كلمة الإمام الحسين (عليه السلام)
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب السيد حسن الشيرازي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

كلمةالإمامالحسينعليه‌السلام



كلمة الإمام الحسينعليه‌السلام

السيد حسن الشيرازي (قدّس سرّه)

دار العلوم

بيروت - لبنان


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين


مقدمة الناشر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد كلّه لله، والشكر له دائماً وأبداً، والصلاة والسلام على سيّد البشر، ورسول الإنسانية محمّد وعلى آله الأطهار الأبرار، واللعنة على أعدائهم الأشرار، من عهد آدمعليه‌السلام وإلى اليوم الذي تُكشف فيه الأسرار.

وبعد، السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى إخوة الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وعلى كلّ مَنْ سار مسيرة الحسين، وانتهج نهجه، صادقاً في فعله، موقناً بربّه، ولا يشرك بربّه أحداً.

واللعنة الدائمة على كلّ مَنْ شارك، أو شايع، أو بايع، أو رضي بقتل الإمام الحسينعليه‌السلام من الأولين والآخرين وإلى قيام يوم الدين.


(1)

الكلمة

كلمة الإمام الحسينعليه‌السلام كشخصيتهعليه‌السلام متميّزة وفريدة، وشخصية الإمام الحسين هي امتداد لشخصية أبيه وجدّهعليهم‌السلام .

وكلماته امتداد لتلك الكلمات النورانية التي كانت تخرج من بين ثنايا الحبيب المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والأمير عليعليه‌السلام أمير المؤمنين، وسلطان البلاغة والفصاحة والبيان.

وعندما ينطق الإمام الحسينعليه‌السلام تخال أنّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ينثر دُرراً وحكماً، وتحسب أنّ الأميرعليه‌السلام يبهر ببلاغته وفصاحته كلّما تقع الكلمات على سمعك.

ولا غرو في ذلك؛ فالإمام الحسينعليه‌السلام هو من تلك الشجرة المباركة الطيّبة، وشعاع من تلك الأنوار اللامعة في دنيا الإنسانية، فصار بكلّ ما فيه شخصاً وقوّةً، ونهجاً وقيمة إنسانية عظمى، وفضيلة من فضائل الدين الإسلامي الحنيف الذي يباهى به الدنيا، ولا أحد يستطيع أن يعترض.

فالكلمة ترجمان الضمير، ورسالة العقل، وخفقة القلب، وحركة اللسان. والإمام الحسينعليه‌السلام هو ضمير هذه الاُمّة الخالد، ووجدانها الحي، ويقظتها وثورتها التي لا تهادن الطغاة والجبّارين، بل وترفض حياة الذلّ والهوان، وتعمل بنهجه من أجل حياة كلّها كرامة وعزّة وإباء.

فأصبح الإمام الحسينعليه‌السلام كلمة من الكلمات المهمّة التي ترسّخت في أذهان هذه الاُمّة؛ ولذلك صارت كلماته شعارات لها في كلّ المجالات سلماً وحرباً، ثقافة وعبادة.

وفي هذا العصر العصيب على هذه الاُمّة المرحومة، لو عملت بكلمة واحدة من كلمات الإمام الحسينعليه‌السلام لما تسلّط عليها أحد من هؤلاء الأعداء؛ سواء


في الداخل من حكّام ظالمين وتابعين لدوائر الاستكبار العالمي، أو في الخارج من أنواع المستعمرين وأشكالهم المعروفة وغير المعروفة، وهمّهم جميعاً سلخنا عن هويتنا الإسلاميّة، وإذاقتنا شتى أنواع الذلّ والهوان.

وشعار الإمام الحسينعليه‌السلام يقول: «هيهات منّا الذلّة؛ يأبى الله لنا ذلك، ورسوله والمؤمنون». فلو عملت الاُمّة بهذه الكلمة فقط لصار كلّ مَنْ ذكرنا في خبر كان.

والإمام الحسينعليه‌السلام هو منبثق من النور الأول انبثاق النور من النور، وعقله هو العقل الكامل في بني البشر؛ لأنّه الإمام المعصوم المسدّد من الله تعالى في جميع أفعاله وأقواله وتقريراته دون شك؛ فالعقل هو نور إلهي بذاته، وهو يكشف للإنسان مجاهل الطريق، ويرشده إلى الصحيح من السقيم، والحقّ من الباطل.

ألم يكن الإمام الحسينعليه‌السلام بشخصه وثورته واستشهاده كالعقل الذي أوضح الحقّ من الباطل، والظلمة من النور، والهدى من العمى لكلّ مَنْ يريد الحقّ لوجه الحقّ تعالى من هذه الاُمّة؟

فكان الإمام الحسينعليه‌السلام العقل الهادي من الضلال، وكلماته النورانية بقيت رسالة خالدة للأجيال المتعاقبة؛ لتثير العقول وتفتحها إلى النور، ولا تتركها غارقة في بحر الظلمات والديجور، وهذه بحدّ ذاتها رسالة السماء إلى الأرض.

والإمام الحسينعليه‌السلام هو القلب الكبير الذي استوعب هموم ومآسي الاُمّة الإسلاميّة من أقصاها إلى أقصاها، وحاول إصلاح أحوالها، وعندما استصعب عليه فداها، وفدى رسالتها الإسلاميّة بكلّ ما يملك من أبناء وأخوة، وأهل وأقرباء، وأحباب وأصحاب، وبالتالي قدّم نفسه الشريفة إلى سيوفها القاطعة ورماحها النافذة، ولكن ليبقى جرح الإمام الحسينعليه‌السلام في كلّ القلوب المؤمنة نافذ ونازف، أي ليتحوّل الإمام الحسينعليه‌السلام إلى قلب نابض بالحياة، يضخ الدم النقي الصافي في عروق الإسلام الحنيف، وشرايين الاُمّة التي قطعت شرايينه (روحي وأرواح العالمين له الفداء).


وما صرخاته المدوّية، أو نداءاته الثورية، أو استغاثته الحزينة إلاّ لإيقاظ القلوب وتجلوها من الرين الذي يتراكم عليها عبر الأيام والآثام.

فكلمات الإمام الحسينعليه‌السلام ونداءاته: «أما من مغيث يغيثنا؟» و «أما من ذاب يذب عن حرم رسول الله؟» و «أما من ناصر؟ أما من معين؟»، وغيرها هي كشرارة كهربائية تجبر القلوب على الخفقان، والعيون على الجريان بدموع حارّة وسخيّة على ذاك المصاب الإدّ الذي اُصيب به الإمام أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام على تراب الطفّ.

فـ (كلمة الإمام الحسينعليه‌السلام ) هي ضرورة حضارية لهذه الاُمّة، وخاصّة في هذه الظروف المختلفة التي جعلت من الاُمّة أذلّ أمم الأرض قاطبة - والعياذ بالله - رغم كثرتها، واتّساع رقعتها، وغناها في ثرواتها، إلاّ إنّها غثاء كغثاء السيل، لا أحد يحسب لها حساباً، ولا يرعى لها إلاً ولا ذمّة.

نعم، نقرأ في التقارير والكتب المترجمة عن حساباتهم الحذر إذا فاقت، أو استيقظت هذه الاُمّة، ويعملون كلّ ما بوسعهم للحيلولة دون ذلك؛ لأنّها جبّارة بكلّ ما تعني هذه الكلمة، ومرعبة لهم في يقظتها.

وسرّ يقظتها وشفاء سقمها هو في كتابها المنزل، ودستورها الخالد، القرآن الكريم، وبشقيه (الصامت والناطق)، ولا يمكن للأمّة أن تستيقظ من سكرتها، أو تشفى من نعاسها إلاّ بعودتها إلى حظيرة القدس الإلهية.

هذه هي كلمة الإمام الحسينعليه‌السلام باختصار شديد، وهي وبهذا الشكل مجموعة في هذا الكتاب القيّم الذي يشكّل جزءاً من الموسوعة الشيرازية (الكلمة) لسماحة السيّد الشهيد حسن الشيرازيرحمه‌الله ، شهيد الكلمة والمبدأ.

وبكلمة نقول: إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام هو كلمة ربّانية، وكلماته إصلاحية ومسؤولة ونورانية.


(2)

جامع الكلمة

جامع هذه الكلمة (كلمة الإمام الحسينعليه‌السلام ) وبقية الكلمات، هو سماحة السيّد الشهيد حسن الشيرازيرحمه‌الله . ذاك الشهيد السعيد الذي قضى نحبه على تراب لبنان فداءاً لأهل البيتعليهم‌السلام والقرآن، وهو بالحقيقة والواقع كان من تلك السلسلة الحمراء المباركة من الدماء الزكية، التي مازالت تحافظ على رسالات السماء إلى الأرض من الخالق إلى الخلق.

واعتباراً من الشهيد الأول للحقّ (ابن آدم) الذي قتله أخوه الغوي، وإلى حمزة، جعفر، وفاطمة، وعلي، والحسنعليهم‌السلام ، إلى أن يصل الركب إلى كربلاء، فكان العطاء أكثر، والدماء أغزر، والبلاء أشدّ وأعظم وأوسع؛ حيث قضى سيّد الشهداء، وسيّد شباب أهل الجنّة، الإمام الحسينعليه‌السلام على تراب كربلاء شهيداً وشاهداً.

ومنذ ذلك العصر - 61 هـ - وإلى اليوم تمثّل كربلاء (ثورة الحقّ)، و (نداء الضمير، وتطلّع الإنسانية إلى النور، وشوكة في العيون، وشجى في الحلوق)، ولكلّ من هؤلاء أهله.

فهي بالنسبة للمؤمنين والمصلحين (ثورة الحقّ) بما تمثّله من قيم ومبادئ إسلامية رائعة، وبما يمثّله الإمام الحسينعليه‌السلام من إمام وقدوة ولهذه الاُمّة.

وهي (نداء الضمير الإنساني) بما تحمله للإنسان من مبادئ وقيم عالية، والتي جعلت المصلحين والقادة في العالم أجمع يقفون بخشوع وخضوع أمام عظمة مبادئ وأخلاق الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ فأصبح جامعة ومعهداً عالمياً للدراسات


الأخلاقية، والقيم الثورية، والمبادئ النضالية، وقبلة الأحرار في الدنيا.

ومن هذا المنطلق أصبحت كربلاء (شوكة في العيون) الخبيثة أو الشوهاء التي تتطلّع إلى الاُمّة على أنّها بقرة حلوب لا تريد منها إلاّ لبنها، وربّما لحومها ولحوم أبنائها لتقتات عليه. فكربلاء كانت دائماً الشوكة التي تؤرّق تلك العيون ولا تجعلها تنام هانئة.

وكذلك هي (شجى في الحلوق) للطغاة والجبابرة الذين أرادوا أن يأكلوا أموال وحقوق الاُمّة، فكانت تمنعهم من ذلك برجالاتها وثوراتها المتلاحقة، فكم هوجمت، وكم اُحرقت، وكم قُطعت وتُهدمت حتّى أنّ حاكماً من حكّام بني العباس حرثها وزرعها، ودار عليها الماء من الفرات، فحار الماء حول قبر الإمام الحسينعليه‌السلام ولم تضرّ به، ومن ذلكم الوقت سُمّي بـ (الحائر الحسيني). فأرادوا كيداً فجعلناهم المكيدون، وخسر هنالك المبطلون.

ومن تلك الرحاب الثائرة الطاهرة، والجنّات المقدّسة، من كربلاء الإمام الحسينعليه‌السلام خرج الشهيد السعيد السيّد حسن الشيرازي (قدّس سرّه)، وفيها درج ونما، وفي مدارسها وحوزاتها تعلّم وتهذّب، فبان نبوغه وعبقريته منذ نعومة أظفاره وطفولته، إلاّ إنّ ولادة السيّد حسن كانت في جنبات جدّه أمير المؤمنينعليه‌السلام في النجف الأشرف، وهاجر مع أسرته العملاقة في مطلع حياته إلى كربلاء المقدّسة حيث العناء والتعب.

فكبر السيّد الشهيد في كربلاء في الجسم والعلم، وكبر معه الأمل والحلم، فراح يحارب الظلم والظالمين بالكلمة والموقف؛ شعراً، ونثراً، وخطاباً.

فحارب الاستعمار بكلّ أنواعه وأشكاله، وحارب الحكّام الظالمين، والفساد في البلاد الإسلاميّة عامّة، وفي العراق خاصّة؛ فسجنه حكّام العراق، وأجروا عليه عشرات الأنواع من العذاب، بحيث


إنّ والدته لم تعرفه حين ذهبت لكي تراه في السجن، ووقعت مغشياً عليها حين قال لها: أنا ولدك حسن.

ورغم ذلك لم يستطيعوا شراء قلمه وضميره، وحتّى ضمان سكوته على ظلمهم ومخازيهم، فتركهم وهاجر هجرة الرساليين إلى أرض لبنان المقاوم، وراح ينشط ويعمل في كلّ اتّجاه؛ لأجل إعلاء كلمة الله، ورفع راية أهل البيتعليهم‌السلام في كلّ مكان حلّ فيه، فكان نموذجاً للمؤمن الحقّ، وللشيعي الذي تفتخر به وبأمثاله الطائفة.

وحديث الشهيد عن الشهيد أمر رائع؛ لأنّ الكلمات تكون صادقة وخارجة من القلب المتلهّف إلى الشهادة، وتحسّ بالشوق المفعم الذي ينطوي عليه المتحدّث عن الشهادة ومعناها، أو الشهيد ومغزاه، وأعظم الشهداء هم شهداء الحقّ والفضيلة الإلهية.

وليت سماحة السيّد الشهيد حسن الشيرازيرحمه‌الله قدم لنا بكلمته هذه (كلمة الإمام الحسينعليه‌السلام )؛ لأنّها ولا شك ستكون آية في الجمال والكمال، وهو كان يعمل لذلك، إلاّ إنّهم أبوا له ذلك، فعليهم ما على الظالمين من الإثم والعذاب، وله ما للشهداء من الرحمة والرضوان، والخلود والجنان.


(3)

صاحب الكلمة

فرع أصيل من فروع الشجرة المحمديّة المباركة، الثابتة الأصل، والضاربة الجذور حتّى عمق الزمن الرسالي إلى أن تصل إلى أبي الأنبياء، وبطل التوحيد خليل الرحمن إبراهيمعليه‌السلام ، هذا في تفسير أهل البيتعليهم‌السلام للشجرة المباركة في القرآن الكريم (وفي أبياتهم نزل الكتاب )، وأهل البيت أدرى بالذي فيه.

والإمام الحسينعليه‌السلام نور وضّاء مشعّ من الأنوار الإلهية التي وصفها الباري تعالى في سورة النور، وضربهم مثلاً لنوره الأبدي والأزل، من شعاعه النوراني تتابع الأئمّة الكرام فكانوا (نوراً على نور)، أي إماماً بعد إمام؛ لتقوم الأرض بوجوده الشريف، وتستمر الحياة الدنيا ببركات أهل البيتعليهم‌السلام ، فـ «لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها»(1) كما في الحديث.

والإمام الحسينعليه‌السلام هو الصنو العزيز والأخ الحبيب للإمام الحسن الزكيعليه‌السلام ، فهما من أصل واحد، وتربيا برعاية كريمة لجدّهما الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وتحت عينيه الشريفتين، حيث كان يرعاهما ويراقبهما بكلّ اهتمام وإعظام، ويلاعبهما بكلّ عطف وحنان، وكأنّه يقرأ في أعينهما المستقبل المشرق للرسالة، والمفجع للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فيضحك لحظة ويبكي لحظات، وفي بعض الأحيان تلاحظ أمّهما الزهراءعليها‌السلام ذلك من أبيهاصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فتسأله: «لماذا تبكي يا أبي؟».

____________________

(1) راجع بحار الأنوار 23 / 5، ب1، ح10، وص24، ب1، ح30، و51 / 112، ب2، ح8.


فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لما سيحلّ بأبنائك يا بُنيّتي من قتل وظلم وتشريد».

وتسألهعليها‌السلام متعجّبة: «ممّن يكون ذلك وأنت جدّهما؟».

فيقولصلى‌الله‌عليه‌وآله تفجعاً: «تقتلهم هذه الاُمّة، وتشرّدهم وتلاحقهم تحت كلّ شجر ومدر».

فتبكيعليها‌السلام وتقول ناحبة: «فإلى الله المشتكى، وعليه المعوّل في الشدّة والرخاء، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب سينقلبون».

فالإمام الحسينعليه‌السلام هو خامس أصحاب الكساء، وأوّل داخل إلى حضن جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله بحديث الكساء المشهور، وهو خامس خمسة أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً بآية سورة الأحزاب:( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1) .

وهناك آيات كثيرة وردت في شأن الإمام الحسين وأهل البيتعليهم‌السلام يمكن معرفتها بالرجوع إلى التفاسير؛ فهوعليه‌السلام نفر كريم من الجماعة التي اختارهم الله ورسول الإنسانيةصلى‌الله‌عليه‌وآله من أجل مباهلة نصارى نجران، وهو مازال طفلاً صغيراً، وعندما رأى كبير النصارى - وكان واعياً على ما يبدو - ونظر في وجوه هؤلاء الكرام ارتعدت فرائصه، وسأل مَنْ حوله من الأعراب، هل هم خاصّته وحامّته؟

فقيل له: نعم، هذه ابنته وبعلها وابناهما.

فقال لمَنْ حوله من النصارى: لا تباهلوهم؛ فإنّي أرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله، وإن باهلتموهم سيفنى دين المسيح عن وجه الأرض.

وهذه لفتات فقط، إلاّ إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام بحر لا ينضب من الفضائل.

____________________

(1) سورة الأحزاب / 33.


الولادة المباركة

هناك في عمق الزمن السحيق، وفي أعالي بحره المتلاطم الأمواج والأيام، حيث كانت تتعانق السماء مع الأرض، وتتطلّع الملائكة إلى صفحات الوجود وكأنّها تترقّب بزوغ نجم جديد ينير الكون، ويزيده بهجة وجمالاً.

هناك في مدينة الرسالة الإسلاميّة الفتيّة، وحيث كانت تلك المدينة شعلة من نور تحاول إضاءة حالك الليل الذي يعمّ جزيرة العرب والعالم أجمع، وبدت كأنّها خليّة نحل نشطة لا تكلّ ولا تملّ، تدأب في جني الرحيق، وتنقله بأمانة لصنع العسل (وفي العسل شفاء للناس)، وفي الرسالة حياة لبني البشر، وشفاء لهم كلّهم.

وكان النجم اللامع والنور الساطع الذي ينشر نوره على الربوع، ويغزر فيضه كالينبوع، فلا تكاد تسمع في المدينة المنوّرة حديثاً إلاّ بما قاله الرسول الأعظم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أو ما فعله، أو أمر بفعله، أو نهى عنه، حتّى اليهود والنصارى والأعراب لا حديث لهم إلاّ الرسالة الجديدة والرسول محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله يقود ويوجّه، ويعلّم ويهدي، ويصنع ويبني مجتمع المدينة المنوّرة؛ لتكون نواة الدولة الإسلاميّة المرتقبة، وعاصمة الرسول محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله الأولى، فتطلع إليها العيون، وتهفو لها القلوب والأرواح الطاهرة.

وفي السنة الثالثة أو الرابعة للهجرة المباركة بينما كان القائد العظيم في محفل من أصحابه والأعراب، يتلو ويفسّر ويوضّح بعض آيات القرآن الكريم، وفي الثالث من شهره، شهر شعبان الذي كان يدأب في صيامه وقيامه، وحيث كان صائماً؛ لأنّ لشهر شعبان خصوصية عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبينما هو كذلك يأتي إليه بشير يبشّره بمولود جديد له من ابنته الوحيدة والغالية، زهراء الدنيا والآخرةعليها‌السلام .


فنظرصلى‌الله‌عليه‌وآله في العمق الزماني والمكاني، وكأن عينيه الوضاءتين تقرءان حوادث التاريخ، وتنظران إلى عمق المستقبل، أو إنّه كان ينصت إلى الروح الأمين جبرائيلعليه‌السلام وهو يبلّغه حوادث عظيمة ستقع على هذا المولود الاستثنائي.

واغرورقت عينا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالدمع، وارتسمت على شفاهه ابتسامة مشوبة بحزن عميق، عميق جدّاً، فذهل الجميع من هذا الذي رأوه من قائدهم، فمنهم مَنْ استبشر، ومنهم مَنْ فهم شطراً من المسألة فاغتم.

وربّما تفكّر الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله في وقت الولادة؛ لأنّ الزهراءعليها‌السلام في الشهر السادس من الحمل فقط. نعم، وهكذا ولد يحيى الهديّة الكريمة لنبي الله زكريّاعليه‌السلام ، وبروايات أن هكذا ولد عيسى المسيحعليه‌السلام بستة أشهر، إلاّ إنّ الأرجح كان حملة تسع ساعات فقط.

فهل يمكن الله يعيش وليداً ابن ستة أشهر فقط؟ نعم، بأمر الله وقدرته.

هكذا ولد الإمام الحسينعليه‌السلام لستة أشهر فقط، وبعد حوالي السنة من ولادة صنوه الأكبر الإمام الحسن السبطعليه‌السلام .

وذهب الجدّ العظيمصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى داره الفضلى ن والذي كان يسكنها الأمير علي وسيّدة نساء العالمين فاطمةعليهما‌السلام فرأى الجمع المبارك بما فيهم الأمير ينتظره، ويتطلّع إلى مقدمه الشريف.

وما إن وصل حتّى قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «اعطوني ولدي». فأعطوه ذاك الوليد المبارك، فتناوله (باسم الله)، فأذّن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وأعاذه من الشيطان الرجيم، والتفت إلى الأميرعليه‌السلام قائلاً: «ما أسميته يا أبا الحسن؟».

فقال الأميرعليه‌السلام : «ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله، فسمّه».


فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما كنت لأسبق ربّي بذلك».

وإذا بالروح الأمين جبرائيلعليه‌السلام قد هبط بجمع من الملائكة مهنّئين مباركين للرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأهل بيته الكرام بهذا المولود المبارك، وقال مخاطباً الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله : السلام يُقرئك السلام ويقول لك: سمِّ هذا المولود باسم ولد هارون الثاني.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «وما اسم ولد أخي هارون يا جبرائيل؟».

فقالعليه‌السلام : شبير.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ لساني عربي مبين يا جبرائيل».

فقالعليه‌السلام : سمّه إذاً الحسين.

فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «نعم، إنّ هذا ولدي اسمه الحسين، رضيت بما رضي لي ربّي».

وتباشر القوم بالحسينعليه‌السلام وتباركوا، وراح الملائكة يصعدون وينزلون إلى ذاك البيت الطاهر، وإذا بالملاك (فطرس) الذي غضب عليه الرحمن في قصّة مفصّلة، فكسر جناحه ورمى به في مكان ما من ملكه العظيم، وعندما رأى فطرس أفواج الملائكة بهذه الكثافة والحركة الدائبة صعوداً ونزولاً سأل جبرائيلعليه‌السلام قائلاً: ما بالكم يا جبرائيل، هل حدث حدث بأهل الأرض، أم قامت القيامة؟

فقال له: يا فطرس، بل ولد مولود إلى النبي الخاتم محمّد المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ننزل لكي نبارك له ولده.

فقال: فطرس، خذني معك؛ لعل الله سبحانه ببركة هذا المولود أن يغفر لي، وبشفاعة جدّه ينقذني من هذا الذي أنا فيه.

فأخذه معه إلى الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وحكى له قصّته، وسبب


كسر جناحه، فأشار إليه لكي يتمسّح بمهد الإمام الحسينعليه‌السلام ، ففعل فطرس ما أشار به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فشفي ببركة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعاد إليه جناحه فطار فرحاً مسروراً مع ملائكة الرحمن، وكان يفتخر ويقول: مَنْ مثلي وأنا عتيق الحسينعليه‌السلام .

وكانت هذه أوّل فضيلة للإمام الحسينعليه‌السلام ، وشارك فيها عيسى المسيحعليه‌السلام حيث إنّه كان يشفي المرضى بمجرد التمسّح بمهده المبارك أو يده الشريفة، وهكذا كان الإمام الحسينعليه‌السلام إلاّ إنّه شفى وشفع لملاك مهيض الجناح، وليس لبشري مريض الجسد.

فاجتمع للإمام الحسينعليه‌السلام من الفضل والفضائل ما لم يجتمع لأحد من العالمين أبداً.

فأبوه: أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام .

واُمّه: سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراءعليها‌السلام .

وأخوه: الإمام الحسن السبط الزكيعليه‌السلام .

وجدّه لأمّه: الرسول المصطفى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولأبيه: عبد مناف أبو طالب شيخ الأباطحعليه‌السلام .

وجدّته لأمّه: أمّ المؤمنين الأولى السيدة العظيمة خديجة بنت خويلدعليها‌السلام .

ولأبيه: السيّدة العظيمة فاطمة بنت أسدعليها‌السلام .

أمّا ولده فعلي الأكبر الشهيد الأول من الهاشميين، وعلي الأصغرعليه‌السلام ، والإمام زين العابدين وسيّد الساجدين، الأصل الذي تتّصل فيه الإمامة الإلهية، وتنتقل في عقبه الوصية للرسالة الخاتمة حتّى الإمام الحجّة المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف).

فمَنْ كالحسينعليه‌السلام ؟


فالإمام الحسن وجبرائيل ناغياه، والرسول المصطفى وفاطمة الزهراء غذّياه، وأمير المؤمنين علّمه وربّاه، وربّ العالمين طهّره وزكّاه.

الإمام والعصر والخلفاء

عاش الإمام الحسينعليه‌السلام سبعاً وخمسين سنة، قضاها في طاعة الله وعبادته (لم يعص لله طرفة عين)؛ لأنّه الإمام المعصوم، والمفترض الطاعة بعد أخيه الإمام الحسن الزكيعليه‌السلام ، وطاعة جدّه العظيم المصطفى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبيه المرتضى الإمام عليعليه‌السلام .

وعاصر الإمام الحسينعليه‌السلام مختلف أنواع الحكّام في الدولة الإسلاميّة وخلفائها، من أعظم وأعدل خلق الله وأطيبهم، إلى أظلم وأخبث الناس أبداً.

وما بين ذلك عاصر مختلف التيّارات التي عصفت في الدولة الإسلاميّة، وتقاذفتها يميناً وشمالاً. من (فلتة) إلى (تعيين) ومن (شورى محددة) إلى فتن متلاحقة حتّى انتهت إلى ملك عضوض، وراح يعضّ وينهش في جسد الاُمّة، وأجساد الأفراد فيها على أيدي أمويّة خبيثة ليس لها من الدين شيء، لا اسم ولا رسم حتّى.

فعاش الإمام الحسينعليه‌السلام ستة سنوات في ظلال وارفة لجدّه المصطفى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، خير خلق الله، وأعدل البشر قاطبة، وهو القائد الأعلى، والحاكم العام للدولة الإسلاميّة التي كانت عاصمتها المدينة المنوّرة ن وهي في أوج عهدها، وأعظم تألّق لنجمها، وأكبر انتشار لنورها؛ وذلك بسبب الوجود المبارك للرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

والإمام الحسينعليه‌السلام في تلك الفترة الحساسة من عمره الشريف (السنوات الأولى) أحاطته الرعاية من كلّ جانب، حتّى بان فضله وتألّق نجمه في سماء المدينة المنوّرة.

فرعاية الله تحفظه، وملائكة من أعظم ملائكة الرحمن ترعاه، كيفما توجهعليه‌السلام وأينما تحرّك.


وتعزّزها رعاية ومحبّة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حتّى إنّه في اللحظات الأولى لولادته المباركة ألقمه لسانه الشريف يمتص منه لبناً سائغاً، وعسلاً مصفّى يغتذي به، فنبت لحم الإمام الحسينعليه‌السلام ونما جسده واشتدّ عظمه من الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهذا من معاني قولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «حسينٌ منّي وأنا من حسين، أحبّ الله مَنْ أحبّ حسيناً»( 1 ) . وفلسفة هذا الحديث عميقة، ومعانيه واسعة، وليس هنا مجال البحث المعمّق فيه.

فأوّل حاكم عاصره الإمام الحسينعليه‌السلام لدولة الإسلام الحنيف، هو الحاكم الأوّل والأعدل في دنيا الإنسانية كلّها جدّه المعظم الذي كان مؤسس وموجّه وقائد تلك الدولة الفتيّة في ربوع المدينة المنوّرة.

وعاش في بدايات عمره الشريف ألم فراق الأمّ الحنونة، والجدّ العطوف، وذلك خلال أشهر قليلة، وما أعظمها من مصيبة على قلب ذاك الفتى النوراني الذي فتح عينيه في صباح ذاك اليوم ليرى المدينة كلّها تضجّ وتعجّ، والناس بين باك وصارخ ومعول، ويدخل إلى جدّه الذي اعتاد على الاصطباح بوجهه الشريف وقبلاته الحارة يراه مسجّى ولا حراك فيه، واُمّه وأبوه والهاشميون بأشدّ البكاء والنحيب على فراق الحبيب المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ ليعيش بعدها بليلة واحدة ويوم واحد في دولة جديدة وحاكم جديد، وذلك بعد الانقلاب الذي أحدثوه على أبيه أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ، وما يزال الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على فراشه لم يدفن بعد.

وحُمل مع أخيه الزكيعليهما‌السلام من قبل أبيه وأمّهعليهما‌السلام ، وداروا على المهاجرين والأنصار في محاولة لإحقاق الحقّ، وتصحيح العمل الذي اقترفوه بإبعاد أهل البيت الكرامعليهم‌السلام عن قيادة الاُمّة الإسلاميّة، وتولّى غيرهم

____________________

(1) بحار الأنوار 43 / 270، ب12، ح35.


الاُمور وهم أحقّ أهل الأرض بذلك المقام الذي خصّصه الله ورسوله لهم، وليس لأحد غيرهم أبداً.

ويرى الهجوم الكاسح الذي قادوه على دارهم، ويسمع التهديدات بإحراق المنزل وهم فيه، ومحاججة اُمّه الطيّبة للقوم، ويشاهد بأمّ عينيه عملية الاقتحام الغبية والعنيفة للمنزل، والتي أدّت بحياة أمّه الزهراءعليها‌السلام ، وجنينها الذي أسماه جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بـ (المحسن)، وكيف اُخذ أبوه المرتضى حامي الحمى مُكرهاً إلى المسجد الجامع؛ لكي يبايع.

ولذلك نرى الإمام الحسينعليه‌السلام ، وفي تلك السنّ المبكّرة، وعندما رأى الحاكم على منبر جدّه المصطفىصلى‌الله‌عليه‌وآله ركض إليه، وحاول إنزاله عنه على مرأى ومسمع كلّ مَنْ حضر المسجد، قائلاً: «انزل، هذا مكان جدّي وأبيعليهما‌السلام ».

وهكذا فقد الإمام الحسينعليه‌السلام اُمّه في ريعان شبابها، وقمّة عطائها، وهو أحوج ما يكون لها، وما في الوجود مَنْ يعوّض عن الزهراءعليها‌السلام في كلّ شيء على الإطلاق، إلاّ إنّ أمير المؤمنين عليعليه‌السلام ناب عن الزهراءعليها‌السلام ، وعن أبي الزهراءصلى‌الله‌عليه‌وآله في تربية الحسنينعليهما‌السلام تربية إلهية خالصة.

وبعد انقضاء حكومة أبي بكر وعمر وعثمان جاء المسلمون إلى أمير المؤمنين عليعليه‌السلام يبايعونه بالخلافة بعد أن كان جليس الدار طيلة (25) سنة، فلمّا حكم الإمام عليعليه‌السلام بالعدل، وعلى أساس كتاب الله وسنة رسوله الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، راح البعض يتطلّب القطائع والبلاد للحكم والأموال، وعندما رفض الإمام طلباتهم أعلنوا عليه الحرب؛ فنكث طلحة والزبير، وحاربهم في معركة الجمل الشهيرة، وقسط معاوية وأعلن خروجه ومناجزته لإمامه، وحاربه في صفين، وانتهت


الاُمور في مهزلة التحكيم، ومرق الخوارج، فحاربهم في النهروان فاُبيد معظمهم.

فهذه الحروب لم تنته حتّى زادت في تفتت الاُمّة وتشتتها، وقضى أمير المؤمنينعليه‌السلام شهيداً في محراب العبادة لمسجد الكوفة، وذلك بعد أن رسم للعالم بأجمعه اُسلوب الحكومة الإسلاميّة الصحيحة، والعدالة الإنسانية الكاملة.

وفي كلّ هذه الحروب كان الإمام الحسينعليه‌السلام في طليعة مَنْ يُشارك والده العظيم بحروبه الثلاثة؛ الجمل، والصفين، والنهروان، وكان مع صنوه الإمام الحسنعليه‌السلام يمثّلان الظلّ الظليل للأمير عليعليه‌السلام ، ومحمد بن الحنفية ساعده وصاحب لوائه.

فاكتسب الإمام الحسينعليه‌السلام خبرة واسعة في الحرب والعمليات العسكرية، بالإضافة إلى العلم الغزير الذي أغدقه عليه أمير المؤمنينعليه‌السلام في كلّ جوانب الحياة واتجاهاتها. وهو الإمام المعصوم بعد أخيه الإمام الحسنعليه‌السلام ، والمفترض الطاعة على العالمين، وعلمه من علم الله لدُنيّاً، وتسديده من حكيم عليم في كلّ ما يقول ويفعل.

أمّا موقفه من الاُمويّين عامّة، وحاكمهم معاوية بن أبي سفيان وولده يزيد خاصّة فهو معروف، ولا يمكن أن ينكره أحد من ذاك الزمن وإلى اليوم إلاّ معاند أو جاهل بالتاريخ والسيرة؛ فالرفض لحكومة الأوّل، والثورة على حكم الثاني كان عمل الإمام الحسينعليه‌السلام المميّز عبر القرون والأجيال.

أمّا سكوته عن معاوية رغم إنّهعليه‌السلام كان يرى ضرورة مجاهدته؛ فهو لاستمرار الظروف الاجتماعية والسياسية الضاغطة، التي ألجأت صنوه الإمام الحسن السبطعليه‌السلام للصلح والمهادنة هذا من جهة، ولشخصية الحاكم معاوية بن أبي سفيان نفسه المميّزة بالدهاء والشيطنة، وشقوته التي ما زالت مضرباً للأمثال، وغيرها من الجوانب التي ألجأت الإمام الحسينعليه‌السلام لعدم الخروج عليه ومجاهدته.


وجرت مراسلات كثيرة بين الإمام الحسينعليه‌السلام ومعاوية، توضّح موقف الإمامعليه‌السلام من معاوية وحكمه الظالم، وتفضح يزيد قبل أن يتولّى منصب الحكم؛ وذلك حين حاول معاوية أخذ البيعة له، وهو ما زال على قيد الحياة.

وفي نهاية عام الستين للهجرة الشريفة مات معاوية حاملاً معه أوزاره، ولا حقه به آثام ولده يزيد الذي ولاّه على رقاب وأموال وأعراض هذه الاُمّة فعاث فيها فساداً وإفساداً.

وما إن تولّى يزيد مقاليد الاُمور حتّى بعث إلى ولاة الأمصار بأخذ البيعة له ولو بالإكراه، وأرسل إلى والي المدينة يأمره بأخذ البيعة من أهلها عامّة، وألحق برسالته رسالة صغيرة مكتوب فيها: أمّا بعد، فخذ الحسين بن علي، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً عنيفاً ليس فيه رخصة، ومَنْ أبى عليك منهم فاضرب عنقه، وابعث إليّ برأسه، والسلام.

فتناول الوليد بن عتبة والي المدينة الرسالة بالحوقلة والاسترجاع؛ لمعرفته بهؤلاء النفر، ومعاندتهم لبيعة يزيد، وخاصّة الإمام الحسينعليه‌السلام ، فله مكانته الاجتماعية المرموقة - سياسياً واقتصادياً، وروحياً ومعنوياً - فهو مَنْ لا يخفى فضله، ولا يخبو نوره، فهو ابن بنت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وابن أمير المؤمنين الإمام عليعليه‌السلام ، وفاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمينعليها‌السلام ، وسيّد شباب أهل الجنّة.

وهو بالتالي صاحب الحقّ بالولاية الدينية والدنيوية، وحتى حسب نصّ معاهدة الصلح التي تمّت بين معاوية والإمام الحسنعليه‌السلام فهو أحقّ بالبيعة له من يزيد، أو غير يزيد من هذه الاُمّة، فاحتار الوالي وبعث إلى مروان بن الحكم (الوزغ ابن الوزغ) كي يستشيره في الأمر، فأشار إليه بدعوة أولئك النفر المذكورين فوراً، وأخذ البيعة منهم قبل الصباح، وأرسلوا الخادم إلى المسجد وكان الوقت متأخراً من الليل،


وكان الإمام الحسينعليه‌السلام وبعض المسلمين يؤدّون الصلاة إلى الله، فاقترب الخادم من الإمام الحسينعليه‌السلام ودعاه إلى عند الأمير - الوالي الوليد بن عتبة -، فعرف الإمام الحسينعليه‌السلام المقصد والمطلب، فالتفت إلى عبد الله بن الزبير قائلاً: «أظنّ أنّ معاوية قد مات، ويدعوننا الآن للبيعة ليزيد».

وهذا الذي كان بالفعل، ورفض الإمام الحسينعليه‌السلام البيعة ليزيد.

والتاريخ يقول: جاء الإمام الحسينعليه‌السلام ودخل إلى الوليد، وبعد السلام قال له الوليد: آجرك الله في معاوية، لقد ذاق الموت، وهذا كتاب الأمير يزيد.

فقال الإمامعليه‌السلام : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، لماذا دعوتني؟».

فقال الوليد: دعوتك للبيعة التي قد اجتمع الناس عليها.

فقال الإمامعليه‌السلام : «إنّ مثلي لا يعطي بيعته سرّاً، وإنّما يجب أن تكون البيعة علانية وبحضرة الجماعة، فإذا دعوت الناس غداً إلى البيعة دعوتنا معهم».

فقال الوليد: أبا عبد الله، والله لقد قلت فأحسنت القول، وأجبت بجواب مثلك، وهكذا كان ظنّي بك، فانصرف راشداً تأتينا غداً مع الناس.

فتدخّل مروان الوزغ قائلاً آثماً: أيّها الأمير، إن فارقك الساعة ولم يبايع فإنّك لم تقدر منه على مثلها أبداً حتّى تكثر القتلى بينك وبينه؛ فاحبسه عندك، ولا تدعه يخرج أو يبايع، وإلاّ فاضرب عنقه.

فالتفت الإمام الحسينعليه‌السلام إليه قائلاً: «ويلي عليك يابن الزرقاء، أتأمر بضرب عنقي؟! كذبت والله ولؤمت وأثمت. والله، لو رام ذلك أحد لسقيت الأرض من دمه قبل ذلك، فإن شئت ذلك فرم أنت ضرب عنقي إن كنت صادقاً».

ثمّ التفتعليه‌السلام إلى الوليد بن عتبة قائلاً: «إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والرحمة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل للنفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة».


وخرج الإمام الحسينعليه‌السلام بعد المشادّة الكلامية التي جرت بينهم، فقال مروان الوزغ للوليد: عصيتني ولم ترقب قولي! فوالله لا يمكنك على مثلها أبداً.

فقال الوليد: ويحك يا مروان! اخترت لي ما فيه هلاك ديني، أأقتل حسيناً إن قال: لا اُبايع؟! والله، لا أظنّ امرأً يُحاسب بدم الحسينعليه‌السلام إلاّ خفيف الميزان يوم القيامة، ولا ينظر الله إليه، ولا يزكّيه، وله عذاب أليم.

وهكذا استيقظت المدينة في اليوم التالي على أمرين عظيمين: هلاك معاوية بن أبي سفيان، ورفض الإمام الحسينعليه‌السلام ، وعبد الله بن الزبير، وبعض الوجهاء البيعة ليزيد، وكان ذلك في غرّة رجب من سنة ستين للهجرة النبويّة الشريفة.

وبعد أن عرف الإمام الحسينعليه‌السلام أنّ القوم أرادوا قتله، خرج من المدينة المنوّرة في (28) رجب، تاركاً وصية إلى أخيه محمّد بن الحنفية، وقد أوضح فيها سبب خروجه على يزيد، وهي: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمّد بن علي، المعروف بابن الحنفية.

إنّ الحسين بن عليعليه‌السلام يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأنّ الجنّة والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَنْ في القبور.

إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وسيرة أبي علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردّ عليّ هذا صبرت حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ، ويحكم بيني وبينهم وهو خير الحاكمين.


هذه وصيتي إليك يا أخي، وما توفيقي إلاّ بالله، عليه توكّلت وإليه أنيب. والسلام عليك وعلى مَنْ اتّبع الهدى، ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم».

فخرج الإمام الحسينعليه‌السلام من المدينة في 28 رجب، ووصل إلى مكّة المكّرمة في 3 شعبان، وراح يستقبل الوفود القادمة إليه من كلّ حدب وصوب، وأرسل رسائل إلى قادة القبائل والعشائر خاصّة في البصرة، والكوفة، وعندما كثرت عليه رسائل الكوفيين أرسل إليهم سفيره وثقته مسلم بن عقيل لاستطلاع أحوالهم.

ونسج الأمويّون مؤامرة لاغتيال الإمام الحسينعليه‌السلام في موسم الحج ولو كان متعلّقاً بأستار الكعبة، فاقتصر الإمام الحسينعليه‌السلام حجّه وأحاله إلى عمرة، وخرج مسرعاً من مكّة المكرّمة في يوم التروية الثامن من ذي الحجّة عام ستين للهجرة متّجهاً إلى الكوفة، متّبعاً الطريق العام للقوافل، وهو يعلم بأنّ مصيره الشهادة في سبيل الله.

الشهادة المفجعة

وسار الإمام الحسينعليه‌السلام في درب الجهاد حتّى النهاية المحتومة للمجاهدين في سبيل الله الشهادة المظفّرة؛ لأنّ «الجهاد باب من أبواب الجنّة فتحه الله لخاصة أوليائه» كما يقول أمير المجاهدين الإمام عليعليه‌السلام .

وجزاء الشهيد جنّات عدن، وعند ربّهم يرزقون، ويفرحون بما آتاهم الله من فضله وكرمه، وحباهم من كرامته، وقرّبهم إلى ساحة قدسه. والإمام الحسينعليه‌السلام هو سيّد شباب أهل الجنّة، وسيّد شهداء الدنيا؛ فمكانه عظيم ورفيع وقريب، وأقرب ما يكون عبد من ساحة الربّ (جلّ وعلا)؛ لأنّه الذبيح العظيم الذي فدى الرسالة الإسلاميّة الخاتمة، والنهج الإلهي القويم الذي ارتضاه سبحانه لخلقه، ولولا شهادة الإمام الحسينعليه‌السلام ، وبهذه الطريقة


المفجعة، وبهذا السخاء بالدم الطاهر الزكي لما بقي للإسلام اسم أو رسم حتّى.

فاستمرار الإسلام وبقاؤه بفضل دم الإمام الحسينعليه‌السلام وكلّ مَنْ استشهد معه، وكذلك بفضل ركب السبايا الذين حملهم الإمامعليه‌السلام معه، وخلّفهم بعد استشهاده على تراب الطفّ؛ ليرووا إلى الدنيا وقائع وفجائع حادثة كربلاء، وينقلوا إلى الناس والأجيال قساوة الحكم الأموي وظلمه، وتجبّره على الحقّ وأصحاب الحقّ والضمائر الحرّة الأبية.

فاستشهد الإمام الحسينعليه‌السلام وكلّ مَنْ كان معه خلال سويعات من يوم العاشر من المحرّم الحرام في مطلع سنة (61) هـ على تراب كربلاء المقدّسة، بتلك الدماء الزكية الطاهرة التي سقت أديمها وحبّات الرمل فيها فأصبحت مناراً للأجيال، وملاذاً للثوّار والأحرار إلى اليوم وإلى يوم الوقت المعلوم، حيث ظهور الحفيد التاسع لذاك الشهيد العظيم؛ الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه الشريف)؛ ليأخذ بثأر جدّه الشهيد، وثأر كلّ الشهداء في سبيل الحقّ والعدل والحريّة.

استشهد الإمام الحسينعليه‌السلام واستشهد معه من أبنائه البررة علي الأكبر الشهيد الأوّل من الهاشميّين، وعبد الله الرضيع آخر الشهداء قبل أبيه الإمام الحسينعليه‌السلام ، ذبح وهو بين يدي والده يطلب له جرعة ماء، فسقاه حرملة بن كاهل اللعين كأس المنون بسهم من كنانة كفره وحقده.

ولم يبقَ للإمام الحسينعليه‌السلام من الأبناء سوى الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام ، وهو الوحيد الذي نجا من مجزرة كربلاء، بمعجزة إلهية، وفداء وتفاني زينبي عجيب في مجلس ابن زياد ويزيد حينما حاولا قتل الإمامعليه‌السلام ، فمنعتهما زينبعليها‌السلام من ذلك ببطولتها الخارقة، وجرأتها العلويّة النادرة.

أمّا البنات فترك الإمام الحسينعليه‌السلام ؛ رقية وفاطمة وسكينة، وقيل: وزينب، وقيل: وغيرها.


وكان نقش خاتمة الشريف:(إنّ الله بالغ أمره) .

وحرزه:(بسم الله الرحمن الرحيم، اللّهمّ إنّي أسألك بمكانك، ومقاعد عزّك، وسكّان سماواتك وأنبيائك ورسلك أن تستجيب لي، فقد رهقني من أمري عسر. اللّهمّ إنّي أسألك أن تصلّي على محمّد وآل محمّد، وأن تجعل لي من عسر يسُراً) .

وفي الختام

إنّ الحديث عن الإمام الحسينعليه‌السلام ليس له ختام؛ لأنّهعليه‌السلام مسك البداية والختام، إلاّ إنّني أشير هنا إلى حقيقة واقعية ملموسة، وهي إنّ الإمام الحسينعليه‌السلام له ميزة خاصّة في كلّ شؤون حياته الشريفة من الولادة وإلى الشهادة.

وهذه الميزة يلمسها ويشعر بها كلّ مَنْ تعرّف على الإمام الحسينعليه‌السلام خاصّة العلماء؛ سواء كانوا من أتباع أهل البيتعليهم‌السلام ، أو من غيرهم حتّى.

فالحديث عنه شيّق وذو طعم خاص، تختلط فيه العظمة والكبرياء، والسمو والنور، والشهادة والإباء، اختلاط النور بالنور؛ فلدعائه خصوصية، وخاصة دعاؤه يوم عرفة، ولعبادته ولحديثه ولخطبه ولمواقفه ولاستشهاده خصوصية مميّزة فعلاً.

وجمع أحاديث وأقوال الإمام الحسينعليه‌السلام بهذا الشكل الجميل يوضّح هذه الخصوصيات الحسينية في الحديث والخطابة أكثر وأكثر؛ فادرس وتأمّل، وانتعش روحياً بحديث الإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام .

والحمد لله ربّ العالمين أوّلاً وآخراً.

مركز الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله للتحقيق والنشر

بيروت - لبنان - ص. ب: 5951 / 13



إلهيّات



لم يزل ولا يزال(1)

الصمد: الّذي لا جوف له.

والصمد: الذي قد انتهى سؤدده.

والصمد: الذي لا يأكل ولا يشرب.

والصمد: الذي لا ينام.

والصمد: الدائم الذي لم يزل ولا يزال.

____________________

(1) التوحيد / 90، ب4، ح3، قال الباقرعليه‌السلام : «حدّثني أبي زين العابدين، عن أبيه الحسين بن عليعليهما‌السلام ، أنّه قال:...».


هو الكبير المتعال (1)

عن عكرمة قال: بينما ابن عبّاس يحدّث الناس إذ قام إليه نافع بن الأزرق فقال: يابن عبّاس، تفتي في النملة والقمّلة، صف لنا إلهك الّذي تعبده. فأطرق ابن عبّاس إعظاماً لله (عزّ وجلّ)، وكان الحسين بن عليّعليه‌السلام جالساً ناحية، فقال: «إليّ يابن الأزرق». فقال: لست إيّاك أسأل.

فقال ابن العبّاس: يابن الأزرق، إنّه من أهل بيت النبوّة، وهم ورثة العلم.

فأقبل نافع بن الأزرق نحو الحسينعليه‌السلام ، فقال له الحسينعليه‌السلام : «يا نافع، إنّ مَنْ وضع دينه على القياس لم يزل الدهر في الارتماس، مائلاً عن المنهاج، ظاعناً في الاعوجاج، ضالاً عن السبيل، قائلاً غير الجميل.

يابن الأزرق، أصف إلهي بما وصف به نفسه، واُعرّفه بما عرّف به نفسه؛ لا يُدرك بالحواس، ولا يُقاس بالناس، فهو قريبٌ غير ملتصق، وبعيدٌ غير مقتصّ، يوحّد ولا يُبعّض، معروف بالآيات، موصوف بالعلامات، لا إله إلاّ هو الكبير المتعال».

____________________

(1) التوحيد / 79، ب2، ح35. حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه)، قال: حدّثنا أبو أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي البصريّ بالبصرة، قال: أخبرنا محمّد بن زكريّا الجوهري الغلابي البصريّ، قال: حدّثنا العبّاس بن بكّار االضبّي، قال: حدّثنا أبو بكر الهذلي.


لا كفو له (1)

«أيّها الناس، اتّقوا هؤلاء المارقة الّذين يشبّهون الله بأنفسهم، يضاهئون قول الّذين كفروا من أهل الكتاب، بل هو الله ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار، وهو يُدرك الأبصار، وهو اللّطيف الخبير.

استخلص الوحدانيّة والجبروت، وأمضى المشيئة والإرادة والقدرة والعلم بما هو كائن، لا منازع له في شيء من أمره، ولا كفو له يعادله، ولا ضدّ له ينازعه، ولا سميّ له يشابهه، ولا مثل له يشاكله.

لا تتداوله الاُمور، ولا تجري عليه الأحوال، ولا تنزل عليه الأحداث، ولا يقدر الواصفون كنه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته؛ لأنّه ليس له في الأشياء عديل، ولا تدركه العلماء بألبابها، ولا أهل التفكير بتفكيرهم إلاّ بالتحقيق إيقاناً بالغيب؛ لأنّه لا يوصف بشيء من صفات المخلوقين، وهو الواحد الصمد.

ما تصوّر في الأوهام فهو خلافه، ليس بربّ مَنْ طُرح تحت البلاغ، ومعبود مَنْ وُجِد في هواء أو غير هواء. هو في الأشياء كائن لا كينونة محظور بها عليه، ومن الأشياء بائن لا بينونة غائب عنها، ليس بقادر مَنْ قارنه ضدّ، أو ساواه ندّ، ليس عن الدهر قدمه، ولا بالناحية اُممه، احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وعمّن في السماء احتجابه كمَنْ في الأرض، قربه كرامته، وبعده إهانته، لا تحلّه في، ولا توقّته إذ، ولا تؤامره إن.

علوّه من غير توقّل، ومجيئه من غير تنقّل، يوجد المفقود ويفقد الموجود، ولا تجتمع لغيره من الصفتان في وقت. يصيب الفكر منه الإيمان به

____________________

(1) تحف العقول / 244 - 245. عن الحسين بن عليّ (صلوات الله عليهما).


موجوداً، ووجود الإيمان لا وجود صفة، به توصف الصفات لا بها يوصف، وبه تُعرف المعارف لا بها يُعرف، فذلك الله لا سميّ له سبحانه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير».

لم يلد ولم يُولد (1)

إنّ أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن عليّعليهما‌السلام يسألونه عن الصمد، فكتب إليهم: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فلا تخوضوا في القرآن، ولا تُجادلوا فيه، ولا تتكلّموا فيه بغير علم، فقد سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: مَنْ قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار. وإنّه سبحانه قد فسّر الصمد فقال:( الله أحد، الله الصمد ) ، ثمّ فسّره فقال:( لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد ) .

(لم يلد): لم يخرج منه شيء كثيف كالولد، وسائر الأشياء الكثيفة الّتي تخرج من المخلوقين، ولا شيء لطيف كالنفس، ولا يتشعّب منه البداوات كالسنة والنوم، والخطرة والهمّ، والحزن والبهجة، والضحك والبكاء، والخوف والرجاء، والرغبة والسأمة، والجوع والشبع، تعالى أن يخرج منه شيء، وأن يتولّد منه شيء كثيف أو لطيف.

(ولم يُولد): لم يتولّد منه شيء، ولم يخرج من شيء كما يخرج الأشياء الكثيفة من عناصرها كالشيء من الشيء، والدابة من الدابة، والنبات من

____________________

(1) التوحيد / 90 - 91، ب4، ح5، قال وهب بن وهب القرشيّ: حدّثني الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر، عن أبيهعليهما‌السلام .


الأرض، والماء من الينابيع، والثمار من الأشجار، ولا كما تخرج الأشياء اللطيفة من مراكزها، كالبصر من العين، والسمع من الأذن، والشمّ من الأنف، والذوق من الفم، والكلام من اللّسان، والمعرفة والتمييز من القلب، وكالنار من الحجر؛ لا بل هو الله الصمد الّذي لا من شيء، ولا في شيء، ولا على شيء.

مبدع الأشياء وخالقها، ومنشئ الأشياء بقدرته، يتلاشى ما خلق للفناء بمشيئة، ويبقى ما خلق للبقاء بعلمه، فذلكم الله الصمد الّذي لم يلد ولم يولد، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال، ولم يكن له كفواً أحد».



