنا (حياة الإمام الحسن (عليه السّلام» ، ولكن ضرورة البحث تقتضي ذكرها ، وهي :
أوّلاً : إنّ هذا النظام بعيد عن واقع الشورى ، وقد خلى من جميع العناصر التي تتميّز بها ؛ فإنه لا بد أن تتوفر فيها ما يلي :
أ ـ أن تشترك الاُمّة بجميع قطاعاته في الانتخاب.
ب ـ أن لا تتدخّل الحكومة أيّ تدخّل مباشر أو غير مباشر في شؤون الانتخاب.
ج ـ أن تتوفر الحريات العامة لجميع الناخبين.
وفقدت الشورى العمرية هذه العناصر ، ولم يعد لها أيّ وجود فيها ، فقد حَظَر الاُمّة أن تشترك في الانتخاب ، ولم تمنح لها الحريّة في اختيار مَن ترغب فيه للحكم ، وإنما فوّض أمرها إلى ستّة أشخاص ، وجعل آراءهم تعادل آراء بقية الشعوب الإسلاميّة. وهذا لون من ألوان التزكية تفرضه بعض الحكومات التي لا تعني بإرادة شعوبها ، على أنه أوعز إلى البوليس بالتدخّل في الأمر ، وعهد إليهم بقتل مَن لا يوافق من أعضاء الشورى على مَن ينتخبه بقية الأعضاء ، كما عهد إليهم بتحديد مدّة الانتخاب في ثلاثة أيّام ، وقد ضيّق الوقت على الناخبين خوفاً من تدخّل القطعات الشعبية في الأمر فيفوت غرضه.
ثانياً : إنّ هذه الشورى ضمّت العناصر المعادية للإمام والحاقدة عليه ، ففيها طلحة التميمي ، وهو من أسرة أبي بكر الذي نافس الإمام على الخلافة ودفعه عنها ، وفيها عبد الرحمان بن عوف وهو صهر عثمان ، ومن أكثر المهاجرين حقداً على الإمام ، فهو ـ كما يقول المؤرّخون ـ كان من الذين استعان بهم أبو بكر لإرغام الإمام على مبايعته.
وضمّت الشورى سعد بن أبي وقاص وكانت نفسه مترعة بالحقد والكراهية للإمام من أجل أخواله الاُمويِّين ؛ فإنّ اُمّه حمنة بنت سفيان بن اُميّة ، وقد أباد الإمام أعلامهم وصناديدهم في سبيل الدعوة الإسلاميّة ، ولمّا بايع المسلمون الإمام تخلّف
عن بيعته سعد. ومن أعضاء الشورى عثمان بن عفان عميد الاُسرة الاُموية ، وقد اختار عمر ـ فيما يقول بعض المؤرّخين ـ هذه العناصر المنافسة للإمام والحاقدة عليه ؛ حتّى لا يؤول الأمر إليه.
وقد تحدّث الإمام (عليه السّلام) عن المؤثّرات التي لعبت دورها في ميدان الانتخاب قال (عليه السّلام) : «لكنّي أسففت إذ أسفوا ، وطرت إذ طاروا ، فصغى رجل منهم لضغنه ، ومال الآخر لصهره ، مع هن وهن».
وعلى أيّ حال ، فإن هذه الشورى لم يكن المقصود منها ـ فيما يقول المحققون ـ إلاّ إقصاء الإمام عن الحكم ، ومنحه للاُمويِّين.
يقول العلائلي : إنّ تعيين الترشيح في ستة مهّد السّبيل لدى الاُمويِّين لاستغلال الموقف ، وتشييد صرح مجدهم على أكتاف المسلمين ، وقد وصل إلى هذه النتيجة السّيد مير علي الهندي [حيث] قال : إنّ حرص عمر على مصلحة المسلمين دفعه إلى اختيار هؤلاء السّتة من خيرة أهل المدينة ، دون أن يتبع سياسة سلفه وكان للاُمويِّين حزب قوي في المدينة ، ومن هنا مهّد اختياره السّبيل لمكائد الاُمويِّين ودسائسهم ، هؤلاء الذين ناصبوا الإسلام العداء ، ثمّ دخلوا فيه وسيلة لسدّ مطامعهم ، وتشييد صرح مجدهم على أكتاف المسلمين(1) .
ثالثاً : لقد عمد عمر في هذه الشورى إلى إبعاد الأنصار فلم يجعل لهم أيّ نصيب فيها ، وهم الذين آووا النبي (صلّى الله عليه وآله) ونصروا الإسلام في أيّام محنته وغربته ، وقد أوصى بهم النبي (صلّى الله عليه وآله) خيراً ، كما أنه لم يجعل نصيباً فيها لعمار وأبي ذر ، وأمثالهما من أعلام الإسلام ، وأكبر الظن أنه إنما أبعدهم لأنّ لهم هوى وميلاً للإمام (عليه السّلام) ، ولا ينتخبون غيره ، ولا يرضون سواه ، ولهذه الجهة أقصاهم ، وقصر أعضاء الشورى على العناصر المعادية له.
__________________
(1) الإمام الحسين (عليه السّلام) 1 / 267.
رابعاً : من غريب أمر هذه الشورى أنّ عمر قد شهد في حقّ أعضائها أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) مات وهو عنهم راضٍ ، أو أنه شهد لهم بالجنّة ، وقد عهد إلى الشرطة بضرب أعناقهم إن تأخّروا عن انتخاب أحدهم ـ حسب ما ذكرناه ـ. ويقول الناقدون لهذه الشورى : إنّ التخلّف عن الانتخاب لم يكن خروجاً عن الدين ، ولا مروقاً عن الإسلام حتّى تباح دماؤهم؟!
فلم يتفق هذا الحكم مع ما أثر عن الإسلام في حرمة إراقة الدماء ، ووجوب التحرّج فيها إلاّ في مواضع مخصوصة ذكرها الفقهاء ، وهذا ليس منها.
بقي هنا شيء آخر لا يقل غرابة عن ذلك التناقض ، وهو أنّ عمر إنما قصر أعضاء الشورى على السّتة بحجّة أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مات وهو عنهم راضٍ ، وهذه الحجّة لا تصلح دليلاً على التعيين ؛ لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) مات وهو راضٍ عن كثير من صحابته ، فتقديم السّتة عليهم غنما هو من باب الترجيح بلا مرجح ، وهو مما يتّسم بالقبح كما يقول علماء الاُصول.
خامساً : إنّ مما يؤخذ على هذه الشورى أنّ عمر جعل الترجيح للجبهة التي تضمّ عبد الرحمان بن عوف ، وقدّمها على الجبهة التي تضمّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وهو تحيّز ظاهر للقوى القرشية الحاقدة على الإمام والباغية عليه ، كما أنّا لا نعلم أنّ هناك أيّ مأثرة يمتاز بها ابن عوف يستحقّ بها هذه الإشادة والتكريم! أليس هو وإخوانه من المهاجرين كطلحة والزبير وغيرهم قد استأثروا بأموال المسلمين وفيئهم حتّى ملكوا من الثراء العريض ما لا يحصى ، وتحيّروا في صرفه وإنفاقه؟ وقد ترك ابن عوف ـ فيما يقول المؤرّخون ـ من الذهب ما يُكسر بالفؤوس لكثرته ، أمثْل هذا يُقدّم على الإمام (عليه السّلام) وهو صاحب المواهب والعبقريات الذي لا ندّ له
في علمه وتقواه وتحرّجه في الدين ، والله تعالى يقول في كتابه :( هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) ؟!
سادساً : إنّ هذه الشورى أوجدت التنافس بين أعضائها ؛ فإنّ كل واحد منهم قد رأى نفسه ندّاً للآخر وكفوأً له ، ولم يكونوا قبل ذلك على هذا الرأي ، فقد كان سعد خاضعاً لعبد الرحمان ، وعبد الرحمان تابع لعثمان ومن خلص أصحابه ومناصريه ، وبعد الشورى حدث بينهما انشقاق غريب ، فكان عبد الرحمان يؤلّب على عثمان ، ويدعو علياً ليحمل كل منهما سيفه ليناجزه.
وقد عهد إلى أوليائه بعد موته أن لا يصلّي عليه عثمان ، وكذلك كان الزبير شيعة للإمام ، وقد وقف إلى جانبه يوم السقيفة ، وتحمّل في سبيله ضروباً شاقّة وعسيرة من الجهد والعناء ، وقد قال في عهد عمر : والله ، لو مات عمر بايعت علياً.
ولكن الشورى قد نفخت فيه روح الطموح فرأى نفسه ندّاً للإمام ففارقه وخرج عليه يوم الجمل ، وهكذا أوجدت الشورى روح التخاصم والعداء بين أعضائها ، فقد رأى كل واحد منهم أنه أولى بالأمر وأحقّ به من غيره ، وقد أدّى التخاصم والنزاع الذي وقع بينهم إلى تصديع كلمة المسلمين وتشتيت شملهم ، وقد أعلن هذه الظاهرة معاوية بن أبي سفيان في حديث مع أبي الحصين الذي أوفده زياد لمقابلته ، فقد قال له معاوية : بلغني أنّ عندك ذهناً وعقلاً ، فأخبرني عن شيء أسألك عنه؟
ـ سلني عمّا بدا لك.
ـ أخبرني ، ما الذي شتّت شمل أمر المسلمين وملأهم وخالف بينهم؟
ـ قتل الناس عثمان.
ـ ما صنعت شيئاً.
ـ مسير علي إليك وقتاله إيّاك.
ـ ما صنعت شيئاً.
ـ مسير طلحة والزبير وعائشة ، وقتال علي إيّاهم.
ـ ما صنعت شيئاً.
ـ ما عندي غير هذا.
ـ أنا اُخبرك أنه لم يشتّت بين المسلمين ولا فرّق أهواءهم إلاّ الشورى التي جعلها عمر إلى ستة نفر ، وذلك أنّ الله بعث محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، فعمل بما أمره الله به ثمّ قبضه الله إليه ، وقدّم أبا بكر للصلاة فرضوه لأمر دنياهم إذ رضيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأمر دينهم ، فعمل بسنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وسار بسيرته حتّى قبضه الله ، واستخلف عمر فعمل بمثل سيرته ، ثمّ جعلها شورى بين ستة نفر فلم يكن رجل منهم إلاّ رجاها لنفسه ، ورجاها له قومه وتطلّعت إلى ذلك نفسه ، ولو أنّ عمر استخلف عليهم كما استخلف أبو بكر ما كان في ذلك خلاف(1) .
إنّ من المظاهر الأوّلية لهذه الشورى إشاعة الأطماع والأهواء السياسية بشكل سافر عند بعض أعضائها ، فاندفعوا إلى خلق الحزبية والتكتلات في المجتمع الإسلامي للوصول إلى كرسي الحكم ، ممّا أدّى ذلك إلى كثير من المضاعفات السيّئة وقد امتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً.
هذه بعض آفات الشورى التي عانى منها المسلمون أقسى ألوان الكوارث والخطوب ، فقد مهّدت الطريق أمام الطلقاء وأبنائهم للاستيلاء على السلطة والقبض على زمام الحكم ، وتخطيط سياسة للدولة لم يألفها المسلمون. ومن أبرز برامجها الاستئثار بالفيء ، ونهب ثروات الاُمّة وخيراتها ، والإمعان في ظلم الأخيار ، والتنكيل بعترة النبي (صلّى الله عليه وآله).
__________________
(1) العقد الفريد 3 / 73 ـ 74.
ولمّا مضى عمر إلى ربّه ، ودفن في مقرّه الأخير أحاط البوليس بأعضاء الشورى فألزمهم بالاجتماع ، واختيار حاكم للمسلمين من بينهم تنفيذاً لوصية عمر ، فاجتمعوا في بيت المال ، وقيل : في بيت مسرور بن مخرمة ، وقد أشرف على الانتخاب الإمام الحسن (عليه السّلام) ، وعبد الله بن عباس ، وبادر المغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص فجلسا في عتبة الباب ، فنهرهما سعد وقال لهما : تريدان أن تقولا حضرنا وكنّا في أهل الشورى(1) ؟
ودلّت هذه البادرة على مدى التنافس والأحقاد فيما بين القوم ، فقد ضنَّ سعد على المغيرة وابن العاص بالحضور خشية أن يقولا للناس كنّا من أهل الشورى.
وتداول الأعضاء فيما بينهم الحديث عمّن هو أحقّ بالأمر وأولى به ، وكثر الصخب والجدل ، وانبرى إليهم الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فحذّرهم مغبّة ما يحدث من الفتن والفساد إن استجابوا لعواطفهم ، ولم يؤثروا مصلحة الاُمّة ، فقال : «لم يسرع أحد قبلي إلى دعوة حقٍّ ، وصلة رحم ، وعائدة كرم ، فاسمعوا قولي وعوا منطقي ؛ عسى أن تروا هذا الأمر من بعد هذا اليوم تنتضي فيه السيوف ، وتخان فيه العهود ، حتّى يكون بعضكم أئمة لأهل الضلال ، وشيعة لأهل الجهالة»(2) .
إنهم لو سمعوا قوله ووعوا منطقه لصانوا الاُمّة من التيارات الجارفة ،
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير.
(2) نهج البلاغة محمد عبده 25 / 31.
وعادوا عليها بالخير العميم ، ولكنهم انطلقوا وراء شهوات المُلك والسلطان ، وتحقق ما تنبّأ به الإمام ؛ فلم يمضِ قليل من الوقت حتّى انتضت السيوف وانتشرت الحروب ، وسادت الفتن والأهواء ، وصار بعضهم أئمة لأهل الضلالة وشيعة لأهل الجهالة.
وعمّ الجدل بين القوم فلم ينتهوا إلى غاية مريحة فانفضت الجلسة على غير طائل ، وجماهير الشعب تنتظر بفارغ الصبر النتيجة الحاسمة ، وعقد الاجتماع مرّة اُخرى إلاّ أنّه باء بالفشل ، فأشرف عليهم أبو طلحة الأنصاري وهو يتهدّد ويتوعّد ، قائلاً : لا والذي نفس عمر بيده ، لا أزيدكم على الأيّام الثلاثة التي أمرتم.
واقترب اليوم الثالث ، وهو آخر موعد للقوم ، فانعقد الاجتماع وبدت فجأة الاندفاعات القبلية التي شذت عن مصلحة الاُمّة ، فقد انبرى طلحة فوهب حقّه لعثمان ، وإنما فعل ذلك استجابة لعواطفه المترعة بالكراهية للإمام ؛ لأنه نافس ابن عمّه أبا بكر على الخلافة ، واندفع الزبير فوهب حقّه للإمام ؛ لأنه تربطه به رحم ماسّة. وانطلق سعد فوهب حقّه لابن عمّه عبد الرحمان بن عوف ؛ تقوية لجانبه ، وتعزيزاً لمركزه.
وكان رأي عبد الرحمان هو الفيصل ، وجانبه هو المرموق ؛ لأن عمر قد وضع ثقته به ، وأناط به أمر الشورى ، إلاّ أنه كان ضعيف الشخصية هزيل الإرادة ، لا قدرة له على تحمّل مسؤولية الحكم فأجمع رأيه على أن يرشّح غيره للخلافة ، وكان له هوى مع عثمان ؛ لأنه صهره ، وقد استشار عامّة القرشيِّين في الأمر فزهدوه في علي ، وحرّضوه على انتخاب عثمان ؛ لأنه يحقق أطماعهم ورغباتهم.
وحلّت الساعة الرهيبة التي غيّرت مجرى التاريخ ، فقال عبد الرحمان لابن اُخته : يا مسوّر ، اذهب فادعُ علياً وعثمان.
ـ بأيّهما أبدأ؟
ـ بأيّهما شئت.
وانطلق مسور فدعاهما وازدحم المهاجرون والأنصار وسائر الناس في الجامع ، فانبرى عبد الرحمان فعرض عليهم الأمر وقال : أيها الناس ، إنّ الناس قد اجتمعوا على أن يرجع أهل الأمصار إلى أمصارهم فأشيروا عليّ.
فتقدّم إليه الطيّب ابن الطيّب عمار بن ياسر فأشار عليه بما يضمن للاُمّة سلامتها ويصونها من الفرقة والاختلاف قائلاً : إن أردت أن لا يختلف المسلمون فبايع علياً.
وانطلق المقداد فأيّد مقالة عمار قائلاً : صدّق عمار ، إن بايعت علياً سمعنا وأطعنا.
واندفعت القوى الباغية والحاقدة على الإسلام وهي تشجب مقالة عمار والمقداد ، وتدعوا إلى ترشيح عثمان عميد الاُمويِّين ، وقد هتف عبد الله بن أبي سرح فخاطب ابن عوف قائلاً : إن أردت أن لا تختلف قريش فبايع عثمان. واندفع عبد الله بن أبي ربيعة فأيّد مقالة زميله قائلاً : إن بايعت عثمان سمعنا وأطعنا.
وانبرى الصحابي العظيم عمار بن ياسر فردّ على ابن أبي سرح قائلاً : متى كنت تنصح للمسلمين؟
وصدق عمّار فمتى كان ابن أبي سرح ينصح المسلمين أو يرجو وقاراً
للإسلام ، فقد كان من أعدى الناس إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد أمر بقتله بعد فتح مكة ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة(1) . إنه لو كان هناك أيّ منطق أو حساب لأقصى هذا الدعي وأمثاله من التدخّل في شؤون المسلمين ، فإنّ بني اُميّة وسائر القبائل القرشية يجب أن تكون في ذيل القافلة ولا يعنى بأمرها ؛ لأنها هي التي ناجزت النبي (صلّى الله عليه وآله) وحرّضت عليه القبائل وكادته ، وما دخلت في الإسلام إلاّ بعد الخوف من حدّ السيوف ، فكيف يُسمح لها أن تفرض رأيها ، ويؤول إليها أمر المسلمين؟
واحتدم الجدال بين الهاشميِّين والاُمويِّين ، فانبرى عمار بن ياسر وهو يدعو لصالح المسلمين قائلاً : أيها الناس ، إنّ الله أكرمنا بنبيّه ، وأعزّنا بدينه ، فإلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم؟!
لقد كان منطق عمار حافلاً بروح الإسلام وهديه ، فإنّ قريشاً وسائر العرب إنما أعزّها الله بدينه ، وأسعدها برسوله ، فهو مصدر عزّ العرب وشرفهم ، وكان الواجب عليهم أن يقابلوه بالمعروف والإحسان ، فلا يخرجون هذا الأمر عن أهله الذين هُم سدنة علمه ، وخزنة وحيّه ، إنه ليس من العدل في شيء أن يمنعوا جاهدين في قهرهم وإذلالهم.
وانبرى رجل من مخزوم فقطع على عمّار كلامه قائلاً له : لقد عدوت طورك يابن سميّة ، وما أنت وتأمير قريش لأنفسها؟
ولم يدخل أيّ بصيص من نور الإسلام وهديه في قلب هذا المخزومي ، فقد راح يندّد بعمار فنسبه لاُمّه سمية وهي ممّن يعتزّ بها الإسلام ، ويفخر بنضالها المشرق ، وتضحيتها الفذّة ، فهي وزوجها ياسر وابنهما البار في
__________________
(1) الاستيعاب 2 / 375.
طليعة القوى الخيّرة المؤسّسة للإسلام ، وقد عانت في سبيله أقسى ألوان المحن والخطوب.
إنّ أمر الخلافة لجميع المسلمين يشترك فيه ابن سميّة وغيره من الضعفاء الذين أعزّهم الله بدينه ، وليس لطغاة قريش أيّ حق في التدخّل بشؤون المسلمين لو كان هناك منطق أو حساب.
وكثر النزاع واحتدم الجدال بين القوى الإسلاميّة وبين القرشيين ، فخاف سعد أن يفوت الأمر من القوم ، فالتفت إلى ابن عمّه عبد الرحمن قائلاً له : يا عبد الرحمن ، افرغ من أمرك قبل أن يفتتن الناس. والتفت عبد الرحمن إلى الإمام (عليه السّلام) : هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنّة نبيّه ، وفعل أبي بكر وعمر؟ ورمقه الإمام (عليه السّلام) بطرفه وعرف غايته ، فأجابه بمنطق الإسلام ومنطق الأحرار : «بل على كتاب الله ، وسنّة رسوله ، واجتهاد رأيي».
إنّ مصدر التشريع في الإسلام إنما هو كتاب الله وسنّة نبيّه ، فعلى ضوئها تعالج مشاكل الرعيّة ، ويسير نظام الدولة ، وليس فعل أبي بكر وعمر من مصادر التشريع الإسلامي ، على أنهما اختلفا أشدّ الاختلاف في النظم السياسية ، فقد انتهج أبو بكر في سياسته المالية منهجاً أقرب إلى المساواة من سياسة عمر ، فإنه ألغى المساواة في العطاء وأوجد نظام الطبقية ، فقدّم بعض المسلمين على بعض ، وشرّع حرمة المتعتين : متعة الحج ومتعة النساء ، في حين أنهما كانتا مشروعتين في عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وأبي بكر. وكانت له آراؤه الخاصة في كثير من المجالات التشريعية ،
فعلى أيّ المنهجين يسير ابن أبي طالب ربيب الوحي ورائد العدالة الاجتماعية في الإسلام؟!
إنّ ابن عوف يعلم علماً جازماً لا يخامره أدنى شكّ أنّ الإمام لو تقلّد زمام الحكم لطبّق شريعة الله في الأرض ، وساس المسلمين سياسة قوامها العدل الخالص والحقّ المحض ، ولم يمنح الاُسر القرشيّة أيّ جهة من الامتياز وساوى بينها وبين غيرها في جميع الحقوق والواجبات ، فتفوت بذلك مصالح هذه الطبقة التي جنت على الإسلام ، وجرّت للمسلمين أعظم الويلات والخطوب.
إنّ الإمام لو وافق على الالتزام بما شرط عليه ابن عوف لَما أمكنه أن يطبّق أيّ منهج من مناهج سياسته الهادفة إلى نشر العدل بين الناس ، ومن المقطوع به أنّ الإمام حتّى لو التزم بهذا الشرط ظاهراً لحالت قريش بينه وبين تطبيق أهدافه ، ولم تدع له أيّ مجال لتحقيق العدالة الاجتماعية ، ويكون خروجها عليه مشروعاً ؛ لأنه لم يفِ لها بوعده.
وعلى أيّ حال فإن عبد الرحمن لمّا يئس من تغيير اتّجاه الإمام انبرى إلى عثمان فشرط عليه ذلك فسارع إلى إجابته ، وأظهر استعداده الكامل لكل ما شرطه عليه ، وفيما أحسب أنّ هناك اتفاقاً سريّاً بينهما أحيط بكثير من الكتمان ، فإنه بأيّ حال لا ينتخب الإمام وإن أجابه إلى ما شرطه عليه ، وإنما طلب منه البيعة لأجل التغطية على مخططاته فاستعمل هذه المناورة السياسية ، ويرى بعض المؤرّخين من الإفرنج إلى أنّ عبد الرحمن استعمل طريقة المداورة والانتهازية ، ولم يترك الانتخاب يجري حرّاً.
يقول المؤرّخون : إنّ عبد الرحمن بادر إلى عثمان فصفق بكفه على يده وقال له : اللّهمّ إنّي قد جعلت ما في رقبتي من ذاك في رقبة عثمان.
ووقعت هذه المبادرة كصاعقة على القوى الخيّرة التي جهدت على أن يسود حكم الله بين المسلمين ، وانطلق الإمام صوب ابن عوف فخاطبه قائلاً : «والله ، ما فعلتها إلاّ لأنك رجوت منه ما رجا صاحبكما من صاحبه. دقّ الله بينكما عطرَ منشِم»(1) .
وألقى الإمام (عليه السّلام) الأضواء على اختيار عبد الرحمان لعثمان من أنه لم يكن من صالح الاُمّة وإنما كان وليد الأطماع والأهواء السياسية ، فقد رجا ابن عوف أن يكون خليفة من بعد عثمان ، واتّجه الإمام صوب القرشيين فقال لهم : «ليس هو أوّل يوم تظاهرتم فيه علينا ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ».
ولذع منطق الإمام ابن عوف فراح يهدّده : يا علي ، لا تجعل على نفسك سبيلاً.
وغادر الإمام المظلوم المهتضم قاعة الاجتماع ، وهو يقول : «سيبلغ الكتاب أجله».
وانطلق ابن الإسلام البار عمار بن ياسر فخاطب ابن عوف : يا عبد الرحمان ، أما والله لقد تركته وإنه من الذين يقضون بالحقِّ وبه كانوا يعدلون.
وكان المقداد ممّن ذابت نفسه أسىً وحزناً ، وراح يقول :
__________________
(1) منشِم (بكسر الشين) : اسم امرأة بمكّة كانت عطّارة ، وكانت خزاعة وجرهم إذا أرادوا القتال تطيّبوا من طيبها ، فإذا فعلوا ذلك كثرت القتلى فيما بينهم ، فكان يقال : أشأم من عطر منشم. جاء ذلك في صحاح الجوهري 5 / 2041. وقد استجاب الله دعاء الإمام (عليه السّلام) فكانت بين عثمان وعبد الرحمان أشدّ المنافرة والخصومة ، وقد أوصى ابن عوف أن لا يصلّي عليه عثمان بعد موته.
تا الله ، ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيّهم!
وا عجباً لقريش! لقد تركت رجلاً ما أقول ولا أعلم أنّ أحداً أقضى بالعدل ، ولا أعلم ولا أتقى منه لو أجد أعواناً.
وقطع عليه عبد الرحمان كلامه وراح يحذّره من الفتنة قائلاً : اتق الله يا مقداد ، فإني خائف عليك الفتنة.
وانتهت بذلك مأساة الشورى التي أخلدت للمسلمين الفتن وألقتهم في شرٍّ عظيم ، فلم يرعَ في تأسيسها وتنفيذها بهذا الشكل أيّ حقّ للاُسرة النبوية ، وإنما عمد القوم بشكل سافر إلى الغضّ من شأنها ، ومعاملتها معاملة عادية اتّسمت بالحقد والكراهية لها ، وضاعت بذلك وصايا النبي (صلّى الله عليه وآله) في حقّها ، ولم يعنَ بما قاله في شأنها من أنها عديلة الكتاب العظيم ، أو كسفينة نوح مَن ركبها نجا ومَن تخلّف عنها غرق غرق وهوى.
