بِسْمِ اَللّٰهِ اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ
تقديم
(1)
وصنع الامام الحسين (ع) يوم الطف الكرامة الانسانية التي يسمو بها كل انسان. وحسبه أنه وحده في تأريخ هذه الدنيا قد قدم أنبل التضحيات في سبيل ما يرتئيه ضميره من اشاعة الحق والعدل بين الناس.
لقد كانت صور الفداء التي بذلها الامام لاقامة الحياة الكريمة في الاسلام مذهلة ومدهشة فقد اهتز من هولها الضمير العالمي ، وتركت أثرا عميقا للحزن في دخائل القلوب ، وأثرت حتى في نفوس أقل الناس احساسا.
والشيء المهم الذي تميزت به قضية الحسين هو الصمود الرائع أمام الأحداث المفزعة فقد تسلح الامام بصبر لا حد لابعاده ، فكان فيما يقول المؤرخون يستقبل المحن الشاقة التي تواكبت عليه بالرضا والتسليم لأمر اللّه من دون أن تبدو عليه أي بادرة من بوادر الضعف والانهيار ، فكان كلما رزىء بكارثة تعصف بالصبر تنفرج شفتاه بكلمة الايمان العميق الذي صار من ابرز ذاتياته قائلا :
«هوّن ما نزل بى أنه بعين اللّه ..»
لقد كان هذا الايمان هو سر الاعجاز وسر الخلود في قضية الحسين وستبقى بمثلها مدرسة للاجيال تضيء لها الطريق ، وتوفر لها العطاء وهي ندية تنفجر بينابيع الخير والاصلاح حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها
لقد كان يوم الطف ـ حقا ـ مسرحا للقيم الكريمة التي تميزت بالوفاء والاخلاص ونكران الذات ، وهو ليس مما يخص المسلمين أو طائفة منهم وانما هو لجميع أمم العالم وشعوب الأرض يمدها بالالهام والوعي ،
والتحرر من ربقة العبودية والاستغلال.
لقد انتصرت رسالة الحسين ، وعاد مع أصحابه في عرف المجتمع الانساني الرواد الأوائل للحق والعدل بين الناس ، وليس هناك أسمى من هذا الانتصار ولا أروع منه.
(2)
ولم ينته يوم الطف باشجانه واحزانه حتى أقبل الناس بلهفة على التعرف على شئون هذه الحادثة التي سجلت فخرا للاسلام وعزا للمسلمين وقد عنى بها العلماء والكتاب من مختلف الطوائف ، واحتلت الصدارة في الأحداث العالمية التي غيرت مجرى التأريخ ، وقد حفل بها القدامى بصورة موضوعية فدونوا جميع شئونها ودقائقها ، وكان من بينهم المؤرخ الاسلامي الكبير أبو مخنف لوط بن يحيى بن مخنف بن سليمان الأزدي(1) فقد الف كتابا باسم (مقتل الحسين) وإليه يستند الطبري فيما اثبته في تأريخه من أحداث كربلا الا أن النسخة المطبوعة المنسوبة له لم تتفق مع روايات
__________________
(1) ابو مخنف راوية عالم بالسير والأخبار امامي من أهل الكوفة وإليه يرجع الفضل في تدوين اكثر الأحداث التي جرت في عصره ، واثنى عليه المستشرقون يقول موسين : «لو أن أبا مخنف لم يكتب لخسر التأريخ خسارة كبيرة» ويقول فلهوزن : «والطبري قد حفظ لنا قطعا كبيرة جدا من روايات أبى مخنف الرواية المحقق فحفظ لنا بذلك أقدم وأحسن ما كتبه ناثر عربي نعرفه» ويقول المستشرق «پل» في دائرة المعارف الاسلامية البريطانية 1 / 399 صنف أبو مخنف 32 رسالة في التأريخ عن حوادث مختلفة وقعت في ابان القرن الأول للهجرة وقد حفظ لنا الطبري معظها» توجد ترجمته مفصلة في معجم الأدباء 17 / 41 ، تاج العروس 6 / 105 ، فوات الوفيات 2 / 288 ، النجاشي (ص 224) فهرست الطوسي (ص 129) الذريعة 1 / 348 ، الاعلام 1 / 348.
الطبرى التي نقلها عنه ، واكبر الظن ان هذا الكتاب إلى غيره ممن الف في مقتل الحسين ونسب إليه.
وممن الف في مقتل الحسين نصر بن مزاحم بن سبار التميمي الكوفي(1) ولا وجود لهذا الكتاب في المكتبات التي راجعناها ، والف الواقدي ، ومحمد بن زكريا وجابر بن يزيد وغيرهم من أعلام تلك العصور مما يربو على ستين مؤلفا كلها بعنوان «مقتل الحسين»(2) الا انا لم نعثر على واحد منها بالرغم من شدة التتبع والفحص في المكتبات ، ولعل بعضها توجد في المكتبات في الخارج الحافلة بكثير من المخطوطات العربية.
(3)
وبهذا الجزء تنتهي دراستنا عن حياة الامام الحسين (ع) وقد عانيت جاهدا شاقا وعسيرا في مراجعة المخطوطات العربية والافلام المصورة التي جلبت من الخارج ، وقد حفلت بها مكتبة الامام أمير المؤمنين ومكتبة الامام الحكيم ، ومكتبة الامام كاشف الغطاء ، ويجد القارئ في هامش
__________________
(1) نصر بن مزاحم من مؤرخي الشيعة القدامى من كتبه «الجمل» و «أخبار المختار الثقفي» و «وقعة صفين» و «النهروان» وغيرها وقد اتهمه بعض المترجمين له أنه من غلاة الشيعة ، وقالوا : «انه كان زائغا عن الحق مائلا» ذكر ذلك الخطيب البغدادي في تأريخه 13 / 283 وقال ابن أبي الحديد فيه : «هو ثبت صحيح النقل غير منسوب إلى هوى» توجد ترجمته في ميزان الاعتدال 3 / 232 ، لسان الميزان 6 / 157 ، الذريعة 1 / 147 ، الاعلام 8 / 350 ، روضات الجنات.
(2) فهرست ابن النديم ، وفهرست الطوسي والنجاشي.
الكتاب اسماء تلك الكتاب التي راجعتها ومع هذا التتبع المرهق لا ادعي أني الممت بالموضوع أو احطت به فاني ـ فيما اعتقد ـ لم اعط في دراستي عن الامام الحسين (ع) الا اضواء خافتة عن شخصيته الكريمة التي هي أثرى شخصية عرفها التأريخ في معطياتها الفكرية والاجتماعية للناس ، فان الالمام بها أو ما يقرب من ذلك يحتاج إلى المزيد من المراجعات في المخطوطات العربية الموجودة في الخارج.
وعلى أي حال فان هذا الكتاب ما هو إلا صفحة من حياة الامام الحسين ، ومثل موجز عن حياته الطيبة التي يعتز بها كل انسان.
وقبل أن انهي هذا التقديم اكرر شكري الجزيل إلى سيادة المحسن الكبير الحاج رشاد عجينة على ما أبداه من الاحسان لي في تأليف هذا الكتاب والانفاق على طبعه من مبرات والده المغفور له الحاج محمد جواد عجينة سائلا من اللّه تعالى أن يثيبه على ذلك أجزل الثواب ، كما أن من الحق علي أن اذكر بالخير ما أسداه علي من الطاف سماحة الحجة العلامة أخي الشيخ هادي القرشي من مراجعات كثير من المصادر التي تخص الموضوع ، وملاحظاته القيامة في كثير من البحوث ، واللّه هو الذي يتولى جزاءه عن ذلك انه ولي التوفيق.
النجف الأشرف 16 / صفر / 1396 هـ |
باقر شريف القرشي |
اختيار الهجرة الى العراق
واختار الامام الحسين (ع) الهجرة إلى العراق دون غيره من اقاليم العالم الاسلامي ، وهو على علم بما مني به أهل العراق من التذبذب والاضطراب في سلوكهم ، ولعل سبب اختياره له دون غيره يعود لما يلي.
أولا ـ ان العراق في ذلك العصر كان قلب الدولة الاسلامية وموطن المال والرجال ، وقد انشأت فيه الكوفة حامية الجيوش الاسلامية وقد لعبت دورا خطيرا في حركة الفتح الاسلامي ، فقد شاركت في فتح رامهرمز والسوس وتستر ونهاوند ، وكان عمر بن الخطاب يستنجد بها ، فقد كتب إلى وإليه سعد بن أبي وقاص : «ان ابعث إلى الأهواز بعثا كثيفا مع النعمان بن مقرن» وكثيرا ما تمر في أخبار الفتوح الاسلامية هذه العبارة «وأمدهم عمر بأهل الكوفة» وكان عمر يثني عليهم ويقول :
«جزى اللّه أهل الكوفة خيرا يكفون حوزتهم ، ويمدون أهل الامصار» وقال فيهم رجل من أهل الشام : «انكم كنز الاسلام ان استمدكم أهل البصرة أمددتموهم ، وان استمدكم اهل الشام امددتموهم»(1) .
ومضافا إلى ان العراق كان قاعدة حربية فانه قد اشتهر منذ القدم بتراثه «فهو قلب الأرض ، وخزانة الملك الأعظم ، وما قد خص اللّه جل وعلا به أهل الكوفة من عمل الوشي والخز ، وغير ذلك من انواع الفواكه والتمور»(2) وكان الأمويون قد اتخذوه موردا مهما لبيت المال في دمشق(3) وقد بلغت جباية معاوية للكوفة وسوادها خمسين الف الف درهم(4)
__________________
(1) الطبقات الكبرى 6 / 85
(2) مختصر كتاب البلدان (ص 52) للهمداني
(3) فتوح البلدان (ص 293)
(4) اليعقوبي 2 / 258
وبلغ خراج البطائح(1) خمسة آلاف الف درهم(2) .
لقد كان العراق قلب الدولة الاسلامية النابض وقد بز سائر الامصار في ميادين السياسة والاقتصاد والاجتماع ، وقد تهافت عليه جميع الثائرين(3) ليتخذوه منطلقا لاهدافهم السياسية ان الكوفة كانت البلد الوحيد في الأقطار الاسلامية التي تفقه قيم الاحداث ومغزى التيارات السياسية فقد ساد فيها الوعي الاجتماعي إلى حد كبير وقد كان الكوفيون يفرضون آرائهم على حكامهم ، وإذا لم يحققوا رغباتهم سلوا في وجوههم السيوف وثاروا عليهم.
وعلى أي حال فقد اختار الامام الهجرة إلى الكوفة باعتبارها مركز القوة في العالم الاسلامي ، يقول عبد المتعال الصعيدي :
«ولم يخطئ الامام الحسين حينما ازمع على الهجرة إلى العراق لأنه المركز الصالح لقيام حكم عام يجمع أمر المسلمين ، ولهذا اختاره من قبله وقد حققت الأيام للعراق هذا الحكم فقامت به الدولة العباسية التي حكمت المسلمين نحو خمسمائة سنة»(4) .
ثانيا ـ ان الكوفة كانت مهدا للشيعة وموطنا من مواطن العلويين وقد اعلنت اخلاصها لأهل البيت في كثير من المواقف ، فقد اندفعت جموع الثائرين تحت قيادة مالك الاشتر النخعي أحد اعلام الشيعة ، إلى
__________________
(1) البطائح : أرض واسعة تقع ما بين واسط والبصرة ، كانت قرى متصلة وارضا واسعة معجم البلدان 1 / 666.
(2) الخراج وصنعة الكتابة (ص 240) لقدامة بن جعفر
(3) العراق في ظل الحكم الأموي (ص 9)
(4) مجلة الغري السنة التاسعة العدد 11 ـ 14 ص 108
يثرب فحاصروا عثمان واجهزوا عليه ، وقاموا بترشيح الامام للخلافة ، وقد غرست بذرة التشيع في الكوفة منذ خلافة عمر ، فقد كان من ولاتها عمار بن ياسر وعبد اللّه بن مسعود ، فأخذا يشيعان في اوساطها مآثر الامام وفضائله ، وما أثر عن النبي (ص) في حقه حتى تغدوا على حبه والولاء له ، وقد خاض الكوفيون حرب الجمل وصفين مع الامام وكانوا يقولون له : سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت فنحن حزبك وانصارك نعادي من عاداك «ونشايع من أناب إليك واطاعك»(1) وكان الامام أمير المؤمنين يثني عليهم ثناء عاطرا فيرى أنهم أنصاره وأعوانه المخلصون له يقول لهم : «يا أهل الكوفة أنتم اخواني وأنصاري وأعواني على الحق ومجيبي إلى جهاد المحلين ، بكم أضرب المدبر ، وارجو اتمام طاعة المقبل»(2) ويقول (ع) : «الكوفة كنز الايمان ، وجمجمة الاسلام ، وسيف اللّه ورمحه يضعه حيث يشاء»(3) .
وقد خاض العراق أعنف المعارك وأشدها ضراوة من أجل أهل البيت فانتقم من قتلتهم وأخذ بثأرهم على يد الثائر العظيم المختار بن أبي عبيدة الثقفي ، لقد كان اختيار للامام للهجرة إلى الكوفة ناشئا عما عرف به أهل هذه المدينة من الولاء العميق لأهل البيت.
ثالثا ـ ان الكوفة كانت المقر الرئيسي لمعارضة الحكم الأموي ، فقد كان الكوفيون طوال فترة حكم الأمويين لم يكفوا عن معارضتهم ، ويتمنون زوال دولتهم ، ويعزو فلهوزن سبب بغض الكوفيون للأمويين إلى أن الخلافة قد انتقلت من الكوفة إلى دمشق ، وانهم ـ بعد أن كانوا
__________________
(1) الامامة والسياسة 1 / 231
(2) الامامة والسياسة 1 / 230
(3) مختصر البلدان لابن الفقيه (ص 163)
أصحاب الدولة ـ أصبحت مدينتهم مجرد ولاية في الدولة الجديدة وان دخلهم من خراج الأرض التي فتحوها قد فقدوه ، ولم يعد أمامهم إلا أن يقنعوا بالفتات الذي يتساقط عليهم من موائد سادتهم الأمويين ، ولكنهم ـ مع الأسف ـ لم يشعروا بهذه المرارة إلا بعد فوات الأوان ، ومن هنا لم يكن من الغريب أن يروا في حكم أهل الشام نيرا ثقيلا على رقابهم يتربصون به الفرصة الملائمة ليتخلصوا منه ، ويلقوه بعيدا عنهم».
ومما زاد في نقمة الكوفيين على الأمويين أن معاوية ولى عليهم شذاذ الآفاق كالمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه فأشاعوا فيهم الظلم والجور ، واخرجوهم من الدعة والاستقرار ، وبالغوا في حرمانهم الاقتصادي ، واتبعوا فيهم سياسة التجويع والحرمان وظلت الكوفة مركزا للمؤامرات على حكم الأمويين ، ولم يثنهم عن ذلك ما عانوه من التعذيب والقتل والبطش على أيدي الولاة.
لقد كانت هجرة الامام إلى الكوفة واختيارها مقرا للثورة باعتبارها البلد الوحيد المعادي للأمويين ، وقد وصل الحماس فيها ضد الأمويين ذروته بعد هلاك معاوية.
رابعا ـ ان الامام الحسين انما اختار الهجرة للعراق للدعوات الملحة والاصرار البالغ من الأغلبية الساحقة من أهل الكوفة للقدوم حتى في زمن معاوية ، فقد توافدت عليه كتبهم ، وهي تحثه على المسير إليهم ، وتحمله المسئولية أمام اللّه والأمة إن تأخر عن اجابتهم لا سيما بعد أن كتب إليه سفيره مسلم بن عقيل يخبره باجتماع الناس على بيعته وتطلعهم إلى قدومه ويحثه على السفر إليهم فلم ير (ع) بدا من اجابتهم يقول الدكتور محمد حلمي : «انه لم يخرج الحسين من الحجاز في اتجاه الكوفة استجابة للدعوات التي وصلته من أهلها طالبة إليه القدوم عليهم ليتزعم ثورتهم على
خلافة يزيد لم يخرج الحسين إلا بعد أن اختبر استعداد الكوفيين للقيام بهذه الثورة وذلك بارسال ممثل له ، ليتعرف على مدى هذا الاستعداد وذهب مسلم بن عقيل بن أبي طالب في هذه المهمة ، ونجح في فترة قصيرة في قيادة اثني عشر الفا في ثورة عارمة بايعت الحسين ، ونزعت بيعة يزيد ، وكتب مسلم بهذا إلى الحسين الذي قرر الخروج لقيادة الحركة بنفسه ، وبهذا لم يكن الحسين متسرعا في خروجه ، ولا مندفعا ، فقد أتته الكتاب ، وأراد أن يطمئن على مدى جديتها ، فاطمأن بخروج هؤلاء الآلاف في الفترة القصيرة التي نشط فيها ممثله»(1) .
خامسا ـ ان الامام الحسين لو نزح إلى قطر آخر غير الكوفة فان الجيش الأموي لا بد أن يلاحقه ، ولا بد أن يستشهد فيتجه له اللوم والتقريع ويقال له : لما ذا لم تتجه إلى العراق البلد الذي يضم أنصارك وشيعتك ، وقد بعث إليك أهله آلاف الرسائل تحثك على القدوم إليهم ، فما ذا يكون حينئذ جوابه لو سار إلى قطر آخر ولاحقته جيوش الأمويين؟
هذه بعض الأسباب التي حفزت الامام إلى الاختيار الهجرة إلى الكوفة ليجعلها مقرا لثورته.
بقي هنا شيء وهو ان الامام لما ذا لم يبق بالحجاز ويتخذه منطلقا للثورة ، ولعل السبب في رفضه لذلك يعود إلى ما يلي :
أ ـ ان البيئة الحجازية كانت تتصف بقلة الموارد الاقتصادية فقد اشاع معاوية فيها الفقر والبؤس ، ومن الطبيعي أن الثورة تحتاج إلى دعم مالي
__________________
(1) الخلافة والدولة في العصر الأموي (ص 115 ـ 116)
كبير ، ومع انعدام المال في الحجاز كيف يفجر الامام ثورته فيه.
ب ـ انعدام الوعي السياسي في الحجاز فقد انصرفت الأكثرية الساحقة فيه عن الشؤون السياسية في حين أن العراق كان مشعل الوعي السياسي في البلاد العربية.
ج ـ ان الحجاز كان لا يصلح لأن يكون مركزا للثورة فقد أصبح مهددا بالغزو من الجيوش الأموية ، فقد بعث يزيد بجيش مكثف لقتال ابن الزبير بقيادة أخيه عمرو بن الزبير.
د ـ ان الحجاز لم تكن فيه حامية عسكرية حتى يلجأ إليها الامام لتقوم بالذب والدفاع عنه.
5 ـ ان الأغلبية الساحقة في الحجاز كانت تحقد على أهل البيت عليهم السلام ، وكانت ميولها مع بني أمية ، يقول أبو جعفر الاسكافي.
«أما أهل مكة فكلهم كانوا يبغضون عليا ، وكانت قريش كلها على خلافه ، وكان الجمهور مع بني أمية»(1) ويقول الامام علي بن الحسين (ع) : «ما بمكة والمدينة عشرون رجلا يحبنا»(2) ومع شيوع الكراهية في الحجاز لأهل البيت (ع) كيف يتخذه الامام مقرا له؟ لقد نزح الامام من الحجاز بمرأى ومسمع من جميع الحجازيين فلم يخفوا معه ، ولم يتبعه أحد منهم سوى أهل بيته ، للقيام بنصرته والذب عنه.
__________________
(1) شرح النهج 4 / 103
(2) شرح النهج 4 / 104
وأعرض الامام عن مصر ، ولم يراسل أحدا منهم ، وذلك لأن أهلها كانوا طيلة عهد الخلفاء وطيلة الحكم الأموي ميالين إلى الدعة والسلام ، والبعد عن التيارات السياسية على أنه لم ترد منهم أية رسالة للامام يدعونه فيها للقدوم إليهم ، فكيف يهاجر إليهم الامام ، ومضافا إلى ذلك فان في مصر نزعة عثمانية ، وقد كان وإليه عمرو بن العاص ، فأشاع فيها البغض والكراهية لأهل البيت (ع) وغرس فيها الولاء لبني أمية ، فكيف يقصدها الامام.
وأشار ابن الحنفية وغيره على الامام أن يهاجر إلى اليمن لأن فيها شيعة له ولأبيه ، ولم يستجب الامام إلى هذا الرأي ، وفيما نحسب أن أسباب اعراضه عنه تعود إلى ما يلي :
1 ـ انه لم تكن في اليمن حامية عسكرية حتى تتمكن على حمايته والذب عنه إذا داهمته جيوش بني أمية ، فقد كان اليمانيون عزلا من السلاح والعتاد ، ولا قابلية لهم على الخوض في عمليات الحروب.
2 ـ ان جماهير اليمن لم تقم بحماية بلادهم حينما دهمتهم جيوش معاوية بقيادة الباغي بسر بن أبي ارطاة فاشاع فيهم القتل ، وسبى نساءهم وباعها في الاسواق فمن كانت أعظم ساقا يبعث بثمن أكثر ، ولم يثأروا للدفاع عن اعراضهم ، وانما استسلموا للعدوان الأموي الذي أصاب من دمائهم وأموالهم حسب ما شاء ومع هذا الحال كيف يهاجر الامام إليها؟
3 ـ ان اليمن قد منيت بالفقر والبؤس فكانت الحياة الاقتصادية فيها مشلولة ، ولا قدرة لأهلها على مد الثورة بما تحتاج إليه من المال والسلاح ، وقد نزح الكثيرون منها إلى الكوفة طلبا للرزق والرفاهية.
4 ـ ان الامام لو ذهب إلى اليمن لما تركه يزيد وأرسل إليه جيوشه لمناجزته وتسفك بذلك الدماء ، ويتهم الامام باثارة الفتنة وشق عصا الطاعة وتضيع بذلك عدالة قضيته حسب ما يقول الدكتور أحمد محمود صبحي(1) وبما ذكرناه من هذا التحقيق يتضح وهن ما ذهب إليه الدكتور على حسين الخربوطلي من تخطأة الامام على عدم ذهابه لليمن وتخليه عن الحجاز لأن بهما أنصاره الحقيقيين وشيعة أبيه المخلصين ، وان اليمن كانت تمتاز ببعدها عن مركز الخلافة ، ومناعة حصونها وكثرة شعابها(2) وهذا الرأي لا يحمل أي طابع من التحقيق فان الامام لم يكن عنده أنصار حقيقيون في الحجاز ، ولو كانوا لخفوا معه حينما أعلن الذهاب إلى العراق ، وما تركوه وحده فريسة بيد الطاغية ابن مرجانة ، وأما اليمن فقد ذكرنا أنها غير صالحة استراتيجيا لأن يتخذها الامام مقرا لثورته.
وأعرض الامام عن فارس لأنه لم يكن له فيها أي رصيد ، ولم تتبلور فيها الدعوة لأهل البيت (ع) وانما كانت مركزا لدعوة العلويين بعد ردح من الزمن حينما نزحت إليها المجموعة الكبيرة من الشيعة التي نفاها
__________________
(1) نظرية الامامة لدى الشيعة الاثنى عشرية (ص 343)
(2) تأريخ العراق في ظل الحكم الأموي (ص 121) وذهب لذلك الصولي في كتابه الدولة الأموية في الشام (ص 53).
زياد إليها فقد أخذت تعمل على نشر التشيع هناك ، وقد استغل دعاة بني العباس تلك الثمرة التي أوجدتها دعاة الشيعة في فارس فاتخذوها مقرا لهم ، ومنها انطلقت الثورة على بني أمية فأطاحت بعرشهم ، وسلطانهم.
وأعرض الامام عن البصرة لأنها كانت عثمانية الهوى ، وكان الكثيرون من أبنائها شيعة للزبير وطلحة ، يقول أبو جعفر الاسكافي : «كان أهل البصرة كلهم يبغضون عليا»(1) وسبب ذلك حرب الجمل التي حصدت رءوس الكثيرين من أبنائها فاترعت نفوسهم بالكراهية للامام وأبنائه نعم فيها بعض الشيعة وقد كاتبهم الامام عند ما أراد التوجه إلى الكوفة.
وعلى أي حال فان الكوفة كانت أصلح مركز لاعلان الثورة على الأمويين فقد تزعمت هذه المدينة الثائرة الحركة المعارضة لبني أمية ، كما كانت أهم موقع استراتيجي في العالم الاسلامي ، وقد تهيأت تهيأ تاما بعد هلاك معاوية لدعوة الامام كما كانت الوطن الأم لشيعته ، فقد كانت قلوب أهلها تفيض بالحب والولاء له.
لقد كان اختيار الامام (ع) الهجرة إلى الكوفة دون غيرها مبنيا على دراسته الوثيقة لواقع الأقطار الاسلامية واحاطته باتجاهات المواطنين فيها سواء في الميادين السياسية أو العقائدية ، ومدى قدرتهم الاقتصادية
__________________
(1) شرح النهج 4 / 103
والعسكرية ، فقد خبر الامام كل ذلك ووقف عليه ، فلم ير هناك قطرا تتوفر فيه الاستراتيجية الكاملة لحماية الثورة وضمان نجاحها سوى الكوفة التي كانت تضم القوى المؤيدة له ، والمنحرفة عن الحكم الأموي ، فكان الاتجاه إليها ضرورة ملحة لا غنى له عنها.
مشفقون ومنددون
ولما أذيع تصميم الحسين (ع) وعزمه على مغادرة الحجاز والتوجه إلى الكوفة أشفق عليه جماعة من أهل بيته وشيعته كما اظهر له الاخلاص رياء بعض ذوي الأطماع السياسية كعبد اللّه بن الزبير ، والأشدق الذي أشفق عليه بالخروج خوفا على انهيار الحكم الأموي وقد حذروا الامام وخافوا عليه من انقلاب أهل الكوفة وغدرهم به كما غدروا بأخيه الامام الحسن من قبل ، وقد أشاروا عليه بأن لا يتوجه لهذا القطر ولا يقرب منه ، كما ندد بخروجه جماعة من عملاء السلطة وأذنابها خوفا على تصدع الحكم الأموي وانهياره ، وقال بمثل مقالتهم جماعة من المنحرفين عن أهل البيت في كثير من العصور ، وفيما يلي آراء كلا الفريقين.
أما المشفقون من شيعة الامام الحسين وأهل بيته فكانت قلوبهم تذوب أسى وحزنا على مغادرة الامام للحجاز ، وكانوا يتكلمون بلغة العاطفة ويفكرون في شيء لم يكن الامام يفكر به ، فكانوا يشيرون عليه بمهادنة السلطة والبيعة ليزيد ليكون بمأمن من شروره واعتدائه ، وكان (ع) يرى دين جده (ص) قد صار العوبة بيد حفيد أبي سفيان ، فلا بد أن يثأر لكرامة هذا الدين ويضحي بكل شيء لحمايته ، فهذا هو مغزاه الذي كان لا يثنيه عنه شيء ولنستمع إلى حديث المشفقين عليه ، والعاذلين له.
وذعر المسور بن مخرمة(1) حينما سمع بعزم الامام على مغادرة الحجاز والتوجه إلى العراق فكتب إليه هذه الرسالة :
«إياك أن تغتر بكتب أهل العراق ، ويقول لك ابن الزبير : الحق بهم فانهم ناصروك ، إياك أن تبرح الحرم ، فانهم ـ أي أهل العراق ـ ان كانت لهم بك حاجة فسيضربون آباط الابل حتى يوافوك ، فتخرج إليهم في قوة وعدة».
ولما قرأ الامام رسالته اثنى على عواطفه ، وقال لرسوله : «استخير اللّه في ذلك»(2) .
وخاف عبد اللّه بن جعفر على ابن عمه حينما علم بعزمه على التوجه إلى العراق ، فاحاطت به موجات من الاسى ، فبعث إليه بابنيه عون ومحمد ، وكتب معهما هذه الرسالة :
«أما بعد : فاني أسألك اللّه لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا فاني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك ، واستئصال أهل بيتك
__________________
(1) المسور بن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري ، ولد بعد الهجرة بسنتين ، وقد روى عن النبي (ص) وكان من أهل الفضل والدين ، كان مع ابن الزبير فلما كان حصار مكة أصابه حجر من حجارة المنجنيق فتوفي جاء ذلك في الاصابة 3 / 400.
(2) تأريخ ابن عساكر 13 / 69 من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين.
إن هلكت اليوم اطفأ نور الأرض فانك علم المهتدين ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسير فاني في أثر كتابي والسلام».
وأسرع ابن جعفر وهو خائر القوى ذاهل اللب إلى عمرو بن سعيد حاكم مكة فأخذ منه كتابا فيه أمان للحسين ، وجاء مسرعا إليه وكان معه يحيى بن سعيد بن العاص ، فعرض عليه الاقامة في مكة وعدم النزوح إلى العراق فلم يستجب الامام له ، وأخذ يتضرع إليه عبد اللّه ويتوسل في أن ينصرف عن نيته ، فقال الامام :
«اني رأيت رسول اللّه (ص) في منامي ، وأمرني بأمر لا بد أن انتهي إليه ..»
فسأله ابن جعفر عن الرؤيا ، فأبى أن يحدثه بها وقال له : «ما حدثت بها أحدا» وما أنا بمحدث بها حتى ألقى اللّه عز وجل»(1) وانصرف ابن جعفر وهو غارق بالأسى والشجون وأيقن بنزول الرزء القاصم وقد أمر ابنيه بمصاحبة خالهما الحسين.
وأسرع عبد اللّه بن عباس وهو حزين كثيب إلى الامام ، فقال له :
«إن الناس أرجفوا بأنك سائر إلى العراق ، فهل عزمت على شيء من ذلك؟».
«نعم قد أجمعت على المسير في أحد يومي هذين إلى الكوفة أريد اللحاق بابن عمي مسلم إن شاء اللّه تعالى».
وفزع ابن عباس فقال للامام :
__________________
(1) تأريخ الطبري 6 / 219 ، البداية والنهاية 8 / 163 ، سير أعلام النبلاء 2 / 343.
«اني أعيذك باللّه من ذلك ، اخبرني أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ، فان كان قد فعلوا سر إليهم وان كانوا انما دعوك وأميرهم ، عليهم ، قاهر لهم» وعمالهم تجبي بلادهم ، وتأخذ خراجهم فانما دعوك إلى الحرب ، ولا آمن عليك أن يغروك ، ويكذبوك ، ويخذلوك ويبيعوك فيكونوا أشد الناس عليك».
ولم تخف شيء من هذه النقاط الحساسة على الامام ، فقد كان على بصيرة من أمره فقال لابن عباس.
«اني استخير اللّه ، وانظر ما ذا يكون؟»(1)
وأحاطت بابن عباس موجات من القلق والاضطراب ، فلم يتمكن ان يهدأ اعصابه ، فراجع الامام ، وقال له :
«إني اتصبر ، ولا اصبر ، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال ان أهل العراق قوم غدر فلا تقربهم ، أقم في هذا البلد فانك سيد أهل الحجاز ، فان كان أهل العراق يريدوك ـ كما زعموا ـ فاكتب إليهم فلينفوا عاملهم وعدوهم ، ثم أقدم عليهم ، فان أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فان بها حصونا ، وشعابا وهي أرض عريضة طويلة ، ولأبيك بها شيعة ، وأنت عن الناس في عزلة ، فتكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك فاني أرجو ان يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية ..».
واخبره الامام عن تصميمه على السفر ، وأنه قد بتّ به ، فقال له
__________________
(1) وسيلة المال في عد مناقب الآل (ص 187) من مصورات مكتبة امير المؤمنين ، وكذلك روى في الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 285) للسيد محمود الشيخاني القادري ، من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين.
ابن عباس : «إن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك ، فاني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه لقد أقررت عين ابن الزبير بخروجك من الحجاز ، وهو اليوم لا ينظر إليه احد معك».
وفقد ابن عباس اهابه ، واندفع بثورة عارمة ، فقال حسبما يروي المؤرخون :
«واللّه الذي لا إله إلا هو لو اعلم اني إن اخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علينا الناس اطعتني فاقمت لفعلت» ولم يخف على الامام كل ما قاله ابن عباس فقد كان مصمما على غايته التي بها انتصار الاسلام.
وخرج ابن عباس وهو يتعثر في خطاه ، قد نخر الحزن قلبه فاتجه نحو ابن الزبير فقال له :
«لقد قرت عينك بابن الزبير ، ثم أنشد :
يا لك من قنبرة بمعمر خلا |
لك الجو فبيضي واصفري |
ونقرى ما شئت أن تنقري
هذا الحسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز ..»(1)
ان الامام لو كان يروم الملك والسلطان لاستجاب لرأي ابن عباس ولكنه (ع) كان يبغي الاصلاح ، واعادة الحياة الاسلامية إلى واقعها المشرق ، وأيقن أن ذلك لا يتحقق إلا بالتضحية الحمراء فهي وحدها التي تحقق ما يصبو إليه.
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 275 ـ 276
وهرع ابو بكر بن عبد الرحمن المخزومي(1) الى الامام فقال له : «إن الرحم يظأرني(2) عليك ولا أدري كيف أنا في النصيحة؟ كان أبوك أشد بأسا ، والناس له ارجى ، ومنه اسمع ، وعليه اجمع فسار الى معاوية ، والناس مجتمعون عليه إلا اهل الشام ـ وهو اعز منه ـ فخذلوه وتثاقلوا عنه حرصا على الدنيا وضنا بها فجرعوه الغيظ ، وخالفوه حتى صار الى ما صار إليه من كرامة اللّه ورضوانه ثم صنعوا بأخيك بعد ابيك ما صنعوا ـ وقد شهدت ذلك كله ورأيته ـ ثم أنت تسير إلى الذين عدوا على ابيك واخيك تقاتل بهم اهل الشام واهل العراق ، ومن هو اعد منك ، واقوى ، والناس منه اخوف ، وله ارجى ، فلو بلغهم مسيرك إليهم لاستطعموا الناس بالأموال ـ وهم عبيد الدنيا ـ فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك ، ويخذلك من أنت أحب إليه من ينصره ، فاذكر اللّه في نفسك ..».
وشكر له الامام نصيحته وعواطفه ، وعرفه انه مصمم على ما عزم عليه ، ويئس ابو بكر فانطلق وهو يقول :
«عند اللّه نحتسب أبا عبد اللّه»
__________________
(1) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي القرشي أحد الفقهاء السبعة ، ولد في خلافة عمر ، وكان يقال له راهب قريش لكثرة صلاته ، وكان مكفوفا ، وهو من سادات قريش توفى سنة (95 ه) جاء ذلك في تهذيب التهذيب 2 / 30.
(2) يظأرني : أي يدفعني عليك العطف والجنو
واقبل ابو بكر على والي مكة وهو يقول :
كم ترى ناصحا يقول فيعصى |
وظنين المغيب يلفى نصيحا |
«ما ذاك يا أبا بكر؟
فأخبره بما قال للحسين : فقال له ، نصحت له ورب الكعبة»(1)
واشفق عبد اللّه بن جعدة بن هبيرة على الامام فالحقه بولده عون وبعث إليه رسالة يسأله فيها الرجوع ، ويذكر فيها تخوفه في مسيره إلى العراق ، فلم يعجب الامام ذلك(2)
وخف جابر بن عبد اللّه الانصاري إلى الامام وطلب منه ان لا يخرج فأبى (ع)(3) .
والتقى الامام بعبد اللّه بن مطيع ، وكان في طريقه إلى العراق ، وعرف عبد اللّه قصد الامام فقال له :
«يا ابن رسول اللّه اذكرك اللّه في حرمة الاسلام أن تنتهك ، انشدك اللّه في حرمة قريش وذمة العرب ، واللّه لئن طلبت ما في يد بني أمية ليقتلوك ، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك احدا ابدا واللّه انها لحرمة
__________________
(1) مروج الذهب 3 / 6 ، الطبري 6 / 216
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(3) تأريخ الاسلام للذهبي 1 / 342
الاسلام وحرمة قريش ، وحرمة العرب ، فاللّه اللّه لا تفعل ولا تأت الكوفة ، ولا تعرض نفسك لبني أميّة»(1) .
وارسل عمرو بن سعيد الأشدق رسالة للامام يتعهد فيها له بالأمان وعدم التعرض له بمكروه ، وقد جاء فيها :
«إني اسأل اللّه ان يلهمك رشدك ، وان يعرفك عما يراد بك ، بلغني انك قد عزمت على الشخوص إلى العراق ، فاني اعيذك باللّه من الشقاق ، فان كنت خائفا فاقبل إلي فلك عندي الامان والصلة»
وكيف يخضع أبي الضيم للاشدق ، ويطلب منه الامان ، لقد اراد الأشدق ان يكون الامام تحت قبضته حتى لا يملك من امره شيئا ولم يخف على الامام ذلك فأجابه.
«ان كنت اردت بكتابك صلتي فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة ..
وانه لم يشاقق من دعا الى اللّه وعمل صالحا وقال : إنني من المسلمين ، وخير الامان امان اللّه ، ولم يؤمن باللّه من لم يخفه في الدنيا ، فنسأل اللّه
__________________
(1) وسيلة المال في عد مناقب الآل (ص 189) وفي تأريخ ابن عساكر 13 / 68 ان عبد اللّه بن مطيع قال للحسين : (فداك أبي وأمي متعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق فو اللّه لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا خولا وعبيدا» وفي العقد الفريد 3 / 133 انه لقي الامام فقال له : يا أبا عبد اللّه لا سقانا اللّه بعدك ماء طيبا أين تريد؟ فقال (ع) : مات معاوية ، وجاءني اكثر من حمل صحف ، فقال عبد اللّه : لا تفعل فو اللّه ما حافظوا أباك وكان خيرا منك فكيف يحفظونك؟ واللّه لئن قتلت لا بقيت حرمة بعدك إلا استحلت.
مخافة في الدنيا توجب امان الآخرة عنده»(1) .
وكان محمد بن الحنفية في يثرب ، فلما علم بعزم اخيه على الخروج الى العراق توجه الى مكة(2) ، وقد وصل إليها في الليلة التي اراد الخروج في صبيحتها الى العراق ، وقصده فور وصوله فبادره قائلا :
«يا اخي ان اهل الكوفة قد عرفت غدرهم بابيك واخيك ، وقد خفت ان يكون حالك حال من مضى ، فان اردت ان تقيم في الحرم فانك اعز من بالحرم ، وامنعهم».
وشكر له الامام عواطفه ونصيحته وقال له :
«خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية ، فأكون الذي تستباح به حرمة هذا البيت».
فقال محمد : «فان خفت ذلك فسر إلى اليمن او بعض نواحي البر فانك امنع الناس به ، ولا يقدر عليك احد».
قال الحسين : «انظر فيما قلت»(3)
ولما كان وقت السحر بلغه شخوصه إلى العراق وكان يتوضأ فبكى حتى سمع وقع دموعه في الطست(4) واسرع محمد إلى أخيه ، فاخذ بزمام
__________________
(1) تأريخ ابن عساكر 13 / 70
(2) تأريخ الاسلام للذهبي 1 / 342
(3) الدر المسلوك 1 / 109 ، وقريب من هذا الحديث جرى بين الامام وأخيه حينما كان في يثرب.
(4) أنساب الأشراف ق 1 ج 1 ، وفي الصواعق المحرقة (ص 117) انه بكى حتى ملأ الطست من دموعه.
ناقته ، وقال له :
«يا أخي ألم تعدني فيما سألتك؟»
«بلى ولكن أتاني رسول اللّه (ص) بعد ما فارقتك ، وقال لي يا حسين اخرج فان اللّه شاء أن يراك قتيلا».
وذعر محمد ، وسرت الرعدة باوصاله ، ودموعه تتبلور على خديه وهو يقول :
«فما معنى حمل هؤلاء النساء والاطفال ، وأنت خارج على مثل هذا الحال».
فاجابه الامام بعزم وطمأنينة قائلا :
«قد شاء اللّه ان يراهن سبايا»(1) .
وفزعت أم المؤمنين السيدة أمّ سلمة حينما علمت ان الامام قد عزم على الخروج إلى العراق ، وكان في ذلك الوقت في يثرب قبل ان يتوجه إلى مكة فهرعت إليه قائلة بصوت حزين النبرات :
«يا بني لا تحزني بخروجك إلى العراق فاني سمعت جدك رسول اللّه (ص) يقول : يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في ارض يقال لها كربلا ، وعندي تربتك في قارورة دفعها إلي النبي».
فاجابها الامام بعزم ورباطة جأش قائلا :
«يا اماه ، وانا اعلم اني مقتول مذبوح ظلما وعدوانا ، وقد شاء عز وجل ان يرى حرمي ورهطي مشردين ، واطفالي مذبوحين ، مأسورين
__________________
(1) الدرك المسلوك 1 / 109
مقيدين ، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا ..»
فالتاعت أم سلمة ورفعت صوتها قائلة :
«وا عجبا فأين تذهب وأنت مقتول؟!!»
فاجابها الامام وهو ساخر من الموت وهازئ من الحياة قائلا :
«يا أماه إن لم أذهب اليوم ذهبت غدا ، وإن لم أذهب في غد ذهبت بعد غد ، وما من الموت بد ، واني لأعرف اليوم الذي أقتل فيه والساعة التي أقتل فيها ، والحفرة التي أدفن فيها كما أعرفك ، وانظر إليها كما انظر إليك»(1) .
ولما عزم الامام على مغادرة مكة خف إليه عبد اللّه بن الزبير من باب المجاملة قال البلاذري : وانما أراد ابن الزبير بذلك لئلا يتهمه وان يعذر في القول فاظهر له الجنان والولاء قائلا :
«اين تذهب إلى قوم قتلوا أباك ، وطعنوا أخاك؟»
فقال (ع) :
«لئن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من تستحل بي ـ يعني مكة ـ(2) .
وأصر الامام على فكرته ، ولم يصده عنها عذل العاذلين ، واشفاق
__________________
(1) مقتل المقرم (ص 152) وذكر الخوارزمي ان هذا الحديث كان بين الحسين وبين ابن عمر في مكة ، وكان قد دعاه إلى المضي معه إلى المدينة.
(2) تأريخ ابن عساكر 13 / 67.
المشفقين عليه فقد أيقن أنه لا يمكن بأي حال ان تنتصر القضية الاسلامية وتعلو كلمة اللّه في الأرض الا بالتضحية والفداء ، يقول الاستاذ خالد محمد خالد :
«إن القضية التي خرج البطل حاملا لواءها لم تكن قضية شخصية تتعلق بحق له في الخلافة أو ترجع إلى عداوة شخصية يضمرها ليزيد كما انها لم تكن قضية طموح يستحوذ على صاحبه ، ويدفعه إلى المغامرة التي يستوي فيها احتمال الربح والخسران.
كانت القضية أجل وأسمى واعظم
كانت قضية الاسلام ومصيره والمسلمين ومصيرهم
وإذا صمت المسلمون جميعهم تجاه هذا الباطل الذي أنكره البعض بلسانه ، وانكره الجميع بقلوبهم فمعنى ذلك ان الاسلام قد كف عن انجاب الرجال.
معناه ان المسلمين قد فقدوا أهلية الانتماء لهذا الدين العظيم : : :
ومعناه أيضا أن مصير الاسلام والمسلمين معا قد امسى معلقا بالقوة الباطشة فمن غلب ركب ، ولم يعد للقرآن ولا للحقيقة سلطان ..
تلك هي القضية في روع الحسين
وبهذا المنطق اصر على الخروج(1)
لقد رغب إليه المشفقون ان لا يجيب دعاة الكوفة ، ويقبع في بيته مسالما ليزيد ، ولكن أبي الضيم كان يرى ما لا يرونه ، كان يرى أن الحياة الاسلامية قد امتحنت بفقر الدم امتحانا ادى بها الى الهلكة والدمار وانه لا بد ان يرويها من دمه الزاكي لتعود للمسلمين لهم الحياة نشطة تتدفق بها الحيوية من دمه الذي هو دم جده الرسول.
__________________
(1) ابناء الرسول في كربلا (ص 123 ـ 124)
وندد جماعة بخروج الامام ، وشجبوا اعلانه للجهاد لأن فيه تصديعا للحكم الأموي الذي كانوا ينعمون بخيراته وصلاته ، وقد قال بمثل مقالتهم بعض المتأخرين من الكتاب الذين اندلعت اقلامهم تحمل شررا من نار لنقد الامام على خروجه على حكومة يزيد التي لا تحمل اي طابع شرعي ، وهذه آراؤهم.
وندد عبد اللّه بن عمر بخروج الامام ، ونعى عليه الدخول في المعترك السياسي فقال : «غلبنا الحسين بن علي بالخروج ولعمري لقد رأى في ابيه واخيه عبرة ، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ، ما كان ينبغي ان يتحرك ما عاش ، وان يدخل في صالح ما دخل فيه الناس فان الجماعة خير»(1) .
__________________
(1) تذهيب التهذيب 1 / 152 ، تأريخ الاسلام 1 / 342 ، تأريخ ابن عساكر 13 / 69 ، وجاء في تذهيب التهذيب 1 / 155 قال الشعبي : كان ابن عمر قدم المدينة فأخبر أن الحسين قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ليلتين ونهاه ، وقال : هذه دولتهم ان اللّه خير نبيه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ، وانكم بضعة منه ، لا يليها أحد منكم أبدا ، وما صرفها منكم إلا للذي هو خير ، فارجع فأبى فاعتنقه ابن عمر ، وقال : استودعك اللّه من قتيل ، وجاء في الدر المسلوك للحر العاملي 1 / 106 ان عبد اللّه بن عمر أشار على الحسين بصلح أهل الضلال ، وحذره من القتل والقتال ، فقال له الحسين : يا أبا عبد الرحمن أما علمت ان ـ
وشجب سعيد بن المسيب خروج الامام ، وقال : لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له(1) .
وكان ابو واقد الليثي من صنائع بني أميّة ، فاقبل على الامام وجعل يناشده اللّه أن لا يخرج على يزيد ولم يكن بذلك مدفوعا بدافع الحب للامام وانما خوفا على ملك بني أميّة ، فلم يعن به الامام واعرض عنه(2) .
ومن الشاجبين لخروج الامام على يزيد ابو سلمة بن عبد الرحمن(3)
__________________
من هوان الدنيا على اللّه أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني اسرائيل ، أما علمت أن بني اسرائيل كانوا يقتلون من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ، ثم يجلسون في اسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجل اللّه عليهم بل امهلهم وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز مقتدر ، اتق اللّه يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي
(1) تأريخ ابن عساكر 13 / 69 ، تأريخ الاسلام للذهبي 2 / 343
(2) تأريخ ابن عساكر 13 / 69 ، تاريخ ابن كثير 8 / 163 ، تاريخ الاسلام 1 / 342.
(3) ابو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من المدنيين توفى سنة (104 ه) جاء ذلك في تهذيب التهذيب 12 / 116.
قال : «كان لحسين أن يعرف أهل العراق ، ولا يخرج إليهم ، ولكن شجعه ابن الزبير»(1) :
وندد ابو سعيد بخروج الامام وقال : «غلبني الحسين على الخروج وقد قلت له : اتق اللّه والزم بيتك ، ولا تخرج على امامك»(2) .
وكانت عمرة بنت عبد الرحمن(3) تدين بالولاء لبني أمية ، وتخشى على سلطانهم ، وقد رفعت إلى الامام رسالة استعظمت فيها خروجه على يزيد ، وحثته على الطاعة ولزوم الجماعة وحذرته من الخروج وانه سوف يساق إلى مصرعه ، وذكرت في رسالتها انها سمعت عائشة تروى عن النبي (ص) انه قال : يقتل ولدي الحسين ، ولما قرأ الامام رسالتها ، وما جاء فيها من أخبار النبي (ص) بقتله قال : لا بد اذا من مصرعي»(4) .
هؤلاء بعض المنددين بخروج الحسين من معاصريه ، ولم ينظروا إلى
__________________
(1) تأريخ ابن كثير 8 / 163
(2) تأريخ الاسلام للذهبي 1 / 342
(3) عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الانصارية المدنية كانت في حجر عائشة وروت عنها وهي اعلم الناس بحديثها توفيت سنة (103 ه) تهذيب التهذيب 12 / 438.
(4) تأريخ ابن عساكر 13 / 69.
خروجه من زاوية الحكم الشرعي ، وانما نظروا إليه بعين المنفعة المادية فقد كان الحكم الأموي يغدق عليهم بالأموال ، فخافوا عليه من الانهيار والدمار.
وندد جماعة من المتأخرين بخروج الامام على يزيد واعتبروه خروجا على ارادة الأمة.
وتنكر الشيخ الخضري شيخ الأزهر في بحوثه التاريخية والاسلامية لأهل البيت (ع) الذين أمر اللّه بمودتهم والاخلاص إليهم فقال في الحسين «إن الحسين اخطأ خطئا عظيما في خروجه هذا الذي جرّ للأمة وبال الفرقة والاختلاف : وزعزع عماد الفتها إلى يومنا هذا»(1) .
ان الامام قد أصاب كل الصواب وأحسن الى الأمة في خروجه فله الفضل على كل مسلم فانه لو لا تضحيته لما بقى للاسلام اسم ولا رسم فقد قضى عليه السلام ، على المخططات الأموية الهادفة إلى محو الاسلام وازالة جميع ارصدته ، وقد فدى الحسين بتضحيته دين الاسلام وكلمة التوحيد.
يقول محمد النجار : «أما أحقية الحسين بالخلافة فهي فكرة تنطوي عليها قلوب الغالبية من الناس ، ولكن ما قيمة هذه القلوب اذا لم تؤيدها
__________________
(1) تأريخ الأمة الاسلامية 1 / 517
السيوف وهي مع ذلك لا تقتضي الخروج ، فان امامة المفضول مع وجود الأفضل جائزة ، وقد كان علي بن أبي طالب يعتقد أحقيته بالخلافة ولم يخرج على أحد»(1) .
ويرى النجار ان خلافة يزيد كانت شرعية ، وانها من امامة المفضول التي هي سائغة عندهم اما امامة المفضول مع وجود الأفضل فقد توفرت الأدلة العلمية على بطلانها ، وقد أقام المتكلمون من الشيعة الأدلة الحاسمة على زيفها ، وذكروا ان الالتزام بذلك خروج على المنطق وخروج على هدي الاسلام الذي يتبع في تشريعاته سنن الحياة ، وما تمليه المصلحة العامة ، وليس من المنطق في شيء تسويغ تقديم المفضول على الفاضل فان فيه هدما للكفاءات وخروجا على صالح الأمة ، وقد أنكر القرآن الكريم المساواة بينهما قال تعالى : «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ واَلَّذِينَ لاٰ يَعْلَمُونَ » ولو سلمنا ـ كما يقول الأصوليون هذه القاعدة فانها لا تنطبق على خلافة يزيد فقد كان بإجماع المسلمين ـ لا فضل فيه ، وإنما كان انسانا ممسوخا قد تمرس في الجرائم وهام في المنكرات فكان الخروج عليه واجبا شرعيا.
وندد الشيخ محمد الغزالي بنهضة الامام الحسين ، ووصفها بأنها مجازفة لا أثر فيها لحسن السياسة(2) وقد كان المتعين على الحسين حسب ما يراه الغزالي أن يبايع ليزيد ، ويخضع لقيادة هذا الخليع الماجن الذي لا يملك أية كفاءة لقيادة الأمة ، وهذا مما يأباه الحسين ويأباه مثله العليا وهو المسئول
__________________
(1) الدولة الأموية في الشرق (ص 102 ـ 103)
(2) من معالم الحق (ص 131).
بالدرجة الأولى عن صيانة الاسلام والحفاظ على مقدساته وقيمه.
واحمد شبلي من المسعورين في الدفاع عن يزيد والانكار على الامام في خروجه عليه قال : «نجيء إلى الحسين لنقر ـ مع الأسف ـ ان تصرفاته كانت في بعض نواحي هذه المشكلة غير مقبولة فهو ـ اولا ـ لم يقبل نصح الناصحين وخاصة عبد اللّه بن عباس ، واستبد برأيه و ـ ثانيا ـ نسي أو تجاهل خلق أهل الكوفة وما فعلوه مع أبيه وأخيه وهو ـ ثالثا ـ يخرج بنسائه وأطفاله كأنه ذاهب إلى نزهة خاوية أو زيارة قريب ويعرف في الطريق غدر أهل الكوفة ومع هذا يواصل السير إليهم وينقاد لرأي بني عقيل ويذهب بجماعة من الأطفال والنساء وقليل من الرجال ليأخذ بثأر مسلم يا للّه قد تكون ولاية يزيد العهد عملا خاطئا ، ولكن هل هذا هو الطريق لمحاربة الخطأ والعودة إلى الصواب؟»(1) .
ولم ينظر شبلي بعمق ودراسة الى واقع الحياة الاسلامية في عهد يزيد وانما نظر إليها حسب ميوله التقليدية والعاطفية ، فراح يشذ ويسلك في المنعطفات فيما كتبه ، لقد كان الاسلام مهددا بالخطر والدمار في عهد يزيد وان خروج الامام كان من أجل اعادة الحياة إلى شرايين الأمة الاسلامية وقد أعلن (ع) أنه لم يخرج اشرا ولا بطرا ولا مفسدا وانما خرج ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحطم معالم الحياة الجاهلية التي تبناها الحكم الأموي ، وقد ألمعنا في الجزء الثاني إلى أسباب نهضة الامام بما يوضح القصد وينفي الشبهات :
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن المنددين بخروج الامام على حكومة يزيد.
__________________
(1) التأريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية 2 / 201
الى العراق
أف لهذه الدنيا ، وبعدا لهذه الحياة مثل ابن رسول اللّه (ص) وريحانته تضيق عليه الدنيا ، وتتقاذفه أمواج من الهموم فلا يدري إلى أين مسراه ومولجه ، فقد وافته الأنباء أن الطاغية يزيد قد عهد إلى شرطته باغتياله ، ولو كان متعلقا باستار الكعبة.
لقد أيقن سبط رسول اللّه (ص) أن يزيد لا يتركه وشأنه ، ولا بد أن يسفك دمه وينتهك حرمته وقد أدلى بذلك في كثير من المواطن ، وكان منها :
1 ـ ما رواه جعفر بن سليمان الضبعي انه (ع) قال : «واللّه لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة ـ وأشار إلى قلبه الشريف ـ من جوفي فاذا فعلوا ذلك سلط اللّه عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم(1) الأمة.»(2) .
2 ـ قال (ع) لأخيه محمد بن الحنفية : «لو دخلت في جحر هامة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقتلوني»(3) .
3 ـ ما رواه معاوية بن قرة قال : قال الحسين : «واللّه ليعتدن علي كما اعتدت بنو اسرائيل في السبت»(4) .
واستولت الحيرة على الامام واحاطت به موجات من الأسى والشجون وتلبد أمامه الجو بالمشاكل الرهيبة والأحداث المفزعة فهو إن بقي في مكة يخش من الاغتيال وان ذهب إلى العراق فانه غير مطمئن من أهل الكوفة وانهم سيغدرون به ، وقد أدلى بذلك لبعض من شاهده في الطريق
__________________
(1) فرم الأمة : هي خرقة الحيض التي تلقيها النساء.
(2) تأريخ ابن كثير 8 / 169 ، تأريخ ابن عساكر 13 / 73
(3) البحار
(4) تأريخ ابن عساكر 13 / 73 ، تأريخ ابن كثير 8 / 169
حسبما يرويه عنه يزيد الرشك يقول : حدثني من شافه الحسين قال : إني رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الأرض فقلت :
«لمن هذه؟»
«هذه للحسين»
فأتيته ، فاذا شيخ يقرأ القرآن ، والدموع تسيل على خديه ولحيته قلت له : بأبي وأمي يا ابن بنت رسول اللّه ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟ فقال : هذه كتب أهل الكوفة إلي ، ولا أراهم الا قاتلي ، فاذا فعلوا ذلك لم يدعوا للّه حرمة إلا انتهكوها ، فيسلط اللّه عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرم الأمة(1) .
لقد كان متشائما من اهل الكوفة فهو يعلم غدرهم وعدم وفائهم ، وانهم سيكونون إلبا عليه ، ويدا لأعدائه.
وعلى أي حال فانا نعرض لبعض الأحداث التي جرت على الامام في مكة قبل سفره منها ، ونتبين دوافع هجرته إلى العراق وما جرى له فى أثناء سفره.
ولما صمم الامام على مغادرة مكة إلى العراق كتب هذه الرسالة لبني هاشم ، وقد جاء فيها بعد البسملة :
«من الحسين بن علي إلى أخيه محمد ، ومن قبله من بني هاشم ،
__________________
(1) تأريخ الاسلام للذهبي 2 / 345 ، تأريخ ابن كثير 8 / 169 تذهيب التهذيب 1 / 156 ، تأريخ ابن عساكر 13 / 73 ، الدر النظيم (ص 167).
أما بعد : فانه من لحق بي منكم استشهد ، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح والسلام.»(1) .
لقد أخبر (ع) الأسرة النبوية بأن من لحقه منهم سوف يظفر بالشهادة ومن لم يلحق به فانه لا ينال الفتح فأي فتح هذا الذي عناه الامام؟
انه الفتح الذي لم يحرزه غيره من قادة العالم وابطال التأريخ ، فقد انتصرت مبادئه ، وانتصرت قيمه وتألقت الدنيا بتضحيته ، وأصبح اسمه رمزا للحق والعدل ، واصبحت شخصيته العظيمة ليست ملكا لأمة دون امة ولا لطائفة دون أخرى ، وانما هي ملك للانسانية الفذة في كل زمان ومكان فأي فتح أعظم من هذا الفتح ، وأي نصر أسمى من هذا النصر؟
ولما وردت رسالة الامام إلى بني هاشم في يثرب بادرت طائفة منهم إلى الالتحاق به ليفوزوا بالفتح والشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (ص) وكان فيهم أبناء عمومته واخوته(2) كما سافر معهم محمد بن الحنفية ليصد الامام عن السفر إلى العراق إلا انه لم يستجب له ، وقد ذكرنا حديثه في البحوث السابقة.
__________________
(1) كامل الزيارات (ص 75) دلائل الامامة (ص 77)
(2) تأريخ ابن عساكر 13 / 71 من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين.
أما بواعث هجرة الامام من مكة ، وخروجه إلى العراق بهذه السرعة فهي ـ فيما نحسب تعود إلى ما يلي :
وخاف الامام على انتهاك بيت اللّه الحرام الذي من دخله كان آمنا فان بني أمية كانوا لا يرون له حرمة فقد عهد يزيد الى عمرو بن سعيد الأشدق أن يناجز الامام الحرب ، وان عجز عن ذلك اغتاله ، وقدم الأشدق في جند مكثف إلى مكة ، فلما علم الامام خرج منها(1) فلم يعتصم بالبيت الحرام حفظا على قداسته يقول (ع) : «لأن أقتل خارجا منها ـ أي من مكة ـ بشبر أحب إلي» ويقول (ع) لابن الزبير :
«لئن أقتل بمكان كذا وكذا احب إلي من أن تستحل ـ يعني مكة ـ»(2) وقد كشفت الأيام عدم تقديس الأمويين لهذا البيت العظيم ، فقد قذفوه بالمنجنيق وأشعلوا فيه النار عند ما حاربوا ابن الزبير ، كما استباحوا المدينة قبل ذلك لقد تحرج الامام كأشد ما يكون التحرج على قداسة بيت اللّه من أن تنتهك حرمته ، فنزح عنه لئلا تسفك فيه الدماء.
وخاف الامام من الاغتيال في مكة أو يقع غنيمة باردة بايدي الأمويين
__________________
(1) مرآة الزمان (ص 67) من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين.
(2) تأريخ ابن عساكر 13 / 66
فقد دس إليه يزيد شرطته لاغتياله ، يقول عبد اللّه بن عباس في رسالته ليزيد : «وما انس من الأشياء فلست بناس اطرادك الحسين بن علي من حرم رسول اللّه (ص) إلى حرم اللّه ودسك إليه الرجال تغتاله فاشخصته من حرم اللّه إلى الكوفة فخرج منها خائفا يترقب وقد كان أعز أهل البطحاء بالبطحاء قديما واعز أهلها بها حديثا ، واطوع أهل الحرمين بالحرمين لو تبوأ بها مقاما واستحل بها قتالا»(1) .
ومما دعا الامام إلى الخروج من مكة رسالة سفيره مسلم بن عقيل التي تحثه على السفر إلى العراق ، وقد جاء فيها أن جميع أهل الكوفة معه وان عدد المبايعين له يربو على ثمانية عشر الفا هذه بعض الأسباب التي حفزت الامام على الخروج الى العراق ، وان من أوهى الأقوال القول بأن خروجه من مكة كان راجعا إلى وجود ابن الزبير فيها ، فان ابن الزبير لم تكن له أية أهمية حتى يخرج الامام منها ، وانما الأسباب التي ألمعنا إليها فقد أصبحت مكة لا تصلح لأن تكون مركزا للحركات السياسية بعد أن أصبحت مهددة بغزو الجيوش الأموية لها.
ولما عزم الامام على مغادرة الحجاز والتوجه الى العراق أمر بجمع الناس ليلقي عليهم خطابه التاريخي ، وقد اجتمع إليه خلق كثير في المسجد الحرام من الحجاج وأهالي مكة فقام فيهم خطيبا فاستهل خطابه بقوله :
__________________
(1) تأريخ اليعقوبي 2 / 221
«الحمد للّه وما شاء اللّه ، ولا قوة إلا باللّه ، وصلى اللّه على رسوله خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى اسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلاة(1) بين النواويس وكربلا ، فيملأن مني اكراشا جوفا ، واجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خط بالقلم ، رضا اللّه رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول اللّه (ص) لحمته ، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس ، تقربهم عينه ، وينجز بهم وعده ، ألا ومن كان فينا باذلا مهجته ، موطنا على لقاء اللّه نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا ان شاء اللّه تعالى»(2) .
لا أعرف خطابا ابلغ ولا اروع من هذا الخطاب فقد حفل بالدعوة إلى الحق والاستهانة بالحياة في سبيل اللّه ، وقد جاء فيه هذه النقاط :
1 ـ انه نعى نفسه ، ورحب بالموت ، واعتبره زينة للانسان كالقلادة التي تتزين بها جيد الفتاة ، وهذا التشبيه من اروع وابدع ما جاء في الكلام العربي. ومن الطبيعي ان الموت الذي يتحلى به الانسان انما هو الموت في سبيل اللّه والحق.
2 ـ انه اعرب عن شوقه البالغ إلى اسلافه الطيبين الذين استشهدوا في سبيل اللّه ، وقد كان شوقه إليهم كاشتياق يعقوب إلى يوسف حسب ما يقول :
3 ـ انه اخبر ان اللّه تعالى قد اختار له الشهادة الكريمة ، والميتة المشرفة دفاعا عن الحق وذودا عن الاسلام.
__________________
(1) عسلان الفلاة : ذئاب الفلاة.
(2) الحدائق الوردية 1 / 117 ، مفتاح الافكار (ص 148) كشف الغمة 2 / 241.
4 ـ انه اعلن عن البقعة الطيبة التي يسفك على صعيدها دمه الزاكي وهي ما بين النواويس وكربلا ، فبها تتقطع اوصاله ، وتتناهب الرماح جسمه الشريف.
5 ـ انه اخبر ان الذئاب الكاسرة من وحوش بني أميّة واذنابهم لا يقر لهم قرار حتى تمتلئ اكراشهم من لحمه ودمه ، وهو كناية عن تسلطهم على الأمة بعد قتله ، فيمنعون في نهب ثروات الأمة وخيراتها.
6 ـ واخبر عليه السلام ان ما يجرى عليه من الخطوب والأهوال امر لا محيص عنه ، فقد خط عليه بالقلم وجرى في علم اللّه ، وليس من الممكن بأي حال من الأحوال تبديل او تغيير ما كتبه اللّه عليه.
7 ـ أعلن ان اللّه تعالى قد قرن رضاه برضا اهل البيت ، وقرن طاعته بطاعتهم ، وحقا ان يكون ذلك فهم دعاة دين اللّه والادلاء على مرضاته وتحملوا من الأهوال التي لا توصف في سبيله.
8 ـ انه تحدث عن نزعة كريمة من نزعات اهل البيت (ع) وهي الخلود إلى الصبر ، والتسليم لأمر اللّه على ما يجرى عليهم من عظيم المحن والخطوب ، وان اللّه تعالى قد اجزل لهم الثواب ووفاهم بذلك اجور الصابرين.
9 ـ واخبر (ع) ان الواقع المشرق لأهل البيت انما هو امتداد ذاتي لواقع الرسول الأعظم (ص) فهم لحمته وفرعه والفرع لا يختلف عن اصله ، وسوف تقر عين النبي (ص) في حضيرة القدس بعترته التي سهرت على اداء رسالته وجاهدت كاعظم ما يكون الجهاد في الذود عن دينه.
10 ـ انه دعا المسلمين الى الخوض معه في ساحات الجهاد ، وان من ينطلق معه فقد بذل مهجته ووطن نفسه على لقاء اللّه.
وهذه النقاط المشرقة في خطابه دلت على انه آيس من الحياة وعازم على الموت ، ومصمم على التضحية ولو كان يروم الملك لما عرض لذلك وكان عليه ان يقدم الوعود المعسولة ، والآمال البراقة لمن يسير معه.
ولم يستجب لنداء الامام أحد من اهالي مكة ، ولا احد من الحجاج الذين سمعوا خطابه سوى نفر يسير من المؤمنين. وهذا مما يكشف عن قلة الوعي الديني ، وتخدير المجتمع ، وانحرافه عن الحق.
ولما عزم الامام على مغادرة مكة احرم للعمرة المفردة فطاف بالبيت وسعى وقصر وطاف طواف النساء ، واحل من عمرته ، وذكر الشيخ المفيد ان الامام الحسين لما أراد التوجه إلى العراق طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل من احرامه وجعلها عمرة لأنه لم يتمكن من اتمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة فينفذ به إلى يزيد(1) وهذا لا يخلو من تأمل فان المصدود عن الحج يكون احلاله بالهدي حسبما نص عليه الفقهاء لا بقلب احرام الحج إلى عمرة فان هذا لا يوجب الاحلال من احرام الحج ، أما ما ذكرناه فتدعمه روايتان ذكرهما الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة في كتاب الحج في «باب انه يجوز أن يعتمر في أشهر الحج عمرة مفردة ، ويذهب حيث شاء».
أما الروايتان فهما :
1 ـ رواها ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه (ع) أنه سئل عن رجل خرج في اشهر الحج معتمرا ثم خرج إلى بلاده قال : لا بأس
__________________
(1) الارشاد (ص 243) وذكر ذلك الشيخ الطبرسي في اعلام الورى
وان حج من عامه ذلك وأفرد الحج فليس عليه دم ، وان الحسين بن علي (ع) خرج يوم التروية إلى العراق وكان معتمرا.
2 ـ رواها معاوية بن عمار قال : قلت لأبي عبد اللّه : من أين افترق المتمتع والمعتمر؟ فقال (ع) : ان المتمتع مرتبط بالحج ، والمعتمر إذا فرغ منها ذهب حيث شاء ، وقد اعتمر الحسين (ع) في ذي الحجة ثم راح يوم التروية إلى العراق ، والناس يروحون إلى منى ، ولا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج(1) وهذه الرواية نص فيما ذكرناه.
والشيء الذي يدعو إلى التساؤل هو ان الامام (ع) قد غادر مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة وهو اليوم الذي يتأهب فيه الحجاج للخروج إلى عرفة فلما ذا لم يتم حجه؟ وفيما أحسب أن هناك عدة عوامل دعته إلى الخروج من مكة بهذه السرعة وهي :
1 ـ ان السلطة قد ضايقته مضايقة شديدة حتى اطمئن انها ستفتح معه باب الحرب أو تغتاله وهو مشغول في اداء مناسك الحج ، وتستحل بذلك حرمة الحج ، كما تضيع أهدافه المقدسة التي منها تحرير الأمة تحريرا كاملا من الذل والعبودية.
2 ـ انه اذا لم تناجزه السلطة أيام مناسك الحج ، فانها حتما ستناجزه الحرب بعدها فيصبح في مكة اما مقاتلا أو مقتولا وفي كلا الأمرين سفك للدماء في البيت الحرام وفي الشهر الحرام فغادر مكة حفاظا على المقدسات الاسلامية.
__________________
(1) وسائل الشيعة 10 / 246 ـ 247.
3 ـ ان خروجه في ذلك الوقت الحساس كان من أهم الوسائل الإعلامية ضد السلطة في ذلك العصر فان حجاج بيت اللّه الحرام قد حملوا إلى أقطارهم نبأ خروج الامام في هذا الوقت من مكة وهو غضبان على الحكم الأموي ، وانه قد أعلن الثورة على يزيد ، ولم يبق في مكة صيانة للبيت الحرام من أن ينتهك على أيدي الأمويين هذه بعض الأسباب التي حفزت الامام على الخروج قبل اتمام حجه.
ولما علم ابن الزبير بمغادرة الامام إلى العراق خف إليه يسأله عن مسألة لم يهتد إليها فقال له :
«يا بن رسول اللّه لعلنا لا نلتقي بعد اليوم ، فأخبرني متى يرث المولود ويورث؟ وعن جوائز السلطان هل تحل أم لا؟»
فاجابه (ع) «أما المولود فاذا استهل صارخا وأما جوائز السلطان فحلال ما لم يغصب الأموال»(1) .
ولم تكن عند ابن الزبير أية بضاعة فقهية فراح يستفتي الامام في مثل هذه الأمور الواضحة ، والغريب انه مع هذا الحال كيف يتصدى لامامة المسلمين وخلافتهم؟!!
__________________
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 67) من مخطوطات مكتبة امير المؤمنين.
وقبل أن يغادر الامام مكة انطلق إلى البيت الحرام فأدى له التحية بطوافه وصلاته ، وكان ذلك هو الوداع الأخير له وأدي فيه فريضة صلاة الظهر ثم خرج مودعا له(1) لقد انطلق الحسين مودعا الكعبة حاملا روحها بين جنبيه وشعلتها بكلتا يديه.
تواكبه الملائك وتباركه وتطيف به كأنها حذرة عليه ...
فانه البقية من ارث السماء على الأرض(2) .
لقد نزح عن مكة خائفا من حفيد أبي سفيان ، كما نزح عنها جده الرسول (ص) خوفا من المشركين بزعامة أبي سفيان ، وقد صحبه اثنان وثمانون رجلا من أهل بيته وخاصته ومواليه(3) كما صحب معه السيدات من مخدرات الرسالة وعقائل النبوة لقد خرج الامام وهو يحمل معه التحرير الكامل للأمة الاسلامية يريد أن يقيم في ربوعها حكم القرآن ، وعدالة السماء ويرد عنها كيد المعتدين.
وكان خروجه فيما يقوله أكثر المؤرخين في اليوم الثامن من ذي الحجة
__________________
(1) جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب من مصورات مكتبة الامام أمير المؤمنين.
(2) الامام الحسين (ص 557)
(3) دائرة المعارف للبستاني 7 / 48 ، وسيلة المال في عد مناقب الآل (ص 188) وفي تاريخ ابن عساكر 13 / 71 وخرج متوجها إلى العراق في أهل بيته وستين شيخا من أهل الكوفة ، وفي تاريخ الاسلام للذهبي 1 / 343 فسار من مكة وخف معه من بني عبد المطلب تسعة عشر رجلا ونساء وصبيان.
سنة ستين من الهجرة(1) وقد خيم الأسى على أهل مكة فلم يبق أحد إلا حزن لخروجه(2) وانفصل الركب عن مكة ، فلم ينزل الامام منزلا إلا حدث أهل بيته عن مقتل يحيى بن زكريا(3) متنبئا بما سيجرى عليه من القتل كما جرى على يحيى.
ولم يبعد الامام كثيرا عن مكة حتى لاحقته مفرزة من الشرطة بقيادة يحيى بن سعيد ، فقد بعثها والي مكة عمرو بن سعيد لصد الامام عن السفر إلى العراق ، وجرت بينهما مناوشات ، وقد عجزت الشرطة عن المقاومة(4) وكان ذلك الاجراء فيما نحسب صوريا ، فقد خرج الامام في وضح النهار من دون أية مقاومة تذكر لقد كان الغرض من ارسال هذه المفرزة العسكرية ابعاد الامام عن مكة ، والتحجير عليه في الصحراء حتى يسهل القضاء عليه بسهولة ، وأكد ذلك الدكتور عبد المنعم ماجد بقوله :
__________________
(1) خطط المقريزي 2 / 286 ، دائرة المعارف للبستاني 7 / 48
(2) الصواعق المحرقة (ص 118) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 86).
(3) نظم در السمطين (ص 215)
(4) ابن الأثير 3 / 276 ، البداية والنهاية 8 / 166 ، وجاء في سمط النجوم 3 / 57 ، وفي جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب (ص 133) ان عمرو بن سعيد لما بلغه خروج الحسين من مكة قال لشرطته : اركبوا كل بعير بين السماء والأرض في طلبه ، وكان الناس يتعجبون من قوله فطلبوه فلم يدركوه.
«ويبدو لنا أن عامل يزيد على الحجاز لم يبذل محاولة جدية لمنع الحسين من الخروج من مكة إلى الكوفة بسبب وجود كثير من شيعته في عمله ، بل لعله قدر سهولة القضاء عليه في الصحراء بعيدا عن انصاره ، بحيث ان بني هاشم فيما بعد اتهموا يزيد بأنه هو الذي دس إليه الرجال حتى يخرج.»(1) .
وكانت دمشق على اتصال دائم بالكوفة ، كما كانت على علم بجميع تحركات الامام ، وقد اضطربت من فشل المؤامرة التي دبرتها لاغتياله في مكة ونزوحه إلى العراق ليتولى بنفسه قيادة الثورة التي عهد بشئونها إلى سفيره مسلم بن عقيل وقد صدرت من يزيد عدة رسائل إلى حاكم الكوفة الطاغية ابن زياد ، وهي تضع له المخططات الرهيبة التي يسلكها وتأمره بالحزم امام الاحداث التي تعترض طريقه ، ومن بين هذه الرسائل.
1 ـ كتب يزيد هذه الرسالة إلى ابن زياد بعد ما خرج الامام من مكة وقد جاء فيها «أما بعد عليك بالحسين بن علي لا يفوت بادره قبل أن يصل الى العراق»(2) .
ومنطق هذه الرسالة الزام السلطة بالكوفة المبادرة التامة لقتال الحسين في الصحراء قبل أن يصل إلى العراق ، وعدم التماهل في ذلك.
__________________
(1) التاريخ السياسي للدولة العربية 2 / 72 ـ 73.
(2) المناقب والمثالب للقاضى نعمان المصري.
2 ـ وقد جاء فيها «أما بعد : فقد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة ، وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان وبلدك من بين البلدان ، وابتليت به أنت من بين العمال ، وعندها تعتق أو تعود عبدا كما يعتق العبيد»(1) .
وتحمل هذه الرسالة طابعا من القسوة والشدة ، فقد انذر فيها يزيد عامله ابن زياد فيما إذا قصر في مهمته ، ولم يخلص في حربه للحسين أن يفصم التحاقه ببني أمية ، ويعود إلى جده عبيد الرومي فيكون عبدا كسائر العبيد يباع ويعتق وقد اعلن ابن زياد ـ فور وصول هذه الرسالة إليه ـ الأحكام العرفية ، واغلق جميع الحدود العراقية فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام ، وإلى طريق البصرة ، فلم يدع أحدا يلج إلى صحراء العراق ولا أحدا يخرج منه(2) كما شكل قطعات من الجيش تجوب في العراق للتفتيش عن الامام الحسين ، ومن بينها الكتيبة العسكرية التي تضم زهاء الف فارس بقيادة الحر بن يزيد الرياحي ، وهي التي أرغمت الامام على النزول في كربلا ، وصرفته من التوجه إلى بلد آخر.
3 ـ وعهد يزيد إلى ابن زياد أن يجزل بالعطاء إلى الزعماء والوجوه وغيرهم حتى يستميل ودهم ، وهذا نص رسالته.
«أما بعد : فزد أهل الكوفة أهل السمع والطاعة في اعطياتهم مائة مائة»(3) واغدق ابن زياد الأموال على الأعيان والوجوه فاستمالهم لحرب ابن رسول اللّه.
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 72 ، تاريخ الاسلام الذهبي 1 / 344 المعجم الكبير للطبراني ، كفاية الطالب ، جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب.
(2) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
(3) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
أما موقف الأمويين ازاء تحرك الامام ، ومغادرته الحجاز إلى العراق فقد كان مضطربا فطائفة منهم كانت تحب العافية ، وتخاف عواقب الأمور وتخشى على الامام أن يناله ابن زياد بمكروه فيكون ذلك سببا لزوال ملكهم وطائفة كانت تخاف على العرش الأموي ، وتحذر من ذهاب الملك منهم وترى ضرورة البطش بالامام ومقابلته ليسلم لهم الملك والسلطان ، أما الطائفة الأولى فيمثلها الوليد بن عتبة ، وأما الثانية فيمثلها عمرو بن سعيد الأشدق ، وقد كتب كل منهما رسالة لابن زياد تمثل رأيه واتجاهه.
وليس في بني أمية مثل الوليد بن عتبة في اصالة رأيه وعمق تفكيره فقد فزع حينما علم بمغادرة الامام للحجاز وتوجهه إلى الكوفة ، وهو يعلم بغرور يزيد وطيش ابن زياد ، فرفع رسالة الى ابن زياد يحذره فيها من أن ينال الامام بمكروه فان ذلك يعود بالاضرار البالغة على بني أمية ، وهذا نص رسالته :
«من الوليد بن عتبة إلى عبيد اللّه بن زياد ، أما بعد : فان الحسين ابن علي قد توجه نحو العراق ، وهو ابن فاطمة ، وفاطمة بنت رسول اللّه (ص) فاحذر يا بن زياد من أن تبعث إليه رسولا فتفتح على نفسك ما لا تختار من الخاص والعام والسلام ..».
ولم يعن به ابن زياد ، وانما مضى سادرا في غيه وطيشه مطبقا لما عهدت إليه حكومة دمشق(1) .
__________________
(1) الفتوح 5 / 121 ـ 122
واشتبه ابن كثير فزعم أن مروان كتب لابن زياد ينصحه بعدم التعرض للحسين ، ويحذره مغبة الأمر ، ورسالته التي بعثها إليه تضارع رسالة الوليد السابقة مع بعض الزيادة عليها وهذا نصها :
«أما بعد : فان الحسين بن علي قد توجه إليك ، وهو الحسين ابن فاطمة. وفاطمة بنت رسول اللّه (ص) وتاللّه ما أحد يسلمه اللّه أحب إلينا من الحسين ، فاياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء ، ولا تنساه العامة ، ولا تدع ذكره آخر الدهر والسلام»(1) .
ان من المقطوع به ان هذه الرسالة ليست من مروان فانه لم يفكر بأي خير يعود للأمة ، ولم يفعل في حياته أي مصلحة للمسلمين ، يضاف إلى ذلك مواقفه العدائية للعترة الطاهرة وبالأخص للامام الحسين فهو الذي أشار على حاكم المدينة بقتله ، وحينما بلغه مقتل الامام أظهر الفرح والسرور فكيف يوصي ابن زياد برعايته والحفاظ عليه؟
وأرسل إلى ابن زياد عمرو بن سعيد الاشدق رسالة يأمره فيها بأن يتخذ مع الامام جميع الإجراءات الصارمة ، وقد جاء فيها :
«أما بعد : فقد توجه إليك الحسين ، وفي مثلها تعتق أو تكون عبدا تسترق كما تسترق العبيد»(2) .
__________________
(1) تأريخ ابن كثير 8 / 165
(2) تأريخ ابن عساكر 13 / 71
ولم يبعد الامام كثيرا عن مكة حتى اجتازت عليه وهو في «التنعيم»(1) قافلة من العير تحمل ورسا(2) وحللا كثيرة أرسلها والي اليمن. بجير بن يسار إلى الطاغية يزيد فأمر الامام بمصادرتها ، وقال لأصحاب الابل من أحب منكم أن ينصرف معنا إلى العراق أوفينا كراءه واحسنا صحبته ، ومن أحب المفارقة أعطيناه من الكراء على ما قطع من الأرض ، ففارقه بعضهم بعد أن استوفى كراءه ، ومضى في صحبته من أحب منهم(3) وقد انقذ الامام هذه الأموال من أن تنفق على موائد الخمور ، وتدعيم الظلم ، والإساءة إلى الناس ، وقد تقدم أن الامام قام بنفس هذه العملية أيام معاوية ، وقد ذهب آية اللّه المغفور له السيد مهدي آل بحر العلوم إلى عدم صحة ذلك ، فان مقام الامام أسمى وأرفع من الاقدام على مثل هذه الأمور(4) والذي نراه أنه لا مانع من ذلك اطلاقا فان الامام كان يرى الحكم القائم في أيام معاوية ويزيد غير شرعي ، ويرى أن أموال المسلمين تنفق على فساد الأخلاق ونشر العبث والمجون فكان من الضروري انقاذها لتنفق على الفقراء والمحتاجين وأي مانع شرعي أو اجتماعي من ذلك؟
__________________
(1) التنعيم : موضع بمكة في الحل يقع بين مكة وسرف على فرسخين من مكة ، وقيل اربعة ، سمي بذلك لأن جبلا عن يمينه يقال له نعيم ، وآخر عن شماله يقال له ناعم ، جاء ذلك في معجم البلدان 2 / 49.
(2) الورس : نوع من الثياب الحمر
(3) تأريخ الطبري 6 / 218 ، البداية والنهاية 8 / 166
(4) رجال بحر العلوم 4 / 48
ولما انتهى موكب الامام إلى موضع يسمى «بالصفاح»(1) التقى الشاعر الكبير الفرزدق همام بن غالب بالامام ، فسلم عليه وحياه ، وقال له :
«بأبي أنت وأمي يا ابن رسول اللّه (ص) ما اعجلك عن الحج» «لو لم اعجل لأخذت»(2)
وبادره الامام قائلا :
ـ من أين أقبلت يا أبا فراس(3) ؟
ـ من الكوفة
ـ بين لي خبر الناس
ـ على الخبير سقطت ، قلوب الناس معك ، وسيوفهم مع بني أمية
__________________
(1) الصفاح : موضع بين حنين وانصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش ، وقد نظم الفرزدق التقاءه بالامام في هذا المكان بقوله :
لقيت الحسين بأرض الصفاح |
عليه اليلامق والدرق |
جاء ذلك في معجم البلدان 3 / 412 ، وفي تذكرة الحفاظ للذهبي ان ملاقاة الامام مع الفرزدق كانت بذات عرق ، وفي مقتل الخوارزمي ان الملاقاة كانت في (الشقوق) وفي اللهوف (ص 41) انها في «زبالة) والصحيح انها كانت في الصفاح لنظم الفرزدق ذلك.
(2) البداية والنهاية 8 / 167
(3) فراس : بكسر الفاء وتخفيف الراء
والقضاء ينزل من السماء ، واللّه يفعل ما يشاء وربنا كل يوم هو في شأن(1) .
واستصوب الامام حديث الفرزدق فقال له :
«صدقت للّه الأمر من قبل ومن بعد» يفعل اللّه ما يشاء ، وكل يوم ربنا في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد اللّه على نعمائه. وهو المستعان على اداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعد من كان الحق نيته والتقوى سريرته ..»(2)
وأنشأ الامام يقول :
لئن كانت الدنيا تعد نفيسة |
فدار ثواب اللّه أعلى وأنبل |
|
وان كانت الأبدان للموت أنشئت |
فقتل امرئ بالسيف في اللّه أفضل |
|
وان كانت الأرزاق شيئا مقدرا |
فقلة سعي المرء في الرزق أجمل |
|
وان كانت الأموال للترك جمعها |
فما بال متروك به المرء يبخل(3) |
وسأله الفرزدق عن بعض المسائل الشرعية فاجابه عنها ، ثم سلم عليه وانصرف عنه ويعطينا هذا الالتقاء صورة عن خنوع للناس ، وعدم اندفاعهم لنصرة الحق ، فالفرزدق الذي كان يملك وعيا اجتماعيا ووعيا ثقافيا مع علمه بأن الامام سيقتل لم يندفع إلى نصرته والالتحاق بموكبه ليذب عنه ، فاذا كان هذا حال الفرزدق ، فكيف بغيره من سواد الناس وجهالهم.
__________________
(1) وسيلة المال (ص 188)
(2) البداية والنهاية 8 / 166 ، تأريخ الطبري 6 / 218 ، تأريخ ابن الأثير 3 / 276 ، الصواعق المحرقة (ص 118).
(3) وسيلة المال (ص 188) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 86).
وعلى أي حال فقد واصل الامام مسيرته بعزم وثبات ، ولم يثنه عن نيته قول الفرزدق في تخاذل الناس عنه ، وتجاوبهم مع بني أمية ، ولو كان الامام يروم الملك لصده قول الفرزدق عن التوجه الى العراق»
ولما وافى الامام الحسين الحاجر من بطن ذي الرمة ، وهو أحد منازل الحج من طريق البادية كتب كتابا لشيعته من اهل الكوفة يعلمهم بالقدوم إليهم ، وقد جاء فيه بعد البسملة :
«من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم فإني أحمد إليكم اللّه الذي لا إله إلا هو أما بعد : فان كتاب مسلم ابن عقيل جاءني يخبرني بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا ، والطلب بحقنا ، فنسأل اللّه ان يحسن لنا الصنيع ، وان يثيبكم على ذلك أعظم الأجر وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية ، فاذا قدم عليكم رسولي فاكتموا أمركم ، وجدوا فاني قادم عليكم من أيامي هذه إن شاء اللّه والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته»(1) .
ودفع الكتاب بيد البطل الفذ قيس بن مسهر الصيداوي فأخذ يجذ في السير لا يلوي على شيء حتى انتهى الى القادسية فاستولت عليه مفرزة من الشرطة اقيمت هناك تفتش كل من يدخل للعراق ويخرج منه تفتيشا دقيقا ، وأسرع قيس إلى الكتاب فخرقه لئلا تطلع الشرطة على ما فيه
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 168 ، وفي الفتوح 5 / 143 صورة أخرى مطولة للكتاب ، وفي أنساب الأشراف ق 1 ج 1 صورة أخرى لهذا الكتاب.
وارسلته الشرطة مخفورا ومعه القطع المخرقة من الكتاب إلى الطاغية ابن زياد فلما مثل عنده قال له :
ـ من أنت؟
ـ رجل من شيعة امير المؤمنين الحسين بن علي
ـ لم خرقت الكتاب الذي كان معك؟
ـ خوفا من أن تعلم ما فيه
ـ ممن الكتاب وإلى من؟
ـ من الحسين إلى جماعة من اهل الكوفة لا اعرف أسماءهم وغضب الطاغية وفقد اهابه وصاح به
«واللّه لا تفارقني أبدا ، او تدلني على هؤلاء القوم الذين كتب إليهم هذا الكتاب ، أو تصعد المنبر فتسب الحسين واباه واخاه ، فتنجو من يدي او لأقطعنك».
فقال له قيس :
«أما هؤلاء القوم فلا اعرفهم ، وأما اللعن فافعل».
وظن ابن زياد أنه من قبيل أوغاد اهل الكوفة الذين تغريهم المادة ويرهبهم الموت وما عرف أنه من افذاذ الأحرار الذين يصنعون تأريخ الأمم والشعوب ، وترتفع بهم كلمة الحق والعدل في الأرض وأمر ابن مرجانة بجمع الناس في المسجد الأعظم ليريهم من لعن قيس لأهل البيت ـ كما توهم ـ أمثلة لنكث العهد حتى يحملهم عليها ويجعلها من أخلاقهم وذاتياتهم.
وانبرى البطل العظيم وهو هازئ من الموت وساخر من الحياة لبؤدي رسالة اللّه بأمانة واخلاص ، فاعتلى منصة المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه
وصلى على الرسول الأعظم (ص) واكثر من الترحم على علي وولده(1) ثم لعن عبيد اللّه ولعن أباه وعتاة بني أمية عن آخرهم ، ورفع صوته الهادر الذي هو صوت الحق والاسلام قائلا :
«أيها الناس ان الحسين بن علي خير خلق اللّه ابن فاطمة بنت رسول اللّه (ص) أنا رسوله إليكم ، وقد فارقته بالحاجر فأجيبوه ..»(2) .
واسرعت الجلاوزة الى ابن زياد فأخبرته بشأنه فتميز غيظا ، وأمر أن يصعد به من اعلى القصر فيرمى منه وهو حي ، وأمسكته الشرطة والقت به من اعلى القصر فتقطعت أوصاله وتهشمت عظامه ، ومات ميتة الأبطال في سبيل مبدئه وعقيدته ولما بلغ مقتله الحسين بلغ به الحزن اقصاه ، واستعبر باكيا واندفع يقول :
«اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلا كريما عندك ، واجمع بيننا واياهم في مستقر رحمتك انك على كل شيء قدير»(3) .