نبويّات



النبي وملك الموت (1)

عن عليّ بن الحسينعليهما‌السلام ، إنّه دخل عليه رجلان من قريش، فقال: «ألا أحدّثكما عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟». فقالا: بلى، حدّثنا عن أبي القاسم، قال: «سمعت أبيعليه‌السلام يقول: لمّا كان قبل وفاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بثلاثة أيّام هبط عليه جبرائيل فقال: يا أحمد، إنّ الله أرسلني إليك إكراماً وتفضيلاً لك وخاصّة، يسألك عمّا هو أعلم به منك، يقول: كيف تجدك يا محمّد؟

قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أجدني يا جبرائيل مغموماً، وأجدني يا جبرائيل مكروباً.

فلمّا كان اليوم الثالث هبط جبرائيل وملك الموت، ومعهما ملك يُقال له: إسماعيل في الهواء على سبعين ألف ملك، فسبقهم جبرائيلعليه‌السلام فقال: يا أحمد، إنّ الله (عزّ وجلّ) أرسلني إليك إكراماً لك وتفضيلاً لك وخاصّة، يسألك عمّا هو أعلم به منك.

____________________

(1) أمالي الصدوق / 226 - 227، المجلس46، ح11. حدّثنا أبو العباس محمّد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدّثنا أبو أحمد عبد الله بن أحمد بن محمّد بن عيسى، قال: حدّثنا علي بن سعيد بن بشير، قال: حدّثنا ابن كاسب، قال: حدّثنا عبد الله بن ميمون المكي، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد، عن أبيه...


فقال: كيف تجدك يا محمّد؟

قال: أجدني يا جبرائيل مغموماً، وأجدني يا جبرائيل مكروباً.

فاستأذن ملك الموت، فقال جبرائيل: يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، لم يستأذن على أحد قبلك، ولا يستأذن على أحد بعدك.

قال: أتأذن له؟ فأذن له جبرائيلعليه‌السلام ، فأقبل حتّى وقف بين يديه فقال: يا أحمد، إنّ الله أرسلني إليك، وأمرني أن اُطيعك فيما تأمرني؛ إن أمرتني بقبض نفسك قبضتها، وإن كرهت تركتها.

فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : أتفعل ذلك يا ملك الموت؟

قال: نعم، بذلك اُمرت أن اُطيعك فيما تأمرني.

فقال له جبرائيل: يا أحمد، إنّ الله تبارك وتعالى قد اشتاق إلى لقائك. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا ملك الموت، امضِ لما اُمرت به.

فقال جبرائيلعليه‌السلام : هذا آخر وطئي الأرض، إنّما كنتَ حاجتي من الدنيا.

فلمّا توفي رسول الله (صلّى الله على روحه الطيّب وعلى آله الطاهرين) جاءت التعزية؛ جاءهم آتٍ يسمعون حسّه ولا يرون شخصه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كلّ نفس ذائقة الموت، وإنّما توفّون اُجوركم يوم القيامة، إنّ في الله (عزّ وجلّ) عزاء من كلّ مصيبة، وخلفاً من كلّ هالك، ودركاً من كلّ ما فات؛ فبالله فثقّوا، وإيّاه فارجوا؛ فإنّ المصاب مَنْ حُرِمَ الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قال عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : هل تدرون مَنْ هذا؟ هذا هو الخضرعليه‌السلام ».


الأعرابيّ والضبّ (1)

دخل أعرابيّ على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يريد الإسلام، ومعه ضبّ(2) قد اصطاده في البرّية، وجعله في كمّه، فجعل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يعرض عليه الإسلام، فقال: لا اُؤمن بك يا محمّد أو يؤمن بك هذا الضبّ. ورمى الضبّ من كمّه، فخرج الضبّ من المسجد يهرب، فقال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا ضبّ، مَنْ أنا؟».

قال: أنت محمّد بن عبد الله بن عبد المطلّب بن هاشم بن عبد مناف.

قال: «يا ضبّ، مَنْ تعبد؟».

قال: أعبد [الله] الّذي فلق الحبّة وبرئ النسمة، واتّخذ إبراهيم خليلاً، وناجى موسى كليماً، واصطفاك يا محمّد.

فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله حقّاً. فأخبرني يا رسول الله هل يكون بعدك نبيّ؟

قال: «لا، أنا خاتم النبيّين، ولكن يكون بعدي أئمّة من ذرّيتي، قوّامون بالقسط، كعدد نقباء بني إسرائيل؛ أوّلهم عليّ بن أبي طالب، فهو الإمام والخليفة بعدي، وتسعة من الأئمّة من صلب، هذا - ووضع يده على صدري - والقائم تاسعهم،

____________________

(1) كفاية الأثر / 172 - 174. حدّثنا علي بن الحسن بن محمّد، قال: حدّثنا الشريف الحسين بن علي بن عبد الله بن الموسى القاضي، [ قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن حفص، قال: حدّثنا علي بن المثنى ] قال: حدّثنا حريز [ جرير خ ل ] بن عبد الحميد الضبي، قال: حدّثنا الأعمش عن إبراهيم بن يزيد السمان، عن أبيه، عن الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....

(2) الضبّ: حيوان من الزحافات شبيه بالحرذون ذنبه كثير العقد. يُقال له بالفارسيّة (سوسمار).


يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أوّله».

قال: فأنشأ الأعرابيّ يقول:

ألا يا رسولَ اللهِ إنّك صادقٌ

فبوركتَ مهديّاً وبوركتَ هاديا

شرعتَ لنا الدينَ الحنيفيّ بعدما

غدونا كأمثالِ الحميرِ الطواغيا

فيا خيرَ مبعوثٍ ويا خيرَ مُرسلِ

إلى الإنسِ ثمّ الجنّ لبّيكَ داعيا

فبوركتَ في الأقوامِ حيّاً وميّتاً

وبوركتَ مولوداً وبوركتَ ناشيا

قال: فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا أخا بني سليم، هل لك مال؟».

فقال: والذي أكرمك بالنبوّة وخصّك بالرسالة، إنّ أربعة آلاف بيت في [من خ ل] بني سليم ما فيهم أفقر منّي.

فحمله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله على ناقة، فرجع إلى قومه فأخبرهم بذلك.

قالوا: فأسلم الأعرابي طمعاً في الناقة، فبقى نومه [يومه خ ل] في الصفة لم يأكل شيئاً، فلمّا كان من الغد تقدّم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال:

يا أيّها المرءُ الّذي لا نعدمهْ

أنتَ رسولُ اللهِ حقّاً نعلمهْ

ودينكَ الإسلام ديناً نعظمهْ

نبغي من الإسلامِ شيئاً نقضمهْ

قد جئت بالحقّ وشيئاً تطعمهْ

فتبسّم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال: «يا علي، أعطِ الأعرابي حاجته».

قال: فحمله عليعليه‌السلام إلى منزل فاطمة وأشبعه، وأعطاه ناقة وجلّة تمراً.


ولائيات



النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعمّه حمزة (1)

رأيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كبّر على حمزة خمس تكبيرات، وكبّر على الشهداء بعد حمزة خمس تكبيرات، فلحق حمزة سبعون تكبيرة.

مَنْ هم العترة(2) ؟

سُئل أمير المؤمنينعليه‌السلام عن معنى قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّي مخلّف فيكم الثقلين؛ كتاب الله وعترتي». مَنْ العترة؟

فقال: «أنا والحسن والحسين، والأئمّة التسعة من ولد الحسين؛ تاسعهم مهديّهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتّى يردوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حوضه».

____________________

(1) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 2 / 45، ب31، ح167. بالأسانيد الثلاثة عن الرضاعليه‌السلام ، عن آبائه، عن الحسين بن عليعليهم‌السلام ، إنّه قال:....

(2) معاني الأخبار / 90. حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضي الله عنه)، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن الحسينعليهم‌السلام ، قال:....


النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأجر الرسالة (1)

قلت لفاطمة بنت الحسينعليها‌السلام : أخبريني - جعلتُ فداكِ - بحديث اُحدّث وأحتجّ به على الناس. قالت: أخبرني أبي: «أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله كان نازلاً بالمدينة، وأنّ مَنْ أتاه من المهاجرين كانوا ينزلون عليه، فأرادت الأنصار أن يفرضوا لرسول الله فريضة يستعين بها على مَنْ أتاه.

فأتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقالوا: قد رأينا ما ينوبك من النوائب، وإنّا أتيناك لنفرض لك من أموالنا فريضة تستعين بها على مَنْ أتاك.

قال: فأطرق النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله طويلاً، ثمّ رفع رأسه فقال: إنّي لم اُؤمر أن آخذ منكم على ما جئتم به شيئاً، انطلقوا فإنّي لم اُؤمر بشيء، وإن اُمرت به أعلمتكم.

قال: فنزل جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّ ربّك قد سمع مقالة قومك وما عرضوا عليك، وقد أنزل الله عليهم فريضة:( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ‏ ) (2) .

فخرجوا وهم يقولون: ما أراد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ أن يذلّ له الأشياء، وتخضع له الرقاب ما دامت السماوات والأرض لبني عبد المطلّب.

قال: فبعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : أن اصعد المنبر وادعُ الناس [إليك]، ثمّ قل: يا أيّها الناس، مَنْ انتقص أجيراً أجره فليتبوّأ مقعده من

____________________

(1) تفسير فرات الكوفي / 145 - 146. فرات، قال: حدّثنا عبد السلام بن مالك قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن أحمد قال: حدّثنا محمّد بن الحارث الهاشمي قال: حدّثنا الحكم بن سنان الباهلي، عن أبي جريح، عن عطا بن أبي رباح قال:....

(2) سورة الشورى / 23.


النار، ومَنْ دعا إلى غير مواليه فليتبوّأ مقعده من النار، ومَنْ انتفى من والديه فليتبوأ مقعده من النار.

قال: فقام رجل وقال: يا أبا الحسن، ما لهنّ من تأويل؟ فقال: الله ورسوله أعلم. فأتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبره، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ويل لقريش من تأويلهنّ - ثلاث مرّات -.

ثمّ قال: يا عليّ، انطلق فأخبرهم أنّي أنا الأجير الّذي أثبت الله مودّته من السماء. [ثمّ قال]: أنا وأنت مولا المؤمنين، وأنا وأنت أبوا المؤمنين. ثمّ خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا معشر قريش والمهاجرين والأنصار.

فلمّا اجتمعوا قال: يا أيّها الناس، إنّ عليّاً أوّلكم إيماناً بالله، وأقومكم بأمر الله، وأوفاكم بعهد الله، وأعملكم بالقضيّة، وأقسمكم بالسويّة، وأرحمكم بالرعيّة، وأفضلكم عند الله مزية.

ثمّ قال: إنّ الله مثّل لي اُمّتي في الطين، وعلّمني أسماءهم كما علّم آدم الأسماء كلّها، ثمّ عرضهم، فمرّ بي أصحاب الرايات فاستغفرت لعليّ وشيعته، وسألت ربّي أن تستقيم اُمّتي على عليّعليه‌السلام من بعدي، فأبى إلاّ أن يُضلّ مَنْ يشاء ويهدي مَنْ يشاء، ثمّ ابتدأني ربّي في عليّعليه‌السلام بسبع خصال:

أمّا أوّلهنَّ: فإنّه أوّل مَنْ ينشقّ عنه الأرض معي، ولا فخر.

وأمّا الثانية: فإنّه يذود [أعداءه] عن حوضي كما تذود الرعاة غريبة الإبل.

وأمّا الثالثة: فإنّه من فقراء شيعة عليّعليه‌السلام ليشفع في مثل ربيعة ومضر.

وأمّا الرابعة: فإنّه أوّل مَنْ يقرع باب الجنّة معي، ولا فخر.

وأمّا الخامسة: فإنّه [أوّل مَنْ] يزوّج من الحور العين معي، ولا فخر.

وأمّا السادسة: فإنّه أوّل مَنْ يسكن معي في عليّين، ولا فخر.

وأمّا السابعة: فإنّه أوّل مَنْ يُسقى من الرحيق المختوم ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».


القربى مَنْ هم؟ (1)

عن الحسين بن عليعليه‌السلام في قول الله (عزّ وجلّ):( قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدّةَ فِي الْقُرْبَى ‏ ) (2) ، قال: «وإنّ القرابة الّتي أمر الله بصلتها، وعظّم من حقّها، وجعل الخير فيها، قرابتنا أهل البيت الّذين أوجب الله حقّنا على كلّ مسلم».

النبوّة والإمامة توأمان (3)

خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم وهو راكب، وخرج عليّعليه‌السلام وهو يمشي، فقال له: «يا أبا الحسن، إمّا أن تركب وإمّا أن تنصرف؛ فإنّ الله (عزّ وجلّ) أمرني أن تركب إذا ركبت وتمشي إذا مشيت، وتجلس إذا جلست، إلاّ أن يكون في حدّ من حدود الله لا بدّ لك من القيام والقعود فيه.

وما أكرمني الله بكرامة إلاّ وقد أكرمك بمثلها، وخصّني الله بالنبوّة والرسالة وجعلك وليّي في ذلك؛ تقوم في حدوده وصعب اُموره. والّذي بعثني بالحقّ نبيّاً ما آمن بي مَنْ أنكرك، ولا أقرّ بي

____________________

(1) تأويل الآيات الظاهرة / 531. محمّد بن العبّاس قال: حدّثنا عبد العزيز بن يحيى، عن محمّد بن زكريا، عن محمّد بن عبد الله الجشمي [الخثعمي خ ل] عن الهيثم بن عديّ، عن سعيد بن صفوان، عن عبد الملك بن عمير....

(2) سورة الشورى / 23.

(3) تأويل الآيات الظاهرة / 222 - 223. روى الشيخ أبو جعفر محمّد بن بابويهرحمه‌الله عن علي بن أحمد بن عبد الله البرقي، عن أبيه محمّد بن خالد بإسناده إلى محمّد بن الفيض بن المختار، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جدّهعليهم‌السلام قال:....


مَنْ جحدك، ولا آمن بالله مَنْ كفر بك. وإنّ فضلك لمن فضلي، وإنّ فضلي لفضل الله، وهو قول ربّي (عزّ وجلّ):( قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ ) (1) .

ففضل الله نبوّة نبيّكم، ورحمته ولاية عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، (فبذلك) قال: بالنبوّة والولاية، (فليفرحوا) يعني الشيعة (هو خير ممّا يجمعون) يعني مخالفيهم من الأهل والمال والولد في دار الدنيا.

والله يا عليّ، ما خُلقتَ إلاّ لتعبد ربّك، وليُعرّف بك معالم الدين، ويُصلح بك دار السبيل. ولقد ضلّ مَنْ ضلّ عنك، ولن يهتدي إلى الله مَنْ لم يهتد إليك وإلى ولايتك، وهو قول ربّي (عزّ وجلّ):( وَإِنّي لَغَفّارٌ لِمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمّ اهْتَدَى )( 2 ) ، يعني إلى ولايتك.

ولقد أمرني ربّي تبارك وتعالى أن أفترض من حقّك ما افترض من حقّي، وإنّ حقّك لمفروض على مَنْ آمن بي، ولولاك لم يُعرف حزب الله، وبك يُعرف عدوّ الله، ومَنْ لم يلقه بولايتك لم يلقه بشيء.

ولقد أنزل الله (عزّ وجلّ) إليّ:( يَا أَيّهَا الرّسُولُ بَلّغْ مَا اُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ) ، يعني في ولايتك يا عليّ،( وَإِن لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )( 3 ) ، ولو لم اُبلّغ ما اُمرت به من ولايتك لحبط عملي، ومَنْ لقى الله (عزّ وجلّ) بغير ولايتك فقد حبط عمله، وغداً سحقاً له [سحقاً]، وما أقول إلاّ قول ربّي تبارك وتعالى، وإنّ الذي أقول لمن الله أنزله فيك».

____________________

(1) سورة يونس / 58.

(2) سورة طه / 82.

(3) سورة المائدة / 67.


الإمام وروح القدس (1)

عن جعيد الهمدانيّ، [ وكان جعيد ] ممّن خرج مع الحسينعليه‌السلام بكربلاء، قال: فقلت للحسينعليه‌السلام : جعلت فداك! بأيّ شيء تحكمون؟ قال: «يا جعيد، نحكم بحكم آل داود، فإذا عيينا عن شيء تلقّانا به روح القدس».

أصحاب الكساء (2)

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بيت أمّ سلمة فاُتي بحريرة، فدعا عليّاً وفاطمة والحسن والحسينعليهم‌السلام فأكلوا منها، ثمّ جلّل عليهم كساءً خيبريّاً، ثمّ قال:( إِنّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (3) .

فقالت أمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟

قال: «إنّك إلى خير».

____________________

(1) بصائر الدرجات 9 / 452، ب15، ح7. حدّثنا إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن خالد البرقي، عن ابن سنان، أو غيره، عن بشير، عن حمران....

(2) تأويل الآيات الظاهرة / 449 - 450، قال محمّد بن العبّاس. حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن الحسن بن عليّ بن بزيع، عن إسماعيل بن بشّار الهاشمي، عن قيس بن محمّد الأعشى، عن هاشم بن البريد، عن زيد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّهعليه‌السلام قال:....

(3) سورة الأحزاب / 33.


منزلة الأئمّة عليهم‌السلام (1)

«دخلت أنا وأخي على جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأجلسني على فخذه وأجلس أخي الحسن على فخذه الأخرى، ثمّ قبّلنا وقال: بأبي أنتما من إمامين صالحين [سبطين خ ل]، اختاركما الله منّي ومن أبيكما واُمّكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمّة؛ تاسعهم قائمهم، وكلّكم في الفضل والمنزلة عند الله تعالى سواء».

حديث الولاء (2)

أتى الحسينعليه‌السلام اُناس فقالوا له: يا أبا عبد الله، حدّثنا بفضلكم الّذي جعل الله لكم. فقال: «إنّكم لا تحتملونه ولا تطيقونه».

____________________

(1) كمال الدين 1 / 269، ب24، ح12. حدّثنا محمّد بن علي ماجيلويه (رضي الله عنه) قال: حدّثني عمّي محمّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن محمّد بن علي القرشي، عن محمّد بن سنان، عن المفضّل بن عمر، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّعليهم‌السلام قال:....

(2) الخرائج والجرائح 2 / 795، ب16، ح4. أخبرنا جماعة منهم الشيخ أبو جعفر محمّد بن الحسن النيسابوري، والشيخ محمّد بن عليّ بن عبد الصمد، عن الشيخ أبي الحسن بن عبد الصمد التميمي، عن أبي محمّد أحمد بن محمّد بن محمّد العمري، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين، عن محمّد بن الحسن بن الوليد، عن الصفّار، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن عليّ بن الحكم، عن عبد الرحمان بن كثير، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال:....


قالوا: بلى نحتمل.

قال: «إن كنتم صادقين فليتنحَّ اثنان واُحدّث واحداً، فإن احتمله حدّثتكم».

فتنحّى اثنان وحدّث واحداً، فقام طائر العقل، ومرّ على وجهه وذهب، فكلّمه صاحباه فلم يردّ عليهما شيئاً، وانصرفوا.

مسرّة أهل البيتعليهم‌السلام (1)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ أراد التوسّل إليّ، وأن يكون له عندي يد أشفع له بها يوم القيامة، فليصل أهل بيتي، ويدخل السرور عليهم».

لله أو للدنيا(2) ؟

«مَنْ أحبّنا لله وردنا نحن وهو على نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله هكذا - وضمّ إصبعيه - ومَنْ أحبّنا للدنيا، فإنّ الدنيا لتسع البرّ والفاجر؛ [ فإنّه إذا قام قائم العدل وسع عدله البرّ والفاجر خ ل]».

____________________

(1) أمالي الصدوق / 310، المجلس60، ح5. حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن عمّه عبد الله بن عامر، عن محمّد أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جدّهعليهم‌السلام قال:....

(2) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 259 الجزء 9، ح 45: أبو عمر، عن ابن عقدة عن الحسن بن عتبة عن بكّار بن بشر، عن حمزة الزيّات، عن عبد الله بن شريك عن بشر بن غالب، عن الحسين بن عليّعليه‌السلام قال:.....


نعم الخليفة (1)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لمّا اُسري بي إلى السماء لقيني أبي نوح، فقال: يا محمّد، مَنْ خلّفت على اُمّتك؟ فقلت: عليّ بن أبي طالب. فقال: نعم الخليفة خلّفت.

ثمّ لقيني أخي موسى، فقال: يا محمّد، مَنْ خلّفت على اُمّتك؟ فقلت: عليّاً. فقال: نعم الخليفة خلّفت.

ثمّ لقيني أخي عيسى، فقال لي: مَنْ خلّفت على اُمّتك؟ فقلت: عليّاً. فقال: نعم الخليفة خلّفت.

قال: فقلت لجبرئيل: يا جبرئيل، ما لي لا أرى إبراهيم؟

قال: فعدل بي إلى حظيرة، فإذا فيها شجرة لها ضروع كضروع الغنم، كلّما خرج ضرع من فم واحد ردّه الله تعالى إليه، فقال: يا محمّد، مَنْ خلّفت على اُمّتك؟ فقلت: عليّاً. فقال: نعم الخليفة خلّفت؛ إنّي يا محمّد سألت الله ربّي أن يولّيني غذاء أطفال شيعة عليّ بن أبي طالب، فأنا أغذّيهم إلى يوم القيامة».

____________________

(1) بحار الأنوار 27 / 121، ح102. عن إيضاح دفائن النواصب، عن الرضا، عن آبائه، عن الحسينعليه‌السلام قال:....


من أحبّنا لله (1)

وفد إلى الحسينعليه‌السلام وفد فقالوا: يابن رسول الله، إنّ أصحابنا وفدوا إلى معاوية، ووفدنا نحن إليك. فقال: «إذن اُجيزكم بأكثر ممّا يجيزهم».

فقالوا: جعلنا فداك! إنّما جئنا مرتادين لديننا.

قال: فطأطأ رأسه، ونكت في الأرض وأطرق طويلاً، ثم رفع رأسه فقال: «قصيرة من طويلة، مَنْ أحبّنا لم يحبّنا لقرابة بيننا وبينه، ولا لمعروف أسديناه إليه، إنّما أحبّنا لله ورسوله، فمَنْ أحبّنا جاء معنا يوم القيامة كهاتين - وقرن بين سبابتيه -».

واعية الإمام (2)

دخلت على الحسينعليه‌السلام أنا وابن عمّ لي، وهو في قصر بني مقاتل، فسلّمنا عليه، فقال له ابن عمي: يا أبا عبد الله، هذا الذي أرى خضاب أو شعرك؟ فقال: «خضاب، والشيب إلينا بني هاشم يعجل». ثمّ أقبل علينا فقال: «جئتما لنصرتي؟».

فقلت: إنّي رجل كبير السنّ، كثير الدّين، كثير العيال، وفي يديّ بضائع

____________________

(1) أعلام الدين / 460، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام :....

(2) ثواب الأعمال / 308 - 309، حدّثني الحسين بن أحمد قال: حدّثني أبي، عن محمّد بن أحمد، عن محمّد بن إسماعيل، عن علي بن الحكم، عن أبيه، عن أبي الجارود، عن عمرو بن قيس المشرقي قال:....


للناس ولا أدري ما يكون، وأكره أن أضيع أمانتي. وقال له ابن عمّي مثل ذلك.

قال لنا: «فانطلقا، فلا تسمعا لي واعية، ولا تريا لي سواداً؛ فإنّه مَنْ سمع واعيتنا، أو رأى سوادنا، فلم يجبنا ولم يغثنا كان حقّاً على الله (عزّ وجلّ) أن يكبّه على منخريه في النار».

أبو الأئمّة (1)

كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول فيما بشّرني به: «يا حسين، أنت سيّد ابن السيّد أبو السادة، تسعة من ولدك أئمّة أمناء، التاسع قائمهم. أنت الإمام ابن الإمام أبو الأئمّة، تسعة من صلبك أئمّة أبرار، والتاسع مهديهم، يملأ الأرض [الدنيا خ ل] قسطاً وعدلاً، يقوم في آخر الزمان كما قمت في أوّله».

أقمتم أم كتمتم (2)

إن الله جلّ جلاله بعث جبرئيل إلى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يشهد لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بالولاية في حياته، ويسمّيه بإمرة المؤمنين قبل وفاته.

____________________

(1) كفاية الأثر / 176. حدّثنا علي بن الحسن بن محمّد، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن الحكيم الكوفي، قال: حدّثنا عليّ بن العبّاس بن الوليد البحلي، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد المحمدي، قال: حدّثنا نصر بن مزاحم، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم، قال: حدّثني أبي، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن الحسين بن عليّعليه‌السلام ، قال:....

(2) أمالي المفيد / 18 - 19، المجلس2، ح7، قال: حدّثنا أبو الحسن محمّد بن مظفّر الورّاق، عن محمّد بن أبي الثلج، عن الحسين بن أيّوب، عن محمّد بن غالب، عن عليّ بن الحسين، عن عبد الله بن جبلّة، عن ذريح المحاربيّ، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ، عن أبيه، عن جدّهعليه‌السلام ، قال:....


فدعا نبيّ الله تسعة رهط، فقال: «إنّما دعوتكم لتكونوا شهداء الله في الأرض؛ أقمتم أم كتمتم».

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا أبا بكر، قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين».

فقال: أعن أمر الله ورسوله؟

قال: «نعم».

فقام فسلّم عليه بإمرة المؤمنين، ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : «قم يا عمر فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين».

فقال: أعن أمر الله ورسوله نسميّه أمير المؤمنين؟

قال: «نعم».

فقام فسلم عليه، ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله للمقداد بن الأسود الكنديّ: «قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين».

فقام فسلّم، ولم يقل مثل ما قال الرجلان من قبله.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي ذر الغفاري: «قم فسلّم على عليّ أمير المؤمنين».

فقام فسلّم، ولم يقل مثل ما قال الرجلان من قبله.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله لحذيفة اليماني: «قم فسلم على علي أمير المؤمنين». فقام فسلّم عليه.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله لعمّار بن ياسر: «قم فسلّم على أمير المؤمنين». فقام فسلّم.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله لعبد الله بن مسعود: «قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين». فقام فسلّم.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله لبريدة: «قم فسلّم على عليّ بإمرة المؤمنين» - وكان بريدة أصغر القوم سنّاً - فقام فسلّم.

فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّما دعوتكم لهذا الأمر لتكونوا شهداء الله؛ أقمتم أم تركتم»(1) .

____________________

(1) قد سقط من الحديث ذكر تسليم تاسعهم وهو سلمان الفارسي ولم يعدّ إلاّ ثمانية.


باب الثعبان (1)

كان عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام يخطب بالناس يوم الجمعة على منبر الكوفة إذ سمع وجبة عظيمة، وعدوا الرجال يتواقعون بعضهم على بعض، فقال لهم أمير المؤمنينعليه‌السلام : «ما بالكم يا قوم؟».

قالوا: ثعبان عظيم قد دخل من باب المسجد كأنّه النخلة السحوق، ونحن نفزع منه، ونريد أن نقتله فلا نقدر عليه.

فقال: «لا تقربوه وطرّقوا له؛ فإنّه رسول إليّ قد جاءني في حاجة».

قال: فعند ذلك فرّجوا له، فما زال يخترق الصفوف إلى أن وصل إلى عيبة علم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثمّ جعل ينقّ نقيقاً، فجعل الإمامعليه‌السلام ينقّ مثل ما نقّ له، ثمّ نزل عن المنبر وانسلّ من الجماعة، فما كان أسرع أن غاب فلم يروه.

فقالت الجماعة: يا أمير المؤمنين، ما هذا الثعبان؟!

قال: «هذا درجان بن مالك، خليفتي على الجنّ المؤمنين، وذلك أنّهم اختلف عليهم شيء من أمر دينهم فأنفذوه إليّ ليسألني عنه فأجبته، فاستعلم جوابها ثمّ رجع إليهم».

____________________

(1) بحار الأنوار 39 / 171 - 172، ح11، عن الروضة والفضائل: بالأسانيد يرفعه عن جعفر بن محمّد الصادق، عن أبيه، عن جدّه الشهيدعليهم‌السلام قال:....


علّمنا تأويله (1)

قلت لفاطمة بنت الحسينعليها‌السلام : جعلت فداك! أخبريني بحديث أحدّث واحتجّ به على الناس، قالت: نعم، أخبرني أبي: «أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بعث إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أن اصعد المنبر وادعُ الناس إليك، ثمّ قل: أيّها الناس، مَنْ انتقص أجيراً أجره فليتبوّأ مقعده من النار، ومَنْ ادّعى إلى غير مواليه فليتبوّأ مقعده من النار، ومَنْ انتقم (انتفى خ ل) من والديه فليتبوّأ مقعده من النار.

قال: فقال رجل: يا أبا الحسن، ما لهنّ من تأويل؟

فقال: الله ورسوله أعلم. ثمّ أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبره، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : ويل لقريش من تأويلهنّ - ثلاث مرّات -. ثمّ قال: يا علي، انطلق فأخبرهم أنّي أنا الأجير الّذي أثبت الله مودّته من السماء، وأنا وأنت مولا المؤمنين، وأنا وأنت أبوا المؤمنين.

ثمّ خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال: يا معشر قريش والمهاجرين، فلمّا اجتمعوا، قال: يا أيّها الناس، إنّ عليّ بن أبي طالب أوّلكم إيماناً بالله، وأقومكم بالله، وأوفاكم بعهد الله، وأعلمكم بالقضيّة، وأقسمكم بالسوية، وأرحمكم بالرعيّة، وأفضلكم عند الله مزيّة.

ثمّ قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الله مثّل [ لي ] اُمّتي في الطين وأعلمني

____________________

(1) تفسير فرات الكوفي / 85 - 86. فرات قال: حدّثني عبيد بن كثير معنعناً عن عطاء بن أبي رياح، قال:....


بأسمائهم كما علّم آدم الأسماء كلّها، فمرّ بي أصحاب الرايات، فاستغفرت لعليّعليه‌السلام وشيعته، وسألت ربّي أن يستقيم اُمّتي على عليّ بن أبي طالب من بعدي، فأبى ربّي إلاّ أن يُضلّ مَنْ يشاء.

ثمّ ابتدأني ربّي في عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام بسبع خصال:

أمّا أوّلهنّ: فإنّه أوّل مَنْ تنشقّ عنه الأرض معي، ولا فخر.

وأمّا الثانية: فإنّه يذود عن حوضي كما يذود الرعاة غريبة الإبل.

وأمّا الثالثة: فإنّ من فقراء شيعة عليّ ليشفع في مثل ربيعة ومضر.

وأمّا الرابعة: فإنّه أوّل مَنْ يقرع باب الجنّة معي، ولا فخر.

وأمّا الخامسة: فإنّه يزوّج من الحور العين، ولا فخر.

وأمّا السادسة: فإنّه أوّل مَنْ يسكن معي في علّيين، ولا فخر.

وأمّا السابعة: فإنّه أوّل مَنْ يُسقى من رحيق المختوم، ختامه مسك، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون».

أيّكم وصيّ الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله (1) ؟

كان عليعليه‌السلام ينادي: «مَنْ كان له عند رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عدّة أو دين فليأتني». فكان كلّ مَنْ أتاه يطلب ديناً أو عدة يرفع مصلاّه فيجد ذلك كذلك تحته، فيدفعه إليه.

فقال الثاني للأول: ذهب هذا بشرف الدنيا في هذا دوننا، فما الحيلة؟

فقال: لعلّك لو ناديت كما نادى هو كنت تجد ذلك ما يجد هو إذ كان،

____________________

(1) الخرائج والجرائح 1 / 175 - 176، ب2، ح8. روي عن علي بن أبي حمزة، عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، عن أبيهعليه‌السلام ، قال:....


إنّما يقضي عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . فنادى أبو بكر كذلك، فعرف أمير المؤمنينعليه‌السلام الحال، فقال: «أما إنّه سيندم على ما فعل».

فلمّا كان من الغد أتاه أعرابي وهو جالس في جماعة من المهاجرين والأنصار، فقال: أيّكم وصيّ رسول الله؟ فاُشير إلى أبي بكر، فقال: أنت وصيّ رسول الله وخليفته؟

قال: نعم، فما تشاء؟ قال: فهلُمّ الثمانين الناقة التي ضمن لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال: وما هذه النوق؟

قال: ضمن لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمانين ناقة حمراء كحل العيون.

فقال لعمر: كيف نصنع الآن؟

قال: إنّ الأعراب جهّال، فاسأله: ألك شهود بما تقوله؟ فتطلبهم منه.

[ فقال أبو بكر للأعرابي: ألك شهود بما تقول؟ ].

قال: ومثلي يطلب منه الشهود على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بما يضمن لي؟ والله ما أنت بوصيّ رسول الله ولا خليفته.

فقام إليه سلمان فقال: يا أعرابي، اتبعني حتّى أدلّك على وصيّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . فتبعه الأعرابي حتّى انتهى إلى عليّعليه‌السلام ، فقال: أنت وصيّ رسول الله؟

قال: «نعم، فما تشاء؟».

قال: إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ضمن لي ثمانين ناقة حمراء، كحل العيون، فهلمّها.

فقال له عليّعليه‌السلام : «أسلمت أنت وأهل بيتك؟».

فانكّب الأعرابي على يديه يقبّلهما وهو يقول: أشهد أنّك وصيّ


رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخليفته، فبهذا وقع الشرط بيني وبينه، وقد أسلمنا جميعاً.

فقال عليعليه‌السلام : «يا حسن، انطلق أنت وسلمان مع هذا الأعرابي إلى وادي فلان فنادِ: يا صالح يا صالح، فإذا أجابك فقل: إنّ أمير المؤمنين يقرأ عليك السّلام ويقول لك: هلمّ الثمانين الناقة التي ضمنها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لهذا الأعرابي».

قال سلمان: فمضينا إلى الوادي، فنادى الحسن فأجابه: لبيك يابن رسول الله، فأدّى إليه رسالة أمير المؤمنينعليه‌السلام .

فقال: السمع والطاعة، فلم يلبث أن خرج إلينا زمام ناقة من الأرض، فأخذ الحسنعليه‌السلام الزمام فناوله الأعرابي وقال: «خذ». فجعلت النوق تخرج حتّى كملت الثمانون على الصفة.

مع شجرة الرمّان (1)

كنّا قعوداً ذات يوم عند أمير المؤمنينعليه‌السلام وهناك شجرة رمّان يابسة، إذ دخل عليه نفر من مبغضيه وعنده قوم من محبّيه فسلّموا فأمرهم بالجلوس.

فقال عليعليه‌السلام : «إنّي اُريكم اليوم آية تكون فيكم كمثل المائدة في بني إسرائيل، إذ يقول الله:( إِنّي مُنَزّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنّي اُعَذّبُهُ عَذَاباً لاَ اُعَذّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ ) (2) ».

ثمّ قال: «انظروا إلى الشجرة». وكانت يابسة - وإذا هي قد جرى الماء في عودها، ثمّ اخضرّت وأورقت، وعقدت وتدلّى حملها على رؤوسنا، ثم التفت إلينا،

____________________

(1) الخرائج والجرائح 1 / 219 - 220، ب2، ح64. روي عن أبي جعفر، عن آبائهعليه‌السلام أنّ الحسين بن عليعليه‌السلام قال:....

(2) سورة المائدة / 115.


فقال للقوم الذين هم محبّوه: «مدّوا أيديكم وتناولوا وكلوا».

فقلنا: بسم الله الرحمن الرحيم. وتناولنا وأكلنا رمّاناً لم نأكل قطّ شيئاً أعذب منه وأطيب.

ثمّ قال للنفر الذين هم مبغضوه: «مدوّا أيديكم وتناولوا». فمدّوا أيديهم فارتفعت، وكلّما مدّ رجل منهم يده إلى رمّانة ارتفعت، فلم يتناولوا شيئاً، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما بال إخواننا مدّوا أيديهم وتناولوا وأكلوا، ومددنا أيدينا فلم ننل؟!

فقالعليه‌السلام : «وكذلك الجنّة، لا ينالها إلاّ أولياؤنا ومحبّونا، ولا يبعد منها إلاّ أعداؤنا ومبغضونا».

الولاء الخالص (1)

رأى أمير المؤمنينعليه‌السلام رجلاً من شيعته بعد عهد طويل وقد أثّر السنّ فيه، وكان يتجلّد في مشيته، فقالعليه‌السلام : «كبر سنّك يا رجل».

قال: في طاعتك يا أمير المؤمنين.

فقالعليه‌السلام : «إنّك لتتجلّد».

قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين.

فقالعليه‌السلام : «أجد فيك بقيّة».

قال: هي لك يا أمير المؤمنين.

____________________

(1) أمالي الصدوق / 150، المجلس33، ح6، وعيون أخبار الرضاعليه‌السلام 1 / 302 - 303، ب28، ح61. حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل، عن عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن الريان بن الصلت، عن الرضا عليّ بن موسى، عن آبائه، عن الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....


أوّل مظلوم ومظلومة (1)

لمّا مرضت فاطمة بنت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وصّت إلى عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أن يكتم أمرها، ويخفي خبرها، ولا يؤذن أحداً بمرضها، ففعل ذلك.

وكانعليه‌السلام يمرّضها بنفسه، وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس (رحمها الله) على استسرار بذلك كما وصّت به، فلمّا حضرتها الوفاة وصّت أمير المؤمنينعليه‌السلام أن يتولّى أمرها، ويدفنها ليلاً، ويعفي قبرها.

فتولّى ذلك أمير المؤمنينعليه‌السلام ودفنها، وعفا موضع قبرها، فلمّا نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن، فأرسل دموعه على خدّيه، وحوّل وجهه إلى قبر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: «السلام عليك يا رسول الله منّي، والسلام عليك من ابنتك وحبيبتك، وقرّة عينك وزائرتك، والبائنة في الثرى ببقعتك، والمختار لها الله سرعة اللحاق بك.

قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري، وضعف عن سيّدة النساء تجلّدي، إلاّ إنّ لي في التأسّي بسنّتك، والحزن الّذي حلّ بي بفراقك موضع التعزّي؛ فلقد وسدّتك في ملحودة قبرك بعد أن فاضت نفسك على صدري، وغمّضتك بيدي، وتولّيت أمرك بنفسي.

نعم، وفي كتاب الله أنعم القبول، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة، واُخذت الرهينة، واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله.

____________________

(1) أمالي المفيد / 172 - 173، المجلس33، ح7، وأمالي الشيخ الطوسي 1 / 107 - 108، الجزء4، ح20. المفيد قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين، قال: حدّثنا أبي، عن أحمد بن إدريس، عن عبد الجبّار، عن القاسم بن محمّد الرازي، عن عليّ بن محمّد الهرمزاني، عن عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسينعليه‌السلام ، قال:....


أمّا حزني فسرمد، وأمّا ليلي فمسهّد، لا يبرح الحزن من قلبي أو يختار الله لي دارك الّتي أنت فيها مقيم، كمد مقيّح، وهمّ مهيّج، سرعان ما فرّق الله بيننا، وإلى الله أشكو، وستنبئك ابنتك بتظاهر اُمّتك عليّ، وعلى هضمها حقّها فاستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج في صدرها لم تجد إلى بثّه سبيلاً، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين.

سلام عليك يا رسول الله سلام مودّع لا سئم ولا قال، فإن انصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصابرين، الصبر أيمن وأجمل، ولولا غلبة المستولين علينا لجعلت المقام عند قبرك لزاماً، والتثبّت [التلبّث، خ ل] عنده معكوفاً، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزيّة، فبعين الله تدفن ابنتك سرّاً، وتهتضم حقّها قهراً، ويمنع إرثها جهراً، ولم يطل العهد، ولم يخلق منك الذِكر، فإلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء، فصلوات الله عليك وعليها ورحمة الله وبركاته».

قتيل العبرة (1)

«أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلاّ بكى».

____________________

(1) كامل الزيارات / 108 - 109، ب36، ح6. حدّثني محمّد بن الحسن، عن الصفّار، عن ابن عيسى، عن محمّد البرقي، عن أبان الأحمر، عن محمّد بن الحسين الخزار، عن ابن خارجة، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: كنّا عنده فذكرنا الحسين [ ابن علي]عليه‌السلام ، وعلى قاتله لعنة الله، فبكى أبو عبد اللهعليه‌السلام وبكينا، قال: ثمّ رفع رأسه، فقال: «قال الحسينعليه‌السلام :...».


المؤمن ومصاب الحسين عليه‌السلام (1)

«أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن إلاّ استعبر».

ليلة عاشوراء (2)

قال علي بن الحسينعليه‌السلام : «كنت مع أبي [في] اللّيلة التي قُتل في صبيحتها، فقال لأصحابه: هذا اللّيل فاتّخذوه جملاً(3) ؛ فإنّ القوم إنّما يريدونني، ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم، وأنتم في حلّ وسعة.

فقالوا: لا والله، لا يكون هذا أبداً.

قال: إنّكم تقتلون غداً كذلك، لا يفلت منكم رجل.

قالوا: الحمد لله الذي شرّفنا بالقتل معك.

ثمّ دعا، وقال لهم: ارفعوا رؤوسكم وانظروا، فجعلوا ينظرون إلى

____________________

(1) أمالي الصدوق / 118، المجلس28، ح7؛ وكامل الزيارات / 108، ب36، ح3. حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن ابن أبي الخطاب، عن الحكم بن المسكين، عن أبي بصير، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال: «قال أبو عبد الله الحسين بن عليعليه‌السلام :...».

(2) الخرائج والجرائح 2 / 847 - 848، ح62. سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن أبي حمزة الثمالي، قال:....

(3) يُقال: اتّخذ اللّيل جملاّ: أي سرى اللّيل كلّه.


مواضعهم ومنازلهم من الجنّة، وهو يقول لهم: هذا منزلك يا فلان، وهذا قصرك يا فلان، وهذه درجتك يافلان، فكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره ووجهه؛ ليصل إلى منزله من الجنّة».

إسلام الراهب (1)

لمّا جاؤوا برأس الحسينعليه‌السلام ونزلوا منزلاً يُقال له: (قنّسرين)، اطّلع راهب من صومعته إلى الرأس، فرأى نوراً ساطعاً يخرج من فيه ويصعد إلى السماء، فأتاهم بعشرة آلاف درهم، وأخذ الرأس وأدخله صومعته، فسمع صوتاً ولم ير شخصاً، قال: طوبى لك، وطوبى لمَنْ عرف حرمته.

فرفع الراهب رأسه وقال: يا ربّ، بحقّ عيسى تأمر هذا الرأس بالتكلّم معي. فتكلّم الرأس وقال: «يا راهب، أيّ شيء تريد؟».

قال: مَنْ أنت؟

قال: «أنا ابن محمّد المصطفى، وأنا ابن عليّ المرتضى، وأنا ابن فاطمة الزهراء، أنا المقتول بكربلاء، أنا المظلوم، أنا العطشان». وسكت.

فوضع الراهب وجهه على وجهه، فقال: لا أرفع وجهي عن وجهك حتّى تقول: أنا شفيعك يوم القيامة.

فتكلّم الرأس وقال: «ارجع إلى دين جدّي محمّد».

فقال الراهب: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد أنّ محمّداً رسول الله. فقبل

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 303 - 304.


له الشفاعة، فلمّا أصبحوا أخذوا منه الرأس والدراهم، فلمّا بلغوا الوادي نظروا الدراهم قد صارت حجارة.

من علامات المحبّة (1)

عن سعد بن ظريف قال: كنت عند أبي جعفرعليه‌السلام فجاء جميل الأزرق، فدخل عليه، قال: فذكروا بلايا الشيعة وما يصيبهم، فقال أبو جعفرعليه‌السلام : «إنّ اُناساً أتو علي بن الحسينعليه‌السلام وعبد الله بن عباس، فذكروا لهما نحواً ممّا ذكرتم، قال: فأتيا الحسين بن عليعليه‌السلام ، فذكرا له ذلك، فقال الحسينعليه‌السلام : والله، البلاء والفقر والقتل أسرع إلى مَنْ أحبنا من ركض البراذين، ومن السيل إلى صمره».

قلت: وما الصمر؟

قال: «منتهاه، ولولا أن تكونوا كذلك لرأينا أنّكم لستم منّا».

____________________

(1) المؤمن / 15 - 16، ب1، ح4:....


خير المذاهب (1)

عن حبابة الوالبية، قال: دخلت عليها فقالت: مَنْ أنت؟ قلت: ابن أخيك ميثم. فقالت: أخي، والله لأحدّثنّك بحديث سمعته من مولاك الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ؛ إنّي سمعته يقول: «والذي جعل أحمس خير بجيلة، وعبد القيس خير ربيعة، وهمدان خير اليمن، إنّكم لخير الفرق».

ثمّ قال: «ما على ملّة إبراهيم إلاّ نحن وشيعتنا، وسائر الناس منها برآء».

هذا السعيد حقّاً (2)

بينا أمير المؤمنينعليه‌السلام ذات يوم جالس مع أصحابه يعبّئهم للحرب، إذ أتاه شيخ عليه شجبة السفر، فقال: أين أمير المؤمنين؟

____________________

(1) المحاسن / 147، ب16، ح55. أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه وابن أبي نجران، عن حمّاد بن عيسى، عن الحسين بن مختار، عن عبد الرحمان بن سيابة، عن عمران بن ميثم....

(2) معاني الأخبار / 197 - 200، ح4؛ أمالي الصدوق / 321 - 323، المجلس63، ح4؛ أمالي الشيخ الطوسي 2 / 49، ب15، ح31. حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق، عن أحمد بن محمّد الهمداني، عن الحسن بن القاسم قراءة، عن علي بن إبراهيم بن المعلّى، عن أبي عبد الله محمّد بن خالد، عن عبد الله بن بكر المرادي، عن موسى بن جعفر، عن أبيه، عن جدّه، عن علي بن الحسين، عن أبيهعليه‌السلام ، قال:....


فقال هو ذا، فسلّم عليه. ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، إنّي أتيتك من ناحية الشام وأنا شيخ كبير قد سمعت فيك من الفضل ما لا اُحصي، وإنّي أظنّك ستغتال(1) فعلّمني ممّا علمك الله.

قال: «نعم يا شيخ، مَنْ اعتدل يوماه فهو مغبون، ومَنْ كانت الدنيا همّته اشتدت حسرته عند فراغها، ومَنْ كان غده شرّ يوميه فمحروم، ومَنْ لم يبال ما رزء(2) من آخرته إذا سلمت له دنياه فهو هالك، ومَنْ لم يتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوى، ومَنْ كان في نقص فالموت خير له.

يا شيخ، ارضَ للناس ما ترضى لنفسك، وآتِ إلى الناس ما تحبّ أن يؤتى إليك».

ثمّ أقبل على أصحابه فقال: «أيّها الناس، أما ترون إلى أهل الدنيا يمسون ويصبحون على أحوال شتّى، فبين صريع يتلوّى، وبين عائد ومعود، وآخر بنفسه يجود، وآخر لا يرجى، وآخر مسجّى(3) ، وطالب الدنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وعلى أثر الماضي يصير الباقي».

فقال له زيد بن صوحان العبديّ: يا أمير المؤمنين، أيّ سلطان أغلب وأقوى؟

قال: «الهوى».

قال: فأيّ ذلّ أذل؟

قال: «الحرص على الدنيا».

قال: فأيّ فقر أشدّ؟

قال: «الكفر بعد الإيمان».

____________________

(1) غاله واغتاله: أخذه من حيث لا يدري وقتله.

(2) رزأه: أصابه ونقصه.

(3) سجى الميّت تسجية: مدّ عليه ثوباً يستره.


قال: فأيّ دعوة أضلّ؟

قال: «الداعي بما لا يكون».

قال: فأيّ عمل أفضل؟

قال: «التقوى».

قال: فأيّ عمل أنجح؟

قال: «طلب ما عند الله».

قال: فأيّ صاحب شرّ؟

قال: «المزيّن لك معصية الله».

قال: فأيّ الخلق أشقى؟

قال: «مَنْ باع دينه بدنيا غيره».

قال: فأيّ الخلق أقوى؟

قال: «الحليم».

قال: فأيّ الخلق أشحّ؟

قال: «مَنْ أخذ المال من غير حلّه فجعله في غير حقّه».

قال: فأيّ الناس أكيس؟

قال: «مَنْ أبصر رشده من غيّه فمال إلى رشده».

قال: فمَنْ أحلم الناس؟

قال: «الذي لا يغضب».

قال: فأيّ الناس أثبت رأياً؟

قال: «مَنْ لم يغرّه الناس في نفسه، ولم تغرّه الدنيا بتشوفّها»(1) .

____________________

(1) التشوف: التزين.


قال: فأيّ الناس أحمق؟

قال: «المغترّ بالدنيا وهو يرى ما فيها من تقلّب أحوالها».

قال: فأيّ الناس أشدّ حسرة؟

قال: «الذي حرم الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين».

قال: فأيّ الخلق أعمى؟

قال: «الذي عمل لغير الله، يطلب بعمله الثواب من عند الله (عزّ وجلّ) ».

قال: فأيّ القنوع أفضل؟

قال: «القانع بما أعطاه الله».

قال: فأيّ المصائب أشدّ؟

قال: «المصيبة بالدين».

قال: فأيّ الأعمال أحبّ إلى الله (عزّ وجلّ)؟

قال: «انتظار الفرج».

قال: فأيّ الناس خير عند الله (عزّ وجلّ)؟

قال: «أخوفهم لله، وأعملهم بالتقوى، وأزهدهم في الدنيا».

قال: فأيّ الكلام أفضل عند الله (عزّ وجلّ)؟

قال: «كثرة ذكره، والتضرّع إليه، والدعاء».

قال: فأيّ القول أصدق؟

قال: «شهادة أن لا إله إلاّ الله».

قال: فأيّ الأعمال أعظم عند الله (عزّ وجلّ)؟

قال: «التسليم والورع».

قال: فأيّ الناس أصدق؟

قال: «مَنْ صدق في المواطن».


ثمّ أقبلعليه‌السلام على الشيخ فقال: يا شيخ، إنّ الله (عزّ وجلّ) خلق خلقاً ضيّق الدنيا عليهم نظراً لهم، فزهّدهم فيها وفي حُطامها، فرغبوا في دار السلام التي دعاهم إليها، وصبروا على ضيق المعيشة، وصبروا على المكروه، واشتاقوا إلى ما عند الله من الكرامة، وبذلوا نفسهم ابتغاء رضوان الله، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة.

فلقوا الله وهو عنهم راض، وعلموا أنّ الموت سبيل مَنْ مضى ومَنْ بقى؛ فتزوّدوا لآخرتهم غير الذهب والفضة، ولبسوا الخشن، وصبروا على الذلّ، وقدّموا الفضل، وأحبّوا في الله، وأبغضوا في الله (عزّ وجلّ)، اُولئك المصابيح في الدنيا، وأهل النعيم في الآخرة، والسّلام».

فقال الشيخ: فأين أذهب وأدع الجنة، وأنا أراها وأرى أهلها معك يا أمير المؤمنين؟ جهزّني بقوّة أتقوّى بها على عدوّك. فأعطاه أمير المؤمنينعليه‌السلام سلاحاً وحمله، وكان في الحرب بين يدي أمير المؤمنينعليه‌السلام يضرب قُدماً قُدماً، وأمير المؤمنينعليه‌السلام يعجب ممّا يصنع، فلمّا اشتدّت الحرب أقدم فرسه حتّى قُتل (رحمة الله عليه).

وأتبعه رجل من أصحاب أمير المؤمنينعليه‌السلام فوجده صريعاً، ووجد دابّته ووجد سيفه في ذراعه، فلمّا انقضت الحرب أتى أمير المؤمنينعليه‌السلام بدابّته وسلاحه، وصلّى عليه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال: «هذا والله السعيد حقّاً، فترحمّوا على أخيكم».


الشهداء والصدّيقون(1)

«ما من شيعتنا إلاّ صديق شهيد».

قلت: أنّى يكون ذلك وهم يموتون على فرشهم؟

فقال: «أما تتلو كتاب الله( الّذِينَ آمَنُوا بِاللّهِ وَرُسُلِهِ اُولئِكَ هُمُ الصّدّيقُونَ وَالشّهَدَاءُ عِندَ رَبّهِمْ... ) (2) ؟». ثمّ قالعليه‌السلام : «لو لم تكن الشهادة إلاّ لمَنْ قُتل بالسيف لأقلّ الله الشهداء».

عيد الوصاية والإمامة (3)

اتفق في بعض سنين أمير المؤمنينعليه‌السلام الجمعة والغدير، فصعد المنبر على خمس ساعات من نهار ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه حمداً لم يسمع بمثله،

____________________

(1) دعوات الراوندي / 242، ح681؛ ومشكاة الأنوار / 92، قال زيد بن أرقم: قال الحسين بن عليعليه‌السلام :....

(2) سورة الحديد / 19.

(3) بحار الأنوار 97 / 112 - 118. عن السيد ابن طاووس في كتاب مصباح الزائر، قال: وممّا رويناه وحذفنا إسناده اختصاراً الفيّاض بن محمّد الطوسي، حدّث بطوس سنة تسع وخمسين ومئتين، وقد بلغ التسعين، أنّه شهد أبا الحسن علي بن موسى الرضاعليه‌السلام في يوم الغدير وبحضرته جماعة من خاصته قد احتبسهم للإفطار، وقد قدّم إلى منازلهم الطعام والبرّ والصلات والكسوة حتّى الخواتيم والنعال، وقد غيّر من أحوالهم وأحوال حاشيته، وجدّدت له آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه، وهو يذكر فضل اليوم وقديمه، فكان من قولهعليه‌السلام : «حدّثني الهادي أبي قال: حدّثني جدّي الصادقعليه‌السلام قال: حدّثني الباقرعليه‌السلام قال: حدّثني سيد العابدينعليه‌السلام قال: إنّ الحسينعليه‌السلام قال:....