لقد شاهد الإمام الحسين (عليه السّلام) وهو في غضارة العمر فصول هذه الشورى ، وما أعقبته من انتشار الأطماع السياسية ، والتهالك على السلطة بشكل فظيع ، مما أدّى إلى تشكيل الأحزاب ، والتسلّح بأسباب القوّة لأجل الفوز بالحكم والظفر بخيراته ، يقول الشاعر :
إني أرى فتنةً هاجتْ مراجلُها |
والمُلكُ بعد أبي ليلٍ لمَن غلبا |
لقد أصبح الحُكم هو الأمل المنشود والحلم الذي يداعب جميع الفئات ، يقول الجهيشاري : لمّا توفّي يزيد بن عبد الملك وأفضي الأمر إلى هشام أتاه الخبر وهو في ضيعة له مع جماعة ، فلمّا قرأ الكتاب سجد وسجد مَن كان معه من أصحابه خلا سعيد فإنه لم يسجد ، فأنكر عليه هشام وقال له : لِمَ لَم تسجد؟
ـ علامَ أسجد؟ أعلى إن كنت معنا فطرت إلى السماء.
ـ إنّا طيّرناك معنا.
ـ الآن طاب السجود. وسجد معهم(1) .
ودلّت هذه البادرة وأمثالها ـ مما ذكره المؤرّخون ـ على تهالك ذلك المجتمع على الحكم ، لا من أجل أن يتخذ وسيلة للصلاح الاجتماعي وتطوير حياة الاُمّة حسب ما يريده الإسلام ، وإنما من أجل الأطماع والاستعلاء على الناس.
وعلى أيّ حال ، فإن تلك الأحداث المؤلمة قد باعدت ما بين القوم وبين دينهم ، وكان لها الأثر الايجابي في هضم العترة الطاهرة ، وتعاقب الخطوب المفزعة عليها ، ومن بينها كارثة كربلاء الخالدة في دنيا الأحزان ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة الشيخين.
__________________
(1) الوزراء والكتاب / 59.
حكومة عثمان
واستقبل المسلمون خلافة عثمان بكثير من القلق والوجوم والاضطراب ، وفزعت القوى الخيّرة وخافت على دينها ، واعتبرت فوز الاُمويِّين بالحكم انتصاراً للقوى المناهضة للإسلام.
ويرى (دوزي) : إنّ انتصار الاُمويِّين إنما هو انتصار للجماعة التي كانت تضمر العداء للإسلام(1) .
وتحقق ما خشيه المسلمون وخافوه ، فإنه لم يمضِ قليل من الوقت حتّى جهدت حكومة عثمان على مملاة القرشيين ، ومصانعة الوجوه والأعيان ، ومنحهم الامتيازات الخاصة وتسليطهم على فيء المسلمين وخراجهم ، والتلاعب باقتصاد الدولة ، ومنح الوظائف العالية لبني اُميّة وآل أبي معيط وغيرهم من الذين لا يرجون لله وقاراً ، حتّى سادت الفوضى وعمّت الفتن جميع أرجاء البلاد.
وعلى أي حال ، فإنّ عثمان حينما فرضه ابن عوف خليفة على المسلمين حفّت به بنو اُميّة وسائر القبائل القرشية ، وهم يعلنون الدعم الكامل لحكومته ، ويهتفون بحياته ، وجاؤوا به يزفّونه إلى مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ليعلن سياسة دولته وموقفها تجاه القضايا الداخلية والخارجية. واعتلى أعواد المنبر فجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولم يجلس فيه أبو بكر وعمر ، وإنما كان يجلس أبو بكر دونه بمرقاة ، وعمر كان يجلس دونه بمرقاة ، وتكلم الناس في ذلك فقال بعضهم : اليوم وُلد الشرّ(2) .
واتّجهت الناس بقلوبها ومشاعرها لتسمع الخطاب السياسي الذي يلقيه عثمان إلاّ إنّه حينما نظر إلى الجماهير ارتجّ عليه ، فلم يدرِ ما يقول وجهد نفسه فتكلم بهذه الكلمات المضطربة التي لم تلق أي أضواء على سياسته ، فقد قال :
__________________
(1) اتجاهات الشعر العربي / 26.
(2) تاريخ ابن كثير 7 / 148 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 140.
أما بعد ، فإنّ أول مركب صعب ، وما كنا خطباء ، وسيعلم الله وإنّ امرأً ليس بينه وبين آدم إلاّ أب ميت لموعوظ(1) . ونزل عن المنبر وهو وجل القلب ، مصفرّ الوجه ، فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض وهم يهزؤون ويسخرون.
ولا بدّ لنا من الإلمام بمظاهر شخصيته والوقوف على اتجاهاته السياسية ، كما لابد من التأمل في الأحداث التي رافقت حكومته والتي كان لها التأثير المباشر في كثير من الفتن والخطوب التي مُني بها العالم الإسلامي ، ونحن لا نجد بُداً من عرض ذلك ؛ لأنّ دراسة هذه الأحداث تلقى الأضواء على حياة الإمام الحسين (عليه السلام) ، ويكشف لنا كثيراً من جوانب كارثة كربلاء التي جاءت نتيجة حتمية لتلك الأحداث التي لعبت دورها الخطير في تغيير مناحي العقيدة الإسلاميّة.
أما المظاهر الكاشفة عن أبعاد شخصية عثمان ، والمحددة لذاتياته ، فأهمها ما يلي :
1 ـ إنّه كان ضعيف الإرادة خائر العزيمة ، فلم تكن له أيّة شخصية قوية متماسكة يستطيع بها أن يفرض آراءه وإرادته ، كما لم تكن له أيّة قدرة على مواجهة الأحداث والتغلب عليها ، قد أخذ الاُمويّون بزمامه ، واستولوا على جميع مقدرات حكومته ، فلم يستطع أن يقف موقفاً إيجابياً يتّسم بالصلابة ضد رغباتهم وأهوائهم ، فكان بالنسبة إليهم ـ فيما يقول بعض المؤرّخين ـ كالميت في يد الغاسل ، وكان الذي يدير شؤون دولته مروان بن الحكم ، فهو الذي يعطي ما يشاء ويمنع مَنْ يشاء ، ويتصرّف في
__________________
(1) الموفقيّات / 202.
مقدّرات الاُمّة حسب ميوله من دون أن يعني بأحكام الإسلام ، ولا رأى لعثمان ولا اختيار له في جميع الأحداث التي تواجه حكومته ؛ فقد وثق بمروان واعتمد عليه ، وأناط به جميع شؤون الدولة.
يقول ابن أبي الحديد نقلاً عن بعض مشايخه : إنّ الخليفة في الحقيقة والواقع إنما كان مروان ، وعثمان له اسم الخلافة.
إنّ قوة الإرادة لها الأثر التام في تكوين الشخصية واستقامتها ، فهي تكسب الشخص قوة ذاتية يستطيع أن يقف بحزم أمام التيارات والأعاصير التي تواجهه في هذه الحياة ، ومن المستحيل أن يحقق الشخص أي هدف لاُمّته ووطنه من دون أن تتوفر فيه هذه النزعة ، وقد منع الإسلام منعاً باتاً أن يتولى ضعيف الإرادة قيادة الاُمّة ، وحظر عليه مزاولة الحكم ؛ لأنّه يعرض البلاد للويلات والخطوب ، ويغري ذوي القوة بالتمرّد والخروج من الطاعة ، وتمنى الاُمّة بالأزمات والأخطار.
ووصفه بعض المؤرّخين بالرأفة والرقّة ، واللين والتسامح إلاّ أن ذلك كان مع اُسرته وذويه ، أما مع الجبهة المعارضة لحكومته فقد كان شديد القسوة ؛ فقد بالغ في إرهاقهم واضطهادهم ، وقابلهم بمزيد من العسف والعنف ؛ فنفى أبا ذر من يثرب إلى الربذة ، وفرض عليه الإقامة الجبرية في مكان انعدمت فيه جميع وسائل الحياة حتّى مات طريداً غريباً ، ونكل بالصحابي العظيم عمار بن ياسر فأمر بضربه حتّى أصابه فتق ، وألقته شرطته في الطريق مغمى عليه ، وأوعز إلى شرطته بضرب القارئ الكبير عبد الله بن مسعود فألهبت جسمه سياطهم ، وألقوه في الطريق بعد أن هشموا بعض أضلاعه ، وحرم عليه عطاءه ، وهكذا اشتدّ في القسوة مع أعلام المعارضة.
نعم كان شديد الرأفة والرقّة بأرحامه من بني اُميّة وآل أبي معيط ؛
فمنحهم خيرات البلاد ، وحملهم على رقاب الناس ، وأسند إليهم جميع المناصب الحساسة في الدولة.
2 ـ وظاهرة ثانية من نزعات عثمان هو أنه كان شديد القبلية فقد أترعت نفسه بالعواطف الجياشة تجاه قبيلته ، حتّى تمنى أن تكون مفاتيح الفردوس بيده ليهبها لبني اُميّة ، وقد آثرهم بالفيء ، ومنحهم الثراء العريض ، ووهبهم الملايين من أموال الدولة ، وجعلهم ولاة على الأقطار والأقاليم الإسلاميّة. وكانت تتواتر لديه الأخبار بأنهم جانبوا الحقَّ ، وظلموا الرعية ، وأشاعوا الفساد في الأرض ، فلم يعنَ بذلك ، ولم يفتح معهم أي لون من ألوان التحقيق ، وردّ الشكاوى الموجّهة ضدّهم. وسنعرض لذلك بمزيد من التفصيل.
3 ـ والظاهرة الثالثة من نزعات عثمان هو أنّه كان يميل إلى الترف والبذخ ، ولم يعن ببساطة العيش والزهد في الدنيا كما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فافتتن بالبذخ والترف ؛ فأخذ القصور ، واصطفى لنفسه ما شاء من بيت المال ، وأحاط نفسه بالثراء العريض من دون أن يتحرّج في ذلك.
ووصفه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله : «نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه». وكان ذلك من موجبات النقمة عليه ، وسنتحدث عن هذه الظاهرة بمزيد من التفصيل عند البحث عن سياسته المالية.
هذه بعض نزعات عثمان ، وقد أوجبت إخفاقه وفشله في الميادين السياسية ، وإذاعة التذمّر والنقمة عليه.
أما النظم الإدارية السائدة في حكومة عثمان فإنّها كانت تعني بمملاة
القرشيين ، ومصانعة الوجوه والأعيان ، والتسامح واللين مع ذوي النفوذ والقوة ، والغض عما يقترفونه من المخالفات القانونية ؛ فقد تعمد عبيد الله بن عمر جريمة القتل ، فقتل بغير حق الهرمزان وجُفينة وبنت أبي لؤلؤة ، وقد أقفل معه عثمان سير التحقيق ، وأصدر مرسوماً خاصاً بالعفو عنه ؛ مملاة لاُسرة عمر. وقد قوبل هذا الإجراء بمزيد من الإنكار ، فقد اندفع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى الإنكار عليه ، وطالبه بالقود من ابن عمر ، وكذلك طالبه المقداد ، ولكن عثمان لم يعن بذلك ، وكان زياد بن لبيد إذا لقى عبيد الله يقول له :
ألا يا عبيدَ الله ما لك مهربٌ |
ولا ملجأٌ من ابن أروى ولا خفرْ |
|
أصبت دماً والله في غير حلّهِ |
حراماً وقتلُ الهرمزانِ له خطرْ |
|
على غير شيءٍ غير أن قال قائلٌ |
أتتّهمون الهرمزان على عُمرْ |
|
فقال سفيهٌ والحوادث جمّة |
نعم أتّهمهُ قد أشار وقد أمرْ |
|
وكان سلاحُ العبد في جوف بيتِهِ |
يقلّبهُ والأمر بالأمر يُعتبرْ |
وشكا عبيد الله إلى عثمان ، فدعا زياداً فنهاه عن ذلك إلاّ أنّه لم ينته ، وتناول عثمان بالنقد ، فقال فيه :
أبا عمرٍو عبيدُ الله رهنٌ |
فلا تشكك بقتل الهرمزانِ |
|
فإنّك إن غفرتَ الجُرمَ عنهُ |
وأسبابَ الخطا فرسا رهانِ |
|
أتعفو إذ عفوت بغير حقٍّ |
فما لك بالذي تخلي يدانِ |
وغضب عثمان على زياد فنهاه وحذّره العقوبة حتّى انتهى(1) . وأخرج عبيد الله من يثرب إلى الكوفة وأقطعه بها أرضاً ، فنسب الموضع إليه ، فقيل : (كوفية ابن عمر). وقد أثارت هذه البادرة عليه نقمة الأخيار والمتحرّجين في دينهم ، فقد رأوا أنّ الخليفة عمد بغير وجه مشروع إلى
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 41.
تعطيل حدود الله ؛ ارضاءً لعواطف آل الخطاب وكسباً لودهم.
وعلى أي حال ، فإن النظم الإدارية السائدة في أيام عثمان كانت خاضعة لمشيئة الاُمويِّين ورغباتهم ، ولم تسرِ على ضوء الكتاب والسنة ، فقد عمد الاُمويّون جاهدين إلى العبث بمقدّرات الاُمّة ، وإشاعة الجور في البلاد ، ويرى (كرد علي) أن غلطات عثمان الإدارية كانت من أهم الأسباب في قتله(1) .
وعمد عثمان إلى فرض أسرته وذوي قرباه على الاُمّة ، فجعلهم ولاة وحكّاماً على الأقاليم الإسلاميّة. يقول المقريزي : وجعل عثمان بني اُميّة أوتاد خلافته(2) .
ولم تتوفر فيهم المقدرة الإدارية أو القابلية على تحمّل مسؤولية الحكم ، فعرّضوا البلاد للويلات ، وأشاعوا فيها الفساد والجور ، ويقول المؤرخون : إنّه شجّع عمّاله على الاستفادة من بيت المال ؛ فأبو موسى الأشعري سمح لأحد عمّاله بالتجارة في أقوات أهل العراق(3) . ويرى السيد (مير علي) أن المسلمين تذمّروا من استبداد الحكام واغتصابهم الأموال(4) .
وفيما يلي بعض عمّاله :
وأسند عثمان ولاية الكوفة إلى سعيد بن العاص ، فولاّه أمر هذا القطر
__________________
(1) الإدارة الإسلاميّة / 57.
(2) النزاع والتخاصم / 18.
(3) تاريخ الطبري 4 / 262.
(4) مختصر تاريخ العرب / 43.
العظيم بعد عزله الوليد بن عقبة ؛ لاقترافه جريمة شرب الخمر ، وقد استقبل الكوفيون واليهم الجديد بالكراهية وعدم الرضى ؛ لأنه كان شاباً مترفاً متهوّراً لا يتحرّج من المنكر. يقول المؤرّخون : إنّه قال مرّة في رمضان : مَنْ رأى منكم الهلال؟ فقام الصحابي العظيم هاشم بن عتبة المرقال فقال : أنا رأيته. فلم يعنَ به وإنما وجَه إليه منكر القول وأقساه ، قائلاً :
بعينك هذه العوراء رأيته؟!
فالتاع هاشم وانبرى منكراً عليه قائلاً : تعيّرني بعيني وإنما فُقئت في سبيل الله! وكانت عينه اُصيبت يوم اليرموك.
وأصبح هاشم مفطراً ؛ عملاً بقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته». وفطر الناس لإفطاره ، وانتهى الخبر إلى سعيد ، فأرسل إليه وضربه ضرباً مبرحاً وحرق داره ، وقد أثار ذلك حفائظ النفوس ونقم عليه الناس ؛ لأنه اعتدى بغير حق على علم من أعلام الجهاد في الإسلام(1) .
وكان سعيد في منتهى الطيش والغرور ، فقد اُثر عنه أنه قال : إنما السواد ـ يعني سواد الكوفة ـ بستان لقريش. وأثار ذلك عليه موجة من الغضب والاستياء ؛ فقد اندفع زعيم الأحرار مالك الأشتر راداً عليه قائلاً : أتجعل مراكز رماحنا وما أفاء الله علينا بستاناً لك ولقومك؟! والله ، لو رامه أحد لقرع قرعاً يتصأصأ منه.
وهكذا اتّخذ الحكم المنحرف الذي فرض على الاُمّة بقوة السيوف خيرات المجتمع بستاناً لقريش التي ناهضت الإسلام وناجزته الحرب.
وانضم قرّاء المصر وفقهاؤهم إلى الزعيم مالك الأشتر مؤيدين مقالته ، ومنكرين
__________________
(1) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 240.
على الوالي غروره وطيشه ، وغضب مدير شرطة سعيد فرد عليهم رداً غليظاً فبادروا إليه فضربوه ضرباً عنيفاً حتّى أغمي عليه ، وقاموا من مجلسه وأطلقوا ألسنتهم بنقده ، وذكر مثالب عثمان وسيئاته ، وأخذوا يذيعون سيئات قريش وجرائم بني اُميّة ، ورفع سعيد من فوره رسالة إلى عثمان أخبره فيها بشأن القوم ، فأجابه عثمان بأن ينفيهم إلى الشام ، وكتب في نفس الوقت رسالة إلى معاوية يأمره فيها باستصلاحهم.
ولم يرتكب هؤلاء الأحرار إثماً أو فساداً ، ولم يقترفوا جرماً حتّى يقابلوا بالاضطهاد والنفي ، وإنما نقدوا أميرهم ؛ لأنه قال غير الحقِّ ، وشذّ عن الطريق القويم ، وقد منح الإسلام الحرية التامة لنقد الحاكمين والمسؤولين إذا شذّوا في سلوكهم وجاروا على رعيتهم ، وجعل هذه الحرية حقّاً ذاتياً لكلِّ مواطن ، وألزم الدولة برعايتها وتوفيرها للناس.
وعلى أي حال ، فقد قامت السلطة بإخراجهم بالعنف والقهر من أوطانهم وأرسلتهم إلى الشام ، فتلقّاهم معاوية وأمر بإنزالهم في كنيسة ، وأجرى لهم بعض الرزق ، وجعل يناظرهم ويعظهم ، ويحبّذ لهم مسالمة السلطة والرضى بسياستها ، إلاّ أنهم لم يستجيبوا له ، وأنكروا عليه ما قاله سعيد : من أن السواد بستان لقريش ، معلنين على أنه لا ميزة للقبائل القرشية على غيرها حتّى تختصّ بخيرات البلاد.
ولما يئس منهم معاوية كتب إلى عثمان يستعفيه من بقائهم في الشام ؛ خوفاً من أن يفسدوا أهلها عليه ، فأعفاه عثمان وأمره بردّهم إلى الكوفة ، فلمّا عدوا إليها انطلقت ألسنتهم بالنقد في ذكر مثالب الاُمويِّين ومساوئهم ، ورفع سعيد أمرهم إلى عثمان ثانياً ، فأمره بنفيهم عن وطنهم إلى حمص والجزيرة ، فأخرجهم من وطنهم إلى حمص ، فقابلهم واليها عبد الرحمان بن خالد بأعنف القول وأقساه ، وسامهم سوء العذاب ، وأمعن في إرهاقهم
والتنكيل بهم ، فكان فيما يقول الرواة : إذا ركب أمر بهم ليسيروا حول ركابه مبالغة في إذلالهم واحتقارهم ، ولما رأوا تلك القسوة أظهروا الطاعة والإذعان للسلطة ، وكتب إلى عثمان في شأنهم ، فأجابه إلى ذلك وأمره بردّهم إلى الكوفة ، ولما نزحوا عن حمص جعلوا طريقهم إلى يثرب لمقابلة عثمان ، فلما انتهوا إليها قابلوه وعرضوا عليه ما عانوه من التنكيل والإرهاق.
ولم يلبثوا قليلاً حتّى فاجأهم سعيد ، فقد جاء في مهمّة رسمية إلى عثمان ، فوجد القوم عنده يشكونه ويسألونه عزله ، إلاّ أنّه أعرض عنهم ولم يستجب لهم ، وألزمهم بالانصياع إلى أوامر واليهم ، كما أمره أن يرجع ويزاول عمله.
وقفل القوم قبله راجعين إلى مصرهم وقد سبقوه إليه ، فقاموا باحتلاله ، وأقسموا أن لا يدخله سعيد ما حملوا سيوفهم ، ثم خرجوا في جماعة مسلّحين بقيادة الزعيم مالك الأشتر حتّى انتهوا إلى (الجرعة) ، فرابطوا فيها ليحولوا بين سعيد وبين دخوله إلى الكوفة ، وأقبل سعيد فقاموا إليه وعنّفوه أشدّ العنف ، وحرموا عليه دخول مصرهم ، فولّى منهزماً إلى عثمان يشكوهم إليه ، ولم يجد عثمان بدّاً من عزله ، فعزله وولّى غيره مكانه على كره منه(1) .
وعلى أي حال ، فإنّ عثمان قد نكل بالناقدين لسعيد بن العاص ، وهم قرّاء المصر وفقهاؤه ، ونفاهم عن أوطانهم من أجل شاب طائش متهوّر ؛ لأنه من اُسرته وذويه ، وكان ذلك من موجبات النقمة عليه لا في الكوفة وإنما في جميع الأقاليم الإسلاميّة التي انتهى إليها أمرهم.
وعبد الله بن عامر بن كريز هو ابن خال عثمان ، وقد ولاّه إمارة
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 85 ، تاريخ أبي الفداء 1 / 68 ، الأنساب 5 / 39 ـ 43.
البصرة بعد أن عزل عنها أبا موسى الأشعري ، وكان عمره أربعاً أو خمساً وعشرين سنة(1) ، وقد اختاره لولاية هذا المصر العظيم ، وكان الأولى أن يختار له من ثقاة الصحابة وخيارهم ؛ لتستفيد الناس من هديه وصلاحه وتقواه ، وتستمد منه الخير والرشاد ، ولكنه لم يعن بذلك ، وإنما عمد إلى ولايته ؛ لأنه ابن خاله.
وقد سار ـ فيما يقول الرواة ـ سيرة ترف وبذخ ، فكان ولاّجاً خرّاجاً كما وصفه الأشعري(2) ؛ فهو أول مَنْ لبس الخز في البصرة ، وقد لبس جبة دكناء ، فقال الناس : لبس الأمير جلد دب! فغيّر لباسه ولبس جبة حمراء(3) . وقد أنكر عليه سياسته وسيرته عامر بن عبد الله التميمي ، كما عاب على عثمان سلوكه وسيرته.
وقد روى الطبري أنه اجتمع ناس من المسلمين فتذاكروا أعمال عثمان ، فاجتمع رأيهم أن يبعثوا إليه رجلاً يكلّمه ويخبره بأحداثه ، واختاروا عامر بن عبد الله لمقابلته ، ولمّا التقى به قال له : إن ناساً من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت اُموراً عظاماً ، فاتّقِ الله عزّ وجلّ وتب إليه وانزع عنها.
فاحتقره عثمان وأعرض عنه ، وقال لمَنْ حوله : انظروا إلى هذا! فإنّ الناس يزعمون أنه قارئ ، ثم هو يجيء فيكلّمني في المحقرات ، فوالله ما يدري أين الله.
وما هي المحقرات التي كلّمه بها؟ إنّه لم يكلّمه إلاّ بتقوى الله والعدل في الرعية ، وإيثار مصلحة المسلمين ، واتّباع سيرة النبي (صلّى الله عليه وآله) ، ولكن عثمان شق عليه ذلك واعتبر نصيحته من المحقرات.
__________________
(1) الاستيعاب المطبوع على هامش الإصابة 2 / 253.
(2) الكامل 3 / 38.
(3) اُسد الغابة 3 / 192.
والتفت إليه عامر فقال ساخراً منه : أنا لا أدري أين الله؟!
ـ نعم.
ـ إني لأدري إن الله بالمرصاد.
وغضب عثمان فأرسل إلى مستشاريه وعمّاله فعرض عليهم نقمة المعارضين له ، ونقل لهم حديث عامر معه ، وطلب منهم الرأي في ذلك ، فأشار عليه ابن خاله عبد الله بن عامر قائلاًَ : رأي لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك ، وأن تجمهرهم في المغازي حتّى يذلّوا لك ، فلا يكون همّة أحدهم إلاّ نفسه ، وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته.
وأشار عليه آخرون بخلاف ذلك ، إلاّ أنه استجاب لرأي عبد الله الداعي إلى مقابلة الناقمين عليه بالعسف والعنف وردّ عماله ، وأمرهم بالتضييق على المعارضين له ، كما أمرهم بتجمير الناس في البعوث ، وعزم على تحريم عطائهم حتّى يشيع الفقر والبؤس فيهم فيضطروا إلى طاعته(1) .
ولمّا قفل عبد الله بن عامر إلى البصرة عمد إلى التنكيل بعامر بن عبد الله ، وأوعز إلى عملائه أن يشهدوا عليه شهادة زور وبهتان بأنه قد خالف المسلمين في اُمور أحلّها الله ، وأنه لا يأكل اللحم ، ولا يرى الزواج ، ولا يشهد الجمعة(2) ، ودوّن شهادتهم بذلك ورفعها إلى عثمان ، فأمره بنفيه إلى الشام ، وحمله على قتب حتّى يشقّ عليه السفر.
ولمّا انتهى إلى الشام أنزله معاوية (الخضراء) ، وبعث إليه بجارية لتكون عيناً عليه ، وتنقل له أخباره وشؤونه ، وأشرفت عليه الجارية فرأته يقوم في الليل متعبّداً ،
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 94 ، تاريخ ابن خلدون 2 / 39.
(2) الفتنة الكبرى 1 / 116.
ويخرج من السحر فلا يعود إلاّ بعد العتمة ، ولا يتناول من طعام معاوية شيئاً ، وكان يتناول كسراً من الخبز ويجعلها في الماء تحرّجاً من أن يدخل جوفه شيء من الحرام ، وانبرت الجارية فأخبرت معاوية بشأنه ، فكتب إلى عثمان بأمره فأوعز إليه بصلته(1) .
وقد نقم المسلمون على عثمان ، وعابوا عليه ما ارتكبه في شأن هذا الرجل الصالح الذي أمره بتقوى الله والعدل في الرعية.
وظلّ عبد الله بن عامر والياً على البصرة يسير فيها بسيرة لم يألفها المسلمون ، فلم يتحرّج عن الإثم والبغي والاعتداء ، ولمّا قتل عثمان نهب ما في بيت المال وسار إلى مكة فوافى بها طلحة والزبير وعائشة فانضمّ إليهم ، وأمدّهم بالأموال ليستعينوا بها على مناجزة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وهو الذي أشار عليهم بالنزوح إلى البصرة والانصراف عن الشام(2) .
وعهد عثمان بولاية الكوفة إلى الوليد بن عقبة بعد أن عزل عنها سعد بن أبي وقاص الزهري ، وأجمع المؤرّخون على أنه كان من فسّاق بني أمية ومن أكثرهم مجوناً وانحرافاً عن الإسلام ، وهو ممّن أخبر النبي (صلّى الله عليه وآله) بأنه من أهل النار(3) ، وكان أبوه عقبة من ألدّ أعداء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، فكان يأتي بالفروث فيطرحه على بابه(4) ، وقد بصق في وجه النبي (صلّى الله عليه وآله) ، فهدّده (صلّى الله عليه وآله) بأنه إن وجده خارجاً من جبال مكّة يأمر بضرب عنقه ، فلمّا كانت واقعة بدر امتنع من الخروج ، فأصرّ عليه أصحابه بالخروج معهم
__________________
(1) الإصابة 3 / 85.
