بغية النبلاء في تاريخ كربلاء
التجميع الإمام الحسين عليه السلام
الکاتب السيد عبد الحسين الكليدار آل طعمة
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

بغية النبلاء في تاريخ كربلاء

تأليف: السيّد عبد الحسين الكليدار آل طعمة

(سادن الروضة الحسينيّة)

حقّقه: عادل الكليدار

مطبعة الإرشاد - بغداد



مقدّمة المؤلّف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، مالك يوم الدين، والصلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الغر الميامين.

وبعد، فيقول العبد الفقير المعترف بالتقصير، الراجي رحمة ربّه القدير، عبد الحسين بن علي بن جواد الحسيني الموسوي الحائري (آل طعمة) (وفّقه الله لمراضيه، وجعل مستقبل أيامه خيراً من ماضيه): قد كنت مولعاً من نعومة أظفاري وصدر شبابي بعلم ما بلغ إليه، وسعي ممّا تفضّل الله سبحانه عليّ من اُمّهات الكتب العربية التي اُلّفت قديماً وحديثاً.

وحداني الشوق ضمن ذلك البحث عن حوادث بلدتي ومسقط رأسي، وقد حزّ في نفسي أن أرى ما أُلف للبلدان من التواريخ حتّى إنّ القرى والقصبات لم يهملوا شأنها، وشرف قدسية هذه المدينة وشهرتها لم يدوّن لها كتاب يعرب عن مبدئها، وعن تأريخها الحافل بالحوادث الخطيرة؛ فلذا لم يقرّ لي قرار حتّى وفّقني الله إلى التصدّي لتدوين تأريخ هذه المدينة الخالدة، وسمّيته بـ(بغية النبلاء في تأريخ كربلاء) .



تأريخ كربلاء منذ القدم إلى القرن الثالث عشر

لم تكن كربلاء في العهد القديم قبل الفتح الإسلامي بلدة تستحق الذكر، ولم يرد ذكرها في التاريخ إلاّ نادراً، وأكثر ذلك في عرض الكلام عمّا كان يقع في الحيرة وقرية الطفّ من الوقائع، بل كانت هي قرية بسيطة عليها مزارع وضياع لدهاقين الفرس، وكان سكّانها أهل حراثة وزراعة.

كربلاء (بالمد): ذكر ياقوت في المعجم(1) حول اشتقاقه من كربله رخاوة في القدمين، جاء يمشي مكربلاً، وعلله لرخاوة أرضها وتربتها ونقاء حنطتها، واستشهد:

يـحملنَ حمراء رسوباً بالنقل

قد غربلت وكربلت من القصل

قال: والكربل(2) : اسم نبت الحماض، واستشهد بوصف أبو وجزة لعهون الهودج:

وثامرُ كربلٍ وعميمُ دفلى

عليها والندى سبطٌ يمورُ

من الممكن أن تكون قيمة لما علل إنْ لم تكن أصل اللفظة أعجمية(3) .

____________________

(1) معجم البلدان - لياقوت الحموي 7 / 229.

(2) جاء في تاج العروس من جواهر القاموس - للزبيدي 8 / 97 عدّة وجوه في اشتقاق لفظة كربلاء؛ منها يقول: من كربل بالفتح، قيل: هو نبات له نور أحمر مشرق، إذ يقول أبو حنيفة في ذلك:

كإن جني الدفلي يخشى خدورَها

ونوارُ ضاحٍ من خزامى وكربلِ

(3) راجع أيضاً حول اشتقاق لفظة كربلاء لسان العرب - لابن منظور 11 / 587 ط بيروت، والصحاح - للجوهري 5 / 1810، ومجالس المؤمنين - للقاضي نور الله الشوشتري / 25، والبستان - للشيخ عبد الله البستاني 2 / 267.


وأورد عند ذكر الكوفة(1) عن السبب الذي بعث على اتخاذ موقعه معسكراً، قال: على أثر الفشل الذي مُني به القائد الأعلى سعد بن أبي وقاص، والموفقية التي حازها خالد بن عرفطة في فتح ساباط أوّلاً، ثمّ استتبعه فتح البقية المدائن عاصمة الدولة الساسانية، وتكلل فوز المسلمين بأكاليل النصر، وتمّ لهم الغلبة، فأرغم يزدجرد الملك بالانسحاب والتقهقر مقهوراً إلى اصطخر فارس، عطفوا عندها باتخاذ قاعدة تكون معسكراً لهم على تخوم الجزيرة فاختاروا كربلاء.

ولتمنّع ساكنيه من التسليم والخضوع لإرادتهم قصدهم خالد بن عرطفة وفتح كربلاء عنوة، وسبى أهلها، وقسّم سعد أرباضها بين أصحابه، ونزل كلّ قوم في الناحية التي خرج سهمه بها فأحيوها؛ فلإطلاق لفظ كربلاء على مدده(*) عامرة عند الفتح لا بدّ من أن يكون جاهلي الأصل، وبزعم مجوس دور الفهلوية ومعتقدهم كان بيت نار على ما ذكره مؤلّف (دبستان المذاهب)(2) ، يطلقون لفظة بـ (كار بالا)، ومعناه الفعل العلوي، فعرّب بكربلاء.

ومن المحتمل أنّ المسلمين خفّفوا لفظ كربلاء من كور بابل كما خفّفوا لفظ بورسيا بلفظ برس، وهو لغة نبطي بابلي، على أنّ كربلاء ومطلق القطع المتلاصقة ببعضها هي ضواحي القسم الغربي من مدينة بابل.

في مبدأ الفتح في عهد خلافة أبو بكر عندما هادن أهل الحيرة - دهاقين الفرات الأوسط - خالد بن الوليد شكا عبد الله بن وثيمة النصري ذباب كربلاء، وقال رجل من أشجع:

____________________

(1) معجم البلدان 7 / 296، طبعة مرجليوث.

(*) هكذا وردت المفردة، ولا نعلم المقصود منها، وربما كانت (مدن).(موقع معهد الإمامين الحسنين)

(2) راجع حول مؤلّف هذا الكتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة - للعلامة الشيخ آقا بزرك الطهراني.


لـقد حـبست في كربلا مطيتي

وفـي العينِ حتّى عادَ غثاً سمينُها

اذا رحـلت من منزلٍ رجعت له

لـعمري وأيّـها إنّـني لأهـينُها

ويـمنعها مـن مـاءِ كلّ شريعةٍ

رفاقٌ من الذبّانِ زرقٌ عيونُها(1)

وتناقلت الألسن أنباء الشكوى والشعر، وأُحيط بعلم الخليفة عمر بن الخطاب في حينه، فعند وصول كتاب سعد يخبره بما قام به لم يرتضه للمسلمين معسكراً، وأمر سعد بتحويلهم ونقلهم منها، فحوّلهم سعد من كربلاء إلى سوق حكمه(2) ، ويقال: إلى كويفة ابن عمر دون الكوفة(3) .

فأغفل ذكر كربلاء بعدها إلى أن ولي أمير المؤمنين علي (سلام الله عليه) الخلافة فوردها عند مسيره لحرب معاوية في سهل صفّين، فوقف عندما بلغ هذه الأرض(4) ، وأخبر عمّا سيكون لولده الحسين (عليه السّلام) من الحوادث

____________________

(1) تأريخ الطبري 4 / 192، ومعجم البلدان 7 / 229 ط مصر.

(2) سوق حكمه (بالتحريك): موضع بنواحي الكوفة، نُسب إلى حكمه بن حذيفة بن بدر، وكان قد نزل عنده. (معجم البلدان 5 / 176).

(3) معجم البلدان 7 / 396.

(4) وقد ورد أنّ سلمان الفارسي الصحابي الجليل قد مرّ بها عند مجيئه من المدينة، إذ يحدّثنا الكشي في رجاله (ص 24)، في سنده عن ابن نجيّة الفزاري قال: لمّا أتانا سلمان الفارسي قادماً، فتلقّيته ممّن تلقّاه، فسار حتّى انتهى إلى كربلاء، فقال: ما يسمّون هذه؟ قالوا: كربلاء. فقال: هذه مصارع إخواني؛ هذا موضع رحالهم، وهذا مناخ ركابهم، وهذا مهراق دمائهم، قُتل بها خير الأوّلين، ويُقتل بها خير الآخرين. ثمّ سار حتّى انتهى إلى حروراء فقال: ما تسمّون هذه الأرض؟ قالوا: حرورا. فقال: خرج بها شرّ الأوّلين، ويخرج بها شرّ الآخرين. ثمّ سار حتّى انتهى إلى بانقيا، وبها جسر الكوفة الأوّل، فقال: ما تسمّون هذه؟ قالوا: بانقيا. ثمّ سار حتّى انتهى إلى الكوفة، قال: هذه الكوفة! قالوا: نعم. قال: قبّة الإسلام. انتهى.

أقول: هذا الترتيب الذي ذُكر لسلمان عند قدومه العراق لا يصح إلاّ للوارد إلى العراق من الشام لا من الحجاز؛ إذ بانقيا على ما ذكر أرباب كتب الفتوح تقع على سيف البادية على خطّ الحيرة قريبة من أرض النجف، ثمّ يتلو بانقيا الكوفة ثمّ كربلاء ثمّ حرورا.

هذا وسلمان لم يقدم =


والشؤون فيها. والمستفاد من ذلك لم يكن محلّ موقفه الذي وقف فيه وأخبر عن ذلك سوى صحراء خالية لا أثر بها خلا بعض نُخيلات(1) . على أنّ هذا لا يكون دليلاً قاطعاً على عدم وجود عمران وأبنية فيها؛ إذ من الجائز أن تكون الوقفة الشريفة على بعض نواحيها لا نفس موقعها، أو أنّه من الجائز أن أُخذت إلى الخراب والدثار بعد ترك سعد بن أبي وقاص لها وتحوّله عنها إلى موضع الكوفة بعد أن سبى أهلها، فلم يسكنها أحد بعد ذلك، اللّهمّ إلاّ بعض الصعاليك، وأخذت إلى التقهقر يوماً بعد يوم حتّى أن قضت آخر أدوارها في زمن وجيز. هذا ورغماً على مرّ كرور الليالي والأيام عن بُعد ذلك الزمن الشاسع، وإهمال المؤرّخين والجغرافيين عن تعريف موقعها، حفظت لنا يد التواتر محلّها، وأقام براهينه وجود الأطلال والهضبات الحاكية لنا عن قديم آثارها. يوجد اليوم على ما بلغني على بُعد بعض أميال في القسم الشمالي الغربي من مدينة كربلاء باتجاه ضريح الحرّ بن يزيد الرياحي في أرض القرطة والكمالية أكم وأطلال قيل: إنّها كربلاء الأصلية. وقبل سني الحرب العالمية الأولى كان بعض أفراد من مطره يستخرجون من نفس الأطلال طابوق فرشي ضخم سلطاني يحملونه على حميرهم إلى كربلاء لبيعه على الأهلين كوسيلة للعيش والارتزاق، (وأذكر في هذا الخصوص أنّ السيد كاظم العطّار كان مشغولاً ببناء داره الواقعة في حارة باب الطاق مقابل إمام بارة الأميرة تاج داربهو الهندية يبتاع منهم لبنائه)(2) .

____________________

= العراق إلاّ من الحجاز. واختلفوا في سبب قدومه، إذ ذكر البعض أنّه حضر غازياً فتوح إيران، بينما يذكر العلاّمة النوري في (نفس الرحمن في فضائل سلمان. طبع حجر) توجه سلمان من المدينة إلى المدائن والياً عليها في خلافة ابن الخطاب بعد ما عزل حذيفة عنها.

(1) ترجمة فتوح ابن أعثم الكوفي / 16.

(2) وقد جاء في نسخة اُخرى من هذا الكتاب عن موضع كربلاء القديمة، ما نصه: فموقع (كربلاء) اليوم - على ضوء التحقيق الذي قمت به - واقع على بعد بضع أميال في الشمال الغربي من بلدة كربلاء الحالية، ممّا يلي أرض القرطة، وهو مكان مرتفع يسمّى باصطلاح اليوم: الظهيرة أو العرقوب. ويبعد موقعها عن قبر الحرّ بن يزيد الرياحي حوالي سبعة آلاف متر. وتعود ملكيتها اليوم لآل بحر العلوم القاطنين في هذه البلدة المشرّفة، ومنهم السيد جواد أفندي الذي توفي قبل أيام. وقد جاء في (نفس الرحمن في فضائل سلمان - للعلامة الميرزا حسين الطبرسي) عن موضع كربلاء ما نصه: وأمّا كربلاء فالمعروف عند أهل تلك النواحي إنّها قطعة من الأرض الواقعة في جنب نهر يجري من قبلي سور البلدة، يمرّ بالمزار المعروف بابن حمزة، منها بساتين، ومنها مزارع، والبلدة واقعة بينها.

أقول: يا لله! ما لشيخنا الجليل (قدّس سرّه) أن يخوض ما يقصر عنه علمه، وكيف يعتمد على مَنْ لا علم لهم، ويعوّل عليهم بالتحقيق؟! فأين النهر الذي يجتاز قبلي سور البلدة؟! وإذا قصد نهر الهندية فأين بعده عن السور، وأين قبر ابن حمزة عنه، وما قبر ابن حمزة إلاّ على شرق السور بمسافة، وإن قصد نهرها لم ينطبق مع الحقيقة؟!

نعم، على موضع قلعة ناصر علي خان اللاهوري يطلق لفظ كربله لا كربلاء.


وفي الجنوب الشرقي من البلدة المشرّقة قطعة أرض يُطلق عليها اليوم لفظة (كربلة) بهاء، ويزعم مَنْ لا علم له بذلك أنّها القرية التي كانت عليها المزارع حين ورود أبي عبد الله (عليه السّلام) إليها، ومنها اشتق الاسم لهذه البلدة.

وقد بنا بها النوّاب ناصر علي خان اللاهوري بناء جليلاً، وبذل الأموال الجزيلة لإعمار هذه القطعة من الأرض بعد أن ابتاعها من الحكومة العثمانيّة؛ ولمّا كانت تتصل بهور السليمانية فقد تكرّر إطلاق الماء عليها، وذهبت بمحاسنها، ولم يبقَ بها إلاّ القليل من ذلك. وببنائه اليوم يسكن أحفاده وتُجرى لهم الأرزاق الكافية وهم على كمال السعة.

فلم يعد يحدّثنا التأريخ عن كربلاء بعد تلك الوقفة - أيّ وقفة أمير المؤمنين (عليه السّلام) - إلاّ بعد مرور ربع قرن من الزمان، ولكن هذه المرّة


بحديث ذي شجون عن أعظم مأساة في تأريخ البشرية، ألا وهي الحادثة الشهيرة بواقعة الطفّ، أو يوم عاشوراء في يوم الجمعة العاشر من محرّم الحرام لسنة 61 هجرية التي استشهد فيها سبط الرسول (صلّى الله عليه وآله) وحبيب البتول الإمام الحسين بن علي (سلام الله عليهم) وجمع من أصحابه (رضوان الله عليهم)(1) .

هذا ولم تكن كربلاء عامرة يوم ورود الحسين (عليه السّلام) لها يوم الخميس الثاني من المحرّم سنة 61 هـ وهو على ظهر جواده على شفير ذلك الوادي إلاّ بعض قرى تحفّ أطرافها؛ كشفيه، والغاضريات، ونينوى، وماريه(2) ، والعقر التي بقيت آخر أثر للبابليين لا يزال قائماً.

هذا، وإذا أراد الله شيئاً هيّأ أسبابه؛ إذ قد قدّر إحياء اسم كربلاء وبقاء التلفظ بلفظتها، ولم يرتضِ الحسين (عليه السّلام) من أسماء القرى التي أخبروه بها سوى اسم كربلاء؛ إذ عندما طرقت لفظتها مسامعه الشريفة ارتضاها من غير تأنٍ ولا توان، بحيث كأنّه تفوّه بلفظتها مع مخبره عن تلك الأسماء، فلم يكد أن قال:» هي هي والله محطّ رحالنا، ومناخ ركابنا، ومسفك دمائنا «.

ثمّ أمر بأثقاله فحُطّت، وبسرادقه فأُقيمت، ثمّ كان من أمره ما كان ليوم التاسع من نزوله (سلام الله عليه).