ولما انتهى الامام الى ذات عرق خف إليه ابو هرة فقال له : يا ابن رسول اللّه ما الذي اخرجك عن حرم اللّه ، وحرم جدك رسول اللّه (ص) وتأثر الامام ، فقال له :
__________________
(1) الفتوح 5 / 146 ـ 147
(2) تأريخ ابن الأثير 3 / 277
(3) الفتوح 5 / 147
«ويحك يا ابا هرة إن بني أمية أخذوا مالي فصبرت ، وشتموا عرضي فصبرت ، وطلبوا دمي فهربت وايم اللّه لتقتلني الفئة الباغية ، وليلبسهم اللّه ذلا شاملا ، وسيفا قاطعا ، وليسلطنّ عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم فحكمت في أموالهم ودمائهم حتى أذلتهم»(1) .
وانصرف الامام ، وهو ملتاع حزين من هؤلاء الناس الذين لا يملكون وعيا لنصرة الحق قد آثروا العافية وكرهوا الجهاد في سبيل اللّه.
ولما انتهت قافلة الامام إلى (بطن العقبة) بادر إليه بعض مشايخ العرب المقيمين هناك فقال له :
«أنشدك اللّه إلا ما انصرفت ، ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف وان هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مئونة القتال ، ووطئوا لك الأمور فقدمت على غير حرب كان ذلك رأيا واما على هذا الحال الذي ترى فلا أرى لك ذلك».
فقال (ع) : «لا يخفى علي شيء مما ذكرت ، ولكنى صابر ومحتسب إلى أن يقضي اللّه أمرا كان مفعولا»(2) .
__________________
(1) الدر المسلوك 1 / 110
(2) الفصول المهمة لابن الصباغ (ص 167)
وسارت قافلة الامام حتى انتهت إلى (الخزيمية) وهي احدى منازل الحج فاقام فيها الامام يوما وليلة ليستريح من جاهد الطريق وعناء السفر ، وقد خفت إليه اخته الحوراء عقيلة بني هاشم ، وهي تجر ذيلها وقلبها الزاكي يتقطع من الأسى والحزن ، وهي تقول له بنبرات مشفوعة بالبكاء إني سمعت هاتفا يقول :
ألا يا عين فاحتفلي بجاهد |
فمن يبكي على الشهداء بعدي |
|
على قوم تسوقهم المنايا |
بمقدار الى انجاز وعدي |
فقال لها أبي الضيم :
«يا اختاه كل الذي قضي فهو كائن»(1) .
لقد أراد من شقيقته أن تخلد إلى الصبر ، وأن تقابل الخطوب والرزايا برباطة جأش وعزم حتى تقوى على اداء رسالته.
وانتهت قافلة الامام إلى «زرود» فأقام الامام فيها بعض الوقت وقد نزل بالقرب منه زهير بن القين البجلي ، وكان عثماني الهوى ، وقد حج بيت اللّه في تلك السنة ، وكان بسائر الامام في طريقه ، ولا يحب أن ينزل معه مخافة الاجتماع به إلا انه اضطر إلى النزول قريبا منه ، فبعث
__________________
(1) المناقب لابن شهر اشوب 5 / 127 من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين ، الفتوح 5 / 122.
إليه رسولا يدعوه إليه ، وكان زهير مع جماعته يتناولون طعاما صنع لهم فابلغه الرسول مقالة الحسين فذعر القوم وطرحوا ما في أيديهم من طعام كأن على رءوسهم الطير ، وانكرت زوجة زهير عليه ذلك وقالت له :
«سبحان اللّه!! أيبعث إليك ابن بنت رسول اللّه ثم لا تأنيه لو أتيته فسمعت كلامه!!» وانطلق زهير على كره منه الى الامام فلم يلبث أن عاد مسرعا وقد تهلل وجهه وامتلأ غبطة وسرورا ثم أمر بفسطاطه وما كان عنده من ثقل ومتاع فحوله إلى الامام الحسين (ع) وقال لزوجته :
«أنت طالق».
ما ذا أسر إليه ريحانة رسول اللّه حتى جعله يتغير هذا التغيير؟ هل وعده بمال أو مغنم ، ولو وعده بذلك لما طلق زوجته ، ولا ودع أصحابه الوداع الأخير لقد بشره بالشهادة والفوز بالجنة ، وذكّره بحديث طالت عليه الأيام فنساه وقد حدث به أصحابه قائلا :
«سأحدثكم حديثا غزونا (بلنجر) ففتح اللّه علينا ، وأصبنا غنائم ففرحنا ، وكان معنا سلمان الفارسي ، فقال لنا : أفرحتم بما فتح اللّه عليكم واصبتم من الغنائم؟ فقلنا نعم : فقال إذا أدركتم سيد شباب آل محمد (ص) فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه مما أصبتم اليوم من الغنائم»(1) .
وروى ابراهيم بن سعيد وكان قد صحب زهيرا حينما مضي إلى الامام انه (ع) قال له : انه يقتل في كربلا ، وان رأسه الشريف يحمله زجر بن قيس إلى يزيد يرجو نواله فلا يعطيه شيئا(2) .
__________________
(1) الارشاد (ص 246) تأريخ ابن الأثير 3 / 177 ، أنساب الأشراف ق 1 ج 1 ، الدر النظيم (ص 167).
(2) دلائل الامامة لمحمد بن جرير الطبري.
لقد ساعد التوفيق زهيرا فالتحق بموكب العترة الطاهرة ، وصار من اصلب المدافعين عنها ، ومن ألمع أصحاب الامام ، ففداه بروحه واستشهد في سبيل قضيته العادلة.
أما النبأ المفجع بمقتل مسلم فقد حمله الى الامام عبد اللّه بن سليمان والمنذر بن المشمعل الأسديان(1) ، وكانا ـ فيما يقول المؤرخون ـ قد انتهيا من اداء مناسك الحج ، وكانت لهما رغبة ملحة في الاتصال بالامام والتعرف على شئونه فأخذا يجذان في السير حتى التحقا به في زرود ، وبينما هما معه وإذا برجل قد أقبل من جهة الكوفة فلما رأى الحسين عدل عن الطريق ، وقد وقف الحسين يريد مسألته فلما رآه قد مال عنه سار في طريقه ، ولما عرف الأسديان رغبة الامام في سؤاله تبعاه حتى أدركاه فسلما عليه وسألاه عن اسرته فأخبرهما أنه أسدي فانتسبا له ثم سألاه عن خبر الكوفة ، فقال لهما : انه لم يخرج منها حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ ابن عروة ، ورآهما يجران بأرجلهما في الأسواق ، وو دعاه ، واقبلا مسرعين حتى لحقا بالامام ، فلما نزل الامام بالثعلبية(2) قالا له :
«رحمك اللّه ان عندنا خبرا ان شئت حدثناك علانية ، وان شئت سرا ..».
__________________
(1) وقيل الذي حمل النبأ إلى الامام هو ابن يزيد التميمي كما في الصواعق (ص 118) وقيل بكر بن المعتقة كما في أنساب الأشراف ق 1 ج 1.
(2) الثعلبية : من منازل طريق مكة من الكوفة بعد الشقوق وقبل الخزيمية ، وهي ثلثا الطريق معجم البلدان 2 / 78.
وتأمل في أصحابه فقال (ع) :
«ما دون هؤلاء سر»
«أرأيت الراكب الذي استقبلته عشاء امس؟»
«نعم واردت مسألته»
«واللّه استبرأنا لك خبره ، وكفيناك مسألته ، وهو امرؤ منا ذو رأي وصدق وعقل ، وانه حدثنا انه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم وهانئ ورآهما يجران في السوق بارجلهما. «(1) .
وكان النبأ المؤلم كالصاعقة على العلويين فانفجروا بالبكاء على فقيدهم العظيم حتى ارتج الموضع بالبكاء وسالت الدموع كل مسيل(2) واستبان للامام غدر أهل الكوفة ، وايقن انه مع الصفوة من أهل بيته وأصحابه سيلاقون نفس المصير الذي لاقاه مسلم ، وانبرى إلى الامام بعض أصحابه فقال له : «ننشدك اللّه الا رجعت من مكانك فانه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة بل نتخوف ان يكونوا عليك»
والتفت الامام الى بني عقيل فقال لهم :
«ما ترون فقد قتل مسلم؟»
ووثبت الفتية وهي تعلن استهانتها بالموت قائلين :
«لا واللّه لا نرجع حتى نصيب ثأرنا او نذوق ما ذاق مسلم»
وراح الامام يقول بمقالتهم :
«لا خير في العيش بعد هؤلاء»(3)
__________________
(1) الارشاد (ص 247)
(2) الدر المسلوك 1 / 111
(3) الارشاد (ص 247)
وقال (ع) متمثلا :
سأمضي وما بالموت عار على الفتى |
اذا ما نوى حقا وجاهد مسلما |
|
فان مت لم اندم وان عشت لم الم |
كفى بك عارا ان تذل وترغما(1) |
لقد مضى الامام قدما ، وهو مرفوع الجبين وقد ايقن انه يسير إلى الفتح الذي ليس مثله فتح ، لقد مضى ليؤدي رسالة اللّه بامانة واخلاص كما اداها جده الرسول (ص) من قبل.
ولما انتهت قافلة الامام الى «زبالة» وافاه النبأ الفظيع بقتل رسوله عبد اللّه بن يقطر ، وكان الامام قد اوفده للقيى مسلم بن عقيل فالقت عليه الشرطة القبض في القادسية ، وبعثته مخفورا الى ابن مرجانة فلما مثل عنده صاح به الخبيث :
«اصعد المنبر ، والعن الكذاب ابن الكذاب ، ثم انزل حتى أرى رأيي فيك ..».
وظن ابن مرجانة انه يفعل ذلك ، وما درى أنه من أفذاذ الأحرار الذين ترتفع بهم كلمة اللّه في الأرض واعتلى البطل العظيم المنبر ، ورفع صوته الهادر قائلا :
«أيها الناس أنا رسول الحسين بن فاطمة ، لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة الدعي ابن الدعي لعنه اللّه»(2) .
__________________
(1) الدر النظيم (ص 167)
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
وأخذ يلعن ابن زياد ، ويذكر مساوئ بني أمية ، ويدعو الى نصرة ريحانة الرسول (ص) فاستشاط ابن زياد غضبا ، وأمر أن يلقى من فوق القصر كما فعل بقيس بن مصهر الصيداوي ، فرمته الشرطة من أعلى القصر فتكسرت عظامه ، وبقي به رمق من الحياة فاسرع إليه الوغد الخبيث عبد الملك اللخمي فذبحه ليتقرب إلى سيده ابن مرجانة ، وقد عاب الناس عليه ذلك فاعتذر لهم أنه أراد ان يريحه.
ولما انتهى خبره إلى الامام (ع) شق عليه ذلك ، ويئس من الحياة وأمر بجمع أصحابه ، والذين اتبعوه طلبا للعافية لا للحق فقال لهم :
«أما بعد : فقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذمام».
وتفرق عنه ذباب المجتمع من ارباب المطامع الذين تبعوه لأجل الغنيمة ، وخلص إليه الصفوة من اصحابه الذين جاءوا معه من مكة(1) ولو كان الحسين يروم الملك والسلطان لما صارح الذين اتبعوه بالأوضاع
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 278 ، انساب الاشراف ق 1 ج 1 وسيلة المال (ص 189) تأريخ أبي الفداء 1 / 301 تأريخ الاسلام للذهبي 2 / 345 ، وجاء في روضة الأعيان في أخبار مشاهير الزمان (ص 67) ان الامام لما اذن للناس بالتفرق عنه ، تفرقوا عنه ، ولم يبق معه إلا اثنان واربعون رجلا من اهل بيته ، وجاء في تأريخ الطبري ان الذين صحبوا الامام من المدينة تفرقوا عنه حينما اعلن لهم مقتل عبد اللّه ابن يقطر ، وفيما نحسب أن هذا اشتباه من الطبري فان الامام لم يمر بالمدينة في حال مجيئه إلى مكة اللهم إلا الذين تبعوه من المدينة وساروا معه الى مكة او في أثناء الطريق إليها.
الراهنة التي تحيط به ، فقد اعلمهم أن من يلتحق به لا ينال منصبا أو مالا وانما يقدم إلى ساحات الجهاد فيفوز بالشهادة ولو كان من عشاق الملك لما ادلى بذلك في تلك الساعات الحرجة الذي هو في أمس الحاجة إلى الناصر والصديق الذي يذب عنه.
لقد نصح الامام أصحابه واهل بيته مرارا في التخلي عنه ، وما ذلك إلا ليحاربوا على بصيرة وبينة من امرهم وفعلا فقد تبعه خيرة الرجال واصلبهم في الدفاع عن الحق ، تبعوه ونفوسهم مليئة بالايمان باللّه ، والاخلاص إلى الجهاد في سبيله.
وخفق الامام الحسين وقت الظهيرة فرأى رؤيا افزعته ، فانتبه مذهولا فاقبل عليه ولده البار علي الأكبر فقال له :
ـ مالي أراك فزعا؟
ـ رأيت رؤيا اهالتني
ـ خيرا رأيت؟
وفاجأه ابوه بالرؤيا المفجعة قائلا :
«رأيت فارسا وقف علي ، وهو يقول : انتم تسرعون ، والمنايا تسرع بكم إلى الجنة ، فعلمت ان انفسنا قد نعيت إلينا»(1) .
واسرع الولد البار قائلا :
«ألسنا على الحق؟»
«بلى والذي إليه مرجع امر العباد»
__________________
(1) تأريخ الاسلام للذهبي 2 / 346
وطفق فخر هاشم يلقي على الأجيال اروع صور الايمان والتضحية في سبيل اللّه قائلا لأبيه :
«يا أبة لا نبالي بالموت»
ووجد الحسين في ولده خير عون له على اداء رسالته الكبرى ، فشكره على ذلك قائلا :
«جزاك اللّه يا بني خير ما جزي به ولد عن والده ..»(1)
وانتهى موكب الامام الى شراف ، وفيها عين للماء فأمر الامام فتيانه ان يستقوا من الماء ، ويكثروا منه ، ففعلوا ذلك ، ثم سارت القافلة تطوي البيداء ، وبادر بعض أصحاب الامام فكبر ، فاستغرب الامام وقال له :
ـ لم كبرت؟
ـ رأيت النخل
وانكر عليه رجل من أصحاب الامام ممن خبر الطريق وعرفه فقال له :
«ليس هاهنا نخل ، ولكنها أسنة الرماح وآذان الخيل».
وتأملها الامام فطفق يقول : وأنا أرى ذلك ، وعرف الامام انها طلائع جيش العدو جاءت لمناهضته ، فقال لأصحابه :
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 111) الدر المسلوك (ص 109) الفتوح 5 / 123.
«أما لنا ملجأ نلجأ إليه نجعله في ظهورنا ، ونستقبل القوم من وجه واحد؟».
وكان بعض أصحابه ممن يعرف سنن الطريق فقال له :
«بلى هذا ذو حسم(1) إلى جنبك تميل إليه عن يسارك فان سبقت إليه فهو كما تريد».
ومال موكب الامام إليه الا انه لم يبعد كثيرا حتى أدركه جيش مكثف بقيادة الحر بن يزيد الرياحي كان ابن زياد قد عهد إليه ان يجوب في صحراء الجزيرة للتفتيش عن الامام ، والقاء القبض عليه وكان عدد الجيش زهاء الف فارس ، ووقفوا قبال الامام في وقت الظهيرة ، وكان الوقت شديد الحر ، ورآهم الامام وقد أشرفوا على الهلاك من شدة الظمأ فرق عليهم ، وغض نظره من أنهم جاءوا لقتاله وسفك دمه ، فأمر أصحابه أن يسقوهم ، ويرشفوا خيولهم ، وقام أصحاب الامام فسقوا الجيش ثم انعطفوا إلى الخيل فجعلوا يملئون القصاص والطساس فاذا عب فيها ثلاثا او اربعا أو خمسا عزلت وسقي الآخر حتى سقوا الخيل عن آخرها(2) لقد كان الامام على استعداد كامل في سفره ، فقد كانت الأواني وحدها تسع لسقاية الف فارس مع خيولهم ، فضلا عن سائر الأثاث والأمتعة الأخرى.
وعلى أي حال فقد تكرم الامام بانقاذ هذا الجيش الذي جاء لحربه ويقول المؤرخون انه كان من بين هذا الجيش علي بن الطعان المحاربي ، وقد تحدث عن سجاحة طبع الامام وعظيم اخلاقه ، يقول : كنت ممن أضر بي العطش ، فأمرني الحسين بأن انخ الراوية فلم افقه كلامه لأن الراوية
__________________
(1) ذو حسم : بضم الحاء وفتح السين جبل هناك
(2) تأريخ الطبري 6 / 226 ، خطط المقريزي 2 / 286.
بلغة الحجاز هي الجمل ، ولما عرف أني لم افهم كلامه قال لي : (انخ الجمل) فأنخته ولما أردت ان اشرب جعل الماء يسيل من السقاء ، فقال لي اخنث السقاء ، فلم ادر ما اصنع فقام أبي الضيم فخنث السقاء حتى ارتويت أنا وفرسي.
ولم تهز هذه الأريحية ولا هذا النبل نفس هذا الجيش «وما تأثر أحد منهم بهذا الخلق الرفيع إلا الحر فقد تأثر ضميره اليقظ الحساس بهذا المعروف والاحسان ، فاندفع بوحي من ضميره حتى التحق بالامام واستشهد بين يديه.
واستقبل الامام قطعات ذلك الجيش فخطب فيهم خطابا بليغا أوضح لهم فيه انه لم يأتهم محاربا ، وانما قدمت عليه رسلهم وكتبهم تحثه بالقدوم إليهم ، فاستجاب لهم ، وقد قال بعد حمد اللّه والثناء عليه :
«أيها الناس انها معذرة الى اللّه عز وجل وإليكم انى لم آتكم حتى أتتني كتبكم ، وقدمت بها علي رسلكم ان اقدم علينا فانه ليس لنا امام ، ولعل اللّه أن يجمعنا بك على الهدى ، فان كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فاعطوني ما اطمئن به من عهودكم ومواثيقكم ، وان كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم الى المكان الذي جئت منه إليكم».
واحجموا عن الجواب لأن اكثرهم كانوا ممن كاتبوه بالقدوم إليهم وبايعوه على يد سفيره مسلم بن عقيل وحضر وقت الصلاة فأمر الامام مؤذنه الحجاج بن مسروق ان يؤذن ويقيم لصلاة الظهر ، وبعد فراغه قال الامام للحر :
ـ أتريد أن تصلي باصحابك؟
ـ بل نصلي بصلاتك
وأتموا بالامام في صلاة الظهر ، وبعد الفراغ منها انصرفوا إلى اخبيتهم ولما حضر وقت صلاة العصر جاء الحر مع قومه فاقتدوا بالامام في صلاة العصر
وبعد ما فرغ الامام من صلاة العصر انبرى بعزم وثيق فخطب في ذلك الجيش خطابا رائعا ، فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه :
«أيها الناس ، إنكم إن تتقوا اللّه ، وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى للّه ، ونحن اهل البيت اولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فان انتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم الآن على غير ما اتتني به كتبكم انصرفت عنكم».
ودعاهم بهذا الخطاب الى طاعة اللّه ، والتمسك بدعاة الحق وائمة الهدى من اهل البيت (ع) فهم اولى بهذا الأمر من بني أميّة الذين اشاعوا فيهم الجور والظلم ، وعرض لهم انه ينصرف عنهم اذا تبدل رأيهم ، ونقضوا بيعتهم وانبرى إليه الحر وهو لا يعلم بشأن الكتاب ، فقد كان ـ فيما يبدو ـ في تلك الفترة بمعزل عن الحركات السياسية في الكوفة ، فقال له :
«ما هذه الكتاب التي تذكرها؟»
فأمر الامام عاقبة بن سمعان باحضارها ، فاخرج خرجين مملوءين صحفا نثرها بين يدي الحر ، فبهر الحر ، وتأملها وقال :
«لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك»
ووقعت مشادة عنيفة بين الامام والحر ، فقد قال الحر للامام :
قد أمرت أن لا افارقك اذا لقيتك حتى اقدمك الكوفة على ابن زياد.
ولذعت الامام هذه الكلمات القاسية فثار في وجه الحر وصاح به :
«الموت ادنى إليك من ذلك»
لقد ترفع ابي الضيم من مبايعة يزيد ، فكيف يخضع لابن مرجانة الدعي ابن الدعي؟ وكيف ينقاد اسيرا إليه؟ فالموت ادنى للحر من الوصول الى هذه الغاية الرخيصة وامر الحسين اصحابه بالركوب ، فلما استووا على رواحلهم امرهم بالتوجه الى يثرب ، فحال بينهم وبين ذلك ، فاندفع الحسين فصاح به.
«ثكلتك امك ما تريد منا؟»
واطرق الحر برأسه الى الأرض ، وتأمل ثم رفع رأسه فخاطب الامام بأدب فقال له :
«أما واللّه لو غيرك من العرب يقولها لي : ما تركت ذكر أمه بالثكل كأنا من كان ، ولكني واللّه مالي الى ذكر أمك من سبيل إلا باحسن ما يقدر عليه ..»
وسكن غضب الامام فقال له :
ـ ما تريد منا؟
ـ أريد ان انطلق بك الى ابن زياد
ـ وثار الامام فصاح به :
ـ واللّه لا اتبعك
ـ اذن واللّه لا ادعك
وكاد الوضع أن ينفجر باندلاع نار الحرب إلا ان الحر ثاب إلى الهدوء فقال للامام :
«اني لم أومر بقتالك ، وانما امرت أن لا افارقك حتى أقدمك الكوفة ، فاذا أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة ، حتى اكتب الى ابن زياد ، وتكتب أنت إلى يزيد أو الى ابن زياد فلعل اللّه أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن ابتلي من امرك».
واتفاقا على هذا ، فتياسر الامام عن طريق العذيب والقادسية(1) واخذت قافلته تطوى البيداء ، وكان الحر يتابعه عن كثب ، ويراقبه كأشد ما تكون المراقبة.
من الأقوال الشاذة التي لا مدرك لها ما ذكره البستاني ، وهذا نصه :
«لما قرب الحسين من الكوفة لقيه الحر بن يزيد الرياحي ، ومعه الف فارس من أصحاب ابن زياد ، وقال له : أرسلني عبيد اللّه عينا عليك ، وقال لي ان ظفرت به لا تفارقه أو تجيء به ، وأنا كاره أن يبتلني اللّه بشيء من أمرك فخذ غير هذا الطريق ، واذهب الى حيث شئت ، وأنا أقول :
لابن زياد انك خالفتني في الطريق ، وانشدك اللّه في نفسك ، وفيمن معك ، فسلك الحسين (ع) طريقا غير الجادة ، ورجع قاصدا الى الحجاز ، وسار هو واصحابه ليلتهم ، فلما أصبحوا لقوا الحر ، فقال له الحسين : ما جاء بك؟ قال : سعي بي الى ابن زياد أني اطلقتك ، بعد
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 280
ما ظفرت بك ، فكتب إلي أن ادركك ، ولا افارقك حتى تأتي مع الجيوش ..»(1) .
وهذا القول من الاساطير فان التقاء الامام بالحر لم يكن قريبا من الكوفة ، وإنما كان في أثناء الطريق على مرحلة قريبة من (شراف) ، ومضافا إلى ذلك فان الحر لم يعرض على الامام أن يسير حيثما شاء ، وانما صدرت إليه الأوامر المشددة من ابن زياد أن يلقي عليه القبض ، ويأتي به الى الكوفة حسبما ذكرناه ، وهو مما اجمع عليه المؤرخون وأرباب المقاتل.
من الأخطاء الفاحشة ما ذكره النسابة ابن عنبة من ان الحر أراد ارغام الامام على الدخول الى الكوفة فامتنع ، وعدل نحو الشام قاصدا الى يزيد بن معاوية ، فلما صار الى كربلا منعوه عن المسير ، وارسلوا إليه ثلاثين الفا عليهم عمر بن سعد ، وارادوا دخوله إلى الكوفة والنزول على حكم عبيد اللّه بن زياد فامتنع عليهم ، واختار المضي نحو يزيد فمنعوه وناجزوه الحرب(2) ولم يذهب لهذا القول أحد من المؤرخين ، فقد اجمعوا على ان الامام بقي مصمما على رفض البيعة ليزيد ، ولو انه أراد ان يبايع ليزيد لما فتحوا معه باب الحرب ، وما شهروا في وجهه السيوف.
__________________
(1) دائرة المعارف للبستاني 7 / 48
(2) عمدة الطالب (ص 181)
ولما انتهى موكب الإمام الى «البيضة» القى (ع) خطابا على الحر واصحابه ، وقد أدلى بدوافعه في الثورة على يزيد ، ودعا القوم إلى نصرته وقد قال بعد حمد اللّه والثناء عليه :
«أيها الناس إن رسول اللّه (ص) قال : «من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرم اللّه ، ناكثا لعهد اللّه ، مخالفا لسنة رسول اللّه (ص) يعمل في عباد اللّه بالاثم والعدوان ، فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على اللّه أن يدخله مدخله».
الا ان هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ، واظهروا الفساد وعطلوا الحدود ، واستأثروا بالفىء ، واحلوا حرام اللّه ، وحرموا حلاله ، وأنا احق ممن غيّر ، وقد اتتني كتبكم ، وقدمت علي رسلكم ببيعتكم انكم لا تسلموني ، ولا تخذلوني ، فان اقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم وانا الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول اللّه (ص) نفسي مع انفسكم واهلي مع اهليكم ، ولكم في اسوة ، وان لم تفعلوا ، ونقضتم عهدكم ، وخلعتم بيعتي ، فلعمري ما هي لكم بنكر ، لقد فعلتموها بأبي واخي وابن عمي مسلم ، فالمغرور من اغتر بكم فحظكم اخطأتم ، ونصيبكم ضيعتم ومن نكث فانما ينكث على نفسه ، وسيغني اللّه عنكم والسلام»
وحفل هذا الخطاب المشرق بكثير من النقاط المهمة ، وهي :
اولا ـ انه انما اعلن الثورة على حكومة يزيد استجابة للواجب الديني الذي كان يقضي عليه ، فان الاسلام لا يقر السلطان الجائر ، ويلزم بمناهضته ، ومن لم يستجب للجهاد يكون مشاركا لما يقترفه من الجور والظلم.
ثانيا ـ انه ندد بالأمويين ، وشجب سياستهم القائمة على طاعة الشيطان ، ومعصية الرحمن ، واظهار الفساد ، وتعطيل حدود اللّه ، والاستئثار بالفيء ، وتحليل الحرام ، وتحريم الحلال.
ثالثا ـ ان الامام احق وأولى من غيره بالقيام بتغيير الأوضاع الراهنة التي تنذر بالخطر على الاسلام ، فانه (ع) المسئول الأول عن القيام باعباء هذه المهمة.
رابعا ـ انه (ع) عرض لهم انه اذا تقلد شئون الحكم ، فسيجعل نفسه مع انفسهم ، واهله مع اهاليهم. من دون أن يكون له أي امتياز عليهم.
خامسا ـ انهم اذا نكثوا بيعتهم ، ونقضوا عهودهم التي اعطوها له فانه ليس بغريب عليهم فقد غدروا من قبل بابيه واخيه وابن عمه ، وقد أخطئوا بذلك حظهم ، وحرموا نفوسهم السعادة.
لقد وضع الامام بهذا الخطاب النقاط على الحروف : وفتح لهم منافذ النور ، ودعاهم الى الاصلاح الشامل الذي ينعمون في ظلاله.
ولما سمع الحر خطابه اقبل عليه فقال له : «إني اذكرك اللّه في نفسك ، فاني أشهد لئن قاتلت لتقتلن» وانبرى الامام قائلا له :
«ابالموت تخوفني ، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ، وما ادري ما أقول : لك؟!! ولكني اقول : كما قال اخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول اللّه اين تذهب فانك مقتول؟ فقال له :
سأمضي وما بالموت عار على الفتى |
اذا ما نوى حقا وجاهد مسلما |
|
وآسى الرجال الصالحين بنفسه |
وخالف مثبورا وفارق مجرما |
|
فان مت لم اندم وان عشت لم الم |
كفى بك عارا ان تذل وترغما(1) |
__________________
(1) تأريخ ابن الاثير 3 / 281 ، والطبري
ولما سمع الحر ذلك تنحى عنه وعرف أنه مصمم على الموت ، وعازم على التضحية في سبيل غايته الهادفة إلى الاصلاح الشامل.
ولما انتهى الامام إلى عذيب الهجانات وافاه أربعة أشخاص من أهل الكوفة جاءوا إلى نصرته ، وقد أقبلوا على رواحلهم يجنبون فرسا لنافع ابن هلال ، ولم يخرج أحد لاستقبال الحسين من اهل الكوفة سواهم وهم
1 ـ نافع بن هلال المرادي
2 ـ عمرو بن خالد الصيداوي
3 ـ سعد مولى عمرو بن خالد
4 ـ مجمع بن عبد اللّه العابدي من مذحج
وأراد الحر منعهم من الالتحاق بالحسين ، فصاح به الامام :
«اذا أمنعهم بما امنع فيه نفسي ، انما هؤلاء انصاري ، واعواني وقد جعلت لي أن لا تعرض بي حتى يأتيك كتاب ابن زياد».
وكف الحر عنهم ، فالتحقوا بالامام فرحب بهم ، وسألهم عن اهل الكوفة فقالوا له :
«اما الأشراف فقد عظمت رشوتهم ، وملئت غرائرهم(1) ليستمال ودهم ، وتستنزف نصائحهم ، فهم عليك إلبا واحدا ، وما كتبوا إليك الا ليجعلوك سوقا ومكسبا وأما سائر الناس فافئدتهم تهوي إليك ، وسيوفهم غدا مشهورة عليك»(2) .
__________________
(1) الغرائر جمع غرارة وهي الكيس من الشعر أو الصوف
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1 ص 241
وكشف هذا الحديث عن نقاط بالغة الأهمية وهي :
1 ـ ان السلطة قد اشترت ضمائر الوجوه والاشراف من اهل الكوفة بالأموال واغرتهم بالجاه والنفوذ فصاروا إلبا واحدا مجمعين ومتفقين على حرب الامام ، وقد مهر الامويون في هذه السياسة الماكرة فكانوا يستميلون الوجوه بكل الوسائل الممكنة. واما الرعاع فيلهبون ظهورهم بالسياط.
2 ـ ان اشراف اهل الكوفة انما كاتبوا الحسين بالقدوم إليهم لا ايمانا منهم بعدالة قضيته وباطل الأمويين وانما كتبوا إليه ليكون سوقا ومكسبا للظفر باموال بني أمية ، فكانوا يعلنون لهم انكم ان لم تغدقوا علينا بالأموال فستكون من انصار الحسين ، فكانت كتبهم إليه وسيلة من وسائل الكسب.
3 ـ ان سواد الناس كانت قلوبهم مع الحسين ، ولكنهم منقادون لزعمائهم من دون ان تكون لهم أية ارادة او اختيار على متابعة ما يؤمنون به ، فكانوا جنود السلطة واداتها الضاربة.
هذه بعض النقاط المهمة التي حفل بها كلام هؤلاء القوم ، وقد دلت على دراستهم الوثيقة لشؤون مجتمعهم.
والتحق الطرماح بالامام في اثناء الطريق ، وقد صحبه بعض الوقت وقد أقبل الامام على اصحابه ، فقال لهم :
«هل فيكم احد يخبر الطريق على غير الجادة؟»
فانبرى إليه الطرماح بن عدي الطائي فقال له :
«أنا اخبر الطريق»
«سر بين أيدينا»
وسار الطرماح يتقدم موكب العترة الطاهرة ، وقد ساورته الهموم فجعل يحدو بالابل بصوت حزين وهو يرتجز :
يا ناقتي لا تذعري من زجرى |
وامضي بنا قبل طلوع الفجر |
|
بخير فتيان وخير سفر |
آل رسول اللّه أهل الفخر |
|
السادة البيض الوجوه الزهر |
الطاعنين بالرماح السمر |
|
الضاربين بالسيوف البتر |
حتى تحلى بكريم النجر |
|
بما جد الجد رحيب الصدر |
أتى به اللّه لخير أمر |
|
سأمضي وما بالموت عار على الفتى |
اذا ما نوى حقا وجاهد مسلما |
|
عمره اللّه بقاء الدهر |
يا مالك النفع معا والضر |
|
امدد حسينا سيدي بالنصر |
على الطغاة من بقايا الكفر |
|
على اللعينين سليلي صخر |
يزيد لا زال حليف الخمر |
|
والعود والصنج معا والزمر |
وابن زياد العهر وابن العهر(1) |
واسرعت الابل في سيرها على نغمات هذا الشعر الحزين ، وقد فاضت عيون اصحاب الحسين وأهل بيته من الدموع ، وهم يؤمنون على دعاء الطرماح للحسين بالنصر والتأييد ، وحلل الدكتور يوسف خليف هذا الرجز بقوله : «والرجز هنا ـ ولعله اول شعر كوفي يظهر فيه الحديث عن الحسين ـ يعتمد على البساطة في عرض الفكرة ، فهو لا يعدو أن يكون صورة من تحية البدو وترحيبهم بضيف عزيز قادم إليهم ، وهم خارجون لاستقباله. فالراجز يحث ناقته على السير السريع لتحل برحاب هذا الضيف
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 119) أنساب الأشراف ج 1 ق 1 ، ص 242 ، مروج الذهب 2 / 72 ، الفتوح.
الذي يضفي عليه صفات المدح المألوفة عند البدو ، ويخلع عليه ما يتمثله البدوي في الرجل من مثل وفضائل فهو عنده كريم الأصل ، ماجد حر واسع الصدر لأن هذا الضيف ليس شخصا عاديا ، وانما هو حفيد رسول اللّه (ص) ومبعوث العناية الالهية إليهم لأمر هو خير الأمور ، ثم يختم هذه التحية البدوية بدعاء فطري ساذج ، ولكنه معبر عما يحمله له في نفسه من محبة صادقة واخلاص اكيد فيدعو أن يبقيه اللّه بقاء الدهر»(1)
وقال الطرماح للامام : «واللّه إني لأنظر فما أرى معك أحدا ، ولو لم يقاتلك إلا هؤلاء الذين أراهم ملازمين لك مع الحر لكان ذلك بلاء فكيف وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم ظهر الكوفة مملوءا رجالا فسألت عنهم فقيل ليوجهوا الى الحسين ، فناشدتك اللّه أن لا تقدم إليهم شبرا الا فعلت»(2) .
وإلى أي مكان يرجع الامام؟ واين يذهب؟ والأرض كلها تحت قبضة الأمويين ، فلم يكن له بد من الاستمرار في سفره إلى العراق ، وعرض له الطرماح أن يسير معه إلى جبل بني طي ، وتعهد له بعشرين الف طائي يقاتلون بين يديه ، ولم يستجب الامام لهذا الوعد الذي هو غير مضمون ، واستأذن الطرماح من الامام ان يمضي لأهله ليوصل إليهم الميرة ويعود إلى نصرته ، فاذن له وانصرف الى أهله ، فمكث أياما ثم قفل راجعا إلى الامام فلما وصل إلى عذيب الهجانات بلغه مقتل الامام ، فأخذ يبكي على ما فاته من شرف الشهادة مع ريحانة رسول اللّه (ص)(3) .
__________________
(1) حياة الشعر في الكوفة (ص 373)
(2) أنساب الاشراف ج 1 ق 1 ص 242
(3) تاريخ الطبري 6 / 330
واجتازت قافلة الامام على قصر بني مقاتل(1) ، فنزل الامام فيه وكان بالقرب منه بيت مضروب ، وامامه رمح قد غرس في الأرض يدل على بسالة صاحبه وشجاعته ، وقباله فرس ، فسأل الامام عن صاحب البيت ، فقيل له انه عبيد اللّه بن الحر ، فاوفد للقياه الحجاج بن مسروق الجعفي فخف إليه ، فبادره عبيد اللّه قائلا :
ـ ما ورائك؟
ـ قد أهدى اللّه إليك كرامة
ـ ما هي؟
ـ هذا الحسين بن علي يدعوك إلى نصرته ، فان قاتلت بين يديه أجرت ، وان مت فقد استشهدت.
ـ ما خرجت من الكوفة الا مخافة أن يدخلها الحسين وأنا فيها فلا أنصره لأنه ليس له فيها شيعة ولا أنصار إلا وقد مالوا إلى الدنيا إلا من عصم اللّه!!
وقفل الحجاج راجعا فأدى مقالته الى الامام ، ورأى (ع) أن يقيم عليه الحجة ويجعله على بينة من أمره فانطلق إليه مع الصفوة الطيبة من أهل بيته واصحابه ، واستقبله عبيد اللّه استقبالا كريما ، واحتفى به احتفاء بالغا ، وقد غمرته هيبة الامام ، فراح يحدث عنها بعد ذلك يقول :
«ما رأيت قط أحسن من الحسين ، ولا املأ للعين ، ولا رققت على أحد قط رقني عليه حين رأيته يمشي والصبيان من حوله ، ونظرت
__________________
(1) ذكر الخوارزمي في مقتله ان ملاقاة الامام بعبيد اللّه بن الحر كانت بين الثعلبية وزرود.
إلى لحيته فرأيتها كأنها جناح غراب ، فقلت له : أسواد أم خضاب؟ قال! يا ابن الحر عجل علي الشيب فعرفت أنه خضاب»(1) .
وتعاطى الامام معه الشؤون السياسية العامة ، والأوضاع الراهنة ، ثم دعاه الى نصرته قال له :
«يا ابن الحر ان اهل مصركم كتبوا إلي أنهم مجتمعون على نصرتي وسألوني القدوم عليهم فقدمت ، وليس رأي القوم على ما زعموا فانهم اعانوا على قتل ابن عمي مسلم وشيعته ، واجمعوا على ابن مرجانة عبيد اللّه ابن زياد يا ابن الحر اعلم ان اللّه عز وجل مؤاخذك بما كسبت من الذنوب في الأيام الخالية ، وأنا أدعوك الى توبة تغسل بها ما عليك من ذنوب ادعوك الى نصرتنا أهل البيت»(2) .
والقى ابن الحر معاذيره الواهية فحرم نفسه السعادة والفوز بنصرة سبط الرسول ، قائلا :
«واللّه إني لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة ، ولكن ما عسى أن اغني عنك ، ولم اخلف لك بالكوفة ناصرا فانشدك اللّه أن تحملني على هذه الخطة ، فان نفسي لا تسمح بالموت ، ولكن فرسي هذه «الملحقة»(3) واللّه ما طلبت عليها شيئا الا لحقته ، ولا طلبني أحد وأنا عليها الا سبقته فهي لك»(4) .
وما قيمة فرسه عند الامام فرد عليه قائلا :
«ما جئناك لفرسك وسيفك؟ انما أتيناك لنسألك النصرة ، فان
__________________
(1) انساب الأشراف 5 / 291 ، خزانة الأدب 1 / 298
(2) الفتوح 5 / 130
(3) وفي رواية «وهذه فرسي ملجمة»
(4) الأخبار الطوال (ص 249) الدر النظيم (ص 168)
كنت قد بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في شيء من مالك ، ولم اكن بالذي اتخذ المضلين عضدا(1) واني انصحك إن استطعت أن لا تسمع صراخنا ولا نشهد وقعتنا فافعل ، فو اللّه لا يسمع واعيتنا احد ولا ينصرنا الا اكبه اللّه في نار جهنم»(2) .
فاطرق ابن الحر برأسه الى الأرض وقال بصوت خافت حياء من الامام.
«أما هذا فلا يكون أبدا ان شاء اللّه تعالى»(3)
وما كان مثل ابن الحر وهو الذي اقترف الكثير من الجرائم ان يوفق الى نصرة الامام ويفوز بالشهادة بين يديه.
وقد ندم ابن الحر كاشد ما يكون الندم على ما فرط في امر نفسه من ترك نصرة ريحانة رسول اللّه (ص) واخذت تعاوده خلجات حادة من وخز الضمير ، ونظم ذوب حشاه بابيات سنذكرها عند البحث عن النادمين عن نصرة الحسين (ع).
والتقى الامام في قصر بني مقاتل بعمرو بن قيس المشرفي ، وكان معه ابن عم له ، فسلم على الامام وقال له :
«يا ابا عبد اللّه هذا الذي ارى خضابا؟
__________________
(1) الفتوح 5 / 132
(2) مقتل الحسين للمقرم (ص 224)
(3) تاريخ ابن الأثير 3 / 282
قال (ع) : «خضاب ، والشيب إلينا بني هاشم أسرع واعجل» والتفت (ع) لهما فقال :
«جئتما لنصرتي؟»
«لا. انا كثيرو العيال» وفي ايدينا بضائع للناس ، ولم ندر ما ذا يكون؟ ونكره ان نضيع الامانة».
ونصحهما الامام فقال لهما :
«انطلقا فلا تسمعا لي واعية ، ولا تريا لي سوادا فانه من سمع واعيتنا او رأى سوادنا فلم يجبنا او يغثنا كان حقا على اللّه عز وجل أن يكبه على منخريه في النار»(1) .
وارتحل الامام من قصر بني مقاتل ، واخذت قافلته تقطع الصحارى الملتهبة ، وتجتاز اغوارها في جاهد وعناء ، وتعاني لفحها الضارب كريخ السموم.
وتابعت قافلة الامام سيرها في البيداء ، وهي تارة تتيامن واخرى تتياسر ، وجنود الحر يذودون الركب عن البادية ، ويدفعونه تجاه الكوفة والركب يمتنع عليهم(2) ، وإذا براكب يجذ في سيره ويطوى الرمال فلبثوا هنيئة ينتظرونه ، واذا هو رسول من ابن زياد الى الحر ، فسلم
__________________
(1) رجال الكشي (ص 72)
(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 282
الخبيث على الحر ، ولم يسلم على الحسين ، وتاول الحر رسالة من ابن زياد جاء فيها :
«أما بعد : فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ، ويقدم عليك رسولي ، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد امرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بانفاذك أمري والسلام»(1) .
واستثنى ابن مرجانة ما عهد به إلى الحر من القاء القبض على الامام وارساله مخفورا إلى الكوفة ، ولعله خاف من تطور الأحداث وانقلاب الأوضاع عليه ، فرأى التحجير عليه في الصحراء بعيدا عن المدن لئلا يتجاوب أهلها الى نصرته ليتم القضاء عليه بسهولة ، وتلا الحر الكتاب على الامام الحسين فاراد الامام أن يستأنف سيره متجها صوب قرية أو ماء ، فمنعهم الحر ، وقال : لا استطيع ، فقد كانت نظرات الرقيب الوافد من ابن زياد تتابع الحر ، وكان يسجل كل بادرة يخالف بها الحر أوامر ابن زياد وانبرى زهير بن القين فقال للامام :
«انه لا يكون بعد ما ترون إلا ما هو أشد منه يا ابن رسول اللّه إن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم ، مما لا قبل لنا به».
فقال الحسين : ما كنت لأبدأهم بقتال
وتابع زهير حديثه قائلا :
«سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فانها حصينة ـ وهي على
__________________
(1) انساب الأشراف ج 1 ق 1 ص 240 ، المناقب لابن شهر اشوب 5 / 128 مصور.
شاطئ الفرات ـ فان منعونا قاتلناهم ، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجيء بعدهم».
وسأل الامام عن اسم تلك الأرض؟ فقالوا له : انها تسمى العقر ، فتشأم منها ، وراح يقول : اللهم اني اعوذ بك من العقر(1) ، وأصر الحر على الامام أن ينزل في ذلك المكان ولا يتجاوزه ، ولم يجد الامام بدا من النزول في ذلك المكان والقى ببصره عليه ، والتفت الى أصحابه فقال لهم :
ـ ما اسم هذا المكان؟
ـ كربلاء
ودمعت عيناه وراح يقول :
«اللهم اني اعوذ بك من الكرب والبلاء»(2) .
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 282 ، معجم البلدان 4 / 444.
(2) الفتوح 5 / 149 ، وفي تذكرة الخواص (ص 260) انه لما قيل للحسين هذه ارض كربلا اخذ ترابها فشمها وقال : واللّه هي الأرض التي اخبر بها جبرئيل رسول اللّه (ص) انني اقتل فيها ، وجاء في حياة الحيوان للدميري 1 / 60 ان الحسين سأل عن اسم المكان فقيل له كربلا ، فقال : ذات كرب وبلاء لقد مر أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفين وأنا معه فوقف وسأل عنه فأخبروه باسمه ، فقال : هاهنا محط رحالهم وهاهنا مهراق دمائهم فسئل عن ذلك؟ فقال : نفر من آل محمد ينزلون هاهنا ، ثم أمر باثقاله فحطت في ذلك المكان وكذلك جاء في مختصر صفوة الصفوة (262).
وطفق يحدث اصحابه وقد ايقن بنزول الرزء القاصم قائلا :
«هذا موضع كرب وبلاء ، هاهنا مناخ ركابنا ، ومحط رحالنا وسفك دمائنا ..».
وطافت به الذكريات ، وقد مثل امامه ذلك اليوم الذي تحدث فيه ابوه امير المؤمنين وهو في هذه البقعة ، وكان في طريقه الى صفين ، فقال : هاهنا محط رحالهم ، ومهراق دمائهم فسئل عن ذلك فقال :
نفر من آل محمد ينزلون هاهنا وذابت الدنيا في عين الامام ، وانقطع كل امل له في الحياة ، وايقن ان اوصاله سوف تتقطع على صعيد هذه الأرض الا انه خلد الى الصبر ، واستسلم لقضاء اللّه وقدره»
ونهض الامام بقوة وعزم مع أصحابه وأهل بيته الى توطيد مخدرات الرسالة وعقائل الوحي ، فنصبوا لهن الخيام وكانت خيم الأصحاب ، وخيم أهل البيت ، محيطة بها عن اليمين والشمال ، واسرع فتيان بني هاشم فانزلوا السيدات من المحامل ، وجاءوا بهن إلى خيامهن ، وقد استولى عليهن الرعب والذعر ، فقد احسسن بالاخطار الهائلة التي ستجري عليهن في هذه الأرض.
ونصبت خيام اهل البيت (ع) في البقعة الطاهرة التي لا تزال آثارها باقية إلى اليوم(1) يقول السيد هبة الدين الشهرستاني : «وأقام الامام
__________________
(1) بغية النبلاء في تاريخ كربلاء 2 / 6 للسيد عبد الحسين سادن الروضة الحسينية في مكتبة المحامي السيد عادل الكليدار.
في بقعة بعيدة عن الماء تحيط بها سلسلة ممدودة ، وربوات تبدأ من الشمال الشرقي متصلة بموضع باب السدرة في الشمال ، وهكذا إلى موضع الباب الزينبي إلى جهة الغرب ، ثم تنزل إلى موضع الباب القبلي من جهة الجنوب وكانت هذه التلال المتقاربة تشكل للناظرين نصف دائرة ، وفي هذه الدائرة الهلالية حوصر ريحانة الرسول (ص)»(1) ونفى صديقنا الاستاذ السيد محمد حسن الكليدار أن يكون الموضع المعروف بمخيم الحسين هو الموضع الذي حط فيه الامام اثقاله ، وانما يقع المخيم بمكان نائي بالقرب من المستشفى الحسيني ، مستندا في ذلك إلى أن التخطيط العسكري المتبع في تلك العصور يقضي بالفصل بين القوى المتحاربة بما يقرب من ميلين ، وذلك لما تحتاجه العمليات الحربية من جولان الخيل وغيرها من مسافة ، كما ان نصب الخيام لا بد أن يكون بعيدا عن رمي السهام والنبال المتبادلة بين المحاربين واستند أيضا إلى بعض الشواهد التأريخية التي تؤيد ما ذهب إليه(2) .
واكبر الظن ان المخيم انما هو في موضعه الحالي ، أو يبعد عنه بقليل وذلك لأن الجيش الأموي المكثف الذي زحف لحرب الامام لم يكن قباله إلا معسكر صغير عبر عنه الحسين بالأسرة ، فلم تكن القوى العسكرية متكافئة في العدد حتى يفصل بينهما بميلين أو اكثر ..
لقد احاط الجيش الأموي بمعسكر الامام حتى انه لما اطلق ابن سعد السهم الذي انذر به بداية القتال ، واطلق الرماة من جيشه سهامهم لم يبق احد من معسكر الامام إلا اصابه سهم حتى اخترقت السهام بعض ازر النساء ، ولو كانت المسافة بعيدة لما اصيبت نساء أهل البيت بسهامهم
__________________
(1) نهضة الحسين (ص 99)
(2) مدينة الحسين 2 / 24
ومما يدعم ما ذكرناه ان الامام الحسين (ع) لما خطب في الجيش الأموي سمعت نساؤه خطابه فارتفعت اصواتهن بالبكاء ، ولو كانت المسافة بعيدة لما انتهى خطابه إليهن ، وهناك كثير من البوادر التي تدل على أن المخيم في وضعه الحالي.
فى كربلاء
وأقام موكب العترة الطاهرة في كربلا يوم الخميس المصادف اليوم الثاني من المحرم سنة (61 هـ)(1) وقد خيم الرعب على اهل البيت ، وايقنوا بنزول الرزء القاصم ، وعلم الامام مغبة الأمر ، وتجلت له الخطوب المفزعة ، والأحداث الرهيبة التي سيعانيها على صعيد كربلا ، ويقول المؤرخون : انه جمع أهل بيته واصحابه فالقى عليهم نظرة حنان وعطف وايقن انهم عن قريب سوف تتقطع أوصالهم ، فاغرق في البكاء. ورفع يديه بالدعاء يناجي ربه ، ويشكو إليه ما المّ به من عظيم الرزايا والخطوب قائلا :
«اللهم : انا عترة نبيك محمد (ص) قد أخرجنا وطردنا وازعجنا عن حرم جدنا ، وتعدت بنو أمية علينا اللهم فخذ لنا بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين.».
ثم اقبل على اولئك الابطال فقال لهم :
«الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم فاذا محصوا بالبلاء ، قلّ الديانون»(2) .
يا لها من كلمات مشرقة حكت واقع الناس في جميع مراحل التأريخ فهم عبيد الدنيا في كل زمان ومكان ، واما الدين فلا ظل له في اعماق
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1 / 240 ، وكان هلال المحرم في تلك السنة يوم الأربعاء جاء ذلك في (الافادة في تأريخ الأئمة السادة)
(2) ضبط ابو هلال الحسن بن عبد اللّه العسكري في كتابه (الصناعتين) كلام الامام الحسين بهذه الصورة «الناس عبيد الدنيا والدين لغو على السنتهم يحوطونه ما درّت به معايشهم فاذا محصوا بالبلاء قلّ الديانون».
نفرسهم ، فاذا دهمتهم عاصفة من البلاء تنكروا له وابتعدوا منه نعم ان الدين بجوهره انما هو عند الامام الحسين وعند الصفوة من أهل بيته واصحابه فقد امتزج بمشاعرهم ، وتفاعل مع عواطفهم فانبروا الى ساحات الموت ليرفعوا شأنه ، وقد اعطوا بتضحيتهم دروسا لاجيال الدنيا في الولاء الباهر للدين.
وبعد حمد اللّه والثناء عليه خاطب اصحابه قائلا :
«اما بعد : فقد نزل بنا ما قد ترون. وان الدنيا قد تغيرت ، وتنكرت وادبر معروفها ، ولم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الاناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل(1) . الا ترون الى الحق لا يعمل به ، والى الباطل لا يتناهى عنه ليرغب المؤمن في لقاء اللّه فاني لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما»(2) .
لقد أدلى بهذا الخطاب عما نزل به من المحن والبلوى ، واعلمهم ان الظروف مهما تلبدت بالمشاكل والخطوب فانه لا ينثني عن عزمه الجبار لاقامة الحق الذي خلص له وقد وجه (ع) هذا الخطاب لاصحابه لا ليستدر عواطفهم ، ولا ليستجلب نصرهم ، فما ذا يغنون عنه بعد ما احاطت به القوى المكثفة التي ملئت البيداء ، وانما قال ذلك ليشاركونه المسئولية في اقامة الحق الذي آمن به واختاره قاعدة صلبة لنهضته الخالدة وقد
__________________
(1) المرعى الوبيل : هو الطعام الوخيم الذي يخاف وباله أي سوء عاقبته.
(2) معجم الطبراني من مصورات مكتبة امير المؤمنين ، تأريخ ابن عساكر 13 / 74 من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين ، تأريخ الاسلام للذهبي 2 / 345 ، حلية الأولياء 2 / 39.
جعل الموت في هذا السبيل هو الآمل الباسم في حياته الذي لا يضارعه أي أمل آخر.
ولما انهى خطابه هبّ اصحابه جميعا ، وهم يضربون أروع الأمثلة للتضحية والفداء من أجل العدل والحق وكان اول من تكلم من اصحابه زهير بن القين وهو من افذاذ الدنيا فقد قال :
«سمعنا يا بن رسول اللّه (ص) مقالتك ، ولو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنا فيها مخالدين لآثرنا النهوض معك على الاقامة فيها»
ومثلت هذه الكلمات شرف الانسان وانطلاقه في سبيل الخير ، وبلغ كلام زهير في نفوس الأنصار اقصى الرضا ، وحكى ما صمموا عليه من الولاء للامام والتفاني في سبيله وانبرى بطل آخر من أصحاب الامام وهو برير الذي ارخص حياته في سبيل اللّه فخاطب الامام :
«يا بن رسول اللّه لقد منّ اللّه بك علينا أن نقاتل بين يديك ، وتقطع فيك اعضاؤنا ، ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة».
لقد أيقن برير ان نصرته للامام فضل من اللّه عليه ، ليفوز بشفاعة رسول اللّه (ص) وقام نافع وهو يقرر نفس المصير الذي اختاره الأبطال من اخوانه قائلا :
«أنت تعلم أن جدك رسول اللّه (ص) لم يقدر أن يشرب الناس محبته ، ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب ، وقد كان منهم منافقون يعدونه بالنصر ، ويضمرون له الغدر يلقونه بأحلى من العسل ، ويخلفونه بأمر من الحنظل ، حتى قبضه اللّه إليه ، وان أباك عليا كان في مثل ذلك فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة اللّه ورضوانه وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة ، فمن نكث عهده ، وخلع بيعته فلن يضر الا نفسه واللّه مغن عنه
فسر بنا راشدا معافى ، مشرقا إن شئت او مغربا ، فو اللّه ما اشفقنا من قدر اللّه ، ولا كرهنا لقاء ربنا ، وإنا على نياتنا وبصائرنا نوالي من والاك ونعادي من عاداك»(1) .
وتكلم اكثر اصحاب الامام بمثل هذا الكلام ، وقد شكرهم الامام على هذا الاخلاص والتفاني في سبيل اللّه.
والتحق بالامام فور قدومه إلى كربلا رجل من بني أسد اهمل المؤرخون اسمه ، وقد حكى قصبته العريان بن الهيثم قال : كان أبي ينزل قريبا من الموضع الذي كانت فيه واقعة الطف ، وكنا لا نجتاز في ذلك المكان الا وجدنا رجلا من بني أسد مقيما هناك ، فقال له ابي : إني اراك ملازما هذا المكان؟ فقال له : بلغني أن حسينا يقتل هاهنا ، فانما أخرج لعلي أصادفه فاقتل معه ، ولما قتل الحسين قال أبي : انطلق معي لننظر إلى الأسدي هل قتل؟ فأتينا المعركة وطفنا في القتلى فرأينا الأسدي معهم(2) لقد فاز بالشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (ص) ونال أسمى المراتب ، فكان في أعلى عليين مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا.
ورفع الامام (ع) رسالة من كربلا إلى أخيه محمد بن الحنفية وسائر بنى هاشم ، نعى فيها نفسه ، واعرب عن دنو الأجل المحتوم منه هذا نصها : «أما بعد : فكأن الدنيا لم تكن وكأن الآخرة لم تزل
__________________
(1) مقتل المقرم (ص 231)
(2) تاريخ ابن عساكر 13 / 74
والسلام»(1) وهذه أوجز رسالة تكتب في مثل هذه المحن الشاقة التي تعصف بالصبر.
والتحق هرثمة بن سلمى بمعسكر ابن زياد ، ولما انتهى الى كربلا تذكر حديثا مضت عليه حفنة من السنين فنساه فقد كان مع الامام امير المؤمنين في غزوة له ، وقد مر على كربلا فنزل إلى شجرة ، وصلى تحت ظلالها ، فلما فرغ من صلاته أخذ قبضة من تلك الأرض وشمها وأخذ يقول :
«واها لك من تربة ليقتلن بك قوم يدخلون الجنة بغير حساب!!» ومضى هرثمة إلى الحسين مسرعا فحدثه بما سمعه من أبيه ، فقال (ع) له :
«معنا أو علينا؟»
«لا معك ولا عليك ، تركت عيالا»
وساق له الامام نصيحته فأمره بمغادرة كربلا لئلا يشهد واعية أهل البيت قائلا له :
«ول في الأرض فو الذي نفس حسين بيده لا يشهد قتلنا اليوم رجل إلا دخل جهنم».
وانهزم هرثمة من كربلا حتى وافته الأنباء بمقتل الامام(2) وقد حرم من الشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (ص).
__________________
(1) كامل الزيارات (ص 75)
(2) تاريخ ابن عساكر 13 / 77 ، وسيلة المال في عد مناقب الآل (ص 179).
والتحق الصحابي الجليل انس بن الحرث بالامام ، وقد حدث الامام بما سمعه من رسول اللّه (ص) انه قال : «ان ابني هذا ـ يعني الحسين يقتل بأرض يقال لها كربلا ، فمن شهده منكم فلينصره» وظل انس ملازما للامام حتى رزق الشهادة بين يديه(1)
رسالة ابن زياد للحسين :
ولما علم ابن مرجانة أن الحر قد حاصر الحسين في كربلا ، بعث إليه رسالة دلت على مدى طيشه وغروره ، وهذا نصها :
«أما بعد : يا حسين فقد بلغني نزولك بكربلاء ، وقد كتب إلي امير المؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير(2) ولا اشبع من الخمير أو الحقك باللطيف الخبير او تنزل على حكمي وحكم يزيد ..».
أنت يا ابن مرجانة وسيدك يزيد خليقان بأن لا تشبعا من الخمر وخليقان بأن تقترفا كل منكر في الاسلام»
ولما قرأ الامام رسالة ابن مرجانة رماها من يده استهانة به واحتقارا لهذا الانسان الممسوخ وراح يقول :
«لا افلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق»
وطالبه الرسول بجواب يرجع به الى ابن زياد فقال (ع) :
«ماله عندي جواب لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب»
وقفل الرسول راجعا فاخبر ابن مرجانة ، بمقالة الامام فاستشاط غضبا وأخذ يتهيأ للحرب ويزج بجميع ما لديه من القوى العسكرية لحرب ريحانة رسول اللّه (ص).
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 77
(2) الوثير : الفراش اللين
زحف الكوفة للحرب
وحينما اذيع النبأ باستيلاء جيش ابن زياد على الامام الحسين ، وفرض الحصار عليه في كربلاء سادت موجات رهيبة من الذعر والخوف في جميع أوساط الكوفة ، وتخدرت الجماهير تحت ضغط هائل من قوة السيوف والرماح فقد اشاع ابن زياد الارهاب ، واعلن الاحكام العرفية في جميع أنحاء الكوفة ، فكان يحكم بالموت والاعدام لمجرد الظنة والتهمة ، وصار الناس لا يملكون من أمرهم شيئا.
لقد تمت بوارق ابن مرجانة ، وتحققت احلامه حينما ظفر بابن فاتح مكة ومحطم أوثان قريش ليتقرب بقتله إلى حفيد أبي سفيان زعيم الأحزاب المناوئة للاسلام ، ويتخذ من ذلك وسيلة لاقرار نسبه اللصيق ببني أمية الذي شهد به ابو مريم الخمار(1) .
وانفق ابن مرجانة جميع وقته لتهيئة الحرب ، واتخاذ جميع الوسائل الاحتياطية للتغلب على مجريات الأحداث ، وقد احتف به الوجوه والاشراف من الذين باعوا ضمائرهم عليه لوضع المخططات الرهيبة في عمليات الحرب.
وانتخب ابن مرجانة عمر بن سعد قائدا عاما لقواته المسلحة التي زج بها لحرب ريحانة رسول اللّه (ص) ، وقبل أن نعرض أسباب انتخابه نقدم عرضا لبعض شئونه.
__________________
(1) مروج الذهب 2 / 310.
واجتاز ابن سعد على النبي (ص) فلما رآه نفر منه ، وأخبر (ص) عن سوء عاقبته وقال : «يكون مع قوم يأكلون الدنيا بألسنتهم كما تلحس الأرض البقرة بلسانها»(1) .
وقد اخبر امير المؤمنين (ع) بسوء مصيره يقول الرواة انه نظر إليه وحدثه فرأى فيه طيشا واستهانة بالحق وجرأة على ارتكاب الباطل فقال له :
«ويحك يا ابن سعد!! كيف بك اذا قمت مقاما تخير فيه بين الجنة والنار فتختار النار»(2) .
وكان سعد ناقما على ولده عمر لما سمعه من رسول اللّه (ص) فيه ويقول الرواة : انه عهد الى ورثته أن لا يعطوه أي شيء من مواريثه(3) .
ولعن هارون الرشيد عمر بن سعد وحكم عليه بالالحاد والمروق من الدين ، وذلك في قصة طريفة لا تخلو من متعة نسوقها إلى القراء يقول الرواة انه جيء باسحاق بن ابراهيم مخفورا إلى الرشيد بتهمة انه كان من
__________________
(1) مختصر البلدان (ص 271) لابن الفقيه
(2) اعيان الشيعة 4 / 437
(3) الف باء للبلوي
الملحدين ، فقال له اسحاق.
«يا امير المؤمنين إني مؤمن باللّه وبجميع رسله وأنبيائه ، وليس هذا ذنبي ، ولكن لي ذنبا آخر؟»
فبهر الرشيد وقال له :
ـ ما هو؟
ـ الولاء لكم أهل البيت ، فهل من يدين بحبكم ويراه فرضا عليه يحكم عليه بالالحاد؟
وتبسم الرشيد ، وأمر بأن يرفع عنه النطع والسيف ، واندفع اسحاق فقال له :
يا أمير المؤمنين ، ما رأيك في عمر بن سعد قاتل الحسين الذي يقول :
يقولون : إن اللّه خالق جنة ونار وتعذيب وغل يدين
فاطرق الرشيد برأسه ، وتأمل كثيرا ثم قال :
«لعن اللّه عمر بن سعد كان لا يثبت صانعا ، ولا يقول ببعثة ولا نبوة يا اسحاق أتدري من أين اخذ قوله هذا؟».
(نعم يا امير المؤمنين اخذه من شعر يزيد بن معاوية ..)
«ما قال يزيد؟»
«انه قال :»
علية هاتي ناوليني واعلني |
حديثك اني لا أحب التناجيا |
|
حديث أبي سفيان لما سجا به |
الى أحد حتى أقام البواكيا |
|
فرام به عمرو عليا ففاته |
وادركه الشيخ اللعين معاويا |
|
فان مت يا أم الأحيمر فانكحي |
ولا تأملي بعد الممات تلاقيا |
|
فان الذي حدثت في يوم بعثنا |
احاديث زور تترك القلب ساهيا |
|
ولو لا فضول الناس زرت محمدا |
بمشمولة صرف تروي عضاميا |
ولا خلف بين الناس ان محمدا |
تبوأ قبرا بالمدينة ثاويا |
|
فقد ينبت المرعى على دمن الثرى |
له غصن من تحته السر باديا |
|
ونفنى ولا نبقى على الأرض دمنة |
وتبقى حزازات النفوس كما هيا |
وتأثر الرشيد فاندفع يقول :
«لعن اللّه يزيد ما كان يثبت صانعا ، ولا يقول ببعثة ولا نبوة ، أتدري يا اسحاق من أين اخذه؟».
«نعم يا امير المؤمنين أخذه من شعر أبيه معاوية».
«ما قال معاوية؟»
«إنه قال :
سائلوا الدير من بصرى صبابات |
فلا تلمني فلا تغنى الملامات |
|
قم نجل في الظلماء شمس ضحى |
نجومها الزهر طاسات وكاسات |
|
لعلنا إن يدع داع الفراق بنا |
نمضي وانفسنا منها رويات |
|
خذ ما تعجل واترك ما وعدت به |
فعل اللبيب فللتأخير آفات |
|
قبل ارتجاع الليالي كل عارية |
فانما خلع الدنيا استعارات |
فلعن الرشيد معاوية ، وقال فيه ما قاله في يزيد(1) .
ووثق العجلي عمر بن سعد ، فقال : كان يروي عن أبيه أحاديث ،
__________________
(1) الثاقب في المناقب للشيخ المفيد من مخطوطات مكتبة الامام امير المؤمنين.
وروى الناس عنه ، وهو تابعي ثقة ، وهو الذي قتل الحسين(1) ولم نعلم كيف كان ابن سعد ثقة مع قتله الريحانة رسول اللّه (ص) وابادته للعترة الطاهرة التي اوجب اللّه مودتها على عموم المسلمين لقد كان العجلي منحرفا عن الحق ، فكان ميزان التعديل عنده للرواة هو النصب لأهل البيت وبغضهم ، كما ان مقياس الجرح عنده هو الولاء والمودة لهم.
وقد انكر الاخبار والمتحرجون في دينهم على من يروي عن ابن سعد فقد روى عنه العيزار بن حريث فأنكر عليه رجل في مجلسه وقال له :
أما تخاف اللّه؟ تروي عن عمر بن سعد فبكى العيزار وقال : لا اعود لذلك(2) ومن الغريب ان ابن حجر ترجمه في تهذيب التهذيب الذي لا يترجم فيه إلا الثقات من الرواة عنده.
ولم يحمل ابن سعد في دخائل نفسه أي نزعة شريفة ، فليس في ضميره المتحجر أي بصيص من الكرامة والشرف والنبل ، وهذه بعض مظاهر ذاتياته.
وكان الخنوع للسلطة هو الظاهرة البارزة من ذاتيات ابن سعد ، فكان ـ فيما اجمع عليه المؤرخون ـ يذوب أمام الولاة ، ويفقد توازنه ، طمعا بالحصول على المنصب والامارة ، وقد جاهد نفسه ، وحملها من أمره
__________________
(1) تهذيب التهذيب 7 / 451 ، ميزان الاعتدال 3 / 198.
(2) ميزان الاعتدال 3 / 198
رهقا على الظفر بثقة ابن مرجانة به ، وقد قال له : بعد قتله للحسين ـ
«اما واللّه لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد ابن ابي وقاص لكنت قد اديت حقه»(1) انه لم تكن له شخصية مستقلة ولا ارادة كريمة ، وانما كان ذنبا للسلطة يسعى لكسب عواطفها بأي وسيلة يملكها.
وظاهرة أخرى من نزعات ابن سعد هي التهالك على السلطة والسعي وراء المناصب ، ويقول المؤرخون إنه كان يحث اباه على الحضور في التحكيم لعلهم يعدلون عن علي ومعاوية ويولونه الا ان أباه امتنع من ذلك وقنع بما هو فيه(2) ولما ولاه ابن زياد ولاية الري ، وهدده بعزله عنها ان لم يخرج لحرب الحسين سمعه أهله يقول :
أأترك ملك الري والري بغيتي |
أم ارجع مأثوما بقتل حسين |
لقد رأى أنه اذا حصل على ولاية الري فسوف يظفر بالعيش الوفير والثراء الفاحش ، فاقدم على اخطر جريمة في الاسلام.
ومن ذاتيات ابن سعد خسة الطبع ، فقد انمحت عن نفسه جميع افانين الشرف والكرامة فقد طلب منه مسلم بن عقيل حينما وقع اسيرا
__________________
(1) الطبري 6 / 268
(2) البداية والنهاية 7 / 283
بيد ابن زياد أن يعهد بوصيته إليه فامتنع من اجابته تقربا لسيده ابن مرجانة ولم يستجب له حتى سمح له بذلك ولما عهد إليه مسلم بوصيته سرا انبرى مسرعا الى ابن زياد فاخبره بما أوصى به مسلم فأنكر عليه ابن زياد ذلك وقال : «لا يخونك الأمين ولكن قد يؤتمن الخائن»
ومن خسة طبعه أنه لما قتل الحسين (ع) عمد إلى سلب درعه فلبسها ولو كانت عنده صبابة من الشرف والنبل لما قدم على سلب ريحانة رسول اللّه (ص) فقد فتح بذلك باب النهب للجفاة من جيشه فعمدوا إلى سلب حرائر النبوة حتى لم يتركوا عليهن ملحفة ولا ازارا إلا سلبوه.
ولم تكن عند ابن سعد أية مسكة من البسالة والشجاعة ، وانما كان جبانا خائر العزيمة ضعيف النفس ، ولما ظهر أمر التوابين داخله خوف شديد فكان لا ينام في داره ، وانما ينام في قصر الامارة لتحرسه جنود القصر ، وهو وجل القلب ينفق الليل ساهرا من شدة الوجل والرعب ، ولما هجمت عليه شرطة المختار قام مرعوبا من فراشه ، ولكثرة ما داخله من الفزع عثر قبل أن يأخذ لامة حربه فقتلته الشرطة وهو على فراشه وقد استجيبت بذلك دعوة الامام الحسين ان يذبحه اللّه على فراشه. ، ومن الغريب ان خير الدين الزركلي وصفه بأنه من القادة الشجعان(1) ولو كان شجاعا ـ كما يقول الزركلي ـ لما ترك أهله ولجأ إلى قصر الامارة يطارد الرعب والفزع.
__________________
(1) الاعلام 5 / 205
ولم يكن ابن سعد يؤمن بالبعث والنشور ، فقد كان شاكا فيهما كما جاء في شعره حينما ندب لحرب الحسين (ع) حيث يقول :
يقولون : إن اللّه خالق جنة |
ونار وتعذيب وغل يدين |
فهو لا يؤمن بحساب ولا جنة ولا نار كما يقول هارون الرشيد ...
هذه بعض نزعات ابن سعد ، وهي تكشف عن انسان ممسوخ متمرس في الجريمة والاثم.
وانما انتخبه ابن مرجانة لحرب الامام الحسين (ع) ليغري به سواد الناس وجها لهم ، ويزج بهم لحرب ريحانة رسول اللّه (ص) فانه ابن فاتح العراق واحد المرشحين الستة من قبل عمر بن الخطاب لزعامة الخلافة الاسلامية ، وانه قرشي وممن يمت للامام بصلة ، ومضافا إلى ذلك فانه قد وقف على اتجاهاته الفكرية ، وعرف نقاط الضعف التي عنده ، فرأى أنه لا يقوم أحد باقتراف هذه الجريمة سواه.
وكان ابن زياد قد كتب لابن سعد بولاية الري(1) وثغر دستبي والديلم(2) فطلب منه أن يسير لحرب الحسين فاستعفى ابن سعد فهدده باسترجاع ولاية الري منه ، وطلب منه ليلته لينظر في الأمر ، فأمهله ، ومضى إلى داره ، وقد انفق ليله ساهرا يطيل التفكير في الأمر هل يقدم على حرب ريحانة رسول اللّه (ص) وفى قتله العذاب الدائم والخزي الخالد أو يستقيل من ذلك فتفوته امارة الري التي تضمن له العيش الوفير ، وسمعه أهله يقول.
أأترك ملك الري والري بغيتي |
أم ارجع مأثوما بقتل حسين(3) |
|
وفي قتله النار التي ليس دونها |
حجاب وملك الري قرة عيني |
__________________
(1) الري : مدينة مشهورة من امهات البلاد ، كثيرة الخيرات والفواكه تقع في فارس ، قال الاصطخري هي مدينة ليس بعد بغداد في المشرق اعمر منها ، وقال الاصمعي : هي عروس الدنيا إليها يتجر الناس جاء ذلك في معجم البلدان 4 / 355 ـ 358.
(2) الأخبار الطوال (ص 251)
(3) مرآة الجنان 1 / 132 ويقول اليافعي ولو قال :
أأترك ملك الري بل هو بغيتي |
وان عدت مأثوما بقتل حسين |
لكان هذا الانشاد أدل على المراد
ويقول المؤرخون : انه بادر إليه جماعة من المشفقين عليه فاشاروا عليه باعتزال الحرب ، وكان ممن أشار عليه ابن اخته حمزة بن المغيرة بن شعبة فقال له : يا خال إن سرت الى الحسين اثمت بربك ، وقطعت رحمك فو اللّه لئن تخرج من دنياك ومالك خير لك من أن تلقى اللّه بدم الحسين(1) ومنحه النصيحة قوم آخرون فقالوا له : انق اللّه ولا تفعل(2) وقد حاول أن يجاهد نفسه على اعتزال الحرب الا انه لم يطق صبرا عن ولاية الري ، فقد سال لها لعابه ، وضعفت نفسه عن مقاومة رغباته فلم يسفر الصبح حتى استقر رأيه على حرب ابن رسول اللّه (ص) فاسرع إلى ابن مرجانة يخبره باستجابته ، وقد فرح ابن زياد برضا ابن سعد لأنه قد وجد فيه حجة تسند اباطيله ان لامه الناس على حرب ابن رسول اللّه (ص) ولو استجاب أحد غيره لما كان له مثل هذا السرور والرضا.
وسار ابن سعد ومعه جيشه البالغ اربعة آلاف ، وهو يعلم اتجاهه وانه خرج ليقاتل ذرية رسول اللّه (ص) الذين هم خيرة من في الأرض وانتهى الى كربلا فانضم إلى الجيش الرابض هناك بقيادة الحر بن يزيد الرياحي.
واستعرض ابن مرجانة جميع الكتائب التي بعثها لحرب الحسين ليرى قدرتها على القتال ومدى استعدادها للخوض في المعركة ، ويقول الطرماح :
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) الفتوح 5 / 152
رأيت قبل خروجي من الكوفة بيوم على ظهر الكوفة ، وفيه من الناس ما لم تر عيناي في صعيد جمعا اكثر منه فسألت عنهم فقيل اجتمعوا ليعرضوا ثم يسرحوا الى حرب الحسين(1) وقد زج بجميع ثقله العسكري في الحرب خوفا من الطوارئ وتقلب الأوضاع.
وأمر الطاغية بجمع الناس في رحاب المسجد الأعظم فهرعوا كالأغنام خوفا من الطاغية ورهبة منه وقد امتلأ الجامع منهم فقام فيهم خطيبا فقال :
«أيها الناس : إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون وهذا امير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حسن السيرة محمود الطريقة محسنا إلى الرعية ، يعطي العطاء في حقه ، وقد امنت السبل على عهده ، وكذلك كان ابوه معاوية في عصره ، وهذا ابنه يزيد يكرم العباد ويغنيهم بالأموال وقد زادكم في ارزاقكم مائة مائة ، وامرني أن اوفرها عليكم ، واخرجكم إلى حرب عدوه الحسين فاسمعوا له وأطيعوا»(2) لقد خاطبهم باللغة التي يخضعون لها ، فمناهم بالأموال ، وزجهم لاقتراف افظع جريمة في تأريخ الانسانية.
وأوعز إلى كل من الحصين بن نمير التميمي وحجار بن ابجر وشمر ابن ذي الجوشن بالخروج إلى حرب الامام بعد أن اسند لكل واحد منهم القيادة على بعض الوحدات العسكرية فزحفوا بمن معهم الى كربلا لمساعدة ابن سعد.
__________________
(1) الطبري 6 / 230
(2) الأخبار الطوال (ص 253)
ولعب سمرة بن جندب الصحابي الكذاب دورا مهما في حث الناس على حرب ابن رسول اللّه (ص) فقد كان على شرطة عبيد اللّه بن زياد واخذ يدفع الناس إلى قتال ريحانة رسول اللّه(1) .
وكان المنافق شبث بن ربعي كارها للخروج إلى حرب الحسين فاظهر المرض تصنعا ولم يكن يخفى على ابن زياد ذلك فأرسل إليه ان رسولي يخبرني بتمارضك ، وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم انما نحن مستهزءون فان كنت في طاعتنا فاقبل إلينا مسرعا ، وأقبل إليه شبث مسرعا بعد العشاء لئلا ينظر إلى وجهه فلا يجد عليه أثر العلة ، وقد اجابه إلى ما أراد فخرج لحرب الحسين ، وتولى قيادة بعض الفرق.
وأصدر ابن زياد أوامره المشددة بحمل اهل الكوفة في الحرب ، وارغامهم على الخوض في قتال الامام ، وقد اصدر موسوما ـ قبل أن يعسكر في النخيلة ـ جاء فيه «فلا يبقى رجل من العرفاء والمناكب(2)
__________________
(1) شرح النهج 4 / 79
(2) المناكب : جمع منكب عريف القوم أو عونهم
والتجار والسكان إلا خرج فعسكر معي ، وايما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفا عن المعسكر إلا برئت الذمة منه»(1) وامر باذاعة ذلك بين الناس ، وقد اوعز إلى كل من كثير بن شهاب الحارثي ، ومحمد بن الأشعث ، والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمن المنقري ، وأسماء بن خارجة الفزاري ، أن يطوفوا في الناس يحثونهم على الطاعة ، ويحذرونهم من المعصية ، ويخوفونهم عواقب الأمور ، وقد طافوا بالكوفة واذاعوا ما أمروا به ، ثم لحقوا به في النخيلة إلا كثير بن شهاب فانه ظل مقيما بالكوفة يخذل الناس عن نصرة الامام ويشيع الارهاب والخوف على المتخلفين عن الحرب(2) وقد القت الشرطة القبض على رجل من همدان قدم الكوفة يطلب ميراثا له ، فأتي به إلى ابن زياد فأمر بقتله ، ولما رأى الناس ذلك هرعوا إلى الحرب حتى لم يبق في الكوفة محتلم إلا خرج إلى المعسكر في النخيلة(3) لقد حققت هذه السياسة ما توخاه ابن زياد من حمل الناس على حرب الامام ، وقد سيطر سيطرة تامة على الموقف ، فلم يدع لأي أحد حريته ولا اختياره.
وفرض ابن زياد الرقابة الصارمة على الكوفة مخافة أن يخرج منها أحد لنصرة الامام (ع) فقد بث الجواسيس والعيون ، وفرض نوعا من الأحكام العرفية كانت في منتهى القسوة ، فاذا أتهم احد بالعمل ضد سياسة الدولة القي عليه القبض وسيق بلا هوادة ولا رحمة إلى الاعدام أو السجون
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(3) انساب الأشراف ق 1 ج 1
وقد كان عبد اللّه بن يسار يحفز الناس إلى نصرة الامام» وخذلان بني أمية فعلم به ابن زياد فأمر بالقاء القبض عليه ، فاخفى نفسه وأخذت الشرطة تبحث عنه ، فظفر به عبيد اللّه بن الحر فأتى به إلى السبخة فقتله(1) وهو غير عبيد اللّه بن الحر الجعفي.
وقد وضع ابن زياد المناظر ، ورتب المسالح حول الكوفة ، وجعل على الحرس زجر بن قيس الجعفي ، ورتب بينه وبين عسكر ابن سعد خيلا مضمرة مقدحة(2) فكانت كل بادرة تحدث تأتيه في الوقت(3) .
وهربت الأكثرية الساحقة من جيش ابن زياد من وحداتها العسكرية وقد لاذ الكثيرون منهم بالانهزام فرارا من حرب سبط رسول اللّه (ص) ويقول البلاذري : ان القائد يكون على الف مقاتل لا يصل الى كربلا الا ومعه ثلاث مائة أو اربع مائة أو اقل من ذلك ، فقد كانوا يفرون كراهة منهم لهذا الوجه(4) لقد كانوا على يقين لا يخامره أدنى شك بضلال هذه الحرب وانهم انما يحاربون اللّه ورسوله ، ويقاتلون من أمروا بمودته وطاعته.
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) المضمرة المقدحة : هي الخيل التي يسار بها للجهاد
(3) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(4) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
ونزح الطاغية إلى النخيلة(1) فعسكر بها ومعه قطعات كبيرة من الجيش ، وقد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث ، وقد بلغه أن الرجل والرجلين والثلاثة يتسللون إلى معسكر الامام عن طريق الفرات ، فأمر بضبط الجسر وحراسته فلم يترك أحدا يجوزه(2) .
وحاول البطل الشهم عمار بن أبي سلامة الدالابي أن يغتال ابن زياد في النخيلة إلا انه لم يتمكن من ذلك نظرا للرقابة الشديدة والحرس المكثف الذي يحرسه ، ولما فشل في مهمته لطف حتى لحق بالحسين واستشهد بين يديه(3) .
واختلف المؤرخون في عدد الجيش الذي نزح لحرب الامام (ع) وفيما يلي بعض ما ذكروه.
__________________
(1) النخيلة : قريبة من (ذي الكفل) وتعرف اليوم بالعباسيات ذكر ذلك المقرم في مقتل الحسين (ص 237).
(2) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان مخطوط
(3) انساب الأشراف ق 1 ج 1
1 ـ ثمانون الف فارس(1)
2 ـ خمسون الف فارس(2)
3 ـ خمسة وثلاثون الف فارس(3)
4 ـ ثلاثون الفا(4)
5 ـ اثنان وعشرون الفا(5)
6 ـ عشرون الفا(6)
7 ـ ستة عشر الف فارس(7)
8 ـ اثنا عشر الفا(8)
9 ـ ثمانية آلاف(9)
10 ـ ستة آلاف(10)
__________________
(1) بغية النبلاء الجزء الثاني نقلا عن مقتل ابي مخنف
(2) شرح شافية أبي فراس 1 / 93 من مصورات مكتبة الامام الحكيم.
(3) المناقب 4 / 98
(4) مطالب السئول ، عمدة الطالب (ص 181)
(5) مرآة الجنان 1 / 132 ، شذرات الذهب 1 / 67 ، مطالب السئول (ص 75).
(6) الصواعق المحرقة (ص 117) الفصول المهمة لابن الصباغ (ص 178) اللهوف.
(7) الدر النظيم في مناقب الأئمة (ص 168)
(8) الدر النظيم في مناقب الأئمة (ص 168)
(9) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 92)
(10) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 87)
11 ـ أربعة آلاف(1)
هذه بعض الأقوال التي ذكرها المؤرخون ، وهناك أقوال أخرى لا تخلو من المبالغة.
ولا بد لنا من وقفة قصيرة للتحقيق في هذه الأقوال المختلفة التي حددت عدد الجيش الذي تدفق إلى كربلا واشترك في عمليات الحرب ، لنختار منها ما تساعد عليه الأدلة ونلقي ـ قبل كل شيء ـ نظرة خاطفة على عدد الجيش في الكوفة التي كانت أعظم حامية عسكرية في ذلك الوقت ، فقد كان عدد الجيش في أواسط القرن الأول أربعين الفا يغزو كل عام منهم عشرة آلاف(2) وقد ازداد هذا العدد منذ اتخذها الامام عاصمة له ، فقد كثرت الهجرة إليها ، فقد زحف معه لحرب صفين سبعة وخمسون الفا ، وثمانية آلاف من مواليهم(3) وهناك بعض التصريحات التي أدلى بها بعض الشخصيات تدل على أن احصاء الجيش في ذلك العصر بلغ مائة الف ، فقد انكر سليمان بن صرد الخزاعي على الامام الحسن (ع) أمر الصلح وقال له : «لا ينقضي تعجبي من بيعتك معاوية ومعك مائة الف مقاتل من أهل العراق» وجاء في بعض رسائل اهل الكوفة الى الامام الحسين «انا معك مائة الف» وفيما احسب ان هذا العدد لا يخلو من المبالغة ، وان العد اقل من ذلك بكثير اما سكان الكوفة فانا لم نقف
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 169
(2) صلح الحسن (ص 101)
(3) الامامة والسياسة 1 / 151
لهم على احصاء الا ان من المؤكد انهم كانوا اضعاف عدد الجيش فان الكثيرين من ذوي المهن والحرف والتجار وغيرهم ممن لم ينضموا إلى المنظمة العسكرية ونقف ـ بعد هذا العرض الموجز لعدد جيش الكوفة وسكانها ـ امام تلك الأقوال بين أمرين :
الأول : الاذعان والتصديق لكل ما قيل في عدد الجيش من الكثرة لأن ابن زياد قد اعلن النفير العام في الكوفة فلم يبق بها محتلم الا خرج لحرب الحسين ، ومن تخلف كان مصيره الاعدام أو السجن ، حتى لم تبق في الكوفة واسطة من وسائط النقل الا استعملت لنقل الناس للحرب ، واذا قيل ان عدد الجيش مائة الف او يزيد فليس في ذلك أية مبالغة.
الثاني : التشكيك في تلك الكثرة لأن اكثر الجنود قد استعظموا حرب الامام ففروا منهزمين في البيداء ، بالاضافة الى أن طائفة كبيرة من الجيش كانت في معسكر النخيلة مع ابن زياد ، وعلى هذا فالجيش الذي تدفق الى كربلا لحرب الامام ليس بذلك العدد الضخم الذي يذهب إليه بعض المؤرخين.
واكبر الظن ان الرواية التي أثرت عن الامام الصادق (ع) انه أزدلف ثلاثون الف لحرب الامام هي أقرب ما قيل في عدد الجيش فان هذا العدد وما يزيد عليه قد اشترك في حرب ريحانة رسول اللّه (ص).
وامدنا المؤرخون بأسماء بعض قادة الجيش الذين اشتركوا في كارثة كربلا وهم :
1 ـ الحر بن يزيد الرياحي ، وكان على الف فارس ، وهو الذي حاصر الحسين في كربلا.
2 ـ عمر بن سعد ، وقد اسند إليه ابن زياد القيادة العامة لجميع قواته المسلحة ، وكان اميرا على أربعة آلاف.
3 ـ شبث بن ربعي جعله أميرا على الف فارس(1)
4 ـ مضائر بن رهينة المازني امير على ثلاثة آلاف(2)
5 ـ نصر بن حرشة امير على الفين(3)
6 ـ كعب بن طلحة امير على ثلاثة آلاف(4)
7 ـ حجار بن ابجر أمير على الف(5)
8 ـ الحصين بن نمير على أربعة آلاف(6)
9 ـ شمر بن ذي الجوشن امير على أربعة آلاف(7)
10 ـ يزيد بن الركاب على الفين(8)
11 ـ يزيد بن الحرث بن رويم امير على الف(9)
وهؤلاء بعض قادة الجيش وقد انضم تحت ألويتهم خمس وعشرون الف مقاتل ، ويقول ابن الجوزي :
انه كان على ربع الكوفة عبد اللّه بن زهرة بن سليم الأزدي ، وعلى
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) المناقب 4 / 98
(3) المناقب 4 / 98
(4) مقتل الحسين للمقرم (ص 239)
(5) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(6) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(7) المناقب 4 / 98
(8) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(9) انساب الأشراف ق 1 ج 1
ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث وعلى ربع مذحج وأسد عبد اللّه بن سبرة الجعفي ، وعلى ربع ربيعة وهمدان الحر بن يزيد الرياحي(1) .
وتسلح جيش ابن زياد بجميع أدوات الحرب السائدة في تلك العصور فقد كان استعداده لحرب الامام استعدادا هائلا ويحدثنا المؤرخون عن ضخامة ذلك الاستعداد ، فقالوا!! إن الحدادين ، وصانعي أدوات الحرب في الكوفة كانوا يعملون ليلا ونهارا في بري النبال وصقل السيوف في مدة كانت تربو على عشرة أيام لقد دفع ابن زياد لحرب الحسين بقوة عسكرية مدججة بالسلاح بحيث كانت لها القدرة على فتح قطر من الأقطار.
وهم الذين كانوا يسددون النبال والسهام ، وقد لعبوا دورا خطيرا في الحرب ، وهم أول من فتح باب الحرب على الامام ، فسددوا سهامهم نحو معسكره فلم يبق أحد منهم إلا اصابه سهم ، حتى اصيبت بعض النساء فدهشن وارعبن ، وقد قتل بعض ابناء الأسرة النبوية بتلك السهام الغادرة كعبد اللّه بن مسلم ، وعبد اللّه بن الحسن ، وعبد اللّه الرضيع وغيرهم.
__________________
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 92)
وهي كتائب من الجيش كانت ترمي بالحجارة ، وسلاحها المقاليع ،
وهم الذين كانوا يلبسون الجنود الآلات التي تقيهم في الحرب ، كما كانوا يضعون على الخيل الآلات التي تقيها من النبال والرماح ،
أما أصحاب الامام الحسين فكانوا فئة قليلة ، وقد اختلف المؤرخون في عددهم ، وهذه بعض الاقوال :
1 ـ ما ذهب إليه المسعودي انهم خمسمائة فارس ونحو من مائة راجل(1) وانفرد المسعودي بهذا القول ولم يذهب إليه أحد غيره.