وأثنى عليه ما لم يتوجّه إليه غيره، فكان ممّا حفظ من ذلك: «الحمد لله الذي جعل الحمد [على عباده] من غير حاجة منه إلى حامديه، وطريقاً من طرق الاعتراف بلاهوتيته وصمدانيّته وربانيّته وفردانيّته، وسبباً إلى المزيد من رحمته، ومحجّة للطالب من فضله، وكمّن في إبطان اللفظ حقيقة الاعتراف له بأنّه المنعم على كلّ حمد باللفظ وإن عظم.

وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، شهادة نزعت عن أخلاص المطويّ، ونطق اللسان بها عبارة عن صدق خفيّ، إنّه الخالق البديء المصوّر، له الأسماء الحسنى، ليس كمثله شيء؛ إذ كان الشيء من مشيته، وكان لا يشبهه مكوّنه.

وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، استخلصه في القدم على سائر الأمم، على علم منه به، انفرد عن التشاكل والتماثل من أبناء الجنس، وائتمنه آمراً وناهياً عنه، أقامه في ساير عالمه في الأداء ومقامه؛ إذ كان لا يدركه الأبصار، ولا تحويه خواطر الأفكار، ولا تمثّله غوامض الظنن في الأسرار، لا إله إلاّ هو الملك الجبّار.

قرن الاعتراف بنبوّته بالاعتراف بلاهوتيته، واختصّه من تكرمته بما لم يلحقه فيه أحد من بريّته، فهلهل ذلك بخاصّته وخلّته؛ إذ لا يختصّ مَنْ يشوبه التغيير، ولا يخالل(1) مَنْ يلحقه التظنين، وأمر بالصلاة عليه مزيداً في تكرمته، وتطريقاً للداعي إلى إجابته، فصلّى الله عليه، وكرّم وشرّف وعظّم مزيداً لا يلحقه التنفيد، ولا ينقطع على التأبيد.

وإنّ الله تعالى اختصّ لنفسه بعد نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله من بريّته خاصّة، علاهم بتعليته، وسما بهم إلى رتبته، وجعلهم الدعاة بالحقّ إليه، والأدلاّء بالإرشاد عليه؛ لقرن قرن وزمن زمن.

أنشأهم في القدِم قبل كلّ مذروء ومبروءٍ، أنواراً أنطقها بتحميده، وألهمها

____________________

(1) يخالله: أي يصادقه ويتّخذه خليلاً.


بشكره وتمجيده، وجعلها الحجج له على كلّ معترف له بملكة الربوبية، وسلطان العبوديّة، واستنطق بها الخرسان بأنواع اللّغات؛ بخوعاً له بأنّه فاطر الأرضين والسماوات، وأشهدهم خلقه، وولاّهم ما شاء من أمره. جعلهم تراجمة مشيّته، وألسن إرادته. عبيداً لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون. يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلاّ لمَنْ ارتضى وهم من خشيته مشفقون.

يحكمون بأحكامه، ويسنّون سنّته، ويعتمدون حدوده، ويؤدّون فروضه، ولم يدع الخلق في بهم صمّاء، ولا في عمى بكماء، بل جعل لهم عقولاً مازجت شواهدهم، وتفرّقت في هياكلهم. حقّقها في نفوسهم، واستعبد لها حواسّهم، فقرّت بها على أسماع ونواظر، وأفكار وخواطر ألزمهم بها حجّته، وأراهم بها محجّته، وأنطقهم عمّا تشهد به بألسنة ذربة بما قام فيها من قدرته وحكمته، وبيّن عندهم بها ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيى من حيّ عن بيّنة، وإنّ الله لسميع عليم. بصير شاهد خبير.

وإنّ الله تعالى جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين، لا يقوم أحدهما إلاّ بصاحبه؛ ليكمل أحدكم صنعه، ويقفكم على طريق رشده، ويقفو بكم آثار المستضيئين بنور هدايته، ويشملكم صوله، ويسلك بكم منهاج قصده، ويوفّر عليكم هنيء رفده.

فجعل الجمعة مجمعاً ندب إليه لتطهير ما كان قبله، وغسل ما أوقعته مكاسب السوء من مثله إلى مثله، وذكرى للمؤمنين، وتبيان خشية المتّقين. ووهب لأهل طاعته في الأيام قبله، وجعله لا يتمّ إلاّ بالايتمار لما أمر به، والانتهاء عمّا نهى عنه، والبخوع بطاعته فيما حثّ عليه وندب إليه. ولا يقبل توحيده إلاّ بالاعتراف لنبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنبوّته، ولا يقبل ديناً إلاّ بولاية مَنْ أمر بولايته، ولا ينتظم أسباب طاعته إلاّ بالتمسك بعصمه وعصم أهل ولايته.


وبقيت حثالة من الضلال لا يألون الناس خبالاً يقصدهم الله في ديارهم، ويمحو آثارهم، ويبيد معالمهم، ويعقّبهم عن قرب الحسرات، ويلحقهم بمَنْ بسط أكفّهم، ومدّ أعناقهم، ومكّنهم من دين الله حتّى بدّلوه، ومن حكمه حتّى غيروه، وسيأتي نصر الله على عدوّه لحينه، والله لطيف خبير، وفي دون ما سمعتم كفاية وبلاغ، فتأمّلوا رحمكم الله ما ندبكم الله إليه وحثّكم عليه، واقصدوا شرعه، واسلكوا نهجه، ولا تتّبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله.

إنّ هذا يوم عظيم الشأن فيه وقع الفرج، ورُفعت الدرج، ووُضحت الحجج، وهو يوم الإيضاح والإفصاح من المقام الصراح، ويوم كمال الدين، ويوم العهد المعهود، ويوم الشاهد والمشهود، ويوم تبيان العقود عن النفاق والجحود، ويوم البيان عن حقائق الإيمان، ويوم دخر الشيطان، ويوم البرهان.

هذا يوم الفصل الذي كنتم [به تكذّبون]، هذا يوم الملأ الأعلى الذي أنتم عنه معرضون، هذا يوم الإرشاد ويوم محنة العباد، ويوم الدليل على الروّاد. هذا يوم إبداء خفايا الصدور ومضمرات الاُمور، هذا يوم النصوص على أهل الخصوص، هذا يوم شيث، هذا يوم إدريس، هذا يوم يوشع، هذا يوم شمعون، هذا يوم الأمن والمأمون، هذا يوم إظهار المصون من المكنون، هذا يوم بلوى السرائر.

فلم يزلعليه‌السلام يقول: هذا يوم هذا يوم.

فراقبوا الله واتقوه، واسمعوا له وأطيعوه، واحذروا المكر ولا تخادعوه، وفتّشوا ضمائركم ولا تواربوه(1) ، وتقرّبوا إلى الله بتوحيده، وطاعة مَنْ أمركم أن تطيعوه، لا تمسكوا بعصم الكوافر، ولا يجنح بكم الغيّ فتضلّوا عن سبيل الله باتّباع أولئك الذين ضلّوا. قال الله عزّ من قائل في طائفة ذكرهم بالذمّ في

____________________

(1) واربه: خاتله وخادعه وداهاه.


كتابه:( وَقَالُوا رَبّنَا إِنّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلّونَا السّبيلاَ * رَبّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيِنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً ) (1) ، وقال تعالى:( وَإِذْ يَتَحَاجّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضّعَفَاءُ لِلّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً مِنَ النّارِ ) (2) .

أفتدرون الاستكبار ما هو؟ هو ترك الطاعة لمَنْ اُمروا بطاعته، والترفّع على مَنْ نُدبوا إلى متابعته، والقرآن ينطق من هذا عن كثير، إن تدبّره متدبّر زجره ووعظه.

واعلموا أيّها المؤمنون، إنّ الله (عزّ وجلّ) قال:( إِنّ اللّهَ يُحِبّ الّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنّهُم بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) (3) . أتدرون ما سبيل الله؟ ومَنْ سبيله؟ ومَنْ صراط الله؟ ومَنْ طريقه؟ أنا صراط الله الذي مَنْ لم يسلكه بطاعة الله فيه هوى به إلى النار، وأنا سبيله الذي نصبني للاتّباع بعد نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنا قسيم النار(4) ، أنا حجّته على الفجّار، أنا نور الأنوار.

فانتبهوا من رقدة الغفلة، وبادروا بالعمل قبل حلول الأجل، وسابقوا إلى مغفرة من ربّكم قبل أن يضرب بالسور بباطن الرحمة وظاهر العذاب، فتنادون فلا يسمع نداؤكم، وتضجّون فلا يحفل بضجيجكم، وقبل أن تستغيثوا فلا تُغاثوا. سارعوا إلى الطاعات قبل فوت الأوقات، فكأن قد جاءكم هادم اللذات، فلا مناص نجاء، ولا محيص تخليص.

عودوا - رحمكم الله - بعد انقضاء مجمعكم بالتوسعة على عيالكم، والبرّ

____________________

(1) سورة الأحزاب / 67 - 68.

(2) سورة الصف / 4.

(3) سورة غافر / 47.

(4) أي: مقاسمه. أقول للنار: هذا لك، وهذا لي.


بإخوانكم، والشكر لله (عزّ وجلّ) على ما منحكم، واجتمعوا يجمع الله شملكم، وتبارّوا يصل الله اُلفتكم، وتهانوا نعمة الله كما هنأكم الله بالثواب فيه على أضعاف الأعياد قبله وبعده إلاّ في مثله، والبرّ فيه يثمر المال ويزيد في العمر، والتعاطف فيه يقتضي رحمة الله وعطفه، وهبوا لإخوانكم وعيالكم من فضله بالجهد من جودكم، وبما تناله القدرة من استطاعتكم، وأظهروا البشر فيما بينكم، والسرور في ملاقاتكم، والحمد لله على ما منحكم، وعودوا بالمزيد من الخير على أهل التأميل لكم، وساووا بكم ضعفاءكم في مآكلكم وما تناله القدرة من استطاعتكم على حسب إمكانكم، فالدرهم فيه بمئتي ألف درهم، والمزيد من الله (عزّ وجلّ).

وصوم هذا اليوم ممّا ندب الله إليه، وجعل الجزاء العظيم كفالة عنه، حتّى لو تعبّد له عبد من العبيد في الشيبة من ابتداء الدنيا إلى انقضائها، صائماً نهارها، قائماً ليلها، إذا أخلص المخلص في صومه لقصرت إليه أيّام الدنيا عن كفايته، ومَنْ أسعف أخاه مبتدئاً، وبرّه راغباً فله كأجر مَنْ صام هذا اليوم وقام ليلته، ومَنْ فطّر مؤمناً في ليلته، فكأنما فطّر فئاماً وفئاماً بعدها عشرة.

فنهض ناهض فقال: يا أمير المؤمنين، ما الفئام؟

قال: مئة ألف نبي وصدّيق وشهيد، فكيف بمَنْ تكفّل عدداً من المؤمنين والمؤمنات فأنا ضمينه على الله تعالى الأمان من الكفر والفقر. ومَنْ مات في يومه أو ليلته أو بعده إلى مثله من غير ارتكاب كبيرة فأجره على الله، ومَنْ استدان إخوانه وأعانهم فأنا الضامن على الله إن بقّاه قضاه، وإن قبضه حمله عنه.

وإذا تلاقيتم فتصافحوا بالتسليم، وتهانوا النعمة في هذا اليوم، وليبلّغ الحاضر الغائب، والشاهد البائن، وليعد الغنيّ على الفقير، والقويّ على الضعيف، أمرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك».


ثمّ أخذ (صلوات الله عليه) في خطبة الجمعة، وجعل صلاته جمعة صلاة عيده، وانصرف بولده وشيعته إلى منزل أبي محمّد الحسن بن عليعليه‌السلام بما أعدّ له من طعامه، وانصرف غنيّهم وفقيرهم برفده إلى عياله.

دأب المؤمن (1)

«إنّ المؤمن اتّخذ الله عصمته وقوله مرآته، فمرّة ينظر في نعت المؤمنين، وتارة ينظر في وصف المتجبّرين، فهو منه في لطائف، ومن نفسه في تعارف، ومن فطنته في يقين، ومن قدسه على تمكين».

أنا الحسين بن علي(2)

أنا الحسينُ بن علي بن أبي

طالب البدر بأرضِ العربِ

ألم تروا وتعلموا أنّ أبي

قاتلُ عمرٍو ومبيرُ مرحبِ

ولم يزل قبل كشوف الكربِ

مجلّياً ذلك عن وجهِ النبي

أليس من أعجب عجب العجبِ

أن يطلب الأبعدُ ميراثَ النبي

والله قد أوصى بحفظِ الأقربِ

____________________

(1) تحف العقول / 248، قالعليه‌السلام :....

(2) كشف الغمة 2 / 212، قالعليه‌السلام :....


أبي عليعليه‌السلام (1)

أبي علي وجدّي خاتمُ الرسلِ

والمرتضون لدينِ اللهِ من قبلي

واللهُ يعلمُ والقرآنُ ينطقُه

إنّ الذي بيدَي مَن ليس يملك لي

ما يُرتجي بامرئٍ؟ قائل عذلاً

ولا يزيغ إلى قولٍ ولا عملِ

ولا يُرى خائفاً في سرّهِ وجلاً

ولا يحاذر من هفوٍ ولا زللِ

يا ويحَ نفسيَ ممّن ليس يرحمُها

أما لهُ في كتابِ اللهِ من مثلِ

أما لهُ في حديثِ الناسِ معتبرٌ

من العمالقةِ العاديةِ الاُولِ

يا أيّها الرجلُ المغبونُ شيمته

إنّي ورثتُ رسولَ اللهِ عن رُسلِ

أأنتَ أولى بهِ من آلهِ فبما

ترى اعتللت وما في الدينِ من عللِ

____________________

(1) كشف الغمة 2 / 213، قالعليه‌السلام :....


زورنا جبرئيل(1)

يا نكباتِ الدهرِ دولي دولي

وأقصري إن شئتِ أو أطيلي

رميتني رميةَ؟ مقيلِ

بكلّ خطبٍ فادحٍ جليلِ

وكلّ عبءٍ أيّد ثقيلِ

أوّلُ ما رُزئتِ بالرسولِ

وبعدُ بالطاهرةِ البتولِ

والوالدِ البرّ بنا الوصولِ

وبالشقيقِ الحسنِ الجليلِ

والبيتِ ذي التأويلِ والتنزيلِ

وزورنا المعروف من جبريلِ

فما لهُ في الرزءِ من عديلِ

ما لكِ عنّي اليوم من عدولِ

وحسبي الرحمن من منيلِ

____________________

(1) كشف الغمة 2 / 213 - 214، قالعليه‌السلام :....



عقائد



الإيمان بالقدر (1)

«اتّبع ما شرحت لك في القدر ممّا أفضى إلينا أهل البيت؛ فإنّه مَنْ لم يؤمن بالقدر خيره وشرّه فقد كفر، ومَنْ حمل المعاصي على الله (عزّ وجلّ) فقد فجر وافترى على الله افتراءً عظيماً.

إنّ الله تبارك وتعالى لا يُطاع بإكراه، ولا يُعصى بغلبة، ولا يهمل العباد في الهلكة، ولكنّه المالك لما ملّكهم، والقادر لما عليه أقدرهم؛ فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله صادّاً عنها مبطئاً، وإن ائتمروا بالمعصية فشاء أن يمنّ عليهم فيحول بينهم وبين ما ائتمروا به، فإن فعل وإن لم يفعل فليس هو حملهم عليها قسراً، ولا كلّفهم جبراً، بل بتمكينه إيّاهم بعد إعذاره وإنذاره لهم، واحتجاجه عليهم.

طوّقهم ومكّنهم، وجعل لهم السبيل إلى أخذ ما إليه دعاهم، وترك ما عنه نهاهم، جعلهم مستطيعين لأخذ ما أمرهم به من شيء غير آخذيه، ولترك ما نهاهم عنه من شيء غير تاركيه، والحمد لله الّذي جعل عباده أقوياء [لما] أمرهم به، ينالون بتلك القوّة، ونهاهم عنه وجعل العذر لمَنْ لم يجعل له السبب، جهداً متقبّلاً».

____________________

(1) فقه الرضاعليه‌السلام / 408، قال العالمعليه‌السلام : كتب الحسن بن أبي الحسن البصري إلى الحسين بن عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهما) يسأله عن القدر، وكتب إليه:....


مقياس معرفة الله (1)

خرج الحسين بن عليعليه‌السلام ذات يوم على أصحابه، فقال بعد الحمد لله (جلّ وعزّ)، والصلاة على محمّد رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا أيّها الناس، إنّ الله - والله - ما خلق العباد إلاّ ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته [عن عبادة] مَنْ سواه».

فقال له رجل: بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله! ما معرفة الله؟

قال: «معرفة أهل كلّ زمان إمامهم الذي يجب عليهم طاعته».

____________________

(1) علل الشرائع 1 / 9، ب9، ح1. حدّثنا أبي (رضي الله عنه)، قال: حدّثنا أحمد بن إدريس، عن الحسين بن عبيد الله، عن الحسن بن عليّ بن أبي عثمان، عن عبد الكريم بن عبيد الله، عن سلمة بن عطا، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: خرج الحسين بن عليّعليه‌السلام على أصحابه فقال:....

كنز الكراجكي 1 / 328، قال: حدّثني أبو المرجا محمّد بن علي بن طالب البلدي، عن عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن محمّد بن همام بن سهل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن الحسن بن علي بن فضال، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي علي الخراساني، عن عبد الكريم بن عبد الله، عن مسلمة بن عطا، عن أبي عبد الله الإمام الصادقعليه‌السلام ، قال:....


سفن النجاة (1)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : «يا عليّ، أنا وأنت وابناك الحسن والحسين، وتسعة من ولد الحسين أركان الدين، ودعائم الإسلام؛ مَنْ تبعنا نجا، ومَنْ تخلّف عنّا في النار».

كتيبة العرش (2)

سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «أول ما خلق الله (عزّ وجلّ) حجبه، فكتب على أركانه [حواشيها خ ل]: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، علي وصيه. ثمّ خلق العرش فكتب على أركانه: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، علي وصيه. ثمّ خلق الأرضين فكتب على أطوادها (أطوارها خ ل): لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، علي وصيه. ثمّ خلق اللوح فكتب على حدوده: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، علي وصيه.

____________________

(1) أمالي الشيخ المفيد / 135، المجلس25، ح4، قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين (الصدوق)، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمّد بن سنان، عن الفضل بن عمر الجعفي، عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جدّهعليه‌السلام ، قال:....

(2) كفاية الأثر / 170 - 172، أخبرنا أبو المفضل قال: حدّثني أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، قال: حدّثني أحمد بن عبدان، قال: حدّثني سهل بن صيفي، عن موسى بن عبد ربّه، قال: سمعت الحسين بن عليعليه‌السلام يقول في مسجد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وذلك في حياة أبيه عليّعليه‌السلام :....


فمَنْ زعم أنّه يحبّ النبيّ ولا يحبّ الوصيّ فقد كذب، ومَنْ زعم أنّه يعرف النبيّ ولا يعرف الوصيّ فقد كفر.

ثمّ قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : ألا إنّ أهل بيتي أمان لكم فأحبّوهم لحبّي [بحبّي خ ل]، وتمسّكوا بهم لن تضلّوا.

قيل: فمَنْ أهل بيتك يا نبيّ الله؟

قال: عليّ وسبطاي، وتسعة من ولد الحسين، أئمّة [أبرار و] اُمناء معصومون، ألا إنّهم أهل بيتي وعترتي من لحمي ودمي».

خلفاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله (1)

«دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو متفكّر مغموم، فقلت: يا رسول الله، ما لي أراك متفكّراً؟

فقال: يا بُنيّ، إنّ الروح الأمين قد أتاني، فقال: يا رسول الله، العليّ الأعلى يُقرئك السلام ويقول لك: إنّك قد قضيت نبوّتك، واستكملت أيّامك، فاجعل الاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوّة عند عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ؛ فإنّي لا أترك الأرض إلاّ وفيها عالم يُعرف به طاعتي، ويُعرف به ولايتي؛ فإنّي لم أقطع

____________________

(1) كفاية الأثر / 177 - 179. حدّثنا علي بن الحسن بن محمّد، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن الحكم الكوفي ببغداد، قال: حدّثني الحسين بن حمدان الخصبي [الحصيبي خ ل]، قال: حدّثني عثمان بن سعد العموي [سعيد العمري خ ل]، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمّد بن مهران، قال: حدّثني محمّد بن إسماعيل الحسني، عن خلف بن المفلّس، عن نعيم بن جعفر، قال: حدّثني أبو حمزة الثمالي، عن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّعليه‌السلام ، قال:....


على [علم خ ل] النبوّة من الغيب من ذرّيتك، كما لم أقطعها من ذرّيات الأنبياء الذين كانوا بينك وبين أبيك آدم.

قلت: يا رسول الله، فمَنْ يملك هذا الأمر بعدك؟

قال: أبوك عليّ بن أبي طالب أخي وخليفتي، ويملك بعد علي الحسن، ثمّ تملك أنت وتسعة من صلبك، يملكه اثنا عشر إماماً، ثمّ يقوم قائمنا يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً، ويشفي صدور قوم مؤمنين هم شيعته».

اثنا عشر مهديّاً (1)

«منّا اثنا عشر مهديّاً، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحقّ، يحيي الله تعالى به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ،( هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى‏ وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (2) . له غيبة يرتدّ فيها قوم، ويثبت على الدين فيها آخرون، فيؤذن فيقال لهم:( وَيَقُولُونَ مَتَى‏ هذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) (3) .

أما إنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

____________________

(1) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 1 / 68، ب6، ح36. حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضي الله عنه)، قال: حدّثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: أخبرنا وكيع، عن الربيع بن سعد، عن عبد الرحمان بن سليط، قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام :....

(2) سورة التوبة / 33.

(3) سورة يونس / 48.


الوسام المخصوص (1)

قال لي بريدة: أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن نسلّم على أبيك بإمرة المؤمنين.

عليّ الصراط المستقيم (2)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «مَنْ سرّه أن يجوز على الصراط كالريح العاصف، ويلج الجنّة بغير حساب، فليتولّ وليّي ووصيّي وصاحبي وخليفتي على أهلي واُمّتي عليّ بن أبي طالب. ومَنْ سرّه أن يلج النار فليترك ولايته، فوعزّة ربّي وجلاله، إنّه لَباب الله الّذي لا يؤتى إلاّ منه، وإنّه الصراط المستقيم، وإنّه الّذي يسأل الله عن ولايته يوم القيامة».

____________________

(1) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 2 / 68، ب31، ح312. بإسناد التميمي عن الرضا، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن الحسين بن عليّعليه‌السلام ، قال:....

(2) أمالي الصدوق / 237، المجلس48، ح4. حدّثنا أبي، قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن العبّاس بن معروف، عن الحسين بن يزيد، عن اليعقوبي، عن عيسى بن عبد الله العلوي، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جدّهعليه‌السلام ، قال:....


أنت حجّة الله (1)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّعليه‌السلام : «يا عليّ، أنت حجّة الله، وأنت باب الله، وأنت الطريق إلى الله، وأنت النبأ العظيم، وأنت الصراط المستقيم، وأنت المثل الأعلى.

يا علي، أنت إمام المسلمين، وأمير المؤمنين، وخير الوصيّين، وسيّد الصدّيقين.

يا علي، أنت الفاروق الأعظم، وأنت الصدّيق الأكبر.

يا علي، أنت خليفتي على أمّتي، وأنت قاضي ديني، وأنت منجز عِداتي.

يا علي، أنت المظلوم بعدي.

يا علي، أنت المفارق بعدي.

يا علي، أنت المحجور بعدي، اُشهد الله تعالى ومَنْ حضر من اُمّتي إنّ حزبك حزبي وحزبي حزب الله، وإنّ حزب أعدائك حزب الشيطان».

____________________

(1) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 2 / 6، ب30، ح13. حدّثنا حمزة بن محمّد بن أحمد، قال: حدّثني أبي، عن ياسر الخادم، عن أبي الحسن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن الحسين بن عليّعليه‌السلام ، قال:....


خليفة الله ورسوله (1)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام خليفة الله وخليفتي، وحجّة الله وحجّتي، وباب الله وبابي، وصفي الله وصفيّي، وحبيب الله وحبيبي، وخليل الله وخليلي، وسيف الله وسيفي، وهو أخي وصاحبي، ووزيري ووصيّي، محبّه محبّي، ومبغضه مبغضي، ووليّه وليّي، وعدوّه عدوّي، وحربه حربي، وسلمه سلمي، وقوله قولي، وأمره أمري، وزوجته ابنتي، وولده ولدي، وهو سيّد الوصيّين، وخير أمّتي أجمعين».

ولاية عليّ وأولاده عليهم‌السلام (2)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «يا عليّ، أنت المظلوم بعدي، فويل لمَنْ قاتلك، وطوبى لمَنْ قاتل معك.

____________________

(1) بشارة المصطفى / 31. أخبرنا الشيخ أبو محمّد الحسن بن الحسين بن بابويه، عن عمّه محمّد بن الحسن، عن أبيه الحسن بن الحسين، عن عمّه محمّد بن عليّ بن الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه، قال: حدّثني عمّي، عن محمّد بن عليّ الكوفي، عن عليّ بن عثمان، عن محمّد بن الفرات، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جدّهعليه‌السلام ، قال:....

(2) بشارة المصطفى / 125 - 126. أخبرنا والدي وعمار بن ياسر، وولده سعد بن عمار جميعاً، عن إبراهيم بن نصر الجرجاني، عن محمّد بن حمزة الحسيني، عن الحسين بن علي بن بابويه، عن علي بن عيسى المجاور، عن إسماعيل بن رزين بن أخي دعبل الخزاعي، عن أبيه، عن عليّ بن موسى الرضا، عن آبائه، عن الحسين بن عليعليهم‌السلام ، قال:....


يا علي، أنت الذي تنطق بكلامي، وتتكلّم بلساني بعدي، فويل لمَنْ ردّ عليك، وطوبى لمَنْ قبل كلامك.

يا علي، أنت سيّد هذه الاُمّة بعدي، وأنت إمامها وخليفتي عليها، مَنْ فارقك فارقني يوم القيامة، ومَنْ كان معك كان معي يوم القيامة.

يا علي، أنت أوّل مَنْ آمن بي وصدّقني، وأوّل مَنْ أعانني على أمري وجاهد معي عدوّي، وأنت أوّل مَنْ صلّى معي والناس يومئذ في غفلة الجهالة.

يا علي، أنت أوّل مَنْ تنشقّ عنه الأرض معي، وأنت أوّل مَنْ يبعث معي، وأنت أوّل مَنْ يجوز الصراط معي، وإنّ ربّي جلّ جلاله أقسم بعزّته لا يجوز عقبة الصراط إلاّ مَنْ كان له براءة بولايتك وولاية الأئمّة من ولدك، وأنت أوّل مَنْ يرد حوضي؛ تسقي منه أولياءك وتذود عنه أعداءك.

وأنت صاحبي إذا قمت المقام المحمود تشفع لمحبّنا فيهم، وأنت أوّل مَنْ يدخل الجنّة وبيدك لوائي لواء الحمد، وهو سبعون شقّة، الشقّة منه أوسع من الشمس والقمر، وأنت صاحب شجرة طوبى في الجنّة؛ أصلها في دارك، وأغصانها في دور شيعتك ومحبّيك».

بلّغ عليّاً السّلام (1)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لمّا اُسري بي إلى السماء، وانتهى بي إلى حجب النور كلّمني ربّي جلّ جلاله، وقال لي: يا محمّد، بلّغ عليّ بن أبي طالب منّي السّلام، وأعلمه

____________________

(1) بشارة المصطفى / 79. أخبرنا محمّد بن عبد الوهاب، قال: أخبرنا محمّد بن أحمد النيشابوري، عن أحمد بن الحسين الحافظ، عن محمّد بن أحمد، عن أبيه، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ بن المغيرة ومحمد بن يحيى الخثعمي، عن محمّد بن بهلول العبدي، عن جعفر بن محمّد، عن آبائه، عن الحسين بن علي (صلوات الله عليهم أجمعين)، قال:....


أنّه حجّتي بعدك على خلقي، به أسقي العباد الغيث، وبه أدفع عنهم السوء، وبه أحتجّ عليهم يوم يلقوني، فإيّاه فليطيعوا، ولأمره فليأتمروا، وعن نهيه فلينتهوا، أجعلهم عندي في مقعد صدق، وأبيح لهم جناني، وإن لا يفعلوا أسكنتهم ناري مع الأشقياء من أعدائي ثمّ لا اُبالي».

وارث خصائص الأنبياء (1)

نظر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذات يوم إلى عليّعليه‌السلام وقد أقبل وحوله جماعة من أصحابه، فقال: «مَنْ أراد أن ينظر إلى يوسف في جماله، وإلى إبراهيم في سخائه، وإلى سليمان في بهجته، وإلى داود في قوّته فلينظر إلى هذا».

الإمام المبين (2)

«لمّا اُنزلت هذه الآية على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله :( إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى‏ وَنَكْتُبُ مَا قَدّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلّ شَيْ‏ءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ) (3) قام أبو بكر وعمر من مجلسهما، فقالا: يا رسول الله، هو التوراة؟

____________________

(1) أمالي الصدوق / 524 - 525، المجلس94، ح11. حدّثنا محمّد بن الحسين بن أحمد بن الوليد، قال: حدّثنا الحسن بن متيّل الدقاق، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، قال: حدّثنا محمّد بن سنان، عن جعفر بن سليمان النهدي، قال: حدّثنا ثابت بن دينار الثمالي، عن سيّد العابدين عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، عن أبيهعليه‌السلام ، قال:....

(2) معاني الأخبار / 95. حدّثنا أحمد بن محمّد بن الصقر الصائغ، عن عيسى بن محمّد العلويّ، عن أحمد بن سلام الكوفي، عن الحسن بن عبد الواحد، عن الحارث بن الحسن، عن أحمد بن إسماعيل بن صدقة، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه، عن جدّهعليهم‌السلام ، قال:....

(3) سورة يس / 12.


قال: لا.

قالا: فهو الإنجيل؟

قال: لا.

قالا: فهو القرآن؟

قال: لا.

قال: فأقبل أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام ، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : هو هذا، إنّه الإمام المبين الّذي أحصى الله تبارك وتعالى فيه علم كلّ شيء».

معيار الحقّ (1)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إنّ الله ليغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضاها».

أهل البيت في القيامة (2)

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إذا كان يوم القيامة نُصب للأنبياء والرسل منابر من نور، فيكون منبري أعلى منابرهم يوم القيامة،

____________________

(1) أمالي المفيد / 64، المجلس11، ح4، قال: أخبرني أبو حفص عمر بن محمّد الصيرفي، عن محمّد بن همام، عن محمّد بن القاسم، عن إسماعيل بن إسحاق، عن محمّد بن عليّ، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر الباقر محمّد بن علي، عن أبيه، عن جدّهعليهم‌السلام ، قال:....

(2) تفسير فرات الكوفي / 113 - 114، قال: حدّثنا سهل بن أحمد الدينوري معنعناً عن أبي عبد الله جعفر بن محمّدعليه‌السلام ، قال: قال جابر لأبي جعفرعليه‌السلام : جُعلت فداك يابن رسول الله، حدّثني بحديث في فضل جدّتك فاطمةعليها‌السلام ، إذا أنا حدّثت به الشيعة فرحوا بذلك، قال أبو جعفر: «حدّثني أبي، عن جدّي، عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ....


ثمّ يقول [الله]: يا محمّد، اخطب. فأخطب خطبة لم يسمع أحد من الأنبياء والرسل بمثلها، ثمّ يُنصب للأوصياء منابر من نور، ويُنصب لوصيّي عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام في أوساطهم منبر من نور، فيكون منبر عليعليه‌السلام أعلى منابرهم يوم القيامة.

ثمّ يقول [الله] له: يا علي، اخطب. فيخطب خطبة لم يسمع أحد من الأوصياء بمثلها، ثمّ يُنصب لأولاد الأنبياء والمرسلين منابر من نور، فيكون لابنيّ وسبطيّ وريحانتيّ أيّام حياتي منبرين من نور، ثمّ يُقال لهما: اخطبا. فيخطبان بخطبتين لم يسمع أحد من أولاد الأنبياء والمرسلين بمثلهما.

ثمّ ينادي مناد وهو جبرئيلعليه‌السلام : أين فاطمة بنت محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟ أين خديجة بنت خويلد؟ أين مريم بنت عمران؟ أين آسية بنت مزاحم؟ أين اُمّ كلثوم اُمّ يحيى بن زكريّا؟ فيقمنَ، فيقول الله تبارك وتعالى: يا أهل الجمع، لمَنْ الكرم اليوم؟

فيقول محمّد وعلي والحسن والحسين وفاطمة: لله الواحد القهّار.

فيقول الله تعالى: يا أهل الجمع، إنّي قد جعلت الكرم لمحمد وعلي والحسن والحسين وفاطمة. يا أهل الجمع، طأطئوا الرؤوس، وغضّوا الأبصار؛ إنّ هذه فاطمة تسير إلى الجنّة.

فيأتيها جبرئيل بناقة من نوق الجنّة مدبّجة الجنبين، خطامها من اللؤلؤ المحقّق الرطب، عليها رحل من المرجان، فتناخ بين يديها فتركبها، فيبعث إليها مئة ألف ملك فيصيرون على يمينها، ويبعث إليها مئة ألف ملك فيصيرون على يسارها، ويبعث إليها مئة ألف ملك يحملونها بأجنحتهم حتّى يسيروها عند باب الجنّة.

فإذا صارت عند باب الجنّة تلتفت، فيقول الله: يا بنت حبيبي، ما التفاتك


وقد أمرت بك إلى جنّتي؟

فتقول: يا ربّ، أحببت أن يُعرف قدري في مثل هذا اليوم.

فيقول الله تبارك وتعالى: يا بنت حبيبي، ارجعي وانظري مَنْ كان في قلبه حبّ لك، أو لأحد من ذريّتك خذي بيده فأدخليه الجنّة.

قال أبو جعفرعليه‌السلام : والله يا جابر، إنّها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبّيها كما يلتقط الطير الحبّ الجيّد من الردي، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنّة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا فيقول الله (عزّ وجلّ): يا أحبّائي، ما التفاتكم وقد شفّعت فيكم فاطمة بنت حبيبي.

فيقولون: يا ربّ، أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم.

فيقول الله: يا أحبّائي، ارجعوا وانظروا مَنْ أحبّكم لحبّ فاطمة، انظروا مَنْ أطعمكم لحبّ فاطمة، وانظروا مَنْ سقاكم شربة في حبّ فاطمة، انظروا مَنْ ردّ عنكم غيبة في حبّ فاطمة، وانظروا مَنْ كساكم لحبّ فاطمة خذوا بيده وأدخلوه الجنّة».

التاسع من ولدي (1)

«في التاسع من ولدي سنّة من يوسف، وسنّة من موسى بن عمران، وهو قائمنا أهل البيت، يُصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة».

____________________

(1) كمال الدين 1 / 316 - 317، ب30، ح1. حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطار، قال: حدّثنا أبو عمرو الكشي، قال: حدّثنا محمّد بن مسعود، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن شجاع، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد الرحمان بن الحجّاج، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، قال: «قال الحسين بن عليّعليه‌السلام :...».


صاحب الغَيبة (1)

«قائم هذه الاُمّة هو التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يُقسّم ميراثه وهو حيّ».

الصابر في غيبته (2)

عن عبد الرحمان بن سليط قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام : «منّا اثنا عشر مهديّاً، أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحقّ، يُحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحقّ على الدين كلّه ولو كره المشركون. له غيبة يرتدّ فيها أقوام، ويثبت فيها على الدّين آخرون فيؤذون، ويُقال لهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟

أما إنّ الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

____________________

(1) كمال الدين 1 / 317، ب30، ح2. حدّثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق المعاذي (رضى الله عنه)، قال: حدّثنا أحمد بن محمّد الهمداني الكوفي، قال: حدّثنا أحمد بن موسى بن الفرات، قال: حدّثنا عبد الواحد بن محمّد، قال: حدّثنا سفيان، قال: حدّثنا عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن شريك، عن رجل من همدان، قال: سمعت الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام يقول:....

(2) كمال الدين 1 / 317، ب30، ح3. حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني، قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهرويّ، قال: أخبرنا وكيع بن الجرّاح، عن الربيع بن سعد....


رجل من ولدي (1)

«لو لم يبقَ من الدّنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله (عزّ وجلّ) ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلاً وقسطاً كما مُلئت جوراً وظلماً، كذلك سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول».

____________________

(1) كمال الدين 1 / 317 - 318، ب30، ح4. حدّثنا عليّ بن محمّد بن الحسن القزويني، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله الحضرمي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الأحول، قال: حدّثنا خلاد المقري، عن قيس بن أبي حصين، عن يحيى بن وثّاب، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت الحسين بن عليّعليه‌السلام يقول:....



معارفJ:BooooksImamHossainkalemat_alimam_alhosain معارف



مَنْ كفل يتيماً (1)

«مَنْ كفّل لنا يتيماً قطعته عنّا محنتنا باستتارنا، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتّى أرشده وهداه. قال الله (عزّ وجلّ) له: يا أيّها العبد الكريم المواسي، إنّي أولى بالكرم؛ اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كلّ حرف علّمه ألف ألف قصر، وضمّوا إليها ما يليق بها من سائر النعم».

مَنْ أحيا نفساً (2)

«أيّهما أحبّ إليك؛ رجل يروم قتل مسكين قد ضعف تنقذه من يده، أو ناصب يريد إضلال مسكين [مؤمن] من ضعفاء شيعتنا تفتح عليه ما يمتنع (المسكين) به منه، ويفحمه ويكسره بحجج الله تعالى؟».

قال: بل إنقاذ هذا المسكين المؤمن من يد هذا الناصب؛ إنّ الله تعالى

____________________

(1) تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام / 341، ح218. وقال الحسين بن عليّعليهم‌السلام :....

(2) تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام / 348، ح231. وقال الحسين بن علي (صلوات الله عليهما) لرجل:....


يقول:( وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ) ، [أي] ومَنْ أحياها وأرشدها من كفر إلى إيمان، فكأنّما أحيا الناس جميعاً من قبل أن يقتلهم بسيوف الحديد.

مالي والمماراة (1)

روي أنّ رجلاً قال للحسين بن عليّعليه‌السلام : اجلس حتّى نتناظر في الدين. فقال: «يا هذا، أنا بصير بديني، مكشوف عليّ هُداي، فإن كنت جاهلاً بدينك فاذهب واطلبه، مالي وللمماراة؟ وإنّ الشيطان ليوسوس للرجل ويناجيه، ويقول: ناظر الناس في الدين كي لا يظنّوا بك العجز والجهل.

ثمّ المراء لا يخلو من أربعة أوجه؛ إمّا أن تتمارى أنت وصاحبك فيما تعلمان، فقد تركتما بذلك النصيحة، وطلبتما الفضيحة، وأضعتما ذلك العلم، أو تجهلانه، فأظهرتما جهلاً، وخاصمتما جهلاً، أو تعمله أنت، فظلمت صاحبك بطلبك عثرته، أو يعلمه صاحبك، فتركت حرمته، ولم تنزله منزلته.

وهذا كلّه محال، فمَنْ أنصف وقبل الحقّ وترك المماراة فقد أوثق إيمانه، وأحسن صحبة دينه، وصان عقله».

____________________

(1) بحار الأنوار 2 / 135، ح32.


الإمام مستقى العلم (1)

لقي رجل الحسين بن عليّعليه‌السلام بالثعلبيّة وهو يريد كربلاء، فدخل عليه فسلّم عليه. فقال له الحسينعليه‌السلام : «من أيّ البلدان أنت؟».

فقال: من أهل الكوفة.

قال: «يا أخا أهل الكوفة، أما والله لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيل من دارنا، ونزوله على جدّي بالوحي. يا أخا أهل الكوفة، مستقى العلم من عندنا، أفعلموا وجهلنا؟! هذا ما لا يكون».

ما تقوله الحيوانات (2)

روي أنّ الحسينعليه‌السلام سُئل في حال صغره عن أصوات الحيوانات؛ لأنّ من شرط الإمام أن يكون عالماً بجميع اللغات حتّى أصوات الحيوانات. فقال - على ما روى محمّد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن الحسينعليه‌السلام إنّه قال -:

«إذا صاح النسر فإنّه يقول: (يابن آدم، عش ما شئت فآخره الموت)، وإذا صاح البازي يقول: (يا عالم الخفيات، ويا كاشف البليات)، وإذا صاح الطّاووس

____________________

(1) بصائر الدرجات / 11 - 12، الجزء 1، ب7، ح1. حدّثنا إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حمّاد، عن صباح المزنّي، عن الحارث بن حصيرة، عن الحكم بن عتيبة، قال:....

(2) الخرائج والجرائح 1 / 248 - 252، ح5.


يقول: (مولاي، ظلمت نفسي، واغتررت بزينتي، فاغفر لي).

وإذا صاح الدرّاج يقول: (الرحمن على العرش استوى)، وإذا صاح الديك يقول: (مَنْ عرف الله لم ينس ذكره)، وإذا قرقرت الدجاجة تقول: (يا إله الحقّ، أنت الحقّ، وقولك الحقّ، يا الله يا حقّ)، وإذا صاح الباشق يقول: (آمنت بالله واليوم الآخر).

وإذا صاحت الحدأة تقول: (توكّل على الله ترزق)، وإذا صاح العقاب يقول: (مَنْ أطاع الله لم يشق)، وإذا صاح الشاهين يقول: (سبحان الله حقاّ حقاً)، وإذا صاحت البومة تقول: (البعد من الناس أنس)، وإذا صاح الغراب يقول: (يا رازق، ابعث بالرزق الحلال)، وإذا صاح الكركي يقول: (اللّهمّ احفظني من عدوّي).

وإذا صاح اللقلق يقول: (مَنْ تخلّى عن الناس نجا من أذاهم)، وإذا صاحت البطّة تقول: (غفرانك يا الله غفرانك)، وإذا صاح الهدهد يقول: (ما أشقى مَن عصى الله)، وإذا صاح القمري يقول: (يا عالم السرّ والنجوى، يا الله)، وإذا صاح الدبسي(1) يقول: (أنت الله لا إله سواك، يا الله)، وإذا صاح العقعق يقول: (سبحان مَنْ لا يخفى عليه خافية)، وإذا صاح الببغاء يقول: (مَنْ ذكر ربّه غفر ذنبه)، وإذا صاح العصفور يقول: (استغفر الله ممّا يسخط الله)، وإذا صاح البلبل يقول: (لا إله إلاّ الله حقاً حقاً)، وإذا صاحت القبجة تقول: (قرب الحقّ، قرب)، وإذا صاحت السماناة تقول: (يابن آدم، ما أغفلك عن الموت!)، وإذا صاح السوذنيق(2) يقول: (لا إله إلاّ الله، محمّد سول الله، وآله خير الله)، وإذا صاحت الفاخته تقول: (يا واحد، يا أحد، يا فرد، يا صمد)، وإذا صاح الشقرّاق يقول: (مولاي، اعتقني من النار).

____________________

(1) الدبسي: قسم من الحمام البري لونه الدكنة.

(2) السوذنيق: الصقر.


وإذا صاحت القنبرة تقول: (مولاي، تب على كلّ مذنب من المؤمنين)، وإذا صاح الورشان يقول: (إن لم تغفر ذنبي شقيت)، وإذا صاح الشفنين(1) يقول: (لا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم)، وإذا صاحت النعامة تقول: (لا معبود سوى الله)، وإذا صاحت الخطافة فإنّها تقرأ سورة الحمد وتقول: (يا قابل توبة التوابين، يا الله لك الحمد)، وإذا صاحت الزرافة تقول: (لا إله إلاّ الله وحده)، وإذا صاح الحمل يقول: (كفى بالموت واعظاً).

وإذا صاح الجدي يقول: (عاجلني الموت فقلّ ذنبي)، وإذا زأر الأسد يقول: (أمر الله مهم مهمّ)، وإذا صاح الثور يقول: (مهلاً مهلاً يابن آدم، أنت بين يدي مَنْ يرى ولا يُرى، وهو الله)، وإذا صاح الفيل يقول: (لا يغني عن الموت قوّة ولا حيلة)، وإذا صاح الفهد يقول: (يا عزيز، يا جبّار، يا متكبّر، يا الله)، وإذا صاح الجمل يقول: (سبحان مذّل الجبارين سبحانه)، وإذا صهل الفرس يقول: (سبحان ربنا سبحانه)، وإذا صاح الذئب يقول: (ما حفظ الله فلن يضيع أبداً)، وإذا صاح ابن آوى يقول: (الويل الويل الويل للمذنب المصّر)، وإذا صاح الكلب يقول: (كفى بالمعاصي ذلاّ).

وإذا صاح الأرنب يقول: (ولا تهلكني يا الله لك الحمد)، وإذا صاح الثعلب يقول: (الدنيا دار غرور)، وإذا صاح الغزال يقول: (نجّني من الأذى)، وإذا صاح الكركدن يقول: (أغثني وإلاّ هلكت يا مولاي)، وإذا صاح الإيل(2) يقول: (حسبي الله ونعم الوكيل حسبي)، وإذا صاح النمر يقول: (سبحان مَنْ تعزّز بالقدرة سبحانه)، وإذا سبحّت الحية تقول: (ما أشقى مَنْ عصاك يا رحمن)، وإذا سبّحت العقرب تقول: (الشرّ شيء وحش) ».

____________________

(1) الشفنين (بكسر الشين): نوع من الحمام.

(2) حيوان يشبه بقر الوحش.


ثمّ قالعليه‌السلام : «ما خلق الله من شيء إلاّ وله تسبيح يحمد به ربّه، ثمّ تلا هذه الآية( تُسَبّحُ لَهُ السّماوَاتُ السّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنّ وَإِن مِن شَيْ‏ءٍ إِلاّ يُسَبّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً ) (1) ».

على جناح الجراد (2)

«كنّا أنا وأخي الحسن، وأخي محمّد بن الحنفية، وبنو عمّي؛ عبد الله بن عباس، وقثم، والفضل على مائدة نأكل، فوقعت جرادة على المائدة، فأخذها عبد الله بن عبّاس، فقال للحسن: يا سيدي، أتعلم ما المكتوب على جناح الجرادة؟

قالعليه‌السلام : سألتُ أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال: سألتُ جدّكصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: على جناح الجرادة مكتوب: (أنا الله لا إله إلاّ ربّ الجرادة ورازقها، وإذا شئت بعثتها لقوم رزقاً، وإذا شئت بعثتها على قوم بلاء).

فقام عبد الله بن العباس، فقبّل رأس الحسن بن عليّعليه‌السلام ، ثمّ قال: هذا والله من مكنون العلم».

____________________

(1) سورة الإسراء / 44.

(2) صحيفة الرضاعليه‌السلام / 79 - 80، ح194؛ ودعوات الراوندي / 145، ح376. بإسناده عن الرضاعليه‌السلام ، عن آبائه، عن الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....


معارف القرآن (1)

«كتاب الله (عزّ وجلّ) على أربعة أشياء: على العبارة، والإشارة، واللطائف، والحقائق؛ فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياءعليهم‌السلام ».

____________________

(1) جامع الأخبار / 41، الفصل 22، قال الحسين بن عليعليه‌السلام :....



أخلاق



ما عزّ المرء(1) ؟

عن يحيى بن يعمن [نعمان خ ل]، قال: كنت عند الحسينعليه‌السلام ، إذ دخل عليه رجل من العرب متلثّماً، أسمر شديد السمرة، فسلّم فردّ [عليه] الحسينعليه‌السلام ، فقال: يابن رسول الله، مسألة.

قال: «هات».

قال: كم بين الإيمان واليقين؟

قال: «أربع أصابع».

قال: كيف؟

قال: «الإيمان ما سمعناه، واليقين ما رأيناه، وبين السمع والبصر أربع أصابع».

قال: فكم بين السماء والأرض؟

____________________

(1) كفاية الأثر / 232 - 234. حدّثنا علي بن الحسن، قال: حدّثنا محمّد بن الحسين الكوفي، قال: حدّثنا محمّد بن محمود، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله الذاهل [الذهلي خ ل]، قال: حدّثنا أبو حفص الأعشي، عن عنبسة بن الأزهر، عن يحيى بن عقيل،....


قال: «دعوة مستجابة».

قال: فكم بين المشرق والمغرب؟

قال: «مسيرة يوم للشمس».

قال: فما عزّ المرء؟

قال: «استغناؤه عن الناس».

قال: فما أقبح شيء؟

قال: «الفسق في الشيخ قبيح، والحدّة في السلطان قبيحة، والكذب في ذي الحسب قبيح، والبخل في ذي الغناء، والحرص في العالم».

قال: صدقت يابن رسول الله، فأخبرني عن عدد الأئمّة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

قال: «اثنا عشر عدد نقباء بني إسرائيل».

قال: فسمّهم لي.

قال: فأطرق الحسينعليه‌السلام مليّاً ثمّ رفع رأسه، فقال: «نعم، أخبرك يا أخا العرب؛ إنّ الإمام والخليفة بعد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [أبي] أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ، والحسن وأنا، وتسعة من ولدي، منهم عليّ ابني، وبعده محمّد ابنه، وبعده جعفر ابنه، وبعده موسى ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده محمّد ابنه، وبعده عليّ ابنه، وبعده الحسن ابنه، وبعده الخلف المهدي، هو التاسع من ولدي يقوم بالدين في آخر الزمان».

قال: فقام الأعرابي وهو يقول:

مسحَ النبيّ جبينه

فلهُ بريقٌ في الخدودِ

أبواهُ من أعلا قريـ

ـشٍ جدّهُ خيرُ الجدودِ


احذر عقوق الوالدين (1)

«كنتُ مع عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام في الطواف ليلة ديجوجة(2) ، قليلة النور، وقد خلا الطواف، ونام الزوّار، وهدأت العيون، إذ سمع مستغيثاً مستجيراً مترحّماً بصوت حزين من قلب موجع، وهو يقول:

يا مَنْ يجيبُ دعا المضطّرِ في الظُلَمِ

يا كاشفَ الضرِّ والبلوى مع السقمِ

قد نامَ وفدكَ حولَ البيتِ وانتبهوا

يدعو وعينُكَ يا قيّومُ لم تنمِ

هب لي بجودكَ فضلَ العفو عن جرمي

يا مَنْ أشارَ إليهِ الخلقُ في الحرمِ

إن كانَ عفوكَ؟ يلقاه ذو سرفٍ

فمَنْ يجودُ على العاصينَ بالنعمِ

قال الحسين بن عليّ (صلوات الله عليهما): «فقال لي أبي: يا أبا عبد الله، أسمعت المنادي لذنبه، المستغيث ربّه؟ فقلت: نعم، قد سمعته. فقال: اعتبره عسى أن تراه.

فما زلت أختبط في طخياء(3) الظلام، وأتخلّل بين النيام، فلمّا صرت بين الركن والمقام بدا لي شخص منتصب، فتأمّلته فإذا هو قائم، فقلت: السلام عليك أيّها العبد المقرّ المستغفر المستجير، أجب - بالله - ابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . فأسرع في سجوده وقعوده وسلّم، فلم يتكلّم حتّى أشار بيده بأن

____________________

(1) بحار الأنوار 41 / 224 - 228، ح37. عن مهج الدعوات: روى جماعة يسندون إلى الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....

(2) الدجوجي، والديجوج: الليل المظلم.

(3) خبط الليل: سار فيه على غير هدى. والطخياء. الليلة المظلمة.


تقدّمني، فتقدّمته، فأتيت به أمير المؤمنين، فقلت: دونك ها هو. فنظر إليه فإذا هو شابّ حسن الوجه، نقيّ الثياب، فقال له: ممّن الرجل؟

فقال له: من بعض العرب.

فقال له: ما حالك، وممّ بكاؤك واستغاثتك؟

فقال: ما حال مَنْ اُخذ بالعقوق فهو في ضيق؛ ارتهنه المصاب، وغمره الاكتئاب، فإن تاب فدعاؤه لا يستجاب.

فقال له عليّعليه‌السلام : ولم ذاك؟

فقال: إنّي كنت ملتهياً في العرب باللّعب والطرب، اُديم العصيان في رجب وشعبان، وما اُراقب الرحمن، وكان لي والد شفيق رفيق يحذّرني مصارع الحدثان، ويخوّفني العقاب بالنيران، ويقول: كم ضجّ منك النهار والظلام، واللّيالي والأيّام، والشهور والأعوام، والملائكة الكرام!

وكان إذا ألحّ عليّ بالوعظ زجرته وانتهرته، ووثبت عليه وضربته، فعمدت يوماً إلى شيء من الورق - وكانت في الخباء(1) - فذهبت لآخذها وأصرفها فيما كنت عليه، فمانعني عن أخذها، فأوجعته ضرباً، ولويت يده(2) ، وأخذتها ومضيت، فأومأ بيده إلى ركبته يريد النهوض من مكانه ذلك فلم يطق يحرّكها من شدّة الوجع والألم، فأنشأ يقول:

جرت رحمٌ بيني وبينَ منازلٍ

سواءٌ كما يستنزلُ القطرُ طالبُهْ

وربّيتُ حتّى صارَ جلداً شمردلاً

إذا قامَ ساوى غاربَ العجلِ غاربُهْ(3)

____________________

(1) الورق: الدراهم المضروبة، ومنه قوله تعالى في سورة الكهف( فابعثوا أحدكم بورِقِكم هذه إلى المدينة ) . والخباء (بكسر الخاء): ما يعمل من وبر أو صوف أو شعر للسكن.