(2) اُسد الغابة 3 / 192.
(3) مروج الذهب 2 / 223.
(4) طبقات ابن سعد 1 / 186.
فأخبرهم بمقالة النبي (صلّى الله عليه وآله) له ، فأغروه وخدعوه ، وقالوا له : لك جمل أحمر لا يدرك ، فلو كانت الهزيمة طرت عليه.
فاستجاب لهم ، وخرج لحرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فلمّا هزم الله المشركين حمل به جمله في جدود من الأرض فأخذه المسلمون ، وجاؤوا به أسيراً ، فأمر علياً بضرب عنقه ، فقام إليه وقتله(1) .
وقد اُترعت نفس الوليد بالحقد على النبي (صلّى الله عليه وآله) ؛ لأنه قد وتره بأبيه ، وقد أسلم مع مَن أسلم من كفّار قريش ؛ خوفاً من حدّ السيف الذي نزع روح أبيه.
وقد لقبّه القرآن الكريم بالفاسق ، ويقول المؤرّخون والمفسّرون : إنه نزلت آيتان في فسقه :
الاُولى : قوله تعالى :( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (2) . وكان سبب نزول هذه الآية أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) أرسله إلى بني المصطلق لأخذ الصدقة ، فعاد إليه وأخبره بأنهم منعوه عنها ، فخرج (صلّى الله عليه وآله) إليهم غازياً فتبيّن له كذبه ونزلت الآية معلنة فسقه.
الثانية : قوله تعالى :( أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ) (3) . وسبب نزولها أنّه جرت مشادّة بينه وبين الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقال له الوليد : اسكت فإنك صبي وأنا شيخ ؛ والله إنّي أبسط منك لساناً ، وأحدّ منك سناناً ، وأشجع منك جناناً ، وأملأ منك حشواً في الكتيبة.
فقال له علي (عليه السّلام) :
__________________
(1) الغدير 8 / 273.
(2) سورة الحجرات / 6 ، يقول ابن عبد البر في الاستيعاب 2 / 62 : لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أنّ الآية نزلت في الوليد.
(3) سورة السجدة / 18.
«اسكت فإنك فاسق». فأنزل الله فيهما هذه الآية ، ونظم الحادثة حسان بن ثابت بقوله:
أنزل اللهُ والكتابُ عزيزٌ |
في عليٍّ وفي الوليدِ قرانا |
|
فتبوّا الوليدُ من ذاك فسقاً |
وعليٌّ مبوّأٌ إيمانا |
|
ليس مَن كان مؤمناً عرف اللهَ |
كمَن كان فاسقاً خوّانا |
|
فعليٌّ يلقى لدى الله عزّاً |
ووليدٌ يلقى هناك هوانا |
|
سوف يُجزى الوليد خزياً وناراً |
وعليٌّ لا شكّ يُجزى جنانا(1) |
ولمّا عهد إليه عثمان بولاية الكوفة كان يشرب الخمر جهاراً ، وقد دخل قصره وهو ثمل يتمثّل بأبيات لتأبط شراً.
ولستُ بعيداً عن مدامٍ وقَينةٍ |
ولا بصفاً صلدٍ عن الخيرِ معزلِ |
|
ولكنني أروي من الخمرِ هامتي |
وأمشى الملا بالساحبِ المتسلسلِ(2) |
ويقول الرواة : إنه كان يستمع إلى الغناء ويظل يسمر مع ندمائه ومغنّيه سكراناً من أوّل الليل إلى الصباح ، وكان يؤثر بمنادمته صديقاً له من نصارى تغلب هو أبو زبيد الطائي ، وقد أنزله داراً على باب المسجد ، ثمّ وهبها له ، فكان الطائي يخرج من منزله حتّى يشقّ الجامع إليه فيسمر عنده ويشرب ، فيشقّ المسجد وهو سكران(3) .
ويقول المؤرّخون : إنه شرب الخمر فصلّى بالناس وهو ثمل صلاة الصبح أربع ركعات ، وصار يقول في ركوعه وسجوده : اشرب واسقني ، ثمّ قاء في المحراب وسلّم ، وقال للمصلّين خلفه : هل أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود : لا زادك الله خيراً ، ولا مَن
__________________
(1) تذكرة الخواصّ / 115.
(2) الأخبار الطوال / 156.
(3) الأغاني 5 / 122 ، مروج الذهب 1 / 232 ، العقد الفريد 6 / 348.
بعثك إلينا ، وأخذ فروة نعله وضرب بها وجهه ، وحصبه الناس فدخل القصر والحصباء تأخذه وهو ثمل مترنّح(1) . وفي فضائحه ومخازيه يقول الحطيئة جرول بن أوس العبسي :
شهد الحطيئةُ يومَ يلقى ربّهُ |
أنّ الوليدَ أحقُّ بالغدرِ |
|
نادى وقد تمّت صلاتُهمُ |
أأزيدكمُ؟ ثَمِلاً ولا يدري |
|
ليزيدهمْ خيراً ولو قبلوا |
منهُ أزادهمُ على عشرِ |
|
فأبَوا أبا وهبٍ ولو فعلوا |
لقرنتَ بين الشفع والوترِ |
|
حبسوا عنانَكَ إذ جريت |
ولو خلّوا عنانَكَ لم تزل تجري(2) |
ويقول فيه الحطيئة مرة اُخرى :
تكلّمَ في الصلاةِ وزاد فيها |
علانيةً وجاهر بالنفاقِ |
|
ومج الخمر عن سنن المصلي |
ونادى والجميع إلى افتراق |
|
أأزيدكم على أن تحمدوني |
فما لكم ومالي من خلاق(3) |
وأسرع جماعة من خيار الكوفيين وصلحائهم إلى يثرب يشكون الوليد إلى عثمان ، وقد صحبوا معهم خاتمه الذي انتزعوه منه في حالة سكره ، ولمّا قابلوا عثمان وشهدوا عنده بما رأوه من شرب الوليد للخمر زجرهم عثمان ، وقال لهم :
ما يدريكم أنه شرب الخمر؟
ـ هي الخمر التي كنّا نشربها في الجاهليّة.
وأعطوه خاتمه الذي انتزعوه منه في حال سكره لتأييد شهادتهم ، وغضب عثمان وقام فدفع في صدورهم ، وقابلهم بأخبث القول وأقساه ،
__________________
(1) السيرة الحلبيّة 2 / 314.
(2) الأغاني 4 / 178 ـ 179.
(3) الأغاني 4 / 178.
فخرجوا منه وقد ملك الذعر إهابهم ، وانطلقوا إلى الإمام أمير المؤمنين وأخبروه بما ألمّ بهم ، فانبرى الإمام إلى عثمان فقال له : «دفعت الشهود وأبطلت الحدود؟».
وهدأ عثمان وخاف من عواقب الاُمور ، فاتّجه نحو الإمام قائلاً بصوت خافت : ما ترى؟
ـ «أرى أن تبعث إلى صاحبك ، فإن أقاما الشهادة في وجهه ولم يدلِ بحجّة أقمت عليه الحدّ».
ولم يجد عثمان بدّاً من الإذعان لقول الإمام ، فكتب إلى الوليد يأمره بالشخوص إليه ، ولمّا وصلت إلى الوليد رسالة عثمان نزح من الكوفة إلى يثرب ، ولمّا مثل بين يدي عثمان دعا بالشهود فأقاموا عليه الشهادة ، فلم يدلِ بأيّة حجّة ، وبذلك خضع لإقامة الحدِّ.
ولم ينبرِ إليه أحد لإقامة الحدّ عليه ؛ خوفاً من عثمان ، فقام الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ودنا منه ، فسبّه الوليد وقال : يا صاحب مكس(1) . وقام إليه عقيل فردّ سبّه ، وجعل الوليد يروغ عن الإمام فاجتذبه وضرب به الأرض وعلاه بالسّوط ، وتميّز عثمان غيظاً وغضباً ، فصاح بالإمام : ليس لك أن تفعل به هذا.
فأجابه الغمام بمنطق الشرع قائلاً : «بلى وشرٌّ من هذا إذا فسق ، ومنع حق الله أن يؤخذ منه»(2) .
ودلّت هذه البادرة على تهاون عثمان بحدود الله ، وعدم اكتراثه بإقامتها. وعلّق الاُستاذ العلائلي على هذه البادرة بقوله :
__________________
(1) المكس : النقص والظلم.
(2) مروج الذهب 2 / 225.
هذه القصة تضع بين أيدينا شيئاً جديداً ، غير العطاء الذي يرجع إلى مكان العاطفة ، تضع بين أيدينا صورة من الإغضاء عن مجاوزة السلطة للقانون والإغضاء في واقعة دينية ، بحيث يجب على الخليفة أن يكون أوّل مَن يغار عليها ، وإلاّ هدد مكانه وأفسح للناس مجال التقوّل والتجريح ، وبالأخص حين جاءت حكومته عقيب حكومة عمر التي عرفت بالشدّة فيما يتعلّق بالحدود الدينية حتّى لو كان من أقرب ذوي القربى.
إذاً فهذه المبالغة في الإغضاء والصفح والمجاوزة لا ترجع إلى مكان العاطفة وحدها إن كانت ، بل إلى الحزبية أيضاً حتّى تتناصر مجتمعة(1) .
وعلى أيّ حال فإن الوليد قد ترك أثراً سيّئاً في الكوفة ، فقد تأثّرت بمجونه فكانت سيرته نقطة تحوّل في هذه المدينة ـ التي كانت تضمّ الصحابة والتابعين ـ إلى مدينة المجّان واللاهين ؛ فقد أعزى الوليد الناس إلى الاندفاع نحو المتع واللهو ، واُسّست في الكوفة دور للغناء والطرب ، وانتشر فيها المجّان ، وكان من المغنّين فيها عبد الله بن هلال الذي لقّب بصاحب إبليس(2) ، وحنين الخيري الشاعر النصراني(3) .
واستعمل عثمان أخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح على مصر فجعل بيده صلاته وخراجه(4) ، وكان من أخطر المشركين وأكثرهم عداءً للنبي (صلّى الله عليه وآله) وسخرية منه ، وكان يقول مستهزئاً بالنبي (صلّى الله عليه وآله) : إنّي أصرفه حيث اُريد ، وقد أهدر النبي (صلّى الله عليه وآله) دمه وإن وجد متعلّقاً بأستار
__________________
(1) الإمام الحسين (عليه السّلام) / 33.
(2) الأغاني 2 / 351.
(3) الأغاني 2 / 349.
(4) الولاة والقضاة / 11.
الكعبة ، وقد هرب بعد فتح مكّة فاستجار بعثمان فغيّبه ، وبعد ما اطمأنّ أهل مكة أتى به عثمان إلى النبي (صلّى الله عليه وآله) فصمت (صلّى الله عليه وآله) طويلاً ثمّ آمنه وعفا عنه ، فلمّا انصرف عثمان التفت النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى أصحابه ، وقال لهم : «ما صمتُّ إلاّ ليقوم إليه بعضكم ليضرب عنقه».
فقال له رجل من الأنصار : هلاّ أومأت إليّ يا رسول الله؟ فقال : «إنّ النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين»(1) .
ولمّا ولي عبد الله مصر ساس المصريين سياسة عنف وجور وكلّفهم فوق ما يطيقون ، وأظهر الكبرياء والجبروت ، فضجروا منه ، فخفّ خيارهم إلى عثمان يشكونه إليه ، فبعث إليه رسالة يستنكر فيها سيرته وسياسته في القطر ، ولم يستجب ابن أبي سرح لعثمان ، وراح مصرّاً على غيّه واعتدائه على الناس ، وعمد إلى مَن شكاه لعثمان فقلته.
وشاع التذمّر والسخط عليه ، فتشكّل وفد كبير من المصريِّين وكان عددهم ـ فيما يقول الرواة ـ سبعمئة شخص ، فخفّوا إلى عثمان ، وقد نزلوا في الجامع وشكوا إلى الصحابة ما صنع بهم ابن أبي سرح ، فانبرى طلحة إلى عثمان فكلّمه بكلام قاسي ، وأرسلت إليه عائشة تطالبه بإنصاف القوم ، وكلّمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له : «إنما يسألك القوم رجلاً مكان رجل ، وقد ادّعوا قبله دماً ، فاعزله عنهم واقضِ بينهم ؛ فإن وجب عليه حقّ فأنصفهم منه».
واستجاب على كره للقوم ، وقال لهم : اختاروا رجلاً أوليه عليكم مكانه. فأشار الناس عليه بمحمد بن أبي بكر ، فكتب عهده إلى مصر ووجّه معه عدّة من المهاجرين والأنصار ينظرون فيما بينهم وبين
__________________
(1) تفسير القرطبي 7 / 40 ، سنن أبي داود 2 / 220.
ابن أبي سرح(1) ، ونزحوا عن المدينة فلمّا بلغوا إلى الموضع المعروف (بحمس) ، وإذا بقادم من يثرب ، تأمّلوه فإذا هو ورش غلام عثمان ، فتفحّصوا عنه وفتّشوه ، وإذا به يحمل رسالة من عثمان إلى ابن أبي سرح يأمره فيها بالتنكيل بالقوم ، وتأمّلوا في الكتاب فإذا به بخطّ مروان ، فقفلوا راجعين إلى يثرب وقد صمموا على خلع عثمان أو قتله(2) .
لم يستعمل عثمان معاوية على الشام والياً وإنما استعمله عمر وأقرّه عثمان عليها ، ولكنه زاد في نفوذه وبسط في سلطانه ، ومهّد له الطريق في نقل الخلافة الإسلاميّة إليه ، يقول طه حسين :
وليس من شكّ في أنّ عثمان هو الذي مهّد لمعاوية ما اُتيح له من نقل الخلافة ذات يوم إلى آل أبي سفيان ، وتثبيتها في بني اُميّة ، فعثمان هو الذي وسّع على معاوية في الولاية فضمّ إليه فلسطين وحمص وأنشأ له وحدة شامية بعيدة الأرجاء ، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة ، فكانت جيوشه أقوى جيوش المسلمين ، ثمّ مدّ له في الولاية أثناء خلافته كلّها كما فعل عمر ، وأطلق يده في اُمور الشام أكثر مما أطلقها عمر. فلمّا كانت الفتنة نظر معاوية فإذا هو أبعد الاُمراء بالولاية عهداً ، وأقواهم جنداً ، وأملكهم لقلب الرعية(3) .
إنّ عثمان هو الذي مدّ في سلطان معاوية ، وزاد في سعة ولايته ، وبسط له النفوذ حتّى كان من أقوى الولاة وأعظمهم نفوذاً ، وأصبح قطره من أهمّ الأقطار الإسلاميّة وأمنعها ، وأكثرها هدوءاً واستقراراً.
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 / 26.
(2) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 250.
(3) الفتنة الكبرى 1 / 120.
هؤلاء بعض ولاة عثمان وكلّهم من بني اُميّة وآل أبي معيط ، ولم يمنحهم الحكم إلاّ إثرة ومحاباة ، وتقوية لنفوذ الاُمويِّين وحملهم على رقاب المسلمين.
وقد علّق السّيد مير علي الهندي على ولاة عثمان بقوله : كان هؤلاء هم رجال الخليفة المفضّلين ، وقد تعلّقوا بالولايات كالعقبان الجائعة ، فجعلوا ينهشونها ، ويكدّسون الثروات منها بوسائل الإرهاق التي لا ترحم(1) .
لم تكن سياسة عثمان المالية إلاّ امتداداً لسياسة عمر(2) ، فليس لعثمان منهج خاص في السياسة المالية سوى الذي سنّه عمر ، من إيجاد الطبقية وتقديم بعض الناس على بعض في العطاء ، وقد شذّت هذه السياسة عمّا قنّنه الإسلام من لزوم المساواة ووجوب الإنفاق على المرافق العامة ، وإصلاح الحياة الاقتصادية ومكافحة الفقر ، والقيام بإعالة الضعيف والمحتاج ، وليس لولاة الاُمور أن يصطفوا منها أي شيء ، وليس لهم أن يمنحوها لدعم حكمهم وسلطانهم ، وقد تحرّج الإسلام في ذلك أشدّ الحرج ، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) : «إنّ رجالاً يتخوّضون في مال الله بغير حقٍّ فلهم النار يوم القيامة»(3) .
وكتب الإمام أمير المؤمنين رائد الحق والعدالة في الأرض إلى قثم بن العباس عامله على مكة كتاباً ألقى فيه الأضواء على السياسة المالية التي انتهجها الإسلام وهذا نصّه :
__________________
(1) روح الإسلام / 90.
(2) تاريخ العراق في ظل الحكم الاُموي / 22.
(3) صحيح البخاري 5 / 17.
«انظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى مَن قبلك من ذوي العيال والمجاعة ، مصيباً به مواضع الفاقة والخلاّت ، وما فضل عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمَن قبلنا»(1) .
هذا هو اتّجاه الإسلام في أموال الدولة ، فهو يلزم ولاة الاُمور بإنفاقها على مواضع الفاقة والمحتاجين ؛ لئلاّ يبقى بائس أو محروم في البلاد ، ولكن عثمان لم يعنِ بذلك ، وإنما أنفق الأموال العامة على الأشراف والوجوه وبني اُميّة وآل أبي معيط ، فتكدّست عندهم الأموال وحاروا في صرفها.
لقد أصبحت الأموال الهائلة التي تتدفّق على الخزينة المركزية تمنح للاُمويِّين ، وادّعوا أنّ المال إنما هو ملكهم لا مال الدولة ، وأنها ملك لبني اُميّة ، فقد منحوا نفوسهم بجميع الامتيازات(2) ، وفيما يلي قائمة في الأموال التي منحها لهم ولغيرهم :
وخصّ عثمان بني اُميّة بالأموال ، ومنحهم الهبات الضخمة ، وهي كما يلي :
ووهب عثمان الحارث صهره من عائشة ما يلي :
أ ـ ثلاثمئة ألف درهم(3) .
ب ـ وهبه إبل الصدقة التي وردت إلى المدينة.
__________________
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 2 / 128.
(2) العقيدة والشريعة في الإسلام / 53.
(3) أنساب الأشراف 5 / 52.
ج ـ أقطعه سوقاً في يثرب يعرف بنهروز بعد أن تصدّق به النبي (صلّى الله عليه وآله) على جميع المسلمين(1) .
ووهب عثمان إلى أبي سفيان ـ رأس المنافقين ـ مئتي ألف من بيت المال(2) .
ومنح عثمان سعيد بن العاص مئة ألف درهم(3) .
وتزوّج عبد الله بن خالد بن أسيد بنت عثمان فأمر له بستمئة ألف درهم ، وكتب إلى عبد الله بن عامر واليه على البصرة أن يدفعها إليه من بيت المال(4) .
الوليد بن عقبة أخو عثمان من اُمّه استقرض من عبد الله بن مسعود أموالاً طائلة من بيت المال فأقرضه ، وطلبها منه عبد الله فأبى أن يدفعها ، ورفع رسالة إلى عثمان يشكوه إليه ، فكتب عثمان إلى عبد الله رسالة جاء فيها : إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال. فغضب ابن مسعود ، وطرح مفاتيح بيت المال وقال : كنت أظنّ أنّي خازن للمسلمين ؛ فأمّا إذا كنت خازناً لكم فلا حاجة لي في ذلك. وأقام بالكوفة بعد أن استقال من منصبه(5) .
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 / 28.
(2) شرح نهج البلاغة 1 / 67.
(3) أنساب الأشراف 5 / 28.
(4) تاريخ اليعقوبي 2 / 145.
(5) الأنساب 5 / 30.
فبيت المال في عرف السياسة العثمانية ملك للاُمويِّين وليس ملكاً للمسلمين ، ونترك هذا الحكم إلى القرّاء.
كان هذا الرجس الخبيث من ألدّ أعداء رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد نفاه (صلّى الله عليه وآله) إلى الطائف ، وقال : «لا يساكنني». ولم يزل منفيّاً هو وأولاده طيلة خلافة الشيخين ، ولمّا انتهى الحكم إلى عثمان أصدر عنه العفو فقَدِم إلى يثرب وهو يسوق تيساً ، وعليه ثياب خلقة ، فدخل على عثمان فكساه جبّة خز وطيلسان(1) ، ووهبه من الأموال مئة ألف(2) ، وولاه على صدقات قضاعة فبلغت ثلاثمئة ألف فوهبها له(3) .
وأدّت هباته للحَكَم إلى شيوع التذمّر والنقمة عليه من جميع الأوساط الإسلاميّة.
امّا مروان بن الحكم فهو وزيره ومستشاره الخاص ، وجميع مقدّرات الدولة تحت تصرّفه ، وقد منحه الثراء العريض ووهبه من الأموال ما يلي :
أ ـ أعطاه خمس غنائم أفريقية وقد بلغت خمسمئة ألف دينار ، وقد عيب عليه في ذلك ، وهجاه الشاعر الثائر عبد الرحمان بن حنبل بقوله :
سأحلفُ بالله جهدَ اليميـ |
ـنِ ما ترك الله أمراً سُدى |
|
ولكنْ خُلقتَ لنا فتنةً |
لكي نُبتلى بك أو تُبتلى |
|
فإن الأمينين قد بيّنا |
منارَ الطريق عليه الهُدى |
|
فما أخذا درهماً غيلةً |
وما جعلا درهماً في الهوى |
__________________
(1) تاريخ اليعقوبي 2 / 41.
(2) المعارف / 84.
(3) الأنساب 5 / 28.
دعوت اللعينَ فأدنيتَهُ |
خلافاً لسّنة مَن قد قضى |
|
وأعطيت مروانَ خُمسَ العبا |
دِ ظلماً لهم وحميت الحمى(1) |
ب ـ أعطاه ألف وخمسين أوقية ، لا نعلم أنها من الذهب أو الفضة ، وهي من الاُمور التي أشاعت التذمّر والنقمة عليه(2) .
ج ـ أعطاه مئة ألف من بيت المال ، فجاء زيد بن أرقم خازن بيت المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان وجعل يبكي فنهره عثمان وقال له : أتبكي إن وصلت رحمي؟
ولكن أبكي لأنّي أظنّك أنّك أخذت هذا المال عوضاً عمّا كنت أنفقته في سبيل الله في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، لو أعطيت مروان مئة درهم لكان كثيراً.
فصاح به عثمان : القِ المفاتيح يابن أرقم ، فإنا سنجد غيرك(3) .
د ـ أقطعه فدكاً(4) .
هـ ـ كتب له بخُمس مصر(5) .
هذه بعض صلاته للاُمويِّين ، وقد نقم عليه المسلمون وسخط عليه الأخيار والأحرار ، فإن هذه الاُسرة هي التي عادت الله ورسوله وحاربت الإسلام ، وليس من الحقّ ولا من العدل أن تستأثر بأموال المسلمين وفيئهم ، في حين قد شاعت الحاجة في جميع أنحاء البلاد.
__________________
(1) تاريخ أبي الفداء 1 / 168.
(2) سيرة الحلبي 2 / 87.
(3) شرح ابن أبي الحديد 1 / 67.
(4) تاريخ أبي الفداء 1 / 168 ، المعارف / 84.
(5) طبقات ابن سعد 3 / 24.
ووهب عثمان الوجوه والأعيان ممّن يخاف سطوتهم ، وقد أعطى من الشخصيات ما يلي :
وأوصل طلحة بمئتي ألف دينار(1) ، وكانت له عليه خمسون ألفاً ، فقال له طلحة : تهيّأ مالك فاقبضه. فوهبه له وقال : هو لك يا أبا محمد على مروءتك(2) .
ومنح الزبير بن العوام ستمئة ألف ، ولمّا قبضها حار فيها فجعل يسأل عن خير المال ليستغل صلته ، فدلّ على اتخاذ الدور في الأقاليم والأمصار(3) ؛ فبنى إحدى عشرة داراً بالمدينة ، ودارين بالبصرة ، وداراً بالكوفة ، وداراً بمصر(4) .
ووهب أموالاً ضخمة لزيد بن ثابت ، حتّى بلغ به الثراء العريض أنّه لمّا توفّي خلّف من الذهب والفضة ما يكسر بالفؤوس ، عدا ما ترك من الأموال والضياع ما قيمته مئة ألف(5) .
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 139.
(2) تاريخ الطبري 5 / 139.
(3) طبقات ابن سعد.
(4) صحيح البخاري 5 / 21.
(5) مروج الذهب 1 / 344.
ومنح أموالاً اُخرى للمؤيّدين لسياسته كحسان بن ثابت وغيره ، وقد ذكرها المؤرّخون بالتفصيل ، وهي تذكّرنا بأصحاب الملايين في عصرنا الحديث.
لقد اتّسع الثراء العريض بشكل فاحش عند بعض الصحابة حتّى أنّ بعضهم خاف أن يقلّل الله ثوابه في الدار الآخرة ، يقول خباب بن الأرت : لقد رأيتني مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما أملك ديناراً ولا درهماً ، وإنّ في ناحية بيتي في تابوتي لأربعين ألف واف(1) ، ولقد خشيت أن تكون عجلت طيّباتنا في حياتنا الدنيا(2) .
ويرى (فان فلوتن) : إنّ هذه السياسة الاقتصادية أدّت إلى انتشار الترف والفساد(3) .
وأقطع عثمان أراضي في الكوفة ، مع العلم أنها ملك للمسلمين ؛ لأنها مما فتحت عنوة ، فقد أقطع أراضي في داخل الكوفة وخارجها ؛ أمّا التي في داخل الكوفة فقد أقيمت فيها الدور والمساكن ، وسمّيت (مساكن الوجوه) ، وقد أقطع لجماعة من الصحابة وهم :
طلحة وسمّيت دار الطلحيِّين وكانت في الكناسة ، وأقطع عبيد الله بن عمر وسمّيت (كويفة ابن عمر) ، وأقطع اُسامة بن زيد ، وسعد ، وابن أخيه هاشم بن عتبة ، وأبا موسى الاشعري ، وحذيفة العبسي ، وعبد الله بن مسعود ، وسلمان الباهلي ، والمسيب الفزاري ، وعمرو بن حريث المخزومي ، وجبير بن مطعم الثقفي ، وعتبة بن عمر الخزرجي ، وأبا جبير
__________________
(1) الوافي : درهم وأربعة دوانق. القاموس (مادة دوق).
(2) طبقات ابن سعد 6 / 8.