2 ـ ما رواه عمار الدهني عن أبي جعفر انهم كانوا خمسا وأربعين فارسا ومائة راجل(2) .
3 ـ ما ذكره ابن شهرآشوب انهم اثنان وثمانون رجلا الفرسان منهم اثنان وثلاثون(3) .
__________________
(1) مروج الذهب 3 / 10
(2) البداية والنهاية 8 / 197 ، تذهيب التهذيب 1 / 151 ، الحدائق الوردية 1 / 119 ، الصراط السوي (ص 86).
(3) المناقب 4 / 98
4 ـ ما قاله سعد بن عبده : اني لأنظر إليهم وهم قريبون من مائة رجل فيهم من صلب علي خمسة أو سبعة وعشرة من بني هاشم ، ورجل من كنانة وآخر من سليم(1) .
5 ـ ما ذكره ابن كثير والفاخوري انهم اثنان وثلاثون فارسا واربعون راجلا(2)
والذي نراه انهم ثمانون رجلا بما فيهم من ابناء الأسرة النبوية والذي يدعم ذلك أن الرءوس التي احتزت وبعث بها إلى ابن مرجانة ويزيد بن معاوية كانت (79) رأسا لا غير.
وعلى أي حال فان هؤلاء الأبطال على قلتهم كانوا كفؤا لذلك الجيش وقد الحقوا به افدح الخسائر وقد مثلوا بمواقفهم البطولية شرف العقيدة وسمو المبدأ.
وكان ابن سعد كارها لقتال الامام فاراد التخلص من ذلك ، فدعا عزرة بن قيس أن يلتقي بالامام ويسأله عما جاء به؟ فامتنع عزرة لأنه كان ممن كاتب الامام بالقدوم الى الكوفة ، فندب لمقابلته كثير بن عبد اللّه الشعبي وكان فاتكا جريئا فقال :
«أنا له وإن شئت أن افتك به لفعلت»
فلم يرض ابن سعد بذلك ، وانما طلب منه أن يمضي إليه ويسأله
__________________
(1) تذهيب التهذيب 1 / 156
(2) البداية والنهاية 8 / 187 ، تحفة الأنام في مختصر تأريخ الاسلام للفاخوري (ص 83).
عما جاء به؟ وأقبل كثير يشتد نحو الامام ، ولما بصر به ابو ثمامة الصائدي ارتاب منه ، فقام في وجهه ، وطلب منه أن ينزع سيفه حتى يقابل الامام فأبى أن يسمح له بالدخول فولى منصرفا غضبانا(1) واخبر ابن سعد بذلك فطلب من قرة بن قيس الحنظلي ملاقاة الامام فأجابه ، فلما اقبل قال الامام لأصحابه :
«هل تعرفونه؟»
فأجابه حبيب بن مظاهر : نعم انه من بني تميم ، وقد كنت اعرفه بحسن الرأي ، وما ظننت أنه يشهد هذا المشهد!!
وتقدم قرة نحو الامام فسلم عليه ، وسأله عما جاء به؟ فقال (ع).
«إني لم أرد إلى هاهنا حتى كتب إلي أهل مصركم أن يبايعونني ، ولا يخذلوني ، وينصرونني ، فان كرهوني انصرف عنهم من حيث جئت».
وانبرى إليه حبيب فأسدى له النصيحة قائلا :
«يا قرة عهدي بك ، وأنت حسن الرأي في أهل البيت فما الذي غيّرك؟ فاقم عندنا وانصر هذا الرجل».
فقال قرة : لقد قلت الحق ولكن ارجع إلى صاحبي بجواب رسالته وانظر في ذلك ، وقفل قرة الى ابن سعد فعرض عليه كلام الامام(2) وسر ابن سعد بذلك ورأى انه بالامكان التوصل لحل سلمي يجنبه من الخوض في معركة تطوق عنقه بالآثام والاوزار.
__________________
(1) الطبري 6 / 232
(2) أنساب الأشراف ق 1 ج 1 ، الفتوح 5 / 155 ـ 156
وأراد ابن سعد التأكد من ذلك فطلب من الامام الاجتماع به فاجابه الى ذلك ، ولما مثل عنده قال له :
ـ ما جاء بك؟
ـ أهل الكوفة
ـ أما عرفت ما فعلوا معكم؟
ـ من خادعنا في اللّه انخدعنا له
ـ قد وقعت الآن فما ترى؟
ـ أرجع فأقيم بمكة أو بالمدينة ، أو أقيم ببعض الثغور
وفرح ابن سعد من موقف الامام ورأى فيه بادرة لاحلال السلام والتجنب من الحرب(1) .
وبادر ابن سعد فكتب رسالة الى أميره ابن مرجانة جاء فيها :
«أما بعد : فان اللّه اطفأ النائرة ، وجمع الكلمة ، وأصلح أمر الأمة. هذا حسين اعطاني عهدا أن يرجع الى المكان الذي منه أتى أو أن يسير الى ثغر من الثغور فيكون رجلا من المسلمين له مالهم ، وعليه ما عليهم أو ان يأتي امير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده ، فيرى فيما بينه وبينه رأيه وفي هذا رضا لك ، وللأمة صلاح».
__________________
(1) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 87)
ومما لا شبهة فيه أن ابن سعد قد افترى على الامام الحسين في تلك الرسالة ، فان اكثر بنودها مما لم يفه به الامام (ع) وقد تحدث عن افتعالها عاقبة بن سمعان الذي صاحب الامام من المدينة إلى مكة ثم إلى العراق وظل ملازما له حتى قتل ، يقول :
«صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ، ومنها إلى العراق ، ولم افارقه حتى قتل ، وقد سمعت جميع كلامه ، فما سمعت منه ما يتذاكر فيه الناس من أن يضع يده في يد يزيد ، لا أن يسير الى ثغر من الثغور لا في المدينة ولا في مكة ولا في العراق ولا في عسكره الى حين قتل ، نعم سمعته يقول : دعوني أذهب إلى هذه الأرض العريضة حتى انظر ما يصير إليه الناس»(1) .
ونفى الشيخ محمد الخضري صحة هذه الرسالة فقال : «وليس بصحيح الاعراض عليهم أن يضع يده في يد يزيد ، وانما عرض عليهم أن يدعوه أن يرجع إلى المكان الذي خرج منه»(2) .
لقد افتعل ابن سعد هذه الرسالة ليتخلص من اثم المعركة ، ويكون بمنجى من قتل ريحانة رسول اللّه (ص) واو ان الامام قال ذلك لا نفض جيش ابن زياد وانتهى كل شيء لقد رفض الإمام منذ بداية الأمر الخضوع لعصابة الاجرام ، وصمد في وجه الاعاصير. ودلل في جميع مواقفه الخالدة على آبائه وعزة نفسه ، وصلابة ارادته.
__________________
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 20).
(2) تأريخ الأمة الاسلامية 1 / 515
ولما وردت رسالة ابن سعد إلى ابن مرجانة استصوب رأيه ، ورأى فيه حلا للمشكلة وجمعا للكلمة ، وانه قد جنبه الحرب ، فطفق يقول باعجاب :
«هذا كتاب ناصح مشفق»
وكان شمر بن ذي الجوشن الى جانبه فضاق ذرعا بالأمر فقد عرف الخبيث بوضاعة النسب والحقد على ذوي الاحساب العريفة ، وكان قد حسد ابن سعد على امرته للجيش فاندفع باضرام نار الحرب ، فقال لابن مرجانة :
«أتقبل هذا منه؟ بعد ان نزل بأرضك ، واللّه لئن رحل من بلادك ، ولم يضع يده في يدك ، ليكونن أولى بالقوة ، وتكون أولى بالضعف والوهن».
والهبت هذه الكلمات الموقف ، ونسفت كل امل في الصلح والوئام فقد تفطن ابن زياد إلى أمر خطير قد خفي عليه ، وهو ان الامام اذا خلص منه ، ولم يبايع ليزيد ، والتحق بقطر من الأقطار ، فسوف يتبلور الموقف وتهب الأمة لحمايته من العصابة المجرمة ، وسيكون الطاغية أولى بالوهن والضعف والحسين أولى بالمنعة والقوة لأنه ابن رسول اللّه (ص) وريحانته ، وغابت هذه النقاط الحساسة عن ابن مرجانة ، فرأى في كلمات الشمر الاخلاص والنصيحة».
ولما رأى الشمر أنه قد سيطر على الموقف ، وافسد مهمة ابن سعد اندفع ليوهن مكانته عنده لعله ان يتخذ من ذلك وسيلة لاقصائه عن منصبه ويكون بمحله ، فقال له :
«واللّه لقد بلغني أن حسينا وابن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل»(1) .
ومعنى هذا أن شمرا قد جعل له استخبارات خاصة على ابن سعد لعله أن يقصر في اداء مهمته فينقل ذلك إلى السلطة لتقصيه عن منصبه ويتولى هو قيادة الجيش.
ورفض ابن مرجانة جميع الحلول السلمية التي كتب بها ابن سعد ، وسد جميع نوافذ السلم والوئام ، وقد كتب إليه :
«أما بعد : فاني لم ابعثك للحسين لتكف عنه ، ولا لتطاوله ، ولا لتمنيه السلامة ، ولا لتكون له عندي شفيعا.
انظر فان نزل حسين وأصحابه على حكمي فابعث بهم إلي سلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فانهم لذلك مستحقون.
فان قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره ، ولست أرى انه يضر بعد الموت ، ولكن على قول قلته لو قتلته لفعلت هذا به ، فان أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر فانا قد أمرناه بذلك»(2) .
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 175
(2) تأريخ ابن الأثير 3 / وقريب منه جاء في انساب الأشراف ق 1 ج 1 ، وجاء في تذهيب التهذيب 1 / 151 ان ابن زياد كتب لابن سعد «لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي» فقال الحسين : لا يكون ذلك أبدا».
وكانت هذه الرسالة صارمة لا رحمة فيها ، ومحتوياتها ما يلي :
1 ـ انها قصرت صلاحية ابن سعد على عمليات الحرب والقتال ، ولم تمنحه أي صلاحية لاجراء الصلح او المفاوضة مع الامام.
2 ـ وعرضت ان الامام اذا استجاب للصلح فعليه أن ينزل ضارعا لحكم ابن مرجانة لينال نصيبه منه فان شاء عفا عنه وان شاء قتله ، وقد اراد أن يمثل الامام عنده كأسير او مذنب ليسترحمه.
3 ـ ان الامام إذا لم يستجب للنزول على حكمه فعلى ابن سعد أن يسارع الى قتله والتمثيل به.
4 ـ انه هدده بالعزل عن منصبه إذا تردد في تنفيذ ما عهد إليه وعليه أن يسلم جميع مهام الجيش إلى شمر بن ذي الجوشن ليقوم بتنفيذ ما عهد إليه.
ويقول المؤرخون : ان ابن زياد جعل يقول : «الآن وقد علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص» وأسرع الشمر وهو جذلان مسرور ، وجعل يجذ في السير ليصل لابن سعد لعله لا يستجيب لأوامر ابن مرجانة فيكون هو الأمير على الجيش ، ووصل الشمر إلى كربلا وكان ابن سعد مستنقعا في الفرات ، فبادر إليه رجل فقال له :
«قد بعث إليك جويرة بن بدر التميمي وأمره إن أنت لم تقاتل ان يضرب عنقك.
ووثب ابن سعد الى ثيابه فلبسها(1) والتفت الى شمر بن ذي الجوشن وقد عرف انها من مكيدته فقال له :
«ويلك لا قرب اللّه دارك ، وقبح اللّه ما جئت به ، واني لأظن
__________________
(1) تأريخ الاسلام للذهبي 2 / 348
أنك الذي نهيته ، وأفسدت علينا أمرا رجونا أن يصلح واللّه لا يستسلم حسين فان نفس أبيه بين جنبيه».
فأجابه الشمر
«اخبرني ما أنت صانع أتمضي لأمر أميرك؟ والا فخل بيني وبين العسكر ..».
واستسلم ابن سعد لهواه واطماعه فرضى أن يبقى قائدا لجيش ظلوم فقال له :
«لا ولا كرامة ، ولكن أتولى الأمر»(1)
وظل الشمر رقيبا على ابن سعد لعله أن يقصر في أوامر سيده ابن مرجانة ليتولى هو قيادة الجيش ، وبعث ابن سعد بجواب ابن زياد إلى الامام ، فقال (ع) :
«لا واللّه ما وضعت يدي في يد ابن مرجانة»(2) .
وطلب الامام من ابن سعد الاجتماع به ، فاجابه ـ على كره ـ فالتقى معه ليلا ، وعقد معه اجتماعا مغلقا لم يحضره الا العباس وعلي الأكبر من جانب الحسين ومع ابن سعد حفص وغلام لابن سعد ، فقال الامام له :
«يا ابن سعد أتقاتلني؟ أما تتقي اللّه الذي إليه معادك ، فاني ابن من قد علمت ، ألا تكون معي وتدع هؤلاء فانه اقرب الى اللّه تعالى».
والقى ابن سعد معاذيره الواهية قائلا :
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 87)
ـ أخاف ان تهدم داري
ـ أنا ابنيها
ـ أخاف ان تؤخذ ضيعتي
ـ أنا اخلف عليك خيرا منها في الحجاز
ـ ان لي بالكوفة عيالا وأخاف عليهم من ابن زياد القتل
ولم يجد منه الامام أي تجاوب ، وانما رأى منه اصرارا على الغي والعدوان فاندفع يدعو عليه :
«مالك ذبحك اللّه على فراشك عاجلا ، ولا غفر لك يوم حشرك ، فو اللّه اني لأرجو أن لا تأكل من بر العراق الا يسيرا».
وولى ابن سعد ، وهو يقول للامام بسخرية : ان في الشعير كفاية(1)
وظن الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن ان يقنع أخوة الحسين بالعدول عن نصرة أخيهم فحمل لهم امانا من عبيد اللّه بن زياد ، وجاء يشتد حتى وقف أمامهم ، وهتف مناديا
«اين بنو اختنا العباس واخوته؟»
وهبت إليه الفتية كالأسود ، فقالوا له :
«ما تريد يا ابن ذي الجوشن؟»
«لكم الأمان»
وصاحوا به وهم يتميزون من الغيظ قائلين :
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 175
«لعنك اللّه ولعن أمانك ، أتؤمننا ، وابن بنت رسول اللّه (ص) لا أمان له»(1) .
وولى الأثيم خائبا ، وقد ظن أن اخوة الامام من طراز أصحابه الممسوخين ، ولم يعلم انهم من افذاذ الدنيا الذين صاغوا الكرامة الانسانية وصنعوا الفخر والمجد للانسان.
وفرض ابن سعد الحصار على الامام الحسين (ع) فأحاط بجميع الطرق مخافة أن يصل إليه أي امداد من الخارج ، وقد احكم هذه الجهة حتى صار من غير الممكن أن يلتحق أي أحد بمعسكر الامام أو يوصلهم بأي امداد.
وأخطر عملية قام بها ابن سعد احتلاله لنهر الفرات فقد صدرت إليه الأوامر المشددة من ابن مرجانة بمنع الماء عن الامام الحسين وأهل بيته وأصحابه فلا يذوقوا منه قطرة واحدة ، كما صنع بعثمان بن عفان ، وارسل قوة عسكرية تتألف من خمسمائة فارس ، وقيل أربعة آلاف فارس بقيادة عمرو بن الحجاج فاحتلوا جميع الشرائع والأنهار المتفرعة من نهر الفرات ، وأوصدوا على الحسين وأصحابه باب الورود إلى الماء ، وفيما احسب أنه انما اتخذ هذا الاجراء القاسي الرهيب لما يلي :
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
أولا : الاضرار بمعسكر الامام حتى لا تكون عندهم أية قدرة أو مقاومة على الحرب ، فلا تصاب قواته بالخسائر.
ثانيا : سد الطريق امام من يحاول الالتحاق بالحسين عن طريق الماء
ثالثا : المبالغة في التشفي والانتقام من الأسرة النبوية لما فعله المسلمون بعثمان يوم الدار حينما حوصر ، ومنعوا عنه الماء ، ولكن الحسين فيما اجمع عليه المؤرخون قد حمل الماء إليه حينما حوصر وقد تنكر الأمويون لهذه اليد التي اسداها الامام عليهم.
رابعا : ان ابن زياد كان يأمل بهذا الاجراء ان يستسلم الامام ويخضع لأوامره هذه بعض الأسباب التي دعت ابن مرجانة لاصدار اوامره باحتلال الفرات ، ومنع الماء عن الحسين وأصحابه.
ويقول المؤرخون : انه حيل بين الحسين وبين الماء قبل قتله بثلاثة أيام(1) ، وكان اعظم ما عاناه الامام من المحن الشاقة مشاهدة اطفاله وحرائر الرسالة ، وهم يعجون من ألم الظمأ القاتل ، فقد كان الاطفال ينادون : الماء الماء
ولم يستطع الأطفال مقاومة العطش ، وكانوا ينظرون إلى الفرات وهو فياض بمائه ، فيزداد صراخهم ، وذاب قلب الامام رحمة وحنانا لذلك المشهد الرهيب ، فقد ذبلت شفاه اطفاله ، وذوى عودهم ، وجف لبن المراضع. بينما ينعم اولئك الجفاة بالماء ، يقول أنور الجندي :
وذئاب الشرور تنعم بالماء |
وأهل النبي من غير ماء |
|
يا لظلم الأقدار يظمأ قلب الليث |
والليث موثق الأعضاء |
|
وصغار الحسين يبكون في الصحراء |
يا رب اين غوث القضاء |
__________________
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 89) أنساب الأشراف ق 1 ج 1.
ان جميع الشرائع والمذاهب لا تبيح منع الماء عن الأطفال والنساء ، وخصوصا الشريعة الاسلامية ، فقد جعلت الناس جميعا شركاء في الماء والكلاء ، وسوغت الشرب من الانهار المملوكة حتى لو لم يأذن أربابها وكرهت أشد الكراهة ذبح الحيوان الأعجم عطشانا ، لكن الجيش الأموي لم يحفل بذلك ، واستباح جميع ما حرمته الشرائع والأديان.
لقد تنكر اولئك الجفاة لليد البيضاء التي أسداها الامام على مقدمة جيوشهم التي كانت تتألف من الف فارس بقيادة الحر لالقاء القبض على الامام والحصار عليه في البيداء ، وكان قد بلغ بهم العطش كل مبلغ حتى أشرفوا على الهلاك ، وكان باستطاعته أن يبيدهم عطشا فأبت مروءته ورحمته أن يعاملهم بالقسوة فأمر فتيانه وهو معهم فسقاهم عن آخرهم كما أمر بسقي خيولهم وترشيفها على أنه كان في حاجة إلى الماء لأنه في وسط الصحراء اللاهبة ، ولم يقدر اولئك الاجلاف هذه النجدة فحرموه من الماء وحرموا من كان في كنفه من سيدات أهل البيت واحفاد النبي (ص).
وأخذ اولئك الممسوخون يتباهون ويتفاخرون باستيلائهم على ماء الفرات وحرمان ريحانة رسول اللّه (ص) منه ، ومن بينهم :
1 ـ المهاجر بن أوس
وانبرى المهاجر بن أوس التميمي صوب الامام رافعا صوته :
«يا حسين ألا ترى الى الماء يلوح كأنه بطون الحيات ، واللّه لا تذوقه او تموت» فرد عليه الامام :
«إني لأرجو ان يوردنيه اللّه ويحلئكم عنه»(1)
__________________
(1) أنساب الاشراف ق 1 ج 2
2 ـ عمرو بن الحجاج
واقبل عمرو بن الحجاج ، وكان ممن كاتب الحسنين بالقدوم إلى الكوفة حتى قرب من معسكر الحسين فرفع صوته :
«يا حسين هذا الفرات تلغ فيه الكلاب ، وتشرب فيه الحمير والخنازير ، واللّه لا تذوق منه جرعة حتى تذوق الحميم في نار جهنم»(1)
3 ـ عبد اللّه بن حصين
وأقبل عبد اللّه بن حصين الأزدي يشتد كأنه الكلب نحو الامام فنادى :
«يا حسين الا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء ، واللّه لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشا».
فرفع الامام يديه بالدعاء عليه وقال :
«اللهم اقتله عطشا ، ولا تغفر له أبدا»(2)
لقد فخر اولئك الأجلاف باحتلالهم لماء الفرات ، تقربا لسيدهم ابن مرجانة وارضاء لعواطفه لينالوا جوائزه وهباته.
وأنكر جماعة من أصحاب الامام الحسين وغيرهم على ابن سعد منعه الماء عن ريحانة رسول اللّه (ص) فقد كان ذلك احط اسلوب في الانتقام فقد اشرف اطفال الحسين على الهلاك وهم يرون الماء امامهم ، وليس هناك من سبب يدعو إلى هذا الانتقام الا الخسة والوحشية المتأصلة في نفوس ذلك الجيش ، ومن بين المنكرين عليه.
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1 الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 86).
1 ـ يزيد بن حصين
وخرج يزيد بن الحصين فقال لابن سعد : «هذا الفرات تشرب منه الكلاب ، وهذا الحسين بن بنت رسول اللّه (ص) وأهل بيته عطاشى وأنت تزعم انك تعرف اللّه ورسوله؟!».
واطرق ابن سعد بوجهه الخبيث إلى الأرض ، ولم يتكلم بشيء(1)
2 ـ برير بن خضير
وانطلق برير بن خضير الهمداني نحو ابن سعد فرفع صوته قائلا :
«يا عمر أتترك بيت النبوة يموتون عطشا» وحلت بينهم وبين الفرات أن يشربوا منه ، وتزعم انك تعرف اللّه ورسوله».
فأجابه ابن سعد
«اني واللّه اعلم يا برير ان قاتلهم إلى النار ، ولكن تشير علي أن اترك ولاية الري فتصير إلى غيري ، ما أجد نفسي تجيبني إلى ذلك أبدا»(2) .
3 ـ الحر
وحينما التحق الحر بمعسكر الامام وتاب على يده خرج الى جيش ابن سعد فرفع صوته قائلا :
«يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر اذ دعوتموه ، وأخذتم بكظمه
__________________
(1) أخبار الدول للقرماني (ص 108) وسيلة المال في عد مناقب الآل (ص 290) مطالب السئول (ص 76).
(2) الفتوح 5 / 172
واحطتم به من كل جانب فمنعتموه التوجه الى بلاد اللّه العريضة حتى يأمن وأهل بيته ، واصبح كالأسير في ايديكم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، وملأتموه ونساءه وصبيته وصحبه عن ماء الفرات الجاري الذي تشربه اليهود والنصارى والمجوس وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، وها هم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا سقاكم اللّه يوم الظمأ»(1) .
ولم يجد معهم هذا الانكار ، واصروا على بغيهم وعنادهم فحرموا أبناء النبي (ص) من الماء حتى صرعهم العطش.
واضر العطش بأهل البيت فتصارخت الاطفال ، والعيال ، وقام الامام (ع) فأخذ فأسا وحفر حول خيمة النساء فنبعت عين ماء عذب فشربوا منها إلا انها لم تلبث الا قليلا حتى غارت ونقلت الاستخبارات لابن زياد ذلك فتميز غيظا فأرسل الى ابن سعد رسالة جاء فيها :
«بلغني أن الحسين يحفر الآبار ، ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه فانظر اذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت ، وضيق عليهم غاية التضييق».
وفرض ابن سعد الرقابة الشديدة على حفر الآبار ، كما أحاط نهر الفرات بمزيد من الحرس والجنود مخافة أن يأتي أحد منهم فيشرب منه الماء(2) .
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 289
(2) مقتل الخوارزمي 1 / 244 ، الفتوح 5 / 162 ، بغية النبلاء.
والتاع الامام كأشد ما تكون اللوعة الما ومحنة حينما رأى أطفاله وأهل بيته وهم يستغيثون من الظمأ القاتل ، فندب أخاه وابن والده أبا الفضل العباس لتحصيل الماء فانبرى البطل العظيم ، وصحب معه ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ، وحملوا معهم عشرين قربة ، واقتحموا بأجمعهم نهر الفرات ، وقد تقدمهم نافع بن هلال المرادى ، فاستقبله عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وكان هو المسئول عن حراسة الفرات ، فقال له :
ـ ما جاء بك؟
ـ جئنا لنشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه
ـ اشرب هنيئا
ـ افأشرب والحسين عطشان ومن ترى من أصحابه
ـ لا سبيل الى سقي هؤلاء انما وضعنا بهذا المكان لنمنعهم الماء ولم يحفل به أصحاب الامام ، فاقتحموا الفرات ليملئوا قربهم فثار عليهم عمرو بن الحجاج مع مفرزة من جنوده ، والتحم معهم العباس ونافع ابن هلال ، ودارت بينهم معركة إلا انه لم يقتل فيها أحد وعاد أصحاب الامام بعد أن ملأوا قربهم من الماء وقيل انهم لم يعودوا إلا بشيء يسير منه(1) واروى العباس عطاشى أهل البيت وأنقذهم من الظمأ ، ولقب من ذلك اليوم بالسقاء وهو من أشهر القابه ذيوعا ، ومن أحبها عنده.
وكان حبيب بن مظاهر من أفذاذ اصحاب الحسين ومن اكثرهم اخلاصا وولاء له ، ولما رأى وحدة الامام وتظافر القوى الغادرة على
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
حربه طلب منه ان يأذن له ليستنجد بأسرته من بني أسد ليحضون بالجهاد بين يديه قائلا :
«إن هاهنا حيا من بني أسد أعرابا ينزلون (بالنهرين) وليس بيننا وبينهم إلا رواحة أفتأذن لي في اتيانهم ودعائهم ، لعل اللّه أن يجد بهم إليك نفعا أو يدفع عنك مكروها».
فاذن له الامام فانطلق مسرعا إليهم ، ولما مثل عندهم قال :
«إني ادعوكم إلى شرف الآخرة وفضائلها وجسيم ثوابها أنا ادعوكم الى نصرة ابن بنت رسول اللّه نبيكم (ص) فقد اصبح مظلوما ، دعاه أهل الكوفة لينصروه فلما أتاهم خذلوه وعمدوا عليه ليقتلوه».
فاستجاب له سبعون شخصا(1) وكان من بينهم عبد اللّه بن بشر الأسدي ، فقال : أنا أول من يجيب هذه الدعوى ثم جعل يرتجز.
قد علم القوم اذا تواكلوا |
واحجم الفرسان او تثاقلوا |
|
اني شجاع بطل مقاتل |
كأنني ليث عرين باسل(2) |
وخفوا الى نصرة الامام الا انه كان في المجالس عين لابن سعد فأسرع إليه وأخبره بذلك ، فجهز مفرزة من جيشه بقيادة جبلة بن عمر فحالوا بينهم وبين الالتحاق بالحسين ، فرجع حبيب حزينا فأخبر الامام بذلك فقال : «الحمد للّه كثيرا»(3) وظل الامام مع اصحابه وهم يعانون أشد الضيق من الحصار الذي فرض عليهم ، وينتظرون الأحداث الرهيبة التي يلاقونها على صعيد كربلا.
__________________
(1) في رواية تسعون شخصا
(2) بغية النبلاء الجزء الثاني
(3) انساب الأشراف ق 1 ج 1
مع المعسكرين
وعلى الصعيد الطيب من ارض كربلا التحمت القوى الغادرة مع جنود اللّه وخلايا التوحيد الذين شرح اللّه صدورهم للايمان فناظلوا وهم على يقين بعدالة قضيتهم على العكس من خصومهم الذين كانوا تملكهم الحيرة والقلق النفسي فكانوا يقاتلون وهم على علم بضلالة قصدهم وانحرافهم عن الطريق القويم ، ولا بد لنا من وقفة قصيرة للتحدث عن كلا المعسكرين.
أما المعسكر الحسيني فانه كان يمثل شرف الانسان ، ويمثل القيم الكريمة والاتجاهات العظيمة التي يسمو بها كل انسان نبيل ، وحسبه أنه وحده في تأريخ هذه الدنيا قد كتب له الخلود والبقاء فليس في اسرة شهداء العالم مثل شهداء كربلا شرفا ومجدا واندفاعا في نصرة الحق ، وتفانيا في سبيل العدل ، ونشير إلى بعض المظاهر من أهدافهم وذاتياتهم.
أما الأهداف العظيمة التي رفعوا شعارها ، وناظلوا ببسالة وايمان من أجلها فهي :
وهبّ أنصار الامام بكل اخلاص وايمان للدفاع عن الاسلام وصيانة مبادئه التي استهترت بها السلطة الأموية ، وقد اخلصوا في دفاعهم كاعظم وأروع ما يكون الاخلاص ، وأدلة ذلك متوفرة في جميع مواقفهم المشرفة
فالعباس (ع) الذي كان من أمس الناس رحما بالامام والصقهم به لم يندفع بتضحيته الفذة بدافع الاخوة وغيرها من الاعتبارات الخاصة ، وانما اندفع بحماس لحماية الاسلام ، وحماية أمام من أئمة المسلمين فرض اللّه مودته وطاعته على الناس أجمعين ، وقد أدلى بذلك في ميدان القتال بعد أن برى القوم يمينه فقال مرتجزا :
واللّه إن قطعتم يميني |
اني أحامي أبدا عن ديني |
|
وعن امام صادق يقيني |
نجل النبي الطاهر الأميني |
ومعنى هذا الرجز ـ بوضوح ـ انه لم يندفع بجهاده بدافع الاخوة ، وانما اندفع لحماية الدين ، وحماية امام صادق على سبيل اليقين ، واعلن غير العباس من أصحاب الامام هذه الحقيقة.
لقد غذاهم ابو عبد اللّه (ع) بروحه وهديه ، وغمرهم بأخلاقه فابتعدت ارواحهم عن الدنيا وتجردوا من مادية الجسد ، وتحررت قلوبهم وعواطفهم من شواغل الحياة فأي معلم كان الحسين؟ وأي مدرسة ملهمة كانت مدرسته؟ وهل تستطيع أجيال الدنيا ان توجد مثل هذا الطراز ايمانا باللّه ، واخلاصا للحق.
وهناك ظاهرة خاصة أخرى من اهداف اصحاب الامام وهي حماية الامام من أولئك الوحوش الذين تضافروا على قتله ، وقد تفانى اصحاب الامام في الولاء والاخلاص له ، وضربوا بذلك اروع الأمثلة للوفاء ، فهذا مسلم بن عوسجة ، وهو من افذاذ انصار الامام لما برز الى القتال ،
ووقع صريعا على الأرض قد تناهبت السيوف والرماح جسمه مشى إليه الامام مع حبيب بن مظاهر وكان البطل يعاني آلام الاحتضار ، فطلب منه حبيب أن يوصي إليه بما أهمه ، فقال له بصوت خافت حزين النبرات :
«أوصيك بهذا ـ وأشار الى الامام ـ أن تموت دونه»(1)
أي وفاء هو معرض للزهو والفخار مثل هذا الوفاء؟ لقد أعطى لأجيال الدنيا الدروس في الولاء الباهر للحق ، فهو في لحظاته الأخيرة ، وحشرجة الموت في صدره لم يفكر الا بالامام ، وأعرض عن كل شيء في حياته.
وهذا البطل العظيم سويد بن أبي المطاع الذي هو من أنبل الشهداء وأصدقهم في التضحية هوى جريحا في المعركة فتركه الأعداء ، ولم يجهزوا عليه لظنهم انه قد مات ، فلما تنادوا بمصرع الامام لم يستطع أن يسكن لينجو ، فقام والتمس سيفه فاذا هم قد سلبوه ، ونظر الى شيء يجاهد به فوقعت يده على مدية ، فأخذ يوسع القوم طعنا فذعروا منه ، وحسبوا أن الموتى أعيدت لهم حياتهم ليستأنفوا الجهاد ثانيا مع الامام ، فلما تبين لهم ان الأمر ليس كذلك ، انعطفوا عليه فقتلوه ، فكان ـ حقا ـ هذا هو الوفاء في اصحاب الامام حتى الرمق الأخير من حياتهم.
ولم يقتصر هذا الوفاء على الرجال ، وانما سرى إلى النساء اللاتي كن في المعركة ، فكانت المرأة تسارع إلى ابنها تتضرع إليه ليستشهد بين يدي الامام ، والزوجة تسارع الى زوجها ليدافع عن الامام ، وهن لم يحفلن بما يصيبهن من الثكل والحداد.
ومما يثير الدهشة ان الاطفال من الأسرة النبوية قد اندفعوا نحو الامام وهم يقبلون يديه ورجليه ليمنحهم الأذن في الشهادة بين يديه ،
__________________
(1) الطبري 6 / 249
ومن بينهم عبد اللّه بن الحسن وكان له من العمر احدى عشر سنة لما رأى الأعداء قد اجتمعوا على قتل عمه لم يستطع صبرا وأسرع فاندفعت عمته زينب لتمسكه فامتنع عليها ، واخذ يركض حتى انتهى إلى عمه ، وقد اهوى ابحر بن كعب بسيفه ليضرب الامام فصاح به الغلام.
«يا ابن الخبيثة أتضرب عمي؟»
فانعطف عليه الخبيث الدنس فضربه بالسيف على يده فاطنها إلى الجلد فاذا هي معلقه(1) ورمى الغلام بنفسه في حجر عمه فسدد له حرملة سهما غادرا فذبحه وهو في حجر عمه لقد استلذ الموت في سبيل عمه ...
وكثير من أمثال هذه الصور الرائعة التي لم تمر على شاشة الدهر قد ظهرت من أصحاب الحسين وأهل بيته.
وكان من أهداف معسكر الامام الحسين تحرير الأمة من طغيان الأمويين وجورهم فقد أذاعوا الظلم واشاعوا الفساد في جميع انحاء العالم الاسلامي ، وقد هبّ اصحاب الامام للاطاحة بذلك الحكم ، واعادة حكم الاسلام ، وقد ألمعنا الى ذلك بصورة موضوعية وشاملة عند البحث عن أسباب ثورة الامام.
وتمتع اصحاب الحسين بكل نزعة كريمة قد امتازوا بها على غيرهم من سائر الناس ، ومن بينها :
__________________
(1) الطبري 6 / 259
ومن ذاتيات اولئك الأحرار الاباء وعزة النفس فقد استطابوا الموت في سبيل كرامتهم ، يقول سيد الأباة الامام الحسين : «واللّه لا أرى الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما» ويقول ولده البار علي الأكبر في رجزه الذي كان نشيدا له يوم الطف :
أنا علي بن الحسين بن علي نحن ورب البيت أولى بالنبي
واللّه لا يحكم فينا ابن الدعي
لقد افرغ الامام الحسين على اصحابه واهل بيته قبسا من روحه فاستقبلوا الموت بسرور من اجل العزة والكرامة والإباء.
وظاهرة أخرى من نزعات معسكر الامام هي البسالة ، فقد كانوا من اندر ابطال العالم فهم على قلتهم قد صمدوا في وجه ذلك الجيش الجبار فحطموا معنوياته ، وانزلوا به افدح الخسائر ، يقول المؤرخ الانكليزي «پرس سايكس» : «ان الامام الحسين وعصبته المؤمنة القليلة عزموا على الكفاح حتى الموت ، وقاتلوا ببطولة وبسالة ظلت تتحدى اعجابنا واكبارنا عبر القرون حتى يومنا هذا»(1) .
لقد غمرهم الامام بمعنوياته وروحه الوثابة ، ومن الطبيعي ان لشخصية القائد أثرا مهما في بث الروح المعنوية في نفوس الجيش ، فان جهاز القيادة انما هو رمز السلطة التي تدفع بالجنود الى القتال(2) وقد اندفع اصحاب
__________________
(1) تأريخ ايران لپرس سايكس
(2) علم النفس العسكرى 1 / 36
الامام بعزم ثابت لا يعترف بالعقبات ولا بالحواجز نحو الجيش الأموي حتى ضاقت عليه الأرض ، ولاذ اكثرهم بالهزيمة ، يقول بعض جنود ابن زياد لشخص عاب عليه اشتراكه في حرب الامام :
«عضضت بالجندل انك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضاربة تحطم الفرسان يمينا وشمالا ، وتلقي انفسها على الموت لا تقبل الامان ، ولا ترغب في المال ، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء على الملك ، فلو كففنا عنها رويدا لأنت على نفوس المعسكر بحذافيره فما كنا فاعلين لا أم لك»(1) .
وكان كعب بن جابر الأزدى من جنود ابن زياد ، وقتل سيد القراء في الكوفة بربر بن خضير ، واعان على قتل سيد الشهداء ، وقد نظم مقطوعة اشاد فيها بشجاعة اصحاب الامام يقول :
سلي تخبرى عني وأنت ذميمة |
غداة حسين والرماح شوارع |
|
ألم أت اقصى ما كرهت ولم يخل |
على غداة الروع ما أنا صانع(2) |
|
معي يزني لم تخنه كعوبه |
وابيض مخشوب الغرارين قاطع(3) |
|
فجردته في عصبة ليس دينهم |
بديني واني بابن حرب لقانع(4) |
__________________
(1) شرح النهج 3 / 263
(2) الروع : الحرب
(3) يزنى : رمح منسوب الى ذى يزن أحد ملوك حمير ، الكعوب : ما بين الانابيب ، أبيض : السيف مخشوب الغرارين : أى مشحوذ الحدين.
(4) ابن حرب : اراد به معاوية
اشد قراعا بالسيوف لدى الوغا |
الا كل من يحمي الدمار مقارع(1) |
|
وقد صبروا للضرب والطعن حسرا |
وقد نازلوا لو أن ذلك نافع |
|
فابلغ عبيد اللّه اما لقيته |
باني مطيع للخليفة سامع |
|
قتلت بربرا ثم حملت نعمة |
أبا منقذ لما دعا من يماصع(2) |
وقد أبدى كعب اعجابه البالغ ببسالة أصحاب الامام فهو ولا غيره لم يشاهدوا مثلهم في شجاعتهم وصمودهم ، فقد صبروا على الضرب والطعن ، وملاقاة الحتوف وكان من شجاعتهم النادرة ـ فيما يقول بعض المؤرخين ـ انه ما انهزم واحد منهم ، ولا قتل الا وهو مقبل غير مدبر ، وقد بذلوا قصارى ما يمكن من البطولة والشجاعة والثبات ، وصدق النية ومضاء العزيمة لحماية الامام والدفاع عنه ، وقد نهى عمرو بن الحجاج الزبيدي عن مبارزتهم يقول لأهل الكوفة :
«أتدرون لمن تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر وأهل البصائر ، وقوما مستميتين لا يبرز إليهم احد منكم الا قتلوه على قلتهم»(3) .
وقد حفل كلامه بالصفات الماثلة فيهم ، ومن بينها :
أ ـ انهم فرسان اهل الكوفة ، بل هم فرسان العرب على الاطلاق
ب ـ انهم من ذوي البصائر الحية ، والنفوس اليقظة وقد خفوا لنصرة الامام على بصيرة من أمرهم لا طمعا في المال ولا الجاه.
ج ـ انهم يقاتلون قتال المستميت الذي لا أمل له في الحياة ، وهم بذلك أقدر على انزال الهزيمة باعدائهم الذين تطعموا بالخيانة والغدر.
ويقول العقاد في بسالتهم : «وكان مع الحسين نخبة من فرسان
__________________
(1) القراع : المضاربة
(2) يماصع : يقاتل
(3) الطبري 6 / 249
العرب كلهم لهم شهرة بالشجاعة والبأس ، وسداد الرمي بالسهم ، ومضاء الضرب بالسيف ، ولن تكون صحبة الحسين غير ذلك بداهة وتقديرا ، لا يتوقفان على الشهرة الذائعة والوصف المتواتر لأن مزاملة الحسين في تلك الرحلة هي وحدها آية على الشجاعة في ملاقاة الموت»(1) .
انه من المؤكد انه ليس هناك أحد من أصحاب الامام من يطمع في عرض من اعراض الدنيا ، ولا يلتمس أجرا غير ثواب اللّه والدار الآخرة ...
ويتألف جيش الامام من عنصرين وهما :
1 ـ المولي
أما الموالي فكانوا على علاقة وثيقة بالامام الحسين (ع) نظرا للسياسة للعادلة التي تبناها الامام امير المؤمنين فيهم ، ولو كانت الظروف متهيأة لهم لالتحق القسم الكبير منهم بالامام ، وقد ضم جيشه من يلي منهم :
1 ـ سليمان مولى للحسين
2 ـ قارب الدئلي مولى للحسين
3 ـ الحارث بن نبهان مولى لحمزة بن عبد المطلب
4 ـ سجح مولى للحسين(2)
5 ـ عامر بن مسلم مولى لسالم
6 ـ جابر بن الحجاج مولى لعامر بن نهشل
7 ـ سعد مولى لعمر بن خالد الصيداوي
__________________
(1) ابو الشهداء (ص 215)
(2) قتله حسان بن بكر الحنظلي
8 ـ رافع مولى لأهل شنوة
9 ـ شوذب مولى لشاكر بن عبد اللّه الهمداني الشاكري(1)
10 ـ اسلم التركي مولى للحسين(2)
11 ـ جون مولى ابي ذر الغفاري(3)
12 ـ زاهر مولى لعمرو بن الخزاعي(4)
وهؤلاء الموالي الذين فاقوا الأحرار في شرفهم واندفاعهم لنصرة الحق قد فازوا بنصرة سيد شباب اهل الجنة ونعموا بالشهادة بين يديه.
العرب
وبقية انصار الحسين الممجدين كانوا من العرب واكثرهم من سكان الكوفة ، واما من البصرة فانه لم يستشهد معه الا عدد قليل ، كما التحق به من الحجاز الصحابي الكبير انس بن الحارث الكاهلي.
وبهذا ينتهي بنا الحديث على معسكر الحسين.
أما المعسكر الأموي فقد كانوا مجموعة من الخونة وباعة الضمير وليس فيهم أي انسان شريف ، كما كانوا على يقين لا يخامره أدنى شك في ضلالة قصدهم ، وانحرافهم عن الطريق القويم وهذه بعض مظاهر ما اتصفوا به.
__________________
(1) الحدائق الوردية 1 / 125 ـ 126
(2) اعيان الشيعة قسم الأول / 126
(3) بحار الأنوار 45 / 22
(4) المناقب 4 / 113
والظاهرة البارزة في ذلك الجيش فقدانه لارادته واختياره ، فقد كان اكثرهم ـ فيما يقول المؤرخون ـ قلوبهم مع الامام ، وسيوفهم مشهورة عليه ، لقد خفوا الى حرب من يعتقدون بعدالة قضيته ، وانه وحده الذي يحقق أهدافهم وما يصبون إليه ، ولو كان عندهم ذرة من الشعور والاحساس لفدوه بارواحهم ، ونفوسهم ، وما خانوه بعد ما عاهدوا اللّه في نصرته والذب عنه.
واستوعبت الحيرة وخيانة النفس نفوس الكثيرين من المعسكر الأموي فقد كانوا على يقين أنهم على مزلقة الباطل ، وان الحسين وأصحابه على جادة الحق ، وقد أدلى شبث بن ربعي ، وهو احد زعماء ذلك الجيش ، ومن اركانه القياديين بهذه الظاهرة يقول :
«قاتلنا مع علي بن أبي طالب ، ومع ابنه الحسن من بعده آل أبي سفيان خمس سنين ، ثم عدونا على ولده وهو خير أهل الأرض نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية ، ضلال يا لك من ضلال!! واللّه لا يعطي اللّه اهل هذا المصر خيرا ابدا ، ولا يسددهم لرشد».
وكشفت هذه الكلمات عن مدى القلق النفسي الذي كان يساور شبث بن ربعي ، ولا شك ان هناك المئات من أمثاله ممن كانوا يجدون في قرارة نفوسهم تأنيبا حادا على حربهم لريحانة رسول اللّه (ص) كما أن الكثيرين منهم كانوا يحجمون من الدخول في عمليات الحرب ، وقد لمس
ذلك فيهم عمرو بن الحجاج فاندفع يقول لهم :
«لا ترتابوا في قتال من مرق من الدين»
ومن مظاهر تلك الحيرة انه لم يؤثر عن أحد انه انشد رجزا(1) اشاد فيه بالغاية التي كان ينشدها ويقاتل من اجلها الامام ، فقد كمت الأفواه واخرست الألسن ، وانما كان الرجز من اصحاب الامام الحسين وأهل بيته فقد مثل اهدافهم ومبادئهم التي استشهدوا من أجلها لقد كان الرجز هو النشيد العسكري السائد في تلك العصور فيه يتغنى المقاتلون في اثناء الحرب ، ويفتخرون بشجاعتهم وبطولاتهم ، ويتوعدون اعداءهم بالقتل والهزيمة ، لقد اصبح الرجز في تلك المعارك كسلاح من اسلحة القتال يعتمد عليه المقاتلون كما يعتمدون على آلات الحروب من السيوف والسهام والرماح ، ففي واقعة الجمل كان اصحاب عائشة ينشدون الرجز الذي يمثل اندفاعهم نحو امهم ، واصحاب الامام كانوا يذكرون في رجزهم دفاعهم عن الامام امير المؤمنين ، وانه فرض ديني عليهم ، وكذلك في معركة صفين ، أما في واقعة كربلا فلم يؤثر بيت من الشعر نظمه أو تمثل به أحد من المعسكر الأموي وهو آية على شيوع الحيرة والتردد في نفوسهم فقد عرفوا جميعا عرفانا لا تسعه المغالطة ولا الانكار اثم ما اقترفوه وانهم قد ارتطموا في الباطل وماجوا في الضلال ...
وطائفة كبيرة كانت في الجيش الأموي قد عرفت بالفسق والتحلل ، فقد كانوا من المدمنين على الخمر ، ويقول المؤرخون ان الذين حملوا رءوس
__________________
(1) يقول ابن حبيب : كانت العرب تقول : الرجز في الحرب والحداء والمفاخرة وما جرى هذا المجرى جاء ذلك في الأغاني 18 / 164
الشهداء الى دمشق كانوا يشربون الخمر طبلة الطريق وقد ذكرنا في البحوث السابقة بعض ما اتصفوا به من الكذب وعدم الحريجة في الدين.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن بعض صفات ذلك الجيش.
ويتألف الجيش الأموي من عدة عناصر ومن بينها :
وهم الذين يخدمون السلطة للرغبة والرهبة ، ويسعون وراء مصالحهم ولا يؤثرون الحق في سلوكهم وتصرفاتهم سوى السعي وراء مصالحهم الخاصة ، وقد شاعت هذه الفئة في معسكر ابن زياد ، واسندت لها المناصب الحساسة في الجيش وهم امثال عمر بن سعد ، وحجار بن ابجر ، وشبث ابن ربعي ، وشمر بن ذي الجوشن ، وقيس بن الأشعث ويزيد بن الحرث وغيرهم من الذين طلقوا المعروف ثلاثا ، ولم تصدر منهم في جميع فترات حياتهم أية بادرة من بوادر الخير سوى ما يضر الناس.
وهناك طائفة كبيرة من الجيش قد اندفعوا لحرب الامام تسوقهم الأطماع الرخيصة ، والأمل على حصول مغنم في الحرب ، وقد هرعوا بعد قتل الامام ـ بخسة ـ الى السلب والنهب فمالوا على ثقل الامام ومتاعه فنهبوه ، وعمدوا الى سلب حرائر النبوة وعقائل الوحي فلم يتركوا ما عليهن من حلي وحال ، وعدوا الى سلب ما على الامام وسائر الشهداء من الملابس ولا مات الحرب ، ويقول المؤرخون : انهم سلبوا جميع ملابس الحسين حتى تركوه عريانا ليس عليه ما يواري جسده الشريف ، وسنعرض لذلك عند التحدث عن مقتل الامام
ومن بين العناصر التي ضمها المعسكر الأموي الممسوخون ، وهم الذين امتلأت صدورهم بالحقد والكراهية لجميع الناس ، وأهم رغباتهم النفسية المذابح الطائشة ، والاندفاع نحو الجريمة تلبية لنداء الجريمة المتأصلة في نفوسهم.
وقد بالغت تلك الطغمة من الممسوخين في اقتراف الجرائم ، فتسابقوا إلى قتل الأطفال من آل النبي وترويع النساء ، وهم يفخرون بما يقترفونه من الخزي والعار ، ومن بين هؤلاء الوحوش الكواسر السفاح الحقير شمر بن ذي الجوشن ، وحرملة بن كاهل والحكيم بن طفيل الطائي وسنان بن انس وعمرو بن الحجاج ، وامثالهم من كلاب الطراد كما سماهم بذلك بعض المؤرخين ، وقد صدرت منهم في كربلا من القساوة ما تترفع عنه الوحوش والكلاب.
وهناك طائفة من الجيش قد أرغمت على حرب الامام ، فقد حملتهم السلطة على الخوض في هذه المعركة وكانت عواطفهم ومشاعرهم مع الامام الا ان الجبن وخور النفس ، قد منعهم من نصرته ، وهؤلاء لم يشتركوا في الحرب ، وانما كانوا يتضرعون الى اللّه في أن ينزل نصره على ابن بنت نبيه ، وقد انكر عليهم واحد منهم فقال لهم : هلا تهبوا الى نصرته والدفاع عنه بدل الدعاء(1) ، ومما لا شبهة فيه انهم قد اقترفوا
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
اثما عظيما ، وشاركوا المحاربين في جريمتهم لأنهم لم يقوموا بانقاذ الامام وحمايته من المعتدين.
ومن بين العناصر التي اشتركت في حرب الامام الخوارج ، وهم من احقد الناس على آل النبي (ص) لأن الامام امير المؤمنين (ع) قد وترهم في واقعة النهروان ، فتسابقوا إلى قتل العترة الطاهرة للتشفي منها.
هذه بعض العناصر التي ضمها جيش ابن زياد ، وقد جاء وصفهم في احدى زيارات الامام الحسين (ع) ما نصّه :
«وقد توازر عليه ـ أي على حرب الامام ـ من غرته الدنيا ، وباع حظه بالأرذل الأدنى ، وشرى آخرته بالثمن الأوكس ، وتردى في هواه»(1) .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن معسكر الامام ، ومعسكر ابن زياد ، لنقف على فصول المأساة الخالدة في دنيا الاحزان.
__________________
(1) مفاتيح الجنان (ص 468)
المأساة الخالدة
ولم تشاهد أمة من الأمم محنة أوجع ولا أفجع من كارثة كربلا ، فلم تبق رزية من رزايا الدهر ، ولا فاجعة من فواجع الدنيا الا جرت على سبط رسول اللّه وريحانته وقد الهبت رزاياه العواطف حزنا وأسى وأثارت اللوعة حتى عند اقل الناس احساسا واقساهم قلبا وقد أثرت على الباغي اللئيم عمر بن سعد فراح يبكي من أهوال ما جرى على الامام من فوادح الخطوب.
لقد انتهكت في كارثة كربلا حرمة الرسول (ص) في عترته وذريته يقول الامام الرضا (ع) :
«ان يوم الحسين اقرح جفوننا وأذل عزيزنا ..»
ونعرض الى فصول تلك المأساة الخالدة في دنيا الأحزان ، وما رافقها من الاحداث الموجعة.
وتدافعت القوى الغادرة التي ملئت نفوسها الشريرة بالأحقاد والأضغان على العترة الطاهرة التي تبنت حقوق المظلومين والمضطهدين ، وجاهدت من أجل احقاق الحق.
لقد زحفت طلائع جيش ابن سعد نحو الامام في عصر الخميس لتسع خلون من شهر محرم ، فقد صدرت إلى القيادة العامة الأوامر المشددة من ابن زياد بتعجيل القتال خوفا من أن يتبلور رأي الجيش ويحدث انقسام في صفوفه ، ولما زحف ذلك الجيش كان الحسين جالسا أمام بيته محتبيا بسيفه إذ خفق برأسه ، فسمعت أخته عقيلة بني هاشم زينب (ع) أصوات الرجال وتدافعهم نحو أخيها فانبرت إليه وهي فزعة مرعوبة
فايقظته فرفع الامام رأسه فرأى أخته ، فقال لها بعزم وثبات :
«إني رأيت رسول اللّه (ص) في المنام ، فقال : إنك تروح إلينا ..».
وذابت نفس العقيلة ، وانهارت قواها فلطمت وجهها وقالت بنبرات حزينة :
«يا ويلتاه ..»(1)
والتفت ابو الفضل العباس إلى أخيه فقال له : يا أخي أتاك القوم فطلب منه الامام أن يتعرف على خبرهم قائلا له :
«اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم ، فتقول لهم : ما بدا لكم ، وما تريدون؟».
واسرع ابو الفضل نحوهم ، ومعه عشرون فارسا من اصحابه ، وفيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر ، وسألهم العباس عن زحفهم ، فقالوا له :
«جاء أمر الأمير ان نعرض عليكم النزول على حكمه أو نناجزكم»(2) وقفل العباس إلى أخيه يعرض عليه الأمر ، واقبل حبيب بن مظاهر على القوم فجعل يعظهم ، ويذكرهم الدار الآخرة قائلا :
«أما واللّه لبئس القوم يقدمون غدا على اللّه عز وجل ، وعلى رسوله محمد (ص) وقد قتلوا ذريته وأهل بيته المجتهدين بالاسحار ، الذاكرين اللّه كثيرا بالليل والنهار وشيعته الأتقياء الابرار»(3) .
فرد عليه عزرة بن قيس قائلا :
__________________
(1) ابن الأثير 3 / 284
(2) انساب الاشراف ق 1 ج 1 ، البداية والنهاية 8 / 177
(3) الفتوح 5 / 177
«يا بن مظاهر انك لتزكي نفسك!!»
وانبرى إليه زهير بن القين قائلا :
«اتق اللّه يا بن قيس ، ولا تكن من الذين يعينون على الضلال ، ويقتلون النفس الزكية الطاهرة عترة خيرة الأنبياء»(1) ،
فقال له عزرة :
«كنت عندنا عثمانيا فما بالك؟»
فقال زهير :
«واللّه ما كتبت إلى الحسين ، ولا أرسلت إليه رسولا ، ولكن الطريق جمعني وإياه ، فلما رأيته ذكرت به رسول اللّه وعرفت ما تقدمون من غدركم ، ونكثكم ، وسبيلكم إلى الدنيا فرأيت أن انصره ، واكون في حزبه حفظا لما ضيعتم من حق رسول اللّه (ص)»(2) .
وعرض ابو الفضل مقالة القوم على اخيه ، فقال له :
«ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة ، وندعوه ، ونستغفره فهو يعلم أني أحب الصلاة وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار».
ورجع إليهم ابو الفضل العباس ، فأخبرهم بكلام أخيه ، وعرض ابن سعد الأمر على الشمر خوفا من وشايته اذا استجاب لطلب الامام وأخر القتال فقد كان المنافس الوحيد له على امارة الجيش كما كان عينا عليه ، أو انه أراد أن يكون شريكا له في المسئولية فيما إذا عاتبه ابن زياد على تأخير الحرب.
__________________
(1) الفتوح 5 / 177
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
وعلى أي حال فان الشمر لم يبد رأيه في الموضوع ، وانما احاله لابن سعد ، وانبرى عمرو بن الحجاج الزبيدي فانكر عليهم احجامهم عن اجابة الامام قائلا :
«سبحان اللّه!! واللّه لو كان من الديلم ثم سألكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوه : :»(1) .
ولم يزد ابن الحجاج على ذلك فلم يقل انه ابن رسول اللّه (ص) خوفا من أن تنقل الاستخبارات العسكرية حديثه الى ابن مرجانة فينال العقاب او العتاب والحرمان منه وايد ابن الأشعث مقالة ابن الحجاج فقال لابن سعد :
«أجبهم إلى ما سألوا فلعمري ليصحبنك بالقتال غدا»
وانما قال ابن الأشعث ذلك لأنه حسب ان الامام يتنازل لابن زياد فلذا رغب في تأخير القتال الا انه لما استبان له ان الامام مصمم على الحرب ندم على كلامه وراح يقول :
«واللّه لو اعلم أنهم يفعلون ما أخرتهم»(2)
لقد اتخذ ابن الأشعث من خلقه واخلاق اهل الكوفة مقياسا يقيس به قيم الرجال فظن ان الامام سوف يستجيب للذل والهوان ويتنازل عن اداء رسالته الكبرى ، ولم يعلم ان الامام يستمد واقعه واتجاهاته من جده العظيم.
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 285 ، انساب الاشراف ق 1 ج 1
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
واستجاب ابن سعد إلى تأجيل الحرب بعد أن رضيت به اكثرية القادة من جيشه ، وأوعز ابن سعد إلى رجل من أصحابه أن يعلن ذلك فدنا من معسكر الحسين وصاح : «يا أصحاب الحسين بن علي قد اجلناكم يومكم هذا إلى غد فان استسلمتم ونزلتم على حكم الأمير وجهنا بكم إليه وان ابيتم ناجزناكم»(1) وارجئ القتال إلى اليوم العاشر من المحرم وظل أصحاب ابن سعد ينتظرون الغد هل يجيبهم الامام أو يرفض ما دعوه إليه.
وجمع الامام اصحابه واهل بيته ليلة العاشر من المحرم ، وطلب منهم أن ينطلقوا في رحاب الأرض ويتركوه وحده ليلقى مصيره المحتوم ، وقد اراد ان يكونوا على هدى وبينة من امرهم ، فقال لهم :
«أثني على اللّه احسن الثناء ، واحمده على السراء والضراء ...
اللهم اني احمدك على ان اكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن ، وفهمتنا في الدين وجعلت لنا اسماعا وابصارا وافئدة ولم تجعلنا من المشركين.
أما بعد : فاني لا أعلم اصحابا اوفى ولا خيرا من اصحابي فجزاكم اللّه جميعا عني خيرا ، الا واني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غدا ، واني قد أذنت لكم جميعا فانطلقوا في حل ليس عليكم مني ذمام ، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من اهل بيتي
__________________
(1) الفتوح 5 / 179
فجزاكم اللّه جميعا خيرا ، ثم تفرقوا في سوادكم ومدائنكم حتى يفرج اللّه فان القوم انما يطلبونني ، ولو اصابونني لهوا عن طلب غيري»(1) .
وتمثلت روعة الايمان بهذا الخطاب العظيم الذي كشف جانبا كبيرا عن نفسية الامام رائد الكرامة الانسانية ، فقد تجنب في هذا الموقف الدقيق جميع الوان المنعطفات ، فجعل أصحابه وأهل بيته أمام الأمر الواقع وحدد لهم النتيجة التي لا مفر منها وهي القتل والتضحية وليس هناك شيء آخر غيرها وقد رغب أن يخلوا عنه ، وينصرفوا تحت جنح الظلام فيتخذون منه ستارا دون كل عين فلعلهم يخجلون أن يبتعدوا عنه في ضوء النهار ، أو انهم يخشونه فجعلهم في حل من التزاماتهم تجاهه ، وعرفهم
__________________
(1) ابن الاثير 3 / 285 ، المنتظم لابن الجوزي ، وروي كلامه بصورة اخرى فقد جاء في مقتل الحسين لعبد اللّه ، انه (ع) قال : انتم في حل من بيعتي فالحقوا بعشائركم ومواليكم ، وقال لأهل بيته : قد جعلتكم في حل من مفارقتي فانكم لا تطيقوهم لتضاعف اعدادهم وقواهم وما المقصود غيري فدعوني والقوم فان اللّه عز وجل يعينني ولا يخليني من حسن نظره كعادته مع اسلافنا الطيبين ، ففارقه جماعة من معسكره فقال له اهله : لا نفارقك ويحزننا ما يحزنك ، ويصيبنا ما يصيبك ، وانا اقرب ما تكون الى اللّه اذا كنا معك ، فقال لهم : إن كنتم وطنتم انفسكم على ما وطنت نفسي عليه ، فاعلموا ان اللّه انما يهب المنازل الشريفة لعباده لاحتمال المكاره ، وان اللّه كان خصني مع من مضى من اهلي الذين أنا آخرهم بقاء في الدنيا من الكرامات بما يسهل علي معها احتمال المكروهات فان لكم شطرا من كرامات اللّه ، واعلموا ان الدنيا حلوها ومرها حلم والانتباه في الآخرة والفائز من فاز فيها والشقي من شقي فيها.
انه بالذات هو الهدف لتلك الوحوش الكاسرة فاذا ظفروا به فلا ارب لهم في طلب غيره.
ولم يكد يفرغ الامام من كلماته حتى هبت الصفوة الطيبة من أهل بيته ، وهم يعلنون اختيار الطريق الذي يسلكه ، ويتبعونه في مسيرته ولا يختارون غير منهجه ، فانبروا جميعا وعيونهم تفيض دموعا قائلين :
«لم نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك لا أرانا اللّه ذلك أبدا»
بدأهم بهذا القول أخوه ابو الفضل العباس وتابعته الفتية الطيبة من ابناء الأسرة النبوية ، والتفت الامام إلى ابناء عمه من بني عقيل فقال لهم :
«حسبكم من القتل بمسلم اذهبوا فقد أذنت لكم»
وهبت فتية آل عقيل تتعالى اصواتهم قائلين بلسان واحد :
«اذن ما يقول الناس؟ : وما نقول؟ : إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن برمح ، ولم نضرب بسيف ولا ندري ما صنعوا؟ لا واللّه لا نفعل ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا نقاتل معك ، حتى نرد موردك فقبح اللّه العيش بعدك»(1) .
واترعت قلوب اصحاب الامام ايمانا فقد صهرهم ابو عبد اللّه بمثله التي لا تحد ، فقد رأوا فضائله ومزاياه ، واندفاعه نحو الحق ، وانه
__________________
(1) الطبري 6 / 238 ، تأريخ ابن الأثير 3 / 285
لم يكن يسعى بأي حال لجاه او مال أو سيادة ، وانه قد رفض كل مساومة على حساب أمته ودينه ، مما أثر في أعماق قلوبهم فاستهانوا بالحياة وسخروا من الموت ، وقد اندفعوا يعلنون له الفداء والتضحية وهذه كلمات بعضهم.
1 ـ مسلم بن عوسجة
وانبرى مسلم بن عوسجة ودموعه تتبلور على وجهه فخاطب الامام قائلا :
«أنحن نخلي عنك وبما ذا نعتذر الى اللّه في أداء حقك ، أما واللّه لا أفارقك حتى أطعن في صدورهم برمحي واضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم لقذفتهم بالحجارة حتى اموت معك».
وعبرت هذه الكلمات عن عميق ايمانه فهو يرى أنه مسئول امام اللّه عن اداء حق ريحانة رسول اللّه (ص) وانه سيبذل جميع طاقاته في الدفاع عنه.
2 ـ سعيد بن عبد اللّه
وتكلم سعيد بن عبد اللّه الحنفي فاعلن ولاءه الصادق للامام قائلا :
«واللّه لا نخليك حتى يعلم اللّه أنا قد حفظنا غيبة رسوله فيك أما واللّه لو علمت أني اقتل ثم احيا ثم احرق ثم اذرى يفعل بي ذلك سبعون مرة لما فارقتك حتى القى حمامي دونك ، وكيف لا افعل ذلك وانما هي قتلة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها ابدا».
وليس في قاموس الوفاء انبل ولا اصدق من هذا الوفاء انه يتمنى انه تجرى عليه عملية القتل سبعين مرة ليفدي الامام ويحفظ غيبة رسول اللّه (ص)
وكيف لا يستطيب الموت في سبيله وانما هو مرة واحدة ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها.
3 ـ زهير بن القين
وانطلق زهير فاعلن نفس الاتجاه الذي اعلنه اخوانه قائلا : «واللّه لوددت أني قتلت ثم نشرت ، ثم قتلت حتى اقتل كذا الف مرة ، وان اللّه عز وجل يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن انفس هؤلاء الفتيان من اهل بيتك ..».
لقد ارتفع هؤلاء الأبطال الى مستوى من النبل لم يبلغه اي انسان ، فاعطوا الدروس المشرقة للفداء في سبيل الحق.
وانبرى بقية اصحاب الامام فاعلنوا الترحيب بالموت في سبيله والتفاني في الفداء من اجله فجزاهم الامام خيرا(1) واكد لهم جميعا انهم سيلاقون حتفهم فتهفوا جميعا :
«الحمد للّه الذي اكرمنا بنصرك ، وشرفنا بالقتل معك ، او لا نرضى ان نكون معك في درجتك يا ابن رسول اللّه».
لقد اختبرهم الامام فوجدهم من خيرة الرجال صدقا ووفاء ، قد اشرقت نفوسهم بنور الايمان ، وتحرروا من جميع شواغل الحياة ، وآمنوا انهم صائرون إلى الفردوس الأعلى ، وكانوا ـ فيما يقول المؤرخون ـ فى ظمأ الى الشهادة ليفوزوا بنعيم الآخرة.
__________________
(1) المنتظم 5 / 179 ، تأريخ الطبري 6 / 239.
وكشف الامام (ع) لاصحابه مكيدة اهل الكوفة له في رسائلهم التي بعثوها إليه بالقدوم لمصرهم قائلا :
«ما كتب إلي من كتب الا مكيدة لي ، وتقربا لابن معاوية»(1) ان الرسائل التي كتبها اكثر اهل الكوفة انما كانت بايعاز من يزيد لأجل ان يقدم الامام إليهم فيقتلوه ، وما كتبوا إليه عن ايمان بعدالة قضيته.
ومن بين أصحاب الامام الذين بلغوا اعلى المستويات في الايمان محمد ابن بشير الحضرمي ، وقد بلغه ان ابنه قد أسر بثغر الري ، فقال :
ما أحب أن يؤسر ، وأنا ابقى بعده حيا ، وأستشعر الامام من هذه الكلمات رغبته في انقاذ ابنه من الأسر فاذن له في التخلي عنه قائلا : أنت في حل فاعمل في فكاك ولدك واندفع البطل العظيم يعلن تصميمه الصادق على ملازمة الامام والفداء في سبيله قائلا :
«اكلتني السباع حيا ان فارقتك ..»(2) .
اليس هذا اصدق مثل للايمان العميق والفداء الرائع في سبيل الامام لقد احبوه واخلصوا له ، واستهانوا بالموت من اجله.
__________________
(1) انساب الاشراف ق 1 ج 1
(2) تأريخ ابن عساكر 13 / 54 ، تذهيب التهذيب 1 / 150
وفراس بن جعدة المخزومي كانت له رحم ماسة مع الامام فان أباه جعدة أمه أم هانئ بنت أبي طالب ، وكان ممن كاتب الحسين بالثورة على الأمويين أيام معاوية ، وقد التحق بالامام في مكة وسايره في هذه المدة حتى انتهى إلى العراق الا انه لما رأى صعوبة الأمر وتضافر الجيوش على حرب الامام هاله الأمر ، وجبن عن الحرب ، واستولى عليه الرعب والخوف ، وقد ادرك الامام اضطرابه فأذن له في الانصراف ، فانهزم في جنح الليل البهيم(1) ولم يحض بالشهادة ، كما ان قوما آخرين قد انهزموا(2) ولم يفوزوا بنصرة الامام.
وروى الطبراني أن الامام أمر مناديا ينادي في اصحابه «لا يقتل معنا رجل وعليه دين» فقام إليه رجل من اصحابه فقال له :
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) روت السيدة سكينة قالت : سمعت أبي يقول لمن كان معه انتم جئتم معي لعلمكم اني آتي إلى جماعة بايعوني قلبا ولسانا ، والآن تجدونهم قد استحوذ عليهم الشيطان ، ونسوا ذكر اللّه ، فليس لهم قصد الا قتلي وقتل من يجاهد معي وأخاف ان لا تعلموا ذلك ، او تعلموا ولا تتفرقوا حياء مني ، ويحرم المكر والخديعة عندنا أهل البيت ، فكل من يكره نصرتنا فليذهب الليلة الساترة ، قالت سكينة : فتفرق القوم من نحو عشرة وعشرين حتى لم يبق معه الا ما ينقص عن الثمانين ، جاء ذلك في بغية النبلاء الجزء الثاني.
«ان علي دينا وقد ضمنته زوجتي»
فقال (ع) : وما ضمان امرأة؟(1) لقد اراد الامام ان يكون المستشهد بين يديه متحرجا في دينه خالي الذمة من حقوق الناس وأموالهم إلا انه هنا اشكالا فقد انكر الامام ضمان المرأة لما في ذمة زوجها من دين ، والحال ان القواعد الفقهية مجمعة على صحة ضمان المرأة للأموال وغيرها ومساواتها للرجل في هذه الجهة ، وفيما نحسب ان الجملة الأخيرة من الموضوعات ، فقد ذكر البلاذري الخبر الا انه لم يذكر قول الرجل ان علي دينا وقد ضمنته زوجتي.
وأقبل الامام إلى خيمته فجعل يعالج سيفه ويصلحه ، وهو يقول :
يا دهر أف لك من خليل |
كم لك بالاشراق والأصيل |
|
من صاحب وطالب قتيل |
والدهر لا يقنع بالبديل |
|
وانما الأمر إلى الجليل |
وكل حي سالك سبيل |
وقد نعى نفسه الشريفة بهذه الابيات ، وكان في الخيمة الامام زين العابدين والعقيلة زينب اما الامام زين العابدين فلما سمع كلام أبيه عرف ما أراد فخنقته العبرة ، ولزم السكوت وعلم ان البلاء قد نزل ـ حسبما يقول ـ واما عقيلة بني هاشم فانها لما سمعت هذه الأبيات أحست ان شقيقها وبقية اهلها عازم على الموت ومصمم على الشهادة فامسكت قلبها في ذعر ، وو ثبت وهي تجر ذيلها ، وقد فاضت عيناها بالدموع ، فقالت لاخيها بنبرات لفظت فيها شظايا قلبها.
__________________
(1) المعجم الكبير 1 / 141
«وا ثكلاه! وا حزناه! ليت الموت اعدمني الحياة ، يا حسيناه ، يا سيداه ، يا بقية اهل بيتاه ، استسلمت ، ويئست من الحياة ، اليوم مات جدي رسول اللّه (ص) وأمي فاطمة الزهراء وأبي علي واخي الحسن ، يا بقية الماضين وثمال الباقين»(1) .
فقال الامام لها بحنان :
«يا أخية لا يذهبن بحلمك الشيطان»
وانبرت العقيلة الى أخيها وهي شاحبة اللون قد مزق الأسى قلبها الرقيق المعذب فقالت له باسى والتياع :
«أتغتصب نفسك اغتصابا ، فذاك اطول لحزني واشجى لقلبي»
ولم تملك صبرها بعد ما ايقنت أن شقيقها مقتول ، فعمدت إلى جيبها فشقته ، ولطمت وجهها ، وخرت على الارض فاقدة لوعيها(2) وشاركتها النسوة في المحنة القاسية ، وصاحت السيدة أمّ كلثوم.
«وا محمداه ، وا علياه ، وا أماه ، وا حسيناه ، وا ضيعتنا بعدك»
وأثر المنظر الرهيب في نفس الامام فذاب قلبه الزاكي أسى وحسرات وتقدم إلى السيدات من بنات الوحي فجعل يأمرهن بالخلود إلى الصبر والتحمل لاعباء هذه المحنة الكبرى قائلا :
«يا اختاه ، يا أم كلثوم ، يا فاطمة ، يا رباب ، انظرن اذا قتلت فلا تشققن علي جيبا ولا تخمشن وجها ، ولا تقلن هجرا»(3) .
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 113)
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1 ، المنتظم 5 / 179 ، البداية والنهاية 8 / 177 ، السيدة زينب واخبار الزينبيات (ص 20 ـ 21)
(3) تأريخ الطبري 6 / 240 ، انساب الأشراف ق 1 ج 1
لقد عانى الامام العظيم الوانا قاسية ومذهلة من المحن والخطوب كانت بقدر ايمانه باللّه فلم يكد يفرغ من محنة حتى يواجهه سيل من المحن الكبرى التي لا يطيقها أي انسان.
ووضع الامام أرقى المخططات العسكرية وأدقها في ذلك العصر فنظم جبهته تنظيما رائعا ، واحاط معسكره بكثير من الحماية ، فقد خرج في غلس الليل البهيم ، وكان معه نافع بن هلال ، فجعل يتفقد التلاع والروابي وينظر إليها بدقة مخافة أن تكون مكمنا لهجوم الأعداء حين الحرب ، وقد أمر اصحابه بصنع ما يلي :
أولا ـ مقاربة البيوت بعضها من بعض ، بما في ذلك بيوت الهاشميين والأصحاب ، وفيما نحسب أنها كانت عدة صفوف من كل جهة لا صفا واحدا ، وانما صنع ذلك لئلا يكون هناك مجال لتسرب العدو وتخلله من بينها(1)
ثانيا ـ حفر خندق من الخلف محيط بخيم أهله وعياله ، وملئه بالحطب ، لاشعال النار فيه وقت الحرب(2) وانما امر بذلك لما يلي :
أ ـ ان تكون عوائلهم في مؤمن من العدو اثناء العمليات الحربية فانه لا يتمكن من اقتحام النار والهجوم عليها
ب ـ استقبال العدو من جهة واحدة ، وعدم تعدد الجهات القتالية نظرا لقلة اصحاب الامام ، ولو لا هذا التدبير لأحاط بهم
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 177
(2) وسيلة المال في مناقب الآل (ص 190) البداية والنهاية 8 / 187
العدو من الجهات الأربع وقضى عليهم في فترة وجيزة ، وما طالت الحرب يوما كاملا.
هذه بعض المخططات التي اتخذها الامام (ع) وهي تدل على مدى احاطته التامة في التنظيمات العسكرية ووقوفه على دقائقها.
واقبل الامام مع اهل بيته واصحابه على العبادة فاتجهوا الى اللّه بقلوبهم ومشاعرهم ، فكانوا ـ فيما يقول المؤرخون ـ لهم دوي كدوي النحل وهم ما بين راكع وساجد وقارئ للقرآن ، ولم يذق احد منهم طعم الرقاد.
فقد أقبلوا على مناجاة اللّه والتضرع إليه ، وهم يسألونه العفو والغفران
واستبشر أصحاب الامام بالشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (ص) وقد حدث المؤرخون عنهم بما يبهر العقول ، فهذا حبيب بن مظاهر خرج إلى اصحابه وهو يضحك قد غمرته الافراح فأنكر عليه يزيد بن الحصين التميمي قائلا :
«ما هذه ساعة ضحك؟!»
فاجابه حبيب عن ايمانه العميق قائلا :
«أي موضع احق من هذا بالسرور؟! واللّه ما هو الا ان تميل علينا هذه الطغاة بسيوفهم فنعانق الحور العين»(1) .
__________________
(1) رجال الكشي (ص 53)
وداعب برير عبد الرحمن الأنصاري فاستغرب منه وقال له :
«ما هذه ساعة باطل!!»
فأجابه برير :
«لقد علم قومي أني ما احببت الباطل كهلا ولا شابا ، ولكني مستبشر بما نحن لاقون ، واللّه ما بيننا وبين الحور العين الا أن يميل علينا هؤلاء بأسيافهم ، وودت انهم مالوا علينا الساعة»(1) .
وليس في اسرة شهداء العالم مثل هذا الايمان الذي تفجر عن براكين هائلة من اليقين والمعرفة وصدق النية ، وعظيم الاخلاص لقد استبشروا بالفوز في جنان الخلد مع النبيين والصديقين ، وايقنوا انهم يموتون اهنأ موتة واعظمها في تأريخ البشرية في جميع الأجيال والآباد.
وكان الامام يصلي ، وقد اشرف عليه الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن(2) فسمعه يقرأ في صلاته قوله تعالى :
( وَلاٰ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدٰادُوا إِثْماً ولَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلىٰ مٰا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّٰى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ ) (3) .
فجعل الشمر يهزأ بالامام ، واندفع رافعا صوته :
__________________
(1) الطبري 6 / 241 ، البداية والنهاية 8 / 187
(2) وفي البداية والنهاية 8 / 187 ان المشرف هو ابو حرب السبيعي عبيد اللّه بن شمير وكان مضاحكا بطالا.
(3) سورة آل عمران آية 178
وخفق الامام الحسين خفقة بعد ما اعيته الآلام المرهقة ، فاستيقظ ، والتفت إلى أصحابه وأهل بيته فقال لهم :
ـ أتعلمون ما رأيت في منامي؟
ـ ما رأيت يا ابن رسول اللّه؟
ـ رأيت كأن كلابا قد شدت علي تناشبني(1) وفيها كلب أبقع أشدها علي ، وأظن الذي يتولى قتلي رجل ابرص من هؤلاء القوم ...
ثم اني رأيت جدي رسول اللّه (ص) ومعه جماعة من أصحابه ، وهو يقول لي : يا بني أنت شهيد آل محمد ، وقد استبشرت بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى ، فليكن افطارك عندي الليلة ، عجل ولا تؤخر هذا ما رأيت وقد أزف الأمر وأقترب الرحيل من هذه الدنيا(2) .
وخيم على أهل بيته وأصحابه حزن عميق ، وأيقنوا بنزول الرزء القاصم واقتراب الرحيل عن هذه الحياة.
وفزعت عقائل الوحي كأشد ما يكون الفزع ، فلم يهدأن في تلك الليلة الخالدة في دنيا الأحزان ، وقد طافت بهن تيارات من الهواجس
__________________
(1) تناشبني : مأخوذ من نشب في الشيء إذا وقع فيما لا مخلص منه وفي رواية تنهشني.
(2) الفتوح 5 / 181.
والافكار ، وتمثل أمامهن المستقبل الملبد بالكوارث والخطوب ، فما ذا سيجري عليهن بعد مفارقة الحماة من أبناء الرسول (ص)؟ وهن في دار غربة قد أحاط بهن الأعداء الجفاة ، وخلدن الى البكاء والعويل والابتهال إلى اللّه لينقذهن من هذه المحنة التي تقصم الاصلاب.
وأما اعداء أهل البيت فقد باتوا وهم في شوق إلى اراقة تلك الدماء الزكية ليتقربوا بها إلى ابن مرجانة وكانت الخيل تدور وراء معسكر الحسين وعليها عزرة بن قيس الاحمسي(1) خوفا من أن يفوت الحسين من قبضتهم أو يلتحق بمعسكره أحد من الناس.
واستعد الامام هو وأصحابه إلى لقاء اللّه ، ووطنوا نفوسهم على الموت ، وقد أمر (ع) بفسطاط فضرب له ، وأتي بجفنة فيها مسك ، كما أتي بالحنوط ، ودخل الفسطاط فتطيب وتحنط ، ثم دخل من بعده بربر فتطيب وتحنط ، وهكذا فعل جميع أصحابه(2) استعدادا للموت والشهادة في سبيل اللّه.
وما طلع فجر في سماء الدنيا كفجر اليوم العاشر من المحرم في ماسيه واحزانه ، ولا أشرقت شمس كتلك الشمس في كآبتها وآلامها ...
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 187
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1 ، البداية والنهاية 8 / 187
فليس هناك حادث في التأريخ يفوق في كوارثه وآلامه تلك المشاهد الحزينة التي تم تمثيلها يوم عاشوراء(1) على صعيد كربلا ، فلم تبق محنة من محن الدنيا ولا غصة من غصص الدهر إلا جرت على ريحانة رسول اللّه (ص) يقول الامام زين العابدين (ع) :
«ما من يوم أشد على رسول اللّه (ص) من يوم أحد قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه ، وأسد رسوله ، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب ، ثم قال : ولا يوم كيوم الحسين ازدلف إليه ثلاثون الف رجل يزعمون انهم من هذه الأمة كل يتقرب الى اللّه عز وجل بدمه ، وهو باللّه يذكرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا»(2) .
وبدأ الامام العظيم في فجر اليوم العاشر بالصلاة ، وكان فيما يقول المؤرخون : قد تيمم هو واصحابه للصلاة نظرا لعدم وجود الماء عندهم وقد آتم به أهله وصحبه(3) وقبل أن يتموا تعقيبهم دقت طبول الحرب من معسكر ابن زياد ، واتجهت فرق من الجيش وهي مدججة بالسلاح تنادي بالحرب أو النزول على حكم ابن مرجانة.
__________________
(1) عاشوراء : اسم لليوم العاشر من المحرم ، قيل ان التسمية قديمة وانما سمي بذلك لاكرام عشرة من الأنبياء فيه بعشر كرامات ، جاء ذلك في الأنوار الحسينية (ص 22) للبلاوي.
(2) بحار الأنوار 9 / 147.
(3) حجة السعادة في حجة الشهادة لاعتماد السلطنة حسن بن علي ، فارسي ترجمه إلى اللغة العربية الامام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء وهو من مخطوطات مكتبته العامة.
وخرج أبي الضيم فرأى البيداء قد ملئت خيلا ورجالا ، وقد شهرت السيوف والرماح ، وهم يتعطشون إلى اراقة دمه ودماء البررة من أهل بيته وأصحابه لينالوا الأجر الزهيد من ابن مرجانة فدعا (ع) بمصحف فنشره على رأسه ، وأقبل على اللّه يتضرع إليه قائلا :
«اللهم أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من هم يضاعف فيه الفؤاد ، وتقل فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته وكفيته ، فانت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة»(1) .
ويلمس في هذا الدعاء مدى ايمانه العميق فقد اناب الى اللّه واخلص له في جميع مهامه فهو وليه ، والملجأ الذي يلجأ إليه في كل نازلة نزلت به.
وأمر الامام في أول الصبح باشعال النار في الخندق الذي كان محيطا بخيم النساء ليحميها من هجوم الخيل ، كما لا تتعدد عليهم جبهات القتال وتنحصر في جهة واحدة.
__________________
(1) تأريخ ابن عساكر 13 / 14 البداية والنهاية 8 / 169 ، تأريخ ابن الأثير 3 / 287.
ولما اشتعلت النار في الخندق اشتد بعض الممسوخين من معسكر ابن سعد نحو الامام كأنهم الكلاب ، وقد رفعوا أصواتهم بهرير منكر ، ومن بينهم :
1 ـ شمر بن ذي الجوشن
وأقبل الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن على معسكر الامام فرفع صوته :
«يا حسين تعجلت بالنار؟»
فرد عليه الامام «أنت تقول هذا يا ابن راعية المعزى؟ أنت واللّه أولى بها صليا».
ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم إلا ان الامام نهاه وقال :
اني اكره أن ابدأهم بقتال(1) .
2 ـ محمد بن الأشعث
واشتد الوضر الخبيث محمد بن الأشعث نحو الامام وهو ينادي :
«يا حسين أنت الساعة ترد جهنما»
فأجابه الامام : لعنك اللّه ولعن أباك وقومك يا ابن المرتد الفاجر عدو اللّه ورسوله والمسلمين(2) .
__________________
(1) انساب الاشراف ق 1 ج 1
(2) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
3 ـ عبد اللّه بن حوزة
واندفع الوغد عبد اللّه بن حوزة إلى معسكر الامام ، وصاح :
«ابشر يا حسين بالنار»
فرد عليه الامام كلامه : اني أقدم على رب رحيم ، وشفيع مطاع ، وسأل عنه فقيل له انه ابن حوزة فرفع يديه بالدعاء وقال :
(حازه اللّه إلى النار) فاضطرب به فرسه في جدول فتعلقت رجله بالركاب وسقط إلى الأرض ، وقد نفر به الفرس فجعل يضرب رأسه بالاحجار واصول الاشجار حتى هلك(1) وقيل القته فرسه في النار المشتعلة بالخندق فاحترق بها ، ولما رأى الامام سرعة استجابة دعائه رفع صوته قائلا :
«اللهم إنا أهل بيت نبيك وذريته فاقصم من ظلمنا وغصبنا حقنا انك سميع قريب»(2) .
ولما رأى ذلك مسروق بن وائل الحضرمي وكان يحدث نفسه بقتل الامام لينال الجائزة من ابن مرجانة ندم على ما فكر به وعلم أن لأهل البيت حرمة ومكانة عند اللّه ، فترك المعركة وانهزم مخافة غضب اللّه(3) .
وقام كلا المعسكرين بتعبئة عامة ، فعبأ الامام اصحابه وكانوا اثنين وثمانين فارسا وراجلا وجعل زهير بن القين في الميمنة ، وحبيب بن مظاهر
__________________
(1) أنساب الاشراف ق 1 ج 1 تذهيب التهذيب 1 / 155
(2) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 249
(3) تأريخ ابن الأثير 3 / 186
في الميسرة ، وثبت هو وأهل بيته في القلب(1) وأعطى رايته إلى أخيه وعضده أبي الفضل العباس(2) وعبأ ابن سعد جيشه فجعل على ربع اهل المدينة عبد اللّه بن زهير الأزدي ، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث ، وعلى ربع مذحج وأسد عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي ، وعلى ربع بني تميم وهمدان الحر بن يزيد الرياحي(3) وجعل على ميمنة جيشه عمرو بن الحجاج الزبيدي وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عروة بن قيس الاحمسي وعلى الرجالة شبث بن ربعي واعطى الراية دريدا مولاه(4) وبذلك فقد استعد كلا المعسكرين للحرب والقتال.
ورأى الامام مع اعلام أصحابه أن يقيموا الحجة على أهل الكوفة ليكونوا على بينة من امرهم وبصيرة على ما قدموا عليه من اثم «تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا» وقد اعذروا في الدعاء ومنحوا النصيحة لانقاذ اولئك الممسوخين من خطر الجريمة التي تؤدي بهم إلى النار.
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 270)
(2) تأريخ الطبري 6 / 241
(3) مرآة الزمان (ص 92)
(4) تأريخ ابن الأثير 3 / 86
ودعا الامام براحلته فركبها ، واتجه نحو معسكر ابن سعد ، وهو بتلك الهيبة التي تحكى هيبة جده الرسول ، فخطب فيهم خطابه التأريخي الذي هو من ابلغ واروع ما أثر في الكلام العربي ، وقد نادى بصوت عال يسمعه جلهم :
«أيها الناس : اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى اعظكم بما هو حق لكم علي ، وحتى اعتذر إليكم من مقدمي عليكم فان قبلتم عذري ، وصدقتم قولي ، واعطيتموني النصف من انفسكم كنتم بذلك أسعد ، ولم يكن لكم علي سبيل ، وإن لم تقبلوا مني العذر ولم تعطوا النصف من انفسكم فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ، ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ان ولي اللّه الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين»
ونقل الأثير كلماته إلى السيدات من عقائل النبوة وحرائر الوحي فتصارخن بالبكاء ، وارتفعت اصواتهن ، فبعث إليهن أخاه العباس وابنه عليا ، وقال لهما : سكتاهن فلعمري ليكثر بكاؤهن.
ولما سكتن استرسل في خطابه فحمد اللّه واثنى عليه وصلى على النبي (ص) وعلى الملائكة والأنبياء ، وقال في ذلك : ما لا يحصى ذكره ولم يسمع لا قبله ولا بعده ابلغ منه في منطقه(1) وقال :
«أيها الناس : إن اللّه تعالى خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال متصرفة بأهلها حالا بعد حال ، فالمغرور من غرته ، والشقي من فتنته ، فلا تغرنكم هذه الدنيا فانها تقطع رجاء من ركن إليها ، وتخيب طمع من
__________________
(1) تأريخ الطبري 6 / 242
طمع فيها ، وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد اسخطتم اللّه فيه عليكم ، واعرض بوجهه الكريم عنكم ، واحل بكم نقمته ، فنعم الرب ربنا ، وبئس العبيد أنتم أقررتم بالطاعة ، وآمنتم بالرسول محمد (ص) ثم انكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر اللّه العظيم ، فتبا لكم ولما تريدون ، إنا للّه وإنا إليه راجعون» هؤلاء قوم كفروا بعد ايمانهم فبعدا للقوم الظالمين».
لقد وعظهم بهذه الكلمات التي تمثل هدي النبوة ، ومحنة الأنبياء في اممهم ، فحذرهم من فتنة الدنيا وغرورها ، ودلل على عواقبها الخاسرة واهاب بهم من الاقدام على قتل عترة نبيهم فانهم بذلك يخرجون من الاسلام إلى الكفر ، ويستوجبون عذاب اللّه الخالد ، وسخطه الدائم ، ثم استرسل (ع) في خطابه فقال :
«أيها الناس : انسبوني من أنا؟ ثم ارجعوا الى انفسكم وعاتبوها وانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟! الست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه؟ وأول المؤمنين باللّه والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الطيار عمي أو لم يبلغكم قول رسول اللّه (ص) لي ولأخي : «هذان سيدا شباب أهل الجنة» فان صدقتموني بما اقول : وهو الحق ، واللّه ما تعمدت الكذب منذ علمت ان اللّه يمقت عليه أهله ، ويضر به من اختلقه ، وان كذبتموني فان فيكم من اذا سألتموه اخبركم ، سلوا جابر بن عبد اللّه الأنصاري وأبا سعيد الخدري ، وسهل بن سعد الساعدي ، وزيد بن ارقم وأنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللّه (ص) لي ولأخي أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟».