كربلاء... فأُخذت لفظتها بعد وقوع هذا الحادث الأليم ممّا جرى على بسيط أديمها من ضروب الفضاعة، وغلواء صنوف الشناعة؛ من تفنن أهل الكوفة في الإتيان بأنواع الطرق البربرية حتّى أظهروها الغاية، وبلغوا مراتب النهاية في ذلك، بحيث لم يعهدنا التأريخ بمثله منذ أقدم الأعصر الغابرة، وإن قلنا من حين أن عُرف النوع الإنساني لجاز

____________________

(1) وتأتي تفصيل هذه الواقعة المروعة في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

(2) راجع بشأن هذه القرية والقرى الاُخرى التي كانت تحيط كربلاء يوم ورود أبي عبد الله (عليه السّلام) لها في (الزهر المقتطف في أخبار أرض الطفّ) للعلامة المؤلّف. وهو مصنّف نفيس لا نظير له في موضوعه.


ذلك؛ بما فاضت تلك الأرض القاحلة من دماء الأبرياء الذين ثبتوا في ذلك اليوم في مستنقع الموت ذبّاً وراء نفوسهم الطاهرة، وإباء عن مديد الذلّ الكريم اُنوفهم الحمية حتّى أعجبوا الملأ الأعلى لعظيم صبرهم فضلاً عن أهل البرية.

ومن ذلك الحين ذاع صيت هذه الآفاق وانتشر في الأقطار، وقد جاء ذكرها في أشعار العرب ودواوينهم؛ ففي أوّل بيت شُهر وردت لفظتها: ابكِ قتيلاً بكربلا.....

ثمّ البيت:

غـادروهُ بـكربلاءَ صـريعاً

لا سقى الله جانبَي كربلاءِ(1)

ثمّ تلاها قول السهمي(2) :

مررتُ على قبرِ الحسينِ بكربلا

ففاضَ عليه من دموعي غزيرُها

وقوله:

سلامٌ على أهلِ القبورِ بكربلا

وقـلّ لها منّي سلامٌ يزورُها

وقول كشاجم:

وأظلم في كربلا يومُهمْ

ثمّ تجلّى وهم ذبائحُه(3)

وقول السوسي:

كم دموعٍ ممزوجةٍ بدماءِ

سكبتها العيونُ في كربلاءِ

وقول منصور النمري(4) :

____________________

(1) في معجم البلدان، الشطر الثاني: لا سقى الغيث بعده كربلاء، والبيت لزوجة الحسين (عليه السّلام) عاتكة بنت عمرو بن نفيل في رثائها للحسين (عليه السّلام).

(2) أمالي الشيخ الطوسي / 148.

(3) مناقب ابن شهر آشوب 4 / 117، ط طهران.

(4) زهر الآداب في هامش العقد الفريد - للحصري 2 / 272.


بـيثرب كـربلاء لـهم ديارٌ

نيامُ الأهلِ دارسة الطلولِ(1)

وقول الزاهي:

وأضحى بكم كربلا مغرباً

كزهر النجومِ إذا غوّرت

إلى ما هنالك من ذكر لفظتها.

وإن أردنا استيعاب ذلك لم تسعنا المجلدات لكثرته؛ إذ لم يخل بيت شعر رُثي به الحسين (عليه السّلام) من ذلك.

هذا وموضع تلك الواقعة صار مقصد الراغبين وبغية الطالبيين بعد قيام الأسديين - أهل الغاضريات - بدفن الجثث الطاهرة والأجساد المضرّجة بالدماء التي أُريقت بسيف البغي والعدوان، إلاّ أنّ أشلاءهم لمَ تقبر كلّها في صعيد واحد؛ إذ لم ترضَ بنو تميم ترك شلو صاحبهم الحرّ بن يزيد عند تلك الأشلاء، أخذوه إلى موضع قبره المعلوم، وشلو العباس بن علي (عليه السّلام) ترك على المسنّاة على شاطئ العلقمي؛ لتعسّر إلحاقه بجثة أخيه؛ إذ كانت أرباً أرباً. إلاّ إنّ الحائر محيط بأشلاء بقيّتهم.

وليس اليوم علماً يركن إليه للوقوف على حفرهم سوى الحسين (عليه السّلام) وولده المقتول بين الشهداء، كأنّهم أُقبروا فيه، وعلم يشير إلى ضريح حبيب بن مظاهر الأسدي؛ فكان أوّل مَنْ زار الحائر بعدما حازت تربتها تلك السعادة الأبدية عبيد الله بن الحرّ الجعفي(2) ؛ لقرب موضعه منها؛ إذ كان على الفرات.

____________________

(1) في بحار الأنوار - للمجلسي 45 / 289، بتربة كربلاء.

(2) وقد وردها المختار بن أبي عبيدة بعد رجوعه من الحج، وسلّم على القبر وقبّل موضعه، وأخذ بالبكاء، وقال: يا سيدي، قسماً بجدّك وأبيك واُمّك الزهراء، وبحقّ شيعتك وأهل بيتك، قسماً بهؤلاء جميعاً أن لا أذوق طعاماً طيّباً أبداً حتّى أنتقم من قتلتك. عن مجالس المؤمنين / 172.


وقف على القبر الشريف واستعبر باكياً متأوّهاً كمداً على ما فاته من القيام بالسعادة، وفوزه بمراتب الشهادة بين يدي سيد السادة، منشداً أبياته الشهيرة التي يقول فيها(1) :

فـوا نـدمي أن لا أكـون نـصرتُه

ألا كلّ نـفسٍ لا تـسددّ نـادمهْ

وإنّـي لأنّـي لـم أكـن من حماتِه

لـذو حسرةٍ ما إن تُفارق لازمهْ

سـقـى اللهُ أرواحَ الـذيـن تـآزروا

على نصـرهِ سقيـاً من الغيث دائمهْ

وقـفت على أجـداثِهم ومـحالِـهمْ

فـكاد الـحشى ينقضّ والعينُ ساجمهْ

لـعمري لقد كانوا مصاليتَ في الوغى

سـراعاً إلـى الهيجا حماةً ضيارمهْ

تآسوا عـلى نـصر ابن بنت نبيِّهمْ

بـأسـيافهم آسـادُ غـيلٍ ضراغمهْ

فـإن يـقتـلوا فـكلّ نـفس زكـيةٍ

عـلى الأرض قد أضحت لذلك واجمهْ

ومـا أن رأى الـراؤون أصـبرَ منهمُ

لـدى الـموتِ ساداتٍ وزهراً قماقمهْ

ولوم ابن زياد وعتبه إيّاه لعدم رؤيته لذلك المشهد الفضيع، فقال يعنيه:

أتـقتلهم ظـلماً وتـرجو ودادَنا

فـدع خـطّةً لـيست لنا بملائمهْ

لـعمري لـقد راغـمتمونا بـقتلهمْ

فـكم نـاقمٍ مـنّا عـليكم وناقمهْ

أهـمّ مـراراً أن أسـير بـجحفلٍ

إلـى فئةٍ زاغت عن الحقّ ظالمهْ

فـكفوا وإلاّ زرتـكم فـي كتائبٍ

أشدّ عليكم مـن زحوفِ الديالمهْ(2)

وعند تحقق خبر شهادته في الأقطار قصدته العقم من النساء، مئة ألف امرأة؛ لِما عند العرب من العوائد في المرأة التي لا تلد أن تحضر

____________________

(1) في هامش خزانة الأدب - للبغدادي (الطبعة السلفية) 2 / 138، تعقيباً على هذه الأبيات هذا نصه: (غير إنّ الأدبيات الميمية ليست له البته، وإنّما هي للحرّ بن يزيد الرياحي كما هو عند أبي مخنف. فلا أدري هل هذا الوهم من أبي سعيد، أو من نساخ كتابه، أو من البغدادي؟...). وهذا زعم باطل مغرض؛ إذ إنّ الأبيات نفسها ترد على ذلك. (عادل)

(2) شرح خزانة الأدب - للبغدادي 1 / 299، و2 / 139 من ط السلفية.


قبر رجل كريم(1) .

وقيل: التي لا يعيش لها إن أتت الشريف المقتول غدراً ووطئت حوله عاش لها(2) .

وقد عنى الكميت بن زيد الأسدي ذلك في الهاشميات، حيث قال:

وتُطيل المرزّآتُ المقاليـ

ـتُ عليه القعود بعد القيامِ(3)

وهناك ورد وفد جابر بن عبد الله الأنصاري في جماعة من الهاشميِّين يوم العشرين من صفر سنة الشهادة، وقد عدّ البعض ذلك ضرب من المستحيل إن كان وارداً من الحجاز؛ لِما يستغرق من الوقت لوصول الخبر

____________________

(1) بحار الأنوار - للمولى ذو الفيض القدسي الشيخ محمّد باقر المجلسي 22 / 124.

(2) بلوغ الأرب في معرفة أخبار العرب - لمحمود شكري الآلوسي 2 / 351.

(3) قال ابن السكيت: إنّ العرب كانت تقول: إنّ المرأة المقلاة - وهي التي لا يعيش لها ولداً - إذا وطئت أرض القتيل الشريف عاش ولدها.

قال بشر بن حازم:

تـظل مـقاليتُ النساءِ يطأنه

يقلن ألا يُلقى على المرءِ مئزرُ

وقال أبو عبيدة: تتخطّاه المقلاة سبع مرّات فذلك وطؤها له.

وقال ابن الأعرابي: ويُطاؤون حوله، وقيل: إنّما كانوا يفعلون ذلك بالشريف يقتل غدراً أو قوداً.

وقال آخر:

تركنا الشعثمين برمل خبتٍ

تـزورهما مقاليتُ النساءِ

وقال آخر:

بنفسي الذي تمشي المقاليتُ حوله

يـطاف له كشحاً هظيماً مهشّما

وقول آخر:

تباشرت المقاليتُ حين قالوا

ثـوى عمرُ بن مرّة بالحفيرِ

(شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد 4 / 439).


إلى المدينة ثمّ مجيئهم إلى كربلاء، ولا يمكن تعليل ذلك إلاّ بوجود جابر في محلّ قريب من كربلاء عند بلوغه الخبر؛ فأمكنه الوصول في ذلك اليوم، أو أنّه قد وفد في السنة التي تلت سنة الشهادة.

هذا، وعندما بلغ جابر الغاضرية اغتسل في شريعتها، وتقمّص بأطهر ثيابه، وتطيّب بسعد كان مع صاحبه عطاء، ثمّ سعى نحو القبر الشريف حافي القدمين وعليه إمارات الحزن والكآبة حتّى وقف على الرمس الكريم فانكبّ ووقع مغشياً عليه... وعند إقامته من غشوته سمعه عطاء يقول: السّلام عليكم يا آل الله(1) .

ثمّ ذكروا ملاقاته للسجّاد علي بن الحسين (عليه السّلام) في ذلك اليوم مع أهل بيته، راجعاً من الشام، وهو حامل للرأس الشريف وسائر الرؤوس؛ لإلحاقها بالجثث الطاهرة، أو الرأس الشريف فقط بعد إطلاق سبيلهم من قيد الأسر.

إنّ التصدّي لتوثيق صحة هذا الخبر وتأكيده لهو من الاستحالة بمكان؛ إذ كيف تسنّى للسجّاد (عليه السّلام) طي الأرض بهذا الزمن القصير مع ما هم عليه من المصائب والحزن على استشهاد الحسين (عليه السّلام)؛ حيث قادوهم من ساحة كربلاء إلى الكوفة، وبقاؤهم بها مدّة استئذان ابن مرجانة طاغيته (يزيد) في حملهم إليه، وتسييرهم بعد صدور إرادة يزيد، وقد ساروا بهم على طريق الفرات، واجتازوا بهم حلب حتّى دخلوا بهم الشام في اليوم السادس عشر من ربيع الأول على ما نصّ عليه عماد الدين الحسن بن علي الطبرسي في كتابه الموسوم بـ: الكامل البهائي (61 صنيع الدولة)؟

مع أنّه لم نقف على مدّة إقامتهم بالشام إلاّ وقد ورد أنّهم أقاموا شهراً في موضع لا يكفّهم من حرّ ولا برد (بحار 21 / 203)؛ فنرى من ذلك أنّه من الصعوبة بمكان قدوم السجّاد وأهل بيته من الشام في نفس السنة التي استشهد فيها الحسين (عليه السّلام)، وفي نفس ذلك اليوم، ولا يمكن تعليل

____________________

(1) بحار الانوار 21 / 203.


ذلك سوى ما ذكرناه من تعليل لمجيء جابر إلى كربلاء، وهي ورودهم لها في السنة التي تلت الحادية والستين!

ولم يتعرّض المفيد (قدّس الله روحه) إلى ذكر ورودهم كربلاء بعد إطلاق سبيلهم، إلاّ أنّ السيد ابن طاوس قال: « أمر يزيد بردّ الأسرى وسبايا الحسين (عليه السّلام) إلى أوطانهم بمدينة الرسول، وأمّا الرأس الشريف روى أنّه اُعيد فدُفن بكربلاء مع جسده الشريف »(1) .

ومن الغريب أنّ ابن طاوس قد ذكر العبارة السالفة بعد أن ذكر تمنّع يزيد عندما أراد السجّاد رؤية وجه أبيه فضلاً عن إعطائه إيّاه، واعتذر بعد أن أورد لفظ إلحاق الرأس الشريف بالجسد الطاهر بهذه العبارة: « وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه، ورويت آثار كثيرة مختلفة غير ما ذكرناه، تركنا وصفها؛ [ لكي ] لا ينفسخ ما شرطناه ».

ثمّ أوصل كلامه بهذه الجملة: « ولمّا رجعت نساء الحسين (عليه السّلام) وعياله من الشام وبلغوا العراق قالوا للدليل: مرّ بنا على طريق كربلاء. فوصلوا إلى موضع المصرع فوجدوا جابر بن عبد الله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ورجالاً من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد وردوا لزيارة قبر الحسين (عليه السّلام)، فوافوا في وقت واحد، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم، وأقاموا المآتم المقرحة للأكباد، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد فأقاموا على ذلك أياماً »(2) .

ومع هذا لم تكن كربلاء في القرن الأوّل الهجري عامرة، مع ما كان في أنفس الهاشميِّين وشيعتهم من شوق ولهفة في مجاورة قبر سيد الشهداء لم يتمكّنوا من اتخاذ الدور وإقامة العمران؛ خوفاً من سلطان بني اُميّة.

وقد أخذت بالتقدّم في أوائل الدولة العباسيّة، ورجعت القهقري في

____________________

(1) سيأتي تفصيل ما قيل في محلّ الرأس الشريف، وفصل القول به في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

(2) اللهوف في قتلى الطفوف - للسيد ابن طاوس / 176.


أيام الرشيد(1) . وقد ازداد خرابها في أيام المتوكّل؛ لأنّه هدم قبر الحسين (عليه السّلام) فرحل عنها سكّانها.

ثمّ أخذ الشيعة في أيام المنتصر يتوافدون إلى كربلاء ويعمرونها، (وكان أوّل علوي سكنها وهو تاج الدين إبراهيم المجاب حفيد الإمام موسى بن جعفر (عليهما السّلام)، وقد وردها في حدود سنة 247 هجرية)، واتخذت الدور عند رمسه، وقامت القصور والأسواق حوله، ولم يمض قرن أو بعض قرن إلاّ وحول قبره الشريف مدينة صغيرة بها آلاف النفوس.

وقد زارها السلطان عضد الدولة ابن بويه(2) سنة 370 هجرية، وكانت قرية عامرة بالسكّان، وعدد من جاور القبر في ذلك العهد من العلويِّين فيها خاصة ما يربوا على ألفين ومئتين نفس. فأجزل لهم عضد الدولة في العطايا، وكان ما بذل لهم مئة ألف رطل من التمر والدقيق، ومن الثياب خمسمئة قطعة(3) .

____________________

(1) راجع الفصل الموسوم بـ: (أخبار عن الحائر وزائريه).

(2) فرحة الغري / 59.

(3) وقد زار كربلاء من البويهيِّين عزّ الدولة عام 366 هـ مع ابن بقية بعد أن استخلف على بغداد الشريف أبا الحسن محمّد. (تكملة تأريخ الطبري - للهمداني / 231).

وفي سنة 369 هـ في زمن عضد الدولة أُطلقت الصلات لأهل الشرف، والمقيمين في المشهدين: الغري و (الحائر) - على ساكنهما السّلام - وبمقابر قريش، فاشترك الناس في الزيارات والمصليات بعد عداوات كانت تنشأ بينهم. (انظر تجارب الأمم - لابن مسكويه 6 / 407).