(3) السّيادة العربية / 22.
الأنصاري ، وعدي بن حاتم الطائي ، وجرير البجلي ، والأشعث الكندي ، والوليد بن عتبة ، وعمار بن عتبة ، والفرات بن حيان العجلي ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، واُمّ هاني بنت أبي طالب.
وأقطع أراضي واسعة تدرّ بالربح الكثير لجماعة وهم :
1 ـ طلحة بن عبد الله أقطعه (النشاستج).
2 ـ عدي بن حاتم منحه (الردحاء).
3 ـ وائل بن حجر الحضرمي منحه (رضيعة زادر).
4 ـ خباب بن الأرت منحه (صعبنا).
5 ـ خالد بن عرفطة أقطعه أرضاً عند (حمام أعين).
6 ـ الأشعث الكندي أعطاه (ظيز نابار).
7 ـ جرير بن عبد الله البجلي أقطعه أرضاً على شاطئ الفرات (الجرفين).
8 ـ عبد الله بن مسعود أقطعه أرضاً بالنهرين.
9 ـ عبد الله بن مالك الزهري أعطاه قرية (هرمز).
10 ـ عمار بن ياسر أعطاه (أسبينا).
11 ـ الزبير بن العوام أقطعه أرضاً.
12 ـ اُسامة بن زيد أقطعه أرضاً ثمّ باعها(1) .
هذه بعض الأراضي التي أقطعها عثمان ، وقد اندفع جماعة من الطبقة الارستقراطية إلى شراء أرض العراق الخصبة ، فاشترى طلحة ومروان بن الحكم والأشعث بن قيس(2) ، ورجال من قبائل العراق حتّى شاع الإقطاع ،
__________________
(1) الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة / 145 ـ 146 نقلا عن فتوح البلدان / 272.
(2) خطط الكوفة / 21 ، الحضارة الإسلاميّة 1 / 123.
وظهرت الملكيات الواسعة والإقطاعات الكبيرة ، وقام بزراعتها الموالي والرقيق والأحرار ، وظهر تضخّم المال وكثرة الأتباع عند فريق خاص من الناس. ويرى ما سينون وفلهوزن : إنّ إقطاع هذه الأراضي الزراعية قد حدث قبل أيّام عثمان.
وعلى أيّ حال فإن هذا الإقطاع الكبير قد أوجد النظام الطبقي ، وخلق الصراع بين أبناء الاُمّة.
واستنزف عثمان بيوت الأموال فاصطفى منها لنفسه وعياله ما شاء ، ويقول المؤرّخون : إنه كانت في بيوت الأموال جواهر ثمينة لا تقدّر قيمتها فأخذها وحلى بها بناته ونساءه(1) ، وقد بالغ هو بالذات في البذخ والسرف إلى حدّ لم يألفه المسلمون ؛ فقد أشاد داراً في يثرب فبناها بالحجر والكلس ، وجعل أبوابها من الساج والعرعر ، واقتنى أموالاً وجناناً وعيوناً بالمدينة(2) .
وكان ينضد أسنانه بالذهب ، ويتلبس بأثواب الملوك ، وأنفق الكثير من بيت المال في عمارة ضياعه ودوره(3) . ولمّا قُتل وجد عند خازنه ثلاثون ألف ألف درهم ، وخمسون ومئة ألف دينار ، وترك ألف بعير ، وصدقات ببراديس وخيبر ووادي القرى ما قيمتها مئتا ألف دينار(4) .
__________________
(1) الأنساب 5 / 36.
(2) مروج الذهب 1 / 334.
(3) السيرة الحلبية 2 / 87.
(4) طبقات ابن سعد 3 / 53.
إنّ السياسة المالية التي انتهجها عثمان قد خلقت الطبقية وعادت بالأضرار البالغة على المسلين. يقول محمد كرد علي : لقد أوجدت هذه السياسة المالية طبقتين من الناس الاُولى الطبقة الفاحشة في الثراء التي لا عمل لها إلاّ اللهو والتبطّل ، والاُخرى الطبقة الكادحة التي تزرع الأرض ، وتعمل في الصناعة وتشقى في سبيل اُولئك السّادة ، ومن أجل الحصول على فتات موائدهم.
وترتب على فقدان التوازن في الحياة الاقتصادية انعدام الاستقرار في الحياة السياسية والاجتماعية على السواء ، وقد سارت الدولة الاُمويّة في أيّام حكمها على هذه السياسة ، فأخضعت المال للتيارات السياسية ، وجعلوه سلاحاً ضد أعدائهم ، ونعيماً مباحاً لأنصارهم(1) .
وبهذا العرض الموجز ينتهي بنا الحديث عن سياسته المالية التي شذّت عمّا ألزم به الإسلام من التحرّج في أموال الدولة ، ووجوب إنفاقها على مكافحة الفقر وتطوير الحياة الاقتصادية في جميع أنحاء البلاد.
ونقم المسلمون على عثمان ، واشتدّ خيارهم وصلحاؤهم في معارضته ، وقد أنكروا عليه إيثاره لبني اُميّة وآل أبي معيط ، وحملهم على رقاب المسلمين ، ومنحهم خيرات البلاد ووظائف الدولة ، مع إمعانهم في الظلم والجور ، وهو لم يحرك ساكناً تجاههم ، وكان يقابل المعارضين بالشتم والاحتقار.
أمّا الجبهة المعارضة فكانت مختلفة الاتجاه بين اليمين واليسار ، فطلحة والزبير وعائشة ومَن ينتمي إليهم لم يكن الغرض من نقمتهم عليه المطالبة بالإصلاح الاجتماعي وإن تظاهروا بذلك ؛ لإغراء البسطاء والسذج ، وإنما
__________________
(1) الإدارة الإسلاميّة / 82.
غرضهم الوصول إلى كرسي الحكم والاستيلاء على السلطة ، والظفر بنِعَم البلاد.
أمّا الطائفة الاُخرى من المعارضة فكانت تضمّ أعلام الإسلام وحماة الدين ؛ أمثال عمّار بن ياسر ، وأبي ذر ، وعبد الله بن مسعود ، ونظرائهم من الذين صدقوا ما عاهدوا عليه الله ، وأبلوا في سبيل هذا الدين بلاءً حسناً ، فرأوا أنّ حكومة عثمان قد أماتت السنّة وأحيت البدعة ، ورأوا صادقاً يُكذب ، وإثرة بغير حقٍّ ـ كما يقولون ـ ، فطالبوا عثمان بتغيير سلوكه وأن يتبع الهدى ، ويسير بين المسلمين بالحق ، فلم يعن بهم ، ولو أنه استجاب لنصحهم لجنّب الاُمّة كثيراً من الفتن والمصاعب.
وأمعن عثمان بالتنكيل بالمعارضين والمندّدين بسياسته ، فصبّ عليهم جامّ غضبه ، وبالغ في ظلمهم وإرهاقهم إلى حدّ بعيد ، وفيما يلي بعضهم :
ومكانة عمّار بن ياسر في الإسلام معلومة ، فهو صاحب النبي (صلّى الله عليه وآله) وخليله ، لقي في سبيل الإسلام أعظم الجهد وأقسى البلاء ، عذّبته قريش مع أبويه أعنف العذاب ، استشهد أبواه في سبيل هذا الدين ، وقد أشاد القرآن الكريم بفضله فقد نزلت في حقّه الآية الكريمة :( أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ) (1) . وقال تعالى فيه :( أَوَمَنْ
__________________
(1) سورة الزمر / 9 ، نصّ على نزولها في عمّار القرطبي في تفسيره 5 / 239 ، وابن سعد في طبقاته 3 / 178.
كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) (1) .
وقد اهتمّ النبي (صلّى الله عليه وآله) في شأن عمّار اهتماماً فكان موضع عنايته وتبجيله ، وقد سمع (صلّى الله عليه وآله) شخصاً ينال من عمّار ، فتأثّر واندفع يقول : «ما لهم ولعمّار! يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار. إنّ عمّاراً جلدة ما بين عيني وأنفي ، فإذا بلغ ذلك من الرجل فاجتنبوه»(2) .
ولمّا انتقل النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى جنة المأوى كان عمّار من ألمع أصحاب الإمام أمير المؤمنين ، فاختصّ به ولازمه ، وكان من المتخلّفين عن بيعة أبي بكر ، فإنه لم ير أحداً أحقّ بمكانة النبي سوى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام).
وبعدما فرض عمر عثمان خليفة على المسلمين كان عمّار من أشدّ الناقمين عليه ، وكان السبب في نقمته عليه ما يلي :
1 ـ إنّ عثمان لمّا استأثر بالسفط الذي في بيت المال ، وكان يضمّ الجواهر الثمينة التي لا تثمّن بقيمة ، أنكر عليه الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وأيّده عمّار ، فقال له عثمان : أعليّ يابن المتكاء(3) تجترئ؟ وأوعز إلى شرطته بأخذه ، فقبضوا عليه وأدخلوه إلى منزله فضربه ضرباً مبرحاً حتّى غشي عليه ، وحمل إلى منزل اُمّ المؤمنين السّيدة اُمّ سلمة ، ولم يفق من شدّة الضرب حتّى فاتته صلاة الظهرين والمغرب ، فلمّا أفاق قام فتوضّأ وصلّى العشاء ، وقال : الحمد لله ليس هذا أوّل يوم اُوذينا فيه في الله.
وغضبت عائشة فأخرجت شعراً من شعر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وثوباً من ثيابه ، ونعلاً من نعاله ، وقالت : ما أسرع ما تركتم سنّة نبيّكم ، وهذا
__________________
(1) سورة الأنعام / 122 ، نصّ على نزولها في عمّار السيوطي في تفسيره 1 / 239 ، وابن كثير في تفسيره 2 / 172.
(2) سيرة ابن هشام 2 / 114.
(3) المتكاء : العظيمة البطن ، والتي لا تمسك بولها.
شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد! وغضب عثمان حتّى لا يدري ما يقول ، ولا يعرف كيف يعتذر عن خطيئته(1) .
2 ـ إنّ أعلام الصحابة رفعوا مذكّرة لعثمان ذكروا فيها أحداثه ومخالفاته للسنّة ، وطالبوه بالكفّ عنها ، فأخذها عمّار ودفعها إليه فقرأ صدراً منها عثمان ، واندفع نحو عمّار فقال له : أعليّ تقدم من بينهم؟
ـ إنّي أنصحهم لك.
ـ كذبت يابن سميّة.
ـ أنا والله ابن سمية وابن ياسر.
وأمر عثمان جلاوزته فمدّوا يديه ورجليه ، وضربه عثمان برجليه على مذاكيره فأصابه الفتق ، وكان ضعيفاً فاُغمي عليه(2) .
3 ـ إنّ عثمان لمّا نكل بالصحابي العظيم أبي ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه) وآله فنفاه إلى الرَّبذة ، ومات فيها غريباً ، ولمّا جاء نعيه إلى يثرب حزن عليه المسلمون فقال عثمان مستهزئاً : رحمه الله.
فاندفع عمّار ينكر عليه ذلك قائلاً : رحمه الله من كل أنفسنا.
وانتفخت أوداج عثمان ، فقابل عمّار بأفحش القول وأقساه قائلاً : يا عاض أير أبيه! أتراني ندمت على تسييره؟
وهذا الكلام لا يليق بأي رجل عادي فضلاً عن عثمان الذين يزعمون أنّ الملائكة كانت تستحي منه.
__________________
(1) الأنساب 5 / 48.
(2) الأنساب 5 / 49 ، العقد الفريد 2 / 273.
وأمر عثمان غلمانه فدفعوا عمّاراً ، وأرهقوه كما أمر بنفيه إلى الربذة ، فلمّا تهيّأ للخروج أقبلت بنو مخزوم إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فسألوه أن يذاكر عثمان في شأنه ، فانطلق نحوه الإمام (عليه السّلام) وقال له : «اتّق الله ، فإنك سيّرت رجلاً صالحاً من المسلمين فهلك في تسييرك ، ثمّ أنت الآن تريد أن تنفي نظيره!».
فثار عثمان وصاح بالإمام : أنت أحقّ بالنفي منه.
ـ «رم إن شئت ذلك».
واجتمع المهاجرون فعذلوه ولاموه على ذلك ، فاستجاب لهم وعفا عن عمّار(1) .
إنّ عثمان لم يرعَ مكانة عمّار من النبي (صلّى الله عليه وآله) وسابقته للإسلام ، فاعتدى عليه وبالغ في تنكيله ؛ لأنه أمره بالعدل ، ودعاه إلى الحقِّ.
وأبو ذر صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وخليله ، وهو أقدم أصحابه الذين سبقوا للإسلام ، وكان أزهد الناس في الدنيا ، وأقلّهم احتفالاً بمنافعها ، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يأتمنه حين لا يأتمن أحداً من أصحابه ، ويسرّ إليه حين لا يسرّ إلى أحد(2) ، وهو أحد الثلاثة الذين أحبّهم الله وأمر نبيّه بحبّهم ، كما أنه أحد الثلاثة(3) الذين تشتاق لهم الجنة(4) .
ولمّا حدثت الفتن أيّام عثمان واستأثر بنو اُميّة بمنافع الدولة وخيرات
__________________
(1) الأنساب 5 / 54 ، اليعقوبي 2 / 150.
(2) كنز العمال 8 / 15.
(3) الثلاثة الذين تشتاق لهم الجنّة : الإمام علي (عليه السّلام) ، وأبو ذر ، وعمّار.
(4) مجمع الزوائد 9 / 330.
البلاد ، وقف أبو ذر موقف المسلم المؤمن بدينه ، فأخذ يندّد بسياسة عثمان ويدعوه إلى أن يضع حدّاً للتدهور الاجتماعي ، وقد نهاه عثمان فلم ينتهِ وانطلق يوالي إنكاره ، فكان يقف أمام الذين منحهم عثمان بالثراء العريض ويتلو قول الله تعالى :( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) .
وغاظ ذلك مروان بن الحكم الذي تكدّست عنده الأموال الضخمة التي وهبها له عثمان ، وقد ضاق ذرعاً بأبي ذر فشكاه إلى عثمان ، فأرسل إليه ينهاه عن ذلك ، فأبى أبو ذر وقال : أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله؟! فوالله ، لئن أرضى الله بسخط عثمان أحبّ إليّ وخير لي من أن أسخط الله برضاه.
والتاع عثمان وضاق ذرعاً بأبي ذر ولكنه كظم غيظه ، وراح يفتّش عن الوسائل التي يقضي بها على خصمه.
واستمر الصحابي العظيم أبو ذر يوالي إنكاره على عثمان ، يبغي بذلك وجه الله ويلتمس الدار الآخرة ، لم يخفه الموت ولم تغرّه الحياة ، وقد حنق عليه عثمان وأمر بنفيه إلى الشام ، ويقول المؤرّخون : إنّ عثمان سأل حضّار مجلسه فقال لهم : أيجوز لأحد أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضى؟
فانبرى كعب الأحبار ـ وكان خصيصاً بعثمان ـ فأفتاه بالجواز ، وصعب على أبي ذر أن يتدخّل كعب في أمور الدين وهو يهودي النزعة ، ويشكّ في إسلامه فصاح به :
يابن اليهوديِّين ، أتعلّمنا ديننا؟
فثار عثمان واندفع يناصر كعباً ، فصاح بأبي ذر : ما أكثر أذاك وولعك بأصحابي؟ الحق بمكتبك في الشام.
وأمر به فسيّر إلى الشام ، فلمّا انتهى إليها رأى منكرات معاوية وبدعه ، رآه قد أطلق يديه في بيت المال الذي جمع من جهود الشعب ، فجعل ينكر عليه ويذيع بين المسلمين مساوئ عثمان ، وقد أنكر على معاوية حينما قال : المال مال الله. فقال له : المال مال المسلمين. كما أنكر عليه بناءه الخضراء ، فكان يقول له : يا معاوية ، إن كانت هذه الدار من مال الله فهي الخيانة ، وإن كانت من مالك فهذا الإسراف.
وأخذ يدعو المسلمين إلى اليقظة والحذر من السياسة الاُموية ، وكان يقول لأهل الشام : والله ، لقد حدثت أعمال ما أعرفها ، والله ما هي في كتاب الله ، ولا في سنّة نبيّه ، والله إنّي لأرى حقّاً يطفأ ، وباطلاً يحيا ، وصادقاً يُكذب ، وإثرةً بغير تقىً ، وصالحاً مستأثر عليه(1) .
وكان الناس يؤمنون بحديثه ويصدقون مقالته ، وأخذ يبثّ الوعي الاجتماعي ويدعو إلى إنصاف المحرومين ، ويحرّض الفقراء على استرجاع حقوقهم من الفئة الحاكمة ، وخاف الطاغية معاوية أن تندلع نار الثورة عليه ؛ فنهى الناس عن الاجتماع به ، وخاطبه : يا عدو الله ، تؤلب الناس علينا وتصنع ما تصنع! فلو كنت قاتلاً رجلاً من أصحاب محمد من غير إذن أمير المؤمنين ـ يعني عثمان ـ لقتلتك. فردّ عليه البطل العظيم غير حافل بسلطانه قائلاً :
__________________
(1) الأنساب 5 / 52.
ما أنا بعدو لله ولا لرسوله ، بل أنت وأبوك عدوّان لله ولرسوله ؛ أظهرتما الإسلام وأبطنتما الكفر.
وظلّ أبو ذر يواصل نشاطه الاجتماعي ودعوته إلى إيقاظ المجتمع ، ويحفزّهم على الثورة ، فالتاع معاوية وكتب إلى عثمان يخبره بخطره عليه ويلتمس منه أن ينقله عنه ، فكتب إليه عثمان أن يرسله على أغلظ مركب وأوعره حتّى يلقى الجهد والعناء ، فأرسله معاوية مع جلاوزة لا يعرفون مكانته ولايحترمون مقامه ، فلم يسمحوا له أن يستريح من الجهد ، ومضوا في سيرهم لا يلون على شيء حتّى تسلّخت بواطن فخذه ، وكاد أن يموت ، ولمّا انتهى إلى يثرب دخل على عثمان وهو منهوك القوى ، فاستقبله عثمان بالجفوة قائلاً : أنت الذي فعلت وفعلت؟!
ـ نصحتك فاستغششتني ، ونصحت صاحبك ـ يعني معاوية ـ فاستغشّني.
فصاح به عثمان : كذبت ، ولكنك تريد الفتنة وتحبّها ، وقد أنغلت الشام علينا.
فوجّه إليه أبو ذر نصيحته قائلاً : اتبع سنّة صاحبيك ـ يعني أبا بكر وعمر ـ لم يكن لأحد عليك كلام.
فثار عثمان وصاح به : ما لك ولذلك لا اُمّ لك؟!
فقال أبو ذر : والله ، ما وجدت لي عذراً إلاّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وصرخ عثمان فقال لمَن في مجلسه :
أشيروا عليّ في هذا الشيخ الكذاب ؛ إمّا أن أضربه ، أو أحبسه ، أو أقتله فإنه فرّق جماعة المسلمين ، أو أنفيه من أرض الإسلام.
والتاع الإمام أمير المؤمنين فراح يندّد بعثمان ويقول له : «يا عثمان ، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقول : ما أظلّت الخضراء ولا أقلّت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر».
ولم يحفل أبو ذر بعثمان وإنما مضى في دعوته يواصل إنكاره ، فكان يقول له : تستعمل الصبيان ، وتحمي الحمى ، وتقرّب أولاد الطلقاء؟!
وأخذ يذيع بين المسلمين ما سمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في ذمّ الاُمويِّين ومدى خطرهم على الإسلام ، فكان يقول : قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) : «إذا كملت بنو اُميّة ثلاثين رجلاً اتّخذوا بلاد الله دولاً ، وعباد الله خولاً ، ودين الله دغلاً»(1) .
وأصدر عثمان أوامره بمنع مجالسة أبي ذر ، وحرم مخالطته والكلام معه ؛ لأنه يأمر المعروف وينهى عن المنكر ، ولم يقره على سياسته النكراء.
واستمر أبو ذر في جهاده وإنكاره على السياسة الاُمويّة ، لم يثنِه عن عزمه جور الاُمويِّين واضطهادهم له ، وقد ضاق عثمان به ذرعاً ، فرأى أنّ خير وسيلة له أن ينفيه عن سائر الأمصار الإسلاميّة ، ويعتقله في بعض
__________________
(1) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 258.
المجاهيل التي لا سكن فيها ، فأرسل الشرطة خلفه ، فلمّا حضر بادره أبو ذر قائلاً : ويحك يا عثمان! أما رأيت رسول الله ، ورأيت أبا بكر وعمر هل رأيت هذا هديهم؟ إنك لتبطش بي بطش الجبارين.
فقطع عليه عثمان كلامه ، وصاح به : اخرج عنّا من بلادنا.
ـ أتخرجني من حرم رسول الله (صلّى الله عليه وآله)؟!
ـ نعم ، وأنفك راغم.
ـ أخرج إلى مكة؟
ـ لا ، إلى البصرة.
ـ لا ، إلى الكوفة.
ـ لا.
ـ إلى أين أخرج.
ـ إلى الربذة حتّى تموت فيها.
وأوعز إلى مروان بإخراجه فوراً إلى يثرب ، وأمره بأن يخرجه مهان الجانب محطم الكيان ، وحرّم على المسلمين مشايعته والخروج معه ، ولكن أهل الحقّ أبوا إلاّ مخالفة عثمان وسحق أوامره ، فقد خفّ لتوديعه الإمام أمير المؤمنين والحسنان (عليهم السّلام) ، وعقيل وعبد الله بن جعفر ، واشتدّ مروان نحو الإمام الحسن (عليه السّلام) فقال له : إيه يا حسن ، ألا تعلم أنّ عثمان قد نهى عن كلام هذا الرجل؟ فإن كنت لا تعلم فاعلم ذلك.
وثار الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فحمل على مروان وضرب اُذني دابته وصاح به : «تنحّ نحّاك الله إلى النار».
وولى مروان منهزماً إلى عثمان يخبره بعصيان أمره والاعتداء عليه.
ووقف الإمام أمير المؤمنين على أبي ذر فودّعه ، وقد غامت عيناه بالدموع ، وألقى عليه هذه الكلمات التي حدّدت أبعاد شخصيته قائلاً له : «يا أبا ذر ، إنك غضبت لله فارج مَن غضبت له ؛ إنّ القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك ، فاترك في أيديهم ما خافوك عليه ، واهرب بما خفتهم عليه ؛ فما أحوجهم إلى ما منعتهم ، وما أغناك عمّا منعوك! وستعلم مَن الرابح غداً والأكثر حسداً. ولو أنّ السماوات والأرض كانتا على عبد رتقاً ثمّ اتقى الله لجعل الله منهما مخرجاً. لا يؤنسك إلاّ الحقّ ، ولا يوحشك إلاّ الباطل ، فلو قبلت دنياهم لأحبّوك ، ولو قرضت منها لآمنوك».
وألقت هذه الكلمات الأضواء على ثورة أبي ذر ، وأنها كانت من أجل الحقّ ومن أجل المبادئ العليا التي جاء بها الإسلام ، وقد خافه القوم على دنياهم وخافوه من أجل نهبهم لثروات الاُمّة ، وتلاعبهم باقتصادها ومقدّراتها ، وقد مجّد الإمام في أبي ذر هذه الروح الطيّبة ، وطلب منه أن يهرب بدينه ليكون بمنجاة من شرور القوم وآثامهم ، فإنه هو الرابح في آخرته والسعيد يوم يلقى الله ، وهم الخاسرون الذين تلفح وجوههم النار وهم فيها خالدون.
وبادر الإمام الحسن نحو عمّه أبي ذر فصافحه وودّعه وداعاً حاراً ، وألقى عليه هذه الكلمات التي تنم عن عظيم مصابه وحزنه :
«يا عمّاه ، لولا أنه ينبغي للمودّع أن يسكت ، وللمشيّع أن ينصرف لقصر الكلام وإن طال الأسف ، وقد أتى القوم إليك ما ترى ، فضع عنك الدنيا بتذكّر فراغها ، وشدّة ما اشتدّ منها برجاء ما بعدها ، واصبر حتّى تلقى نبيّك وهو عنك راضٍ».
وانطلق الإمام الحسين إلى أبي ذر ، وقد أخذ منه الأسى مأخذاً عظيماً فألقى عليه هذه الكلمات المشرقة : «يا عمّاه ، إنّ الله تبارك وتعالى قادر أن يغيّر ما قد ترى ، إنّ الله كل يوم هو في شأن ، وقد منعك القوم دنياهم ومنعتهم دينك ، فما أغناك عمّا منعوك ، وأحوجهم إلى ما منعتهم! فاسأل الله الصبر واستعذ به من الجشع والجزع ؛ فإن الصبر من الدين والكرم ، وإنّ الجشع لا يقدّم رزقاً ، والجزع لا يؤخّر أجلاً».
ما أروع هذه الكلمات التي كشفت السّتار عن عداء الاُمويِّين لأبي ذر فإنهم قد خافوه على دنياهم ، وخافوه على مناصبهم ، وقد أمره (عليه السّلام) بالخلود إلى الصبر ، ونهاه عن الجزع ، فإنه لا يؤخّر أجلاً. وقد تذرّع
الإمام بهذا الخلق العظيم في يوم الطفِّ ؛ فإنه لم يخضع للاُمويِّين ولم يجزع عمّا ألمّ به من عظيم الكوارث والخطوب.
وأقبل عمار بن ياسر وقد غامت عيناه بالدموع ، فودّع خليله وصاحبه أبا ذر وقال له : لا آنس الله مَن أوحشك ولا آمن مَن أخافك. أما والله ، لو أردت دنياهم لآمنوك ولو رضيت أعمالهم لأحبّوك ، وما منع الناس أن يقولوا بقولك إلاّ الرضا بالدنيا والجزع من الموت ، ومالوا إلى سلطان جماعتهم عليه والملك لمَن غلب ، فوهبوا لهم دينهم ومنحهم القوم دنياهم فخسروا الدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين.
وبكى أبو ذر بكاءً مرّاً فألقى نظرة الوداع الأخير على أهل البيت الذين أخلص لهم وأخلصوا له ، وتكلّم بهذه الكلمات التي يلمس فيها ذوب قلبه قائلاً : رحمكم الله يا أهل بيت الرحمة ، إذا رأيتكم ذكرت بكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ما لي بالمدينة سكن ولا شجن غيركم ، إنّي ثقلت على عثمان بالحجاز كما ثقلت على معاوية بالشام ، وكَره أن أجاور أخاه وابن خاله بالمصرين(1) فأُفسد الناس عليهما ، فسيّرني إلى بلد ليس لي به ناصر ولا دافع إلاّ الله. والله ما اُريد إلاّ الله صاحباً ، وما أخشى مع الله وحشة.
