الامام الحسن عليه السلام في مواجهة الانشقاق الأموي
التجميع الإمام الحسن عليه السلام
الکاتب السيد سامي البدري
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404





بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين

روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع عن أبي سعيد عقيصا قال : قلت للحسن بن علي ابن أبي طالبعليه‌السلام : يا ابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته؟ قالعليه‌السلام : علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لبني ضمرة وبني أشجع ، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية ، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل.

أقول : معنى ذلك ان السبب الموجب للصلحين واحد ، وهذا يستلزم وحدة الخلفيات التي سبقت الصلح ثم وحدة الظرف الموجب له ثم وحدة الموقف ازاءه ثم وحدة النتائج المترتبة وقد تكفلت بحوث الكتاب في تجلية ذلك.

وقد اعترض بعض الباحثين الشيعة على عنوان كتاب صلح الحسن للشيخ راضي آل ياسين قائلا : ان الحسنعليه‌السلام لم يصالح بل هادن ، وهو اعتراض لا وجه له ، لان (الهدنة) في اللغة تعني (الصلح) ، قال ابن منظور في لسان العرب مادة (هدن) ويقال للصلح بعد القتال والموادعة بين المسلمين والكفار وبين كل متحاربين : هُدْنَةٌ ، وربما جعلت للهُدْنة مُدّة معلومة ، فإذا انقضت المدة عادوا إلى القتال ، وبذلك فان هادن وصالح مترادفان كما ورد في الرواية اعلاه في سؤال ابي سعيد ثم اجاب الامامعليه‌السلام بقوله علة مصالحتي لمعاوية ...



المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.

استضافتي جماعة العلماء العراقية في مدينة قم سنة 1410 هجرية لإلقاء محاضرة في موسم ثقافي أقامته في شهر رمضان واخترت ليلة الخامس عشر منه ليكون الحديث عن صلح الحسنعليه‌السلام حيث لم أكن سابقا قد بحثته ، وأمضيت أربع عشرة ليلة ابحث في المصادر الأساسية.

ورأيت نفسي :

أمام قضية جديدة لم يشر إليها أحد من الباحثين قبلي وهي أن كلَّ ما سجّلتْه كتب التاريخ من ترويع وقتل وسجن وتهجير لشيعة الكوفة من قبل ولاة معاوية لم يكن قد وقع أيام الحسنعليه‌السلام بل كان بعد وفاته ، وهذا يعني ان عشر سنوات من حياة الحسنعليه‌السلام بعد الصلح كانت سنوات أمان تام للشيعة لم يُروَّع فيها شيعي واحد.

استوقفتني هذه الحقيقة ؛ الكبيرة ؛ المغيَّبة ؛ لأكثر من اثني عشر قرنا. وقد علق استاذي العلامة العسكريرحمه‌الله في حينها لما عرضت عليه ذلك قائلا : لقد جئت بشيء جديد من أسرار صلح الحسنعليه‌السلام .

ورأيت نفسي أيضا أمام معلومات أخرى لم تأخذ طريقها عند الباحثين في تأسيس الرؤية المناسبة حول موقف العراقيين من الحسنعليه‌السلام من قبيل قوله حين ترك الكوفة :

وما عن قلى فارقت دار معاشري

هم المانعون حوزتي وذماري


ومن قبيل قول عبد الله بن الزبير لمعاوية لما اشتكى من قلة تردده عليه عند قدومه إلى المدينة : أنَّ مع الحسن مائة ألف سيف لو شاء لضربك بها ، وقوله : والله ان أهل العراق لأبَرّ بالعراق من أم الحوار بحوارها.

وأمام رواة عرفوا بوضع الأخبار ؛ أمثال عوانة بن الحكم الذي روى عنه الطبري قصة الصلح ؛ التي تؤكد : أنَّ هدف الحسنعليه‌السلام من الصلح هو مسألة الحصول على الأموال! وان السبب الذي دعاه للصلح هو خيانة الجيش! وان الذي حصل على أمان الشيعة هو قيس بن سعد! وليس الحسنعليه‌السلام !

وأدركت من خلال ذلك أنني أمام (مشروع قراءة جديدة للصلح) تستند على معلومات جديدة وليس مجرد رأي وتحليل للمعلومات القديمة ، ثم فرضت هذه القراءة نفسها عليَّ أن أواصل متابعتها بحثاً ومناقشةً ومحاضرةً مدة ثلاث وعشرين سنة تقريبا في مناسبات شهر رمضان وغيره من الشهور في مدينة قم ولندن وسوريا ، وأسبانيا وبغداد واخيرا النجف الأشرف والحلة الفيحاء ونشرت خلالها ملخصا للبحث في صحيفة الراصد سنة 2003 م التي كانت تصدر في بغداد وجريدة البقية ومجلة النجف الاشرف التي تصدر في النجف عن مؤسسة المرتضى للثقافة والإرشاد ثم نشرت ملخصاً في كراس مستقل طبع عدة مرات.

أثارت القراءة الجديدة ردود فعل كان أكثرها إيجابيا ، ولا زلت أذكر حماسة العلامة الحجة الشيخ محمد مهدي شمس الدين رحمة الله عليه لطبعه مبكرا وقوله : «إنها قراءة جديدة سوف تهدم أمورا كثيرة تسالم عليها الباحثون». ولم أكن في حينها عجولا في نشر البحث التفصيلي ؛ رغم أني كنت أصحر بالقراءة الجديدة في المناسبات كما أسلفت لعلي أفوز بملاحظة أو مناقشة تغير من وجهة البحث.

ثم حانت الفرصة لمراجعة فصول البحث التي كتبت في فترات زمنية مختلفة لتقديمه للطبع ، فاضفت فصلا آخر الى الباب الثاني وبابا آخر بخمسة فصول ولا يفوتني ان اشكر قرة عيني ولدي السيد حسين الذي اشرف على اخراج الكتاب وتصحيحه وطباعته ، وأخيرا ليس لي إلا أن أقول بقول العلامة المحقق الشيخ راضي آل ياسينرحمه‌الله في مقدمة كتابه :


(وهي ـ بعد ـ بضاعتي المزجاة التي لا أريد منها إلا أن تكون مفتاح بحوث جديدة ، من شأنها أن تكشف كثيرا من الغموض الذي دار مع قضية الحسنعليه‌السلام في التاريخ. فان هي وُفِّقَتْ إلى ذلك ، فقد أوتيتُ خيراً كثيرا. وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب).(1)

السيد سامي البدري

1433 هـ / حي الكرامة / النجف الاشرف

__________________

(1) آل ياسين ، الشيخ راضي ، صلح الحسنعليه‌السلام ص 22.


المدخل

التمهيد وسير البحث

15 تمهيد

16 خلاصة الرؤية المشهورة في تعليل الصلح

23 ثلاث ملاحظات أساسية حول الرؤية المشهورة

27 صلح الحسنعليه‌السلام في الاعلام الاموي والعباسي وروايات اهل البيتعليهم‌السلام

33 الرؤية الجديدة

39 أبواب البحث وفصوله



تمهيد

تعد قضية صلح الإمام الحسنعليه‌السلام مع معاوية / كما تصورها لنا المصادر التاريخية الأولى / من أشد القضايا غموضا وتشوها في تاريخ أهل البيتعليهم‌السلام من جهة ، وفي تاريخ العراق الإسلامي المبكر من جهة أخرى ، وذلك لان القراءة الأولية للمصادر التاريخية الإسلامية حول الموضوع تفرض على القارئ ان يخرج بانطباعين سلبيين هما :

الأول : الانطباع السلبي الشديد عن العراقيين الأوائل الذين عاصروا عليا والحسن والحسينعليهما‌السلام في الكوفة خاصة ، وهو الانطباع السائد لدى كل من درس الموضوع أو كتب فيه ، وهو : كونهم متفرقين متخاذلين / طالما تمنى عليعليه‌السلام فراقهم / غير قادرين على النهوض بدولة مستقلة بهم نظير ما صنعه الشاميون مع معاوية ، بل كان بعض العراقيين / كما في بعض الروايات / يفكر بتسليم الحسنعليه‌السلام حيا إلى معاوية ، ولذلك اضطر الحسنعليه‌السلام إلى تسليم الأمر لمعاوية ، وهذا الانطباع يستوي فيه القراءة المسلمون بغض النظر عن مذاهبهم.

الثاني : الانطباع السلبي عن شخصية الحسنعليه‌السلام لدى القارئ الذي لا تربطه معه رابطة الاعتقاد بإمامته وعصمته أو رابطة الاعتقاد بوجوب محبته واحترامه لأنه من أهل البيتعليهم‌السلام الذين أوجب الله تعالى مودتهم ، كالمستشرقين وقد كادوا يجمعون على كون الحسنعليه‌السلام شخصية غير جديرة بان تكون ابنا لعليعليه‌السلام وانه باع الخلافة بدراهم من اجل شهواته.


أما القارئ المؤمن بعصمة الإمام الحسنعليه‌السلام فلم يؤثر عليه ذلك الركام الهائل من الروايات الطاعنة في شخصيته لإيمانه المسبق ان الحسنعليه‌السلام منزَّه عن ذلك وان تلك الروايات لا بد ان تكون موضوعة من قبل أعدائه لتشويه صورته.

ويعد كتاب صلح الحسنعليه‌السلام (1) للباحث المحقق الشيخ راضي آل ياسينرحمه‌الله الذي صدرته الطبعة الأولى منه سنة 1372 هـ ـ 1952 م افضل واشهر كتاب معاصر في الموضوع ، وقدم له في وقته الحجة المصلح السيد عبد الحسين شرف الدينرحمه‌الله صاحب التآليف القيمة بكلمة تصدرت الكتاب زادت من قيمته وأهميته ، ومن ثَمَّ سادت الرؤية التي قدمها الكتاب في النقد والتحليل وأخذ بها كلُّ من جاء بعده من الباحثين الشيعة.

ولما كنت في دراستي التي أعرضها بين يديك أيها القارئ الكريم قد خرجت برؤية مخالفة للرؤية السائدة بل هادمة لمرتكزاتها ، مع نتائج جديدة للصلح وأَلَقٍ كبيرٍ في شخصية الحسنعليه‌السلام وإمامتمه الإلهية رأيت ان ألخص الرؤية القديمة للصلح بقلم علمين كبيرين من أعلامنا ثم اعرض خلاصة الرؤية الجديدة قبل البدء ببحوث الكتاب.

خلاصة الرؤية المشهورة

في تعليل الصلح

قال العلامة الحجة السيد عبد الحسين شرف الدين رحمه‌الله : «ومن الغريب بقاء الناس في عشواءَ غمّاءَ من هذا الصلح إلى يومهم هذا ، لا يقوم أحد منهم في بيان وجهة الحسن في صلحه ، بمعالجة موضوعية مستوفاة ببيانها وبيناتها ، عقلية ونقلية ، وكم كنت أحاول ذلك ، لكن الله عز وجل شاء بحكمته أن يختص بهذه المأثرة من هو أولى بها ، وأحق بكل فضيلة ، ذلك هو مؤلف هذا السفر البكر «صلح الحسن» فإذا هو في موضوعه فصل الخطاب ، ومفصل الصواب ، والحد الفاصل بين الحق والباطل. أما المؤلف (أي الشيخ راضي آل ياسين) ـ أعلى الله مقامه ـ فإنك تستطيع أن تستشف ملامحه ، وافر الذهن ، غزير الفهم والعلم ، واسع الرواية ، عليما زاخرا بعلوم آل محمد ، علامة بحاثة ، أمعن

__________________

(1) ظهرت الطبعة الأولى منه سنة 1372 هـ 1952 م.


في التنقيب عن أسرارهم ، يستجلي غوامضها ، ويستبطن دخائلها ، لا تفوته منها واردة ولا شاردة ، إلى خصائص في ذاته وسماته يمثلها كتابه هذا بجلاء».

ثم قالرحمه‌الله يلخص الرؤية السائدة عن الصلح :

«ومن أمعن فيما اشتمل عليه هذا الكتاب ، من أحوال الحسن ومعاوية ، علم انهما لم ترتجلهما المعركة ارتجالا ، وإنما كانا في جبهتيهما خليفتين ، استخلفهما الميراث على خُلُقين متناقضين.

وقد وقف الحسن والحسين من دهاء (معاوية) ومكره إزاء خطر فظيع ، يهدد الإسلام باسم الإسلام ، ويطغى على نور الحق باسم الحق ، فكانا في دفع هذا الخطر ، أمام أمرين لا ثالث لهما : اما المقاومة ، واما المسالمة. وقد رأيا أن المقاومة في دور الحسن تؤدي لا محالة إلى فناء هذا الصف المدافع عن الدين وأهله ، والهادي إلى الله عز وجل ، والى صراطه المستقيم. إذ لو غامر الحسن يومئذ بنفسه وبالهاشميين وأوليائهم ، فواجه بهم القوة التي لا قِبَل لهم بها(1) مصمما على التضحية ، تصميم أخيه يوم «الطف» لانكشفت المعركة عن قتلهم جميعا ، ولانتصرت «الأموية» بذلك نصرا تعجز عنه إمكانياتها.

ومن هنا رأى الحسنعليه‌السلام أن يترك معاوية لطغيانه ، ويمتحنه بما يصبو إليه من الملك ، لكن أخذ عليه في عقد الصلح ، أن لا يعدو الكتاب والسنة في شيء من سيرته وسيرة أعوانه ومقوية سلطانه ، وأن لا يطلب أحدا من الشيعة بذنب أذنبه مع الأموية ، وأن يكون لهم من الكرامة وسائر الحقوق ما لغيرهم من المسلمين ، وأن ، وأن ، وأن. إلى غير ذلك من الشروط التي كان الحسن عالما بأن معاوية لا يفي له بشيء منها وأنه سيقوم بنقائضها.

وبالجملة فان هذه الخطة ثورة عاصفة في سلم لم يكن منه بد ، أملاها ظرف الحسن ، إذ التبس فيه الحق بالباطل ، وتسنى للطغيان فيه سيطرة مسلحة ضارية. ما كان الحسن ببادئ هذه الخطة ولا بخاتمها ، بل أخذها فيما أخذه من إرثه ، من صلح «الحديبية» فيما أُثِر من سياسة جدهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وله فيه أسوة حسنة ،

__________________

(1) كما أوضحه الشيخ آل ياسين في كتابه صلح الحسنعليه‌السلام .


إذ أنكر عليه بعض الخاصة من أصحابه ، كما أنكر على الحسن صلح «ساباط» بعض الخاصة من أوليائه ، فلم يهن بذلك عزمه ، ولا ضاق به ذرعه.

تهيأ للحسن بهذا الصلح أن يغرسَ في طريق معاوية كميناً من نفسه يثور عليه من حيث لا يشعر فيُرديه ، وتسنى له به أن يُلغم نصرَ الأموية ببارود الأموية نفسها. فيجعل نصرها جفاءا ، وريحا هباءا. لم يطل الوقت حتى انفجرت أولى القنابل المغروسة في شروط الصلح ، انفجرت من نفس معاوية يوم نشوته بنصره ، إذ انضم جيش العراق إلى لوائه في النخيلة. فقال ـ وقد قام خطيبا فيهم ـ : «يا أهل العراق ، إني والله لم أقاتلكم لتصلوا ولا لتصوموا ، ولا لتزكوا ، ولا لتحجوا ، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون!. ألا وان كل شيء أعطيته للحسن بن علي جعلته تحت قدمي هاتين!»(1) .

فلما تمت له البيعة خطب فذكر عليا فنال منه ، ونال من الحسن ، فقام الحسين ليرد عليه ، فقال له الحسن : «على رسلك يا أخي». ثم قامعليه‌السلام فقال : «أيها الذاكر عليا! أنا الحسن وأبي علي ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأمي فاطمة وأمك هند ، وجدي رسول الله وجدك عتبة ، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكرا ، وألأمنا حسبا ، وشرنا قديما ، وأقدمنا كفرا ونفاقا!» فقالت طوائف من أهل المسجد : «آمين».

ثم تتابعت سياسة معاوية ، تنفجر بكل ما يخالف الكتاب والسنة من كل منكر في الإسلام ، قتلا للأبرار ، وهتكا للإعراض ، وسلبا للأموال ، وسجنا للأحرار ، وتشريدا للمصلحين ، وتأييدا للمفسدين الذين جعلهم وزراء دولته ، كابن العاس ، وابن شعبة ، وابن سعيد ، وابن أرطأة ، وابن جندب ، وابن السمط ، وابن الحكم ، وابن مرجانة ، وابن عقبة ، وابن سمية الذي نفاه عن أبيه الشرعي عُبيد ، وألحقه بالمسافح أبيه أبي أبناءهم ، ويستحيي نساءهم ، ويفرقهم عباديد ، تحت كل كوكب ، ويحرق بيوتهم ، ويصطفي أموالهم ، لا يألو جهدا في ظلمهم بكل طريق. ختم معاوية منكراته هذه

__________________

(1) سيأتي التعليق على هذه الرواية والتي بعدها.


بحمل خليعة المهتوك على رقاب المسلمين ، يعيث في دينهم ودنياهم ، فكان من خليعه ما كان يوم الطف ، ويوم الحَرَّة ، ويوم مكة إذ نصب عليها العرادات والمجانيق!. هذه خاتمة أعمال معاوية ، وانها لتلائم كل الملاءمة فاتحة أعماله القاتمة. وبين الفاتحة والخاتمة تتضاغط شدائد ، وتدور خطوب ، وتزدحم محن ، ما أدري كيف اتسعت لها مسافة ذلك الزمن ، وكيف اتسع لها صدر ذلك المجتمع؟ وهي ـ في الحق ـ لو وزعت على دهر لضاق بها ، وناء بحملها ، ولو وزعت على عالم لكان جديرا أن يحول جحيما لا يطاق.

ومهما يكن من أمر ، فالمهم أن الحوادث جاءت تفسر خطة الحسن وتجلوها.

وكان أهم ما يرمي إليه سلام الله عليه ، أن يرفع اللئام عن هؤلاء الطغاة ، ليحول بينهم وبين ما يبيتون لرسالة جده من الكيد. وقد تم له كل ما أراد ، حتى برح الخفاء وآذن أمر الأموية بالجلاء والحمد لله رب العالمين.

الفضل في كشف هذه الحقيقة انما هو لمولانا ومقتدانا علم الأمة ، والخبير بأسرار الأئمة ، حجة الإسلام والمسلمين ، شيخنا المقدس الشيخ راضي آل ياسين أعلى الله مقامه. ذلك لان أحدا من الاعلام لم يتفرغ لهذه المهمة تفرغه لها في هذا الكتاب الفذ الذي لا ثاني له ، وها هو ذا مُشرِف من القمة على الأمة ، ليسُدَّ في مكتبتها فراغا كانت في فاقة إلى سده ، فجزاه الله عن الأمة وعن الأئمة ، وعن غوامض العلم التي استجلاها ، ومخبآته التي استخرجها ، ومحص حقائقها ، خير جزاء المحسنين ، وحشره في أعلى عليين [مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا].

حرر في صور (جبل عامل). في الخامس عشر من رجب سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة والف من الهجرة (1952 م). انتهى كلام العلامة المصلح السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي العاملي.

وقال العلامة الشيخ راضي آل ياسين رحمه‌الله في مقدمة كتابه صلح الامام الحسن عليه‌السلام : «... هأنذا مقدم ـ الآن ـ بين يدي قارئي الكريم ، عصارة بحوث تستملي حقايقها من صميم الواقع غير مدخول بالشكوك ، ولا خاضع للمؤثرات عن الحقبة المظلومة التاريخ ، التي


لم يحفل في عرضها ، بما تستحق ـ مؤرخونا القدامى ، ولم يعن في تحليلها ـ كما يجب ـ كتابنا المحدثون.

تلك هي قطعة الزمن التي كانت عهد خلافة الحسن بن علي في الإسلام والتي جاءت بين دوافع الأولين ، وتساهل الآخرين ، صورة مشوهة من صور التاريخ.

وتعرضت في مختلف أدوارها لما كان يجب ان يتعرض له أمثالها من الفترات المطموسة المعالم ، المنسية للحقائق ، المقصودة ـ على الأكثر ـ بالإهمال أو بالتشويه.

فإذا بالحسن بن علي (عليه وعلى أبيه أفضل الصلاة والسلام) في عرف الأكثرين من المتسرعين بأحكامهم ـ من شرقيين وغربيين ـ الخليفة الضعيف السياسة! المتوفر على حب النساء! الذي باع «الخلافة» لمعاوية بالمال!! إلى كثير من هذا الهذر الظالم ، الذي لا يستند في مقاييسه على منطق ، ولا يرجع في تحكماته إلى دليل ، ولا يعنى في ارتجالياته بتحقيق أو تدقيق.

وعَمَدَتْ هذه الفصول إلى تفلية هذه الحقبة القصيرة من الزمن بما هي ظرف احداث لا تقل بأهميتها ـ في ذاتها ـ ولا بموقعها «الاستراتيجي» في التاريخ ـ إذا صح هذا التعبير ـ عن أعظم الفترات التي مر بها تاريخ الإسلام منذ وفاة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والى يوم الناس ...

لأنها بداية اقرار القاعدة الجديدة في التمييز بين السلطات الروحية والسلطات الزمنية في الإسلام.

ولأنها الفترة التي تبلورت فيها الحزازات الطائفية لأول مرة في تاريخ العقائد الإسلامية.

كانت النقود التي جَرح بها وُقّاح الرأي سياسةَ الحسنعليه‌السلام ، أبعد ما يكونون ـ في تجريحهم ـ عن النَّصَف والعمق والإحاطة بالظرف الخاص ، هي التي نسجت كيان المشكلة التاريخية في قضية هذا الامامعليه‌السلام ، وكان للشهوة الحزبية من بعض ، ولمسايرة السياسة الحاكمة من آخر ، وللجهل بالواقع من ثالث ، أثره فيما أسفَّ به المتسرعون إلى أحكامهم. ونظروا إليه نظرتهم إلى زعيم أخفق في زعامته.

وفاتهم أن ينظروا إلى دوافع هذا الإخفاق المزعوم ، الذي كان ـ في حقيقته ـ


انعكاسا للحالة القائمة في الجيل الذي قدر للحسن أن يتزعمه في خلافته ، بما كان قد طغى على هذا الجيل من المغريات التي طلعت بها الفتوح الجديدة على الناس.

وأي غضاضة على «الزعيم» إذا فَسَدَ جيلُه ، أو خانته جنودُه ، أو فقد مجتمعُه وجدانه الاجتماعي. وفاتهم ـ بعد ذلك ـ أن ينظروا إليه كألمع سياسي يدرس نفسيات خصومه ونوازع مجتمعه وعوامل زمنه ، فيضع الخطط ويقرر النتائج ، ويحفظ بخططه مستقبل أمة بكاملها ، ويحفر ـ بنتائجه ـ قبور خصومه قبرا قبرا ، ويمر بزوابع الزمن من حوله رسول السلام المضمون النجاح ، المرفوع الرأس بالدعوة إلى الإصلاح. ثم يموت ولا يرضى أن يهرق في أمره محجمة دم ترى ، فأي عظمة أجل من هذه العظمة لو أنصف الناقدون المتحذلقون؟.

وان كتابنا هذا ليضع نقاط هذه الحروف كلها ، مملاة عن دراسة دقيقة سيجدها المطالع ـ كما قلنا ـ أقرب شيء من الواقع ، أو هي الواقع نفسه ، مدلولا عليه بالمقاييس المنطقية ، وبالدراسات النفسية ، وبالشواهد الشوارد من هنا وهناك. كل ذلك هو عماد البحث في الكتاب ، والقاعدة التي خرج منها إلى احكامه بسهولة ويسر ، في سائر ما تناوله من موضوعات أو حاوله من آراء ...

وسيجد القارئ أن الكتاب ليس كتابا في أحوال الامام الحسنعليه‌السلام ، بوجه عام ، وإنما هو كتاب مواقفه السياسية فحسب.

وان موضوعا من العمق والعسر كموضوعنا ، وبحثا فقير المادة قصير المدة كبحثنا ـ ونحن نتطلع إليه بعد 1328 من السنين ـ لحري بأن لا يدُرُّ على كاتبه بأكثر مما دَرَّت به هذه الفصول ، احرص ما تكون توفرا على استقصاء المواد ، وتنسيق عناصر الموضوع ، وتهذيبها من الزائف والدخيل.

ونحن إذ نومئ إلى «فقر المادة» وأثره على البحث ، لا نعني بالمادة الا هذه «الموسوعات» التي كان بإمكاننا التعاون معها على تجلية موضوعنا بما هي عليه من تشويش للتناسق أو تشويه للحقايق.

اما المؤلفات الكثيرة العدد التي وردت أسماؤهم في معاجم المؤلفين الأولين ، مما كتب عن قضية الحسنعليه‌السلام فقد حيل بيننا وبين الوقوف عليها. وكانت مع الكثير من تراثنا


القديم قيد المؤثرات الزمنية ، وطعمة الضياع والانقراض أخيرا. وكان ذلك عصب النكبة في الصحيح الصحيح من تاريخ الإسلام ، وفي المهم المهم من قضاياه الحساسة أمثال قضيتنا ـ موضوع البحث ـ. فلم نجد ـ على هذا ـ من مصادر الموضوع : كتاب (صلح الحسن ومعاوية لأحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن السبيعي الهمداني المتوفى سنة 333 هجري) ، ولا كتاب [(صلح الحسن عليه السالم لعبد الرحمن بن كثير الهاشمي (مولاهم)] ، ولا كتاب (قيام الحسنعليه‌السلام لهشام بن محمد بن السائب) ، ولا كتاب (قيام الحسنعليه‌السلام ، لإبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد بن مسعود الثقفي المتوفى سنة 283 هجري) ولا (كتاب عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصري في أمر الحسنعليه‌السلام ) ، ولا كتاب (اخبار الحسنعليه‌السلام ووفاته ، للهيثم بن عدي الثعلبي المتوفى سنة 207 هجري) ، ولا كتاب (اخبار الحسن بن عليعليه‌السلام ، لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الأصفهاني الثقفي)(1) ، ولا نظائرها.

اما هذه المصادر التي قُدِّرَ لنا ان لا نجد غيرها سندا ، فيما احتاجت به هذه البحوث إلى سند ما ، فقد كان أعجب ما فيها انها تتفق جميعها في قضية الحسنعليه‌السلام على ان لا تتفق في عرض حادثة ، أو رواية خطبة ، أو نقل تصريح ، أو الحكم على إحصاء ، بل لا يتفق سندان منها ـ على الأكثر ـ في تأريخ وقت الحادث أو الخطبة من تقديم أو تأخير ، ولا في تعيين اسم القائد مثلا ، أو ترتيب القيادة بين الاثنين أو الثلاثة ، ولا في رواية طرق النكاية التي أريدت بالحسنعليه‌السلام في ميادينه ، أو في التعبير عن صلحه ، أو في قتله أخيرا ، ولا في كل صغيرة أو كبيرة من اخبار الملحمة ، من ألفها إلى يائها. وللمؤثرات التي تحكمت في رقبة هذه المصادر ، عند نقاطها الحساسة اثرها المحسوس في الكثير الكثير من عروضها.

وإذا كان من أصعب مراحل هذا التأليف ، إرجاع هذه الحقائق إلى تسلسلها

__________________

(1) تجد ذكر هذه المؤلفات ضمن تراجم مؤلفيها في كتب الرجال ، كفهرست ابن النديم والنجاشي وغيرهما. وستجد معها أسماء كتب أخرى تخص موضوع الحسنعليه‌السلام في صلحه وفي مقتله ، لا نريد الإطالة باستقصائها بعد ان أصبحت أسماء بلا مسميات.


الصحيح الذي يجب ان يكون هو واقعها الأول ، فقد كان من أيسر الوسائل إلى تحقيق هذا الغرض ، الاستعانة عليه بقرائن الأحوال ، وتناسق الأحداث ، اللذين لا يتم بدونهما حكم على وضع. وكان من حسن الصدف ، ان لا نخرج في اختيار النسق المطلوب عن الشاهد الصريح ، الذي بعثرته هذه المصادر نفسها ، في اطواء رواياتها الكثيرة المضطربة ، فكانت ـ بمجموعها ـ وعلى نقص كل منها ، أدلتنا الكاملة على ما اخترناه من تنسيق أو تحقيق ، وذلك أروع ما نعتز به من التوفيق. ووقفنا في فلسفة الموقف ـ عند مختلف مراحله ـ وقفاتنا المتأنية المستقرئة الصبور ، التي لا تستلم للنقل أكثر مما تحتكم للعقل. ورجعنا في كثير مما التمسنا تدقيقه ، إلى التصريحات الشخصية التي جاءت أدل على الغرض من روايات كثير من المؤرخين».(1) انتهى كلام العلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسينرحمه‌الله .

ثلاث ملاحظات أساسية حول الرؤية المشهورة :

أوردتُ من كلمات ذينك العَلَمين الجليلين ما يغنيني عن ذكر أهمية البحث وصعوبته وضرورته ، وما اودُّ التعليق عليه من الكلمات التي عبرت عن مفاصل الرؤية السائدة والمشهورة ثلاث تعليقات هي :

الأولى : انها لم تميز بين سنوات الصلح العشر زمن حياة الحسنعليه‌السلام التي كانت سنوات أمان وحركة نشيطة لشيعة عليعليه‌السلام في نشر أَخبار سيرته المشرقة وأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وفي أهل بيتهعليهم‌السلام ، وسنوات المحنة بعد وفاته ، السنوات التي أَعاد فيها معاوية إِعلامه الكاذب ضد عليعليه‌السلام بأشد ما يكون ، وفرض على الناس في كل مكان لعنه ، ومعاقبة المخالف وكان اشدُّ الناس ابتلاءً أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة عليعليه‌السلام . وليس من شك فان اكتشاف هذه الحقيقة سوف يفرض على التحليلات التي كانت قد أغفلتها ان تغير من وجهتها. ومن ابرز هذه التحليلات ان الشروط لم يلتزم بها معاوية منذ اليوم الأول ، اما الرواية التي تقول ان معاوية خطب في الكوفة في اليوم الأول من الصلح ونال من عليعليه‌السلام وهو يسمع ، وأَعلن عن ردِّه للشروط فهي

__________________

(1) آل ياسين ، الشيخ راضي ، صلح الحسنعليه‌السلام ، المقدمة ص 22.


رواية موضوعة في العهد العباسي لتشويه العمل العظيم الذي قام به الحسنعليه‌السلام نكاية بالحسنيين الثائرين من ولدهعليه‌السلام على العباسيين وقد بحثناها في كتابنا هذا ، وفي تقديرنا ان قول معاوية ان صحت الرواية قد قاله بعد وفاة الحسنعليه‌السلام وبعد تعقُّبِه شيعةَ عليعليه‌السلام سجنا ونفيا وقتلا.(1)

الثانية : انطلقت الرؤية المشهورة من فكرة مفادها : انَّ الموقف المطلوب أساسا هو الحرب ، ولمَّا لم يكن للحسنعليه‌السلام / كما تصور لنا الروايات الموضوعة / جيش كفوء يعتمد عليه لإيقاف خصمه المتستِّر بالإسلام اضطُرَّ إلى الصلح لفضحه ، ثم جعلت الرؤية السائدة الاستفادة من درس صلح الحديبية هو تأسي الحسنعليه‌السلام بجده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين أنكر عليه بعض الخاصة من أصحابه أَمر الصلح ، كما أنكر على الحسن صلح «ساباط» بعض الخاصة من أوليائه.

وفي تقديرنا ان الاستفادة كانت أَعمق من ذلك : إذ أَنَّ الموقف الذي أَسَّسه صلح الحديبية هو إِفهام الناس أَنَّ الحرب ليست هي القاعدة العامة لحل المشكلات والأزمات ، بل قد يكون الموقف المطلوب الذي يفتح الطريق للهداية أو لحل الأزمة المستعصية هو الصلح والتنازل المحدود المشروط. وقد استهدف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في صلح الحديبية هذا الموقف لتحقيق الأمان في الجزيرة العربية المقرون بفضح إعلام قريش التي كانت تدَّعي انها تعمل على احترام البيت الحرام وزوّاره وان محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله كان لا يحترم البيت الحرام وما يرتبط به من قوافل أهله التجارية فقد تعرض لها في الطريق وأخافها ، وقد كانت العرب في ال جاهلية تحترمها وتحرسها احتراما للبيت الحرام ، مضافا إلى هذه المكسب فقد انطلقت الاخبار الصحيحة عن سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تشق طريقها إلى الناس الذين اكتشفوا انهم كانوا مخدوعين بالإعلام القرشي الكاذب. ومن هنا رأينا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يخرج في تظاهرة كبيرة هو وأصحابه مُحرِمين يسوقون الهديَ لزيارة البيت وعرض

__________________

(1) ولنا ان نقول أيضا وهو الأصوب ان معاوية لم يكن ليعلن ذلك في أول ملكه ولما يحل بعد المشكلات الأمنية الداخلية من الخوارج والخارجية من الروم ، ومعاوية قدير على ضبط اعصابه وإخفاء حقده لوقت استقرار ملكه وحينئذ لا يعلن عن ذلك تنفيذيا ، بل يلعنه إمامة دينية وخلافة إلهية وقد وضعت روايات في حقه من قبيل ما نسبوه إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله انه دعا له (اللهم اهد به واجعله هاديا مهديا) كما سيأتي في البحث.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على قريش الصلحَ فقبلت بعد تردد ورفض واشترطت أَنْ يرجع عامَه ذاك وقبل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك ، وعرفت العرب انَّ قريشا هي التي تصدُّ عن البيت الحرام وليس محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فافتضح إعلامها الكاذب ، واختلط المسلمون مع الناس ونقلوا اليهم صورا رائعة من سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الهادية وبذلك تبدلت الصورة السيئة التي إشاعتها قريش المشركة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليحي من حيَّ عن بينة ، واستجابت القبائل ودخلت الإسلام أفواجا ومن ثم سمى القرآنُ الصلحَ مع ما يحفه من التنازل ب (الفتح المبين).

والأمر نفسه تكرر مع (قريش الأبناء) بقيادة معاوية لما تخندقوا في الشام واستطاعوا ان يعبثوا الشام بإعلام كاذب وإعطاء صورة سيئة عن عليعليه‌السلام ، وكونه يطلب الملك بالحرب وسفك الدماء وانه مفسد في دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وغير ذلك من التهم الباطلة ، ويجئ الصلح بشروط الحسنعليه‌السلام فاضحا لمعاوية وإعلامه وفاتحا الطريق لإمامة عليعليه‌السلام الإلهية يحمل أخبارها ونصوصها النبوية التاسيسية شيعة عليعليه‌السلام من الكوفيين وغيرهم يحدِّثون بها أهلَ الشام مدة عشر سنوات من الأمان. ومن ثم فان صلح الحسن لا تبعد عنه تسمية (الفتح المبين) لما حققه من فضح معاوية وإعلامه الكاذب وانتشار اخبار سيرة عليعليه‌السلام المشرقة ومعرفة موقعه من الرسالة عبر حديث الغدير والثقلين والكساء وغيرها التي لم يكن أهل الشام قد سمعوا بها آنذاك.

وهذا الفهم هو المناسب لقول الحسنعليه‌السلام (علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة النبي لقريش) لان نتائج الصلح هنا هي نتائج الصلح هناك ، توحدت العلة وتوحد الأثر.

الثالثة : نجح المؤلف الحجة الشيخ راضي آل ياسين رحمة الله عليه في تجلية شخصية الحسنعليه‌السلام والدفاع عنه كما يليق به إماما من أئمة الهدى ، ولكنه فيما يتعلق بأهل الكوفة وقع / في تقديرنا / تحت ضغط الاخبار الموضوعة التي استهدفت تشويههم كما استهدفت نظائرها تشويه شخصية الحسنعليه‌السلام ، وكان المترقب من دراسة مستوعبة كالتي نهض بها العلم الكبير ان تصنف الاخبار بخصوص أهل الكوفة إلى مجموعتين ، ثم ترجح احدهما بالمرجحات العلمية المعروفة عند تعارض الاخبار. وقد شخصنا ثلاثة مرجحات للأخبار المادحة وإسقاط القادحة وهي :

1. ان المصادر التي عرضت الاخبار المادحة ورواتها هي مصادر الخاصة أعني


المصادر الشيعية والرواة الشيعة ، اما المصادر التي عرضت الاخبار الطاعنة فهي عامية ورواتها عُرِف الكثير منهم بممالئتهم لخلفاء الجور من العباسيين.

2. ان الاخبار الطاعنة تعارضها حقيقة الأمان في السنوات العشر الأولى من الصلح إذ لم يروَّع شيعي واحد في هذه الفترة وهي حقيقة كشف عنها بحثنا الجديد هذا.

3. ان العباسيين بعد قضائهم على ثورة الأخوين محمد وإبراهيم ولدي عبد الله بن الحسن بن الحسن المثنى (رض) اتجهوا في إعلامهم العام وجهة تسقيط الحسنيين بتشويه سيرة جدهم الحسن المجتبىعليه‌السلام فوضعوا اخبارا من قبيل : انه باع الخلافة بدراهم من اجل شهواته ، ووضعوا اخبارا أخرى تشوه سيرة الكوفيين وانهم تفرقوا عن الحسنعليه‌السلام وتفرقوا عن أبيه من قبل ، ووضعوا على لسان الحسن أحاديث تؤكد ذلك.


صلح الحسن عليه‌السلام في الاعلام الاموي والعباسي

وروايات اهل البيت عليهم‌السلام

وجدت من الناحية التاريخية ثلاثة اطروحات عرَّفت بالحسنعليه‌السلام ودوافع صلحه ونتائجه وهي :

اطروحة الاعلام الاموي : أنَّ تنازل الحسنعليه‌السلام عن السلطة بخطة من معاوية :

لا نملك مصادر اموية تتحدث عن صلح الامام الحسنعليه‌السلام ، وانما الذي بين ايدينا مصادر عباسية تنقل عن رواة مخضرمين عاشوا العهدين العباسي والاموي امثال معمر بن راشد اليماني (ت 154 هـ) ويونس الايلي (ت 160 هـ) وعبيد الله بن ابي زياد الرصافي (ت 158 هـ) وضمرة بن ربيعة القرشي الحمصي الفلسطيني (ت 202 هـ) الذين رووا عن الزهري قصة الصلح ، وعوانة بن الحكم (ت 158 هـ) وعثمان الطرائفي (ت 203 هـ) ومحمد بن عبيد (ت 202 هـ) وسفيان بن عيينة (ت 198 هـ) ، وقد نصت كتب الرجال في ترجمة عوانة بن الحكم انه كان يضع الاخبار لبني امية. ومن المؤكد ان الزهري كان يضع الاخبار لبني امية وولاتهم وقد طلب منه والي العراق خالد القسري ان يكتب السيرة ولا يذكر فيها عليا الا ان يجده في قعر الجحيم! وقد روى معمر روايات السيرة عن الزهري واوردها كاملة عبد الرزاق الصنعاني وقد جاءت خالية من ذكر عليعليه‌السلام . وفي ضوء ذلك فان قصة صلح الحسنعليه‌السلام بروايات هؤلاء عن الزهري وغيره تعكس الرؤية الاموية لا محالة. والبادئ للصلح في روايتهم هو معاوية ، وهي قضية صحيحة اساسا ، ولكن ما الذي طلبه معاوية من الحسنعليه‌السلام ؟

هل طلب معاوية من الحسنعليه‌السلام ان يتنازل عن السلطة مقابل اموال يغدقها عليه؟ كما في رواية البخاري عن ابن عيينة (اعرضا عليه) اي المال. واعتمدها المؤرخون


السلفيون الذهبي وابن كثير وغهما ، والمحدثون ، ابن حجر والعيني وغيرهما في شرحهما للبخاري وقد استنبطوا منها رافة معاوية بالمسلمين وقدرته في تدبير الملك!

ام طلب معاوية من الحسنعليه‌السلام ان توقف الحرب وان يكون الحسنعليه‌السلام حاكما في العراق والبلاد التي بايعته وان يكون معاوية حاكما في الشام والبلاد التي بايعه؟ وهو الصحيح فقد طلب معاوية ذلك من علي بعد التحكيم ، ورفضه علي ، لان معاوية باغ وحكم البغاة هو قتالهم ولا يجوز الصلح معهم الا لمفاوضات املاً بان يرجع البغاة عن بغيهم. ثم كرر الطلب معاوية بعد عليعليه‌السلام وقد انقسمت الامة باختيارها فبايعت في الشام معاوية وبايعت في العراق الحسنعليه‌السلام ، وفي ظل هذه الوضع الجديد لا يمكن لمعاوية ان يعرض على الحسنعليه‌السلام غير ما عرضه على ابيه عليعليه‌السلام في حياته بان يبقى كل على بلده الذي بايعه واعتقد بامامته ، لانه يعلم حق العلم ان علياعليه‌السلام / ومن بعده الحسنعليه‌السلام / له مشروعه في احياء سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله التي عطلها الخلفاء ، وقد تبناه اهل العراق كما تبنى اهل الشام معاوية في السير على نهج عثمان والشيخين.

وقد رفض الحسن طلب معاوية ذلك لانه يؤدي الى تكريس الانشقاق في الامة وتكريس جهل اهل الشام بمشروع عليعليه‌السلام ، وعرض عليه الحسنعليه‌السلام مشروعه الذي لم يخطر في باله ، ولا بال احد من رجالاته ، عرض عليه توحيد الامة وتوحيد حكومتها بنظام يحدده الحسنعليه‌السلام وهو الكتاب والسنة دون سيرة الشيخين وبشروط اضافية من قبيل امان شيعة عليعليه‌السلام في العراق ، وان يكون الامر للحسنعليه‌السلام بعد معاوية وان لا يذكر علياعليه‌السلام الا بخير وغير ذلك وان يكون الحاكم هو معاوية وبعد موته يكون الحسنعليه‌السلام وهكذا كان الامر لعشر سنوات حيث عاشت الامة افضل ايامها من الامان والحرية في العبادة.

لقد غيب الاعلام الاموي الانجاز العظيم للحسنعليه‌السلام الذي بشر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ان ابني هذا سيد سيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. وجعلوه صلحا ، كان الداعي اليه معاوية الذي بذل الاموال لسد دين الحسنعليه‌السلام ومعالجة حالات كانت بحاجة الى المال! ومن هنا كان الحسنعليه‌السلام مرضيا لدى المحدثين والسلفيين قاطبة لانه اثر حقن الدماء على الحرب مستجيبا لمعاوية الرؤوف بالمسلمين!


اطروحة الاعلام العباسي : أنَّ الحسنعليه‌السلام تنازل عن السلطة رغبة في المال والحياة المترفة :

ثار الحسنيون على العباسيين سنة 144 هـ بقيادة محمد بن عبد الله بن الحسن في المدينة ثم قتل وقام من بعده اخوه ابراهيم بن عبد الله بن الحسن في البصرة ثم قتل بسهم طائش في معركة بين البصرة والكوفة ووجد العباسيون انفسهم بحاجة الى توجيه الاعلام وجهة تسقيطية للحسنيين من خلال ترويج ما اسسه الاعلام الاموي في الحسنعليه‌السلام مع تطوير واضافات تقتضيها المرحلة وكانت هذه الاضافات هي تسقيط الكوفة بوصفها قلعة المؤيدين للحسنيين وللامام الصادقعليه‌السلام وقد وضع الخليفة الدوانيقي ابي جعفر الخطوط العريضة لهذا الاعلام فقال :

... ثمَّ قام بعدَهُ الحسن بن عليعليه‌السلام ، فو الله ما كان برجل ، عرضت عليه الأموال فقبلها ، ودسَّ إليه معاوية إنِّي أجعلك ولي عهدي ، فخلع نفسه وانسلخ له ممَّا كان فيه ، وسلَّمه إليه وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غداً أخرى ، فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه.

وفيما يخص الكوفيين قال :

(ثمَّ قام من بعده الحسين بن عليعليهما‌السلام ، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنِّفاق والإغراق في الفتن ، أهل هذه المدرة السوء ، / وأشار إلى الكوفة / فو الله ما هي لي بحرب فأُحاربها ، ولا هي لي بسلم فأُسالمها ، فرَّق الله بيني وبينها فخذلوه وأبرؤوا أنفسهم منه ، فأسلموه حتّى قتل.

ثمَّ قام من بعده زيد بن علي ، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه ، فلمَّا أظهروه وأخرجوه أسلموه ، وقد كان أبي محمد بن علي ناشده الله في الخروج وقال له : لا تقبل أقاويل أهل الكوفة فإنّا نجد في علمنا أنَّ بعض أهل بيتنا يصلب بالكناسة ، وأخشى أن تكون ذلك المصلوب ، وناشده الله بذلك عمّي داود وحذَّرهرحمه‌الله غدر أهل الكوفة ، فلم يقبل ، وتمَّ على خروجه ، فقتل وصلب بالكناسة).(1)

__________________

(1) المسعودي ، مروج الذهب ج 3 ص 301 ، وكانت بوادر التحسس من الكوفيين قبل ذلك روى


ولما قتل ابراهيم بن عبد الله بن الحسن امر المنصور ان يطاف برأسه بالكوفة سنة 145 هجرية وخطب قائلا :

(يا أهل الكوفة عليكم لعنة الله وعلى بلد انتم فيه سبئية(1) ، خشبية(2) ، قاتل يقول : جاءت الملائكة وقائل يقول جاء جبريل ...

لَلَعَجَب لبني امية وصبرهم عليكم ، كيف لم يقتُلوا مقاتلتَكم ويسبوا ذراريكم ، ويخربوا منازلكم.

أما والله يا اهلَ المَدَرَة الخبيثة لئن بقيت لكم لأذلنكم).(3)

لقد انتج الاعلامان الاموي والعباسي كمية هائلة من الروايات الكذب في قضية الصلح لم تتسبب في ظلم الامام الحسنعليه‌السلام وظلم العراقيين حسب ، بل تسببت في تشويه الرؤية الاسلامية الصحيحة في مسالة (لو بايعت الامة لحاكمين) ، وتغييب اخبار تجربة وعهد هو من اروع العهود الاسلامية بعد عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعهد الامام عليعليه‌السلام امتاز بالامان التام والحوار الصادق والتعددية المذهبية المبنية على القناعة وظهور المرجعية الدينية المستقلة عن السلطة متفرغة الى عمل الخير وتعليم الناس ، وانصراف الدولة الى وظيفتها الاساسية من تحقيق الامان داخليا وخارجيا وتوزيع الحقوق على اهلها دون التدخل في الشؤون الدينية للافراد العهد الذي تتوق اليه وتتطلع نحوه كل شعوب العالم بلا استثناء.

__________________

البلاذري فيانساب الاشراف ج 3 ص 150 ، قال : قال المدائني : (كتب ابو مسلم الى ابي العباس : أن اهل الكوفة قد شاركوا شيعة امير المؤمنين في الاسم ، وخالفوهم في الفعل ، ورأيهم في آل علي الذي يعلمه امير المؤمنين ، يؤتى فسادهم من قبلهم باغوائهم اياهم واطماعهم فيما ليس لهم ، فالحظهم يا امير المؤمنين بلحظة بوار ، ولا تؤهلهم لجوارك ، فليست دارهم لك بدار. واشار عليه ايضا عبد الله بن علي بنحو من ذلك فابتنى مدينته بالانبار وتحول اليها وبها توفي).

(1) اي اتباع عبد الله بن سبأ الذي ادعي له انه مبتدع الوصية لعليعليه‌السلام المشابهة لوصية موسى ليوشععليه‌السلام الذي يترتب عليها البراءة ممن تجاوز على موقعه.

(2) فيالنهاية لابن الاثير : الخشبية : هم أصحاب المختار بن أبي عبيد ، ويقال لضرب من الشيعة : الخشبية. وفي المشتبه للذهبي : الخشبي : هو الرافضي في عرف السلف.أقول : وسياتي في ترجمة المختار الروايات التي وضعوها في حقه للغض من شخصيته.

(3) البلاذري ،أنساب الاشراف ج 3 ص 269.


الحسنعليه‌السلام في روايات اهل البيت عليهم‌السلام امام هدى عالج الانشقاق وفتح الطريق لهداية اهل الشام ان ارادوا الهداية :

لا بد من التمييز بين روايات اهل البيت والمصادر الشيعية التي الفت للاحتجاج باحاديث العامة عليهم فما ورد في كتاب الارشاد للشيخ المفيد في قصة اساسه روايات ابي الفرج في كتابه مقاتل الطالبيين ، وما فيه من اخبار مقتل الحسين اساسه روايات ابي مخنف في كتابه مقتل الحسين الذي رواه الطبري ، فان هذه الروايات لا يغير من واقعها رواية الشيخ المفيد لها ، فهي تبقى روايات عامية ، والذي نريده بروايات اهل البيتعليهم‌السلام هو ورودها عنهم وفي مصادر امامية معتبرة ، وفي هذا الصدد فاننا نجد صلح الحسنعليه‌السلام وشخصيته واهل الكوفة في رواياتهم بصورة اخرى تغاير ما عليه الاعلام الاموي والعباسي.

فالحسنعليه‌السلام احد الائمة الهداة المعصومين الاثني عشر الذين عينهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لهداية الامة من بعده في قصة المباهلة وحديث الكساء وغيرها ، اما سيرته الشخصية فقد تحدث عنها حفيده الامام الصادقعليه‌السلام يصفه كان أعبد الناس في زمانه ، وأزهدهم وأفضلهم ، وكان إذا حج حج ماشيا ، وربما مشى حافيا ، وكان إذا ذكر الموت بكى ، وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها. وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل ، وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ، ويسأل الله تعالى الجنة ، ويعوذ به من النار.

اما دوافع الصلح عند الحسنعليه‌السلام فقد بينها بوضوح تام حين ساله ابو سعيد وقد اوردنا الرواية في اول الكتاب مستقلة ، حين قال علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة النبي لقريش ، وبذلك وضع مقياسا دقيقا لدراسة الصلح ودوافعه واهدافه وانجازاته.

وقد ذكر الامام الباقرعليه‌السلام صلح الحسن فقال فيه : (والله لَلذي صنعه الحسن بن علي كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس والقمر).

ان هذه الصيغة من الكلام تشير الى ان : نتائج الصلح هي من سنخ الهداية التي


يقول فيها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليعليه‌السلام : (وأيم الله لأن يهدي الله على يديك رجلا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت ولك ولاؤه يا علي).(1)

لقد حفظ الحسنعليه‌السلام بصلحه وحدة القبلة ووحدة الكتاب الى يوم القيامة ، ثم اوصل احاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في امامة علي واهل بيتهعليهم‌السلام الالهية ، واخبار سيرة عليعليه‌السلام المشرقة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعده وفي الكوفة ايام حكمه ، وفتح باب الاهتداء بعلي لمن اراد من اهل الشام الى يوم القيامة فاي خير اعظم من هذا الخير!

وقد انطلق البحث في هذا الكتاب من قول الامام الحسنعليه‌السلام نفسه وانتهى الى الخير الذي انتجه الصلح واشارت اليه رواية الامام الباقرعليه‌السلام .

__________________

(1) الكليني ،الكافي ، ج 5 ص 28. الطوسي ، تهذيب الاحكام ج 6 ص 141.


الرؤية الجديدة

اما النتائج الجديدة فتتعلق بوضع أهل الكوفة في السنوات العشر من الصلح حيث كانوا امنين ولم يروع شيعي واحد منهم بسبب ولائه لعلي بل الفرصة متاحة لهم لينشروا ما وعوه وحملوه عن عليعليه‌السلام من علم وسيرة مشرقة بين أهل الشام ، هذا في قبال الرؤية السائدة التي تقول ان معاوية اعلن عن نقضه لشروط الحسن منذ اليوم الأول الذي دخل فيه الكوفة وانه بدأ بترويعهم وملاحقتهم.

اما الرؤية الجديدة في مبررات الصلح فخلاصتها : ان الحسن كان قد صالح عن قوة وليس عن ضعف فهو أشبه بصلح الحديبية بل امتداد له في الهدف والأسلوب ، وتوضيح ذلك :

ان معاوية بعد ان بايعه أهل الشام بادر يطلب الصلح من الإمام الحسن الذي بايعه أهل العراق حاكما خلفا لابيه علي وهو ان يبقى الحسنعليه‌السلام على البلاد التي بايعه أهلها وهو النصف الشرقي للبلاد الإسلامية ، وان يبقى معاوية على النصف الغربي من البلاد الإسلامية حيث بايعه أهلها على الحكم.

ومبررات هذا الصلح واضحة لدى معاوية فهو بين ضغط حلقات الخوارج الخفية من الداخل التي تستهدف اغتياله وضغط الروم على الحدود الشمالية الشرقية وجيشهم على أهبة الاستعداد لغزو الشام ، ولم يكن معاوية ليجمد شن الغارات على أطراف علي دون مكسب سياسي يسجله لصالحه ، ومن هنا عرض على الحسن / وقد عبأ جيشه للقتال مضافا إلى تعبئة أبيه عليعليه‌السلام / لكي يؤمّن جهته بالمصالحة ويتفرغ للمشكلتين الآنفتي الذكر.

فكان امام الحسنعليه‌السلام احد خيارين :


الأول : قبول أطروحة الصلح بالصيغة التي عرضها معاوية واهم مبررات قبولها بالنسبة للحسنعليه‌السلام هو تجميد الصراع مع معاوية ليتفرغ للإرهاب الداخلي هذا هو التفكير الباده لمن يهمه بناء دولة وحكم خاص به. ولكن هذا الخيار يكرس الانشقاق الأموي مع إعلامه الكاذب في عليعليه‌السلام إذ يعرضه رأس الفساد والإلحاد في دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بينما هو رأس مشروع الهداية في المجتمع بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الثاني : رفض الصلح واللجوء إلى الحرب بصفته وارث مشروع أبيه علي مشروع إحياء السنة النبوية في مجتمع الفتوح الذي حرم منها ، المشروع الذي نجح في النصف الشرقي من البلاد الإسلامية وصارت الكوفة مركزا له ، وانغلقت البلاد الغربية عنه وتحولت الشام إلى مركز يعمل على تطويقه ووأده ، لإحياء المشروع القرشي بقيادة أموية فكانت معركة الجمل في البصرة بتخطيط أموي وتنفيذ قرشي ومعركة صفين في الشام التي اعد لها معاوية عدتها منذ سنين ، ثم نتجت عنها معركة النهروان في العراق ، وهذا نظير تحول مكة في بدء الإسلام إلى مركز يصد عن دعوة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بقيادة أموية فكانت معركة بدر التي قادت إلى معركة احد وهي انتجت معركة الخندق.

ولكن الحسنعليه‌السلام وهو العارف بحكمة الحرب والصلح في دين جده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أدرك ان خيار الحرب ليس بصالح مشروع أبيه عليعليه‌السلام ، والسر في ذلك هو ان الحرب بين عليعليه‌السلام ومعاوية قد أفرزت إعلاما أمويا كاذبا في حق عليعليه‌السلام تحول إلى معتقد لدى أهل الشام ومن ثم فان خيار الحرب سوف لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإعلام الكاذب في حق عليعليه‌السلام ثم إلى مزيد من التكريس لمعتقد أهل الشام الخاطئ فيه ، ومن ثم مزيد من الحجب عن مشروع علي الإحيائي للسنة النبوية.

تماما كما كان الأمر بين النبي وقريش فلم يكن خيار النبي ان تستمر الحرب مع قريش بعد معركة الخندق مع ان قريشا وحلفاءها قد انهزموا شر هزيمة ، وذلك لان الحرب بين النبي وقريش قد أفرزت إعلاما قرشيا كاذبا في حق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تحول إلى معتقد لدى العرب المتحالفة مع قريش ومن ثم فان الحرب سوف لن تزيدهم إلا تكريسا لإعلامهم الكاذب ثم تكريسا لمعتقدهم الخاطئ في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبالتالي لن تزيدهم الحرب الا بعدا عن الهداية التي بعث النبي لأجلها.


وكما عدل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى خيار الصلح بوصفه الحل الوحيد لقلب المعادلة مع قريش وفتح الطريق أمام مشروع الهداية الذي جاء به كذلك لا بد للحسنعليه‌السلام ان يعدل من خيار الحرب إلى الصلح بوصفه الأسلوب الوحيد لقلب المعادلة مع معاوية وفتح الشام لمشروع الهداية الذي نهض به عليعليه‌السلام ، ولكنه صلحٌ بصيغة جديدة لا تمت إلى الصيغة التي عرضها معاوية بصلة ، بل هو صلح يستمد روحه وهدفه وفلسفته من صلح جده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع قريش حين اوضح للقبائل المتحالفة مع قريش بما لا يقبل الشك ان قريشا هي التي تصد عن بيت الله وليس محمدا كما كانت تزعم في إعلامها الكاذب ، وان محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يعظم بيت الله ودين إبراهيم بما لم يعظمه به احد من العرب ولا من قريش آنذاك.

وكذلك الحسنعليه‌السلام في صلحه فانه يريد ان يوضح لأهل الشام بما لا يقبل التأويل ان معاوية ومن قبل الخلفاء الثلاثة كان يصدون عن سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما هو واضح في قصة حج التمتع ، بل ان معاوية وأباه كانا على رأس من يصد عن دعوة النبي ويقاتله وانَّ عليا هو الذي إحيا سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما هو واضح في قصة حج التمتع بل لعلي مواقف وتاريخ يكشف عن اتباعه للنبي ونصرته له بما لا يضاهيه احد من المسلمين.

وهكذا فاجأ الحسنعليه‌السلام خصمَه معاوية بصيغة صلح لم تدُر في خَلَدِه بل لم يكن تكوينه الجشع ورغبته الجامحة للسلطة وأصوله الجاهلية لتسمح له ان يفكر بها ، استمد الحسن روح صلحه المبتكر وشروطه من تجربة جده المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله في صلح الحديبية مع قريش وهي تجربة مبتكرة أيضا إذ لم يكن يدر في خلد قريش / لحميتها الجاهلية / ان يقدم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لمصالحتها بعد ان سجل انتصارا ساحقا في معركة الخندق ، وحقق الحسن بذلك فتحا مبينا بكل معنى الكلمة كما حقق النبي (ص) في صلحه فتحا مبينا بكل معنى الكلمة ، وقد تمثل هذا الفتح المبين لعلي بالصلح الحسني كما تصوره الرؤية الجديدة :

ـ بفضح معاوية أمام أهل الشام / جنده المطيع له طاعة مطلقة / بانه كان ظالما لعلي في قتاله إياه وانه كان يقاتله من اجل الملك وليس من اجل مبدأ أو الأخذ بثار دم عثمان كما كان يزعم.

ـ اتضاح حقيقة عليعليه‌السلام انه لم يكن الذي كان منه منازعة في سلطان أو لالتماس


شيء من فضول الحطام بل كان لأجل المظلومين من عباد الله وإحياء سنة النبي التي عطلتها وحرفتها سلطة قريش المسلمة قبل عليعليه‌السلام .

ـ توحيد شِقَّي البلاد الإسلامية واختلاط العراقيين مع الشاميين من موقع المحبة والشفافية.

ـ إرجاع هيبة الأمة في قلوب أعداءها / الروم الشرقيين على الجبهة الشمالية الشرقية / الذين كانوا قد اعدوا العدة للهجوم على الأمة بعد ان أكلتهم الحروب الداخلية.

ـ إنقاذ الكوفة عاصمة مشروع النهضة الإحيائية لعليعليه‌السلام ومركز رجالاتها من إرهاب داخلي كانت على أبوابه يتبنى أسلوب الاغتيال قام به الخوارج التكفيريون وقد نفذوه أولاً في عليعليه‌السلام . ومن ثم انطلاقة الكوفيين لنشر أخبار هذه النهضة وموضوعها في أهل الشام.

وساد الأَمان في الأُمة كلِّها عشر سنوات بعد توقيع وثيقة الصلح ، وبرز الحسنعليه‌السلام مرجعا دينيا الهيا ومن قبله أبوه عليعليه‌السلام ومن بعده وأخوه الحسين نصت عليهم الأحاديث النبوية ، ليأخذ عنهم دين الله الذي جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله من شاء ان يتخذ إلى ربه سبيلا ، وعرف الشاميون وغيرهم من عبادة الحسن وعلمه وحسن خلقه وكرمه واهتمامه بقضاء حوائج الناس ما جعلهم يذكرون به أباه عليه وجده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم غدر معاوية بالحسنعليه‌السلام بعد عشر سنوات غدراً مبيناً حين دشَّ له السم ونقض شروطه ولاحق شيعة العراق بما هو معروف وواضح في كتب التاريخ.

وخرجت الرؤية الجديدة بحقيقة أخرى وهي ان الروايات التي تسببت في تكوين الرؤية المشهورة هي روايات أصولها أموية وفروعها عباسية تبناها الإعلام العباسي ليواجه بها خصمين كبيرين للعباسيين كانا ينغصان عليهم رغبتهم في استمرار ملكهم وحفظ ولاء الأمة لهم ، هذا الخصمان هما :

ـالحسنيون الثائرون الذين يملكون الشعبية في قبال بني العباس لكونهم ذرية المصلح الكبير الحسن صاحب الفتح المبين في إنقاذ الأمة من سفك الدماء بطريقة بارعة تكشف عن جدارة خاصة بحكم الأمة ورعايتها ، ويملكون الشرعية لان العباسيين كانوا قد اعطوا بيعة مسبقة لزعيم الحسنيين محمد بن


عبد الله بن الحسن في مؤتمر عام لبني هاشم وقد انتشر خبر هذا المؤتمر والبيعة في المجتمع.

ـمرجعية الإمام الصادق عليه‌السلام التي تقوم على فكرة إمامة عليعليه‌السلام وأهل بيته المعصومين بوصية من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله . وهذه المرجعية آخذة بالتوسع والنمو.

ـ وكانت الكوفة هي القاعدة الشعبية لكلا الخصمين.

وفي ضوء ذلك لم يكن أمام العباسيين الحاكمين / لضمان استمرار ملكهم / الا ان يحذوا حذوَ الأمويين بتحريف تاريخ خصومهم / الحسنيين ، الكوفة ، الشيعة / وتحويل حسناتهم وامتيازاتهم إلى عار يلاحقهم ابد الدهر بروايات كذب يضعونها فيهم ليربو عليها الصغير ويهرم فيها الكبير.

فهل هناك عار في تاريخ الحسنيين كعار أَبيهم الحسنعليه‌السلام / كما عرضه الإعلام الأموي والعباسي / تبايعه الأمة على الحكم ثم يبيعه إلى معاوية بدراهم يُغدِقُها فيما بعد على محظياته يتزوج واحدة ويطلق أخرى؟ وهل تكون ذريةُ مثل هذا الإنسان جديرة بحكم الأمة؟.

وهل هناك عارٌ كعارِ الكوفة / كما عرضه الإعلام العباسي / تدعو الحسينعليه‌السلام لنصرته ثم تخذِلُه ثم تقتُله ثم تحمل رأسه ورؤوس أصحابه هدية إلى يزيد مقرونة بسوق أُسرة الحسين سبايا ، الحال التي يرق لها يزيد فتدمع عيناه ويلعن الكوفة وأَميرَها ابنَ مرجانة؟ ويقول انه لو كان صاحبه أي الحسين ما صنع به ذلك!.

وهل هناك عارٌ كعارِ الشيعة الأوائل من صحابة وتابعين / كما عرضه الإعلام العباسي / استجابوا لعبد الله بن سبا يهودي مزعوم من أهل اليمن اسلم على عهد عثمان ليتلقوا منه عقيدتهم بعلي إماما الهيا شبيها بإمامة هارون ويوشع بن نون؟

ثم عالجوا مرجعية الإمام الصادقعليه‌السلام بأَمرين :

الأول : تبنّي مرجعية مالك بن انس وفرضها على الناس ، وتبنّي طلابه ليكونوا قضاة وأَئمة جمعة.

الثاني : إِشاعة الشك في مرويات الإمام الصادقعليه‌السلام وتضعيف شخصيته وسلب الوثاقة عنه.


قال ابن سعد : (جعفر بن محمد كثير الحديث ويستضعف).

وقال يحيى بن سعيد القطان : (مجالد احب إلي منه (أي من الصادق) وقال الذهبي يعلق على كلام القطان وهذه زلقة من ابن القطان.

هذا مع ملاحقة أصحابه وسجن الإمام من بعده ولده الكاظمعليه‌السلام .

وفي ضوء ذلك كله فان ظهور هذا الكم الهائل من الروايات الطاعنة في الإمام الحسن وفي الكوفة وفي الشيعة يكون طبيعيا وكما تفرضه طبيعة الأشياء ولا نحتاج معه إلى بحث أسانيد هذه الروايات الطاعنة مع وجود الروايات المادحة وذلك لان هذا المبرر / وهو حقيقة تاريخية ثابتة / وحده كافٍ في إسقاطها جملة وتفصيلا. ومع ذلك فإننا لم نغفل بعض الأسانيد لأجل تقديم شاهد آخر على صحة الأطروحة.


أبواب البحث وفصوله

قسمت البحث إلى أربعة أبواب واربعة وعشرين فصلا :

تناولت في الباب الأول :

الرؤية السائدة اليوم في تعليل الصلح وقد جعلتها في فصلين.

كرست الفصل الأول لأقوال المستشرقين ان الحسن شخصية منهارة كان هدفه من الصلح هو الحصول على مال يؤمِّن له حاجات حياته المترفة ويلبي طلبات زوجاته الكثيرات.

وكرست الفصل الثاني لأقوال الإسلاميين من القدامى والمحدثين ان الكوفيين ضعفاء متخاذلون مع وجود خط في الكوفة يفكر في تسليم الحسن لمعاوية فاضطر الحسن لمصالحة معاوية وتسليمه الحكم في العراق ليحافظ على حياته وانتهى البحث في هذا الباب إلى ان وجهة النظر بقسميها تستند إلى روايات في تاريخ الطبري وانساب الأشراف للبلاذري وطبقات ابن سعد وتاريخ دمشق لابن عساكر وغيرها من مصادر التاريخ الإسلامي المعتبرة وبعض هذه الروايات ينسب إلى الحسنعليه‌السلام نفسه.

وتناولت في الباب الثاني :

الرؤية الجديدة التي تنبهتُ إليها من خلال قول الامام الحسنعليه‌السلام نفسه حين قال : (ان علة مصالحته لمعاوية علة مصالحة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لقريش) وبالتالي فإنَّ السبب الوحيد للصلحين هو واحد ، وهذا يستلزم وحدة الخلفيات التي سبقت الصلح ثم وحدة الظرف الموجبة له ثم وحدة الموقف إزاءه ثم وحدة النتائج المترتبة. ولم تنطلق الرؤية الجديدة من هذه الرواية حسب بل كانت لها شواهد وروايات كثيرة تؤكدها. وقد تم بحث ذلك من خلال ثمانية فصول.


كرست الفصل الأول لبحث خلفيات الصلح وظرفه الموجب للصلح بالصياغة الحسنية.

وكرست الفصل الثاني للسنوات العشر من الصلح من سنة 41 هـ إلى سنة 51 هـ لبيان معالم الفتح المبين للصلح حيث عادت للامة وحدتها واختلط الناس بعضهم ببعض وانطلق العراقيون امنين يحدثون أهل الشام بأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في عليعليه‌السلام عن سيرته المشرقة وكيف عرف أهل الشام ان معاوية كان ظالما لعلي وان الحق مع علي في حروبه وان عليا امتداد للنبي في إمامته الهادية وعرضت نماذج من نشاطات أصحاب الحسن وحواراتهم مع معاوية.

وعقدت الفصل الثالث بمبحثين الأول تناول نشاطات الامام الحسنعليه‌السلام في سنوات الصلح والثاني يبحث عن مراحل سير الحسن منذ ولادته والى وفاته لاستكمال الصورة عن شخصية الحسنعليه‌السلام .

وكرست الفصل الرابع لبحث الغدر المبين الذي قام به معاوية وأهل الشام في السنوات العشر التالية بعد وفاة الحسنعليه‌السلام بدءا بدس السم للحسنعليه‌السلام .

وكرست الفصل الخامس لهوامش على موارد من كتاب صلح الامام الحسنعليه‌السلام للعلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين.

وكرست الفصل السادس لبحث مسار الإمامة الدينية التي أسس الحسنعليه‌السلام بصلحه فصلها عن السلطة الزمنية وكيف ان الله تعالى قد حصر الإمامة الدينية بأنبيائه وأوصياءه اما السلطة الزمنية ففي زمن النبي وأوصياءه تكون لهم ، وكيف ان قريش اغتصبت السلطة الزمنية ممن هي حقه بالنص ومارست إلى جانب ذلك الإمامة الدينية مما أدى إلى تعطيل السنة وتحريفها وكيف ان علياعليه‌السلام نهض لإحياء السنة وفتح الطريق لإمامته الدينية التي أمر بها الله ورسوله.

وكرست الفصل السابع لدراسة ظرف صلح الحديبية ومقارنته مع ظرف صلح الحسن واكتشاف وحدتهما كما أشار الامام الحسنعليه‌السلام إلى ذلك ، ثم بيان وحدة الموقف المترتب على وحدة الظرف ووحدة الآثار التي ينتجها الموقف الموحد ثم وحدة التسمية بالفتح المبين.


وكرست الفصل الثامن لعرض مقتطفات من سير الكوفة الفكري من سنة تمصيرها إلى سنة 136 هجرية وكيف انها حملت مشروع علي وثبتت عليه رغم محاولات الأمويين والزبيريين والمروانيين لإنهائه واستئصاله.

وتناولت في الباب الثالث :

تفسير وجود ذلك الكم الهائل من الروايات الذي انتج رؤية الانهيار المبين وكونه من وضع العباسيين لمواجهة الحسنيين الثائرين عليهم ، ومرجعية الامام الصادق الديني الآخذة بالتوسع ، والكوفة القلعة التاريخية لكلا الخطين تمدهما بالقاعدة الشعبية وقد عقدت لذلك ثمانية فصول.

كرست الفصل الأول لبحث : تحريف الأمويين للسنة النبوية والسيرة العلوية واقتفاء العباسيين اثرهم والاستفادة من تجربتهم.

وكرست الفصل الثاني لدراسة انشقاق العباسيين عن الحسنيين والأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام إذ كانوا في بدء الأمر جزء من حركة العلويين ثم انشقوا عنها.

وكرست الفصل الثالث لعرض وثائق الاعلام العباسي السلبية ضد الحسن والكوفة والتشيع من خلال خطب أبي العباس السفاح وأبي جعفر الدوانيقي والشعر والمحاورات.

وكرست الفصل الرابع لترجمة سيف بن عمر وعبد الرحمن بن مالك بن مغول بوصفهما قد وضعا اخبارا في تفسير التشيع لعلي بما ينفِّر الناس عنه ويدعوهم للبراءة منه.

وكرست الفصل الخامس لكتاب أبي مخنف الذي استهدف تحميل أهل الكوفة تبعة قتل الحسين تعبيرا عن خذلانهم وضعف إرادتهم بخلاف ما بيَّنه أهل البيت فيهم.

وكرست الفصل السادس لعرض الاخبار الطاعنة في الكوفيين على لسان علي والحسن ودراستها من الناحية السندية والكشف عن وضعها من إخباريين عباسيين.

وكرست الفصل السابع : الروايات الطاعنة في شخصية الحسنعليه‌السلام وهي اخبار رفضها الشيعة والسنة على السواء.

الفصل الثامن : الروايات الطاعنة في الكوفيين وهي من وضع الأخباريين العباسيين أيضا.


ثم انهيت البحث بالباب الرابع :

وهو خلاصة بحوث الكتاب بترتيب آخر مع خاتمة ولا بد من تنبيه القارئ الكريم ان بحوث الخلاصة لم تكن مجرد اختصار بل احتوت على اخبار وأفكار إضافية رأيت ان أضيفها ولم يتيسر لي ان ادرجها في الفصل الذي يناسبها ولا بد لي من انبه أيضا أنني كررت بعض الوثائق المهمة في اكثر من فصل بسبب اقتضاء طبيعة البحث ذلك.

وفيما يلي أبواب البحث وفصوله.


الباب الأول

الرؤية المشهورة في تعليل الصلح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول 46 المستشرقون : الحسنعليه‌السلام شخصية ضعيفة منهارة

الفصل الثاني 51 الإسلاميون : الكوفيون متفرقون متخاذلون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



يتناول هذا الباب بيان الرؤية السائدة اليوم في تعليل الصلح من خلال فصلين.

الفصل الأول وهو مكرس لبيان أقوال المستشرقين في الحسنعليه‌السلام إذ عرضوه شخصية منهارة كان هدفه من الصلح هو الحصول على مال يؤمِّن له حاجات حياته المترفة ويلبي طلبات زوجاته الكثيرات.

الفصل الثاني مكرس لبيان أقوال الإسلاميين من القدامى والمحدثين في الكوفيين زمن الحسن إذ عرضوهم انهم ضعفاء متخاذلون متفرقون بل كان بعضهم / كالمختار الثقفي / يفكر في تسليم الحسن لمعاوية فاضطر الحسن لمصالحة معاوية وتسليمه الحكم في العراق ليحافظ على حياته.

وانتهى البحث في كلا الفصلين إلى ان المستشرقين والإسلاميين كانوا قد استندوا في تحليلاتهم إلى روايات ذكرتها مصادر التاريخ الإسلامي المبكرة كطبقات ابن سعد وانساب الاشراف للبلاذري وتاريخ الطبري وتاريخ دمشق لابن عساكر وغيرها.

وقد رفض الشيعة بل السنة أيضا / كما هو الحق / الروايات الطاعنة في شخصية الحسن انطلاقا من الإيمان بعصمة الحسن أو الإيمان بانه من الشخصيات المعروفة في المجتمع الإسلامي بعلمه وتقواه.

اما الروايات الطاعنة في الكوفة فقد قبِلَها أكثر الباحثين الشيعة وكل الباحثين السنة من المؤرخين القدامى والمحدثين ولكن البحث توصل إلى ان الروايات الطاعنة في الحسنعليه‌السلام أو الكوفيين هي من وضع الامويون ثم تبنى ترويجها والزيادة فيها العباسيون ومن سايرهم من الأخباريين نكاية بالحسنيين الثائرين وتطويقا لمرجعية الامام الصادق الآخذة بالتوسع وبالكوفة مركز كلا الحركتين في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري.


الباب الأول / الفصل الأول

المستشرقون : الحسن عليه‌السلام شخصية ضعيفة منهارة

أنحى الباحثون المستشرقون باللائمة على الحسنعليه‌السلام لأنه صالح وتنازل عن الحكم لخصمه معاوية بشروط ولم يف له بشيء منها ، وقد وصفوه بانه لم يكن رجل الساعة المطلوب ، ولم يكن ابنا جدير لعليعليه‌السلام ، وانه كان شخصية متخاذلة انصرف إلى ملذاته وشهواته ، وفيما يلي ما عثرنا عليه من كلماتهم في هذا السبيل :

الدكتور فيليب حتي اللبناني 1886 ـ 1978 :

قال : «ولكن الحسن الذي كان يميل إلى الترف والبذخ لا إلى الحكم والإدارة لم يكن رجل الموقف فانزوى عن الخلافة مكتفيا بهبة سنوية منحه إياها معاوية».(1)

الراهب اليسوعي البلجيكي لامنس 1862 ـ 1937 :

تبنت الموسوعة الإسلامية(2) تحت عنوان : (الحسن) بن علي بن أبي طالب ما كتبه المستشرق البلجيكي (لامنس) المتخصص بالتاريخ الإسلامي(3) عن الحسنعليه‌السلام قال :

__________________

(1) حتي ، فيليب ، العرب ، ص 78 كتبه بالانجليزية وطبع لاول مرة لندن سنة 1937 م.

(2) أشرف على تأليفها فنسنك وآخرون وكتبت باللغة الانكليزية وترجمت إلى الفرنسية والالمانية ثم ترجمت إلى اللغة العربية ونحن ننقل من النسخة العربية.

(3) قال عبد الرحمن بدوي في موسوعته عن المستشرقين ، لامنس : مستشرق بلجيكي ، وراهب يسوعي


«الحسن اكبر أبناء علي من فاطمة بنت رسول الله ويلوح ان الصفات الجوهرية التي كان يتصف بها الحسن هي الميل إلى الشهوات والافتقار إلى النشاط والذكاء. ولم يكن الحسن على وفاق مع أبيه وإخوته عندما ماتت فاطمة ولما تجاوز الشباب.

وقد انفق خير سني شبابه في الزواج والطلاق ، فأحصي له حوالي المائة زيجة عدّاً. وأَلصقت به هذه الأخلاق السائبة لقب المِطلاق ، وأوقعت عليّاً في خصومات عنيفة. واثبت الحسن كذلك انه مبذر كثير السرف فقد اختص كلّاَ من زوجاته بمسكن ذي خدم وحشم. وهكذا نرى كيف كان يبعثر المال أيام خلافة علي التي اشتد عليها الفقر. وشهد يوم صفين دون ان تكون له فيها مشاركة إيجابية.

ثم هو إلى ذلك لم يهتم أي اهتمام بالشؤون العامة في حياة أبيه.

وبويع الحسن بالخلافة في العراق بعد مقتل عي فحاول أنصاره أَن يقنعوه بالعودة إلى قتال أهل الشام ، وقَلَبَ هذا الإلحاح من جانبهم خُطط الحسن القعيد الهمة فلم يَعُد يفكر الال في التفاهم مع معاوية كما أدى إلى وقوع الفرقة بينه وبين أهل العراق. وانتهى بهم الأمر إلى اثخان إمامهم اسما لا فعلا بالجراح. فتملكت الحسن منذ ذلك

__________________

شديد التعصب ضد الإسلام ، يفتقر افتقاراً تاماً إلى النزاهة في البحث والأمانة في نقل النصوص وفهمها. ويعد نموذجاً سيئاً جداً للباحثين في الإسلام من بين المستشرقين. ولد في مدينة خنث ، (Gent) وبالفرنسية ، (Gand) في بلجيكا في أوّل يوليو سنة 1862 م. وجاء إلى بيروت في صباه ، وتعلم في الكلية اليسوعية ببيروت. وبدأ حياة الرهبنة في سنة 1878 م ، فامضى المرحلة الأولى في دير لليسوعيين في قرية غزير (في جبل لبنان) ، طوال عامين. ثم قضى خمسة أعوام في دراسة الخطابة واللغات. وفي 1886 م صار معلماً في الكلية اليسوعية ببيروت. وسافر إلى انجلترة ، وإلى لوفان. ووصل إلى فيينا في 1896 م. وعاد إلى بيروت 1897 م ، حيث عيَّن معلماً للتاريخ والجغرافية في كلية اليسوعيين. ولمَّا أسس (معهد الدروس الشرقية) ضمن كلِّية اليسوعيين في 1907 م ، صار فيه أستاذاً للتاريخ الإسلامي. ولمَّا توفي لويس شيخو في 1927 م ، خلفه لامنس على إدارة مجلة المشرق ، وهي مجلة فصلية تصدر عن اليسوعيين في بيروت. ولهم مجلة دينية شعبية تبشيرية أخرى تدعى (البشير) ، وقد تولَّى لامنس إدارتها مرتين قبل ذلك بزمان طويل : مرة في 1894 م ، ومرة أخرى من 1900 م إلى 1903 م. وكان لامنس يكتب في هاتين المجلتين مقالات كثيرة ، يكتبها بالفرنسية ، ثمَّ يتولَّى غيره ترجمتها إلى العربية ، وتنشر باللغة العربية. وتوفي لامنس في 23 أبريل 1937 م. وإنتاج لامنس يدور حول موضوعين رئيسيين : (أ) السيرة النبوية (ب) بداية الخلافة الأموية. لكن له إلى جانب ذلك كتب ودراسات حول موضوعات متفرقة في العقيدة الإسلامية ، وتاريخ سوريا وآثارها.


الوقت فكرة واحدة هي الوصول إلى اتفاق مع الأمويين. وترك له معاوية ان يحدد ما يطلبه جزاء تنازله عن الخلافة. ولم يكتف الحسن بالمليوني درهم التي طلبها معاشا لأخيه الحسين بل طلب لنفسه خمسة ملايين درهم أخرى ودَخَل كورة في فارس طيلة حياته. وعارض أهل العراق بعد ذلك في تنفيذ الفقرة الأخيرة من هذا الاتفاق ، بَيْدَ انه أُجيب إلى كل ما سأله حتى ان حفيد النبي اجترأَ فجاهر بالندم على أَنه لم يضاعف طلبه وترك العراق مشيعا بسخط الناس عليه ليقبع في المدينة.

وهناك عاد إلى حياة اللهو واستسلم للذات ووافق معاوية على ان يدفع نفقاته ولم يطلب في مقابل ذلك الا أمرا واحدا هو الا يخِلّ الحسن بأمن الدولة. وكان قد أَجبره من قبل عن الجهر بتنازله عن الخلافة في اجتماع عُقِدَ في (اذرح).

ولم يعد معاوية يشغل باله به ، ذلك انه كان واثقا من قعود همته وإيثاره للدعة.

ومع هذا فقد استمر الانقسام في البيت العلوي ، ولم يكن الحسن على وفاق مع الحسين وان اجتمعا على مناهضة ابن الحنفية وغيره من أبناء علي.

وتوفي الحسن في المدينة بذات الرئة ولعل إفراطه في الملذات هو الذي عجل بمنيته. وقد بذلت محاولة لإلقاء تبعة موته على رأس معاوية.

وكان الغرض من هذا الاتهام وصم الأمويين بهذا العار ، وتبرير لقب الشهيد أو (سيد الشهداء) الذي خلع على ابن فاطمة هذا التافه الشأن.

ولم يجرؤ على القول بهذا الاتهام الشنيع جهرة سوى المؤلفين من الشيعة أو أولئك الذين كان هواهم مع العلوية بنوع خاص. وقد أعطى هذا الاتهام في الوقت نفسه فرصة للإيقاع بأسرة الأشعث بن قيس المبغضة من الشيعة ، لما كان لها من شأن في الانقلاب الذي حدث يوم صفين ، وما كان معاوية بالرجل الذي يقترف إثما لا مبرر له.

كما ان الحسن المستهتر كان قد اصبح مسالما منذ أمد طويل وكانت حياته عبئاً على بيت المال الذي أَبهظته مطالبه المتكررة. ومن اليسير ان نعلل ارتياح معاوية وتنفسه الصعداء عندما سمع بمرض الحسن. وربما كانت وفاته عام 49 هـ بالغا من العمر الخامسة والأربعين».(1)

__________________

(1) الموسوعة الإسلامية فنسك وآخرين ج 7 ص 401 ـ 402.أقول : من كلامه هذا يتبين لنا ان


جرهارد كونسلمان الاماني المعاصر :

وكرر (جرهارد كونسلمان) في كتابه (سطوع نجم الشيعة) (Gerhard Konslman) كلمات لامنس بقوله : لقد باع (الحسن) المنصب الذي تركه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لنسله من اجل المال ويقال انه مات بالسل والهزال.

وقد حاولت شيعة علي في القرون اللاحقة تجميل صورة هذا الزعيم الضعيف التعس ، فقد اجتهدت في جعل الحسن ضمن شهداء المذهب الشيعي ، فنشأت لذلك رواية تقول ان الحسن قتل بتدبير معاوية ولكن من المستبعد ان يكون معاوية ضالعا في موت الحسن ، فمثل هذه الجريمة غير الضرورية لن يقدم بها الخليفة أدرك تماما أين الرجل المهم وأين الرجل الذي صار في الظل).(1)

بروكلمان الالماني 1956 ـ 1868 (Corl Brockelmann ) :

وقال (بروكلمان) في كتابه (تاريخ الشعوب الإسلامية) : ان الحسن لم يكن رجل الساعة الذي تحتاجه الدولة فقد رفض ان يقود جنده في هجوم على خصمه.

اوكلي 1894 (Simon Ockley ) :

يرى في كتابه (HITORY OF THE SARACENS P347) : ان الحسن لم يكن مؤهلا للموقف حيث كان يميل إلى السلم وينظر إلى دماء المسلمين نظرة رعب يصعب علينا تصورها.

سايكس 1867 ـ 1945 (Sykes Perly Molesworth Sir ) :

ويرى (سايكس) في كتابه (HISTORY OF PERSIA) ان الحسن غير جدير بان يكون ابنا لعلي لأنه شغل بملذاته بين نسائه واكتفى بإرسال اثني عشر ألف جندي

__________________

الدكتور البدوي كان على صواب حين قال في حق لامنس انه : (يفتقر افتقاراً تاماً إلى النزاهة في البحث والأمانة في نقل النصوص وفهمها. ويعد نموذجاً سيئاً جداً للباحثين في الإسلام من بين المستشرقين).

(1) جرهارد كونسلمان ،سطوع نجم الشيعة (Star Shia Sarface) ، ترجمه من الالمانية محمد أبو رحمة ، طبع مكتبة مدبولي القاهرة ط 2 : 1414 ـ 1993.


كطليعة لجيشه بينما احتفظ بقلب الجيش في المدائن حيث ظل يبتزه في الحدائق وخاف ان يجرب حظه في ميدان القتال.(1)

الكاتب العراقي هادي العلوي :

وكتب هادي العلوي(2) : ان هذا الرجل (يقصد الحسنعليه‌السلام ) يتعذر عليه ان يخوض صراعا سياسيا أو عسكريا وكان من المنتظر والطبيعي ان ينسحب بمجرد ان يؤول إليه الأمر ، وانه لم يمارس بعد الصلح أي نشاط معارض وقد تفرغ الحسن لحياته الشخصية وعاش كما قال عنه أبوه بين جَفنة وخِوان كأي فتى من فتيان قريش المنعمين.

ثم يستطرد العلوي قائلا : ان الدفاع عن صلح الحسن من نتائج الأيديولوجيا(3)

ثم يقول : ومعاوية الذي تراجع الحسن أمامه كان زعيما عظيما وقد دخل التاريخ كواحد من الأباطرة العظام بجميع لمقاييس وفي شتى العصور(4)

سند المستشرقين في حكمهم السلبي الآنف الذكر هو روايات في مصادر تاريخية إسلامية مهمة

استند الباحثون المستشرقون في تكوين هذه الرؤية السلبية عن الحسنعليه‌السلام إلى روايات أوردتها مصادر تاريخية إسلامية أمثال الطبقات الكبرى لابن سعد ت 230 هـ وتاريخ الطبري ت 310 هـ وتاريخ دمشق لابن عساكر والبداية والنهاية لابن كثير. وقد أوردنا في الفصل السابع من الباب الثالث من هذا الكتاب نماذج منها.

__________________

(1) الخربوطلي ،العراق في ظل الحكم الأموي ، ص 74.

(2) أدرجناه ضمن المستشرقين على الرغم من كونه مسلما شيعيا ولكنه تبنى الفكر الماركسي في الايديولوجيا ومنهم المستشرقين في البحث.

(3) الخربوطلي ،العراق في ظلم الحكم الأموي ص 74.

(4) الثقافة الجديدة تسلسل 223 سنة 1990 م تموز السنة 37 العدد 9. ومن الغريب ان العلوي؟ هذا عرفه أصدقاءه بالتقشف والزهد والبساطة في العيش يعتقد بمعاوية هذا المعتقد ، ولابد انه قد قرأ عنه سفكه لدم حجر بن عدي وأصحابه وتشريده العراقيين وسجنهم وقطع ايديهم لا لشيء الا لتوليهم علياعليه‌السلام ، فهل ان زعامة تقوم على مبدأ كهذا جديرة بالاحترام!.


الباب الأول / الفصل الثاني

الإسلاميون : الكوفيون متفرقون متخاذلون

الإسلاميون القدامى

أبو حنيفة الدينوري ت 282 هـ :

قال أبو حنيفة الدينوري : (لما رأى الحسن من أصحابه الفشل ارسل إلى عبد الله بن عامر بشرائط اشترطها على معاوية).(1)

ابن واضح اليعقوبي 284 هـ :

قال اليعقوبي : (فلما رأى الحسن ان أصحابه قد افترقوا عنه فلم يقوموا له صالَحَ معاوية).(2)

ابن جرير الطبري 310 هـ :

وقال الطبري في تاريخه : فلما رأى (أي الحسنعليه‌السلام ) تفرق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح.(3)

__________________

(1) الدينوري ،الاخبار الطوال ، ص 320 ، دار إحياء الكتب العربي القاهرة 1960 م.

(2) اليعقوبي ،تاريخ اليعقوبي ، دار صادر بيروت ، ج 2 ص 215.

(3) الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 3 ص 330 ، مؤسسة الاعلمي بيروت 1983. ومثله ابن مسكويه ،تجارب الامم ، دار سروش للطباعة طهران 2001 م ، ج 1 ص 388. وكذلك ابن كثير في تاريخه.


ابن الاثير ت 620 هـ :

روى ابن الاثير في الكامل قال : قيل للحسنعليه‌السلام ما حملك على ما فعلت؟ فقال : كرهتُ الدنيا ، ورأيت أهل الكوفة قوما لا يثق بهم احدا ابدا الا غُلِب ، ليس احد منهم يوافق آخر في رأي ولا هوى ، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر.(1)

قال ابن الاثير : وكان الذي طلب الحسن من معاوية ان يعطيه ما في بيت مال الكوفة ومبلغه خمسة آلاف ألف وخراج دارابجرد من فارس وان لا يشتم عليا فلم يجبه إلى الكف عن شتم علي ، فطلب ان لا يشتم وهو يسمع فأجبه إلى ذلك ، ثم لم يفِ له به أيضا ، واما خراج دارابجرد(2) فان أهل البصرة منعوه منه وقالوا هو فيئنا لا نعطيه أحدا وكان منهم بأمر معاوية أيضا.(3)

ابن كثير ت 774 هـ :

قال ابن كثير : لما مات علي ـ قام أهل الشام فبايعوا معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع ، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن عليرضي‌الله‌عنه ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاولوه ، وإنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم ، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وسيد المسلمين ، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم.(4)

__________________

(1) ابن الاثير ،الكامل في التاريخ ، ج 3 ص 407 ، دار صادر بيروت 1966 م.

(2) ولاية بفارس (مراصد الاطلاع).

(3) ابن الاثير ،الكامل في التاريخ ، ج 3 ص 405.

(4) ابن كثير ،البداية والنهاية ، ج 8 ص 17 ، دار إحياء التراث العربي بيروت 1988 م ،أقول : لم يكن ابن كثير حياديا في موضعين من كلامه الأول : حين جعل بيعة أهل العراق للحسن رد فعل لبيعة الشاميين لمعاوية ، والحال ان معاوية قد بايعه الشاميون سنة 38 هـ بعد ان خلع عمرو بن العاص علياعليه‌السلام على مواصلة قتال عليعليه‌السلام وعلى الغارة على اطراف الكوفة ، الثاني : ذمه لأهل الكوفة وانهم خذلوا الحسنعليه‌السلام في الوقت الذي يقول القسطلاني فيارشاد الساري في شرح صحيح البخاري (ج 4 ص 411) قال الكرماني : وقد كان الحسن يومئذ احق الناس بهذا الأمر فدعاه ورعه إلى ترك الملك رغبة فيما عند الله ولم يكن ذلك لعلة ولا لذلة ولا لقلة فقد بايعه على الموت أربعون ألفا. ، انظر أيضاعمدة القاري في شرح صحيح البخاري للعيني ج 16 ص 239.


الشيخ المفيد 412 هـ :

قال الشيخ المفيد احد مراجع الشيعة في أخريات القرن الرابع الهجري وبدايات القرن الخامس في كتابه (الإرشاد) ما خلاصته : (كتب معاوية إلى الحسنعليه‌السلام في الهدنة والصلح ، وأنفذ إليه بكتب أصحابه الذين ضمنوا له فيها الفتك به وتسليمه إليه ، فلم يثق به الحسنعليه‌السلام وعلم احتياله بذلك واغتياله ، غير انه لم يجد بُدّاً من إجابته إلى ما التمس من ترك الحرب وإنفاذ الهدنة ، لما كان عليه أصحابه مما وصفناه من ضعف البصائر في حقه والفساد عليه والخلف منهم له ، وما انطوى عليه كثير منهم في استحلال دمه وتسليمه إلى خصمه ، وما كان من خذلان ابن عمه له ومصيره إلى عدوه ، وميل الجمهور منهم إلى العاجلة وزهدهم في الآجلة).(1)

أقول : يتضح من كلام الشيخ المفيد ان الامام الحسن كان مضطرا إلى الصلح بسبب ضعف البصائر في حقه وفساد الجيش عليه وقد فصل تلميذه السيد المرتضى رأيه هذا فيما يلي :

السيد المرتضى 436 هـ :

وكتب من بعده تلميذه السيد المرتضى في كتابه (تنزيه الأنبياء) ما خلاصته : (فإن الذي جرى منهعليه‌السلام من أمر الصلح كان السبب فيه ظاهرا والحامل عليه بيِّنا جليّاً ، لان المجتمعين له من الأصحاب وان كانوا كثيري العدد وقد كانت قلوب أكثرهم دغلة غير صافية ، وقد كانوا صبَوا إلى دنيا معاوية ، فأظهروا لهعليه‌السلام النصرة وحملوه على المحاربة والاستعداد لها طمعا في أن يورطوه ويسلموه ، وأحسعليه‌السلام بهذا منهم قبل التولج والتلبس ، فتخلى من الأمر وتحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت ...

وقد صرحعليه‌السلام بهذه الجملة وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة بألفاظ مختلفة ، وقال إنما هادنت حقناً للدماء وصيانتها وإشفاقا على نفسي وأهل والمخلصين من أصحابي ...

__________________

(1) الشيخ المفيد ،الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ، ص 191 ، دار المفيد بيروت 1993 م.


أوَ ليس أحدهم قد جلس له في مظلم ساباط وطعنه بمغوَل كان معه أصاب فخذه. فشقه حتى وصل إلى العظم وانتزع من يده وحملعليه‌السلام إلى المداين وعليها سعيد بن مسعود عم المختار ، وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام ولاه إياها فأدخل منزله ، فأشار المختار على عمه ان يوثقه ويسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوخي سنة. فأبي عليه وقال للمختار : قبح الله رأيك أنا عامل أبيه وقد أئتمنني وشرفني ، وهبني نسيت بلاء أبيه أأنسى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا أحفظه في ابنب بنته وحبيبه ثم أن سعد بن مسعود أتاهعليه‌السلام بطبيب وقام عليه حتى برئ وحوله إلى بعض المدائن. فمن ذا الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم عن النصرة والمعونة؟.

أقول :

اما الذي ضربه في مظلم ساباط فهو من الخوارج ممن انتظم في حلقات الإرهاب التي قتلت أباه علياعليه‌السلام ، واما ما نسب إلى المختار الثقفي فهو مما افتري عليه رحمه الله تعالى.

الشيخ الطبرسي 548 هجرية :

وكتب من بعده الشيخ الطبرسي صاحب مجمع البيان في تفسير القرآن : ووقع الصلح بين الحسن ومعاوية في سنة 41 هجرية ، وإنما هادنهعليه‌السلام خوفا على نفسه إذ كتب إليه جماعة من رؤساء أصحابه في السر بالطاعة وضمنوا له تسليمه إليه عند دنوهم من عسكره(1)

احمد بن علي الطبرسي ت 560 هـ صاحب كتاب الاحتجاج :

روى مرسلا عن زيد بن وهب الجهني قال : «لما طُعِن الحسنعليه‌السلام بالمدائن أتيته وهو متوجع فقلت ما ترى يا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فان الناس متحيرون ، فقال الامام الحسنعليه‌السلام أرى والله ان معاوية خير لي من هؤلاء. يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي ، والله لان آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وآمن به في

__________________

(1) الطبرسي ، الفضل بن الحسن ،إعلام الورى بأعلام الهدى ، ترجمة الحسنعليه‌السلام ، ص 213 ، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث قم 1417 هـ.


أهلي خيرا من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأهلي والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما والله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أويمن علي فتكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر ، ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت.(1)

ابن أبي الفتح الإربلي ت 692 هـ :

وكتب من بعده ابن أبي الفتح الاربلي قال :

وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وبعث بكتب أصحابه إليه فأجابه إلى ذلك بعد أن شرط عليه شروطا كثيرة (منها) أن يترك سب أمير المؤمنينعليه‌السلام والقنوت عليه في الصلوات وان يؤمن شيعته ولا يعترض لأحد منهم بسوء ويوصل إلى كل ذي حق حقه.

فأجابه معاوية إلى ذلك كله وعاهده على الوفاء به.

فلما استتمت الهدنة قال في خطبته : إني مَنّيتُ الحسن ، وأعطيته أشياء جعلتها تحت قدمي لا أفي بشيء منها له.(2)

ابن طباطبا ت 701 هجرية :

قال : اما أهل الكوفة والبصرة فكان أهل البيت مذعورين منهم لما جرى منهم على أمير المؤمنينعليه‌السلام والحسن والحسينعليهما‌السلام من الخذلان والغدر وسفك الدماء.(3)

__________________

(1) المجلسي ،بحار الانوار ، ج 44 ص 21 ، مؤسسة الوفاء بيروت 1983 م. عن الاحتجاج للطبرسي ج 2 ص 290.

(2) ابن أبي الفتح الإربلي ، كشف الغمة ، ج 2 ص 138 ، دار الاضواء بيروت 1985 م.

(3) محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن الطقطقي ،الفخري في الاداب السلطانية ، ص 144 ، دار القلم العربي 1997 م.


مشاهير المتأخرين من الباحثين الشيعة

والكلام الانف الذكر لدى متقدمي المؤرخين هو المشهور اليوم عند كتّاب الشيعة المحدثين.

العلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين :

كتب الشيخ راضي آل ياسين من علماء الشيعة المعاصرين في كتابه (صلح الحسن) المطبوع سنة 1952 م ، وهو افضل كتاب في موضوعه وقد حذا حذو الشيخ المفيد وتلميذه السيد المرتضى في وجهة تحليل دوافع الصلح :

قال : (وازدادت بصيرة الحسن بخذلان القوم له)(1) . (وكان للحسن في مسكن بقية من جيش لا تجد المعنويات سبيلها إليه الا بالمعجزة بعد النكبة التي أصيب بها هذا العسكر بخيانة قائده وفرار ثمانية آلاف من افراده). (واما النسبة العددية فقد كان اكبر عدد بلغه جيش الحسنعليه‌السلام حينما زحف به إلى لقاء معاوية عشرين ألفا أو يزيدها قليلا وكان جيش معاوية الذي عسكر به على حدود العراق ستين ألفا ، فللحسن يومئذ ثلث أعداد جيش معاوية) وجاءت عملية الفرار التي اجتاحت معسكر مسكن والتي انهزم بها ابن العم (عبيد الله بن عباس) ورب ابن عم ليس بابن عم كما يقول المثل العربي ـ بثمانية آلاف فتصاعدت النسبة صعودا مريعا ، وبقي الحسن في معسكريه جميعا على الخمس من معسكر معاوية وإذا اعتبرنا هنا القاعدة العسكرية الحديثة التي تنسب القوة المعنوية إلى الكثرة العددية بنسبة ثلاثة إلى واحد رجعنا إلى نتيجة مؤسفة جدا هي نسبة واحد إلى خمسة عشر. وإذا نظرنا إلى جيش الحسن الذي بقي ينازل معاوية في مسكن وحده على ضوء هذه القاعدة رأيناه ينازل عدوا يعده خمسة وأربعين ضعفا بالضبط).

ثم قال : وأي غضاضة على «الزعيم» إذا فسد جيله ، أو خانت جنوده ، أو فقد مجتمعه وجدانه الاجتماعي.

__________________

(1) آل ياسين ،صلح الحسن عليه‌السلام ، 133.


العلامة المصلح الشيخ محمد حسين كاشف الغطاءرحمه‌الله :

كتب في مقدمته لكتاب حياة الامام الحسن للشيخ باقر شريف القرشيرحمه‌الله (1)

(كان من دهاء معاوية عزمه ان يحتفظ بصورة الإسلام مدة إمرته بالشام عشرين سنة فلا يصطدم بشعيرة من شعائره ولا يتطاول إلى اعتراض قاعدة من قواعده يتجاهر بشرب الخمر والأغاني ولا يقتل النفس المحترمة ويلعب بالفهود ولا يضرب المزمار والعود نعم قد يلبس الحرير والديباج وطيلسان الذهي ولا بأس بلك فانه (كسرى العرب) وما احتفظ بشعائر الإسلام الا لحاجة في نفس يعقوب بقي على ظاهر الإيمان المبطن بالكفر مدة مخالفته ومحاربته لأمير المؤمنين في صفين فلما استشهد سلام الله عليه تنفس الصعداء وغمرته المسرة وأمكنته الفرصة من اللعب على ال حبل وتدبير الحيل ولكن بعد ان بويع الحسنعليه‌السلام والتف عليه الأبطال من أصحاب أبيه وشيعته ومواليه ، ومنهم الرؤوس والضروس والانياب والعديد والعدة والسلاح والكراع فوجد انه وقع في هوة أضيق وأعمق من الأولى فان الحسن سبط رسول الله وابن بنته وريحانته وهو لوداعته وسلامة ذاته محبوب للنفوس لم يؤذ أحدا مدة عمره بل كان كله خير وبركة ولم تعلق به تهمة الاشتراك بقتل عثمان بل قد يقال انه كان من الذابين عنه فكيف يقاس معاوية به وكيف يعدل الناس عن ابن فاطمة بنت رسول الله إلى ابن هند آكلة الاكباد؟

اقلق معاوية واقض مضجعه التفكير بهذه النقاط ولكن سرعان ما اهتدى بدهائه ومكره إلى حل عقدتها فلجأ إلى عاملين :

أولهما : المال الذي يلوي أعناق الرجال ويسيل في لعبه لعاب الرجال وبعث إلى اعظم قائد من قادة جيش الحسن الذين بايعوه على الموت دونه وامسهم رحما به وهو عبيد الله بن العباس الذي جعله اميرا حتى على قيس بن سعد بعث إليه بأكثر من خمسمائة ألف؟ ووعده عنه مجيئه إليه بمثلها(2) . وصار معاوية يعمل بهذه الخطة مع كل

__________________

(1) القرشي ، الشيخ باقر شريف ،حياة الامام الحسن عليه‌السلام ، 1952 م.

(2)أقول : نحن نستبعد ان يصدر ذلك من عبيد الله بن العباس وهو وأخواه عبد الله وقثم اعتمدهم عليعليه‌السلام في دولته لينهضوا بالتعليم بما علمهم أيام العزلة فجعل عبد الله على البصرة وقثم على مكة


بارز من الشيعة ورجالهم وابطالهم فاستمالهم إليه جميعا ولم يستعص عليه الا عدد قليل لا يتجاوز العشرة كقيس بن سعد وحجر بن عدي وامثالهم.

الثاني وهي حيلة في تأثيرها الشد من الأولى استطابها السواد الأعظم وانجرف إليه الرأي العام تلك دعوى معاوية الحسن إلى الصلح وذلك ان المال كان يستميل به معاوية عيون الرجال اما العامة فلا ينالهم شيء منه ولكن الناس كانوا قد عضتهم أنياب الحروب حتى أبادت خيارهم وأخربت ديارهم في اقل من خمس سنين ثلاثة حروب ضروس الجمل وصفين ونهروان فأصبحت الدعوة إلى الحرب ثقيلة وبيلة والدعوة إلى الصلح والراحة لذيذة مقبولة.

وهنا تأزمت ظروفه سلام الله عليه وحاسب الموقف حسابا دقيقا حساب الناظر المتدبر في العواقب فوضع الرفض والقبول في كفتي الميزان ليرى لا يهما الرجحان.

فوجد انه لو رفض الصلح وأصر على الحرب فلا يخلو اما ان يكون هو الغالب ومعاوية المغلوب ، وهذا وان كانت تلك الأوضاع والظروف تجعله شبه المستحيل ولكن فليكن بالفرض هو الواقع ولكن هل مغبة ذلك الا تظلم الناس لبني أمية وظهورهم لهم بأوجع مظاهر المظلومية؟ بالأمس قتلوا عثمان عينَ الأمويين وأميرَ المؤمنين (كما يقولون) واليوم يقتلون معاوية عين الأمويين وخال المؤمنين (يا لها من رزية). ويتهيأ لبني أمية قميص ثان فيرفعون قميص عثمان مع قميص معاوية والناس رعاع ينعقون

__________________

وعبيد الله على اليمن. ثم ان عبيد الله موتور فقد قتل بسر ولدين له ، وفيشرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج 2 ص 17 ـ 18 قال وروى أبو الحسن المدائني : اجتمع عبيد الله بن العباس وبسر بن أرطاة يوما عند معاوية بعد صلح الحسنعليه‌السلام ، فقال له ابن عباس ، أنت أمرت اللعين السيء الفدم ان يتقل ابني؟ فقال : ما أمرته بذلك ، ولوددت انه لم يكن قتلهما ، فغضب بسر ونزع سيفه ، فألقاه ، وقال لمعاوية ، اقبض سيفك ، قلدتنيه وأمرتني ان أخبط به الناس ففعلت ، حتى إذا بلغت ما أردت قلت لم أهو ولم آمر. فقال : خذ سيفك إليك ، فلعمري انك ضعيف مائق حين تلقي السيف بين يدي رجل من بني عبد مناف ، قد قتلت أمس ابنيه. فقال له عبيد الله : اتحسبني يا معاوية قاتلا بسرا بأحد ابني! هو أحقر وألام من ذلك ولكني والله لا أرى لي مقنعا ولا أدرك ثارا الا ان أصيب بهما يزيد وعبيد الله. فتبسم معاوية وقال : وما ذنب معاوية وابني معاوية! والله ما علمت ولا أمرت ، ولا رضيت ولا هويت. واحتملها منه لشرفه وسؤدده ، ولو كان عبيد الله قد استجاب لمعاوية ومال إلى معسكره بالمال لكان معاوية يواجهه بها ولا يتركها له ، والذي نراه انه الرواية من وضع الأخباريين في العهد العباسي.


مع كل ناعق لا تفكير ولا تدبر فما ذا يكون موقف الحسن إذا لو افترضناه هو الغالب؟

اما لو كان هو المغلوب فأول كلمة تقال من كل متكلم ان الحسن هو الذي ألقى نفسه بالتهلكة فان معاوية طلب منه الصلح الذي فيه حقن الدماء فأبى وبغى وعلى الباغي تدور الدوائر وحينئذ يتم لمعاوية وأبي سفيان ما أرادا من الكيد للإسلام وإرجاع الناس إلى جاهليتهم الأولى ولا يبقي معاوية من أهل البيت نافخ شرمة.

بل كان نظر الحسنعليه‌السلام في قبول الصلح ادق من هذا وذاك ، أراد ان يفتك به ويظهر خبيئة حاله وما ستره في قرارات نفسه قبل ان يكون غالبا أو مغلوبا وبدون ان يزج الناس في حرب ويحملهم على ما يكرهون من إراقة الدماء.(1)

وهكذا وفور إبرام الصلح صعد المنبر في جمع غفير من المسلمين وقال (ما قاتلتكم لتصوموا ولا لتصلوا وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطيت الحسن شروطا كلها تحت قدمي)

المرجع الشهيد السيد محمد باقر الصدررحمه‌الله وتلميذه المرجع السيد كاظم الحائري :

وقال المرجع المعاصر السيد كاظم الحائري يبين رأيه في مبررات إقدام الامام الحسنعليه‌السلام على الصلح مع معاوية ثم يذكر ضمنا رأي أستاذه المرجع الراحل الشهيد محمد باقر الصدررحمه‌الله في الموضوع.

__________________

(1)أقول : كانت مبادرة معاوية للصلح هي ان يبقى الحسنعليه‌السلام على بلاده وان يبقى معاوية على بلاده وتوقف الحرب وفي خيار الرفض يأتي كلام الشيخرحمه‌الله . وفي حالة قبولها لا تستلزم ان يسلم الحسن ملك العراق الا في حالة كون الحسنعليه‌السلام لا يثق بجيشه وبالوضع العام للكوفيين وهو التعليل المشهور ، ومنه تعليل الشيخرحمه‌الله وفي قبال التعليل المشهور هناك تعليل آخر قدمناه في هذا الكتاب وهو ان الحسنعليه‌السلام يعلم ان قبوله للصلح بصيغة معاوية معناه تكريس الانشقاق وجهل أهل الشام بحقيقة إمامة الهدى التي يمثلها عليعليه‌السلام ولا علاج لهذا الجهل الا بعلاج الانشقاق واختلاط الناس وفضح معاوية انه كان كاذبا في دعواه وليس من طريق لذلك الا ان يتنازل الحسنعليه‌السلام عن الحكم بشروط يضعها هو ويلتزمها معاوية ، وهنا يأتي احتمال ان يغدر معاوية بالحسنعليه‌السلام وينقض شروطه ولم يخف هذا الاحتمال عن الحسنعليه‌السلام ولكنه سيكون غدرا ونقضا بعد فوات الأوان ، وتفصيله في الباب الثاني من هذا الكتاب.


قال : (وبالحقيقة هناك تفسيران يفسران اقدام الامام على إبرام الصلح مع معاوية أحدهما خاص والآخر عام.

أما التفسير الخاص : فهو ما بينه أستاذنا السيد الشهيد حول المرض الذي كانت الأمة مبتلاة به ، وهو مرض الشك ، حيث كانت الأمة تشك في طبيعة الصراع الذي كان ناشبا بين الامام الحسنعليه‌السلام ومعاوية وتصوره صراعا من اجل حيازة السلطة ، وليس صراعا بين الحق ممثلا بالإمام الحسنعليه‌السلام والباطل ممثلا بمعاوية.

وليس من سبيل لمعالجة هذا المرض الا بمصالحة معاوية لأن الصلح وحده هو القادر على كشف حقيقة معاوية وإذا ما كشفت الأمة حقيقة معاوية سوف تدرك أن حربه على الامام الحسنعليه‌السلام انما هي حرب ظالمة ، وأن الامام الحسنعليه‌السلام انما يدافع عن الحق وعن الرسالة وليس عن السلطان والجاه والرئاسة ، وبالتالي فانه سوف يصار على تعرية بني أمية وكشف زيفهم وضلالهم ، وبهذا يزال مرض الشك الذي كانت الأمة مبتلاة به فلا تشك بعدئذ بحقانية الأئمة في دفاعهم عن الرسالة ولا تصدق بشعارات بني أمية الكاذبة الزائفة.(1)

وأما التفسير العام : فهو الذي يفسر نهوض الأئمة بالأمر على أساس الأمر الواقع ، فالإمامعليه‌السلام لا ينهض بالأمر الا عندما تتوافر لديه قوة ومقدرة تكفي لإنجاح مهمته وفق المقاييس المعقولة ، ولا يشترط في هذه القوة أن تكون اكبر من قوة العدو من الناحية المادية ، بل يكفي أن تكون متوافرة على شروط القوة المعنوية الأخرى ، والإمام الحسنعليه‌السلام لم يحصل على هذه القوة حتى بالحد الأدنى الذي يمكن ان تستمر بواسطته المجابهة ، ولهذا اضطر إلى إيقاع الصلح مع معاوية(2) :

وقد نقل الشيخ علي الكوراني رؤية الشهيد الصدر بقوله : قال الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدرقدس‌سره : تصاب المجتمعات بعدة أمراض كما يصاب الأفراد ، ومن الأمراض التي أصيب بها المجتمع الإسلامي إبان إمامة الحسنعليه‌السلام هو

__________________

(1)أقول : وهذا التحليل لدوافع الصلح قد بذر بذرته العلامة المصلح السيد عبد الحسين شرف الدين وقد ذكرنا كلامهقدس‌سره في المقدمة.

(2) الحائري ، السيد كاظم ،القيادة الإسلامية .


مرض (الشك في القيادة) وهذا الداء ظهر في أواخر حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام . حيث واجه أيام خلافته عدة حروب ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء الأمة ، فأخذ الناس يشكون هل أن المعارك التي تخاض معارك رسالية أم أنها معارك قبلية أو شخصية؟ وقد عبر أمير المؤمنينعليه‌السلام عن ظهور هذا الداء الاجتماعي في عدة مرات منها في خطبته المعروفة بخطبة الجهاد التي ألقاها على جنوده المنهزمين في مدينة الأنبار حيث قال لهم والألم يعصر قلبه : (ألا وأني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرا وعلانا ، وقلت لكم أغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت الغارات عليكم ، وملكت عليكم الأوطان). واستفحل (الداء) واشتد في حياة الإمام الحسنعليه‌السلام ، فلم يكن باستطاعته في مثل هذه الظروف والمجتمع المصاب بهذا الداء أن يخوض معركة مصيرية تنتهي بالنصر على خصمه المتربص به ، فإذا أضفنا إلى هذا شخصية الخصم معاوية الذي كان بإمكانه أن يبدو أمام الناس بمظهر الحاكم الملتزم بالدين وكذلك تعدد انتماءات المقاتلين مع الإمام الحسنعليه‌السلام حتى أبدى بعضهم استعداده لمعاوية أن يسلم له الإمامعليه‌السلام حيا ، وطعنه بعضهم طعنة غادرة ، إذا جمعنا هذا وغيره من الظروف عرفنا لماذا صالح الإمام الحسنعليه‌السلام معاوية).(1)

باحثون آخرون من الشيعة المعاصرين :

وهناك باحثون وكتاب آخرون من الشيعة تبنوا الرؤية السائدة نفسها أمثال العلامة الشيخ باقر شريف القرشي في كتابه حياة الامام الحسن ، والسيد محمد جواد فضل الله في كتابه حياة الامام الحسن والشيخ مهدي البيشوائي في كتابه سيرة الأئمة والشيخ احمد زماني في كتابه حقائق بنهان وغيرهم.

__________________

(1) العاملي ، الانتصار ، دار السيرة لبنان 1422 م ، ج 8 ص 137 ـ 139.أقول : وفي ضوء البيانين المعبرين عن رأي الشهيد الصدررحمه‌الله ، مراد الشهيد الصدررحمه‌الله ، بالأمة الشاكة هم أهل العراق لان أهل الشام ما كانوا يشكون في حقانية معاوية بوصفه ثقة الخليفتين عمر وعثمان وقد ولي لهما ست عشرة سنة وإذا كان هناك شيء من الشك عن بعضهم فقد إزالته الاعلام الكاذب مدة خمس سنوات في حرب صفين وما بعدها ثم كيف يشكون وقد تحولوا إلى قتلة للأبرياء من النساء والاطفال سالبين اموالهم في غاراتهم!


الشيخ مهدي البيشوائي :

كتب الشيخ البيشوائي رأيه ضمن حديثه عن الحسنعليه‌السلام في كتابه عن سيرة الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام وهو احدث ما كتب (الطبعة الأولى سنة 1423 هجرية) انطلاقا من الرؤية السائدة في الصلح وقد أفاد من الكتب التي كتبت قبله قال (وينبغي القول عموما ان الامام الحسنعليه‌السلام لم يصالح في الواقع بل فرض عليه الصلح أي تعاونت الظروف المتردية مع العوامل الأخرى بحيث أوجدت وضعا جعل الصلح أمرا ضروريا مفروضا على الامام ، ولم ير حلا غير ذلك بحيث لو كان أي شخص يعيش طظروفه لما كان يختار غير الصلح والهدنة ...

فمن ناحية السياسة الخارجية لتلك الفترة لم تكن الحرب الأهلية الداخلية في صالح العالم الإسلامي لان الروم الشرقية كانت تتحين الفرصة المناسبة ...

ومن ناحية السياسة الداخلية لم يكن يتمتع أهل العراق لا سيما الكوفيون منهم بالاستعداد النفسي للقتال وكانت حروب الجمل وصفين والنهروان والحروب الخاطفة ولدت عند أصحاب الامام علي حنينا إلى السلم والموادعة وقد برز ذلك حين دعاهم الحسن للتجهز لحرب الشام كانت الاستجابة بطيئة جدا مما جعل احد أصحاب أمير المؤمنين يوبخهم على التثاقل والتخاذل.

ثم أورد نص الشيخ المفيد في الإرشاد الذي أوردناه فيما سبق ...

ثم قل : ولم يكن العراقيون على مرام واتجاه واحد ، مذبذبين لا يعرفون الوفاء ولا يمكن الاعتماد عليهم والثقة بهم يرفعون في كل يوم راية من الرايات وشعارا من الشعارات.

ثم ذكر ما أورده صاحب كتاب الاحتجاج من قولٍ نسبه إلى الحسنعليه‌السلام : والله ما سلمت الأمر إليه (أي معاوية) الا لأني لم أجد أنصارا ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه ولكني عرفت أهل الكوفة وبلوتهم ولا يصلح لي منهم من كان فاسدا انهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا في فعل ...).(1)

__________________

(1) البيشوائي ، الشيخ مهدي ،سيرة الأئمة ، ترجمه من الفارسية إلى العربية حسين الواسطي 1423 هجرية ، ص 92 فما بعدها.


أقول : ورؤية أولئك الاعلام والباحثين المتأَخرين جميعا تستند إلى ما كتبه الشيخ المفيدرحمه‌الله ، الذي لخص رواية أبي الفرج الاصفهاني في كتابه مقاتل الطالبيين مع حذف الأسانيد واسقاط بعض الفقرات.

الشيخ وحيد الخراساني المرجع الشيعي المعاصر

في مدينة قم المقدسة :

قال : (وقد ابتلي السبط الأكبر بمصيبة تظهر عظمتها من مقايسة أصحابه بأصحاب أخيه الحسينعليه‌السلام ، وأما الحسنعليه‌السلام فخطب بعد وفاة أبيه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : (أما والله ما ثنانا ن قتال أهل الشام ذلة ولا قلة ، ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر ، فشيب السلامة بالعداوة والصبر بالجزع ، وكنتنم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم ، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم ، وكنا لكم وكنتم لنا ، وقد صرتم اليوم علينا. ثم أصبحتم تصدون [تعدون] قتيلين : قتيلا بصفين تبكون عليه ، وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأره ، فأما الباكي فخاذل ، وأما الطالب فثائر. وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة ، فإن أردتم الحياة قبلنااه منه ، وأغضضنا عن القذى ، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله وحاكمناه إلى الله. فنادى القوم بأجمعهم : بل البقية والحياة.

ثم أورد جزءا من رواية قال (ولما وجه إلى معاوية قائدا في أربعة آلاف ، وكان من كندة ، وأمره أن يعسكر بالأنبار ، كتب إليه معاوية : إن أقبلت إلي وليتك بعض كور الشام ، أو الجزيرة ، غير منفس عليك ، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم ، فقبض الكندي المال وقلب على الحسنعليه‌السلام ، وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته.

فبلغ ذلك الحسنعليه‌السلام فقام خطيبا وقال : هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم ، وقد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنه لا وفاء لكم ، أنتم عبيد الدنيا ، وأنا موجه رجلا آخر مكانه ، وأنا أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه ، لا يراقب الله في ولا فيكم.


فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف ، وتقدم إليه بمشهد من الناس ، وتوكد عليه ، وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي ، فحلف له بالأيمان التي لا تقوم لها الجبال أنه لا يفعل. فقال الحسنعليه‌السلام : إنه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار ، أرسل معاوية إليه رسلا ، وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه وبعث إليه بخمسمائة ألف درهم ، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام ، أو الجزيرة ، فقلب على الحسنعليه‌السلام وأخذ طريقه إلى معاوية ، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود ،

وبلغ الحسنعليه‌السلام ما فعل المرادي وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية ، فإنا معك ، وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك ، ثم أغاروا على فسطاطه وضربوه بحربة).

ثم كتب جوابا لمعاوية : إنما هذا الأمر لي ، والخلافة لي ولأهل بيتي ، وإنها محرمة عليك وعلى أهل بيتك ، سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والله لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت لك ولا أعطيتك ما تريد).(1)

أقول : وهذه هي رواية الراوندي عن الحارث الهمداني. وهي بتمامها كما يلي :

قطب الدين الراوندي (ت 573 هـ) في كتابه الخرائج والجرائح :

قال روي [عن] الحارث الهمداني قال :

لما مات عليعليه‌السلام ، جاء الناس إلى الحسن بن عليعليهما‌السلام فقالوا له : أنت خليفة أبيك ، ووصيه ، ونحن السامعون المطيعون لك ، فمرنا بأمرك.

قالعليه‌السلام : كذبتم ، والله ما وفيتم لمن كان خيرا مني فكيف تفون لي؟!

إن كنتم صادقين؟ فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن ، فوافوني هناك.

فركب ، وركب معه من أراد الخروج ، وتخلف عنه خلق كثير لم يفوا بما قالوه ، وبما وعدوه ، وغروه كما غروا أمير المؤمنينعليه‌السلام من قبله.

فقام خطيبا وقال : قد غورتموني كما غررتم من كان قبلي ، مع أي إمام تقاتلون بعدي؟! مع الكافر الظالم ، الذي لا يؤمن بالله ، ولا برسوله قط ، ولا أظهر الإسلام هو ولا بنو أمية إلا فرقا من السيف؟! ولو لم يبق لبني أمية إلا عجوز درداء لبغت دين الله

__________________

(1) الخراساني ، الشيخ وحيد ،منهاج الصالحين ، ج 1 ص 336.


عوجا ، وهكذا قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم وجه إليه قائدا في أربعة آلاف ، وكان من كندة ، وأمره أن يعسكر بالأنبار ولا يحدث شيئا حتى يأتيه أمره. فلما توجه إلى الأنبار ، ونزل بها ، وعلم معاوية بذلك بعث إليه رسلا ، وكتب إليه معهم : إنك إن أقبلت إلي وليتك بعض كور الشام ، أو الجزيرة ، غير منفس عليك ، وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم ، فقبض الكندي ـ عدو الله ـ المال ، وقلب على الحسنعليه‌السلام وصار إلى معاوية ، في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته.

وبلغ الحسنعليه‌السلام [ذلك] فقام خطيبا وقال : هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم ، وقد أخبرتكم مرة بعد أخرى أنه لا وفاء لكم ، أنتم عبيد الدنيا ، وأنا موجه رجلا آخر مكانه ، وأنا أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه ، لا يراقب الله في ولا فيكم.

فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف ، وتقدم إليه بمشهد من الناس ، وتوكد عليه ، وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي ، فحلف له بالإيمان التي لا تقوم لها الجبال أن لا يفعل. فقال الحسنعليه‌السلام : إنه سيغدر. فلما توجه إلى الأنبار ، أرسل معاوية إليك رسلا ، وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه وبعث إليه بخمسمائة ألف درهم ، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام ، أو الجزيرة ، فقلب على الحسنعليه‌السلام ، وأخذ طريقة إلى معاوية ، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود ،

وبلغ الحسنعليه‌السلام ما فعل المرادي. فقام خطيبا وقال : قد أخبرتكم مرة بعد مرة أنكم لا تفون لله بعهود ، وهذا صاحبكم المرادي غدر بي وبكم ، وصار إلى معاوية.

ثم كتب معاوية إلى الحسنعليه‌السلام : يا ابن عم ، لا تقطع الرحم الذي بيني وبينك ، فان الناس قد غدروا بك وبأبيك من قبلك.

فقالوا : إن خانك الرجلان وغدرا ، فانا مناصحون لك.

فقال لهم الحسنعليه‌السلام : لأعودن هذه المرة فيما بيني وبينكم ، وإني لأعلم أنكم غادرون ، والموعد ما بيني وبينكم ، إن معسكري بالنخيلة ، فوافوني هناك ، والله


لا تفون لي بعهد ، ولتنقضن الميثاق بيني وبينكم.

ثم إن الحسنعليه‌السلام أخذ طريق النخيلة ، فعسكر عشرة أيام ، فلم يحضره إلا أربعة آلاف ، فانصرف إلى الكوفة فصعد المنبر وقال : يا عجبا من قوم لا حياء لهم ولا دين مرة بعد مرة ، ولو سلمت إلى معاوية الأمر فأيم الله لا ترون فرجا أبدا مع بني أمية ، والله ليسومنكم سوء العذاب ، حتى تتمنون أن يلي عليكم حبشيا. ولو وجدت أعوانا ما سلمت له الأمر ، لأنه محرم علي بني أمية ، فأفٍّ وترحاً يا عبيد الدنيا.

وكتب أكثر أهل الكوفة إلى معاوية بأنا معك ، وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك.

ثم أغاروا على فسطاطه ، وضربوه بحربة ، فاخذ مجروحا.

ثم كتب (الحسن) جوابا لمعاوية : «إن هذا الأمر لي والخلافة لي ولأهل بيتي ، وإنها لمحرمة عليك وعلى أهل بيتك ، سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ، ما سلمت لك ولا أعطيتك ما تريد».

وانصرف إلى الكوفة.(1)

أقول : وهذه الرواية وردت في كتاب اثبات الوصية المنسوب(2) للمسعودي المتوفي سنة 346 من دون ذكر راويها.

وقد أوردها الخصيبي في كتابه (الهداية الكبرى ص 189 ـ 194) مسندة عنه عن محمد بن علي ، عن علي بن محمد ، عن الحسن بن علي ، عن ابن فرقد ، عن علي بن الحسن العبدي عن أبي هارون المكفوف عن الحارث الأعور الهمداني قال :

(لما مضى أمير المؤمنينعليه‌السلام جاء الناس للحسن بن عليعليهما‌السلام فقالوا : يا ابن رسول

__________________

(1) الراوندي ، قطب الدين ،الخرائج والجرائج ، مؤسسة الامام المهديعليه‌السلام المطبعة العلمية قم 1409 هـ ، ج 2 ص 574 ـ 577.

(2)أقول : الكتاب منسوب لأنه لم يذكر في ترجمة المسعودي المؤرخ المشهور ، ولا يعكس الكتاب منهج المسعودي ويمكن ان يكون لمؤلف آخر يحمل الاسم نفسه ، ونسق الكتاب يبدأ بمنهج جديد حين يبدأ بالإمام الرضاعليه‌السلام حيث يذكر سند الخبر تاما.


الله نحن السامعون المطيعون لك أمرنا بأمرك قال : كذبتم والله ما وفيتم لمن كان خيرا مني يعني أمير المؤمنينعليه‌السلام فكيف توفون لي وكيف اطمئن إليكم وأثق بكم ان كنتم صادقين ، فهو غدا ما بيني وبينكم أعسكر بالمدائن فوافوني هناك. فركب معه من أراد الخروج وتخلف عنه خلق كثير لم يوفوا له بما قالوا وغروه كما غروا أباه أمير المؤمنينعليه‌السلام قبله. فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكر جده فصلى عليه وقال : يا أيها الناس قد غررتموني كما غررتم أبي أمير المؤمنين قبلي فلا جزاكم الله عن رسوله خيرا ، (فقد قال أبي انكم) تقاتلون بعده مع الظالم الكافر اللعين ابن اللعين عبيد الله بن زياد الذي لا يؤمن بالله ولا برسول الله ولا باليوم الآخر ولا اظهر الإسلام هو ولا أبيه قاطبة الا خوفا من السيف ، ولو لم يبق من بني أمية الا عجوز درداء لابتغت لدين الله عوجا هكذا قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم وجه قائدا في أربعة آلاف رجل وكان من كندة أمره أن يعسكر بالأنبار ونزل بها ، وعلم بذلك معاوية بعث إليه رسول وكتب إليه معاوية إنك ان أقبلت إلي وليتك بعض كور الشام والجزيرة غير ما أفيضه من الانعام عليك ، وحمل إليه خمسمائة ألف درهم وقبضها الكندي لعنه الله من الرسول وانقلب عن الحسن ومضى إلى معاوية لعنه الله.

فقام الحسنعليه‌السلام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال يا أيها الناس إن صاحبي بعث إليه معاوية خمسمائة ألف درهم ووعده ومناه وولاه بعض كور الشام والجزيرة وقد توجه إليه وغدر بي وبكم وقد أخبرتكم مرة بعد مرة إنه لا وفاء لكم ولا خير عندكم أنتم عبيد الدنيا ، وإني موجه مكانه رجلا إن هو علم به سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه ولا يراقب في ولا فيكم فبعث رجلا من مراد في أربعة آلاف رجل وتقدم إليه فحلف بالإيمان لا تقوم لها الجبال بأنه لا يفعل كما فعل صاحبه ، وحلف الحسنعليه‌السلام مثلها إنه يفعل ويغدر به ، فلما توجه وصار إلى الأنبار ونزل بها وعلم ذلك معاوية بعث إليه رسولا وكتب إليه كما كتب إلى صاحبه وبعث إليه خمسمائة ألف درهم ومناه أن يوليه خيرا من كور الشام والجزيرة فنكث على الحسن ما فعل وأخذ طريقه إلى معاوية ولم يراقب ولم يخف ما أخذ عليه من العهد والميثاق.


وبلغ الحسن فعل المرادي لعنه الله فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال : يا أيها الناس قد أخبرتكم مرة بعد مرة إنكم لا توفون بعهد الله وإنكم قد أغررتم هذا صاحبكم المرادي وقد غدر بي وصار إلى معاوية.

وكتب معاوية إلى الحسنعليه‌السلام يا أبن العم : الله الله فيما بيني وبينكم ان تقطع الرحم وأن قد غدروا بيني وبينكم وبالله أستعين.

فقرأ عليهم الحسن كتاب معاوية فقالوا : يا ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إن كان الرجلان غدرا بك وغراك من أنفسهما فإنا لك ناصحون متبعون غير غادرين ،

فقال الحسنعليه‌السلام والله لأعذرن هذه المرة فيما بيني وبينكم ان يعسكر بالنخيلة فوافوني هناك إن شاء الله تعالى فوالله لا توفون ما بيني وبينكم.

ثم إن الحسنعليه‌السلام أخذه طريقه إلى النخيلة عشرة أيام فوافاه عشر آلاف راجل فانصرف إلى الكوفة فدخلها وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

وا عجباه من قوم لا حياء لهم ولا دين يغدرون مرة بعد مرة ،

وأيم الله لو وجدت على ابن هند أعوانا ما وضعت يدي في يده ولا سلمت إليه بالخلافة وإنها محرمة عليهم ، فإذا أنتم لا يأمن غدركم وأفعالكم ، فإني واضع يدي في يده.

وأيم الله لا ترون فرجا ابدا مع بني أمية واني لأعلم عنده أحسن حالا منكم وتالله ليسؤمنكم بنو أمية سوء العذاب ويشنون عليكم جيشا عظيما من معاوية فأف لكم وترحا يا عبيد الدنيا وأبناء الطمع.

ثم كتب إلى معاوية إني تاركها من يومي هذا وغير طالب لها وتالله لو وجدت عليكم أعوانا ناصرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت إليك هذا الأمر ولا أعطيتك هذا الأمر الذي أنت طالبه أبدا.

ولكن الله عز وجل قد علم وعلمت يا معاوية وسائر المسلمين إن هذا الأمر لي دونك ولقد سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن الخلافة لي ولأخي الحسين وأنها لمحرمة عليك وعلى قومك وسماعك وسماع المسلمين ، والصادق والأمين والمؤدي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وانصرف إلى الكوفة فأقام بها عاتبا على أهلها مواريا عليهم حتى دخل عليه


حجر بن عدي الطائي ، فقال له يا أمير المؤمنين كيف يسعك ترك معاوية؟ فغضب الحسنعليه‌السلام غضبا شديدا ، حتى احمرت عيناه ودارت أوداجه وسكبت دموعه وقال : ويحك يا حجر تسميني بإمرة المؤمنين وما جعلها الله لي ولا لأخي الحسين ولا لأحد ممن مضى ولا لأحد ممن يأتي إلا لأمير المؤمنين خاصة؟

أو ما سمعت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قد قال لأبي يا علي ان الله سماك بأمير المؤمنين ولم يشرك معك في هذا الاسم أحدا فما تسمى به غيره الا وهو مأفون في عقله ، مأبون في عقبه ،

فانصرف عنه وهو يستغفر الله فمكث أياما ثم عاد إليه ، فقال له السلام عليك يا مذل المؤمنين فضحك في وجهه وقال والله يا حجر هذه الكلمة لأسهل علي واسر إلى قلبي من كلمتك الأولى فما شأنك؟ أتريد أن تقول ان خيل معاوية قد أشرفت على الأنبار وسوادها وأتى في مائة ألف رجل في هذين المصرين يريد البصرة والكوفة ،

فقال حجر يا مولاي ما أردت أن أقول الا ما ذكرته ، فقال : والله يا حجر لو أني في ألف رجل لا والله الا مائتي رجل لا والله إلا في سبع نفر لما وسعني تركه ، ولقد علمتم أن أمير المؤمنين دخل عليه ثقاته حين بايع أبا بكر فقالوا له مثلما قلتم لي فقال لهم مثلما قلت لكم فقام سلمان والمقداد وأبو الذر وعمار وحذيفة بن اليمان وخزيمة بن ثابت وأبو الهيثم مالك بن التيهان فقالوا : نحن لك شيعة ومن قال بنا شيعة لك مصدقون الله في طاعتك فقال لهم حسبي بكم قالوا وما تأمرنا قال إذا كان غدا فاحلقوا رؤوسكم واشهروا سيوفكم وضعوها على عواتقكم وبكروا إلي فإني أقوم بأمر الله ولا يسعني القعود عنه فلما كان من الغد بكر إليه سلمان والمقداد وأبو ذر وقد حلقوا رؤوسهم وأشهروا سيوفهم وجعلوها على عواتقهم ومعهم عمار بن ياسر وقد حلق نصف رأسه وشر نصف سيفه ، فلما قعدوا بين يديهعليه‌السلام نظر إليهم ، وقال لعمار يا أبا اليقظان من يشتري نفسه على نصر دينه يبقى ولا يخاف ، قال : يا أمير المؤمنين خشيت وثوبهم علي وسفك دمي فقال اغمدوا سيوفكم فوالله لو تم عددكم سبعة رجال لما وسعني القعود عنكم.

وتالله يا حجر إني لعلى ما كان عليه أبي أمير المؤمنين لو أطعتموني ، فخرج حجر


واجتمع إليه وجوه قبائل الكوفة فقالوا إنا قد امتحنا أهل مصرنا فوجدناهم سامعين مطيعين وهم زهاء ثلاثين ألف رجل فقم بنا إلى سيدنا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى نبايعه بيعة مجددة ونخرج بين يديه ولا ندع ابن هند يعبر علينا وقوائم سيوفنا في أيدينا.

فجاؤوا إلى الحسنعليه‌السلام فخاطبوه بما يطول شرحه فقال لهم والله ما تريدون إلا انقطاع الحبل بي حتى تريحوا معاوية مني ولئن خرجت معكم بالله حتى أبرز عن هذا المصر ليرغبنكم وليدبر على رجل منكم يرغبه في قتلي بالمال الكثير ويسأله اغتيالي بطعنة أو ضربة فيضربني ضربة يجرحني بها ولا يصل إلي.

قالوا بأجمعهم تالله يا أبن رسول الله لا تقل هذا فنقتل أنفسنا وقد قلدناك دمنا.

فقال أبرزوا إلى المدائن حتى تنظروا فبرزوا وساروا حتى وردوا المدائن فعسكر بها في ليلة مقمرة وقد كان معاوية كاتب يزيد بن سنان البجلي ابن أخي جرير بن عبد الله البجلي لعنه الله وبذل له مالا على اغتيال الحسن وقتله فأخذ له سيفا وأحتمل تحت أثوابه وتوجه نحو الحسنعليه‌السلام فخاف على نفسه فرجع فرمى السيف وأخذ الرمح معه فضاق به صدره فرده خوفا وأخذ حربة مرهفة وأقبل يتوكأ عليها حتى انتهى إلى الفسطاط المضروب للحسن بن عليعليهما‌السلام فوقف غير بعيد ونظر إليه ساجدا وراكعا والناس نيام فرمى بالحربة فأثبتها فيه وولى هاربا فتمم صلاته والحربة تهتز في بدنه ثم انتقل من صلاته ونبه من حوله وصاحوا الناس فجاؤوا حتى نظروا إلى الحربة تهتز في بدنه فقال لهم هل أنا يا أهل الكوفة أخبرتكم ما تفعلونه وكذبتموني وأخذ الحربة وصاح بالرحيل وانكفأ من المدائن جريحا.

وكان له بالكوفة خطبا وخطابا كثيرا يسب فيه أهل الكوفة ويلعنهم وقال لهم أن يزيد بن سنان ابن أخي جرير بن عبد الله البجلي رماني بحربة فاطلبوه فخرج من الكوفة وسلم ولحق بمعاوية ورحل الحسنعليه‌السلام من الكوفة وسلم الأمر إلى معاوية وقلدها معاوية إلى زياد لعنه الله فكان هذا من دلائلهعليه‌السلام .(1)

وأورد السيد هاشم البحراني(2) في السند كما يلي : الخصيبي عن محمد بن علي بن

__________________

(1) الخصيبي ، الحسين بن حمدان ، الهداية الكبرى ، مؤسسة البلاغ بيروت 1991 م ، ص 361.

(2) البحراني ، مدينة المعاجز ج 3 ص 402.


محمد ، عن الحسن بن علي ، عن الحسن بن محمد بن فرقد ، عن أبي الحسن العبدي ، عن أبي هارون المكفوف ، عن الحارث الأعور الهمداني (ت 65 هـ).(1)

أقول : والظاهر قوله : (عن أبي الحسن العبدي) هو علي بن الحسن العبدي.

وفي السند مشكلات عديدة :

منها ان أبا هارون المكفوف وهو من أصحاب الصادق وأضاف البرقي والشيخ الطوسي انه من أصحاب الباقر أيضا(2) ، لم يدرك الحارث الهمداني ت 65 هـ. مضافا إلى ذلك فان الرواية مما تفرد بها الخصيبي وقد قال عنه النجاشي فاسد المذهب ، والمتأمل في كتابه (الهداية) يجد الباحث اكثر من شاهد على فساد مذهبه.

هذا مضافا إلى ما في متنها من عبارات منكرة كقوله ان معاوية يناشد الحسنعليه‌السلام الرحِم ، وان لا يركن إلى أهل الكوفة فانهم غدروا به وبأبيه!

مشاهير من الباحثين من أهل السنة

ابن العربي ت 543 هـ :

(وعمل الحسنرضي‌الله‌عنه بمقتضى حاله : فإنه صالح حين استشرى الأمر عليه :

نمها ما رأى من تشتت آراء من معه.

ومنها أنه طعن حين خرج إلى معاوية فسقط عن فرسه وداوى جرحه حتى برأ فعلم أن عنده من ينافق عليه ولا يأمنه على نفسه. ومنها أنه رأى الخوارج أحاطوا بأطرافه وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية استولى الخوارج على البلاد وإن اشتغل بالخوارج استولى عليه معاوية).(3)

أقول : اما قوله (فمنها انه طعن إلى قوله فعلم ان من عنده من ينافق عليه ولا يامنه على نفسه) فان الذي طعنه هو من الخوارج وقد نقل عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي العاصمي المكي عن الحافظ الذهبي في تاريخه دول الإسلام عن جرير بن

__________________

(1) ترجمة الحارث مفصلة في كتاباعيان الشيعة وقد ذكر تاريخ وفاته ج 4 ص 367.

(2) انظر ترجمته فيمعجم رجال الحديث للسيد الخوئيرحمه‌الله ج 23 ص 82.

(3) ابن العربي أحكام القرآن 4 / 152 تحقيق محمد عبد القادر عطا لبنان دار الفكر.


حازم : قال وطعنه رجل من الخوارج بخنجر مسموم في فخذه فوثب الناس على الرجل فقتلوه لارحمه‌الله ونزل الحسن القصر الأبيض بالمدائن وكاتب معاوية في الصلح قال الذهبي وقال نحو هذا ابن إسحاق والشعبي.(1)

واما قوله (وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية استولى الخوارج على البلاد وإن اشتغل بالخوارج استولى عليه معاوية). يمكن يصدق هذا الكلام قبل حرب النهروان لما اعلن الخوارج عن انفسهم وبدأوا بسفك دماء الابرياء وكان عليعليه‌السلام قد تجهز لحرب معاوية فانصرف لقتال الخوارج في النهروان كما في رواية عبد العزيز بن سياه(2) . اما بعد الهنروان فقد بقي أفراد شكلوا نواة للاغتيال ، في العراق والشام ومصر ،

ومنها أنه تذكّر وعد جدّه الصادق عند كل أحدٍ في قوله إن ابني هذا سيِّدٌ ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين. هذا القول من المبشرات وليس من الأسباب الداعية للصلح.

ويبقى من تعليله قوله (ما رأى من تشتت آراء من معه) هو الرأي السائد الذي ناقشناه ورددنا عليه.

الشيخ محمد الخضري :

(كان من رأي جند علي ان يبايعوا الحسن بالخلافة بعد قتل أبيه فبايعوه ولكن الرجل (أي الحسن) رأى جندا لا يركن إليه وخصما قوي الشكيمة فلم ير خيرا لنفسه ولا لأمته من أن يتنازل لمعاوية وصالحه على شروط رضيها الطرفان).(3)

الدكتور حسن إبراهيم حسن :

(دعا المسلمون إلى الحسن بن علي بعد مقتل أبيه واستخلفوه الا ان خلافته لم تثبت

__________________

(1) سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي ، تأليف : عبد الملك بن حسين بن عبد الملك الشافعي العاصي الملكي ، دار النشر : دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1419 هـ ـ 1998 م ، تحقيق : عادل أحمد عبد الموجود ـ علي محمد معوض.

(2) ابن حجر ، فتح الباري ج 13 / 52 ـ 53.

(3) الخضري ، الشيخ محمد ،الدولة الأموية ، دار المعرفة للطباعة والنشر 2005 ، ص 287.


امام قوة معاوية وما كان من رواجٍ الإشاعة بانهزام جيوشه امام جند الشام مما أدى إلى تخلي أهل العراق عنه فلم يجد بدأ من النزول عن الخلافة حقنا لدماء المسلمين على ان الدافع الحقيقي الذي حدا الحسن على النزول يرجع على ما ذكره اليعقوبي إلى انه قد اصبح لا قبل له بمعاوية وجنده فعقد معه صلحا نزل فيه عن حقه في الخلافة على ان يكون الأمر بعد معاوية شورى بين المسلمين يولون عليهم من احبوا وبذلك اصبح معاوية صاحب السلطان المطلق في الولايات الإسلامية كافة).(1)

سند الإسلاميين جميعا في تحليلهم الآنف الذكر هو الروايات التاريخية أيضا :

استند كل الإسلاميين الآنفي الذكر في تعليل الصلح والتنازل إلى ضعف الجيش العراقي على روايات كثيرة لا يكاد يخلو منها كتاب تاريخي وقد أوردنا طرفا منها انفا وسنورد الباقي في الفصل الثامن من الباب الثالث من هذا الكتاب.

__________________

(1) الذهبي ،تاريخ الإسلام ، دار الكتاب العربي بيروت 1987 ، تحقيق د. عمر السلام تدمري ، ج 1 / 287 ط 7 / 1964.



الباب الثاني

القراءة الجديدة

الفتح المبين لمشروع علي عليه‌السلام

الذي حققه الحسن عليه‌السلام بصلحه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول 80 خلفيات الصلح

الفصل الثاني 114 سنوات الفتح المبين لمشروع عليعليه‌السلام

الفصل الثالث 163 سيرة الامام الحسنعليه‌السلام

الفصل الرابع 189 الغدر المبين لمعاوية في السنوات العشر الثانية من حكمه

الفصل الخامس 238 تعليقات على موارد من كتاب صلح الحسنعليه‌السلام للشيخ راضي آل ياسين

الفصل السادس 256 مسار الإمامة الإلهية لأربعين سنة

الفصل السابع 281 مقارنة بين صلح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وصلح الحسنعليه‌السلام

الفصل الثامن 291 مقتطفات من تاريخ الكوفة من سنة 14 هـ ـ 148 هـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



اشتمل الباب الثاني على ثمانية فصول :

تناولالفصل الأول : خلفيات الصلح التي تمثلت بنهضة عليعليه‌السلام لتحرير دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله من بدع قريش المسلمة وقصص التوراة المحرفة التي نشرها كعب الأحبار وتميم الداري وإحياء أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في أهل بيتهعليهم‌السلام التي منعت منها الخلافة ، وكان مدخل نهضته إحياء حج التمتع أيام عثمان حينما انشقت عليه قريش ولما قتلته بايع المسلمون عليا وتوحد جناحا قريش لحرب عليعليه‌السلام ووأد مشروعه ثم استشهد وهو يعد العدة لحرب معاوية بعد غاراته على أطراف البلاد ثم بيعة أهل الشام معاوية وبيعة أهل العراق الحسنعليه‌السلام وطلب معاوية الصلح وهنا يجيء الصلح بصيغة الامام الحسنعليه‌السلام ولم يكن معاوية ولا أهل الشام متوقعين له بل ولا أهل العراق ولم يدر في خلدهم جميعا ولكنهم امنوا به جميعا لما فيه من معالجة للانشقاق وحفظ لحقوق أهل العراق مع عدم المساس بحقوق أهل الشام واختيارهم ، مع ضمانة لمشروع عليعليه‌السلام ان تشق أخباره طريقها إلى أهل الشام من موقع التشوق إلى استماعها فكان بحق فتحا مبينا للحسن ولمشروع عليه وكان الحسن على سر أبيه بشكل فهمه الجميع.

وتناولالفصل الثاني : وضع شيعة علي خلال السنوات العشر الأولى ونشاطهم في جو الأمان التام حيث كانت بنود الصلح منفذة ، ونشرهم اخبار مشروع علي واخبار سيرته المشرقة واتضح للناس إمامته الهادية وظلامته مع افتضاح معاوية وسلفه الذين عطلوا سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله واتضح لمن أراد ان يفهم الحقيقة ان معاوية أراد إحياء سيرة سلفه عثمان وشعاره الذي قام حكمه عليه / العمل بسيرة الشيخين / وكيف هذه السيرة كانت


إفسادا لسنة النبي ، وكيف ان عليا وقف في وجهها واحيا سنة النبي ولولاه لما عرف المسلمون سنة نبيهم ،

وتناولالفصل الثالث : طرفا من اخبار سيرة الامام الحسن في سنوات الصلح خاصة التي برز فيها للمجتمع الإسلامي إماما هاديا إلى الله تعالى تذكر رؤيته بجده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبأبيه عليعليه‌السلام خلقا وعبادة وعلما وزهدا ورسالية.

وتناولالفصل الرابع : طرفا من اخبار معاوية في (غدره المبين) بالحسن وبشيعته غدرا وشجت عليه أصول معاوية غدرا يستهدف الانتقام من شيعة عليعليه‌السلام لنشرهم اخبار مشروعه وسيرته المشرقة والى إرجاع الكوفة إلى ماضيها يوم مصرت على عهد عمر بن الخطاب.

وتناولالفصل الخامس : ملاحظات تفصيلية حول بعض موارد كتاب صلح الحسن للعلامة الشيخ راضي آل ياسينرحمه‌الله . باعتباره يمثل الرؤية السائدة ولأجل تجلية الفروق بين الرؤية الجديدة والرؤية السائدة في تعليل الصلح وقراءة بنوده.

وتناولالفصل السادس : مسار الإمامة الإلهية الهادية في المجتمع الإسلامي التي منحها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمر الله تعالى لعليعليه‌السلام في الغدير وكيف ادعتها قريش المسلمة وعطلت باسمها سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وكيف أعادها عليعليه‌السلام في المجتمع من خلال نهضته الإحيائية للسنة النبوية وكيف بلورها الحسن في صلحه وعرفها لأهل الشام ليهلك من هلك من بينه ويحيى من حيَّ عن بينة.

وتناولالفصل السابع : صلح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع قريش في الحديبية مقارنا بصلح الحسنعليه‌السلام مع معاوية من اجل ان تتضح وحدة الظرف بين الصلحين ووحدة الهدف ووحدة النتائج. ومنه يتضح ان الحسنعليه‌السلام امتداد لجده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأبيه علي في عملهما الرسالي ، وان معاوية امتداد للخليفة عثمان والخليفتين في عملهم في تطويق علي وإماتة السنة وتعطيلها.

وتناولالفصل الثامن : الكوفة في مسارها الفكري منذ تمصيرها يوم كانت مركزا يتقيد بسيرة الخلفاء من قريش ويعتبرها دينا ، ثم احتضانها مشروع عليعليه‌السلام الإحيائي للسنة النبوية ونصرتها له والبراءة من سيرة الشيخين ومواجهة قريش الناكثة والقاسطة


ثم نصرت حركة الحسن والحسين وحركة الأئمة من ضرية الحسين وحركة الثوار من ذرية الحسن والحسينعليهما‌السلام ومقاومة خطط الأمويين الرامية إلى إرجاعها إلى ما كانت عليه زمن الخلفاء القرشيين.


الباب الثاني / الفصل الأول

خلفيات الصلح

الخلفية المباشرة للصلح هي نهضة علي عليه‌السلام الاحيائية للسنة

الخلفية المباشرة لصلح الامام الحسن مع معاوية التي ينبغي ان يدرس الصلح في ضوئها هي نهضة أمير المؤمنين الإحيائية للسنة التي استهدفت تحرير دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله من بدع قريش التي عطلت شريعته وحرفت معالمها ومن قصص التوراة المحرفة التي شقت طريقها في المجتمع عن طريق أحاديث كعب الأحبار وتميم الداري على عهد عمر وعثمان هذه القصص التي أساءت إلى الله والى أنبياءه.

اما الشع الذي رفعه عليعليه‌السلام في نهضته الإحيائية للسنة (ما كنت لأدع سنة رسول الله لقول احد من الناس) فتمتد جذوره إلى قصة الشورى السداسية التي أفرزت حكم عثمان ودولة بني أمية الأولى وكان اهم ما فيها هو اشتراط العمل بسيرة الشيخين على الحاكم المبايَع إلى جنب كتاب الله وسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد رفضه عليعليه‌السلام لما عرضه عليه عبد الرحمن بن عف وتقبله عثمان ،

نهض عليعليه‌السلام سنة 27 هـ لإحياء حج التمتع الذي نهى عنه عمر وعاقب عليه ، ولما قتلت قريش الثائرة عثمان بايعت الجماهير علياعليه‌السلام على كتاب الله وسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

ولما قتل عليعليه‌السلام بايع العراقيون ابنه الحسنعليه‌السلام على كتاب وسنة النبي ، ومن الطبيعي ان يبايع الشاميون معاوية على كتاب الله وسيرة الشيخين وفيما يلي التفصيل.


قصة الشورى وبيعة عثمان (1)

قال عوانة بن الحكم عن الشعبي ورواه الجوهري أيضا(2) : لما طُعِن عمر جعل الأمر شورى بين ستة نفر : علي بن أبي طالب ، وعثمان بن عفان ، وعبد الرحمن بن عوف ، والزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله ، وسعد بن مالك ، وكان طلحة يومئذ بالشام ، قال الشعبي : فحدثني من لا أتهمه من الأنصار ، وقال أحمد بن عبد العزيز الجوهري : هو سهل بن سعد الأنصاري ، قال : مشيت وراء علي بن أبي طالب حيث انصرف من عند عمر ، والعباس بن عبد المطلب يمشي في جانبه ، فسمعته يقول للعباس ليجتمعن هؤلاء القوم على أن يصرفوا هذا الأمر عنا ، ولئن فعلوها ـ وليفعلُنَّ ـ ليرونني حيث يكرهون ، والله ما بي رغبة في السلطان ، ولا حب الدنيا ، ولكن لإظهار العدل ، والقيام بالكتاب والسنة ..

قال عوانة : فحدثنا إسماعيل ، قال : حدثني الشعبي ، قال : فلما مات عمر ، وأدرج في أكفانه فتقدم صهيب فصلى على عمر. قال الشعبي : وأدخل أهل الشورى دارا واجتمع الناس ، وكثروا على الباب ...

وكان هوى قريش كافة ما عدا بني هاشم في عثمان ،

وهوى طائفة من الأنصار مع علي ...

فأقبل المقداد بن عمرو ، والناس مجتمعون ، فقال : أيها الناس ، اسمعوا ما أقول ، أنا المقداد بن عمرو ، إنكم إن بايعتم عليا سمعنا وأطعنا ، وإن بايعتم عثمان سمعنا وعصينا.

فقام عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي ، فنادى : أيها الناس ، إنكم إن بايعتم عثمان سمعنا وأطعنا ، وإن بايعتم عليا سمعنا وعصينا.

فقال له المقداد : يا عدو الله وعدو رسوله وعدو كتابه ، ومتى كان مثلك يسمع

__________________

(1) النيسابوري ، مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ، دار الفكر بيروت ، ص 207. واحمد ،مسند احمد ، دار صادر بيروت ، ج 1 ص 244. والكوفي ، ابن أبي شيبة ، المصنف ، دار الفكر بيروت 1989 م ، ج 7 ص 437. والموصلي ، أبي يعلى ،مسند أبي يعلى ، تحقيق حسين سليم ، دار المأمون للتراث ، ج 1 ص 69.

(2) الجوهري البصري ، أبو بكر أحمد بن عبد العزيز ،السقيفة ، شركة الكتبي 1993 م ، ص 84.


له الصالحون! فقال له عبد الله : يا بن الحليف العسيف ، ومتى كان مثلك يجترئ على الدخول في أمر قريش!.(1)

فقال عبد الله بن سعد بن أبي سرح : أيها الملأ ، إن أردتم ألا تختلف قريش فيما بينها ، فبايعوا عثمان ،

فقال عمار بن ياسر : إن أردتم ألا يختلف المسلمون فيما بينهم فبايعوا عليا ،

ثم أقبل على عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، فقال : يا فاسق يا بن الفاسق ، أأنت ممن يستنصحه المسلمون أو يستشيرونه في أمورهم! وارتفعت الأصوات(2)

قال الشعبي : فأقبل عبد الرحمن على علي بن أبي طالب ، فقال :

عليك عهد الله وميثاقه ، وأشد ما أخذ الله على النبيين من عهد وميثاق : إن بايعتك لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله ، وسيرة أبي بكر وعمر!(3)

فقال عليعليه‌السلام : طاقتي ومبلغ علمي وجهد رأيي ، (وفي رواية اليعقوبي : ان كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجِّيرَى احد).(4)

فأقبل على عثمان ، فقال له مثل ذلك ، فقال : نعم لا أزول عنه ولا أدع شيئا منه. ثم اقبل على علي فقال له ذلك ثلاث مرات ولعثمان ثلاث مرات في كل ذلك

__________________

(1) وفي رواية اليعقوبي ج 2 ص 163 : قال روى بعضهم قال : دخلت مسجد رسول الله ، فرأيت رجلا جاثيا على ركبتيه يتلهف تلهف من كأن الدنيا كانت له فسلبها ، وهو يقول : واعجبا لقريش ، ودفعهم هذا الأمر على أهل بيت نبيهم ، وفيهم أول المؤمنين ، وابن عم رسول الله أعلم الناس وأفقههم في دين الله ، وأعظمهم غناء في الإسلام ، وأبصرهم بالطريق ، وأهداهم للصراط المستقيم ، والله لقد زووها عن الهادي المهتدي الطاهر النقي ، وما أرادوا إصلاحا للأمة ولا صوابا في المذهب ، ولكنهم آثروا الدنيا على الآخرة ، فبعدا وسحقا للقوم الظالمين. فدنوت منه فقلت : من أنت يرحمك الله ، ومن هذا الرجل؟ فقال : أنا المقداد بن عمرو ، وهذا الرجل علي بن أبي طالب. قال فقلت : ألا تقوم بهذا الأمر فأعينك عليه؟ فقال : يا ابن أخي! إن هذا الأمر لا يجري فيه الرجل ولا الرجلان. ثم خرجت ، فلقيت أبا ذر ، فذكرت له ذلك ، فقال : صدق أخي المقداد.

(2) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، دار إحياء الكتب العربية 1959 م ، ج 9 ص 35 ـ 38 عن عوانة.

(3) العيني ،عمدة القاري ، دار إحياء التراث العربي بيروت ، ج 24 ص 405 ؛ وابن حجر ، فتح الباري ، دار إحياء التراث العربي بيروت ، ج 13 ص 236.

(4) اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي ، مصدر سابق ، ج 2 ص 162. الإجِّيرَى بالكسر والتشديد والفتح العادة والطريقة.


يجيب علي مثل ما كان أجاب به ، ويجيب عثمان بمثل ما أجاب به فقال : ابسط يدك يا عثمان ، فبسط يده فبايعه.(1)

قال : عوانة وقام القوم فخرجوا وقد بايعوا الا علي بن أبي طالب فانه لم يبايع(2) ،

أقول : هذا وهمٌ أو تحريف من عوانة ، إذ كيف يسمح لعلي بالخروج قبل البيعة وقد رووا عن وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي أن عمر بن الخطاب لما حضر قال : ادعوا لي عليا وطلحة والزبير وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعدا ، ثم قال : ادعوا لي صهيبا ، فقال : صل بالناس ثلاثا ، وليجتمع هؤلاء الرهط فليخلوا ، فإن اجمعوا على رجل فاضربوا رأس من خالفهم.(3)

وفي رواية البلاذري : وكان عليّ قائما فقعد ، فقال له عبد الرحمن : بايع وإلَّا ضربت عنقك ، ولم يكن مع أحد يومئذ سيف غيره ، فيقال إنّ عليّا خرج مغضبا فلحقه أصحاب الشورى وقالوا : بايع وإلَّا جاهدناك ، فأقبل معهم يمشي حتى بايع عثمان.(4)

وفي رواية البخاري : قال عبد الرحمن بن عوف لعلي : فلا تجعلن على نفسك سبيلا.(5)

__________________

(1) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، مصدر سابق ، ج 9 ص 35 ـ 38 ، عوانة ، عن إسماعيل بن أبي بخالد ، عن الشعبي في كتاب «الشورى» و «مقتل عثمان» ، وقد رواه أيضا أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في زيادات كتاب «السقيفة».

(2) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، مصدر سابق ، ج 9 ص 35 ـ 38.

(3) ابن أبي شيبه ، المصنف ، مصدر سابق ، ج 7 ص 437 ورواه أيضا ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، دار صادر بيروت ، ج 3 ص 183.

(4) البلاذري ، انساب الاشراف ، دار المعارف مصر 1959 م ، ج 5 ص 508.

(5) العيني ، عمدة الفاري ، مصدر سابق ، ج 24 ص 406 ، قال العيني شارحا لقول عبد الرحمن بن عوف : (فلا تجعلن على نفسك سبيلا). قال أي : من الخلافة إذا لم يوافق الجماعةأقول : ويبدو ان لفظة الخلافة مصحف عن الملامة كما فيفتح الباري ج 13 ص 170 قال : (أي من الملامة) ، أي لا تجعل على نفسك سبيلا فتقتل فتلام إذ الأمر من عمر لمن وكلهم بأهل الشورى (إن اجمعوا على رجل فليضربوا رأس من خالفهم) (ابن أبي شيبة في المصنف ج 7 ص 437 عمر). وفي انساب الاشراف للبلاذري (ج 6 ص 122). قال عمر ليتبع الاقل الاكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه ، ومثله في كنز العمال (ج 5 ص 296). وفي رواية ابن قتيبة : قال عبد الرحمن لا تجعل يا علي سبيلاً إلى نفسك ، فإنه السيف لا غيره. (ابن قتيبة الدينوري ،الإمامة والسياسة ، مؤسسة الحلبي ، ج 1 ص 31).


أقول : ليس من شك ان بيعتهعليه‌السلام لعثمان التي اكره عليها بالسيف قبل ان يخرج من غرفة الاجتماع لم تكن على العمل بسيرة الشيخين بل كانت على العمل بالكتاب والسنة أي على ما بايع عليه أبا بكر وعمر سابقا ، وهي أيضا كانت بيعة قد اكره عليها ، وقد قَبِل أهل الشورى منه ذلك ، ولم يكونوا يتوقعوا منه ان يقوم على عثمان لإحياء سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حينما تؤاتيه الفرصة(1) ، وقد واتته الفرصة سنة 27 هـ حين نهض بالأمر.

ما هي سيرة الشيخين التي رفضها علي عليه‌السلام ؟

ليس من شك ان سيرة الشيخين التي رفضها عليعليه‌السلام انما كانت اجتهادا منهما في قبال الكتاب والسنة : والنظرية فيها ان للخليفة بعد بيعته الحق في الاجتهاد في قبال الكتاب والسنة ، وان اجتهاداته تكون ملزمة للخليفة من بعده ، وللخليفة الجديد الحق ان يضيف إلى اجتهادات من سبقه ، لا ان ينسخها.

ولم يقف اجتهاد الخليفتين عند مورد واحد من سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بل تجاوزاه إلى موارد ومسائل كثيرة :

منها مسائل اجتماعية : كتحريم متعة النساء(2) ، وإمضاء التطليقات بلفظ واحد

__________________

(1) قال العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى في كتابه الصحيح من سيرة الامام عليعليه‌السلام ج 15 ص 172 : ولكن الشيخ المفيدرحمه‌الله لا يوافق على هذا الذي زعموه (انه بايع) ، ويقول : «وانصرف مظهراً النكير على عبد الرحمن. واعتزل بيعة عثمان. فلم يبايعه ، حتى كان من أمره مع المسلمين ما كان» المفيد ، الجمل ص 123. وربما يكون هذا النص الأخير هو الأقرب إلى الاعتبار ، مع الالتفات إلى أنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بتقدير أن يكونعليه‌السلام قد أعطى وعداً بعدم الخروج على الذي بويع ، فاكتفوا منه بذلك ، واعتبروه بمثابة البيعة ، وأشاعوا ذلك بين الناس. ولعلهم أخذوا يده بالقوة والقهر حتى مسح عليها عثمان ، فقالوا بايع علي ، تماما كما جرى في حديث البيعة لأبي بكر. وحتى لو بايععليه‌السلام تحت وطأة التهديد بالقتل ، فإنه ليس لهذه البيعة قيمة ولا أثر ، إذ لا بيعة لمكره. ولا سيما مع وجود خمسين مسلحاً. بالإضافة إلى سيف عبد الرحمن بن عوف ، وعدم وجود سلاح مع أحد سواه.

(2) روى البخاري في صحيحه ص 814 ومسلم واحمد والدارمي واللفظ للأول : حدّثنا مسدّد حدّثنا يحيى عن عمران أبي بكر حدّثنا أبو رجاء عن عمران بن حصينرضي‌الله‌عنهما قال أنزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولم ينزل قرآن يحرّمه ولم ينه عنها


ومجلس واحد(1) ، وغير ذلك.

ومنها مسائل ثقافية : من قبيل المنع من نشر حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحرق مذكرات الصحابة فيه ، ومنع السؤال عن تفسير القرآن(2) ، وفسح المجال لعلماء أهل الكتاب الذين اسلموا لنشر قصص الخلق وسير الأنبياء المحرفة التي نهى عنها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .(3)

ومنها مسائل سياسية : من قبيل الإعراض عن بيعة المنصوص عليه وإقامة الحكم الإسلامي ببيعة خاصة قبل البيعة العامة مع إكراه الآخرين عليها الأمر الذي أشار إليه عليعليه‌السلام حين طلبوا منه البيعة بعد قتل عثمان في بيته قال (لا احب ان تكون بيعتي خفيا) وصرفهم إلى المسجد لتكون بيعة عامة ولم يكره أحدا عليها.(4)

__________________

حتّى مات قال رجل برأيه ما شاء. وروى احمد في مسنده ج 11 ص 460 حدّثنا عبد الصّمد حدّثنا حمّاد عن عاصم عن أبي نضرة عن جابر قال متعتان كانتا على عهد النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم فنهانا عنهما عمر رضي الله تعالى عنه فانتهينا.

(1) روى مسلم في صحيحه ص 560 والحاكم في المستدرك وصححه واحمد والطبراني في الكبير والصنعاني في المصنف والدارقطني واللفظ للأول قال : حدّثنا إسحق بن إبراهيم ومحمّد بن رافع واللّفظ لابن رافع قال إسحق أخبرنا وقال ابن رافع حدّثنا عبد الرّزّاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عبّاس قال كان الطّلاق على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثّلاث واحدة فقال عمر بن الخطّاب إنّ النّاس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم وروى احمد في مسنده ج 3 ص 90 واللفظ له وابو يعلى في مسنده والبهقي في سننه والحاكم في مستدركه والطبراني في الكبير وابو داود وابن ماجه والترمذي والدارقطني وابن حبان وابو يعلى والشافعي في مسنده والطيالسي وغيرهم حدّثنا سعد بن إبراهيم حدّثنا أبي عن محمّد بن إسحاق حدّثني داود بن الحصين عن عكرمة مولى ابن عبّاس عن ابن عبّاس قال طلّق ركانة بن عبد يزيد أخو المطّلب امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا قال فسأله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم كيف طلّقتها قال طلّقتها ثلاثا قال فقال في مجلس واحد قال نعم قال فإنّما تلك واحدة فارجعها إن شئت قال فرجعها فكان ابن عبّاس يرى أنّما الطّلاق عند كلّ طهر. وروى النسائي في السنن الكبرى ج 3 ص 349 قال : أخبرنا سليمان بن داود أبو ربيع قال أنا بن وهب قال اخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا فقام غضبانا ثم قال أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم حتى قام رجل وقال يا رسول الله ألا أقتله.

(2) للتفصيل يراجع كتاب منع تدوين الحديث للسيد علي الشهرستاني.

(3) احمد ، مسند احمد ، ج 12 ص 85. وابن أبي شيبة ، المصنف ، مصدر سابق ، ج 5 ص 313. والصنعاني ، المصنف ، المكتب الإسلامي بيروت 1403 هـ ، ج 10 ص 134.

(4) الطبري ، تاريخ الطبري ، راجع قصص الشورى من تاريخ الطبري في حوادث صنة 23 وكذا ابن الاثير ، الكامل في التاريخ ، في حوادث تلك السنة ، وابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، عند شرحه للخطبة الشقشقية وغيرهم كثير.


ومنها مسائل اقتصادية : من قبيل حبس الخمس عن أهل البيتعليهم‌السلام .(1)

ومنها مسائل عبادية : كتحريم متعة الحج ، وتغيير مقام إبراهيم عن موضعه الذي وضعه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه(2) ، والأمر بصلاة التراويح وقد تركها النبي

__________________

(1) روى الزمخشري في الكشاف عن ابن عباسرضي‌الله‌عنه أنه ـ أي الخمس كان على ستة أسهم لله وللرسول سهمان ، وسهم لأقاربه حتى قبض. فأجرى أبو بكررضي‌الله‌عنه الخمس على ثلاثة. وكذلك روي عن عمر ومن بعده من الخلفاء. وروي أنّ أبا بكررضي‌الله‌عنه منع بني هاشم الخمس وقال : إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم ، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غنيّ لا يعطى من الصدقة شيئاً ، ولا يتيم موسر.

(2) عن عائشة أن المقام كان في زمن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وزمان أبي ملصقا بالبيت ، ثم أخره عمر بن الخطاب. (كنز العمال ج 14 ص 53).

وورد في أخبار مكة للفاكهي [1 / 454] حدّثنا محمّد بن زنبور قال : ثنا عيسى بن يونس قال : ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه قال : إنّ النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى الكعبة وأبو بكررضي‌الله‌عنه بعده ، وعمررضي‌الله‌عنه شطر إمارته ، ثمّ إنّ عمررضي‌الله‌عنه قال : «إنّ الله تبارك وتعالى يقول :( وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) [البقرة : 125] فحوّله إلى المقام».

وروى الإمام أحمد بن عبد الرزاق ، عن ابن جريج : سمعت عطاء وغيره من أصحابنا يزعمون أن عمر أول من وع المقام في موضعه الآن ، وإنما كان في قبل الكعبة. وعن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، قال : كان المقام إلى جنب البيت ، كانوا يخافون عليه ، من السيول ، وكان الناس يصلون خلفه ، فقال عمر للمطلب : هل تدري أين كان موضعه الأول؟ قال : نعم ، فوضعه موضعه الآن.

وقال مالك : كان المقام في عهد إبراهيم في مكانه الآن ، وكان أهل الجاهلية ألصقوه إلى البيت خيفة السيل ، فكان كذلك في عهد النبي وأبي بكر ، فلما ولي عمر وحج رده إلى موضعه الذي هو فيه اليوم ، بعد أن قاس موضعه بخيوط قديمة كانت في خزائن الكعبة ، قيس بها حين أخر : ذكر ذلك صاحب. (تهذيب المدونة).

وذكر ابن سعد أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (صلى يوم الفتح ركعتي الطواف خلف المقام ، وهو لاصق بالبيت.

قال ابن رجب في فتح الباري ج 2 ص 122 وقد روى : أن الناس كانوا يصلون إلى جانب البيت ، وأن أول من صلى خلف المقام عمر في خلافته. روى الإمام أحمد في (كتاب المناسك) عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن هشام ، عن أبيه ، أن النبي (وأبا بكر وعمر بعض خلافته كانوا يصلون إلى صقع البيت ، حتى صلى عمر خلف المقام ، وعن أبي معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، قال : كان رسول الله (إذا طاف بالبيت صلى الركعتين إلى صقع البيت. قال أبو معاوية : يعني : حائط البيت. قال : وفعل ذلك أبو بكر ، ثم فعل ذلك عمر شطرا من خلافته ، ثم قال :( وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ) البقرة : 125 ، فصلى إلى المقام ، فصلى الناس بعده. وقال ابن كثير في تفسيره ، قال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي أخبرنا أبو [الحسين بن] الفضل القطان ، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل ، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي ، حدثنا أبو ثابت ، حدثنا


عمدا(1) ، وحذف (حي على خير العمل من الأذان) التكتيف في الصلاة ، وغير ذلك.

وغيرها من المسائل.(2)

انشقاق قريش الحاكمة على نفسها

لم تبق قريش المسلمة كحزب حاكم متماسكة بل انشقت على نفسها بسبب اجتهاد عثمان بإيثاره اسرته في الولايات والأموال(3) على بقية بطون قريش خلافا لاجتهاد عمر بتوسعتها في بطون قريش.

فقد بدأ عهده باستقدام عمه الحكم(4) والد مروان ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد نفاه إلى

__________________

الدراوردي ، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشةرضي‌الله‌عنها : أن المقام كان في زمان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وزمان أبي بكر ملتصقاً بالبيت ، ثم أخره عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه وهذا إسناد صحيح.

(1) روى البخاري في صحيحه ص 362 واللفظ له والبيهقي في السنن ومالك في ال موطا والمتقي الهندي في كنز العمال وغيرهم عن ابن شهاب عن عروة بن الزّبير عن عبد الرّحمن بن عبد القاريّ أنّه قال خرجت مع عمر بن الخطّابرضي‌الله‌عنه ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا النّاس أوزاع متفرّقون يصلّي الرّجل لنفسه ويصلّي الرّجلي فيصلّي بصلاته الرّهط فقال عمر إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثمّ عزم فجمعهم على أبيّ بن كعب ثمّ خرجت معه ليلة أخرى والنّاس يصلّون بصلاة قارئهم قال عمر نعم البدعة هذه والّتي ينامون عنها أفضل من الّتي يقومون يريد آخر اللّيل وكان النّاس يقومون أوّله صحيح البخاري وفي تاريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 378 قال حدثنا أحمد بن عيسى قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ، حدثني بكر بن مضر ، وعبد الرحمن بن سلمان ، عن ابن العماد ، أن قيس بن عبد الملك بن مخرمة حدثه عن ابن المغيرة عطاء ابن جبير قال : بينما نن ذات ليلة في المسجد في رمضان إذ جاء عمررضي‌الله‌عنه وفي يده الدرة حتى جلس على المنبر فقال : أيها الناس ، ما هذا الاختلاف في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ فلان أقرأ للقرآن من فلان ، وفلان أحصر للقرآن من فلان ، وفلان أعلم بالقرآن من فلان ، أتفعلون هذا وأنتم أنتم ، فكيف بمن بعدكم؟ إني أبتر هذا. يصلون بالناس في هذا المسجد فمن أحب أن يصلي معهم فليصل بصلاتهم ، ومن كان لا يريد أن يصلي مهم فليرجع إلى بيته حتى يفرغوا ، ثم يرجع إلى المسجد إن أحب.

(2) انظر بيانها في : السيوطي ،تاريخ الخلفاء ، معتوق اخوان بيروت ، ج 1 ص 165 اوليات عمر.

(3) انظر تفصيل ذلك : العلامة الاميني ،الغدير ، دار الكتاب العربي 1977 م ، ج 8 ص 238 ـ 289.

(4) قال ابن أبي الحديد فيشرح نهج البلاغة ج 15 ص 164 : الحكم بن العاص طريد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولعينه والمتخلج في مشيته ، الحاكي لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والمستمع عليه ساعة خلوته ، ثم صار طريدا لابي بكر وعمر ، امتنعا عن إعادته إلى المدينة ، ولم يقبلا شفاعة عثمان ، فلما ولي أدخله ، فكان أعظم الناس شؤما عليه ، ومن أكبر الحجج في قتله وخلعه من


الطائف ، ثم جعل مروان بن الحكم(1) كاتبه الخاص بعد ان زوجه ابنته ، ثم عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة سنة 25 هجرية وعيَّن أخاه لأمه الوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن(2) .

وفي سنة 26 هجرية جمع الشام كلها لمعاوية ،

وفي سنة 27 هجرية جمع مصر كلها لأخيه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، وكان النبي قد أهدر دمه في فتح مكة وأجاره عثمان(3) ،

وفيها أيضا عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولى مكانه عبد الله بن عامر بن

__________________

الخلافة ، وفي السيرة الحلبية عن جبير بن مطعم كنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فمر الحكم بن العاص فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويل لأمتي مما في صلب هذا.

(1) قال ابن حجر في الاصابة ج 5 ص 228 ـ 229 : مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس وهو ابن عم عثمان وكاتبه في خلافته يقال ولد بعد الهجرة بسنتين وقيل بأربع وقال ابن شاهين مات النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو ابن ثمان سنين فيكون مولده بعد الهجرة بسنتين وكان مع أبيه بالطائف إلى أن أذن عثمان للحكم في الرجوع إلى المدينة فرجع مع أبيه ثم كان من أسباب قتل عثمان ثم شهد الجمل مع عائشة ثم صفين مع معاوية ثم ولي إمرة المدينة لمعاوية ثم لم يزل بها إلى أن أخرجهم ابن الزبير في أوائل إمرة يزيد بن معاوية فكان ذلك من أسبابب وقعة الحرة وبقي بالشام إلى أن مات معاوية بن يزيد بن معاوية فبايعه بعض أهل الشام في قصة طويلة ثم كانت الوقعة بينه وبين الضحاك بن قيس وكان أميرا لابن الزبير فانتصر مروان وقتل الضحاك واستوثق له ملك لشام ثم توجه إلى مصر فاستولى عليها ثم بغته الموت فعهد إلى ولده عبد الملك. وفي التعديل والتجريح قال عمرو بن علي بويع مروان بن الحكم وهو بن إحدى وستين سنة في النصف من ذي القعدة سنة أربع وستين فعاش خليفة تسعة أشهر وثماني عشرة ليلة ومات لثلاث خلون من رمضان سنة خمس وستين.

(2) روى الطبري في تفسيره عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله تعالى( ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) قال نزلت في الوليد بن عقبه بن أبي معيط.

(3) روى أبو داوود سننه ص 685 والحاكم في المستدرك ج 3 ص 47 واللفظ له. حدثنا أبو بكر أحمد بن سلمان الفقيه ببغداد ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث ثنا عثمان بن أبي شيبة حدثني أحمد بن الفضل ثنا أسباط بن نصر قال : زعم السدي عن مصعب بن سعد عن سعد : قال : لما كان يوم فتح مكة أختبأ عبد الله بن سعد بن أبي سرح عند عثمان بن عفانرضي‌الله‌عنه فجاء به حتى أوقفه على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال : يا رسول الله بايع عبد الله فرقع رأسه فنظر إليه ثلاثا ثم أقبل على أصحابه فقال : أما كان فيكم رجل شديد بقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله فقالوا ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ألا أومأت إلينا بعينك فقال : إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ، هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه تعليق الذهبي في التلخيص : على شرط مسلم.


كريز بن حبيب بن عبد شمس وهو ابن أربع وعشرين سنة وضم إليه ولاية فارس.

وبسبب ذلك شاع التذمر في بطون قريش الأخرى وصار المتذمرون وهم عبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وعمرو بن العاص وعائشة حزبا ، وعثمان ومعه بنو أبيه / بنو أمية / حزبا.

واستحكم الخلاف بين الحزبين القرشيين سنة 27 هجرية حين اعلن عبد الرحمن بن عوف المرشح الأكيد لخلافة عثمان مقاطعته لعثمان ، وبدأ الجناح المنشق يثير امام عثمان مخالفاته لسيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحديثه فيه وفي رجاله الذين اعتمدهم من اسرته لتوهين مقامه في المجتمع وتثوير الناس عليه.(1)

مشروع علي عليه‌السلام لإحياء السنة النبوية في حج التمتع

في مثل هذا الظرف السياسية المواتي للنهوض قرَّر عليعليه‌السلام البدء بمشروعه وحركته الإحيائية لسنة النبي في المجتمع ، وأعلن عن عزمه الحج تلك السنة ، ولبى بحج التمتع الذي أمر به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحرَّمته الخلافة القرشية ، وأوعز إلى أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الذين على رأيه وهم أبو ذر وعمار ومقداد ونظراؤهم ان ينشروا الحديث النبوي في حقه وحق أهل بيته وكونهم الأئمة الهداة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

روى مالك في الموطأ : «ان المقداد بن الأسود دخل على عليعليه‌السلام بالسُقْيا وهو يُنجِع بَكرات له دقيقا وخبطا ، فقال هذا عثمان بن عفان ينهى عن ان يقرن بين الحج والعمرة ، فخرج عليعليه‌السلام وعلى يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط ، على ذراعيه ، حتى دخل على عثمان فقال : أنت تنهى عن ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة ، فقال : عثمان ذلك رأيي ، فخرج عليٌّعليه‌السلام مغضبا وهو يقول : لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا».(2)

وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احم واللفظ للأول عن سعيد بن

__________________

(1) البلاذري ،انساب الاشراف ، مصدر سابق ، ج 6 ص 133 ـ 173. وتاريخ الطبري ج 3 ص 134 وما بعدها.

(2) مالك بن انس ، الموطا ، در التراث العربي بيروت 1985 م ، ص 173.


المسيب قال : «حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيته ارتحل فارتحلوا فلبى علي وأصحابه بالعمرة ...». قال الامام السندي بهامشه : «قال (إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله ، وانه لا طاعة له في مقابل السنة».