(2) لوى الحبل ونحوه: فتله وثناه. ولوّى عليه الأمر: عوّصه. يُقال: لوى أعناق الرجال أي غلبهم.

(3) الشمردل: الطويل، والفتيّ السريع من النوق. قاله في أقرب الموارد. والغارب: الكاهل، أو ما بين الظهر، أو السنام والعنق. والعجل: ولد البقرة. وفي المصدر: الفحل.


وقد كنتُ اُوتيه من الزادِ في الصبى

إذا جاعَ منهُ صفوهُ وأطائبُهْ

فلمّا استوى في عنفوانِ شبابهِ

وأصبحَ كالرمحِ الردينيّ خاطبُهْ(1)

تهضّمني مالي كذا ولوى يدي(2)

لوى يدهُ اللهُ الذي هو غالبُهْ

ثمّ حلف بالله ليقدمنّ إلى بيت الله الحرام فيستعدي الله عليّ. فصام أسابيع، وصلّى ركعات، ودعا وخرج متوجّهاً على عيرانة(3) يقطع بالسير عرض الفلاة، ويطوي الأودية، ويعلو الجبال حتّى قدم مكّة يوم الحجّ الأكبر، فنزل عن راحلته، وأقبل إلى بيت الله الحرام، فسعى وطاف به، وتعلّق بأستاره، وابتهل بدعائه، وأنشأ يقول:

يا مَنْ إليهِ أتى الحجّاجُ بالجهدِ

فوقَ المهادي من أقصى غاية البُعدِ(4)

إنّي أتيتكَ يا مَنْ؟ يخيّبُ مَنْ

يدعوهُ مبتهلاً بالواحدِ الصمدِ

هذا منازلُ مَنْ يرتاعُ من عققي

فخذ بحقّيَ يا جبّارُ من ولدي

حتّى تشلّ بعونٍ منكَ جانبَهُ

يا مَنْ تقدّسَ لم يولد ولم يلدِ

قال: فو الّذي سمك السماء وأنبع الماء، ما استتمّ دعاءه حتّى نزل بي ما ترى. ثمّ كشف عن يمينه فإذا بجانبه قد شلّ، فأنا منذ ثلاث سنين أطلب إليه أن يدعو لي في الموضع الّذي دعا به عليّ فلم يجبني، حتّى إذا كان العام أنعم عليّ، فخرجت

____________________

(1) الرديني: الرمح، نسبة إلى ردينة، وهي امرأة اشتهرت بتقويم الرماح. ولعل المراد من الأطب اللسان، أي صار لسانه كالرمح في الحدّة والذرابة.

(2) تهضّمه: ظلمه وغصبه.

(3) قال الفيروز آبادي: العيرانة من الإبل: الناجية في نشاط؛ وقال الشرتوني في الأقرب: العيرانة من الإبل: التي تشبه بالعير في سرعتها ونشاطها.

(4) المهاد: الأرض المنخفضة. وفي المصدر (المهارى)، والمهر: أوّل ما ينتج من الخيل والحمر الأهلية.


به على ناقة عشراء(1) أجدّ السير حثيثاً رجاء العافية، حتّى إذا كنّا على الأراك، وحطمة وادي السياك، نفر طائر في اللّيل، فنفرت منها الناقة الّتي كان عليها، فألقته إلى قرار الوادي، فارفضّ بين الحجرين فقبرته هناك. وأعظم من ذلك إنّي لا اُعرف إلاّ المأخوذ بدعوة أبيه.

فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام : أتاك الغوث، أتاك الغوث؛ ألا اُعلّمك دعاء علّمنيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفيه اسم الله الأكبر الأعظم الأكرم الذي يجيب به مَنْ دعاه، ويعطي به مَنْ سأله، ويفرّج به الهمّ، ويكشف به الكرب، ويذهب به الغمّ، ويبرئ به السقم، ويجبر به الكسر، ويغني به الفقير، ويقضي به الدين، ويردّ به العين، ويغفر به الذنوب، ويستر به العيوب؟» إلى آخر ما ذكرهعليه‌السلام في فضله.

قال الحسينعليه‌السلام : «فكان سروري بفائدة الدعاء أشدّ من سرور الرجل بعافيته».

ثمّ ذكر الدعاء على ما سيأتي في كتابه، «ثمّ قال للفتى: إذا كانت اللّيلة العاشرة فادع، وائتني من غد بالخبر».

قال الحسين بن عليّعليه‌السلام : «وأخذ الفتى الكتاب ومضى، فلمّا كان من غد ما أصبحنا حسناً حتّى أتى الفتى إلينا سليماً معافىً، والكتاب بيده وهو يقول: هذا والله الاسم الأعظم، استجيب لي وربّ الكعبة. قال له عليّ (صلوات الله عليه): حدّثني.

قال: لمّا هدأت العيون بالرقاد، واستحلك(2) جلباب اللّيل، رفعت يدي بالكتاب، ودعوت الله بحقّه مراراً، فاُجبت في الثانية: حسبك فقد دعوت الله

____________________

(1) العشراء (بالضم فالفتح): الناقة التي مضى لحملها عشرة أشهر أو ثمانية.

(2) حلك واستحلك: اشتدّ سواده.


باسمه الأعظم، ثمّ اضطجعت فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي وقد مسح يده الشريفة عليّ، وهو يقول: احتفظ بالله العظيم فإنّك على خير. فانتبهت معافىً كما ترى، فجزاك الله خيراً».

مع المساكين (1)

مرّ الحسين بن عليعليه‌السلام بمساكين قد بسطوا كساءً لهم فألقوا عليه كسراً، فقالوا: هلمّ يابن رسول الله... فأكل معهم، ثمّ تلى:( لاَ جَرَمَ أَنّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنّهُ لاَ يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ) (2) .

ثمّ قال: «قد أجبتكم فأجيبوني».

قالوا: نعم يابن رسول الله، وتعمى عين، فقاموا معه حتّى أتوا منزله.

فقال للرباب: «أخرجي ما كنت تدّخرين».

مع اُسامة (3)

دخل الحسينعليه‌السلام على اُسامة بن زيد وهو مريض، وهو يقول: وا غمّاه! فقال له الحسينعليه‌السلام : «وما غمّك يا أخي؟».

قال: دَيني، وهو ستّون ألف درهم.

____________________

(1) تفسير العياشي 2 / 257، ح15. عن مسعدة بن صدقة، قال:....

(2) سورة النحل / 22.

(3) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 65. عمرو بن دينار، قال:....


فقال الحسينعليه‌السلام : «هو عليّ».

قال: إنّي أخشى أن أموت.

فقال الحسينعليه‌السلام : «لن تموت حتّى أقضيها عنك».

قال: فقضاها قبل موته.

التعامل مع السائل (1)

قدم أعرابي المدينة فسأل عن أكرم الناس بها، فدُلّ على الحسينعليه‌السلام ، فدخل المسجد فوجده مصلّياً، فوقف بإزائه وأنشأ:

لم يُخب الآنَ مَنْ رجاكَ ومَنْ

حرّكَ من دونِ بابكَ الحلقهْ

أنتَ جوادٌ وأنتَ معتمدٌ

أبوكَ قد كانَ قاتلَ الفسقهْ

لولا الّذي كانَ من أوائلِكُمْ

كانت علينا الجحيمُ منطبقهْ

قال: فسلّم الحسينعليه‌السلام ، وقال: «يا قنبر، هل بقي من مال الحجاز شيء؟».

قال: نعم، أربعة آلاف دينار.

فقال: «هاتها؛ قد جاء مَنْ هو أحقّ بها منّا». ثمّ نزع برديه ولفّ الدنانير فيها، وأخرج يده من شقّ الباب؛ حياءً من الأعرابي، وأنشأ:

خذها فإنّي إليكَ معتذرٌ

واعلمْ بأنّي عليكَ ذو شفقهْ

لو كانَ في سيرنا الغداةَ عصا

أمست سمانا عليكَ مندفقهْ

____________________

مناقب ابن شهر آشوب 4 / 65 - 66.


لكنّ ريبَ الزمانِ ذو غيرٍ

والكفُّ منّي قليلةُ النفقهْ

قال: فأخذها الأعرابي وبكى، فقال له: «لعلّك استقللت ما أعطيناك؟».

قال: لا، ولكن كيف يأكل التراب جودك.

موقف العظماء (1)

إنّه لمّا نزل القوم بالحسينعليه‌السلام ، وأيقن أنّهم قاتلوه، قال لأصحابه: «قد نزل ما ترون من الأمر، وإنّ الدنيا قد تنكّرت وتغيّرت، وأدبر معروفها، واستمرّت حتّى لم يبقَ منها إلاّ كصبابة الإناء، وإلاّ خسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون الحقّ لا يُعمل به، والباطل لا يُتناهى عنه؛ ليرغب المؤمن في لقاء الله، وإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً».

وأنشد لمّا قصد الطفّ متمثّلاً:

سأمضي فما بالموتِ عارٌ على الفتى

إذا ما نوى خيراً وجاهدَ مسلما

وواسى الرجالَ الصالحينَ بنفسهِ

وفارقَ مذموماً وخالفَ مجرما

اُقدّمُ نفسي؟ اُريدُ بقاءَها

لتلقى خميساً في الهياجِ عرمرما(2)

فإن عشتُ لم اُذمم وإن متّ لم اُلمْ

كفى بكَ ذُلاً أن تعيشَ فتُرغما

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 68 - 69. روى محمّد بن الحسن....

(2) الخميس: الجيش. والعرمرم: الجيش الكثير.


إدخال السرور (1)

«صحّ عندي قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : أفضل الأعمال بعد الصلاة إدخال السرور في قلب المؤمن بما لا إثم فيه؛ فإنّي رأيت غلاماً يواكل كلباً، فقلت له في ذلك، فقال: يابن رسول الله، إنّي مغموم أطلب سروراً بسروره؛ لأنّ صاحبي يهودي اُريد اُفارقه».

فأتى الحسينعليه‌السلام إلى صاحبه بمئتي دينار ثمناً له، فقال اليهودي: الغلام فداء لخطاك، وهذا البستان له، ورددت عليك المال.

فقالعليه‌السلام : «وأنا قد وهبت لك المال».

فقال: قبلت المال ووهبته للغلام.

فقال الحسينعليه‌السلام : «أعتقت الغلام ووهبته له جميعاً».

فقالت امرأته: قد أسلمت، ووهبت زوجي مهري.

فقال اليهودي: وأنا أيضاً أسلمت، وأعطيتها هذه الدار.

التحيّة بالأحسن (2)

قال أنس: كنت عند الحسينعليه‌السلام ، فدخلت عليه جارية فحيّته بطاقة ريحان، فقال لها: «أنت حرّة لوجه الله».

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 75. روي عن الحسين بن عليعليه‌السلام أنّه قال:....

(2) كشف الغمّة 2 / 206.


فقلتُ: تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟!

قال: «كذا أدّبنا الله، قال الله تعالى:( وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيّةٍ فَحَيّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدّوهَا إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَى‏ كُلّ شَيْ‏ءٍ حَسِيباً ) (1) . وكان أحسن منها عتقها».

عفو وإحسان (2)

جنى غلام للحسينعليه‌السلام جناية توجب العقاب عليه، فأمر به أن يضرب، فقال: يا مولاي،( والكاظمين الغيظ ) . قال: «خلّوا عنه».

فقال: يا مولاي،( والعافين عن الناس ) .

قال: «قد عفوت عنك».

قال: يا مولاي،( وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ ) (3) .

قال: «أنت حرّ لوجه الله، ولك ضعف ما كنت اُعطيك».

أكرم وجهك (4)

«صاحب الحاجة لم يكرم وجهه عن سؤالك، فأكرم وجهك عن ردّه».

____________________

(1) سورة النساء / 86.

(2) كشف الغمّة 2 / 207.

(3) سورة آل عمران / 134.

(4) كشف الغمّة 2 / 208، قال الحسينعليه‌السلام :....


إنفاق وتربية (1)

إنّ أعرابيّاً جاء الحسين بن عليّعليه‌السلام ، وقال: يابن رسول الله، قد ضمنت دية كاملة وعجزت عن أدائها، فقلت في نفسي: أسأل أكرم الناس، وما رأيت أكرم من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فقال الحسينعليه‌السلام : «يا أخا العرب، أسألك عن ثلاث مسائل، فإن أجبت عن واحدة أعطيتك ثلث المال، وإن أجبت عن اثنتين أعطيتك ثلثي المال، وإن أجبت عن الكل أعطيتك الكل».

فقال الأعرابي: يابن رسول الله، أمثلك يسأل عن مثلي، وأنت من أهل بيت العلم والشرف؟!

فقال الحسينعليه‌السلام : «بلى، سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: المعروف بقدر المعرفة».

فقال الأعرابي: سل عمّا بدا لك، فإن أجبت وإلاّ تعلّمت منك، ولا قوّة إلاّ بالله.

فقال الحسينعليه‌السلام : «أيّ الأعمال أفضل؟».

فقال الأعرابي: الإيمان بالله.

فقال الحسينعليه‌السلام : «فما النجاة من المهلكة؟».

فقال الأعرابي: الثقة بالله.

____________________

(1) جامع الأخبار / 137، الفصل96. في أسانيد أخطب خوارزم أورده في كتاب له في مقتل آل الرسول.


فقال الحسينعليه‌السلام : «فما يزين الرجل؟».

فقال الأعرابي: علم معه حلم.

فقال: «فإن أخطأه ذلك؟».

فقال: [مال] معه مروءة.

فقال: «فإن أخطأه ذلك؟».

فقال: فقر معه صبر.

فقال الحسينعليه‌السلام : «فإن أخطأه ذلك؟».

فقال الأعرابي: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه؛ فإنه أهل لذلك.

فضحك الحسينعليه‌السلام ورمى بصرّة إليه فيها ألف دينار، وأعطاه خاتمه وفيه فصّ قيمته مئتا درهم.

فقال: يا أعرابي، أعط الذهب إلى غرمائك، واصرف الخاتم في نفقتك.

فأخذه الأعرابي، وقال:( وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُؤْمِنَ حَتّى‏ نُؤْتَى‏ مِثْلَ مَا اُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ) (1) .

الرفق بالحيوان (1)

روى أبو مخنف، عن الجلودي أنّ الحسينعليه‌السلام حمل على الأعور السلمي، وعمرو بن الحجّاج الزبيدي، وكانا في أربعة آلاف رجل على الشريعة، وأقحم الفرس على الفرات، فلمّا أولغ الفرس برأسه ليشرب قالعليه‌السلام : «أنت عطشان وأنا عطشان. والله لا أذوق الماء حتّى تشرب». فلمّا سمع

____________________

(1) سورة الأنعام / 124.

(2) مناقب آل أبي طالب - لابن شهر آشوب 4 / 58.


الفرس كلام الحسينعليه‌السلام شال رأسه ولم يشرب، كأنّه فهم الكلام.

فقال الحسينعليه‌السلام : «اشرب فأنا أشرب»، فمدّ الحسينعليه‌السلام يده فغرف من الماء، فقال فارس: يا أبا عبد الله، تتلذّذ بشرب الماء وقد هُتكت حرمتك؟ فنفض الماء من يده، وحمل على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة.

صفات شيعتنا (1)

قال رجل للحسين بن عليعليه‌السلام : يابن رسول الله، أنا من شيعتكم.

قالعليه‌السلام : «اتقِ الله، ولا تدّعينّ شيئاً يقول الله لك: كذبت وفجرت في دعواك. إنّ شيعتنا مَنْ سلمت قلوبهم من كلّ غش وغلّ ودغل، ولكن قل: أنا من مواليكم ومن مُحبّيكم».

رضا الله لا رضا الناس (2)

قال الصادقعليه‌السلام : «حدّثني أبي، عن أبيهعليه‌السلام أنّ رجلاً من أهل الكوفة كتب إلى أبي الحسين بن عليعليه‌السلام : يا سيّدي، أخبرني بخير الدنيا والآخرة.

فكتب (صلوات الله عليه): بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإنّ مَنْ طلب رضا الله بسخط الناس كفاه الله اُمور الناس، ومَنْ طلب رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، والسّلام».

____________________

(1) تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام / 309، ح154.

(2) الاختصاص / 225، أمالي الصدوق / 167 - 168، المجلس36، ح11.


قبول العطاء (1)

«مَنْ قبل عطاءك، فقد أعانك على الكرم».

دروس حكيمة (2)

أقبل أمير المؤمنينعليه‌السلام على الحسين ابنهعليه‌السلام ، فقال له: «يا بُنيّ، ما السؤدد؟».

قال: «اصطناع العشيرة، واحتمال الجريرة».

قال: «فما الغنى؟».

قال: «قلّة أمانيّك، والرضا بما يكفيك».

قال: «فما الفقر؟».

قال: «الطمع، وشدّة القنوط».

قال: «فما اللؤم؟».

قال: «إحراز المرء نفسه، وإسلامه عرسه».

قال: «فما الخرق؟».

قال: «معاداتك أميرك، ومَنْ يقدر على ضرّك ونفعك».

ثمّ التفت إلى الحارث الأعور فقال: «يا حارث، علّموا هذه الحكم أولادكم؛ فإنّها زيادة في العقل والحزم والرأي».

____________________

(1) بحار الأنوار 71 / 357، ح21. عن الدرة الباهرة: قال الحسين بن عليعليه‌السلام ، و 78 / 127.

(2) معاني الأخبار / 401، آخر ح62.


تسليم بلا اقتراح (1)

«مرضت مرضاً شديداً، فقال لي أبيعليه‌السلام : ما تشتهي؟ فقلت: أشتهي أن أكون ممّن لا اقترح على الله ربّي سوى ما يدبّره لي.

فقال لي: أحسنت، ضاهيت إبراهيم الخليل (صلوات الله عليه)، حيث قال له جبرئيلعليه‌السلام : هل من حاجة؟ فقال: لا أقترح على ربّي، بل حسبي الله ونعم الوكيل».

المؤمن لا يسيء (2)

«إيّاك وما تعتذر منه؛ فإنّ المؤمن لا يسيء ولا يعتذر، والمنافق كلّ يوم يسيء ويعتذر».

____________________

(1) دعوات الراوندي / 168، ح468، المستدرك 1 / 95 ح16، وبحار الأنوار 81 / 208، ح24. عن الباقرعليه‌السلام قال:...

(2) تحف العقول / 248، قالعليه‌السلام :....


لا تبخل (1)

«مالُك إن لم يكن لك كنتَ له، فلا تبقِ عليه؛ فإنّه لا يبقى عليك، وكله قبل أن يأكلك».

لا تمارِ أحداً (2)

«يابن عباس، لا تكلمنّ فيما لا يعنيك؛ فإنّني أخاف عليك فيه الوزر، ولا تكلمنَّ فيما يعنيك حتّى ترى للكلام موضعاً، فربّ متكلّم قد تكلّم بالحقّ فعيب. ولا تمارينَ حليماً ولا سفيهاً؛ فإنّ الحليم يقليك، والسفيه يرديك. ولا تقولنّ في أخيك المؤمن إذا توارى عنك إلاّ مثل ما تحبّ أن يقول فيك إذا تواريت عنه، واعمل عمل رجلٍ يعلم أنّه مأخوذ بالإجرام، مجزى بالإحسان، والسّلام».

عليك بالرفق (3)

«مَنْ أحجم عن الرأي، وعييت به الحيل كان الرفق مفتاحه».

____________________

(1) بحار الأنوار 78 / 127. عن الدرة الباهرة: قالعليه‌السلام :....

(2) كنز الفوائد 2 / 32، قال الحسين بن عليعليه‌السلام يوماً لابن عباس:....

(3) أعلام الدين / 298. وقالعليه‌السلام :....


الإجمال في الطلب (1)

«يا هذا، لا تجاهد في الرزق جهاد المغالب، ولا تتّكل على القدر اتكال مستسلم؛ فإنّ ابتغاء الرزق من السُنّة، والإجمال في الطلب من العفّة. ليست العفّة بمانعة رزقاً، ولا الحرص بجالب فضلاً، وإنّ الرزق مقسوم، والأجل محتوم، واستعمال الحرص طلب المأثم».

____________________

(1) أعلام الدين / 428. عن الحسينعليه‌السلام إنّه قال لرجل:....


عبادات



زكاة الفطر (1)

«زكاة الفطر على كلّ حاضر وباد».

تحفة الصائم (2)

كان أبو عبد الله الحسين بن عليعليه‌السلام إذا صام يتطيّب بالطيب، ويقول: «الطيب تحفة الصائم».

فلسفة الصوم (3)

سُئل الحسينعليه‌السلام : لِمَ افترض الله (عزّ وجلّ) على عبيده الصوم؟ قالعليه‌السلام : «ليجد الغني مسّ الجوع فيعود بالفضل على المساكين».

السلام والتحيّة (4)

«للسلام سبعون حسنة؛ تسع وستون للمبتدئ، وواحدة للراد».

____________________

(1) دعائم الإسلام 1 / 267. عن الحسين بن عليعليه‌السلام إنّه قال:....

(2) الخصال 1 / 62، ذيل الحديث 86.

(3) المناقب 4 / 68.

(4) تحف العقول / 248، قالعليه‌السلام :....


الحجّ ومؤتمر منى (1)

لمّا كان قبل موت معاوية بسنة حجّ الحسين بن علي (صلوات الله عليه)، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر معه، فجمع الحسينعليه‌السلام بني هاشم رجالهم ونساءهم ومواليهم، ومن الأنصار ممّن يعرفه الحسينعليه‌السلام وأهل بيته، ثمّ أرسل رسلاً: «لا تدعو أحداً ممّن حجّ العام من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ أجمعوهم لي».

فاجتمع إليه بمنى أكثر من سبعمئة رجل وهم في سرادقه، عامّتهم من التابعين، ونحو من مئتي رجل من أصحاب النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فقام فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أمّا بعد، فإنّ هذا الطاغية قد فعل بنا وبشيعتنا ما قد رأيتم وعلمتم وشهدتم، وإنّي اُريد أن أسألكم عن شيء، فإن صدقت فصدّقوني وإن كذبت فكذّبوني، وأسألكم بحقّ الله عليكم، وحقّ رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله وقرابتي من نبيّكم [عليه وآله السلام] لما سيرتم مقامي هذا، ووصفتم مقالتي، ودعوتم أجمعين في أمصاركم من قبائلكم مَنْ أمنتم من الناس.

وفي رواية أخرى بعد قوله: فكذّبوني، اسمعوا مقالتي واكتبوا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، فمَنْ أمنتم من الناس ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون من حقّنا؛ فإنّي أتخوّف أن يدرس هذا الأمر، ويذهب الحقّ ويُغلب( والله متمّ نوره ولو كره الكافرون ) ».

____________________

(1) كتاب سليم بن قيس / 168 - 171.


وما ترك شيئاً ممّا أنزل الله فيهم من القرآن إلاّ تلاه وفسّره، ولا شيئاً ممّا قاله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في أبيه وأخيه واُمّه وفي نفسه وأهل بيته إلاّ رواه، وكلّ ذلك يقول أصحابه: اللّهمّ نعم، وقد سمعنا وشهدنا، ويقول التابعي: اللّهمّ قد حدّثني به مَنْ اُصدّقه وأئتمنه من الصحابة.

فقال: «اُنشدكم الله، ألاّ حدّثتم به مَنْ تثقون به وبدينه».

قال سليم: فكان فيما ناشدهم الحسينعليه‌السلام وذكّرهم، أن قال: «اُنشدكم الله، أتعلمون أنّ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام كان أخا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، حين آخا بين أصحابه، فآخا بينه وبين نفسه، وقال: أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «اُنشدكم الله، هل تعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اشترى موضع مسجده ومنازله فابتناه، ثمّ ابتنى فيه عشرة منازل؛ تسعة له وجعل عاشرها في وسطها لأبي، ثمّ سدّ كلّ باب شارع إلى المسجد غير بابه، فتكلّم في ذلك مَنْ تكلّم فقال: ما أنا سددت أبوابكم وفتحت بابه، ولكنّ الله أمرني بسدّ أبوابكم وفتح بابه.

ثمّ نهى الناس أن يناموا في المسجد غيره، وكان يجنب في المسجد ومنزله في منزل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فولد لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وله فيه أولاد؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «أفتعلمون أنّ عمر بن الخطّاب حرص على كوّة قدر عينه يدعها في منزله إلى المسجد فأبى عليه، ثمّ خطب فقال: إنّ الله أمرني أن أبني مسجداً طاهراً لا يسكنه غيري وغير أخي وابنيه؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «اُنشدكم الله، أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله نصّبه يوم غدير خمّ، فنادى له بالولاية، وقال: ليبلّغ الشاهد الغائب؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.


قال: «اُنشدكم الله، أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال له في غزوة تبوك: أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وأنت وليّ كلّ مؤمن بعدي؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «اُنشدكم الله، أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين دعا النصارى من أهل نجران إلى المباهلة لم يأتِ إلاّ به وبصاحبته وابنيه؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «اُنشدكم الله، أتعلمون أنّه دفع إليه اللّواء يوم خيبر، ثم قال: لأدفعه إلى رجل يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله، كرّار غير فرّار، يفتحها الله على يديه؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعثه ببراءة، وقال: لا يبلّغ عني إلاّ أنا أو رجل منّي؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «أتعلمون أن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قضى بينه وبين جعفر وزيد فقال: يا علي، أنت منّي وأنا منك، وأنت ولي كلّ مؤمن بعدي؟».

قالوا: اللهم نعم.

قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم تنزل به شدّة قطّ إلاّ قدّمه لها ثقة به، وأنّه لم يدعه باسمه قطّ إلاّ أن يقول: يا أخي، وادعوا لي أخي؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «أتعلمون أنّه كانت له من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كلّ يوم خلوة، وكلّ ليلة دخلة، إذا سأله أعطاه، وإذا سكت ابتدأه؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فضّله على جعفر وحمزة حين قال


لفاطمةعليهما‌السلام : زوّجتك خير أهل بيتي، أقدمهم سلماً، وأعظمهم حلماً، وأكثرهم علماً؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: أنا سيّد ولد بني آدم، وأخي عليّ سيّد العرب، وفاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، والحسن والحسين ابناي سيّدا شباب أهل الجنّة؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أمره بغسله، وأخبره أنّ جبرئيلعليه‌السلام يعينه عليه؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

قال: «أتعلمون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال في آخر خطبة خطبها: إنّي تركت فيكم الثقلين؛ كتاب الله وأهل بيتي، فتمسّكوا بهما لن تضلّوا؟».

قالوا: اللّهمّ نعم.

فلم يدع شيئاً أنزله الله في عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام خاصّة، وفي أهل بيته من القرآن، ولا على لسان نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلاّ ناشدهم فيه، فيقول الصحابة: اللّهمّ نعم، قد سمعنا، ويقول التابع: اللّهمّ قد حدّثنيه مَنْ أثق به فلان وفلان.

ثمّ ناشدهم أنّهم قد سمعوه يقول: «مَنْ زعم أنّه يحبّني ويبغض عليّاً فقد كذب ليس يحبّني ويبغض عليّاً. فقال له قائل: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: لأنّه منّي وأنا منه؛ مَنْ أحبّه فقد أحبّني، ومَنْ أحبّني فقد أحبّ الله، ومَنْ أبغضه فقد أبغضني، ومَنْ أبغضني فقد أبغض الله».

فقالوا: اللّهمّ نعم، قد سمعنا. وتفرّقوا على ذلك.


عند قبر خديجة(1)

إنّ الحسينعليه‌السلام ساير أنس بن مالك، فأتى قبر خديجة فبكى، ثمّ قال: «اذهب عنّي». قال أنس: فاستخفيت عنه، فلمّا طال وقوفه في الصلاة سمعته قائلاً:

يا ربّ يا ربّ أنتَ مولاه

فارحم عُبيداً إليكَ ملجاهُ

يا ذا المعالي عليكَ معتمدي

طوبى لمَنْ كنتَ أنتَ مولاهُ

طوبى لمَنْ كان خائفاً أرقا

يشكو إلى ذي الجلالِ بلواهُ

وما بهِ علّة ولا سقم

أكثر من حبّهِ لمولاهُ

إذا اشتكى بثّهُ وغصّته

أجابهُ اللهُ ثمّ لبّاهُ

فنودي:

لبّيكَ لبيكَ أنتَ في كنفي

وكلّما قلتَ قد علمناهُ

صوتكَ تشتاقهُ ملائكتي

فحسبكَ الصوت قد سمعناهَ

دعاكَ عندي يجولُ في حجبٍ

فحسبكَ الستر قد سفرناهُ

لو هبّتِ الريحُ من جوانبهِ

خرّ صريعاً لما تغشّاهُ

سلني بلا رغبةٍ ولا رهبٍ

ولا حسابٍ إنّي أنا اللهُ

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 69.


مزاورة أهل البيت عليهم‌السلام (1)

«مَنْ أتانا لم يعدم خصلة من أربع؛ آية محكمة، وقضيّة عادلة، وأخاً مستفاداً، ومجالسة العلماء».

زائر الحسين عليه‌السلام (2)

«أنا قتيل العبرة، قتلت مكروباً، وحقيق عليّ أن لا يأتيني مكروب قطّ إلاّ ردّه الله، وأقلبه إلى أهله مسروراً».

القطرة من الدمع (3)

«ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة، أو دمعت عيناه فينا دمعة، إلاّ بوّأه الله بها في الجنّة حقباً».

قال أحمد بن يحيى الأوديّ: فرأيت الحسين بن عليعليه‌السلام في المنام، فقلت:

____________________

(1) كشف الغمّة 2 / 208، قال الحسينعليه‌السلام :....

(2) كامل الزيارات / 109، ب36، ح7. حدّثني علي بن الحسين السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن ابن مسكان، عن ابن خارجة، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال: قال الحسين بن عليعليه‌السلام :....

(3) أمالي المفيد / 209، المجلس40؛ وأمالي الشيخ الطوسي 1 / 116. المفيد، عن أبي عمرو عثمان الدقاق، عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن أحمد بن يحيى الأودي، عن مخول بن ابراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، عن الحسين بن عليعليه‌السلام قال:....


حدّثني مخول بن إبراهيم، عن الربيع بن المنذر، عن أبيه، عنك أنّك قلت: «ما من عبد قطرت عيناه فينا قطرة، أو دمعت عيناه فينا دمعة، إلاّ بوّأه الله بها في الجنّة حقباً». قال: «نعم». قلتُ: سقط الإسناد بيني وبينك.

الصلاة في المهمّات (1)

«تصلّي أربع ركعات تحسن قنوتهنّ وأركانهنّ؛ تقرأ في الأولى الحمد مرّة، وحسبنا الله ونعم الوكيل سبع مرّات، وفي الثانية الحمد مرّة، وقوله( مَا شَاءَ اللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَدًا ) سبع مرّات.

وفي الثالثة الحمد مرّة، وقوله( لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ) سبع مرّات، وفي الرابعة الحمد مرّة، و( أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَاد ) سبع مرّات، ثمّ تسأل حاجتك».

في قنوت الفريضة (2)

«اللّهم منّك البدء ولك المشية، ولك الحول ولك القوّة، وأنت الله الذي لا إله إلاّ أنت، جعلت قلوب أوليائك مسكناً لمشيتك ومكمناً لإرادتك، وجعلت عقولهم مناصب أوامرك ونواهيك، فأنت إذا شئت ما تشاء حركت من أسرارهم

____________________

(1) مكارم الأخلاق / 333، ب10، الفصل4. عن الحسين بن عليعليه‌السلام :....

(2) مهج الدعوات / 48 - 49. كان الإمام الحسين بن عليعليه‌السلام يقنت بهذا الدعاء:....


كوامن ما أبطنت فيهم، وأبدأت من إرادتك على ألسنتهم ما أفهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك، وتدعو إليك بحقايق ما منحتهم به، وإنّي لأعلم ممّا علّمتني ممّا أنت المشكور على ما منه أريتني، وإليه آويتني.

اللّهم وإنّي مع ذلك كلّه عائذ بك، لائذ بحولك وقوّتك، راضٍ بحكمك الذي سقته إليّ في علمك، جار بحيث أجريتني، قاصد ما أمّمتني، غير ضنين بنفسي فيما يرضيك عنّي إذ به قد رضيتني، ولا قاصر بجهدي عمّا إليه ندبتني، مسارع لما عرفّتني، شارع فيما أشرعتني، مستبصر ما بصرّتني، مراعٍ ما أرعيتني، فلا تخلني من رعايتك، ولا تخرجني من عنايتك، ولا تقعدني عن حولك، ولا تخرجني عن مقصد أنال به إرادتك، واجعل على البصيرة مدرجتي، وعلى الهداية محجّتي، وعلى الرشاد مسلكي حتّى تنيلني وتنيل بي اُمنيّتي، وتحلّ بي على ما به أردتني، وله خلقتني، وإليه آويتني.

وأعذ أولياءك من الافتتان بي، وفتّنهم برحمتك لرحمتك في نعمتك تفتين الاجتباء، والاستخلاص بسلوك طريقتي، واتّباع منهجي، وألحقني بالصالحين من آبائي وذوي رحمي».

من أذكار القنوت (1)

«اللّهم مَنْ آوى إلى مأوى فأنت مأواي، ومَنْ لجأ إلى ملجأ فأنت ملجأي. اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، واسمع ندائي، وأجب دعائي، واجعل مآبي عندك ومثواي، واحرسني في بلواي من افتنان الامتحان ولمّة الشيطان بعظمتك التي لا يشوبها ولع نفس بتفتين، ولا وارد طيف بتظنين، ولا يلمّ بها فرحّ حتى

____________________

(1) مهج الدعوات / 49. كان من دعاء الإمام الحسينعليه‌السلام في قنوته:....


تقلبني إليك بإرادتك غير ظنين ولا مظنون، ولا مراب ولا مرتاب، إنّك [أنت] أرحم الراحمين».

للقارئ دعوة مستجابة (1)

«مَنْ قرأ آية من كتاب الله تعالى في صلاته قائماً يكتب الله له بكلّ حرف مئة حسنة، فإن قرأها في غير صلاة كتب الله له بكلّ حرف عشراً؛ فإن استمع القرآن كان له بكلّ حرف حسنة، وإن ختم القرآن ليلاً صلّت عليه الملائكة حتّى يصبح، وإن ختمه نهاراً صلّت عليه الحفظة حتّى يمسى، وكانت له دعوة مستجابة، وكان خيراً له ممّا بين السماء والأرض».

قلت: هذا لمَنْ قرأ القرآن، فمَنْ لم يقرأه؟

قال: «يا أخا بني أسد، إنّ الله جواد ماجد كريم، إذا قرأ ما سمعه [معه] أعطاه الله ذلك».

____________________

(1) عدة الداعي / 269 - 270، ب6. روى بشر بن غالب الأسدي، عن الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....


الصدقة المقبولة (1)

إنّه ذُكر عنده عن رجل من بني اُميّة تصدّق بصدقة كثيرة، فقال: «مثله مثل الذي سرق الحاج وتصدّق بما سرق؛ إنّما الصدقة صدقة مَنْ عرق فيها جبينه، واغبرّ فيها وجهه مثل عليعليه‌السلام ، ومَنْ تصدّق بمثل ما تصدّق به».

____________________

(1) دعائم الإسلام 1 / 244. عن الحسين بن عليعليه‌السلام :....



أحكام



النهي عن اُمور تسعة (1)

«لمّا افتتح رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله خيبر دعا بقوسه فاتكأ على سِيَتها(2) ، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، وذكر ما فتح الله له ونصره به، ونهى عن خصال تسعة؛ عن مهر البغي، وعن كسب الدابة، يعني: عسب الفحل، وعن خاتم الذهب، وعن ثمن الكلب، وعن مياثر الأرجوانة - قال أبو عروبة: عن مياثر الخمر - وعن لبوس ثياب القسي، وهي ثياب تنسج بالشام، وعن أكل لحوم السباع، وعن صرف الذهب بالذهب، والفضّة بالفضّة بينهما فضل، وعن النظر في النجوم».

____________________

(1) الخصال 2 / 417 - 418 ح10. أخبرني إبراهيم بن محمّد بن حمزة، عن سالم بن سالم وأبي عروبة معاً، عن أبي الخطاب، عن هارون بن مسلم، عن القاسم بن عبد الرحمان الأنصاري، عن محمّد بن علي، عن أبيه الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....

(2) سية القوس (بكسر السين وفتح الياء): ما عطف من طرفيها.


مع جنازة اليهوديّ (1)

«كان الحسين بن عليعليه‌السلام جالساً فمرّت عليه جنازة، فقام الناس حين طلعت الجنازة، فقال الحسينعليه‌السلام : مرّت جنازة يهودي، فكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على طريقها جالساً، فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي، فقام لذلك».

____________________

(1) فروع الكافي 1 / 192، ح2. عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن أبي نجران، عن مثّنى الحنّاط، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال:....


القرآن واُولوا الأرحام (1)

«لمّا أنزل الله تبارك وتعالى هذه الآية:( وَالّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَاُولئِكَ مِنكُمْ واُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى‏ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْ‏ءٍ عَلِيمٌ ) (2) سألت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عن تأويلها؟

فقال: والله ما عنى [بها] غيركم، وأنتم اُولوا الأرحام، فإذا متّ فأبوك عليّ أولى بي وبمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به.

قلت: يا رسول الله، فمَنْ بعدي أولى بي؟

فقال: ابنك عليّ أولى بك من بعدك، فإذا مضى فابنه محمّد أولى به من بعده، فإذا مضى [محمّد] فابنه جعفر أولى به من بعده بمكانه، فإذا مضى جعفر فابنه موسى أولى به من بعده، فإذا مضى موسى فابنه علي أولى به من بعده، فإذا مضى عليّ فابنه محمّد أولى به من بعده، فإذا مضى محمّد فابنه عليّ أولى به من بعده، فإذا مضى عليّ فابنه الحسن أولى به من بعده، فإذا مضى الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك، فهذه الأئمّة التسعة من صلبك، أعطاهم [الله] علمي وفهمي، طينتهم من طينتي. ما لقوم يؤذوني فيهم! لا أنالهم الله شفاعتي».

____________________

(1) كفاية الأثر / 175 - 176. أخبرنا محمّد بن عبد الله بن المطلب الشيباني (رضي الله عنه)، قال: حدّثنا محمّد أبو بكر بن هارون الدينوري، قال: حدّثنا محمّد بن العباس المصري، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم الغفاري، قال: حدّثنا حريز بن عبد الله الحذاء، عن إسماعيل بن عبد الله، قال: قال لي الحسين بن عليعليه‌السلام :....

(2) سورة الأنفال / 75، وسورة الأحزاب / 6.


طاعتنا مفروضة (1)

عن موسى بن عقبة إنّه قال: لقد قيل لمعاوية إنّ الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسينعليه‌السلام ، فلو قد أمرته يصعد المنبر فيخطب؛ فإنّ فيه حصراً، وفي لسانه كلالة.

فقال لهم معاوية: قد ظننا ذلك بالحسن، فلم يزل حتّى عظم في أعين الناس وفضحنا، فلم يزالوا به حتّى قال للحسينعليه‌السلام : يا أبا عبد الله، لو صعدت المنبر فخطبت.

فصعد الحسينعليه‌السلام على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فسمع رجلاً يقول: مَنْ هذا الّذي يخطب؟

فقال الحسينعليه‌السلام :

____________________

(1) الاحتجاج 2 / 22 - 23؛ ومناقب ابن شهر آشوب 4 / 67.


«نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الأقربون، وأهل بيته الطيّبون، وأحد الثقلين الّذين جعلنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى الذي فيه تفصيل كلّ شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعوّل علينا في تفسيره، ولا يبطئنا تأويله، بل نتبع حقائقه.

فأطيعونا؛ فإنّ طاعتنا مفروضة، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة. قال الله (عزّ وجلّ):( يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَاُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) (1) ، وقال:( وَلَوْ رَدّوهُ إِلَى الرّسُولِ وَإِلَى‏ اُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتّبَعْتُمُ الشّيْطَانَ إِلاّ قَلِيلاً ) (2) .

واُحذّركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم؛ فإنّه لكم عدوّ مبين، فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم:( وَإِذْ زَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى‏ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنّي بَرِي‏ءٌ مِنكُمْ... ) (3) . فتلقون للسيوف ضرباً، وللرماح ورداً، وللعمد حطماً، وللسهام غرضاً، ثمّ لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً».

قال معاوية: حسبك يا أبا عبد الله، فقد أبلغت.

____________________

(1) سورة النساء / 59.

(2) سورة النساء / 83.

(3) سورة الأنفال / 48.


بيع المساومة (1)

«أتى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام أصحاب القمص فساوم شيخاً منهم، فقال: يا شيخ، بعني قميصاً بثلاثة دراهم. فقال الشيخ: حبّاً وكرامة.

فاشترى منه قميصاً بثلاثة دراهم، فلبسه ما بين الرسغين(2) إلى الكعبين، وأتى المسجد فصلّى فيه ركعتين، ثمّ قال: الحمد لله الّذي رزقني من الرياش ما أتجمّل به في الناس، واُؤدّي فيه فريضتي، وأستر به عورتي.

فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، أعنك نروي هذا، أو شيء سمعته من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

قال: بل شيء سمعته من رسول الله؛ سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول ذلك عند الكسوة».

الصلاة على المنافق (3)

«مات رجل من المنافقين، فخرج الحسين بن عليعليه‌السلام يمشي، فلقى مولىً له، فقال: أين تذهب؟ فقال:

____________________

(1) أمالي الشيخ الطوسي 1 / 375، ح21. بالإسناد عن الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....

(2) الرسغ - بالضم -: المفصل ما بين الساعد والكف، أو الساق والقدم.

(3) قرب الإسناد / 29. السندي بن محمّد عن صفوان الجمال، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال:....


أفرّ من جنازة هذا المنافق أن اُصلّي عليه. قال: قم إلى جنبي، فما سمعتني أقول فقل.

قال: فرفع يده وقال: اللّهم العن عبدك ألف لعنة مختلفة، اللّهم اخز عبدك في بلادك وعبادك، اللّهمّ أصله حرّ نارك، اللّهم أذقه أشدّ عذابك؛ فإنّه كان يوالي أعداءك، ويعادي أولياءك، ويبغض أهل بيت نبيّك».

كفّ عن الغيبة (1)

قالعليه‌السلام لرجل اغتاب عنده رجلاً: «يا هذا، كفّ عن الغيبة؛ فإنّها إدام كلاب النار».

من شروط التكليف (2)

«ما أخذ الله طاقة أحد إلاّ وضع عنه طاعته، ولا أخذ قدرته إلاّ وضع عنه كلفته».

عبادة الأحرار (3)

«إنّ قوماً عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة».

____________________

(1) تحف العقول / 245.

(2) تحف العقول / 246، قالعليه‌السلام :....

(3) تحف العقول / 246، قالعليه‌السلام :....


من شروط المسألة (1)

أتاه رجل فسأله فقالعليه‌السلام : «إنّ المسألة لا تصلح إلاّ في غُرم فادح، أو فقر مدقع، أو حمالة مفظعة(2) ».

فقال الرجل: ما جئت إلاّ في إحداهن. فأمر له بمئة دينار.

التحدثّ بالنعمة (3)

سأله رجل عن معنى قول الله:( وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ ) (4) . قالعليه‌السلام : «أمره أن يحدّث بما أنعم الله به عليه في دينه».

الجهاد وأقسامه (5)

سُئل عن الجهاد سنة أو فريضة؟ فقالعليه‌السلام : «الجهاد على أربعة أوجه؛ فجهادان فرض، وجهاد سُنّة لا يقام إلاّ مع فرض، وجهاد سُنّة.

____________________

(1) تحف العقول / 246.

(2) الحمالة: الديّة والغرامة.

(3) تحف العقول / 246 - 247.

(4) سورة الضحى / 11.

(5) تحف العقول / 243، عن الحسين بن عليعليه‌السلام .


فأما أحد الفرضين، فجهاد الرجل نفسه عن معاصي الله، وهو من أعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم من الكفّار فرض؛ وأمّا الجهاد الذي هو سُنّة لا يقام إلاّ مع فرض، فإنّ مجاهدة العدو فرض على جميع الاُمّة، ولو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب، وهذا هو من عذاب الاُمّة، وهو سُنّة على الإمام وحدّه أن يأتي العدو مع الاُمّة فيجاهدهم.

وأمّا الجهاد الذي هو سُنّة، فكلّ سنّة أقامها الرجل وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها، فالعمل والسعي فيها من أفضل الأعمال؛ لأنّها إحياء سُنّة، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مَنْ سنّ سُنّة حسنة فله أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من اُجورهم شيء».

المرأة والخادم (1)

«اُدخل على اُختي سكينة بنت عليعليه‌السلام خادم، فغطّت رأسها منه، فقيل لها: إنّه خادم.

فقالت: هو رجل مُنع شهوته».

____________________

(1) أمالي الطوسي 1 / 376، ب13، ح30. بالإسناد عن هلال بن محمّد بن جعفر، عن إسماعيل بن علي الدعبلي، عن علي بن رزين أخي دعبل بن علي الخزاعي، عن الرضاعليه‌السلام ، عن آبائه، عن الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....



مواعظ



الموت قنطرة (1)

لمّا اشتدّ الأمر بالحسين بن عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام نظر إليه مَنْ كان معه فإذا هو بخلافهم؛ لأنّهم كلّما اشتدّ الأمر تغيّرت ألوانهم، وارتعدت فرائصهم، ووجلت قلوبهم، وكان الحسين (صلوات الله عليه) وبعض مَنْ معه من خصائصه تشرق ألوانهم، وتهدأ جوارحهم، وتسكن نفوسهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا لا يبالي بالموتّ.

فقال لهم الحسينعليه‌السلام : «صبراً بني الكرام، فما الموت إلاّ قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟ وما هو لأعدائكم إلاّ كمَنْ يُنتقل من قصر إلى سجن وعذاب.

إنّ أبي حدّثني عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ الدنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم، وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت ولا كُذّبت».

____________________

(1) معاني الأخبار / 288، ب21، ح3، قال عليّ بن الحسينعليه‌السلام :....


لوح ثمين (1)

«وُجِد لوح تحت حائط مدينة من المدائن فيه مكتوب: أنا الله لا إله إلاّ أنا، ومحمّد نبيّي. عجبت لمَنْ أيقن بالموت كيف يفرح! وعجبت لمَنْ أيقن بالقدر كيف يحزن! وعجبت لمَنْ اختبر الدنيا كيف يطمئن إليها! وعجبت لمَنْ أيقن بالحساب كيف يذنب!».

____________________

(1) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 2 / 44، ب31، ح158. حدّثنا أبو الحسن محمّد بن علي بن الشاه الفقيه المروزي، قال: حدّثنا أبو بكر بن محمّد بن عبد الله النيسابوري، قال: حدّثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان الطائي، قال: حدّثنا أبي، قال: حدّثني علي بن موسى الرضا، وحدّثنا أبو منصور أحمد بن إبراهيم بن بكر الخوري.

قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن هارون بن محمّد الخوري، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن زياد الفقيه الخوري، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله الهروي الشيباني، عن الرضا علي بن موسى، وحدّثني أبو عبد الله الحسين بن محمّد الأشناني الرازي العدل ببلخ، قال: حدّثنا عليّ بن محمّد بن مهروية القزويني، عن داود بن سليمان الفرّاء، عن علي بن موسى الرضا، قال: «حدّثني أبي موسى بن جعفرعليه‌السلام ، قال: حدّثني أبي جعفر بن محمّد، قال: حدّثني أبي محمّد بن علي، قال: حدّثني أبي علي بن الحسين، عن الحسين بن عليعليه‌السلام أنّه قال:...».


الدنيا مهانة (1)

خرجنا مع الحسينعليه‌السلام ، فما نزل منزلاً، ولا ارتحل منه إلاّ وذكر يحيى بن زكريّاعليه‌السلام ، وقال يوماً: «من هوان الدنيا على الله (عزّ وجلّ) أنّ رأس يحيى بن زكريّا اُهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل».

أبكي لخصلتين (2)

لمّا حضرت الحسن بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام الوفاة بكى، فقيل له: يابن رسول الله، أتبكي ومكانك من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله [مكانك] الذي أنت به، وقد قال فيك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ما قال، وقد حججت عشرين حجّة ماشياً، وقد قاسمت ربّك مالك ثلاث مرّات حتّى النعل والنعل؟!

فقالعليه‌السلام : «إنّما أبكي لخصلتين؛ لهول المطّلع، وفراق الأحبّة».

____________________

(1) بحار الأنوار 14 / 175. روى سفيان بن عيينة، عن عليّ بن زيد، عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، قال:....

(2) أمالي الصدوق / 184، المجلس39، ح9؛ وعيون أخبار الرضاعليه‌السلام 1 / 303، ب28، ح62. حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد الكوفي، عن علي بن الحسن بن علي بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....


في عزاء الحسن عليه‌السلام (1)

قال الحسينعليه‌السلام لمّا وضع [أخاه] الحسنعليه‌السلام في لحده:

أأدهنُ رأسي أم تطيبُ مجالسي

ورأسكَ معفورٌ وأنتَ سليبُ

أو استمتع الدنيا لشيء اُحبّه

ألا كلّ ما أدنى إليكَ حبيبُ

فلا زلتُ أبكي ما تغنّت حمامةٌ

عليكَ وما هبّتْ صبا وجنوبُ

وما هملتْ عيني من الدمعِ قطرةً

وما اخضرَّ في دوحِ الحجازِ قضيبُ

بكائي طويلٌ والدموعُ غزيرةٌ

وأنتَ بعيدٌ والمزارُ قريبُ

غريبٌ وأطرافُ البيوتِ تحوطهُ

ألا كلُّ مَنْ تحتَ الترابِ غريبُ

ولا يفرح الباقي خلافَ الّذي مضى

وكلّ فتىً للموتِ فيه نصيبُ

فليسَ حريباً مَنْ اُصيبَ بمالهِ

ولكنّ مَنْ وارى أخاهُ حريبُ

نسيبكَ مَنْ أمسى يناجيكَ طرفُهُ

وليسَ لـمَنْ تحتَ الترابِ نسيبُ

الأمن يوم القيامة(2)

ومن زهد الحسينعليه‌السلام إنّه قيل له: ما أعظم خوفك من ربّك؟! فقال: «لا يأمن يوم القيامة إلاّ مَنْ خاف الله في الدنيا».

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 45.

(2) عن مناقب ابن شهر آشوب 4 / 69.


بين المخاطر (1)

قيل للحسين بن عليعليه‌السلام : كيف أصبحت يابن رسول الله؟

قال: «أصبحت ولي ربّ فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما اُحبّ، ولا أدفع ما أكره، والاُمور بيد غيري؛ فإن شاء عذّبني، وإن شاء عفا عنّي، فأيّ فقير أفقر منّي؟».

الأعمال وعرضها على الله (2)

«إنّ أعمال هذه الاُمّة ما من صباح إلاّ وتعرض على الله (عزّ وجلّ) ».

____________________

(1) جامع الأخبار / 90، الفصل49.

(2) دعوات الراوندي / 34، ب1، الفصل1، ح79، قال أبو عبد الله الحسين بن عليعليه‌السلام :....


مَنْ دخل المقابر (1)

«مَنْ دخل المقابر فقال: اللّهم ربّ هذه الأرواح الفانية، والأجساد البالية، والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة، أدخل عليهم روحاً منك وسلاماً منّي، كتب الله له بعدد الخلق من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة حسنات».

____________________

(1) بحار الأنوار 102 / 300 - 301، ح31. روى عن الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....


اجتماعيّات



مع معلّمي القرآن (1)

قيل: إنّ عبد الرحمن السلمي علّم ولد الحسينعليه‌السلام (الحمد)، فلمّا قرأها على أبيه أعطاه ألف دينار، وألف حلّة، وحشا فاه درّاً، فقيل له في ذلك، قال:

«وأين يقع هذا من عطائه؟». يعني تعليمه، وأنشد الحسينعليه‌السلام :

إذا جادت الدنيا عليكَ فجد بها

على الناسِ طرّاً قبلَ أن تتفلّتِ

فلا الجودُ يفنيها إذا هي أقبلت

ولا البخلُ يُبقيها إذا ما تولّتِ

فلا الجودُ يفنيها إذا هي أقبلت

ولا البخلُ يُبقيها إذا ما تولّتِ

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 66.


تربية المواشي (1)

«ما من أهل بيت يروح عليهم ثلاثون شاة إلاّ تنزل الملائكة تحرسهم حتّى يصبحوا».

توقير النعمة (2)

إنّه دخل المستراح فوجد لقمة ملقاة، فدفعها إلى غلام له، فقال: «يا غلام، اذكرني بهذه اللقمة إذا خرجت». فأكلها الغلام، فلمّا خرج الحسين بن عليّعليه‌السلام . قال: «يا غلام أين اللقمة؟».

قال: أكلتها يا مولاي.

قال: «أنت حرّ لوجه الله تعالى».

قال له رجل: أعتقته يا سيدي؟

قال: «نعم، سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: مَنْ وجد لقمة ملقاة فمسح منها، أو غسل ما عليها، ثمّ أكلها لم تستقرّ في جوفه إلاّ أعتقه الله من النار. ولم أكن لأستعبد رجلاً أعتقه الله تعالى من النار».

____________________

(1) المحاسن / 642، ب16، ح161؛ فروع الكافي 4 / 545، ح9. أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن سليمان الجعفري رفعه إلى عبد الله الحسينعليه‌السلام ، قال:....

(2) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 2 / 43 - 44، ب31، ح154، صحيفة الإمام الرضاعليه‌السلام / 74 - 75، ح177. بإسناده عن الحسين بن عليّعليه‌السلام :....