لا اعرف خطابا أرق ولا ابلغ من هذا الخطاب ، فأي خطيب مهما كان يتمتع برائع البيان فانه ليعجز عن الكلام في مثل هذا الموقف الرهيب الذي تخرس فيه الأسود ، وتحجم فيه الابطال وكان خليقا بهذا الخطاب أن يرجع إليهم حوازب احلامهم ، ويحدث انقلابا فكريا وعمليا في صفوفهم لقد دعاهم لأن يرجعوا إلى نفوسهم وعقولهم لو كانوا يملكونها ليمعنوا النظر في شأنه ، فهو حفيد نبيهم وابن وصيه ، والصق الناس وأمسهم رحما به ، وهو سيد شباب أهل الجنة ، وفي ذلك حصانة له من سفك دمه وانتهاك حرمته ، الا ان ذلك الجيش لم يع هذا المنطق الفياض فقد خلد إلى الجريمة ، واستولى على قلوبهم زيغ قائم من الضلال فانساهم ذكر اللّه.
وانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن وهو ممن غرق في الأثم فقال له :
«هو يعبد اللّه على حرف ان كان يدري ما تقول؟»
وما كان مثل ذلك الضمير المتحجر الذي ران عليه الباطل أن يعي منطق الامام أو يفهم مقالته ، وتصدى لجوابه حبيب بن مظاهر فقال له :
«واللّه اني أراك تعبد اللّه على سبعين حرفا ، وأنا أشهد انك صادق ما تدري ما يقول : قد طبع اللّه على قلبك» واستمر الامام في خطابه فقال :
«فان كنتم في شك من هذا القول ، أفتشكون أني ابن بنت نبيكم فو اللّه ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويحكم اتطلبونني بقتيل منكم قتلته ، أو مال لكم استهلكته أو بقصاص جراحة»
وزلزلت الأرض تحت أقدامهم ، وغدوا حيارى لا يملكون جوابا لرده فهم لا يشكون أنه ابن بنت رسول اللّه (ص) وريحانته ، وانهم لا يطلبونه بقتيل قتله ولا بمال استهلكه منهم. ثم نادى الامام قادة الجيش الذين دعوه برسائلهم للقدوم الى الكوفة ، فقال :
«يا شبث بن ربعي ، ويا حجار بن ابجر ، ويا قيس بن الأشعث ويا زيد بن الحرث ، ألم تكتبوا إلي أن قد اينعت الثمار واخضر الجناب وانما تقدم على جند لك مجندة».
ولم تخجل تلك النفوس من خيانة العهد ، وحنث الايمان فأجابوه مجمعين على الكذب :
«لم نفعل»
واستغرب الامام منهم ذلك فقال لهم :
«سبحان اللّه!! بلى واللّه لقد فعلتم».
واعرض الامام عنهم ووجه خطابه الى جميع قطعات الجيش فقال لهم :
«أيها الناس : اذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض».
فانبرى إليه قيس بن الأشعث وهو ممن عرف بالغدر والنفاق ، وقد خلع كل شرف وحياء ، وحسبه أنه من أسرة لم تنجب شريفا قط فقال له :
«أولا تنزل على حكم بني عمك؟ فانهم لن يروك إلا ما تحب ، ولن يصل إليك منهم مكروه».
فأجابه الامام :
«أنت أخو اخيك؟ أتريد أن يطلبك بنو هاشم باكثر من دم مسلم
ابن عقيل؟ لا واللّه لا اعطيهم بيدي اعطاء الذليل ولا أفرّ فرار العبيد(1) عباد اللّه إني عذت بربي وربكم أن ترجمون أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب»(2) .
نزول الممالك وتدول الدول ، وهذه الكلمات احق بالبقاء واجدر بالخلود من كل شيء فقد مثلت عزة الحق ، ومنعة الاحرار وشرف الأباة.
ومن المؤسف أنه لم تنفذ هذه الكلمات النيرة إلى قلوبهم فقد اقفل الجهل جميع ابواب الفهم في نفوسهم «خَتَمَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وعَلىٰ سَمْعِهِمْ وعَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ ، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاّٰ كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ، لقد اعرضوا اعراضا تاما عن دعوة الامام فلم يحفلوا بها» وصدق اللّه تعالى إذ يقول : «إِنَّكَ لاٰ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىٰ ولاٰ تُسْمِعُ اَلصُّمَّ اَلدُّعٰاءَ إِذٰا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ »
وانبرى زهير بن القين فألقى عليهم خطابه الحافل بالنصيحة والارشاد لهم قائلا :
«يا أهل الكوفة : نذار لكم من عذاب اللّه ، إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم ، ونحن حتى الآن أخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة منا أهل ، فاذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا أمة وانتم أمة ، إن اللّه ابتلانا واياكم بذرية نبيه محمد (ص) لينظر ما نحن وانتم عاملون ، إنا ندعوكم إلى نصرهم وخذلان الطاغية يزيد ،
__________________
(1) وفي رواية «ولا أقر لكم اقرار العبيد»
(2) تأريخ الطبري 6 / 243 الدر النظيم (ص 169)
وعبيد اللّه بن زياد فانكم لا تدركون منهما إلا سوء عمر سلطانهما ، يسملان اعينكم ، ويقطعان أيديكم وارجلكم ، ويمثلان بكم ، ويرفعانكم على جذوع النخل ، ويقتلان أماثلكم وقراءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهانئ ابن عروة وأشباهه».
وحفل هذا الخطاب بابلغ وأروع ما تكون الحجة ، ففيه الدعوة إلى الحق بجميع رحابه ومفاهيمه ، والتحذير من عذاب اللّه وسخطه ، لقد عرفهم بأنه انما ينصحهم امتثالا للواجب الديني الذي يقضي بنصيحة المسلم لأخيه المسلم اذا رآه قد انحرف عن الحق وعرفهم قبل أن تندلع نار الحرب ان الأخوة الاسلامية تجمعهم فاذا وقعت الحرب انفصمت عرى تلك الأخوة ، وكان كل منهما أمة مستقلة لا تجمعهما روابط الدين والاسلام وقد عرض لهم ان اللّه قد ابتلى المسلمين بعترة نبيه فاوجب مودتهم في كتابه العزيز ، لينظر إلى الأمة ما هي صانعة فيهم؟
وذكرهم يجور الأمويين وبطشهم ، وما صنعوه في صالحائهم امثال حجر بن عدي وميثم التمار وغيرهم من الذين ناهضوا الجور وقاوموا الاستبداد فقد صبت عليهم السلطة الأموية وابلا من العذاب الأليم ، فسملت عيونهم وقطعت أيديهم وأرجلهم وصلبتهم على جذوع النخل.
وما انهى زهير خطابه الا وتوقح جماعة من جيش ابن سعد فسبوه وتوعدوه مع الامام الحسين بالقتل قائلين «لا نبرح حتى نقتل صاحبك ومن معه ، أو نبعث به وباصحابه إلى عبيد اللّه بن زياد سلما».
واندفع زهير فخاطبهم بمنطق الحق قائلا :
«عباد اللّه : إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية ، فان لم تنصروهم فأعيذكم باللّه أن تقتلوهم فخلوا بين الرجل وبين يزيد فلعمري إنه ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين».
ووجم الكثيرون ، واستولت عليهم الحيرة والذهول ولما رأى ذلك شمر ابن ذي الجوشن خاف أن يثوب الجيش إلى الرشاد ، فسدد سهما إلى زهير وهو يقول :
«اسكت أسكت اللّه نامتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك»
واحتقره زهير فنظر إليه كأقذر مخلوق قائلا له :
«ما اياك أخاطب انما أنت بهيمة ، واللّه ما أظنك تحكم من كتاب اللّه آيتين ، فابشر بالخزي يوم القيامة «والعذاب الأليم».
والتاع الوغد الخبيث من كلام زهير فصاح به :
«إن اللّه قاتلك وصاحبك عن ساعة»
«أبالموت تخوفني؟ فو اللّه للموت أحب إلي من الخلد معكم»
والتفت زهير إلى الجيش قائلا :
«عباد اللّه لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي واشباهه ، فو اللّه لا تنال شفاعة محمد (ص) قوما هرقوا دماء ذريته وأهل بيته ، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم».
ورأى الامام ان نصائح زهير لا تجدي مع هؤلاء الممسوخين فأوعز إلى بعض أصحابه يأمره بالكف عن الكلام ، وانطلق إليه فناداه : إن أبا عبد اللّه يقول لك : أقبل فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه ، وأبلغ في الدعاء فقد نصحت هؤلاء وابلغت لو نفع النصح والابلاغ(1) .
__________________
(1) تأريخ الطبري 6 / 243
واندفع الشيخ الجليل برير بن خضير لنصيحة ذلك الجيش قائلا :
«يا معشر الناس : ان اللّه بعث محمدا (ص) بشيرا ونذيرا ، وداعيا إلى اللّه وسراجا منيرا. وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابه وقد حيل بينه وبين ابن بنت رسول اللّه أفجزاء محمد (ص) هذا؟»
وقد خلعوا الشرف والحياء فقالوا له :
«يا برير قد اكثرت الكلام فاكفف عنا ، فو اللّه ليعطش الحسين كما عطش من كان قبله».
ووجه إليهم النصيحة والارشاد قائلا :
«يا قوم : إن ثقل محمد (ص) قد اصبح بين اظهركم ، وهؤلاء ذريته وعترته وبناته ، وحرمه فهانوا ما عندكم ، وما الذي تريدون أن تصنعوه بهم؟».
فأجابوه : نريد أن نمكن منهم الأمير عبيد اللّه بن زياد فيرى رأيه وأخذ برير يذكرهم بعهودهم وكتبهم التي بعثوها للامام قائلا :
«أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاءوا منه؟ ويلكم يا أهل الكوفة ، أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها ، واشهدتم اللّه عليها وعليكم؟ أدعوتم اهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون انفسكم دونهم حتى اذا اتوكم اسلمتموهم الى ابن زياد وحلأتموهم عن ماء الفرات بئسما خلفتم نبيكم في ذريته ، ما لكم لا سقاكم اللّه يوم القيامة ، فبئس القوم أنتم».
وانبرى جماعة ممن زاغت ضمائرهم فانكروا كتبهم وعهودهم للامام قائلين له :
«ما ندري ما تقول؟»
واستبان لبرير تماديهم في الاثم واجماعهم على اقتراف المنكر فقال :
«الحمد للّه الذي زادني فيكم بصيرة ، اللهم اني ابرأ إليك من فعال هؤلاء القوم ، اللهم الق بأسهم حتى يلقوك وأنت عليهم غضبان».
فجعلوا يضحكون منه ، وعمدوا إليه فرشقوه بسهامهم(1) فانصرف عنهم.
وابت رحمة الامام وشفقته على أعدائه إلا أن يقوم باسداء النصيحة لهم ثانيا ، حتى يستبين لهم الحق ، ولا يدعي أحد منهم أنه على غير بينة من أمره فانطلق نحوهم ، وقد نشر كتاب اللّه العظيم ، واعتم بعمامة جده رسول اللّه (ص) ولبس لامته ، وكان على هيبة تعنو لها الجباه ، وتغض عنها الابصار فقال لهم.
«تبا لكم ايتها الجماعة وترحا أحين استصرختمونا والهين فاصرخناكم موجفين(2) سللتم علينا سيفا في ايمانكم وحششتم(3) علينا نارا اقتدحناها على عدونا وعدوكم فأصبحتم إلبا(4) لأعدائكم على اوليائكم بغير عدل افشوه فيكم ، ولا أمل اصبخ لكم فيهم ، فهلا لكم الويلات تركتمونا والسيف
__________________
(1) مناقب ابن شهر اشوب 5 / 129
(2) موجفين : اي مسرعين في السير إليكم
(3) حششتم : النار التي توقد
(4) إلبا : اي مجتمعين
مشيم(1) والجأش طامن ، والراي لما يستحصف ، ولكن اسرعتم إليها كطيرة الدبا(2) وتداعيتم عليها كتهافت الفراش(3) ثم نقضتموها ، فسحقا لكم يا عبيد الأمة ، وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ومحرفي الكلم ، وعصبة الاثم ، ونفثة الشيطان ، ومطفئ السنن ، ويحكم أهؤلاء تعضدون!! وعنا تتخاذلون! اجل واللّه غدر فيكم وشجت عليه اصولكم ، وتأزرت فروعكم(4) فكنتم اخبث ثمرة شجى للناظر واكلة للغاصب.
الا وان الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة(5) والذلة وهيهات منا الذلة يأبى لنا اللّه ذلك ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وطهرت وانوف حمية ونفوس آبية من ان تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ، الا واني زاحف بهذه الأسرة على قلة العدد وخذلان الناصر ، ثم انشد ابيات فروة بن مسيك المرادي :
فان نهزم فهزامون قدما |
وإن نهزم فغير مهزمينا |
|
وما ان طبنا جبن ولكن |
منايانا ودولة آخرينا |
|
فقل للشامتين بنا افيقوا |
سيلقى الشامتون كما لقينا |
|
اذا ما الموت رفع عن اناس |
بكلكله اناخ بآخرينا |
__________________
(1) مشيم : السيف غمده
(2) الدبا : بفتح الدال وتخفيف الباء الجراد قبل ان يطير
(3) الفراش : بالفتح وتخفيف الراء جمع فراشة وهي صغار البق تتهافت في النار لضعف بصرها ، يقول الغزالي : ولعلك تظن ان هذا لنقصان فهمها وجهلها. ان جهل الانسان اعظم من جهلها لانكبابه على الشهوات والمعاصي إلى ان يغمس في النار ويهلك هلاكا مؤبدا.
(4) تأزرت : اي نبتت عليه فروعكم وقويت به.
(5) السلة : بكسر السين استلال السيوف.
اما واللّه لا تلبثون بعدها الا كريثما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى ، وتقلق بكم قلق المحور عهد عهده إلي ابي عن جدي رسول اللّه (ص) «فأجمعوا امركم وشركاءكم ثم لا يكن امركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون اني توكلت على اللّه ربي وربكم ما من دابة الا وهو آخذ بناصيتها ان ربي على صراط مستقيم ، ورفع يديه بالدعاء عليهم قائلا :
«اللهم احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأسا مصبرة فانهم كذبونا وخذلونا ، وأنت ربنا عليك توكلت وإليك المصير»(1) .
لقد انفجر الامام بهذا الخطاب كما ينفجر البركان ، وقد أبدى من صلابة العزم وقوة الارادة ما لم يشاهد مثله وقد حفل خطابه بالنقاط التالية :
أولا ـ : انه أوغل في تأنيبهم بشدة لما أبدوه من التناقض في سلوكهم فقد هبوا إليه يستنجدون ويستغيثون به لينقذهم من ظلم الأمويين وجورهم فلما خف لانقاذهم انقلبوا عليه ، وسلوا عليه سيوفهم التي كان من الواجب أن تسل على أعدائهم الذين بالغوا في اذلالهم وارغامهم على ما يكرهون.
ثانيا ـ : انه ابدى أسفه البالغ على دعمهم للحكم الاموي في حين انه لم يبسط فيهم عدلا او يشيع فيهم حقا ، أو يكون لهم أي أمل أو رجاء فيه.
ثالثا ـ : انه شجب الصفات الماثلة فيهم والتي كانوا بها من احط شعوب الأرض فهم عبيد الامة وشذاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب وعصبة الاثم إلى غير ذلك من نزعاتهم الشريرة.
__________________
(1) تأريخ ابن عساكر 13 / 74 ـ 75.
رابعا ـ : انه اعلن رفضه الكامل لدعوة الطاغية ابن مرجانة من الاستسلام له ، فقد اراد له الذل وهيهات أن يرضخ لذلك فقد خلق ليمثل الكرامة الانسانية والمثل العليا فكيف يذعن للدعي ابن الدعي؟
خامسا ـ : انه اعلن تصميمه على الحرب ، وان يخوض المعركة بأسرته التي مثلت البطولات ومضاء العزيمة والاستهانة بالموت.
سادسا : انه أخبرهم عن مصيرهم بعد قتلهم له ، فان اللّه سيسلط عليهم من يسقيهم كأسا مصبرة ، وينزل بهم العذاب الأليم ، ولم يمض قليل من الوقت حتى ثار عليهم المختار فملأ قلوبهم فزعا ورعبا ونكل بهم تنكيلا فظيعا.
هذه بعض النقاط الحساسة التي حفل بها كلامه الشريف الذي تندفق بقوة البيان ، وروعة القصد ، وقد وجم جيش ابن سعد.
وثابت نفس الحر إلى الرشاد واستيقظ ضميره بعد ما سمع خطاب الامام ، وجعل يتأمل ويفكر في تلك اللحظات الحاسمة من حياته ، فقد استولت عليه موجات رهيبة من الصراع النفسي ، فهل يلتحق بالحسين فيضحي بحياته ومنصبه بعد ما كان القائد المقرب من السلطة ، وقد وثقت به وجعلته اميرا على مقدمة جيشها ، او انه يبقى محاربا إلى الامام وفي ذلك العذاب الدائم ، واختار الحر نداء ضميره ، وتغلب على صراعه النفسي فصمم على الالتحاق بالحسين وقبل أن يتوجه إليه اسرع نحو ابن سعد فقال له :
«امقاتل أنت هذا الرجل؟»
وسارع ابن سعد قائلا بلا تردد ليظهر امام قادة الفرق اخلاصه لسيده ابن مرجانة.
«أي واللّه قتالا أيسره أن تسقط فيه الرءوس وتطيح الأيدي»
فقال له الحر :
«انما لكم في واحدة من الخصال التي عرضها عليكم رضا؟»
واندفع ابن سعد قائلا :
«لو كان الأمر لي لفعلت ولكن اميرك أبى ذلك»
ولما أيقن ان القوم مصممون على حرب الامام مضى يشق الصفوف وقد سرت الرعدة بأوصاله فانكر ذلك المهاجر بن أوس وهو من أصحاب ابن زياد فقال بنبرة المستريب منه :
«واللّه إن أمرك لمريب ، واللّه ما رأيت منك في موقف قط مثل ما أراه الآن ، ولو قيل لي : من اشجع أهل الكوفة لما عدوتك؟»
وكشف له عن حقيقة حاله واطلعه على ما صمم عليه قائلا :
«إني واللّه اخير نفسي بين الجنة والنار ، ولا اختار على الجنة شيئا ولو قطعت واحرقت ..».
وألوى بعنان فرسه صوب الامام(1) وهو مطرق برأسه الى الأرض حياء وتدما ، فلما دنا من الامام رفع صوته قائلا :
«اللهم إليك أنيب فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك ..
يا أبا عبد اللّه إني تائب فهل لي من توبة؟».
ونزل عن فرسه فوقف قبال الامام ودموعه تتبلور على وجهه ، وجعل يخاطب الامام ويتوسل إليه.
__________________
(1) الطبري 6 / 244 ، الكامل 3 / 288
«جعلني اللّه فداك يا بن رسول اللّه أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع ، وجعجعت بك في هذا المكان وو اللّه ـ الذي لا إله إلا هو ـ ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبدا ، ولا يبلغون منك هذه المنزلة ابدا ، فقلت في نفسي : لا أبالي ان اطيع القوم في بعض أمرهم ، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم ، وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه ، وو اللّه لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك واني قد جئتك تائبا مما كان مني إلى ربي مواسيا لك بنفسي حتى اموت بين يديك افترى لي توبة؟»
واستبشر به الامام ومنحه الرضا ، والعفو وقال له : نعم يتوب اللّه عليك ويغفر(1) واقبل الحر يحدث الامام ويقص عليه رؤيا كان قد رآها قائلا :
«سيدي : رأيت أبي في المنام البارحة فقال لي : ما تصنع في هذه الأيام؟ وأين كنت؟ فقلت له : كنت في الطريق على الحسين ، فقال لي :
وا ويلاه عليك ما لك والحسين بن رسول اللّه (ص) وأريد منك أن تأذن لي بالمحاربة لأكون أول قتيل بين يديك ، كما كنت أول خارج عليك(2) .
واستأذن الحر من الامام الحسين ليعظ أهل الكوفة وينصحهم لعل بعضهم أن يرجع عن غيه ويثوب الى الحق ، فاذن له الامام فانبرى
__________________
(1) الكامل 3 / 288 ، الدر النظيم (ص 170)
(2) الكامل 3 / 289
إليهم رافعا صوته :
«يا اهل الكوفة لأمكم الهبل(1) والعبر(2) أدعوتموه حتى إذا أتاكم استلمتموه وزعمتم أنكم قاتلو أنفسكم دونه ، ثم عدوتم عليه لتقتلوه؟ أمسكتم بنفسه ، واحطتم به ، ومنعتموه من التوجه في بلاد اللّه العريضة حتى يأمن ويأمن أهل بيته ، فاصبح كالأسير لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا ، ومنعتموه ومن معه عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهودي والنصراني والمجوسي ، ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه وها هو وأهله قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا سقاكم اللّه يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتفزعوا عما أنتم عليه».
وزلزلت الأرض تحت اقدامهم ، فقد كان هنا مئات امثال الحر ممن هاموا في تيارات من الصراع النفسي وكانوا على يقين بباطل قصدهم إلا انهم استجابوا رغباتهم النفسية ، في حب البقاء.
وتوقح بعض اولئك الممسوخين فرموا الحر بالنبل(3) وهو كل ما يملكون من حجة في الميدان.
والتحق بمعسكر الامام ثلاثون فارسا من جيش ابن سعد ، وجعلوا يقولون لأهل الكوفة : يعرض عليكم ابن رسول اللّه (ص) ثلاث خصال
__________________
(1) الهبل : الثكل والفقد
(2) العبر : البكاء وجريان الدمع
(3) الكامل 3 / 229
فلا تقبلون منها شيئا ، وجعلوا يقاتلون ببسالة مع الامام حتى استشهدوا بين يديه(1) .
وفشلت جميع الوسائل التي اتخذها الامام لصيانة السلم وعدم سفك الدماء ، وقد خاف ابن سعد من اطالة الوقت لئلا يحدث انقسام في صفوف جيشه فقد اربكه التحاق الحر بالامام مع ثلاثين فارسا من جيشه ، وزحف الباغي الى مقربة من معسكر الامام فأخذ سهما فاطلقه صوب الامام وهو يصيح :
«اشهدوا لي عند الأمير أني اول من رمى الحسين»
واتخذ ابن سعد من السهم الذي فتح به الحرب وسيلة يتقرب به الى سيده ابن مرجانة ، ويطلب من الجيش أن يشهدوا له عنده ليكون على ثقة من اخلاصه ووفائه ، وان ينفي عنه الشبهات من أنه غير جاد في قتاله للحسين.
وتتابعت السهام من معسكر ابن سعد على اصحاب الحسين كأنها المطر حتى لم يبق أحد منهم الا اصابه سهم منها ، وبطلت بذلك حجة السلم التي حرص الامام عليها ، وكان على انتظار من اعدائه القيام بهذا العدوان الغادر فلما بدءوه من جانبهم وجب عليه الدفاع عن النفس وجوبا لا شبهة فيه والتفت الامام الى اصحابه فاذن لهم في الحرب قائلا :
«قوموا يا كرام فهذه رسل القوم إليكم»
وتقدمت طلائع الحق من أصحاب الامام إلى ساحة الحرب وبدأت
__________________
(1) تذهيب التهذيب 1 / 152
بذلك المعركة الرهيبة واحتدم القتال كأشد واعنف ما يكون القتال ، ومن المؤكد انه لم تكن مثل تلك المعركة في جميع الحروب التي جرت في الأرض. فقد تقابل اثنان وثلاثون فارسا واربعون راجلا مع عشرات الألوف وكانت تلك القلة كفوا لتلك الكثرة التي تملك أضخم العتاد والسلاح ، وابدت تلك القلة من صنوف البسالة والشجاعة ما يبهر العقول ويحير الالباب.
لقد خاض اصحاب الامام غمار تلك الحرب عن ايمان واخلاص فقد كانوا على ثقة انهم انما يقاتلون في سبيل الدين الذي اخلصوا له ووهبوا في سبيله حياتهم ، وقد سجلوا بجهادهم المشرق شرفا لهذه الأمة لا يساويه شرف ، واعطوا للإنسانية افضل ما قدم لها من عطاء على امتداد التأريخ.
مصارع الأصحاب
وتدافعت جيوش الباطل والضلال وهي مدججة بالسلاح في صفوف كأنها السيل نحو اولئك الصفوة الأحرار الذين وهبوا حياتهم للّه فلم يشغلهم شاغل عن نصرة الحق وازهاق الباطل وقد صمدوا بصبر واخلاص أمام تلك الوحوش الكاسرة فلم ترهبهم كثرتها ، وما تتمتع به من آلات الحرب والقتال ، وقد أبدوا من البسالة والشجاعة مما يدعو إلى الزهو والافتخار ونعرض الى مجريات القتال وما رافقها من شهادة اولئك الأبرار.
وشنت قوات ابن سعد هجوما عاما واسع النطاق على اصحاب الامام وخاضوا معهم معركة رهيبة ، وهذه هي الحملة الأولى التي خاضها أصحاب الامام وهي حملة جماعية ضاربة اشترك فيها معسكر الكوفة بكامل قطعاته وقد خاض اصحاب الحسين تلك المعركة بعزم يستمد من العقيدة ، ويشتق من نفس مفطورة على الاخلاص والتضحية دفاعا عن الاسلام وجهادا في سبيل اللّه ، وقد برزت معنويتهم العسكرية للعيان فكانوا يهزمون الجمع ويخترقون الجيش ، وقد اخترقوا جيش ابن سعد عدة مرات بقلوب أقوى من الصخر(1) وقد استشهد نصفهم في هذه الحملة(2) .
__________________
(1) مع الحسين في نهضته (ص 220)
(2) جاء في بحار الأنوار ان عدد المستشهدين من أصحاب الامام في الحملة الأولى خمسون رجلا.
أما عدد الضحايا من أصحاب الامام في الحملة الأولى فكانوا واحدا واربعين شهيدا ـ حسبما نص عليه ابن شهر اشوب ـ وهم : نعيم بن عجلان عمران بن كعب بن حارث الأشجعى ، حنظلة بن عمرو الشيباني ، قاسط ابن زهير ، كنانة بن عتيق ، عمرو بن مشيعة ، ضرغامة بن مالك ، عامر ابن مسلم ، سيف بن مالك النميري ، عبد الرحمن الدرجي ، مجمع العائذي حباب بن الحارث ، عمرو الجندعي ، الحلاس بن عمرو الراسبي ، سوار ابن أبي عمير الفهمي ، عمار بن أبي سلامة الدالاني ، النعمان بن عمرو الراسبي ، زاهر بن عمرو مولى بن الحمق ، جبلة بن علي ، مسعود بن الحجاج ، عبد اللّه بن عروة الغفاري ، زهير بن سليم ، عبد اللّه وعبيد اللّه ابنا زيد البصري ، وعشرة من موالي الحسين ومواليان للامام علي(1)
وبدأت المبارزة بين المعسكرين بعد الحملة الأولى فقد برز يسار مولى زياد ، وسالم مولى عبيد اللّه بن زياد ، وطلبا من أصحاب الامام الخروج لمبارزتهما فوثب إليهما حبيب بن مظاهر وبرير فلم يأذن لهما الامام ، وانبرى إليهما البطل الشهم عبد اللّه بن عمير الكلبي(2) وكان شجاعا شديد المراس فقال الحسين (ع) : احسبه للاقران قتالا ، ولما مثل امامهما سألاه عن نسبه فأخبرهما به فزهدا فيه ، وقالا له : لا نعرفك
__________________
(1) المناقب 4 / 113
(2) قيل ان عبد اللّه بن عمير استشهد في الحملة الأولى
ليخرج إلينا زهير أو حبيب أو برير فثار البطل ، وصاح بيسار :
«يا ابن الزانية أوبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس لا يخرج أحد الا وهو خير منك ..».
وما أروع قوله : «لا يخرج أحد الا وهو خير منك» ان أي أحد من أصحاب الامام هو خير منه ومن ذلك الجيش لانه انما يقاتل على بصيرة من أمره ، وهم يقاتلون ـ على يقين بضلالة قصدهم وانحرافهم عن الطريق القويم.
وحمل الكلبي على يسار فاراده صريعا يتخبط بدمه ، وحمل عليه سالم فلم يعبأ به فضربه الكلبي على بده فاطارت اصابع كفه اليسرى ، ثم اجهز عليه فقتله ، وذعر العسكر من هذه البطولة النادرة ، وبينما هو يقاتل اذ خفت إليه السيدة زوجته أم وهب(1) وفد أخذت بيدها عمودا وهي تشجعه على الحرب قائلة له :
«فداك أبي وأمي قاتل دون الطيبين ذرية محمد (ص)».
لقد اشتد انصار الحسين في رعاية الامام وحمايته من دون فرق بين الرجل والمرأة والصغير والكبير.
لقد استبسلوا للقتال بعواطفهم الملتهبة وهاموا بحب الامام والاخلاص له.
ولما رأى الكلبي زوجته تهرول خلفه أمرها بالرجوع الى خيم النساء فأبت عليه ، وبصر بها الامام فاسرع إليها قائلا :
«جزيتم من اهل بيت خيرا ارجعي رحمك اللّه ليس الجهاد على النساء ..».
__________________
(1) السيدة أم وهب هي ابنة عبد اللّه من النمر بن قاسط استشهدت بعد قتل زوجها.
ورجعت أم وهب الى خيمة النساء وجعل الكلبي يرتجز :
إن تنكروني فأنا ابن الكلب |
اني امرؤ ذو مرة وعضب |
ولست بالخوار عند النكب(1)
وعرف نفسه بهذا الرجز فهو من بني كلب احدى قبائل قضاعة(2) كما دلل على بسالته الفائقة وشجاعته النادرة ، وحصافة رأيه ، وصلابة منطقه فهو ليس بخوار ولا بضعيف عند ما تعصف الفتن وانما يقف منها موقف الحازم اليقظ ، وبذلك فقد حدد أبعاد شخصيته الكريمة التي هي في القمة من الأحرار.
وشنت قوات ابن سعد هجوما شاملا على مخيم أصحاب الامام فتصدوا لها على قلتهم وجثوا لها على الركب وشرعوا لها الرماح فلم تتمكن الخيل على اقتحامهم ، وولت منهزمة ، فرشقهم أصحاب الامام بالنبل فصرعوا رجالا ، وجرحوا آخرين(3) ومنيت قوات ابن سعد بخسائر فادحة ولم تحقق أي نصر لها.
__________________
(1) المرة : القوة في العقل والدين ، العضب : قوة المنطق وصلابته.
(2) قضاعة : من قبائل اليمن التي نزحت الى الكوفة
(3) تأريخ ابن الأثير 3 / 289 ، الارشاد (ص 264)
واشتد يزيد بن معقل حليف بني عبد القيس نحو معسكر الامام حتى اذا دنا منه ، رفع صوته ينادي برير بن خضير الهمداني :
«يا برير كيف ترى صنع اللّه بك؟»
فاجابه برير بكل ثقة وايمان :
«واللّه لقد صنع بي خيرا ، وصنع بك شرا ..
أجل لقد صنع للّه ببرير الخير حيث هداه إلى الحق وجعله من انصار ريحانة رسول اللّه (ص) وأما خصمه الباغي اللئيم فأضله وجعله من قتلة أولاد النبيين ، ورد هذا الجلف على برير قائلا :
«كذبت وقبل اليوم ما كنت كذابا ، وأنا اشهد انك من الضالين»
لقد اعترف هذا الدعي بصدق برير قبل هذا اليوم الذي انتصر فيه للحق وفيه ـ حصب ما يزعم ـ يكون كذابا ، ودعاه برير الى المباهلة قائلا :
«هل لك أن أبا هلك أن يلعن اللّه الكاذب منا ويقتل المبطل»
فاستجاب له يزيد ، وتباهلا أمام المعسكرين ثم برز كل منهما للآخر فضرب يزيد بريرا ضربة لم تعمل فيه شيئا ، وانعطف عليه برير فضربه ضربة منكرة قدت المغفر وبلغت الدماغ فسقط الرجس الخبيث صريعا يتخبط بدمه والسيف في رأسه ، ولم يلبث الا قليلا حتى هلك(1) وحمل برير على معسكر ابن سعد وهو مثلوج القلب باستجابة دعائه ، وقد تطلع العسكر بجميع فصائله إلى هذه البطولة النادرة فجعل برير يرتجز :
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 289
أنا برير وابي خضير |
ليس يروع الأسد عند الزأر |
|
يعرف فينا الخير أهل الخير |
أضربكم ولا أرى من ضر |
وذاك فعل الحر من برير(1)
لقد عرف نفسه الى معسكر ابن سعد كما عرفهم بشجاعته الفذة وانه كالأسد لا يروعه الزأر ، وانما يشتد بها بأسه ، وانه إذ ينزل بهم الضربات القاسية فانه لا يرى في ذلك بأسا ولا اثما.
وأخذ برير يقاتل قتال الابطال المستميتين قد امتلأت نفسه ايمانا وعزما وتصميما على الدفاع عن ريحانة رسول اللّه (ص) وهو يهتف بمعسكر ابن سعد قائلا :
«اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين ، اقتربوا مني يا قتلة ابن بنت رسول رب العالمين»(2) .
وحمل عليه الرجس رضي بن منقذ العبدى فاعتنقه واعترك معه ساعة فتمكن منه برير فجلس على صدره وبينما هو مشغول في الاجهاز عليه إذ حمل عليه الوغد الخبيث كعب بن جابر الأزدي من الخلف لأنه لم يستطع مواجهته فطعنه في ظهره ولما أحسن بالألم هوى على العبدى فعض انفه وقطع طرفه وشد عليه كعب فقتله(3) وانتهت بذلك حياة هذا المؤمن
__________________
(1) الفتوح 5 / 186
(2) الفتوح 5 / 187
(3) انساب الأشراف ق 1 ج 1
العظيم الذي كان من خيار الكوفة وسيد القراء فيها ، وقد عيب على القاتل واحتقره الناس حتى نفرت منه زوجته وحرمت على نفسها الكلام معه وقالت له :
«اعنت على ابن فاطمة وقتلت بريرا سيد القراء ، واللّه لا اكلمك أبدا ..»(1) .
ونقم عليه ابن عمه عبيد اللّه بن جابر فقال له : ويلك قتلت بريرا فبأي وجه تلقى اللّه ، وقد ندم الخبيث كأشد ما يكون الندم ، وقد نظم ابياتا ذكر فيها اسفه وحزنه على اقترافه لهذه الجريمة وقد ذكرناها في البحوث السابقة.
وانبرى إلى ساحات الجهاد والشرف عمرو بن قرظة الأنصاري وهو من افذاذ الأنصار وأحرارهم ، وقد خاض في استبسال معركة الفداء والايمان فجعل يحصد الرءوس ، وينزل الدمار والموت بالأعداء وهو يرتجز :
قد علمت كتيبة الأنصار |
اني سأحمي حوزة الذمار |
|
ضرب غلام غير نكس شار |
دون حسين مهجتي ودار(2) |
ودلل بهذا الرجز على أنه من حماة الذمار ، واصحاب الامام كلهم موصوفون بهذه الظاهرة فهم نخبة المسلمين في حماية الذمار والحفاظ على العهد ، وأعلن لهم أنه سينزل بهم الضربات القاسية ويحاربهم ببسالة
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 299
(2) النكس : المنقلب على رأسه ، الشار : المخاصم
وشجاعة ليذب عن سيده الحسين ويفديه بنفسه ومهجته ، وجعل يقاتل بنية صادقة وعزم ثابت حتى استشهد وسمت روحه الى الرفيق الأعلى ، وكان له أخ من الضالين مع ابن سعد فلما رأى اخاه قتيلا دنا من معسكر الامام واندفع يصيح :
«يا حسين ، يا كذاب ابن الكذاب اضللت أخي حتى قتلته»
ورد عليه الامام.
«ان اللّه لم يضل أخاك ، ولكنه هداه واضلك»(1)
لقد هدى اللّه عمروا وعمّر قلبه بالايمان فجاهد حتى استشهد عن اقدس قضية في الاسلام ، وأما اخوه فقد اضله اللّه وازاغ قلبه فاشترك في أخطر جريمة يقترفها الأشقياء.
وضاق المعسكر الأموي ذرعا من المبارزة فقد رسم أصحاب الامام صورا رائعة للبطولات ، وقد ضج الجيش من الخسائر الفادحة التي مني بها ، وقد رأى عمرو بن الحجاج الزبيدي وهو من الأعضاء البارزين في قيادة جيش ابن سعد أن الاستمرار في المبارزة سيؤدي إلى هلاك جيشه وذلك لشدة بأس أصحاب الامام وقوة يقينهم واستهانتهم بالموت ، فهتف بجيشه ينهاهم عن المبارزة قائلا :
«يا حمقاء أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون نقاوة فرسان أهل المصر وقوما مستقلين مستميتين ، فلا يبرزن لهم منكم أحد إلا قتلوه. واللّه لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم»(2) .
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
ووضعت هذه الكلمات اليد على السمات البارزة من صفات أصحاب الامام واتجاهاتهم وهي :
أ ـ إنهم فرسان اهل المصر بما يملكون من البطولات النادرة وقوة الارادة التي لم تتوفر في جيش ابن سعد.
ب ـ انهم اهل البصائر الذين وعوا الحق وفهموا القيم النبيلة التي رفع شعارها الامام وناضل من اجلها ، فهم يقاتلون على بصيرة وبينة من امرهم ، وليسوا كخصومهم الذين تردوا في الغواية وماجوا في الباطل والضلال.
ج ـ انهم مستميتون في دفاعهم عن الامام (ع) ولا أمل لهم في الحياة.
لقد توفرت فيهم جميع فضائل الانسان من العقل الراجح ، والشجاعة الفائقة والشرف الرفيع والايمان العميق.
يقول المؤرخون : ان ابن سعد قد استصوب رأي ابن الحجاج فاصدر اوامره الى جميع قواته بترك المبارزة مع اصحاب الامام(1) .
وشن عمرو بن الحجاج هجوما عاما على اصحاب الامام ، والتحموا معهم التحاما رهيبا ، واشتد للقتال كأشد ما يكون القتال عنفا ، وقد تكبد كلا الفريقين بخسائر كبيرة في الأرواح.
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
وسقط في المعركة صريعا علم من أصحاب الامام وفذ لامع من انصاره مسلم بن عوسجة ، ومشى لمصرعه الامام ، وكان مسلم يعالج سكرات الموت فدنا منه وقال له :
«رحمك اللّه يا مسلم ، فمنهم من قضى نحبه ، ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ..».
واقترب منه زميله وأخوه في الجهاد حبيب بن مظاهر ، فقال له :
«عزّ علي مصرعك ، يا مسلم ابشر بالجنة»
فقال مسلم بصوت خافت :
«بشرك اللّه بخير»
وانبرى حبيب فقال له :
«لو لا اني اعلم أني في أثرك لا حببت أن توصي إلي بما أهمك»
وعهد إليه مسلم بأعز واخلص ما عنده قائلا :
«أوصيك بهذا ـ وأشار الى الامام ـ ان تموت دونه»
وكانت هذه الكلمات آخر ما تلفظ به(1) لقد كانت هذه هي العظمة حقا بما تحمل من معاني السمو والشرف لدى أصحاب الامام ، لقد كان كل واحد منهم يمثل شرف الانسانية في جميع عصورها ومواطنها.
انه الوفاء الذي ينبض بالايمان الذي لا حد له ، فلم يفكر في تلك اللحظة من حياته بأهله ، أو بأي شأن من شئون الدنيا ، وانما استوعب فكره الحسين فقد اخلص في حبه حتى النفس الأخير من حياته.
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 182
وتنفس معسكر ابن سعد بمقتل البطل العظيم مسلم فجعلوا يتباشرون وهم ينادون في شماتة ظاهرة.
«قتلنا مسلما».
وثقل ذلك على شبث بن ربعي فقد كان يعرف مسلما ، ويقدر فضله فخاطب من حوله بتأثر.
«ثكلتكم امهاتكم ، انما تقتلون أنفسكم بأيديكم ، وتذلون أنفسكم لغيركم ، أتفرحون بقتل مثل مسلم؟!! اما والذي اسلمت له لرب موقف له قد رأيته في المسلمين ، فقد رأيته يوم سلق اذربيجان قتل ستة من المشركين قبل ان تنام خيول المسلمين ، أفيقتل مثله وتفرحون؟»(1) .
ان اولئك الممسوخين الذين قتلوا هذا البطل العظيم ، انما قتلوا نفوسهم لأنه انما قتل دفاعا عن مصالحهم وحقوقهم التي استهترت بها السلطة الأموية
ويقول المؤرخون : ان مسلما قتل جماعة من عيون المعسكر الأموي منهم ابن عبد اللّه الضبابي وعبد الرحمن بن ابي خشكارة البجلي(2) .
وهجم الأبرص الخبيث شمر بن ذي الجوشن مع مفرزة من جيشه على ميسرة اصحاب الامام وكانوا اثنين وثلاثين فارسا وقد قاتلوا بضراوة وصبر ، وانزلوا باعدائهم افدح الخسائر فلم يحملوا على جانب من خيل اهل الكوفة الا كشفوه(3) .
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 290 ، تأريخ الطبري 6 / 249
(2) تأريخ ابن الأثير 3 / 290
(3) تأريخ ابن الأثير 3 / 290
وجاهد عبد اللّه بن عمير الكلبي جهاد الأبطال ، فكان يضرب بسيفه ذات اليمين واليسار ، وقد قتل فيما يقول المؤرخون تسعة عشر فارسا ، واثني عشر راجلا(1) وقد أصابته جراحات كثيرة فشد عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي وبكير بن حي التميمي فقاتلاه(2) وانتهت بذلك حياة هذا البطل الذي وهب حياته للّه وتفانى في الولاء والاخلاص لريحانة رسول اللّه (ص) وقد انطلقت زوجته السيدة أم وهب تبحث عنه بين جثث القتلى فلما عثرت عليه جلست الى جانبه وهي تبارك له شهادته بايمان واخلاص قائلة :
«هنيئا لك الجنة ، اسأل اللّه الذي رزقك الجنة ان يصحبني معك»
وأخذت تتضرع الى اللّه ان يحشرها معه في الفردوس الأعلى ، وبصر بها الخبيث الدنس شمر بن ذي الجوشن الذي يحمل رجس أهل الأرض فأوعز إلى غلامه رستم بقتلها ، فغافلها العبد من الخلف وهشم رأسها بعمود ، فماتت شهيدة في المعركة ، ويقول المؤرخون إنها أول امرأة قتلت من أصحاب الحسين(3) ومعنى ذلك ان هناك نساء أخرى من نساء أصحاب الامام قد استشهدن في المعركة ، وقد انتهكت بذلك سنن القتال التي كانت سائدة في الجاهلية والاسلام من تحريم قتل النساء والأطفال.
__________________
(1) مناقب ابن شهر اشوب 4 / 217
(2) تأريخ ابن الأثير 3 / 290
(3) تأريخ الطبري 6 / 251
وعروة بن قيس من القادة البارزين في معسكر ابن سعد ، وكان ممن يديرون عمليات الحرب وقد ذهل من بسالة أصحاب الامام وما انزلوه بالجيش من الأضرار البالغة فاستنجد بابن سعد ليمده بالرماة والرجال قائلا :
«ألا ترى ما تلقى خيلي هذا اليوم من هذه العدة اليسيرة ابعث إليهم الرجال والرماة ..».
وطلب ابن سعد من شبث بن ربعي القيام بنجدته فأبى وقال :
«سبحان اللّه شيخ مضر واهل المصر عامة تبعثه في الرماة لم تجد لهذا غيري!!».
وكان شبث بن ربعي يشعر بوخز في ضميره من الخوض في هذه المعركة ، وقد صرح بذلك غير مرة قائلا :
«لا يعطى اللّه أهل هذا المصر خيرا أبدا ، ولا يسددهم لرشد الا تعجبون انا قاتلنا خير اهل الأرض ، نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية ضلال يا لك من ضلال ..».
ولما سمع ذلك منه ابن سعد دعا الحصين بن نمير فبعث معه المجففة وخمسمائة من الرماة فأمرهم برشق أصحاب الامام بالسهام ، فسددوا إليهم سهامهم فاصابوا خيولهم فعقروها فصاروا كلهم رجالة ، ولكن لم تزدهم هذه الخسارة الجسيمة إلا استبسالا في القتال واستهانة بالموت فثبتوا كالجبال الشامخات ولم يتراجعوا خطوة واحدة ، وقد قاتل معهم الحر بن يزيد الرياحي راجلا ، واستمر القتال كاعنف وأشد ما يكون ضراوة ، ووصفه المؤرخون بأنه أشد قتال خلقه اللّه ، وقد استمر حتى انتصف النهار(1) .
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 291 ، تأريخ الطبري 6 / 250
ورأى ابن سعد أن وحدة الجبهة في القتال ستكبد جيشه أفدح الخسائر ، وتقضي بطول الوقت وامتداد الحرب ، فرأى أن يفتح جبهة ثانية حتى يسهل القضاء على البقية الباقية من أصحاب الامام فأوعز بتقويض مضارب الامام وبيوته التي كانت محيطة بأصحابه يمينا وشمالا حتى يشتغلوا بالدفاع عنها ، وتضعف بذلك جبهتهم ، وهجمت جنوده فجعلوا يقوضونها فكمن لهم بعض اصحاب الامام فجعلوا يقتلونهم ويعقرون خيولهم ، وباءت هذه الخطة بالفشل الذريع ، ولم تحقق أى نصر لها ، وامر ابن سعد ثانيا بخرق الخيام حتى تهجم خيله عليهم وحاول اصحاب الامام منعهم عن ذلك فنهاهم الامام وقال : دعوهم ليحرقوها فاذا احرقوها فلا يستطيعون أن يجوزوا إليكم ، فكان الأمر كما قال : فقد حالت النار بينهم وبين اصحاب الامام ، وبقيت جبهة القتال واحدة(1) .
وحمل الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن على فسطاط الامام الذي يضم السيدات من عقائل النبوة وحرائر الوحي ونادى الوغد رافعا عقيرته :
«علي بالنار لأحرقه على اهله»
لقد تردي هذا الانسان الممسوخ في متاهات سحيقة من الخبث واللؤم ومن المؤكد انه ليس في مجرمي الحروب وشذاذ الآفاق مثل هذا المجرم
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 291
في خبث الطوية ولؤم العنصر وخساسة الطبع.
واختطف الرعب قلوب بنات رسول اللّه (ص) وسرت الرعدة بأوصالهن فخرجن من الخيام مذعورات ، وارتفعت اصواتهن بالبكاء ، وخلفهن الصبية والأطفال وهم يعجون بالبكاء ، فكان هول منظرهم مما تذيب له النفوس أسى وحسرات ، والتاع الامام الحسين ، فصاح بالخبيث الدنس :
«أنت تحرق بيتي على اهلي؟ احرقك اللّه بالنار»(1)
ولم ينثن الرجس عن عزمه ، وظل يهتف بجنوده ليوفوه بقبس من النار ليحرق خيام اهل البيت.
وانكر على الشمر حميد بن مسلم ، فقد خف إليه بعد ما رأى الذعر والخوف قد استولى على بنات رسول اللّه فقال له :
«ان هذا لا يصلح لك ، أتريد ان تجمع على نفسك خصلتين ، تعذب بعذاب اللّه ، وتقتل الولدان والنساء ، واللّه ان في قتل الرجال لما يرضى به أميرك».
فصاح به الشمر :
«من أنت؟»
وخشي حميد بن مسلم أن يعرفه بنفسه فيوشي به عند ابن زياد فقال له :
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 291
«لا اخبرك من أنا»(1)
وظل الباغي اللئيم مصرا على غيه ليضيف إلى موبقاته جرائم أخرى
وأسرع إليه شبث بن ربعي فوبخه ، ونهاه فاستجاب له الأثيم على كره وولى ليرجع فحمل عليه زهير بن القين مع عشرة من اصحابه فارغموه على الرجوع ، وقد التحموا مع جنده فقتلوا أبا عزرة الضبابي ، وهو من اسرة الشمر ، وتكاثرت الجيوش على اصحاب الامام فكان إذا قتل احد منهم بان ذلك فيهم لقلتهم الا انه اذا قتل احد من اصحاب ابن سعد لا يبين ذلك فيهم لكثرة عددهم(2) .
وانتصف النهار وجاء ميقات صلاة الظهر فوقف المؤمن المجاهد ابو ثمامة الصائدي فجعل يقلب وجهه في السماء كأنه ينتظر أعز شيء عنده وهي الصلاة فلما رأى الشمس قد زالت التفت الى الامام قائلا :
«نفسي لنفسك الفداء أرى هؤلاء قد اقتربوا منك ، واللّه لا تقتل حتى اقتل دونك واحب أن القى ربي وقد صليت هذه الصلاة التي قد دنا وقتها ..».
لقد كان الموت منه على قاب قوسين او ادنى وهو لم يغافل عن
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 183
(2) تأريخ ابن الاثير 3 / 291
ذكر ربه ، ولا عن اداء فريضة دينية ، وجميع اصحاب الامام كانوا على هذا الطراز ايمانا باللّه وتفانيا في أداء فرائضه.
ورفع الامام رأسه الى السماء فجعل يتأمل في الوقت فرأى أنه قد حان اداء الفريضة ، فقال لأبي ثمامة :
«ذكرت الصلاة جعلك اللّه من المصلين الذاكرين ، نعم هذا اول وقتها ..».
وامر الامام اصحابه أن يطلبوا من معسكر ابن زياد ان يكفوا عنهم القتال ليصلوا لربهم ، فسألوهم ذلك فانبرى الرجس الخبيث الحصين ابن نمير قائلا :
«انها لا تقبل»
فقال له حبيب بن مظاهر بسخرية :
«زعمت أن لا تقبل الصلاة من آل رسول اللّه (ص) وتقبل منك يا حمار ..»
وحمل عليه الحصين ، فسارع إليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشبت به الفرس فسقط عنها ، وبادر إليه اصحابه فاستنقذوه(1) واستمر القتال ، وقبل ان يؤدي الامام الصلاة قتل جماعة من حماة اصحابه ثم بعد ذلك ادى الفريضة كما سنذكره.
وحبيب بن مظاهر من المع اصحاب الامام واشدهم اندفاعا في الذود عنه ، فكان عضده وساعده وكان حبيب ممن زكا نفسه وغذاها بالحكمة
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 291
والصواب ، وهو من اصحاب الامام امير المؤمنين ومن شرطة الخميس(1) وكان نافذ البصيرة صلب الايمان ، ويقول المؤرخون : انه كان يوم الطف من اشد اصحاب الامام سرورا وغبطة بما يصير إليه من الشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (ص) وقد برز فجعل يقاتل قتال المشتاقين الى مصرعه وهو يرتجز :
انا حبيب وأبي مظهر |
فارس هيجاء وحرب تسعر |
|
وانتم منا لعمري اكثر |
ونحن اوفى منكم واصبر |
|
ونحن أعلى حجة واظهر |
حقا وابقى منكم واعذر(2) |
لقد عرفهم بنفسه الكريمة وبما يتمتع به من الصفات الرفيعة فهو بطل الحرب والفارس المعلم الذي لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، واعلن انه بالرغم من كثافة عدد جيش ابن سعد الا ان اصحاب الامام على قلتهم يمتازون عليهم بالوفاء والصبر وعلو الحجة ، وظهور الحق فيهم فهم بهذه الصفات احق بالخلود واجدر بالبقاء.
وقاتل حبيب قتالا اهونه الشديد ، فقد قتل منهم على شيخوخته فيما يقول بعض المؤرخين اثنين وستين رجلا ، وحمل عليه الرجس الخبيث بديل بن صريم فضربه بسيفه ، وطعنه وغد آخر من تميم برمحه فهوى إلى الأرض ، ورام ان يقوم ليستأنف الجهاد فبادر إليه الحصين بن نمير فعلا رأسه الشريف بالسيف فسقط الى الأرض ونزل التميمي فاحتز رأسه وصعدت تلك الروح الطاهرة الى ربها راضية مرضية وقد هدّ مقتله الحسين ، فوقف على الجثمان العظيم وهو يصعد آهاته واحزانه ويقول :
__________________
(1) معجم رجال الحديث للامام الخوئي 4 / 227
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
«عند اللّه احتسب نفسي وحماة اصحابي»(1)
وبرز البطل العظم الحر بن يزيد الرياحي الذي استجاب لنداء الحق وآثر الآخرة على الدنيا فاستقبل الموت بثغر باسم وسرور بالغ لنصرة ريحانة رسول اللّه (ص) وجعل يقاتل اعنف القتال واشده وهو يرتجز :
اني أنا الحر ومأوى الضيف |
أضرب في اعراضكم بالسيف |
|
عن خير من حلّ بلاد الخيف |
اضربكم ولا أرى من حيف(2) |
لقد دلل بهذا الرجز على كرمه وسخائه وان بيته كان مأوى للضيوف وموطنا للقاصدين ، كما أعلن انه انما يضرب في اعناقهم بسيفه حماية عن الامام العظيم الذي هو خير من استوطن بلاد الخيف ، وهو بذلك لا يرى بأسا أو حيفا في قتاله لهم.
وكان الحر يقاتل ومعه زهير بن القين ، وكان اذا شد أحدهما واستلحم شد الآخر واستنقذه وداما على ذلك ساعة(3) واصيب فرس الحر بجراحات فلم ينزل عنه وانما ظل يقاتل عليه وكان يتمثل بقول عنترة :
ما زلت أرميهم بثغرة نحره |
ولبانه حتى تسربل بالدم |
وكانت بين الحر وبين يزيد بن سفيان عداوة قديمة ومتأصلة فاستغلها الحصين بن نمير فقال له : هذا الحر الذي كنت تتمنى قتله ، وحمل عليه يزيد فشد عليه الحر فقتله ، وسدد ايوب بن مشرح سهما لفرس الحر
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 292 ، تأريخ الطبري 6 / 251
(2) الفتوح 5 / 185
(3) البداية والنهاية 8 / 183
فعقره وشب به الفرس فوثب عنه كأنه الليث ، ولم يصب بضرر وجعل يقاتل ببسالة وهو راجل حتى قتل فيما يقول بعض المؤرخين نيفا واربعين رجلا(1) وحملت عليه الرجالة بسيوفها ورماحها فاردته إلى الأرض صريعا يتخبط بدمه الزاكي ، وبادر اصحاب الامام فحملوه ووضعوه أمام الفسطاط الذي كانوا يقاتل دونه ، ووقف عليه الامام فجعل يتأمل وجهه الوديع بنظرات ملؤها نور اللّه ، ووقف اصحابه في خشوع وانبرى الامام فجعل يمسح الدم من وجهه وهو يؤبنه بهذه الكلمات.
«أنت الحر كما سمتك أمك ، وأنت الحر في الدنيا والآخرة»
لقد كان الحر حرا حينما تغلب عقله على هواه واختار الشهادة على الحياة فنصر سيد شباب أهل الجنة ، ومات ميتة كريمة في سبيل الحق ، وانبرى بعض أصحاب الامام فرثاه بخشوع :
لنعم الحر حر بني رياح |
صبور عند مشتبك الرماح |
|
ونعم الحر اذ فادى حسينا |
وجاد بنفسه عند الصباح(2) |
وبالرغم مما كان الامام يعانيه من الخطوب الفادحة التي تتصدع من هولها الجبال فان فكره كان مشغولا بأداء فريضة الصلاة التي هي من أهم العبادات في الاسلام ، وطلب من أعدائه أن يمهلوه ليصلي لربه ، فاستجابوا له ، واقبل على اللّه بقلب منيب فصلى بمن بقي من اصحابه
__________________
(1) البداية والنهاية 8 / 183
(2) المناقب 4 / 217
صلاة الخوف(1) وكانت صلاته في تلك اللحظات الرهيبة من اصدق مظاهر الاخلاص والطاعة للّه ، وانبرى امام الحسين سعيد بن عبد اللّه الحنفي يقيه بنفسه السهام والرماح التي تواجهه من معسكر الأعداء الذين خاسوا ما عاهدوا الامام عليه من ايقاف عمليات الحرب حتى يؤدي فريضة اللّه فقد اغتنموا الفرصة فراحوا يرشقون الامام واصحابه بسهامهم ، وكان سعيد الحنفي فيما يقول المؤرخون ـ يبادر نحو السهام فيتقيها بصدره ونحره ، ووقف ثابتا كأنه الجبل ألم تزحزحه السهام التي اتخذته هدفا لها ، ولم يكد يفرغ الامام من صلاته حتى اثخن بالجراح فهوى إلى الأرض يتخبط بدمه ، وهو يقول بنبرات خافتة :
«اللهم العنهم لعن عاد وثمود ، وابلغ نبيك مني السلام ، وابلغه ما لقيت من ألم الجراح فاني أردت بذلك ثوابك ونصرة ذرية نبيك».
والتفت الى الامام ليرى هل أدى حقه ووفى له بعهده قائلا :
«أوفيت يا ابن رسول اللّه (ص)؟»
فأجابه الامام شاكرا له :
«نعم أنت امامي في الجنة»
واترعت نفسه بالرضا والمسرات حينما سمع قول الامام ثم فاضت نفسه الزكية إلى بارئها ، وقد تخرق جسده من السهام والرماح فقد اصيب بثلاثة عشر سهما عدا الضرب والطعن(2) لقد كان حقا هذا هو الوفاء الذي لا يبلغه وصف ولا اطراء.
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) مقتل الحسين للمقرم (ص 297)
ومن انصار الامام الحسين الذين صهر نفوسهم الايمان باللّه زهير بن القين فقد كان يتعجل الرواح الى الجنة لمصافحة الرسول (ص) وقد اتجه صوب الامام وهو جذلان مسرور بما يقوم به من التضحية في سبيله ، ووضع يده على منكب الحسين وهو يخاطبه بهذا الرجز :
اقدم هديت هاديا مهديا |
فاليوم القى جدك النبيا |
|
وحسنا والمرتضى عليا |
وذا الجناحين الفتى الكميا |
واسد اللّه الشهيد الحيا
وكشف هذا الرجز عن ايمانه الراسخ فانه على يقين لا يخامره شك انه سيحظى بملاقاة النبي (ص) ووصيه الامام امير المؤمنين والحسن وجعفرا وحمزة ، وكان ذلك من اروع ما يصبو إليه. واجابه الامام :
«وأنا القاهم على أثرك»(1)
وحمل البطل على معسكر ابن زياد وهو يرتجز :
أنا زهير وانا ابن القين |
اذودكم بالسيف عن حسين |
لقد عرفهم بنفسه ، واعلن لهم انه انما يناجزهم الحرب دفاعا عن سيده الحسين ، وقاتل كاعنف واشد ما يكون القتال ، وقد قتل فيما يقول المؤرخون مائة وعشرين رجلا(2) وابلى فى المعركة بلاء يتعاظم عنه الوصف ، وشد عليه المهاجر بن اوس ، وكثير بن عبد اللّه الشعبي فقاتلاه ومشى لمصرعه الحسين وهو مثقل بالهموم والأحزان فألقى عليه نظرة الوداع الأخير ، وراح يؤبنه قائلا :
__________________
(1) تأريخ الطبري 6 / 253
(2) مقتل المقرم (ص 299)
«لا يبعدنك اللّه يا زهير ، ولعن قاتليك لعن الذين مسخوا قردة وخنازير ..»(1) .
وممن وهب حياته للّه نافع بن هلال الجملي(2) فقد انبرى بايمان وصدق فجعل يرمي اعداء اللّه بسهام مسمومة كان قد كتب عليها اسمه وهو يقول :
ارمي بها معلمة أفواقها |
مسمومة تجري بها اخفاقها |
|
ليملأن أرضها رشاقها |
والنفس لا ينفعها اشفاقها |
ولم يزل يرميهم بسهامه حتى نفدت ثم عمد إلى سيفه فسله وحمل عليهم وهو يرتجز :
أنا الغلام التميمي البجلي |
ديني على دين حسين بن علي |
|
ان اقتل اليوم وهذا عملي |
وذاك رأيي ألاقي عملي |
لقد عرفهم بنفسه ، وعرفهم بعقيدته فهو على دين الحسين ريحانة رسول اللّه (ص) وهو انما يقاتل دفاعا عن عقيدته ومبدئه.
وجعل يقاتل بعزم شامخ قد استمد من وحدة سيده الحسين وغربته النشاط والحماس ، وقد قتل منهم اثني عشر رجلا سوى المجروحين(3) وأحاط به اعداء اللّه فجعلوا يرشقونه بالسهام ويقذفونه بالحجارة حتى كسروا
__________________
(1) تأريخ الطبري 6 / 253
(2) وفي الطبري نافع بن هلال البجلي
(3) مقتل الخوارزمي 2 / 21
عضدية ، فلم يتمكن أن يقل سيفه فبادروا إليه وأخذوه اسيرا إلى ابن سعد فقال له :
«ما حملك على ما صنعت بنفسك؟»
فأجابه جواب المؤمن بربه قائلا :
«ان ربي يعلم ما أردت»
والتفت إليه بعض أصحاب ابن سعد وقد رأى الدماء تسيل على وجهه ولحيته فقال له :
«أما ترى ما بك؟»
فقال مستهزئا ومثيرا لغضبهم :
«واللّه لقد قتلت منكم اثني عشر رجلا سوى من جرحت ، وما الوم نفسي على الجاهد ، ولو بقيت لي عضد ما اسرتموني».
وثار الابرص الخبيث شمر بن ذي الجوشن فعمد إلى سيفه فسله ، فصاح به نافع :
«واللّه يا شمر لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى اللّه بدمائنا فالحمد للّه الذي جعل منايانا على أيدي شرار خلقه».
اجل واللّه لو كان عند الشمر مسكة من الدين لما اقترف تلك الجرائم التي لا يقترفها إلا من لا علاقة له باللّه ، واندفع الوغد الى نافع فضرب عنقه(1) وبذلك انتهت حياة هذا البطل العظيم الذي اخلص لدينه ، واخلص في الدفاع عن ابن رسول اللّه (ص) وهو من اعظم رجال الاسلام صلابة في الحق وصدقا في الدفاع عنه.
__________________
(1) تأريخ ابن كثير 8 / 84 ، انساب الاشراف ق 1 ج 1
ولما رأى البطل الملهم عابس بن شبيب الشاكري وحدة الامام واجتماع أهل الكوفة على قتله أقبل على رفيقه في الجهاد شوذب مولى شاكر(1) فقال له :
«يا شوذب ما في نفسك أن تصنع؟»
فانبرى شوذب يعلن ما صمم عليه من الفداء والتضحية قائلا :
«اقاتل حتى اقتل»
فشكره عابس وأثنى عليه قائلا :
«تقدم بين يدي أبي عبد اللّه حتى يحتسبك كما احتسب غيرك فان هذا يوم نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه».
فأي ايمان مثل هذا الايمان؟ انه كان يسعى جاهدا بجميع طاقاته ليظفر بما يقربه إلى اللّه زلفى ، وتقدم شوذب فأدى التحية الى الامام وحمل على معسكر ابن سعد فقاتل قتال الأبطال حتى استشهد بين يدي أبي عبد اللّه(2) .
وعابس الشاكري كان من اسرة عريقة في الشرف والنبل ، عرفت بالشجاعة والاخلاص للحق ، وفيهم يقول الامام علي (ع) : «لو تمت عدتهم الفا لعبد اللّه حق عبادته» وكانوا يلقبون «فتيان الصباح» وكان عابس
__________________
(1) ورد في الزيارة الرجبية (سويد مولى شاكر)
(2) تأريخ الطبري 6 / 254
في طليعة اسرته ، ومن افذاذهم وهو الذي حمل رسالة مسلم الى الحسين التي يطلب فيها قدومه الى العراق ، وظل ملازما للامام من مكة إلى كربلا وكان من ألمع أصحابه في الولاء والاخلاص له ، وقد تقدم إليه يطلب منه الاذن في القتال وخاطب الامام فأعرب له بما يحمله في نفسه من الولاء العميق قائلا :
«ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعز علي منك ، ولو قدرت أن أدفع الضيم عنك بشيء اعز علي من نفسي لفعلت السلام عليك اشهد اني على هداك وهدى أبيك»(1) .
ثم هجم على معسكر ابن سعد ، وطلب منهم المبارزة فلم يجبه أحد فقد جبنوا جميعا عن مقابلته لأنهم كانوا يعرفونه من اشجع الناس ، فجعلوا يتصايحون وقد ملأ الذعر قلوبهم واختطف الخوف الوانهم قائلين :
«هذا اسد الاسود ، هذا ابن أبي شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم ..».
وصاح ابن سعد بجيشه :
«ارضخوه بالحجارة»
وعمدوا إلى الحجارة فجعلوا يرضخونه بها من كل جانب ، ولما رأى البطل جبنهم واحجامهم عن مقابلته القى درعه ومغفره وشد عليهم كالليث فكان يطرد ما بين يديه أكثر من مائة فارس ثم انعطفوا عليه من كل جانب فأردوه صريعا ، واحتزوا رأسه الشريف ، وجعلوا يتخاصمون فيما بينهم كل واحد منهم يدعي انه قتله ليحظى بالجائزة وانكر ابن سعد أن يكون قد قتله واحد منهم وانما اشترك في قتله جماعة منهم(2) وقد انتهت بذلك حياة
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) تأريخ الطبري 6 / 254
هذا البطل العظيم الذي أبلى في الدفاع عن الاسلام بلاء حسنا ، وجاهد جهاد النبيين.
وكان الضحاك بن عبد اللّه المشرفي من اصحاب الامام إلا انه لما رأى كثرة القتلى من أصحاب الحسين صمم على الهزيمة والفرار ، وجاء إلى الحسين فقال له :
«لقد كنت رافقتك على أن اقتل معك ما وجدت مقاتلا ، فأذن لي في الانصراف فاني لا أقدر على الدفاع عنك ، ولا عن نفسي».
واذن له الإمام في الانصراف فولى منهزما ، وعرض له قوم من اصحاب ابن سعد الا انهم خلوا سبيله فمضى هاربا فلم يرزق الشهادة بين يدي ريحانة رسول اللّه (ص)(1) .
وجون(2) من أفذاذ الاسلام ، وهو مولى لأبي ذر الغفاري ، وكان شيخا كبيرا قد اترعت نفسه الشريفة بالتقوى والايمان ، ولم يمنعه سواد بشرته وتواضع حسبه أن يتبوأ المكان الرفيع ، ويكون من اعلام المسلمين فينال من الاكبار والتعظيم ما لم ينله أحد من أبطال التأريخ ، ويقول المؤرخون انه تقدم ضارعا الى الامام ليمنحه الاذن فيستشهد بين
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1 ، تأريخ الطبري 6 / 255
(2) قيل اسمه حوي
يديه فقال له الامام :
«يا جون انما تبعتنا طلبا للعافية فأنت في اذن مني»
وهوى جون على قدمي الامام يوسعهما تقبيلا ودموعه تتبلور على خديه وهو يقول :
«أنا في الرخاء الحسن قصاعكم وفي الشدة اخذلكم ، ان ريحي لنتن وحسبي للئيم ، ولوني لأسود فتنفس علي بالجنة ليطيب ريحي ويشرف حسبي ، ويبيض لوني لا واللّه لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم ..»(1) .
أية عظمة عبرت عنها هذه الكلمات المشرقة؟ واي شرف انطوت عليه نفسه؟ ان لونه الأسود لأشرق وانضر من الوان اولئك العبيد وهو الحر بما يحمل من سمو النفس ، وشرف الذات ، وان ريحه لأطيب من ريحهم ، وان حسبه هو الحسب الوضاح ، وان اهل الكوفة هم المغمورون فى احسابهم فقد تنكروا لانسانيتهم ، وصاروا وصمة عار وخزي على البشرية بأسرها.
لقد حفل كلام جون بمنطق الأحرار فانه ليس من الانسانية في شيء أن ينعم في ظلال الامام أيام الرخاء ، ويخذله امام هذه المحنة القاسية ، لقد كان الوفاء من العناصر المميزة لكل فرد من أصحاب الامام أبي عبد اللّه على بقية شهداء العالم.
وأذن له الامام فبرز مزهوا وهو يرتجز :
كيف ترى الفجار ضرب الأسود |
بالمشرفي القاطع المهند |
|
بالسيف صلنا عن بني محمد |
أذب عنهم باللسان واليد |
__________________
(1) مثير الاحزان لابن نما (ص 23)
ارجو بذاك الفوز يوم المورد |
من الاله الواحد الموحد |
إذ لا شفيع عنده كأحمد(1)
ودلل بهذا الرجز على بسالته وشجاعته ، وهو انما يدافع عن ابناء النبي (ص) ويذب عنهم بلسانه ويده لا يبتغي في ذلك أي شأن من شئون الدنيا ، وانما يرجو الفوز في الدار الآخرة والشفاعة من النبي العظيم (ص).
وقاتل جون قتال الأبطال فقتل فيما يقول المؤرخون خمسة وعشرين رجلا ، وحمل عليه أعداء اللّه فأردوه قتيلا ، وخف إليه الامام فجعل ينظر إلى جثمانه المخضب بالدماء واخذ يدعو له قائلا :
«اللهم بيض وجهه ، وطيب ريحه واحشره مع محمد ، وعرف بينه وبين آل محمد».
واستجاب اللّه دعاء الامام فكان من يمر بالمعركة يشم منه رائحة طيبة أذكى من المسك(2) .
وحنظلة الشبامي ممن صاغ حياته على الايمان باللّه حتى بلغ أعلى مستويات القيم الانسانية تقدم إلى الامام بلهفة وشوق ليأخذ مكانه العالي مع الشهداء من اصحاب الامام وطلب منه الاذن ، فسمح له ، وتقدم الى ساحة القتال فجعل يعظ القوم ويذكرهم الدار الآخرة قائلا :
__________________
(1) الفتوح 5 / 198
(2) مقتل المقرم (ص 204)
«يا قوم : اني اخاف عليكم مثل يوم الاحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وما اللّه يريد ظلما للعباد ، يا قوم إني اخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين مالكم من اللّه من عاصم ، ومن يضلل اللّه فماله من هاد يا قوم لا تقتلوا حسينا فيسحتكم اللّه بعذاب وقد خاب من افترى».
ولم يع أولئك الاوغاد كلامه وانما راحوا سادرين في طيشهم وضلالهم قد ختم اللّه على قلوبهم واسماعهم فهم لا يبصرون ، وشكر له الامام مقالته ، وقال له :
«رحمك اللّه انهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق ، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك ، فكيف بهم الآن وقد قتلوا اخوانك الصالحين؟».
«صدقت يا ابن رسول اللّه ، أفلا نروح الى الآخرة؟»
واذن له الامام فانطلق الى ساحة المعركة بشوق ليفوز بالشهادة ، وقاتل قتال الأبطال حتى استشهد(1) وقد وفى بما عاهد عليه اللّه من نصرة الحق والفداء في سبيل الاسلام.
ومن بين صفحات الفداء الباهرة التي تحمل العظمة الانسانية الحجاج ابن مسروق الجعفي ، فقد برز إلى ساحة الحرب ، وجعل يقاتل اعنف القتال وأشده حتى خضب بدمائه الزكية ، فقفل راجعا الى الامام الحسين وهو جذلان مسرور بما قدمه من الفداء والتضحية في سبيله ، وأخذ
__________________
(1) تأريخ الطبري 6 / 254
يخاطب الامام بهذا الرجز :
اليوم القى جدك النبيا |
ثم أباك ذا الندى عليا |
ذاك الذي نعرفه وصيا
إنه ليقدم على رسول اللّه (ص) وهو مرفوع الرأس بما قدم من التضحية في سبيل ريحانته ، وقد اجابه الامام.
«وأنا على أثرك القاهما»
ورجع إلى حومة الحرب فجعل يقاتل ببسالة وصمود حتى استشهد(1) دفاعا عن الحق فلذكره المجد والخلود.
وبرز الفتى النبيل عمرو بن جنادة الأنصاري وهو اصغر جندي في معسكر الحسين ولكنه كان يفوق في عقله ودينه من في معسكر ابن سعد ، ويقول المؤرخون انه كان يبلغ من العمر احدى عشرة سنة ، وقد استشهد ابوه في المعركة ، فلما طلب الاذن من الامام لم يسمح له بذلك وقال :
«هذا غلام قتل ابوه في الحملة الأولى ولعل أمه تكره ذلك»
واندفع الفتى يلح على الامام ويقول له :
«إن أمي امرتني»
فاذن له الامام ، ومضى الفتى متحمسا إلى الحرب فلم يلبث الا قليلا حتى استشهد ، واحتزّ رأسه الشريف اوغاد اهل الكوفة ورموا به صوب مخيم الحسين فبادرت إليه السيدة أمه فأخذته وجعلت توسعه تقبيلا ، ثم مسحت عنه الدم ، ورمت به رجلا قريبا منها فصرعته وسارعت إلى
__________________
(1) مقتل المقرم (ص 306)
المخيم فأخذت عمودا وحملت على اعداء اللّه وهي ترتجز :
أنا عجوز في النساء ضعيفة |
خاوية بالية نحيفة |
|
أضربكم بضربة عنيفة |
دون بني فاطمة الشريفة |
واصابت رجلين فبادر إليها الامام وردها الى المخيم(1) لقد اثرت غربة الامام ووحدته على عواطف هذه السيدة الكريمة ، فقدمت فلذة كبدها فداء له ، ثم انعطفت هي في ميدان القتال لتفديه بنفسها ، فكان ـ حقا ـ هذا منتهى الايمان والاخلاص.
وانس بن الحارث الكاهلي من صحابة النبي (ص) وقد شهد معه بدرا وحنينا ، وقد سمعه يقول : «ان ابني هذا ـ يعني الحسين ـ يقتل بأرض كربلا ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره»(2) وقد لازم الحسين وصحبه من مكة ، وكان شيخا كبيرا طاعنا في السن وقد استأذن من الامام أن يجاهد بين يديه فاذن له ، وقد شد وسطه بعمامته نظرا لتقوس ظهره كما رفع حاجبيه بالعصابة فلما نظر إليه الامام ارخى عينيه بالبكاء ، وقال له : شكر اللّه لك يا شيخ ، وقاتل ـ على كبر سنه ـ قتال الأبطال فروي أنه قتل ثمانية عشر رجلا ثم استشهد(3) وسمت روحه الطاهرة الى الرفيق الاعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا.
__________________
(1) مقتل الخوارزمي 2 / 140
(2) اسد الغابة 1 / 349 ، الاصابة 1 / 68 ، كنز العمال 6 / 223
(3) مقتل المقرم
وابو الشعثاء هو يزيد بن زياد بن المهاجر الكندي ، وكان من ابطال العرب وفرسانهم ، وكان ممن خرج مع ابن سعد لحرب الامام ، ولما عرض الامام على ابن سعد الشروط التي اشترطها وأبى ابن سعد مال الى الحسين(1) وجعل يرشق القوم بسهامه ويقول المؤرخون انه رماهم بمائة سهم فما سقط منها غير سهم ، وكلما رمى يقول له الامام.
«اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة»
ولما نفدت سهامه جرد سيفه وحمل عليهم وهو يرتجز :
أنا يزيد وأبي مهاجر |
اشجع من ليث بغيل خادر(2) |
|
يا رب اني للحسين ناصر |
ولابن سعد رافض وهاجر |
وقاتل قتال الأبطال حتى قتل(3) وانتهت بذلك حياته مدافعا عن دين اللّه ومناصرا لريحانة رسول اللّه (ص).
ومن المع أنصار الامام (ع) الجابريان ، وهما : سيف بن الحارث ابن سريع الجابري ومالك بن عبد بن سريع الجابرى وكانا اخوين من أم وابني عم ، وقد تقدما بين يدي أبي عبد اللّه ، وعيناهما تفيضان دموعا فقال لهما الامام :
«ما يبكيكما اني لأرجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين؟»
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1 ، تأريخ ابن الأثير 3 / 293 وجاء فيه انه اول من قتل من أصحاب الامام.
(2) وفي الفتوح 5 / 199 «ليث عبوس في العرين جاذر»
(3) انساب الأشراف ق 1 ج 1
فاسرعا قائلين :
«جعلنا اللّه فداك ، ما على انفسنا نبكي ، ولكن نبكي عليك ، نراك قد أحيط بك ، ولا نقدر أن تنفعك».
لقد امتلأت قلوب أصحاب الامام بالولاء الباهر والاخلاص العميق له فكانوا لا يفكرون إلا به ، ويتحرقون ألما وحزنا عليه.
وقاتل الجابريان قتال الأبطال ، وقد تناهبت أشلاءهما السيوف والرماح في وحشية قاسية ، واستشهدا بالقرب من الامام(1) .
وبرز إلى ساحة الجهاد الاخوان عبد اللّه وعبد الرحمن ابنا عروة الغفاري فجعلا يقاتلان باستبسال نادر حتى استشهدا بين يدي الامام(2) .
ولما استغاث الامام وجعل يطلب الناصر والمعين لحماية عقائل النبوة ومخدرات الوحي اثر ذلك في نفوس الأنصاريين ، وهما سعد بن الحارث واخوه ابو الحتوف وكانا مع ابن سعد فمالا بسيفيهما على معسكر ابن سعد وقاتلا حتى قتلا(3) .
وانبرى إلى ساحات الجهاد بين يدي أبي عبد اللّه انيس بن معقل الأصبحي وهو يرتجز :
أنا أنيس وأنا ابن معقل |
وفي يميني نصل سيف مصقل |
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 292
(2) تأريخ ابن الأثير 3 / 292
(3) الحدائق الوردية
اضرب به في الحرب حتى ينجلي |
اعلي به الهامات وسط القسطل |
|
عن الحسين الماجد المفضل |
ابن رسول اللّه خير مرسل |
وقد مثل هذا الرجز الحماس الديني الذي سيطر عليه فقد عرفهم بنفسه وأعلن انه انما يقاتلهم دفاعا عن ابن رسول اللّه ، وهو لا يبغي بذلك أي مطمع سوى رضاء اللّه : وقاتل البطل قتالا عنيفا حتى استشهد(1) .
ومن اصحاب الامام الذين استشهدوا للحق قرة بن أبي قرة الغفاري فقد برز وهو يرتجز :
قد علمت حقا بنو غفار |
وخندف بعد بني نزار |
|
بأنني الليث لدى الغبار |
لأضربن معشر الفجار |
|
بكل عضب ذكر بتار |
ضربا وحتفا عن بني المختار |
رهط النبي السادة الأبرار(2)
وهذا الرجز يتدفق بالحيوية والحماس للدفاع عن عترة النبي (ص) وقد دلل على بطولته بأن بني غفار وخندف وبني نزار كلهم يشهدون ببسالته وشجاعته ، وهو انما يجاهد دفاعا عن السادة الابرار ابناء رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وقاتل البطل الغفاري قتالا شديدا حتى هوى جسده الشريف الى الأرض تحت ضرب السيوف وطعن الرماح ، وسمت روحه الى الرفيق الأعلى.
__________________
(1) الفتوح 5 / 198
(2) الفتوح 5 / 195
وبرز إلى حومة الحرب يحيى بن سليم المازني ، وهو يرتجز :
لأضربن القوم ضربا فيصلا |
ضربا شديدا في العداة معجلا |
|
لا عاجزا فيها ولا مولولا |
ولا اخاف اليوم موتا مقبلا |
لكنني كالليث أحمي مشبلا
واعلن بهذا الرجز عن شجاعته فهو سينزل بالأعداء الضربات القاسية وانه سيحاربهم ببسالة وصمود لا عاجزا ، ولا مولولا ، ولا خائفا من الموت ، وانما هو كالليث يصول فيهم ليحمي عترة رسول اللّه ، وشد عليهم كأنه جيش ، وقاتلهم أعنف القتال واشده حتى استشهد بين يدي أبي عبد اللّه(1) .
وكان الامام يبعث في نفوس اصحابه روح العزم والصمود ، ويوصيهم بالصبر على ملاقاة الأهوال قائلا لهم :
«صبرا بني الكرام فما الموت الا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضراء الى الجنان الواسعة ، والنعم الدائمة ، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر ، ان أبي حدثني عن رسول اللّه (ص) انه قال : ان الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر ، والموت جسر هؤلاء إلى جنانهم ، وجسر هؤلاء الى جحيمهم. ما كذبت ، ولا كذبت»(2) .
وقد الهبت هذه الكلمات عواطفهم فخاضوا الموت في استبسال عاصف ليصلوا الى مراتبهم في الفردوس الأعلى.
__________________
(1) الفتوح 5 / 194
(2) مقتل الحسين لعبد اللّه نور اللّه
وخرج إلى ميدان القتال عبد اللّه اليزني فقاتل ببسالة نادرة وهو يرتجز :
انا ابن عبد اللّه من آل يزن |
ديني على دين حسين وحسن |
|
اضربكم ضرب فتى من اليمن |
ارجو بذلك الفوز عند المؤتمن |
لقد عرفهم بنفسه وأسرته وبلده ، وعرفهم أنه على دين سيده الحسين ، وهو اذ يضحي بنفسه في سبيله فانما يرجو بذلك الفوز عند اللّه وقاتل كما قاتل اخوانه الشهداء ببسالة وعزم ثم استشهد(1) .
وكان الامام العظيم يقف على الشهداء الممجدين من أصحابه وهو يتأمل بوجهه الوديع فيهم فيراهم مضمخين بدم الشهادة ، ومعطرين بنفحات من روح اللّه ، فانطلق يؤبنهم باعجاب قائلا :
«قتلة كقتلة النبيين وآل النبيين»(2)
مصرع سويد :
وكان آخر من استشهد من أصحاب الامام البطل الشجاع سويد بن عمرو بن أبي المطاع الخثعمي فقد سقط في المعركة جريحا وظنه القوم أنه قد قتل فلم يجهزوا عليه ، وكان فد غامت نفسه من ألم الجروح ونزيف الدماء فلما سمع القوم ينادون :
«قتل الحسين»
فانتفض كما ينتفض الأسد الجريح غير حافل بما هو فيه من ألم الجروح فانبرى يفتش عن سيفه فلم يجده وظفر بمدية فحمل عليهم يطعن فيهم ففروا
__________________
(1) الفتوح 5 / 194
(2) مقتل الحسين لعبد اللّه
مذعورين ، وقد ظنوا أن الموتى من اصحاب الحسين قد عادت إليهم أرواحهم ليستأنفوا الجهاد ثانيا ، ولما أيقنوا خطأهم انعطفوا عليه فقتلوه وقد قتله عروة بن بطان الثعلبي. ولم يعرف التأريخ الانساني اصدق ولا انبل من هذا الوفاء ، فكان حقا هذا هو المجد في معسكر الحسين ، فقد ظلوا على الوفاء لامامهم حتى الرمق الأخير من حياتهم.
هؤلاء بعض اصحاب الامام ، وقد ابلوا في المعركة بلاء يقصر عنه كل وصف واطراء ، فقد جاهدوا جهادا لم يعرف له التأريخ نظيرا في جميع عمليات الحروب التي جرت في الأرض ، فقد قابلوا على قلة عددهم وما بهم من الظمأ القاتل تلك الجيوش المكثفة ، وانزلوا بها افدح الخسائر.
إن تلك الكوكبة من ابطال الايمان قد صارعوا الأهوال ، وخاضوا تلك المعركة الرهيبة ، وقد وقفوا وقفة الرجل الواحد ، وقادوا حركة الايمان ، ولم تضعف لأي رجل منهم عزيمة ، ولم تلن لهم قناة ، وقد خضبوا جميعا بالدماء وهم يشعرون بالغبطة ويشعرون بالفخار ، وقد دللوا بتضحياتهم الهائلة النبيلة على عظمة الاسلام الذي منحهم تلك الروح الوثابة التي استطاعوا بها أن يقاوموا بصبر وثبات تلك الوحوش الكاسرة التي ساقتها الأطماع الى اقتراف افظع جريمة في تأريخ البشرية كلها.
لقد سمت ارواحهم الطاهرة الى الرفيق الأعلى وهي انضر ما تكون تفانيا في مرضاة اللّه واشد ما تكون إيمانا بعدالة قضيتهم التي هي من انبل القضايا في العالم وان اعطر تحية توجه لذكراهم كلمات الامام الصادق (ع) في حقهم.
«بأبي أنتم وأمي طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم وفزتم واللّه فوزا عظيما».
مصارع العترة الطّاهرة
وبعد ما استشهدت الصفوة العظيمة من أصحاب الامام هبت ابناء الأسرة النبوية شبابا واطفالا للتضحية والفداء ، وهم بالرغم من صغر اسنانهم كانوا كالليوث لم يرهبهم الموت ولم تفزعهم الأهوال وتسابقوا ـ بشوق ـ إلى ميادين الجهاد ، وقد ضنّ الامام على بعضهم بالموت فلم يسمح لهم بالجهاد الا انهم اخذوا يتضرعون إليه ، ويقبلون يديه ورجليه ليأذن لهم في الدفاع عنه.
والمنظر الرهيب الذي يذيب القلوب ، ويذهل كل كائن حي هو أن تلك الفتية جعل يودع بعضهم بعضا الوداع الأخير فكان كل واحد منهم يوسع أخاه وابن عمه تقبيلا وهم غارقون بالدموع حزنا وأسى على ريحانة رسول اللّه (ص) حيث يرونه وحيدا غريبا قد احاطت به جيوش الأعداء ويرون عقائل النبوة ومخدرات الوحي وقد تعالت اصواتهن بالبكاء والعويل وساعد اللّه الامام على تحمل هذه الكوارث التي تقصم الأصلاب ، وتذهل الألباب ، ولا يطيقها أي انسان الا من امتحن اللّه قلبه للايمان أما الذين استشهدوا من ابناء الرسول (ص) فهم.
وأجمع المؤرخون ان علي بن الحسين الأكبر كان يضارع جده الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ، في خلقه وأخلاقه التي امتاز بها على سائر النبيين ، وأعظم بهذه الثروة التي ملكها سليل هاشم فقد ملك جميع الطاقات الانسانية والمثل الكريمة التي يسمو بها العظماء والمصلحون.
وكان البارز من معاني أخلاقه الاباء والشمم وعزة النفس والاندفاع الهائل في ميادين الكرامة الانسانية ، فقد آثر الموت واستهان بالحياة في
سبيل كرامته ، ولا يخضع لحكم الدعي ابن الدعي ، وقد بعث عمر بن سعد رجلا من أصحابه فناداه :
«ان لك قرابة بامير المؤمنين ـ يعني يزيد ـ ونريد أن نرعى هذا الرحم ، فان شئت آمناك؟»
فسخر منه علي بن الحسين وصاح به :
«لقرابة رسول اللّه احق ان ترعى»(1)
وكان من ابر ابناء الامام واكثرهم مواساة وحرصا عليه ، وهو أول من اندفع بحماس بالغ من الهاشميين إلى الحرب ، وكان عمره فيما يقول المؤرخون ثماني عشرة سنة(2) ، فلما رآه الامام اخذ يطيل النظر إليه ، وقد ذابت نفسه حزنا واشرف على الاحتضار ، لأنه رأى ولده الذي لا ند له قد ساق نفسه إلى الموت ، فرفع شيبته الكريمة نحو السماء وراح يقول بحرارة وألم ممض :
«اللهم اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلام أشبه الناس برسولك محمد (ص) خلقا وخلقا ومنطقا ، وكنا إذا اشتقنا الى رؤية نبيك نظرنا إليه اللهم امنعهم بركات الأرض ، وفرقهم تفريقا ، ومزقهم تمزيقا ، واجعلهم طرائق قددا ، ولا ترضي الولاة عنهم أبدا ، فانهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا».
ويلمس في هذه الكلمات الحزينة مدى اساه على ولده الذي استوعب
__________________
(1) نسب قريش (ص 57)
(2) الفتوح 5 / 207 وقيل كان عمره ثلاثا وعشرين سنة كما في عمدة الطالب (ص 182) وقيل كان عمره سبعا وعشرين سنة حسب ما ذكره المقرم في مقتل الحسين.
نفسه حبا له ، وقد دعا اللّه ـ بحرارة ـ ان ينزل على تلك العصابة المجرمة عذابه الأليم في هذه الدنيا وتقطع قلب الامام حزنا على ولده فصاح بالمجرم الأثيم عمر بن سعد.
«ما لك قطع اللّه رحمك ، ولا بارك لك في أمرك ، وسلط عليك من يذبحك بعدي على فراشك ، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول اللّه (ص) ثم تلا قوله تعالى :( إِنَّ اَللّٰهَ اِصْطَفىٰ آدَمَ ونُوحاً وآلَ إِبْرٰاهِيمَ وآلَ عِمْرٰانَ عَلَى اَلْعٰالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهٰا مِنْ بَعْضٍ واَللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ .. ) .