وفي صحيح البخاري وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن البيهقي ومسند احمد ومسند الطيالسي وغيرها عن علي بن الحسينعليهما‌السلام عن مروان بن الحكم قال : «شهدت عثمان وعلياعليه‌السلام وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة معا قل ما كنت لأدع سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لقول أحد». وفي لفظ النسائي : «فقال عثمان أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي لم اكن لادع سنة رسول الله لاحد من الناس».(1)

وكان ابوذر الغفاريرحمه‌الله احد ابرز رجال هذه النهضة ، نشر ما سمعه عن النبي في حق أهل بيته واولهم علي حديث الغدير وحديث السفينة وبسبب ذلك نفاه عثمان إلى الشام ثم استقدمه منها بطلب من معاوية حين اخبره انه يخاف على أهل الشام من أحاديث أبي ذر فنفاه إلى الربذة.(2)

قريش تقتل عثمان والجماهير تبايع عليا عليه‌السلام

أقدمت (قريش المنشقّة)(3) على قتل الخليفة عثمان(4) في اليوم الثامن عشر من ذي

__________________

(1) انظر تفصيل المصادر في كتابنا : البدري ، السيد سامي ،شبهات وردود ، ط 4 / 1422 بحث متعة الحج.

(2) فصلنا الحديث عن ذلك وغيره في كتابنا المخطوط حول نهضة الامام عليعليه‌السلام لإحياء سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(3) هم طلحة والزبير ومن ازرهما من قريش والمصريين والعراقيين وقد فصلنا في الحديث عن هذه الحركة السياسية في كتابنا عن عليعليه‌السلام .

(4) قال ابن حجر فيتهذيب التهذيب ج 4 ص 114 قال ابن سعد : كان عبد الملك بن مروان يقول لو لا أن أمير المؤمنين مروان أخبرني أنه قتل طلحة ما تركت أحدا من ولد طلحة إلا قتلته بعثمان ، وقال الحميدي في النوادر عن سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن أبي مروان قال دخل موسى بن طلحة على الوليد فقال له الوليد ما دخلت علي قط إلا همست بقتلك لو لا أن أبي أخبرني أن مروان قتل طلحة. وقال أبو عمر بن عبد البر : لا تختلف العلماء الثقات في أن مروان قتل طلحة.


الحجة سنة 35 هجرية(1) ، وتوقعت ان تبايع الجماهير طلحةَ أو الزبيرَ لكنها فوجئت بحركة الجماهير نحو عليعليه‌السلام تطلب منه البيعة.

منهج علي عليه‌السلام في بيعته وحكومته

وفوجئت الجماهير أن علياًعليه‌السلام يرفض ان يبايعوه قائلا (دعوني والتمسوا غيري)(2) وبعد إصرارهم عليه يواعدهم في المسجد لتكون بيعة عامة يشهدها الجميع وكان يقول (لا تكون بيعتي خَفْياً).

وسُرَّ الناس بهذا الإجراء لأنه كاشف عن عدم حرص عليعليه‌السلام على الإمرة والسلطان(3) ، وأنه لا يطلبه حثيثا بل لا يقبل به حتى حينما يأتيه إلى بيته ، ومن جهة أخرى يكشف عن حرصه أن تكون البيعة على مرأى ومشهد من كل الناس ليقول قائل ما يرغب أن يقوله سلباً أو إيجاباً ويكون الناس أحراراً في إعطاء صوتهم ولا يُؤخذون على حين غِرَّة ولا تكون البيعة فلتة.

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ، مصدر سابق ، ج 3 ص 162 ـ 163 ؛ الطبراني ،المعجم الكبير ، دار إحياء التراث العربي بيروت ، ج 1 ص 78 ؛ وابن الاثير ،اسد الغابة ، دار إحياء التراث العربي بيروت ، ج 3 ص 488 ؛ وابن عبد البر ،الاستيعاب ، دار الجيل بيروت 1992 ، ج 2 ص 15 ، العسقلاني ، ابن حجر ابن حجر ،الاصابة ، دار الكتب العلمية بيروت 1415 هـ ، ج 3 ص 427 ؛ البلاذري ،انساب الاشراف ، مصدر سابق ، ج 6 ص 212.

(2) جاء في شرح نهج البلاغة ج 7 ص 24 ـ 25 : ان علياعليه‌السلام لما أريد على البيعة بعد قتل عثمان قال : (دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول. وإن الآفاق قد أغامت المحجة قد تنكرت. واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب. وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم. وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا) قال ابن أبي الحديد : وزيرا واميرا منصوبان على الحال.أقول : الجملة الأخيرة (أنا لكم وزير خير لكم مني أميرا) يبعد ان تكون من كلامهعليه‌السلام لأنه لم يكن وزيرا لمن سبقه من الخلفاء بل كان وزيراً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ووزارته للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نظير وزارة هارون من موسى وقد أشار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (إلى ذلك بقوله لعليعليه‌السلام : انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي) رواه البخاري ص 794 وغيره. وقد روى الشيخ المفيد في الإرشاد ص 147 ان عليا قال : إما بعد فان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رضيني لنفسه أخا واختصني له وزيرا أيها الناس أنا أنف الهدى وعيناه ...

(3) خلافا لما روَّجه الاعلام العباسي على لسان المنصور في رسالته إلى محمد بن عبد الله بن الحسن : (ثمَّ طلبها ـ أي عليعليه‌السلام ـ بكل وجه وقاتل عليها ، وتفرق عنه أصحابه). رواها الطبري في قصة خروج محمد ذي النفس الزكية على المنصور وقتله سنة 144 هـ.


وأقبل الناس على البيعة في المسجد مسرورين وازدحموا عليه يتسابقون على مس يده الشريفة وكان في مقدمتهم طلحة والزبير ، قالعليه‌السلام يصف هذا المشهد :

(وبسطتم يدي فكفَفتُها ، ومددتموها فقبضتُها ، ثم تداككتم علي تداكَّ الإبل الهِيم على حياضِها يوم وِردِها ، حتى انقطعت النعلُ ، وسقط الرداء ، ووُطِئَ الضعيف وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيايَ أن ابتهجَ بها الصغيرُ ، وهدّج إليها الكبير ، وتحاملَ نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب).(1)

أقام عليعليه‌السلام أروع تجربة حكم مدني بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دامت خمس سنوات إلا ثلاثة شهور تميّزت هذه التجربة :

ـ بحاكم عالم تصرف كالأب الرحيم والأخ الكريم مع شعبه.

ـ يحكم بينهم بالعدل.

ـ ويعلمهم ما كانوا يجهلونه من سنن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وتفسير القرآن.

ـ ويحثهم على مراقبة الحاكم ويجرئهم على محاسبته بكل وسيلة ، ويتحمل أخطاءهم إزاءه.(2)

وأحب الناس علياًعليه‌السلام في العراق لهذا ولما عرفوا من سابقته مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وما حباه الله ورسوله به من الولاية الإلهية والاصطفاء.

رد فعل قريش المسلمة السلبي من علي عليه‌السلام

لم تطب قريش المسلمة نفسا بعهد عليعليه‌السلام ووقفت ضده في أخطر محاولتين لتجريده من العراق والشام / مركزيْ القوة العسكرية والموارد المالية للدولة الإسلامية / ثم الإجهاز عليه لقتله.

وأحبط الله تعالى مساعيها في المعركة الأولى لوعي الكوفة ونصرتها لعليعليه‌السلام في

__________________

(1) التداك الازدحام الشديد. والإبل الهِيم : العطاش. وهدج إليها الكبير : مشى مشياً ضعيفاً مرتعشا ، والمضارع يهدج بالكسر ، وتحامل نحوها العليل تكلف المشي على مشقة. وحسرت إليها الكعاب : كشفت عن وجهها حرصاً على حضور البيعة ، والكعاب : الجارية التي قد نهد ثديها ، (شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد ج 13 ص 5).

(2) أوردنا في كتابنا شيعة العراق طرفا من ذلك.


حرب الجمل في البصرة فقد خرج منها كما في رواية أبي الطفيل قال : «قال علي يأتيكم من الكوفة اثنا عشر ألف رجل ورجل فقعدت على نجفة ذي قار فأحصيتهم فما زادوا رجلا ولا نقصوا رجلا».(1)

ونجحت قريش في المعركة الثانية واستطاعت أن تحوّل الشام إلى مركز عداء ليس عسكرياً فحسب بل مركز عداء فكري وإعلامي من خلال الأكاذيب التي اختلقت في حق عليعليه‌السلام ، ونجح معاوية بعد أن اصطفَّت قريش خلفه(2) يسانده أهل الشام في الوقوف بوجه عليعليه‌السلام في حرب طاحنة في صفين دامت ثلاثة اشهر.(3)

وبعد وقوف القتال ومرور سنة على التحكيم تحول أهل الشام إلى سرايا سلب ونهب تغير على الأطراف التابعة لعليعليه‌السلام (4) مع إعلام مضاد شوَّه سيرتهعليه‌السلام

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 3 ص 209. وابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 11 ص 233. وابن الاثير ،الكامل في التاريخ ج 3 ص 231.

(2) روي عن الامام الصادقعليه‌السلام انه كان يقول : كان مع أمير المؤمنينعليه‌السلام من قريش خمسة نفر وكان ثلاثة عشرة قبيلة مع معاوية فأما الخمسة : فمحمد بن أبي بكر ، وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال ، وجعدة بن هبيرة المخزومي وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام خاله ، ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، والخامس سلف أمير المؤمنينعليه‌السلام ابن أبي العاص بن الربيعة (السلف ككبد من الرجال زوج أخت امرأته) ، (الشيخ المفيد ،الاختصاص ، دار المفيد بيروت 1993 ، بتصرف ص 70).

(3) ففي سير أعلام النبلاء : «وخلف معاوية خلق كثير يحبّونه ويتغالون فيه ، ويفضّلونه ، إمّا قد ملكهم بالكرم والحلم والعطاء ، وإمّا قد ولدوا في الشّام على حبّه ، وتربّى أولادهم على ذلك. وفيهم جماعة يسيرة من الصّحابة ، وعدد كثير من التّابعين والفضلاء ، وحاربوا معه أهل العراق ، ونشؤوا على النّصب». الذهبي ،سير أعلام النبلاء ، مؤسسة الرسالة ، 1993 ، ج 4 ص 291.

(4) وجه معاوية الضحاك بن قيس الفهري ويكنى أبا أنيس في خيل كثيفة جريدة ، وأمره أن يمر بأسفل واقصة فيغير على الأعراب ممن كان على طاعة علي وأن يصبح في بلد ويمسي في آخر ، ولا يقيم لخيل إن سرحت إليه ، وإن عرضت له قاتلها ، وكانت تلك أول غارات معاوية ودعا معاوية سفيان بن عوف الأزدي ثم الغامدي ؛ فسرحه في ستة آلاف من أهل الشام ذوي بأس وأداة وأمره أن يلزم جانب الفرات الغربي حتى يأتي هيت فيغير على مسالح علي وأصحابه بها ؛ وبنواحيها ؛ ثم يأتي الأنبار فيفعل بها مثل ذلك حتى ينتهي إلى المدائن ، وحذره أن يقرب الكوفة ، وقال له : إن الغارة تنخب قلوبهم وتكسر حدهم وتقوي أنفس أوليائنا ومنتهم ، ثم إن معاوية ندب أصحابه لغارة نحو العراق فانتدب لها النعمان بن بشير ، فسرحه في ألفين وأمره بتجنب المدن والجماعات ، وأن لا يغير على مسلحة ، وأن تكون إغارته على من بشاطئ الفرات ثم يعجل الرجعة ودعا معاوية عبد الله بن مسعدة بن حكمة بن مالك بن حذيفة الفزاري ، فبعثه إلى تيماء ، وبعث معاوية بسر بن أبي


عند أهل الشام(1) / الذين يجهلون أساسا مقامهعليه‌السلام في الإسلام لجهلهم بأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حقه وسابقته معه ، مضافا إلى افتراء معاوية أن علياً يتحمل مسؤولية دم عثمان(2) وأن قتلة عثمان هم شيعته وأكاذيب أخرى / جعل منه رمزاً للفساد وأهلا للعن والبراءة والقتال.

شهادة علي عليه‌السلام على يد حملة

الفكر التكفيري (الخوارج)

ابتليت تجربة عليعليه‌السلام الفتية في الحكم إلى جانب تمرد قريش في الجمل وصفين ذلك بتمرد أهل النهروان الذين حملوا شعار تكفير علي ثم جرأتهم على قتل الأبرياء المسالمين.

ونجح العراقيون في اختبارهم الصعب حين قاتلوهم مع عليعليه‌السلام في النهروان وفيهم إخوانهم وأبناؤهم.(3)

__________________

أرطاة بن عويمر أحد بني عامر بن لوي في ألفين وستمائة انتخبهم بسر ، وقال له : سر على اسم الله ، فمر بالمدينة فأخف أهلها وأذعرهم وهول عليهم حتى يروا أنك قاتلهم ، ثم كف عنهم وصر إلى مكة فلا تعرض فيها لأحد ، ثم امض إلى صنعاء فإن لنا بها شيعة فانصرهم واستعن بهم على عمال علي لهم من مال. إلى غير ذلك من الغارات. البلاذري ،أنساب الأشراف ، ج 3 ص 197 وما بعدها.

(1) بعث معاوية النعمان بن بشير الأنصاري ، وأبا هريرة الدوسي بعد أبي مسلم الخولاني إلى عليعليه‌السلام يدعوانه إلى أن يسلم قتلة عثمان بن عفان ليقتلوا به فيصلح أمر الناس ويكف الحرب ، وكان معاوية عالماً بأن علياً لا يفعل ذلك ، ولكنه أحب أن يشهد عليه عند أهل الشام بامتناعه من إسلام أولئك ؛ والتبري منهم فيشرع له أن يقول : إنه قتله فيزداد أهل الشام غيظاً عليه وحنقاً وبصيرة في محاربته وعداوته. البلاذري ،انساب الاشراف ، ج 3 ص 205.

(2) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 16 ص 221.

(3) قال البلاذري فيانساب الاشراف ج 3 ص 138 ـ 139 خرج القعقاع بن نفر الطائي فاستعان عليه أخوه حكم بن نفر بن قيس بن جحدر بن قعلبة برجال فحسبوه وخرج عتريس بن عرقوب الشيباني ، وخرج في طلبه صيفي بن فشيل الشيباني ابن عمه في جماعة من قومه ليردوه ؛ ففاتهم. وخرج زيد بن عدي بن حاتم ، فاتبعه أبوه عدي بن حاتم ففاته ، فلم يقدر عليه ، فانصرف عدي إلى علي بخبرهم.

وخرج كعب بن عميرة فاشترى فرساً وسلاحاً وقال :

هذا عتادي للحروب

وإنّني لآمل أن ألقى المنية صابرا

وبالله حولي واحتيالي وقوتي

إذا لقحت حربّ تشيب الحزاورا


وتحوَّل بقية الخوارج ممن نجا أو لم يلتحق بالنهروان إلى خلايا تعمل على الاغتيال ليس فقط في الكوفة بل في الشام ومصر.

لقي عليعليه‌السلام مصرعه على يد حلقة من حلقات هؤلاء التكفيريين في أولى أعمالها وهو يعد العدة لوضع حد لغارات معاوية المتتالية التي كانت تقوم بالقتل والنهب والسلب وتهرب.

مشروع علي عليه‌السلام إنجازات ومشكلات

كان عليعليه‌السلام يحمل مشروعاً قبل أن تبايعه الأمة على الحكم وهو (إحياء سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأحاديثه في أهل بيته التي تعرِّف المسلمين بإمامتهم الإلهية الهادية) وقد انطلق به سنة 27 هـ بعد أن توفرت له أسباب النهوض آزرته عليه مجموعة طيبة من الصحابة منهم المقداد وعمار وحجر بن عدي ونظراؤهم ، وقد اتسعت ثمرة المشروع حين بايعت الأمة علياً على الحكم بعد قتل عثمان وأتيحت الفرصة لعليعليه‌السلام أن يحيي سنن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه ويقدم سيرة رائدة ونموذجا للحاكم المسلم لم تكن أهل البلاد المفتوحة قد شهدتها من قبل ولا سمعت بها.

أفرزت حركة عليعليه‌السلام في نهاية المطاف تياراً شعبياً وثلة من العلماء داخل الأمة حمل السنة النبوية عنه وآمن به إماماً هادياً بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كان قسم من رجال هذا التيار صحابة ، / بعضهم ـ وهو القليل ـ من المهاجرين وأغلبهم من الأنصار /(1) قد آمنوا

__________________

وما زلت مذ كنت ابن عشرين حجة

أهمّ بأن ألقى الكماة مغاورا

وأصنع للهيجاء محبوكة القزا

معقربة الأنساء تحسب طائرا

إذا عضّها سوطي تمطت ملحة

بأروع مختار يروق النواظرا

في أبيات. فقال له عبد الله بن وهب : جزيت خيرا ، فرب سريعة موت تنجيك من النار وتوردك مورداً لا تظمأ بعده. فأخذه أهل بيته فحبسوه حتى قتل أهل النهروان ، فقال في محبسه :

أعوذ بربي أن أعود لمثل ما

هممت به يا عمرو ما حنت الإبل

فيا عمرو ثق بي واتق الله وحده

فقد خفت أن أردى بما عضني الكبل

في أبيات.

وخرج عبيدة بن خالد المحاربي وهو يتمثل بشعر شعبة بن عريض :

إن امرءاً أمن الحوادث سالماً

ورجا الحياة كضارب بقداح

(1) راجع العلامة السيد عبد الحسين شرف الدين ،الفصول المهمة .


بهذا الموقع لعليعليه‌السلام في العهد النبوي نفسه ، والقسم الآخر من رجال هذا التيار وهو الأغلب من أهل البلاد المفتوحة شرقاً وبخاصة الكوفيين الذين شهدوا سيرته وسمعوا منه وصارت الكوفة بهم مركزاً علمياً وشعبياً يحمل ثقافة الولاء لعليعليه‌السلام وأهل بيتهعليهم‌السلام .

ولكن مجتمع ثقافة الولاء لعلي أصبح مهددا داخلياً من التكفيريين الخوارج ، ومطوقا خارجياً بغارات معاوية وأعلامه الكاذب ضد عليعليه‌السلام .

أهل العراق يبايعون الحسن عليه‌السلام على الحكم

كان أول تعبير عن وفاء العراقيين لعليعليه‌السلام وإيمانهم بمشروعه وبثقافة الولاء لأهل البيتعليهم‌السلام هو أقدامهم على بيعة الحسنعليه‌السلام الذي شخصته النصوص إماماً هادياً معصوماً وارثاً لتراث النبوة الخاتمة ، وتقبل الحسن بيعتهم لثقته بهم ،(1) بايعوه حاكماً مدنياً يحكمهم بالعدل بالإضافة إلى نصرتهم له ليواصل مشروع أبيه في نشر سنة النبي صلى الله عليه وآه والتعريف بإمامة أهل بيتهعليهم‌السلام الهادية التي وقفت قريش المسلمة قبالها لتطويقها والتعتيم عليها بل خنقها واستئصالها على عهد معاوية.

العقبات امام انطلاقة مشروع علي عليه‌السلام

ليس من شك أنَّ الحسنعليه‌السلام كان على منهاج أبيه عليعليه‌السلام ليس لأنه ولده حسب ، بل لأنه وصي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ووارث إمامته الإبراهيمية بنص منه ، ويهمه أساساً أن ينطلق مشروع عليعليه‌السلام في هداية الأمة كلها ولا يبقى حبيساً في الجانب الشرقي من البلاد الإسلامية ، وكانت أهم عقبتين بل عقدتين أمام انطلاقة المشروع هما :

العقبة الأولى ؛ انشقاق الشام :

هذا الانشقاق الذي استحكم ببيعة الشاميين لمعاوية على الحكم على ما بويع عليه

__________________

(1) الشيخ المفيد ، الإرشاد ص 188 ، وروى ابن عساكر بسنده عن وهيب بن جرير قال قال أبي «فلما قتل علي بايع أهل الكوفة الحسن ابن علي وأطاعوا واحبوه اشد من حبهم لأبيه». تاريخ مدينة دمشق ، دار الفكر بيروت 1415 هـ ج 14 ص 87.أقول : يريد بالجملة الاخيرة ان الامويين في الكوفة المنافقين الذين كانوا يكرهون القتال قد احبوا الحسنعليه‌السلام لموقف الصلح بالاضافة الى تسليم شيعة ابيهعليه‌السلام له.


عثمان ، على كتاب الله وسنة النبي وسيرة الشيخين ، وهذه العقبة خلقت عدة مشكلات بعضها فَعلي والآخر تحت الرماد :

الأولى : مشكلة فقدان الأمان في الطرق الخارجية بين ولايات الدولة الإسلامية حيث انعدمت بفعل غارات جيش معاوية على الأطراف الآمنة التابعة لعليعليه‌السلام . وهذه مشكلة فعلية قائمة.

الثانية : مشكلة ثقافة العداء لعليعليه‌السلام عند أهل الشام ، فهم يعتقدون أن علياًعليه‌السلام مشترك في قتل عثمان مفسد في الدين مخالف لسيرة الشيخين ، يستحق أن يُلعن ويُتبرأ منه ومن شيعته بل يستحقون أن يُستأصَلوا جميعا وهذه المشكلة فعلية أيضا.

الثالثة : مشكلة تهديد الروم البزنطيين على الجبهة الشمالية الشرقية للشام وهذه المشكلة فعلية أيضا.

الرابعة : مشكلة تحت الرماد تتمثل باحتمال أن يتبنى المنشقُّون إحياء القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس لتجريد الحسنعليه‌السلام من سلاح الكعبة / القبلة العامة لكل المسلمين / ولإحكام عُزلة أهل الشام عن العراقيين حتى لا ينفتحوا على الحقائق التي قد تغيِّر من ولائهم لمعاوية. وقد حصل مثل هذا في عهد بني إسرائيل في الشام وتعددت القبلة والكتاب الإلهي عندهم وبقيت امتدادات القبلتين والكتابين إلى زمن معاوية وإلى اليوم ، وقد نفَّذ عبد الملك بن مروان جزءا من هذا المخطط في زمانه لما كان خصمه عبد الله بن الزبير مسيطراً على مكة.

العقبة الثانية ؛ الخوارج :

حمل الخوارج شعار التكفير لعليعليه‌السلام وتحولوا إلى خلايا اغتيال ومجموعات تغير على ال ابرياء وتقتلهم لأنهم يسالمون السلطة ، وقد تسببت هذه النشاطات ان تفتقد الأمة وبخاصة البلاد الشرقية الأمان داخليا.


المفتاح لانطلاق مشروع علي عليه‌السلام في الشام

هو الصلح وليس الحرب

تكشف الدراسة المقارنة بين حال مشروع عليعليه‌السلام ومشروع النبوة من قبل عن حقيقة مثيرة وهي أن مشروع عليعليه‌السلام في إحياء سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أحاطته مشكلات هي عين المشكلات التي أحاطت بمشروع النبوة في المدينة من قبل لإحياء دين إبراهيم.

فقد استطاعت قريش المشركة أن تطوق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بطوق إعلامي يبرزه رجلاً انتهك حرمة البيت الحرام وسفك الدم الحرام في الشهر الحرام(1) مفسداً في دين إبراهيم ، وأبرزت قريش نفسها أنها على دين إبراهيم تريد السلم وخدمة بيت الله وزواره.(2)

__________________

(1) جاء في بحار الأنوار العلامة المجلسي ج 19 ص 191 ـ 192 عن تفسير علي بن إبراهيم : «في قوله تعالى( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) البقرة / 217» فإنه كان سبب نزولها أنه لما هاجر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة بعث السرايا إلى الطرقات التي تدخل مكة تتعرض لعير قريش ، حتى بعث عبد الله بن جحش في نفر من أصحابه إلى (نخلة) وهي بستان بني عامر ليأخذوا عير قريش أقبلت من الطائف عليها الزبيب والأدم والطعام فوافوها ، وقد نزلت العير وفيهم عمرو بن الحضرمي ، وكان حليفا لعتبة بن ربيعة ، فلما نظر ابن الحضرمي إلى عبد الله بن جحش وأصحابه فزعوا وتهيؤوا للحرب ، وقالوا : هؤلاء أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأمر عبد الله بن جحش أصحابه أن ينزلوا ويحلقوا رؤوسهم ، فنزلوا وحلقوا رؤوسهم ، فقال ابن الحضرمي : هؤلاء قوم عُمّار ليس علينا منهم بأس ، فاطمأنوا ، ووضعوا السلاح ، فحمل عليهم عبد الله ابن جحش فقتل ابن الحضرمي وأفلت أصحابه ، وأخذوا العير بما فيها وساقوها إلى المدينة ، وكان ذلك في آخر يوم من رجب من الأشهر الحرم ، فعزلوا العير وما كان عليها ، فلم ينالوا منها شيئا ، فكتبت قريش إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنك استحللت الشهر الحرام وسفكت فيها الدم وأخذت المال ، وكثر القول في هذا ، وجاء أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا : يا رسول الله أيحل القتل في الشهر الحرام؟ فأنزل الله( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) قال : القتال في الشهر الحرام عظيم ، ولكن الذي فعلت بك قريش يا محمد من الصد عن المسجد الحرام والكفر بالله وإخراجك منه هو أكبر عند الله» والفتنة «يعني الكفر بالله» أكبر من القتل.

(2) قال الواقدي : قالت قريش بعضها لبعض : قد جاءكم رؤساء أهل يثرب وأهل العلم والكتاب الأول ، فسلوهم عما نحن عليه ومحمدٌ ؛ ديننا خيرٌ أم دين محمد؟ فنحن عمار البيت ، وننحر الكوم (جمع كوماء الناقة المشرفة السنام) ، ونسقي الحجيج ، ونعبد الأصنام. قالوا : اللهم ، أنتم أولى بالحق منه ؛ إنكم لتعطمون هذا البيت ، وتقومون على السقاية ، وتنحرون البدن ، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم ،


واستطاعت بإعلامها هذا أن تجند عشرة آلاف مقاتل في معركة الأحزاب (الخندق).

وأوحى الله تعالى إلى نبيه ان يغيِّر خطة الحرب مع قريش بعد قصة الخندق إلى خطة صلح ، لأن مواصلة الحرب سوف لن تزيد الإعلام الكاذب إلا قوةً وتأثيرا ، وبالتالي سوف تبقى الصورة الصادقة للإسلام وللنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وانه جاء معظماً للبيت ومحرراً له من الأصنام ، وأن قريشا هي التي تصد عن بيت الله سوف تبقى هذه الصورة حبيسة المدينة لا غير.(1)

وخرج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأصحابه في موسم الحج قاصداً العمرة معه الهدي رافعاً مشروع الصلح سنة ست من الهجرة ، ولكن قريش بقيت على عنادها وصدتَّه عن زيارة البيت ووقّعت معه معاهدة صلح مشترطةً عليه ان يرجع عامه هذا وأن يأتي العام القابل لزيارة البيت ، وافتضحت في دعاواها مع حلفائها حين صدت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه عن زيارة البيت ومعه الهدي.

وانفتح الناس على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أيام الصلح ودخلوا في الإسلام وارتفع عدد المسلمين من ألف وخمسمائة إلى عشرة آلاف خلال سنتين ونصف ، ثم غدرت قريش بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وفتح النبي مكة وانهارت دولة قريش سنة ثمان من الهجرة.(2)

__________________

فأنتم أولى بالحق منه. فأنزل الله تعالى في ذلك :( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَـٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ) الواقدي ،المغازي ، دانش اسلامي 1405 ، تحقيق مارسدن جونس ، ج 1 ص 442.

(1) بعثت قريش الحليس بن علقمة ـ وهو يومئذ سيد الاحابيش ـ لملاقاة النبي فلما طلع الحليس قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : هذا من قوم يعظمون الهدي ويتألهون ، ابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه. فبعثوا الهدي ، فلما نظر إلى الهدي يسيل في الوادي عليه القلائد ، قد أكل أوباره يرجع الحنين. واستقبله القوم في وجهه يلبون ، قد أقاموا نصف شهر قد تفلوا وشعثوا ، رجع ولم يصل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إعظاماً لما رأى ، حتى رجع إلى قريش فقال : إني قد رأيت ما لا يحل صده ، رأيت الهدي في قلائده قد أكل أوباره ، معكوفاً عن محله ، والرجال قد تفلوا وقملوا أن يطوفوا بهذا البيت! أما والله ما على هذا حالفناكم ، ولا عاقدناكم على أن تصدوا عن بيت الله من جاء معظماً لحرمته مؤدياً لحقه ، وساق الهدي معكوفاً أن يبلغ محله ؛ والذي نفسي بيده لتخلن بينه وبين ما جاء به ، أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجلٍ واحد! قالوا : إنما كل ما رأيت مكيدةٌ من محمدٍ وأصحابه ، فاكفف عنا حتى نأخذ لأنفسنا بعض ما نرضى به. الواقدي ،المغازي ، ج 1 ص 599.

(2) انظر تفصيل ذلك في كتابناالسيرة النبوية تدوين مختصر 161 ـ 166.


وكذلك كان معاوية ومن معه من (قريش الأبناء)(1) في الشام سنة 37 هـ فقد أظهروا لشعوب النصف الغربي من الأمة عبر الإعلام الكاذب : أنّ عليا قد سفك دماء المسلمين في حروبه لأجل الملك وانه افسد في دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وان عثمان قُتل مظلوماً وأن قَتَلَةَ عثمان عند عليعليه‌السلام بل هو أحدهم(2) ، وأنّ معاوية يدعو إلى دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرة الشيخين ويريد السلم والاقتصاص ممن قَتَلَ الخليفة المظلوم عثمان.

والحسنعليه‌السلام بين يديه مشروع أبيه (إحياء سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله واحاديثه في أهل بيتهعليهم‌السلام التي تعرف المسلمين بإمامتهم الإلهية الهادية) وهو مشروع يستهدف هداية الأمة كلها ، يحمله العراقيون معه. ولكنه حوصر داخل النصف الشرقي من البلاد الإسلامية من قبل معاوية وقريش المسلمة الأبناء التي اصطفت خلفه فحالوا دون انطلاقة المشروع إلى شعوب النصف الغربي من البلاد الإسلامية ، ولم يقف الأمر عند هذا المستوى بل استطاع معاوية أن يجنِّد من هذه الشعوب وبخاصة الشاميين جيشاً عقائدياً ضد المشروع يعمل على تطويقه ومقاتلته بكل ما أوتي من قوة ، وقد خاضوا معه أشد حرب وأعظم حرب شهدتها الأمة في تاريخها ثم تحول الجيش بعد ذلك إلى سرايا تغير على أطراف البلدان المؤمنة بعليعليه‌السلام تنهب وتسلب وتقتل وتنهزم لتخويف الناس والحد من انتشار مشروع عليعليه‌السلام .

ثم بايعت هذه الشعوب معاوية حاكماً على طريقة وسيرة سلفه الخلفاء القرشيين الذين فتحوا الدنيا ثم رفع معاوية شعار السلم والصلح(3) وإيقاف الحرب بوجه الحسنعليه‌السلام .

__________________

(1) جاء في اختيار معرفة الرجال الشيخ ص 90 : عن عبد الله بن سنان ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : كان مع أمير المؤمنينعليه‌السلام من قريش خمسة نفر ، وكانت ثلاثة عشر قبيلة من قريش مع معاوية. الطوسي ، مؤسسة آل البيت قم 1404.

(2) وقد ورد ذلك في رسائل عليعليه‌السلام إلى معاوية منها قوله : فغدوت على طلب الدنيا بتأويل القرآن وطلبتني بما لم تجن يدي ولا لساني وعصبته انت وأهل الشام بي وألب عالمكم جاهلكم وقائمكم قاعدكم. (ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 17 ص 97).

(3) جاء في رواية البخاري ص 1289 باب (ان ابني هذا سيد) عن الحسن البصري قال : لما سار الحسن بن عليعليهما‌السلام إلى معاوية بالكتائب ، قال عمرو بن العاص لمعاوية : أرى كتيبة لا تولي حتى تدبر أخراها ، قال معاوية : من لذراري المسلمين؟ ، فقا : أنا ، فقال عبد الله بن عامر ، وعبد الرحمن بن سمرة : نلقاه ، فنقول له : الصلح. وروى البخاري أيضا في صحيحه ص 494 : قال : حدثنا عبد


وأمامَ وضع معقد كهذا لا يصبح خيار مواصلة الحرب في صالح مشروع عليعليه‌السلام وبخاصة حين يكون قد طوقه الاعلام الأموي بصفة الإفساد ثم اللعن والبراءة والعمل على قتله بكل وسيلة.

ثم أن الصلح المحدود وإيقاف القتال بالطريقة التي طرحها معاوية بان يبقى العراق وما والاه للحسنعليه‌السلام والشام وما والاه لمعاوية كما هي طبيعة الأشياء وطبيعة طريقة تفكير معاوية تكرس الانشقاق والثقافة العدائية لعليعليه‌السلام ومن ثم بقاء الطريق مسدوداً أمام انفتاح أهل الشام على مشروع عليعليه‌السلام مضافاً إلى ما ينطوي عليه من خطر محتمل أشرنا إليه آنفاُ.

خصائص أطروحة الصلح المطلوبة

لإن أطروحة الصلح التي يحتاجها مشروع عليعليه‌السلام لينطلق في الشام لابد لها من أن تكون أطروحة تمتلك أن تحقق ما يلي :

1. تعالج الانشقاق وما ينطوي عليه من مخاطر فكرية وسياسية.

2. تعرف الشاميين أنَّهم كانوا ضحية إعلام كاذب ، وأنَّ معاوية كان يطلب الملك وراء قتاله علياًعليه‌السلام ليس إلا ، وأنَّ قتلة عثمان هم قريش أنفسهم ثارت عليه بقيادة طلحة والزبير وعائشة لما آثر بني أبيه بالملك وزواه عنهم. وأن علياًعليه‌السلام كان أبعد الناس عن دم عثمان ، وأنه كان مصيباً في رفضه للخلافة المشروطة بالعمل بسيرة الشيخين يوم عرضها عليه عبد الرحمن بن عوف لاعتقاده أنها مخالفة لسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وكان حج التمتع ابرز مثال على ذلك ، وان حرب الجمل وصفين ونهروان ليست من اجل الملك بل من اجل إحقاق الحق ومعاقبة المعتدين ، وأن معاوية كان ظالماً لعليعليه‌السلام حين رفع شعار لعنه وقتاله. وأنَّ العراقيين كانوا مصيبين في نصرتهم علياًعليه‌السلام وفي بيعتهم للحسن بن عليعليه‌السلام .

__________________

الله بن محمد حدثنا سفيان عن أبي موسى قال سمعت الحسن يقول استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز فقال اذهبا إلى هذا الرجل فارعضا عليه وقولا له واطلبا إليه ...


3. تفرض على معاوية ان يتعامل / ولو ظاهريا ولمدة محدودة / بإيجابية مع ذكر عليعليه‌السلام بخير.

4. تضمن اختلاط العراقيين مع الشاميين في أجواء المحبة والأمان ليتمكَّن العراقيون من نقل أخبار الإمامة الإلهية في عليعليه‌السلام وأخبار سيرته المشرقة.

5. تحقق أجواء الأمان في الأمة كلها وتطوق الفكر التكفيري حلقات الاغتيال التي نشأت عنه.

6. تدفع التهديد الخارجي الذي يلوح به الروم البزنطيين.

وليس من شك أن الصيغة الوحيدة التي تحقق كل الأمور الآنفة الذكر هي التنازل المشروط عن السلطة المدنية لمعاوية من قبل الحسنعليه‌السلام .

وهي أطروحة ليست صعبة على الحسنعليه‌السلام فهو أساساً إمامٌ هادٍ تهمُّه قضية الهداية والرسالة ومصلحة الأمة العامة قبل كل شيء ، والحكم القائم على بيعة الناس بالنسبة إليه / على الرغم أنه من حقه ويجب على الأمة أن تبايعه / لا يزيد من إمامته الإلهية شيئاً ولا ينقص منها شيئا.

وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أعد الحسنعليه‌السلام لهذه المهمة الإلهية بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(1) ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين سبطان من الأسباط)(2) ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (إن ابنيي هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).(3)

__________________

(1) المفيد ،الإرشاد ، ص 199 ، الطبرسي ، اعلام الورى ، ص 216.

(2) الطبراني ،المعجم الكبير ، ج 3 ص 32.

(3) الحديث مروي بطرق مختلفة وأسانيد متعددة في كتب الحديث : قال ابن كثير في البداية والنهايةي ج 6 ص 214 ـ 215 ما خلاصته : (وقد روى هذا الحديث البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والصنعاني في المصنف والبيهقي في دلائل النبوة وغيرهم كلهم عن الحسن بن أبي بكرة الثقفي ، وقال المزي في أطرافه : وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أم سلمة ، وروي أيضا من طريق جابر بن عبد الله الأنصاريرضي‌الله‌عنه )أقول : رواه الخطيب البغدادي فيتاريخ بغداد ج 3 ص 433 ، وج 8 ص 26 بسنده عن جابر. وفي الاستيعاب لابن عبد البر ج 1 ص 230 قال : وتواترت الآثار الصحاح عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال لحسن بن علي : (إن ابني هذا سيد وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) رواه جماعة من الصحابة. وقد كتب الأستاذ حسن فرحان المالكي في كتابه (نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي ص 243) يقول : (ومثلما حارب الرافضة حديث (صلح الحسن) فقد حارب النواصب (حديث عمار) ، إما بتضعيفه (رغم أنه متواتر ...)أقول : ان عمل


وكذلك هي ليس صعبة على العراقيين شيعة عليعليه‌السلام المؤمنين بمشروعه ، فهم على نهجه يحملون همَّ هداية الأمة ومؤازرة القائد الإلهي المذخور لها. وليسوا طلّاب سلطة ودنيا وقد شهد لهم عليعليه‌السلام بذلك.

قالعليه‌السلام : (وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة).(1)

وقالعليه‌السلام مخاطبا لهم : أنتم الأنصار على الحق ، والأخوان في الدين والجنن يوم البأس والبطانة دون الناس.(2)

وقالعليه‌السلام : الكوفة كنز الإيمان وحجة الإسلام وسيف الله ورمحه يضعه حيث شاء ، والذي نفسي بيده لينتصرنَّ الله بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بالحجار.(3)

ولا زالت الكلمة الرائعة التي تمثل بها الحسنعليه‌السلام حين رحل عن الكوفة بعد الصلح في حُسن ثقته بالعراقيين يحفظها التاريخ وهي قوله :

__________________

الحسنعليه‌السلام كان صحيحا لأنه معصوم ، وكان إصلاحا حقيقيا في الأمة سواء بالتحليل الذي تبنته هذه الدراسة أو بالتحليل السائد إذ ان الأمة قد توحد شقاها وساد الأمان فيها عشر سنوات واختلط العراقيون بالشاميين وتعرفوا على سيرة عليعليه‌السلام وأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وفي أهل بيته ، ولم يروَّع شيعي واحد خلال هذه الفترة وإنما نكث معاوية عهده مع الحسنعليه‌السلام وغدر به سنة خمسين حيث دس له السم ونقض كل شرط اشترطه. والحديث النبوي الآنف الذكر فيه نبوءة تحققت وهداية للنصف الغربي من البلاد الإسلامية جرت على يد الحسنعليه‌السلام . نعم هناك بعض الكتاب المحدثين من الشيعة حاول تضعيف الحديث ولعل مراد ذلك إلى تركيز بعض الكتاب السنة على صلح الحسنعليه‌السلام ومحاولتهم تخطئة قتال عليعليه‌السلام لأهل الشام من خلاله ، مضافا إلى الغفلة عن كلمة الامام الحسن وكلمة الامام الباقر في الصلح. غير ان كلا الموقفين لا يمثلان الموقف العام لدى المدرستين.

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 15 ص 81. الدينوري ، الاخبار الطوال ، ص 278. نصر بن مزاحم ،وقعة صفين ، مكتبة المرعشي النجفي 1403 ، ص 471.

(2) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 7 ص 193. قال ابن أبي الحديد : الجَنَن : جمع جُنة ، وهي ما يستر به. وبطانة الرجل : خواصه وخالصته الذين لا يطوى عنهم سره.

(3) ياقوت الحموي ،معجم البلدان ، دار إحياء التراث 1979 م ، ج 7 ص 160. وعن سعيد بن الوليد الهجري عن أبيه قال قال علي وهو بالكوفة ما أشد بلايا الكوفة لا تسبوا أهل الكوفة فوالله إن فيهم لمصابيح الهدى وأوتاد ذكر ومتاع إلى حين والله ليدقن الله بهم جناح كفر لا ينجبر أبدا إن مكة حرم إبراهيم والمدينة حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والكوفة حرمي ما من مؤمن إلا وهو من أهل الكوفة أو هواه لينزع إليها ألا إن الأوتاد من أبناء الكوفة وفي مصر من الأمصار وفي أهل الشام أبدال. ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 1 ص 219.


ولا عن قِلىً فارقتُ دارَ معاشري

همُ المانعونَ حوزتي وذماري(1)

وقد عَرَفَ ذلك للعراقيين أيضا خصمهم عبد الله بن الزبير حين قال له معاوية متشكياً : أنَّ الحسنعليه‌السلام لم يزره في المدينة إلا مرة واحدة ، وكان يتوقع أن يزوره أكثر من مرة ، قال له : والله لو شاء الحسن أن يضربك بمئة ألف سيف لفعل ، ولأهلُ العراق أبرُّ به من أمِّ الحُوار بحُوارها.(2)

وعَرَفَ هذه الصفة لهم أيضا معاوية نفسه خلال سنوات الصلح حين انطلق أخيارهم ورموزهم من الرجال والنساء بفقه في الدين وجرأة في الحوار مع الحاكم ووفاء لعليعليه‌السلام منقطع النَّظير يروون لأهل الشام ولغيرهم سيرة عليعليه‌السلام المشرقة وسوابقه مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد شهد لهم معاوية بوفائهم لعلي ومنهجه حين قال : (هيهات يا أهل العراق لقد فقهكم علي فلن تطاقوا!)

وحين قال : (لقد لمظكم علي الجرأة على السلطان).

وحين قال : (واللهِ لوفاؤكم له بعد موته أعجب إلي من حبِّكم له في حياته!).(3)

ان مشروع الهداية وحل المشكلات لا يحتاج فقط إلى قائد رسالي إلهي تسمح له نفسه بالتنازل عن حق بمستوى ملك العراق والبلاد التابعة له لأجل الرسالة والهداية والمصلحة العامة للأمة ، بل هو بحاجة أيضا إلى قناعة العراقيين بذلك وأهليتهم لحمل

__________________

(1) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ج 16 ص 215 ، البلاذري ،انساب الاشراف ج 3 ص 364.

أقول : وذمار الرجل هو ما يلزمه حفظه وحياطته وحمايته وعدم تضييعه بان يقاتل عنه ويقتل من اجله والا لزمه اللوم. وقد وضع الاعلام العباسي في قبال حسن ظن الامام الحسنعليه‌السلام بأهل الكوفة الرواية التي تقول : ان الحسن قال لأهل الكوفة : والله لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث لذهلت انتهابكم ثقلي وقتلكم أبي وطعنكم في فخذي) (ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 4 ص 96) (الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج 1 ص 149).

(2) انظر الاصبهاني ، أبو الفرج ، الاغاني ، دار إحياء التراث العربي ، ج 9 ص 119 ، والحُوار : ولد الناقة من وقت ولادته إلى ان يفطم ويفصل.

(3) انظر هذه الكلمات في رسالة الوافدات على معاوية تحقيق سكينة الشهابي وقد اوردناها في الفصل الثاني من هذا الباب.


ثقافة الولاء لعلي إلى غيرهم ، وقد أثبت العراقيون أنهم كذلك حيث استجابوا(1) للحسنعليه‌السلام وقاموا بمهمة الهداية معه كما سيأتي.

العمق الاستراتيجي للحسن عليه‌السلام والتفكير المحدود لمعاوية

المعادلة التي صنعها الحسنعليه‌السلام مع معاوية هي أن يسلم السلطة المدنية في العراق لمعاوية لتكون الحكومة واحدة في البلاد الإسلامية بشروط يشترطها على معاوية منها : ان يكون الحكم بعد معاوية للحسن وان حدث به حدث فللحسين لتكافؤ مكانتهما قيمتهما المعنوية في الإسلام وليس له ان يعهد إلى احد من بعده وأن يتقيد معاوية في حكمه بالكتاب والسنة ، وأن لا يذكر علياًعليه‌السلام إلّا بخير ، وأن يأمن شيعة عليعليه‌السلام أينما كانوا ، وأن يفضل بني هاشم في العطاء على بني شمس وشروط أخرى.

ومن الواضح أن الطرف الأول من المعادلة / وهو تسليم الحكم / يسد الباب على معاوية أن يشترط أي شرط ويفتح الباب للحسنعليه‌السلام أن يشترط شروطه بكل حرية. ويجعل معاوية أمام خيارين لا ثالث لهما أما قبول المعادلة كلها وأما رفضها كلها :

أما قبول شروط الحسنعليه‌السلام ليحصل على ملك العراق الذي لم يكن يحلم به.

أو رفض الملك لأجل مبادئه التي انطلق منها في حربه مع عليعليه‌السلام التي خلاصتها : أن معاوية كان يقاتل علياًعليه‌السلام من أجل دم الخليفة المظلوم عثمان وأن علياً خالف سيرة الشيخية في حج التمتع وغيره. ولكن هذا الفرض الأخير غير وارد في طريقة تفكير معاوية لان الملك عنده هو الأَهم من كل شيء ، وبالتالي فليس لديه مانع من ان يعطي عهدا ثم ينقضه بعد فترة من الزمن ، ولم تغب هذه الحقيقة عن الحسنعليه‌السلام الذي يهمه معالجة الانشقاق وكسر الطوق الاعلامي الكاذب ضد علي في الشام والمعرفة بحديث الغدير وحديث الثقلين وغيرها من الأحاديث التي تؤسس الإمامة الإلهية الهادية لأهل البيت ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ، وهذا الأمر يحتاج إلى سنوات

__________________

(1)أقول : هناك روايات تذكر ان حجر بن عدي خاطب الحسن بكلمات غير لائقة بعد الصلح ولكننا نرى انها جزء من ذلك الكم الموضوع من روايات الاعلام العباسي الذي اشرنا إليه ، راجع البلاذري ، انساب الاشراف ، ج 3 ص 365.


لا غير ، وحين ينقض معاوية عهده بعد ذلك فانها قضية ان حصلت فقد اعد لها المشروع النبوي الحسين قائدها الإلهي الخاص سلفا لمواجهتها.

ان أطروحة الحسن للصلح تدفع معاوية دفعا لان يستقبلها ولا يرفضها ولو رفضها لكان الملوم عند شعبه. وفي الوقت نفسه فان معاوية يعلن ان قبوله للشروط معناه ظهور أمر الإمامة الإلهية لعلي في الشام وانه امتداد لرسول الله في سيرته ، وأنَّه في مخالفته لسيرة الشيخين في حج التمتع وغيرها كان مصيبا(1) وان كل من خالف عليا في صغيرة أو كبيرة كان على الباطل ، ولكنه افتضاح كان معاوية قد استبطن الخطة لعلاجه كما اشرنا انفا.

إنَّ الحسنعليه‌السلام بتنازله المشروط عن السلطة يكون قد حقق فتحاً عظيماً لقلوب أهل الشام إزاء أبيه عليعليه‌السلام ، وهيأها لاستقبال نصوص ولايته الإلهية التأسيسية من الكتاب والسنة ، كما حقق صلح الحديبية من قبل فتحاً مبيناً لقلوب سكان أهل الحجاز ونَجْد إزاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهيأها لاستقبال الإسلام والاعتراف بنبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويتبيَّن بذلك سرُّ قول الإمام الحسن عليه‌السلام لأحد أصحابه : (إن علة مصالحته لمعاوية هي علة مصالحة النبي لقريش). (2)

وسرُّ قول الإمام الباقر : (والله لَلذي صنعه الحسن بن علي عليه‌السلام كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس والقمر). (3)

وبذلك يتضح أيضا العمق الاستراتيجي عند الحسنعليه‌السلام إذ أنه كان يفكر أساسا بفتح قلوب أهل الشام لمشروع عليعليه‌السلام ، ومعالجة الانشقاق لتستعيد الأمة قوتها في مواجهة التهديد الخارجي للروم والتهديد الداخلي من حملة الفكر التكفيري الخوارج.

أما معاوية فهو يفكر بحدود موضع قدميه أنه يرغب في الملك ولو على أساس يفضحه ، وإن تطلّعت نفسه إلى رغبة أعمق فيما بعد فإنه يُقيمها على أساس نقض العهد والكذب وليس على أساس الالتزام بالعهود والصدق مع الله والنفس والمجتمع.

__________________

(1) انظر قصة حج التمتع مفصلة في كتابنا شبهات وردود ص 211.

(2) المجلسي ،بحار الأنوار ، ج 44 ص 273 نقلا عنعلل الشرائع للشيخ الصدوق.

(3) الكليني ، الفي ، دار الكتب الإسلامية طهران 1363 ش ، ج 8 ص 258.


وفي ضوء هذا البيان يتضح :

أنَّ مبرر الصلح بشكل تنازل مشروط عن السلطة الذي تبلور عند الإمام الحسنعليه‌السلام ليس مرده إلى طبيعة التخاذل والضعف في شخصية الحسن كما تبنى المستشرقون ذلك اعتماداً على روايات موضوعة.(1)

ولا إلى الخيانات والضَّعف والشك الذي عاشه جيش الحسنعليه‌السلام أو شَعبه كما تصوره لنا روايات أخرى كلها من وضع الإعلام العباسي.

بل مرده إلى تفكير موضوعي في الظرف الذي تمر به الرسالة والأمة ليحفظ مصالحهما.

اما مصلحة الرسالة فقد نهض بها عليعليه‌السلام ليكون الكتاب والسنة دون إضافة رأي احد هي الدستور الحاكم في البلاد وليكون رأي الحاكم في المسائل الدينية العملية الشخصية مذهبا من المذاهب يترك فيه الخيار للامة ان شاءت أخذت به وان شاءت تركته وأخذت براي آخر.

اما مصلحة الأمة في زمن الحسنعليه‌السلام فهي معالجة الانشقاق الذي استحكم فيها ، وملاحقة الارهابيين الذين نغصوا العيش الآمن ، والاستعداد لمواجهة تهديد الروم على الجبهة الشمالية الشرقية.

__________________

(1) روى المدائني ، قال : لقي عمرو بن العاص الحسنعليه‌السلام في الطواف ، فقال له : يا حسن ، زعمت أن الدين لا يقوم إلا بك وبأبيك ، فقد رأيت الله أقامه بمعاوية ، فجعله راسيا بعد ميله ، وبينا بعد خفائه ، أفرضي الله بقتل عثمان ، أو من الحق أن تطوف بالبيت كما يدور الجمل بالطحين ، عليك ثياب كفرقئ البيض ، وأنت قاتل عثمان ، والله إنه لألم للشعث ، وأسهل للوعث ، أن يوردك معاوية حياض أبيك ، فقال الحسنعليه‌السلام : إن لأهل النار علامات يعرفون بها ، إلحادا لأولياء الله ، وموالاة لأعداء الله ، والله إنك لتعلم أن علياعليه‌السلام لم يرتب في الدين ، ولا يشك في الله ساعة ولا طرفة عين قط ، وأيم الله لتنتهين يا بن أم عمرو أو لانفذن حضنيك بنوافذ أشد من القعضبية : فإياك والتهجم عليَّ ، فإني من قد عرفت ، لست بضعيف الغمزة ، ولا هش المشاشة ، ولا مرئ المأكلة ، وإني من قريش كواسطة القلادة ، يعرف حسبي ، ولا أدعى لغير أبي ، وأنت من تعلم يعلم الناس تحاكمت فيك رجال قريش ، فغلب عليك جزاروها ، ألأمهم حسبا ، وأعظمهم لؤما ، فإياك عني ، فإنك رجس ، ونحن أهل بيت الطهارة ، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا ، فأفحم عمرو وانصرف كئيبا. (ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 16 ص 222).


وهكذا عالج الحسنعليه‌السلام الانشقاق المستعصي بأطروحة التنازل المشروط : بان تكون الدولة واحدة وان يكون معاوية أول رئيس لمبايعة أهل الشام له ثم يكون الحسن بعده لمبايعة أهل العراق بشروط يضعها الحسن لضمان مصالح شيعته دون المساس بمصالح أهل الشام.

ويتضح من ذلك ان الحسن يهمه ان تتوحد الأمة على حاكم وان يتقيد هذا الحاكم بشروط تضمن مصلحة شعبه الذي بايعه من دون المساس بمصلحة أهل الشام ولا يهمه ان يلي الحكم بعد معاوية ، اما معاوية فيهمه ان يحكم سواء على الشام وحدها بسيرة الشيخين أو على الأمة كلها من دون سيرة الشيخين.

ويتضح من ذلك أيضا ان الحسن يريد المبدأ وليس الملك فهو مستعد ان يسلم الملك لخصمه بشرط العمل بالكتاب والسنة(1) فهو على سر أبيه علي حين رفض الملك المشروط بسيرة الشيخين لأنها اجتهاد مخالف للكتاب والسنة كلاهما لا يهمهما الحصول على الملك كيفما اتفق ولا يهمهما التمسك بالملك بأي صورة.

وان معاوية يريد الملك وليس المبدأ نظير سلفه عثمان من قبل حين قبل الملك بشرط العمل بسيرة الشيخين مع انها اجتهاد مخالف للكتاب والسنة.

والحسنعليه‌السلام بطريقة التفكير هذه كان واثقا كل الثقة أنَّ أهل الشام فضلا عن شيعة أبيه سوف يستقبلون صيغته للصلح لما يرون فيها من حفظ مصالح واختيارات الجميع ونكران للذات من الحسنعليه‌السلام يشهده الجميع.

وهكذا كان الأمر.

وطار معاوية فرحاً حين بلغته أطروحة الحسنعليه‌السلام وهي : ان تكون دولة واحدة

__________________

(1)أقول : لابد من الإشارة إلى ان للحسنعليه‌السلام ولكل الأئمة الاثني عشرعليهم‌السلام صفتان ؛ الأولى كونه إماما هاديا معصوما وهذه الصفة تنتقل اليهم بالوصية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، الثانية كونه حاكما على الأمة ببيعتها له وهذه الصفة الأخيرة من لوازم الصفة الأولى وهي ذات مستويين : الأهلية ولا تنفك عنه بحال أيضا وعلى الأمة ان تقدم على بيعته على الحكم ولا تبايع غيره ، وللإمام ان يقبل البيعة وله ان يرفضها تبعا للظرف وقدرة المبايعين ، الثاني الفعلية وللإمام ان يتنازل عن الحكم أو يجمده لوقت ما تبعا للمصلحة العامة التي يقدرها وعلى الأمة ان تستجيب له لعصمته اما في عصر الغيبة فالمؤهل للحكم هو كل فقيه عادل تراه الأمة كفوءا والتفصيل في موضع آخر.


يحكمها حاكم واحد هو معاوية ومن بعده الحسن ، وان يتقيد معاوية في حكمه بشروط يمليها الحسن ، وسال لعابه ولابد انه أدرك بداهة ماذا ستكون شروط الحسن وأولها شرط العمل بالكتاب والسنة دون إضافة سيرة الشيخين وثانيها ان يترك سب علي وثالثها أمان كل شيعة علي وكلها حق فلم لا يستجيب للحق حين يدر عليه مصلحته ولكل حادث حديث.

فبعث للحسنعليه‌السلام أوراقاً بيضاء موقعة يكتب فيها الحسنعليه‌السلام ما شاء من الشروط.

وكتب الحسنعليه‌السلام شروطه لأطروحته وهي :

1. أن يعمل معاوية بكتاب الله وسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله الأمر الذي قامت عليه دولة النبي في المدينة.(1)

2. وأن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة (والسنة تنهى عنه) وأن لا يذكر علياً إلا بخير (وهو مما تامر به السنة).(2)

3. وأمان شيعة علي حيث كانوا ما داموا لم يرتكبوا ما يوجب العقوبة (وهو مما يأمر به الكتاب والسنة).

4. وأن يفضِّل بني هاشم في العطاء والصِّلات على بني عبد شمس(3) (وهي سيرة النبي).

5. وان يعطي للحسنعليه‌السلام مليوني دينار سنويا. (نحن نشك في هذا الشرط انظر الباب الرابع الفصل الثالث الصفحة 565).

6. وأن لا يسميه أمير المؤمنين (لان هذه التسمية ابتدعت لعمر في زمنه وهي أساسا لقب خاص لعليعليه‌السلام ).(4)

__________________

(1) المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد فيشرح نهج البلاغة : ج 16 ص 219 ،انساب الاشراف ج 3 ص 287.

(2) الأصفهاني ،مقاتل الطالبيين ، المكتبة الحيدرية النجف 1965 م ، ص 66 ، ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة : ج 16 ص 233.

(3) الدينوري ، الأخبار الطوال ص 321.

(4) قال السيوطي فيشرح شواهد المغني ص 57 : «روينا بسند صحيح إن لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم هما اللذان سميا عمر بن الخطاب أمير المؤمنين حين قدما عليه من العراق». وذكر القصة في تاريخ الخلفاء ص 94. وأخرج الطبري في تاريخه 5 : 22 بالإسناد عن حسان الكوفي قال : لما ولى عمر


7. وان لا يقيم عنده شهادة (وتعني ان ولايته تنفيذية فقد فليس له صلاحية ان يقضي أو يشرع).(1)

الوفاء بالشروط مدة عشر سنوات

وعادت للأمة إلفتها وودها.

وقُطِع الطريق على الانشقاق أن يستمر وتستمر معه لوازمه بالظهور.

وتفرغت الدولة لملاحقة التكفيريين الخوارج.

وعاد الأمان لكل المسلمين في بلادهم شرقاً وغرباً. كما تفرغت لمواجهة تهديد ملك الروم في الجبهة الشمالية الشرقية للشام.

وكُسِر الطوق الاعلامي الكاذب ضد عليعليه‌السلام . وعرفه أهل الشام وغيرهم مظلوماً ظلمته قريش المسلمة حقه وهو الإمام الهادي الذي شهدت له آيات الكتاب وأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كما شهد له من عاشره بذلك.

ووصلهم قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه يوم الغدير : من كنت مولاه فهذا علي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.

وحديث المنزلة.

وحديث الكساء.

ووصلتهم أخبار حج التمتع التي حاولت السلطات القرشية والإعلام الأموي الكاذب التعتيم عليها ووصف حركة عليعليه‌السلام باتجاه إحياء حج التمتع بالإفساد في الدين ، وعرفوا أنَّ علياً قد أحيا الحج الذي جاء به النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو حج التمتع.

ووصلتهم أخبار أخرى كثيرة تتصل بسنن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله التي عملت قريش المسلمة على تغييرها أو التعتيم عليها.

ووصلهم وصفُ ضرار له بل سمعوه منه في بلاط معاوية حين طلب منه أن يصفه قائلاً :

__________________

قيل : يا خليفة خليفة رسول الله ، فقال عمررضي‌الله‌عنه : هذا أمر يطول كل ما جاء خليفة قالوا : يا خليفة خليفة خليفة رسول الله ، بل أنتم المؤمنون وأنا أميركم فسمي أمير المؤمنين.

(1) ستأتي مصادر هذه المواد في الفصل الخامس من هذا الباب ان شاء الله.


(كان واللهِ بعيدَ المدى ، شديدَ القِوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلا ، يتفجَّرُ العلمُ من جوانِبِه ، وتنطِقُ الحِكمَةُ من نواحيه ، يستوحشُ من الدنيا وزَخرتها ، ويأنسُ بالليلِ ووحشتِه ، غزيرَ العَبرة ، طويلَ الفكرة ، يُعجِبُه من اللِّباس ما قَصُر ، ومن الطعام ما خَشُن. كان فينا كأحَدِنا ، يجيبُنا إذا سألناه ، وينبئُنا إذا استفتيناه ، ونحن واللهِ مع تقريبِه إيانا وقُربِه منّا لا نكاد نكلِّمه هيبةً له. يعظِّم أهلَ الدين ويُقرِّب المساكين. لا يطمع القَويُّ في باطله ، ولا ييأَسُ الضعيفُ من عدله ، وأشهدُ لقد رأيتُه في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليلُ سدولَه ، وغارت نجومُه ، قابضاً على لحيته ، يتململُ تململَ السَّليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غُرِّي غيري ، أبي تَعرَّضتِ أمْ إليَّ تَشوَّفتِ.

هيهات هيهات قد باينتُك ثلاثاً لا رجعة لي فيها ، فعُمرك قصير وخطرك حقير.

آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.

وشهدوا من معاوية بعد هذا الوصف نزف دموعه على لحيته وقوله : رحم الله أبا حسن كان والله كذلك.

مسمعوا جواب ضرار حين سأله معاوية : عن حزنه على علي.

قال : حزب من ذبح ولدها في حجرها.(1)

ووصلهم وعي مالك الاشتر ونظرائه من أبطال العراق مع عليعليه‌السلام للمعركة الأساسية مع قريش في الجمل وصفين وهدفهم من تمردهم ، فقد قالرحمه‌الله في صفين : (إن هؤلاء القوم والله لن يقارعوكم إلا عن دينكم ، ليطفئوا السنة ، ويحيوا البدعة ، ويدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة)(2) ، وستأتي كلمات أخرى نطق

__________________

(1) قال ابن أبي الحديدشرح نهج البلاغة ج 18 ص 331 : بعد ان أورد وصف ضرار : إن الرياشي روى خبره ، ونقلته أنا من كتب عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الحلبي في التذييل على نهج البلاغة. ورواه ابن عبد البر فيالاستيعاب ، ج 2 ص 52. وابن عساكر فيتاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 278 ، والمحب الطبري فيالرياض النضرة في مناقب العشرة ، دار الكتب العلمية بيروت ، ج 3 ص 187. وأبو نعيم فيحلية الأولياء وطبقات الأصفياء دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت ، ج 1 ص 126.

(2) ابن مزاحم المنقري ،وقعة صفين ، ص 251 ،أقول : وقول مالك رضوان الله عليه (ويدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة) هذا الأمر هو اعتقادهم إمامة علي بالنص. فهو يحتاج إلى حسن بصيرة من الإنسان ليفارق عقيدته بإمامة قريش المسلمة ويدخل في إمامة علي. اما من


بها أصحاب عليعليه‌السلام في بلاط معاوية في سنوات الصلح.

وشهدوا الناس الحسنعليه‌السلام في سيرته الشخصية إماماً أيضا على سمت أبيه.

وشهدوا منه الحج ماشيا خلال هذه السنوات العشر والنجائب تقاد بين يديه.(1) قد حج قبل ذلك خمسا او عشرا زمن ابيهعليه‌السلام .

وهذا حفيده من ابنته الإمام الصادقعليه‌السلام يصف عبادة جده الحسنعليه‌السلام قال حدثني أبي عن أبيهعليهما‌السلام أن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام :

كان أعبد الناس في زمانه ، وأزهدهم وأفضلهم ،

وكان إذا حج حج ماشيا ، وربما يمشي حافيا ،

وكان إذا ذكر الموت بكى ، وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها.

وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل ،

وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ، ويسأل الله تعالى الجنة ، ويعوذ به من النار ،

وكان لا يقرأ من كتاب الله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال : لبيك اللهم لبيك ، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه ،

وكان أصدق الناس لهجة ، وأفصحهم منطقا.(2)

__________________

ليس له حسن بصيرة فهو مصداق لقوله تعالى( وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ) يوسف / 105 ، وأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في عليعليه‌السلام بمناسبة الغدير وغيره آيات إلهية لأنه لا ينطق عن الهوى.

(1) قال عبد الله بن العباس : ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشيا ، ولقد حج الحسن بن علي خمسا وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه. (الذهبي ،سير اعلام النبلاء ج 4 ص 387) أو في رواية علي بن زيد بن جدعان قال حج الحسن خمس عشرة حجة ماشيا. (ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 72). والحاكم النيسابوري ،المستدرك على الصحيحين ، تحقيق المرعشلي ، ج 3 ص 185 ، البلاذري ،انساب الاشراف ج 3 ص 268.

(2) الشيخ الطوسي ، الأمالي ، دار الثقافة قم 1414 هـ ، ص 140.


انتشار سنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لدى أهل البلاد المفتوة شرقاً

وغرباً بفضل مشروع علي عليه‌السلام وصلح الحسن عليه‌السلام

وهكذا انتشرت ثقافة الولاء لأهل البيتعليهم‌السلام التي أسسها الكتاب والسنة وانفتح أهل البلاد شرقاً وغرباً بعضهم على بعض وصاروا أمة واحدة وعلى مستوى واحد من المعرفة بحديث الغدير وحديث الثقلين وحديث المنزلة وغيرها من النصوص التي تؤسس الإمامة الإلهية لأهل البيتعليهم‌السلام وأولهم عليعليه‌السلام أخذ بها من شاء وتركها من شاء ، شأنهم شأن المعاصرين للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله . عملاً بقاعدة( لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) البقرة / 256 التي أسسها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المعتقد.

وكانت الفترة التي استغرقتها نهضة عليعليه‌السلام من أيام الحج سنة 27 هجرية إلى وفاة ولده الحسنعليه‌السلام مسموماً نهاية سنة 50 هـ لإحياء سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ونشرها كثقافة في الأمة الإسلامية ثلاث وعشرين سنة ، وهي نظير الفترة التي استغرقتها مهمة نشر أحكام الإسلام منذ بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى يوم الثامن عشر من ذي الحجة يوم بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمته في غدير خم بولاية عليعليه‌السلام الإلهية.

وفي الفصل الآتي نذكر طرفا من اخبار نشاط أصحاب علي في الشام أيام الصلح وطرف من أحاديث النبي في حق عليعليه‌السلام وطرف من سيرة عليعليه‌السلام .


الباب الثاني / الفصل الثاني

السنوات العشر الاولى من الصلح (سنوات الفتح المبين لمشروع علي عليه‌السلام )

رؤيتان للسنوات العشر قبل وفاة الحسن عليه‌السلام

هناك جملة من الروايات التاريخية وهي التي استندت إليها الرؤية السائدة والمشهورة ، تصور لنا ان معاوية دخل الكوفة وأخذ البيعة من الناس ثم خطب فيهم بحضور الحسن والحسين ووجوه أصحابهم واعلن لهم ان كل شرط اشترطه الحسن فهو مردون ، ثم تناول عليا بالطعن وأمر ولاته بذلك ثم تتابعت سياسة ترويع الشيعة وتهجيرهم وسجنهم.(1)

__________________

(1) عمدتها روايات أبي الفرج وقد ساقها بثلاثة أسانيد :

سندان منها عن أبي عبيد احدهما فيه عبد الرحمن بن شريك ت 177 هـ ولي قضاء الكوفة للمنصور وابنه ، والآخر عن عثمان بن أبي شيبة وقد رواه في مسنده عن أبي معاوية الضرير وهو من جلساء هارون ووضع له أحاديث في ذم الرافضة وكلاهما يرويانها عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد وهو مجهول.

والسند الثالث عن المقانعي عن جعفر بن محمد بن الحسين الزهري عن حسن بن الحسين العرني عن عمرو بن ثابت (ابن أبي المقدام) عن أبي إسحاق السبيعي وهي أساسا رواية عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد ولكن السبيعي دلس فيها وتدليسه لا يضر بوثاقته وبخاصة وقد وقع منه في أخريات عمره مضافا إلى ان تخلف معاوية عن الشروط وغدره بالحسنعليه‌السلام مسالة مفروغ منها وانما الكلام هل كان هذا النقض في أول الصلح أو بعد عشر سنوات عقده.

ويضيف ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ج 52 ص 33 ـ 60 رواه آخر قال عن محمد بن خالد


غير ان هذه الروايات على فرض صحة سندها تواجهها عدة قضايا :

1. ان تهجير خمس وعشرين ألف من الكوفة ومثلهم من البصرة انما كان بعد سنة خمسين أي بعد عشر سنوات من الصلح أي بعد وفاة الحسنعليه‌السلام .(1)

2. قتل حجر بن عدي وأصحابه انما تم بعد عشر سنوات من الصلح أي بعد وفاة الحسنعليه‌السلام .(2)

3. إعادة لعن علي إلى المجتمع انما تم بعد عشر سنوات من الصلح أي بعد وفاة الحسنعليه‌السلام كما تفيد روايات امتناع سعد عن لعن علي وتهديده بان يقاطع المسجد إذا لعن علي فيه.

روى ابن عبد ربه قال : لما مات الحسنُ بن عليّ حَجّ معاوية ، فدخل المدينة وأراد أن يَلْعن عليَّا على مِنبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم . فقيل له : إن هاهنا سعدَ بن أبي وقاص ، ولا نراه يرضى بهذا ، فابعث إليه وخَذ رأيه. فأرسل إليه وذكر له ذلك ، فقال : إن فعلت لأخرُجن من المسجد ، ثم لا أعود إليه. فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد.(3)

__________________

يعني القرشي الدمشقي حدثني محمد بن سعيد بن المغيرة الشيباني عن عبد الملك بن عمير ان معاوية خطب عند دخوله الكوفة ومحمد بن خالد قال عنه أبو حاتم الرازي كذاب والشيباني مجهول.

(1) كتب زياد إلى خليد بن عبد الله الحنفي بولاية خراسان ثم بعث الربيع بن زياد الحارثي إلى خراسان في خمسين ألف من البصرة (خمسة وعشرين ألفا ومن الكوفة خمسة وعشرين ألفا) على أهل البصرة الربيع وعلى أهل الكوفة عبد الله بن أبي عقيل وعلى الجماعة الربيع بن زياد ، تاريخ الطبري ج 3 ص 363 ، وفي رواية البلاذري زيادة في الايضاح حيث قال : ثم ولى زياد الربيع بن زياد الحارثي سنة إحدى وخمسين خراسان ، وحول معه من أهل المصرين زهاء خمسين ألفا بعيالاتهم. وكان فيهم بريدة بن الحصيب الاسلمي أبو عبد الله ، وبمرو توفى في أيام يزيد بن معاوية. وكان فيهم أيضا أبو برزة الاسلمي عبد الله بن نضلة وبها مات. وأسكنهم دون النهر. البلاذري ،فتوح البلدان ، مكتبة النهضة المصرية 1956 م ، ص 396.

(2) الحاكم النيسابوري ،المستدرك على الصحيحين ، تحقيق المرعشلي ، ج 3 ص 531. وابن الاثير ،اسد الغابة ج 1 ص 525. وابن عبد البر ،الاستيعاب ، ج 1 ص 197. وابن حجر ،الاصابة ، ج 1 ص 471 ، وابن سعد ،الطبقات الكبرى ، ج 6 ص 468 ، ويراجع كل من ترجم لحجر بن عدي وفي تاريخ الطبري ج 3 ص 389 عن أبي إسحاق قال ادركت الناس يقولون : ان أول ذل دخل الكوفة موت الحسن ابن علي وقتل حجر ودعوة زياد ، وفيشرح نهج البلاغة ج 16 ص 211 عن ابن العباس قال أول ذل دخل على العرب موت الحسنعليه‌السلام .

(3) ابن عبد ربه الاندلسي ،العقد الفريد ، دار الكتب العلمية بيروت 1404 ، ج 4 ص 159.


فلما مات لَعنه عَلَى المنبر ،

وكتب إلى عماله أن يَلعنوه على المنابر ، ففعلوا.

فكتبتْ أم سَلمة زوج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى معاوية : إنكم تلعن الله ورسولَه على منابركم ، وذلك أنكم تلعنون عليّ بن أبي طالب ومن أحبّه ، وأنا أشهد أن الله أحبَّه ورسولَه ، فلم يلتفت إلى كلامها.

ومن المعلوم ان وفاة سعد كانت بعد وفاة الامام الحسنعليه‌السلام وفي السنة نفسها سنة 51 هـ.

ويؤيد ذلك روية المسعودي ان زيادا جمع الناس بالكوفة بباب قصره يحرضهم على لعن علي فمن أبى ذلك عرضه على السيف.(1) ومن المعلوم ان ولاية زيادا على الكوفة كانت سنة 51 بعد موت المغيرة بن شعبة.

4. ان استضافة معاوية للشخصيات العراقية وحواراته معهم وموضوعه الأساس سيرة علي وقد ترحم عليه مرارا أمر لا ينسجم مع حالة الاعلام السلبي ضده الا بافتراض انه قد تم في سنوات الصلح قبل وفاة الحسنعليه‌السلام ، وان إعادة الاعلام السلبي انما كان بعد موت الحسنعليه‌السلام .

5. ان معاوية ما كان يحلم ان يتسلم ملك العراق ، بل كان قصارى ما يفكر فيه هو ان يترك عليعليه‌السلام في زمانه ثم الحسن من بعده الشام له يحكمها كما يرغب ، وحين عرض عليه الحسن كانت أمامه مهمة قبول العرض وتحقيق طموح جديد باللين وإظهار الانفتاح على علي وشيعته والوفاء بالعهود ليتم له حكم البلاد كلها ، وبغير ذلك فان مع الحسن كل شيعته وهم قادرون على عن الدفاع عن انفسهم وإعادة سلطانهم في العراق.(2)

__________________

(1) المسعودي ،مروج الذهب ، دار الهجرة ايران 1984 م ، ج 3 ص 20.

(2) روى ابن عساكر فيتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 104 بسنده عن جبير ابن نفير يحدث عن أبيه قال قلت لحسن بن علي ان الناس يزعموا انك تريد الخلاف؟ فقال كانت جماجم العرب بيدي يسلمون من سالمت ويحربون من حاربت فتركتها ابتغاء وجهه الله تعالى ثم اثيرها باتياس أهل الحجاز.


قال مُعاوية لجارية بن قُدَامة : ما كان أهْونَك على أهْلِك إذ سَمِّوْك جارية! قال : ما كان أهونَك على أهلك إذ سَمِّوْك مُعاوية! وهي الأنثى من الكلاب ، قال : لا أمَّ لك! قال : أمِّي وَلَدتْنِي للسيوف التي لَقِيناكَ بها في أيْدِينا ؛ قال : إنك لتُهَدِّدني ؛ قال : إنك لم تَفْتَتِحْنا قَسْراً ، ولم تَمْلِكنا عَنْوةً ، ولكنَّك أعْطَيتنا عَهْداً وَمِيثاقاً ، وأعطيناك سَمْعاً وطاعةً ، فإن وَفَّيت لنا وَفَّينا لك ، وإن فَزِعْت إلى غير ذلك ، فإنّا تَركنا وراءَنا رجالاً شِدَاداً ، وأَلْسِنَةً حِدَاداً قال له مُعاوية : لا كَثّر الله في النَاس أمثالَك ؛ قال جارية : قُلْ مَعْرُوفاً ورَاعِنا ، فإن شَرَّ الدّعاء المُحْتَطب.(1)

روى ابن عبد ربه وابن كثير قالا : قدم معاوية المدينة أول حجة حجها (سنة 44 هجرية) بعد عام الصلح ، فتوجه إلى دار عثمان ، فلمادنا إلى باب الدار. صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها. فقال لها : يا بنت أخي ان الناس قد اعطونا سلطاننا ، فاظهرنا لهم حلما تحته غضب ، واظهروا لنا طاعة تحتها حقد ، فبعناهم هذا بهذا وباعونا هذا بهذا ، فان اعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم ، ومع كل إنسان منهم سيفه وهو يرى مكان شيعته (وفي الرواية وهو يرى انصاره) ، فان نكثناهم نكثوا بنا ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا؟ وان تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من ان تكوني امرأة من عُرُوض الناس. (وفي رواية ابن كثير : وان تكوني ابنة عثمان أمير المؤمنين احب إلي ان تكوني أمة من إماء المسلمين ونعم الخلف أنا لك بعد أبيك.(2)

أقول : والشاهد في الرواية هو صيحة ابنة عثمان بوجه معاوية وتذكيرها له بابيها تريد منه ان ينفذ الشعار الذي كان يرفعه وهو الأخذ بثار عثمان واستطاع معاوية ان يقنع عائشة بجوابه انها ابنة عم رئيس الدولة وهذا لا يتم الا إذا عطى الأمان للناس بما فيهم قتلة عثمان بزعم الاعلام الأموي.

أقول : وفي هذه السنة كان مع معاوية في حجه معاوية بن حديج وكان من أسب

__________________

(1) ابن عبد ربه الاندلسي ،العقد الفريد ، ج 3 ص 214.

(2) ابن عبد ربه الاندلسي ،العقد الفريد ، ج 4 ص 158 ، ابن كثير ،البداية والنهاية ج 8 ص 120. والبلاذري ،انساب الاشراف ج 2 ص 12.


الناس لعلي فمر في المدينة في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والحسن بن علي جالس في نفر من أصحابه فقيل له هذا معاوية بن حديج الساب لعلي رضي عنه فقال علي بالرجل فأتاه الرسول فقال أجب قال من قال الحسن بن علي يدعوك فأتاه فسلم عليه فقال له الحسن بن عليرضي‌الله‌عنه أنت معاوية بن حديج قال نعم فرد عليه ثلاثا فقال له الحسن الساب لعلي فكأنه استحيى فقال له الحسنرضي‌الله‌عنه أم والله إذا وردت عليه الحوض وما أراك ان ترده لتجدنه مشمر الإزار على ساق يذود المنافقين ذود غريبة الإبل قول الصادق المصدوقصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد خاب من افترى.(1)

أقول :

والشاهد في الرواية هو ملاحقة الحسن لمعاوية بن حديج لسبه عليا فلو كان السب قد مضى عليه اربع سنوات لكان الأجدر هو محاسبة معاوية بن أبي سفيان الذي أمر بسب علي على المنابر وليس متابعة معاوية بن حديج.

وكذلك ما رواه البلاذري قال حدثني أبو مسعود ، عن ابن عون عن أبيه قال : لمّا ادّعى معاوية زيادا وولَّاه ، طلب زياد رجلا كان دخل في صلح الحسن وأمانه ، فكتب الحسن فيه إلى زياد ، ولم ينسبه إلى أب فكتب إليه زياد : أما بعد فقد أتاني كتابك في فاسق تؤوي مثله الفسّاق من شيعتك وشيعة أبيك! فأيم الله لأطلبنّه ولو بين جلدك ولحمك ، فإن أحبّ لحم إليّ أن آكله للحم أنت منه! فلما قرأ الحسن الكتاب قال : كفر زياد ، وبعث بالكتاب إلى معاوية ، فلما قرأه غضب فكتب إليه : أما بعد يا زياد ، فإن لك رأيين : رأي من أبي سفيان ، ورأي من سميّة ، فأمّا رأيك من أبي سفيان فحزم وحلم ، وأما رأيك من سميّة فما يشبهها فلا تعرض لصاحب الحسن ، فإني لم أجعل لك عليه سبيلا ، وليس الحسن مما يرمى به الرجوان وقد عجبت من تركك نسبته إلى أبيه أو إلى أمّه فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فالآن حين اخترت له

__________________

(1) الطبراني ،المعجم الكبير ، ج 3 ص 91 ـ 92 ح 2758 حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ثنا إسماعيل بن موسى السدوسي ثنا سعيد بن خيثم الهلالي عن الوليد بن يسار الهمداني عن علي بن أبي طلحة مولى بني أمية.


والسلام.(1)

__________________

(1) البلاذري ،أنساب الأشراف ، ج 3 ص 52 ـ 53.أقول : وقد روى ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق : ج 18 ص 187 عن عبد الله بن الضحاك قال : أنبأنا هشام بن محمد ، عن أبيه قال : كان سعيد بن سرح مولى حبيب بن عبد شمس لعلي بن أبي طالب ، فلما قدم زياد الكوفة واليا عليها ، أخافه وطلبه زياد ، فأتى (سعيد الإمام) الحسن بن علي ، فوثب زياد على أخيه وولده وامرأته فحبسهم وأخذ ماله وهدم داره! فكتب (الإمام) الحسن إلى زياد : من الحسن بن علي إلى زياد ، أما بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم فهدمت داره وأخذت ماله وعياله فحبستهم. فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره واردد علهي عياله وماله فإني قد أجرته فشفعني فيه. فكتب إليه زياد : من زياد بن أبي سفيان ، الى الحسن بن فاطمة ، أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه بنفسك قبلي وأنت طالب حاجة؟! وأنا سلطان وأنت سوقة! كتبت إلي في فاسق لا يؤويه إلا مثله! وشر من ذلك توليه أباك وإياك! وقد علمت أنك أدنيته إقامة منك على سوء الرأي ورضى منك بذلك! وأيم الله لا تسبقني به ولو كان بين جلدك ولحمك ، وإن فلت بعضك فغير رفيق بك ولا مرع عليه ، فإن أحب لحم إلي (أن) آكله للحم الذي أنت منه! فأسلمه بجريرته إلى من هو أولى منك؟! فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك فيه ، وإن قتلته لم أقتله إلا بحبه إياك! فلما قرأ الحسنعليه‌السلام الكتاب تبسم وكتب إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح ، وكتابه إلى زياد فيه وإجابة زياد إياه ، ولف كتابه وبعث به إلى معاوية ، فلما وصل كتاب الحسن إلى معاوية ، وقرأ معاوية الكتاب ضاقت به الشام وكتب إلى زياد : أما بعد فإن الحسن بن علي بعث بكتابك إلي جواب كتابه إليك في ابن سرح ، فأكثرت التعجب منك ، وعلمت أن لك رأيين : أحدهما من أبي سفيان ، والآخر من سمية ، فأما الذي من أبي سفيان فحلم وحزم ، وأما رأيك من سمية فما يكون (من) رأي مثلها؟! ومن ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه وتعرض له بالفسق ، ولعمري لأنت أولى بالفسق من الحسن ، ولأبوك إذ كنت تنسب إلى عبيد أولى بالفسق من أبيه ، وإن الحسن بدء بنفسه إلى من هو أول به منك ، فإذا أتاك كتابي فخل ما في يدك لسعيد بن سرح ، وابن له داره ولا تعرض له ، واردد علهي ما له فقد كتبت إلى الحسن أن يخير صاحبه إن شاء أقام عنده وإن شاء رجع إلى بلده. وليس لك عليه سلطان بيد ولا لسان. وأما كتابك إلى الحسن باسم أمه ولا تنسبه إلى أبيه ، فإن الحسن ـ ويلك ـ من لا يرمى به الرجوان ، أفإلى أمه وكلته لا أم لك؟ (و) هي فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتلك أفخر له إن كنت تعقل. وكتب في أسفل الكتاب :

تدارك ما ضيعت من خيرة

وأنت أريب بالأمور خبير

أما حسن فابن الذي كان قبله (كذا)

إذا سار سار الموت حيث يسير

وهل يلد الرئبال إلا نظيره

فذا حسن شبه له ونظير

ولكنه لو يوزن الحلم والحجى

برأي لقالوا فاعلمن ثبير

قال العلاء قرأت هذا الخبر على ابن عائشة فقال : ان قول (فلما قدم زياد الكوفة واليا عليها ، أخافه وطلبه زياد ، فأتى (سعيد الإمام الحسن بن علي) اشتباه من الراوي فان زياد لم يول على الكوفة الا بعد وفاة الحسن ووفاة المغيرة بن شعبة.


وبرواية الجاحظ قال : حدثني سليمان بن أحمد الخرشي قال حدثني عبد الله بن محمد بن حبيب قال طلب زياد رجلا كان في الأمان الذي سأله الحسن بن علي لأصحابه فكتب فيه الحسن رضي الله تعالى عنه إلى زياد مم الحسن بن علي إلى زياد أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا لأصحابنا وقد ذكر لي فلان أنك عرضت له فأحب ان لا تعرض له إلا بخير.

فلما أتاه الكتاب ولم ينسب الحسن إلى أبي سفيان غضب فكتب من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن أما بعد أتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك وأيم الله لأطلبنهم ولو بين جلدك ولحمك وان أحب لحم إلي آكله للحم أنت منه ، فلما وصل الكتاب الحسن وجه به ألى معاوية فلما قرأه معاوية غضب وكتب من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان أما بعد فان لك رأيين رأيا من أبي سفيان ورأيا من سمية فأما رأيك من أبي سفيان فحلم محزم وأما رأيك من سمية فكما يكون رأي مثلها وقد كتب إلي الحسن بن علي انك عرضت لصاحبه فلا تعرض له فاني لم أجعل لك إليه سبيلا وان الحسن ابن علي ممن لا يرمي به الرجوان والعجب من كتابك إليه لا تنسبه إلى أبيه أفإلى أمه وكلته وهو ابن فاطمة بنت محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فالآن حين اخترت له والسلام.(1)

تحقق الأمان داخل البلاد الإسلامية عشر سنوات وانفتح الشاميون على العراقيين في جو من الحب والتقدير لتأييدهم الحسنعليه‌السلام في تنازله المشروط عن السلطة المدنية وان تكون في بلاد الشام بدلا من العراق وان يكون العراق تابعا بدلا من ان يكون متبوعا عن قدرة وليس عن عجز أو تخاذل ، وتهيأت نفوسهم للاستماع من العراقيين رواياتهم عن عليعليه‌السلام وسيرته المشرقة وعن أحاديث النبي التي لم يسمعوها من قبل في علي وأهل بيته.

وخطط معاوية لكسب ثقة وجوه العراقيين حين كان يستقدمهم مكرمين معززين يستمع إلى أحاديثهم وفي كثير من الأحيان كان يستثيرهم ويسألهم عن سيرة عليعليه‌السلام

__________________

(1) الجاحظ ، البيان والتبيين ، المكتبة التجارية الكبرى 1926 م ، ص 361 ، ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ج 16 ص 19 عن أبي الحسن المدائني.


ثم يرجعهم إلى بلادهم مع عطاء وفير ليقترب من قلوبهم ، وكان يتحمل منهم خشونة كلامهم أحيانا.

لقد كان معاوية في هذه السنوات العشر يبدي حلما خاصا تشبُّها بسياسة عليعليه‌السلام وأخلاقه في تحمله جهل الجاهلين الذين استغلوا سماحة عليعليه‌السلام .

قال معاوية لصعصعة بن صوحان وزملائه بعد محاورة جرت بينه وبينهم : لو لا اني أرجع إلى قول أبي طالب حيث يقول :

قابلتُ جهلَهمُ حلماً ومغفرةً

والعفو عن قدرةِ ضرب من الكرم

لقتلتكم.(1)

وعن جعدة بن هبيرة المخزومي ، قال : استأذنت أم البراء بنت صفوان بن هلال على معاوية ، فأذن لها ، فدخلت في ثلاثة دروع تسحبها قد كارت على رأسها كورا كهيئة المنسف ، فسلمت ثم جلست ، فقال : كيف أنت يا بنت صفوان؟ قالت : بخير يا أمير المؤمنين ، قال : فكيف حالك؟ قالت : ضعفت بعد جلد وكسلت بعد نشاط.

قال : سيان بينك اليوم وحين تقولين :

يا عمرو دونك صارما ذا رونق

عضب المهزة ليس بالخوار

أسرج وادك مسرعا ومشمرا

للحرب غير معرد لفرار

أجب الإمام ودب تحت لوائه

وافر العدو بصارم بتار

يا ليتني أصبحت ليس بعورة

فأذب عنه عساكر الفجار

قالت : قد كان ذاك يا أمير المؤمنين ومثلك عفا ، والله تعالى يقول : «عفا الله عما سلف» قال : هيهات! أما إنه لو عاد لعدت ، لكنه اخترم دونك ، ثم ذكر له قولها في رثاء عليعليه‌السلام اذكري حاجتك. قالت : هيهات بعد هذا! والله لا سألتك شيئا. ثم قامت فعثرت ، فقالت : تعس شانئ علي ، فقال : يا بنت صفوان زعمت إلا ، قالت : هو ما علمت.

فلما كان من الغد بعث إليها بكسوة فاخرة ودراهم كثيرة وقال : إذا أنا ضيعت الحلم فمن يحفظه؟(2)

__________________

(1) المسعودي ،مروج الذهب ، ج 3 ص 41.

(2) ابن طيفور ،بلاغات النساء ، بصيرتي قم ، ص 76.


(وكان معاوية يقول : إني لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني ، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت. فقيل له : كيف؟ قال : إذا مدوها خليتها ، وإذا خلوها مددتها.

وأغلظ له رجل فحلم عنه ، فقيل له : أتحلم عن هذا؟ قال : إنا لا نحول بين الناس وألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا. وعن احمد عن علي عن عبد الله وهشام بن سعد عن عبد الملك بن عمير قال : اني لا احول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا).(1)

وروى البلاذري قال حدثني أبو مسعود عن عليّ بن صالح عن عيسى بن يزيد المدني قال ، قالت فاختة بنت قرظة امرأة معاوية : يا أمير المؤمنين ، لم تصانع الناس وترى أنّهم منصفون منك ، فلو أخذتهم من عل كانوا الأذلَّين وكنت لهم قاهرا ، فقال : ويحك إنّ في العرب بقيّة بعد ، ولو لا ذلك لجعلت عاليها سافلها ، فقالت : والله ما بقي أحد إلَّا وأنت عليه قادر ، قال : فهل لك في أن أريك بعض ذلك منهم؟ قالت : نعم ، فأدخلها بيتا وأسبل عليها ستره ، ثمّ أمر حاجبه أن يدخل عليه رجلا من أشراف من بالباب ، فأدخل عليه رجلا من قيس يقال له الحارث ، فقال له معاوية : يا حويرث ، إيه أنت الذي طعنت في الخلافة وتنقّصت أهلها؟ والله لقد هممت أن أجعلك نكالا ، فقال : يا معاوية إنّما دعوتني لهذا؟ والله إنّ ساعدي لشديد ، وإنّ رمحي لمديد ، وإنّ سيفي لحديد ، وإنّ جوابي لعتيد ، ولئن لم تأخذ ما أعطيت بشكر لتنزعنّ عمّا نكره بصغر ، فقال : أخرجوه عنّي ، فأخرج ، فقالت فاختة : ما أجرأ هذا وأقوى قلبه!! فقال معاوية : ما ذاك إلَّا لإدلاله بطاعة قومه له ، ثمّ أمر الحاجب فأدخل عليه رجلا من ربيعة يقال له جارية ، فقال له معاوية : إيه يا جويرية ، أنت الذي بلغني عنك تخبيب للجند وقلَّة من الشكر؟ فقال : وعلام نشكر؟ ما تعطي إلَّا مداراة ولا تحلم

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 51 ص 102 ، والمسعودي ،مروج الذهب ، ج 3 ص 41 ، البلاذري ،انساب الاشراف ، ج 5 ص 20 ، 85 ، ابن قتيبة الدينوري ،عيون الاخبار ، دار الكتب العلمية 2003 م ، 1 / 6263 ، 397 ، تاريخ الطبري 4 / 249 ، الفاضل للمبرد / 87 ، نهاية الارب 6 / 16.


الَّا مصانعة ، فاجهد جهدك ، فإنّ ورائي من ربيعة ركنا شديدا لم تصدأ أدرعهم مذ جلوها ، ولا كلَّت سيوفهم مذ شحذوها ، فقال : أخرجوه ، ثمّ أمر معاوية حاجبه فأدخل إليه رجلا من أهل اليمن يقال له عبد الله ، فقال له : إيه يا عبيد السوء ، ألحقتك بالأقوام وأطلقت لسانك بالكلام ، ثمّ يبلغني عنك ما يبلغني من سوء الإرجاف؟! لقد هممت أن أخرجك وأنت عبرة لأهل الشام ، فقال : أيا معاوية ألهذا دعوتني ، ثم صغّرت اسمي ولم تنسبني إلى أبي؟ وإنّما سمّيت معاوية باسم كلبة عاوت الكلاب ، فأربع على ظلعك فذلك خير لك ، فقال لحاجبه : أخرجه ، فقالت فاختة : صانع الناس بجهدك ، وسسهم برفقك وحلمك ، فأخزى الله من لامك.(1)

وروى العُتبي عن أبيه قال قال معاوية لقريش : الا اخبركم عني وعنكم؟ قالوا بلى قال : فانا أطير إذا وقعتم واقع إذا طرتم ولو وافق طيراني طيرانكم سقطنا جميعا.(2)

وروى ابو الفرج لما تم الصلح بين الحسن ومعاوية ارسل إلى قيس بن سعد يدعوه إلى البيعة ، فجاءه وكان رجلا طوالا يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطان في الأرض وما وجهه طاقه شعر ، وكان يسمى خصي الأنصار ، فلما أرادوا إدخاله إليه قال سعد اني حلفت الا ألقاه الا وبيني وبينه الرمح أو السيف ، فأمر معاوية برمح وسيف فوضعا بينه وبينه ليبر (قيس) يمينه.

وكان معاوية جالسا على سرير فقال له معاوية : أتبايع يا قيس؟ قال : نعم ، ووضع يده على فخذه ، ولم يمدها إلى معاوية ، فجاء معاوية من سريره ، وأكب على قيس حتى مسح يده على يده وما رفع إليه قيس يده.(3)

أقول : والشاهد في الروايات الآنفة الذكر هو المرونة التي أبداها معاوية مع قيس بن سعد في الموردين الأخيرين ومع غيره في الموارد السابقة فانه يكشف عن سياسة معاوية في السنوات العشر أيام الحسنعليه‌السلام .

__________________

(1) البلاذري ،انساب الاشراف ، ج 5 ص 106 ـ 107.

(2) ابن عبد ربه ،العقد الفريد ، ج 5 ص 113.

(3) أبو الفرج الاصبهاني ،مقاتل الطالبيين ، ص 70.


طرف من اخبار شيعة علي عليه‌السلام في سنوات الصلح

عكرشة بنت الأطش :

دخلت عِكرِشة بنت الأطش على معاوية وهي متوكئة على عكاز لها فسلمت عليه بالخلافة ، فقال لها معاوية : هية يا عكرشة الآن صرت أمير المؤمنين؟

قالت : نعم إذ لا عليَّ حيٌّ.

فقال لها معاوية : ألستِ صاحبة الكور المسدول ، والوسط المشدود والمتقلدة بالسيف ذي الحمائل ، وأنت واقفة بين الصفين يوم صفين تقولين :

أيها الناس عليكم أنفسكم ، لا يضركم من ضل إذ اهتديتم إنَّ معاوية دلف إليكم بعجم العرب ، غلف القلوب ، لا يعرفون الإيمان ولا يدرون ما الحكمة ، دعاهم بالدنيا فأجابوه ، واستدعاهم إلى الباطل فلبوه. فالله ، الله عباد الله في دين الله وإياكم والتواكل فإن ذلك نقض عرى الإٍلام وإطفاء نور الحق ، وإظهار الباطل ، وذهاب للسنة.

هذه بدر الصغرى ، والعقبة الأخرى ...

ثم قال : ما حملك على ذلك؟

قالت : يا أمير المؤمنين ، يقول الله ، عز وجل( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) المائدة / 101 ، إنَّ اللبيب إذا كره شيئاً لا يحب إعادته.

قال : صدقت ، اذكري حاجتك.

قالت يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى جعل صدقاتنا على فقرائنا ومساكيننا ، وردَّ أموالنا فينا إلا بحقها ، وإنّا فقدنا ذلك ، فما ينتعش لنا فقير ولا ينجبر لنا كسير ، فإن كان ذلك من رأيك فمثلك من انتبه من الغفلة ، وراجع العقل وإن كان عن غير رأيك فما مثلك من استعان بالخونة ، واستعمل الظلمة.

قال معاوية : يا هذه ، إنه تنوبنا النوائب هي أولى بنا منكم ، من بحور تنبثق ، وثغور تنفتق.


قالت : يا سبحان الله ما فرض الله لنا حقاً جعل فيه ضرراً على غيرنا ولو علم جل ثناؤه أنَّ في ما جعل لنا ضرراً على غيرنا لما جعله لنا ، هو علام الغيوب.

قال معاوية :

هيهات يا أهل العراق قد فقهكم علي بن أبي طالب فلن تطاقوا.

ثم أمر لها برد صدقاتها ، وإنصافها ، وضيَّفها ، وأطرفها ، وردها إلى أهلها مكرَّمة.(1)

دارمية الحجونية(2) :

بعث إليها فجيء بها ، فلما رآها قال لها :

كيف حالك يا بنت حام؟ قالت : بخير ، ولست لحام ، ولكني ابنة أبيك ، ولن يضر المرء نسب أمه.

قال : صدقت ، فهل تعلمين لِمَ بعثتُ إليك؟

قالت : يا سبحان الله العظيم ، لا يعلم الغيب إلا الله.

قال : بعثت إليك أسألك علام أحببت علياً وأبغضتني ، وعلام واليته وعاديتني؟

قالت : أو تعفيني يا أمير المؤمنين من ذلك؟!

قال : ما كنت بفاعل ، ولا أعفيك!

قالت : أما إذا أبيتَ عليَّ :

فإني أحببت عليّاً على عدله في الرعية وقسمته بالسوية ،

وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك ، وطلبك ما ليس لك ،

وواليت علياً على حبه المساكين وإعطائه أهل السبيل وفقهه في الدين وبذله الحق من نفسه ، وما عقد له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الولاية ،

__________________

(1) ابن طيفور ،بلاغات النساء ص 86. ابن عبد ربه ،العقد الفريد ج 1 ص 222 ، ابن بكار الضبي ،اخبار الوافدات من النساء ، مؤسسة الرسالة 1983 م ، ص 37 ، ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 73 ص 215.

(2) نسبة إلى داروم قلعة بعد غزة للقاص إلى مصر على ساحل البحر نزل بها بنو حام كما يظهر من قول معاوية يا بنت حام والحجون مكان معروف بمكة. كانت دارمية تنزل بها فنسبت إليها. هامش الغدير ج 2 ص 415.


وعاديتك على إرادتك الدنيا ، وسفكك الدماء ، وشقك العصا ...

ثم قال لها معاوية : هل رأيتِ علياً قط؟

قالت : إي والله لقد رأيتُه.

قال : كيف رأيتِه؟

قالت : رأيته شَثِنَ القدم والكف ، لم يعبَ بالملك ، ولم تشغله النعمة.

قال : فهل سمعتِ كلامه؟

قالت : نعم.

قال : كيف سمعتِه؟

قالت : كان يجلو القلوب من العمى كما يجلو الزيت الطست من الصدأ.

قالت : صدقت ، هل لك من حاجة؟

قالت : أو تفعل ذلك إذا سألتك؟

قال : نعم.

قالت : تعطيني مائة ناقة حمراء ، وألف راعية من رواعي فحولها وغلمانها.

قال لها معاوية : ما تصنعين بها؟

قالت : اغذوا بألبانها الصغار ، وأُتحِف بها الكبار ، وأُصلح بها بين العرب.

قال : فإن أعطيتِك هل أحلُّ منكِ محلَّ علي بن أبي طالبعليه‌السلام ؟

قالت : يا سبحان الله! أو دونه قليلاً؟

فأنشأ معاوية يقول :

إذا لم اجُدْ بالحلم مني عليكم

فمن ذا الذي بعدي يؤمَّل للحلم

خذيها هنيئاً ، واذكري فعل ماجد

حباكِ على حين العداوةِ بالسلم

ثم قال لها : والله لو كان علياً ما أعطاكِ شيئاً.

قالت : لا والله ، ولا وبرة واحدة من مال المسلمين يعطيني.

ثم أمر لها بما سألت ، وردها إلى منزلها مكرمة.(1)

__________________

(1) ابن طيفور ،بلاغات النساء ص 88. وابن عبد ربه ، العقد الفريد ج 1 ص 222 ـ 223. وابن بكار الضبي ،اخبار الوافدات من النساء ص 40.


سودة بنت عمارة الهمدانية :

لما دخلت على معاوية قال لها :

هيه يا ابنة الأشل ، ألست القائلة لأخيك يوم صفين :

شمر كفعل أبيك يا بن عمارة

يم الطعان وملتقى الأقران

وانصر علياً والحسين ورهطه

واقصد لهند وابنها بهوان

إن الإمام أخا النبي محمدٍ

علم الهدى ومنارة الإيمان

فَقِهِ الحتوفَ وسِرْ أمام لوائه

قُدُما بأبيضَ صارم وسنان؟

قالت : بلى يا أمير المؤمنين وما مثلي رغب عن الحق ، واعتذر بالكذب.

قال : فما حملك على ذلك؟

قالت : حب عليّعليه‌السلام ، واتباع الحق.

قال : والله ما أرى عليك من عليِّ أثرا!

قالت : أنشدك الله يا أمير المؤمنين وإعادة ما مضى وتذكار ما نُسِي.

قال : هيهات ما مثل مقام أخيك يُنسى ، وما لقيت من أحد ما لقيت من قومك.

قالت : صدق فوكَ يا أمير المؤمنين ، لم يكن أخي والله ذميم المقام ، ولا خفيَّ المكان هو والله كقول الخنساء :

وإن صخراً لتأتم الهداة به

كأنه علم في رأسه نار

فأطرقت ، ثم قالت : وأنا أسأل يا أمير المؤمنين إِعفائي مما استعفيته.

قال : قد فعلت ، فما حاجتك؟

قالت : يا أمير المؤمنين ، إنك أصبحت للناس سيداً ، ولأمورهم متقلداً والله سائلك عن أمرنا ، وما افترض عليك من حقنا ، ولا يزال يقدم علينا من ينوء بعزك ، يبطش بسلطانك ، فيحصدنا حصاد السنبل ، ويدوسنا دياس البقر ، ويسومنا الخسف ، ويسألنا الجليلة. هذا ابن أرطاة قدم ، فقتل رجالنا ، وأخذ أموالنا ، يقول لي. فوهى بما استعصم بالله منه وألجأ إليه فيه ولولا الطاعة لكان فينا عِز ومِنعَة. فأما عزلته فشكرناك ، وأما لافعرفناك.


فقال معاوية : أبقومك تهددين؟ لقد هممت أن أحملك على قتب أشرس ، فأدركك إليه فينفد فيك حكمه.

فبكت. ثم رفعت رأسها وهي تقول :

صلى الإله على روح تضمَّنَها

فبرٌ فأصبح فيها العدل مدفونا

قد حالف الحق لا يبغي به بدلا

فصار بالحق والإيمان مقرونا

قال : ومن ذلك؟

قالت : علي ابن أبي طالب.

قال : وما علمك به؟

قالت : أتيته في رجل ولاه صدقاتنا ، لم يكن بيننا وبينه إلا ما بين الغث والسمين ، فوجدته قائماً يصلي ، فلما نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي برأفة وتعطف : ألك حاجة؟ فأخبرته الخبر. فبكى ثم قال : اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم ، إني لم آمرهم بظلم خلقك ، ولا بترك حقك.

ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب ، ثم كتب فيها :

بسم الله الرحمن الرحيم

(قد جاءكم بينة من ربكم :

( أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86)) هود / 85 ـ 86.

إذا أتاك كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك م عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام.

فأخذته والله ، وما خزمه بخزام ، ولا ختمه بطين.

فقال : رحم الله أبا الحسن. أكتبوا لها بالعدل.

قالت : لي خاصة ، أم لقومي عامةً.

قال : ما أنتِ وغيركِ؟


قالت : هي والله إذاً الفحشاء واللؤم إن كان عدلاً شاملاً ، وإلا فأنا كسائر قومي.

فقال :

هيهات يا أهل العراق ، لقد لمظكم علي بن أبي طالب الجرأة على السلطان فبكيء ما تفطمون.

أكتبوا لها ولقومها.(1)

الزرقاء بنت عدي بنت غالب بن قيس الهمدانية :

كتب معاوية إلى عامله بالكوفة أن يوفد إليه الزرقاء بنت عدي الهمدانية مع ثقة من ذوي محارمها وعدة من فرسان قومها فلما دخلت على معاوية قال : مرحبا وأهلا! قدمت خير مقدم قدمه وافد ، كيف حالك؟

قالت : بخير يا أمير المؤمنين أدام الله لك النعمة ، قال : كيف كنت في مسيرك؟ قالت : ربيبة بيت أو طفلا ممهدا ، قال : بذلك أمرناهم ، أتدرين فيم بعثت إليك؟

قالت : أنى لي بعلم ما لم أعلم؟ قال : ألست الراكبة الجمل الأحمر والواقفة بين الصفين [يوم صفين] تحضين على القتال وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟ قالت : يا أمير المؤمنين مات الرأس وبتر الذنب ، ولم يعد ما ذهب ، والدهر ذو غير ، ومن تفكر أبصر ، والأمر يحدث بعد الأمر ،

قال لها معاوية : [صدقتِ] أتحفظين كلامك؟ [يوم صفين] قالت : لا والله! لا أحفظه ، ولقد أنسيته ،

قال : لكني أحفظه ، لله أبوك! حين تقولين :

أيها الناس! ارعووا وارجعوا ، إن المصباح لا يضئ في الشمس ، ولا تنير الكواكب مع القمر ، ولا يقطع الحديد إلا الحديد ، إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها ، فصبرا يا معشر المهاجرين [والأنصار] على الغصص ، ألا وإن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء ، ولهذا اليوم ما بعده ، والصبر خير في الأمور عواقبا ، إيها في

__________________

(1) ابن عساكر ، تاريخ مدينة دمشق ج 73 ص 168 ـ 169. وابن بكار الضبي ، اخبار الوافدات من النساء ص 67. وابن عبد ربه ، العقد الفريد ، ج 1 ص 218.


الحرب قدما غير ناكصين ولا متشاكسين.

ثم قال لها : والله يا زرقاء! لقد شركت عليا في كل دم سفكه.

قالت : أحسن الله بشارتك وأدام سلامتك! فمثلك بشر بخير وسر جليسه ،

قال لها : أو يسرك ذلك؟ قالت : نعم والله لقد سررت بالخير ، فأنى لي بتصديق الفعل؟

فضحك معاوية ،

وقال : والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته!

اذكري حاجتك.

قالت : يا أمير المؤمنين آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا ، ومثلك أعطى عن غير مسألة وجاد من غير طلبة ،

قال : صدقت! وأمر لها وللذين جاؤوا معها بجوائز وكُسا.(1)

أم سنان بنت خيثمة :

روى أحمد بن أبي طاهر : أن مروان حبس غلاما من بني ليث ، فخرجت أم سنان جدته لأبيه إلى معاوية ،

فقال لها : ما أقدمك أرضي وقد عهدتك تشنأينني وتحضين علي عدوي؟

قالت : إن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة وأعلاما زاهرة ، لا يجهلون بعد علم ولا يسفهون بعد حلم ولا يتعقبون بعد عفو ، فأولى الناس باتباع سنن آبائه أنت ،

قال : صدقت نحن كذلك ، فكيف قولك :

عزب الرقاد فمقلتي ما ترقد

والليل يصدر بالهموم ويورد

يا آل مذحج لا مقام فشردوا

إن العدو لآل أحممد يقصد

__________________

(1) ابن عبد ربه ، العقد الفريد ، ج 1 ص 220. وابن طيفور ،بلاغات النساء : ص 49 وأكملناه من البلاغات. انظر ايضا محمد تقي التستري ،قاموس الرجال ، مؤسسة النشر الإسلامي جامعة مدرسين قم 1419 هـ ، ج 12 ص 259 ـ 260. وابن بكار الضبي ،اخبار الوافدات من النساء ص 63 ، وابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 73 ص 124.


هذا علي كالهلال يحفه

وسط السماء من الكواكب أسعد

هير الخلائق وابن عم محمد

وكفى بذاك لمن شناه تهدد

ما زال مذ عرف الحروب مظفرا

والنصر فوق لوائه ما يفقد

قالت : كان ذلك وأنا لنطمع بك خلفا.

فقال رجل من جلسائه : كيف؟ وهي القائلة :

أما هلكت أبا الحسين فلم تزل

بالحق تعرف هاديا مهديا

فاذهب عليك صلاة ربك ما دعت

فوق الغصون حمامة قمريا

قد كنت بعد محمد خلفا لنا

أوصى إليك بنا فكنت وفيا(1)

قالت يا أمير المؤمنين لسان نطق وقول صدق ولئن تحقق فيك ما ظنناه لحظك الأوفر والله ما أورثك الشنآن في قلوب المسلمين إلا هؤلاء فأدحض مقالتهم وأبعد منزلتهم فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا ومن المؤمنين حبا.

قال وإنك لتقولين ذلك.

قالت يا سبحان الله والله ما مثلك من مدح بباطل ولا اعتذر إليه بكذب وإنك لتعلم ذلك من رأينا وضمير قلوبنا كان والله علي أحب إلينا منك وأنت أحب إلينا من غيرك.

قال ممن :

قالت من مروان ابن الحكم وسعيد بن العاص.

قال وبم استحققت ذلك عندك.

قالت بسعة حلمك وكريم عفوك.

قال وإنهما يطمعان في ذلك.

قالت هما والله لك من الرأي علي مثل ما كنت عليه لعثمان بن عفان رحمه الله تعالى.

__________________

(1) ابن طيفور ،بلاغات النساء ص 79. ابن عبد ربه ،العقد الفريد ، ج 1 ص 221. ومحمد تقي التستري ،قاموس الرجال ج 12 ص 210. وابن بكار الضبي ،اخبار الوافدات من النساء ص 23. وابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 74 ص 182.


قال والله لقد قاربت فما حاجتك؟

قالت يا أمير المؤمنين إن مروان تبنَّك(1) بالمدينة تبنك من لا يريد منهما البراح لا يحكم بعدل ولا يقضي بسنة يتتبع عثرات المسلمين ويكشف عورات المؤمنين حبس ابن ابني فأتيتته فقال كيت وكيف فألقمه أخشن من الحجر وألعقته أمر من الصبر ثم رجعت إلي نفسي باللائمة وقلت لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولي بالعفو منه فأتيتك يا أمير المؤمنين لتكون في أمري ناظرا وعليه معديا.

قال صدقت لا أسألك عن ذنبه ولا عن القيام بحجته اكتبوا لها بإطلاقه.

قالت يا أمير المؤمنين وأنى لي بالرجعة وقد نفذ زادي وكلت راحلتي فأمر لها براحلة موطأة وخمسة آلاف درهم.(2)

أروى بنت الحارث :

قال ابن أبي طاهر طيفور روى ابن عائشة عن حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن انس بن مالك قال دخلت أروى بنت الحارث بن عبد المطلب على معاوية بن أبي سفيان بالموسم وهي عجوز كبيرة.

فلما رآها معاوية قال : مرحبا بك يا خالة! كيف كنت بعدي؟

قالت : كيف أنت يا ابن أختي؟ لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك ، بلا بلاء كان منك ولا من آبائك في ديننا ولا سابقة كانت لكم ، بل كفرتم بما جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فأتعس الله منكم الجدود وأصغر منكم الخدود ، ورد الحق إلى أهله ، فكانت كلمتنا هي العليا ، ونبينا هو المنصور على من ناواه ، فوثبت قريش علينا من بعده حسدا لنا وبغيا ، فكنا بحمد الله ونعمته أهل بيت فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان سيدنا فيكم بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى ، وغايتنا الجنة وغايتكم النار ...

__________________

(1) تبنك : أي تمكن.

(2) أحمد زكي صفوت ،جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة ، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده ط 1 ، 1352 هـ / 1923 م ، ج 2 ص 379.


ثم قال : يا خالة اقصدي لحاجتك ودعي أساطير النساء عنك.

قالت : تعطيني ألفي دينار وألفي دينار وألفي دينار. قال : ما تصنعين بألفي دينار؟

قالت : أزوج بها فقراء بني الحارث بن عبد المطلب.

قال : هي كذلك ، فما تصنعين بألفي دينار؟

قالت : استعين بها على شدة الزمان وزيارة بيت الله الحرام.

قالت : قد أمرت بها لك ، فما تصنعين بألفي دينار؟

قالت : أشتري بها عينا خرارة في أرض حوارة تكون لفقراء بني الحارث بن عبد المطلب.

قال : هي لك يا خالة ، أما والله لو كان ابن عمك علي ما أمر بها لك!

قالت : تذكر عليا فضل الله فاك وأجهد بلاك! ثم علا نحيبها وبكاؤها ، وجعلت تقول :

ألا يا عين ويحك فاسعدينا

ألا فابكي أمير المؤمنينا

رزئنا خير من ركب المطايا

وجال بها ومن ركب السفينا

ومن لبس النعال ومن حذاها

ومن قرأ المثاني والمئينا

إذا استقبلت وجه أبي حسين

رأيت البدر راق الناظرينا

...

كأن الناس إذ فقدوا عليا

نعام جال في بلد سنينا

فلا والله لا أنسى عليا

وحسن صلاته في الراكعينا

لقد علمت قريش حيث كانت

بأنه خيرها حسبا ودينا

قال : فبكى معاوية! ثم قال : يا خالة لقد كان كما قلت وأفضل.(1)

أم الخير بنت الحريش بن سراقة :

لما قدمت على معاوية قالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين.

__________________

(1) ابن بكار الضبي ،اخبار الوافدات من النساء ص 47. وابن عبد ربه ،العقد الفريد ج 1 ص 225. وابن طيفور ،بلاغات النساء ص 27. ومحمد تقي التستري ،قاموس الرجال ، ج 12 ص 181.


فقال : وعليكِ السلام ، وبالرغم منكِ والله دعوتِني أمير المؤمنين.

قالت : يام أمير المؤمنين مَهْ ، فإنَّ بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه.

قال : صدقت. كيف حالك يا خالة؟ وكيف كنت في مسيرك؟

قالت : بخير لم أزل في عافية ، وسلامة حتى أدتني إليك الرِّكاب.

قال : أخبريني كيف كان كلامُك يوم قتل عمار بن ياسر؟

قالت : لم أكن رويته قبل ، ولا درسته بعد ، وإنها كانت كلمات نفثهن لساني حين الصدمة ، فإن أحببت أن أحدث لك مقالاً غيره فعلت.

قال : لا.

ثم التفت إلى أصحابه فقال : أيكم يحفظ كلامها؟

فقال رجل من القوم : يا أمير المؤمنين ، أنا أحفظه كحفظي سورة الحمد.

قال : هاته. قال : نعم ، كأني بها في ذلك اليوم وعليها برد زبيدي كثيف الحاشية ، وهي على جمل ، وبيدها سوط ، وهي كالفحل يهدر في شقشقته ، وهي تقول :

... هلموا ، رحمكم الله إلى الإمام العدل ، والتقيِّ الوفي ، والصدِّيق الوصي إنها إحَن بدرية ، وضغائن جاهلية ، وأحقاد أحدية ، وثب بها معاوية عند الغفلة ، ليدرك بها الفرصة من ثارات بني عبد شمس ثم قالت :( وَإِن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ ) التوبة / 12.

... أيها الناس أفراراً عن ابن عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وزوج إبنته ، وأبي سبطيه. خُلق والله من طينته ، وتفرع من نبعته ، وخصه بسره وجعله باب مدينته ، و (علم) بحبه (المؤمنين) ، وأبان ببغضه المنافقين.(1)

__________________

(1) ابن طيفور ، بلاغات النساء ص 52.أقول : في النص (وعلم بحبه المسلمين) ولكنني اخترت لفظة (المؤمنين) حيث ورد في الحديث النبوي (لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن) ابن الاثير ، ، جامع الأصول ، مكتبة الحلواني ـ مطبعة الملاح ـ مكتبة دار البيان 1972 م ، ج 8 ص 494. محمد تقي التستري ، قاموس الرجال ج 12 ص 202. ابن بكار الضبي ،اخبار الوافدات من النساء ص 27. ابن عبد ربه ،العقد الفريد ، ج 1 ص 223. ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 74 ص 172.


أم البراء بنت صفوان بن هلال :

عن جعدة بن هبيرة المخزومي ، قال : استأذنت أم البراء بنت صفوان بن هلال على معاوية ، فأذن لها ، فدخلت في ثلاثة دروع تسحبها قد كارت على رأسها كورا كهيئة المنسف ، فسلمت ثم جلت ، فقال : كيف أنت يا بنت صفوان؟ قالت : بخير يا أمير المؤمنين ، قال : فكيف حالك؟ قالت : ضعفت بعد جلد وكسلت بعد نشاط ،

قال : سيان بينك اليوم وحين تقولين :

يا عمرو دونك صارما ذا رونق

عضب المهزة ليس بالخوار

أسرج جوادك مسرعا ومشمرا

للحرب غير معرد لفرار

أجب الإمام ودب تحت لوائه

وافر العدو بصارم بتار

يا ليتني أصبحت لست بعورة(1)

فأذب عنه عساكر الفجار

قالت : قد كان ذاك يا أمير المؤمنين ومثلك عفا ، والله تعالى يقول : عفا الله عما سلف.

قال : هيهات! أما إنه لو عاد لعدت ، لكنه اخترم دونك ، فكيف قولك حين قتل؟

قالت : نسيته يا أمير المؤمنين.

فقال بعض جلسائه : هو والله حين تقول يا أمير المؤمنين :

يا للرجال لعظم هول مصيبة

فدحت فليس مصابها بالهازل

الشمس كاسفة لفقد إمامنا

خير الخلائق والإمام العادل

يا خير من ركب المطي ومن مشى

فوق التراب لمحتف أو ناعل

حاشا النبي لقد هددت قواءنا

فالحق أصبح خاضعا للباطل

فقال معاوية : قاتلك الله يا بنت صفوان! ما تركت لقائل فقال مقالا ، اذكري حاجتك.

قالت : هيهات بعد هذا! والله لا سألتك شيئا. ثم قامت فعثرت ،

__________________

(1) في كتاب القشلندي ،صبح الاعشى في صناعة الانشا ، دار الكتب العلمية بيروت ، ج 1 ص 308 «لست قعيدة».


فقالت : تعس شانئ علي ، فقال : يا بنت صفوان (زعمت ان لا تعودي إلى ما كنت عليه في أيام علي فما هذا الكلام)(1) .

قالت : هو ما علمت.

فلما كان من الغد بعث إليها بكسوة فاخرة ودراهم كثيرة وقال : إذا أنا ضيعت الحلم فمن يحفظه؟.(2)

ضرار بن ضمرة :

ذكر أبو عمر بن عبد البر في كتاب الاستيعاب(3) قال : قال معاوية لضرار الصدائي : يا ضرار صف لي عليا ، قال : اعفني يا أمير المؤمنين ، قال : لتصفنه ، قال : أما إذ لابد من وصفه :

فكان والله بعيد المدى ، شديد القوى ،

يقول فصلا ، ويحكم عدلا ،

يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ،

ويستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته ،

وكان غزير العبرة ، طويل الفكرة ،

يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن.

كان فينا كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه ، وينبئنا إذا استنبأناه ، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبه له.

يعظم أهل الدين ويقرب المساكين.

لا يطمع القوي في باطله ولا ييئس الضعيف من عدله.

وأشهد اني لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا

__________________

(1) ما بين القوسين من كتابجواهر المطالب في فضائل الامام علي لاحمد بن علي الدمشقي الباعوني الشافعي ، دانش قم 1415 هـ ، ص 257.

(2) ابن طيفور ، بلاغات النساء : ص 76 ، الباعوني ،جواهر المطالب ، 257 ، القشلندي ،صبح الاعشى ت 871 ج 1 / 308.

(3) ابن عبد البر ،الاستيعاب ، ج 2 ص 52.


على لحيته يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول يا دنيا غري غيري أبي تعرضت أم إلي تشوفت.

هيهات هيهات قد باينتك ثلاثا لا رجعة فيها ، فعمرك قصير وخطرك قليل.

آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.

فبكى معاوية وقال رحم الله أبا الحسن كان والله كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟

قال حزن من ذبح ولدها وهو في حجرها.(1)

عدي بن حاتم الطائي :

روى ابن عساكر :

قال : دخل عدي بن حاتم على معاوية وكانت عينه أصيبت يوم الجمل ،

فلما دخل قال له ابن الزبير متى أصيبت عينك يا أبا طريف ،

قال يوم قتل أبوك وضُرِبتَ على قفاك وأنت مولي ،

فضحك معاوية ، وقال له ما فعلت الطرفات يا أبا طريف؟

قال : قُتِلوا.

قال ما أنصفك ابن أبي طالب أن قُتل بنوك معه وبقي له بنوه؟

قال : إن كان ذلك لقد قتل وبقيت أنا من بعده.(2)

__________________

(1) قال ابن أبي الحديد فيشرح نهج البلاغة ج 18 ص 331 : بعد ان أورد وصف ضرار : إن الرياشي روى خبره ، ونقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الحلبي في «التذييل على نهج البلاغة ، ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 278. أبو نعيم ،حلية الأولياء ، ج 1 ص 126 ، المسعودي ، مروج الذهب ج 2 ص 546 ، ذكر أبو مخنف لوط بن يحيى وغيره من الأخباريين أن الأمر لما أفضى إلى معاوية أتاه أبو الطفيل الكناني فقال له معاوية : كيف وَجدُك على خليلك أبي الحسن. قال : كوجد أم موسى على موسى ، وأشكو إلى الله التقصير. المسعودي ،مروج الذهب ج 3 ص 14 ، قال مُعاوية لأبي الطُّفيل : كيف وَجْدُك على عليّ؟ قال : وَجدُ ثمانين مُثْكِلا ؛ قال : فكيف حُبُّك له؟ قال : حُبّ أم موسى ، وإلى الله أشْكو التَقْصير. ابن عبد ربه ،العقد الفريد ج 3 ص 216.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 78 ، البلاذري ،انساب الاشراف ج 5 ص 127 ، المسعودي ،مروج الذهب ج 3 ص 7 ، ابن عبد ربه ،العقد الفريد ج 3 ص 215.


وقد روى ابن قتيبة كلام عدي في صفين : قال قام عدي بن حاتم ، فقال : أيها الناس ، إنه والله لو غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه ، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان ، وفي يديه من الله سبب ...

وقاتل أهل الجمل على النكث ، وأهل الشام على البغي ،

فانظروا في أموركم وأمره ، فإن كان له عليكم فضل ، فليس لكم مثله ، فسلموا له ، وإلا فنازعوا عليه ،

والله لئن كان إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما ،

ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي الله ، والرأس في الإسلام ،

ولئن كان إلى الزهد والعبادة ، إنه لأظهر الناس زهدا ، وأنهكهم عبادة ،

ولئن كان إلى العقول والنحائز إنه لأشد الناس عقلا ، وأكرمهم نحيزة ،

ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفا ونجدة.(1)

الأحنف بن قيس :

قال الأحنف بن قيس دخلت على معاوية فقدم لي من الحار والبارد والحلو والحامض ما كثر تعجبي منه ثم قدم لونا لم اعرف ما هو.

فقلت ما هذا؟

فقال مصارين البط محشوة بالمخ قد قلي بدهن الفستق وذر عليه بالطبرزد.

فبكيت فقال ما يبكيك؟

قلت ذكرت عليا بينا أنا عنده وحضر وقت الطعام وإفطاره وسألني المقام فجئ له بجراب مختوم

فقلت ما في هذا الجراب؟

قال سويق شعير.

قلت خفت عليه ان يؤخذ؟ أم بخلت به؟

__________________

(1) ابن قتيبة ،الامام والسياسة ، الشريف الرضي قم 1413 ، ج 1 ص 141.


فقال لا ولا احدهما ولكني خفت ان يلته الحسن والحسين بسمن أو زيت.

فقلت محرم هو يا أمير المؤمنين؟

فقال لا ولكن يجب على أئمة الحق ان يعدوا انفسهم من ضعفة الناس لئلا يطغي الفقير فقره.

فقال معاوية ذكرت ما لا ينكر فضله.(1)

معاوية يطلب من ابن عباس ان يخبره عن عليعليه‌السلام

روى ابن شاذان عن عبد الملك بن عمير ، عن أبيه ، عن ربعي ، عن خراش قال : سأل معاوية ابن عباس قال : فما تقول في علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

قال : أبو الحسنعليه‌السلام علي ، كان والله علم الهدى ، وكهف التقى ، ومحل الحجى ، ومحتد الندا ، وطود النهى ، وعلم الورى ، ونورا في ظلمة الدجى ، وداعيا إلى المحجة العظمى ، ومستمسكا بالعروة الوثقى ، وساميا إلى المجد والعلا ، وقائد الدين والتقى وسيد من تقمص وارتدى ، بعل بنت المصطفى ، وأفضل من صام وصلى ، وأفخر من ضحك وبكى ، صاحب القبلتين ، فهل يساويه مخلوق كان أو يكون.

كان والله كالأسد مقاتلا ولهم في الحروب حاملا على مبغضيه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين إلى يوم التناد.

إيضاح : المحتد بالكسر الأصل ، والندا : العطاء ، والطود الجبل العظيم.(2)

حوار بين معاوية وقيس بن سعد بن عبادة

وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا حسن ، فلقد كان هشا بشا ، ذا فكاهة.

قال قيس : نعم ، كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يمزح ويبتسم إلى أصحابه ، وأراك تسر حسوا في ارتغاء ، وتعيبه بذلك!

__________________

(1) المرعشي ،شرح إحقاق الحق ، مكتبة المرعشي النجفي قم ، ج 32 ص 261 ، نقلا عن التذكرة الحمدونية للعلامة ابن حمدون ص 69.

(2) شاذان بن جبرئيل القمي ،الروضة في فضائل أمير المؤمنين ، 1423 هـ ، 74.


أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى ، تلك هيبة التقوى ، وليس كما يهابك طغام أهل الشام!(1)

نماذج من أحاديث حملة الحديث من الكوفيين

الذين دخلوا الشام

يعلى بن مرة الثقفي :

يعلى بن مرة بن وهب بن جابر بن عتاب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي وهو ثقيف أبو المرازم الثقفي ، له صحبة عداده في أهل الكوفة وقيل في أهل البصرة وله بها دار شهد مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الحديبية وخيبر والفتح وحنينا والطائف وروى عنه أحاديث ت س ق وعن علي بن أبي طالب.

روى عنه أبو قابت أيمن بن ثابت وراشد بن سعد بخ وسعيد بن راشد ت ق ويقال بن أبي راشد مولى آل معاوية وعبد الله بن حفص بن أبي عقيل الثقفي س وابناه عبد الله بن يعلى بن مرة وعثمان بن يعلى بن مرة ت وعطاء بن السائب قد مرسل وعياض أبو أشرس السلمي ومحمد ويقال محمود بن أبي جبيرة والمنهال بن عمرو الأسدي ق مرسل ويونس بن خباب ق كذلك وأبو البختري قد وأبو حفص بن عمرو ت س على خلاف فيه ذكره محمد بن سعد في الطبقة الثالثة من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من ثقيف وقال أسلم وشهد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الحديبية وبيعة الرضوان وخيبر وفتح مكة والطائف وحنينا وكان فاضلا.(2)

قال البخاري قال لنا أبو صالح نا معاوية بن صالح الحضرمي الحمصي قاضي الاندلس ت (158)(3) عن راشد بن سعد الحمصي (ت 114) عن يعلى بن مرة قال خرجنا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فدعينا لطعام قال فإذا الحسين يلعب في الطريق فأسرع

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 1 ص 25.

(2) المزي ،تهذيب الكمال ، مؤسسة الرسالة بيروت 1985 م ، ج 32 ص 398.

(3) كان معاوية بن صالح قد انهزم الى الاندلس من (حمص) مع عبد الرحمن بن معاوية والي الأندلس ، وثقه أحمد بن حنبل وقال ابن عدي هو عندي صدوق. قال الذهبي : قلت لم يحتج به البخاري ، توفي سنة ثمان وخمسين ومائة وكان من أوعية العلم ومن معادن الصدق رحمه الله تعالى.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إمام القوم يعني ثم بسط يديه فجعل حسين يمر مرة ههنا ومرة ههنا والنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يضاحكه حتى أخذه فجعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه ثم اعتنقه فقبله وقال : حسين مني وأنا منه (من حسين) أحب الله من أحب الحسي (حسين) الحسن والحسين سبطان من الأسباط.(1)

أقول : اما راوي الحديث عن يعلى فهو (راشد بن سعد المقرائي الحبري الحميري) من أهل حمص قال ابن سعد كان ثقة مات سنة 108 وذكره بن حبان في الثقات وقال (مات سنة 13 أي بعد المائة وكذا أرخه أبو عبيد وخليفة والحربي وابن قانع وقد ذكر البخاري أنه شهد صفين مع معاوية).(2) وشهد المقرائي صفين مع معاوية وهو ابن العشرين ، ومن الطبيعي ان يلتقي المقرائي الحمصي مع يعلى بن مرة في سنوا الصلح بين سنة 40 وسنة 50 هجرية.

وليعلى بن مرة روايات أخرى لابد انه قد حدق بها في الشام منها :

ما رواه ابن الاثير عن أبي العباس بن عقدة حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة حدثنا حسن بن زياد عن عمرة بن سعد النصري عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه (عبد الله بن يعلى)(3) عن جده يعلى قال سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه فلما قد عليٌ الكوفة نشد الناس فانتشد له بضعة عشر رجلا فيهم أبو أيوب صاحب منزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وناجية بن عمرو الخزاعي أخرجه أبو نعيم وأبو موسى.(4)

وروى هذا الحديث ابن حجر بترجمة ناجية بن عمرو الخزاعي قال ذرك بن عقدة في كتاب الموالات وأخرج من طريق عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول من كنت مولاه فعلي مولاه فلما قدم

__________________

(1) المزي ،تهذيب الكمال ، ج 32 ص 398.

(2) الزي ،تهذيب الكمال ، ج 3 ص 435 ـ 436.

(3) ابن حبان ،المجروحين ، تحقيق محمود إبراهيم زايد ، دار الوعي حلب ، 1396 ، ج 2 ص 25 عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي يروي عن أبيه عداده في أهل الكوفة روى عنه ابنه عمر بن عبد الله لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد لكثرة المناكير في روايته على أن ابنه واه أيضا فلست أدري البلية فيها منه أو من ابنه.

(4) ابن الاثير ،اسد الغابة ، ج 5 ص 6.


علي الكوفي نشد الناس فانتشدنا له بضعة عشر رجلا منهم أبو أيوب وناجية بن عمرو الخزاعي.(1)

وما رواه ابن عدي قال ثنا محمد بن جعفر بن يزيد المطيري ، ثنا إبراهيم بن سليمان النهمي الكوفي ، ثنا عبادة بن زياد ، ثنا عمر بن سعد ، عن عمر بن عبد الله الثقفي ، عن أبيه ، عن جده يعلى بن مرة الثقفي قال : سمعت ـ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : (من أطاع عليا فقد أطاعني ومن عصى عليا فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أحب عليا فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغض عليا فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا كافر أو منافق).(2)

وما رواه الخطيب البغدادي بسنده عن عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيهي عن جده. وعن أنس بن مالك قالا : أهدي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم طير ، ما نراه إلا حبارى. فقال : (اللهم ابعث إلي أحب أصحابي إليك يواكلني هذا الطير).(3)

وما رواه ابن حبان وأخرجه عن أبي حاتم بسنده عن أبي يعلى قال : حدثنا سهل بن زنجلة قال : حدثنا الصباح بن محارب عن عمر بن عبد الله بن أبي يعلى بن مرة ع أبيه عن جده «أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم آخى بين الناس وترك عليا آخرهم لا يرى أن له أخا فقال : يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني قال : ولم تراني تركتك؟ لنفسي أنت أخي وأنا أخوك فإن حاجك أحد فقل إني أخو عبد الله ورسوله لا يدعيها أحد بعدك إلا كذاب.(4)

ومنها ما رواه الشوكاني قال وأخرج ابن أبي حاتم عن يعلي بن مرة قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «رأيت بني أمية على منابر الأرض وسيملكونكم فتجدونهم أرباب سوء. واهتم رسول الله صلى الله علي هوآله وسلم لذلك.(5)

__________________

(1) ابن حجر ، الاصابة ، ج 6 ص 401.

(2) ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ، دار الفكر بيروت 1988 م ، ج 5 ص 560 برقم / 1182.

(3) الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، ج 11 ص 375.

(4) ابن حبان ، المجروحين ، ج 2 ص 91 ـ 92.

(5) الشوكاني ، فتح القدير ، عالم الكتب ، ج 3 ص 240.


وما رواه الحاكم النيسابوري قال : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحجازي بحمص ، ثنا بقية بن الوليد عن أبي بكر بن مريم ، عن راشد بن سعد عن أبي ذر قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : «إذا بلغت بنو أمية أربعين تخذوا عباد الله خولا ومال الله خولا وكتاب الله دخلا».(1)

ومنها : ما رواه عبد الرزاق الصنعاني عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حفص عن يعلي بن مرة قال اجتمعنا ـ أصحاب علي ـ فقلنا لو حرسنا أمير المؤمنين فإنه محارب ولا نأمن عليه أن يغتال قال فبتنا عند باب حجرته حتى خرج لصلاة الصبح قال فقال ما شأنكم؟ فقلنا له حرسناك يا أمير المؤمنين فإنك محارب وخشينا أن تغتال فحرسناك فقال أفمن أهل السماء تحرسوني أم من أهل الأرض؟ قال فقلنا بل من أهل الأرض وكيف نستطيع أن نحرسك من أهل السماء قال فإنه لا يكون في الأرض شيء حتى يقدر في السماء وليس من أحد إلا وقد وكل به ملكان يدفعان عنه ويكلانه حتى يجئ قدره فإذا جاء قدره خليا بينه وبين قدره.(2)

ورواه ابن عساكر قال ونا أبو داود نا محمد بن بشار نا عبد الرحمن نا زائدة بن قدامة عن عطاء بن السائب عن أبي البختري عن يعلى بن مرة قال كان علي يخرج بالليل إلى المسجد ليصلي تطوعا وكان الناس يفعلون ذلك حتى كان شبث الحروري فقال بعضنا لبعض لو جعلنا علينا عقبا يحضر كل ليلة منا عشرة فكنت في أول من حضر فألقى درته ثم قام يصلي فلما فرغ أتانا فقال ما يجلسكم قلنا نحرسك فقال من أهل السماء قال فإنه لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى في السماء وإن علي من الله جنة حصينة فإذا جاء أجلي كشف عني وإنه لا يجد عبد طعم الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه ليكن ليصيبه.

قال وحدثنا أبو داود نا محمد بن كثير نا همام عن عطاء بن السائب عن يعلى بن مرة قال ائتمرنا أن نحرس عليا كل ليلة عشرة قال فخرج فصلى كما كان يصلي

__________________

(1) الحاكم النيسابوري ،المستدرك على الصحيحين ، ج 4 ص 480. والطبراني ،المعجم الكبير ج 19 ص 897.

(2) عبد الرزاق الصنعاني ،تفسير القرآن ، تحقيق : الدكتور مصطفى مسلم محمد 1989 ، ج 2 ص 332 ـ 333.


ثم أتانا فقال ما شأن السلاح وساق نحو حديث قبله قال لا يجد عبد أو يذوق حلاوة الإيمان حتى يستقين يقينا غير ظان أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، قال وقال قتادة إن آخر ليلة أتت على علي قال جعل لا يستقر فارتاب به أهله فجعل يدس بعضهم إلى بعض حتى اجتمعوا قال فناشدوه فقال إنه ليس من عبد إلا ومعه ملكان يدفعان عنه ما لم يقدر أو قال ما لم يأت القدر فإذا أتى القدر خليا بينه وبين القدر قال وخرج إلى المسجد يعني فقتل.(1)

زيد بن وهب أبو سليمان الجهني (84 هـ) :

قال الخطيب في تاريخ بغداد 8 / 441 زيد بن وهب أبو سليمان الهمداني ثم الجهني جاهلي ذُكِر أنه رحل إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقبض وهو في الطريق وأسلم. وكان قد نزل الكوفة وحضر مع علي بن أبي طالب الحرب بالنهروان.

وقال ابن سعد زيد بن وهب الجهني ويكنى أبا سليمان. شهد مع علي بن أبي طالب مشاهده. في ولاية الحجاج بعد الجماجم وكان ثقة كثير الحديث.(2)

وقال المزي : قال عبد الرحمن بن يوسف بن خراض كوفي ثقة دخل الشام.(3)

وقال ابن حجر : اتفقوا على توثيقه مات سنة ست وتسعين.(4)

وقال الذهبي : وكان ثقة كثير العلم(5) ، وقال أيضا متفق على الاحتجاج به الا ما كان من يعقوب الفسوي فانه قال في حديثه خلل كثير ولم يصيب الفسوي.(6) وقال أيضا : 287 ع / زيد بن وهب ، تابعي جليل ثبت وإنما أوردته (أي في الضعفاء) لأن يعقوب الفسوي قال في تاريخه : (في حديثه خلل كثير ثم ذكر له قول عمر بالله يا حذيفة أنا من المنافقين) قال : وهذا محال أخاف أن يكون كذبا رواه الأعمش عنه ، قال

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 42 ص 552 ـ 553.

(2) محمد بن سعد ،الطبقات الكبرى ، ج 6 ص 414.

(3) المزي ،تهذيب الكمال ، ج 3 ص 707.

(4) ابن حجر ،الاصابة ، 2 / 270.

(5) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ، دار الكتب العلمية بيروت 1998 م ، ج 1 ص 53.

(6) الذهبي ،ميزان الاعتدال ، تحقيق علي محمد البجاوي ، دار المعرفة بيروت 1963 م ، ج 2 ص 107.


ومما يستدل به على ضعف حديثه روايته عن حذيفة إن خرج الدجال تبعه من كان يحب عثمان) وهذا الذي استنكره الفسوي ما استنكره أحد ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا السنن بالوهم).(1)

قال الشيخ الطوسي زيد الجهني له كتاب خطب أمير المؤمنين على المنابر في الجمع والأعياد وغيرها ، أخبرنا به أحمد بن محمد بن موسى عن أحمد بن سعيد بن عقدة عن يعقوب بن يوسف بن زياد الضبي عن نصر بن مزاحم المنقري عن عمرو بن ثابت عن عطية بن الحارث عن عمر بن سعد عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن أبي منصور الجهني عن زيد بن وهب قال : خطب أمير المؤمنين وذكر الخطب جميعها».(2)

أقول : قد نقل نصر بن مزاحم في كتاب صفين والطبري في تأريخه في موارد عديدة من كتابيهما عن مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب الجهني عن عليعليه‌السلام .

وروى الخطيب في تاريخ بغداد 8 / 441 عن الأعمش قال كنت إذا سمعت الحديث من زيد بن وهب فكأنك سمعته من الذي يحدث عنه. وفي رواية : لم يضرك أن لا تسمعه من صاحبه.

روى الخطيب في تاريخ بغداد 8 / 441 بسنده عن أبي عن سلمة بن كهيل الجعفي عن زيد بن وهب قال كنت مع علي بن أبي طالب يوم النهروان فنظر إلى بيت وقنطرة فقال هذا بيت بوران بنت كسرى وهذه قنطرة الديزجان قاقل حدثني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أني أسير هذا المسير وأنزل هذا المنزل.

وروى النسائي عن زكريا بن يحيى قال حدثنا عثمان قال حدثنا عبد الله بن نمير قال حدثنا مالك بن مغول عن الحارث بن حصيرة عن أبي سليمان الجهني قال سمعت عليا على المنبر يقول : أنا عبد الله وأخو رسولهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا يقولها إلا كذاب مفتري.(3)

__________________

(1) الذهبي ،المغني ، تحقيق أبي الزهراء حازم القاضي الضعفاء ، دار الكتب العلمية بيروت 1997 م ، ج 1 ص 384.

(2) الشيخ الطوسي ،الفهرست ، تحقيق الشيخ جواد القيومي ، الفقاهة قم 1417 هـ ، ص 72.

(3) النسائي ،السنن الكبرى ، دار الكتب العلمية 1991 م ، ج 5 ص 126.


قال أخبرنا محمد بن عبد الأعلى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن زيد وهو بن وهب عن علي بن أبي طالب قال لما كان يوم النهروان لقي الخوارج فلم يبرحوا حتى شجروا بالرماح فقتلوا جميعا قال علي اطلبوا ذا الثدية فطلبوه فلم يجدوه ، فقال علي ما كذبت ولا كذبت اطلبوه فطلبوه فوجدوه في وهدة من الأرض عليه ناس من القتلى فإذا رجل على يده مثل سبلات السنور فكبر علي والناس وأعجبهم ذلك.(1)

وقال أخبرنا العباس بن عبد العظيم قال حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل قال حدثنا زيد بن وهب أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي الذين ساروا إلى الخوارج ،

فقال علي : أيها الناس إني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول : سيخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم شيئا ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئا ، ولا صيامكم إلى صيامهم شيئا ، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لو يعلمون الجيش الذي يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهمصلى‌الله‌عليه‌وسلم لا تلكوا عن العمل ، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ، وليست له ذراع ، على رأس عضده مثل حلمة ثدي المرأة ، عليه شعرات بيض.

فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس فسيروا على اسم الله.

قال سلمة فنزلني زيد منزلا منزلا ، (قال) حتى مررنا على قنطرة فلما التقينا على الخوارج عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم. قال فسلوا السيوف وألقوا جفونها وشجرهم الناس يعني برماحهم فقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان.

قال علي التمسوا فيهم المخدج فلم يجدوه ، فقام علي بنفسه حتى أتى ناسا قتلى

__________________

(1) النسائي ،السنن الكبرى ، ج 5 ص 163.


بعضهم على بعض. قال جردوهم فوجدوه مما يلي الأرض. فكبر علي وقال صدق الله وبلغصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

فقام إليه عبيدة السلماني فقال يا أمير المؤمنين والله الذي لا إله إلا هو سمعت هذا الحديث من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

قال أي والله الذي لا إله إلا هو لسمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف له.(1)

وروى احمد في مسنده قال حدثنا عبد الله ثنا أحمد بن جميل أبو يوسف أخبرنا يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية عن عبد الملك بن أبي سليمان عن سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب قال لما خرجت الخوارج بالنهروان قام علي رضي الله تعالى عنه في أصحابه فقال ان هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس وهم أقرب العدو إليكم وان تسيروا إلى عدوكم أنا أخاف ان يخلفكم هؤلاء في أعقابكم إني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول تخرج خارجة من أمتي ليس صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء ولا قراءتكم إلى قراءتهم بشيء يقرؤون القرآن يحسبون انه لهم وهو عليهم لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية وآية ذلك ان فيهم رجلا له عضد وليس لها ذراع عليها مثل حلمة الثدي عليها شعرات بيض لو يعلم الجيش اللذين يصيبونهم ما لهم على لسان نبيهم لا تكلوا على العمل فسيروا على اسم الله فذكر الحديث بطوله.(2)

وقال النسائي أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى قال حدثنا الفضل بن دكين عن موسى بن قيس الحضرمي ن سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب قال خطبنا علي بقنطرة الديزجان فقال إنه (أي النبي) قد ذكر لي خارجة تخرج من قبل المشرق وفيهم ذو الثدية فقاتلهم فقالت الحرورية بعضهم لبعض لا تكلموه فيردكم كما ردكم يوم حروراء فشجر بعضهم بعضا بالرماح فقال رجل من أصحاب علي اقطعوا العوالي والعوالي الرماح فداروا واستداروا وقتل من أصحاب علي اثنا عشر رجلا أو ثلاثة عشر

__________________

(1) النسائي ،سنن الكبرى ، ج 5 ص 163.

(2) احمد بن حنبل ،مسند احمد ، ج 1 ص 474.


رجلا فقال علي التمسو المخدج وذلك في يوم شات فقالوا ما نقدر عليه فركب علي بغلة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم الشهباء فأتى وهدة من الأرض فقال التمسوه في هؤلاء فأخرج فقال ما كذبت ولا كذبت فقال اعملوا ولا تتكلوا لو لا أني أخاف أن تتكلوا لأخبرتكم بما قضى الله لكم على لسانه يعني النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولقد شهدنا ناس باليمن قالوا كيف يا أمير المؤمنين قال كان هواؤهم معنا.

وروى ابن أبي الحديد عن إبراهيم بن ديزيل في كتاب صفين عن الأعمش عن زيد بن وهب قال لما شجرهم عليعليه‌السلام بالرماح قال اطلبوا ذا الثدية فطلبوه طلبا شديدا حتى وجدوه في وهده من الأرض تحت ناس من القتلى فأتى به وإذا رجل على ثديه مثل سبلات السنور فكبر عليعليه‌السلام وكبر الناس معه سرورا بذلك.(1)

وفي المعجم الكبير قال حدثنا عبدان بن أحمد بن ثنا يحيى بن حاتم العسكري ثنا بشر بن مهران ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب عن ابن مسعود قال أول شيء علمت من أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قدمت مكة في عمومة لي فأرشدنا على العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه وهو جالس إلى زمزم فجلسنا إليه فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة له وفرة جعد إلى أنصاف أذنيه أشم أقنى أذلف براق الثنايا أدعج العينين كث اللحية دقيق المسربة شئن الكفين والقدمين عليه ثوبان أبيضان كأنه القمر ليلة البدر يمشي على يمينه غلام أمرد حسن الوجه مراهق أو محتلم تقفوهم امرأة قد سترت محاسنها حتى قصد نحو الحجر فاستلمه ثم استلم الغلام يديه وكبر وقام الغلام عن يمينه ورفع يديه وقامت المرأة خلفهما فرفعت يديها وكبرت وأطال القنوت ثم ركع فأطال الركوع ثم رفع رأسه من الركوع فقنت وهو قائم ثم سجد وسجد الغلام والمرأة معه يصنعان مثل ما يصنع ويتبعانه قال فرأينا شيئا لم نكن نعرفه فيكم أشيء حدث قال أجل والله أما تعرفون هذا قلنا لا قال هذا بن أخي محمد بن عبد الله

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 2 ص 447.


والغلام علي بن أبي طالب والمرأة خديجة بنت خويلد أم والله ما على ظهر الأرض أحد يعبد الله على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة.(1)

وقال حدثنا إبراهيم بن نائلة الأصبهاني ثنا إسماعيل بن عمرو البجلي ثنا أبو إسرائيل الملائي عن الحكم عن أبي سليمان زيد بن وهب عن زيد بن أرقم قال ناشد علي الناس في الرحبة من سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول الذي قال له فقام ستة عشر رجلا فشهدوا أنهم سمعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه قال زيد بن أرقم فكنت فيمن كتم فذهب بصري وكان علي رضي الله تعالى عنه دعا على من كتم.(2)

وفي فتح الباري أخرج البزار من طريق زيد بن وهب قال بينا نحن حول حذيفة إذ قال كيف أنتم وقد خرج أهل بيت نبيكم فرقتين يضرب بعضكم وجوه بعض بالسيف قلنا يا أبا عبد الله فكيف نصنع إذا أدركنا ذلك قال انظروا إلى الفرقة التي تدعو إلى أمر علي بن أبي طالب فانها على الهدى.(3)

وروى الطبري في حوادث سنة 37 قال أبو مخنف : حجثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب أن عليا قال : حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا. فقام في الناس عشية الثلاثة ليلة الأربعاء بعد العصر فقال :

الحمد لله الذي لا يبرم ما نقض ، وما أبرم لا ينقضه الناقضون ، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه ، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره ، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله ، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار فلفت بيننا في هذا المكان فنحن من ربنا بمرأى ومسمع فلوشاء عجل النقمة وكان منه التغيير حتى يكذب الله الظالم ويعلم الحق أين مصيره ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. إلا أنكم لاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام وأكثروا تلاوة القرآن وسلوا الله عز وجل النصر والصبر والقوهم بالجد والحزم وكونوا صادقين.

__________________

(1) الطبراني ،المعجم الكبير ، ج 10 ص 183.

(2) الطبراني ،المعجم الكبير ، ج 5 ص 171.

(3) ابن حجر ،فتح الباري ، ج 13 ص 66.


ثم انصرف.

ووثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها ...

قال : فلما كان من الليل خرج علي فعبى الناس ليلته كلها حتى إذا أصبح زحف بالناس وخرج إليه معاوية في أهل الشام فأخذ علي يقول : من هذه القبيلة ومن هذه القبيلة فنسبت له قبائل أهل الشام حتى إذا عرفهم ورأى مراكزهم قال للأزد : اكفوني الأزد ، وقال لخثعم : اكفوني خثعم. فأمر كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام إلا أن تكون قبيلة ليس منها بالشام أحد فيصرفها إلى قبيلة أخرى تكون بالشام ليس منهم بالعراق احد مثل بجيلة لم يكن بالشام منهم إلا عدد قليل فصرفهم إلى لخم.

قال أبو مخنف : حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن عليا خرج إليهم غداة الأربعاء فاستقبلهم فقال :

اللهم رب السقف المرفوع المحفوظ المكفوف ، الذي جعلته مغيضا لليل والنهار ، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم ، وجعلت سكانه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة.

ورب هذه الأرض التي جعلتها قرارا للأنام والهوام والأنعام وما لا يحصى مما لا يرى ومما يرى من خلقك العظيم.

ورب الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض.

ورب البحر المسجور المحيط بالعالم ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا وللخلق متاعا.

إن أطهرتنا على عدونا فجنبنا البغي ، سددنا للحق.

وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة واعصم بقية أصحابي من الفتنة.(1)

وفيه أيضا قال أبو مخنف : حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب الجهني أن ابن بديل قام في أصحابه فقال : ألا إن معاوية ادعى ما ليس أهله ، ونازع هذا الأمر من

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 3 ص 254.


ليس مثله ، وجادل بالباطل ليدحض به الحق ، وصال عليكم بالأعراب والأحزاب ، قد زين لهم الضلالة ، وزرع في قلوبهم حب الفتنة ، ولبس عليهم الأمر وزادهم رجسا إلى رجسهم ، وأنتم على نور من ربكم وبرهان مبين. فقاتلوا الطغاة الجفاة ولا تخشوهم ، فكيف تخشونهم وفي أيديكم كتاب الله عز وجل طاهرا مبرورا ، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ، قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين وقد قاتلناهم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مرة وهذه ثانية والله ما هم في هذه بأتقى ولا أزكى ولا أرشد قوموا إلى عدوكم بارك الله عليكم فقاتل قتالا شديدا هو وأصحابه.(1)

وفيه أيضا قال أبو مخنف : حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بن وهب أن عليا لما رأى ميمنته قد عادت إلى مواقعها ومصافها وكشفت من بإزائها من عدوها حتى ضاربوهم في مواقفهم ومراكزهم أقبل حتى انتهى إليهم فقال : إني قد رأيت جولتكم وانحيازكم عن صفوفكم يحوزكم الطغاة الجفاة وأعراب أهل الشام وأنتم لهاميم العرب والسنانم الأعظم وعمار الليل بتلاوة القرآن. وأهل دعوة الحق إذ ضل الخاطئون فلولا إقبالكم بعد أدباركم وكركم بعد انحيازكم وجب عليكم ما وجب على المولى يوم الزحف دبره وكنتم من الهالكين ولكن هون وجدي وشفى بعض أحاح نفسي إني رأيتكم بأخرة حزتموهم كما حازوكم وأزلتموهم عن مصافهم كما أزالوكم تحسونهم بالسيوف تركب أولاهم أخراهم كالإبل المطردة الهيم فالآن فاصبروا نزلت عليكم السكينة. وثبتكم الله عز وجل باليقين ليعلم المنهزم أنه مسخط ربه وموبق نفسه إن في الفرار موجدة الله عز وجل عليه والذل اللازم والعار الباقي واعتصار الفيء من يده وفساد العيش عليه. وإن الفار منه لا يزيد في عمره ولا يرضي ربه فموت المرء محقا قبل إتيان هذه الخصال خير من الرضا بالتأنيس لها الإقرار عليها.(2)

وروى عن هشام بن الكلبي عن أبي مخنف قال : حدثني مالك بن أعين الجهني عن زيد بنب وهب الجهني أن عمار بن ياسررحمه‌الله قال يومئذ : أين من يبتغي رضوان الله

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 3 ص 255.

(2) الطبري ،تاريخ الطبري ج 3 ص 259.


عليه ولا يئوب إلى مال ولا ولد ، فأتته عصابة من الناس فقال : أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء الذين يبغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما والله ما طلبتهم بدمه ، ولكن القوم ذاقوا الدنيا فاستحبوها واستمرءوها ، وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم ، وليس للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها طاعة الناس والولاية عليهم فخدعوا أتباعهم أن قالوا : إمامنا قتل مظلوما ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا ، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون ، ولو لا هي ما تبعهم من الناس رجلان.

اللهم إن تنصرنا فطالما نصرت وإن تجعل لهم الأمر فادخر لهم بما أحدثوا في عبادك العذاب الأليم.

ثم مضى ومضت تلك العصابة التي أجابته حتى دنا من عمرو فقال : يا عمرو بعت دينك بمصر تبا لك تبا طالما بغيت في الإسلام عوجا.

وقال لعبيد الله ابن عمر بن الخطاب : صرعك الله بعت دينك بالدنيا من عدو الإسلام وابن عدوه.(1)

وروى أيضا عن أبي مخنف : حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب أن عليا أتى أهل النهر فوقف عليهم فقال : أيتها العصابة التي أخرجتها عداوة المراء واللجاجة وصدها عن الحق الهوى ، وطمح بها النزق وأصبحت في اللبس والخطب العظيم إني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم الأمة غدا صرعى بأثناء هذا النهر ، وبأهضام هذا الغائط بغير بينة من ربكم ولا برهان بين. ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة وأخبرتكم أن طلب القوم إياها منكم دهن ومكيدة لكم ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، وإني أعرف بهم منكر عرفتهم أطفالا ورجالا ، فهم أهل المكر والغدر وإنكم إن فارقتم رأيي جانبتم الحزم فعصيتموني حتى أقررت بأن حكمت فلما فعلت شرطت واستوثقت فأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن وأن يميتا ما أمات القرآن ، فاختلفنا وخالفا حكم الكتاب والسنة ، فنبذنا أمرهما ونحن على أمرنا الأول ، فما الذي بكم ومن أين أتيتم؟

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 3 ص 266.


قالوا : أنا حكمنا فلما حكمنا أثمنا وكنا بذلك كافرين ، وقد تبنا فإن تبت كما تبنا فنحن منك ومعك ، وإن أبيت فاعتزلنا فإنا منابذوك على سواء إن الله لا يحب الخائنين.

فقال علي : أصابكم حاصب ، ولا بقي منكم وابر ، أبعد إيماني برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.

ثم انصرف عنهم.(1)

وروى الحسكاني بسنده عن الأعمش عن زيد بن وهب ن حذيفة ان أناسا تذاكروا فقالوا : ما نزلت آية في القرآن فيها (يا أيها الذين آمنوا) إلا في أصحاب محمد فقال حذيفة : ما نزلت في القرآن (يا أيها الذين آمنوا) إلا كان لعلي لبُّها ولُبابها.(2)

وروى أيضا بسنده عن زيد بن وهب عن حذيفة في قوله (وصالح المؤمنين) قال هو علي بن أبي طالب.(3)

قال الطبراني : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن عبد الملك الواسطي ثنا معلى بن عبد الرحمن ثنا منصور بن أبي الأسود عن الأعمش عن زيد بن وهب قال : سرنا معه يعني عليا حين رجع من صفين حتى إذا كان عند باب الكوفة إذا نحن بقبور سبعة عن أيماننا فقال علي ما هذه القبور فقالوا يا أمير المؤمنين إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك إلى صفين وأوصى أن يدفن في ظهر الكوفة ، وكان الناس إنما يدفنون موتاهم في أفنيتهم ، وعلى أبواب دورهم فلما رأوا خبابا أوصى أن يدفن بالظهر دفن الناس.

فقال علي : رحم الله خباباب لقد أسلم راغبا ، وهاجر طائعا ، وعاش مجاهدا ، وابتلي في جسمه أحوالا ، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا.

ثم دنا من القبور فقال : السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين أنتم لنا سلف فارط ، ونحن لكم تبع عما قليل لاحق ، اللهم اغفر لنا ولهم ، وتجاوز بعفوك

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 3 ص 289.

(2) الحسكاني ،شواهد التنزيل ، تحقيق محمد باقر المحمودي ، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي مجمع إحياء الثقافة الإسلامية 1990 م ، ج 1 ص 75.

(3) الحسكاني ،شواهد التنزيل ، ج 2 ص 407.


عنا وعنهم ، طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي عن الله عز وجل.(1)

وقال : حدثنا ، إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق عن بن عيينة عن الأعمش عن زيد بن وهب قال قيل لابن مسعود هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا قال قد نهينا عن التجسس فإن يظهر لنا يعني نقيم عليه.(2)

وروى الثقفي قال : حدثنا محمد قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا إبراهيم قال : حدثنا إبراهيم بن عمرو بن المبارك البجلي قال : حدثني أبي عن بكر بن عيسى قال : حدثني مالك بن أعين عن زيد بن وهب :

أن علياعليه‌السلام قال للناس وهو أول كلام له بعد النهروان وأمور الخوارج التي كانت فقال : يا أيها النسا استعدوا إلى عدو في جهادهم القربة من الله وطلب الوسيلة إليه ، حيارى عن الحق لا يبصرونه ، وموزعين بالكفر والجور لا يعدلون به ، جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ، ويتسكعون في غمرة الضلال ، (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل) الأنفال 60 ، وتوكلوا على الله (كفى بالله وكيلا ، وكفى بالله نصيرا) النساء 45.(3)

وقال : حدثنا محمد قال : حدثنا الحسن قال : حدثنا إبراهيم ، قال : أخبرنا يوسف بن بهلول السعدي قال : حدثنا شريك بن عبد الله بن عثمان الاعشى عن زيد بن وهب قال :

قدم على عليعليه‌السلام وفد من أهل البصرة فيهم رجل م نرؤساء الخوارج يقال له : الجعدة بن نعجة فقال له في لباسه : ما يمنعك أن تلبس؟ ـ فقال : هذا أبعد لي من الكبر وأجدر أن يقتدى بي المسلم ، فقال له : اتق الله فانك ميت قال : ميت؟! بل والله قتلا ضربة على هذا يخضب هذه ، قضاءا مقضيا وعهدا معهودا ، وقد خاب من افترى.(4)

__________________

(1) الطبراني ،المعجم الكبير ، ج 4 ص 56.

(2) الطبراني ،المعجم الكبير ، ج 9 ص 350.

(3) إبراهيم بن محمد الثقفي ،الغارات ، السيد جلال الدين الحسيني الأرمولي المحدث ، ص 2324.

(4) إبراهيم بن محمد الثقفي ،الغارات ، ص 66.


أقول : وقد رواه احمد ابن حنبل ، في مسنده قال : حدثنا عبد الله ، حدثني علي بن حكيم الاودي ، أنبأنا شريك ، عن عثمان بن أبي زرعة ، عن زيد بن وهب قال : قدم على عليعليه‌السلام قوم من أهل البصرة من الخوارج فيهم رجل يقال له : الجعدة بن بعجة فقال له : اتق الله يا علي فانك ميت ، فقال عليعليه‌السلام بل مقتول ضربة على هذا تخضب هذي يعني لحيته من رأسه عهد معهود وقضاء مقضي وقد خاب من افترى ، وعاتبه في لباسه فقال : مالكم واللباس؟ ـ هو أبعد من الكبر وأجدر أن يقتدى بي المسلم. وفي العمدة : وعاتبه قوم في لباسه فقالوا : ما يمنعك أن تلبس ، إلى آخره».

وعثمان بن أبي زرعة الواقع في سند مسند ابن حنبل هو عثمان الاعشى المذكور في سند الغارات كما تقدم آنفا.

عبد الرحمن بن أبي ليلى ت 83 :

قال ابن عبد البر في ترجمة أبي ليلى : أبو ليلى الأنصاري والد عبد الرحمن بن أبي ليلى. اختلف في اسمه. فقيل يسار بن نمير. وقيل أوس بن خولى. وقيل داود بن بليل بن بلال بن أحيحة. وقيل يسار بن بلال بن أحيحة بن الجلاح. وقيل بلال بن بليل. وقال ابن الكبي : أبو ليلى الأنصاري اسمه داود بن بلال بن أحيحة بن الجلاح بن الحريش بن جحجبي بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس ، صحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وشهد معه أحدا وما بعدها من المشاهد ، ثم انتقل إلى الكوفة ، وله بهار دار في جهينة ، يلقب بالأيسر. روى عنه ابنه عبد الرحمن ، وشهد هو وابنه عبد الرحمن مع علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه مشاهده كلها.(1) وقال في ترجمة أم ليلى الأنصارية ، انها والدة عبد الرحمن بن أبي ليلى ، كانت من المبايعات حديثها عند أهل بيتها من الكوفيين.(2)

قال المزي : عبد الرحمن بن أبي ليلى ولد لست بقين من خلافة عمر بن الخطاب ، قال عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أدركت عشرين ومئة من أصحاب

__________________

(1) ابن عبد البر ،الاستيعاب ج 4 ص 1744.

(2) ابن عبد البر ،الاستيعاب ج 4 ص 1956.


النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كلهم من الأنصار إذا سئل أحدهم عن شيء أحب ان يكفيه صاحبه. وقال عبد الملك بن عمير لقد رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى في حلقة فيها نفر من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يستمعون لحديثه وينصتون له فيهم البراء بن عازب ، وقال يزيد بن أبي زياد قال عبد الله بن الحارث يعني بن نوفل اجمع بيني وبين عبد الرحمن بن أبي ليلى فجمعت بينهما فقال عبد الله بن الحارث ما ظننت ان النساء ولدت مثل هذا.(1)

قال ابن سعد أخبرنا الفضل بن دكين قال حدثنا قيس عن أبي حصين قال لما قدم الحجاج أراد أن يستعمل عبد الرحمن بن أبي ليلى على القضاء فقال له حوشب إن كنت تريد أن تبعث علي بن أبي طالب على القضاء فافعل. قال أخبرنا قبيصة بن عقبة قال حدثنا همام بن عبد الله التميمي قال رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى مضروبا عليه سراويل أفواف ضربه الحجاج قال وحوشب كان على شرط الحجاج وهو أبو العوام بن حوشب. (افواف جمع فوف وهو القطن أي سراويل قطن أو سراويل ابيض) قال أخبرنا أبو معاوية الضرير قال حدثنا الأعمش قال رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد أوقفه الحجاج وقال له العن الكذابين علي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير والمختار بن أبي عبيد قال فقال عبد الرحمن : لعن الله الكذابين ، ثم ابتدأ فقال عليُّ بن أبي طالب وعبدُ الله بن الزبير والمختارُ بن أبي عبيد ، قال الأعمش : فعلمت أنه حين ابتدأ فرفعهم لم يعنِهم. قال أخبرنا أبو معاوية الضرير قال حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه كان إذا سمعهم يذكرون عليا وما يحدثون عنه ، قال قد جالسنا عليا وصحبناه فلم نره يقول شيئا مما يقول هؤلا ء ، أولا يكفي عليا أنه بن عم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وختنه على ابنته وأبو حسن وحسين شهد بدرا والحديبية. قال وأجمعوا جميعا أن عبد الرحمن بن أبي ليلى خرج مع من خرج على الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بنب الأشعث وأنه قتل بدجيل.(2)

وقال الذهبي عبد الرحمن بن أبي ليلى الإمام أبو عيسى الأنصاري الكوفي الفقيه

__________________

(1) المزي ، تهذيب الكمال ج 6 ص 253.

(2) محمد بن سعد ، الطبقات الكبرى ، ج 6 ص 419.


والد القاضي محمد رأى عمر يمسح على خفيه ، قال بن سيرين جلست إليه وأصحابه يعظمونه كأنه أمير.(1)

روى النسائي في سننه قال أخبرنا أحمد بن سليمان قال حدثنا عبيد الله قال أخبرنا بن أبي ليلى عن الحكم والمنهال عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه :

أنه قال لعلي وكان يسير معه إن الناس قد أنكروا منك أنك تخرج في البرد في الملاءتين وتخرج في الحر في الحشو والثوب الغليظ. قال : أولم تكن معنا بخيبر قال بلى. قال : فإن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعث أبا بكر وعقد له لواء فرجع. وبعث عمر وعقد له لواء فرجع بالناس. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ، ليس بفرار فأرسل إلي وأنا أرمد ، قلت : إني أرمد. فتفل في عيني وقال : اللهم اكفه أذى الحر والبرد فما وجدت حرا بعد ذلك ولا بردا.(2)

وروى الحاكم في مستدركه قال أخبرني عبد الله بن محمد الصيدلاني حدثنا محمد بن أيوب أنبأ يحيى بن المغيرة السعدي حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال :

قال علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ، قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم : إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد ولا يعمل بها أحد بعدي ، آية النجوى ،( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) المجادلة / 12 ، قال : كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم فناجيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم نسخت ، فلم يعمل بها أحد فنزلت( أَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) المجادلة / 13.

__________________

(1) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ، ج 1 ص 47.

(2) النسائي ،السنن الكبرى ج 5 ص 108. النسائي ،فضائل الصحابة ، دار الكتب العلمية بيروت ، ص 242. ابن ماجة ،سنن ابن ماجة ، دار الفكر بيروت ، ص 33. الطبراني ،المعجم الكبير ج 7 ص 77.


هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.(1)

وروى احمد عن أبي سعيد ثنا إسرائيل حدثنا أبو اسحاق عن عبد الرحمن بن أبي ليلىعن علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ألا أعلمك كلمات إذا قلتهن غفر لك على انه مغفور لك لا إله إلا الله العلي العظيم لا إله الا هو الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين.(2)

وروى النسائي قال أخبرنا أحمد بن سليمان قال حدثنا يزيد قال حدثنا العوام قال حدثني عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى : عن علي رضي الله تعالى عنه قال أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم حتى وضع قدمه بيني وبين فاطمة فعلمنا ما نقول إذ أخذنا مضجعا ثلاثا وثلاثين تسبيحة وثلاثا وثلاثين تحميدة وأربعا وثلاثين تكبيرة قال علي فما تركتها بعد قال له رجل ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين.(3)

وفي مسند احمد قال حدثنا عبد الله حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ثنا يونس بن أرقم ثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : شهدت عليا رضي الله تعالى عنه في الرحبة ينشد الناس أنشد الله من سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول يوم غدير خم من كنت مولاه فعلي مولاه لما قام فشهد قال عبد الرحمن فقام اثنا عشر بدريا كأني أنظر إلى أحدهم فقالوا نشهد أنا سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول يوم غدير خم ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجي أمهاتهم فقلنا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.(4)

وفيه أيضا قال حدثنا عبد الله ثنا أحمد بن عمر الوكيعي ثنا زيد بن الحباب ثنا الوليد بن عقبة بن نزار العنسي حدثنا سماك بن عبيد بن الوليد العبسي قال دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى فحدثني انه شهد عليا رضي الله تعالى عنه في الرحبة قال أنشد الله رجلا سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وشهده يوم غدير خم الا قام ولا يقوم

__________________

(1) الحاكم النيسابوري ،المستدرك على الصحيحين ج 2 ص 524.

(2) احمد بن حنبل ، مسند احمد ، ج 2 ص 162. النسائي ،فضائل الصحابة ص 274 ، النسائي ،السنن الكبرى ، دار الفكر ، ج 4 ص 397.

(3) النسائي ،السنن الكبرى ج 6 ص 204.

(4) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 2 ص 22 ـ 23.


الا من قد رآه فقام اثنا عشر رجلا فقالوا قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصروه واخذل من خذلوه فقام إلا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته.(1)

أقول : وقد روى البلاذري قال حدثني عباس بن هشام الكلبي عن أبيه عن غياث بن إبراهيم عن المعلى بن عرفان الأسدي عم أبي وائل شقيق بن سلمة قال قال علي على المنبر نشدت الله رجلا سمع رسول الله يقول يوم غدير خم : اللهم وال من والاه وعاد من عاداه الا قام فشهد وتحت المنبر انس بن مالك والبراء بن عازب وجرير بن عبد الله فأعادها فلم يجبه أحد فقال اللهم من كتم هذه الشهادة وهو يعرفها فلا تخرجه من الدنيا حتى تجعل به آية يعرف بها.

قال : فبرص انس وعمي البراء ورجع جرير أعرابيا بعد هجرته فأتى السراة فمات في بيت امه بالسراة.(2)

وفي المناقب للخوارزمي بالاسناد عن ثوير بن أبي فاختة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن والده (أبي ليلى قتل بصفين سنة 37) قال قال أبي : دفع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الراية يوم خيبر إلى علي بن أبي طالب ففتح الله تعالى على يده ، وأوقفه يوم غدير خم فأعلم الناس أنه مولى كل مؤمن ومؤمنة.(3)

وروى البخاري في صحيحه قال حدثنا قيس بن حفص وموسى بن إسماعيل قالا حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا أبو قرة مسلم بن سالم الهمداني قال حدثني عبد الله بن عيسى سمع عبد الرحمن بن أبي ليلى قال لقيني كعب بن عجرة فقال ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلت بلى فأهدها لي فقال سألنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلنا يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله قد علمنا كيف نسلم عليكم قال قولوا اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت

__________________

(1) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 2 ص 24.

(2) البلاذري ،انساب الاشراف ج 2 ص 157.

(3) الخوارزمي ،المناقب ، تحقيق الشيخ مالك المحمودي ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1414 هـ ، ص 61.


على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.(1)

وروى الترمذي قال : حدثنا محمود بن غيلان قال : حدثني أبو أسامة عن مسعر والأجلح ومالك بن مغول عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمنا فكيف الصلاة عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد.

قال وفي الباب عن علي وأبي حميد وأبي مسعود وطلحة وأبي سعيد وبريدة وزيد بن خارجة ويقال بن جارية وأبي هريرة قال أبو عيسى حديث كعب بن عجرة حديث حسن صحيح وعبد الرحمن بن أبي ليلى كنيته أبو عيسى وأبو ليلى اسمه يسار.(2)

وفي شرح نهج البلاغة قال أبو مخنف فحدثني موسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه قال لما دخل الحسن وعمار الكوفة اجتمع إليهما الناس فقام الحسن فاستنفر الناس فحمد الله وصلى على رسوله ثم قال ايها الناس أنا جئنا ندعوكم إلى الله وكتابه وسنة رسوله والى افقه من تفقه من المسلمين واعدل من تعدلون وافضل من تفضلون واوفى من تبايعون من لم يعبه القرآن ولم تجهله السنة ولم تقعد به السابقة ، إلى من قربه الله تعالى إلى رسوله قرابتين قرابة الدين وقرابة الرحم إلى من سبق الناس إلى كل مأثرة ، إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون ، فقرب منه وهم متباعدون وصلى معه وهم مشركون وقاتل معه وهم منهزمون وبارز معه وهم محجمون وصدَّقه وهم يكذِّبون ، إلى من لم ترد له رواية ولا تكافأ له سابقة ، وهو يسألكم النصر ويدعوكم إلى الحق ويأمركم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه ومثلوا بعماله وانتهبوا بيت ماله فاشخصوا إليه رحمكم الله فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر واحضروا بما يحضر به الصالحون.(3)

__________________

(1) البخاري ،صحيح البخاري ، ص 618.

(2) الترمذي ،سنن الترمذي ، تحقيق وتصحيح : عبد الوهاب عبد اللطيف ، دار الفكر بيروت 1983 م ، ص 144.

(3) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 14 ص 225 ـ 226.


وفيه أيضا روى ابن جرير الطبري في تاريخه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه وكان ممن خرج لقتال الحجاج مع ابن الأشعث انه قال فيما كان يخص به الناس على الجهاد اني سمعت عليا رفع الله درجته في الصالحين واثابه ثواب الشهداء والصديقين يقول يوم لقينا أهل الشام :

(ايها المؤمنون انه من رأى عدوانا يعمل به ومنكرا يدعى إليه فانكره بقلبه فقد سلم وبرئ ومن انكره بلسانه فقد اجر وهو افضل من صاحبه ومن انكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين السفلى فذلك الذي أصاب سبيل الهدى وقام على الطريق ونور في قلبه اليقين.(1)

وروى الطبري في تفسيره قال حدثنا محمد بن بشار قال ثنا عبد الرحمن قال ثنا سفيان عن هلال الوزان عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في قوله يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا قال نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط.(2)

وروى ابن عساكر بسنده عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمار قال سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول آخر زادك من الدنيا ضياح(3) لبن ، وقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم تقتلك الفئة الباغية.(4)

أقول :

قال ابن عبد البر وروى الأعمش ، عن أبي عبد الرحمن السلمي ، قال : شهدنا مع عليرضي‌الله‌عنه صفّين ، فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفّين إلا رأيت أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتبعونه ، كأنه علم لهم. وسمعت عمارا يقول يومئذ لهاشم بن عقبة : يا هاشم ، تقدم الجنة تحت الأبارقة اليوم ألقى الأحبة : محمدا وحزبه. والله لو هزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعلمنا أنا على الحق وأنهم على الباطل ، ثم قال :

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 19 ص 178.

(2) الطبري ،تفسير الطبري ، تحقيق أحمد محمد شاكر ، مؤسسة الرسالة 2000 م ، ج 11 ص 384.

(3) ضياح : في القاموس : الضيح والضياح : اللبن الرقيق الممزوج ، وتضيَّح اللبن : صار ضياحا.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 43 ص 418 ، وج 46 ص 288.


نحن ضربناكم على تنزيله

فاليوم نضربكم على تأويله

ضربا يزيل الهام عن مقيله

ويذهل الخليل عن خليله

أو يرجع الحقّ إلى سبيله

قال : فلم أر أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم قتلوا في موطن ما قتلوا يومئذ.(1)

وقال ابن عساكر أخبرنا أبو الحسن علي بن المسلم أنا أبو العباس أحمد بن منصور أنا أبو محمد بن أبي نصر أنا عمي أنا أبو علي نا أحمد بن عمر القاضي نا وكيع نا ابن فضيل عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب أنه قال يوم الجمل ادع إلي الزبير لَعلّي أذكِّره شيئا سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فدعي الزبير فجاء على دابته وجاء علي على دابته حتى اختلف رؤوس دوابهما فلم يزل علي يذكره ووجه الزبير يتغير ثم انصرفا.

فأما الزبير فمضى فنزل على ناس من بني سعد فأخبر طلحة أن الزبير قد انصرف.

فقال مروان إن لم أدرك ثأري اليوم لم أدركه أبدا فرماه بسهم فقتله ، قال وقتل ابن جرموز الزبير. فقال علي أقتله وقد أمنته ائذنوا له وبشروه بالنار.(2)

قال ابن عبد البر حدثنا عبد الوارث بن سفيان ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا أبو بكر أحمد ابن زهير ، قال حدثنا أبو خيثمة ، حدثنا أبو سلمة التّبوذكيّ ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثنا أبو فروة ، قال : سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال قال عمررضي‌الله‌عنه : عليّ أقضانا.(3)

أقول : وجدنا في روايات هؤلاء المحدثين الثلاثة وقد دخلوا الشام نماذج من الحديث النبوي واخبار سيرة عليعليه‌السلام التي انتشرت في الشام مما كان أهل الشام قد جهلوه بسبب سياسة منع الحديث ، وسياسة الحرب والاعلام الكاذب مما يؤكد نجاح الحسن في خطته في مواجهة المخطط الأموي.

__________________

(1) ابن عبد البر ،الاستيعاب ج 3 ص 1139.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 20 ص 301 ـ 302.

(3) ابن عبد البر ،الاستيعاب ، ج 3 ص 1102.


الباب الثاني / الفصل الثالث

سيرة الامام الحسن عليه‌السلام (معالم امامته الدينية ومرجعيته في عمل الخير)

المبحث الأول في سنوات الصلح

عالج الامام الحسنعليه‌السلام الانشقاق الذي كان ينطوي على مخاطر جسيمة على الرسالة والأمة تحدثنا عنها في الفصول السابقة ، وفتح الشام لمشروع عليعليه‌السلام الاحيائي للسنة ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة واقام حكومة المجتمع المدني وقدم اختيار اهل الشام على اهل العراق مؤقتا ، محتفظا لنفسه بموقع الإمامة الهادية الذي لم يأته ببيعة الناس بل بالوصية من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو موقع لا يزيده الحكم شيئا ولا ينقصه شيئا.

وقد سجلت له كتب التاريخ من فعل الخير وعبادة الله تعالى في هذه السنوات ما يجعله مصداقا لقوله تعالى( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) الأنبياء / 73 الأمر الذي جعله يرتقي في الشرف عند الناس ما لم يبلغه احد الا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويكون يوم وفاته كيوم وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين حشد أهل المدينة انفسهم جميعا الرجال والنساء والاطفال لكي يحضروا جنازته. وفيما يلي طرف من أعمال الخير هذه قد اقف عند بعضها بتحليل مختصر ، واترك الباقي لوضوحها في الإفصاح عن نفسها :


عبادتهعليه‌السلام وخوفه من الله تعالى :

عن المفضل بن عمر ، قال : قال الصادقعليه‌السلام : حدثني أبي ، عن أبيهعليهما‌السلام أن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

كان أعبد الناس في زمانه ، وأزهدهم وأفضلهم ،

وكان إذا حج حج ماشيا ، وربما يمشي حافيا ،

وكان إذا ذكر الموت بكى ، وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر المرر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها.

وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل ،

وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ، ويسأل الله تعالى الجنة ، وتعوذ به من النار ،

وكانعليه‌السلام لا يقرأ من كتاب الله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال : لبيك اللهم لبيك ، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه ،

وكان أصدق الناس لهجة ، وأفصحهم منطقا.(1)

وقال لي ابن عساكر عن عبد الله بن العباس قال : ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشيا ، ولقد حج الحسن بن علي خمسة وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه.(2)

كرمه وتعاملهعليه‌السلام مع المال :

روى ابن عساكر عن أبي هشام القناد ، قال : كنت أحمل المتاع من البصرة إلى الحسن بن علي وكان يماكسني فلعلي لا أقوم من عنده حتى يهب عمامته ، ويقول : إن أبي حدثني أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : المغبون لا محمود ولا مأجور.(3)

__________________

(1) الشيخ الصدوق ،الأمالي ، ركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة 1417 هـ ، ص 140.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 72 ، الذهبي ،سير اعلام النبلاء ، ج 4 ص 387.

(3) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 74.