من آثار الصلة (1)

«مَنْ سرّه أن ينسأ في أجله، ويزاد في رزقه فليصل رحمه».

لا تملوّا النعم (2)

«إنّ حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملّوا النعم».

حقوق الإخوان (3)

«لولا التقية ما عُرف ولينا من عدونا، ولولا معرفة حقوق الإخوان ما عُرف من السيئات شيء إلاّ عوقب على جميعها، لكنّ الله (عزّ وجلّ) يقول:( وَمَا أَصَابَكُم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ ) (4) ».

____________________

(1) عيون أخبار الرضاعليه‌السلام 2 / 44، ب31، ح157. حدّثنا علي بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقاق، ومحمّد بن أحمد السناني، والحسين بن إبراهيم بن أحمد، قالوا: حدّثنا أبو الحسين محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن سهل بن زياد الأدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن محمّود بن أبي البلاد، عن الرضا، عن آبائهعليه‌السلام ، عن الحسين بن عليعليه‌السلام أنّه قال:....

(2) بحار الأنوار 74 / 318، ح80. عن الدرة الباهرة: قال الحسين بن عليعليه‌السلام :....

(3) تفسير الإمام العسكريعليه‌السلام / 321، ح165، وجامع الأخبار / 95، الفصل 53، قال الحسين بن عليعليه‌السلام :....

(4) سورة الشورى / 30.


متاع المرأة (1)

دخل قوم على الحسين بن عليّعليه‌السلام ، فقالوا: يابن رسول الله، نرى في منزلك أشياء مكروهة - وقد رأوا في منزله بساطاً ونمارق -. فقال: «إنّما نتزوّج النساء فنعطيهنّ مهورهنّ، فيشترين بها ما شئن، ليس لنا منه شيء».

المعروف والصنيعة (2)

قال عنده رجل: إنّ المعروف إذا اُسدي إلى غير أهله ضاع.

فقال الحسينعليه‌السلام : «ليس كذلك، ولكن تكون الصنيعة مثل وابل المطر تصيب البرّ والفاجر».

السلام قبل الكلام (3)

قال له رجل ابتداءً: كيف أنت عافاك الله؟ فقالعليه‌السلام له: «السلام قبل الكلام عافاك الله». ثمّ قالعليه‌السلام : «لا تأذنوا لأحد حتّى يسلّم».

____________________

(1) مكارم الأخلاق / 131، ب6، الفصل10. عن جابر بن عبد الله، عن الباقرعليه‌السلام ، قال:

(2) تحف العقول / 245 - 246.

(3) تحف العقول / 246.


السائل والمسؤول (1)

جاءه رجل من الأنصار يريد أن يسأله حاجة، فقالعليه‌السلام : «يا أخا الأنصار، صُن وجهك عن بذلة المسألة، وارفع حاجتك في رقعة؛ فإنّي آت فيها ما سارّك إن شاء الله».

فكتب: يا أبا عبد الله، إنّ لفلان عليّ خمسمئة دينار، وقد ألحّ بي، فكلّمه ينظرني إلى ميسرة. فلمّا قرأ الحسينعليه‌السلام الرقعة دخل إلى منزله فأخرج صرّه فيها ألف دينار، وقالعليه‌السلام له: «أمّا خمسمئة فاقض بها دَينك، وأمّا خمسمئة فاستعن بها على دهرك، ولا ترفع حاجتك إلاّ إلى أحد ثلاثة: إلى ذي دِين، أو مروّة، أو حسب؛ فأمّا ذو الدين فيصون دينه؛ وأمّا ذو المروّة فإنّه يستحيي لمروّته؛ وأمّا ذو الحسب فيعلم أنّك لم تكرم وجهك أن تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك أن يردّك بغير قضاء حاجتك».

الإخوان أربعة (2)

«الإخوان أربعة؛ فأخ لك وله، وأخ لك، وأخ عليك، وأخ لا لك ولا له». فسُئل عن معنى ذلك،

____________________

(1) تحف العقول / 247.

(2) تحف العقول / 247، قالعليه‌السلام :....


فقالعليه‌السلام : «الأخ الذي هو لك وله، فهو الأخ الذي يطلب بإخائه بقاء الإخاء، ولا يطلب بإخائه موت الإخاء، فهذا لك وله؛ لأنّه إذا تمّ الإخاء طابت حياتهما جميعاً، وإذا دخل الإخاء في حال التناقض بطل جميعاً.

والأخ الذي هو لك، فهو الأخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع إلى حال الرغبة، فلم يطمع في الدنيا إذا رغب في الإخاء، فهذا موفّر عليك بكلّيته.

والأخ الذي هو عليك، فهو الأخ الذي يتربّص بك الدوائر ويغشي السرائر، ويكذب عليك بين العشائر، وينظر في وجهك نظر الحاسد، فعليه لعنة الواحد.

والأخ الذي لا لك ولا له، فهو الذي قد ملأه الله حمقاً فأبعده سحقاً، فتراه يؤثر نفسه عليك، ويطلب شحّاً ما لديك».

من نعم الله عليكم (1)

«يا أيها الناس، نافسوا في المكارم، وسارعوا في المغانم، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجلوا، واكسبوا الحمد بالنجح، ولا تكتسبوا بالمطل ذمّاً، فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى إنّه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافأته؛ فإنّه أجزل عطاءً، وأعظم أجراً.

واعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، فلا تملّوا النعم فتحور نقماً(2) . واعلموا أنّ المعروف مكسب حمداً، ومعقب أجراً، فلو رأيتم المعروف

____________________

(1) كشف الغمة 2 / 204 - 205. خطب الحسينعليه‌السلام ، فقال:....

(2) حار يحور حوراً: رجع.


رجلاً رأيتموه حسناً جميلاً يسرّ الناظرين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجاً(1) مشوّهاً، تنفر منه القلوب، وتغضّ دونه الأبصار.

أيّها الناس، مَنْ جاد ساد، ومَنْ بخل رذل، وإنّ أجود الناس مَنْ أعطى مَنْ لا يرجوه، وإن أعفى الناس مَنْ عفا عن قدرة، وإنّ أوصل الناس مَنْ وصل مَنْ قطعة، والأصول على مغارسها بفروعها تسمو، فمَنْ تعجّل لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غداً، ومَنْ أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، ومَنْ نفّس كربة مؤمن فرّج الله عنه كرب الدنيا والآخرة، ومَنْ أحسن أحسن الله إليه، والله يحبّ المحسنين».

من أحبّك نهاك (2)

«دراسة العلم لقاح المعرفة، وطول التجارب زيادة في العقل والشرف، التقوى والقنوع راحة الأبدان، ومَنْ أحبّك نهاك، ومَنْ أبغضك أغراك».

____________________

(1) السمج: القبيح.

(2) أعلام الدين / 298، قالعليه‌السلام :....



أدعية



النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا دعا (1)

«كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يرفع يديه إذا ابتهل ودعا كما يستطعم المسكين».

هكذا الدعاء (2)

«دخلت على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعنده اُبيّ بن كعب، فقال لي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : مرحباً بك يا أبا عبد الله، يا زين السماوات والأرض.

____________________

(1) أمالي الشيخ الطوسي 2 / 198، ب24، ح12. حدّثنا الشيخ أبو جعفر الطوسي، عن جماعة، عن أبي المفضّل، عن إبراهيم بن حفص.

عن عبد الله بن الهيثم الأنماطي، عن الحسين بن علوان الكلبيّ، عن عمرو بن خالد الواسطي، عن محمّد، وزيد ابني عليّ، عن أبيهما عليّ بن الحسينعليه‌السلام ، عن أبيه الحسينعليه‌السلام ، قال:....

(2) كمال الدين 1 / 264 - 269، ب24، ح11؛ وعيون أخبار الرضاعليه‌السلام 1 / 59 - 64، ب6، ح29؛ وإعلام الورى / 400 - 404. حدّثنا أبو الحسن أحمد بن ثابت الدواليبي، عن محمّد بن الفضل النحوي، عن محمّد بن علي بن عبد الصمد الكوفي، عن عليّ بن عاصم، عن محمّد بن علي بن موسي، عن آبائه، عن الحسين بن عليّعليه‌السلام ، قال:....


فقال له اُبيّ: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرض أحد غيرك؟

فقال له: يا اُبيّ، والذي بعثني بالحقّ نبيّاً، إنّ الحسين بن عليّ في السماء أكبر منه في الأرض؛ فإنّه لمكتوب عن يمين العرش مصباح هدى وسفينة نجاة، وإمام خير ويمن، وعزّ وفخر، وبحر علم وذخر [فلِمَ لا يكون كذلك]، وأنّ الله (عزّ وجلّ) ركّب في صلبه نطفة طيّبة مباركة زكيّة، خُلقت من قبل أن يكون مخلوق في الأرحام، أو يجري ماء في الأصلاب، أو يكون ليل ونهار؟

ولقد لُقّن دعوات ما يدعو بهنّ مخلوق إلاّ حشره الله (عزّ وجلّ) معه، وكان شفيعه في آخرته، وفرّج الله عنه كربه، وقضى بها دينه، ويسّر أمره، وأوضح سبيله، وقوّاه على عدوّه، ولم يهتك ستره.

فقال اُبيّ [بن كعب]: وما هذه الدعوات يا رسول الله؟

قال: تقول إذا فرغت من صلاتك وأنت قاعد: اللّهمّ إنّي أسألك بكلماتك، ومعاقد عرشك، وسكّان سماواتك [وأرضك]، وأنبيائك ورسلك [أن تستجيب لي]، فقد رهقني من أمري عسر، فأسألك أن تصلّي على محمّد وآل محمّد، وأن تجعل لي من عسري يسراً.

فإنّ الله (عزّ وجلّ) يسهّل أمرك، ويشرح لك صدرك، ويلقنك شهادة أن لا إله إلاّ الله عند خروج نفسك.

قال له اُبيّ: يا رسول الله، فما هذه النطفة التي في صلب حبيبي الحسين؟

قال: مثل هذه النطفة كمثل القمر، وهي نطفة تبيين وبيان، يكون مَنْ اتّبعه رشيداً، ومَنْ ضلّ عنه غويّاً.

قال: فما اسمه، وما دعاؤه؟

قال: اسمه عليّ، ودعاؤه: يا دائم يا ديموم، يا حيّ يا قيّوم، يا كاشف الغمّ، ويا


فارج الهمّ، ويا باعث الرسل، ويا صادق الوعد.

من دعا بهذا الدعاء حشره الله (عزّ وجلّ) مع عليّ بن الحسين، وكان قائده إلى الجنّة.

قال له اُبيّ: يا رسول الله، فهل له من خلف أو وصيّ؟

قال: نعم، له مواريث السماوات والأرض.

قال: فما معنى مواريث السماوات والأرض يا رسول الله؟

قال: القضاء بالحق، والحكم بالديانة، وتأويل الأحلام [الأحكام خ ل]، وبيان ما يكون.

قال: فما اسمه؟

قال: اسمه محمّد، وإنّ الملائكة لتستأنس به في السماوات، ويقول في دعائه: اللّهمّ إن كان لي عندك رضوان وودّ، فاغفر لي ولمَنْ تبعني من إخواني وشيعتي، وطيّب ما في صلبي. فركّب الله في صلبه نطفة مباركة طيّبة زكيّة.

وأخبرني جبرئيلعليه‌السلام : إنّ الله تبارك وتعالى طيّب هذه النطفة وسمّاها عنده جعفراً، وجعله هادياً مهديّاً، وراضياً مرضيّاً، يدعو ربّه فيقول في دعائه: يا ديّان غير متوان، يا أرحم الراحمين، اجعل لشيعتي من النار وقاءً، ولهم عندك رضاء [رضواناً خ ل]، واغفر ذنوبهم، ويسّر اُمورهم، واقض ديونهم، واستر عوراتهم، وهب لهم الكبائر التي بينك وبينهم. يا مَنْ لا يخاف الضيم، ولا تأخذه سنة ولا نوم، اجعل لي من كلّ همّ وغمّ فرجاً.

ومَنْ دعا بهذا الدعاء حشره الله (عزّ وجلّ) أبيض الوجه مع جعفر بن محمّد إلى الجنّة.

يا اُبيّ، وإنّ الله تبارك وتعالى ركّب على هذه النطفة نطفة زكيّة مباركة طيّبة، أنزل عليها الرحمة، وسمّاها عنده موسى [وجعله إماماً].

قال له اُبيّ: يا رسول الله، كلّهم يتواصفون ويتناسلون ويتوارثون، ويصف بعضهم بعضاً؟


قال: وصفهم لي جبرئيلعليه‌السلام عن ربّ العالمين جلّ جلاله.

فقال: فهل لموسى من دعوة يدعو بها سوى دعاء آبائه؟

قال: نعم، يقول في دعائه: يا خالق الخلق، ويا باسط الرزق، ويا فالق الحبّ [والنّوى]، ويا بارئ النسم، ومحيي الموتى، ومميت الأحياء، ويا دائم الثبات، ومخرج النبات، افعل بي ما أنت أهله.

مَنْ دعا بهذا الدعاء قضى الله (عزّ وجلّ) حوائجه، وحشره يوم القيامة مع موسى بن جعفر.

وإنّ الله تبارك وتعالى ركّب في صلبه نطفة [مباركة] طيّبة زكيّة مرضيّة، وسمّاها عنده عليّاً، يكون لله (عزّ وجلّ) في خلقه رضياً في علمه وحكمه، ويجعله حجّة لشيعته يحتجّون به يوم القيامة.

وله دعاء يدعو به: اللّهمّ أعطني الهدى وثبّتني عليه، واحشرني عليه آمناً أمن مَنْ لا خوف عليه، ولا حزن ولا جزع، إنّك أهل التقوى وأهل المغفرة.

وإنّ الله (عزّ وجلّ) ركّب في صلبه نطفة مباركة طيّبة زكيّة مرضيّة، وسمّاها عنده محمّد بن عليّ، فهو شفيع شيعته، ووارث علم جدّه، له علامة بيّنة، وحجّة ظاهرة، إذا ولد يقول: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويقول في دعائه: يا مَنْ لا شبيه له ولا مثال، أنت الله لا إله إلاّ أنت، ولا خالق إلاّ أنت، تفني المخلوقين وتبقى أنت، حلمت عمّن عصاك، وفي المغفرة رضاك.

مَنْ دعا بهذا الدعاء كان محمّد بن عليّ شفيعه يوم القيامة.

وإنّ الله تبارك وتعالى ركّب في صلبه نطفة لا باغية ولا طاغية، بارّة مباركة طيّبة طاهرة، سمّاها عنده عليّ بن محمّد، فألبسها السكينة والوقار، وأودعها العلوم وكلّ سرّ مكتوم، مَنْ لقيه وفي صدره شيء أنبأه به، وحذّره من عدوّه، ويقول في دعائه:


يا نور يا برهان، يا منير يا مبين يا ربّ، اكفني شرّ الشرور، وآفات الدهور، وأسألك النجاة يوم ينفخ في الصور.

مَنْ دعا بهذا الدعاء كان عليّ بن محمّد شفيعه وقائده إلى الجنّة.

وإنّ الله تبارك وتعالى ركّب في صلبه نطفة، وسمّاها عنده الحسن بن علي، فجعله نوراً في بلاده، وخليفة في أرضه، وعزّاً لأمّة جدّه، وهادياً لشيعته، وشفيعاً لهم عند ربّه، ونقمة على مَنْ خالفه، وحجّة لمَنْ والاه، وبرهاناً لمَنْ اتّخذه إماماً، يقول في دعائه: يا عزيز العزّ في عزّه، يا عزيز أعزّني بعزّتك، وأيّدني بنصرك، وابعد عنّي همزات الشياطين، وادفع عنّي بدفعك، وامنع عنّي بمنعك، واجعلني من خيار خلقك، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد.

مَنْ دعا بهذا الدعاء حشره الله (عزّ وجلّ) معه ونجّاه من النار ولو وجبت عليه.

وإنّ الله تبارك وتعالى ركّب في صلب الحسن نطفة مباركة زكيّة طيّبة طاهرة مطهرة، يرضى بها كلّ مؤمن ممّن أخذ الله (عزّ وجلّ) ميثاقه في الولاية، ويكفر بها كلّ جاحد، فهو إمام تقيّ، بارّ مرضيّ، هاد مهديّ، يحكم بالعدل ويأمر به، يصدّق الله (عزّ وجلّ) ويصدّقه الله في قوله، يخرج من تهامة حين تظهر الدلائل والعلامات، وله بالطالقان كنوز لا ذهب ولا فضة، إلاّ خيول مطهّمة، ورجال مسوّمة، يجمع الله (عزّ وجلّ) له من أقاضي البلاد على عدد أهل بدر ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلاً، معه صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه بأسمائهم وأنسابهم، وبلدانهم وصنائعهم، وكلامهم وكناهم، كرّارون مجدّون في طاعته.

فقال له اُبيّ: وما دلائله وعلاماته يا رسول الله؟

قال: له عَلم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه، وأنطقه الله (عزّ وجلّ)


فناداه العلم: اخرج يا وليّ الله، فاقتل أعداء الله، وله رايتان وعلامتان، وله سيف مغمّد، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده، وأنطقه الله (عزّ وجلّ) فناداه السيف: اخرج يا وليّ الله، فلا يحلّ لك أن تقعد عن أعداء الله، فيخرج ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم، ويقيم حدود الله، ويحكم بحكم الله، يخرج وجبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وشعيب وصالح على مقدّمه، وسوف تذكرون ما أقول لكم ولو بعد حين، وأفوّض أمري إلى الله (عزّ وجلّ).

يا اُبيّ: طوبى لمَنْ أحبّه وطوبى لمَنْ لقيه، وطوبى لمَنْ قال به، به ينجيهم الله من الهلكة، وبالإقرار بالله وبرسول الله وبجميع الأئمّة يفتح الله لهم الجنّة، مثلهم في الأرض كمثل المسك [الذي] يسطع ريحه فلا يتغيّر أبداً، ومثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يُطفأ نوره أبداً.

قال اُبيّ: يا رسول الله، كيف [جاءك بيان] حال هؤلاء الأئمّة عن الله (عزّ وجلّ)؟

قال: إنّ الله (عزّ وجلّ) أنزل عليّ اثنى عشر خاتماً، واثنتي عشرة صحيفة، اسم كل إمام على خاتمه، وصفته في صحيفته».

دعاء الاستسقاء (1)

«جاء أهل الكوفة إلى عليعليه‌السلام فشكوا إليه إمساك المطر، وقالوا له: استسق لنا. فقال للحسينعليه‌السلام : قم واستسق. فقام وحمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقال:

____________________

(1) عيون المعجزات / 64. جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن الصادقعليه‌السلام ، عن أبيه، عن جدّهعليه‌السلام ، قال:....


اللّهمّ معطي الخيرات، ومنزل البركات، أرسل السماء علينا مدراراً، واسقنا غيثاً مغزاراً، واسعاً غدقاً، مجلّلاً سحّاً، سفوحاً ثجاجاً، تنفّس به الضعف من عبادك، وتحيي به الميت من بلادك، آمين ربّ العالمين.

فما فرغعليه‌السلام من دعائه حتّى غاث الله تعالى غيثاً نعتهعليه‌السلام ، وأقبل أعرابيّ من بعض نواحي الكوفة فقال: تركت الأودية والآكام يموج بعضها في بعض».

دعاء المكروب (1)

«لمّا أصبحت الخيل تقبل على الحسينعليه‌السلام رفع يديه، وقال: اللّهمّ أنت ثقتي في كلّ كرب، وأنت رجائي في كلّ شدة، وأنت لي في كلّ أمر نزل بي ثقة وعدّة، كم من همّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، أنزلته بك، وشكوته إليك، رغبة منّي إليك عمّن سواك، ففرّجته عنّي وكشفته، فأنت وليّ كلّ نعمة، وصاحب كلّ حسنة، ومنتهى كلّ رغبة».

____________________

(1) إرشاد المفيد / 233. روي عن علي بن الحسينعليه‌السلام أنّه قال:


دعاء يوم عرفة (1)

«الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع، ولا لعطائه مانع، ولا كصنعه صنع صانع، وهو الجواد الواسع، فطر أجناس البدائع، وأتقن بحكمته الصنائع، لا يخفى عليه الطلائع، ولا تضيع عنده الودائع، أتى بالكتاب الجامع، وبشرع الإسلام النور الساطع، وهو للخليقة صانع، وهو المستعان على الفجائع، جازى كلّ صانع، ورائش كلّ قانع، وراحم كلّ ضارع، ومنزل المنافع والكتاب الجامع بالنور الساطع، وهو للدعوات سامع، وللدرجات رافع، وللكربات دافع، وللجبابرة قامع، وراحم عبرة كلّ ضارع، ودافع ضرعة كلّ ضارع، فلا إله غيره، ولا شيء يعدله، وليس كمثله شيء وهو السميع البصير، اللطيف الخبير، وهو على كلّ شيء قدير.

اللّهم إنّي أرغب إليك، وأشهد بالربوبية لك، مقراً بأنّك ربّي، وإنّ إليك مردّي، ابتدأتني بنعمتك قبل أن أكون شيئاً مذكوراً، وخلقتني من التراب، ثمّ اسكنتني الأصلاب أمناً لريب المنون واختلاف الدهور، فلم أزل ظاعناً من صلب إلى رحم في تقادم الأيام الماضية، والقرون الخالية، لم تخرجني لرأفتك بي، ولطفك لي، وإحسانك إليّ في دولة أيّام الكفرة الذين نقضوا عهدك، وكذّبوا رسلك، لكنّك أخرجتني رأفةً منك، وتحنّناً للذي سبق لي من الهدى الذي

____________________

(1) كتاب الإقبال / 339 - 350، وبحار الأنوار 98 / 216 - 227. من الدعوات المشرّفة في يوم عرفة دعاء مولانا الحسين بن علي (صلوات الله عليه).


يسرّتني، وفيه أنشأتني، ومن قبل ذلك رؤفت بي بجميل صنعك وسوابغ نعمتك، فابتدعت خلقي منمَنِيٍّ يُمْنَى ، ثمّ أسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحم وجلد ودم، لم تشهرني بخلقي، ولم تجعل إليّ شيئاً من أمري، ثمّ أخرجتني إلى الدنيا تامّاً سويّاً، وحفظتني في المهد طفلاً صبيّاً، ورزقتني من الغذاء لبناً مريّاً، عطفت عليّ قلوب الحواضن، وكفّلتني الأمهات الرحائم، وكلأتني من طوارق الجانّ، وسلّمتني من الزيادة والنقصان، فتعاليت يا رحيم يا رحمن.

حتّى إذا استهللت ناطقاً بالكلام، أتممت عليّ سوابغ الأنعام، فربيّتني زائداً في كلّ عام، حتّى إذا كملت فطرتي، واعتدلت سريرتي، أوجبت عليّ حجّتك بأن ألهمتني معرفتك، وروّعتني بعجائب فطرتك، وأنطقتني لما ذرأت في سمائك وأرضك من بدائع خلقك، ونبّهتني لذكرك وشكرك، وواجب طاعتك وعبادتك، وفهّمتني ما جاءت به رسلك، ويسّرت لي تقبّل مرضاتك، ومننت عليّ في جميع ذلك بعونك ولطفك.

ثمّ إذ خلقتني من حرّ الثرى لم ترض لي يا إلهي بنعمة دون اُخرى، ورزقتني من أنواع المعاش وصنوف الرياش بمنّك العظيم عليّ، وإحسانك القديم إليّ، حتّى إذا أتممت عليّ جميع النعم، وصرفت عنّي كلّ النقم، لم يمنعك جهلي وجرأتي عليك أن دللتني على ما يقرّبني إليك، ووفّقتني لما يزلفني لديك، فإن دعوتك أجبتني، وإن سألتك أعطيتني، وإن أطعتك شكرتني، وإن شكرتك زدتني؛ كلّ ذلك إكمالاً لأنعمك عليّ، وإحساناً إليّ.

فسبحانك سبحانك من مبدئ معيد، حميد مجيد، وتقدست أسماؤك، وعظمت آلاؤك، فأيّ أنعمك يا إلهي اُحصي عدداً أو ذكراً، أم أيّ عطائك أقوم بها شكراً، وهي يا ربّ أكثر من أن يُحصيها العادّون، أو يبلغ علماً بها الحافظون، ثمّ ما صرفت ودرأت عنّي اللّهم من الضرّ والضرّاء أكثر ممّا ظهر لي من العافية والسّراء.

وأنا اُشهدك يا إلهي بحقيقة إيماني، وعقد عزمات يقيني، وخالص صريح توحيدي، وباطن مكنون ضميري، وعلائق مجاري نور بصري،


وأسارير صفحة جبيني، وخرق مسارب نفسي، وخذاريف مارن عرنيني، ومسارب صماخ سمعي، وما ضمّت وأطبقت عليه شفتاي، وحركات لفظ لساني، ومغرز حنك فمي وفكّي، ومنابت أضراسي، وبلوغ حبائل بارع عنقي، ومساغ مطعمي ومشربي وحمالة أمّ رأسي، وجمل حمائل حبل وتيني، وما اشتمل عليه تامور صدري، ونياط حجاب قلبي، وأفلاذ حواشي كبدي، وما حوته شراسيف أضلاعي، وحقاق مفاصلي، وأطراف أناملي، وقبض عواملي، ودمي وشعري، وبشري وعصبي، وقصبي وعظامي، ومخّي وعروقي وجميع جوارحي.

وما انتسج على ذلك أيّام رضاعي، وما أقلّت الأرض منّي، ونومي ويقظتي، وسكوني وحركتي، وحركات ركوعي وسجودي أن لو حاولت واجتهدت مدى الأعصار والأحقاب - لو عمرتها - أن اُؤدّي شكر واحدة من أنعمك ما استطعت ذلك إلاّ بمنّك الموجب عليّ شكراً آنفاً جديداً، وثناءً طارفاً عتيداً.

أجل، ولو حرصت والعادّون من أنامك أن نحصي مدى إنعامك سالفة وآنفة لما حصرناه عدداً، ولا أحصيناه أبداً، هيهات، أنّى ذلك وأنت المخبر عن نفسك في كتابك الناطق، والنبأ الصادق( وإنْ تعدّوا نعمةَ اللهِ لا تُحصوها ) صدق كتابك اللّهمّ ونباؤك، وبلّغت أنبياؤك ورسلك ما أنزلت عليهم من وحيك، وشرعت لهم من دينك، غير إنّي أشهد بجدّي وجهدي، ومبالغ طاقتي ووسعي، وأقول مؤمناً موقناُ:

الحمد لله الذي لم يتّخذ ولداً فيكون موروثاً، ولم يكن له شريك في الملك فيضادّه فيما ابتدع، ولا ولي من الذلّ فيرفده فيما صنع، سبحانه سبحانه سبحانه لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا وتفطّرتا، فسبحان الله الواحد الحقّ، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

الحمد لله حمداً يعدل حمد ملائكته المقرّبين، وأنبيائه المرسلين، وصلّى الله على خيرته من خلقه محمّد خاتم النبيين وآله الطاهرين المخلصين.


اللّهم اجعلني أخشاك كأنّي أراك، وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك، وخر لي في قضائك، وبارك لي في قدرك حتّى لا أحبّ تعجيل ما أخرّت، ولا تأخير ما عجّلت.

اللّهم اجعل غناي في نفسي، واليقين في قلبي، والإخلاص في عملي، والنّور في بصري، والبصيرة في ديني، ومتّعني بجوارحي، واجعل سمعي وبصري الوارثين منّي، وانصرني على مَنْ ظلمني، وارزقني مآربي وثاري، وأقرّ بذلك عيني. اللّهمّ اكشف كربتي، واستر عورتي، واغفر لي خطيئتي، وأخسأ شيطاني، وفكّ رهاني، واجعل لي يا إلهي الدرجة العليا في الآخرة والأولى.

اللّهمّ لك الحمد كما خلقتني فجعلتني سميعاً بصيراً، ولك الحمد كما خلقتني فجعلتني حيّاً سويّاً، رحمة بي وكنت عن خلقي غنيّاً.

ربّ بما برأتني فعدّلت فطرتي، ربّ بما أنشأتني فأحسنت صورتي، يا ربّ بما أحسنت بي وفي نفسي عافيتني، ربّ بما كلأتني ووفقتني، ربّ بما أنعمت عليّ فهديتني، ربّ بما آويتني ومن كلّ خير آتيتني وأعطيتني، ربّ بما أطعمتني وسقيتني، ربّ بما أغنيتني وأقنيتني، ربّ بما أعنتني وأعززتني، ربّ بما ألبستني من ذكرك الصافي، ويسّرت لي من صنعك الكافي، صلّ على محمّد وآل محمّد، وأعنّي على بوائق الدهر، وصروف الأيام واللّيالي، ونجّني من أهوال الدنيا وكربات الآخرة، وأكفني شرّ ما يعمل الظالمون في الأرض.

اللّهمّ ما أخاف فاكفني، وما أحذر فقني، وفي نفسي وديني فاحرسني، وفي سفري فاحفظني، وفي أهلي ومالي وولدي فاخلفني، وفيما رزقتني فبارك لي، وفي نفسي فذلّلني، وفي أعين الناس فعظّمني، ومن شرّ الجنّ والإنس فسلّمني، وبذنوبي فلا تفضحني، وبسريرتي فلا تخزني، وبعملي فلا تبتلني، ونعمك فلا تسلبني، وإلى غيرك فلا تكلني.


إلى مَنْ تكلني؟ إلى القريب يقطعني، أم إلى البعيد يتجهّمني، أم إلى المستضعفين لي وأنت ربّي ومليك أمري؟ أشكو إليك غربتي، وبُعد داري، وهواني على مَنْ ملّكته أمري.

اللّهم فلا تحلل بي غضبك، فإن لم تكن غضبت عليّ فلا اُبالي سواك، غير إنّ عافيتك أوسع لي، فأسألك بنور وجهك الذي أشرقت له الأرض والسماوات، وانكشفت به الظلمات، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن لا تميتني على غضبك، ولا تنزل بي سخطك، لك العتبى حتّى ترضى قبل ذلك لا إله إلاّ أنت، ربّ البلد الحرام، والمشعر الحرام، والبيت العتيق الذي أحللته البركة، وجعلته للناس أمنة.

يا من عفا عن العظيم من الذنوب بحلمه، يا من أسبغ النعمة بفضله، يا من أعطى الجزيل بكرمه، يا عدّتي في كربتي، يا مونسي في حفرتي، يا وليّ نعمتي، يا إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب، وربّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وربّ محمّد خاتم النبيين وآله المنتجبين، ومنزل التوراة والإنجيل، والزبور والقرآن العظيم، ومنزل كهيعص وطه ويس والقرآن الحكيم، أنت كهفي حين تعييني المذاهب في سعتها، وتضيق عليّ الأرض برحبها، ولولا رحمتك لكنت من المفضوحين، وأنت مؤيدي بالنصر على الأعداء، ولولا نصرك لي لكنت من المغلوبين.

يا مَنْ خصّ نفسه بالسموّ والرفعة، وأولياؤه بعزّه يعتزون، يا من جعلت له الملوك نير المذلّة على أعناقهم فهم من سطوته خائفون، تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وغيب ما تأتي به الأزمان والدهور، يا من لا يعلم كيف هو إلاّ هو، يا من لا يعلم ما يعلمه إلاّ هو، يا من كبس الأرض على الماء، وسدّ الهواء بالسماء، يا من له أكرم الأسماء، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبداً، يا مقيّض الركب ليوسف في البلد القفر، ومخرجه من الجبّ، وجاعله بعد العبوديّة ملكاً.

يا رادّ يوسف على يعقوب بعد أن ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم، يا كاشف الضرّ


والبلاء عن أيّوب، يا ممسك يد إبراهيم عن ذبح ابنه بعد كبر سنّه وفناء عمره، يا من استجاب لزكريّا فوهب له يحيى ولم يدعه فرداً وحيداً، يا من أخرج يونس من بطن الحوت، يا من فلق البحر لبني إسرائيل فأنجاهم، وجعل فرعون وجنوده من المغرقين، يا من أرسل الرياح مبشّرات بين يدي رحمته، يا من لم يعجّل على مَنْ عصاه من خلقه، يا من استنقذ السحرة من بعد طول الجحود، وقد غدوا في نعمته يأكلون رزقه، ويعبدون غيره، وقد حادّوه ونادّوه، وكذّبوا رسله، يا الله يا بديء لا بدء لك دائماً، يا دائماً لا نفاد لك، يا حيّ يا قيّوم.

يا محي الموتى، يا من هو قائم على كلّ نفس بما كسبت، يا من قلّ له شكري فلم يحرمني، وعظمت خطيئتي فلم يفضحني، ورآني على المعاصي فلم يخذلني، يا من حفظني في صغري، يا من رزقني في كبري، يا من أياديه عندي لا تُحصى، يا من نعمه عندي لا تُجازى، يا من عارضني بالخير والإحسان، وعارضته بالإساءة والعصيان، يا من هداني بالإيمان قبل أن أعرف شكر الامتنان، يا من دعوته مريضاً فشفاني، وعريانَ فكساني، وجائعاً فأطعمني، وعطشانَ فأرواني، وذليلاً فأعزّني، وجاهلاً فعرّفني، ووحيداً فكثّرني، وغائباً فردّني، ومقلاً فأغناني، ومنتصراً فنصرني، وغنيّاً فلم يسلبني، وأمسكت عن جميع ذلك فابتدأني.

فلك الحمد يا مَنْ أقال عثرتي، ونفّس كربتي، وأجاب دعوتي، وستر عورتي وذنوبي، وبلّغني طلبتي، ونصرني على عدوّي، وإن أعدّ نعمك ومننك وكرائم منحك لا أحصيها.

يا مولاي، أنت الذي أنعمت. أنت الذي أحسنت. أنت الذي أجملت. أنت الذي أفضلت. أنت الذي مننت. أنت الذي أكملت. أنت الذي رزقت. أنت الذي أعطيت. أنت الذي أغنيت. أنت الذي أقنيت. أنت الذي أويت. أنت الذي كفيت. أنت الذي هديت. أنت الذي عصمت. أنت الذي سترت. أنت الذي


غفرت. أنت الذي أقلت. أنت الذي أعززت. أنت الذي أعنت. أنت الذي عضدت. أنت الذي أيّدت. أنت الذي نصرت. أنت الذي شفيت. أنت الذي عافيت. أنت الذي أكرمت. تباركت ربي وتعاليت، فلك الحمد دائماً، ولك الشكر واصباً.

ثمّ أنا يا إلهي المعترف بذنوبي فاغفرها لي. أنا الذي أخطأت. أنا الذي أغفلت. أنا الذي جهلت. أنا الذي هممت. أنا الذي سهوت. أنا الذي اعتمدت. أنا الذي تعمّدت. أنا الذي وعدت. أنا الذي أخلفت. أنا الذي نكثت. أنا الذي أقررت. إلهي اعترف بنعمتك عندي، وأبوء بذنوبي فاغفر لي يا مَنْ لا تضرّه ذنوب عباده وهو الغنيّ عن طاعتهم، والموفّق مَنْ عمل منهم صالحاً بمعونته ورحمته، فلك الحمد.

إلهي أمرتني فعصيتك، ونهيتني فارتكبت نهيك، فأصبحت لا ذا براءة فأعتذر، ولا ذا قوّة فأنتصر. فبأيّ شيء أستقبلك يا مولاي، أبسمعي، أم ببصري، أم بلساني، أم برجلي؟ أليس كلّها نعمك عندي، وبكلّها عصيتك يا مولاي، فلك الحجّة والسبيل عليّ، يا من سترني من الآباء والأمّهات أن يزجروني، ومن العشائر والإخوان أن يعيّروني، ومن السلاطين أن يعاقبوني، ولو اطّلعوا يا مولاي على ما اطّلعت عليه منّي، إذاً ما أنظروني، ولرفضوني وقطعوني.

فها أنا ذا بين يديك يا سيّدي، خاضعاً ذليلاً حقيراً، لا ذو براءة فأعتذر، ولا قوّة فأنتصر، ولا حجّة لي فأحتجّ بها، ولا قائل لم أجترح ولم أعمل سوءاً، وما عسى الجحود لو جحدت يا مولاي فينفعني، وكيف وأنّى ذلك وجوارحي كلّها شاهدة عليّ بما قد علمت يقيناً غير ذي شكّ أنّك سائلي عن عظائم الاُمور، وأنّك الحكيم العدل الذي لا يجور، وعدلك مهلكي، ومن كلّ عدلك مهربي؛ فإن تعذّبني فبذنوبي يا مولاي بعد حجّتك عليّ، وإن تعفُ عنّي فبحلمك وجودك وكرمك.


لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين. لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من المستغفرين. لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الموحّدين. لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الوجلين. لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الراجين الراغبين. لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من السائلين. لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من المهلّلين المسبّحين. لا إله إلاّ أنت ربّي وربّ آبائي الأولين.

اللّهمّ هذا ثنائي عليك ممجّداً، وإخلاصي موحّداً، وإقراري بآلائك معدّاً، وإن كنت مقرّاً أنّي لا اُحصيها لكثرتها وسبوغها، وتظاهرها وتقادمها إلى حادث ما لم تزل تتغمّدني به معها مذ خلقتني وبرأتني من أوّل العمر من الإغناء بعد الفقر، وكشف الضرّ، وتسبيب اليسر، ودفع العسر، وتفريج الكرب، والعافية في البدن، والسلامة في الدين، ولو رفدني على قدر ذكر نعمك عليّ جميع العالمين من الأولين والآخرين لما قدرت ولا هم على ذلك. تقدّست وتعاليت من ربّ عظيمٍ، كريمٍ رحيمٍ، لا تُحصى آلاؤك، ولا يبلغ ثناؤك، ولا تُكافى نعماؤك، صلّ على محمّد وآل محمّد، واتمم علينا نعمتك، وأسعدنا بطاعتك. سبحانك لا إله إلاّ أنت.

اللّهم إنّك تجيب دعوة المضطّر إذا دعاك وتكشف السوء، وتغيث المكروب، وتشفي السقيم، وتغني الفقير، وتجبر الكسير، وترحم الصغير، وتُعين الكبير، وليس دونك ظهير، ولا فوقك قدير، وأنت العليّ الكبير، يا مطلق المكبّل الأسير، يا رازق الطفل الصغير، يا عصمة الخائف المستجير، يا من لا شريك له ولا وزير. صلّ على محمّد وآل محمّد، وأعطني في هذه العشيّة أفضل ما أعطيت وأنلت أحداً من عبادك من نعمة تولّيها، وآلاء تجدّدها، وبليّة تصرفها، وكربة تكشفها، ودعوة تسمعها، وحسنة تتقبّلها، وسيئةٍ تغفرها إنّك لطيف خبير، وعلى كلّ شيءٍ قدير.

اللّهمّ إنّك أقرب مَنْ دُعي، وأسرع مَنْ أجاب، وأكرم مَنْ عفا، وأوسع


اللّهمّ يا مَنْ ملك فقدر، وقدر فقهر، وعُصي فستر، واستغفر فغفر، يا غاية الراغبين، ومنتهى أمل الراجين، يا من أحاط بكلّ شيء علماً، ووسع المستقيلين رأفةً وحلماً.

اللّهمّ إنّا نتوجّه إليك في هذه العشيّة التي شرّفتها وعظّمتها بمحمد نبيّك ورسولك وخيرتك، وأمينك على وحيك. اللّهمّ صلّ على البشير النذير، السراج المنير الذي أنعمت به على المسلمين، وجعلته رحمةً للعالمين.

اللّهمّ فصل على محمّد وآله كما محمّد أهل ذلك يا عظيم، فصلّ عليه وعلى آل محمّد المنتجبين الطيبين الطاهرين أجمعين، وتغمّدنا بعفوك عنّا، فإليك عجّت الأصوات بصنوف اللغات، واجعل لنا في هذه العشية نصيباً في كلّ خير تقسمه، ونور تهدي به، ورحمة تنشرها، وعافية تجلّلها، وبركة تنزلها، ورزق تبسطه، يا أرحم الراحمين.

اللّهمّ اقبلنا في هذا الوقت منجحين مفلحين مبرورين غانمين، ولا تجعلنا من القانطين، ولا تخلنا من رحمتك، ولا تحرمنا ما نؤمّله من فضلك، ولا تردّنا خائبين، ولا من بابك مطرودين، ولا تجعلنا من رحمتك محرومين، ولا لفضل ما نؤمّله من عطاياك قانطين، يا أجود الأجودين، ويا أكرم الأكرمين. إليك أقبلنا موقنين، ولبيتك الحرام آمّين قاصدين فأعنّا على منسكنا، وأكمل لنا حجّنا، واعفُ اللّهم عنّا فقد مددنا إليك أيدينا وهي بذلّة الاعتراف موسومة.

اللّهمّ فأعطنا في هذه العشية ما سألناك، واكفنا ما استكفيناك، فلا كافي


لنا سواك، ولا ربّ لنا غيرك. نافذ فينا حكمك. محيط بنا علمك. عدل قضاؤك. اقض لنا الخير، واجعلنا من أهل الخير.

اللّهمّ أوجب لنا بجودك عظيم الأجر، وكريم الذخر، ودوام اليسر، فاغفر لنا ذنوبنا أجمعين، ولا تهلكنا مع الهالكين، ولا تصرف عنّا رأفتك برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللّهمّ اجعلنا في هذا الوقت ممّن سألك فأعطيته، وشكرك فزدته، وتاب إليك فقبلته، وتنصّل إليك من ذنوبه فغفرتها له يا ذا الجلال والإكرام.

اللّهمّ وفّقنا وسدّدنا، واعصمنا واقبل تضرّعنا، يا خير مَنْ سئل، ويا أرحم مَنْ استرحم، يا مَنْ لا يخفى عليه إغماض الجفون، ولا لحظ العيون، ولا ما استقرّ في المكنون، ولا ما انطوت عليه مضمرات القلوب. ألا كلّ ذلك قد أحصاه علمك، ووسعه حلمك، سبحانك وتعاليت عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

تسبّح لك السماوات والأرض وما فيهنّ، وإن من شيء إلاّ يسبح بحمدك، فلك الحمد والمجد، وعلوّ الجدّ، يا ذا الجلال والإكرام، والفضل والإنعام، والأيادي الجسام، وأنت الجواد الكريم. الرؤوف الرحيم. أوسع عليّ من رزقك، وعافني في بدني وديني، وآمن خوفي، وأعتق رقبتي من النار.

اللّهمّ لا تمكر بي، ولا تستدرجني ولا تخذلني، وادرء عنّي شرّ فسقة الجنّ والإنس، يا أسمع السامعين، ويا أبصر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، صلّ على محمّد وآل محمّد، وأسألك اللّهمّ حاجتي التي إن أعطيتها لم يضرّني ما منعتني، وإن منعتنيها لم ينفعني ما أعطيتني. أسألك فكاك رقبتي من النار. لا إله إلاّ أنت وحدك لا شريك لك. لك الملك ولك الحمد، وأنت على كلّ شيء قدير، يا ربّ يا ربّ يا ربّ.

إلهي أنا الفقير في غناي، فكيف لا أكون فقيراً في فقري. إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي. إلهي إنّ اختلاف تدبيرك وسرعة طواء مقاديرك منعا عبادك العارفين بك عن السكون إلى عطاء، واليأس منك في بلاء.


إلهي منّي ما يليق بلومي، ومنك ما يليق بكرمك. إلهي وصفت نفسك باللطف والرأفة لي قبل وجود ضعفي أفتمنعني منهما بعد وجود ضعفي؟! إلهي إن ظهرت المحاسن منّي فبفضلك ولك المنّة عليّ، وإن ظهرت المساوي منّي فبعدلك ولك الحجّة عليّ. إلهي كيف تكلني وقد توكّلت لي، وكيف اُضام وأنت الناصر لي، أم كيف أخيّب وأنت الحفيّ بي؟! ها أنا أتوسل إليك بفقري إليك، وكيف أتوسل إليك بما هو محال أن يصل إليك، أم كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفى عليك، أم كيف اُترجم بمقالي وهو منك برز إليك، أم كيف تخيّب آمالي وهي قد وفدت إليك، أم كيف لا تحسن أحوالي وبك قامت؟!

إلهي ما ألطفك بي مع عظيم جهلي، وما أرحمك بي مع قبيح فعلي. إلهي ما أقربك منّي وأبعدني عنك، وما أرأفك بي فما الذي يحجبني عنك؟! إلهي علمت باختلاف الآثار، وتنقّلات الأطوار، أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليّ في كلّ شيء حتّى لا أجهلك في شيء.

إلهي كلّما أخرسني لومي أنطقني كرمك، وكلّما آيستني أوصافي أطمعتني مننك. إلهي مَنْ كانت محاسنه مساوي فكيف لا تكون مساويه مساوي؟! ومن كانت حقايقه دعاوي فكيف لا تكون دعاويه دعاوي؟!

إلهي حكمك النافذ، ومشيتك القاهرة لم يتركا لذي مقال مقالاً، ولا لذي حال حالاً. إلهي كم من طاعة بنيتها، وحالة شيّدتها هدم اعتمادي عليها عدلك، بل أقالني منها فضلك. إلهي إنّك تعلم أنّي وإن لم تدم الطاعة منّي فعلاً جزماً فقد دامت محبّة وعزماً. إلهي كيف أعزم وأنت القاهر، وكيف لا أعزم وأنت الآمر؟!

إلهي تردّدي في الآثار يوجب بعد المزار، فأجمعني عليك بخدمة توصلني إليك. كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟! أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟! متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك، ومتى بعدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟! عميت عين لا تراك عليها رقيباً،


وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيباً.

إلهي أمرت بالرجوع إلى الآثار فارجعني إليك بكسوة الأنوار، وهداية الاستبصار حتّى ارجع إليك منها كما دخلت إليك منها؛ مصون السرّ عن النظر إليها، ومرفوع الهمّة عن الاعتماد عليها، إنّك على كلّ شيءٍ قدير.

إلهي هذا ذلّي ظاهر بين يديك، وهذا حالي لا يخفى عليك، منك أطلب الوصول إليك، وبك استدلّ عليك، فاهدني بنورك إليك، وأقمني بصدق العبوديّة بين يديك. إلهي علّمني من علمك المخزون، وصنّي بسرّك المصون. إلهي حققني بحقايق أهل القرب، واسلك بي مسلك أهل الجذب. إلهي أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري، وباختيارك عن اختياري، وأوقفني على مراكز اضطراري.

إلهي أخرجني من ذلّ نفسي، وطهّرني من شكّي وشركي قبل حلول رمسي، بك أنتصر فانصرني، وعليك أتوكل فلا تكلني، وإياك أسأل فلا تخيّبني، وفي فضلك أرغب فلا تحرمني، وبجنابك أنتسب فلا تبعدني، وببابك أقف فلا تطردني.

إلهي تقدّس رضاك أن تكون له علّة منك، فكيف يكون له علّة منّي؟! إلهي أنت الغنيّ بذاتك أن يصل إليك النفع منك، فكيف لا تكون غنيّاً عنّي؟! إلهي إنّ القضاء والقدر يمنّيني، وإنّ الهوى بوثائق الشهوة أسرني، فكن أنت النصير لي؛ حتّى تنصرني وتبصّرني، وأغنني بفضلك حتّى استغني بك عن طلبي.

أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتّى عرفوك ووحّدوك، وأنت الذي أزلت الأغيار عن قلوب أحبائك حتّى لم يحبّوا سواك، ولم يلجؤوا إلى غيرك. أنت المونس لهم حيث أوحشتهم العوالم، وأنت الذي هديتهم حيث استبانت لهم المعالم.

ماذا وجد مَنْ فقدك؟ وما الذي فقد مَنْ وجدك؟ لقد خاب مَنْ رضي دونك بدلاً، ولقد خسر مَنْ بغي عنك متحوّلاً. كيف يُرجى سواك وأنت ما قطعت الإحسان؟! وكيف يُطلب من غيرك وأنت ما بدّلت عادة الامتنان؟! يا مَنْ أذاق أحبّاءه حلاوة المؤانسة


فقاموا بين يديه متملّقين، ويا مَنْ ألبس أولياءه ملابس هيبته فقاموا بين يديه مستغفرين. أنت الذاكر قبل الذاكرين، وأنت البادي بالإحسان قبل توجّه العابدين، وأنت الجواد بالعطاء قبل طلب الطالبين، وأنت الوهّاب ثمّ لما وهبتنا من المستقرضين.

إلهي اطلبني برحمتك حتّى أصل إليك، واجذبني بمنّك حتّى أقبِل إليك. إلهي إنّ رجائي لا ينقطع عنك وإن عصيتك، كما إنّ خوفي لا يزايلني وإن أطعتك، فقد دفعتني العوالم إليك، وقد أوقعني علمي بكرمك عليك.

إلهي كيف أخيب وأنت أملي، أم كيف اُهان وعليك متّكلي؟! إلهي كيف استعزّ وفي الذلّة أركزتني، أم كيف لا أستعزّ وإليك نسبتني؟! إلهي كيف لا أفتقر وأنت الذي في الفقراء أقمتني، أم كيف أفتقر وأنت الذي بجودك أغنيتني؟! وأنت الذي لا إله غيرك تعرّفت لكلّ شيء فما جهلك شيء، وأنت الذي تعرّفت إليّ في كلّ شيء فرأيتك ظاهراً في كلّ شيء، وأنت الظاهر لكلّ شيء، يا من استوى برحمانيته فصار العرش غيباً في ذاته، محقت الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار.

يا من احتجب في سرادقات عرشه عن أن تدركه الأبصار، يا من تجلّى بكمال بهائه فتحققت عظمته من الاستواء. كيف تخفى وأنت الظاهر، أم كيف تغيب وأنت الرقيب الحاضر؟! إنّك على كلّ شيءٍ قدير. والحمد لله وحده».


بسم الله وبالله (1)

«إنّ رجلاً اشتكى إلى أبي عبد الله الحسين بن عليعليهما‌السلام ، فقال: يابن رسول الله، إنّي أجد وجعاً في عراقيبي قد منعني من النهوض إلى الصلاة.

قال: فما يمنعك من العوذة؟

قال: لست أعلمها.

قال: فإذا أحسست بها فضع يدك عليها، وقل: بسم الله وبالله، والسلام على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم اقرأ عليه( وَمَا قَدَرُوا اللّهَ حَقّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْسّمَاوَاتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى‏ عَمّا يُشْرِكُونَ ) (2) . ففعل الرجل ذلك فشفاه الله تعالى».

دعاء المشلول(3)

«كنتُ مع علي بن أبي طالبعليه‌السلام في الطواف في ليلة ديجوجيّة(4) قليلة النور، وقد خلا الطواف، ونام الزّوار،

____________________

(1) طب الأئمةعليهم‌السلام / 33. عبد الله بن بسطام، عن إبراهيم بن محمّد الأودي، عن صفوان الجمال، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن علي بن الحسينعليه‌السلام .

(2) سورة الزمر / 67.

(3) مهج الدعوات / 151 - 157؛ مصباح الكفعمي / 260 - 264. روى جماعة يسندون الحديث إلى الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....

(4) أي: مظلمة مع غيم لا ترى نجماً ولا قمراً.


وهدأت العيون، إذ سمع مستغيثاً مستجيراً مسترحماً، بصوت حزين من قلبٍ موجع، وهو يقول:

يا مَنْ يجيبُ دعا المضطرِّ في الظلمِ

يا كاشفَ الضرِّ والبلوى مع السَّقمِ

قد نامَ وفدُكَ حولَ البيتِ وانتبهوا

يدعو وعينكَ يا قيّومُ لم تنمِ

هب لي بجودكَ فضلَ العفو عن جُرُمي

يا مَنْ أشارَ إليهِ الخلقُ في الحرمِ

إن كانَ عفوكَ؟ يلقاهُ ذو سرفٍ

فمَنْ يجودُ على العاصينَ بالنّعمِ

قال الحسين بن عليعليه‌السلام : «فقال لي: يا أبا عبد الله، أسمعت المنادي ذنبه، المستغيث ربّه؟

فقلت: نعم، قد سمعته.

فقال: اعتبره عسى أن تراه. فما زلت أخبط في طخياء الظلام(1) ، وأتخلل بين النيام، فلمّا صرت بين الركن والمقام بدا لي شخص منتصب، فتأمّلته فإذا هو قائم، فقلت: السلام عليك أيها العبد المقرّ المستقيل، المستغفر المستجير، أجب بالله ابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فأسرع في سجوده وقعوده وسلّم، فلم يتكلّم حتّى أشار بيده بأن تقدّمني، فتقدمته، فأتيت به أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقلت: دونك ها هو. فنظر إليه فإذا هو شابّ حسن الوجه، نقيّ الثياب،

____________________

(1) يعني: سواد الليل الشديد الظلمة.


فقال له: ممّن الرجل؟

فقال له: من بعض العرب.

فقالعليه‌السلام : ما اسمك؟

قال: منازل بن لاحق الشيباني.

فقال له: ما حالك؟ وممّ بكاؤك واستغاثتك؟

فقال: ما حال مَنْ اُوخذ بالعقوق فهو في ضيق ارتهنه المصاب، وغمره الاكتئاب، فإن تاب فدعاؤه لا يُستجاب.

فقال له عليّعليه‌السلام : ولِمَ ذلك؟

فقال: لإني كنت ملتهياً في العرب باللعب والطرب، اُديم العصيان في رجب وشعبان، وما أراقب الرحمان. وكان لي والد شفيق رفيق يحذّرني مصارع الحدثان، ويخوّفني العقاب بالنيران، ويقول: كم ضجّ منك النهار والظلام، والليالي والأيام، والشهور والأعوام، والملائكة الكرام.