وفي سنة 402 هـ واصل فخر الملك الصدقات والحمول إلى المشاهد بمقابر قريش والحائر والكوفة، وفرّق الثياب والتمور. (المنتظم 7 / 256).

وقد زارها من البويهيِّين أيضاً الملك جلال الدولة أبو طاهر ابن بهاء الدولة ابن عضد الدولة، وترجّل قبل أن يرد المشهد بنحو الفرسخ؛ تعظيماً وإجلالاً لقبر سيد الشهداء (عليه السّلام)، وكان ذلك سنة إحدى وثلاثين وأربعمئة. (الكامل ج 9. وراجع أيضاً المنتظم 8 / 105).


ووصف الصنجي حال عمرانها، وقد وردها بعد تمام القرن السابع وأوّل القرن الثامن(1) ، قال: هي مدينة صغيرة، تحفّها حدائق النخيل، ويسقيها ماء الفرات، والروضة المقدّسة داخلها، وعليها مدرسة عظيمة وزاوية.

وفي سنة 436 هـ قد سار الملك أبو كاليجار البويهي إلى بغداد في مئة فارس، فلمّا وصل النعمانية لقيه دبيس بن مزيد، ومضى إلى زيارة المشهدين بالكوفة وكربلاء. (الكامل 8 / 40).

وفي المنتظم (8 / 45) في حوادث سنة 442: وخرجوا إلى زيارة المشهدين مشهد علي والحسين... وخرج من الأتراك وأهل السُنّة مَنْ لم يجر به عادة.

وزارها من السلاجقة في النصف الثاني من القرن الخامس (سنة 479) السلطان ملكشاه السلجوقي مع وزيره نظام الملك عندما كان ذاهباً للصيد في تلك الأنحاء (الكامل ج 9)، وفي المنتظم أنّه أمر بتعمير سور الحائر ز (المنتظم 9 / 29).

وفي سنة 529 مضى إلى زيارة علي ومشهد الحسين (عليهما السّلام) خلق لا يحصون، وظهر التشيّع. (المنتظم 10 / 52).

وفي ربيع الآخر سنة 553 هـ خرج الخليفة المقتفي بالله بقصد الأنبار، وعبر الفرات، وزار قبر الحسين (عليه السّلام). (المنتظم 10 / 181).

وفي سنة 634 هـ الخليفة المستنصر بالله العباسي أبرز ثلاثة آلاف دينار إلى الشريف الأقساسي (نقيب الطالبيين)، وأمر أن يُفرّقها على العلويِّين المقيمين في مشهد أمير المؤمنين علي والحسين وموسى بن جعفر (عليهم السّلام).. (الحوادث الجامعة - لابن الفوطي / 95).

وقد زارها الملك الناصر ابن الملك عيسى الأيوبي سنة 653 هـ عند مجيئه للعراق لأخذ جوهرة عظيمة كان قد بعثها من حلب وديعة عند الخليفة المستعصم العباسي، ثمّ توجّه من كربلاء إلى الحج بعد أن أيس من أخذها. (المختصر في أخبار البشر - لأبي الفداء 3 / 191).

____________________

(1) وممّن زار كربلاء في القرن الثامن السيد نور الدين نعمة الله ولي، من العلماء المتصوّفة - الذي يرتقي نسبه إلى الباقر (عليه السّلام)، والمولود في حلب سنة 731 هـ - قاصداً من همدان إلى زيارة عتبة المشهد الحسيني.

وفي حوالي مدينة الحلّة الذي لم يوجد فيها آنذاك سوى الماء المالح، حفر السيد بئراً حلو الماء فعرف ببئر نعمة الله.

وبعد زيارة كربلاء اعتكف أربعين يوماً بجوار سرداب مقتل الحسين (عليه السّلام)، أمضاها في صوم النهار، وبالصلاة والتهجد والبكاء في الليل والأسحار، وبعد =


كريمة(1) ، فيها الطعام للوارد والصادر(2) . وعلى باب الروضة الحجاب والقومة، لا يدخل أحد إلاّ عن إذنهم؛ فيقبّل العتبة الشريفة وهي من الفضة، وعلى الضريح المقدّس قناديل الذهب والفضة، وعلى الأبواب أستار الحرير.

وأهل هذه المدينة طائفتان؛ أولاد زحيكو، وأولاد فائز، وبينهم القتال أبداً، وهم جميعاً إماميّة يرجعون إلى أب واحد؛ ولأجل فتنتهم تخرّبت هذه المدينة(2) .

وحوالي نفس التأريخ وصفها المؤرخ والجغرافي الشهير حمد الله المستوفي بقوله: « وغربي الكوفة بثمانية فراسخ في صحراء كربلاء مشهد الحسين (عليه السّلام) المعروف بـ (المشهد الحائري)، وقد ذكر في عهد الخليفة المتوكّل أنّه أجرى الماء عليها بقصد تخريبه حتّى حار الماء عند قبره الشريف، وظلّت البقعة الطاهرة عند القبر جافة، وقد شيّد عمارته عضد الدولة فنا خسرو الديلمي، وحول هذا الموضع قرية مساحتها ألفين وأربعمئة خطوة »(3) .

ولم يغفل الجغرافيون المسلمون الأوائل عن ذكر كربلاء، ولكن

____________________

= زيارته للعتبات المقدّسة في العراق شدّ رحاله إلى القاهرة، وفيها اجتمع بالسيد حسين الأخلاطي الصوفي الشهير، وأخذ عنه بعض العلوم الغريبة، ثمّ سافر إلى مكة المعظّمة ولازم فيها الشيخ عبد الله اليافعي الملقّب بـ (نزيل الحرمين) سبعة أعوام، ثمّ رجع إلى إيران وزار المشهد، ومنها توجّه إلى سمرقند حيث تلاقى مع الأمير تيمور كوركان (لنك). (ملخصه عن رياض السياحة - شيرواني صاحب بستان السياحة 1 / 233).

(1) يعتقد السيد حسن الكليدار أنّ هذه المدرسة هي مسجد ابن شاهين البطائحي، وأنّ الزاوية الكريمة هي: (دار السيادة) التي أنشأها محمود غازان. (عادل)

(2) هكذا وردت العبارة، وهي واضحة السقط.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(3) رحلة ابن بطوطة / 139، وقد وردها سنة 726.

(4) نزهة القلوب - لحمد الله المستوفي القزويني، وقد صنف كتابه في النصف الأوّل من القرن الثامن الهجري.


مع بالغ الأسف اقتصروا في ذكرها فقط على أنّها مدينة تقع في غربي الفرات بحذاء قصر ابن هبيرة(1) .

وكان أكثرهم ذكراً عنها هو ابن حوقل النصيبي الذي قال: وكربلاء من غربي الفرات فيما يحاذي قصر ابن هبيرة، وبها قبر الحسين بن علي (صلوات الله عليهما)، وله مشهد عظيم، وخطب في أوقات من السنة بزيارته، وقصده جسيم(2) .

وقد أكثر المتأخرون من وصفها والإشادة بها، فكان ممّن وصفها القاضي نور الله الشوشتري - في القرن العاشر - وصفاً يسيراً في مجالسه (ص 25) بقوله:...والحال إنّ مشهد كربلاء من أعظم الأمصار، ومجمع أخيار كلّ الديار، والماء العذب يجري في غدرانها، والبساتين الغناء تحيطها، وقد [نقل] في فضيلة تربة كربلاء وثواب زيارة المرقد المنوّر الحسيني روايات كثيرة، ومعظمها صيغة بصورة شعرية(3) ، وقد

____________________

(1) راجع عن ذلك صور الأقاليم - للبلخي (مخلوط في خزانة المؤلّف) / 52، المسالك والممالك - تأليف الإصطخري سنة 340 هـ / 85 ط ليدن، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم - تأليف المقدسي سنة 375 هـ / 130 ط ليدن، أسماء الأمكنة والبقاع - للزمخشري / 119 ط ليدن، تقويم البلدان - تأليف أبي الفداء صاحب حماة سنة (721 هـ) / 305 ط ليدن، مراصد الإطلاع - لعبد الحق الحنبلي سنة (700 هـ)، وذكرها أيضاً الهروي في كتابه: (الإشارات إلى معرفة المزارات)، انظر أيضاً مجمع البحرين.

(2) صورة الأرض - تأليف ابن حوقل النصيبي سنة (367) / 166، الطبعة الثانية لطبعة بريل سنة 1938 م.

(3) وقد استشهد بشواهد شعرية، منها رباعية فضولي البغدادي (المدفون في كربلاء)، وهي:

آسودهء كربلا بهر حال كه هست

كر خاك شود نميشود قدرش بست

بـرميدارند وسـبحه مـيسازندش

ميكردانندش از شرف دست بدست


زارها الرحالة عباس المدني في القرن الثاني عشر، فوصفها في (نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس / 84) بقوله: فلمّا أسفر الصباح عن وجه الهنا والانشراح رابع ربيع الأوّل، عام ألف ومئة وواحد وثلاثين من هجرة النبي المرسل، توكّلنا على الربّ العلي، ورحلنا من مشهد علي قاصدين زيارة الشهيد المبتلى المدفون بكربلاء الحسين بن علي ومَنْ معه من الشهداء الصابرين (رضوان الله عليهم أجمعين).

ففي خامس الشهر المذكور أتينا على موضع يُقال له: الخان الأخير، ومررنا في طريقنا بقبر النبي ذي الكفل (عليه السّلام) فزرناه وبلغنا المرام، وفي سادس الشهر دخلنا أرض الحائر مشهد الحسين الطاهر (سلام الله عليه، وعلى جدّه وأبيه، واُمّه وأخيه، وسائر مواليه ومحبيه):

لـلـه أيامٌ مـضـت بـكربلا

مـحروسةٌ مـن كـلِّ كربٍ وبلا

بـمـشهدِ الـحـسينِ ذو الـعـلا!

ونسلِ خيرِ الخلقِ من كلِّ الملا(1)

حتى يقول: فتشرفت والحمد لله بالزيارة، ولاح لي من جنابه الشريف إشارة؛ فإنّي قصدته لحال وما كلّ ما يُعلم يُقال. وقرّت عيني بزيارة الشهيد علي الأصغر ابن مولانا الحسين الشهيد الأكبر، وزيارة سيدي الشهيد العباس بن علي بن أبي طالب (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين).

وأمّا ضريح سيدي الحسين ففيه جملة قناديل من الورق المرصّع، والعين ما يبهت العين، ومن أنواع الجواهر الثمينة ما يساوي خراج مدينة، وأغلب ذلك من ملوك العجم، وعلى رأسه الشريف قنديل من الذهب يبلغ وزنه منّين بل أكثر، وقد عقدت عليه قبة رفيعة السماك متّصلة بالأفلاك، وبناؤها عجيب، صنعةُ حكيم لبيب. وقد أقمت شهرين بمشهد مولاي الحسين.

بلدة من كلّ المكاره

____________________

(1) ثمّ يثبت قصيدة طويلة من بحر الرجز للشيخ محمّد بن الحسن الحر العاملي.


جنّة، كأنّها من رياض الجنّة، نخليها باصقات ومائها عذب زلال من شط الفرات. وأقمارها مبدرة وأنوارها مسفرة، ووجوه قطانها ضاحكة مستبشرة، وقصورها كغرف الجنان مصنوعة، فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة. وفواكهها مختلفة الألوان، وأطيارها تسبّح الرحمن على الأغصان، وبساتينها مشرقة بأنوار الورود والزهور، وعرف ترابها كالمسك ولونه كالكافور.

وأهلها كرام أماثل، ليس لهم في عصرهم مماثل، لم تلق فيهم غير عزيز جليل، ورئيس صاحب خُلق وخلق جميل، وعالم فاضل، وماجد عادل، يحبون الغريب، ويصلون من برّهم وبُرّهم بأوفر نصيب، ولا تلتفت إلى قول ابن أياس في نشق الأزهار بأنّهم من البخلاء الأشرار، فلله خرق العادة؛ فإنّهم فوق ما أصف وزيادة:

هـينون لـينون أيـسارٌ ذوو كرمٍ

سـوّاسُ مـكرمةٍ أبـناءُ أيـسارِ

إن يُسألوا الحقّ يُعطَوه وإن خبروا

في الجهد أدرك عنهم طيب أخبارِ

لا يـنطقوا عن الفحشاء إن نطقوا

ولا يـمارون إن مـاروا بـإكثارِ

فـيهم ومـنهم يـعدّ الـمجد متّلداً

ولا يـعد ثـنا خـزي ولا عـادِ

مَـن تـلقَ منهم تقلْ لاقيتُ سيّدَهُمْ

مثل النجومِ التي يسري بها الساري

واجتمعت بالرئيس المعظّم والعظيم المفخم، ذي الشرف الباذخ والفخر الوضّاح، مولانا السيد حسين الكليدار - يعني صاحب المفتاح - وبأخيه الشهم الكريم النبيل العظيم، مولانا السيد مرتضى (حماه الله تعالى من حوادث القضاء)، وبالعالم العلاّمة الحبر النحرير، الرحّالة الفهامة، ذي الوصف الجميل، والذكر الحسن، مولانا الفاضل الملا أبو الحسن، فجمع بيني وبين الأمير المظفر الشجاع الغضنفر، البحر الغطمطم، الأسد الغشمشم، بحر الإحسان ومعدن الكرم، الأمير حسين أوغلي بيك أيشك أغاسي باشي حرم سلطان العجم، وكان قد استأذن من السلطان في ذلك العام أن يسير إلى العراق لزيارة الأئمّة أعلام الهدى ومصابيح الظلام...


كربلاء في القرن الثالث عشر

ولم تزل كربلاء بين صعود وهبوط، ورقي وانحطاط؛ تارة تنحطّ فتخضع لدول الطوائف، وطوراً تعمر متقدّمة بعض التقدّم إلى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانيّة سنة 914 هجـ، وأخذت تتنفّس الصعداء ممّا أصابها من نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها.

وبقيت مطمئنة البال مدّة طويلة تزيد على ثلاثة قرون(1) ، ولم ترَ خلالها ما يكدّر صفو سكّانها حتّى مفتتح القرن الثالث عشر الهجري؛ إذ كان هذا القرن من مبتدئه إلى منتهاه من أسوأ القرون التي مرّت بها المدينة المقدّسة، كأنّما القدر أبى أن تعيش ولو إلى حين في طمأنينة وهدوء؛ فأنزل ضربته القاضية بما حلّ بها من محن وإراقة دماء وخراب ونهب، وإن كان ما حلّ بهذه المدينة المقدّسة - في هذا القرن - لم يقتصر عليها وحدها، ولم يختصّ بها بل عمّ جميع البلاد، وشمل البلاء سائر العباد.

ونظراً لعدم تسلسل الحوادث وترابطها، وعدم وقوع حوادث ووقائع متتالية في قرن واحد كهذا القرن في القرون الماضية، فرأينا عدم تثبيت تلك الحوادث هنا، ولا يعني هذا خلوّ القرون الماضية من الحوادث والوقائع المهمّة بها، بل العكس من ذلك؛ إذ حفظ التأريخ لنا حوادث غاية في الأهمية جرت على بسيط أديمها، وقد ذكر ذلك صاحب الكامل وغيره لكن في قرون متباعدة(2) .

____________________

(1) أي من بعد غارة المولى علي بن فلاح المشعشعي سنة (858) هجـ إلى حادثة الوهابيّين سنة (1216) هجـ.

(2) إليك سرداً موجزاً بهذه الحوادث: يحدّثنا ابن مسكوية في تجاربه (6 / 338)، وابن الأثير في الكامل (7 / 153): في سنة 369 أغار ضبّة الأسدي على كربلاء، وانتهك حرمة المشهد بالحائر، ونهب ما وجد =


وأستميح القارئ عذراً لتركي ذكر السنين والشهور والأيام على الترتيب من مبتدأ هذا القرن حتّى منتهاه كما يقتضي؛ إذ هو من سنن

____________________

= فيها، وكان ضبّة هذا « من أهل عين التمر، كثير العشائر، وقد جرت عادته بالتبسط بأن يشنّ الغارات على أطراف بغداد ويمنع مَنْ جلب الميرة إليها، ففعل ووجد الطريق إلى بغيته فنهب السواد وقطع السبيل (تجارب الأمم 6 / 153)، فأرسل عضد الدولة سريّة إلى عين التمر في طلب هذا السفّاك ضبّة الأسدي، فلم يشعر إلاّ والعساكر معه، فترك أهله وماله ونجا بنفسه، وأخذ ماله وأهله ومُلكت عين التمر، فكان ما جرى عليه عقاباً لما فعله بالحائر.