وعن سعيد بن عبد العزيز أن الحسن بن علي بن أبي طالب سمع إلى جنبه رجلا يسأل أن يرزقه الله عشرة آلاف درهم فانصرف فبعث بها إليه.

قال هشام بن حسان ، عن ابن سيرين : إن الحسن بن علي كان يجيز الرجل الواحد بمئة ألف.

قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات وخرج من ماله لله تعالى مرتين.(1)

سأله رجل فأعطاه خمسين ألف درهم وخمسمائة دينار وقال له ائت بحمال يحمللك ، فأتى بحمال فأعطاه طيلسانة فقال هذا كرى الحمال.

وجاءه بعض الأعراب فقال : اعطوه ما في الخزانة ، فوجد فيها عشرون ألف درهم فدفعت إليه ، فقال الأعرابي يا مولاي الا تركتني ابوح بحاجتي وانشر مدحتي؟ فانشأ الحسن يقول :

نحن أناس نوالنا خضل

يرتع فيه الرجاء والامل

تجود قبل السؤال انفسنا

خوفا على ماء وجه من يسل(2)

أقول :

من الواضح ان هذا التصرف من الحسنعليه‌السلام يستهدف الضغط على معاوية وإثارته ليقتدي بالحسن وليكون اكثر كرما منه وبذلك يتحرك المال الذي اكتنزه معاوية في خزانته في المجتمع لقضاء حوائج الناس. ومع ذلك كله فان معاوية لا يلحق بالحسنعليه‌السلام لانهعليه‌السلام قاسم الله عز وجل ثلاث مرات ماله حتى ان كان يعطي نعلا ويمسك نعلا ويعطى خفا ويمسك خفا. وخرج من ماله مرتين (رواه ابن حبيب).(3)

رأفتهعليه‌السلام ونبله تقييمه للنفوس النبيلة :

روي أنهعليه‌السلام كان مارا في بعض حيطان المدينة فرأى أسود بيده رغيف يأكل لقمة ويطعم الكلب لقمة إلى أن شاطره الرغيف ، فقال له الحسن : ما حملك على أن شاطرته

__________________

(1) المزي ،تهذيب الكمال ج 2 ص 590 ـ 591 ، ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 74.

(2) المجلسي ،بحار الانوار ج 43 ص 253 نقل عن المناقب لابن شهر آشوب ص 14.

(3) ومثله عن المدائني المحمودي 9.


فلم تغابنه فيه بشيء؟ فقال : استحت عيناي من عينيه أن أغابنه. فقال له : غلام من أنت؟ قال : غلام أبان بن عثمان. فقال له : والحائط؟ قال : لابان بن عثمان. فقال له الحسن : أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك. فمر فاشترى الغلام والحائط وجاء إلى الغلام فقال : يا غلام قد اشتريتك. فقام قائما فقال : السمع والطاعة لله لولرسوله ولك يا مولاي. قال : فقد اشتريت الحائط وأنت حر لوجه الله والحائط هبة مني إليك. قال : فقال الغلام : يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له.(1)

سعيهعليه‌السلام في قضاء حوائج المؤمنين :

روى ابن عساكر عن أبي حمزة الثمالي عن علي بن الحسين قال : خرج الحسن يطوف بالكعبة فقام إليه رجل فقال : يا أبا محمد اذهب معي في حاجتي إلى فلان. فترك الطواف وذهب معه ، فلما ذهب خرج إليه رجل حاسد للرجل الذي ذهب معه ، فقال : يا أبا محمد تركت الطواف وذهبت مع فلان إلى حاجته؟ قال : فقال له الحسن : وكيف لا أذهب معه؟ ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : من ذهب في حاجة أخيه المسلم فقضيت حاجته كتبت له حجة وعمرة وإن لم تقض له كتبت له عمرة. فقد اكتسبت حجة وعمرة ورجعت إلى طوافي.(2)

تربيتهعليه‌السلام للشباب :

قال محمد بن سعد : أخبرنا مالك بن إسماعيل أبو غسان النهدي ، قال : حدثنا مسعود ابن سعد ، قال : حدثنا يونس بن عبد الله بن أبي فروة ، عن شرحبيل أبي سعيد ، قال : دعا الحسن بن علي بنيه وبني أخيه ، فقال : يا بني وبني أخي ، إنكم صغار قوم يوشك أن تكونوا كبار آخرين ، فتعلموا العلم ، فمن لم يستطع منكم أن يرويه أو يحفظه فليكتبه وليضعه في بيته.(3)

__________________

(1) الخطيب البغدادي ،تاريخ بغداد ج 6 ص 33 ، ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 75.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 76.

(3) ترجمة الامام الحسنعليه‌السلام منطبقات ابن سعد القسم المفقود ج 1 ص 292. الدارمي ،سنن الدارمي ،


نشاطهعليه‌السلام اليومي :

قال محمد بن سعد : أخبرنا علي بن محمد ، عن محمد بن عمر العبدي ، عن أبي سعيد : إن معاوية قال لرجل من أهل المدينة من قريش : أخبرني عن الحسن بن علي.

قال : يا أمير المؤمنين ، إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ، ثم يساند ظهره فلا يبقى في مسجد رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ رجل له شرف إلا أتاه فيتحثون.

حتى إذا ارتفع النهار صلى ركعتين ، ثم نهض فيأتي أمهات المؤمنين فيسلم عليهن فربما أتحفنه.

ثم ينصرف إلى منزله ثم يروح فيصنع مثل ذلك.

فقال : ما نحن معه في شيء.(1)

نشاطهعليه‌السلام العلمي :

كان يتتبع ما تفرق من سيرة أبيه ومسائله وخطبه يجمعها من أصحاب أبيه.

إجابتهعليه‌السلام على الأسئلة الفقهية تاكيدا لفتاوى أبيه علي عليه‌السلام :

حدثني أبي قال حدثنا حسين بن حسن قال حدثنا شريك عن خارجة الصيرفي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال سألت الحسن بن علي عن قول علي في الخيار فدعا بربعة فأخرج منها صحيفة صفراء مكتوب فيها قول علي في الخيار.(2)

سفراتهعليه‌السلام إلى الشام وحواراته مع معاوية ورجاله :

روى أبو عثمان الجاحظ قال : دخل الحسن بن عليعليهما‌السلام على معاوية

__________________

الاعتدال دمشق 1349 هـ ، ص 91 ، البخاري ، التاريخ الكبير ، لمكتبة الإسلامية ـ ديار بكر ـ تركيا ، ج 8 ص 281.

(1) ترجمة الامام الحسنعليه‌السلام منطبقات ابن سعد ج 1 ص 297 ، تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 71 ، البلاذري ،انساب الاشراف ج 3 ص 274.

(2) احمد بن حنبل ،العلل ومعرفة الرجال تحقيق : الدكتور وصي الله بن محمود عباس ، دار الخاني الرياض 1408 هـ ، ج 1 ص 346.


وعنده عبد الله بن الزبير وكان معاوية يحب أن يغري بين قريش فقال يا أبا محمد أيهما كان اكبر سنا علي أم الزبير؟ فقال الحسن ما اقرب ما بينهما وعلي أسنّ من الزبير ، رحم الله عليا.

فقال ابن الزبير رحم الله الزبير.

وهناك أبو سعيد بن عقيل بن أبي طالب ، فقال يا عبد الله وما يهيجُك من أن يترحَّم الرجل على أبيه

قال : وأنا أيضا ترحمت على أبي.

قال : أتظنه ندا له وكفؤا.

قل وما يعدِل بهب عن ذلك؟ كلاهما من قريش ، وكلاهما دعا إلى نفسه ولم يتم له.

قال : دع ذاك عنك يا عبد الله إن عليا من قريش ، ومن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث تعلم. ولما دعا إلى نفسه أتُّبع فيه وكان رأسا ، ودعا الزبير إلى أمر وكان الرأس فيه امرأة ، ولما تراءت الفئتان نكصَ على عقبيه وولى مُدبِرا قبل أن يظهر الحق فيأخذه ، أويدحض الباطل فيتركه ، فأدركه رجلٌ لو قِيسَ ببعض أعضائه لكان اصغر ، فضرب عنقه وأخض سَلَبه وجاء برأسه ، ومضى عليٌّ قُدُما كعادته مع ابن عمه! رحم الله عليا.

فقال ابن الزبير : اما لو أن غيرك تكلم بهذا يا أبا سعيد لعلِم.

فقال : إن الذي تُعرِّض به يرغب عنك.

وكفَّه معاوية فسكتوا.

وأخبرت عائشة بمقالتهم. ومر أبو سعيد بفنائها فنادته يا أبا سعيد انت القائل لابن أختي كذا ، فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا ، فقال إن الشيطان يرانا ولا نراه ،

فضحكت عائشة وقالت لله أبوك ما اذلق لسانك.(1)

سؤددهعليه‌السلام وهيبته وحلمه :

روى ابن عساكر : عن رجل من أهل الشام قال : قدمت المدينة فرأيت رجلا

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 11 ص 16 ، ابن عبد ربه ،العقد الفريد ج 3 ص 205.


جُهريا كحالة (أي ذا منظرا وهيئة حسنة).

فقلت : من هذا؟

قالوا : الحسن بن علي.

قال : فحسدت والله عليا أن يكون له ابن مثله ،

قال : فأتيته.

فقلت : أنت ابن أبي طالب؟

قال : أني ابنه.

فقلت : بك وبأبيك وبك وبأبيك.

قال : وأزم لا يرد إلي شيئا ،

ثم قال : أراك غريبا فلو استحملتنا حملناك ، وإن استرفدتنا رفدناك ، وإن استعنت بنا أعناك.

قال فانصرفت والله عنه وما في الأرض أحد أحب إلي منه.(1)

قال وحدثنا ابن أبي الدنيا حدثني سليمان بن أبي شيخ حدثني أبي صالح بن سليمان قالا قدم رجل من المدينة وكان يبغض عليا فقطع به فلم يكن له زاد ولا راحلة فشكا ذلك إلى بعض أهل المدينة فقال له عليك بحسن بن علي فقال له الرجل ما لقيت هذا إلا في حسن وأبي حسن فقيل له فإنك لا تجد خيرا إلا منه فأتاه فشكا إليه فأمر له بزاد وراحلة فقال الرجل الله أعلم حيث يجعل رسالاته وقيل للحسن أتاك رجل يبغضك ويبغض أباك فأمرت له بزاد وراحلة قال أفلا اشتري عرضي منه بزاد وراحلة.(2)

قصتهعليه‌السلام مع معاوية بن حديج سنة 44 هجرية :

عن علي بن أبي طلحة مولى بني أمية قال حج معاوية بن أبي سفيان وحج معه معاوية بن حديج وكان من أسب الناس لعلي فمر في المدينة في مسجد رسول الله

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 75 ، ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 18 ص 417.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 76.


صلى‌الله‌عليه‌وسلم والحسن بن علي جالس في نفر من أصحابه فقيل له هذا معاوية بن حديج الساب لعليرضي‌الله‌عنه فقال علي بالرجل فأتاه الرسول فقال أجب قال من قال الحسن بن علي يدعوك فأتاه فسلم عليه فقال له الحسن بن عليرضي‌الله‌عنه أنت معاوية بن حديج قال نعم فرد عليه ثلاثا فقال له الحسن الساب لعلي فكأنه استحيى فقال له الحسنرضي‌الله‌عنه أم والله إذا وردت عليه الحوض وما أراك ان ترده لتجدنه مشمر الإزار على ساق يذود المنافقين ذود غريبة الإبل قول الصادق المصدوقصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد خاب من افترى.(1)

وروى ابن عساكر عن عبد الرزاق ، قال : قال لي عبد الله بن مصعب :

كان رجل عندنا قد انقطع في العبادة ، فإذا ذكر عبد الله بن الزبير بكى ، وإذا ذكر عليا نال منه!

قال : فقلت : ثكلتك أمك لروحة من علي أو غدوة منه في سبيل الله خير من عمر عبد الله بن الزبير حتى مات.

وعن عبد الله بن عروة أخبره قال : رأيت عبد الله بن الزبير قعد إلى الحسن بن علي في غداة من الشتاء باردة ، قال : فوالله ما قام حتى تفسخ جبينه عرقا!. قال : فغاظني ذلك فقمت إليه فقلت : يا عم. قال : ما تشاء؟ قلت : رأيتك قعدت إلى الحسن بن علي فما قمت من عنده حتى تفسخ جبينك عرقا! قال : ابن أخي انه ابن فاطمة لا والله ما قامت النساء عن مثله.(2)

وقيل للحسن : فيك عظمة ، فقالعليه‌السلام : بل فيَّ عزة قال الله : «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين(3) ».

وقال معاوية لعبد الله بن الزبير سنة 44 حين زار المدينة الا ترى الحسن زارني مرة واحدة قال ان مع الحسن مائة ألف سيف لو شاء ضربك بها.

__________________

(1) الطبراني ،المعجم الكبير ج 3 ص 91 ـ 92 حدثنا علي بن إسحاق الوزير الأصبهاني ثنا إسماعيل بن موسى السدوسي ثنا سعيد بن خيثم الهلالي عن الوليد بن يسار الهمداني عن علي بن أبي طلحة مولى بني أمية.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 69 ـ 70.

(3) المجلسي ،بحار الانوار ج 43 ص 251.


قال محمد بن إسحاق : ما بلغ احد من الشرف بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بلغ الحسن بن علي. كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق فما يمر احد من خلق الله الا جلس إجلالا له فاذا علم قام ودخل بيته فيمر الناس. ونزل عن راحلته في طريق مكة فمشى فما من خلق الله احد الا نزل ومشى حتى سعد بن أبي وقاص فقد نزل ومشى إلى جنبه.(1)

وقال مدرك بن زياد لابن عباس وقد امسك للحسن والحسين بالركاب وسوى عليهما ثيابهما (انت اسن منهما تمسك لهما بالركاب؟ فقال يا لكع وما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله اوليس مما انعم الله علي بن ان امسك لهما واسوي عليهما!(2)

قال واصل بن عطاء : كان الحسن بن علي عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك.(3)

تعليمهعليه‌السلام :

روى الكليني عن عليبن محمد بن بندار ، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر ، عن عبد الله بن حماد ، عن أبي مريم الأنصاري ، عن أبي برزة الأسلمي قال : ولد للحسن بن عليعليهما‌السلام مولود فأتته قريش فقالوا : يهنئك الفارس ، فقال : وما هذا من الكلام؟ قولوا : شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب ، وبلغ الله به أشده ، ورزقك بره.(4)

وروى ايضا عن البرقي ، عن بكر بن صالح ، عمن ذكره ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : هنا رجل رجلا أصاب ابنا ، فقال : يهنئك الفارس ، فقال الحسنعليه‌السلام له : ما علمك يكون فارسا أو راجلا؟ قال : جعلت فداك فما أقول؟ قال : تقول : شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب ، وبلغ أشده ، ورزقك بره.(5)

__________________

(1) المجلسي ،بحار الانوار ج 43 ص 254 نقل عن المناقب.

(2) المجلسي ،بحار الانوار ج 43 ص 237 ، الخطيب البغدادي ،تاريخ بغداد ج 14 ص 155 ، ابن عساكرتاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 68.

(3) المجلسي ،بحار الانوار ج 43 ص 251.

(4) الكليني ،الكافي ج 6 ص 19.

(5) الكليني ،الكافي ج 6 ص 19.


وروى عن محمد بن الحسن وعلي بن محمد بن بندار ، عن إبراهيم بن إسحاق عن عبد الرحمن بن حماد ، عن أبي مريم الأنصاري رفعه قال : إن الحسن بن عليعليهما‌السلام خرج من الحمام فلقيه إنسان فقال : طاب استحمامك ، فقال : يا لكع وما تصنع بالاست ههنا؟ فقال : طاب حميمك ، فقال : أما تعلم أن الحميم العرق؟ قال : طاب حمامك : فقال : وإذا طاب حمامي فأي شيء لي؟

قال : طهر ما طاب منك ، وطاب ما طهر منك.(1)

حسن خلقهعليه‌السلام :

عن ابن عون عن عمير بن إسحاق قال ما تكلم عندي أحد كان احب إلي إذا تكلم ان لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرو فإنه كان بين حسين بن علي وعمرو بن عثمان بن عفان خصومة في ارض فعرض حسين أمرا لهم لم يرضه عمرو فقال الحسن فليس له عندنا إلا ما رغم انفه قال فهذا اشد كلمة فحش سمعتها منه قط.(2)

روى ابن سعد قال : جلس رجل إلى الحسن بن علي فقال انك جلست إلينا على حين قيام منا أفتأذن :(3)

__________________

(1) الكليني ،الكافي ج 6 ص 515. بيان : قال الفيروزآبادي : استحم اغتسل بالماء الحار ، وبالماء البارد ضد وقال : ولا يقال «طاب حمامك» وإنما يقال : طابت حِمَّتك بالكسر أي حميمك أي طاب عرقك. انتهى. ولعلهعليه‌السلام قال : ما تصنع بالاست ، على وجه المطايبة لكون الاست موضوعا لأمر قبيح ، وإن لم يكن مقصودا ههنا تنبيها له على أنه لا بد أن يرجع في تلك الأمور إلى المعصوم ، ولا يخترعوا بآرائهم ، ويحتمل أن يكون المراد أن الألف والسين والتاء الموضوعة للطلب غير مناسب في المقام فيكون إشارة إلى أن الاستحمام بمعنى الاغتسال لغة غير فصيحة (بحار الانوار ج 44 ص 341).

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 80 ، ابن سعد ،الطبقات الكبرى القسم الناقص ج 1 ص 279 ، المزي ،تهذيب الكمال ج 2 ص 591 ، الزبير بن بكار ،جمهرة نسب قريش وأخبارها ، ص 24.

(3) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، القسم الناقص ج 1 ص 281 ، ابن أبي شيبة ،المصنف ج 5 ص 243 ، السيوطي ،تاريخ الخلفاء ج 1 ص 225.


طرف من كلماتهعليه‌السلام :

قالعليه‌السلام : ما تشاور قوم إلا هدوا إلى رشدهم.

وقالعليه‌السلام : اللؤم أن لا تشكر النعمة.

وقالعليه‌السلام : لبعض ولده : يا بني لا تواخ أحدا حتى تعرف موارده ومصادره فإذا استنبطت الخبرة ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة والمواساة في العسرة.

وقالعليه‌السلام : ما أعرف أحدا إلا وهو أحمق فيما بينه وبين ربه.

وقالعليه‌السلام : من أدام الاختلاف إلى المسجد أصاب أحدى ثمان : آية محكمة وأخا مستفادا وعلما مستطرفا ورحمة منتظرة وكلمة تدله على الهدى أو ترده عن ردى وترك الذنوب حياء أو خشية.

ورزق غلاما فأتته قريش تهنيه فقالوا : يهنيك الفارس ، فقالعليه‌السلام أي شيء هذا القول؟ ولعله يكون راجلا ، فقال له جابر : كيف نقول يا ابن رسول الله؟ فقال :عليه‌السلام : إذا ولد لاحدكم غلام فأتيتموه فقولوا له : شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب ، بلغ الله به أشُدَّه ورزقك بِرَّه.

وقالعليه‌السلام : إن أبصر الأبصار ما نفذ في الخير مذهبه ، وأسمع الأسماع ما وعى التذكير وانتفع به.

قالعليه‌السلام : إن من طلب العبادة تزكى لها. إذا أضرت النوافل بالفريضة فارفضوها.

وقالعليه‌السلام : اتقوا الله عباد الله وجدوا في الطلب وتجاه الهرب ، وبادروا العمل قبل مقطعات النقمات وهادم اللذات فإن الدنيا لا يدوم نعيمها ولا تؤمن فجيعها ولا تتوقى في مساويها ، غرور حائل ، وسناد مائل ، فاتعظوا عباد الله بالعبر ، واعتبروا بالأثر ، وازدجروا بالنعيم. وانتفعوا بالمواعظ ، فكفى بالله معتصما ونصيرا وكفى بالكتاب حجيجا وخصيما وكفى بالجنة ثوابا وكفى بالنار عقابا ووبالا.

وقالعليه‌السلام : إذا لقي أحدكم أخاه فليقبل موضع النور من جبهته.

ومرَّعليه‌السلام في يوم فطر بقوم يلعبون ويضحكون فوقف على رؤوسهم فقال : إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه(1) فيستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا

__________________

(1) المضمار : المدة والأيام التي تضمر فيها للسباق. وموضع السباق.


وقصر آخرون فخابوا. فالعجب كل العجب من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون وأيم الله لو كشف الغطاء لعلموا أن المحسن مشغول بإحسانه والمسيء مشغول بإساءته ، ثم مضى.(1)

قال أبو بكر محمد بن كيسان الأصم : قال الحسن ذات يوم لأصحابه : إني أخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني ، وكان عظيم ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه ، كان خارجا عن سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ، ولا يكثر إذا وجد ، وكان خارجا عن سلطان فرجه ، فلا يستخف له عقله ولا رأيه ، وكان خارجا عن سلطان جهله فلا يمد يدا إلا على ثقة المنفعة ، ولا يخطو خطوة إلا لحسنة ، وكان لا يسخط ولا يتبرم ، كان إذا جامع العلماء يكون على أن يسمع أحرص منه على أن يتكلم ، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على الصمت ، كان أكثر دهره صامتا ، فإذا قال يذر القائلين ، وكان لا يشارك في دعوى ، ولا يدخل في مراء ، ولا يدلى بحجة ، حتى يرى قاضيا يقول ما لا يفعل ، ويفعل ما لا يقول ، تفضلا وتكرما ، كان لا يغفل عن إخوانه ، ولا يستخص بشيء دونهم. كان لا يكرم أحدا فيما يقع العذر بمثله ، كان إذا ابتدأه أمر ان لا يرى أيهما أقرب إلى الحق نظر فيما هو أقرب إلى هواه فخالفه. رواه ابن عساكر والخطيب.

وقال أبو الفرج المعافى بن زكريا الحريري : ثنا بدر بن الهيثم الحضرميّ ثنا علي بن المنذر الطريفي ثنا عثمان ابن سعيد الدارميّ ثنا محمد بن عبد الله أبو رجاء ـ من أهل تستر ـ ثنا شعبة بن الحجاج الواسطي عن أبي إسحاق الهمدانيّ عن الحارث الأعور أن عليا سأل ابنه ـ يعني الحسن ـ عن أشياء من المروءة ،

فقال : يا بني ما السداد؟ قال : يا أبة السداد دفع المنكر بالمعروف ،

قال : فما الشرف؟ قال : اصطناع العشيرة وحمل الجريرة.

قال : فما المروءة؟ قال : العفاف وإصلاح المرء ماله.

قال : فما الدنيئة؟ قال : النظر في اليسير ومنع الحقير.

__________________

(1) ابن شعبة الحراني ، تحف العقول ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1414 هـ ، ص 167.


قال : فما اللوم؟ قال : احتراز المرء نفسه وبذله عرسه.

قال : فما السماحة؟ قال : البذل في العسر واليسر.

قال : فما الشح؟ قال : أن ترى ما في يديك سرفا وما أنفقته تلفا.

قال : فما الإخاء؟ قال : الوفاء في الشدة والرخاء.

قال : فما الجبن؟ قال : الجرأة على الصديق والنكول عن العدو.

قال : فما الغنيمة؟ قال : الرغبة في التقوى والزهادة في الدنيا.

قال : فما الحلم؟ قال : كظم الغيظ وملك النفس.

قال : فما الغنى؟ قال : رضى النفس بما قسم الله لها وإن قلّ ، فإنما الغنى غنى النفس.

قال : فما الفقر؟ قال : شره النفس في كل شيء.

قال : فما المنعة؟ قال : شدة البأس ومقارعة أشد الناس.

قال : فما الذل؟ قال : الفزع عند المصدوقية.

قال : فما الجرأة؟ قال : موافقة الأقران.

قال : فما الكلفة؟ قال : كلامك فيما لا يعنيك.

قال : فما المجد؟ قال : أن تعطى في الغرم وأن تعفو عن الجرم.

قال : فما العقل؟ قال : حفظ القلب كل ما استرعيته.

قال : فما الخرق؟ قال : معاداتك إمامك ورفعك عليه كلامك.

قال : فما الثناء؟ قال : إتيان الجميل وترك القبيح.

قال : فما الحزم؟ قال : طول الأناة ، والرّفق بالولاة ، والاحتراس من الناس بسوء الظن هو الحزم.

قال : فما الشرف؟ قال : موافقة الإخوان ، وحفظ الجيران.

قال : فما السفه؟ قال : اتباع الدناة ، ومصاحبة الغواة.

قال : فما الغفلة؟ قال : تركك المسجد وطاعتك المفسد.

قال : فما الحرمان؟ قال : تركك حظك وقد عرض عليك.

قال ثم قال علي : يا بني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول :


«لا فقر أشد من الجهل ، ولا مال أفضل من العقل ، ولا وحدة أوحش من العجب ، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة ، ولا عقل كالتدبير ، ولا حسب كحسن الخلق ، ولا ورع كالكف ، ولا عبادة كالتفكر ، ولا إيمان كالحياء ، ورأس الإيمان الصبر ، وآفة الحديث الكذب ، وآفة العلم النسيان ، وآفة الحلم السفه ، وآفة العبادة الفترة ، وآفة الطرف الصلف ، وآفة الشجاعة البغي ، وآفة السماحة المن ، وآفة الجمال الخيلاء ، وآفة الحب الفخر» ثم قال علي : يا بني لا تستخفن برجل تراه أبدا ، فان كان أكبر منك فعدّه أباك ، وإن كان مثلك فهو أخوك ، وإن كان أصغر منك فاحسب أنه ابنك. فهذا ما سأل على ابنه عن أشياء من المروءة».(1)

أقول : ورواه المزي ثم قال بعده قال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا : في هذا الخبر من جوابات الحسن أباه عما سائله عنه من الحكمة وجزيل الفائدة ما ينتفع به من راعاه وحفظه ورعاه ، وعمل به ، وأدب نفسه بالعمل عليه وهذبها بالرجوع إليه ، وتتوفر فائدته بالوقوف عنده ، وفيما رواه في أضعافه أمير المؤمنين ، عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مالا غنى لكل لبيب عليم ، ومدره حكيم عن حفظه وتأمله ، والمسعود من هدي لتقبله ، والمجدود من وفق لامتثاله وتقبله.

قال المزي تابعه أبو عمر خشيش بن أصرم البصري ، عن أحمد بن عبد الله الحبطي. أخبرنا به أبو الحسن ابن البخاري ، قال : أنبأنا أبو سعد ابن الصفار ، قال : أخبرنا أبو عبد الله الفزاري ، قال : أخبرنا أبو عثمان الصابوني ، قال : حدثنا الأستاذ أبو منصور محمد بن عبد الله بن حمشاذ ، قال : حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبيد الله الجرجاني ، قال : حدثنا أبو محمد عبد الرحمن بن عبد المؤمن الجرجاني بجرجان ، قال : أحسب عليكم هذا الحديث بمئة حديث.(2)

المبحث الثاني مراحل حياته عليه‌السلام

ولد الحسن في 15 رمضان من السنة الثالثة من الهجرة وتوفي في صفر أو ربيع الأول

__________________

(1) ابن كثير ،البداية والنهاية ، ج 8 ص 40. ورواه المزي فيتهذيب الكمال .

(2) المزي ،تهذيب الكمال ج 6 ص 241.


سنة 50 هـ ، وقيل سنة 49 هـ وقيل سنة 51 هـ والأول اشهر وقد اخترناه في هذا البحث وبذلك يكون قد عاش 47 سنة تقريبا تفصيلها كما يلي :

سبع سنوات مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

خمس وعشرون سنة عاش مع أبيه عليعليه‌السلام في محنته مع الخلفاء في المدينة.

خمس سنوات مع بيعة أبيه في حكمه.

سبعة شهور نم بيعته حاكما.

عشر سنوات في عهد صلحه (سنوات مرجعيته الدينية المستقلة عن السلطة).

طفولتهعليه‌السلام مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله سبع سنوات :

ولد الحسن بن عليعليهما‌السلام في المدينة ليلة النصف من رمضان وكان يشبه النبي(1) صلى‌الله‌عليه‌وآله وسأل النبي علياً إن كان قد سماه فقال : ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : وما كنت لأسبق ربّي باسمه ، فأوحى الله إليه : أنَّ علياً منك بمنزلة هارون من موسى فسمه باسم ابن هارون قال : وما اسم ابن هارون؟ قال : شُبَّر ، قال : لساني عربي ، قال : سمِّه الحسن فسمّاه الحسن.(2)

أخذه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من فور ولادته فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى ثم عق عنه وحلق رأسه وتصدق بزنة شعره فضة فكان وزن درهما وشيئا وأمر فطلي راسه طيبا وسنت بذلك سنة العقيقة والتصدق بوزن الشعر.

روى ابن عساكر عن شعبة ، قال : سمعت بريد ابن أبي مريم يحدث عن أبي الحوراء قال : قلت للحسن بن علي : ما تذكر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ؟ قال : أذكر من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فجعلتها في في قال : فنزعها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بلعابها فجعلها في التمر ، فقيل : يا رسول الله ما كان عليك من هذه التمرة لهذا الصبي؟ قال : إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة.(3)

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 2 ص 68.

(2) المجلسي ،بحار الانوار ج 43 ص 177.

(3) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 2 ص 345 ، ابن حبان ،صحيح ابن حبان ، تحقيق شعيب الأرنؤوط ،


قال : وكان يقول : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، فإن الصدق طمأنينة وإن الكذب ريبة.

قال : وكان يعلمنا هذا الدعاء : اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، إنك تقضي ولا يقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت.(1)

وروى الدولابي قال حدثنا أحمد بن يحيى نا عبد الحميد بن صالح نا أبو شهاب عن مسعر عن أبي مصعب السلمي قال : حدثني ثلاثة رجال منهم : الحسن بن علي : أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يقول : «اللهم أقلني عثرتي واستر عورتي وآمن روعتي واكفني من بغى علي وانصرني ممن ظلمني وأرني ثاري منه».(2)

وروى أيضا حدثنا أبو جعفر ـ أحمد بن يحيى الصوفي نا إسماعيل بن صبيح اليشكري نا صباح بن واقد الأنصاري عن سعد الإسكاف عن عمير بن مأمون عن الحسن بن علي قال : سمعت جدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول : من صلى الفجر فجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس ستره الله من النار.(3)

وروى أبو نعيم قال : حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ، حدثنا يوسف القاضي ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا مبارك بن فضالة : حدثنا الحسن ، حدثني أبو بكرة قال : كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يصلي بنا فيجئ الحسن ـ وهو ساجد ـ صبي صغير حتى يصير على ظهره ـ أو رقبته ـ فيرفعه رفعا رفيقا فلما صلى صلاته قالوا : يا رسول الله إنك لتصنع بهذا الصبي شيئا لا تصنعه بأحد؟! فقال : إن هذا ريحانتي وإن ابني هذا سيد وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين.(4)

__________________

مؤسسة الرسالة 1993 م ، ج 2 ص 39 ، الطبراني ،المعجم الكبير ج 3 ص 76 ، أبو يعلى الموصلي ،مسند أبي يعلى ج 5 ص 167.

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 6.

(2) محمد بن أحمد الدولابي ،الذرية الطاهرة النبوية ، تحقيق سعد المبارك الحسن ، الدار السلفية ـ الكويت 1407 هـ ، ص 118 ـ 119.

(3) محمد بن أحمد الدولابي ،الذرية الطاهرة النبوية ص 119.

(4) أبو نعيم ،حلية الأولياء ج 2 ص 44.


وروى الحاكم في المستدرك : عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، عن أبيه قال : خرج علينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في إحدى صلاتي العشي الظهر أو العصر وهو حامل أحد ابنيه الحسن أو الحسين فتقدم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فوضعه عند قدمه اليمنى فسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سجدة أطالها ، قال أبي : فرفعت رأسي من بين الناس فإذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ساجد وإذا الغلام راكب على ظهره فعدت فسجدت فلما انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال الناس : يا رسول الله لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها أفشيء أمرت به أو كان يوحى إليك؟ قال : كل ذلك لم يكن إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته.(1)

وفي تهذيب الكمال : قد رأيت الحسن بن علي يأتي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو ساجد فيركب ظهره فما ينزله حتى يكون هو الذي ينزل ، ويأتي وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتى يخرج من الجانب الآخر.(2)

روى ابن عساكر بسنده عن نصر بن علي أنا علي بن جعفر بن محمد حدثني أخي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر عن أبيه محمد بن علي عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي أخذ الحسن والحسين فقال من احبني واحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة. قال ابن عساكر : أخرجه الترمذي عن نصر بن علي.(3)

وروى أيضا بسنده عن سفيان عن زبيد عن شهر بن حوشب عن أم سلمة أن النبي جلل عليا وحسنا وحسينا وفاطمة كساء ، ثم قال : اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي ، اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، فقالت أم سلمة قلت يا رسول الله أنا ، وأنا منهم؟ قال انك إلي خير.(4)

وروى عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة قالت نزلت هذه الآية في بيتي( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) الأحزاب / 33

__________________

(1) الحاكم النيسابوري ،المستدرك ، ج 3 ص 183.

(2) المزي ،تهذيب الكمال ، ج 2 ص 586.

(3) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 33.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 34.


قلت : يا رسول الله الست من أهل البيت؟ قال انك إلى خير ، انك من أزواج رسول الله ، قالت : وأهل البيت رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين.(1)

وروى عن سالم بن أبي الجعد عن قيس بن أبي حازم عن حذيفة بن اليمان قال : بت عند رسول الله ليلة فرأيت شخصا فقال لي النبي هي رأيت قلت نعم ، قال فإن ملكا هبط عليَّ من السماء لم يهبك عليَّ إلا ليلتي هذه فبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة. قال الراوي وحدثونا به انه قال وأبوهما خير منهما.(2)

وروى عن أبي إسحاق عن زيد بن ارقم قال أني لعند رسول الله إذ مرَّ علي وفاطمة والحسن والحسين.

فقال رسول الله : أنا حربٌ لمن حاربهم وسلمٌ لمن سالمهم.(3)

وروى عن عبد الرحمن بن أبي ذئاب حدثني عبد الله بن الحارث بن نوفل حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله دخل على ابنته فاطمة وابناها إلى جانبها وعلي نائم فاستسقى الحسن فأتى رسول الله ناقة لهم تحلب فحلب منها ثم جاء به فنازعه الحسين أن يشرب قبله حتى بكى فقال يشرب أخوك ثم تشرب فقالت فاطمة كأنه آثر عندك منه؟

قال : ما هو بآثر عندي منه وانهما عندي بمزلة واحدة ، وانك وهما وهذا المضطجع معي في مكان واحد يوم القيامة.(4)

احداث سنوات محنة أبيهعليه‌السلام مع الخلفاء (خمس وعشرون سنة) :

قال في ينابيع المودة أخرج الدارقطني : إن الحسن جاء لابي بكررضي‌الله‌عنهما وهو على المنبر ، فقال : انزل عن مجلس أبي وفي رواية عن منبر أبي. فقال : صدقت ، والله إنه لمجلس أبيك. ثم أخذه وأجلسه في حجره وبكى. فقال عليرضي‌الله‌عنه : أما والله ما كان عن رأيي. فقال : صدقت ، والله ما اتهمتك.(5)

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 42.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 43.

(3) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 51.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 56.

(5) القندوزي ،ينابيع المودة ، تحقيق سيد علي جمال أشرف الحسيني ، دار الأسوة للطباعة والنشر 1416 هـ ، ج 2 ص 465.


انسحبت ظلامة أبيه فلم يرع الخلفاء حقه وحق أبيه ، وتبنوا تقديم عبد الله بن عباس في المجتمع.(1)

اما الرواية التي تقول انهعليه‌السلام كان في جيش الفتوح زمن عثمان فهي موضوعة.

احداث سنوات حكم أبيهعليه‌السلام خمس سنوات :

حضر الجمل وصفين والنهروان. ولم يسمح عليعليه‌السلام له ولا لأخيه الحسين ان يشتركا في القتال واثر عنه كلامه فيهما في يوم صفين : أملكوا عني هذين الفقيين ، أخاف أن ينقطع بهما نسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .(2)

عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : أقبلنا مع الحسن وعمّار بن ياسر من ذي قار(3) حتى نزلنا القادسيّة ، فنزل الحسن وعمّار ونزلنا معهما ، فاحتبى(4) عمّار بحمائل سيفه ، ثمّ جعل يسأل الناس عن أهل الكوفة وعن حالهم قال : فلمّا دخل الحسن وعمّار الكوفة اجتمع إليهما الناس ، فقام الحسن فاستنفر الناس ، فحمد الله وصلّى على رسوله ، ثمّ قال : أيّها الناس! إنّا جئنا ندعوكم إلى الله ، وإلى كتابه ، وسنّة رسوله ، وإلى أفقه من تفقّه من المسلمين ، وأعدل من تُعدّلون ، وأفضل من تُفضّلون ، وأوفى مَن تُبايعون ، من لم يعِبْه القرآن ، ولم تُجَهِّلْه السنّة ، ولم تقعد به السابقة. إلى من قرّبه الله تعالى إلى

__________________

(1)أقول : وقد دفع أمير المؤمنين ابن عباس ابن يساير عمر في رغبته ان يقربه ، وعلمه ماذا يستفيد من هذا التقريب من تصريحات ينتزعها منه في أوقات الانبساط ، روى البخاري بسنده عن يحيى بن سعيد قال سمعت عبيد بن حنين يقول سمعت ابن عباس يقول أردت أن اسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فمكثت سنة فلم أجد له موضعا حتى خرجت معه حاجا فلما كنا بظهران ذهب عمر لحاجته فقال أدركني بالوضوء فأدركته بالإداوة فجعلت أسكب عليه ورأيت موضعا فقلت يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا قال ابن عباس فما أتممت كلامي حتى قال : عائشة وحفصة. فهو ينتظر حالة انشراح عمر سنة كاملة حتى يسال سؤالا قد اعده في ذهنه والسؤال يرتبط بقوله تعالى( إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّـهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّـهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ (4)) التحريم / 4.

(2) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 1 ص 184.

(3) ذُوقار : موضع بين الكوفة وواسط ، وهو إلى الكوفة أقرب ، فيه كان «يوم ذي قار» بين الفرس والعرب (تقويم البلدان : 292).

(4) الاحتباء : هو أن يضمّ الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ، ويشدّه عليها (النهاية : 1 / 335).


رسوله قرابتين : قرابة الدين ، وقرابة الرحم. إلى من سبق الناس إلى كلّ مأثره. إلى من كفى الله به رسوله والناس متخاذلون ، فقرب منه وهم متباعدون ، وصلّى معه وهم مشركون ، وقاتل معه وهم منهزمون ، وبارز معه وهم مُحجِمون ، وصدّقه وهم يُكذّبون. إلى من لم تُردّ له رواية ولا تُكافأ له سابقة ، وهو يسألكم النصر ، ويدعوكم إلى الحقّ ، ويأمركم بالمسير إليه لتوازروه وتنصروه على قوم نكثوا بيعته ، وقتلوا أهل الصلاح من أصحابه ، ومثّلوا بعمّاله ، وانتهبوا بيت ماله ، فاشخصوا إليه رحمكم الله ، فمُروا بالمعروف ، وانهَوا عن المنكر ، واحضروا بما يحضر به الصالحون.(1)

قال أبو مخنف : حدثني جابر بن يزيد ، قال : حدثني تميم بن حذيم الناجي ، قال : قدم علينا الحسن بن عليعليه‌السلام وعمار بن ياسر ، يستنفران الناس إلى عليعليه‌السلام ، ومعهما كتابه ، فلما فرغا من قراءة كتابه ، قام الحسن ـ وهو فتى حدث ، والله اني لأرثي له من حداثة سنه وصعوبة مقامه ـ فرماه الناس بأبصارهم وهم يقولون اللهم سدد منطق ابن بنت نبينا فوضع يده على عمود يتساند إليه ، وكان عليلا من شكوى به ، فقال : الحمد لله العزيز الجبار ، الواحد القهار ، الكبير المتعال ، (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار). أحمده على حسن البلاء ، وتظاهر النعماء ، وعلى ما أحببنا وكرهنا من شدة ورخاء. واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أمتن علينا بنبوته ، واختصه برسالته ، وأنزل عليه وحيه ، واصطفاه على جميع خلقه ، وأرسله إلى الإنس والجن ، حين عبدت الأوثان وأطيع الشيطان ، وجحد الرحمن ، فصلى الله عليه وعلى آله وجزاه أفضل ما جزى المسلمين.

أما بعد فإني لا أقول لكم إلا ما تعرفون ، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ أرشد الله أمره ، وأعز نصره ـ بعثني إليكم يدعوكم إلى الصواب ، وإلى العمل بالكتاب ، والجهاد في سبيل الله ، وإن كان في عاجل ذلك ما تكرهون ، فإن في آجله ما تحبون إن شاء الله. ولقد علمتم أن عليا صلى مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وحده ، وأنه

__________________

(1) شرح نهج البلاغة عن أبي مخنف عن موسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه ج 14 ص 225 ـ 226 ، وقد تقدم الخبر.


يوم صدق به لفي عاشرة من سنه ، ثم شهشد مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جميع مشاهده. وكان من اجتهاده في مرضاة الله وطاعة رسوله وآثاره الحسنة في الإسلام ما قد بلغكم ، ولم يزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله راضيا عنه ، حتى غمضه بيده وغسله وحده ، والملائكة أعوانه ، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ، ثم أدخله حفرته ، وأوصاه وحده ، والملائكة أعوانه ، والفضل ابن عمه ينقل إليه الماء ، ثم أدخله حفرته ، وأوصاه بقضاء دينه وعداته ، وغير ذلك من أموره ، كل ذلك مِنْ مَنِّ الله عليه. ثم والله ما دعا إلى نفسه ، ولقد تداك الناس عليه تداك الإبل الهيم عند ورودها ، فبايعوه طائعين ، ثم نكث منهم ناكثون بلا حدث أحدثه ، ولا خلاف أتاه حسدا له وبغيا عليه. فعليكم عباد الله بتقوى الله وطاعته ، والجد والصبر والاستعانة بالله والخفوف إلى ما دعاكم إليه أمير المؤمنين. عصمنا الله وإياكم بما عصم به أولياءه وأهل طاعته ، وألهمنا وإياكم تقواه ، وأعاننا وإياكم على جهاد أعدائه. واستغفر الله العظيم لي ولكم. ثم مضى إلى الرحبة ، فهيا منزلا لابيه أمير المؤمنين. قال جابر : فقلت لتميم كيف أطاق هذا الغلام ما قد قصصته من كلامه فقال ولما سقط عني من قوله أكثر ، ولقد حفظت بعض ما سمعت.(1)

قال أبو مخنف في كتاب وقعة الجمل : وقال عمرو بن أحيحة يوم الجمل في خطبة الحسن بن عليعليه‌السلام بعد خطبة عبد الله ابن الزبير :

حسن الخير يا شبيه أبيه

قمت فينا مقام خير خطيب

قمت بالخطبة التي صدع الله بها

عن أبيك أهل العيوب

وكشفت القناع فاتضح الأمر

وأصلحت فاسدات القلوب

لست كابن الزبير لجلج في القول

وطاطا عنان فسل مريب

وأبى الله أن يقوم بما قام به

ابن الوصي وابن النجيب

إن شخصا بين النبي ـ لك الخير

وبين الوصي غير مشوب(2)

بيعته وحكومتهعليه‌السلام سبعة اشهر :

بويع الحسنعليه‌السلام على الحكم الإسلامي بعد وفاة ابيهعليه‌السلام في الحادي والعشرين من

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 14 ص 226.

(2) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 1 ص 136.


شهر رمضان سنة 40 هجرية.

قال الدولابي أخبرني أبو القاسم كهمس بن معمر : أن أبا محمد إسماعيل بن محمد بن إسحاقبن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب حدثهم : حدثني عمي علي بن جعفر بن محمد بن حسين بن زيد عن الحسن بن زيد بن حسن بن علي عن أبيه قال : خطب الحسن بن علي الناس حين قتل علي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :

لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون وقد كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعطيه رايته ويقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى يفتح الله عليه وما ترك على ظهر الأرض صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله.

ثم قال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن علي وأنا ابن الوصي وأنا ابن البشير وأنا ابن النذير وأنا ابن الداعي إلى الله والسراج المنير وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل فينا ويصعد من عندنا وأنا من أهل البيت الذين «أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ». وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال لنبيه : «قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ». فاقتراف الحسنة : مودتنا أهل البيت.(1)

وقال حدثنا أحمد بن يحيى الأودي نا إسماعيل بن أبان الوراق نا عمرو عن جابر عن أبي الطفيل وزيد بن وهب وعبد الله بن نجي وعاصم بن ضمرة عن الحسن بن علي قال : لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه أحد كان قبله ولم يخلف بعده مثله وهو علي بن أبي طالب حبيب رسول الله وأخوه.(2)

وقال أخبرني أحمد بن شعيب أخبرني إسحاق بن إبراهيم أنا النضر بن شميل نا يونس بن أبي إسحاق عن هبيرة بن يريم قال : خرج إلينا الحسن بن علي وعليه عمامة سوداء فقال : لقد كان فيكم بالأمس رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الآخرون وان

__________________

(1) محمد بن أحمد الدولابي ،الذرية الطاهرة النبوية ص 109 ـ 111.

(2) محمد بن أحمد الدولابي ،الذرية الطاهرة النبوية ص 111.


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يقاتل جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره ولا يرد رأسه حتى يفتح الله عليه.(1)

أقول : صالح معاوية في الخامس عشر من شهر جمادي الأولى سنة 41 هجرية. فكانت مدة حكمه المباشر سبعة اشهر وأربعة وعشرين يوما. وإذا أضفنا إليها عشر سنوات بعد ذلك حيث كان المؤسس لإطارها العام من الأمان والحرية الفكرية والحكم بالدستور الكتاب والسنة تكون مدة تأثيره الإيجابي الفاعل في الساحة الإسلامية والسياسية مدة عشر سنوات وسبعة اشهر وأربعة وعشرين يما. ويكون وفاته ونقض معاوية للعهد الذي أعطاه للحسن من الأمان والعمل بكتاب الله وسنة نبيه هو بداية حكم بني أمية الذي استمر مدة ألف شهر تقريبا ، وتساوي ثلاثة وثمانين سنة ، بينما إذا حسبناها من سنة 41 للهجرة تكون مدة حكم بني أمية ثلاثة وتسعين سنة أي ألف ومائة وعشرين شهرا تقريبا.

أولادهعليه‌السلام وأمهاتهم :

أولاد الحسن بن عليعليهما‌السلام خمسة عشر ولدا ذكرا وأنثى :

الحسين بن الحسن الملقب بالاثرم وأخوه طلحة بن الحسن وأختهما فاطمة بنت الحسن ، أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التميمي.

زيد بن الحسن وأختاه أم الحسن وأم الحسين أمهم أم بشير بنت أبي مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجية.

والحسن بن الحسن أمه خولة بنت منظور الفزارية.

وعمرو بن الحسن وأخواه القاسم وعبد الله ابنا الحسن أمهم أم ولد.

وعبد الرحمن بن الحسن أمه أم ولد.

وأم عبد الله وفاطمة وأم سلمة ورقية بنات الحسنعليه‌السلام لأمهات شتى.(2)

__________________

(1) محمد بن أحمد الدولابي ،الذرية الطاهرة النبوية ص 114 ـ 115.

(2) المجلسي ،بحار الانوار ج 44 ص 375.


أوصافهعليه‌السلام :

قال الدولابي سمعت أبا عبد الله جعفر بن علي بن إبراهيم بن صالح بن علي بن عبد الله بن يقول : سمعت أحمد بن محمد بن أيوب المغيري يقول : كان الحسن بن علي بن أبي طالب أبيضا مشرب حمرة أدعج العينين سهل الخدين دقيق المسربة كث اللحية ذا وفرة وكأن عنقه إبريق فضة عظيم الكراديس بعيد ما بين المنكبين ربعة ـ ليس بالوطيل ولا القصير ـ مليحا من أحسن الناس وجها وكان يخضب بالسواد وكان جعد الشعر حسن البدن.(1)

قال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا الحسن بن علي الحلواني حدثنا يزيد بن هارون عن إسماعيل بن أبي خالد قال قلت لأبي جحيفة رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال نعم وأشبه الناس به الحسن بن عليرضي‌الله‌عنهم .(2)

وفاتهعليه‌السلام :

قال المدائني : سقي الحسن السم اربع مرات.(3)

قال الامام الصادقعليه‌السلام : ان الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنينعليه‌السلام وابنته جعدة سمت الحسن وابنه محمد شرك في دم الحسين.(4)

عن حنبل بن إسحاق قال سمعت عبيد الله بن محمد بن عائشة قال مات الحسن بن علي سنة إحدى وخمسين ويقال سنة خمسين. وعن أبي قتيبة من ولد أبي بكرة قال اخبر أبو بكرة بموت الحسن بن علي فاسترجع وماتا في سنة إحدى وخمسين. عن شعبة عن أبي بكر بن حفص قال توفي الحسن بن علي بعدما مضى من إمارة معاوية عشر سنين.(5)

أقول : وسيأتي في الفصل الآتي تحقيق عن وفاتهعليه‌السلام بالسم.

__________________

(1) محمد بن أحمد الدولابي ،الذرية الطاهرة النبوية ، ص 119 ـ 121.

(2) الطبراني ،المعجم الكبير ج 3 ص 25.

(3) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 16 ص 211.

(4) المجلسي ،بحار الانوار ج 42 ص 367.

(5) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 13 ص 123.


مدفنهعليه‌السلام :

روى سبط بن الجوزي بسنده إلى ابن سعد عن الواقدي لما احتضر الحسن قال : ادفنوني عند أبي يعني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقامت بنو أمية ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص وكان واليا على المدينة فمنعوه!! قال ابن سعد ومنهم عائشة وقالت : لا يدفن مع رسول الله احد.(1)

وروى ابو الفرج الاصفهاني : ان عائشة ركبت على بغل واستعونت بني أمية ومروان ومن كان هناك منهم ومن حشمهم وهو قول القائل : فيوما على بغل ويوما على جمل. وروا المسعودي ان القاسم بن محمد بن أبي بكر قال لعائشة : يا عمة ما غسلنا رؤوسنا من يوم الجمل الأحمر أتريدين ان يقال يوم البغلة الشهباء؟ فرجعت.

ومضوا بالحسن فدفنوه بالبقيع عند جدته فاطمة بنت اسد بن هاشم.(2)

قال الواقدي : عن ثعلبة بن أبي مالك : شهدت الحسن يوم مات ودفن بالبقيع فلقد رأيت البقيع ولو طرحت فيه إبرة ما وقعت إلى على راس إنسان.(3)

وروى ابن عساكر أيضا قال : بكى على الحسن بن علي بمكة والمدينة سبعا النساء والصبيان والرجال.(4)

وفي الطبقات الكبرى : عن أبي جعفر قال : مكث الناس يبكون على حسن بن علي سبعاما تقوم الأسواق.(5)

روى ابن عساكر عن جهم بن أبي جهم قال : لما مات الحسن بن علي بعثت بنو هاشم إلى العوالي صائحا يصيح في كل قرية من قرى الأنصار بموت حسن فنزل أهل العوالي ولم يتخلف أحد عنه.(6)

__________________

(1) الذهبي ،تذكرة الخواص ص 275.

(2) أبو الفرج الاصفهاني ،مقاتل الطابين ص 82.

(3) ابن حجر ،الاصابة ج 1 ص 495. الحاكم ،المستدرك ج 3 ص 190 ، ابن سعد ،الطبقات الكبرى القسم المتمم ج 1 ص 351 ، المزي ،تهذيب الكمال ج 2 ص 601 ، ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 118.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 118 ، ابن كثير ،البداية والنهاية ج 8 ص 43.

(5) ابن سعد ،الطبقات الكبرى القسم الناقص ج 1 ص 352 ، الحاكم ،المستدرك ج 3 ص 189.

(6) ابنب عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 118 ، ابن سعد ،الطبقات الكبرى القسم الناقص ج 1 ص 350.


وروى ابن كثير قال قال محمد بن عمر الواقدي : حدثني عبد الله بن جعفر عن أم بكر بنت المسور. قالت : الحسن سقى مرارا كل ذلك يفلت منه ، حتى كانت المرة الآخرة التي مات فيها فإنه كان يختلف كبده ، فلما مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهرا. قال حدثتنا عبدة بنت نائل عن عائشة قالت : حد نساء بني هاشم على الحسن بن علي سنة.(1)

__________________

(1) ابن كثير ،البداية والنهاية ، ج 8 ص 43.


الباب الثاني / الفصل الرابع

السنوات العشر بعد وفاة الحسن عليه‌السلام (الغدر المبين لمعاوية)

موت الحسن عليه‌السلام بالسم قضية سياسية وليست شخصية

لم يكن العمر الذي مات فيه الحسنعليه‌السلام عمر موت لأمثاله ، ولم يكن الموت موتا طبيعيا بل كان موتا بالسم بعد عدة محاولات لم تكن مميتة(1) ، وقد عُرِف امرُه عند كل أهل المدينة وعنها انتشر إلى بقية الأمصار.

وليس لاحد ان يفسر ذلك بعداوة شخصية بين الحسن وبين احد من الناس استغل علاقة خاصة مع خادم أو زوجة من زوجاته لخلقه الكريم حتى مع أعدائه ، بل لا مفر من القول انه كان بعداوة سياسية وقدرة على الاغراء لا تملكها الا دولة ، والمفروض ان الحسن بعد تنازله عن الملك لمعاوية ان لا يكون معاوية هو العدو السياسي الذي يحاول

__________________

(1) روى ابن عساكر عن عمير بن إسحاق ، قال : دخلت أنا ورجل من قريش على الحسن بن علي فقام فدخل المخرج ثم خرج فقال : لقد لفظت طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود ، ولقد سقيت السم مرارا وما سقيته مرة هي أشد من هذه. (ترجمة الامام الحسن من تاريخ ابن عساكر تحقيق المحمودي ص 207). وروى البلاذري فيانساب الاشراف ج 3 ص 59 قال : حدثني روح بن عبد المؤمن ، حدثني عمي عن أزهر ، عن ابن عون قال : خرج الحسن بن علي على من كان يجالسه فقال : لقد لفظت الساعة طائفة من كبدي أقلبها بهذا العود ، ولقد سقيت السم غير مرة ، وما سقيته أشد من مرتي هذه ، ثم دخل عليه من الغد وهو يكيد بنفسه. أيضاالمنتخب من ذيل المذيل للطبري / 19.


اغتياله لأنه كان قد بوأه الحسن ملكا لا يحلم به وقيده بشروط يتحول بها الحكم المدني إلى خدمة حقيقية للامة وتهيئ لمعاوية فرصة المراجعة الحقيقية لمسيرته إلى الله لو أراد تصحيحها ، فإلى من تتجه الانظار في التهمة إذن إذا نفيناها عن معاوية(1) كما نفاها المستشرق لامنس عنه ومن قبله ابن كثير والذهبي وابن خلدون؟.(2)

أقول : في مثل قضية وفاة غير طبيعية استغرقت أربعين يوما(3) لرجل كالإمام الحسن بلغ من الشرف ما لم يبلغه احد بعد النبي كما قال المؤرخ الأقدم ابن إسحاق ، وايدت الوقائع التاريخية قوله فيه وفي عمر ليس هو عمر الموت ، وبكون هذه الشخصية

__________________

(1) قال في الاستيعاب في ترجمة الحسنعليه‌السلام : قال قتادة وابو بكر بن حفص : سم الحسن بن علي سمته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي ، وقالت طائفة : كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذله لها في ذلك وكان لها ضرائر. وروى الذهبي عن الواقدي قال : وقد سمعت من يقول : كان معاوية قد تلطف لبعض خدم الحسن ان يسقيه سما.

(2) قال الذهبي (ت 748 هـ) بعد أن حكى قول ابن عبد البر في الاستيعاب : «وقالت طائفة : كان ذلك بتدسيس معاوية لها لجعدة وبذله لها على ذلك». قال الذهبي : «قلت : هذا شيء لا يصح فمن الّذي اطّلع عليه» (تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام ، ط القدسي بمصر ، ج 2 ص 219). وقال ابن كثير (ت 747 هـ) : «وعندي ان هذا تدسيس يزيد لجعدة بسم الحسن ليس بصحيح ، وعدم صحته عن أبيه معاوية بطريق الأولى والأحرى» (ابن كثير ،البداية والنهاية ج 8 ص 43.) وقال ابن خلدون (ت 808 هـ) : «وما ينقل من انّ معاوية قد دس السم إلى الإمام الحسن على يد زوجته جعدة بنت الأشعث فهو من أحاديث الشيعة وحاشا لمعاوية ذلك» (ابن خلدون ،تاريخ ابن خلدون ، ط دار الكتاب اللبناني ، ج 2 ص 187) ، (نقلنا قول الذهبي وابن كثير وابن خلدون من موسوعة عبد الله بن عباس للعلامة المحقق آية الله السيد محمد مهدي الخرسان ج 5 ص 101 فما بعد) ثم ننقل تعليقه في الموضوع قال : (وقضية سم معاوية للإمام الحسنعليه‌السلام تظافر نقلها تظافراً يكاج يلحقها بالتواتر فقد ذكرها جملة من المؤرخين من القدامى والمحدثَين ، وجزم بها غير واحد منهم قتادة ، وأبو بكر بن حفص ، والزين العراقي ، كما حكاه عنهم ابن حجر الهيتمي في الصواعق ، وهو منهم في جزمه ، ولم يستبعد ذلك إلّا بعض الشاذين ممّن هواه مع الأمويين كالذهبي ، وابن كثير ، وابن خلدون من السابقين ، وتبعهم من اللاحقين المعاصرين من غربيين ومغتربين وعرب متغرّبين ، ممّن لا يؤبه بهم. ثم ذكر قائمة ضمت خمسين اسما من المؤرخين السابقين المثبتين لحادثة السم ، وفيهم مَن أكّد ضلوع معاوية في الجريمة ، وجميعهم ليسوا من الشيعة الّذين اتهمهم ابن خلدون. وقد رتبتهم حسب تسلسل وفياتهم على القرون).

(3) قال ابن سعد : أخبرنا يحيى بن حماد ، قال : أخبرنا أبو عوانة ، عن المغيرة ، عن موسى : إن جعدة بنت الأشعث بن قيس سقت الحسن السم فاشتكى منه شكاة. قال : فكان يوضع تحته طست وترفع أخرى ، نحوا من أربعين يوما ، (ترجمة الامام الحسن من طبقات ابن سعد ص 84).


هي التي سوف تلي الحكم بعد موت معاوية بموجب معاهدة تمت بينهما لحل مشكلات كانت قد استعصى حلها ، وكان الحسن صاحب الفضل فيها بلا منازع.

اصابع الاتهام تتجه الى معاوية :

في مثل قضية كهذه حين يتجه الاتهام إلى معاوية ويثبته خصماؤه وينفيه محبوه وأولياءه لابد لنا من تحقيق ، وببساطة متناهية يثير التحقيق أربعة أسئلة يثبت الجواب عنها التهمة على معاوية أن ينفيها وهي :

الأول : هل سجلت على معاوية سابقا ولاحقا سلوكات من هذا القبيل مع خصومه الذين يخشى منهم؟

الثاني : ما هو موقف معاوية بصفته راس الدولة التي كان الحسن وراء ما تمتع به من حرية وأمان ازاء أعداءها من الداخل وعزة وقوة ازاء أعداءها من الخارج وبصفة الحسن يمثل الحاكم الذي سيلي الأمور بعد الحس نفهل كان حزينا أم كان مسرورا.

الثالث : ما هو ظرف الدفن وما هي طبيعة وحجم مشاركة الدولة فيه؟

الرابع : وهو اهم الأسئلة على الإطلاق هل استمرت سياسة الدولة التي تمثلت بتطبيق شروط تم الاتفاق عليها بعد وفاة الحسن أم أخذت وجهة أخرى؟.

السؤال الأول : هل لمعاوية ممارسة مماثلة سابقة ولاحقة مع خصومه؟

فيجبنا التاريخ أيضا بالإيجاب.

فقد دس السم لمالك الاشتر لما بعثه عليه إلى مصر واليا ، ودس السم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد لما عرف ان الناس يميلون إليه دون ولده يزيد ودس السم لسعد بن أبي وقاص لما عرف عنه ان لا يقبل بلعن عليعليه‌السلام .

قصة موت مالك الاشتر رضوان الله عليه :

روى الطبري عن يزيد بن ظبيان الهمداني قال : وأتت معاوية عيونه فأخبروه بولاية لأشتر على مصر فعظم عليه وقد كان طمع في مصر فعلم أن الأشتر إن قدمها


كان أشد عليه من محمد ابن أبي بكر فبعث معاوية إلى الجايستار رجل من أهل الخراج فقال له ان الأشتر قد ولى مصر فان أنت كفيتنيه لم آخذ منك خراجا ما بقيت فاحتل له بما قدرت عليه فخرج الجايستار حتى أتى القلزم وأقام به وخرج الأشتر من العراق إلى مصر فلما انتهى إلى القلزم استقبله الجايستار فقال هذا منزل وهذا طعام وعلف وأنا رجل من أهل الخراج فنزل به الأشتر فأتاه الدهقان بعلف وطعام حتى إذا طعم أتاه بشربة من عسل قد جعل فيها سما فسقاه إياه فلما شربها مات وأقبل معاوية يقول لأهل الشام ان عليا وجه الأشتر وأقبل الذي سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر فقام معاوية في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وقال أما بعد فإنه كانت لعلي ابن أبي طالب يدان يمينان قطعت إحداهما يوم صفين يعني عمار بن ياسر وقطعت الأخرى اليوم يعني الأشتر.(1)

وفي رواية البلاذري قال : وأتت معاوية عيونُه بشخوص الأشتر واليا على مصر ، فبعث إلى رأس أهل الخراج بالقلزم فقال له : إن الأشتر قادم عليك ، فإن أنت لطفت لكفايتي إياه لم آخذ منك خراجا ما بقيت. فأتاه بشربة منه قد جعل فيها سمّا ، فلما شربها قتلته من يومه أو من غده. وبلغت معاوية وفاته فقال : كانت لعلي يدان ـ يعني قيس بن سعد (بن عبادة) والأشتر ـ فقد قطعت إحداهما وجعل يقول : إن لله لجندا من عسل.(2)

__________________

(1) الطبري ، تاريخ الكبري ج 4 ص 72. وفيالبداية والنهاية 7 / 347 قال ابن كثير : وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن معاوية كان قد تقدم إلى هذا الرجل (أي الجايستار) في أن يحتال على الأشتر ليقتله ووعده على ذلك بأمور ففعل ذلك ، وفي هذا نظر ، وبتقدير صحته فمعاوية يستجيز قتل الأشتر لأنه من قتلة عثمانرضي‌الله‌عنه .

(2) البلاذري ،انساب الاشراف ج 2 ص 399. وفي ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق : ج 56 ص 376 ، أن معاوية قال لأهل الشام : «يا أهل الشام إنكم منصورون ومستجاب لكم الدعاء فادعوا الله على عدوكم! فرفع أهل الشام أيديهم يدعون عليه ، فلما كانت الجمعة الأخرى خطب فقال : يا أهل الشام إن الله قد استجاب لكم وقتل عدوكم! وإن لله جنوداً في العسل ، فرفع أهل الشام أيديهم حامدين الله على كفايتهم إياه». ونحوه اليعقوبي ،تاريخ اليعقوبي ص 2 ج 179 ، وابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 6 ص 76.


وقال ابن عبد البر (1402) في ترجمة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي ، أدرك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ولم يحفظ عنه ، ولا سمع عنه ، وأبوه خالد بن الوليد من كبار الصحابة وجلَّتهم ، وكان عبد الرحمن من فرسان قريش وشجعانهم ، وكان له فضل وهدى حسن وكرم ، إلا أنه كان منحرفا عن عليّ وبني هاشم مخالفة لأخيه المهاجر بن خالد ، وكان أخوه المهاجر محبا لعلي ، وشهد معه الجمل وصفّين ، وشهد عبد الرحمن صفّين مع معاوية(1) ، ثم إنه قد كبرت سنّي ، وقرب أجلي ، وقد أردت أن أعقد لرجل يكون نظاما لكم ، وإنما أنا رجل منكم فأروا رأيكم ، فأصفقوا واجتمعوا ، وقالوا : رضينا عبد الرحمن بن خالد ، فشقّ ذلك على معاوية ، وأسرّها في نفسه. ثم إن عبد الرحمن مرض فأمر معاوية طبيبا عنده يهوديا ـ وكان عنده مكينا ـ أن يأتيه فيسقيه سقية يقتله بها ، فأتاه فسقاه فانحرق بطنه ، فمات ، ثم دخل أخوه المهاجر بن خالد دمشق مستخفيا هو وغلام له ، فرصدا ذلك اليهوديّ ، فخرج ليلا من عند معاوية ، فهجم عليه ومعه قوم هربوا عنه ، فقتله المهاجر ، وقصّته هذه مشهورة عند أهل السير والعلم بالآثار والأخبار اختصرناها ، ذكرها عمر بن شبّة في أخبار المدينة وذكرها غيره.(2)

__________________

(1) قال ابن قتيبة الدينوري في الاخبار الطوال 185 كانت راية أهل الشام العظمى مع عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد ، وكان يحمل بها فلا يلقاه شيء إلا هذه ، وكان من فرسان العرب ، وكانت من أهل العراق جولة شديدة ، فنادى الناس الأشتر ، وقالوا : (أما ترى اللواء أين قد بلغ؟) ، فتناول الأشتر لواء أهل العراق ، فتقدم به ، وهو يرتجز :

إني أنا الأشتر معروف الشتر

إني أنا الأفعى العراقي الذكر

فقاتل أهل الشام حتى رد اللواء ، وردهم على أعقابهم ، ففي ذلك يقول النجاشي :

رأيت اللواء كظل العقاب

يقحمه الشامي الأخزر

دعونا له الكبش العراق

وقد خالط العسكر العسكر

فرد اللواء على عقبه

وفاز بحظوتها الأشتر

والذَّكَر القوي الشجاع والخزر بالتحريك انكسار بصر العين خلقة ، أو ضيقها وصغرها.

(2) ابن عبد البر ، الاستيعاب ج 2 ص 830.


قصة موت عبد الرحمن بن خالد بن الوليد :

روى الطبري في حوادث سنة 46 قال : حدثني عمر قال : حدثني علي عن مسلمة ابن محارب : أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عظم شأنه بالشام ومال إليه أهلها لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ولغنائه عن المسلمين في أرض الروم وبأسه ، حتى خافه معاوية وخشي على نفسه منه لميل الناس إليه ، فأمر ابن أثال أن يحتال في قتله ، وضمن له إن هو فعل ذلك أن يضع عنه خراجه ما عاش وأن يوليه جباية خراج حمص ، فلما قدم عبد الرحمن بن خالد حمص منصرفا من بلاد الروم دس إليه ابن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه ، فشربها فمات بحمص ، فوفى له معاوية بما ضمن له وولاه خراج حمص ووضع عنه خراجه.

قال : وقدم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينة ، فجلس يوما إلى عروة بن الزبير ، فسلم عليه ، فقال له عروة : من أنت قال : أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فقال له عروة : ما فعل ابن أثال؟

فقام خالد من عنده وشخص متوجها إلى حمص ، ثم رصد بها ابن أثالث فرآه يوما راكبا ، فاعترض له خالد بن عبد الرحمن ، فضربه بالسيف فقتله ، فرفع إلى معاوية ، فحبسه أياما وأغرمه ديته ولم يقده منه.

ورجع خالد إلى المدينة ، فلما رجع إليها أتى عروة فسلم عليه ، فقال له عروة : ما فعل ابن أثال ، فقال : قد كفيتك ابن أثالث ولكن ما فعل ابن جرموز؟ فسكت عروة.(1)

قصة وفاة سعد بن أبي وقاص :

روى البلاذري أيضا قال حجثنا عبد الله بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن أبي بكر ، عن شعبة ، عن أبي بكر بن حفص قال : توفى سعد بن أبي وقاص ، والحسن بن علي بعد ما مضت من إمرة معاوية عشر سنين ، وكانوا يرون أنه سمهما.(2)

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 4 ص 172 ، حوادث سنة 46.

(2) البلاذري ،انساب الاشراف 1 / 404. ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 4 ص 11 و 17 ، وأبي الفرج الاصفهاني ،مقاتل الطالبيين ص 43.


السؤال الثاني : ما هو موقف معاوية من خبر موت الحسنعليه‌السلام :

روى الجاحظ ان معاوية لم يظهر حزنا.(1)

أقول : بل اعترض على المقدام حين اعتبر موت الحسن مصيبة كما في الرواية التالية :

روى أبو داود في سننه قال حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد الحمصي ثنا بقية ، عن بحير ، عن خالد ، قال : وفد المقدام بن معد يكرب وعمرو بن الأسود ورجل من بني أسد من أهل قنسرين إلى معاوية بن أبي سفيان ، فقال معاوية للمقدام : أعلمت أن الحسن بن علي توفى؟ فرجع المقدام ، فقال له رجل : أتراها مصيبة؟ قال له : ولم لا أراها مصيبة وقد وضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في حجره فقال : (هذا مني وحسين من علي)؟!

فقال الأسدي : جمرة أطفأها الله عز وجل ،

قال : فقال المقدام : أما أنا فلا أبرح اليوم حتى أغيظك وأسمعك ما تكره ، ثم قال : يا معاوية ، إن أنا صدقت فصدقني ، وإن أنا كذبت فكذبني ، قال : أفعل ،

قال : فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى عن لبس الذهب؟ قال : نعم ، قال : فأنشدك بالله هل سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ينهى عن لبس الحرير؟ قال : نعم ، قال : فأنشدك بالله هل تعلم أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى عن لبس جلود السباع والركوب عليها؟ قال : نعم ،

قال : فوالله لقد رأيت هذا كله في بيتك يا معاوية(2) ،

__________________

(1) قال الجاحظ فيالبيان والتبيين ص 592 (ولما بلغت معاوية وفاة الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما دخل عليه ابن عباس فقال له معاوية أجرك الله أبا العباس في أبي محمد الحسن بن علي ولم يظهر حزنا فقال ابن عباس إنا لله وإنا إليه راجعون وغلبه البكاء فرده ثم قال لا يسد والله مكانه حفرتك ولا يزيد موته في أجلك والله لقد أصبنا بمن هو أعظم منه فقدا فما ضيعنا الله بعده فقال له معاوية كم كانت سنه قال مولده أشهر من ان تتعرف سنه قال أحسبه ترك أولادا صغارا قال كلنا كان صغيرا فكبر ولئن اختار الله لأبي محمد ما عنده وقبضه إلى رحمته لقد أبقى الله أبا عبد الله وفي مثله الخلف الصالح).

(2) أبو داود ،سنن أبي داود ج 2 ص 275.


قال الذهبي : إسناده قوي. ومعاوية من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم ، وما هو ببرئ من الهنات ، والله يعفو عنه.(1)

قال العظيم ابادي فيشرح الحديث :

و (المقدام بن معد يكرب) هو ابن عمرو الكندي الصحابي المشهور نزل الشام (وعمرو بن الأسود) العنسي حمصي مخضرم ثقة عابد (ورجل من بني أسد من أهل قنسرين) بكسر القاف وفتح النون المشددة وكسر الراء المهملة كورة بالشام (إلى معاوية بن أبي سفيان) حين إمارته وكان وفاة الحسنرضي‌الله‌عنه مسموما سمته زوجته جعدة بإشارة يزيد بن معاوية سنة تسع وأربعين أو سنة خمسين أو بعدها ،

قوله (فرجع) من الترجيع أي قال إنا لله وإنا إليه راجعون.

قوله (فقال له فلان) وفي بعض النسخ وقع رجل مكان فلان ، والمراد بفلان هو معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه ، والمؤلف لم يصرح باسمه وهذا دأبه في مثل ذلك. وقد أخرج أحمد في مسنده من طريق حياة بن شريح حدثنا بقية حياتنا بحير بن سعد عن خالد بن معدان قال وفد المقدام بن معد يكرب وفيه فقال له معاوية أيراها مصيبة الحديث.(2)

قوله : (أتعدها) وفي بعض النسخ أتراها أي أتعد يا أيها المقدام حادثة موت الحسن رضي الله تعالى عنه مصيبة ، والعجب كل العجب من معاوية فإنه ما عرف قدر أهل البيت حتى قال ما قال ، فإن موت مثل الحسن بن عليرضي‌الله‌عنه من أعظم المصائب وجزى الله المقدام ورضي عنه فإنه ما سكت عن تكلم الحق حتى أظهره ، وهكذا شأن المؤمن الكامل المخلص.

قوله (فقال) أي المقدام.

__________________

(1) الذهبي ،سير اعلام النبلاء ج 3 ص 153.

(2) احمد بن حنبل ، مسند احمد ج 4 ص 132. الطبراني ،المعجم الكبير ج 3 ص 43. عن خالد بن معدان قال وفد المقدام بن معدى كرب وعمرو بن الأسود إلى معاوية فقال معاوية للمقدام أعلمت ان الحسن بن علي توفى فرجَّع المقدام ، فقال له معاوية : أتراها مصيبة فقال لم لا أراها مصيبة؟ وقد وضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في حجره وقال هذا مني وحسين من علي رضي الله تعالى عنهما.


قوله (له) : أي لذلك الفلان وهو معاويةرضي‌الله‌عنه .

قوله : (وقد وضعه) أي الحسنرضي‌الله‌عنه والواو للحال

ثوله : (فقال هذا) أي الحسن

قوله (مني وحسين من علي) أي الحسن يشبهني والحسين يشبه عليا ، وكان الغالب على الحسن الحلم والأناة كالنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلى الحسين الشدة كعلي. قاله في شرح الجامع الصغير.

قوله (فقال الأسدي) أي طلبا لرضاء معاوية وتقربا إليه.

قوله (جمرة) قال في المصباح جمرة النار القطعة الملتهبة. وفي القاموس النار المتقدة.

قوله (أطفأها الله) أي خمد الله تعالى تلك الجمرة وأماتها فلم يبق منها شيء ، ومعنى قوله والعياذ بالله أن حياة الحسنرضي‌الله‌عنه كانت فتنة فلما توفاه الله تعالى سكنت الفتنة ، فاستعار من الجمرة بحياة الحسن ومن إطفائها بموتهرضي‌الله‌عنه ، وإنما قال الأسدي ذلك القول الشديد السخيف لأن معاويةرضي‌الله‌عنه كان يخاف على نفسه من زوال الخلافة عنه وخروج الحسنرضي‌الله‌عنه عليه.(1)

أقول : وروى الزمخشري انه سجد هو ومن حوله شكراً.(2)

ويرى أيضا انه لما بلغ موته سمع تكبير من الخضراء فكبر أهل الشام لذلك التكبير. فقالت فاختة بنت قرط لمعاوية : أقر الله عينك يا أمير المؤمنين ما الذي كبرت له قال : مات الحسن قالت : أعلى موت ابن فاطمة تكبر قال : والله ما كبرت شماتة لموته ولكن استراح قلبي وصفت لي الخلافة.(3)

وفي خبر آخر دخل غلام معاوية ، فقال : يا أمير المؤمنين بشراي ، قال : وما

__________________

(1) العظيم ابادي ،عون المعبود ج 12 ص 127.

(2) الزمخشري ،ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ، تحقيق عبد الأمير مهنا ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت 1992 م ، ج 5 ص 134.

(3) الزمخشري ،ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ج 5 ص 157. ابن حمدون ،التذكرة الحمدونية ، تحقيق إحسان عبّاس وبكر عبّاس ، دار صادر للطباعة والنشر 1996 م ، ج 9 ص 294 ، ابن خلكان ،وفيات الاعيان ، تحقيق إحسان عباس ، دار الثقافة بيروت ج 2 ص 66 ، الدميري ،حياة الحيوان الكبرى ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1424 هـ ، ج 1 ص 89.


ذلك ، قال : في هذه الصحيفة ما تحب. قال : لك بشراك ، فدفعها إليه ، ولما قرأها خر ساجدا ، ثم رفع رأسه ، (قال الراوي) فعرفنا السرور في وجهه ، فنعى الحسن بن علي.(1)

السؤال الثالث : ما هو ظرف دفن الامام الحسنعليه‌السلام وما هي طبيعة وحجم مشاركة الدولة فيه؟

والجواب هو : ان مصادر التاريخ قد ذكرت بوضوح ان الدولة ليس فقط لم تشارك العزاء بشكل فعال وهو طبيعي لموقف رئيسها ، وزادت عليه ان تصدى رهطه وهم بنو أمية بقيادة مروان لمنع بني هاشم من دفن الحسن عند جوار جده النبي وفي غرفة امه الصديقة.

ففي طبقات ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا عبيد الله بن مرداس ، عن أبيه ، عن الحسن بن محمد بن الحنفية ، قال : لما مرض حسن بن علي مرض أربعين ليلة ، فلما استعز به وقد حضرت بنو هاشم فكانوا لا يفارقونه يبيتون عنده بالليل ، فلما استعز به بعث مروان بن الحكم رسولا إلى معاوية يخبره بثقل الحسن بن علي ، وكان حسن رجلا قد سقي وكان مبطونا إنما كان يختلف أمعاءه. فلما حضر وكان عنده إخوته عهد أن يدفن مع رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ إن أستطيع ذلك ، فإن حيل بينه وبينه وخيف أن يهراق فيه محجم من دم دفن مع أمه(2) بالبقيع. وجعل الحسن يوعز إلى الحسين : يا أخي إياك أن تسفك الدماء فيَّ فإن الناس(3) سراع إلى الفتنة.

فلما توفي الحسن ارتجت المدينة صياحا فلا يلقى أحد إلا باكيا ، فانتهى حسين بن علي إلى قبر النبي ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فقال : احفروا هاهنا ، فنكب عنه سعيد

__________________

(1)اخبار الدولة العباسية لمؤلف مجهول ص 43. ابن فتح الاربلي ،كشف الغمة ج 2 ص 49 ن الزبير بن بكرا في الاخبار الموفقيات.

(2) أي فاطمة بنت اسد.

(3) يريد بني أمية.


بن العاص وهو الأمير فاعتزل ولم يحل بينه وبينه ، وصاح مروان في بني أمية ولفها وتلبسوا السلاح ، وقال مروان : لا كان هذا أبدا ، فقال له حسين : [يا بن الزرقاء] ما لك ولهذا ، أوال أنت؟! قال : لا كان هذا ولا خلص إليه وأنا حي ، فصاح حسين بحلف الفضول ، فاجتمعت هاشم وتيم وزهرة وأسد وبنو جعونة(1) بن شعوب من بني ليث قد تلبسوا السلاح ،

وعقد مروان لواء ، وعقد حسين بن علي لواء ،

فقال الهاشميون : يدفن مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى كانت بينهم المراماة بالنبل ، وابن جعونة بن شعوب(2) يومئذ شاهر سيفه ، فقام في ذلك رجال من قريش ، عبد الله بن جعفر بن أبي طالب والمسور بن مخرمة بن نوفل ، وجعل عبد الله بن جعفر يلح على حسين وهو يقول : يا بن عم ألا تسمع إلى عهد أخيك ، إن خفت أن يهراق في محجم من دم فادفني بالبقيع مع أمي ، أذكرك الله أن تسفك الدماء ، وحسين يأبى دفنه إلا مع النبي ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وهو يقول : ويعرض مروان لي؟! ما له ولهذا؟!

قال : فقال المسور بن مخرمة : يا أبا عبد الله اسمع مني ، قد دعوتنا بحلف الفضول فأجبناك ، تعلم أني سمعت أخاك يقول قبل أن يموت بيوم : يا بن مخرمة ، إني قد عهدت إلى أخي أن يدفنني مع رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ إن وجد إلى ذلك سبيلا ، فإن خاف أن يهراق في ذلك محجم من دم فليدفني مع أمي بالبقيع ، وتعلم أني أذكرك الله في هذه الدماء ، ألا ترى ما هاهنا من السلاح والرجال والناس سراع إلى الفتنة.

قال : وجعل الحسين يأبى ، وجعلت بنو هاشم والحلفاء يلغطون ويقولون : لا يدفن أبدا إلا مع رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم .(3)

قال ابن سعد قال أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثني محرز بن جعفر ، عن أبيه ،

__________________

(1) ذكر محمد بن حبيب البغدادي فيالمنمق ص 249 ان جعونة دخلوا في بني هاشم لصداقة كانت بين أبي بكر بن جعونة وبين العباس بن عبد المطلب.

(2) الزيلعي ،نصب الراية ، دار الحديث ، القاهرة 1995 م ، ج 2 ص 371 جعونة بن شعوب الكناني. وفي طبقات ابن سعد ج 5 / 61 جعونة بن شعوب وهو من ولد الأسود بن عبد شمس بن مالك بن جعونة بن عويرة بن شجع بن عمار بن ليث.

(3) ترجمة الامام الحسن منطبقات ابن سعد ص 86.


قال : سمعت أبا هريرة يقول يوم دفن الحسن بن علي : قاتل الله مروان ، قال : والله ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ وقد دفن عثمان بالبقيع! فقلت : يا مروان اتق الله ولا تقل لعلي إلا خيرا.(1)

قال ابن عساكر وروى الزبير (ابن بكار) قال وحدثني محمد بن الضحاك الحرامي قال لما بلغ مروان بن الحكم انهم قد اجمعوا أن يدفنوا الحسن بن علي مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم جاء إلى سعيد بن العاص وهو عامل المدينة فذكر ذلك له فقال ما أنت صانع في أمرهم فقال لست منهم في شيء ولست حائلا بينهم وبين ذلك قال فخلني وإياهم فقال أنت وذاك فجمع لهم مروان من كان هناك من بني أمية وحشمهم ومواليهم وبلغ ذلك حسينا فجاء هو ومن معه في السلاح ليدفن حسنا في بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم واقبل مروان في أصحابه وهو يقول :

يا رب هيجاء هي خير من دعة.

أيدفن عثمان بالبقيع ويدفن حسن في بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم والله لا يكون ذلك أبدا وأنا احمل السيف فلما صلوا على حسن خشي عبد الله بن جعفر أن يقع في ذلك ملحمة عظيمة فأخذ بمقدم السرير ثم مضى نحو البقيع فقال له حسين ما تريد قال عزمت عليك بحقي أن لا تكلمني كلمة واحدة فصار به إلى البقيع فدفنه هناكرحمه‌الله وانصرف مروان ومن معه.

وبلغ معاوية ما كانوا أرادوا في دفن حسن في بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال ما أنصفتنا بنو هاشم حين يزعمون أنهم يدفنون حسنا مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقد منعوا عثمان أن يدفن إلا في أقصى البقيع.

إن يك ظني بمروان صادقا لا يخلصون إلى ذلك وجعل يقول : ويها مروان أنت لها.(2)

قال ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر ، قال : حدثنا هاشم بن عاصم ، عن المنذر بن جهم ، قال : لما اختلفوا في دفن حسن بن علي [نزل] سعد بن أبي وقاص وأبو

__________________

(1) ترجمة الامام الحسن منطبقات ابن سعد ص 93.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 291.


هريرة من أرضهما ، فجعل سعد يكلم حسينا يقول : الله ، الله ، فلم يزل بحسين حتى ترك ما كان يريد.(1)

أقول :

ونستفيد من الروايات الآنفة الذكر ان الموقف السلبي من بني أمية بقيادة مروان ومنع دفن الحسنعليه‌السلام عند جده وهي غرفة امه السيدة فاطمةعليها‌السلام لم يكن بعيدا عن مشورة معاوية ورضاه وبخاصة وقد ابرد مروان إليه يخبره بالخبر ولابد انه ابرد إليه بالموقف ، بل الموقف صريحا منه في رواية الزبير بن بكار.

ونستفيد أيضا :

ان الحسينعليه‌السلام وبني هاشم لم يعدلوا عن دفن الحسنعليه‌السلام في غرفة امه الصديقةعليها‌السلام عند جده لضعف منهم فقد كان معهم احلافهم في حلف الفضول وهم بنو المطلب وتيم وزهرة وأسد وبنو جعونة بن شعوب من بني ليث.(2) ولكنها وصية الامام الحسنعليه‌السلام

__________________

(1) ترجمة الامام الحسن منطبقات ابن سعد ص 87.

(2)أقول : فان تيما رهط الخليفة أبي بكر ، واسدا رهط عبد الله بن الزبير وقد حضر وحضرت اسد كلها كما روى ابن سعد في طبقاته (انظرترجمة الإمام الحسن من الطبقات ص 87) وعاتب معاوية بعد ذلك ابن الزبير : قال وحضرت مع حسين بن علي ذلك اليوم؟ فقال : حضرت للحلف الذي تعلم دُعيت به فأجبت فسكت معاوية. وزهرة رهط سعد بن أبي وقاص والمسور بن مخرمة وقد حضرا فيمن حضر ، مضافا إلى حضور جعونة وبني المطلب.أقول : ومن الغريب ان تضم السيدة عائشة صوتها إلى بني أمية في منع دفن الحسنعليه‌السلام عند جده النبي وغرفة امه فاطمة فقد روى ابن سعد 3 / 393 ط الخانجي بمصر بسنده عن عباد ابن عبد الله بن الزبير قال : سمعت عائشة تقول يومئذ : هذا الأمر لا يكون أبداً ، يدفن ببقيع الفرقد ولا يكون لهم رابعاً ، ورواه مختصر تاريخ مدينة دمشق 7 / 45. والذهبي في سير أعلام النبلاء ترجمة الأمام الحسنعليه‌السلام ج 3 ص 276. واليعقوبي ،تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 225 وابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 4 ص 75 وج 16 ص 51 وسبط ابن الجوزي ، تذكرة الخواص ص 213 وأبي الفداء ،المختصر في اخبار البشر ـتاريخ أبي الفداء ، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت ، ج 1 ص 183 والاصفهاني ،مقاتل الطالبيين ص 49 ، وأحمد بن محمد لسان الدين ابن الشِّحْنَة الثقفي ،روضة المناظر في علم الأوائل والأواخر ، (ت 882 هـ) ، والمفيد ، الإرشاد ص 18 و 19. اما الجواب على قول السيدة عائشة «والله إنه لبيتي أعطانيه رسول الله» (ترجمة الامام الحسن لابن سعد تحقيق الطباطبائي ص 92) : فنحيل القارئ الكريم إلى دراسة الباحث العلامة الشيخ محمد علي برو ن حول مدفن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحجرة عائشة ، حيث اثبت فيها ان النبي قد دفن في حجرة الصديقة فاطمةعليها‌السلام .


ان لا يراق في دفنه محجمة دم وتدخل الوسطاء.

السؤال الرابع : هل استمرت سياسة الدولة بعد وفاة الحسنعليه‌السلام على ما كانت عليه أيام حياته؟ وهل عهد معاوية إلى احد؟

وقد أجابت مصادر التاريخ ان معاوية قد غير سياسة الأمان لشيعة علي إلى رعب وقتل وملاحقة وسياسة ذكر علي بخير إلى لعن وذكر بسوء ، وعيَّن ابنه يزيد خلفا له من بعده وبذلك أوجد حدثا جديدا في الإسلام لم يكن له سابقة وهو ان يحصر الحاكم الحكم في اسرته مضافا إلى إحلاله العهد.

فقد روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتاب (الاحداث) قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته.

فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته ...

ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه.

وشفع ذلك بنسخة أخرى :

من اتهمتوه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدموا داره.

فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة.(1)

وسجلت مصادر التاريخ الأولى قتل حجر وعمرو بن الحمق الخزاعي وأصحابها العابدين المصلين ، وقطع الايدي وسمل الاعين والنفي الدفن لبعضهم وهو حي ، ثم ختم معاوية سياسته هذه بتعيين ولده يزيد ولي عهده ليضمن مواصلة سياسته فكان قتله

__________________

(1) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، ج 11 ص 46.أقول : أورد المدائني بعدها قوله (فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي عليه السالم فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل الا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض) وقد مر تحقيقنا في المسالة ان ورودها هنا اشتباه أو تعمد لتضييع الانجاز العظيم للامام الحسنعليه‌السلام في صلحه. والحق هو ان ذلك من معاوية كان بعد وفاة الحسنعليه‌السلام .


للحسين وأهل بيته وصحبه وسبي نسائه في نهاية هذه السنوات العشر سنوات اشد محنة عرفها أهل البيت وشيعتهم في التاريخ ثم غزوه المدينة واباحتها لجيشه ثلاثة أيام ورمي الكعبة بالمنجنيق بما لم يقع مثله في تاريخ الإسلام وليس من شك ان كل أعمال يزيد يتحملها معاوية ميتا.

وفيما يلي تفصيل اكثر عن نقض معاوية شروط الحسن بعد موته وقبل ذلك نجد من المفيد ان نحدد سنة وفاة الحسنعليه‌السلام .

تسلسل الحوادث بعد وفاة الحسن سنة 50 هـ :

توفي الحسنعليه‌السلام سنة 50 هجري في شهر ربيع الأول كما نختاره من بين الأقوال وفي ضوئه يكون تسلسل الحوادث كما يلي :

كتب معاوية إلى ولاته ولا يبعد ان يكون في أواخر ربيع الأول سنة 50 هـ يأمرهم بلعن عليعليه‌السلام .(1) روى النسائي قال أخبرنا عبد الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى قال حدثنا جعفر بن عون عن شقيق بن أبي عبد الله قال حدثنا أبو بكر بن خالد بن عرفطة قال رأيت سعد بن مالك بالمدينة فقال ذُكِر أنكم تسبون عليا قلت قد فعلنا قال لعلك سببته قلت معاذ الله قال لا تسبه فإن وضع المنشار على مفرقي على أن أسب عليا ما سببته بعدما سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما سمعت الترغيب في موالاة علي رضي الله تعالى عنه والترهيب في معاداته. والشاهد في الرواية هو ان خالد بن عرفطة مولى بني زهرة وابن أخت سعد وقد سكن الكوفة هو وولده وكان مع سعد في القادسية ، وكان يهمه ان يعرف خبر الكوفة بوصفها مركز ولاية عليعليه‌السلام هل سب أهلها عليا؟ وهو ينهى ابن أبين أخته ان يسب علياعليه‌السلام وهذا يؤكد ان سب علي في

__________________

(1) النسائي ،سنن النسائي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت 1930 م ، ج 5 ص 134أقول : سعد بن مالك هو سعد بن أبي وقاص الزهري ، وابو بكر بن خالد بن عرفطة حليف بني زهرة / قال إبراهيم بن إسحاق الحربي : لما قتل رستم بالقادسية بعث سعد إلى الناس خالد بن عرفطة وهو ابن أخته ، فامتعض الناس امتعاضا شديداغريب الحديث ، دار المدينة للطباعة والنشر والتوزيع جدة 1405 هـ ، ج 3 ص 929. والظاهر ان رؤيته لسعد كانت سنة خمسين ههجرية وهي سنة إعادة معاوية لعن علي في الكوفة والامصار فسأله سعد عن خبر لعن علي في الكوفة خاصة فاكده له ذلك.


الكوفة وبقية الأمصار أمر جديد حصل بعد وفاة الحسنعليه‌السلام .

حج معاوية في سنة 50 هـ وكان معه سعد بن أبي وقاص. وكان حواره معه حول لعن علي فلم يرضه سعد. قال المسعودي لمَّا حجَّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد فلمَّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره ووقع معاوية في علي وشرع في سبَّه فزحف سعد ثم قال : أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب علي والله لأن يكون فيَّ خصلة واحدة من خصال علي(1) ...

وقال البلاذري حدثني عباس بن هشام ، عن أبيه عن جده ، عن أبي صالح قال : قدم معاوية مكة / فلقيه ابن عباس فقال له معاوية : عجبا للحسن شرب عسلة طائفية بماروحة فمات منها. فقال ابن عباس : لئن هلك الحسن فلن ينسأ في أجلك ، قال : وأنت اليوم سيد قومك. قال : أما ما بقي أبو عبد الله فلا!.(2) أقول : هذه الحجة كانت سنة خمسين هجرية والخبر يشهد ان الحسنعليه‌السلام توفي في ربيع الأول سنة خمسين.

رجع معاوية من الحج إلى المدينة ودس السم لسعد في بقية ذي الحجة سنة 50 هـ ومن ثم قالوا في الحسنعليه‌السلام وسعد بن أبي وقاص ماتا في سنة واحدة. قال أبو الفرج : حدثني أحمد ، قال : حدثني يحيى بن بكير ، عن شعبه ، عن أبي بكر بن حفص ، قال : توفى الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص في أيام متقاربة ، وذلك بعد ما مضى من ولاية إمارة معاوية عشر سنين ، وكانوا يروون أنه سقاهما السم.(3)

أمر معاوية بعد موت سعد آخر سنة 50 هجرية بلعن عليعليه‌السلام على منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

مات المغيرة بن شعبة سنة 51 هـ وكان قد وفد إلى معاوية فيها وحاول ان يثنيه عن لعن علي فقال له لا والله الا دفنا دفنا وقال المغيرة لولده جئتك من عند اخبت الناس.

ضم معاوية ولاية الكوفة إلى زياد بعد موت المغيرة سنة 51 هـ وتتبع شيعة عليعليه‌السلام بابشع واقسى ما يتصوره المرء.

ولى زياد بن أبي سفيان الربيع بن زياد الحارثي سنة إحدى وخمسين هـ خراسان ،

__________________

(1) المسعودي ، مروج الذهب ج 3 ص 25. ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 21 ص 125 ، ج 59 ص 60 ، أبو زرعة الدمشقي ،تاريخ أبو زرعة ، مجمع اللغة العربية ـ دمشق ج 1 ص 188.

(2) البلاذري ،أنساب الأشراف ، ج 3 ص 62 ـ 63.

(3) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 16 ص 49 ، مقاتل الطالبيين ص 73.


وحول معه من أهل المصرين (الكوفة والبصرة) زهاء خمسين ألفا بعيالاتهم. وأسكنهم دون النهر. ولما بلغه مقتل حجر بن عدي الكندي (سنة 53 هـ كما مروج الذهب للمسعودي) غمه ذلك ، فدعا بالموت فسقط من يومه ، ومات سنة ثلاث وخمسين.(1)

سيَّر زياد حجرا وأصحابه إلى معاوية فأمر ان يعرضوا على البراءة من علي وامتنعوا(2) فقتلهم سنة 53 هـ(3) وهي السنة التي توفي فيها زياد(4) بالآكلة.

سياسة معاوية بعد وفاة الحسنعليه‌السلام :

وكانت اهم بنودها ما يلي :

1. لعن عليعليه‌السلام وشتمه على منابر المسلمين ليربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ، ويستهدف هذا البند تهديم موقع علي كإمام هدى وحجة على الناس معين من الله ورسوله بشكل مباشر.

2. المنع من رواية فضائل علي وأهل بيتهعليهم‌السلام ، ويستهدف هذا البند تغييب الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي أشادت بعليعليه‌السلام وبينت إمامته الهادية بإذن الله ورسوله.

3. اختلاق أخبار قبيحة في علي وأهل بيتهعليهم‌السلام ، ويستهدف هذا البند بناء قاعدة فكرية تبرر لعن عليعليه‌السلام .

4. اختلاق الفضائل للخلفاء وبني أمية ، ويستهدف هذا الأساس بنناء القاعدة الفكرية التي تطرح الخلفاء وبني أمية على انهم أئمة هدى والحجة على الناس بعد الرسول إذ ان القاعدة التي شيد عليها حكم قريش المسلمة في السقيفة (ان العرب لا

__________________

(1) البلاذري ،فتوح البلدان ، ج 3 ص 507.

(2) الطبري ،تاريخ الطبري ج 4 ص 205 ، وفيالمستدرك للحاكم ج 3 ص 270 (حجر بن عدي قتل في موالاة عليعليه‌السلام ). وفي سنن النسائي ج 5 ص 134 يقول سعد بن أبي وقاص : (فإن وضع المنشار على مفرقي على أن أسب عليا ما سببته بعدما سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ما سمعت الترغيب في موالاة علي رضي الله تعالى عنه والترهيب في معاداته).

(3) ابن حجر ، الإصابة ، ج 2 ص 34.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 12 ص 232 ، ابن العديم فيبغية الطلب في تاريخ حلب ، تحقيق الدكتور سهيل زكار ، مؤسسة البلاغ ـ بيروت 1408 ، ج 5 ص 2130.


ترضى ان يكون هذا الأمر في غير قريش) لم تعد مؤثرة ولا يمكن إحياء الإمامة الدينية لقريش المسلمة بعد انتشار أحاديث النبي في تأسيس إمامة أهل بيته الا بوضع أحاديث مثلها ومنع تداول الأحاديث الصحيحة.

5. ترويع شيعة عليعليه‌السلام قتلا وسجنا ونفيا وتهجيرا ، ويستهدف هذا البند تصفية نخبة الأمة التي حملت أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأخبار سيرة عليعليه‌السلام ونشرها بين الناس ، وكذلك تصفية الوجود البشري الذي انفتح على عليعليه‌السلام بصدق واخلاص وتعلم منه وجعله الحجة بينه وبين الله تعالى بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثم خصَّ العراق بسياسة معينة.

وكان قبل ذلك قد اعتمد على رجال ركنوا إلى الدنيا ، أمثال عمرو بن العاص ، والمغيرة بن شعبة ، ومروان بن الحكم ، والضحاك بن قيس الفهري ، وزياد بن عبيد الثقفي الذي الحقه بنفسبه فقيل زياد بن أبي سفيان ، وسمرة بن جندب ، وعمرو بن حريث ، وغيرهم حيث ولّاهم اهم البلدان والمناصب لكي يضبط تطبيق هذه السياسة.

ونحن حين ننعم النظر في بنود تلك السياسة ، نجدها جميعا مما خالف فيه معاوية الكتاب وسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فَلَعْنُ عليعليه‌السلام ، وتربيةُ النسا على بغضه مخالفةٌ صريحة ، لما أَمَرَ به الله ورسوله في إيجاب مودته وولايته.

والنهيُ عن رواية أحاديث النبي في فضل عليعليه‌السلام ومنزلته ، مخالفةٌ صريحة لأمر النبي بتبليغ سنته إلى من لم يسمعها.

ووضعُ الحديث في ذم عليعليه‌السلام ، ومدحُ أناس لم يمدحهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، كذبٌ متعمَّدٌ على الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، يستحق فاعله النار لقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (من كذب عليَّ متعمدا فليتبوّأْ مقعده من النار).(1)

وترويعٌ المؤمنين ، وإخافتُهم ، وسجنُهم ، وقتلُهم ، لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن

__________________

(1) البخاري ،صحيح البخاري ، ج 3 ص 81 ، ج 7 ص 118 ، مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ، ج 1 ص 8.


المنكر مخالفةٌ بكتاب الله ورسوله ، استحق فاعلُها النار بنص القرآن( إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) آل عمران / 21.

هذا مضافا إلى مخالفات صريحة أخرى لكتاب الله وسنة نبيه من قبيل : استلحاقِه زياد بن عبيد ، وهو ردٌ صريحٌ لقضاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن قبيل امرِه بترك التلبية نهارَ عرفة قبل الزوال(1) ، وهو ردٌ صريحٌ لسنة النبي في التلبية في الحج.

ومن قبيل امرِه بتحريم متعة الحج ، وهو مخالفةٌ صريحةٌ لكتاب الله وسنة النبي.

ومن قبيل تعطيله حد السرقة في سارق لتشفّع أم السارق فيه.(2)

ومن قبيل حرمان قربى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من خمس الغنائم وهو مخالفة صريحة للقرآن وسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن قبيل أمره لقادة الفتوح بان يستصفوا له ذهب الغنائم وفضتها قبل القسمة.

وغير ذلك.

وفيما يلي الحديث عن بعض بنود تلك السياسة

لعن عليعليه‌السلام وسبه على المنابر :

أوردت الصحاح كتب الحديث المعتبرة ، أحاديث نبوية صحيحة تفرض حب عليعليه‌السلام وولايته وتنهى عن إيذائه وبغضه وتصف فاعل ذلك بالنفاق والحرب لله ولرسوله وفيما يلي بعضها :

__________________

(1) روى النسائي فيالسنن الكبرى والحاكم فيالمستدرك ج 1 ص 636 : عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال : كنا مع ابن عباس بعرفات فقال : مالي لا أسمع الناس يلبون؟ فقلت : يخافون من معاوية ، فخرج ابن عباس من فسطاطه فقال : لبيك اللهم لبيك ، فإنهم قد تركوا السنة من بعد عليعليه‌السلام . قال في تقريب التهذيب : ميسرة بن حبيب النهدي بفتح النون أبو حازم الكوفي صدوق من السابعة.

(2) روى البلاذري في انساب الاشراف ج 1 ص 123 قال : أتي معاوية بشاب قد سرق ، فأمر بقطع يده ، فقال شعرا يستعطفه ، ثم جاءت امه وهي تبكي وتطلب منه ، ان يعفو عنه فخلى سبيله.


روى الطبراني : عن أبي عبد الله الجدلي قال : قالت لي أم سلمة : أيسب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيكم على رؤوس الناس؟ فقلت : سبحان الله وأنى يسب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ فقالت : أليس يسب علي بن أبي طالب ومن يحبه؟ فأشهد ان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يحبه.(1)

وفي رواية قالت : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول من سب عليا فقد سبني.(2)

روى احمد في مسنده : عن عمرو بن شاس الأسلمي قال : (وكان من أصحاب الحديبية) قال خرجت مع علي إلى اليمن ، فجفاني في سفري ذلك ، حتى وجدت في نفسي عليه ، فلما تقدمت أظهرت شكايته في المسجد ، حتى بلغ ذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فدخلت المسجد ذات غدوة ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في ناس من أصحابه ، فلما رآني أبدَّني عينيه ، يقول : حدَّدَ إلي النظر حتى إذا جلست ، قال : يا عمرو والله لقد آذيتني ، قلت : أعوذ بالله أو أوذيك يا رسول الله ، قال : بلى! من آذى عليا فقد آذاني.(3)

وروى ابو يعلى : عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ، قال : كنت جالسا في المسجد أنا ورجلين معي ، فنلنا من علي ، فأقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله غضبان يعرف في وجهه الغضب ، فتعوذت بالله من غضبه ، فقال : ما لكم وما لي ، من آذى عليا فقد آذاني.(4)

وروى احمد عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : نظر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى علي والحسن والحسين وفاطمة فقال : أنا حرب لمن حاربكم ، وسلم لم نسالمكم.(5)

ورواه الطبراني عن صبيح مولى أم سلمة عن زيد بن أرقم.(6)

وروى مسلم : عن عدي بن ثابت عن زر قال : قال عليعليه‌السلام : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إنه لعهد النبي الأمي إليَّ ، أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.(7)

__________________

(1) الطبراني ،المعجم الصغير ج 2 ص 83 ، النسائي ، السنن الكبرى ج 5 ص 133 ، أبو يعلى الموصلي ،مسند أبي يعلى ج 12 ص 444 ، الحاكم ،المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 130.

(2) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 6 ص 323 ، النسائي ،فضائل الصحابة 2 / 594.

(3) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 3 ص 483.

(4) أبو يعلى الموصلي ،مسند أبي يعلى ج 2 ص 109.

(5) احمد بن حنبل ، مسند احمد ج 2 ص 442 ، الطبراني ،المعجم الكبير ج 3 ص 40 ، ج 5 ص 184.

(6) الطبراني ،المعجم الصغير ج 2 ص 53.

(7) مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ج 1 ص 86 ، النسائي ،السنن الكبرى ج 5 ص 47 ، 3بو يعلى


وروى الطبراني : عن فطر بن خليفة عن أبي الطفيل ، قال سمعت أم سلمة تقول : أشهد أني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : من أحب عليه فقد أحبني ، ومن أحبني فقد أحب الله ، ومن أبغض عليا فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله.(1)

وروى ابو يعلى عن أبي الجارود عن الحارث الهمداني قال : رأيت عليا جاء حتى صعد ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : قضاء قضاه الله على لسان نبيكمصلى‌الله‌عليه‌وآله النبي الأمي ، أنه لا يحبني إلا مؤمن ، ولا يبغضني إلا منافق ، وقد خاب من افترى.

قال : قال النضر : وقال عليعليه‌السلام : أنا أخو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وابن عمه ، لا يقولها أحد بعدي.(2)

وقد روى البخاري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب.(3)

وروى احمد عن عائشة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : قال الله عز وجل : من أذل لي وليا فقد استحل محاربتي.(4)

أقول : وإذا ضممنا إلى هذه النصوص ، الأحاديث التي ترفع من شأن الصحابة ككل ، المنتشرة في كتب الحديث ، لم يكن من السهل على الكثير من المعاصرين ان يقبل ما يعتقده الشيعة في بني أمية من أمور ، منها انهم كانوا قد سفُّوا سنة لعن عليعليه‌السلام وسبِّه ، وغفل هؤلاء ، عن حقيقة ان الاخبار والروايات في هذه القضية بالذات من الكثرة بحيث لم يستطع ان يغفلها أصحاب الصحاح انفسهم.

قال الدكتور عبد الحليم عويس : (لا يعقل ما يشاع عن بني أمية ، من انهم كانوا يسبون عليا على المنابر)(5) ، وقد وافقه آخرون أمثال محب الدين الخطيب(6) ومحمود

__________________

الموصلي ،مسند أبي يعلى ج 1 ص 251.

(1) الطبراني ،المعجم الكبير ج 23 ص 380.

(2) أبو يعلى الموصلي ،مسند أبي يعلى ج 1 ص 347.

(3) جلال الدين السيوطي ،الجامع الصحيح المختصر ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت 1981 م ، ج 5 ص 2384.

(4) احمد بن حنبل ،مسند احمد ، ج 6 ص 256.

(5) حسن بن فرحان المالكي ،نحو انقاذ التاريخ الإسلامي (20 عن صحيفة مرآة الجامعة العدد 110).

(6) في تعليقاته على كتاب العواصم من القواصم.


شاكر(1) وإبراهيم شعوط(2) وغيرهم وزاد بعضهم قوله (ولم يردنا بطريق صحيح).(3)

وقد رد على هؤلاء أناس من غير الشيعة أيضا(4) بذكر اخبار من كتب الصحاح وفيما يلي بعضها :

روى البخاري : قال حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه (سلمة بن دينار) أن رجلا جاء إلى سهل بن سعد فقال : هذا فلان لأمير المدينة يدعو عليا عند المنبر قال : فيقول ماذا؟ قال يقول له : أبو تراب فضحك ، قال : والله ما سماه إلا النبي وما كان والله له اسم أحب إليه منه.(5)

وهذه الرواية عند مسلم في صحيحه أكثر وضوحا ، قال سهل بن سعد : أن رجلا أتاه فقال : هذا فلان ـ لأمير من أمراء المدينة ـ يدعوك غدا فتسب عليا على المنبر ، قال : فأقول ماذا؟ قال : تقول أبو تراب ، فضحك سهل ، ثم قال : والله ما سماه إياه الا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والله ما كان من اسم أحب إليه منه.(6)

قال في فتح الباري :

قوله (هذا فلان لأمير المدينة) : أي عنى أمير المدينة ولم أقف على اسمه صريحا.(7)

وروى مسلم قال : حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز يعني أبن أبي حازم ، عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال : استعمل على المدينة رجل من آل مروان قال :

__________________

(1) محمود احمد شاكر ،موسوعة التاريخ الإسلامي ، المكتب الإسلامي بيروت 1400 هـ ، المجلد الخاص بالخلفاء الراشدين والعهد الأموي.

(2) كقوله : «فلم يصح ابدا عن معاوية انه سب عليا أو لعنه مرة واحدة فضلا عن التشهير به على المنابر». إبراهيم شعوط ،أباطيل يجب ان تمحى من التاريخ ، المكتب الإسلامي ، الطبعة السادسة 1408 هـ 1988 م. ص 204.

(3) حسن بن فرحان المالكي ، نحوانقاذ التاريخ الإسلامي 27.

(4) منهم الأستاذ حسن فرحان المالكي الحجازي (وهو مالكي المذهب ، بالأحاديث التي اوردناها في المتن).

(5) جلال الدين السيوطي ،الجامع المختصر ج 3 ص 1358. البخاري ،صحيح البخاري ج 4 ص 207.

(6) مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ج 4 ص 1871 ، الطبراني ،المعجم الكبير ج 6 ص 150 ، أبو عاصم الضحاك ،الاحاد والمثاني ، دار الدراية للطباعة والنشر والتوزيع 1991 م ، ج 1 ص 167 ، ابن حبان ،صحيح ابن حبان ج 15 ص 368.

(7) ابن حجر ،فتح الباري ج 7 ص 72.


فدعا سهل بن سعد ، فأمره أن يشتم عليا ، قال : فأبى سهل ، فقال له : أما إذا أبيت فقل : لعن الله أبا التراب! فقال سهل : ما كان لعلي اسم أحب إليه من أبي التراب وإن كان ليفرح إذا دعي بها.(1)

وقال في ارشاد الساري : ان هذا الوالي هو مروان بن الحكم.(2)

وروى مسلم أيضا قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد ، وتقاربا في اللفظ قالا : حدثنا حاتم وهو بن إسماعيل عن بكير بن مسمار ، عن عامر بن سعد بن أبي وقال عن أبيه قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعدا(3) فقال : ما منعك ان تسب أبا تراب؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلن اسبه(4) لان تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم ، سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول له وقد خلفه في بعض مغازيه ، فقال له علي : يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبوة بعدي وسمعته يقول يوم خيبر : لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، قال : فتطاولنا لها ، فقال : ادعوا لي عليا ، فأتي به ارمد ، فبصق في عينه ودفع الراية إليه ، ففتح الله عليه.

__________________

(1) مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ج 4 ص 1874 ، البيهقي ،سنن البيهقي ج 2 ص 446. وتكملة الرواية : فقال له : أخبرنا عن قصته! لم سمي أبا تراب؟ قال : جاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بيت فاطمةعليها‌السلام فلم يجد علياعليه‌السلام في البيت فقال : اين ابن عمك؟ فقالت : كان بيني وبينه شيء فغاضبني فلم يقل عندي ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لإنسان : أنظر أين هو ، فجاء فقال : يا رسول الله هو في المسجد راقد ، فجاءه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه فأصابه تراب ، فجعل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يمسحه عنه ويقول : قم أبا التراب! قم أبا التراب!؟ قال ابن حجر : وروى ابن أبي إسحاق من طريقه وأحمد من حديث عمار بن ياسر قال : نمت أنا وعلي في غزوة العشيرة في نخل ، فما أفقنا الا بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يحركنا برجله يقول لعلي : قم يا أبا تراب ، لما يرى عليه من التراب. (ابن حجر ، فتح الباري ج 7 ص 72).

(2) شهاب الدين القسطلاني ،ارشاد الساري إلى شرح صحيح البخاري ، الأميرية ـ بولاق 1323 هـ ، ج 6 ص 112.

(3) الذي يظهر ان هذا كان سنة خمسين لما حج معاوية بعد وفاة الحسنعليه‌السلام ، وهي السنة التي توفي فيها سعد أيضا ، ابن الاثير ،الكامل في التاريخ ، ج 3 ص 471).

(4) وفيمسند أبي يعلى ج 2 ص 114 قال : والذي نفس سعد بيده لقد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول في علي شيئا لو وضع المنشار على مفرقي على أن أسبه ما سببته أبدا.


ولما نزلت هذه الآية :( تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ) دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ، فقال : اللهم هؤلاء أهلي.(1)

وروى احمد بن حنبل قال : حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا عشبة عن حصين عن هلال بن يساف عن عبد الله بن ظالم قال : خطب المغيرة بن شعبة فنال من علي ، فخرج سعيد بن زيد فقال : ألا تعجب من هذا يسب عليا؟(2)

وروى النسائي عن شقيق بن أبي عبد الله قال : حدثنا أبو بكر بن خالد بن عرفطة قال : رأيت سعد بن مالك بالمدينة فقال : ذكر أنكم تسبون عليا؟ قلت : قد فعلنا ، قال : لعلك سببته ، قلت : معاذ الله ، قال : لا تسبه ، فإن وضع المنشار على مفرقي على أن أسب عليا ما سببته ، بعد ما سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما سمعت.(3)

أقول :

يتضح من هذه الروايات الصحيحة وفق مسلك أهل السنة في تصحيح الرواية ، وقد وردت في اهم مصادرهم الحديثية ، ان معاوية وولاته (مروان والمغيرة) كانوا يسبون عليا على المنابر.

وفي المصادر التاريخية تفصيل اكثر نورد طرفا منه فيما يلي :

«قال ابو عثمان الجاحظ(4) : ان معاوية كان يقول في آخر خطبة الجمعة : اللهم ان أبا تراب ألحد في دينك وصدَّ عن سبيلك ، فالعنه لعنا وبيلا وعذبه عذابا أليما».

وكتب بذلك إلى الآفاق ، فكانت هذه الكلمات يشار بها على المنابر ، وصار ذلك سنة في أيام بني أمية ، إلى ان قام عمر بن عبد العزيز فأزاله.(5)

__________________

(1) مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ج 4 ص 1871 ، الترمذي ،صحيح الترمذي ج 5 ص 638.

(2) احمد بن حنبلمسند احمد ج 1 ص 188 ، النسائي ، السنن الكبرى ج 5 ص 58.

(3) النسائي ،السنن الكبرى ج 5 ص 133.

(4) هو عمرو بن بحر الليثي البصري النحوي ، كان مائلا إلى النصب.

(5) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 4 ص 56 الخطبة 57. قال كثير بن عبد الرحمن يمدح عمر ويذكر قطعة للسب :

وليت فلم تشتم عليا ولم

تخف بريا ولم تقبل اساءة مجرم

(راجع أبو الفرج الاصفهاني ،الاغاني ج 9 ص 258).

وقال الشريف الرضي :


وقال أيضا : وما كان عبد الملك مع فضله وأناته وسداده ورجحانه ، ممن يخفى عليه فضل علي ، وان لعنه على رؤوس الاشهاد ، وفي اعطاف الخطب ، وعلى صهوات المنابر ، مما يعود عليه نقصه ويرجع إليه وهنه ، لانهما جميعا من بني عبد مناف ، والأصل واحد ، ولكنه أراد تشييد الملك وتأكيد ما فعله الأسلاف ، وان يقرر في انفس الناس ان بني هاشم لاحَظّ لهم في هذا الأمر ، وان سيدهم الذي يصولون به ويجولون ، وبفخره يفخرون ، هذا حاله وهذا مقداره ، فيكون من انتمى إليه ويدلي به عن الأمر أبعد ، وعن الوصول إليه اشحط.(1)

وقد بلغ الأمر ببني أمية انهم لا يحتملون لشخص ان يجمع بين اسم علي وكنيته.

روى ابن سعد في ترجمة علي بن عبد الله بن عباس قال : ويكنى أبا محمد ، ولد ليلة قتل علي بن أبي طالب رحمة الله عليه في شهر رمضان سنة أربعين ، فسمي باسمه وكني بكنيته أبي الحسن ، فقال له عبد الملك بن مروان : لا والله لا أحتمل لك الاسم والكنية جميعا ، فغير أحدهما فغير كنيته فصيرها أبا محمد.(2)

ثم تمادى بهم الأمر إلى انهم صغَّروا كل عَلِيّ فقالوا عُلَيّ.

قال ابن حبان في ترجمة علي بن رباح اللخمي(3) : وهو الذين يقال له : عُلَيّ بن

__________________

يابن عبد العزيز لو بكت

العين فتى من أمية لبكيتك

غير اني أقول انك قد طبت

وان لم يطب ولم يزك بيتك

انت نزهتنا عن السب والقذف

فلو امكن الجزاء جزيتك

(ديوان الشريف الرضي ، دار صادر 1961 م).

وقد ذكر البلاذري في انساب الاشراف ج 8 ص 195 رواية المدائني عن عمر بن عبد العزيز قوله : نشأت على بغض علي لا اعرف غيره ، وكان أبي يخطب فإذا ذكر عليا ونال منه تلجلج ، فقلت : يا أبه انك تمضي في خطبتك فإذا اتيت على ذكر علي عرفت منك تقصيرا ، قال : أفطنت لذلك؟ قلت : نعم! قال : يا بني ان الذين من حولنا لو نعلمهم من حال علي ما نعلم تفرقوا عنا.

أقول (وفي ج 8 ص 184) قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عامله على الكوفة : اما بعد فقد بلغني ان من قبلك يسبون الحجاج فانهم عن ذلك.

(1) ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ج 4 ص 57.

(2) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، ج 5 ص 312.أقول : كان هذا من عبد الملك في أيام خلافته وتوفي علي بن عبد الله بن عباس سنة 118.

(3) علي بن رباح روى له الاربعة ومسلم والبخاري في الادب المفرد ، روى عن عمرو بن العاص وسراقة بن مالك بن جعشم وفضالة بن عبيد والمستورد بن شداد وعتبة بن النذر ومعاوية بن أبي


رباح ، وكان يقول : من قال لي عَلِيّ ليس مني في حل ، وذاك أن أهل الشام كانوا يصغِّرون كل علي ، لما في قلوبهم لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.(1)

ونقل العلامة ابن عقيلرحمه‌الله عن الحافظ السيوطي : انه كان في أيام بني أمية اكثر من سبعين ألف منبر ، يلعن عليها علي بن أبي طالب بما سنه لهم معاوية من ذلك.(2)

وقد بقيت أثار هذه التربية عند بعض اتباع بني أمية من حملة الحديث حتى بعد زوال حكمهم كما يذكر أصحاب التراجم عن حريز بن عثمان.

قال ابن حجر : حريز بن عثمان أبو عون الحمصي(3) (خ 4 البخاري والأربعة) قال أحمد : حريز صحيح الحديث إلا أنه يحمل على عليعليه‌السلام ، وقال المفضل بن غسان :

__________________

سفيان ومعاوية بن حديج ، وفد على معاوية وعلى عبد الملك بن مروان ، ذكره خليفة بن خياط في الطبقة الأولى من أهل مصر ، وقال عمر : وذكره محمد بن سعد في الطبقة الثانية وقال : كان ثقة. وقال سلمة بن شبيب : سمعت أبا عبد الرحمن المقرئ يقول : كانت بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه ، فبلغ ذلك رباحا فقال : هو عُلَيّ ، وكان يغضب من عَلِيّ يحرّج على من سماه به. وقال أبو سعيد بن يونس : ولد سنة خمس عشرة عام اليرموك ، وكان أعور ذهبت عينه يوم ذي الصواري في البحر مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح سنة أربع وثلاثين ، وكان يفد لليمانية من أهل مصر على عبد الملك بن مروان ، وكانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة وهو الذي زف أم البنين ابنة عبد العزيز بن مروان إلى الوليد بن عبد الملك. مات سنة 114. (ابن حجر ، تهذيب التهذيب ، دار الفكر بيروت 1984 م).أقول : والظاهر ان قوله : قتلوه مصحف غيروه.

(1) مشاهير علماء الأمصار لابن حبان.

(2) سيد محمد بن عقيل العلوي ، النصائح الكافية ، دار الثقافة قم 1412 هـ ، ص 104 وفيه : وفي تلك يقول العلامة احمد الحفظي الشافعي في ارجوزته :

سبعون ألف منبر وعشرة

من فوقهن يلعنون حيدرة

وهذه في جنبها العظائم

تصغر بل توجه اللوائم

فهل ترى من سنها يعادى

أم لا وهل يستر أم يهادى

أو عالم يقول عنه نسكتاحب

اني للجواب منصت

وليت شعري هل يقال اجتهدا

كقولهم في بغيه أم الحدا

اليس ذا يؤذيه أم لا فاسمعن

ان الذي يؤذي من ومن

بل جاء في حديث أم سلمة

هل فيكم الله يسب مه لمه

عاون اخا العرفان بالجواب

وعاد من عادى أبا تراب

وقد حكى الشيخ السيوطي انه

قد كان فيما جعلوه سُنَّة

(3) ولد سنة 80 وتوفي في سنة 163.


يقال في حريز مع تثبته أنه كان سفيانيا ، وقال العجلي : شامي ، ثقة وكان يحمل على علي ، وقال عمرو بن علي كان ينتقص عليا وينال منه ، وقال في موضع آخر : ثبت شديد التحامل على علي ، وقال ابن عمار : يتهمونه أنه كان ينتقص عليا ويروون عنه ويحتجون به ولا يتركونه ، وقال أحمد بن سعيد الدارمي عن أحمد بن سليمان المروزي سمعت إسماعيل بن عياش ، قال : عادلت حريز بن عثمان من مصر إلى مكة فجعل يسب عليا ويلعنه ، قال إسماعيل بن عياش : سمعت حريز بن عثمان يقول : هذا الذي يرويه الناس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال لعلي : (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) حق ولكن أخطأ السامع ، قلت : فما هو؟ فقال : إنما هو أنت بمنزلة قارون من موسى ، قلت : عمن ترويه؟ قال : سمعت الوليد بن عبد الملك يقوله وهو على المنبر ، وقال ابن عدي : وحريز من الاثبات في الشاميين ويحدث عن الثقات منهم ، وقد وثقه القطان وغيره ، وإنما وُضَع منه ببغضه لعلي ، قال يزيد بن عبد ربه(1) : قال ابن حجر : وحكى الأزدي في الضعفاء : أن حريز بن عثمان روى أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لما أراد أن يركب بغلته جاء علي بن أبي طالب فحل حزام البغلة ليقع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال الأزدي : من كانت هذه حاله لا يروى عنه ، قال ابن حجر : لعله سمع هذه القصة أيضا من الوليد ، وقال غنجار قيل ليحيى بن صالح : لم لم تكتب عن حريز؟ فقال : كيف اكتب عن رجل صليت معه الفجر سبع سنين فكان لا يخرج من المسجد حتى يلعن عليا سبعين مرة ، وقال ابن حبان : كان يلعن عليا بالغداة سبعين مرة وبالعشي سبعين مرة فقيل له في ذلك ، فقال : هو القاطع رؤوس آبائي وأجدادي ، وكان داعية إلى مذهبه يتنكب حديثه انتهى. قال ابن حجر : وإنما أخرج له البخاري لقول أبي اليمان(2) أنه رجع عن النصب كما مضى نقل ذلك عنه الله أعلم.(3)

__________________

(1) مولده سنة 80 ومات سنة 163.

(2) ابو اليمان الحكم بن نافع البهراني الحمصي ، ولد في حمص سنة 221 وتوفي وهو ابن 83 سنة ، قال الذهبي : روى عن إسماعيل بن عياش وحريز بن عثمان وآخرين وعنه البخاري والدارمي وابو زرعة وأبو حاتم استقدمه المأمون ليوليه قضاء حمص. وروايته ان حريز رجع عن النصب من اجل ان يبرئ ساحة شيخه في الرواية ، وقد اثبتنا في كتابنا علم الرجال المقارن انه لم يرجع عن النصب.

(3) ابن حجر ،تهذيب التهذيب ، ترجمة حريز.


أقول :

وقد بقيت آثار التربية أيضا في بعض البلدان فلم يعد أهلها يتحملون سماع فضيلة لعليعليه‌السلام حتى من محدِّثسهم.

روى الذهبي في ترجمة ابن السقاء : الحافظ الامام محدِّث واسط أبو محمد عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي ، وقال علي بن محمد الطيب الجلابي في تاريخه ابن السقاء من أئمة الواسطيين والحفاظ المتقنين ، توفي في جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة ، قال السلفي : سألت الحافظ خميسا الحوزي عن ابن السقاء؟ فقال : هومن مزينة مضر ولم يكن سقاء بل لقب له من وجوه الواسطيين وذوي الثروة والحفظ ، رحَل به أبوه فأسمعه من أبي خليفة وأبي يعلى وابن زيدان البجلي والمفضل بن الجندي ، وبارك الله في سنه وعلمه ، واتفق انه أملى حديث الطير فلم تحتمله نفوسهم ، فوثبوا به واقاموه وغسلوا موضعه فمضى ولزم بيته ، فكان لا يحدث أحدا من الواسطيين ، فلهذا قال حديثه عندهم وتوفي سنة إحدى وسبعين وثلاث مائة. قال الذهبي : حدثني ذلك شيخنا أبو الحسن المغازلي.(1)

وقد بقيت تربية الإنحراف في دمشق عن عليعليه‌السلام بشكل ظاهر ، بعد اكثر من قرن ونصف من قيام الدولة العباسية ، قال الامام النسائي(2) (لما سئل عن سبب تصنيف كتابه الخصائص) قال : (دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير ، وصنف كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله).(3)

خطة معاوية لتصفية التشيّع في الكوفة

عقبتان أمام مخطط معاوية بعد وفاة الحسنعليه‌السلام :

كان للكوفة في نظر معاوية اكثر من جُرم ، فقد انطلقت منها الشرارة الأولى في الاعتراض على سياسة ولاة عثمان ، ثم هي مركز أنضار علي وشيعته ، وهي القاعدة

__________________

(1) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ، ج 3 ص 965.

(2) كتابه في الحديث يعتبر احد الكتب السنة المعتبرة عن أهل السنة توفي سنة 303 هجرية.

(3) انظر ابن حجر ، فيتهذيب التهذيب ، ج 1 ص 33 ترجمة النسائي.


الصلبة التي استند إليها الحسنعليه‌السلام لتحقيق أهدافه في الصلح ، وجعلت معاوية يعاني جهدا نفسيا كبيرا مدة تسع سنوات ، ليظهر بمظهر الحليم ، ويتحمل انتشار أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حق عليعليه‌السلام ، وانتشار سيرته المشرقة في الشام وغيرها ، ويكرم وجوه أصحابه وهم ألدّ أعدائه.

وضع معاوية في حسابه ان يبذل كل جهده لتغيير وجهة الولاء الفكري والسياسي في الكوفة الذي كان لصالح علي وولده الطاهرينعليهم‌السلام ، وتحويلها إلى مدينة موالية لبني أمية ، وليس من شك انه أمر عسير جدا ، ودونه عقبات كؤود أهمها عقبتان اثنتان بعد ان تخلص من الحسينعليه‌السلام وهما :

1. الجيش(1) والشرطة فان النسبة الغالبة منهم ان لم يكونوا كلهم شيعة عليعليه‌السلام .

2. الوجوه البارزة في المجتمع واغلبهم من الشيعة وفيهم رموز العلم والتقوى أمثال : حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وغيرهما من الصحابة والتابعين.

الجيش والشرطة :

اعتمد معاوية في خطته لغربلة الجيش وقوى الأمن الداخلي في الكوفة من كل شيعي فيه واستبداله بشيعة بني أمية بمرحلتين أساسيتين :

المرحلة الأولى في حياة الحسنعليه‌السلام :

ويبدو ان اهم وسيلة اعتمدها معاوية في هذه المرحلة ، هي مقاتلة الخوارج وملاحقتهم ، فان المخلصين والواعين من الشيعة كانوا يمتنعون من مقاتلة الخوارج ، للكلام المأثور عن عليعليه‌السلام : (لا تقاتلوا الخوارج بعدي ، فانه ليس من طلب الحق فاخطأه كمن عرف الباطل وأصابه)(2) ، وقالعليه‌السلام : (إن خرجوا على إمام عادل

__________________

(1) كانت مجموع المقاتلة ستين ألف وكان المقاتلة الفعليون كل سنة عشرة آلاف.

(2) قال ابن عبد البر فيالاستيعاب بترجمة خالد بن عرفطة : (لما سلم الأمر الحسن لمعاوية) خرج عليه عبد الله بن أبي الحوساء في جمادي سنة 41 بالنخيلة ، فبعث إليه معاوية خالد بن عرفطة العذري حليف بن زهرة في جمع من أهل الكوفة (أيضا خليفة بن خياط ،تاريخ خليفة بن خياط ، تحقيق د.


فقاتلوهم ، وإن خرجوا على إمام جائر فلا تقاتلوهم فان لهم بذلك مقالا).(1)

المرحلة الثانية بعد وفاة الحسنعليه‌السلام :

وكان أسلوب الغربلة في هذه المرحلة يعتمد على سياسة الدولة في لعن عليعليه‌السلام والبراءة منه ، فمن يرفض لعن عليعليه‌السلام وسبه كان نصيبه ان يسقط اسمه من ديوان العطاء ، بل كان نصيب كل متهم بحب علي هو ان يسقط اسمه من ديوان العطاء ، وليس من شك ان المخلصين والواعين من الشيعة لا تطيب نفوسهم بسب عليعليه‌السلام حتى في حالات الضرورة المسموح بها فضلا عن البراءة وهي غير مسموح بها لأنها أمر قلبي ، وقد كان هذا الأسلوب الذي استخدمه معاوية اقوى أسلوب لتصفية الجيش وقوى الأمن الداخلي من الشيعة بل من كل متهم بحب علي.

إجراءات زياد بن عبيد الثقفي في الكوفة :

كان زياد بن عبيد الثقفي الذي غَيَّرَ نَسَبَه معاوية في قصة معروفة إلى زياد بن أبي سفيان ، يعتبر بحق باني الجيش الأموي في العراق وقوى الأمن الداخلي فيه. وكانت من اهم اجراءاته في هذا السبيل (إلى جنب صرامته في تطبيق السياسة العامة التي اشرنا إليها آنفا) أربعة أمور أساسية هي :

__________________

سهيل زكار ، دار الفكر بيروت ، ص 203) ثم خرج حوثرة بن وداع ، فسرح إليه معاوية عبد الله بن عوف بن أحمر في ألف ، فقتل حوثرة في جمادي الآخرة سنة 41 (المصدر السابق ، ص 204) ، ثم خرج فروة بن نوفل على المغيرة بعد رحيل معاوية فوجه إليه المغيرة شبث بن رِبعي (ويقال : معقل بن قيس) فقتله ، ثم خرج شبيب بن بَجَرَة خرج على المغيرة بالقُفِّ قريب الكوفة فبعث إليه المغيرة خالد بن عرفطة فقتله (وفي رواية ابن خياط وجه إليه كثير بن شهاب الحارثي فقتله في أذربيجان) ، ثم خرج ابو مريم مولى بني الحارث بن كعب فوجه إليه المغيرة جابرا البجلي فقتله ، ثم خرج ابو ليلى ومعه ثلاثون من الموالي بعث إليه المغيرة معقل بن قيس الرياحي فقتله (ابن الاثير ، الكامل في التاريخ ، ج 3 ص 411 ـ 412) ثم خرج المستورد بن عُلِّفَة غرة شعبان سنة 43 ، فبعث إليه المغيرة معقل بن قيس فقتله (المصدر السابق ج 3 ص 421). ثم خرج سهم بن غالب الهجيمي ومعه زياد بن مالك الخطيم بناحية البصرة ، فخرج اليهم عبد الله بن عامر (خليفة بن خياط ، تاريخابن خياط ، ص 204).

(1) ابن أبي شيبة ،مصنف ابن أبي شيبة ، ج 8 ص 738.


الأول : إحياء الخروج الإلزامي للغزو ، وهو أول إجراء اتخذه عند قدومه الكوفة ، قال البلاذري : لما استعمل معاوية زيادا حين هلك المغيرة(1) على الكوفة جاء حتى دخل المسجد ثم خطب ، فقال : وأي رجل مكتبه بعيد فأجله سنتان ثم هو أمير نفسه ، وأي رجل مكتبه قريب فاجله سنة ثم هو أمير نفسه.(2)

الثاني : تغيير نظام الأسباع الذي كان على عهد الامام عليعليه‌السلام (3) إلى نظام الأرباع ، وفي هذا النظام جعل تعبئة قبيلة همدان مع قبيلة تميم ربعا ، وعليهم خالد بن عرفطة(4) ، وربيعة وكندة ربعا وعليهم قيس بن خالد ، ومذحج واسد ربعا وعليهم

__________________

(1) هلك سنة 50 هجرية وقيل سنة 51 هجرية.

(2) البلاذري ،انساب الاشراف ، ج 1 / 198. كان نظام التجنيد على عهد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله اختياريا وكذلك في عهد أبي بكر وشطرا من عهد عمر ، ثم صيره عمر الزاميا ونقل الطبري (3 / 478) عن عمر قوله : (ولا تدعوا في ربيعة أحدا ولا مضر ولا حلفائهم أحدا من أهل النجدات ولا فارسا إلا اجتلبتموه ، فإن جاء طائعا وإلا حشرتموه). وذكر المقريزي : ان الأمير قبل ذلك كان يقري البعوث على قدر المسافة ان كان بعيدا فسنة وان كان دون ذلك فستة اشهر ، فإذا اخل الرجل بثغره نزعت عمامته وأقيم في مسجد حيه ، فقيل هذا فلان قد أخل. (نجدت خماش ،الإدارة في العصر الأموي ، ط 1 ، دار الفكر دمشق ، 1980 م ، ص 268 عن المقريزي).

(3) كان ترتيب الاسباع على عهد عليعليه‌السلام كما يلي : 1. همدان وحمير 2. مذحج واشعر ومعهم طيء (ولكن رايتهم خاصة بهم) 3. قيس وعبس وذبيان ومعهم عبد القيس 4. كندة وحضرموت وقضاعة ومهرة. 5. الازد وبجيلة وخثعم والانصار 6. بكر وتغلب وبقية بطون ربيعة (عدا عبد القيس) 7. قريش وكنانة واسد وتميم وضبة والرباب (البلاذري ،فتوح البلدان . الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 4 ص 317. وأيضا الدينوري ،الاخبار الطوال . ونصر بن مزاحم ،وقعة صفين ).

(4) قال ابن حجر في الاصابة في ترجمته : خالد بن عرفطة (بضم المهملة والفاء بينهما راء ساكنة) بن أبرهة (بفتح الهمزة والراء بينهما موحدة ساكنة) بن سنان الليثي ويقال العذري وهو الصحيح ، وهو حليف بني زهرة ، وولاه سعد القتال يوم القادسية ، أخرج حديثه الترمذي بإسناد صحيح ، روى عنه أبو عثمان النهدي وعبد الله بن يسار ومسلم مولاه وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم ، وكان خالد مع سعد بن أبي وقاص في فتوح العراق ، وكتب إليه عمر يأمره أن يؤمره واستخلفه سعد على الكوفة ، ولما بايع الناس لمعاوية ودخل الكوفة خرج عليه عبد الله بن أبي الحوساء بالنخيلة فوجه إليه خالد بن عرفطة هذا فحاربه حتى قتله ، وعاش خالد إلى سنة ستين ، وقيل مات سنة إحدة وستين ، قال في تهذيب الكمال في ترجمته : وقال أبو القاسم الطبراني : كان خليفة سعد بن أبي وقاص على الكوفة ثم استعمله زياد على الكوفة. قال ابن حجر : وذكر بن المعلم المعروف بالشيخ المفيد الرافضي في مناقب علي من طريق ثابت الثمالي عن أبي إسحاق عن سويد بن غفلة قال : جاء رجل إلى علي فقال إني مررت بوادي القرى فرأيت خالد بن عرفطة بها مات فاستغفر له فقال : إنه لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة ويكون صاحب لوائه حبيب بن حمار ، فقام رجل فقال


ابو بردة بن أبي موسى الاشعري(1) ، وأهل المدينة ربعا ، وعليهم عمرو بن حريث المخزومي ، ومن الواضح ان الهدف من هذا التغيير هو تطويق القبائل المعروفة بتشيّعها.(2)

الثالث : تسيير خمسين ألف مقاتل عراقي مع عوائلهم إلى خراسان(3) ، منهم خمس وعشرون ألف من الكوفة ، عيِّن عليهم عبدالله بن عقيل ، والباقون من البصرة ، عيِّن عليهم الربيع بن زياد الحارثي(4) .

كما عيّنه على الجميع(5) ، وكان فيهم بريدة بن الحصيب الاسلمي ، وبمرو توفي أيام يزيد بن معاوية ، وكان فيهم أيضا ابو برزة الاسلمي عبد بن نضلة ، وبها مات واسكنهم

__________________

يا أمير المؤمنين إني لك محب وأنا حبيب بن حمار ، فقال لتحملنها وتدخل بها من هذا الباب وأشار إلى باب المقبل فاتفق أن بن زياد بعث عمر بن سعد إلى الحسين بن علي ، فجعل خالدا على مقدمته وحبيب بن حمار صاحب رايته ، فدخل بها المسجد من باب المقبل.

(1) قال ابن سعد في الطبقات الكبرى ج 6 ص 268 : أبو بردة بن أبي موسى الأشعري واسمه عامر بن عبد الله بن قيس قال : أخبرنا محمد بن حميد العبدي عن معمر عن سعيد بن أبي بردة عن أبي بردة قال : أرسلني أبي إلى عبد الله بن سلام أتعلّم منه ، فجئته فسألني : من أنت؟ فأخبرته فرحب بي ، فقلت : إن أبي أرسلني إليك لأسألك وأتعلم منك ، وقال أبو نعيم : قد ولي أبو بردة قضاء الكوفة بعد شريح قال محمد بن عمر وقد روى أبو بردة عن أبيه وقد ولي قضاء الكوفة : وقال محمد بن عمر وغيره : توفي أبو بردة بالكوفة سنة ثلاث ومائة.

(2) وقد التفت إلى هذا الهدف أيضا المستشرق لامنس المعروف بميوله للأمويين. انظر خطط الكوفة للعلامة ماسينيون ترجمة. المصعبي ص 16.

(3) قال الخربوطلي في كتابهالعراق في ظل العهد الأموي / وهو رسالة دكتوراه / في ص 298 : ولا شك ان معظمهم من الشيعة الذين أراد زياد التخلص من معارضتهم الدائمة.

(4) قال ابن حجر فيالاصابة : الربيع بن زيااد الحارثي ، قال أبو عمر : له صحبة ولا أعرف له رواية ، كذا قال ، وقال أبو أحمد العسكري : أدرك الأيام النبوية ولم يقدم المدينة إلا في أيام عمر ، وذكره البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان في التابعين ، وقال بن حبان : ولاه عبد الله بن عامر سجستان سنة تسع وعشرين ففتحت على يديه وقال المبرد في الكامل كان عاملا لأبي موسى على البحرين وفد على عمر فسأله عن سنه؟ فقال خمس وأربعون ، وقص قصة في آخرها أنه كتب إلى أبي موسى أن يقرّه على عمله واستخلفه أبو موسى على حرب مناذر سنة تسع عشرة فافتتحها عنوة ، وقتل بها أخوه المهاجر بن زياد ، وله مع عمر أخبار كثيرة : منها أن عمر قال لأصحابه دلوني على رجل إذا كان في القوم أميرا فكأنه ليس بأمير وإذا لم يكن بأمير فكأنه أمير فقالوا : ما نعرفه إلا الربيع بن زياد ، قال : صدقتم. ذكرها بن الكلبي ، وكان الحسن البصري كاتبه ، وولي خراسان لزياد إلى أن مات.

(5) الخيرو ، رمزية عبد الوهاب ،إدارة العراق في صدر الإسلام ، دار الحرية للطباعة والنشر ، بغداد ، 1978 م ، ص 143 و 239 نقلا عن الطبري (ج 4 ص 170) عن المدائني.


دون النهر.(1)

الرابع : اعتماد الحمراء مادة أساسية في قوى الأمن الداخلي ، والحمراء كانوا يعملون مع الجيش الفارسي وأصلهم من الديلم(2) ، كان منهم مع رستم يوم القادسية أربعة آلاف ، ويسمون جند شاهنشاه ، فاستأمنوا على ان ينزلوا حيث احبوا ، ويحالفوا من احبوا ، فاعطاهم سعد ذلك ، وحالفوا زهرة بن حوية السعدي من بني تميم ونزلوا الكوفة.(3)

قال المرحوم آية الله الشيخ راضي آل ياسين في كتابه صلح الحسنعليه‌السلام : والحمراء شرطة زياد الذين فعلوا الافاعيل بالشيعة سنة 51 وحواليها.(4)

ونقل الجاحظ عن زياد قوله : ينبغي ان يكون صاحب الشرطة زميتا قطوبا ابيض اللحية اقنى احنى ويتكلم بالفارسية.(5)

وذكر الطبري ان الشرطة في عهد زياد في البصرة قد بلغ عددهم أربعة آلاف.(6)

أقول : من المؤكد ان عددهم في الكوفة اكثر من ذلك.

وفي قصة عبد الله بن خليفة الطائي من أصحاب حجر لما طلبه زياد قال الطبري : (فبعث إليه الشُّرط وهم أهل الحمراء يومئذ فأخذوه)(7) ، وفي قصة حجر بن عدي الكندي قال ابن سعد : (فأرسل ابن زياد إلى حجر الشُّرط والبخارية وأتي به إلى زياد وباصحابه).(8)

قال عمر بن شبة : وكان زياد أول من شد أمر السلطان وأكد الملك لمعاوية وألزم الناس الطاعة وتقدم في العقوبة وجرد السيف وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه الناس في سلطانه خوفا شديدا.(9)

__________________

(1) البلاذري ،فتوح البلدان ، ص 507.

(2) البلاذري ،فتوح البلدان ، ص 344.

(3) البلاذري ،فتوح البلدان ، ص 343 ـ 344.

(4) راضي آل ياسين ،صلح الامام الحسن عليه‌السلام ص 72.

(5) الراوي ، ثابت إسماعيل ،العراق في العصر الأموي ، مطبعة النعمان ، ط 2 ، بغداد 1970 م ، ص 62 عن الجاحظ في البيان والتبيين ج 1 ص 95.

(6) الطبري ،تاريخ الطبري ج 5 ص 222.

(7) الطبري ،تاريخ الطبري ج 5 ص 281.

(8) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ج 6 ص 217 ، الذهبي ،سير اعلام النبلاء ج 3 ص 464.

(9) الطبري ،تاريخ الطبري ج 5 ص 222.


استعان زياد في البصرة بعدة من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله منهم سمرة ابن جندب(1) وأنس بن مالك.(2)

__________________

(1) قال المزي فيتهذيب الكمال : سمرة بن جندب الفزاري ، صاحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، نزل البصرة ، حليف الأنصار ، روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعن أبي عبيدة بن الجراح ، روى عنه الحسن البصري وابناه سعد بن سمرة بن جندب وعامر الشعبي ، قال أبو عمر بن عبد البر : وكان زياد يستخلفه عليها ستة اشهر وعلى الكوفة ستة اشهر. وكان شديدا على الحرورية ، كان إذا اتي بواحد منهم قتله ولم يقله ، فالحرورية ومن قاربهم من مذهبهم يطعنون عليه وينالون منه.

قال الطبري : فحدثني عمر قال : حدثني إسحاق بن إدريس قال : حدثني محمد ابن سليم قال : سألت أنس بن سيرين : هل كان سمرة قتل أحدا؟ قال : وهل يحصى من قتل سمرة بن جندب؟ استخلفه زياد على البصرة وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس ، فقال له : هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا؟ قال : لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت ، أو كما قال وروى أيضا عن عمر قال : حدثني موسى بن إسماعيل قال : حدثنا نوح بن قيس عن أشعث الحداني عن أبي سوار العدوي قال : قتل سمرة من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلا قد جمع القرآن. وروى أيضا عن عمر قال : حدثني علي بن محمد عن جعفر الصدفي عن عوف قال : أقبل سمرة من المدينة ، فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففجأ أوائل الخيل ، فحمل علهي رجل من القوم فأوجره الحربة. قال : ثم مضت الخيل ، فأتي عليه سمرة بن جندب وهو متشحط ، في دمه فقال : ما هذا؟ قيل : أصابته أوائل خيل الأمير ، قال : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا (تاريخ الطبري ج 5 ص 237 سنة 50). قال الطبري : فحدثني عمر بن شبة قال : حدثني علي قال : مات زياد وعلى البصرة سمرة بن جندب خليفة له وعلى الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد ، فأقرّ معاوية سمرة على البصرة ثمانية عشر شهرا. قال عمر : وبلغني عن جعفر بن سليمان الضبعي قال : أقر معاوية سمرة بعد زياد ستة أشهر ، ثم عزله فقال سمرة : لعن الله معاوية ، والله لو أطعت الله كما أطعت معاوية ما عذبني أبدا (المصدر السابق ج 5 ص 291). قال في تهذيب الكمال : وكان الحسن وابن سيرين وفضلاء أهل البصرة يثنون عليه ويحملون عنه وقال عبد الله بن صبيح عن محمد بن سيرين : كان سمرة فيما علمت عظيم الأمانة صدق الحديث يحب الإسلام وأهله ، قال أبو عمر : وكان سمرة من الحفاظ المكثرين عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، مات في آخر خلافة معاوية آخر سنة تسع وخمسين أو أول سنة ستين بالكوفة وقيل بالبصرة سنة ثمان وخمسين ، كان أصابه حر شديد وكان لا يكاد ان يدفأ فأمر بقدر عظيمة فملئت ماء وأوقد تحتها واتخذ فوقها مجلسا فكان يصعد إليه بخارها فيدفأه فبينا هو كذلك إذ خسف به (فسقط فيها) فمات ، فكان ذلك تصديقا لقول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله له ولأبي هريرة وثالث معهما : آخركم موتا في النار ، روى له الجماعة.

(2) قال الطبري : حدثني عمر بن شبة قال : حدثنا علي بن محمد قال : استعان زياد بعدة من أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله منهم عمران بن الحصين الخزاعي ، ولاه قضاء البصرة ، والحكم بن عمرو الغفاري ولاه خراسان ، وسمرة بن جندب وأنس بن مالك وعبد الرحمن بن سمرة ، فاستعفاه عمران فأعفاه. واستقضى عبد الله بن فضالة الليثي ثم أخاه عاصم بن فضالة ثم زرارة بن أوفى الحرشي وكانت أخته لبابة عند زياد.


اما في الكوفة فقد استعان بالصحابي عمرو بن حريث المخزومي(1) وغيره.

قال الطبري : وقيل : إن زيادا أول من سير بين يديه بالحراب ، ومشى بين يديه بالعمد ، واتخذ الحرس رابطة خمسمائة واستعمل عليهم شيبان صاحب مقبرة شيبان من بني سعد فكانوا لا يبرحون المسجد.(2)

أقول : مراد من قال ذلك العراق ، والا فان أول من سير الحراب بين يديه هو معاوية في الشام.

خلاصة بما قام به معاوية وولاته

1. بنى معاوية بشكل عام قوة عسكرية وأجهزة ضبط داخلي (الشرطة) خالصة الولاء له معادية لعلي وأهل بيتهعليهم‌السلام .

2. عني بالكوفة مركز التشيع لعليعليه‌السلام عناية خاصة فغير نظام الأسباع فيها إلى نظام الأرباع ، وأخلاها من وجوه أصحاب علي البارزين قتلاً وسجناً

__________________

(1) قال المزي في تهذيب الكمال : عمرو بن حريث القرشي المخزومي أبو سعيد الكوفي ، له صحبة ، روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعن أخيه سعيد بن حريث وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وعبد الله بن مسعود وعدي بن حاتم وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وأبي بكر الصديق روى عنه إسماعيل بن أبي خالد ومولاه أصبغ وابنه جعفر بن عمرو بن حريث والحسن العرني وخلف بن خليفة تم رآه رؤية وخليفة والد فطر بن خليفة وسعيد بن مردانبة وسوقة والد محمد بن سوقة وأبو همام عبد الله بن يسار الكوفي وعبد الملك بن عمير عطاء بن السائب وابن أخيه عمرو بن عبد الملك بن حريث والمغيرة بن سبيع ومولاه أبو موسى هارون بن سلمان الفراء الكوفي والوليد بن سريع وأبو الأسود المحاربي قال الواقدي توفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة. وعن محمد بن سيرين : أن عمرو بن حريث تزوج بنت عدي بن حاتم على حكم عدي ، فندَّمه الناس وقالوا لعله يحكم فيكثر ، فحكم عدي اثنتي عشرة أوقية ، فأرسل إليه عمرو ببدرة فيها عشرة آلاف. قال البخاري وغيره : توفي سنة خمس وثمانين ، روى له الجماعة. وقال ابن حجر في الاصابة : قال ابن حبان : ولد في أيام بدر وقال غيره : قبل الهجرة بسنتين وعند ابن أبي داود عنه : خط لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبي بكر وعمر وعليعليه‌السلام وابن مسعود وغيرهم ، روى عن أخيه سعيد بن حريث وله صحبة وروى عنه ابنه جعفر وآخرون من أهل الكوفة ، من أصغرهم فطر بن خليفة ، وكان قد ولي إمرة الكوفة نيابة لزياد ولابنه عبد الله بن زياد.

(2) المصدر السابق.


ونفياً ، وصفّاها من كثافتها الشيعية بتهجير خمس وعشرين ألف بعوائلهم ، كما صفّا جيشها من كل متهم بحب علي فضلا عن كل شيعي ، واعتمد الحمراء والبخارية مادة أساسية لجهاز الشرطة فيها.

3. أوجد حركة دينية فكرية وسياسية واجتماعية مضادة لعلي وأهل بيتهعليهم‌السلام تقوم على أساسين :

الأول : لعن عليعليه‌السلام والبراءة منه بعد كل صلاة جمعة بصفته ملحدا في الدين (أي محرفا فيه). والمنع من ذكر أحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في علي وأهل بيتهعليهم‌السلام في المدارس والمحافل العامة والمساجد ، والحث على وضع روايات على لسان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله تمدح معاوية وعثمان وبني أمية وغيرهم ، ووضع أحاديث كاذبة في علي وأهل بيتهعليهم‌السلام تسوغ لعنهم والبراءة منهم.

الثاني : الحط من مقام شيعة عليعليه‌السلام اجتماعيا ، فلا تقبل شهادة لشيعي ، ويحرم من العطاء ليكون فقيرا ويخمل ذكره ، وفي المقابل تقبل شهادة المحب لعثمان ويزاد في عطائه ليشرف في المجتمع ويعلو ذكره.

4. عرض الحاكم الأموي على انه خليفة الله وان طاعته رأس الدين ومفتاحه ، وكون المطيع له ولي الله والعاصي له عدو الله.

5. غالى في أمر الجهاد والغزو ، وعرضه على انه افضل عمل بعد الإيمان بالله ورسوله ، أي جعله المقياس الأعلى للأعمال الصالحة والدخول للجنة ، وأمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ووضع الأحاديث في ذلك.

6. عين ابنه يزيد ولي عهده ، من اجل ان يواصل رعاية مشروعه التحريفي للإسلام على الأصول التي بناها عليه.

أقول : لقد كان الامام الحسنعليه‌السلام يتوقع هذا الغدر من معاوية بل كان متيقنا منه ، ولكنه كان يعلم ان ذلك سوف يكون منه الا بعد ان يحقق الصلح أهدافه الأساسية / معالجة الانشقاق ، افتضاح معاوية وظهور ظلامة علي عند أهل الشام ، وانتشار أحاديث النبي في حق علي بينهم في الشام ، ووضوح نسق الحكم المدني الذي أسسه الحسن في الأمة وانتشار أخباره بالشكل الذي لن ينمحي من ذاكرة الجيل التي عايشها ،


مع ادخار الحسين لمواجهة هذا الغدر المبين بالبقية الباقية من رجال المشروع ليشق طريقه من جديد في الأمة.

خلاصة في اسرة معاوية ونسبه ومرض وفاته

اسرة معاوية :

قال ابن ابي الحديد : وكان معاوية على اس الدّهر مبغضا لعليّعليه‌السلام شديد الانحراف عنه وكيف لا يبغضه وقد قتل أخاه يوم بدر وخاله الوليد بن عتبة وشرك في جده وهو عتبة أو في عمّه وهو شيبة على اختلاف الرّواية وقتل من بني عبد شمس نفرا كثيرا من أعيانهم وأماثلهم ، ثمّ جاءت الطَّامّة الكبرى واقعة عثمان فنسبها كلها إليه بشبهة إمساكه عنه وانضواء كثير من قتلته إليهعليه‌السلام فتأكدت البغضة وثارت الأحقاد وتذكرت تلك التراث الأولى حتّى أفضى الأمر إلى ما افضى إليه.

ومعاوية مطعون في دينه عند شيوخنا يرمى بالزندقة ، وقد ذكرنا في نقض السّفيانية على شيخنا أبي عثمان الجاحظ ما رواه أصحابنا في كتبهم الكلاميّة عنه من الالحاد والتّعرّض لرسول الله وما تظاهر به من الجبر والارجاء ، ولو لم يكن شيء من ذلك لكان في محاربته الامامعليه‌السلام ما يكفي في فساد حاله.(1)

نسب معاوية :

هو معاوية :

ابن ابي سفيان ؛ واسمه صخر (مجمع قريش والقبائل خارج مكة) لقتال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والصد عن دعوته.

ابن حرب ؛ وهو الذي اجاره عبد المطلب من وُلدِه حين لحقوه لما اخفر ذمة الزبير بن عبد المطلب في التميمي ولطمه ثم هرب الى عبد المطلب وقال له اجرني من ولدك الزبير واخوته ، فاكفأ عليه جفنة كانت لهاشم يطبخ للحجيج بها ، والبسه قباءه الخاص واخرجه.(2)

__________________

(1) ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 1 ص 340.

(2) روى الجاحظ فيالمحاسن والأضداد ص 116 المعاهد بمصر سنة 1350. والبيهقي فيالمحاسن


وفي قصة مخاصمة بني كلاب وبني رباب من بني نضر مع عبد المطَّلب في مال قريب من الطائف فقال عبد المطَّلب : المال مالي فسلوني أعطكم ، قالوا : لا ، قال : فاختاروا حاكما قالوا : ربيعة بن حذار الأسديّ فتراضوا به وعقلوا مائة ناقة في الوادي وقالوا : الإبل والمال لمن حكم له ، وخرجوا وخرج مع عبد المطَّلب حرب بن أميّة فلما نزلوا بربيعة وقالوا له احكم لأشدّنا طعانا ، وأوسعنا مكانا ، قال عبد المطلب : احكم لأولانا بالخيرات ، وأبعدنا عن السوآت وأكرمنا أمهات ، فقال ربيعة : والغسق والشفق ، والخلق المتّفق ، ما لبني كلاب وبني رباب من حقّ ، فانصرف يا عبد المطَّلب على الصواب ، ولك فصل الخطاب ؛ فوهب عبد المطَّلب المال لحرب بن أميّة.(1)

__________________

والمساوي ج 1 ص 67 قالا : قدم عبد الله بن عباس على معاوية وعنده جمع من بني أمية ووفود العرب ، فدخل وسلّم وقعد فسأله معاوية مَن الناس؟ فقال ابن عباس : نحن ، قال معاوية : فإذا غبتم؟ قال : فلا أحد ، فقال معاوية : فإنك ترى أني قعدت هذا المقعد بكم؟ فقال ابن عباس : نعم ، فبمن قعدت؟ فقال معاوية : بمن كان مثل حرب بن أمية. فقال ابن عباس : بل بمن أكفأ عليه إناءه وأجاره بردائه ، فغضب معاوية. وقال : أرحني من شخصك شهراً فقد أمرت لك بصلتك وأضعفتها لك. فخرج ابن عباس وهو يقول لمن معه : ألا تسألونني ما الّذي أغضب معاوية؟ فقالوا : بلى فقل بفضلك. فقال : إن أباه حرب لم يلق أحداً من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق إلّا تقدّمه حتى يجوزه ، فلقيه يوماً رجل من بني تميم في عقبة فتقدمه التميمي ، فقال حرب : أنا حرب بن أمية ، فلم يلتفت إليه وجازه ، فقال : موعدك مكة ، فخافه التميمي ، ثم أراد دخول مكة فقال : من يجيرني من حرب بن أمية ، فقيل له عبد المطلب ، فقال : عبد المطلب أجل قدراً من أن يجير على حرب ، فأتى ليلاً إلى دار الزبير بن عبد المطلب ، فدقّ بابه ، فقال الزبير لعبده : قد جاءنا رجل إمّا طالب قِرى وإمّا مستجير ، وقد أجبناه إلى ما يريد ، ثمّ خرج الزبير إليه فقال التميمي :

لاقيت حرباً في الثنية مقبلاً

والصبح أبلج ضوؤه للساري

فدعا بصوت واكتنى ليروعني

وسما عليَّ سمّو ليث ضاري

فتركته كالكلب ينبح ظِله

وأتيت قرم معالم وفخار

ليشاً هزبراً يستجار بعزّه

رحبَ المباءة مكرماً للجار

ولقد حلفت بمكة وبزمزم

والبيت ذي الأحجار والأستار

إنّ الزبير لمانعي من خوفه

ما كبّر الحُجّاج في الأمصار

فقدّمه الزبير وأجاره ودخل به المسجد ، فرآه حرب فقام إليه فلطمه ، فحمل عليه الزبير بالسيف ، فولى هارباً يعدو حتى دخل دار عبد المطلب ، فقال : أجرني من الزبير ، فأكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس ، فبقي تحتها ساعة ، ثمّ قال له : أخرج ، قال : وكيف أخرج وعلى الباب تسعة من بنيك قد احتبوا بسيوفهم ، فألقى عليه رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن له طرتان خضروان ، فخرج عليهم ، فعلموا أنّه قد أجاره عبد المطلب فتفرقوا عنه.

(1) النوبري ،نهاية الأرب في فنون الأدب ج 3 ص 133 ـ 134.


ابن امية الاكبر : الذي نافر عبد المطلب على عشر سنين يخرج عن مكة فحكم له وخرج من مكة(1) ، وكانت اول عداوة بين بني امية وهاشم.

بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي مؤسس التجمع القرشي.

جدته لابيه حمامة من ذوات الرايات.(2)

امه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي ، قاتلة حمزة واكلة كبده.

عزي معاوية الى اربعة.(3)

لم يكن معاوية صريح النسب الى ابي سفيان فقد عزي الى اربعة.

وقد كتب معاوية الى عليعليه‌السلام : (أما بعد ، فإنك لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك

__________________

(1) قال النوبري فينهاية الأرب في فنون الأدب ج 3 ص 132 ـ 133 : أن أمية بن عبد شمس دعا هاشم بن عبد مناف إلى المنافرة ، فقال هاشم : إني أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق ، ننحرها بمكة أو الجلاء عن مكَّة عشر سنين ، فرضى أميّة وجعلا بينهما الخزاعيّ الطاهن وخرجا اليه ومعهما جماعة من قومهما فقالوا : احكم بين هاشم بن عبد مناف وبين أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف أيّهما أشرف بيتا ونفسا ، قال : والقمر الباهر ، والكوكب الزاهر ، والغمام الماطر ، وما بالجوّ من طائر ، وما اهتدى بعلم مسافر ، من منجد وغائر ، لقد سبق هاشم أميّة إلى المآثر ، أوّلا منه وآخر ؛ فأخذ هاشم لإبل ونحرها وأطعمها من حضر وخرج أميّة إلى الشام فأقام بها عشر سنين ؛ فيقال : إنها أوّل عداوة وقعت بين بني هاشم وبين بني أميّة.

(2) روى ابن ابي الحديد فيشرح نهج البلاغة ج 2 ص 125 قال معاوية لعقيل يا أبا يزيد ، فما تقول في؟ قال : دعني من هذا! قال : لتقولن ، قال : أتعرف حمامة؟ قال : ومن حمامة يا أبا يزيد؟ قال : قد أخبرتك ، ثم قام فمضى ، فأرسل معاوية إلى النسابة ، فدعاه ، فقال : من حمامة؟ قال ولي الأمان! قال : نعم ، قال : حمامة جدتك أم أبي سفيان ، كانت بغيا في الجاهلية صاحبة راية.

(3) روى ابن ابي الحديد فيشرح نهج البلاغة ج 1 ص 336 عن الزمخشري في كتاب " ربيع الأبرار " : كان معاوية يعزى إلى أربعة : إلى مسافر بن أبي عمرو ، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وإلى العباس بن عبد المطلب ، وإلى الصباح ، مغن كان لعمارة بن الوليد. قال : وقد كان أبو سفيان دميما قصيرا ، وكان الصباح عسيفا (اجيرا) لأبي سفيان ، شابا وسيما ، فدعته هند إلى نفسها فغشيها. وقالوا : إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضا ، وقالوا : إنها كرهت أن تدعه في منزلها ، فخرجت إلى أجياد ، فوضعته هناك وفي هذا المعنى يقول حسان (ديوانه 157) أيام المهاجاة بين المسلمين والمشركين في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل عام الفتح :

لمن الصبي بجانب البطحاء

في الترب ملقى غير ذي مهد

نجلت به بيضاء آنسة

من عبد شمس صلتة الخد

والعسيف : الأجير. نجلت به ولدته ، وصلتة الخد ، الصلت : الأملس.


ما بلغت وعلمناه نحن ، لم يجنها بعضنا على بعض. وإن كنا قد غلبنا على عقولنا فقد بقي منها ما نرم به ما مضى ونصلح ما بقي. وقد كنت سألتك الشام على أن لا تلزمني لك طاعة ولا بيعة ، فأبيت ذلك علي فأعطاني الله ما منعت. وأنا أدعوك اليوم إلى ما دعوتك إليه أمس ، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجوه ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف ، وقد والله رقت الأكباد وذهبت الرجال. ونحن بنو عبد مناف ، وليس لبعضنا على بعض فضل يستذل به عزيز ولا يسترق به ذليل ، والسلام).

قال سليم : فلما قرأ عليعليه‌السلام كتابه ضحك وقال : العجب من معاوية وخديعته لي فدعا كاتبه عبيد الله بن أبي رافع فقال له : أكتب : أما بعد ، فقد جاءني كتابك تذكر فيه (أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بنا وبك إلى ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض) ، وإنا وإياك ـ يا معاوية ـ على غاية منها لم نبلغها بعد. وأما طلبك الشام ، فإني لم أعطك اليوم ما منعتك أمس. وأما استواؤنا في الخوف والرجاء ، فإنك لست بأمضى على الشك مني على اليقين ، وليس أهل الشام أحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة. وأما قولك (إنا بنو عبد مناف ليس لبعضنا فضل على بعض) ، فكذلك نحن ولكن ليس أمية كهاشم ولا حرب كعبد المطلب ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا الطليق كالمهاجر ولا المنافق كالمؤمن والمبطل كالمحق. في أيدينا فضل النبوة التي ملكنا بها العرب واستعبدنا بها العجم ، والسلام).(1)

قولهعليه‌السلام (ولكن ليس أمية كهاشم) :

ارادعليه‌السلام بهذه المقارنة الاشارة الى ان بني امية ينتسبون الى امية (الاكبر) بن عبد شمس بن عبد مناف ولم ينسبهم الى جدهم عبد شمس لانهم ليسوا العقب الوحيدة له ، وبنو هاشم ينتسبون الى عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وليس لهاشم عقب من غير عبد المطلب.

قوله عليه السالم (ولا حرب كعبد المطلب) :

مرت علينا قصة اجارة عبد المطلب لحرب ، وقصة هبته له كمية من المال ، ومن

__________________

(1) سليم بن قيس ،كتاب سليم ص 336 ـ 337 ، الكراجكي ،كنز الفوائد ص 201 ، الدينوري ،الأخبار الطوال ص 187 ، المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر ج 3 ص 13 ـ 14.


هاتين القصتين نعلم ان حربا من رعايا عبد المطلب فكيف يوازنه معاوية بمن كانت تسميه قريش ب (براهيم الثاني)؟ بل من هو ابوه امية ازاء عبد المطلب ، قال ابو الفرج : دخل دغفل النسابة على معاوية فقال له : من رأيت من عِلية قريش قال : رأيت عبد المطلب بن هاشم وأمية بن عبد شمس. فقال : صفهما لي. فقال : كان عبد المطلب أبيض مديد القامة حسن الوجه ، في جبينه نور النبوّة وعزّ الملك ، يطيف به عشرة من بنيه كأنهم أسد غاب. قال : فصف أميّة. فقال : رأيه شيخا قصيرا نحيف الجسم ضريرا يقوده عبد ذكوان. فقال : مه ، ذاك ابنه أبو عمرو. فقال : هذا شيء قلتموه بعد وأحدثتموه ، وأمّا الذي عرفت فهو الذي أخبرتك به.(1) وهكذا فان حربا فضلا عن ابيه (امية) لا يقاسان بعبد المطلب بل لا يقاس بعبد المطلب كل قريش انذاك.

قولهعليه‌السلام (ولا أبو سفيان كأبي طالب) :

قاد ابو سفيان قريشا والقبائل فيما بعد ضد النبي ليصد عن دعوته الالهية ويسفك دمه فكيف يقايسه معاوية بابي طالب الذي وظف كل ما حباه الله من قدرات في نصرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قالعليه‌السلام يخاطبهصلى‌الله‌عليه‌وآله :

والله لن يصلوا اليك بجمعهم

حتى اوسد في التراب دفينا

فأصدع بأمرك ما عليك غضاضة

ابشر وقر بذاك عيونا

وقال ايضا يخاطب قريشا :

كذبتم وبيت الله نبزى محمدا

ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع دونه

ونذهل عن ابنائنا والحلائل

قوله عليه‌السلام (ولا الطليق كالمهاجر ولا المنافق كالمؤمن والمبطل كالمحق ) اراد بـ (المهاجر) و (المؤمن) و (المحق) نفسه الشريفة ، واراد بـ (الطليق) و (المنافق) و (المبطل) معاوية.

وفي رواية الشريف الرضي في نهج البلاغة(2) ومصادر اخرى(3) اضافة لم تكن في رواية مسلم وغيره وهي :

__________________

(1) الاصفهاني ،الاغاني ج 1 ص 45.

(2)نهج البلاغة خطب الإمام عليعليه‌السلام ، (تحقيق صالح) ص 374 ـ 375.

(3) ابن شهر آشوب ،مناقب آل أبي طالب ، ج 2 ص 361 ـ 362. الزمخشري ، ربيع الابرار ج 4 ص 216 ، ابن ابي الحديد ، شرح نهج البلاغة ج 15 ص 117. ابن حمدون ، التذكرة الحمدونية ج 7 ص 164.


قولهعليه‌السلام (ولا الصريح كاللصيق) :

وقد ارادعليه‌السلام بقوله (الصريح) الاشارة الى نفسه الشريفة وهو اول هاشمي ولد لهاشمية ، فان اباه ابو طالب بن عبد المطلب بن هاشم وامه فاطمة بنت اسد بن هاشم وقالوا عنه وهو أول هاشمي ولده هاشم مرتين.(1)

وبقوله (اللصيق) الاشارة الى شبهة النسب في معاوية ، غير ان البعض نفى انها تشير الى ذلك.

قال ابن ابي الحديد : «فإن قلت : فما معنى قوله : «ولا الصريح كاللصيق»س ، وهل كان في نسب معاوية شبهة ليقول له هذا؟ قلت : كلا إنه لم يقصد ذلك ، وإنما أراد الصريح بالإسلام واللصيق في الاسلام ، فالصريح فيه هو من أسلم اعتقادا وإخلاصا ، واللصيق فيه من أسلم تحت السيف أو رغبة في الدنيا».(2)

أقول :

بل ارادعليه‌السلام النسب ، لان لفظة (الصريح) صريحة في خالص النسب وكذلك اللصيق والمُلصَق فانها صريحة في دعي النسب (لسان العرب).

قال الزمخشري : كان معاوية يعزى إلى أربعة : إلى مسافر بن أبي عمرو ، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة ، وإلى العباس بن عبد المطلب ، وإلى الصباح ، مغن كان لعمارة بن الوليد. قال : وقد كان أبو سفيان دميما قصيرا ، وكان الصباح عسيفا (اجيرا) لأبي سفيان ، شابا وسيما ، فدعته هند إلى نفسها فغشيها. وقالوا : إن عتبة بن أبي سفيان من الصباح أيضا ، وقالوا : إنها كرهت أن تدعه في منزلها ، فخرجت إلى أجياد ، فوضعته هناك.(3)

وفي هذا المعنى يقول حسان أيام المهاجاة بين المسلمين والمشركين في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل عام الفتح :

لمن الصبي بجانب البطحاء

في الترب ملقى غير ذي معه

__________________

(1) الكليني ،الكافي ج 1 ص 452 ، ابن الاثير ،اسد الغابة ج 4 ص 16 ، مصعب الزبيري ،نسب قريش ص 17.

(2) ابن ابي الحديد ، شرح نهج البلاغة ج 15 ص 118 ـ 119.

(3) ابن ابي الحديد ، شرح نهج البلاغة ج 1 ص 336 عن الزمخشري في كتاب «ربيع الأبرار».


نجلت به بيضاء آنسة

من عبد شمس صلتة الخد(1)

والعسيف : الأجير. نجلت به ولدته ، وصلتة الخد ، الصلت : الأملس.

أقول :

لقد كانت امام معاوية فرصة التاريخ الذهبية حين صالحه الحسنعليه‌السلام على امرة المسلمين جميعا بشروطه المعروفة ، وحين برزت اثار الصلح العظيمة ، غير ان النشاة الاولى والحضن الخسيس والنطفة المشتبهة ، ودماء الصلحاء والابرياءفي صفين بل في الجمل لانه المخطط لها ، وحبه ليزيد الذي اعماه عن رشده كما قال هو عن نفسه كما سياتي / كل ذلك جعله يصر على المأثم ، ويتحول الى مرحلة اسوأ في تاريخه ، حين حرف تاريخ الاسلام وسفك الدماء الاخيار من شيعة العراقو دسه السم للحسن واخذه الناس ببيعة ابن يزيد الفاسق ، بما وضحناه بشكل مختصر في الفصل السابق.

مرض اللقوة اول الغضب الالهي على معاوية :

قال ابن الفقيه : ولمّا حجّ معاوية (الظاهر انها سنة 56 هـ) حرّك المنبر (منبر النبي) يريد أن يخرج به إلى الشام فانكسفت الشمس ، فقال جابر بن عبد الله : بئس ما صنع معاوية ببلد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ومهاجره الذي اختاره الله له ، والله ليصيبنّ معاوية شيء في وجهه ، فأصابته اللَّقوة نسأل الله العافية.(2)

أقول : ان فهم جابر بن عبد الله الانصاري اعمق من ذلك ، واني اشك ان الرواية له ، ولكني اوردتها لاقرِّب فكرة ان مرض معاوية باللقوة هي عقوبة الهية ولكنها ليست لاجل منبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بل لاجل ما صنعه نقضه الشرط مع الحسنعليه‌السلام وإعادته لعن عليعليه‌السلام وبخاصة قد اصيب باللقوة في سنة 56 هـ وهي السنة التي اخذه فيها البيعة ليزيد نفسها.(3)

__________________

(1) الزمخشري ،ربيع الابرار ج 4 ص 276.

(2) ابن الفقيه أحمد بن محمد الهمداني ،البلدان ص 80.

(3) الجاحظ ،البرصان والعرجان والعميان والحولان ص 431 ـ 432 قال : وممن أصابته اللَّقوة : الحكم بن أبي العاص ذكر عبيد الله بن محمد قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، عن صدقة ، عن جميع بن عمير ، أنّ ابن عمر قال : رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جالسا والحكم بن أبي العاس خلفه ، فجعل يلوي شدقه يهزأ به ، فقال رسول اللهعليه‌السلام : «اللهم الو وجهه».


قال ابن اعثم : ثم رحل معاوية (من مكة بعد ان اخذ البيعة ليزيد) ، فلما صار بالأبواء ونزلها قام في جوف الليل لقضاء حاجته فاطلع في بئر الأبواء ، فلما اطلع فيها اقشعر جلده وأصابته اللقوة في وجهه فأصبح لما به ، فدخل عليه الناس يعزونه ويتوجعون له مما قد نزل به ، فقال : أيها الناس! إن المؤمن ليصاب بالبلاء فإما معاقب بذنب وإما مبتلى ليؤجر ، وإن ابتليت فقد ابتلى الصالحون من قبلي ، وأنا أرجو أن أكون منهم ، وإن مرض مني عضو فذلك بأيام صحتي وما عوفيت أكثر ، ولئن أعطيت حكمي فما كان لي على ربي أكثر مما أعطاني لأني اليوم ابن بضع وسبعين ، فرحم الله عبدا نظر إلي فدعا لي بالعافية ، فإني وإن كنت غنيا عن خاصتكم لقد كنت فقيرا إلى عامتكم. قال : فدعا الناس له بخير وخرجوا من عنده. وجعل معاوية يبكي لما قد نزل به ، فقال له مروان بن الحكم : أجزعا يا أمير المؤمنين؟ فقال : لا يا مروان! ولكني ذكرت ما كنت عنه عزوفا ثم إني بليت في أحسني وما ظهر للناس مني ، فأخاف أن يكون عقوبة عجلت لي لما كان مني من دفعي بحق علي بن أبي طالب ، وما فعلت بحجر بن عدي وأصحابه ، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي وعرفت قصدي.(1)

وقال ابن عساكر : حج معاوية بن أبي سفيان عاما حتى إذا كان بالأبواء اطلع في بئر لها عادية فضربته اللَّقوة ، فمضى حتى أتى مكة فدخل داره وأرخى حجابه ودعا حمد الله وأثنى عليه وصلى على محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال أيها الناس إن ابن آدم بعرض بلاء إما مبتلى ليؤجر وإما معاقب بذنب وإما مستعتب ليعتب وما أعتذر من واحدة من ثلاث قال فعج الناس يدعون له فبكى معاوية.

فلما خرجوا من عنده قال له مروان بن الحكم يا أمير المؤمنين لم بكيت قال يا مروان كبر سني ورق عظمي وابتليت في أحسن ما يبدو مني وخشيت أن تكون عقوبة من ربي ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي.(2)

وقال البلاذري حدثني محمد بن سعد عن الواقدي عن ابن أبي الزناد عن أبيه قال :

__________________

(1) الكوفي ، ابن اعثم ،الفتوح ، ج 4 ص 342 ـ 349.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 214 ـ 215 ، الذهبي ،سير الاعلام ج 3 ص 155.


لما صار معاوية بالأبواء في حجّته اطَّلع في بئر فأصابته اللقوة ، فقال : فأنا ابن بضع وستين ، فرحم الله من دعا لي بالعافية ، فوالله لئن عتب علي بعض خاصتكم وقد ابتليت في أحسني ، وخفت أن يكون عقوبة من ربّي ، ولولا هواي في يزيد لأبصرت رشدي.(1)

أقول : وقول معاوية (ولولا هواي في يزيد لابصرت رشدي) يعلق عليه ابن حجر المكي بقوله : وقوله : ولولا هواي الخ ، فيه غاية التسجيل على نفسه (اي على معاوية) بأن مزيد محبته ليزيدي أعمت عليه طريق الهدى ، وأوقعت الناس بعده مع ذلك الفاسق المارق في الردى) انتهى كلامه.

ويؤكد هذا القول ان معاوية قد اصابته اللقوة سنة 56 هـ وهي السنة التي اخذ فيها معاوية البيعة لولده يزيد.

وفي لسان العرب اللقوة : داء يكون في الوجه يعوج منه الشدق ، والشدق جانب الفم.(2) قال الذهبي في معاوية (أصابته لقوة ، يعني بطل نصفه) اي تعطل نصف وجهه.

قال الزبيدي : واللَّقْوَةُ ، بالفتح : داءٌ في الوَجْهِ ؛ زادَ الأزْهرِي : يَعْوَجُّ منه الشِّدْق. وقالتِ الأطبَّاء : اللَّقْوةُ مَرَضٌ يَنْجذِبُ له شِقّ الوجْهِ إلى جهَةٍ غيْر طَبِيعِيَّة ولا يحسنُ الْتِقاء الشفَتَيْن ولا تَنْطَبِقُ إحْدَى العَيْنَيْن.(3)

وقال الازهري : اللَّقْوَةُ أنْ يَتَعَوَّجَ وَجْهُهُ ولا يَقْدِرَ على تَغْمِيضِ إحْدَى عَيْنَيْهِ.(4)

وقال ابن سيدة : اللقوة ، اضطراب شكل الوجه واعوجاجه ، وقد لقي.(5)

وقال العلامة المجلسي : اللقوة ـ بالفتح والكسر ـ : علة ينجذب لها شق الوجه إلى جهة غير طبيعية ، فيخرج النفخة والبزقة من جانب واحد ، ولا يحسن التقاء الشفتين ، ولا تنطبق إحدى العينين.(6)

__________________

(1) البلاذري احمد بن يحيى ،أنساب الأشراف ج 5 ص 28.

(2) ابن منظور ،لسان العرب مادة لقو ، شدق.

(3) الزبيدي ،تاريخ العروس ج 20 ص 161 ، مادة لقو.

(4) عبد الملك الثعالبي النيسابوري ،فقه اللغة وسر العربية ص 127.

(5) ابن سيده ،المخصص ، ج 2 ق 3 (السفر الثامن) ص 146.

(6) المجلسي ،بحار الأنوار ج 59 ص 255 ، ويعرف الاطباء اللقوة بانها شلل العصب الوجهي المحيطي وهو شلل مفاجئ وحيد الجانب مجهول السبب في العصب القحفي السابع وتبدأ اعراض اللقوة


وقد ذكر المصادر التي ذكرت لقوة معاوية انه استمرت معه الى موته.(1)

قال ابن كثير : وكان به النقابة ـ يعني لوقة ـ فمات من يومه ذلك.(2)

أقول : النقابة مصحب الناقبة وهي القرحة التي تخرج بالجنب(3) ، وقد اخطا ابن كثير بقوله هي لوقة ، ومراده (اللِقوة التي اصابته سنة 56 هـ) ، فهما مرضان لا مرض واحد.

وفي اخريات حياته اصابته قرحة في ظهره وقُرٌّ جعلته يفقد الراحة التي ينشدها لنفسه وهو يرأس اعظم دولة في العالم انذاك.

قال ابن عساكر : لما كبر معاوية خرجت به قرحة في ظهره فكان إذا لبس دثارا ثقايلا والشام أرض باردة أثقله ذلك وغمه فقال اصنعوا لي دثارا خفيفا دفيئا من هذه السخال فصنع له فلما ألقي عليه تسار إليه ساعة ثم غمه فقال جافُوه عني ثم لبسه ثم غمه فألقاه ففعل ذلك مرارا ثم قال قبحك الله من دار ملكتك أربعين سنة عشرين خليفة وعشرين إمارة ثم صيرتني إلى ما أرى قبحك الله من دار.(4)

عن أبي بردة قال دخلت على معاوية بن أبي سفيان حين أصابته قرحته فقال لهم يا بن أخي تحول فناظر قال فتحولت فنظرت فإذا هي قد سبرت يعني قرحته فقلت

__________________

المحيطية بحس خدر في احد نصفي الوجه تتطور بسرعة نحو عدم القدرة على اغلاق العين وعدم القدرة على تقطيب الوجه ، ورخاوة في نصف الوجه الموافق لجهة العصب المصاب.