وكان إذا ألحّ عليّ بالوعظ زجرته وانتهرته، ووثبت عليه وضربته، فعمدت يوماً إلى شيءٍ من الورق - وكانت في الخباء(1) - فذهبت لآخذها وأصرفها فيما كنت عليه، فمانعني عن أخذها، فأوجعته ضرباً ولويت يده، وأخذتها ومضيت. فأومأ بيده إلى ركبتيه يروم النهوض من مكانه ذلك فلم يطق يحرّكها من شدّة الوجع والألم، فأنشأ يقول:

جرت رحمٌ بيني وبين منازلٍ

سواءٌ كما يستنزلُ القطرَ طالبُهْ

وربّيتُ حتّى صارَ جلداً شمردلاً

إذا قامَ ساوى غاربُ الفحلِ غاربُهْ

وقد كنتُ اُوتيه من الزادِ في الصبى

إذا جاع منهُ صفوهُ وأطايبُهْ

____________________

(1) الورق: الدراهم المضروبة، والخباء: الخيمة.


فلمّا استوى في عنفوانِ شبابهِ

وأصبحَ كالرمحِ الردينيِّ خاطبُهْ

تهضّمني مالي كذا ولوى يدي

لوى يدهُ اللهُ الذي هو غالبُهْ

ثمّ حلف بالله ليقدمن إلى بيت الله الحرام فيستعدي الله عليّ، فصام أسابيع، وصلّى ركعات، ودعا وخرج متوجهاً إلى عيرانة(1) يقطع بالسير عرض الفلاة، ويطوي الأودية، ويعلو الجبال حتّى قدم مكّة يوم الحجّ الأكبر، فنزل عن راحلته، وأقبل إلى بيت الله الحرام، فسعى وطاف به، وتعلّق بأستاره، وابتهل بدعائه، وأنشأ يقول:

يا مَنْ إليهِ أتى الحجّاج بالجهدِ

فوقَ المهادي من أقصى غايةِ البعدِ

إنّي أتيتكَ يا مَنْ؟ يخيّبُ مَنْ

يدعوهُ مبتهلاً بالواحدِ الصمدِ

هذا منازلُ؟ يرتاعُ من عققي

فخذ بحقّيَ يا جبّارُ من ولدي

حتّى تشلّ بعونٍ منكَ جانبهُ

يا مَنْ تقدّسَ لم يُولد ولم يلدِ

قال: فوالذي سمك السماء وأنبع الماء، ما استتم دعاءه حتّى نزل بي ما ترى - ثمّ كشف عن يمينه فإذا بجانبه قد شلّ -، فأنا منذ ثلاث سنين أطلب إليه أن يدعو لي في الموضع الذي دعا به عليّ فلم يجبني، حتّى إذا كان العام أنعم عليّ فخرجت به على ناقة عشراء(2) أجدّ السير حثيثاً رجاء العافية، حتّى إذا كنّا على الأراك وحطمة وادي السياك نفر طائر في الليل فنفرت منه الناقة التي كان عليها، فألقته إلى قرار الوادي فارفضّ بين الحجرين فقبرته هناك. وأعظم من ذلك إنّي لا اُعرف إلاّ المأخوذ بدعوة أبيه.

فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام : أتاك الغوث. ألا اُعلّمك دعاء علمنيه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وفيه اسم الله الأكبر الأعظم، العزيز الأكرم الذي يُجيب به مَنْ

____________________

(1) العيرانة من الإبل: التي تشبه العير في سرعتها ونشاطها.

(2) العشراء - كالنفساء - من النوق: التي مضت لحملها عشرة أشهر.


دعاه، ويُعطي به مَنْ سأله، ويُفرّج به الهمّ، ويُكشف به الكرب، ويُذهب به الغمّ، ويُبرئ به السقم، ويجبر به الكسير، ويُغني به الفقير، ويقضي به الدين، ويرد به العين، ويغفر به الذنوب، ويستر به العيوب، ويُؤمن به كلّ خائف من شيطان مريد، وجبّار عنيد، ولو دعا به طائع لله على جبل لزال من مكانه، أو على ميّت لأحياه الله بعد موته، ولو دعا به على الماء لمشى عليه بعد أن لا يدخله العجب؟

فاتق الله أيها الرجل، فقد أدركتني الرحمة لك، وليعلم الله منك صدق النيّة أنّك لا تدعو به في معصية، ولا تفيده إلاّ الثقة في دينك، فإن أخلصت فيه النيّة استجاب الله لك، ورأيت نبيّك محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامك يبشّرك بالجنّة والإجابة.

ثمّ قال: آتني بدواة وبياض، واكتب ما أمليه عليك. ففعلت، وهو: اللّهم إنّي أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيّ يا قيوم، يا حيّ لا إله إلاّ أنت، يا مَنْ لا يعلم ما هو، ولا أين هو، ولا حيث هو، ولا كيف هو إلاّ هو، يا ذا الملك والملكوت، يا ذا العزّة والجبروت، يا ملك يا قدوس، يا سلام يا مؤمن، يا مهيمن يا عزيز، يا جبّار يا متكبّر، يا خالق يا بارئ، يا مصوّر يا مفيد، يا ودود يا محمود يا معبود، يا بعيد يا قريب، يا مجيب يا رقيب يا حسيب، يا بديع يا رفيع، يا منيع يا سميع، يا عليم يا حكيم، يا كريم يا حليم يا قديم، يا عليّ يا عظيم.

يا حنان يا منّان، يا ديّان يا مستعان، يا جليل يا جميل، يا وكيل يا كفيل، يا مقيل يا منيل، يا نبيل يا دليل، يا هادي يا بادي، يا أوّل يا آخر، يا ظاهر يا باطن، يا حاكم يا قاضي، يا عادل يا فاضل يا واصل، يا طاهر يا مطهّر، يا قادر يا مقتدر، يا كبير يا متكبّر.

يا واحد يا أحد يا صمد، يا مَنْ لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، ولم يكن له صاحبة، ولا كان معه وزير، ولا اتّخذ معه مشيراً، ولا احتاج إلى ظهير، ولا كان معه إله، لا إله إلاّ أنت، فتعاليت عمّا يقول الجاحدون [الظالمون خ ل] علوّاً كبيراً.


يا عالم يا شامخ يا باذخ، يا فتّاح يا مفرّج، يا ناصر يا منتصر، يا مهلك يا منتقم، يا باعث يا وارث، يا أول يا آخر، يا طالب يا غالب.

يا مَنْ لا يفوته هارب، يا توّاب يا أوّاب، يا وهّاب يا مسبّب الأسباب يا مفتّح الأبواب، يا من حيث ما دُعي أجاب، يا طهور يا شكور، يا عفوّ يا غفور، يا نور النور، يا مدبّر الاُمور، يا لطيف يا خبير، يا متجبّر يا منير، يا بصير يا ظهير يا كبير، يا وتر يا فرد، يا صمد يا سند، يا كافي يا محسن، يا مجمل يا معافي، يا منعم يا متفضل، يا متكرّم يا متفرّد.

يا مَنْ علا فقهر، يا مَنْ ملك فقدر، يا مَنْ بطن فخبر، يا مَنْ عبد فشكر، يا مَنْ عُصي فغفر وستر، يا مَنْ لا تحويه الفكر، ولا يدركه بصر، ولا يخفى عليه أثر، يا رازق البشر، يا مقدّر كلّ قدر، يا عالي المكان، يا شديد الأركان، يا مبدّل الزمان، يا قابل القربان، يا ذا المنّ والإحسان، يا ذا العزّ والسلطان، يا رحيم يا رحمان، يا عظيم الشأن، يا مَنْ هو كلّ يومٍ في شأن، يا مَنْ لا يشغله شأن عن شأن.

يا سامع الأصوات، يا مجيب الدعوات، يا منجح الطلبات، يا قاضي الحاجات، يا منزل البركات، يا راحم العبرات، يا مقيل العثرات، يا كاشف الكربات، يا وليّ الحسنات، يا رفيع الدرجات، يا معطي السؤلات، يا محيي الأموات، [يا جامع الشتات خ ل]، يا مطّلع على النيّات، يا رادّ ما قد فات، يا مَنْ لا تشتبه عليه الأصوات، يا مَنْ لا تضجره المسألات، ولا تغشاه الظلمات، يا نور الأرض والسماوات.

يا سابغ النعم، يا دافع النقم، يا بارئ النسم، يا جامع الاُمم، يا شافي السقم، يا خالق النور والظلم، يا ذا الجود والكرم، يا مَنْ لا يطأ عرشه قدم.

يا أجود الأجودين، يا أكرم الأكرمين، يا أسمع السامعين، يا أبصر


الناظرين، يا جار المستجيرين، يا أمان الخائفين، يا ظهر اللاجين، يا وليّ المؤمنين، يا غياث المستغيثين، يا غاية الطالبين.

يا صاحب كلّ غريب، يا مونس كلّ وحيد، يا ملجأ كلّ طريد، يا مأوى كلّ شريد، يا حافظ كلّ ضالّة، يا راحم الشيخ الكبير، يا رازق الطفل الصغير، يا جابر العظم الكسير، يا فاكّ كلّ أسير، يا مغني البائس الفقير، يا عصمة الخائف المستجير، يا مَنْ له التدبير والتقدير، يا مَنْ العسير عليه سهل يسير، يا مَنْ لا يحتاج إلى تفسير، يا مَنْ هو على كلّ شيء قدير، يا مَنْ هو بكلّ شيء خبير، يا مَنْ هو بكلّ شيء بصير، يا مرسل الرياح، يا فالق الإصباح، يا باعث الأرواح، يا ذا الجود والسماح، يا مَنْ بيده كلّ مفتاح، يا سامع كلّ صوت، يا سابق كلّ فوت، يا محيي كلّ نفسٍ بعد الموت.

يا عدّتي في شدّتي، يا حافظي في غربتي، يا مونسي في وحدتي، يا وليّي في نعمتي، يا كنفي حين تعييني المذاهب، وتسلّمني الأقارب، ويخذلني كلّ صاحب، يا عماد مَنْ لا عماد له، يا سند مَنْ لا سند له، يا ذخر مَنْ لا ذخر له، يا كهف مَنْ لا كهف له، يا ركن مَنْ لا ركن له، يا غياث مَنْ لا غياث له، يا جار مَنْ لا جار له.

يا جاري اللصيق، يا ركني الوثيق، يا إلهي بالتحقيق، يا ربّ البيت العتيق، يا شفيق يا رفيق، فكنّي من حلق المضيق، واصرف عنّي كلّ همّ وغمّ وضيق، واكفني شرّ ما لا أطيق، وأعنّي على ما أطيق.

يا رادّ يوسف على يعقوب، يا كاشف ضرّ أيوب، يا غافر ذنب داود، يا رافع عيسى بن مريم من أيدي اليهود، يا مجيب نداء يونس في الظلمات، يا مصطفى موسى بالكلمات، يا مَنْ غفر لآدم خطيئته، ورفع إدريس برحمته، يا مَنْ نجّى نوحاً من الغرق، يا مَنْ أهلك عاداً الأولى وثمود فما أبقى، وقوم نوح من قبل


إنّهم كانوا هم أظلم وأطغى، والمؤتفكة أهوى، يا مَنْ دمّر على قوم لوط، ودمدم على قوم شعيب.

يا مَنْ اتّخذ إبراهيم خليلاً، يا مَنْ اتّخذ موسى كليماً، واتّخذ محمداً (صلّى الله عليه وعليهم أجمعين) حبيباً.

يا مؤتي لقمان الحكمة، والواهب لسليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، يا مَنْ نصر ذا القرنين على الملوك الجبابرة، يا مَنْ أعطى الخضر الحياة، وردّ ليوشع بن نون الشمس بعد غروبها، يا مَنْ ربط على قلب أمّ موسى، وأحصن فرج مريم بنت عمران، يا مَنْ حصّن يحيى بن زكريا من الذنب، وسكّن عن موسى الغضب، يا مَنْ بشّر زكريا بيحيى، يا مَنْ فدى إسماعيل من الذبح، يا مَنْ قبل قربان هابيل وجعل اللعنة على قابيل، يا هازم الأحزاب، صلّ على محمّد وآل محمّد وعلى جميع المرسلين، وملائكتك المقرّبين، وأهل طاعتك أجمعين.

وأسألك بكلّ مسألة سألك بها أحد ممّن رضيت عنه فحتمت له على الإجابة، يا الله يا الله يا الله، يا رحمان يا رحيم، يا رحمان يا رحيم، يا رحمان يا رحيم، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الجلال والإكرام، به به به به به به به، أسألك بكلّ اسم سمّيت به نفسك، أو أنزلته في شيءٍ من كتبك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، وبمعاقد العزّ من عرشك، ومنتهى الرحمة من كتابك، وبما لو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحرٍ ما نفدت كلمات الله، إنّ الله عزيز حكيم.

وأسألك بأسمائك الحسنى التي بيّنتها في كتابك، فقلت:( وَللّهِ الأَسْماءُ الْحُسْنَى‏ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (1) ، وقلت:( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) (2) ، وقلت:

____________________

(1) سورة الأعراف / 180.

(2) سورة غافر / 60.


( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (1) ، وقلت:( قُلْ يَا عِبَادِيَ الّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى‏ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللّهِ إِنّ اللّهَ يَغْفِرُ الذّنُوبَ جَمِيعاً إِنّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرّحِيمُ ) (2) ، وأنا أسألك يا إلهي، وأطمع في إجابتي يا مولاي كما وعدتني، وقد دعوتك كما أمرتني فافعل بي كذا وكذا.... وتسأل الله تعالى ما أحببت، وتسمّي حاجتك، ولا تدعُ به إلاّ وأنت طاهر.

ثمّ قال للفتى: إذا كانت الليلة فادع به، وائتني من غد بالخبر».

قال الحسين بن عليعليهما‌السلام : «وأخذ الفتى الكتاب ومضى، فلمّا كان من غد ما أصبحنا حيناً حتّى أتى الفتى إلينا سليماً معافىً، والكتاب بيده، وهو يقول: هذا والله الاسم الأعظم، استجيب لي وربّ الكعبة.

قال له علي (صلوات الله عليه): حدّثني.

قال: [لمّا] هدأت العيون بالرقاد، واستحلك جلباب الليل، رفعت يدي بالكتاب ودعوت الله بحقه مراراً، فاُجبت في الثانية: حسبك، فقد دعوت الله باسمه الأعظم. ثمّ اضطجعت فرأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في منامي وقد مسح يده الشريفة عليّ، وهو يقول: احتفظ باسم الله الأعظم العظيم؛ فإنّك على خير. فانتبهت معافىً كما ترى، فجزاك الله خيراً».

____________________

(1) سورة البقرة / 186.

(2) سورة الزمر / 53.


دعاء العشرات (1)

«بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، سبحان الله بالغدو والآصال، سبحان الله في أناء الليل وأطراف النهار، سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، وله الحمد في السماوات والأرض وعشيّاً وحين تظهرون، يُخرج الحيّ من الميّت، ويُخرج الميّت من الحيّ، ويُحيي الأرض بعد موتها وكذلك تُخرجون، سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين، سبحان ربّك ربّ العرش العظيم.

سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العزّة والعظمة والجبروت، سبحان الملك الحي القدوس، سبحان الدائم القائم، سبحان القائم الدائم، سبحان الحيّ القيوم، سبحان ربّي الأعلى، سبحان العليّ الأعلى، سبحانه وتعالى، سبحان الله السبوح القدوس، ربّ الملائكة والروح.

اللّهم إنّي أصبحت منك في نعمة وعافية، فصلّ اللّهم على محمّد وآل محمّد، وتمم عليّ نعمتك وعافيتك، وارزقني شكرك.

اللّهمّ بنورك اهتديت، وبفضلك استغنيت، وبنعمتك أصبحت وأمسيت، ذنوبي بين يديك، أستغفرك وأتوب إليك، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، أنت الجدّ لا ينفع ذا الجدّ منك الجدّ، لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.

____________________

(1) مهج الدعوات / 149 - 151. دعاء العشرات وهو مروي عن الحسين بن عليعليهما‌السلام مع فضل كبير وثواب جزيل، وهو:


اللّهمّ إنّي اُشهدك، واُشهد ملائكتك وحملة عرشك، وجميع خلقك في سماواتك وأرضك أنّك أنت الله الذي لا إله إلاّ أنت، وحدك لا شريك لك، وأنّ محمداً عبدك ورسولكصلى‌الله‌عليه‌وآله . اللّهمّ اكتب لي هذه الشهادة عندك حتّى تلقينيها يوم القيامة وقد رضيت بها عنّي، إنّك على كلّ شيءٍ قدير.

اللّهمّ لك الحمد حمداً تضع لك السماوات كنفيها، وتسبّح لك الأرض ومَنْ عليها. اللّهم لك الحمد حمداً يصعد أوّله ولا ينفد آخره، حمداً يزيد ولا يبيد، سرمداً أبداً لا انقطاع له ولا نفاد، حمداً يصعد ولا ينفد.

اللّهم لك الحمد فيّ وعليّ ومعي، وقبلي وبعدي وأمامي وورائي وخلفي، وإذا متّ وفنيت يا مولاي، ولك الحمد بجميع محامدك كلّها على جميع نعمك كلّها، ولك الحمد في كلّ عرقٍ ساكن، وعلى كلّ عرقٍ ضارب، ولك الحمد على كلّ أكلة وشربة، وبطشةٍ ونشطةٍ، وعلى كلّ موضع شعرة.

اللّهمّ لك الحمد كلّه، ولك المنّ كلّه، ولك الخلق كلّه، ولك الملك كلّه، ولك الأمر كلّه، وبيدك الخير كلّه، وإليك يرجع الأمر كلّه، علانيته وسرّه، وأنت منتهى الشأن كلّه.

اللّهمّ لك الحمد على حلمك بعد علمك فيّ، ولك الحمد على عفوك عنّي بعد قدرتك عليّ. اللّهم لك الحمد، صاحب الحمد، ووارث الحمد، ومالك الحمد، ووارث الملك، بديع الحمد، ومبتدع الحمد، وفيّ العهد، صادق الوعد، عزيز الجند، قديم المجد.

اللّهمّ لك الحمد رفيع الدرجات، مجيب الدعوات، منزل الآيات من فوق سبع سماوات، مخرج النور من الظلمات، مبدّل السيئات حسنات، وجاعل الحسنات درجات.

اللّهمّ لك الحمد، غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذا الطول لا إله


إلاّ أنت إليك المصير. اللّهم لك الحمد في الليل إذا يغشى، ولك الحمد في النهار إذا تجلّى، ولك الحمد في الآخرة والأولى، ولك الحمد عدد كلّ نجم في السماء، ولك الحمد عدد كلّ قطرة في السماء، ولك الحمد عدد كلّ قطرة نزلت من السماء، ولك الحمد عدد كلّ قطرة في البحار، ولك الحمد عدد الشجر والورق، والثرى والمدر والحصى، والجن والإنس، والطير والبهائم والسباع، والأنعام والهوام، ولك الحمد عدد ما على وجه الأرض وتحت الأرض، وما في الهواء والسماء، ولك الحمد عدد ما أحصى كتابك، وأحاط به علمك، حمداً كثيراً طيّباً مباركاً فيه أبداً».

ثمّ تقول: «أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت ويميت ويحيي وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كلّ شيءٍ قدير - عشر مرّات -، استغفر الله الذي لا إله إلاّ هو الحي القيوم وأتوب إليه - عشر مرّات -، يا الله يا الله يا الله، يا رحمان يا رحمان يا رحمان، يا رحيم يا رحيم يا رحيم، يا حنّان يا حنّان يا حنّان، يا منّان يا منّان يا منّان، يا حيّ يا قيّوم - كلّ واحد عشر مرّات -، يا بديع السموات والأرض، ياذا الجلال والإكرام - عشر مرّات -، بسم الله الرحمن الرحيم - عشر مرّات - يا لا إله إلاّ أنت - عشر مرّات - اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد - عشر مرّات - آمين آمين - عشر مرّات - ثمّ تسأل كلّها بعده لدنياك وآخرتك تجاب عليه إن شاء الله تعالى».


أسألك توفيق أهل الهدى (1)

«اللّهمّ إنّي أسألك توفيق أهل الهدى، وأعمال أهل التقوى، ومناصحة أهل التوبة، وعزم أهل الصبر، وحذر أهل الخشية، وطلب أهل العلم، وزينة أهل الورع، وخوف أهل الجزع؛ حتّى أخافك اللّهمّ مخافةً تحجزني عن معاصيك، وحتى أعمل بطاعتك عملاً استحق به كرامتك، وحتى اُناصحك في التوبة خوفاً لك، وحتى أخلص لك في النصيحة حبّاً لك، وحتى أتوكّل عليك في الاُمور حسن ظن بك، سبحان خالق النور، وسبحان الله العظيم وبحمده».

سبحان العظيم الأعظم (1)

«سبحان الرفيع الأعلى، سبحان العظيم الأعظم، سبحان مَنْ هو هكذا ولا يكون هكذا غيره، ولا يقدر أحد قدرته، سبحان مَنْ أوّله علم لا يوصف، وآخره علم لا يبيد، سبحان مَنْ علا فوق البريّات بالإلهية، فلا عين تدركه ولا عقل يمثّله، ولا وهم يصوّره، ولا لسان يصفه بغاية ما له من الوصف، سبحان مَنْ علا في الهواء، سبحان مَنْ قضى الموت على العباد، سبحان الملك المقتدر، سبحان الملك القدوس، سبحان الباقي الدائم».

____________________

(1) مهج الدعوات / 157. من دعاء لمولانا الحسين بن عليعليهما‌السلام :....

(2) دعوات الراوندي / 92 ضمن الحديث 228. من تسبيح للإمام أبي عبد الله الحسين بن عليعليهما‌السلام :....


يا صادق الوعد (1)

«بسم الله الرحمن الرحيم، يا دائم يا ديموم، يا حيّ يا قيّوم، يا كاشف الغمّ، يا فارج الهمّ، يا باعث الرسل، يا صادق الوعد. اللّهمّ إن كان لي عندك رضوان وودّ، فاغفر لي ومَنْ اتّبعني من إخواني وشيعتي، وطيّب ما في صلبي برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله أجمعين».

يا مَنْ شأنه الكفاية (2)

«يا مَنْ شأنه الكفاية، وسرادقه الرعاية، يا مَنْ هو الغاية والنهاية، يا صارف السوء والسواية والضرّ، اصرف عنّي أذيّة العالمين من الجنّ والإنس أجمعين، بالأشباح النوريّة، وبالأسماء السريانية، وبالأقلام اليونانية، وبالكلمات العبرانية، وبما نزل في الألواح من يقين الإيضاح.

اجعلني اللّهم في حرزك وفي حزبك، وفي عياذك وفي سترك، وفي كنفك من كلّ شيطان مارد، وعدوّ راصد، ولئيم معاند، وضدّ كنود، ومن كلّ حاسد، ببسم الله استشفيت، وبسم الله استكفيت، وعلى الله توكّلت، وبه استعنت، وإليه استعديت على كلّ ظالم ظلم، وغاشمٍ غشم، وطارقٍ طرق، وزاجرٍ زجر، فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين».

____________________

(1) مهج الدعوات / 11. من حرز للإمام أبي عبد الله الحسينعليه‌السلام :....

(2) مهج الدعوات / 298. من دعاء للإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام :....


اللّهم لا تستدرجني (1)

«اللّهم لا تستدرجني بالإحسان، ولا تؤدّبني بالبلاء».

____________________

(1) بحار الأنوار 78 / 127، قالعليه‌السلام :....



مناقضات



هذا معاوية (1)

بلغهعليه‌السلام كلام نافع بن جبير في معاوية، وقوله: إنّه كان يسكته الحلم، وينطقه العلم. فقالعليه‌السلام : «بل كان ينطقه البطر، ويسكته الحَصر».

____________________

(1) كنز الفوائد 2 / 32.


في طريق البصرة (1)

«لمّا توجّه أمير المؤمنينعليه‌السلام من المدينة إلى الناكثين بالبصرة نزل الربذة، فلمّا ارتحل منها لقيه عبد الله بن خليفة الطائي وقد نزل بمنزل يُقال له: (قديد)، فقرّبه أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فقال له عبد الله: الحمد الله الذي ردّ الحقّ إلى أهله، ووضعه في موضعه، كره ذلك قوم أم سرّوا به، فقد والله كرهوا محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله ونابذوه وقاتلوه، فردّ الله كيدهم في نحورهم، وجعل دائرة السوء عليهم. ووالله لنجاهدنّ معك في كلّ موطن؛ حفظاً لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فرحّب به أمير المؤمنينعليه‌السلام وأجلسه إلى جنبه، وكان له حبيباً ووليّاً، وأخذ يُسائله عن الناس، إلى أن سأله عن أبي موسى الأشعري، فقال: والله ما أنا واثق به، ولا آمن عليك [خلافه] إن وجد مساعداً على ذلك.

____________________

(1) أمالي المفيد / 181 - 183، المجلس35، ح6، قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمّد الكاتب، قال: أخبرني الحسن بن علي بن عبد الكريم الزعفراني، قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد الثقفي، قال: أخبرنا إسماعيل بن أبان، قال: حدّثنا عمرو بن شمر، قال: سمعت جابر بن يزيد يقول: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليعليه‌السلام يقول: «حدّثني أبي، عن جدّي، قال:...».


فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام : والله، ما كان عندي مؤتمناً ولا ناصحاً، ولقد كان الذين تقدّموني استولوا على مودّته وولّوه وسلّطوه بالأمر على الناس، ولقد أردت عزله فسألني الأشتر فيه أن أقرّه فأقررته على كره منّي له، وتحمّلت على صرفه من بعده».

قال: «فهو مع عبد الله في هذا ونحوه، إذ أقبل سواد كبير من قبل جبال طيء، فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : انظروا ما هذا السواد؟

فذهبت الخيل تركض فلم تلبث أن رجعت، فقيل: هذه طيء قد جاءتك تسوق الغنم والإبل والخيل، فمنهم مَنْ جاءك بهداياه وكرامته، ومنهم مَنْ يريد النفوذ معك إلى عدوّك.

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : جزى الله طيّاً خيراً، وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً. فلمّا انتهوا إليه سلّموا عليه.

قال عبد الله بن خليفة: فسرّني والله ما رأيت من جماعتهم، وحسن هيئتهم، وتكلّموا فأقرّوا والله لعيني، ما رأيت خطيباً أبلغ من خطيبهم.

وقام عدي بن حاتم الطائي فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد، فإنّي كنت أسلمت على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأدّيت الزكاة على عهده، وقاتلت أهل الردّة من بعده، أردت بذلك ما عند الله وعلى الله ثواب مَنْ أحسن واتّقى، وقد بلغنا أنّ رجالاً من أهل مكّة نكثوا بيعتك، وخالفوا عليك ظالمين، فأتيناك لننصرك بالحقّ، فنحن بين يديك، فمرنا بما أحببت، ثمّ أنشأ يقول:

فنحنُ نصرنا اللهَ من قبلُ ذاكمُ

وأنت بحقِّ جئتنا فستنصرُ

سنكفيكَ دونَ الناسِ طرّاً بأسرنا

وأنتَ بهِ من سائرِ الناسِ أجدرُ

فقال أمير المؤمنينعليه‌السلام : جزاكم الله من حيّ عن الإسلام وأهله خيراً، فقد أسلمتم طائعين، وقاتلتم المرتدّين، ونويتم نصر المسلمين.


وقام سعيد بن البجري من بني بجير، فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ من الناس مَنْ يقدر أن يعبّر بلسانه عمّا في قلبه، ومنهم مَنْ لا يقدر أن يبيّن ما يجده في نفسه بلسانه، فإن تكلّف ذلك شقّ عليه، وإن سكت عمّا في قلبه برح به الهمّ والبرم.

وإنّي والله ما كلّ ما في نفسي أقدر أن أؤديّه إليك بلساني، ولكن والله لأجهدنّ على أن أبيّن لك، والله وليّ التوفيق، أمّا أنا فإنّي ناصح لك في السرّ والعلانية، ومقاتل معك الأعداء في كلّ موطن، وأرى لك من الحقّ ما لم أكن أراه لمَنْ كان قبلك، ولا لأحد اليوم من أهل زمانك؛ لفضيلتك في الإسلام، وقرابتك من الرسول، ولن اُفارقك أبداً حتّى تظفر، أو أموت بين يديك.

فقال له أمير المؤمنينعليه‌السلام : يرحمك الله، فقد أدّى لسانك ما يجد ضميرك [لنا]، ونسأل الله أن يرزقك العافية، ويثيبك الجنّة.

وتكلّم نفر منهم، ثم ارتحل أمير المؤمنينعليه‌السلام ، واتّبعه منهم ستمئة رجل حتّى نزل (ذا قار)، فنزلها في ألف وثلاثمئة رجل».

بئس للظالمين بدلاً (1)

«لمّا أراد عليّعليه‌السلام أن يسير إلى النهروان استنفر أهل الكوفة، وأمرهم أن يعسكروا بالمدائن، فتأخّر عنه شبث بن ربعي، وعمرو بن حريث، والأشعث بن قيس، وجرير بن عبد الله البجلي، وقالوا: أتأذن لنا أيّاماً نتخلّف عنك في بعض حوائجنا ونلحق بك؟

فقال لهم: قد فعلتموها؟ سوأة لكم من مشايخ! فوالله ما لكم من حاجة

____________________

(1) الخرائج والجرائح 1 / 225 - 226، ح70. روي عن أبي حمزة، عن علي بن الحسينعليه‌السلام ، عن أبيهعليه‌السلام ، قال:....


تتخلّفون عليها، وإنّي لأعلم ما في قلوبكم، وسأبيّن لكم: تريدون أن تثبّطوا عنّي الناس، وكأنّي بكم بالخورنق وقد بسطتم سفرتكم للطعام، إذ يمرّ بكم ضبّ فتأمرون صبيانكم فيصيدونه، فتخلعوني وتبايعونه.

ثمّ مضى إلى المدائن، وخرج القوم إلى الخورنق، وهيّأوا طعاماً، فبينا هم كذلك على سفرتهم وقد بسطوها، إذ مرّ بهم ضبّ فأمروا صبيانهم فأخذوه وأوثقوه، ومسحوا أيديهم على يده كما أخبر عليّعليه‌السلام ، وأقبلوا على المدائن.

فقال لهم أمير المؤمنينعليه‌السلام : بئس للظالمين بدلاً! ليبعثكم الله يوم القيامة مع إمامكم الضبّ الذي بايعتم، لكأنّي أنظر إليكم يوم القيامة [مع إمامكم] وهو يسوقكم إلى النار.

ثمّ قال: لئن كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منافقون فإنّ معي منافقين. أما والله يا شبث، ويابن حريث، لتقاتلان ابني الحسين، هكذا أخبرني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

معاوية يعترف بالقتل (1)

لمّا قتل معاوية حجر بن عدي وأصحابه حجّ ذلك العام فلقي الحسين بن عليعليه‌السلام ، فقال: يا أبا عبد الله، هل بلغك ما صنعنا بحجر وأصحابه وأشياعه وشيعة أبيك؟

فقالعليه‌السلام : «وما صنعت بهم؟».

قال: قتلناهم وكفنّاهم وصلّينا عليهم.

فضحك الحسينعليه‌السلام ، ثم قال: «خصمك القوم يا معاوية، لكنّنا لو قتلنا شيعتك

____________________

(1) الاحتجاج 2 / 19 - 20؛ كشف الغمّة 2 / 205 - 206. عن صالح بن كيسان، قال:....


ما كفنّاهم، ولا صلّينا عليهم، ولا أقبرناهم.

ولقد بلغني وقيعتك في عليعليه‌السلام ، وقيامك ببغضنا، واعتراضك بني هاشم بالعيوب، فإذا فعلت ذلك فارجع إلى نفسك، ثمّ سلها الحقّ عليها ولها، فإن لم تجدها أعظم عيباً فما أصغر عيبك فيك، وقد ظلمناك يا معاوية، فلا توترنّ غير قوسك، ولا ترمينّ غير غرضك، ولا ترمنا بالعداوة من مكان قريب؛ فإنّك والله، لقد أطعت فينا رجلاً ما قدم إسلامه، ولا حدث نفاقه، ولا نظر لك، فانظر لنفسك أو دع - يعني عمرو بن العاص -».

التعريض بابن الزبير (1)

قال بشر بن عاصم: سمعت ابن الزبير يقول: قلت للحسين بن عليعليه‌السلام إنّك تذهب إلى قوم قتلوا أباك، وخذلوا أخاك. فقال: «لَئن اُقتل بمكان كذا وكذا أحبّ إليّ من أن يستحلّ بي مكّة». عرّض به.

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 2. كتاب الإبانة:....


عمر بن سعد (1)

«والله ليجتمعنَّ على قتلي طغاة بني اُميّة، ويقدمهم عمر بن سعد» - وذلك في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله - فقلت له: أنباك بهذا رسول الله؟

قال: «لا». فأتيت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فأخبرته، فقال: «علمي علمه، وعلمه علمي، وإنّا لنعلم بالكائن قبل كينونه».

مع ابن جويرة (2)

شهدت يوم الحسينعليه‌السلام ، فأقبل رجل من تيم يُقال له: عبد الله بن جويرة، فقال: يا حسين.

فقالعليه‌السلام : «ما تشاء؟».

فقال: أبشر النار.

فقالعليه‌السلام : «كلاّ إنّي أقدم على ربّ غفور، وشفيع مطاع، وأنا من خير، وإلى

____________________

(1) دلائل الإمامة / 75، قال أبو جعفر: حدّثنا سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن الأعمش، قال: سمعت أبا صالح التمّار يقول: سمعت حذيقة يقول: سمعت الحسين بن عليعليه‌السلام يقول:....

(2) عيون المعجزات / 65. حدّث جعفر بن محمّد بن عمارة، عن أبيه، عن عطاء بن السائب، عن أخيه، قال:....


خير. مَنْ أنت؟».

قال: أنا ابن جويرة. فرفع يده الحسينعليه‌السلام حتّى رأينا بياض إبطيه، وقال: «اللّهمّ جرّه إلى النار».

فغضب ابن جويرة، فحمل عليه، فاضطرب به فرسه في جدول، وتعلّق رجله بالركاب، ووقع رأسه في الأرض، ونفر الفرس فأخذ يعدو به ويضرب رأسه بكلّ حجر وشجر، وانقطعت قدمه وساقه وفخذه، وبقي جانبه الآخر متعلّقاً في الركاب، فصار (لعنه الله) إلى نار الجحيم.

مروان وأصحابه (1)

«دخل مروان بن الحكم المدينة. قال: فاستلقى على السرير، وثَمّ مولى للحسينعليه‌السلام ، فقال:( ثُمّ رُدّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ) (2) ».

قال: «فقال الحسين لمولاه: ماذا قال هذا حين دخل؟

قال: استلقى على السرير، فقرأ:( ثُم ردّوا إلى الله مولاهم الحقّ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ) ».

قال: «فقال الحسينعليه‌السلام : نعم والله، رددت أنا وأصحابي إلى الجنّة، وردّ هو وأصحابه إلى النار».

____________________

(1) تفسير العياشي 1 / 362، ح30. عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال:....

(2) سورة الأنعام / 62.


أعدى أعداء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله (1)

قال مروان بن الحكم يوماً للحسين بن عليعليه‌السلام : لولا فخركم بفاطمة بم كنتم تفتخرون علينا؟

فأعرض الحسينعليه‌السلام عنه، وأقبل بوجهه على جماعة من قريش، فقال: «اُنشدكم بالله إلاّ صدّقتموني إن صدقت؛ أتعلمون أنّ في الأرض حبيبين كانا أحبّ إلى رسول الله منّي ومن أخي؟ أو على ظهر الأرض ابن بنت نبيّ غيري وغير أخي؟».

قالوا: اللّهمّ لا.

قال: «وإنّي لا أعلم أنّ في الأرض ملعون ابن ملعون غير هذا وأبيه، طريدَي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . والله ما بين جابرس وجابلق أحدهما بباب المشرق والآخر بباب المغرب رجلان ممّن ينتحل الإسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك إذا كان. وعلامة قولي فيك أنّك إذا غضبت سقط رداؤك عن منكبك».

قال: فوالله ما قام مروان من مجلسه حتّى غضب فانتفض وسقط رداؤه عن عاتقه.

____________________

(1) الاحتجاج 2 / 23 - 24؛ مناقب ابن شهر آشوب 4 / 51. عن محمّد بن السائب إنّه قال:....


مروان يخطب ليزيد (1)

كتب معاوية إلى مروان وهو عامله على الحجاز يأمره أن يخطب أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر لابنه يزيد، فأتى عبد الله بن جعفر فأخبره بذلك، فقال عبد الله: إنّ أمرها ليس إليّ، إنّما هو إلى سيّدنا الحسينعليه‌السلام ، وهو خالها، فأخبر الحسين بذلك، فقال: «استخير الله تعالى، اللّهمّ وفّق لهذه الجارية رضاك من آل محمّد».

فلمّا اجتمع الناس في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أقبل مروان حتّى جلس إلى الحسينعليه‌السلام وعنده من الجلّة، وقال: إنّ أمير المؤمنين أمرني بذلك، وأن أجعل مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، مع صلح ما بين هذين الحيين، مع قضاء دينه.

واعلم أنّ مَنْ يغبطكم بيزيد أكثر ممّن يغبطه بكم، والعجب كيف يستمهر يزيد وهو كفو مَنْ لا كفو له، وبوجهه يُستسقى الغمام؟! فرد خيراً يا أبا عبد الله.

فقال الحسينعليه‌السلام : «الحمد لله الّذي اختارنا لنفسه، وارتضانا لدينه، واصطفانا على خلقه - إلى آخر كلامه - ثمّ قال: يا مروان، قد قلت فسمعنا؛ أمّا قولك: مهرها حكم أبيها بالغاً ما بلغ، فلعمري لو أردنا ذلك ما عدونا سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في بناته ونسائه وأهل بيته؛ وهو اثنتا عشرة أوقيّة يكون أربعمئة وثمانين درهماً.

وأمّا قولك: مع قضاء دين أبيها، فمتى كنّ نساؤنا يقضين عنّا ديوننا؛ وأمّا صلح ما بين هذين الحيّين، فإنّا قوم عاديناكم في الله، ولم نكن

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 38 - 39.


نصالحكم للدنيا، فلعمري فلقد أعيا النسب فكيف السبب؟

وأمّا قولك: العجب ليزيد كيف يستمهر؟ فقد استمهر مَنْ هو خير من يزيد، ومن أب يزيد، ومن جدّ يزيد.

وأمّا قولك: إنّ يزيد كفو مَنْ لا كفو له، فمَنْ كان كفوه قبل اليوم فهو كفوه اليوم، ما زادته إمارته في الكفاءة شيئاً.

وأمّا قولك: بوجهه يُستسقى الغمام، فإنّما كان ذلك بوجه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وأمّا قولك: مَنْ يغبطنا به أكثر ممّن يغبطه بنا، فإنّما يغبطنا به أهل الجهل، ويغبطه بنا أهل العقل».

ثمّ قال بعد كلام: «فاشهدوا جميعاً إنّي قد زوّجت أمّ كلثوم بنت عبد الله بن جعفر من ابن عمّها القاسم بن محمّد بن جعفر على أربعمئة وثمانين درهماً، وقد نحلتها ضيعتي بالمدينة - أو قال: أرضي بالعقيق -، وإنّ غلّتها في السنة ثمانية آلاف دينار، ففيها لهما غنى إن شاء الله».

مع ابن العاص (1)

قال عمرو بن العاص للحسينعليه‌السلام : يابن علي، ما بال أولادنا أكثر من أولادكم؟

فقالعليه‌السلام :

بغاثُ الطيرِ أكثرُها فراخاً

واُمّ الصقرِ مقلاتٌ نزورُ

فقال: ما بال الشيب إلى شواربنا أسرع منه في شواربكم؟

فقالعليه‌السلام : إنّ نساءكم نساءٌ بخرة(2) ، فإذا دنا أحدكم من امرأته نكهت في

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 67. محاسن البرقي:....

(2) بخرة: أي نتنة، والنكهة: ريح الفم.


وجهه فيشاب منه شاربه».

فقال: ما بال لحاؤكم أوفر من لحائنا؟

فقالعليه‌السلام : «( وَالْبَلَدُ الطّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَالّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ ) »(1) .

فقال معاوية: بحقّي عليك إلاّ سكتّ؛ فإنّه ابن عليّ بن أبي طالب.

فقالعليه‌السلام :

إن عادتِ العقربُ عُدنا لها

وكانت النعلُ لها حاضرهْ

قد علمَ العقربُ واستقينتْ

أن لا لها دنيا ولا آخرهْ

مع ابن سعد(2)

قال عمر بن سعد للحسينعليه‌السلام : يا أبا عبد الله، إنّ قِبلنا ناساً سفهاء يزعمون أنّي أقتلك.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «إنّهم ليسوا بسفهاء ولكنّهم حلماء؛ أما إنّه تقرّ عيني أن لا تأكل من برّ العراق بعدي إلاّ قليلاً».

____________________

(1) سورة الأعراف / 58.

(2) إرشاد المفيد / 251؛ وكشف الغمّة 2 / 178. روى سالم بن أبي حفصة، قال:....


إلى معاوية (1)

روي أنّ مروان بن الحكم كتب إلى معاوية وهو عامله على المدينة: أمّا بعد، فإنّ عمرو بن عثمان ذكر أنّ رجالاً من أهل العراق، ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن علي، وذكر أنّه لا يأمن وثوبه، وقد بحثت عن ذلك فبلغني إنّه لا يريد الخلاف يومه هذا، ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لما بعده، فاكتب إليّ برأيك في هذا، والسلام.

فكتب إليه معاوية: أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من أمر الحسين، فإيّاك أن تعرّض للحسين في شيء، واترك حسيناً ما تركك؛ فإنّا لا نريد أن نعرّض له في شيء ما وفى ببيعتنا، ولم ينز على سلطاننا، فاكمن عنه ما لم يبد لك صفحته، والسلام.

وكتب معاوية إلى الحسين بن عليعليه‌السلام : أما بعد، فقد انتهت إليّ أمور عنك إن كانت حقّاً فقد أظنّك تركتها رغبة فدعها، ولعمر الله، إنّ مَنْ أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء، وإن كان الّذي بلغني باطلاً؛ فإنّك أنت أعزل الناس لذلك، وعظ نفسك فاذكره، ولعهد الله أوفِ؛ فإنّك متى ما تنكرني أنكرك، ومتى ما تكدني أكدت، فاتّق شقّ عصا هذه الاُمّة، وأن يردهم الله على يديك في فتنة، فقد عرفت الناس وبلوتهم، فانظر لنفسك ولدينك ولاُمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا يستخفنّك السفهاء والذين لا يعلمون.

____________________

(1) رجال الكشي 1 / 250 - 259، ح97 - 99.


فلمّا وصل الكتاب إلى الحسين (صلوات الله عليه) كتب إليه: «أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، تذكر أنّه قد بلغك عنّي أمور أنت لي عنها راغب، وأنا لغيرها عندك جدير، فإنّ الحسنات لا يهدى لها، ولا يرد إليها إلاّ الله.

وأمّا ما ذكرت إنّه انتهى إليك عنّي، فإنّه إنّما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤون بالنميم، وما اُريد لك حرباً ولا عليك خلافاً. وأيم الله، إنّي لخائف لله في ترك ذلك، وما أظنّ الله راضياً بترك ذلك، ولا عاذراً بدون الإعذار فيه إليك، وفي أوليائك القاسطين الملحدين، حزب الظلمة وأولياء الشياطين.

ألست القاتل حجر بن عدي أخا كندة، والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع، ولا يخافون في الله لومة لائم، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة، والمواثيق المؤكّدة لا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم، ولا بإحنة تجدها في نفسك؟

أولست قاتل عمرو بن الحمق، صاحب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه وصفرت لونه، بعد ما آمنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائراً لنزل إليك من رأس الجبل، ثم قتلته جرأة على ربّك، واستخفافاً بذلك العهد؟

أولست المدّعي زياد بن سميّة، المولود على فراش عبيد ثقيف، فزعمت إنّه ابن أبيك، وقد قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، فتركت سنّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تعمّداً، وتبعت هواك بغير هدىً من الله، ثمّ سلّطته على العراقين يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم، ويسمل أعينهم، ويصلبهم على جذوع النخل، كأنّك لست من هذه الاُمّة وليسوا منك؟

أولست صاحب الحضرميين الّذين كتب فيهم ابن سمية أنّهم كانوا على


دين عليعليه‌السلام ، فكتبت إليه أن اقتل كلّ مَنْ كان على دين علي، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك، ودين عليعليه‌السلام سرّ الله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك، وبه جلست مجلسك الذي جلست، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين؟

وقلت فيما قلت: (انظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمّد، واتّق شقّ عصا هذه الاُمّة، وأن تردّهم إلى فتنة)، وإنّي لا أعلم فتنة أعظم على هذه الاُمّة من ولايتك عليها، ولا أعظم نظراً لنفسي ولديني ولأمّة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وعلينا أفضل من أن أجاهدك، فإن فعلت فإنّه قربة إلى الله، وإن تركته فإنّي أستغفر الله لديني، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.

وقلت فيما قلت: (إنّي إن أنكرتك تنكرني، وإن أكدك تكدني)، فكدني ما بدا لك فإنّي أرجو أن لا يضرّني كيدك فيّ، وأن لا يكون عليّ أحد أضرّ منه على نفسك؛ لأنّك قد ركبت جهلك، وتحرّصت على نقض عهدك، ولَعمري ما وفيت بشرط، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا وقَتلوا، ولم تفعل ذلك بهم إلاّ لذكرهم فضلنا، وتعظيمهم حقّنا، فقتلتهم مخافة أمر لعلّك لو لم تقتلهم متّ قبل أن يفعلوا، أو ماتوا قبل أن يدركوا.

فابشر يا معاوية بالقصاص، واستيقن بالحساب، واعلم إنّ لله تعالى كتاباً لا يغادر صغيرةً ولا كبيرة إلاّ أحصاها، وليس الله بناس لأخذك بالظنّة، وقتلك أولياءه على التهم، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة، وأخذك للناس ببيعة ابنك غلام حدث، يشرب الخمر، ويلعب بالكلاب، لا أعلمك إلاّ وقد خسّرت نفسك، وتبرّت دينك، وغششت رعيّتك، وأخربت أمانتك، وسمعت مقالة السفيه الجاهل، وأخفت الورع التقيّ لأجلهم، والسلام».


مع الراضين بقتل الحسين عليه‌السلام (1)

«يا بشر، ما بقاء قريش إذا قدّم القائم المهديّ منهم خمسمئة رجل فضرب أعناقهم، ثمّ قدّم خمسمئة فضرب أعناقهم صبراً، ثمّ خمسمئة فضرب أعناقهم صبراً؟».

قال: فقلت له: أصلحك الله، أيبلغون ذلك؟

فقال الحسين بن عليّعليهما‌السلام : «إنّ مولى القوم منهم».

قال: فقال لي بشير بن غالب أخو بشر بن غالب: أشهد أنّ الحسين بن عليّ عدّ على أخي ستّ عدّات.

ما بيدَي يزيد (2)

اللهُ يعلمُ أنّ ما

بيدَي يزيدَ لغيرهِ

وبأنّه لم يكتسبْـ

ـهُ بغيرهِ وبميرِهِ

لو أنصفَ النفسَ الخؤو

ن لقصّرت من سيرهِ

ولكانَ ذلك منهُ أد

نى شرّهُ من خيرهِ

____________________

(1) غيبة النعماني / 155. حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن القاسم بن محمّد بن الحسين بن حازم، عن عبيس بن هشام، عن عبد الله بن جبلة، عن عليّ بن أبي المغيرة، عن عبد الله بن شريك العامري، عن بشر بن غالب الأسدي، قال: قال لي الحسين بن عليّعليهما‌السلام :....

(2) كشف الغمة 2 / 210، قالعليه‌السلام :....


ينازعني يزيد(1)

إذا استنصرَ المرءُ امرأً؟ يدا له

فناصرهُ والخاذلونَ سواءُ

أنا ابنُ الذي قد تعلمونَ مكانهُ

وليس على الحقِّ المبينِ طخاءُ(2)

أليسَ رسولُ اللهِ جدّي ووالدي

أنا البدرُ إن خلّى النجومَ خفاءُ

ألم ينزل القرآنُ خلفَ بيوتنا

صباحاً ومن بعدِ الصباحِ مساءُ

يُنازعني واللهُ بيني وبينهُ

يزيدٌ وليسَ الأمرُ حيثُ يشاءُ

فيا نصحاءَ اللهِ أنتم ولاتُهُ

وأنتم على أديانِه اُمناءُ

بأيّ كتابٍ أم بأيّةِ سُنّةٍ

تناولها عن أهلها البُعداءُ

____________________

(1) كشف الغمة 2 / 210 - 211، قالعليه‌السلام :....

(2) الطخاء: السحاب المرتفع، وما في السماء طُخية (بالضم): أي شيء من السحاب، والطخياء: الليلة المظلمة، وظلام طاخ.



سياسات



ذاك صاحبها (1)

إنّه قام الحسينعليه‌السلام بعد أن خطب أبوه وأخوه تحشيداً في قتال معاوية، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، وقال: «يا أهل الكوفة، أنتم الأحبّة الكرماء، والشعار دون الدثار، فجدّوا في إحياء ما دثر بينكم، وتسهيل ما توعّر عليكم.

ألا إنّ الحرب شرّها ذريع، وطعمها فظيع، وهي جرع مستحساة، فمَنْ أخذ لها اُهبتها، واستعدّ لها عدّتها، ولم يألم كلومها عند حلولها فذاك صاحبها، ومَنْ عاجلها قبل أوان فرصتها، واستبصار سعيه فيها فذاك قمن أن لا ينفع قومه، وأن يهلك نفسه، نسأل الله بقوّته أن يدعمكم بالفئة»، ثمّ نزل.

المؤتمر الإسلامي في منى (2)

لمّا كان قبل موت معاوية بسنتين حجّ الحسين بن عليعليه‌السلام ، وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس معه، وقد جمع

____________________

(1) بحار الأنوار 32 / 405. عن كتاب صفين:....

(2) الاحتجاج 2 / 18 - 19.


الحسين بن عليعليه‌السلام بني هاشم رجالهم ونساءهم، ومواليهم وشيعتهم، مَنْ حجّ منهم ومَنْ لم يحجّ، ومَنْ بالأمصار ممّن يعرفونه وأهل بيته، ثمّ لم يدع أحداً من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن أبنائهم، والتابعين ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنسك إلاّ جمعهم، فاجتمع عليه بمنى أكثر من ألف رجل، والحسينعليه‌السلام في سرادقة عامّتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسينعليه‌السلام فيهم خطيباً فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال:

«أمّا بعد، فإنّ الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم، ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي اُريد أن أسألكم عن أشياء، فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني؛ اسمعوا مقالتي واكتموا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم، مَنْ أمنتموه ووثقتم به فادعوهم إلى ما تعلمون؛ فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحقّ ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون».

فما ترك الحسينعليه‌السلام شيئاً أنزل الله فيهم من القرآن إلاّ قاله وفسّره، ولا شيئاً قاله الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله في أبيه واُمّه وأهل بيته إلاّ رواه، وكلّ ذلك يقول الصحابة: اللّهمّ نعم، قد سمعناه وشهدناه، ويقول التابعون: اللّهمّ قد حدّثنا من نصدّقه ونأتمنه، حتّى لم يترك شيئاً إلاّ قاله.

ثمّ قال: «اُنشدكم بالله إلاّ رجعتم وحدّثتم به مَنْ تثقون به». ثمّ نزل وتفرّق الناس على ذلك.


خصال الملوك (1)

«شرّ خصال الملوك الجبن من الأعداء، والقسوة على الضعفاء، والبخل عند الإعطاء».

تفقّد الرأي العالم (2)

قال الفرزدق: لقيني الحسينعليه‌السلام في منصرفي من الكوفة، فقال: «ما وراك يا أبا فراس؟».

قلتُ: اُصدّقك؟

قالعليه‌السلام : «الصدق اُريد».

قلتُ: أمّا القلوب فمعك، وأمّا السيوف فمع بني اُميّة، والنصر من عند الله.

قال: «ما أراك إلاّ صدقت؛ الناس عبيد المال، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت به معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون».

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 65. كان الحسينعليه‌السلام يقول:....

(2) كشف الغمّة 2 / 207 - 208.


من أهداف الشهادة (1)

«أنا قتيل العبرة».

مع والي المدينة (2)

لمّا مات معاوية وتولّى الأمر بعده يزيد بعث عتبة بن أبي سفيان والي المدينة إلى الحسين بن عليعليه‌السلام ، فقال: إنّ يزيد أمرك أن تبايع له. فقال الحسينعليه‌السلام : «يا عتبة، قد علمت إنّا أهل بيت الكرامة، ومعدن الرسالة، وأعلام الحقّ الذين أودعه الله (عزّ وجلّ) قلوبنا، وأنطق به ألسنتنا، فنطقت بإذن الله (عزّ وجلّ)، ولقد سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: إنّ الخلافة محرّمة على ولد أبي سفيان. وكيف اُبايع أهل بيت قد قال فيهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله هذا؟».

وروي أنّ يزيد كتب إلى الوليد بن عتبة عامله على المدينة أن يأخذ البيعة له من الحسين بن عليعليه‌السلام ، وإن أبى فليضرب عنقه. فلمّا حضرعليه‌السلام التفت إلى الوليد، وقال: «إنّا أهل بيت النبوّة، ومعدن الرسالة،

____________________

(1) كامل الزيارات / 108، ب36، ح4. حدّثني أبيرحمه‌الله ، عن سعد بن عبد الله، عن الحسن بن موسى، عن محمّد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: قال الحسينعليه‌السلام :....