وراجع أيضاً المنتظم 7 / 101: وفي سنة 489 هجـ غارت خفاجة على كربلاء، ودخلوا المشهد الحسيني، وتظاهروا فيه بالفساد والمنكر؛ فوجّه إليهم سيف الدولة صدقة بن مزيد الأسدي صاحب الحلّة جيشاً فكبسوهم وقتلوا منهم خلقاً كثيراً في المشهد حتّى عند الضريح، وقد ذكروا أيضاً أنّ رجلاً منهم قد ألقى نفسه هو وفرسه من أعلى السور فسلم هو والفرس (الكامل 10 / 108 ط: ليدن، والبداية - لابن كثير 12 / 152، وراجع أيضاً المنتظم - لابن الجوزي 9 / 97).

وفي حوادث سنة 513 هجـ يحدّثنا ابن الجوزي في المنتظم (9 / 207) بأنّ دبيس بن مزيد الأسدي كسر المنبر الذي في مشهد علي (عليه السّلام) والذي في مشهد الحسين (عليه السّلام)، وقال: لا تُقام ها هنا جمعة ولا يخطب أحد.

من البديهي أنّ هذا العمل لم يكن عدائياً، وإنّما كان إنكاراً لذكر المسترشد في الخطبة بالمشهد الحسيني؛ لأنّ دبيساً هذا كان أحد أعاظم الشيعة.

وفي شوال سنة خمس وتسعون وسبعمئة فتح تيمور لنك المغولي بغداد، ففرّ حاكمها السلطان أحمد الجلائري إلى كربلاء (توزك أمير تيمور الكوركاني ص 42)، فتبعه جيش تيمور فلحقه في كربلاء، فدارت في صحرائها وتحت لهيب شمسها المحرقة رحى معركة طاحنة.

أجاد في وصفها ميرخواند صاحب (روضة الصفاء في المجلد السادس)؛ فقد جاء فيه ما ترجمته:... فهرب السلطان أحمد الجلائري فتعقّبه الأمير تيمور بجنده، ولكن خواصه التمسوا منه البقاء في بغداد، وأنّهم سوف يعقبونه، فنزل الأمير تيمور عند رغبتهم.

أمّا الذين تعقّبوا السلطان أحمد وصلوا صباحاً إلى شاطئ الفرات، وعلموا أنّ السلطان قد عبر النهر وأغرق جميع السفن، وقطع الجسر الذي عليه، وأنّه ينوي الهروب إلى دمشق عن طريق كربلاء، وهنا اختلفوا في أيّ الطرق أصوب لسلوكه، وقرّروا أخيراً أن يعبروا =


مؤرخي العرب وسبيل الفطاحل من أئمتهم، ولا غرو فقد صنفوا مؤلّفاتهم

____________________

= الفرات، وهم في هذا الحال عثروا على أربع سفن، فركبوها وعبروا بها الفرات، واقتفوا أثر السلطان.

وقد وجدوا في طريقه كثيراً من الأموال والأسلاب والأطعمة كان قد تركها السلطان؛ لِما أصابه من الارتباك والحيرة فغنموها.

خمسة وأربعون رجلاً من الأمراء والأعيان مثل: إينانج أغلان، وجلال حميد، وعثمان بهادر، وسيد خواجه ابن الشيخ علي بهادر وغيرهم قد تقدّموا جيشهم على سبيل التعجيل، فظفروا هؤلاء بالسلطان أحمد في سهل كربلاء، وكان مع السلطان 2000 فارس، تقدّم منهم مئتا فارس، فالتحم القتال بين الفريقين، وترجّل الأمراء من خيولهم مرّتين مستعدون للقتال، وقد انهزم أعداؤهم من كثرة ما رُشقوا بالنبال، وقد ركب الأمراء ثاني مرّة ولحقوهم.

وفي الكرّة الثالثة حمل أتباع السلطان أحمد على الأمراء حملة عنيفة بحيث لم يتمكّن هؤلاء حتّى من النزول عن خيولهم، وتلاحم فرسان وشجعان الطرفين في رحى معركة حامية الوطيس، وقد أظهر الأمير عثمان بهادر في ذلك اليوم شجاعة وبسالة فائقتين، وقد كلّت يده من كثرة الضرب والطعن.

أمّا السلطان أحمد فقد انتهز فرصة التحام الطرفين في القتال، وهرب وأوقع الأمراء الهزيمة بجيش السلطان، وقد غنم الأمراء أمواله ونفائسه التي تركها في ساحة المعركة. وكان من بين أسرى السلطان نساؤه وولده علاء الدولة مع جمع من أفراد عائلته، ثمّ قصد بعد ذلك عثمان بهادر وجماعته إلى التبرّك بزيارة المشهد الحسيني وتقبيل أعتابه الشريفة.

وجاء في روضات الجنان - للخونساري، عند ترجمته لخلف المشعشعي، ومجالس المؤمنين - للشوشتري / 405: في المئة التاسعة نهب المشهدين الشريفين علي بن محمّد بن فلاح المشعشعي ملك الحويزة، وسبا أهلها وقادهم إلى مقرّه.

وقد جاء في تأريخ الغياثي (المخطوط في مكتبة المتحف العراقي) ص 217 عن المولى المشعشعي ما نصه: ودخل يوم الأحد 23 ذي القعدة إلى مشهد الغروي والحائري، ففتحوا له الأبواب، ودخل فأخذ ما تبقّى من القناديل والسيوف، ورونق المشاهد جميعها من الطوس والأعتاب الفضية والستور والزوالي وغير ذلك، ودخل بالفرس إلى داخل الضريح، وأمر بكسر الصندوق واُحرق، ونقل أهل المشهدين من السادة وغيرهم بيوتهم.


في عصر رقي العرب وتمدّنهم، والحال غني عن البيان والإيضاح عن كيفية ضبطهم للحوادث والوقائع بأوانها.

أمّا هذا القرن فهو أحد قرون تأخّر العرب وسقوطهم؛ إذ فاقوا البرابرة أنفسهم بما جرّوه على البلاد من الخراب والدمار، فأنى لهم العلم بضبط الحوادث، وقيد كنه ترتيب الوقائع؟!

ويجدر بنا قبل أن نتكلّم عن حوادث كربلاء الدامية في هذا القرن أن نعطف نظرنا إلى مجرى أحوال العراق السياسية والاجتماعية أبان الاحتلال العثماني لها، ونعطي للقارئ فكرة موجزة عنها؛ لكي نتقرّب ونتمكّن من أداء مقصودنا.

هذا، ويقسم سير إدارة الحكم العثماني للعراق إلى ثلاثة أدوار، امتازت هذه الأدوار بعضها عن بعض لنفوذهم ويسطرتهم حيناً دون حين، والذي يهمّنا في معرض حديثنا هذا هو سير إدارة الحكم العثماني في العراق إبان الدور الثاني والثالث.

الدور الثاني:

ابتدأ هذا الدور بعد هجوم نادر شاه على العراق، ويقدّر أوّله بسنة ثلاث وستين بعد المئة والألف الهجرية، وذلك عند إسناد ولاية بغداد إلى سليمان باشا مملوك أحمد باشا.

وقد ولع سليمان هذا باقتناء المماليك ولعاً عظيماً؛ لكونه منهم، وقد بذل جهداً كبيراً في سبيل تربيتهم وتعليمهم الفنون الحربية؛ فعزّز ذلك من مركزه، وحطّ من أنفه المستحقرين شأنه، فاشتهر اسمه وبَعُد صيته في ضبطه للأمور وعبقريته الإدارية، إلاّ أنّه فتح للعثمانيين باباً لم يتمكّنوا من ردمه إلاّ بعد مدّة من الزمن؛ إذ فلتت زمام المبادرة من أيدي الحكومة


العثمانيّة، ودخل العراق دوراً جديداً استقلّ فيه الولاة المماليك عن الحكومة العثمانيّة، فأطلقوا أيديهم في العبث بشؤونها، فأخذوا يتنافسون فيما بينهم للتوصّل إلى السلطة، واندلعت الثورات في البلاد، وقد آل حال هذا الدور إلى وضع غريب لا يمكن للباحث المحقّق أن يصف تلك الحالة وصفها [ الذي ] ينطبق على واقع الحال؛ إذ كانت الأوضاع في تقلّب عجيب لم تستقرّ فيها على مبدأ واحد.

ولمّا وقع بين المماليك من التنافس والتناحر على السلطة لم يبقَ للولاة تلك الأهمية والنفوذ التي كانت لولاة الدور الأوّل؛ فهذا عبد الله باشا طلب من حمود رئيس عشيرة المنتفق بتسليم سعيد بن سليمان الكبير، فرفض هذا الأخير طلبه حفظاً للجوار، فاضطر الوزير إلى الخروج بنفسه؛ لكي يحفظ ما تبقّى للوالي من هيبة وسلطة، فاشتبك مع حمود في معركة حامية.

فدارت الكرّة على الوزير لتفرّق بعض أعوانه عنه؛ فأُسرت عساكره، ونُهبت سرادقه، ووقع هو نفسه في الأسر، فكبّل بالحديد ووضع القيد في عنقه، وأُخذ إلى السوق ذليلاً، فخُنق بها وقبر، ثمّ نُبش وقطع رأسه، فصار سعيد المستجير أميراً، قام مقام الوزير لتعضيد حمود إياه؛ إذ سيّر معه الجيوش إلى بغداد، ومكّنه من ولاية أمرها وصيانتها من تطاول الأيدي، وإخضاع العصاة من أهل عصبياتها، والمواقع الخارجة عن سيادتها.

فهذه البصرة أخذها صادق شقيق كريم خان الزند بعد أن حاصرها مدّة من الزمن دون أن يستطيع والي بغداد عمر باشا أن يفعل شيئاً؛ لعدم وجود حامية في بغداد تعمل على استخلاص البصرة من أيدي الفرس، وذلك بالرغم من تشدّد عبد الحميد واهتمامه للأمر، وقيامه بإرسال الجيوش لها من عاصمته؛ فإنّ ذلك لم يغن شيئاً؛ إذ بقيت البصرة بأيدي الأعاجم حتّى أن بلغ صادق الزند خبر وفاة أخيه فتركها فوراً إلى عاصمته شيراز؛ طمعاً بالسلطة، فعادت البصرة حينذاك فقط إلى حوزة


الدولة العثمانيّة؛ وذلك لميل أهلها.

ولعدم وجود حامية في بغداد استقلّ رؤساء الولايات كلّ بشؤون ولايته خلا البصرة؛ إذ كانت الحكومة العثمانيّة ترسل إليها مَنْ يحكمها تحت اسم: (المتسلّم)، وبعض الحلّة.

هذا وكان العثمانيون معذورين من عدم تركهم الحامية فيها، أو إرسال الجند لإخضاع المتمرّدين بها؛ وذلك لانشغالهم بأنفسهم وارتباك أمورهم، ولكنّه إذا أعلن أحد ولاتهم العصيان عليهم فلا يتعدّى الحال أمرين؛ إمّا أن يتداركوا الأمر بالحال، أو ينتظرون ريثما يعيّنون والياً جديداً يسيّرون معه جيشاً لإخضاع الخارج عن إرادتهم، وأخذ رأسه وإرساله إلى سرير السلطان.

وهناك وقع ما أغنى العثمانيّين من تكبّد هذه المشاق بما ظهر في البغداديين من الحماس والإقدام على عزل ولاتهم، وقتل بعضهم، ونصب مَنْ رغبوا فيه، وكان ذلك من السهل عليهم بمكان؛ فقد كانوا يتقدّمون إلى تقديم محضر يطلبون فيه من الملك التصديق على تعيينه، فبوصول هذا المحضر كانت تصدر الإرادة موافقة على ذلك؛ إذ لم يكن هناك مَنْ يبحث عن سبب ذلك.

ولسيادة الفوضى وكثرة القتل والنهب في البلاد اضطرب حبل الأمن، وانقطعت طرق المواصلات بين البلاد، فألجأ هذا الحال الأمراء والولاة وبعض أهل الفضل إلى أن يبذلوا الأموال لتشييد المعاقل والخانات، وتوظيف الخفراء فيها؛ وذلك لتأمين المسافرين من الأخطار، وليأخذوا بها قسطاً من الراحة أيضاً.

وتلك المعاقل موجودة حتّى اليوم، بعضها عامر، والبعض الآخر على شرف الاضمحلال؛ لترك الناس لها عندما استتب الأمن نوعاً ما.

وكانت القوافل لا تسير أكثر من ساعتين أو ثلاث؛ ولذلك راعوا في بناء هذه المعاقل أن تكون المسافة قليلة بين معقل وآخر، فإذا خرجت


القوافل من كربلاء قاصدة بغداد أمّنت المعقل الأوّل الذي يسمّى اليوم بـ (خان العطيشي)، ثمّ إلى معقل المسيب، ثمّ معقل الإسكندرية، ثمّ معقل المحمودية، وقد يمرّون بثلاثة معاقل حتّى يصلوا بغداد، ولم تكن المسافة بين معقل وآخر لتتجاوز الثلاث ساعات. وبلغ الحال بها من السوء درجة أن أصبحت القوافل مهدّدة في أقلّ من هذه المسافة، وأصبح الصعاليك يضربون الأتاوة على ما يتمكنون من استيفائه؛ إذ لم تكن هناك قوّة حازمة لتردعهم.

فهؤلاء الزكاريت - وليسوا هم إلاّ من صعاليك البدو - كانوا يجبون بما في بساتين كربلاء من التمر، وقد وصل الأمر من السوء درجة أنّه إذا اعترض أحد الأهالي عليهم، أو تكلم عنهم بسوء فسوف يصبح وهو لا يملك من نفسه ولا أرضه شيئاً، وربّما أجبروا الأهلين إلى تفويضهم حقّ امتلاك بساتينهم؛ فكم ترك الأهالي لهؤلاء الصعاليك من الأراضي والبساتين؛ إذ لليوم تطلق أسماؤهم على القطع التي اغتصبوها، فليت شعري إن كان هذا حال صعاليكها ومستضعفيها، فبالله ماذا يكون من أمر أهل عدّتها وعدديها؟!

فلا نستغرب إذاً من أنّهم قد ألقوا الذعر والفزع في نفوس أهل المدن الكبرى؛ إذ إنّ لعصبياتهم وتحزّبهم صار شرّهم لا يُطاق؛ لنهب كلّ عشيرة ما يجاورها من النواحي والأقضية والمدن لزبيد الحلّة وتوابعها، إذ إنّ موطنهم الجزيرة بين النهرين، ولخزاعة حسكة وتوابعها، وموطنهم الديوانية - على أنّها اتخذت ديواناً لرؤسائهم - وللمنتفق البصرة لقرب موطنهم منها، ولبني لام بدرة وجصان، وقد وصلت بغداد غاراتهم، وللضفير الذين هم من البدو الرحل عند ورودهم العراق السماوة والرماحية، ولشمر كلّ العراق؛ إذ إنّهم لا يأوون إلى محلّ يختص بهم دون غيرهم.

ولربّما اتفق هؤلاء جميعاً وشاركهم مَنْ هم على شاكلتهم في حصارهم للمدن.


وقد صادف في بعض السنين أن ورد من الإيرانيين إلى كربلاء بقصد الزيارة ما ينوف عددهم على الأربعين ألف زائر، وفيهم زوجة شاه إيران، فتحرّكت عليهم أطماع العرب؛ فاتفقت خزاعة وزبيد وشمر وآل ضفير إلى نهبهم، فقصدوا كربلاء وحاصروها مدّة من الزمن؛ ولوجود زوجة الشاه بينهم خاف سعيد باشا والي بغداد حينذاك من عواقب الأمور، فاهتم لذلك وبعث داود الذي صار والياً على بغداد بعد حين لما عرف فيه من الكفاية والبسالة والإقدام؛ إذ كان ذلك بادياً على محياه من نعومة أظفاره.

فقام داود بالمهمة التي عهدت إليه؛ إذ جنّد ما تمكّن من تجنيده من المتطوّعة ونزل الحلّة إلى أن تمكّن بعد جهد جهيد من ردع هؤلاء الأعراب وتفريق جمعهم، فسيّر مع الفرس مَنْ يخفرهم إلى النجف، ثمّ أعادوهم إلى بغداد وأوصلوهم إلى مأمنهم.