(1) قال الذهبي فيتاريخ الإسلام ج 4 ص 315 ـ 316 أن معاوية أصابته اللقوة قبل أن يموت ، وكان اطلع في بئر عادية. بالأبواء لما حج ، فأصابته لقوة ، يعني بطل نصفه. وذكر ابن عساكر بعض حالات اللقوة التي ترافق صاحبها الى اخر حياته قال (فيتاريخ مدينة دمشق ج 52 ص 111) : سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن إسماعيل ابن مهران الإسماعيلي يقول مرض أبي في صفر منن سنة تسع وثمانين وبقي في مرضه ذلك إلى أن توفي في ذي الحجة من سنة خمس وتسعين ومائتين وسمعت عبد الله بن سعيد الثقة المأمون يتأسف غير مرة على ما فاته من الإسماعيلي ويقول أدركناه وقد أخذته اللقوة وبقي فيها إلى آخر عمره.

(2) ابن كثير البداية والنهاية.

(3) ابن منظورلسان العرب : الناقبة هي : قرحة تخرج بالجنب. قال ابن سيده : النُّقْب قرْحة تَخْرج في الجَنْب ، وتَهْجُمُ على الجوف ، ورأسُها من داخل. والناقبةُ : داءٌ يأخذ الإِنسانَ ، من طُول الضَّجْعة.أقول : مراده القرحة ، وهي معروفة لدى الاطباء سببها كثرة النوم على احد جانبيه او على ظهره.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 220.


ليس عليك بأس يا أمير المؤمنين.(1)

وقال ابن كثير : (وروى ابن جرير(2) أن معاوية جعل يغرغر بالموت وهو يقول : إن يومي بك يا حجر بن عدي لطويل ، قالها ثلاثاً).(3)

وقال ابن اعثم : وكان (معاوية) في مرضه يرى أشياء لا تسره حتى كأنَّه ليهذي هذيان المُدنَف وهو يقول : اسقوني اسقوني! فكان يشرب الماء الكثير فلا يروى. وكان ربما غشي علهي اليوم واليومين ، فإذا أفاق من غشوته ينادي بأعلى صوته : ما لي وما لك يا حجر بن عدي! ما لي وما لك يا عمرو بن الحمق! ما لي وما لك يا بن أبي طالب!(4)

مضافا الى ذلك اهم المضاعفات لمرض اللقوة وهو النفث لعدم قدرته على اطباق فمه كليا.

روى الطبري قال حدثني الحارث قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثنا أبو عبيدة عن أبي يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير قال لما ثقل معاوية قال وكان به النفاثات فمات من يومه ذلك.(5)

قال ابن منظور : النَّفْثُ : أَقلُّ من التَّفْل ، لأَن التفل لا يكون إِلَّا معه شيء من الريق ؛ والنفثُ : شبيه بالنفخ ؛ وقيل : هو التفل بعينه.(6)

أقول : المناسب لمرض اللقوة هو ان يكون النفث هو التفل بعينه.

وهكذا تتضح حالة معاوية التي لا يحسد عليها منذ اصابته اللقوة (الشلل النصفي في وجهه) واستمرت تلاحقه خمس سنوات اقضت عليه مضجعه :

ـ عدم قدرة على اغماض احد عينيه.

__________________

(1) ابن سعد ،الطبقات ج 4 ص 112. ومعنى سَبَرَتْ ، صارت ذات قعر تحتاج إلى معرفة عمقها بالمسبار. (سبر الجرح بالمسبار : قاس مقدار قعره بالحديدة أو بغيرها). (أساس البلاغة ص 626).

(2) الطبري ،التاريخ ج 4 ص 191.

(3) ابن كثيرالبداية والنهاية ج 8 ص 58.

(4) الكوفي ابن اعثم ،الفتوح ج 4 ص 342 ـ 349.

(5) الطبري ،تاريخ الطبري ج 4 ص 241.

(6) الطبري ،تاريخ الطبري ج 4 ص 241.


ـ عدم القدرة على تقطيب وجهه.

ـ اعوجاج الفم الى احد الجانبين.

ثم اصابته بقرحة الظهر وبالقُرّ ، ثم بالنفاثات.

وفي ضوء ذلك كان معاوية خلال خمسة سنوات قد معاوية لذة الكلام وتفاعل الوجه مع الحوادث والعواطف ولذة الطعام وجمال تناسق الوجه ، وهو يحس بان مبغضيه يتشفون به كلما رأوه. وخمس سنوات من معاناة المرض جسيما ونفسيا اخرج حب الدنيا من نفسه مع تعلقه بها وهو الغارق فيها الى قمة راسه وقد عمل لها كل حياته! وقد اقترن هذا العذاب باخذه البيعة لولده يزيد الذي قال فيه لولا هواي في يزيد لابصرت رشدي.

وبعد فهل يكون مصداق لقوله تعالى (سنسمه على الخرطوم) اوضح من معاوية الذي اصيب باللقوة في وجهه جزاء لصده عن سبيل الله قال تعالى في سورة القلم :

( بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5)بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6)إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8)وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10)هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11)مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12)عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ (13)أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19)فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22)فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23)أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24)وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28)قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا


ظَالِمِينَ (29)فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30)قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31)عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)) القلم / 1 ـ 33.

وقد ورد في الرواية انها في بني امية.(1)

__________________

(1) القمي التفسير ،تفسير سورة القلم ، الحويزي تفسير نور الثقلين تفسير سورة القلم.


الباب الثاني / الفصل الخامس

تعليقات على موارد من كتاب صلح الحسن عليه‌السلام للعلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين رحمه‌الله

لابد لي قبل ذكر هذه التعليقات ان أبين ان آية الله الشيخ راضي آل ياسين قد كان جريئا ومفكرا لامعا حين طرح ان الحسنعليه‌السلام بصلحه قد فصل بين الإمامة الدينية والسلطة الزمنية في الإسلام ، ومن المؤسف ان لا تأخذ هذه الفكرة الجريئة طريقها إلى البحث التفصيلي ، كما انه قد جلى صورة شخصية الامام الحسنعليه‌السلام بما يناسبه كإمام هدى وكسياسي. من الطراز الأول فيما اشترط على معاوية من شروط ، ولم تكن مشكلة الكتاب الا في عدم تمييزه بين سنوات الصلح العشر أيام الحسنعليه‌السلام حيث لم يروع فيها شيعي واحد من أهل العراق وسنوات الغدر المبين بعد وفاة الحسنعليه‌السلام وهي مشكلة الرؤية القديمة والمشهورة وقد اضطلع البحث بالكشف عن ذلك لأول مرة مضافا إلى التعليل الجديدة في مبررات الصلح التي تنسجم مع الحقيقة المكتشفة.

وكنت قد ذكرت في التمهيد ملاحظاتي الإجمالية على الرؤية السائدة في تعليل الصلح وفي هذا الفصل اوردت اربعة عشرة تعليقة على كلامهرحمه‌الله حول بنود الصلح وعلى كلامه حول الوفاء بالشروط وما بعدها.


كلامه رحمه‌الله على بنود الصلح (1)

قالرحمه‌الله :

[وروى فريق من المؤرخين ، فيهم الطبري وابن الأثير : «أن معاوية أرسل إلى الحسن صحيفة بيضاء مختوما على أسفلها بختمه» ، وكتب إليه : «أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت ، فهو لك».(2) «انظر التعليقة رقم 1».

«ثم بتروا الحديث ، فلم يذكروا بعد ذلك ، ماذا كتب الحسن على صحيفة معاوية. وتتبعنا المصادر التي يسر لنا الوقوف عليها ، فلم نر فيما عرضته من شروط الحسنعليه‌السلام ، الا النتف الشوارد التي يعترف رواتها بأنها جزء من كل. وسجل مصدر واحد صورة ذات بدء وختام ، فرض أنها [النص الكامل لمعاهدة الصلح] ، ولكنها جاءت ـ في كثير من موادها ـ منقوضة بروايات أخرى تفضلها سندا ، وتزيدها عددا. ولنا لو أردنا الاكتفاء ، أن نكتفي ـ في سبيل التعرف على محتويات المعاهدة ـ برواية (الصحيفة البيضاء) ، كما فعل رواتها السابقون ، فبتروها اكتفاء باجمالها عن التفصيل ، ذلك لان تنفيذ الصلح على قاعدة «اشترط ما شئت فهو لك» معناه أن الحسن أغرق الصحيفة المختومة في أسفلها ، بشتى شروطه التي أرادها ، فيما يتصل بمصلحته ، أو يهدف إلى فائدته ، سواء في نفسه أو في أهل بيته أو في شيعته أو في أهدافه ، ولا شيء يحتمل غير ذلك. وإذا قدر لنا ـ اليوم ـ أن لا نعرف تلك الشروط بمفرداتها ، فلنعرف أنها كانت من السعة والسماحة والجنوح إلى الحسن ، بحيث صححت ما يكون من الفقرات المنقولة عن المعاهدة أقرب إلى صالح الحسن ، ورجحته على ما يكون منها في صالح خصومه ، كنتيجة قطعية لحرية الحسنعليه‌السلام في أن يكتب من الشروط ما يشاء. ورأينا بدورنا ، وقد أخطأنا التوفيق عن تعرف ما كتبه الحسن هناك ، أن ننسق ـ هنا ـ الفقرات المنثورة في مختلف المصادر من شروط الحسن على معاوية في الصلح ، وأن نؤلف من مجموع هذا الشتات صورة تحتفل بالأصح الأهم ، مما حملته الروايات الكثيرة

__________________

(1) من الجدير ذكره ان هوامش كلامهرحمه‌الله في الموردين هي منه.

(2) الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 6 ص 93 ، وابن الأثير ،الكامل في التاريخ ، ج 3 ص 162 (منهرحمه‌الله ).


عن هذه المعاهدة ، فوضعنا الصورة في مواد ، وأضفنا كل فقرة من الفقرات إلى المادة التي تناسبها ، لتكون ـ مع هذه العناية في الاختيار والتسجيل ـ أقرب إلى واقعها الذي وقعت عليه. واليك هي صورة المعاهدة التي وقعها الفريقان :

المادة الأولى : تسليم الأمر إلى معاوية ، على أن يعمل بكتاب الله وبسنة رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله (المدائني ـ فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 4 ص 8) ، وبسيرة الخلفاء الصالحين.(1) «انظر التعليقة رقم 2».

المادة الثانية : أن يكون الأمر للحسن من بعده.(2) «انظر التعليقة رقم 3».

المادة الثالثة : أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة(3) ، وأن لا يذكر عليا الا بخير.(4)

المادة الرابعة : استثناء ما في بيت المال الكوفة ، وهو خمسة آلاف ألف فلا يشمله تسليم الأمر. وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسن كل عام ألفي ألف درهم ، وأن يفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس ، وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم ، وأن يجعل ذلك من خراج دار ابجرد.(5) «انظر التعليقة رقم 4».

__________________

(1) ابن حجر ،فتح الباري فيما رواه عنه ابن عقيل فيالنصايح الكافية ص 156 ، والمجلسي ،بحار الانوار ج 10 ص 115. الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 6 ص 93. وابن الأثير ،الكامل في التاريخ ، ج 3 ص 162 (منهرحمه‌الله ).

(2) السيطي ،تاريخ الخلفاء ص 194. وابن كثير ،البداية والنهاية ج 8 ص 41. وابن حجر ،الإصابة ج 2 ص 12 و 13. وابن قتيبةالإمامة والسياسة ص 150. وفريد وجدي ،دائرة المعارف الإسلامية ، دار الشعب في مصر ، ج 3 ص 443 وغيرهم ، فان حدث به حدث فلأخيه الحسين (ابن المهنا ،عمدة الطالب ، طبعة لكهنو ، ص 52). وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد (المدائني فيما يرويه عنه في شرح نهج البلاغة ج 4 ص 8. والمجلسي ،بحار الانوار ج 10 ص 115. وابن الصباغ المالكي ،الفصول المهمة ، دار الحديث للطباعة والنشر 1422 هـ ، وغيرهم.

(3) السيد محسن الامين ، أعيان الشيعة ، تحقيق السيد حسن الامين ، دار التعارف بيروت ، ج 4 ص 43.

(4) أبو الفرج ، الأصفهاني ،مقاتل الطالبيين ، ص 26. وابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 4 ص 15.

(5) تجد هذه النصوص متفرقة في ابن قتيبة الدينوري ،الإمامة والسياسة ، ص 200. والطبري ، تاريخ الطبري ، ج 6 ص 92. الشيخ الصدوق ، وعلل الشرائع ، المكتبة الحيدرية النجف الأشرف 1385 هـ ص 81. وابن كثير ،البداية والنهاية ، ج 8 ص 14 وغيرهم. و (دار ابجرد) ولاية بفارس على


المادة الخامسة : «على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله ، في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم ، وأن يؤمن الأسود والأحمر ، وان يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم ، وأن لا يتبع أحدا بما مضى ، وأن لا يأخذ أهل العراق باحنة(1) وعلى أمان أصحاب علي حيث كانوا ، وأن لا ينال أحدا من شيعة علي بمكروه ، وأن أصحاب علي وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم ، وان لا يتعقب عليهم شيئا ، ولا يتعرض لاحد منهم بسوء ، ويوصل إلى كل ذي حق حقه ، وعلى ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا(2) ...» وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي ، ولا لأخيه الحسين ، ولا لاحد من أهل بيت رسول الله ، غائلة ، سرا ولا جهرا ، ولا يخيف أحدا منهم ، في أفق من الآفاق.(3)

قال ابن قتيبة : «ثم كتب عبد الله بن عامر ـ يعني رسول معاوية إلى الحسنعليه‌السلام ـ إلى معاوية شروط الحسن كما أملاها عليه ، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه ، وختمه بخاتمه ، وبذل عليه العهود المؤكدة ، والايمان المغلظة ، وأشهد على ذلك جميع رؤساء أهل الشام ، ووجه به إلى عبد الله ابن عامر ، فأوصله إلى الحسن.(4)

وذكر غيره نص الصيغة التي كتبها معاوية في ختام المعاهدة فيما واثق الله عليه من الوفاء بها ، بما لفظه بحرفه : «وعلى معاوية بن أبي سفيان بذلك ، عهد الله وميثاقه ، وما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء ، وبما أعطى الله من نفسه.(5)

__________________

حدود الأهواز. وجرد أو جراد : هي البلد أو المدينة بالفارسية القديمة والروسية الحديثة ، فتكون دار ابجرد بمعنى (مدينة دار ابجرد).

(1) المصادر : أبو الفرج الاصفهاني ،مقاتل الطالبيين ص 26. ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 4 ص 15. والمجلسي بحار الأنوار ، ج 10 ص 101 و 115 ، الدينوريالاخبار الطوال ، ص 200. ونقلنا كل فقرة من مصدرها حرفيا.

(2) يتفق على نقل كل فقرة أو فقرتين أو أكثر ، من هذه الفقرات التي تتضمن الأمان أصحاب عليعليه‌السلام وشيعته ، كل من الطبري ،تاريخ الطبري (ج 6 ص 97). وابن الأثير ،الكامل في شرح نهج البلاغة ، ج 4 ص 15. والمجلسي ،بحار الانوار ، ج 10 ص 115. والصدوق ،علل الشرائع ، ص 81. وابن عقيل ،النصائح الكافية ص 156 وغيرهم.

(3) المجلسي ،بحار الانوار ج 10 ص 115. وابن عقيل ،النصائح الكافية ص 156.

(4) ابن قتيبة الدينوري ،الإمامة والسياسة ، ص 200.

(5) المجلسي ،بحار الانوار ، ج 10 ص 115.


وكان ذلك في النصف من جمادي الأولى سنة 41 ـ على أصح الروايات ـ لتكن صيغة المعاهدة بما اشتملت عليه من عناصر موضوعية لها أهميتها في الناحيتين الدينية والسياسية ، شاهدا جديدا على ما وفق له واضع بنودها من سمو النظر في الناحيتين جميعا.

ومن الحق ان نعترف للحسن بن عليعليهما‌السلام ـ على ضوء ما أثر عنه من تدابير ودساتير هي خير ما تتوصل إليه اللباقة الدبلوماسية لمثل ظروفه من زمانه وأهل زمانه ـ بالقابليات السياسية الرائعة التي لو قدر لها أن تلي الحكم في ظرف غير هذا الظرف ، وفي شعب أو بلاد رتيبة بحوافزها ودوافعها ، لجاءت بصاحبها على رأس القائمة من السياسيين المحنكين وحكام المسلمين اللامعين بما تضعه في هذه المعاهدة من خطوط ، وبما تستقبل به خصومها من شروط. وانك لتلمح من بلاغة المعاهدة بموادها الخمس ، أن واضعها لم يعالج موضوعه جزافا ، ولم يتناوله تفاريق وأجزاء ، وإنما وضع الفكرة وحدة متماسكة الأجزاء متناسقة الاتجاهات. وتوفر فيها على تحري أقرب المحتملات إلى التنفيذ عمليا ، في سبيل الاحتياط لثبوت حقه الشرعي ، وفي سبيل صيانة مقامه ومقام أخيه ، وتيسير شؤون أسرته وحفزهم ، واعتصم فيها بالأمان لشيعته وشيعة أبيه وإنعاش أيتامهم ، ليجزيهم بذلك على ثباتهم معه ووفائهم مع أبيه ، وليحتفظ بهم أمناء على مبدئه وأنصارا مخلصين لتمكين مركزه ومركز أخيه ، يوم يعود الحق إلى نصابه. وسلم فيها «الأمر» إلى معاوية مشروطا بالعمل على سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وسيرة الخلفاء الصالحين «انظر التعليقة رقم 2» فقلص بذلك من نفوذ عدوه في «الأمر» بما عرضه ـ من وراء هذا الشرط ـ للمخالفات التي لا عد لها ولا حد لنقمتها ،

... فلم يهدف معاوية في صلحه مع الحسنعليه‌السلام ، الا للاستيلاء على الملك ،

ولم يرض الحسن بتسليم الملك لمعاوية الا ليصون مبادئه من الانقراض ، وليحفظ شيعته من الإبادة ، وليتأكد السبيل إلى استرجاع الحق المغصوب يوم موته معاوية.

ومن سداد الرأي أن لا نفهم مغزى هذه المعاهدة الا على هذا الوجه. «انظر التعليقة رقم 5 ».


المادة السابعة : ان لا يسميه بأمير المؤمنين وان لا يقيم عنده شهادة(1) : وجاء فيما يرويه الكلينيرحمه‌الله : «ان الحسن اشترط على معاوية أن لا يسميه أمير المؤمنين» «انظر التعليقة رقم 6».

وجاء فيما يرويه ابن بابويهرحمه‌الله (2) ، ورووا غيره أيضا : «أن الحسن اشترط على معاوية أن لا يقيم عنده شهادة» «انظر التعليقة رقم 7». ولا أكثر مما تضمنته هاتان الروايتان تحفظا عن الاعتراف بصحة خلافة معاوية فضلا عن البيعة له. ولم يكن ثمة الا تسليم الملك الذي عبرت عنه المعاهدة «بتسليم الأمر» وعبر عنه آخرون بتسليم الحكم.

اما قول الدينوري في «الإمامة والسياسة» أن الحسن بايع معاوية على الإمامة «انظر التعليقة رقم 7» ، فهو القول الذي يصطدم قبل كل شيء بقابليات معاوية التي عرفنا قريبا النسبة بينها وبين الخلافة وصلاحية البيعة على المسلمين ، ويصطدم ثانيا بتصريحات الحسن في انكار خلافة معاوية. سواء في خطابيه الآنفين ، أو في تحفظاته الواضحة في هاتين الروايتين.

(انتهت كلمات الشيخ راضي آل ياسينرحمه‌الله التي نريد التعليق عليها وهي سبع موارد حملت أرقام التعليقات 1 ـ 7) كما يلي :

تعليقاتنا على كلامه السابق رحمه‌الله من رقم 1 الى رقم 8

التعليقة رقم 1 :

أقول : فهم بعض المؤرخين والباحثين ان الحسن هو البادئ بالصلح وانه بعض إلى معاوية اني اسلمك الأمر بشروط وبعث له معاوية بصحيفة بيضاء مختومة. ولكن روايات أخرى وما تقتضيه طبيعة الأشياء هو ان معاوية كان المبادر بصلح يكرس الانشقاق إذ عرض على الحسن ان يبقى على بلده العراق الذي بايعه ويبقى هو على

__________________

(1) المادة وعنوانها إضافة من الباحث إذ لم يدرجها العلامة آل ياسين ضمن مواد المعاهدة وان أشار إليها بعنوان البيعة لمناقشة كلام ابن قتيبة في الإمامة والسياسة.

(2) الصدوق ،علل الشرائع ، ص 81.


بلده الشام الذي بايعه وتوقف الحرب وتحقن الدماء ولكن الحسن فاجأه بان يتنازل عن ملك العراق له لقاء شروط والتفصيل في الهامش الرابع.

التعليقة رقم 2 :

أقول : المراد بسيرة الخلفاء الصالحين هم الثلاثة الأول ولا يترقب من الحسنعليه‌السلام ان يشترط على معاوية التزامها لان أباه عليا قد ترك الخلافة المشروطة بالعمل بسيرة الشيخين مضافا إلى ان نظام الحكم في العراق أيام علي والحسن كان قائما على الكتاب والسنة دون سيرة الشيخين.

التعليقة رقم 3 :

ان تسليم حكم العراق لمعاوية من قبل الحسن هو جزء من صيغة صلح تقدم بها الحسن لعلاج الانشقاق وإقامة حكم مدني يحفظ للجميع حقوقهم وطريقتهم في التعبد ردا على صيغة معاوية وكانت صيغته تكرس الانشقاق وصيغة الحسن تعالجه ويقدم الحسن على وضع الشروط بعد ان يوافق معاوية على اصل الأطروحة وقد وافق عليها وبعث بصحيفة بيضاء وقال له اكتب ما شئت التزمه. ومن ثم كانت شروط الحسن اولها : ان يعمل معاوية في رئاسة الدولة الجديدة بكتاب الله وسنة نبيه دون سيرة الشيخين لأنها رأي وليست من الكتاب والسنة ، ثانيها أن يترك سب علي لأنه ليس من السنة بل السنة تامر بذلك علي بخير ، وتجعل الساب له سابا لله ولرسوله ، الخ الشروط ...

التعليقة رقم 4 :

نحن نشك في اشتراط المال انظر الباب الرابع الفصل الثالث من هذا الكتاب صفحة 565.

التعليقة رقم 5 :

أقول : هناك عدة قضايا ينبغي الانتباه إليها :

القضية الأولى : من البادئ بطلب الصلح هل الامام الحسن أم معاوية؟

والجواب هو ان طبيعة الأشياء وطريقة تفكير معاوية تقتضي ان يكون هو المبادر فانه حين بايعه أهل الشام على ما بويع عليه عثمان من الملك والإمامة الدينية وبذلك


حقق لدى أهل الشام فكرة مفادها انه امتداد للخلفاء القرشيين الثلاثة وانه الخط الشرعي للنبي وهذا المكسب بنفسه يستلزم ان يحافظ عليه معاوية بان يكرر ما عرض على عليعليه‌السلام سابقا ان تكون له الشام وان يكون لعلي سائر البلاد ورفض علي آنذاك ،

فان استجاب الحسن لطلب معاوية فهو المطلوب وبذلك يتفرغ لمواجهة مشكلة الإرهاب الداخلي ومشكلة الخطر الرومي من الشمال الشرقي لحدوده ،

وان رفض الحسن فان ذلك سوف يزيد أهل الشام قناعة بصدق اعلامهم بان عليا وولده طلاب فتنة وما عليهم الا الدفاع عن انفسهم ومحاربتهم.

القضية الثانية : ان الحسن له صفتان الأول صفة الإمامة الدينية بالنص والوصية من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهذه الصفة تستلزم العصمة وليست موضوعا للتنازل مطلقا وهي فاعلة سواء كان الحسن حاكما أو لم يكن ، الثانية صفة الحكومة وهذه لها أهلية ولها فعلية اما الأهلية فمن الله ورسوله بالتسمية ، اما الفعلية قبيعة أهل الحل والعقد وقد بايع الحسن أهل العراق على ذلك وهذه الصفة قابلة لان يتنازل عنها الامامعليه‌السلام .

القضية الثالثة : لابد ان نسأل عن السبب الذي دفع الحسن لان يتنازل عن ملك العراق؟ هل هل هو ضعف الجيش الكوفي أو انحصار علاج الانشقاق المستعصي وما ينطوي عليه من مخاطر على الإسلام والمسلمين وفتح قلوب اهل الشام لمشروع عليعليه‌السلام بذلك؟

والجواب هو الثاني ؛ كما مر بيانه مفصلا في الفصول السابقة. وصار الحسنعليه‌السلام فيه نظير المرأتين اللتين تنازعتا ولدا وأصرت كل واحدة انه ولدها فاعلن عليعليه‌السلام وقد اسند الحكم إليه انه سوف يقسمه إلى قسمين لكل واحدة منهن قسم فصاحت الأم الحقيقية انها تهب حصتها للأخرى ليعيش ولدها ولا يقتل ، هكذا عالج الحسن الانشقاق بان وهب حصته التي اقرّ معاوية بانها له وصارت البلاد واحدة بشروط ضمن فيها الحسنعليه‌السلام أمان شيعته ومصلحته مع مصالح الآخرين المشروعة.

التعليقة رقم 6 :

أقول : شرط الحسنعليه‌السلام على معاوية ان لا يسميه أمير المؤمنين مبني على ان اسم أمير المؤمنين يشير إلى الإمامة الدينية وليس إلى الملك ، والذي صالح عليه الحسنعليه‌السلام


معاوية ليس هو الإمامة الدينية بل هو الحكم المدني الذي قيده الحسن بالكتاب والسنة وشروط أخرى فرضها الواقع العراقي ، وتكون طاعته فيما إذا كان أمره بالكتاب والسنة وعدم مخالفته للشروط الأخرى في حقل ولايته التنفيذية وليس هذا معناه انه عادل في ذاته نظير القائد في الحرب الدفاعية يطاع أمره في الحرب باعتبار كفاءته وان لم يكن عدلا في شخصه.

التعليقة رقم 7 :

أقول : تفيد المادة ان الحسنعليه‌السلام فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية وان راس الدولة الجديدة لا ينبغي له ان يقضي وإنما له الولاية التنفيذية في شؤون المجتمع في غير القضاء والتشريع.

التعليقة رقم 8 :

أقول : ان مصطلح الإمامة يراد به احد معنيين ،

الأول : الحكم والسلطة.

الثاني : يراد به من كنا قوله حجة في الدين لنصب الهي والشيعة يقصرونه على الأئمة الاثني عشر من أهل البيت ،(1) اما عند غيرهم فهم يطلقونه على من كل قوله حجة في أي فن من الفنون فقالوا هذا امام في النحو وهذا امام في التاريخ وهذا امام في الفقه. وقول الدينوري يحمل على الأول.

يبقى هل ان الحسن بايع معاوية على الحكم؟

الجواب لم يكن موضوع الصلح عند معاوية حين تقدم به إلى الحسن هو ان يتنازل الحسن لمعاوية ويبايعه بل كان هو أن يبقى الحسن على بلده الذي بايعه وان يبقى معاوية على الشام ، وكذلك الأمر في الصيغة التي تقدم بها الحسن لم يكن موضوعها ان يبايع الحسن معاوية ، بل موضوع ان يتنازل الحسن عن ملك العراق لتأسيس حكم مدني مشروط بالكتاب والسنة وشروط أخرى تحفظ مصالح الجزء الكبير من الأمة الذي تنازل عن الملك وفي هذه الصيغة لم يتنازل الحسن عن الملك مطلقا بل اشترط ان يكون الملك له بعد موت معاوية. ان الحسن صالح معاوية على إقامة حكم مدني

__________________

(1) وقد فصلنا في ذلك في كتابنا شبهات وردود البحث التمهيدي.


بشروط شخصت حاكمين وليس حاكما واحدا وهما من بايعه أهل العراق وأهل الشام ، وقدم الحسن بيعة أهل الشام على أهل العراق من اجل إيجاد الحكم المدني الجديد وحل أزمة الانشقاق إذن سوف يكون الحسن بعد التنازل حاكما على الأمة كلها مع وقف التنفيذ لحين موت معاوية ، فلا مجال لما رواه المؤرخون / وهم ما بين مغرض أو راو لمن هو افقه) من افتراض ان يبايع الحسن معاوية على الحكم.

كلامه رحمه‌الله في دراسة الشروط والوفاء بها

قالرحمه‌الله تحت عنوان (الاجتماع في الكوفة) : وكان طبيعيا أن يتفق الفريقان بعد توقيعهما الصلح ، على مكان يلتقيان فيه على سلام ، ليكون اجتماعهما في مكان واحد تطبيقا عمليا للصلح الذي يشهده التاريخ ، وليعترف كل منهما على مسمع من الناس بما أعطى صاحبه من نفسه وبما يلتزم له من الوفاء بعهوده. واختارا الكوفة ، فأقفلا إليها ، وأقفل معهما سيول من الناس غصت بهم العاصمة الكبرى ، وهم ـ على الأكثر ـ أجناد الفريقين ، تركوا معسكريهما وخفوا لليوم التاريخي الذي كتب على طالع الكوفة النحس أن تشهده راغمة أو راغبة.

وخطب معاوية في الناس و (على رواية المدائني) قال : «يا أهل الكوفة ، أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون؟ ، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم وألي رقابكم ، وقد آتاني الله ذلكو أنتم كارهون! ألا ان كل دم أصيب في هذه الفتنة مطلول ، وكل شرط شرطته فتحت قدمي هاتين!! وروى أبو الفرج الأصفهاني عن حبيب بن أبي ثابت مسندا ، أنه ذكر في هذه الخطبة عليا فنال منه ، ثم نال من الحسن!

وزاد أبو اسحق السبيعي فيما رواه من خطبة معاوية قوله : «الا وان كل شيء أعطيت الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به!» «انظر التعليقة رقم 9».

قال أبو اسحق : «وكان والله غدارا».

وتجهز الحسن ـ بعد ذلك ـ للشخوص إلى المدينة ، فلما صار بدير هند (الحيرة) نظر إلى الكوفة وقال :


وما عن قلى فارقت دار معاشري

هم المانعون حوزتي وذماري

قال الشيخرحمه‌الله : وأي نفس ملائكية هذه التي لقيت من نشوز هذه الحاضرة ومن بوائقها ما لقيت ، ثم هي تودعها بهذا البيت من الشعر ، فلا تذكر من تاريخها الطويل العريض ، الا وفاء الأوفياء «المانعين الحوزة والذمار» وهم الذين منعوا عنه من أراده في المدائن ، والذين ثبتوا على طاعته يوم العسرة في مسكن ، فكانوا إخوان الصدق وخيرة الأنصار ، على قلتهم.

وصب الله على الكوفة بعد خروج آل محمد منها ، الطاعون الجارف ، فكان عقوبتها العاجلة على موقفها من هؤلاء البررة الميامين. وهرب منها واليها الأموي [المغيرة بن شعبة] خوف الطاعون ، ثم عاد إليها فطعن به فمات «انظر التعليقة رقم 10 ».

وكان الحسن ـ كما نعلم ـ أعرف الناس بمعاوية وبحظه من الصدق والوفاء ، وهو إذ يأخذ عليه الصيغ المغلظة في الإيمان والعهود ، لا يقصد من ذلك إلى التأكد من صدقه أو وفائه ، ولكن ليكشف للأغبياء قابليات الرجل في دينه وفي ذمامه وفي شرفه بالقول ، وانها للمبادأة الأولى التي ابتدأ الحسنعليه‌السلام زحفه منها إلى ميدانه الثاني.

ومن هنا وضع أول حجر في البناء الجديد لقضية أهل البيتعليهم‌السلام . ثم مشى موكب الزمان ، فإذا بالخطوات الموفقة تمشي وثيدا مع الزمان وإذا بطلائع النجاح كفيالق الجيش التي تتلاحق تباعا لتتعاون على الفتح. وان من الفتوح ما لا يعتمد في أداته على السلاح ، ومنها ما يكون وسائله الأولية أشبه بالهزيمة ، حتى ليخاله الناس تسليما محضا ، ولكنه في منطق العقلاء ، ظفر لامع وفتح مبين «انظر التعليقة رقم 11 ».

وكان من أبرز الخطوات التي وفقت إليها خطة الحسنعليه‌السلام عن طريق الصلح ، في سبيل التشهير بمعاوية حيا وميتا ، والنكاية ببني أمية اطلاقا :

1 ـ أنها ألبت على معاوية في بداية عهده الاستقلالي عددا ضخما من الشخصيات البارزة في المملكة الإسلامية. فلعنه صراحة بعضهم ، وخبثه آخر ، وقرعه وجاها ثالث بل ثلاثة ، وقاطعه رابع ، وانكر عليه حتى مات غما من فعاله كبير خامس ، وقال فيه أحدهم : «وكان والله غدارا». وقال الآخر : «اربع خصال كن في معاوية لو لم يكن فيه منهن الا واحدة لكانت موبقة».


2 ـ وخلقت له معارضة الطبقات التي شملتها بنود المعاهدة ، سواء في الأمان المفروض فيها ، أو في الحقوق المالية المنصوص عليها. فإذا بعالم عظيم من الناس أصبح ينظر إلى معاوية نظره إلى العدو الواتر في النفس والمال ، بما نقضه من شروطهم ، في نفوسهم وأموالهم.

3 ـ وظن معاوية أنه سيجعل من نقضه معاهدة الحسن وضعا شكليا لبيعة ابنه يزيد ، يتغلب به على عنعنات الإسلام المقررة بين المسلمين في أمر البيعة وصلاحية الخلافة. ولكنه لم يلبث أن اصطدم بالواقع ، فإذا بهذه البيعة الجديدة ، مثار النقمة الإسلامية العامة التي أصبحت تتحسس منذ ترشيح يزيد للخلافة بنوايا بني أمية من الإسلام.

4 ـ ثم كانت البوائق الدامية التي جهر بها معاوية بعد نقض الصلح ، في قتله خيار المسلمين ـ من صحابة وتابعين ـ بغير ذنب ، عوامل أخرى للتشهير به ، ولتحطيم معنوياته المزعومة ، تمشيا مع الخطة المكينة ، التي أراها الامام الحسنعليه‌السلام منذ قرر الاقدام على الصلح.

5 ـ وقضية الحسين في كربلاء سنة (61) هجرية ، كبرى قضايا الحسن فيما مهد له من الزحف على عدوهما المشترك ، وعدو أبيهما من قبل. ولا ننسى أنه قال له يوم وفاته : «ولا يوم كيومك أبا عبد الله». وهذه الكلمة على اختزالها ـ المقصود ـ هي الرمز الوحيد الذي سمع من الحسنعليه‌السلام ، فيما يشير به إلى الخطة المقنعة بالسر ، التي اعتورها الغموض من ست جهاتها ، منذ يوم الصلح إلى يوم صدور هذا الكتاب. وانك لتقرأ من هذه الكلمة لغة «القائد الأعلى» الذي يوزع القواد لوقائعهم ، ويوزع الأيام لمناسباتها ، ثم يميز أخاه ويوم أخيه فيقول : «ولا يوم كيومك ..». وكان من طبيعة الحال ان تبعث المناسبات الزمنية حلقات الخطة كلا ليومها. وكان لابد لكل حلقة أن توقظ الأخرى ، وأن تؤرث السابقة اللاحقة ، وتوقد الأولى جذورة الثانية ، وهكذا دواليك. وحسب الحسن لكل هذه الخطوات حسابها المناسب لها ، منذ قاول معاوية على هذا الصلح المعلوم ، ودرس ـ إلى ذلك ـ نفسيات خصومه بما كانت تشرئب له من النقمة عليه وعلى أخيه وعلى شيعته وعلى أهدافه جميعا. وكانت هذه


المطالعات بنطاقها الواسع ، الأساس الذي بنى عليه الحسن خطواته المستقبلية فيما مهده لنفسه ولعدوه معا. وكان من طبيعة الحال ، أن تلقي هذه الخطوات قيادتها إلى الحسين فيما لو حيل بين الحسن وبين قيادتها بنفسه. وهذا هو ما أردناه في بداية هذا القول. وهكذا كانت نهضة الحسين الخالدة الخطوة الجبارة في خطة أخيه العبقري العظيم. «انظر التعليقة رقم 12 ».

وقال رحمه الله تعالى تحت عنوان (زعماء الشيعة المروعون) : وذكر أولهم عبد الله بن هاشم المرقال : كان كبير قريش في البصرة ، ورأس الشيعة فيها. وكان أبوه هاشم ـ المرقال ـ بن عتبة بن أبي وقاص ، القائد الجريء المقدام الذي لقي منه معاوية إلى عامله زياد : «اما بعد ، فانظر عبد الله بن هاشم بن عتبة ، فشد يده على عنقه ، ثم ابعث به إلي». فظرقه زياد في منزله ليلا ، وحمله مقيدا مغلولا إلى دمشق. فأدخل على معاوية ، وعنده عمرو بن العاص ، فقال معاوية لعمرو : «هل تعرف هذا؟» قال : «هذا الذي يقول أبوه يوم صفين ...» وقرأ رجزه وكان يحفظه ثم قال متمثلا :

وقد بنبت المرعى على دمن الثرى

وتبقى حزازات النفوس كما هيا

واستمر قائلا : «دونك يا أمير المؤمنين الضب المضب ، فأشخب أوداجه على أثباجه ، ولا ترده إلى العراق ، فإنه لا يصبر على النفاق ، وهم أهل الغدر وشقاق وحزب إبليس ليوم هيجانه ، وانه له هوى سيوديه ، ورأيا سيطغيه ، وبطانة ستقويه ، وجزاء سيئة مثلها». وكان مثل هذا المحضر ومثل هذا التحامل على العراق وأهله هو شنشنة عمرو بن العاص المعروفة عنه ، ولا نعرف أحدا وصف أهل العراق هذا الوصف العدو قبله.

أما ابن المرقال فلم يكن الرعديد الذي يغلق التهويل عليه قريحته ، وهو الشبل الذي تنميه الأسود الضراغم فقال ، وتوجه بكلامه إلى ابن الاص : «يا عمرو! ان اقتل ، فرجل أسلمه قومه ، وادرك يومه. أفلا كان هذا منك إذ تحيد عن القتال ، ونحن ندعوك إلى النزال فقال عمرو : «أما والله لا أحسبك منفلتا من مخالب أمير المؤمنين». فقال معاوية : «أيها عنكما». وأمر باطلاق عبد الله لنسيبه «انظر التعليقة رقم 13».


ثم ذكر صعصعة بن صوحان وهو سيد من سادات العرب ، وعظيم من أقطاب الفضل والحسب. أسلم على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولكنه لم يلقه لصغره ، وأشكلت على عمر أيام خلافته قضية فخطب الناس وسألهم عما يقولون ـ فقام صعصعة ، وهو غلام شاب ، فأماط الحجاب ، وأوضح منهاج الصواب ـ ، وعملوا برأيه ـ ، وكان من أصحاب الخطط في الكوفة ، وشهد مع أمير المؤمنين «الجمل» و «صفين». قال في الإصابة(3) «ان المغيرة نفى صعصعة بأمر معاوية من الكوفة إلى الجزيرة أو إلى البحرين ، وقيل إلى جزيرة ابن كافان فمات بها» «انظر التعليقة رقم 14».

(انتهى كلامهرحمه‌الله وفيما يلي تعليقاتنا التي تحمل الارقام من 7 ـ 13)

تعليقات على كلامه رحمه‌الله من رقم 9 الى رقم 14

التعليقة رقم 9 :

أقول : نحن أمام ما ذكروه من قول معاوية عند دخوله الكوفة (ان شروط الحسن تحت قدميه) بين أمرين اما ان نقول بصحة صدور هذا القول من معاوية في الأسبوع الأول بعد الصلح ولكن النقض عمليا قد تم بعد عشر سنوات من الأمان. أو ان القول وتنفيذه قد صدر منه بعد عشر سنوات والذي نراه بعد الاغماض عن سندها هو الثاني وكان بعد قتل حجر وأصحابه لما سئل كيف قتلتهم وقد أعطيتهم الأمان قال كل شرط أعطيته للحسن فهو تحت قدمي ، وقد بينا في الفصل الثاني كيف ان الكوفة عاشت مع بقية البلاد الإسلامية عشر سنوات آمنة عزيزة انطلق منها شيعة علي لنشر أخبار سيرته المشرقة ، فلا يمكن طرح الروايات الكثيرة والشواهد العديدة التي تؤكد الأمان لرواية أو روايتين يمكن حملهما على ما بعد موت الحسن وليس قبله ، على اننا لا نوافق قول القائل ان معاوية اكتفى بها ملكا بل حولها إلى خلافة إلهية ، فلا يترقب منه ان يقول قاتلتكم لا تامر عليكم بيانا لحقده وهو يخطط لكي يرتقي بالحكم المدني المحدود الذي فرضه عليه الحسن إلى الخلافة الإلهية ، بل لا نوافق ان يكون معاوية احمق إلى الدرجة التي يفتح فيها جبهة مع أهل العراق ومع الحسن في الوقت الذي كان بأمس الحاجة اليهم لمواجهة خطر الروم والخوارج ، ان معاوية من الدهاء بمكانة عالية حين استطاع


ان يدوس على جراحاته ويتحد من جديد مع طلحة مع علمه ان دم عثمان عنده من اجل ان يوحد قريشا ضد علي ودهاؤه هنا هو ان يستوعب أطروحة الحسن ويتقيد بها لخمس سنين أو عشر سنين ريثما يستقر له الملك ثم يتفرغ لمشروع علي يطوقه ويلاحق رجاله ثم يؤسس الخلافة الإلهية له ولأسرته بأحاديث كاذبة ، وقد ناقشنا سند الرواية في الباب الرابع الفصل الثاني ، انظر الصفحة رقم 517 من هذا الكتاب.

التعليقة رقم 10 :

الكوفة بما هي كوفة صارت حاضرة تحمل مشروع عليعليه‌السلام منذ ان استنجد بها عليعليه‌السلام : وهو بذي قار / على قريش حين احتلت البصرة ، وأجابه منها ما يزيد على عشرة آلاف مقاتل. ثم انجدته في صفين إذ خرجت معه تقاتل معاوية ، وانجدته بقتال ابناءها وآباءها في النهروان ووفت له حين بايعت / ولم تتردد / ولده الحسنعليه‌السلام على كتاب الله وسنة نبيه بصفته إمام الهدى ، ثم ساندت الحسن في مشروع الصلح حين رضيت ان يسلم أمرها : وهي مقر أهل الحل والعقد / إلى معاوية وعياً منهم وثقةً بقائدهم ان ذلك في صالح الرسالة وفي صالح مشروع علي مع حفظ وحدة الأمة.

التعليقة رقم 11 :

أقول : ليس الفتح المبين هو ان يعلن معاوية غدره بشروط الحسن في أول يوم بل هو ان يعلن قبول معاوية الملك بشروط الحسن وهي في وجهها الآخر تعني الفتح المبين لمشروع علي في الشام. لان معاوية كان قد بايعه أهل الشام على ما بويع عليه عثمان من العمل بسيرة الشيخين ولعن علي وقتال شيعته الذين قتلوا عثمان كخط تلتزمه الدولة في اعلامها وسياستها وهو الآن يترحم على علي ، ويترك شيعته امنين يذكرون فضائله حتى في الشام وهم يزعمه قتلى عثمان ويترك الناس احرارا بلحاظ سيرة الشيخين في الحج وفي غيره يعمل كل شيخ باختياره.

التعليقة رقم 12 :

أقول : هذه كلها تصدق على معاوية بعد عشر سنوات الصلح أي بعد وفاة الحسن واعلانه الغدر المبين.

اما قول الشيخرحمه‌الله (ان نهضة الحسين الخالدة الخطوة الجبارة في خطة أخيه


العبقري العظيم) فهي كلمة صائبة تعبر عن الارتباط بين حدث الغدر المبين الذي شكل طوقا جديدا على مشروع عليعليه‌السلام ونهضة الحسين المخطط لها ان تكسره وتفتح الطريق إلى الإمامة الهادية من جديد

التعليقة رقم 13 :

أقول : ولي زياد البصرة سنة 44 هجرية. فالقصة إذن قد وقعت في ضوء هذه الرواية سنة 44 هـ وكان عمرو بن العاص في زيارة للشام. ولكن الصحيح ان القصة وقعت أثناء حرب صفين وقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق انه جئ به أسيرا في صفين كما يبين ذلك شعره الذي رواه الرواة في القصة ثم سجنه معاوية ثم اطلق سراحه أيام التحكيم.

قال ابن عساكر : أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن خسرو ، أنا أبو غالب محمّد بن الحسن بن أحمد ، أنا أبو علي بن شاذان ، أنا أبو الحسين أحمد بن إسحاق بن نيخاب ، نا إبراهيم بن الحسين بن علي الكسائي ، نا يحيى بن سليمان ، حدّثني نصر بن مزاحم عن عمر بن سعد ، عن رجل ، عن أبي سلمة قال : لما قتل هاشم بن عتبة وثب ابنه عبد الله بن هاشم فأخذ الراية ، فقاتل مليا ، ثم أسر ، فأتي به معاوية وعنده عمرو بن العاص فقيل : هذا المختال بن المرقال قال : فقال له ابن هاشم : ما أنا بأول رجل خذله قومه ، وأدركه يومه ، فقال له معاوية :

تلك أضغان صفين ، وما جنى عليك أبوك ، فقال عمرو : أيها الأمير ، ادفعه إليّ فأشخب أوداجه على أثباجه ، فقال له ابن هاشم : ألا كان هذا يا ابن العاص ، حيث أدعوك إلى النّزال ، وقد ابتلت أقدام الرجال ، وتضايقت بك المسالك ، وأشرفت على المهالك ، فأعجب معاوية ما سمع من كلامه ، فأمر به إلى الحبس ، وأنشأ يقول عمرو بن العاص أبياتا وبعث بها إلى معاوية :

أمر تلك أمرا حازما فعصيني

وكان من التوفيق قتل ابن هاشم

وكان أبوه يا معاوية الذي

رماك على جد بحز الغلاصم

فقتلنا حتى جرت من دمائنا

بصفّين أمثال البحور الخضارم

وهذا ابنه والمرء يشبهه ابنه

ويوشك أن تقرع به سنّ نادم


فبلغ ذلك ابن هاشم وهو في الحبس ، فقال أبياتا وبعث بها إلى معاوية فقال :

معاوي إنّ المرء عمرا أبت له

ضغينة صدر غشّها غير نائم

يرى لك قتلي يا ابن هند وإنّما

يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم

على أنهم لا يقتلون أسيرهم

إذا كان فيه منعة للمسالم

وقد كان منا يوم صفّين نقرة

عليك جناها هاشم وابن هاشم

هي الوقعة العظمى التي تعرفونها

وما مضى إلّا كأحلام نائم

مضى من قضاء الله فيها الذي مضى

وما مضى إلّا كأضغاث حالم

فإن تعف عنّي تعف عن ذي قرابة

وإن تر قتلي تستحل محارمي

قال : فعفا عنه معاوية ، وكسّاه ، وخلّى سبيله وأحسن إليه.(1)

التعليقة رقم 14 :

أقول : ولكن القاضي المغربي روى عن تميم بن مالك القرشي قال : كتب معاوية بن أبي سفيان إلى زياد : أن ابعث لي خطباء أهل العراق : وابعث إلي صعصعة بن صوحان. ففعل. فلما قدموا على معاوية خطبهم. فقال : (مرحبا بكم يا أهل العراق) قدمتم على إمامكم ، وهو جنة لكم يعطيكم مسألتكم ، ولا يعظم في عينه كبيرا ، ولا يحقر لكم صغيرا ، وقدمتم على أرض المحشر والمنشر والأرض المقدسة وأرض هجرة الأنبياء. ثم قال في خطبته : ولو أن أبا سفيان ولد الناس كلهم لكانوا أكياسا. ولما فرغ من خطبته : قال لصعصعة : قم واخطب يا صعصعة. فقام صعصعة : فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قال : إن معاوية ذكر إنا قدمنا على إمامنا وهو جنة لنا فما يكون حالنا إذا انخرقت الجنة ، وذكر إنا قدمنا على أرض المحشر والمنشر والأرض المقدسة وأرض هجرة الأنبياء. فالمحشر والمنشر لا يضر بعدهما مؤمنا ولا ينفع قربهما كافرا. والأرض لا تقدس أحدا ، وإنما يقدس العباس أعمالهم. ولقد وطأها من الفراعنة أكثر مما وطأها من الأنبياء. وذكر إن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لكانوا أكياسا ، فقد ولدهم من هو خير من أبي سفيان آدم (صلوات الله عليه) فولد الكيس والأحمق (والجاهل والعالم). ـ فغضب معاوية ـ وقال : اسكت

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 33 ص 346.


لا أم لك ولا أب ولا أرض. فقال صعصعة : الأب والأم ولداني ومن الأرض خرجت واليها أعود. فأمر برده إلى زياد ، ثم كتب إليه : أقمه للناس وأمره أن يلعن علياعليه‌السلام ، فإن لم يفعل ، فاقتله. فأخبره زياد بما أمره بن فيه وأقامه للناس. فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم قال : ، أيها الناس إن معاوية أمرني أن ألعن عليا فالعنوه لعنه الله ، ونزل. فقال زياد لصعصعة : لا أراك لعنت إلا أمير المؤمنين. قال : إن تركتها مبهمة وإلا بينتها. قال (زياد) : لتلعن عليا ، وإلا أسب عليا عليه السام وقد (قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله) ، وما كنت بالذي أسب الله ورسوله. فكتب زياد بخبره إلى معاوية ، فأمره بقطع عدائه وهدم داره. ففعل. بعض الشيعة إلى بعضهم ، فجمعوا له سبعين ألفا(1) .

أقول : اما بقية الأسماء التي ذكرها الشيخرحمه‌الله كحجر بن عدي وأصحابه فانه من الثابت تاريخيا ترويعهم وقتله كان بعد وفاة الحسن.

ويتضحم من ذلك ان السنوات العشر الأولى زمن الحسن كانت سنوات أمان ، وان الغدر بدأ به معاوية بعد وفاة الحسن وقد بدأ غدره بالحسنعليه‌السلام حين دس له السم واتضح أمره فيه كما بينا أدلته.

__________________

(1) القاضي النعمان المغربي ،شرح الاخبار في فضائل الأئمة الأطهار ، تحقيق السيد محمد الحسيني الجلالي ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1414 هـ ، ج 1 ص 170 ـ 171.


الباب الثاني / الفصل السادس

مسار الإمامة الإلهية لأربعين سنة

مرت قضية الإمامة الهادية للامة ومصادر الثقافة والتشريع بعد النبي خلال الأربعين سنة منذ حجة الوداع وحتى وفاة الحسن سنة 50 هـ بأربعة مراحل وهي :

المرحلة الأولى : على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله

1. دعا القرآن بوضوح إلى اتخاذ (القرآن وسنة النبي) مصدرا للتشريع والتثقيف وشجب (كتب الأنبياء السابقين) ان تكون مصدرا للتثقيف بسبب ما نالها من تحريف معتمد من قبل كتبتها افقدها قدرتها على استيعاب نمو الإنسان وتفتحه العقلي.

قال تعالى :

( قل أيّ شيء أكبر شهادةً قل الله شهيد بيني وبينكم ، وأوحي إليّ هذا القرآن لأُنذركم به ومن بلغ ) الأنعام / 19.

( إنّ علينا جمعه وقرآنه (17)فإذا قرأناه فاتّبع قرآنه (18)ثمّ إنّ علينا بيانه (19)) القيامة / 17 ـ 19

( وأنزلنا إليك الذكر لتبيّن للناس ما نزّل إليهم ولعلّهم يتفكّرون ) النحل / 44.

( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً وقال الله إنّي معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزّرتموهم وأقرضتم الله قرضاً حسناً لأُكفّرنّ


عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15)

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (16) المائدة / 12 ـ 16.

2. وحث القرآن المؤمنين له على تبليغ الكتاب والسنة وعدم كتمانها.

قال تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)) البقرة / 159 ـ 160

وحث النبي امته على نشر حديثه (نضَّرَ(1) الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب حامل فقه لا فقه له ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).(2)

__________________

(1) أي نَعَّم.

(2) الطبراني ،المعجم الكبير ج 2 ص 127 وج 17 ص 49. وابو داود ، سنن أبي داود ص 580 ، وابن ماجة ،سنن ابن ماجة ، ص 50. واحمد بن حنبل ،مسند احمد ، ج 13 ص 139. وأيضاً الحاكم ،المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 162. وابو يعلى ،مسند أبي يعلى ج 5 ص 441. والحميدي ، عبد الله بن الزبير ،مسند الحميدي ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1409 ـ 1988 م ، ج 1 ص 47 ، والطبراني ،مسند الشاميين ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي ، مؤسسة الرسالة بيروت 1417 ـ 1996 م ، ج 2 ص 261. والقضاعي ، محمد بن سلامة ،مسند الشهاب ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي ، مؤسسة الرسالة بيروت 1405 ـ 1985 م.


3. اثبت القرآن وجود شهداء من آل إبراهيم بعد النبي أورثهم السنة النبوية ووثائقها عرضهم أئمة هدى على الناس وكلفهم حفظ الرسالة وجعلهم مطهرين معصومين وجعلهم مع النبي تحت عنوان واحد وهو (أهل البيت) ولم يسمِّهم القرآن وسمّاهم النبي.

كما ورد عن أبي سعيد الخدري وأم سلمة وواثلة بن الاسقع وغيرهم : قالوا نزلت( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً ) الأحزاب / 33 في خمسة في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين.(1)

واثبت القرآن ان موقع (الشهيد على الناس) الذي جعله الله تعالى للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ابتداء( يا أيها النبيّ إنّا أرسلناك شاهداً ومبشّراً ونذيراً ) الأحزاب / 45 مستمر في الأمة بعد النبي في أهل بيته قال تعالى( أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً ) هود / 17.

وهؤلاء الشهداء بعد النبي من ذرية إبراهيم كما في قوله تعالى :( مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) الحج / 78.

وهؤلاء هم آل إبراهيم المشار اليهم في قوله تعالى :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54)فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)) النساء / 54 ـ 55

وآل إبراهيم هنا هم البقية الباقية من عترته المشار إليها في قوله تعالى( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)) البقرة / 127 ـ 129

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 38 ـ 42.

(2) والاية توضح أيضا ان هؤلاء الشهداء على الناس قد بشر بهم في الكتب السابقة كما بشر بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .


وآل إبراهيم هؤلاء قد أورثهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بأمر الله تعالى الكتاب وبيانه وراثة خاصة قال تعالى( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)) فاطر / 32 فالوارث للكتاب هو السابق بالخيرات. اما المقتصد فهو المتعلم منهم ، اما الظالم لنفسه فهو التارك لهم الصادّ عنهم. وهذه الوارثة نظير وراثة آل هارون تراث موسى المشار إليه في قوله تعالى( وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) البقرة / 248.

وقد كلف الله تعالى هؤلاء الوارثين السابقين بالخيرات بإذن الله ان يحفظوا الرسالة بعد النبي وعرضهم على الناس أئمة هدى وفرض الاقتداء بهم (فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)) الأنعام.(1)

وقد أكد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مفاهيم هذه الآيات بقوله : (اني تارك فيكم أمرين (وفي رواية ثقلين)(2) لن تضلوا إن اتبعتموهما (وفي رواية ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا) : كتاب الله وعترتي أهل بيتي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. ثم قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا : نعم. فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : من كنتم مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه

__________________

(1) كرسنا كتابا خاصا لبحث الإمامة الإلهية لأهل البيت في ضوء القرآن وقبل الرجوع إلى السنة النبوية المطهرة.

(2) حديث الثقلين وهو من الأحاديث المتواترة عند الطرفين وقد خرجه الفتلاوي في كتابه الكشاف المنتقي عن اكثر من مئة مصدر منها : (مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ص 941. والترمذي ،سنن الترمذي ص 858. وابن أبي شيبة ،المصنف ج 6 ص 313. والدارمي ،سنن الدارمي ص 550. واحمد بن حنبل ،مسند احمد ، ج 10 ص 48 وفي مواضع متعددة منه. والنسائي ،السنن الكبرى ج 5 ص 45. وابن الجعد ،مسند ابن الجعد ص 397. والحاكم ،المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 118. والبزار ،مسند البزار ج 10 ص 240. وابن أبي عاصم ،السنة لأبي عاصم ، ص 352 ـ 354. والطبراني ،المعجم الكبير ، ج 3 ص 65 وفي مواضع متعدد منه. والنسائي ،فضائل الصحابة ص 15. والمتقي الهندي ،كنز العمال ، ج 1 ص 99 وفي مواضع متعددة منه ، والهيثمي ، مجمع الزوائد ، دار الكتب العلمية 1988 م ، ج 9 ص 182 إلى غير ذلك من المصادر.


وانصر من نصره واخذل من خذله)(1) . وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (يا علي انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي من بعدي)(2) . وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (يكون لهذه الأمة اثنا عشر قيِّماً لا يضرهم من خذلهم كلهم من قريش).

روى النسائي واحمد عن عليعليه‌السلام أنه قال : كان لي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مُدخلان مُدخل بالليل ومُدخل بالنهار ، فكنت إذا دخلت بالليل تنحنح لي(3) وفي رواية أخرى قال : كانت لي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منزلة لم تكن لأحد من الخلائق اني كنت آتيه كلَّ سَحَر فأُسلِّم عليه حتى يتنحنح(4) . فان تنحنح انصرفت إلى أهلي وإلا دخلت عليه.

وروى الصفار عن عليعليه‌السلام انه قال : ما دخل رأسي يوما حتى علمت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما نزل به جبرائيل في ذلك اليوم من حلال أو حرام أو سنة أو أمر أو نهي فيما نزل فيه وفي من نزل قال الراوي : وإذا غاب عنه كان يتحفظ على رسول الله الأيام التي غاب فيها فإذا التقيا قال له رسول الله : يا علي نزل عليَّ في يوم كذا كذا

__________________

(1) حديث الغدير وهو من الأحاديث المشهورة المتواترة بين المسلمين وقد كتبت الكتب والرسائل قد استوفى ذلك كله العلامة الاميني في موسوعته القيمة (الغدير في الكتاب والسنة والادب ).

(2) حديث المنزلة وهو أيضا من الأحاديث المتواترة عند الطرفين قال ابن عبد البر فيالاستيعاب ج 2 ص 46 ورى قوله ص (انت مني بمنزلة هارون من موسى) جماعة من الصحابة وهو من اثبت الآثار واصحها. وقد أخرجه كثير من العلماء في مصنفاتهم وكتبهم ومنها :

البخاري ،صحيح البخاري . ومسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم . والترمذي ،سنن الترمذي ص 849. وابن ماجة ،سنن ابن ماجة ص 33. وابن أبي شيبة ،المصنف ج 6 ص 369. وابن حبان ،صحيح ابن حبان ج 6 ص 171. وابو عاصم ،السنه لابن أبي عاصم ص 315. والنسائي ،السنه الكبرى ج 5 ص 44. وعبد الرزاق الصنعاني ،المصنف ج 5 ص 167. والحاكم ،المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 117. وابو داود الطيالسي ،مسند الطيالسي ج 1 ص 114. وابو يعلى ،مسند أبي يعلى ج 1 ص 124 وفي مواضع متعددة منه. واحمد بن حنبل ، مسند احمد ج 2 ص 219 وفي مواضع متعددة منه. وابن الجعد ،مسند ابن الجعد ص 301. والبزار ، مسند البزار ج 3 ص 276 وفي مواضع متعددة منه. والحميدي ،مسند الحميدي ج 1 ص 38. والطبراني ، المعجم الكبير ج 1 ص 146 وفي مواضع متعددة منه. والمتقي الهندي ،كنز العمال ، ج 13 ص 71 وفي مواضع متعددة منه. والنسائي ،فضائل الصحابة ص 13. والهيثمي ،مجمع الزوائد ج 9 ص 96 وفي مواضع متعددة منه. إلى غير ذلك من المصادر.

(3) النسائي ،المجتبى من السنن (سنن النسائي) ص 208. واحمد بن حنبل ،مسند احمد ج 1 ص 427 ، وابن ماجة ،سنن ابن ماجة ص 596. وابن أبي شيبة ،المصنف ج 5 ص 244.

(4) المصدر السابق ص 208. واحمد بن حنبل ،مسند احمد ، ج 1 ص 445. والبزار،مسند البزار ج 3 ص 98.


وكذا وفي يوم كذا وكذا حتى يعدهما عليه إلى آخر اليوم الذي وافى فيه.(1)

وروى الصفار أيضاً عن عليعليه‌السلام انه قال : فما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار إلا أقرأنيها وأملاها علي وكتبتها بيدي وعلمني تأويلها وتفسيرها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها وكيف نزلت وأين نزلت وفي من أنزلت إلى يوم القيامة.(2)

وفي رواية الباقرعليه‌السلام قال : قال رسول الله لعلي : اكتب ما أُملي عليك ، قال : يا نبي الله أتخاف عليَّ النسيان؟ قال : لست أخاف عليك النسيان وقد دعوت الله أن يحفِّظك ولا يُنسِيَك ولكن اكتب لشركائك ، قال : قلت ومن شركائي يا نبي الله؟ قال : الأئمة من ولدك(3)

قال تعالى :( أفمن كان على بيّنة من ربّه ويتلوه شاهدٌ منه ) هود / 17.

روى ابن عساكر بسنده عن ضُمرة عن عطاء عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي قال : رسول الله علي على بينة من ربه ، وأنا الشاهد منه.(4)

وروى الحسكاني بسنده عن علي بن أبي المغيرة عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي بن أبي طالب قال : رسول الله على بينة من ربه ، وأنا الشاهد منه أتلوه وأتبعه.(5)

وروى أحمد والطبراني وابن ماجة وغيرهم أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : علي مني وأنا منه ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي.(6)

__________________

(1) الصفار ،بصائر الدرجات ، منشورات الأعلمي 1404 هـ ، ص 261.

(2) الصفار ،بصائر الدرجات ، ص 262.

(3) الطوسي ،الأمالي ، ص 441 ، الصفار ، بصائر الدرجات ، ص 227. وقد توارث الأئمةعليهم‌السلام واحدا بعد واحد ، كتب عليعليه‌السلام ، روى حمران بن اعين عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : أشار إلى بيت كبير وقال : يا حمران ان في هذا البيت صحيفة طولها سبعن ذراعا بخط علي وإملاء رسول الله ولو ولينا الناس لحكمنا بينهم بما انزل الله لم نَعْدُ ما في هذه الصحيفة (المصدر السابق ص 199). وفي رواية أخرى قال : والله ان عندنا لجلدي ماعز وضأن أملاها رسول الله وخط علي (بيده) وأن عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعا أملاها رسول الله وخطها علي بيده وان فيها لجميع ما يحتاج إليه حتى ارض الخدش (المصدر السابق : 212 ، 217).

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 275.

(5) الحسكاني ،شواهد التنزيل ج 1 ص 430.

(6) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 13 ص 394 ، ص 396. والطبراني ،المعجم الكبير ج 4 ص 16. وابن ماجة ، سنن ابن ماجة ص 33. والنسائي ، سنن النسائي ج 5 ص 45 ، 128. الشيباني ،


ومرادهصلى‌الله‌عليه‌وآله من ذلك هو التبليغ المساوق لتبليغ النبي عن ربه من حيث عدم احتمال الشك فيه انهصلى‌الله‌عليه‌وآله نسي أو اشتبه في قليل أو كثير مما يبلغه. وقد جاء هذا الاختصاص واضحا صريحا في قصة تبليغ براءة لما بعث النبي بها أبا بكر ليبلغها إلى المشركين في موسم الحج ثم نزل جبرئيل أن يبعث علياً ويأخذها منه لأنه للا يبلِّغ عنه إلا هو أو رجل منه.(1)

المرحلة الثانية : قريش المسلمة تمارس الإمامة الدينية

بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بدلا من أهل البيت عليهم‌السلام

1. الخلافة القرشية تفسح المجال لنشر ثقافة أهل الكتاب :

على الرغم من ان الخليفة عمر كان صاحب تجربة مباشرة مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في شهود موقف الإلغاء هذا رأيناه يفسح المجال لمسلمة أهل الكتاب لنشر أساطيرهم.

روى أحمد بن حنبل بسنده عن الشعبي ، عن جابر : أن عمر بن الخطاب أتى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقال يا رسول الله : إني أصبت كتابا حسنا من بعض أهل الكتاب (وفي رواية عمر نسخ صحيفة من التوراة) (وفي رواية قال : يا رسول الله : إني مررت بأخ لي من يهود من قريضة فكتب لي جوامع من التوراة قال : أفلا أعرضها عليك؟) : فغضب وقال : أمتهوكون(2) فيها يابن الخطاب : فوالذي نفسي بيده! لقد جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوهم عن شيء(3) فانهم لن يهدوكم وقد ضلوا.(4)

__________________

الآحاد والمثاني ، ص 294. والترمذي ،سنن الترمذي ص 847. والمتقي الهندي ،كنز العمال ج 11 ص 277 ، أبو يعلى الموصلي ،مسند أبي يعلى ج 1 ص 127 ، ابن أبي شية ،المصنف ، ج 6 ص 369. وابن أبي عاصم ،السنة ، ص 304. والنسائي ،فضائل الصحابة ، ص 15.

(1) انظر تبليغ براةء.

(2) قال ابن الاثير : في مادة «هوك» فيه أنه قال لعمر في كلام : أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئت بها بيضاء نقية». التهوك كالتهور ، وهو الوقوع في الأمر بغير روية. والمتهوك : الذي يقع في كل أمر.

(3) الامام الشافعي ،المسند ، دار الكتب العلمية ، ج 12 ص 85 ، وابن أبي شيبة ،المصنف ، ج 5 ص 313. وعبد الرزاق ،المصنف ج 10 ص 134. والمتقي الهندي ،كنز العمال ج 1 ص 113 ، ابن أبي عاصم ،السنة ، ص 19.

(4) الهيثمي ،مجمع الزوائد ج 1 ص 173 ، 174.


ومن مسلمة أهل الكتاب تميم الداري(1) الذي سمح له عمر ان يقص في المسجد النبوي ساعة قبل خطبة الجمعة. وقد انتشرت بواسطته أسطورة الجساسة.

ومنهم كعب بن ماتع الحميري (ت سنة 34 هجـ) أحد كبار علماء اليهود الذي لم يدخل في الإسلام زمن النبي على الرغم من ان همدان كلها قد أسلمت على يد علي ودخل في الإسلام زمن عمر وكان آنذاك قد ناهز الثمانين ، وكأن الخليفة قد وجد بغيته فيه فقربه إليه واعتمده في تفسير آيات المبدأ والمعاد وقصص الأنبياء لتملأ الفراغ الثقافي الذي أوجدته سياسة منع نشر الحديث النبوي ومنع السؤال عن تفسير القرآن ، وارتفعت منزلته لديه حيث كان يطلب عمر منه ان يعظه ويخوّفه.

وعلى أثر اعتماد الخليفة عليه ركن الآخرون إلى كعب كما يظهر ذلك مما رواه السيوطي(2) قال : أخرج عبد بن حميد والطبراني في الأوسط بسند حسن عن عبد الله بن الحارث قال : كنت عند عائشةرضي‌الله‌عنها وعندها كعبرضي‌الله‌عنه فذكر إسرافيلعليه‌السلام فقالت عائشة : أخبرني عن إسرافيلعليه‌السلام ؟ قال : له أربعة أجنحة جناحان في الهواءِ وجناح قد تسربل بهِ وجناح على كاهلهِ والقلم على أذنه فإذا نزل الوحي كتب القلمِ ثم درست الملائكةِ وملك كالصور جاث على إحدى ركبتيهِ وقد نصب الأخرىِ فالتقم الصورِ محنى ظهره وقد أمر إذا رأى إسرافيل قد ضم جناحيه أن ينفخ في الصور.(3)

__________________

(1) تميم بن أوس بن خارجة أبو رقية الداري انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان ونزل بيت المقدس وكان إسلامه سنة تسع روى عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعنه أبن عمر وأبو هريرة وأنس بن مالك وزرارة بن أوفى وروح بن زنباع وعبد الله بن موهب وعطاء بن يزيد الليثي وهشر بن حوشب وعبد الرحمن بن غنم وجماعة مات بالشام ولا عقب له قال قتادة كان من علماء أهل الكتاب (ابن حجر ،تهذيب التهذيب ، ج 1 ص 539). قال السائب بن يزيد هو أول من قص بإذن عمر توفي سنة أربعين م 4 (الذهبي ،الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة ، ج 1 ص 114). وفي فتوح البلدان للبلاذري ص 437 ان عمر ألحقه بأهل بدر في العطاء. مضافا إلى انه عينه ليؤم الناس في للصلاة التي ابتدعها في ليالي شهر رمضان.

(2) السيوطي ،الدر المنثور في التفسير المأثور ، دار المعرفة بيروت ، ج 3 ص 42. والطبراني ،المعجم الاوسط ، ج 6 ص 425 ، أبو نعيم ،حلية الأولياء ج 6 ص 46.

(3) نقلنا ذلك من كتابالقرآن وروايات المدرستين للعلامة العسكري ، ج 2 ص 428 ـ 431 ، وتراجع مروياته فيحلية الأولياء لابي نعيم ج 6 ص 473 فان فيها العجب العجاب.


أقول : ومما بثه كعب بين المسلمين قصة داود مع أوريا وهي كما جاءت في التوراة : «قام داود عن سريره وتمشّى على سطح بيت الملك ، فرأى من على السطح امرأة تستحم. وكانت المرأة جميلة المنظر جدا. فارسل داود وسأل عن المرأة ، فقال واحد : أليست هذه بتشبع بنت اليعام امرأة أوريا الحثي؟ فارسل داود رسلا وأخذها ، فدخلت إليه ، فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها. ثم رجعت إلى بيتها. وحبلت المرأة ، فأرسلت وأخبرت داود وقالت : اني حبلى. فارسل داود إلى يوآب يقول : أرسل إلى أوريا الحثي. فأرسل يوآب أوريا إلى داود فأتى أوريا إليه ، فسأل داود عن سلامة يوآب وسلامة الشعب ونجاح الحرب. وقال داود لأوريا : انزل إلى بيتك واغسل رجليك ، فخرج أوريا من بيت الملك وخرجت وراءه حصة من عند الملك ، ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ولم ينزل إلى بيته : فاخبروا داود قائلين : لم ينزل أوريا إلى بيته.

فقال داود لأوريا : أما جئت من السفر ، فلماذا لم تنزل إلى بيتك؟ فقال أوريا لداود : التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي وحياتك وحياة نفسك لا أفعل هذا الأمر. فقال داود لأوريا : أقم هنا اليوم أيضاً وغدا أطلقك. فأقام أوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده. ودعاه داد أمامه وشرب واسكره. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده. وإلى بيته لم ينزل.

وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يوآب وأرسله بيد أوريا. وكتب في المكتوب يقول : اجعلوا أوريا في وجه الحرب الشديد وارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. وكان في حاصرة يوآب المدينة انه جعل أوريا في الموضع الذي علم ان رجال البأس فيه. فخرج رجال المدينة وحاربوا يوآب فسقط بعض الشعب من عبيد داود ومات أوريا الحثي أيضاً فلما سمعت امرأة أوريا انه قد مات أوريا رجلها ندبت بعلها. ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنا.(1)

__________________

(1) وفي سفر صموئيل الثاني لإصحاح 11 الفقرات 126.


قال السيوطي : أخرج عبد بن حميد عن كعب قال : سجد داود نبي الله أربعين يما وأربعين ليلة لا يرفع رأسه حتى قرأ دمعه ويبس وإذا جبريلعليه‌السلام قائم على رأسهِ قال : يا داود إن الله قد غفر لك فارفع رأسك فلم يلتفت إليه وناجى ربه وهو ساجد فقال : يا رب كيف تغفر لي وأنت الحكم العدل؟ قال " إذا كان يوم القيامة دفعتك إلى أوريا ثم استوهبك منه فيهبك لي وأثيبه الجنة فذهب يرفع رأسه فإذا هو يابس لا يستطيع فمسحه جبريلعليه‌السلام ببعض ريشه فانبسط فأوحى الله تعالى إليه بعد ذلك : يا داود قد أحللت لك امرأة أوريا فتزوجها فولدت له سليمان.(1)

قال السيوطي : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإيمان عن كعبرضي‌الله‌عنه أنه قال لابي هريرة ألا أخبرك عن اسحق قال بلى قال رأى إبراهيم أن يذبح اسحق قال الشيطان والله لئن لم أفتن عند هذه آل إبراهيم لا أفتن أحدا منهم أبدا فتمثل الشيطان رجلا يعرفونه فاقبل حتى خرج إبراهيم بإسحاق ليذبحه دخل على سارة ، فقال أين أصبح إبراهيم غاديا بإسحاق قالت لبعض حاجته قال له والله قالت فلم غدا قال ليذبحه قالت لم يكن ليذبح ابنه قال بلى والله قالت سارة فلم يذبحه؟ قال زعم ان ربه أمره بذلك قالت قد أحسن أن يطيع ربه ان كان أمره بذلك فخرج الشيطان فأدرك اسحق وهو يمشي على أثر أبيه قال أين أصبح أبوك غاديا قال لبعض حاجته قال لا والله بل غدا بك ليذبحك قال ما كان أبي ليذبحني ، قال بلى قال لم قال زعم ان الله أمره بذلك قال اسحق فوالله لئن أمره ليطيعنه فتركه الشيطان وأسرع إلى إبراهيم فقال أين أصبحت غاديا بابنك قال لبعض حاجتي ، قال لا والله ما غدوت به الا لتذبحه قال ولم أذبحه قال زعمت ان الله أمرك بذلك فقال والله لئن كان الله أمرني ، لأفعلن قال فتركه ويئس أن يطاع فلما أخذ إبراهيم اسحق ليذبحه وسلم اسحق عافاه الله وفداه بذبح عظيم(2)

أخذ صحابة أمثال أبي هريرة عن كعب وتشجع صحابة آخرون أمثال عبد الله بن عمرو بن العاص لنشر أساطير أهل الكتاب في المجتمع الإسلامي.

__________________

(1) السيوطي ،الدر المنثور ، ج 5 ص 569.

(2) السيوطي ،الدر المنثور ، ج 5 ص 531.


روى أحمد بن حنبل(1) قال حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة عن قيس بن سعد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قدمت الشام فلقيت كعبا فكان يحدثني عن التوراة وأحدثه عن رسول الله. وفي رواية النسائي (ص 246) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال أتيت الطور فوجدت ثم كعبا فمكثت أنا وهو يوما أحدثه عن رسول الله ويحدثني عن التوراة وفي المستدرك (1 / 414) فحدثته عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وحدث عن التوراة فما اختلفا حتى مررت بيوم الجمعة قال قلت قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في كل يوم جمعة ساعة لا يوافقها مؤمن وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه قال كعب تلك في كل سنة فقلت ما كذلك قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فرجع فتلا ثم قال صدق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في كل جمعة. وروى البيهقي في سننه بسنده عن أبي هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته في يوم الجمعة فقلت له قال كعب ذلك في كل سنة يوم فقال عبد الله كذب كعب فقلت نعم. ثم قرأ كعب التوراة فقال بل هي في كل جمعة فقال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت أية ساعة هي قال أبو هريرة فقلت له فأخبرني بها ولا تضن علي فقال عبد الله بن سلام هي آخر ساعة في يوم الجمعة قال أبو هريرة وكيف تكون آخر ساعة من يوم الجمعة وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك ساعة لا يصلي فيها فقال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من جلس في مجلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي قال أبو هريرة قلت بلى قال هو ذلك.(2)

روى ابن عساكر والذهبي وابن كثير عن بكير بن الاشج. قال : قال أنا بشر بن سعيد : اتقوا الله وتحفظوا من الحديث ، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيتحدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ويحدثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض من

__________________

(1) احمد بن حنبل ،مسند احمد ، ج 17 ص 123.

(2) البيهقي ،السنن الصغرى ، مكتبة الرشد الرياض 1422 هـ ـ 2001 م ، ج 1 ص 186. والدارمي ، سنن الدارمي ص 255. وابن حبان ،صحيح ابن حبان ج 3 ص 403. والطيالسي ،مسند الطيالسي ج 2 ص 689.


كان معنا يجعل حديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم عن كعب ، وحديث كعب بن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وفي رواية يجعل ما قاله كعب عن رسول الله ، وما قاله رسول الله عن كعب ، فاتقوا الله وتحفظوا في الحديث. وقال يزيد بن هارون : سمعت شعبة يقول : أبو هريرة كان يدلس ـ أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولا يميز هذا من هذا.(1)

أما عبد الله بن عمرو بن العاص فقد كانت معه راية أبيه يوم اليرموك سنة 14 هـ وأصاب حمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحث منها. قال ابن حجر : أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين.(2)

وروى أحمد في مسنده قال حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن الحكم سمعت سيفا يحدث عن رشيد الهجري عن أبيه ان رجلا قال لعبد الله بن عمرو حدثني ما سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ودعني وما وجدت في وسقك يوم اليرموك قال سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.(3)

وقال حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو الجواب ثنا عمار بن رزيق عن الأعمش عن أبي سعيد قال أتيت عبد الله بن عمرو فقلت حدثني ما سمعت من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول ولا تحدثني عن التوراة والإنجيل فقال سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.(4)

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 71 ص 266 ، الذهبي ،سير أعلام النبلاء ج 4 ص 191 ، ابن كثير ،البداية والنهاية ج 8 ص 100.

(2) ابن حجر ،مقدمة فتح الباري ، ج 1 ص 261.

(3) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 6 ص 329 وابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 33 ص 175 ، الفسوي ،المعرفة والتاريخ ، مؤسسة الرسالة ، بيروت 1401 هـ ، ج 3 ص 244 ، الحميدي ،مسند الحميدي ، ج 2 ص 271.

(4) احمد بن حنبل ،مسند احمد ، ج 6 ص 414.


2. الخلافة القرشية تنهى عن نشر حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :

اما مسألة النهي فتوضحه الأخبار الآتية :

روى الذهبي ان أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : «إنكم تحدثون عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم اشد اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه».(1)

وروى أيضا عن قرظة بن كعب انه قال : لما سيَّرنا عمر إلى العراق مشى معنا عمر وقال : أتدرون لم شيعتكم؟ قالوا نعم تكرمة لنا ، قال : ومع ذلك إنكم تأتون أهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل ، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم جردوا القران واقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم ، قال قرظة : فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله».(2)

وكان في الصحابة مثل قرظة بن كعب ممن تابعوا سنة الخلفاء وامتنعوا عن نشر سنة الرسول نظير عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص.

فقد روى الدارمي في باب من هاب الفتيا بكتاب العلم من سننه.(3) عن الشعبي قال : جالست ابن عمر سنة فما سمعته يذكر حديثا عن رسول الله ، وفي رواية أخرى عنه ، قال قعدت مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفا فما سمعته يحدث عن رسول الله شيئا الا هذا الحديث.

وروي عن السائب بن يزيد ، قال : خرجت مع سعد ـ ابن أبي وقاص ـ إلى مكة فما سمعت يحدث حديثا عن رسول الله حتى رجعنا إلى المدينة. وكان في الصحابة من خالف سنة الخلفاء في نهبهم عن نشر الحديث النبوي وأصر على رواية سنة الرسول وتحمل في سبيل ذلك الإرهاق والأذى.

__________________

(1) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ، بترجمة أبي بكر ج 1 ص 9.

(2) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ، ج 1 ص 12 ، وابن عبد البر ،جامع بيان العلم وفضله ، دار الكتب العلمية بيروت 1398 هـ ، باب ذكر من ذم الاكثار من الحديث دون التفهم له ص 422.

(3) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ج 1 ص 64.


وروى الذهبي : ان عمر بن الخطاب حبس ثلاثة : ابن مسعود ، وأبا الدرداء ، وأبا مسعود الأنصاري ، فقال : قد أكثرتم الحديث عن رسول الله.(1)

وروى الدارمي : ان أبا ذر كان جالسا عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال : الم تُنْهَ عن الفتيا؟ فرفع رأسه إليه ، فقال أرقيب انت عليَّ؟ لو وضعتم الصَّمامة على هذه وأشار إلى قفاه ثم ظننت اني انفذ كلمة سمعتها من رسول الله قبل ان تجيزوا عليَّ لأنفدتها.(2)

اما مسألة إحراق مدونات الصحابة في الحديث فتوضحه الاخبار التالية :

روى الذهبي في تذكرة الحفاظ عن عائشة أنَّ أبا بكر جمع خمسمائة من حديث النبي ودعا بنار فاحرقها.(3)

وروى الخطيب البغدادي بسنده إلى القاسم بن محمد ان عمر بن الخطاب بلغه انه قد ظهر في ايدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها ، وقال : ايها الناس انه قد بلغني انه قد ظهرت في ايديكم كتب فاحبها إلى الله اعدلها واقومها فلا يبقين احد عنده كتابا الا أاني به فأرى فيه رأيي ، قال فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على أمر لا يكون فيه اختلاف ، فاتوه بكتبهم فاحرقها بالنار ، ثم قال : أمنية كأمنية أهل الكتاب.(4)

وروى ابن سعد : قال عبد الله بن العلاء : سألت القاسم يملي عليَّ أحاديث ، فقال : ان الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فانشد الناس ان يأتوه بها فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال : مثناة كمثناة أهل الكتاب ، قال فمنعني القاسم يومئذ ان اكتب حديثا.(5)

وروى الخطيب البغدادي : عن سفيان بن عينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة : ان

__________________

(1) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ج 1 : ص 12 ترجمة عمر.

(2) الدارمي ، سنن الدارمي ج 1 ص 95 ، ابن سعد ،الطبقات الكبرى ص : 428 بترجمة أبي ذر ، واختصرها البخاري واوردها في صحيحه ص 31 باب العلم قبل القول ، ومعنى اجاز على الجريح : اجهز عليه. وللمزيد من هذه الاخبار انظر العسكري.معالم المدرستين ج 2 ط 4 : 4751.

(3) الذهبي ، تذكرة الحفاظ ، ج 1 ص 10.

(4) الخطيب البغدادي ،تقيد العلم ، تحقيق يوسف العش ، دار إحياءء السنة النبوية ، 1974 م ص 53.

(5) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ج 5 ص 96.


عمر بن الخطاب أراد ان يكتب السنة ثم بدا له ان لا يكتبها ، ثم كتب في الأمصار : من كان عنده منها شيء فليمحه.(1)

وروى أيضا عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال : «جاء علقمة بكتاب من مكة أو اليمن صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت بيت النبي ، فاستأذنا على عبد الله (بن مسعود) فدخلنا عليه ، قال فدفعنا إليه الصحيفة ، قال فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء فقلنا له : يا أبا عبد الرحمن انظر فيها فان فيها أحاديث حِسانا ، قال فجعل يميثها فيها ويقول : القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه». (وماث يميت مَيْثاً اذاب الملح في الماء). وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال : «جاء رجل من أهل الشام إلى عبد الله بن مسعود ومعه صحيفة ، فيها كلام من كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه ، فقال : يا أبا عبد الرحمن الا تنظر ما في هذه الصحيفة من كلام أخيك أبي الدرداء ، فاخذ الصحيفة فجعل يقرأ فيها وينظر حتى أتى منزله فقال يا جارية أتيني بالإجّانة مملوءة ماء ، فجاءت بها فجعل يدلكها ويقول : اقصصا احسن من قصص الله تريدون أو حديثا احسن من حديث الله تريدون.(2)

3. قريش المسلمة والإمامة الدينية :

اما عرض الخليفة القرشي نفسه إماما في الدين بدلا من أهل البيت فتوضحه الروايات الآتية :

في صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند احمد وغيرهم عن أبي موسى الاشعري قال : كنت أفتي الناس بذلك (أي بالحل بعد إتمام أعمال متعة الحج) في إمارة أبي بكر وإمارة عمر فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال انك لا تدري ما احدث أمير المؤمنين في شان النُّسُك فقلت : أيها الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد فهذا أمير

__________________

(1) الخطيب البغدادي ،تقييد العلم ص 53 ، ابن عبد البر ،جامع بيان العلم ص 77.

(2) الخطيب البغدادي ،تقييد العلم ، ص 54 ـ 55.


المؤمنين قادم عليكم فبه ائتموا(1) ثم ذكر أمره بفصل الحج عن العمرة.(2)

وفي حلية الأولياء : ان عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في اشهر الحج وقال : فعلتها مع رسول الله وأنا أنهى عنها. وذلك ان أحدكم يأتي من أفق من الآفاق شعثا نصبا معتمرا في اشهر الحج وإنما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثم يقدم فيطوف بالبيت ويحل ويلبس ويتطيب ويقع على أهله ان كانوا معه حتى إذا كان يوم التروية أهَلَّ بالحج وخرج إلى منى يلبي بحجة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلا يوما ، والحج افضل من العمرة ، لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقوهم تحت الأراكن مع ان أهل هذا البيت (أي أهل مكة) ليس لهم ضرع ولا زرع ، وإنما ربيعهم بمن يطرأ عليهم.(3)

وفي رواية مسلم : فقال عمر : قد علمت ان النبي فعله وأصحابه ولكن كرهت ان يضلوا معرَّسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم.(4)

وقد نقل النووي في شرح صحيح مسلم(5) عن القاضي عياض ان عمر كان يضرب على متعة الحج.

اما إضافة سيرة الشيخين إلى مصادر التشريع فتوضحه روايات قصة الشورى وبيعة عثمان وقد مرت ونذكر خلاصتها :

قال عبد الرحمن بن عوف لعلي بن أبيط الب : عليك عهد الله وميثاقه ، إن بايعتك لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله ، وسيرة أبي بكر وعمر!(6)

__________________

(1) يؤكد قول الاشعري هذا ان السلطة القرشية بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كانت قد عرضت نفسها على انها السلطة التشريعية ، بمعنى ان الدين هو ما تقرره ، مضافا إلى السلطة الاجرائية أو المدنية.

(2) البخاري ،صحيح البخاري ، ص 325. ومسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ص 458. واحمد بن حنبل ،مسند احمد ج 1 ص 181. وسنن النسائي ص 449. وابو يعلى ،مسند أبي يعلى ج 5 ص 394. البزار ،مسند البزار ج 1 ص 346. والمتقي الهندي ،كنز العمال ، ج 5 ص 64.

(3) أبو نعيم ، حلية الأولياء ج 5 ص 233 ، المتقي الهندي ، كنز العمال ، ج 5 ص 64.

(4) مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ص 458. والطيالسي ،مسند الطيالسي ج 1 ص 271. واحمد بن حنبل ،مسند احمد ج 1 ص 312. والنسائي ،سنن النسائي ص 448 ، من هذه الرواية نفهم ان عمر كان من الذين انكروا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر متعة الحج وانه قال ضمن من قال (انغدوا حجابا ورؤوسنا تقطر).

(5) النووي ،شرح صحيح مسلم ، دار الكتاب العربي 1987 م ، ج 1 ص 170.

(6) العيني ،عمدة القاري ، ج 24 ص 405. وابن حجر ،فتح الباري ج 13 ص 236.


فقال عليعليه‌السلام : ان كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى إجِّيرَى احد).(1)

فأقبل على عثمان ، فقال له مثل ذلك ، فقال : نعم لا أزول عنه ولا أدع شيئا منه. فقال : ابسط يدك يا عثمان ، فبسط يده فبايعه.

أقول : وكان ابرز تشريعات الإمامة القرشية هي قضية النهي عن حج التمتع وكان عثمان حريصا على السير على هدي الخليفتين فيها وفي غيرها.

قال ابن حزم(2) : ان عثمان سمع رجلا يُهِلُّ بعمرة وحج ، فقال : عليَّ بالمُهِل ، فضربه وحلقه.

أي أراد المُهل ان يحج حج التمتع.

وقوله : ضربه وحلقه. أي ضربه تأديبا وحلقه تشهيرا.

المرحلة الثالثة : الإمامة الهادية على عهد علي عليه‌السلام

1. إحياء العمل بالكتاب والسنة وشجب الروايات الإسرائيلية :

روى مالك في الموطأ : ان المقداد بن الأسود دخل على عليعليه‌السلام بالسُقْيا وهو يُنجِع بَكرات له دقيقا وخبطا. فقال هذا عثمان بن عفان ينهى عن ان يقرن بين الحج والعمر ، فخرج عليعليه‌السلام على يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط ، على ذراعيه ، حتى دخل على عثمان فقال : أنت تنهى ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة ، فقال : عثمان ذلك رأيي ، فخرج عليٌّعليه‌السلام مغضبا وهو يقول : لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا.(3)

وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احمد واللفظ للأول عن سعيد بن

__________________

(1) اليعقوبي ،تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ص 162. الإجِّيرَى بالكسر والتشديد والفتح العادة والطريقة.

(2) ابن حزم ،المحلى ، تحقيق احمد محمود شاكر ، دار الفكر بيروت ، ج 7 ، ص 107.

(3) مالك بن انس ، الموطأ ، ص 173. وابن كثير ،البداية والنهاية ، ج 5 ص 127 ، و (السقيا) قرية جامعة بطريق مكة ، و (ينجع) يسقي ، و (بكرات) جمع بكرة ولد الناقة أو الفتى منها ، و (الخَبْط) ضرب من ورق الشجر حتى ينحات عنه ثم يستخلف من غير ان يضر ذلك بأصل الشجرج واغصناها قال الليث (الخَبَط) خَبَط ورق العِطاء من الطلح ونحوه يخبط يضرب بالعصا فيتناثر ثم يعلف الإبل.


المسيب قال : حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيتموه قد ارتحل فلبى علي وأصحابه بالعمرة(1)

قال الإمام السندي بهامشه : قال (إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله ، وانه لا طاعة له في مقابل السنة.(2)

وفي صحيح البخاري وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن البيهقي ومسند احمد ومسند الطيالسي وغيرها عن علي بن الحسينعليهما‌السلام عن مروان بن الحكم قال : شهدت عثمان وعلياعليه‌السلام وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة معا قال ما كنت لأدع سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لقول أحد.(3)

وفي لفظ النسائي : فقال عثمان أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي لم اكن لأدع سنة رسول الله لأحد من الناس.

كان هذا في بدء مشروعه الإحيائي سنة 28 هـ اتسع أمر الإحياء لكل السنن غير انه لم يرغم أحدا على ذلك وإنما اكتفى برفع الحظر الذي فرضته الخلافة القرشية على العمل بالسنن ، وبقي بعض النسا يعمل بما سنته الخلافة على الرغم من مخالفته للسنة.

2. الحث على نشر السنة النبوية وتدوينها :

كان علي يحث على نشر السنة النبوية وتدوينها سواء فيما يتعلق بفضائله وفضائل أهل بيته أو في الأحكام.

روى احمد بن حنبل حدثني عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يونس بن ارقم حدثنا يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال شهدت عليا في الرحبة ينشد

__________________

(1) النسائي ،سنن النسائي ص 448. واحمد بن حنبل ،مسند احمد ج 1 ص 335. والحاكم ،المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 645. وابن كثير ،البداية والنهاية ، ج 5 ص 125 و 127.

(2) يتضح من الرواية وتعليق السندي ان علياعليه‌السلام وأصحابه كانوا في الحج على السنة وكان عمر وعثمان ومن اقتدى بهما على خلاف السنة.

(3) البخاري ،صحيح البخاري ص 289. والنسائي ،سنن النسائي ص 446. والدارمي ،سنن الدارمي ص 326. واحمد بن حنبل ،مسند احمد ج 2 ص 81. والطيالسي ،مسند الطيالسي ج 1 ص 64 ـ 67.


الناس : انشد الله من سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم غدير خم «من كنت مولاه فعلي مولاه» لما قام فشهد؟ قال عبد الرحمان : فقام اثنا عشر بدرياً كأني انظر إلى احدهم فقالوا : نشهد أنا سمعنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول يوم غدير خم «الست أولى بالمؤمنين من انفسهم وأزواجي أمهاتهم» فقلنا بلى يا رسول الله قال : «فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه»(1) .

وفي رواية أخرى بسنده عن سماك العبسي قال : دخلت على عبد الرحمن بن أبي ليلى فحدثني انه شهد عليا في الرحبة قال : انشد الله رجلا سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشهده يوم غدير خم الا قام ولا يقوم الا من قد رآه؟ فقام اثنا عشر رجلا فقالوا : قد رأيناه وسمعناه حيث أخذ بيده يقول «اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله» فقام الا ثلاثة لم يقوموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته.(2)

وفيه أيضا بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة تـ 100 هـ(3) قال :

«جمع عليعليه‌السلام الناس في الرحبة ثم قال لهم : انشد الله كل امرئ سمع من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون من الناس.

قال أبو واثلة : فخرجت وكأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له إني سمعت علياعليه‌السلام يقول كذا وكذا.

قال : فما تنكر قد سمعت رسول الله يقول ذلك له».(4)

وقوله (فخرجت وكأن في نفسي شيئا) يبدو منه ان أبا الطفيل استعظم النتائج المترتبة على حديث الغدير وهي هلاك وضلالة من خالف عليا أو خذله أو قاتله أو قدَّم نفسه عليه لذلك راح يستزيد عن القضية اكثر.(5)

__________________

(1) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 2 ص 22.

(2) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 2 ص 24.

(3) صحابي ولد في أحد وأدرك من عمره ثماني سنوات مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(4) احمد بن حنبل ،مسند احمد ، ج 4 : 370.

(5) وقد روى حديث المناشدة هذا من التابعين منهم سعيد بن وهب ، وزيد بن يثيع ، وعبد خير ، وحبة العرني ، وعمرو بن ذي مر ، وسعيد بن حدان ، وأبو سليمان ، وزاذان ، وعميرة بن سعد ، وغيرهم وقد أخرج أحاديث هؤلاء أبو نعيم في حلية الأولياء وابن كثير في البداية والنهاية والخطيب في تاريخ


ومن الجدير ذكره هنا ان حديث الغدير الذي استنشده عليعليه‌السلام لم يكن يتضمن ذكر عليعليه‌السلام فقط بل تضمن أيضا ذكر أهل بيته.

وقد روى الحاكم النيسابوري الرواية كاملة عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال :

«خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى انتهينا إلى غدير خم نزل رسول الله بين مكة والمدينة عند شجرات خمس دوحات عظام فكنس الناس ما تحت الشجرات ثم راح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عشية فصلى ثم قام خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال :

أيها الناس إني تارك فيكم أمرين(1) لن تضلوا ان اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي ثم قال أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا نعم فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من كنت مولاه فعلي مولاه ...».(2)

وفي رواية الطبراني بعد قوله عترتي «وان اللطيف الخبير نَبَّأَني انهما لن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض وسألت ذلك لهما ربي ، فلا تَقدَّموهُما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم».(3)

3. إحياء إمامة أهل البيتعليهم‌السلام ونفي إمامة غيرهم من قريش :

قال عليعليه‌السلام : (أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ، أن رَفَعَنا الله ووضعهم ، وأعطانا وحرمهم ، وأدخلنا وأخرجهم ، بنا يُستعطى الهدى ، ويُستجلى العَمى.

__________________

بغداد والنسائي في الخصائص وابن المغازلي في المناقب وابن حجر العسقلاني في الإصابة وابن الأثير في أسد الغابة وغيرهم.

(1) في رواية مسلم واحمد (ثقلين).

(2) الحاكم ،المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 118. وابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ترجمة عليعليه‌السلام ج 45 ص 164. وقد رواه البلاذري فيانساب الاشراف أيضا ج 2 ص 357 ، وفيه قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (كأني قد دعيت فأجبت وان الله مولاي وانا مولى كل مؤمن وانا تارك فيكم ...) ورواه ابن كثير فيالبداية والنهاية ج 5 ص 197 ـ 199 ، وعنسنن النسائي ورواه أيضا محمد بن جرير الطبري عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم وعن عطية عن أبي سعيد الخدري ورواه أيضا ابن الصباغ المالكي فيالفصول المهمة ج 1 ص 235 ـ 273 ، كما رواه أيضا المتقي الهندي فيكنز العمال ج 13 ص 46.

(3) الطبراني ،المعجم الكبير ، ج 5 ص 167 الحديث رقم 4971 ، الهيثمي ،مجمع الزوائد ج 9 ص 88.


انَّ الأئمةَ من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم ، لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم).(1)

وقالعليه‌السلام في ذكر أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : (هم موضعُ سرَّه ، ولجأُ أمره ، وعيبةُ علمه ، وموثلُ حكمه ، وكهوفُ كتبه ، وجبالُ دينه ، بهم أقام انحناء ظهره ، واذهب ارتعادَ فرائصه.

لا يقاسُ بآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله من هذه الأمة ، ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا.

هم أساس الدين ، وعماد اليقين ، إليهم يفئ الغالي ، وبهم يلحق التالي.

ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة).(2)

أقول : والكتب التي ذكرهاعليه‌السلام في هذا الكلام هي ما كتبه بيده عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في لقاءاتهما الخاصة التي يعرفها المسلمون جميعا.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (ألا إن أبرار عترتي ، وأطايب أرومتي ، أحلم الناس صغارا ، وأعلم الناس كبارا. ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا ، وبحكم الله حكمنا ، ومن قول صادق سمعنا ، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا ، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا. ومعنا راية الحق ، من تبعها لحق ، ومن تأخر عنها غرق ، ألا وبنا يدرك ترة كل مؤمن ، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم ، وبنا فتح لا بكم ، ومنا يختم لا بكم).(3)

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم ، واتبعوا أثرهم ، فلن يخرجوكم من هدى ، ولن يعيدوكم من ردى ، فإن لبدوا فالبدوا وإن نهضوا فانهضوا ، ولا تسبقوهم فتضلوا ، ولا تتأخروا عنهم فتهلكوا).(4)

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (فأين تذهبون! وأنى تؤفكون! والاعلام قائمة ، والآيات واضحة ، والمنار منصوبة ،

__________________

(1)نهج البلاغة ج 9 ص 60.

(2)نهج البلاغة ج 1 ص 109 ـ 110.

(3) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 1 ص 206.

(4) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 7 ص 53.


فأين يتاه بكم! وكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم! وهم أزمة الحق ، وأعلام الدين ، والسنة الصدق ، فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن ، وردوهم ورود الهيم العطاش.

أيها الناس ، خذوها عن خاتم النبيين صلى الله عليه! إنه يموت من مات منا وليس بميت ، ويبلى من بلى منا وليس ببال ، فلا تقولوا بما لا تعرفون ، فإن أكثر الحق فيما تنكرون ، وأعذروا من لا حجة لكم عليه ـ وهو أنا.(1)

قال ابن ابي الحديد : تؤفكون : تقلبون وتصرفون. الاعلام : المعجزات هاهنا ، جمع علم ، وأصله الجبل أو الراية والمنارة ، تنصب في الفلاة ليهتدي بها.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (فأين يتاه بكم!) أي أين يذهب بكم في التيه! وتعمهون : تتحيرون وتضلون.

وعترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أهله الأدنون ونسله ، وقد بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عترته من هي ، لما قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (إني تارك فيكم الثقلين) ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : (عترتي أهل بيتي) ، وبين في مقام آخر من أهل بيته حيث طرح عليهم كساء. وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله حين نزلت : (إنما يريد الله ليذهب) : (اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب الرجس عنهم). فإن قلت : فمن هي العترة التي عناها أمير المؤمنينعليه‌السلام بهذا الكلام؟ قلت : نفسه وولداه.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (وهم أزمة الحق) : جمع زمام ، كأنه جعل الحق دائرا معهم حيثما داروا وذاهبا معهم حيثما ذهبوا ، كما أن الناقة طوع زمامها ، وقد نبه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على صدق هذه القضية بقوله : (وأدر الحق معه (أي مع علي) حيث دار).

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (وألسنة الصدق) من الألفاظ الشريفة القرآنية ، قال الله تعالى : (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) لما كان يصدر عنهم حكم ولا قول إلا وهو موافق للحق ، والصواب جعلهم كأنهم ألسنة صدق لا يصدر عنها قول كاذب أصلا ، بل هي كالمطبوعة على الصدق.

وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (فأنزلوهم منازل القرآن) أمر المكلفين بأن يجروا العترة في إجلالها

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 6 ص 428.


وإعظامها والانقياد لها ، والطاعة لأوامرها مجرى القرآن. فإن قلت : فهذا القول منه يشعر بأن العترة معصومة ، فما قول أصحابكم في ذلك؟ قلت : نص أبو محمد بن متّويه رحمه الله تعالى في كتاب الكفاية على أن علياعليه‌السلام معصوم ، وإن لم يكن واجب العصمة ، ولا العصمة شرط في الإمامة ، لكن أدلة النصوص قد دلت على عصمته ، والقطع على باطنه ومغيبه ، وأن ذلك أمر اختص هو به دون غيره من الصحابة ، والفرق ظاهر بين قولنا : (زيد معصوم) ، وبين قولنا : (زيد واجب العصمة) ، لأنه إمام ، ومن شرط الامام أن يكون معصوما ، فالاعتبار الأول مذهبنا ، والاعتبار الثاني مذهب الإمامية.

ثم قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (وردوهم ورد الهيم العطاش) ، أي كونوا ذوي حرص وانكماش على أخذ العلم والدين منهم ، كحرص الهيم الظماء على ورود الماء).(1)

ثم قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (انه يموت من مات منا وليس بميت ويبلى من بلى منا وليس ببال فلا تقولوا بما لا تعرفون فان أكثر الحق فيما تنكرون واعذروا من لا حجة لكم عليه وانا هو الم اعمل فيكم بالثقل الأكبر واترك فيكم الثقل الأصغر وركزت فيكم راية الايمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام وألبستكم العافية من عدلي وفرشتكم المعروف من قولي وفعلي وأريتكم كرائم الاخلاق من نفسي فلا تستعملوا الرأي فيما لا يدرك قعره البصر ولا يتغلغل اليه الفكر).

أقول : أي أئمة الهدى من أهل البيتعليهم‌السلام تبقى هدايتهم في قولهم وفعلهم بعد موتهم فاعلة مؤثرة كما هي في حياته.

وقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ألا إن أبرار عترتي ، وأطايب أرومتي ، أحلم الناس صغارا ، وأعلم الناس كبارا. ألا وإنا أهل بيت من علم الله علمنا ، وبحكم الله حكمنا ، ومن قول صادق سمعنا ، فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا ، وإن لم تفعلوا يهلككم الله بأيدينا. ومعنا راية الحق ، من تبعها لحق ، ومن تأخر عنها غرق ، ألا وبنا يدرك ترة كل مؤمن ، وبنا تخلع ربقة الذل عن أعناقكم ، وبنا فتح لا بكم ، ومنا يختم لا بكم(2) ...

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 6 ص 373 ـ 378.

(2) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 1 ص 276.


اما كلماته في قريش المسلمة التي ظلمته فمنها :

(اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم ، فانهم قطعوا رحمي ، وصغرّوا عظيم منزلتي ، واكفأوا إنائي ، واجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري ، وقالوا إلا ان في الحق ان تأخذه ، وفي الحق ان تُمنعه ، فاصبر مغموما ، أو مُت متأسفا ، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي ، فضننت بهم عن المنية ، فاغضيت على القذى ، وجرعت ريقي على الشجا وصبرت من كظم الغيظ على أمرِّ من العلقم ، وآلم للقلب من حز الشفار).(1)

وقولهعليه‌السلام في رسالته لأخيه عقيل :

(فإن قريشاً قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبل اليوم ، وجعلوا حقّي ، وجحدوا فضلي ، ونصبوا لي الحرب ، وجَدُّوا في إطفاء نور الله ، اللهم فاجزِ قريشاً عني بفعالها ، قد قطعت رحمي وظاهرت عليَّ ...).(2)

المرحلة الرابعة : الامام الحسن عليه السالم يؤسس

المرجعية الدينية المستقلة عن السلطة

ويتنازل عن السلطة المدنية

ان الامام الحسنعليه‌السلام بصلحه وتنازله عن السلطة مؤقتا لمعاوية وتقييد حكمه بالكتاب والسنة دون سيرة الشيخين يكون قد اكد للامة منهج عليعليه‌السلام ومن قبل منهج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ان الدين والقانون هو الكتاب والسنة لا غير وان سيرة الشيخين ليستا من الدين في شيء وإنما هي اجتهادات من عمل بها ينبغي له ان يعرف مسبقا انه يعمل باجتهادات ما انزل الله فيها من سلطان وليس له ان يرتقب الثواب من الله تعالى عليها ، واكد للامة ان مهمة الحاكم في المجتمع هو تنفيذ القانون لا تشريعه ، وان التشريع مطلقا لله تعالى ولرسوله في حدود مساحة معينة بإذن الله تعالى ، وأيضا لأوصياء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

(1) كلام : 217نهج البلاغة الخطبة : 172.

(2) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة 2 / 119 ، الدينوري ، ابن قتيبة ،الإمامة والسياسة ج 1 : 56 ، البلاذري ،انساب الاشراف ج 2 : 75 أبو الفرج الاصفهان ،الاغاني ج 15 : 46.نهج البلاغة ج 3 : 68. وصفوت ، احمد زكي ،جمهرة رسائل العرب في العصور العربية الزاهرة ، المكتبة العلمية 1937 م ، ج 1 ص 595.


يأذن بها الرسول في حدود صلاحياته الإلهية. وقد أسست قريش المسلمة مبدأ ان من يأتي بعد الشيخين يتقيد بسيرتها وفي الوقت نفسه يكون من حقه ان يشرع في طول تشريع الخليفتين الأمر الذي رفضه علي في الشورى وقبله عثمان وحاول معاوية ان يسير على منهاج عثمان في هذا المسالة حين بويع على سيرة الشيخين من قبل أهل الشام بعد شهادة عليعليه‌السلام ويجئ صلح الحسن ليصحح بيعة معاوية كحاكم ملزم بكتاب الله وسنة النبي وان القانون الإلهي يؤخذ من العلماء به المنصوص عليهم المطهرون وهم أهل البيت وفق حديث الثقلين لاذي مرت نصوصه. وهكذا فان تنازل الحسن عن السلطة الزمنية قد اصلح الانشقاق وهدم خطة معاوية في وأد مشروع علي وفتح الشام لإخباره وذكرت في بلاط معاوية وترحم معاوية على عليعليه‌السلام وذكره مرات بخير مدة عشر سنوات.

المرحلة الخامسة : معاوية يحيي الإمامة الدينية

القرشية ويسميها خلافة الله

انقلب معاوية على الحسنعليه‌السلام ونقض كل عهوده معه ، واحيا منهج قريش المسلمة بان يكون الحاكم مشرعا يتحرك وفق تشريع من سبقه وقد يتحرر منه حين تتوفر أسباب لذلك ومن هنا حرص على سلب موجبات الإمامة الدينية الهادية لعليعليه‌السلام وهي أحاديث النبي فيه وفي أهل بيته بالطهارة والعلم والقرب الإلهي ليوصف بالإفساد في الدين وينتحل فضائله ليوصف بالهدى ، ومن هنا رأيناه يطرح في اعلامه ان الحاكم خليفة الله وبذلك أسس هذا الأساس لخلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس ويترتب على ذلك ان الأمة لا يجوز لها ان تقوم في وجه الحاكم لأنه خليفة الله وقائد إلى الجنة وقد فصلنا في هذا الأمر في كتابنا (الامام الحسينعليه‌السلام في مواجهة الضلال الأموي) ..


الباب الثاني / الفصل السابع

مقارنة بين صلح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الحديبية وصلح الحسين عليه‌السلام

الخليفة التاريخية لكلا الصلحين :

كانت الخليفة التاريخية لكل من الصلحين هي الاعلام الكاذب وتشويه الحقيقة تسويغا للموقف العملي المتمثل بالقتال بهدف استئصال الطرف الآخر.

فقد شنت قريش المشركة (الآباء) بقياد أبي سفيان الحرب على النبي في بدر وأحد وكانت تقول في تفسيرها للحرب انها تدافع عن نفسها وعن بيت إبراهيم ودين إبراهيم وان محمدا كان كاذبا ساحرا افسد في دين إبراهيم وانه هتك حرمة البيت وسفك الدم الحرام في الشهر الحرام حين اعتدى على القوافل القرشية وقطع الطرق الآمنة عليها ، مع ان العرب كانت تحترمها وتدافع عنها لأنه قوافل سدنة البيت وخدمة الحجيج. ولم تكشف قريش الحقيقة من انها كانت البادئ بالظلم حين عذبت المسلمين الأوائل وفتنتهم عن دينهم ثم صادرت أموالهم بعد هجرتهم إلى يثرب ، وان النبي بعث سراياه تغير على قوافل قريش مقاصَّةً لها لا غير.

واستمرت قريش في اعلامها الكاذب ونجحت فيه حين استطاعت ان تحشد قريبا من عشرة آلاف مقاتل في غزوة الخندق في السنة الخامسة من الهجرة مضافا إلى خيانة يهود المدينة لعهدهم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ان لا يعينوا عدوه عليه.


بعد ان باءت خططها في الخندق بالفشل أوحى الله تعالى إلى نبيه ان يغير الخطة مع قريش بان يذهب إلى مكة معتمرا معه الهدي ويعرض عليهم الصلح فإذا ما صدوا زيارته للبيت وطلبه للصلح عرفت ان قريشا هي التي تصر على الحرب وليس محمدا ، وانها هي التي تصد عن البيت وليس محمدا ، وإذا ما قبلوا الصلح وتعنتوا في الشروط لحميتهم وجاهليتهم فسوف تعرف القبائل ان قريشا هي التي تصد عن البيت وليس محمدا لأنه ردوه وأصحابه مع انهم جاؤوا محرمين معهم الهدي تعظيما للبيت ، وبالتالي سوف يفتح النسا على حقيقة جديدة هي ان قريشا كانت كاذبة في اعلامها ضد محمد وان على الناس ان يتعرفوا عن قرب على محمد ورسالته.

وكذلك كانت قريش المسلمة (الأبناء) بدفعٍ وتخطيط من معاوية بن أبي سفيان والي الشام ، حيث اقتطعت البصرة بعد ان غدرت ببيعتها لعلي ثم غدرت بعهدها مع عثمان بن حنيف والي علي عليها ، ثم جاءها علي ليقاتل الناكثين ويعيد البصرة وأهلها إلى الأمة ، وبعد هزيمتها وخسارتها في المعركة اصطفت وراء معاوية في الشام ، ليعلن عن فصل الشام عن الأمة وعلي ، ولم يكن أمام عليعليه‌السلام الا ان يبادر إلى مقاتلة القاسطين البغاة ليرجع الشام وأهلها إلى الأمة ، ولم تنته المعركة كما انتهت في الجمل بل استطاع معاوية ان يقف على رجليه ويحقق فصل الشام ثم مصر وافريقيا وكما استطاع ان ينشئ اعلاما كاذبا يفسر حرب الجمل وصفين للجند وللناس الذين يحكمهم بتفسير كذب خلاصته : ان عليا هو سبب الحروب وانه كان يطلب الملك ، وانه قتل عثمان ، وانه مفسد في دين النبي ، واستطاع معاوية ان يوزع جيشه على شكل كتائب وسرايا تغير على أطراف البلاد الخاضعة لحكومة عليعليه‌السلام ، وجهز علي جيشه العقائدي ليضع حدا لغارات معاوية وشاء الله تعالى ان يغتاله ابن ملجم وهو في الكوفة.

وبايع العراقيون الحسن على العمل بكتاب الله وسنة النبي انطلاقا مما لديهم من النصوص النبوية فيه وفي أبيه من قبل ،

وبايع الشاميون معاوية على العمل بكتاب الله وسنة النبي وسيرة الشيخين كما بويع عثمان من قبل ، وعرض معاوية الصلح على الحسن بان يبقى كل طرف على


بلاده التي بايعته ، وجعل الحسن أمام إحراجين اما قبول الصلح وهذا معناه تكريس الانشقاق وتكريس الاعلام الكاذب ضد علي ، واما رفضه ومعناه تكريس الاعلام السلبي ضد علي أيضا بان ولده على خط أبيه في إثارة الحرب ،

وبادره الحسن بأطروحة صلح تستهدف فضحه وكسر الطوق الاعلامي الكاذب عن علي في الشام مستمدا روحها من صلح الحديبية ، وهي معادلة قوامها : ان يسلم الحسن ملك العراق بشروط يعينها الحسن ولا مجال للمساومة عليها ، فاما ان يقبل معاوية الشروط ويتسلم الملك ويتحقق الأمان للناس ووحدتهم والفتهم وتفهمهم للحقائق واما ان يرفض الشروط فيكون معاوية هو طالب الحرب وطالب الانشقاق.

الواقع التاريخي لمجريات صلح الحديبية ونتائجه :

1. خرج النبي في ألف وأربعمائة أو ألف وثمانمائة وخمسين شخص من أصحابه مُحْرِمين يسوقون الهدي بني أيديهم وكان ذلك سِتّ من الهجرة وسمعت قريش بذلك ، فخرجوا جميعا يعاهدون الله أن لا يدخل محمد وأصحابه مكة أبداً وبعث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إليهم أحدَ حُلَفائهم الحُلَيْس بن علقمة الكناني سيِّد الأحابيش وكان قد أثَّر فيه مشهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه والهدي أمامهم وقال لقريش : «رأيت البُدْنَ(1) قد قُلِّدت وأُشْعِرت فما أرى أن يُصَدّوا عن البيت».

فقالوا : «اجلس إنَّما أنت أعرابيّ لا عِلمَ لك».

فغضب وقال : «يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم أيُصَدُّ عن بيت الله من جاءه معظِّما له؟ والذي نفسي لَتُخْلُنَّ بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفِرَنَّ بالأحابيش نَفْرَة رجل واحد».

قالوا : «مه ، كُفّ عنا حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به».

2. وبعثت قريش سُهيْلَ بن عمرو ليصالح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شريطةَ أن يَرجِع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا العام. وفوض النبي عليا في صلحه. وقَبِلَ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شرط قريش وشروطاً أخرى أملتها عليه ظاهرها التنازل من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لقريش.

__________________

(1) البُدْن : جمع بَدَنَة وهي الإبل السمين.


3. أثارت شروط قريش حفيظة أصحاب النبي حيث خفيت عليه حكمة الصلح مما تسبب في شكهم بالنبوة وقام بعضهم بتشويشات. قال عمر : ارتبت ارتياباً لم ارتبه منذ أسلمت إلّا يومئذ ، وراجعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يومئذ مراجعة ما راجعته(1) مثلها قط ، ولو وجدت ذلك اليوم شيعة(2) ، (وفي رواية مائة على مثل رأيي) تخرج عنهم رغبةً عن القضية لخرجت.(3)

4. ثم أمر رسول الله المسلمين أصحبه أن يحلِقوا وينحَروا هَدْيَهم في الحِلّ ، فحلق رجال وقصَّرَ آخرون(4) منهم عثمان بن عفان(5) . فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يرحم الله المحلِّقين. قالوا : والمقصِّرين يا رسول الله؟ قال : يرحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله؟ قال : يرحم الله المحلقين ، قالوا : والمقصرين يا رسول الله؟ قالعليه‌السلام : والمقصرين ، قالوا : يا رسول الله فلم ظاهرت الترحم للمحلقين(6) دون المقصرين؟ قالعليه‌السلام : لأنَّهم لم يشكُّوا(7) . قال مالك بن ربيعة : وأنا محلوق يومئذ فما سرَّني حمر النَّعم أو خطر عظيم.(8)

5. انصرف الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة وفي الطريق نزلت سورة الفتح. روى البخاري أنَّ عمر بن الخطاب كان يسير مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليلاً فسأله عمر بن الخطاب عن شيء فلم يُجِبْهُ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه فقال عمر : ثكلتك أُمّك يا عمر نَزَرْتَ(9) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبُك ،

قال عمر : فحركت بعيري ثم تقدمتُ أمام المسلمين وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن ،

__________________

(1) يريد انه كان يرد عليه الكلام ولا يقبل منه.

(2) ومنهى ذلك كان لديه استعداد لو وجد مائة على رأيه لخرج على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله !

(3) الواقدي ،المغازي ، ج 2 ص 607. أي لوجدت اناسا يؤيدوني لتركنا الصلح وتمردنا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(4) ابن كثير ،البداية والنهاية ج 4 ص 169.

(5) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ج 2 ص 104. واحمد بن حنبل ، مسند احمد ج 3 ص 89 حديث 11865.

(6) أي لم قويت جانب المحلقين بالترحم عليهم دون المقصرين.

(7) الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 2 ص 637. وابن كثير ، البداية والنهاية ، ج 4 ص 169. واحمد بن حنبل ، مسند احمد ، ج 1 ص 353 حديث 3311.

(8) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، ج 2 ص 124.

(9) أي الحَّ عليه ليكلمه فلم يكلمه واعرض عنه.


فما نَشِبْتُ(1) أن سمعت صارخاً يصرُخ بي قال : لقد خشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن ، فجئت إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فسلمت عليه ، فقال : لقد أُنزِلت عليَّ الليلة سورة لَهِيَ أحبُّ إليّ مما طلعت عليه الشمس ثم قرأ( إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) .(2)

قال مُجَمَّع بن جارية : شهدت الحديبية مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلما انصرفنا عنها إذ الناس يوجِفون(3) الأباعر(4) فقال الناس بعضهم لبعض : ما للناس؟ قالوا : أوحي إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال فخرجنا نوجِف مع الناس حتى وجدنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله واقفا عند كُراع الغَميم(5) ، فلما اجتمع إليه بعض من يريد من الناس قرأ عليهم( إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ) ، قال رجل من أصحاب محمد : يا رسول الله أو فتح هو؟ قال : أي والذي نفسي بيده إنّه لفتح.(6)

قال ابن عُقْبَة : وأقبل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الحديبية راجعاً فقال رجل من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ما هذا بفتح ، لقد صُدِدُنا(7) عن البيت وصُدَّ هّدْيُنا وردَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، رجلين من المسلمين كانا خرجا إليه ، فبلغ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قول أولئك فقال : بئس الكلام بل هو أعظم الفتح(8)

6. قال سَلَمة بن الأكْوَع : بينما نحن قافِلون(9) من الحديبية نادى منادي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أيها الناس البيعة ، البيعة ، قال : فسرنا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو تحت شجرة سَمُرة(10) فبايعناه ، وذلك قول الله تعالى( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة )

__________________

(1) أي ما لبثتُ.

(2) ابن كثير ،البداية والنهاية ، ج 4 ص 176. المقريزي ،امتاع الأسماع ، دار الكتب العلمية بيروت 1999 م ، ص 302.

(3) أي يحثون الاباعر لتسرع في السير.

(4) أوجف دابّته : إذذا حثها على السير (لسان العرب ).

(5) اسم موضع بين مكة والمدينة.

(6) البخاري ،صحيح البخاري بحاشية السندي ج 2 ص 206. وابن سعد ،الطبقات الكبرى ، ج 2 ص 105.

(7) صُدَّ عن البيت : أي منع من دخوله.

(8) ابن سيد الناس ،عيون الاثر ، مؤسسة عز الدين بيروت 1406 ـ 1986 م ، ج 2 ص 123.

(9) أي راجعون.

(10) نوع من الشجر يستفاد من خشبة في تسقيف البيوت.


الفتح / 18.(1)

أقول : من الواضح ان هذه البيعة هي بيعة لتصحيح إيمان الذين خدشوا إيمانهم بشكهم في النبوة الانف الذكر.

قال علي بن إبراهيم : واشترط عليهم أن لا ينكروا بعد ذلك على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شيئاً يفعله ولا يخالفوه في شيء أمرهم به.(2) (3)

7. تحقَّق للنبي ما أراد من الصلح حيث أدركت القبائل أن قريشاً هي التي تصُدُّ عن البيت زواره وليس محمداً ، وفي ظل الأجواء الآمنة الجديدة تفهمت القبائل حقيقة الأمر في النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحقيقة رسالته وانفتحت على الإسلام أعداد كبيرة من الناس واستطاع النبي ان يحشد عشرة آلاف ممقاتل لما غزا مكة بعد ان نقضت قريش الصلح بعد سنتين ونصف.

8. كان صلح الحديبية هو (الفتح المبين) كما سماه القرآن وهو (اعظم الفتوح) كما سماه النبي لأنه الأساس في فضح قريش وكسر الاعلام الكاذب ضد النبي ومن ثم اختلاط الناس بعضهم ببعض ليعرفوا حقيقة الرسالة ، وكل المكاسب التي جاءت بعدع هذا الصلح وكان أبرزها فتح مكة فهي من ثمراته اليانعة.

9. لم يؤثر على اعظم الفتوح ما حصل بعد ذلك من انقلاب على الأعقاب(4) قامت به قريش المسلمة بعد وفاة النبي وغيرت كثيرا من معالم الرسالة باسم الإسلام كان

__________________

(1) الطبري ، تاريخ الطبري ج 2 ص 121.

(2) القمي ، تفسير القمي ، دار الكتاب رقم 1404 هـ ، ج 2 ص 315.

(3)أقول : إنَّ الاتجاه العام لروايات صلح الحديبية يفيد ان البيعة كانت قبل رجوعهم من الحديبية وانها كانت للقتال لما اشيع ان قريشاَ قتلت عثمان رسول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اليهم وكان النبي قد بعثه ليخبرهم انه لم يجيء للحرب بل جاء لأداء الحج ، وبخلاف روايات أصحاب السير جاءت رواية علي ابن إبراهيم في تفسيره التي تفيد ان البيعة كانت بعد إبرام الصلح ورجوع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من الحديبية والهدف هو تصحيح إيمان من كان مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على أن لا يناقشوه في شيء يُبيِّنه من أمر الدين ولكنهم لم يفوا بتلك البيعة حيث ناقشوه في أمر حجّة التّمتع كما سيأتي وقد ذكر الطبري في تاريخه ان السورة إنما نزل بعد الرجوع من الحديبية وفي هذا تأييد لرواية علي بن إبراهيم.

(4) وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الانقلاب في قوله تعالى( وما محمّد إلّا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضرّ الله شيئاً وسيجزي الله الشّاكرين ) آل عمران / 144.


أبرزها حج التمتع حيث نهت عنه قريش المسلمة بزعامة الخليفة الثاني(1) ، وحرَّمت على أهل البلاد المفتوحة شرقا وغربا فضلا عن الصحابة ان يحجوا حج التمتع كما نهت عن تداول أحاديث النبي في أهل بيته ، فقد نهض علي الذي اعده الله ورسوله لمهمة الهداية بعد النبي سنة 27 هجرية مستندا إلى الثروة الفكرية المخزونة في صدور الصحابة لإحياء حج التمتع وأحاديث النبي في أهل بيته الممنوعة من قبل قريش المسلمة ، وحقق نجاحا كاملا في النصف الشرقي من البلاد المفتوحة.

مجريات صلح الحسنعليه‌السلام مع معاوية :

1. استشهد عليعليه‌السلام بعد ان بايعه أربعون ألف على الموت لقتال معاوية ووضع حد لغاراته ، وبايعوا بعده ولده الحسنعليه‌السلام ثم بادر معاوية إلى الصلح على ان يبقى كل على البلاد التي بايعته ، وبادره الحسن بالتنازل المشروط لتوحيد الأمة وتأسيس حكم مدني يترك للناس اختيارهم في شؤونهم العبادية الفردية واستجاب معاوية وطار فرحا بذلك.

2. ذكرت كتب التاريخ ان البعض قد اعترض على الحسن بعد إبرام الصلح وسلم عليه بقوله يا مذل المؤمنين ، ونسب بعض المؤرخين ذلك إلى حجر بن عدي ، وهذا لا يصح في حق حجر وهو من خيار أصحاب علي علما وخلقا ، نعم بالتأكيد صدر من أشخاص لم يؤمنوا أاسا بمشروع علي الإحيائي للسنة.

3. تحقق للحسن كل ما أراد من توحيد شِقَّيْ الأمة والأمان ، ونشر المؤمنون بمشروع علي من العراقيين صحابة وتابعين كل أحاديث النبي في حقه وكذلك سيرة علي المشرقة التي تبرزه إماما هاديا بعد النبي ، وأقيمت الحجة على أهل الشام بذلك لهلك من هلك عن بينة ويحي من حي عن بينة.

4. كان صلح الحسنعليه‌السلام مع معاوية فتحا مبينا لمشروع عليعليه‌السلام في الشام ، لأنه الأساس في توحيد أهل القبلة على محبة أهل البيت ومعرفة حديث الغدير وحديث

__________________

(1) انظر تفصيل ذلك في كتابنا شبهات وردود فصل متعة الحج ص 213.


الكساء وحديث المنزلة وغيرها من الأحاديث التي تؤسس الإمامة الإلهية لأهل البيت إلى آخر الدنيا وكسر الاعلام الكاذب ضد علي.

5. وكما اعقب غدر قريش بعهدها مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فتح مكة وإعلاء كلمة التوحيد والشهادة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بالرسالة ابد الدهر كذلك حين غدر معاوية بعهده مع الحسن بدس السم له بعد عشر سنوات من الصلح وملاحقة شيعة عليعليه‌السلام واضطهادهم وإعادة الطوق الاعلامي ضد علي في الأمة كلها وليس في الشام فقط اعقب نهضة الحسين لكسر هذا الطوق لينطلق مشروع علي وإمامته الهادية وانتهاء لعن علي في الأمة إلى الأبد.

تحريف الاعلام الأموي أخبار صلح الحديبية عداوةً لعليعليه‌السلام :

روى عبد الرزاق عن معمر قال سألت الزهري عن كاتب كتاب الحديبية فضحك وقال هو علي بن أبيط الب ولو سألت عنه هؤلاء.(1)

وهذه الرواية تشير بشكل واضح إلى سياسة الأمويين في تحريف الاخبار.

وقد روى ابن أبي الحديد عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني (ت 225 هـ)(2) في كتابه (الأحداث) قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة(3) . (أن برئت الذمَّة ممَّن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته). فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليَّاًعليه‌السلام ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذ أهلُ الكوفة لكثرة من بها من شيعة عليعليه‌السلام .

وكتب إليهم : (أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقرِّبوهم وأكرموهم اكتبوا لي بكلَّ ما يروي

__________________

(1) عبد الرزاق الصنعاني ،المصنف ، ج 5 / 343 ، قال حبيب الاعظمي محقق الكتاب : وقد أخرجه أيضا إسحاق بن راهويه في مسنده.

(2) قال الخطيب البغدادي فيتاريخ بغداد ج 12 ص 54 ـ 55 في ترجمة المدائني (كان عالماً بأيام الناس وأخبار العرب وأنسابهم عالماً بالفتوح والمغازي ورواية الشعر ، صدوقاً في ذلك ، وقال يحيى بن معين ثقة ثقة ثقة. وقال ابن النديم في الفهرست ص 113 ولد سنة 135 هـ وتوفي سنة 225 هـ وله ثلاث وتسعون ثم ذكر أسماء كتبه في أربع صفحات.

(3)أقول : كان ذلك بعد وفاة الحسنعليه‌السلام حسب تحقيقنا.


كلَّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته). ففعلوا ذلك حتَّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصِّلات والكِساء والحِباء والقَطائع ، ويفيضه في العرب منهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجيءُ أحد مردود من الناس عاملاً من عمَّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلَّا كتب اسمه وقرَّبه وشفَّعه فلبثوا بذلك حيناً.

ثم كتب إلى عُمَّاله : (إنَّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفَشا في كل مِصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلَّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فإنَّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني وأدحض لِحُجَّة أبي تراب وشيعته وأشدُّ عليهم من مناقب عثمان وفضله).

فقُرئت كتبه على الناس فرُويت أخبار كثير في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها.

وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتَّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وأُلقِيَ إلى معلِّمي الكتاتيب فعلَّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتَّى رووه وتعلَّموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علَّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله).(1)

أقول :

ومن هذه الاخبار الموضوعة : ما اشتهر في كتب الحديث والتاريخ من ان قريشا فوضت أمر صلحها إلى سهيل بن عمر وانه جاء إلى النبي يفاوضه مباشرة ، بينما تنص رواية الطبري على ان النبي فوض أمر صلحه إلى علي.(2)

ومنها أيضا : قصة بيعة الرضوان حيث جعلها الاعلام الأموي من اجل عثمان حيث بعثه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قريش ليفهمهم انه جاء معظما للبيت وانه يريد الصلح معهم ، ثم اشيع ان قريش قتلت عثمان ، وليس من شك ان ذلك ليس متوقعا من قريش لمكانه

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 11 ص 454.

(2) الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 2 ص 539.


من بني أمية ، ومكانة بني أمية من قريش في حروبها مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد اشتهر ان البيعة تمت قبل الصلح ، بينما تفيد أخبار أخرى صحيحة ان : بيعة الرضوان قد حصلت بعد ان تم الصلح وقفلوا من الحديبية راجعين إلى المدينة والغرض منها هو تصحيح الإيمان وليس شيئا آخر وقد مرت المصادر في ذلك.


الباب الثاني / الفصل الثامن

مقتطفات من تاريخ الكوفة من سنة 14 هـ ـ 148 هـ

الكوفة قبل الفتح الإسلامي للعراق وقبل تمصيرها

الكوفة جغرافيا تتألف من ارض حمراء سهلة مستوية (23 ـ 24 م عن سطح البحر) قريبة من مستوى نهر فرات الكوفة تبدأ أرضها بالارتفاع التدريجي باتجاه الغرب والجنوب الغربي والشمال الغربي حتى يصل ارتفاعها إلى 80 م ـ 100 م عن سطح البحر ويعرف المرتفع منها ب (ظهر الكوفة) ويمتد هذا الظهر من منطقة الذكوات البيض موضع قبر أمير المؤمنينعليه‌السلام في الجنوب الشرقي من الهضبة إلى كربلاء موضع قبر ولده الحسين الشهيدعليه‌السلام في الشمال الشرقي من الهضبة.

وقد روي عن الامام عليعليه‌السلام انه قال حين ذكر مقتل الحسين (بأبي هو وأمي المقتول بظهر الكوفة).

وفي معجم البلدان : الف أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين بن علي وسمي الطف لأنه مشرف على العراق من أطف على الشيء بمعنى أطلَّ ، والطف : طف الفرات ، أي الشاطئ.(1)

والطرف المرتفع من (ظهر الكوفة) هذا من كربلاء إلى النجف طوله مائة وعشرة من

__________________

(1) البلاذري ،فتوح البلدان ، ج 4 ص 36.


الكيلومترات يتألف من قوسين ، القوس الأسفل ويعرب ب (طار النجف) أو (طارات النجف) ، والقوس الأعلى ويعرف ب (طار كربلاء) أو طارات كربلاء ، يلتقي منتهى طار النجف بمنتهى طار كربلاء للقادم من بحيرة الرزازة في منطقة تسمى ب (منطقة التقاء الطارين وترتفع 150 م ـ 200 م عن سطح البحر ، وتشكل هذه الطارات على امتدادهما من الشمال إلى الجنوب الضفة الشرقية أو الجرف الشرقي لنهر فرات الكوفة قبل مليون سنة ، ثم تبدل مجرى النهر إلى جهة الشرق ، وهذا الطار بجزئيه يراه القادم من جهة الغرب كأنه الحد الفاصل بين ارض السواد والصحراء ، وقد سماه بطليموس في خارطته ب (جبال بابل) ، وسماه أمير المؤمنينعليه‌السلام ب (طورسينين) قال (إذا أنا مت فادفنوني في هذا الظهر وهو أول طور سينين) ، و (سينين) أو (سيناء) اسم لمدينة بابل قبل ان تعرف سيناء المصرية(1) .

وهكذا تتعدد الأسماء : (ظهر الكوفة) ، (طور سينين أو طور سيناء) (طف الفرات) (جرف الفرات.

وأيضا (نجف الحيرة) أي المرتفع قرب الحيرة ، (نجف الكوفة)

والنجف : الأرض المرتفعة التي لا يعلوها السيل.

وأيضا (بانقيا) وتعني حرفيا الأرض الحمراء.

وكان إلى جانب هذا الجرف من جهة الغرب بحر يسمى ببحر (النجف) وهي تسميته منذ ألف سنة أو اكثر وكان يسمى أيضا قبل ذلك ب (بحر بانقيا) وبانقيا هي (فينقيا) بإبدال الباء إلى فاء والألف إلى ياء وهو كثير في اللغات السامية أو اللهجات المحلية ، وفينقيا حرفت إلى (فينكس) () في معجم (كتابات هوميروس) (اللغة ألإغريقه الأقدم) : اللون الأحمر ، وأيضا النخل ، التمر. وقد سماه من قبل (بيروسس الكلداني) ب (البحر الأحمر) وهو ترجمة لبحر بانقيا. اما البحر الأحمر اليوم فقد كان اسمه الأقدم كما في خارطة بطليموس (البحر العربي) وكان الخليج في خارطته اسمه الخليج الفارسي.

__________________

(1) للتفصيل انظر بحثنا النجف موسى سفينة نوح المنشور فيمجلة تراث النجف العدد الأول سنة 2009 م ـ 1330 هـ.


ويبدأ تاريخ الكوفة الحضاري والديني من زمن ادم وأوصياءهعليه‌السلام ، ففيها مسجد الكوفة وهو مسجد ادم ومسجد السهلة وهو بيت إدريس ، وعلى الذكوة الجنوبية الشرقية من الذكوات البيض التي عليها مسجد الطريحي اليوم رست عليها سفينة نوح وبقيت السفينة بعد الطوفان قلعة الحياة تحيطها المياه ، ولما انسحبت المياه باتجاه الشرق بنى نوح مسجد الكوفة وسكن وأولاده عنده ثم تفرقت ذرية نوح فيما بعد إلى الشمال والجنو وبنوا مدن بابل وسومر وغيرهما من مدن الوسط والجنوب.

ان اسم النجف والحيرة قديم فقد وجد في وثيقة ملحمة جلجامش باللغة ألأكديه منذ اكثر من أربعة آلاف سنة. كما ان اسم كربلا قديم أيضا حيث وجد في ملحمة زيوسدرا السومرية بأقدم من ذلك.

قال الحميري في الروض المعطار : الكوفة : هي أول مدينة اختطها المسلمون بالعراق في سنة أربع عشرة ، وهي على معظم الفرات ومنه شرب أهلها ، سميت بجبل صغير في وسطها كان يقال له كوفان وعليه اختطت ولها ضياع ومزارع ونخل كثير ، وأهلها مياسير ، ومياهها عذبة ، وماؤها صحيح ، وأهلها من صرح العرب لكنهم الآن متحضرون. وقال محمد بن جعفر عن أبيه عن علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : كانت الكوفة منزل نوحعليه‌السلام .(1)

ومن اهم محالّ الكوفة قديما الحيرة عاصمة ملوك لخم كان يقصدها شعراء العرب قبل البعثة. وتقع على بحر النجف الذي تكون من بقايا الفرات الأول ومن السيول التي تغزو المنطقة من الهضبة الغربية سنويا ولولا جرف النجف هذا لما امكن السكن في سهل الكوفة ، وكان هذا السهل أيام الفتح رملة حمراء خالية من السكان ، بعد الفتح الإسلامي وقع الاختيار عليها ومصرت زمن الخليفة عمر بن الخطاب وحددت معالم المسجد من قبل سلمان المحمدي أو حذيفة بن اليمان أخذ ذلك عن عليعليه‌السلام وقد ورد في الكوفة رواية يرويها أمير المؤمنين علي عن النبي قال (كوفان يُرَدُ اولُها على آخرها) كما ورد فيها انها عاصمة المهدي عند ظهوره.

__________________

(1) الحميري ، محمد بن عبد المنعم ،الروض المعطار في خبر الاقطار ، تحقيق الدكتور إحسان عباس ، مكتبة لبنان 1984 م ، ج 1 ص 501.


الكوفة على عهد الخليفة عمر بن الخطاب 14 ـ 23 هجـ (عشر سنوات)

مكرسة لسياسة الخليفتين

قال البلاذري ان عمر بن الخطاب كتب إلى سعد بن أبي وقاص (لما فتح بالعراق) يأمره أن يتخذ للمسلمين دار هجرة ، وأن يجعل بينه وبينهم بحرا. فاختط الكوفة أقطع الناس المنازل ، وأنزل القبائل منازلهم ، وبنى مسجدها وذلك في سنة سبع عشرة.(1)

قال البلاذري قال عمر : بالكوفة وجوه الناس. وقال : هم رمح الله وكنز الإيمان وجمجمة العرب ، يحرسون ثغورهم ويمدون أهل الأمصار(2) . وقالوا : لما هرب يزدجرد من حلوان في سنة تسع عشرة ، تكاتبت الفرس وأهل الري وقومس وإصبهان وهمذان والماهين وتجمعوا إلى يزدجرد وذلك في سنة عشرين ، فأمر عليهم مردانشاه ذا الحاجب ، وكانت عدة المشركين يومئذ ستين ألفا ويقال مئة ألف. وقد كان عمار بن ياسر كتب إلى عمر بن الخطاب بخبرهم ، فهمَّ أن يغزوهم بنفسه ، ثم خاف أن ينتشر أمر العرب بنجد وغيرها ، وأشير عليه بأن يغزى أهل الشام من شامهم ، وأهل اليمن من يمنهم ، فخاف إن فعل ذلك أن تعود الروم إلى أوطانها وتغلب الحبشة على ما يليها. فكتب إلى أهل الكوفة يأمرهم أن يسير ثلثاهم ويبقى ثلثهم لحفظ بلدهم وديارهم.(3)

ومن ذلك تتضح أهمية الكوفة في الجبهة الشرقية للبلاد الإسلامية ، فهي مركز البعوث المهمة إلى بلدان المشرق في قبال الشام مركز البعوث المهمة إلى المغرب.

وقد حرص الخليفة عمر على ان تنضبط الكوفة ببنود سياسة الدولة القرشية حين انزل بمن يخالف سياسته منهم اعظم العقاب من اجل ان يكون نكالا لغيره ، ولا نعلم عقوبة في التاريخ الإسلامي أقسى من عقوبة عمر لصَبيغ التميمي على ذنب كذنبه ، فقد عاقبة الخليفة بنفسه لمدة يومين يضربه بعراجين النخل على ظهره وراسه حتى تفجرت الدماء منه ، ولم يكن لصبيغ ذنب سوى مخالفته لأمر عمر بعدم السؤال عن تفسير القرآن! ، وفي اليوم الثالث جاءه الخليفة ليواصل ضربه له توسل به صبيغ قائلا يا أمير

__________________

(1) البلاذري ،فتوح البلدان ، ج 2 ص 338.

(2) البلاذري ،فتوح البلدان ، ج 2 ص 354.

(3) البلاذري ،فتوح البلدان ، ج 2 ص 371.


المؤمنين ان كنت تريد قتلى فاقتلني غير هذه القتلة وان كنت تريد شفائي مما بي فقد شفيت ، فعفا عنه (وحمله على قَتَب ، وكتب إلى أبي موسى الأشعري : امنع الناس من مجالسته)(1) . وكتب إلى والي الكوفة منطقته مسؤوله العسكري ان يقطع عطاءه وان لا يعاشره احد ، فكان الناس إذا دخل المسجد يتحامون اللقاء به لان الخليفة قد أمر بعدم السلام عليه فهذه العقوبة لذلك الذنب مما لم يعرف نظيره في تاريخ الإسلام!

وليس من شك ان هذه العقوبة لأجل أهمية العسكر الكوفي فكل من يسمع بهذه القصة سوف يرتدع عن مخالفة أي مرسوم تصدره الدولة فيما بعد.

وهذا السياسة القاسية ليست فقط في الأمصار المستحدثة بل حتى في المدينة وهي مركز صحابة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث تذكر لنا كتب الحديث ان أبا موسى الاشعري طرق باب عمر في إحدى زياراته له ولم يجبه وانصرف أبو موسى فبعث عمر حاجبه يرفأ خلفه وارجعه ، وساله عمر هلا انتظرت ـ قال اني سمعت رسول الله «إذا استأذن أحدكم على أخيه ثلاثا فلم يجبه فلينصرف» ، قال له عمر لتأتينِّي ببيِّنة عليه أو لأُدمِيَنَّ ظهرك.(2)

وكتب عمر إلى ولاته في الأمصار ان يلاحقوا الصحف المنتشرة لإتلافها كما في الرواية الآتية :

روى الخطيب عن سفيان بن عينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة «ان عمر بن الخطاب أراد ان يكتب السنة ثم بدا له ان لا يكتبها ، ثم كتب في الأمصار : من كان عنده منها شيء فليمحه».(3)

روى الخطيب أيضا عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال : «جاء علقمة بكتاب من مكة او اليمن صحيفة فيها أحاديث في أهل البيت بيت النبي ، فاستأذنها على عبد الله (بن مسعود) فدخلنا عليه ، قال فدفعنا إليه الصحيفة ، قال فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء فقلنا له : يا أبا عبد الرحمن انظر فيها فان فيها أحاديث حِسانا ، قال

__________________

(1) ابن كثير ،تفسير القران العظيم ، دار المعرفة بيروت 1992 م ، ج 7 ص 413. السيوطي ،الدر المنثور ج 7 ص 614 ، الآلوسي ،روح المعاني ، دار الكتب العلمية بيروت 1415 هـ ، ج 19 ص 357.

(2) مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم 3 / 169.

(3) الخطيب البغدادي ،تقييد العلم ص 53 ، ابن عبد البر ،جامع بيان العلم ج 1 ص 65.


فجعل يميثها(1) فيها ويقول : نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا إليك هذا القرآن القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه» وفي رواية أخرى عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال : «جاء رجل من أهل الشام إلى عبد الله بن مسعود ومعه صحيفة ، فيها كلام من كلام أبي الدرداء وقصص من قصصه ، فقال : يا أبا عبد الرحمن الا تنظر ما في هذه الصحيفة من كلام أخيك أبي الدرداء وقصص من قصصه ، فاخذ الصحيفة فجعل يقرأ فيها وينظر حتى أتى منزله فقال يا جارية آتيني بالإجّانة مملوءة ماء ، فجاءت به فجعل يدلكها ويقول :( الم تلك آيات الكتاب المبين نحن نقص عليك احسن القصص ) اقصصنا احسن من قصص الله تريدون أو حديثا احسن من حديث الله تريدون».(2)

روى الدارمي قال أخبرنا يزيد بن هارون أنا أضعث بن سوار عن الشعبي عن قُرَظة بن كعب قال : بعث عمر بن الخطاب رهطا من الأنصار إلى الكوفة فبعثني معهم فجعل يمشي معنا حتى أتى (صرار) وصرار ماء في طريق المدينة فجعل ينفض الغبار عن رجليه ثم قال : إنكم تأتون الكوفة فتأتون قوما لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم فيقولون قدم أصحاب محمد قدم أصحاب محمد فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث فأقلوا الرواية عن رسول الله وأنا شريككم فيه. قال قرظة وان كنت لأجلس في القوم فيذكرون الحديث عن رسول الله وأني لمن أحفظهم له فإذا ذكرت وصيَّة عمر سكتُّ.

قال أبو محمد (الدارمي) : معناه عندي الحديث عن أيام رسول الله.(3)

__________________

(1) مات يميث مَيْثاً اذاب الملح في الماء.

(2) الخطيب البغدادي ، تقييد العلم ص 54.أقول : مما لا شك فيه ان قسما من هذه الصحف المتداولة قد كتبها الصحابة على عهد النبي وبإملاء منه كما يظهر من رواية السمعاني التي رواها بسنده إبراهيم بن بشر بن أبي جوالق ثنا إسماعيل بن صبيح عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر قالت أم سلمة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صلى‌الله‌عليه‌وسلم دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بأديم وعلي بن أبي طالبعليه‌السلام عنده فلم يزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يملي وعليٌّ يكتب حتى ملأ بطن الأديم وظهره وأكارعه ، قال السمعاني : وأمثال هذه الكتب كثيرة لو ذكرناها لطال الكتاب والمقصود أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يملي الكتب على كتابهرضي‌الله‌عنهم أجمعين (السمعاني ،أدب الإملاء والاستملاء ، دار ومكتبة الهلال 1409 هـ ، 1). الرامهرمزيالحد الفاصل ، ط 3 1404 هـ بيروت.

(3) الدارمي ،سنن الدارمي ج 1 ص 97.


وروى الطحاوي عن سفيان ، عن بيان ، عن عامر الشعبي ، فلما قدم قرظة قالوا : حدَّثنا ، قال : نهانا عمر بن الخطابرضي‌الله‌عنه .(1)

وروى ابن الاثير عن محمد بن إسحاق قال أخبرني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال : والله ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ فجمعهم من الآفاق عبد الله بن حذافة وأبا الدرداء وأبا ذر وعقبة بن عامر فقال : ما هذه الأحاديث التي قد أفشيتم عن رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ في الآفاق قالوا : أتنهانا قال : لا أقيموا عندي لا والله لا تفارقوني ما عشت فنحن أعلم نأخذ ونرد عليكم فما فارقوه حتى مات.(2)

وبفعل هذه السياسة كان الطابع العام لأهل الكوفة بل لغيرهم أيضا هو الجل بأحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اما على مستوى الولاء فولاؤهم للخليفتين من قريش الحاكمة ، ولم يكن فيها موالون لعلي وأهل بيته الا افرادا معدودين مرتبطين بعمار وسلمان وحذيفة. نعم كان بعض بطون قبيلة همدان في الكوفة لهم ارتباط سابق بعليعليه‌السلام حيث اسلموا على يده في اليمن سنة 10 من الهجرة او قبلها ، ولكن الذي كانت له علاقة من اغلب هؤلاء هم آباؤهم والقليل منهم ممن التقاه في اليمن مضافا إلى بُعد العهد وسياسة الدولة القرشية في إهمال عليعليه‌السلام . ثم صار الولاء لعليعليه‌السلام ظاهرا أيام عثمان حينما حمل لواء التشيع لعلي حجر بن عدي ومالك الاشتر ونظراؤهم بعد نهضة علي في إحياء حج التمتع كما سيأتي.

الكوفة على عهد عثمان 23 ـ 28 هـ قبل انشقاق قريش عليه مكرسة لسيرة

الشيخين (ست سنوات)

قال عمرو بن ميمون :

«ان عمر لما طُعِنَ قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت! قال : من استخلف؟

__________________

(1) الطحاوي ،شرح مشكل الآثار ، مؤسسة الرسالة 1415 هـ ، 1994 م ، ج 13 ص 257. والبيهقي ،معرفة السنن والاثار ، تحقيق سيد كسروي حسن ، الناشر : دار الكتب العلمية ، ج 1 ص 31.

(2) المتقي الهندي ،كنز العمال ج 10 ص 292. وابن عساكر ، تاريخ مدينة دمشق ، ج 40 ص 500.


لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته ثم قال عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (انهم من أهل الجنة) علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد وطلحة والزبير فليختاروا رجلا. ثم دعا بهم وقال لهم إني نظرت فوجدتكم رؤساء وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلّا فيكم.(1)

وقال لأبي طلحة الأنصاري اختر خمسين رجلا من الأنصار ، فاجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم ، فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه ، وان اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما ، فان رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر ، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم ، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس.(2)

واستشارعبد الرحمن الناس(3) فقال له عمار بن ياسر ان أردت ان لا يختلف المسلمون فبايع عليا ، فقال المقداد بن الأسود صدق عمار ان بايعت عليا قلنا سمعنا واطعنا.

وقال ابن أبي سرح ان أردت إلا تختلف قريش فبايع عثمان ، فقال عبد الله بن أبي ربيعة صدق ان بايعت عثمان قلنا سمعنا واطعنا.

وقال عمار : أيها الناس ان الله عز وجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم.

__________________

(1) انظر تفصيل الرواية في كتابنا شبهات وردود. الحلقة الثانية الفصل الخامس الشورى السداسية.

(2) في طبقات بن سعد بسنده عن سماك ان عمر قال للأنصار ادخلوهم بيتا ثلاثة أيام فان استقاموا والّا فأدخلوا عليهم فاضربوا أعناقهم ج 3 ص 342 ، وفي انساب الأشراف للبلاذري ج 4 ص 503 قال عمر ليتبع الأقل الأكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه ومثله في المتقي الهندي ،كنز العمال ج 12 ص 681.

(3) وفيصحيح البخاري ج 9 ص 97 قال عبد الرحمن لأهل الشورى لست بالذي انافسكم على هذا الأمر ولكنكم ان شئتم اخترت منكم فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه وفي ج 5 ص 22 قال عبد الرحمن لأهل الشورى اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم فقال الزبير جعلت أمري إلى علي فقال طلحة جعلت أمري إلى عثمان وقال سعد قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف ثم قال عبد الرحمن لعلي وعثمان اجعلوه إليّ والله عليّ ان لا آلوا عن أفضلكم.


فقال رجل من بني مخزوم لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها.(1)

فقال سعد بن أبي وقاص : يا عبد الرحمن افرغ قبل ان يفتن الناس.

ودعا عبد الرحمن علي فقال له عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده.

قال أرجو ان افعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي.(2)

ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي ، فقال نعم فبايعه.(3)

فقال علي : حبوته حبو دهر ، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ، والله ما وليت عثمان إلّا ليرد الأمر إليك.(4)

__________________

(1) انظر أيضا البلاذري ،انساب الاشراف ج 2 ص 144 خبر 142.

(2) وفي تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 162 ان علياعليه‌السلام قال لعبد الرحمن لما عرض عليه البيعة على كتاب الله وسنة النبي وسيرة أبي بكر وعمر قال : «ان كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما إلى اجّيري أحد». والأجيري بالكسر والتشديد : العادة والطريقة.

(3) وفي صحيح البخاري ج 8 ص 123 : قال المسور طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت فقال أراك نائما فوالله ما اكتحلت هذه الليلة بكبيرنوم انطلق فادع الزبير وسعدا فدعوتهما له فشاورهما ثم دعاني فقال ادع لي عليا فدعوته فناجاه حتى ابهار الليل ثم قام علي من عنده وهو على طمع وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا ثم قال ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح فلما صلى للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر فأرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار وارسل إلى أمراء الأجناد وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال اما بعد يا علي اني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا فقال أبا يعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وامراء الأجناد والمسلمون.أقول : وامراء الاجناد الذين وافوا مع عمر تلك السنة هم : قوله : وقد كان عبد الرحمان يخشى من علي شيئاً أي : من المخالفة الموجبة للفتنة. قوله : وكانوا وافوا تلك الحجة أي : قدموا إلى مكة فحجوا مع عمر ورافقوه إلى المدينة ، وأمراء الأجناد كما في عمدة الثاري (ج 24 ص 273) ، هم : معاوية أمير الشام ، وعمير بن سعد (الانصاري الاوسي) أمير حمص ، والمغيرة بن شعبة أمير الكوفة ، وأبو موسى الأشعري أمير البصرة ، وعمرو بن العاص أمير مصر.أقول : (قال ابن أبي الحديد فيشرح نهج البلاغة ج 13 ص 184 طعن عمر يوم الأربعاء لاربع بقين من ذي الحجة ودفن يوم الاحد لصبح هلال المحرم).

(4) وفيتاريخ اليعقوبي ج 1 ص 162 قال عليعليه‌السلام لعبد الرحمن بن عوف انت مجتهد ان تزوي هذا الأمر عني.


فقال عبد الرحمن يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فأني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان.

فقال المقداد : ما رأيت مثل ما أتوي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم ، إني لأعجب من قريش انهم تركوا رجلا لا أقول ان أحداً اعلم ولا أقضى منه بالعدل أما والله لو أجد عليه أعوانا.(1)

فقال عبد الرحمن يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة»

قال عوانة قال إسماعيل قال الشعبي فحدثني عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب بن عبد الله الأزدي قال كنت جابسا بالمدينة حيث بويع عثمان فجئت فجلست إلى المقداد بن عمرو فسمعته يقول اما والله لو ان لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إياهم ببدر وأحد

فقال عبد الرحمن ثكلتك أمك لا يسمعن هذا الكلام الناس فإني أخاف ان تكون صاحب فتنة وفرقة.

قال المقداد ان من دعا إلى الحق وأهله وولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة ولكن من أقحم الناس في الباطل وآثر الهوى على الحق فذلك صاحب الفتنة والفرقة.

قال فتربد وجه عبد الرحمن ثم قال لو اعلم انك إياي تعنى لكان لي ولك شأن.

قال المقداد إياي تهدد يا بن أم عبد الرحمن ثم قام عن عبد الرحمن فانصرف.

قال جُندُب بن عبد الله فاتبعته وقلت له يا عبد الله أنا من أعوانك ، فقال رحمك الله ان هذا الأمر لا يغني فيه الرجلان ولا الثلاثة ، قال فدخلت من فوري ذلك على عليعليه‌السلام فلما جلست إليه قلت يا أبا الحسن والله ما أصاب قومك بصرف هذا الأمر عنك فقال صبر جميل والله المستعان. فقلت والله انك لصبور قال فان لم اصبر فماذا اصنع ،

__________________

(1) جاءفي تاريخ اليعقوبي ج 2 : 163 قول المقداد : واعجبا لقريش ودفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم. وفي مروج الذهب ج 2 : 343 قال المقداد : يا عبد الرحمن اعجب من قريش انما تطوُّلهم على الناس بفضل أهل هذا البيت قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعده من ايديهم ، اما وايم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش أنصارا لقاتلتهم كقتالي أياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر.


قلت إني جلست إلى المقداد بن عمرو آنفا وعبد الرحمن بن عوف فقالا كذا وكذا ثم قام المقداد فاتبعته فقلت له كذا فقال لي كذا فقال عليعليه‌السلام لقد صدق المقداد ، فماذا اصنع؟

فقلت تقوم في الناس فتدعوهم إلى نفسك وبخبرهم انك أولى بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتسألهم النصر على هؤلاء المتظاهرين عليك فإذا أجابك عشرة من مائة شددت بهم على الباقين ، فان دانوا لك فذاك وإلا قاتلتهم وكنت أولى بالعذر قتلت أو بقيت ، وكنت أعلى عند الله حجة ،

فقالعليه‌السلام : أترجو يا جندب ان يبايعني من كل عشرة واحد؟ قلت أرجو ذلك ، قال لكني لا أرجو ذلك ، لا والله ولا من المائة واحد ، وسأخبرك ان الناس ينظرون إلى قريش فيقولون هم قوم محمد وقبيله ، واما قريش بينها تقول ان آل محمد يرون لهم على الناس بنبوته فضلا ويرون انهم أولياء هذا الأمر دون قريش ودون غيرهم من الناس وهم ان وَلَوْه لم يخرج السلطان منهم إلى أحد أبدا ومتى كان في غيرهم تداولته قريش بينها ، لا والله لا يدفع الناس إلينا هذا الأمر طائعين أبدا.

فقلت جعلت فداك يا بن عم رسول الله لقد صدعت قلبي بهذا القول أفلا ارجع إلى المصر فأوذن النسا بمقالتك وأدعو الناس إليك فقال يا جندب ليس هذا زمان ذاك.

قال فانصرفت إلى العراق فكنت اذكر فضل علي على الناس فلا اعدم رجلا يقول لي ما اكره واحسن ما اسمعه قول من يقول دع عنك هذا وخذ فيما ينفعك فأقول ان هذا مما ينفعني وينفعك فيقوم عني ويدعني.(1)

وفي الإرشاد قال : فكنتُ كلّما ذكرتُ للناس شيئاً من فضائل عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ومناقبه وحقوقه زَبرُوني ونَهَرُوني ، حتى رُفِعَ ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة لياليَ وَلِيَنَا ، فبعث إليّ فحبسني حتى كُلّمَ فيَّ فخلَّى سبيلي.(2)

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 9 ص 56 نقلا عن سقيفة الجوهري.

(2) المفيد ،الإرشاد ، ج 1 ص 241. والطوسي ، الأمالي ، ج 234 ؛ وابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 9 ص 57 نحوه.


ومن هذه الرواية نفهم عدة أمرو منها :

1. ان الولاء العام للكوفيين هو لقريش وليس لعليعليه‌السلام رصيد فيها كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين حين قال لجندب (اترجو يا جندب ان يبايعني من كل عشرة واحد؟ قلت أرجو ذلك ، قال لكني لا أرجو ذلك ، لا والله ولا من المائة واحد).

2. ان الداعي إلى علي وفضائله تسجنه السلطة كما رأينا في سجن جندب نفسه.

3. ان أمير المؤمنين نصع جندبا ان لا يدعو الناس إلى علي فان لازمان ليس ذلك.

4. ان تصرف جندب وسجنه عمَّق عنده دقة تشخيص أمير المؤمنين للموقف حين سألف (أفلا ارجع إلى المصر فأوذن الناس بمقالتك وأدعو الناس إليك) فكان جوابهعليه‌السلام (يا جندب ليس هذا زمان ذاك).

4. ان أهل البلاد المفتوحة بشكل عام والكوفة منها كانوا لا يعرفون عليا ومناقبه ، بل حين ذكر جُندب بعض مناقبه زبره الناس ونهروه وقاموا عنه / لأنه كلام لم يأتِهم بطريق رسمي / ورفع أمره إلى الوليد فحَبَسَه. فإذا عَرَفنا ان الوليد قد وُلِّي الكوفة سنة 25 هـ أو سنة 26 هـ وعُزِل عنها سنة 30 هجرية عرفنا ان الجو العام في الكوفة في ذلك الوقت كان لا يسمح بذكر فضائل عليعليه‌السلام الا سرا.

نهضة علي عليه‌السلام على عهد عثمان سنة 27 هـ لإحياء حج التمتع

استحكم الانشقاق بين عثمان وبطون قريش سنة 27 هـ عندما استحكم الخلاف بينه وبين عبد الرحمن بن عوف وهو آخر من تذمر من عثمان من بطون قريش حين بنى قصره طمار الزوراء(1) في المدينة ، وتكونت جبهة قرشية معارضة لسياسة عثمان

__________________

(1) قال الحموي فيمعجم البلدان : طمار المكان المرتفع ، وقال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة ج 1 ص 196 الأولى : وابو هلال الأوائل : 129 عن أبي يعقوب السروي. «لمّا بنى عثمان قصره (طمار الزوراء) وضع طعاماً كثيراً ودعا الناس إليه كان فيهم عبد الرحمن ، فلمّا نظر إلى البناء والطعام قال : يا بن عفّان لقد صدّقنا عليك ما كنا نكذّب فيك ، وإني أستعيذ بالله من بيعتك ، فغضب عثمان وقال : أخرجه عني يا غلام ، فأخرجوه وأمر الناس أن لا يجالسوه فلم يكن يأتيه أحد إلّا ابن عباس كان يأتيه فيتعلم منه القرآن والفرائض ومرض عبد الرحمن فعاده عثمان وكلّمه


في تقريب اسرته وتسليمهم ولاية الأمصار ، فقد عزل عمرو بن العاص عن مصر سنة 25 هـ وعين اخاه من الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان النبي قد أهدر دمه في فتح مكة وأجاره عثمان ثم عزل سعد بن أبي وقاص عن الكوفة سنة 25 هـ وعيَّن أخاه لامه الوليد بن عقبة الفاسق بنص القرآن. وفي سنة 26 هـ جمع الشام كلها لمعاوية. وفي سنة 27 هـ عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولى مكانه عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب بن عبد شمس وهو ابن أربع وعشرين سنة وضم إليه ولاية فارس.

قرر عليعليه‌السلام في جو استحكام الخلاف بين بطون قريش وعثمان وتذمر الناس من تصرف ولاته ان يحيي حج التمتع الذي نهى عنه عمر صار هذا النهي جزءا من السيرة التي التزمها عثمان في خلافته وكانت مدخلا ميَّز علياعليه‌السلام في نهضته في قبال المعارضة القرشية لعثمان التي كانت تستهدف الاطاحة بحكم عثمان وبني أمية وتداول السلطة في بطون قريش كما كان أيام أبي بكر وعمر.

نهض مع علي وجوه من صحابة النبي كما في رواية البخاري :

روى مالك في الموطأ :

«ان المقداد بن الأسود (ت 33) دخل على عليعليه‌السلام بالسُقْيا(1) وهو يُنجِع بَكرات له دقيقا وخبطا ، فقال هذا عثمان بن عفان ينهى ان يقرن بين الحج والعمرة ، فخرج عليعليه‌السلام وعلى يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط ، على ذراعيه ، حتى دخل على عثمان فقال : أنت تنهى عن ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة ، فقال : عثمان ذلك رأيي ، فخرج عليٌّعليه‌السلام مغضبا وهو يقول : لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا».(2)

__________________

فلم يكلّمه حتى مات» وقال ابن عبد ربه فيالعقد الفريد ج 2 ص 280. : «لمّا أحدث عثمان ما أحدث من تأمير الأحداث من أهل بيته على الجلّة من أصحاب محمّد قيل لعبد الرحمن هذا عملك قال : ما ظننت هذا ، ثمّ مضى ودخل عليه وعاتبه وقال إنّما قدّمتك على ان تسير فينا بسيرة أبي بكر وعمر فخالفتهما وحابيت أهل بيتك وأوطأتهم رقاب المسلمين. فقال : انّ عمر كان يقطع قرابته في الله وأنا أصل قرابتي في الله. قال عبد الرحمن : لله عليَّ أن لا أكلمك أبداً ، فلم يكلّمه حتى مات وهو مهاجر لعثمان ، ودخل عليه عثمان عائداً له في مرضه فتحوّل عنه إلى الحائط ولم يكلّمه». وقال ابن قتيبة فيالمعارف ص 239 : كان عثمان بن عفان مهاجرا لعبد الرحمن ابن عوف حتى ماتا.

(1) و (السقيا) قرية جامعة بطريق مكة ، بينهما مما يلي الجحفة تسعة عشر ميلا.

(2) موطأ مالك الحديث 40 من باب القِران في الحج : 336 ، وابن كثير 5 : 129 ، (ينجع) يسقي ،


وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احمد واللفظ للأول عن سعيد بن المسيب قال :

«حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيته (وفي نسخة السندي إذا رأيتموه) ارتحل فارتحلوا فلبى علي وأصحابه بالعمرة».(1)

قال الإمام السندي بهامشه :

«قال (إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله ، وانه لا طاعة له في مقابل السنة».(2)

موقف عبد الله بن مسعود من عثمان :

قالوا في ترجمة عبد الله بن مسعود حليف بني زهرة(3) : أسلم قديما وهاجر الهجرتين وشهد بدرا والمشاهد بعدها ، وأخرج البغوي من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال عبد الله لقد رأيتني سادس ستة وما على الأرض مسلم غيرنا وكان يقول أخذت من في رسول الله سبعين سورة أخرجه البخاري شهد فتوح الشام سيَّره عمر إلى الكوفة ليعلمهم أمور دينهم وبعث عمارا أميرا وقال إنهما من النجباء من أصحاب محمد فاقتدوا بهما. وعن زيد بن وهب قال أقبل عبد الله ذات يوم وعمر جالس فلما رآه مقبلا قال كنيف مليء فقها.(4)

__________________

و (بكرات) جمع بكرة ولد الناقة أو الفتى منها ، و (الخَبْط) ضرب من ورق الشجر حتى ينحات عنه ثم يستخلف من غير ان يضر ذلك باصل الشجر واغصانها قال الليث (الخَبَط) خَبَط ورق العِظاء من الطلح ونحوه يخبط يضرب بالعصا فيتناثر ثم يعلف الإبل.

(1) النسائي ، سنن النسائي ج 2 ص 15 كتاب الحج باب حج التمتع ، واحمد بن حنبل ،مسند احمد ج 1 ص 57 الحديث 402 بمسند عثمان. والحاكم ،المستدرك على الصحيحين ج 1 ص 472. ابن كثيرالبداية والنهاية ، ج 5 ص 126 و 127.

(2) يتضح من الرواية وتعليق السندي ان علياعليه‌السلام وأصحابه كانوا في الحج على السنة وكان عمر وعثمان ومن اقتدى بهما على خلاف السنة.

(3) في طبقات ابن سعد أن أم عبد الله بن مسعود اسمها أم عبد وأمها هند بنت عبد الحارث بن زهرة ، وفي الاصابة عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة.

(4) انظر ترجمته فيالاصابة ابن حجر والاستيعاب لابن عبد البروالطبقات الكبرى لابن سعد وغيرها.


كان عبد الله بن مسعود من الأوفياء لسياسة عمر وفتاواه(1) منسجما كل الانسجام مع السلطة الحاكمة وقد روى البلاذري ان ابن مسعود وكان أول الناس جاء ببيعة عثمان إلى الكوفة وأخذها على الناس(2) غير انه اصطدم فيما بعد مع عثمان في قصة تغيير المصاحف بسبب عدم إشراكه في اللجنة الخاصة وتفضيل زيد بن ثابت عليه فدعا الكوفيين إلى عدم تسليم مصاحفهم وامتنع هو من تسليم مصحفه لمبعوث عثمان مع ملاحظات سابقة له على سيرة الوليد بن عقبة فأمر عثمان بإشخاصه إلى المدينة وضُرب هناك وكسرت أضلاعه ومنع من العطاء سنتين.

روى ابن شبة قال حدثنا عبد الله بن رجاء قال ، أنبأنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن حمير بن مالك قال : لما أمر بالمصاحف أن تُغّيَّر ساء ذلك عبد الله بن مسعودرضي‌الله‌عنه فقال : من استطاع منكم أن يغل مصحفا فليفعل ، فإن من غل شيئا جاء بما غل يوم القيامة ، ثم قال : لقد قرأت القرآن من في (أي فم) رسول الله سبعين سورة ، وزيد صبي ، أفأترك ما أخذت من في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .(3)

وفي رواية أخرى عن محمد بن عبد الله بن المثنى الانصاري قال ، حدثنا إسرائيل بن يونس ، عن ثوبر بن أبي فاختة ، عن أبيه قال : بعث عثمانرضي‌الله‌عنه إلى عبد الله أن يدفع المصحف إليه. قال : ولم؟ قال : لأنه كتب القرآن على حرف زيد. قال : أما أن أعطيه المصحف فلن أعطيكموه ، ومن استطاع أن يغل شيئا فليفعل ، والله لقد قرأت من في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سبعين سورة ، وإن زيدا لذو ذؤابتين يلعب بالمدينة.(4)

وروى ابن عبد البر عن الأعمش عن شقيق أبى وائل قال لما أمر عثمان في المصاحف بما أمر قام عبد الله بن مسعود خطيبا فقال : أيأمروني أن أقرأ القرآن على

__________________

(1) اذ تجاوب معه في قضية نشر الحديث وإتلاف صحفه وقد مرت أخباره فيها كما تجاوب معه في فتواه في عدم الصلاة للمجنب عند فقدانه الماء.

(2) البلاذريانساب الاشراف ج 11 ص 227.

(3) النميري عمر بن شبة ،تاريخ المدينة المنورة ، دار الفكر 1410 هـ ، ص 1006 ، ورواه أيضا السجستاني ، ابن أبي داود في كتابالمصاحف ، دار الكتب العلمية بيروت 1995 م ص 17.

(4) المصدر السابق.


قراءة زيد بن ثابت نفسى بيده لقد أخذت من في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم سبعين سورة وإن زيد بن ثابت لذو ذؤابة يلعب به الغلمان والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل وما أحد أعلم بكتاب الله مني ولو أعلم أحداً تبلغنيه الإبل أعلم بكتاب الله منى لأتيته ثم استحيي مما قال فقال وما أنا بخيركم قال شقيق فقعدت في الحق فيها أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فما سمعت أحدا أنكر ذلك عليه ولا رد ما قال.(1)

قال اليعقوبي كتب عثمان في جمع المصاحف من الآفاق حتى جمعت ، ثم سلقها بالماء الحار والخل ، وقيل أحرقها ، فلم يبق مصحف إلا فعل به ذلك خلا مصحف ابن مسعود.(2) وكان ابن مسعود بالكوفة ، فامتنع أن يدفع مصحفه إلى عبد الله بن عامر ، وكتب إليه عثمان : أن أشخصه ، إنه لم يكن هذا الدين خبالا وهذه الأمة فسادا(3) . فدخل المسجد وعثمان يخطب ، فقال عثمان : إنه قد قدمت عليكم دابة سوء ، فكلمه ابن مسعود بكلام غليظ فأمر به عثمان ، فجُرَّ برجله حتى كسر له ضلعان ، فتكلمت عائشة ، وقالت قولا كثيرا.

وفي رواية البلاذري : احتمله يحموم غلام عثمان ورجلاه تختلفان على عنقه حتى

__________________

(1) ابن عبد البرالاستيعاب ص 993.

(2) اليعقوبي ، تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 170 وفي تاريخ المدينة المنورة لابن شبة / 1003 ـ 1004 قال حدثنا حفص بن عمر الدوري قال ، حدثنا إسماعيل ابن جعفر ، عن عمارو بن غزبة ، عن ابن شهاب ، عن خارجة ابن زيد بن ثابترضي‌الله‌عنه قال : لما ماتت حفصة أرسل مروان إلى عبد الله بن عمررضي‌الله‌عنهما بعزيمة ، فأعطاه إياها ، فغسلها غسلا. وقال حدثنا عثمان بن عمر قال ، أنبأنا يونس ، عن ابن شهاب قال ، حدثني أنسرضي‌الله‌عنه قال ، لما كان مروان أمير المدينة أرسل إلى حفصة يسألها عن المصاحف ليمزقها وخشي أن يخالف الكتاب بعضه بعضا فمنعتها إياه. قال الزهري : فحدثني سالم قال ، لما توفيت حفصة أرسل مروان إلى ابن عمررضي‌الله‌عنهما بعزيمة ليرسلن بها ، فساعة رجعوا من جنازة حفصة أرسل بها ابن عمررضي‌الله‌عنهما ، فشققها ومزقها مخافة أن يكون في شيء من ذلك خلاف لما نسخ عثمانرضي‌الله‌عنه .أقول : وبقي مصحف عليعليه‌السلام لم يتلفوه لان عليا لم يظهره لهم.

(3) روى ابن عبد البر وابن حجر في الاصابة عن الأعمش قال قال زيد بن وهب لما بعث عثمان إلى بن مسعود يأمره بالقدوم إلى المدينة اجتمع الناس فقالوا أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه فقال إن له على حق الطاعة ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن.


ضرب به الأرض فدق ضلعه وقام علي بأمر ابن مسعود حتى أتى به منزله فأقام ابن مسعود بالمدينة لا يأذن له عثمان في الخروج منها إلى ناحية من النواحي وأرااد حين برئ الغزو فمنعه من ذلك وقال له مروان : إن ابن مسعود أفسد عليك العراق افتريد أن يفسد عليك الشام؟ فلم يبرح من المدينة حتى توفي(1) بعد ثلاث سنوات من إقامته الجبرية وكان قد استُقدِم من الكوفة سنة 29 هـ.

وروى البلاذري قال : أشخص عثمانُ ابنَ مسعود إلى ما قِبَله واسمعه ، ولم يأذن له في الخروج من المدينة فأقام بها ثلاث سنين حتى مات ، وكان موته قبل مقتل عثمان. ولما مرض مرضه الذي مات فيه مرَّضه أزواح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه ، وأتاه عثمان يعوده فقال له : كيف تجدك يا أبا عبد الرحمن؟ قال : بخير. قال : ما تشتكي؟ قال : ذنوبي. قال : أفلا آمر لك بعطائك ، وكان قد قطعه عنه لموجدته عليه (وفي رواية هشام بن عروة عن أبيه قال : وكان قد حرمه عطاءه سنتين)(2) وفي رواية حرمه عطاءه ثلاث سنين(3) ، فقال : منعتنيه وانا محتاج إليه وتعطينيه وانا مستغن عنه(4) . وأوصى ان لا يصلي عليه عثمان(5) . قال أبو نعيم وغيره مات (عبد الله بن مسعود) بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين وقيل مات سنة ثلاث والأول اثبت.(6)

__________________

(1) قال ابن عبد البر فيالاستيعاب ص 994 توفي عبد الله بن مسعود سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع صلى عليه عثمان وقيل بل صلى عليه الزبير ودفنه ليلا بإيصائه بذلك إليه ولم يعلم عثمان بدفنه فعاتب الزبير على ذلك وكان يوم توفى ابن بضع وستين سنة. وحدثنا قاسم بن محمد حدثنا أحمد بن عمرو حدثنا محمد بن سنجر حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد عن سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن جابر بن زيد عن ابن عباس قال آخى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بين الزبير وبين ابن مسعودرضي‌الله‌عنهما .

(2) البلاذري ،انساب الاشراف ج 11 ص 227 وتكملة الرواية ان الزبير أتى عثمان فقال له ان عيال عبد الله أحوج إلى عطائه من بيت المال فأعطاه عشرين ألف درهم أو خمسة وعشرين ألف درهم. ومن الجدير ذكره ان ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 138 بدل عبارة (حرمه عطاءه سنتين) إلى عبارة (تركه سنتين) فجعل ابن مسعود هو الممتنع عن أخذ عطائه!

(3) الطبراني ،كتاب الأوائل ، مؤسسة الرسالة 1408 هـ ـ 1987 م ، ج 1 ص 272.

(4) البلاذري ،أنساب الاشراف ، ج 11 ص 227.

(5) البلاذري ،أنساب الاشراف ، ج 1 ص 525 ، ج 11 ص 226.

(6) ابن حجر ،الاصابة في تمييز الصحابة .


وروى البخاري قال حدّثنا عمر بن حفص قال حدّثنا أبي قال حدّثنا الأعمش قال سمعت شقيق بن سلمة قال كنت عند عبد الله وأبي موسى فقال له أبو مىوسى أرأيت يا أبا عبد الرّحمن إذا أجنب فلم يجد ماء كيف يصنع فقال عبد الله لا يصلّي حتّى يجد الماء فقال أبو موسى فكيف تصنع بقول عمّار حين قال له النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم كان يكفيك قال ألم تر عمر لم يقنع بذلك فقال أبو موسى فدعنا من قول عمّار كيف تصنع بهذه الآية فما درى عبد الله ما يقول فقال إنّا لو رخّصنا لهم في هذا لأوشك إذا برد على أحدهم الماء أن يدعه ويتيمّم فقلت لشقيق فإنّما كره عبد الله لهذا قال نعم.(1)

صحيح البخاري ـ (ج 2 / ص 76) حدّثنا محمّد بن سلام قال أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن شقيق قال كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى الأشعريّ فقال له أبو موسى لو أنّ رجلا أجنب فلم يجد الماء شهرا أما كان يتميمّم ويصلّي فكيف تصنعون بهذه الآية في سورة المائدة فقال عبد الله لو رخّص لهم في هذا لأوشكوا إذا برد عليهم الماء أن يتيمّموا الصّعيد قلت وإنّما كرهتم هذا لذا قال نعم فقال أبو موسى ألم تسمع قول عمّار لعمر بعثني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء فتمرّغت في الصّعيد كما تمرّغ الدّابّة فذكرت ذلك للنّبيّصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال إنّما كان يكفيك أن تصنع هكذا فضرب بكفّه ضربة على الأرض ثمّ نفضها ثمّ مسح بهما ظهر كفّه بشماله أو ظهر شماله بكفّه ثمّ مسح بهما وجهه فقال عبد الله أفلم تر عمر لم يقنع بقول عمّار وزاد يعلى عن الأعمش عن شقيق كنت مع عبد الله وأبي موسى فقال أبو موسى ألم تسمع قول عمّار لعمر إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بعثني أنا وأنت فأجنبت فتمعّكت بالصّعيد فأتينا رسول الله صلّى الله عليم وسلّم فأخبرناه فقال إنّما كان يكفيك هكذا ومسح وجهه وكفّيه واحدة.

وروى الحاكم بسنده عن سعيد بن زيد قال حدثنا الحسن ان رجلا قال لعمران بن الحصين ما هذه الأحاديث التي تحدثوناها وتركتم القرآن ، قال أرأيت لو أبيتَ أنت واصحابُك إلا القرآن (وفي رواية لو وُكِلت أنتَ واصحابُك إلى القرآن) من أين كنتَ

__________________

(1) البخاري ،صحيح البخاري ج 2 ص 74.


تعلم ان صلاة الظهر عدتها كذا وكذا ، وصلاة العصر عدتها كذا ، وحين وقتها كذا ، وصلاة المغرب كذا ، والموقف بعرفة ورمى الجمار كذا ، واليد أين تقع أمن ههنا أم ههنا أم من ههنا ووضع يده على مفصل الكف ووضع يده عند المرفق ووضع يده عند المنكب ، وقال : اتبعوا حديثنا ما حدثناكم ، وإلّا واللهِ ضللتم.

وَقَالَ مُسَدَّدٌ : حَدَّثَنَا حماد ، عن علي بن زيد ، عن الحسن قال : بينما عمران بن حصين وعنده أصحابه يحدثهم فقال رجل : لا تحدثنا إلَّا بالقرآن ـ أو لا نريد إلَّا القرآن ـ فقال : أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن؟ أكنت تجد صلاة الظهر أربعاً وصلاة العصر أربعاً وصلاة المغرب ثلاثا ، تقرأ في الركعتين الأولتين ، حتى عد الصلوات كلها؟! أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك إلى القرآن ، أكنت تجد في كل مائتين خمسة ، ومن الإبل كذا وكذا ، وفي البقر كذا وكذا؟! أرأيت لو وكلت أنت وأصحابك ، أكنت تجد الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة كذا وكذا؟!.(1)

الكوفة على عهد علي عليه‌السلام

انفتحت الكوفة على مشروع عليعليه‌السلام الإحيائي للسنة النبوية بقيادته وتبنت نصرته وكانت أول نصرتها له حين نكث طلحة والزبير بيعتهما معه واقتطعا البصرة عنه.