وشيع الامام ولده بدموع مشفوعة بالحزن والزفرات ، وخلفه نساء أهل البيت وقد علا منهن الصراخ والعويل على شبيه رسول اللّه (ص) الذي ستتناهب شلوه السيوف والرماح.
وانطلق الفتى إلى حومة الحرب مزهوا لم يختلج في قلبه خوف ولا رعب ، وهو يحمل هيبة الرسول (ص) وشجاعة امير المؤمنين وبأس حمزة واباء الحسين ، وتوسط حراب الأعداء وسيوفهم وهو يرتجز بعزة وتصميم محاميا عن دين اللّه.
أنا علي بن الحسين بن علي |
نحن ورب البيت أولى بالنبي |
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي(1)
أجل واللّه يا فخر هاشم أنت وأبوك أولى بالنبي واحق بمقامه ، فأنتم أقرب الناس إليه والصقهم به ولكن الأطماع السياسية التي تغلبت على القوم هي التي دفعتكم عن مقامكم ، وسلطت عليكم هذه الطغمة الجائرة فعمدت الى تقطيع أوصالكم واستئصال شأفتكم ليخلو لها الجو في التأمر على المسلمين بغير الحق.
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 293 ، انساب الأشراف ق 1 ج 1
واعلن علي بن الحسين في رجزه عن روعة بأسه وشدة إبائه ، وانه يؤثر الموت على الخنوع للدعي ابن الدعي والتحم مع اعداء اللّه وقد ملأ قلوبهم رعبا وفزعا وابدى من البسالة ما يقصر عنه الوصف ، فقد ذكّرهم ببطولات جده امير المؤمنين ، وقد قتل فيما يقول بعض المؤرخين مائة وعشرين فارسا(1) سوى المجروحين وألح عليه العطش فقفل راجعا الى أبيه يشكو إليه ظمأه القاتل ويودعه الوداع الأخير ، واستقبله أبوه بحرارة فبادره علي قائلا :
«يا أبة العطش قد قتلني ، وثقل الحديد قد أجهدني ، فهل الى شربة ماء من سبيل اتقوى بها على الأعداء؟»
والتاع الامام كأشد ما تكون اللوعة ألما ومحنة ، فقال له بصوت خافت وعيناه تفيضان دموعا.
«وا غوثاه ما اسرع الملتقى بجدك ، فيسقيك بكأسه شربة لا تظمأ بعدها أبدا».
وأخذ لسانه فمصه ليريه ظمأه فكان كشقه مبرد من شدة العطش ودفع إليه خاتمه ليضعه في فيه(2) .
لقد كان هذا المنظر الرهيب من افجع ما رزىء به الامام الحسين لقد رأى فلذة كبده وهو في غضارة العمر وريعان الشباب ، وقد استوعبت الجراحات جسمه الشريف وقد اشرف على الهلاك من شدة العطش وهو لم يستطع أن يسعفه بجرعة ماء ليروي ظمأه ، يقول الحجة الشيخ عبد الحسين صادق في رائعته :
يشكو لخير أب ظماه وما اشتكى |
ظمأ الحشا الا إلى الظامي الصدي |
__________________
(1) مقتل الخوارزمي 2 / 30
(2) مقتل الخوارزمي 2 / 30
كل حشاشته كصالية الغضا |
ولسانه ظمأ كشقة مبرد |
|
فانصاع يؤثره عليه بريقه |
لو كان ثمة ريقه لم يجمد |
وقفل علي بن الحسين راجعا الى حومة الحرب قد فتكت الجروح بجسمه وفتت العطش كبده ، وهو لم يحفل بما هو فيه ، وانما استوعبت فكره وحدة أبيه وتضافر اعداء اللّه على قتله ، وجعل يرتجز :
الحرب قد بانت لها حقائق |
وظهرت من بعدها مصادق |
|
واللّه رب العرش لا نفارق |
جموعكم أو تغمد البوارق(1) |
لقد اعرب فخر هاشم بهذا الرجز بأن الحقائق قد ظهرت في هذه الحرب ، وتجلت للجميع الأهداف النبيلة التي ينشدها أهل البيت ، وانهم سيبقون يناضلون عنها حتى تغمد البوارق.
وجعل علي الأكبر يقاتل أشد القتال واعنفه حتى قتل تمام المائتين(2) وقد ضج العسكر فيما يقول المؤرخون من شدة الخسائر التي مني بها ، فقال الوضر الخبيث مرة بن منقذ العبدى(3) علي آثام العرب إن لم اثكل أباه(4) وأسرع الخبيث إلى شبيه رسول اللّه (ص) فطعنه بالرمح
__________________
(1) الفتوح 5 / 209
(2) مقتل الخوارزمي 2 / 31
(3) مرة كان أبوه منقذ من قادة جيش الامام في معركة الجمل ، واستشهد في تلك الواقعة وحمل ابنه مرة اللواء من بعده وخاض المعركة وشهد مع علي صفين والنهروان ، ثم ارتد على عقبه وانحرف عن الاسلام فانضم إلى معسكر ابن سعد واقترف في هذه الحرب افظع الجرائم التي منها قتله لشبيه رسول اللّه (ص) على الأكبر.
(4) مقتل الحسين للمقرم (ص 316) مقاتل الطالبيين (ص 116)
في ظهره وضربه ضربة غادرة بالسيف على رأسه ففلق هامته ، واعتق علي فرسه يظن انه يرجعه إلى أبيه ليتزود بالنظر إليه ، إلا ان الفرس حمله الى معسكر الأعداء فأحاطوا به من كل جانب ولم يكتفوا بقتله وانما راحوا يقطعونه بسيوفهم اربا اربا تشفيا منه لما الحقه بهم من الخسائر الفادحة ، ونادى علي رافعا صوته :
«عليك مني السلام أبا عبد اللّه ، هذا جدي رسول اللّه قد سقاني بكأسه شربة لا اظمأ بعدها ، وهو يقول : إن لك كأسا مذخورة».
وحمل الأثير هذه الكلمات الى أبيه الثاكل الحزين فقطعت قلبه ومزقت احشاءه ففزع إليه وهو خائر القوى منهد الركن فانكب عليه ، ووضع خده على خده ، وهو جثة هامدة قد قطعت شلوه السيوف في وحشية قاسية ، فأخذ يذرف أحر دموعه وهو يقول بصوت خافت قد لفظ شظايا قلبه فيه :
«قتل اللّه قوما قتلوك ، يا بني ما اجرأهم على اللّه ، وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا»(1) .
وهرعت إليه الفتية من عمومته وأبناء عمومته فالقوا بنفوسهم عليه وهم يوسعونه تقبيلا ويلثمون جراحاته ، ويقسمون على أن يمضوا على ما مضى عليه ، وأمرهم الامام أن يحملوه إلى المخيم.
وهرعت الطاهرة البتول حفيدة النبي (ص) زينب (ع) فانكبت على جثمان ابن أخيها تضمخه بدموعها ، وتندبه بأشجى ما تكون الندبة ، وقد انهارت امام ابن أخيها الذي كان قبل ساعة يملأ العين اهابه ، وأثر منظرها الحزين في نفس الامام فجعل يعزيها بمصابها الأليم ، وهو يردد :
«على الدنيا بعدك العفا».
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 293 ، نسب قريش (ص 57)
لقد كان علي بن الحسين الرائد والزعيم لكل ابي شريف مات عصيا على الضيم في دنيا الاباء والشرف
وداعا يا بطل الاسلام
وداعا يا فخر هاشم
وداعا يا فجر كل ليل
ونحن نودعك بالأسى والحزن ونردد مع أبيك كلماته الحزينة «على الدنيا بعدك العفا».
واندفعت الفتية الطيبة من آل عقيل الى الجهاد وهي مستهينة بالموت وقد نظر الامام (ع) إلى بسالتهم واندفاعهم إلى نصرته فكان يقول :
«اللهم اقتل قاتل آل عقيل صبرا آل عقيل ان موعدكم الجنة»(1) .
وكان علي بن الحسين زين العابدين (ع) يميل أشد الميل لآل عقيل ويقدمهم على غيرهم من آل جعفر ، فقيل له في ذلك فقال : اني لأذكر يومهم مع أبي عبد اللّه فارق لهم(2) .
وقد استشهد منهم تسعة في المعركة دفاعا عن ريحانة رسول اللّه (ص) وفيهم يقول الشاعر :
عين جودي بعبرة وعويل |
واندبي ان ندبت آل الرسول |
|
سبعة كلهم لصلب علي |
قد اصيبوا وتسعة لعقيل(3) |
__________________
(1) بطل العلقمي 1 / 227
(2) البحار 11 / 123
(3) المعارف (ص 204)
وقد علوا بارادتهم وعزمهم الجبار على ذلك الجيش «وانزلوا به أفدح الخسائر» ومن بينهم.
وانبرى فتى هاشم عبد اللّه بن مسلم(1) إلى ساحة الجهاد فخاض غمرات الحرب واهوالها في شوق إلى الشهادة ، وقد بهر الابصار بجماله وبسالته وهو يرتجز :
اليوم القى مسلما وهو أبي |
وفتية ماتوا على دين النبي |
|
ليسوا كقوم عرفوا بالكذب |
لكن خيار وكرام النسب |
من هاشم السادات أهل الحسب(2)
لقد عرف نفسه بأنه نجل الشهيد الخالد مسلم بن عقيل ، وانه سيلقى أباه في يومه ويلتقي بالفتية من ابناء عمومته الذين استشهدوا في سبيل الاسلام وماتوا على دين النبي (ص) وانهم ليسوا كأهل الكوفة الذين عرفوا بالغدر والخيانة والكذب ، وانما ينميهم هاشم سيد العرب ، وبهم تلتقي كل فضيلة وشرف في الاسلام.
وقاتل الفتى قتالا عنيفا فقتل جماعة في ثلاث حملات ، وسدد له الوضر الأثيم يزيد بن الرقاد(3) سهما غادرا فاتقاه الفتى بيده فسمرها
__________________
(1) عبد اللّه بن مسلم : أمه رقية بنت الامام امير المؤمنين (ع) جاء ذلك في نسب قريش (ص 45).
(2) الفتوح 5 / 203
(3) في تأريخ ابن الأثير 3 / 293 ان الذي رماه عمرو بن صبيح الصدائي.
الى جبهته ، فما استطاع ان يزيل السهم وقد اخذ منه الألم القاسي مأخذا عظيما فراح يدعو على السفكة المجرمين قائلا :
«اللهم انهم استقلونا واستذلونا فاقتلهم كما قتلونا»
وشد عليه وغد فطعنه بالرمح في قلبه ، فتوفي الفتى شهيدا مدافعا عن أقدس الحرمات في الاسلام(1) .
وبرز إلى ساحات الجهاد جعفر بن عقيل(2) فتوسط في ميدان الحراب وهو يرتجز :
أنا الغلام الأبطحي الطالبي |
من معشر في هاشم وغالب |
|
ونحن حقا سادة الذوائب |
هذا حسين سيد الأطائب(3) |
لقد عرفهم نفسه بأنه من الأسرة النبوية التي هي أشرف الأسر العربية واعلاها مجدا ، وانه انما يدافع عن سيده الحسين الذي هو سيد الاطائب وفخر هذه الدنيا.
وقاتل الفتى قتالا عنيفا ، فرماه عروة بن عبد اللّه الخثعمي فقتله(4) .
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 317)
(2) جعفر بن عقيل : أمه أم الثغر بنت عامر العامري من بني كلاب ، مقاتل الطالبيين (ص 93).
(3) الفتوح 5 / 203
(4) مقاتل الطالبيين (ص 93)
وانطلق عبد الرحمن بن عقيل(1) الى حومة الحرب وأخذ يصول ويجول وهو يرتجز :
أبي عقيل فاعرفوا مكاني |
من هاشم وهاشم اخواني |
|
كهول صدق سادة القران |
هذا حسين شامخ البنيان(2) |
لقد أدلى بنسبه الوضاح فهو نجل عقيل ابن عم رسول اللّه (ص) وانه من السادة الاماجد الذين هم من أروع امثلة الوفاء والنبل والشرف في الأرض ، كما اشاد بالامام الحسين بأنه شامخ البنيان بمثله ومواهبه وقرابته من النبي (ص) وقاتل قتال الأبطال فشد عليه عثمان بن خالد الجهني وبشير بن حوص القايض فقاتلاه(3) .
وكان محمد بن عقيل من الفقهاء ، وقد برز مدافعا عن ريحانة رسول اللّه (ص) واستشهد بين يديه(4) .
__________________
(1) عبد الرحمن بن عقيل : أمه أمّ ولد ، مقاتل الطالبيين (ص 92)
(2) الفتوح 5 / 203
(3) مقاتل الطالبيين (ص 92)
(4) محمد بن أبي سعيد الأحول بن عقيل ، أمه أمّ ولد ، مقاتل الطالبيين (ص 94).
وبرز عبد اللّه الأكبر(1) فقاتل ، وشد عليه عثمان بن خالد بن أسير الجهني ورجل من همدان فقاتلاه(2) .
وكان محمد بن أبي سعيد بن عقيل متكلما سريع الجواب ، وقد برز الى حومة الحرب واستشهد بين يدي الامام(3) .
وبرز محمد بن مسلم(4) الى الحرب فشد عليه ابو مرهم الأزدي ولقيط بن اياس الجهني فقاتلاه(5) .
وبرز علي بن عقيل فقاتل قتالا شديدا ، واستشهد بين يدي أبي عبد اللّه (ع)(6) .
__________________
(1) عبد اللّه الأكبر أمه أمّ ولد ، مقاتل الطالبيين (ص 92)
(2) مقاتل الطالبيين (ص 93)
(3) مقاتل الطالبيين (ص 94)
(4) أمه أمّ ولد
(5) مقاتل الطالبيين (ص 94)
(6) مقاتل الطالبيين (ص 95)
لقد ابدى شباب آل عقيل من البطولة والبسالة ما لا يوصف ، وتنافسوا على الشهادة بين يدي الحسين ، وفدوه بأرواحهم.
وتقدمت الفتية من ابناء الامام الحسن وهم في غضارة العمر وريعان الشهاب فجعلوا يتسابقون الى الموت ليفدون عمهم بأرواحهم ، وهم :
ويكنى أبا بكر ، وأمه أم ولد يقال لها رملة ، وقد برز إلى الحرب فتناهبت جسمه السيوف والرماح وخر صريعا إلى الأرض يتخبط بدمه الزاكي(1) .
وفي طليعة ابناء الامام الحسن القاسم ، وكان فيما وصفه المؤرخون كالقمر في بهائه وجماله ، وكرونق الزهور في زهوه ونضارته ، وقد انعم اللّه عليه وهو في سنه المبكر باشراق العقل وفطنة النفس وعزة الايمان ، وقد غذاه عمه بمواهبه ، وأفرغ عليه اشعة من روحه حتى صار مثلا للكمال وقدوة للايمان.
وكان القاسم يرنو الى عمه ويتطلع إلى محنته ، ويود أن يرد عنه
__________________
(1) حياة الامام الحسن 2 / 462 ، الدر النظيم (ص 170)
عوادي الاعداء بدمه ، وكان يقول :
«لا يقتل عمي وأنا أحمل السيف»(1)
ولما رأى وحدة عمه احاطت به الآلام الهائلة ، واندفع يطلب منه الأذن ليجاهد بين يديه فاعتنقه الامام وعيناه تفيضان دموعا ، وأذن له بالجهاد بعد الحاحه ، وانطلق الفتى ببطولة رائعة وهو لا يعرف الخوف ويهزأ من الحياة ، ولم يضف على جسده لامة حرب ، وانما صحب معه سيفه ، والتحم مع الأعداء يضرب الأعناق ، ويحصد الرءوس كأن المنايا كانت طوع أمره يقذف بها من يشاء ، وبينما هو يقاتل اذ انقطع شسع نعله ، فانف سليل النبوة ان تكون احدى رجليه بلا نعل فوقف يشده متحديا تلك الوحوش الكاسرة وغير حافل بها ، واغتنم هذه الفرصة الوغد الخبيث عمرو بن سعد الأزدي ، فقال : واللّه لأشدن عليه ، فانكر عليه ذلك حميد بن مسلم وراح يقول له :
«سبحان اللّه!! وما تريد بذلك؟ يكفيك هؤلاء القوم الذين ما يبقون على أحد منهم».
فلم يعن به ، وشد عليه فضربه بالسيف على رأسه الشريف ، وهوى إلى الارض صريعا كما تهوى النجوم ، ونادى رافعا صوته :
«يا عماه.»
وتقطع قلب الامام ، وهرع نحو ابن أخيه ، فعمد إلى قاتله فضربه بالسيف فاتقاها بساعده فقطعها من المرفق ، وطرحه أرضا ، فحملت خيل اهل الكوفة لاستنقاذه الا انه هلك الاثيم تحت حوافرها وانعطف الامام
__________________
(1) البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان (ص 25) لعماد الدين الأصفهاني من مصورات مكتبة الامام الحكيم.
نحو ابن أخيه فجعل يقبله والفتى يفحص بيديه ورجليه ، وجعل الامام يخاطبه بذوب روحه قائلا؟
بعدا لقوم قتلوك ، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك ...
عزّ واللّه على عمك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا ينفعك صوت واللّه هذا يوم كثر واتره ، وقل ناصره»(1) .
وحمل الفتى بين ذراعيه وهو يفحص برجليه كالطير المذبوح(2) وجاء به فالقاه بجوار ولده علي الأكبر وسائر القتلى من اهل البيت ، وأخذ يطيل النظر إلى تلك الكواكب المشرقة من أهل بيته ، فجعل يدعو على السفكة المجرمين من أعدائه ، ويدعو البقية الباقية من أهل بيته بالخلود الى الصبر قائلا :
«اللهم احصهم عددا ، ولا تغادر منهم أحدا ، ولا تغفر لهم أبدا صبرا يا بني عمومتي ، صبرا يا أهل بيتي لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا ..»(3) .
لك اللّه يا أبا عبد اللّه على هذه الرزايا والكوارث التي تميد من هولها الجبال ، وتعصف بحلم أي انسان كان.
وقاتل الحسن بن الامام الحسن قتال الأبطال حتى هوى الى الأرض جريحا ، ولما عمد انذال اهل الكوفة الى حز رءوس الشهداء وجدوا به
__________________
(1) الارشاد (ص 268) البداية والنهاية 8 / 186
(2) البستان الجامع (ص 25)
(3) مقتل الخوارزمي 2 / 28 ، الدر النظيم في مناقب الأئمة (ص 371)
رمقا فاستشفع به أسماء بن خارجة الفزاري وكان من اخواله فشفعوه فيه فحمله معه الى الكوفة وعالجه حتى برىء من جرحه ، ثم لحق في يثرب(1) .
كان غلاما له من العمر احدى عشرة سنة ، وقد رأى عمه قد احاطت به الأعداء فهرول إليه فعمدت إليه عمته زينب لتمنعه فامتنع عليها ، وجاء يركض الى عمه فاهوى ابحر بن كعب بالسيف ليضرب الحسين فصاح به الطفل في براءة الأطفال :
«يا ابن الخبيثة أتقتل عمي؟!!»
وعمد ابن الخبيثة الى الطفل فعلاه بالسيف فتلقاه بيده فأطنها إلى الجلد فاذا هي معلقة فصاح الطفل مستغيثا بعمه قائلا : يا عماه ، ووقع في حجر عمه فاعتنقه وجعل يواسيه ، ويصبره على ما نزل به قائلا :
«يا ابن أخي اصبر على ما نزل بك ، واحتسب في ذلك الخير فان اللّه يلحقك بآبائك الصالحين».
وأخذ الامام يدعو على السفكة المجرمين :
«اللهم ان متعتهم إلى حين ففرقهم تفريقا واجعلهم طرائق قددا ولا ترض الولاة عنهم أبدا فانهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا»(2) .
وبينما هو في حجر عمه إذ سدد له الباغي اللئيم حرملة بن كاهل
__________________
(1) حياة الامام الحسن
(2) تأريخ الطبري 6 / 259
سهما غادرا فذبحه(1) وحمله الامام فوضعه بين القتلى من أهل بيته ، لقد تجرد اولئك الممسوخون من كل نزعة انسانية فاستباحوا قتل الاطفال الأبرياء الذي كان محرما حتى في العرف الجاهلي.
وتسابقت الفتية من ابناء عبد اللّه بن جعفر الى الجهاد بين يدي ريحانة رسول اللّه (ص) وهم :
وأمه العقيلة زينب بنت الامام امير المؤمنين ، وقد برز إلى ساحة الجهاد فجعل يقاتل قتال الأبطال وهو يرتجز :
إن تنكروني فأنا ابن جعفر |
شهيد صدق في الجنان أزهر |
|
يطير فيها بجناح أخضر |
كفى بهذا شرفا من معشر(2) |
وقد عرف نفسه بأنه ابن جعفر الشهيد الخالد في الاسلام الذي قطعت يداه في سبيل الدعوة الاسلامية ، فأبدله اللّه بهما جناحين يطير بهما في الفردوس الأعلى حسبما يقول الرسول الأعظم (ص) ويكفى عونا شرفا ومجدا انه حفيد هذا الرجل العظيم.
وجعل يقاتل فحمل عليه عبد اللّه بن قطبة الطائي فقتله(3) ، وقد رثاه سليمان بن قتة بقوله :
__________________
(1) اللهوف (ص 68)
(2) الفتوح 5 / 204
(3) الارشاد (ص 268)
واندبي إن بكيت عونا أخاه |
ليس فيما ينوبهم بخذول |
|
فلعمري لقد أصبت ذوي القر |
بى فبكى على المصاب الطويل(1) |
وبرز إلى حومة الحرب محمد بن عبد اللّه بن جعفر ، وأمه الخوصاء من بني بكر بن وائل(2) وجعل يقاتل وهو يرتجز :
نشكو إلى اللّه من العدوان |
قتال قوم في الردى عميان |
|
قد بدلوا معالم القرآن |
ومحكم التنزيل والتبيان |
واظهروا الكفر مع الطغيان(3)
لقد شكا إلى اللّه بهذا الرجز ما يعاينه أهل البيت (ع) من الظلم والاعتداء من تلك العصابة الباغية التي عميت عن الحق وتردت في الضلال وبدلت احكام القرآن ، واظهرت الكفر والطغيان.
وقاتل الفتى اعنف القتال فحمل عليه عامر بن نهشل التميمي(4) فضربه بالسيف فهوى جسمه الخضيب على رمضاء كربلا ، ولم يلبث أن لفظ انفاسه الأخيرة وقد رثاه سليمان بن قتة بقوله :
وسمي النبي غودر فيهم |
قد علوه بصارم مصقول |
|
فاذا ما بكيت عيني فجودي |
بدموع تسيل كل مسيل(5) |
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 91)
(2) مقاتل الطالبيين (ص 90)
(3) الفتوح 5 / 204
(4) الارشاد (ص 268)
(5) مقاتل الطالبيين (ص 92)
وعبيد اللّه أمه الخوصاء بنت حفصة ، وقد برز إلى الجهاد فقتل(1) .
وبعد ما استشهدت الصفوة الطيبة من أهل البيت (ع) ولم يبق مع الامام الحسين (ع) سوى اخوته من أبيه هبوا للجهاد ، ووطنوا نفوسهم على الموت ليفدوا ريحانة رسول اللّه (ص) بنفوسهم ومهجهم.
ولما رأى بطل هاشم وفخر عدنان العباس بن الامام امير المؤمنين كثرة القتلى من أهل بيته التفت الى اخوته من أبيه وأمه فقال لهم :
«تقدموا يا بني أمي حتى اراكم نصحتم للّه ولرسوله فانه لا ولد لكم ..»(2) .
وكشفت هذه الكلمات عن مدى ايمانه العميق ، فهو يطلب من أخواته أن يكونوا قرابين للّه ، ويراهم في جهادهم قد نصحوا للّه ورسوله ولم يلحظ في جهادهم أي اعتبار آخر من النسب وغيره والتفت ابو الفضل الى أخيه عبد اللّه ، وكان اكبر اخوانه سنا فقال له :
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 92)
(2) الارشاد (ص 269)
«تقدم يا أخي حتى اراك قتيلا واحتسبك»(1)
واستجابت الفتية الى نداء الحق ، فتقدموا الى الجهاد بعزم واخلاص
قول رخيص :
وان من أرخص الأقوال واهزلها ما ذكره ابن الأثير ان العباس (ع) قال لاخوته : «تقدموا حتى ارثكم فانه لا ولد لكم»(2) لقد قالوا بذلك : ليقللوا من أهمية هذا العملاق العظيم الذي هو في طليعة رجال الاسلام بذلا وتضحية في سبيل اللّه ، وهل من الممكن أن يفكر العباس عليه السلام في الناحية المادية في تلك الساعة الرهيبة التي كان الموت المحتم منه كقاب قوسين أو ادنى ، مضافا الى المحن الشاقة التي احاطت به ، فهو يرى الكواكب من ابناء اخوته وعمومته صرعى على الأرض ، ويسمع ضجيج حرائر النبوة وكرائم الوحي ، ويسمع صراخ الأطفال وهم ينادون العطش العطش ، ويرى اخاه قد احيط به وهو يستغيث فلا يغاث ، فقد استوعبت هذه الرزايا التي تذهل الالباب جميع مشاعره وعواطفه ولم يكن يفكر الا بسرعة الرحيل عن هذه الدنيا ، ومضافا لذلك كله فان أم البنين أم العباس كانت حية فهي التي تحوز ميراث ابنائها لأنها من الطبقة الأولى ، ولعل الوارد حتى أثأركم أي اطلب بثأركم فحرف ذلك.
وبرز عبد اللّه بن امير المؤمنين وأمه أمّ البنين الى ساحة الجهاد والتحم مع الأعداء وهو يرتجز :
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 82)
(2) تأريخ ابن الأثير 3 / 294
شيخي علي ذو الفخار الأطول |
من هاشم الخير الكريم المفضل |
|
هذا حسين بن النبي المرسل |
عنه نحامي بالحسام المصقل |
|
تفديه نفسي من أخ مبجل |
يا رب فامنحني ثواب المنزل(1) |
لقد اعتز بهذا الرجز بأبيه الامام امير المؤمنين باب مدينة علم النبي (ص) ووصيه كما اعتز بأخيه الامام الحسين ريحانة رسول اللّه (ص) وانه انما ينافح عنه لا بدافع الأخوة والرحم ، وانما يبغي بذلك وجه اللّه والدار الآخرة.
ولم يزل الفتى يقاتل اعنف القتال حتى شد عليه الباغي الأثيم هاني ابن ثبيت الحضرمي فقتله(2) .
وبرز جعفر بن أمير المؤمنين (ع) وأمه أم البنين وكان له من العمر تسع عشرة سنة ، فجعل يقاتل قتال الأبطال فشد عليه هانئ بن ثبيت فقتله(3) .
وبرز عثمان بن أمير المؤمنين وأمه أمّ البنين وهو ابن إحدى وعشرين
__________________
(1) الفتوح 5 / 205
(2) الإرشاد (ص 269) وفي الفتوح 5 / 205 ان الذي قتله زحر بن بدر النخعي.
(3) مقاتل الطالبيين (ص 83)
سنة فرماه خولى بسهم فاضعفه ، وشدّ عليه رجل من بني دارم فقتله وأخذ رأسه(1) ليتقرب به إلى سيده ابن مرجانة.
وليس في تأريخ الانسانية قديما ولا حديثا أخوة اصدق ولا أنبل ولا أوفى من أخوة أبي الفضل لأخيه الامام الحسين فقد حفلت بجميع القيم الانسانية والمثل الكريمة.
وكان البارز من مثل تلك الأخوة النادرة الإيثار والمواساة والفداء فقد آثر ابو الفضل أخاه وفداه بروحه ، وواساه في أقسى المحن والخطوب وقد أشاد الامام زين العابدين (ع) بهذه المواساة النادرة من عمه يقول (ع) :
«رحم اللّه عمي العباس فلقد آثر وابلى وفدى أخاه بنفسه حتى قطعت يداه ، فأبدله اللّه عز وجل بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة كما جعل لجعفر بن أبي طالب وان للعباس عند اللّه تعالى منزلة يغبطه بها جميع الشهداء يوم القيامة»(2) .
وقد أثارت هذه الأخوة الصادقة الاكبار والاعجاب عند جميع الناس ، وصارت مضرب المثل في جميع الأحقاب والآباد ، وقد اعتز بها حفيده الفضل بن محمد(3) يقول :
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 83)
(2) البحار 9 / 147
(3) الفضل بن محمد بن الفضل بن الحسن بن عبيد اللّه بن العباس جاء ذلك في عيون الأخبار وفنون الآثار (ص 101).
أحق الناس أن يبكى عليه |
فتى ابكى الحسين بكربلاء |
|
أخوه وابن والده علي |
ابو الفضل المضرج بالدماء |
|
ومن واساه لا يثنيه شيء |
وجاد له على عطش بماء(1) |
ويقول الكميت :
وابو الفضل إن ذكرهم الحلو |
شفاء النفوس من اسقام |
|
قتل الادعياء إذ قتلوه |
اكرم الشاربين صوب الغمام(2) |
لقد كان ابو الفضل يملك طاقات هائلة من التقوى والدين ، وكانت اسارير النور بادية على وجهه الكريم حتى لقب بقمر بني هاشم ، كما كان من الأبطال البارزين في الاسلام ، وكان اذا ركب الفرس المطهم(3) تخطان رجلاه في الأرض(4) وقد ورث صفات أبيه من الشجاعة والنضال.
واسند إليه الامام (ع) يوم الطف قيادة جيشه ودفع إليه رايته فرفعها عالية خفاقة ، وقد قاتل اعنف القتال واشده ، ولما رأى وحدة أخيه وقتل أصحابه وأهل بيته الذين باعوا نفوسهم للّه انبرى إليه يطلب منه الرخصة ليلاقي مصيره المشرق ، فلم يسمح له الامام وقال له بصوت خافت حزين النبرات.
«أنت صاحب لوائي»
لقد كان الامام يشعر بالقوة والمنعة ما دام أبو الفضل حيا ، فهو كجيش إلى جانبه يحميه ويذب عنه ، وألح عليه ابو الفضل قائلا :
«لقد ضاق صدري من هؤلاء المنافقين ، واريد أن آخذ ثأري منهم».
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 84)
(2) مقاتل الطالبيين (ص 84)
(3) المطهم : الفرس السمين الفاحش السمن
(4) مقاتل الطالبيين (ص 84)
لقد ضاق صدره وسئم من الحياة حينما رأى الكواكب المشرقة من اخوته وابناء اخوته وعمومته صرعى مجزر بن على رمال كربلا فتحرق شوقا للالتحاق بهم والأخذ بثأرهم ، وطلب منه الامام أن يسعى لتحصيل الماء الى الاطفال الذين صرعهم العطش فاندفع الشهم النبيل نحو اولئك الممسوخين فجعل يعظهم ويحذرهم غضب اللّه ونقمته ، وخاطب ابن سعد قائلا :
«يا ابن سعد هذا الحسين بن بنت رسول اللّه (ص) قد قتلتم أصحابه وأهل بيته ، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء ، قد احرق الظمأ قلوبهم ، وهو مع ذلك يقول : دعوني اذهب إلى الروم أو الهند وأخلي لكم الحجاز والعراق».
وزلزلت الأرض تحت اقدامهم وودوا أن تخيس بهم ، وبكى بعضهم وساد عليهم صمت رهيب فانبرى إليه الرجس الخبيث شمر بن ذي الجوشن فرد عليه قائلا :
«يا ابن أبي تراب لو كان وجه الأرض كله ماء وهو تحت أيدينا لما سقيناكم منه قطرة الا أن تدخلوا في بيعة يزيد».
وقفل أبو الفضل راجعا إلى أخيه فاخبره بعتو القوم وطغيانهم ، وسمع الأبي الشهم صراخ الأطفال وهم يستغيثون وينادون :
العطش العطش
الماء الماء
فرآهم ابو الفضل العباس ـ ويا لهول ما رأى ـ قد ذبلت شفاههم وتغيرت الوانهم وأشرفوا على الهلاك من شدة الظمأ ، فالتاع كأشد ما يكون الالتياع ، وسرى الألم العاصف في محياه ، واندفع ببسالة لإغاثتهم فركب
جواده وأخذ معه القربة ، فاقتحم الفرات وقد استطاع بقوة بأسه أن يفك الحصار الذي فرض على الماء وقد انهزم الجيش من بين يديه فقد ذكرهم ببطولات أبيه فاتح خيبر ومحطم فلول الشرك ، وقد انتهى الى الماء وكان قلبه الشريف قد تفتت من العطش ، واغترف من الماء غرفة ليشرب منه الا انه تذكر عطش أخيه ومن معه من النساء والأطفال فرمى الماء من يده وامتنع أن يروي غليله وهو يقول :
يا نفس من بعد الحسين هوني |
وبعده لا كنت أن تكوني |
|
هذا الحسين وارد المنون |
وتشربين بارد المعين |
تالله ما هذا فعال ديني(1)
ان الانسانية بكل اجلال واكبار لتحيي هذه الروح العظيمة التي تألفت في دنيا الفضيلة والاسلام ، وهي تلقي على الأجيال أروع الدروس عن الكرامة الانسانية والمثل العليا.
لقد كان هذا الايثار الذي تجاوز حدود الزمان والمكان من ابرز الذاتيات في خلق أبي الفضل ، فلم تمكنه عواطفه المترعة بالولاء والحنان لأخيه أن يشرب من الماء قبله ، فأي ايثار أنبل أو اصدق من هذا الايثار لقد امتزجت نفسه بنفس أخيه ، وتفاعلت روحه مع روحه ، فلم يعد هناك أي تعدد في الوجود بينهما واتجه فخر هاشم مزهوا نحو المخيم بعد ما ملأ القربة وهي عنده اغلى واثمن من الحياة ، والتحم مع الأعداء التحاما رهيبا فقد أحاطوا به ليمنعوه من ايصال الماء إلى عطاشى أهل البيت ، وأشاع فيهم البطل القتل فأخذ يحصد الرءوس ويجندل الأبطال وهو يرتجز :
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 226)
لا أرهب الموت اذا الموت زقا |
حتى اوارى في المصاليت لقى |
|
نفسي لسبط المصطفى الطهر وقا |
إني أنا العباس اغدو بالسقا |
ولا اخاف الشر يوم الملتقى(1)
لقد اعلن لهم عن شجاعته النادرة وبطولاته العظيمة ، فهو لا يرهب الموت ، وانما يستقبله بثغر باسم دفاعا عن الحق ، ودفاعا عن أخيه رائد العدالة الاجتماعية في الأرض وانه لفخور اذ يغدو بالسقاء مملوءا من الماء ليروي به عطاشى أهل البيت.
وانهزمت جيوش الباطل بطاردها الرعب والفزع ، فقد أبدى أبو الفضل من البطولات ما يفوق حد الوصف وقد أيقنوا أنهم عاجزون عن مقاومته ، الا ان الوضر الجبان زيد بن الرقاد الجهني قد كمن له من وراء نخلة ، ولم يستقبله بوجهه ، فضربه على يمينه فبراها لقد قطع تلك اليد التي كانت تفيض سماحا وبرا على الناس ودفاعا عن حقوق المظلومين والمضطهدين.
ولم يعن ابو الفضل بيمينه ، وانما راح يرتجز :
واللّه ان قطعتم يميني |
اني أحامي أبدا عن ديني |
|
وعن امام صادق يقيني |
نجل النبي الطاهر الأمين(2) |
ودلل بهذا الرجز على الأهداف العظيمة التي يناضل من اجلها ، فهو انما يناضل دفاعا عن الدين ، ودفاعا عن امام المسلمين.
ولم يبعد العباس قليلا حتى كمن له من وراء نخلة رجس من ارجاس البشرية وهو الحكيم بن الطفيل الطائي فضربه على يساره فبراها ، وتنص
__________________
(1) مناقب ابن شهر اشوب 4 / 108
(2) المناقب 4 / 108
بعض المقاتل انه حمل القربة باسنانه وجعل يركض ليوصل الماء إلى عطاشى أهل البيت ، غير حافل بما كان يعانيه من نزف الدماء وألم الجروح وشدة الظمأ لقد كان ذلك منتهى ما وصلت إليه الانسانية في جميع ادوارها من الوفاء والرحمة والحنان.
وبينما هو يركض وهو بتلك الحالة اذ أصاب القربة سهم غادر فاريق ماؤها ، ووقف البطل الشهم حزينا ، فقد كان اراقة الماء عنده أشد عليه من ضرب السيوف وطعن الرماح ، وشد عليه رجس فعلاه بعمود من حديد على رأسه الشريف ففلق هامته ، وهوى الى الأرض وهو يؤدي تحيته ووداعه الأخير إلى أخيه قائلا.
«عليك مني السلام أبا عبد اللّه»(1)
وحمل الأثير كلماته إلى أخيه فخرقت قلبه ومزقت احشاءه ، وانطلق وهو خائر القوى منهد الركن فاقتحم بجواده جيوش الأعداء ، ووقف على الجثمان المقدس وهو يعاني آلام الاحتضار والقى بنفسه عليه فجعل يشمه ويضمخه بدموع عينيه وهو يلفظ شظايا قلبه الذي مزقته الكوارث قائلا :
«الآن انكسر ظهري ، وقلت حيلتي»
وجعل الامام يطيل النظر إلى جثمان أخيه وهو يذكر اخوته الصادقة ووفاءه النادر وشهامته الفذة وتبددت جميع آماله ، وكان مما يهون عليه اهوال هذه الكارثة سرعة اللحاق به ، وعدم بقائه بعده الا لحاظات ، ولكنها كانت عنده كالسنين فقد ودّ أن المنية قد وافته قبله.
وقام الثاكل الحزين وقد انهارت قواه ، وهو لا يتمكن ان يقل قدميه ، وقد بان عليه الانكسار والحزن ، واتجه صوب المخيم وهو يكفكف دموعه ، فاستقبلته سكينة قائلة :
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 226)
«أين عمي؟»
فأخبرها بشهادته وهو غارق بالبكاء والشجون ، وذعرت حفيدة الرسول (ص) زينب واستولى عليها الفزع حينما سمعت بمقتل أخيها ، ووضعت يدها على قلبها المذاب وهي تصيح :
«وا أخاه ، وا عباساه ، وا ضيعتنا بعدك»
وشارك الامام شقيقته في النياحة على أخيه البار ، واندفع رافعا عقيرته وهو الصبور :
«وا ضيعتنا بعدك يا أبا الفضل»(1)
لقد شعر بالوحدة والضيعة بعد فقده لأخيه الذي لم يترك لونا من الوان البر والمواساة الا قدمها لأخيه.
فسلام على سيرتك وذكراك يا أبا الفضل ، فلقد مضيت الى مصيرك العظيم وأنت من أعظم الشهداء اشراقا وتضحية.
وداعا يا قمر بني هاشم
وداعا يا بطل كربلا
وسلام عليك يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيا
وممن استشهد من أخوة الحسين لأبيه محمد الأصغر وأمه أمّ ولد(2) وقد قاتل قتالا عنيفا فشد عليه رجل من تميم فقتله(3) .
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 228)
(2) مقاتل الطالبيين (ص 85) وفي تأريخ خليفة خياط 1 / 225 ان أمه لبانة بنت عبيد اللّه بن العباس.
(3) مقاتل الطالبيين (ص 86)
وهو أخو الامام لأبيه ، وأمه ليلى بنت مسعود لم يعرف اسمه(1) ويقول الخوارزمي : ان اسمه عبد اللّه(2) وقد برز للحرب فقتله رجل من همدان ، وقيل لا يدرى من قتله(3) ويذهب الطبرى الى انه مشكوك في قتله.
وهو اخو الامام لأبيه وأمه لبابة بنت عبيد اللّه بن العباس استشهد يوم الطف(4) ويقول القاسم بن اصبغ المجاشعي لما أتى بالرؤوس إلى الكوفة رأيت فارسا علق في ساق فرسه رأس غلام أمرد كأنه القمر ليلة البدر فاذا طأطأ الفرس رأسه لحق رأس الغلام بالأرض فسألت عن الفارس فقيل هو حرملة بن كاهل وسألت عن الرأس فقيل هو رأس العباس بن علي(5) وهذا مما يؤكد وجود العباس الأصغر لأن العباس الأكبر كان عمره يوم قتل اثنين وثلاثين سنة وليس غلاما امردا.
الى هنا ينتهي بنا الحديث عن شهداء أهل البيت (ع) وقد انتهكت بقتلهم حرمة الرسول (ص) فلم يرع الجيش الأموي قرابتهم من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم التي هي أولى بالرعاية والعطف من كل شيء.
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 86)
(2) مقتل الحسين للخوارزمي
(3) مقاتل الطالبيين (ص 86)
(4) تأريخ خليفة خياط 1 / 225
(5) مرآة الزمان في تواريخ الزمان (ص 95) الحدائق الوردية 1 / 132 ، الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 92).
مصرع الامام العظيم
وتتابعت الرزايا والخطوب يتتبع بعضها بعضا على ريحانة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فهو لم يكد ينتهي من كارثة قاصمة حتى تتواكب عليه أشد الكوارث هولا واعظمها محنة.
لقد عانى الامام في تلك اللحظات الرهيبة من المحن الشاقة ما لم يعانه أي مصلح كان ، ومن بينها :
أولا ـ انه كان ينظر الى مخدرات الرسالة وعقائل الوحي وهن بحالة من الذعر لا يعلمها الا اللّه ففي كل لحظة يستقبلن عزيزا من نجوم العترة الطاهرة مضمخا بدمائه الزكية لا يلبث أن يلفظ نفسه الأخير أمامهن ومما زاد في وجلهن ان الجفاة من الأعداء الذين محيت الرحمة من نفوسهم قد أحاطوا بهن ، ولا يعلمن ما ذا سيجري عليهن من المحن بعد فقد الأهل والحماة ، وكان الامام ينظر إلى ما ألم بهن من الخوف فيذوب قلبه أسى وحسرات فكان يأمرهن بالتجلد والخلود الى الصبر ، وأن لا يبدين من الجزع ما ينقص قدرهن ، واعلمهن أن اللّه يحفظهن وينجيهن من شر الأعداء.
ثانيا ـ ان الأطفال قد تعالى صراخهم من ألم الظمأ القاتل ، وهو لا يجد مجالا لاغاثتهم ، وقد ذاب قلبه الكبير حنانا ورحمة على أطفاله وعياله الذين يعانون ما لا طاقة لهم به.
ثالثا تعدي السفكة المجرمين بعد قتل أصحابه وأهل بيته الى قتل الأطفال الابرياء من أبناء اخوته وعمومته.
رابعا ـ مقاساته العطش الأليم ، فقد ورد عن شدة ظمأه أنه كان لا يبصر السماء إلا كالدخان وان كبده الشريف قد تفتت من شدة العطش ، يقول الشيخ التستري : «ان عطش الحسين قد أثر في أربعة أعضاء فالشفة ذابلة من حر الظمأ ، والكبد مفتت لعدم الماء ـ كما قال (ع) ـ وقد
أخبر بذلك حينما يئس من الحياة ، وقد علموا أنه لا يعيش بعد ذلك فقال لهم : اسقوني قطرة من الماء فقد تفتت كبدي ، واللسان مجروح من شدة اللوك ـ كما في الحديث ـ والعين مظلمة من العطش»(1)
خامسا ـ فقده للأحبة ، من أهل بيته وأصحابه ، فكان ينظر إلى خيمهم فيراها خالية فجعل يصعد آهاته واحزانه ، ويندبهم بأقسى ندبة.
ان النفس لتذوب حسرات من هذه الخطوب التي ألمت بابن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، يقول صفي الدين : «وقد لاقى الحسين من المحن والبلايا ما لا يستطيع مسلم أن يسمعه إلا ويذوب فؤاده»(2) .
والقى الامام الممتحن نظرة مشفوعة بالأسى والحسرات على أهل بيته وأصحابه فرآهم مجزرين كالاضاحي على رمال كربلا تصهرهم الشمس ، وسمع عياله وقد ارتفعت اصواتهن بالبكاء فأخذ يستغيث ويطلب الناصر والمعين ليحامي عن حرم رسول اللّه (ص) قائلا :
«هل من ذاب يذب عن حرم رسول اللّه (ص)؟ هل من موحد يخاف اللّه فينا؟ هل من مغيث يرجو اللّه في اغاثتنا؟»(3) .
ولم تنفذ هذه الاستغاثة إلى تلك القلوب التي ران عليها الباطل وغرقت في الآثام ولما سمع زين العابدين استغاثة أبيه وثب من فراشه ،
__________________
(1) خصائص الحسين (ص 60)
(2) وسيلة المال في مناقب الآل
(3) درر الافكار في وصف الصفوة الأخبار (ص 38) لأبي الفتح ابن صدقة.
وجعل يتوكأ على عصا لشدة مرضه ، فبصر به الحسين فصاح بأخته السيدة أم كلثوم! احبسيه لئلا تخلو الارض من نسل آل محمد ، وبادرت إليه فارجعته إلى فراشه(1) .
أي صبر كان صبر أبي عبد اللّه؟!! كيف استطاع أن يتحمل هذه الكوارث انه صبر تعجز عنه الكائنات ، وتميد من هوله الجبال ، وكان من افجع وأقسى ما نكب به رزيته بولده عبد اللّه الرضيع فقد كان كالبدر في بهائه ، فأخذه وجعل يوسعه تقبيلا ويودعه الوداع الأخير ، وقد رآه مغمى عليه ، وقد غارت عيناه وذبلت شفتاه من شدة الظمأ فحمله إلى القوم ليستدر عواطفهم لعلهم يسقوه جرعة من الماء ، وعرضه عليهم وهو يظلل له بردائه من حرارة الشمس ، وطلب منهم أن يسعفوه بقليل من الماء ، فلم ترق قلوب اولئك الممسوخين ، وانبرى الباغي اللئيم حرملة ابن كاهل فسدد له سهما ، وجعل يضحك ضحكة الدناة وهو يقول مفتخرا أمام اللئام من أصحابه :
«خذ هذا فاسقه»
واخترق السهم ـ باللّه ـ رقبة الطفل ، ولما أحس بحرارة السهم أخرج يديه من القماط ، وجعل يرفرف على صدر أبيه كالطير المذبوح ، وانحنى الطفل رافعا رأسه الى السماء فمات على ذراع أبيه إنه منظر تتصدع من هوله القلوب ، وتلجم الالسن ورفع الامام يديه وكانتا مملوءتين من ذلك الدم الطاهر فرمى به نحو السماء فلم تسقط منه قطرة
__________________
(1) مناقب ابن شهر اشوب 4 / 222
واحدة الى الارض ـ حسبما يقول الامام الباقر عليه السلام ـ ، وأخذ يناجي ربه قائلا :
«هون ما نزل بي أنه بعين اللّه تعالى اللهم لا يكون أهون عليك من فصيل ، الهي إن كنت حبست عنا النصر فاجعله لما هو خير منه ، وانتقم لنا من الظالمين ، واجعل ما حل بنا في العاجل ذخيرة في الآجل ، اللهم : أنت الشاهد على قوم قتلوا أشبه الناس برسولك محمد (ص)».
ونزل الامام عن جواده وحفر لطفله بجفن سيفه حفرة ودفنه مرملا بدمائه الزكية ، وقيل انه القاه مع القتلى من أهل بيته(1) لك اللّه يا أبا عبد اللّه على هذه الكوارث التي لم يمتحن ببعضها أي نبي من أنبياء اللّه ، ولم تجر على أي مصلح في الارض.
ووقف الامام وحيدا في الميدان أمام أعدائه ، وقد زادته الفجائع المذهلة ايمانا ويقينا في بشر وطلاقة وثقة بما يصير إليه من منازل الفردوس الأعلى.
لقد وقف ثابت الجنان لم يوهن عزيمته مصارع اولاده وأهل بيته وأصحابه ولا ما كان يعانيه من ألم العطش ونزيف الدماء ، انه صمود الأنبياء وأولي العزم الذين ميزهم اللّه على بقية عباده ، وقد روى ولده علي بن الحسين زين العابدين (ع) الصور المذهلة عن صبر أبيه وصموده قال : كان كلما يشتد الأمر يشرق لونه ، وتطمئن جوارحه ، فقال بعضهم :
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 333)
انظروا كيف لا يبالي بالموت(1) ويقول عبد اللّه بن عمار : رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على من على يمينه حتى اندغروا عنه(2) فو اللّه ما رأيت مكثورا قد قتل أولاده وأصحابه اربط جأشا منه ، ولا أمضى جنانا منه ، وو اللّه ما رأيت قبله ولا بعده مثله(3) وكان يتمثل بقول ابن الخطاب الفهري :
مهلا بني عمنا ظلامتنا |
إن بنا سورة من القلق |
|
لمثلكم تحمل السيوف ولا |
تغمز احسابنا من الرفق |
|
إني لأنمى اذا انتميت |
إلى عز عزيز ومعشر صدق |
|
بيض سباط كأن أعينهم |
تكحل يوم الهياج بالعلق(4) |
وحمل على اعداء اللّه فجعل يقاتلهم أشد قتال رآه الناس ، وقد حمل على الميمنة وهو يرتجز :
الموت أولى من ركوب العار |
والعار أولى من دخول النار |
وحمل على الميسرة وهو يرتجز :
__________________
(1) خصائص الحسين للتستري (ص 39)
(2) اندغروا : أي ولوا منهزمين فزعين
(3) تأريخ ابن كثير 8 / 188
(4) ريحانة الرسول (ص 64) وجاء فيه (أن من الغريب أن كل من تمثل بهذه الأبيات قتل ، فقد تمثل بها الحسين يوم الطف وزيد بن علي يوم السبخة ، ويحيى بن زيد يوم الجوزجان ، ولما تمثل بها ابراهيم ابن عبد اللّه بن الحسن في خروجه على المنصور تطير له أصحابه ، ولم يلبث أن أتاه سهم غادر فقتله.
أنا الحسين بن علي |
آليت أن لا أنثني |
|
أحمي عيالات أبي |
أمضي على دين النبي(1) |
أجل أنت الحسين وأنت ملء فم الدنيا شرفا ومجدا ، وأنت الوحيد في هذه الدنيا لم تنثن عن عزيمتك وارادتك ، فلم تضرع ولم تهن ومضيت في طريق الكفاح تدك حصون الظالمين والماردين.
لقد مضيت على دين جدك الرسول (ص) فأنت الباعث المجدد لهذا الدين ولولاك لكان شبحا مبهما لا ظل له على واقع الحياة ...
وروى ابن حجر ان الامام كان يقاتل وينشد هذه الأبيات :
أنا ابن علي الحر من آل هاشم |
كفاني بهذا مفخرا حين أفخر |
|
وجدي رسول اللّه اكرم من مشى |
ونحن سراج اللّه في الناس يزهر |
|
وفاطمة أمي سلالة أحمد |
وعمي يدعى ذو الجناحين جعفر |
|
وفينا كتاب اللّه أنزل صادقا |
وفينا الهدى والوحي والخير يذكر(2) |
وانبرى بعض الأوغاد من المكرهين في جيش ابن سعد فأخذوا بالدعاء للامام بالنصر والتغلب على أعدائه يقول سعد بن عبيدة : إن اشياخنا من أهل الكوفة كانوا واقفين على تل وهم يبكون ويقولون : اللهم انزل
__________________
(1) مناقب ابن شهر اشوب 4 / 223
(2) الصواعق المحرقة (ص 117 ـ 118) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام (ص 119).
عليه ـ أي على الحسين ـ نصرك ، فأنكر عليهم سعد وقال : يا أعداء اللّه الا تنزلون فتنصرونه(1) .
وذعر ابن سعد من كثرة الخسائر التي مني بها جيشه ، فراح الخبيث الدنس يثير النعرات ويؤلب الجيش على حرب ريحانة رسول اللّه (ص) قائلا :
«هذا ابن الانزع البطين ، هذا ابن قتال العرب احملوا عليه من كل جانب».
لقد أثار ابن سعد الاحقاد الجاهلية على الامام فذكرهم بقتل امير المؤمنين للعرب ، وعليهم أن يثأروا لدمائهم وهو منطق من لا علاقة له بالاسلام فان الامام امير المؤمنين لم يقتل العرب وانما قتل القوى الباغية على الاسلام والمنحرفة عن الدين.
ووجه ابن سعد الرماة نحو الامام فكان ـ فيما يقول المؤرخون ـ قد سددت نحوه أربعة آلاف نبلة فصار جسده الشريف هدفا لنبال اولئك البغاة(2) والتحم معهم التحاما رهيبا ، وقد أيدى من البسالة ما لم يشاهد له نظير في جميع فترات التأريخ.
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) مناقب ابن شهر اشوب 4 / 223
وألح العطش علي الامام ، وأضر به إلى حد بعيد ، فحمل على الفرات ، وكان الموكلون بحراسته فيما يقول بعض المؤرخين أربعة آلاف فانهزموا من بين يديه ، واستولى على الماء فغرف منه غرفة ليروي ظمأه القاتل فناداه خبيث من القوم :
«أتلتذ بالماء؟!! وقد هتكت حرمك»
ورمى أبي الضيم الماء من يده ، وآثر كرامة عائلته على عطشه واسرع الى الخيمة فاذا بها سالمة فعلم أنها مكيدة(1) يقول ابن حجر : ولو لا ما كادوه به من أنهم حالوا بينه وبين الماء لم يقدروا عليه إذ هو الشجاع القرم الذي لا يزول ولا يتحول(2) .
وتوسط أبي الضيم معسكر الأعداء وجعل يقاتلهم أشد القتال واعنفه وقد هجموا على خيمه ليسلبوا الحريم والأطفال فصاح بهم :
«يا شيعة آل أبي سفيان ، ان لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحرارا في دنياكم وارجعوا إلى احسابكم ان كنتم عربا كما تزعمون ..»(3) .
__________________
(1) بحار الأنوار 10 / 204
(2) الصواعق المحرقة (ص 118)
(3) اللهوف (ص 47) تأريخ ابن الأثير 3 / 294 درر الابكار في وصف الصفوة الأخيار (ص 38).
لقد جردهم الامام بهذه الكلمات من الاطار الاسلامي ، واضافهم إلى آل أبي سفيان العدو الأول للاسلام وتزعم من بعده أبناؤه القوى الباغية عليه ، وما كارثة كربلا الا امتداد لاحقادهم واضغانهم على نبي الاسلام وقد دعاهم (ع) الى الاحتفاظ بالتقاليد العربية التي كانت سائدة في أيام الجاهلية من عدم التعرض للنساء والأطفال بأي أذى أو مكروه.
وانبرى الوغد الخبيث شمر بن ذي الجوشن فقال للامام :
«ما تقول يا ابن فاطمة؟»
وحسب الرجس أنه قد انتقص الامام بنسبته الى أمه سيدة النساء ، ولم يعلم أنه نسبه إلى معدن الطهر والنبوة ، وحسب الحسين فخرا ومجدا أن تكون أمه سيدة نساء العالمين حسبما يقول الرسول (ص)(1) .
فقال له الامام
«أنا الذي أقاتلكم ، والنساء ليس عليهن جناح فامنعوا عتاتكم من التعرض لحرمي ما دمت حيا».
فأجابه الشمر الى ذلك ، وأحاط به القتلة المجرمون وهم يوسعونه ضربا بالسيوف وطعنا بالرماح ، فجعلت جراحاته تتفجر دما.
__________________
(1) الثغور الباسمة في مناقب السيدة فاطمة (ص 83) للحافظ السيوطي من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين ، وجاء فيه روى عمران ابن حصين أن النبي (ص) عاد فاطمة وهي مريضة فقال لها : كيف أنت؟ قالت : اني وجعة واني ليزيدني ألما مالي طعام أكله ، قال يا بنية أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين ، قالت : فاين مريم؟ قال : تلك سيدة نساء عالمها وأنت سيدة نساء عالمك.
ووجه الامام (ع) وهو بتلك الحالة خطابا لأعدائه حذرهم فيه من غرور الدنيا وفتنتها ، ويقول المؤرخون : انه لم يلبث بعده الا قليلا حتى استشهد ، وهذا نصه :
«عباد اللّه ، اتقوا اللّه ، وكونوا من الدنيا على حذر فان الدنيا لو بقيت لأحد ، وبقي عليها أحد لكانت الأنبياء أحق بالبقاء ، وأولى بالرضا ، وارضى بالقضاء ، غير أن اللّه تعالى خلق الدنيا للبلاء ، وخلق أهلها للفناء فجديدها بال ، ونعيمها مضمحل ، وسرورها مكفهر ، والمنزل بلغة ، والدار قلعة فتزودوا فان خير الزاد التقوى ، واتقوا اللّه لعلكم تفلحون»(1) .
وطلب الامام من أهل بيته ان يأتوه بثوب خلق لا يرغب فيه احد ليجعله تحت ثيابه لئلا يسلب منه ، فأتوه بتبان(2) فلم يرغب فيه وقال ذلك لباس من ضربت عليه الذلة ، وأخذ ثوبا فخرقه ، وجعله تحت ثيابه فلما قتل جردوه منه(3) .
__________________
(1) زهر الآداب 1 / 162 ، كفاية الطالب.
(2) التبان : سراويل صغيرة
(3) معجم الطبراني الكبير 1 / 140
وقفل الامام راجعا الى عياله ليودعهم الوداع الأخير ، وجراحاته تتفجر دما وقد أوصى حرم الرسالة وعقائل الوحي بلبس الأزر والاستعداد للبلاء ، وأمرهن بالخلود الى الصبر والتسليم لقضاء اللّه قائلا :
«استعدوا للبلاء ، واعلموا ان اللّه تعالى حاميكم وحافظكم ، وسينجيكم من شر الأعداء ، ويجعل عاقبة امركم الى خير ، ويعذب عدوكم بأنواع العذاب ، ويعوضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم»(1) .
تزول الدول ، وتذهب الممالك ، وتفنى الحضارات ، وهذا الايمان الذي لا حد له أحق بالبقاء واجدر بالخلود من كل كائن في هذه الحياة أي نفس تطيق مثل هذه الكوارث ، وتستقبلها برباطة جأش ورضا وتسليم لأمر اللّه ، انه ليس هناك غير الحسين أمل الرسول الأعظم (ص) وريحانته والصورة الكاملة التي تحكيه.
وذابت أسى ارواح بنات الرسول (ص) حينما رأين الامام بتلك الحالة يتعلقن به يودعنه ، وقد وجلت منهن القلوب ، واختطف الرعب الوانهن ، والتاع الامام حينما نظر إليهن وقد سرت الرعدة بأوصالهن يقول الامام كاشف الغطاء :
«من ذا الذي يقتدر أن يصور لك الحسين (ع) وقد تلاطمت امواج البلاء حوله ، وصبت عليه المصائب من كل جانب ، وفي تلك الحال عزم على توديع العيال ومن بقي من الأطفال فاقترب من السرادق المضروب على حرائر النبوة وبنات علي والزهراء (ع) فخرجت المخدرات
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 337)
كسرب القطا المذعورة فاحطن به وهو سابح بدمائه ، فهل تستطيع أن تتصور حالهن وحال الحسين في ذلك الموقف الرهيب ولا يتفطر قلبك ، ولا يطيش لبك ، ولا تجري دمعتك»(1) .
لقد كانت محنة الامام في توديعه لعياله من أقسى وأشق ما عاناه من المحن والخطوب ، فقد لطمن بنات رسول اللّه (ص) وجوههن ، وارتفعت اصواتهن بالبكاء والعويل ، وهن يندبن جدهن الرسول (ص) والقين بأنفسهن عليه لوداعه ، وقد اثر ذلك المنظر المريع في نفس الامام بما لا يعلم بمداه الا اللّه.
ونادى الرجز الخبيث عمر بن سعد بقواته المسلحة يحرضها على الهجوم على الامام قائلا :
«اهجموا عليه ما دام مشغولا بنفسه وحرمه ، فو اللّه ان فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم».
وحمل عليه الأخباث فجعلوا يرمونه بالسهام ، وتخالفت السهام بين اطناب المخيم ، وأصاب بعضها ازر بعض النساء فذعرن ودخلن الخيمة وخرج بقية اللّه في الأرض كالليث الغضبان على اولئك الممسوخين فجعل يحصد رءوسهم الخبيثة بسيفه ، وكانت السهام تأخذه يمينا وشمالا ، وهو يتقيها بصدره ونحره ، ومن بين تلك السهام التي فتكت به.
1 ـ سهم اصاب فمه الطاهر ، فتفجر دمه الشريف فوضع يده تحت الجرح فلما امتلأت دما رفعه إلى السماء وجعل يخاطب اللّه تعالى قائلا :
«اللهم ان هذا فيك قليل»(2)
__________________
(1) جنة المأوى (ص 115)
(2) الدر النظيم (ص 168)
2 ـ سهم أصاب جبهته الشريفة المشرقة بنور النبوة والامامة رماه به ابو الحتوف الجعفي فانتزعه ، وقد تفجر دمه الشريف ، فرفع يديه بالدعاء على السفكة المجرمين قائلا :
«اللهم انك ترى ما أنا فيه من عبادك العصاة ، اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحدا ، ولا تغفر لهم أبدا» وصاح بالجيش :
«يا أمة السوء بئسما خلفتم محمدا في عترته ، أما انكم لا تقتلون رجلا بعدي فتهابون قتله بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم اياي ، وأيم اللّه اني لأرجو أن يكرمني اللّه بالشهادة ، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ...»(1) .
لقد كان جزاء الرسول (ص) الذي انقذهم من حياة البؤس والشقاء أن عدوا على ذريته فسفكوا دماءهم ، واقترفوا منهم ما تقشعر منه الجلود وتندى له الوجوه وقد استجاب اللّه دعاء الامام فأنتقم له من اعدائه المجرمين ، فلم يلبثوا قليلا حتى اجتاحتهم الفتن والعواصف ، فقد هب الثائر العظيم المختار طالبا بدم الامام فأخذ يطاردهم ويلاحقهم ، وقد هربوا في البيداء وشرطة المختار تطاردهم حتى أباد الكثيرين منهم ، يقول الزهري لم يبق من قتلة الحسين أحد الا عوقب اما بالقتل أو العمى أو سواد الوجه ، او زوال الملك في مدة يسيرة(2) .
3 ـ وهو من أعظم السهام التي فتكت بالامام. يقول المؤرخون :
ان الامام وقف ليستريح بعد ما اعياه نزيف الدماء ، فرماه وغد بحجر أصاب جبهته الشريفة فسالت الدماء على وجهه فأخذ الثوب ليمسح الدم
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 339)
(2) عيون الأخبار لابن قتيبة 1 / 103 ـ 104
عن عينيه ، فرماه رجس بسهم محدد له ثلاث شعب فوقع على قلبه الشريف الذي يحمل العطف والحنان لجميع الناس ، فعند ذلك أيقن بدنو الأجل المحتوم منه فشخص ببصره نحو السماء وهو يقول :
«بسم اللّه وباللّه وعلى ملة رسول اللّه (ص) الهي انك تعلم انهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري».
وأخرج السهم من قفاه فانبعث الدم كالميزاب فأخذ يتلقاه بيديه فلما امتلأنا رمى به نحو السماء وهو يقول :
«هون ما نزل بي أنه بعين اللّه»
وأخذ الامام من دمه الشريف فلطخ به وجهه ولحيته ، وهو بتلك الهيبة التي تحكى هيبة الأنبياء واندفع يقول :
«هكذا اكون حتى القى اللّه وجدي رسول اللّه (ص) وأنا مخصب بدمي ..»(1) .
4 ـ رماه الحصين بن نمير بسهم أصاب فمه الشريف فتفجر دما فجعل يتلقى الدم بيده ويرمي به نحو السماء وهو يدعو على الجناة المجرمين قائلا :
«اللهم احصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تذر على الأرض منهم أحدا»(2) .
وتكاثرت عليه السهام حتى صار جسده الشريف قطعة منها وقد أجهده نزيف الدماء واعياه العطش ، فجلس على الأرض ، وهو ينأ برقبته من شدة الآلام فحمل عليه وهو بتلك الحالة الرجس الخبيث مالك
__________________
(1) مقتل الخوارزمي 2 / 34
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
ابن النسر فشتمه وعلاه بالسيف ، وكان عليه برنس(1) فامتلأ دما ، فرمقه الامام بطرفه ، ودعا عليه قائلا :
«لا اكلت بيمينك ولا شربت وحشرك اللّه مع الظالمين»
والقى البرنس واعتم على القلنسوة(2) فأسرع الباغي الى البرنس فأخذه وقد شلت يداه(3) .
وكان مسلم بن رباح هو آخر من بقي من أصحاب الامام ، وكان معه ، وقد أصاب الامام سهم في وجهه الشريف فجلس على الأرض وانتزعه ، وقد تفجر دمه ، ولم تكن به طاقة فقال لابن رباح :
«ادن يديك من هذا الدم»
فوضع ابن رباح يديه تحت الجرح فلما امتلأنا دما قال له :
«اسكبه في يدي»
فسكبه في يديه ، فرفعهما نحو السماء وجعل يخاطب اللّه تعالى قائلا :
«اللهم اطلب بدم ابن بنت نبيك»
ورمى بدمه الشريف نحو السماء فلم تقع منه قطرة واحدة الى الأرض فيما يقول ابن رباح(4) .
__________________
(1) البرنس : قلنسوة طويلة كانت تلبس في صدر الاسلام
(2) مقتل الخوارزمي 2 / 34
(3) انساب الاشراف ق 1 ج 1
(4) تأريخ ابن عساكر 13 / 77 ، كفاية الطالب في مناقب علي ابن أبي طالب من مخطوطات مكتبة كاشف الغطاء العامة.
واتجه الامام (ع) في تلك اللحظات الأخيرة الى اللّه فأخذ يناجيه ويتضرع إليه بقلب منيب ويشكو إليه ما ألم به من الكوارث والخطوب قائلا :
«صبرا على قضائك لا إله سواك ، يا غياث المستغيثين ، مالي رب سواك ولا معبود غيرك. صبرا على حكمك ، يا غياث من لا غياث له ، يا دائما لا نفاد له يا محيى الموتى ، يا قائما على كل نفس احكم بيني وبينهم وأنت خير الحاكمين»(1) .
انه الايمان الذي تفاعل مع جميع ذاتياته فكان من أهم عناصره ..
لقد تعلق باللّه وصبر على قضائه وفوض إليه جميع ما نزل به وعاناه من من الكوارث والخطوب ، وقد أنساه هذا الايمان العميق جميع ما حل به يقول الدكتور الشيخ احمد الوائلي في رائعته :
يا أبا الطف وازدهى بالضحايا |
من أديم الطفوف روض خيل |
|
نخبة من صحابة وشقيق |
ورضيع مطوق وشبول |
|
والشباب الفينان جف ففاضت |
طلعة حلوة ووجه جميل |
|
وتوغلت تستبين الضحايا |
وزواكي الدماء منها تسيل |
|
ومشت في شفاهك الغر نجوى |
نم عنها التحميد والتهليل |
|
لك عتبى يا رب إن كان يرضيك |
فهذا الى رضاك قليل |
__________________
(1) مقتل المقرم (ص 345)
وهجمت على ريحانة رسول اللّه (ص) تلك العصابة المجرمة التي تحمل رجس الأرض وخبث اللئام فحملوا عليه ـ يا للّه ـ من كل جانب وهم يوسعونه ضربا بالسيوف وطعنا بالرماح فضربه زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى ، وضربه وغد آخر على عاتقه ، وكان من احقد أعدائه عليه الخبيث سنان بن انس ، فقد أخذ يضربه تارة بالسيف واخرى يطعنه بالرمح ، وكان يفخر بذلك ، وقد حكى للحجاج ما صنعه به باعتزاز قائلا :
«دعمته بالرمح ، وهبرته بالسيف هبرا»(1)
فالتاع الحجاج على قسوته وصاح به : اما انكما لن تجتمعا في دار(2) .
وأحاط به اعداء اللّه من كل جانب ، وسيوفهم تقطر من دمه الزكي يقول بعض المؤرخين إنه لم يضرب أحد في الاسلام كما ضرب الحسين فقد وجد به مائة وعشرون جراحة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية سهم(3) .
ومكث الامام مدة من الوقت على وجه الأرض ، وقد هابه الجميع ونكصوا من الاجهاز عليه يقول السيد حيدر :
فما اجلت الحرب عن مثله |
صريعا يجبن شجعانها |
__________________
(1) هبرته : قطعته
(2) مجمع الزوائد 9 / 194
(3) الحدائق الوردية 1 / 126
وكانت هيبته تأخذ بمجامع القلوب حتى قال بعض أعدائه : «لقد شغلنا جمال وجهه ونور بهجته عن الفكرة في قتله» وما انتهى إليه رجل الا انصرف كراهية أن يتولى قتله(1) .
وخرجت حفيدة الرسول (ص) زينب من خبائها وهي فزعة تندب شقيقها وبقية أهلها وتقول بذوب روحها :
«ليت السماء وقعت على الأرض»
وأقبل ابن سعد فصاحت به : يا عمر أرضيت أن يقتل ابو عبد اللّه وأنت تنظر إليه؟ فأشاح الخبيث بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته المشومة(2) ولم تعد العقيلة تقوى على النظر الى أخيها وهو بتلك الحالة التي تميد بالصبر ، فانصرفت إلى خبائها لترعى المذاعير من النساء والأطفال.
ومكث الامام طويلا من النهار ، وقد أجهدته الجروح واعياه نزيف الدماء ، فصاح بالقتلة المجرمين :
«أعلى قتلي تجتمعون؟ اما واللّه لا تقتلون بعدي عبدا من عباد اللّه وأيم اللّه إني لأرجو ان يكرمني اللّه بهوانكم ، ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ..».
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب (ص 139)
وكان الشقي الأثيم سنان بن أنس قد شهر سيفه فلم يدع أحدا يدنو من الامام مخافة أن يغلبه على أخذ رأسه فيخسر الجائزة من سيده ابن مرجانة ، والتفت الخبيث عمر بن سعد إلى شبث بن ربعي فقال له :
«انزل فجئني برأسه»
فانكر عليه شبث وقال له :
«انا بايعته ثم غدرت به ، ثم انزل فاحتز رأسه لا واللّه لا أفعل ذلك ..».
والتاع ابن سعد فراح يهدده :
«اذا اكتب الى ابن زياد»
«اكتب له»(1)
وصاح شمر بالأوغاد المجرمين من أصحابه : ويحكم ما ذا تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم امهاتكم فاندفع خولى بن يزيد الى الاجهاز عليه الا انه ضعف وأرعد فقد اخذته هيبة الامام فأنكر عليه الرجس سنان بن أنس وصاح به : فتّ اللّه في عضدك وأبان يدك ، واشتد كالكلب على الامام فاحتز رأسه الشريف فيما يقول بعض المؤرخين(2) ، وسنذكر الأقوال في ذلك.
واحتز رأس الامام (ع) وكانت على شفتيه ابتسامة الرضا والاطمئنان والنصر الذي احرزه الى الأبد.
لقد قدم الامام روحه ثمنا للقرآن الكريم ، وثمنا لكل ما تسمو به الانسانية من شرف وعز واباء وقد كان الثمن الذي بذله غاليا وعظيما فقد قتل مظلوما مهضوما غريبا بعد أن رزىء بابنائه وأهل بيته وأصحابه
__________________
(1) الدر النظيم في مناقب الأئمة (ص 168)
(2) مناقب الخوارزمي 2 / 36
وذبح هو عطشانا أمام عائلته ، فأي ثمن اغلى من هذا الثمن الذي قدمه الامام قربانا خالصا لوجه اللّه؟
لقد تاجر الامام مع اللّه بما قدمه من عظيم التضحية والفداء ، فكانت تجارته هي التجارة الرابحة قال اللّه تعالى :
( إِنَّ اَللّٰهَ اِشْتَرىٰ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ اَلْجَنَّةَ يُقٰاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي اَلتَّوْرٰاةِ واَلْإِنْجِيلِ واَلْقُرْآنِ ومَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اَللّٰهِ ، فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ اَلَّذِي بٰايَعْتُمْ بِهِ وذٰلِكَ هُوَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ) (1) .
والشيء المحقق ان الامام قد ربح بتجارته وفاز بالفخر الذي لم يفز به أحد غيره ، فليس في اسرة شهداء الحق من نال الشرف والمجد والخلود مثل ما ناله الامام فها هي الدنيا تعج بذكراه ، وها هو حرمه المقدس اصبح اعز حرم وامنعه في الأرض.
لقد رفع الامام العظيم راية الاسلام عالية خفاقة وهي ملطخة بدمه ودماء الشهداء من أهل بيته وأصحابه : وهي تضيء في رحاب هذا الكون وتفتح الآفاق الكريمة لشعوب العالم وأمم الأرض لحربتهم وكرامتهم.
لقد استشهد الامام من اجل أن يقيم في ربوع هذا الكون دولة الحق ، وينقذ المجتمع من حكم الأمويين الذين كفروا بحقوق الانسان ، وحولوا البلاد الى مزرعة لهم يصيبون منها حيث ما شاءوا.
واختلف المؤرخون في المجرم الأثيم الذي اجهز على ريحانة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وهذه بعض الأقوال :
__________________
(1) سورة التوبة : آية 110
1 ـ سنان بن أنس
وذهب الكثيرون من المؤرخين الى ان الشقي الأثيم سنان بن أنس هو الذي احتز رأس الامام (ع)(1) وفيه يقول الشاعر :
وأي رزية عدلت حسينا غداة تبيره كفا سنان(2)
2 ـ شمر بن ذي الجوشن
وصرحت بعض المصادر ان الأبرص شمر بن ذي الجوشن هو الذي قتل الامام(3) فقد كان هذا الخبيث من أحقد الناس على الامام يقول المستشرق رينهارت دوزى : ولم يتردد الشمر لحظة بقتل حفيد الرسول (ص) حين احجم غيره عن هذا الجرم الشنيع. وان كانوا مثله في الكفر(4) .
3 ـ عمر بن سعد
وذكر المقريزي وغيره ان عمر بن سعد هو الذي قتل الامام بعد أن احجم غيره من السفكة المجرمين من قتله(5) .
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 295 ، مقاتل الطالبيين (ص 118) البداية والنهاية 8 / 188 ، أنساب الأشراف ق 1 ج 1 ، تأريخ القضاعي
(2) الاستيعاب 1 / 379
(3) مقتل الخوارزمي 2 / 36 ، مقتل الحسين للمقرم (ص 347)
(4) مسلمي اسبانيا
(5) خطط المقريزي 2 / 286 ، مناقب ابن شهر اشوب 5 / 119 من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين.
4 ـ خولى بن يزيد الاصبحي
وتعزو بعض المصادر ان خولى بن يزيد الأصبحي هو الذي قتل الامام واحتز رأسه(1)
5 ـ شبل بن يزيد الأصبحي
ونص بعض المؤرخين على ان خولى بن يزيد الأصبحي نزل عن فرسه ليحتز رأس الامام فارتعدت يداه فنزل إليه اخوه شبل فاحتز رأسه ودفعه إليه(2) .
6 ـ الحصين بن نمر
نص على ذلك بعض المؤرخين(3)
7 ـ رجل من مذحج
ذكر ذلك ابن حجر(4) وانفرد هو بنقله.
__________________
(1) درر الابكار في وصف الصفوة الاخيار (ص 38) وجاء فيه ان عمر بن سعد قال لأصحابه : انزلوا فحزوا رأسه فنزل إليه نصر بن حرشة الضبابي فجعل يضرب بسيفه في مذبح الحسين فغضب ابن سعد ، وقال لرجل عن يمينه : ويحك انزل الى الحسين فارحه فنزل إليه خولى فاحتز رأسه.
(2) تأريخ الخميس 2 / 333
(3) المعجم الكبير للطبراني ، الافادة في تأريخ الأئمة السادة
(4) تهذيب التهذيب 2 / 353
8 ـ المهاجر بن أوس
نص على ذلك السبط ابن الجوزي(1) ولم يذكره غيره
هذه بعض الأقوال ، والذي نراه ان شمر بن ذي الجوشن ممن تولى قتل الامام ، واشترك مع سنان في حز رأسه ، كما ذهب لذلك بعض المؤرخين(2) .
وعلى أي حال فالويل لذلك الشقي الذي قدم على اقتراف هذه الجريمة التي هي أبشع ما اقترفت من يوم خلق اللّه هذه الأرض حتى يرثها وقد أثر عن النبي (ص) عما يلاقيه قاتل الحسين في الدار الآخرة من العذاب الأليم قال (ص) : «ان قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل النار ، وقد شدت يداه ورجلاه بسلاسل من نار ، منكس في النار حتى يقع في نار جهنم وله ريح يتعوذ أهل النار الى ربهم من شدة ريح نتنه ، وهو فيها خالد ذائق العذاب العظيم ، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها حتى يذوقوا العذاب الأليم ، لا يفتر عنهم ساعة ، وسقوا من حميم جهنم ، ويل لهم من عذاب اللّه عز وجل»(3) .
بأي وجه يلقى رسول اللّه (ص) وقد اثكله بريحانته ، وسبطه ، يقول منصور النمري :
ويلك يا قاتل الحسين لقد |
نؤت بحمل ينوء بالحامل |
__________________
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان
(2) الافادة في تأريخ الأئمة السادة
(3) مناقب ابن المغازلي : رقم الحديث (ص 390) بخط المحقق الاميني في مكتبة الامام امير المؤمنين.
أي حباء حبوت أحمد في |
حفرته من حرارة الثاكل |
|
بأي وجه تلقى النبي وقد |
دخلت في قتله مع القاتل(1) |
أما عمر الامام (ع) حين شهادته فقد اختلف فيه المؤرخون ، وهذه بعض الأقوال :
1 ـ (58) سنة : وإليه ذهب معظم المؤرخين(2)
2 ـ (56) سنة : وإليه ذهب اليعقوبي وقال : لأنه ولد سنة(4) من الهجرة(3) .
3 ـ (57) سنة :(4)
4 ـ (65) سنة :(5)
أما السنة التي استشهد فيها فهي سنة (61 هـ) حسبما ذكره أغلب المؤرخين(6)
__________________
(1) زهر الآداب 3 / 669 ، الأغاني 12 / 21 ، أمالي السيد المرتضى
(2) تهذيب التهذيب 2 / 356 ، الاستيعاب 1 / 381 ، الارشاد (ص 283) البداية والنهاية 8 / 198 ، المعجم الكبير للطبراني ، الافادة في تأريخ الأئمة السادة ، مجمع الزوائد 9 / 198
(3) تأريخ اليعقوبي 2 / 218
(4) الاستيعاب 1 / 381 المطبوع على هامش الاصابة
(5) مرآة الجنان 1 / 131
(6) اسد الغابة 2 / 20 ، الاصابة 1 / 334 ، الاستيعاب 1 / 381 مجمع الزوائد 9 / 197 ، تأريخ اليعقوبي 2 / 218.
وهي تصادف سنة (680 م) في (10) اكتوبر تشرين الأول(1) وما ذكره الحجة الشيخ محمد رضا آل كاشف الغطاء رحمه اللّه انه في «(10) تموز»(2) فانه لا واقع له يقول المؤرخون إنه وكانت بين وفاة النبي (ص) واليوم الذي قتل فيه الحسين خمسون سنة(3) ولم يرع المسلمون أنه ريحانة نبيهم وسبطه الذي خلفه في أمته.
ومادت الأرض واسودت آفاق الكون(4) وامتدت حمرة رهيبة في السماء(5) كانت نذيرا من اللّه لأولئك السفكة المجرمين الذي انتهكوا جميع حرمات اللّه ، وفي هذا الافق الملتهب بالحمرة والنار يقول ابو العلاء المعري :
وعلى الأفق من دماء الشهيد |
بن علي ونجله شاهدان |
|
فهما في اواخر الليل فجرا |
ن وفي اولياته شفقان |
|
ثبتا في قميصه ليجيء الحشر |
مستعد يا الى الرحمن |
__________________
(1) تأريخ الدول العربية (ص 144) الجدول الملحق بفجر الاسلام (ص 305) الجدول الملحق بتأريخ الدول لابن العبري ، وهو يتفق مع ما ذكره اليعقوبي في تحديد الشهر.
(2) مجلة الغري السنة الأولى (عدد 23 و 24)
(3) تأريخ الخميس 2 / 334
(4) مرآة الجنان 1 / 134 ، خطط المقريزي 2 / 285 ، تهذيب التهذيب 2 / 355
(5) مجمع الزوائد 9 / 197 ، الاتحاف بحب الاشراف (ص 24)
وقد انكشفت الشمس ، وكانت قد مالت الى الغروب ، وقد شاركت العالم البائس احزانه واشجانه.
وصبغ فرس الحسين ناصيته بدم الامام الشهيد واقبل يركض وهو مذعور نحو خيمة الحسين ليعلم العيال بقتله ، ولما نظرت إليه النساء علمن بمقتله(1) وفي زيارة الناحية «فلما نظرن النساء الى الجواد مخزيا ، والسرج عليه ملويا خرجن من الخدور ناشرات الشعور ، على الخدود لاطمات وللوجوه سافرات ، وبالعويل داعيات ، وبعد العز مذللات والى مصرع الحسين مبادرات».
ونادت عقيلة الوحي :
«وا محمداه ، وا أبتاه وا علياه ، وا جعفراه ، وا حمزتاه ، هذا حسين بالعراء ، صريع بكربلاء ليت السماء أطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل»(2) .
وذهل الجيش ، وود أن تخيس به الأرض ، وجرت دموع أولئك الجفاة من هول مصيبة بنات الرسالة.
وعمد الأخباث اللئام الى حرق خيام الامام غير حافلين بما تضم من
__________________
(1) التأريخ المظفري (ص 230) من مصورات مكتبة الامام الحكيم
(2) مقتل الحسين للمقرم (ص 346)
بنات الرسالة وعقائل الوحي ، وقد حملوا أقبسة من النار(1) ومناديهم ينادي.
«احرقوا بيوت الظالمين»
يا للّه!! لقد كان بيت الامام ـ حسب ما يزعمون ـ بيت الظلم ، وبيت ابن مرجانة بيت العدل ، وقد اغرق هو وابوه الناس في الظلم والجور.
وحينما التهبت النار في الخيم فررن بنات الرسالة وعقائل الوحي من خباء والنار تلاحقهن ، أما اليتامى فقد علا صراخهم فبين من تعلق باذيال عمته الحوراء لتحميه من النار ، وتصد عنه اعتداء الجفاة وبين من هام على وجهه في البيداء ، وبين من يستغيث بأولئك الممسوخين الذين خلت قلوبهم من الرحمة والعطف ، لقد كان ذلك المنظر مما تتصدع له الجبال ولم يغب عن ذهن الامام زين العابدين طيلة المدة التي عاشها بعد أبيه ، فكان دوما يذكره مشفوعا بالأسى والعبرات وهو يقول :
«واللّه ما نظرت الى عماتي واخواتي الا وخنقتني العبرة وتذكرت فرارهن يوم الطف من خيمة الى خيمة ومن خباء إلى خباء ، ومنادي القوم ينادي احرقوا بيوت الظالمين».
واقترف جيش ابن سعد اسوأ الماثم وافظع الجرائم فقد هرعوا بجشع وجثة الامام العظيم فجعلوا ينهبون ما عليها ما عليها من لامة حرب أو ثياب فأخذ رجل من بني نهشل سيفه(2) وهو سيف النبي (ص) المسمى
__________________
(1) التأريخ المظفري (ص 228)
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
بذي الفقار(1) واخذ قيس بن الأشعث احد قادة ذلك الجيش قطيفة الامام وكانت من خز ، فعيب عليه وسمي قيس القطيفة وسلب قميصه اسحاق بن حوية ، واخذ الأخنس بن مرشد عمامته(2) واخذ بحير سراويله فلبسها فصار زمنا مقعدا(3) ولم يتركوا على جثمان الامام الا السراويل التي عمد الامام على تمزيقها حتى يتركوها على جسده.
وجاء احط البشرية واقذرها بجدل ففتش عن مغنم يجده على جسم الامام فلم يجد شيئا وفتش مليا فرأى خاتم الامام في يده وقد بنت عليه الدماء فعمد الى قطع اصبعه وأخذه(4) وترك البغاة جثمان الامام عاريا تصهره الشمس.
وعمد ارذال أهل الكوفة وعبيد ابن مرجانة الى سلب حرائر النبوة وعقائل الرسالة فسلبوا ما عليهن من حلي وحلل ، ومال وغد من ارغادهم
__________________
(1) التأريخ السياسي للدول العربية 2 / 75 وجاء في هامشه أن هذا السيف غنمه النبي (ص) يوم بدر (ابن هذيل حلية الفرسان وشعار الشجعان ص 15) ، وسمي بذي الفقار لأنه كان يشبه في شكله فقرات الظهر (كنوز الفاطميين ص 54) وقد انتقل هذا السيف الى حيازة العباسيين ومن بعدهم إلى الفاطميين (المجالس مخطوط).
(2) مقتل الحسين للمقرم (ص 347)
(3) تأريخ المظفري (ص 230)
(4) شرح شافية ابي فراس 2 / 2
بخسة ووحشية إلى السيدة أم كلثوم فسلب قرطبها(1) واسرع وضر خبيث نحو السيدة فاطمة بنت الحسين فانتزع خلخالها ، وهو يجهش بالبكاء ، وبهرت منه ابنة الحسين فقالت له :
«مالك تبكي؟!!»
«كيف لا ابكي وأنا اسلب ابنة رسول اللّه (ص)»
ولما رأت تعاطفه قالت له :
«دعني»
وراح الدنيء يبدي جشعه قائلا :
«أخاف ان يأخذه غيري»(2)
وعمدوا إلى نهب ما في الخيام من ثقل ومتاع ، وهجم الشمر على ثفل الحسين لنهبه فوجد ذهبا فأخذه ودفع بعضه إلى ابنته لتصوغه حليا لها فجاءت به الى الصائغ فلما أدخله النار صار هباء(3) .
وبصرت امرأة من آل بكر بن وائل ما جرى على بنات رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، من النهب والسلب والترويع ، فاندفعت وهي مذهولة فجعلت تحفز اسرتها على انقاذ ودائع النبوة من أيدي أولئك الجفاة قائلة «يا آل بكر بن وائل أتسلب بنات رسول اللّه!! لا حكم إلا للّه ، يا لثارات رسول اللّه».
وبادر إليها زوجها فردها الى رحله(4) وتجرد ذلك الجيش من كل نزعة انسانية ، وخلا من كل رأفة ورحمة ، فقد جعلوا يوسعون بنات
__________________
(1) التأريخ المظفري (ص 230)
(2) سير اعلام النبلاء 3 / 204
(3) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 90)
(4) اللهوف (ص 74)
رسول اللّه (ص) ضربا بكعوب رماحهم وهن يلذن من الرعب بعضهن ببعض ، وقد سقطت فاطمة بنت الحسين مغشيا عليها من شدة الضرب فلما أفاقت رأت عمتها السيدة أمّ كلثوم تبكي عند رأسها(1) ان مأساة عائلة الرسالة تبكي الجماد وتستثير عطف الصخور.
وهجم الفجرة الجفاة على زين العابدين وكان مريضا قد انهكته العلة ، ومزق الأسى قلبه ، فاراد الخبيث الأبرص شمر بن ذي الجوشن ان يقتله فنهره حميد بن مسلم قائلا له :
«سبحان اللّه!! أتقتل الصبيان؟ انما هو مريض»
فلم يعن به الوغد ، وبادرت إليه العقيلة عمته زينب فتعلقت به ، وقالت لا يقتل حتى اقتل دونه(2) فكف اللثام عنه ، وقد نجا منهم باعجوبة ، واجتاز على النساء الرجس عمر بن سعد فصحن في وجهه وبكين فمنع الخبيث العسكر من التعرض لهن بسوء(3) .
__________________
(1) مقتل المقرم (ص 370)
(2) تأريخ القرماني (ص 108) وفي المنتظم ان ابن سعد هو الذي امر بقتل زين العابدين فوقعت عليه زينب وقالت ، لا يقتل حتى اقتل فرق لها وكف عنه.