وممّا زاد في الطين بلّة أخذت العشائر تغزو بعضها بعضاً - كما هو الحال إلى اليوم - داخل جزيرتهم؛ لخلو فيافيها القاحلة من الحراثة والزراعة، فلم يرَ أهلها طريقاً للعيش سوى غزو بعضهم بعضاً.

وحيث إنّهم كانوا حديثو عهد بالنهب والغزو، ولم يكن بعد قد أصبح ذلك عرفاً بينهم، فصاروا يتوسّلون بكلّ وسيلة - مهما كانت طفيفة - من شأنها أن تثير الفتن بينهم حتّى يتخذوا منها ذريعة لغزو بعضهم بعضاً؛ فإنّ ذلك بها لا يعدّ لكثرته. فما وقع بين المنتفق وخزاعة فيما يلي السماوة كان من تلك الغارات، وكان لذلك يوماً مشهوداً انتصرت فيه خزاعة على المنتفق.

وعلى مرّ الأيام أصبح الغزو والغارة عادة لا ينكر شأنها، حتّى إنّ البدو الذين هم داخل الجزيرة العربية كانوا عند قدومهم العراق يغزون مواقعها لتقرّر ذلك؛ إذ إنّ الأمر صار بينهم سنة وعادة، وما وقع لأهل البادية بها لا يُحصى عدّه، وقد أدركنا جملة منها.

هذا وقد بلغ الحال بها من التأخّر درجة بحيث صار الدور الأوّل مَنْ سير


إدارة حكم الدولة العثمانيّة دور عمران وتقدّم إذا قيس بهذا الدور.

وختم هذا الدور بسقوط داود باشا الذي حكمها بضع سنين مستقلاً عن نفوذ العثمانيِّين، ولولا ما داهمه القضاء في تدمير جيوشه بانتشار مرض الطاعون والوباء بينهم لكان خطره على الدولة العثمانيّة تلو ما دهم العثمانيِّين من القائد المصري محمّد علي، فذهبت مساعيه أدراج الرياح، وقد أُخذ أسيراً إلى العاصمة، وترك هناك تحت اسم (شيخ الوزراء) ثمّ بعث شيخاً لحرم الرسول المكرّم (صلّى الله عليه وآله)، فقام بتلك الوظيفة المقدّسة أخريات أيامه إلى أن أدركه حمامه فقبر في بقيعها.

هذا وقد تدفقت الحياة مجدداً بأوصال العثمانيِّين الخامدة عندما قام أحد سلاطينهم أبو السعود محمود إلى قتل الينكجرية لسنة إحدى وأربعين بعد المتين والألف الهجرية، وقبض بيد من حديد على اُمور الدولة، فأوقفها من هوّة تقهقرها، وسعى لإعادة شأنها وإصلاح أمورها.

عطف عند ذلك نظره على العراق وأنقذها من يد المتغلّب عليها داود بعد أن فوّض شؤون إدارتها إلى اللاز علي رضا، إلاّ أنّ العراق لم يتزوّد من تفقّداته بسوى ذلك؛ إذ اختطفته يد المنون، فقام ولده عبد المجيد مقامه فكان ممّا هيّأ له من أسباب السعادة أن عاصره المصلح الكبير الأوّل، وأوحد رجالاتهم مصطفى رشيد، فألبس دولته لباس الحضارة، وأعاد إليها أُبّهة النضارة، فأنار العراق بظهور آثار الدور الثالث من سير إدارة الحكم العثماني للعراق.

الدور الثالث:

ابتدأ هذا الدور بعد سقوط داود وولاية اللاز علي رضا عند مفتتح السادس والأربعون بعد المئتين والألف، فقام هذا الوزير بشؤون إصلاح


اُمور العراق، ولم شعثها من ترك حاميات الجند في البلاد، وقد نصب الحكّام بها، وبذل الجهد في سبيل تأمين السبل والطرق، إلاّ أنّه لم يدرك المقصود؛ للهوى الذي كان في نفوس أهليه، وما كان لهم من الاستحقار للقوّة الحاكمة؛ إذ إنّ النفوس قد اشرأبت إلى الحرية عند زمن الانحلال في أواخر الدور الثاني، وزاد ذلك أنّ بعض الولايات التي استقلّت في عهد داود قد بقيت على انفصالها.

وخلاصة القول: إنّ أيام علي رضا على طول زمنها لم تنتج تمام ما قصده، إلاّ أنّها انصرمت بهدوء وسلام، وفي أواخر أيامه توفي السلطان محمود وقام مقامه عبد المجيد، وانشغل بادئ أمره في استرجاع البلاد الشامية، وانتهى الأمر إلى عقد الصلح وختم الأمر بينه وبين المصري محمّد علي، ثم عطف نظره نحو العراق، وبعث للقبض على زمام اُمورها محمّد نجيب، فأدرك هذا بذكائه ما حبس التوفيق عن سلفه؛ إذ لم تأت بطائل إصلاحته؛ لِما في الأنوف من الشمخرة والخيلاء.

فقصد أوّلاً إلى تأديب بني حسن والفتقة وطفيل داخل قضاء الهندية، فاقتصر في حربهم على حبس جريان ماء الفرات عنهم، ومنعه من السيلان في شط الهندي أصف(1) الدولة، إلاّ أنّه لم يقف على طائل بالرغم من تكبّده لخسائر فادحة، وعالج ذلك بنفسه، إلاّ أنّ الطبيعة كانت أقوى منه؛ إذ انفلق السدّ ولم يمتثل الماء لأمره.

ثمّ ساق جيوشاً يرأسها سعد الله - أحد قواده - وأمرهم بمحاصرة كربلاء وإباحتها في واقعة سنأتي بتفصيلها، فهابه العراقيون عندما توالت على الأطراف هجماته، فتسنّى له من إجراء بعض الإصلاح من التشكيلات في ألويتها وأقضيتها ونواحيها من نصب اُمراء، وترك الجند في البلاد.

____________________

(1) هكذا وردت المفردة، ولعل هناك خطأً ما وقع في رسمها أثناء النسخ.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)


على أنّ القصد الذي أنا في سبيل تدوينه عسر السلوك مع اشتهار حوادثها، كحادثة الوهابي والمناخور، وحادثة نجيب باشا وعلي هدلة، لكن ليس بالأيدي ما يُعول عليه، ولا مَنْ يُعتمد عليه ليصح النقل عنه.

فإليك مثلاً الواقعة الأخيرة المنسوبة لعلي هدلة: فقد وقعت لسنة ثلاث وتسعين بعد المئتين والألف الهجرية، ولم يكن مَنْ لم يدركها، أو لم يشاهدها، بل إنّ جلّ الأهلين قد شاركوا فيها، أو شاهدوها عن كثب، فمع شدّة تحرّياتي لم أقع على مدرك يمكن التعويل عليه وضبطه سوى الكلّيات.

فقد وقفت على رسالتين في المناخور؛ أحدهما عربي العبارة، غير إنّه على غير ترتيب(1) ، والثاني فارسي العبارة(2) ، إلاّ أنّه أشبه شيء بالروايات منه بالوقائع التأريخية لشخص عاصر تلك الحادثة، ورسالة في واقعة نجيب باشا منظومة من بحر الرجز فارسية للميرزا زكي حسين الهندي، وهو عند الحادثة شاهداً وقائعها.

وأمّا أخبار نهب ابن مسعود بها فقد وقفت على بعض حوادثها ضمن أخبار العلماء وتراجمهم، ومرثية للشيخ محمّد رضا الأزري، وقد بلغني أنّ لوقعة علي هدلة رسالة مدوّنة لبعض الأفاضل، أرجو من الله أن يمكّنني منها؛ لكي أتمّم بها قصدي، وعليه التكلان.

حتى إذا جاءت سنة 1216 هجرية جهّز الأمير سعود الوهابي جيشاً عرمرماً مؤلّفاً من عشرين الف مقاتل، وهجم على مدينة كربلاء - وكانت على غاية من الشهرة والفخامة، ينتابها زوار الفرس والترك والعرب -، فدخل

____________________

(1) قد تكون الرسالة المسمّاة بـ (نزهة الإخوان في وقعة بلد القتيل العطشان) - لأديب كربلائي مجهول ممّن عاصر هذه الحادثة، توجد نسخته المخطوطة عند السادة آل النقيب.

(2) لعله كتاب (كاشف الإعجاز) الذي يبحث في حادثة المناخور (بالفارسية)، منه نسخة خطّية في مكتبة السيد عبد الرزاق الوهاب.


سعود المدينة بعد أن ضيّق عليها وقاتل حاميتها وسكّانها قتالاً شديداً، وكان سور المدينة مركّب من أفلاك النخيل مرصوصة خلف حائط من الطين، وقد ارتكب الجيش فيها من الفضائع ما لا يوصف. حتّى قيل: إنّه قتل في ليلة واحدة عشرين ألف شخص.

وبعد أن أتمّ الأمير سعود مهمّته الحربية التفت نحو خزائن القبر - وكانت مشحونة بالأموال الوفيرة وكلّ شيء نفيس - فأخذ كلّ ما وجد فيها، وقيل: إنّه فتح كنزاً كان فيها جمّة جمعت من الزوار، وكان من جملة ما أخذه لؤلؤة كبيرة، وعشرون سيفاً محلاّة جميعها بالذهب، ومرصّعة بالحجارة الكريمة، وأوانٍ ذهبية وفضية وفيروز وألماس وغيرها من الذخائر النفيسة الجليلة القدر.

ومن جملة ما نهبه ابن سعود أثاث الروضة وفرشها، منها 4000 شمال كشميري، و 3000 سيف من الفضة، وكثيراً من البنادق والأسلحة.

وقد صارت كربلاء بعد هذه الواقعة في حال يُرثى لها، وقد عاد إليها بعد هذه الحادثة من نجل بنفسه فأصلح بعض خرابها، وأعاد إليها العمران رويداً رويداً(1) .

____________________

(1) هذا ما ذكره المرحوم المؤلّف عن هذه الحادثة، لكنّه عثر بعد ذلك على بعض المؤلّفات الفارسية الجليلة التي أرخت الحادثة بشيء من التفصيل. ونحن نثبت ترجمتها هنا؛ لِما لها من القيمة التأريخية، ولندرة وجودها، وعدم تيسّرها للقارئ العربي على الأقل.

فمن هذه المؤلّفات مسير طالبي - لأبي طالب بن محمّد الأصفهاني، ط الهند، سنة 1227 هـ.

« في الثامن عشر من ذي الحجّة يوم غدير خم (حيث كان معظم سكّان كربلاء قد ذهبوا لزيارة النجف الأشرف بقصد الزيارة المخصوصة)، إذ داهم كربلاء خمسة وعشرون ألف من الفرسان، وقد امتطوا الجياد العربية الأصيلة - وكانوا قبل ذلك قد بعثوا جماعة منهم إلى ضواحي كربلاء، وقد =


____________________

= ارتدوا زيّ الزوار، وجرى بينهم وبين عمر آقا والي كربلاء اتفاقاً، وكان هذا الوالي سنّيّاً متعصّباً - وعند دخولهم المدينة تعالت أصواتهم بـ (اقتلوا المشركين).

وكان من البديهي أن عوقب عمر آقا آخر الأمر بأمر من سليمان باشا والي بغداد. بعد القتل العام أرادوا أن يخلعوا صفائح الذهب الأبريز من جدران المشهد الحسيني، ولكن لاستحكامها ومتانة وضعها لم يستطيعوا ذلك، فقط خرّبوا قسماً من الضريح الذي تحت القبة.

وفي الغروب فجأة وبدون سبب ظاهر غادروا كربلاء متّجهين إلى الحجاز، وقد قُتل في هذه الحادثة أكثر من خمسة آلاف شخص، وأمّا الجرحى فلا يحصون لكثرتهم.

وكان من جملة القتلى ميرزا حسن شاهزاده الإيراني، وميرزا محمّد طبيب اللكنهوري، وعلي نقي خان اللاهوري مع أخيه ميرزا قمر علي مع غلامه وخادمه ».

وقد جاء في (زنبيل فرهاد) - لمعتمد الدولة / 348: «... ولده الأكبر سعود مع 1200 فارس غدّار، فداهموا كربلاء يوم الغدير سنة 1216 هجـ بصورة فجائية، فعملوا في أهلها السيف؛ فقتلوا ونهبوا وأسروا ما استطاعوا، فاستشهد في هذه الواقعة كثير من العلماء، ومن جملتهم جناب الشيخ ملاّ عبد الصمد الهمداني، ففاضت روحه الطاهرة.

ودقّوا القهوة في الرواق الحسيني الشريف، ولم تمضِ ستة أو سبع ساعات حتّى كان عدد المستشهدين الذين فاضت أرواحهم الطاهرة يربوا على ستة آلاف شخص.

وكان أكثر أهالي كربلاء قد ذهبوا إلى زيارة النجف الأشرف لزيارة الغدير المخصوصة، وفي عصر ذلك اليوم المشؤوم غادر سعود كربلاء إلى دياره ».

وجاء أيضاً في مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ - لسبهر / 63: « أسرع سعود مع أتباعه صوب النجف الأشرف، وحاصر قلعة النجف وهاجمها عدّة مرّات، ولكن لم يتمكّن منها، فرجع إلى كربلاء وبـ 12000 فارس من أبطال الرجال، فغافل كربلاء وداهمها - وصادفت هذه الحادثة يوم عيد الغدير - وبدأ القتل والتذبيح بسكنة هذه المدينة حتّى قتل منها خمسة آلاف رجل وامرأة، وكسروا الضريح المبارك، وسرقوا الجواهر والثريّات والمفروشات واللآلئ التي كانت حصيلة قرون عديدة من الهدايا الثمينة من الخلفاء والأمراء، ونُهبت الخزينة والقناديل الثمينة. =


وللشيخ محمّد رضا الأزري يرثى ما حلّ بكربلاء من جرّاء ما فعله الوهابيّون:

خطبٌ على الطفّ قد غشّى بطوفانِ

فـحطّ مـن جـانبيهِ كـلّ بـنيانِ

وصـلصلت فـوقهُ سـوداءُ عاتية

تـرخي السحائب من مثعنجر قاني

شـوهاء تـكشر عـن أنيابها كلحاً

فتبعثُ الموتَ عن تقطيبِ غضبانِ

ظـلّت تـجلجلُ فـي أعلاهُ مرعدةً

يـكادُ يـجهشُ مـنها سمعُ كيوانِ

فـما انجلت عن ضواحيهِ غياهبُها

حـتّى الـتقى الدمُ غدرانٌ بغدرانِ

اللهُ أكـبرُ أيّ الـقارعات رمـتْ

جـرثومة الـدينِ فـانثلّت بأركانِ

فـتلكمُ الـقومُ صرعى في معابدِها

كـأنّهم زهـرٌ فـي فـيء أفـنانِ

قـتلى ترى الدمُ يجري حولهمُ دفعاً

كـأنّهم أنـهرٌ مـن حـولِ كثبانِ

وا لـهفتا لـو شـفتْ وا لهفتا كمداً

عـلى رواعـف أكـبادٍ وأجـفانِ

وا رحـمتا لـمروعاتٍ ضـمائرُها

عـلى مـصارع أشـياخٍ وولدانِ

إلى أن قال:

تـلكم تـئنُّ وهـاتيكم تـحنُّ ولا

مـسترحمينَ ولا من مشفقٍ حاني

كـأنّ أطـفالَها والـبيض تنهبها

أفـراخُ ورقـاء في أظفارِ عقبانِ

يا ليتَ شعري وهل ليتٌ بنافعتي

لو يحضرُ المصطفى في ذلكَ الآنِ

وينظر الحائرَ القدسي مسلخ جزّا

ر وأولاده جـاثـيـنَ كـالـظـانِ

كـأنّ أجـسادَهم إذ ضُرّجت بدمٍّ

درٌّ مـناط عـليهِ سـمطُ مرجانِ

____________________

= وبعد ستة ساعات من هذه الأعمال البربرية غادروا كربلاء ». لزيادة التعريف بهذه الحادثة راجع: تأريخ نجد - لعبد الله فيلبي، وتأريخ العراق بين احتلالين - لعباس العزاوي 6 / 144، وأربعة قرون من تأريخ العراق الحديث - للونكريك، ومطالع السعود في أخبار الوالي داود / 168. (عادل).