(2) بحار الأنوار 44 / 312 و 325.


ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أيّنا أحقّ بالخلافة والبيعة». ثمّ خرجعليه‌السلام .

الناس وقادتهم (1)

ورد على الحسينعليه‌السلام في الثعلبية رجل يُقال له: بشر بن غالب، فقال: يابن رسول الله، أخبرني عن قول الله (عزّ وجلّ):( يَوْمَ نَدْعُوا كُلّ اُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (2) .

قال: «إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وهو قوله (عزّ وجلّ):( ... فَرِيقٌ فِي الْجَنّةِ وَفَرِيقٌ فِي السّعِيرِ ) (3) ».

تبعات بني اُميّة (4)

لمّا نزل الحسينعليه‌السلام وأصحابه الرهيمة، فورد عليه رجل من أهل الكوفة يُكنّى أبا هرم، فقال: يابن النبي، ما الذي أخرجك من المدينة؟

____________________

(1) أمالي الصدوق / 131، المجلس30، ضمن ح1.

(2) سورة الإسراء / 71.

(3) سورة الشورى / 7.

(4) أمالي الصدوق / 131، المجلس30، ضمن ح1.


فقال: «ويحك يا أبا هرم! شتموا عرضي فصبرت، وطلبوا مالي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت. وأيم الله ليقتلنّي، ثمّ ليلبسنّهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليسلطنّ عليهم مَنْ يذلهم».

الخلافة عليهم محرّمة (1)

لمّا أصبح الحسينعليه‌السلام - وذلك بعد اللّيلة التي دعي فيها للبيعة - خرج من منزله يستمع الأخبار فلقيه مروان [بن الحكم]، فقال له: يا أبا عبد الله، إنّي لك ناصح، فأطعني ترشد.

فقال الحسينعليه‌السلام : «وما ذاك؟ قل حتّى أسمع».

فقال مروان: أن آمرك ببيعة يزيد بن معاوية؛ فإنّه خير لك في دينك ودنياك.

فقال الحسينعليه‌السلام : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون! وعلى الإسلام السلام إذ قد بُليت الاُمّة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان».

القائد يشكو القاعدة (2)

خرج الحسينعليه‌السلام من منزله ذات ليلة، وأقبل إلى قبر جدّهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال: «السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة، فرخك وابن فرختك،

____________________

(1) اللهوف / 10.

(2) بحار الأنوار 44 / 327.


وسبطك الذي خلّفتني في أمّتك، فاشهد عليهم يا نبيّ الله إنّهم قد خذلوني وضيّعوني ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك».

قال: ثمّ قام فصفّ قدميه فلم يزل راكعاً ساجداً.

دأب القائد الإلهي (1)

لمّا كانت الليلة الثانية، خرج الحسينعليه‌السلام إلى القبر أيضاً وصلّى ركعات، فلمّا فرغ من صلاته جعل يقول: «اللّهمّ هذا قبر نبيّك محمّد، وأنا ابن بنت نبيّك، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت، اللّهمّ إنّي أحبّ المعروف، وأنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام، بحقّ القبر ومَنْ فيه إلاّ اخترت لي ما هو لك رضا، ولرسولك رضا».

ثمّ جعل يبكي عند القبر، حتّى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسه على القبر فأغفي، فإذا هو برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه، وعن شماله وبين يديه حتّى ضمّ الحسين إلى صدره، وقبّل بين عينيه، وقال: «حبيبي يا حسين، كأنّي أراك عن قريب مرمّلاً بدمائك، مذبوحاً بأرض كرب وبلاء، من عصابة من اُمّتي، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تُروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة. حبيبي يا حسين، إنّ أباك واُمّك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك، وإنّ لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلاّ بالشهادة».

فجعل الحسينعليه‌السلام في منامه ينظر إلى جدّه، ويقول: «يا جدّاه، لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا، فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك».

فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتّى ترزق الشهادة، وما

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 328.


قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم؛ فإنّك وأباك وأخاك وعمّك وعمّ أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتّى تدخلوا الجنّة».

قال: فانتبه الحسينعليه‌السلام من نومه فزعاً مرعوباً، فقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشدّ غمّاً من أهل بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا أكثر باك ولا باكية منهم.

القائد الأبيّ (1)

لمّا أشار محمّد بن الحنفيّة على أخيه الحسينعليه‌السلام برأيه، أجابهعليه‌السلام وقال: «يا أخي، والله لو لم يكن ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية». فقطع محمّد بن الحنفيّة الكلام وبكى، فبكى الحسينعليه‌السلام معه ساعة، ثمّ قال: «يا أخي، جزاك الله خيراً، فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكّة، وقد تهيّأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري، ورأيهم رأيي، وأمّا أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً، لا تخفي عنّي شيئاً من اُمورهم».

ثمّ دعا الحسينعليه‌السلام بدواة وبياض، وكتب هذه الوصيّة لأخيه محمّد: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن عليّ بن أبي طالب إلى أخيه محمّد، المعروف بابن الحنفيّة، إنّ الحسين يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداّ عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عند الحقّ، وأنّ الجنّة والنار حقّ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَنْ في القبور، وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، اُريد أن آمر

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 329 - 330.


بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، فمَنْ قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومَنْ ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ وهو خير الحاكمين، وهذه وصيّتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكّلت وإليه اُنيب».

قال: ثمّ طوى الحسينعليه‌السلام الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمّد، ثمّ ودّعه وخرج في جوف الليل.

الإمداد العسكري (1)

لمّا سار أبو عبد الله الحسين بن عليعليه‌السلام من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمين والمردفين في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنّة، فسلّموا عليه، وقالوا: يا حجّة الله على خلقه بعد جدّه وأبيه وأخيه، إنّ الله (عزّ وجلّ) أمدّ جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بنا في مواطن كثيرة، وإنّ الله أمدّك بنا.

فقال لهم: «الموعد حفرتي وبقعتي التي استشهد فيها، وهي كربلاء، فإذا وردتها فأتوني».

فقالوا: يا حجّة الله، إنّ الله أمرنا أن نسمع لك ونطيع، فهل تخشى من عدوّ يلقاك فنكون معك؟

فقال: «لا سبيل لهم عليّ، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي».

وأتته أفواج من مؤمني الجن فقالوا له: يا مولانا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا بما تشاء؛ فلو أمرتنا بقتل كلّ عدوٍّ لك وأنت بمكانك لكفيناك.

____________________

(1) اللّهوف / 28 - 30. ذكر المفيد محمّد بن محمّد بن النعمان بإسناده إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّدعليه‌السلام ، قال:....


فجزاهم [الحسين] خيراً، وقال لهم: «أوَ ما قرأتم كتاب الله المنزل على جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في قوله:( ... قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى‏ مَضَاجِعِهِمْ... ) (1) .

فإذا أقمت في مكاني فبماذا يُمتحن هذا الخلق؟ وبماذا يُختبرون؟ ومَنْ ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء وقد اختارها الله تعالى لي يوم دحا الأرض، وجعلها معقلاً لشيعتنا ومحبّينا تقبل أعمالهم وصلواتهم، ويجاب دعاؤهم، وتسكن شيعتنا فتكون لهم أماناً في الدنيا وفي الآخرة؟ ولكن تحضرون يوم السبت [يوم الجمعة، خ ل] وهو يوم عاشوراء الذي في آخره اُقتل، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخواني وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد بن معاوية».

فقالت الجن: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لولا أنّ أمرك طاعة، وأنّه لا يجوز لنا مخالفتك لخالفناك، وقتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك.

فقال لهمعليه‌السلام : «ونحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك مَنْ هلك عن بيّنة، ويحيا مَنْ حيّ عن بيّنة».

القائد والشهادة (2)

لمّا عزم الحسينعليه‌السلام على الخروج من المدينة أتته اُمّ سلمة (رضي الله عنها)، فقالت: يا بُنيّ، لا تحزنيّ بخروجك إلى العراق؛ فإنّي سمعت جدّك يقول: «يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق، في أرض يُقال لها كربلاء».

____________________

(1) سورة آل عمران / 154.

(2) بحار الأنوار 44 / 331 - 332.


فقال لها: «يا اُمّاه، وأنا والله أعلم ذلك، وإنّي مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بدّ، وإنّي والله، لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه، وأعرف مَنْ يقتلني، وأعرف البقعة التي اُدفن فيها، وإنّي أعرف مَنْ يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت يا اُمّاه اُريك حفرتي ومضجعي».

ثمّ أشارعليه‌السلام إلى جهة كربلاء فانخفضت الأرض حتّى أراها مضجعه ومدفنه، وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت أمّ سلمة بكاءً شديداً، وسلّمت أمره إلى الله، فقال لها: «يا اُمّاه، قد شاء الله (عزّ وجلّ) أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرّدين، وأطفالي مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيّدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً».

الشهادة سعادة (1)

عن الواقدي وزارة بن خلج، قالا: لقينا الحسين بن عليعليه‌السلام أن يخرج إلى العراق [بثلاثة أيام] فأخبرناه ضعف الناس بالكوفة، وأنّ قلوبهم معه وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء، ونزلت الملائكة عدداً لا يحصيهم إلاّ الله تعالى، فقالعليه‌السلام : «لولا تقارب الأشياء، وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم يقيناً أنّ هناك مصرعي ومصرع أصحابي، لا ينجو إلاّ ولدي عليعليه‌السلام ».

____________________

(1) اللّهوف / 26 - 27؛ دلائل الإمامة / 74. روى أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري، عن سفيان بن وكيع، عن أبيه، عن الأعمش،....


إحباط مؤامرة (1)

جاء محمّد بن الحنفيّة إلى الحسينعليه‌السلام في الليلة التي أراد [الحسين] الخروج في صبيحتها عن مكة، فقال: يا أخي، إنّ أهل الكوفة مَنْ قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك حال مَنْ مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعزّ مَنْ في الحرم وأمنعه.

فقال: «يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم؛ فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت».

فقال له ابن الحنفيّة: فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن، أو بعض نواحي البرّ؛ فإنّك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد.

فقال: «أنظر فيما قلت».

فلمّا كان السحر ارتحل الحسينعليه‌السلام ، فبلغ ذلك ابن الحنفيّة فأتى فأخذ زمام ناقته التي ركبها، فقال له: يا أخي، ألم تعدني النظر فيما سألتك؟

قال: «بلى».

قال: فما حداك على الخروج عاجلاً؟

فقال: «أتاني رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين اخرج؛ فإنّ الله قد شاء أن يراك قتيلاً».

فقال له ابن الحنفيّة: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال؟

____________________

(1) اللّهوف / 27 - 28. عن محمّد بن داود القمّي، بالإسناد عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال:....


قال: فقال له: «قد قال ليصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّ الله قد شاء أن يراهنّ سبايا». وسلّم عليه ومضى.

نحو العراق (1)

جاء عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير إلى الحسينعليه‌السلام عندما عزم على الخروج، فأشارا عليه بالإمساك، فقال لهما: «إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أمرني بأمر وأنا ماضٍ فيه».

قال: فخرج ابن عباس وهو يقول: وا حسيناه! ثمّ جاء عبد الله بن عمر، فأشار عليه بصلح أهل الضلال، وحذّره من القتل والقتال، فقال له: «يا أبا عبد الرحمان، أما علمت أنّ من هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريّا اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل؟ أما تعلم أنّ بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيّاً، ثمّ يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً، فلم يعجّل الله عليهم، بل أمهلهم وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام؟ اتّقِ الله يا أبا عبد الرحمان، ولا تدعنّ نصرتي».

مع الفرزدق (2)

روي عن الفرزدق الشاعر أنّه قال: حججت بأمّي في سنة ستّين، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم إذ لقيت الحسين بن عليعليه‌السلام خارجاً من مكّة مع أسيافه وأتراسه، فقلت:

____________________

(1) اللّهوف / 13 - 14.

(2) إرشاد المفيد / 218 - 219.


لمَنْ هذا القطار؟

فقيل: للحسين بن عليعليه‌السلام . فأتيته وسلّمت عليه، وقلت له: أعطاك الله سؤلك، وأمّلك فيما تحبّ، بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله! ما أعجلك عن الحج؟

فقال: «لولا أعجّل لاُخذت». ثمّ قال لي: «مَنْ أنت؟».

قلتُ: امرؤ من العرب. فلا والله ما فتشني عن أكثر من ذلك.

ثمّ قال لي: «أخبرني عن الناس خلفك؟».

فقلتُ: الخبير سألت؛ قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء.

فقال: «صدقت، لله الأمر [من قبل ومن بعد]، وكل يوم [ربّنا] هو في شأن، إن نزل القضاء بما نحبّ ونرضى فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يبعد مَنْ كان الحق نيّته، والتقوى سريرته».

فقلتُ له: أجل، بلغك الله ما تحبّ وكفاك ما تحذر، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، وحرّك راحلته، وقال: «السلام عليك»، ثمّ افترقنا.

في تنعيم (1)

سار الحسينعليه‌السلام نحو العراق حتّى مرّ بالتنعيم، فلقي هناك عيراً تحمل هديّة قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية، فأخذعليه‌السلام الهدية؛ لأنّ حكم أمور المسلمين إليه، وقال لأصحاب الجمال [الإبل، خ ل]: «مَنْ أحبّ منكم أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنّا معه صحبته،

____________________

(1) اللّهوف / 30؛ ومثير الأحزان / 42.


ومَنْ أحبّ أن يفارقنا [من مكاننا هذا] أعطيناه كراه بقدر ما قطع من الطريق». فمضى معه قوم وامتنع آخرون.

أبناء الرحيل والشهادة (1)

روي أنّ الحسينعليه‌السلام لمّا عزم على الخروج إلى العراق قام خطيباً، فقال: «الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، وصلّى الله على رسوله وسلّم. خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخيّر لي مصرع أنا لاقيه.

كأنّي بأوصالي يتقطّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء، فيملأنّ منّي أكراشاً جوفاً، وأجربة سغباً، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين. لن تشذّ عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس، تقرّ بهم عينه، وينجز لهم وعده.

مَنْ كان فينا باذلاً مهجته، وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا؛ فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله».

____________________

(1) كشف الغمة 2 / 203 - 204؛ اللّهوف / 26.


في ذات عرق (1)

ثمّ سار الحسينعليه‌السلام حتّى بلغ ذات عرق، فلقي بشر بن غالب وارداً من العراق فسأله عن أهلها، فقال: خلّفت القلوب معك والسيوف مع بني اُميّة.

فقال: «صدق أخو بني أسد، إنّ الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد».

في الثعلبيّة (2)

قال الراوي: ثمّ سار الحسين [صلوات الله عليه] حتّى نزل الثعلبية وقت الظهيرة، فوضع رأسه فرقد، ثمّ استيقظ، فقال: «قد رأيت هاتفاً يقول: أنتم تسرعون، والمنايا تسرع بكم إلى الجنّة».

فقال له ابنه علي: يا أبه، أفلسنا على الحقّ؟

فقال: «بلى يا بُنيّ، والله الذي إليه مرجع العباد».

فقال: يا أبه، إذاً لا نبالي بالموت.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «جزاك الله يا بُنيّ خير ما جزى ولداً عن والده». ثمّ باتعليه‌السلام في المواضع المذكور، فلمّا أصبح إذا برجل من الكوفة يكنّى أبا هرّة الأزدي قد أتاه فسلّم عليه، ثمّ قال: يابن رسول الله، ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدّك رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

____________________

(1) اللّهوف / 30، مثير الأحزان / 42.

(2) اللّهوف / 30 - 31.


فقال الحسينعليه‌السلام : «ويحك يا أبا هرّة! إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت. وأيم الله لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسنّهم الله ذلاّ شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليسلطنّ الله عليهم مَنْ يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة، فحكمت في أموالهم ودمائهم».

منطقة أجأ العسكرية (1)

قال الطرمّاح بن حكم: لقيت حسيناًعليه‌السلام وقد أمترت لأهلي ميرة، فقلت: اُذكّرك في نفسك، لا يغرّنك أهل الكوفة. فوالله، لئن دخلتها لتقتلنّ، وإنّي لأخاف أن لا تصل إليها. فإن كنت مجمعاً على الحرب فانزل أجأ؛ فإنّه جبل منيع. والله ما نالنا فيه ذلّ قطّ، وعشيرتي يرون جميعاً نصرك، فهم يمنعونك ما أقمت فيهم.

فقالعليه‌السلام : «إنّ بيني وبين القوم موعداً أكره أن أخلفهم، فإن يدفع الله عنّا فقديماً ما أنعم علينا وكفى، وإن يمكن ما لا بدّ منه ففوز وشهادة إن شاء الله».

مع ابن مطيع العدوي (2)

ثمّ أقبل الحسينعليه‌السلام من الحاجز يسير نحو الكوفة، فانتهى إلى ماء من مياه العرب، فإذا عليه عبد الله بن مطيع العدوي، وهو نازل

____________________

(1) مثير الأحزان / 39 - 40.

(2) إرشاد المفيد / 220.


به، فلمّا رأى الحسينعليه‌السلام قام إليه، فقال: بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله! ما أقدمك؟ واحتمله فأنزله.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «كان من موت معاوية ما قد بلغك، فكتب إليّ أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم».

في الخزيميّة (1)

لمّا نزل الحسينعليه‌السلام الخزيميّة(2) أقام بها يوماً وليلة، فلمّا أصبح أقبلت إليه اخته زينب، فقالت: يا أخي، ألا أخبرك بشيء سمعته البارحة؟

فقال الحسينعليه‌السلام : «وما ذاك؟».

فقالت: خرجت في بعض الليل فسمعت هاتفاً يهتف، وهو يقول:

ألا يا عينُ فاحتفلي بجهدِ

ومَنْ يبكي على الشهداءِ بعدي

على قومٍ تسوقهمُ المنايا

بمقدارٍ إلى إنجازِ وعدِ

فقال لها الحسينعليه‌السلام : «يا اُختاه، كلّ الذي قضى فهو كائن».

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 372، عن مناقب ابن شهر آشوب.

(2) الخزيميّة: منزلة للحاج بين الأجفر والثعلبيّة.


في منزلة زبالة (1)

أتى الحسينعليه‌السلام خبر مسلم في زبالة، ثمّ إنّه سار قاصداً لما دعاه الله إليه فلقيه الفرزدق الشاعر فسلّم عليه، وقال: يابن رسول الله، كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمّك مسلم بن عقيل وشيعته؟!

قال: فاستعبر الحسينعليه‌السلام باكياً، ثمّ قال: «رحم الله مسلماً، فلقد صار إلى روح الله وريحانه، وجنّته ورضوانه، أما إنّه قد مضى ما عليه، وبقي ما علينا». ثمّ أنشأ يقول:

فإن تكن الدنيا تُعدّ نفيسةً

فإنّ ثوابَ اللهِ أعلى وأنبلُ

وإن تكن الأبدانُ للموتِ اُنشئت

فقتلُ امرئٍ بالسيفِ في اللهِ أفضلُ

وإن تكن الأرزاقُ قسماً مقدّراً

فقلّةُ حرصِ المرءِ في السعي أجملُ

وإن تكن الأموالُ للتركِ جمعها

فما بالُ متروكٍ بهِ المرءُ يبخلُ

ثمّ قال: «اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك، إنّك على كلّ شيء قدير».

ثمّ أخرج للناس كتاباً فقُرأ عليهم، فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإنّه قد أتانا خبر فظيع؛ قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا، فمَنْ أحبّ منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج، ليس عليه ذمام».

فتفرّق الناس عنه، وأخذوا يميناً وشمالاً حتّى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة، ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه.

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 374، عن اللّهوف والإرشاد.


في بطن العقبة (1)

بات الحسينعليه‌السلام وأصحابه في منزل زبالة، فلمّا كان السحر أمر أصحابه فاستقوا ماء وأكثروا، ثمّ ساروا حتّى مرّ ببطن العقبة فنزل عليها، فلقيه شيخ من بني عكرمة يُقال له: عمرو بن لوذان، فسأله: أين تريد؟

فقال له الحسينعليه‌السلام : «الكوفة».

فقال الشيخ: اُنشدك الله لمّا انصرفت، فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتل، ووطّؤوا لك الأشياء، فقدمت عليهم كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فإنّي لا أرى لك أن تفعل.

فقال له: «يا عبد الله، ليس يخفى عليّ الرأي، ولكنّ الله تعالى لا يغلب على أمره».

ثمّ قالعليه‌السلام : «والله، لا يدعونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الاُمم».

في شراف وذي حسم (2)

ثمّ سار الحسينعليه‌السلام من بطن العقبة حتّى نزل شراف، فلمّا كان السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء فأكثروا، ثمّ سار منها حتّى انتصف النهار، فبينا هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه، فقال له الحسينعليه‌السلام :

____________________

(1) إرشاد المفيد / 223.

(2) إرشاد المفيد / 223 - 224.


«الله أكبر، لِمَ كبّرت؟».

قال: رأيت النخل.

فقال له جماعة من أصحابه: والله، إنّ هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قطّ.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «فما ترونه؟».

قالوا: نراه والله آذان الخيل.

قال: «أنا والله أرى ذلك».

ثمّ قالعليه‌السلام : «ما لنا ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهرنا، ونستقبل القوم بوجه واحد؟».

فقلنا له: بلى، هذا ذو حسم إلى جنبك، تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت إليه فهو كما تريد، فأخذ إليه ذات اليسار وملنا معه، فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبيّناها وعدلنا، فلمّا رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا، كأنّ أسنّتهم اليعاسيب، وكأنّ راياتهم أجنحة الطير.

فاستبقنا إلى ذي حسم فسبقناهم إليه، وأمر الحسينعليه‌السلام بأبنيته فضربت خيمة، وجاء القوم زهاء ألف فارس مع الحرّ بن يزيد التميمي حتّى وقف هو وخيله مقابل الحسينعليه‌السلام في حرّ الظهيرة، والحسينعليه‌السلام وأصحابه معتمّون مقلّدون أسيافهم.

فقال الحسينعليه‌السلام لفتيانه: «اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفاً». ففعلوا وأقبلوا يملؤون القصاع والطساس من الماء ثمّ يدنونها من الفرس، فإذا عبّ فيها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً عزلت عنه، وسقوا آخر، حتّى سقوها كلّها.

فقال علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر يومئذ، فجئت في آخر مَنْ جاء من أصحابه، فلمّا رأى الحسينعليه‌السلام ما بي وفرسي من العطش، قال: «أنخ الراوية». والراوية عندي السقاء.

ثمّ قال: «يابن الأخ، أنخ الجمل». فأنخته.


فقال: «اشرب». فجعلت كلّما شربت سال الماء من السقاء، فقال الحسينعليه‌السلام : «اخنث السقاء». أي اعطفه، فلم أدرِ كيف أفعل، فقام فخنثه فشربت، وسقيت فرسي.

مع الحرّ الرياحي (1)

كان مجيء الحرّ بن يزيد من القادسية، وكان عبيد الله بن زياد بعث الحصين بن نمير وأمره أن ينزل القادسية، وتقدّم الحرّ بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم حسيناً، فلم يزل الحرّ موافقاً للحسينعليه‌السلام حتّى حضرت صلاة الظهر، فأمر الحسينعليه‌السلام الحجّاج بن مسروق أن يؤذّن، فلمّا حضرت الإقامة خرج الحسينعليه‌السلام في إزار ورداء ونعلين، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس، إنّي لم آتكم حتّى أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم أن أقدم علينا؛ فإنّه ليس لنا إمام، لعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى والحقّ.

فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فأعطوني ما أطمئنّ إليه من عهودكم ومواثيقكم، وإن لم تفعلوا وكنتم لقدومي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم».

فسكتوا عنه ولم يتكلّم أحد منهم بكلمة، فقال للمؤذّن: «أقم». فأقام الصلاة، فقال للحرّ: «أتريد أن تصلّي بأصحابك؟».

قال: لا، بل تصلّي أنت ونصلّي بصلاتك.

____________________

(1) إرشاد المفيد / 224.


فصلّى بهم الحسينعليه‌السلام ، ثمّ دخل فاجتمع إليه أصحابه، وانصرف الحرّ إلى مكانه الذي كان فيه، فدخل خيمة قد ضربت له، واجتمع إليه جماعة من أصحابه، وعاد الباقون إلى صفّهم الذي كانوا فيه فأعادوه، ثم أخذ كلّ رجل منهم بعنان دابّته وجلس في ظلّها.

الأولى بالقيادة (1)

فلمّا كان وقت العصر أمر الحسين بن عليعليه‌السلام أن يتهيّؤوا للرّحيل ففعلوا، ثمّ أمر مناديه فنادى بالعصر، وأقام فاستقدم الحسينعليه‌السلام وقام فصلّى [بالقوم]، ثمّ سلّم وانصرف إليهم بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: «أمّا بعد، أيّها الناس، فإنّكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحقّ لأهله يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمّد وأولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أبيتم إلاّ الكراهية لنا والجهل بحقّنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت به عليّ رسلكم انصرفت عنكم».

فقال له الحرّ: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر.

فقال الحسينعليه‌السلام لبعض أصحابه: «يا عقبة بن سمعان، أخرج الخرجين اللّذين فيهما كتبهم إليّ». فأخرج خرجين مملوءين صحفاً فنثرت بين يديه، فقال له الحرّ: إنّا لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد اُمرنا إذا نحن لقيناك ألاّ نفارقك حتّى نقدمك الكوفة على عبيد الله.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «الموت أدنى إليك من ذلك».

____________________

(1) إرشاد المفيد / 224 - 225.


ثمّ قال لأصحابه: «قوموا فاركبوا». فركبوا وانتظروا حتّى ركب نساؤهم، فقال لأصحابه: «انصرفوا». فلمّا ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف، فقال الحسينعليه‌السلام للحرّ: «ثكلتك اُمّك! ما تريد؟».

فقال له الحرّ: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر اُمّه بالثكل كائناً مَنْ كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر اُمّك من سبيل إلاّ بأحسن ما نقدر عليه.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «ما تريد؟».

قال: اُريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله.

فقال: «إذاً والله لا أتّبعك».

قال: إذاً والله لا أدعك، فترادّا القول ثلاث مرّات، فلمّا كثر الكلام بينهما قال له الحرّ: إنّي لم اُؤمر بقتالك، إنّما اُمرت أن لا أفارقك حتّى أقدمك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا تردّك إلى المدينة، تكون بيني وبينك نصفاً حتّى أكتب إلى الأمير عبيد الله، فلعلّ الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك، فخذ ههنا.

الحياة عقيدة وجهاد (1)

سار الحسينعليه‌السلام وسار الحرّ في أصحابه يسايره، وهو يقول له: يا حسين، إنّي أذكّرك الله في نفسك، فإنّي أشهد لئن قاتلت لتقتلنّ. فقال له الحسينعليه‌السلام : «أفبالموت تخوّفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني، وسأقول كما قال أخو

____________________

(1) إرشاد المفيد / 225.


الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخوّفه ابن عمّه، وقال: أين تذهب فإنّك مقتول؟ فقال:

سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى

إذا ما نوى حقّاً وجاهدَ مُسلما

وواسى الرجالَ الصالحينَ بنفسهِ

وفارقَ مثبوراً وخالفَ مُجرما

فإن عشتُ لم أندم وإن متُّ لم اُلم

كفى بكَ ذلاّ أن تعيشَ وترغما

ثمّ أقبل الحسينعليه‌السلام على أصحابه، وقال: «هل فيكم أحد يعرف الطريق على غير الجادّة؟».

فقال الطرمّاح: نعم يابن رسول الله، أنا أخبر الطريق.

فقال الحسينعليه‌السلام : «سر بين أيدينا»، فسار الطرمّاح واتّبعه الحسينعليه‌السلام وأصحابه، وجعل الطرمّاح يرتجز، ويقول:

يا ناقتي؟ تذعري من زجري

وامضي بنا قبلَ طلوعِ الفجرِ

بخيرِ فتيانٍ وخيرِ سَفرِ

آلِ رسولِ اللهِ آلِ الفخرِ

السادةِ البيضِ الوجوهِ الزُّهرِ

الطاعنينَ بالرماحِ السُّمرِ

الضاربينَ بالسيوفِ البترِ

حتّى تحلّى بكريمِ الفخرِ

الماجدِ الجدِّ رحيب الصدرِ

أثابهُ اللهُ لخيرِ أمرِ

عمّرهُ اللهُ بقاءَ الدهرِ

يا مالكَ النفعِ معاً والنصرِ

أيّد حُسيناً سيّدي بالنصرِ

على الطغاةِ من بقايا الكفرِ

على اللّعينينِ سليلَي صخرِ

يزيد؟ زالَ حليفَ الخمرِ

وابن زيادٍ عهرٍ بن العهرِ


في قصر بني مقاتل (1)

أخذ الحرّ يسير بأصحابه ناحية، والحسينعليه‌السلام في ناحية أخرى، حتّى انتهوا إلى عُذيب الهجانات، ثم مضى الحسينعليه‌السلام حتّى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به، فإذا هو بفسطاط مضروب، فقال: «لمَنْ هذا؟».

فقيل: لعبيد الله بن الحرّ الجعفي.

قال: «ادعوه إليّ». فلما أتاه الرسول قال له: هذا الحسين بن عليعليه‌السلام يدعوك.

فقال عبيد الله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والله ما خرجت من الكوفة إلاّ كراهية أن يدخلها الحسين وأنا بها، والله ما اُريد أن أراه ولا يراني.

فأتاه الرسول فأخبره، فقام إليه الحسينعليه‌السلام فجاء حتّى دخل عليه وسلّم وجلس، ثمّ دعاه إلى الخروج معه، فأعاد عليه عبيد الله بن الحرّ تلك المقالة واستقاله ممّا دعاه إليه.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «فإن لم تكن تنصرنا فاتّق [الله] أن تكون ممّن يقاتلنا؛ فوالله لا يسمع واعيتنا أحد ثمّ لا ينصرنا إلاّ هلك».

فقال له: أمّا هذا فلا يكون أبداً إن شاء الله تعالى.

ثمّ قام الحسينعليه‌السلام من عنده حتّى دخل رحله، ولمّا كان في آخر اللّيل أمر فتيانه بالاستقاء من الماء، ثمّ أمر بالرحيل فارتحل من قصر بني مقاتل.

____________________

(1) إرشاد المفيد / 226.


خفقة على الأعتاب (1)

قال عقبة بن سمعان: فسرنا من قصر بني مقاتل مع الحسينعليه‌السلام ساعة، فخفقعليه‌السلام وهو على ظهر فرسه خفقة ثمّ انتبه، وهو يقول: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين». ففعل ذلك مرّتين أو ثلاثة، فأقبل إليه ابنه عليّ بن الحسينعليه‌السلام فقال: ممّ حمدت الله واسترجعت؟

فقال: «يا بنيّ، إنّي خفقت خفقة فعنّ لي فارس على فرس، وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم. فعلمت أنّها أنفسنا نعيت إلينا».

فقال له: يا أبة، لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحقّ؟

قال: «بلى والّذي إليه مرجع العباد».

قال: فإنّنا إذاً لا نبالي أن نموت محقّين.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده».

على مشارف نينوى (2)

لمّا أصبح الحسينعليه‌السلام وهو مع أصحابه في طريقه بعد قصر بني مقاتل نزل وصلّى بهم الغداة، ثمّ عجّل الركوب وأخذ يساير بأصحابه يريد أن يفرّقهم، فيأتيه الحرّ بن يزيد فيردّه وأصحابه،

____________________

(1) إرشاد المفيد / 226.

(2) بحار الأنوار 44 / 380 - 381، عن إرشاد المفيد واللّهوف.


فجعل إذا ردّهم نحو الكوفة ردّاً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون كذلك حتّى انتهوا إلى نينوى... فأخذهم الحرّ بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقال له الحسينعليه‌السلام : «دعنا - ويحك - ننزل هذه القرية أو هذه - يعني نينوى و الغاضرية - أو هذه - يعني شفيّة -».

فأبى عليه الحر ذلك، فقال زهير بن القين للحسينعليه‌السلام : إنّي والله لا أرى أن يكون بعد الذي ترون إلاّ أشدّ ممّا ترون. يابن رسول الله، إنّ قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال مَنْ يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قِبل لنا به.

فقال الحسينعليه‌السلام : «ما كنت لأبدأهم بالقتال». ثمّ نزل.

قال الراوي: فقام الحسينعليه‌السلام خطيباً في أصحابه، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر جدّه فصلّى عليه، ثمّ قال: «إنّه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها واستمرّت حذاء، ولم يبقَ منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون إلى الحقّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربّه محقّاً؛ فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة والحياة مع الظالمين إلاّ برماً».

على أرض كربلاء (1)

ثمّ رحل الحسينعليه‌السلام من موضعه حتّى نزل في يوم الأربعاء أو يوم الخميس بكربلاء، وذلك في الثاني من المحرم سنة إحدى وستّين، ثم أقبل على أصحابه، فقال:

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 383، عن مناقب ابن شهر آشوب.


«الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديّانون».

ثمّ قال: «أهذه كربلاء؟».

فقالوا: نعم يابن رسول الله.

فقال: «هذا موضع كرب وبلاء، ههنا مناخ ركابنا، ومحطّ رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا».

قال: فنزل القوم، وأقبل الحرّ حتّى نزل حذاء الحسينعليه‌السلام في ألف فارس، ثمّ كتب إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسينعليه‌السلام بكربلاء.

وكتب ابن زياد (لعنه الله) إلى الحسين (صلوات الله عليه): أمّا بعد يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير، أو اُلحقك باللّطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية، والسلام.

فلمّا ورد كتابه على الحسينعليه‌السلام وقرأه، رماه من يده، ثمّ قال: «لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق».

فقال له الرسول: جواب الكتاب أبا عبد الله؟

فقال: «ما له عندي جواب؛ لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب».

لقاء بين الخير والشرّ (1)

ثمّ أرسل الحسينعليه‌السلام إلى عمر بن سعد بعد وصوله وعسكره إلى كربلاء مَنْ يقول له:

____________________

(1) بحار الأنوار 44 / 388 - 389.


«إنّي اُريد أن اُكلّمك فالقني اللّيلة بين عسكري وعسكرك». فخرج إليه ابن سعد في عشرين، وخرج إليه الحسينعليه‌السلام في مثل ذلك، فلمّا التقيا أمر الحسينعليه‌السلام أصحابه فتنحّوا عنه، وبقي معه أخوه العبّاس وابنه عليّ الأكبر، وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحّوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له.

فقال له الحسينعليه‌السلام : «ويلك يابن سعد! أما تتّقي الله الذي إليه معادك؟ أتقاتلني وأنا ابن مَنْ علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي؛ فإنّه أقرب لك إلى الله تعالى».

فقال عمر بن سعد: أخاف أن يهدم داري.

فقال الحسينعليه‌السلام : «أنا أبنيها لك».

فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي.

فقال الحسينعليه‌السلام : «أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز».

فقال: لي عيال وأخاف عليهم.

ثمّ سكت ولم يجبه إلى شيء، فانصرف عنه الحسينعليه‌السلام وهو يقول: «ما لك؟ ذبحك الله على فراشك عاجلاً، ولا غفر لك يوم حشرك، فوالله إنّي لأرجو أن لا تأكل من برّ العراق إلاّ يسيراً».

فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن البرّ - مستهزئاً بذلك القول.

على أعتاب الشهادة (1)

نهض عمر بن سعد إلى الحسينعليه‌السلام عشية الخميس لتسع مضين من المحرّم، ثمّ نادى: يا خيل الله اركبي، وبالجنّة أبشري. فركب الناس حتّى زحف نحوهم بعد العصر، والحسينعليه‌السلام جالس أمام

____________________

(1) إرشاد المفيد / 230 - 231؛ اللّهوف / 40 - 41.


بيته، محتبياً بسيفه، إذ خفق برأسه على ركبتيه، فسمعت اُخته الضجّة فدنت من أخيها وقالت: يا أخي، أما تسمع الأصوات قد اقتربت؟

فرفع الحسينعليه‌السلام رأسه، فقال: «إنّي رأيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الساعة في المنام وهو يقول لي: إنّك تروح إلينا». فلطمت اُخته وجهها، ونادت بالويل، فقال لها الحسينعليه‌السلام : «ليس لك الويل يا اُخيّة، اسكتي رحمك الله».

ثمّ قال له العباس بن علي: يا أخي، أتاك القوم. فنهض، ثمّ قال: «يا عباس، اركب بنفسي أنت يا أخي حتّى تلقاهم، وتقول لهم: ما لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عمّا جاء بهم».

فأتاهم العبّاس في نحو من عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العبّاس: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟

قالوا: قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه، أو نناجزكم.

فقال: فلا تعجلوا حتّى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم.

فوقفوا وقالوا: القه فأعلمه، ثمّ القنا بما يقول لك.

فانصرف العبّاس راجعاً يركض إلى الحسينعليه‌السلام يخبره الخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ويعظونهم ويكفّونهم عن قتال الحسينعليه‌السلام ، فجاء العبّاس إلى الحسينعليه‌السلام فأخبره بما قال القوم، فقالعليه‌السلام : «ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة، وتدفعهم عنّا العشيّة؛ لعلّنا نصلّ لربّنا اللّيلة، وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أنّي قد كنت اُحبّ الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار».

فمضى العباس إلى القوم، ورجع من عندهم ومعه رسول من قبل عمر بن سعد يقول: إنّا قد أجّلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرحناكم إلى أميرنا عبيد الله


ابن زياد، وإن أبيتم فلسنا تاركيكم. وانصرف.

فجمع الحسينعليه‌السلام أصحابه عند قرب المساء. قال عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام : «فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم، وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لأصحابه: اُثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السرّاء والضرّاء. اللّهمّ إنّي أحمدك على أن كرّمتنا بالنبوّة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فاجعلنا من الشاكرين.

أمّا بعد، فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً، ألا وإنّي أظنّ يوماً لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منّي ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتّخذوه جملاً.

فقال له إخوته وأبناؤه، وبنو أخيه وابنا عبد الله بن جعفر: لِمَ نفعل ذلك؟ لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبداً. بدأهم بهذا القول العباس بن عليعليه‌السلام واتّبعه الجماعة عليه، فتكلّموا بمثله ونحوه.

فقال الحسينعليه‌السلام : يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، فاذهبوا أنتم، فقد أذنت لكم.

قالوا: سبحان الله! فما يقول الناس؟! يقولون: إنّا تركنا شيخنا وسيّدنا، وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرمِ معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا. لا والله ما نفعل [ذلك]، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتّى نرد موردك، فقبّح الله العيش بعدك.

وقام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: أنحن نخلّي عنك؟ وبما نعتذر إلى الله في أداء حقك؟ أما والله حتّى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة. والله لا نخلّيك حتّى


يعلم الله أنّا قد حفظنا غيبة رسوله فيك.

أما والله لو قد علمت أنّي اُقتل ثمّ اُحيا، ثمّ اُحرق، ثمّ اُحيا، ثمّ اُذرى، يُفعل ذلك بي سبعين مرّة ما فارقتك حتّى ألقي حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنّما هي قتلة واحدة، ثمّ هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً؟

وقام زهير بن القينرحمه‌الله ، فقال: والله لوددت أنّي قتلت، ثمّ نشرت، ثمّ قتلت حتّى اُقتل هكذا ألف مرّة، وأنّ الله (عزّ وجلّ) يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.

وتكلّم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً في وجه واحد، فجزّاهم الحسينعليه‌السلام خيراً.

وقيل لمحمد بن بشير الحضرمي في تلك الحال: قد اُسر ابنك بثغر الرّي.

فقال: عند الله احتسبه ونفسي، ما كنت أحبّ أن يُؤسر وأنا أبقى بعده.

فسمع الحسينعليه‌السلام قوله، فقال: رحمك الله، أنت في حلّ من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك.

فقال: أكلتني السباع حيّاً إن فارقتك.

قال: فأعطِ ابنك هذه الأثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه. فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار».

قال الرواي: وبات الحسينعليه‌السلام وأصحابه تلك اللّيلة ولهم دويّ كدويّ النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم - أي التحق بهم - في تلك اللّيلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً.


أشبه الناس بالرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله (1)

لمّا استأذن علي الأكبر أباه الحسينعليه‌السلام في القتال، خرج والحسينعليه‌السلام يخطو وراءه خطوات وقد اغرورقت عيناه بالدموع.

قالوا: ورفع الحسينعليه‌السلام سبّابته [شيبته خ ل] نحو السماء، وقال: «اللّهمّ اشهد على هؤلاء القوم فقد برز إليهم غلاماً أشبه الناس خَلْقاً وخُلُقاً ومنطقاً برسولك، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه. اللّهمّ امنعهم بركات الأرض، وفرّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائق قدداً، ولا ترضِ الولاة عنهم أبداً؛ فإنّهم دعونا لينصرونا، ثمّ عدوا علينا يُقاتلوننا».

ثمّ صاح الحسينعليه‌السلام بعمر بن سعد: «ما لك! قطع الله رحمكّ، ولا بارك الله في أمرك، وسلّط عليك مَنْ يذبحك بعدي على فراشك كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

ثمّ رفع الحسينعليه‌السلام صوته وتلا: «إِنّ اللّهَ اصْطَفَى‏ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(2) .

ثمّ حمل عليّ بن الحسين على القوم، وهو يقول:

أنا عليُّ بنُ الحسين بنِ عليْ

من عصبةٍ جدُّ أبيهمُ النبيْ

واللهِ؟ يحكمُ فينا ابنُ الدعيْ

أطعنكمْ بالرمحِ حتّى ينثني

أضربكمْ بالسيفِ أحمي عن أبيْ

ضربَ غلامٍ هاشميٍّ علويْ

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 42 - 44.

(2) سورة آل عمران / 33 - 34.


فلم يزل يُقاتل حتّى ضجّ الناس من كثرة مَنْ قُتل منهم.

وروي أنّه قتل على عطشه مئة وعشرين رجلاً، ثمّ رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة، فقال: يا أبه، العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل؛ أتقوّى بها على الأعداء؟

فبكى الحسينعليه‌السلام ، وقال: «يا بنيّ، يعزّ على محمّد وعلى عليّ بن أبي طالب وعليّ أن تدعوهم فلا يجيبوك، وتستغيث بهم فلا يغيثوك. يا بُنيّ هات لسانك».

فأخذ بلسانه فمصّه ودفع إليه خاتمه، وقال: «امسكه في فيك وارجع إلى قتال عدوّك؛ فإنّي أرجو أنّك لا تمسي حتّى يسقيك جدّك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً». فرجع للقتال وهو يقول:

الحربُ قد بانتْ لها الحقائقْ

وظهرتْ من بعدها مصادقْ

واللهِ ربّ العرش لا نفارقْ

جموعَكمْ أو تُغمد البوارقْ

فلم يزل يُقاتل حتّى قتل تمام المئتين، ثمّ ضربه منقذ بن مرّة العبدي على مفرق رأسه ضربة صرعته، وضربه الناس بأسيافهم، ثمّ اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطّعوه بسيوفهم إرباً إرباً.

فلمّا بلغت الروح التراقي قال رافعاً صوته: يا أبتاه هذا جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد سقاني بكأسه الأوفى شربة لا أظمأ بعدها أبداً، وهو يقول: «العجل العجل، فإنّ لك كأساً مذخورة حتّى تشربها الساعة».

فصاح الحسينعليه‌السلام وقال: «قتل الله قوماً قتلوك، ما أجرأهم على الرحمان وعلى رسوله، وعلى انتهاك حرمة الرسول! على الدنيا بعدك العفا».

قال حميد بن مسلم: فكأنّي أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة، كأنّها الشمس الطالعة، تنادي بالويل والثبور، وتقول: يا حبيباه! يا ثمرة فؤاداه! يا نور عيناه!

فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت عليّعليه‌السلام ، وجاءت وانكبّت عليه، فجاه الحسينعليه‌السلام فأخذ بيدها


فردّها إلى الفسطاط، وأقبلعليه‌السلام بفتيانه وقال: «احملوا أخاكم». فحملوه من مصرعه، فجاؤوا به حتّى وضعوه عند الفسطاط الّذي كانوا يُقاتلون أمامه.

الجندي الصغير (1)

لمّا فجع الحسين بأهل بيته وولده، ولم يبقَ غيره وغير النساء والذراري، نادى: «هل من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله؟ هل من موحّد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟».

وارتفعت أصوات النساء بالعويل، فتقدّمعليه‌السلام إلى باب الخيمة، فقال: «ناولوني عليّاً ابني الطفل حتّى اُودّعه».

فناولوه الصبيّ، فجعل يُقبّله، وهو يقول: «ويل لهؤلاء القوم إذا كان جدّك المصطفى خصمهم!». والصبيّ في حجره، إذ رماه حرملة بن كاهل الأسدي بسهم فذبحه في حجر الحسين، فتلقّى الحسين دمه حتّى امتلأت كفّه، ثمّ رمى به إلى السماء، وقال: «هوّن عليّ ما نزل بي إنّه بعين الله».

قال الباقرعليه‌السلام : «فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض».

ثمّ قال: «لا يكون أهون عليك من فصيل [ ناقة صالح ]. اللّهمّ إن كنت حبست عنّا النصر، فاجعل ذلك لما هو خير لنا».

قيل: واسم الطفل هذا عبد الله، واُمّه الرباب بنت امرئ القيس، وهي التي يقول فيها أبو عبد الله الحسينعليه‌السلام :

لَعمركَ إنّني لاُحبّ داراً

تحلّ بها سكينةُ والربابُ

اُحبّهما وأبذلُ جلَّ مالي

وليسَ لعاتبٍ عندي عتابُ

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 46 - 47.


الحفاظ على الحجّة (1)

لمّا رأى عليّ بن الحسين زين العابدينعليه‌السلام أن لا ناصر للحسينعليه‌السلام خرج، وكان مريضاً لا يقدر أن يقلّ سيفه، واُمّ كلثوم تنادي خلفه: يا بُنيّ ارجع، فقال: «يا عمّتاه، ذريني اُقاتل بين يدي ابن رسول الله».

فقال الحسينعليه‌السلام : «يا اُمّ كلثوم، خذيه لئلاّ تبقى الأرض خالية من نسل آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

سلام الوداع (2)

لمّا نظر الحسينعليه‌السلام إلى اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته صرعى، التفت إلى الخيمة، ونادى: «يا سكينة، يا فاطمة، يا زينب، يا اُمّ كلثوم، عليكنّ منّي السلام».

فنادته سكينة: يا أبه، استسلمت للموت؟

فقال: «كيف لا يستسلم مَنْ لا ناصر له ولا معين؟».

فقالت: يا أبه، ردّنا إلى حرم جدّنا.

فقال: «هيهات! لو تُرك القطا لنام». فتصارخنّ النساء، فسكّتهنّ الحسين وحمل على القوم، وهو يقول:

كفرَ القومُ وقدماً رغبوا

عن ثوابِ اللهِ ربِّ الثقلينْ

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 46.

(2) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 79 - 80.


قتلوا القومُ عليّاً وابنَهُ

حسنَ الخيرِ كريم الأبوينْ

حنقاً منهم وقالوا أجمعوا

نفتكُ الآنَ جميعاً بالحسينْ

يا لقومٍ من اُناسٍ رذّلٍ

جمعوا الجمعَ لأهلِ الحرمينْ

ثمّ ساروا وتواصوا كلّهمْ

باجتياحي لرضاءِ الملحدينْ

لم يخافوا اللهَ في سفكِ دمي

لعبيدِ الله نسلِ الكافرينْ

وابنُ سعدٍ قد رماني عنوةً

بجنودٍ كوكوفِ الهاطلينْ

لشيءٍ كانَ منّي قبلَ ذا

غيرَ فخري بضياءِ الفرقدينْ

بعليِّ الخيرِ من بعدِ النبيْ

والنبيّ القرشيّ الوالدينْ

خيرةُ اللهِ من الخلقِ أبي

ثمّ اُمّي فأنا ابنُ الخيرتينْ

فضّةٌ قد خلصت من ذهبٍ

فأنا الفضّةُ وابنُ الذهبينْ

فاطمُ الزهراءِ اُمّي وأبي

وارثُ الرّسلِ ومولى الثقلينْ

طحنَ الأبطالَ لما برزوا

يومَ بدرٍ وباُحدٍ وحُنينْ

ولهُ في يومِ اُحدٍ وقعةٌ

شفت الغلَّ بفضِّ العسكرينْ

ثمّ بالأحزابِ والفتحِ معاً

كانَ فيها حتفُ أهلِ الفيلقينْ

وأخو خيبرَ إذ بارزهمْ

بحسامٍ صارمٍ ذي شفرتينْ

والّذي أردى جيوشاً أقبلوا

يطلبونَ الوترَ في يومِ حُنينْ

في سبيلِ اللهِ ماذا صنعتْ

اُمّةُ السوءِ معاً بالعترتينْ

عترةِ البرِّ التقيّ المصطفى

وعليِّ القرمِ يوم الجحفلينْ

مَنْ لهُ عمٌّ كعمّي جعفرٍ

وهبَ اللهُ لهُ أجنحتينْ

مَنْ لهُ جدٌّ كجدّي في الورى

وكشيخي فأنا ابنُ العلمينْ

والدي شمسٌ واُمّي قمرٌ

فأنا الكوكبُ وابنُ القمرينْ

جدّيَ المرسلُ مصباحُ الهدى

وأبي الموفى لهُ بالبيعتينْ


بطلٌ قرمٌ هزبرٌ ضيغمٌ

ماجدٌ سمحٌ قويّ الساعدينْ

عروةُ الدينِ عليٌّ ذاكمُ

صاحبُ الحوضِ مصلّي القبلتينْ

معْ رسولِ اللهِ سبعاً كاملاً

ما على الأرضِ مصلٍّ غير ذينْ

تركَ الأوثانَ لم يسجد لها

معْ قريشٍ مذ نشا طرفة عينْ

عبدَ اللهَ غلاماً يافعاً

وقريشٌ يعبدونَ الوثنينْ

يعبدونَ اللاّت والعزّى معاً

وعليٌّ كان صلّى القبلتينْ

وأبي كان هزبراً ضيغماً

يأخذُ الرمحَ فيطعن طعنتينْ

كتمشّي الاُسد بغياً فسُقوا

كأسَ حتفٍ من نجيعِ الحنظلينْ

ثمّ استوى على فرسه، وقال:

أنا ابنُ عليِّ الخيرِ من آلِ هاشمٍ

كفاني بهذا مفخراً حين أفخرُ

وجدّي رسولُ اللهِ أكرمُ خلقهِ

ونحنُ سراجُ اللهِ في الخلقِ يزهرُ

وفاطمُ اُمّي من سُلالةِ أحمدٍ

وعمّيَ يُدعى ذا الجناحينِ جعفرُ

وفينا كتابُ اللهِ اُنزلَ صادقاً

وفينا الهدى والوحي بالخيرِ يُذكرُ

ونحنُ أمانُ اللهِ للخلقِ كلّهمْ

نسرُّ بهذا في الأنامِ ونجهرُ

ونحنُ ولاةُ الحوضِ نسقي وليّنا

بكاسِ رسولِ اللهِ ما ليسَ ينكرُ

وشيعتُنا في الناسِ أكرمُ شيعةٍ

ومبغضنا يومَ القيامةِ يخسرُ

جهاد وتوعية (1)

ثمّ إنّ الحسينعليه‌السلام دعا النّاس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلّ مَنْ دنا منه من عيون الرّجال، حتّى قتل منهم مقتلة عظيمة، ثمّ

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 49.


حملعليه‌السلام على الميمنة، وقال:

الموتُ خيرٌ من ركوبِ العارِ

والعارُ أولى من دخولِ النارِ

ثمّ على الميسرة، وهو يقول:

أنا الحسينُ بنُ علي

آليتُ ألاّ أنثنيْ

أحمي عيالاتِ أبيْ

أمضي على دينِ النبيْ

دروس إنسانيّة (1)

قال بعض الرواة: فوالله، ما رأيت مكثوراً قطّ(2) قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشاً منه، وإن كانت الرجال لتشدّ عليه، فيشدّ عليها بسيفه فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب، ولقد كان يحمل فيهم، وقد تكمّلوا ألفاً فينهزمون بين يديه كأنّهم الجراد المنتشر، ثمّ يرجع إلى مركزه وهو يقول: «لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم».

ولم يزل يُقاتل حتّى قتل ألف رجل وتسعمئة رجل وخمسين رجل، سوى المجروحين، فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم! أتدرون لمَنْ تقاتلون؟ هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتّال العرب؛ فاحملوا عليه من كلّ جانب.

وكانت الرماة أربعة آلاف، فرموه بالسهام فحالوا بينه وبين رحله، فصاح بهم الحسينعليه‌السلام :

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 50 - 51، عن المناقب واللّهوف.

(2) المكثور: المغلوب، وهو الذي تكاثر عليه الناس فقهروه.


«ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان! إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إذ كنتم أعراباً».

فناداه شمر فقال: ما تقول يابن فاطمة؟

قال: «أقول: أنا الذي اُقاتلكم وتقاتلوني، والنساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً».

فقال شمر: لك هذا. ثمّ صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه في نفسه، فلعمري لهو كفو كريم.

قال: فقصده القوم وهو في ذلك يطلب شربة من ماء، فكلّما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه بأجمعهم حتّى أحلوه عنه.