(3) تأريخ ابن كثير 8 / 189
واخذ شر اولئك الجفاة يستشري فلم يدعوا حرمة للّه الا انتهكوها ولا اثما الا اقترفوه ، فقد انبرى ابن سعد لينفذ اوامر سيده ابن مرجانة فنادى : من ينتدب للحسين فيوطىء الخيل صدره وظهره(1) قال الواقدي :
وبادر الشمر فوطئ الجثمان المقدس بفرسه(2) وتبعه عشرة من أولاد البغايا وهم اسحاق بن يحيى الحضرمي ، وهانئ بن ثبيت الحضرمي وادلم بن ناعم ، واسد بن مالك والحكيم بن الطفيل الطائي ، والأخنس بن مرشد وعمرو بن صبيح المذحجي ورجاء بن منقذ العبدي ، وصالح بن وهب اليزني ، وسالم بن خيثمة الجعفي(3) فداسوا ريحانة رسول اللّه (ص) بخيولهم مقبلين ومدبرين حتى الصقوا الجثمان العظيم بالأرض(4) وكان المجرم الخبيث اسد بن مالك يفتخر امام ابن سعد ويقول :
نحن رضضنا الصدر بعد الظهر بكل يعبوب شديد الأسر(5)
وجرى هذا التمثيل المنكر أمام ابن سعد وسائر قوات ذلك الجيش(6) ولم تجر هذه العملية فيما احسب ـ على أحد من أهل بيت الامام وأصحابه ويؤيد
__________________
(1) تأريخ الطبري 6 / 161
(2) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(3) مناقب ابن شهر اشوب 4 / 111
(4) تأريخ ابن كثير 8 / 189
(5) مقتل الخوارزمي 2 / 39
(6) تأريخ دول الاسلام 1 / 57 وجاء فيه ان الجيش حمل جثة الامام العظيم إلى ابن سعد فأمر الخبيث أن تدوس الخيل صدر الامام وظهره.
ذلك أن الأوامر التي صدرت من ابن زياد الى ابن سعد قد اقتصرت على التمثيل بجسد الحسين دون غيره.
وعلى أي حال فقد أعلنوا بهذا العمل الفظيع عن حقدهم البالغ على الامام ، وتجردهم من جميع العواطف الانسانية.
لقد داسوا جسد الامام الذي تربى في كنف الرسول (ص) ونبت لحمه من لحم علي وفاطمة ، والذي قال فيه الرسول :
«حسين مني وأنا من حسين ، أحب اللّه من أحب حسينا»
لقد داسوا ذلك الجسد الذي ثار في وجه المعتدين والظالمين ، وأراد أن يزيل البغي ، ويظهر العدل في الأرض حسب ما أمر اللّه به.
ووقفت حفيدة الرسول (ص) وابنة أمير المؤمنين (ع) العقيلة زينب عليها السلام على جثمان أخيها العظيم الذي مزقته السيوف ، وجعلت تطيل النظر إليه ورفعت بصرها نحو السماء وهي تدعو بحرارة قائلة :
«اللهم تقبل هذا القربان»(1)
ان الانسانية لتنحني اجلالا وخضوعا امام هذا الايمان الذي هو السر في خلود تضحية الحسين.
لقد تحملت بطلة كربلا اعباء تلك المحن الشافة ، وتجرعت غصص تلك الأهوال محتسبة الأجر عند اللّه ، وهي تتضرع بخشوع الى اللّه أن يتقبل ذلك القربان ، فأي صبر يماثل هذا الصبر؟
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 379)
لقد تجلت قوة الشخصية في حفيدة الرسول ، وبرزت معاني الوراثة النبوية في مواقفها الخالدة التي صانت بها أهداف الامام ، واظهرت الواقع في تضحيته ، وانارت السبيل في بيان اسرار شهادته.
واحتف اولئك الجفاة حول القاتل الأثيم سنان بن انس(1) وجعلوا يمنونه الأماني ويقولون له :
«قتلت الحسين بن علي وابن فاطمة قتلت اعظم العرب خطرا الذي اراد أن يزيل ملك هؤلاء فأت امراءك فاطلب ثوابك منهم ، فانهم لو اعطوك بيوت أموالهم في قتله لكان قليلا»
وتحركت مطامعه ، فأقبل حتى وقف على فسطاط ابن سعد رافعا صوته :
أوقر ركابي فضة أو ذهبا |
إني قتلت السيد المحجبا |
|
قتلت خير الناس أما وأبا |
وخيرهم إذ ينسبون النسبا |
ولما سمعه ابن سعد نهره ورماه بالسوط ، وقال له : ويحك أنت مجنون لو سمعك ابن زياد تقول هذا الضرب عنقك(2) وقد حدد الباغي اللئيم أهدافه في هذا الرجز ، فهو انما ينشد الذهب والفضة في قتله لخير الناس أما وأبا ، ولم يؤثر أن هناك رجزا قيل في المعركة أو بعدها سوى
__________________
(1) سنان بن أنس : هو جد شريك القاضي المعروف بعدم النزاهة جاء ذلك في الاستيعاب 1 / 377.
(2) البداية والنهاية 8 / 189 ، وفي المعجم الكبير للطبراني 2 / 140 ان انس أنشد هذين البيتين امام ابن زياد وكذلك جاء في الاستيعاب 1 / 177.
هذا الرجز ، وهو يمثل أهداف الأكثرية الساحقة في ذلك الجيش السحيق وحلل الدكتور يوسف خليف هذا الرجز بقوله :
«والعاطفة التي تشيع في هذا الرجز ـ مع الأسف ـ عاطفة الفرح والزهو ، فراح القاتل بهذه الهوية الغالية التي يحملها إلى الأمير ، وزهوه بهذا العمل الضخم الذي قام به من أجل الدولة ، وهو لهذا يشعر بأن أقل ما يمكن أن يكافئه الأمير به أن يوقر ركابه فضة وذهبا ، وهو ـ لهذا أيضا ـ يضفي على قتيله خير ما يمكن أن يضفيه انسان على انسان ، وقد جعله هذا يشعر بشيء من الدالة على الأمير يبيح أن يجعل حديثه عن هذه الجائزة حديث الآمر الذي لا يقبل ردا ولا رفضا ، وهو ـ من أجل هذا ـ يبدأ رجزه لا بالحديث عن الحادثة التي تعني الأمير وانما بالحديث عن الجائزة التي تعنيه هو ، كأنما لا يعنيه من الأمر الا ما سوف يناله من ذهب وفضة»(1) .
وبادرت القبائل الى حز رءوس أولئك الأحرار الذين استشهدوا من أجل العدالة الاجتماعية ، ومن أجل تحرير الانسان من الظلم والطغيان.
ولم يقر الاسلام في جميع حروبه التمثيل الا ان الجيش الأموي قد استباح ذلك ، فان معاوية قد سنّه واباحه ، فقد أمر برأس الشهيد العظيم عمرو بن الحمق الخزاعي أن يطاف به ، وقد اقتدى به ابن مرجانة فبعث برأس مسلم وهانئ إلى يزيد ثم عهد الى ابن سعد أن يحز رءوس الشهداء في واقعة كربلا ليبعثها هدية إلى يزيد ، وقد تهافتت تلك العصابة المجرمة
__________________
(1) حياة الشعر في الكوفة (ص 373 ـ 374)
إلى اقتسام الرءوس ليقدموها هدية لابن مرجانة ، وقد اقتسمت القبائل التالية ما يلي من الرءوس.
1 ـ كندة : جاءت بثلاثة عشر رأسا ، وصاحبهم قيس بن الأشعث
2 ـ هوازن : حصلت على عشرين رأسا ، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن.
3 ـ مذحج جاءت بسبعة رءوس
4 ـ بنو قيس جاءوا بتسعة رءوس
5 ـ بنو تميم : جاءوا بسبعة عشر رأسا.
6 ـ بنو أسد : جاءوا بستة عشر رأسا(1)
7 ـ سائر الجيش جاءوا بسبعة رءوس(2)
وبقيت على صعيد كربلا جثة الحسين ، وجثث الشهداء من أهل بيته وأصحابه قد فصلت عنها الرءوس ، ووضعت فوق الحراب لتكون منارا لجميع شعوب الأرض على طريق الحق والشرف والايمان.
وكان الطاغية معسكرا بالنخيلة يتلقى الأحداث في كل لحظة فقد كان على اتصال دائم بابن سعد فلما جاءه البشير بقتل الحسين ارتحل مسرعا إلى الكوفة ليحكم أمرها ، ويتخذ التدابير للمحافظة عليها فاصدر أمره إلى حراس البلد وكان عددهم عشرة آلاف فارس بمنع حمل السلاح على كل أحد
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1 ، المنتظم الجزء الخامس
(2) تأريخ ابن الأثير 3 / 302
ونادى مناديه بالكوفة بذلك(1) كما أرسل الوفود الى جميع انحاء البلاد لاعلان النصر واذاعة الخوف بين الناس(2) .
وقل ما شئت في تصوير المحنة الكبرى التي دهمت عقائل النبوة في ليلة الحادي عشر من المحرم ، فانك لا تستطيع تصويرها ولا استيعاب مأساتها ، فلم تبق رزية من رزايا الدنيا ، ولا غصة من غصص الدهر الا جرت عليهن ، فالاعداء الجفاة الذين لا يملكون أي شرف أو نبل قد استولوا عليهن ، والحماة الأباة من آل الرسول (ص) قد تناثرت اشلاؤهم الزكية أمامهن من دون أن ينبري أحد الى مواراتهم ، والخيام قد احرقت ونهب ما فيها من ثقل ومتاع ، وسلب ما عليهن من حلي وحلل ووصف ذلك المنظر الحزين الدكتور الشيخ احمد الوائلي في رائعته التي يقول فيها :
وسجى الليل والرجال ضحايا |
والنساء المخدرات ذهول |
|
واليتامى تشرد وضياع |
والثكالى مدامع وعويل |
|
وبقايا مخيم من رماد |
وقيود يئن منها عليل |
|
وزنود قست عليها سياط |
وجسوم يضري بها التمثيل(3) |
أما حفيدة الرسول (ص) وشقيقة الحسين العقيلة زينب (ع) فانها ما وهنت ولا استكانت أمام تلك الأهوال القاصمة فقد اسرعت تلتقط
__________________
(1) مع الحسين في نهضته (ص 285)
(2) مقتل الحسين لعبد اللّه
(3) مجلة البلاغ العدد التاسع السنة الرابعة (ص 13)
الأطفال الذين هاموا على وجوههم في البيداء ، وتجمع العيال في تلك البيداء الموحشة ، وهي تسليهم وتصبرهم على تلك الرزايا ، وقد انفقت تلك الليلة ساهرة على حراستهم ، وقد هامت في تيارات من الأسى لا يعلم بمداها الا اللّه ، وقد أدت وردها من صلاة الليل ولكن استولى الضعف عليها فادتها من جلوس.
واختلف المؤرخون في عدد الضحايا من أهل البيت (ع) وهذه بعض الأقوال :
1 ـ سبعة عشر ، وقد اعلن ذلك الامام الصادق (ع) في حديث له مع شيخ جرى عن قتل الحسين قال (ع) له : «ذاك دم يطلب اللّه به ما أصيب من ولد فاطمة ، ولا يصابون بمثل الحسين ، ولقد قتل في سبعة عشر من أهل بيته ونصحوا للّه ، وصبروا في جنب اللّه فجزاهم اللّه أحسن جزاء الصابرين»(1) ويقول محمد بن الحنفية : «لقد قتل معه ـ أي مع الحسين سبعة عشر ممن ارتكضوا في رحم فاطمة»(2) وهي فاطمة بنت أسد أم الامام امير المؤمنين(3) .
__________________
(1) مقتل الامام الحسين لعبد اللّه بن نور اللّه من مخطوطات مكتبة الامام أمير المؤمنين.
(2) المعجم الكبير للطبراني 1 / 140 ، خطط المقريزي 2 / 286 تذهيب التهذيب 1 / 156.
(3) مقتل الحسين لعبد اللّه بن نور اللّه
2 ـ ستة عشر رجلا ، يقول الحسن البصري : «قتل مع الحسين ابن علي ستة عشر رجلا ما على وجه الأرض لهم من شبيه»(1) .
ويقول سراقة البارقي :
عيني ابكي بعبرة وعويل |
واندبي إن ندبت آل الرسول |
|
تسعة منهم لصلب علي |
قد ابيدوا وسبعة لعقيل(2) |
3 ـ خمسة عشر ، وقد اعلن ذلك المغيرة بن نوفل في مقطوعته التي رثاهم بها يقول :
اضحكني الدهر وابكاني |
والدهر ذو صرف والوان |
|
يا لهفتا نفسي وان النفس |
لا تنفك من هم واحزان |
|
على أناس قتلوا تسعة |
بالطف أمسوا رهن اكفان |
|
وستة ما أن أرى مثلهم |
بني عقيل خير فرسان(3) |
4 ـ تسعة عشر رجلا من أهل البيت عليهم السلام(4)
5 ـ عشرون ، من أبناء علي سبعة ، ومن ابناء الحسن اثنان ، ومن ابناء عبد اللّه بن جعفر اثنان ومن ابناء الحسين ثلاثة ومن أبناء عقيل ستة غير مسلم(5) .
__________________
(1) مرآة الجنان 1 / 133 ، تأريخ الاسلام للذهبي 2 / 347 ، ذخائر العقبى (ص 146) تأريخ خليفة خياط 1 / 225 ، الاستيعاب 1 / 380
(2) المعارف
(3) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(4) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 87)
(5) مرآة الزمان (ص 59)
6 ـ ثلاثة وعشرون رجلا من ولد الحسين واخوته واهل بيته(1)
7 ـ سبعة وعشرون شهيدا من ولد فاطمة(2) يعني بنت أسد
8 ـ ثمانية وسبعون صرح بذلك النسابة السيد ابو محمد الحسن الحسيني(3) وهو اشتباه ولعله أراد من قتل مع الامام من أصحابه.
9 ـ ثلاثون نسب ذلك الى الامام الصادق في حديث له مع عبد اللّه ابن سنان ، فقد أمره بالصوم في يوم عاشوراء ، وأمره بالافطار بعد صلاة العصر وقال له : «فانه في ذلك الوقت ـ أي العصر ـ تجلت الهيجاء عن آل رسول اللّه (ص) وانكشفت الملحمة عنهم وفي الأرض منهم ثلاثون صريعا مع مواليهم يعز على رسول اللّه (ص) مصرعهم ، ولو كان في الدنيا حيا لكان هو المعزى بهم»(4) .
10 ـ ثلاثة عشر رجلا انفرد بذلك المسعودي(5) ولم يذكره غيره.
11 ـ اربعة عشر رجلا ذكر ذلك الخوارزمي(6) .
هذه بعض الأقوال التي ذكرت ، واحتوت الزيارة المنسوبة الى الناحية على ذكر سبعة عشر شهيدا وذكر ذلك الشيخ المفيد(7) ولعله هو الأقرب الى الواقع واللّه العالم.
__________________
(1) خطط المقريزي 2 / 286 ، الذرية الطاهرة
(2) المناقب 4 / 112
(3) بحر الانساب الجزء الثاني
(4) سفينة البحار 2 / 196 ، اعيان الشيعة 4 / ق 1 / ص 134
(5) مروج الذهب
(6) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 47
(7) الارشاد (ص 279)
وسقط في المعركة بعض الجرحى من أصحاب الامام ، ولم يجهز عليهم جيش ابن سعد ، وهم
حمل من المعركة ومات متأثرا بجراحه بعد ستة أشهر(1)
سقط في المعركة جريحا وحمل ، ومات متأثرا بجراحه بعد سنة(2)
وقاتل الحسن بن الامام الحسن مع عمه حتى سقط على الأرض جريحا ولما اقبل اجلاف أهل الكوفة على حز رءوس الشهداء وجدوا به رمقا فجاء أسماء بن خارجة الفزاري وكان من أخواله فاستشفع به فشفعوه فحمله معه الى الكوفة وعالجه حتى برىء ثم لحق في يثرب(3) .
ونجا من القتل من أصحاب الامام وأهل بيته ما يلي :
__________________
(1) الحدائق الوردية 1 / 26
(2) الحدائق الوردية 1 / 26
(3) حياة الامام الحسن 2 / 464
وكان عاقبة بن سمعان مولى للرباب بنت امرئ القيس زوجة الامام الحسين (ع) جيء به أسيرا الى ابن سعد فقال له :
ـ من أنت؟
ـ مملوك
فخلى سبيله ولم يتعرض له بمكروه(1)
وكان المرقع بن قمامة الأسدي من أنصار الامام (ع) فأسر فجاءت قبيلته فطلبت له الامان ، وجيء به مخفورا إلى ابن مرجانة ، واخبره ابن سعد بشأنه ، فنفاه الى الزارة من أرض البحرين وبقي فيه(2) .
وكان مع الامام يمرضه ، ولما قتل انفلت ونجا سالما ، وقد روى بعض فصول واقعة كربلا(3) .
وكان مريضا قد أنهكته العلة ، ونجا باعجوبة من أيدي أولئك الطغاة وحمل اسيرا إلى ابن مرجانة وسيده يزيد بن معاوية.
__________________
(1) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) انساب الاشراف ق 1 ج 1 ، تأريخ الطبري 6 / 261
(3) مقتل الحسين للمقرم (ص 377) مقاتل الطالبيين (ص 119)
وقد ذكرنا انه سقط في المعركة جريحا ، وبرىء من جراحاته
ونجا من القتل عمر بن الحسن ، ولم نعلم أنه اشترك في الحرب أم انه كان صغيرا.
وهو ابن عبد اللّه بن جعفر
وهؤلاء هم الذين نجوا من القتل وافلتوا من أيدي اولئك السفكة المجرمين الذين كانوا يتعطشون الى اراقة دماء أهل البيت.
أما حجم الخسائر في جيش ابن سعد فكانت جسيمة للغاية ، فقد دمر أصحاب الامام على قلتهم جميع كتائب ذلك الجيش ، وانزلوا به افدح الخسائر ، فاشاعوا في ارباض الكوفة الثكل والحداد ويقول بعض المؤرخين : انهم لم يتركوا بيتا في الكوفة الا وفيه نائحة ، أما ما يدعم
__________________
(1) مقاتل الطالبيين (ص 119)
ذلك فهي التصريحات التي أدلى بها بعض قادة الفرق عن فزعهم وذعرهم بما منوا به من الخسائر ، وقد أشرنا إليها في البحوث السابقة.
أما تقدير الخسائر فتنص بعض المقاتل على ان عدد القتلى من جيش ابن سعد كانوا ثمانية آلاف وثمانين رجلا(1) وفيما احسب أن هذا العدد مبالغ فيه ، وان القتلى دون ذلك ، وذكر ابن الأثير ان القتلى كانوا ثمانية وثمانين سوى الجرحى(2) وهذا القول لا نصيب له من الصحة والغاية منه التقليل من أهمية معسكر الحسين ، فان من المقطوع به انهم انزلوا بجيش ابن سعد الهزائم والحقوا به افدح الخسائر ، حتى ضج العسكر من كثرة من قتل منهم ومن الطبيعى ان ذلك لا يتفق مع هذا العدد القليل.
وحينما نزح الامام من الحجاز الى العراق كان ابن عباس قلقا تساوره الهموم والأحزان خوفا على ابن عمه من غدر أهل الكوفة ، وقد نام في اليوم العاشر من المحرم فاستيقظ فزعا مرعوبا ، وقد رفع صوته :
«قتل الحسين واللّه»
فأنكر عليه أصحابه قائلين له :
«كلا يا ابن عباس!!»
فأجابهم ودموعه تتبلور على خديه رأيت رسول اللّه (ص) ومعه زجاجة ، فقال لي : الا تعلم ما صنعت أمتي بعدي؟ قتلوا ابني الحسين ،
__________________
(1) مقتل الحسين لعبد اللّه
(2) تأريخ ابن الأثير 3 / 296
وهذا دمه ودم اصحابه ارفعه إلى اللّه عز وجل ، وسجل اصحابه اليوم والساعة التي حدثت فيها الرؤيا ، ووافتهم الانباء بمقتل الامام في نفس الوقت التي حدثت فيه الرؤيا(1) .
وكانت أم المؤمنين السيدة أم سلمة وجلة مضطربة من حين خروج الامام الى العراق ، فقد عهد إليها رسول اللّه (ص) بمقتل ولده الحسين في أرض كربلا ، واعطاها قارورة من تربته ، واعلمها انها اذا فاضت دما فان سبطه قد قتل(2) وكانت تنظر كل يوم الى القارورة وتقول :
إن يوما تتحولين دما ليوم عظيم(3) ورقدت في اليوم العاشر من المحرم فرأت في منامها رسول اللّه (ص) وعلى رأسه ولحيته التراب فقالت له :
«ما لك يا رسول اللّه؟!»
«شهدت قتل الحسين»
وانتبهت أم سلمة فزعة مذعورة وهي صارخة منادية «قتل الحسين
__________________
(1) تأريخ ابن عساكر 13 / 85 ، مرآة الجنان 1 / 134 ، تذهيب التهذيب 1 / 155 ، تأريخ الاسلام للذهبي 2 / 349 ، تأريخ بغداد ، خطط المقريزي 2 / 286 ، المنتظم الجزء الخامس.
(2) المعجم الكبير للطبراني ، تأريخ الاسلام للذهبي 2 / 349 ، تأريخ المظفري (ص 30) وجاء فيه ان اول صارخة على الحسين بالمدينة هي أم سلمة.
(3) المعجم الكبير للطبراني
ملأ اللّه بيوتهم وقبورهم نارا»(1) وسمع ابن عباس الصراخ قد علا من بيت أم سلمة فخف إليها ، وقد ازدحم بيتها بالرجال والنساء فقال لها :
يا أم المؤمنين ما بالك تصرخين وتعولين فلم تجبه ، واقبلت على النساء الهاشميات فقالت لهن :
«يا بنات عبد المطلب اسعدنني ، وابكين ، فقد واللّه قتل سبط رسول اللّه وريحانته الحسين».
فقلن لها :
«من أين علمت ذلك؟
فأخبرت برؤياها للنبي (ص)(2) وتصارخت النسوة حتى ضجت المدينة وما سمع بواعية مثل ذلك اليوم(3) وأقامت أم سلمة من وقتها مجلس العزاء على الحسين ، فجعل المسلمون يفدون عليها ويعزونها بمصابها الأليم ، وممن وفد عليها معزيا شهر بن حوشب ، فأخذت تحدثه عما سمعته من رسول اللّه (ص) في فضل أهل البيت قائلة! دخل رسول اللّه (ص) على منامة لنا فجاءته فاطمة بشيء فوضعته ، فقال (ع) لها : ادع لي حسنا وحسينا وابن عمك عليا فلما اجتمعوا عنده قال اللهم هؤلاء خاصتي وأهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا(4) وأخذت أم سلمة تلعن أهل الكوفة وتقول : قتلوه قتلهم اللّه عز وجل ، غروه واذلوه
__________________
(1) تأريخ ابن عساكر 13 / 85
(2) أمالي الطوسي 2 / 203
(3) تأريخ اليعقوبي 2 / 219
(4) تأريخ ابن عساكر 13 / 39
لعنهم اللّه(1) وكان يغشى عليها من شدة الحزن ، ولم تلبث الا يسيرا حتى توفيت كمدا وحزنا على الحسين (ع)(2) .
ولم يعن ابن سعد بالتمثيل بجسم الامام الذي حرمه الاسلام بعد أن صدرت له الأوامر من ابن مرجانة بذلك ، وقد عمد فور استشهاد الامام الى ارسال رأسه مع خولى بن يزيد الاصبحي وحميد بن مسلم الأزدي ، فحملا الرأس الشريف هدية لابن مرجانة كما حمل رأس يحيى بن زكريا الى بغي من بغايا بني اسرائيل ، وقد اقبلا يجذان السير لا يلويان على شيء حتى انتهيا إلى الكوفة في الهزيع الأخير من الليل ، فوجدا باب القصر مغلقا ، فأخذ خولى رأس الامام وولى مسرعا الى بيته ليبشر به زوجته وطرق باب داره طرقا عنيفا ، وهو يلهث من شدة التعب وعظيم الفرح فخرجت إليه زوجته النوار بنت مالك الحضرمي ، وكانت علوية الرأي فأسرعت إليه قائلة :
«ما الخبر؟»
«جئت بغنى الدهر ، هذا رأس الحسين معك في الدار»
وفقدت المرأة اهابها ، وراحت تصيح به :
«ويلك جاء الناس بالفضة والذهب ، وجئت برأس ابن بنت
__________________
(1) المعجم الكبير للطبراني
(2) سير اعلام النبلاء 2 / 146
رسول اللّه ، واللّه لا يجمع رأسي ورأسك شيء أبدا»(1) .
وأصبح زوجها من أبغض الناس إليها ، وفي الصباح الباكر حمل خولى رأس الامام الى ابن زياد فأظهر الفرح والسرور ، وقد تمت ـ فيما يحسب ـ بوارق آماله وأحلامه.
والتفت ابن زياد الى الجلادين من شرطته الذين حضروا المعركة فقال لهم :
«أيكم قاتله؟»
فوثب إليه رجل وهو فرح لعله أن ينال الجائزة منه فقال له :
«أنا قتلته»
«ما قال لك؟»
«لما أخذت السلاح قلت له : ابشر بالنار ، قال : ابشر ان شاء اللّه تعالى برحمته وشفاعة نبيه»(2) .
واطرق ابن مرجانة برأسه الى الأرض وهو يشعر بالوخز وخيبة المصير وسوء المنقلب.
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1 ، وفي العقد الفريد 2 / 242 انها قالت له : واللّه لا يجمعني واياك فراش أبدا وفي البداية والنهاية 8 / 190 انها قامت من فراشه ، ونظرت الى الاجانة فرأت النور ساطعا من تلك الاجانة الى السماء ورأت طيورا بيضا ترفرف حولها.
(2) تأريخ الخميس 2 / 334
ولما وضع رأس ريحانة رسول اللّه (ص) بين يدي الدعي ابن الدعي أخذ يعبث بثناياه ساعة من الزمن ، وهو يجد في ذلك لذة لا تعد لها لذة ، وبدا على وجهه آثار الحقد الدفين والتشفي الآثم ، فأخذ يضرب بعوده ثنايا الامام وشفتيه التي طالما كان رسول اللّه (ص) يوسعهما تقبيلا يقول القيم بن محمد : ما رأيت منظرا قط افظع من القاء رأس الحسين بين يدي ابن مرجانة وهو ينكثه(1) وكان في مجلسه الصحابي زيد بن ارقم فلما رأى صنعه انهارت قواه وصاح به.
«اعل بهذا القضيب عن هاتين الشفتين ، فو الذي لا إله الا هو لقد رأيت شفتي رسول اللّه على هاتين الشفتين يقبلهما».
وانفجر زيد باكيا وراح ابن زياد يهزأ من الصحابي قائلا :
«ابكى اللّه عينيك ، لو لا انك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك»
فاندفع الصحابي قائلا :
«الا احدثك حديثا هو اغلظ من هذا ، رأيت رسول اللّه (ص) أقعد حسنا على فخذه اليمنى ، وحسينا على فخذه اليسرى ، ووضع يديه على يافوخيهما ، وقال : اللهم اني استودعك اياهما وصالح المؤمنين ، فكيف كانت وديعة رسول اللّه (ص) عندك يا ابن زياد؟»
وخرج زيد غير حافل ببطش ابن مرجانة ، وهو يخاطب اهل الكوفة قائلا :
«أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة ، وامرتم
__________________
(1) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 161 مخطوط
ابن مرجانة ، فهو يقتل خياركم ، ويستعبد شراركم ، فبعدا لمن رضي بالذل والعار»(1) .
ولما فرغ ابن مرجانة من العبث برأس ريحانة رسول اللّه (ص) التفت الى كاهن كافر فقال له : قم فضع. على رأس عدوك ، ففعل الكاهن ذلك(2) لقد فعل ابن زياد بآل البيت ما لم يفعله أي كافر على وجه الأرض ، فقد استهان بجميع القيم والمقدسات ، واستباح كل ما حرمه اللّه.
ومكثت القوات المسلحة في كربلا يوم الحادى عشر من المحرم فوارت جيف قتلاها بين مظاهر الاجلال والتعظيم ، وقد فتحت لها كوة من قيح جهنم يؤجج ضرامها ولا يخبو نارها تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون.
أما جثة الامام العظيم والجثث الزواكي من أهل بيته واصحابه ، فقد عمدوا الى تركها على صعيد كربلا تسفي عليها الرياح لا مغسلين ولا مكفنين.
وأمر ابن سعد حميد بن بكر الأحمري ، فنادى بالناس الرحيل الى الكوفة(3) وسارت قوات ابن سعد بعد الزوال من كربلا واعلامها رءوس العترة الطاهرة التي ثارت من اجل احقاق الحق ، وتوطيد اركان العدل ، وقد حملوا معهم نساء الحسين واخواته ونساء الأصحاب فكن عشرين
__________________
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 97) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 87) المناقب والمثالب.
(2) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 97)
(3) انساب الأشراف ق 1 ج 1
امرأة(1) ما عدا الصبية وقد سيروهن على اقتاب الجمال بغير وطاء وساقوهن كما يساق سبي الترك والديلم ، ومروا بهن على جثث القتلى من أهل البيت مبالغة في ايذائهن ، وكان العرب في جاهليتهم الأولى يتجنبون مرور النساء على قتلاهن الا ان جيش ابن سعد لم يلتزم بأي خلق ، ولم تكن عنده أية عاطفة انسانية.
ولما نظرت عقائل النبوة الى جثث القتلى من اهل البيت رفعن اصواتهن بالبكاء ، وصاحت حفيدة النبي (ص) زينب (ع) بصوت يذيب القلوب.
«يا محمداه هذا حسين بالعراء ، مرمل بالدماء ، مقطع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، وذريتك مقتلة»(2) .
ووجم القوم مبهوتين ، وفاضت عيونهم دموعا ، وبكى العدو والصديق(3) .
وجزع الامام زين العابدين كأشد ما يكون الجزع حينما رأى جثمان أبيه ، وجثث أهل بيته وأصحابه منبوذة بالعراء لم ينبر أحد الى مواراتها وبصرت به عمته زينب فبادرت إليه مسلية قائلة :
«ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي واخوتي ، فو اللّه إن هذا لعهد من اللّه الى جدك وأبيك ، ولقد أخذ اللّه ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض ، وهم معروفون في أهل السماوات ، انهم يجمعون
__________________
(1) مقتل المقرم (ص 377)
(2) خطط المقريزي 2 / 280 ، البداية والنهاية 8 / 193
(3) جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب (ص 140)
هذه الأعضاء المقطعة ، والجسوم المضرجة فيوارونها وينصبون بهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره ، ولا يمحى رسمه على كرور الليالي والأيام ، وليجتهدن أئمة الكفر واشياع الضلال في محوه وطمسه فلا يزداد أثره الا علوا»(1) .
وازالت حفيدة الرسول (ص) ما ألم بالامام زين العابدين من الحزن العميق على عدم مواراة أبيه ، فقد أخبرته بما سمعته من أبيها وأخيها من قيام جماعة من المؤمنين بمواراة تلك الجثث الطاهرة ، وسينصب لها علم لا يمحى أثره ، ويبقى خالدا حتى يرث اللّه الأرض ومن عليها وقد جدّ ملوك الأمويين والعباسيين على محوها وازالة آثارها ، وجاهدوا نفوسهم وسخروا جميع امكانياتهم الا انهم لم يفلحوا ، ومضى مرقد الامام شامخا على الدهر ، ومضت ذكراه تملأ رحاب الأرض نورا وفخرا وشرفا كاسمى صورة تعتز بها الانسانية في جميع أدوارها.
وبقيت جثة الامام العظيم وجثث الشهداء الممجدين من أهل بيته واصحابه ملقاة على صعيد كربلا تصهرها الشمس ، وتسفي عليها الرياح ، وقد انبرى جماعة من المؤمنين الذين لم يتلوثوا في الاشتراك بحرب ريحانة رسول اللّه (ص) الى مواراتها ، وقد اختلف المؤرخون في اليوم الذي دفنت فيه ، وفيما يلي ذلك.
__________________
(1) كامل الزيارات (ص 261)
1 ـ يوم الحادي عشر(1)
2 ـ يوم الثاني عشر(2)
3 ـ يوم الثالث عشر(3)
اما الذين حظوا بمواراتها فهم قوم من بني أسد كانوا ينزلون بالقرب من مكان المعركة فخفوا إليها بعد أن نزحت جيوش ابن سعد ، فرأوا الجثث الزواكي ملقاة بالعراء فأيقنوا انها جثث أهل البيت ، وجثث أصحابهم فعجوا بالبكاء والعويل ، وصرخت نساؤهم ، وقاموا في هدأة الليل حيث امنوا الرقباء ، فحفروا قبرا لسيد الشهداء ، وقبرا آخر لبقية الشهداء ، وقد حفروها على ضوء القمر حيث كان على وشك التمام ، ولم يطلع القمر على مثلها شرفا في جميع الاحقاب والآباد.
يقول الشيخ المفيد :
«ولما رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولا بالغاضرية الى الحسين وأصحابه فصلوا عليهم ، ودفنوا الحسين (ع) حيث قبره الآن ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجله : وحفروا للشهداء من أهل بيته واصحابه ـ الذين صرعوا حوله ـ مما يلي رجلي الحسين ، وجمعوهم فدفنوهم جميعا. ودفنوا العباس بن علي في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الآن»(4) .
وتنص بعض المصادر الشيعية على أن بني أسد كانوا متحيرين في
__________________
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 97) البداية والنهاية 8 / 189 ، المناقب 5 / 133 مصور.
(2) البحار
(3) مقتل الحسين للمقرم (ص 396)
(4) الارشاد (ص 227)
شأن تلك الجثث الزواكي ولم يهتدوا لمعرفتها لأن الرءوس قد فصلت عنها وبينما هم كذلك اذ أطل عليهم الامام زين العابدين فأوقفهم على شهداء أهل البيت وغيرهم من الأصحاب ، وبادر الى حمل جثمان أبيه فواراه في مثواه الأخير وهو يذرف أحر الدموع قائلا :
«طوبى لأرض تضمنت جسدك الطاهر ، فان الدنيا بعدك مظلمة والآخرة بنورك مشرقة ، أما الليل فمسهد ، والحزن سرمد أو يختار اللّه لأهل بيتك دارك التي أنت بها مقيم ، وعليك مني السلام يا ابن رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته».
ورسم على القبر الشريف هذه الكلمات : «هذا قبر الحسين بن علي بن أبي طالب الذي قتلوه عطشانا غريبا» ودفن عند رجلي الامام ولده علي الأكبر ، ودفن بقية الشهداء الممجدين من هاشميين وغيرهم في حفرة واحدة ، وانطلق الامام زين العابدين مع الأسديين الى نهر العلقمي فواروا قمر بني هاشم العباس بن أمير المؤمنين ، وجعل الامام يبكي احر البكاء قائلا :
«على الدنيا بعدك العفا يا قمر بني هاشم ، وعليك مني السلام من شهيد محتسب ورحمة اللّه وبركاته»(1) .
وأصبحت تلك القبور الطاهرة رمزا للكرامة الانسانية ، ورمزا لكل تضحية تقوم على العدل يقول العقاد : «فهي اليوم مزار يطيف به المسلمون متفقين ومختلفين ومن حقه أن يطيف به كل انسان لأنه عنوان قائم لأقدس ما يشرف به هذا الحي الآدمي من بين سائر الأحياء
فما اظلت قبة السماء مكانا لشهيد قط هو اشرف من تلك القباب
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 397 ـ 398)
بما حوته من معنى الشهادة وذكرى الشهداء»(1)
ويقول يوسف رجيب : «وليس لقبر من قبور أولياء اللّه الصالحين البررة غير قبر الحسين هو قبلة الدنيا وكعبة بني الأرض لأن اللّه شرفه بجهاد اعدائه الذين اعتزموا طمس الدين الحنيف ، وانتهاك الشريعة ، واتخاذ الخلافة أمرة زمنية استباحوا بها كل محرم يتلذذون بما حرم اللّه وحرمته كتبه»(2) .
لقد ضمت تلك البقعة المباركة خلاصة الاباء والشرف والدين ، وقد أصبحت أقدس مراكز العبادة وافضلها في الاسلام ففي كل وقت يطيف بها المسلمون متبركين ومتقربين إلى اللّه ، كما اصبحت مطافا لملائكة اللّه المقربين ، فقد روى الفضل بن يسار عن أبي عبد اللّه أنه سئل عن أفضل قبور الشهداء فقال عليه السلام :
«أو ليس أفضل الشهداء الحسين بن علي؟ فو الذي نفسي بيده ان حول قبره اربعين الف ملك شعثا غبرا يبكون عليه إلى يوم القيامة»(3) .
ويقول الامام الرضا (ع) : «إن حول قبر الحسين سبعين الف ملك شعثا غبرا يبكون عليه الى يوم القيامة»(4)
وقد حظى مرقده العظيم باستجابة الدعاء عنده فما قصده مكروب أو ملهوف الا فرج اللّه عنه مما ألم به يقول الجواهري :
__________________
(1) ابو الشهداء
(2) مجلة الغري السنة الثانية العدد 10 ص 22
(3) مناقب ابن المغازلي : رقم الحديث 390
(4) ذخائر العقبى (ص 151)
تعاليت من مفزع للحتوف |
وبورك قبرك من مفزع |
|
تلوذ الدهور فمن سجد |
على جانبيه ومن ركع(1) |
ويقول المؤرخون إن الامام الهادي (ع) ألم به مرض فأمر أبا هاشم الجعفري أن يبعث له رجلا إلى الحائر الحسيني ليدعو له بالشفاء ، وقد سئل عليه السلام عن ذلك فقال : ان اللّه أحب أن يدعى في هذا المكان(2) .
لقد احتل ابو الشهداء المكانة العظمى عند اللّه تعالى كما احتل قلوب المسلمين وحظى بأصدق محبتهم فهم يشدون الرحال الى مثواه من كل فج عميق وفاء بحقه واعترافا بفضله والتماسا لعظيم الأجر الذي كتبه اللّه لزائريه ، ويقول (نيكلسون) : وخلال بضع سنوات عن مصرع الحسين اصبح ضريحه في كربلا محجا تشد إليه الرحال(3) .
وتواترت الأخبار عن أئمة أهل البيت عليهم السلام بفضل زيارة سيد الشهداء (ع) وقد ذهب بعض الفقهاء إلى وجوبها ، وقد الف محمد بن علي العلوي كتابا يقع في جزءين أسماه «فضل زيارة الحسين» ونلمع الى بعض تلك الأخبار.
1 ـ روى أبو حمزة الثمالي قال : سألت علي بن الحسين عن زيارة الحسين (ع) فقال : «زره كل يوم فان لم تقدر فكل جمعة ، فان لم
__________________
(1) ديوان الجواهري 1 / 194
(2) كامل الزيارات (ص 223)
(3) تأريخ الأدب العربي
تقدر فكل شهر فمن لم يزره فقد استخف بحق رسول اللّه (ص)»(1) .
2 ـ روى ابو الجارود قال : «قال لي ابو جعفر : كم قبر الحسين منكم؟ قال : قلت له : يوم للراكب ويوم وليلة للراحل ، قال : لو كان منا كما هو منكم لاتخذناه هجرة»(2) .
3 ـ وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) قال : (مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين فان اتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مدافع السوء ، واتيانه مقترض على كل مؤمن يقر له بالامامة من اللّه»(3) .
والأخبار بذلك كثيرة ، وهي مما تفيد القطع بالصدور عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.
ودعا الامام الصادق بهذا الدعاء الشريف لزوار قبر جده الحسين وقد رواه الثقة معاوية بن وهب وهذا نصه :
قال : استأذنت على أبي عبد اللّه عليه السلام فقيل لي ادخل فدخلت فوجدته فى مصلاه ، فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه وهو يقول :
«يا من خصنا بالكرامة ، وخصنا بالوصية ، ووعدنا بالشفاعة ، وأعطانا علم ما مضى وما بقي وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا ، اغفر لي ولاخواني ، ولزوار قبر أبي الحسين (ع) الذين انفقوا أموالهم واشخصوا
__________________
(1) فضل زيارة الحسين 1 / 14 من مصورات مكتبة الامام امير المؤمنين
(2) فضل زيارة الحسين 1 / 17
(3) وسائل الشيعة 10 / 321
ابدانهم رغبة في برنا ، ورجاء لما عندك في صلتنا ، وسرورا ادخلوه على نبيك صلواتك عليه وآله واجابة منهم لأمرنا ، وغيظا ادخلوه على عدونا أرادوا بذلك رضاك ، فكافهم عنا بالرضوان واكلأهم بالليل والنهار واخلف على أهاليهم وأولادهم الذين خلفوا بأحسن الخلف ، واعطهم أفضل ما أملوا منك في غربتهم عن أوطانهم ، وما آثرونا به على ابنائهم وأهاليهم واقربائهم.
اللهم : ان اعدائنا عابوا عليهم خروجهم فلم يمنعهم ذلك عن الشخوص إلينا ، وخلافا منهم على من خالفنا ، فارحم تلك الوجوه التي قد غيرتها الشمس ، وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبد اللّه ، وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا ، وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم الصرخة التي كانت لنا.
«اللهم : إني استودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى توافيهم على الحوض يوم العطش» فما زال وهو ساجد يدعو اللّه بهذا الدعاء فلما انصرف قلت :
«جعلت فداك لو ان هذا الذي سمعت كان لمن لا يعرف اللّه لظننت أن النار لا تطعم منه شيئا ، واللّه لقد تمنيت أن كنت زرته ولم احج».
فقال عليه السلام :
«ما أقربك منه فما ذا الذي يمنعك من زيارته؟ لم تدع ذلك؟»
«لم ادر أن الأمر يبلغ هذا كله»
«يا معاوية من يدعو لزواره في السماء اكثر ممن يدعو لهم في الأرض يا معاوية لا تدعه فمن تركه رأى من الحسرة ما يتمنى ان قبره كان عنده
أما تحب أن يرى اللّه شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول اللّه (ص) وعلي وفاطمة والأئمة ، أما تحب أن تكون غدا ممن تصافحه الملائكة أما تحب أن تكون غدا فيمن يخرج وليس له ذنب فيتبع به ، أما تحب أن تكون غدا ممن يصافح رسول اللّه (ص)(1) .
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن مصرع الامام العظيم لنستقبل سبايا أهل البيت في الكوفة.
__________________
(1) وسائل الشيعة 10 / 320 ـ 321
سبايا اهل البيت فى الكوفة
واستقبلت الكوفة سبايا آل البيت (ع) بمزيد من الفزع والاضطراب وخيم عليها الذل والهوان ، فقد كمت الأفواه ، وأخرست الألسن ، ولم يستطع أحد أن يظهر ما في دخائل نفسه من الأسى الشديد خوفا من السلطة العاتية التي استهانت بارواح الناس وكراماتهم.
وعزفت أبواق الجيش وخفقت راياتهم ، وقد رفعوا على الحراب رءوس العترة الطاهرة ، ومعهم الأسرى من عقائل النبوة وحرائر الوحي وقد ربطوا بالحبال ، وقد وصف ذلك المنظر الرهيب مسلم الجصاص يقول : دعاني ابن زياد لاصلاح دار الامارة بالكوفة فبينما أنا اجصص الأبواب واذا بالزعقات قد ارتفعت من جميع الكوفة فاقبلت على أحد خدام القصر فقلت له :
«مالي أرى الكوفة تضج»
«الساعة يأتون برأس خارجي خرج على يزيد»
«من هذا الخارجي؟»
«الحسين بن علي»
«يقول : فتركت الخادم حتى خرج واخذت الطم على وجهي حتى خشيت على عينيّ أن تذهبا ، وغسلت يديّ من الجص ، وخرجت من القصر حتى أتيت الى الكناس فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرءوس اذ اقبل أربعون جملا تحمل النساء والاطفال ، واذا بعلي ابن الحسين على بعير بغير وطاء وأوداجه تشخب دما ، وهو يبكي ويقول :
يا أمة السوء لا سقيا لربعكم |
يا امة لم تراع جدنا فينا |
|
لو اننا ورسول اللّه يجمعنا |
يوم القيامة ما كنتم تقولونا |
|
تسيرونا على الاقتاب عارية |
كأننا لم نشيد فيكم دينا(1) |
__________________
(1) مقتل الحسين لعبد اللّه نور اللّه مخطوط
ويقول جذلم بن بشير : قدمت الكوفة سنة (61 هـ) عند مجيء علي ابن الحسين من كربلا الى الكوفة ومعه النسوة وقد أحاطت بهم الجنود وقد خرج الناس للنظر إليهم وكانوا على جمال بغير وطاء فجعلت نساء أهل الكوفة يبكين ويندبن ، ورأيت علي بن الحسين قد انهكته العلة ، وفي عنقه الجامعة ويده مغلولة الى عنقه(1) ، وهو يقول بصوت ضعيف :
ان هؤلاء يبكون وينوحون من أجلنا فمن قتلنا؟(2) وانبرت احدى سيدات الكوفة فسألت احدى السبايا وقالت لها :
«من أي الأسارى أنتن؟»
«نحن أسارى أهل البيت»
ولما سمعت بذلك المرأة صرخت ، وصرخت النسوة التي معها ، ودوى صراخهن في ارجاء الكوفة ، وبادرت المرأة فجمعت ما في بيتها من ازر ومقانع فجعلت تناولها الى العلويات ليتسترن بها عن أعين الناس(3) كما بادرت سيدة أخرى فجاءت بطعام وتمر وأخذت تلقيه على الصبية التي أضناها الجوع.
ونادت السيدة أم كلثوم من خلف الركب :
«ان الصدقة حرام علينا أهل البيت»
ولما سمعت الصبية مقالة العقيلة رمى كل واحد منهم ما في يده أو فمه من الطعام وراح يقول لصاحبه : إن عمتي تقول :
«إن الصدقة حرام علينا أهل البيت»
__________________
(1) أمالي الشيخ المفيد (ص 143) مخطوط
(2) مقتل الحسين لعبد اللّه
(3) مقتل الحسين لعبد اللّه
وحينما رأت السيدة زينب (ع) حفيدة الرسول (ص) وشقيقة الامام الحشود الزاخرة التي ملأت شوارع الكوفة وأزقتها ، اندفعت الى الخطابة لبلورة الموقف ، واظهار المصيبة الكبرى التي جرت على أهل البيت وتحميل الكوفيين مسئولية هذه الجريمة النكراء ، فهم الذين نقضوا العهد ، وخاسوا بالذمة ، فقتلوا ريحانة رسول اللّه (ص) ثم عادوا بعد قتله ينوحون ويبكون كأنهم لم يقترفوا هذا الاثم العظيم ، وهذا نص خطابها :
«الحمد للّه وصلواته على أبي محمد رسول اللّه (ص) وعلى آله الطاهرين الأخيار ، أما بعد : يا أهل الكوفة يا أهل الختل والخذل(1) أ تبكون؟!! فلا رقأت لكم دمعة(2) انما مثلكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا ، تتخذون ايمانكم دخلا بينكم الا بئس ما قدمت لكم انفسكم ان سخط اللّه عليكم وفي العذاب أنتم خالدون.
أتبكون وتنتحبون!! أي واللّه فابكوا كثيرا ، واضحكوا قليلا ، كل ذلك بانتهاككم حرمة ابن خاتم الأنبياء ، وسيد شباب أهل الجنة ، وملاذ حضرتكم ، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجتكم ومدرة سنتكم الا ساء ما تزرون ، وبعدا لكم ، وسحقا ، فلقد خاب السعي ، ونبت الأيدي وخسرت الصفقة وتوليتم بغضب اللّه ، وضربت عليكم الذلة والمسكنة.
أتدرون ويلكم يا أهل الكوفة؟ أي كبد لرسول اللّه (ص) فريتم وأي دم له سفكتم ، وأي حرمة له انتهكتم؟ لقد جئتم شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه ، وتنشق الأرض ، وتخر الجبال هدا!!
__________________
(1) وفي نسخة : الغدر
(2) وفي نسخة : فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة
لقد جئتم بها خرقاء شوهاء كطلاع الأرض ، وملء السماء ، افعجبتم ان مطرت السماء دما ولعذاب الآخرة أخزى ، وهم لا ينصرون فلا يستخفنكم المهل فانه لا يحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثار وان ربكم لبالمرصاد ...»(1) .
لقد قرعتهم بطلة كربلا ، بمنطق الصدق وصوت الحق ، ودلتهم على نفوسهم الخبيثة ، فلم تنخدع بدموعهم الكاذبة ، ولم ينطل عليها زورهم وبهتانهم ، ونعت عليهم جريمتهم النكراء التي هي أبشع جريمة وقعت في الأرض وقد وصفتهم بأخس الصفات التي توصف بها احط الشعوب فقد وصفتهم بالختل والغدر ، وهما مصدران لانحطاط الانسان وشقائه.
وعلقت سلام اللّه عليها على بكائهم فقالت : ان من حقهم أن يبكوا كثيرا ويضحكوا قليلا على عظيم ما اقترفوه من الأثم ، فقد قتلوا سيد شباب أهل الجنة وسليل خاتم النبوة ، والمنقذ والمحرر لهم ، وفروا كبد رسول اللّه (ص) وانتهكوا حرمته ، وسبوا عياله ، فأي جريمة أبشع أو افظع من هذه الجريمة؟
واضطرب الناس من خطاب سليلة النبوة وايقنوا بالهلاك ، وقد وصف خزيمة الأسدي مدى الأثر البالغ الذي أحدثه خطاب العقيلة يقول :
لم أر واللّه خفرة انطق منها كأنما تفرغ عن لسان الامام امير المؤمنين ورأيت الناس بعد خطابها حيارى واضعي أيديهم على افواههم ، ورأيت
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 387) نور الابصار للشبلنجيّ (ص 167).
شيخا قد دنا منها يبكي حتى اخضلت لحيته وهو يقول : بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونسلكم لا يبور ولا يخزى أبدا(1) الا ان الامام زين العابدين قطع على عمته خطابها قائلا :
«اسكني يا عمة ، فأنت بحمد اللّه عالمة غير معلمة ، وفهمة غير مفهمة ..»(2) .
فأمسكت عن الكلام ، وتركت المجتمع يمور بالأسى والحزن.
وانبرت الى الخطابة فاطمة بنت الامام الحسين (ع) فخطبت ابلغ خطاب واروعه ، وكانت طفلة ، فبهر الناس ببلاغتها وفصاحتها وقد أخذت بمجامع القلوب وتركت الناس حيارى قد بلغ بهم الحزن إلى قرار سحيق فقالت :
«الحمد للّه عدد الرمل والحصى ، وزنة العرش الى الثرى ، أحمده وأومن به ، وأتوكل عليه ، واشهد أن لا إله الا اللّه وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله وان اولاده ذبحوا بشط الفرات ، من غير ذحل ولا تراث.
اللهم إني أعوذ بك أن افتري عليك ، وان اقول عليك خلاف ما أنزلت من اخذ العهود والوصية لعلي بن أبي طالب ، المغلوب حقه ، المقتول من غير ذنب ـ كما قتل ولده بالأمس ـ في بيت من بيوت اللّه تعالى ، فيه معشر مسلمة بألسنتهم ، تعسا لرؤوسهم ، ما دفعت عنه ضيما
__________________
(1) نور الابصار (ص 176) الدر النظيم (ص 172)
(2) احتجاج الطبرسي
في حياته ، ولا عند مماته ، حتى قبضه اللّه تعالى إليه محمود النقيبة ، طيب العريكة ، معروف المناقب ، مشهور المذاهب ، لم تأخذه في اللّه سبحانه لومة لائم ، ولا عذل عاذل ، هديته اللهم للاسلام صغيرا ، وحمدت مناقبه كبيرا ، ولم يزل ناصحا لك ، ولرسولك ، زاهدا في الدنيا ، غير حريص عليها ، راغبا في الآخرة ، مجاهدا لك في سبيلك ، رضيته فاخترته وهديته الى صراط مستقيم.
أما بعد : يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء ، فانا أهل بيت ابتلانا اللّه بكم ، وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسنا ، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، فنحن عيبة علمه ، ووعاء فهمه ، وحكمته وحجته على الأرض في بلاده لعباده ، اكرمنا اللّه بكرامته ، وفضلنا بنبيه محمد (ص) على كثير ممن خلق اللّه تفضيلا فكذبتمونا وكفرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالا واموالنا نهبا ، كأننا أولاد ترك أو كابل ، كما قتلتم جدنا بالأمس ..
وسيوفكم تقطر من دمائنا اهل البيت ، لحقد متقدم ، قرت لذلك عيونكم وفرحت قلوبكم افتراء على اللّه ، ومكرا مكرتم ، واللّه خير الماكرين ، فلا تدعونكم انفسكم الى الجذل بما أصبتم من دمائنا ، ونالت أيديكم من أموالنا فان ما أصابنا من المصائب الجليلة ، والرزايا العظيمة في كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على اللّه يسير ، لكيلا تأسوا على ما فاتكم ، ولا تفرحوا بما أتاكم واللّه لا يحب كل مختال فخور.
تبا لكم فانظروا اللعنة والعذاب ، فكأن قد حل بكم ، وتواترت من السماء نقمات ، فيسحتكم بعذاب ، ويذيق بعضكم بأس بعض ، ثم تخالدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا ألا لعنة اللّه على الظالمين.
ويلكم أتدرون أية يد طاعتنا منكم ، واية نفس نزعت الى قتالنا ، أم بأية رجل مشيتم إلينا ، تبغون محاربتنا ، قست قلوبكم ، وغلظت أكبادكم
وطبع اللّه على افئدتكم ، وختم على سمعكم وبصركم ، وسول لكم الشيطان واملى لكم ، وجعل على بصركم غشاوة فأنتم لا تهتدون.
تبا لكم يا أهل الكوفة أي تراث لرسول اللّه قبلكم ، وذحول له لديكم بما عندتم بأخيه علي بن أبي طالب جدي وبنيه ، وعترته الطيبين الأخيار ، وافتخر بذلك مفتخركم :
قد قتلنا عليكم وبنيه |
بسيوف هندية ورماح |
|
وسبينا نساءهم سبي ترك |
ونطحناهم فأي نطاح |
بفيك أيها القائل الكثث والاثلب(1) افتخرت بقتل قوم زكاهم اللّه وطهرهم واذهب عنهم الرجس ، فاكظم وأقع كما أقعى ابوك فإنّما لكل امرئ ما اكتسب وما قدمت يداه.
حسدتمونا ويلا لكم على ما فضلنا اللّه تعالى ، ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم ، ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور ...)(2) .
وتحدثت سليلة النبوة والامامة في خطابها العظيم عن أمور بالغة الأهمية وهي :
1 ـ انها عرضت لمحنة جدها الامام امير المؤمنين رائد الحق والعدالة في الأرض ، وما عاناه من المحن والمصاعب حتى استشهد في بيت من بيوت اللّه ، ولم يدفع عنه المجتمع الكوفي ولم يقف إلى جانبه وانما تركوه وحده يصارع الاهوال حتى قبضه اللّه إليه وهو جم المناقب ، محمود النقيبة طيب العريكة ، قد اصطفاه اللّه ، وخصه بالفضائل والمواهب.
__________________
(1) الكثث : التراب ، الأثلب : فتات الحجارة والتراب
(2) اللهوف لابن طاوس ، ومثير الأحزان لابن نما ، مقتل الحسين لعبد اللّه.
2 ـ وتحدثت عن محنة أهل البيت ، بذلك المجتمع ، فانهم سلام اللّه عليهم بحكم قيادتهم الروحية للأمة ، فانهم مسئولون عن حمايتها ، ولكن الأمة قد جانبت الحق ، فسفكت دماءهم وانتهكت حرمتهم فما اجل رزيتهم واعظم بلاءهم.
3 ـ شجبت الاعتداء الصارخ على أهل البيت ، ووصفت المعتدين القساة بأبشع الصفات ، ودعت اللّه أن ينزل عليهم نقمته وعذابه الأليم.
وأثر الخطاب تأثيرا بالغا في نفوس المجتمع فقد وجلت منه القلوب وفاضت العيون ، واندفع الناس ببكاء قائلين :
«حسبك يا بنة الطاهرين ، فقد أحرقت قلوبنا ، وانضجت نحورنا وأضرمت أجوافنا»(1) .
وأمسكت عن الكلام وتركت الجماهير في محنتها وشقائها تصعد الآهات وتبدي الحسرات وتندب حظها التعيس على عظيم ما اقترفت من الاثم.
وانبرت حفيدة الرسول (ص) السيدة أم كلثوم إلى الخطابة فأومأت إلى الناس بالسكوت فلما سكنت الأنفاس بدأت بحمد اللّه والثناء عليه ثم قالت :
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 392)
«مه يا أهل الكوفة. تقتلنا رجالكم ، وتبكينا نساؤكم فالحاكم بيننا وبينكم اللّه يوم فصل الخطاب.
يا أهل الكوفة سوأة لكم ، ما لكم خذلتم حسينا وقتلتموه ، وانتهبتم أمواله ، وسبيتم نساءه ونكبتموه فتبا لكم وسحقا. ويلكم اتدرون أي دواه دهتكم ، وأي وزر على ظهوركم حملتم!! وأي دماء سفكتم ، واي كريمة اصبتموها ، وأي صبية اسلمتموها ، وأي أموال انتهبتموها ، قتلتم خير الرجالات بعد النبي (ص) ونزعت الرحمة من قلوبكم الا ان حزب اللّه هم المفلحون وحزب الشيطان هم الخاسرون».
واضطرب المجتمع من خطابها فنشرت النساء شعورهن ولطمن الخدود ولم ير اكثر باك ولا باكية مثل ذلك اليوم(1) :
وانبرى إلى الخطابة الامام زين العابدين فقال بعد حمد اللّه والثناء عليه :
«أيها الناس ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أنا ابن من انتهكت حرمته ، وسلبت نعمته ، وانتهب ماله ، وسبي عياله ، انا ابن المذبوح بشط الفرات من غير ذحل ولا ترات أنا ابن من قتل صبرا وكفى بذلك فخرا.
أيها الناس ناشدتكم اللّه هل تعلمون أنكم كتبتم الى أبي وخدعتموه ، واعطيتموه من انفسكم العهود والميثاق والبيعة وقاتلتموه ، فتبا لكم لما قدمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم ، بأية عين تنظرون الى رسول اللّه؟ إذ يقول لكم :
__________________
(1) اللهوف لابن طاوس ، ويذهب السيد المقرم وغيره الى أن السيدة أم كلثوم هي العقيلة زينب (ع).
قتلتم عترتي وانتهكتم حرمتي فلستم من أمتي».
وعلت الأصوات بالبكاء ، ونادى مناد منهم
«هلكتم وما تعلمون»
واستمر الامام في خطابه فقال :
«رحم اللّه امرأ قبل نصيحتي وحفظ وصيتي في اللّه وفي رسوله وأهل بيته ، فان لنا في رسول اللّه (ص) اسوة حسنة».
فهتفوا جميعا قائلين بلسان واحد :
«نحن يا ابن رسول اللّه سامعون مطيعون حافظون لذمامك ، غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك ، فمرنا بأمرك يرحمك اللّه ، فانا حرب لحربك ، وسلم لسلمك نبرأ ممن ظلمك وظلمنا».
ورد الامام عليهم هذا الولاء الكاذب قائلا :
«هيهات ، هيهات ، أيتها الغدرة المكرة حيل بينكم وبين شهوات انفسكم ، أتريدون ان تأتوا إلي كما اتيتم إلى ابي من قبل ، كلا ورب الراقصات ، فان الجرح لما يندمل ، قتل ابي بالأمس واهل بيته ، ولم ينس ثكل رسول اللّه (ص) وثكل ابي وبني ابي ، إن وجده واللّه لبين لهاتي ومرارته بين حناجري وحلقي وغصة تجري في فراش صدري»(1) .
وأمسك الامام عن الكلام معرضا عن اولئك الغدرة الفجرة الذين سودوا وجه التأريخ بتناقضهم في سلوكهم فقد قتلوا الامام ثم راحوا يبكون عليه.
__________________
(1) مثير الأحزان لابن نما ، واللهوف
وادخلت بنات رسول اللّه (ص) وهن في اسر الذل على ابن مرجانة سليل الارجاس والخيانة وهو في قصر الامارة وقد امتلأ القصر بالسفكة المجرمين من جنوده وهم يهنئونه بالظفر ويحدثونه ببطولاتهم المفتعلة في يوم الطف وهو جذلان مسرور يهز اعطافه فرحا ، وبين يديه رأس ريحانة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، فجعل الخبيث يعبث به وينكته بمخصرته وهو يقول متشمتا :
«ما رأيت مثل هذا الوجه قط!!»
ولم ينه كلامه حتى سدد له الصحابي انس بن مالك سهما من منطقه فقال له :
«انه كان يشبه النبي»(1)
والتاع الخبيث من كلامه ، وكان في المجالس رجل من بكر بن وائل يقال له جابر فانتفض وهو يقول :
«للّه علي ان لا اصيب عشرة من المسلمين خرجوا عليك الا خرجت معهم»(2) .
ولما روى ابن مرجانة احقاده من رأس الامام التفت الى عائلة الحسين فرأى امرأة منحازة في ناحية من مجلسه وعليها ارذل الثياب وقد حفت
__________________
(1) انساب الاشراف ق 1 ج 1
(2) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 98)
بها المهابة والجلال مما حمل ابن زياد على السؤال عنها فقال :
«من هذه التي انحازت ناحية ومعها نساؤها؟»
فاعرضت عنه ، وكرر السؤال مرتين فلم تجبه استهانة به واحتقارا لشأنه ، فانبرت احدى السيدات فقالت له :
«هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول اللّه (ص)».
فالتاع الخبيث الدنس من احتقارها له واندفع يظهر شماتته بلسانه الألكن قائلا :
«الحمد للّه الذي فضحكم وقتلكم ، وابطل أحدوثتكم»
فتارت حفيدة الرسول (ص) بشجاعة محتقرة ذلك الوضر الخبيث وصاحت به :
«الحمد للّه الذي أكرمنا بنبيه ، وطهرنا من الرجس تطهيرا ، انما يفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا يا ابن مرجانة»(1) .
لقد قالت هذا القول الصارم وهي والخفرات من آل محمد (ص) في قيد الأسر وقد نصبت فوق رءوسهن حراب الفاتحين ، وشهرت عليهن سيوف الشامتين وقد انزلت الطاغية من عرشه الى قبره ، واطاحت بغلوائه ، وعرفته أمام خدمه وأتباعه أنه المفتضح والمنهزم فقال ابن مرجانة متشفيا بأحط وأخس ما يكون التشفي :
«كيف رأيت فعل اللّه بأخيك؟»
وانطلقت عقيلة بني هاشم ببسالة وصمود فأجابته بكلمات الظفر والنصر لها ولأسرتها قائلة :
«ما رأيت الا جميلا ، هؤلاء قوم كتب اللّه عليهم القتل فبرزوا الى مضاجعهم ، وسيجمع اللّه بينك وبينهم فتحاج وتخاصم فانظر لمن الفلج
__________________
(1) تأريخ الطبري 6 / 263
يومئذ ثكلتك امك يا بن مرجانة» :
وفقد الحقير اهابه من هذا التبكيت الموجع ، والتعريض المقذع ، وتميز غيظا وغضبا ، وهمّ أن ينزل بها عقوبته فنهاه عمرو بن حريث ، وقال له : انها امرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها ، فالتفت إليها قائلا :
«لقد شفى اللّه قلبي من طاغيتك ، والعصاة المردة من أهل بيتك» وغلب على العقيلة الحزن والأسى من هذا التشفي ، والجرأة عليها ، وقد تذكرت الصفوة الأبطال من أهل بيتها الذين سقطوا في ميادين الجهاد فادركتها لوعة الاسى فقالت :
«لعمري لقد قتلت كهلي وأبدت أهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي فان يشفك هذا فقد اشتفيت»
وتهافت ابن مرجانة وسكن غيظه وراح يقول :
«هذه سجاعة. لعمري لقد كان أبوها سجاعا شاعرا»
فردت عليه زينب : ان لي عن السجاعة لشغلا ما للمرأة والسجاعة(1)
ما الأم هذه الحياة وما اخسها التي جعلت ربيبة الوحي أسيرة عند ابن مرجانة وهو يبالغ في احتقارها وتوهينها.
ان كان عندك يا زمان بقية مما يضام به الكرام فهاتها
وادار الطاغية بصره في بقية آل البيت (ع) فرأى الامام زين العابدين وقد انهكته العلة فسأله :
«من أنت؟»
__________________
(1) المنتظم 5 / 98
«علي بن الحسين»
«أولم يقتل اللّه علي بن الحسين؟»
فاجابه الامام بأناة :
«كان لي أخ يسمى عليا قتلتموه ، وان له منكم مطالبا يوم القيامة»(1) .
فثار ابن زياد في وقاحة وصلف وصاح بالامام :
«اللّه قتله»
فأجابه الامام بكل شجاعة وثبات :
«اللّه يتوفى الأنفس حين موتها ، وما كان لنفس أن تموت إلا باذن اللّه».
ودارت الأرض بابن زياد ، واخذته عزة الاثم فقد غاظه أن يتكلم هذا الغلام الأسير بهذه الطلاقة وقوة الحجة ، والاستشهاد بالقرآن ، فصاح به.
«وبك جرأة على رد جوابي!! وفيك بقية للرد علي!!»
وصاح الرجس الخبيث بأحد جلاديه :
«خذ هذا الغلام ، واضرب عنقه»
وطاشت احلام السيدة زينب ، وانبرت بشجاعة لا يرهبها سلطان فأخذت الامام فاعتنقته وقالت لابن مرجانة :
«حسبك يا بن زياد من دمائنا ما سفكت ، وهل ابقيت احدا غير هذا ، فان أردت قتله فاقتلني معه».
وانخذل الطاغية ، وقال متعجبا :
__________________
(1) الحدائق الوردية 1 / 128
«دعوه لها ، يا للرحم ودّت أنها تقتل معه»(1)
ولو لا موقف العقيلة لذهبت البقية من نسل الامام الحسين (ع) التي هي مصدر الخير والفضيلة في الأرض ، وروى الجاحظ ان ابن مرجانة قال لاصحابه في علي بن الحسين :
«دعوني اقتله فانه بقية هذا النسل ـ يعني نسل الحسين ـ فاحسم به هذا القرن ، واميت به هذا الداء ، واقطع به هذه المادة»(2) .
الا انهم اشاروا عليه بعدم التعرض له ، معتقدين أن ما الم به من الأمراض سوف تقضي عليه وقد انجاه اللّه منهم بأعجوبة.
وتخدرت جماهير الكوفة تحت ضغط هائل من الارهاب والعنف ، حتى تغيرت الأوضاع العامة تغيرا كليا ، فلم تعد الكوفة كما كانت مسرحا للتيارات السياسية ، ومركزا للجبهة المعارضة ، فقد قبعت بالذل ، والهوان وسرت في اوردتها اوبثة الخوف.
من يستطيع ان يتكلم والجو ملبد بالمخاوف ، فرأس زعيم الأمة وقائدها الأعلى على الحراب ، وعقائل الرسالة سبايا في المصر ، فلم يعد في مقدور اي احد ان يتلفظ بحرف واحد فكمت الأفواه ، واخرست الألسن وملئت السجون بالرؤوس والضروس ، واستسلم الجميع لحكم ابن مرجانة ، وقد جاء الطاغية مزهوا الى الجامع الأعظم حيث عقد فيه اجتماعا عاما حضرته القوات المسلحة وسائر ابناء الشعب فاعتلى المنبر مظهرا فرحته
__________________
(1) تأريخ ابن الاثير 3 / 27
(2) رسائل الجاحظ
الكبرى بهذا النصر الكاذب ، فقال ـ ويا لهول ما قال ـ :
«الحمد للّه الذي اظهر الحق وأهله ، ونصر امير المؤمنين يزيد وحزبه ، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته».
لقد قال هذه الكلمات في مجتمع عرف عدل علي وصدقه وخبر سيرة ولده الامام الحسين فرآها مشرقة بالحق والصدق ، ولو قال ذلك في الشام أو في اقليم آخر لعل له وجها الا انه قال ذلك في الكوفة التي هي عاصمة اهل البيت ولم يتم الخبيث كلماته حتى انبرى إليه البطل الثائر عبد اللّه ابن عفيف الأزدي الغامدي ، وكان ضريرا ذهبت احدى عينيه يوم الجمل والأخرى بصفين مع الامام امير المؤمنين وكان لا يفارق المسجد يتعبد فيه فصاح فيه :
«يا ابن مرجانة الكذاب ابن الكذاب أنت وابوك ، والذي ولاك وابوه ، يا بن مرجانة ، أتقتلون أولاد النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين»(1)
وطاش لب الطاغية فقد كانت هذه الكلمات كالصاعقة على رأسه فصاح بأعلى صوته كالكلب المسعور :
«من هذا المتكلم»
«أنا المتكلم يا عدو اللّه أتقتلون الذرية الطاهرة التي اذهب اللّه عنهم الرجس ، وتزعم انك على دين الاسلام ، وا غوثاه اين أولاد المهاجرين والانصار لينتقموا من طاغيتك اللعين ابن اللعين على لسان محمد رسول رب العالمين».
وتبدد جبروت الطاغية ، وذهبت نشوة افراحه ، وعلا الضجيج وتتطلع الناس من جميع جنبات المسجد لتنظر الى القائل الذي ترجم ما في
__________________
(1) انساب الاشراف ق 1 ج 1
عواطفهم فقد كانت هذه الصيحة اول رد علني على السلطة في قتلها لريحانة الرسول.
وصاح ابن زياد بعنف ، وقد امتلأ غضبا
«علي به»
فبادرت إليه الجلاوزة لتختطفه ، فنادى ابن عفيف بشعار اسرته.
«يا مبرور»
وكان في المجالس من الأزد سبع مائة ، فوثبوا إليه ، وانقذوه من ايدي الجلاوزة وجاءوا به الى منزله(1) ، وقال له عبد الرحمن بن مخنف الأزدي منددا به :
«ويح غيرك لقد اهلكت نفسك وعشيرتك»(2)
والتاع ابن زياد ، واضطرب ، فقد فتح عليه عبد اللّه باب المعارضة واطاح بهيبة الحكم ، ثم نزل من المنبر مغضبا ودخل القصر وتسابق الاشراف والعرفاء إليه فقال :
«أما رأيتم ما صنع هؤلاء»
«نعم»
واصدر اوامره الى اهل اليمن ، والى من كان معه بالقاء القبض على ابن عفيف ، واشار عليه عمرو بن الحجاج بحبس كل من كان في المسجد من الأزد فحبسوا ، ثم التحم اهل اليمن مع الأزد التحاما شديدا ، وجرت بينهم اعنف المعارك ، فقال ابن زياد لبعض شرطه انطلق ، وانظر ما بينهم فخف إليهم فرأى الحرب قائمة ، فقالوا له :
__________________
(1) انساب الأشراف ج 1 ق 1
(2) رياض الاحزان (ص 57)
«قل للأمير : إنك لم تبعثنا الى نبط الجزيرة ، ولا جرامقة الموصل انما بعثتنا الى الأزد اسود الأجم ليسوا بيضة تحس ، ولا حرملة(1) توطأ ..».
وقتل من الازد عبد اللّه بن حوزة الوالبي ، ومحمد بن حبيب ، وكثرت القتلى من الجانبين الا ان اليمانية قد قويت على الأزد فصاروا الى حصن في ظهر دار ابن عفيف فكسروه ، واقتحموه ، وهجموا عليه فبقى وحده فناولته ابنته سيفا فجعل يذب به عن نفسه(2) وهو يرتجز ويقول :
انا ابن ذي الفضل العفيف الطاهر |
عفيف شيخي وابن أم عامر |
|
كم دارع من جمعكم وحاسر |
وبطل جندلته مغاور |
وكانت ابنته تخاطبه بذرب روحها قائلة :
«ليتني كنت رجلا اذب بين يديك هؤلاء الفجرة قاتلي العترة البررة»
واخذت ابنته تدله على المحاربين له فتقول له : «يا ابت اتاك القوم من جهة كذا» وتكاثروا عليه ، واحاطوا به من كل جانب ، فألقوا القبض عليه ، وانطلقوا به الى ابن زياد وهو يقول في طريقه :
أقسم لو يفسح لي عن بصري شق عليكم موردي ومصدري(3)
ولما مثل بين يدي الطاغية اسرع الخبيث إليه قائلا :
«الحمد للّه الذي أخزاك»
فاجابه ابن عفيف ساخرا منه ومحتقرا له
«بما ذا اخزاني؟»
__________________
(1) الحرملة : نبات حبه كالسمسم
(2) (3) انساب الاشراف ج 1 ق 1
واراد ابن مرجانة ان يستحل دمه فسأله عن عثمان لعله أن ينتقصه فيتخذ من ذلك وسيلة الى اباحة دمه فقال له :
«ما تقول في عثمان؟»
وسدد له البطل العظيم سهاما من منطقه الفياض فقال له :
«ما أنت وعثمان أساء أم احسن ، اصلح أم افسد ، ان اللّه تعالى ولي خلقه يقضي بينهم وبين عثمان بالعدل والحق ، ولكن سلني عن أبيك وعنك ، وعن يزيد وأبيه».
ورأى الطاغية أنه امام بطل صعب المراس ، فقال له :
«لا سألتك عن شيء ، او تذوق الموت غصة بعد غصة»
وانبرى إليه ابن عفيف قائلا :
«الحمد للّه رب العالمين ، أما اني كنت اسأل ربي أن يرزقني الشهادة من قبل ان تلدك امك ، وسألت اللّه ان يجعلها على يدي العن خلقه ، وابغضهم إليه ، ولما كف بصري يئست من الشهادة أما الآن والحمد للّه الذي رزقنيها بعد اليأس ، وعرفني الاجابة في قديم دعائي»(1) .
والتاع الخبيث فأمر جلاديه بضرب عنقه ، وصلبه بالسبخة ففعلوا ذلك(2) .
وانتهت حياة هذا البطل العظيم الذي وهب حياته للّه ، فقاوم المنكر وناهض الجور ، وقال كلمة الحق في احلك الظروف واقساها.
__________________
(1) اللهوف (ص 92) مقتل الخوارزمي 2 / 53
(2) انساب الأشراف ج 1 ق 1
كان ابن معقل من المشتركين في ثورة ابن عفيف ، فجيء به مخفورا الى ابن زياد فاصدر امرا بالعفو عنه ، وقال له : قد تركناك لابن عمك سفين بن عوف فانه خير منك(1) .
وامر الطاغية بالقاء القبض على جندب بن عبد اللّه الأزدي ، وهو من اسرة عبد اللّه بن عفيف وكان من خيار الشيعة ومن اصحاب الامام امير المؤمنين وجاءت به الشرطة مخفورا فلما مثل عنده صاح به.
«الست صاحب أبي تراب في صفين؟»
فلم يحفل به البطل العظيم وقال له :
«نعم ، واني لأحبه ، وافتخر به ، وامقتك واباك ، لا سيما الآن ، وقد قتلت سبط رسول اللّه وصحبه واهله ، ولم تخف من العزيز الجبار المنتقم ..».
وثار ابن مرجانة ، وقال له :
«إنك لأقل حياء من ذلك الأعمى ـ يعني ابن عفيف ـ وإني ما اراني الا متقربا الى اللّه بدمك».
«إذا لا يقربك اللّه»
__________________
(1) انساب الاشراف ج 1 ق 1
وخاف الطاغية من أسرته فخلى عنه ، وقال : إنه شيخ ذهب عقله وخرف(1) .
وحضر قيس بن عباد في مجلس الطاغية ، فقال له أمام جلاوزته :
«ما تقول في وفي الحسين؟»
«اعفني ..»
«لتقولن»
«يجيء أبوه يوم القيامة فيشفع له ، ويجيء أبوك فيشفع لك»
واستشاط ابن زياد غضبا فصاح به :
«قد علمت غشك وخبثك ، لئن فارقتني يوما لأضعن بالأرض اكثرك شعرا»(2) .
وفرض عليه الرقابة والاقامة الجبرية في الكوفة
وأمر سليل الخيانة والغدر ابن مرجانة بتقوير رأس الامام (ع)
__________________
(1) انساب الاشراف ق 1 ج 1
(2) عيون الأخبار لابن قتيبة 2 / 197 ، وجاء في وفيات الأعيان 5 / 395 ان عبيد اللّه بن زياد قال لحارثة بن بدر العدواني : ما تقول في وفي الحسين يوم القيامة؟ قال : يشفع له أبوه وجده ، ويشفع لك أبوك وجدك فاعرف من هنا ما تريد.
فتحاماه الناس ، ولم يجسر أحد الى الاقدام عليه سوى طارق بن مبارك(1) فاخذ الرأس الشريف ومثل به وقطع منه بعض الأجزاء فقام عمرو بن حريث فقال لابن زياد.
«قد بلغت حاجتك من هذا الرأس ، فهب لي ما القيت منه».
«وما تصنع به؟»
«اواريه»
فسمح له بذلك فاخذ القطع من رأس الامام ولفها في خرقة ودفنها في داره التي تعرف بدار عمرو بن حريث(2) .
وأمر ابن مرجانة أن يطاف برأس الامام في جميع شوارع الكوفة وازقتها(3) وكان المنادي ينادي «قتل الكذاب ابن الكذاب»(4) وقد أراد بذلك اعلان النصر واذلال شيعة الامام ، ولم يدر في خلده انه قد أوسع المجال بذلك لنشر دعوة الامام واتمام رسالته فقد كان رأس الامام يوحي للمسلمين كيف يجب أن تعلو كلمة الحق ، وكيف تصان رسالة الاسلام.
__________________
(1) طارق بن مبارك : جد أبي علي كاتب عبد اللّه بن خاقان وزير المتوكل.
(2) مرآة الزمان في تواريخ الاعيان (ص 97) مرآة الجنان 1 / 135
(3) الدر النظيم (ص 17) مقتل الحسين لعبد اللّه
(4) التأريخ السياسي للدولة العربية 2 / 76
وعلى أي حال فقد طيف برأس ريحانة رسول اللّه (ص) أمام أولئك الذين يدعون الاسلام ولم يهبوا للأخذ بثأره يقول دعبل الخزاعي :
رأس ابن بنت محمد ووصيه |
يا للرجال على قناة يرفع |
|
والمسلمون بمنظر وبمسمع لا |
جازع من ذا ولا متخشع |
لقد تخدر المسلمون بشكل رهيب ففقدوا ذاتياتهم ، واصبحوا اعصابا رخوة خالية من الشعور والاحساس.
وأمر الطاغية ابن مرجانة بحبس عقائل الوحي ومخدرات الرسالة ، ولما جيء بهن الى السجن كانت الشوارع مكتظة بالرجال والنساء ، وهن يضربن الوجوه ويبكين أمر البكاء ـ حسبما يقول الامام زين العابدين ـ وادخلت بنات رسول اللّه (ص) الى السجن وقد ضيق عليهن أشد التضييق ، وقد رفضت حفيدة الرسول (ص) ان تقابلها أي امرأة حرة وقالت :
«لا تدخل علينا الا أم ولد أو مملوكة فانهن سبين وقد سبينا»
والقي على بنات رسول اللّه (ص) حجر قد ربط فيه كتاب جاء فيه ان البريد قد سار بامركم الى يزيد فان سمعتم التكبير فايقنوا بالهلاك وان لم تسمعوا بالتكبير فهو الامان ، وحددوا لمجيء الكتاب وقتا ، وذعرت النساء كأشد ما يكون الذعر ، وقبل قدوم البريد بيومين القي عليهم حجر آخر فيه كتاب جاء فيه «اوصوا واعاهدوا فقد قارب وصول البريد» وبعد انتهاء المدة جاء أمر يزيد بحمل الأسرى الى دمشق(1) وتنص بعض
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 298
المصادر أن يزيد كان عازما على استئصال جميع نسل الامام امير المؤمنين الا انه بعد ذلك عدل عن نيته وعفا عنهم(1) .
واختطف بعض الكوفيين الامام زين العابدين واخفاه في داره ، وجعل يكرمه ويحسن إليه ، وكان كلما دخل عليه يجهش بالبكاء فظن الامام به خيرا الا انه لم تمض الا فترة يسيرة من الزمن حتى نادى منادي ابن زياد من وجد علي بن الحسين واتى به فله ثلاث مائة درهم فلما سمعه الكوفي اسرع الى الامام فجعل في عنقه حبلا وربط يديه بالحبل وسلمه إليهم واخذ الدراهم(2) وهذه البادرة الغريبة تعطينا صورة عن مدى تهالك ذلك المجتمع على المادة وتفانيه في الحصول عليها بأي طريق كان.
وندم الخبيث الدنس عمر بن سعد كأشد ما يكون الندم على اقترافه لتلك الجريمة النكراء وقد سأله بعض خواصه عند رجوعه من كربلا عن حاله فقال :
«ما رجع احد إلى أهله بشر مما رجعت به أطعت الفاجر الظالم ابن زياد ، وعصيت الحكم العدل ، وقطعت القرابة الشريفة وارتكبت
__________________
(1) الوافي 3 / 298
(2) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 98) المنتظم الجزء الخامس.
الأمر العظيم»(1) .
وما ذا يفيده الندم بعد ما سفك دماء العترة الطاهرة ، وقطع أواصر القربى التي أمر اللّه بمودتها.
وتعرض ابن زياد لحملة انتقادية واسعة النطاق من جميع الأوساط ، وقد رام أن يجعل تبعة ذلك على ابن سعد فهو المسئول عن اقتراف هذه الجريمة دونه ، فبعث خلفه وقال له :
ـ علي بالكتاب
ـ مضيت لأمرك وضاع الكتاب
ـ لتجيئني به
ـ بعثته واللّه ليقرأ على عجائز قريش اعتذارا إليهن ، أما واللّه لقد نصحتك في الحسين نصيحة لو نصحتها أبي سعد بن أبي وقاص لكنت قد أديت حقه وكان في المجالس عثمان بن زياد فقال لاخيه عبيد اللّه :
«صدق واللّه لوددت أنه ليس من بني زياد رجل الا وفي أنفه خزامة الى يوم القيامة وان الحسين لم يقتل».
وسكت الطاغية ولم يجبه بشيء(2) أما الكتاب الذي بعثه ابن سعد الى يثرب ليتقي به اللعنات التي تنصب عليه ، ويحمل الذنب على أميره وسيده ابن مرجانة فهذا نصه :
__________________
(1) الأخبار الطوال (ص 271) سير اعلام النبلاء 3 / 203 ، أنساب الأشراف ق 1 ج 1.
(2) المنتظم 5 / 98 ، الطبري 6 / 268.
«من عبيد اللّه بن زياد إلى عمر بن سعد ، أما بعد : فاني لم ابعثك الى حسين لتكف عنه ، ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء ، ولا لتقعد له عندي شافعا ، انظر فان نزل حسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم الي سلما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم ، وتمثل بهم فانهم لذلك مستحفون ، فان قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره فانه عاق شاق قاطع ظلوم فان أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أنت أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر فانا قد أمرناه بأمرنا»(1) .
وندد بالطاغية بقتله لريحانة رسول اللّه (ص) القريب والبعيد وفيما يلي بعضهم.
وسخطت مرجانة على ولدها الباغي الأثيم على اقترافه لهذه الجريمة النكراء فقالت له.
«يا خبيث قتلت ابن رسول اللّه ، واللّه لا رأيت وجه اللّه أبدا»(2)
__________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 269
(2) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 98) تذهيب التهذيب 1 / 156 ، تهذيب التهذيب 2 / 357.
وأنكر على الطاغية أخوه عثمان بن زياد وقال له : «واللّه لوددت انه ليس من بني زياد رجل الا وفي انفه خزامة الى يوم القيامة وان الحسين لم يقتل»(1) .
وممن نقم على ابن مرجانة معقل بن يسار فقد انتقده انتقادا لاذعا ، وندد به وهجره. لقد كان قتل الامام من الأحداث الجسام التي اهتز من هولها العالم الاسلامي ، وقد استعظمه المسلمون كأشد ما يكون الاستعظام ، فقد انتهكت فيه حرمة الرسول (ص) التي هي اولى بالرعاية والعطف من كل شيء.
وأنكر الناس على ابن سعد جريمته النكراء ، فبغضوه ونبذوه ، وكان كلما مر على ملأ من الناس لعنوه واذا دخل الجامع خرجوا منه(2) .
وأحدث قتل الامام استياء شاملا في جميع الأوساط يقول الحصين ابن عبد الرحمن السلمي لما جاءنا قتل الحسين مكثنا ثلاثة أيام كأن وجوهنا
__________________
(1) الطبري 6 / 268
(2) مرآة الزمان (ص 68)
قد طليت رمادا(1) ويقول هبيرة بن خزيمة اخبرت الربيع بن خثيم بقتل الحسين فتغير وقرأ قوله تعالى : «اَللّٰهُمَّ فٰاطِرَ اَلسَّمٰاوٰاتِ واَلْأَرْضِ عٰالِمَ اَلْغَيْبِ واَلشَّهٰادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبٰادِكَ فِي مٰا كٰانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ »(2) ثم قال :
«لقد قتلوا فتية لو رآهم رسول اللّه (ص) لاحبهم وأطعمهم بيده واجلسهم على فخذه»(3) .
واخبر الحسن البصري بقتل الحسين فبكى حتى اختلج جنباه وقال :
«واذلاه لأمة قتل ابن دعيها ـ يعني ابن مرجانة ـ ابن نبيها(4) واللّه لينتقمن له جده وأبوه من ابن مرجانة» وقال عمرو بن بعجة :
«أول ذل دخل على العرب قتل الحسين وادعاء زياد»(5) .
لقد التاع المسلمون كاشد ما يكون الالتياع حزنا وألما على قتل ريحانة رسول اللّه (ص) وبكوا أمر البكاء فكان الامام الشافعي يبكي اشد البكاء ويتلو هذه الأبيات :
تأوب همي والفؤاد كثيب |
وارق عيني والرقاد غريب |
|
ومما نفى نومي وشيب لمتي |
تصاريف أيام لهن خطوب |
|
تزلزلت الدنيا لآل محمد |
وكادت لها صم الجبال تذوب |
|
فمن مبلغ عني الحسين رسالة |
وان كرهتها أنفس وقلوب |
|
قتيل بلا جرم كأن قميصه |
صبيغ بماء الارجوان خضيب |
__________________
(1) تهذيب التهذيب 2 / 382
(2) طبقات ابن سعد 6 / 190
(3) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 94)
(4) تفسير المطالب في أمالي أبي طالب (ص 289)
(5) مجمع الزوائد 9 / 196 ، المعجم الكبير 1 / 141
صلي على المختار من آل هاشم |
وتنزى بنيه ان ذا لعجيب |
|
لئن كان ذنبي حب آل محمد |
فذلك ذنب لست منه أتوب |
|
هم شفعائي يوم حشري وموقفي |
وحبهم للشافعي ذنوب(1) |
وقد اجتاز الشاعر ابن الهبارية بكربلاء فجعل يبكي على الحسين وأهله ونظم هذه الأبيات :
أحسين والمبعوث جدك بالهدى |
قسما يكون الحق عنه مسائلي |
|
لو كنت شاهد كربلا لبذلت في |
تنفيس كربك جاهد بذل الباذل |
|
وسقيت حد السيف من اعدائكم |
عللا وحد السمهري الذابل |
|
لكنني اخرت عنك لشقوتي |
فبلا بلي بين اللوي وبابل |
|
هبني حرمت النصر من اعدائكم |
فاقل من حزني حزن ودمعي سائل |
يقول المؤرخون انه نام في مكانه فرأى رسول اللّه (ص) في منامه وقال له : جزاك اللّه عني خيرا فابشر فان اللّه قد كتبك ممن جاهد بين يدي الحسين(2) .
وندم أهل الكوفة كاشد ما يكون الندم ألما وحزنا على ما اقترفوه من عظيم الاثم ، فهم الذين ألحوا على الامام بوفودهم ورسائلهم بالقدوم إليهم فلما وافاهم خذلوه وقتلوه ، وممن اظهر الندم منهم.
وندم على تركه لنصرة الامام البراء بن عازب ، فقد قال له الامام
__________________
(1) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 94)
(2) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 94)
امير المؤمنين (ع) :
«أيقتل الحسين وأنت حي فلا تنصره؟»
«لا كان ذلك يا أمير المؤمنين»
ولما قتل الامام كان البراء يذكر قول الامام له وهو يتحسر ويقول :
اعظم بها حسرة اذ لم أشهده ولم اقتل دونه(1) .
وكان المسيب بن نجبة من أشد الناس حسرة علي عدم شهادته بين يدي ريحانة رسول اللّه (ص) ، وقد اعلن ندمه في خطابه الذي القاه على جموع التوابين فقد جاء فيه :
«فقد كنا مغرمين بتزكية انفسنا فوجدنا اللّه كاذبين في كل موطن من مواطن ابن بنت نبيه (ص) وقد بلغنا قبل ذلك كتبه ورسله ، واعذر إلينا ، فسألنا نصره عودا وندا وعلانية ، فبخلنا عنه بأنفسنا حتى قتل الى جانبنا ، لا نحن نصرناه بأيدينا ولا جادلنا عنه بألسنتنا ، ولا قويناه بأموالنا ولا طلبنا له النصرة الى عشائرنا فما عذرنا عند ربنا ، وعند لقاء نبينا ، وقد قتل فينا ولد حبيبه ونسله ، لا واللّه لا عذر دون أن تقتلوا قاتله والمؤلبين عليه أو تقتلوا في طلب ذلك فعسى ربنا أن يرضى عنا عند ذلك ولا أنا بعد لقائه لعقوبته بآمن»(2) .