إلى أن قال:

رزءٌ تـحارُ لهُ الرهبانُ لو سمعت

مـن ديرِ سمعانَ لا بل ديرِ سمعانِ

او طاقُ كسرى بن ساسانٍ يعيهِ إذاً

لَصدّع الطاق من كسرى بن ساسانِ

يـا غـيرة اللهِ لـلأرحامِ جـامحةً

لـرضّعٍ مـا أتـوا يوماً بعصيانِ

إلى أن قال:

لـشيبةٍ خُـضّبت بالدمِ وهي على

مـحرابها بـين مـصباحٍ وقرآنِ

لـفتية دُفـنوا من غيرِ ما غسلوا

ولم تـزوّد بـكافورٍ وأكـفانِ

لـروعة هـجمت والـناس غافلةً

فأعصوصبوا فرقاً من طيشِ أذهانِ

إلى أن قال:

لمعشر أعلنوا التوحيد والتجؤوا

لـه فـلم يرع توحيدٍ بإعلانِ

لأرؤس لـجلالِ اللهِ راكـعةً

حزت بعد الظبا تهوى لأذقانِ

إلى أن قال:

لـلموحشات اللواتي لا أنيسَ لها

إلاّ تـجاوب ضـرغام وسرحانِ

لـلجائعات اللواتي للقرى رُفعتْ

آبـاؤها نـارهم فـي كلّ أزمانِ

لـلجائعات الـلواتي بعد ما سُلبتْ

ظـلّت تـوارى بأحقافٍ وجدرانِ

لـكلّ عـشر سـلبيات تستر في

عـبائةٍ بـين إخـفاءٍ وإعـلانِ

لمعشرٍ محضوا الإيمان واعتصموا

بالصبر والصبرُ مرسى كلّ إيمانِ

لـقـتل خـمـسة آلاف بـآونةٍ

من النهارِ سوى المستشرف الفاني

إلى أن قال:

لم أدر أيّ رزاياهم أعجّ لها

لذبح صبية أم هتك لنسوانِ

إلى أن قال:

فلا وربّك لا تبصر لها مثلاً

في كلّ ما جهة في كلّ أزمانِ


ومـن رأى يـوم تشريق بغيرِ منى

وهـديه الـعزّ مـن علياءِ عدنانِ

سنَّ ابن سعد سبيلاً واقتدى ابن سـ

ـعودِ الـشـقي بـهِ ضلَّ الـشقيانِ

إلى أن قال:

فـسل بـهابيل إذ قـابيل غال به

مَن الـمحقّ فـفيها آي تـبيانِ

وسـل بقصةِ نوحٍ إذ مضت حقبٌ

مـن قـومهِ مـا لقي في ذلك الآنِ

وتـلكَ عـادٌ عـتوا عن أمر ربّهمُ

فـمـتّعوا زمـناً يُـتلا بـأزمانِ

وسل بساحر فرعون الاُلى صُلبوا

مـن بـعدِ ما قُطعت أيدٍ ورجلانِ

وسـل بموسى بن عمرانٍ وسيرته

مـاذا رآه إذاً مـوسى بن عمرانِ

وسل طواغيتَ أهلَ السبتِ كم قتلوا

مـنهم نـبيّاً وكـم لـجّوا بطغيانِ

فـلم يـعجّل لهم ذو العرشِ قطعهمُ

بـل لـم يـعجّل لفرعونٍ وهامانِ

وسـل بقصّة أهلِ الرس ما فعلوا

بـالأنبياءِ ومـا عـاثوا بـعصيانِ

وسـل بـعيسى رسولِ الله ما فعلتْ

بـهِ الـيهودُ ومـا جـاؤوا ببهتانِ

وسـل بـما لقى المختار من سلفَي

قـريش إذ خـرجوه ثـاني الثاني

وسـل بـاُحدٍ ومـا لاقى النبيُّ به

مـن شـجِّ رأسٍ ومن إلقاء أسنانِ

وسل خزاعةَ في البيتِ الحرام وما

لاقـوه مـن حزبِ أصنامٍ وأوثانِ

وسل بحتف أبي حفص ومصرعِهِ

وسـل بـمصرع عثمانِ بن عفانِ

وسل بحتف أمير المؤمنين أبي الـ

سـبطين إذ غاله الأشقى برمضانِ

وسـل بسمّ سليلِ المصطفى الحسن الـ

زاكيِّ أخي الشرف القدسي والشانِ

وسـل بـما لقى السبطُ ابنُ فاطمةٍ

مـن ابـن مرجانةٍ في طفّ كوفانِ

وسـل بـنازلةِ الحرّى التي نزلتْ

بـعقوة الـمصطفى تـذكوا بنيرانِ

حـيث الدماءُ جرت ما بين منبرِهِ

وقـبره جـري أنـهارٍ وغـدرانِ

وسل بـما لـقيته آلُ حـيدرةٍ

مـن آل مـروان لا رعياً لمروانِ

وسـل بـفتك بـني العباس بعدهمُ

بـالفاطميين مـن شـيبٍ وشـبّانِ

وانـظر إلى قصص القرآن أجمعها

تـرشدك والصبح لم يحتج لبرهانِ


هـاتي طـريقة أهل الله من قدمٍ

لم يمض من أوّلٍ إلاّ اقتفى الثاني

إلى أن قال:

يـا راكباً ظهرَ علباءٍ عذافرةً

يكادُ يسبقُ منها الطرفُ خفّانِ

إلى أن قال:

بـلّغ أبا حسنٍ منّي مغلغلةً

يكادُ يصدعُ منها كلُّ صفوانِ

إلى أن قال:

واشرح له ما جرى وهو الخبير به

فـالزند بـالقدح قد يُرمى بنيرانِ

إلى أن قال:

فـإنّها طـخيةٌ عمياءُ قد غشيتْ

على الخلائقِ من أنس ومن جانِ

ويـا لـها وقـعةٌ ثرّت حوادثُها

بـمشمعلٍّ أجـشِّ الـرعد هنّانِ

وقـال في يومها الأدهى مؤرّخُه

في كربلاءَ دهانا رزؤها الثاني

وله المغمور برحمته مرثية اُخرى كلّ شطر منها على انفراد تأريخ سنة النازلة 1216، وأوّلها:

أريـحـا فـقد لاحـت طـلايعُ كـربلا

لـنـقبر أشلاءً ونُـسـعد مـرمـلا

لـنـبكيَ دوراً راعـهـا قـارعُ الـردى

فـأوجف مـنها مـا اسـتقرّ ومـا عـلا

لـعمري لـقد عـبّت عـليها مـصائبٌ

وجـلاّ عـليها الـرعبُ لـلحتفِ قسطلا

مـبـانٍ مـحا آيـاتُها الـويلُ فـانمحتْ

وكـلّـل شـأويـها الردى فـتـكلّلا

فـكيف وصـرف الـبين عـاثتَ بـنابه

وقلّ رسـيـميه ونوّخ كـلـكلا

وهبّ بـحـقِّ الـدين يـخفقُ بـرقُهُ

مـصاب بـجون الـحزن أضحى مجلجلا

يقـلّ بـثـجّاجٍ يـزمـجر بـرقُـهُ

بـرجـفٍ فـيثني الـدو بـالدمِ أشـكلا

وكيف وقد مدّت صواعقُ رعدِه

عـلى طـودِ ربـعِ الـمصطفى فتزلزلا

فـتلكم ربـوعُ الـدينِ قـلّ بـها الصدى

وتـلكم بـيوتُ الـوحي قـد جابها البلى


نـوائب قـد فـهاجت نـوائب(1)

أمـدن قـنا العلياء في زمن خلا

لـيبك التقى يوماً به أهب التقى

ويا لك بيناً زاد جسمي ضناً على

وقد زارها في أوائل القرن التاسع عشر أحد ملوك الهند، فأشفق على حالتها، وبنى فيها أسواقاً عامرة وبيوتاً قوراء أسكنها بعض مَنْ نكبوا، وبنى للبلدة سوراً حصيناً لصد هجمات الأعداء، وأقام حوله الأبراج والمعاقل، ونصب له آلات الدفاع على الطرز القديم، وصارت على مَنْ يهاجمها أمنع من عقاب الجو؛ فأمنت على نفسها، وعاد إليها بعض الرقي والتقدم.

____________________

(1) لا يخفى ما في المصراع من إرباك وخلل عروضي.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)


حادثة المناخور

وفي سنة 1241 هـ وقعت واقعة عظيمة تُعرف بواقعة المناخور - أمير الآخور - أي أمير الاصطبل، وذلك إنّ الدولة العثمانيّة كانت في ذلك الزمن ضعيفة؛ لاحتلال الجيش الإنكشاري، واستقلال البلاد القاصية، وانشغالها بمحاربة العصاة في البلقان، وطموح محمّد علي والي مصر إلى الاستقلال، واستقلال علي باشا (ذلتلي تبه) في ألبانيا.

وكان والياً على العراق آن ذاك داود باشا وكان تقياً عادلاً ورعاً، مشهوراً بالدهاء وفرط الذكاء، إلاّ أنّه كان شديد الحرص على الانسلاخ من جسم الدولة، والاستقلال بالعراق أسوة بمَنْ تقدّمه؛ فسعى بادئ ذي بدئ إلى جلب قلوب الأهالي بما أنشأ من العمارات والبنايات، والجوامع والتكايا، وقرّب علماء العراق وبالغ في إكرامهم، ونظم جيشاً كبيراً وسلّحه على الطراز الحديث.

حينئذ قام بعد ذلك فسيّر جيشاً ضخماً بقيادة أمير اصطبله، وكانت عشيرة عقيل تعضده، فأخضع القائد الحلّة واستباح حماها، ثمّ جاء كربلاء فحاصرها ثمانية عشر شهراً، ولم يقوَ على افتتاحها؛ لحصانة سورها ومناعة معاقلها، ولمّا رأى ذلك أقلع عنها، ثمّ كرّ عليها ثانياً وثالثاً فلم يفز بأمنيته إلاّ بعد حصار طالت مدّته أربع سنوات؛ من سنة 1241 إلى سنة 1245(1) ، وكانت نتيجتها أن أسر الجيش نقيب كربلاء فسجنه داود باشا في بغداد.

____________________

(1) قال صاحب (نزهة الإخوان في وقعة بلد القتيل العطشان - مخطوط، تفضيل به السيد حسن الكليدار -): لقد أحصى تسع وقائع وقعت بين الفريقين، كان الفوز فيها من نصيب الكربلائيين، وانهزم جند داود باشا.

فالواقعة الأولى هي واقعة (القنطرة)، قُتل فيها من الجند ثمانية عشر =


____________________

= رجلاً، ومن الأهلين رجلان.

الواقعة الثانية: واقعة (المشمش)، وقد سمّيت بذلك؛ لأنّ الجند قصدوا أن ينهبوا، كما أفسدوا الزرع من قبل، وخرج الأهلون على عادتهم إلى الجناة، فاقتتلوا في أرض الجويبة، وظهر البلديون على الجنود وهزموهم بعد أن قُتل وجُرح منهم خلق كثير.

والثالثة: واقعة (الهيابي)، وهي من أعظم الوقائع وأشدّها هولاً؛ [ حيث ] غُطيت على أثرها أرض الجويبة وما يليها من أرض الحرّ والهيابي بجثث القتلى، وقد استمرت المعركة من الصبح إلى الظهر، وانهزم الجند بعد أن قُتل وجُرح منهم جمع غفير.

ومن جملة الجرحى القائد الشهير صفوق - وهو قائد الحملة -... ولمّا تحقق داود باشا من انكسار حملته بقيادة صفوق عندئذ عقد لواء الحملة إلى (المناخور)، وكان هذا بصيراً بالحرب، مشهوراً بالضرب والطعن، سبق له فتح الحلّة وماردين، فخرج من بغداد مع 1500 فارساً مزوّد بالمدافع والقنابل، وأنفذ داود على أثره من أصناف جنوده إلى طلبة، والداودية، والأرسية، والتركية، واليوسفية، ونقل الجند معسكرهم إلى جهة الحرّ، ووصل المناخور إلى كربلاء فسدّ عنها الماء ليومه، وفيه تقدّم إلى المدينة فأطلقت قنابله عليها، وهاجمه الكربلائيون ففرّ أصحابه واغتنمت ميرتهم. وهذه الواقعة هي الرابعة.

والواقعة الخامسة: واقعة (الأطواب)، نسبة إلى المدافع، وتسمّى أيضاً بوقعة باخية. وهي واقعة عظيمة دامت ست ساعات، اُطلقت فيها (46) قذيفة مدفع، وقيل أكثر من ذلك. ولم تصب أحداً، بل كانت تقابل من جانب الأهلين بالهزء والسخرية، وقد قُتل وجُرح فيها الكثير من أفراد العشائر.

وقد أغارت خيل المناخور على المدينة مرّات عديدة وباءت كلّها بالفشل، وقد خرج إليهم الأهلون فأصابوا من أعدائهم، وعادوا ولم يُقتل منهم إلاّ شخص واحد، وجُرح أربعة أشخاص، وقد كفّ الجند عن القتال.

الواقعة السادسة: واقعة (المخيم)، وهي واقعة عظيمة أيضاً تبادل فيها الفريقان إطلاق القذائف المدفعية، فدمّر على أثرها إحدى مدافع العدو، وقد ابتدأت المعركة منذ الفجر، ولم تمض ساعة حتّى انهزم العدو، ثمّ عاودوا القتال بعد ساعة، فكثر القتلى والجرحى منهم، ففرّ الجند أيضاً. =


____________________

= وقد أُصيب في هذه المعركة أربعة قتلى من الأهلين.

الواقعة السابعة: واقعة (الراية)، اقتتل فيها الفريقان خارج البلدة، انتصر فيها الأهلون واستولوا على خيولهم ومدافعهم وبنادقهم.

الواقعة الثامنة: واقعة (بني حسن)، وهي عظيمة أيضاً، وذلك إنّ المناخور أحسّ بعجز جيشه وتخاذلهم، فعدل إلى الاستنجاد بالعشائر، وأجابه فيمَنْ أجاب بنو حسن، ناكثين عهدهم مع أهل كربلاء، ضامنين المناخور فتح المدينة حتّى تقدّموا أمامه بعد العشاء الآخرة من جهة المخيّم، وتمكّنوا من عبور الأنهار وتسلق الجدران، ونشبت الحرب بينهم وبين الأهلين، وحمل فرسانهم، وحمل الجند ثلاث مرّات، فأخفق الجميع وجُرح منهم جماعة.

الواقعة التاسعة: واقعة (الأمان)؛ لأنّ المناخور أوقعها بعد صدور العفو والأمان من داود باشا؛ طمعاً بفتح المدينة، فقد تقدّم في منتصف ليلة ذي القعدة سنة 1241 هـ...

قد أطال المؤلّف في سرد تفاصيل هذه الواقعة وإليك مجملها: فلمّا باءت كلّ محاولات داود باشا لإخضاع كربلاء بالفشل استنجد بعرب عقيل القصيم والإحساء، فعسكر هؤلاء على صدر (الحسينيّة)، وأمر داود بقطع الماء عن كربلاء، ولمّا لم تجد أيضاً هذه المحاولات فتيلاً أمر داود باشا أعراب الشامية أن يقطعوا طريق كربلاء، وينهبوا السابلة فيها، وقد ضيّقوا الحصار على المدينة، وقطعوا الاتصال الخارجي بها، فعند ذلك لم يرَ الأهالي بداً غير الصلح مع داود باشا، فدخل الأخير كربلاء ظافراً.


حادثة نجيب باشا(1)

وفي سنة (1258 هـ) شق أهالي كربلاء عصا الطاعة على الدولة، وأبوا أداء الضرائب والمسكوس، وكان والي العراق نجيب باشا قد جهّز جيشاً بقيادة سعد الله باشا وسيره إلى كربلاء، فحاصره حصاراً شديداً، وأمطر المدينة بوابل قنابله، ولم يساعده الحظّ في افتتاحها؛ لأنّ سورها كان منيعاً جدّاً، وقلاعها محكمة لا يمكن للقائد الدنو منها.

ولمّا أعيت به الحيل الحربية التجأ إلى الخداع فأعطى الأمان للعصاة، وضمن لهم عفو الحكومة فأخلوا القلاع وجاؤوا طائعين، فقبض عليهم، وسلّط المدافع على الجهة الشرقية؛ فهدم السور، وأصلى المدينة ناراً حامية، ففتحها وارتكب فيها كلّ فظاعة وشناعة، ودخل بجيشه إلى الصحن العباسي، وقتل كلّ مَنْ لاذ بالقبر الشريف، وبهذه الموبقات عادت سلطة الحكومة إلى تلك الربوع والله علاّم الغيوب.