يا اُمّة السوء (1)

ثمّ جعلوا الحسينعليه‌السلام يطلب الماء. فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنّه بطون الحيتان، والله لا تذوقه أو تموت عطشاً.

فقال الحسينعليه‌السلام : «اللّهمّ أمته عطشاً».

قال: والله، لقد كان هذا الرجل يقول: اسقوني ماءً، فيؤتى بماء فيشرب حتّى يخرج من فيه، ثمّ يقول: اسقوني قتلني العطش. فلم يزل كذلك حتّى مات.

ثمّ رماه رجل من القوم يُكنّى أبا الحتوف الجعفي بسهم، فوقع السهم في جبهته، فنزعه من جبهته، فسالت الدماء على وجهه ولحيته، فقالعليه‌السلام : «اللّهمّ إنّك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة. اللّهمّ أحصهم

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 51 - 52، عن مقاتل الطالبيين: قال:....


عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً».

ثمّ حمل عليهم كاللّيث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحداً إلاّ بعجه بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كلّ ناحية، وهو يتّقيها بنحره وصدره، ويقول: «يا اُمّة السوء، بئسما خلفتم محمّداً في عترته! أما إنّكم لن تقتلوا بعدي عبداً من عباد الله فتهابوا قتله، بل يهون عليكم عند قتلكم إيّاي. وأيم الله، إنّي لأرجو أن يكرمني ربّي بالشهادة بهوانكم، ثمّ ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون».

قال: فصاح به الحصين بن مالك السكونيّ، فقال: يابن فاطمة، وبماذا ينتقم لك منّا؟

قال: «يُلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثمّ يصبّ عليكم العذاب الأليم». ثمّ لم يزل يُقاتل حتّى أصابته جراحات عظيمة.

في رحاب الشهادة (1)

وقف الحسينعليه‌السلام يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع في جبهته، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه، فأتاه سهم محدّد مسموم له ثلاث شعب، فوقع السهم في صدره - وفي بعض الروايات على قلبه - فقال الحسينعليه‌السلام : «بسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله».

ورفع رأسه إلى السماء، وقال: «إلهي، إنّك تعلم أنّهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبيّ غيره». ثمّ أخذ السهم فأخرجه من قفاه، فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح فلمّا امتلأت رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عرفت الحمرة في

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 53.


السماء حتّى رمى الحسينعليه‌السلام بدمه إلى السماء، ثمّ وضع يده ثانياً فلمّا امتلأت لطخ بها رأسه ولحيته، وقال: «هكذا أكون حتّى ألقى جدّي رسول الله وأنا مخضوب بدمي، وأقول: يا رسول الله، قتلني فلان وفلان».

في أحضان العمّ (1)

لمّا سقط الحسينعليه‌السلام على الأرض وأحاط به القوم، خرج عبد الله بن الحسن بن عليعليه‌السلام ، وهو غلام لم يراهق، من عند النساء يشتدّ حتّى وقف إلى جنب الحسينعليه‌السلام ، فلحقته زينب بنت عليّعليه‌السلام لتحبسه، فقال الحسينعليه‌السلام : «احبسيه يا اُختي».

فأبى وامتنع امتناعاً شديداً، وقال: لا والله لا اُفارق عمّي. فأهوى بحر بن كعب - وقيل: حرملة بن كاهل - إلى الحسينعليه‌السلام بالسيف، فقال له الغلام: ويلك يابن الخبيثة أتقتل عمّي؟!

فضربه بالسيف، فاتّقاه الغلام بيده فأطنّها إلى الجلد، فإذا هي معلّقة، فنادى الغلام: يا اُمّاه! فأخذه الحسينعليه‌السلام فضمّه إليه، وقال: «يابن أخي، اصبر على ما نزل بك، واحتسب في ذلك الخير؛ فإنّ الله يلحقك بآبائك الصالحين».

قال: فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه، وهو في حجر عمّه الحسينعليه‌السلام .

____________________

(1) اللّهوف / 52 - 53؛ الإرشاد / 241.


بل أرد على جدّي (1)

روى هلال بن نافع، قال: إنّي لواقف مع أصحاب عمر بن سعد، إذ صرخ صارخ: أبشر أيّها الأمير، فهذا شمر [قد] قتل الحسين. قال: فخرجت بين الصفّين فوقفت عليه، وإنّه ليجود بنفسه، فوالله ما رأيت قطّ قتيلاً مضمّخاً بدمه أحسن منه ولا أنور وجهاً، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيئته عن الفكرة في قتله.

فاستسقى في تلك الحالة ماء، فسمعت رجلاً يقول: لا تذوق الماء حتّى ترد الحامية فتشرب من حميمها، فسمعته يقول: «يا ويلك! أنا لا أرد الحامية، ولا أشرب من حميمها، بل أرد على جدّي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأسكن معه في داره في مقعد صدق عن مليك مقتدر، وأشرب من ماء غير آسن، وأشكو إليه ما ارتكبتم منّي وفعلتم بي».

قال: فغضبوا بأجمعهم حتّى كأنّ الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئاً، فاجتزّوا رأسه وإنّه ليكلّمهم، فتعجّبتُ من قلّة رحمتهم، وقلت: والله لا اُجامعكم على أمر أبداً.

____________________

(1) اللّهوف / 55 - 56.


بعد النظر (1)

عن أبي سعيد عقيصا، قال: سمعت الحسين بن عليعليهما‌السلام ، وخلا به عبد الله بن الزبير فناجاه طويلاً. قال: ثم أقبل الحسينعليه‌السلام بوجهه إليهم، وقال: «إنّ هذا يقول لي كن حماماً من حمام الحرم، ولَئن اُقتل بيني وبين الحرم باع أحبّ إليّ من أن اُقتل وبيني وبينه شبر، ولئن اُقتل بالطفِّ أحبّ إليّ من أن اُقتل بالحرم».

الحفاظ على الحرمات (2)

قال عبد الله بن الزبير للحسين بن عليعليهما‌السلام : لو جئت إلى مكة فكنت بالحرم؟

فقال الحسينعليه‌السلام : «لا نستحلها، ولا نستحلّ بنا، ولئن اُقتل على تلّ أعفر أحبّ إليّ من أن اُقتل بها».

____________________

(1) كامل الزيارات / 72، ب23، ح4، حدّثني أبي وعلي بن الحسين جميعاً، عن سعد بن عبد الله، عن محمّد بن أبي الصهبان، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن فضيل الرسان....

(2) كامل الزيارات / 72 - 73، ب23، ح5. حدّثني أبي وعلي بن الحسين معاً، عن سعد، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال:....


أنباء صادقة (1)

لمّا صعد الحسين بن عليعليه‌السلام عقبة البطن قال لأصحابه: «ما أراني إلاّ مقتولاً».

قالوا: وما ذاك يا أبا عبد الله؟

قال: «رؤيا رأيتها في المنام».

قالوا: وما هي؟

قال: «رأيت كلاباً تنهشني، أشدّها عليّ كلب أبقع».

الاُمّة إذا فقدت وعيها (2)

«والّذي نفس حسين بيده، لا يهنّئ بني اُميّة ملكهم حتّى يقتلوني، وهم قاتلي، فلو قد قتلوني لم يصلّوا جميعاً أبداً، ولم يأخذوا عطاءً في سبيل الله جميعاً أبداً. إنّ أوّل قتيل هذه الاُمّة أنا وأهل بيتي. والّذي نفس حسين بيده، لا تقوم الساعة وعلى الأرض هاشميّ يطرق».

____________________

(1) كامل الزيارات / 75، ح14. حدّثني جماعة مشايخي منهم علي بن الحسين ومحمد بن الحسن، عن سعد، عن أحمد بن محمّد ومحمد بن الحسين وإبراهيم بن هاشم جميعاً، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن أبي جميلة المفضّل بن صالح، عن شهاب بن عبد ربّه، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام إنّه قال:....

(2) كامل الزيارات / 74 - 75، ب23، ح13. حدّثني محمّد بن جعفر الرزّاز، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمّد بن يحيى الخثعمي، عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن جدّه، عن الحسين بن عليعليهما‌السلام ، قال:....


الحفاظ على الحريّة (1)

لمّا كانت اللّيلة ألّتي قُتل فيها الحسينعليه‌السلام في صبيحتها قام في أصحابه، فقالعليه‌السلام : «إنّ هؤلاء يريدونني دونكم، ولو قتلوني لم يقبلوا إليكم، فالنجاء النجاء، وأنتم في حلّ؛ فإنّكم إن أصبحتم معي قُتلتم كلّكم».

فقالوا: لا نخذلك، ولا نختار العيش بعدك.

فقالعليه‌السلام : «إنّكم تُقتلون كلّكم حتّى لا يفلت منكم واحد». فكان كما قالعليه‌السلام .

ملامح القيادة الإسلاميّة (2)

ولمّا امتُحن الحسينعليه‌السلام ومَنْ معه بالعسكر الّذين قتلوه، وحملوا رأسه، قال لعسكره: «أنتم من بيعتي في حلّ، فالحقوا بعشائركم ومواليكم».

وقال لأهل بيته: «قد جعلتكم في حلّ من مفارقتي، فإنّكم لا تطيقونهم؛ لتضاعف أعدادهم وقواهم، وما المقصود غيري، فدعوني والقوم؛ فإنّ الله (عزّ وجلّ) يعينني ولا يخليني من حسن نظره، كعادته في أسلافنا الطيّبين».

فأمّا عسكره ففارقوه، وأمّا أهله والأدنون من أقربائه فأبوا، وقالوا: لا نفارقك، ويحلّ بنا ما يحلّ بك، ويحزننا ما يحزنك، ويصيبنا ما يصيبك، وإنّا أقرب ما نكون إلى الله إذا كنّا معك.

____________________

(1) الخرائج والجرائح 1 / 254، ح8. روي عن زين العابدين أنّه قال:....

(2) تفسير الإمام الحسن العسكريعليه‌السلام / 218 - 219، ح101، قال الإمام العسكريعليه‌السلام :....


فقال لهم: «فإن كنتم قد وطّنتم أنفسكم على ما وطّنت نفسي عليه، فاعلموا أنّ الله إنّما يهب المنازل الشريفة لعباده؛ لصبرهم باحتمال المكاره، وإنّ الله وإن كان خصّني مع مَنْ مضى من أهلي الذين أنا آخرهم بقاء في الدنيا، من الكرامات بما يسهل معها عليّ احتمال المكروهات، فإنّ لكم شطر ذلك من كرامات الله تعالى. واعلموا أنّ الدنيا حلوها ومرّها حلم، والانتباه في الآخرة، والفائز مَنْ فاز فيها، والشقّي مَنْ شقي فيها».

لقاء في الثعلبيّة (1)

لقي رجل الحسين بن عليعليهما‌السلام بالثعلبيّة وهو يريد كربلاء، فدخل عليه فسلّم عليه، فقال له الحسينعليه‌السلام : «من أيّ البلاد أنت؟». قال: من أهل الكوفة.

قال: «أما والله يا أخا أهل الكوفة، لو لقيتك بالمدينة لأريتك أثر جبرئيلعليه‌السلام من دارنا، ونزوله بالوحي على جدّي. يا أخا أهل الكوفة، أفمستقى الناس العلم من عندنا فعلموا وجهلنا؟ هذا ما لا يكون».

____________________

(1) أصول الكافي 1 / 398 - 399، ح2. علي بن محمّد بن عبد الله، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد الله بن حمّاد، عن صباح المزنيّ، عن الحارث بن حصيرة، عن الحكم بن عتيبة، قال:....


إلى بني هاشم (1)

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: ذكرنا خروج الحسينعليه‌السلام وتخلف ابن الحنفيّة، فقال أبو عبد اللهعليه‌السلام : «يا حمزة، إنّي ساُحدّثك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا؛ إنّ الحسين لمّا فصل متوجّهاً، أمر بقرطاس وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى بني هاشم.

أمّا بعد، فإنّه مَنْ لحق بي منكم استشهد، ومَنْ تخلّف عنّي لم يبلغ الفتح، والسلام».

السفارة الأمينة (2)

لمّا بلغ أهل الكوفة موت معاوية أرجفوا بيزيد، وعرفوا امتناع الحسينعليه‌السلام من بيعته، فاجتمعوا في دار سليمان بن صرد الخزاعي، وأجمعوا على الوفاء للحسينعليه‌السلام وراسلوه بذلك، وتلاقت الرسل كلّها عنده، فقرأ الكتب وسأل الرسل عن الناس، ثمّ كتب مع هانئ بن هانئ، وسعيد بن عبد الله، وكانا آخر الرسل إليه من قبل أهل الكوفة:

____________________

(1) اللّهوف / 28. محمّد بن يعقوب الكليني، عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن أيّوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان بن إسماعيل، عن حمزة بن حمران.

(2) إرشاد المفيد / 204 - 205.


«بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين.

أمّا بعد، فإنّ هانياً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر مَنْ قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ والهدى.

وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملأكم، وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم، وقرأت في كتبكم، فإنّي أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله؛ فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذات الله، والسلام».

ودعا الحسينعليه‌السلام مسلم بن عقيل فسرّحه مع قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة بن عبد الله السلوليّ، وعبد الرحمان بن شداد الأرحبي، وأمره بالتقوى وكتمان أمره واللّطف، فإن رأى الناس مجتمعين مستوسقين(1) عجّل إليه بذلك.

فأقبل مسلمرحمه‌الله حتّى أتى المدينة فصلّى في مسجد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وودّع مَنْ أحبّ من أهله، واستأجر دليلين من قيس فأقبلا به يتنكّبان الطريق، فضلاّ [عن الطريق]، وأصابهما عطش شديد فعجزا عن السير، فأوما له إلى سنين الطريق بعد أن لاح لهما ذلك، فسلك مسلم ذلك السنن، ومات الدليلان عطشاً، فكتب مسلم بن عقيلرحمه‌الله من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن مسهّر:

أمّا بعد، فإنّي أقبلت من المدينة مع دليلين فجازا عن الطريق فضلا، واشتدّ عليهما العطش فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتّى انتهينا إلى الماء، فلم ننج إلاّ بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يُدعى المضيق من بطن الخبت، وقد تطيّرت من توجّهي هذا، فإن رأيت أعفيتني منه وبعثت غيري، والسلام.

____________________

(1) يُقال: استوسق له الأمر: أي أمكنه.


فكتب إليه الحسينعليه‌السلام : «أمّا بعد، فقد خشيت أن لا يكون حملك على الكتاب إليّ في الاستعفاء من الوجه الّذي وجّهتك له إلاّ الجبن، فامض لوجهك الّذي وجّهتك فيه، والسلام».

فلمّا قرأ مسلم الكتاب قال: أمّا هذا فلست أتخوّفه على نفسي. فأقبل حتّى مرّ بماء لطيّئ فنزل ثمّ ارتحل عنه، فإذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبياً حين أشرف له فصرعه، فقال مسلم بن عقيل: نقتل عدوّنا إن شاء الله تعالى.

ثمّ أقبل حتّى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة، وهي التي تُدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فلمّا اجتمع إليه منهم جماعة، قرأ عليهم كتاب الحسينعليه‌السلام وهم يبكون، وبايعه الناس حتّى بايعه منهم ثمانية عشر ألفاً، فكتب مسلم إلى الحسينعليه‌السلام يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً ويأمره بالقدوم، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيلرحمه‌الله حتّى عُلم بمكانه.

إلى وجوه البصرة (1)

كتب الحسينعليه‌السلام كتاباً إلى وجوه أهل البصرة، منهم الأحنف بن قيس، وقيس بن الهيثم، والمنذر بن الجارود، ويزيد بن مسعود النهشلي، وبعث الكتاب مع زراع السدوسي، وقيل: مع سليمان المكنى بأبي رزين، فيه: «إنّي أدعوكم إلى الله وإلى نبيّه، فإنّ السنّة قد اُميتت، فإن تجيبوا دعوتي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد».

____________________

(1) مثير الأحزان / 27.


إلى أهل الكوفة (1)

لمّا وصل الحسينعليه‌السلام الحاجز من بطن الرمّة بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم. فإنّي أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلاّ هو.

أمّا بعد، فإنّ كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملأكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثبتكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدّوا، فإنّي قادم عليكم في أيّامي هذه، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته».

إلى رؤساء الكوفة (2)

لمّا اقترب الحسينعليه‌السلام من كربلاء قال له زهير: فسر بنا حتّى ننزل بكربلاء؛ فإنّها على شاطئ الفرات فنكون هنالك، فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنّا الله عليهم.

قال: فدمعت عينا الحسينعليه‌السلام ، ثم قال:

____________________

(1) إرشاد المفيد / 220.

(2) بحار الأنوار 44 / 381 - 383، عن مناقب ابن شهر آشوب.


«اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء». ونزل الحسينعليه‌السلام في موضعه ذلك، ونزل الحرّ بن يزيد حذاءه في ألف فارس، ودعا الحسين بدواة وبياض، وكتب إلى أشراف الكوفة ممّن كان يظنّ أنّه على رأيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيّب بن نجبة، ورفاعة بن شدّاد وعبد الله بن وأل، وجماعة المؤمنين.

أما بعد، فقد علمتم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد قال في حياته: مَنْ رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثمّ لم يغيّر بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله.

وقد علمتم أنّ هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولّوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله، وإنّي أحقّ بهذا الأمر؛ لقرابتي من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم، أنّكم لا تسلموني ولا تخذلوني، فإن وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظّكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم، وأهلي وولدي مع أهاليكم وأولادكم، فلكم بي اُسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم، فلعمري ما هي منكم بنكر؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمّي، والمغرور من اغترّ بكم؛ فحظّكم أخطأتم، ونصيبكم ضيّعتم، ومَنْ نكث فإنّما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم، والسلام».

ثمّ طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهّر الصيداوي... فلمّا بلغ الحسين قتل قيس استعبر باكياً، ثم قال: «اللّهمّ اجعل لنا ولشيعتنا عندك منزلاً كريماً، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ من رحمتك، إنّك على كلّ شيء قدير».

ثم جمع الحسينعليه‌السلام ولده وإخوته وأهل بيته، ثمّ نظر إليهم فبكى ساعة، ثمّ قال: «اللّهمّ إنّا عترة نبيّك محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد اُخرجنا وطردنا، وازُعجنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو اُميّة علينا، فخذ لنا بحقّنا، وانصرنا على القوم الكافرين».


كتاب من كربلاء (1)

كتب الحسين بن عليعليه‌السلام إلى محمّد بن علي من كربلاء: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى محمّد بن علي ومَنْ قبله من بني هاشم. أمّا بعد، فكأنّ الدنيا لم تكن، وكأنّ الآخرة لم تزل، والسلام».

في طريق الشهادة (2)

عن علي بن الحسينعليه‌السلام قال: «خرجنا مع الحسينعليه‌السلام ، فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلاّ ذكر يحيى بن زكريّا وقتله، وقال يوماً: ومن هوان الدنيا على الله (عزّ وجلّ) أنّ رأس يحيى بن زكريّا اُهدي إلى بغيّ من بغايا بني إسرائيل».

النظر الثاقب (3)

لمّا أراد محمّد بن الحنفيّة أن يصرف الإمام الحسينعليه‌السلام عن الخروج إلى الكوفة، قال:

____________________

(1) كامل الزيارات / 75، ب23، ح16، قال محمّد بن عمرو: حدّثني كرّام عبد الكريم بن عمرو، عن ميسّر بن عبد العزيز، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال:....

(2) الإرشاد / 251 - 252. روى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد،....

(3) بحار الأنوار 45 / 99.


«والله يا أخي، لو كنت في حجر هامّة من هوامّ الأرض لاستخرجوني منه حتّى يقتلوني».

الهدف لا يبرّر الوسيلة (1)

كتب رجل إلى الحسين (صلوات الله عليه): عظني بحرفين؟

فكتب إليه: «مَنْ حاول أمراً بمعصية الله كان أفوت لما يرجو، وأسرع لمجيء ما يحذر».

على أعتاب التهجير (2)

عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال: «لمّا شيّع أمير المؤمنينعليه‌السلام أبا ذر (رحمة الله عليه)، وشيّعه الحسن والحسين، وعقيل بن أبي طالب، وعبد الله بن جعفر، وعمّار بن ياسرعليهم‌السلام ، قال لهم أمير المؤمنينعليه‌السلام : ودّعوا أخاكم؛ فإنّه لا بدّ للشاخص من أن يمضي، وللمشيّع من أن يرجع».

قال: «فتكلّم كلّ رجل منهم على حياله، فقال الحسين بن عليعليهم‌السلام : رحمك الله يا أبا ذر، إنّ القوم إنّما امتهنوك بالبلاء؛ لأنّك منعتهم دينك،

____________________

(1) أصول الكافي 2 / 373، ح3. عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن شريف بن سابق، عن الفضل بن أبي قرة، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال:....

(2) المحاسن / 353 - 354، ب12، ح45؛ مكارم الأخلاق / 249، ب9، الفصل3. أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن محمّد بن سنان، عن إسحاق بن جرير الحريري، وعن رجل من أهل بيته.


فمنعوك دنياهم، فما أحوجك(1) غداً إلى ما منعتهم، وأغناك عمّا منعوك.

فقال أبو ذررحمه‌الله : رحمكم الله من أهل بيت، فما لي في الدنيا من شجن غيركم؛ إنّي إذا ذكرتكم ذكرت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ».

بلاء التهجير (2)

كتب إلى عبد الله بن العباس حين سيّره عبد الله بن الزبير إلى اليمن: «أمّا بعد، بلغني أنّ ابن الزبير سيّرك إلى الطائف، فرفع الله لك بذلك ذكراً، وحطّ به عنك وزراً، وإنّما يُبتلى الصالحون، ولو لم توجر إلاّ فيما تحبّ لقلّ الأجر. عزم الله لنا ولك بالصبر عند البلوى، والشكر عند النعمى، ولا أشمت بنا ولا بك عدوّاً حاسداً أبداً، والسلام»(3) .

ثورة عاشوراء وأهدافها (4)

«اعتبروا أيها الناس بما وعظ الله به أولياءه من سوء ثنائه على الأحبار إذ يقول:( لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرّبّانِيّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) (5) ، وقال:( لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُوا

____________________

(1) هكذا وردت العبارة نقلاً عن بعض المصادر، ولعل الصحيح (فما أحوجهم) كما هو عليه أغلب المصادر الاُخرى.(معهد الإمامين الحسَنَين).

(2) تحف العقول / 246.

(3) يبدو أن هناك خطأً وقع فيه صاحب المصدر ومَن أخذ عنه؛ حيث إن تسيير ابن عباس من قِبل ابن الزبير لم يكن إلاّ بعد هلاك يزيد (لعنه الله) سنة (64) للهجرة، اللّهم إلا أن يُقال: إن هذا الكتاب هو للإمام زين العابدينعليه‌السلام أو أحد العلويّين.(معهد الإمامين الحسَنَين)

(4) تحف العقول / 237 - 239. من كلام الحسينعليه‌السلام في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:....

(5) سورة المائدة / 63.


مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ... لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (1) .

وإنّما عاب الله ذلك عليهم لأنهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك، رغبةً فيما كانوا ينالون منهم، ورهبةً ممّا يحذرون، والله يقول:( ... فَلاَ تَخْشَوُا النّاسَ وَاخْشَوْن... ِ ) (2) . وقال:( الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضَهُمْ أَولِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (3) .

فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه؛ لعلمه بأنّها إذا اُديّت واُقيمت استقامت الفرائض كلّها، هيّنها وصعبها؛ وذلك إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم، وقسمة الفيء والغنائم، وأخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقّها.

ثمّ أنتم أيتها العصابة، عصابة بالعلم مشهورة، وبالخير مذكورة، وبالنصيحة معروفة، وبالله في أنفس الناس مهابة؛ يهابكم الشريف، ويكرمكم الضعيف، ويؤثركم مَنْ لا فضل لكم عليه ولا يد لكم عنده، تشفعون في الحوائج إذا امتنعت من طلاّبها، وتمشون في الطريق بهيبة الملوك وكرامة الأكابر.

أليس كلّ ذلك إنّما نلتموه بما يُرجى عندكم من القيام بحقّ الله، وإن كنتم عن أكثر حقّه تقصرون؟ فاستخففتم بحقّ الأئمّة؛ فأمّا حقّ الضعفاء فضيعتم، وأمّا حقّكم بزعمكم فطلبتم، فلا مالاً بذلتموه، ولا نفساً خاطرتم بها للذي خلقها، ولا عشيرة عاديتموها في ذات الله. أنتم تتمنون على الله جنته، ومجاورة رسله، وأماناً من عذابه.

لقد خشيت عليكم أيّها المتمنون على الله أن تحلّ بكم نقمة من نقماته؛ لأنّكم بلغتم من كرامة الله منزلة فضلتم بها، ومَنْ يُعرف بالله لا تكرمون، وأنتم بالله في

____________________

(1) سورة المائدة / 78 - 79.

(2) سورة المائدة / 44.

(3) سورة التوبة / 71.


عباده تكرمون، وقد ترون عهود الله منقوضة فلا تفزعون، وأنتم لبعض ذمم آبائكم تفزعون، وذمّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله محقورة، والعمي والبكم والزُمنى في المداين مهملة لا ترحمون، ولا في منزلتكم تعملون، ولا مَنْ عمل فيها تعينون، وبالأدهان والمصانعة عند الظلمة تأمنون، كلّ ذلك ممّا أمركم الله به من النهيّ والتناهي وأنتم عنه غافلون، وأنتم أعظم الناس مصيبة لما غلبتم عليه من منازل العلماء لو كنتم تشعرون.

ذلك بأنّ مجاري الاُمور والأحكام على أيدي العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سلبتم ذلك إلاّ بتفرّقكم عن الحقّ، واختلافكم في السُنّة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى، وتحملّتم المؤونة في ذات الله كانت أمور الله عليكم تُردّ، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع.

ولكنّكم مكّنتم الظلمة من منزلتكم، وأسلمتم اُمور الله في أيديهم؛ يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات، سلّطهم على ذلك فراركم من الموت، وإعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم، فمن بين مستعبد مقهور، وبين مستضعف على معيشته مغلوب، يتقلّبون في الملك بآرائهم، ويستشعرون الخزي بأهوائهم؛ اقتداءً بالأشرار، وجرأةً على الجبّار.

في كلّ بلد منهم على منبره خطيب يصقع، فالأرض لهم شاغرة، وأيديهم فيها مبسوطة، والناس لهم خول لا يدفعون يد لامس؛ فمن بين جبّار عنيد، وذي سطوةٍ على الضعفة شديد، مُطاعٍ لا يعرف المبدئ المعيد. فيا عجباً وما لي [لا] أعجب، والأرض من غاشٍ غشوم، ومتصدّق ظلوم، وعاملٍ على المؤمنين بهم غير رحيم، فالله الحاكم فيما فيه تنازعنا، والقاضي بحكمه فيما شجر بيننا.

اللّهم إنّك تعلم أنّه لم يكن ما كان منّا تنافساً في سلطان، ولا التماساً من فضول الحطام، ولكن لنرى المعالم من دينك، ونُظهر الإصلاح في بلادك، ويأمن المظلومون من عبادك، ويعمل بفرائضك وسنتك وأحكامك، فإن لم تنصرونا وتنصفونا قوى الظلمة عليكم، وعملوا في إطفاء نور نبيّكم، وحسبنا الله وعليه توكّلنا وإليه أنبنا وإليه المصير».



طبّ



من آداب الحجامة(1)

«في الجمعة ساعة لا يوافقها رجل يحتجم فيها إلاّ مات».

الهليلج الأصفر(2)

«لو علم الناس ما في الهليلج الأصفر لاشتروها بوزنها ذهباً».

وقال لرجل من أصحابه: «خذ هليلجة صفراء وسبع حبّات فلفل، واسحقها وانخلها واكتحل بها».

____________________

(1) بحار الأنوار 62 / 135. عن كتاب الفردوس: عن الحسين بن عليّعليهما‌السلام ، قال:....

(2) طب الأئمة / 86. المسيب بن واضح - وكان يخدم العسكريعليه‌السلام - عن أبيه، عن جدّه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن الحسين بن عليّ بن أبي طالبعليهم‌السلام ، قال:....


بعد الخلال (1)

«كان أمير المؤمنينعليه‌السلام قد أمرنا إذا تخللنا أن لا نشرب الماء حتّى نتمضمض ثلاثاً».

لا تصف لملك دواءً (2)

«لا تصفنّ لملك دواء؛ فإن نفعه لم يحمدك، وإن ضرّه اتّهمك».

____________________

(1) صحيفة الرضاعليه‌السلام / 84، ح6. بإسناده، عن آبائهعليهم‌السلام ، قال: حدّثني أبي الحسين بن عليّعليه‌السلام ، قال:....

(2) بحار الأنوار 75 / 382، قال الحسينعليه‌السلام :....


حِكَم



علامة الحمق(1)

يا أهلَ لذّة دنياً لا بقاء لها

إنّ اغتراراً بظلٍّ زائلٍ حمقُ

ممهّدات السبق(2)

سبقتُ العالمينَ إلى المعالي

بحسنِ خليقةٍ وعلوّ همّهْ

ولاحَ بحكمتي نورُ الهدى في

ليالٍ في الضلالةِ مدلهمّهْ

يريدُ الجاحدونَ ليطفئوهُ

ويأبى اللهُ إلاّ أن يتمّهْ

____________________

(1) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 69، وللحسينعليه‌السلام :....

(2) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 72 - 73، يروى للحسينعليه‌السلام :....


ثواب الله أعلى(1)

فإن تكن الدنيا تعدُّ نفيسةً

فإنّ ثوابَ اللهِ أعلى وأنبلُ

وإن تكنْ الأبدانُ للموتِ اُنشأتْ

فقتلُ امرئ بالسيفِ في اللهِ أفضلُ

وإن تكنْ الأرزاقُ قسماً مقدّراً

فقلّةُ سعي المرءِ في الكسبِ أجملُ

وإن تكنْ الأموالُ للتركِ جمعُها

فما بالُ متروكٍ بهِ المرءُ يبخلُ

للعزّة لا للذلّة(2)

سأمضي وما بالموتِ عارٌ على الفتى

إذا ما نوى حقّاً وجاهدَ مسلما

وواسى الرجالَ الصالحينَ بنفسهِ

وفارقَ مثبوراً وخالفَ مجرما

فإن عشتُ لم أندم وإن متُّ لم اُلم

كفى بكَ موتاً أن تُذلَّ وتُرغما

كله قبل أن يأكلك (3)

«مالُكَ إن لم يكن لك كنت له، فلا تبقِ عليه؛ فإنّه لا يبقى عليك، وكله قبل أن يأكلك».

____________________

(1) بحار الأنوار 45 / 49. ذكر أبو عليّ السلامي في تاريخه أنّ هذه الأبيات للحسينعليه‌السلام من إنشائه، وقال: ليس لأحد مثلها.

(2) كامل الزيارات / 96، ب29، ضمن ح8، قال الإمام الحسينعليه‌السلام في طريقه نحو كربلاء:....

(3) بحار الأنوار 71 / 237، ضمن ح21، عن الدرة الباهرة: قال الحسين بن عليعليه‌السلام :....


علامة الاستدراج (1)

«الاستدراج من الله سبحانه لعبده أن يسبغ عليه النعم ويسلبه الشكر».

دلالات (2)

«من دلائل علامات القبول الجلوس إلى أهل العقول، ومن علامات أسباب الجهل المماراة لغير أهل الفكر، ومن دلائل العالم انتقاده لحديثه، وعلمه بحقائق فنون النظر».

البخيل (3)

«البخيل من بخل بالسلام».

الحلم زينة (4)

«إنّ الحلم زينة، والوفاء مروّة، والصلة نعمة، والاستكبار صلف، والعجلة سفه، والسفه ضعف، والغلوّ ورطة، ومجالسة أهل الدناءة شرّ، ومجالسة أهل الفسق ريبة».

____________________

(1) تحف العقول / 246، قالعليه‌السلام :....

(2) تحف العقول / 247 - 248، قالعليه‌السلام :....

(3) تحف العقول / 248، قالعليه‌السلام :....

(4) كشف الغمة 2 / 205. خطبعليه‌السلام ، فقال:....


الله الكافي(1)

ذهبَ الذينَ اُحبّهمْ

وبقيتُ فيمَنْ؟ اُحبّهْ

فيمَنْ أراه يسبّني

ظهرَ المغيبِ ولا أسبّهْ

يبغي فسادي ما استطا

ع وأمرُهُ ممّا أربّهْ

حنقاً يدبّ إلى الضّرا

وذاكَ ممّا لا أدبّهْ

ويرى ذبابَ الشرِّ من

حولي يطنُّ ولا يذبّهْ

وإذا خبا وغرَ الصدو

ر فلا يزالُ بهِ يشبّهْ

أفلا يعيجُ بعقلهِ

أفلا يثوبُ إليه لبّهْ

أفلا يرى أنْ فعلهُ

ممّا يسورُ إليه غبّهْ

حسبي بربّي كافياً

ما أختشي والبغي حسبُهْ

ولَقلَّ مَنْ يبغي عليـ

ـه فما كفاهُ اللهُ ربّهْ

لا تسأل أحداً(2)

إذا ما عضّكَ الدهرُ

فلا تجنح إلى خلقِ

ولا تسأل سوى اللهِ

تعالى قاسمِ الرزقِ

فلو عشتَ وطوّفتَ

من الغرب إلى الشرقِ

لما صادفت مَنْ يقد

رُ أن يُسعدَ أو يُشقي

____________________

(1) كشف الغمة 2 / 210، قال أبو عبد الله الحسين بن عليعليه‌السلام :....

(2) كشف الغمة 2 / 210، قالعليه‌السلام :....


زن كلامك(1)

ما يحفظُ اللهُ يُصنْ

ما يضعُ اللهُ يَهُنْ

مَنْ يُسعدِ اللهُ يَلنْ

لهُ الزمانُ إنْ خشنْ

أخي اعتبر؟ تغتررْ

كيفَ ترى صَرْفَ الزمنْ

يُجزى بما اُوتيَ من

فعلٍ قبيحٍ أو حسنْ

أفلحَ عبدٌ كُشفَ الـ

غطاءُ عنهُ ففطنْ

وقرَّ عيناً مَنْ رأى

أنّ البلاءَ في اللّسنْ

فماز من ألفاظه

في كلّ وقتٍ ووزنْ

وخافَ من لسانهِ

غرباً حديداً فخزنْ

ومَنْ يكن معتصماً

باللهِ ذي العرشِ فلنْ

يضرّهُ شيءٌ ومَنْ

يعدي على اللهِ ومَنْ

مَنْ يأمَن اللهَ يخف

وخائفُ اللهِ أمنْ

وما لما يثمرهُ الـ

خوفُ من اللهِ ثمنْ

يا عالمَ السرِّ كما

يعلمُ حقّاً ما علَنْ

صلِّ على جدّي أبي الـ

قاسم ذي النورِ الـمُبنْ

أكرم مَنْ حيّ ومَنْ

لفّفَ ميتاً في كفنْ

وامننْ علينا بالرضا

فأنتَ أهلٌ للمننْ

وعافِنا في ديننا

من كلِّ خسرٍ وغَبَنْ

ما خابَ مَنْ خاب كمَنْ

يوماً إلى الدنيا ركنْ

____________________

(1) كشف الغمة 2 / 212 - 213، قالعليه‌السلام :....


طوبي لعبدٍ كُشفت

عنهُ غياباتُ الوسنْ

والموعدُ اللهُ وما

يقضي بهِ اللهُ يكُنْ

كمال العقل (1)

تذاكروا العقل عند معاوية، فقال الحسينعليه‌السلام : «لا يكمل العقل إلاّ باتّباع الحقّ».

فقال معاوية: ما في صدوركم إلاّ شيء واحد.

ذنب أو اعتذار (2)

«رُبّ ذنب أحسن من الاعتذار منه».

____________________

(1) أعلام الدين / 298.

(2) أعلام الدين / 298، قالعليه‌السلام :....


العار ولا النار(1)

الموتُ خيرٌ من ركوبِ العارِ

والعارُ خيرٌ من دخولِ النارِ

واللهِ ما هذا وهذا جاري

____________________

(1) أعلام الدين / 298. كانعليه‌السلام يرتجز يوم قتل، ويقول:....



وصايا



إيّاك والظلم (1)

«أي بُنيّ، إيّاك وظلم مَنْ لا يجد عليك ناصراً إلاّ الله جلّ وعزّ».

عليكم بالتقوى (2)

«اُوصيكم بتقوى الله، واُحذّركم أيامه، وأرفع لكم أعلامه، فكان المخوف قد أفد(3) بمهول وروده، ونكير حلوله، وبشع مذاقه، فاعتلق مهجكم، وحال بين العمل وبينكم، فبادروا بصحّة الأجسام في مدّة الأعمار، كأنّكم ببغتات طوارقه فتنقلكم من ظهر الأرض إلى بطنها، ومن علوّها إلى سفلها، ومن اُنسها إلى وحشتها، ومن روحها وضوئها إلى ظلمتها، ومن سعتها إلى ضيقها؛ حيث لا يُزار حميم، ولا يُعاد سقيم، ولا يُجاب صريخ، أعاننا الله وإيّاكم على أهوال ذلك اليوم، ونجّانا وإياكم من عقابه، وأوجب لنا ولكم الجزيل من ثوابه.

____________________

(1) تحف العقول / 246، قال لابنه علي بن الحسينعليه‌السلام :....

(2) تحف العقول / 239 - 240. موعظة منهعليه‌السلام :....

(3) أفد - كفرح -: عجل ودنا.


عباد الله، فلو كان ذلك قصر مرماكم، ومدى مظعنكم كان حسب العامل شغلاً يستفرغ عليه أحزانه، ويذهله عن دنياه، ويكثر نصبه لطلب الخلاص منه، فكيف وهو بعد ذلك مرتهن باكتسابه، مستوقف على حسابه، لا وزير له يمنعه، ولا ظهير عنه يدفعه، ويومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً، قل انتظروا إنّا منتظرون.

اُوصيكم بتقوى الله؛ فإنّ الله قد ضمن لمَنْ اتقّاه أن يحوّله عمّا يكره إلى ما يحبّ، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فإيّاك أن تكون ممّن يخاف على العباد من ذنوبهم، ويأمن العقوبة من ذنبه؛ فإنّ الله تبارك وتعالى لا يُخدع عن جنته، ولا يُنال ما عنده إلاّ بطاعته إن شاء الله».


متفرقات



الاُمم بعد أنبيائها (1)

«سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: إنّ اُمّة موسى افترقت بعده على إحدى وسبعين فرقة؛ فرقة منها ناجية وسبعون في النار، وافترقت اُمّة عيسىعليه‌السلام بعده على اثنتين وسبعين فرقة؛ فرقة منها ناجية وإحدى وسبعون في النار، وإنّ اُمّتي ستفرق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة؛ فرقة منها ناجية واثنتان وسبعون في النار».

____________________

(1) الخصال 2 / 585، ح11. حدّثنا أحمد بن محمّد بن الهيثم العجلي (رضي الله عنه)، قال: حدّثنا أبو العباس أحمد بن يحيى بن زكريا القطّان، قال: حدّثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، قال: حدّثنا تميم بن بهلول، قال: حدّثنا أبو معاوية، عن سليمان بن مهران، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالبعليه‌السلام ، قال:....


مستقبل الدنيا (1)

قال الحسين بن عليعليه‌السلام لأصحابه قبل أن يُقتل: «إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال [لي]: يا بُنيّ، إنّك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيّون وأوصياء النبييّن، وهي أرض تُدعى عمورا، وإنّك تستشهد بها، ويستشهد معك جماعة من أصحابك، لا يجدون ألم مسّ الحديد. وتلا:( قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاَماً عَلَى‏ إِبْرَاهِيمَ ) (2) . تكون الحرب عليك وعليهم برداً وسلاماً، فابشروا؛ فوالله لئن قتلونا فإنّا نرد على نبيّنا.

ثمّ أمكث ما شاء الله فأكون أوّل مَنْ تنشقّ عنه الأرض، فأخرج خرجة يوافق ذلك خرجة أمير المؤمنينعليه‌السلام ، وقيام قائمنا وحياة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ثمّ لينزلنّ عليّ وفد من السماء من عند الله، لم ينزلوا إلى الأرض قطّ، ولينزلنّ إليّ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وجنود من الملائكة، ولينزلنّ محمّد وعلي، وأنا وأخي، وجميع مَنْ منّ الله عليه في حمولات من حمولات الربّ، خيل بلق من نور لم يركبها مخلوق، ثمّ ليهزّنّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله لواءه، وليدفعنّه إلى قائمنا مع سيفه.

ثمّ إنّا نمكث من بعد ذلك ما شاء الله، ثمّ إنّ الله يخرج من مسجد الكوفة عيناً من دهن، وعيناً من لبن، وعيناً من ماء.

____________________

(1) الخرائج والجرائح 2 / 848 - 850، ح63؛ منتخب بصائر الدرجات / 36 - 38، عن أبي سعيد سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن ابن فضيل، عن سعد الجلاّب، عن جابر، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال:....

(2) سورة الأنبياء / 69.


ثمّ إنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام يدفع إليّ سيف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فيبعثني إلى الشرق والغرب، فلا آتي على عدوّ الله إلاّ أهرقت دمه، ولا أدع صنماً إلاّ أحرقته حتّى أقع إلى الهند فأفتحها.

وإنّ دانيال ويونس يخرجان إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام يقولان: صدق الله ورسوله. ويبعث معهما إلى البصرة سبعين رجلاً، فيقتلون مقاتلتهم، ويبعث بعثاً إلى الروم فيفتح الله لهم.

ثمّ لأقتلنّ كلّ دابّة حرّم الله لحمها حتّى لا يكون على وجه الأرض إلاّ الطيب، وأعرض على اليهود والنصارى وسائر الملل، ولأخيّرنّهم بين الإسلام والسيف، فمَنْ أسلم مننت عليه، ومَنْ كره الإسلام أهرق الله دمه، ولا يبقى رجل من شيعتنا إلاّ أنزل الله إليه ملكاً يمسح عن وجهه التراب، ويعرّفه أزواجه ومنازله في الجنّة.

ولا يبقى على وجه الأرض أعمى ولا معقد ولا مبتلى إلاّ كشف الله عنه بلاءه بنا أهل البيت، ولتنزلنّ البركة من السماء إلى الأرض حتّى أنّ الشجرة لتقصف(1) بما يريد الله فيها من الثمر، وليأكلنّ ثمرة الشتاء في الصيف، وثمرة الصيف في الشتاء، وذلك قوله عزّ وجلّ:( وَلَوْ أَنّ أَهْلَ الْقُرَى‏ آمَنُوا وَاتّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِن كَذّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (2) .

ثمّ إنّ الله ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفى عليهم شيء في الأرض، وما كان فيها حتّى أنّ الرجل منهم يريد أن يعلم علم أهل بيته فيخبرهم بعلم ما يعملون».

____________________

(1) لتقصف: أي تنكسر أغصانا لكثرة ما حملت من الثمرة.

(2) سورة الأعراف / 96.


أخبار غيبيّة (1)

لمّا أراد الحسينعليه‌السلام العراق قالت له اُمّ سلمة: لا تخرج إلى العراق، فقد سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول: «يُقتل ابني الحسين بأرض العراق». وعندي تربة دفعها إليّ في قارورة.

فقال: «والله إنّي مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلونني أيضاً، وإن أحببت أن اُريك مضجعي ومصرع أصحابي». ثمّ مسح بيده على وجهها، ففسح الله في بصرها حتّى أراها ذلك كلّه، وأخذ تربة فأعطاها من تلك التربة أيضاً في قارورة أخرى، وقالعليه‌السلام : «فإذا فاضتا دماً فاعلمي أنّي قد قتلت».

فقالت اُمّ سلمة: فلمّا كان يوم عاشوراء نظرت إلى القارورتين بعد الظهر فإذا هما قد فاضتا دماً، ولم يُقلب في ذلك اليوم حجر ولا مدر إلاّ وجد تحته دم عبيط.

____________________

(1) الخرائج والجرائح 1 / 253 - 254، ح7.


أعمال هذه الاُمّة(1)

«إنّ أعمال هذه الاُمّة ما من صباح إلاّ وتعرض على الله تعالى».

في ظهر الكوفة(2)

عن الحسين الخلال، عن جدّه، قال: قلت للحسين بن علي (صلوات الله عليهما): أين دفنتم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)؟

قال: «خرجنا به ليلاً حتّى مررنا على مسجد الأشعث حتّى خرجنا إلى الظهر ناحية الغري».

والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطاهرين

____________________

(1) عيون الأخبار 2 / 44، ب31، ح156؛ صحيفة الرضاعليه‌السلام / 75، ح179. حدّثنا محمّد بن علي بن الشاه الفقيه المروزي، عن أبي بكر بن محمّد بن عبد الله النيسابوري، عن عبد الله بن أحمد بن عامر بن سليمان الطائي، عن أبيه، قال: حدّثني علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، عن أبيه، عن آبائهعليهم‌السلام ، عن الحسين بن عليعليه‌السلام ، قال:....

(2) كامل الزيارات / 33 - 34، ب9، ح2، فرحة الغري / 39، ب3، حدّثني محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن أبي عمير، عن الحسين الخلاّل، عن جدّه، قال:....


الفهرس

مقدمة الناشر5

الكلمة6

جامع الكلمة9

صاحب الكلمة12

الولادة المباركة14

الإمام والعصر والخلفاء18

الشهادة المفجعة25

وفي الختام27

إلهيّات 29

لم يزل ولا يزال 31

هو الكبير المتعال 32

لا كفو له33

لم يلد ولم يُولد 34

نبويّات 37

النبي وملك الموت 39

الأعرابيّ والضبّ 41

ولائيات 43

النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وعمّه حمزة45

مَنْ هم العترة؟45

النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله وأجر الرسالة46

القربى مَنْ هم؟48

النبوّة والإمامة توأمان 48

الإمام وروح القدس 50


أصحاب الكساء50

منزلة الأئمّة عليهم‌السلام 51

حديث الولاء51

مسرّة أهل البيت عليهم‌السلام 52

لله أو للدنيا؟52

نعم الخليفة53

من أحبّنا لله 54

واعية الإمام54

أبو الأئمّة55

أقمتم أم كتمتم55

باب الثعبان 57

علّمنا تأويله58

أيّكم وصيّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله؟59

مع شجرة الرمّان 61

الولاء الخالص 62

أوّل مظلوم ومظلومة63

قتيل العبرة64

المؤمن ومصاب الحسين عليه‌السلام 65

ليلة عاشوراء65

إسلام الراهب 66

من علامات المحبّة67

خير المذاهب 68

هذا السعيد حقّاً68

الشهداء والصدّيقون 73

عيد الوصاية والإمامة73

دأب المؤمن 79


أنا الحسين بن علي 79

أبي علي عليه‌السلام 80

زورنا جبرئيل 81

عقائد 83

الإيمان بالقدر85

مقياس معرفة الله 86

سفن النجاة87

كتيبة العرش 87

خلفاء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله 88

اثنا عشر مهديّاً 89

الوسام المخصوص 90

عليّ الصراط المستقيم90

أنت حجّة الله 91

خليفة الله ورسوله92

ولاية عليّ وأولاده عليهم‌السلام 92

بلّغ عليّاً السّلام93

وارث خصائص الأنبياء94

الإمام المبين 94

معيار الحقّ 95

أهل البيت في القيامة95

التاسع من ولدي 97

صاحب الغَيبة98

الصابر في غيبته98

رجل من ولدي 99


معارف 101

مَنْ كفل يتيماً103

مَنْ أحيا نفساً103

مالي والمماراة104

الإمام مستقى العلم105

ما تقوله الحيوانات 105

على جناح الجراد108

معارف القرآن 109

أخلاق 111

ما عزّ المرء؟113

احذر عقوق الوالدين 115

مع المساكين 119

مع اُسامة119

التعامل مع السائل 120

موقف العظماء121

إدخال السرور122

التحيّة بالأحسن 122

عفو وإحسان 123

أكرم وجهك 123

إنفاق وتربية124

الرفق بالحيوان 125

صفات شيعتنا126

رضا الله لا رضا الناس 126

قبول العطاء127

دروس حكيمة127

تسليم بلا اقتراح 128


المؤمن لا يسيء128

لا تبخل 129

لا تمارِ أحداً129

عليك بالرفق 129

الإجمال في الطلب 130

عبادات 131

زكاة الفطر133

تحفة الصائم133

فلسفة الصوم133

السلام والتحيّة133

الحجّ ومؤتمر منى 134

عند قبر خديجة138

مزاورة أهل البيت عليهم‌السلام 139

زائر الحسين عليه‌السلام 139

القطرة من الدمع 139

الصلاة في المهمّات 140

في قنوت الفريضة140

من أذكار القنوت 141

للقارئ دعوة مستجابة142

الصدقة المقبولة143

أحكام145

النهي عن اُمور تسعة147

مع جنازة اليهوديّ 148

القرآن واُولوا الأرحام149

طاعتنا مفروضة150


بيع المساومة152

الصلاة على المنافق 152

كفّ عن الغيبة153

من شروط التكليف 153

عبادة الأحرار153

من شروط المسألة154

التحدثّ بالنعمة154

الجهاد وأقسامه154

المرأة والخادم155

مواعظ 157

الموت قنطرة159

لوح ثمين 160

الدنيا مهانة161

أبكي لخصلتين 161

في عزاء الحسن عليه‌السلام 162

الأمن يوم القيامة162

بين المخاطر163

الأعمال وعرضها على الله 163

مَنْ دخل المقابر164

اجتماعيّات 165

مع معلّمي القرآن 167

تربية المواشي 168

توقير النعمة168

من آثار الصلة169

لا تملوّا النعم169

حقوق الإخوان 169


متاع المرأة170

المعروف والصنيعة170

السلام قبل الكلام170

السائل والمسؤول 171

الإخوان أربعة171

من نعم الله عليكم172

من أحبّك نهاك 173

أدعية175

النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا دعا177

هكذا الدعاء177

دعاء الاستسقاء182

دعاء المكروب 183

دعاء يوم عرفة184

بسم الله وبالله 197

دعاء المشلول 197

دعاء العشرات 206

أسألك توفيق أهل الهدى 209

سبحان العظيم الأعظم209

يا صادق الوعد 210

يا مَنْ شأنه الكفاية210

اللّهم لا تستدرجني 211

مناقضات 213

هذا معاوية215

في طريق البصرة216

بئس للظالمين بدلاً 218

معاوية يعترف بالقتل 219


التعريض بابن الزبير 220

عمر بن سعد 221

مع ابن جويرة221

مروان وأصحابه222

أعدى أعداء الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله 223

مروان يخطب ليزيد 224

مع ابن العاص 225

مع ابن سعد 226

إلى معاوية227

مع الراضين بقتل الحسين عليه‌السلام 230

ما بيدَي يزيد 230

ينازعني يزيد 231

سياسات 233

ذاك صاحبها235

المؤتمر الإسلامي في منى 235

خصال الملوك 237

تفقّد الرأي العالم237

من أهداف الشهادة238

مع والي المدينة238

الناس وقادتهم239

تبعات بني اُميّة239

الخلافة عليهم محرّمة240

القائد يشكو القاعدة240

دأب القائد الإلهي 241

القائد الأبيّ 242

الإمداد العسكري 243


القائد والشهادة244

الشهادة سعادة245

إحباط مؤامرة246

نحو العراق 247

مع الفرزدق 247

في تنعيم248

أبناء الرحيل والشهادة249

في ذات عرق 250

في الثعلبيّة250

منطقة أجأ العسكرية251

مع ابن مطيع العدوي 251

في الخزيميّة252

في منزلة زبالة253

في بطن العقبة254

في شراف وذي حسم254

مع الحرّ الرياحي 256

الأولى بالقيادة257

الحياة عقيدة وجهاد258

في قصر بني مقاتل 260

خفقة على الأعتاب 261

على مشارف نينوى 261

على أرض كربلاء262

لقاء بين الخير والشرّ263

على أعتاب الشهادة264

أشبه الناس بالرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .... 268


الجندي الصغير 270

الحفاظ على الحجّة271

سلام الوداع 271

جهاد وتوعية273

دروس إنسانيّة274

يا اُمّة السوء275

في رحاب الشهادة276

في أحضان العمّ277

بل أرد على جدّي 278

بعد النظر279

الحفاظ على الحرمات 279

أنباء صادقة280

الاُمّة إذا فقدت وعيها280

الحفاظ على الحريّة281

ملامح القيادة الإسلاميّة281

لقاء في الثعلبيّة282

إلى بني هاشم283

السفارة الأمينة283

إلى وجوه البصرة285

إلى أهل الكوفة286

إلى رؤساء الكوفة286

كتاب من كربلاء288

في طريق الشهادة288

النظر الثاقب 288

الهدف لا يبرّر الوسيلة289

على أعتاب التهجير 289


بلاء التهجير 290

ثورة عاشوراء وأهدافها290

طبّ 294

من آداب الحجامة296

الهليلج الأصفر296

بعد الخلال 297

لا تصف لملك دواءً297

حِكَم298

علامة الحمق 300

ممهّدات السبق 300

ثواب الله أعلى 301

للعزّة لا للذلّة301

كله قبل أن يأكلك 301

علامة الاستدراج 302

دلالات 302

البخيل 302

الحلم زينة302

الله الكافي 303

لا تسأل أحداً303

زن كلامك 304

كمال العقل 305

ذنب أو اعتذار305

العار ولا النار306

وصايا 308

إيّاك والظلم310

عليكم بالتقوى 310


متفرقات 312

الاُمم بعد أنبيائها314

مستقبل الدنيا315

أخبار غيبيّة317

أعمال هذه الاُمّة318

في ظهر الكوفة318