وتحرّكت راحلة أبي ذر ، وانصرفت به إلى الربذة مشرّداً عن حرم الله
__________________
(1) المصرين : البصرة ومصر.
وحرم رسوله ، وقد اُترعت نفسه بالحزن والأسى على فراق أهل البيت (عليهم السّلام) الذين هم وديعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في اُمّته.
لقد مضى أبو ذر إلى الربذة ليموت فيها جوعاً ، وفي يد عثمان ذهب الأرض ينفقه على بني اُميّة وآل أبي معيط ، ويحرمه على أبي ذر شبيه المسيح عيسى بن مريم هدياً وسمتاً.
ولمّا قفل الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) راجعاً من توديع أبي ذر استقبلته جماعة من الناس فأخبروه بغضب عثمان واستيائه منه ؛ لأنه خالف أوامره التي حرمت على المسلمين الكلام مع أبي ذر وتوديعه ، فقال (عليه السّلام) : «غضب الخيل على اللجم»(1) .
وبادر عثمان نحو الإمام (عليه السّلام) فصاح به : ما حملك على ردّ رسولي؟
ـ «أمّا مروان فإنه استقبلني يردّني فرددته عن ردّي ؛ وأمّا أمرك فلم أرده».
ـ أوَ لم يبلغك أنّي قد نهيت الناس عن تشييع أبي ذر؟
ـ «أوَ كلّ ما أمرتنا به من شيء يُرى طاعة الله والحقُّ في خلافه اتبعنا فيه أمرك؟».
ـ أقد مروان.
ـ «وما أقيده؟».
ـ ضربت بين اُذني راحلته.
ـ «أمّا راحلتي فهي تلك ؛ فإن أراد أن يضربها كما ضربت راحلته فليفعل ؛ وأمّا أنا فوالله لئن شتمني لأشتمنّك أنت بمثلها ، لا أكذب فيه ولا أقول إلاّ حقّاً».
__________________
(1) يضرب مثلاً لمَن يغضب غضباً لا ينتفع به.
ـ ولِم لا يشتمك إذ شتمته ، فوالله ما أنت عندي بأفضل منه.
وارتاع الإمام من عثمان الذي هام بحبِّ اُسرته ، فساوى بينه وهو من النبي (صلّى الله عليه وآله) بمنزلة هارون من موسى ، وبين الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم الذي لعنه النبي (صلّى الله عليه وآله) وهو في صلب أبيه ، وثار الإمام (عليه السّلام) فقال لعثمان : «إليّ تقول هذا القول! وبمروان تعدلني؟! فأنا والله أفضل منك ، وأبي أفضل من أبيك ، واُمّي أفضل من اُمّك ، وهذه نبلي قد نثلتها».
وسكت عثمان ولم يطِق جواباً ، وانصرف الإمام (عليه السّلام) حزيناً قد ساورته الهموم والآلام.
ونكل عثمان تنكيلاً فظيعا بالصحابي العظيم عبد الله بن مسعود فقد أمعن في قهره وظلمه ؛ أمّا سبب ذلك فهو ما ألمعنا إليه عند البحث عن إمارة الوليد بن عقبة على الكوفة ، فقد نقم عليه عبد الله حينما استقرض من بيت المال ولم يؤدّه إليه ، وقد رفع الوليد إلى عثمان أمره فأنكر على ابن مسعود ذلك فاستقال من منصبه ، وقفل راجعاً إلى يثرب ، فلمّا انتهى إليها كان عثمان على المنبر يخطب ، فلمّا رآه خاطب المسلمين وقال لهم : قدمتْ عليكم دويبة سوء ، مَن يمشي على طعامه يقيء ويسلح.
وردّ عليه ابن مسعود ، وقال له : لست كذلك ، ولكنّي صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يوم بدر ويوم بيعة الرضوان.
وأثار كلام عثمان موجة من الغضب والاستياء في المجتمع ، فاندفعت عائشة تعلن سخطها قائلةً له :
أي عثمان ، أتقول هذا لصاحب رسول الله؟
وأمر عثمان شرطته بإخراج الصحابي العظيم من المسجد ، فاخرج منه وهو مهان الجانب ، وقام إليه أبو عبد الله بن زمعة أو يحموم غلام عثمان فاحتمله ورجلاه تختلفان على عنقه حتّى ضرب به الأرض فدقّ ضلعه ، وثار الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فخاطب عثمان : «يا عثمان ، أتفعل هذا بصاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بقول الوليد بن عقبة؟».
ـ ما بقول الوليد فعلت هذا ، ولكنّي وجّهت زبيد بن الصلت الكندي إلى الكوفة فقال له ابن مسعود : إنّ دم عثمان حلال.
وردّ عليه الإمام (عليه السّلام) : «أحلت عن زبيد على غير ثقة»(1) .
وحمل الإمام (عليه السّلام) ابن مسعود إلى منزله ، وقام برعايته حتّى إبل من مرضه ، وقاطعه عثمان وهجره ، وفرض عليه الإقامة الجبرية في يثرب ، وقطع عنه عطاءه ، ومرض ابن مسعود مرضه الذي توفّي فيه ، فدخل عليه عثمان عائداً ، فقال له : ما تشتكي؟
ـ ذنوبي.
ـ ما تشتهي؟
ـ رحمة ربّي.
ـ أدعو لك طبيباً؟
ـ الطبيب أمرضني.
ـ آمر لك بعطائك؟
__________________
(1) الأنساب 5 / 36.
ـ منعتنيه وأنا محتاج إليه ، وتعطينه وأنا مستغني عنه!
ـ يكون لولدك.
ـ رزقهم على الله.
ـ استغفر لي يا أبا عبد الرحمان.
ـ أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقّي(1) .
وانصرف عثمان ، ولم يفُز برضاء ابن مسعود ، ولمّا ثقل حاله أوصى أن لا يصلّي عليه عثمان ، وأن يصلّي عليه صاحبه عمار بن ياسر. ولمّا توفّي قامت الصفوة من أصحابه بتجهيزه ودفنه ولم يُعلموا عثمان بذلك ، فلمّا علم غضب وقال : سبقتموني؟!
فردّ عليه عمار : إنه أوصى أن لا تصلّي عليه.
وقال ابن الزبير :
لأعرفنّكَ بعد الموتِ تندبُني وفي حياتيَ ما زوّدتني زادي(2)
وننهي بهذا الحديث الكلام عن الجبهة المعارضة التي نقمت على عثمان لاستبداده بأموال الدولة ، وإنفاقها على اُسرته وذويه ، في حين أنّ المجاعة والحرمان قد شملت جميع أنحاء البلاد.
لقد نقم عليه المعارضون ، واشتدّوا في معارضته حينما بدّل سنّة الله ؛ فحمل بني اُميّة وآل أبي معيط على رقاب المسلمين ، وخصّهم بالمناصب العليا في الدولة ، ووهبهم جميع خيرات البلاد.
وكانت الثورة نتيجة للنضج الاجتماعي ، وإصلاحية إلى حدّ كبير ـ كما
__________________
(1) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 253 ـ 254.
(2) تاريخ ابن كثير 7 / 163 ، مستدرك الحاكم 3 / 13.
يقول العلائلي(1) ـ ، فقد شاع التذمّر وعم السخط ، وأخذت المجالس والأندية تتحدّث عن مظالم عثمان ، واستبداده بشؤون المسلمين ، وتنكيله بخيار المسلمين ، وقد اجتمع أهل الحلّ والعقد فراسلوا جميع الأمصار يستنجدون بهم ، ويطالبونهم بإرسال الجيوش للقيام بقلب الحكم القائم ، وهذا نص مذكّرتهم لأهل مصر :
من المهاجرين الأوّلين وبقية الشورى إلى مَن بمصر من الصحابة والتابعين. أمّا بعد ، أن تعالوا إلينا ، وتداركوا خلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبل أن يسلبها أهلها ، فإن كتاب الله قد بدّل ، وسنّة رسوله قد غيّرت ، وأحكام الخليفتين قد بدّلت ، فننشد الله مَن قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان إلاّ أقبل إلينا ، وأقيموا الحقّ على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيّكم ، وفارقكم عليه الخلفاء ، غلبنا على حقّنا ، واستولى على فيئنا ، وحيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة ، وهي اليوم ملك عضوض ، مَن غلب على شيء أكله(2) .
وحفلت هذه المذكرة بذكر الأحداث الخطيرة التي ارتكبتها حكومة عثمان وهي :
1 ـ تبديل كتاب الله وإلغاء أحكامه ، ونبذ نصوصه.
2 ـ تغيير سنّة النبي (صلّى الله عليه وآله) وإهمال تشريعاته الاقتصادية والاجتماعية.
3 ـ تبديل أحكام الخليفتين.
4 ـ استئثار السلطة بالفيء وإنفاقها على رغباتها ومصالحها الخاصة.
__________________
(1) الإمام الحسين (عليه السّلام) / 66.
(2) الإمامة والسياسة 1 / 35.
5 ـ صرف الخلافة الإسلاميّة عن مفاهيمها الخيّرة إلى ملك عضوض لا يعني بأهداف الاُمّة.
وتحفّز الأخيار والمصلحون إلى إرسال الوفود إلى يثرب للإطلاع على أوضاع الخليفة والتعرّف على شؤونه.
وأرسلت الجبهة المعارضة مذكّرة اُخرى للمرابطين في الثغور من الصحابة يطالبونهم بالقدوم إلى يثرب للإطاحة بالحكم القائم ، وهذا نصّها : إنكم إنما خرجتم أن تجاهدوا في سبيل الله عزّ وجلّ تطلبون دين محمد (صلّى الله عليه وآله) ، فإنّ دين محمد قد أفسده خليفتكم فأقيموه(1) .
وألهبت هذه المذكرة القلوب ، وتركت النفوس تغلي كالمرجل غيظاً وغضباً على عثمان.
واستجابت الأقطار الإسلاميّة لنداء الصحابة ، فأرسلت وفودها إلى يثرب لتقصّي الحقائق ، والاطّلاع على الأحداث والوفود التي أقبلت هي :
أ ـ الوفد المصري :
وأرسلت مصر وفداً كان عدده أربعمئة شخص ـ وقيل : أكثر من ذلك ـ بقيادة محمد بن أبي بكر ، وعبد الرحمان بن عديس البلوي.
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 115 ، الكامل 5 / 70.
ب ـ الوفد الكوفي :
وأرسلت الكوفة وفدها بقيادة الزعيم مالك الأشتر ، وزيد بن صوحان العبدي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله الأصم العامري ، ويرأس الجميع عمرو بن الأهثم.
ج ـ الوفد البصري :
وأوفدت البصرة مئة رجل بقيادة حكيم بن جبلة ، ثمّ أوفدت خمسين رجلاً ، وفيهم ذريح بن عباد العبدي ، وبشر بن شريح القيسي ، وابن المحرّش وغيرهم من الوجوه والأعيان.
ورحّبت الصحابة بالوفود ، وقابلتها بمزيد من الاحتفاء والتكريم ، وأخذت تعرض عليها أحداث عثمان ، وتحرّضها على إقصائه عن الحكم والوقيعة به.
ورأى الوفد المصري أن يرفع مذكرة لعثمان يدعوه فيها إلى التوبة والاستقامة في سياسته وسلوكه وهذا نصّها :
أمّا بعد ، فاعلم أن الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم ، فالله الله ثمّ الله الله ، فإنك على دنيا فاستقم معها آخرة ، ولا تنسى نصيبك من الآخرة ، فلا تسوغ لك الدنيا ، واعلم أنّا لله ولله نغضب ، وفي الله نرضى ، وإنّا لن نضع سيوفنا عن عواتقنا حتّى تأتينا منك توبة مصرّحة ، أو ضلالة مجلحة(1) مبلجة ، فهذه مقالتنا لك وقضيتنا إليك ، والله عذيرنا منك ، والسّلام(2) .
__________________
(1) مجلحة : مشتق من جلح على الشيء : أقدم عليه.
(2) تاريخ الطبري 5 / 111 ـ 112 ، الأنساب 5 / 64 ـ 65.
واضطرب عثمان ، وقرأ الرسالة بإمعان وقد أحاط به الثوار ، فبادر إليه المغيرة وطلب منه الإذن بالكلام معهم فأذن له ، ولمّا قرب منهم صاحوا به : يا أعور وراءك.
وصاحوا به ثانياً :
يا فاجر وراءك.
وصاحوا به ثالثاً :
يا فاسق وراءك.
ورجع المغيرة خائباً مهاناً قد أخفق في سفارته ، ودعا عثمان عمرو بن العاص وطلب منه أن يكلم القوم ، فمضى إليهم وسلّم عليهم فلم يردّوا عليه السّلام لعلمهم بفسقه وفجوره ، وقالوا له :
ارجع يا عدو الله.
ارجع يابن النابغة ، لست عندنا بأمين ولا مأمون.
ورجع خائباً في وفادته ، لم يستجب له القوم وقابلوه بمزيد من التوهين والاستخفاف.
وعلم عثمان أن لا ملجأ له إلاّ الإمام أمير المؤمنين فاستغاث به ، وطلب منه أن يدعو القوم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ، فأجابه إلى ذلك بعد أن أخذ منه المواثيق على الوفاء بعهده ، ومضى الإمام إلى الثوار وهو يحمل الضمان لجميع مطاليبهم ، فلمّا رأوه قالوا له :
وراءك.
ـ «تعطون كتاب الله ، وتعتبون من كلِّ ما سخطتم عليه».
ـ أتضمن ذلك؟
ـ «نعم».
ـ رضينا.
وأقبل وجوههم وأشرافهم مع الإمام فدخلوا على عثمان فعاتبوه ولاموه على ما فرّط في أمور المسلمين ، وطالبوه أن يغيّر سياسته وسلوكه ويسير بين المسلمين بالحق فاستجاب لهم ، وطالبوا منه أن يكتب لهم كتاباً بذلك ، فأجابهم إلى ما أرادوا وكتب لهم هذا الكتاب :
هذا كتاب من عبد الله عثمان أمير المؤمنين لمَن نقم عليه من المؤمنين والمسلمين أن لكم أن أعمل فيكم بكتاب الله وسنّة نبيّه ، يعطى المحروم ، ويؤمن الخائف ، ويردّ المنفي ، ولا يجمر في البعوث ، ويوفر الفيء ، وعلي بن أبي طالب ضمين للمؤمنين والمسلمين ، على عثمان الوفاء بما في هذا الكتاب.
وشهد فيه كل من الزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن مالك بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمرو ، وزيد بن ثابت ، وسهل بن حنيف ، وأبو أيوب خالد بن زيد ، وكتب ذلك في ذي القعدة سنة (35 هـ).
وأخذ القوم الكتاب وانصرفوا إلى جماعتهم ، وطلب منه الإمام أمير المؤمنين أن يخرج إلى الناس ويعلن لهم بتنفيذ طلباتهم ففعل عثمان ذلك ، فأعطاهم عهد الله وميثاقه أن يسير فيهم بكتاب الله وسنّة نبيّه ، وأن يوفر لهم الفيء ولا يؤثر به أحداً من أقربائه ، وقفل المصريّون راجعين إلى بلادهم.
ونقض عثمان ما قطعه على نفسه ، ولم يفِ للمسلمين بما عاهدهم عليه
ويقول المؤرّخون : إنّ السبب في ذلك أنّ مروان الذي كان مستشاراً له ووزيراً ، قد دخل عليه فلامه وعذله على ما صنع قائلاً : تكلّم وأعلم الناس أنّ أهل مصر قد رجعوا ، وأنّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلاً ؛ فإن خطبتك تسير في البلاد قبل أن يتحلّب الناس عليك من أمصارهم فيأتيك مَن لا تستطيع دفعه.
وامتنع عثمان من إجابته ؛ لأنه دعاه لأن يناقض نفسه ، وأن يقول غير الحق ، ولكنه ما زال به يحذّره مغبّة ما صنع ويخوّفه عاقبة الاُمور ، ولم تكن لعثمان إرادة صلبة ولا عزم ثابت ، فكان ألعوبة بيد مروان فاستجاب له ، واعتلى المنبر فخاطب الناس قائلاً : أمّا بعد ، إنّ هؤلاء القوم من أهل مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر ، فلمّا تيقّنوا أنه باطل ما بلغهم رجعوا إلى بلادهم.
وانبرى المسلمون إلى الإنكار عليه ، وناداه عمرو بن العاص : اتق الله يا عثمان ، فإنك قد ركبت نهابير(1) وركبناها معك ، فتب إلى الله نتب معك.
فصاح به عثمان : وإنك هنا يابن النابغة؟ قملت والله جبّتك منذ تركتك من العمل؟
وارتفعت أصوات الإنكار من جميع جنبات الحفل وهي ذات لهجة واحدة : اتق الله يا عثمان. اتق الله يا عثمان.
وانهارت أعصابه ، وتحطّمت قواه فحار في الجواب ، ولم يجد بدّاً
__________________
(1) النهابير : المهالك.
من أن يعلن التوبة مرّة اُخرى عمّا اقترفه ، ونزل عن المنبر وهو خائر القوى ، ومضى إلى منزله(1) .
ولمّا تبيّن للثوار أنه لم يقلع عن سياسته ، وأنه جاد في سيرته لا يغيّر منها ولا يبدل ، أحاطوا به وطالبوه بالاستقالة من منصبه ، فلم يستجب لهم ورأى أن يستنجد بمعاوية ليبعث له قوة عسكرية تحميه من الثوار ، وقد كتب إليه هذه الرسالة : أمّا بعد ، فإن أهل المدينة قد كفروا وخلعوا الطاعة ، ونكثوا البيعة فابعث إليّ من قِبَلك مقاتلة أهل الشام على صعب وذلول(2) .
وحمل الكتاب مسور بن مخرمة ، ولمّا قرأه معاوية قال له مسور : يا معاوية ، إنّ عثمان مقتول فانظر فيما كتب به إليك.
وصارحه معاوية بالواقع وبما انطوت عليه نيّته قائلاً : يا مسور ، إنّي مصرح أنّ عثمان بدأ فعمل بما يحب الله ورسوله ويرضاه ، ثمّ غيّر فغيّر الله عليه ، أفيتهيّأ لي أن أردّ ما غيّر الله عزّ وجلّ(3) .
ولم يستجب معاوية له ، وكان فيما يقول المؤرّخون : يترقّب مصرعه ليتخذ من دمه وسيلة للظفر بالملك والسلطان ، وقد تنكّر لألطافه وأياديه عليه وعلى اُسرته ، يقول الدكتور محمد طاهر دروش :
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 110 ، الأنساب 5 / 74.
(2) الكامل لابن الأثير 5 / 67 ، تاريخ اليعقوبي 2 / 152.
(3) الفتوح 2 / 218.
وإذا كان هناك وزر في قتل عثمان فوزره على معاوية ودمه في عنقه ، ومسؤوليته عن ذلك لا تدفع ، فهو أولى الناس به ، وأعظم الرجال شأناً في دولته ، وقد دعاه فيمَن دعا يستشيره في هذا الأمر وهو داهية الدهاة ، فما نهض إليه برأيه ، ولا دافع عنه بجنده ، وكأنه قد استطال ـ كما استطال غيره ـ حياته ، فترك الأيّام ترسم بيدها مصيره وتحدد نهايته ، فإذا جاز لأحد أن يظنّ بعلي أو بطلحة والزبير وغيرهم تقصيراً في حقّ عثمان فمعاوية هو المقصّر ، وإذا جاز أن يلام أحد غير عثمان فيما جرى فمعاوية هو الملوم.
وعلى أيّ حال ، فإن معاوية لمّا أبطأ عن إجابته ، بعث عثمان رسالة إلى يزيد بن كرز والي أهل الشام يستحثّهم على القدوم إليه لإنقاذه من الثوار ، ولمّا انتهى إليهم كتابه نفروا إلى إجابته تحت قيادة يزيد القسري ، إلاّ أنّ معاوية أمره بالإقامة بذي (خشب) وأن لا يتجاوزه ، فأقام الجيش هناك حتّى قُتل عثمان.
وكتب عثمان رسائل اُخرى إلى أهل الأمصار وإلى مَن حضر الموسم في مكّة يطلب منهم القيام بنجدته ، إلاّ أنهم لم يستجيبوا له ؛ لعلمهم بالأحداث التي ارتكبها.
وأحاط الثوار بعثمان ، وقد رجع إليهم الوفد المصري حينما استبان المكيدة الخطيرة التي دبّرت ضدّه ، وقد حاصروا عثمان وهم يهتفون بسقوطه
__________________
(1) الخطابة في صدر الإسلام 2 / 23.
ويطالبونه بالاستقالة من منصبه ، وقد أشعل نار الثورة في نفوسهم مروان بن الحكم فقد أطلّ عليهم وخاطبهم : ما شأنكم؟ كأنكم قد جئتم لنهب! شاهت الوجوه ، تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟ اخرجوا عنّا.
ونفذ صبر الثوار فعزموا على قتله ، وصمّموا على تقطيع أوصاله والتنكيل به.
ونُقلت كلمات مروان إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فخفّ إلى عثمان مسرعاً فقال له : «أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلاّ بتحرّفك عن دينك وعن عقلك مثل جمل الظعينة يقاد حيث يسار به؟! والله ، ما مروان بذي رأي في دينه ولا في نفسه ، وايم الله لأراه سيوردك ثمّ لا يصدرك ، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ؛ أذهبت شرفك وغلبت على أمرك».
وتركه الإمام (عليه السّلام) وانصرف عنه ، فقالت نائلة زوج عثمان للاُمويِّين : أنتم والله قاتلوه ومُيتّموا أطفاله. والتفتت إلى عثمان تنصحه بأن يعزب عن مروان ولا يطيعه ، قائلةً له : إنك متى أطعت مروان قتلك.
وأحاط به الثوار فمنعوا عنه الماء والطعام وحاصروه ، وهو مصرّ على سياسته لم يقلع عنها ، وقد اترعت النفوس بالحقد والكراهية له ، وقد جنى هو على نفسه لإطاعته لمروان وانصياعه لرغبات بني اُميّة.
واندلعت نيران الثورة واشتدّ أوارها ، فقد أحاط الثوار بدار عثمان
وقد خرج إليهم مروان فبرز إليه عروة بن شييم الليثي فضربه على قفاه بالسيف فخرّ لوجهه ، وقام إليه عبيد بن رفاعة الزرقي بسكين ليقطع رأسه فعذلته فاطمة الثقفية ، وكانت اُمّه من الرضاعة ، فقالت له : إن كنت تريد قتله فقد قتلته ، فما تصنع بلحمه أن تبضعه؟
فاستحي منها وتركه ومشى إليه الناس ، وتسلّقوا عليه الدار ، ولم يكن عنده أحد يدافع عنه ؛ فقد ورمت منه القلوب ونفرت منه النفوس ، ورمي بالحجارة وناداه الناس : لسنا نرميك ، الله يرميك.
فردّ عليهم عثمان : لو رماني الله لم يخطأني.
واحتفّ به بعض الاُمويِّين يدافعون عنه ، وقد نشب بينهم وبين الثوار قتال عنيف ، وقد فرّ من ساحة القتال خالد بن عقبة بن أبي معيط ، وإليه يشير عبد الرحمان بن سيحان بقوله :
يلومونَني في الدارِ إن غبتُ عنهمُ |
وقد فرّ عنهم خالدٌ وهو دارعُ |
وقُتل من أصحاب عثمان زياد بن نعيم الفهري ، والمغيرة بن الأخنس ، ونيار بن عبد الله الاسلمي وغيرهم.
وأحاط الثوار بعثمان بعد أن انهزم عنه بنو اُميّة وآل أبي معيط ، فأجهز عليه جماعة من المسلمين في طليعتهم محمد بن أبي بكر ، فقد قبض على لحيته وقال له : قد أخزاك الله يا نعثل.
__________________
(1) حياة الإمام الحسن بن علي (عليه السّلام) 1 / 279.
ـ لست بنعثل ، ولكن عبد الله وأمير المؤمنين.
ـ ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان.
ـ يابن أخي ، دع عنك لحيتي ، فما كان أبوك ليقبض على ما قبضت عليه.
ـ ما اُريد بك أشدّ من قبضي على لحيتك.
وطعن جبينه بمشقص كان في يده ، ورفع كنانة بن بشر مشاقص كانت في يده فوجأ في أصل اُذن عثمان حتّى دخلت في حلقه ، ثمّ علاه بالسيف ، ووثب عليه عمرو بن الحمق الخزاعي فجلس على صدره وبه رمق ، فطعنه تسع طعنات ، وكسر عمير بن ضابئ ضلعين من أضلاعه ، وحاولوا حزّ رأسه ، فألقت زوجتاه نائلة وابنة شيبة بن ربيعة بأنفسهما عليه ، فأمر ابن عديس بتركه لهما(1) .
واُلقي عثمان جثّة هامدة على الأرض ، لم يسمح الثوار بمواراته. وقال الصفدي : إنهم ألقوه على المزبلة ثلاثة أيّام(2) ؛ مبالغة في تحقيره وتوهينه. وتكلّم بعض خواصّه مع الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ليتوسّط في شأنه مع الثوار في دفنه ، فكلّمهم الإمام فأذنوا في دفنه(3) .
ويصف (جولد تسهير) دفنه بقوله : وبسط جثمانه دون أن يغسل على باب ، فكان رأسه يقرع قرعاً ، يقابل بخطوات سريعة من حامليه ، وهم يسرعون به في ظلام الليل ، والأحجار ترشفه واللعنات تتبعه ، ودفنوه في حش كوكب(4) ، ولم يرضَ الأنصار بمواراته في مقابر المسلمين(5) .
__________________
(1) الغدير 9 / 206.
(2) تمام المتون / 79.
(3) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 281.
(4) حش كوكب : اسم بستان لليهود كانوا يدفنون موتاهم فيه.
(5) العقيدة والشريعة في الإسلام / 45.
وأمّا غلاماه اللذان قُتلا معه فقد سحبوهما وألقوهما على التلال ، فأكلتهما الكلاب(1) .
وعلى أيّ حال فقد كانت الثورة على عثمان ثورة اجتماعية لا تقلّ شأناً عن أنبل الثورات الإصلاحية التي عرفها التاريخ ، فقد كانت تهدف إلى الحدّ من سلطة الحاكمين ، ومنعهم من الاستبداد بشؤون الناس ، وإعادة الحياة الإسلاميّة إلى مجراها الطبيعي.