____________________

(1) قد جاء في زنبيل قرهاد - لميرزا معتمد الدولة عن هذه الحادثة ما ترجمته: بواسطة كثرة الأوباش في كربلاء - وكانت آنذاك ملجأ كلّ مجرم هارب من العقاب حتّى صار ينطبق عليها القول المأثور (من دخلها كان آمناً) - أن بلغ الأمر بها إلى حدّ أن خرج الأمر من يد حاكم كربلاء،ولم يطع هؤلاء أوامر والي بغداد، وامتنعوا من دفع الضرائب.

وكانوا يعتمدون على الزائرين والمجاورين، حتّى إنّ سكنة كربلاء لم يبقَ لهم المجال في السكنى بها، وكان الديارماز - الاسم الذي عُرف به هؤلاء الأوباش - يشكّلون عصابات ترفع كلّ منها راية العصيان، ولم يتمكّن علي رضا باشا والي بغداد - الذي مرّ على حكمه في بغداد اثنا عشر عاماً - من إخماد هذه الفتنة.

حتّى إن نصبت الدولة العثمانيّة محمّد نجيب باشا والياً على بغداد بعد أن كان والياً على الشام - في الدولة العثمانيّة كان والي بغداد بمثابة وزير ثانٍ -، وكان هذا سفّاكاً غدّاراً معروفاً بالمكر، ولم يكد يستقر في مركز ولايته الجديدة حتّى جهّز جيشاً جراراً وبعثه صوب كربلاء.

وبعد حصار دام ثلاثة أيام دخل كربلاء، وقد أجرى القتل والأسر =


فتنة علي هدلة(1)

وفي سنة (1293 هـ) ظهرت فتنة في كربلاء عُرفت بفتنة علي هدلة، وذلك إنّ جماعة من المفسدين حرصت الأهالي على مناوأة الحكومة، وكانت

____________________

= بدرجة فظيعة، وفي 11 ذي الحجة سنة 1285 هـ أمر بالقتل العام لمدّة ثلاث ساعات.

ومن المحقّق أنّ تسعة آلاف شخص قد اُبيدوا عن آخرهم في تلك المدينة المقدّسة، فضلاً عمّا نُهب من الأموال والأحجار النفيسة، وأثاث البيوت والكتب التي لا تُعد ولا تُحصى.

وفي صحن سيدنا العباس ربطوا الخيل والجمال، وقتلوا كلّ مَنْ لاذ بأروقة الحرم الحسيني والعباسي، وكذلك فعلوا في البلدة سوى دار السيد كاظم الرشتي التي كانت دار أمان، وكلّ مَنْ تمكّن من الهروب نجا، ومَنْ بقى كان نصيبه القتل، وهدموا الألواح التي كانت تزين جدران الروضة الشريفة. وبعد القتل العام أصدر الوالي أمراً بتعيين حاكم على كربلاء، وفي اليوم الرابع عشر من الشهر المذكور رجع نجيب باشا قافلاً إلى بغداد.

ولابن الآلوسي - وكان من فضلاء أهل السنة، وقاضي عسكر نجيب باشا - بيتان من الشعر قالهما ارتجالاً بعد وقوع الحادثة:

أحـسين دنّـس طيبَ مرقدك الاُلى

رفضوا الهدى وعلى الضلالِ تردّدوا

حـتّى جـرى قلمُ القضاء بطهرِها

يـومـاً فـطهّرها الـنجيب مـحمّدُ

وقد ردّه الشيخ عزيز ابن الشيخ شريف النجفي بقوله:

اخـسأ عـدو الله إنّ نـجيبكمْ

رفض الهدى وعلى العمى يترددُ

ولـئن به وبك البسيطة دنّستْ

فـابشر يـطهّرها المليك محمدُ

وقد ردّه أيضاً الحاج ملاّ محمّد التبريزي بقوله:

اخـسأ عدو الله إنّ نجيبكمْ

كيزيدكمْ شرب الماء تعودوا(*)

هـذا ابنُ هندٍ والمدينة والدمُ الـ

ـمهراقُ فيها والنبي محمّدُ

وله أيضاً:

تـباً لأشـقى الأشقياء نجيبكمْ

نصب الحسين وفي لضى يتخلّدُ

لا تـعجبوا ممّا أتى إذ قد أتى

بـصـحيفةٍ مـلـعونةٍ يـتقلّدُ

(*) لا يخفى ما في المصراع الثاني من خلل عروضي بيّن.(موقع معهد الإمامين الحسنين)

(1) هذا مجمل الحادثة، أمّا تفاصيلها فهي كما يلي: في أوائل عام 1293 هـ أعلنت الحكومة العثمانيّة النفير العام في كربلاء، فأخذت جموع المكلّفين بالفرار من سلك الجندية، وكان هناك جاسوس من قبل =


أفكار الأهالي مستعدة لقبولها، فألفت عصابة بقيادة علي هدلة وقابلت الجيش العثماني ودمرته في مواقع متعددة، ولمّا رنّ صدى هذه الحادثة في الأستانة قلق السلطان المخلوع وأصدر إرادة سنية بإرسال جيش إلى كربلاء

____________________

= الحكومة على الفارين، وهو مختار باب الطاق المدعو حسين قاسم حمادي، فمن كثرة ما أصاب الناس على يد هذا المختار من المحن أن قتلوه في مقهى المستوفي الواقعة في محلّة باب الطاق.

فعندما قُتل هذا المختار تولّت الحكومة المحلية القبض على المتهمين، ففرّ جماعة منهم، وخيّموا خارج السور في البستان المعروفة ببستان جعفر الصادق (عليه السّلام)، وأخذوا يعبثون بالأمن، وحرّضوا الأهالي على مناوأة الحكومة، وكانت الأفكار مستعدة لقبولها، فألّفت عصابة بقيادة القهواتي (علي هدلة) وقابلت جيوش العثمانيِّين ودحرتهم في مواقع متعدّدة.

وكانت عصابتهم تتألّف من (150) شخص يقومون بحرب العصابات، وذلك بتحريض من الحاج محسن كمونة والحاج حسن شهيب، ويمدّونهم بالمؤنة والذخيرة، واختلطت معهم بعض أفراد من عشيرة حجيل والزونبات، فاستفحل أمرهم حتّى رنّ صدى هذه الحادثة في الأستانة، فقلق السلطان عبد الحميد خان، وأصدر إرادة سنية بإرسال جيش إلى كربلاء وهدمها وقتل مَنْ فيها عن بكرة أبيهم.

وأناط تنفيذ الإرادة إلى عاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا، وكان هذا القائد للجيش، فجاء الاثنان إلى كربلاء بصحبة النقيب السيد عبد الرحمن النقيب الكيلاني، وضربوا المضارب قرب المدينة، وكان ذلك في أواخر شهر رمضان من عام (1293 هـ).

وكان قيام علي هدلة في (3) ربيع الأول من عام (1293)، فلم يرَ الوالي آثار العصيان في المدينة، وقد علم بعد البحث الطويل أنّ العصاة عصابة ارتكبت إثماً واقترفت ذنباً يطاردها الجيش، وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الإرادة السنية على سكّانها، وأخذ البريء بجريرة المذنب؛ فأحجم عن تنفيذ الأوامر، فنجم من ذلك خلاف بين الوالي عاكف باشا المصر على أمر الهدم، والقائد حسين فوزي باشا.

فراجع الأستانة خاطباها بالأمر، وبعد أخذ ورد صدر الأمر بالعفو، فرحل الجيش بعد أن قبضوا على مثير الفتنة وموقد نيرانها، وحوالي (70) شخصاً بضمنهم علي هدلة مع المرحوم الحاج محسن كمونة وحسن شهيب وجماعة غيرهم، فساقواهم إلى بغداد وأودعوهم السجن في أوج قلعة مدّة تزيد على السنة، (نقلاً من تاريخ كربلاء جـ 3 المخطوط - للسيد محمّد حسن كليدار).


وهدمها وقتل مَنْ فيها عن بكرة أبيهم.

وأناط تنفيذ هذه المهمّة بعاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا، وكان هذا قائداً عاماً للجيش، فجاء الاثنان إلى كربلاء يصحبهما أحد نقباء بغداد السابقين، وضربوا المضارب قرب المدينة، فلم ير الوالي في المدينة آثار العصيان والتمرّد، وقد علم بعد البحث الطويل أنّ العصاة عصابة ارتكبت إثماً واقترفت ذنباً يطاردها الجيش، وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الإرادة السنية على سكّانها، وأخذ البريء بجريرة المذنب.

فأحجم عن تنفيذ الأوامر، وفاتح القائد العام فأبى هذا إلاّ الإصرار على تنفيذ الأوامر، فنجم من ذلك خلاف بينهما، فراجع الأستانة وخاطبها بالأمر، وبعد أخذ ورد صدر الأمر بالعفو، فرحل الجيش عنها بعد أن قبض على مثيري الفتنة وموقدي نيرانها وقادهم إلى بغداد، وهناك ألقاهم في أعماق السجون والعذاب.

كربلاء في القرن الرابع عشر

وقعة الزهاوي للعجم

وبعد وقوع الصلح بين الأهالي والحكومة العثمانيّة قرّرت الحكومة فرض غرامة على البلدة، وهي أن تدفع الكسبة عن كلّ دكان في كلّ شهر ما يساوي (12) آنه إلى مدّة محدودة من السنين، وبعد انتهاء المدّة استمرت الحكومة على استيفاء تلك الضريبة، فامتنع الكسبة - وأكثرهم إيرانيون - عن الدفع، وقد رفعوا شكوى، فلم تُسمع لهم شكاية، فالتجؤوا إلى التحصن بالسفارة الإنكليزية التي في كربلاء، ونصبوا الخيام حولها واستظلوا بها، وكلّما نصحتهم الحكومة والعلماء والأشراف لم يقبلوا؛ فصمّمت الحكومة على تفريقهم بالقوّة، وكان المتصرّف يومئذ رشيد الزهاوي.

وفي ليلة من اُخريات شهر رمضان سنة 1324 أخطرهم أوّل الليل فلم يتفرّقوا، وبينما هم نائمون في خيامهم أمر الزهاوي الشرطة أن يضربوهم بالرصاص قبل الفجر، فضربوهم وأصيب من الإيرانيين حوالي


الخمسين شخصاً بين قتيل وجريح، وانهزم الباقون، فهجم العسكر على خيامهم وانتهب ما فيها.

حادثة حمزة بك

وفي سنة 1333 ليلة النصف من شعبان كانت كربلاء غاصّة بالزوار الواردين من الأطراف للزيارة ثار أهالي كربلاء في وجه الحكومة أيام اشتغالها بالحرب على العامّة بعد شدّة ضغط الحكومة على أهالي كربلاء والنجف، فهجموا على السجن وأخرجوا المسجونين، وانتهبوا دوائر الحكومة وبيوتهم، ففرّ المأمورون والموظفون أجمع، فجاء المتصرّف حمزة بك مع قوّة، ودخل البلد من جانبها الشرقي، وتحصّنوا في بعض الخانات والبيوت الحصينة.

وصار الطرف الغربي بيد الأهالي، ولم تزل الحرب قائمة بين الطرفين عدّة أيام، وقُتل من الجانبين خلق كثير، وانتهت المعركة بعد قتل ذريع وخراب أكثر البيوت والمنازل بهزيمة العسكر، وانتهاب الأهالي أسلحتهم وذخائرهم، وبقيت البلدة بيد الأهالي إلى أن احتلها الإنكليز.

ثورة العشرين

وفي سنة 1920 م ثارت البلاد بثورتها الدامية المعروفة بخاصة جهة الفرات فيها، كان أوّل ما اندلع لسان الثورة من كربلاء؛ وذلك لأمرين(1) :

- وجود آية الله الشيرازي قطب الوطنية الصادقة في كربلاء(2) .

- زيارة نصف شهر شعبان، وهي الزيارة الوحيدة التي يجتمع فيها سائر المسلمين والقبائل.

وكان قد عيّن في أيام الثورة السيد محسن أبو طبيخ متصرّفاً في شؤون اللواء وما يتبعه، وقد انعقدت في كربلاء عدّة مؤتمرات هامّة في هذا الشأن لأجل السعي وراء مصالح البلاد العراقية، نخص بالذكر منها المؤتمر الكبير الذي انعقد في 9 شعبان سنة 1340، وذلك بمناسبة تجاوز (الإخوان) على حدود العراق، فدعا الإمام الخالصي رؤساء القبائل القاطنة على ضفاف دجلة والفرات وديالى إلى حضور المؤتمر في كربلاء، وكان انعقاد المؤتمر

____________________

(1)

(2)


المذكور في دار آية الله الشيرازي المتقدّم الذكر، فكان الحديث المهم بينهم في صالح البلاد.

وعلى كلّ حال، فكربلاء هي المدينة المهمّة التي لها أصل وأساس متين في شؤون البلاد العراقية ونهضتها أوّلاً وآخراً، والحمد لله على ذلك، ووفّق الله رجال الأمّة إلى خدمة بلادهم.

يوم ورود الشعرات النبوية الشريفة إلى كربلاء

وكان يوم ورود الشعرات الشريفة إلى كربلاء من الأيام المشهورة؛ إذ هرع الأهلون رجالاً ونساء حتّى الأطفال للاستقبال، واحتفلوا به أشدّ وأعظم احتفال لم يُشاهد مثله، حتّى أوصلوه إلى الحفرة الشريفة ووضعوه في محلّه.

وقد قال الشعراء في ذلك، منهم المرحوم الميرزا محمّد حسين الشهرستاني في ورود الشعرات الشريفة النبوية لتوديعها في الروضة المطهّرة الحسينيّة، وكان حاملها مالي بغداد الحاج حسن رفيق باشا سنة (1310)، ألف وثلاثمئة وعشرة هجرية:

كـربلاء طـلتِ الثريا شرفاً

وبـعلياكِ الـسماك اعـترفا

مـنذ غابت فيك أقمارُ الهدى

أورثـت فـي كلّ قلبٍ أسفا

أظـلم الـدنيا عـلى أرجائها

حـيث فـيها بـرّ ثمّ خسفا

بـقي الـظلمة حتّى انكشفت

بـقدوم الـحبر كهف الضعفا

حـضرت الوالي بأمر من به

قام حصنُ الدينِ والأمر صفا

فخر هذا العصرِ سلطان السما

وهـو ذا عبد الحميد ذو الوفا

رفع اللهُ لـواءَ نـصره

إذ بـهِ أيّـد شرعَ المصطفى

اشـرق الـدنيا بـهِ مذ قدما

مـع شـمسٍ أورثته الشرفا

كـشفت كـلّ دجى كان بها

وبـمرآها الـظلامُ انـكشفا

قيل ماذا النور قلت أرّخوا

هاكموا شعرة وجه المصطفى


وله مؤرّخاً بالفارسية ورود الشعرات الشريفة النبوية:

بـعـهد بـادشـاه عـبـد الـحـميد آن اخـتر

درخـشان شـد بـكيتي افـتابي تـازة ازخـاور

هـما يـون مـويه بـرنور حبيب الله شد ظاهر

زنـورش بـيه تـوي امـد شـعاع نـير أكـبر

بـنـدشان يـسته مـنزلكه ايـن نـور ربـاني

مـكر انـكس كـه بـيغمبر از بـداو زبـغمبر

فـرستاد ان شـه غـازي بـسوي كـربلا انمو

بـمـراه هـمـايون والي بـغـداد نـيكوفر

بـتعظيمش خـلائق جـمله اسـتقبال كـردندي

بـشد بـر قـلب شـكاك منافق مويه جن خنجر

كـجـا شـك مـيتوان كـردن درايـن مـطلب

كه‌اثباتش‌هويدا كردد ان تاريخ‌سالش‌مو بيغمبر

1310 هـ

بسي شايشتة باشد بادشاه رابعد از اين احسان

بـراي مـوي بـيغمبر نكيرد زين بلد عسكر


وصف الحائر الحسيني

إنّ الذي يجلب المسلمين إلى كربلاء هو وجود قبر الحسين ابن بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وأخيه العباس بن علي (عليه السّلام)، وقبور أصحابه وأعوانه الذين استشهدوا معه في واقعة الطفّ، أو يوم عاشوراء سنة 61 هجرية (أو 650 ميلادية).