ثم نصروه في صفين وقاتلوا أهل الشام معه.

ثم نصروه في حرب النهروان حين قاتلوا أبناءهم وإخوانهم وأساتيذهم لما تحولوا إلى مفسدين.

وكان عليعليه‌السلام خلال ذلك يعلمهم ويبفقههم وصارت الكوفة في أواخر عهده كأنما بُنِيت على حُبِّه والايمان به لما رأى أهلها من عدله وعلمه وحسن سيرته فيهم إلى جانب ما عرفوا من سابقته مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأحاديث النبي فيه وما نزل من القرآن في حقه وما جرى على يده من الكرامات ،

__________________

(1) البوصيري ، للحافظ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل ،إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ، موافق لطبعة دار الوطن 1420 هـ. ج 1 ص 191.


انهم شاهدوا في سيرة عليعليه‌السلام انه من رسول الله كالضوء من الضوء أو كالصنو من الصنو ، وكالذراع من العضد.(1)

رأوا فيه ما اخبر عنه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (انه منه بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعده) حين قارنوا ذلك بما قصه القرآن من نصرة هارون لموسى وتصديقه ومعاونته ونصرته وكون الإمامة بعد موسى في ذريته وكذلك عليعليه‌السلام .

لقد بايع علياعليه‌السلام بعد معركة النهروان أربعون ألف على الموت ليقاتلوا معاوية ولكنه الأجل الذي قدره الله تعالى له.

لقد صارت الكوفة على عهد عليعليه‌السلام بلد الأنصار وأهل الحل والعقد في المشروع الإحيائي للسنة نظير المدينة كانت على عهد النبي بلد الأنصار وأهل الحل والعقد في مشروع الرسالة.

قاتلت المدينة قريشا المشركة التي استهدفت محاصرة الرسالة بل قتل النبي وأصحابه. وقاتلت الكوفةُ قريشا المسلمة في البصرة والشام التي استهدفت محاصرة علي بل قتله وقتل أصحابه.

وكما كان يوجد في المدينة على عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من يكره علياعليه‌السلام ويبغضه وكانوا يسرونه لما يعلمون من غضب النبي عليهم إذا اظهروه وقد عرفوا بالمنافقين وقد ورد في

__________________

(1)نهج البلاغة تحقيق صالح ص 23 ،أقول : ومرادهعليه‌السلام بقوله (انا من رسول الله كالصنو من الصنو او كالضوء من الضوء) ان سيرته وعلمه هي سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلمه ، وصنوا النخلة هما الفرعان الذين يخرجان من جذع واحد اما من الجذر او فيما بعد من الجذع الاول. ونموذج ذلك صلاتهعليه‌السلام فقد روى الترمذي 1 / 272 ، 1 / 284 ، ومسلم 1 / 295 ، وابو داود 1 / 222 ، والنسائي 2 / 204 ، واحمد 4 / 429 ، 432 ، 444 ، والبيهقي 4 / 134 ، والطبراني في المعجم الكبير 18 / 125 ، 117 ، والطيالسي / 111.

عن مطرف بن عبد الله قال صليت خلف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنا وعمران بن حصين فكان إذا سجد كبر وإذا رفع رأسه كبر وإذا نهض من الركعتين كبر فلما قضى الصلاة أخذ بيدي عمران بن حصين فقال قد ذكرني هذا صلاة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم أو قال لقد صلى بنا صلاة محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وفي سنن البيهقي : 2 / 79 قال الشيخ ورواه محمد بن جابر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال صليت خلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأبو بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة.


الرواية : (كنا لا نعرف المنافقين على عهد النبي الا ببغضهم عليا)(1) ، وقد تآمروا على النبي ليقتلوا في عقبة هرشى بعد عودته من تبوك أو بعد عودته من حجة الوداع ، كذلك كان الأمر في الكوفة حيث وجد فيها من يبغض عليا ولكنه لا يخفيه بل يظهره وقد عرفوا بالخوارج الذين مردوا على بغض علي وقاتلوه وقاتلهم ونال الشهادة على يد شر افرادهم عبد الرحمن بن ملجم.

الكوفة في سنوات الصلح سنوات الفتح المبين لعلي عليه‌السلام

بايعت الكوفة الحسن بن علي بصفته وصي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ووارث علومه وعلوم أبيه واحد أفراد آية المباهلة وآية التطهير وحديث الكساء ووارث ، وامتاز أهل الكوفة عن أهل المدينة بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حين تخلف الأنصار عن نصرة أهل بيت رسول الله وبايعوا غيرهم وتخلفوا عن سنة النبي وعملوا بسنه غيره ووفى أنضار علي في الكوفة مع بيت رسول الله فبايعوا الحسن وعملوا بسنة رسول الله التي احياها علي ، وبايعته تبعا لبيعتهم البصرة والبحرين ومكة والمدينة واليمن وايران وما وراءها.

ونصرت الكوفة الحسنَ في مشروعه الاصلاحي العظيم حين استجابت لخطوته الاصلاحية الرائدة التي لم تخطر ببال معاوية وأهل الشام فانهم كانوا يتوقعون احد أمرين لطلبهم الصلح مع الحسن اما الرفض والقتال ، أو الاستجابة للصلح بان يبقى الحسن على دولته في الشرق ومعاوية على دولته في الغرب وتنشأ علاقات سلمية بينهم كدولتين مستقلتين ، وإذا بالحسن يفاجئهم بمشروعه التوحيدي للامة الإسلامية وتقديمه معاوية بشروط يضعها الحسن وهو أمر مهما كانت الشروط فيه فانه لا يستوعبه الا من كان يفهم مشروع علي الإحيائي للسنة ، ولذلك رأينا رد فعل الخوارج هو تسفيه هذه الخطوة ومحاولة اغتيال الحسن ، بخلاف حَمَلَةِ مشروع عليعليه‌السلام فانهم قد فهموا المغزى العميق للخطوة الرائدة التي تحقق أمرين في وقت واحد :

الأول : فضح معاوية عند أهل الشام بانه طالب ملك لا غير ، فانه تنازل عن الأساس الذي بويع عليه عثمان وهو العمل بسيرة الشيخين وقبل ان يتقيد بالكتاب والسنة

__________________

(1) انظر البحث عن اسانيده فيشرح إحقاق الحق للمرعشي ج 7 ص 237 فما بعد.


وخلى عن مطلبه الأخذ بثأر عثمان ، بمجرد انه اعطي حكم العراق ، وفي قبال ذلك تبرز مبدائية عليعليه‌السلام حين عرض عليه الحكم بشرط العمل بسيرة الشيخين فلم يقبل ورفض الملك.

الثاني : اصلاح الأمة برأب الصدع الكبير وعودتها إلى سابق عهدها موحدة وكسر الطوق عن مشروع علي واخبار سيرته المشرقة في الشام.

وليس من شك فان رجال هذين المكسبين هم شيعة علي الذين حملوا حديث النبي فيه واخبار سيرته المشرقة وكلهم شوق ان ينشروا ذلك كما كان المسلمون زمن النبي قبل صلح الحديبية كلهم شوق لان ينشروا اخبار سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله المشرقة.

وطار معاوية فرحا بالأطروحة الحسنية للصلح وانفتحت قلوب أهل الشام لشيعة علي وتحول الكوفيون خلال عشر سنوات إلى دعاة لعلي ينشرون اخبار سيرته المشرقة داخل الشام وخارجها.

وتأكَّد لأهل الشام حقانية علي في نهضته وأولويته بكتاب الله وسنة نبيه وحقانية أهل العراق في نصرة مشروع علي في إحياء سنة النبي وان بيعتهم للحسن كانت موفقة.

الكوفة على عهد الغدر المبين لمعاوية 50 ـ 60 هـ عشر سنوات

لم تطب نفس معاوية بما حققه الحسن وشيعة أبيه من خدمة حقيقية للامة ، فدفعه حقدُه الأعمى إلى الانتقام من الحسن ومن العراقيين فتخلص من الحسنعليه‌السلام بالسم بعد عشر سنوات ، وأعاد سياسته في لعن علي والبراءة منه ، وأعاد تداول الأحاديث الكاذبة التي وضعها اعلامه أيام صفين في تسويغ ذلك ، واستطاع ان يربي جيلا جديدا من الأمة لا يعرف عليا الا إمام ضلالة مفسدا في الدين يجب لعنه والبراءة منه ، (روى ابن أبي الحديد عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني (ت 225 هـ)(1) في كتابه

__________________

(1) قال الخطيب البغدادي فيتاريخ بغداد ج 12 ص 54 ـ 55 في ترجمة المدائني (كان عالماً بأيام الناس وأخبار العرب وأنسابهم عالماً بالفتوح والمغازي ورواية الشعر ، صدوقاً في ذلك ، وقال يحيى بن معين ثقة ثقة ثقة. وقال ابن النديم فيالفهرست ص 113 ولد سنة 135 هـ وتوفي سنة 225 هـ وله ثلاث وتسعون ثم ذكر أسماء كتبه في أربع صفحات.


(الأحداث) قال : [كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة. (أن برئت الذمَّة ممَّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته). فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليَّاًعليه‌السلام ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته. وكان أشدَّ النسا بلاءً حينئذ أهلُ الكوفة لكثرة من بها من شيعة عليعليه‌السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضمَّ إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ، لأنه كان منهم أيام عليعليه‌السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم وقَطَّع الأيدي والأرجل وسَمَّلَ العيون وصلَّبهم على جذوع النخل وطردهم وشرَّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم.

وكتب معاوية إلى عُمَّاله في جميع الآفاق :

(ألَّا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة).

وبعد قتل حجر وأصحابه سنة 53 هـ أمر الحسين أصحابه في الكوفة ان يكونوا أحلاس بيوتهم بعد ان قضوا ما عليهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ادخارا لهم ليوم خروجهعليه‌السلام بعد موت معاوية.

الكوفة هـ على عهد نهضة الحسين عليه‌السلام وشهادته وحركة سليمان بن صرد

ودولة المختار 60 ـ 67

نهضت الكوفة مع الحسين وهم عدته في التغيير المطلوب في الأمة من الاطاحة ببني أمية الطغمة الضالة الظالمة اليت أحلت نقض العهد وسفكت الدم الحرام ، نهضت الكوفة مع الحسين وهي متلهفة لإعادة تجربة على في الأمة بالحكم بكتاب الله وسنة نبيه ، وترك الناس واختيارهم في الاقتداء بمن شاؤوا في عبادتهم بعلي أو بعمر ، ولكنه القدر الإلهي للحسين ان يستشهد لتكون شهادته وظلامته الباب الاوسع لتحقيق الاهداف الآنفة الذكر ، وقد استطاع الكوفيون من خلال نهضة سليمان بن صرد والمختار بن عبيد بعد شهادة الحسينعليه‌السلام ان يعيدا تجربة علي في الكوفة وهي على قصرها (65 هـ ـ 67 هـ استطاعت ان تعيد ثقافة الولاء لعلي إلى الجيل الذي حرم منها وقد فصلنا ذلك في كتابنا (الامام الحسين في مواجهة الضلال الأموي).


الكوفة على عهد ابن الزبير 67 ـ 72 هـ

حاول مصعب بن الزبير والي اخيه عبد الله بن الزبير ان ينتقم من الكوفة العلوية التي نهضت مع المختار ونصرت مشروع علي وولديه الحسن والحسين وقتل يوم قتل المختار سبعة آلاف صبرا ممن لم يكن قد قاتل المختار بل لأنهم شيعة.(1)

موقف عبد الملك بن مروان من الكوفة

بعد مرور ثلاث سنوات من انهيار دولة عبد الله بن الزبير على يد الحجاج بن يوسف الثقفي ولاه عبد الملك سنة 75 هجرية العراق ، وكتب إليه كتابا بخطه : أما بعد ، يا حجاج ، فقد وليتك العراقيين صدقة ، فإذا قدمت الكوفة فطأها وطأة يتضاءل منها أهل البصرة ، وإياك وهوينا الحجاز ، وقد رميت العرض الاقصى ، فارمه بنفسك ، وأرد ما أردته بك ، والسلام.

فلما قدم الكوفة صعد المنبر متلثما بعمامته متنكبا قوسه وكنانته ، فجلس على المنبر مليا لا يتكلم ، حتى هموا أن يحصبوه ، ثم قال : يا أهل العراق ، ويا أهل الشقاق والنفاق والمراق ، ومساوئ الأخلاق ، إن أمير المؤمنين نثل كنانته ، فعجمها عودا عودا ، فوجدني أمرها عودا وأصعبها كسرا ، فرماكم بي ، وإنه قلدني عليكم سوطا وسيفا ، فسقط السوط وبقي السيف وتكلم بكلام كثير فيه توعد وتهدد.

وذاقت الكوفة في عهده المر ، وثاروا عليه تحت قيادات مختلفة آخرها تحت قيادة ابن الأشعث ولم يتطع ان يخمد ثورتهم الا بعد ان استعان بجيش الشام سنة 81 هـ ، ثم بنى لهم واسط لكي لا يختلطوا بهم وتتأثر اخلاقهم بهم.(2)

__________________

(1) انظر تفصيل ذلك فيكتابنا الامام الحسين في مواجهة الضلال الأموي ، دار الفقه قم 1430 هـ ـ 2009 م.

(2) انظر تفصيل ذلك فيكتابنا الامام الحسين في مواجهة الضلال الأموي .


الوليد بن عبد الملك يأمر بإخراج الشيعة العراقيين من الحجاز

وإرجاعهم إلى الكوفة

وكتب الوليد إلى خالد بن عبد الله القسري ، عامله على الحجاز ، يأمره بإخراج من بالحجاز من أهل العراقين ، وحملهم إلى الحجاج بن يوسف ، فبعث خالد إلى المدينة عثمان بن حيان المري لإخراج من بها من أهل العراقين ، فأخرجهم جميعا ، وجماعاتهم في الجوامع ، إلى الحجاج ، ولم يترك تاجرا ولا غير تاجر ، ونادى : ألا برئت الذمة ممن آوى عراقيا ، وكان لا يبلغه أن أحدا من أهل العراق في دار أحد من أهل المدينة إلا أخرجه.(1)

من قتلهم أو روَّعهم الحجاج من شيعة علي عليه‌السلام

كان ممن قتلهم الحجاج من شيعة علي :

كميل بن زياد النخعي المذحجي (82 هـ)رحمه‌الله :

قال الذهبي في ترجمة كميل : قدم دمشق زمن عثمان ، وشهد صفين مع علي ، وكان شريفاً مطاعاً ثقةً عابداً على تشيعه ، قليل الحديث ، قتله الحجاج. قاله ابن سعد. وقال محمد بن عبد الله بن عمار : كميل رافضي ثقة.

وقال ابن حجر : كميل بن زياد بن نهيك ويقال بن عبد الله النخعي التابعي الشهير له إدراك ، أدرك من الحياة النبوية ثماني عشرة سنة ، وروى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم روى عنه عبد الرحمن بن عابس وأبو إسحاق السبيعي والأعمش وغيرهم قال بن سعد شهد صفين مع علي وكان شريفا مطاعا ثقة قليل الحديث من رؤساء الشيعة.

وقال هشام بن عمار : ثنا أيوب بن حسان ، ثنا محمد بن عبد الرحمن قال : منع الحجاج النخع أعطياتهم حتى يأتوه بكميل بن زياد ، فلما رأى ذلك كميل أقبل على

__________________

(1) لا نعلم في أي سنة ولكن اليعقوبي كان قد ذكر قبله حوادث سنة 92 وذكره بعده حوادث سنة 95 هجرية.


قومه فقال : أبلغوني الحجاج فأبلغوه ، فقال الحجاج : يا أهل الشام ، هذا كميل الذي قال لعثمان أقدني من نفسك ، فقال كميل : فعرف حقي ، فقلت : أما إذ أقدتني فهو لك هبة (وفي رواية : لطمني فطلبت القصاص فأقادني فعفوت) ، فمن كان أحسن قولاً أنا أو هو ، فذكر الحجاج علياً ، فصلى عليه كميل ، فقال الحجاج : والله لأبعثن إليك إنساناً أشد بغضاً لعلي من حبك له ، فبعث إليه ابن أدهم الحمصي فضرب عنقه. وقال المدائني : مات كميل سنة اثنتين وثمانين ، وهو ابن تسعين سنة(1) .

وقال جرير عن مغيرة طلب الحجاج كميل بن زياد فهرب منه فحرم قومه عطاءهم فلما رأى كميل ذلك قال أنا شيخ كبير قد نفذ عمري لا ينبغي ان حرم قومي عطاءهم فخرج إلى الحجاج فلما رآه قال له لقد أحببت ان أجد عليك جميلا فقال له كميل ان ما بقي من عمري الا القليل فاقض ما أنت قاض فان الموعد الله وقد أخبرني أمير المؤمنين على انك قاتلي قال بلى قد كنت فيمن قتل عثمان اضربوا عنقه فضربت عنقه(2) .

قال ابن حجر : كميل بن زياد بن نهيك بن الهيثم بن سعد بن مالك بن الحارث بن صبهان بن سعد بن مالك بن النخع وقيل كميل بن عبد الله وقيل بن عبد الرحمن روى عن عمر وعلي وعثمان وابن مسعود وأبي مسعود وأبي هريرة روى عنه أبو إسحاق السبيعي والعباس بن ذريح وعبد الله بن يزيد الصهباني وعبد الرحمن بن عابس والأعمش وغيرهم.

وذكره بن حبان في الثقات وذكره المدائني في عباد أهل الكوفة وقال خليفة قتله الحجاج سنة 82 قلت وحكى بن أبي خثيمة أنه سمع يحيى بن معين يقول مات كميل سنة ثمان وثمانين وهو بن سبعين سنة وقال بن حبان في الضعفاء لا يحتج به.

وقال محمد بن عبد الله بن عمار كميل بن زياد رافضي وهو ثقة من أصحاب علي وقال في موضع آخر كميل بن زياد من رؤساء الشيعة وكان بلاء من البلاء

وذكره بن حبان في كتاب الثقات وقال أبو الحسن المدائني وفيهم يعني أهل الكوفة من العباد أويس القرني وعمرو بن عتبة بن فرقد ويزيد بن معاوية النخعي وربيع بن

__________________

(1) الذهبي ،تاريخ الإسلام ، ج 6 ص 177.

(2) ابن حجر ،الاصابة ج 5 ص 653.


خثيم وهمام بن الحارث ومعضد الشيباني وجندب بن عبد الله وكميل بن زياد النخعي.

أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد السلام التميمي وأبو الفضل أحمد بن هبة الله بن أحمد قالا أنبأنا أبو روح عبد المعز بن محمد الهروي قال أخبرنا تميم بن أبي سعيد الجرجاني قال أخبرنا أبو سعد الكنجروذي قال أخبرنا الحاكم أبو أحمد الحافظ قال أخبرنا أبو جعفر محمد بن الحسين الخثعمي بالكوفة قال حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري قال أخبرنا عاصم بن حميد الحناط أو رجل عنه قال حدثنا ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال أخذ علي بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان فلما أصحرنا جلس ثم تنفس ثم قال يا كميل بن زياد القلوب أربعة فخيرها أوعاها إحفظ ما أقول لك الناس ثلاثة فعالم رباني وعالم متعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال العلم يزكو على العمل والمال تنقصه النفقة وصحبة العالم دين يدان بها باكتساب الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته وصنيعه يفنى المال بزوال صاحبه مات خزان الأموال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة ها إن ها هنا وأشار بيده إلى صدره علما لو أصبت له حملة بلى أصبته لقنا غير مأمون عليه يستعمل آلة الدين للدنيا يستظهر بحجج الله على كتابه وبنعمه على عباده أو منقاد لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه يقتدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة لا ذا ولا ذاك أو منهوم باللذة سلس القياد للشهوات أو مغري بجمع الأموال والإدخار ليسا من دعاة الدين أقرب شبههما بهما الأنعام السائمة كذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بلى لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله وبيناته أولئك الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدرا بهم يدفع الله من حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم فيزرعوها في قلوب أشباههم هجم بهم العلم على حقيقة الأمر تلك أبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى أولئك خلفاء الله في بلاده والدعاة إلى دينه هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم وأستغفر الله لي ولك إذا شئت فقم.

ورواه أبو نعيم ضرار بن صرد عن عاصم بن حميد فزاد فيه ألفاظا أخبرنا به أحمد


بن هبة الله بن أحمد قال أخبرنا عمي أبو البركات الحسن بن محمد بن الحسن قال أخبرنا عمي الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن قال أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم الحسيني قال أخبرنا عمي الشريف الأمير عماد الدولة أبو البركات عقيل بن العباس الحسيني قال أخبرنا الحسين بن عبد الله بن محمد بن أبي كامل الأطرابلسي قراءة عليه بدمشق قال أخبرنا خال أبي خيثمة ضرار بن سليمان بن حيدرة الأطرابلسي قال حدثنا نجيح بن إبراهيم الزهري قال حدثنا ضرار بن صرد قال حدثنا عاصم بن حميد الحناط بإسناده نحوه وقال ومحبة العالم دين يدان بها فتكسبه الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد موته العلم حاكم والمال محكوم عليه وصنيعة المال تزول بزواله وقال هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعر منه المترفون وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون(1) .

ورواه الذهبي قال قرأت على أبي الفضل بن عساكر عن عبد المعز بن محمد أنا تميم بن أبي سعيد المقرئ أنا أبو سعيد محمد بن عبد الرحمن سنة تسع وأربعين وأربع مائة أنا محمد بن محمد الحافظ أنا أبو جعفر محمد بن الحسين الخثعمي بالكوفة أنا إسماعيل بن موسى الفزاري أنا عاصم بن حميد الحناط أو رجل عنه قال ثنا ثابت بنأبي صفية أبو حمزة الثمالي عن عبد الرحمن بن جندب عن كميل بن زياد النخعي قال أخذ علي رضي الله تعالى عنه بيدي فأخرجني إلى ناحية الجبان فلما أصحرنا جلس ثم تنفس فقال يا كميل القلوب أوعية فخيرها أوعاها احفظ ما أقول لك الناس ثلاثة وأستغفر الله لي ولك إذا شئت فقم رواه ضرار بن صرد عن عاصم بن حميد ويروى من وجه آخر عن كميل(2) .

ورواه البغدادي قال حدثنا بن مرزوق نا أبو بكر الشافعي ثنا بشر بن موسى ثنا عبيد بن الهيثم ثنا إسحاق بن محمد بن أبو يعقوب النخعي ثنا عبد الله بن الفضل بن عبد الله بن أبي الهياج حدثنا هشام بن محمد بن السائب أبو منذر الكلبي عن أبي مخنف لوط بن يحيى عن فضيل بن خديج عن كميل بن زياد النخعي قال أخذ بيدي أمير المؤمنين

__________________

(1) ابن حجر ،تهذيب التهذيب ، وابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 50 ص 252.

(2) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ج 1 ص 11.


علي بن أبي طالب بالكوفة فخرجنا حتى انتهينا إلى الجبانة فلما اصحر تنفس الصعداء ثم قال لي يا كميل بن زياد ان هذه القلوب أوعية وخيرها أوعاها للعلم احفظ عني ما أقول لك الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق يا كميل بن زياد العلم خير من المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال العلم يحرسك وأنت تحرس المال المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق يا كميل بن زياد محبة العالم دين يدان تكسبه الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته ومنفعة المال تزول بزواله العلم حاكم والمال محكوم عليه يا كميل مات خزان الأموال وهم إحياء والعلماء باقون ما بقي الدهر أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة ألا أن ههنا وأشار إلى صدره لعلما جما لو أصبت له حملة بلى أصبت لقنا غير مأمون يستعمل آلة الدين للدنيا وذكر الحديث(1) .

قيس بن عُباد (82 هـ)رحمه‌الله :

الاصابة : قيس بن عباد بضم أوله وتخفيف الموحدة القيسي الضبعي نزيل البصرة له إدراك ذكره بن قانع في الصحابة وأورد له حديثا مرسلا وقال بن أبي حاتم وغيره قدم المدينة في خلافة عمر فروى عنه وعن أبي ذر وعلي وأبي سعد وعمار وعبد الله بن سلام وغيرهم.

روى عنه ابنه عبد الله والحسن وابن سيرين وأبو مجلز وغيرهم قال بن سعد كان ثقة قليلة الحديث وذكره العجلي في التابعين وقال ثقثة من كبار الصالحين ووثقه النسائي وغيره وذكره بن حبان في ثقات التابعين وذكر أبو مخنف انه من جملة من قتلهم الحجاج ممن خرج مع بن الأشعث.

قال المزي : قيس بن عباد : ذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل البصرة قال : وكان ثقة ، قليلالحديث. زاد العجلي : من كبار الصالحين.

وقال يعقوب بن شيبة : حدثنا يونس بن محمد ، قال : حدثنا عبيد الله بن النضر ،

__________________

(1) الخطيب البغدادي ،تاريخ بغداد ج 6 ص 378. المزي ،تهذيب الكمال ج 24 ص 221.


عن أبيه ، عن قيس بن عباد ، قال : كان يركب الخيل ويرتبطها ، وكانت له فرس عربية ، فكلما نتجت مهرا فأدرك حمل عليه في سبيل الله.

وقال أيضا : يونس بن محمد ، قال : حدثنا عبيد الله بن النضر ، عن أبيه ، عن قيس بن عباد أنه كان إمامهم ، فإذا صلى الغداة لم يزل يذكر الله حتى يرى السقائين قد مروا بالماء مخافة أن يصير الماء أجاجا أو يصير غورا ، وحتى يرى الشمس قد طلعت من مطلعها مخافة أن تطلع من مغربها.

وقال أيضا : حدثنا يونس بن محمد المؤدب ، قال : حدثنا عبيد الله بن النضر ، قال : حدثني أبي ، عن قيس بن عباد أنه إذا كان بين الرجلين من الحي كلام فرأى أن أحدهما ظالما ، لم يمنعه شرفه ولا حسبه أن يأتيه فيكلمه ويوبخه ويأمره أن يرجع إلى الحق ويقلع عن الظلم.

وقال عبد الله بن المبارك : أخبرنا الحكم بن عطية ، قال : حدثنا النضر بن عبد الله ، عن قيس بن عباد ، قال : إن الصدفة لتطفئ الخطايا والذنوب كما يطفئ الماء النار.

وقال أحمد بن عمران الأخنسي : سألت محمد بن الفضيل بن غزوان ، فحدثني ، قال : قال لي : أخذ رجل لجام قيس بن عباد فجعل يذكره ويسبه ، فلما بلغ إلى منزله ، قال : خل عن لجام الدابة يغفر الله لي ولك.

وقال محمد بن جرير الطبري فيما حكى عن أبي مخنف ، عن شيوخه ، قال : فعاش قيس بن عباد حتى قاتل مع ابن الأشعث في مواطنه.

وقال حوشب ، يعني : ابن يزيد بنب الحارث بن يزيد ابن رويم الشيباني ، للحجاج بن يوسف : إن منا مراء صاحب فتق ووثوب على السلطان لم تكن فتنة بالعراق قط إلا وثب فيها وهو ترابي(1) يلعن عثمانرضي‌الله‌عنه ، وقد خرج مع ابن الأشعث ، فشهد معه مواطنه كلها يحرض الناس حتى إذا أهلكهم الله جلس في بيته ، فبعث إليه الحجاج فضرب عنقه. روى له الجماعة سوى الترمذي(2) .

__________________

(1) نسبة إلى أبي تراب علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، وقد كان أيام بني أمية يقولون لكل من يعملون أنه يميل إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه ويتولاه : فلان ترابي.

(2) المزي ،تهذيب الكمال ج 24 ص 64 ـ 68.


قال البخاري : حدثني محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا معتمر قال سمعت أبي يقول حدثنا أبو مجلز عن قيس بن عباد عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة ، وقال قيس بن عباد وفيهم أنزلت (هذان خصمان اختصموا في ربهم) قال هم الذين تبارزوا يوم بدر حمزة وعلي وعبيدة أو أبو عبيدة بن الحارث وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة(1) .

سعيد بن جبير (95 هـ)رحمه‌الله :

قال السيوطي : سعيد بن جبير بن هشام الوالبي مولاهم أبو محمد ويقال أبو عبد الله الكوفي أحد الأئمة الأعلام روى عن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير ، وطائفة وعنه الأعمش وسلمة بن كهيل وخلائق وكان يختم القرآن في كل ليلتين وكان بن عباس إذ أتاه أهل الكوفة يستفتونه يقول أليس فيكم سعيد بن جبير ، قتله الحجاج شهيدا في شعبان سنة خمس وتسعين وهو بن سبع وخمسين وقيل تسع وأربعين قال ميمون بن مهران ولقد مات وما على ظهر الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه(2) .

قال ابن حبان سعيد بن جبير بن هشام مولى بنى والبة بن الحارث من بني أسد بن خزيمة يروى عن بن عمر وابن عباس وجماعة من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم . وكان فقيها عابدا ورعا فاضلا وكان يكتب لعبد الله بن عتبة بن مسعود حيث كان على قضاء الكوفة ثم كتب لأبي بردة بن أبي موسى حيث كان على قضائها ثم خرج مع بن الأشعث في جملة القراء فلما هزم بن الأشعث بدير الجماجم هرب سعيد بن جبير إلى مكة فاخذه خالد بن عبد الله القسري بعد مدة وكان واليا لعبد الملك على مكة وبعث به إلى الحجاج فقال له الحجاج اختر لنفسك أي قتلة شئت فقال اختره أنت فان القصاص أمامك فقتله الحجاج بن يوسف سنة خمس وتسعين وهو بن تسع وأربعين سنة ثم مات الحجاج بعده بأيام وكان مولد الحجاج سنة أربعين(3) .

__________________

(1) البخاري ،صحيح البخاري ج 4 ص 1458 ، ج 4 ص 1769.

(2) جلال الدين السيوطي ،اسعاف المبطأ ، دار الهجرة للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ص 12.

(3) ابن حبان ،الثقات ج 4 ص 275.


قال المزي : سعيد بن جبير بن هشام الأسدي الوالبي مولاهم أبو محمد ويقال أبو عبد الله الكوفي ، حدثنا أبو حامد بن جبلة قال حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا عباد بن العوام أبو سهل قال أخبرني هلال بن خباب قال خرجنا مع سعيد بن جبير في جنازة قال فكان يحدثنا في الطريق ويذكرنا حتى بلغ فلما بلغ جلس فلم يزل يحدثنا حتى قمنا فرجعنا وكان كثير الذكر لله عز وجل وبه قال حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال حدثنا عباد بن يعقوب قال حدثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير قال وددت أن الناس أخذوا ما عندي فإنه مما يهمني(1) .

قال الطحاوي حدثنا أبو بكرة قال ثنا أبو داود قال ثنا أبو عوانة قال لا أعلمه الا عن أبي بشر أن سعيد بن جبير كان يصلي في رمضان في المسجد وحده والإمام يصلي بهم فيه.(2)

أقول : أي ان سعيد بن جبير كان لا يصلي صلاة التراويح لأنها بدعة عمر وليست سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال الدارمي أخبرنا يزيد بن هارون أنا أصبغ عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد عن بن عباس عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال ما من عمل أزكى عند الله عز وجل ولا أعظم أجرا من خير يعمله في عشر الأضحى قيل ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله عز وجل الا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء قال وكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا حتى ما يكاد يقدر عليه ،

وقال أخبرنا محمد بن سعيد أنا شريك عن طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير قال كنت أسمع من بن عمر وإبن عباس الحديث بالليل فاكتبه في واسطة الرحل.

__________________

(1) المزي ،تهذيب الكمال ج 10 ص 358.

(2) الطحاوي ،شرح معاني الآثار ، تحقيق محمد زهري النجار ـ محمد سيد جاد الحق ، عالم الكتب ، 1414 هـ ، 1994 م ج 1 ص 351أقول : يريد أنه كان لا يرى الجماعة في صلاة التطوع. وقد أورد الطحاوي أسماء أشخاص آخرين على رأي سعيد وكان رأي الطحاوي ذلك أيضا.


وقال أيضا : أخبرنا أبو النعمان ثنا عبد الواحد ثنا عثمان بن حكيم قال سمعت سعيد بن جبير يقول كنت أسير مع بن عباس في طريق مكة ليلا وكان يحدثني بالحديث فاكتبه في واسطة الرحل حتى أصبح فاكتبه.

وقال أيضا : أخبرنا إسماعيل بن أبان عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال كنت اكتب عند بن عباس في صحيفة واكتب في نعلي.

وقال أيضا أخبرنا مالك بن إسماعيل ثنا مندل بن علي العنزي حدثني جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير قال كنت أجلس إلى بن عباس فاكتب في الصحيفة حتى تمتلئ ثم أقلب نعلي فاكتب في ظهورهما(1) .

قال ابن سعد : قال أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء قال أخبرنا عمرو بن أبي المقدام عن مؤذن بني وداعة قال دخلت على عبد الله بن عباس وهو متكيء على مرفقة من حرير وسعيد بن جبير عند رجليه وهو يقول له انظر كيف تحدث عني فإنك قد حفظت عني حديثا كثيرا.

وقال أخبرنا محمد بن عبد الله الأسدي وقبيصة بن عقبة قالا حدثنا سفيان عن أسلم المنقري عن سعيد بن جبير قال جاء رجل إلى بن عمر فسأله عن فريضة فقال ائت سعيد بن جبير فإنه أعلم بالحساب مني وهو يفرض منها ما أفرض.

وقال أخبرنا أبو معاوية الضرير قال حدثنا الأعمش عن مسعود بن مالك قال قال لي علي بن حسينعليهما‌السلام ما فعل سعيد بن جبير قال قلت صالح قال ذاك رجل كان يمر بنا فنسائله عن الفرائض وأشياء مما ينفعنا الله بها وإنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء وأشار بيده إلى العراق(2) .

أقول : هذه الرواية مكذوبة على علي بن الحسينعليه‌السلام ، والبلاء من أبي معاوية الضرير فانه كان يضع الحديث لهارون الخليفة العباسي.

وقال أيضا أخبرنا عفان بن مسلم وموسى بن إسماعيل قالا حدثنا عبد الواحد بن زياد قال حدثنا أبو شهاب قال كان سعيد بن جبير يقص لنا كل يوم مرتين بعد

__________________

(1) الدارمي ،سنن الدارمي ج 2 ص 41. ج 1 ص 138 ـ 139.

(2) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، ج 6 ص 258.


صلاة الفجر وبعد العصر.

وقال أخبرنا مالك بن إسماعيل قال حدثنا إسماعيل عن أبي الجحاف عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير أنه كان لا يدع أحدا يغتاب عنده أحدا يقول إن أردت ذلك ففي وجهه.

قال محمد بن سعد : وكان سعيد لما انهزم أصحاب بن الأشعث من دير الجماجم هرب فلحق بمكة قال أخبرنا عارم بن الفضل وسليمان بن حرب قالا حدثنا حماد بن زيد عن يحيى بن عتيق عن محمد بن سيرين قال كان سعيد بن جبير حائنا إنه فعل ما فعل ثم أتى مكة يفتي الناس قال أخبرنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثني حفص بن خالد قال حدثني من سمع سعيد بن جبير يقول يوم أخذ وشي بي واش في بلد الله الحرام أكله إلى الله. وقال وكان الذي أخذ سعيد بن جبير خالد بن عبد الله القسري وكان والي الوليد بن عبد الملك على مكة فبعث به إلى الحجاج.

قال أخبرنا موسى بن إسماعيل قال حدثني عبد الله بن مروان عن شريك عن هشام الدستوائي قال رأيت سعيد بن جبير يطوف بالبيت مقيدا ورأيته دخل الكعبة عاشر عشرة مقيدين قال أخبرنا يزيد بن هارون عن عبد الملك بن أبي سليمان قال سمع خالد بن عبد الله صوت القيود فقال ما هذا فقيل له سعيد بن جبير وطلق بن حبيب وأصحابهما يطوفون بالبيت فقال اقطعوا عليهم الطواف.

وقال أخبرنا علي بن محمد عن أبي اليقظان قال كان سعيد بن جبير يقول يوم دير الجماجم وهم يقاتلون قاتلوهم على جورهم في الحكم وخروجهم من الدين وتجبرهم على عباد الله وإمانتهم الصلاة واستذلالهم المسلمين. فلما انهزم أهل دير الجماجم لحق سعيد بن جبير بمكة فأخذه خالد بن عبد الله فحمله إلى الحجاج(1) .

روايات في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام عن ابن عباس كثيرة منها

فيي مسند احمد حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا الفضل بن دكين ثنا بن أبي عيينة عن الحسن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن بريدة قال غزوت مع علي اليمن

__________________

(1) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ج 6 ص 257 ـ 267.


فرأيت منه جفوة فلما قدمت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتغير فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه(1) .

وفي المستدرك للحاكم : حدثنا محمد بن صالح بن هانئ ثنا أحمد بن نصر أخبرنا محد بن علي الشيباني بالكوفة ثنا أحمد بن حازم الغفاري وأنبأ محمد بن عبد الله العمري ثنا محمد بن إسحاق ثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالوا ثنا أبو نعيم ثنا بن أبي غنية عن الحكم عن سعيد بن جبير عن بن عباس عن بريدة الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال غزوت مع علي إلى اليمن فرأيت منه جفوة فقدمت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فذكرت عليا فتنقصته فرأيت وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتغير فقال يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله فقال من كنت مولاه فعلي مولاه وذكر الحديث هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(2)

وروى الطبراني في المعجم الكبير عن ابن أبي عاصم : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة نا الفضل بن دكين عين بن أبي غنية عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال مررت مع علي رضي الله تعالى عنه إلى اليمن فرأيت منه جفوة فلما قدمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ذكرت عليا فتنقصته فجعل وجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يتغير فقال ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم قلت بلى يا رسول الله قال من كنت مولاه فعلي مولاه(3)

وفي المعجم الكبير قال الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا الحسن بن أبي جعفر عن أبي الصهباء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها غرق(4) .

__________________

(1) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 5 ص 347.

(2) الحاكم النيسابوري ،المستدرك ج 3 ص 119.

(3) الطبراني ،المعجم الكبير ج 3 ص 467.

(4) أبو عاصم ، الآحاد والمثاني ج 4 ص 325.


وفيه أيضا قال حدثنا محمد بن عبد الله ثنا حرب بن الحسن الطحان ثنا حسين الأشقر عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال لما نزلت قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قالوا يا رسول الله ومن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وابناهما(1) .

وقال أيضا حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا حرب بن الحسن الطحان ثنا حسين الأشقر عن قيس عن الأعمش عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال لما نزلت قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى قالوا يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم قال علي وفاطمة وابناهما رضي الله تعالى عنهم(2) .

وقال أيضا حدثنا علي بن العباس البجلي الكوفة ثنا محمد بن تسنيم ثنا حسن بن حسين العربي ثنا يحيى بن عيسى الرملي عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لأم سلمة هذا علي بن أبي طالب لحمه لحمي ودمه دمي هو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي(3) .

وقال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن مرزوق ثنا حسين الأشقر ثنا نصير بن زياد عن عثمان أبي اليقظان عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قالت الأنصار فيما بينهم لو جمعنا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم مالا فبسط يده لا يحول بينه وبينه أحد فأتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقالوا يا رسول الله إنا أردنا أن نجمع لك من أموالنا فأنزل الله عز وجل فخرجوا مختلفين فقال بعضهم ألم تروا ما قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

وقال بعضهم إنما قال هذا لنقاتل عن أهل بيته وننصرهم ، فأنزل الله عز وجل( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ

__________________

(1) الطبراني ،المعجم الكبير ج 3 ص 47.

(2) الطبراني ،المعجم الكبير ج 11 ص 444.

(3) الطبراني ،المعجم الكبير ج 12 ص 18.


مَا تَفْعَلُونَ (25)وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26)) الشورى / 24 ـ 26.

فعرض لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالتوبة.(1)

وفي الكامل لابن عدي روى ابن عدي في الكامل 3 / 431 عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن أبي جبير عن ابن عباس عن النبي قال : الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة من احبهما فقد احبني ومن ابغضهما فقد ابغضني.(2)

وفي تذكرة الحفاظ للذهبي قال حدثنا محمد بن شداد أخبرنا أبو نعيم أنا عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أوحى الله إلى محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم اني قتلت بيحيى سبعين ألفا واني قاتل بابن ابنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا غريب وعبد الله خرج له مسلم(3) .

وفي كشف الاستار للبزار عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال بعث رسول الله إلى خيبر ـ احسبه قال أبا بكر فرجع منهزما يجبن أصحابه ويحبنه أصحابه فقال رسول الله لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله رسوله ويحبه الله ورسوله لا يرجع حتى يفتح الله عليه فثار الناس فقال أين علي. فإذا هو يشتكي عينيه فتفل في عينيه فدفع إليه الراية فهزها ففتح الله عليه(4) .

__________________

(1) الطبراني ،المعجم الكبير ج 12 ص 33.

(2) ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ج 3 ص 431 ورواه أيضا عطية عن أبي سعيد الخدري سألت الدارقطني عن سويد بن سعيد فقال تكلم فيه يحيى بن معين وقال حدث عن أبي معاوية عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة قال يحيى معين وهذا باطل عن أبي معاوية لم يروه غير سويد وجرح سويد لروايته لهذا الحديث. قال الدارقطنيرحمه‌الله فلم نزل نظن أن هذا كما قاله يحيى وأن سويدا أتى أمرا عظيما في روايته لهذا الحديث حتى دخلت مصر في سنة سبع وخمسين (ومائتين) فوجدت هذا الحديث في مسند أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن يونس البغدادي المعروف بالمنجنيقي وكان ثقة روى عن أبي كريب عن أبي معاوية كما قال سويد سواء وتخلص سويد وصح الحديث عن أبي معاوية وقد حدث أبو عبد الرحمن النسائي عن إسحاق بن إبراهيم هذا ومات أبو عبد الرحمن قبله (الجرجاني ، أبو القاسم حمزة بن يوسف ،سؤالات حمزة بن يوسف السهمي ، مكتبة المعارف الرياض 1404 هـ ـ 1984 م ، ص 216.

(3) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ج 1 ص 76.

(4) ابن كثير ،جامع المسانيد والسُّنَن ، دار خضر بيروت 1419 هـ ، ج 30 ص 240.


وفي رواية البخاري عن محمد حدثنا بن عيينة عن سليمان الأحول سمع سعيد بن جبير سمع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى بل دمعه الحصى قلت يا أبا عباس ما يوم الخميس قال اشتد برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وجعه فقال ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا ما له أهجر استفهموه فقال ذروني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه فأمرهم بثلاث قال أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم والثالثة خير إما أن سكت عنها وإما أن قالها فنسيتها قال سفيان هذا من قول سليمان(1) .

وروى أيضا قال حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان حدثنا المغيرة بن النعمان قال حدثني سعيد بن جبير عن بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي إن أناسا من أصحابي يؤخذ بهم ذات الشمال فأقول أصحابي أصحابي فيقول إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح.(2)

وروى الحاكم قال أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا سيار بن حاتم ثنا جعفر بن سليمان ثنا مالك بن دينار قال سألت سعيد بن جبير فقلت يا أبا عبد الله من كان حامل راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال فنظر إلي وقال كأنك رخيَّ البال فغضبت وشكوته إلى إخوانه من القراء فقلت ألا تعجبون من سعيد أني سألته من كان حامل راية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فنظر إلي وقال إنك لرخي البال ، قالوا إنك سألته وهو خائف من الحجاج وقد لاذ لابيت فسله الآن فسألته فقال كان حاملها علي رضي الله تعالى عنه هكذا سمعته من عبد الله بن عباس هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ولهذا الحديث شاهد من حديث زنفل العرفي وفيه طول فلم أخرجه(3) .

وروى النسائي قال أنبأ أحمد بن عثمان بن حكيم الكوفي الأودي عن خالد بن

__________________

(1) البخاري ، صحيح البخاري ج 3 ص 1155.

(2) البخاري ، صحيح البخاري ج 3 ص 1222.

(3) الحاكم النيسابوري ، المستدرك ج 3 ص 103.


مخلد قال حدثنا علي بن صالح عن ميسرة عن حبيب عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال كنا مع ابن عباس بعرفات فقال مالي لا أسمع الناس يلبون فقلت يخافون من معاوية فخرج بن عباس من فسطاطه فقال لبيك اللهم لبيك فإنهم قد تركوا السنة من بغض علي(1) .

وروى المزي عن عباد بن زياد عن عمرو بن أبي المقدام عن أبي حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن أبي الحمراء قال سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول لما أسري بي إلى السماء دخلت الجنة فرأيت عن يمين العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله ايدته بعلي ونصرته(2) .

عطية العوفي (110 هـ)رحمه‌الله :

قال أبو جعفر الطبري في كتاب ذيل المذيل : عطية بن سعد بن جنادة العوفي من جديلة قيس يكنى أبا الحسن ، قال ابن سعد : أخبرنا سعد بن محمد بن الحسن بن عطية قال جاء سعد بن جنادة إلى علي بن أبي طالبعليه‌السلام وهو بالكوفة فقال يا أمير المؤمنين انه قد ولد لي غلام فسمه فقال هذا عطية الله فسمي عطية وكانت أمه رومية وخرد عطية مع ابن الأشعث ، هرب عطية إلى فارس وكتب الحجاج إلى محمد ابن قاسم الثقفي ان ادع عطية فان لعن علي بن أبي طالب وإلا فاضربه أربعمائة سوط وحلق رأسه ولحيته فلما ولي قتيبة بن مسلم خراسان خرج إليه عطية فلم يزل بخراسان حتى ولي عمر بن هبيرة العراق فكتب إليه عطية يسأله الإذن له في القدوم فأذن له فقدم الكوفة فلم يزل بها إلى أن توفي سنة 111 وكان كثير الحديث ثقة ان شاء الله(3) .

أقول : وفي الطبقات 6 / 305 ، تنهي الترجمة بقول ابن سعد : وله أحاديث صالحة ومن الناس من لا يحتج به ولم يوردها الطبري في المنتخب.

__________________

(1)النسائي ،سنن النسائي ، ج 2 ص 419.

(2) المزي ،تهذيب الكمال ، ج 33 ص 258.

(3) الطبري ،المنتخب من المذيل ص 128 ، ابن سعد ،الطبقات الكبرى ج 6 ص 304.


قال الشيخ القميرحمه‌الله : وحكي عن ملحقات الصراح قال : عطية العوفي ابن سعيد له تفسير في خمسة اجزاء قال عطية عرضت القرآن على ابن عباس ثلاث عرضات على وجه التفسير واما على وجه القراءة فقرأت عليه سبعين مرة(1) .

قال المزي : ولعطية عن أبي سعيدا أحاديث عدد ، وكان يعد مع شيعة أهل الكوفة قال محمد بن عبد الله الحضرمي توفي سنة إحدى عشرة ومئة(2) .

أقول : وكان عطية العوفي على راس ثمانمائة طليعة اربعة آلاف مقاتل في الجيش الذي بعثه المختار إلى مكة ليخلص بني هاشم من حصار ابن الزبير لهم من اجل ان يبايعوه.

قال ابن سعد في الطبقات 5 / 103 : أخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا ربيعة بن عثمان ومحمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير وإسحاق بن يحيى بن طلحة وهشام بن عمارة عن سعيد بن محمد بن جبير بن مطعم والحسين بن الحسن بن عطية العوفي عن أبيه عن جده وغيرهم أيضا قد حدثني قالوا : قطع المختار بعثا إلى مكة فانتدب منهم أربعة آلاف فعقد لأبي عبد الله الجدلي عليهم وقال له سر فإن وجدت بني هاشم في الحياة فكن لهم أنت ومن معك عضدا وانفذ لما أمروك به وإن وجدت بن الزبير قد قتلهم فاعترض أهل مكة حتى تصل إلى بن الزبير ثم لا تدع من آل الزبير شفرا ولا ظفرا وقال يا شرطة الله لقد أكرمكم الله بهذا المسير ولكم بهذا الوجه عشر حجج وعشر عمر فسار القوم ومعهم السلاح حتى أشرفوا على مكة فجاء المستغيث اعجلوا فما أراكم تدركونهم فقال الناس لو أن أهل القوة عجلوا فانتدب منهم ثمانمائة رأسهم عطية بن سعد بن جنادة العوفي حتى دخلوا مكة فكبروا تكبيرة سمعها بن الزبير فانطلق هاربا حتى دخل دار الندوة ويقال بل تعلق بأستار الكعبة وقال أنا عائذ الله ،

قال عطية : ثم ملنا إلى ابن عباس وابن الحنفية وأصحابهما في دور قد جمع لهم الحطب فأحيط بهم حتى بلغ رؤوس الجدر لو أن نارا تقع فيه ما رئي منهم أحد حتى تقوم الساعة أخرناه عن الأبواب وعجل علي بن عبد الله بن عباس وهو يومئذ رجل

__________________

(1) القمي ، الشيخ عباس ،الكنى والالقاب ، مكتبة الصدر ـ طهران ، ج 2 ص 488.

(2) المزي ،تهذيب الكمال ج 20 ص 145.


فأسرع في الحطب يريد الخروج فأدمى ساقيه وأقبل أصحاب بن الزبير فكنا صفين نحن وهم في المسجد نهارنا ونهاره لا ننصرف إلا إلى صلاة حتى أصبحنا ، وقدم أبو عبد الله الجدلي في الناس فقلنا لابن عباس وابن الحنفية ذرونا نريح الناس من ابن الزبير ، فقالا هذا بلد حرمه الله ما أحله لاحد إلا للنبيعليه‌السلام ساعة ما أحله لاحد قبله ولا يحله لاحد بعده فامنعونا وأجيرونا قال فتحملوا وإن مناديا لينادي في الجبل ما غنمت سرية بعد نبيها ما غنمت هذه السرية إن السرايا تغنم الذهب والفضة وإنما غنمتم دماءنا فخرجوا بهم حتى أنزلوهم منى فأقاموا بها ما شاء الله أن يقيموا ، ثم خرجوا إلى الطائف فأقاموا ما أقاموا وتوفي عبد الله بن عباس بالطائف سنة ثمان وستين وصلى عليه محمد بن الحنفية ، وبقينا مع بن الحنفية فلما كان الحج وحج بن الزبير من مكة فوافى عرفة في أصحابه ووافى محمد بن الحنفية من الطائف في أصحابه فوقف بعرفة ووافى نجدة بن عامر الحنفي تلك السن في أصحابه من الخوارج فوقف ناحية وحجت بنو أمية على لواء فوقفوا بعرفة فيمن معهم.

أقول : ومن رواياته في فضائل أهل البيتعليهم‌السلام :

روى الطبراني قال حدثنا علي بن عبد العزيز ثنا أبو نعيم ثنا فضيل بن مرزوق (ت في حدود ال 160 هـ)(1) ثنا عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن أم سلمة قالت نزلت

__________________

(1) ابن حجر ،تهذيب التهذيب ، ي م 4 البخاري في جزء رفع اليدين ومسلم والأربعة فضيل بن مرزوق الأغر الرقاشي ويقال الرواسي الكوفي أبو عبد الرحمن مولى بني عنزة روى عن أبي إسحاق السبيعي وعدي بن ثابت وعطية العوفي والأعمش وميسرة بن حبيب وشقيق بن عقبة وجبلة بنت مصفح وغيرهم وعنه زهير بن معاوية ووكيع وعبد الغفار بن الحكم وحسين بن علي الجعفي وأبو أسامة والفضل بن موفق ويحيى بن آدم ويحيى بن أبي بكير ويزيد بن هارون ومحمد بن ربيعة الكلابي ومحمد بن فضيل ونعيم بن ميسرة النحوي وزيد بن الحباب وأبو نعيم وعلي بن الجعد وآخرون قال معاذ بن معاذ سألت الثوري عنه فقال ثقة وقال الحسن بن علي الحلواني سمعت الشافعي يقول سمعت بن عيينة يقول فضيل بن مرزوق ثقة وقال بن أبي خيثمة عن بن معين ثقة وقال عبد الخالق بن منصور عن بن معين صالح الحديث إلا أنه شديد التشيع وقال أحمد لا أعلم إلا خيرا وقال بن أبي حاتم عن أبيه صالح الحديث صدوق يهم كثيرا يكتب حديثه قلت يحتج به قال لا وقال النسائي ضعيف وقال بن عدي أرجو أنه لا بأس به وقال الحسين بن الحسن المروزي سمعت الهيثم بن جميل يقول جاء فضيل بن مرزوق وكان من أئمة الهدى زهدا وفضلا إلى الحسن بن صالح بن حى فذكر قصة له عند النسائي حديث عبد الله بن عمر إياكم والشح قلت قال مسعود عن الحاكم ليس هو من شرط


هذه الآية في بيتي)( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا ) وهي جالسة على الباب فقلت يا رسول الله ألست من أهل البيت قال أنت إلى خير(1) .

وقال حدثنا الحسن بن أمد بن حبيب الكرمتنني بطرسوس حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا عمار بن محمد عن سفيان الثوري عن أبي الجحاف داود بن أبي عوف (ت 145) عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه في قول عز وجل (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) قال نزلت في خمسة في رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وعلي فاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم لم يروه عن سفيان إلا عمار بن محمد بن أخت سفيان تفرد به أبو الربيع(2) .

وقال حدثنا محمد بن عبد العزيز بن ربيعة الكلابي أبو مليل الكوفي حدثنا أبي حدثنا عبد الرحمن بن أبي حماد المقري عن أبي سلمة الصائغ(3) عن عطية عن أبي سعيد الخدري سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وآله وسلم يقول إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له لم يروه عن أبي سلمة إلا بن أبي حماد تفرد به عبد العزيز بن محمد(4) .

روى ابن عساكر قال أخبرنا أبو القاسم علي بن إبراهيم قال قرأت على عمي الشريف الأمير نقيب الطالبيين أبي البركات عقيل بن العباس الحسيني قلت أخبركم أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن محمد بن أبي كامل الأطرابلسي قراءة عليه بدمشق أنا

__________________

الصحيح وقد عيب على مسلم إخراجه لحديثه قال بن حبان في الثقات يخطئ وقال في الضعفاء كان يخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات وقال بن شاهين في الثقات اختلف قول بن معين فيه وقال في الضعفاء قال أحمد بن صالح حديث فضيل عن عطية عن أبي سعيد حديث الله الذي خلقكم من ضعف ليس له عندي أصل ولا هو بصحيح وقال بن رشدين لا أدري من أراد أحمدبن صالح بالتضعيف أعطية أم فضيل بن مرزوق وقال العجلي جائزالحديث صدوق وكان فيه تشيع وقال أحمد لا يكاد يحدث عن غير عطية. وفي تقريب التهذيب انه توفي في حدود الستين بعد المائة.

(1) الطبراني ،المعجم الكبير ج 3 ص 52.

(2) الطبراني ، المعجم الصغير ج 1 ص 231.

(3) قال الرازي فيالجرح والتعديل ، نصر بن عمر أبو سلمة الصائغ روى عن سقط روى عنه وكيع ويحيى الحماني سألت أبي عنه فقال شيخ.

(4) الطبراني ، المعجم الصغير ج 2 ص 84.


أبو الحسن خيثمة بن سليمان بن حيدرة القرشي نا جعفر بن محمد بن عنبسة اليشكري بالكوفة نا يحيى بن عبد الحميد الجماني نا قيس بن الربيع عن سعد الخفاف عن عطية العوفي عن محدوج بن زيد الذهلي أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لما آخى بين المسلمين أخذ بيد علي فوضعها على صدره ثم قال يا علي أنت أخي وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي أما تعلم تعلم أن أول» «من يدعى به يوم القيامة يدعى بي فأقام عن يمين العرش في ظله فأكسى حلة خضراء من حلل الجنة ثم يدعى بأبيك إبراهيمعليه‌السلام فيقام عن يمين العرش فيكسى حلة خضراء من حلل الجنة ثم يدعى بالنبيين والمرسلين بعضهم على إثر بعض فيقومون سماطين فيكسون حللا خضرا من حلل الجنة وأنا أخبرك يا علي أنه أول من يدعى بي من أمتي يدعى بك لقرابتك مني ومنزلتك عندي فيدفع إليك لوائي وهو لواء الحمد يستبشر به ادم وجميع من خلق الله عز وجل من الأنبياء والمرسلين فيستظلون بظل لوائي فتسير باللواء بين السماطين الحسن بن علي عن يمينك والحسين عن يسارك حتى تقف بيني وبين إبراهيم في ظل العرش فتكسى حلة خضراء من حلل الجنة فينادي مناد من عند العرش يا محمد نعم الأب أبوك إبراهيم ونعم الأخ أخوك وهو علي يا علي إنك تدعى إذا دعيت وتحيا إذا حييت وتكسى إذا كسيت»(1) .

وروى احمد قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا عمار بن خالد ثنا إسحاق بن الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان (ت 145)(2) عن عطية عن زيد بن أرقم قال

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 53.

(2) ابن حجر ،تهذيب التهذيب ، خت م 4 البخاري في التعاليق ومسلم والأربعة عبد الملك بن أبي سليمان واسمه ميسرة أبو محمد ويقال أبو سليمان وقيل أبو عبد الله العرزمي أحد الأئمة روى عن أنس بن مالك وعطاء بن أبيرياح وسعيد بن جبير وسلمة بن كهيل وأنس بن سيرين ومسلم بن يناق وابن الزبير وعبد الله بن عطاء المكي وأبي حمزة الثمالي وزبيد اليامي وعبد الله بن كيسان مولى أسماء وعبد الملك بن أعين وغيرهم ، قال أبو زرعة الدمشقي سمعت أحمد ويحيى يقولان عبد الملك بن أبي سليمان ثقة وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين ضعيف وقال بن عمار الموصلي ثقة حجة وقال العجلي ثثبت في الحديث وقال يعقوب بن سفيان ثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن عبد الملك بن أبي سليمان ثقة متقن فقيه. قال الهيثم بن عدي مات في ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة وفيها أرخه غير واحد ، وذكره بن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ وكان من خيار أهل الكوفة وحفظائهم والغالب على من يحفظ ويحدث أن يهم وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبت صحت عنه السنة


خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بالجحفة يوم غدير خم وهو آخذ بعضد علي فقال يا أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعذا مولاه(1) .

وروى الطبراني قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا سويد بن سعيد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(2) .

وروى احمد قال حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا أسود بن عامر أخبرنا أبو إسرائيل يعني إسماعيل بن أبي إسحاق الملائي(3) عن عطية عن أبي سعيد قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم اني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي وانهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض(4) .

أقول : رواه عن عطية أيضا : الأعمش وكثير النوى وطلحة بن مصرف وأبو الجحاف وعبد الملك بن سليمان العرزمي وهارون بن سعيد واسرائيل وفضيل بن مرزوق.

يحيى بن يعمر البصري الفقيه قاضي مرو :

قال الذهبي يحيى بن يعمر القاضي أبو سليمان ويقال أبو عدي العدواني البصري

__________________

بأوهام بهم فيها والأولى فيه قبول ما يروي بتثبت وترك ما صح أنه وهم فيه ما لم يفحش فمن غلب خطأه على صوابه استحق الترك.

(1) احمد بن حنبل ، مسند احمد ج 5 ص 195.

(2) الطبراني ، المعجم الكبير ج 3 ص 39.

(3) البخاري ، التاريخ الكبير ج 1 ص 346 إسماعيل بن أبي إسحاق أبو إسرائيل العبسي الملائي الكوفي مولى سعد بن حذيفة عن الحكم وعطية ضعفه أبو الوليد. قال أحمد حدثنا حجاج قال أبو إسرائيل ولدت بعد الجماجم بسنة وكانت الجماجم سنة ثلاث وثمانين ولي ثمان وسبعون سنة تركه بن مهدي. قال ابن سعد في الطبقات الكبرى ج 6 أبو إسرائيل الملائي العبسي واسمه إسماعيل بن أبي إسحاق قال يقولون إنه صدوق وكان بهز بن أسد يحكي أنه سمع أبا إسرائيل تناول عثمان وأشياء نحو هذا تحكى عنه.أقول : وتضعيفه لأجل تناوله عثمان.

(4) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 3 ص 14.


الفقيه قاضي مرو روى عن أبي ذر وعمار وعائشة وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر وأبي الأسود الديلي وغيرهم وعنه عبد الله بن بريدة وقتادة ويحيى بن عقيل وعطاء الخراساني وسليمان التيمي وإسحاق بن سويد العدوي قال أبو داود لم يسمع من عائشة قلت فما الظن بالذين قبلها وقيل أنه أول من نقط المصحف وكان أحد الفصحاء الفقهاء أخذ العربية عن أبي الأسود وكان الحجاج قد نفاه فقبله قتيبة بن مسلم وولاه قضاء خراسان وكان له عدة نواب ثم عزله قتيبة لما بلغه عنه شرب المنصف متفق على حديثه وثقته(1) .

قال ابن حجر قال قال الحاكم : وقال الحاكم يحيى بن يعمر فقيه أديب نحوي مروزي تابعي وأكثر روايته عن التابعين وأخذ النحو عن أبي الأسود الديلي نفاه الحجاج إلى مرو فقبله قتيبة بن مسلم وقد قضى في أكبر مدن خراسان وكان إذا انتقل من بلد استخلف على القضاء بها وقال أبو الحسن علي بن الأثيرالجزري في الكامل مات سنة تسع وعشرين ومائة كذا قال وفيه نظر وقال غيره مات في حدود العشرين(2) .

قال السيوطي : وأخرج أبو الشيخ ابن أبي حاتم عن أبي حرب بن أبي الأسود قال أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال بلغني انك تزعم ان الحسن والحسين من ذرية النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم تجده في كتاب الله وقد قرأته من أوله إلى آخره فلما أجده قال ألست تقرأ سورة الانعام (ومن ذريته داود وسليمان) حتى بلغ (ويحيى وعيسى) قال بلى قال أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب قال صدقت.

قال الرازي في تفسير قوله تعالى (وعلم آدم الأسمء كلها) عن الشعبي قال كنت عند الحجاج فاتي بيحيى بن يعمر فقيه خراسان من بلخ مكبلا بالحديد فقال له انت زعمت ان الحسن والحسين من ذرية رسول الله فقال بلى فقال الحجاج لتاتيني بها بينة واضحة من كتاب الله أو لاقطعنك عضوا عضوا (وتلا عليه) قوله تعالى (ومن ذريته داود وسليمان ..) فاطرق ملياهم رفع راسه فقال كأني لم أقرأ هذه الاية من كتاب

__________________

(1) الذهبي ،تذكرة الحفاظ ج 1 ص 475.

(2) ابن حجر ،تهذيب التهذيب ج 11 ص 276.


الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا وكذا(1) .

دور الامام السجاد والباقر والصادق عليهم‌السلام

في الكوفة بعد نهضة الحسين عليه‌السلام

كانت إمامة السجادعليه‌السلام من سنة 61 هـ إلى موته سنة 94 هـ ثم إمامة ولده الباقرعليه‌السلام إلى سنة 114 هـ ثم إمامة ولده الصادقعليه‌السلام إلى سنة 148 هـ وقد استهدف هؤلاء الأئمة الثلاثة مهمتين أساسيتين :

الأول : تربية الشيعة على الحزن والبكاء والزيارة للحسين كصفة دائمية في شخصيتهم واحياء العشرة الأولى من المحرم بذكر مصيبة الحسين وبخاصة يوم العاشر ثم الأربعين التي بدأها علي بن الحسين وجابر بن يزيد الانصاري ثم إقامة مجالس العزاء وانشاد الشعر فيه وقد بدأ ذلك علي بن الحسين بنفسه الشريفة حين بكى أباه قريبا من أربعين سنة ، ونمت الظاهرة وترعرعت برعاية الامامين الباقر والصادقعليهما‌السلام حتى برزت كظاهرة اجتماعية.

الثانية : تربية نوعين من العلماء الأول علماء بكتب عليعليه‌السلام في الفقه والسيرة والتفسير ليثقفوا الشيعة بثقافة كتاب عليعليه‌السلام أمثال محمد بن مسلم الطائفي وزرارة بن اعين وحمران بن اعين وأبان بن تغلب وغيرهم. الثاني علماء من ذرية عليعليه‌السلام ينهضون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على نهج الحسين والثورة على الأمويين لللإطاحة بهم وإقامة حكم على نهج عليعليه‌السلام . كزيد بن علي بن الحسين وولده يحيى وعيسى ومحمد وإبراهيم ولدا عبد الله بن الحسن وآخرين من ولده أيضا ومنهم إدريس مؤسس ملك الادارسة في المغرب.

الكوفة على عهد هشام وثورة زيد رحمه‌الله 112 هـ

قال البلاذري وهو يترجم لزيد بن عليرضي‌الله‌عنه : وقرأت في كتب سالم كاتب هشام كتاباً نسخته :

__________________

(1) الرازي ، مفاتيح الغيب 2 / 194.


(أمّا بعد فقد عرفت حال أهل الكوفة في حبِّهم أهل البيت ووضعهم إيّاهم في غير مواضعهم لافتراضهم على أنفسهم طاعتهم ووظَّفوا عليهم شرائع دينهم ونحلتهم إيّاهم عظيم ما هو كائن ممَّا استأثر الله بعلمه دونهم حتّى حملوهم على تفريق الجماعة والخروج على الأئمة(1)

قال البلاذري : وبعث يوسف بن عمر إلى أم امرأة لزيد أزدية ، فهدم دارها وحملت إليه ، فقال لها : أزوَّجتِ زيدا؟ قالت : نعم زوجته وهو سامع مطيع ، ولو خطب إليك إذ كان كذلك لزوَّجته. فقال شُقّوا عليها ثيابها ، فجلدها بالسياط وهي تشتمه وتقول : ما أنت بعربي تعرِّيني وتضربني لعنك الله ، فماتت تحت السياط ، ثم أمر بها فأُلقيت في العراء ، فسرقها قومها ودفنوها في مقابرهم.

وأخذ امرأة قوَّت زيدا على أمره ، فأمر بها أن تقطع يدها ورجلها وضرب عنق زوجها.

وضرب امرأة أشارت على أمها أن تؤوي ابنة لزيد خمسمائة سوط. وهدم دورا كثيرة.

وأُتِيَيوسف بعبد الله بن يعقوب السلمي من ولد عتبة بن فرقد (وكان زوَّجَ ابنته من يحيى بن زيد) فقال له يوسف : ائتني بابنتك ، قال : وما تصنع بها جارية عاتق(2) في البيت؟ قال : أقسم لتأتيني بها أو لأضربنَّ عنقك ، (وقد كان كتب إلى هشام يصف طاعته) فأبى أن يأتيه بابنته فضرب عنقه ، وأمر العريف أن يأتيه بابنة عبد الله بن يعقوب فأبى ، فأمر به فدُقَّت.

قال البلاذري : ولما فرغ يوسف من أمر زيد صعد منبر الكوفة فشتم أهلها وقال : يا أهل المِدْرَة الخبيثة! (والله ما يقعقع لي بالشِّنان ولا تقرن بي الصعبة) لقد هممت أن أخرب بلدكم وأن أحربكم بأموالكم ، والله ما أطلت منبري إلا لأسمعكم عليه ما تكرهون ، فإنكم أهل بغي وخلاف ، ولقد سألت أمير المؤمنين (هشام بن عبد الملك) أن

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري (ج 7 ص 170 ـ 171) ولم يذكر الطبري مصدره الذي أخذ الرواية عنه.

(2) العاتق : الجارية أول ما أدركت.


يأذن لي فيكم ولو فعل لقتلت مقاتلتكم وسبيت نساءكم. إن يحيى بن زيد(1) ليتنقل في حجال نسائكم كما كان أبوه ، يفعل ، وما فيكم مطيع إلا حكيم بن شريك المحاربي ، والله لو ظفرت بيحياكم لعرقت خصييه كما عرقت خصيتي أبيه.(2)

الكوفة مركز مرجعية الامام الصادق عليه‌السلام

تحرك الأئمة السجاد والباقر ثم الصادقعليه‌السلام في المدينة بصفتهم رواة حديث يأخذون عن الصحابة والتابعين في الجو الذي سمحت به السلطة الأموية على عهد بني مروان امتدادا للسياسة التي وضعها معاوية لإحياء معالم الدولة الأموية الأولى في إطار سيرة الشيخين كخط في قبال الثقافة التي احياها عليعليه‌السلام ومنعت منها الدولة الأموية الثانية ، ثم كونوا لهم بمقدار ما يسمح لهم الظرف السياسي وسطهم الخاص بهم وانفتحوا تدريجيا على الثقاة من اصحابهم يدعونهم إلى ولايتهم ويعرفونهم بكتاب عليعليه‌السلام الذي املاه النبي عليه في السنة ، وكان الجيل الجديد من الشيعة الذي ولد أيام الحجاج لا يعرف من احكام الإسلام الا الذي تبنته الدولة الأموية الثانية وقد اشارت الى ذلك رواية الكليني عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد ، عن صفوان بن يحيى ، عن عيسى بن السري أبي اليسع قال :

قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : أخبرني بدعائم الإسلام التي لا يسع أحدا التقصير عن معرفة شيء منها ، الذي من قصر عن معرفة شيء منها فسد دينه ولم يقبل [الله] منه عمله ومن عرفها وعمل بها صلح له دينه وقبل منه عمله ...

فقال : شهادة أن لا إله إلا الله والايمان بأن محمدا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله والاقرار بما جاء به من عند الله وحق في الأموال الزكاة ، والولاية التي أمر الله عز وجل بها : ولاية آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ،.

قال : فقلت له : هل في الولاية فضل يعرف لمن أخذ به؟ قال : نعم قال الله عز

__________________

(1) ترجم البلاذري ليحيى بن زيد وحركته ومقتله في الجوزجان فيانساب الاشراف (ج 3 ص 453 ـ 458).

(2) البلاذري ،انساب الأشراف ج 3 ص 448 ـ 450.


وجل :( يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأُولي الأمر منكم ) وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية.

وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

وكان علياعليه‌السلام وقال الآخرون : كان معاوية ،

ثم كان الحسنعليه‌السلام

ثم كان الحسينعليه‌السلام وقال الآخرون : يزيد بن معاوية ولا سواء ولا سواء

قال : ثم سكت ثم قال : أزيدك؟

فقال له حكم الأعور : نعم جعلت فداك.

قال : ثم كان علي بن الحسين ثم كان محمد بن علي أبا جعفر.

وكانت الشيعة قبل أن يكون أبو جعفر وهم لا يعرفون مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى كان أبو جعفر ففتح لهم وبين لهم مناسك حجهم وحلالهم وحرامهم حتى صار الناس يحتاجون إليهم من بعد ما كانوا يحتاجون إلى الناس.(1)

وكان الفرد الشيعي آنذاك لا يفاتح بكتاب عليعليه‌السلام وفتاواه الخاصة التي تخالف المشهور عند الناس آنذاك ، حتى تؤخذ منه العهود ان لا يحدث به حتى يأتيه الإذن كما في رواية زرارة قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن الجد فقال «ما أجد أحدا قال : فيه إلا برأيه إلا أمير المؤمنينعليه‌السلام » قلت : أصلحك الله فما قال فيه أمير المؤمنينعليه‌السلام ؟

فقال «إذا كان غدا فالقني حتى أقرئكه في كتاب علي»

قلت : أصلحك الله حدثني فإن حديثك أحب إلي من أن تقرأينه في كتاب ،

فقال لي الثانية «أسمع ما أقول لك إذا كان غدا فالقني حتى أقرئكه في كتاب ، فأتيته من الغد بعد الظهر وكانت ساعتي التي كنت أخلو به فيها بين الظهر والعصر وكنت أكره أن أسأله إلا خاليا خشية أن يفتيني من أجل من يحضرني بالتقية فلما دخلت عليه أقبل علي ابنه جعفر ، فقال «أقرئ زرارة صحيفة الفرائض» ثم قام لينام فبقيت أنا وجعفر في البيت فقام فأخرج إلي صحيفة مثل فخذ البعير.

__________________

(1) الشيخ الكليني ،الكافي ج 2 ص 19 ـ 21.


فقال «لست أقرئكها حتى تجعل لي عليك الله أن لا تحدث بما تقرأ فيها أحدا أبدا حتى آذن لك» ولم يقل : حتى يأذن لك أبي ،

فقلت : أصلحك الله ولم تضيق علي ولم يأمرك أبوك بذلك؟

فقال لي : ما أنت بناظر فيها إلا على ما قلت لك»

فقلت : فذاك لك ، وكنت رجلا عالما بالفرائض والوصايا ، بصيرا بها ، حاسبا لها ، ألبث الزمان اطلب شيئا يلقيي علي من الفرائض والوصايا لا أعلمه فلا أقدر عليه ، فلما ألقى إلي طرف الصحيفة إذا كتاب غليظ يعرف أنه من كتب الأولين فنظرت فيها فإذا فيها خلاف ما بأيدي الناس من الصلة والأمر بالمعروف الذي ليس فيه اختلاف وإذا عامته كذلك فقرأته حتى أتيت على آخره بخبث نفس وقلة تحفظ وسقام رأي وقلت وأنا أقرأوه باطل حتى أتيت على آخره ثم أدرجتها ودفعتها إليه فلما أصبحت لقيت أبا جعفرعليه‌السلام .

فقال لي «أقرأت صحيفة الفرائض؟»

فقلت : نعم ، فقال «كيف رأيت ما قرأت؟»

قال : قلت : باطل ليس بشيء هو خلاف ما الناس عليه ،

قال «فإن الذي رأيت والله يا زرارة هو الحق ، الذي رأيت إملاء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وخط عليعليه‌السلام بيده».(1)

وقد استغل الامام الباقرعليه‌السلام تغير السياسية الأموية من الشدة إلى السماحة النسبية أيام عمر بن عبد العزيز (99 ـ 101 هـ) وكذلك الامام الصادق استغل أخريات العهد الأموي وبدايات العهد العباسي ان يربيا فقهاء الشيعة أمثال محمد بن مسلم وزرارة بن اعين وأبان بن تغلب(2) وكان الامام الباقر يقول لهذا الأخير : (اجلس في مجلس المدينة

__________________

(1) الفيض الكاشاني ،الوافي ، مكتبة الامام أمير المؤمنين عليعليه‌السلام العامة ـ أصفهان 1406 هـ ج 25 ص 751 ـ 752. عن (الكافي ج 7 ص 94 والتهذيب ج 9 ص 271).

(2) قال الحموي ياقوت في مجمع الادباء 1 / 108 ابان بن تغلب بن رياح الجريري ، أبو سعيد البكري مولى بنى جرير بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن عكاشة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل ـ ذكره أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في مصنفي الإمامية ، ومات أبان في سنة إحدى وأربعين ومائة قال أبو جعفر هو ثقة جليل القدر عظيم المنزلة في أصحابنا لقي أبا محمد علي بن الحسين ،


وأفت الناس فإني أحب أن يرى في شيعتي مثلك).

وعن سليمان ابن خالد قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : ما أجد أحدا أحيا ذكرنا وأحاديث أبيعليه‌السلام إلا زرارة ، وأبو بصير ليث المرادي ، ومحمد بن مسلم ، وبريد بن معاوية العجلي ، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا ، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبيعليه‌السلام على حلال الله وحرامه ، وهم السابقون إلينا في الدنيا ، والسابقون إلينا في الآخرة.(1)

روى ابن عدي عن إبراهيم بن محمد الرماني أبو نجيح قال سمعت حسن بن زياد يقول سمعت أبا حنيفة وسئل من أفقه من رأيت فقال ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بن محمد لما أقدمه المنصور الحيرة بعث إلي فقال يا أبا حنيفة ان الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد فهيئ له من مسائلك تلك الصعاب فقال فهيأت له أربعين مسألة ثم بعث إلي أبو جعفر فأتيته بالحيرة فدخلت عليه وجعفر جالس عن يمينه فلما بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لم يدخلني لأبي جعفر فسلمت وأذن لي أبو جعفر فجلست ثم التفت إلى جعفر فقال يا أبا عبد الله تعرف هذا قال نعم هذا أبو حنيفة ثم أتبعها قد أتانا ثم قال يا أبا حنيفة هات من مسائلك سل أبا عبد الله فابتدأت أسأله قال فكان يقول في المسألة أنتم تقولون فيها كذا وكذا وأهل المدينة يقولون كذا ونحن نقول كذا فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة وربما خالفنا جميعا حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرج منها مسألة ثم قال أبو حنيفة أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.(2)

__________________

وأبا جعفر وأبا عبد الله عليه مالسلام وروى عنهم وكانت له عندهم حظوة وقدم ، قال له أبو جعفر اجلس في مسجد المدينة وأفت الناس فإني أحب أن أرى في شيعتي مثلك ، وقال أبو عبد الله لما أتاه نعيه أما والله لقد أوجع قلبي موت أبان ، قال وكان قارئا فقيها لغويا نبيها ثبتا وسمع من العرب وحكى عنهم وصنف كتاب الغريب في القرآن وذكر شواهده من الشعر فجاء فيما بعد عبد الرحمن بن محمد الأزدي الكوفي فجمع من كتاب أبان ومحمد بن السائب الكلبي وابن روق عطية بن الحارث فجعله كتابا فيما اختلفوا فيه وما اتفقوا عليه فتارة يجيء كتاب أبان مفردا وتارة يجيء مشتركا على ما عمله عبد الرحمن ولأبان أيضا كتاب الفضائل.

(1) الحر العاملي ، الشيخ محمد بن الحسن ،وسائل الشيعة ، تحقيق الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي ، دار إحياء التراث العربي بيروت ـ لبنان 1983 م. ج 18 ص 104.

(2) ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ج 2 ص 133. والذهبي ،سير أعلام النبلاء ج 6 ص 257. والمزي ،تهذيب الكمال ، ج 5 ص 79.


وقال الحسن بن علي بن زياد الوشاء لابن عيسى القمي : إني أدركت في هذا المسجد : يعني مسجد الكوفة تسعمائة شيخ كل يقول : حدثني جعفر بن محمدعليه‌السلام .(1)

قال البراقي وقد صنف الافظ أبو العباس بن عقدة الهمداني الكوفي المتوفى سنة 333 كتابا في أسماء الرجال الذين رووا الحديث عن (الإمام الصادق)عليه‌السلام فذكر ترجمة (4000) رجل.(2)

الكوفة على عهد حركة ولدي عبد الله بن الحسن المثنى رضي‌الله‌عنه

قال الطبراني حدثني سعيد بن تسنيم بن الحواري بن زياد بن عمرو بن الأشرف قال سمعت من لا أحصى من أصحابنا يذكرون أن أبا جعفر (الخليفة) شاور في أمر إبراهيم فقيل له إن أهل الكوفة له شيعة ، والكوفة قدر يفور أنت طبقها فاخرج حتى تنزلها ففعل.(3)

قال وحدثني عبد الملك ابن سليمان عن حبيب بن مرزوق قال حدثني تسليم بن الحواري قال لما ظهر محمد وإبراهيم ابنا عبد الله أرسل أبو جعفر إلى عبد الله بن علي وهو محبوس عنده ان هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأى فأشربه علينا وكان ذا رأي عندهم فقال إن المحبوس محبوس الرأي فأخرجني حتى يخرج رأيي فأرسل إليه أبو جعفر ، لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك وأنا خير لك منه وهو ملك أهل بيتك ، فأرسل إليه عبد الله ارتحل الساعة حتى تأتى الكوفة فاجثم على أكبادهم فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم ثم احففها بالمسالح فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه ، وابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر عليك وكان بالري واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما يحمل البريد فأحسن جوائزهم ووجههم مع سلم ففعل(4) .

__________________

(1) النجاشي ،فهرست أسماء مصنفي الشيعة المشتهر بـ رجال النجاشي ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1416 هـ ، ص 31.

(2) البراقي ،تاريخ الكوفة ، شريعت قم 1424 هـ. ص 408.

(3) الطبري ،تاريخ الطبري ج 6 ص 247.

(4) الطبري ،تاريخ الطبري ج 6 ص 194.


قال الطبري حدثني مسلم الخصي مولى محمد بن سليمان قال كان أمر إبراهيم وأنا ابن بضع عشرة سنة وأنا يومئذ لأبي جعفر فأنزلنا الهاشمية بالكوفة ونزل هو بالرصافة في ظهر الكوفة وكان جميع جنده الذين في عسكره نحوا من ألف وخمسمائة فكان يطوف الكوفة كلها في كل ليلة وأمر مناديا فنادى من أخذناه بعد عتمة فقد أحل بنفسه فكان إذا أخذ رجلا بعد عتمة لفه في عباءة وحمله فبيَّتَه عنده فإذا أصبح سأل عنه فان علم براءته أطلقه وإلا حبسه.

وحدثني جواد ابن غالب قال حدثني العباس بن مسلم مولى قحطبة قال كان أمير المؤمنين أبو جعفر إذا اتهم أحدا من أهل الكوفة بالميل إلى إبراهيم أمر أبى سلما بطلبه فكان يمهل حتى إذا غسق الليل وهدأ الناس نصب سلما على منزل الرجل فطرقه في بيته حتى يخرجه فيقتله ويأخذ خاتمه قال أبو سهل جواد فسمعت جميلا مولى محمد بن أبي العباس يقول للعباس بن سلم والله لو لم يورثك أبوك إلا خواتيم من قتل أهل الكوفة كنت أيسر الأبناء.

قال الطبري : وحدثني يحيى بن ميمون من أهل القادسية قال سمعت عدة من أهل القادسية يذكرون أن رجلا من أهل خراسان يكنى أبا الفضل ويسمى فلان ابن معقل ولى القادسية ليمنع أهل الكوفة من اتيان إبراهيم وكان الناس قد صُدُّوا في طريق البصرة فكانوا يأتون القادسية ثم العذيب ثم وادى السباع ثم يعدلون ذات اليسار في البر حتى قدموا البصرة قال فخرج نفر من الكوفة اثنا عشر رجلا حتى إذا كانوا بوادي السباع لقيهم رجل من موالى بني أسد يسمى بكرا من أهل شراف دون واقصة بميلين من أهل المسجد الذي يدعى الموالى فأتى ابن معقل فأخبره فأدركهم بخفان وهي على أربعة فراسخ من القادسية فقتلهم أجمعين.(1)

وقال حدثني عبد الله بن راشد بن يزيد قال سمعت إسماعيل بن موسى البجلي وعيسى بن النضر السمانين وغيرهما يخبرون أن غزوان كان لآل القعقاع بن ضرار

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 6 ص 249.


فاشتراه أبو جعفر فقال له يوما يا أمير المؤمنين هذه سفن منحدرة من الموصل فيها مبيضة تريد إبراهيم بالبصرة قال فضم إليه جندا فلقيهم بباحمشا بين بغداد والموصل فقتلهم أجمعين وكانوا تجارا فيهم جماعة من العباد من أهل الخير وغيرهم وفيهم رجل يدعى أبا العرفان جارك إنما شخصت برقيق لي فبعتهم فلم يقبل وقتلهم أجمعين وبث برؤوسهم إلى الكوفة فنصبت ما بين دار إسحاق الأزرق إلى جانب دار عيسى بن موسى إلى مدينة ابن هبيرة قال أبو أحمد عبد الله بن راشد فأنا رأيتها منصوبة على كوم التراب.

قال وحدثنا أبو علي القداح قال حدثني داود بن سليمانونيبخت وجماعة من القداحين قالوا كنا بالموصل وبها حرب الراوندي رابطة في ألفين لمكان الخوارج بالجزيرة فأتاه كتاب أبي جعفر يأمره بالقفل إليه فشخص فلما كان بباحمشا اعترض له أهلها وقالوا لا ندعك تجوزنا لتنصر أبا جعفر على إبراهيم فقال لهم ويحكم إني لا أريد بكم سوءا انما أنا مار دعوني قالوا لا والله لا تجوزنا أبدا فقاتلهم فأبارهم وحمل منهم خمسمائة رأس فقدم بها على أبي جعفر وقض عليه قصتهم قال أبو جعفر هذا أول الفتح.

قال جعفر بن ربيعة قال الحجاج بن قتيبة لقد دخلت على أمير المؤمنين المنصور في ذلك اليوم مسلما وما أظنه يقدر على رد السلام لتتابع الفتوق والخروق عليه والعساكر المحيطة به ولمائة ألف سيف كامنة له بالكوفة بإزاء عسكره ينتظرون به صيحة واحدة فيثبون.(1)

الخلاصة :

مصِّرت الكوفة على عهد الخليفة عمر بن الخطاب وكان طابعها العام هو العمل بسيرة الشيخين شانها شان بلدان الفتوح ثم تبنت نهضة علي والحسن والحسينعليه‌السلام ولم تتخلف عن نصرة مشروعهم الإحيائي للسنة النبوية ودفعت الثمن غاليا حين حاول الأمويون والمروانيون والزبيريون محو ولاية علي وأهل بيتهعليهم‌السلام والأحاديث النبوية التي

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 6 ص 249.


تدعو إلى ولايتهم من ساحتها فلم يفلحوا ، ثم برزت مرة أخرى في الثلث الأول من القرن الثاني الهجري قلعة لمشروع عليعليه‌السلام الإحيائي للسنة النبوية بخطين الأول خط مرجعية الأئمة من ذرية الامام الصادقعليه‌السلام والثاني خط الثوار بقيادة زيد وولده والثوار من ولد عبد الله بن الحسن المثنى.



الباب الثالث

العباسيون يحذون حذو الأمويين

في تحريف التاريخ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول 351 تحريف الأمويين للتاريخ

الفصال الثاني 371 انشقاق العباسيين عن المحسنيين والأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام

الفصل الثالث 380 سياسة الاعلام العباسي

الفصل الرابع 401 الروايات الطاعنة في عقيدة الوصية بعليعليه‌السلام

الفصل الخامس 405 كتاب أبي مخنف في مقتل الحسينعليه‌السلام

الفصل السادس 412 الروايات الطاعنة في أهل الكوفة على لسان علي والحسنعليه‌السلام

الفصل السابع 441 الروايات الطاعنة في الحسنعليه‌السلام

الفصل الثامن 453 ملاحظات نقدية حول رواية البخاري في الصلح وشرح ابن حجر لها

الفصل التاسع 491 الروايات التي تطعن في أهل الكوفة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



استهدف الباب الثالث في تسعة فصول تفسير وجود ذلك الكم الهائل من الروايات الذي انتج رؤية الانهيار المبين للحسن وللكوفيين ، وكونها من وضع الامويين والعباسيين لمواجهة اخطر ثلاثي متعاون واجهه الحكم العباسي وهم الحسنيون الثائرون عليهم ـ مرجعية الامام الصادق الدينية الآخذة بالتوسع ـ الكوفة القلعة التاريخية التي تمد كلا الخطين بالقاعدة الشعبية.

ففيالفصل الأول عرضٌ مختصر في تحريف الأمويين لتاريخ خصومهم بوصفه التجربة الأقدم التي شهدها العباسيون الآباء ثم استفاد منها الأبناء لتحريف خصومهم ، وقد انتزعنا هذا الفصل من كتابنا المدخل إلى دراسة مصادر السيرة والتاريخ.

وفيالفصل الثاني عرض مختصر لانشقاق العباسيين عن الحسنيين والأئمة من أهل البيتعليهم‌السلام فكريا وسياسيا إذ كانوا في بدء الأمر جزء من حركة العلويين ثم انشقوا عنها.

وفيالفصل الثالث عرض وثائق الاعلام العباسي ضد الحسن والكوفة والتشيع من خلال خطب أبي العباس السفاح وأبي جعفر الدوانيقي والشعر ومحاورات الدوانيقي مع مالك بن انيس وغيره.

وفيالفصل الرابع عرض لشخصيتين مارستا الوضع في العهد العباسي المبكر لمواجهة حركة التشيع اليت يقودها الامام الصادق حين وضعتا اخبارا وصفت التشيع لعلي بانه من وضع شخص يهودي من صنعاء اسلم على عهد عثمان اظهر القول بالوصية لعلي


وقرنه بالطعن على الخلفاء وبالتالي فان الشيعة من تأسيس يهودي حاقد على الإسلام ، وهاتان الشخصيتان هما سيف بن عمر وعبد الرحمن بن مالك بن مغول وقد عُرفا في كتب الرجال بانهما وضّاعان للاخبار.

وفيالفصل الخامس عرض لكتاب أبي مخنف الذي استهدف تحميل أهل الكوفة تبعة قتل الحسين تعبيرا عن خذلانهم وضعف إرادتهم بخلاف ما بينه أهل البيتعليهم‌السلام من قتلة الحسين هم من أهل الشام وان أهل الكوفة انصارهم الاوفياء.

وفيالفصل السادس عرض للاخبار الطاعنة في أهل الكوفة على لسان علي والحسن ، وانها من وضع الأخباريين العباسيين من خلال ترجمة الكثير من رواة تلك الاخبار.

وفيالفصل السابع عرض للاخبارالطاعنة في الحسنعليه‌السلام وترجمة لرواتها ممن كان يعمل مع العباسيين.

وفي الفصل الثامن مناقشة لرواية البخاري في الصلح وشرح ابن حجر العسقلاني لها.

وفيالفصل الثامن عرض للروايات الطاعنة في الكوفيين على لسان الرواة الآخرين وذكر المنبهات على انها من وضع الأخباريين العباسيين أيضا.


الباب الثالث / الفصل الأول

تحريف الأمويين للتاريخ

أوردنا في كتابنا «المدخل إلى دراسة مصادر السيرة والتاريخ» اربع وثائق تتحدث عن تحريف بني أمية للحديث والتاريخ ننقلها بتمامها لكفايتها :

1. ما رواه الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات

قال الزبير بن بكار : حدثنا أحمد بن سعيد قال : حدثني الزبير قال : حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن الواقدي قال : حدثني ابن أبي سبرة عن عبد الرحمن بن زيد قال :

وفد علينا سليمان بن عبد الملك حاجّاً سنة اثنتين وثمانين ، وهو ولي عهد ، فمرَّ بالمدينة ، فدخل عليه الناس ، فسلَّموا علهي ، وركب إلى مشاهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله التي صلَّى فيها وحيث أُصيب أصحابه في أحد ، ومعه أبان بن عثمان ، وعمرو بن عثمان ، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي أحمد ، فأتوا به قُباء ، ومسجد الفضيخ ، ومشربة أم إبراهيم ، وأحد ، وكل ذلك يسألهم ، ويخبرونه عمَّا كان.

ثم أمر أبان بن عثمان أن يكتب له سِيَر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ومغازيه.

فقال أبان : هي عندي قد أخذتها مصححة ممن أتق به ، فأمر بنسخها ، وألقى فيها إلى عشرة من الكُتَّاب ، فكتبوها في رقّ.


فلما صارت إليه ، نظر فإذا فيها ذكر الأنصار في العقبتين وذكر الأنصار في بدر ، فقال : ما كنت أرى لهؤلاء القوم هذا الفضل فإمَّا أن يكون أهل بيتي غمصوا عليهم وإمَّا أن يكونوا ليس هكذا.

فقال أبان بن عثمنا : أيها الأمير لا يمنعنا ما صنعوا بالشهيد المظلوم من خذلانه من القول بالحق : هم على ما وصفنا لك في كتابنا هذا ، قال : ما حاجتي إلى أن أنسخ ذاك حتَّى أذكره لأمير المؤمنين لعله يخالفه ، فأمر بذلك الكتاب فحُرِّق ، وقال : أسأل أمير المؤمنين إذا رجعت ، فإن يوافقه فما أيسر نسخه.

فرجع سليمان بن عبد الملك فأخبر أباه بالذي كان من قول أبان.

فقال عبد الملك : وما حاجتك أن تقدم بكتاب ليس لنا فيه فضل ، تُعرِّف أهل الشام أموراً لا نريد أن يعرفوها!

قال سليمان : فلذلك يا أمير المؤمنين أمرت بتخريق ما كنتُ نسخته حتَّى أستطلع رأي أمير المؤمنين ، فصوّب رأيه ، وكان عبد الملك يثقل عليه ذلك.

ثم إنَّ سليمان جلس مع قبيصة بن ذؤيب ، فأخبره خبر أبان بن عثمان وما نسخ من تلك الكتب وما خالف أمير المؤمنين فيها.

فقال قبيصة : لولا ما كرهه أمير المؤمنين لكان من الحظِّ أنْ تَعْلَمها وتُعلِّمَها ولدك وأعقابهم ، إنَّ حظَّ أمير المؤمنين فيها لوافر ، إنَّ أهل بيت أمير المؤمنين لأكثر من شهد بدراً فشهدها من بني عبد شمس ستة عشر رجلاً من أنفسهم وحلفائهم ومواليهم وحليف القوم منهم ومولى القوم منهم. وتوفي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعمَّاله من بني أمية أربعة : عتاب بن أُسيد على مكة ، وأبان بن سعيد على البحرين ، وخالد بن سعيد على اليمن ، وأبو سفيان بن حرب على نجران ، عاملاً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولكنِّي رأيت أمير المؤمنين كره من ذلك شيئاً فما كره فلا تخالفه.

ثم قال قبيصة : لقد رأيتني وأنا وهو ـ يعني عبد الملك ـ وعدةً من أبناء المهاجرين ما لنا علم غير ذلك حتَّى أحكمناه ، ثم نظرنا بعد في الحلال والحرام ، فقال سليمان : يا أبا إسحاق ألا تخبرني عن هذا البغض من أمير المؤمنين وأهل بيته لهذا الحيَّ من الأنصار وحرمانهم إيَّاهم لِمَ كان؟ فقال : يا ابن أخي أوّل من أحدث ذلك معاوية بن


أبي سفيان ، ثم أحدثه أبو عبد الملك (يريد مروان) ثم أحدثه أبوك.

فقال : علامَ ذلك؟

قال : فوالله ما أريد به إلَّا لأعلمه وأعرفه.

قال : لأنَّهم قتلوا قوماً من قومهم ، وما كان من خذلانهم عثمان فحقدوه عليهم ، وحنقوه وتوارثوه ، وكنت أحب لأمير المؤمنين أن يكون على غير ذلك لهم وأن أخرج من مالي فكلَّمه.

فقال سليمان : أفعل والله. فكلَّمه وقبيصة حاضر ، فأخبر قبيصة بما كان من محاورتهم.

فقال عبد الملك : والله ما أقدر على غير ذلك فدعونا من ذكرهم فأسكت القوم.(1)

وحكى الزهري(2) : (أن عبد الملك رأى عند بعض ولده حديث المغازي فأمر به فأحرق ، وقال : عليك بكتاب الله فاقرأه والسنة فاعرفها واعمل بها).

قال الدكتور حسين عطوان : (ولم يزل الخلفاء الأمويون يحظرون رواية المغازي والسير إلى نهاية القرن الأول فلما استخلف عمر بن عبد العزيز ، أقرَّ بأنَّ من سبقه من الخلفاء الأمويين حاربوا رواية المغازي والسير ، ومنعوا أهل الشام من معرفتها ، ودفعوهم عن الإطلاع عليها ، وردعوهم عن الاشتغال بها وأنكر صنيعهم ، وشهَّر به تشهيراً قوياً).(3)

قال ابن عساكر في ترجمة عاصم بن عمر بن قتادة : ووفد عاصم عيل عمر بن عبد العزيز في خلافته في دين لزمه فقضاه عنه عمر وأمر له بعد ذلك بمعونة وأمره أنْ يجلس في مسجد دمشق فيحدِّث الناس بمغازي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومناقب أصحابه وقال إنَّ بني مروان كانوا يكرهون هذا وينهون عنه فاجلس فحدِّث الناس بذلك ففعل.(4)

أقول : ومن الجدير ذكره ، ان عمر بن عبد العزيز حين رفع الحظر عن رواية

__________________

(1) الزبير بن بكار ،الاخبار الموفقيات 331 ـ 334.

(2) البلاذري ،أنساب الأشراف ج 1 ص 1165.

(3) حسين عطوان ،رواية الشاميين للمغازي والسير في القرنين الأول والثاني الهجري ط / 1986 ص 22 ـ 27.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، تراجم حرف العين من عاصم إلى عايذ ص 68.


المغازي والحديث لم يكن قد رفعه بشكل كامل ، لذلك فإن من عُرِف بروايته لفضائل علي وسيرته وأُمِرَ بلزوم الإقامة الجبرية في بلده كعامر بن وائلة ، لم يرفع الحظر عنه ، وقد روى ابن عساكر في ترجمة عامر بن واثلة أبي الطفيل أنَّه أدركته إمرة عمر بن عبد العزيز فكتب يستأذنه في القدوم عليه ، فقال عمر : ألم تؤمر بلزوم البلد(1) ؟

ومن الثابت أنَّ أبا الطفيل كان صحابياً من شيعة عليعليه‌السلام وقد ترك البخاري حديثه لأنّه كان (بزعمه) يفرط في التشيع.(2)

2. ما رواه أبو الفرج في كتابه الأغاني

روى أبو الفرج بسنده عن ابن شهاب(3) قال : قال لي خالد بن عبد الله القسري : اكتب لي النسب فبدأت بنسب مضر فمضيت فيه أياماً ثم أتيته ، فقال لي ما صنعت؟ فقلت بدأت بنسب مضر وما أتممته ، فقال : اقطعه قطعه الله مع أصولهم ، واكتب لي السيرة ، فقلت له : فإنَّه يمر بي الشيء من سيرة علي بن أبي طالب افأذكره؟

فقال : لا إلَّا أنْ تراه في قعر الجحيم.(4)

وهذا الحديث يفسِّر لنا بوضوح لماذا جاءت روايات الزهري للسيرة التي رواها عنه عبد الرزاق الصنعاني بواسطة معمر خالية من ذكر عليعليه‌السلام وفيما يلي نماذج من روايات الزهري بواية عبد الرزاق الصنعاني في كتابه المصنّف :

1. روى عبد الرزاق في المصنف عن معمر قال سألت الزهري : (عن أوّل من أسلم)؟ قال : ما علمنا أحداً أَسلم قبل زيد بن حارثة.(5)

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق 26 : 138.

(2) نفس المصدر ص 294 ، وانظر ترجمة أبي الطفيل في ابن عبد البر ،الاستيعاب ص 1696 قال كان متشيعاً في علي وبفضله.

(3) ابن شهاب : هو محمد بن مسلم القرشي الزهري ت 125 هـ.

(4) أبو الفرج الاصفهاني ،الأغاني ج 22 ص 23 ، أخبار خالد بن عبد الله القسري.

(5) روى أصحاب السير والتواريخ روايات كثيرة جداً بأسانيد صحيحة أنَّ عليّاً أوّل من آمن بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وصدّقه وقد أورد ابن كثير في كتابه البداية والنهاية حديثاً صحيحاً باسناد الأمام احمد ثم أردفه بقوله وهذا لا يصح من أي وجه كان روي عنه ، ورد عليه العلامة الأميني فيالغدير ج 3 / ص 220 ـ 247 وأورد ستاً وستين نصّاً للنبي والصحابة والتابعين تؤكد إنَّ عليّاً أوّل من صدق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، منها ما


2. وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في حديث عن عروة قال : كانت وقعة أحد في شوال ، على رأس ستة أشهر من وقعة بني النضير.

قال الزهري عن عروة في قوله (وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون) : إنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال يوم أحد حين غزا أبو سفيان وكفّار قريش : إنَّي رأيت كأنِّي لبست درعاً حصينة ، فأوّلتها المدينة ، فاجلسوا في ضيعتكم وقاتلوا من ورائها ، وكانت المدينة قد شبكت بالبنيان ، فهي كالحِصن ، فقال رجلٌ مسنٌ لم يشهد بدراً : يا رسول الله ، اخرج بنا إليهم فلنقاتلهم ، وقال عبد الله بن أبي سلول : نعم ، والله ، يا نبي الله ، ما رأيت إنّا والله ما نزل بنا عدو قط فخرجنا إليه ، إلَّا أصاب فينا ، ولا يأتينا في المدينة ، وقاتلنا من ورائها إلَّا هَزَمنا عدوُّنا.

فكلَّمه أُناس من المسلمين ، فقالوا : بلى ، يا رسول الله ، أخرج بنا إليهم ، فدعا بلأمته فلبسها ، ثم قال : أظنُّ الصرعى إلَّا ستكثر منكم ومنهم ، إنِّي أرى في النوم منحورة ، فأقول بقر ، والله بخير فقال رجل : يا رسول الله ، بأبي أنت وأُمي فاجلس بنا ، فقال : إنَّه لا ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتَّى يلقى الناس ، فهل من رجل يدلنا الطريق على القوم من كثب؟ فانطلقت به الأدلاء بين يديه ، حتَّى إذا كان بالشوط من الجبانة انخذل عبد الله بن أبي بثلث الجيش ، أو قريب من ثلث الجيش ، فانطلق النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حتَّى لقوهم بأحد ، وصافوهم ، وقد كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عهد إلى أصحابه

__________________

رواه الطبري في تاريخه ج 2 ص 309 ـ 314 عن عليعليه‌السلام وزيد بن ارقم وعبد الله بن عباس.

أقول : أمَّا عن إسلام أبي بكر فقد روى الطبري بسند صحيح عن محمد بن سعيد قال : قلت لأبي : أكان أبو بكر أوّلكم إسلاماً؟ فقال : ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين ج 2 ص 316.

أمَّا كون زيد أوّل من أسلم فهو المروي عن عروة بن الزبير ت 98 وسليمان بن يسار ت 100 هـ والزهري والغريب هو قول الزهري : (ما علمنا أحداً أسلم قبل زيد) فإنَّه من المؤكد ليس مطابقاً للواقع فإنَّ مثل الزهري وهو المقدَّم على غيره في أخبار السيرة والمغازي لا تخفى عليه الحقيقة غير إنَّها سياسة الأمويين وهو من رجالهم الاعلاميين والدينيين المعتمدين ولم يخف على عبد الرزاق صاحب المصنف ذلك فأضاف إلى رواية معمر عن الزهري رواية معمر عن قتادة عن الحسن وغيره قوله : كان أول من آمن به علي بن أبي طالبعليه‌السلام وهو ابن خمس عشرة أو ست عشرة سنة وروايته عن عثمان الجندي عن مقسم عن ابن عباس قال : علي أوّل من أسلم.


أنَّهم هزموهم ، أنْ لا يدخلوا لهم عسكراً ، ولا يتَّبعوهم ، فلمَّا التقوا هزموا(1) ، وعصوا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتنازعوا ، واختلفوا ، ثم صرفهم الله عنهم ليبتليهم ، كما قال الله وأقبل المشركون ، وعلى خيلهم خالد بن الوليد بن المغيرة ، فقتل من المسلمين سبعين رجلاً وأصابهم جراح شديدة ، وكسرت رباعية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودمي وجهه ، حتَّى صاح الشيطان بأعلى صوته : قتل محمد.

قال ابن إسحاق حدَّثني ابن شهاب الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك أخو بني سلمة قال : قال كعب : عرفت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين ابشروا هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأشار إليَّ أنْ أنصت ، فلما عرف المسلمون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نهضوا به ، ونهض معهم نحو الشعب ، معه : أبو بكر بن أبي قحافة ، وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، وطلحة بن عبيد الله ، والزبير بن العوام ، والحارث بن الصمة ، في رهط من المسلمين ، فلما أسند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الشعب ، أدركه أبي بن خلف وهو يقول : أين يا محمد أين يا محمد لا نجوت إنْ نجوت ، فقال القوم : أيعطف عليه يا رسول الله رجل منّا؟ فقال : دعوه فلمَّا دنا تناول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الحربة من الحارث بن الصمة ، يقول بعض القوم فيما ذكر لي ، فلمَّا أخذها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر من ظهر البعير إذا أنتفض بها ، ثم استقبله فطعنه بها طعنة تردّى بها عن فرسه مراراً.(2)

__________________

(1) روى الطبري وابن هشام والواقدي في مغازيه ج 1 ص 225 ـ 226 إنَّ عليّاًعليه‌السلام قتل طلحة كبش الكتيبة وسُرَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأظهر التكبير وكبَّر المسلمون ، وفي رواية الشيخ المفيد في الإرشاد عن الصادقعليه‌السلام بعد ذكره قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام لأصحاب اللواء (وإنهزم القوم وطارت مخزوم فضحها عليعليه‌السلام يومئذ) وقد روى ذلك أيضاً ابن أبي الحديد ج 13 ص 293 وقال الطبري ج 2 / 514 قتل علي أصحابه الألوية.

(2) ابن جرير الطبري ، تاريخ الطبري ج 2 ص 518 ومحمد بن إسحاق سيرة ابن إسحاق (كتاب السير والمغازي) ، تحقيق سهيل زكار ، دار الفكر بيروت 1398 هـ 1978 م ، ص 330 ـ 331.أقول : من البعيد أن يكون ما ذكره ابن شهاب هذا ، وقد قال الطبري : إنَّ المسلمين أًابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثا ، ثلث قتيل وثلث جريح وثلث منهزم وقد جهدته الحرب حتى ما يدري ما يصنع وأصيبت رباعية رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله السفلى وشُقَّت شفته وكلم في وجنتيه وجبهته في أصول شعره ، وكيف يقوم بذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلي بين يديه وقد واساه بنفسه ، قال الطبري : حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا حبان بن علي عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه


قال عبد الرزاق قال معمر حدثني الزهري : فنادى أبو سفيان بعدما مُثِّل ببعض أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وجُدِعوا ، ومنهم من بُقِرَ بطنُه.

فقال أبو سفيان : إنَّكم ستجدون في قتلاكم بعض المثل ، فإنَّ ذلك لم يكن عن ذوي رأينا ولا سادتنا(1) ، ثم قال أبو سفيان : أعلُ هُبَل. فقال عمر بن الخطاب : الله أعلى وأجل.

فقال : أنعمت عيناً(2) ، قتلى بقتلى بدر.

فقال عمر : لا يستوي القتلى ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار.

فقال أبو سفيان : لقد خِبنا إذا ، ثم انصرفوا راجعين.

وندب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه في طلبهم ، حتَّى إذا بلغوا قريباً من حمراء الأسد ، وكان

__________________

عن جده قال : لما قتل علي بن أبي طالب أصحاب الألوية أبصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جماعة من مشركي قريش فقال لعلي : إحمل عليهم فحمل عليهم ففرَّق جمعهم ثم أبصر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جماعة من مشركي قريش فقال لعلي : احمل عليهم فحمل عليهم ، ففرق جماعتهم فقال جبرئيل : يا رسول الله إنَّ هذه للمواساة. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنَّه منِّي وأنا منه ، فقال : جبرئيل وأنا منكما قال : فسمعوا صوتاً :

لا سيف إلَّا ذو الفقر ولا فتى إلَّا علي

قال المحمودي : وقد روى حديث المواساة أحمد بن حنبل في كتاب الفضائل الحديث رقم 241 ، كذلك في الحديث رقم 242 أيضاً الطبراني فيالمعجم الكبير (ترجمة الامام عليعليه‌السلام من تاريخ مدينة دمشق ص 138 ـ 149 الهامش). وللمزيد من المصادر انظر السيد جعفر مرتضى العاملي :الصحيح من سيرة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ج 4 ص 227.

(1) في رواية الواقدي ،المغازي والسير ج 1 ص 297 ـ 299 ، (فقال أبو سفيان : اعل هبل ، فقال عمر : الله أعلى وأجل ، فقال أبو سفيان : إنَّها قد أنعمت ، فعال عنها) أي تجاف عن آلهتنا ولا تذكرها بسوء (فلما قدم أبو سفيان على قريش بمكة ، لم يصل إلى بيته حتى أتى هبل ، فقال : قد أنعمت ونصرتني وشفيت نفسي من محمد وأصحابه ، وحلق رأسه).

روى الطبري وابن هشام والواقدي في مغازيه ج 1 ص 225 ـ 226 إنَّ عليّاًعليه‌السلام قتل طلحة كبش الكتيبة وسُرَّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأظهر التكبير وكبَّر المسلمون ، وفي رواية الشيخ المفيد في الإرشاد عن الصادقعليه‌السلام بعد ذكره قتل أمير المؤمنينعليه‌السلام لأصحاب اللواء (وإنهزم القوم وطارت مخزوم فضحها عليعليه‌السلام يومئذ) وقد روى ذلك أيضاً ابن أبي الحديدشرح نهج البلاغة ج 13 ص 293 وقال الطبري في تاريخه ج 2 ص 514 قتلعلي أصحاب الألوية.

(2) جاء فيسيرة ابن اسحق ص 334 (ثم بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علي بن أبي طالب ، فقال : اخرج في أثر القوم فانظر ما يصنعون).


فيمن طلبهم يومئذ عبد الله بن مسعود ، وذلك حين قال الله( الذين قال لهم الناس إنّ الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ) آل عمران / 173.(1)

3. قال عبد الرزاق قال معمر قال الزهري في حديثه عن المسيب : وذكر قصَّة نعيم بن مسعود الأشجعي وسعيه في الوقعية بين أبي سفيان وبني قريضة وما أرسل الله تعالى من الريح على المشركين وإنهزامهم بغير قتال ، ثم قال : فذلك حين يقول( وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله عزيزاً ) الأحزاب / 25.(2)

4. عبد الرزاق عن معمر عن الزهري ، قال : لمَّا انصرف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتَّى أتى المدينة ، فغزا خيبر من الحديبية فأنزل الله عليه( وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ) إلى( ويهديكم صراطاً مستقيماً ) فلمَّا فتحت خيبر جعلها لمن غزا معه الحديبية ، وبايع تحت الشجرة ، ممَّن كان غائباً أو شاهداً ، من أجل أنَّ الله كان وعدهم إيَّاها ، وخمَّس رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خيبر ، ثم قسم سائرها مغانم بين من شهدها من المسلمين ، ومن غاب عنها من أهل الحديبية.(3)

__________________

(1) فيتاريخ الطبري عن ابن اسحق : ثم بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علي بن أبي طالب فقال : أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون.

(2) قال السيوطي في الدر المنثور ج 5 ص 192 في قوله تعالى (وكفى الله بالمؤمنين القتال) : أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن ابن مسعود (رض) أنَّه كان يقرأ هذا الحرف وكفى الله المؤمنين القتال بعلي بن أبي طالب. وذكر ذلك أيضاً الطبرسي في مجمع البيان وقال : وهو المروي عن أبي عبد الله وأخرجه ابن عساكر فيتاريخ مدينة دمشق في ترجمة عليعليه‌السلام ج 2 ص 420.أقول : قوله يقرأ أي يفسر وروى الشيخ المفيد في الإرشاد ص 54 عن جابر بن عبد الله الانصاري وكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعثه مع عليعليه‌السلام لينظر ما يكون منه ومن عمرو قال فما شبهت قتل علي عمراً إلّما بما قصَّ الله تعالى من قصة داودعليه‌السلام وجالوت حيث يقول جلَّ شأنه (فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت). وقال أبو جعفر الاسكافي ت 220 هـ في المعيار والموازنة ص 91 (خرج عليعليه‌السلام إلى عمرو والمسلمون مشفقون قد اقشعرت جلودهم وزاغت أبصارهم وبلغت الحناجر قلوبهم وظن قوم بالله الظنون والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليدعو له بالنصر ملح في ذلك مستغيث بربِّه ففرَّج الله به تلك الكرب وأزال الظنون وثبت اليقين بعلي بن أبي طالب وفي ذلك يؤثر عن حذيفة بن اليمان أنَّه قال : لقد أيد الله تبارك وتعالى رسوله والمؤمنين بعلي في موقفين لو جمع جميع أعمال المؤمنين لما عدل بهما يوم بدر ويوم الخندق ثم قصَّ قصته فيهما).

(3) روى البخاري ومسلم وأحمد وابن عساكر وغيرهم عن أبي هريرة ، وسهل بن سعد وسلمة بن الاكوع وبريدة بن الحصيب وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس ، وغيرهم والروايات تزيد وتنقص


5. عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : أخبرني كُثّير بن العباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس قال : شهدت مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم حنين ، قال : فلقد رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وما معه إلَّا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، فلزمنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فلم نفارقه ، وهو على بغلة شهباء وربما قال معمر : بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي.

قال : فلمَّا التقى المسلمون والكفَّار ولَّى المسلمون مدبرين(1) ، وطفق رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله

__________________

في بعض الالفاظ وحاصلها : أنَّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث أبا بكر إلى خيبر فلم يُفتح عليه وبعث عمر فلم يُفتح عليه فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : لأعطينَّ الراية رجلاً كراراً غير فرَّار يحب الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله يُفتح الله على يديه ، فبات الناس يدوكون ليلتهم فلمَّا أصبح الصباح دعا علياًعليه‌السلام وهو أرمد العين فتفل في عينه ففتح عينه وكأنه لم يرمد قط وقال له : خذ هذه الراية واذهب ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك فمشى عليعليه‌السلام هنيهة ، قال ابن مكي : ولم يلتفت للعزمة ، فقال : يا رسول الله علام أقاتل الناس؟ قال : قاتلهم حتى يشهدوا أنَّ لا إله إلَّا الله وأنِّي رسول الله فإذا قالوها منعو منِّي. فخرج علي يهرول حتى ركز رايته في أرضهم تحت الحصن فاطلع رجلٌ يهودي من رأس الحصن وقال : من أنت؟ قال : أنا علي بن أبي طالبعليه‌السلام فالتفت إلى أصحابه وقال : غلبتم والذي أنزل التوراة على موسى ، فما رجع علي حتى فتح الله عليه (ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 89).

(1) قال اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 62 انهزم المسلمون عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم حنين حتى بقي في عشرة من بني هاشم وقيل تسعة وهم علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث ونوفل بن الحارث وربيعة بن الحارث وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب والفضل بن العباس وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وقيل أيمن بن أم أيمن. وروى ذلك أيضاً البلاذري في انساب الاشراف ج 1 ص 365 وكذلك رواه ابن عبد البر في الاستيعاب ص 813 ونقل عن ابن إسحاق قول العباس :

نصرنا رسول الله في الحرب سبعة

وقد فر من فر عنه واقشعوا

وثامننا لاقى الحمام بسيفه

بما مسَّه في الله لا يتوجع

قال ابن إسحاق : السبعة علي والعباس والفضل وابو سفيان بن الحارث وابنه جعفر وربيعة بن الحارث واسامة بن زيد والثامن ايمن ، قال ابن عبد البر : وجعل غير ابن اسحق في موضع أبي سفيان عمر بن الخطاب والصحيح ان أبا سفيان بن الحارث كان يومئذ معه لم يختلف فيه واختلف في عمر ،أقول : في كل الروايات اسم عليعليه‌السلام ثابت. وفي امتاع الأسماع ج 2 ص 14 للمقريزي قال أبو الفضل بن العباس : التفت العباس يومئذ وقد اقشع الناس (أي تفرقوا تصدعوا وانكشفوا) عن بكرة ابيهم فلم ير عليا فيمن ثبت فقال : شُوهةً وبُوهة (أي بعداً له) أوَ في مثل هذه الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو صاحبه فيما هو صاحبه / قال المقريزي يعني في المواطن المشهورة له / فقلت بعض قولك لابن أخيك اما تراه في الرهج؟ قال : اشعِره لي يا بني (أي اذكر علامته) قلت : ذو كذا ، ذو كذا ، ذو البردة ، قال : فما تلك البرقة؟ قلت : سيفه يرفل (أي يتبختر) به بين الاقران ، فقال : بَرٌّ ابنُ بَرّ ، فِداه عمٌّ وخال ، قال : فضرب علي يومئذ أربعين مبارزا كلهم


يُركِض بغلتَه نحو الكفار قال العباس : وأنا آخذ بلجام بغلة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ألقفها ، وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين ، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغرز(1) رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : يا عباس ، ناد أصحاب السمرة ، قال : وكنت رجلاً صيتاً ، فناديت بأعلى صوتي : أي أصحاب السمرة؟ قال : فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها ، يقولون : يا لبيك ، يا لبيك ، يا لبيك.

وأقبل المسلمون ، فاقتتلوهم والكفار.

فنادت الأنصار : يا معشر الأنصار ، ثم قصر الداعون على بني الحارث بن الخزرج ، فنادوا : يا بني الحارث بن الخزرج.

قال : فنظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : هذا حين حمي الوطيس.

قال ثم أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حصيات فرمى بهن وجوه الكفَّار ، ثم قال : انهزموا وربِّ الكعبة.

قال : فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى.

قال : فوالله ما هو إلَّا أن رماهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بحصياته ، فما زلت أرى حدَّهم كليلاً وأمرهم مدبراً حتَّى هزَّمهم الله تعالى ، قال : وكأنِّي أنظر إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يركض خلفهم على بغلة له.

3. رواية المدائني في كتابه الأحداث

روى ابن أبي الحديد عن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني (ت 225 هـ)(2) في

__________________

يقُدُّه حتى يقد انقه ، وذكره قال : وكانت ضرباته منكرة. (قال لسان العرب : قدد : القَدّ : القطع المستأصل والشق طولا. وضربه بالسيف فَقَدَّه بنصفين. وفي الحديث : أن علياعليه‌السلام كان إذا اعتلى قدَّ وإذا اعترض قطَّ وفي رواية : كان إذا تطاول قدَّ وإذا تقاصر قطَّ أي قطع طولا وقطع عرضا).

(1) الغرز : ركاب للرحل من جلد ، وغرز رجله في الغرز يغرزها عرزا : وضعها فيه ليركب وأثبتها. (ابن منظور لسان العرب مادة غرز).

(2) قال الخطيب البغدادي فيتاريخ بغداد ج 12 ص 54 ـ 55 في ترجمة المدائني (كان عالماً بأيام الناس وأخبار العرب وأنسابهم عالماً بالفتوح والمغازي ورواية الشعر ، صدوقاً في ذلك ، وقال يحيى بن معين ثقة ثقة ثقة. وقال ابن النديم فيالفهرست ص 113 ولد سنة 135 هـ وتوفي سنة 225 هـ وله ثلاث وتسعون ثم ذكر أسماء كتبه في أربع صفحات.


كتابه (الأحداث) قال :

[كتب معاوية نسخة واحدة إلى عُمَّاله بعد عام الجماعة.

(أن برئت الذمَّة ممَّن روى شيئاً من فضل أب تراب وأهل بيته).

فقالمت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليَّاًعليه‌السلام ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته.

وكان أشدَّ الناس بلاءً حينئذ أهلُ الكوفة لكثرة من بها من شيعة عليعليه‌السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضمَّ إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف ، لأنه كان منهم أيام عليعليه‌السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر ، وأخافهم وقَطَّع الأيدي والأرجل وسَمَّلَ العيون وصلَّبهم على جذوع النخل وطردهم وشرَّدهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم.

وكتب معاوية إلى عُمَّاله في جميع الآفاق :

(ألَّا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة).

وكتب إليهم : (أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فأدنوا مجالسهم وقرِّبوهم وأكرموهم واكتبوا لي بكلِّ ما يروي كلَّ رجل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته).

ففعلوا ذلك حتَّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصِّلات والكِساء والحِباء والقَطائع ، ويفيضه في العرب مهم والموالي ، فكثر ذلك في كل مصر ، وتنافسوا في المنازل والدنيا ، فليس يجيءُ أحد مردود من الناس عاملاً من عمَّال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلَّا كتب اسمه وقرَّبه وشفَّعه فلبثوا بذلك حيناً.

ثم كتب إلى عُمَّاله :

(إنَّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفَشا في كل مِصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلَّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فإنَّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني وأدحض لِحُجَّة أبي تراب وشيعته وأشدُّ عليهم من مناقب عثمان وفضله).


فقُرئت كتبه على الناس فرُويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها.

وجَدَّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتَّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر وأُلقِيَ إلى معلِّمي الكتاتيب فعلَّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتَّى رووه وتعلَّموه كما يتعلمون القرآن ، وحتى علَّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم ، فلبثوا بذلك ما شاء الله.

ثم كتب إلى عُمَّاله نسخة واحدة إلى جميع البلدان :

(انظروا من قامت عليه البيِّنة أنَّه يحبُّ عليَّاً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاءه ورزقه).

وشفع ذلك بنسخة أُخرى :

(من اتهمتوه بموالاة هؤلاء القوم فنكِّلوا به واهدموا داره).

فلم يكن البلاء أشدُّ ولا أكثر منه بالعراق ولا سيَّما بالكوفة ، حتَّى إنَّ الرجل من شيعة عليعليه‌السلام ليأتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقي إليه سرَّه ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتَّى يأخذ عليه الأيمان الغليظة لَيَكْتُمَنَّ عليه).

قال ابن ابي الحديد :

فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر.

ومضى على ذلك الفقهاء والقضا والولاة.

وكان أعظم الناس في ذلك بليَّةً القُرّاء المُراؤون ، والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقرِّبوا مجالسهم ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل.

حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلُّون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون أنَّها حق ولو علموا أنَّها باطلة لما رووها ولا تديَّنوا بها.(1)

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 11 ص 45 ـ 46. وتكملة الرواية قال : فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن عليعليه‌السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل إلَّا وهو خائف


قال ابن أبي الحديد : وقد روي أنَّ أبا جعفر محمد بن علي الباقرعليه‌السلام قال لبعض أصحابه : يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيَّانا وتظاهرهم علينا وما لَقِيَ شيعتنا ومحبونا من الناس ...

وكان عُظْمُ ذلك وكُبْرهُ زمنَ معاوية بعد موت الحسنعليه‌السلام .

فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطِّعت الأيدي والأرجل على الظِّنة.

وكان من يُذْكَر بحبِّنا والانقطاع إليه سُجِنَ أو نُهِب مالُه ، أو هُدِمَت دارهُ ، ثمَّ لم يزل البلاء يشتدُّ ويزداد إلى زمان عبيد الله قاتل الحسينعليه‌السلام .

ثم جاء الحجَّاج فقتلهم كلَّقتلة وأخذهم بكلَّ ظنَّة وتهمة ، حتَّى إنَّ الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحبُّ إليه من أن يقال له شيعة علي.

وحتَّى صار الرجل الذي يذكر بالخير ولعله يكون ورعاً صدوقاً يحدِّث بأحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب أنَّها حقٌّ لكثرة من قد رواها ممَّن لم يُعرَف بكذب ولا بقلة ورع.(1)

أقول :

ومن الغريب أنَّ ابن أبي الحديد بعد أن يورد ذلك كله يعقِّب عليه بقوله :

(واعلم أنَّ أصل الأكاذيب في أحاديث الفضائل كان من جهة الشيعة. فإنَّهم وضعوا في مبدأ الأمر أحاديث مختلفة في صاحبهم ، حملهم على وضعها عداوة خصومهم ، نحو :

حديث (السطل). وحديث (الرمانة). وحديث (غزوة البئر) التي كان فيها

__________________

على دمه أو طريد في الأرض. ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسينعليه‌السلام وولي عبد الملك بن مروان فاشتدَّ على الشيعة وولَّى عليهم الحجَّاج بن يوسف فتقرَّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض عليعليه‌السلام وموالاة أعدائه وموالاة من يدَّعي من الناس أنَّهم أيضاً أعؤه فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم وأكثروا من الغضِّ من عليعليه‌السلام وعيبه والطعن فيه والشنآن له حتى إنَّ إنساناً وقف للحجَّاج ويقال أنَّه جدُّ الأصمعي (عبد الملك بن قريب) فصاح به أيُّها الأمير إنَّ أهلي عقُّوني فسمُّوني عليَّاً وإنِّي فقير بائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج فتضاحك له الحجَّاج وقال : للطف ما توسَّلت به قد ولَّيتك موضع كذا. انظر أيضاً سليم بن قيس :كتاب سليم بن قيس ، تحقيق الانصاري قح 1422 هـ ، ج 2 / 781 ، 784 ـ 788.

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 15 / 43 ـ 44.


الشاطين وتعرف كما زعموا بـ (ذات العلم). وحديث (غسل سلمان الفارسي وطي الأرض). وحديث (الجمجمة) ، ونحو ذلك.

فلمَّا رأت البكرية ما صنعت الشيعة ، وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث :

نحو (لو كنتُ متخذاً خليلاً) ، فإنَّهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء.

ونحو (سد الأبواب) فإنَّه كان لعليعليه‌السلام فنقلته البكرية إلى أبي بكر.

ونحو (ائتوني بدواة وبياض أكتب فيه لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه اثنان). ثم قال : (يأبى الله تعالى والمسلمون إلَّا أبا بكر) ، فإنَّهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه : (آئتوني بدواة وبياض أكتب لكم ما لا تضلُّون بعده أبداً) ، فاختلفوا عنده. وقال قوم منهم ، لقد غلبه الوجع ، حسبنا كتاب الله.

ونحو حديث : (أنا راض عنك فهل أنت عنِّي راض!). ونحو ذلك ...

فلمَّا رأت الشيعة ما قد وضعت البكرية أوسعوا في وضع الأحاديث ، فوضعوا :

حديث (الطوق) ، الحديث الذي زعموا أنَّه جعله في عنق خالد.

وحديث (اللَّوح) ، الذي زعموا أنَّه كان في غدائر الحنفيَّة أُمِّ محمد.

وحديث (لا يفعلن خالد ما آمر به).

وحديث (الصحيفة) ، الَّتي علِّقت عام الفتح بالكعبة.

وحديث (الشيخ) ، الَّذي صعد المنبر يوم بويع أبو بكر ، فسبق الناس إلى بيعته.

وأحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من أكابر الصحابة والتابعين الأوَّلين وكفرهم.

فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في عليّعليه‌السلام وفي ولديه.

ونسبوه تارةً إلى ضعف العقل ، وتارةً إلى ضعف السياسة ، وتارةً إلى حبِّ الدُّنيا والحرص عليها.

ولقد كان الفريقان في غنية عمَّا اكتسباه واجترحاه.

ولقد كان في فضائل عليعليه‌السلام الثابتة الصحيحة ، وفضائل أبي بكر المحقَّقة المعلومة ما يغني عن تكلُّف العصبية لهما ، فإنَّ العصبية لهما أخرجت الفريقين من ذكر الفضائل


إلى ذكر الرذائل ، ومن تعديد المحاسن إلى تعديد المساوي والمقابح. ونسأل الله تعالى أن يعصمنا من الميل إلى الهوى وحبِّ العصبيَّة ، وأن يجرينا على ما عوَّدنا من حبِّ الحقِّ أين وجد وحيث كان ، سخط ذلك من سخط ، ورضى به من رضى بمنَّه ولطفه.(1)

أقول :

ليس من شك أنَّ قول ابن أبي الحديد هذا مجانب للصواب ، إذ أنَّ البادئ بوضع الحديث وتشجيع الناس عليه هو معاوية كما مرَّت الأخبار التي رويناها عن ابن أبي الحديد نفسه. وذلك لما انتشر عند أهل الشام في السنوات العشر من صلح الحسنعليه‌السلام من حديث الغدير ، وحديث الثقلين ، والمباهلة ، والدار ، والكساء ، والمنزلة ، والمؤآخاة ، وخيبر ، وأُحد ، وحديث بريدة بن الحصيب لمَّا جاء برسالة خالد بن الوليد من اليمن ، يقع فيها في عليعليه‌السلام ، وغيرها وأيضا ما ورد في حقِّه من القرآن.

قال ابن أبي الحديد : قد روى ابن عرفة المعروف بابنِ (نفطويه)(2) ، وهو من أكابر المحدِّثين وأعلامهم في تاريخه ، قال : إنَّ أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة أُفتعلت في أيّام بني أُمية ، تقرُّباً إليهم بما يظنُّون أنَّهم يرغمون به أُنوف بني هاشم.(3)

وقال أبو جعفر الإسكافي (ت 220 هـ)(4) :

إنَّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في عليّعليه‌السلام تقتضي الطعن فيه والبراءة منه وجعل لهم على ذلك جُعَلّا يُرغب في مثله فاختلقوا ما أرضاه ، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة ومن التابعين عروة بن الزبير.(5)

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 11 ص 4950.

(2) قال الذهبي فيسير أعلام النبلاء ج 5 ص 75 : هو الإمام الحافظ النحوي العلامة الإخباري إبراهيم بن محمد بن عرفة بن سليمان العتكي الأزدي الواسطي ولد سنة 244 هـ وتوفي سنة 323 هـ صاحب التصانيف وكان ذا سنَّة ودين من تصانيفه (تاريخ الخلفاء).

(3) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 11 ص 44.

(4) قال الخطيب البغدادي فيتاريخ بغداد ج 5 ص 416 : محمد بن عبد الله أبو جعفر الإسكافي أحد المتكلمين من معتزلة البغداديين له تصانيف وكان الحسين بن يزيد الكرابيسي صاحب الشافعي يتكلّم معه ويناظره.

(5) ومرَّة الهمداني والأسود بن يزيد ومسروق بن الأجدع وأبو وائل شقيق بن سلمة وأبو عبد الرحمن


نموذجان من حديث عروة في ذم عليّعليه‌السلام :

روى الزهري أنَّ عروة بن الزبير حدَّثه قال : حدثتني عائشة قالت : كنت عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ أقبل العباسو علي فقال : يا عائشة إنَّ هذين يموتان على غير ملَّتي أو قال ديني.

وروى عبد الرزاق عن معمَّر قال : كان عند الزهري حديثان عن عروة عن عائشة في عليعليه‌السلام فسألته عنهما يوماً ، فقال : ما تصنع بهما وبحديثهما الله أعلم بهما إنِّي لأتهمهما في بني هاشم.

قال ابن أبي الحديد : فأمَّا الحديث الأوّل فقد ذكرناه.

وأمَّا الحديث الثاني فهو : أنَّ عروة زعم أنَّ عائشة حدَّثته ، قالت : كنت عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إذ أقبل العباس وعلي ، فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عائشة إن سَرَّكِ أن تنظري إلى رجلين من أهل النار فانظري إلى هذين قد طلعا ، فنظرتُ فإذا العباس وعلي بن أبي طالب. نموذج من حديث عمرو بن العاص في عليعليه‌السلام :

وأمَّا عمرو بن العاص فروى عنه الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما مسنداً متصلاً بعمرو بن العاص قال : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : (إنَّ آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنَّما وليي الله وصالح المؤمنين).(1)

__________________

السُّلمي القاري وقيس بن حازم وسعيد بن المسيِّب والزُّهري ومكحول وحريز بن عثمان وغيرهم. (ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 4 ص 67 ـ 110).

(1) احمد بن حنبل ،مسند احمد ج 4 ص 203 ، مسلم بن الحجاج ،صحيح مسلم ج 1 ص 197 والسند مسلم هو حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن عمرو بن العاص ، وفيصحيح البخاري ج 5 ص 2233 ، حدثنا عمرو بن عباس حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم ان عمرو بن العاص قال سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم جهارا غير سر يقول إن آل أبي قال عمر وفي كتاب محمد بن جعفر بياض ليسوا بأوليائي إنما وليي الله وصالح المؤمنين. زاد عنبسة بن عبد الواحد عن بيان عن قيس عن عمرو بن العاص قال سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ولكن لهم رحم أبلها ببلاها يعني أصلها بصلتها. قال أبو عبد الله ببلاها كذا وقع وببلاها أجود وأصح وببلاها لا اعرف له وجها.

قال ابن حجر فيفتح الباري ج 10 ص 423 : قال أبو بكر بن العربي في سراج المريدين : كان في أصل حديث عمرو بن العاص أنَّ آل أبي طالب فغيِّر إلى أبي فلان كذا جزم به وقد استشكل بعض الناس صحة هذا الحديث لما نسب إلى بعض رواته من النصب وهو الإنحراف عن


نموذج من حديث أبي هريرة في ذم عليّعليه‌السلام :

وأمَّا أبو هريرة فروي عنه الحديث الذي معناه أنَّ عليَّاًعليه‌السلام خطب ابنة أبي جهل في حياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأسخطه ، فخطب على المنبر وقال : لاها الله لا تجتمع ابنة ولي الله وابنة عدو الله أبي جهل ، إنَّ فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها فإنْ كان علي يريد ابنة أبي جهل فليفارق ابنتي وليفعل ما يريد أو كلاماً هذا معناه.(1)

قال ابن أبي الحديد : هذا الحديث مخرَّج في صحيحي مسلم والبخاري عن المسور بن مخرمة الزهري.(2)

4. ما رواه سليم بن قيس في كتابه

قال سليم بن قيس :

إنَّ معاوية مرَّ بحلقة من قريش ، فلمَّا رأوه قاموا إليه غير عبد الله بن عباس فقال له : يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك إلَّا لموجدة عليَّ بقتالي إيَّاكم

__________________

علي وآل بيته ،

قال ابن حجر : أما قيس بن أبي حازم فقال : يعقوب بن شيبة تكلم أصحابنا في قيس فمنهم من رفع قدره وعظمه وجعل الحديث عنه من أصح الأسانيد حتى قال إبن معين : هو أوثق من الزهري ومنهم من حمل عليه وقال : له أحاديث مناكير وأجاب من أطراه بأنَّها غرائب وإفراده لا يقدح فيه ومنهم من حمل عليه في مهبه وقال : كان يحمل على علي ولذلك تجنب الرواية عنه كثير من قدماء الكوفيين وأجاب من أطراه بأنَّه كان يقدِّم عثمان على علي فقط ، قلت : والمعتمد عليه أنَّه ثقةٌ ثبتٌ مقبولالرواية وهو من كبار التابعين سمع من أبي بكر الصديق فمن دونه وقد روى عنه حديث الباب إسماعيل بن أبي خالد وبيان بن بشر وهما كوفيان ولم ينسبا إلى النصب ، لكن الراوي عن بيان وهو عنبسة بن عبد الواحد أموي قد نسب إلى شيء من النصب.أقول : لم يذكر هذه المعلومة في تهذيب التهذيب ولا في تقريبع ، قال أبو حاتم الرازي في الجرح والتعديل 6 / 401 هو عنبسة بن عبد الواحد وهو ابن أمية بن عبد الله بن سعيد بن العاص الأموي القرشي أبو خالد الأعور كوفي سمع بيانا وعبد الملك بن عمير. قال الخطيب في تاريخ بغداد 12 / 278 : قدم بغداد وحدث بها عن عبد الملك بن عمير ، ويونس بن عبيد ، وهشام بن عروة ، ومالك بن مغول ، وأبي شيبة الخراساني ، وعوف الأعرابي ، وأمَّا عمرو بن العاص وإن كان بينه وبني علي ما كان فحاشاه أن يتهم. (انتهى كلام ابن حجر).

(1) ابن أبي الحديد :شرح نهج البلاغة ج 4 ص 63 ـ 64.

(2) البخاري ،صحيح البخاري ج 4 ص 1364 ، مسلم بن الحجاج الثقفي ،صحيحي مسلم ج 4 ص 1903.


يوم صفين ، يا ابن عباس إنَّ ابن عمِّي عثمان قُتل مظلوماً.

قال ابن عباس : فعمر بن الخطَّاب قد قتل مظلوماً فَسَلِّم الأمر إلى ولده ، وهذا أبنه؟!.

قال : أنَّ عمر قتله مشرك.

قال ابن عباس : فمن قتل عثمان؟

قال : قتله المسلمون!

قال : فذلك أدحض لحُجَّتك ، إنْ كان المسلمون قتلوه وخذلوه فليس إلَّا بحث.

قال : فإنَّا قد كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب عليَّ وأهل بيته ، فكُفّ لسانك يا ابن عباس واربَع على نفسك.

قال : أفتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال : لا.

قال : أفتنهانا عن تأويله؟ قال : نعم.

قال : فنقرأه ولا نسأل عمَّا عنى الله به؟ قال : نعم.

قال : فأيهما أوجب علينا قراءته أو العمل به؟ قال : العمل به.

قال : فكيف نعمل به حتَّى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا؟

قال سل عن ذلك من يتأوَّله على غير ما تتأوَّله أنت وأهل بيتك.

قال : إنَّما أنزل القرآن على أهل بيتي فأسأل عنه آل أبي سفيان وآل أبي معيط؟! ...

قال : فارقؤوا القرآن ولا ترووا شيئا ممَّا أنزل الله فيكم وممَّا قال رسول الله فيكم وارووا ما سوى ذلك!

قال ابن عباس : قال الله في قرآنه :( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)) التوبة / 32.

قال معاوية : يا ابن عباس اكفني نفسك وكُفَّ عنّي لسانك ، وإنْ كنت لابدَّ فاعلاً فليكن ذلك سرَّاً ولا يسمعه أحدٌ منك علانية(1) !

أقول : إنَّ هذه المحاورة قد جرت في المدينة سنة (55 هجـ) بعد رجوع معاوية من

__________________

(1) سليم بن قيس الهلالي ،كتاب سليم ج 2 ص 783 ـ 784.


الحج الذي أقامه لتلك السنة؟

وقد جرت قبل ذلك في مكة محاورة أخرى بينه وبين سعد بن أبي وقاص رواها النسائي (ت 303 هـ) صاحب السنن قال :

أخبرنا محمد بن المثنى قال : أخبرنا أبو بكر الحنفي قال : حدثنا بكر بن مسمار قال : سمعت عامربن سعد يقول :

قال معاوية لسعد بن أبي وقاص : ما يمنعك أنْ تسب ابن أبي طالب؟

قال : لا أسبُّه ما ذكرت ثلاثاً قالهن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لأن يكون لي واحدة منهنَّ أحبُّ إليَّ من حمر النعم.

ما أسبُّه : ما ذكرتُ حين نزلت (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً) دعا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً وابنيه وفاطمة فأدخلهم تحت ثوبه ثم قال : رب هؤلاء أهل بيتي وأهلي.

ولا أسبُّه : ما ذكرت حين خلَّفه في غزوة غزاها قال علي : خلفتني مع الصبيان والنساء؟ قال : أولا ترضى أنْ تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنَّه لا نبوة بعدي.

وما أسبُّه : ما ذكرت يوم خيبر حين قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : لأعطينَّ الراية رجلاً يحب الله ورسوله ، ويفتح الله بيده ، فتطاولنا ، فقال : أي علي؟ فقالوا : هو أرمد ، قال : ادعوه ، فبصق في عينيه ثم أعطاه الراية ، ففتح الله عليه.

فوالله ما ذكره معاوية بحرف حتَّى خرج من المدينة.(1)

أقول : وقد كانت هذه المحاورة قبل صدور قرار معاوية إلى ولاته بسبب علي على المنابر ، وكان هدفه من هذا الحوار حبس نبض سعد ولمَّا عرف موقفه دس له السم كما

__________________

(1) النسائي ،خصائص الامام علي عليه‌السلام بن أبي طالب الحديث رقم 51 تحقيق أبي إسحاق الجويني الأثري ورواه أيضاً مسلم في صحيحه والترمذي في سننه والحديث صحيح الاسناد. وفي مروج الذهب ج 3 ص 14 قال : لمَّا حجَّ معاوية طاف بالبيت ومعه سعد فلمَّا فرغ انصرف معاوية إلى دار الندوة فأجلسه معه على سريره ووقع معاوية في علي وشرع في سبَّه فزحف سعد ثم قال : أجلستني معك على سريرك ثم شرعت في سب علي والله لأن يكون في خصلة واحدة من خصال علي ...


دس السم للحسنعليه‌السلام .

قال أبو الفرج الاصفهاني (ت 356 هـ) : حدثني أحمد بن عبيد الله قال حدثني عيسى بن مهران قال حدثنا يحيى بن أبي بكر قال حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص قال : توفي الحسن بن علي وسعد بن أبي وقاص في أيام بعد ما مضى من إمارة معاوية عشر سنين.

وقال أبو الفرج : كانوا يرون أنَّه سقاهما سُمّاً.(1)

__________________

(1) أبو الفرج الاصفهاني ،مقاتل الطالبين ، ص 73. البخاري :التاريخ الصغير ج 1 ص 100 (بسنده عن أحمد بن سليمان قال حدثني يحيى بن أبي بكير عن شعبة عن أبي بكر بن حفص قال ..).


الباب الثالث / الفص الثاني

انشقاق العباسيين عن العلويين

العباسيون وأطروحتهم الفكرية والسياسية

العباسيون هم ذرية عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم. وعبد الله بن عباس وإخوانه عبيد الله بن العباس وقثم وغيرهم كانوا منظوين تحت قيادة عليعليه‌السلام وكان جدهم عبد الله بن عباس واخوانه قد رباهم واعتمد عليهم في حكمه حيث ولى عبد الله البصرة وعبيد الله اليمن وقثم مكة.

وكان عميد اسرة العباس مخلصا لعليعليه‌السلام وقد نهض لنشر العلم خاصة بعد شهادة الحسينعليه‌السلام ووقف في وجه حركة ابن الزبير التي استهدفت استرجاع المدرسة الفكرية التي اسستها قريش في حكمها وبخاصة تحريم المتعتين. وكان ابن عباس معظما للحسن والحسين تعظيما خاصا لما يعرف من فضلهما.

وقد روى ان مدرك بن زياد قال لابن عباس وقد امسك للحسن والحسين بالركاب وسوى عليهما ثيابهما (انت اسن منهما تمسك لهما بالركاب؟ فقال يا لكع وما تدري من هذان؟ هذان ابنا رسول الله اوليس مما انعم الله علي بن ان امسك لهما واسوي عليهما!.

كان وجه وُلد عبد الله بن عباس هو علي بن عبد الله بن عباس.


ثم وَلَدَ علي بن عبد الله ، محمدا بن علي بن عبد الله وقد عرف بالعبادة كابيه وجده ، وكان بينه وبين أبيه اربع عشر سنة واشهر ، فلما شابا خضب علي بالسواد وخضب محمد بن علي بالحنا فلم يكن يفرق بينهما الا بخضابهما لتشابهما وقرب سن بعضهما من بعض.

وكان علي بن عبد الله اثيرا عند عبد الملك حتى طلق عبد الملك أم ابيها بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فتزوجها علي فتغير له وثقل عليه ، فلما ولي ولده الوليد اقصاه وتحبنى عليه حتى ضربه وسيَّره. توفي سنة 117 هجرية وله ثمان وسبعون أيام هشام بن عبد الملك.

ولد علي بن عبد الله بن عباس

وهم تسعة : محمد بن علي ، وداود بن علي ، وعيسى بن علي ، وسليمان بن علي ، وصالح بن علي ، وإسماعيل بن علي ، وعبد الصمد بن علي ، ويعقوب بن علي ، وعبد الله بن علي الاصغر.

فامامحمد بن علي فقد مات سنة 125 هجرية وكان عمره سبعون سنة. وهو مؤسس الدعوة العباسية ، وقد اختار مدينة خراسان لتكون مركزا لنشاط دعاته كما سيأتي.

واما داود بن علي : فكان لسِناً خطيبا ولي مكة والمدينة لابي العباس السفاح وكان المتكلم يوم استخلف ابو العباس.

واماعيسى بن علي فان أبا العباس ولاه فارس ، ونهر عيسى ينسب إليه.

واماسليمان بن علي فقد ولي البصرة وكور دجلة والاهواز والبحرين وعمان للمنصور بعد أبي العباس.

واماصالح بن علي فهو المتوجه إلى مصر لملاحقة مروان بن محمد فقتل مروان وفتح مصر.

واماعبد الله بن علي الاصغر فقد ولاه ابو العباس محاربة مروان وضم إليه وجوه قواد خراسان فلقي مروان بالزاب نحو الموصل ومروان في مائة ألف فقاتله وهزمه.


واماعبد الصمد بن علي فكان مع عبد الله بن علي بالشام. وولي للمنصور وغيره وتوفي ببغداد سنة 185 هجرية.

ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس

وهم : إبراهيم الامام وامه جان أم ولد ، وعبد الله أبو العباس السفاح وامه ريطة الحارثية ، وعبد الله أبا جعفر المنصور وامه سلامة البربرية ، وهؤلاء الثلاثة هم الذين اعتمدهم ابوهم فامسكوا بقيادة الدعوة والدولة العباسية ، وموسى لام ولد ، ويحيى امه أم الحكم بنت عبد الله بن الحارث من ولد نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وهوبيَّة ، والعباس لام ولد.

اماإبراهيم الامام فقد سجنه مروان لما وصلته معلومات عن نشاطه ثم مات في السجن بعد ان وضع راسه في جراب نورة. وكان قد أوصي إلى اخيه ابي العباس السفاح.

اماابو العباس السفاح فقد بويع في الكوفة لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة 132 هجرية.

واماأبو جعفر المنصور فقد وجهه أبوه إلى البصرة ليزورها ويدعو الى (الرضا من آل محمد) وقد تولى الخلافة بعد اخيه سنة 136 هجرية.

تغير ولاء العباسيين وتبدل أطروحتهم الفكرية

تغير موقف العباسيين بشكل واضح منذ ان أوصي ابو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ت سنة 98 هجرية بقيادة التنظيم إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس.(1)

__________________

(1) ذكر الباحثون : ان خمس مجموعات ادعت الوصية : المجموعة الأولى ادعت انه أوصى إلى اخيه علي بن محمد بن الحنفية ، المجموعة الثانية ادعت انه أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ، المجموعة الثالثة ادعت انه أوصى إلى بيان بن سمعان التميمي الكوفي. المجموعة الرابعة ادعت انه أوصى إلى عبد الله بن عمرو بن حرب ، المجموعة الخامسة ادعت انه أوصى إلى عبد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. انظر فاروق عمر بحوث في التاريخ العباسي ص 54 ـ 56. غير انيأقول : كالبلاذري واليعقوبي والطبري وابن حبيب في أسماء المغتالين وابن سعد في الطبقات ابن عبد ربه وغيرهم يرون ان الوصية كانت لمحمد بن علي.


وفي مرحلة لاحقة بدلوا الأطروحة الفكرية التي شيد عليها ابو هاشم تنظيمه السياسي من تبني إمامة علي ووراثته للنبي إلى أطروحة أخرى مفادها ان الاحق بالإمامة بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله هو العباس وليس علياعليه‌السلام .

وقد أشار محمد بن عبد الله بن الحسن في رسالته إلى أبي جعفر المنصور إلى هذه الحقيقة قائلا : (فان الحق حقنا وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا وان ابانا عليا كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده إحياء؟ ،

وكتب المنصور يفنِّد هذه الدعوى قائلا : واما قولك انكم بنو رسول الله فان الله تعالى يقولفي كتابه( ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ) الأحزاب / 40 ولكنكم بنو ابنته وانها لقرابة قريبة ولكنها لا تحوز الميراث ولا ترث الولاية ولا تجوز لها الإمامة فكيف تورث بها(1)

جدَّ محمد بن علي في أمره وأعاد بناء التنظيم وشهدت بداية القرن الثاني الهجري وبخاصة أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز / حيث غَّرَ سياسة الحكم الاعلامية فيما يخص لعن عليعليه‌السلام / نشاطا ملحوظا ، وكرَّس جهده على منطقة خراسان بوصفها منطقة يحن أهلها إلى بلد ابائهم / الكوفة / منذ ان سيَّرهم زياد ، وأَمر الدعاة ان يحافظوا على الشعار العام الدعوة إلى الرضا من آل محمد دون ان يسموا أحدا.

روى المدائني ان محمد بن علي بعث رجلا إلى خراسان فامره ان يدعو الى (الرضا من آل محمد) ولا يسمي أحدا ، ومثَّل له مثالا يعمل به ، فأجابه ناس فلما صاروا سبعين جعل منهم اثني عشر نقيبا.(2)

قال محمد بن علي يوصي دعاته :

لا أرى بلدا الا واهله يميلون عنا إلى غيرنا.

اما أهل الكوفة فميلهم إلى ولد علي بن أبي طالب ،

واما أهل البصرة فعثمانية.

واما أهل الشام فسفيانية مروانية.

__________________

(1) وهذا هو منطق الراوندية من أهل خراسان وكانوا يرون ان بيعة علي جائزة باجازة العباس لها.

(2) البلاذري ،انساب الاشراف .


واما أهل الجزيرة فخوارج.

واما أهل المدينة فقد غلب عليهم حب أبي بكر وعمر ومنهم من يميل إلى الطالبيين ، ولكن أهل خراسان قوم فيهم الكثرة والقوة والجلَد وفراغ القلوب من الاهواء فبعث إلى خراسان.(1)

وفي كلام له أيضا في حضور الدعاة لحلنزاع بينهم قال :

ان أهل الشام أعوان الظالمين ، وآفة هذا الدين ، وقد ابتعثوا بنصرة بني أمية ، وأغري أكثر أهل العراق بمشايعة بني أبي طالب ،

وقد خصنا الله بأهل خراسان ، فهم أنصارنا وأعواننا وذخائرنا ، وقد حلت عليهم من الله رحمة قد غشيتهم ، ويوشك أن تتبعهم ريح الحياة فتعز ذليلهم ، وتقوي ضعيفهم ، وتقتل من قاتلهم حتى يعز دين الله ويظهر الحق وأهله ، يقول الله عز وجل : (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) فكأنكم بالاودية قد سالت برجل خراسان أشد في طاعتنا من زبر الحديد ، أسماؤهم الكنى ، وأنسابهم القرى ، يقدمهم النصر ، ويحوطهم العز ، فاله عن غير أهل خراسان ، فإنه ليس لكم بغيرها دعوة ولا من غير أهلها مجيب(2)

وكشفت كلمات السفاح والمنصور والخلفاء من ذريته انهم كانوا يعتقدون ان المراد ب (آل محمد) هم ذرية العباس عم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

روى الطبري عن علي بن محمد أن جبلة بن فروخ وأبا السري وغيرهما قالا أن أبا العباس لما صعد المنبر حين بويع له بالخلافة قام في أعلاه وصعد داود بن علي فقام دونه فتكلم أبو العباس فقال :

(الحمد لله الذي اصطفى الإسلام لنفسه تكرمة وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه والقوام به والذابين عنه والناصرين له وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها وخصنا برحم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وقرابته وأنشأنا من آبائه وأنبتنا من شجرته واشتقنا من نبعته.

__________________

(1) البلاذري ،انساب الاشراف .

(2) اخبارالدولة العباسية لمؤلف مجهول ص 206.


جعله من أنفسنا عزيزا عليه ما عنتنا حريصا علينا بالمؤمنين رؤفا رحيما ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم فقال عز منقائل فيما أنزل من محكم القرآن ( إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) وقال : ( قل لا أسألكم عليه أجراً إلّا المودة في القربى ) وقال : ( وأنذر عشيرتك الاقربين ) وقال : ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى ) وقال :فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا وأجزل من الفيء والغنيمةنصيبا تكرمة لنا وفضلا علينا والله ذو الفضل العظيم .

وزعمت السبائية (1) الضُّلّال أن غيرنا أحق بالرئاسة والسياسة والخلافة منا فشاهت وجوههم ، بمَ ولمَ أيها الناس وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم؟ وبصرهم بعد جهالتهم وأنقذهم بعد هلكتهم وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا ورفع بنا الخسيسة وتم بنا النقيصة وجمع الفرقة حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دينهم ودنياهم وإخوانا على سرر متقابلين في آخرتهم فتح الله ذلك منة ومنحة لمحمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

فلما قبضه الله إليه قام بذلك الأمر من بعده أصحابه وأمرهم شورى بينهم فحووا مواريث الامم فعدلوا فيها ووضعوها مواضعها وأعطوها أهلها وخرجوا خماصا منها.

ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها وتداولوها بينهم فجاروا فيها واستأثروا بها وظلموا أهلها فأملى الله لهم حينا حتى آسفوه فلما آسفوه انتقم منهم بأيدينا ورد علينا حقنا وتدارك بنا أمتنا وولى نصرنا والقيام بأمرنا ليمنَّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض وختم بنا كما افتتح بنا.

وإني لأرجو ان لا يأتيكم الجور من حيث أتاكم الخير ولا الفساد من حيث

__________________

(1)أقول : يريد بالسبائية : اليمانية ، وليس اتباع عبد الله بن سبأ المذكور في رواية سيف بن عمر. وانا ارى ان هذا الموضوع لم يتناوله أبو العباس في خطبته التي افتتح بها حكمه إذ انَّ لحن الخطاب هو احتواء أهل الكوفة بذكر أهل البيتعليه‌السلام وليس من الحكمة ان يتحدّاهم بشكل سافر ، وإنما اضيف إليها ذلك بعد ان تحدد الموقف من الشيعة.


جاءكم الصلاح وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله.

يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا وأتاكم الله بدولتنا فأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم فاستعدوا.

فأنا السفاح المبيح والثائر المبير.

وكان موعوكا فاشتد به الوعك فجلس على المنبر.

وصعد داود بن علي فقام دونه على مراقي المنبر فقال :

الحمد لله شكرا شكرا شكرا الذي أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من نبينا محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم .

أيها الناس الآن أقشعت حنادس الدنيا وانكشف غطاؤها وأشرقت أرضها وسماؤها وطلعت الشمس من مطلعها وبزغ القمر من مبزغه وأخذ القوس باريها وعاد السهم إلى منزعه ورجع الحق ونصابه في أهل بيت نبيكم أهل الرأفة والرحمة بكم والعطف عليكم.

أيها الناس إنا والله ما خرجنا في طلب هذا الأمر لنكثرلجيناً ولا عقياناً ولا نحفر نهراً ولا نبني قصراً وإنما أخرجنا الآنفة من ابتزازهم حقنا والغضب لبني عمنا وما كَرَثَنا من أموركم وبهظنا من شؤونكم ، ولقد كانت أموركم ترمضنا ونحن على فرشنا ويشتد علينا سوء سيرة بني أمية فيكم وخرقهم بكم واستذلالهم لكم واستئثارهم وبفيئكم وصدقاتكم ومغانمكم عليكم.

لكم ذمة الله تبارك وتعالى وذمة رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله وذمة العباس رحمه‌الله أن نحكم فيكم بما أنزل الله ونعمل فيكم بكتاب الله ونسير في العامة منكم والخاصة بسيرة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وسلم .

تباً تباً لبني حرب بن أمية وبني مروان آثروا في مدتهم وعصرهم العاجلة على الآجلة والدار الفانية على الدار الباقية فركبوا الآثام وظلموا الانام وانتهكوا المحارم وغشوا الجرائم وجاروا في سيرتهم في العباد وسنتهم في البلاد التي بها استلذوا تسربل الاوزار وتجلبب الآصار ومرحوا في أعنة المعاصي وركضوا في ميادين الغي جهلا


باستدراج الله وأمناً لمكر الله فأتاهم الله بياتا وهم نائمون فأصبحوا أحاديث ، ومزقوا كل ممزق فبعدا للقوم الظالمين ، وأدالنا الله من مروان وقد غرَّه بالله الغرور ، ومحق ضلاله وجعل دائرة السوء به وأحيا وشرفنا وعزنا ورد إلينا حقنا وإرثنا.

ثم قال : يا أهل الكوفة إنا والله ما زلنا مظلومين مقهورين على حقنا ، حتى أتاح الله لنا شيعتنا أهل خراسان فأحيا بهم حقنا ، وأفلج بهم حجتنا ، وأظهر بهم دولتنا ، وأراكم الله ما كنت به تنتظرون وإليه تشوفون ، فأظهر فيكم الخليفة من هاشم ، وبيض به وجوهكم ، وأدالكم على أهل الشام ، ونقل إليكم السلطان وعز الإسلام ومن عليكم بإمام منحه العدالة وأعطاه حسن الايالة فخذوا ما آتاكم الله بشكر والزموا طاعتنا ولا تخدعوا عن أنفسكم فان الأمر أمركم فان لكل أهل بيت مصرا وإنكم مصرنا.

ألا وإنه ما صعد منبركم هذا خليفة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأمير المؤمنين عبد الله بن محمد وأشار بيده إلى أبي العباس فاعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج منا حق نسلمه إلى عيسى ابن مريمصلى‌الله‌عليه‌وسلم والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا.(1)

محمد بن عبد الله بن الحسنرحمه‌الله :

لم تكن الساحة خالية لمحمد بن علي وإخوته وولده وابناء عمومته إذ كان أمامهم بيت عبد الله بن الحسن وولداه محمد وإبراهيم وإخوته. وبيت الامام الصادقعليه‌السلام . ولكل شيعته وانصاره.

فمحمد بن عبد الله بن الحسن صاحب حركة سياسية واسعة النطاق هي امتداد لحركة زيد بن علي الذي استشهد في صفر سنة 122 هجرية وحركة ولده يحيى واستشهاده سنة 125 هجرية كما يفهم ذلك من توريثهما نسخة الصحيفة السجادية(2) .

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 6 ص 80. البلاذري ،انساب الاشراف ص 142.

(2)أقول : جاء في مقدمة الصحيفة السجادية عن عمير بن متوكل الثقفي البلخي ، عن أبيه متوكل بن هارون قال : لقيت يحيى بن زيد بن عليعليه‌السلام وهو متوجه إلى خراسان ، فسلمت عليه فقال لي : من أين أقبلت؟ قلت : من الحج. فسألني عن أهله وبني عمه بالمدينة ، وأحفى السؤال عن جعفر بن محمدعليه‌السلام ، فأخبرته بخبره وخبرهم ، وحزنهم على أبيه زيد بن علي عليه


وكانت القيادة السياسية البارزة للهاشميين في المجتمع بيد الحسنيين ، روى أبو الفرج الاصفهاني ان اجتماع بني هاشم في الابواء(1) انتهى ببيعة من حضر لمحمد بن عبد الله بن الحسن وكان ممن بايع آنذاك ابو العباس وابو جعفر المنصور وصالح بن علي عمهم(2) .

ولم يسلم بنو العباس بعد اسقاطهم بني أمية الحكم إلى الحسنيين وفاء ببيعتهم لهم بل احتكروا الأمر لانفسهم واختفى محمد بن عبد الله بن الحسن حين بويع لابي العباس السفاح واستمر على خفائه حى اعلن عن نفسه سنة 144 في عهد المنصور ، بقي يتحرك سرا ويعد العدة للثورة على العباسيين حيث يرى انهم خانوه وغدروا به.

وفشلت حركة الحسنيين حين قتل محمد في المدينة من قبل قائد الجيش العباسي وحين قتل إبراهيم القادم من البصرة مع جيشه في سهم طائش وانتهت اكبر عقبة كؤود وخصم يتمتع بشرعية اكبر.

__________________

السلام. فقال لي : قد كان عمي محمد بن علي أشار على أبي بترك الخروج ، وعرفه إن هو خرج وفارق المدينة ما يكون إليه مصير أمره ، فهل لقيت ابن عمي جعفر بن محمدعليه‌السلام ؟ قلت : نعم. قال : فهل سمعته يذكر شيئا من أمري؟ قلت : نعم. قال : بم ذكرني؟ خبرني. قلت : جعلت فداك ما أحب أن أستقبلك بما سمعته منه. فقال : أبالموت تخوفني؟ هات ما سمعته. فقلت : سمعته يقول : إنك تقتل وتصلب كما قتل أبوك وصل. «فتغير وجهه» وقال «ويمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب» يا متوكل إن الله عز وجل ، أيد هذا الأمر بنا ، وجعل لنا العلم والسيف ، فجمعا لنا ، وخص بنو عمنا بالعلم وحده فقلت : يا بن رسول الله أهم أعلم أم أنتم؟ فأطرق إلى الأرض مليا ثم رفع رأسه. وقال : كلنا له علم غير أنهم يعلمون كلما نعلم ، ولا نعلم كما يعلمون ثم دعا بعيبة فاستخرج منها صحيفة مقفلة مختومة ، فنظر إلى الخاتم وقبله وبكى ، ثم فضه وفتح القفل ، ثم نشر الصحيفة ووضعها على عينه ، وأمرها على وجهه. وقال : والله يا متوكل لولا ما ذكرت من قول ابن عمي إنني أقتل وأصلب لما دفعتها إليك ، ولكنت بها ضنينا ولكني أعلم أن قوله حق ، أخذه عن آبائه ، وأنه سيصح ، فخفت أن يقع مثل هذا العلم إلى بني أمية فيكتموه ويدخروه في خزائنهم لأنفسهم ، فاقبضها واكفنيها وتربص بها ، فإذا قضى الله من أمري وأمر هؤلاء القوم ما هو قاض ، فهي أمانة لي عندك حتى توصلها إلى ابني عمي محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن بن عليعليهما‌السلام فإنهما القائمان في هذا الأمر بعدي. (الصحيفة السجادية تحقيق الابطحي / 620).

(1) انتهى الشيخ الكوراني في كتابه جوار التاريخ 5 / 272 إلى ان هذا الاجتماع كان سنة 126 هـ.

(2) أبو الفرج الاصفهاني ، مقاتل الطالبيين / 140.


الباب الثالث / الفصل الثالث

سياسة الاعلام العباسي

يمكننا ان نتعرف على بنود السياسة الاعلامية لبني العباس من بعد فشل ثورة الحنسين من خلال عدة وثائق ونصوص شعرية او محاورات وهي كما يلي :

اولا رسالة المنصور الجوابية إلى محمد ذي النفس الزكية قتل سنة 144 :

ثانيا : خطبة المنصور في الكوفة سنة 144 هجرية

ثالثا : حوار المنصور مع مالك بن انس :

رابعا : شعر مروان بن أبي حفصة

خامسا : منصور النمري :

سادسا : أبان بن عبد الحميد اللاحقي.

سابعا : شعر ابن المعتز 247 ـ 296 هجرية :

اولا : رسالة المنصور الجوابية إلى محمد

ذي النفس الزكية قتل سنة 144

جاء فيها :

1. اما بعد ، فقد بلغني كلامك ، وقرأت كتابك ، فإذا جلُّ فخرك بقرابة النساء ، لتضل به الجفاة والغوغاء ، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء ، ولا كالعصبة


والأولياء ، لان الله جعل العم أبا ، واما قولك : انكم بنو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فإن الله تعالى يقول في كتابه : (ما كان محمد أبا احد من رجالكم) سورة الاحزاب / 40 ، ولكنكم بنو ابنته ، وانها لقرابة قريبة ، ولكنها لا تحوز الميراث ، ولا ترث الولاية ، ولا تجوز لها الإمامة ، فكيف تورث بها!.

2. ولقد طلبها ابوك بكل وجه فأخرجها نهاراً ، ومرَّضها سرّاً ، ودفنها ليلا ، فأبى الناس إلَّا الشيخين وتفضيلهما ، ولقد جاءت السنة التي لا اختلاف فيها بين المسلمين ان الجد أبا الام والخال والخالة لا يرثون.

واما ما فخرت به من علي وسابقته ،

فقد حضرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الوفاة فأمر غيره بالصلاة ،

ثمَّ أخذ الناس رجلا بعد رجل فلم يأخذوه ،

وكان في الستة فتركوه كلهم دفعاً له عنها ، ولم يروا له حقا فيها ، اما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان ، وقتل عثمان وهوله متهم ، وقاتله طلحة والزبير ، وأبى سعد بيعته واغلق دونه بابه ، ثمَّ بايع معاوية بعده.

ثمَّ طلبها بكل وجه وقاتل عليها ، وتفرق عنه أصحابه ، وشك فيه شيعته قبل الحكومة ، ثمَّ حكم حكمين رضي بهما ، واعطاهما عهده وميثاقه ، فاجتمعا على خلعه.

3. ثمَّ كان حسن فباعها من معاوية بِخِرَق ودراهم ولحق بالحجاز ، واسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غيره أهله ، وأخذ مالاً من غير ولائه ولا حله ، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه واخذتم ثمنه.

4. ثمَّ خرج عمك حسين بن علي على ابن مرجانة ، فكان الناس معه عليه حتّى قتلوه ، واتوا برأسه إليه. ثمَّ خرجتم على بني أمية ، فقتلوكم وصلَّبوكم على جذوع النخل ، واحرقوكم بالنيران ، ونفولكم من البلدان ، حتّى قتل يحيى بن زيد بخراسان ، وقتلوا رجالكم واسروا الصّبية والنساء ، وحملوهم بلا وطاء في المحافل كالسبي المجلوب إلى الشام ، حتّى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم ، وادركنا بدمائكم واورثناكم ارضهم وديارهم ، وسنَّينا سلفكم وفضَّلناه ، فاتخذتّ ذلك علينا حجة. وظننتَ أنا انما ذكرنا اباك وفضلناه للتقدمة منَّا له على حمزة والعباس وجعفر ، وليس ذلك كما ظننت.


5. ولقد علمتَ ان مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحجيج الأعظم ، وولاية زمزم ، فصارت للعباس من بين اخوته ، فنازعنا فيها ابوك ، فقضى لنا عليه عمر ، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام ، ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه إلَّا بأبينا ، حتّى نَعَشَهم الله وسقاهم الغيث ، وابوك حاضر لم يتوسل به ، ولقد علمتَ انه لم يبق احد من بني عبد المطلب بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله غيره ، فكان وارثه من عمومته ، ثمَّ طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم فلم ينله إلَّا وِلدُه ، فالسقاية سقايته وميراث النبي له ، والخلافة في ولده ، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا اسلام في دنيا ولا آخرة إلَّا والعباس وارثه ومورثه.

واما ما ذكرت من بدر ، فإن الإسلام جاء والعباس يموت أبا طالب وعياله ، وينفق عليهم للأزمة التي اصابته ، ولولا ان العباس أُخرج إلى بدر كارهاً لمات طالب وعقيل جوعاً ، ولَلَحَسا جِفان عُتبة وشيبة ، ولكنه كان من المطعِمين ، فأذهبَ عنك العار والسُّبَّة ، وكفاكم النفقة والمؤونة ، ثمَّ فدى عقيلا يوم بدر ،

فكيف تفخر علينا وقد عُلْناكم في الكفر ، وفديناكم من الاسر ، وحُزْنا عليكم مكارم الآباء ، وورثنا دونك خاتم الأنبياء ، وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه ، ولم تدركوا لأنفسكم! والسلام عليك كورحمة الله.).(1)

ثانيا : خطبة المنصور في الكوفة

سنة 144 هجرية

قال المسعودي : ولمّا أخذ المنصور عبد الله بن الحسن وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته صعد المنبر بالهاشمية ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمَّ قال :

1. (يا أهل خراسان ، أنتم شيعتنا وأنصارنا ، وأهل دعوتنا ، ولو بايعتم غيرنا لم تبايعوا خيراً منّا. إنَّ ولد أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلَّا هو والخلافة فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير.

__________________

(1) رواها الطبري والرسالة وان كانت يبدو عليها الوضع هي ورسالة محمد ذو النفس الزكية الا ان الواضع لا يمكن ان يكون غير الجهاز الاعلامي العباسي.


2. فقام فيها علي بن أبي طالبعليه‌السلام فما أفلح ، وحكَّم الحكمين ، فاختلفت عليه الأمّة وافترقت الكلمة ، ثمَّ وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه.

3. ثمَّ قام بعدَهُ الحسن بن عليعليه‌السلام ، فوالله ما كان برجل ، عرضت عليه الأموال فقبلها ، ودسَّ إليه معاوية إنِّي أجعلك ولي عهدي ، فخلع نفسه وانسلخ له ممَّا كان فيه ، وسلَّمه إليه وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غداً أخرى ، فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه.

3. ثمَّ قام من بعده الحسين بن عليعليه‌السلام ، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنِّفاق والإغراق في الفتن ، أهل هذه المِدرة السوء ، / وأشار إلى الكوفة / فوالله ما هي لي بحرب فأُحاربها ، ولا هي لي بسلم فأُسالمها ، فرَّق الله بيني وبينها / فخذلوه وأبرؤوا أنفسهم منه ، فأسلموه حتّى قتل.

4. ثمَّ قام من بعده زيد بن علي ، فخدعه أهل الكوفة وغرّوه ، فلمَّا أظهروه وأخرجوه أسلموه ، وقد كان أبي محمد بن علي ناشده الله في الخروج وقال له : لا تقبل أقاويل أهل الكوفة فإنّا نجد في علمنا أنَّ بعض أهل بيتنا يصلب بالكناسة ، وأخشى أن تكون ذلك المصلوب ، وناشده الله بذلك عمّ داود وحذَّرهرحمه‌الله غدر أهل الكوفة ، فلم يقبل ، وتمَّ على خروجه ، فقتل وصلب بالكناسة).(1)

ولما قتل إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أمر المنصور ان يطاف برأسه بالكوفة سنة 145 هجرية وخطب قائلا :

(يا أهل الكوفة عليكم لعنة الله وعلى بلد انتم فيه سبئية(2) ،

__________________

(1) المسعودي ،مروج الذهب ج 3 ص 301 ، وكانت بوادر التحسس من الكوفيين قبل ذلك روى البلاذري فيانساب الاشراف ج 3 ص 150 ، قال قال المدائني : (كتب ابو مسلم إلى أبي العباس : أن أهل الكوفة قد شاركوا شيعة أمير المؤمنين في الاسم ، وخالفوهم في الفعل ، ورأيهم في آل علي الذي يعلمه أمير المؤمنين ، يؤتى فسادهم من قبلهم باغوائهم اياهم واطماعهم فيما ليس لهم ، فالحظهم يا أمير المؤمنين بلحظة بوار ، ولا تؤهلهم لجوارك ، فليست دارهم لك بدار. وأشار عليه أيضا عبد الله بن علي بنحو من ذلك فابتنى مدينته بالانبار وتحول إليها وبها توفي).

(2) أي اتباع عبد الله بن سبأ الذي ادعي له انه مبتدع الوصية لعليعليه‌السلام المشابهة لوصية موسى ليوشععليه‌السلام الذي يترتب عليها البراءة ممن تجاوز على موقعه.


خشبية(1) ، قائل يقول : جاءت الملائكة وقائل يقول جاء جبريل ...

لَلَعَجَب لبني أمية وصبرهم عليكم ، كيف لم يقتُلوا مقاتلتَكم ويسبوا ذراريكم ، ويخرجوا منازلكم.

أما والله يا اهلَ المَدَرَة الخبيثة لئن بقيت لكم لأذلنكم.).(2)

ان القارئ اللبيب لهذه الكلمات لا يفوته غرضها ولا دورها في توجيه الاعلام ووضع الحديث حين تصدر من رئيس الدولة نفسه وحين تكون مناسبة صدورها فشل حركة تمرد عليه.

ثالثا : حوار الخليفة المنصور مع مالك بن انس

قال القاضي عياض : روى أبو مصعب ان أبا جعفر قال لمالك ضع للناس كتاباً احملهم عليه ...

قال مالك يا أمير المؤمنين : ان لأهل هذه البلاد قولاً ولأهل المدينة قولا ولأهل العراق قولاً تعدوا فيه طورهم.

فقال : اما أهل العراق فلست اقبل منهم صرفاً ولا عدا ، وإنما العلم علم أهل المدينة فضع للناس العلم ،

وفي رواية أخرى قال مالك فقلت له ان أهل العراق لا يرضون علمنا.

فقال أبو جعفر يضرب عليه عامتهم بالسيف وتقطع عليه ظهورهم بالسياط.(3)

وفي كتاب الإمامة والسياسة : ان أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الأمور ، واستولى على السلطان خرج حاجاً إلى مكة ، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومئة. فلما كان بمنى ، اتاه الناس يسلمون عليه ، ويهيئونه بما اتم الله عليهم ، وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم ، وفقهائهم وعلمائهم ، ممن صاحبه وجامعه على طلب

__________________

(1) فيالنهاية لابن الاثير : الخشبية : هم أصحاب المختار بن أبي عبيد ، ويقال لضرب من الشيعة : الخشبية. وفيالمشتبه للذهبي : الخشبي : هو الرافضي في عرف السلف.

(2) البلاذري ،انساب الاشراف ج 3 ص 269.

(3) القاضي عياض ،ترتيب المدارك (ت 544) هـ ، مطبعة فضالة ـ المحمدية المغرب ، ج 1 ص 191 ـ 192.


العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث. فكان فيمن دخل عليه منهم : مالك بن انس فقال له أبو جعفر : رأيت اني اجلسك في هذا البيت ، فتكون من عمّار بيت الله الحرام ، واحمل الناس على علمك ، واعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليه وفدهم ويرسلون إليك رسلهم في أيّام حجهم ، لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق ان شاء الله ، وإنما العلم علم أهل المدينة وانت اعلمهم.

فقال مالك : يا أمير المؤمنين ان أهل العراق قد قالوا قولا تعدوا فيه طورهم ، ورأيت اني خاطرت بقولي لأنهم أهل ناحية ، واما أهل مكة فليس بها أحد ، وإنما العلم علم أهل المدينة ، كما قال الأمير ، وان لكل قوم سلفاً وائمة. فإن رأى أمير المؤمنين اعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل.

فقال أبو جعفر : اما أهل العراق فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفاً ولا عدلا ، وإنما العلم علم أهل المدينة.(1)

وفيه أيضاً : قال أبو جعفر : يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه ودون منه كتباً ، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس ، وشواذ ابن مسعود ، واقصد إلى اواسط الأمور ، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابةرضي‌الله‌عنهم ، لنحمل الناس ان شاء الله على عملك وكتبك ، ونبثها في الأمصار ، ونعهد اليهم ان لا يخالفوها ، ولا يقضوا بسواها.

فقلت له : اصلح الله الأمير ، ان أهل العراق لا يرضون علمنا ، ولا يرون في عملهم رأينا. فقال أبو جعفر : يُحمَلون عليه ، ونضرب عليهه هاماتهم بالسيف ، ونقطع طيَّ ظهورهم بالسِّياط ، فتعجل بذلك وضعها.(2)

مالك ينهى عن الأخذ عن أهل العراق :

روى الفخر الرازي عن محمد بن إسحاق المسيبي (ت 236 هـ) قال حدثني أبي انه لما صلى بالناس بالمدينة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قال فأتاني الأعشى أبو بكر(3) بن

__________________

(1) ابن قتيبة الدينوري ،الإمامة والسياسة ، ج 2 ص 142.

(2) ابن قتيبة الدينوري ،الإمامة والسياسة ج 2 ص 150.

(3) البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن


أخت مالك ان أبا عبد الله يعني مالك بن انس يقرأ عليك السلام ويقول لك من خفته على خلاف أهل المدينة فانك ممن لم اخف ، وقد كان منك شيء ،

فقلت ما هو؟ قال الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم.

قلت فأبلغه عني السلام كما أبلغتني وقل له ان كثيرا ما سمعتك تقول لا تأخذوا عن أهل العراق فاني لم أدرك أحدا من اصحابنا يأخذ عنهم ، وإنما جئت في تركها عن حميد الطويل فإن احببت أخذنا عن أهل العراق أخذا وغيرهم من قولهم والا تركنا حميدا مع غيره فلم يكن له علي بن حجة.

وقد سمعتك كثيرا ما تقول خذوا كل علم عن أهله وعلم القرآن بالمدينة عن ابن نعيم فسألته عن قراءة بسم الله الرحمن الرحيم فأمرني بها وقال اشهد انها من السبع المثاني وان الله انزلها وحدثني نافع مولى ابن عمر ابن عمر أنه كان يبتدئ بها ويفتتح بها كل سورة.(1)

أقول :

عاش شيعة الإمام الصادق بعد وفاته سنة 148 أيّام المنصور وذريته الخلفاء وبخاصة أيّام الرشيد (ت 193) محنة شديدة فكانوا بين سجين كمحمد بن أبي عمير(2) (ت 217) (وقد دفنت أخته كتبه فتلفت وكان قد صنف أربعة وتسعين كتابا منها المغازي فلما افرج عنه كان يحدِّث من حفظه) أو مطارد كهشام حيث مات وهو مختف عن انظار

__________________

مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو بكر بن أبي أويس المدني الأعشى روى عن أبيه وعم جده الربيع بن مالك وابن أبي ذئب وابن عجلان ومالك بن أنس وسليمان بن بلال والثوري وهشام بن سعيد وغيرهم وعنه أخوه إسماعيل وأيوب بن سليمان بن بلال وإسحاق بن راهويه ومحمد بن رافع ومحمد بن سعد ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيرهم قال عثمان الدارمي عن بن معين ثقة وقال آخر عن يحيى ليس به بأس وقال الآجري قدمه أبو داود على إسماعيل تقديما شديدا وذكره بن حبان في الثقات قال مات ببغداد سنة اثنتين ومائتين قلت وقال النسائي ضعيف وقال الحاكم عن الدارقطني حجة وقال الأزدي وما أظنه ظن إلا أنه غيره فإنه إنما أطلق ذلك في أبي بكر الأعشى وهو هو (ابن حجر ،تهذيب التهذيب ).

(1) الشهرستاني ، منع تدوين الحديث ، ص 285 نقلا عنأحكام البسملة للفخر الرازي ص 74.

(2) قال النجاشي حكى الجاحظ في البيان والتبيين عن إبراهيم بن داحة ابن أبي عمير وكان وجها من وجوه الرافضة. وقال النجاشي وكان حبس في أيّام الرشيد فقيل ليلي القضاء وقيل انه ولي بعد ذلك وقيل بل ليدل على مواضع الشيعة واصحاب موسى بن جعفرعليه‌السلام .أقول : والاحتمال الأخير هو المناسب لطبيعة الظروف الذي عاشه وطبيعة موقعه بين الشيعة.


السلطة. اما الإمام الكاظمعليه‌السلام بن الإمام الصادقعليه‌السلام ، فقد قضى سنوات طويلة في سجن الرشيد ثمَّ دس له السم سنة 183 هجـ. وقد رافقت حملة الاضطهاد هذه محاولة رفع وثاقة شيعة الإمام الصادق وأولاده كالإمام موسى بن جعفر بل شملت المحاولة الإمام الصادقعليه‌السلام نفسه كما نجد ذلك واضحاً في ترجمته عند ابن حبان (ت 354) قال : جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم ، كنيته أبو عبد الله ، يروي عن أبيه ، وكان من سادات أهل البيت فقها وعلما وفضلا روى عنه الثوري ومالك وشعبة والناس ، يحتج بروايته ما كان من غير رواية اولاده عنه لأن في حديث ولده عنه مناكير كثيرة ، وإنما مرَّض القول فيه (أي في الإمام الصادق) من مرض من ائمتنا لما رأوا في حديثه من رواية اولاده ، وقد اعتبرتُ حديثه من الثقات عنه مثل ابن جريج والثوري ومالك وشعبة وابن عيينة ووهب بن خالد ودونهم ، فرأيت احاديثه مستقيمة ليس فيها شيء يخالف حديث الأثبات ، ورأيت في رواية ولده عنه اشياء ليس من حديثه ولا من حديث أبيه ولا من حديث جده ، ومن المحال ان يلزق به ما جنت يدا غيره.(1)

أقول :

وقوله (انما مرض القول فيه من مرض من ائمتنا ...) يريد بأئمته نظراء البخاري ويحيى بن سعيد القطان ومالك بن انس وأبي بكر بن عياش وعبد الرحمن بن مهدي.