وتركت حكومة عثمان كثيراً من المضاعفات السيّئة التي امتحن بها المسلمون أشدّ الامتحان ، فقد أشعلت نار الفتن في جميع أنحاء البلاد ، وجرّت للمسلمين الويلات والخطوب ، ونتحدّث ـ بإيجاز ـ عن الأحداث الكبرى التي مُني بها العالم الإسلامي من جرّاء حكومته وهي :
1 ـ إنّ حكومة عثمان قد عمدت إلى التهاون في احترام القانون ، وتجميد السلطة القضائية ، فإنّ أفراد الاُسرة الاُموية قد جافوا في كثير من تصرّفاتهم وسلوكهم الأحكام الدستورية ، وكان موقف عثمان معهم يتّسم بالميوعة والتسامح ، فلم يتخذ معهم أيّ إجراء حاسم ، وإنما كان مسدّداً لهم ومتأوّلاً لأخطائهم ، كما ألمعنا إلى ذلك في البحوث السابقة ، وكان من النتائج المباشرة لذلك شيوع الفوضى في السلوك ، وفساد الأخلاق والتمرّد على القانون.
2 ـ إنّ حكومة عثمان لم تتخذ الحكم وسيلة من وسائل الإصلاح الاجتماعي ، وإنما اتخذته وسيلة للإثراء والاستغلال ، والسيطرة على الشعوب
__________________
(1) سيرة الحلبي.
مما أهاب بكثير من الفئات أن ينظروا إلى الحكم بأنه مغنم وسبب للتمتع بنِعَم الدنيا وخيراتها ، وقد أدّى ذلك إلى تهالك الجماعات والأفراد نحو الملك والسلطان ، فطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم لم يكونوا ينشدون أيّ هدف إنساني أو اجتماعي في تمرّدهم على حكومة الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وإنما كانوا هائمين في طلب الإمرة والخلافة ، وأعقب عصيانهم بلبلة الروح الدينية ، وزعزعة الإيمان في النفوس ، وانتشار الأحزاب النفعية التي حالت بين المجتمع الإسلامي وبين حكومة القرآن.
3 ـ وخلقت حكومة عثمان طبقة ارستقراطية أشاعت الترف والبذخ وتهالكت على اللذّة والمجون ، وكان من بينها الاُسر القرشية التي غرقت بالأموال وحارت في صرفها ، في حين أنّ الأوساط الاجتماعية كانت تعاني الضيق والحرمان ؛ ممّا أدّى إلى ثورة المصلح الكبير أبي ذر صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) على الرأسمالية القرشية التي جُمعت بغير وجه مشروع ، ومطالبته بتأميمها وإرجاعها إلى الخزينة المركزية ؛ لتنفق على تطوير الحياة الاقتصادية وتنمية الدخل الفردي ، وإذابة الفقر والحاجة في جميع القطاعات الشعبية حسب ما يريده الإسلام.
4 ـ وعملت حكومة عثمان على إحياء العصبية القبلية التي حاربها الإسلام ، فقد جهد عثمان على تقوية اُسرته وبسط نفوذها ، وحمايتها من القانون ومنحها جميع أسباب القوة ؛ مما أدّى إلى تكتّل الاُسر العربية ، وشيوع النعرات الجاهليّة من الافتخار بأمجاد الآباء والاعتزاز بالأنساب ، وغير ذلك مما سنذكره في بحوث هذا الكتاب.
5 ـ تطلّع النفعيِّين إلى الوصول إلى الحكم والاعتماد على قوّة السيف من دون أن يعنى بإرادة الاُمّة. يقول (يوليوس فلهوزن) : فمنذ ذلك الحين صار للسيف القول الفصل في أمر رئاسة الحكومة التيوقراطية ، وفتح باب
الفتنة ، ولم ينسد بعد ذلك أبداً سدّاً تامّاً ، ولم يمكن ذلك الحين المحافظة على وحدة ممثلة في شخص إمام على رأس الجماعة إلاّ في الظاهر على الأكثر وبالقوة والقهر. فالحقيقة أنّ الجماعة قد انشقّت وتفرّقت شيعاً وأحزاباً ، كل منها يحاول أن يفرض سلطانه السياسي ، وأن يلجأ للسيف تأييداً لإمامه على الإمام الحاكم بالفعل(1) .
لقد انتشرت الأطماع السياسية ، وتهالك النفعيّون على الوصول إلى كرسي الحكم ، مما أدّى إلى إشاعة الفتن والفوضى في جميع أنحاء البلاد.
6 ـ التطبيل بدم عثمان ، واتخاذه شعاراً للفتنة وإراقة الدماء ، والتمرّد على القانون لا من قِبَل الاُمويِّين فقط وإنما من قِبَل جميع الفئات الطامعة في الحكم ؛ كطلحة والزبير وعائشة وغيرهم من الذين ساهموا مساهمة إيجابية في الثورة على عثمان ، وقد أطلت في سبيل هذه الأطماع الرخيصة أنهار من الدماء الزكيّة ، وشاع الثكل والحداد في ربوع الوطن الإسلامي.
هذه بعض المتارك التي خلّفتها حكومة عثمان ، وهي ـ من دون شك ـ قد أثّرت تأثيراً عميقاً في تطوّر الأحداث ، واتجاه المجتمع نحو الأطماع السياسية ، وانتشار الانتهازية والوصولية بشكل فظيع مما أدّى إلى الصراع العنيف على الحكم ، وتحوّل الحكومة الدينية إلى الملكية التي لا تعنى بأيّ حال باُمور الإسلام وتطبيق أهدافه.
كما باعدت ما بين المسلمين وبين أهل البيت (عليهم السّلام) الذين نصّ الرسول (صلّى الله عليه وآله) على إمامتهم ، وأوصى الاُمّة باتّباعهم ، فقد تحطّمت بشكل سافر تلك القدسية التي أحاطهم بها ، واتّجهت السلطات التي تلت حكومة الخلفاء إلى تمزيق أوصالهم والتنكيل بهم ، ولم ترعَ فيهم قرابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) التي هي أحقّ بالرعاية من كل شيء.
بقي هنا شيء وهو أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) كان في عهد عثمان في
__________________
(1) تاريخ الدولة العربية / 50 ـ 51.
شرخ الشباب ، ويقول المؤرّخون : إنه انضمّ إلى الجيش الإسلامي الذي اتّجه إلى فتح طبرستان سنة (30 هـ) ، وكان على قيادته سعيد بن العاص ، فأبلى الجيش بلاءً حسناً وفتح الله على يده ورجع ضافراً(1) .
ولم تظهر لنا بادرة اُخرى عن الإمام الحسين في تلك الفترة ، ولعلّ السبب يعود ـ فيما نحسب ـ إلى أنّ الاُسرة النبوية كانت من الجبهة المعارضة لحكومة عثمان ، وقد قامت بدور إيجابي في التنديد بسياسته ، وقد صبّ عثمان جامّ غضبه على أصحاب الإمام أمير المؤمنين كأبي ذر ، وعمار ، وابن مسعود ، فأمعن في ظلمهم وإرهاقهم ، وقد شاهد الإمام الحسين (عليه السّلام) تلك الأحداث المفزعة فأضافت إلى نفسه آلاماً ، وعرّفته بواقع المجتمع واتّجاهاته.
وزعم بعض المؤرّخين أنّ الإمام الحسن والحسين (عليهما السّلام) دافعا عن عثمان حينما أحاط به الثوار ، وقد دلّلنا على عدم صحة ذلك بصورة موضوعية في كتابنا (حياة الإمام الحسن) ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن حكومة عثمان.
__________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 57 ، العبر 2 / 34 ، ولم يذكر صاحب الفتوحات الإسلاميّة انضمام الإمام الحسين (عليه السّلام) إلى ذلك الجيش.
عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)
وحقّقت الثورة على عثمان مكسباً عظيماً للمسلمين ، فقضت على الاستغلال والتلاعب بمقدّرات الاُمّة ، وقضت على الغبن والظلم الاجتماعي ودكّت عروش الطغيان ، وحقّقت للاُمّة أهمّ ما تصبو إليه من تحقيق العدل والرخاء والأمن.
لقد استهدفت الثورة القضايا المصيرية للاُمّة ، وكان من أهمّها ترشيح الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمنصب الحكم ، ويقول المؤرّخون : إنّ الثوار وسائر القوات المسلحة قد احتفّت بالإمام ، وهي تهتف بحياته وتناديه : لا إمام لنا غيرك.
لقد أيقنت الأوساط الشعبية أنّ الإمام هو الذي يحقّق آمالها وأهدافها ويعيد لها كرامتها ، وأنها ستنعم في ظلال حكمه بالحرية والمساواة والعدل ، فأصرّت على انتخابه وتقليده شؤون الخلافة.
واستقبل الإمام الثوار بالوجوم وعدم الرضا بخلافتهم ؛ لعلمه بالأحداث الرهيبة التي سيواجهها إن قَبِل خلافتهم ، فإنّ الأحزاب النفعية التي خلقتها حكومة عثمان قد تطعّمت بالخيانة ، وتسربلت بالأطماع والمنافع الشخصية ، وأنها ستقف في وجهه ، وتعمل جاهدةً على مناجزته والحيلولة بينه وبين تحقيق مخططاته السياسية الهادفة إلى تحقيق العدل والقضاء على الجور.
وهتف الإمام بجماهير الشعب التي احتفّت به معلناً رفضه الكامل لخلافتهم ، قائلاً لهم : «لا حاجة لي في أمركم ، فمَن اخترتم رضيت به».
وأيّ حاجة للإمام في خلافتهم ، فهو لم ينشد مكسباً خاصّاً له أو لاُسرته ،
وإنما كان يبغي تحقيق أهداف الاُمّة ، وإعادة الحياة الإسلاميّة إلى مجراها الطبيعي وأصرّت الجماهير على انتخابه قائلة : ما نختار غيرك.
ولم يعنَ بهم الإمام ، وإنما أصرّ على الامتناع والرفض ، ولكن الثوار لم يجدوا أحداً خليقا بإدارة شؤون الاُمّة غير الإمام الذي توفّرت فيه جميع الصفات القيادية من الصلابة للحق ، والقدرة على تحمّل المسؤولية ، فأصرّت على فكرتها في ترشيحه للخلافة.
وعقدت القوات العسكرية مؤتمراً خاصّاً بعد امتناع الإمام من إجابتها ، عرضت الأحداث الخطيرة التي تواجه الاُمّة إن بقيت بلا إمام ، وقد قرّرت على إحضار المدنيِّين وتهديدهم بقوة السلاح إن لم ينتخبوا إماماً للمسلمين ، ولمّا حضروا قالوا لهم : أنتم أهل الشورى ، وأنتم تعقدون الإمامة ، وحكمكم جائز على الاُمّة ؛ فانظروا رجلاً تنصبونه ، ونحن لكم تبع ، وقد أجّلناكم يومكم. فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلنّ علياً وطلحة والزبير ، وتذهب من اُضحية ذلك اُمّة من الناس(1) .
وفزع المدنيّون وعلاهم الرعب ، وخيّم عليهم الذعر ، فهرعوا إلى الإمام (عليه السّلام) وهم يهتفون :
البيعة البيعة!
أما ترى ما نزل بالإسلام ، وما ابتلينا به من أبناء القرى؟!
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 80.
فأجابهم الإمام مصرّاً على رفضه قائلاً :
«دعوني والتمسوا غيري».
وأحاطهم علماً بالأحداث المذهلة التي سيواجهها إن قَبِل خلافتهم قائلاً : «أيها الناس ، إنّا مستقبلون أمراً له وجوه وله ألوان ، لا تقوم به القلوب ، ولا تثبت له العقول»(1) .
ولم تعِ الجماهير قوله ، وإنما ازدحمت عليه تنادي :
أمير المؤمنين ، أمير المؤمنين(2) .
وكثر إصرار الناس عليه وتدافعهم نحوهم ، فصارحهم بالواقع ليكونوا على بيّنة من أمرهم قائلاً :
«إنّي إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم ، ألا وأنّي من أسمعكم وأطوعكم لمَن ولّيتموه».
لقد أعرب لهم أنه إن تولّى قيادتهم فسوف يسير فيهم بالحق والعدل فلا يجاب ولا يصانع أيّ إنسان ، ودعاهم إلى التماس غيره ، إلاّ أنهم أصرّوا عليه وهتفوا : ما نحن بمفارقيك حتّى نبايعك.
وتزاحمت الجماهير عليه ، وانثالوا عليه من كل جانب وهم يطالبونه بقبول خلافتهم ، وقد وصف (عليه السّلام) شدّة إصرارهم وازدحامهم عليه بقوله : «فما راعني إلاّ والناس كعرف الضبع(3) ينثالون عليّ من كل
__________________
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 1 / 182.
(2) أنساب الأشراف 5 / 7.
(3) عرف الضبع : الشعر الكثير الذي يكون على عنق الضبع ، يضرب به المثل في كثرة الازدحام.
جانب حتّى لقد وُطئ الحسنان ، وشقّ عطفاي(1) ، مجتمعين حولي كربيضة الغنم»(2) .
وأجّلهم إلى صباح اليوم الثاني لينظر في الأمر ، فافترقوا على ذلك.
ولم يجد الإمام (عليه السّلام) بدّاً من قبول الخلافة ؛ خوفاً أن ينزو إليهم علج من بني اُميّة ، كما كان يتحدّث بذلك ، يقول (عليه السّلام) : «والله ، ما تقدّمت عليها إلاّ خوفاً من أن ينزو على الاُمّة تيس من بني اُميّة ، فيلعب بكتاب الله عزّ وجلّ»(3) .
لقد دعته الضرورة والخوف على الإسلام إلى قبول خلافتهم التي لا إرب له فيها سوى إقامة الحقّ ودحر الباطل ، فلم يكن ابن أبي طالب رائد العدالة الاجتماعية في الإسلام من عشّاق الملك والسلطان ، ولا ممن يبغي الحكم لينعم في خيراته ، إنه ربيب الوحي الذي أثبت في جميع أدوار حياته زهده في الدنيا ، وعزوفه عن جميع رغباتها.
وازدحمت الناس في الجامع الأعظم تنتظر بفارغ الصبر لعلّه قد أجابهم
__________________
(1) شقّ عطفاي : أراد به خدش جانبيه من كثرة زحام الناس عليه للبيعة.
(2) ربيضة الغنم : الطائفة الرابضة ، يصف جثومهم بين يديه.
(3) أنساب الأشراف 1 ق 1 / 157.
إلى ما يريدون ، وأقبل الإمام تحفّ به البقيّة الطيّبة من صحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) فقوبل بموجة من الهتافات المؤيّدة له ، وقد أعلنوا عن رغبتهم الملحّة في أن يتولّى شؤون المسلمين ، واعتلى الإمام أعواد المنبر فخاطب الجماهير قائلاً : «أيها الناس ، إنّ هذا أمركم ليس لأحد فيه حقّ إلاّ مَن أمّرتم ، وقد افترقنا بالأمس وكنت كارهاً لأمركم فأبيتم إلاّ أن أكون عليكم ، ألا وأنه ليس لي أن آخذ درهماً دونكم ، فإن شئتم قعدت لكم وإلاّ فلا أأخذ على أحد».
وألقى الإمام (عليه السّلام) الأضواء على سياسته المالية النيّرة ، فهو يحتاط كأشدّ ما يكون الاحتياط بأموال الدولة ، فلا يستأثر بأيّ شيء منها ، ولا ينفق درهماً على مصالحه وشؤونه الخاصة ، وهو يشير بذلك إلى الذين تمرّغوا في أموال الخزينة المركزية أيّام الحكم المباد فنهبوا الأموال ، وأخذوها بغير حلّها ، وإنه إذا تولّى شؤون المسلمين فسوف يحرمون منها ويعاملون كبقية أفراد الشعب ، ويعود المال حسب ما يريد الله للاُمّة لا للحاكم.
وتعالت الهتافات من جميع جنبات المسجد وهي تعلن الإصرار الكامل على انتخابه ، قائلين بلسان واحد : نحن على ما فارقناك عليه بالأمس.
وتدافعت الجماهير كالموج المتلاطم إلى البيعة ، وتقدّم طلحة بيده الشلاّء التي سرعان ما نكث بها عهد الله فبايع ، فتطيّر منه الإمام (عليه السّلام) وطفق يقول : «ما أخلقه أن ينكث»(1) .
وتوالت الجماهير تبايع الإمام ، وهي إنما تبايع الله ورسوله ، وبايعته القوات المسلحة من المصريِّين والعراقيِّين ، وبايعه عرب الأمصار وأهل
__________________
(1) العقد الفريد 3 / 93.
بدر والمهاجرين والأنصار عامّة(1) . ولم يظفر أحد من الخلفاء بمثل هذه البيعة في شمولها واتّساعها ، وعمّت الأفراح والمسرّات جميع المسلمين ، وقد وصف الإمام (عليه السّلام) مدى ابتهاج الناس وسرورهم ببيعته بقوله : «وبلغ من سرور الناس ببيعتهم أن ابتهج بها الصغير ، وهدج(2) إليها الكبير ، وتحامل نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب»(3) .
لقد ابتهج المسلمون بهذه البيعة التي تحقق أهدافهم ، وتحقق ما يصبون إليه من العزّة والكرامة ، وقد كانت بيعته يوم السبت لإحدى عشر ليلة بقيت من ذي الحجة(4) .
وقد انبرى أعلام الصحابة فأعلنوا أمام جماهير الاُمّة عن تأييدهم الشامل ودعمهم الكامل لحكومة الإمام ، وقد ذكرنا ذلك بصورة مفصّلة في كتابنا (حياة الإمام الحسن) ، كما ذكرنا فيه عرضاً للوفود التي أقبلت من أغلب مناطق العالم الإسلامي وهي تشارك المسلين فرحتهم ، وتعلن عن دعمها لبيعة الإمام.
وأوّل عمل قام به الإمام فور توليته لمنصب رئاسة الدولة هو عزل ولاة عثمان الذين سخّروا جهاز الحكم لمصالحهم الخاصة ، واثروا ثراءً فاحشاً مما اختلسوه من بيوت المال ، وقد عزل معاوية بن أبي سفيان ، ويقول
__________________
(1) أنساب الأشراف 5 / 22.
(2) هدج : الشيخ الكبير الذي يمشي في ارتعاش.
(3) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 376 ، الطبعة الثالثة.
(4) أنساب الأشراف 1 ق 1.
المؤرّخون : إنّه أشار عليه جماعة من المخلصين بإبقائه في منصبه ريثما تستقر الأوضاع السياسية ثمّ يعزله فأبى الإمام ، وأعلن أنّ ذلك من المداهنة في دينه ، وهو مما لا يقره ضميره الحيّ الذي لا يسلك أيّ طريق يبعده عن الحقّ ، ولو أبقاه ساعة لكان ذلك تزكيةً له وإقراراً بعدالته ، وصلاحيته للحكم. لقد تحرّج الإمام أشدّ ما يكون التحرّج في أيّام حكومته فابتعد عن جميع ألوان السياسة المبتنية على الخداع والتضليل.
وانطلق رائد العدالة الإسلاميّة يقيم في ربوع الدولة الإسلاميّة حكم الله ويرفع راية الحق ، وقد أصدر قراره الحاسم بتأميم الأموال المختلسة التي نهبها الحكم المباد ، وبادرت السلطة التنفيذية بوضع اليد على القطائع التي أقطعها عثمان لذوي قرباه ، والأموال التي استأثر بها عثمان ، وقد صودرت أمواله حتّى سيفه ودرعه ، وأضافها الإمام (عليه السّلام) إلى بيت المال ، وقد فزع بنو اُميّة كأشدّ ما يكون الفزع ، واندفعوا إلى الإنكار على الإمام (عليه السّلام).
يقول الوليد بن عقبة يعاتب بني هاشم ، وينكر عليهم ذلك يقول :
بني هاشمٍ ردّوا سلاحَ ابنِ اُختكُمْ |
ولا تنهبوهُ لا تحلُّ مناهبُهْ |
|
بني هاشمٍ كيف الهوادةُ بيننا |
وعند عليٍّ درعُهُ ونجائبُهْ |
|
بني هاشمٍ كيف التوددُ منكمُ |
وبزّ ابن أروى فيكمُ وحرائبُهْ |
|
بني هاشمٍ ألاّ تردّوا فإننا |
سواءٌ علينا قاتليه وسالبُهْ |
|
بني هاشمٍ إنّا وما كان منكمُ |
كصدعِ الصفا لا يشعب الصدعَ شاعبُهْ |
|
قتلتمْ أخي كيما تكونوا مكانَهُ |
كما غدرتْ يوماً بكسرى مرازبُهْ |
وألمّت هذه الأبيات بالتوتر والأحقاد التي أترعت بها نفوس الاُمويِّين ، فهم يرون الإمام هو الذي قام بالحركة الانقلابية التي أطاحت بحكومة عثمان ، وهم يطالبون الهاشميِّين بردّ سيف عثمان ودرعه وسائر ممتلكاته التي صادرتها حكومة الإمام (عليه السّلام) ، وقد شاع هذا الشعر وردّدته الأندية وحفظه الناس ، وقد ردّ عليه عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث بأبيات منها :
فلا تسألونا سيفكُمْ إنّ سيفكُمْ |
اُضيع وألقاهُ لدى الروعِ صاحبُهْ |
|
وشبّهتهُ كِسرى وقد كان مثلَهُ |
شبيهاً بكسرى هديهُ وضرائبُهْ(1) |
وطعن هذا الشاعر بشخصية عثمان فقد رماه بالخور ، وأنه ألقى سيفه لدى الروع حينما هجم عليه الثوار ، فلم يذبّ به عن نفسه ، ولم يقُم بأيّ دور في الحماية والدفاع عنه ، وإنما استسلم لسيوف الثوار التي تناهبت شلوه.
وفزعت القبائل القرشية وأصابها الذهول فقد أيقنت أنّ الإمام سيصادر الأموال التي منحها لهم عثمان بغير حق ، فقد كتب عمرو بن العاص رسالة إلى معاوية جاء فيها : ما كنت صانعاً فاصنع إذا قشرك ابن أبي طالب من كل مال تملكه ، كما تقشر عن العصا لحاها(2) .
لقد خافت قريش على ثرواتها ، وخافت على نفوذها ومكانتها ، فقد عرفت الإمام وعرفت مخططاته الهادفة إلى إقامة الحق والعدل ، وتحطيم الامتيازات الغير المشروعة ، وأنه سيعاملهم كبقية أفراد الشعب ؛ فلذا أظهرت
__________________
(1) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 343 ، الطبعة الثانية.
(2) الغدير 8 / 288.
أحقادها البالغة على حكومته ، وقد وصف ابن أبي الحديد مدى فزعهم واضطرابهم بقوله :
كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمّه من إظهار ما في النفوس ، وهيجان ما في القلوب حتّى الأحلاف من قريش ، والأحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في أسلافهم وآبائهم ، فعلوا ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله(1) .
لقد راح الحسد ينهش قلوب القرشيّين ، والأحقاد تنخر ضمائرهم ، فاندفعوا إلى إعلان العصيان والتمرّد على حكومة الإمام ، وسنذكر لذلك عرضاً في البحوث الآتية.
وامتحن الإمام (عليه السّلام) امتحاناً عسيراً من الاُسر القرشية ، وقد عانى منها أشدّ ألوان المحن والخطوب في جميع أدوار حياته ، يقول (ع) : «لقد أخافتني قريش صغيراً ، وأنصبتني كبيراً ، حتّى قبض الله رسوله فكانت الطامة الكبرى ، والله المستعان على ما تصفون»(2) .
وتحدّث (عليه السّلام) في رسالته إلى أخيه عقيل عن إجماعهم على حربه ، كما أجمعوا على حرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، يقول : «فدع عنك قريشاً في الضلال ، وتجوالهم في الشقاق ، وجماحهم في التيه ، فإنهم قد أجمعوا على حرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قبلي ، فجزت قريشاً
__________________
(1) شرح نهج البلاغة.
(2) شرح نهج البلاغة 4 / 108.
عنّي الجوازي ؛ فقد قطعوا رحمي ، وسلبوني سلطان ابن اُمّي»(1) .
ولم يعن بهم الإمام ، وانطلق يؤسس معالم سياسته العادلة ، ويحقق للاُمّة ما تصبوا إليه من العدالة الاجتماعية ، وقد أجمع رأيه على أن يقابلهم بالمثل ، ويسدّد لهم الضربات القاصمة إن خلعوا الطاعة وأظهروا البغي ، يقول (عليه السّلام) : «ما لي ولقريش! لقد قتلتهم كافرين ، ولأقتلنّهم مفتونين. والله لأبقرنّ الباطل حتّى يظهر الحقّ من خاصرته ، فقل لقريش فلتضجّ ضجيجها»(2) .
لقد جهدت قريش على إطفاء نور الله ، وتدمير المثُل الإسلاميّة بكل قواها ، في محاربة الإمام والإطاحة بحكومته ، كما جهدت من قبل على حرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وردّ رسالة الإسلام لمصدرها.
لا أعرف حاكماً سياسياً أو مصلحاً اجتماعياً تبنّى العدل بجميع رحابه ومفاهيمه كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، فقد بنى حكمه على الحقِّ الخالص والعدل المحض ، وتبنّى مصالح المظلومين والمضطهدين على اختلاف قوميّاتهم وأديانهم ، وقد أجهد نفسه وكلّفها رهقاً فيما بسطه من صنوف العدل والمساواة ؛ فكان يشرف على كل بادرة في رقاع دولته ، ويتفقّد جميع شؤون رعيّته ؛ فكان يطيل التفكير في البؤساء والضعفاء في جميع أرجاء دولته الممتدّة الأطراف ، وقد رأى أن يشاركهم في جشوبة العيش ، وخشونة اللباس ، ويبيت طاوياً ؛ إذ لعلّ بالحجاز أو اليمامة مَن لا عهد له بالقوت ،
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 16 / 36.
(2) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 1 / 341.
ولا طمع له بالشبع ؛ لذلك ضيّق على نفسه ، وحرّم عليها جميع متع الحياة وحملها على الجهد والحرمان ، واتجه فكره النيّر وضميره الحي إلى إسعاد الناس ، ونشر الدعة والرفاهية فيهم وفيما يلي عرضاً موجزا لسياسته.
أمّا السياسة المالية التي انتهجها الإمام (عليه السّلام) فإنما هي امتداد لسياسة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، الذي عنى بتطوير الحياة الاقتصادية ، وإنعاش الحياة العامة في جميع أنحاء البلاد ، بحيث لا يبقى فقير أو بائس أو محتاج ، وذلك بتوزيع ثروات الاُمّة توزيعاً عادلاً على جميع القطعات الشعبية.