وقد صورت هذه الكمات مدى الأسى والحزن في نفس المسيب على ما فاته من شرف التضحية مع الامام.
__________________
(1) شرح النهج 10 / 14 ـ 15
(2) تأريخ ابن الأثير 3 / 332
وممن حزن أعمق الحزن على تركه لنصرة الامام سليمان بن صرد فقد أخذ الألم يحز في نفسه وقد خطب في أصحابه من التوابين وقال في جملة خطابه :
«إنا كنا نمد اعناقنا الى قدوم آل بيت نبينا محمد (ص) نمنيهم النصر ونحثهم على القدوم فلما قدموا ونينا وعجزنا وأدهنا وتربصنا حتى قتل فينا ولد نبينا وسلالته وعصارته ، وبضعة من لحمه ودمه ، إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطى اتخذه الفاسقون غرضا للنبل ودريئة للرماح حتى اقصدوه وعدوا عليه فسلبوه»(1) .
ومن أشد النادمين حسرة واعظمهم أسى عبد اللّه بن الحر الجعفي الذي قصده الامام وطلب منه النصرة فبخل بنفسه ، وقد أخذته خلجات حادة من تأنيب الضمير على تركه لنصرته ، وقد نظم أساه وحزنه بهذه الأبيات :
فيا لك حسرة ما دمت حيا |
تردد بين صدري والتراقي |
|
غداة يقول لي بالقصر قولا |
أتتركنا وتزمع بالفراق |
|
حسين حين يطلب بذل نصري |
على أهل العداوة والشقاق |
|
فلو فلق التلهف قلب حر |
لهمّ اليوم قلبي بانفلاق |
|
ولو واسيته يوما بنفسي |
لنلت كرامة يوم التلاق |
|
مع ابن محمد تفديه نفسي |
فودع ثم اسرع بانطلاق |
|
لقد فاز الأولى نصروا حسينا |
وخاب الآخرون ذو والنفاق(2) |
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 333
(2) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 228
وقد صور ابن الحر في شعره ما تفيض به نفسه من الألم العميق فهو ما دام حيا تحز في نفسه الحسرات على ما فاته من شرف الشهادة بين يدي ابن رسول اللّه (ص) وانه لو نصره لفاز بالجنان ، كما عرض لغبطته لأصحاب الحسين الذين فدوه بنفوسهم فقد ظفروا بالأجر الجزيل والمقام العظيم عند اللّه.
هؤلاء بعض النادمين على تركهم لنصرة الامام (ع) وعدم فوزهم بالشهادة بين يديه وحينما اتيحت الفرصة ثاروا مع التوابين في الكوفة.
وكره سكنى الكوفة بعض الأخيار من المتحرجين في دينهم بعد ما عمد أهلها إلى قتل ريحانة رسول اللّه (ص) وكان من بينهم عبد الرحمن القضاعي ، فقد هجر الكوفة وسكن البصرة وقال : لا اسكن بلدا قتل فيه ابن بنت رسول اللّه (ص)(1) لقد اثارت مذبحة كربلا موجة عاتية من الهلع والجزع في جميع أوساط الكوفة ، واستبان لاهلها عظم الجريمة التي اقترفوها ، وبهذا ينتهي بنا الحديث عن دخول سبايا أهل البيت إلى الكوفة وما رافق ذلك من الأحداث.
__________________
(1) المعارف (ص 426)
سبايا آل الرّسول ص فى دمشق
وعانت عقائل الوحي ومخدرات الرسالة جميع ضروب المحن والبلاء في تلك الأيام السود التي مرت عليهن في الكوفة ، فقد عانين مرارة الاعتقال في السجن وشماتة الأعداء وذل الأسر في بلد كانت موطنا لشيعتهم ومركزا لدعوتهم ، وكن في حالة مشجية تذوب من هولها النفوس ونعرض إلى سير الأحداث الأليمة التي جرت عليهن حينما ارسلن الى دمشق.
وأمر ابن مرجانة بتسيير رءوس العترة الطاهرة الى دمشق لتعرض على أهل الشام كما عرضت على أهل الكوفة لتمتلئ قلوب الناس فزعا وخوفا من بني أمية وليكونوا عبرة لكل من تحدثه نفسه بالخروج عليهم ، وقد سيرت مع زجر بن قيس الجعفي وأبي بردة بن عوف الأزدي ، وطارق بن ظبيان الأزدي ،
وسرحت عائلة آل النبي (ص) مع محفر بن ثعلبة من عائذة قريش وشمر بن ذي الجوشن ، وقد أوثقت بالحبال ، واركبت على أقتاب الجمال وهن بحالة تقشعر منها الأبدان يقول عبد الباسط الفاخوري :
«ثم أن عبيد اللّه جهز الرأس الشريف وعلي بن الحسين ومن معه من حرمه بحالة تقشعر منها ومن ذكرها الأبدان وترتعد منها مفاصل الانسان بل فرائض الحيوان»(1) .
__________________
(1) تحفة الأنام في مختصر تأريخ الاسلام (ص 84)
وخرجت الكوفة بجميع طبقاتها لتوديع ركب أهل البيت وهم ما بين باك ونائح وقد غصت طرق الكوفة بالناس وهم يبكون عامة الليل ، فلم تتمكن القافلة أن تسير من كثرة الزحام فاستغرب الامام زين العابدين (ع) منهم وراح يقول : «هؤلاء قتلونا ويبكون علينا!!»(1) .
وعجت نساء همدان بالبكاء والنياحة(2) وعلا منهن الصراخ والعويل وأمر شمر بن ذي الجوشن أن يغل الامام زين العابدين بغل في عنقه فغل(3) وانطلقوا بالأسرى حتى التحقوا بالقافلة التي معها الرءوس ، ولم يتكلم الامام زين العابدين مع الجفاة بكلمة واحدة ، ولا طلب منهم أي شيء طيلة الطريق(4) وسارت القافلة لا تلوي على شيء حتى انتهت الى القرب من دمشق فاقيمت هناك حتى تتزين البلد بمظهر الزهو والأفراح.
وأمرت حكومة دمشق الدوائر الرسمية وشبه الرسمية والمحلات العامة والخاصة باظهار الزينة والفرح للنصر الذي احرزته في قتل ريحانة رسول اللّه (ص) وسبي ذريته ، ويصف بعض المؤرخين تلك الزينة بقوله :
__________________
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 99)
(2) الحدائق الوردية 1 / 129
(3) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(4) الارشاد (ص 276)
«ولما بلغوا ـ أي اسارى أهل البيت ـ ما دون دمشق بأربعة فراسخ ، استقبلهم أهل الشام وهم ينثرون النثار فرحا وسرورا حتى بلغوا بهم قريب البلد فوقفوهم عن الدخول ثلاثة أيام وحبسوهم هناك حتى تتوفر زينة الشام ، وتزويقها بالحلي والحلل والحرير والديباج والفضة والذهب ، وانواع الجواهر على صفة لم ير الراءون مثلها لا قبل ذلك اليوم ولا بعده ، ثم خرجت الرجال والنساء والاصاغر والاكابر والوزراء والأمراء واليهود والمجوس والنصارى ، وسائر الملل الى التفرج ومعهم الطبول والدفوف والبوقات والمزامير ، وسائر الآلات اللهو والطرب ، وقد كحلوا العيون وخضبوا الأيدي ، ولبسوا أفخر الملابس وتزينوا أحسن الزينة ولم ير الراءون اشد احتفالا ولا اكثر اجتماعا منه ، حتى كأن الناس كلهم قد حشروا جميعا في صعيد دمشق»(1) .
لقد اظهر ذلك المجتمع الذي تربى على بغض أهل البيت جميع الوان السرور والفرح بما أصابهم من القتل والسبي وجيء بالرأس العظيم وسط هالة من التهليل والتكبير على هذا النصر الذي احرزه حفيد أبي سفيان وكان خالد بن صفوان أو غفران في دمشق حينما أتى برأس الامام فاظهر الجزع والبكاء واختفى عن الناس لئلا تقبض عليه عيون بني أمية ، وهو يقول :
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد |
منزملا بدمائه تزميلا |
|
وكأنما بك يا ابن بنت محمد |
قتلوا جهارا عامدين رسولا |
|
قتلوك عطشانا ولم يترقبوا |
في قتلك التأويل والتنزيلا |
|
ويكبرون بأن قتلت وانما |
قتلوا بك التكبير والتهليلا(2) |
__________________
(1) حجة السعادة في حجة الشهادة
(2) تأريخ ابن عساكر 5 / 85 ، مرآة الزمان (ص 101)
ويقول سهل بن سعد : خرجت إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام فاذا أنا بمدينة مطردة الأنهار كثيرة الأشجار قد علقت عليها الحجب والديباج والناس فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول فقلت في نفسي : إن لأهل الشام عيدا لا نعرفه فرأيت قوما يتحدثون فقلت لهم :
«الكم بالشام عيد لا نعرفه؟»
«نراك يا شيخ غريبا»
«أنا سهل بن سعد قد رأيت رسول اللّه»
«يا سهل ما أعجبك أن السماء لا تمطر دما والأرض لا تنخسف بأهلها!!».
«وما ذاك؟»
«هذا رأس الحسين يهدى من أرض العراق!!»
«وا عجبا يهدى رأس الحسين والناس يفرحون من أي باب يدخل»
وأشاروا الى باب الساعات ، فأسرع سهل إليها ، وبينما هو واقف واذا بالرايات يتبع بعضها بعضا ، واذا بفارس بيده لواء منزوع السنان ، وعليه رأس من أشبه الناس وجها برسول اللّه (ص) وهو رأس ريحانته الحسين ، وخلفه السبايا محمولة على جمال بغير وطأ ، وبادر سهل الى احدى النسوة فسألها :
ـ من أنت؟
ـ أنا سكينة بنت الحسين
ـ الك حاجة؟ فانا سهل صاحب جدك رسول اللّه (ص)
ـ قل لصاحب هذا الرأس أن يقدمه أمامنا حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ، ولا ينظرون إلى حرم رسول اللّه (ص).
وأسرع سهل الى حامل الرأس فأعطاه أربعمائة درهم فباعد الرأس عن النساء(1) .
وانبرى شيخ قد ضللته الدعايات الكاذبة فأخذ يشق الصفوف الحاشدة حتى انتهى إلى الامام زين العابدين فرفع عقيرته قائلا :
«الحمد للّه الذي اهلككم وأمكن الأمير منكم»
وبصر به الامام فرآه مخدوعا قد خفي عليه الحق فقال له :
ـ يا شيخ قرأت القرآن؟
ـ بلى
ـ أقرأت قوله تعالى : «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ » وقوله تعالى : «وَآتِ ذَا اَلْقُرْبىٰ حَقَّهُ » وقوله تعالى :
«وَاِعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي اَلْقُرْبىٰ » وتهافت الشيخ فقال بصوت خافت :
«نعم قرأت ذلك»
قال له الامام : نحن واللّه القربى في هذه الآيات ، يا شيخ أقرأت قوله تعالى : «إِنَّمٰا يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. ».
«بلى»
«نحن أهل البيت الذين خصهم اللّه بالتطهير»
__________________
(1) مقتل الحسين لعبد اللّه نور اللّه
وسرت الرعدة في أوصال الشيخ وجمد دمه ، وقال للامام بنبرات مرتعشة :
«باللّه عليكم أنتم هم؟»
«وحق جدنا رسول اللّه (ص) إنا لنحن هم من غير شك»
وود الشيخ أن الأرض قد وارته ، ولم يقل تلك الكلمات القاسية والقى بنفسه على الامام وهو يوسع يديه تقبيلا ، ودموعه تجري على سحنات وجهه قائلا :
«ابرأ الى اللّه ممن قتلكم»
وطلب الشيخ من الامام أن يمنحه العفو والرضا فعفا عنه(1) وكانت الأكثرية الساحقة من أهل الشام على غرار هذا الشيخ قد ضللتهم الدعاية الأموية ، وحجبتهم عن معرفة أهل البيت عليهم السلام.
وغمرت الافراح والمسرات يزيد حينما وافاه النبأ بمقتل الامام وكان في بستانه الخضراء(2) فكبر تكبيرة عظيمة(3) ولما جيء بالسبايا كان مطلا على منظر في جيرون ، فلما نظر الى السبايا والرءوس قد وضعت على الحراب امتلأ سرورا وراح يقول :
__________________
(1) اللهوف (ص 100)
(2) البستان الجامع لجميع تأريخ أهل الزمان (ص 36)
(3) تاريخ اليعقوبي 2 / 222 ، مرآة الزمان
لما بدت تلك الحمول وأشرفت |
تلك الرءوس على شفا جيرون |
|
نعب الغراب فقلت : قل أو لا تقل |
فلقد قضيت من الرسول ديوني(1) |
لقد روى حفيد أبي سفيان أحقاده واستوفى ثأره من ابن فاتح مكة ومحطم أوثان قريش فقد قتل العترة الطاهرة وسبى ذراريها تشفيا وانتقاما من النبي (ص).
وحمل محفر بن ثعلبة العائذي وشمر بن ذي الجوشن رأس ريحانة رسول اللّه (ص) هدية الى الفاجر يزيد بن معاوية ، ولما انتهيا إلى البلاط الأموي رفع محفر عقيرته ليسمعه يزيد قائلا :
«جئنا برأس أحمق الناس وألأمهم»
فأنكر عليه يزيد ورد عليه :
«ما ولدت أم محفر الأم واحمق ، ولكنه قاطع ظلوم»(2)
وأذن يزيد للناس اذنا عاما ليظهر لهم انه قهر آل النبي (ص) وازدحم أهل الشام على القصر وهم يعلنون فرحتهم الكبرى ، ويهنونه بهذا النصر الكاذب(3) ووضع رأس ريحانة رسول اللّه (ص) بين يدي سليل
__________________
(1) مقتل الحسين للمقرم (ص 437)
(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 298 ، وفي البداية والنهاية 8 / 294 ان القائل محقر لا محفر وفي الارشاد (ص 276) ان الذي رد عليه الامام زين العابدين.
(3) البداية والنهاية 8 / 197
الخيانة والاجرام فجعل ينكت بمخصرته ثغره الذي طالما كان النبي (ص) يترشفه ، وجعل يقول متشفيا وشامتا.
«قد لقيت بغيك يا حسين»(1)
ثم التفت الى من كان معه فقال لهم : «ما كنت أظن أبا عبد اللّه قد بلغ هذا السن ، وإذا لحيته ورأسه قد نصلا من الخضاب الأسود»(2) وتأمل في وجه الامام فغمرته هيبته فطفق يقول :
«ما رأيت مثل هذا الوجه حسنا قط!!»(3)
وراح يوسع ثغر الامام بالضرب وهو يقول : ان هذا وايانا كما قال الحصين بن الحمام :
أبى قومنا أن ينصفونا فانصفت |
قواضب في ايماننا تقطر الدما |
|
يفلقن هاما من رجال أعزة |
علينا وهم كانوا أعق وأظلما |
ولم يتم كلامه حتى انكر عليه أبو برزة الأسلمي فقال له :
«اتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟ أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذا لربما رأيت رسول اللّه (ص) يرشفه ، أما انك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك ، ويجيء هذا ومحمد (ص) شفيعه».
__________________
(1) الكواكب الدرية للمناوي 1 / 56 وجاء في تذهيب التهذيب 1 / 157 عن ابن حمزة قال : رأيت امرأة من اعقل الناس واجملهن يقال لها «ربا» حاضنة يزيد بن معاوية وقد بلغت من العمر مائة سنة ، قالت دخل رجل على يزيد فقال له : ابشر فقد امكنك اللّه من الحسين قتل وجيء برأسه إليك ووضع في طست فأمر غلامه فكشفه فحين رآه أحمر وجهه ، فقلت لربا : أقرع ثناياه بالقضيب؟ قالت : أي واللّه.
(2) تاريخ الاسلام للذهبي 2 / 351
(3) تاريخ القضاعي (ص 70)
ثم قام منصرفا(1) واندفع يحيى بن الحكم متأثرا وهو يقول :
لهام بجنب الطف أدنى قرابة |
من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل |
|
أمية أمسى نسلها عدد الحصى |
وبنت رسول اللّه ليس لها نسل(2) |
فالتاع الطاغية منه ودفع في صدره ، وقال له : اسكت لا أم لك(3) لقد تأثر كل من يملك ضميرا حيا من المصائب الأليمة التي صبها الطاغية على آل البيت.
وبعد ما قضى الأثيم وطره من العبث برأس سيد شباب أهل الجنة نصبه في جامع دمشق في المكان الذي نصب فيه رأس يحيى بن زكريا(4) وقد علق ثلاثة أيام(5) .
وبعث الطاغية برأس ريحانة رسول اللّه (ص) الى نسائه ليظهر مقدرته وزهوه أمامهن ، فاخذته عاتكة وطيبته ، فأنكر يزيد ذلك وقال : ما هذا؟
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 298
(2) تاريخ الاسلام للذهبي 2 / 350 ، البداية والنهاية 8 / 192 ، الارشاد (ص 276).
(3) المعجم الكبير للطبراني 1 / 140 ، تاريخ الطبري 6 / 365 البداية والنهاية 8 / 192.
(4) صبح الأعشى 4 / 97
(5) تذهيب التهذيب 1 / 157
فقالت له :
«بعثت إلينا برأس عمي شعثا فلممته وطيبته»(1)
وسر الطاغية سرورا بالغا بسبايا أهل البيت فأوقفهم موقف السبي بباب المسجد مبالغة في اهانتهم واذلالهم(2) وعمدت جلاوزته الى بنات رسول اللّه (ص) وسائر الصبية فربقوهم بالحبال كما تربق الأغنام فكان الحبل في عنق الامام زين العابدين إلى عنق عمته زينب وباقي بنات رسول اللّه (ص) ، وكانوا ـ فيما يقول المؤرخون ـ كلما قصروا عن المشي أو سعوهم ضربا بالسياط ، وجاءوا بهم على مثل هذه الحالة التي تتصدع من هولها الجبال ، وهم يكبرون ويهللون فاوقفوهم بين يدي يزيد فالتفت الامام زين العابدين فقال له :
«ما ظنك بجدنا رسول اللّه (ص) لو يرانا على مثل هذه الحالة؟» فتأثر يزيد ولم يبق أحد في مجلسه الا بكى(3) وقد تألم الطاغية مما رأى فراح يقول :
«قبح اللّه ابن مرجانة لو كان بينكم وبينه قرابة لما فعل بكم هذا»(4) ثم أمر بالحبال فقطعت عنهم والتفت الى علي بن الحسين فقال له :
«إيه يا علي بن الحسين أبوك الذي قطع رحمي ، وجهل حقي ،
__________________
(1) انساب الاشراف ق 1 ج 1
(2) الكواكب الدرية 1 / 56
(3) الامام زين العابدين لأحمد فهمي (ص 55)
(4) تذكرة الخواص (ص 49) المنتظم 5 / 100
ونازعني سلطاني ، فصنع اللّه به ما رأيت».
فأجابه شبل الحسين بكل هدوء وطمأنينة بقوله تعالى :
( مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ ولاٰ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ لِكَيْلاٰ تَأْسَوْا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ ، ولاٰ تَفْرَحُوا بِمٰا آتٰاكُمْ واَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتٰالٍ فَخُورٍ ).
وتميز الطاغية غضبا وذهبت نشوة أفراحه ، وتلا قوله تعالى :
«مٰا أَصٰابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ » فقال له الامام :
«هذا في حق من ظلم لا في حق من ظلم»(1)
وزوى الامام بوجهه عنه ولم يكلمه(2) احتقارا له واستهانة بشأنه
واظهر الطاغية فرحه بابادته للعترة الطاهرة ، فقد حسب انه قد صفا له الملك واستوسقت له الأمور فأخذ يهز أعطافه جذلانا مسرورا وتمنى حضور القتلى من أهل بيته ببدر ليريهم كيف أخذ بثأرهم وانتقم من النبي (ص) في ذريته وعترته وراح يترنم بأبيات ابن الزبعرى وهو مزهو :
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزع الخزرج من وقع الأسل |
|
لأهلوا واستهلوا فرحا |
ثم قالوا : يا يزيد لا تشل |
|
قد قتلنا القرم من ساداتهم |
وعدلناه ببدر فاعتدل |
|
لعبت هاشم بالملك فلا |
خبر جاء ولا وحي نزل |
|
لست من خندف إن لم انتقم |
من بني أحمد ما كان فعل(3) |
__________________
(1) الفصول المهمة لابن الصباغ (ص 182)
(2) الارشاد (ص 276)
(3) اعلام النساء 1 / 504 البداية والنهاية 8 / 192
ولما سمعت بطلة كربلا هذه الأبيات التي نمت عن كفره وسروره بقتل عترة النبي (ص) انتقاما منهم لقتلى بدر وثبت تزجره ، وتطعن كبرياءه ، غير حافلة بجبروته وطغيانه ، فلم يدركها الهول والفزع ، وانما كانت مثال الشجاعة فكأنها هي الحاكمة والمنتصرة ، والطاغية هو المخذول والمغلوب على امره ، قالت (ع) :
الحمد للّه رب العالمين ، وصلى اللّه على رسوله وآله أجمعين ، صدق اللّه سبحانه حيث يقول : «ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات اللّه وكانوا بها يستهزءون» اظننت يا يزيد حيث أخذت علينا اقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نساق كما تساق الاسارى أن بنا على اللّه هوانا ، وبك عليه كرامة ، وان ذلك لعظم خطرك عنده فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلانا مسرورا حين رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، فمهلا مهلا لا تطش جهلا ، أنسيت قول اللّه تعالى :( وَلاٰ يَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمٰا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدٰادُوا إِثْماً ولَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ ).
أمن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول اللّه (ص) سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد الى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمعاقل(1) ويتصفح وجوههن القريب والبعيد ، ليس معهن من حماتهن حمي ولا من رجالهن ولي وكيف يرتجى مراقبة من لفظ فوه اكباد الازكياء ، ونبت لحمه من دماء الشهداء ، وكيف يستبطأ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف
__________________
(1) المناهل : جمع منهل ، وهو موضع الشرب من العيون ، والمراد من يسكن فيها ، المعاقل : سكنة الحصون.
والشنان(1) والاحن والاضغان ، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :
لأهلوا واستهلوا فرحا |
ثم قالوا : يا يزيد لا تشل |
منحنيا على ثنايا أبي عبد اللّه سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك وكيف لا تقول ذلك؟ : وقد نكأت القرحة ، واستأصلت الشأفة باراقتك دماء ذرية محمد (ص) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ، وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكا موردهم ولتودن أنك شللت وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت اللهم خذ لنا بحقنا ، وانتقم ممن ظلمنا واحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا.
فو اللّه ما فريت الا جلدك ، ولا حززت الا لحمك ، ولتردن على رسول اللّه (ص) بما تحملت من سفك دماء ذريته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولحمته ، حيث يجمع اللّه شملهم ويلم شعثهم ، ويأخذ بحقوقهم «وَلاٰ تَحْسَبَنَّ اَلَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ » وحسبك باللّه حاكما ، وبمحمد خصيما ، وبجبرئيل ظهيرا ، وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلا وأيكم شر مكانا واضعف جندا.
ولئن جرت علي الدواهي مخاطبتك اني لأستصغر قدرك ، واستعظم تقريعك ، واستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى والصدور حرى فالعجب كل العجب!! لقتل حزب اللّه النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ، فهذه الأيدي تنظف من دمائنا(2) والأفواه تتحلب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل(3) وتعفرها امهات ،
__________________
(1) الشنف : البغض والعداء
(2) تنظف : أي تستوفي من دمائنا
(3) العواسل : جمع عاسل وهو الذئب
الفراعل(1) ولئن اتخذتنا مغنما ، لتجدنا وشيكا مغرما ، حين لا تجد الا ما قدمت يداك وما ربّك بظلام للعبيد ، والى اللّه المشتكى وعليه المعول :
فكد كيدك ، واسع سعيك ، وناصب جاهدك. فو اللّه لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ولا يرخص عنك عارها ، وهل رأيك الا فند وأيامك إلا عدد ، وجمعك الا بدد ، يوم ينادي المنادي الا لعنة اللّه على الظالمين.
والحمد للّه رب العالمين ، الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل اللّه أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة انه رحيم ودود ، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل»(2)
وهذا الخطاب أروع خطاب أثر في الاسلام ، وهو من متممات النهضة الحسينية الخالدة ، فقد دمرت فيه حفيدة الرسول (ص) جبروت الطاغية ، والحقت به الهزيمة والعار ، وعرفته ان دعاة الحق لا تنحني جباههم امام الطغاة والظالمين ، يقول الامام كاشف الغطاء رحمه اللّه :
«أتستطيع ريشة أعظم مصور وابدع ممثل أن يمثل لك حال يزيد وشموخه بأنفه وزهوه بعطفه وسروره وجذله بانساق الأمور ، وانتظام الملك ولذة الفتح والظفر والتشفي والانتقام ـ بأحسن من ذلك التصوير والتمثيل ـ وهل في القدرة والامكان لأحد أن يدفع خصمه بالحجة والبيان والتقريع والتأنيب. ويبلغ ما بلغته سلام اللّه عليها بتلك الكلمات وهي على الحال الذي عرفت ثم لم تقتنع منه بذلك حتى ارادت أن تمثل له وللحاضرين
__________________
(1) الفراعل : جمع فرعل ولد الضبع
(2) اعلام النساء 2 / 504 ، بلاغات النساء (ص 21) مقتل الخوارزمي 2 / 64 ، السيدة زينب واخبار الزينبيات (ص 86) الحدائق الوردية 1 / 129 ـ 131 ، اللهوف (ص 79 ـ 80).
عنده ذلة الباطل وعزة الحق وعدم الاكتراث والمبالات بالقرة والسلطة ، والهيبة والرهبة ، أرادت أن تعرفه خسة قدره ، وضعة مقداره وشناعة فعله ، ولؤم فرعه واصله»(1) .
ويقول المرحوم الفكيكي :
«تأمل معي في هذه الخطبة النارية كيف جمعت بين فنون البلاغة ، وأساليب الفصاحة ، وبراعة البيان ، وبين معاني الحماسة وقوة الاحتجاج وحجة المعارضة والدفاع في سبيل الحرية والحق والعقيدة بصراحة هي انفذ من السيوف الى أعماق القلوب ، واحد من وقع الأسنة في الحشا والمهج في مواطن القتال ، ومجالات النزال ، وكان الوثوب على أنياب الأفاعي وركوب اطراف الرماح أهون على يزيد من سماع هذا الاحتجاج الصارخ الذي صرخت به ربيبة المجد والشرف في وجوه طواغيت بني أمية وفراعنتهم في منازل عزهم ومجالس دولتهم الهرقلية الارستقراطية الكريهة.
ثم ان هذه الخطبة التأريخية القاصعة لا تزال تنطق ببطولات الحوراء الخالدة وجرأتها النادرة ، وقد احتوت النفس القوية الحساسة الشاعرة بالمثالية الاخلاقية الرفيعة السامية ، وسيبقى هذا الأدب الحي صارخا في وجوه الطغاة الظالمين على مدى الدهر وتعاقب الأجيال وفي كل ذكرى لواقعة الطف الدامية المفجعة»(2) .
وكان هذا الخطاب العظيم امتدادا لثورة كربلا وتجسيدا رائعا لقيمها الكريمة وأهدافها السامية وقد حفل بما يلي :
__________________
(1) السياسة الحسينية (ص 30)
(2) مجلة الغري السنة السابعة العدد 6
أولا ـ انها دللت على غرور الطاغية وطيشه ، فقد حسب أنه هو المنتصر بما يملك من القوى العسكرية التي ملأت البيداء وسدت آفاق السماء ، الا انه انتصار موقت ، ومن طيشه انه حسب ان ما احرزه من الانتصار كان لكرامة له عند اللّه وهو ان لأهل البيت ، ولم يعلم ان اللّه انما يملي للكافرين في هذه الدنيا من النعم ليزدادوا اثما ولهم في الآخرة عذاب أليم.
ثانيا ـ انها نعت عليه سبيه لعقائل الوحي ، فلم يرع قرابة رسول اللّه فيهم وهو الذي منّ على آبائه يوم فتح مكة فكان ابوه وجده من الطلقاء فلم يشكر للنبي هذه اليد وكافأه بأسوإ ما تكون المكافئة.
ثالثا ـ ان ما اقترفه الطاغية من سفكه لدماء العترة الطاهرة فانه مدفوع بذلك بحكم نشأنه ومواريثه فجدته هند هي التي لاكت كبد سيد الشهداء حمزة وجده ابوه سفيان العدو الأول للاسلام ، وابوه معاوية الذي أراق دماء المسلمين وانتهك جميع ما حرمه اللّه ، فاقتراف الجرائم من عناصره وطباعه التي فطر عليها.
رابعا ـ انها انكرت عليه ما تمثل به من الشعر الذي تمنى فيه حضور أشياخه الأمويين ليروا كيف أخذ بثأرهم من النبي (ص) بابادة أبنائه الا انه سوف يرد موردهم من الخلود في نار جهنم.
خامسا ـ ان الطاغية بسفكه لدماء العترة الطاهرة لم يسفك الا دمه ولم يفر الا جلده فان تلك النفوس الزكية حية وخالدة وقد تلفعت بالكرامة وبلغت قمة الشرف ، وانه هو الذي باء بالخزي والخسران.
سادسا ـ انها عرضت الى من مكن الطاغية من رقاب المسلمين فهو المسئول عما اقترفه من الجرائم ، وقد قصدت عليها السلام مغزى بعيدا يفهمه كل من تأمل فيه.
سابعا ـ انها اظهرت سمو مكانتها فكلمات الطاغية كلام الأمير والحاكم فاستهانت به ، واستصغرت قدره ، وتعالت عن حواره ، وترفعت عن مخاطبته ، ولم تحفل بسلطانه لقد كانت العقيلة على ضعفها وما ألم بها من المصائب اعظم قوة وأشد بأسا منه.
ثامنا ـ انها عرضت الى ان يزيد مهما بذل من جاهد لمحو ذكر أهل البيت (ع) فانه لا يستطيع الى ذلك سبيلا لأنهم قائمون في قلوب المسلمين وعواطفهم وهم مع الحق ، والحق لا بد أن ينتصر ، وفعلا قد انتصر الحسين وتحولت مأساته الى مجد لا يبلغه أي انسان كان فأي نصر أحق بالبقاء واجدر بالخلود من النصر الذي احرزه الامام
هذا قليل من كثير مما جاء في هذه الخطبة التي هي آية من آيات البلاغة والفصاحة ، ومعجزة من معجزات البيان ، وهي احدى الضربات القاضية على ملك بني أمية.
وكان خطاب العقيلة كالصاعقة على رأس يزيد فقد انهار غروره وتحطم كبرياؤه ، وحار في الجواب فلم يستطع ان يقول شيئا الا أنه تمثل يقول الشاعر :
يا صيحة تحمد من صوائح ما أهون النوح على النوائح
ولم تكن أية مناسبة بين ذلك الخطاب العظيم الذي ابرزت فيه عقيلة الوحي واقع يزيد ، وجردته من جميع القيم الانسانية ، وبين ما تمثل به من الشعر الذي اعلن فيه أن الصيحة تحمد من الصوائح ، وان النوح يهون على النائحات ، فأي ربط موضوعي بين الأمرين.
وأحدث خطاب العقيلة موجة عاصفة في مجلس يزيد وأشاعت في نفوس الجالسين مشاعر الحزن والأسى والتذمر فقد أزاح عنهم حجب الشبهات ونسف كل الوسائل التي صنعها معاوية لاقامة دولته وسلطانه وراح يزيد يلتمس المعاذير ليبرر جريمته فقال لأهل الشام.
«أتدرون من أين أتى ابن فاطمة؟ وما الحامل له على ما فعل؟ وما الذي أوقعه فيما وقع؟».
«لا»
«يزعم أن أباه خير من أبي وأمه فاطمة بنت رسول اللّه خير من أمي وانه خير مني ، وأحق بهذا الأمر ، فأما قوله أبوه خير من أبي. فقد حاج ابي اباه الى اللّه عز وجل ، وعلم الناس أيهما حكم له ، وأما قوله أمه خير من أمي : فلعمري ان فاطمة بنت رسول اللّه (ص) خير من أمي ، وأما قوله جده خير من جدي : فلعمري ما أحد يؤمن باللّه واليوم الآخر وهو يرى ان لرسول اللّه (ص) فينا عدلا ولا ندا. ولكنه انما أتي من قلة فقهه ، ولم يقرأ قوله تعالى :( قُلِ اَللّٰهُمَّ مٰالِكَ اَلْمُلْكِ تُؤْتِي اَلْمُلْكَ مَنْ تَشٰاءُ وتَنْزِعُ اَلْمُلْكَ مِمَّنْ تَشٰاءُ وتُعِزُّ مَنْ تَشٰاءُ وتُذِلُّ مَنْ تَشٰاءُ ) وقوله تعالى :
( اَللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ ) (1) .
لقد حسب الطاغية أن منطق الفضل عند اللّه انما هو الظفر بالملك فراح يا بني تفوقه على الامام بذلك ولم يعلم انه لا قيمة للملك عند اللّه فانه يهبه للبر والفاجر.
__________________
(1) الطبرى 6 / 266
وكان مجلس الطاغية حاشدا بجماهير الناس وقد أوعز إلى الخطيب أن يعتلي أعواد المنبر ليمجد الأمويين وينال من الحسين فاعتلى الخطيب المنبر فبالغ في الثناء على يزيد ونال من الامام امير المؤمنين وولده الحسين لينال هبات يزيد وعطاياه ، فانتفض الامام زين العابدين وصاح به.
«ويلك أيها الخاطب اشتريت رضاء المخلوق بسخط الخالق فتبوأ مقعدك من النار ..».
والتفت الى يزيد فقال له :
«أتأذن لي أن أصعد هذه الأعواد فاتكلم بكلمات فيهن للّه رضا ولهؤلاء الجالسين أجر وثواب».
وبهت الحاضرون وبهروا من هذا الفتى العليل الذي رد على الخطيب والأمير ، وقد رفض يزيد اجابته فالح عليه الجالسون بالسماح له ويعتبر ذلك بداية وعي عند اهل الشام فقال يزيد لهم.
«إن صعد المنبر لم ينزل الا بفضيحتي وفضيحة آل أبي سفيان»
فقالوا له : وما مقدار ما يحسن هذا العليل.
انهم لا يعرفونه ، وحسبوا أنه لا يحسن شيئا ، ولكن الطاغية يعرفه حقا فقال لهم :
«إنه من اهل بيت قد زقوا العلم زقا»
وأخذوا يلحون عليه ، فانصاع لقولهم فسمح للامام ، فاعتلى اعواد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه ، ويقول المؤرخون إنه خطب خطبة عظيمة أبكى منها العيون ، وأوجل منها القلوب ، وكان من جملة ما قاله :
«أيها الناس أعطينا ستا ، وفضلنا بسبع : أعطينا العلم ، والحلم ،
والسماحة والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمد (ص) ومنا الصديق ، ومنا الطيار ، ومنا أسد اللّه وأسد الرسول ومنا سيدة نساء العالمين فاطمة البتول ، ومنا سبطا هذه الأمة وسيدا شباب أهل الجنة.
فمن عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي ، أنا ابن مكة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الزكاة بأطراف الرداء أنا ابن خير من ائتزر وارتدى ، أنا ابن خير من انتعل واحتفى أنا ابن خير من طاف وسعى ، أنا ابن خير من حج ولبى ، أنا ابن من حمل على البراق في الهواء ، أنا ابن من أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فسبحان من أسرى ، أنا ابن من بلغ به جبرئيل الى سدرة المنتهى ، أنا ابن من دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا ابن من صلى بملائكة السماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن محمد المصطفى أنا ابن علي المرتضى ، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا : لا إله الا اللّه ، أنا ابن من ضرب بين يدي رسول اللّه بسيفين وطعن برمحين وهاجر الهجرتين ، وبايع البيعتين ، وصلى القبلتين ، وقاتل ببدر وحنين ، ولم يكفر باللّه طرفة عين ، أنا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين ، وقاطع الملحدين ، ويعسوب المسلمين ، ونور المجاهدين وزين العابدين ، وتاج البكائين ، وأصبر الصابرين ، وأفضل القائمين من آل ياسين ، ورسول رب العالمين ، أنا ابن المؤيد بجبرئيل المنصور بميكائيل ، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين ، وقاتل الناكثين والقاسطين ، والمارقين والمجاهد اعداءه الناصبين ، وأفخر من مشى من قريش أجمعين ، وأول من أجاب واستجاب للّه من المؤمنين وأقدم السابقين ، وقاصم المعتدين ، ومبير المشركين ، وسهم من مرامي اللّه على المنافقين ، ولسان حكمة
العابدين ، ناصر دين اللّه ، وولي أمر اللّه ، وبستان حكمة اللّه ، وعيبة علم اللّه ، سمح سخي بهلول زكي أبطحي ، رضي مرضي ، مقدام همام صابر صوام ، مهذب قوام ، شجاع قمقام ، قاطع الأصلاب ، ومفرق الأحزاب ، أربطهم جنانا ، وأطلقهم عنانا ، واجرأهم لسانا ، وأمضاهم عزيمة ، وأشدهم شكيمة ، أسد باسل ، وغيث هاطل ، يطحنهم في الحروب ويذرهم ذرو الريح الهشيم ، ليث الحجاز ، وصاحب الاعجاز ، وكبش العراق ، الامام بالنص والاستحقاق ، مكي مدني ، ابطحي تهامي ، خيفي عقبي ، بدري أحدي ، وشجري مهاجري ، من العرب سيدها ، ومن الوغى لبثها ، وارث المشعرين ، وابوا السبطين الحسن والحسين ، مظهر العجائب ، ومفرق الكتائب ، والشهاب الثاقب ، والنور العاقب ، أسد اللّه الغالب ، مطلوب كل طالب ، غالب كل غالب ، ذاك جدي علي ابن أبي طالب.
أنا ابن فاطمة الزهراء ، أنا ابن سيدة النساء ، أنا ابن الطهر البتول أنا ابن بضعة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم(1) أنا ابن المزمل بالدماء أنا ابن ذبيح كربلا ، أنا ابن من بكى عليه الجن في الظلماء وناحت عليه الطير في الهواء»(2) .
ولم يزل يقول أنا : حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب ، وخشي الطاغية من وقوع الفتنة وحدوث ما لا تحمد عقباه ، فقد اوجد خطاب الامام انقلابا فكريا في مجلس الطاغية ، وقد بادر بالايعاز الى المؤذن أن يؤذن ليقطع على الامام كلامه ، فصاح المؤذن :
«اللّه اكبر»
__________________
(1) مقتل الخوارزمي (2 / 69 ـ 70)
(2) نفس المهموم (ص 242)
فقال الامام : كبرت كبيرا لا يقاس ، ولا يدرك بالحواس ، لا شيء اكبر من اللّه ، فلما قال المؤذن :
«اشهد ان لا إله الا اللّه»
قال علي بن الحسين : شهد بها شعري وبشري ، ولحمي ودمي ، ومخي وعظمي ، ولما قال المؤذن :
«اشهد أن محمدا رسول اللّه»
التفت علي بن الحسين الى يزيد فقال له :
«يا يزيد محمد هذا جدي أم جدك؟ فان زعمت أنه جدك ، فقد كذبت ، وإن قلت : إنه جدي فلم قتلت عترته؟»(1) .
ووجم يزيد ولم يطق جوابا ، واستبان لأهل الشام أنهم غارقون في الجهالة والضلالة وان الحكم الأموي قد جاهد على غوايتهم وشقائهم.
وقد اقتصر الامام في خطابه على التعريف بأسرته ونفسه ، ولم يعرض لشيء آخر ، وقد كان ذلك من أروع صور الالتفاتات وادقها وأعمقها ، فقد كان المجتمع الشامي لا يعرف شيئا عن أهل البيت ، فقد اخفت السلطة كل شيء عنهم ، وغذتهم بالولاء لبني أمية والحقد على أهل البيت.
واثر خطاب الامام تأثرا بالغا في اوساط أهل الشام ، فقد جعل بعضهم ينظر الى بعض ويسر بعضهم إلى بعض بما آلوا إليه من الخيبة
__________________
(1) مقتل الخوارزمي (2 / 242)
والخسران ، حتى تغيرت أحوالهم مع يزيد(1) وأخذوا ينظرون إليه نظرة احتقار وازدراء.
ونظر بعض أهل الشام الى السيدة فاطمة بنت الامام امير المؤمنين عليه السلام(2) أو بنت الامام الحسين(3) فقال ليزيد :
«هب لي هذه الجارية لتكون خادمة عندي»
وسرت الرعدة بحسمها ، فأخذت بثياب عمتها مستجيرة بها ، وانبرت حفيدة الرسول (ص) فصاحت بالرجل.
«كذبت ولؤمت ، ما ذلك لك ، ولا لأميرك»
واستشاط يزيد غضبا لعدم مبالاة العقيلة به واستهانتها بشأنه ، فقال لها :
«كذبت ، ان ذلك لي ، ولو شئت لفعلت»
فنهرته العقيلة متحدية له قائلة :
«كلا واللّه ، ما جعل لك ذلك ، الا أن تخرج من ملتنا ، وتدين بغير ديننا ..»
وتميز الطاغية غيظا حيث تحدته العقيلة أمام اشراف اهل الشام فصاح بها :
«اياي تستقبلين بهذا؟ انما خرج من الدين أبوك وأخوك»
__________________
(1) جوهرة الكلام في مدح السادة الأعلام (ص 128)
(2) البداية والنهاية 8 / 194 المنتظم 5 / 100
(3) مقتل الخوارزمي 2 / 69
وانبرت العقيلة غير حافلة بسلطانه ولا بقدرته على البطش والانتقام فردت عليه بثقة قائلة :
«بدين اللّه ودين أبي وجدي واخي اهتديت أنت وأبوك ان كنت مسلما ..».
وازالت العقيلة بهذا الكلام الستار الذي تستر به يزيد بقتله للحسين وأهل بيته من انهم خوارج خرجوا على امام زمانهم ، ولم يجد الرجس جوابا فقال وهو مغيظ محنق :
«كذبت يا عدوة اللّه»
ولم تجد شقيقة الحسين جوابا تحسم به مهاترات يزيد غير ان قالت :
«أنت امير مسلط ، تشتم ظلما ، وتقهر بسلطانك»
وتهافت غضب الطاغية وأطرق برأسه الى الأرض ، واعاد الشامي كلامه إلى يزيد وكرر الشامي هذه المحاورة فصاح به يزيد :
«وهب اللّه لك حتفا قاضيا»(1)
لقد احتفظت عقيلة الوحي بقواها الذاتية في تلك المحن الشاقة ، وقابلت أعداء الاسلام بارادتها الصلبة الواعية التي ورثتها من جدها الرسول (ص) ، يقول بعض الكتاب :
«وقد حققت زينب وهي في ضعفها واستكانتها أول نصر حاسم على الطغاة ، وهم في سلطانهم وقوتهم ، فقد اقحمته المرة بعد المرة ، وقد أظهرت للملإ جهله ، كما كشفت عن قلة فقهه في شئون الدين فان نساء المسلمين لا يصح مطلقا اعتبارهن سبايا ومعاملتهن معاملة السبي في الحروب.
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 /
واكبر الظن ان هذا الخطاب من الشامي كان فاتحة انتقاد ليزيد وبداية لتسرب الوعي عند الشاميين ، وآية ذلك انه كان يكفيه رد الحوراء على يزيد بذلك الرد الذي أخرجته عن ربقة الاسلام إن استجاب لطلب الشامي ، ووقوع الشجار العنيف بين الحوراء ويزيد ، مما يشعر منه أن طلب الشامي كان مقصودا لأجل بلورة الرأي العام وفضح يزيد لا سيما ان هذا الطلب كان بعد خطاب السيدة زينب وخطاب الامام زين العابدين (ع) وقد أحدثا وعيا عاما وموجة عاتية من السخط في مجلس يزيد.
والتقى الامام زين العابدين بالمنهال بن عمر فبادر إليه قائلا :
ـ كيف امسيت يا بن رسول اللّه؟
ـ أمسينا كمثل بني إسرائيل في آل فرعون يذبحون ابناءهم ويستحيون نساءهم أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا منها ، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها ، وأمسينا معشر أهل بيته مقتولين مشردين ، فانا للّه راجعون»(1) .
لقد كان الرسول الأعظم (ص) المصدر الأصيل لشرف الأمة العربية الذي تفتخر به فهو الذي خطط للعرب حياة سادوا فيها جميع شعوب الأرض ، وبنى لهم دولة كانت من أعز دول العالم وأمنعها ، فكان جزاؤه منهم ان عمدت قريش التي تفاخر العرب بأن محمدا منها إلى قتل ذريته واستئصال شأفتهم وسبي نسائهم ، فهل هذا هو جزاء المنقذ والمحرر لهم؟
__________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 34
وطلبن بنات رسول اللّه (ص) من الطاغية أن يفرد لهن بيتا ليقمن فيه مأتما على سيد الشهداء ، فقد نخر الحزن قلوبهن ، ولم يكن بالمستطاع أن يبدين بما ألم بهن من عظيم الأسى والشجون خوفا من الجلاوزة الجفاة الذين جاهدوا على منعهن من البكاء والنياحة على أبي عبد اللّه ، وقد أثر عن الامام زين العابدين (ع) أنه قال : كلما دمعت عين واحد منا قرعوا رأسه بالرمح ، واستجاب يزيد لذلك فافرد لهن بيتا ، فلم تبق هاشمية ولا قرشية الا لبست السواد حزنا على الحسين ، وخلدن بنات الرسالة الى النياحة سبعة أيام ، وهن يندبن سيد الشهداء باشجى ندبة(1) وينحن على الكواكب من نجوم آل عبد المطلب ، وقد ذابت الأرض من حرارة دموعهن.
وشكر الطاغية يزيد لابن مرجانة قتله لريحانة رسول اللّه (ص) وبالغ في تقديره وتكريمه فاستدعاه للحضور عنده في دمشق ليجازيه على ذلك ، وكتب إليه ما يلي :
«أما بعد : فانك قد ارتفعت الى غاية أنت فيها كما قال الأول :
رفعت فجاوزت السحاب وفوقه فما لك الا مرتقى الشمس مقعد
فاذا وقفت على كتابي فاقدم علي لاجازيك على ما فعلت»
__________________
(1) مقتل الحسين لعبد اللّه
وسافر ابن زياد مع أعضاء حكومته الى دمشق ولما انتهى إليها خرج لاستقباله جميع بني أمية ولما دخل على يزيد قام إليه واعتنقه وقيل ما بين عينيه وأجلسه على سرير ملكه ، وقال للمغني غني وللساقي اسقي : ثم قال :
اسقني شربة تروي فؤادي |
ثم صل واسق مثلها ابن زياد |
|
موضع السر والامانة عندي |
وعلى ثغر مغنمي وجهادي |
وأقام ابن مرجانة شهرا فاوصله بالف الف درهم ، ومثلها لعمر ابن سعد ، وأطلق له خراج العراق سنة(1) وقد بالغ في مودته فادخله على نسائه وعياله(2) ولما وفد أخوه مسلم بن زياد على يزيد بجله وكرمه تقديرا لأخيه عبيد اللّه وقال له :
«لقد وجبت محبتكم على آل أبي سفيان»
ونادمه يومه بأسره ، وولاه بلاد خراسان(3) لقد شكر لآل زياد ابادتهم لآل رسول اللّه وقد حسب انهم قد مهدوا له الملك والسلطان ، ولم يعلم أنهم قد هدموا ملكه ونسفوا سلطانه واخلدوا له الخزي والعار.
وبعد أن نقم المسلمون على الطاغية بقتله لريحانة رسول اللّه (ص) ندم على ذلك وحاول أن يلصق تبعة تلك الجريمة بابن مرجانة ، وراح يقول : ما كان علي لو احتملت الأذى ، وانزلته ـ يعني الحسين ـ معي
__________________
(1) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (ص 106)
(2) ينابيع المودة 1 / 149 ، الصراط السوي في مناقب آل النبيّ (ص 85).
(3) الفتوح 5 / 254
في داري ، وحكمته فيما يريد ، وإن كان علي في ذلك وكف ووهن في سلطاني حفظا لرسول اللّه (ص) ورعاية لحقه وقرابته ، لعن اللّه ابن مرجانة فقد بغضني بقتله الى المسلمين ، وزرع لي في قلوبهم العداوة ، فبغضني البر والفاجر بما استعظم الناس في قتلي حسينا ، مالي ولابن مرجانة لعنه اللّه وغضب عليه(1) .
واكبر الظن انه انما قال ذلك ليبرأ نفسه من المسئولية أمام المسلمين ولو كان نادما في قرارة نفسه لانتقم منه وعزله ، ولما شكره وأجزل له العطاء وقربه ، وذلك مما يدل على رضاه وعدم ندمه فيما اقترفه.
وسخط المسلمون وغيرهم كأشد ما يكون السخط على يزيد على قتله لريحانة رسول اللّه (ص) وقد أنكر عليه جمع من الأحرار وفيما يلي بعضهم :
وكان في مجلس يزيد ممثل ملك الروم فلما رأى رأس الامام بين يديه بهر من ذلك وراح يقول له :
ـ رأس من هذا؟
ـ رأس الحسين
ـ من الحسين؟
ـ ابن فاطمة
__________________
(1) تاريخ الطبري 7 / 19 ابن الأثير 3 / 300
من فاطمة؟
ـ ابنة رسول اللّه
ـ نبيكم؟
ـ نعم
وفزع من ذلك وصاح به :
«تبا لكم ولدينكم ، وحق المسيح إنكم على باطل ، ان عندنا في بعض الجزائر ديرا فيه حافر فرس ركبه المسيح فنحن نحج إليه في كل عام من مسيرة شهور وسنين ، ونحمل إليه النذور والأموال ، ونعظمه اكثر مما تعظمون كعبتكم ، أف لكم».
ثم قام من عنده وهو غضبان(1) قد افزعه ذلك المنظر الرهيب
وكان حبر يهودي في مجلس الطاغية فلما خطب الامام زين العابدين خطبته البليغة التي أثارت الحماس وايقظت المجتمع ، التفت الحبر الى يزيد قائلا :
ـ من هذا الغلام؟
علي بن الحسين
ـ من الحسين؟
ـ ابن علي بن أبي طالب
ـ من أمه؟
ـ بنت محمد
يا سبحان اللّه!! هذا ابن بنت نبيكم قتلتموه ، بئسما خلفتموه
__________________
(1) مرآة الزمان (ص 101) الصراط السوي (ص 89)
في ذريته ، فو اللّه لو ترك نبينا موسى بن عمران فينا سبطا لظننت أنا كنا نعبده من دون ربنا ، وأنتم فارقكم نبيكم بالأمس فوثبتم على ابنه وقتلتموه سوأة لكم من أمة.
وغضب الطاغية وامر به فوجئ في حلقه(1) فقام الحبر وقد رفع عقيرته قائلا :
«إن شئتم فاقتلوني» إني وجدت في التوراة من قتل ذرية نبي فلا يزال ملعونا أبدا ما بقي فاذا مات اصلاه اللّه نار جهنم»(2) .
وتوالت صيحات الانكار على يزيد ، وكان ممن انكر عليه قيصر ملك الروم فقد كتب إليه : «قتلتم نبيا أو ابن نبي»(3) .
ومن الناقمين على يزيد رأس الجالوت فقد قال لمحمد بن عبد الرحمن ان بيني وبين داود سبعين أبا ، وان اليهود تعظمني وتحترمني وأنتم قتلتم ابن بنت نبيكم(4) .
__________________
(1) فوجئ : ضرب ودق
(2) الحدائق الوردية 1 / 131 ، الفتوح 5 / 246 ، مقتل الخوارزمي 2 / 71.
(3) المحاسن والمساوئ للبيهقي 1 / 46
(4) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 90) جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن أبي طالب (ص 136).
ولما جيء برأس الامام إلى الشام كان الصحابي وائلة بن الاسقع هناك فتميز غيظا ، فالتقى به رجل من أهل الشام ، فاندفع يقول :
«لا أزال أحب عليا والحسن والحسين وفاطمة أبدا بعد ما سمعت رسول اللّه (ص) يقول فيهم : ما قال».
«ما قال رسول اللّه (ص) فيهم؟»
«جئت رسول اللّه (ص) وهو في منزل أم سلمة ، وجاء الحسن فاجلسه على فخذه اليمنى ، وجاء الحسين فاجلسه على فخذه الأيسر وقبله ثم جاءت فاطمة فاجلسها بين يديه ، ثم دعا بعلي فجاء ، وجعل عليهم كساء خيبريا ، كأني انظر إليه ، ثم قال : «انما يريد اللّه ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا»(1) .
ومن أشد الناقمين على يزيد عبد اللّه بن عباس ، فقد كتب إليه يزيد يستميل وده ، ويطلب منه ما زرته على ابن الزبير فكتب إليه ابن عباس هذه الرسالة :
أما بعد : فقد جاءني كتابك فاما تركي بيعة ابن الزبير فو اللّه ما ارجو بذلك برك ولا حمدك لكن اللّه بالذي أنوي عليم ، وزعمت انك لست بناس بري فاحبس أيها الانسان برك عني فاني حابس عنك بري ،
__________________
(1) فضائل الامام امير المؤمنين (ص 264) لعبد اللّه بن أحمد ابن حنبل من مخطوطات مكتبة الامام الحكيم.
وسألت أن احبب الناس إليك ، وابغضهم واخذلهم لابن الزبير فلا ولا سرور ولا كرامة ، كيف وقد قتلت حسينا وفتيان عبد المطلب مصابيح الهدى ونجوم الاعلام؟ غادرتهم خيولك بأمرك في صعيد واحد مرملين بالدماء مسلوبين بالعراء ، مقتولين بالظماء لا مكفنين ولا مسودين تسفي عليهم الرياح وينشىء بهم عرج البطاح حتى أتاح اللّه لهم بقوم لم يشركوا في دمائهم كفنوهم واجنوهم ، وبي وبهم لو عززت(1) وجلست مجلسك الذي جلست.
فما أنسى من الأشياء فلست بناس اطرادك حسينا من حرم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، الى حرم اللّه وتسييرك الخيول إليه فما زلت بذلك حتى اشخصته الى العراق فخرج خائفا يترقب فنزلت به خيلك عداوة منك للّه ولرسوله ولأهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فطلب إليكم الموادعة وسألكم الرجعة فاغتنمتم قلة أنصاره واستئصال أهل بيته وتعاونتم عليه كأنكم قتلتم أهل بيت من الترك والكفر ، فلا شيء أعجب عندي من طلبتك ودي وقد قتلت ولد أبي وسيفك يقطر من دمي وأنت احد ثاري ، ولا يعجبك ان ظفرت بنا اليوم فلنظفرن بك يوما»(2) .
وحفلت هذه الرسالة بانهام يزيد بأنه الذي أشخص الامام الحسين إلى العراق ليقتله ، وانه لم يخرج الا لمطاردة جيوش يزيد في المدينة وفي مكة ، ولم يكن خروجه إلى العراق استجابة منه لأهل الكوفة ، وانما ارغمته جيوش يزيد على ذلك.
__________________
(1) في رواية «وبي وبهم عززت»
(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 318 ، ورواه اليعقوبي بصورة أخرى ذكر فيه الأحداث المروعة التي اقترفها معاوية ويزيد.
ومن المنكرين على الأمويين عبد اللّه بن الزبير بقتلهم للامام الحسين فقد خطب في مكة فقال :
«ان أهل الكوفة شرارهم دعوا حسينا ليولي عليهم ، ويقيم أمرهم وبعيد معالم الاسلام ، فلما قدم عليهم ثاروا عليه فقتلوه ، وقالوا له :
أما أن تضع يدك في يد الفاجر الملعون ابن زياد فيرى فيك رأيه فاختار الوفاة الكريمة على الحياة الذميمة فيرحم اللّه حسينا وأخزى قاتله ، ولعن من رضي بذلك وأمر به»(1) .
وانما أبدى ابن الزبير الأسى على قتل الامام تصنعا وتقربا لعامة المسلمين ، فقد كان في قرارة نفسه مسرورا لأنه تخلص من أعظم مناوئيه ولو كان مؤمنا بما قاله لما آواى قتلة الحسين فقد ركن إليه والتحق به كل من سلم من قبضة المختار كشبث بن ربعي وغيره ، وقد رحب بهم وزج بهم لقتال المختار.
ومن المنكرين على يزيد الصحابي أبو برزة الاسلمي حينما رآه ينكت بمخصرته رأس الامام ، وقد ألمعنا إلى حديثه في البحوث السابقة.
وتفاقم الأمر على يزيد ، وتوالت عليه صيحات المنكرين ، فقد نقمت عليه أسرته ومن بينها.
__________________
(1) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 94)
وكان من أشد المنكرين عليه يحيى بن الحكم فقد نقده في مجلسه ، وقد دفع يزيد في صدره واوعز إلى شرطته باخراجه ، وقد ذكرنا نص كلامه فيما تقدم.
وانكرت عليه عاتكة ابنته حينما ارسل الرأس الى حرمه ونسائه فأخذته عاتكة فطيبته ، وقالت يا رأس عمى ، وقد ألمعنا الى كلامها في البحوث السابقة.
ونقمت عليه زوجته هند بنت عمرو ، فقد فزعت الى مجلسه وهي مذعورة وقد رفعت صوتها :
«رأس ابن بنت رسول اللّه (ص) على باب دارنا!!»
فاسرع إليها الطاغية ، واسدل عليها حجابها ، وقال لها : اعولي عليه يا هند فانه صريخة بني هاشم عجل عليه ابن زياد(1) »
ونقم معاوية على ابيه يزيد كما نقم على جده معاوية ، وقد رفض
__________________
(1) مقتل الخوارزمي 2 / 284
الخلافة وزهد في الحكم ، وقد خطب في اهل الشام فندد في جده وأبيه وقال :
«الا ان جدى معاوية نازع الأمر من كان اولى به منه لقرابته من رسول اللّه (ص) وقديمه وسابقته اعظم المهاجرين قدرا ، واولهم ايمانا ابن عم رسول اللّه (ص) وزوج ابنته جعله لها بعلا باختياره لها ، وجعلها له زوجة باختيارها له فهما بقية رسول اللّه (ص) خاتم النبيين ، فركب جدي منه ما تعلمون ، وركبتم معه ما لا تجهلون(1) حتى اتته منيته فصار في قبره رهينا بذنوبه واسيرا بجرمه ثم قلد أبي الأمر فكان غير أهل لذلك ، وركب هواه واخلفه الأمل وقصر عنه الاجل وصار في قبره رهينا بذنوبه واسيرا بجرمه ثم بكى وقال : إن من اعظم الأمور علينا علمنا بسوء مصرعه ، وبئس منقلبه ، وقد قتل عترة رسول اللّه (ص) واباح الحرم وخرب الكعبة»(2) .
وتهدم ملك آل أبي سفيان على يد معاوية بن يزيد ، وما كان ينشده جده من استقرار الملك ودوامه في بيته ، فقد نسف قتل الحسين جميع ما بناه معاوية واسسه يزيد ، فقد احل ملكهم دار البوار ويقول المؤرخون :
إن بني أمية قد قامت قيامتهم على أثر خطاب معاوية الذي فضح فيه جده وأباه فعمدوا إلى مؤدبه عمر القصوص فقالوا له : أنت علمته هذا ، ولقّنته اياه وصددته عن الخلافة وزينت له حب علي وأولاده ، وحملته على ما وسمنا به من الظلم ، وحسنت له البدع حتى نطق بما نطق ، وقال : بما قال :
فانكر عمر ذلك ، وقال : واللّه ما فعلته ولكنه مجبول ومطبوع على حب علي ، فلم يقبلوا ذلك منه واخذوه فدفنوه حيا(3) .
__________________
(1) جواهر المطالب في مناقب الامام علي بن ابي طالب (ص 133)
(2) النجوم الزاهرة 1 / 164
(3) حياة الحيوان للدميرى 1 / 73
وحاول بعض المتعصبين لبني أمية قديما وحديثا تنزيه يزيد وتبريره من قتله لريحانة رسول اللّه (ص) والقاء التبعة والمسئولية على ابن مرجانة ، وقد دعاهم الى ذلك الجهل والعصبية العمياء التي حرفتهم عن الحق والقتهم في شر عظيم ، ومن بين هؤلاء.
وعظم حظ يزيد عند ابن تيمية ، فكان من أصلب المدافعين عنه فانكر أن يكون قد أمر بقتل الحسين وبالغ بحرارة في الدفاع عنه وقال :
«فيزيد لم يأمر بقتل الحسين ، ولا حمل رأسه بين يديه ، ولا نكث بالقضيب على ثناياه ، بل الذي جرى هذا منه هو عبيد اللّه بن زياد ، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري ، ولا طيف برأسه في الدنيا ولا سبي أحد من أهل الحسين»(1) .
وهذا القول مما يدعو الى السخرية والاستهزاء به ، فقد تنكر للضرورات التي لا يشك فيها كل من يملك وعيه واختياره ، فقد اعرض عن جميع ما ذكره المؤرخون من اقتراف يزيد لهذه الجريمة النكراء التي لا يقره عليها من يحمل وعيا دينيا أو روحا اسلامية.
وقد عرف ابن تيمية بالتعصب المقيت حتى أعرض عن آرائه كل باحث حر ، وكاتب في التأريخ والبحوث الاسلامية.
__________________
(1) سؤال في يزيد بن معاوية لابن تيمية (ص 16)
ومن المؤسف أن الغزالي قد هام حبا بحب يزيد ، وغالى في الاخلاص له والدفاع عنه فقال :
«ما صح قتله ـ يعني يزيد للحسين ـ ولا امره به ـ يعني لم يأمر يزيد ابن مرجانة بقتله ولا رضاه بذلك ، ومتى لم يصح ذلك عنده لم يجز أن يظن ذلك به ، فان اساءة الظن بالمسلم حرام قال اللّه تعالى : «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ اَلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ اَلظَّنِّ إِثْمٌ »(1) .
وسف الغزالي في كلامه على غير هدى فقد تنكر للبديهيات كما تنكر لها زميله ابن تيمية فهؤلاء المؤرخون أجمعوا على أن يزيد هو الذي أوعز لابن مرجانة بقتل الحسين وشدد عليه في ذلك وهدده بنفيه من آل أبي سفيان والحاقه بجده عبيد الرومي ان لم يخلص في حربه للامام ، وقد ذكرنا ذلك بما لا مزيد عليه في البحوث السابقة.
وعرف ابن العربي بالبغض والكراهية لأهل البيت (ع) وقد ذهب الى أن يزيد امام زمانه وخليفة اللّه في أرضه وخروج الامام عليه كان غير مشروع وان الحسين قتل بشريعة جده(2) حفنة من التراب عليه وعلى كل منحرف عن الحق وضال عن الطريق. بأي منطق كان يزيد القرود والفهود امام المسلمين وخليفة اللّه في الأرض ، أبقتله لسيد شباب اهل الجنة
__________________
(1) وفيات الأعيان 1 / 413
(2) العواصم (ص 232)
أم باباحته لمدينة الرسول (ص) وحرقه للكعبة كان اماما للمسلمين؟ وقد سمع عمر بن عبد العزيز شخصا وصف يزيد بأمير المؤمنين فأمر بضربه عشرين سوطا(1) .
ان الدفاع عن يزيد واضفاء الشرعية على حكومته ، وتبريره من الاثم في قتله لريحانة رسول اللّه (ص) انما هو دفاع عن المنكر ، ودفاع عن الباطل ، فيزيد وأمثاله من حكام الأمويين والعباسيين هم الذين عملوا على تأخير المسلمين وجروا لهم الفتن والخطوب والقوهم في شر عظيم.
وانكر ابن حجر الهيثمي رضا يزيد او أمره بقتل الحسين(2) وقد ساقته العصبية العمياء إلى هذا القول الذي يتنافى مع البديهيات من أن ابن مرجانة كان مجرد آلة من دون أن يكون له أي رأي أو ارادة في قتل الحسين ، وقد قال لمسافر بن شريح اليشكري : اما قتلي الحسين فانه أشار علي يزيد بقتله أو قتلي فاخترت قتله(3) فلم يقدم ابن زياد على قتل الحسين إلا بعد أن هدده يزيد بالقتل إن لم يستجب له.
ودافع انيس زكريا النصولي بحرارة عن يزيد فقال :
«لا شك أن يزيد لم يفكر البتة بقتل الحسين ، ولم يأمل أن
__________________
(1) شذرات الذهب 1 / 69
(2) الفتاوى الحديثة (ص 93)
(3) تأريخ ابن الأثير 3 / 324
تتطور المسألة العلوية فتلعب هذا الدور المهيب ، ويقدم ابن زياد للفتك به»(1) .
وممن نزه يزيد الدكتور محمد النجار فقال : «ولا يتحمل يزيد بن معاوية شيئا من هذه التبعة ـ يعني تبعة قتل الحسين ـ لأنه على الرغم من أن تأريخه ملطخ بالسواد الا انه ـ فيما يبدو ـ برىء من تهمة التحريض على قتل الحسين»(2) .
ومن أصلب المدافعين عن يزيد في هذا العصر محمد عزة دروزه فقد اشاد بيزيد ونزهه من هذه الجريمة ، كما نفى المسئولية عن ابن زياد وسائر القوات المسلحة التي قتلت الحسين والقى باللائمة على الحسين قال :
«وليس هناك ما يبرر نسبة قتل الحسين الى يزيد فهو لم يأمر بقتاله فضلا عن قتله ، وكل ما أمر به أن يحاط به ولا يقاتل إلا إذا قاتل ومثل هذا القول يصح بالنسبة لعبيد اللّه بن زياد فكل ما أمر به أن يخاط به ولا يقاتل إلا اذا قاتل ، وان يؤتى به ليضع يده في يده أو يبايع ليزيد صاحب البيعة الشرعية ، بل ان هذا يصح قوله بالنسبة لأمراء القوات المسلحة التي جرى بينها وبين الحسين وجماعته قتال ، فانهم ظلوا ملتزمين بما أمروا به ، بل
__________________
(1) الدولة الاموية في الشام (ص 58)
(2) الدولة الأموية في الشرق (ص 104)
وكانوا يرغبون أشد الرغبة في أن يعافيهم اللّه من الابتلاء بقتاله فضلا عن قتله ، ويبذلون جاهدهم في اقناعه بالنزول على حكم ابن زياد ومبايعة يزيد فاذا كان الحسين أبى أن يستسلم ليدخل فيما دخل فيه المسلمون وقاوم بالقوة فمقابلته وقتاله من الوجهة الشرعية والوجهة السياسية سائغا»(1) .
ويرى دروزه ان قتل ريحانة رسول اللّه (ص) وسيد شباب أهل الجنة كان سائغا من الوجهة الشرعية والوجهة السياسية ، لا اكاد اعتقد ان السفكة الجلادين من قتلة الحسين اكثر حقدا وعداء للامام من هذا الانسان الذي ران الباطل على ضميره فماج في تيارات سحيقة من المنكر والاثم.
ويرى طه حسين ان يزيد مسئول عن اراقة دماء الامام ، وليس من الصحيح القول بأن تبعة هذه الجريمة ملقاة على ابن مرجانة قال :
«والرواة يزعمون أن يزيد تبرأ من قتل الحسين على هذا النحو فالقى عبء هذا الاثم على ابن مرجانة عبيد اللّه بن زياد ، ولكنا لا نراه لام ابن زياد ولا عاقبه ، ولا عزله عن عمله كله او بعضه ، ومن قبله معاوية قتل حجر بن عدي وأصحابه ، ثم القى عبء قتلهم على زياد وقال :
حملني ابن سمية فاحتملت»(2) .
ان ابن زياد لم يفعل ما فعل الا بأمر قاطع من يزيد ، ولو كان لم يرض بذلك لحاسبه على جريمته وما جلس وإياه في مجلس الشراب ولما
__________________
(1) تاريخ الجنس العربي 8 / 383.
(2) الفتنة الكبرى 2 / 265
جزل له في العطاء فان ذلك يدل على رضاه بقتل الحسين وعدم ندمه على مرارة المذبحة وهول الجناية.
قال التفتازاني : «اتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين أو أمر به او اجازه او رضي به والحق ان رضا يزيد بقتل الحسين واستبشاره بذلك ، واهانته أهل بيت رسول اللّه (ص) مما تواتر معناه ، وإن كان تفصيله آحادا ، فنحن لا نتوقف في شأنه بل في كفره لعنة اللّه عليه وعلى أنصاره واعوانه»(1) .
ويقول العلامة اليافعي : «واما حكم من قتل الحسين او امر بقتله فهو كافر ، فمن استحل ذلك فهو كافر»(2) .
وافتى احمد بن حنبل بالامساك عن لعن يزيد يقول ابو طالب :
سألت احمد عمن نال من يزيد بن معاوية فقال : لا تتكلم في هذا ، قال
__________________
(1) شذرات الذهب 1 / 68
(2) شذرات الذهب 1 / 69
النبي : لعن المؤمن كقتله(1) ومن الغريب هذه الفتيا فقد جعل مدركها الحديث النبوي وهو لا ينطبق على يزيد فانه لا نصيب له من الايمان والاسلام بعد اقترافه للجرائم الفظيعة كابادة العترة الطاهرة واباحة مدينة الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم ، وحرق الكعبة المقدسة فان كل واحدة من هذه الموبقات تخرجه من حظيرة الاسلام.
وقد أنكر على أحمد ولده صالح فقد قال له : إن قوما ينسبونا إلى تولي يزيد؟ فقال له : وهل يتولى يزيد أحد يؤمن باللّه؟ فقال له ولده.
ـ ولم لا تلعنه؟
ـ ومتى رأيتني لعنت أحدا؟
ـ يا ابة ولم لا يلعن من لعنه اللّه في كتابه؟
ـ واين لعن اللّه يزيدا؟
ـ في قوله تعالى :( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أَرْحٰامَكُمْ أُولٰئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ اَللّٰهُ ) فهل يكون فساد أعظم من القتل وأمسك احمد عن الجواب(2) .
واصدر المعتضد العباسي كتابا نشر فيه مخازي بنى أمية ، واشاد فيه بآل البيت وأمر باذاعته ونشره في النوادي الحكومية والشعبية والمجتمعات
__________________
(1) الآداب الشرعية والمنح المرعية لشمس الدين الحنبلي 1 / 304.
(2) الصراط السوي في مناقب آل النبي (ص 95)
العامة أيام الجمعات والاعياد ، وقد جاء فيه مما يخص يزيد :
«ولما تكنّ الخلافة إلى يزيد طلب متحفزا يطلب بثأر المشركين من المسلمين فأوقع بأهل المدينة وقعة الحرة الوقعة التي لم تمر على البشرية مثلها ، ولا على المسلمين أفضع وابشع منها فشفا عند نفسه غليله ، وظن انه انتقم لاشياخه من أولياء اللّه ، وبلغ الثأر لأعداء اللّه والرسول (ص) وأضاف يقول :
«ثم ان أغلظ ما انتهك واعظم ما اجترم سفكه لدم الحسين بن علي (ع) مع علمه بموقعه من رسول اللّه (ص) وسماعه منه أنه قال :
«الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا ، الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة» اجتراء منه على اللّه ورسوله وعداوة منه لهما فما خاف من عمله ذلك نقمة ولا راقبه في معصية»(1) .
لقد كان قتل ريحانة رسول اللّه (ص) من اعظم الاحداث الجسام التي روع بها المسلمون وامتحنوا بها امتحانا شاقا وعسيرا ، كما انها من افجع الأحداث العالمية ، فقد كانت القسوة التي قوبلت بها عترة النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من افظع ما جرى في تاريخ العالم.
فقد مارس اولئك الجفاة الممسوخون من جيش يزيد جميع ضروب الخسة وألوان اللؤم. وتنكروا لجميع القيم الانسانية والاعراف السائدة ، وما قننه الناس من معاني الفضيلة والاخلاق ، فقتلوا الرجال والأطفال والنساء بعد أن حرموهم من الماء ومثلوا بتلك الجثث الزواكي ، وحملوا الرءوس الطاهرة على الحراب ، وسبوا ودائع الرسول الأعظم (ص) على اقتاب الجمال يطاف بهن في الاقطار والامصار ، ليظهر الطاغية قهره لآل النبي (ص) وتغلبه عليهم ، وكل هذه الأحداث جرت بأمره
__________________
(1) شرح النهج لابن ابي الحديد 2 / 458
والحاحه ، فهو المسئول عنها.
أما ابن زياد فلم يكن سوى آلة واداة بيده ، ومنفذ لرغباته كما دللنا على ذلك في البحوث السابقة.
ان تنزيه يزيد ، والقاء المسئولية على ابن مرجانة ما هو الا لون من الوان الانحراف عن الحق «والانقياد للعصبية العمياء التي لا يخضع لها من يملك وعيه واختياره.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عما قيل في تبرير يزيد من المخاريق والأباطيل ، وما أثر من الأعلام في تجريم يزيد وتحميله المسئولية في اراقة دم الامام :
الى يثرب
ولم يطل مكث اهل البيت في دمشق ، فقد خشي يزيد من وقوع الفتنة ، واضطراب الرأي العام ، ووقوع ما لا تحمد عقباه ، فقد أحدث خطاب العقيلة زينب وخطاب الامام زين العابدين انقلابا فكريا في جميع الأوساط ، فقد انارت تلك الخطب المشرقة العقول ، وأثارت العواطف واصبحت حديث الأندية والمجالس فكانت تغلي كالحمم على تلك الدولة الغاشمة وهي تنذر بانفجار شعبي يكتسح دولة يزيد ، فقد عرفت اهل الشام لؤم يزيد ، وخبث عنصره ، وقلبت الرأي العام عليه فجوبه بالنقد حتى في مجلسه وسقط اجتماعيا ، وذهبت مكانته من النفوس.
ودعا الطاغية الامام زين العابدين (ع) فأبدى له معاذيره ، والقى المسئولية في هذه الجريمة على ابن مرجانة قائلا :
«لعن اللّه ابن مرجانة ، أما واللّه لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا إلا اعطيته اياها ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن قضى اللّه ما رأيت يا بني كاتبني بكل حاجة تكون لك(1) وانه سيكون في قومك أمور فلا تدخل معهم في شيء»(2) .
واعرض عنه الامام فلم يجبه بشيء ، فقد عرف واقع اعتذاره ، وانه كان تهربا مما لحقه من العار والخزي.
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 300
(2) تذهيب التهذيب 1 / 157
وأمر الطاغية بانطاع من الابريسم ففرشت في مجلسه ، وصب عليها أموالا كثيرة ، وقدمها لآل البيت لتكون دية لقتلاهم وعوضا لأموالهم التي نهبت في كربلا فقال :
«خذوا هذا المال عوض ما اصابكم»
والتاعت شقيقة الحسين السيدة أم كلثوم وتميزت غيظا فصاحت به.
«ما أقل حياءك ، واصلف وجهك تقتل أخي واهل بيتي وتعطيني عوضهم»(1) .
وقالت سكينة :
«واللّه ما رأيت أقسى قلبا من يزيد ، ولا رأيت كافرا ، ولا مشركا شرا منه ، ولا أجفى منه»(2) .
وباء يزيد بالفشل ، فقد حسب أن اهل البيت تغريهم المادة ، ولم يعلم أنهم من صنائع اللّه قد اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
وعرض الطاغية على الامام زين العابدين أن يعرض عليه حاجته فقال (ع) :
__________________
(1) مقتل الحسين لعبد اللّه
(2) مقتل الحسين لعبد اللّه
أريد منك أن تريني وجه أبي ، وأن تعيد على النساء ما أخذ منهن ففيها مواريث الآباء والامهات ، وإذا كنت تريد قتلي فارسل مع العيال من يؤدي بهن الى المدينة».
واكبر الظن ان الامام أراد من رؤية رأس أبيه ان يعطيه الرأس الشريف ليواريه ، ولكن الطاغية لم يجبه إلى ذلك فقد أمر أن يطاف به في جميع أنحاء البلاد لاشاعة الذعر والفزع بين الناس ، وحتى يكون عبرة لكل من يخرج عليه ، وأما طلب الامام أن يعيد على النساء ما اخذ منهن فلم يرد بذلك الحلي والحلل وغيرها من الأموال التي نهبت منهن في يوم كربلا ، وانما أراد أن يرد عليهم المواريث النفيسة التي ورثوها من جدهم رسول اللّه (ص) كعمامته ودرعه وسيفه ، وغير ذلك مما هو أثمن من المال.
واطرق الطاغية برأسه الى الأرض يفكر في طلب الامام (ع) ثم رفع رأسه وقال له :
«اما وجه أبيك فلن تره ، واما ما اخذ منكم فيرد إليكم ، واما النسوة فلا يردهن غيرك ، وقد عفوت عن قتلك»(1) .
وعهد الطاغية الى النعمان بن بشير ان يقوم برعاية ودائع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم ، ويصحبهم إلى يثرب(2) وامر باخراجهم من
__________________
(1) مقتل الحسين لعبد اللّه
(2) تاريخ ابن الأثير 3 / 300
دمشق ليلا خوفا من الفتنة ، واضطراب الأوضاع(1) .
وانتهت انباء الكارثة الكبرى الى يثرب قبل وصول السبايا إليها ، وقد حمل النبأ عبد الملك بن الحارث السلمي بأمر من ابن زياد ، وقد اخذ يجذ في السير حتى انتهى إليها ، وقد اعياه السقر فاسرع إلى حاكم المدينة الأشدق ، وقد لقيه رجل فرابه ما هو فيه من الارتباك فأسرع إليه قائلا :
ـ ما الخبر؟
ـ الخبر عند الأمير
وفطن الرجل لهول الأمر فقال :
«انا للّه وانا إليه راجعون» قتل واللّه الحسين ، صدقت أمّ سلمة بما نبأت به»(2) .
ووافى رسول ابن زياد حاكم المدينة فأخبره بمقتل الحسين فاهتز فرحا وسرورا وراح يقول :
«واعية بواعية عثمان»(3) .
وامر الأشدق باذاعة ذلك بين الناس فهرعوا وقد علاهم البكاء نحو الجامع النبوي ليتعرفوا على تفصيل الحادث الأليم.
__________________
(1) جوهرة الكلام في مدح السادة الاعلام (ص 128)
(2) زينب بنت علي لعبد العزيز سيد الأهل (ص 152)
(3) مقتل الحسين لعبد اللّه
واعتلى الطاغية عمرو بن سعيد الأشدق اعواد المنبر وهو يهز اعطافه مسرورا بقتل الامام ، وقد اظهر احقاده واضغانه فقال :
«أيها الناس : إنها لدمة بلدمة ، وصدمة بصدمة ، كم خطبة بعد خطبة ، حكمة بالغة فما تغني النذر ، لقد كان يسبنا ونمدحه ، ويقطعنا ونصله ، كعادتنا وعادته ، ولكن كيف نصنع بمن سل سيفه علينا يريد قتلنا الا ان ندفعه عن انفسنا».
وقطع عليه عبد اللّه بن السائب خطابه الذي اظهر فيه الشماتة بقتل ريحانة رسول اللّه (ص) ، فقال له :
«لو كانت فاطمة حية ورأت رأس الحسين لبكت عليه»
وكان هذا الاستنكار بداية نقد يجابه به والي المدينة وهو يخطب وقد لذعه نقده فصاح به.
«نحن احق بفاطمة منك ابوها عمنا ، وزوجها اخونا ، وامها ابنتنا ، ولو كانت فاطمة حية لبكت عينها ، وما لامت من قتله»(1) .
وقد شذ الأشدق في قوله عن جميع الاعراف الاجتماعية فقد زعم ان فاطمة لو كانت حية لما لامت قاتل ولدها ، بل من المؤكد عنده انها تبارك القاتل الأثيم لأن بذلك دعما للحكم الأمري وبسطا لسلطانهم الذي يحمل جميع الاتجاهات الجاهلية.
ان فاطمة لو كانت حية وشاهدت فلذة كبدها على صعيد كربلا وهو يعاني من الخطوب والكوارث التي لم تجر على أي انسان لذابت نفسها حسرات ، وقد روى علي عن رسول اللّه (ص) انه قال :
__________________
(1) مقتل المقرم (ص 417)
«تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ، ومعها ثياب مصبوغة بدم فتتعلق بقائمة من قوائم العرش ، فتقول : يا عدل احكم بيني وبين قاتل ولدي فيحكم لابنتي ورب الجنة»(1) .
ووقع النبأ المؤلم بقتل الحسين كالصاعقة على رءوس الهاشميين فقد علا الصراخ والعويل من بيوتهم ، وخرجت السيدة زينب بنت عقيل(2) ناشرة شعرها ، وهي تصيح :
«وا محمداه ، وا حسيناه ، وا إخواتاه وا اهيلاه»(3) .
وجعلت تنظم ذوب روحها بابيات تخاطب بها المسلمين قائلة :
ما ذا تقولون : إن قال النبي لكم |
ما ذا فعلتم وأنتم آخر الأمم |
|
بعترتي وبانصاري وذريتي |
منهم أسارى وقتلى ضرجوا بدم |
|
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم |
أن تخلفوني بسوء في ذوي رحمي |
فاجابها ابو الأسود وهو غارق في البكاء والشجون نقول :
«ربنا ظلمنا أنفسنا ، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين» وعلاه الجزع وراح يقول :
__________________
(1) الصراط السوى في مناقب آل النبي (ص 93)
(2) زينب بنت عقيل تزوجت بعلي بن ركانة من بني عبد المطلب اولدت منه ولدا ، ومن بناتها عبدة ، وهي أم أبي البختري القاضي المشهور جاء ذلك في انساب الاشراف ق 1 ج 1.
(3) مرآة الزمان في تواريخ الاعيان
أقول : وزادني حنقا وغيظا |
أزال اللّه ملك بني زياد |
|
وابعدهم كما بعدوا وخافوا |
كما بعدت ثمود وقوم عاد |
|
ولا رجعت ركائبهم إليهم |
إذا وقفت يوم التناد(1) |
رساد البكاء وعمت اللوعة وانتشر الحزن في جميع انحاء يثرب ، فلم ير اكثر باك ولا باكية من ذلك اليوم.
وأقام عبد اللّه بن جعفر مأتما للعزاء على ابن عمه الحسين فجعل الناس يفدون عليه يعزونه بمصابه الأليم ، ويقول المؤرخون : انه كان له مولى يسمى ابا السلاسل فقال له :
«هذا ما لقينا من الحسين»
وقد حسب الغبي أنه يتقرب إليه بذلك لأنه لو لا الحسين لما استشهد ولداه ، ولما سمع ابن جعفر مقالته فقد أهابه ، وحذفه بنعله قائلا :
«يا بن اللخناء تقول ذلك في الحسين؟ واللّه لو شهدته لأحببت أن لا افارقه حتى اقتل معه ، واللّه انه لمما يسخي نفسي عن ولدي ، ويهون علي المصاب بهما أنهما اصيبا مع أخي وابن عمي مواسيين له صابرين معه».
وأقبل على حضار مجلسه فقال لهم :
«الحمد للّه لقد عزّ علي المصاب بمصرع الحسين أن لا اكون واسيته بنفسي فقلد واساه ولداى(2) .
__________________
(1) مجمع الزوائد 9 / 199 ، معجم الكبير للطبراني 1 / 140
(2) تأريخ الطبري 6 / 218
ورزأ ابن عباس كأشد ما تكون الرزية محنة وألما حينما سمع بقتل الامام ، وكان في البيت الحرام فقد أسر إليه شخص ، وعرفه بالحادث المؤلم فذعر وفقد أهابه فقال له محمد بن عبد اللّه :
«ما حدث يا أبا العباس؟»
«مصيبة عظيمة نحتسبها عند اللّه»
ثم اجهش بالبكاء ، وانصرف الى منزله حزينا كثيبا ، وأقام مأتما في بيته فأقبل عليه الناس يعزونه بمصابه العظيم ويشاركونه الآسى واللوعة(1) .
ولما جاء نعي الحسين إلى مكة التقى مسور بابن الزبير فقال له مسور :
«قد جاء ما كنت تتمنى من موت الحسين بن علي»
فراوغ ابن الزبير وقال :
«يا أبا عبد الرحمن تقول لي هذا؟ فو اللّه ليته ما بقي بالجما(2) حجر واللّه ما تمنيت ذلك»
ورد عليه مسور :
«أنت اشرت عليه بالخروج الى غير وجه»
«نعم أشرت عليه ، ولم ادر أنه يقتل ، ولم يكن بيدي أجله ،
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 86
(2) الجما : هضبة قرب المدينة
ولقد جئت ابن عباس فعزيته ، فعرفت أن ذلك يثقل عليه مني ، ولو اني تركت تعزيته قال : مثلي يترك لا يعزيني بحسين ، فما اصنع؟ اخوالي وغرت صدورهم علي ، وما ادري على أي شيء؟»
فاسدى له مسور النصيحة وقال له :
«ما حاجتك الى ذكر ما مضى دع الأمور تمضي ، وبر أخوالك فأبوك أحمد عندهم منك»(1) .
وذهب اكثر المؤرخين إلى ان الطاغية بعث برأس ريحانة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم إلى يثرب لاشاعة الرعب والخوف ، والقضاء على كل حركة ضده ، وجيء بالرأس الشريف الى حاكم المدينة عمرو بن سعيد الأشدق فأنكر ذلك وقال :
«وددت واللّه إن امير المؤمنين لم يبعث إلينا برأسه»
وكان في مجلسه الوزغ ابن الوزغ مروان بن الحكم فصاح به :
«بئس ما قلت : هاته»
وأخذ الوزغ الرأس الشريف وجعل يهز اعطافه بشرا وسرورا وهو يقول بشماتة :
يا حبذا بردك في اليدين ولونك الأحمر في الخدين
وجيء بالرأس العظيم فنصب في جامع الرسول (ص) وصرخت نساء آل أبي طالب ، وهر عن الى القبر الشريف ببكاء وعويل فقال مروان :
__________________
(1) تاريخ ابن عساكر 13 / 86 :
عجت نساء بني زبيد عجة |
كعجيج نسوتنا غداة الأرنب(1) |
وراح مروان يبدي أفراحه حينما سمع عوبل الهاشميات قائلا :
«واللّه لكأني أنظر إلى أيام عثمان»(2)
والتفت الى قبر النبي (ص) فقال له :
«يا محمد يوم بيوم بدر»(3)
لقد ظهرت الأحقاد الأموية ، وظهر أنها لا تؤمن بالاسلام وانها محتفظة بجاهليتها الأولى وقد استوفت ثأرها من النبي (ص) بابادتها لعترته.
وصرحت بعض المصادر أن سبايا آل البيت طلبوا من الوفد الموكل بحراستهم أن يعرج بهم إلى كربلا ليجددوا عهدا بقبر سيد الشهداء فلبى الوفد طلبهم فانعطفوا الى كربلا ، ولما انتهوا إليها استقبلن العلويات مرقد أبي عبد اللّه (ع) بالصراخ والعويل وسالت الدموع كل مسيل وقضين أياما ثلاثة كن من أثقل الليالي وأوجعها على اهل البيت فلم تهدأ لهم عبرة حتى بحت الأصوات وتفتت القلوب.
وتصرح بعض المصادر ان الصحابي الجليل جابر بن عبد اللّه الأنصاري
__________________
(1) غداة الأرنب : اراد ان نساء أهل البيت عججن بالبكاء كعجيج نساء قريش بمصاب من قتل في بدر.
(2) مرآة الزمان في تواريخ الأعيان 5 / 101
(3) شرح النهج 4 / 72 ، وممن ذكر وصول الرأس الى يثرب البلاذري في انساب الأشراف ق 1 ج 1 ، والقاضي نعمان المصري في المثالب والمناقب.
قد وفد الى التشرف بزيارة قبر أبي عبد اللّه فالتقى به الامام زين العابدين وأخذ يحدثه عما جرى عليهم من صنوف الرزايا والنكبات ، ثم غادروا كربلا متوجهين الى يثرب(1) .
واتجه موكب اسارى أهل البيت الى يثرب فاخذ يجذ في السير لا يلوي على شيء وقد جللته الاحزان والآلام ، وقد غامت عيون بنات رسول اللّه (ص) بالدموع وهن ينحن على فقد الأحبة ويذكرن بمزيد اللوعة ما جرى عليهن من أسر الذل والهوان.
وكانت يثرب قبل قدوم السبايا إليها ترفل في ثياب الحزن على أم المؤمنين السيدة أم سلمة زوج النبي (ص) فقد ماتت بعد مقتل الحسين عليه السلام ، بشهر حزنا وكمدا عليه(2) وهي التي انبأت الناس عن مقتله.