قال الذهبي في ترجمة جعفرعليه‌السلام : أحد الأئمة الاعلام برٌّ صادق كبير الشأن ، لم يحتج به البخاري. وقال يحيى بن سعيد (أي القطان ت 198) : مجالد احب إلي منه (أي من الامام الصادق) ، في نفسي منه شيء(2) .

وعن الدراوردي قال : لم يرو مالك عن جعفر حتّى ظهر أمر بن العباس.

وقال مصعب بن عبد الله : كان مالك لا يروي عن جعفر حتّى يضمه إلى أحد.(3)

__________________

(1) ابن حبان ، الثقات ، ج 6 ص 131 ـ 132.

(2) علّق الذهبي فيميزان الاعتدال على هذا القول : انه زلة من يحيى القطان في جعفرعليه‌السلام . قال الرازي فيالجرح والتعديل ج 8 ص 361 عمرو بن علي الصيرفي قال سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول لعبد الله أي تذهب قال أذهب إلى وهب بن جرير اكتب السيرة يعني عن مجالد قال تكتب كذبا كثيرا لو شئت ان يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل.

(3) الذهبي ،ميزان الاعتدال .


وقال سعيد بن أبي مريم قيل لابي بكر بن عياش (ت 192) مالك لم تسمع من جعفر وقد ادركته؟ قال سألنا عما يحدث به من الأحاديث شيء سمعته قال لا ولكن رواية رويناها عن آبائنا.

وقال أبو موسى كان عبد الرحمن بن مهدي (ت 198) لا يحدث عن سفيان عنه (أي عن الامام الصادقعليه‌السلام .

وقال ابن حجر : قال ابن سعد (230) كان (جعفر) كثير الحديث ولا يحتج به ويستضعف ، سئل مرة سمعت هذه الأحاديث من أبيك فقال نعم ، وسئل مرة فقال انما وجدتها في كتبه).(1)

رابعا : شعر مروان ابن أبي حفصة

ولد مروان سنة 105 هجرية شاعر وكان جده ابو حفصة مولى لمروان بن الحكم اعتقه يوم الدار ، أدرك زمناً من العهد العباسي فقدم بغداد ومدح المهدي والرشيد توفي ببغداد سنة 181 وقيل سنة 182 هجرية. كان يتقرب إلى الرشيد بهجاء العلويين(2) .

انشد قصيدة يمدح بها الرشيد ويذكر فيها ولد فاطمةعليها‌السلام وينحى عليهم ويذمهم وقد بالغ حين ذم علياًعليه‌السلام ونال منه وأولها :

سلام على جَمَل وهيهات من جملِ

ويا حبذا جملٌ وإنْ صُرمِتْ حبلي

ويقول فيها :

عليٌّ أبوكم كان أفضلَ منكم أباه(3)

ذوو الشورى وكانوا ذوي الفضل

ساء رسولَ الله إذْ ساء بنتَه

بخطبته بنتَ اللعين أبي جهل

فذمَّ رسول الله صهرَ أبيكمُ

على منبر بالمنطق الصادع الفضل

وحكَّمَ فيها حاكمين أبوكمُ

هما خلعاه خلع ذي النعل للنعل

وخلَّيتموها وهي في غير أهلها

فقد أُبطلت دعواكمُ الرثة الحبلِ

__________________

(1) ابن حجر ،تهذيب التهذيب ، ج 3 ترجمة جعفرعليه‌السلام .

(2) ابن خلكان ،وفيات الاعيان ج 5 ص 189 ـ 193. ابن قتيبة ، الشعر والشعراء ، دار الحديث القاهرة 1427 هـ ، ج 2 ص 649.

(3) أي رفضه أهل الشورى في قصة بيعة عثمان.


وقد باعها من بعده الحسن ابنه

وطالبتموه حين صارت إلى أهل(1)

ومن شعره أيضا :

خلوا الطريق لمعشر عاداتهم

حطم المناكب كل يوم زحام

ارضوا بما قسم الاله لكم به

ودعوا وراثة كل اصيد حام

اني يكون وليس ذاك بكائن

لبني البنات وراثة الاعمام(2)

__________________

(1) ابن أبي الحديد ، شرح نهج ابلاغة ، ج 4 ص 63 ـ 64. انظر الاغاني لابي الفر الاصفهاني ج 23 ص 214 ـ 215 ، والاصفهاني يرويها لمروان بن أبي حفصة الاصغر وهو مروان بن أبي الجنوب بن مروان الاكبر بن أبي حفصة وانه انشدها للمتوكل العباسي وانها من مشهور شعره. اما ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ج 4 ص 63 ـ 64 فيرويها لجده مروان الاكبر ، والذي يظهر انها للجد ، إذ ان الحفيد كان يروي شعر جده ويتشبه به في الشعر ويتقرب إلى المتوكل بهجاء آل أبي طالب كما ذكر الاصفهاني ، ولما افضت الخلافة إلى المنتصر تجنب مذهب أبيه وطرد مروان الاصغر ، وقال والله لا أذنت للكافر ابن الزانية البس هو القائل : (وحكم فيها حاكمين ابوكم هما خلعاه خلع ذي النعل للنعل) ج 23 ص 214 ، 219. قال المسعودي فيمروج الذهب ج 4 ص 51 ـ 52 : وكان آل أبي طالب قبل خلافة المنتصر في محنة عظيمة وخوف على دمائهم ، قد مُنعوا زيارة قبر الحسين والغري من أرض الكوفة ، وكذلك منع غيرهم من شيعتهم حضور هذه المشاهد ، وكان الأمر بذلك من المتوكِّل سنة ست وثلاثين ومائتين وفيها أمر المعروف باذيريج بالسير إلى قبر الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما وهدمه ومحو أرضه وإزالة أثره ، وأن يعاقب من وجد به ، فبذل الرغائب لمن تقدم على هذا القبر ، فكلٌّ خشي العقوبة ، وأحجم ، فتناول الباذيريج مسحاة وهدم أعالي قبر الحسين ، فحينئذ أقدم الفعلة فيه ولم تزل الأُمور على ما ذكرنا إلى أن استخلف المنتصر سنة 247 هجرية ، فأمن الناس ، وتقدَّم بالكفَّ عن آل أبي طالب ، وترك البحث عن أخبارهم ، وأن لا يمنع أحد زيارة الحيرة لقبر الحسين رضي الله تعالى عنه ، ولا قبر غيره من آل أبي طالب ، وأمر بردِّ فدك إلى ولد الحسن والحسين ، وأطلق أوقاف آل أبي طالب وترك التعرُّض لشيعتهم ودفع الأذي عنهم ، وفي ذلك يقول يزيد بن محمد المهلبي وكان من شيعة آل أبي طالب وما كان امتحن به الشيعة في ذلك الوقت واغريت بهم العامة :

ولقد بررت الطالبية بعدما

ذمّوا زماناً بعدها وزمانا

ورددت ألفة هاشم ، فرأيتهم

بعد العداوة بينهم إخوانا

آنست ليلهم وجدت عليهم

حتى نسوا الأحقاد والأضغانا

لو يعلم الأسلاف كيف بررتهم

لرأوك أثقل من بها ميزانا

(2) أبو الفرج الاصفهاني ،الاغاني ، ج 13 ص 160.


خامسا : شعر منصور النَّمِري

منصور بن الزبرقان بن سلمة النَّمِري : قال الخطيب البغدادي من أهل الجزيرة قدم بغداد ومدح بها هارون الرشيد(1) ، : وعرف مذهب الرشيد في الشعر وارادته ان يصل مدحه اياه بنفي الإمامة عن ولد علي بن أبي طالب والطعن عليهم وعلم مغزاه في ذلك مما كان يبلغه من تقديم مروان بن أبي حفصة وتفضيله اياه على الشعراء في الجوائز فسلك مذهب مروان في ذلك ونحا نحوه ولم يصرح بالهجاء والسب ، كما كان يفعل مروان ولكنه حام ولم يقع واومأ ولم يحقق لأنه كان يتشيع ، وكان مروان شديد العداوة لال أبي طالب وكان ينطق عن نية قوية يقصد بها طلب الدنيا فلا يبقي ولا يذر.

ومن شعره :

بني حسن ورهط بني حسين

عليكم بالسداد من الأمور

فقد ذقتم قراع بني ابيكم

غداة الروع بالبيض الذكور

احين شفوكمُ من كل وِتر

وضموكمُ إلى كنف وثير

وجادوكم على ضمإ شديد

سقيتم من نوالهمُ الغزير

فما كان العقوق لهم جزاءً

بفعلهمُ وأذى الثؤور

وانك حين تُبلِغهم اذاةً

وإن ظلموا لمحزون الضمير(2)

سادسا : شعر أبان بن عبد الحميد اللاحقي

هو أبان بن عبد الحميد بن لاحق بن عفير مولى بني رقاش ، قال أبو عبيدة : بنو رقاش ثلاثة نفر ينسبون إلى أمهم ، واسمها رقاش ، وهم : مالك ، وزيد مناة ، وعامر ، بنو شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

صنيعة البرامكة : أخبرني عمي : قال : حدّثنا الحسين بن عليل العنزي ؛ قال : حدّثني أحمد بن مهران مولى البرامكة : قال : شكا مروان بن أبي حفصة إلى بعض إخوانه تغيّر الرشيد عليه وإمساك يده عنه ، فقال له : ويحك! أتشكو الرشيد بعد ما

__________________

(1) الخطيب ،تاريخ بغداد ، ج 13 ص 67.

(2) أبو الفرج الاصفهاني ،الاغاني ، ج 13 ص 161.


أعطاك؟ قال : أو تعجب من ذلك؟ هذا أبان اللا حقيّ ، قد أخذ من البرامكة بقصيدة قالها واحدة مثل ما أخذته من الرشيد في دهري كله ، سوى ما أخذه منهم ومن أشباههم بعدها(1) ،

أخبرني حبيب بن نصر المهلَّبي : قال : حدّثني عليّ بن محمد النوفليّ :

أنّ أبان بن عبد الحميد عاتب البرامكة على تركهم إيصاله إلى الرشيد وإيصال مديحه إليه ، فقالوا له : وما تريد من ذلك؟ فقال : أريد أن أحظى منه بمثل ما يحظى به مروان بن أبي حفصة ، فقالوا له : إن لمروان مذهبا في هجاء آل أبي طالب وذمّهم ، به يحظى / وعليه يعطى ، فاسلكه حتى نفعل ، قال : لا أستحلّ ذلك ، قالوا : فما تصنع؟ لا يجيء طلب الدنيا إلا بما لا يحلّ ، فقال أبان :

نشدت بحقّ الله من كان مسلما

أعمّ بما قد قلته العجم والعرب

أعمّ رسول الله أقربب زلفة

لديه أم ابن العمّ في رتبة النسب

وأيّهما أولى به وبعهده

ومن ذا له حقّ التّراث بما وجب!

فإن كان عبّاس أحقّ بتلكم

وكان عليّ بعد ذاك على سبب

فأبناء عباس هم يرثونه

كما العمّ لابن العمّ في الإرث قد حجب

وهي طويلة ، قد تركت ذكرها لما فيه ، فقال له الفضل : ما يرد على أمير المؤمنين اليوم شيء أعجب إليه من أبياتك ، فركب فأنشدها الرّشيد ، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم ، ثم اتصلت بعد ذلك خدمته الرشيد ، وخصّ به(2) .

ومن أخباره ما ذكره الصولي : قال : حدّثنا محمد بن زياد : قال : حدّثني أبان بن سعيد الحميدي بن أبان بن عبد الحميد :

قال : اشترى جار لجدّي أبان غلاما تركيّا بألف دينار ، وكان أبان يهواه ويخفي ذلك عن مولاة ، فقال فيه :

ليتني ـ والجاهل المغرور من غرّ بليت

نلت ممّن لا أسمّي وهو جاري بيت بيت

__________________

(1) أبو الفرج الاصفهاني ،الاغاني ، 23 / 116.

(2) أبو الفرج الاصفهاني ،الاغاني ، 23 / 120.


قبلة تنعش ميتا إنّني حيّ كميت

نتساقى الريق بعد الشرب من راح كميت

لا أسمّيه ولكن هو في كيت وكيت

وكان اسمه يتك(1) .

أقول : وهذا سلوك من يقع في بغض أهل البيتعليهم‌السلام فهو لا يتورع بعد ذلك عن ممارسة الحرام أيا كان شكله ، قال ابن الخطيب وكان أبان حسن السريرة ، حافظا للقرآن عالما بالفقه. وقال عند وفاته : أنا أرجو الله وأسأله رحمته ، ما مضت على ليلة قط لم أصل فيها تطوعا كثيرا(2) .

سابعا : شعر ابن المعتز 247 ـ 296 هجرية

أورد الصفدي ترجمة له قال :

الأمير ابن المعتز عبد الله بن محمد بن المعتز ابن المتوكل ابن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور ، الأديب صاحب الشعر البديع والنثر الفائق.

أخذ الأدب والعربية عن المبرد وثعلب عن مؤدبه أحمد بن سعيد الدمشقي مولده في شعبان سنة تسع وأربعين ومائتين قتل سرا في ربيع الآخر سنة ست وتسعين ومائتين قامت الدولة ووثبوا على المقتدر وأقاموا ابن المعتز فقال بشرط أن لا يقتل بسببي مسلم ولقبوه المرتضى بالله وقيل المنصف بالله وقيل الغالب بالله وقيل الراضي بالله وأقام يوما وليلة ثم إن أصحاب المقتر تحزبوا واجتمعوا وتحاربوا هم وأعوان ابن المعتز وشتتوهم وأعادوا المقتدر إلى دسته واختفى ابن المعتز في دار ابن الجصاص الجوهري فأخذه المقتدر وسلمه إلى مؤنس الخادم الخاذن فقتله وسلمه إلى أهله ملفوفا في كساء ودفن في خرابة إزاء داره وله من التصانيف كتاب الزهر والرياض وكتاب البديع وكتاب مكاتبات الإخوان بالشعر وكتاب الجوارح والصيد وكتاب السرقات وكتاب أشعار الملوك وكتاب الآذاب وكتاب حلى الأخبار وكتاب طبقات الشعراء وكتاب الجامع في

__________________

(1) الخطيب ،تاريخ بغداد ج 7 ص 48.

(2) الخطيب ،تاريخ بغداد ج 7 ص 48.


الغناء. وكان سني العقيدة منحرفا عن العلوين ولهذا قال في قصيدته البائية التي أولها :

ونحن ورثنا ثياب النبي

فلِمْ تجذبون بأهدابها

لكم رحم يا بني بنته ،

ولكن بنو العم أولى بها

قال الصفدي : أخذ هذا من قول منصور النمري وقول مروان ابن أبي حفصة وسيأتي ذلك في ترجمة منصور النمري.

فمهلا بني عمنا انها

عطية رب حبانا بها

وأقسم انكم تعلمون

بأنا لها خير أربابها

قال الصفدي : وقد أجابه عن ذلك صفي الدين الحلي في وزنها ورويها أنشدني ذلك لنفسه إجازة من المتقارب :

ألا قل لشر عبيد الإله

وطاغي قريش وكذابها

وباقي العباد وباغي العناد

وهاجي الكرام ومغتابها

أأنت تفاخر آل النبي

وتجحدها فضل أحسابها

بكم بأهل المصتطفى أم بهم

فرد العداة بأوصابها

أعنكم نفى الرجس أم عنهم

لطهر النفوس وألبابها

أما الرجس والخمر من دأبكم

وفرط العبادة من دابها

وقلت ورثنا ثياب النبي

فكم تجذبون بأهدابها

وعندك لا تورث الأنبياء

فكيف حظيتم بأثوابها

فكذبت نفسك في الحالتين

ولم تعلم الشهد من صابها

وقولك أنتم بنو بنته

ولكن بنو العم أولى بها

بنو البنت أيضا بنو عمه

وذلك أدنى لأنسابها

فدع ذكر قوم رضوا بالكفاف

وجاءوا الخلافة من بابها

هم الزاهدون هم العابدون

هم العالمون بآدابها

هم الصائمون هم القائمون

هم الساجدون بمحرابها

هم قطب ملة دين الإله

ودور الرحي بأقطابها


عليك بلهوك بالغانيات

وخل المعالي لأصحابها(1)

أقول :

حفل ديوان ابن المعتز بقصائد في عتاب الطالبيين والطعن فيهم وفي أهل الكوفة وفيما يلي نماذج من شعره فيهم :

بني عمنا الأدنين :

بني عمنا الأدنين من آل طالب ، تعالوا

إلى الأدنى ، وعودوا إلى الحسنى

أليس بنو العباس صنو أبيكم ،

وموضع نجواه ، وصاحبه الأدنى(2)

فمات الرضى ، من بعد ما قد علمتم ،

لنا حقها لكنه جاد بالدنيا

ليعلمكم ان التي قد حرصتم عليها

وغودرتم على إثرها صرعى

يسير عليه فقدها ، غير مكترث ،

كما ينبغي للصالحين ذوي التقوى

وأعطاكم المأمون عهد خلافة ،

ولاذت بنا من بعده مرة أخرى

وعادت إلينا ، مثل ما عاد عاشق

إلى وطن ، فيه له كل ما يهوى

دعونا ودنيانا التي كلفت بنا ،

كما قد تركناكم ، ودنياكم الأولى

نصحت بني رحمي :

نصحت بني رحمي ، لو وعوا

نصيحة بر بأنسابها

وقد ركبوا بغيهم ، وارتقوا

بزلاء تردي بركابها(3)

دعوا الاسد تفرس ، ثم اشبعوا

وقد نشبت بين انيابها

قتلنا أمية في دارها ،

بما تدع الاسد في غابها

وكم عصبة قد سقت منكم الـ

نحن أحق بأسلابها

إذا ما دنوتم تلقتكم

خلافة صابا بأكوابها(4)

ورموا فرائس أسد الشرى ،

زبونا ، وقرت بحَلّا بها(5)

__________________

(1) الصفدي ،الوافي بالوفيات ج 17 ص 240 ـ 245.

(2) صنو أبيكم : أي كلهم من أصل واحد.

(3) الزلاء : التي تزل بها القدم. تردي : تهلك.

(4) الصاب : شجر مر. الأكواب ، الواحد كوب : قدح لا عروة له.

(5) الزبون : التي تزين أي تدفع برجلها.


وما رد حُجّابها وافدا

لنا ، إذ وقفنا بأبوابها

كقطب الرَّحى وافقت اختها

دعونا بها ، وغلبنا بها(1)

ونحن ورثنا ثياب النبي

فلِمْ تجذبون بأهدابها

لكم رحم يا بني بنته ،

ولكن بنو العم أولى بها

به غسل الله مَحْلَ الحجاز

وأبرأها بعد أوصابها

ويوم حنين تداعيتم ،

وقد أبدت الحرب عن نابها

ولما علا الحبر أكفانه ،

هوى ملك بين أثوابها(2)

فمهلا بني عمنا انها

عطية رب حبانا بها

وكانت تزلزل في العالمين ،

فشدت إلينا بأطنابها(3)

وأقسم انكم تعلمون

بأنا لها خير أربابها

مالكم عتاب :

أبى الله ، الا ما ترون ، فما لكم

عتاب على الأقدار يا آل طالب

تركناكم حينا فهلا أخذتم

تراث النبي بالقنا والقواضب

زمان بني حرب ومروان ممسكو

أعنة ملك جائر الحم غاصب

الا رب يوم قد كسوكم عمائما

من الضرب في الهامات حمر الذوائب

فلما أراقوا بالسيوف دماءكم

أبينا ، ولم نملك حنين الأقارب

فحين أخذنا ثاركم من عدوكم

قعدتم لنا تورون نار الحباحب(4)

وحزنا التي أعيتكم ، قد علمتم

فما ذنبنا؟ هل قاتل مثل سالب

عطية ملك قد حبانا بفصله ،

وقدره رب جزيل المواهب

وليس يريد الناس أن تملكوهم

فلا تثبوا فيهم ، وثوب الجنادب

وإياكم إياكم ، وحذار من

ضراغمة في الغاب حمر المخالب

__________________

(1) القطب حديدة في الطبق الأسفل من الرحى يدور عليها الطبق الأعلى.

(2) الحبر : العالم الصالح.

(3) الأطبناب ، الواحد طنب : حبل طويل يشد به سرادق البيت.

(4) تورون : توقدون. الحباحب : ذباب يطير بالليل له شعاع في ذنبه.


ألا إنها الحرب التي علمتم

وجربتم ، والعلم عند التجارب

وله في الفخر وانهم آل الرسول والعترة الحق :

أيها السائلي عن الحسب الأطـ

ـيب ما فوقه لخلق مزيد

ولنا ما أضاء صبح عليه

وأتته آيات ليل سود

وملكنا رق الإمامة ميرا

ثاً ، فمن ذا عنا بفخر يحيد

وأبونا حامي النبي ، وقد أد

بر من تعلمون ، وهو يذود

ذاك يومَ استطار بالجمع ردع

في حنين ، وللوطيس وقود

كان فيهم منا المكاتم إيما

نا ، وفرعون غافل والجنود

رسل القوم حين لدوا جميعا ،

غيره ، كيف فضل الملدود(2)

بنو العم لا بل بنو الغم :

بنو العم لا بل هو بنو الغم والأذى

وأعوان دهري إن تظلمت من دهري

وغاضهم المجد الذي لا يناله

لئيم ولا وانٍ ضعيف عن الوتر

فدونكم الفعل الذي أنا فاعل

فإنكم مثلي ، إذا ولكم فخري

نمتني إلى عم النبيخلائق

علوا فرق أفلاك الكواكب والبدر

بنو الحبر والسجاد والكامل الذي

وفي الملك حتى قر عند ذوي الأمر

ونحن رفعنا سيف مروان عنكم

فهل لكم ، يا آل احمد ، في الشكر

أبو الفضل أولى الناس بالفضل كلهم

تعالوا نحاكمكم إلى البيت والحجر(3)

أ أبو طالب كمثل أبي الفضل :

وملي بصمتة الحلم إن طا

رب سريعا مثل الفراش الحلوم

يا بني عمنا إلى كم وحتى ،

ليس ما تطلبونه يستقيم

__________________

(1) العترة : ولد الرجل وذريته.

(2) لدوا : خاصموا. الملدود : المخاصم.

(3) الحجر : العقل ، والعله أراد الحجر الأسود ، أو أراد الحجر ، بكسر الحاء ، وهو ما حواه الحطيم المدار بالكعبة.


أبدا فارغين ان تطعموا الملـ

ك ، كما ذيد عن رضاع فطيم

أأبو طالب كمثل أبي الفضـ

ل أما منكم بهذا عليم

سائلوا مالكا ورضوان عن ذا

أين هذا ، وأين هذا مقيم(1)

وعلي ، فكابنه ، غير شك ،

واجب حقه علينا عظيم

ارجوزته في أهل الكوفة :

باسم الإله الملك الرحمن

ذي العز والقدرة والسلطان

الحمد لله على آلائه ،

أحمده ، والخمد من نعمائه(2)

وجعل الخاتم للنبوه ،

وأظهر الحجة والبيانا

أبدع خلقا لم يكن ، فكانا

أحمد ، ذا الشفاعة المرجوه

الصادق ، المهذب ، المطهرا ،

صلى عليه ربنا ، فأكثرا

برغم كل حاسد يبغيه ،

ميراث ملك ثابت الأساس

مضى ، وأبقى لبني العباس ،

يهدمه ، كأنه يبنيه

والعلوي قائد الفساق ،

وبائع الأحرار في الأسواق

والدُّلَفّي العود ، والصفار

ومنهم إسحق البيطار

أعلم خلق الله بالماخور ،

وعدد مثلث وزير(3)

وأعشق الناس لمن لا ينصره

حتى يطيل ليله ويسهره

ومنهم عيسى بن شيخ وابنه

كلاهما لص حلال لعنه

يدعون للإمام كل جمعه

ولا يردون إليه قطعه(4)

وهم يحورون على الرعيه

فساد دين وفساد نيه

ويأخذون مالهم صراحا

ويخضبون منهم السلاحا

ولم يزل ذلك دأب الناس ،

حتى اغيثوا بأبي العباس

__________________

(1) مالك ورضوان : ملاكان.

(2) آلائه : نعمه.

(3) الماخور : مجتمع أهل الفسق. الزير : دن الخمر. ولم ندرك ماذا أراد بالعدد المثلث.

(4) قطعه : حصصه.


الساهر العزم إذا العزم رقد

الحاسم الداء إذا الداء ورد

فجمع الرأي الذي تفرقا ،

وأبرأ الداء الذي أعيا لارقى(1)

كم عزمة بنفسه امضاها

لم يكل الأمر إلى سواها

كان لنا كأزدشير فارس ،

إذ جد في تجديد ملك دارس

حتى اتقوه كلهم بالطاعه ،

وصار فيهم ملك الجماعه

فلم يزل بالعلوي الخائن ،

المهلك المخرب المدائن

والبائع الأحرار في الأسواق ،

وصاحب الفجار والمراق

وقاتل الشيوخ والأطفال ،

وناهب الأرواح والأموال

ومالك القصور والمساجد

ورأس كل بدعة ، وقائد

حتى علا رأس القناة رأسه

وزال عنه كيده وبأسه

شيخ ضلال شر من فرعون ،

لحيته كذنب البرذون

إمام كل رافضي كافر ،

من مظهر مقالة وساتر

يلعن أصحاب النبي المهتدي

إلا قليلا ، عصبة لم تزدد

وهل رضا إلى أبو العباس

الواسع الحلم الشديد البأس

ما زال يأتي لك ما تريد ،

حتى أتى برأسه البريد

وابتهج الحق وأهل السنة

وشكروا ، والله ، تلك المنه

واصبح الروافض الفجار

يخفون حزنا فوقه استبشار

واستمع الآن حديث الكوفة :

واستمع الآن حديث الكوفة ،

مدينة بعينها معروفة

كثيرة الأديان والأئمة ،

وهمها تشتيت أمر الأمة

مصنوعة بكفر بخت نصر ،

وكفر نمرود امام الكفر

وعشش الشر بها وفرخا ،

ثم بنى بأرضها ورسخا

وغرق العالم من تنورها ،

جزاء شر كان من شرورها

__________________

(1) الرقى : التعاويذ ، والواحدة رقية.


وهربت سفينة الطوفان

منها إلى الجودي والأركان

وهم بنوا للجور صرحا محكما

فاتخذوا إلى السماء سلما

ولم يزل سكانها فجارا ،

مستبصرا في الشرك أو سحارا

تفرقوا وبلبلوا بلبالا ،

وبدلوا من بعد حال حالا(1)

وهم رموا في البئر إبراهيما ،

لما رأوا أصنامهم رميما

ودانيال طرحوا في الحب ،

كفرا وشكا منهم في الرب

واخذوا وقتلوا عليا ،

العادل ، البر ، التقي الزكيا

وقتلوا الحسين ، بعد ذاكا ،

فأهلكوا أنفسهم إهلاكا

وجحدوا كتابهم إليه ،

وحرفوا قرآنهم عليه

ثم بكوا من بعده ، وناحوا

جهلا ، كذاك يفعل التمساح

فقد بقوا في دينهم حيارى ،

فلا يهود هم ، ولا نصارى

والمسلمون منهم براء ،

رافضة ودينهم هباء

فبعضهم قالوا : علي ربنا ،

وحسبنا ذلك دينا ، حسبنا

وبعضهم قالوا : علي ربنا ،

وحسبنا ذلك دينا ، حسبنا

ومنهم الشراة والحراب ،

ان سمعوا ببيعة أجابوا

كم أسلموا من طالبي مغرور ،

وهربوا في يوم حرب مشهور

خاتمة الفصل الثالث من الباب الثالث

يتضح من خلال هذه النصوص طبيعة الجو الاعلامي العباسي في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري والقرن الثالث الهجري فهو جو مشحون بالعداء ضد الحسن والإمام الصادقعليه‌السلام وشيعته وضد الكوفة بشكل عام مضافا إلى حملة الاعتقالات التي كانت تتحرك في هذه الفترة أو تلك.

وفي هذا الجو :

__________________

(1) بلبلوا : تفرقوا ، وتبددوا.


ظهر سيف بن عمر التميمي واخباره التشويهية للتاريخ وتفسير ظهور التشيع والوصية لعليعليه‌السلام على انه من تأسيس عبد الله بن سبأ يهودي اسلم على عهد عثمان وكان ابن سبأ بزعمه السبب في حرب الجمل واقتتال الصحابة فيما بينهم؟ وقد اختلق سيف هذا مئات الاخبار في حروب الردة التي لم يقع اكثرها وحرف مئات الأسماء واختلق اكثر من مائة وستين صحابي وغير ذلك دعما لأفكاره.

وظهر أبو مخنف وكتابه مقتل الحسين ليضع مسؤولية قتله على الكوفيين الذين دعوه وغروه بزعمه وحملوا أهل بيته سبايا معهم رؤوس القتلى حتى دمعت عينا يزيد وقال لهم كنت ارضى من طاعتكم بدون هذا.

وظهرت أحاديث تشوه من سيرة الكوفيين مع عليعليه‌السلام وانهم ملأوا صدر علي قيحا حتى تمنى فراقهم ، وودَّ لو انَّ معاوية صارفه بهم صرفَ الدينار بالدرهم.

وفيه روج الرواة الموالين لبني أمية والمصانعين للخلفاء بشكل خاص روايات الزهري في تشويه صلح الامام الحسنعليه‌السلام مع معاوية لتبرزه رجلا اغراه معاوية فباع الخلافة بالمال ، وكون العراقيين قد قاموا عليه في المدائن ونهبوا حتى البساط من تحته!

وفي الفصول التالية طرف من ذلك :


الباب الثالث / الفصل الرابع

الروايات الطاعنة في عقيدة الوصية بعلي عليه‌السلام

أ. رواية سيف بن عمر (ت 170 ـ 193)

وضع سيف بن عمر(1) كتابين هما (كتاب الفتوح الكبير والردة) و (الجميل ومسير عائشة وعلي) وشحنهما بالاخبار الموضوعة وقد تبنى روايتهما الطبري ومن جاء بعده إلى اليوم من المؤرخين السنة ، لتحقيق هدفين :

الأول : تشويه حقيقة الإمامة الإلهية لعلي التي أسستها الأحاديث النبوية كحديث الغدير وحديث الثقلين وحديث المنزلة وحديث الكساء وغيرها ، وافتعال قصة عبد الله بن سبأ يهودي اظهر اسلامه أيام عثمان ، وانه أول من قال بفكرة الوصية لعلي وانه كسب إليها عمار بن ياسر ومحمد بن أبي بكر مالك الاشتر وكميل بن زياد وعمرو بن الحمق وغيرهم من وجوه شيعة علي ممن امن بمشروعه الإحيائي للسنة ومعنى ذلك ان الشيعة تأسيس سبائي.

الثاني : تحريف وقائع تاريخ صراع قريش المسلمة مع علي حول الإمامة الإلهية.

ففي قصة السقيفة حرَّف سيف امتناع علي عن البيعة لابي بكر مدة حياة فاطمة

__________________

(1) انظر كلمات أهل الجرح والتعديل فيه في كتابعبد الله بن سبأ للعلامة العسكري ، وكتابناالمدخل إلى دراسة مصادر السيرة والتاريخ الإسلامي الباب الرابع الفصل الرابع.


وما جرى من حوادث حرق باب بيت فاطمة إلى واقع ان عليا لما سمع ان أبا بكر قد جلس للبيعة هرع إليه تاركا رداءه خلفه لا تفوته البيعة(1) ، وليس من شك ان ذلك مخالف لوايات غير سيف من المحدثين والمؤرخين(2) .

وكذلك حرف سيف قصة عثمان من قبل قريش المنشقة بقيادة طلحة والزبير إلى ان قتلة عثمان هم عبد الله بن سبأ المزعوم ورجال علي المؤمنين بمشروعه الإحيائي للسنة أمثال أبي ذر ومالك الاشتر ومحمد بن أبي بكر وكميل بن زياد تعتيما على مشروع عليعليه‌السلام وعلى دورهم فيه.

وقد قام العلامة المحقق الامينيرحمه‌الله في موسوعته القيمة الغدير بجهد تحقيقي قيم حول روايات سيف للكشف عن زيفها.

وكذلك العلامة المحقق العسكري في كتابيه عبد الله بن سبأ بثلاث مجلدات وخمسون ومائة صحابي مختلق بثلاث مجلدات روايات سيف قام بجهد تحقيقي مقارن قيم جدا لم يسبق لاحد قبله ان قام به كشف عن التحريف الهائل للاخبار التاريخية.

وقد استظهر العلامة العسكري ان الدافع الذي دفع سيفا لذلك هو الزندقة والتعصب القبلي والدفاع عن الصحابة القرشيين الذين حكموا ، وانه ألف كتابيه في عصر انتشرت فيه العصبية القبلية والزندقة وهو الربع الأول من القرن الثاني الهجري أي انه ألّفه في عصر الأمويين.

وقد استظهرنا ان الدافع هو تطويق حركة الحسنيين ومدرسة الامام الصادقعليه‌السلام لقرائن وشواهد عديدة في روايات سيف وتجئ الفترة التي قدرها المؤرخون لوفاة سيف بين سنة 170 هـ وسنة 191 هـ عن تسعين سنة مؤيدة لهذا الاستظهار لان هذا التقدير لوفاته معناه انه عاصر فترة الانقلاب الفكري المضاد لأهل البيتعليهم‌السلام ولأهل الكوفة الذي قام به الخليفة المنصور ضد الامام الصادقعليه‌السلام والحسنيين وسار عليه الخلفاء من

__________________

(1) روى الطبري في تاريخه ج 2 ص 447 عن سيف بن عمر عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب ابن أبي ثابت قال كان علي في بيته إذ أتى فقيل له قد جلس أبو بكر للبيعة فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا كراهية أن يبطئ عنها حتى بايعه ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتخلله ولزم مجلسه.

(2) انظر تفصيل ذلك في كتابعبد الله بن سبا للعلامة العسكريرحمه‌الله .


ذريته من سنة 144 هجرية لتغييرثقافة الولاء المنتشرة التي تدعو إلى الإمامة الإلهية لأهل البيتعليهم‌السلام والى محبة ذرية فاطمةعليها‌السلام هذه المحبة التي تجعل حركاتهم السياسية موضع تأييد وترجيح بشكل عام ،

ان سيف بن عمر ألف كتابيه تلبية لرغبة الاعلام العباسي ، ولتحقيق الهدفين الآنفي الذكر اللذين اشرنا إليهما ، ولا ينافي ذلك كونه متهم بالزندقة بل هذا الاتهام هو المناسب لمن يقدم على تشويه روايات التاريخ والعقائد.

أقول : ولم يكن سيف بن عمر هو الوحيد الذي خدم العباسيين في تحقيق أهدافهم الماكرة فقد كان له نظراء أمثال عبد الرحمن بن مالك بن مغول وأبي مخنف وشبابة بن سوار ونظرائهم(1) ممن روى وكتب في القرن الأول من العهد العباسي لتشويه تاريخ علي والحسن والحسينعليهم‌السلام وتاريخ الكوفيين معهم الذين امنوا بمشروعهم الإحيائي للسنة النبوية ، وتأتي قراءتنا الجديدة لصلح الامام الحسنعليه‌السلام من اجل تسليط الدراسة المقارنة لروايات الحادثة المعينة لكشف الحقيقة الضائعة.

ب. رواية عبد الرحمن بن مالك بن مغول تـ 195

اما النموذج الثاني فهو رواية عبد الرحمن بن مالك بن مغول عن أبيه عن الشعبي أنَّه قال : قال لي الشعبي : وأحذِّركم هذه الأهواء المظلة وشرُّها الرافضة لم يدخلوا في الإسلام رغبةً ولا رهبةً ولكن مقتاً لأهل الإسلام وبغياً عليهم قد حرَّقهم عليعليه‌السلام بالنَّار ونفاهم إلى البلدان منهم عبد الله بن سبأ يهودي من صنعاء نفاه إلى ساباط ، وعبد الله بن يسار نفاه إلى خازر ، وآية ذلك محنة الرافضة محنة اليهود قالت اليهود : لا يصلح الملك إلَّا في آل داود ، وقالت الرافضة : لا تصلح الإمامة إلَّا في ولد علي ، وقالت : لا جهاد في سبيل الله حتَّى يخرج المهدي وينادي منادي من السماء(2)

__________________

(1) ليس معنى ذلك ان هذه الشخصيات متساوية فيما وضعت بل قد يضع هذا الراوي حديثا أو حديثين أو يحرف قضية أو قضيتين ويحرف الآخر عشرات بل مئات ونموذجهم سيف ، وكذلك ليس معنى ذلك اننا لا نجد ولو رواية صحيحة واحدة عند أمثال سيف ومن هنا لا بد من مقارنة رواياتهم مع روايات غيرهم ثم عرضها على المعروف الثابت من الحوادث وعقيدة الاشخاص موضوع الرواية.

(2) ابن تيمية ،منهاج السنة ج 1 ص 23 ـ 34 عن أبي جعفر بن شاهين ت 385 هـ في كتاب اللطيف في


وهذه الرواية ينفرد بها عبد الرحمن بن مالك بن مغول وهو كذَّاب وضَّاع.(1)

أقول :

وإلى هاتين الروايتين وأمثالهما استند ابن تيمية (ت 728 هـ) ومن كان قبله ومن جاء بعده ممن أخذ عنه ليقول إنَّ التشيُّع أصله عبد الله بن سبأ اليهودي الذي أسلم على عهد عثمان.

قال ابن تيمية : " وقد علم أهل العلم أنَّ أوّل ما ظهرت الشيعة الإمامية المدعية للنَّص في أواخر أيام الخلفاء الراشدين وأفترى ذلك عبد الله بن سبأ ".(2)

وقال الدكتور سليمان العودة من المعاصرين من أهل الحجاز : إنَّ عبد الله بن سبأ هو أصل التشيع.(3)

__________________

السنة وعن أبي عاصم خشيش بن صريم بن الأسود النسائي ت 253 هـ في كتابه ، وعن أبي القاسم الطبري في شرح أصول السنَّة ، كلهم عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول : وهو كذَّاب ، وكذلك رواه ابن عبد ربَّه ت 327 هـ في العقد الفريد.

(1) أوردنا أقوال علماء الجرح والتعديل فيه في كتابناالمدخل إلى دراسة مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي .

(2) ابن تيمية ،منهاج السنَّة ج 1 ص 251 وأيضاً ج 1 ص 11 ، 306 ، ج 8 ص 479.

(3) سليمان العودة :عبد الله بن سبأ ودوره في احداث الفتنة ط 1 ، 232 وما بعدها.


الباب الثالث / الفصل الخامس

كتاب أبي مخنف في مقتل الحسين عليه‌السلام

تُعدُّ كتب أبي مخنف لوط بن يحي الازدي ت ما قبل 170 هجرية في مقتل الحسينعليه‌السلام وحركة التوابين وحركة المختار ، من اقدم واشهر المصادر في موضوعه ، الطبري في التاريخ ، وابن اعثم في الفتوح ، والبلاذري في انساب الاشراف ، وروى المسعودي طرفا منها في مروج الذهب ، ثم أخذ ابن الاثير في كتابه الكامل ، وابن كثير ، وابن خلدون ، والذهبي ، برواية الطبري ، لأنه اوردها كاملة ، وعن هؤلاء أخذ المعنيون بالتاريخ الإسلامي ، من القدامى والمعاصرين شيعة كانوا او سنّة.

لم يكن أبو مخنف من القائلين بإمامة عليعليه‌السلام والنص عليه من النبي فهو ليس شيعيا بالمعنى الخاص للتشيع.

قال ابن أبي الحددي : وأبو مخنف من المحدثين وممن يرى صحة الإمامة بالاختيار ، وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها.(1)

وأكَّد ذلك الشيخ المفيد في كتابه عن حرب الجمل وقد أورد اخبار حرب الجمل عن أبي مخنف والواقدي وغيرهما قال بعدها : فهذه جملة من اخبار البصرة ، وسبب فتنتها ، ومقالات أصحاب الآراء في حكم الفتنة بها ، قد اوردنا على سبيل الاختصار ، واثبتنا ما أثبتنا من الاخبار عن رجال العامة دون الخاصة ، ولم نثبت في

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 1 ص 147.


ذلك ما روته كتب الشيعة).(1)

هذا وقد عاصر أبو مخنف أربعة من الأئمة ، وهم السجاد والباقر والصادق والكاظمعليهم‌السلام ، ولم يروِ عن واحد منهم بشكل مباشر ، نعم روى عن بعض اصحابهم بعض الروايات.

وقد وثَّقَ أبا مخنف في النقل عددٌ من اعلام الشيعة(2) ، الا ان ذلك قابل للمناقشة ، ونحن نتئِد على الأقل بل نرفض قبول فقرات مبثوثة في رواياته التي ترتبط بسيرة بعض الأئمةعليهم‌السلام او سيرة شيعتهم في الكوفة او علاقة الأئمة بهم في الفترة الواقعة من سنة حكم عليعليه‌السلام سنة 35 هجرية وحروبه إلى مقتل المختار سنة 67 هجرية ، وذلك لأنها تعطي رؤية تخالف الثابت عن أهل البيتعليهم‌السلام ، او الثابت من التاريخ عن شيعتهم في الكوفة وعلاقتهم بهم.

من قبيل : ان الحسينعليه‌السلام ندم على أخذ نسائه وبناته معه ، وأنه تذكَّر نصيحة ابن عباس يوم العاشر لما ارتفعت اصواتهن يوم العاشر من المحرم عند احتدام القتال وسقوط القتلى.(3)

أو أن يزيد بن معاوية قال لعلي بن الحسينعليه‌السلام لما أمر بإرجاعه والسبايا إلى المدينة : لعن الله ابن مرجانه ، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا الا أعطيتها إياه ، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ، ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن الله قضى ما رأيت.(4)

__________________

(1) الشيخ المفيد ،الجمل ، ص 225.

(2) انظر الخوئي ،معجم رجال الحديث ، والتستري ، قاموس الرجال.

(3) قال أبو مخنف حدثني عبد الله بن عاصم قال حدثني الضحاك المشرقي قال : لما سمع أخوات الحسين كلام الحسين يخاطب القوم يوم العاشر صحن وبكين وبكى بناته فارتفعت أصواتهن فأرسل اليهن أخاه العباس بن علي وعليا ابنه ، وقال لهما : أسكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن ، قال : فلما ذهبا ليسكتاهن ، قال : لا يبعد ابن عباس ، قال : فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاؤهن لأنه قد كان نهاه أن يخرج بهن. الطبريتاريخ الطبري ، ج 4 ص 321 وقال أبو مخنف وحدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان : أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه عبد الله بن عباس وقال له فإن كنت سائرا فلا تسر بنسائك وصبيتك فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 4 ص 287.

(4) الطبري ،تاريخ الطبري ج 4 ص 353.


وهناك من الرواة من أسفَّ إلى اكثر من هذا ، كما فعل يزيد بن روح بن زنباغ الجذامي المعاصر لابي مخنف ، روى عن الغاز بن ربيعة الجرشى من حمير قال : والله إنا لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زُحَر بن قيس حتى دخل على يزيد بن معاوية.

فقال له يزيد : ويلك ما وراءك وما عندك؟ فقال : أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره ، ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته ، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد ، أو القتال ، فاختاروا القتال على الاستسلام ، فَعَدَوْنا عليهم مع شروق الشمس ، فأحطنا بهم من كل ناحية حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم ، أخذوا يهربون إلى غير وَزَر ، ويلوذون منا بالآكام والحفر ، لواذا كما لاذ الحمائم من صقر.

فوالله يا أمير المؤمنين ما كان إلا جَز~رَ جَزور ، أو نومةَ قائل حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم مجردة ، وثيابهم مرملة ، وخدودهم معفرة ، تصهرهم الشمس ، وتسفي عليهم الريح ، زوارهم العقبان والرخم ...

قال : فدمعت عين يزيد وقال : قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله ابن سمية أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه فرحم الله الحسين.(1)

أو أن شيعة علي في الكوفة أمثال سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة وغيرهم كتبوا للحسين بالقدوم ثم خذلوه حتى قُتل ، ثم ندموا بعد ذلك ونهضوا للاخذ بثأره.

أقول :

وفي ضوء ذلك كان من الضروري التحقيق في الرواية التاريخية التي ظهرت في فترة الخمسين سنة من حكم المنصور وولده وما بعدها سواء كانت رواية أبي مخنف او رواية غيره وتجزئة الرواية إلى اجزاء واستبعاد الجزء الذي يلتقي مع الهدف الاعلامي للعباسيين ان لم يكن لدينا غيرها.

ان كتابا وباحثين معاصرين أمثال الشيخ محمود شاكر(2) والدكتور احمد شلبي(3)

__________________

(1) الطبري ، تاريخ الطبري ج 4 ص 351.

(2) كاتب مصري الف موسوعة في التاريخ الإسلامي في عدة محلدات.

(3) كاتب مصري ألف موسوعة التاريخ الإٍلامي في عدة مجلدات وطبعت طبعات عديدة آخر ما رايته هو الطبعة السابعة سنة 1984 م وعنها ننقل في كتابنا هذا.


والشيخ الخضري ونظرائهم قد يكونون معذورين حين يعتمدون على رواية أبي مخنف دون ان يحققوا فيها بسبب خلفيتهم العقائدية التي تسوغ لهم قبول ذلك أو الانس به ،

اما ان يعتمد الكاتب الشيعي الامامي(1) على رواية أبي مخنف دون تحقيق او دون تجزئة فليس معذورا.(2)

لقد شحن كتاب أبي مخنف باخبار تشوه الكوفيين وتجعلهم المسؤلين عن دعوة الحسين إلى الكوفة وعن خذلانه وقتله ،

وكذلك تشوه من سيرة المختار والثوار معه وتسميهم التوابين ليكفِّروا عن خذلانهم للحسين ،عليه‌السلام في الوقت الذي كان هؤلاء في السجون ، قبل مجيء الحسين إلى العراق.

الرواية عن الأئمة من ذرية الحسين عليه‌السلام : أهل الشام

هم قتلة الحسين عليه‌السلام

وتأتي روايات الأئمة من ذرية الحسينعليه‌السلام لتؤكد ان قتلة الحسينعليه‌السلام هم أهل الشام ، وان أهل الكوفة اوفياء في نصرتهم لأهل البيتعليهم‌السلام .

في الكافي (ج 4 ص 147) سئل أبو عبد الله الصادقعليه‌السلام عن صوم يوم تاسوعاء فقال :

تاسوعا يومٌ حوصِرَ فيه الحسينعليه‌السلام وأصحابه بكربلاء ، واجتمع عليه خيلُ أهلِ الشام وأناخوا عليه ، وفرح ابن مرجانة وعمر بن سعد بتوافر الخيل وكثرتها ، واستضعفوا فيه الحسينعليه‌السلام وأصحابه وأيقنوا أنه لا يأتي الحسين ناصر ولا يمده أهل العراق(3) ، بأبي المستضعف الغريب.

وفي أمالي الطوسي (667) : أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن صوم يوم

__________________

(1) قد يعترض البعض علينا باعتماد مرجع الشيعة في وقته الشيخ المفيدرحمه‌الله على رواية أبي مخنف في كتابهالإرشاد ، او في كتابهالجمل ، ولكنه اعتراض غير وارد لان الشيخ المفيد فيالجمل يصرح انه انما أورد اخبار الجمل من المصادر غير امامية لأجل الاحتجاج بها على من يؤمن بتلك المصادر.

(2) اشرنا إلى طرف من هذا الموضوع في كتابناالمدخل إلى دراسة مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي ، ص 469 ـ 480 ، نرجو ان نوفق إلى تفصيلها في دراسة مستقلة.

(3) لأنهم ما بين سجين ومختف ، فضلا عن قطع الطرق ووضع المراصد فيها.


عاشورا فقال : ذاك يومُ قُتِلَ الحسينعليه‌السلام فان كنت شامتا فصم.

ثم قال :

إن آل أمية لعنهم الله ومن أعانهم على قتل الحسين من أهل الشام نذرا إن قتل الحسينعليه‌السلام وسلِم من خرج إلى الحسين ، وصارت الخلافة في آل أبي سفيان أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا لهم يصومون فيه شكرا ، فصارت في آل أبي سفيان سنة إلى اليوم في الناس ، واقتدى بهم الناس جميعا لذلك ، فلذلك يصومونه ويدخلون على عيالاتهم وأهاليهم الفرح في ذلك اليوم.

ونصوص التاريخ تؤيد ذلك

قال الطبري : وكان معاوية حين أجمع عليه أهل العراق بعد عليعليه‌السلام يخرج من الكوفة المستغرب في أمر على وينزل داره المستغرب في أمر نفسه من أهل الشام وأهل البصرة وأهل الجزيرة وهم الذين يقال لهم النواقل في الأمصار.(1)

أقول : روى البلاذري قال : سيَّر زياد بأمر معاوية خمسا وعشرين ألف من الكوفة ومن البصرة مثلهم إلى خراسان.

ومن ذلك يتبين ان أهل الكوفة قد خلطهم معاوية بعدد لا يستهان بها من أهل الشام الموالين له. وكان هؤلاء وأهل الجزيرة وأهل البصرة هم مادة الجيش الذي خرج إلى قتال الحسين مضافا إلى الحمراء مرتزقة الجيش الفارسي الذين اعتمدهم زياد في بناء جهاز شرطته الداخلية في الكوفة.

وفي رواية الشيخ الصدوق قال (وحال بنو كلاب بين الحسين وبين الماء واقبل عدو الله سنان بن انس الايادي وشمر بن ذي الجوشن العامري لعنهما الله في رجال من أهل الشام حتى وقفوا على راس الحسينعليه‌السلام ...).(2)

قال ابن خلدون : (وأما بنو كلاب بن ربيعة فمنهم بنو لاضباب الذين منهم شمر بن ذي الجوشن بن الأعور بن معاوية قاتل الحسين بن علي وكانت بلاد بني كلاب حمى

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 2 ص 500 ـ 501.

(2) الشيخ الصدوق ، الامالي ص 266.


ضريَّة والربذة في جهات المدينة وفدك والعوالي ، ثم انتقل بنو كلاب إلى الشام فكان لهم في الجزيرة الفراتية صيتٌ وملكٌ وملكوا حلب وكثيرا من مدن الشام).(1)

طرف من كلمات أهل البيت عليهم‌السلام في الكوفيين

كان عليعليه‌السلام يخاطب الكوفيين : انتم الأنصار على الحق ، والاخوان في الدين.

وكان يقول : الكوفة كنز الإيمان وحجة الإسلام وسيف الله ورمحه يضعه حيث يشاء ، والذي نفسي بيده لينتصرَنَّ الله بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بالحجاز.(2)

وقال أيضا وهو بالكوفة : ما أشد بلايا الكوفة لا تسبوا أهل الكوفة فوالله إن فيهم لمصابيح الهدى وأوتاد ذكر والله ليدقن الله بهم جناح كفر لا ينجبر أبدا ، إن مكة ، حرم إبراهيم والمدينة حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والكوفة حرمي ما من مؤمن إلا وهو من أهل الكوفة أو هواه لينزع إليها.(3)

وروى حنان بن سدير عن أبيه قال : دخلت أنا وأبي وجدي وعمي حمَّاما بالمدينة فإذا رجل في بيت المسلخ فقال لنا من القوم؟ فقلنا من أهل العراق ، فقال وأي العراق؟ قلنا كوفيون ، فقال مرحبا بكم يأهل الكوفة أنتم الشعار دون الدثار ، فسألنا عنه فإذا هو علي بن الحسين.(4)

وعن محمد الحلبي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام انه قال : ان الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها الا أهل الكوفة.(5)

وعن عبد الله بن الوليد قال : دخلنا على أبي عبد اللهعليه‌السلام فسلمنا عليه وجلسنا بين يديه.

فسألنا : من انتم؟

__________________

(1) ابن خلدون ،تاريخ ابن خلدون ج 2 ق 1 ص 311 ـ 312.

(2) الحموي ،معجم البلدان ج 4 ص 492.

(3) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 1 ص 297.

(4) الحر العاملي ،وسائل الشيعة ، ج 1 ص 368 عن الكافي ورواه الصدوق أيضا.

(5) المجلسي ،بحار الانوار ، ج 60 ص 209.


فقلنا : من أهل الكوفة.

فقال : أما إنه ليس بلد من البلدان اكثر محبا لنا من أهل الكوفة.

إن الله هداكم لأمر جهله الناس ، أحببتمونا وأبغضنا الناس ، وصدقتمونا وكذبنا الناس ، واتبعتمونا وخالفنا الناس. فجعل الله محياكم محيانا ومماتكم مماتنا.

وقال أيضا وقد جاءه رجل قال بعت ضياعي وضربت على كل شيء لي ذهبا وفضة وقلت انزل مكة فقال لا تفعل فان أهل مكة يكفرون بالله جهرة ، فقلت ففي حرم رسول الله فقال هم شر منهم قلت فأين انزل قال عليك بالعراق الكوفة فان البركة منها على اثني عشر ميلا هكذا هكذا والى جانبها قبر ما اتاه مكروب قط ولا ملهوف قط الا فرج الله عنه.(1)

__________________

(1) المجلسي ،بحار الانوار ، ج 60 ص 209.


الباب الثالث / الفصل السادس

الروايات الطاعنة في أهل الكوفة على لسان علي والحسن عليهما‌السلام

النموذج الأول : ما نسبه الرواة إلى علي عليه‌السلام قوله :

(وددت أني أبيع عشرة منكم برجل من أهل الشام)

الرواية الأولى : قال ابن عساكر أخبرنا أبو البركات محفوظ بن الحسن بن محمد بن صرصري التغلبي بدمشق نا أبو القاسم نضر بن أحمد الهمداني نا أبو بكر الخلي بن هبة الله بن الخليل نا أبو علي الحسن بن محمد بن القاسم بن درستويه نا أحمد بن محمد بن إسماعيل أبو الدحداح نا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني نا يحيى بن بكير نا الليث قال بلغني أن عليا قال : يا أهل العراق وددت أني أبيع عشرة منكم برجل من أهل الشام يصرف الدراهم عشرة بدينار.

فقيل له نحن وأنت كما قال الأعشى :

علِّقتُها وعلِّقتْ رجلا غيري

وعُلِّق أخرى غيرَها الرجلُ

علقناك ، وعلقتَ أهلَ الشام وعلق أهل الشام معاوية(1)

الرواية الثانية : وروى ابن عساكر أيضا قال أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن خسروا البلخي أنا أبو الحسن علي بن الحسين بن أيوب أنا أبو علي بن شاذان أنا

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 1 ص 320.


أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن نيخاب الطيبي نا أبو إسحاق إبراهيم بن الحسين بن علي الكسائي (ابن ديزل) نا أبو سعيد يحيى بن سليمان الجعفي حدثني أبو داود (سليمان الطيالسي البصري ـ 203 هـ)(1) أنا أبو معاوية (ت 195 هـ) عن عمر بن حسان البرجمي(2) عن خباب بن عبد الله : أن معاوية بعث خيلا فأغارت على هيت والأنبار فاستنفر علي الناس فأبطئوا وتثاقلوا فخطبهم فقال

أيها الناس المجتمعة أبدانهم المتفرقة أهواؤهم ما عزت دعوة من دعاكم ولا استراح قلب من قاساكم.

كلامكم يوهي الصم الصلاب وفعلكم يطمع فيكم عدوكم فإذا دعوتكم إلى المسير أبطأتم وتثاقلتم وثلتم كيت وكيت أعاليل أباطيل سألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول حيدي حياد لا يمنع الضيم الذليل ولا يدرك الحق إلا بالجد والصدق فأي دار بعد داركم تمنعون ومع أي إمام بعدي تقاتلون!

المغرور والله من غررتموه ومن قاربكم فازز بالسهم الأخيب أصبحتم والله لا أصدق قولكم ولا أطمع في نصركم.

__________________

(1) قال المزي في تهذيب الكمال ج 11 ص 401 : من فارس مولى لآل الزبير بن العوام ،أقول : هو صاحب المسند المعروف ولد سنة 121 هـ وتوفي سنة 203 هـ. وكان يروج له عبد الرحمن بن مهدي بقوله فيه : اصدق الناس. وكان وكيع يقول ابو داود جبل العلم ، وذكره سبط بن العجمي ت 8411 هـ في كتابه (التبيين لأسماء المدلسين).

(2)أقول : روى الطبري في تاريخه ج 4 ص 102 قطعة من الرواية قال حدثني عبد الله بن أحمد بن شبويه المروزي قال حدثنا أبيقال حدثني سليمان عن عبد الله قال حدثني عبد الله بن أبي معاوية عن عمرو بن حسان عن شيخ من بني فزارة قال بعث معاوية النعمان بن بشير في ألفين فأتوا عين التمر فأغاروا عليها وبها عامل لعليعليه‌السلام يقال له ابن فلان الأرحبي في ثلثمائة فكتب إلى علي يستمده فأمر الناس أن ينهضوا إليه فتثاقلوا فصعد المنبر فانتهيت إليه وقد سبقني بالتشهد وهو يقول يا أهل الكوفة كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشام أظلكم انجحر كل امرئ منكم في بيته وأغلق بابه انجحار الضب في جحره والضبع في وِجارها المغرور من غررتموه ولمن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب لا أحرار عند النداء ولا إخوان ثقة عند النجاءإنا لله وإنا إليه راجعون ماذا منيت به منكم عمى لا تبصرون وبكم لا تنطقون وصم لا تستمعون إنا لله وإنا إليه راجعون. سند الطبري فيه تصحيف وسلمان في سند الطبري هو سليمان الطيالسي وعمرو بن حسان وهو عمر بن حسان المسلي التميمي البرجمي الكوفي. وعبد الله زيادة من النساخ وعبد الله بن أبي معاوية الصحيح فيه أبو معاوية.


فرق الله بيني وبينكم وأعقبني بكم من هو خير لي منكم وأعقبكم مني من هو شر لكم مني.

أما إنكم ستلقون بعدي ثلاثا ذلا شاملا وسيفا قاطعا وأثرة قبيحة يتخذها فيكم الظالمون سنة فتبكي لذلك أعينكم ويدخل الفقر بيوتكم وستذكرون عند تلك المواطن فتودون أنكم رأيتموني وهرقتم دماءكم دوني ولا يبعد الله إلا من ظلم ،

والله لوددت أني أقدر أن أصرفكم صرف الدينار بالدراهم عشرة منكم برجل من أهل الشام ،

فقام إليه رجل فقال يا أمير المؤمنين إنا وإياك كما قال الأعشى :

علقتها عرضا وعلقت رجلا

غيري وعلق أخرى غيرها الرجل

علقنا بحبك ، وعلقت أنت بأهل الشام ، وعلق أهل الشام معاوية.(1)

تعليقنا على الروايتين :

1 : في سند الرواية الأولى إبراهيم الجوزجاني وهو متهم في الكوفيين وقد اشتهرت التهمة عنه عند علماء الجرح والتعديل.

ترجمة ابراهيم الجوزجاني :

قال علاء الدين مغلطاي : إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني ، أبو إسحاق السعدي ، سكن دمشق. قال ابن حبان لما ذكره في كتاب (الثقات) كان حروري المذهب (وقال ابن حجر انه رأى نسخة فيها حريزي المذهب أي على مذهب حريز في النصب) ، وكان صلبا في السنة حافظا للحديث ، إلا أنه من صلابته ربما كان يتعدى طوره.

وقال ابن عدي : كان شديد الميل إلى مذهب أهل دمشق في الميل على عليرضي‌الله‌عنه .

وقال السلمي عن الدارقطني : كان من الحفاظ المصنفين والمخرجين الثقات ، لكن كان فيه انحراف عن علي بن أبي طالب ، اجتمع على بابه أصحاب الحديث فأخرجت

__________________

(1) ابن عساكر تاريخ مدينة دمشق ج 1 ص 321.


جارية له فروجة ليذبحها ، فلم يجد من يذبحها فقال : سبحان الله! فروجة لا يوجد من يذبحها؟! وقد ذبح علي في ضحوة نيفا وعشرين ألفا.

وقال النسائي : ثقة حافظ للحديث.

توفي بعد سنة أربع وأربعين ومائتين وقال غيره توفي سنة 256 هـ.(1)

2 : وفي سند الرواية الثانية أبو معاوية وهو محمد بن خازم صاحب الأعمش ، وهو من شيوخ الخليفة هارون يقرأ عليه الحديث ويضع له الروايات في الطعن على الرافضة.

ترجمة محمد بن خازم ابي معاوية :

قال الخطيب البغدادي : محمد بن خازم ، أبو معاوية التميمي السعدي ، من أهل الكوفة. وكان ضريرا ، يقال أنه عمي وهو ابن أربع ، وقيل : ثمان سنين ، وقدم بغداد ، وحدث بها عن : سليمان الأعمش وهشام بن عروة وغيرهم. روى عنه : أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وأبو خيثمة زهير بن حرب ، وغيرهم.

وروى المزي بسنده عن أبي داود : أبو معاوية رئيس المرجئة بالكوفة. وقال ابن حبان في الثقات : كان حافظا متقنا ، ولكنه كان مرجئا خبيثا ، ولد سنة 113 هـ وتوفي سنة 195 هـ(2) ،

وذكر الخطيب أخباره مع الرشيد قال : حججت مع جدي أبي أمي وأنا غلام ، فرآني أعرابي فقال لجدي : ما يكون هذا الغلام منك؟ قال : ابني. قال : ليس بابنك قال : ابن ابنتي. قال : ابن ابنتك وليكونن له شأن ، وليطأن برجليه هاتين بسط الملوك. قال : فلما قدم الرشيد بعث إلي ، فلما دخلت عليه ذكرت حديث الأعرابي ، فأقبلت التمس برجلي البساط. قال : يا أبا معاوية لم تلتمس؟ قلت : يا أمير المؤمنين حججت مع جدي ، وحدثته بالحديث فأعجب به. قال أبو معاوية : وحركني شيء فقلت : يا أمير المؤمنين ، أحتاج إلى موضع الخلاء ، فقال للأمين والمأمون خذا بيد عمكما فأرياه الموضع ، فأخذا بيدي فأدخلاني إلى الموضع ، فشممت منه رائحة طيبة. فقالا : يا أبا

__________________

(1) علاء الدين مغلطاي ،إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر 2001 م ، ج 1 ص 324 ـ 326.

(2) المزي ،تهذيب الكمال ج 25 ص 132.


معاوية ، هذا الموضع فشأنك. فقضيت حاجتي فحدثته أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال : «يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يقال لهم الرافضة ، من لقيهم فليقتلهم فإنهم مشركون».(1)

3 : مضافا إلى ما في السند من علل فان اساس الخبر كما نقدِّر هو ما ذكره ابن قتيبة ونسج على منواله رجال الاعلام العباسي.

قال ابن قتيبة : قدم مصعب على اخيه عبد الله بن الزبير في سنة إحدى وسبعين ومعه رؤساء أهل العراق ووجوههم واشرافهم فقال : يا أمير المؤمنين : قد جئتك برؤساء أهل العراق واشرافهم كل مطاع في قومه ، وهم الذين سارعوا إلى بيعتك وقاموا باحياء دعوتك ، ونابذوا أهل معصيتك ، وسعوا في قطع عدوك(2)

فقال له عبد الله بن الزبير اسكت : فوالله لوددت ان لي بكل عشرة من أهل العراق واحدا من أهل الشام صرف الدينار بالدراهم.

فقال أبو حاضر الأسدي : يا أمير المؤمنين ان لنا ولك مثلا أفتأذن في ذكره.

قال نعم.

قال : مَثَلُنا ومثَلُك ومَثَل أهل الشام كقول الأعشى :

عُلِّقْتُها عَرَضاً ، وعُلِّقت رجلاً غيري وعُلِّقَ أخرى غيرَها الرَّجُلُ.

__________________

(1) الخطيب البغدادي ،تاريخ بغداد ، ج 2 ص 299 ـ 301 ، وقد روى له في تاريخ بغداد أيضا يصف تفاعل الرشيد مع ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله !! قال أبو معاوية : كنت أقرأ حديث الأعمش عن أبي صالح على أمير المؤمنين هارون ، فكلما قلت : قال رسول الله ، قال :صلى‌الله‌عليه‌وسلم الله علي سيدي ومولاي وروى له ايضا عن أحمد بن زكريا ابن سفيان قال : سمعت أصحابنا يقولون : قال أبو معاوية : دخلت على هارون يعني أمير المؤمنين فقال لي : يا أبا معاوية : هممت أنه من ثبت خلافة علي فعلت به وفعلت به؟ فسكت. فقال لي : تكلم. قال : قلت : إن أذنت لي تكلمت. قال : تكلم ، فقلت : يا أمير المؤمنين قالت تيم : منا خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالت عدي : منا خليفة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وقالت بنو أمية : منا خليفة الخلفاء ، فأين حظكم يا بني هاشم من الخلافة؟ والله ما حظكم فيها إلا ابن أبي طالب. فقال : والله يا أبا معاوية لا يبلغني أن أحدا لم يثبت خلافة علي إلا فعلت به كذا وكذا ، وليس في هذا ما يعدل الصورة عن أبي معاوية إذ لا تناقض بين العقيدة بعلي رابع الخلفاء وبين وضع الحديث ضد الرافضة واباحة دمهم.

(2) ابن قتيبة ،الإمامة والسياسة ج 2 ص 20. الجاحظ : البيان والتبيين ص 159 ، ابن قتيبة عيون الاخبار ج 3 ص 17.


احبَّك اهلُ العراق واحببتَ أهل الشام ، واحبَّ أهل الشام عبدَ الملك ، فما تصنع.(1)

أقول :

يريد بأهل العراق في حديثه : هم أهل البصرة ، ورؤوس الجيش الكوفي الذين قاتلوا الحسين وهم شبث بن ربعي وحجار بن ابجر بن الأشعث ، ونظراؤهم الذين بايعوا لدحروجة الجعل واليا لعبد الله بن الزبير بعد موت يزيد ، ثم فروا من المختار إلى البصرة معهم جندهم واستعان بهم مصعب في القضاء على المختار.

4 : مضافا إلى ذلك فانه ليس من طريقة تفكير عليعليه‌السلام ان يرغب بأهل الشام وقد وصفهم بقلة المعرفة والدين ومدح أهل العراق على علمهم ودينهم.

فهو القائل في رسالة إلى معاوية : (وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة).

والقائل في أهل الشام : (جفاة طغام ، عبيد أقزام ، جمعوا من كل أوب ، وتلقطوا من كل شوب ، ممن ينبغي أن يفقه ويؤدب ، ويعلم ويدرب ، ويولي عليه ، ويؤخذ على يديه ، ليسوا من المهاجرين والأنصار ، ولا من الذين تبوؤوا الدار والايمان).(2)

اما الجزء الآخر من الرواية الثانية وهو الطعن في أهل الكوفة بما وصفهم فيه فيكفي ان راويها أبو معاوية الذي مرت ترجمته.

5 : وقد روى الخطبة الشيخ الطوسي قال : أخبرني جماعة ، عن أبي عبيد الله محمد بن عمران المرزباني ، قال : حدثنا محمد بن موسى ، قال : حدثنا محمد بن سهل ، قال :

__________________

(1) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 7 ص 75. وفيه ان عبد الله بن الزبير قد اخذ كلامه من علي ،أقول : لكن الصواب هو ما قدمناه في المتن تحت رقم (2).

(2) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 13 ص 309 ـ 310 ، قال ابن أبي الحديد : جفاة جمع جاف ، أي هم اعراب أجلاف والطغام أوغاد الناس ، ويقال للأشرار واللئام عبيد ، وان كانوا أحرارا. والأقزام ، بالزاي رذال الناس وسفلتهم ، وجمعوا من كل أوب ، أي من كل ناحية. وتلقطوا من كل شوب ، أي من فرق مختلطة. ثم وصف جهلهم وبعدهم عن العلم والدين ، فقال ممن ينبغي أن يفقه ويؤدب ، أي يعلم الفقه والأدب ويدرب ، أي يعد اعتماد الأفعال الحسنة والأخلاق الجميلة. ويولي عليه ، أي لا يستحقون أن يولوا أمرا ، بل ينبغي أن يحجر عليهم كما يحجر على الصبي والسفيه لعدم رشده وروى (ويولى عليه) بالتخفيف. ويؤخذ على يديه ، أي يمنع من التصرف.

أقول : رذال جملع رذل ورذيل وارذل : الدون من الناس. وقيل هو الرديء من كل شيء.


أخبرنا هشام ، قال : حدثني أبو مخنف ، قال : حدثني الحارث بن حصيرة ، عن أبي صادق ، عن جندب بن عبد الله الأزدي ، قال : قام علي بن أبي طالبعليه‌السلام في الناس ليستنفرهم إلى أهل الشام ، وذلك بعد انقضاء المدة التي كانت بينه وبينهم ، وقد شن معاوية على بلاد المسلمين الغارات ، فاستنفرهم بالرغبة في الجهاد والرهبة فلم ينفروا ، فأضجره ذلك فقال :

أيها الناس المجتمعة أبدانهم ، المختلفة أهواؤهم ، ما عزت دعوة من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ، كلامكم يوهن الصم الصلاب ، وتثاقلكم عن طاعتي يطمع فيكم عدوكم ، إذا أمرتكم قلتم : كيت وكيت ، وليت وعسى ، أعاليل أباطيل ، وتسألوني التأخير دفاع ذي الدين المطول ، هيهات هيهات ، لا يدفع الضيم الذليل ، ولا يدرك الحق إلا بالجد والصبر. أي دار بعد داركم تمتعون ، ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟! المغرور والله من غررتموه ، ومن فاز لكم فاز بالسهم الأخيب ، أصبحت لا أطمع في نصرتكم ، ولا أصدق قولكم ، فرق الله بيني وبينكم ، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم.

أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا ، وسيفا قاطعا ، وأثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة ، تفرق جماعتكم ، وتبكي عيونكم ، وتمنون عما قليل أنكم رأيتموني فنصرتموني ، وستعرفون ما أقول لكم عما قليل ، ولا يبعد الله إلا من ظلم. قال : فكان جندب لا يذكر هذا الحديث إلا بكى ، وقال : صدق والله أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قد شملنا الذل ، ورأينا الأثرة ، ولا يبعد الله إلا من ظلم.(1)

ولا يوجد فيها تمنية ان يصارف عشرة من اهل الكوفة بواحد من اهل الشام ولا شعر الاعشى.

ومع ذلك فان الرواية محرفة ايضا. والصحيح منها هو قولهعليه‌السلام (أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا ، وسيفا قاطعا ، وأثرة يتخذها الظالمون فيكم سنة ، تفرق جماعتكم ، وتبكي عيونكم).

__________________

(1) الشيخ الطوسي ،الأمالي ص 180 ـ 181.


6 : وقد رواها ايضا الشريف الرضي في نهج البلاغة : قال وقد تواترت عليه الأخبار ـ بالاستيلاء أصحاب معاوية على البلاد وقدم عليه عاملاه على اليمن وهما عبيد الله بن عباس وسعيد بن نمران لما غلب عليهما بسر بن أبي أرطاة فقامعليه‌السلام على المنبر ضجراً بتثاقل أصحابه عن الجهاد ومخالفتهم له في الرأي فقال مَا هِيَ إلَّا الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وأَبْسُطُهَا ـ إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلَّا أَنْتِ تَهُبُّأَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ الله ـ وتَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ :

لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي

عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا الإِنَاءِ قَلِيلِ

ثُمَّ قَالَعليه‌السلام أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ ـ وإِنِّي والله لأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقَّكُمْ ، وبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ وطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ ، وبِأَدَائِهِمُ الأَمَانَةَ إِلَى صَحِبِهِمْ وخِيَانَتِكُمْ ، وبِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وفَسَادِكُمْ ، فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ ، لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلَاقَتِه ، اللهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ ومِلُّونِي وسَئِمْتُهُمْ وسَئِمُونِي ، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وأَبْدِلْهُمُ بِي شَرّاً مِنِّي ، اللهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ ، أَمَا والله لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ ، مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ ، هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الحَمِيمِ ، ثم نزلعليه‌السلام من المنبر.

قال السيد الشريف : أقول الأرمية جمع رميّ وهو السحاب والحميم ها هنا وقت الصيف وإنما خص الشاعر سحاب الصيف بالذكر لأنه أشد جفولا وأسرع خفوفا لأنه لا ماء فيه وإنما يكون الصحاب ثقيل السير لامتلائه بالماء وذلك لا يكون في الأكثر إلا زمان الشتاء وإنما أراد الشاعر وصفهم بالسرعة إذا دعوا والإغاثة إذا استغيثوا.(1)

وهذه الخطبة موضوعة ايضا على لسانهعليه‌السلام فقد رواها المسعودي قال حدثنا المنقري ، قال : حدثنا عبد العزيز بن الخطاب الكوفي ، قال : حدثنا فضيل بن مرزوق ، قال : لما غلب بُسر بن ارطاة على اليمن ، وكان من قبله لابني عبيد الله بن عباس ـ وكان لأهل مكة والمدينة واليمن ـ ما كان ، قام علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه خطيباً فحمد الله واثنى عليه ، وصلى على نبيه محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، ثم قال : ان بسر بن ارطاة قد غلب على اليمن ، والله ما أرى هؤلاء القوم الا سيغلبون على ما في

__________________

(1)نهج البلاغة ـ خطب الإمام علي (ع) (تحقيق صالح) ص 66 ـ 67.


أيديكم ، وما ذلك بحق في أيديهم ، ولكن بطاعتهم واستقامتهم لصاحبهم ، ومعصيتكم لي ، وتناصرهم وتخاذلكم ، واصلاح بلادهم وافساد بلادكم ، وتا لله يا أهل الكوفة لوددت اني صرفتكم صرف الدنيانير العشرة بواحد ، ثم رفع يديه فقال : اللهم اني قد مللتهم وملوني ، وسئمتهم وسئموني ، فابدلني بهم خيراً منهم ، وابدلهم بي شراً مني ، اللهم عجل عليهم بالغلام الثقفي الذيال الميال ، يأكل خضرتها ، ويلبس فروتها ، ويحكم فيها بحكم الجاهلية : لا يقبل من محسنها ، ولا يتجاوز عن مسيئها.(1)

وآفة الرواية هو فضيل بن مرزوق :

قال ابن حجر : فضيل بن مرزوق الأغر بالعجمة والراء الرقاشي الكوفي أبو عبد الرحمن صدوق يهم ورمي بالتشيع من السابعة مات في حدود سنة ستين.(2)

وقال الذهبي : فضيل بن مرزوق الكوفي. وثقه سفيان بن عيينة ، وقال النسائي ، ضعيف ، وكذا ضعفه عثمان بن سعيد ، قلت : وكان معروفا بالتشيع من غير سب.(3)

قال المزي : وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال : كان ممن يخطئ. وذكره في (المجروحين) أيضا وقال : منكر الحديث جدا ، كان ممن يخطئ على الثقات ، ويروي عن عطية الموضوعات ، وعن الثقات الأشياء المستقيمة فاشتبه أمره ، والذي عنده أن كل ما روى عن عطية المناكير يلزق ذلك كله بعطية ويبرأ فضيل منها ، وفيما وافق الثقات من الروايات عن الاثبات يكون محتجا به.(4)

أقول : لنا تعليقتان على ما ذكروه في ترجمته :

الاولى : حول ما ذكره ابن حبان (ان ما رواه فضيل عن عطية من مناكير تلزق بعطية) ،أقول ان هذه المناكير من قبيل :

ما رواه ابن عساكر قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين أنا أبو الحسين بن المهتدي أنا علي بن عمر بن محمد الحربي نا أبو حبيب العباس بن محمد بن أحمد بن

__________________

(1) المسعودي ،مروج الذهب ج 3 ص 142.

(2) ابن حجر ،تقريب التهذيب ، ج 2 ص 15.

(3) الذهبي ،ميزان الاعتدال ج 3 ص 362.

(4) المزي ،تهذيب الكمال ، ج 23 هامش ص 309.


محمد البري نا ابنت بنت السدي يعني إسماعيل بن موسى أنا عمرو بن سعيد البصري عن فضيل بن مرزوق عن أبي سخيلة عن سلمان وأبي ذر قالا أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بيد علي فقال إلا إن هذا أول من امن بي وهذا أول من يصافحني يوم القيامة وهذا الصديق الأكبر وهذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل وهذا يعسوب المؤمنين والمال يعسوب الظالمين.(1)

وما رواه عن أبي القاسم بن السمرقندي قال : أنا أبو الحسين عاصم بن الحسن أنا أبو عمر بن مهدي أنا أبو العباس بن عقدة نا محمد بن أحمد بن الحسن القطواني نا مخلد بن شداد نا محمد بن عبيد الله عن أبي سخيلة قال حججت أنا وسلمان فنزلنا بأبي ذر فكنا عنده ما شاء الله فلما حان منا حفوف قلت يا أبا ذر إني أرى أمورا قد حدثت واني خائف أن يكون في الناس اختلاف فإن كان ذلك فما تأمرني قال الزم كتاب الله عز وجل وعلي بن أبي طالب فأشهد أني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول علي أول من امن بي وأول من يصافحني يوم القيامة وهو الصديق الأكبر وهو الفاروق يفرق بين الحق والباطل.(2)

وما رواه عن عبد الله بن الحسن الخلال أنا أبو محمد الحسن بن الحسين نا علي بن عبد الله بن مبشر نا محمد بن حرب نا علي بن يزيد الصدائي عن فضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال انقطع شسع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فتخلف عليه علي يخصفها لشسع فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إن منكم من يقاتل على تأويل القران كما قاتلت على تنزيله فاستشرف الناس أبا بكر وعمر فقال ليس بهما ولكن خاصف النعل فذهبنا إلى علي فبشرناه بما قال فلم يرفع بقولنا رأسا كأنه شئ قد سمعه.(3)

الثانية : حول توثيقه ، فان الاصل فيهي هو سفيان بن عيينة سيد الناس برأي الخليفة هارون العباسي وهو امام مكة على عهده وعهد ابيه المهدي ، وابن عيينة لا

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 41.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 41.

(3) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 455.


يوثق احدا من الشيعة الا ان يكون على نهجه في معاداتهم ، وقد كان فضيل من الشيعة بالمعنى العام للتشيع بمعنى انه يفضل عليا على غيره من دون سب ، ثم اخذ يروى ضد شيعة الامام الصادق ما يوافق هوى العباسيين وقد روى ابن عساكر نماذج منها :

قال ابن عساكر : أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي نا أبو محمد الحسن بن علي إملاء أنا علي بن عمر بن أحمد الحافظ نا أحمد بن محمد بن إسماعيل الأدمي نا الفضل بن سهل نا أبو أحمد الزبيري نا فضيل بن مرزوق قال سمعت حسن يقول لرجل من الرافضة والله لئن أمكن الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولا تقبل لكم توبة.

وقال : أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن أنا الحسن بن علي أنا أبو الفضل عبيد الله بن عبدالرحمن بن محمد الزهري نا عبد الله بنإسحاق المدائني نا الحسن نا يزيد بن هارون عن فضيل قال سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة إن قتلك لقربة إلى الله عز وجل فقال له الرجل إنك تمزح فقال والله ما هذا بمزاح ولكنه مني الجد.

وقال : أخبرنا أبو الحسن بن الفراء وأبو غالب وأبو عبد الله ابنا البنا قالوا أنا أبو جعفر بن المسلمة أنا أبو طاهر المخلص نا أحمد بن سليمان نا الزبير قال وحدثني عمي مصعب بن عبد الله ، قال كان الفضيل بن مرزوق يقول سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل يغلو فيهم ويحكم أحبونا الله فإن أطعنا الله فأحبونا فإن عصينا فابغضوا فلو كان الله نافعا أحدا بقرابته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم بغير طاعة الله لنفع بذلك أباه وأمه قولوا فينا الحق فإنه أبلغ فيما تريدون ونحن نرضى به منكم.(1)

وقال : أخبرنا أبو عبد الله الفراوي أنا أبو بكر البيهقي أنا يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى أنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب نا محمد بن عبد الوهاب نا جعفر بن عون أنا فضيل بن مرزوق قال سمعت الحسن بن الحسن وسأله رجل ألم يقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من كنت مولاه فعلي مولاه ، قال لي بلى والله لو يعني بذلك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم الإمارة والسلطان لأفصح لهم بذلك فإن رسول الله (صلى الله

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 67 ـ 71.


عليه وسلم) كان أنصح للمسلمين لقال يا أيها الناس هذا ولي أمركم والقائم عليكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا والله لئن كان الله ورسوله اختار عليا لهذا الأمر وجعله القائم للمسلمين من بعده ثم ترك علي أمر الله ورسوله لكان علي أول من ترك أمر الله وأمر رسوله قال البيهقي ورواه شبابة بن سوار عن الفضيل بن مرزوق قال سمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن وهو يقول لرجل ممن يتولاهم فذكر قصة ثم قال ولو كان الأمر كما يقولون إن الله ورسوله اختار عليا لهذا الأمر وللقيام على الناس بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إن كان علي لأعظم الناس خطيئة وجرما في ذلك إذ ترك أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يعني فلم يمض لما أمره أو يعذر فيه إلى الناس قال فقال له الرافضي ألم يقل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من كنت مولاه فعلي مولاه فقال أما والله إن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم لو كان يعني ب ذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس بعده لأفصح لهم بذلك كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت ولقال لهم إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا فما كان من وراء هذا شئ فإن أفصح الناس كان للمسلمين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم .(1)

ومما وضعه في فضائل الخلفاء :

قال ابن عساكر ، أخبرنا أبو الفضل الفضيلي نا أبو القاسم الخليلي أنا أبو القاسم الخزاعي أنا الهيثم بن كليب الشاشي نا الحسن بن علي بن عفان العامري نا زيد بن الحباب نا فضيل بن مرزوق الأغر الرقاشي أنا أبو إسحاق عن زيد بن يثيع عن علي قال قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إن تولوا أبا بكر تجدوه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة وإنتولوا عمر تجدوه قويا أمينا لا يأخذه في الله لومة لائم وإن تولوا عليا تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الطريق.(2)

قال ابن عساكر اخبرنا زكريا يحيى بن إسماعيل بن يحيى بن زكريا نا عبد الله بن محمد بن الحسن نا عبد الله ابن هاشم بن حيان العبدي نا وكيع نا فضيل بن مرزوق

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 13 ـ ص 70.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 42 ـ ص 421.


عن رجل من الأنصار عن أنس ابن مالك قال قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم دعوا لي أصحابي وأصهاري.(1)

اما بنو فراس بن غَنْم :

فقد قال ابن أبي الحديد في شرح الفقرة : (وبنو فراس بن غنم بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وهم بنو فراس بن غنم بن ثعلبة بن مالك بن كنانة(2) حي مشهور بالشجاعة منهم علقمة بن فراس وهو جذل الطعان ، ومنهم ربيعة بن مكدم بن حدثنا بن جذيمة بن علقمة بنفراس الشجاع المشهور حامي الظعن حيا وميتا ولم يحم الحريم وهو ميت أحد غيره. عرض له فرسان من بني سليم ومعه ظعائن من أهله يحميهم وحده فطاعنهم فرماه نبيشة بن حبيب بسهم أصاب قلبه فنصب رمحه في الأرض واعتمد عليه وهو ثابت في سرجه لم يزل ولم يمل وأشار إلى الظعائن بالرواح ، فسرن حتى بلغن بيوت الحي وبنو سليم قيام إزاءه لا يقدمون عليه ويظنونه حيا حتى قال قائل منهم : إني لا أراه إلا ميتا ولو كان حيا لتحرك ، إنه والله لماثل راتب على هيئة واحدة لا يرفع يده ولا يحرك رأسه ، فلم يقدمأحد منهم على الدنو منه حتى رموا فرسه بسهم فشب من تحته [أي رفع يديه] فوقع وهو ميت وفاتتهم الظعائن.(3)

قال ابن ابي الحديد : قال القطب الراوندي : بنو فراس بن غنم هم الروم ، وليس بجيد والصحيح ما ذكرناه.(4)

ونظير هذا الطعن نجده في خطب أخرى كما في الخطبة الآتية.

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 104.

(2) قال عمر كحالة فيمعجم قبائل العرب ج 3 ص 911 : فراس بن غنم : بطن من كنانة ، من العدنانية ، وهم : بنو فراس ابن غنم بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. من ديارهم : برزة ، أقاموا بمصر. وأوقعت بنو فراس ببني سليم ببزرة. وكانوا على غاية من الشجاعة والفروسية.

(3) ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 1 ص 342.

(4) ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 1 ص 348.


النموذج الثاني : خطبة يرويها الشيخي المفيد تنسب

إلى علي عليه‌السلام فيها طعن على أهل الكوفة

روى الشيخ المفيد خطبة لأمير المؤمنين عليعليه‌السلام حذف السند وهي :

أيها الناس ، إني استنفرتكم لجهاد هؤلاء القوم فلم تنفروا ، وأسمعتكم فلم تجيبوا ، ونصحت لكم فلم تقبلوا ، شهود كالغُيَّب ، أتلو عليكم الحكمة فتعرضون عنها ، وأعظكم بالموعظة البالغة فتتفرقون عنها ، كأنكم حمر مستنفرة فرت من قسورة ، وأحثكم على جهاد أهل الجور فما أتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبأ ، ترجعون إلى مجالسكم تتربعون حلقا ، تضربون الأمثال ، وتناشدون الأشعار ، وتجسسون الأخبار ، حتى إذا تفرقتم تسألون عن الأسعار ، جهلة من غير علم ، وغفلة من غير ورع ، وتتبعا في غير خوف ، نسيتم الحرب والاستعداد لها ، فأصبحت قلوبكم فارغة من ذكرها ، شغلتموها بالأعاليل والأباطيل.

العجب كل العجب وما لي لا أعجب من اجتماع قوم على باطلهم ، وتخاذلكم عن حقكم!

يا أهل الكوفة ، أنتم كأم مجالد ، حملت فأملصت ، فمات قيمها ، وطال تأيمها ، وورثها أبعدها.

والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إن من ورائكم للأعور الأدبر جهنم الدنيا لا يبقي ولا يذر ، ومن بعده النهاس الفراس الجموع المنوع ، ثم ليتوارثنكم من بني أمية عدة ، ما الآخر بأرأف بكم من الأول ، ما خلا رجلا واحدا ، (بلاء قضاه الله) على هذه الأمة لا محالة كائن ، يقتلون خياركم ، ويستعبدون أراذلكم ، ويستخرجون كنوزكم وذخائركم من جوف حجالكم ، نقمة بما ضيعتم من أموركم وصلاح أنفسكم ودينكم.

يا أهل الكوفة ، أخبركم بما يكون قبل أن يكون ، لتكونوا منه على حذر ، ولتنذروا به من اتعظ واعتبر.

كأني بكم تقولون : إن عليا يكذب ، كما قالت قريش لنبيها ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ وسيدها نبي الرحمة محمد بن عبد الله حبيب الله ، فيا ويلكم ، أفعلى من أكذب؟!


أعلى الله ، فأنا أول من عبده ووحده ، أم على رسوله ، فأنا أول من آمن به وصدقهونصره! كلا ، ولكنها لهجة خدعة كنتم عنها أغبياء. والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لتعلمن نبأه بعد حين ، وذلك إذا صيركم إليها جهلكم ، ولا ينفعكم عندها علمكم.

فقبحا لكم يا أشباه الرجال ولا رجال ، حلوم الأطفال وعقول ربات الحجال(1) ، أم والله أيها الشاهدة أبدانهم ، الغائبة عنهم عقولهم ، المختلفة أهواؤهم ، ما أعز الله نصر من دعاكم ، ولا استراح قلب من قاساكم ، ولا قرت عين من آواكم ، كلامكم يوهي الصم ، الصلاب ، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم المرتاب. يا ويحكم ، أي دار بعد داركم تمنعون! ومع أي إمام بعدي تقاتلون!

المغرور ـ والله ـ من غررتموه ـ من فاز بكم بالسهم الأخيب ، أصبحت لا أطمع في نصركم ، ولا أصدق قولكم ، فرق الله بيني وبينكم ، وأعقبني بكم من هو خير لي منكم ، وأعقبكم من هو شر لكم مني. إمامكم يطيع الله وأنتم تعصونه ، وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه ،

والله لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم ، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحدا منهم.

والله لوددت أني لم أعرفكم ولم تعرفوني ، فإنها معرفة جرت ندما.

لقد وريتم صدري غيظا ، وأفسدتم علي أمري بالخذلان والعصيان ، حتى لقد قالت قريش : إن عليا رجل شجاع لكن لا علم له بالحروب ، لله درهم ، هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا مني! وأشهد لها مقاساة! لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين ، ثم ها أنا ذا قد ذرفت على الستين ، لكن لا أمر لمن لا يطاع.

أم والله ، لوددت أن ربي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه ، وإن المنية لترصدني فما يمنع أشقاها أن يخضبها ـ وترك يده على رأسه ولحيته ـ عهد عهده إلي النبي الأمي وقد خاب من افترى ، ونجا من اتقى وصدق بالحسنى.

يا أهل الكوفة ، دعوتكم إلى جهاد هؤلاء ليلا ونهارا وسرا وإعلانا ، وقلت لكم اغزوهم ، فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ، فتواكلتم وتخاذلتم ، وثقل

__________________

(1) الحجال : جمع حجلة ، وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور ، يهيا للعروس.


عليكم قولي ، واستصعب عليكم أمري ، واتخذتموه وراءكم ظهريا ، حتى شنت عليكم الغارات ، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات تمسيكم وتصبحكم ، كما فعل بأهل المثلات من قبلكم ، حيث أخبر الله تعالى عن الجبابرة والعتاة الطغاة ، والمستضعفين الغواة ، في قوله تعالى (يذبحون أبناءكم ، ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) " أم والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، لقد حل بكم الذي توعدون ، عاتبتكم ـ يا أهل الكوفة ـ بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم ، وأدبتكم بالدرة فلم تستقيموا ، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا(1) ، ولقد علمت أن الذي يصلحكم هو السيف ، وما كنت متحريا صلاحكم بفساد نفسي ، ولكن سيسلط عليكم من بعدي سلطان صعب ، لا يوقر كبيركم ، ولا يرحم صغيركم ، ولا يكرم عالمكم ، ولا يقسم الفيء بالسوية بينكم ، وليضربنكم ويذلنكم ويجمرنكم(2) في المغازي ويقطعن سبيلكم ، وليحجبنكم على بابه ، حتى يأكل قويكم ضعيفكم ، ثم لا يبعد الله إلا من ظلم منكم ، ولقلما أدبر شيء ثم أقبل ، وإني لأظنكم في فترة ، وما في إلا النصح لكم.

يا أهل الكوفة ، منيت منكم بثلاث واثنتين صم ذووا أسماع ، ولكم ذوو ألسن ، وعمي ذوو أبصار ، لا إخوان صدق عند اللقاء ، ولا إخوان ثقة عند البلاء.

اللهم إني قد مللتهم وملوني ، وسئمتهم وسئموني. اللهم لا ترض عنهم أميرا ولا ترضهم عن أمير ، وأمث قلوبهم كما يماث الملح في الماء.

أم والله ، لو أجد بدا من كلامكم ومراسلتكم ما فعلت ، ولقد عاتبتكم في رشدكم حتى لقد سئمت الحياة ، كل ذلك تراجعون بالهزء من القول فرارا من الحق ، وإلحادا(3) إلى الباطل الذي لا يعز الله بأهله الدين ، وإني لأعلم أنكم لا تزيدونني غير تخسير ، كلما أمرتكم بجهاد عدوكم اثاقلتم إلى الأرض ، وسألتموني التأخير دفاع ذي الدين المطول. إن قلت لكم في القيظ : سيروا ، قلتم : الحر شديد ، وإن قلت لكم في البرد : سيروا ، قلتم : القر شديد ، كل ذلك فرارا عن الجنة. إذا كنتم عن الحر والبرد

__________________

(1) الإرعواء : وهو الندم على الشيء والانصراف عنه والترك له.

(2) التجمير : ترك العسكر في وجه العدو.

(3) الحادا أي ميلا.


تعجزون ، فأنتم عن حرارة السيف أعجز ، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

يا أهل الكوفة ، قد أتاني الصريخ يخبرني أن أخا غامد(1) قد نزل الأنبار على أهلها ليلا في أربعة آلاف ، فأغار عليهم كما يغار على الروم والخزر ، فقتل بها عاملي ابن حسان وقتل معه رجالا صالحين ذوي فضل وعبادة ونجدة ، بوأ الله لهم جنات النعيم ، وإنه أباحها ، ولقد بلغني أن العصبة من أهل الشام كانوا يدخلون على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة ، فيه تكون سترها ، ويأخذون القناع من رأسها ، والخرص(2) من أذنها ، والأوضاح(3) من يديها ورجليها وعضديها ، والخلخال والمئزر من سوقها ، فما تمتنع إلا بالاسترجاع والنداء : يا للمسلمين ، فلا يغيثها مغيث ، ولا ينصرها ناصر. فلو أن مؤمنا مات من دون هذا أسفا ما كان عندي ملوما ، بل كان عندي بارا محسنا.

واعجبا كل العجب ، من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم وفشلكم عن حقكم! قد صرتم غرضا يرمى ولا ترمون ، وتغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون ، تربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها ، كلما اجتمعت من جانب تفرقت من جانب "(4) .

أقول : والتأمل في فقرات هذه الخطبة يكشف عن تجميعها من روايات مختلفة ، وقد ورد كثير من فقراتها مسندا في مصادر أخرى وفي اسانيدها رجال غير مؤتمنين على أهل الكوفة كما بينا.

أورد قسما منها الشريف الرضي في المختار من خطب الإمام علي ولم يكن همهرحمه‌الله حين اختار من الخطب والرسائل التحقيق ، ومن المؤسف انه لم يورد مصادر ولا أسانيد مختاراته ، ولكن الباحث لا يعسر عليه ان يجد اسانيدها في هذا المصدر أو ذاك(5) ، ومن خلال مقارنتها بعضها مع بعض يستطيع الباحث ان يحكم على الاصيل

__________________

(1) أخا غامد ، هو سفيان بن عرف بن المغفل الغامدي ، أمره معاوية على جيش لغارة على أهل الأنبار والمدائن في أيام عليعليه‌السلام ، وقتل حسان بن حسان عامل عليعليه‌السلام على الأنبار.

(2) الخرص : الحلقة من الذهب والفضة.

(3) الاوضاح : حلي من الفضة.

(4) الشيخ المفيد ،الإرشاد ج 1 ص 278 ـ 284.

(5) وقد انبرى في عصرنا اكثر من باحث لتتبع اسانيد هذه الخطب منهم الباحث عبد الله نعمة ،مصادر


من الدخيل من كلامهعليه‌السلام وبخاصة عندما يستريبه فقرة أو اكثر من الخطبة لمخالفتها المعروف والثابت من سيرتهعليه‌السلام .

وفيما يلي بعض روايات مسندة أخرى تضمنت الفقرات الآنفة الذكر :

منها ما رواه البلاذري عن حدثني يحيى بن معين ، حدثنا سليمان أبو داود الطيالسي أنبأنا شعبة ابن الحجاج ، أنبأنا محمد بن عبيد الله الثقفي ، قال : سمعت أبا صالح يقول : شهدت عليا ووضع المصحف على رأسه حتى سمعت تقعقع الورق! فقال : اللهم إني سألتهم ما فيه فمنعوني ذلك! اللهم إني قد مللتهم وملوني ، وأبغضتهم وأبغضوني وحملوني على غير خلقي وعلى أخلاق لم تكن تعرف لي! فأبدلني بهم خيرا لي منهم ، وأبدلهم بي شرا مني ، ومث قلوبهم ميث الملح في الماء.

وفي سند الرواية أبو داود الطيالسي البصري وشيخه شعبة وكلاهما بصريان متهمان في أهل الكوفة.

مضافا إلى انها تخالف المعروف عن أهل الكوفة ، فانهم لم يبغضوا عليا ، كيف وقد شهد معاوية بحبهم له ووفائهم له بقوله : هيهات يا أهل العراق والله لوفاؤكم له اعجب إلي من حبكم له في حياته ، فضلا عن دفعهم الثمن غاليا واثروا قطع الايدي والقتل والسجن على البراءة منه.

ومنها أيضا رواية أبي الفرج في كتابه الاغاني قال فحدثني العباس بن علي بن العباس النسائي ، قال : حدثنا محمد بن حسان الأزرق ، قال : حدثنا شبابة بن سوار(1) ، قال : حدثنا قيس بن الربيع ، عن عمرو بن قيس ، عن أبي صادق قال :

__________________

نهج البلاغة وأسانيده ، طبعة دار الهدى بيروت سنة 1392 هـ 1972 م والمرحوم السيد عبد الزهراء الخطيب في أربعة أجزاء طبعة الأعلمي بيروت ، سنة 1395 هـ ..

(1) شبابة بن سوار المدائني : قال الفضل با شاذان ت 260 هـ في كتابهالايضاح ص 450 : هو من أعدى الناس لعليعليه‌السلام . وفيتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ج 9 ص 294 ـ 299 قال : اصله من خراسان نزل في المدائن وحدث بها وببغداد ، قال ابن حجر فيتهذيب التهذيب ج 4 ص 264 ـ 266 : قيل اسمه مروان حكاه ابن عدي اخرج له الستة. روى عن حريز بن عثمان الرحبي وشعبة وشيبان ويونس بن أبي إسحاق وابن أبي ذئب والليث وغيرهم وقال البخاري يقال مات سنة (204) أو (205) وقال أبو موسى وغيره مات سنة (206) وقال العجلي فيمعرفة الثقاة ج 1 ص 41 : مولده في حدود عام 130 هـ ومات بمكة في 206 هـ قال ابن حجر : وقال أبو بكر بن أحمد بن أبي


أغارت خيل لمعاوية على الأنبار ، فقتلوا عاملا لعليعليه‌السلام يقال له حسن بن حسان ، وقتلوا رجالا كثيرا ونساءا ، فبلغ ذلك علي بن أبي طالب صلوات الله عليه ، فخرج حتى أتى المنبر ، فرقيه فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال :

إن الجهاد باب من أبواب الجنة ، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذلة ، وشمله البلاء وديث بالصغار ، وسيم الخسف! وقد قلت لكم اغزوهم قبل أن يغزو بكم ، فإنه لم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا! فتواكلتم وتخاذلتم وتركتم قولي وراءكم ظهريا حتى شنت عليكم الغارات ، هذا أخو غامد قد جاء الأنبار فقتل عاملي عليها حسان بن حسان ، وقتل رجالا كثيرا ونساء ، والله لقد بلغني أنه كان يأتي المرأة المسلمة ، والأخرى المعاهدة فينزع حجلها ورعائها ثم ينصرفون موفورين لم يكلم أحد منهم كلما فلو أن امرأ مسلما مات من دون هذا أسفا لم يكن عليه ملوما ، بل كان به جديرا! يا عجبا ـ عجبا يميت القلب ويشعل الأحزان؟! ـ من اجتماع هؤلاء القوم على ضلالتهم وباطلهم وفشلكم عن حقكم! حتى صرتم غرضا ، ترمون ولا ترمون وتغزون ولا تغزون ، ويعصى الله وترضون! إذا قلت لكم اغزوهم في الحر قلتم : هذه حمارة القيظ فأمهلنا وإذا قلت لكم اغزوهم في البرد قلتم : هذا أوان قر وصر فأمهلنا فإذا كنتم من الحر والبرد تفرون فأنتم والله من السيف أشد فرارا! يا أشباه الرجال ـ ولا رجال ـ ويا طغام الأحلام وعقول ربات الحجال.

وددت والله أني لم أعرفكم ، بل وددت أني لم أركم! معرفة والله جرعت بلاء وندما؟! وملأتم جوفي غيظا بالعصيان والخذلان ، حتى لقد قالت قريش : إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب! ويحهم! هل فيهم [أحد]) أشد مراسا لها

__________________

الثلج حدثني أبو علي بن سختي المدائني رجل معروف من أهل المدائن قال رأيت في المنام رجلا نظيف الثوب حسن الهيئة فقال لي من أين أنت قلت من أهل المدائن قال من أهل الجانب الذي فيه شبابة قلت نعم قال فاني ادعو الله فأمن على دعائهم اللهم إن كان شبابة يبغض أهل نبيك فاضربه الساعة بفالج قال فانتبهت وجئت إلى المدائن وقت الظهر وإذا الناس في هرج فقلت ما للناس فقالوا فلج شبابة في السحر ومات الساعة.


مني ، والله لقد دخلت فيها وأنا ابن عشرين ، وأنا الآن قد نيفت على الستين ، ولكن لا رأي لمن لا يطاع.

فقام إليه رجل فقال : يا أمير المؤمنين أنا كما قال الله تعالى (لا أملك إلا لنفسي وأخي) [25 / المائدة] فمرنا بأمرك فوالله لنعطينك ولو حال بيننا وبينك جمر الغضى وشوك القتاد ، قال : وأين تبلغان مما أريد؟ ـ [قال لهما] : هذا أو نحوه ـ ثم نزل [عليه‌السلام ].

قال العلامة المحقق المحمودي بعد ان أورد الخطبة بالسند السابق يذكر المصادر :

ذكرها ابو الفرج تحت عنوان : (أخبار أم حكيم ومقتل ابني عبيد الله بن العباس) من كتاب الأغاني : ج 15 ، ص 266 ط تراثنا.

وذكرها أيضا السيد الرضيرحمه‌الله في المختار : (27) من خطب النهج ،

وذكرها قبله المبرد ، في كتاب الكامل : ج 1 ، ص 19.

وذكرها جماعة آخرون كقالضي النعمان في دعائم الإسلام : ج 1 ، ص 390 وغيره.

وذكره البلاذري أيضا في الحديث : (490) من ترجمة أمير المؤمنين من أنساب الأشراف : ج 1 ص 418. وفي الطبعة الأولى : ج 2 ص 442.

ورواه ابن عبد ربه أيضا في العقد الفريد : ج 2 ص 353 وفي ط : ج 4 ص 136.

وذكره الدينوري أيضا قبيل مقتلهعليه‌السلام من كتاب الأخبار الطوال ص 211.(1)

ولها مصادر أخر ...

والقاري الكريم يلاحظ في السند شبابة وقد أوردنا ترجمته في هذا الكتاب انظر هامش الصفحة رقم 429 ، وهو معروف بعدائه لأهل البيت فضلا عن شيعتهم.

أقول :

نحن لا ننفي ان تكون هناك كلمات عتب وتوبيخ لقسم من الكوفيين وبخاصة

__________________

(1) الشيخ المحمودي ،نهج السعادة ج 2 ص 560 ـ 566.


في الفترة ما قبل معركة النهروان حيث استطاع الخوارج ان يوجدوا نوعا من الشلل العام في المجتمع ولم تكن سياسة عليعليه‌السلام استعمال القوة في قمع المناقشات التي كان يصيرها الخوارج ضده املا منه ان يثوب إلى رشده من يثوب منهم ، وهذه الأحاديث والتوبيخات تخلوا من الطعن الذي اشتملت عليه الخطب السابقة ونموذجه ما أورده صاحب كتاب الغارات بسنده : ورواه المحمودي في كتابه نهج السعادة(1) : عن إبراهيم بن محمد الثقفيرحمه‌الله عن إسماعيل بن أبان الأزدي ، عن عمرو بن شمر ، عن جابر ، عن رفيع بن فرقد البجلي قال : سمعت علياعليه‌السلام يقول :

ألا ترون يا معاشر أهل الكوفة؟ والله لقد ضربتكم بالدرة التي أعظ بها السفهاء فما أراكم تنتهون ، ولقد ضربتكم بالسياط التي أقيم بها الحدود فما أراكم ترعوون فما بقي إلا [أن أضربكم] بسيفي وإني لأعلم الذي يقومكم بإذن الله ، ولكني لا أحب أن آتي ذلك منكم.

والعجب منكم ومن أهل الشام؟ إن أميرهم يعصي الله وهم يطيعونه ، وإن أميركم يطيع الله وأنتم تعصونه!

إن قلت لكم : انفروا إلى عدوكم [في أيام الصيف قلتم : هذه حمارة القيظ أمهلنا يسلخ عنا الحر ، وإذا قلت لكم : انفروا إليهم في الشتاء] قلتم : القر يمنعنا. أفترون [أن] عدوكم لا يجدون [الحر] والقر كما تجدونه؟! ولكنكم أشبهتم قوما قال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : انفروا في سبيل الله. فقال [لهم] كبراؤهم : لا تنفروا في الحر. فقال الله لنبيه : (قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون) [81 / التوبة].

والله لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني ، ولو صببت الدنيا بحذافيرها على الكافر ما أحبني! وذلك إنه قضى ما قضى على لسان النبي الأمي : أنه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك كافر(2) وقد خاب من حمل ظلما وافترى.

يا معاشر أهل الكوفة والله لتصبرن على قتال عدوكم أو ليسلطن الله عليكم قوما أنتم أولى بالحق منهم فليعذبنكم ، أفمن قتلة بالسيف تحيدون إلى موتة على الفراش؟

__________________

(1) ج 2 ص 587 ـ 591.

(2) الرواية المشهورة في كتب الحديث تذكر لفظة (منافق) وهي الصحيحة.


فأشهد أني سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [يقول : والله] لموتة على الفراش أشد من ضربة ألف سيف! ، أخبرني به جبرئيل. فهذا جبرئيل يخبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما تسمعون(1) .

أقول :

والقارئ الكريم يجد الخطبة خالية من كلمات الطعن الآنفة الذكر ، ونسق التوبيخ ينسجم مع حالة الشلل اوجدها الخوارج في المجتمع وقد تربوا على منهج الخلفاء ولم ينفتحوا على منهج عليعليه‌السلام على الرغم من معرفتهم ان منهجه هو منهج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وان منهج الخلفاء هو منهج انفسهم مخالفين فيه سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والدولة التي منحتهم حرية التعبير عن آرائهم.(2)

النموذج الثالث : ما رواه ابن عساكر في

تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 169

قال وأنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الصنعاني بمكة أنبأنا إسحاق بن إبراهيم نبأنا عبد الرزاق أخبرنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار عن الحسن قال : قال علي لأهل الكوفة اللهم كما ائتمنتهم فخانوني ونصحت لهم فغشوني فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال يأكل خضرتها ويلبس فروتها ويحكم فيها بحكم الجاهلية ، قال يقول الحسن وما خلق الله الحجاج يومئذ انتهى

أقول :

والرواية التي يرويها القاضي النعمان الذي اشار اليه المحموديرحمه‌الله تشير إلى ان هذه الكلمات في أهل البصرة وليس أهل الكوفة كما في الخبر الآتي :

روى القاضي النعمان عن رجل من أهل البصرة قال : قال عليعليه‌السلام ـ على المنبر ـ : يا أهل البصرة ، إن كنت قد أديت لكم الأمانة ونصحت لكم بالغيب ،

__________________

(1) المحمودي ، نهج السعادة ، ج 2 ص 560 ـ 566.

(2) من المفيد للقارئ الكريم قراءة جواب العلامة السيد جعفر مرتضى العاملي في كتابه مختصر مفيد ج 8 ص 106 ـ 128 في سائل سأله عن كلمات امير المؤمنينعليه‌السلام الموبخة لأصحابه.


واتهمتموني ، وكذبتموني ، فسلط الله عليكم فتى ثقيف.

فقام رجل ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، وما فتى ثقيف؟ قال : رجل لا يدع الله حرمة إلا انتهكها ، به داء يعتري الملوك ، لو لم تكن إلا النار لدخلها.(1)

وفي رواية أخرى عن الدغشي ، باسناده عن الأصبغ بن نباتة ، قال : لما انهزم أهل البصرة قام فتى إلى علي صلوات الله عليه ، فقال : ما بال ما في الأخبية لا تقسم؟ فقال عليعليه‌السلام : لا حاجة لي في فتوى المتعلمين. قال : ثم قام إليه فتى آخر. فقال مثل ذلك. فرد عليه مثل ما ردَّ أولا». فقال له الفتى : أما والله ما عدلت. فقال له عليعليه‌السلام : إن كنت كاذبا» فبلغ الله بك سلطان فتى ثقيف.

ثم قال عليعليه‌السلام : اللهم إني قد مللتهم وملوني ، فأبدلني بهم ما هو خير منهم ، وأبدلهم بي ما هو شر لهم. قال الأصبغ بن نباتة : فبلغ ذلك الفتى سلطان الحجاج ، فقتله.(2)

أقول :

وليس من شك ان الفقرة ما قبل الأخيرة ان صدق الراوي في ايرادها ، فهي دعوة على كثير من أهل البصرة حين نكثوا بيعته واستجابوا لقريش الناكثة وقاتلوا عليا. ولا تصدق على أهل الكوفة لانه نصروه وقاتلوا معه أهل البصرة ولولا نصرتهم له لكانت الأمور تتجه اتجاها آخر.

وقد ذكرهم علي أيضا بقوله :

(كنتم جند المرأة ، وأتباع البهيمة ، رغا فأجبتم ، وعقر فهربتم ، أخلاقكم دقاق ، وعهدكم شقاق ، ودينكم نفاق ، وماؤكم زعاق ، والمقيم بين أظهركم مرتهن بذنبه ، والشاخص عنكم متدارك برحمة من ربه ، كأني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة ، قد بعث الله عليها العذاب من فوقها ومن تحتها ، وغرق من في ضمنها. وفي رواية : وأيم الله ، لتغرقن بلدتكم ، حتى كأني أنظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة ، أو نعامة جاثمة.(3)

__________________

(1) القاضي النعمان المغربي ،شرح الأخبار ، ج 2 ص 290 ـ 291.

(2) القاضي النعمان المغربي ،شرح الأخبار ، ج 2 ص 290.

(3) ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 1 ص 251.


النموذج الرابع : رواية أبي مخنف وغيره في تفرق الكوفيين

بعد النهروان بخلاف رواية أبي عوانة التي تؤكد

اجتماع كلمة الكوفيين على علي عليه‌السلام

قال البلاذري : وحدثني عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن لوط بن يحيى أبي مخنف : أن عمارة بن عقبة بن أبي معيط كتب إلى معاوية من كوفة يعلمه أنه خرج على علي قراء أصحابه ونساكهم فسار إليهم فقتلهم فقد فسد عليه جنده وأهل مصره ، ووقعت بينهم العداوة ، وترقوا أشد الفرقة.

أقول :

وقد روى الثقفي في الغارات قال : قال : أبو مخنف عمن ذكره عن زيد بن وهب ان عليا قال للناس وهو أول كلام قال لهم بعد النهر :

أيها الناس استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله ودرك الوسيلة عنده ، حيارى في الحق ، جفاة عن الكتاب نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ويعكسون في غمرة الضلال ، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ، وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا وكفى بالله نصيرا.

قال : فلا هم نفروا ولا تيسروا فتركهم أياما حتى إذا أيس من أن يفعلوا دعا رؤساءهم ووجوههم ، فسألهم عن رأيهم وما الذي ينظرهم فمنهم المعتل ومنهم المكره وأقلهم من نشط.

فقام فيهم خطيبا فقال : عبد الله مالكم إذا أمرتكم أن تنفروا اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة وبالذل والهوان من العز؟! أو كلما ندبتكم إلى الجهاد دارت أعينكم كأنكم من الموت في سكرة ، وكأن قلوبكم مألوسة فأنتم لا تعقلون ، وكأن أبصاركم كمه فأنتم لا تبصرون لله أنتم ما أنتم ..! الا أسود الشرى في الدعة وثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس ، ما أنتم لي بثقة لي بثقة سجيس الليالي ، ما أنتم يركب يُصال بكم ولا ذوي عز يعتصم إليه ، لعمرو الله لبئس حشاش الحرب أنتم ، انكم تكادون ولا تكيدون ويتنقص أطرافكم ولا تتحاشون ، ولا ينام عنكم وأنتم


في غفلة ساهون ، ان أخا ـ الحرب اليقظان ذو عقل ، وبات لذل من وادع ، وغلب المتجادلون والمغلوب مقهور ومسلوب.

ثم قال : أما بعد فان لي عليكم حقا ، وان لكم علي حقا ، فأما حقكم علي فالنصيحة لكم ما صحبتكم ، وتوفير فيئكم عليكم ، وتعليمكم كيما لا تجهلوا ، وتأديبكم كي تعلموا ، وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصح لي في المغيب والمشهد ، والاجابة حين أدعوكم ، والطاعة حين آمركم ، فان يرد الله بكم خيرا تنتزعوا عما أكره ، وتراجعوا إلى ما احب تنالوا ما تطلبون وتدركوا ما تأملون.(1)

قال البلاذري : وحدثني هشام بن عمار الدمشقي أبو الوليد [قال] : حدثني صدقة بن خالد ، عن زيد بن واقد ، عن أبيه ، عن أشياخهم أن معاوية لما بويع وبلغه قتال علي أهل النهروان ، كاتب وجوه من معه مثلالأشعث ابن قيس وغيره ووعدهم ومناهم وبذل لهم حتى مالوا إليه وتثاقلوا عن المسيرمع عليعليه‌السلام ، فكان يقول فلا يلتفت إلى قوله ، ويدعو فلا يسمع لدعوته!

فكان معاوية يقول : لقد حاربت عليا بعد صفين بغير جيش ولا عناء ـ أو قال : ولا عتاد.

أقول :

في سند الرواية الأولى أبو مخنف وهو متهم في أهل الكوفة من خلال كتابه مقتل الحسين ،

وفي سند الرواية الثانية هشام بن عمار الدمشقي وأهل دمشق متهمون في أهل الكوفة وقال ابن حجر حدث باربعمائة حديث ليس لها اصل.(2)

مضافا إلى ذلك فهي معارضة بروايات أخرى رواها البلاذري في ترجمة عليعليه‌السلام في رسالته إلى قيس بن سعد واليه على آذربايجان : ان الناس قد اجتمعت كلمتهم وليس لنا شغل الا انتظارك.

قال البلاذري وحدثني أبو مسعود الكوفي ، عن عوانة : أن عليا [عليه‌السلام ]

__________________

(1) إبراهيم بن محمد الثقفي ، الغارات ، ج 2 ص 691.

(2) ابن حجر ، مقدمة فتح الباري ص 448.


كتب إلى قيس ابن سعد [بن عبادة] وهو عامله على آذربيجان : «أما بعد فاستعمل على عملك عبيد الله ابن شبيل الأحمسي وأقبل فإنه قد اجتمع ملأ المسلمين وحسنت طاعتهم ، وانقادت لي جماعتهم ولا يكن لك عرجة ولا لبث ، فإنا جادون معدون ، ونحن شاخصون إلى المحلين ، ولم أؤخر المسير إلا انتظارا لقدومك علينا إن شاء الله والسلام.

وروى أيضا عن أبي مسعود قال : قال عوانة : قال عمرو بن العاص ـ حين بلغه ما عليه على من الشخوص إلى الشام وأن أهل الكوفة قد انقادوا له :

لا تحسبني يا علي غافلا

لأوردن الكوفة القبائلا

ستين ألفا فارسا وراجلا

فقال : علي :

لأبلغن العاصي بن العاصي

ستين ألفا عاقدي النواصي

مستحقبين حلق الدلاص(1)

ويؤكد ذلك ما رواه سليم في كتابه من ان الناس قد ازدادت بصيرتهم بعلي واستبصر عامة من كان يشك في ضلالة من خالفه.(2)

النموذج الخامس : رواياتموضوعة على لسان الحسن عليه‌السلام

ضد الكوفيين نذكر منها

ما رواه الطبري قال : حدثني عبد الله بن أحمد المروذي قال أخبرني أبي قال حدثنا سليمان قال حدثني عبد الله عن يونس (الايلي) عن الزهري قال بايع أهل العراق الحسن بن علي بالخلافة فطفق يشترط عليهم الحسن إنكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتاب أهل العراق في أمرهم حين اشترط عليهم هذا الشرط وقالوا ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا القتال فلم يلبث الحسنعليه‌السلام بعدما بايعوه إلا قليلا حتى طعن طعنة أشوته فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعرا فكاتب

__________________

(1) البلاذري ،انساب الاشراف ، ص 480 ـ 481.

(2) سليم بن قيس الهلالي ،كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 670 ـ 671.


معاوية وأرسل إليه بشروط قال إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك أن تفي لي به ووقعت صحيفة الحسن في يد معاوية وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك فلما أتت الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده وأمسك معاوية صحيفة الحسنعليه‌السلام التي كتب إليه يسأله ما فيها فلما التقى معاوية والحسنعليه‌السلام سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله فأبى معاوية أن يعطيه ذلك فقال لك ما كنت كتبت إلى أولا تسألني أن أعطيكه فاني قد أعطيتك حين جاءني كتابك قال الحسنعليه‌السلام وأنا قد اشترطت حين جاءني كتابك وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسنعليه‌السلام من الشروط شيئا.(1)

وروى بالسند نفسه قال : جعل عليعليه‌السلام قيس ابن سعد على مقدمته من أهل العراق إلى قبل آذربيجان وعلى أرضها وشرطة الخميس التي ابتدعتها العرب وكانوا أربعين ألفا بايعوا علياعليه‌السلام على الموت ولم يزل قيس يدارئ ذلك البعث حتى قتل عليعليه‌السلام واستخلف أهل العراق الحسن بن عليعليه‌السلام على الخلافة وكان الحسن لا يرى القتال ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثم يدخل في الجماعة وعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه فنزعه وأمر عبد الله بن عباس فلما علم عبد الله بن عباس بالذي يريد الحسنعليه‌السلام أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الأمان ويشترط لنفسه على الأموال التي أصابها فشرط ذلك له معاوية.(2)

أقول :

وفي سند الرواية الزهري وهو فقيه ورواية البلاط الأموي الرسمي ، ثم تلميذه الاثير يونس الايلي(3) مولى معاوية بن أبي سفيان رافقه اثنتا عشرة سنة في أخريات عمره

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 4 ص 123 ـ 124.

(2) المصدر السابق.

(3) هو يونس بن يزيد بن أبي النجاد الايلي أبو يزيد القرشي. ذكره خليفة في الطبقة الثالثة من أهل


ولذلك اعتبروه الأثبت فيه من أصحابه.

وما رواه الطبري أيضا قائلا : وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال حدثنا عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن الخزاعي أبو عبد الرحمن قال حدثنا إسماعيل بن راشد قال بايع الناس الحسن بن عليعليه‌السلام بالخلافة ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثنى عشر ألفا وأقبل معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر ألا إن قيس بن سعد قد قتل فانفروا فنفروا ونهبوا سرادق الحسنعليه‌السلام حتى نازعوه بساطا كان تحته وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن وكان عم المختار بن أبي عبيد عاملا على المدائن وكان اسمه سع دبن مسعود فقال له المختار وهو غلام شاب هل لك في الغنى والشرف قال وما ذاك قال توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية فقال له سعد عليك لعنة الله أثب على ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأوثقه بئس الرجل أنت فلما رأى الحسنعليه‌السلام تفرق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح وبعث معاوية إليه عبد الله بن عامر وعبد الرحمن ابن سمرة بن حبيب بن عبد شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها ثم قام الحسن في أهل العراق فقال يا أهل العراق إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث قتلكم أبى وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي ودخل الناس في طاعة معاوية ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس.

وفي سند الرواية موسى المسروقي كوفي عامي سنة 258 هـ.

ثم : عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن الخزاعي أبو عبد الرحمن.

أقول :

هو عثمان بن عبد الرحمن بن مسلم الحراني الطرائفي ت سنة 203 هـ والخزاعي

__________________

مصر صحب الزهري اثني عشر سنة. وكان الزهري إذا قدم ايلة نزل عند يونس وإذا سار إلى المدينة زامله يونس. قال محمد بن سعد حديثه حلو ربما جاء بالشيء المنكر ، توفي في صعيد مصر سنة 159 ه أو 160 هـ. كان تعداده في بني أمية. (ايلة مدينة على ساحل بحر القلزم مما يلي الشام وقيل هي آخر الحجاز واول الشام. الحموي ،معجم البلدان ج 1 ص 232.


تصحيف الحراني(1) .

قال ابن حجر : عثمان بن عبد الرحمن بن مسلم الحراني أبو عبد الرحمن ويقال أبو عبد الله ويقال أبو محمد ويقال أبو هاشم المكتب المعروف بالطرائفي اخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجة ، مولى منصور بن محمد بن مروان وقيل مولى بني تيم ..

قال البخارييروي عن قوم ضعاف ،

وقال ابن أبي حاتم عن أبيه إسحاق بن منصور عن ابن معين عثمان بن عبد الرحمن التيمي ثقة. قال وسألت أبي عنه فقال صدوق وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء يشبه بقية في روايته عن الضعفاء.

وقال أبو أحمد الحاكم إنما لقب بالطرائفي لأنه كان يتبع طرائف الحديث يرويعن ثم ضعاف حديثه ليس بالقائم.

وقال ابن عدي سمعت أبا عروبة ينسبه إلى الصدق وقال لا بأس به متعبد ويحدث عن قوم مجهولين بالمناكير وعنده عجائب وهو في الجزريين كبقية في الشاميين.

قال أبو أحمد وصوبه عثمان انه لابأس به وتلك العجائب من جهة المجهولين وما يقع في حديثه من الانكار فإنما يقع من جهة من يروي عنه.

قال ابن حجر : وقال ابن أبي عاصم صدوق اللسان

وقال الساجي عنده مناكير.

وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه لا أجيزه

وقال الأزدي متروك ،

وقال ابن نمير كذاب ،

وقال ابن حبان يروي عن قوم ضعاف أشياء يدلسها لا يجوز الاحتجاج به.

ووثقه ابن شاهين

مات سنة (203) وقيل سنة (202).(2)

__________________

(1) انظر ابن الدمشقي ،جواهر المطالب ت 871 تحقيق المحمودي ص 89 ، حيث رواها عن الطبري بلفظ الحراني وليس الخزاعي.

(2) ابن حجر ،تهذيب التهذيب ج 7 ص 123 ـ 124.


الباب الثالث / الفصل السابع

الروايات الطاعنة في الحسن عليه‌السلام

روايات الواقدي (207 هـ)

روى ابن سعد عن محمد بن عمر الواقدي(1) عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال علي : يا أهل الكوفة لا تزوجوا الحسن بن علي فانه رجل مطلاق ، فقال رجل من همدان : والله لنزوجنَّه فما رضي امسك وما كره طلَّق.(2)

وروى ابن سعد أيضا عن محمد بن عمر عن علي بن عمر عن أبيه(3) عن علي بن حسين قال كان الحسن بن علي مطلاقا للنساء وكان لا يفارق امرأة الا وهي تحبه.(4)

وروى أيضا قال اخبرنا محمد بن عمر قال حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن

__________________

(1) المزي ،تهذيب الكمال : قال محمد بن سعد أخبرني أنه اي الواقدي ولد في أول سنة ثلاثين ومئة وقال في موضع أخر محمد بن عمر بن واقد الأسلمي مولى عبد الله بن بريدة الأسلمي كنا من أهل المدينة فقدم بغداد في سنة ثمانين ومئة في دين لحقه فلم يزل بها وخرج إلى الشام والرقو ثم رجع إلى بغداد فلم يزل بها إلى أن قدم المأمون من خراسان فولاه القضاء بعسكر المهدي فلم يزل قاضيا حتى مات ببغداد ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة سبع ومئتين ودفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران وهو ابن ثمان وسبعين سنة وذكر أنه ولد سنة ثلاثين ومئة.

(2)ترجمة الحسن من طبقات ابن سعد القسم غير المطبوع ص 69.

(3) مجهولان هو وولده.

(4) المصدر السابق ص 67.


محمد عن أبيه قال قال علي : ما زال الحسن بن علي يتزوج ويطلق حتى خشيت ان يورثنا عدواة في القبائل.(1)

روايات جرير بن حازم (175 هـ)

روى ابن سعد عن وهب بن جرير بن حازم عن أبيه قال اخبرنا شعبة عن أبي إسحاق عن معدي كرب ان عليا مر على قوم مجتمعين ورجل يحدثهم فقال من هذا قالوا الحسن فقال طحن ابل لم تعوَّد طحنا. ان لكل قوم صداد وان صدادنا الحسن.(2)

رواية سحيم بن حفص الأنصاري احد شيوخ

المدائني (238 هـ) وابن سعد

روى ابن سعد عن علي بن محمد عن سحيم بن حفص الأنصاري. عن عيسى بن أبيه ارون المزني. قال : تزوج الحسن بن علي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. وكان المنذر بن الزبير هويها. فأبلغ الحسن عنها شيئافطلقها الحسن. فخطبها المنذر فأبت أن تزوجه وقالت : شهرني. فخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها فرقي إليه المنذر أيضا شيئا ، فطلقها. ثم خطبها المنذر. فقيل لها : تزوجيه فيعلم الناس أنه كان يَعْضَهُكِ (أي يبهتك) فتزوجته فعلم الناس أنه كذب عليها. فقال الحسن لعاصم بن عمر : انطلق بنا حتى نستأذن المنذر فندخل على حفصة فاستأذناه. فشاور أخاه عبد الله بن الزبير فقال دعهما يدخلان عليها. فدخلا فكانت إلى عاصم أكثر نظرا منها إلى الحسن وكانت إليه أبسط في الحديث. فقال الحسن للمنذر خذ بيدها فأخذ بيدها. وقام الحسن وعاصم فخرجا وكان الحسن يهواها وإنما طلقها لما رقا إليه المنذر. فقال الحسن يوما لابن أبي عتيق وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن وحفصة عمته هل لك في العقيق؟ قال : نعم. فخرجا فمرا على منزل حفصة. فدخل إليها الحسن فتحدثا

__________________

(1) ابن سعد ،الطبقات الكبرى القسم الناقص ج 1 ص 301.

(2) ابن سعد ،الطبقات الكبرى القسم الناقص ج 1 ص 277 ـ 278 ورواه أيضاً ابن معين عن ذر عن شعبة عن أبي اسحق عن معدي كرب (ابن معين ،تاريخ ابن معين ج 2 ص 419).


طويلا ثم خرج. ثم قال أيضا بعد ذلك بأيام لابن أبي عتيق : هل لك في العقيق؟ قال : نعم. فخرجا فمرا بمنزل حفصة. فدخل الحسن فتحدثا طويلا. ثم خرج ثم قال الحسن مرة أخرى لابن أبي عتيق : هل لك في العقيق؟ فقال : يا ابن أم ألا تقول هل لك في حفصة؟.(1)

روايات الوضاح اليشكري الواسطي البصري ابو عوانة (176 هـ)

روى ابن سعد عن يحيى بن حماد قال اخبرنا أبو عوانة(2) عن سليمان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي إدريس عن المسيب بن نجبة قال سمعت عليا يقول الا احدثكم عني وعن أهل بيتي؟ اما عبد الله بن جعفر فصاحب لهو ، واما الحسن بن علي فصاحب جفنة وخوان فتى من فتيان قريش لوقد التقتا حلقتا البطان لم يغن في الحرب عنكم شيئا ، واما أنا وحسين فنحن منكم وانتم منا.(3)

وروى أيضا موسى بن إسماعيل قال حدثنا ابو عوانة عن المغيرة عن ثابت بن هرمز قال لما أتى الحسن بن علي قصر المدائن قال المختار لعمه هل لك في أمر تسود به العرب؟ قال وما هو؟ قال تدعني ان اضرب عنق هذا واذهب برأسه إلى معاوية قال : ما ذاك بلاهم عندنا أهل البيت.(4)

__________________

(1) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، ط 5 ، ج 1 ، ص : 307 ، سحين بن حفص الأنصاري كنيته أبو اليقظان واسمه عامر بن حفص وسحيم لقب له. ذكره ابن النديم في الفهرست ص 106. وقد ورد في إسناد عند الطبري تاريخ الطبري ، ج 4 ص 449 المدائني عن سحيم مولى وبرة التميمي عن عبيد بن عمرو القرشي وذكره ياقوت فيمعجم الأدباء : ج 11 ص 180 ولم يزد على ما ذكره صاحب الفهرست وهو أخباري نسابة من شيوخ المدائني.

(2) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، ج 7 ص 287 أبو عوانة واسمه الوضاح مولى يزيد بن عطاء وكان ثقة صدوقا أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا مهدي بن ميمون قال رأيت أبا عوانة وهو غلام زمان خالد بن عبد الله يقرأ بالأصوات ، يحيى بن حماد قال توفي أبو عوانة سنة ست وسبعين ومائة في خلافة هارون وعلينا جعفر بن سليمان وكان أصله من أهل واسط ثم انتقل إلى البصرة فنزلها حتى مات بها.

(3) ابن سعد ،الطبقات الكبرى القمس الناقص ج 1 ص 297 ، ابن أبي الحديدشرح نهج البلاغة ج 16 ص 11.

(4) المصدر السابق ص 62.


رويات إسرائيل بن يونس (160 هـ)

روى ابن سعد عن محمد بن عبد الله الأسدي (203 هـ) قال حدثنا إسرائيل(1) عن أبي إصحاق عن هبيرة بن يريم قال قيل لعلي هذا الحسن بن علي في المسجد يحدث الناس فقال طحن ابل لم تعوَّد طحنا ، وما طحن ابل يومئذ.(2)

روايات محمد بن المهلب الحراني الملقب ب

غندر (ت قبل المائتين)

روى ابن عساكر عن غندر(3) عن شعبة قال سمعت أبا إسحاق يحدث ان عليا مرَّ على قوم مجتمعين ورجل يحدثهم فقال من هذا قالوا الحسن فقال طحن ابل لم تعوَّد طحنا.(4)

روايات قيس بن الربيع (168 هـ)

روى ابو الفرج عن احمد عن عمر بن شبة عن المدائني عن قيس بن الربيع(5) عن

__________________

(1) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، ج 6 ص 374 إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي ويكنى أبا يوسف توفي بالكوفة سنة اثنتين وستين ومائة وقال أبو نعيم سنة ستين ومائة وكان ثقة حدث عنه الناس حديثا كثيرا ومنهم من يستضعفه. تهذيب التهذيب : قال عثمان بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي إسرائيل لص يسرق الحديث. وفي الكاشف للذهبي ج 1 ص 241 قال أبو حاتم هو من أتقنأصحاب أبي إسحاق وضعفه بن المديني توفي 162 ع.

(2) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، القمس المفقود ، من ذخائر تراثنا ترجمة الحسن من ابن سعد غير المطبوع ص 58.

(3) لعله محمد بن جعفر مات بالبصرة سنة 194 هـ ، ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ، ج 6 ص 295 ، محمد بن المهلب غندر الحراني سمعت بن أبي معشر يقول كان يضع الحديث وهو أموي يحدث عن النفيلي ونظرائه ويكنى أبا الحسن. ابن العجمي ،الكشف الحثيث ص 251 : محمد بن المهلب الحراني لقبه غندر يروي عن أبي جعفر النفيلي وغيره قال أبو عروبة فيما رواه عنه بن عدي يضع الحديث.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ترجمة الحسن 169.

(5) العقيلي ،الضعفاء الكبير (ضعفاء العقيلي ) ، ج 3 ص 469 قيس بن الربيع أبو محمد الكوفي الأسدي قال محمد بن إسماعيل البخاري حدثنا علي بن المديني قال كان وكيع يضعف قيس بن الربيع ، وقال عمرو بن علي سمعت أبا داود يقول سمعت شعبة يقول من يعذرني من يحيى هذا الأحول لا يرضى قيس بن الربيع. حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سمعت أبي يقول سمعت الربيع بن الجراح غير


الاجلح عن الشعبي عن جندب : ان الحسن قال لابيه حين طلب ان يجلد الوليد بن عقبة : مالك ولهذا؟(1)

روايات إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة

البصري (193 هـ)

وروى أبو الفرج أيضا : عن عمر بن شبة وسعيد بن محمد المخزومي كلاهما عن محمد بن حاتم عن إسماعيل بن إبراهيم بن علية البصرة عن سعيد بن عروبة البصرة عن عبد الله بن الداناج عن حضين بن المنذر أبي ساسان قال : لما جيء بالوليد بن عقبة

__________________

مرة يقول حدثنا قيس بن الربيع والله المستعان حدثنا محمد بن زكريا حدثنا محمد بن المثنى قال ما سمعت يحيى ولا عبد الرحمن يحدثنا عن قيس بن الربيع شيئا قط. وقال عمرو بن علي يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عن قيس وكان عبد الرحمن حدثنا عنه قبل ذلك قم تركه ، عن عباس قال سمعت يحيى يقول قيس بن الربيع ليس بشيء وفي موقع آخر قيس بن الربيع لا يساوي شيئا. حدثنا محمد قال حدثني عباس قال سمعت يحيى وسئل عن قيس فقال قال عثمان أتيناه فكان يحدث فربما أدخل حديث مغيرة في حديث منصور. وفي معرفة الثقات قال ابن حبان : قيس بن الربيع الأسدي الناس يضعفونه وكان شعبة يروى عنه وكان معروفا بالحديث صدوقا ويقال إن ابنه أفسد عليه كتبه بأخرة فترك الناس حديثه. وفي تذكرة الحفاظ 1 / 226 د ت ق قيس بن الربيع الربيع الحافظ أبو محمد الأسدي الكوفي أحد الاعلام على ضعف فيه حدث عن عمرو بن مرة وحبيب بن أبي ثابت وعلقمة بن مرئد وزياد بن علاقة ومحارب بن دثار وطبقتهم من الكوفيين ولم يرتحل حدث عنه سفيان وشعبة وهما من طبقته وإسحاق السلولي وعاصمبن علي ومحمد بن بكار بن الريان وعلي بن الجعد ويحيى الحماني وخلق كان شعبة يثني عليه وقال عفان كان ثقة وقال يعقوب بن شبة هو عند جميع أصحابنا صدوق وكتابه صالح وهو رديء الحفظ جدا ولينه أحمد بن حنبل وقال بن معين ليس بشيء وقال النسائي متروك واما بن عدي فقواه وقال لا بأس به عامة رواياته مستقيمة القول فيه ما قال شعبة وقال أبو الوليد شهد جنازة قيس بن الربيع شريك فقال ما ترك بعده مثله وقال محمد بن عبيد الطنافسي لم يكن قيس عندنا بدون الثوري وإنما ولي شيئا فأقام على رجل حدا فمات قال فطفئ أمره قال وكان يعلق النساء بثديهن ويرسل عليهن الزنابير وقال أبو الوليد كتبت عن قيس ستة آلاف حديث قلت وقد كان قيس من أوعية العلم وارى الأئمة تكلموا فيه لظلمه مات سنة سبع أوثمان وستين ومائة رحمه الله تعالى. وفي الضعفاء والمتروكين للنسائي قال : قيس بن الربيع متروك الحديث كوفي. وفي تقريب التهذيب قال ابن حجر : قيس بن الربيع الأسدي أبو محمد الكوفي صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به من السابعة مات سنة بضع وستين د ت ق. وفي تاريخ بغداد : قال بن عمار وكان قيس بن الربيع عالما بالحديث ولكنه ولي المدائن فقتل رجلا فيما بلغني فنفر الناس عنه.

(1) أبو الفرج الاصفهاني ، الاغاني ج 5 ص 144.


إلى عثمان بن عفان وقد شهدوا عليه بشرب الخمر قال لعلي دونك ابن عمك فاقم عليه الحد فأوعز علي إلى ابنه الحسن أنْ يقوم بجلد الوليد ، فرفض الحسن وقال له : مالك ولهذا؟ فقال له علي : بل ضعفت ووهنت وعجزت ، ثم أمر عبد الله بن جعفر فقام فجلده وعلي يعد حتى بلغ أربعين فقال علي امسك جلد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أربعين وجلد ابو بكر أربعين واتمها عمر ثمانين وكل سنة.(1)

روايات محمد بن أبي أيوب ت قبل

المائتين هجرية

البلاذري عن احمد بن إبراهيم الدورقي عن أبي نعيم عن محمد بن أبي أيوب عن قيس بن مسلم (ت 120 هـ) عن طارق بن شهاب ان الحسن بن علي قال لعلي يا أمير المؤمنين اني لا استطيع ان اكلمك وبكى فقال علي : تكلم ولا تحن حنين الجارية. فقال ان الناس حصروا عثمان فأمرتك ان تعتزلهم وتلحق بمكة حتى تؤوب إلى العرب عوازب احلامها فأبيت ثم قتله الناس فأمرتك ان تعتزل الناس فلو كنت في جحر ضب لضربت إليك العرب آباط الإبل حتى يستخرجوك فغلبتني وانا امرك اليوم ان لا تقدم العراق فاني اخاف عليك ان تقتل بمضيعة 2 / 217.

روايات عبد الأعلى بن عبد الاعلى الشامي

البصري (189 هـ)

روى ابن عساكر بسنده عن عبيد بن عمر بن ميسرة أبو سعيد القواريري (235 هـ) البصري(2) نا عبد الأعلى(3) عن هشام بن حسان (ت 148 هـ) عن محمد بن سيرين قال

__________________

(1) أبو الفرج الاصفهاني ،الاغاني ج 5 ص 145.

(2) عبيد الله بن عمر بن ميسرة أبو سعيد القواريري الجشمي مولاهم البصري سكن بغداد أخرج البخاري في الجمعة عنه عن خالد بن الحارث قال ابخاري مات يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلتمن ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ومائتين قال أبو حاتم هو صدوق وروى عنه هو وأبو زرعة قال أبو بكر بن أبي خيثمة مات ببغداد وسمعت بن معين يقول هو ثقة.

(3) معرفة الثقات لابن حبان : عبد الأعلى بن عبد الأعلى بن عبد الله بن شراحيل الشامي أبو محمد من


تزوج الحسن بن علي امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم.(1)

روايات عبد الله بن عون (151 هـ)

روى ابن عساكر عن شيران الرامهرمزينا محمد بن عثمان بن أبي صفوان الثقفي ت 252 هـ نا قريش بن انس(2) (ت 208 هـ) نا عبد الله بن عون (ت 151 هـ) عن محمد قال خطب الحسن بن علي إلى منظور بن سيار بن (1) زبان الفزاري ابنته فقال والله أني لأنكحك واني لا علم انك على طلق ملق غير انك اكرم العرب بيتا واكرمه نسبا.(3)

روايات محمد بن عبيد (204 هـ)

وقال محمد بن سعد أخبرنا محمد بن عبيد (204 هـ)(4) :

__________________

أهل البصرة وقيل أبو همام كان يكره أن يقال له أبو همام يروى عن حميد الطويل روى عنه مسدد وأهل البصرة مات يومالأحد في شهر شعبان سنة أربع أو سبع وثمانين ومائة وكان قدريا متقنا في الحديث غير داعية إليه.

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 31 ص 249.

(2) [890] قريش بن أنس الأنصاري مولى بني والية كنيته أبو أنس من أهل البصرة يروي عن بن عون والبصريين روى عنه العراقيون مات سنة تسع ومائتين وكان سخيا صدوقا إلا أنه اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به بقي ست سنين في اختلاطه فظهر في روايته أشياء مناكير لا تشبه حديثه القديم فلما ظهر ذلك من غير أن يتميز مستقيم حدثه من غيره لم يجز الاحتجاج به فيما انفرد فأما فيما وافق الثقات فهو المعتبر بأخباره تلك روى عن أشعث عن الحسن عن سمرة أن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم نهى أن يقد السير بين إصبعين أي لا يقطع بين إصبعين مخافة أن يقطع الأصابع أخبرناه بن قحطبة قال حدثنا بندار بن بشار قال حدثنا قريش بن أنس عن أشعث. وفي تهذيب التهذيب : هشيم عن العوام عن جميع بنعمير على الصواب انتهى وله عند الأربعة ثلاثة أحاديث وقد حسن الترمذي بعضها وقال بن نمير كان من أكذب الناس كان يقول أن الكراكي تفرخ في السماء ولا يقع فراخها رواه بن حبان في كتاب الضعفاء بإسناده وقال كان رافضيا يضع الحديث وقال الساجي له أحاديث مناكير وفيه نظر وهو صدوق وقال العجلي تابعي ثقة. ابن حجر ،تهذيب التهذيب ج 22 ص 95 قال أبو نعيم الفضل بن دكين كان فاسقا وذكره بن حبان في الثقات قلت وقال الآجري عن أبي داود جميع بن عمر راوي حديث هند بن أبي هالة أخشى أن يكون كذابا وقال العجلي جميع لا بأس به يكتب حديثه وليس بالقوي.

(3) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 31 ص 251.

(4) قال الذهبي فيتذكره الحفاظ ج 1 ص 333 ع محمد بن عبيد بن أبي أمية الحافظ الثقة أبو عبد الله الأيادي الكوفي الكنافسي الأحدب مولى بني حنيفة ولد سنة سبع وعشرين ومائة وسمع هشام بن عروة والأعمش وإسماعيل وعبيد الله وابن إسحاق ومسعرا حدث عنه اخوه يعلى وأحمد وابن معين


عن مجالد (ت 144 هـ) عن الشعبي ،

وعن يونس بن أبي إسحاق (ت 159 هـ) عن أبيه

وعن أبي السفر (سعيد بن عمرو الهمداني) (مات زمن بني أمية في امارة خالد) وغيرهم.

قالوا : بايع أهل العراق الحسن بن علي بعدقتل علي بن أبي طالب ثم قالوا له سر إلى هؤلاء القوم الذين عصوا الله ورسوله وارتكبوا العظيم وابتزوا الناس أمورهم فإنا نرجو أن يمكن الله منهم فسار الحسن إلى أهل الشام وجعل على مقدمته قيس بن سعد بن عبادة في اثني عشر ألفا وكانوا يسمون شرطة الخميس.

قال : وقال غيره وجه إلى الشام عبيد الله بن العباس ومعه قيس بن سعد فسار فيهم قيسحتى نزل مسكن والأنبار وناحيتها.

وسار الحسن حتى نزل المدائن وأقبل معاوية في أهل الشام يريد الحسن حتى نزل جسر منبج.

__________________

وإسحاق وابنا أبي شيبة وعباس الدوري وأحمد بن الفرات وخلق كثير سكن بغداد مدة وكان أحد المتقنين وكان يعلى أكبر منه بتسع سنين رواه أبو أمية الطرسوسي عن يعلى قال أثرم سألت أبا عبد الله عن يعلى ومحمد وعمر فوثقهم وقال أبو جعفر بن أبي شيبة سألت بن معين عن بني عبيد الثلاثة فوثقهم وقال اثبتهم يعلى وقال محمد بن عبد الله بن عمار كلهم ثبت قال واحفظهم يعلى وأبصرهم بالحديث محمد الأحدب وعمر شيخهم وقال يعقوب السدوسي محمد بن عبيد مولى لأياد مكث ببغداد دهرا ثم رجع إلى الكوفة فمات بها سنة أربع ومائتين وكان ممن يقدم عثمان وقل من يذهب إلى هذا من الكوفيين عامتهم يقدم عليا أو يقف عند عثمان وعلي سمعت على بن المديني وذكر محمد بن عبيد فقال كان كيسا وقال العجلي كوفي ثقة كان حديثه أربعة آلاف يحفظها قال بن سعد ثقة كثير الحديث صاحب سنة مات سنة أربع وقال خليفة ومطين سنة خمس ومائتين رحمه الله تعالى. معرفة الثقات لابن حبان : محمد بن عبيد الطنافسي يكنى أبا عبد الله أحدب كوفي ثقة وكنا عثمانيا وكان حديثه أربعة آلاف يحفظها. وفي الجرح والتعديل للرازي قال : وكان يظهر السنة. وقال في تهذيب الكمال : انتقل من الكوفة فنزل بغداد فمكث بها دهرا ثم رجع إلى الكوفة فمات بها قبل أخيه يعلى في سنة أربع ومئتين في خلافة المأمون وكان من الكوفيين ممن يقدم عثمان على علي وقل من يذهب إلى هذا من الكوفيين عامتهم يقدم عليا على عثمان أو يقف عند عثمان وعلي سمعت علي بن المديني وذكر محمد بن عبيد فقال كان كيسا وقال محمد بن سعد نزل بغداد دهرا ثم رجع إلى الكوفة فمات قبل يعلى في سنة أربع ومئتين في خلافة المأمون وكان ثقة كثير الحديث وكان صاحب سنة وجماعة. وكذلك في الطبقات الكبرى لابن سعد.


فبينا الحسن بالمدائن إذ نادى مناد في عسكره ألا إن قيس بن سعد قد قتل قال فشدالناس على حجرة الحسن فانتهبوها حتى انتهبت بسطه وجواريه وأخذوا رداءه من ظهره وطعنه رجل من بني أسد يقال له بن اقيصر بخنجر مسموم في أليته فتحول من مكانه الذي انتهبت فيه متاعه ونزل الأبيض قصر كسرى.

وقال عليكم لعنة من أهل قرية فقد علمت أن لا خير فيكم قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا.

ثم دعا عمرو بن سلمة الارحبي فأرسله وكتب معه إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله الصلح ويسلم له الأمر على أن يسلم له ثلاث خصال يسلم له بيت المال فيقضي منه دينه ومواعيده التي عليه ويتحمل منه هو ومن معه من عيال أبيه وولده وأهل بيته ولا يسب علي وهو يسمع وأن يحمل إليه خراج فسا ودرابجرد من أرض فارس كل عام إلى المدينة ما بقي فأجابه معاوية إلى ذلك وأعطاه ما سأل.

قال (ابن سعد) : ووفي معاوية للحسن ببيت المال وكان فيه يومئذ سبعة آلاف ألف درهم فاحتملها الحسن وتجهز بها هو وأهل بيته إلى المدينة. وكف معاوية عن سب علي والحسن يسمع ودس معاوية إلى أهل البصرة فطردوا وكيل الحسن وقالوا لا نحمل فيئنا إلى غيرنا يعنون خراج فسا ودرابجرد.

فأجرى معاوية على الحسن كل سنة ألف ألف درهم.

وعاش الحسن بعد ذلك عشر سنين.(1)

روايات عبد الله بن بكر السهمي البصري (208 هـ)

قال محمد بن سعد وأخبرنا عبد الله بن بكر السهمي(2) قال حدثنا حاتم بن أبي

__________________

(1) المزي ،تهذيب الكمال ج 6 ص 245 ، وفي تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ترجمة الحسن قال محمد بن سعد قال ابو عبيد عن مجالد عن الشعبي ولعله تصحيف.

(2) الذهبي ،تذكرة الحفاظ : ع عبد الله بن بكر الحافظ الصادق أبو وهب السهمي البصري نزيل بغداد سمع أباه بكر بن حبيب وحميد الطويل وابن عون وهشام بن حسان وحاتم بن أبي صغيرة وعنه أحمد بن حنبل وابن أبي شيبة وابن المديني وعبد الله بن منير المروزي والحارث بن أبي أسامة ومحمد بن الفرج الأزرق وخلق وثقه أحمد وجماعة وكان رأسا في الحديث والفقه وكان أبوهمن كبار أئمة


صغيرة (البصري) عن عمرو بن دينار أن معاوية كان يعلم أن الحسن كان أكره الناس للفتنة فلما توفي علي بعث إلى الحسن فأصلح الذي بينه وبينه سرا وأعطاه معاوية عهدا إن حدث به حدث والحسن حي ليسمينه وليجعلن هذا الأمر إليه فلما توقف منه الحسن ، قال عبد الله بن جعفر والله إني لجالس عند الحسن إذ أخذت لأقوم فجذب ثوبي وقال يا هناه اجلس فجلست قال إني قد رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه قال قلت ما هو قال قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث فقد طالت الفتنة وسفككت فيها الدماء وقطعت فيها الأرحام وقطعت السبل وعطلت الفروج يعني الثغور فقال بن جعفر جزاك الله عن أمة محمد خيرا فأنا معك وعلى هذا الحديث فقال الحسن ادع لي الحسين فبعث إلى حسين فأتاه فقال أي أخي إني قد رأيت رأيا وإني أحب أن تتابعني عليه قال : ما هو؟ فقص عليه الذي قال لابن جعفر :

قال الحسين أعيذك بالله أن تكذب عليا في قبره وتصدق معاوية فقال الحسن والله ما أردت أمرا قط إلا خالفتني إلى غيره والله لقد هممت أن أقذفك في بيت فاطينه عليك حتى أقضي أمري فلما رأى الحسين غضبه قال أنت أكبر ولد علي وأنت خليفته وأمرنا لأمرك تبع فافعل ما بدا لك.(1)

وتلحق بهذه الروايات الموضوعة :

روايات جميع بن عمر توفي بحدود المائتين

قال المزي قال جميع بن عمر عن مجالد بن سعيد(2) عن طحرب العجلي عن الحسن

__________________

العربية عاش عبد الله بضعا وثمانين سنة ومات في أول سنة ثمان ومائتين أخبرنا بن أبي عمر وابن علان والفخر علي والقطب أحمد بن عبد السلام كتابة قالوا أنا عمر بن طبرزد أنا بن الحصين أنا بن غيلان أنا أبو بكر الشافعي نا علي بن الحسن بن عبدويه الخزاز سنة سبع وسبعين ومائتين نا عبد الله بن بكر نا حميد عن أنس قال كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في طريق ومعه أناس من أصحابه فعرضت له امرأة فقالت يا رسول الله لي إليك حاجة فقال يا أم فلان اجلسي في أدنى نواحي السكك حتى اجلس إليك ففعلت فجلس إليها حتى قضت حاجتها.

(1) تاريخ مدينة دمشق ترجمة الحسن.

(2) قال ابن سعد في الطبقات ج 6 : مجالد بن سعيد الهمداني ويكنى ابا عمير توفي سنة 144 هـ في خلافة


قال : لا أقاتل بعد رؤيا رأتها رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله واضعا يده على العرض ورأيت أبا بكر واضعا يده على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ورأيت عمر واضعا يده على أبي بكر ورأيت عثمان واضعا يده على عمر ورأيت دماء دونهم فقيل ذا دم عثمان يطلب الله به.(1)

رواية المقدسي في البدء والتاريخ ت 507 هـ

وقال المقدسي في البدء والتاريخ : «أنَّهعليه‌السلام كان أرخى ستره على مائتي حرة».(2)

روايات ابن كثير في البداية والنهاية

روى ابن كثير عن أبي بكر الخرائطي الشامي ت 325 هـ في كتابه مكارم الأخلاق عن القواريري (325 هـ) نا عبد الأعلى عن هشام بن حسان (ت 148 هـ) عن محمد بن سيرين قال تزوج الحسن بن علي امرأة فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم.(3)

وروى أيضا عن أبي علي الحداد أنا أبو نعيم ، نا سليمان بن احمد نا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرازق عن سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه عن الحسن بن سعد عن أبيه قال متع الحسن بن علي امرأتين بعشرين ألف درهم وزقاق من عسل فقالت إحداهما / واراها الحنفية / متاع قليل من حبيب مفارق فأخبر الرسول الحسن بن علي فبكى وقال لولا أني سمعت أبي يحدث عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم جدي انه قال من طلق امرأته ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها.(4)

__________________

ابي جعفر وكان ضعيفا في الحديث ، وقال العقيلي في الضعفاء ج 4 ص 234 عن ابي سعيد الاشج قال ذكر رجل عثمان عند مجالد بن سعيد فقال مجالد لغلامه جره واطرحه في البئر. قال ابن حبان في المجروحين ج 3 ص 10 كان مجالد رديء الحفظ يقلب الاسانيد ويرفع المراسيل لا يجوز الاحتجاج به.

(1) المزي ،تهذيب الكمال ، ج 6 ص 249 وج 39 ص 484.

(2) المقدسي ،البدء والتاريخ ج 2 ص 145.

(3) ابن كثير ،البداية والنهاية ج 8 ص 38 ، ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 78. المزي ،تهذيب الكمال ج 2 ص 592.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 250. وابن كثير ،البداية والنهاية ج 2 ص 38.


وروى أيضا عن غندر نا شعبة قال سمعت أبا إسحاق يحدث انه سمع معد كرب يحدث ان عليا مرَّ على قوم مجتمعين ورجل يحدثهم فقال من هذا قالوا الحسن فقال طحن ابل لم تعوَّد طحنا.(1)

وروى ابن عساكر عن عمرو بن أبي قيس عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن سويد بن غفلة قال كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي فلما قتل علي قالت لتهنئك الخلافة قال لقتل علي تظهرين الشماتة اذهبي فأنت طالق ثلاثا قال فتلفعت بثيابها فلما جاءها الرسول قالت متاع قليل من حبيب مفارق فلما بلغه قولها بكى ثم قال لولا أني سمعت جدي أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول : ايما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الاقراء أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها.(2)

وروى أيضا عن محمد بن عمر نا عبد الرحمن بن أبي الموال (ت 173 هـ) قال سمعت عبد الله بن حسن يقول كان حسن بن علي قل ما يفارقه اربه حرائر وكان صاحب ضرائر وكانت عنده ابنة منظور بن سيارالفزاري وعنده امرأة من بني أسد من آل حزيمفطلقهما وبعث إلى كل واحدة منهما بعشرة آلاف درهم وزقاق من عسل متعة وقال لرسوله يسار بن سعيد بن يسار وهو مولاه احفظ ما يقولان لك فقالت الفزارية : بارك الله فيه وجزاه خيرا وقالت الاسدية متاع قليل من حبيب مفارق فرجع فأخبره فراجع الاسدية وترك الفزارية.(3)

أقول : ليس من شك ان الشيعة انطلاقا من ايمانهم بعصمة الامام الحسن لا يسلمون بصحة هذه الروايات ، وهي بميزان الرؤية الجديدة نموذج للاعلام العباسي ضد الحسن نكاية بذريته الثائرة ضد الحكم العباسي.

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ترجمة الحسن ج 4 ص 86.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 79.

(3) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 77. والمزي ،تهذيب الكمال ج 2 ص 592. وابن كثير ،البداية والنهاية ، ج 8 ص 38.


الباب الثالث / الفصل الثامن

ملاحظات نقدية حول رواية البخاري في الصلح وشرح ابن حجر لها

رواية البخاري في قصة صلح الحسن عليه‌السلام

حدثنا عبد الله بن محمّد (المسندي) حدثنا سفيان (بن عيينة) عن أبي موسى (إسرائيل بن موسى البصري) قال سمعت الحسن (البصري) يقول : استقبل والله الحسن بن عليّ معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص إني لأرى كتائب لا تولّي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية وكان والله خير الرّجلين أي عمرو إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم (في نسخة أخرى بصبيتهم) فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرحمن بن سمرة (بن حبيب بن عبد شمس) وعبد الله بن عامر بن كريز (بن عبد شمس) فقال اذهبا إلى هذا الرّجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه فأتياه فدخلا عليه فتكلّما وقالا له فطلبا إليه فقال لهما الحسن بن عليّ إنّا بنو عبد المطّلب قد أصبنا من هذا المال وإنّ هذه الأمّة قد عاثت في دمائها قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن لك به فما سألهما شيئا إلا قالا نحن لك به فصالحه.

فقال الحسن (البصري) ولقد سمعت أبا بكرة يقول رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على المنبر والحسن بن عليّ إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرّة وعليه أخرى ويقول إنّ ابني هذا


سيّد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين قال لي عليّ بن عبد الله إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث(1) .

البخاري حدثنا عليّ بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا إسرائيل أبو موسى ولقيته بالكوفة جاء إليّ بن شبرمة فقال أدخلني على عيسى فأعظه فكأنّ بن شبرمة خاف عليه فلم يفعل.

قال حدثنا الحسن قال لمّا سار الحسن بن عليّرضي‌الله‌عنهما إلى معاوية بالكتائب قال عمرو بن العاص لمعاوية أرى كتيبة لا تولّي حتى تدبر أخراها قال معاوية من لذراريّ المسلمين فقال أنا فقال عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن سمرة نلقاه فنقول له الصّلح.

قال الحسن : ولقد سمعت أبا بكرة قال بينا النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يخطب جاء الحسن فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ابني هذا سيّد ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين(2) .

شرح ابن حجر لرواية البخاري مع

ملاحظاتنا عليه

قال ابن حجر :

قوله (باب قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم للحسن بن علي ان ابني هذا لسيد)

في رواية المروزي والكشميهني سيد بغيرلام وكذا لهم في مثل هذه الجمة في كتاب الصلح وبحذف (ان) وساق المتن هناك بلفظ ان ابني هذا سيد وساقه هنا بحذفها وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية سبعة أنفس عن سفيان بن عيينة وبيَّن اختلاف ألفاظهم.

قوله (حدثنا إسرائيل أبو موسى) هي كنية إسرائيل واسم أبيه موسى فهو ممن وافقت كنيته اسأبيه فيؤمَن فيه من التصحيف وهو بصري كان يسافر في التجارة إلى الهند وأقام بها مدة.

قوله (ولقيته بالكوفة) قائل ذلك هو سفيان بن عيينة والجملة حالية.

__________________

(1) البخاريالجامع الصحيح ج 3 ص 170.

(2) البخاريالجامع الصحيح ج 8 ص 99.


قوله (وجاء إلى ابن شبرمة) هو عبد الله قاضي الكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور ومات في خلافته سنة أربع وأربعين ومائة وكان صارما عفيفا ثقة فقيها.

قوله (فقال أدخلني علعيسى فأعظه) بفتح الهمزة وكسر العين المهملة وفتح الظاء المشالة من الوعظ ، وعيسىهو ابن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن أخي المنصور وكان أميرا على الكوفة إذ ذاك.

(قوله فكأنَّ) بالتشديد (ابن شبرمة خاف عليه) أي على إسرائيل (فلم يفعل) أي فلم يدخله على عيسى بن موسى ولعل سبب خوفه عليه انه كان صادعا بالحق فخشى انه لا يتلطف بعيسى فيبطش به لما عنده من غِرة الشباب وغرة الملك. وكانت وفاة عيسى المذكور في خلافة المهدي سنة ثمان وستين ومائة.

قوله (لما سار الحسن بن علي إلى معاوية بالكتائب) ، في رواية عبد الله ابن محمد عن سفيان في كتاب الصلح استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال ، والكتائب بمثناة وآخره موحدة جمع كتيبة بوزن عظيمة وهي طائفة من الجيش تجتمع وهي فعلية بمعنى مفعولة لان أمير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوانه كذلك ذكر ذلك ابن التين عن الداودي ومنه قيل مكتب بني فلان ، قال وقوله (أمثال الجبال) أي لا يُرى لها طرف لكثرتها كما لا يرى من قابل الجبل طرفه ، ويحتمل ان يريد شدة البأس.

وأشار الحسن البصري بهذه القصة إلى : ما اتفق بعد قتل عليرضي‌الله‌عنه ، وكان علي لما انقضى أمر التحكيم ورجع إلى الكوفة تجهز لقتال أهل الشام مرة بعد أخرى فشغله أمر الخوارج بالنهروان ، وذلك في سنة ثمان وثلاثين ثم تجهز في سنة تسع وثلاثين فلم يتهيأ ذلك ، لافتراق آراء أهل العراق عليه ، ثم وقع الجِدّ منه في ذلك في سنة أربعين فأخرج إسحاق من طريق عبد العزيز بن سياه (بكسر المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف) قال لما خرج الخوارج قام علي فقال أتسيرون إلى الشام أو ترجعون إلى هؤلاء الذين خلفوكم في دياركم قالوا بل نرجع إليهم فذكر قصة الخوارج قال فرجع علي إلى الكوفة فلما قتل واستخلف الحسن وصالح معاوية كتب إلى قيس بن سعد بذلك فرجع عن قتال معاوية.


قال البدري :

قوله (افتراق آراء أهل العراق عليه) يريد انقسام جيش علي بعد رجوعهم من صفين إلى فرقتين فرقة تخطئ عليا وهم الذين انتهوا إلى تكفير علي وطلبهم ان يعترف بكفره ويتوب منه وأخرى تصوبه ، وقد تحملهم علي في بادئ الأمر لان مجرد تخطئة الحاكم ونقده لا يوجب قتالهم ولا عقوبتهم حتى رفعوا السلاح وافسدوا وقتلوا عبد الله بن خبابرضي‌الله‌عنه ، اقدم على قتالهم بعد ان وعظهم ورجع منهم ألفان أو اكثر.

قال ابن حجر :

وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري قال جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت ، فقتل علي فبايعوا الحسن بن علي بالخلافة وكان لا يحب القتال ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية لنفسه فعرف ان قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح فنزعه وأمر عبد الله بن عباس فاشترط لنفسه كما اشترط الحسن.

قال البدري :

الجزء الأول من الرواية صحيح على انه توجد رواية أخرى انه بايعه ستون الفا وان معه مائة ألف سيف ، اما الجزء الآخر فيما يرتبط بالحسنعليه‌السلام فهو كذب ولم يعزل قيسا ، والخلل في الرواية منحصر بالزهري وتلميذيه الاول يونس بن يزيد الايلي ت 159 ـ 160 هـ ، قال محمد بن سعد حديثه حلو ربما جاء بالشيء المنكر. الثاني معمر الصنعاني وسيأتي الحديث عنه.

قال ابن حجر :

وأخرج الطبري والطبراني من طريق إسماعيل بن راشد قال بعث الحسن قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفا يعني من الأربعين فسار قيس إلى جهة الشام وكان معاوية لما بلغه قتل علي خرج في عساكر من الشام وخرج الحسن بن علي حتى نزل المدائن فوصل معاوية إلى مسكن.

وقال ابن بطال ذكر أهل العلم بالاخبار ان عليا لما قتل سار معاوية يريد العراق


وسار الحسن يريد الشام فالتقيا بمنزل من ارض الكوفة فنظر الحسن إلى كثرة من معه فنادى يا معاوية اني اخترت ما عند الله فان يكن هذا الأمر لك فلا ينبغي لي ان أنازعك فيه وان يكن لي فقد تركته لك فكبر أصحاب معاوية وقال المغيرة عند ذلك أشهد اني سمعت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يقول إن ابني هذا سيد الحديث وقال في آخره فجزاك الله عن المسلمين خيرا انتهى.

قال ابن حجر وفي صحة هذا نظر من أوجه :

الأول ان المحفوظ ان معاوية هو الذي بدأ بطلب الصلح كما في حديث الباب.

الثاني ان الحسن ومعاوية لم يتلاقيا بالعسكرين حتى يمكن ان يتخاطبا وإنما تراسلا ، فيحمل قوله فنادى يا معاوية على المراسلة ويجمع بأن الحسن راسل معاوية بذلك سرا فراسله معاوية جهرا.

والمحفوظ ان كلام الحسن الأخير انما وقع بعد الصلح والاجتماع كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي في الدلائل من طريقه ومن طريق غيره بسندهما إلى الشعبي قال لما صالح الحسن بن علي معاوية قال له معاوية قم فتكلم فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال اما بعد فان أكيس الكيس التقى وان أعجز العجز الفجور الا وان هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به مني أو حق لي تركته لإرادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم وان أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ثم استغفر ونزل.

وأخرج يعقوب بن سفيان ومن طريقه أيضا البيهقي في الدلائل من طريق الزهري فذكر القصة وفيها فخطب معاوية ثم قال قم يا حسن فكلم الناس فتشهد ثم قال أيها الناس ان الله هداكم بأولنا وحقن دمائكم بآخرنا وان لهذا الأمر مدة والدنيا دول وذكر بقية الحديث

الثالث ان الحديث لأبي بكرة لا للمغيرة لكن الجمع ممكن بأن يكون المغيرة حدث به عندما سمع مراسلة الحسن بالصلح وحدث به أبو بكرة بعد ذلك وقد روى أصل الحديث جابر أورده الطبراني والبيهقي في الدلائل من فوائد يحيى بن معين بسند صحيح إلى جابر وأورده الضياء في الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين وعجبت للحاكم في عدم استدراكه مع شدة حرصه على مثله.


قال البدري :

مناقشة ابن حجر لما ذكره ابن بطال صحيحة ، الا فيما يتعلق بطلب معاوية من الحسنعليه‌السلام ان يخطب وما ذكره من كلام الحسنعليه‌السلام ، فان جزءا منه وهو قوله (ان الله هداكم بأولنا) ويريد به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، هداهم من ضلاله الكفر ، اما قوله حقن دماءكم باخرنا ، فان الحسن ليس آخر أهل البيت ، مضافا إلى ما نسب إليه من قولهعليه‌السلام : (وان هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به مني أو حق لي) فان هذا الترديد من الحسن إذا حملنا على قوله تعالى سبأ / 24 ، فهو صحيح ، والا فهو ليس صادقا في حق الحسن لأنه على يقين من أمره ومن مشروعية حكمه في قبال بطلان بيعة أهل الشام لمعاوية ، ومهما يكن من أمر فان الذيتذكره الروايات من طلب معاوية ان يخطب في أهل الكوفة بعد ما ابرم الصلح أمر غير وارد تماما ، لان قضية الصلح والشروط قد وضحها الحسن لشعبه قبل ان يوضحها لمعاوية وهو من طبيعة الأشياء لان الحسن ليس ديكتاتورا مع شعبه والقضية تتعلق بمصيرهم كشعب وبمشروععلي الإحيائي لسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الذي تحملوا نصرته.

قال ابن حجر :

قال ابن بطال : سلم الحسن لمعاوية الأمر وبايعه على إقامة كتاب الله وسنة نبيه. ودخل معاوية الكوفة وبايعه الناس فسميت سنة الجماعة لاجتماع الناس وانقطاع الحرب وبايع معاوية كل من كان معتزلا للقتال كابن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة وأجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف وألف ثوب وثلاثين عبدا ومائة جمل وانصرف إلى المدينة وولى معاوية الكوفة المغيرة بن شعبة والبصرة عبد الله بن عامر ورجع إلى دشق.

قال البدري :

قوله (واجاز معاوية الحسن بثلاثمائة ألف الخ) هي صيغة أخرى من رواية سفيان بن عيينة موضع البحث ، قال الحاكم النيسابوري حدثنا أبو بكرمحمد بن


إسحاق وعلي بن حمشاد قالا ثنا بشر بن موسى ثنا الحميدي ثنا سفيان ثنا أبو موسى قال سمعت الحسن يقول استقبل الحسن بن علي معاوية بكتائب أمثال الجبال فقال عمرو بن العاص والله إني لأرى كتائب لا تولى أو تقتل أقرانها فقال معاوية وكان خير الرجلين أرأيت إن قتل هؤلاء هؤلاء من لي بدمائهم من لي بأمورهم من لي بنسائهم قال فبعث معاوية عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس قال سفيان وكانت له صحبة فصالح الحسن معاوية وسلم الأمر له وبايعه بالخلافة على شروط ووثائق وحمل معاوية إلى الحسن مالا عظيما يقال خمس مائة ألف ألف درهم وذلك في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين وإنما كان ولي قبل أن يسلم الأمر لمعاوية سبعة أشهر وأحد عشر يوما(1) .

رجع الكلام إلى ابن حجر في شرح الرواية :

قوله (قال عمرو بن العاص لمعاوية أرى كتيبة لا تولى) بالتشديد أي لا تدبر (قوله حتى تدبر أخراها) وفي رواية عبد الله بن محمد في الصلح اني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها.

قوله (قال معاوية من لذراري المسلمين) أي من يكفلهم إذا قتل آباؤهم. زاد في (كتاب) الصلح (فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين يعني معاوية أي عمروان قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور الناس من لي بنسائهم من لي بضيعتهم) يشير إلى أن رجال العسكرين معظم من في الإقليمين فإذا قتلوا ضاع أمر الناس وفسد حال أهلهم بعدهم وذراريهم والمراد بقوله ضيعتهم الأطفال والضعفاء سموا باسم ما يؤول إليه أمرهم لأنهم إذا تركوا ضاعوا لعدم استقلالهم بأمر المعاش ، وفي رواية الحميدي عن سفيان في هذه القصة من لي بأمورهم من لي بدمائهم من لي بنسائهم واما قوله هنا في جواب قول معاوية من لذراري المسلمين فقال أنا فظاهره يومهم ان المجيب بذلك هو عمرو بن العاص ولم أر في طرق الخبر ما يدل على ذلك فإن كانت محفوظة فلعلها كانت فقال اني بتشديد النون المفتوحة قالها عمرو على سبيل الاستبعاد.

__________________

(1) الحاكم النيسابوري ، المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 191.


قال ابن حجر :

وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن معمرعن الزهري قال : وكان قيس بن سعد بن عبادة على مقدمة الحسن بن علي فأرسل إليه معاوية سجلا قد ختم في أسفله فقال أكتب فيه ما تريد فهو لك فقال له عمرو بن العاص بل نقاتله فقال معاوية وكان خير الرجلين على رسلك يا أبا عبد الله لا تخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتل عددهم من أهل الشام فما خير الحياة بعد ذلك واني والله لا أقاتل حتى لا أجد من القتال بدا).

قال البدري :

قوله (فأرسل إليه معاوية سجلا قد ختم في أسفله فقال أكتب فيه ما تريد فهو لك) هذا القول من معاوية إلى قيس بن سعد ،

ونحن نورد المقطع كاملا من رواية معمر عن الزهري فيما يخص الصلح هو قوله : (واستخلف أهل العراق الحسن بن علي على الخلافة وكان الحسن لا يريد القتال ولكنه كان يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثم يدخل في الجماعة ويبايع ، فعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على ذلك فنزعه وأمر مكانه عبيد الله بن العباس فلما عرف عبيد الله بن العباس الذي يريد الحسن أن يأخذ لنفسه كتب عبيد الله إلى معاوية يسأله الآمان ويشترط لنفسه على الاموال التي أصاب فشرط ذلك معاوية له وبعث إليه ابن عامر في خيل عظيمة فخرج إليهم عبيد الله ليلا حتى لحق بهم وترك جنده الذين هو عليهم لا أمير لهم ومعهم قيس بن سعد فأمرت شرطة الخمسين قيس بن سعد وتعاهدوا وتعاقدوا على قتال معاوية وعمرو بن العاص حتى يشترط لشيعة علي ولمن كان اتبعه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا من الفتنة فخلص معاوية حين فرغ من عبيد الله والحسن إلى مكايدة رجل هو أهم الناس عنده مكيدة وعنده أربعون ألفا فنزل بهم معاوية وعمرو وأهل الشام أربعين ليلة يرسل معاوية إلى قيس ويذكره الله ويقول على طاعة من تقاتلني ويقول قد بايعني الذي تقاتل على طاعته فأبى قيس أن يقر له حتى أرسل معاوية بسجل قد ختم له في اسفله فقال أكتب في هذا السجل فما كتبت فهو لك فقال عمرو لمعاوية لا تعطه هذا وقاتله فقال معاوية وكان خير الرجلين على رسلك يا أبا عبد الله فإنا لن نخلص إلى قتل هؤلاء حتى يقتل عددهم من


أهل الشام فما خير الحياة بعد ذلك وأني والله لا أقاتله حتى لا أجد من ذلك بدا فلما بعث إليه معاوية بذلك السجل اشترط قيسبن سعد لنفسه ولشيعة علي الأمان على ما أصابوا من الدماء والأموال ولم يسأل معاوية في ذلك مالا فأعطاه معاوية ما اشترط عليه ودخل قيس ومن معه في الجماعة)(1) .

أقول : هذه الرواية رواها أيضا الطبري(2) عن يونس الايلي عن الزهري. والزهري غير مأمون في الحديث أساسا عن تاريخ مع بني أمية والذي انفردت به رواية الزهري برواية من لا يتهم في روايته عنه ، هو : ان الذي طلب الأمان للشيعة قيس بن سعد وليس الحسنعليه‌السلام الذي طلب الاموال لنفسه!!! وبالتالي فان بلاءها منحصر بالزهري عالم البلاط الأموي وتبنى تلميذاه معمر بن راشد(3) ويونس الايلي روايتها تلبية لرغبة

__________________

(1) عبدالرزاق الصنعاني ، لمصنف ج 5 ص 461 ـ 463.

(2) الطبري تاريخ الامم والملوك 4 / 125.

(3) معمر بن راشد مولى الأزد يقال كان مملوكا لقوم ينزلون طاحية توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة في رمضان وكان يكنى أبا عروة (ابن عساكر ، تاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 395) ويروي أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء قال معمر بن راشد كان بالبصرة وكان تاجرا يختلف إلى الشام فوافى آل مروان ولهم وليمة وعرس فاستعاروا منه متاعا لعرسهم فأعارهم فلما انقضى عرسهم برّوه قال إنما أنا عبد ، وكلما بررتموني به فهو لمولاي ، ولكن كلموا هذا الرجل يحدثني يعني الزهري فكلموه فحدثه. وعن ابن عائشة نا عبد الواحد بن زياد قال قلت لمعمر كيف سمعت من ابن شهاب قال كنت مملوكا لقوم من طاحية فأرسلوني ببز أبيعه فقدمت المدينة فنزلت دارا فرأيت شيخا والناس يعرضون عليه العلم فعرضت عليه معهم (ابن عساكر ، تاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 393) ،أقول : والرواية الأولى هي الصحيحة لان معمر التقى الزهري في الرصافة. فقد روى ابن عساكر عن عثمان ابن أحمد نا حنبل بن إسحاق حدثني أبو عبد الله نا عبد الرزاق قال قال معمر كنت جئت الزهري بالرصافة فجعل يلقي عليَّ. (ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 393) قال السمعاني ج 3 ص 71 (الرصافة وهي بلدة بالشام كان ينزلها هشام بن عبد الملك فنسب البلد إليه فيقال : رصافة هشام ، والمشهور بهذه النسبة أبو محمد حجاج بن يوسف بن أبي منيع ـ واسمه عبد الله بن أبي زياد الرصافي قام أبو حاتم بن حبان : هو من أهل الشام ، سكن حلب ، يروي عن جده عبيد الله بن أبي زياد عن الزهري ، روى عنه الحسين بن الحسن المروزي وأيوب بن محمد الوزان. وأبو أحمد عبيد الله بن أبي زياد الرصافي ، يروى عن ابن شهاب الزهري) ، ومنذ اتصاله بالزهري وهو آنذاك دون الخامسة والعشرين من العمر على اكثر تقدير ، اختص بالزهري وهو في أخريات عمره وبرز اسمه قال عن حماد بن سلمة قال لما رحل معمر إلى الزهري نبل وكنا نسميه معمر الزهري ، (ابن عساكر / تاريخ مدينة دمشق ج 59 /). روى عبد الرزاق عن ابن عيينة قال كنت جالسا عند سعيد بن أبي عروبة (ت هـ) فحدث بحديث عن معمر قال لقد رفعنا معمر كم هذا أخذنا عنه) ، وفي رواية


خلفاء بني العباس في تشويه الحسنعليه‌السلام .

رجع الحديث إلى شرح ابن حجر :

قوله (فقال عبد الله بن عامر) هو بن كريز بن عبد شمس).

(وعبد الرحمن بن سمرة) هو ابن حبيب بن عبد شمس).

قوله (نلقاه فنقول له الصلح) أي نشير عليه بالصلح وهذا ظاهره انهما بدآ بذلك والذي تقدم في كتاب الصلح ان معاوية هو الذي بعثهما فيمكن الجمع بأنهما عرضا أنفسهما فوافقهما ولفطه هناك. (فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس) أي ابن عبد مناف بن قصي (عبد الرحمن بن سمرة) زاد الحميدي في مسنده عن سفيان (بن حبيب بن عبد شمس) قال سفيان وكانت له صحبة.

(وبنو حبيب بن عبد شمس بنو عم بني أمية بن عبد شمس ومعاوية هو ابن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية)

(فقال معاوية اذهبا إلى هذا الرجل فأعرضا عليه) أي ما شاء من المال.

(وقولا له) أي في حقن دماء المسلمين بالصلح.

(واطلبا إليه) أي اطلبا منه خلعه نفسه من الخلافة وتسليم الأمر لمعاوية وابذلا له في مقابله ذلك ما شاء.

(قال فقال لهما الحسن بن علي إنّا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وان هذه الأمة قد عاثت في دمائها ، قالا فإنه يعرض عليك كذا وكذا ويطلب إليك ويسألك قال فمن لي بهذا قالا نحن لك به فما سألهما شيئا الا قالا نحن لك به فصالحه).

قال ابن بطال : هذا يدل على أن معاوية كان هو الراغب في الصلح وأنه عرض على الحسن المال ورغَّبه فيه وحثَّه على رفع السيف وذكره ما وعده به جدهصلى‌الله‌عليه‌وسلم من سيادته في الإصلاح به ، فقال له الحسن إنّا بنو عبد المطلب (أصبنا من هذا المال) أي أنا جُبِلنا على الكرم والتوسعة على اتباعنا من الأهل والموالي وكنا

__________________

قال معمرا روينا عنه وهو حدث قال سفيان قلت أنت شرفته الله شرفه) (ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 59 ص 403)أقول : اقل ما تفيده الرواية ان معمر بن راشد وسفيان بن عيينة كانا يدا واحدة في المنهج فضلا عن تلمذتهما الخاصة على الزهري.


نتمكن من ذلك بالخلافة حتى صار ذلك لنا عادة.

وقوله (أن هذه الأمة) أي العسكرين الشامي والعراقي.

قوله (قد عاثت) بالمثلثة أي قتل بعضها بعضا فلا يكفون عن ذلك الال بالصفح عما مضى منهم والتألف بالمال وأراد الحسن بذلك كله تسكين الفتنة وتفرقة المال على من لا يرضيه الا المال فوافقاه على ما شرط من جميع ذلك والتزما له من المال في كل عام والثياب والأقوات ما يحتاج إليه لكل من ذكر.

قال البدري :

كلام ابن بطال في تفرقة المال على من لا يرضيه الا المال كلام باطل ، لأنه الذين قتلوا زمن أبيه علي كانوا شهداء وكانت اسرهم قد اجرى لها راتبا ، وقد اكد الحسن هذا الراتب في شروطه على معاوية بقوله ان يجرى في اسر قتلى صفين والجمل ،

وقوله (من لي بهذا) أي من يضمن لي الوفاء من معاوية فقالا نحن نضمن لان معاوية كان فوض لهما ذلك ويحتمل ان يكون قوله (أصبنا من هذا المال) أي فرقنا منه في حياة علي وبعده ما رأينا في ذلك صلاحا فنبه على ذلك خشية ان يرجع عليه بما تصرف فيه.