أمّا مظاهر تلك السياسة الاقتصادية الخلاّقة فهي :
1 ـ المساواة في التوزيع والعطاء ، فليس لأحد على أحد فضل أو امتياز ، وإنما الجميع على حدّ سواء ، فلا فضل للمهاجرين على الأنصار ولا لاُسرة النبي (صلّى الله عليه وآله) وأزواجه على غيرهم ، ولا للعربي على غيره ، وقد طبّق الإمام (عليه السّلام) هذه الجهة بصورة دقيقة وشاملة فكان ـ فيما أجمع عليه المؤرّخون ـ قد ساوى بين المسلمين في العطاء ، ولم يميّز قوماً على آخرين ؛ فقد وفدت إليه سيّدة قرشية من الحجاز طالبة منه الزيادة في عطائها ، وقد التقت قبل أن تصل إليه بعجوز فارسية كانت مقيمة في الكوفة فسألتها عن عطائها فإذا به يساوي ما خصص لها ، فأمسكت بها وجاءت بها إليه ، وقد رفعت عقيرتها قائلة : هل من العدل أن تساوي بيني وبين هذه الأمة الفارسيّة؟!
فرمقها الإمام (عليه السّلام) بطرفه ، وتناول قبضة من التراب وجعل ينظر إليه ويقلّبه بيده وهو يقول :
«لم يكن بعض هذا الترب أفضل من بعض». وتلا قوله تعالى :( إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) .
وقد أثارت هذه العدالة في التوزيع غضب الرأسماليين من القرشيين وغيرهم ، فأعلنوا سخطهم على الإمام ، وقد خفّت إليه جموع من أصحابه تطالبه بالعدول عن سياسته ، فأجابهم الإمام : «أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ فِيمَنْ وُلِّيتُ عَلَيْهِ؟ وَاللَّهِ لا أَطُورُ بِهِ مَا سَمَرَ سَمِيرٌ ، وَمَا أَمَّ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ نَجْماً. لَوْ كَانَ الْمَالُ لِي لَسَوَّيْتُ بَيْنَهُمْ فَكَيْفَ وَإِنَّمَا الْمَالُ مَالُ اللَّهِ؟! أَلا وَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَإِسْرَافٌ ، وَهُوَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ فِي الدُّنْيَا وَيَضَعُهُ فِي الآخِرَةِ ، وَيُكْرِمُهُ فِي النَّاسِ وَيُهِينُهُ عِنْدَ اللَّهِ»(1) .
لقد كان الإمام يهدف في سياسته المالية إلى إيجاد مجتمع لا تطغى فيه الرأسمالية ، ولا تحدث فيه الأزمات الاقتصادية ، ولا يواجه المجتمع أيّ حرمان أو ضيق في حياته المعاشية.
لقد أدّت هذه السياسة المشرقة ، المستمدّة من واقع الإسلام وهديه ، إلى إجماع القوى الباغية على الإسلام أن تعمل جاهدة على إشاعة الفوضى والاضطراب في البلاد ، مستهدفة بذلك الإطاحة بحكومة الإمام.
ويرى المدائني : إنّ من أهمّ الأسباب التي أدّت إلى تخاذل العرب عن الإمام اتّباعه لمبدأ المساواة ، حيث كان لا يفضل شريفاً على مشروف في العطاء ، ولا عربياً على عجمي(2) . لقد ورمت آناف اُولئك الطغاة من سياسة الإمام (عليه السّلام) التي
__________________
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 25 / 10.
(2) شرح ابن أبي الحديد 1 / 180.
هدّمت الحواجز ، وألغت الطبقية ، وساوت بين جميع أبناء المسلمين لا في العطاء فقط وإنما في جميع الحقوق والواجبات.
2 ـ الإنفاق على تطوير الحياة الاقتصادية وإنشاء المشاريع الزراعية ، والعمل على زيادة الإنتاج الزراعي الذي كان العمود الفقري للاقتصاد العام في تلك العصور ، وقد أكّد الإمام في عهده لمالك الأشتر على رعاية إصلاح الأرض قبل أخذ الخراج منها ، يقول (عليه السّلام) : «وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج ؛ لأن ذلك لا يدرك إلاّ بالعمارة ، ومَن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد ، ولم يستقم أمره إلاّ قليلاً»(1) .
لقد كان أهم ما يعني به الإمام (عليه السّلام) في سياسته الاقتصادية زيادة الدخل الفردي ، ونشر الرفاهية والرخاء بصورة شاملة في جميع أنحاء العالم الإسلامي ، وقد حفلت رسائله إلى ولاته بالاهتمام في هذه الجهة ، فقد أكّد عليهم لزوم الإنفاق على تطوير الاقتصاد العام حتّى لا يبقى أيّ شبح للفقر والحرمان في البلاد.
3 ـ عدم الاستئثار بأيّ شيء من أموال الدولة ، فقد تحرّج الإمام فيها كأشدّ ما يكون التحرّج ، وقد أثبتت المصادر الإسلاميّة بوادر كثيرة من احتياطه البالغ فيها ، فقد وفد عليه أخوه عقيل طالباً منه أن يمنحه الصلة ، ويرفّه عليه حياته المعاشية ، فأخبره الإمام : إنّ ما في بيت المال للمسلمين ، وليس له أن يأخذ منه قليلاً ولا كثيراً ، وإذا منحه شيء فإنه يكون مختلساً ، فلم يفقه عقيل ذلك وأخذ يلحّ عليه ويجهد في مطالبته ، فأحمى له الإمام (عليه السّلام) حديدة وأدناها منه ، وكاد أن يحترق من ميسمها ، وضجّ ضجيج ذي
__________________
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 3 / 106.
دنف ، فلمّا أفاق أجمع رأيه على الالتحاق بمعاوية ، لينعم بصلاته وهباته التي يختلسها من أموال المسلمين.
لقد أجمع المؤرّخون على أنّ الإمام (عليه السّلام) قد أجهد نفسه وأرهقها من أمره عسراً ، فلم ينعم هو ولا أهل بيته من خيرات الدولة ، ولم يصطفِ منها أي شيء ، وقد نفر منه ذوو الأطماع ، وراح يوصي بعضهم بعضاً في الابتعاد عن الإمام.
يقول خالد بن معمر الأوسي لعلباء بن الهيثم ـ وكان من أصحاب علي ـ : اتق الله يا علباء في عشيرتك ، وانظر لنفسك ولرحمك ماذا تؤمل عند رجل أردته على أن يزيد في عطاء الحسن والحسين دريهمات يسيرة ريثما يرأبان بها ظلف عيشهما فأبى وغضب ، فلم يفعل(1) ؟!
إنّ الإنسانية على ما جرّبت من تجارب ، وبلغت من رقي وإبداع في الأنظمة الاقتصادية فإنها بأي حال لم تستطع أن تنشأ مثل هذا النظام الاقتصادي الذي انتهجه الإمام ؛ فإنه يرتبط بواقع الحياة ، ولا يشذّ عن سننها ، وهو يهدف قبل كل شيء إلى عدالة التوزيع وبسط الرفاهية على الجميع ، والقضاء على الحاجة والحرمان.
وعلى أيّ حال فإن السياسة الاقتصادية الخلاّقة التي تبنّاها الإمام قد ثقلت على القوى المنحرفة عن الإسلام ، فانصرفوا عن الإمام وأهل بيته ، والتحقوا بالمعسكر الاُموي الذي يضمن لهم الاستغلال والنهب ، وسلب قوت الشعب والتلاعب باقتصاد البلاد.
وقد كان قادة الجيش الذي خفّ لحرب ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من ذوي الثروات الطائلة ، كعمرو بن حريث(2) ، وشبث بن ربعي ، وحجار بن أبجر وغيرهم ممن منحتهم الحكومة
__________________
(1) شرح ابن أبي الحديد 10 / 250.
(2) تاريخ الطبري 1 / 5 / 2600 ، وجاء فيه : إنّ عمرو بن حريث كان أكثر أهل الكوفة مالاً.
الاُمويّة الثراء العريض ، فاندفعوا إلى حرب الإمام ؛ حفظاً على مصالحهم الشخصية ، وإبقاءً على ثرواتهم التي تكوّنت بغير وجه مشروع ؛ فقد أيقنوا أنّ الإمام الحسين (عليه السّلام) إذا استتبّ له الأمر فإنه لا يشذّ عن منهج أبيه وسياسته ، وأنهم سيفقدون المنح والهبات التي تغدقها عليهم الحكومة الاُمويّة ، وسنذكر ذلك مشفوعاً بالتفصيل في البحوث الآتية ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن سياسته المالية.
وأجهد الإمام (عليه السّلام) نفسه على أن يحقق بين الناس العدل الاجتماعي والعدل السياسي ، ويحملهم على الطريق الواضح الذي لا التواء فيه ، ويسير فيهم بسياسة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الهادفة إلى تطبيق العدل ، وبسط الحقّ بين القريب والبعيد ، بحيث لا يسمع أنين لمظلوم أو محروم ، ولا يعد ظل للحاجة والبؤس حسبما يريده الله في الأرض. لقد عنى الإمام (عليه السّلام) بإزالة جميع أسباب التخلّف والانحطاط ، وتحقيق حياة كريمة يجد فيها الإنسان جميع متطلّبات حياته من الدعة والأمن والرخاء والاستقرار ، ونلمع فيما يلي إلى بعض مظاهرها :
أمّا المساواة بين الناس فهي من العناصر الذاتية في سياسة الإمام (عليه السّلام) وقد تبنّاها في جميع أدوار حكومته ، ورفع شعارها عالياً حتّى عُرف برائد العدل والمساواة في الأرض ؛ أمّا مظاهرها فهي :
1 ـ المساواة في الحقوق والواجبات.
2 ـ المساواة في العطاء.
3 ـ المساواة أمام القانون.
وقد ألزم الإمام عمّاله وولاته بتطبيق المساواة بين الناس على اختلاف قومياتهم وأديانهم ، يقول (عليه السّلام) في بعض رسائله إلى عمّاله : «واخفض للرعيّة جناحك ، وابسط لهم وجهك ، وألن لهم جنابك ، وآس بينهم في اللحظة والنظرة ، والإشارة والتحيّة ؛ حتّى لا يطمع العظماء في حيفك ، ولا ييأس الضعفاء من عدلك»(1) .
ولم تقنّن في أيّ دين أو مذهب اجتماعي مثل هذه المساواة المشرقة التي تنشد كرامة الإنسان وعزّته ، وتؤلف ما بين المشاعر والعواطف ، وتجمع الناس على صعيد من المحبّة والإخاء.
أمّا الحرية عند الإمام فهي من الحقوق الذاتية لكل إنسان ، ويجب أن تتوفّر للجميع ، شريطة أن لا تستغل في الاعتداء والإضرار بالناس. وكان من أبرز معالمها هي :
الحريّة السياسة :
ونعني بها أن تتاح للناس الحرية التامّة في اعتناق أيّ مذهب سياسي دون أن تفرض عليهم السلطة رأياً معاكساً لما يذهبون إليه ، وقد منح الإمام هذه الحرية بأرحب مفاهيمها للناس ، وقد منحها لأعدائه وخصومه الذين تخلّفوا عن بيعته كسعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر ، وحسان بن
__________________
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 2 / 10.
ثابت ، وكعب بن مالك ، ومسلمة بن مخلد ، وأبي سعيد الخدري(1) ، وأمثالهم من أنصار الحكم المباد الذين كان يغدق عليهم عثمان بصلاته وهباته ، فلم يجبرهم الإمام (عليه السّلام) ، ولم يتخذ معهم أيّ إجراء حاسم كما اتخذه أبو بكر ضدّه حينما تخلّف عن بيعته.
كان الإمام يرى أنّ الناس أحرار ، ويجب على الدولة أن توفّر لهم حرّيتهم ما دام لم يخلّوا بالأمن ، ولم يعلنوا التمرّد والخروج على الحكم القائم ، وقد منح (عليه السّلام) الحرية للخوارج ولم يحرمهم عطاءهم ، مع العلم أنهم كانوا يشكّلون أقوى حزب معارض لحكومته ، فلمّا سعوا في الأرض فساداً ، وأذاعوا الذعر والخوف بين الناس انبرى إلى قتالهم ؛ حفظاً على النظام العام ، وحفظاً على سلامة المواطنين. ويتفرّع على هذه السياسة ما يلي :
1 ـ حرية القول :
ومن مظاهر الحرية الواسعة التي منحها الإمام للناس حرية القول ، وإن كان في غير صالح الدولة ما لم يتعقّبه فساد ، فالعقاب يكون عليه. فقد روى المؤرّخون : إنّ أبا خليفة الطائي لمّا رجع من النهروان التقى مع جماعة من إخوانه ، وكان فيهم أبو العيزار الطائي ، وكان من الخوارج ، فقال لعدي بن حاتم : يا أبا طريف ، أغانم سالم أم ظالم آثم؟
ـ بل غانم سالم.
ـ الحكم ذاك إليك.
وأوجس منه خيفة الأسود بن زيد والأسود بن قيس ، فألقيا القبض عليه وجاءا به مخفوراً إلى الإمام (عليه السّلام) ، ونقلا له حديثه المنطوي على الشرّ والتمرّد ، فقال (عليه السّلام) لهما :
__________________
(1) حياة الإمام الحسن (عليه السّلام) 2 / 383.
«ما أصنع؟».
ـ تقتله.
ـ «أقتل مَن لا يخرج عليّ؟!».
ـ تجسّسه.
ـ «ليست له جناية ، خلّيا سبيل الرجل»(1) .
ولم تمنح مثل هذه الحرية للمواطنين في جميع المذاهب الاجتماعية ، فلم يحاسب الإمام الناس على ما يقولون ، وإنما تركهم وشأنهم لهم حرية القول والفكر ، ولم يفرض عليهم رقابة تحول بينهم وبين حرّياتهم.
2 ـ حرية النقد :
وكان من مظاهر الحرية السياسية التي منحها الإمام للناس هي حرية النقد للحكم ، وعدم التعرّض للناقدين بسوء أو مكروه ، يقول المؤرّخون : إنه كان يقرأ في صلاته وخلفه جماعة من أصحابه ، فقرأ أحدهم معارضاً لقراءته :( إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) . فردّ عليه الإمام معارضاً :( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ) (1) .
ولم يتخذ معه أيّ إجراء وإنما عفا عنه وخلى عن سبيله ، لقد كان يرى للناس الحق في الحرية الواسعة ، فلم يفرض على أحد أمراً ، ولم يستكره أحداً على الطاعة ، ولم يرغم الناس على ما لا يحبّون.
هذه بعض مظاهر الحرية التي أعطاها الإمام للناس في أيّام حكمه ، وقد حققت العدل الاجتماعي والعدل السياسي بين الناس.
وكان العدل الشامل هو الشعار الذي رفعه الإمام (عليه السّلام) عالياً ، وتبنّاه في جميع
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 3 / 73.
أدوار حكومته ، فقد جهد نفسه على إقامة العدل ورفع مناره ، وكان ـ فيما يقول المؤرّخون ـ أوّل حاكم في الإسلام بنى بيتاً للمظالم ، يضع فيه المظلومون والمعتدى عليهم رقاعاً يذكرون فيها ما أصابهم من اعتداء أو مكروه ، وكان بنفسه يتولّى الإشراف عليها ، فيأخذ لهم بحقّهم ، ويدفع عنهم غائلة ما أصابهم من أذى أو مكروه(1) .
لقد عنى الإمام عناية بالغة ببسط العدل ونشره بين الناس ، وكان ـ فيما أجمع عليه المؤرّخون ـ قد وجّه جميع أجهزة حكومته للقضاء على الظلم وتدمير أصوله ومحو أثره ، وقد قال (عليه السّلام) : «الذليل عندي عزيز حتّى آخذ الحق له ، والقوي عندي ضعيف حتّى آخذ الحق منه».
وقد عزل أحد ولاته حينما أخبرته سودة بنت عمارة بأنه قد جارَ في حُكمه ، فجعل الإمام يبكي ويقول بحرارة : «اللّهمّ أنت الشاهد عليّ وعليهم أنّي لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقّك». ثمّ عزله في الوقت(2) .
ونقل المؤرّخون بوادر كثيرة من صور عدله بين الناس بما لم يشاهد له مثيل في جميع أدوار التاريخ.
وجهد الإمام كأكثر ما يكون الجهد والعناء على العمل على توحيد صفوف الاُمّة ونشر الاُلفة والمحبّة بين أبنائها ، واعتبر الاُلفة الإسلاميّة من نِعَم الله الكبرى على هذه الاُمّة ، يقول (ع) : «إنّ الله سبحانه قد
__________________
(1) صبح الأعشى.
(2) العقد الفريد 1 / 211.
امتنّ على جماعة هذه الاُمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الاُلفة التي ينتقلون في ظلّها ويأوون إلى كنفها ، بنعمة لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة ؛ لأنها أرجح من كلِّ ثمن ، وأجلّ من كلِّ خطر»(1) .
وناهض كل مَن يدعو إلى التفرقة وتصديع الشمل ، وأمر بأن يعلا وجهه بالسيف ـ على حدّ تعبيره ـ وقاوم العصبية التي هي من أسباب التفرقة والبغضاء بين الناس ، ودعا إلى التعصّب لمكارم الأخلاق ، يقول (عليه السّلام) : «فإن كان لا بدّ من العصبية فليكن تعصّبكم لمكارم الخصال ، ومحامد الأفعال ، ومحاسن الاُمور التي تفاضلت فيها المجداء والنجداء من بيوتات العرب ويعاسيب القبائل بالأخلاق الرغيبة ، والأحلام العظيمة ، والأخطار الجليلة ، والآثار المحمودة ؛ فتعصّبوا لخلال الحمد من الحفظ للجوار ، والوفاء بالذمام ، والطاعة للبر ، والمعصية للكبر ، والأخذ بالفضل ، والكفّ عن البغي ، والإعظام للقتل ، والإنصاف للخلق ، والكظم للغيظ ، واجتناب الفساد في الأرض»(2) .
لقد عنى الإمام بوحدة الاُمّة وتبنّى جميع الأسباب التي تؤدي إلى تماسكها واجتماع كلمتها ، وقد حافظ على هذه الوحدة في جميع أدوار حياته ؛ فقد ترك حقه وسالم الخلفاء صيانة للأمة من الفرقة والاختلاف.
ولم يعهد عن أحد من الحلفاء أنه عنى بالناحية التربوية أو بشؤون التعليم كالإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، وإنما عنوا بالشؤون العسكرية ، وعمليات الحروب ،
__________________
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 2 / 180.
(2) نهج البلاغة 2 / 175.
وتوسيع رقعة الدولة الإسلاميّة ، وبسط نفوذها على أنحاء العالم ، ومن ثم كانت حقول التربية الدينية ضعيفة للغاية ؛ الأمر الذي أدّى إلى انتشار القلق الديني وقلّة الوعي الإسلامي ، وكان من نتائجه ظهور الحركات الإلحاديّة والمبادئ الهدّامة في العصر الاُموي والعباسي ، كما كان من نتائجه شيوع الخلاعة والمجون في كثير من أنحاء البلاد ، أمّا بيوت الخلفاء والوزراء فكانت من مراكز اللهو والدعارة والتفسّخ.
وقد أولى أمير المؤمنين (عليه السلام) المزيد من اهتمامه بهذه الناحية ؛ فاتّخذ جامع الكوفة معهداً يلقي فيه محاضراته الدينية والتوجيهية ، وكان يشغل أكثر أوقاته بالدعوة إلى الله ، وإظهار فلسفة التوحيد ، وبث الآداب والأخلاق الإسلاميّة ؛ مستهدفاً من ذلك نشر الوعي الديني ، وخلق جيل يؤمن بالله إيماناً عقائدياً لا تقليدياً ، وكانت مواعظه تهزّ أعماق النفوس خوفاً ورهبة من الله. وقد تربى في مدرسته جماعة من خيار المسلمين وصلحائهم ؛ أمثال : حجر بن عدي ، وميثم التمار ، وكميل بن زياد ، وغيرهم من رجال التقوى والصلاح في الإسلام.
وكانت وصاياه إلى ولديه الحسن والحسين (عليهما السّلام) وسائر تعاليمه من أهم الاُسس التربوية في الإسلام ؛ فقد قُنّنت اُصول التربية ، ووُضعت مناهجها على أساس تجريبية كانت من أثمن ما يملكه المسلمون في هذا المجال. أما التعاليم فقد كان الإمام (عليه السّلام) هو المعلم والباعث للروح العلمية ، فهو الذي فتق أبواب العلوم في الإسلام ؛ كعلم الفلسفة ، والكلام ، والتفسير ، والفقه ، والنحو ، وغيرها من العلوم التي تربو على ثلاثين علماً ، وإليه تستند ازدهار الحركة العلمية في العصور الذهبية في الإسلام حسب ما نص عليه المحققون.
لقد كان الإمام (عليه السّلام) المؤسس الأعلى للعلوم والمعارف في دنيا الإسلام ،
وقد بذل جميع جهوده على إشاعة العلم ونشر الآداب والثقافة بين المسلمين ، وكان دوماًُ يذيع بين أصحابه قوله : «سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن طرق السماء فإني أبصر بها من طرق الأرض».
ومن المؤسف والمحزن حقاً أنهم لم يستغلّوا وجود هذا العملاق العظيم فيسألوا منه عن حقيقة الفضاء والمجرّات التي تسبح فيه ، وغيرها من أسرار الطبيعة التي استمد معارفها من الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) ، لم يسألوا عن أي شيء من ذلك ، وإنما راحوا يهزؤون ، وقد قال بعضهم بسخرية : كم طاقة في رأسي من شعر؟
لقد عاش الإمام غريباً في وسط ذلك المحيط الجاهل الذي لم يعِ أي شيء من أهدافه ومثله ، ولم يعرف حق قيمته ، ولم يثمن عبقرياته ومواهبه.
وعلى أي حال ، فإن الإمام أقام حكومته على تطوير الحياة الفكرية والعلمية ، وبث المعارف والآداب بين جميع الأوساط.
واحتاط الإمام أشدّ ما يكون الاحتياط في الولاة والعمّال ، فلم يستعمل أحداً على قطر من الأقطار الإسلاميّة أو يعهد إليه بعمل إلاّ بعد إحراز الثقة بدينه والكفاءة بقدراته الإدارية ، ولم يستعمل أحداً محاباة أو إثرة وإنما استعمل خيار المسلمين وصلحاءهم ؛ أمثال مالك الأشتر ، ومحمد بن أبي بكر ، وسهل بن حنيف ، وحبر الاُمّة عبد الله بن عباس ، ونظرائهم من الذين توّفرت فيهم الخبرة التامة في شؤون الحكم والإدارة ، وقد زوّدهم برسائل مهمّة عرض فيها لشؤون الحكم وسياسة الدولة ، كما حددت من صلاحياتهم ومسؤولياتهم.
وكان من أروع تلك الوثائق السياسية عهده لمالك الأشتر ،
فقد حفل بتشريع ضخم لإصلاح الحياة السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وهو أرقى وثيقة سياسية تهدف إلى ارتقاء المجتمع وتحقيق مصالحه ، ولولا الخروج عن الموضوع لوضعنا بنوده موضع التحليل.
وكان فيما أجمع عليه المؤرّخون يتفقد شؤون ولاته وعمّاله ، ويرسل العيون لتحرّي أعمالهم ؛ فإن رأى منهم خيانة أو تقصيراً في واجبات أحد منهم عزله وأنزل به أقصى العقوبات. وقد بلغه أن ابن هرمة قد خان سوق الأهواز فكتب إلى عامله : «إذا قرأت كتابي فنح ابن هرمة عن السوق ، وأوقفه للناس واسجنه وناد عليه ، واكتب إلى أهل عملك تعلمهم رأيي فيه ، ولا تأخذك فيه غفلة ولا تفريط فتهلك عند الله ، وأعزلك أخبث عزلة ـ وأعيذك منه ـ. فإذا كان يوم الجمعة فأخرجه من السجن ، واضربه خمسة وثلاثين سوطاً ، وطف به إلى الأسواق ، فمَنْ أتى عليه بشاهد فحلفه مع شاهده ، وادفع إليه من مكسبه ما شهد به عليه ، ومر به إلى السجن مهاناً مقبوحاً منبوحاً»(1) .
إنها صرامة العدل التي تحسم الخيانة ، وتقضي على الرشوة ، ولا تدع أي مجال للسرقة من الشعب ؛ وقد تحرّى كل بادرة تصدر من ولاته وقد بلغه أن عامله على البصرة قد دعي إلى وليمة قوم من أهلها ، فكتب إليه يلومه على ذلك ، وقد جاء في رسالته : «أما بعد يابن حُنيف ، فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها ؛ تُستطاب لك الألوان ، وتُنقل إليك الجنان ، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو ، وغنيّهم مدعو ، فانظر
__________________
(1) البحار 16 / 26.
إلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه»(1) .
إنّ الإنسانية على ما جربت من تجارب وبلغت من رقي وإبداع في أنظمة الحكم والإدارة فإنها لم تستطع أن تنشأ مثل هذا النظام الذي يدعو الموظّف إلى الترفع ورفض كل دعوة توجّه إليه ؛ خوفاً من تركه للحقِّ ، واستجابته لدواعي الخيانة والغرور.
ولم يقرب الإمام أحداً من الانتهازيين الذين لا يخلصون للحقِّ ، وإنما يسعون وراء أطماعهم ومصالحهم ، ولا يفقهون المصالح العامة ؛ فإنهم عون للسلطة على الباطل لا على العدل. وكان المجتمع الكوفي يضم طائفة كبيرة منهم كالأشعث بن قيس ، وعمرو بن حريث ، وشبث بن ربعي ، وأمثالهم من الذي ضربت مصالحهم في عهد الإمام (عليه السّلام) ، فاتصلوا بحكومة دمشق ، وقاموا بدور العمالة لها ، فراحوا يعقدون المؤامرات لإفساد جيش الإمام وشعبه ؛ مستهدفين من ذلك الإطاحة بحكومته.
وقد كانوا ـ فيما يقول المؤرّخون ـ قادة الجيش الذي اقترف أبشع جريمة في التاريخ ، وهي قتل سيد الشهداء (عليه السّلام) ؛ فقد أيقنوا أنه إذا استتب له الأمر فإنه سيدمّر مصالحهم ، فإنّ سياسته إنما هي امتداد لسياسة أبيه التي لا ظل فيها للخونة والمجرمين.
ويرى الإمام (عليه السّلام) أنّ الإمارة وسيلة من وسائل الإصلاح الاجتماعي لا يجوز
__________________
(1) نهج البلاغة ـ محمد عبده 3 / 78.
أن تُمنح إلاّ للمتحرّجين في دينهم ، الذين لا يخضعون للرغبات والأهواء ، ويجب أن تستغل لتحقيق ما ينفع الناس ، فلا يجوز أن تُمنح إثرة أو محاباة. يقول (عليه السلام) في رسالته لقاضيه رفاعة بن شداد : «واعلم يا رفاعة ، أنّ هذه الإمارة أمانة ؛ فمَنْ جعلها خيانة فعليه لعنة الله إلى يوم القيامة ، ومَنْ استعمل خائناً فإنّ محمداً (صلّى الله عليه وآله) بريء منه في الدنيا والآخرة»(1) .