ولما وصل الامام زين العابدين بالقرب من يثرب نزل فضرب فسطاطه وأنزل عمامته واخواته ، والتفت إلى بشر بن حذلم فقال له :
__________________
(1) تفسير المطالب في أمالي أبي طالب (ص 93) الحدائق الوردية 1 / 133 ، الامام زين العابدين لأحمد فهمي (ص 59) مقتل الحسين لعبد اللّه ، مقتل المقرم.
(2) مرآة الزمان (ص 103)
«يا بشر رحم اللّه أباك لقد كان شاعرا ، فهل تقدر على شيء منه؟»
«بلى يا بن رسول اللّه اني لشاعر»
«ادخل المدينة وانع ابا عبد اللّه»
وانطلق بشر الى المدينة فلما انتهى الى الجامع النبوي رفع صوته مشفوعا بالبكاء وهو يقول :
يا أهل يثرب لا مقام لكم بها |
قتل الحسين فادمعي مدرار |
|
الجسم منه بكربلاء مضرج |
والرأس منه على القناة يدار |
وهرعت الجماهير نحو الجامع النبوي وهي ما بين نائح وصائح تنتظر من بشر المزيد من الأنباء فالتفت إليهم وهو غارق في البكاء قائلا :
«هذا علي بن الحسين مع عماته واخواته قد حلوا بساحتكم ، وأنا رسوله إليكم اعرفكم مكانه».
وعج الناس بالبكاء وانطلقوا مسرعين يستقبلون آل الرسول (ص) الذي برّ بدينهم ودنياهم ، وانتشر الحزن وعمت الكابة جميع الأوساط ، فكان ذلك اليوم ، كما وصفه المؤرخون كاليوم الذي مات فيه رسول اللّه (ص)(1) وازدحم الناس على الامام زين العابدين وهم يعزونه بمصابه الأليم ، ويشاركونه الأسى واللوعة.
ورأى الامام أن يحدث الناس بما جرى عليهم من عظيم الرزايا والنكبات ، وما عانوه من اسر الذل والهوان ولم يكن باستطاعته أن يقوم
__________________
(1) اللهوف (ص 116)
خطيبا فقد ألمت به الأمراض ، وانهكته الآلام فجيء له بكرسي فجلس عليه ، فقال (ع) :
«اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ اَلْعٰالَمِينَ ، اَلرَّحْمٰنِ اَلرَّحِيمِ ، مٰالِكِ يَوْمِ اَلدِّينِ » بارئ الخلق أجمعين ، الذي بعد فارتفع في السماوات العلى ، وقرب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأمور وفجائع الدهور ، والم الفجائع ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء ، وعظيم المصائب الفاظعة الكاظة ، الفادحة الجائحة.
أيها القوم : إن اللّه تعالى ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الاسلام عظيمة ، قتل أبو عبد اللّه الحسين وعترته ، وسببت نساؤه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان ، من فوق عامل السنان ، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية.
أيها الناس ، فأي رجالات منكم يسرون بعد قتله أم أي فؤاد لا يحزن من أجله ، أم أية عين منكم تحبس دمعها ، وتضن عن انهما لها فلقد بكت السبع الشداد لقتله وبكت البحار بأمواجها ، والسماوات باركانها والأرض بارجائها ، والاشجار بأغصانها ، والحيتان في لجج البحار ، والملائكة المقربون ، وأهل السماوات أجمعون ،
أيها الناس : أي قلب لا ينصدع لقتله ، أم أي فؤاد لا يحن إليه ، أم أي سمع يسمع بهذه الثلمة التي ثلمت في الاسلام ولا يصم.
أيها الناس : أصبحنا مشردين مطرودين مذودين شاسعين عن الامصار كأننا أولاد ترك وكابل من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الاسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، ان هذا الا اختلاق ، واللّه لو ان النبي تقدم إليهم في قتالنا كما تقدم إليهم في الوصية بنا لما زادوا على ما فعلوا بنا ، فانا للّه وانا إليه راجعون من مصيبة
ما أعظمها وأ فجعها واكظها وافظعها وامرها وأفدحها فعند اللّه نحتسب ما اصابنا وما بلغ فانه عزيز ذو انتقام».
وعرض الامام في خطابه إلى الخطوب السود التي عانتها الأسرة النبوية وما جرى عليها من الظلم الهائل وانبرى إليه صعصعة فألقى إليه معاذيره لأنه كان زمنا ، فقيل الامام عذره وترحم على أبيه ، ثم زخف الامام مع عماته واخواته إلى يثرب وقد احتفت به الجماهير وقد علا منها البكاء والصراخ ، ولما انتهوا إلى الجامع النبوي اخذت عقيلة آل أبي طالب بعضادتي باب المسجد ، وجعلت تخاطب جدها الرسول (ص) قائلة :
«يا جداه إني ناعية إليك أخي الحسين»(1) .
وخلدن بنات رسول اللّه الى الحزن فأقمن الماتم على سيد الشهداء وليسن السواد وأخذن يندبنه بأقسى واشجى ما تكون الندبة.
وشكرن العلويات رئيس الحرس الذي قام برعايتهن من دمشق الى يثرب فقد قام لهن بخدمات جليلة تقضي مكافأته فقالت فاطمة بنت الامام امير المؤمنين لأختها زينب.
«لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء؟»
«واللّه ما معنا شيء نصله به إلا حلينا»
«نعم هو ما تقولين»
وأخرجتا سوارين ودملجين لهما ، وبعثنا بهما إليه ، واعتذرتا في أدب ، وتأثر الرجل من هذا الكرم الغامر وهو يعلم ما هن فيه من ضيق
__________________
(1) مقتل المقرم (ص 472)
شديد ، فرده إليهما وقال باحترام :
«لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني ، ولكن واللّه ما فعلته الا للّه ولقرابتكم من رسول اللّه (ص)»(1)
وخلد الامام زين العابدين الى البكاء على أبيه ليلا ونهارا يقول الامام الصادق (ع) : ان جدي علي بن الحسين بكى على أبيه عشرين سنة ، وما وضع بين يديه طعام إلا بكى(2) وعذله بعض مواليه فقال له :
«إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين»
فقال له الامام برفق :
«يا هذا انما أشكو بثّي وحزني إلى اللّه ، واعلم من اللّه ما لا تعلمون ان يعقوب كان نبيا فغيب اللّه عنه واحدا من أولاده وعنده اثنا عشر ولدا وهو يعلم أنه حي فبكى عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن ، واني نظرت الى أبى واخوتي وعمومتي وصحبي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني؟ واني لا أذكر مصرع بني فاطمة الا خنقتني العبرة ، وإذا نظرت إلى عماتي واخواتي ذكرت فرارهن من خيمة الى خيمه»(3) .
ويزداد وجيب الامام ، وتتضاعف آلامه حينما كان ينظر إلى ديار أهله ، وهي خالية موحشة تنعى أهلها ، فقد رحلت عنها تلك الكواكب التي كانت تضيء للناس حياتهم الفكرية والاجتماعية ، وفيها يقول الشاعر :
__________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 266 ، ابن الأثير 3 / 300
(2) الامام زين العابدين لأحمد فهمي (ص 31)
(3) مقتل المقرم (ص 47) وقريب منه جاء في حلية الأولياء 3 / 138
مررت على أبيات آل محمد |
فلم أر مثلها يوم حلت |
|
فلا يبعد اللّه الديار وأهلها |
وإن اصبحت منهم برغم تخلت |
وفيها يقول دعبل الخزاعي :
مدارس آيات خلت من تلاوة |
ومنزل وحي مقفر العرصات |
وحزن الهاشميون على سيد الشهداء كأشد ما يكون الحزن واللوعة فاستمروا في النياحة عليه ثلاث سنين وكان مسور بن مخرمة وابو هريرة والمشيخة من أصحاب رسول اللّه يأتون متسترين فيستمعون ندبتهم ، ويبكون بكاء مرا(1) .
وخلدت عقيلة آل أبي طالب الى البكاء والنياحة على انقراض أهلها(2) وكانت لا تجف لها عبرة ، ولا تفتر عن البكاء ، وكلما نظرت الى ابن اخيها زين العابدين يزداد وجيبها وحزنها(3) وقد نخبت المصائب قلبها حتى صارت كأنها جثة هامدة ، ولم تبق بعد الكارثة الا سنتين حتى سمت روحها الى الرفيق الأعلى.
__________________
(1) دعائم الاسلام 1 / 230
(2) الوافي في المسألة الشرقية 1 / 43
(3) مقتل الحسين لعبد اللّه
ووجدت عليه زوجته الرباب وجدا شديدا ، وحزنت عليه حزنا عميقا ، وقد ابدت من الوفاء ما لم ير مثله ، وقد خطبها الاشراف من قريش فأبت وقالت : ما كنت لاتخذ حموا بعد رسول اللّه (ص) وبقيت بعده سنة لم يظلها سقف حتى ماتت كمدا(1) ويقول المؤرخون انها رثته رثاء حزينا فقالت فيه.
ان الذي كان نورا يستضاء به |
بكربلاء قتيل غير مدفون |
|
سبط النبي جزاك اللّه صالحة |
عنا وحبيت خير الموازين |
|
قد كنت جبلا صعبا الوذ به |
وكنت تصحبنا بالرحم والدين |
|
من لليتامى ومن للسائلين ومن |
يغني ويأوي إليه كل مسكين |
|
واللّه لا ابتغي صهرا بصهركم |
حتى اغيب بين الرمل والطين(2) |
ويقول بعض المؤرخين إنها اقامت على قبره الشريف سنة ثم انصرفت وهي تقول :
الى الحول ثم السلام عليكما |
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر |
وهذا القول بعيد فان العائلة الحسينية بعد اليوم العاشر كلها رحلت من كربلا ، ولم يتخلف احد منها حسب ما اجمع عليه المؤرخون.
وبلغ من وفاء ازواجه ان زوجته السيدة عاتكة بنت زيد بن عمرو ابن نفيل كانت تنوح عليه ، وقد رئته بذوب روحها قائلة :
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 / 300 ، جواهر المطالب (ص 141)
(2) الاغاني 14 / 158
وا حسينا فلا نسيت حسينا |
اقصدته اسنة الأعداء |
|
غادروه بكربلاء صريعا |
لا سقى الغيث بعده كربلاء(1) |
وخلدت أمّ البنين الى البكاء والنياحة على ابنائها البررة الذين استشهدوا مع اخيهم الحسين فقد نخب الحزن قلبها ، وراحت تبكيهم بذوب روحها ويقول بعض المؤرخين : انها كانت تخرج الى البقيع فتندبهم بأشجى وأوجع ما تكون الندبة ، وكان الناس يجتمعون حولها فيسمعون رثاءها الحزين لابنائها فيبكون ، وكان ممن يجيء لذلك مروان بن الحكم فيتأثر على قساوة قلبه وشدة عداوته لأهل البيت(2) وقد نفى المحقق العلامة المغفور له السيد عبد الرزاق المقرم أن تكون أم البنين حية بعد كارثة كربلا ، وانها توفيت قبل ذلك(3) وقد صرح ابو الفرج وغيره من المعنيين بهذه البحوث بأنها كانت حية.
وانطوت السنون والاجيال والناس يتساءلون بلهفة أين دفن رأس الحسين؟ بعد ما أصبح جسده الطاهر مزارا في كربلا يطيف به الناس
__________________
(1) معجم البلدان 4 / 244
(2) مقاتل الطالبيين
(3) مقتل الحسين (ص 420 ـ 224)
متفقين ومختلفين ، وقد كثرت أقوال المؤرخين في المكان الذي حظي به وهذه بعضها :
والمشهور عند الشيعة الامامية ان الرأس العظيم اعيد الى كربلا ، ودفن مع الجسد الطاهر ، وقد ذكر السيد رضي الدين علي بن طاوس ان عمل الطائفة على ذلك(1) وممن نص على ذلك المجلسي(2) وابن نما(3) كما اشتهر ذلك عند فريق كبير من علماء السنة منهم الشبراوي(4) وابن الجوزي(5) والبيروني(6) والقزويني(7) وغيرهم ومما لا شبهة فيه ان علماء الشيعة الامامية معنيون بالاهتمام والبحث عن هذه الجهة اكثر من غيرهم ، فهم ادرى بواقع الحال واكثر وقوفا عليه من أي باحث آخر.
أما كيفية نقل الرءوس الشريفة الى كربلا ودفنها مع الاجساد الطاهرة ففيما نحسب انه يحتمل أحد أمرين :
الأول ـ ان الامام زين العابدين التمس من يزيد أن يسمح له
__________________
(1) اللهوف (ص 112)
(2) البحار ، اعلام الورى
(3) مثير الاحزان (ص 58)
(4) الاتحاف بحب الأشراف (ص 12)
(5) تذكرة الخواص (ص 150)
(6) الآثار الباقية 1 / 331
(7) عجائب المخلوقات (ص 67)
بذلك فاجابه إليه ، وقد اخذ يزيد يتطلب مرضاة الامام بعد ان نقم عليه عليه المسلمون وكرهوا خلافته ، وعلى هذا فيطرح ما روي ان الامام (ع) لما طلب منه ان يريه وجه أبيه فلم يجبه إلى ذلك ، ويحتمل انه أجابه إليه بعد رفضه.
الثاني ـ ان الامام زين العابدين طلب من حاكم المدينة حينما حملت إليه الرءوس أن يواريها مع الأجسام فأجابه الى ذلك ، فأخذها ورجع الى كربلا وواراها مع الاجساد الطاهرة.
وذهب فريق من المؤرخين الى ان الرأس الشريف دفنه حاكم المدينة في البقيع الى جانب أمه (ع)(1) .
واثرت مجموعة من الاخبار عن الامام الصادق (ع) تنص على أن الرأس الشريف دفن في الغري ، وهذه بعضها :
1 ـ روى عمرو بن طلحة قال : قال لي أبو عبد اللّه (ع) :
وهو بالحيرة أما تريد ما وعدتك قلت : بلى ـ يعني الذهاب الى قبر امير المؤمنين (ع) قال فركب وركب اسماعيل وركبت معهما حتى اذا جاز الثوية وكان بين الحيرة والنجف عند ذكوات بيض نزل ونزل اسماعيل
__________________
(1) شذرات الذهب 1 / 67 ، مرآة الجنان 1 / 146 ـ 136 ، البداية والنهاية 8 / 204 ، وسيلة المال (ص 194) المنتظم.
ونزلت معهما فصلى وصلى اسماعيل وصليت فقال لإسماعيل : قم فسلم على جدك الحسين ، فقلت ، جعلت فداك أليس الحسين بكربلاء؟ فقال : نعم ، ولكن لما حمل رأسه سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين(1) .
2 ـ روى ابان بن تغلب قال : كنت مع أبي عبد اللّه (ع) فمر بظهر الكوفة فصلى ركعتين ثم تقدم قليلا فصلى ركعتين ، ثم سار قليلا فنزل فصلى ركعتين ، ثم قال هذا موضع قبر امير المؤمنين ، قلت : والموضعين اللذين صليت فيهما قال : موضع رأس الحسين وموضع منزل القائم(2) .
3 ـ روى علي بن اسباط بسنده قال : قال ابو عبد اللّه (ع) : إنك اذا أتيت الغري رأيت قبرين قبرا كبيرا وقبرا صغيرا ، اما الكبير فقبر امير المؤمنين (ع) وأما الصغير فرأس الحسين (ع)(3) .
هذه بعض الأخبار التي تصرح بأن الرأس الشريف قد دفن في الغري ولكن التعبير في بعضها بأنه موضع الرأس لا يدل على أنه قد دفن فيه.
وذهب جمهور من المؤرخين الى أن الرأس الشريف قد دفن في دمشق ، وقد اختلفوا في المكان الذي حظي به وهذه بعض الأقوال :
__________________
(1) وسائل الشيعة 10 / 310
(2) فروع الكافي 4 / 572
(3) وسائل الشيعة 10 / 311
أ ـ ذفن في حائط بدمشق
ب ـ في دار الامارة
ج ـ في المقبرة(1)
د ـ في داخل باب الفراديس ، ويعرف بمسجد الرأس(2)
ه ـ في جامع دمشق(3)
وهناك أقوال أخر غير هذه
ذكر ذلك احمد عطية(4) وهو قول شاذ لم يذكره أحد من المؤرخين.
وذهب بعض المؤرخين إلى أن الرأس الشريف قد حظيت به القاهرة أما كيفية نقله لها ففيها قولان :
1 ـ ما ذكره الشعراني أن العقيلة زينب (ع) نقلته الى مصر ودفنته فيه(5) وهذا القول شاذ لا يعول عليه.
__________________
(1) انساب الأشراف ق 1 ج 1
(2) البداية والنهاية 8 / 204
(3) تأريخ الصحابة (ص 14) لابن حيان احمد التميمى مخطوط
(4) دائرة المعارف الحديثة (ص 152)
(5) الطبقات 1 / 23
2 ـ ما أفاده المقريزي انه نقل من عسقلان إلى مصر سنة (548 هـ) في اليوم العاشر من شهر جمادى الآخرة ، وقد نقله سيف المملكة مع القاضي المؤتمن بن مسكين ، وجرى له استقبال ضخم(1) .
هذه بعض الأقوال التي ذكرت في مواراة الرأس العظيم ، وقد شيد في اغلبها مزار يطوف به المسلمون ، وهو من مواضع الاعتزاز والفخر لكل بلد حظي بهذه النسبة.
وعلى أي حال فالحسين قائم في عواطف الناس وقلوبهم ففي اعماق النفوس قبره وذكره فهو اسمى صورة قدسها الناس في جميع الأحقاب والآباد.
وقد سئل أبو بكر الآلوسي عن موضع رأس الحسين فقال :
لا تطلبوا رأس الحسين |
بشرق أرض أو بغرب |
|
ودعوا الجميع وعرجوا |
نحوي فمشهده بقلبي(2) |
وقال الحاج مهدي الفلوجي :
لا تطلبوا رأس الحسين فانه |
لا في حمى ثاو ولا في واد |
|
لكنما صفو الولاء يدلكم |
في أنه المقبور وسط فؤادي(3) |
لقد احتل الامام الحسين عليه السلام مشاعر الناس وثوى في أفئدتهم فهاموا في حبه وتقديسه ، وقد فجعوا بما جرى عليه من عظيم الرزايا والخطوب ، وظلت رزيته تنخر في القلوب ، وتذوب النفوس من هولها
__________________
(1) نور الابصار (ص 121).
(2) البابليات 3 / 128
(3) شعراء الحلة 5 / 371
أسى وحزنا ، وهم يحجون لكل مرقد يحمل شرف الانتساب بأنه مرقد رأس الامام عليه السلام ، وقد ازدحم المرقد العظيم بالقاهرة بالزائرين وهم يتبركون به ، ويعدون زيارته من أفضل الطاعات والقربات إلى اللّه تعالى.
معطيات الثّورة
وليس في تاريخ هذه الدنيا ثورة هزت العالم ، ومجدت الحق ، وسجلت فخرا للانسان مثل ثورة الامام الحسين ، فجميع فصولها نور ، وكل آفاقها شرف ومجد ، وقد حفلت بالدروس الخالدة عن العقيدة التي لا تضعف ، والايمان الذي لا يقهر ، والإباء الذي لا يذل. وقد فتحت لأمم العالم وشعوب الأرض عصرا جديدا اتسم بروح الثورة والتمرد على الظلم والطغيان ، ومقاومة الاضطهاد ومناهضة الفساد :
لقد كانت ثورة ابي الأحرار هي الثورة الاولى في التاريخ البشري وذلك بما حققته من المكاسب على الصعيد الفكري والاجتماعي والسياسي والتي كان من بينها.
واحرز الامام العظيم بشهادته النصر الهائل الذي لم يحرزه أي ثائر في الأرض فقد انتصرت أهدافه ومبادئه التي ناضل من اجلها ، وكان من أهمها انتصار القضية الاسلامية في صراعها السافر مع الأموية التي عبثت بمقدرات الاسلام ، وراحت تستأصل جميع جذوره حتى لا يعد له أي ظل على واقع الحياة ، وقد اخذ الحسين على عاتقه مصير الدين الاسلامي فاستشهد في سبيله ، وقد اعاد سلام اللّه عليه للاسلام نضارته ، وأزال عنه الخطر الجاثم عليه ، يقول الفيلسوف الألماني ماريين : «لا يشك صاحب الوجدان اذا دقق النظر في أوضاع ذلك العصر وكيفية نجاح بني أمية في مقاصدهم ، واستيلائهم على جميع طبقات الناس وتزلزل المسلمين ان الحسين قد أحيا بقتله دين جده وقوانين الاسلام ، ولو لم تقع تلك الواقعة ، ولم تظهر تلك الحسيات الصادقة بين المسلمين ولو لا قتل الحسين لم يكن الاسلام على ما هو عليه قطعا ، بل كان من الممكن ضياع
رسومه وقوانينه حيث كان يومئذ حديث العهد» :
ويكفي الحسين ربحا في شهادته انه احيا الاسلام وفداه بدمه ، وقد المع الى ذلك الامام زين العابدين حينما سأله ابراهيم بن طلحة بن عبد اللّه فقال له :
«من الغالب؟»
(اذا دخل وقت الصلاة فاذن واقم تعرف الغالب»(1)
لقد كان الحسين هو المنتصر والغالب لأنه اعاد للاسلام حياته ونضارته فكان هو المجدد ولعل الرسول الأعظم (ص) عنى هذه الجهة بقوله :
«حسين مني وأنا من حسين»
انه لو لا تضحية الحسين (ع) أضاعت جميع جهود الرسول (ص) وما جاء به من خير وبركة ورحمة للناس فان بني أمية حملوا معول الهدم على جميع المبادئ التي جاء بها هذا الدين فاعلنوا الكفر والالحاد وساسوا الناس بسياسة لا ظل فيها لحكم القرآن.
وكان من أوليات ما احرزه الامام من الانتصارات الرائعة هزيمته للامويين ، فقد نسفت تضحيته جميع الأسس والقواعد التي اقامها معاوية لتوطيد الملك في آل أبي سفيان ، يقول بعض الكتاب : «ان ما بناه معاوية لابنه يزيد في اعوام هدمه الحسين في أيام ، ونظر الناس الى الخليفة نظرة الافن والاستهتار فنفر المسلمون من سياسته ، ولصوق هذا بدولتهم ووسمه الواسمون بسمات الخديعة والمكر والظلم والجور ، وذلك كله
__________________
(1) أمالي الشيخ الطوسي
بفضل هدي الحسين ، وحسن سمته ، وما رسمه من سياسة حكيمة في الوقوف أمام ظلمهم ، وما اختطه من خطة قويمة في دفع عنتهم وبغيهم وما أبداه في حركاته من حزم وايثار»(1) .
لقد أطاح الامام بنهضته المباركة بتلك الرءوس التي نفخها الكبر واثقلها الغرور ، واعماها الطيش ، يقول السيد مير علي الهندي : «إن مذبحة كربلا قد هزت العالم الاسلامي هزا عنيفا مما ساعد على تقويض دعائم الدولة الأموية»(2) .
[مظاهر هزيمة الأمويين]
أما مظاهر الهزيمة الأموية بعد قتل الامام (ع) فهي :
لقد عملت مجزرة كربلا الرهيبة على تجريد الأمويين من الاطار الاسلامي ، وأثبتت أنهم على وثنيتهم وجاهليتهم ، فان ما جرى على آل الرسول (ص) من الابادة الشاملة بعد أن حرمت عليهم القيادة العسكرية الماء ، وما جرى على ريحانة رسول اللّه (ص) من التمثيل بعد القتل ، وسبي حرائر النبوة وعقائل الوحي يطاف بهن من بلد الى بلد ، وهن بحالة تقشعر منها الأبدان ليظهروا قهر آل النبي (ص) ، وابداء التشفي منهم أمام الرأي العام ، وما تمثل به يزيد من الشعر الذي انكر فيه نبوة الرسول (ص) وانه انما أباد عترته طلبا بثأر من قتل من الأمويين في واقعة بدر كل ذلك قد جرد الأمويين من كل نزعة اسلامية ، ودلل على مروقهم من الدين.
__________________
(1) ريحانة الرسول (ص 176)
(2) مختصر تاريخ العرب
وكان من مظاهر الهزيمة الساحقة التي مني بها الأمويون شيوع النقمة والانكار عليهم في جميع الاوساط فقد تعالت موجات عارمة من الانكار على يزيد حتى من عائلته واسرته ، وقد فزع من ذلك كأشد ما يكون الفزع ، وندم على ما اقترفه ، وساءت العلاقة بينه وبين ابن مرجانة فيما بقول المؤرخون.
وهزمت ثورة الامام الحكم الاموي ، ونسفت جميع معالمه ، وجعلته يعيش في ثورات متلاحقة قامت بها الشيعة ، وغيرهم حتى انهار صرح ذلك الحكم الأسود بقيام الدولة العباسية ، وسنذكر عرضا لذلك.
ودللت ثورة أبي الشهداء (ع) على الواقع المشرق لأهل البيت ، وكشفت للعالم الاسلامي الطاقات الهائلة التي يملكونها من الثبات على الحق والصمود أمام الأحداث ، وتبني القضايا المصيرية للأمة ، مما جعلت جمهرة المسلمين يكنون لهم أعظم الود وخالص الحب والولاء.
لقد اظهرت كارثة كربلا للعيان أن أهل البيت هم المثل الأعلى للقيادة الروحية والزمنية لهذه الأمة ، وانهم الرواد للحق والعدل في الأرض.
ومن معطيات الثورة الحسينية انها ركزت التشيع في اطاره العقائدي واصبح عقيدة راسخة في نفوس الشيعة ، يقول فيليب حتى : «لقد ولدت الشيعة في اليوم العاشر من المحرم ، ومن ذلك اليوم اصبحت الامامة في سلالة علي قاعدة من قواعد العقيدة الشيعية ، كما كانت نبوة محمد (ص) قاعدة من قواعد الاسلام(1) ويقول بعض المستشرقين : «لو لا مقتل الحسين لما كانت هناك شيعة في الاسلام»(2) ويقول سترثمان : لقد كانت دماء الحسين التي سالت على سيوف القوات الحكومية هي النواة التي انبتت العقيدة الشيعية اكثر من دماء علي الذي اغتالته يد متامر خارجي».
ويقول الشيخ التستري : انه لو لم يتحمل الحسين لهذه المصائب لم يظهر دين للشيعة ، وذلك لأن بني أمية لما استولوا على البلاد واظهروا الفساد ، وسعوا في اخفاء الحق ، حتى شبهوا الأمر على الناس ، فجعلوا سب علي من اجزاء الصلاة ، وادخلوا في اذهان الناس أن بني أمية أئمة الاسلام ، ورسخ ذلك في عقائد الناس من زمن طفولتهم حيث انهم القوا ذلك الى المعلمين ليفدوا الاطفال في مكاتبهم ومدارسهم ، فاعتقد الناس حقيقة ان هؤلاء أئمة الدين ، وان مخالفهم على ضلال. ولما قتل الحسين بتلك الكيفية وسبيت عياله تنبه الناس الى أن هؤلاء لو كانوا أئمة حق ما فعلوا ذلك ، وان فعلهم لا يطابق دينا ولا مذهبا ولا عدلا ولا يطابق جور الجائرين(3) .
__________________
(1) تاريخ العرب 1 / 237
(2) الحسين بن علي لعمر ابو النصر (ص 10)
(3) خصائص الحسين (ص 89)
لقد اذكت تلك الدماء الزاكية روح الولاء والاخلاص لأهل البيت عند جمهور المسلمين ، وقد انضم تحت لوائهم في ذلك العصر الكثيرون ممن كانوا يقفون موقف الحياد بين الأحزاب المتطاحنة على الحصول على الحكم(1) ان ما جرى على ريحانة رسول اللّه (ص) من المصائب المذهلة قد حير العقول ، وطاش بالألباب ، واذهل كل كائن حي.
وعملت كارثة كربلا على توحيد صفوف الشيعة ، وخلق روح التضامن فيما بينهم بعد أن كانوا ينقصهم الحماس وبذل النفس في الدفاع عما يؤمنون به من أن الخلافة حق شرعي خاص لأهل البيت وقد تبدل ذلك الشعور فكانوا أقوى قوة فعالة تصدت للاطاحة بحكم الأمويين ، فقد هبوا جميعا وشعارهم :
«يا لثارات الحسين»
يقول بعض الكتاب : «لقد كان هذا الحادث البشع المنكر مذكيا للتشيع إلى أقصى حد ، وكان عاملا على وحدة الشيعة وحماسهم لنصرة مذهبهم ، وسببا في ثوراتهم الجارفة ليثأروا من قتلة الحسين»(2) .
واكد ذلك بروكلمان بقوله : «لقد اذكت تلك الدماء التي روت أرض كربلا روح التشيع في نفوس الشيعة ، وجعلتهم يشعرون بوجوب توحيد صفوفهم».
__________________
(1) اتجاهات الشعر العربي (ص 30)
(2) أدب السياسة في العصر الأموي (ص 40).
لقد اثارت مذبحة كربلا العواطف والأحزان في نفوس الشيعة وجعلتهم يؤمنون قبل كل شيء بضرورة اتحادهم للأخذ بثأر الامام العظيم الذي ثار من أجل العدل واعادة حقوق المظلومين والمضطهدين.
وعملت نهضة الامام على تكوين الحس الاجتماعي وخلق روح الثورة في النفوس ، وقد تغيرت الأمة تغييرا كاملا فتسلحت بعد خمودها بقوة الايمان وقوة العزم والتصميم ، وتحررت من جميع السلبيات التي كانت ملمة بها ، فقد اخذت تنادي بحقوقها ، وتعمل جاهدة على اسقاط الحكم الأموي ، وهي تقدم ـ بسخاء ـ القرابين في ثورات متلاحقة تمثل سخطهم العارم وكراهيتهم الشاملة لبني أمية ، ولم يعد هناك أي ظل للخوف والفزع فيهم ، حتى اكتسحت مشاعر الزهو الأموي ، واطاحت بجبروت الأمويين وطغيانهم.
لقد قلبت ثورة الامام الحسين مفاهيم الخوف والخنوع التي كانت سائدة في الأمة الى مبادئ الثورة والنضال والتحرر من ربقة الذل والعبودية ، فقد أعطاهم الامام قوة دافعة ، وامدهم بروح وثابة لمقارعة الظلم والطغيان.
ومن معطيات الثورة الحسينية انها فجرت المواهب والعبقريات ، فبرزت طاقات هائلة من الأدب الرفيع في طليعة الأدب العالمي رقة
وروعة وجمالا.
لقد حفل أدب الثورة الحسينية بأروع ما حفل به الأدب السياسي في الاسلام ، ففيه مناجم اخاذة تعد من أوفر المناجم الفكرية عطاء واغزرها فنا ، ومن بين ما حفل به.
أولا ـ الاشاده بالعدالة الاجتماعية والقيم الانسانية التي ناضل من أجلها الامام العظيم.
ثانيا ـ شجب الظلم ومقارعة الطغيان ، ومناهضة الغرور والطيش
ثالثا ـ بعث المجتمع نحو العزة والإباء اقتداء بالامام الحسين سيد الأباة ورائد الكرامة الانسانية.
رابعا ـ عرض الاتجاهات الفكرية والعقائدية التي يحملها الامام العظيم.
خامسا ـ تمجيد الامام بما لم يمجد به أحد من شهداء الاصلاح الاجتماعي ، فقد تفاعلت مبادئه مع عواطف شعراء الشيعة ، وأدركوا المد الانساني في نهضته الخالدة فراحوا يقدسونه باروع ما يقدس به أي مصلح اجتماعي في الأرض.
سادسا ـ الحط من الأمويين والتشهير بجرائمهم المعادية للاسلام.
سابعا : عرض ما جرى على أهل البيت من المحن والخطوب يقول السيد محمد سيد الكيلاني : «جاء الأدب الشيعي صورة صادقة لما وقع على العلويين من اضطهاد. ويقول : كانت مجزرة كربلا التي قتل فيها الحسين وما حل بالعلويين بعدها دافعا قويا للشعراء انطقهم بكثير من القصائد التي تسيل العبرات ، وتذيب القلوب وتفتت الأكباد : ولا غرابة في ذلك فهي صدى لتلك الدماء التي سفكت بغير حساب ، والأشلاء التي تناثرت ، وتركت على الأرض طعاما للطير وقد كثر الشعر في
رثاء آل البيت كثرة هائلة. وكله صادر من أعماق النفوس ، منبعث من قرارة الأفئدة ، فكان للأدب العربي من ذلك ثروة لا تقدر»(1)
ثامنا ـ جمال الروعة في ادب الثورة الحسينية وحرارة العاطفة ، يقول بعض الكتاب : والشعر الذي رثي فيه الحسين حار ملتهب لأنه تعبير عن عواطف قوية ، وتنفيس عن نفوس متأججة ثائرة فهم غضاب ساخطون لأن بني أمية سلبوهم حقهم وغصبوهم مكانهم فصوروا غضبهم في شعر حانق على الأمويين(2) .
ان الشعر الحسيني يمثل الصدق في وصف العاطفة الملتهبة وان أصحابه لم يكونوا متكلفين ولا منتحلين ، وانما كانوا متألمين كأشد ما يكون التألم فيصفون الامام وصفا صادقا. لقد كان ذلك الادب الحي من اثري الوان الأدب العالمي ، ومن أبرز القيم الثقافية في الاسلام.
ومما تجدر الاشارة إليه الى أن الأدب الحسيني لم يصطبغ بهذه الصبغة ويتبوّأ مكانه الأعلى في الأدب الاسلامي الا بعد حقبة طويلة من الزمن ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ما ذكره ابو الفرج الى أن الشعراء كانوا لا يقدمون على رثاء الحسين مخافة من بني أمية.
ومن أروع النتائج التي حققتها ثورة أبي الأحرار هي المنابر الحسينية التي أصبحت منطلقا لتوجيه الامة وارشادها وذلك بما يبثه السادة الخطباء من الوعظ والارشاد وعرض مأساة أبي الشهداء التي هي من اروع الدروس
__________________
(1) أثر التشيع في الأدب العربي (ص 23)
(2) أدب السياسة (ص 189)
وأثمنها للتضحية في سبيل الحق والعدل ، وقد وصف الكاتب الالماني مارتن هذه المنابر بأنها من أهم الاسباب لتقدم المسلمين إن هم أحسنوا تنظيمها والاستفادة منها ، إن مأساة أبي عبد اللّه (ع) جزء لا يتجزأ من رسالة الاسلام وهي تمثل كفاحه ونضاله ضد الطغاة ووقوفه الى جانب المظلومين والمضطهدين ، ويقول جون اشرا : ان مأساة الحسين تنطوي على أسمى معاني الاستشهاد في سبيل العدل الاجتماعي(1) .
إن المنابر الحسينية من أهم المكاسب ومن اروع المعطيات في ثورة أبي الشهداء (ع) فقد عملت على غرس النزعات الخيرة في النفوس وابعادها عن عوامل الشذوذ والانحراف ، وتوجيهها الوجهة الصالحة التي تتسم بالاستقامة وحسن السلوك ، كما انها من المدارس السيارة لنشر الايمان باللّه واذاعة القيم الاسلامية بين الناس.
لقد أثارت كارثة كربلا موجة رهيبة من القلق النفسى والانفعالات العميقة سيطرت على نفوس المسلمين ، ودفعتهم إلى العمل السياسي والتكتل الاجتماعي للاطاحة بالحكم الاموي «والانتقام من السفكة المجرمين.
لقد كانت الارض تستعر حربا منذ قتل الحسين(2) فقد هبت الشعوب الاسلامية كالمارد الجبار وهي تعلن سخطها العارم على الحكم الاموي وتعمل على سقوطه ، ومن بين هذه الثورات :
__________________
(1) رحلة الى العراق
(2) الذهب المسبوك للمقريزي (ص 27)
وهي أول ثورة في الكوفة بعد قتل الامام مباشرة ، قام بها البطل العظيم عبد اللّه بن عفيف الازدي ، فكان أول من اطلق شرارة الثورة وأحال النصر الكاذب الذي احرزه ابن مرجانة الى هزيمة ، وقد تحدثنا عن فصولها في البحوث السابقة.
والشيء المحقق أن الثورة في يثرب كانت امتدادا لثورة أبي الشهداء (ع) فقد كانت النفوس تغلي كالمرجل غيظا وحنقا على يزيد لانتهاكه حرمة رسول اللّه (ص) في قتله لعترته وسبيه لذراريه.
وقد أفعمت القلوب حزنا وألما حينما رجعت سبايا أهل البيت (ع) إلى المدينة وجعلت تقص على أهلها ما جرى على ريحانة رسول اللّه (ص) من عظيم الرزايا وفوادح الخطوب ، وما عانته عقائل النبوة ومخدرات الوحي من الأسر والسبي.
لقد كانت شقيقة الحسين وحفيدة الرسول (ص) زينب تلهب العواطف للطلب بثأر أخيها.
وقد رأى اهل المدينة أن الخروج على يزيد واجب شرعي فخلعوا بيعته رسميا وأعلنوا الثورة على حكومته ، وقد عهد يزيد الى المجرم الاثيم مسرف بن عاقبة المري باحتلال يثرب وضم إليه جيشا مكثفا قوامه اثنا عشر الفا من اهل الشام ، وقد أمره أن يبيحها لجنده ثلاثة أيام يصنعون بأهلها ما يشاءون وينهبون من أموالهم ما يحبون.
وزحف مسرف بجنوده الى المدينة فاحتلها ، وقد أباحها لجنده ثلاثة أيام فقتلوا ونهبوا واستباحوا كل ما حرمه اللّه ، ثم أخذ البيعة من أهلها على أنهم خول ليزيد ، ومن أبي ضربت عنقه ، وقد حدثت من الرزايا في تلك الواقعة ما تذوب منه النفوس ، وقد ذكر المؤرخون صورا مروعة ومحزنة مما حل بالمدنيين فكانت هذه الكارثة كفاجعة كربلا وقد دفعت الشعوب الاسلامية إلى التكتل السياسي للعمل ضد الحكم الأموي والاطاحة به.
وندم أهل الكوفة أشد الندم على خذلانهم للامام وجعلوا يتلاومون على ما اقترفوه من عظيم الاثم وقد أجمعوا على اقرارهم بالذنب في خذلانه ولزوم التكفير عنه بالمطالبة بثأره وقد خاطب أحدهم ابنته فقال لها :
يا بنية إن أباك يفر من ذنبه إلى ربه(1) وقد عقدوا مؤتمرا في منزل سليمان بن صرد الخزاعي ، وهو شيخ الشيعة وصاحب رسول اللّه (ص) وذو السابقة والقدم في الاسلام ، فقد تداولوا الحديث فيما بينهم ورأوا أنه لا يغسل عنهم العار والاثم الا بقتل من قتل الحسين (ع).
وقد القيت في قاعة الحفل عدة خطب حماسية وهي تدعو الى التلاحم ووحدة الصف للأخذ بثأر الامام العظيم ، وكان انعقاد المؤتمر فيما يقول المؤرخون في سنة (61 هـ)(2) وهي السنة التي قتل فيها الحسين.
__________________
(1) تأريخ الطبري
(2) أنساب الأشراف ق 1 ج 1
واتخذ المؤتمر بالاجماع عدة قرارات ومن بينها
1 ـ انتخاب سليمان بن صرد قائدا عاما للثورة ليتولى وضع المخططات السياسية والعسكرية.
2 ـ مراسلة المناطق التي تضم الشيعة في العراق وخارجه واعلامها بما أجمعوا عليه من الأخذ بثأر الامام والمطالبة بالانضمام إليهم.
3 ـ تأجيل الثورة إلى مدة أربع سنين على أن تكون السنوات الأربع فترة تأهب واستعداد للقتال.
4 ـ أن تكون النخيلة هي المركز الرئيسي الذي تعلن فيه الثورة.
5 ـ احاطة الثورة بالسر والكتمان.
وتفرق اعضاء المؤتمر وكان عددهم فيما يقول المؤرخون مائة شخص وقد أخذوا يواصلون العمل فيجمعون التبرعات لشراء الأسلحة ، ويدعون الناس إلى الالتفاف حولهم والانضمام إليهم.
وفي سنة (65 هـ) اعلن التوابون ثورتهم العارمة على الحكم الاموي وكان عددهم فيما يقول المؤرخون أربعة آلاف ، وقد أرسل زعيم الثورة سليمان بن صرد الى الكوفة الحكيم بن منقذ الكندي ، والوليد بن عصير الكناني وامرهما أن يجوبا في مدينة الكوفة ويناديا بشعار الثورة.
«يا لثارات الحسين»
وحينما انتهيا إليها ناديا بذلك ، ولأول مرة دوى هذا النداء المؤثر في سماء الكوفة فكان كالصاعقة على رءوس السفكة المجرمين ، كما كان بلسما لقلوب المؤمنين والمسلمين ، وقد التحق قسم كبير من الناس بالنخيلة فخطب فيهم سليمان بن صرد خطابا مؤثرا ، واعرب لهم أنه لا ينشد مغنما أو مكسبا ، وانما يلتمس وجه اللّه والدار الآخرة ، ويرجو أن يكفر اللّه عنه وعن اخوانه ما اقترفوه من عظيم الذنب في خذلانهم لريحانة رسول اللّه (ص).
وصمم التوابون على المضي الى كربلا لزيارة قبر أبي الشهداء (ع) ليعلنوا التوبة الى اللّه عند مرقده.
وسارت كتائب التوابين إلى كربلاء فلما وصلوا إليها صاحوا صيحة واحدة «يا حسين» واغرقوا بالبكاء والنحيب ، واخذوا يتضرعون الى اللّه ليتوب عليهم ، ويغفر لهم ، وقد قالوا عند ضريح الامام :
«اللهم ارحم حسينا الشهيد ابن الشهيد ، المهدي ابن المهدي ، الصديق ابن الصديق.
اللهم انا نشهدك أنا على دينهم وسبيلهم ، وأعداء قاتليهم ، وأولياء محبيهم.
اللهم انا خذلنا ابن بنت نبينا فاغفر لنا ما مضى منا ، وتب علينا فارحم حسينا وأصحابه الشهداء الصديقين ، وانا نشهدك انا على دينهم وعلى ما قتلوا عليه ، وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين»(1) .
__________________
(1) تاريخ ابن الأثير 3 /
وازدحموا على القبر الشريف اكثر من الازدحام على الحجر الأسود وهم يبكون ويتضرعون إلى اللّه ليغفر ذنوبهم ويمنحهم التوبة ، ثم رحلوا إلى الأنبار.
وسارت كتائب التوابين حتى انتهت الى عين الوردة فاقامت فيها وزحفت إليهم جنود أهل الشام والتحمت معهم التحاما رهيبا ، وجرت بينهما اعنف المعارك واشدها ضراوه ، ومني الجيشان بخسائر كبيرة في الأرواح ، واستشهد قادة التوابين كسليمان بن صرد ، والمسيب بن نجبة وعبد اللّه بن سعد وغيرهم.
ولما رأى التوابون أنهم لا قدرة لهم على مقابلة أهل الشام ، تركوا ساحة القتال ، ورجعوا في غلس الليل إلى الكوفة ، ولم تتعقبهم جيوش أهل الشام ، وقد مضى كل إلى بلده ، وانتهت بذلك معركة التوابين ، وقد ادخلت الفزع على الأمويين ، وكبدتهم أفدح الخسائر.
والمختار من اشهر الشخصيات العربية التي عرفها التاريخ الاسلامي وقد لعب دورا خطيرا في الأحداث السياسية والاجتماعية في ذلك العصر كما كان من ألمع السياسيين في رسم المخططات ووضع المناهج ، والسيطرة على الموقف ، وقد اثبتت كفاءته أنه رجل الفكر والعمل ، يقول بعض الكتاب عنه : «انه كان على جانب كبير من الدارية بعلم
النفس والالمام بوسائل الدعاية والاعلام ، فقد كان يخاطب عواطف الناس كما كان يخاطب عقولهم ، وكان لا يكتفي بوسائل الدعاية المعروفة حينئذ كالخطابة والشعر بل لجأ إلى وسائل كثيرة للدعاية منها التمثيل والمظاهرات والاشاعات ، كما لجأ إلى ما نسميه الآن بالانقلاب العسكري حينما انتزع الكوفة من ابن الزبير»(1) .
وكان علما من اعلام الشيعة ، وسيفا من سيوف آل رسول اللّه (ص) وكان يتحرق كأشد ما يكون التحرق ألما وجزعا على العترة الطاهرة التي أبادتها سيوف الباطل ، وقد سعى جاهدا للاستيلاء على الحكم لا لرغبة فيه ، وانما ليأخذ ثأر آل البيت وينتقم من قتلتهم.
وقد اتهم هذا العملاق العظيم باتهامات رخيصة كاتهامه بادعاء النبوة وغيرها من النسب الباطلة التي هي بعيدة عنه وهو برىء منها ، وانما اتهموه بذلك لأنه طلب بثأر الامام العظيم ، وزعزع كيان الدولة الاموية ، وأسقط هيبة حكمها وساوى بين العرب والموالي ، فلم يميز أحدا على أحد ، وقد رام السير في أيام حكمه على ضوء منهاج سياسة الامام أمير المؤمنين عليه السلام ، والاقتداء بسلوكه في سياسته الاقتصادية والاجتماعية.
وكان على جانب كبير من التقوى والحريجة في الدين ، ويقول المؤرخون إنه كان في أيام حكومته القصيرة الامد يكثر من الصوم شكرا للّه تعالى على توفيقه للأخذ بثأر العترة الطاهرة ، وابادته للارجاس من السفكة المجرمين.
لقد ألصقوا بهذا العملاق العظيم التهم الزائفة للحط من شأنه والتقليل من أهميته ، وانا بعد دراستنا لشؤونه رأيناه من أفذاذ التأريخ ومن اعلام
__________________
(1) المختار (ص 43)
الامة الاسلامية بما يملك من طاقات هائلة من الفضل والتقوى واصالة الفكر وعمق الرأي وحسن التدبير ، قل أن يتصف بمثلها عظماء الرجال وعباقرة الدهر وكان بودي أن أطيل الوقوف للتحدث عن معالم شخصيته الكريمة ، والتحدث عن ثورته وكيفية استيلائه على الحكم إلا ان ذلك يستدعي وضع كتاب خاص به ، وعسى أن أوفق إلى ذلك ان شاء اللّه ، وقبل أن اقفل الحديث عنه اشير على سبيل الايجاز إلى بعض الجهات التي تمت الى الموضوع.
وساد الرعب واستولى الخوف على نفوس السفكة المجرمين من قتلة ريحانة رسول اللّه (ص) فقد كانوا على يقين أن ثورة المختار انما قامت للانتقام منهم ، فهام بعضهم من خوفه في البيداء ولم يعلم له خبر ، وفر آخرون إلى عبد الملك ليحميهم من سطوة المختار وغضبه ، وقد خاطبه شخص منهم قائلا :
ادنو لترحمني وترتق خلتي |
وأراك تدفعني فاين المدفع(1) |
وجاء إليه عبد الملك بن الحجاج التغلبي لاجئا فقال له :
«اني هربت إليك من العراق»
فصاح به عبد الملك بن مروان :
«كذبت ليس لنا هربت ، ولكن هربت من دم الحسين وخفت على دمك فلجأت إلينا»(2) .
__________________
(1) عيون الاخبار لابن قتيبة 1 / 103
(2) عيون الاخبار لابن قتيبة 1 / 103
كما هرب بعضهم إلى ابن الزبير وانضم إلى جيشه وقاتل معه لا ايمانا بقضيته ولكن خوفا من المختار ، وقد عمد المختار إلى هدم دورهم والاستيلاء على جميع ممتلكاتهم ، وقد هدم دار محمد بن الأشعث واخذ انقاضها وبنى بها دار الشهيد العظيم حجر بن عدي وكان قد هدمها زياد ابن أبيه(1) .
وأما الخبيث الدنس عمر بن سعد فقد قبع في بيته فزعا مرعوبا ، وهو يزج بالشخصيات للتوسط لدى المختار في أخذ الامان له والعفو عنه وكتب له المختار الامان بشرط أن لا يحدث حدثا ولكنه وارى في ذلك وأراد أن لا يدخل بيت الخلاء.
لقد ارعب المختار قلوب المجرمين من قتلة الامام حتى زلزلت الارض تحت أقدامهم واجتاحتهم موجات عاتية من الخوف والارهاب فلم يهنأ أحد منهم بعيش فقد خيم عليهم شبح الموت.
وأسرع المختار إلى تنفيذ حكم الاعدام بكل من اشترك في قتل ريحانة رسول اللّه (ص) فقد جاهد على الانتقام منهم وتطهير الأرض من أولئك الأرجاس ، وقد قتل منهم فيما يقول الطبري في يوم واحد مائتين وثمانين رجلا ، ولم يفلت أحد من قادتهم وزعمائهم ، فقتل المجرم الخبيث عبيد اللّه بن زياد ، وعمر بن سعد مع ولده حفص ، وقتل الابرص شمر بن ذي الجوشن ، ورميت بجيفته إلى الكلاب ، وقتل قيس بن الأشعث
__________________
(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 371
والحصين بن نمير ، وشبث بن ربعي وغيرهم(1) .
وقد استجاب اللّه دعوة الامام العظيم في اولئك السفكة المجرمين فقتلهم قتلة بقتلة ، وسقاهم كأسا مصبرة ، وانتقم منهم كأشد ما يكون الانتقام ، وصدق اللّه تعالى اذ يقول : «وكذلك أخذ ربك إذا اخذ القرى وهي ظالمة ان أخذه أليم شديد» ويقول الزهري : لم يبق من قتلة الحسين أحد الا عوقب في الدنيا أما بالقتل أو العمى أو سواد الوجه أو زوال الملك في مدة يسيرة(2) .
لقد حقت عليهم كلمة العذاب في الدنيا ، وهم في نار جهنم خالدون ، لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون.
وبهذا ينتهي بنا الحديث عن ثورة المختار التي هي من انبل الثورات واكثرها اصالة في الاسلام فقد استهدفت الأخذ بثأر العترة الطاهرة التي هي عديلة القرآن الكريم حسبما يقول الرسول (ص) كما استهدفت نشر المساواة والعدالة الاجتماعية بين الناس.
فتحيات من اللّه ورضوان على المختار يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.
ولم يؤد القضاء على ثورة المختار من قبل ابن الزبير إلى ضعف الروح الثورية عند الشيعة ، فقد كانت هناك ثورات أخرى فجرها احفاد الامام الحسين واحفاد أخيه الامام الحسن ، فقد هب لمقارعة الظلم والجور
__________________
(1) تأريخ الطبري ، تاريخ ابن الاثير ، الأخبار الطوال
(2) جواهر المطالب (ص 92)
الثائر العظيم زيد بن علي ، واشعل نار الثورة من بعده ولده يحيى وهم ينادون بمبادئ الحسين ويطلبون بثأره ، واستمرت الثورات حتى تدفقت الرايات السوداء مع طلائع الجيوش الاسلامية بقيادة أبي مسلم الخراساني فاطاحت بالعرش الأموي ، وقضت على معالم زهوه وجبروته.
وبهذا ينتهي بنا البحث ـ بايجاز ـ عن معطيات الثورة التي تحققت على الصعيد الفكري والاجتماعي وبها تطوى الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب ، واكرر ما اعلنته غير مرة من أن هذا المجهود بما فيه من سعة وشمول واستيعاب فانه لا يمثل الا صفحة من حياة هذا الامام العظيم الذي احتل مشاعر الناس وعواطفهم ، وقام في قلوبهم وافكارهم ، واني على ثقة أن جميع ما الف فيه وما سيؤلف لا يستوعب جميع نواحي شخصيته أو يلم بواقع حياته التي هي امتداد لحياة جده الرسول (ص) وما ينشده من الخير والتوجيه لصالح الانسان.
وان من أصدق الوفاء أن اذكر بمزيد من الولاء والعرفان ما قام به سيادة المحسن الكبير الحاج محمد رشاد عجينة من الالطاف في نشر هذا الكتاب ، فقد جاهد على نشر مآثر أهل البيت (ع) وابراز فضائلهم ايمانا منه بأن ذلك من أثمن الخدمات التي تقدم للأمة واجدرها بالنفع والبقاء وقد أرصد لنفقات طبعه من المبرات التي اوصى بها والده المرحوم الحاج محمد جواد عجينة ، واني آمل من اللّه ان يحظى عمله بالقبول وان تناله مغفرة من اللّه كما آمل ذلك لنفسي واخي الهادي الذي له الفضل في مراجعة كثير من المصادر والاشراف على بحوث هذا الكتاب فجزاه اللّه عني خير ما يجزي أخا عن أخيه.
مصادر البحث
«أسماء المصادر»
«التي ورد ذكرها في اجزاء الكتاب»
(أ) |
|
أنساب الأشراف ق 1 ج 1 مخطوط |
للبلاذري |
الأخبار الطوال |
للدينوري |
أخبار الدول |
للقرماني |
أسد الغابة |
لابن الأثير |
الاصابة |
لابن حجر العسقلاني |
أمالي الصدوق |
للصدوق |
أصول الكافي |
للكليني |
امتاع الأسماع |
للمقريزي |
الافادة في تأريخ الأئمة السادة مخطوط |
ليحيى بن الحسين |
الارشاد |
للشيخ المفيد |
الاعجاز والايجاز |
للثعالبي |
أثر الأسرة والمجتمع في الأحداث |
مؤسسة اليونسكو |
أقرب الموارد |
لسعيد الخوري |
أسباب النزول |
للواحدى |
الأصول العامة للفقه المقارن |
محمد تقي الحكيم |
الاستيعاب |
لابن عبد البر المالكي |
الاتحاف بحب الأشراف |
للشبراوي |
أعيان الشيعة |
للسيد محسن العاملي |
الأربعين |
لبهاء الدين العاملي |
أسرار الحكماء |
لياقوت المستعصمي |
الأنوار البهية |
للشيخ عباس القمي |
الارشاد |
للديلمي |
الاقبال |
لابن طاوس |
أثر التشيع في الأدب العربي |
محمد سيد الكيلاني |
الامامة والسياسة |
لابن قتيبة |
الاعلام |
للزركلي |
أعلام النساء |
للكحالة |
الآداب الشرعية والمنح المرعية |
لشمس الدين الحنبلي |
اتجاهات الشعر العربي |
محمد مصطفى هدارة |
أبو هريرة |
للشيخ محمود ابو رية |
ابن رشد وفلسفته |
لفرج انطون |
أبو الشهداء |
للعقاد |
آثار البلاد |
لزكريا القزويني |
الف باء |
للبلوي |
أعلام الورى |
للطبرسي |
أبناء الرسول في كربلا |
خالد محمد خالد |
الامالي مخطوط |
للمفيد |
الأغاني |
لابن الفرج الاصفهاني |
|
أدب السياسة في العصر الأموي |
احمد محمد الحوفي |
|
الادارة الاسلامية |
محمد كرد علي |
|
أمالي المرتضى |
للسيد المرتضى |
|
(ب) |
||
البلد الأمين |
للكفعمي |
|
بلاغات النساء |
لاحمد بن أبي طاهر |
|
بطلة كربلا |
لبنت الشاطئ |
|
البيان والتبيين |
للجاحظ |
|
البستان الجامع لجميع تواريخ أهل الزمان مخطوط |
لعماد الدين الأصفهاني |
|
بطل العلقمي |
لعبد الواحد مظفر |
|
بغية النبلاء |
للسيد عبد الحسين |
|
بحر الأنساب |
عميد الدين النجفي |
|
بحار الأنوار |
للمجلسي |
|
البلد الأمين |
للكفعمي |
|
البابليات |
لليعقوبي |
|
(ت) |
||
تفسير القرطبي |
محمد بن أحمد القرطبي |
|
تفسير ابن كثير |
لابن كثير |
|
تفسير الرازي |
للرازي |
|
تفسير الطبري |
محمد بن جرير الطبري |
|
تفسير الكشاف |
محمود بن عمر الزمخشري |
تفسير البيضاوي |
عبد اللّه بن عمر الشيرازي |
تفسير الجلالين |
جلال الدين السيوطي |
تفسير العسكري |
للامام العسكري |
تأريخ الطبري |
محمد بن جرير الطبري |
تأريخ ابن الأثير |
لابن الأثير |
تأريخ اليعقوبي |
أحمد بن واضح اليعقوبي |
تأريخ ابن عساكر مخطوط |
لابن عساكر |
تأريخ بغداد |
للخطيب البغدادي |
تأريخ ابن الوردي |
عمر بن الوردي |
تأريخ خليفة خياط |
خليفة بن خياط |
تأريخ ابن خالدون |
لابن خالدون |
تأريخ الخميس |
حسن بن محمد الديار بكري |
تأريخ أبي الفداء |
لابي الفداء |
تأريخ العرب |
فيليب حتى |
تأريخ القضاعي مخطوط |
محمد بن سلامة القضاعي |
تأريخ المظفري مخطوط |
لإبراهيم بن عبد اللّه الحموي |
تأريخ الأمة الاسلامية |
محمد الخضري |
تأريخ الصحابة مخطوط |
لأبي حيان أحمد التميمي |
تأريخ الدولة العربية |
يوليوس فلهوزن |
تأريخ الاسلام السياسي |
ابراهيم حسن |
تأريخ الجنس العربي |
محمد عزة دروزة |
تأريخ الخلفاء |
للسيوطي |
تأريخ الخلفاء |
لمؤلف مجهول |
تأريخ العراق في ظل الحكم الأموي |
علي حسني الخربوطلي |
تأريخ ايران |
سريرس سايكس |
تأريخ الشعوب الاسلامية |
كارل بروكلمان |
تأريخ الأدب العربي |
ريجيس بلاشر |
التأريخ السياسي للدولة العربية |
عبد المنعم ماجد |
التأريخ الاسلامي والحضارة الاسلامية |
احمد شبلي |
تأريخ الفلسفة الاسلامية |
ت ج. دي بور |
تهذيب التهذيب |
لابن حجر |
تذهيب التهذيب مخطوط |
للذهبي |
تلخيص المستدرك |
لشمس الدين الذهبي |
تحفة الأزهار وزلال الأنهار مخطوط |
لابن شدقم |
تذكرة الخواص |
لابن الجوزي |
تيسير الوصول |
لابن الديبغ |
التاج في اخلاق الملوك |
للجاحظ |
تحف العقول |
الحسن بن علي الحراني |
التطور والتجديد في الشعر الأموي |
شوقي ضيف |
تمام المتون |
للصفدي |
تطهير الجنان واللسان |
لابن حجر |
التكيف النفسي |
مصطفى فهمي |
التمدن الاسلامي |
جورج زيدان |
تحفة الامام في مختصر تاريخ الاسلام |
للفاخوري |
توضيح الغامض |
لعبد الواحد مظفر |
تذكرة الحفاظ |
للذهبي |
تاريخ العرب السياسي |
ابراهيم بيضون وسهيل زكار |
تفسير المنار |
للامام محمد عبده |
(ث) |
|
الثغور الباسمة في مناقب السيدة فاطمة مخطوط |
للسيوطي |
الثائر الأول في الاسلام |
محمد عبد الباقي سرور |
الثاقب في المناقب مخطوط |
للشيخ المفيد |
(ج) |
|
جوهرة الكلام في مدح السادة الاعلام |
للقراغولي |
جامع السعادات |
للنراقي |
جواهر الأحكام |
للشيخ محمد حسن الجواهري |
جواهر المطالب في مناقب الامام علي ابن أبي طالب مخطوط |
لشمس الدين أبو البركات |
جمهرة الخطب |
احمد زكي صفوة |
الجرح والتعديل |
لابن أبي حاتم الرازي |
جنة المأوى |
للإمام كاشف الغطاء |
(ح) |
|
حلية الاولياء |
لابن نعيم الاصفهاني |
حياة الحيوان |
للدميري |
الحركات الفكرية في الاسلام |
بندلي جوزة |
الحضارة الاسلامية |
آدم متز |
حقائق الاخبار عن دول البحار |
اسماعيل سرهنك |
حياة الشعر في الكوفة |
ليوسف خليف |
الحدائق الوردية مخطوط |
لحميد بن زيد اليماني |
حياة الحيوان |
للجاحظ |
حياة الامام الحسن |
للمؤلف |
حياة الامام موسى بن جعفر |
للمؤلف |
الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الكوفة |
محمد حسين الزبيدي |
حجة السعادة في حجة الشهادة مخطوط |
لاعتماد السلطنة |
الحسين بن علي |
لعمرو أبو النصر |
الحسين بن علي |
للعلائلي |
الحسين بن علي |
حسين علي جلال |
الحضارة الاسلامية |
خدابخش |
(خ) |
|
الخراج |
يحيى بن آدم القرشي |
الخصائص |
للسيوطي |
خزانة الادب البغدادي |
عبد القادر بن عمر البغدادي |
الخلافة |
لتوماس |
خطط الخلافة |
ماسينيون |
الخلافة والدولة في العصر الاموى |
محمد حلمي |
الخراج وصنعة الكتابة |
لقدامة بن جعفر |
الخطابة في صدر الاسلام |
محمد طاهر دروش |
خطط المقريزي |
للمقريزي |
الخصال |
للصدوق |
(د) |
|
ديوان دعبل |
لدعبل بن علي الخزاعي |
ديوان الجواهري |
لمحمد مهدي الجواهري |
الدر المنثور |
للسيوطي |
ديوان السيد حيدر |
السيد حيدر الحلي |
ديوان الفرزدق |
للفرزدق |
ديوان الاخطل |
للاخطل |
الدرجات الرفيعة |
للسيد عليخان |
الدر النظيم مخطوط |
ليوسف بن حاتم الشامي |
الدولة الأموية في الشام |
أنيس زكريا |
الدر المسلوك في أحوال الأنبياء والاوصياء مخطوط |
للحر العاملي |
ديوان النعمان بن بشير |
للنعمان بن بشير الانصاري |
ديوان أبي الاسود |
لابي الاسود الدؤلي |
الدر النضيد |
احمد بن يحيى الهروي |
دائرة المعارف الاسلامية البريطانية |
فنسنك وآخرون |
دائرة المعارف الاسلامية |
فريد وجدي |
دائرة المعارف |
للبستاني |
دائرة المعارف الحديثة |
احمد عطية |
دلائل الامامة |
لمحمد بن جرير الطبري |
الدولة الاموية في الشرل |
لمحمد النجار |
درر الابكار في وصف الصفوة الأخيار مخطوط |
لابي الفتح بن صدقة |
درة الناصحين |
عثمان بن حسن الخويري |
دعائم الاسلام |
لابي حنيفة المغربي |
(ذ) |
|
ذخائر العقبى |
محب الدين الطبري |
ذيل الامالي |
لإسماعيل بن القاسم القالي |
ذكرى الحسين |
للشيخ حبيب العاملي |
ذخيرة الدارين |
سيد مجيد الحائرى |
الذرية في تصانيف الشيعة |
أغا بزرك الطهراني |
الذرية الطاهرة مخطوط |
محمد بن أحمد الدولابي |
الذهب المسبوك |
للمقريزي |
(ر) |
|
رجال الكشي |
محمد بن عمر الكشي |
رجال بحر العلوم |
محمد مهدي بحر العلوم |
ريحانة الرسول |
أحمد فهمي |
الرياض النضرة |
احمد بن محب الدين الطبري |
رحلة بنيامين |
ترجمة عزار حداد |
روح الاسلام |
السيد مير علي الهندي |
روضات الجنات |
محمد باقر الخونساري الموسوي |
رياض الاحزان |
لابن نما الحلي |
رجال النجاشي |
للنجاشي |
رسائل الجاحظ |
للجاحظ |
رحلة إلى العراق |
جمس بكنغهام |
روح البيان |
اسماعيل حقي |
روح المعاني |
محمود الآلوسي |
(ز) |
|
زهر الآداب |
للحصري |
زينب بنت علي |
عبد العزيز سيد الاهل |
زاد المعاد |
للمجلسي |
زينب وأخبار الزينبيات |
للعبيدلي |
(س) |
|
سنن ابن ماجة |
لابن ماجة |
سير أعلام النبلاء |
للذهبي |
سنن ابي داود |
لابي داود |
سفينة البحار |
للشيخ عباس القمي |
سيد شباب أهل الجنة الحسين بن علي |
حسين محمد يوسف |
السياسة عند العرب |
لعمرو أبو النصر |
سيرة ابن هشام |
لابن هشام |
سبط الرسول |
عبد الحفيظ أبو السعود |
السياسة الحسينية |
للامام كاشف الغطاء |
سمط النجوم العوالي |
عبد الملك العصامي |
سؤال في يزيد بن معاوية |
لابن تيمية |
السيرة الحلبية |
للحلبي |
سنن الدارمي |
عبد اللّه بن عبد الرحمن الدارمي البيهقي |
سنن البيهقي |
للبيهقي |
سنن ابن ماجة |
محمد بن يزيد القزويني |
(ش) |
|
شرح نهج البلاغة |
لابن أبي الحديد |
الشهيد مسلم بن عقيل |
للمقرم |
شرح شافية ابي فراس مخطوط |
محمد بن الحسين |
شذرات الذهب |
ابن عماد الحنبلي |
الشيعة في الميزان |
محمد جواد مغنية |
شيخ المضيرة |
محمود أبو رية |
شعراء النصرانية بعد الاسلام |
لويس شيخو اليسوعي |
شعراء الحلة |
للخاقاني |
(ص) |
|
الصواعق المحرقة |
لابن حجر |
صبح الاعشى |
للقلقشندي |
الصراط السوي في مناقب آل النبي مخطوط |
لمحمود القادري |
الصحاح |
للجوهرى |
صحيح الترمذى |
للترمذي |
صحيح مسلم |
لمسلم |
صحيح البخاري |
للبخارى |
صحيح أبي داود |
لابي داود |
الصراع بين الموالي والعرب |
بديع شريف |
الصراع بين الموالي ومبادئ الاسلام |
نورى جعفر |
صلح الحسن |
للشيخ راضي آل ياسين |
الصناعتين |
لابن هلال |
(ط) |
|
الطبقات الكبرى |
لابن سعد |
الطبقات |
للشعراني |
(ع) |
|
علم الاجتماع |
عبد الحميد لطفي |
العقد الفريد |
لابن عبد ربه الاندلسي |
عيون الاخبار |
لابن قتيبة |
عقد الآل في مناقب الآل |
للبحراني |
العصيبة القبلية |
احسان النص |
العقيدة والشريعة في الاسلام |
اجناس جولد تسهر |
عيون الاخبار وفنون الآثار |
للداعى عماد الدين القرشى |
علم النفس العسكري |
عباس الحسني |
عمدة الطالب في أنساب آل أبى طالب |
لابن عنبة |
العواصم |
لابن عربى |
العبر |
لابن خالدون |
(غ) |
|
الغدير |
للأميني |
الغلو والفرق الغالية في الحضارة الاسلامية |
عبد اللّه سلوم السامرائى |
(ف) |
|
فتح الباري |
أحمد بن حجر العسقلاني |
فضائل الخمسة من الصحاح الستة |
مرتضى الحسين الفيروزآبادي |
فيض القدير |
للمناوي |
الفتوح |
احمد بن اعثم الكوفي |
الفصول المهمة |
لابن الصباغ |
فتوح البلدان |
للبلاذري |
فوات الوفيات |
محمد بن شاكر الكتبي |
الفرق بين الفرق |
لعبد القاهر البغدادي |
فهرست ابن النديم |
لابن النديم |
فهرست الطوسي |
للطوسي |
فضل زيارة الحسين مخطوط |
لمحمد بن علي العلوي |
فضائل الامام أمير المؤمنين مخطوط |
لعبد اللّه بن أحمد بن حنبل |
الفتوحات الاسلامية |
احمد بن زيني دحلان |
فروع الكافي |
للكليني |
مفتاح الافكار |
لاحمد مفتاح |
(ق) |
|
القاموس المحيط |
مجد الدين الفيروزآباذي |
قصص العرب |
لمحمد جاد المولى وغيره |
(ك) |
|
كنز العمال |
علي المنقي الهندي الحناني |
كشف الغمة |
للاربلي |
الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء |
للامام شرف الدين |
كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب |
محمد بن يوسف القرشي الكنجي |
الكنى والاسماء |
لابي بشر الدولابي |
الكامل |
للمبرد |
كامل الزيارات |
لابن قولويه |
الكواكب الدرية |
للمناوي |
(ل) |
|
لسان الميزان |
لابن حجر |
لسان العرب |
لابن منظور |
اللهوف |
لابن طاوس |
(م) |
|
ما نزل في القرآن في أهل البيت ، مخطوط |
للحسين بن الحكم |
مصابيح السنة |
للبغوي |
مختصر صفة الصفوة |
عبد الرحمن بن علي الجوزي |
معجم الأدباء |
للحموي |
معجم البلدان |
للحموي |
مستدرك الصحيحين |
للحاكم |
المراجعات |
للامام شرف الدين |
مجمع الزوائد |
للهيثمي |
المواهب اللدنية |
للقسطلاني |
مروج الذهب |
للمسعودي |
مسند احمد |
للامام احمد |
منهاج السنة |
لابن تيمية |
مطالب السئول |
كمال الدين الشافعى |
مسند الفردوسي مخطوط |
شهردار الشافعى |
معادن الحكمة في مكاتيب الأئمة |
محمد محسن مرتضى الكاشانى |
مقتل الحسين |
للخوارزمى |
مقتل الحسين |
للمقرم |
الموطأ |
لمالك بن أنس |
الملل والنحل |
للشهرستانى |
المناقب والمثالب مخطوط |
للقاضي نعمان المصرى |
المجتبي |
لابن دريد |
المجتمعات الاسلامية في القرن الأول |
لشكرى فيصل |
معاوية في الميزان |
للعقاد |
مقتل العوالم مخطوط |
عبد اللّه البحرانى |
المنتظم مخطوط |
لابن الجوزى |
من معالم الحق |
محمد الغزالي |
مقامات الحريرى |
القاسم بن علي الحريرى |
مختصر كتاب البلدان |
لابن الفقيه |
معجم قبائل العرب |
عمر رضا كحالة |
مختصر البلدان |
لابن الفقيه |
مختصر كتاب البلدان |
للهمدانى |
مجلة الغرى |
لشيخ العراقين |
مدينة الحسين |
محمد حسين الكليدار |
معجم الطبرانى مخطوط |
للطبراني |
مرآة الجنان |
لليافعى |
مجلة البلاغ |
محمد حسن آل ياسين |
مرآة الزمان في تواريخ الأعيان مخطوط |
لابن الجوزى |
معجم رجال الحديث |
للامام الخوئي |
مثير الأحزان |
لابن نما |
المعارف |
لابن قتيبة |
مجالس الصدوق |
المصدوق |
معجم ابن الأعرابى |
لابن الأعرابى |
مختصر تاريخ العرب |
للسيد مير علي الهندى |
المناقب مخطوط |
لابن المغازلي |
مفاتيح الجنان |
للشيخ عباس القمى |
مسند الامام زيد |
للامام زيد |
مشكل الآثار |
للطحاوي |
المنمق في أخبار قريش |
محمد بن حبيب البغدادي |
محاضرات الأوائل والاواخر |
لعلي درة الحنفي |
مجمع البيان |
للطبرسي |
مع الحسين في نهضته |
أسد حيدر |
المنتخب |
للطريحى |
مقتل الحسين مخطوط |
لأبي مخنف |
معجم الشعراء |
للمرزباني |
(ن) |
|
نساء لهن في التأريخ الاسلامى نصيب |
علي ابراهيم حسن |
نور الأبصار |
للشبلنجيّ |
النظام التربوى في الاسلام |
للمؤلف |
نظام الأسرة في الاسلام مخطوط |
للمؤلف |
نزهة المجالس |
عبد الرحمن الصفوي |
النصائح الكافية لمن يتولى معاوية |
محمد بن عقيل العلوى |
النزاع والتخاصم |
للمقريزى |
نظرية الامامة لدى الشيعة الاثنى عشرية |
محمود صبحي الصالح |
نهج البلاغة |
محمد عبده |
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة |
لباقر المحمودى |
نهضة الحسين |
للشهرستاني |
نفس المهموم |
للشيخ عباس القمي |
النص والاجتهاد |
للامام شرف الدين |
النهاية |
لابن الأثير |
نهاية الارب |
احمد ابن عبد الوهاب النويرى |
نزهة المشتاق في تأريخ يهود العراق |
ليوسف رزق اللّه غنيمة |
نسب قريش |
مصعب بن عبد اللّه الزبيرى |
النظم الاسلامية |
ديموميين موريس عود فروا |
نزهة الناظر في تنبيه الخاطر |
الحسين بن محمد الحلواني |
النجوم الزاهرة |
يوسف بن تغرى بردى |
(ه) |
|
الهاشميات |
للكميت |
(و) |
|
وفيات الأعيان |
لابن خلكان |
وفاء الوفاء |
علي بن احمد السمهورى |
الوزراء والكتاب |
للجهشيارى |
وقعة الجمل |
لمحمد بن زكريا |
وقعة صفين |
نصر بن مزاحم |
الولاة والقضاة |
محمد بن يوسف الكندى |
وسيلة المال في عد مناقب الآل مخطوط |
لصفي الدين |
الوافي في المسألة الشرقية |
لامين شميل |
وسائل الشيعة |
للحر العاملي |
الوصية الكبرى |
لابن تيمية |
(ى) |
|
ينابيع المودة |
سليمان حنفي |
المحتويات
تقديم 5
اختيار الهجرة الى العراق 9
الاعراض عن الحجاز :15
الاعراض عن مصر :17
الاعراض عن اليمن :17
الاعراض عن فارس :18
الاعراض عن البصرة :19
مشفقون ومنددون 21
المشفقون :23
1 ـ المسور بن مخرمة24
2 ـ عبد اللّه بن جعفر24
3 ـ عبد اللّه بن عباس 25
4 ـ ابو بكر المخزومي 28
5 ـ عبد اللّه بن جعدة29
6 ـ جابر بن عبد اللّه29
7 ـ عبد اللّه بن مطيع 29
8 ـ عمرو بن سعيد 30
9 ـ محمد بن الحنفية31
10 ـ السيدة أم سلمة32
11 ـ عبد اللّه بن الزبير 33
منددون :35
1 ـ عبد اللّه بن عمر35
2 ـ سعيد بن المسيب 36
3 ـ ابو واقد الليثي 36
4 ـ ابو سلمة36
5 ـ ابو سعيد 37
6 ـ عمرة بنت عبد الرحمن 37
المستحدثون :38
1 ـ الشيخ محمد الخضري 38
2 ـ محمد النجار38
3 ـ محمد الغزالي 39
4 ـ احمد شبلي 40
الى العراق 41
رسالته لبني هاشم :44
التحاق بني هاشم به :45
أسباب الهجرة من مكة :46
1 ـ الحفاظ على الحرم46
2 ـ الخوف من الاغتيال 46
3 ـ رسالة مسلم 47
خطابه في مكة :47
اتمام العمرة :50
الخروج قبل الحج :51
مع ابن الزبير :52
السفر إلى العراق :53
ملاحقة السلطة له :54
اتصال دمشق بالكوفة :55
موقف الأمويين :57
1 ـ رسالة الوليد بن عتبة57
اشتباه ابن كثير :58
2 ـ رسالة الاشدق 58
مصادرة أموال ليزيد :59
مع الفرزدق :60
كتاب الحسين لأهل الكوفة :62
مع أبي هرة :64
مع بعض مشايخ العرب :65
فزع السيدة زينب :66
مع زهير بن القين :66
النبأ المفجع بمقتل مسلم :68
وصول النبأ بمصرع عبد اللّه :70
رؤيا الامام الحسين :72
الالتقاء بالحر :73
خطاب الامام :75
خطبة الامام :76
المشادة بين الحسين والحر :77
قول شاذ :78
خطأ ابن عنبة :79
خطبة الامام :80
التحاق جماعة من الكوفة بالامام :82
مع الطرماح :83
مع عبيد اللّه بن الحر :86
مع عمرو بن قيس :88
رسالة ابن زياد للحر :89
موضع الخيام :92
فى كربلاء95
انتظار الاسدي للامام :100
رسالة الامام لابن الحنفية :100
مع هرثمة بن سلمى :101
التحاق انس بن الحرث بالامام :102
زحف الكوفة للحرب 103
انتخاب ابن سعد قائدا عاما :105
اخبار النبي بسوء عاقبته :106
كراهية سعد له :106
لعن الرشيد له :106
توثيق العجلي لابن سعد :108
نزعات ابن سعد :109
أ ـ الخنوع للسلطة109
ب ـ التهالك على السلطة :110
ج ـ خسة الطبع 110
د ـ الجبن :111
ه ـ الشك في البعث والنشور :112
دوافع انتخابه :112
حيرة ابن سعد :113
العاذلون له :114
الاستعراض العسكري :114
خطبة ابن مرجانة :115
تحريض سمرة لحرب الامام :116
تمارض شبث بن ربعي :116
النفير العام :116
الرقابة الدقيقة على الكوفة :117
هرب الجنود :118
الطاغية في النخيلة :119
محاولة لاغتيال ابن زياد :119
عدد الجيش الأموي :119
التحقيق في الموضوع :121
القادة العسكريين :122
أدوات الحرب :124
1 ـ الرماة :124
2 ـ الجوالة :125
3 ـ المجففة :125
عدد أصحاب الحسين :125
رسول ابن سعد مع الامام :126
ابن سعد مع الامام :128
رسالة ابن سعد لابن زياد :128
افتراء ابن سعد :129
افساد الشمر لمهمة السلام :130
رفض ابن زياد الحلول السلمية :131
الامام مع ابن سعد :133
أمان الشمر لأخوة العباس :134
منع الامدادات :135
احتلال الفرات :135
الطباع اللئيمة :137
الانكار على ابن سعد :138
العثور على عين ماء :140
القتال على الماء :141
استنجاد حبيب بأسرته :141
مع المعسكرين 143
المعسكر الحسيني :145
الأهداف العظيمة :145
1 ـ الدفاع عن الاسلام :145
2 ـ حماية الامام والدفاع عنه :146
3 ـ تحرير الامة من الجور :148
النزعات الفذة :148
1 ـ الاباء والعزة149
2 ـ البسالة والصمود149
عناصر جيش الامام :152
المعسكر الأموى :153
1 ـ فقدان الارادة :154
2 ـ القلق والحيرة :154
3 ـ الفسق :155
عناصر الجيش :156
1 ـ الانتهازيون :156
2 ـ المرتزقة :156
3 ـ الممسوخون :157
4 ـ المكرهون :157
5 ـ الخوارج :158
المأساة الخالدة159
زحف الجيش :161
تأجيل الحرب الى الصبح :165
الامام يأذن لأصحابه بالتفرق :165
جواب أهل بيته :167
جواب اصحابه :167
الامام يكشف مكيدة أهل الكوفة :170
مع محمد بن بشير :170
انهزام فراس المخزومي :171
الامام لا يأذن بالشهادة لمن كان عليه دين :171
الامام ينعى نفسه :172
التخطيط العسكري :174
احياء الليل بالعبادة :175
استبشار أصحاب الامام :175
سخرية الشمر بالامام :176
رؤيا الامام الحسين :177
فزع عقائل الوحي :177
تطيب الامام وحنوطه :178
يوم عاشوراء :178
دعاء الامام :180
اشعال النار في الخندق :180
هرير الممسوخين :181
التعبئة العامة في المعسكرين :182
الاحتجاجات الصارمة :183
خطبة الامام :184
خطاب زهير :188
خطاب برير :191
خطاب الامام الحسين :192
استجابة الحر :195
خطاب الحر للجيش :197
التحاق ثلاثين فارسا بالامام :198
الحرب :199
مصارع الأصحاب 201
الهجوم العام :203
عدد الضحايا من أصحاب الامام :204
المبارزة بين المعسكرين :204
هجوم فاشل :206
مباهلة برير ليزيد :207
مصرع برير :208
شهادة عمرو الأنصاري :209
رفض الجيش الأموي للمبارزة :210
هجوم عمرو بن الحجاج :211
مصرع مسلم بن عوسجة :212
هجوم الشمر :213
مصرع عبد اللّه الكلبي :214
استنجاد عروة :215
فتح جبهة ثانية :216
محاولة الشمر لاحراق حرائر الوحي :216
انكار حميد بن مسلم :217
توبيخ شبث بن ربعي :218
انتصاف النهار :218
مصرع حبيب :219
مصرع الحر :221
اداء فريضة الصلاة :222
مصرع زهير :224
مصرع نافع بن هلال :225
عابس مع شوذب :227
مصرع عابس الشاكري :227
هزيمة الضحاك :229
شهادة جون :229
شهادة حنظلة الشبامي :231
مصرع الحجاج :232
مصرع عمرو بن جنادة :233
مصرع أنس الكاهلي :234
مصرع أبي الشعثاء :235
مصرع الجابريين :235
مصرع الغفاريين :236
مصرع الانصاريين :236
شهادة انيس :236
مصرع قرة الغفاري :237
مصرع يحيى المازني :238
الامام مع اصحابه :238
شهادة عبد اللّه اليزني :239
الامام مع الشهداء :239
مصارع العترة الطّاهرة241
علي الأكبر :243
مصارع آل عقيل :249
عبد اللّه بن مسلم :250
جعفر بن عقيل :251
عبد الرحمن بن عقيل :252
محمد بن عقيل :252
عبد اللّه الأكبر :253
محمد بن أبي سعيد بن عقيل :253
محمد بن مسلم :253
علي بن عقيل :253
ابناء الحسن :254
عبد اللّه بن الحسن :254
القاسم بن الحسن :254
الحسن بن الامام الحسن :256
عبد اللّه بن الحسن :257
ابناء عبد اللّه بن جعفر :258
1 ـ عون بن عبد اللّه258
2 ـ محمد بن عبد اللّه259
3 ـ عبيد اللّه بن جعفر260
اخوة الحسين :260
العباس مع اخوته :260
مصرع عبد اللّه بن امير المؤمنين :261
مصرع جعفر :262
مصرع عثمان :262
مصرع العباس :263
محمد الأصغر :269
ابو بكر :270
العباس الأصغر :270
مصرع الامام العظيم 271
استغاثة الامام :274
مصرع الرضيع :275
صمود الامام :276
موقف المكرهين :278
فزع ابن سعد :279
استيلاء الامام على الماء :280
الهجوم على خيم الحسين :280
خطابه الأخير :282
الامام يطلب ثوبا خلقا :282
وداعه لعياله :283
الامام مع ابن رباح :287
مناجاته مع اللّه :288
الهجوم عليه :289
خروج العقيلة :290
الفاجعة الكبرى :290
القاتل الأثيم :292
عمر الامام وسنة شهادته :296
امتداد الحمرة في السماء :297
فرس الحسين :298
حرق الخيام :298
سلب جثة الامام :299
سلب حرائر النبوة :300
الهجوم على زين العابدين :302
الخيل تدوس الجثمان العظيم :303
العقيلة أمام الجثمان العظيم :304
سنان يطلب الجائزة :305
القبائل تقتسم الرءوس :306
عودة الطاغية الى الكوفة :307
ليلة الحادي عشر :308
عدد الضحايا من أهل البيت :309
الجرحى من اصحاب الامام :312
1 ـ سوار بن حمير الجابري 312
2 ـ عمرو بن عبد اللّه312
3 ـ الحسن بن الحسن 312
الناجون من القتل :312
1 ـ عاقبة بن سمعان 313
2 ـ المرقع بن قمامة313
3 ـ مسلم بن رباح 313
4 ـ الامام زين العابدين 313
5 ـ الحسن بن الحسن 314
6 ـ عمر بن الحسن 314
7 ـ القاسم بن عبد اللّه314
8 ـ محمد بن عقيل 314
9 ـ زيد بن الحسن(1) 314
خسائر ابن سعد :314
رؤيا ابن عباس :315
رؤيا أمّ سلمة :316
خولى يحمل رأس الامام :318
الطاغية مع قاتل الامام :319
تشفي ابن زياد برأس الامام :320
رجوع القوات المسلحة :321
جزع الامام زين العابدين :322
مواراة الجثث الطاهرة :323
فضل زيارة الحسين :327
دعاء الامام الصادق لزوار الحسين :328
سبايا اهل البيت فى الكوفة331
خطاب السيدة زينب :335
صدى الخطاب :336
خطاب السيدة فاطمة :337
صدى الخطاب :340
خطاب السيدة أمّ كلثوم :340
خطاب الامام زين العابدين :341
في مجلس ابن زياد :343
الطاغية مع عقيلة الوحي :343
الطاغية مع زين العابدين :345
ثورة ابن عفيف :347
العفو عن ابن معقل :352
القاء القبض على جندب :352
الطاغية مع قيس :353
تقوير الرأس الشريف :353
الطواف بالرأس العظيم :354
حبس عقائل الوحي :355
اختطاف علي بن الحسين :356
ندم ابن سعد :356
ابن زياد يطالب ابن سعد بالكتاب :357
التنديد بابن زياد :358
1 ـ مرجانة358
2 ـ عثمان بن زياد359
3 ـ معقل بن يسار359
الانكار على ابن سعد :359
الاستياء الشامل :359
ندم اهل الكوفة :361
1 ـ البراء بن عازب 361
2 ـ المسيب بن نجبة362
3 ـ سليمان بن صرد363
4 ـ عبد اللّه بن الحر363
الهجرة من الكوفة :364
سبايا آل الرّسول ص فى دمشق 365
تسيير الرءوس :367
تسريح العائلة النبوية :367
تشييع أهل الكوفة للاسرى :368
تزيين الشام :368
الشامي مع زين العابدين :371
سرور يزيد :372
رأس الامام بين يدي يزيد :373
نصب الرأس في جامع دمشق :375
رأس الامام عند نساء يزيد :375
السبايا في مجلس يزيد :376
خطاب السيدة زينب :377
محتويات الخطاب :381
جواب يزيد :383
صدى الخطاب :384
خطاب الامام زين العابدين :385
صدى الخطاب :388
الشامي مع فاطمة :389
الامام السجاد مع المنهال :391
النياحة على الحسين :392
مكافأة ابن مرجانة :392
ندم الطاغية :393
منكرون وناقمون :394
1 ـ ممثل ملك الروم394
2 ـ حبر يهودي 395
3 ـ قيصر ملك الروم396
4 ـ رأس الجالوت 396
5 ـ واثلة بن الاسقع 397
6 ـ ابن عباس 397
7 ـ ابن الزبير 399
8 ـ ابو برزة399
9 ـ الاسرة الأموية399
أ ـ يحيى بن الحكم 400
ب ـ عاتكة بنت يزيد 400
ج ـ هند 400
10 ـ معاوية بن يزيد 400
مخاريق واباطيل :402
1 ـ ابن تيمية402
2 ـ الغزالي 403
3 ـ ابن العربي 403
4 ـ ابن حجر404
5 ـ أنيس زكريا404
6 ـ الدكتور النجار405
7 ـ محمد عزة دروزه405
رأي الدكتور طه حسين :406
كلمة التفتازاني :407
رأي اليافعي :407
رأي احمد بن حنبل :407
كلمة المعتضد العباسي :408
الى يثرب 411
اعتذار الطاغية من زين العابدين :413
عرض الأموال لآل البيت :414
رد السيدة أمّ كلثوم :414
طلبة الامام زين العابدين :414
السفر الى يثرب :415
وصول النبأ الى يثرب :416
خطاب الأشدق :417
فجيعة الهاشميين :418
مأتم عبد اللّه بن جعفر :419
رزية ابن عباس :420
مسور مع ابن الزبير :420
رأس الامام في يثرب :421
عودة السبايا الى كربلا :422
الى يثرب :423
نعي بشر للامام :423
خطاب الامام زين العابدين :424
مكافأة الحرس :426
حزن الامام زين العابدين :427
لوعة الهاشميين :428
حزن العقيلة :428
لوعة الرباب :429
احزان أم البنين :430
مصير الرأس العظيم :430
1 ـ في كربلا :431
2 ـ في البقيع :432
3 ـ في النجف :432
4 ـ في دمشق :433
5 ـ في فارس :434
6 ـ في مصر :434
معطيات الثّورة437
انتصار القضية الاسلامية :439
هزيمة الأمويين :440
أ ـ تجريدهم من الواقع الاسلامي 441
ب ـ شيوع النقمة والانكار عليهم 442
ه ـ تحول الخلافة عن بني أمية442
التدليل على واقع أهل البيت :442
تركيز التشيع :443
توحيد صفوف الشيعة :444
تكوين الحس الاجتماعي :445
تفجير المواهب :445
منابر الوعظ والتوجيه :447
امتداد الثورة :448
1 ـ ثورة عبد اللّه بن عفيف :449
2 ـ ثورة المدينة :449
3 ـ ثورة التوابين :450
قرارات المؤتمر :451
اعلان الثورة :451
في كربلا :452
في عين الوردة :453
4 ـ ثورة المختار :453
فزع السفكة المجرمين :455
الابادة الشاملة :456
استمرار الثورة :457
مصادر البحث 459
المحتويات 479