قال البدري : وهذا الكلام من ابن حجر اسوأ من كلام ابن بطال.

قال ابن حجر :

وفي رواية إسماعيل بن راشد عند الطبري فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر وعبد الله بن سمرة بن حبيب كذا قال عبد الله وكذا وقع عند الطبراني والذي في الصحيح (البخاري) أصح ولعل عبد الله كان مع أخيه عبد الرحمن قال فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء أشترطها.

ومن طريق عوانة بن الحكم نحوه وزاد وكان الحسن صالح معاوية على أن يجعل له ما في بيت مال الكوفة وأن يكون له خراج دار أبجرد.


قال البدري :

اما رواية إسماعيل بن راشد :

فقد رواها الطبري عن موسى بن عبد الرحمن المسروقي قال حدثنا عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن الخزاعي أبو عبد الرحمن قال حدثنا إسماعيل بن راشد قال : بايع الناس الحسن بن عليعليه‌السلام بالخلافة ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفاوأقبل معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر ألا إن قيس بن سعد قد قتل فانفروا فنفروا ونهبوا سرادق الحسنعليه‌السلام حتى نازعوه بساطا كان تحته وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن وكان عم المختار بن أبي عبيد عاملا على المدائن وكان اسمه سعد بن مسعود فقال له المختار وهو غلام شاب هل لك في الغنى والشرف قال وما ذاك قال توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية فقال له سعد عليك لعنة الله أثبعلى ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأوثقه بئس الرجل أنت فلما رأى الحسنعليه‌السلام تفرق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح وبعث معاوية إليه عبد الله بن عامر وعبد الرحمن ابن سمرة بن حبيب بن عبد شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها ثم قام الحسن في أهل العراق فقال يا أهل العراق إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث قتلكم أبي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي ودخل الناس في طاعة معاوية ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس.

قال البدري :

وفي سند الرواية عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن الخزاعي أبو عبد الرحمن. وهو : عثمان بن عبد الرحمن بن مسلم الحراني الطرائفي ت سنة 203 هـ والخزاعي تصحيف الحراني(1) ، وقد قال البخاري انه يروي عن قوم ضعاف ، وقال أبو

__________________

(1) انظر ابن الدمشقي ، جواهر المطالب ت 871 هـ تحقيق المحمودي ص 89 ، حيث رواها عن الطبري بلفظ الحراني وليس الخزاعي.


أحمد الحاكم إنما لقب بالطرائفي لأنه كان يتبع طرائف الحديث يروي عن قوم ضعاف حديثه ليس بالقائم. وقال ابن عدي سمعت أبا عروبة ينسبه إلى الصدق وقال لا بأس به متعبد ويحدث عن قوم مجهولين بالمناكير وعنده عجائب وهو في الجزريين كبقية في الشاميين. قال أبو أحمد وصوبه عثمان انه لا بأس به وتلك العجائب من جهة المجهولين وما يقع في حديثه من الانكار فإنما يقع من جهة من يروي عنه. وقال الساجي عنده مناكير. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه لا أجيزه وقال الأزدي متروك ، وقال ابن نمير كذاب ، مات سنة (203) وقيل سنة (202).(1)

اما إسماعيل بن راشد فهو مجهول الحال : قال الألباني إن إسماعيل بن راشد هذا وهو السلمي الكوفي من أتباع التابعين ، مجهول الحال ، أورده أبن أبي حاتم (1 / 1 / 169) وقال : «وهو إسماعيل بن أبي إسماعيل أخو محمد بن أبي إسماعيل روى عن سعيد بن جبير ـ روى عنه حصين بن عبد الرحمن السلمي ، يعد في الكوفيين». ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا(2) .

أقول : ونكارة المتن واضحة وفيها افتراء على المختاررحمه‌الله في حق الحسنعليه‌السلام وفيها قول زور نسب إلى الحسن بحق أهل الكوفة.

قال ابن حجر :

وذكر محمد بن قدامة في كتاب الخوارج بسند قوي إلى أبي بصرة انه سمع الحسن بن علي يقول في خطبته عند معاوية اني اشترطت على معاوية لنفسي الخلافة بعده.

قال البدري :

وهل يعقل ان الحسنعليه‌السلام لم يتذاكر أمر الصلح وشروطه مع نخبة أصحابه واصحاب أبيه ، انه أمر لا يترقب من الحسن وبخاصة وان الحسن يقرر أمرا يخصهم ، صحيح ان للحسن ولاية الإمامة الإلهية ولكنه لا يمارسها معهم من دون اعدادهم ليتقبلوا ذلك. اما

__________________

(1) ابن حجر ،تهذيب التهذيب ج 7 ص 123 ـ 124. وقد ذكر في ترجمته توثيق البعض له في نفسه.

أقول : وليس بنافعه ذلك مع تكذيب ابن نمير له.

(2) الالباني محمد ناصر ، ارواء الغليل 6 / 76.


قوله اشترطت لنفسي الخلافة فمراد الراوي الحكم ، وليس من شك هو جزء من شروط لتتم بها المصالحة ومعالجة الانشقاق وتأسيس حالة الحكم الجديد في المجتمع ، وبالتالي فان خطبة الحسن عند معاوية بالطريقة التي رواها الرواة أمر غير صحيح.

قال ابن حجر :

وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح إلى الزهري قال كاتب الحسن بن علي معاوية واشترط لنفسه فوصلت الصحيفة لمعاوية وقد أرسل إلى الحسن يسأله الصلح ومع الرسول صحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه ان اشترط ما شئت فهو لك فاشترط الحسن أضعاف ما كان سأل أولا فلما التقيا وبايعه الحسن سأله ان يعطيه ما اشترط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله فتمسك معاوية الا ما كان الحسن سأله أولا واحتج بأنه أجاب سؤاله أول ما وقف عليه فاختلفا في ذلك فلم ينفذ للحسن من الشرطين شيء.

قال البدري :

ما رواه يعقوب بن سفيان البسوي بسند صحيح بزعمه عن الزهري هو روايته عن الحجاج بن أبي منيع (يوسف) عن جده (عبيد الله بن أبي زياد ت 158 هـ)(1) عن

__________________

(1) قال ابن سعد فيالطبقات الكبرى ج 7 ص 474 الحجاج بن أبي منيع واسم أبي منيع يوسف بن عبيد الله بن أبي زياد مولى عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وكان عبيد الله بن أبي زياد أخا امرأة هشام بن عبد الملك من الرضاعة وهي عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ، هو عبيد الله بن أبي زياد الرصافي مولى بني أمية.

قال ابن حجر فيتهذيب التهذيب ج 7 ص 13 قال الذهلي : عبيد الله بن أبي زياد من أهل الرصافة لم أعلم له راويا غير ابن ابنه ، أخرج إلي جزءا من أحاديث الزهري فنظرت فيها فوجدتها صحاحا فلم اكتب منها إلا يسيرا قال الذهبي فهذان رجلان مجهولان من أصحاب الزهري مقاربا الحديث.

وقال ابن عساكر فيتاريخ مدينة دمشق ج 73 ص 464 : كان الزهري لما قدم على هشام بالرصافة لزق عبيد الله بن أبي زياد به فسمع علمه وكتبه فسمعها منه ابنه يوسف بن عبيد الله وسمعها منه ابن ابنه الحجاج بن يوسف أبي منيع في آخر خلافة أبي جعفر (المنصور) وقال أنا كنت احمل الكتب إليه فيقرأها على الناس.

قال حجاج ومات (جدي) عبيد الله بن أبي زياد سنة ثمان أو تسع وخمسين ومائة وهو يومئذ ابن


الزهري قال : قتل علي وبايع أهل العراق الحسن بن علي على الخلافة فطفق يشترط عليهم حين بايعوه إنكم لي سامعون مطيعون تسالمون وتحاربون من حاربت فارتاب أهل العراق في أمره حين اشترط هذا الشرط قالوا ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا القتال فلم يلبث حسن بعدما بايعوه إلا قليلا حتى طعن طعنة أشوته فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعراً.(1)

وروى يعقوب بن سفيان عن حجاج أيضا قال حدثني جدي عن الزهري ، قال فكاتب الحسن لما طعن معاوية وارسل يشرط شرطه فقال ان اعطتني هذا فاني سامع مطيع وعليك ان تفي به ، فوقعت صحيفة الحسن في يد معاوية وقد ارسل معاوية إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على اسفلها وكتب إليه ان اشترط في هذه ما شئت فما اشترطت فهولك ، فلما اتت حسنا جعل يشترط اضعاف الشروط التي سأل ما فيها. فلما التقيا وبايعه الحسن سأل حسن معاوية أن يعطيه الشروط التي شرط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله فأبى معاوية أن يعطيه ذلك ، وقال لك ما كنت كتبت إلى تسألني أن أعطيك ، فاني قد أعطيتك حين جاءني كتابك. فقال له الحسن وانا قد اشترطت عليك حين جاءني سجل واعطيتني العهد على الوفاء ما فيه ، فاختلفا في ذلك فلم ينفذ معاوية للحسن من الشروط شيئا.(2)

قال البدري :

اما أبو منيع فهو يوسف بن عبيد الله بن أبي زياد مولى عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وكان عبيد الله بن أبي زياد أخا امرأة هشام بن عبد الملك من الرضاعة وهي عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ، هو عبيد الله بن أبي زياد الرصافي مولى بني أمية(3) ، ويهمنا ترجمته وهي كما يلي :

__________________

نيف وثمانين سنة أسود شعر الرأس أبيض وكان ذا جمة وكان الحجاج يكنى أبا محمد وقال الحجاج في جمادي الأولى سنة ست عشرة ومائتين أنا اليوم ابن ست وسبعين سنة.

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 263.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 272.

(3) ابن سعد فيالطبقات الكبرى ج 7 ص 474.


عبيد الله بن أبي زياد الرصافي (158 هـ) : قال الذهلي : عبيد الله بن أبي زياد من أهل الرصافة لم أعلم له راويا غير ابن ابنه ، أخرج إلي جزءا من أحاديث الزهري فنظرت فيها فوجدتها صحاحا فلم اكتب منها إلا يسيرا قال الذهبي فهذان رجلان مجهولان من أصحاب الزهري مقاربا الحديث(1) . وقال ابن عساكر : كان الزهري لما قدم على هشام بالرصافة لزق عبيد الله بن أبي زياد به فسمع علمه وكتبه فسمعها منه ابنه يوسف بن عبيد الله وسمعها منه ابن ابنه الحجاج بن يوسف أبي منيع في آخر خلافة أبي جعفر (المنصور) وقال أنا كنت احمل الكتب إليه فيقرأها على الناس ، قال حجاج ومات (جدي) عبيد الله بن أبي زياد سنة ثمان أو تسع وخمسين ومائة وهو يومئذ ابن نيف وثمانين سنة أسود شعر الرأس أبيض وكان ذا جمة وكان الحجاج يكنى أبا محمد وقال الحجاج في جمادي الأولى سنة ست عشرة ومائتين أنا اليوم ابن ست وسبعين سنة(2) .

قال البدري :

وهكذا فإنّ سند الرواية كاف في ردها ولست ادري من أين جاء ابن حجر بالسند الصحيح :

قال ابن حجر :

واخرج ابن أبي خيثمة من طريق عبد الله بن شوذب قال لما قتل علي سار الحسن بن علي في أهل العراق ومعاوية في أهل الشام فالتقوا فكره الحسن القتال وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده فكان أصحاب الحسن يقولون له يا عار المؤمنين فيقول العار خير من النار.

قال البدري :

ذكر ابن عبد البر رواية عبد الله بن شوذب قال : حدثنا أحمد بن زهير ، قال حدثنا هارون بن معروف ، حدثنا ضمرة ، عن ابن شوذب ، قال : (لما قتل عليّ سار الحسن فيمن معه من أهل الحجاز والعراق ، وسار معاوية في أهل الشام ، فالتقوا ،

__________________

(1) ابن حجرتهذيب التهذيب ج 7 ص 13.

(2) ابن عساكرتاريخ مدينة دمشق ابن عساكر ج 73 ص 464.


فكره الحسن القتال ، وبايع معاوية على أن يجعل العهد للحسن من بعده ، قال : فكان أصحاب الحسن يقولون له يا عار المؤمنين. فيقول : العار خير من النار)(1) .

أقول : قوله (فبايع معاوية) ليس صحيحا اذ لم تقع بيعة من الحسنعليه‌السلام لمعاوية في الصلح بينهما ولم يكن يخطر ببال معاوية ان يطلب من الحسنعليه‌السلام ان يبايعه كما بينا ذلك سابقا ، وقوله عن أصحاب الحسنعليه‌السلام يا عار المؤمنين إذا حملنا على موقف الخوارج فهو صحيح ، ولكن الخوارج ليسوا في جيش الحسنعليه‌السلام ، مضافا إلى عدم الاعتماد على ضمرة كما يتضح من ترجمته.

ترجمة ضمرة بن ربيعة (202 هـ) : هو ضمرة بن ربيعة أبو عبد الله القرشي من أهل دمشق نزل الرملة (لذلك قيل الفلسطيني ، الرملي) وهو مولى علي بن أبي حملة وعلي مولى آل عتبة بن ربيعة (بن عبد شمس) روى عن عبد الله بن شوذب وغيره روى عنه هارون بن معروف وغيره. قال عبد الله بن احمد بن حنبل : كتب إلي غالب أبي عن ضمرة بن ربيعة فقال من الثقات المأمونين رج صالح مليح الحدث لم يكن بالشام رجل يشبهه. قال يحيى بن معين يقول توفي ضمرة بن ربيعة سنة اثنين ومائتين.(2)

أقول : وأهل الرملة لا يؤمَنون على أهل العراق ، قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ : سمعت علي بن عمر يقول : كان أبو عبد الرحمان النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره ، وأعرفهم بالصحيح والسقيم من الآثار ، وأعلمهم بالرجال ، فلما بلغ هذا المبلغ حصدوه فخرج إلى الرملة ، فسئل عن فضائل معاوية ، فأمسك عنه ، فضربوه في الجامع. فقال : أخرجوني إلى مكة ، فأخرجوه إلى مكة وهو عليل ، وتوفي بها مقتولا شهيدا(3) .

قال ابن حجر :

قوله (قال الحسن) هو البصريوهو موصول بالسند المتقدم ووقع في رجال البخاري لأبي الوليد الباجي في ترجمة الحسن بن علي بن أبي طالب ما نصه اخرج البخاري قول الحسن سمعت أبا بكرة فتأوله الدارقطني وغيره على أنه الحسن ابن علي

__________________

(1) ابن عبد البر ، الاستيعاب 1 / 386.

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 24 ـ ص 404 ، 409 ، 411.

(3) المزي ،تهذيب الكمال ج 1 ص 339.


لان الحسن البصري عندهم لم يسمع من أبي بكرة وحمله ابن المديني والبخاري على أنه الحسن البصري قال الباجي وعندي ان الحسن الذي قال سمعت هذا من أبي بكرة انما هو الحسن بن علي انتهى وهو عجيب منه ، فان البخاري قد أخرج متن هذا الحديث في علامات النبوة مجردا عن القصة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى وهو إسرائيل بن موسى عن الحسن عن أبي بكرة ، وأخرجه البيهقي في الدلائل من رواية مبارك بن فضالة ومن رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عن أبي بكرة وزاد في آخره قال الحسن فلما ولى ما أهريق في سببه محجمة دم فالحسن القائل هو البصري والذي ولي هو الحسن بن علي وليس للحسن بن علي في هذا رواية ، وهؤلاء الثلاثة إسرائيل بن موسى ومبارك بن فضالة وعلي بن زيد لم يدرك واحد منهم الحسن بن علي.

وقد صرح إسرائيل بقوله سمعت الحسن وذلك فيما أخرجه الإسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن الصلت بن مسعود عن سفيان بن عيينة عن أبي موسى هو إسرائيل سمعت الحسن سمعت أبا بكرة وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح.

والصلت من شيوخ مسلم وقد استشعر ابن التين خطأ الباجي فقال قال الداودي الحسن مع قربه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم بحيث توفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو ابن سبع سنين لا يشك في سماعه منه وله مع ذلك صحبة قال ابن التين الذي في البخاري انما أراد سماع الحسن بن أبي الحسن البصري من أبي بكرة (قال ابن حجر) ولعل الداودي انما أراد رد توهم من يتوهم انه الحسن بن علي فدفعه بما ذكر وهو ظاهر وإنما قال ابن المديني ذلك لان الحسن كان يرسل كثيرا عن من لم يلقهم بصيغة عن فخشى أن تكون روايته عن أبي بكرة مرسلة فلما جاءت هذه الرواية مصرحة بسماعه من أبي بكرة ثبت عنده انه سمعه منه ولم أر ما نقله الباجي عن الدارقطني من أن الحسن هنا هو ابن علي في شيء من تصانيفه وإنما قال في التتبع لما في الصحيحين أخرج البخاري أحاديث عن الحسن عن أبي بكرة والحسن انما روى عن الأحنف عن أبي بكرة وهذا يقتضي انه عنده لم يسمع من أبي بكرة لكن لم أر من صرح بذلك ممن تكلم في مراسيل الحسن كابن المديني وأبي حاتم وأحمد والبزار وغيرهم نعم كلام ابن


المديني يشعر بأنهم كانوا يحملونه على الارسال حتى وقع هذا التصريح.

قوله (بينما النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يخطب جاء الحسن فقال) وقع في رواية علي بن زيد عن الحسن في الدلائل للبيهقي يخطب أصحابه يوما إذ جاء الحسن بن علي فصعد إليه المنبر وفي رواية عبد الله بن محمد المذكورة رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول ومثله في رواية ابن أبي عمر عن سفيان لكن قال وهو يلتفت إلى الناس مرة واليه أخرى (قوله ابني هذا سيد) في رواية عبد الله بن محمد ان ابني هذا سيد وفي رواية مبارك بن فضالة رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ضم الحسن بن علي إليه وقال إن ابني هذا سيد وفي رواية علي بن زيد فضمه إليه وقال الا ان ابني هذا سيد (قوله ولعل الله ان يصلح به) كذا استعمل لعل استعمال عسى لاشتراكهما في الرجاء والأشهر في خبر لعل بغير ان كقوله تعالى لعل الله يحدث (قوله بين فئتين من المسلمين) زد عبد الله بن محمد في روايته عظيمتين وكذا في رواية مبارك بن فضالة وفي رواية علي بن زيد كلاهما عن الحسن عند البيهقي واخرج من طريق أضعث ابن عبد الملك عن الحسن كالأول لكنه قال واني لأرجو ان يصلح الله به وجزم في حديث جابر ولفظه عند الطبراني والبيهقي قال للحسن ان ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين. قال البزار روى هذا الحديث عن أبي بكرة وعن جابر وحديث أبي بكرة أشهر وأحسن إسنادا وحديث جابر غريب وقال الدارقطني اختلف على الحسن فقيل عنه عن أم سلمة وقيل عن ابن عيينة عن أيوب عن الحسن وكل منهما وهم ورواه داود بن أبي هند وعوف الأعرابي عن الحسن مرسلا.

قال ابن حجر وفي هذه القصة من الفوائد :

(اولا :) علم من أعلام النبوة ومنبقة للحسن بن علي فإنه ترك الملك لا لقلة ولا لذلة ولا لعلة بل لرغبته فيما عند الله لما رآه من حقن دماء المسلمين فراعى أمر الدين ومصلحة الأمة.

قال البدري :

بل قدم اختيار اهل الشام على اختيار اهل العراق من اجل معالجة الانشقاق


الاموي وفتح قلوب اهل الشام بما فيهم معاوية لمشروع عليعليه‌السلام الاحيائي للسنة يتعرفون عليه من موقع الشفافية لتكون الحجة عليهم ابلغ.

قال ابن حجر :

(ثانيا :) وفيها رد على الخوارد الذين كانوا يكفرون عليا ومن معه ومعاوية ومن معه بشهادة النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم للطائفتين بأنهم من المسلمين ومن ثم كان سفيان بن عيينة يقول عقب عقب هذا الحديث قوله من المسلمين يعجبنا جدا أخرجه يعقوب بن سفيان في تاريخه عن الحميدي وسعيد بن منصور عنه وفيه فضيلة الإصلاح بين الناس ولا سيما في حقن دماء المسلمين.

(ثالثا :) ودلالة على رأفة معاوية بالرعية وشفقته على المسلمين وقوة نظره في تدبير الملك ونظره في العواقب.

قال البدري :

أين كانت رأفة معاوية لما انشق عن عليعليه‌السلام وهل يجهل قدر عليعليه‌السلام مثله وكلاهما من بيت عبد مناف؟(1) ، وتسبب في سفك دماء عشرات الآلاف من المسلمين وفيهم ابرار الصحابة في صفين وفي ارعاب الآلاف من النساء والاطفال لأنهم شيعة علي في غاراته بعد النهروان ، ثم حين غدر بشروط الحسنبائدا بالحسنعليه‌السلام نفسه حين دس له السم سنة (50 هـ) واستضعف شيعة علي تهجيرا وسجنا ونفياوقتلا والدفن لبعضهم وهم إحياء!!!.

قال ابن حجر :

(رابعا :) وفيه ولاية المفضول الخلافة مع وجود الأفضل لان الحسن ومعاوية ولي كل منهما الخلافة وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد في الحياة وهما بدريان قاله ابن التين وفيه جواز خلع نفسه إذا رأى في ذلك صلاحا للمسلمين والنزول عن الوظائف الدينية والدنيوية بالمال وجواز أخذ المال على ذلك واعطائه بعد استيفاء

__________________

(1) انظر نسب معاوية صفحة 225 من هذا الكتاب.


شرائطه بأن يكون المنزول له أولى من النازل وأن يكون المبذول من ماله الباذل فإن كان في ولاية عامة وكان المبذول من بيت المال اشترط أن تكون المصلحة في ذلك عامة أشار إلى ذلك ابن بطال قال يشترط ان يكون لكل من الباذل والمبذول له سبب في الولاية يستند إليه وعقد من الأمور يعول عليه.

قال البدري :

قلنا في الفصل الخامس من الباب الثاني من هذا الكتاب ان الحسنعليه‌السلام ما كان بحاجة إلى مال ليشترطه لنفسه من معاوية ويأخذ معه من بيت مال الكوفة فقد اغنته صدقات أبيه عليعليه‌السلام . وسيأتي تفصيل اكثر.

قال ابن حجر :

(خامسا :) وفيه إطلاق الابن على ابن البنت وقد انعقد الاجماع على أن امرأة الجد والد الام محرمة علي ابن بنته وان امرأة ابن البنت محرمة على جده وان اختلفوا في التوارث.

(سادسا :) واستُدِلَّ به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي وإن كن علي أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق وهو قول سعد بن أبي وقاص وابن عمر ومحمد بن مسلمة وسائر من اعتزل تلك الحروب.

قال البدري :

ولكن معاوية لم يرضَ صحة اعتزال سعد بن ابي وقاص فقد روى المسعودي قال وحدث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، عن محمد بن حميد الرازي ، أبي مجاهد ، عن محمد بن إسحاق ، عن ابن أبي نجيح ، قال : لما حج معاوية طاف بالبيت ومعه سعد ، فلما فرغ انصرف معاوية إلى دار النَّدْوَة ، فأجلسه معه على سريره ، ووقع معاوية في علي وشرع في سَبَّه ، فزحف سعد ثم قال :

أجلستني مك على سريرك ثم شرعت في سب علي ، والله لأن يكون في خصلة واحدة من خصال كانت لعلي أحب إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس : والله لأن أكون صهراً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وأن لي من الولد ما لعلي أحب


إلى من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، والله لأن يكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لي ما قاله يوم خيبر : «لأعطيَنَّ الراية غداً رجلا يحبه الله ورسوله ، ويحب الله ورسوله ، ليس بِفَرَّار يفتح الله على يديه» أحبُّ إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، والله لأن يكون رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال لي ما قال له في غزوة تبوك : «ألا ترضي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بدي» أحبُّ إلي من أن يكون لي ما طلعت عليه الشمس ، وأيم الله لا دخلت لك داراً ما بقيت ، ثم نهض.

قال المسعودي : ووجدت في وجه آخر من الروايات ، وذلك في كتاب علي بن محمد بن سليمان النوفلي الأخبار ، عن ابن عائشة وغيره ، أن سعداً لما قال هذه المقالة لمعاوية ونهض ليقوم ضَرَطَ له معاوية ، وقال له : اقعد حتى تسمع جواب ما قلت ، ما كُنْتَ عندي قط ألأم منك الآن ، فهلا نصرته ، ولم قعدت عن بيعته؟ فاني لو سمعت من النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم مثل الذي سمعت فيه لكنت خادماً لعلي ما عشت.(1)

قال البدري :

لقد كذب معاوية في كلامه الاخير فهو يعلم حق العلم ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد قال ذلك في حق عليعليه‌السلام .

قال ابن حجر :

وذهب جمهور أهل السنة إلى تصويب من قاتل مع علي لامتثال قوله تعالى( وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) الآية ففيها الأمر بقتال الفئة الباغية وقد ثبتان من قاتل عليا كانوا بغاة(2) ، وهؤلاء مع هذا التصويب متفقون على انه لا يذم واحد من هؤلاء بل يقولون اجتهدوا فأخطئوا. وذهب طائفة قليلة من أهل السنة وهو قول كثير من

__________________

(1) المسعودي ، مروج الذهب ج 3 ص 15.

(2) قال ابن حجر في فتح الباري ج 6 ص 456 : (وفي قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله تقتل عماراً الفئة الباغية ، دلالة واضحة على أن علياً ومن معه كانوا على الحق ، وأن من قاتلهم كانوا مخطئين في تأويلهم. والله أعلم).


المعتزلة إلى ان كلا من الطائفتين مصيب ، وطائفة إلى ان المصيب طائفة لا بعينها(1) .

قال البدري :

وفي هذا المقطع مطالب نكتفي بما رد علماؤنا وغيرهم في كتبهم تفصيلا.(2)

واختتم الفصل بكلام ابن حجر الذي قاله في أول شرحه للرواية :

قال ابن حجر :

قوله : (قال حدثنا الحسن) يعني البصري والقائل حدثنا هو إسرائيل المذكور. قال البزار في مسنده بعد أن أخرج هذا الحديث عن خلف بن خليفة عن سفيان بن عيينة لا نعلم رواه عن إسرائيل غير سفيان. وتعقبة مغلطاي بأن البخاري أخرجه في علامات النبوة من طريق حسين بن علي الجعفي عن أبي موسى وهو إسرائيل هذا.

قال ابن حجر :

وهو تعقب جيد ولكن لم أر فيه القصة وإنما اخرج فيه الحديث المرفوع فقط.

قال البدري :

وهذا معناه ان قصة صلح الامام الحسنعليه‌السلام التي يرويها البخاري ينفرد بها سفيان بن عيينة. وهي من صياغته وقد أخذ فكرتها من معمر على الأكثر ولم يشأ ان يرويها عن معمر عن الزهري بل اسندها إلى إسرائيل أبي موسى البصري عن الحسن البصري(3) ليعزز بها رواية الزهري ويؤكد بها قول أبي جعفر الدوانيقي (ان الحسن ما

__________________

(1) ابن حجر ، فتح الباري 13 / 52 ـ 58 ، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت ـ لبنان ، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت ـ لبنان.

(2) كما في كتابالنص والاجتهاد للعلامة المصلح المحقق السيد عبد الحسين شرف الدين وكتاب معالم المدرستين للعلامة المحقق السيد مرتضى العسكري ، والعلامة المحقق الشيخ علي الكوراني في كتابه الانتصار ج 8 ، وغيرهم.

(3) أقول : وهناك رواية أخرى نسجتعلى غرار رواية ابن عيينة على الحسن البصري وهي رواية جرير بن حازم 175 هـ فقد روى البلاذري فيانساب الاشراف ج 3 ص 51 ـ 52) قال حدثنا خلف بن سالم ، حدثنا وهب (بن جرير) (ت 206) قال : قال أبي (جرير بن حازم ـ وأحسبه رواه عن الحسن البصري ـ قال :

لما بلغ أهل الكوفة (بيعة) الحسن أطاعوه وأحبوه أشدمن حبهم لأبيه ، واجتمع له خمسون ألفا ،


هوبرجل باع الخلافة بدراهم) ، وبهذه الرواية صعد نجم سفيان عند المهدي العباسي وعيَّنه إماما في مكة ، واقره الخليفة هارون حفيد الدوانيقي وسماه (سيد الناس). كما كان جدهم أبو جعفر قد عين مالكا إماما في المدينة.

وفيما يلي ترجمة سفيان بن عيينة ، ثم ترجمة البخاري الذي تبنى ترويج الرواية وعنه انتشرت في كتب الحديث والتاريخ بعده.

سفيان بن عيينة

ترجمة سفيان بن عيينة (الاعور) (198 هـ) :

قال الذهبي : هو أبو محمد الهلالي الكوفي ثم الملكي ، الامام الكبير حافظ العصر شيخ الإسلام مولده بالكوفة سنة (107 هـ) وطلب الحديث وهو حدث ولقي الكبار وحمل عنهم علما جماً. سمع في سنة تسع عشرة ومأة من عمر وبن دينار ، فاكثر عنه ، ومن ابن شهاب الزهري وايوب السختياني وأبي اسحق السيعي والاعمش وغيرهم وتفرد بالرواية عن خلق من الكبار. حدث عنه شعبة وابن حريج والاعمش وهم

__________________

فخرج بهم حتى أتى المدائن ، وسرح بين يديه قيس ابن سعد بن عبادة الأنصاري في عشرين ألفا ، فنزل بمسكن ، وأقبل معاوية من الشام في جيش.

ثم إن الحسن خلا بأخيه الحسين فقال له (له : يا) هذا إني نظرت في أمري فوجدتني لا أصل إلى الأمر ، حتى تقتل من أهل العراق والشام من لا أحب أن أحتمل دمه ، وقد رأيت أن أسلم الأمر إلى معاوية فأشاركه في إحسانه ويكون عليه إساءته (ظ). فقال الحسين : أنشدك الله أن تكون أول من عاب أباك وطعن عليه ورغب عن أمره. فقال : إني لأرى ما تقول والله لئن لم تتابعني لأسندتك في الحديد فلا تزال فيه حتى أفرغ من أمري. قال : فشأنك. فقام الحسن خطيبا فذكر رأيه في الصلح والسلم لما كره من سفك الدماء وإقامة الحرب. فوثب عليه أهل الكوفة وانتهبوا ماله وخرقوا سرادقه وشتموه وغجّزوه ثم انصرفوا عنه ولحقوا بالكوفة! فبلغ الخبر قيسا فخرج إلى أصحابه فقال : يا قوم إن هؤلاء القوم كذّبوا محمدا وكفروا به ما وجدوا إلى ذلك سبيا! فلمّا أخذتهم الملائكة من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم دلخوا في الإسلام كرها ، وفي أنفسهم ما فيها من النفاق! فلمّا وجدوا السبيل إلى الخلافة ، أظهروا ما في أنفسهم! وإن الحسن عجز وضعف وركن إلى صلح معاوية ، فإن شئتم أن تقاتلوا بغير إمام فعلتم؟! وإن شئتم ان تدخلوا في الفتنة دخلتم؟ قالوا : فإنّا ندخل في الفتنة! فأعطى معاوية حسنا ما أراد ، في صحيفة بعث بها إليه مختومة ، اشترط الحسن فيها شروطا ، فلما بايع معاوية لم يعطه مما كتب شيئا! فانصرف الحسن إلى المدينة ومعاوية إلى الشام.


من شيوخه ، وابو اسحق الفراري وعبد الله بن المبارك وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان والشافعي ويحيى بن معين وعلي بن المديني واحمد بن حنبل ومحمد بن عبد الله بن نمير وغيرهم(1) .

قال الخطيب ولد بالكوفة وسكن مكة وقدم بغداد(2) .

وقال أبو محمد الرامهرمزي عن زياد بن عبد الله الخزاعي قال سمعت سفيان بن عينية يقول : كان أبي صيرفيا بالكوفة فركبه دين فحملنا إلى مكة(3) .

قال الشافعي : لولا مالك وسفيان بن عيية لذهب علم الحجاز ، وقال وجدت أحاديث الاحكام كلها عند ابن عيينة سوى ست أحاديث ووجدتها كلها عند مالك سوى ثلاثين حديثا.

ثال الذهبي : فهذا يوضح لك سعة دائرة علم سفيان في العلم وذلك لأنه فم أحاديث العراقيين إلى أحاديث الحجازيين.

وقال احمد بن عبد الله العجلي : كان ابن عيينة ثبتا في الحديث وكان حديثه نحواً من سبعة آلاف ولم تكن له كتب.

قال احمد : دخل سفيان على معن بن زائد(4) ، يعني أمير اليمن ولم يكن سفيان تلطخ بعد بشيء من أمر السلطان فجعل يعضله(5) .

اقول :

وقول احمد : ولم يكن سفيان قد تلطخ بعد شيء من أمر السلطان نستفيد منه ان سفيان قد صانع السلطان العباسي فيما بعد كما صانعه مالك ولا نملك معلومات مفصلة

__________________

(1) الذهبي ،سير اعلام النبلاء ج 8 / 455.

(2) الخطيب ،تاريخ بغداد ، ج 9 / 180.

(3) الذهبي ،سير اعلام النبلاء ج 8 / 460.

(4) كنا معن من امراء متولي العراقين يزيد بن عمر بن هبيرة فلما تملك بنو العباس اختفى من مدة الطلب عليه حيث فلما كان يم خروج الريوندية والخراسانية على المنصور بالهاشمية قرب الكوفة سنة 134 وحمي القتال وحار المنصور في أمره ظهر معن وقاتل الريوندية فكان النصر على يده وعرض نفسه للمنصور وسر به ثم ولاه اليمن توفي سنة 151 ـ 152) انظر ترجمة في سير اعلام النبلاء ج 7 ص 97.وفيان الاعيان 5 ص 244.

(5) الذهبي ،سير اعلام النبلاء ج 8 ص 457 ـ 458.


عن زمن ذلك ، الا ان الخطيب البغدادي روى عن أبي الربيع النخاس قال تلقيت هارون امير المؤمنين فسألني عن علية الهاشميين ، ثم قال لي ما فعل سيد الناس؟ قال قلت يا أمير المؤمنين ومن سيد الناس غيرك؟ قال سيد الناس سفيان بن عيينة. والرواية تفيد ان سفيان له حظوة خاصة عند بني العباس وهذه الحظوة لم تكن لولا المصانعة كما كان الأمر في مالك ، ويبدو انهم عيونه مرجعاً في مكة. ومن هنا كان يقصده طلبة العلم كما كانوا يقصدون مالك بن انس في المدينة وكان قرينه. (قال الشافعي : مالك وسفيان قرينان).

أقول : ولا يبعد ان منزلته قد كبرت عند الرشيد عند كان يعرِّض بآل اعين عبد الملك وحمران وزرارة اعلام الرواية عن الباقر والصادقعليهما‌السلام ولم يعرف التعريض بهم عن غيره وسيأتي تفصيل الكلام عن ذلك.

قال ابن المديني : قال لي يحيى القطان ت 198 : ما بقي احد من معلميَّ احد غير سفيان بن عيينة هو امام منذ أربعين سنة.

أقول : أي ان إمامة سفيان الدينية بدأت من سنة 158 هـ وكان انتقاله من الكوفة إلى مكة سنة (163 هـ) زمن الخليفة المهدي العباسي واستمر بها إلى أن مات ، وعظمها في عهد المهدي العباسي وولديه الهادي والرشيد. وليس من شك ان انتقاله إلى مكة لإمامتها في الحديث والفتوى كما كان مالك إمام المدينة في الحديث والفتوى.

قال الذهبي وكان سفيانمشهوراً بالتدليس ، عمد إلى أحاديث رفعت إليه من حديث الزهري فيحذف اسم من حدثه ويدلسها الا انه لا يدلس الا عن ثقة عنده(1) .

__________________

(1) قال ابن حبان في صحيحه : واما المدلسون الذين هم ثقات عدول ، فانا لا نحتج باخبارهم الا ما بينوا السماع فيما رووا مثل الزهري والاعمش أبي اسحق واضرابهم من الأئمة المتقين وأهل الروع في الدين لانا متى قبلنا خبر مدلس لم يبين المساع فيه وان كان ثقة لزنا قبول المقاطيع والمراسيل كلها لأنه لا يدري لعله هذا المدلس دلس هذا الخبر عن ضعيف ليهي الخبر يذكره إذا عرف ، اللهم الا ان يكون المدلس يعلم انه ما دلس قط الا عن ثقة فإذا كان كذلك قبلت روايته وان لم يبين السماع ، وهذا ليس في الدينا الا سفيان بن عينة وحده كان يدلس ولا يدلس الا عن ثقة متقن ولا يكاد يوجد سفيان بن عينية خبر دلس فيه الا وجد ذلك الخبر بعيينة قد بين سماعه عن ثقة مثل نفسه (الذهبي ،سير اعلام النبلاء ج 8 / 465 الهامش).


قال الذهبي : فاما ما بلغنا عن يحيى بن سعيد القطان انه قال اشهدوا ان ابن عيينة اختلط سنة سبع وتسعين ومائة فهذا منكر القول ولا يصح فان يحيى بن القطان مات في صفر سنة ثمان وتسعين مع قدوم الوفد من الحج فمن الذي اخبره باختلاط سفيان ومتى لحق ان يقول هذا القول وق بلغت التراقي؟ وسفيان حجة مطلقاً وحديثه في جميع دواوني الإسلام.

قال ابن حجر : هذا لا يتجه لان ابن عمار راوي الخبر عن القطان من الاثبات المتقنين ، وما المانع ان يكون يحيى بن سعد سمعه من جماعة من حج في تلك السنة واعتمد قولهم وكانوا كثيرا فشهد على استفاضتهم ، وقد وحدت عن يحيى بن سعيد شيئاً يصلح ان يكون سببا لما نقله عنه ابن عمار في حق ابن عيينة وذلك ما أورده أبو سعد بن السمعاني في ترجمة إسماعيل بن أبي صالح المؤذن من ذيل تاريخ بغداد بسند له قوي إلى عبد الرحمن بن نشر بن الحكم قال سمعت يحيى بن سعيد بقول قلت لابن عيينة كنت تكتب الحديث وتحدث واليوم تزيد في اسناده أو تنقص منه فقال عليك بالمساع الأول فاني قد سمنت ، وقد ذكر أبو معين الرازي في زيادة كتبا الإيمان لأحمد ان هارون بن معروف قال له ان ابن عيينة تغيرأمره بآخره وان سليمان بن حرب قال له ان ابن عيينة اخطأ في عامة حديثه عن أيوب.

كلام ابن عيينة في جابر الجعفي :

قال ابن حجر تهذيب التهذيب 2 / 43 وقال الشافعي سمعت سفيان بن عيينة يقول سمعت من جابر الجعفي كلاما فبادرت خفت أن يقع علينا السقف. قال سفيان كان يؤمن بالرجعة.

وقال الحميدي عن سفيان سمعت رجلا سأل جابر الجعفي عن قوله فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي قال لم يجيء تأويلها بعد ، قال سفيان كذب ، قلت ما أراد بهذا ، قال : الرافضة تقول أن عليا في السماء لا يخرج من ولده حتى ينادي من السماء اخرجوا مع فلان يقول جابر هذا تأويل هذا. وقال الحميدي أيضا سمعت رجلا يسأل سفيان أرأيت يا أبا محمد الذين عابوا على جابر الجعفي قوله حدثني وصي الأوصياء فقال سفيان هذا أهونه.


حوله نسبة ابن عيينة إلى التشيع :

قال ابن حجر : ونسبه ابن عدي إلى شيء من التشيع فقال في ترجمة عبد الرزاق ذكر ابن عيينة حديثا فقيل له هل فيه ذكر عثمان قال نعم لكني سكت لأني غلام كوفي.

أقول : لم ينسبه ابن عدي إلى التشيع صراحه بل روى في ترجمة عبد الرزاق قال اخبرنا الحسن بن سفيان الفسوي حدثنا اسحق بن إبراهيم الحنظلي اخبرنا عن عبد الرزاق عن سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن أي نظرة عن أبي سعيد الخدري قال : قال : رسول الله (ص) (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه).

وقال ابن عدي وهذا حديث يعرف بعبد الرزاق عن ابن عيينة وقد روى عن عبد الرزاق عن ابن عيينة. وقد رواه سليمان بن أيوب الصريفيني عن ابن عيينة. وقد رواه علي بن المديني عن ابن عيينة.

وجعفر بن سليمان هذا هو يعد في الشيعة من أهل البصرة وعبد الرزاق يعد في الشيعة وهذا الحديث بجعفر بن سليمان اشبه من ابن عيينة على ان ابن عيينة كوفي وقد قال ابن عيينة في حديث له قيل له فيه ذكر عثمان قال نعم ولكني سكت لأني غلام كوفي(1) .

وقد ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في اصحاب الصادقعليه‌السلام قائلا مولاهم أبو محمد الكوفي سكن مكة وعنونه النجاشي قائلا : كان جده أبو عمران عاملاً من عمال خالد القسري له نسخة عن جعفر بن محمدعليه‌السلام .

وقال الشيخ الصدوق فيه : لقي الصادقعليه‌السلام وروى عن وبقي إلى أيام الرضاعليه‌السلام .

وروى الكشي عن علي بن الحسن عن محمد بن الوليد عن العباسي بن هلال قال ذكر أبو الحسن الرضاعليه‌السلام ان سفيان بن عيينة لقى أبا عبد اللهعليه‌السلام فقال له يا أبا عبد الله إلى متى هذه التقية؟ وقد بلغت هذا السن؟ فقال والذي بعث محمداً لو ان رجلا صلى ما بين الركن والمقام عمره ثم لقي الله بغير ولايتنا أهل البيت لقي الله بميتة جاهلية(2) .

أقول : لا يبعد ان سفيان كان في أول أمره على رأي الكوفيين في التشيع لعلي

__________________

(1) ابن عديالكامل ج 5 ص 314 ـ 315 بترجمة عبد الرزاق.

(2) احمد بن حنبل ،العلل ومعرفة الرجال ص 392.


بشكل عام(1) في قبال عثمان ومعاوية ثم حضر عند الصادقعليه‌السلام كحضور مالك بن انس وأبي حنيفة في الايان الأولى بني العباس ولما قلب هؤلاء ظهر المجن لجعفرعليه‌السلام وشيعته تخلى عن ذلك وساير السلطة العباسية ومنحه هارون لقب سيد الناس.

كلام ابن عيينة في قطر بن خليفة :

قال ابن حجر : فطر بن خليفة القرشي المخزومي مولاهم أبو بكر الحناط الكوفي روى عن أبيه ومولاه عمرو بن حريث وأبي الطفيل عامر بن وائلة وغيرهم. قال محمد بن عبد الله الحضرمي مات سنة خمس ويقال سنة ثلاث وخمسية ومائة.

قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه ثقة صالح الحديث قال وقال أبي كان عند يحيى بن سعيد ثقة وقال بن أبي خيثمة عن بن معين ثقاة وقال العجلي كوفي ثقة حسن الحديث وكان فيه تشيع قليل وثال أبو حاتم أبو صالح الحديث كان يحيى بن سعيد القطان يرضاه ويحسن القول فيه ويحدث عنه قال أبو حاتم صالح الحديث كان يحيى بن سعيد القطان يرضاه ويحسن القول فيه ويحدث عنه.

وقال النسائي لا بأس به وقال في موضع آخر ثقة حافظ كيسو قال أبو زرعة الدمشقي سمعت أبا نعيم يرفع من فطر ويوثقه ويذكر أنه كان ثبتا في الحديث.

وذكره بن حبان في الثقات وقال وقد قيل(2) أنه سمع من أبي الطفيل فإن صح فهو من التابعين وقال في مشاهير علماء الأمصار : من متقني أهل الكوفة. وقال النسائي في الكنى حدثنا يعقوب بن سفيان بن نمير قال فطر حافظ كيس.

قال ابن حجر : روى له البخاري مقرونا والباقون سوى مسلم.

وقال بن سعد كان ثقة إن شاء الله تعالى ومن الناس من يستضعفه وكن لا يدع أحدا يكتب عنه وكانت له سن عالية ولقاء.

__________________

(1) قال احمد أهل الكوفة يفضلون علياً على عثمان الا رجلين طلحة بن مصرف وعبد الله بن إدريس الاودي الزعافري قلت له فزبير ابن الحارث بن عبد الكريم اليامي أبو عبد الله الكوفي فقال لا كان يحب علياً يعني يفضل عليا على عثمان ، (العلل ومعرفة الرجال ج 2 / 535.) وقال ابن حبان كان طلحة ابن مصرف عثمانياً وكان زبيد علوياً (ابن حجر ،تهذيب التهذيب ج 3 ص 311).

(2) القائل هو البخاري في تاريخه في ترجمته.


كان أحمد بن حنبل يقول هو خشبي مفرط ، وفي رواية قال : كان يغالي في التشيع.

وقال الساجي صدوق ثقة ليس بمتقن قال الساجي وكان يقدم عليا على عثمان.

قال أبو عبد الله غمزه علي بن المديني وحكى فيه عن ابن عيينة.

كلام ابن عيينة في آل أعين :

قال صالح بن احمد بن حنبل حدثنا علي بن المديني قال سمعت سفيان يعني بن عيينة روى زرارة بن اعين عن أبي جعفر كتاباً ، فقال سفيان ما هو رأي أبا جعفر ولكنه كان يتتبع حديثه.

قال سفيان : كانوا ثلاثة اخوة عبد الملك بن اعين وحمران بن اعين وزرارة بن اعين وكانكوا شيعة(1) .

وفي رواية أبي عبيد الاجري عن أبي داود عن حامد عن سفيان : كلهم أي الاخوة الثلاثة روافض واخبثهم قولاً عبد الملك. وقال محمد بن عباد المكي : عن سفيان : حدثنا عبد الملك بن اعين وكان رافضياً(2) .

قال أبو حاتم : عبد الملك من عتق الشيعة محله الصدق صالح الحديث يكتب حديث(3) . وقال العجلي كوفي تابعي ثقة. وقال ابن حجر : صدوق شيعي.

أقول : وقول ابن عيينة (اخبثهم قولا عبد الملك) لعله اشارة إلى كونه اكبرهم أو كونه أول من عرف هذا الأمر. فقد ورد في رسالة أبي غالب الزراري بسنده إلى أبي عبد اللهعليه‌السلام قال أول من عرف هذا الأمر عبد الملك عرفه من صالح بن ميثم التمار ثم عرفه حمران عن أبي خالد الكابلي ، ولعله للرواية الاتية التي عرفت عنه.

روى العقيلي عن إبراهيم بن الحسين القومسي قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة عن محمد بن اسحق عن عبد الملك بن اعين عن أبي حرب بن أبي الأسود الديلي قال بعثني أبي إلى جندب بن عبد الله البجلي قال سله ما حضرت من أمر أبي

__________________

(1) الرازي ،الجرج والتعديل التعديل ص 37.

(2) المزي ،تهذيب الكمال ج 18 ص 284 احوال الرجال للجوزجاني الترجمة 80.

(3) الرازي ،الجرج والتعديل ج 2 ق 2 / 343.


بكر وعليعليه‌السلام ، قال : جيئ بعلي حتى اقعد بين يديه فقيل له بايع قال : فإن لم افعل فذكر كلاما قال إذن اكون عبد الله واخو رسوله وذكر الحديث(1) .

وقوله : فذكر كلاما : أي أبو بكر أجاب عليا حين قال له فإن لم افعل ولم يذكرها القول على عادة الكثير من الرواة يحذفون ما يسوؤهم ذكره والخبر يرويه السيد المرتضى (رح) عن إبراهيم الثقفي عن يحيى بن الحسن عن عاصم بن عامر عن نوح بن دراج عن داود بن يزيد الاودي عن عدي بن حاتم قال ما رحمت أحدا رحمتي عليا حين أتى به ملبيا بايع قال فقيل له فان لم افعل؟ قالوا إذن نقتلك قال إذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله ثم بايع هكذا وختم يده اليمنى(2) .

وقولهعليه‌السلام : (إذن اكون عبد الله ...) محرف والصحيح كما في رواية الثقفي : إذن تقتلون عبد الله اخا رسوله.

اما زرارة : فقد قال الذهبي : قلت قلما روى ، لم يذكر ابن أبي حاتم في ترجمته سوى ان قال روى عن أبي جعفر يعني الباقر وقال سفيان الثوري : ما رأى أبا جعفرعليه‌السلام .

أقول :

قول الذهبي (وقال سفيان الثوري ما رأى أبا جعفر) مما اثبته فيه الذهبي أو النساخ فان الذي رواه الرازي في مقدمة الجرح والتعديل هو سفيان ابن عيينة وليس الثوري.

قال ابن النديم في الفهرست : زرارة اكبر رجال الشيعة فقهاً وحديثاً ومعرفة بالكلام والتشيع.

اما قول ابن عيينة في زرارة (وقد قيل له روى زرارة عن أبي جعفر كتاباً قال ما رأى أبا جعفر ولكنه كان يتبع حديثه).

فهو شهادة في أمرين ومحاولة لنفي أمر ثالث في حق زرارة هو أبين من الشمس في رائعة النهار وهو كونهرحمه‌الله من أصحاب أبي جعفر الباقرعليه‌السلام بل من خواص أصحابه وفقهائهم ، والروايات في كتب الرجال والحديث عنه الشيعة كثيرة جداً.

وقبل ان نذكر نماذج من هذه الروايات تردُّ على قول ابن عينة في زرارة فان

__________________

(1) العقيلي ،الضعفاء الكبير ج 3 ص 34 ترجمة عبد الملك بن اعين.

(2) المرتضى، الشافي في الإمامة ج 3.


سفيان بن عيينه كان قد ولد سنة 107 هـ وكان عمره يوم توفي الباقرعليه‌السلام سنة 114 سبع سنوات ، اما زرارة فقد كان عمره آنذاك اربعا وثلاثين سنة ، ولم ينقل لنا الرواة عن ابن عيينة انه نقل قوله فيه ذاك في زرارة عن آخرين. وبذلك يسقط قوله ويكون هو المتهم به محاولة منه في تطويق عَلَم من اعلام الرواية عن أهل البيتعليهم‌السلام .

قال بعض الباحثين المعاصرين وقع بعنوان (زرارة) في اسناد كثير من الروايات تبلغ ألفين وأربعة وتسعين مورداً وقد جمعها في كتاب سماه مسند زرارة بن اعين ورتبها على أبواب العقائد والفقه.

وبلغت رواته عن أبي جعفر الباقرعليه‌السلام ألف ومائتين وستة وثلاثين مورداً بل تزيد.(1)

قال ابن حزم فهذا يدل على انه (أي زرارة) رجع عن التشيع.

أقول : لقد اخطأ ابن حزم خطأين.

الأول : في عبد الله الافطح حسبه بن محمد الباقرعليه‌السلام بينما هو ابن جعفر الصادقعليه‌السلام .

والثاني : ان زرارة كان ممن قدم إلى المدينة ولقي الافطح فان الذي قدم المدينة هو عبيد بن زرارة وكان قدمها ليسأل من الامام الكاظم هل يجوز لزرارة ان يظهر أمر الكاظمعليه‌السلام أم يعمل بالتقية(2) .

روى البسوي قال حدثنا سفيان قال : قال : ابن السماك : اردت الحج فقال لي زرارة بن اعين اخو عبد الملك بن اعين : إذا لقيت جعفر بن محمد فأقرئه مني السلام وقل له : اخبرني في الجنة أنا أم في النار؟ قال : فلقيت جعفر بن محمد فقلت له : يا ابن رسول الله اتعرف زرارة بن اعين؟ قال : نعم رافضي خبيث. قال : قلت : انه يقرئك السلام ويقول : اخبرني في الجنة أنا أم في النار؟ قال : فأخبره انه في النار. ثم قال : وتعلم من أين عملت انه رافضي انه يزعم اني اعلم الغيب ، ومن زعم ان احداً يعلم الغيب لا الله عز وجل فهو كافر ، والكافر في النار.

قال : فلما قدمت الكوفة جاءني مع الناس يسلمون عليَّ ، فقال ما فعلت في

__________________

(1) بشير المحمدي ،مسند زرارة ص 30 ـ 31.

(2) بحثنا ذلك مفصلا في كتابناشبهات وردود الحلقة الأولى الفصل الرابع.


حجتي؟ فأخبرته بما قال. فقال : فان ابن رسول الله اتقي(1) .

أقول :

وليس من شك ان هذه الرواية موضوعة على زرارة ، ومحمد بن السماك كوفي احد وعاظ السلاطين ترجم له الذهبي في سير اعلامه وان هارون الرشيد كان يحضر مجالس وعظه وكان الرشيد يبكي لوعظه!(2) . ونقل ابن نعيم في حليته بعض احاديثه بحضور الرشيد.(3)

توفي ابن السماك سنة 183 وقد اسن فهو من اقران ابن عينة ومن معاصريه. قال ابن نمير عنه : صدق :

قال الذهبي ما وقع له شيء في الكتب الستة.

أقول :

اما روايات لقائه بأبي جعفرعليه‌السلام فقد مرت رواية الكشي عن زرارة انه قدم المدينة وهو شاب امرد ودخل سرادق أبي جعفرعليه‌السلام بمنى ويبدو ان ذلك أول لقائه به ومعناه انه ارتبط بالباقرعليه‌السلام اكثر من خمس عشرة سنة.

ومنها ما رواه البرقي عن بكير عن زرارة قال تغديت مع أبي جعفرعليه‌السلام خمسة عشر يوما بلحم.(4)

ومنها رواية الكليني عن زرارة قوله : قلت لابي جعفرعليه‌السلام اني ظاهرت من أم ولد لي ثم واقعت عليها ثم كفَّرت فقال : هكذا يصنع الرجل الفقيه إذا وقع كفَّر.(5)

ومنها رواية الكليني أيضا عن زرارة ، قال : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن الحَدّ؟ فقال : ما احد؟ قال : فيه الا برأيه لا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، قلت : اصلحك الله فما قال فيه أمير

__________________

(1) الفسوي ،كتاب المعرفة والتاريخ ج 2 / 671 ـ 672 ورواها الذهبي فيميزان الاعتدال ج 2 ص 69 عن يحيى بن أبي ميسرة عن سعيد بمن منصور عن ابن السماك مع تفاوت في بعض العبارات وكذا ابن حجر في لسان الميزان بترجمة زرارة وليس فيها كلام الصادقعليه‌السلام : ذاك رافضي خبيث يريد زرارة.

(2) الذهبي ،سير اعلام النبلاء ج 8 ص 328 ـ 330.

(3) أبو نعيم ،حلية الأولياء ج 8 ص 208 ـ 247.

(4) البرقي ، أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد ،المحاسن ج 1 ص 418.

(5) الكليني ،الكافي ج 1 ص 128.


المؤمنينعليه‌السلام ؟ فقال إذا كان غداً فالقني حقتى اقرئكه في كتاب عليعليه‌السلام (1)

ومنها رواية الكليني عني زرارة قال رأيت قميص عليعليه‌السلام الذي قتل فيه عند ابي جعفرعليه‌السلام فإذا اسفله ثني عشر شبرهاً وبدنه ثلاثة اشبار ورأية فيه نضح دم.(2)

وغير ذلك كثير جداً مما يزيد على ألف ومائتين وستة وثلاثين مورداً.

اما قول ابن عيينة : ولكنه كان يتتبع حديثه : فهي شهادة منه على ان زرارة كان احد اوعية علم أبي جعفر الباقرعليه‌السلام وممن عرفه حق معرفته ولم يكن قد استوطن المدينة ليسجل عن الباقرعليه‌السلام كل صغيرة وكبيرة من قوله وفعله وتقريره فلماذا لا يتتبع احاديثه وسيرته مما غاب عنه ووعاه الآخرون من الشيعة؟

ولهذه الصفة في زرارة قال الصادقعليه‌السلام لولا زرارة لظننت ان أحاديث أبي ستذهب(3) وفي رواية أخرى قال الصادقعليه‌السلام : ان أصحاب ابي كانوا زينا احياءً وامواتا اعين زرارة ومحمد بن سلم ومنهم ليث المرادي وبريد العجلي ، هؤلاء القوامون بالقسط. هؤلاء القوامون بالصدق.

وفي رواية ثالثة : ما أحدا حين ذكرنا وأحاديث أبي الا زرارة وابو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي ولولا هؤلاء ما كان احد يستنبط هذا ، هؤلاء حفاظ الجين وامناء ابيعليه‌السلام على حلال الله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة.

وفي رواية رابعة : كان ابيعليه‌السلام ائتمنهم على حلال الله وحرامه وكانوا عيبة علمه وكذلك اليوم هم عندي مستودع سري هم نجوم شيعتي إحياء وامواتا يحيون ذكر أبيعليه‌السلام ، بهم يكشف الله كل بدعة ، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأول الغالين ثم بكى.(4)

كلام ابن عيينة في أهل العراق :

واخيرا نذكر عنه موقفه من حديث أهل العراق : فقد روى ابن عساكر ، تاريخ

__________________

(1) الكليني ،الكافي ج 2 ص 261 ، الطوسي ، التهذيب ج 9 ص 271.

(2) الكليني ، الكافي ج 2 ص 207.

(3) التستري ،قاموس الرجال ج 4 ترجمة زرارة.

(4) المصدر السابق.


مدينة دمشق ج 1 ص 330 عن الأصمعي عن سفيان بن عيينة قال من أراد الإسناد والحديث الذي يسكن إليه فعليه بأهل المدينة ومن أراد المناسك والعلم بها والمواقيت فعليه بأهل مكة ومن أراد المقاسم وأمر الغزو فعليه بأهل الشام ومن أراد شيئا لا يعرف حقه من باطله فعليه بأهل العراق.

محمد بن إسماعيل البخاري (تـ 256 هـ)

قال الذهبي : البخاري شيخ الإسلام وامام الحفاظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم البخاري صاحب الصحيح والتصانيف مولده في شوال سنة أربع وتسعين ومائة وأول سماعه للحديث سنة خمس ومائتين وحفظ تصانيف بن المبارك وهو صبي ، وتوفي سنة 256 هـ وله من المصنفات : الجامع الصحيح وكتاب التاريخ في تراجم رواة الحديث وغيرها.

قال الذهبي : البخاري يتجنب الرافضة كثيرا ، كأنه يخاف من تدينهم بالتقية ولا نراه يتجنب القدرية ولا الخوارج ولا الجهمية ، فإنهم على بدعهم يلزمون الصدق.(1)

أقول :

ان البخاري قد تجنب الرواية عن الرافضة مسايرة للعباسيين في موقفهم من الامام الحسنعليه‌السلام وموقفهم من الامام الصادقعليه‌السلام . بل هو لا يحتج برواية الامام الصادق عظيم أهل بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في وقته ، كما ترك الرواية عن ولده الامام موسى بن جعفرعليه‌السلام ، كما ترك الرواية عن الامام الرضا وولده الجواد وولده الهاديعليه‌السلام وقد كان معاصرا لهم.

قال الذهبي في ترجمة جعفر بن محمدعليه‌السلام : احد الأئمة الأعلام بر صادق كبير الشأن لم يحتج به البخاري.(2)

أقول :

ولم يقف البخاري عند ذلك بل امتد إلى الصحابة الذين عرفوا بتشيعهم فقد ترك

__________________

(1) الذهبي ،ميزان الاعتدال ج 3 ص 160 ترجمة علي بن هاشم بن البريد ، أبو الحسن الكوفي الخزاز ، مولى قريش. وثقه ابن معين ، وغيره. وقال أبو داود : ثبت يتشيع.

وقال البخاري : كان هو وأبوه غاليين في مذهبهما. قال الذهبي : ولغلوه ترك البخاري إخراج حديثه.

(2) الذهبي ،ميزان الإعتدال في نقد الرجال ج 2 ص 144.


أحاديث أبي الطفيل عامر بن واثلة وهو من صغر الصحابة توفي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وله ثماني سنوات ، روى ابن عساكر قال سئل محمد بن يعقوب الاخرم : لم ترك البخاري حديث أبي الطفيل : قال كان يفرط في التشيع.(1)

خاتمةالفصل الثامن في وضع الاخبار على عهد

الأمويين والعباسيين

تبنى الاعلام الأموي منذ سنة 50 هجرية وهي سنة وفاة الحسنعليه‌السلام وضع روايات في تشويه الحقائق عن تاريخ الإسلام ورموزه / النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وعليعليه‌السلام والحسنعليه‌السلام وبعد نهضة الحسينعليه‌السلام وشهادته اضيف الحسينعليه‌السلام / وكانت الدائرة الأولى التي اهتم بها الاعلام هي شخصية علي وموقعه من الإسلام لتسويع لعنه ، ثم سيرة النبي الذاتية لتسويغ سيرة خلفائه من بني أمية ، وتشويه صلح الحسن بالدرجة الثانية ، اما في العهد العباسي فصار تشويه صلح الحسنعليه‌السلام والسيرة الذاتية له ، وتاريخ الكوفيين زمن علي والحسن والحسين ، واصل التشيع في الدائرة الأولى. وصار تشويه علي الشخصية في الدائرة الثانية ، نعم تاريخ علاقة مع الخلفاء ووصفه بانه رابعهم ، وانه كان يعتقد بانه افضلهم كان جزءا من الدائرة الأولى.

يهمنا من هذا التقديم فهم تطور وضع الاخبار السيئة في تشويه صلح الامام الحسن ،

كان الزهري عالم البلاط الأموي قريبا من أربعين سنة / منذ عهد عبد الملك وولده إلى زمن هشام وفي عهده كان مربيا لأولاده إلى وفاته سنة 124 هـ / ، وقد كتب في سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خالية من موقع عليعليه‌السلام وامتيازاته فيها ورواها عنه تلميذه معمر بن راشد وقد مرت علينا في الفصل الأول من هذا الباب ،

واشهر ما نجده في مصادر الحديث والرجال والتاريخ المهمة كالمصنف لعبد الرزاق الصنعاني ت 211 هـ) والمعرفة والتاريخ للبسوي والتاريخ للطبري هو حديث الزهري في الصلح برواية من لا يتهم في روايته عنه :

__________________

(1) تهذيب ابن عساكر ج 11 / 294.


ـ معمر بن راشد (ت 154 هـ) (في اليمن) ،

ـ ويونس الايلي (ت 160 هـ) (في مصر)

ـ وعبيد الله بن أبي زياد الرصافي (ت 158 هـ). (في الشام)

ورواية ضمرة بن ربيعة القرشي الحمصي الفلسطيني 202 هـ (في فلسطين) ،

ثم حذا حذو رواية الزهري آخرون بالرزون ولم ينسبوها إلى الزهري بل نسبوها إلى آخرين :

ـ عوانة بن الحكم ت 158 هـ ولم ينسبها إلى الزهري رواها له الطبري عن زياد البكائي ت 183 هـ. في بغداد

ـ عثمان الطرائفي الجزري ت 203 هـ (في الجزيرة) رواها له الطبري في تاريخه والطبراني في معجمه الكبير ،

ـ محمد بن عبيد ت 202 هـ رواها له ابن سعد في طبقاته عن يونس بن أبي إسحاق ت 161 هـ عن أبيه. وعن مجالد ت 144 هـ عن الشعبي ت 102 هـ) والشعبي. (في بغداد)؟

ـ سفيان بن عيينة ت 198 هـ (في بغداد ومكة) لم يروها عن الزهري مع تلمذته له وقد عرفه البعض ب (غُلَيم الزهري) تعبيرا عن قصر المدة معه ، بل تفرد بروايتها عن إسرائيل أبي موسى البصري عن الحسن البصري رواها له البخاري. روى البلاذري قريبا منها عن جرير بن حازم عن أبي الحسن البصري بتخمين ولده وهب.

ـ ثم جاء الشراح الكبار للبخاري أمثال ابن حجر والعيني وغيرهما وجعلوا رواية ابن عيينة المحور في بيان قصة صلح الحسنعليه‌السلام مع معاوية واضافوا إليها الروايات الآنفة الذكر مقطعة بحسب حاجة النص إلى الشاهد الاوصال من سنخها عن تلاميذ الزهري أيضا أمثال معمر بن راشد.

يبقى السؤال المهم عن مقدار الاضافات في العهد العباسي لأصل رواية الزهري ، والذي نطرحه كرأي أولي في هذه المسالة هو انابن عيينة كان له النصيب الاكبر في تطوير فكرة قضية اغراء معاوية للحسنعليه‌السلام بالمال تأييدا لكلام الخليفة الدوانيقي


ان الحسنعليه‌السلام باع الخلافة بدراهم وقد لقبه الخليفة هارون حفيد المنصور بكونه سيد الناس ، واحسب ان هذه الروايات تحتاج إلى مقارنات تفصيلية مع استقصاء للاسانيد ورجالها ومهما يكن من أمر فان الثابت هو مسؤولية بني العباس في خلق جو يساعد على نمو الاعلام الأموي الكاذب في حق الحسن سواء كان قليلا أو كثيرا ليأخذ صيغته المستقرة في صحيح البخاري وتاريخ الطبري وطبقات ابن سعد وانساب الاشراف للبلاذري وكتاب المعرفة والتاريخ للبسوي وغيرها وهي مصادر أساسية في الرواية والتاريخ لكل من جاء بعدها كتاريخ ابن خلدون وتاريخ ابن الاثير وتاريخ المقريزي وتاريخ ابن عساكر ومن ثم اعتمدها المستشرقون وغيرهم في الكتابة عن الحسن ومما يؤسف هو اعتماد الباحثين الشيعة عليها في قليل أو كثير وقد عصمهم من الوقوع في الخطأ ازاء الامام الحسن هو ايمانهم بعصمته ، ومن ثم التساهل فيما عداه.


الباب الثالث / الفصل التاسع

الروايات التي تطعن في أهل الكوفة

رواية عبيد الله بن أبي زياد الرصافي ت 158 هـ

روى يعقوب بن سفيان عن الحجاج بن أبي منيع (يوسف) عن جده (عبيد الله بن أبي زياد ت 158 هـ) عن الزهري قتل علي وبايع أهل العراق الحسن بن علي على الخلافة فطفق يشترط عليهم حين بايعوه إنكم لي سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتاب أهل العراق في أمره حين اشترط هذا الشرط قالوا ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا القتال فلم يلبث حسن بعدما بايعوه إلا قليلا حتى طعن طعنة أشوته فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعراً.(1)

وروى يعقوب بن سفيان عن حجاج أيضا قال حدثني جدي عن الزهري : قال فكاتب الحسن لما طعن معاوية وارسل يشترط شرطه فقال ان اعطتني هذا فاني سامع مطيع وعليك ان تفي به ، فوقعت صحيفة الحسن في يد معاوية وقد ارسل معاوية إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على اسفلها وكتب إليه ان اشترط في هذه ما شئتفما اشترطت فهو لك ، فلما اتت حسنا جعل يشترك اضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده وامسك معاوية صحيفة حسن التي كتب إليه يسأله ما فيها.

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 263.


فلما التقيا وبايعه الحسن سأل حسن معاوية أن يعطيه الشروط التي شرط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله فأبى معاوية أن يعطيه ذلك ، وقال لك ما كنت كتبت إلي تسالني أن أعطيك ، فاني قد أعطيتك حين جاءني كتابك. فقال له الحسن وانا قد اشترطت عليك حين جاءني سجلك واعطيتني العهد على الوفاء ما فيه ، فاختلفا في ذلك فلم ينفذ معاوية للحسن من الشروط شيئا.(1)

رواية يونس الايلي (ت 152 ـ 159 ـ 160 هـ)

ورواية النعمان بن راشد (ت في حدود 150 هـ)

روى الطبري قال حدثني عبد الله بن أحمد المروذي قال أخبرني أبي قال حدثنا سليمان قال حدثني عبد الله عن يونس الأيلي(2) قال :

بايع أهل العراق الحسن بن علي بالخلافة فطفق يشترط عليهم الحسن إنكم سامعون مطيعون تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت فارتاب أهل العراق في أمرهم حين اشترط عليهم هذا الشرط ، وقالوا ما هذا لكم بصاحب وما يريد هذا القتال ، فلم يلبث الحسنعليه‌السلام بعدما بايعوه إلا قليلا حتى طعن طعنة أشوته ، فازداد لهم بغضا وازداد منهم ذعرا.

فكاتب معاوية وأرسل إليه بشروط قال إن أعطيتني هذا فأنا سامع مطيع وعليك

__________________

(1) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 272.

(2) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ج 7 ص 520 : يونس بن يزيد الأيلي وكان حلو الحديث كثيره وليس بحجة وربما جاء بالشيء المنكر.

وقال المزي في تهذيب الكمال : ع يونس بن يزيد بن أبي النجاد ويقال يونس بن يزيد بن مشكان بن أبي النجاد الأيلي أبو يزيد القرشي مولى معاوية بن أبي سفيان ، وصحب الزهري ثنتي عشرة سنة وقيل أربع عشرة سنة ذكره خليفة بن خياط في الطبقة الثالث من أهل مصر وقال علي بن المديني سألت عبد الرحمن بن مهدي عن يونس بن يزيد فقال كان بن المبارك يقول كتابه صحيح قال بن مهدي وأنا أقول كتابه صحيح وقال عبدان عن بن المبارك اني إذا نظرت في حديث مهمر ويونس يعجبني كأنهما خرجا من مشكاة واحدة وقال عبد الرزاق عن بن المبارك ما رأيت أحدا أروى للزهري من معمر إلا أن يونس أحفظ للمسند وفي رواية إلا ما كان من يونس فإنه كتب الكتب على الوجه ، وقال أبو زرعة الدمشقي سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول في حديث يونس بن يزيد منكرات عن الزهري ، توفي بصعيد مصر سنة اثنتين وخمسين ومئة ...


أن تفي لي به ووقعت صحيفة الحسن في يد معاوية وقد أرسل معاوية قبل هذا إلى الحسن بصحيفة بيضاء مختوم على أسفلها وكتب إليه أن اشترط في هذه الصحيفة التي ختمت أسفلها ما شئت فهو لك.

فلما أتت الحسن اشترط أضعاف الشروط التي سأل معاوية قبل ذلك وأمسكها عنده وأمسك معاوية صحيفة الحسنعليه‌السلام التي كتب إليه يسأله ما فيها.

فلما التقى معاوية والحسنعليه‌السلام ، سأله الحسن أن يعطيه الشروط التي شرط في السجل الذي ختم معاوية في أسفله فأبى معاوية أن يعطيه ذلك ، فقال لك ما كنت كتبت إلي أولا تسألني أن أعطيكه ، فاني قد أعطيتك حين جاءني كتابك.

قال الحسنعليه‌السلام وأنا قد اشترطت حين جاءني كتابك وأعطيتني العهد على الوفاء بما فيه فاختلفافي ذلك فلم ينفذ للحسنعليه‌السلام من الشروط شيئا.(1)

وروى البلاذري 3 / 67 هذا الخبر بسند آخر عن جرير بن حازم (ت 175 هـ) عن النعمان بن راشد(2) (توفي في حدود سنة 150) عن الزهري.

وروى الطبري 4 / 121 أيضا بسنده عن يونس الايلي قال :

(وكان الحسن لا يرى القتال ولكنه يريد أن يأخذ لنفسه ما استطاع من معاوية ثم يدخل في الجماعة. وعرف الحسن أن قيس بن سعد لا يوافقه على رأيه فنزعه وأمر عبد الله بن عباس. فلما علم عبد الله بن عباس بالذي يريد الحسنعليه‌السلام أن يأخذه لنفسه كتب إلى معاوية يسأله الأمان ويشترط لنفسه على الاموال التي أصابها فشرط ذلك له معاوية. وبعث معاوية إليه عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها.

ثم قام الحسن في أهل العراق فقال يا أهل العراق إنه سخى بنفسى عنكم ثلاث قتلكم أبى وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي ودخل الناس في طاعة معاوية ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس).

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 4 ص 123.

(2) ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال ج 7 ص 13 : النعمان بن راشد الجزري من أهل الرقة سمعت بن حماد يقول ثنا معاوية عن يحيى قال النعمان بن راشد ضعيف.


رواية عوانة بن الحكم (158 هـ)

قال الطبري : قال زياد بن عبد الله عن عوانة ت 158 هـ : وذكر نحو حديث المسروقي عن عثمان بن عبد الحميد او ابن عبد الرحمن قال حدثنا إسماعيل بن راشد.

أقول : اما حديث المسروقي الانف الذكر فهو رواية عثمان عن إسماعيل بن راشد وهي قوله :

قال بايع الناس الحسن بن عليعليه‌السلام بالخلافة ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفا وأقبل معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر ألا إن قيس بن سعد قد قتل فانفروا فنفروا ونهبوا سرادق الحسنعليه‌السلام حتى نازعوه بساطا كان تحته وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن

وكان عم المختار بن أبي عبيد عاملا على المدائن وكان اسمه سعد بن مسعود فقال له المختار وهو غلام شاب هل لك في الغنى والشرف قال وما ذاك قال توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية فقال له سعد عليك لعنة الله أثب على ابنب بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأوثقه بئس الرجل أنت

فلما رأى الحسنعليه‌السلام تفرق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح وبعث معاوية إليه عبد الرحمن بن عامر وعبد الرحمن ابن سمرة بن حبيب بن عبد شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها

ثم قام الحسن في أهل العراق فقال يا أهل العراق إنه سخى بنفسى عنكم ثلاث قتلكم أبى وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي ودخل الناس في طاعة معاوية ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس.

قال زياد بن عبد الله عن عوانة وذكر نحو حديث المسروقي عن عثمان بن عبد الرحمن هذا وزاد فيه (عوانه) : وكتب الحسن إلى معاوية في الصلح وطلب الأمان وقال الحسن للحسين ولعبد الله بن جعفر إني قد كتبت إلى معاوية في الصلح وطلب الأمان


فقال له الحسين نشدتك الله أن تصدق أحدوثة معاوية وتكذب أحدوثة علي فقال له الحسن اسكت فأنا أعلم بالأمر منك فلما انتهى كتاب الحسن بن عليعليه‌السلام إلى معاوية أرسل معاوية عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة فقدما المدائن وأعطيا الحسن ما أراد فكتب الحسن إلى قيس بن سعد وهو على مقدمته في اثني عشر ألفا يأمره بالدخول في طاعة معاوية فقام قيس بن سعد في الناس فقال يا أيها الناس اختاروا الدخول في طاعة إمام ضلالة أو القتال مع غير إمام قالوا لا بل نختار أن ندخل في طاعة إمام ضلاضة فبايعوا لمعاوية وانصرف عنهم قيس بن سعد وقد كان صالح الحسن معاوية على أن جعل له ما في بيت ماله وخراج دار ابجرد على أن لا يشتم علي وهو يسمع فأخذ ما في بيت ماله بالكوفة وكان فيه خمسة آلاف ألف.(1)

وعن زياد بن عبد الله (ت 182 هـ) عن عوانة بن الحكم (ت 158 هـ)(2) : بايع أهل العراق الحسن بن علي فسار حتى نزل المدائن وبعث قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على المقدمات وهم اثنا عشر ألفا وكانوا يسمون شرطة الخميس قال فبينا الحسن بالمدائن إذ نادى مناد في عسكر الحسن ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل فانتهب الناس سرادق الحسن حتى نازعوه بساطا تحته ووثب على الحسن رجل من الخوارج من بني أسد فطعنه بالخنجر ووثب الناس على الأسدي فقتلوه ثم خرج الحسن حتى نزل القصر الأبيض بالمدائن وكتب إلى معاوية في الصلح قال ثم قام الحسن فيما بلغني الناس فقال : يا أهل العراق إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث في قتلكم أبي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي.(3)

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري 123 ، وقد رواها البلاذري بسنده عن وهب بن جرير عن أبيه جرير بن حازم قال سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري قال : بويع الحسن بعد أبيه فقال لأصحابه في بيعته : تسالمون من سالمت وتحاربون من حاربت ....

(2) ابن حجر ،لسان الميزان ، عوانة بن الحكم بن عوانة بن عياض الأخباري المشهور الكوفي يقال كان أبوه عبدا خياطا وأمه أمة وهو كثير الرواية عن التابعين قال إن روى حديثا مسندا وأكثر المدايني عنه وقد روى عن عبد الله بن المعتز عن الحسن بن عليل العنزي عن عوانة بن الحكم أنه كان عثمانيا فكان يضع الأخبار لبني أمية مات سنة ثمان وخمسين ومائة.

(3) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ترجمة الحسن.


رواية عثمان بن عبد الرحمن الحراني (203 هـ)

وقال الطبري وحدثني موسى بن عبد الرحمن المسروقي (ت 258 هـ)(1) قال حدثنا عثمان بن عبد الحميد أو ابن عبد الرحمن المجازي الخزاعي أبو عبد الرحمن(2) قال حدثنا إسماعيل بن راشد(3) قال : بايع الناس الحسن بن عليعليه‌السلام بالخلافة ثم خرج بالناس حتى نزل المدائن وبعث قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفا وأقبل معاوية في أهل الشام حتى نزل مسكن فبينا الحسن في المدائن إذ نادى مناد في العسكر ألا إن

__________________

(1) هو موسى بن عبد الرحمن بن سعيد بن مسروق بن معدان بن المرزبان الكندي المسروقي أبو عيسى الكوفي.

(2)أقول : الرواية في المعجم الكبير للطبراني عن عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي ، وفي الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ج 5 ص 173 قال : عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي الحراني يكنى أبا عبد الرحمن. سمعت أبا عروبة ينسبه إلى الصدق وقال لا بأس به متعبد ويحدث عن قوم مجهولين بالمناكير. حدثنا أبو عروبة قال ثنا علي بن ميمون قال ثنا عثمان بن عبد الرحمن بن مسلم الطرائفي مولى بني أمية وسمعت أبا عروبة يقول عثمان بن عبد الرحمن بن مسلم مولى منصور بن محمد بن مروان كذلك ينتسب ولده. وكنيته أبو عبد الرحمن يعرف بالطرائفي سمعت محمد بن الحارث يقول كان أبيض الرأس واللحية ، وصورة عثمان بن عبد الرحمن انه لا بأس به كما قال أبو عروبة إلا أنه يحدث عن قوم مجهولين بعجائب وتلك العجائب من جهة المجهولين. وهو في أهل الجزيرة كبقية في أهل الشام وبقية أيضا يحدث عن مجهولين بعجائب وهو في نفسه ثقة لا بأس به صدوق ما يقع فيه حديثه من الإنكار فإنما يقع من جهة من يروي عنه. قال ابن حبان في المجروحين ج 2 ص 96 : عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي القرشي كنيته عبد الرحمن من أهل حران وكان معلما يروي عن أقوام ضعاف أششياء يدلسها عن الثقات حتى إذا سمعها المستمع لم يشك في وضها فلما كثر ذلك في أخباره ألزقت به تلك الموضوعات وحمل عليه الناس في الجرح فلا يجوز عندي الاحتجاج بروايته كلها على حالة من الأحوال لما غلب عليها من المناكير عن المشاهير والموضوعات عن الثقات مات سنة ثلاث ومائتين وهو أبيض الرأس واللحية. وفي تهذيب الكمال ج 19 ص 428 : د س ق عثمان بن عبد الرحمن بن مسلم الحراني أبو عبد الرحمن ويقال أبو عبد الله ويقال أبو محمد ويقال أبو هاشم المكتب المعروف الطرائفي وإنما قيل له ذلك لأنه كان يتتبع طرائف الحديث مات سنة اثنتين ومائتين د س ق.

(3) قال ابن سعد فيالطبقات الكبرى ج 6 ص 346 في ترجمة محمد بن أبي إسماعيل السلمي واسم أبي إسماعيل راشد وكانوا إخوة ثلاثة يروى عنهم. أسنهم وأقدمهم موتا إسماعيل بن راشد روى عنه حصين ، وأخوه محمد بن أبي إسماعيل أيضا ومات محمد سنة اثنتين وأربعين ومائة في خلافة أبي جعفر وقد روى الثوري أيضا عن محمد بن أبي إسماعيل والآخر عمر بن راشد روى عنه حفص بن غياث وعبد الله بن نمير ويحيى القطان والثوري.أقول : حصين هو حصين بن عمر الاحمسي ت 180 ـ 190 هجرية.


قيس بن سعد قد قتل فانفروا فنفروا ونهبوا سرداق الحسنعليه‌السلام حتى نازعوه بساطا كان تحته.

وخرج الحسن حتى نزل المقصورة البيضاء بالمدائن وكان عم المختار بن أبي عبيد عاملا على المدائن وكان اسمه سعد بن مسعود ، فقال له المختار وهو غلام شاب هل لك في الغنى والشرف ، قال وما ذاك قال توثق الحسن وتستأمن به إلى معاوية ، فقال له سعد عليك لعنة الله أثب على ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأوثقه بئس الرجل أنت.

فلما رأى الحسنعليه‌السلام تفرق الأمر عنه بعث إلى معاوية يطلب الصلح وبعث معاوية إليه عبد الله بن عامر وعبد الرحمن ابن سمرة بن حبيب بن عبد شمس فقدما على الحسن بالمدائن فأعطياه ما أراد وصالحاه على أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف في أشياء اشترطها ثم قام الحسن في أهل العراق فقال يا أهل العراق إنه سخى بنفسه عنكم ثلاث قتلكم أبي وطعنكم إياي وانتهابكم متاعي ودخل الناس في طاعة معاوية ودخل معاوية الكوفة فبايعه الناس.(1)

رواية ابن جُعدبة (توفي زمن المهدي 156 ـ 169 هـ)

عن وهب بن جرير(2) (206 هـ) عن يزيد بن عياض بن جعدبة(3) عن صالح بن

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ج 4 ص 123.

(2) قال الذهبي فيتذكرة الحفاظ : وهب بن جرير بن حازم المحدث الحافظ أبو العباس الأزدي مولاهم البصري أحد الأثبات. وقال أحمد العجلي بصري ثقة كان عفان يتكلم فيه مات منصرفا عن الحج قال بن سعد مات سنة ست ومائتين. وفي الكامل في ضعفاء الرجال : وهب بن جرير بن حازم بن زيد الجهضمي البصري يكنى أبا العباس ثنا بنحماد حدثني عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول قال عبد الرحمن بن مهدي ها هنا قوم يحدثون عن شعبة ما رايناهم عند شعبة قلت له من تعني بهذا قال وهب بن جرير قال أبي ما رأى وهب عند شعبة قط ولكن وهي كان صاحب سنة.

(3) الخطيب البغدادي ،تاريخ بغداد ، يزيد بن عياض بن الجعدية أبو الحكم الليثي من أنفسهم حجازي انتقل البصرة فسكنها وقدم بغداد وحدث بها عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج وسعيد بن أبي سعيد المقبري وأبي الزبيرالمكي ومحمد بن المنكدر وابن شهاب الزهري روى عنه يزيد بن هارون وشبابة بن سوار الهيثم بن جميل وعبد الصمد بن النعمان وعلي بن الجعد ، أنبأنا أحمد بن محمد بن عبد الله الكاتب أخبرنا محمد بن حميد المخرمي حدثنا علي بن الحسين بن حبان قال وجدت في كتاب أبي


كيسان(1) قال : لما قتل علي بن أبي طالب وبايع أهل الشام معاوية بالخلافة سار معاوية بالناس إلى العراق وسار الحسن بن علي بمن معه من أهل الكوفة ووجه عبيد الله بن العباس وقيس بن سعد بن عبادة في جيش عظيم حتى نزلوا مسكن من ارض العراق وقد رق أمر الحسن وتواكل فيه أهل العراق فوثبوا عليه فانتزع رداؤه عن ظهره وأخذ بساطه من تحته ومزق سرادقه فارسل عبيد الله بن العباس إلى عبد الله بن عامر يأمره أن يأتيه إذا أمسى بأفراس حتى يصير معه إلى معاوية فيصالحه ففعل ابن عامر فلحق

__________________

بخط يده سئل أبو زكريا عن يزيد بن عياض فقال ليس حديثه بشيء قلت له يا أبا زكريا ما كان قصته قال أفسدوه ههنا ببغداد جعلوا يدخلون له الأحاديث فيقراها فأفسدوه بهذا كان لا يعقل ما سمع مما لم يسمع فكيف يكتب عن مثل هذا ، قال يزيد بن عياض بن جعدية وسمه مالك بالكذب ، عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا حدثنا محمد بن سعد قال يزيد بن عياض بن جعدية الليثي من أنفسهم ويكنى أبا الحكم إنتقل إلى البصرة مات بها في زمن المهدي. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ج 11 ص 308 قال أحمد بن صالح المصري : أظنُّه كان يضع للناس وقال النسائي : متروك الحديث وقال في موضوع آخر : كذّاب وقال مرَّة : ليس بثقة ولا يكتب حديثه. وقال ابن عدي : عامّة ما يرويه غيرمحفوظ.

(1) تهذيب الكمال : ع صالح بن كيسان المدني أبو محمد ويقال أبو الحارث مولى بني غفار ويقال مولى بني عامر ويقال مولى آل معيقيب الدوسي وهو مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز ، عن مصعب بن عبد الله الزبيري كان مولى امرأة من دوس وكان عالما ضمه عمر بن عبد العزيز إلى نفسه وهو أمير فكان يأخذ عنه ثم بعث إليه الوليد بن عبد الملك فضمه إلى ابنه عبد العزيز بن الوليد وكان يأخذ عنه وكان صالح جامعا من الحديث والفقه والمروءة وقال حرب بن إسماعيل سئل أحمد بن حنبل عنه فقال بخ بخ ، قال يحيى بن معين ليس في أصحاب الزهري أثبت من مالك ثم صالح بن كيسان ثم معمر ثم يونس وقال يعقوب في موضع آخر صالح بن كيسان ثقة ثبت ، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سئل أبي صالح بن كيسان أحب إليك أو عقيل قال صالح أحب إلي لأنه حجازي وهو أسن وقال عبد الرزاق عن معمر عن صالح بن كيسان اجتمعت أنا وابن شهاب ونحن نطلب العلم فاجتمعنا على أن نكتب السنن فكتبنا كل شيء سمعنا عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم قال نكتب ما جاء عن أصحابه فقلت ليس بسنة فقال بل هو سنة فكتب ولم أكتب فأنجح وضيعت ، وقال الحاكم أبو عبد الله مات زيد بن أبي أنيسة وهو بن ثلاثين سنة وصالح بن كيسان وهو بن مائة ونيف وستين سنة وكان قد بقي جماعة من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ثم بعد ذلك تلمذ للزهري وتلقن عنه العلم وهو بن تسعين سنة ابتدأ بالتعلم وهو ابن سبعين سنة قال الهيثم بن عدي مات في زمن مروان بن محمد وقال محمد بن سعد قال الواقدي أخبرني عبد الله بن جعفر قال دخلت على صالح بن كيسان وهو يوصي فقال أشهد أن ولائي لامرأة مولاة لآل معيقيب بن أبي فاطمة من دوس قال ومات بعد الأربعين والمئة وقبل مخرج محمد بن عبد الله بن حسن وخرج محمد بن عبد الله سنة خمس وأربعين ومئة وكان ثقة كثير الحديث روى له الجماعة.


عبيد الله بمعاوية وترك جنده لا أمير لهم(1)

رواية جرير بن حازم (175 هـ)

روى البلاذري قال حدثنا خلف بن سالم ، حدثنا وهب (بن جرير) (ت 206) قال : قال أبي (جرير بن حازم(2) ـ وأحسبه رواه عن الحسن البصري ـ قال :

لما بلغ أهل الكوفة (بيعة) الحسن أطاعوه وأحبوه أشد من حبهم لأبيه ، واجتمع له خمسون ألفا ، فخرج بهم حتى أتى المدائن ، وسرح بين يديه قيس ابن سعد بن عبادة الأنصاري في عشرين ألفا ، فنزل بمسكن ، وأقبل معاوية من الشام في جيش.

ثم إن الحسن خلا بأخيه الحسين فقال (له : يا) هذا إني نظرت في أمري [2] فوجدتني لا أصل إلى الأمر ، حتى تقتل من أهل العراق والشام من لا أحب أن أحتمل دمه ، وقد رأيت أن أسلم الأمر إلى معاوية فأشاركه في إحسانه [3] ويكون عليه إساءته (ظ). فقال الحسين : إني لا أرى ما تقول ووالله لئن لم تتابعني لأسندتك في الحديد فلا تزال فيه حتى أفرغ من أمري. قال : فشأنك.

فقام الحسن خطيبا فذكر رأيه في الصلح والسلم لما كره من سفك الدماء وإقامة

__________________

(1) البلاذري ،انساب الاشراف ، ج 3 ص 50 ، وفي المصدر أبي جعدبة تحريف لابن جعدبة وهو يزيد بن عياض بن جعدبة.

(2) جرير بن حازم الامام الحافظ أبو النضر الأزدي مولاهم البصري محدث البصرة أحد الاعلام روى عن أبي رجاء العطاردي والحسن وابن سيرين وطاووس وعطاء وابن أبي مليكة ونافع وحميد بن هلال وعنه ابنه وهب وشيخه أيوب السختياني والسفيانان وابن وهب وشيبان بن فروخ وأبو الربيع الزهراني وأبو نصر التمار وخلائق واحتج به أصحاب الكتب قال موسى بن إسماعيل ما رأيت حماد بن سلمة يعظم أحدا تعظيمه جرير بن حازم وقال وهب كان شعبة يأتي أبي يسأله وقال وهب عن أبيه جلست إلى الحسن سبع سنين لم أخرم منها يوما واحدا قال بن مهدي اختلط جرير قبل موته فأحس بذلك بنوه فحجبوه فلم يسمع منه شيء في اختلاطه قلت في بعض حديثه عن قتادة ما هو منكر وهو من أوعية العلم وغيره احفظ منه مات في سنة سبعين ومائة وهو في عشر التسعين ، وذكر انه حج فشهد جنازة أبي الطفيل بمكة قال بن داسة أنا المغيرة بن محمد المهلبي سمعت علي بن المديني سمعت وهب بن جرير عن أبيه قال رأيت أبا الطفيل بمكة قلت فلم لم تسمع منه قال كان طواف واحد يا بني أحب إلي من ذلك ، قال أحمد بن حنبل جرير بن حازم صاحب سنة.


الحرب. فوثب عليه أهل الكوفة وانتهبوا ماله وخرقوا سرادقه وشتموه وعجّزوه ثم انصرفوا عنه ولحقوا بالكوفة!

فبلغ الخبر قيسا فخرج إلى أصحابه فقال : يا قوم إن هؤلاء القوم كذّبوا محمد وكفروا به ما وجدوا إلى ذلك سبيلا! فلمّا أخذتهم الملائكة من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم دخلوا في الإسلام كرها ، وفي أنفسهم ما فيها من النفاق! فلمّا وجدوا السبيل إلى خلافه ، أظهروا ما في أنفسهم! وإن الحسن عجز وضعف وركن إلى صلح معاوية ، فإن شئتم أن تقاتلوا بغير إمام فعلتم؟! وإن شئتم ان تدخلوا في الفتنة دخلتم؟ قالوا : فإنّا ندخل في الفتنة! فأعطى معاوية حسنا ما أراد ، في صحيفة بهث بها إليه مختومة ، اشترط الحسن فيها شروطا ، فلما بايع معاوية لم يعطه مما كتب شيئا (ظ)! فانصرف الحسن إلى المدينة ومعاوية إلى الشام.(1)

رواية زهير بن معاوية (164 ـ 173 هـ)

وقال أسود بن عامر حدثنا زهير بن معاوية قال حدثنا أبو روق الهمداني قال حدثنا أبو الغريف قال كنا مقدمة الحسن بن علي اثنا عشر ألفا بمسكن مستميتين تقطر أسيافنا من الحد على قتال أهل الشام وعلينا أبو العَمَرّطة(2) فلما جاءنا صلح الحسن بن علي ، كأنما كسرت ظهورنا من الغيظ :

فلما قدم الحسن بن علي الكوفة ، قال له رجل منا يقال له أبو عامر سفيان بن الليل السلام عليك يا مذل المؤمنين ، فقال لا تقل ذلك يا أبا عامر لست بمذل المؤمنين ، ولكن كرهت أن اقتلهم على الملك.(3)

رواية عون بن موسى الليثي : (توفي قبل المائتين)

وروى ابن سعد أيضا عن موسى بن اسماعيل (ت 223 هـ) قال حدثنا (عون بن موسى الليثي البصري) قال سمعت هلال بن خباب يقول جمع الحسن بن علي رؤوس

__________________

(1) البلاذري ،انساب الاشراف ج 3 ص 51 ـ 52.

(2) هو عمير بن يزيد الكندي. الطبري :تاريخ الطبري ج 5 ص 30 ، 258.

(3) الفسوي ،المعرفة والتاريخ ، ج 1 ص 317 ، الخطيب البغدادي ،تاريخ بغداد ج 10 ص 35.


أصحابه في قصر المدائن فقال : يا أهل العراق لو لم تذهل نفسي عنكم الا لثلاث خصال لذهلت ، مقتلكم أبي ومطعنكم بغلتي وانتهابكم ثقلي او قال ردائي عن عاتقي وانكم بايعتموني على تسالموا من سالمت وتحاربوا من حاربت واني قد بايعت معاوية فاسموا له واطيعوا ثم نزل فدخل القصر.(1)

سكين بن عبد العزيز القطان البصري (ت قبل المائتين)

وروى يعقوب البسوي الخبر الانف الذكر بسند آخر قال حدثنا عبيد الله بن موسى العبسي ت 213 عن سكين بن عبد العزيز(2) عن هلال بن خباب قال قال الحسن يا أهل العراق ...

شريك بن عبد الله النخعي القاضي (ت 177 هـ)

وقد رواه احمد بن حنبل في الفضائل بسند آخر : قال حدثنا عبد الله حدثنيعثمان بن أبي شيبة ثنا شريك(3) (بن عبد الله النخعي القاضي) عن أبي إسحاق عن عاصم بن

__________________

(1) رواه الخطيب البغدادي فيتاريخ بغداد ج 1 ص 139 بطرقه عن يعقوب بن سفيان وعنابن سعد ، ورواه ابن حجر في الاصابة عن يعقوب بن سفيان ، ورواه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ للفسوي ج 3 ص 317 عن سعيد بن منصور عن عون بن موسى.

(2) ابن عدي ، الكامل في ضعفاء الرجال : سكين بن عبد العزيز بن قيس العبدي بصري سمعت بن حماد يقول سكين بن عبد العزيز ليس بالقوي قاله النسائي ، قال الشيخ ولسكين غيرما ذكرت وليس بالكثيروفيما يرويه بعض النكرة وأرجو أن بعضها يحمل بعضا وأنه لا بأس به لأنه يروي عن قوم ضعفاء وليس هم بمعروفين ولعل البلاء منهم ليس منه.

(3) الذهبي تذكرة الحفاظ : م 4 شريك بن عبد الله القاضي أبو عبد الله النخعي الكوفي أحد الأئمة الاعلام مات في ذي القعدة سنة سبع وسبعين ومائة وله اثنتان وثمانونسنةرحمه‌الله . قال يحيى أتيته بالكوفة فأملى علي فإذا هو لا يدرى يعني شريك ، حدثنا محمد بن أحمد قال حدثنا معاوية بن صالح قال سألت أحمد بن حنبل عن شريك فقال كان عاقلا صدوقا محدثا عندي وكان شديدا على أهل الريب والبدع ، قلت له كيف كان مذهبه في علي وعثمان قال لا أدري. وعن علي بن قادح قال جاء عتاب وآخر إلى شريك فقال له عتاب الناس يقولون إنك شاك قال يا أحمق كيف أكون شاكا لوددت أني كنت مع على فخضبت يدي بسيفي من دمائهم ، حدثنا عبد الله بن حمدويه البغلاني قال حدثنا علي بن خشرم قال حدثنيحفص بن غياث قال سمعت شريكا يقول قبض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فاستخلف المسلمون أبا بكر فلو علموا أن فيهم أحدا أفضل منه قالوا قد غشونا ثم استخلف أبو بكر عمر فقام بما قام به من الحق والعدل فلما حضرته الوفاة جعل الأمر شورى بين ستة نفر من أصحاب


ضمرة قال قلت للحسن بن علي ان الشيعة يزعمون ان عليا رضي الله تعالى عنه يرجع قال كذب أولئك الكذابون لو علمنا ذاك ما تزوج نساؤه ولا قسمنا ميراثه.

الاحتجاج مرسلا عن زيد بن وهب الجهني قال : «لما طُعِن الحسنعليه‌السلام بالمدائن أتيته وهو متوجع وقلت ما ترى يا ابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فان الناس متحيرون ، فقال الامام الحسنعليه‌السلام أرى والله معاوية خيرا لي من هؤلاء. يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي ، والله لان آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وآمن به في أهلي خيرا من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي وأنهم والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما في الله ، لان أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أويمن علي فتكون سبة على بني هاشم إلى آخر الدهر ، ومعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت.».(1)

أقول :

مر علينا في الفصل الرابع نموذج من الروايات الموضوعة في الطعن بالعقيدة بالوصية لعليعليه‌السلام .

وفي الفصل الخامس روايات أبي مخنف في القاء تبعة قتل الحسين على أهل الكوفة بخلاف أحاديث الأئمة من ذرية الحسين إذ يلقون التبعة على جيش أهل الشام.

وفي الفصل السادس نموذج من الروايات الموضوعة الطاعنة في الكوفيين على لسان عليعليه‌السلام والحسن وفي الفصل السابع نموذج من الروايات الموضوعة الطاعنة في الحسنعليه‌السلام .

__________________

النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فاجتمعوا على عثمان فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا قال علي وأخبرني بعض أصحابنا من أهل الحديث أنه عرض هذا الحديث على عبد الله بن إدريس فقال عبد الله بن إدريس أنت سمعت هذا من حفص بن غياث قال قلت نعم قال الحمد لله الذي أنطق بهذا لسانه فوالله إنه لشيعي وإن شريكا لشيعي ، حدثنا محمد بن عثمان قال حدثنا عبد الله بن محمد بن سالم قال حدثنا محمد بن سعيد قال ذكر قوم معاوية عند شريك فقال بعضهم كان حليما فقال ليس بحليم من سفه الحق وقاتل علي بن أبي طالب ، قال محمد بن يحيى بن سعيد القطان قال قال أبي نظرت في أصول شريك فإذا الخطأ في أصوله.

أحمد بن حنبل ،مسند أحمد ، ج 1 ص 148 ، وفي فضائل الصحابة أيضا باسناد آخر.

(1) المجلسي ،بحار الانوار ، ج 44 ص 21. عن الاحتجاج للطبرسي.


وفي الفصل الثامن ايضا.

فلِمَ لا تكون الروايات الطاعنة في الكوفيين التي اوردناها انفا موضوعة أيضا وبخاصة وان رواتها قد ظهروا في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري وما بعده وهي فترة قمة مواجهة الاعلام العباسي لخصومهم الحسنيين والشيعة والتشيع الذي كان يتزعمه الامام الصادق والأئمة من ولده والكوفة كما مر علينا كانت قلعتهم الحصينة وقد استهدفها الخليفة الدوانيقي وابناؤه إلى ابن المعتز الذي نظم سياسة آبائه في ارجوزته المعروفة؟.

أقول :

ان الحلكم بالوضع على هذه الروايات لا يحتاج إلى دراسة تفصيلية للاسانيد ما دامت تلتقي هذه الروايات مع سياسة الاعلام العباسي في مواجهة المدينة التي تشكل قلعة خصومهم ، وتشويه شخصية الحسنعليه‌السلام وصلحه وانه كان من اجل المال لتجريد الحسنيين من تاريخ ابيهم المشرق وغيره ذلك مما لا يخفى على القارئ سقمه وكذبه.

ولكني تناولت ترجمة بعض رواتها ليكون القارئ في الصورة من كون بعث رواية الزهري التي شوهت صورة الصلح ثم وضع روايات إلى جنبها تؤيدها شاهد لايُردّ على صحة النظرية التي قدمتها في قراءتي الجديدة من ان هذا الكم الهائل من الروايات قد جاء تلبية لرغبة العباسيين في تطويق خصومهم الحسنيين ، ولعل الله تعالى يهيء باحثين يجدوا في البحث متعة واهمية ان يكملوا المشروع بدراسة أسانيد كل الروايات فان في ذلك نتائج أخرى جديدة لا تقل أهمية عن النتائج التي عرضناها في الكتاب.



الباب الرابع

خلاصة وخاتمة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الفصل الأول 507 شخصية الحسنعليه‌السلام بين الافتراء والواقع

الفصل الثاني 517 القراءة السائدة للصلح والمشكلات التي امامها

الفصل الثالث 520 صلح الامام الحسنعليه‌السلام قراءة جديدة

الفصل الرابع 571 مسار ثقافة الامة المسلمة

الفصل الخامس 579 خلاصة في المقارنة بين مراحل سير مشروعين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الباب الرابع / الفصل الاول

شخصية الحسن عليه‌السلام بين الافتراء والواقع

اجمع الباحثون المستشرقون على وصف الحسنعليه‌السلام بانه كان شخصية متخاذلة ليس جديرا ان يكون ابنا لعليعليه‌السلام ، ولا رجل الساعة المطلوب سلم الحكم لقاء منحة سنوية يقدمها له معاوية ثم انصرف الى ملذاته وشهواته ثم مات بسبب اسرافه فيها ، وكانت مصادرهم في ذلك روايات مبثوثة هنا وهناك في مصادر التاريخ الاسلامي الاولى ، وضعها العباسيون لمواجهة خصومهم الحسنيين الثائرين لتجريدهم منسلاح الشعبية التي كانوا يتمتعون بها في الكوفة لمكانة ابائهم الحسن المثنى(1) والحسن السبط وامير المؤمنين عليعليه‌السلام وقد اقاما تجربتي حكم رائدتين اتسمتا بتقديم مصلحة الرسالة والامة على المصالح الشخصية.

وفيما يلي خلاصة كلماتهم فيه ، وبعض الروايات التاريخية الطاعنة في الحسن التي

__________________

(1) ذكر المؤرخون وأصحاب السير والحديث والانساب وغيرهم أن الحسن المثنى بن الحسن السبط حضر مع عمه الحسينعليه‌السلام يوم الطف وشهد المعركة ، وواسى عمه في الصبر على السيوف والرماح حتى أثخن بالجراح ووقع على الارض بين القتلى ، وكان به رمق. فأخذه اخواله من فزارة واستوهبوه من ابن زياد وعولج فبرئ (عمدة الطالب ص 100) واتفقوا على أنه برئ ولحق بالمدينة وتوفي سنة 97 هـ الذهبي ، تاريخ الاسلام ج 6 ص 330.

أقول : وقد تبنى ابو مخنف رواية خالف فيها الثابت من سيرة الحسن المثنى فقال (واستصغر الحسن بن الحسن بن علي وأمه خولة ابنة منظور بن زيان بن يسار الفزاري فترك فلم يقتل) (تاريخ الطبري 4 / 359). وهو شاهد على ان ابا مخنف كان قد الف كتابه مقتل الحسين رعاية للإعلام العباسي في بني الحسن والكوفة.


وضعها الاعلام العباسي مع بعض كلمات الخليفة العباسي في الحسن وابيه عليعليه‌السلام ، ثم شواهد تاريخيه على عظمة شخصية الامام الحسنعليه‌السلام في العبادة والسلوك والمكانة الدينية والاجتماعية.

شخصية الامام الحسن عليه‌السلام عند المستشرقين

قال الدكتور فيليب حتي : «ولكن الحسن الذي كان يميل الى الترف والبذخ لا الى الحكم والارادة لم يكن رجل الموقف فانزوى عن الخلافة مكتفيا بهبة سنوية منحه اياها معاوية».(1)

وقال الراهب اليسوعي لامنس (البلجيكي) المتخصص بالتاريخ الاسلامي(2) : «الحسن اكبر ابناء علي من فاطمة بنت رسول الله ويلوح ان الصفات الجوهرية التي كان يتصف بها الحسن هي الميل الى الشهوات والافتقار الى النشاط والذكاء. ولم يكن الحسن على وفاق مع ابيه واخوته عندما ماتت فاطمة ولما تجاوز الشباب. وتوفي الحسن في المدينة بذات الرئة ولعل افراطه في الملذات هو الذي عجل بمنيته.(3)

وقال جرهارد كونسلمان : لقد باع (الحسن) المنصب الذي تركه محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لنسله من اجل المال ويقال انه مات بالسل والهزال.(4)

وقال سايكس : في كتابه () ان الحسن غير جدير بان يكون ابنا لعلي لانه شغل بملذاته بين نسائه واكتفى بارسال اثني عشر الف جندي كطليعة لجيشه بينما احتفظ بقلب الجيش في المدائن حيث ظل يتنزه في الحدائق وخاف ان يجرب حظه في ميدان القتال.(5)

__________________

(1) حتى ، فليب ، العرب تاريخ موجز ، ص 78.

(2) قال عبد الرحمن بدوي في موسوعته عن المستشرقين ، لامنس : مستشرق بلجيكي ، وراهب يسوعي شديد التعصب ضد لا إسلام ، يفتقر إفتقاراً إلى النزاهة في البحث والأمانة في نقل النصوص وفهمها. ويعد نموذجاً سيئاً جداً للباحثين في الإسلام من بين المستشرقين.

(3)الموسوعة الاسلامية (Encyclopedia Of Islam) ج 7 / 401 4002. أشرف على تأليفها فنسنك وآخرون وكتبت باللغة الانكليزية وترجمت الى الفرنسية والالمانية ثم ترجمت الى اللغة العربية ونحن ننقل من النسخة العربية.

(4) جرهارد كونسلمان ،سطوع نجم الشيعة .

(5) الدكتور الخربوطلي ،العراق في ظل الحكم الاموي ، ص 74.


وقال الكاتب العراقي هادي العلوي (1) : «ان هذا الرجل (يقصد الحسنعليه‌السلام ) يتعذر عليه ان يخوض صراعا سياسيا او عسكريا وكان من المنتظر والطبيعي ان ينسحب بمجرد ان يؤول اليه الامر ، وانه لم يمارس بعد الصلح أي نشاط معارض وقد تفرغ الحسن لحياته الشخصية وعاش كما قال عنه ابوه بين جَفنة وخِوان كأي فتى من فتيان قريش المنعمين.

ثم يستطرد العلوي قائلا : ان الدفاع عن صلح الحسن من نتائج الايديولوجيا(2)

ثم يقول : ومعاوية الذي تراجع الحسن امامه كان زعيما عظيما وقد دخل التاريخ كواحد من الاباطرة العظام بجميع لمقاييس وفي شتى العصور(3)

مصادر المستشرقين روايات الإعلام العباسي

استند الباحثون المستشرقون في تكوين الرؤية السلبية الانفة الذكر عن الحسنعليه‌السلام الى رويات اوردتها مصادر تاريخية اسلامية امثال الطبقات الكبرى لابن سعد ت 230 هـ واغاني ابي الفرج الاصبهاني ، وتاريخ محمد بن طاهر المقدسي ت 507 هـ.

روى ابن سعد عن وهب بن جرير بن حازم ت 175 هـ عن ابيه قال اخبرنا شعبة عن ابي اسحاق عن معدي كرب ان عليا مر على قوم مجتمعين ورجل يحدثهم فقال من هذا قالوا الحسن فقال طحن ابل لم تعوَّد طحنا. ان لكل قوم صداد وان صدادنا الحسن.(4)

وروى عن علي بن محمد عن سحيم بن حفص الأنصاري (ت 170 هـ). عن عيسى

__________________

(1) ادرجناه ضمن المستشرقين على الرغم من كونه ينتسب الى الاسلام والتشيع ولكنه تبنى الفكر الماركسي في الايديلولوجيا ومنهج المستشرقين في البحث.

(2) الدكتور الخربوطلي ،العراق في ظل الحكم الاموي ، ص 74.

(3) الثقافة الجديدة تسلسل 223 سنة 1990 تموز السنة 37 العدد 9. من الغريب ان العلوي هذا عرفه اصدقاؤه بالتقشف والزهد والبساطة في العيش يعتقد بمعاوية هذا المعتقد ، ولا بد انه قد قرأ عنه سفكه لدم حجر بن عدي واصحابه وتشريده العراقيين وسجنهم وقطع ايديهم لا لشيء الا لتوليهم عليا ، فهل ان زعامة تقوم على مبدأ كهذا جديرة بالاحترام!.

(4) ابن سعد ، الطبقات الكبرى القسم الناقص ج 1 ص 277 ـ 278 ورواه أيضا ابن معين عن ذر عن شعبة عن أبي اسحق عن معدي كرب (ابن معين تاريخ ابن معين ج 2 / 419).


بن أبي هارون المزني. قال : تزوج الحسن بن علي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر. وكان المنذر بن الزبير هويها. فأبلغ الحسن عنها شيئا فطلقها الحسن. فخطبها المنذر فأبت أن تزوجه وقالت : شهرني. فخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب فتزوجها فرقي إليه المنذر أيضا شيئا ، فطلقها. ثم خطبها المنذر. فقيل لها : تزوجيه فيعلم الناس أنه كان يَعْضَهُكِ (أي بيهتك) فتزوجته فعلم الناس أنه كذب عليها. فقال الحسن لعاصم بن عمر : انطلق بنا حتى نستأذن المنذر فندخل على حفصة فستأذناه. فشاور أخاه عبد الله بن الزبير فقال دعهما يدخلان عليها. فدخلا فكانت إلى عاصم أكثر نظرا منها إلى الحسن وكانت إليه أبسط في الحديث. فقال الحسن للمنذر خذ بيدها فأخذ بيدها. وقام الحسن وعاصم فخرجا وكان الحسن يهواها وإنما طلقها لما رقا إليه المنذر. فقال الحسن يوما لابن أبي عتيق وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن وحفصة عمته هل لك في العقيق؟ قال : نعم. فخرجا فمرا على منزل حفصة. فدخل إليها الحسن فتحدثا طويلا ثم خرج. ثم قال أيضا بعد ذلك بأيام لابن أبي عتيق : هل لك في العقيق؟ قال : نعم. فخرجا فمرا بمنزل حفصة. فدخل الحسن فتحدثا طويلا. ثم خرج ثم قال الحسن مرة أخرى لابن أبي عتيق : هل لك في العقيق؟ فقال : يا ابن أم ألا تقول هل لك في حفصة؟.(1)

وروى عن يحيى بن حماد قال اخبرنا أبو عوانة (176 هـ)(2) عن سليمان عن حبيب بن ابي ثابت عن ابي ادريس عن المسيب بن نجبة قال سمعت عليا يقول الا احدثكم عني وعن أهل بيتي؟ اما عبد الله بن جعفر فصاحب لهو ، واما الحسن بن علي فصاحب جفنة وخوان فتى من فتيان قريش لوقد التقتا حلقتا البطان لم يغن في الحرب عنكم شيئا ، واما انا وحسين فنحن منكم وانتم منا.(3)

__________________

(1) ابن سعد ، الطبقات الكبرى ، ج 1 ص 307 ، سحيم بن حفص الأنصاري كنيته أبو اليقظان واسمه عامر بن حفص وسحيم لقب له. ذكره ابن النديم في الفهرست ص 106.أقول : هو من شيوخ علي بن محمد المدائني.

(2) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، ج 7 ص 287 أبو عوانة واسمه الوضاح مولى يزيد بن عطاء كان أصله من أهل واسط ثم انتقل إلى البصرة فنزلها حتى مات بها.

(3) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، القسم الناقص ج 1 ص 297 ، وابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ج 16 ص 11.


وروى عن محمد بن عبد الله الاسدي (203 هـ) قال حدثنا اسرائيل (160 هـ)(1) عن ابي اسحاق عن هبيرة بن يريم قال قيل لعلي هذا الحسن بن علي في المسجد يحدث الناس فقال طحن ابل لم تعوَّد طحنا ، وما طحن ابل يومئذ.(2)

وروى ابو الفرج الاسفهاني عن احمد عن عمر بن شبة عن المدائني عن قيس بن الربيع (168 هـ)(3) عن الاجلح عن الشعبي عن جندب : ان الحسن قال لابيه حين طلب ان يجلد الوليد بن عقبة : مالك ولهذا؟(4)

وروى عن عمر بن شبة وسعيد بن محمد المخزومي كلاهما عن محمد بن حاتم عن اسماعيل بن ابراهيم علية البصري (193 هـ) عن سعيد بن عروبة البصري عن عبد الله بن الداناج عن حضين بن المنذر ابي سلسان قال : لما جيء بالوليد بن عقبة الى عثمان بن عفان وقد شهدوا عليه بشرب الخمرقال لعلي دونك ابن عمك فاقم عليهالحد فأوعز علي إلى ابنه الحسن أنْ يقوم بجلد الوليد ، فرفض الحسن وقال له : مالك ولهذا؟ فقال له علي : بل ضعفت ووهنت وعجزت.(5)

وقال المقدسي في البدء والتاريخ : «أنَّهعليه‌السلام كان أرخى ستره على مأتي حرة».(6)

__________________

(1) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، ج 6 ص 374 قال ابن حجر في تهذيب التهذيب : قال عثمان بن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن مهدي إسرائيل لص يسرق الحديث.

(2) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، القسم المفقود ، من ذخائر تراثنا ترجمة الحسن من ابن سعد غير المطبوع ص 58.

(3) العقيلي ،الضعفاء الكبير (ضعفاء العقيلي) ، ج 3 ص 469 قيس بن الربيع عن محمد بن عبيد قال كان قيس بن الربيع استعمله أبو جعفر على المدائن فكان يعلق النساء بثديهن ويرسل عليهن الزنابير قال ابن حبان : كان شعبة يروى عنه وكان معروفا بالحديث صدوقا ويقال إن ابنه أفسد عليه كتبه بأخرة فترك الناس حديثه. وفي تذكرة الحفاظ للذهبي ج 1 ص 226 قيس بن الربيع الحافظ أبو محمد الأسدي الكوفي كان من أوعية العلم وارى الأئمة تكلموا فيه لظلمه.

(4) ابو الفرج الاصفهاني ،الاغاني ، ج 5 ص 144.

(5) ابو الفرج الاصفهاني ،الاغاني ، ج 5 ص 145.

(6) المقدسي ، البدء والتاريخ / ج 5 ص 4.


الروايات الطاعنة في شخصية الحسن عليه‌السلام

من وضع الامويين والعباسيين

الروايات الانفة الذكر مما وضعه الاعلام العباسي بأمر الخليفة العباسي ابي جعفر الدوانيقي لمواجهة الحسنيين الثائرين ضد العباسيين لتجريدهم من سلاح قوي بيدهم وهو التاريخ المشرق لأبيهم الحسنعليه‌السلام وجدِّهم عليعليه‌السلام انهم يقاتلون ليس لأجل السلطة بل لأجل المحرومين ، قال محمد بن عبد الله بن الحسن في رسالته الى ابي جعفر الوانيقي (وإنما ادعيتم هذا الامر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضلنا وإن أبانا عليا كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ثم قد علمت أنه لم يطلب هذا الامر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا).(1)

قال عليعليه‌السلام «اللّهم إِنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنردّ المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك فيأمن المظلومون من عبادك وتقام المعطّلة من حدودك.».(2)

وقد سلم الحسينعليه‌السلام ملك العراق بهدف الاصلاح وامان الناس لما عرض عليه معاوية ان يبقى عليه ويبقى هو على الشام. ولما اطلع معاوية على الشروط وقف عند شرط امان الناس وذكر قيس بن سعد انه لا بد ان يقتله وموقف الحسن كان واضحا ان الشروط ومنها الامان صفقة كاملة اما ان يقبلها معاوية كلها او يرفضها معاوية كلها.

ومن اهم الشواهد على انها تبينت من قبل العباسيين قول المنصور بعد ان سجن عبد الله بن الحسن واخوته :

(فقام فيها علي بن أبي طالبعليه‌السلام فما أفلح ، وحكَّم الحكمين ، فاختلفت عليه الأمّة وافترقت الكلمة ، ثمَّ وثب عليه شيعته وأنصاره وثقاته فقتلوه.

ثمَّ قام بعدَهُ الحسن بن عليعليه‌السلام ، فوالله ما كان برجل ، عرضت عليه الأموال فقبلها ، ودسَّ إليه معايوة إنِّي أجعلك ولي عهدي ، فخلع نفسه وانسلخ له ممَّا كان

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 6 ص 196.

(2) نهج البلاغة ، فيض / 406 ؛ عبده 2 / 19.


فيه ، وسلَّمه إليه وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غداً أخرى ، فلم يزل كذلك حتّى مات على فراشه).(1)

وكذلك شعر مروان بن ابي حفصة ت 182 هـ : كان يتقرب الى الخليفة هارون بهجاء العلويين. انشد قصيدة يمدح بها الرشيد ويذكر فيها ولد فاطمةعليها‌السلام وينحى عليهم ويذمهم وقد بالغ حين ذم علياًعليه‌السلام ونال منه وأولها :

عليٌّ أبوكم كان أفضلَ منكم اباه(2)

ذوو الشورى كانوا ذوي الفضل

ساء رسولَ الله إذْ ساء بنتَه

بخطبته بنتَ اللعين أبي جهل

فذمَّ رسول الله صهرَ أبيكمُ

على منبر بالمنطق الصادق الفضل

وحكَّمَ فيها حاكمين أبوكمُ

هما خلعاه خلع ذي النعل للنعل

وخلَّيتموها وهي في غير أهلها

فقد أُبطلت دعواكمُ الرثة الحبلِ

وقد باعها من بعده الحسن ابنه

وطالبتموها حين صارت إلى أهل(3)

شخصية الامام الحسن عليه‌السلام في

الروايات الصحيحة

روى الشيخ الصدوق عن المفضل بن عمر قال قال الامام الصادقعليه‌السلام (ت 148 هـ) حدثني أبي عن أبيهعليهما‌السلام أن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام :

كان أعبد الناس في زمانه ، وأزهدهم وأفضلهم ،

وكان إذا حج حج ماشيا ، وربما مشى حافيا ،

وكان إذا ذكر الموت بكى ، وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها.

__________________

(1) المسعودي ،مروج الذهبي ج 3 ص 301.

(2) أي رفضه أهل الشورى في قصة بيعة عثمان.

(3) ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 4 ص 63 ـ 64. وانظرالاغاني لابي الفرج الاصفهاني ج 23 ص 214 ـ 215. وابن خلكان ، وفيات الاعيان ج 5 ص 189 ـ 193. والدينوري ، ابن قتيبة ، الشعروالشعراء ، ج 2 ص 649.


وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل ،

وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ، ويسأل الله تعالى الجنة ، ويعوذ به من النار ،

وكان لا يقرأ من كتاب الله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال : لبيك اللهم لبيك ، ولم ير في شيء من أحواله إذا ذاكرا لله سبحانه ،

وكان أصدق الناس لهجة ، وأفصحهم منطقا.(1)

وقال ابن عساكر عن عبد الله بن العباس قال : ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشيا ، ولقد حج الحسن بن علي خمسة وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه.(2)

قال واصل بن عطاء : كان الحسن بن علي عليه سيماء الانبياء وبهاء الملوك.(3)

عن ابن عون عن عمير بن إسحاق قال ما تكلم عندي أحد كان احب الي إذا تكلم أن لا يسكت من الحسن بن علي وما سمعت منه كلمة فحش قط إلا مرة فإنه تكلم بين حسين بن علي وعمرو بن عثمان بن عفان خصومة في ارض فعرض حسين امرا لهم لم يرضه عمرو فقال الحسن فليس له عندنا إلا ما رغم انفه قال فهذا اشد كلمة فحش سمعتها منه قط.(4)

قال الواقدي : عن ثعلبة بن ابي مالك : شهدت الحسن يوم مات ودفن بالبقيع فلقد رأيت البقيع ولو طرحت فيه ابرة ما وقعت الال على راس انسان.(5)

وروى ابن عساكر ايضا قال : بكى على الحسن بن علي بمكة والمدينة سبعا النساء والصبيان والرجال.(6)

__________________

(1) الشيخ الصدوق ،الأمالي ، ص 140.

(2) ابنعساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 72. والذهبي ،سير اعلام النبلاء ، ج 4 ص 387.

(3) المجلسي ،بحار الانوار ج 43 ص 251.

(4) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ، ج 14 ص 80. وابن سعد ، الطبقات الكبرى القسم الناقص ج 1 ص 279. والمزي ،تهذيب الكمال ج 2 ص 591.

(5) ابن حجر ،الاصابة ج 1 ص 495. والحاكم ،المستدرك ، ج 3 ص 190. وابن سعد ، الطبقات الكبرى القسم المتمم ج 1 ص 351.

(6) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 118. وابن كثير ،البداية والنهاية ، ج 8 ص 43.


وفي الطبقات الكبرى : عن أبي جعفر قال : مكث الناس يبكون على حسن بن علي سبعا ما تقوم الاسواق.(1)

وعن عبد الله بن عروة بن الزبير قال : رأيت عبد الله بن الزبير قعد إلى الحسن بن علي في غداة من الشتاء باردة ، قال : فوالله ما قام حتى تفسخ جبينه عرقا!. قال : فغاظني ذلك فقمت إليه فقلت : يا عم. قال : ما تشاء؟ قلت : رأيتك قعدت إلى الحسن بن علي فما قمت من عنده حتى تفسخ جبينك عرقا! قال : يا ابن أخي انه ابن فاطمة لا والله ما قامت النساء عن مثله.(2)

وفيه يقول النجاشي الشاعر وكان من شيعة علي ، يرثيه عند وفاته :

لم يُسْبِلِ السترُ على مثله

في الأرض من حافٍ ومن ناعل(3)

وقيل للحسن : فيك عظمة ، فقالعليه‌السلام : بل فيَّ عزة قال الله : «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين».(4)

قال محمد بن اسحاق : ما بلغ احد من الشرف بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما بلغ الحسن بن علي. كان يبسط له على باب داره فاذا خرج وجلس انقطع الطريق فما يمر احد من خلق الله الا جلس اجلالا له فاذ اعلم قام ودخل بيته فيمر الناس. ونزل عن راحلته في طريق مكة فمشى فما من خلق الله احد الا نزل ومشى حتى سعد بن ابي وقاص فقد نزل ومشى الى جنبه.(5)

وقال معاوية لعبد الله بن الزبير سنة 44 حين زار المدينة الا ترى الحسن زارني مرة واحدة قال ان مع الحسن ماة الف سيف لو شاء ضربك بها.

قال محمد بن سعد : أخبرنا علي بن محمد ، عن محمد بن عمر العبدي ، عن أبي سعيد : إن معاوية قال لرجل من أهل المدينة من قريش : أخبرني عن الحسن بن علي. قال : يا أمير المؤمنين ، إذا صلى الغداة جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ، ثم يساند

__________________

(1) ابن سعد ،الطبقات الكبرى ، القسم الناقص 1 ص 352. والحاكم ،المستدرك ، ج 3 ص 189.

(2) المزي ،تهذيب الكمال : ج 6 ص 233. وابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 69 70.

(3) المسعودي ،مروج الذهب ، ج 2 ص 428.

(4) المجلسي ،بحار الانوار ، ج 43 ص 251.

(5) المجلسي ،بحار الانوار ، ج 43 ص 254 نقل عن المناقب.


ظهره فلا يبقى في مسجد رسول الله ـصلى‌الله‌عليه‌وسلم ـ رجل له شرف إلا أتاه فيتحدثون. حتى إذا ارتفع النهرا صلى ركعتين ، ثم نهض فيأتي أمهات المؤمنين فيسلم عليهن فربما أتحفنه. ثم ينصرف إلى منزله ثم يروح فيصنع مثل ذلك. فقال : ما نحن معه في شيء.(1)

أقول :

يتضح من هذه الروايات أي جناية جناها فنسنك وزملائه مؤلفو (ECYCLOPEDIA OF ISLAM) (الموسوعة الاسلامية) التي صدرت باللغة الانكليزية والفرنسية والالمانية حين قدموا الامام الحسنعليه‌السلام الى العالم انه رجل شهوات وملذات في قبال ما تعرضه الروايات الصحيحة انه شخصية رائدة عبادةً وسلوكاً ومكانةً في الدين وانه بلغ في الشرف ما لم يبلغه احد بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

__________________

(1) ترجمة الامام الحسنعليه‌السلام منطبقات ابن سعد ج 1 ص 297. وابن عساكر ، تاريخ مدينة دمشق ج 14 ص 71. والبلاذري ،انساب الاشراف ، ج 3 ص 274.


الباب الرابع / الفصل الثاني

القراءة السائدة للصلح والمشكلات امامها

يكاد يجمع الباحثون الشيعة في تعليلهم لصلح الامام الحسن وتسليمه الامر لمعاوية انه انطلق من واقع منهار للكوفيين وعدم قدرتهم على الاحتفاظ بالدولة التي انشاها في قبال معاوية بل عدم القدرة على توفير الامان للحسن نفسه اذ تعرض لمحاولة اغتيال جرح فيها جرحا بليغا ونهبمتاعه. ومن ثم كاتب معاوية في الصلح ليحقق الامان له ولشيعته وليفضح معاوية.

الروايات التي استندوا إليها

وقد اعتمدوا في هذا التحليل على روايات في مصادر التاريخ منها رواية ابن سعد عن يونس بن ابي اسحاق ت 159 هـ فشد الناس على حجرة الحسن فانتهبوها حتى انتهبت بسطه وجواريه وأخذوا رداءه من ظهره وطعنه رجل من بني أسد يقال له بن اقيصر بخنجر مسموم في أليته فتحول من مكانه الذي انتهب فيه متاعه ونزل الأبيض قصر كسرى. وقال عليكم لعنة من أهل قرية فقد علمت أن لا خير فيكم قتلتم أبي بالأمس واليوم تفعلون بي هذا. ثم دعا عمرو بن سلمة الارحبي فأرسله وكتب معه إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله الصلح ويسلم له الأمر ...).(1)

__________________

(1) المزي ،تهذيب الكمال ، ج 6 ص 245 ، وفي تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ترجمة الحسن قال محمد بن سعد قال ابو عبيد عن مجالد ، عن الشعبي.


ومنها رواية زياد بن عبد الله ، عن عوانة بن الحكم : بايع أهل العراق الحسن بن علي فسار حتى نزل المدائن ، وبعث قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على المقدمات ، وهم اثنا عشر ألفا ، وكانوا يسمون شرطة الخميس ، قال : فبينا الحسن بالمدائن ، إذ نادى مناد في عسكر الحسن : ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل ، فانتهب الناس سرادق الحسن حتى نازعوه بساطا تحته ، ووثب على الحسن رجل من الخوارج من بني أسد ، فطعنه بالخنجر ، ووثب الناس على الأسدي فقتلوه ، ثم خرج الحسن حتى نزل القصر الأبيض بالمدائن ، وكتب إلى معاوية في الصلح. قال : ثم قام الحسن ـ فيما بلغني ـ الناس ، فقال : يا أهل العراق إنه سخى بنفسي عنكم ثلاث : في قتلكم أبي ، وطعنكم إياي ، وانتهابكم متاعي.(1)

ومنها رواية ابن الاثير قال : قيل للحسنعليه‌السلام ما حملك على ما فعلت؟ فقال : كرهتُ الدنيا ، ورأيت اهل الكوفة قوما لا يثق بهم احد ابدا الا غُلِب ، ليس احد منهم يوافق اخر في رأي ولا هوى ، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر.(2) (3)

ومنها رواية احمد بن علي الطبرسي نسبت الى الحسن قوله : أرى والله ان معاوية خير لي من هؤلاء. يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي وأخذوا مالي ، والله لان آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وآمن به في أهلي خيرا من أن يقتلوني فيضيع أهل بيتي واهلي والله لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني اليه سلما والله لأن أسالمه وأنا عزيز خير من أن يقتلني وأنا أسير أو يمن علي فتكون سبة على بني هاشم الى آخر الدهر ، ولمعاوية لا يزال يمن بها وعقبه على الحي منا والميت.(4)

__________________

(1) المزي ،تهذيب الكمال ، ج 6 ص 245.

(2) ابن الأثير ،الكامل في التاريخ ، ج 3 ص 407.

(3) قال صاحبارشاد الساري في شرح صحيح البخاري ج 4 ص 411 قال الكرماني : وقد كان الحسن يومئذ احق الناس بهذا الامر فدعاه ورعه الى ترك الملك رغبة فيما عند الله ولم يكن ذلك لعلة ولا لذلة ولا لقلة فقه بايعه على الموت اربعين الفا. انظر ايضاعمدة القاري في شرح صحيح البخاري المعيني ج 16 ص 239.

(4) المجلسي ، بحار الانوار ، ج 44 ص 21 عن الاحتجاج للطبرسي. والفضل بن الحسن الطبرسي ،إعلام الورى بأعلام الهدى ، ترجمة الحسنعليه‌السلام ص 213


رواية ابي الفرج في مقاتل الطالبيين :

كما اجمعوا على ان معاوية اعلن عن نقضه للشروط لما دخل الكوفة سنة 41 هـ واخذ البيعة من اهلها والحسن بينهم. قال العلامة المصلح السيد عبد الحسين شرف الدين اعلى الله مقامه : فلما تمت البيعة لمعاوية في الكوفة خطب فذكر عليا قنال منه ، ونال من الحسن ، فقام الحسين ليرد عليه ، فقال له الحسن : على رسلك يا أخي. ثم قامعليه‌السلام فقال : أيها الذاكر عليا! أنا الحسن وأبي علي ، وأنت معاوية وأبوك صخر ، وأمي فاطمة وأمك هند ، وجدي رسول الله وجدك عتبة ، وجدتي خديجة وجدتك فتيلة ، فلعن الله أخملنا ذكرا ، وألأمنا حسبا ، وشرنا قديما ، وأقدمنا كفرا ونفاقا! فقالت طوائف من أهل المسجد : آمين. ثم تتابعت سياسة معاوية ، تتفجر بكل ما يخالف الكتاب والسنة من كل منكر في الاسلام ، قتلا للأبرار ، وهتكا للإعراض ، وسلبا للأموال ، وسجنا للأحرار ، وتشريدا للمصلحين).

رواية المدايني :

ورواية أبي الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدايني في كتابه (الاحداث) : قال : كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة عليعليه‌السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام عليعليه‌السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن عليعليه‌السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل الا وهو خائف على دمه أو طريق في الأرض. ثم تفاقم الامر بعد قتل الحسينعليه‌السلام وولى عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف).(1)

__________________

(1) ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 11 ص 46.


تحليل المرجع الراحل الشهيد محمد باقر الصدر

ومنذ عهد العلامة المحقق الشيخ راضي ال ياسين في كتابه صلح الامام الحسن ، والعلامة المصلح السيد عبد الحسين شرف الدين في تقديمه له سادت فكرة تحليلية حول الصلح مفادها : ان الامام الحسنعليه‌السلام بصلحه وشروطه / مع علمه ان معاوية سوف لا يفي بواحدة منها / استهدف فضحه امام المسلمين والحفاظ على الثلة الطيبة من شيعة علي ، وقد اخذت صيغتها التامة على يد المرجع الراحل الشهيد محمد باقر الصدررحمه‌الله قال (أصيب المجتمع الإسلامي إبان إمامة الحسنعليه‌السلام بمرض (الشك في القيادة) وهذا الداء ظهر في أواخر حياة أمير المؤمنين علي بن أبي طالبعليه‌السلام . حيث واجه أيام خلافته عدة حروب ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء الأمة ، فأخذ الناس يشكون هل أن المعارك التي تخاض معارك رسالية أم أنها معارك قبلية أو شخصية؟ وقد عبر أمير المؤمنينعليه‌السلام عن ظهور هذا الداء الاجتماعي في عدة مرات منها في خطبته المعروفة بخطبة الجهاد التي ألقاها على جنوده المنهزمين في مدينة الأنبار حيث قال لهم والألم يعصر قلبه : (ألا وأني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرا وعلانا ، وقلت لكم أغزوهم قبل أن يغزوكم ، فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شنت الغارات عليكم ، وملكت عليكم الأوطان). واستفحل (الداء) واشتد في حياة الإمام الحسنعليه‌السلام ، فلم يكن باستطاعته في مثل هذه الظروف والمجتمع المصاب بهذا الداء أن يخوض معركة مصيرية تنتهي بالنصر على خصمه المتربص به ، فإذا أضفنا إلى هذا شخصية الخصم معاوية الذيكان بإمكانه أن يبدو أمام الناس بمظهر الحاكم الملتزم بالدين وكذلك تعدد انتماءات المقاتلين مع الإمام الحسنعليه‌السلام حتى أبدى بعضهم استعداده لمعاوية أن يسلم له لا إمامعليه‌السلام حيا ، وطعنه بعضهم طعنة غادرة ، إذا جمعنا هذا وغيره من الظروف عرفنا لماذا صالح الإمام الحسنعليه‌السلام معاوية).(1)

__________________

(1) العاملي ،الانتصار ج 8 ص 137 ـ 139.


المشكلات امام القراءة السائدة

يرد على القراءة السائدة للصلح ان الروايات اليت اعتمدت عليها معارضة بروايات اخرى ولكن الباحثين اغفلوها عند التحليل ،

ففي قبال ما رواه ابن الاثير واعتمده الباحثون في التحليل ان الحسن قال : رأيت اهل الكوفة قوما لا يثق بهم احد ابدا الا غُلِب ، مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر) ونظيراتها. توجد روايات تعطي رؤية اخرى عن اهل الكوفة

منها : ما رواه هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال : أخبرني أبي وعوانة بن الحكم والشرقي بن القطامي قالوا : لما قدم معاوية المدينة أتاه وجوه الناس ، ودخل عليه عبد الله بن الزبير ، فقال له معاوية : ألا تعجب للحسن بن علي ، أنه لم يدخل علي (وفي رواية : ألا تعجب من الحسن وتثاقله عنّي :) منذ قدمت المدينة ، وأنا بها منذ ثلاث ، قال : يا أمير المؤمنين! دع عنك حسنا فإن مثلك ومثله كما قال «الشماخ» :

أجامل أقواما حياء وقد أرى

صدورهم تغلي علي مراضها

والله لو شاء الحسن أن يضربك بمئة ألف سيف لفعل ، ولأهل العراق أبر (وفي رواية ارأف وفي اخرى ارأم) به من أم الحُوار بحُوارها. قال معاوية : أردت أن تغريني به ، والله لأصلنّ رحمه ولأقبلنّ عليه.(1)

وفي رواية المدائني قال ، قال معاوية لابن الزبير : ألا تعجب من الحسن وتثاقله عنّي؟ فقال ابن الزبير : مثلك ومثل الحسن كما قال الشاعر :

أجامل أقواما حياء وقد أرى

قلوبهم تأرى عليّ مِراضها(2)

__________________

(1) ابو الفرج الاصفهاني ،الأغاني ج 9 ص 173 (قال ابو الفرج نسخت من كتاب يحيى بن حازم حدّثنا عليّ بن صالح صاحب المصلَّى قال حدّثنا ابن دأب) ، أيضا ابن حمدون ت 562 هـالتذكرة الحمدونية ج 5 ص 192. والحُوار : ولد الناقة من وقت ولادته الى ان يفطم ويفصل. وقول معاوية والله لأصلن رحمه ولأقبلن عليه : هي المجاملة حياء التي استشهد ببيت الشهر لأجلها ، هي مجاملة لأجل ان يعبر مرحلة فرضها عليه الحسن لمعالجة الانشقاق وفتح الشام لأخبار عليعليه‌السلام وقد انتقم معاوية بعد ذلك من الحسن بدس السم له. ومن شيعته بتشريدهم وقتلهم.

(2) : وفي رواية تغلي. و (مِراض) جمع مريض ، ومرض القلب او الصدرهو الشك والعداوة ، وهو هنا العداوة ، والمعنى أجامل اقواما حياء ولكني ارى قلوبهم او صدورهم تغلي عليَّ حقدا وعداواة. وفي


فقال معاوية : والله ما جامل ولقد أعلن ، قال : بلى والله لقد جامل ، ولو شاء أن يطلق عليك عقال حرب زبون لفعل ،(1)

فقال : أراك يا ابن الزبير تجول في ضلالتك.(2)

أقول : وقول ابن الزبير (ولأهل العراق أبر (وفي رواية ارأف وفي اخرى ارأم) بهمن أم الحوار بحوارها).

يشهد له قول الحسن حين خرج من الكوفة الى المدينة إذ تمثل بقول الشاعر :

وما عن قِلى فارقتُ دارَ معاشري

هم المانعون حوزتي وذماري

__________________

لسان العرب أَتأَر إِليه النَّظَرَ : أَحَدَّه. وأَتأَره بصره : أَتْبَعَه إِياه ، وقد اراد معاوية باستشهاده بالبيت ان يُفهم ابن الزبيران الحسنعليه‌السلام يجامله مجاملة قد اضطر اليها لحل ازمة الانشقاقفي امة جده ، والا فان قلب الحسن يغلي علي لانه لا ينسى قتلى شيعة ابيه في صفين واعلامه الكاذب فيه. وقد روى المجلسي في بحار الانوار ج 44 ص 57 ان الحسنعليه‌السلام أنشأ.

أجامل أقواما حياء وقد أرى

قلوبهم تغلي علي مراضها

قال البهبودي في / خامش 57 : أظن الصحيح هكذا :

أجامل أقواما حياء ، وقد أرى

قدورهم تغلى على مراضها

يقال : غلت القدر تغلى غليانا : جاشت وثارت بقوة الحرارة ، ومراض القدر أسفلها إذا غطى من الماء ، يقول : انهم يثورون ثورة ظاهرية كالقدر التي ثارتأعلاه ولم تغلِ

أسفلها ، فهم منافقون يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.

أقول : لم اجد في لسان العرب ولا في تاج العروس ، ان مِراض القدر اسفلها ، ومهما يكن فان استشهاد الامام الحسن بالبيت ان صحت القصة فهوعليه‌السلام يريد انه جامل معاوية وهش في وجهه بما تقتضيه مصلحة الرسالة والامة وهو يعلم ان قلب معاوية يغلي عليه عداوة لقتلاه في بدر. اما المعنى الذي ذهب اليه البهبودي فهو بعيد.

والبيت سواء استشهد به معاوية او الامام الحسنعليه‌السلام فمعناه واحد ، مع ملاحظة ان معاوية حين استشهد به اراد بن ان الحسنعليه‌السلام حين جامله فان قلبه يغلي عليه بما قتل من شيعة ابيه في صفين وبما عرضه من اعلامه الكاذب فيه ، وان الحسن حين استشهد به لو صحت الرواية اراد انه اجبر معاوية على مجاملته مع ان قلبه يغلي عليه حقدا لقتلاه في بدر ، ولم يأخذ بثأرهم لان ثأرهم في تصوره لا يكون الا حين يقتل من بني هاشم علياءهم الامر الذي حققه ولده يزيد بعده بوصية منه. ومن هنا فان حلم معاوية ليس حلما وايضا بل هو تكتيك بلغة العصر كما كشف ذلك لعائشة بنت عثمان حين قال لها : فأظهرنا لهم حلما تحته غضب).

(1) أي حرب صعبة [زبن] : الزَّبْنُ ، كالضَّرْبِ : الدَّفْعُ ، كما في الصِّحاح. وفي المُحْكَم : دَفْعُ الشيء عن الشيء ، كالناقَةِ تَزْبِنُ ولَدَها عن ضرْعِها برِجْلِها وتَزْبِنُ الحالِبَ. زَبَنَ الشيء يَزْبِنُه زَبْناً وزَبَنَ به : دَفَعَه (تاج العروس).

(2) البلاذري ،انساب الاشراف ، ج 5 ص 38.


ويشهد لهايضا قول معاوية للزرقاء بنت عدي وقد استضافها وحاورها (والله لوفاؤكم له بعد موته أعجب من حبكم له في حياته!).(1)

وفي قبال الجزءالاخرمن رواية ابن الاثير وهو قوله (مختلفين لا نية لهم في خير ولا شر) :

ما رواه البلاذري عن عوانة : أن علياعليه‌السلام كتب إلى قيس ابن سعد بن عبادة وهو عامله على آذربيجان : «أما بعد فاستعمل على عملك عبيد الله بن شبيل الأحمسي وأقبل فإنه قد اجتمع ملأ المسلمين وحسنت طاعتهم ، وانقادت لي جماعتهم ولا يكن لك عرجة ولا لبث ، فإنا جادّون معدّون ، ونحن شاخصون إلى المحلين ، ولم أؤخر المسير إلا انتظارا لقدومك علينا إن شاء الله والسلام.

وعن قال عوانة : قال عمرو بن العاص ـ حين بلغه ما عليه عليّ من الشخوص إلى الشام وأن أهل الكوفة قد انقادوا له :

لا تحسبني يا عليّ غافلا

لأوردن الكوفة القبائلا

ستين ألفا فارسا وراجلا

فقال : عليّ :

لأبلغن العاصي بن العاصي

ستين ألفا عاقدي النواصي

مستحقبين حلق الدلاص.(2)

ويشهد له ايضا : ما رواه سليم قال : (ولم يبق أحد من القراء ممن كان يشك في الماضين ويكف عنهم ويدع البراءة منهم ورعا وتأثما إلا استيقن واستبصر وحسن رأيه وترك الشك يومئذ والوقوف وكثرت الشيعة(3) بعد ذلك المجلس من ذلكاليوم وتكلموا ، وقد كانوا أقل أهل عسكره وسائر الناس يقاتلون معه على غير علم بمكانه

__________________

(1) ان بكار الضبي ،اخبار الوافدات من النساء ، ص 63 ، ابن عبد ربه ،العقد الفريد ج 1 ص 220. ابن طيفور ،بلاغات النساء ص 49 ، التستري ،قاموس الرجال ج 12 ص 259 ـ 260.

(2) البلاذري ، انساب الاشراف ج 2 ص 481. والدلاص الدروع اللينة. والاحْتِقابُ شَدُّ الحَقِيبةِ من خَلْفٍ ، وكذلك ما حُمِلَ مِن شيء من خَلْف.

(3) أي الموالين له المعادين لعدوه المتبرئين منهم ..


من الله ورسوله(1) ، وصارت الشيعة بعد ذلك المجلس أجل الناس وأعظمهم).(2)

قال ابن حجر : وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري قال جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت فقتل علي فبايعوا الحسن بن علي بالخلافة.(3)

3. وفي قبال ما رواه ابو الفرج الاصفهاني بإسناده الى ابي اسحاق ت 127 هـ وهي المشهورة عند الباحثين الشيعة ، ان معاوية بالنخيلة. ألا إن كل شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدمي هاتين لا أفي به.(4)

__________________

(1) نحن نحتفظ على هذه الجملة (وسائر الناس يقاتلون معه على غير علم بمكانه من الله ورسوله) فان معركة النهروان وقعت في صغر او في شعبان سنة 38 هـ أي بعد سنتين ونصف وقعت خلالها معركتا الجمل وصفين ، وقد ظهر فيها من الآيات لعليعليه‌السلام واحاديث النبي فيه ، ما لم يدع شكا في علي ، وانما الناس تنفتح قلوبها على الحقائق تدريحيا( قالت الاعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخل الايمان في قلوبكم ) الحجرات / 14 ، فالناس الذين كانوا يقاتلون مع علي كانوا يعرفون مكانته من الله ورسوله ولكنهم لم تنفتح قلوبهمم بعد ، وفي النهروان بعد شهدوا اية جديدة للنبي في علي هو قصة مثدن اليد ، انفتح قلب من لم يكن قد انفتح على امامة عليعليه‌السلام . والى هذه المرحلة من الانقيادوالاجتماع ملأ المسلمين وحسنتطاعتهم ، وانقادت لي جماعتهم ولا يكن لك عرجة ولا لبث ، فإنا جادّون معدّون ، ونحن شاخصون إلى المحلين ، ولم أؤخر المسير إلا انتظارا لقدومك علينا)

(2) سليم بن قيس الهلالي ، كتاب سليم بن قيس ، ص 220.

(3) ابن حجر ،فتح الباري ، ج 12 ص 53.

(4) روى الكثيرمن الباحثين الشية منهم الخوئي فيمنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ج 19 ص 143 ، وكذلك الشيخالكوراني فيجواهر التاريخ عن الشيخ المفيد فيالارشاد ج 2 ص 14 بغيرسند قال : (فلما استتمت الهدنة سار معاوية حتى نزل بالنخيلة ، وكان ذلك يوم جمعة فصلى بالناس ضحى النهار ، فخطبهم وقال في خطبته : إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك ، ولكني قاتلتكم لأتأمر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم له كارهون. ألا وإني كنت منيت الحسن وأعطيته أشياء ، وجميعها تحت قدمي لا أفي بشئ منها له وهي رواية ابي الفرج في مقاتله ابو الفرج مسندة ، وقد رواها من كتاب ابي الفرج مباشرة كثير من الباحثين الشيعة المعاصرين كالعلامة التستري في قاموس الرجال 4 / 109 ، والعلامة السيد علي الشهرستاني في وضوء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ج 1 ص 209 والعلامة العسكري فياحاديث المؤمنين عائشة ج 1 ص 322 ، والعلامة الشيخ راضي ال ياسين ص 12 فيصلح الحسن عليه‌السلام وغيرهم كثير ، وكذلك من الباحثين القدامى من غير الشيعة كابن ابي الحديد فيشرح نهج البلاغة ج 16 ص 15 ومن الشيعة القاضي النعمان في شرح الاخبار ج 2 ص 533 ، اما ابو الفرج فقد ساق للرواية ثلاثة اسانيد سندان منها عن ابي عبيد احدهما فيه عبد الرحمن بن شريك ت 177 هـ ولي قضاء الكوفة للمنصور وابنه ، والاخر


توجد روايات اخرى تفيد ان نقض الشروط تأخر الى وفاة الحسنعليه‌السلام .

فقد روى ابن عبد ربه وابن كثير قالا : قدم معاوية المدينة اول حجة حجها (سنة 44 هجرية) بعد عام الصلح ، فتوجه الى دار عثمان ،

فلما دنا الى باب الدار. صاحت عائشة بنت عثمان وندبت اباها.

فقال لها : يا بنت اخي ان الناس قد اعطونا سلطاننا ، فاظهرنا لهم حلما تحته غضب ،

واظهروا لنا طاعة تحتها حقد ، فبعناهم هذا بهذا وباعونا هذا بهذا ، فان اعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم ،

ومع كل انسان منهم شيعته وهو يرى مكان شيعته ، فان نكثناهم نكثوا بنا ثم لا ندري اتكون لنا الدائرة ام علينا؟

وان تكوني ابنة عم امير المؤمنين خير من ان تكوني امرأة عُرُض الناس. (وفي رواية ابن كثير : وان تكوني ابنة عثمان امير المؤمنين احب الي ان تكوني امة من اماء المسلمين ونعم الخلف انا لك بعد ابيك.(1)

وفي ضوء هذه الرواية فان معاوية الى سنة 44 هجرية لم يكن قد غدر بشروطه لمكان الحسنعليه‌السلام وشيعته وللتكتيك الذي تقيَّد به.

ويشهد لذلك ايضا :

__________________

عن عثمان بن ابي شيبة وقد رواه في مسنده عن ابي معاوية الضرير وهو من جلساء هارون ووضع له احاديث في ذم الرافضة وكلاهما يرويانها عن الاعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد وهو مجهول ، والسند الثالث عن المقانعي عن جعفر بن محمد بن الحسين الزهري عن حسن بن الحسين العرني عن عمرو بن ثابت (ابن ابي المقدام) عن ابي اسحاق السبيعي وهي اساسا رواية عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد ولكن السبعي دلس فيها وتدليسه لا يضر بوثاقته وبخاصة وقد وقع منه في اخريات عمره مضافا الى ان تخلف معاوية عن الشروط وغدره بالحسن مسالة مفروغ منها والكلام هل كان هذا النقض في اول الصلح او بعد عشر سنوات. ويضيف ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ج 52 ص 33 ـ 60 طريقا اخر قال عن محمد بن خالد يعني القرشي الدمشقي حدثني محمد بن سعيد بن المغيرة الشيباني عن عبد الملك بن عمير ان معاوية خطب عند دخوله الكوفة ومحمد بن خالد قال عنه ابو حاتم الرازي كذاب والشيباني مجهول.

(1) الجاحظ ،البيان والتبيين ، ص 529 عن عيسى بن زيد عن اشياخه ، ابن قتية عيون ، الاخبار ج 1 ص 67 البلاذري ،انساب الاشراف ج 5 ص 125 عن المدائني عن عيسى بن يزيد.


ما رواه البلاذري قال حدثني أبو مسعود ، عن ابن عون عن أبيه قال : لمّا ادّعى معاوية زيادا وولَّاه ، طلب زياد رجلا كان دخل في صلح الحسن وأمانه ، فكتب الحسن فيه إلى زياد ، ولم ينسبه إلى أب فكتب إليه زياد : أما بعد فقد أتاني كتابك في فاسق تؤوي مثله الفسّاق من شيعتك وشيعة أبيك! فأيم الله لأطلبنّه ولو بين جلدك ولحمك ، فإن أحبّ إليّ أن آكله للحم أنت منه!

فلما قرأ الحسن الكتاب قال : كفر زياد ، وبعث بالكتاب إلى معاوية.

فلما قرأه غضب فكتب إليه : أما بعد يا زياد ، فإن لك رأيين : رأي من أبي سفيان ، ورأي من سميّة ، فأمّا رأيك من أبي سفيان فحزم وحلم ، وأما رأيك من سميّة فما يشبهها فلا تعرض لصاحب الحسن ، فإني لم أجعل لك عليه سبيلا ، وليس الحسن مما يرمى به الرجوان وقد عجبت من تركك نسبته إلى أبيه أو إلى أمّه فاطمة بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فالآن حين اخترت له والسلام(1) .

وبرواية الجاحظ وهي اكثر دقة ، قال : حدثني سليمان بن أحمد الخرشي قال حدثني عبد الله بن محمد بن حبيب قال طلب زياد رجلا كان في الأمان الذي سأله الحسن بن علي لأصحابه فكتب فيه الحسن رضي الله تعالى عنه إلى زياد من الحسن بن علي إلى زياد أما بعد فقد علمت ما كنا أخذنا لأصحابنا وقد ذكر لي فلان أنك عرضت له فأحب ان لا تعرض له إلا بخير

فلما أتاه الكتاب ولم ينسب الحسن إلى أبي سفيان غضب فكتب من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن أما بعد أتاني كتابك في فاسق يؤويه الفساق من شيعتك وشيعة أبيك وايم الله لأطلبنهم ولو بين جلدك ولحمك وان أحب لحم إلي آكله للحم أنت منه ، فلما وصل الكتاب الحسن وجه به إلى معاوية فلما قرأه معاوية غضب وكتب من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان أما بعد فان لك رأيين رأيا من أبي سفيان ورأيا من سمية فأما رأيك من أبي سفيان فحلم وحزم وأما رأيك من سمية فكما يكون رأي مثلها وقد كتب إلي الحسن بن علي انك عرضت لصاحبه فلا تعرض له فاني لم أجعل لك إليه سبيلا وان الحسن ابن علي ممن لا يرمي به الرجوان والعجب من كتابك إليه لا

__________________

(1) البلاذري ،أنساب الأشراف ج 3 ص 52 ـ 53.


تنسبه إلى أبيه أفإلى أمه وكلته وهو ابن افطمة بنت محمدصلى‌الله‌عليه‌وسلم فالآن حين اخترت له والسلام(1) .

ويشهد لذلك ايضا : ما رواه ابن عبد ربه قال : لما مات الحسنُ بن عليّ حَجّ معاوية ، فدخل المدينة وأراد أن يَلْعن عليَّا على مِنبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم . فقيل له : إن هاهنا سعدَ بن أبي وقاص ، ولا نراه يرضى بهذا ، فابعث إليه وخُذ رأيه. فأرسل إليه وذكر له ذلك. فقال : إن فعلت لأخرُجن من المسجد ، ثم لا أعود إليه. فأمسك معاوية عن لعنه حتى مات سعد.(2) فلما مات لَعنه عَلَى المنبر ، وكتب إلى عماله أن يَلعنوه على المنابر ، ففعلوا.

ومن المعلوم ان وفاة سعد كانت بعد وفاة الامام الحسنعليه‌السلام وفي السنة نفسها سنة 51 هـ.

ويشهد لذلك ايضا واقع استضافة معاوية لعدد من الشخصيات العراقية من الرجال والنساء وسؤاله لهم عن سيرة عليعليه‌السلام وترحمه عليه مرات عديدة فان هذا الواقع وهو ثابت لا ينسجم مع ما ادعته روايات ابي الفرج من ان معاوية اعلن عن نقض الشروط في النخيلة او عند دخوله الكوفة.

وفي ضوء ذلك يتضح :

ان المدائني لم يكن معنيا في روايته ان يشخص بدقة وقت نقض الشروط بل ذكرها على الاجمال ان ذلك كان بعد عام الجماعة اما متى فلم يكن معنيا به قال :

(كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته).

ولكنه يشير على الاجمال انه قد اشتد الامر حينما استعمل زيادا على الكوفة قال (وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة لكثيرة من بها من شيعة عليعليه‌السلام

__________________

(1) الجاحظ ،البيان والتبيين ص 361 ، ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 16 / 19 عن ابي الحسن المدائني.

(2) ابن عبد ربه ،العقد الفريد ج 4 ص 159.


فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لأنه كان منهم أيام عليعليه‌السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن عليعليه‌السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق أحد من هذا القبيل الا وهو خائف على دمه أو طريد في الأرض).

فان زيادا ولاه معاوية الكوفة بعد وفاة المغيرة بن شعبة في شعبان سنة 50 هـ ـ 51 هـ ، وقد توفي الحسنعليه‌السلام في صفر وفي رواية في ربيع الاول سنة 50 ـ 51 هـ أي قبل وفاة المغيرة بن شعبة.

ومما يؤكد ان الغدر بالشروط واهمها الامان ولعن علي قد تم بعد وفاة الامام الحسن أي سنة 50 ـ 51 هـ اننا حين تتبعنا تاريخ من قتلهم زياد بامر معاوية او دفنهم احياء او نفاهم او شردهم من شيعة علي كحجر واصحابه وعبد الرحمن بن حسان الذي دفنه حيا ، وعمرو الحمق الخزاعي وزوجته امنة بنت الشريد وصعصعة بن صوحان وتسيير خمسين الف من الكوفة والبصرة بعيالاتهم وجدنا ذلك كله بعد وفاة الحسنعليه‌السلام أي في سنة 51 هـ وهو اكتشاف تاريخي لم يسبق ان انتبه اليه الباحثون.

وفي ضوء ذلك فان رواية سليم بن قيس لقضية كتابة معاوية الى عماله نسخة في نهيهم لذكر فضائل علي اكثر دقة على انها قد اصابها تحريف ايضا ،(1) فان سليم يذكر ان معاوية كتب كتابه الى عماله وهو في المدينة ولا يمكن ان يكون قد كتبه في سنة 44 هجرية لما ذكرناه انفا من جوابه لعائشة بنت عثمان لما تلقته وهي تندب اباها ، بل كتبه لما ززار المدينة بعد رجوعه من الحج سنة 50 ـ 51 هـ ..

قال سليم : وكان معاوية يومئذ بالمدينة ، فعند ذلك نادى مناديه وكتب بذلك نسخة إلى جميع البلدان إلى عماله(2) : (ألا برئت الذمة ممن روى حديثا في مناقب علي بن أبي طالب أو فضائل أهل بيته وقد أحل بنفسه العقوبة ثم إن معاوية مر بحلقة

__________________

(1) الطبرسي ،الاحتجاج ، ج 2 ص 19.

(2) هذا النداء منه بعد موت الحسنعليه‌السلام وموت سعد بن ابي وقاص.


من قريش ، فلما رأوه قاموا له غير عبد الله بن عباس. فقال له : يا بن عباس ، فإنا قد كتبنا في الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته ، فكف لسانك ـ يا بن عباس ـ وأربع على نفسك. وإن كنت لا بد فاعلا فليكن ذلك سرا ولا يسمعه أحد منك علانية. ثم اشتد البلاء بالأمصار كلها على شيعة علي وأهل بيتهعليهم‌السلام ، وكان أشد الناس بلية أهل الكوفة لكثرة من بها من الشيعة. واستعمل عليهم زيادا أخاه(1) وضم إليه البصرة والكوفة وجميع العراقين. فلما مات الحسن بن عليعليه‌السلام (2) لم يزل الفتنة والبلاء يعظمان ويشتدان ..).(3)

والتحريف الذي اصابها هو الجملة الاخيرة فان مكانها قبل كتابة معاوية الى ولاته وليس بعدها وهو التحريف نفسه الذي اصاب رواية المدائني.

وفي ضوء ذلك كله :

ينهار التحليل السائد المبني على تفرق الكوفيين وان معاوية نقض شروطه سنة 41 هجرية ، ونحتاج بعد ذلك الى تحليل اخر يفسر لنا تاخر ملاحقة معاوية للشيعة عشر سنوات مع شدة غضبه وحقده ، تحليل مبني على اجتماع الكوفيين للحسنعليه‌السلام والتفافهم حوله الذي يفيد استقرار العراق للحسن الامر الذي ادركه معاوية فعرضه على الحسن ان يبقى كل واحد على بلده ، فلماذا يسلم الحسن ملكا مستقرا له الى معاوية ويشترط عليه شروطا خاصة؟ وهو ما نبحثه في الفصل التالي :

__________________

(1) استعمل معاوية زيادا على الكوفة سنة 51 هـ بعد موت المغيرة وتوفي سنة 53 حكم العراق خمس سنوات ومعنى ذلك ان ولايته على البصرة سنة 48 هـ.

(2) هذه الجملة ليس مكانها هنا بل مكانها في اول الرواية.

(3) سليم بن قيس ، كتاب سليم بن قيس ، ص 318.


الباب الرابع / الفصل الثالث

صلح الامام الحسن عليه‌السلام قراءة جديدة

روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع / 1 / 211 عن أبي سعيد عقيصا قال :

قلت للحسن بن علي ابن أبي طالبعليهما‌السلام : يا ابن رسول الله لم داهنت معاوية وصالحته ،؟ ...

قال : يا أبا سعيد : علة مصالحتي لمعاوية علة مصالحة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لبني ضمرة وبني أشجع ، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية ، أولئك كفار بالتنزيل ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل).

أقول : معنى ذلك ان السبب الموجب للصلحين واحد ، وهذا يستلزم وحدة الخلفيات التي سبقت الصلح ثم وحدة الظرف الموجب له ثم وحدة الموقف ازاءه ثم وحدة النتائج المترتبة على الموقف وفيما يلي بيانها.

خلفية الصلحين

كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله صاحب مشروع رسالي يستهدف تحرير دين ابراهيم من بدع قريش مما يخالف تنزيه الله تعالى حين عبدت الاصنام ، وتنزيه نبيه ابراهيم والحج الابراهيمي من البدع التي ادخلتها اليه قريش من تحريم الجمع بين العمرة والحج في اشهر الحج وتأخير مقام ابراهيم عن البيت وغيره لتكريس امامتها الدينية التي دانت بها


العرب وعملت بأحكامها وكذلك تحرير كتاب الله وسيرة انبيائه منتحريفات اليهود والمسيحيين.

وكان عليعليه‌السلام صاحب مشروع رسالي يستهدف تحرير دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله من ثقافة اهل الكتاب التي نشرها كعب الاحبار وتميم الداري مما يخالف تنزيه الله وتنزيه الانبياء بأمر قريش المسلمة ومن تحريمهم متعة الحج وارجاع مقام ابراهيم الى ما كان عليه في الجاهلية وامضاء التطليقات الثلاث بتطليقة واحدة وابتداع صلاة التراويح وغيرها من البدع التي ابتدعتها بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لتكريس امامتها الدينية التي دان بها مسلمة الفتوح وغيرهم.

وفيما يلي تفصيل ذلك :

مفردات خلفية صلح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مع قريش

1. انقلاب قريش بعد عبد المطلب وتحريفهم دين ابراهيم :

كان عبد المطلب زعيم قريش بلا منازع منزها لله تعالى متقيدا بدين ابراهيم جاءته الزعامة الدينية والسياسية من قصي عن طريق ابويه هاشم وعبد مناف ، ولا يختلف اثنان ان قصيا مؤسس التجمع القرشي حول مكة كان على دين ابراهيم وكان ينتظر النبي الموعود ، وان هاشما قد سنَّ لهذا التجمع رحلة الشتاء والصيف ، وصارت مكة وقريش ذات مكانة دولية مرموقة ، ولا يختلف اثنان على ان قصيا كان اعلم قريش بدين ابراهيم ثم توارث العلم اوصياؤه من ابنائه عبد مناف ثم هاشم ثم عبد المطلب ثم ولده ابو طالب ، والى جانب ذلك تميز عبد المطلب بحفر زمزم التي كانت مطمومة منذ الحرب بين خزاعة وجهرم أي لأكثر من ثلاث قرون خلت ، وقد أُخبر بمكانها في المنام ودعا بني عبد مناف وبقية بطون قريش ان تساعده في حفرها فلم تستجب له احد منهم(1) فانفرد بمكرمة حفرها واحيائها لسقي الحجيج ، وكذلك انفرد دون بطون قريش بمهمة الدفاع عن البيت ومواجهة جيش ابرهة هو وولده وولد عمه المطلب ثم نصره الله

__________________

(1) انظر اليعقوبي ،تاريخ اليعقوبي .


على جيش ابرهة وكان يقول :

نحن (آل الله) فيما قد مضى

لم يزل ذاك على عهد أبْرَهمْ

نعبدُ الله وفينا سُنَّةٌ

صِلَةُ القربى وإيفاء الذِّمم

لم تزل لله فينا حجةٌ

دفعُ اللهُ بها النِّقَمْ(1)

وهكذا ادركت بطون قريش كلها ان زعيمها عبد المطلب قد اصطفاه الله عليهم فهو الاولى بالبيت وبزمزم وبابراهيم وبدينه ومن ثم هو الاول بالله أي هو الاقرب الى الله تعالى وصارت تسميه ابراهيم الثاني ، وصار يلقب هو ووِلْدُه ب (ال الله)(2) ، وتعلمت منهم شريعة ابراهيم.

حسد بنو عبد شمس وبنو نوفل اولاد عمهم بني هاشم ان ينفردوا بهذا المجد دونهمثم انتشر الحسد الى بطون قريش الاخرى وقد برز هذا الحسد اول ما برز بشكل منافرة بين امية وعبد المطلب ثم تطورت اشكاله فيما بعد.

واوصى عبد المطلب الى ابي طالب اعلم اولاده بدين ابراهيم.

ثم انقلبت قريش بعد وفاة عبد المطلب على بني هاشم فادعت ان لقب (ال الله) يعم بطون قريش وليس بني عبد المطلب حسب ، فقد دافع الله تعالى عن قريش لانهم سكان بيته(3) ، وابتدعت قريش بدعة الحمس في دين ابراهيم وادخلت طقوس عبادة الاصنام مع طقوس عبادة الله لتكريس امامتها الدينية وصارت الامامة الابراهيمية وتعليم احكام الحج في كل بيوتات قريش. وهكذا حوصرت امامة وزعامة ابي طالب

__________________

(1) المسعودي ، مروج الذهب ج 2 ص 105 ـ 106. وأبي حيان الأندلسي ، تفسير البحر المحيط ج 1 ص 542.

(2) جاء فيالاستيعاب لابن عبد البر ج 4 ص 1490 في ترجمة نافع بن عبد الحارث بن حبالة بن عمير الخزاعي استعمله عمر بن الخطاب على مكة وفيهم سادة قريش ، فخرج نافع إلى عمر واستخلف مولاه عبد الرحمن بن أبزى ، فقال له عمر : استخلف على (آل الله) مولاك فعزله ، وولَّى خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. وكان نافع ابن عبد الحارث من كبار الصحابة وفضلائهم. والشاهد في الرواية هو ان عمر يسمي قريش (ال الله) ، والحال ان هذا اللقب لعبد المطلب وذريته التي على منهجه.

(3) وقد وضع بنو امية فيما بعد رواية تفيد ان عبد المطلب هو الذي اشار على قريش ان يهربوا الى الجبال في قصة الفيل خوفا عليهم من معرة الجيش (انظر الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 1 ص 554).


في دين ابراهيم. وقد اشار ابو طالب في قصيدته اللامية المشهورة الى افتراء قريش في الدين :

اعوذ بالله من كل طاعن

علينا بشرٍّ او ملحِّقِ باطل

من كاشح يسعى لنا بمعيبة

ومن مفتر في الدين ما لم نحاول

وقوله (مفتر في الدين ما لم نحاول) أي مبتدع في دين ابراهيم ما لم نوافقهم عليه ، ويشير قوله تعالى في سورة الجمعة( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2)وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) الجمعة / 2 ـ 3 وقوله (في الاميين) أي في أهل مكة ، وقوله (في ظلال مبين) أي عبادة الاصنام وبدعة الحمس ، وقوله (وآخرين منهم) اي من اهل مكة ، وقوله (لما يلحقوا بهم) أي ما شاركوا قومهم في ضلالهم.

2. هدف البعثة النبوية لتحرير دين ابراهيم من بدع قريش :

وبعث الله نبيه محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله سنة 13 ق. هـ مؤيدا بالبينات الالهية بدين ابراهيم واسس المجتمع الاسلامي على ولاية الله وولاية رسوله والامامة الدينية والسياسية لعلي بن ابي طالب وولديه الحسن والحسين والتسعة من ذريته( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)) المائدة / 55( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ) النساء / 59 وهدم الامامة الدينية لقريش والامامة الدينية لاهل الكتاب ونسخ التوراة وما الحق بها واستبدلها بالقرآن مصدقا بالذي بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ) المائدة / 48.

3. حروب قريش مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله واعلامها الكاذب :

حينما نهض النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ليبلغ مشروعه الرسالي وقف ابو طالب وبنو هاشم الى جانبه واستضعفت قريش المشركة بني هاشم ومن امن به وقاطعتهم حتى يسلموا محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله .


واعلن ابو طالب نصرته للنبي وايمانه بمستقبلها في قصيدته اللامية المشهورة قائلا :

فأبلغ قصيّاً أنْ سينشر أمرُنا

وبشّر قصيّاً بعدنا بالتخاذل

كذِبتم وبيتِ الله نبزى محمداً

ولما نطاعن دونه ونناضلِ(1)

ونسلمه حتى نصرَّع دونه

ونذهل عن أبنائنا والحلائل

ومنها يفهم ان ابا طالب يعتبر ان رسالة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قد جاءت لتحرير دين ابراهيم من بدع قريش واسلافهم هذا الدين الذي انتهت مواريثه ومهمة الحفاظ عليه الى ابي طالب ولإرجاع الامامة الابراهيمية المغتصبة الى اهلها الشرعيين.

ثم قيض الله تعالى اهل المدينة على النصرة وهاجر الى المدينة ، وفرضت قريش المشركة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حربين ظالمتين ، الاولى في بدر وكان النصر المؤزر له فيها ، الثانية في احد وقد خسر النصر فيها بسبب معصية نفر من اصحابه لأمره حين تركوا مواقعهم طمعا في الغنيمة.

طورت قريش في هذين الحربين اعلامها الكاذب الذي بدأت به(2) في مواجهة دعوة

__________________

(1) نبزى محمدا : اي نسلبه ونغلب عليه (لسان العرب ).

(2) روى الشيخ الطبرسي في اعلام الورى ص 55 ، قال : روى علي بن إبراهيم ، قال : خرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكة في عمرةِ رجب يسألون الحلفعلى الأوس ، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة ، فنزل عليه ، فقال له : إنّه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم ، فقال عتبة : بُعدت دارنا عن داركم ولنا شغل لا نتفرغ لشيء ، قال : وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟! قال له عتبة : خرج فينا رجل يدّعي انّه رسول الله ، سفّه أحلامنا ، وسبّ آلهتنا ، وأفسد شبابنا ، وفرّق جماعتنا ، فقال له أسعد : من هو منكم؟ قال : ابن عبد الله بن عبد المطلب ، من أوسطنا شرفاً ، وأعظمنا بيتاً ؛ وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم أبناء «النضير» و «قريظة» و «قينقاع» انّ هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة لنقتلنَّكم به يا معشر العرب ، فلمّا سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود ، قال : فأين هو؟ قال : جالس في الحِجْر ، وانّهم لا يخرجون من شِعْبهم إلّا في الموسم ، فلا تسمع منه ولا تُكلّمه ، فإنّه ساحر يسحرك بكلامه ، وكان هذا وقت محاصرة بني هاشم في الشعب ، فقال له أسعد : فكيف أصنع وأنا معتمر لابدّ لي أن أطوف بالبيت؟ فقال : ضع في أُذنيك القطن ، فدخل أسعد المسجد وقد حشا أُذنيه من القطن ، فطاف بالبيت ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم ، فنظر إليه نظرة ، فجازه. فلمّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه : ما أجد أجهل منّي ، أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا أعرفه؟! حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم ، ثمّ أخذ القطن من أذنيه ورمى به ، وقال لرسول الله : أنعم صباحاً ، فرفع رسول الله رأسه إليه وقال :


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عند حلفائها من القبائل فاتهمته بتهمة انتهاك حرمة البيت الحرام والاعتداء على القوافل التجارية الامنة لقريش وسفك الدم الحرام في الشهر الحرام(1) . واستطاعت بقيادة ابي سفيان ان تحشد عشرة آلاف مقاتل / الاحزاب / قصدوا المدينة لإرعاب اهلها ليتخلوا عن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وصمد اهل المدينة وهزمت الاحزاب شر هزيمة وجعلها الله تعالى للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اية وازدادت ثقة المسلمين به.

4. تحصين القبائل من التأثر بمحمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بالحرب والاعلام الكاذب :

ليس للنبي ازاء هذا الاعلام القريش الكاذب الذي شوه مشروعه عند القبائل لصيانتها من التأثر به والانفتاح عليه الا ان يقوم بعمل غير الحرب به يؤدي الى كسر الطوق عنها وعنه وفضح قريش لديها بانها هي المعتدية وان محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله يعظم البيت ويطلب السلم وانه نبي قد بعث لإحياء دين ابراهيم وتحرير الحج من بدع قريش.

ولا يوجد الا عمل واحد يحقق له ذلك وهو المبادرة بالعمرة في اشهر الحج هو واصحابه والهدي معهم حيث تتوافد القبائل نحو مكة للحج ،

__________________

«قد أبدلنا الله بهب ما هو أحسن من هذا ، تحية أهل الجنة : السّلام عليكم» فقال له أسعد : إنّ عهدك بهذا لقريب إلى مَا تدعو يا محمد؟ قال : «إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإنّي رسول الله ، وأدعوكم : «أَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفَسَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلّا بِالحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ *وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلّا بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلّاوًسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكِّرُونَ ». فلما سمع أسعد هذا قال : أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له ، وانّك رسول الله. يا رسول الله بأبي أنت وأمّي أنا من أهل يثرب من الخزرج ، وبيننا وبين إخواننا من الأوس حبال مقطوعة ، فإن وصلها الله بك فلا أجد أعزّ منك ، ومعي رجل من قومي فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك ، والله يا رسول الله لقد كنّا نسمع من اليهود خبرك ، وكانوا يبشّروننا بمخرجك ، ويخبروننا بصفتك ، وأرجو أن تكون دارُنا دارَ هجرتك ، وعندنا مقامك ، فقد أعلمنا اليهود ذلك ، فالحمد لله الذي ساقني إليك ، والله ما جئت إلّا لنطلب الحلف على قومنا ، وقد أتانا الله بأفضل ممّا أتيت له.

(1) جاء في الكامل في التاريخ لابن الأثر ج 2 ص 148 ـ 149 ، ان قريش ارسلت أربعة نفر وهم عمرو بن العاص ، وهبيرة بن أبي وهب ، وابن الزبعري وأبو عزة الجمحي ، فساروا في العرب ليستنفرهم ، فجمعوا جمعاً من ثقيف وكَنانة وغيرهم.


ولأشهر الحرم دلالة لدى كل العرب هي المسالمة واما الطرف الآخر من اعتداء المحرم عليه.

وللإحرام دلالة اخرى في ذلك ، وللهدي الذي يسوقه المحرم دلالة اخرى وهي ان هذا المحرم لا يحل من احرامه الا عند البيت ، والبيت تحيطه قريش وهذا يعني ان المبادرة تفصح عن نفسها ان محمدا جاء مسالما يطلب الصلح مع قريش.

وهذه المبادرة تحمل في طياتها فضح قريش عند حلفائها واظهار حقانية محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله اذا رفضت قريش الصلح مع محمد وصدته عن البيت ، واذا قبلت الصلح معه وسمحت له ان يقضي ماسكه عند البيت فهي مفضوحة ايضا لظهور كذبها فيه انه لا يعظم البيت.

5. صلح الحديبية والفتح المؤقت بظهور كذب قريش وحقانية محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لدى حلفاء قريش وغيرهم :

روى الطبري عن ابن إسحاق قال ان قريشا بعثوا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الحُلَيس بن علقمة(1) وكان يومئذ سيد الأحابيش وهو أحد بلحارث(2) بن عبد مناة بن كنانة فلما رآه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم قال إن هذا من قوم يتألهون فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه فلما رأى الهدى يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده قد أكل أو باره من طول الحبس رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم إعظاما لما رأى ، فقال يا معشر قريش : إني قد رأيت مالا يحل ، صُدَّ الهديُ في قلائده قد

__________________

(1) الحليس بن علقمة : (... بعد 6 هـ = بعد 628 م) الحليس بن علقمة الحارثي ، من بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة : سيد (الأحابيش) ورئيسهم يوم أحد ، وكان

مع مشركي قريش. قال الزبيدي : الأحابيش ، بنو المصطلق من خزاعة ، وبنو الهون بن خزيمة ، اجتمعوا عند (جبل حبشي) بأسفل مكة ، وحالفوا قريشا ، فسموا أحابيش ، قريش باسم الجبل. وفي حديث الحديبية : (إن قريشا جمعوا لك الأحابيش) وسماه ابن هشام في السيرة (حليس بن زبان) ثم قال : (الحليس بن علقمة أو ابن زبان) وكان أعرابيا. وهو الذي مر بأبي سفيان بعد وقعة أحد ، فرآه يضرب شدق (حمزة بن عبد

المطلب) بزج الرمح ، ويقول : ذق عنق! أي : يا عاق! فقال الحليس : يا بني كنانة ، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون! فقال أبو سفيان : ويحك اكتمها عني فإنها كانت زلة. (الاعلام للزركلي)

(2) تخفيف بني الحارث كما يقال ل (بني القين من بني أسد) : بِلْقَيْن وهو من شواذ التخفيف.


أكل أوباره من طول الحبس عن محله ، والله ما على هذا حالفناكم ولا على هذا عاقدناكم أن تصدوا عن بيت الله من جاءه معظما له والذي نفس الحليس بيده لتخلن بين محمد وبين ما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد قال فقالوا له مه كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.(1)

ثم وافقت قريش على الصلح واشترطت متعسفة ان يرجع محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله تلك السنة ، ووافقصلى‌الله‌عليه‌وآله على شروطها التعسفية ، وعرفت القبائل من حلفاء قريش ومن غيرهم لما اختلطوا مع المسلمين انها كانت تكذب على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وانه نبي حق ودعوته حق تدعو كل عاقل الى تصديقه(2) . وازداد عدد المسلمين الى اضعاف / الفتح المبين /.

__________________

(1) الطبري ،تاريخ الطبري ، ج 2 ص 276.

(2) جاء فيأسد الغابة ابن الأثير ج 2 ص 344 في ترجمة (سليط) بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب العامري أخو سهيل والسكران ابني عمرو قاله ابن منده وأبو نعيم ورويا عن ابن إسحاق فيمن هاجر إلى أرض الحبشة من بني عامر بن لؤي سليط بن عمرو بن عبد شمس ومعه امرأته ولدت له ثم سليطا بن سليط وذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرا ولم يذكره غيره فيهم وهو الذي أرسله النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم إلى هوذة بن علي الحنفي والى ثمامة بن أثال الحنفي وهما رئيسا اليمامة وذلك سنة ست أو سبع من الهجرة. وفيالطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 550 ـ 551 ثمامة بن أثال بن النعمان بن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدول بن حنيفة الحنفي كان مر به رسول لرسوله اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فأرد ثمامة قتله فمنعه عمه من ذلك فأهدر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم دم ثمامة. وفي أنساب الأشراف أحمد بن يحية بن جابر (البلاذري) ج 1 ص 376 قال في ذكر سرية محمد بن مسلمة بن خالد بن مجدعة الأوسي ، من الأنصار ، في المحرم سنة ستّ (أقول : أي بعد الحديبية بشهرين) إلى القرطاءء ، من بني كلاب ، بناحية ضرّية وبينها وبين المدينة سبع ليال. أتاهم ، فغنم نعما وشاء ، وأخذ ثمامة بن أثال الحنفي. وفي تاريخ المدينة ابن شبة النميري ج 2 ص 437 ـ 438 : أن أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم أخذوا ثمامة وهو طليق ، وأخذوه وهو يريد أن يغزو بني قشير ، فجاءوا به أسيرا إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو موثق ، فأمر به فسجن ، فحبسه ثلاثة أيام في السجن ثم أخرجه فقال «يا ثمامة إني فاعل بك إحدى ثلاث ، إني قاتلك ، أو تفدي نفسك ، أو نعتقك» قال إن تقتلني تقتل سيد قومه ، وإن تفادي فلك ما شئت ، وإن (تعتق تعتق شاكرا. قال «فإني قد أعتقتك» قال : فأنا على أي دين شئت؟ قال «نعم» قال : فأتيت المرأة التي كنت موثقا عندها فقلت : كيف الاسلام؟ فأمرت لي بصحفه ماء فاغتسلت ، ثم علمتني ما أقول ، فأتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقلت : أشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله ، وفي أسد الغابة لابن الأثير ج 1 ص 246 ـ 248 : ثم جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم وهو جالس في المسجد فقال يا محمد لقد كنت وما وجه أبغض إلى من وجهك ولا دين أبغض إلى من دينك ولا بلد أبغض إلى من بلدك ثم لقد أصبحت وما وجه


قريش المشركة وحلفاؤها ينقضون عهدهم مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :

نقضت قريش عهودها مع النبي بع سنتين حين نصرت بني نفاثة ورئيسهم نوفل بن معاوية احد بطون بني بكر من كنانة على خزاعة حليفة النبي في حرب وقعت بينهما بسبب هجاء كناني للنبي امام رحل خزاعي وثارت حمية الخزاعي فكسر يد النفاثي الكناني ، ووقع القتل في نساء خزاعة واطفالهم وضعفاء رجالهم حيث بيوتهم وهم امنون في الوتير موضع اسفل مكة وجاء عمرو بن سالم راس خزاعة الى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يستنصره قائلا :

يا رب إني ناشد محمدا

حلف أبينا وأبيه الأتلدا

قد كنتم ولداً وكنا والدا

ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

إن قريشاً أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيّتونا بالوتير هجدا

وقتلونا ركعا وسجدا.