وكان (عليه السلام) إذا شعر من أحد أن له ميلاً أو هوى في الإمارة فلا يرشحه لها ؛ لأنه يتّخذ الحكم وسيلة لتحقيق مآربه وأطماعه. ولمّا أعلن طلحه والزبير عن رغبتهما الملحّة في الولاية امتنع عن إجابتهما ، واستدعى عبد الله بن عباس فقال له : «بلغك قول الرجلين؟» ـ يعني طلحة والزبير ـ.
ـ نعم ، أرى أنّهما أحبّا الولاية ؛ فولِّ البصرة الزبير ، وولِّ طلحة الكوفة.
فأنكر عليه الإمام رأيه ، وقال له : «ويحك! إنّ العراقَين ـ أي البصرة والكوفة ـ بهما الرجال والأموال ، ومتى تملّكا رقاب الناس يستميلا السفيه بالطمع ، ويضربا الضعيف بالبلاء ، ويقويا على القوي بالسلطان. ولو كنتُ مستعملاً أحداً لضرّه ونفعه لاستعملت معاوية على الشام ، ولولا ما ظهر لي من حرصهما على الولاية لكان لي فيهما رأي»(2) . من أجل هذه النقاط الحساسة امتنع أن يوليهما على العراقَين.
إنّ الإمارة وسائر المناصب في جهاز الدولة لا يجوز عند الإمام أن تمنح إلاّ
__________________
(1) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة 5 / 33.
(2) الإمامة والسياسة 1 / 52.
للذوات الزكية التي تعمل لصالح الاُمّة ولا تتخذ الحكم مغنماً وسلماً للثراء وسائر المنافع الشخصية.
والشيء البارز في سياسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) هو التزام الصراحة والصدق في جميع شؤونه السياسية فلم يوارب ولم يخادع ، وإنما سلك الطريق الواضح الذي لا التواء فيه وسار على منهاج ابن عمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ولزم سمته وهديه ، ومضى على طريقته وواكب جميع خطواته.
ولو أنه التزم بالأعراف السياسية التي تبيح وسائل الغدر والنفاق في سبيل الوصول إلى الحكم لما آلت الخلافة إلى عثمان ، فقد ألحّ عليه عبد الرحمان بن عوف أن يبايعه شريطة أن يسير على سيرة الشيخين فامتنع من إجابته وصارحه أنه يسوس الاُمّة على ضوء كتاب الله الذي وعاه ، وعلى ضوء سنة الرسول (صلّى الله عليه وآله) ، وليس غيرهما رصيد يعتمد عليه في عالم التشريع والسياسة في الإسلام. ويقول (عليه السلام) : «لولا أن المكر والخداع في المنار لكنت أمكر الناس».
لقد أبى ضميره الحي المترع بتقوى الله وطاعته أن يخادع أو يمكر في سبيل الوصول إلى الحكم الذي كان من أزهد الناس فيه ، وكان كثيراً ما تنفّس الصعداء من الآلام المرهقة التي كان يعانيها من خصومه ، وهو يقول : «وا ويلاه! يمكرون بي ويعلمون أني بمكرهم عالم ، وأعرف منهم بوجوه المكر ، ولكني أعلم أنّ المكر والخديعة في النار ، فأصبر على مكرهم ولا أرتكب مثل ما ارتكبوا»(1) .
__________________
(1) جامع السعادات 1 / 202.
وأنكر على مَنْ قال فيه : إنّه لا دراية له بالشؤون السياسية ، وإنّ معاوية خبير بها ، فقال (عليه السلام) : «والله ، ما معاوية بأدهى منّي ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس»(1) .
وتحدّث (عليه السلام) عن الرسائل المنكرة التي يعتمد عليها بعض الناس في سبيل الوصول إلى أهدافهم من الغدر وما شاكله من المكر والنفاق ، وأنكر على الذين يبررون هذه الرسائل ويصفونها بحسن الحيلة ، فقال (عليه السلام) : «... وَلا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ ، وَلَقَدْ أَصْبَحْنَا فِي زَمَانٍ قَدِ اتَّخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ الْغَدْرَ كَيْساً ، وَنَسَبَهُمْ أَهْلُ الْجَهْلِ فِيهِ إِلَى حُسْنِ الْحِيلَةِ ، مَا لَهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ! قَدْ يَرَى الْحُوَّلُ الْقُلَّبُ وَجْهَ الْحِيلَةِ وَدُونَهَا مَانِعٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ ، فَيَدَعُهَا رَأْيَ عَيْنٍ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا ، وَيَنْتَهِزُ فُرْصَتَهَا مَنْ لا حَرِيجَةَ لَهُ فِي الدِّينِ».
على هذا الخلق بنى الإمام سياسته التي أضاءت في دنيا الإسلام ، وكانت السبب في خلوده ، واعتزاز الإنسانية به في جميع الأجيال والآباد.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض المثل العليا في سياسة الإمام ، وهي من دون شك تنشد الأهداف الأصيلة التي رفع شعارها الإسلام ، ولكن لم يفقها ذلك الجيل الذي تعوّد على الإثرة ، وتعوّد على الاستغلال فلذلك لم يكتب لها النجاح.
وامتزجت عواطف الإمام أمير المؤمنين بعواطف ولده الحسين ،
__________________
(1) نهج البلاغة 20 / 206.
وتفاعلت روحه مع روحه حتّى صار صورة فذّة عنه تحكي واقعه وهديه.
لقد أفاض الإمام جميع ذاتياته في نفس ولده الحسين ، ومنحه حبّه وإخلاصه ، وزوّده بأروع حكمه وآدابه ، وقد بلغ من عظيم حبّه أنّه لم يسمح له بالدخول في علميات الحروب أيام صفين كما لم يسمح لأخيه الحسن بذلك ؛ لئلا ينقطع بموتهما نسل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وقد انطبعت مثل الإمام وسائر اتجاهاته الفكرية في نفس الحسين فكان كأبيه في ثورته على الظلم والباطل ، ومناهضته للبغي والجور وتفانيه في سبيل الحق والعدل ، وتبنّيه لجميع وسائل الإصلاح والخير.
لقد كان كأبيه في بسالته وصموده ، وعزة نفسه وإبائه وشممه ، وقد اعترف بهذه الظاهرة أعداؤه يوم الطفِّ ؛ فإنهم لما عرضوا عليه الاستسلام لابن مرجانة والخضوع لإرادته ، قال بعضهم : إنّه لا يستجيب لكم ؛ فإنّ نفس أبيه بين جنبيه.
لقد كانت نفس أبيه عملاق هذه الاُمّة ورائدها الأعلى إلى العزّة والكرامة ماثلة بجميع مظاهرها ومقوماتها في نفس الإمام الحسين حتّى كأنه لم يعد هناك تعدد في الوجود بين الأب وولده ، فكانا معاً من ألمع مَنْ تعتز بهما الإنسانية في جميع الأجيال.
وأشاع الإمام بين الناس مقتل ولده الحسين ، كما أشاع ذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وقد أدلى الإمام بذلك في كثير من المناسبات ، وهذه بعضها :
1 ـ روى عبد الله بن يحيى(1) عن أبيه أنّه سافر مع علي إلى
__________________
(1) وفي الطبري روى عبد الله بن نجي.
صفين ، وكان صاحب مطهرته ، فلما حاذوا نينوى تأثر الإمام ورفع صوته قائلاً : «صبراً أبا عبد الله ، صبراً أبا عبد الله ، بشط الفرات».
فذهل يحيى ، وانبرى يقول : مَنْ ذا أبو عبد الله؟!
فأجابه الإمام (عليه السّلام) وقلبه يتقطّع ألماً وحزناً ، قائلاً : «دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعيناه تفيضان ، فقلت : يا نبي الله ، أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال : قام من عندي جبرئيل فحدّثني أنّ الحسين يُقتل بشط الفرات ، وقال : هل لك أن أشمك من ترتبه؟ قال : قلتُ : نعم. فقبض قبضة فأعطانيها ، فلم أملك عيني أن فاضتا»(1) .
2 ـ حدّث هرثمة بن سليم قال : عزونا مع علي بن أبي طالب عزوة صفين ، فلما نزلنا بكربلاء صلّى بنا صلاة ، فلما سلم رُفع إليه من تربتها فشمها ثم قال : «واهاً لكِ أيتها التربة! ليحشرنّ منك قوم يدخلون الجنّة بغير حساب».
وبهر هرثمة وظلّ حديث الإمام يراوده في كل فترة ، وكان منكراً له فلما رجع إلى زوجته جرداء بنت سمير ، وكانت شيعة لعلي حدّثها بما سمعه من الإمام ، فقالت له : دعنا منك أيها الرجل ، فإنّ أمير المؤمنين لم يقل إلاّ حقاً.
ولم تمضِ الأيام حتّى بعث ابن زياد بجيوشه لحرب ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وكان فيهم هرثمة ، فلما انتهى إلى كربلاء ورأى الحسين وأصحابه تذكّر قول الإمام أمير المؤمنين فكره حربه ، وأقبل على الإمام الحسين وأخبره بما
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 57 ـ 58 ، المعجم الكبير للطبراني رواه في ترجمته للإمام الحسين (عليه السّلام).
سمعه من أبيه ، فقال له الإمام : «معنا أنت أو علينا؟».
ـ لا معك ولا عليك ؛ تركتُ أهلي وولدي وأخاف عليهم من ابن زياد.
فنصحه الإمام ، وقال له : «فولِّ هارباً حتّى لا ترى لنا مقتلاً ؛ فوالذي نفس محمّد بيده لا يرى مقتلنا اليوم رجل ولا يغيثنا إلا أدخله الله النار».
وانهزم هرثمة من كربلاء ولم يشهد مقتل الإمام الحسين (ع)(1) .
3 ـ وروى أبو جعفة قال : جاء عروة البارقي إلى سعيد بن وهب فسأله وأنا أسمع ، فقال : حديث حدّثتنيه عن علي بن أبي طالب قال : نعم ، بعثني مخنف بن سليم إلى علي فأتيته بكربلاء فوجدته يشير بيده ويقول : «ها هنا ، ها هنا». فبدر إليه رجل فقال له : ما ذلك يا أمير المؤمنين؟
قال (عليه السلام) : «ثقلٌ لآل محمد ينزل ها هنا ، فويل لهم منكم ، وويل لكم منهم!».
ولم يعرف الرجل معنى كلامه ، فقال : ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟
فقال (عليه السّلام) : «ويل لهم منكم تقتلونهم ، وويل لكم منهم يدخلكم الله بقتلهم النار»(2) .
4 ـ روى الحسن بن كثير ، عن أبيه : أنّ علياً أتى كربلاء فوقف بها ، فقيل له :
__________________
(1) وقعة صفّين / 157 ، نهج البلاغة 3 / 170.
(2) وقعة صفّين / 158.
يا أمير المؤمنين ، هذه كربلاء.
فأجاب والألم يحزّ في نفسه قائلاً : «ذات كرب وبلاء». ثمّ أومأ بيده إلى مكان فقال : «هاهنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم». وأومأ بيده إلى موضع آخر فقال : «هاهنا مهراق دمائهم»(1) .
5 ـ روى أبو هريمة قال : كنت مع علي بنهر كربلاء ، فمرّ بشجرة تحتها بعر غزلان ، فأخذ من التراب قبضة فشمّها ، ثمّ قال : «يُحشر من هذا الظهر سبعون ألفاً يدخلون الجنّة بغير حساب»(2) .
6 ـ روى أبو خيرة قال : صحبت علياً حتّى أتى الكوفة ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : «كيف أنتم إذا نزل بذرّية نبيّكم بين ظهرانيكم؟».
ـ إذاً نبلي الله فيهم بلاءً حسناً.
فأجابهم الإمام : «والذي نفسي بيده ، لينزلنّ بين ظهرانيكم ، ولتخرجنّ إليهم فلتقتلنّهم». ثمّ أقبل يقول :
همْ أوردوهُ بالغرورِ وغرّدوا أجيبوا دعاهُ لا نجاة ولا عذرا(3)
7 ـ روى الطبراني بسنده عن علي أنه قال : «ليقتلنّ الحسين ، وإنّي لأعرف التربة التي يُقتل فيها بين النهرين»(4) .
8 ـ روى ثابت عن سويد بن غفلة : أنّ علياً (عليه السّلام) خطب ذات يوم فقام رجل من تحت منبره ، فقال :
__________________
(1) وقعة صفّين / 158 ، نهج البلاغة 3 / 169.
(2) مجمع الزوائد 9 / 191.
(3) مجمع الزوائد 9 / 191 ، المعجم الكبير للطبراني.
(4) مجمع الزوائد 9 / 190 ، المعجم الكبير للطبراني.
يا أمير المؤمنين ، إنّي مررت بوادي القرى فوجدت خالد بن عرفطة قد مات ، فاستغفر له. فقال (عليه السّلام) : «والله ، ما مات ولا يموت حتّى يقود جيش ضلالة ، صاحب لوائه حبيب بن حمار».
فقام إليه رجل ورفع عقيرته قائلاً : يا أمير المؤمنين ، أنا حبيب بن حمار ، وإنّي لك شيعة ومحب.
فقال الإمام : «أنت حبيب بن حمار؟».
ـ نعم.
وكرّر الإمام قوله : «أنت حبيب؟». وهو يقول : نعم ، فقال (عليه السّلام) : «أي والله ، إنّك لحاملها ولتحملنّها ، ولتدخلنّ من هذا الباب». وأشار إلى باب الفيل بمسجد الكوفة.
قال ثابت : والله ، ما متُّ حتّى رأيت ابن زياد ، وقد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي ، وجعل خالد بن عرفطة على مقدّمته ، وحبيب بن حمار صاحب رايته فدخل بها من باب الفيل(1) .
9 ـ وخطب الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) فكان من جملة خطابه : «سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالله لا تسألوني عن فئة تضل مئة أو تهدي مئة إلاّ نبّأتكم بناعقها وسائقها ، ولو شئت لأخبرت كل واحد منكم بمخرجه ومدخله ، وجميع شأنه».
فانبرى إليه الوغد الخبيث تميم بن اُسامة التميمي ، فقال ساخراً ومستهزئاً : كم في رأسي طاقة شعر؟
فرمقه الإمام (عليه السّلام) بطرفه وقال له :
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 2 / 286.
«أما والله إنّي لأعلم ذلك ، ولكن أين برهانه لو أخبرتك به ، ولقد أخبرتك بقيامك ومقالك ، وقيل لي : إنّ على كل شعرة من شعر رأسك ملكاً يلعنك ، وشيطاناً يستفزّك ، وآية ذلك أنّ في بيتك سخلاً يقتل ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، ويحضّ على قتله».
يقول ابن أبي الحديد : فكان الأمر بموجب ما أخبر به (عليه السّلام) ، كان ابنه حصين ـ بالصاد المهملة ـ يومئذ طفلاً صغيراً يرضع اللبن ، ثمّ عاش إلى أن صار على شرطة عبيد الله بن زياد ، وأخرجه عبيد الله إلى عمر بن سعد يأمره بمناجزة الحسين ويتوعّده على لسانه إن أرجأ ذلك ، فقتل (عليه السّلام) صبيحة اليوم الذي ورد فيه الحصين بالرسالة في ليلته(1) .
10 ـ قال (عليه السّلام) للبراء بن عازب : «يا براء ، أيقتل الحسين وأنت حيّ فلا تنصره؟!».
فقال البراء : لا كان ذلك يا أمير المؤمنين. ولمّا قُتل الحسين (عليه السّلام) ندم البراء وتذكّر مقالة الإمام أمير المؤمنين ، فكان يقول : أعظم بها حسرة إذ لم أشهده واُقتل دونه(2) .
11 ـ قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) : «كأنّي بالقصور وقد شيّدت حول قبر الحسين ، وكأنّي بالأسواق وقد حفّت حول قبره ، ولا تذهب الأيّام والليالي حتّى يسار إليه من الآفاق ، وذلك بعد انقطاع بني مروان»(3) .
وتحقق ما أخبر به الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام) ، الذي هو باب مدينة علم النبي (صلّى الله عليه وآله) ومستودع أسراره وحكمته ؛ فإنه لم تكد تنقرض الدولة الاُموية حتّى ظهر مرقد ريحانة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ، وأصبح حرم الله الأكبر الذي تهفو إليه قلوب المؤمنين ، وتتلهّف على زيارته ملايين المسلمين ، وتشدّ
__________________
(1) شرح نهج البلاغة 10 / 14.
(2) شرح نهج البلاغة 10 / 15.
(3) مسند الإمام زيد / 47.
إليه الرحال من كل فجّ عميق ، فالسعيد السعيد الذي يحظى بالتبرّك بزيارته ، ويلثم أعتاب مرقده.
لقد أصبح مرقده العظيم عند المسلمين وغيرهم رمزاً للكرامة الإنسانية ، ومناراً مشرقاً لكل تضحية تقوم على الحق والعدل ، وعنواناً فذّاً لأقدس ما يشرف به هذا الحي من بين سائر الأحياء في جميع الأعصار والآباد.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن الحلقة الاُولى من هذا الكتاب ، ونستقبل الإمام الحسين (عليه السّلام) في الحلقة الثانية ، وهي تعرض للأحداث الرهيبة التي مُنيت بها الخلافة الإسلاميّة في عهد الإمام علي (عليه السّلام) ، والتي امتحن بها المسلمون امتحاناً عسيراً ، فقد أدّت إلى خذلانه ، وإجبار الإمام الحسن على التنازل عن الخلافة ، وتسلّط الطغمة الاُمويّة على رقاب المسلمين ، وإخضاعهم للذلّ ، وإرغامهم على ما يكرهون ، وتدميرهم للقِيَم العليا التي جاء هذا الدين ليقيمها في ربوع الأرض.
محتويات الكتاب
محتويات الكتاب
الإهداء6
المقدّمة10
غرس الرسالة21
الاُمّ :23
الأب :24
الوليد الأوّل :25
رؤيا اُمّ الفضل :25
الوليد المبارك :27
وجوم النبي (صلّى الله عليه وآله) وبكاؤه :27
سنة ولادته :28
مراسيم ولادته :29
أوّلاً : الأذان والإقامة :30
ثانياً : التسمية :30
ثالثاً : العقيقة :33
رابعاً : حلق رأسه :33
خامساً : الختان :34
رعاية النبي (صلّى الله عليه وآله) للحسين (عليه السّلام) :34
تعويذ النبي (صلّى الله عليه وآله) للحسنين (عليهما السّلام) :35
ملامحه (عليه السّلام) :35
هيبته :37
ألقابه :38
كنيتُه :39
نقش خاتمه :39
استعماله الطيب :40
دار سكناه :40
المكوّنات التربويّة41
الوراثة :43
الاُسرة :46
التربية النبويّة :47
تربية الإمام (عليه السّلام) له :48
تربيةُ فاطمة (عليها السّلام) له :51
البيئة :53
في ظلال القرآن والسنّة55
في ظلال القرآن :57
آية التطهير :57
أ ـ مَنْ هُم أهل البيت؟58
ب ـ خروج نساء النبي (ص) :60
ج ـ مزاعم عكرمة ومقاتل :60
عكرمة في الميزان :61
مقاتل بن سليمان :62
وَهْن استدلالهما :64
آية المودّة :66
آية المباهلة :70
آية الأبرار :75
في ظلال السنّة :77
الطائفة الاُولى :77
الطائفة الثانية :85
الولاء العميق :92
الطائفة الثالثة :93
إخبار النبي (صلّى الله عليه وآله) بمقتله :97
احتفاء الصحابة بالحسين (عليه السّلام) :106
لمحات 109
من مُثل الإمام الحسين (عليه السّلام)109
إمامته :111
مظاهر شخصيّته :112
1 ـ قوّة الإرادة :112
2 ـ الإباء عن الضيم :113
3 ـ الشجاعة :117
4 ـ الصراحة :119
5 ـ الصلابة في الحقِّ :121
6 ـ الصبر :122
7 ـ الحلم :124
8 ـ التواضع :125
9 ـ الرأفة والعطف :126
10 ـ الجود والسخاء :127
عبادته وتقواه :132
أ ـ خوفه من الله :133
ب ـ كثرة صلاته وصومه :133
ج ـ حجّه :134
د ـ صدقاته :135
مواهبه العلميّة :135
الرجوع إليه في الفُتيا :136
مجلسه :136
مَن روى عنه :137
رواياته عن جدّه :138
مسنده :140
رواياته عن اُمّه فاطمة (عليها السّلام) :143
رواياته عن أبيه (عليه السّلام) :144
من تراثه الرائع :147
القدر :147
الصمد :148
التوحيد :149
الأمر بالمعروف :152
أنواع الجهاد :154
تشريع الصوم :155
أنواع العبادة :155
مودّة أهل البيت (عليهم السّلام) :156
مكارم الأخلاق :157
تشريع الأذان :159
الإخوان :159
العلم والتجارب :160
حقيقة الصدقة :160
الوعظ والإرشاد :161
من خُطبه :164
أدعيته :165
1 ـ دعاؤه من وقاية الأعداء :166
2 ـ دعاؤه للاستسقاء :166
3 ـ دعاؤه يوم عرفة :167
جوامع الكلم :180
في حلبات الشعر :184
مأساة الإسلام الكبرى 191
طلائع الرحيل :193
حجّة الوداع :194
مؤتمر غدير خم :198
مرض النبي (صلّى الله عليه وآله) :202
استغفاره لأهل البقيع :203
سريّة اُسامة :204
إعطاء القصاص من نفسه :207
التصدّق بما عنده :210
رزية يوم الخميس :211
فجيعة الزهراء (عليها السّلام) :214
ميراث النبي (صلّى الله عليه وآله) لسبطيه (عليهما السّلام) :216
وصيّة النبي (صلّى الله عليه وآله) بالسّبطين (عليهما السّلام) :217
لوعة النبي (صلّى الله عليه وآله) على الحسين (عليه السّلام) :218
إلى جنّة المأوى :218
تجهيز الجثمان المقدس :222
الصلاة عليه :223
دفنه (صلّى الله عليه وآله) :224
فزع العترة الطاهرة (عليهم السّلام) :224
حكومة الشيخين 227
مؤتمر السقيفة :233
بواعث المؤتمر :234
الخطاب السياسي لسعد :237
المؤاخذة على سعد :238
وهن الأنصار :239
أحقاد وأضغان :240
فذلكة عمر :241
نقاط مهمّة :242
مباغتة الأنصار :244
خطاب أبي بكر :245
دراسة وتحليل :245
بيعة أبي بكر :248
سرور القرشيِّين :251
موقف أبي سفيان :252
اندحار الأنصار :254
موقف آل البيت (عليهم السّلام) :254
امتناع الإمام (عليه السّلام) عن البيعة :255
إرغامه على البيعة :256
الإجراءات الصارمة :258
الحصار الاقتصادي :258
إسقاط الخمس :259
الاستيلاء على تَركَة النبي (صلّى الله عليه وآله) :260
حجّته :260
حوار الزهراء (عليها السّلام) مع أبي بكر :261
حجّة الزهراء (عليها السّلام) :266
تأميم فدك :266
مآسي الزهراء (عليها السّلام) :267
إلى جنّة المأوى :270
ولاة أبي بكر :276
سياسته المالية :278
عهده لعمر :279
حكومة عمر :283
سياسته المالية :284
الناقدون :285
1 ـ الدكتور عبد الله سلام :285
2 ـ الدكتور محمد مصطفى :286
3 ـ العلائلي :286
حجّة عمر :287
ندم عمر :287
سياسته الداخلية :288
الحصار على الصحابة :290
دفاع طه حسين :291
ولاته وعماله :292
مراقبة الولاة :292
اعتزال الإمام (عليه السّلام) :296
عمر والحسين (عليه السّلام) :298
الحسين (عليه السّلام) وآل عمر :300
اغتيال عمر :301
الشورى :306
عمر مع أعضاء الشورى :308
نظام الشورى :315
إنذاره للصحابة :316
موقف الإمام (عليه السّلام) :317
استجابة الإمام (عليه السّلام) :318
آفات الشورى :318
عملية الانتخاب :324
حكومة عثمان 333
مظاهر شخصيته :336
نظمه الإداريّة :338
ولاته وعمّاله :340
1 ـ سعيد بن العاص :340
2 ـ عبد الله بن عامر :343
3 ـ الوليد بن عقبة :346
4 ـ عبد الله بن سعد :351
5 ـ معاوية بن أبي سفيان :353
سياسته الماليّة :354
عطاياه للاُمويِّين :355
1 ـ الحارث بن الحكم :355
2 ـ أبو سفيان :356
3 ـ سعيد بن العاص :356
4 ـ عبد الله بن خالد :356
5 ـ الوليد بن عقبة :356
6 ـ الحكم بن أبي العاص :357
7 ـ مروان بن الحكم :357
منحه للأعيان :359
1 ـ طلحة :359
2 ـ الزبير :359
3 ـ زيد بن ثابت :359
إقطاع الأراضي :360
استئثاره بالأموال :362
الجبهة المعارضة :363
التنكيل بالمعارضين :364
1 ـ عمّار بن ياسر :364
2 ـ أبو ذر :367
3 ـ عبد الله بن مسعود :377
الثورة :379
مذكرة اُخرى لأهل الثغور :381
وفود الأمصار :381
مذكّرة المصريِّين لعثمان :382
استنجاده بالإمام (ع) :383
نقضه للميثاق :384
استنجاده بمعاوية :386
الإحاطة بعثمان :387
يوم الدار :388
الإجهاز على عثمان :389
متارك حكومة عثمان :391
عهد الإمام أمير المؤمنين (عليه السّلام)395
وجوم الإمام (ع) :397
مؤتمر القوات المسلحة :398
قبول الإمام (عليه السّلام) :400
البيعة :400
تطهير جهاز الدولة :402
تأميم الأموال المختلسة :403
فزع القرشيّين :404
التياع الإمام (عليه السّلام) :405
سياسة الإمام (عليه السّلام) :406
سياسته المالية :407
سياسته الداخليّة :411
المساواة :411
الحريّة :412
العدل الشامل :414
وحدة الاُمّة :415
التربية والتعليم :416
ولاته وعمّاله :418
مراقبة الولاة :419
إقصاء الانتهازيِّين :420
إبعاد الطامعين :420
الصراحة والصدق :422
مع الإمام الحسين (عليه السّلام) :423
إخبار الإمام بمقتل الحسين (عليه السّلام) :424
محتويات الكتاب 431