وتأثر النبي لذلك جدا ودمعت عيناه ، وبعث ضمرة ليخير قريشا بين ثلاث ان يدوا قتلى زخزاعة او يبرأوا من بطن نفاثة الذي قام بالمجزرة او ينبذ اليهم على سواء واختارت قريش الثالثة.(1)

فتح مكة لمشروع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الى الابد :

نهض النبي بجيش قوامه عشرة الاف مسلم ودخل مكة فاتحا وحرر بيت ابراهيم

__________________

أحب إلى من وجهك ولا دين أحب إلى من دينك ولا بلد أحب إلى من بلدك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. وفي تاريخ المدينة قال ثمامة : ثم قدمت مكة فقلت : يا أهل مكة إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، ولا تأتيكم من اليمامة تمرة ولا برة أبدا أو تؤمنوا بالله ورسوله ، فكتب المشركون من مكة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم يسألونه بالله وبالرحمن أن لا يحبس الطعام عن مكة حرم الله وأمنه ، فقدمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم فقال " يا ثمامة لا يثأر المسلم بالكافر ، ولكن ارجع إلى قومك فادعهم إلى الاسلام فمن أقر منهم بالاسلام واتبعك فانطلق إلى بني قشير ولا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، فإن بايعوك حرمت عليك دماؤهم ، وإن لم يبايعوك فقاتلهم. فدعا قومه فأسلموا معه ، ثم غزا بني قشير فثأر بابنه.

(1) انظر تفصيل القصة في الصحيح من السيرة النبوية للسيد جعفر مرتضى ج 21 ص 21 فما بعد.


من الاصنام ومن بدعة الحمس ليعلن فيها التوحيد والشهدة لمحمد بالرسالة ابد الدهر.

هدم بدعة قريش في الحج واعلان امامة اهل البيتعليهم‌السلام واولهم علي عليه‌السلام في الغدير :

وفي السنة العاشرة اعلن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن حجة الوداع هدم فيها بدعة قريش بتحريم الجمع بين العمرة والحج في اشهر الحج حيث شرع حج التمتع الذي يتألف من عمرة وحج بينهما حِل ،

ثم اعلن في رجوعه عند مفترق الطرق عند غدير خم وامام مائة الف بل يزيدون ، اوصى بالتمسك بإمامه اهل بيته الدينية وقرنهم بالكتاب ، هذه الامامة التي تنعكس عنها ولايته الحكمية (التنفيذية) لكل المسلمين.

روى الحاكم النيسابوري بسنده عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال :

«خرجنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حتى انتهينا إلى غدير خم عند شجيرات خمس ودوحات عظام فكنس الناس ما تحت الشجيرات ثم استراح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عشية فصلى ثم قام خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال :

أيها الناس إني تارك فيكم أمرين(1) لن تضلوا ان اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي ثم قال أتعلمون أني أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا نعم فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من كنت مولاه فعلي مولاه ...».(2)

وفي رواية الطبراني بعد قوله عترتي «وان اللطيف الخبيرنَبَّأَني انهما لن يفترقا

__________________

(1) في رواية مسلم واحمد (ثقلين).

(2) الحاكم ،المستدرك على الصحيحين ، ج 3 ص 110 و 533. وتاريخ مدينة دمشق ترجمة عليعليه‌السلام ج 2 : 36 الحديث رقم 534 وقد رواه البلاذري أيضا في الحديث رقم 48 من ترجمة عليعليه‌السلام ص 110 وفيه قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (كأني قد دعيت فأجبت وان الله مولاي وانا مولى كل مؤمن وانا تارك فيكم ...) ورواه ابن كثير فيالبداية والنهاية ج 2 ص 206 عن سنن النسائي ورواه أيضا الطبري عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم وعن عطية عن أبي سعيد الخدري ورواه أيضا ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص 23. كما ورواه المتقي الهندي أيضا فيكنز العمال ج 13 : 104 الحديث رقم (36340) تصحيح الشيخ صفوة السقا.


حتى يردا عليَّ الحوض وسألت ذلك لهما ، فلا تَقدَّموهُما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم».(1)

فئات المجتمع الاسلامي في السنة العاشرة من الهجرة :

كان المجتمع الاسلامي الإسلامي في السنة العاشرة من الهجرة يحتوي على ثلاث فئات من المسلمين :

الاولى : فئة العلماء الربانيين وهؤلاء شعارهم التسليم المطلق والتقيد الحرفي لإمر الله ورسوله وهم اهل بيت النبي وعظيمهم بعليعليه‌السلام .

الثاني : فئة محبي علي الراسخون في العلم مثل مقداد وعمار وسلمان ابي ذر ونظرائهموهؤلاء وطنوا انفسهم على حب اهل البيت واخذ معارف الدين عنهم.

الثالثة : فئة قريش المسلمة ومن اخذ بمنهجهم ويحملون شعار حسبنا كتاب الله والاجتهاد في قبال السنة. وهم الذين قُدِّرَ لهم ان يحكموا بعد النبي مدة اربع وعشرين سنة ، ويفتحوا البلاد ويكونوا مجتمع مسلمة الفتوح على اجتهاداتهم واغلب هؤلاء كانوا في جيش اسامة (وخالفوا النبي في قوله جهزوا جيش اسامة ولعنهم حين قال لعن الله من تخلف عن جيش اسامة).

خليفة مشروع علي عليه‌السلام الاحيائي للسنة النبوية

1. انقلاب قريش المسلمة :

كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على قمة هرم المجتمع الاسلامي دينيا وسياسيا وقد ايده الله تعالى ببيناته في حركته التبليغية والتأسيسية وهذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان.

وقد اعلن النبي منذ بداية المشروع / 10 ق. هـ / لبني هاشم وبني المطلب فيما عرف بحديث الدار : ان وزيره ووصيه وخليفته فيه هو علي ، ثم اعلن للمسلمين جميعا / 10 هـ / الامامة الدينية والسياسية فيما عرف بحديث الغدير في غدير خم / مفرق طرق الحاج

__________________

(1) الطبراني ،المعجم الكبير ج 5 ص 167 الحديث رقم 4971 وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 164 فيه حكيم بن جبير وهو ضعيف قال ابن حجر في التقريب ضعيف رمي بالتشيع.


من مكة الى المدينة / امام مائة الف او يزيدون وهم عظم المسلمين الذين استنفرهم للحج معه. وقد امتلأت الفترة الزمنية بين حديث الدار وحديث الغدير وهي فترة عشرين سنة باحاديث في هذه المناسبة او تلك تؤكد ذلك بشكل واخر ،

وقد اقترن ذلك بتربي علي في حجر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله منذ ولادته في بيت ابيه يوم كان النبي يعيش هناك بكفالة عمه ، ثم اصطحبه معه في بيته بعمر ست سنوات لما تزوج واستقل عن عمه ثم اصحبه في هذا العمر الى غار حراء يرفع له في كل يوم من اخلاقه علما ، وعندما كلفه الله نبيه بارسالة كان علي الى جنبه وقد سمع رنة الشيطان وسأل النبي عنها فأجابه انه الشيطان قد يئس من عبادته واخبره انه منه بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعده ،

وكان علي في مكة يكتب عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله القرآن وبهامشه تفسيره وفي المدينة كان بيته مع امه فاطمة بنت اسد في المسجد بجوار بيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مع ابنته فاطمةعليها‌السلام ، وله مع النبي لقاءان يوميا احدهما بعد صلاة الفجر والاخر بعد المغرب يواصل فيه املاءه في تفسير القرآن ويضيف اليه املاءه في الاحكام والسيرة والملاحم وقد عرف المسلمون جميعا خبر هذه اللقاءات يوم عقد النبي بعضها مع علي في ايام حصار الطائف وعرفت يومذاك بالمناجاة قال جابر : انتجى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله علياً يوم الطائف فطالت مناجاتُه إيّاه. فقيل له : لقد طالت مناجاتك اليوم عليّاً؟ فقال : ما أنا ناجيتُه ولكنّ الله انتجاه(1) أي الله تعالى امرني ان انتجيه وليس هو عمل من تلقاء نفسي والمعنى امرني الله تعالى ان انفرد بعلي واسر اليه بالحديث امامكم.

وقد كتب علي في هذه اللقاءات : الصحيفة الجامعة طولها سبعون ذراعا فيها كل شيء مما يحتاج اليه من الاحكام وصحفا اخرى كتب فيها الملاحم والتفسير ثم صارت ميراثا له وللائمة من ولدهعليه‌السلام .

وهذا اللصوق لعلي بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله جعل سيرة عليعليه‌السلام مدمجة مع سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فلا يذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الا والى جانبه علي كما هو حال سيرة موسى لا يذكر فيها موسى الا

__________________

(1) ابن الأثير ،جامع الأصول ج 9 ص 474 والخطيب التبريزي فيمشكاة المصابيح 564 ، وابن كثير الدمشقي فيالبداية والنهاية ج 7 ص 356. والنجوى في الحديث : الاسرار به لفرد او لجماعة.


والى جانبه هارون وقد تواتر الحديث عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله انه قال لعلي (انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي).

وانقلبت قريش المسلمة بعد وفاة النبي على عليعليه‌السلام وكاندوا يقتلونه ، نظير انقلاب امة موسى على هارون بعد طول غيبة موسى وكادوا يقتلونه. وادعت قريش المسلمة الامامة الدينية واقصت علياعليه‌السلام عن موقعه الذي عينه النبي فيه بأمر الله ، وابتدعت في دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله فحرمت متعة الحج واخرت مقام ابراهيم عن البيت الى المكان الذي كان علي في الجاهلية ، لتكرس امامتها الدينية وفسحت المجال لكعب الاحبار عالم يهود اليمن وتميم الداري راهب النصارى في الحجاز ان ينشرا اساطيرهم حول الخلق والانبياء وغاب تنزيه التوحيد وتنزيه الانبياء الذي جاء به محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وفتحت البلدان على ذلك وانتهى الامر الى قيام حكم بني امية زمن عثمان على تكريس تلك السيرة فصاروا ائمة الدين وولاته.

حالة المسلمين الفكرية والدينية والسياسية زمن خلافة عثمان سنة 26 هجرية :

اما الحالة السياسية فتعرف من شخصية رئيس الدولة وولاته على الامصار :

1. كان رئيس الدولة عثمان بن عفان بن ين ابي العاصي بن امية بن عبد شمس.

2. وكان سكرتيره الخاص مروان بن الحكم بن العاص بن امية بن عبد شمس (ابن عم عثمان).

3. وكنا والي الشام الكبرى معاوية بن ابي سفيان بن حرب بن امية بن عبد شمس. (ابن عم عثمان)

4. وكان والي الكوفة الوليد بن عقبة بن ابي معيط بن عمرو بن امية بن عبد شمس ، ثم خالد بن سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن امية بن عبد شمس والد عمرو بن سعيد الاشدق. (اولاد عمه)

5. وكان والي البصرة : عامار بن ربيعة من حبيب بن عبد شمس وهو ابن خال عثمان وحبيب بن عبد شمس هو اخو امية بن عبد شمس. (فهو ابن عمه)


6. وكان والي مصر عبد الله بن ابي سرح اخو عثمان من الرضاعة وهو من بني عامر احدى بطون قريش.

وفي ضوء ذلك فان دولة عثمان هي الدولة الاموية الاولى. وقد تذمرت منها بطون قريش حيث حرمت من امتيازات السلطة التي كانت لهم ايام ابي بكر وعمر ، واخذوا يحثون الناس على العمل للاطاحة بالخليفة عثمان.

اما الحالة الفكرية والدينية : فهي ما تبنته الدولة من اعتبار سيرة الشيخية جزءا اساسيا من قانون الدولة وتتمثل هذه السيرة بامور هي :

1. المنع من نشر احاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في حق اهل بيته واولهم عليعليه‌السلام . كحديث الثقلين وحديث الغدير وحديث المنزلة وغيرها.

2. تحريم متعة الحج التمتع / وقد جعلها الاسلام رخصة للحاج / وعقوبة المخالف.

3. تحريم متعة النساء / وقد جعلها الاسلام علاجا للزنا /.

4. اسناد الوعظ وبيان قصص الانبياء الى كعب الاحبار ومصدره فيها التوراة المحرفة التي طرحت في المجتمع بصفتها كتاب الله الاول ، الامر الذي افقد عقيدة التوحيدَ وسيرةَالانبياء التنزيهَ الذي جاء به القرآن فيها ..

5. ايجاد الطبقية في المجتمع ، على مستوى العطاء الذي توزعه الدولة في قبال التسوية التي سنها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بتفضيل ازواج النبي على المسلمين ثم اهل بدر على غيرهم ثم اهل الحديبية على غيرهم ، وفي الفروج في قبال كفاءة المؤمن للمؤمنة بمنع غير العربي من التزوج بالعربية ،

6. ارجاع مقام ابراهيم الى مكانه في الجاهلية.

7. ارجاع لقب (ال الله) التي انتحلته قريش في الجاهلية اليها ومعاقبة صحابي فاضل لانه عين مولاه عليها في غيابه.(1)

__________________

(1) جاء فيتهذيب الكمال للمزي ج 29 ص 279 ـ 280 ، وفيأسد الغابة لابن الأثير ج 5 ص 7 ـ 8 ، وعنالاستيعاب لابن عبد البر ج ص 1490 في ترجمة نافع بنعبد الحارث الخزاعي ، قال أبو عمر بن عبد البر استعمله عمر بن الخطاب على مكة وفيهم سادة قريش ، فخرج نافع إلى عمر ، واستخلف مولاه عبد الرحمان بن أبزى فقال له عمر : استخلفت على آل الله مولاك؟ فعزله ، وولى


ان المسلمين في الحجاز واليمن والجزيرة العربية من عمر 15 سنة الى عمر 30 سنة ومن غيرهم ممن دخل الاسلام من اهل العراق والبلاد الشرقية واهل الشام وافريقيا والبلاد الغربية لا يعرفون خلفاء للنبي وامامة دينية تقودهم الى الله تعالى الا الخلفاء من قريش وقد انتهت الى بني امية ولا يعرفون من الاسلام الا سيرة الشيخين التي رفعها الحاكمون شعارا الى جانب كتاب الله وصار دين الله الذي بعث به محمدا هو كتاب الله وسيرة الشيخين ، بل سيرة الخليفة من قريش.

اما عليعليه‌السلام وموقعه من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وولايته التي امر بها الله تعالى وولاية اهل بيته الذي قال عنهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (اني تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا كتاب الله وعترتي اهل بيتي) ، فانهم جاهلون بها الا اذا سمعها احدهم من ابي ذر او سلمان او حذيفة سرا.

وهكذا فان بني امية قد كرسوا جهل مسلمة الفتوح بسنة النبي وامامة اهل بيته وفتحت اعينهم على امامة العمل بالرأي الممزوج برواسب الجاهلية وثقافة اهل الكتاب المحرفة قدمت اليهم باسم الاسلام وخلافة الرسول.

2. هدف نهضة عليعليه‌السلام اعادة التنزيه الى التوحيد وسيرة الانبياء وتحرير دين محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله من بدع قريش :

حذَّر النبي امَّته من الفتن المقبلة عليهم بعد موته (اقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع اولها اخرهم) واخبرهم انه ادخرصلى‌الله‌عليه‌وآله اهل بيته وعليٌّ اولهم لإنقاذهم منها وارجاعهم الى المحجة التي تركهم عليها (يا علي انت الهادي بك يهتدي المؤمنون بعدي)(1) (علي

__________________

خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. وكان نافع بن عبد الحارث من كبار الصحابة وفضلائهم. والشاهد هو ان عمر بعد ان شاهد كيف هدم النبي مكانة قريش الدينية وبدعها في الحج نجده يسمي قريشا ال الله ويرجع بعض بدعها تكريسا لإمامتها الدينية.

(1) قال ابن الجوزي في زاد المسير ج 4 ص 228 وقد روى المفسرون من طرق ليس فيها ما يثبت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية( إنّما أنت منذر ولكلّ قومٍ هاد ) ، وضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يده على صدره. فقال : «أنا المنذر» ، وأومأ بيده إلى منكب علي ، فقال : «أنت الهادي يا علي بك يهتدي من بعدي». قال المصنف : وهذا من موضوعات الرافضة.


مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار)(1) فما هو مشروع علي لإحياء سنة النبي وانقاذ الامة من ضلالة بني امية ايام عثمان؟

كان عليعليه‌السلام يترقب الفرصة السانحة لنهضته ولم تكن هناك فرصة افضل من فرصة انشقاق بطون من قريش على الحكم الاموي الاول / عثمان وولاته من بني امية / ، اذ رات هذه البطون انها حرمت من امتيازات السلطة وصارت حكرا على بني امية فأخذت تبدي تذمرها من عثمان وتحرِّش عليه اهل الامصار مستغلة اخطاء(2) ولاته من شباب بني امية وتاريخهم السيء مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واستحكم انشقاق قريش على عثمان سنة 27 هـ حين كان اخر من سجلتهم المصادر التاريخية من المتمذمرين والمنشقين على عثمان هو عبد الرحمن بن عوف وكان اول من شد الملك لعثمان في الشورى السداسية.

وقرر عليعليه‌السلام في موسم حج سنة 27 هـ ان يعلن عن احيائه لحج التمتع بصفته افضل مدخل لتعريف مسلمة الفتوح وصغار الصحابة الذين لم يسمعوا من النبي بمخالفة الحكم الاموي لسنة النبي ثم يتحرك اصحابه في موسم الحج لنشر حديث النبي في اهل بيته كحديث الثقلين وحديث الغدير وغيرهما.

وهكذا كان الامر وانطلق ابو ذر والمقداد واخرون من اصحاب النبي ازروا علياعليه‌السلام

__________________

أقول : قال ابن حجر فيفتح الباري ج 8 ص 285 أخرج الطبري ج 13 ص 142 بإسناد حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية وضع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم يدع على صدره وقال أنا المنذر وأومأ إلى علي وقال أنت الهادي بك يهتدي المهتدون بعدي.

(1) المرعشي ، شرح احقاق الحق ج 5 ص 633. والخطيب البغدادي ،تاريخ بغداد ج 14 ص 321 ، اخرجه عن ام سلمة ، وأخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ص 236 وقال : رواه البزار وفيه سعد بن شعيب ولم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح. قال العلامة الأمينيرحمه‌الله في الغدير 3 / 177 الرجل الذي لم يعرفه الهيثمي هو سعيد بن شعيب الحضرمي قد خفي عليه لمكان التصحيف ، ترجمه غير واحد بما قال شمس الدين إبراهيم الجوزجاني : إنه كان شيخا صالحا صدوقا. كما في خلاصة الكمال 318 ، وتهذيب التهذيب 4 ص 48.أقول : وأخرج الحاكم في مستدركه ج 3 / 124 عن أُمّ سلمة عن النبي ص بلفظ : «عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض». قال الحاكم : هذا حديث صحيح ولم يخرجاه. وأورده الذهبي في تلخيصه مصرّحاً بصحته ...

(2) ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 39 ص 426 قال عمرو بن العاص لما قتل عثمان وكان في فلسطين قد علمت العرب أني إذا حككت قرحة أدميتها. ايضا الطبري ،تاريخ الطبري ج 3 ص 292.


في نهضته يحدِّثون باحاديث النبي فيه وفي اهل بيته ، واضطهدتهم السلطة نفيا وسجنا.

وفوجئ المتذمرون من قريش بنهضة عليعليه‌السلام ، ولكنهم آثروا السكوت لانهم مشغولون بالتحريش ضد عثمان ،

ثم استطاع الثائرون من قريش ان يقتلوا عثمان بعد حصاره ، ولكن الجماهير المسلمة بدلا من ان تبايع احد ابرز قادة الثورة على عثمان وهما طلحة او الزبير هرعت الى بيت عليعليه‌السلام تطلب منه ان تبايعه ، ورفض عليعليه‌السلام في بادئ الامر ثم استجاب لهم في المسجد وبويع في اروع مشهد يصفه : قالعليه‌السلام :

(وبسطتم يدي فكففتُها ، ومددتموها فقبضتُها ، ثم تداككتم علي تداكَّ الإبل الهِيم على حياضها يوم وِردِها ، حتى انقطعت النعلُ ، وسقط الرداء ، ووُطِئَ الضعيف ...).

ثمقال في كلام آخر : (وبلغ من سرور الناس ببيعتهم إيايَ أن ابتهجَ بها الصغيرُ ، وهدَج إليها الكبير ، وتحاملَ نحوها العليل ، وحسرت إليها الكعاب)(1) ، انه سرور كسرور دخول النبي الى المدينة.

وانطلق عليعليه‌السلام يواصل مشروعه الاحيائي لسنة النبي وقد ازره ثلة من الانصار والمهاجرين من اصحابالنبي والتابعين عبر الاجراءات التالية.

1. الغى الطبقية في العطاء ، والتفضيل في المناكحات وارجعهما الى ما كان على عهد رسول الله.

2. الغي سيرة الشيخين كقانون تحكم به الدولة وحوَّلها الى مذهب / بعد بيان بطلانه / وترك الخيار للمجتمع ان يعمل بها مع وضوح بطلانها او يتركها.

3. منع من تداول القصص الاسرائيلي التي تشوه سيرة الانبياء وتسئ الى تنزيههم(2) وتنزيه التوحيد.

__________________

(1) التداك الازدحام الشديد. والإبل الهِيم : العطاش. وهدج إليها الكبير : مشى مشياً ضعيفاً مرتعشا ، والمضارع يهدج بالكسر ، وتحامل نحوها العليل تكلف المشي على مشقة. وحسرت إليها الكعاب : كشفت عن وجهها حرصاً على حضور البيعة ، والكعاب : الجارية التي قد نهد ثديها ، (ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 13 ص 3).

(2) جاء فيمجمع البيان ج 4 ص 472. عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال : لا أُوتي برجل يزعم أن داود تزوج امرأة أُوريا إلّا جلدته حدّين : حدّاً للنبوة وحدّاً للاسلام وفيتفسير البيان للشيط الطوسي


4. رفد المجتمع بخطب احيت تنزيه الله تعالى وانبيائه كما احيا مواعظ الله ورسوله في قبال كعب الاحبار واحاديثه في التجسيم وتشويه سيرة الانبياء وخرافية مواعظه.

5. شجع المسلمين على نشر حديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

6. شجع الناس على السؤال عن تفسير القرآن.

7. شجع المسلمين على تدوين العلم.

وفي ضوء ذلك :

صار المسلمون في النصف الشرقي من البلاد الاسلامية ومركزهم الكوفة سواء من مسلمة الفتوح او من غيرهم على فئتين في الفكر والتعبد :

فئة تتعبد بسيرة الشيخين في صلاتها وحجها وصلاة التراويح على الرغم من معرفتها ان صلاة التراويح وغيرها كانت رايا واجتهادا للخليفة وليست سنة من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فئة تتعبد بسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في صلاتها وحجها يقودهم قدوتهم وقيادتهم عليعليه‌السلام واهل بيته وهم اهل بيت النبي.

مشروع معاوية :

رأى معاوية في مشروع عليعليه‌السلام لو استمر انهاء لدولة بني امية بل استئصال لمشروعيتها وتأسيس دولة بني هاشم وال محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وتعميق لمشروعيتها ،

ومن هنا خطط للوقوف امام مشروع عليعليه‌السلام ووأده واعادة دولة بني امية الاولى التي مهَّد لها واسس مضمونها الفكري الخليفتان ابو بكر وعمر. وليس له الا أن يدوس على جراحه فيغض الطرف عن قَتَلَة عثمان من قريش ويجمع بطونها على موقف موحد لمواجهة عليعليه‌السلام على ثلاث مراحل :

__________________

ج 8 ص 555 عن أمير المؤمنينعليه‌السلام أنه قال : لا أُوتي برجل يقول إن داود ارتكب فاحشة إلّا ضربته حدّين : أحدهما للمقذف ، والآخر لأجل النبوة وفيتفسير الرازي ج 26 ص 192 عن سعيد بن المسيب أن علي بن أبي طالبعليه‌السلام قال : من حدثكم بحديث داود على ما يريد القصاص ، جلدته مائة وستين ، وهو حدّ الفرية على الأنبياء.


الاولى : اقناع طلحة والزبير على نكث البيعة والذهاب الى البصرة ثم الى الكوفة واقتطاعها عن عليعليه‌السلام وبذلك يضمن قطع الموارد العسكرية والمالية العراقية عن عليعليه‌السلام .

الثانية : قطع الطريق على عليعليه‌السلام ان يعين واليا جديدا على الشام من خلال اعلان شعار الطلب بدم عثمان قبل بيعة عليعليه‌السلام وبذلك تقطع الموارد العسكرية والمالية الشامية عن عليعليه‌السلام .

الثالثة : الحركة من العراق والشام الى المدينة لقتال عليعليه‌السلام فيها ولن يصمد جيش المدينة طويلا امام اهل العراق والشام ، وليس لعليعليه‌السلام آنذاك الا القتل او الاستسلام ، ولا يترقب منه ان يستسلم فيقتل ولن يقتل حتى يقتل ولده واهل بيته وكل بني هاشم وهو المطلوب.

اقتنعت وجوه قريش المسلمة بالخطة واقدم طلحة والزبير وعائشة على تنفيذ المرحلة الاولى واستلما البصرة بعد ان غدرا بسهل بن حنيف والي عليعليه‌السلام عليها.

موقف عليعليه‌السلام من خطة قريش :

ادرك عليعليه‌السلام خطة قريش واعلن عنها في كلامه لاخيه عقيل (دع عنك قريشاً وتَرْكاضَهم في الضلال ، وتَجوالهم في الشقاق ، وجِماحَهم في التِّيْه ؛ فإنّهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قبلي).(1)

وكان موقفه من خطة قريش هو الخروج من المدينة ودعوة اهل الكوفة الى نصرته واسترداد البصرة من قريش ثم اتخاذ الكوفة مركزا لمواجهة معاوية في الشام وهكذا كان الامر واستجابت الكوفة لعليعليه‌السلام وارتبطت مصيريا بنصرة اهل بيت النبي كما ارتبط اهل الشام مصيريا بنصرة بني امية

خرج اكثر من عشرة الاف من اهل الكوفة مع علي واسترد البصرة من عائشة وطلحة والزبير بساعات في اول معركة بين المسلمين انفسهم طرف تقوده قريش المسلمة وطرق يقوده عليعليه‌السلام وكان نصرا مؤزرا كما كانت بدر نصرا مؤزرا للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ،

__________________

(1)نهج البلاغة : الكتاب 36.


ورجع عليعليه‌السلام الى الكوفة واتخذها مقرا لمشروعه ودولته ، وانطلق منها الى الشام ليستردها من معاوية وكادت المعركة في صفين وهي اعظم معركة في تاريخ الاسلام ان تحسم الامور لصالح عليعليه‌السلام لولا اعلان نصف جيش علي تجاوبهم مع الشعار الذي اعلنه معاوية بالاحتكام الى القرآن وكان هذا النصف لم يستجب لمشروع علي ولم يقاتل معه على اساس العقيدة بإمامته المنصوصة ولا البصيرة بمعاوية ومكرة ودهائه.

بخلاف النصف الاخر الذي كان يقوده مالك الاشتر ونظراؤه ممن كانوا على بصيرة بخطة معاوية وايمان بعلي وصيا للنبي ، فقد كان مالك يخطب في اصحابه ويقول :

(إن هؤلاء القوم لن يقارعوكم إلا عن دينكم ، ليطفئوا السنة ، ويحيوا البدعة ، ويدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة).(1)

واسترد معاوية بشعار (الاحتكام الى القرآن)(2) انفاسه وحافظ على وجوده ورجع الى الشام وقد قوي امله بتأسيس الدولة الاموية الثانية امتدادا للدولة الاموية الاولى واطروحتها الفكرية واستطاع ان ينطلق من امرين الاول جهل اهل الشام بموقع عليعليه‌السلام من النبي وتاريخ معاوية وابيه في بدر واحد والخندق ضد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الثاني : ثقتهم التفصيلية بمعاوية بصفته وليا عليهم وممثلا للخلافة القرشية مدة ثلاثين سنة ، ومن ثم اسس اعلاما كاذبا في حق عليعليه‌السلام اعطى خطوطه للقصاصين الذين اصطحبهم معه يقصون بعد كل صلاة ، تمثل هذا الاعلام الكاذب بإلقاء التبعة في قتل عثمان على علي واصحابه وهو الذي اعلنه قادة قريش في الجمل ، وان عليا يقاتل من اجل الملك الذي كان يطمع به بعد وفاة النبي ولم يوله المسلمون اياه وانتهاء بوصفه ملحدا في الدين وكونه نهض لتغيير سنن الخليفة عمر في الصلاة والحج وفي ضوء ذلك فانه يجب البراءة منه

__________________

(1) ابن مزاحم ،وقعة صفين ص 251 ، وقولهرضي‌الله‌عنه (ويدخلوكم في أمر قد أخرجكم الله منه بحسن البصيرة) هذا الامر هو اعتقادهم امامة علي بالنص. فهو يحتاج الى حسن بصيرة من الانسان ليفارق العقيدة بإمامة قريش ويعتقد بإمامة عليعليه‌السلام . ومن ليس له حسن بصيرة يكون مصداقا لقوله تعالى( وكأين من آية في السماوات والارض يمرّون عليها وهم عنها معرضون ) يوسف / 105 ، واحاديث النبي يفي علي بمناسبة الغدير وغيره آيات الهية لأنه لا ينطق عن الهوى.

(2)أقول : لم يكن ليؤثر هذا الشعار في جيش علي واغلبهم من مسلمة الفتوح لولا التربية التي نشأوا عليها زمن الخلافةمدة ربع قرن تقريبا وقد حمل الخوارج فيما بعد هذا الشعار (لا حكم الا لله) ،


والعمل على قتله وارجاع الامور الى ما كانت عليه زمن الخليفة عمر وبين ايديهم قيادة وثق بها عمر خلفته عثمان ثلاثون سنة.

3. حروب قريش مع عليعليه‌السلام واعلامها الكاذب :

وكما ان قريشا المشركة بقيادة ابي سفيان فرضت على النبيحربين ظالمتين(1) هما بدر وأحد كذلك فرضت قريش المسلمة بتخطيط بني امية اشعلت حربين ظالمتين على عليعليه‌السلام :

كانت الحرب الاولى ضد عليعليه‌السلام في البصرة بقيادة طلحة والزبير وعائشة وكان النصر المؤزر فيها لعليعليه‌السلام وكان حجر بن عدي يقول في هذه الحرب :

وقال حج بن عدي الكندي في يوم الجميل أيضاً :

يا ربنا سلم لنا عليا

سلم لنا المهذب التقيا

المؤمن المسترشد الرضيّا

واجعله هادي أمة مهدياً

احفظه رب حفظك النبيّا

لا خطل الرأي ولا غبياً

فإنه كان لنا ولياً

ثم ارتضاه بعده وصياً(2)

وكانت الحرب الثانية ضد عليعليه‌السلام في الشام بقيادة معاوية بن ابي سفيان وقد خسر عليعليه‌السلام فيها لانصر بسبب مخالفة قسم من جيشه لأمره في استمرار القتال حين رفع معاوية المصاحف وطلب توقيف القتال.

4. تحصين الشام من التأثر بعليعليه‌السلام بالحرب والاعلام الكاذب :

افرزت الحربان اعلاما امويا طوَّق علياعليه‌السلام بتهمة طلب الملك من وراء تلك الحربين وانه اوى قتلة عثمان واستعان بهم وانه افسد في الدين وانه لا يصلي وغير ذلك من

__________________

(1)أقول : اعتدى اهل الجمل على والى علي على البصرة عثمان بن حنيف وغدروا به واحتلوا البصرة ، فلم يكن امام علي الا ان يدعوهم الى التراجع والتحاكم الى القرآن فلم يتراجعوا فقاتلوهم واسترد البصرة منهم. وهكذا في صفين فان معاوية تمرد على علي واقتطع الشام منه ولم يسلمها لمن ولاه علي عليها ، فما كان امامه الا مقاتلته.

(2) ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 4 ص 228.


الشبهات التي كان قصاصوه يقصونها على الناس بعد الصلاة. واستطاع بذلك ان يحصن اهل الشام من التأثر بمشروع عليعليه‌السلام .

كما استطاع معاوية بن ابي سفيان انيحول جيش الشام الى سرايا تغيرعلى اطرفا علي لتنهب وتقتل شيعة علي ليتخلوا عنه كما استطاع ان يقتطع مصر عن عليعليه‌السلام وصمد اهل العراق مع عليعليه‌السلام . واقترن ذلك / ولا يبعد انه كان ذلك بدفع منه من خلال بعض رؤوس النفاق كالأشعث بن قيس / بحركة الخوارج من داخل الكوفة.

كيانان فكريا وسياسيان في الامة الاسلامية سنة 39 هجرية :

انقسمت الامة الاسلامية سنة 39 هجرية الى كيانين فكريين وسياسيين :

الاول : يمثل مشروع النبوة ما عدى ان شخص محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله غير موجود وانما بديله شخص هو كنفسه وهو عليعليه‌السلام وهو وصيه.

مركز هذا المشروع العراق ـ الكوفة ويدين بهذا المشروع اغلب سكان النصف الشرقي من مسلمة الفتوح والانصار مع خمسة افراد من قريش فقط(1) . شعاره العمل

__________________

(1) روى الكشي عن عبد الله بن سنان قال : سمعت أبا عبد الله يقول : كان مع أمير المؤمنين خمسة نفر من قريش ، وكانت ثلاثة عشر قبيلة مع معاوية. فأما الخمسة فمحمد بن أبي بكر رحمة الله عليه أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس ، وكان معه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال. وكان معه جعدة بن هبيرة المخزومي ، وكان أمير المؤمنينعليه‌السلام خاله وهو الذي قال له عتبة بن أي سفيان انما لك هذه الشدة في الحرب من قبل خالك فقال له جعدة لو كان خالك مثل خالي لنسيت أباك ، ومحمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، والخامس سلف أمير المؤمنين ابن أبي العاص بن ربيعة ، وهو صهر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أبو الربيع) (اختيار معرفة الرجال الكشي ص 60 ط النجف).أقول : جاء في كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 469 : عن أبي جحيفة قال عتبة لجعدة : يا جعدة ، إنه والله ما أخرجك علينا إلا حب خالك وعمك ابن أبي سلمة عامل البحرين ، وإنا والله ما نزعم أن معاوية أحق بالخلافة من علي لولا أمره في عثمان ، ولكن معاوية أحق بالشام لرضا أهلها به فاعفوا لنا عنها ، فوالله ما بالشام رجل به طرق إلا وهو أجدّ من معاوية في القتال ، ولا بالعراق من له مثل جد على [في الحرب]. وما أقبح بعلي أن يكون في قلوب المسلمين أولى الناس بالناس ، حتى إذا أصاب سلطانا أفنى العرب.

فقال جعدة : أما حبي لخالي فوالله أن لو كان لك خال مثله لنسيت أباك.

وأما فضل علي على معاوية فهذا ما لا يختلف فيه [اثنان].

وأما رضاكم اليوم بالشام فقد رضيتم بها أمس [فلم نقبل].


بكتاب الله وسنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ودعوة النصف الغربي للعودة اليها. يقود هذا المشروع اهل بيت النبي اولهم وعظيمهم عليعليه‌السلام ومعه ولداه الحسنعليه‌السلام والحسينعليه‌السلام .

الثاني : يمثل مشروع قريش المسلمة التي حكمت اربعا وعشرين سنة وانتجت مضمونا فكريا وتشريعيا خليطا من الاسلام ورواسب الجاهلية والإسرائيليات في قصص الخلق والانبياء ، ارتبط بعنوان سيرة الشيخين

راس المشروع ووريثه هو معاوية ومركزه الشام ويتدين بهذا المشروع اغلب سكان النصف الغربي من مسلمة الفتوح وقبائل قريش كلها الا خمسة نفر. شعاره العمل بسيرة الشيخين المؤسسين وقتال علي وشيعته بتهمة دم عثمان وهو برئ منه براءة الذئب من دم يوسف.

شهادة عليعليه‌السلام وبيعة اهل العراق الحسن عليه‌السلام وبيعة اهل الشام معاوية :

استشهد امير المؤمنين هو يعبئ جيشه لمحاربة معاوية ،

وبايع العراقيون الحسنعليه‌السلام حاكما وهو قبل ذلك رأس في مشروع ابيه ووصيه عليه اماما هاديا بنص من جده النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وبايع اهل الشام معاوية حاكما وهو من الرؤوس في مشروع قريش المسلمة وقد عُني به الخليفة الثاني عناية خاصة وكان يحاسب عماله الا معاوية فانه كان يقول فيه هذا كسرى العرب فكان زعيما في الشام عشرين عاما منذ وفاة اخيه يزيد بن ابي سفيان في الشام فعينه عمر مكانه ثم ضم اليه عثمان في خلافته بقية بلاد الشام. ومن هنا فان جيلين من الشاميين فتحا اعينهم على امارة معاوية التي اسسها عمر وعثمان بصفته ممثلا للإسلام الامر الذي جعلهم يثقون بتقديره للأمور ويقبلون منه وقوفه ضد

__________________

وأما قولك إنه ليس بالشام من رجل إلا وهو أجدُّ من معاوية ، وليس بالعراق لرجل مثل جِدِّ عليّ ، فهكذا ينبغي أن يكون ، مضى بعلي يقينُه ، وقصر بمعاوية شكه ، وقصد أهل الحق خير من جهد أهل الباطل ..

وأما قتل العرب فإن الله كتب [القتل و] القتال ، فمن قتله الحق فإلى الله (وفي فتوح اعثم 3 / 108 فمن قتله الحق فإلى الله والجنة ، ومن قتله الباطل فإلى النار).

فغضب عتبة وفحش على جعدة ، فلم يجبه وأعرض عنه وانصرفا جميعا مغضبين.


عليعليه‌السلام ، ساعده على ذلك جهلهم بموقع علي في الاسلام.

مبادرة معاوية بالصلح واهدافها :

1. كان معاوية يطمح الى ان يستقل بملك الشام وقد نجح وانتهى نجاحه بإقدام اهل الشام على بيعته حاكما على نهج سلفه عثمان ، وبيده ورقة ضغط على الحسنعليه‌السلام وهي الغارات التي كان يشنها على اطراف الكوفة ، وفي الوقت نفسه يتخوف من خطرين قائمين الاول حلقات الخوارج الارهابية الثاني جيش الروم الذي يتحين فرصة الهجوم على الشام لاستردادها ومن هنا بادر بطلب الصلح من الامام الحسنعليه‌السلام : ليحقق احد امرين :

2. ربح المعركة الاعلامية عند موافقة الحسنعليه‌السلام على الصلح فان الحسنعليه‌السلام سيكون ملوما لمخالفته الآية الكريمة (وان جنحوا للسلم فاجنح لها) عند قسم من جيشه فضلا عن المنافقين في الكوفة فضلا عن تأكيد العقيدة عند اهل الشام ان معاوية يرغب في الصلح وان الطرف الاخر هو طالب الحرب.

ـ تحقيق عدة مكاسب عند استجابة الحسن للطلب ، منها :

ـ راحة جيشه المتعب.

ـ ملاحقة الحلقات الارهابية الوافدة عليه من العراق ،

ـ دفع خطر الروم بالمصالحة ايضا ،

ـ واخيرا رد الكرَّة على العراق بعد ذلك لتصفية الحساب مع مشروع علي وحملته.

المفاجأة الكبرى في جواب الحسنعليه‌السلام على مبادرة معاوية :

من الضروري جدا ان نتعرف على طريقة تفكير الحسنعليه‌السلام بقضية الصلح التي عرضها معاوية فما هي الاصول التي يستحضرها الحسن في فكره بل ويستحضرها ايضا أي رجل مخلص من رجالات جيشه وهم كثر.

الحسن بعبارة موجزة هو احد منظومة الامامة الهادية بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مهمتها


المحافظة على الشريعة وهداية الناس( فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكّلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين (89)أُولئك الّذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا اسئلكم عليه أجراً إن هو إلّا ذكرى للعالمين (90)) الأنعام / 89 ـ 90 ، وقد نهض ابوه عليعليه‌السلام بمشروع الهداية بعد النبي واسسه في قبال قريش المسلمة التي اضلت الامة وكفرت بالتأويل. كما كفرت قريش المشركة بالتنزيل. وهو الان على راس هذا المشروع ، ان مهمة الحسن الاساسية هي كيف يوصل مشروع ابيه الى النصف الثاني من الامة التي لم تقف عند حالة كونها جاهلة بعلي وهو الهادي بعد النبي بل تعتقد به في ضوء اعلام معاوية انه مفسد في الدين تجب البراءة منه ، ولم تقف عند العقيدة فقط بل تحولت الى جيش يهمه قتل من هو على دين علي بل من يتصل بعلي بنسب الم يقتل بسر طفلين لعبيد الله بن عباس!

يفكر الحسن كيف يفتح قلوب اهل الشام على الحقيقة ليعرفوا معاوية على حقيقته مفسدا في الدين ويعرفوا عليا هاديا الى دين الله بأمر الله ورسوله ،

وكانت أهم عقبتين بل عقدتين أمام انطلاقة المشروع هما :

العقبة الاولى انشقاق الشام : هذا الانشقاق الذي استحكم ببيعة الشاميين لمعاوية على الحكم على ما بويع عليه عثمان ، على كتاب الله وسنة النبي وسيرة الشيخية ، وهذه العقبة خلقت عدة مشكلات بعضها فِعلي والآخر تحت الرماد :

الأولى : مشكلة فقدان الأمان في الطرق الخارجية بني ولايات الدولة الإسلامية حيث انعدمت بفعل غارات جيش معاوية على الأطراف الآمنة التابعة لعليعليه‌السلام . وهذه مشكلة فعلية قائمة.

الثانية : مشكلة ثقافة العداء لعليعليه‌السلام عند أهل الشام ، فهم يعتقدون أن علياًعليه‌السلام مشترك في قتل عثمان مفسد في الدين مخالف لسيرة الشيخين ، يستحق أن يُلعن ويُتبرأ منه ومن شيعته بل يستحقون أن يُستأصَلوا جميعا وهذه المشكلة فعلية ايضا.

الثالثة : مشكلة تهديد الروم البزنطيين على الجبهة الشمالية الشرقية للشام وهذه المشكلة فعلية ايضا.

الرابعة : مشكلة تحت الرماد تتمثل باحتمال أن يتبنى المنشقُّون الامويون إحياء


القبلة المنسوخة وهي بيت المقدس لتجريد الحسنعليه‌السلام من سلاح الكعبة / القبلة العامة لكل المسلمين / ولإحكام عُزلة أهل الشام عن العراقيين حتى لا ينفتحوا على الحقائق التي قد تغيِّر من ولائهم لمعاوية. وقد حصل مثل هذا في عهد بني إسرائيل في الاشم وتعددت القبلة والكتاب الإلهي عندهم وبقيت امتدادات القبلتين والكتابين إلى زمن معاوية وإلى اليوم ، وقد نفَّذ عبد الملك بن مروان جزءا من هذا المخطط في زمانه لما كان خصمه عبد الله بن الزبير مسيطراً على مكة.

العقبة الثانية الخوارج : حمل الخوارج شعار التكفير لعليعليه‌السلام ومعاوية وتحولوا بعد معركة النهروان الى خلايا اغتيال ومجموعات تغير على الابرياء وتقتلهم لانهم يسالمون السلطة ، وقد تسببت هذه النشاطات ان تفتقد الامة وبخاصة البلاد الشرقية الأمان داخليا. وهي وان كانت مشكلة مشتركة بين الشام والعراق ولكنها في الكوفة اكثر خطورة لانها مركز الخوارج.

وأمامَ وضع معقد كهذا لا يصبح خيار الحرب في صالح مشروع عليعليه‌السلام . إذ هو بحاجة الى انفتاح القلوب عليه باختيارها والحرب ليست اداة صالحة لذلك.

ثم أن الصلح المحدود وإيقاف القتال بالطريقة التي اقترحها معاوية بان يبقى العراق وما والاه للحسنعليه‌السلام والشام وما والاه لمعاوية كما هي طبيعة الاشياء وطبيعة طريقة تفكير معاوية تكرس الانشقاق والثقافة العدائية لعليعليه‌السلام ومن ثم بقاء الطريق مسدوداً أمام انفتاح أهل الشام على مشروع عليعليه‌السلام مضافاً إلى ما ينطوي عليه من خطر محتمل أشرنا إليه آنفاً.

خصائص أطروحة الصلح المطلوبة :

إن أطروحة الصلح التي يحتاجها مشروع عليعليه‌السلام لينطلق في الشام لابد لها من أن تكون أطروحة تمتلك أن تحقق ما يلي :

1. تعالج الانشقاق وما ينطوي عليه من مخاطر فكرية وسياسية.

2. تحفظ لاهل العراق واهل الشام اختيارهم وبيعتهم.

3. تعرِّف الشاميين أنَّهم كانوا ضحية إعلام كاذب.


4. تفرض على معاوية ان يتعامل / ولو ظاهريا ولمدة محدودة / بإيجابية مع ذكر عليعليه‌السلام بخير.

5. تضمن اختلاط العراقيين مع الشاميين في أجواء الشفافية والمحبة والأمان ليتمكَّن العراقيون من نقل أخبار الإمامة الإلهية في عليعليه‌السلام وأخبار سيرته المشرقة وليستقبلها الشاميون دون تحسس منها مسبقا ..

6. تحقق أجواء الأمان في الامة كلها وتطوق الفكر التكفيري وتلاحق حلقات الاغتيال التي نشات عنه.

7. تدفع التهديد الخارجي الذي يلوح به الروم البزنطيين.

وليس من شك أن الصيغة الوحيدة للصلح التي تحقق كل الأمور الآنفة الذكر هي التنازل المشروط عن السلطة المدنية من قبل الحسنعليه‌السلام وتكوين الدولة الموحدة.

وهي أطروحة ليست صعبة على الحسنعليه‌السلام فهو أساساً إمامٌ هادٍ تهمُّه قضية الهداية والرسالة ومصلحة الأمة العامة قبل كل شيء ، والحكم القائم على بيعة الناس بالنسبة إليه / على الرغم أنه من حقه ويجبعلى الأمة أن تبايعه / لا يزيد من إمامته الإلهية شيئاً ولا ينقص منها شيئا /.

وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أعد الحسنعليه‌السلام لهذه المهمة الإلهية بقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)(1) ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الحسن والحسين سبطان من الأسباط)(2) ، وقولهصلى‌الله‌عليه‌وآله (إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).(3)

__________________

(1) الشيخ المفيد ، الارشاد ص 199 ، الطبرسي ، اعلام الورى ص 216.

(2) الطبراني ، المعجم الكبير ، ج 3 ص 32.

(3) الحديث مروي بطرق مختلفة واسانيد متعددة في كتب الحديث : قال ابن كثير فيالبداية والنهاية ج 6 ص 214 ـ 215 ما خلاصته : (وقد روى هذا الحديث البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي والترمذي والصنعانيفي المصنف والبيهقي في دلائل النبوة وغيرهم كلهم عن الحسن بن ابي بكرة الثقفي ، وقال المزي في أطرافه : وقد رواه بعضهم عن الحسن عن أم سلمة ، وروي ايضا من طريق جابر بن عبد الله الأنصاريرضي‌الله‌عنه ،)أقول : رواه الخطيب البغدادي فيتاريخ بغداد ج 3 ص 433 ، وج 8 ص 26 بسنده عن جابر. وفي الاستيعاب لابن عبد البر ج 1 ص 230 قال : وتواترت الآثار الصحيح عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنه قال في الحسن بن علي إن ابني هذا سيد وعسى الله أن يبقيه حتى يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين وراه جماعه من الصحابة. وقد كتب الاستاذ حسن فرحان


وكذلك هي ليس صعبة على العراقيين شيعة عليعليه‌السلام المؤمنين بمشروعه ، فهم على نهجه يحملون همَّ هداية الأمة ومؤازرة القائد الإلهي المذخور لها. وليسوا طلّاب سلطة ودنيا وقد شهد لهم عليعليه‌السلام بذلك.

قالعليه‌السلام : (وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الاخرة).(1)

وقالعليه‌السلام مخاطبا لهم : أنتم الأنصار على الحق ، والإخوان في الدين والجنن يوم الباس والبطانة دون الناس.(2)

وقالعليه‌السلام : الكوفة كنز الإيمان وحجة الإسلام وسيف الله ورمحه يضعه حيث شاء ، والذي نفسي بيده لينتصرنَّ الله بأهلها في شرق الأرض وغربها كما انتصر بالحجاز.(3)

ولا زالت الكلمة الرائعة التي تمثل بها الحسنعليه‌السلام حينرحل عن الكوفة بعد الصلح في حُسن ثقته بالعراقيين يحفظها التاريخ وهي قوله :

__________________

المالكي في كتابه (نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ص 243) يقول : (ومثلما حارب الرافضة حديث (صلح الحسن) فقد حارب النواصب (حديث عمار) ، إما بتضعيفه (رغم أنه متواتر ...) :أقول : ان عمل الحسن كان صحيحا لانه معصوم ، وكان اصلاحا حقيقتا في الامة سواء بالتحليل الذي تبنته هذه الدراسة او بالتحليل السائد اذ ان الامة قد توحد شقاها وساد الامان فيها عشر سنوات واختلط العراقيون بالشاميين وتعرفوا على سيرة علي واحاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه وفي اهل بيته ، ولم يروَّع شيعي واحد خلال هذه الفترة وانما نكث معاوية عهده مع الحسن وغدر به سنة خمسين حيث دس له السم ونقض كل شرط اشترطه. والحديث النبوي فيه نبوءة تتحققت وهداية للنصف الغربي من البلاد الاسلامية جرت على يد الحسنعليه‌السلام . نعم هناك بعض الكتاب المحدثين من الشيعة حاول تضعيف الحديث ولعل مرد ذلك الى تركيز بعض الكتاب السنة على صلح الحسن ومحاولتهم تخطئة قتال عليعليه‌السلام لاهل الشام من خلاله ، مضافا الى الغفلة عن كلمة الامام الحسن وكلمة الامام الباقر في الصلح. غير ان كلا الموفقين لا يمثلان الموقف العام لدى المدرستين.

(1) ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 15 ص 81. والدينوري ،الاخبار الطوال ص 278. ونصر بن مزاحم ، وقعة صفين ، 471.

(2) ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 7 ص 193. (قال ابن ابي الحديد : الجَنَن : جمع جُنة ، وهي ما يستر به. وبطانة الرجل : خواصه وخالصته الذين لا يطوى عنهم سره.).

(3) الحموي ،معجم البلدان ج 7 ص 160 وعن سعيد بن الوليد الهجري عن أبيه قال قال علي وهوبالكوفة ما أشد بلايا الكوفة لا تسبوا أهل الكوفة فوالله إن فيهم لمصابيح الهدى وأوتاد ذكر ومتاع إلى حين والله ليدقن الله بهم جناح كفر لا ينجبر أبدا إن مكة حرم إبراهيم والمدينة حرم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم والكوفة حرمي ما من مؤمن إلا وهو من أهل الكوفة أو هوواه لينزع إليها ألا إن الأوتاد من أبناء الكوفة وفي مصر من الأمصار وفي أهل الشام أبدال تاريخ مدينة دمشق ج 1 ص 219.


ولا عن قِلىً فارقتُ دارَ معاشري

همُ المانعونَ حوزتي وذماري(1)

وقد عَرَفَ ذلك للعراقيين ايضا خصمهم عبد الله بن الزبير حين قال له معاوية متشكياً : أنَّ الحسنعليه‌السلام لم يزره في المدينة إلا مرة واحدة ، وكان يتوقع أن يزوره أكثر من مرة ، قال له : والله لو شاء الحسن أن يضربك بمئة ألف سيف لفعل ، ولأهلُ العراق أبرُّ به من أمِّ الحُوار بحُوارها.(2)

وعَرَفَ هذه الصفة لهم أيضا معاوية نفسه خلال سنوات الصلح حين انطلق أخيارهم ورموزهم من الرجال والنساء بفقه في الدين وجرأة في الحوار مع الحاكم ووفاء لعليعليه‌السلام منقطع النَّظير يروون لأهل الشام ولغيرهم سيرة عليعليه‌السلام المشرقة وسوابقه مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد شهد لهم معاوية بوفائهم لعلي ومنهجه حين قال : (هيهات يا أهل لاعراق لقد فقهكم علي فلن تطاقوا!)

وحين قال : (لقد لمظكم علي الجرأة على السلطان).

وحين قال : (واللهِ لوفاؤكم له بعد موته أعجب إلي من حبِّكم له في حياته!).(3)

ان مشروع الهداية وحل المشكلات لا يحتاج فقط إلى قائد رسالي إلهي تسمح له نفسه بالتنازل عن حقه في الملك بمستوى ملك العراق والبلاد التابعة له لأجل الرسالة والهداية والمصلحة العامة للأمة ، بل هو بحاجة أيضا الى قناعة العراقيين بذلك واهليتهم لحمل ثقافة الولاء لعلي الى غيرهم ، وقد أثبت العراقيون أنهم كذلك حيث استجابوا(4)

__________________

(1) ابن ابي الحديد ،شرح نهج البلاغة ج 16 ص 215 ، البلاذري ،انساب الاشراف ج 3 ص 364 وذمار الرجل هو ما يلزمه حفظه وحياطته وحمايته وعدم تضييعه بان يقاتل عنه ويقتل من اجله والا لزمه اللوم. وقد وضع الاعلام العباسي في قبال حسن ظن الحسن باهل الكوفة الرواية التي تقول : ان الحسن قال لاهل الكوفة : والله لو لم تذهل نفسي عنكم إلا لثلاث لذهلت انتهابكم ثقلي وقتلكم أبي وطعنكم في فخذي) (ابن عساكر ، تاريخ مدينة دمشق ، ج 4 ص 96) (الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ج 1 ص 149).

(2) ابو الفرج الاصفهاني ،الاغاني ج 9 ص 119. والحُوار : ولد الناقة من وقت ولادته الى ان يفطم ويفصل.

(3) انظر هذه الكلمات في رسالة الوافدات على معاوية تحقيق سكينة الشهابي.

(4) هناك روايات تذكر أن حجر بن عدي خاطب الحسن بكلمات غير لائقة بعد الصلح ولكننا نرى انها


للحسنعليه‌السلام وقاموا بمهمة الهداية معه كما سيأتي.

العمق الاستراتيجي للحسنعليه‌السلام والتفكير المحدود لمعاوية :

وفي ضوء ذلك يتضح الفرق الكبير بين طريقتين في التفكير :

الاولى تربط نفسها مصيريا بالسلطة ولا يهمها مصلحة الرسالة والامة في شيء ،

الثاني تربط نفسها مصيريا بمصلحة الرسالة والامة في كل شيء.

وفي قضية معالجة الانشقاق فان مثل الحسنعليه‌السلام ومعاوية ازاء ملك الامة مثل تينك المرأتين اللتين تنازعتا في ولد واصرتا فدعا عليعليه‌السلام بمنشار وقال لهما اقسمه نصفين بينكما فسكتت إحداهما قالت الأخرى : الله الله يا بالحسن إن كان لا بد من ذلك فقد سمحت به لها. فقال : الله أكبر هذا ابنك دونها ، ولو كان ابنها لرقت عليه وأشفقت. فاعترفت المرأة الأخرى بأن الحق مع صاحبتها والولد لها دونها(1) ،

لقد اراد معاوية بطلبه للصلح ان يكرس انشقاق الامة لرغبته في الملك وهو غير مشروع له ،

واراد الحسنعليه‌السلام بالصيغة التي اختارها ان يعالج الانشقاق بالتنازل عن الملك وهو مشروع له ، ومنه يتضح للناس ان الحريص على مصلحة الامة هو الحسن وليس معاوية.

ومنه يتضح ايضا :

__________________

جزء من ذلك الكم الموضوع من روايات الاعلام العباسي الذي اشرنا اليه راجع البلاذري ،انساب الاشراف ج 3 ص 365.

(1) قال الشيخ المفيد : أن امرأتينتنازعتا على عهد عمر في طفل ادعته كل واحدة منهما ولدا لها بغيربينة ، فالتبس الحكم في ذلك على عمر وفزع فيه إلى عليعليه‌السلام ، فاستدعىالمرأتين ووعظهما وخوفهما فأقامتا على النزاع والاختلاف. فقالعليه‌السلام عند ذلك : ائتوني بمنشار. فقالت له الامرأتان ما تصنع به؟ فقال : أقده نصفين لكل واحدة منكما نصفه. فسكتت إحداهما وقالت الأخرى : الله الله يا بالحسن إن كان لا بد من ذلك فقد سمحت به لها. فقال : الله أكبر هذا ابنك دونها ، ولو كان ابنها لرقت عليه وأشفقت. فاعترفت المرأة الأخرى بأن الحق مع صاحبتها والولد لها دونها. (الارشاد ص 110).أقول : وهذه القضية ترويها ايضا التوراة مما قضى به النبي سليمان وانتشرت حكمته في الدنيا.


أنَّ مبرر الصلح بشكل تنازل مشروط عن السلطة الذي تبلور عند الإمام الحسنعليه‌السلام ليس مرده إلى طبيعة التخاذل والضعف في شخصية الحسنعليه‌السلام كما تبنى المستشرقون ذلك اعتماداً على روايات موضوعة.

ولا إلى الخيانات والضَّعف والشك الذي عاشه جيش الحسنعليه‌السلام أو شَعبه كما تصوره لنا روايات أخرى كلها من وضع الإعلام العباسي.

بل مرده إلى تفكير موضوعي في الظرف الذي تمر به الرسالة والامة ليحفظ مصالحهما ،

اما مصلحة الرسالة فقد نهض بها عليعليه‌السلام ليكون الكتاب والسنة دون اضافة راي احد هي الدستور الحاكم في البلاد وليكون راي الحاكم في المسائل الدينية العملية الشخصية مذهبا من المذاهب يترك فيه الخيار للامة ان شاءت اخذت به وان شاءت تركته واخذت براي اخر ،

اما مصلحة الامة في زمن الحسنعليه‌السلام فهي معالجة الانشقاق الذي استحكم فيها ، وملاحقة الارهابيين الذين نغصوا العيش الامن للناس ، ومواجهة تهديد الروم على الجبهة الشمالية الشرقية.

مضافا الى ذلك ان التنازل من الحسنعليه‌السلام كان بحدود (السلطة المدنية) التي كانت له في العراق وقد جاءته ببيعة مشروعة ، اما (الامامة الدينية) التي جعلها الله تعالى له فهي غير قابلة للتنازل لانها لم تأته على اساس بيعة الناس بل جاءته بالوصية من النبي قبل ان يبايعه الناس على الحكم هذه الامامة الدينية التي يشترط فيها عصمة صاحبها لانها تترتب عليها مسؤولية حفظ الرسالة وقيادة الناس الى الله تعالى كما في قوله تعالى :( أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89)أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)) الأنعام / 89 ـ 90. ويترتب على الناس ان ينصروه ليقوم بمهمة حفظ الرسالة واحيائها المهمة التي نهض بها امير المؤمنين ، نظير بيعة اهل المدينة للنبي نصروه ليبلغ رسالة الله التي منعته من تبليغها قريش ، والصلح الذي قام به الحسن انما هو معالجة الانشقاق وفضح قريش معاوية الذي صد علياعليه‌السلام عن مشروع احياء السنة في الشام ، نظير الصلح الذي قام به


النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لفضح قريش المشركة التي شوهت الحركة الرسالية للنبي عند القبائل بإعلام كاذب لكي لا تتأثر به.(1)

مضافا الى ذلك فان هذا الصيغة تتيح للحسن ان يشترط ما يريد من الشروط وليس للطرف الاخر الا ان يقبل الصفقة كلها او يرفضها كلها.

ان اطروحة الحسن للصلح تدفع معاوية دفعا لان يستقبلها ولا يرفضها ولو رفضها لكان الملوم عند شعبه. وفي الوقت نفسه فان معاوية يعلم ان قبوله للشروط معناه ظهور امر الامامة الالهية لعلي في الشام وانه امتداد لرسول الله في سيرته ، وأنّه في مخالفته لسيرة الشيخين في حج التمتع وغيرها كان مصيبا(2) وان كل من خالف عليا في صغيرة او كبيرة ان على الباطل ، ولكنه افتضاح كان معاوية قد استبطن الخطة لعلاجه كما اشرنا انفا.

إنَّ الحسنعليه‌السلام بتنازله المشروط عن السلطة سوف يحقق فتحاً عظيماً لقلوب اهل الشام إزاء أبيه عليعليه‌السلام ، ويهيؤها لاستقبال نصوص ولايته الالهية التأسيسية من الكتاب والسنة ، كما حقق صلح الحديبية من قبل فتحاً مبيناً لقلوب سكان أهل الحجاز ونَجْد إزاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهيأها لاستقبال الإسلام والاعتراف بنبوتهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ويتبيَّن بذلك سرُّ قول الإمام الحسن عليه‌السلام لأحد أصحابه : (إن علة مصالحته لمعاوية هي علة مصالحة النبي لقريش)(3) ،

وسرُّ قول الإمام الباقر : (والله لَلذي صنعه الحسن بن عليعليه‌السلام كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس والقمر).(4)

__________________

(1)أقول : من المفيد التنبيه على مقامين للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والائمةعليهم‌السلام الاول : مقام الامامة الالهية وهو مقام تشريعي ويستلزم العصمة والنص من الله تعالى مباشرة للنبي وبواسطته لأوصيائه وهذا المقام لا ينفك عن صاحبه بالاضطهاد او الموت او القتل ولذلك يجب على الفرد ان يبايع النبي او الامام حيا او ميتا ليتحقق ايمانه وهي بيعة الايمان ، فهي اساسا موجهة للفرد والجماعة ، الثاني : مقام الحكم وهو مقام تنفيذي ولا يستلزم في نفسه ان يكون صاحبه معصوما وهذا المقام لا يكون فعليا للنبي والامام الا ببيعة من ينهض بهم الحكم وهم اهل الحل والعقد فهي موجهة اساسا الى الجماعة وليس الى الفرد وهذا المقام هو الذي يقبل التنازل والتجميد وهو الذي تنازل عنه الحسن واشترط فيه شروطا.

(2) انظر قصة حج التمتع مفصلة في كتابناشبهات وردود ص 211.

(3) المجلسي ،بحار الانوار ج 44 ص 273 نقلا عن علل الشرائع للشيخ الصدوق.

(4) الكليني ،الكافي ، ج 8 ص 258.


وبذلك يتضح ايضا عمق الضربة الاستراتيجية التي وجهها الحسنعليه‌السلام الى معاوية ولم يدعه يقوم بعدها ابدا حتى حين يغدر بعهده ، اذ استجاب لمعاوية بصيغة من الصلح تحقق له معالجة الانشقاق وتقوي الامة ازاء الخطرين اللذين يهددانها الخوارج من الداخل والروم من الخارج ، كما تحقق له افتضاحه وافتضاح تجربة قريش المسلمة التي ورثها معاوية وتحقق له ظهور حق ابيه علي في الشام وكونه وارث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ووصيه كل ذلك في ان واحد.

واخيرا فانه مما لا شك فيه ان الحسن كان قد وضع في حسابه ان معاوية سوف يستجيب مؤقتا ، والغدر بعدها في الوقت المناسب ليس تخمينا بل علما قاطعا من خلال معرفته بأصول معاوية التي تربى عليها.

ولكنه في الوقت نفسه يعتقد الحسن ان معاوية سوف لن يكون غبيا في تعامله مع هذه الصفقة المفاجئة التي اسالت لعابه بل سيظهر كل دهائه ليضرب ضربته بعد ان يستقر له الملك ولن يستقر في اقل من خمس سنوات الى عشر سنوات ، ان معاوية مهما اختلف في دينه(1) فان دهاءه وشيطنته في التخطيط وتقدير اولويات الصراع لأجل الدنيا امر لا خلاف فيه(2) ، واولويات الصراع هنا تقتضي بعد تسليم الحسن الملك له مداراة

__________________

(1)أقول : فقد قامت عقيدة الغالبية من اهل السنة على ان معاوية من ائمة الهدى استنادا الى ما رواه الترمذي فيالجامع الصحيح ج 5 ص 351 ، واحمد بن حنبل في مسنده ج 6 ص 226 ، وابن عساكر فيتاريخ مدينة دمشق ، ج 59 ص 83 من ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد دعا لمعاوية قال (اللهم اجعله هاديا مهديا واهد به) ، وفي قبال ذلك : ما رواهمجمع الزوائد ج 8 ص 121 عن الطبراني في الكبير ج 11 ص 32 من طريق ابن عباس : كنا مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم في سفر فسمع رجلين يتغنيان وأحدهما يجيب الآخر. فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم انظروا من هما. قال : فقالوا : معاوية وعمروبن العاصي ، فرفع رسول الله يديه فقال : اللهم اركسهما ركسا ، ودعهما إلى النار دعا. ولكن احمد حين أخرجه في المسند 4 : 421 ، رفع اسميهما وقال (فلان وفلان) وقد قامت عقيدة الشيعة ان معاوية في النار بما سفك من دماء الابرار كعمار وهاشم بن عتبة المرقال ونظرائهما وبما سلط ابنه يزيد على رقاب المسلمين وما قام به من قتل الحسين وصحبه وسبي بنات الرسالة واباحة المدينة لجيشه في واقعة الحرة ورمي الكعبة بالمنجنيق وغير ذلك مما يحفل به تاريخ معاوية من جرائممات عليها.

(2)أقول : كان معاوية يعلم حق العلم ان الذي قتل عثمان هو طلحة ولكنه داس على جراحاته واتفق معه لمواجهة عليعليه‌السلام في البصرة ، وانتقم مروان من طلحة حين حانت له فرصة وقتل طلحة


اهل العراق وكسب جانبهم ، والانصراف الى ملاحقة الخوارج في الكوفة اولا ومداراة اهل الروم في ان واحد. وبالتالي فسوف يكون غدر معاوية بعد ان حقق الحسن اهدافه كاملة من الصلح ، اما ان يتسلم الملك بعد معاوية فلم يكن الحسن يتوقعه ولم يكن ليرغب فيه بما هو ملك وامرة(1) .

اما معالجة تبعة الغدر وفتح الطريق من جديد للإمامة الالهية ومشروع عليعليه‌السلام فقد تركها الحسنعليه‌السلام الى اخيه الحسينعليه‌السلام الذي اعده الله ورسوله لها.

ليس من شك ان معاوية قد اعمى بصيرته الملك وسال لعابه له وقرر ان يستجيب للحسن ثم يغدر به بعد حين وما درى ان في هذا الغدر حتفه الى الابد

ان الحسن بطريقة التفكير هذه كان واثقا كل الثقة أنَّ اهل الشام فضلا عن شيعة أبيه سوف يستقبلون صيغته للصلح لما يرون فيها من حفظ مصالح واختيارات الجميع ونكران للذات من الحسن يشهده الجميع.

وهكذا كانت المفاجأة الكبرى من الحسن للجميع هي تنازله الشمروط عن الملك ، فان كل الذي كان يتوقعه معاوية ورجاله هو ان يرفض الحسن او يستجيب لطلبه بإيقاف الحرب وان يكون كلٌ على بلده الذي بايعه ، اما ان يكون الجواب هو التنازل عن العراق وما والاه بشروط ، فهو مما لم يكن يتوقعه معاوية ولا احد من رجاله على الاطلاق الا ان يككون الحسن ليس على سر ابيه ومنهجه(2) وهذا ما لا يتوقع من الحسن الزكي المطهر.

وحاول معاوية ان يعدل بعض الشروط ولكن الحسن كان حاسما في موقفه :

__________________

في خضم المعركة بسهم سدده الى نحر طلحة سرا. وكذلك امره مع الحسن فانه استجاب له ووفي بشروطه عشر سنوات حاول خلالها ان يكسب ثقة العراقيين ولما اكتشف انه غير قادر على كسبهم سدد سهمه سرا الى الحسن ثم انتقم منهم علنا.

(1)أقول : إذ كان ابوه علي يقول في (أَمَا والَّذي فَلَقَ الْحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ ، لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ، ومَا أَخَذَ الله عَلَى الْعُلَمَاءِ ، أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمِ ولَا سَغَبِ مَظْلُومِ ، لأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا ولَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَاْسِ أَوَّلِهَا ولأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِه أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ.) نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح / 50 (الخطبة الشقشقية) ..

(2)أقول : وهذا هو الذي دعا العباسيين فيما بعد الى وضع روايات تجعل من الحسن على خلاف مع ابيه في قضية التصدي للامر توقيا من سفك الدماء.


روى ابن عبد البر في الاستيعاب قال (فكتب إلى معاوية يخبره أنه يصيّر الأمر إليه على أن يشترط عليه ألا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز ولا أهل العراق بشيء كان في أيام أبيه ، فأجابه معاوية ، وكاد يطير فرحا ، إلا أنه قال : أمّا عشرة أنفس فلا أؤمّنهم)(1) . فرفض الحسن ذلك ، (فبعث إليه معاوية حينئذ برقّ أبيض وقال : اكتب ما شئت فيه وأنا ألتزمه. فاصطلحا على ذلك) ،

وكانت شروط الحسنعليه‌السلام على معاوية :

1. ان يعمل بالكتاب والسنة فقط. أي ليس له ان يفرض على احد من المسلمين سيرة الشيخين لانها ليست من الكتاب والسنة في شيء بل هي راي ارتآه الخليفتان وللمسلمين الخيار في العمل بها او عدمه.

2. ان يترك لعن علي وسبه (وهو مما نهت عنه السنة وان يذكره بخير وهو مما امرت به السنة).

3. امان شيعة علي حيثما كانوا. وحريتهم بالاقتداء بعلي والتعبير عن رايهم فيه والحديث عن سيرته كما هو لغيرهم من اهل الشام وحريتهم بالاقتداء بالخلفاء والتعبير عن رايهم فيهم والحديث عن سيرتهم. وان لا يكيد للحسن واهل بيته.

4. ان يوزع في شهداء الجمل وصفين عطاء خاصا بهم ، كما يوزع لشهداء صفين في الشام.

5. وان يفضل بني هاشم في العطاء على بني عبد شمس وهو سنة نبوية تمثلت بالخمس وهذا التفضيل كان جزاء لهم على دعمهم واسنادهم كمجموع لدعوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في قبال مقاطة بقية بطون قريش ومواجتهم السلبية لها.

__________________

(1) جاء بعدها قوله : (فراجعه الحسن فيهم فكتب إليه يقول : إني قد آليت أنى متى ظفرت بقيس بن سعد أن أقطع لسانه ويده ، فراجعه الحسن إني لا أبايعك أبدا وأنت تطلب قيسا أو غيره بتبعة قلت أو كثرت)أقول : هذا القول الاخير من وضع الرواة إذ ليس موضوع الصلح ان يبايع الحسن لمعاوية ولم يطلبه معاوية وما كان يجرؤ ان يطلبه لوضوح سخفه ، بل طلب ان يبقى كل طرف على بلده الذي بايعه فأجابه الحسن بصيعته التي فيها تسليم الامر لمعاوية بتقديم اختياراهل الشام على اختيار اهل العراق بشروط منها امان شيعة علي كلهم فلا معنى ان يقول لا ابايعك ابدا وانت تطلب قيسا او غيره.


6. وان يستثني ما في بيت مال الكوفة للحسن(1) ، وان يوصل له الفي دينار سنويا من خراج داراب جرد. ونحن نشك في اشتراط استثناء ما في بيت مال الكوفة لان المعروف من سيرة علي انه كان لا يأخذ من بيت المال الا بمقدار ما هو حقه مما يساوي عطاء الاخرين ، وقد اغنى الله تعالى الحسن عن اخذ ما في بيت مال الكوفة بصدقات ابيه علي(2) عليه‌السلام مضافا الى ما اشترطه من الفي دينار سنويا وهي ليست لاحتياجاته شخصيا بل يقضي به حاجات المؤمنين وسياتي تصرفهعليه‌السلام في المال.

__________________

(1) روى البخاري ، وابن عساكر ، وفي ترجمة الحسن من الطبقات 207 عن سفيان بن عيينة عن ابي اسرائيل بن موسى عن الحسن البصري ان معاوية كلف رجلين من قريش ان يأتيا الحسن ويعرضا له المال ليتنازل عن السلطة ، واستطاعا اقناعه بما يوجد من بيت مال الكوفة ، وهذا هو ما اختلقه الامويون وتبناه الخليفة ابو جعفر الدوانيقي في رسالته الجوابية الى محمد بن عبد الله بن الحسن ، وروّجه الاعلام العباسي انظر التفصيل في الباب الثالث وثائق الاعلام العباسي.

(2) ابن شبة ،تاريخ المدينة المنورة ج 1 ص 228 قال ابن شبة قال أبو غسان : وهذه نسخة كتاب صدقة علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه حرفا بحرف نسختها على نقصان هجائها وصورة كتابها ، أخذتها من أبي ، أخذها من حسن بن زيد ، بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أمر به وقضى به في ماله عبد الله علي أمير المؤمنين ، ابتغاء وجه الله ليولجني الله به الجنة ، ويصرفني عن النار ويصرف النار عني يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. أن ما كان لي ب (ينبع) من ماء يعرف لي فيها وما حوله صدقة ورقيقها غير أن رباحا وأبا نيزر وجبير أعتقناهم ، ليس لأحد عليم سبيل ، وهم موالي يعملون في الماء خمس حجج ، وفيه نفقتهم ورزقهم ورزق أهليهم. ومع ذلك ما كان بوادي القرى ، وما كان لي (بواد) وما كان لي بـ وأهلها صدقة وأنه يقوم على ذلك حسن بن علي ، يأكل منه بالمعروف وينفق حيث يريه الله في حل محلل لا حرج عليه فيه ، وإن أراد أن يندمل (أي يصلح من الصدقة) من الصدقة مكان ما فاته يفعل إن شاء الله لا حرج عليه فيه ، وإن أراد أن يبيع من الماء فيقضي به الدين فليفعل إن شاء لا حرج عليه فيه ، وإن حدث بحسن حدث وحسين حي ، فإنه إلى حسين بن علي ، وأن حسين بن علي يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسنا ، له منها مثل الذي كتبت لحسن منها ، وعليه فيها مثل الذي على حسن ، وإن لبني فاطمة من صدقة علي مثل الذي لبني علي ، وإني إنما جعلت الذي جعلت إلى ابني فاطمة ابتغاء وجه الله وتكريم حرمة محمد وتعظيما وتشريفا ورجاء بهما ، فإن حدث لحسن أو حسين حدث ، فإن الآخر منهما ينظر في بني علي ، فإن وجد فيهم من يرضى بهديه وإسلامه وأمانته فإنه يجعله إن شاء ، فهذا ما قضى عبد الله علي أمير المؤمنين في أمواله هذه شهد أبو شمر بن أبرهة ، وصعصعة بن صوحان ، ويزيد بن قيس ، وهياج بن أبي هياج. وكتب عبد الله علي أمير المؤمنين بيده لعشرة خلون من جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين هـ).


7. وان لا يسميه بأمير المؤمنين لأنها خاصة بمن جعل الله تعالى اميرا لهم يوم الغدير وهو عليعليه‌السلام .

8. وان لا يقيم عنده شهادة لأنه ليس مواطنا عنده ، وهناك فهم عمق وهو ان فكرة الصلح عند الحسنعليه‌السلام تقوم على اساس فصل السلطات الثلاث بعضها عن بعض ، سلطة التشريع وسلطة القضاء وسلطة التنفيذ ، والذي منحه لمعاوية بصفته حاكما هو السلطة التنفيذية المقيدة بالكتاب والسنة لا غير.

وهنا لابد من الاشارة الى ان فصل السلطات الثلاث كان امرا يقتضيه الواقع الذي عاشه الامام الحسنعليه‌السلام واي واقع اخر تكون فيه السلطة لشخص غير مستوف للشروط الشرعية كما هو الحال في اغلب الدولة الاسلامية اليوم ، والا فان الحاكم حين يكون النبي او الوصي او الفقيه الجامع للشرائط فانهم اهل للقضاء بل القضاء من شؤونهم ولهم ان يوكلوه الى نظرائهم او من يطمئنون به انه يحكم باحكامهم ، وللنبي فوق ذلك صلاحية التشريع بما لا يتعارض مع تشريع القرآن ، وللوصي بما لا يتعارض مع تشريع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولابد من الاشارة ايضا الى ان الحسنعليه‌السلام حين سلم لمعاوية السلطة التنفيذية وقيدها بشروط احتفظ لنفسه بالامامة الدينية الهادية التي جعلها الله تعالى له هذه الامامة التي تكون طاعتها طاعة الله ومعصيتها معصية الله ولا تقبل الاعمال الا بها ، وهي شاهدة ورقيبة على الامة والحاكم معا يبحث عنها المسلم من خلال كتاب الله وسنة نبيه.

اما الامامة السياسية بصفتها مؤسسة مدنية تدير البلاد وتحافظ على امن المسلمين وحقوقهم ، فهي مؤسسة تتقيد بالقانون. والقانون هنا هو كتاب الله وسنة نبيه التي امنت بها الامة منهاجا وقانونا في الحكم. ومن هنا كانت الامة رقيبة على الحاكم دون الامامة الالهية الهادية.(1)

__________________

(1) ومع ذلك فان امير المؤمنين حين تصدى للحكم دعا الامة إلى مراقبته ليؤسس صفة مراقبة الامة للحاكم قال (انظروا فان أنكرتم فأنكروا وان عرفتم فآزروا). ابن أبي الحديد ،شرح نهج البلاغة ، ج 1 ص 92 في شرح الخطبة 16 : وهذه الخطبة من جلائل خطبهعليه‌السلام ومن مشهوراتها ، قد رواها الناس كلهم وفيها زيادات حذفها الرضى اما اختصارا أو خوفا من ايحاش السامعين ، وقد ذكرها


ان هذا الفصل بين السلطات كان ضروريا حين تفرض الظروف السيئة حاكما مثل معاوية وما اكثرهم في تاريخ الامة في قبال الحكم الجائر الذي يعرض الحاكم فيه نفسه قائدا الى الله تعالى وخليفة عند طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله ، وان التدين هو طاعة الخليفة ، وهو الذي قامت دولة عثمان عليه ودولة سلفيه وحاول معاوية ان يستعيدها في الشام وطلب المصالحة لتكريسه الصلح عليه يكون فيه الحاكم بما هو حاكم مشرعا في الدين وطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله.

5. الفتح المبين بظهور باطل معاوية وكذبه وحق عليعليه‌السلام وصدقه لدى اهل الشام :

اعلن معاوية عن قبوله لشروط الحسنعليه‌السلام ومن ثم كان الفتح المبين في الشام بظهور بطلان معاوية وكذب اعلامه وظهور ظلامة علي وحقانيته واختلاط العراقيين بالشاميين في الشام وموسم الحج ليشهدوا حقائق غيبها الاعلام القرشي عنهم.

فها هو معاوية بنفسه يترحم على عليعليه‌السلام حين يسمع وصفه من شيعة علي ويقرهم عليها ،

وها هم يسمعون من اصحاب النبي احاديثه في اهل بيته التي تؤسس امامتهم الدينية ،

وها هو تاريخ معاوية وابيه في حرب الاسلام عشرين سنة يصدون عنه ،

وها هي سيرة الشيخين في متعة الحج ومتعة النساء وفي غيرها تخالف ما امر به الله ورسوله ،

وها هو علي يحيي سنة النبي ولا يسمع لقول الخليفة عثمان ينهى عنها وفق سيرة الشيخين وما بدا له فيها من راي جديد ،

وها هي حربا الجمل وصفين قد اضرمتها قريش المسلمة ضد مشروعه الاحيائي للسنة طلبا للملك وتكريسا لامامة قريش.

__________________

شيخنا أبو عثمان الجاحظ في كتاب البيان والتبيين على وجهها ورواها عن أبي عبيدة معمر بن المثنى قال : أول خطبة خطبها أمير المؤمنين عليعليه‌السلام بالمدينة في خلافته ..


وها هو علي يرفض الملك حين يشترط عليه العمل بخلاف سنة النبي ،

وها هو الحسن يسلم الملك بشرط عدم تبني الحاكم العمل بسيرة الشيخين مضافا الى ذكر علي بخير.

وها هو الحسن يحيي سيرة ابيه علما وعبادة وزهدا وسلوكا ، تبين للناس خلال السنوات العشر التي عاشروه فيها كما وصفه حفيده الامام الصادقعليه‌السلام .

وصلهم وصف ضرار لعلي بل سمعوه منه في بلاط معاوية حين طلب منه أن يصف علياعليه‌السلام واصر عليه فنهض قائلاً :

(كان ـ علي ـ واللهِ بعيدَ المدى ، شديدَ القِوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلا ، يتفجَّرُ العلمُ من جوانِبِه ، وتنطِقُ الحِكمةُ من نواحيه ، يستوحشُ من الدنيا وزَهرتها ، ويأنسُ بالليلِ ووحشتِه ، غزيرَ العَبرة ، طويلَ الفكرة ، يُعجِبُه من اللِّباس ما قَصُر ، ومن الطعام ما خَشُن. كان فينا كأحدِنا ، يجيبُنا إذا سألناه ، وينبئُنا إذا استفتيناه ، ونحن واللهِ مع تقريبِه إيانا وقُربِه منّا لا نكاد نكلِّمه هيبةً له. يعظِّم أهلَ الدين ويُقرِّب المساكين. لا يطمع القَويُّ في باطله ، ولا ييئَسُ الضعيفُ من عدله ، وأشهدُ لقد رأيتُه في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليلُ سدولَه ، وغارت نجومَه ، قابضاً على لحيته ، يتململُ تململَ السَّليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول : يا دنيا غُرِّي غيري ، أبي تَعرَّضتِ أمْ إليَّ تَشوَّقتِ.

هيهات هيهات قد باينتُك ثلاثاً لا رجعة لي فيها ، فعُمرك قصير وخطرك حقير.

آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق.

وشهدوا من معاوية بعد هذا الوصف نزف دموعه على لحيته وقوله : رحم الله أبا حسن كان والله كذلك.

وسمعوا جواب ضرار حين سأله معاوية : عن مدى حزنه على علي.

قال : حزن من ذبح ولدها في حجرها.(1)

__________________

(1) قال ابن ابي الحديدشرح نهج البلاغة ج 81 ص 22 : بعد ان اورد وصف ضرارا : إن الرياشي روى خبره ، ونقلته أنا من كتاب عبد الله بن إسماعيل بن أحمد الحلبي في التذييل على نهج البلاغة ص 225.


وشهد الناس من الحسنعليه‌السلام في سيرته الشخصية إماماً أيضا على سمت أبيه :

قد حج خلال هذه السنوات العشر والنجائب تقاد بين يديه.(1) وكان قد حج قبل ذلك خمس عشرة حجة ايضا زمن ابيهعليه‌السلام .

وهذا حفيده من ابنته الإمام الصادقعليه‌السلام يصف عبادة جده الحسنعليه‌السلام قال حدثني أبي عن أبيهعليهما‌السلام أن الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام :

كان أعبد الناس في زمانه ، وأزهدهم وأفضلهم ،

وكان إذا حج حج ماشيا ، وربما مشى حافيا ،

وكان إذا ذكر الموت بكى ، وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها.

وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل ،

وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ، وسأل الله تعالى الجنة ، وتعوذ به من النار ،

وكان لا يقرأ من كتاب الله عز وجل : (يا أيها الذين آمنوا) إلا قال : لبيك اللهم لبيك ، ولم ير في شيء من أحواله إلا ذاكرا لله سبحانه ،

وكان أصدق الناس لهجة ، وأفصحهم منطقا.(2)

انتشار سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لدى أهل البلاد المفتوحة شرقاً وغرباً بفضل مشروع علي عليه‌السلام وصلح الحسن عليه‌السلام :

وهكذا انتشرت ثقافة الولاء لأهل البيت التي أسسها الكتاب والسنة في مسلمة

__________________

(1) قال عبد الله بن العباس : ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلا أني لم أحج ماشيا ، ولقد حج الحسن بن علي خمسة وعشرين حجة ماشيا وإن النجائب لتقاد معه. (النووي ،المجموع ج 7 ص 91 ، وفي رواية علي بن زيد بن جدعان قال حج الحسن خمس عشرة حجة ماشيا. (ابن عساكر ،تاريخ مدينة دمشق ج 13 ص 243).

(2) الشيخ الصدوق ،الأمالي ص 244.


الفتوح في اهل الشام ، ومن ثم تجانست ثقافتهم مع مسلمة الفتوح في الشرق وعادوا أمة واحدة في الواقع السياسي تحكمهم دولة واحدة هي دولة الكتاب والسنة فقط من دون اجتهادات الخليفتين وعلى مستوى واحد من المعرفة بحديث الغدير وحديث الثقلين وحديث المنزلة وغيرها من النصوص التي تؤسس الإمامة الإلهية لأهل البيتعليهم‌السلام وأولهم عليعليه‌السلام أخذ بها من شاء وتركها من شاء ، شأنهم شأن المعاصرين للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله . عملاً بقاعدة( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) البقرة / 256 التي أسسها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في المعتقد.

وكانت الفترة التي استغرقتها نهضة عليعليه‌السلام من أيام الحج سنة 27 هجرية إلى وفاة ولده الحسنعليه‌السلام مسموماً نهاية سنة 50 هـ لإحياء سنة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ونشرها كثقافة في الأمة الإسلامية ثلاث وعشرون سنة ، وهي نظير الفترة التي استغرقتها مهمة نشر احكام الاسلام بما فيها ولاية عليعليه‌السلام منذ بعثة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى يوم الثامن عشر من ذي الحجة يوم بلغ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمته في غدير خم بولاية عليعليه‌السلام الإلهية.

وكانت السنوات من سنة 41 هجرية الى سنة 50 هجرية من اروع سنوات الامة الاسلامية على الاطلاق بعد سنوات النبي في المدينة وسنوات علي حين بويع حيث الامان والحرية في التعبد والتعبير عن المعتقد.

اما اهل العراق فقد تأكد لديهم من تجربة الصلح لعشر سنوات عمق حكمة الحسن حين راوا اثارها وحين راوا منه ما لم يشهدوا نظيره من اتباع ولد لأبويه بإحسان فقد وظف الحسن الملك الذي بيده لخدمة مشروع ابيه وجده وهما بعضهما من بعض فصار بذلك هو منهما وعلى نهجهما ، ان صلح الحسن بتسليمه الملك المستقر لمعاوية وقد اقره عليه هو اكبر شهادة على رسالية الحسن وانه من ابويه وهو منهما رساليا (ذرية بعضها من بعض).


الباب الرابع / الفصل الرابع

مسار ثقافة الامة المسلمة

1. ثقافة المجتمع الاسلامي من سنة

13 ق. م الى سنة 10 هجرية

اسس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله المجتمع الاسلامي على نفي عبادة الاصنام وهدم امامة قريش الدينية ونسخ قراءة التوراة للثواب وهدم امامة اهل الكتاب الدينية وقبول قصصهم عن الانبياء دون عرضها على القرآن والسنة ، ، واثبات عبادة الله تعالى والتعبد بتلاوة القرآن واطاعة فيما يبينه من سنته واطاعة اهل بيته واولهم عليعليه‌السلام فيما يبينونه من سنة نبيه.

ارجع مقام ابراهيم الى مكانه الاول ملاصقا لجدار الكعبة ،

وضع من امر الحج في الجاهلية ، وادخل العمرة في الحج الى الابد.

ساوى بين الناس في العطاء وكافاهم في الفروج.

نهاهم عن الجماعة في صلاة التطوع في شهر رمضان.

جاءهم بالأذان وفيه فصل حي على خير العمل.

امرهم بتدوين الحديث لما سألوه وقال لهم ما يخرج من فيه (فمه) الا الحق.

امرهم بنشر سنته بقوله (رحم الله من بلغ عني فرب حامل فقه الى من هو افقه).

نهاهم عن قراءة التوراة واسفارها للتثقيف بها وقال لهم امتهوكون انتم (المتحيرون)


والله لو كان موسى حيا لما وسعه الا ان يتبعني.

اوصاهم بالقرآن وباهل بيته وامرهم بتولي عليا كتوليهم له.

2. ثقافة الانقلاب القرشي الاول

11 الى 35 هجرية

انقلبت قريش المسلمة على عليعليه‌السلام واحيت شعار ان العرب لا ترضى ان يكون هذا الامر في غير قريش واقصت عليا ، وادعت لنفسها خلافة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في الامامة الدينية.

فنهت عن رواية سنة النبي واحرقت ما كتبه الحصابة منها زمن النبي وبعده ،

ونهت عن عمرة التمتع (متعة الحج) التي شرعها الله في كتابه وبين النبي احكامها

ونهت عن سنن اخرى ،

وارجعت مقام ابراهيم الى مكانه في الجاهلية

وابتدعت بدعا في الدين فامرت بصلاة النافلة (صلاة التراويح) وقد نهى النبي عنها ،

وامروا بالتكتف في الصلاة ،

واسقطوا «حي على خير العمل» من الاذان ووضع محلها الصلاة خير من النوم ،

وفاضلوا في العطاء

وفاضلوا في الفروج ،

ففضل قريشا على غيرهم والعرب على العجم.

وفسحوا المجال لمسلمة اهل الكتاب كعب الاحبار وتميم الداري وعبد الله بن سلام ان ينشروا قصص التوراة المحرفة في الخلق كخلق ادم على صورة الله جل وعلا ، وسير الانبياء كقصة ملك الموت مع موسى ، وقصة داود مع اوريا. وغيرها مما ادخل عقيدة التجسيم في الله وشوهت تنزيه الانبياء.


3. ثقافة مشروع نهضة علي عليه‌السلام في ذي القعدة سنة 27 هـ الى رمضان

سنة 40 هـ تحت شعار (ما كنت لأدع سنة رسول الله لقول احد من

الناس). العودة الى الكتاب والسنة والتعددية المذهبية في النصف

الشرقي من البلاد الاسلامية

نهض عليعليه‌السلام في ذي القعدة سنة 27 هجرية تحت شعار «ما كنت لادع سنة رسول الله لقول احد من الناس» بادئا بمتعة الحج التي منعت منها الخلافة القرشية ونشر احاديث النبي فيه وفي اهل بيته ، ونصره في مشروعه ابو ذر وعمار ومقداد والانصار وجندب ومالك الاشتر واستضعفت دولة عثمان الناهضين مع علي نفيا وسجنا ، ولما قتلت قريش المنشقة عثمان بايعت الجماهير عليا ليواصل مشروعه الاحيائي للسنة ،

ومنع من تداول روايات كعب الاحبار في قصة داود وغيرها ،

وشجع الناس على تداول احاديث النبي وكتابتها عنه وعن غيره من حملتها

واحيا التسوية في العطاء والتكافؤ في الفروج.

وحاول منع الناس في الكوفة في ايامه الاولى من اقامة صلاة التراويح فلم يستجيبوا له فكان الامر يدور بين ان يستعمل سلطة الحكم كما استخدمها الخلفاء من قريش في فرض آرائهم او يترك الناس واختيارهم وهذا هو الذي اختاره ، فأحيا ظاهرة التعددية في العبادة التي اسسها رسول الله فانهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين قصد مكة ليفتحها في شهر رمضان افطر في المسير وبقي بعض اصحابه صائمين وقد اجهدهم العطش فقال اولئك هم العصاة ولم يستخدم سلطته كحاكم ليجبرهم على الافطار.

وترك مقام ابراهيم على حاله لانه يعلم ان اهل مكة قاطبة سوف لن يطيعوه ، فتركه لولده المهديعليه‌السلام عند ظهوره في اخر الزمان.

4. ثقافة اهل الشام ايام علي عليه‌السلام

35 ـ 40 هـ

حجز معاوية اهل الشام عن التأثر بمشروع عليعليه‌السلام الاحيائي للسنة او التعرف على اخبار سيرته الصحيحة من خلال الحرب والاعلام الكاذب ، فازدادوا جهلا


بعليعليه‌السلام ، فهم ليسوا فقط لا يعرفون موقع عليعليه‌السلام في الاسلام ولا احاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه بل هم في هذه السنوات ومن خلال قصص القصاصين كانوا يتلقون قصصا كاذبة في حق عليعليه‌السلام ، فهو لا يصلي ، وانه سرق والنبي قطع يده ، وان النبي قال فيه وفي ابيه (ان ال بي طالب ليسوا لي بأولياء) ، وان دم عثمان عنده وانه افسد في دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، من ثم فهم يلعنونه ويستحلون قتله. ويبغضون اهل العراق لانهم انصار علي على افساده في الدين ، والى جانب ذلك فهو يدينون بإمامة قريش المسلمة وان دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله يؤخذ منها ، وان طاعة الخليفة تقرب الى الله تعالى وان معصيته تبعد عنه. وان ثقافة الاسلام عن الانبياء السابقين هو ما بثه كعب الاحبار وتميم الداري.

5. ثقافة اهل الشام في السنوات

41 الى 50 هجرية

تغيرت رؤية اهل الشام عن الحسن وابيه علي والعراقيين فانهم ما كانوا يتوقعون هذه الشفافية التي يتمتع بها الحسن واهل العراق حين قدموا اختيار اهل الشام على اهل العراق لمعالجة اكبر ازمة عاشتها الامة المسلمة ،

وحين عرفوا الشروط التي اشترطها الحسن قد ضمنت مصالح اهل العراق ولم تمس مصالح اهل الشام بشيء ،

ثم حصلت المفاجأة الكبرى لهم حين عرفوا ان معاوية وافق على الحكم بكتاب الله وسنة النبي من دون سيرة الشيخين لأنها اجتهادات شخصية ،

وان عليا كان قد عرض عليه الملك في الشورى السداسية قبل عثمان ورفضها لانها ليست من الدين ، وقبلها عثمان ،

وحين عرفوا ان الذي ثار على عثمان هم قريش المسلمة طلحة والزبير وعائشة وعبد الرحمن بن عوف وعمرو بن العاص وان عليا برئ من دم عثمان ، فادركوا ان عليا قد ظلمه معاوية وانهم ظلموا اهل العراق بقتالهم اياهم ،

وكانت المفاجأة اكبر حين عرفوا ان النبي قد اوصى الى عليعليه‌السلام ، وانه الامام الهادي بعد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولم يكن ذلك قائما على مجرد اخبار من العراقيين بل هم يشهدون


ذلك في حوارات يومية او ينقلها لهم رؤساؤهم عند معاوية.

لقد اتضح لأهل الشام بما لا يكون معه شك سواء من خلال وفود العراقيين الى الشام اللذين كان معاوية يستضيفهم ويكرمهم او من خلال اختلاطهم معهم في موسم الحج والعمرة ، ان الحج له صيغتان والصلاة لها صيغتان والوضوء له صيغتان ، صيغة جاء بها النبي وصيغة اجتهادية من الخلفاء ، ولكن الالفة جعلتهم يبقون على ما تربوا عليه سابقا وقاعدة (الناس على دين ملوكهم)(1) . فان معاوية كشخص بقي يتعبد على طريقة سلفه عثمان ،

وقد استمرت هذه اللقاءات والمعايشة مدة عشر سنوات ثم انتهت كحلم ليعودوا الى ثقافتهم السابقة في لعن عليعليه‌السلام وتولي معاوية وبني امية واسلافهم.

6. ثقافة الامة كلها على عهد الدولة الاموية

(51 ـ 132 هـ) (81 سنة)

لم يَرُق لمعاوية انيتعرف اهل الشام على عليعليه‌السلام وعظيم موقعه في دين ابراهيم في الجاهلية والاسلام ، وعلى تاريخه وتاريخ اهل بيته في الجاهلية والاسلام قبل الفتح ، وانهم طلقاء رسول الله ، وكيف لطليق ان يساوي عليا وله من النبي موقع ومنزلة هارون من موسىالتي يقرؤونها في القرآن ويسمعون ما يصدقها من الصحابة الذين يروون تاريخ عليعليه‌السلام ، فقرر دفن ذلك وتأسيس تاريخ جديد له ولأهل بيته ولعلي واهل بيته قوامه الكذب وانتحال ما لعلي من سابقة وجعلها له ولأهل بيته وللخلفاء من قريش مما يسوغ ولايتهم والترحم عليهم والافتراء على علي واهل بيته ما يسوغ لعنهم ومعاداتهم ليس فقط في الشام بل في الامة كلها. وشعاره في ذلك لا والله الا دفنا

__________________

(1) روى احمد بن حنبل في مسنده 2 / 95 عن ابن شهاب عن سالم قال كان عبد الله بن عمر يفتى بالذي أنزل الله عز وجل من الرخصة بالتمتع وسن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم فيه فيقول ناس لابن عمر كيف تخالف أياك وقد نهى عن ذلك فيقول لهم عبد الله ويلكم ألا تتقون الله إن كان عمر نهى عن ذلك فيبتغي فيه الخير يلتمس به تمام العمرة فلم تحرمون ذلك وقد أحله الله وعمل به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أفرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم أحق ان تتبعوا سنته أم سنة عمر.


دفنا(1) . وهكذا كان امره حين كتب الى عماله في الامصار.

قال المدائني : كتب معاوية الى قضاته وولاته في الامصار ان لا يجيزوا لاحد من شيعة علي الذين يروون فضله ويتحدثون بمناقبه شهادة. ثم كتب ايضاً : انظروا من قامت عليه البينة انه يحب علياً واهل بيته فامحوه من الديوان. ثم كتب كتابا آخر من اتهمتموه ولم تقم عليه بينة فأقتلوه!. ثم كتب : (أن برئت الذمَّة ممَّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته) ثم كتب إلى عُمَّاله : (إنَّ الحديث في عثمان قد كَثُر وفَشا في كل مِصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فأدعوا الناس إلى الرواية

__________________

(1) قال المسعودي في مروج الذهبي ج 3 ص 455 وفي سنة اثنتي عشرة ومائتين نادى منادي المأمون : برئت الذمة من احد من الناس ذكر معاوية بخير او قدمه على احد من اصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وسلم ، وتكلم في أشياء من التلاوة انها مخلوقة ، وغير ذلك ، وتنازع الناس في السبب الذي من أجله أمر بالنداء في أمر معاوية ، فقيل في ذلك أقاويل : منها أن بعض سُمّاره حدث بحديث عن مطرف بن المغيرة بن شعبة الثقفي ، وقد ذكر هذا الخبر الزبير بن بكار في كتابه في الاخبار المعروفة بالموفقيات التي صنفها للموفق ، وهو ابن الزبير ، قال : سمعت المدائني يقول : قال مطرف بن المغيرة بن شعبة : وَفَدْتُ مع أبي المغيرة الى معاوية ، فكان أبي يأتيه يتحدث عنده ثم ينصرف إليَّ فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه ، إذ جاء ذات ليلة فأمسك عن العشاء ، فرأيته مغنما ، فانتظرته ساعة ، وظننت أنه لشيء حدث فينا أو في عملنا ، فقلت له : ما لي أراك مغتما منذ الليلة؟ قال : يا بني ، إني جئت من عند أخبث الناس ، قلت له : وما ذاك؟ قال : قلت له وقد خلوت به : إنك قد بلغت منا يا أمير المؤمنين ، فلو أظهرت عدْلاً وبسطت خيراً فإنك قد كبرت ، ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم فوصلت أرحامهم فو الله ما عندهم اليوم شيء تخافه ، فقال لي : هيهات هيهات!! مَلكَ أخو تيمٍ فعدل وفعل ما فعل ، فو الله ما عدا ان هلك فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : أبو بكر ، ثم ملك أخو عَدِي ، فاجتهد وشمر عشر سنين ، فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، إلا أن يقول قائل : عمر ، ثم ملك أخونا عثمان فملك رجل لم يكن أحد في مثل نسبه ، فعمل ما عمل وعمل به فو الله ما عدا أن هلك فهلك ذكره ، وذكر ما فعل به ، وإن أخا هاشم يُصْرَخُ به في كل يوم خمس مرات : أشهد أن محمداً رسول الله ، فأي عمل يبقى مع هذا؟ لا أمَّ لك ، والله ألا دفنا دفنا ، وإن المأمون لما سمع هذا الخبر بعثه ذلك على أن أمر بالنداء على حسب ما وصفناه ، وانشئت الكتب الى الآفاق بلعنه على المنابر ، فأعظَم الناسُ ذلك وأكبروه ، واضطربت العامة منه فأشيرعليه بترك ذلك ، فأعرض عما كان هَمَّ به.

قال العلامة المجلسي في بحار الانوار ، ج 33 ص 170 : في شرح قوله (الله ألا دفنا دفنا) : أي أقتلهم وأدفنهم دفنا ، أو أدفن وأخفي ذكرهم وفضائلهم وهو أظهر.أقول : بل اراد الامرين معا كما في قول امير المؤمنين : والله لودَّ معاوية أنه ما بقي من بني هاشم نافخ ضرمة إلا طعن في بطنه إطفاء لنور الله ، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (288). المسعودي ، مروج الذهب ج 3 ص 19 ، طبعة يوسف اسعد.


في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلَّا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فإنَّ هذا أحبُّ إليَّ وأقرُّ لعيني وأدحض لِحُجَّة أبي تراب وشيعته وأشدُّ عليهم من مناقب عثمان وفضله). فقُرئت كتبه على الناس فرُويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها. حتى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوه ورووها وهم يظنون إنها حق ، ولو علموا إنها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها(1) . وتربى على ذلك الجيل الجديد من المسلمين شرق الارض وغربها الا من رحم ربك.

7. شهادة الحسين عليه‌السلام وظلامته تفتح الطريق لثقافة

مشروع علي عليه‌السلام (61 هـ إلى ظهور المهدي)

اقام الحسينعليه‌السلام سنة 58 هـ قبل موت معاوية بسنتين واقام مؤتمرا فكريا سريا لشيعة عليعليه‌السلام من الصحابة والتابعين وحثهم على العمل خفية لنشر ثقافة مشروع علي في الكوفة والبصرة ، ثم نهض بعد موت معاوية ليعلن عنها ويحث الامة على القيام ضد بني امية واستشهد في سبيل ذلك ، ثم استطاع سليمان بن صرد والمختاران يؤسسا دولة في الكوفة على نهج علي ومن ثم عادت ثقافة مشروع علي في الكوفة وحاول الزبيريون بعد قتل المختار ومن بعدهم الحجاج والي عبد الملك ان يستأصل هذه الثقافة وحملتها من الكوفة فلم يستطيعا وفي عهد عمر بن العزيز وبعده اتيح المجال للإمام الباقر ثم الامام الصادق ان ينهضا بتربية الجيل الجديد من الشيعة على ثقافة مشروع علي من خلال ما لديهم من المواريث النبوية التي كتبها علي بخط يده سرا ثم انطلق المشروع علنا بعد سقوط الامويين وجيء بني العباس وعمل العباسيون على محاصرة الكوفة بصفتها مركزا لنشر ثقافة مشروع علي الاحيائي للسنة وبعد انتهائهم انطلقت بالمشروع الى تحقيق الله وعده بظهور وليه واستقراره فيها ..

__________________

(1) ابن ابي الحديدشرح نهج البلاغة ج 11 ص 45 ـ 46.


8. بقيت الشام بعد شهادة الحسين عليه‌السلام

مركزا لثقافة المشروع الاموي :

بقيت الشام بعد شهادة الحسينعليه‌السلام مركزا لمشروع الثقافة الاموية شعارها الاساس تولي معاوية وعداوة علي حتى بعد سقوط الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية يتضح ذلك من خلال محاولة الامام النسائي (ت 303 هـ) هدايتهم (لما سئل عن سبب تصنيف كتابه الخصائص) في فضائل الامام عليعليه‌السلام قال : (دخلت دمشق والمنحرف بها عن علي كثير ، وصنفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله)(1) . ويبدو ان طابعها العام هذا سوف يعلن عن نفسه زمن السفياني في اخر الزمان حين يبعث بغاراته لغزو الكوفة احياء لامر السفياني الاول ولكنه في هذه المرة تبوء كل محاولاته بالفشل ويأبى الله الا ان يتم نوره ويظهر مشروع علي في احياء الكتاب والسنة على المشاريع كلها ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

__________________

(1)أقول : كان النسائي وفي رواية الرحلة قد خرج من مصر إلى دمشق فسئل عن فضائل معاوية فقال أي شيء أخرّج ما أعرف له من فضيلة إلّا حديث : (اللّهمّ لا تشبع بطنه) فضربوه في الجامع وداسوا في خصييه (حضنيه) حتى اخرج من الجامع ، ثمّ حمل إلى مكة فمات بها سنة 303 هـ ، رواها الذهبي فيتذكرة الحفاظ ، وابن خلكان فيوفيات الأعيان ج 1 ص 77 ، وابن حجر فيتهذيب التهذيب (ج 1 ص 33) : ترجمة النسائي.


الباب الرابع / الفصل الخامس

خلاصة في المقارنة بين مراحل سير مشروعين

ان مشروع علي والحسن والحسينعليهم‌السلام امتداد لمشروع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وكلا المشروعين بعضهما من بعض.

كان مشروع النبي بتكليف الهي لإحياء دين ابراهيمعليه‌السلام الذي تصرفت فيه قريش المشركة بتعديل وتبديل بعد وفاة عبد المطلب.

وكان مشروع علي وولديه الحسنين بتكليف من الله(1) بواسطة رسوله لإحياء سنة

__________________

(1) الفيض الكاشاني ، الوافي ، ج 1 ص 279 عن الكافي محمد والحسين بن محمد عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي عن إسماعيل بن مهران عن أبي جميلة عن معاذ بن كثير عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : إن الوصية نزلت من السماء على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتابا لم ينزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كتاب مختوم إلا الوصية فقال جبرئيلعليه‌السلام يا محمد هذهوصيتك في أمتك عند أهل بيتك وكان عليها خواتيم قال ففتح عليعليه‌السلام الخاتم الأول ومضى لما فيها ثم فتح الحسنعليه‌السلام الخاتم الثاني ومضى لما أمر به فيها فلما توفي الحسنعليه‌السلام ومضى فتح الحسينعليه‌السلام الخاتم الثالث فوجد فيها أن قاتل فأقتل وتقتل واخرج بأقوام للشهادة لا شهادة لهم إلا معك قال ففعلعليه‌السلام فلما مضى دفعها إلى علي بن الحسين قبل ذلك ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها أن اصمت. وأطرق لما حجب العلم فلما توفي ومضى دفعها إلى محمد بن عليعليه‌السلام ففتح الخاتم الخامس فوجد فيها أن فسر كتاب الله وصد أباك. وورث ابنك واصطنع الأمة وقم بحق الله تعالى وقل الحق في الخوف والأمن ولا تخش إلا الله ففعل ثم دفعها إلى الذي يليهالكافي ، ج 1 ص 281 محمد عن أحمد عن السراد عن ابن رئاب عن ضريس الكناسي عن أبي جعفرعليه‌السلام قال : قال له حمران جعلت فداك أرأيت ما كان من


النبي التي تصرفت فيها قريش المسلمة بتعديل وتبديل بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد مر مشروع تبليغ الرسالة على يد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بمراحل سبعة هي هي :

الاولى مرحلة الصدع والاعلان عن المشروع الرسالة.

الثانية مرحلة استضعاف قريش المشركة لمن امن بالرسالة.

الثالثة مرحلة بيعة الانصار للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على النصرة.

الرابعة مرحلة مبادرة قريش بالحرب في بدر واحد ، امتدادها حرب الخندق ودخول طرف اخر هم اليهود في اطراف المدينة.

الخامسة مرحلة الصلح مع قريش لإنهاء الوضع المتشنج في المنطقة والفتح المحدود لمشروع النبوة في مكة ..

السادسة مرحلة غدر قريش ونقضها للعهود.

السابعة مرحلة فتح مكة لمشروع النبي الى الابد.

وكذلك مشروع علي وولديه الحسن والحسينعليهما‌السلام بمراحل سبعة هي :

الاولى مرحلة الصدع والاعلان عن احياء حج التمتع.

الثانية مرحلة استضعاف دولة عثمان لمن ازر عليا على مشروعه الاحيائي للسنة.

الثالثة مرحلة بيعة الانصار على النصرة بعد ان قتلت قريش المنشقة الخليفة عثمان.

الرابعة مرحلة مبادرة قريش المسلمة الحرب ضد عليعليه‌السلام في الجمل وصفين ثم امتدادها الغارات ودخول طرف ثالث وهم الخوارج في اطراف الكوفة (واستشهاد امير المؤمنين وقيام ولده الحسن مكانه).

الخامسة مرحلة صلح الحسنعليه‌السلام مع معاوية لإنهاء الانشقاق والفتح المحدود لمشروع علي في الشام.

السادسة مرحلة نقض العهود من معاوية.

السابعة مرحلة فتح الطريق لمشروع علي في الامة ابد الدهر. وهذا الفتح على

__________________

أمر علي والحسن والحسينعليه‌السلام وخروجهم وقيامهم بدين الله عز وجل وما أصيبوا من قتل الطواغيت إياهم. والظفر بهم حتى قتلوا وغلبوا فقال أبو جعفرعليه‌السلام يا حمران إن الله تبارك وتعالى قد كان قدر ذلك عليهم وقضاه وأمضاه وحتمه ثم أجراه. فبتقدم علم ذلك إليهم من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قام علي والحسن والحسينعليهم‌السلام وبعلم صمت من صمت منا.


مرحلتين الاولى : الفتح الفكري وظهور سنة النبي التي كتبها علي عن النبي في قبال التطويق في المجتمع بالكذبواللعن وقد انتهى الى غير رجعة بسقوط دولة بني امية وظهور كذبها في علي وانطلق الائمة الثمانية من ذرية الحسين ينشرون علم علي ويثقفون شيعته به ، الثانية الفتح المادي لإقامة دولة علي في الدنيا كلها وهي موكولة الى ولده المهدي في اخر الزمان.


جدول مقارن بهذا الخلاصة

مشروع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله الرسالي

مشروع علي وولديه الحسن والحسينعليهم‌السلام

1. الخلفية

بعد وفاة عبد المطلب انتحلت قريش موقع الخلافة السياسية والامامة الدينية لقصي ولقب ال الله الذي اختص به عبد المطلب تكوينيا بعد حفر زمزم وحادثة الفيل ، واقرت العرب لها بذلك ، وابتدعت في دين ابراهيم عبادة الاصنام وسدانتها وبدعة الحمس في الحج واحكامه وحرمة الاتيان بالعمرة في اشهر الحج والطواف بثيابقرشي التي تؤكد الامامة الدينية لقريش ودانت لها العرب بذلك.

بعد وفاة النبي انتحلت قريش المسلمة لقب (خلافة النبي السياسية والامامة الدينية التي خصها القرآن والنبي باهل بيت النبي واولهم علي ، واقرت الانصار لهم بذلك ، وابتدعت في دين محمد بدعا منها تحريم متعة الحج التي امر بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والتمييز بالعطاء وجعل التطليقات الثلاث تحصل بمرة واحدة وتغيير مقام ابراهيم ومنعت من تداول تفسير القرآن والاحاديث التبوية التي تؤسس الخلافة السياسية والامامة الدينية لأهل بيته وفسح المجال لنشر قصص ومواعظ التوراة المحرفة التي نهى عنها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وفتحت البلدان وتربى مسلمة الفتوح على ذلك.

2. الهدف

بعث الله نبيه محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله سنة 13 ق. هـ لإحياء توحيد ابراهيم وتحرير بيته من الاصنام ودينه منبدعة الحمس التي ابتدعتها قريش المشركة في الحج واحكامه وحرمة الاتيانبالعمرة في اشهر الحج وغير ذلك بعد وفاة عبد المطلب وتبليغ القرآن الذي اسس الامامة الدينية لاهل بيت النبيونشر احاديث النبي التي اسست الخلافة السياسية لعلي فضلا عن امامته الدينية.

نهض علي بوصية من النبي في ذي القعدة سنة 27 هـ زمن الخليفة عثمان لإحياء حج التمتع ونشر احاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله التي تؤسسلإمامة اهل بيته ، كحديث الثقلين وحديث الغدير وحديث السفينة وحديث المنزلة وحديث الكساء وغيرها مما كانت الخلافة القرشية قد منعت من نشرها وتداولها علنا بعد وفاة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

3. مراحل السير

المرحلة الاولى

المرحلة السرية لإعداد الكادر الذي يحمي النبي عند اعلان المشروع في مكة وهم بنو هاشم.

المرحلة السرية لإعداد الكادر وهم الصحابة المخلصون الذي اعدهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعلي وقد عرفوا زمن النبي بشيعة علي كابي ذر وعمار ونظرائهم.


المرحلة الثانية

اعلان المشروع في المجتمع واستضعاف بني هاشم والمسلمين.

اعلان المشروع في المجتمع ونفي ابي ذر الى الشام ثم الى الربذة ، ونفي غيره وضرب عمار وغيره.

المرحلة الثالثة

البيعة والنصرة والهجرة الى المدينة.

البيعة والنصرة والهجرة الى العراق.

المرحلة الرابعة

فرضت قريش المشركة على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد بيعة اهل المدينة له حربين ظالمتين ، الاولى في بدر وكان النصر فيها للنبي ، الثانية في احد وقد خسر النصر فيها بسبب معصية نفر من اصحابه لأمره حين تركوامواقعهم طمعا في الغنيمة. افرزت الحربان اعلاما كاذبا من قريش طوقت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بتهمة انتهاك حرمة البيت الحرام والاعتداءعلى القوافل التجارية الامنة لقريش وسفك الدم الحرام في الشهر الحرام.

استطاعت قريش المشركة بقيادة ابي سفيان ان تحشد عشرة الاف مقاتل / الاحزاب / قصدوا المدينة لارعاب اهلها ليتخلوا عن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وصمد اهل المدينة وهزمت الاحزاب شر هزيمة وعلها الله تعالى للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله اية وازدادت ثقة المسلمين به.

فرضت قريش المسلمة على عليعليه‌السلام بعد بيعة اهل المدينة له حربين ظالمتين الاولى في البصرة وكان النصر المؤزر فيها له ، الثانية في صفين وقد خسر النصر فيها بسبب معصية قسم من جيشه لأمره في استمرار القتال حين رفع معاوية المصاحف وطلب توقيف القتال.

افرزت الحربان اعلاما امويا كاذبا طوَّق عليا بتهمة طلب الملك بتلك الحربين وانه اوى قتلة عثمان واستعان بهم وانه افسد في الدين.

استطاعت قريش المسلمة بقيادة معاوية بن ابي سفيان ان يحول جيش الشام الى سرايا تغيرعلى اطراف علي لتنهب وتقتل لارعاب شيعة علي ليتخلوا عنه كما استطاعت ان تقتطع مصر عن عليعليه‌السلام وصمد اهل العراق مع عليعليه‌السلام .

وخرج الخوارجعلى علي وانتصر عليهم في النهروان وجعلها الله تعالى اية له وازدادت بصيرة اصحابه به.


المرحلة الخامسة الصلح

كانت القبائل العربية في الجزيرة قد تعاقدت مع هاشم على تامين قوافل قريش بصفتهم سكان البيت الحرام ثم شهدت قصة الفيل وصدقت اعلام قريش بعد عبد المطلب انها ال الله ، ثم تابع اغلبها قريشا على بدعة الحمس وما احدثته في احكام الحج واهمها الطواف بثياب قرشي مما يدل على طهارته وقربه من الله وبظهور النبي وحرب بدر واحد نجحت في عزل هذه القبائل عن التاثر بمحمد بكونه قد انتهك حرمة البيت واعتدى على قريش ومن ثم وجب معاونتها في قتاله وكانت حرب الاحزاب كل ذلك ادى الى تحجيم مشروعه التبليغي في المدينة وما حولها.

كان اهل الشام بصفتهم مسلمة الفتوح يعتقدون ان معاوية وسلفه الخلفاء ورثة النبوة وانهم حملوا راية الاسلام للشعوب ودانت هذه الشعوب بسيرة الشيخين ثم تولت عثمان الذي التزم سيرة الشيخين ، ثم جاء الاعلام الاموي ضد علي وعبأهم ضده وعزلهم عن الاختلاط باهل العراق بالحروب ، وبعد شهادة علي بايع اهل الشام معاوية على نهج عثمان وبذلك صار معاوية وارثا لخط الخلافة القرشية التي ورثت النبوة في قبال مشروع عليعليه‌السلام الذي عرضه الاعلام الاموي انه مفسد في الدين قد اوى قتلة عثمان ليستعين بهم في تحقيق الملك الذي يطلبه ومن ثم وجب قتاله ، ما ادى الى تحجيم مشروعه التبليغي في العراق والبلاد التابعة له مثل مكة اليمن وايران.

استشهد عليعليه‌السلام وهو يجهز اصحابه لقتال اهل الشام لو وضع حد لغاراتهم بايع اهل العراق الحسن على الكتاب والسنة على نهج ابيه وبايع اهل الشام معاوية على العمل بسيرة الشيخين على نهج عثمان وبادر معاوية يطلب الصلح من الحسن ان يبقى كل على بلده الذي بايعه وحقن الدماء ليؤكد المكاسب التي حققها في الشام ويأخذ نفسه ليعيد الكرة فيما بعد للإجهاز على تجربة علي.


ان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ازاء هذا المعتقد والتعبئة والتطويق للقبائل لصيانتها من التأثر بمشروعه الالهي كان لابد له من عمل يقوم به يؤدي كسر الطوق عن القبائل وفضح قريش لديها بانها هي المعتدية وان محمداصلى‌الله‌عليه‌وآله يعظم البيت ويطلب السلم وانه نبي قد بعث لإحياء دين ابراهيم وتحرير الحج من بدع قريش.

ولا يوجد الا عمل واحد يحقق له ذلك وهو المبادرة بالعمرة في اشهرالحج حيث تتوافد القبائل نحو مكة للحج ، وتلبس محمد واصحابه بالإحرام يعني ان محمدا ومن معه جاءوا مسالمين ، كما ان سرق الهدي معهم يفرض ان يكون النحر في مكة وهو يستلزم الصلح مع اهل مكة لانها دارهم.

وهذه المبادرة تفضح قريشا المشركة وعلى راسها ابو سفيان عند حلفائها وتظهر حقانية محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله سواء وافقت على الصلح وسمحت لمحمد ان يؤدي نسكه او رفضت الصلح ورفضت ان يدخل النبي مكة ليؤدي مناسكه

ان الحسنعليه‌السلام ازاء مبادرة معاوية في الصلح التي تكرس الانشقاق وتحافظ على جهل اهل الشام بحقيقة الخلافة القرشية وبحقيقة نهضة علي ، لابد له من مبادرة في قبالها تؤدي الى معالجة الانشقاق وتفضح معاوية لدى اهل الشام وتكشف عن حقانية علي وظلامته وامامته الالهية بعد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وان سيرته هي عين سيرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وان الخلفاء الذين استند اليهم معاوية كانوا قد منعوا نشر سنة النبي والعمل بها وان عليا قد احياها بنهضته.

ولا توجد الا صياغة واحدة تحقق للحسن ذلك وهي ان يبادر الحسن بالتنازل المشروط عن ملك العراق لمعاوية لتكون الامة واحدة ويختلط اهل العراق باهل الشام من موقع المحبة والاحترام ، لان هذه الصيغة سوف تكشف رغبة متناهية عند الحسن في تحقيق الصلح ومعالجة الانشقاق حين قدم اختيار اهل الشام على اختبار اهل العراق وحين ربط الحكم والشروط بالكتاب والسنة فقط وحين وافق اهل العراق على صياغة امامهم.

وهذه المبادرة الحسنية تفضح قريشا الاموية وعلى راسها معاوية بن ابي سفيان عند اهل الشام ، وتظهر حقانية علي ، فهو ان رفضها صار ملوما عند اصحابه وعرفوا انه لم يكن جديا في عرضه الصلح على الحسن وانه مصر على الحرب ، وان وافق عليها فانه سوف يفتضح حين يختلط اهل الشام باهل العراق ويسمعون الحقيقة من اصحاب النبي فيه وفي علي وفي الخلفاء.


وافقت قريش على الصلح واشترطت متعسفة ان يرجع محمد تلك السنة ، ووافق محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على شروطها التعسفية وكشف لحلفاء قريش انه مصر على تحقيق الصلح والامان ، وتحقق لحلفائها انها كانت تكذب عليهم في محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وانه نبي حق ودعوته حق تدعو كل عاقل الى تصديقه. وازداد عدد المسلمين الى اضعاف / الفتح المبين.

وافق معاوية على اطروحة الحسن وعرف اهل الشام الحقيقة في معاوية وفي علي. ان معاوية يطلب الملك بدليل موافقته عليه بشرط الامن لمن ادعى فيهم انهم قتلة عثمان ، وان عليا لم يكن طالب ملك بدليل انه رفضه لما عرض عليه بشروط تخالف سنة النبي وعرفوا لما انتشرت فيه احاديث النبي في حق علي انه الامام الهادي بعده وان قد لعنه النبي ولعن اباه ، وعرفوا وان عليا احيا السنة ولم يفسد في دين محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وان الخلفاء قد اخطأوا في سيرتهم وان عليا كان محقا في حروبه الثلاثة وانتشرت احاديث النبي فيه وفيه معاوية في الشام كلها وهو الفتح المبين لعلي في الشام.

المرحلة السادسة : الغدر

المبين

نقضت قريش عهودها مع النبي بععد سنتين ونصرت قبيلة بكر من حلفائها على خزاعة من حلفاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله . وسفكت الدم الحرام.

نقض معاية عهوده مع الحسن بعد عشر سنوات وغدر به حي دس له السم وحين اعاد الاعلام الكاذب في علي ومنه من ذكر احاديث النبي فيه ووضع احاديث في ذمه لتسوِّغ لعنه والبراءة منه ووضع احاديث في مدح بني امية لتسوغ ولايتهم ، وعاقب اهل العراق على ولائهم لعلي ومحبته لهم عقوبة لم يجر مثيلها في تاريخ الاسلام ثم عين ولده يزيد خليفة من بعده واخذ البيعة بالقهر والقوة.

المرحلة السابعة : الفتح ابد الدهر

فتح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مكة الى الابد لمشروعه حين دخل مكة فاتحا وحرر بيت ابراهيم من الاصنام ومن بدعة الحمس ليعلن فيها التوحيد والشهادة لمحمد بالرسالة ابد الدهر وخلف من بعده في امته الكتاب والعترة لا يفترقان ابد الدهر من تمسك بهما عصم من الضلالة.

فتح الحسينعليه‌السلام الطريق الى امامة عليعليه‌السلام في الامة الى الابد بنهضته وشهادته واهل بيته واصحابه حين فتح الطريق للثورة على الامويين سقوطهم بعد سبعين سنة وسقطت بسقوطهم سياسة لعن عليعليه‌السلام واستقرت احاديث النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيه في المجتمع وانطلق مشروعه الاحيائي لسنة النبي وخلف فيهم التسعة من ذريته من اخذ عنهم هدي وعصم من الضلالة.


مقتطفات من الزيارة الجامعة الكبيرة :

[السَّلامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَمَوْضِعَ الرِّسالَةِ وَمُخْتَلَفِ المَلائِكَةِ وَمَهْبِطَ الوَحْي وَمَعْدِنَ الرَّحْمَةِ وَخُزَّانَ العِلْمِ وَمُنْتَهى الحِلْمِ وَأُصُولَ الكَرَمِ وَقادَةَ الاُمَمِ وَأَوْلِياءِ النِّعَمِ وَعَناصِرَ الاَبْرارِ وَدَعائِمَ الاَخْيارِ وَساسَةَ العِبادِ وَأَرْكانَ البِلادِ وَأَبْوابَ الإيْمانِ وَاُمَناءَ الرَّحْمنِ وَسُلالَةَ النَّبِيِّينَ وَصَفْوَةَ المُرْسَلِينَ وَعُتْرَةَ خِيرَةِ رَبِّ العالَمِينَ.

وَأَشْهَدُ أَنَّكُمْ الأَئِمَّةِ الرَّاشِدُونَ المَهْدِيُّونَ المَعْصُومُونَ المُكَرَّمُونَ المُقَرَّبُونَ المُتَّقُونَ الصَّادِقُونَ المُصْطَفَوْنَ المُطِيعُونَ للهِ القَوَّامُونَ بِأَمْرِهِ العامِلُونَ بِإِرادَتِهِ الفائِزُونَ بِكَرامَتِهِ ، اصْطَفاكُمْ بِعِلْمِهِ وَارْتَضاكُمْ لِغَيْبِهِ وَاخْتارَكُمْ لِسِرِّهِ وَاجْتَباكُمْ بِقُدْرَتِهِ وَأَعَزَّكُمْ بِهُداهُ وَخَصَّكُمْ بِبُرْهانِهِ وَانْتَجَبَكُمْ لِنُورِهِ وَأَيَّدَكُمْ بِرُوحِهِ ، وَرَضِيَكُمْ خُلَفاءً فِي أَرْضِهِ وَحُجَجاً عَلى بَرِيَّتِهِ وَأَنْصاراً لِدِينِهِ وَحَفَظَةً لِسِرِّهِ وَخَزَنَةً لِعِلْمِهِ وَمُسْتَوْدَعاً لِحِكْمَتِهِ وَتَراجِمَةً لِوَحْيِهِ وَأرْكاناً لِتَوْحِيدِهِ وَشُّهَداء عَلى خَلْقِهِ وَأَعْلاماً لِعِبادِهِ وَمَناراً فِي بِلادِهِ وَأدِلاَءً عَلى صِراطِهِ ، عَصَمَكُمْ الله مِنَ الزَّلَلِ وَآمَنَكُمْ مِنَ الفِتَنِ وَطَهَّرَكُمْ مِنَ الدَّنَسِ وَأَذْهَبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَكُمْ تَطْهِيراً ،

فَعَظَّمْتُمْ جَلالَهُ وَأَكْبَرْتُمْ شَأْنَهُ وَمَجَّدْتُمْ كَرَمَهُ وَأَدَمْتُمْ ذِكْرَهُ وَوَكَّدْتُمْ مِيثاقَهُ وَأَحْكَمْتُمْ عَقْدَ طاعَتِهِ وَنَصَحْتُمْ لَهُ فِي السِّرِّ وَالعَلانِيَّةِ وَدَعَوْتُمْ إِلى سَبِيلِهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَبَذَلْتُمْ أَنْفُسَكُمْ فِي مَرْضاتِهِ وَصَبَرْتُمْ عَلى ما أَصابَكُمْ فِي جَنْبِهِ ، وَأَقَمْتُمْ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكاةَ وَأَمَرْتُمْ بِالمَعْرُوفِ وَنَهَيْتُمْ عَنِ المُنْكَرِ وَجاهَدْتُمْ فِي الله حَقَّ جِهادِهِ ، حَتّى أَعْلَنْتُمْ دَعْوَتَهُ وَبَيَّنْتُمْ فَرائِضَهُ وَأَقَمْتُمْ حُدُودَهُ وَنَشَرْتُمْ شَرائِعَ أَحْكامِهِ وَسَنَنْتُمْ سُنَّتَهُ وَصِرْتُمْ فِي ذلِكَ مِنْهُ إِلى الرُّضا وَسَلَّمْتُمْ لَهُ القَضاء وَصَدَّقْتُمْ مِنْ رُسُلِهِ مَنْ مَضى ؛

فَالرَّاغِبُ عَنْكُمْ مارِقٌ وَاللازِمُ لَكُمْ لاحِقٌ وَالمُقَصِّرُ فِي حَقِّكُمْ زاهِقٌ وَالحَقُّ مَعكُمْ وَفِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَإِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ وَمَعْدِنُهُ ،

مَنْ وَالاكُمْ فَقَدْ وَالى الله وَمَنْ عاداكُمْ فَقَدْ عادى الله وَمَنْ أَحَبَّكُمْ فَقَدْ أَحَبَّ الله وَمَنْ أَبْغَضَكُمْ فَقَدْ أَبْغَضَ الله وَمَنْ اعْتَصَمَ بِكُمْ فَقَدْ اعْتَصَمَ بِاللهِ ، أَنْتُمُ الصِّراطُ الاَقْوَمُ وَشُهَداءُ دارِ الفَناءِ وَشُفَعاءُ دارِ البَقاءِ وَالرَّحْمَةُ المَوْصُولَةُ وَالايَةُ المَخْزُونَةُ وَالاَمانَةُ المَحْفُوظَةُ


وَالبابُ المُبْتَلى بِهِ النَّاسُ ،

مَنْ أَتاكُمْ نَجا وَمَنْ لَمْ يَأْتِكُمْ هَلَكَ إِلى الله تَدْعُونَ وَعَلَيْهِ تُدُلُّونَ وَبِهِ تُؤْمِنُونَ وَلَهُ تُسَلِّمُونَ وَبِأَمْرِهِ تَعْمَلُونَ وَإِلى سَبِيلِهِ تُرْشِدُونَ وَبِقَوْلِهِ تَحْكُمُونَ ، سَعَدَ مَنْ وَالاكُمْ وَهَلَكَ مَنْ عاداكُمْ وَخابَ مَنْ جَحَدَكُمْ وَضَلَّ مَنْ فارَقَكُمْ وَفازَ مَنْ تَمَسَّكَ بِكُمْ وَأمِنَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْكُمْ وَسَلِمَ مَنْ صَدَّقَكُمْ وَهُدِيَ مَنْ اعْتَصَمَ بِكُمْ.

مَنِ اتَّبَعَكُمْ فَالجَنَّةُ مَأْواهُ وَمَنْ خالَفَكُمْ فَالنَّارُ مَثْواهُ ،

أَشْهَدُ أَنَّ هذا سابِقٌ لَكُمْ فِيما مَضى وَجارٍ لَكُمْ فِيما بَقِيَ وَأَنَّ أَرْواحَكُمْ وَنُورَكُمْ وَطِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ طابَتْ وَطَهُرَتْ بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ.


خاتمة الكتاب

ابتدأت بتوفيق الله بهذا البحث في اليوم الاول من شهر رمضان سنة 1410 هـ وانا في سن السادسة والاربعين من عمري وفي ارض المهجر / قم عش ال محمد(1) صلى‌الله‌عليه‌وآله / والقيت اول محاضرة في نتائجه ليلة الخامس عشرمنه بمناسبة ولادة الامام الحسنعليه‌السلام في حينية اهل البيتعليهم‌السلام التي كان يصلي فيها الشهيد الشيخ مهدي العطاررحمه‌الله في مدينة قم المشرفة بدعوة من جماعة العلماء العراقية التي تأسست آنذاك ، والقيت اخر محاضرتين فيه في الليلة الرابعة والليلة الخامسة منه سنة 1433 هـ في مجمع البحوث العقائدية بقم المشرفة بدعوة من رئيسه الشيخ محمد الحسون حفظه الله ، ثم تمت كتابة الفصل السادس من الباب الرابع بجوار ثامن الائمة وشبيه زكريا في / محنته الامام ابن الحسن علي الرضاعليه‌السلام بطوس / ، ثم تمت كتابة الفصل الثامن من الباب الثالث في مدينة قم المشرفة ، ثم انتهيت من مراجعته النهاية في التاسع والعشرين من شوال في قم المشرفة بجوار السيدة فاطمة اخت الرضاعليه‌السلام وقد نيفت على الثامنة والستين (اللهم عمرني ما كان عمري بذلة في طاعتك فان كان عمري مرتعا للشيطان فاقبضني اليك قبل ان يسبق مقتك الي او يستحكم غضبك عليّ).

لقد كان ملف هذا البحث مفتوحا خلال ثلاث وعشرين سنة وبخاصة في مناسبات ولادة الامام الحسنعليه‌السلام ووفاته جمعا لمادته ومراجعة لأفكاره وحوارا بنتائجه واهتماما بجواب الاعتراضات على الكشف التاريخي الجديد والقراءة الجديدة للصلح التي خرج بها ولا زلت اشعر ان البحث يحتاج الى تنظيم اكثر وعمل اوسع وبخاصة الفصول الثلاثة

__________________

(1) وكان ذلك بعد سبعة عشر عاما من خروجي من العراق سنة 1973 م سرا وخوفا من بطش النظام الصدامي بعد ان انجاني الله من جلاوزته حين اقتحموا بيتي عنوة وكنت آنذاك خارجه.


والاخيرة من الباب الثالث وتنظيم اكثر لخلاصات البحث ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله ارجو ان يجعله ربي في صحيفة عملي وقد خدمت به سادتي وائمتي اهل بيت النبوة الذين عرفت بهم الفقرات اعلاه من زيارة الجامعة ،

اللهم اني اسالك بحق ظلاماتهم ان تجعلني سعيدا بهم في الدنيا ونيل شفاعتهم يوم الورود عليك انك سميع مجيب.

وانا عُبَيدك الفقير المحتاج الى رحمتك

سامي البدري

قم عش آل محمد

29 / شوال / 1433 هـ


فهرس المصادر

1. القرآن الكريم.

2. نهج البلاغة ، جمع الشريف الرضي ، تحقيق الشيخ محمد عبده ، دار الذخائر ـ قم 1412 هـ

3. الصحيفة السجادية.

ابن ابي الحديد المعتزلي :

4. شرح نهج البلاغة ، دار احياء الكتب العربية 1959 م. ابن الاثير ، اسد الغابة ، دار احياء التراث العربي بيروت.

ابن الاثير ، عزّ الدّين ابن الاثير الجزري :

5. الكامل في التاريخ ، دار صادر بيروت 1966 م.

6. جامع الاصول ، مكتبةالحلواني ـ مطبعة الملاح ـ مكتبة دار البيان 1972 م.

7. ـ ابن الجعد ، علي :

8. مسند ابن الجعد تحقيق رواية وجمع أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي (ت 317) ومراجعة وتعليق وفهرسة الشيخ عامر أحمد حيدر ، 1417 هـ ـ 1996 م.

ابن الجوزي ، أبي الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي ت 597 هـ :

9. زاد المسير في علم التفسير ، دار الفكر 1407 هـ

ابن الشِّخنَة ، احمد بن محمد لسان الدين الثقفي (ت 882 هـ) :

10. روضة المناظر في علم الأوائل والأواخر.

ابن الصباغ المالكي :

11. الفصول المهمة في معرفة الأئمّة ، تحقيق سامي الغريري دار الحديث للطباعة والنشر 1422 هـ

ابن العجمي ، برهان الدين الحلبي (ت 841 هـ) :

12. الكشف الحثيث عمن رمي بوضع الحديث ، حققه وعلق عليه صبحي السامرائي ، عالم الكتب مكتبة النهضة العربية 1407 هـ 1987 م.

ابن العديم :

13. بغيةالطلب في تاريخ حلب ، تحقيق الدكتور سهيل زكار ، مؤسسة البلاغ ـ بيروت 1408 هـ

ابن المهنا :

14. عمدة الطالب في انساب آل ابي طالب ، طبعة لكهنو.

ابن النديم ، أبو الفرج محمد بن أبي يعقوب اسحق المعروف بالوراق :

15. الفهرست ، تحقيق رضا تجدد.

ابن تيمية ، الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفي : 728 هـ) :

16. منهاج السنة ، تحقيق محمد رشاد سالم ، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1406 هـ ـ 1986 م.

ابننحبان ، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي :

17. الثقات ، دائرة المعارف العثمانية 1393 هـ

18. المجروحين ، تتحقيق محمود ابراهيم زايد ، دار الوعي حلب ، 1396 هـ


19. صحيح ابن حبان ، تحقيق شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة 1993 م.

ابن حجر ، شهاب الدين العسقلاني ،

20. الاصابة ، دار الكتب العلمية بيروت 1415 هـ.

21. تهذيب التهذيب ، دار الفكر بيروت 1984 م.

22. فتح الباري ، دار احياء التراث العربي بيروت.

23. لسان الميزان ، مؤسسةالأعلمي للمطبوعات بيروت 1971 م 1390 هـ

ابن حزم ، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد :

24. المحلى ، تحقيق احمد محمود شاكر ، دار الفكر بيروت.

ابن حمدون :

25. التذكرة الحمدونية ، تحقيق احسان عبّاس وبكر عبّاس ، دار صادر للطباعة والنشر 1996 م ، ج 9 ص 294.

ابن خلدون ، عبد الرحمن :

26. تاريخ ابن خلدون (ت 808) ، دار احياء التراث العربي بيروت.

ابن خلطان :

27. وفيات الاعيان ، تحقيق إحسان عباس ، دار الثقافة بيروت.

ابن سعد ، محمد :

28. ترجمة الإمام الحسن (ع) (من طبقات ابن سعد) ، تهذيب وتحقيق السيد عبد العزيز الطباطبائي ، مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث ـ قم 1416 هـ

ابن سعد ، محمد :

29. الطبقات الكبرى ، دار صادر بيروت.

ابن سيد الناس ، محمد بن عبد الله بن يحيى :

30. عيون الاثر في فنون المغازي والشمائل والسير ، مؤسسة عز الدين بيروت 1406 ـ 1986 م.

ابن طيفور :

31. بلاغات النساء ، بصيرتي قم.

ابن عبد البر :

32. الاستيعاب ، دار الجيل بيروت 1992.

33. جامع بيان العلم وفضله ، دار الكتب العلمية بيروت 1398 هـ

ابن عبد ربه الاندلسي :

34. العقد الفريد ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1404.

ابن عدي ، أبي أحمد عبد الله الجرجاني :

35. الكامل في لضعفاء الرجال ، دار الفكر بيروت 1988 م.

ابن عساكر :

36. تاريخ مدينة دمشق ، دار الفكر بيروت 1415 هـ.

ابن كثير ، أبو الفداء إسماعيل بن عمر القرشيالبصريثم الدمشقي (المتوفى : 774 هـ) :

37. البداية والنهاية ، دار إحياء التراث العربي بيروت 1988 م.

38. تفسير القران العظيم ، تقديم يوسف عبد الرحمن المرعشلي ، دار المعرفة بيروت 1992 م.


39. جامع المسانيد والسُّنَن الهادي لأقوم سَنَن ، تحقيق د عبد الملك بن عبد الله الدهيش ، دار خضر للطباعة والنشر والتووزيع بيروت 1419 هـ ـ 1998 م.

ابن ماجة :

40. سنن ابن ماجة ، دار الفكر بيروت.

ابن مسكويه :

41. تجارب الامم ، دار سروش للطباعة طهرن 2001 م.

ابن معين ، عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280 هـ) :

42. تاريخ ابن معين ، دار المأمون للتراث دمشق.

ابن منظور ، أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الإفريقي المصري :

43. لسان العرب ، نشر ادب الحوزة 1405 هـ

أبو بكر بن أبي عاصم الشيباني (المتوفي : 287 هـ) :

44. السنة لابي عاصم ، تحقيق محمد ناصر الدين الألباني ، المكتب الإسلامي ـ بيروت الطبعة : الأولى ، 1400.

ابو الفداء :

45. المختصر في اخبار البشر ـ تاريخ أبي الفداء ، دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت.

ابو نعيم :

46. حلية الاولياء وطبقات الاصفياء ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ، بيروت.

احمد بن حنبل :

47. العلل ومعرفة الرجال تحقيق : الدكتور وصي الله بن محمود عباس ، دار الخاني الرياض 1408 هـ

48. مسند احمد ، دار صادر بيروت.

أحمد زكي صفوت :

49. جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة ، مطبعة المصطفى البابي الحلبي وأولاده ط 1 ، 1352 هـ / 1923 م.

الإربلي ، ابن أبي الفتح :

50. كشف الغمة ، دار الاضواء بيروت 1985 م.

إسحاق بن راهويه :

51. مسند ابن راهويه ، تحقيق الدكتور عبد الغفور عبد الحق حسين برد البلوسي ، مكتبة الإيمان ـ المدينة المنورة 1412.

الاسفهاني ، ابو الفرج :

52. الاغاني ، دار احياء التراث العربي.

الأصفهاني ، ابو الفرج :

53. مقاتل الطالبيين ، المكتبة الحيدرية النجف 1965 م.

آل ياسين ، الشيخ راضي :

54. صلح الحسن (ع) ، الطبعة الثالثة بيروت.


الآلوسي ، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني (ت 1270 هـ) :

55. روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، تحقيق علي عبد الباري عطية ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1415 هـ.

الامام الشافعي ، أبي عبد الله محمد بن إدريس :

56. المسند ، دار الكتب العلمية.

الاميني :

57. الغدير ، دار الكتاب العربي 1977 م.

الأندلسي ، أبو حيان محمد بن يوسف ت 745 :

58. تفسير البحر المحيط ، دار الكتب العلمية بيروت 1422 ـ 2001 م.

الباعوني الشافعي ، احمد بن علي الدمشقي :

59. جواهر المطالب في فضائل الامام علي (ع) ، دانش قم 1415 هـ

البخاري ، ابن عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة بن بردزبة :

60. الأدب المفرد ، مؤسسة الكتب الثقافية بيروت 1986 م.

61. التاريخ الكبير ، المكتبة الإسلامية ـ ديار بكر ـ تركيا.

62. صحيح البخاري ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 1401 هـ ـ 1981 م.

البدري ، السيد سامي بن جابر بن عباس :

63. الامام الحسين (ع) في مواجهة الضلال الاموي ، دار الفقه قم 1430 هـ ـ 2009 م.

64. السيرة النبوية تدوين مختصر دار الفقه قم 1426 هـ

65. شبهات وردود ، دار الفقه قم 1422 هـ

66. المدخل الى دراسة مصادر السيرة النبوية والتاريخ الاسلامي

البراقي النجفي ، حسين ابن السيد أحمد (ت 1332 هـ) :

67. تاريخ الكوفة ، تحقيق ماجد بن أحمد العطية ، شريعت قم 1424 هـ.

البرقي ، أبي جعفر أحمد بن محمد بن خالد :

68. المحاسن ، دار الكتب الإسلامية ـ طهران ، 1370 ـ 1330 ش.

البزار ، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق :

69. مسند البزار ، مكتبة العلوم والحكم ـ المدينة المنورة ، 1988 م الى 2009 م.

بشير المحمدي :

70. مسند زرارة.

البلاذري :

71. انساب الاشراف ، دار المعارف مصر.

72. فتوح البلدان ، مكتبة النهضة المصرية 1956 م.

البوصيري ، للحافظ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل :

73. إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ، موافق لطبعة دار الوطن 1420 هـ ـ 1999 م.

البيشوائي ، مهدي :

74. سيرة الائمة ، ترجمه من الفارسية الى العربية حسين الواسطي 1423 هجرية.


البيهقي ، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني ، أبو بكر (ت 458 هـ) :

75. السنن الصغرى ، مكتبة الرشد الرياض 1422 هـ ـ 2001 م.

76. السنن الكبرى ، دار الفكر.

77. سنن البيهقي.

78. معرفة السنن والاثار ، تحقيق سيد كسروي حسن ، الناشر : دار الكتب العلمية.

الترمذي :

79. سنن الترمذي ، تحقيق وتصحيح : عبد الوهاب عبد اللطيف ، دار الفكر بيروت 1983 م.

80. الثقفي ، ابراهيم بن محمد ، الغارات ، السيد جلال الدين الحسيني الأرموي المحدث.

الجاحظ :

81. البيان والتبيين ، المكتبة التجارية الكبرى 1926 م.

الجرجاني ، أبو القاسم حمزة بن يوسف بن إبراهيم السهمي القرشي :

82. سؤالات حمزة بن يوسف السهمي (ت 427 هـ) ، تحقيق موفق بن عبد الله بن عبد القادر ، مكتبة المعارف ـ الرياض 1404 هـ ـ 1984 م.

جرهارد كونسلمان :

83. سطوع نجم الشيعة ، ترجمه من الالمانية محمد ابو رحمة ، طبع مكتبة مدبولي القاهرةط 2 : 1414 هـ 1993 م.

الجوهري البصري ، أبو بكر أحمد بن عبد العزيز :

84. السقيفة ، شركة الكتبي 1993 م.

الحاكم النيسابوري :

85. المستدرك على الصحيحين ، تحقيق المرعشلي.

الحائري ، السيد كاظم :

86. القيادة الاسلامية.

حتي ، فليب :

87. العرب تاريخ موجز :

الحر العاملي ، الشيخ محمد بن الحسن :

88. وسائل الشيعة ، تحقيق الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي ، دار احياء التراث العربي بيروت ـ لبنان 1983 م.

الحراني ، ابن شعبة :

89. تحف العقول ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

90. 1414 هـ

الحربي ، إبراهيم بن إسحاق :

91. غريب الحديث ، دار المدينة للطباعة والنشر والتوزيع جدة 1405 هـ

الحسكاني :

92. شواهد التنزيل ، تحقيق محمد باقر المحمودي ، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ـ مجمع إحياء الثقافة الإسلامية 1990 م.


حسين عطوان :

93. رواية الشاميين للمغازي والسير في القرنين الأول والثاني الهجري ، ط / 1986.

الحموي ، ياقوت :

94. معجم البلدان ، دار احياء التراث 1979 م.

95. معجم الأدباء ، دار الفكر بيروت 1400 هـ 1980 م.

الحميدي ، عبد الله بن الزبير :

96. مسند الحميدي ، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ، دار الكتب العلمية ـ بيروت 1409 ـ 1988 م.

97. الحميري ، محمد بن عبد المنعم :

98. الروض المعطار في خبر الاقطار ، تحقيق الدكتور إحسان عباس ، مكتبة لبنان 1984 م.

الشيخ وحيد الخراساني :

99. منهاج الصالحين.

الخربوطلي :

100. العراق في ظل الحكم الاموي ، دار المعارف ، 1959 م.

الخرسان ، السيد محمد مهدي :

101. موسوعة عبد الله بن عباس ، مركز الأبحاث العقائدية 2000 م.

الخضري ، الشيخ محمد :

102. الدولة الاموية ، دار المعرفة للطباعة والنشر 2005.

الخطيب البغدادي ، احمد بن علي بن ثابت :

103. تقييد العلم ، تحقيق يوسف العش ، دار إحياء السنة النبوية.

104. الخطيب البغدادي ، تاريخ بغداد ، دار الكتب العلمية 1997 م.

خليفة بن خياط :

105. تاريخ خليفة بن خياط ، تحقيق د. سهيل زكار ، دار الفكر بيروت.

خماش ، نجدت :

106. الإدارة في العصر الأموي ، ط 1 ، دار الفكر دمشق 1980 م.

الخوارزمي :

107. المناقب ، تحقيق الشيخ مالك المحمودي ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1414 هـ.

الخوئي ، السيد ابو القاسم الموسوي :

108. معجم رجال الحديث ، سنة الطبع : 1413 هـ ـ 1992 م.

الخيرة ، رمزية عبد الوهاب :

109. إدارة العراق في صدر الإسلام ، دار الحرية للطباعة والنشر ، بغداد ، 1978 م.

الدارمي :

110. سنن الدارمي ، الاعتدال دمشق 1349 هـ.

الدميري :

111. حياة الحيوان الكبرى ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1424 هـ.


الدينوري ، ابن قتيبة ، أبي محمد عبد الله بن مسلم :

112. الامامة والسياسة ، الشريف الرضي قم 1413.

113. عيون الاخبار ، دار الكتب العلمية 2003 م.

114. الشعر والشعراء ، تحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر ، دار الحديث القاهرة 1427 هـ ـ 2006 م.

115. المعارف ، الناشر دار المعارف بمصر 1969 م.

الدينوري ، أحمد بن داوود :

116. الاخبار الطوال ، دار احياء الكتب العربي القاهرة 1960 م.

الذهبي ، شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد ت 748 :

117. تاريخ الاسلام ، تحقيق د. عمر السلام تدمري ، دار الكتاب العربي بيروت 1987.

118. تذكرة الحفاظ ، دار الكتب العلمية بيروت 1998 م.

119. سير أعلام النبلاء ، مؤسسة الرسالة 1993 م.

120. الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة ، تقديم وتعليق محمد عوامة ، (دار القبلة للثقافة الاسلامية ـ جدة) ، (مؤسسة علوم القرآن ـ جدة) 1413 ـ 1992.

121. ميزان الاعتدال ، تحقيق علي محمد البجاوي ، دار المعرفة بيروت 1963 م.

122. المغني ، تحقيق ابي الزهراء حازم القاضي الضعفاء ، دار الكتب العلمية بيروت 1997 م.

الرازي ، أبي محمد بن عبد الرحمن بن أبي حاتم التميمي الحنظلي :

123. الجرح والتعديل ، دار إحياء التراث العربي بيروت 1952 م.

الراوندي ، قطب الدين :

124. الخرائج والجرائج ، مؤسسة الامام المهدي (ع) المطبعة العلمية قم 1409 هـ :

الراوي ، ثابت اسماعيل :

125. العراق في العصر الاموي ، مطبعة النعمان ، ط 2 ، بغداد 1970 م.

الزبير بن بكار :

126. جمهرة نسب قريش وأخبارها.

الزمخشري :

127. ربيع الأبرار ونصوص الأخبار ، تحقيق عبد الأمير مهنا ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت 1992 م.

الزيلعي :

128. نصب الراية ، دار الحديث ، القاهرة 1995 م.

السجستاني ، أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث بن إسحاق (316 هـ) :

129. المصاحف ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ، سنة 1995 م.

سليم بن قيس الهلالي الكوفي :

130. كتاب سليم بن قيس ، تحقيق محمد باقر الأنصاري الزنجاني ، دليل ما قم 1422 هـ

السمعاني ، ابي سعيد عبد الكريم بن محمد بن منصور التميمي :

131. أدب الإملاء والاستملاء ، شرحومراجعه سعيد مجمد اللحام ، دار ومكتبة الهلال 1409 هـ ـ 1989 م.


السيد محسن الامين :

132. أعيان الشيعة ، تحقيق السيد حسن الامين ، دار التعارف بيروت.

سيد محمد بن عقيل العلوي :

133. النصائح الكافية ، دار الثقافة قم 1412 هـ.

السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن بن أبيبكر (ت 91) :

134. تاريخ الخلفاء ، معتوق اخوان بيروت.

135. الجامع الصحيح المختصر ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت 1981 م.

136. الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، دار المعرفة بيروت.

شرف الدين الموسوي :

137. الفصول المهمة ، مؤسسة البعثة.

الشريف الرضي :

138. ديوان الشريف الرضي ، دار صادر 1961 م.

شعوط ، ابراهيم :

139. أباطيل يجب ان تمحى من التاريخ ، المكتب الاسلامي ، الطبعة السادسة 1408 هـ 1988 م. ص 204.

الشهرستاني ، السيد علي :

140. منع تدوين الحديث ، مركز الابحاث العقائدية قم 1420 هـ

141. وضوء النبي (ص) ، الناشر المؤلف 1415 هـ ـ 1994 م.

الشوكاني :

142. فتح القدير ، عالم الكتب.

الشيباني ، أبو بكر أحمد بن عمرو بن الضحاك :

143. الاحاد والمثاني ، دار الدراية للطباعة والنشر والتوزيع 1991 م.

الشيخ الصدوق ، ابو بابويه :

144. وعلل الشرائع ، تحقيق وتقديم السيد محمد صادق بحر العلوم ، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها ـ النجف الأشرف 1385 ـ 1966 م.

الشيرازي ، ناصر مكارم :

145. تفسير الامثل ، مدرسة الامام علي بن ابي طالب قم 1421 هـ

الصدوق :

146. الأمالي ، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة 1417 هـ ، ص 140.

الصفار ، محمد بن الحسن بن فروخ ، ت 290 :

147. بصائر الدرجات ، تصحيح وتعليق وتقديم : الحاج ميرزا حسن كوچه باغي ، منشورات الأعلمي ـ طهران 1404 ـ 1362 م.

الصفدي ، صلاح الدين خليل بن أيبك بن عبد الله (المتوفي : 764 هـ) :

148. الوافي بالوفيات ، أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى دار إحياء التراث بيروت 1420 ـ 2000 م.

صفوت ، احمد زكي :

149. جمهرة رسائل العرب في العصور العربية الزاهرة ، المكتبة العلمية 1937 م.


الصنعاني :

150. المصنف ، المكتب الإسلامي بيروت 1403 هـ

الضبي ، ابن بكار :

151. اخبار الوافدات من النساء ، مؤسسة الرسالة 1983 م.

الطبراني ، أبي القاسم سليمان بن أحمد :

152. المعجم الكبير ، دار احياء التراث العربي بيروت.

153. مسند الشاميين ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي ، مؤسسة الرسالة بيروت 1417 ـ 1996 م.

154. كتاب الاوائل ، تحقيق محمد شكور بن محمود الحاجي أمرير ، مؤسسة الرسالة 1408 هـ ـ 1987 م.

الطبرسي ، الفضل بن الحسن :

155. إعلام الورى بأعلام الهدى ، ترجمة الحسن (ع) ، ص 213 ، مؤسسة آل البيت لاحياء التراث قم 1417 هـ

الطبرسي ، أمين الاسلام أبي علي الفضل بن الحسن :

156. مجمع البيان في تفسير القران ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت 1415 هـ 1995 م.

الطبري ، أبي جعفر محمد بن جرير :

157. تاريخ الطبري ، مؤسسة الأعلمي بيروت 198.

158. تفسير الطبري ، تحقيق أحمد محمد شاكر ، مؤسسة الرسالة 2000 م.

159. المنتخب من ذيل المذيل ، مؤسسة الاعلمي بيروت.

الطحاوي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري (ت 321 هـ) :

160. شرح معاني الاثار ، تحقيق محمد زهري النجار ـ محمد سيد جاد الحق ، عالم الكتب ، 1414 هـ 1994 م.

161. شرح مشكل الآثار ، تحقيق شعيب الأرنؤوط ، مؤسسة الرسالة 1415 هـ 1994 م.

الطوسي ، ابو جعفر محمد بن الحسن (ت 460 هـ) :

162. اختيار معرفة الرجال الشيخ ، مؤسسة آل البيت قم 1404 هـ

163. الأمالي ، دار الثقافة قم 1414 هـ

164. التبيان في تفسير القرآن ، دار احياء التراث العربي 1409 هـ

165. الفهرست ، تحقيق الشيخ جواد القيومي ، الفقاهة قم 1417 هـ ، ص 72.

الطيالسي ، سليمان بن داود :

166. مسند ابي داود الطيالسي ، دار المعرفة بيروت.

العاملي ، علي الكوراني :

167. الانتصار ، دار السيرة لبنان 1422 م.

168. جواهر التاريخ ، باقيات 1430 هـ

العاملي ، جعفر مرتضى :

169. الصحيح من سيرة الامام علي (ع).

170. الصحيح من سيرة النبي الاعظم (ص).

العجلي ، أحمد بن عبد الله بن صالح أبو الحسن الكوفي :

171. معرفة الثقات ، مكتبة الدار بالمدينة المنورة 1405 هـ 1985 م.


العسكري ، السيد مرتضى :

172. أحاديث أم المؤمنين عائشة ، التوحيد للنشر 1414 هـ 1994 م.

173. القرآن وروايات المدرستين.

174. معالم المدرستين ، مؤسسة النعمان للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت 1990 م.

175. عبد الله بن سبأ.

العظيم آبادي ، أبي الطيب محمد شمس الحق :

176. عون المعبود شرحسنن أبي داود ، دار الكتب العلمية بيروت 1415 هـ 1995 م.

العقيلي ، أبي جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد المكي :

177. الضعفاء الكبير (ضعفاء العقيلي) ، حققه ووثقه الدكتور عبد المعطى أمين قلعجي ، دار الكتب العلمية بيروت 1418 هـ 1998 م.

178. العودة ، سليمان ، عبد الله بن سبأ ودوره في احداث الفتنة ، الطبعة الاولى.

العيني :

179. عمدة القاري ، دار احياء التراث العربي بيروت.

الفاكهي :

180. أخبار مكة.

الفتلاوي ، كاظم عبّود :

181. الكشّاف المُنتقى لفضائل عليّ المرتضىعليه‌السلام ، مكتبة الروضة الحيدريّة ـ العراق ، النجف الأشرف 1426 هـ / 2005 م.

الفسوي ، يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي أبو يوسف (ت 277 هـ) :

182. المعرفة والتاريخ ، تحقيق أكرم ضياء العمري ، مؤسسة الرسالة ، بيروت 1401 هـ ـ 1981 م.

فوزي ، فاروق عمر :

183. بحوث في التاريخ العباسي ، دار مجدلاوي للنشر والتوزيع 2003 م.

184. الفيض الكاشاني ، محمد حسن ، الوافي ، مكتبة الامام أمير المؤمنين علي (ع) العامة ـ أصفهان 1406 هـ

القاضي عياض ، أبو الفضل بن موسى اليحصبي (المتوفي : 544 هـ) :

185. ترتيب المدارك وتقريب المسالك ، مطبعة فضالة ـ المحمدية المغرب.

القرشي ، الشيخ باقر شريف :

186. حياة الامام الحسن (ع) ، 1952 م.

القسطلاني ، شهاب الدين :

187. ارشاد الساري الى شرح صحيح البخاري ، الأميرية ـ بولاق 1323 هـ

القشلندي :

188. صبح الاعشى في صناعة الانشا ، دار الكتب العلمية بيروت.

القضاعي ، محمد بن سلامة :

189. مسند الشهاب ، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1405 ـ 1985 م.

القمي ، الشيخ عباس :

190. الكنى والالقاب ، مكتبة الصدر ـ طهران.


القمي ، شاذان بن جبرئيل :

191. الروضة في فضائل امير المؤمنين ، 1423 هـ

القمي ، علي بن ابراهيم :

192. تفسير القمي ، تصحيح وتعليق وتقديم : السيد طيب الموسوي الجزائري ، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر ـ قم ـ ايران 1404 هـ

القندوزي :

193. ينابيع المودة ، تحقيق سيد علي جمال أشرف الحسيني ، دار الأسوة للطباعة والنشر 1416 هـ

الكليني :

194. الكافي ، دار الكتب الاسلامية طهران 1363 ش.

الكوفي :

195. ابن ابي شيبة ، المصنف ، دار الفكر بيروت 1989 م.

مالك بن انس :

196. الموطا ، دار التراث العربي بيروت 1985 م.

المالكي ، حسن فرحان :

197. نحو انقاذ التاريخ الاسلامي ، مؤسسة اليمامة الصحفية 1418 هـ

المتقي الهندي :

198. كنز العمال ، مؤسسة الرسالة ـ بيروت 1989 م.

المجلسي :

199. بحار الانوار ، مؤسسة الوفاء بيروت 1983 م.

المحب الطبري :

200. الرياض النضرة في مناقب العشرة ، دار الكتب العلمية بيروت.

محمد بن أحمد الدولابي :

201. الذرية الطاهرة النبوية ، تحقيق سعد المبارك الحسن ، الدار السلفية ـ الكويت 1407 هـ

محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء المدني (ت 151 هـ) :

202. سيرة ابن اسحاق (كتاب السير والمغازي) ، تحقيق : سهيل زكار دار الفكر ـ بيروت 1398 هـ / 1978 م.

محمد بن حبيب البغدادي :

203. المنمق ، صححه وعلق عليه خورشيد أحمد فاروق.

محمد بن علي بن طباطبا المعروف بابن المقطقي :

204. الفخري في الاداب السلطانية ، دار القلم العربي 1997 م.

محمد تقي التستري :

205. قاموس الرجال ، مؤسسة النشر الاسلامي جامعة مدرسين قم 1419 هـ

محمود احمد شاكر :

206. موسوعة التاريخ الاسلامي ، المكتب الإسلامي بيروت 1400 هـ.

المحمودي ، الشيخ محمد باقر :

207. نهج البلاغة نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة ، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات ـ بيروت.


المرعشي :

208. شرح احقاق الحق ، مكتبة المرعشي النجفي قم.

المزي :

209. تهذيب الكمال ، مؤسسة الرسالة بيروت 1985 م.

المسعودي :

210. مروج الذهب ، دار الهجرة ايران 1984 م ، ج 3 ص 20.

المغربي ، القاضي النعمان :

211. شرح الاخبار في فضائل الأئمة الأطهار ، تحقيق السيد محمد الحسيني الجلالي ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1414 هـ

مغلطاء ، علاء الدين ابن قليج بن عبد الله البكري الحنفي (762 هـ) :

212. إكمال تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، تحقيق أبي عبد الرحمن ، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر 2001 م.

المفيد ، محمد بن محمد النعمان ابن المعلم ت (413 هـ) :

213. الاختصاص ، دار المفيد بيروت 1993 م.

214. الارشاد في معرفة حجج الله على العباد ، دار المفيد بيروت 1993 م.

215. الجمل ، مكتبة الداوري قم.

المقدسي ، المطهر بن طاهر (ت 355 هـ) :

216. البدء والتاريخ ، مكتبة الثقافة الدينية بور سعيد.

المقريزي ، تقي الدين أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد :

217. امتاع الاسماع بما للنبيصلى‌الله‌عليه‌وسلم من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع ، تحقيق وتعليق : محمد عبد الحميد النميسي ، منشورات محمد علي بيضون ، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان 1420 هـ 1999 م.

الموصلي ، أبي يعلى :

218. مسند ابي يعلى ، تحقيق حسين سليم ، دار المأمون للتراث.

النجاشي ، أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن العباس الأسدي الكوفي ت 450 هـ :

219. فهرست أسماء مصنفي الشيعة المشتهر برجال النجاشي ، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة 1416 هـ

النسائي ، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن بحر :

220. خصائص امير المؤمنين علي بن ابي طالب ، تحقيق وتصحيح الأسانيد ووضع الفهارس : محمد هادي الأميني ، مكتبة نينوى الحديثة ـ طهران.

221. السنن الكبرى ، دار الكتب العلمية 1991 م.

222. سنن النسائي ، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ـ بيروت 1930 م.

223. فضائل الصحابة ، دار الكتب العلمية بيروت.

نصر بن مزاحم المنقري :

224. وقعة صفين ، مكتبة المرعشي النجفي 1403 هـ


النميري ، عمر بن شبة :

225. تاريخ المدينة المنورة ، دار الفكر 1410 هـ

النووي ، أبي زكريا محيي الدين بن شرف (ت 676) :

226. المجموع ، دار الفكر.

النيسابوري ، الفضل بن شاذان الأزدي (ت 260 هـ) :

227. الايضاح ، جامعة طهران 1363 ش.

النيسابوري ، مسلم بن الحجاج :

228. صحيح مسلم ، دار الفكر بيروت.

الهاشمي الخوئي ، العلامة المحقق الحاج ميرزا حبيب :

229. منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ، بنياد فرهنگ امام المهدي (عج) 1360.

الهيثمي ، نور الدين علي بن أبي بكر :

230. مجمع الزوائد ، دار الكتب العلمية 1988 م.

محمد بن عمر الواقدي :

231. المغازي ، دانش اسلامي 1405 هـ تحقيق مارسدن جونس.

وجدي ، فريد :

232. دائرة المعارف الاسلامية ، دار الشعب في مصر.

اليعقوبي :

233. تاريخ اليعقوبي ، دار صادر بيروت.



فهرس المحتويات

المقدمة7

المدخل 10

التمهيد وسير البحث 10

تمهيد 12

خلاصة الرؤية المشهورة13

في تعليل الصلح 13

صلح الحسن عليه‌السلام في الاعلام الاموي والعباسي 24

وروايات اهل البيت عليهم‌السلام 24

الرؤية الجديدة30

أبواب البحث وفصوله36

الباب الأول 40

الرؤية المشهورة في تعليل الصلح 40

الباب الأول / الفصل الأول 43

المستشرقون : الحسن عليه‌السلام شخصية ضعيفة منهارة43

الباب الأول / الفصل الثاني 48

الإسلاميون : الكوفيون متفرقون متخاذلون 48

الإسلاميون القدامى 48

مشاهير المتأخرين من الباحثين الشيعة53

مشاهير من الباحثين من أهل السنة68

الباب الثاني 72

القراءة الجديدة72

الفتح المبين لمشروع علي عليه‌السلام 72


الذي حققه الحسن عليه‌السلام بصلحه72

الباب الثاني / الفصل الأول 77

خلفيات الصلح 77

الخلفية المباشرة للصلح هي نهضة علي عليه‌السلام الاحيائية للسنة77

قصة الشورى وبيعة عثمان(1) 78

ما هي سيرة الشيخين التي رفضها علي عليه‌السلام؟81

انشقاق قريش الحاكمة على نفسها84

مشروع علي عليه‌السلام لإحياء السنة النبوية في حج التمتع 86

قريش تقتل عثمان والجماهير تبايع عليا عليه‌السلام 87

منهج علي عليه‌السلام في بيعته وحكومته88

رد فعل قريش المسلمة السلبي من علي عليه‌السلام 89

شهادة علي عليه‌السلام على يد حملة91

الفكر التكفيري (الخوارج)91

مشروع علي عليه‌السلام إنجازات ومشكلات 92

أهل العراق يبايعون الحسن عليه‌السلام على الحكم 93

العقبات امام انطلاقة مشروع علي عليه‌السلام 93

المفتاح لانطلاق مشروع علي عليه‌السلام في الشام95

هو الصلح وليس الحرب 95

خصائص أطروحة الصلح المطلوبة98

العمق الاستراتيجي للحسن عليه‌السلام والتفكير المحدود لمعاوية102

الوفاء بالشروط مدة عشر سنوات 107

انتشار سنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله لدى أهل البلاد المفتوة شرقاً110

وغرباً بفضل مشروع علي عليه‌السلام وصلح الحسن عليه‌السلام 110

الباب الثاني / الفصل الثاني 111

السنوات العشر الاولى من الصلح (سنوات الفتح المبين لمشروع علي عليه‌السلام)111

رؤيتان للسنوات العشر قبل وفاة الحسن عليه‌السلام 111


طرف من اخبار شيعة علي عليه‌السلام في سنوات الصلح 121

نماذج من أحاديث حملة الحديث من الكوفيين 137

الذين دخلوا الشام137

الباب الثاني / الفصل الثالث 160

سيرة الامام الحسن عليه‌السلام (معالم امامته الدينية ومرجعيته في عمل الخير)160

المبحث الأول في سنوات الصلح 160

المبحث الثاني مراحل حياته عليه‌السلام 173

الباب الثاني / الفصل الرابع 186

السنوات العشر بعد وفاة الحسن عليه‌السلام (الغدر المبين لمعاوية)186

موت الحسن عليه‌السلام بالسم قضية سياسية وليست شخصية186

خطة معاوية لتصفية التشيّع في الكوفة213

خلاصة بما قام به معاوية وولاته220

خلاصة في اسرة معاوية ونسبه ومرض وفاته222

الباب الثاني / الفصل الخامس 235

تعليقات على موارد من كتاب صلح الحسن عليه‌السلام للعلامة الحجة الشيخ راضي آل ياسين رحمه‌الله 235

كلامه رحمه‌اللهعلى بنود الصلح(1) 236

تعليقاتنا على كلامه السابق رحمه‌الله من رقم 1 الى رقم 8 240

كلامه رحمه‌الله في دراسة الشروط والوفاء بها244

تعليقات على كلامه رحمه‌الله من رقم 9 الى رقم 14 248

الباب الثاني / الفصل السادس 253

مسار الإمامة الإلهية لأربعين سنة253

المرحلة الأولى : على عهد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله 253

المرحلة الثانية : قريش المسلمة تمارس الإمامة الدينية259

بعد النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بدلا من أهل البيت عليهم‌السلام 259

المرحلة الثالثة : الإمامة الهادية على عهد علي عليه‌السلام 269


المرحلة الرابعة : الامام الحسن عليه السالم يؤسس 276

المرجعية الدينية المستقلة عن السلطة276

ويتنازل عن السلطة المدنية276

المرحلة الخامسة : معاوية يحيي الإمامة الدينية277

القرشية ويسميها خلافة الله 277

الباب الثاني / الفصل السابع 278

مقارنة بين صلح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله الحديبية وصلح الحسين عليه‌السلام 278

الباب الثاني / الفصل الثامن 288

مقتطفات من تاريخ الكوفة من سنة 14 هـ ـ 148 هـ288

الكوفة قبل الفتح الإسلامي للعراق وقبل تمصيرها288

الكوفة على عهد الخليفة عمر بن الخطاب 14 ـ 23 هجـ (عشر سنوات)291

مكرسة لسياسة الخليفتين 291

الكوفة على عهد عثمان 23 ـ 28 هـ قبل انشقاق قريش عليه مكرسة لسيرة294

الشيخين (ست سنوات)294

نهضة علي عليه‌السلام على عهد عثمان سنة 27 هـ لإحياء حج التمتع 299

الكوفة على عهد علي عليه‌السلام 306

الكوفة في سنوات الصلح سنوات الفتح المبين لعلي عليه‌السلام 308

الكوفة على عهد الغدر المبين لمعاوية 50 ـ 60 هـ عشر سنوات 309

الكوفة هـ على عهد نهضة الحسين عليه‌السلام وشهادته وحركة سليمان بن صرد310

ودولة المختار 60 ـ 67 310

الكوفة على عهد ابن الزبير 67 ـ 72 هـ311

موقف عبد الملك بن مروان من الكوفة311

الوليد بن عبد الملك يأمر بإخراج الشيعة العراقيين من الحجاز312

وإرجاعهم إلى الكوفة312

من قتلهم أو روَّعهم الحجاج من شيعة علي عليه‌السلام 312


دور الامام السجاد والباقر والصادق عليهم‌السلام 333

في الكوفة بعد نهضة الحسين عليه‌السلام 333

الكوفة على عهد هشام وثورة زيد رحمه‌الله 112 هـ333

الكوفة مركز مرجعية الامام الصادق عليه‌السلام 335

الكوفة على عهد حركة ولدي عبد الله بن الحسن المثنى رضي‌الله‌عنه 339

الباب الثالث 344

العباسيون يحذون حذو الأمويين 344

في تحريف التاريخ 344

الباب الثالث / الفصل الأول 348

تحريف الأمويين للتاريخ 348

1. ما رواه الزبير بن بكار في كتابه الموفقيات 348

2. ما رواه أبو الفرج في كتابه الأغاني 351

3. رواية المدائني في كتابه الأحداث 357

4. ما رواه سليم بن قيس في كتابه364

الباب الثالث / الفص الثاني 368

انشقاق العباسيين عن العلويين 368

العباسيون وأطروحتهم الفكرية والسياسية368

ولد علي بن عبد الله بن عباس 369

ولد محمد بن علي بن عبد الله بن عباس 370

تغير ولاء العباسيين وتبدل أطروحتهم الفكرية370

الباب الثالث / الفصل الثالث 377

سياسة الاعلام العباسي 377

اولا : رسالة المنصور الجوابية إلى محمد 377

ذي النفس الزكية قتل سنة 144 377

ثانيا : خطبة المنصور في الكوفة379

سنة 144 هجرية379


ثالثا : حوار الخليفة المنصور مع مالك بن انس 381

رابعا : شعر مروان ابن أبي حفصة385

خامسا : شعر منصور النَّمِري 387

سادسا : شعر أبان بن عبد الحميد اللاحقي 387

سابعا : شعر ابن المعتز 247 ـ 296 هجرية389

خاتمة الفصل الثالث من الباب الثالث 396

الباب الثالث / الفصل الرابع 398

الروايات الطاعنة في عقيدة الوصية بعلي عليه‌السلام 398

أ. رواية سيف بن عمر (ت 170 ـ 193)398

ب. رواية عبد الرحمن بن مالك بن مغول تـ 195 400

الباب الثالث / الفصل الخامس 402

كتاب أبي مخنف في مقتل الحسين عليه‌السلام 402

الرواية عن الأئمة من ذرية الحسين عليه‌السلام : أهل الشام405

هم قتلة الحسين عليه‌السلام 405

ونصوص التاريخ تؤيد ذلك 406

طرف من كلمات أهل البيت عليهم‌السلام في الكوفيين 407

الباب الثالث / الفصل السادس 409

الروايات الطاعنة في أهل الكوفة على لسان علي والحسن عليهما‌السلام 409

النموذج الأول : ما نسبه الرواة إلى علي عليه‌السلام قوله :409

(وددت أني أبيع عشرة منكم برجل من أهل الشام)409

النموذج الثاني : خطبة يرويها الشيخي المفيد تنسب 422

إلى علي عليه‌السلام فيها طعن على أهل الكوفة422

النموذج الثالث : ما رواه ابن عساكر في 430

تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 169 430

النموذج الرابع : رواية أبي مخنف وغيره في تفرق الكوفيين 432

بعد النهروان بخلاف رواية أبي عوانة التي تؤكد 432


اجتماع كلمة الكوفيين على علي عليه‌السلام 432

النموذج الخامس : رواياتموضوعة على لسان الحسن عليه‌السلام 434

ضد الكوفيين نذكر منها434

الباب الثالث / الفصل السابع 438

الروايات الطاعنة في الحسن عليه‌السلام 438

روايات الواقدي (207 هـ)438

روايات جرير بن حازم (175 هـ)439

رواية سحيم بن حفص الأنصاري احد شيوخ 439

المدائني (238 هـ) وابن سعد 439

روايات الوضاح اليشكري الواسطي البصري ابو عوانة (176 هـ)440

رويات إسرائيل بن يونس (160 هـ)441

روايات محمد بن المهلب الحراني الملقب ب 441

غندر (ت قبل المائتين)441

روايات قيس بن الربيع (168 هـ)441

روايات إسماعيل بن إبراهيم بن عُليَّة442

البصري (193 هـ)442

روايات محمد بن أبي أيوب ت قبل 443

المائتين هجرية443

روايات عبد الأعلى بن عبد الاعلى الشامي 443

البصري (189 هـ)443

روايات عبد الله بن عون (151 هـ)444

روايات محمد بن عبيد (204 هـ)444

روايات عبد الله بن بكر السهمي البصري (208 هـ)446

روايات جميع بن عمر توفي بحدود المائتين 447

رواية المقدسي في البدء والتاريخ ت 507 هـ448


روايات ابن كثير في البداية والنهاية448

الباب الثالث / الفصل الثامن 450

ملاحظات نقدية حول رواية البخاري في الصلح وشرح ابن حجر لها450

رواية البخاري في قصة صلح الحسن عليه‌السلام 450

شرح ابن حجر لرواية البخاري مع 451

ملاحظاتنا عليه451

سفيان بن عيينة473

محمد بن إسماعيل البخاري (تـ 256 هـ)484

خاتمةالفصل الثامن في وضع الاخبار على عهد 485

الأمويين والعباسيين 485

الباب الثالث / الفصل التاسع 488

الروايات التي تطعن في أهل الكوفة488

رواية عبيد الله بن أبي زياد الرصافي ت 158 هـ488

رواية يونس الايلي (ت 152 ـ 159 ـ 160 هـ)489

ورواية النعمان بن راشد (ت في حدود 150 هـ)489

رواية عوانة بن الحكم (158 هـ)491

رواية عثمان بن عبد الرحمن الحراني (203 هـ)493

رواية ابن جُعدبة (توفي زمن المهدي 156 ـ 169 هـ)494

رواية جرير بن حازم (175 هـ)496

رواية زهير بن معاوية (164 ـ 173 هـ)497

رواية عون بن موسى الليثي : (توفي قبل المائتين)497

سكين بن عبد العزيز القطان البصري (ت قبل المائتين)498

شريك بن عبد الله النخعي القاضي (ت 177 هـ)498

الباب الرابع 502

خلاصة وخاتمة502


الباب الرابع / الفصل الاول 504

شخصية الحسن عليه‌السلام بين الافتراء والواقع 504

شخصية الامام الحسن عليه‌السلام عند المستشرقين 505

مصادر المستشرقين روايات الإعلام العباسي 506

الروايات الطاعنة في شخصية الحسن عليه‌السلام 509

من وضع الامويين والعباسيين 509

شخصية الامام الحسن عليه‌السلام في 510

الروايات الصحيحة510

الباب الرابع / الفصل الثاني 514

القراءة السائدة للصلح والمشكلات امامها514

الروايات التي استندوا إليها514

تحليل المرجع الراحل الشهيد محمد باقر الصدر517

المشكلات امام القراءة السائدة518

الباب الرابع / الفصل الثالث 527

صلح الامام الحسن عليه‌السلام قراءة جديدة527

خلفية الصلحين 527

مفردات خلفية صلح النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله مع قريش 528

خليفة مشروع علي عليه‌السلام الاحيائي للسنة النبوية537

الباب الرابع / الفصل الرابع 568

مسار ثقافة الامة المسلمة568

1. ثقافة المجتمع الاسلامي من سنة568

13 ق. م الى سنة 10 هجرية568

2. ثقافة الانقلاب القرشي الاول 569

11 الى 35 هجرية569

3. ثقافة مشروع نهضة علي عليه‌السلام في ذي القعدة سنة 27 هـ الى رمضان 570

سنة 40 هـ تحت شعار (ما كنت لأدع سنة رسول الله لقول احد من 570


الناس). العودة الى الكتاب والسنة والتعددية المذهبية في النصف 570

الشرقي من البلاد الاسلامية570

4. ثقافة اهل الشام ايام علي عليه‌السلام 570

35 ـ 40 هـ570

5. ثقافة اهل الشام في السنوات 571

41 الى 50 هجرية571

6. ثقافة الامة كلها على عهد الدولة الاموية572

(51 ـ 132 هـ) (81 سنة)572

7. شهادة الحسين عليه‌السلام وظلامته تفتح الطريق لثقافة574

مشروع علي عليه‌السلام (61 هـ إلى ظهور المهدي)574

8. بقيت الشام بعد شهادة الحسين عليه‌السلام 575

مركزا لثقافة المشروع الاموي :575

الباب الرابع / الفصل الخامس 576

خلاصة في المقارنة بين مراحل سير مشروعين 576

جدول مقارن بهذا الخلاصة579

خاتمة الكتاب 587

فهرس المصادر589

فهرس المحتويات 615