وبذلك أصبحت كربلاء مقدّسة الشيعة ومزارهم؛ فيأتي إليها كلّ سنة لزيارة التربتين: تربة الحسين وتربة العباس (عليهما السّلام) من كلّ حدب وصوب زرافات زرافات، وجماعات جماعات قادمين إليها من ديار قاصية وربوع نائية، كديار العجم، وربوع الهند، وآسيا الوسطى حيث يكثر [الشيعة]؛ ولهذا ترى كربلاء لا تخلو من غرباء يعدّون بالآلاف للغرض نفسه.

وها نحن نصف للقرّاء ما في جامع الحسين (عليه السّلام) من المساجد العجيبة الرائقة البديعة الصنع، الفائقة الحسن، ومن الأبنية الضخمة والتزيينات الفاخرة التي هي من أفخر ما يجود به تقى الشيعة وتدينهم وحبهم لآل البيت (عليهم السّلام)، مستغنين به عن وصف جامع العباس (عليه السّلام)(1) ؛ لقرب المشابهة بين

____________________

(1) إنّ المؤلّف لم يتعرّض لتاريخ بناء الصحن العباسي ووصفه؛ لأنّ تاريخ الصحن العباسي ملازم لتاريخ بناء الحائر في مختلف العصور؛ فإنّ معظم مَنْ حظوا بشرف تعمير وزخرفة الحائر الحسيني قد قاموا بنفس تلك التعميرات في حرم أخيه العباس، فأوّل بناء أقيم على القبر المطهّر هو عمارة عضد الدولة فنا خسروا البويهي، وقد جدد عمارته الشاه طهماسب الصفوي (قمر بني هاشم / 126).

وقد جاء في رحلة (ناصر الدين شاه إلى كربلاء / 137): أنّ أمين الدولة صدر الأصفهاني هو الذي شيّد القبة العالية على الحضرة العباسيّة وغطّاها بالكاشاني النفيس. وفي سنة 1295 أمر فتح علي شاه القاجاري بصنع ضريح من الفضة الخالصة إلى مرقد العباس (عليه السّلام)، وبذل لذلك (6000 تومان) من ماله الخاص، وقد تعاون لإنجاز الضريح كلّ من الميرزا هدايت نوري المستوفي، والميرزا تقي نوري المستوفي، وقد توفّى فتح علي شاه سنة 1250 قبل أن يتمّ الضريح (مجلد =


الجامعين إن وضعا وإن زخرفا، وهو من أعظم مساجد العراق وأتقنها هندسة وصناعة وأبدعها حسناً وبهجة.

وهو على شكلّ مستطيل طوله قرابة سبعين متراً في عرض يُقارب (55) متراً، وللمسجد (7) أبواب ضخمة جميلة الوضع، وعلى كلّ باب طاق مرتفع بالحجر المعقود بالحجر القاشاني، وكلّ باب ينتهي بك إلى حي من أحياء المدينة.

وفناء المسجد كلّه فضاء واسع فسيح الأرجاء، مفروشة أرضه بالرخام الأبيض الناصع وكذلك جدرانه، فإنّ وجه أسفله مُنشأ بالرخام إلى طول مترين، وما فوق مبني بالقاشاني الجميل القطع والنحت، ويحيط بفناء الصحن جدار يُحصنه قد أقيم عليه كلفتان.

وفي الطبقة السفلى قرابة (65) غرفة جملية، أمام كلّ غرفة إيوان ذو سقف معقود بالقاشاني، وفي وسط فناء الصحن الروضة المقدّسة، وهو من أعجب المباني وأتقنها وأبدعها شكلاً، وأوفرها حظّاً بالمحاسن، أخذت من كلّ بديعة بطرف يدخل إليها من عدّة أبواب لا مجال لذكرها.

وأشهر أبوابها باب القبلة، ويُطلق لفظ باب القبلة على باب الصحن الشريف، أمّا باب الروضة يُطلق عليها باب إيوان الذهب، وهو من الفضة الفنية الصياغة، وفي جوانبه سهوات محكمة البناء، بديعة الشكل على هيئة التجاريب، مرصّعة بقطع من المرايا تأخذ بمجامع القلوب.

أمامه صفّة مفروشة أرضها بالرخام، وكذلك جدارها الأدنى، فإنّه

____________________

= القاجارية من ناسخ التواريخ / 275). وقد أكمل الضريح ونصبه في محلّه على الروضة المطهّرة خلفه محمّد شاه والد ناصر الدين شاه (المصدر نفسه / 480). لزيادة التفصيل راجع (قمر بني هاشم / 126). (عادل).


مؤزّر بالرخام إلى مترين، رصع كلّه بالزجاج ترصيعاً هندسياً يقلّ نظيره، وسقف هذه الصفّة قائم على دعائم محكمة من الساج.

وهذا الباب ينتهي من الداخل إلى رواق يحيط بالحرم (الروضة) من جميع جهاتها، وعن يسارك تجد قبر حبيب بن مظاهر الأسدي، وعليه مشبّك من الشبه، فتدخل باستقامة إلى باب آخر من الفضة الناصعة العجيبة الصياغة إلى مقام محكم الصنع عظيم يأخذ بتلابيب الأفهام، وتدهشك الزخارف البديعة والمرايا المتلألئة، وهو الروضة أو الحرم الذي يضمّ قبر الحسين (عليه السّلام)، وطوله (10) أمتار و40 سنتيمتراً، وعرضه (9) م و 15 سنتيمتراً، وفي داخله أنواع التزاويق.

لم أعرف في أيّ تاريخ كان قدوم هذا الكاتب(1) الذي وصف ما شاهده؛ إذ ليس الأمر اليوم كما ذكر؛ وذلك منشأ(*) بالذهب الوهّاج، فهي تتلألأ نوراً، وتلمع لمعان البرق، يُحار بصر متأمّلها في محاسنها، ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها.

وما زادها بهجةً وزخرفة وجود الجواهر النفيسة، وقناديل الذهب والفضة، وغير ذلك من المعلّقات الغالية الثمن على القبر الشريف التي أهداها إليه ملوك الفرس وسلاطين الهند في عصور مختلفة، ما يعجز قلم البليغ من وصفها، والإحاطة بكلّ ما هنالك من نفائس المجوهرات ونوادر الآثار.

____________________

(1) لعلّه عباس المدني صاحب نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس، وكان قدومه عام 1131 هجرية. راجع 1 / 94 وما بعدها، يقول في وصف الحضرة الحسينيّة: وأمّا ضريح سيّدي الحسين (عليه السّلام)، وفيه جملة قناديل من الورق المرصّع، والعين ما يبهت العين، ومن أنواع الجواهر الثمينة ما يساوي خراج مدينة، وأغلب ذلك من ملوك العجم، وعلى رأسه الشريف قنديل من الذهب الأحمر يبلغ وزنه منّين بل أكثر.

وقد عقد عليه قبة رفيعة السماك، متّصلة بالأفلاك، وبناؤها عجيب، صنعة حكيم لبيب.

(*) هكذا وردت العبارة، ولعل هناك سقطاً ما أربك السياق.(موقع معهد الإمامين الحسنين)


وفي وسط الحرم الشبكة المباركة، وداخلها رمم الإمام.

والتدوين يشاهد من وراء مشبك من الفضة الناصعة، وهو ذو أربعة أركان، وفي جانب الطول 5 شبابيك، وفي العرض 4 شبابيك، وعرض كلّ شباك 80 سنتيمتراً، ويتفرّع من وسط الجانب الشرقي منه مشبّك صغير من الفضة أيضاً على ضريح ابنه علي الأكبر الذي قُتل معه، وهو غير علي زين العابدين (عليه السّلام) الذي قيد مع الأسرى إلى الشام.

وطول مشبّك الحسين (عليه السّلام) 5 أمتار ونصف متر، وعرضه 4 أمتار ونصف متر، وارتفاعه 3 أمتار ونصف متر، وفي أعلى مشبّك الحسين 16 آنية مستطيلة الشكل مطلاة بالذهب الأبريز، وفي كلّ ركن من المشبّكين رمانة من الذهب يبلغ طولها قرابة نصف متر، وسماء ذلك الحرم مغشاة بقطع من المرايا تأخذ بمجامع القلوب على شكل لا يتمكّن من أن يصفه واصف.

وفي الزواية الجنوبية من الحرم قبر الشهداء (عليهم السّلام)، وهم ملحدون في ضريح واحد، وهذا الضريح وضع علامة لمكان قبورهم، وهم في التربة التي فيها قبر الحسين (عليه السّلام).

وجه تلك الزواية مشبّك من الفضة الناصعة، طوله أربعة أمتار و80 سنتيمتراً، وهو عبارة عن شبابيك عرض كلّ واحد منهم 75 سنتيمتراً، وارتفاعه متراً و70 سنتيمتراً.

ويغطي الحرم كلّه قبة شاهقة مغشاة من أسفلها إلى أعلاها بالذهب الأبريز، وفي محيطها من الأسفل 12 شباكاً، عرض كلّ شباك متراً واحد من الداخل ونصف متر من الخارج، ويبلغ ارتفاع القبّة من أسفلها - أيّ من سطح الحرم - إلى أعلاها قرابة 15 متراً.

وفي هذا الجامع ثلاث مآذن كبيرة يناطحن السحاب بارتفاعهن صعدن في الهواء؛ اثنان منها مطليان بالذهب الوهاج، وهما حول الحرم، والثالثة


مبنية بالقاشاني، وهي ملتصقة بالسور الخارجي من الجانب الشرقي(1) ، وهناك أيضاً ساعة كبيرة مبنية على برج شاهق يراها الرائي من كلّ مكان قصي.

وصفوة القول: إنّ الكاتب مهما أوتي من البلاغة والفصاحة والإجادة في الوصف لا يمكنه أن يصف كلّ ما في هذا المسجد الضخم من الأبنية والتزيينات، وإنّ ما كتبناه ليس إلاّ ذرّة من جبل، أو نقطة من بحر زاخر.

____________________

(1) وهي المأذنة المعروفة بمنارة العبد نسبة إلى بانيها مرجان الجياتي سنة 767، وفي عام 982 رمّمت وأرخ ذلك بكلمة انكشتيار - أي خضر المحبّ - (كلشن خلفاء لنظمي زاه / 103 وجه. مخطوط في خزانة المؤلّف).

وفي سنة 1357 هجرية حصل فيها تصدّع، فأوفدت الحكومة آنذاك أقدر المهندسين وكشفوا عليها، فبان بهم ميلانها جهة الغرب، حيث كانت خطرة على الحرم الشريف والقبة، وبعد المداولة بين المهندسين رأوا أن لا مناص من هدمها؛ حفظاً للقبة الشريفة؛ وعليه فهدمت. (عادل)


دفن بني أسد للجثث الطاهرة

«قد أخذ الله ميثاق اُناس من هذه الأمّة لا تعرفهم فراعنة الأرض، هم معروفون من أهل السماوات، إنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرّقة وهذه الجسوم المضرّجة فيوارونها، وينصبون لهذا الطفّ علماً لقبر سيد الشهداء لا يُدرس أثره، ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام». علي بن الحسين (عليه السّلام)(1) .

مع ما كان يتخلّل وطأة ضغط المراقبة على الحسين (عليه السّلام) في آماد قصيرة منذ أن اتّصل به الحرّ في (ذي حسم) بعض فتور، كان بطبيعة الحال الاتصال غير مسموح به، خاصة عندما أصبحت كربلاء منطقة حرب، إلى أن ارتحل ابن سعد منها مع الجند قافلاً إلى الكوفة وأخلى ساحة الموقف.

قصدن نساء من بني أسد أهل الغاضرية للوقوف على جلية الأمر؛ لقرب جوارهم، فأشرفوا (على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت؛ أجساد مجرّدة، وثياب مرملة، وخدود معفّرة، تصهرهم الشمس، وتسفي عليهم الرياح، زوّارهم العقبان والرخم)(2) .

فلم يتمالكن النسوة أنفسهن لروعته، بل ولين الأدبار متقهقرات، وقد أخذ التأثّر منهنّ كلّ مأخذ، فأخذن في تقريع الرجال من غير وعي ولا رشد بأشدّ لهجة وأقسى عتاب؛ لتوانيهم وقعودهم عن موارات تلك الجثث والأشلاء الطاهرة، ففعل حديثهن فعل السحر في نفوس الرجال، وأثار الحفائظ وألهب الشيم، فنهضوا نهضة الرجل الواحد؛ إجابة للدعوة الصاخبة

____________________

(1) كامل الزيارات - لابن قولويه.

(2) الطبري / 641، وورد فيه: ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قُتلوا بيوم.


على سبيل التضحية والانتحار، مستبسلين غير هيابين ولا وجلين من سلطان بني اُميّة وشديد بطشها؛ فتسربلوا بسواد الليل لئلاّ يُفتضح أمرهم، باذلين قصارى جهدهم في إنجاز مهمّتهم باختصار وسرعة متناهية من غير غسل ولا كفن.

ويحقّ لنا أن نتساءل هنا: أفهل كان البعث عن عدم وإملاق، أم لغاية الإسراع وجلاً، أم نزولاً عند حكم الشريعة مع كلّ مَنْ قُتل في سبيل الدين مع غلواء الدعاية القائمة على بذل الأموال كما أعرب عن ذلك مجمع بن عبد الله للحسين باعتبارهم خوارج امتنعوا عن بيعة الإمام وخليفة المسلمين (أمير المؤمنين) يزيد؟

وهذا عمرو بن الحجاج الزبيدي يخاطب الجند برفع صوته: الزموا طاعتكم، ولا ترتابوا في قتل مَنْ مرق من الدين، وخالف الإمام.

وقد استمرت هذه الدعاية حتّى بعد سقوط الاُمويِّين بعدّة قرون.

يقول ابن خلدون في المقدّمة(1) عن القاضي أبي بكر ابن العربي المالكي ما معناه: إنّ الحسين قُتل بشرع جدّه.

واقتصر بنو أسد في حومة الحائر على ثلاث حفر؛ للحسين (عليه السّلام)، وعلي الأكبر، وللشهداء من بني هاشم، وحفرة لبقية الشهداء من الأنصار. واستحال عليهم نقل جثمان الحسين (عليه السّلام) دفعة واحدة من محلّ مقتله إلى حفرته؛ إذ كان مقطّعاً إرباً إرباً، ووضعوه فوق حصير بورياء ورفعوا أطرافه،

____________________

(1) المقدّمة / 417، طبعة القاهرة. وقد انتقد ابن خلدون انتقاداً شديداً هذا الزعم وفنّده بحجج قاهرة. ويدعم ابن العربي رأيه هذا - في كتابه العواصم من القواصم / 232 - أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله) قال في حديث له: إنّه ستكون هنات وهنات، فمَنْ أراد أن يُفرّق أمر هذه الأمّة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناً مَنْ كان. فيرى ابن العربي أنّ الذين اشتركوا في قتل الحسين (عليه السّلام) إنّما فعلوا ذلك إطاعة للأمر النبوي.

ويقول الدكتور علي الوردي في كتابه منطق ابن خلدون / 189: والغريب من ابن العربي أنّه في الوقت الذي يشجب فيه خروج الحسين على يزيد تراه يدافع عن أولئك الذين خرجوا على علي بن أبي طالب أثناء خلافته، فهو يحاول تبرير خروجهم بشتى الوسائل على الرغم من اعترافه قد بايعوا علياً أوّل الأمر.


وكدسوا بقية الأشلاء من غير ما فارق بين ضجيع، وبعضهم فوق بعض وهالوا عليهم التربة.

وقيل: أسموا حفرة الشهداء لسعة فتجتها بجذوع النخل، وعلموا الحفائر بما كان المعهود في مثله، وجرت به السنن، وأصبح للإسلام به عرف وعادة على غرار ما هو المعمول به اليوم عند البدو.

والعلم (بالتحريك): لغة علم الثوب من أطراز، وهو العلامة، وجمعه أعلام، مثل: سبب وأسباب، وعلّمت له علامة (بالتشديد) إمارة يعرف بها، كانت أعلام حفرهم قائمة حتّى أمر المتوكّل بحرث قبر الحسين (عليه السّلام).

تحرّى محمّد بن الحسين الأشناني لقبر الحسين (عليه السّلام) ووضع حوله علامات، وبعد قتل المتوكّل حضر مع بعض الطالبيِّين والشيعة فأخرجوا وأعادوا علم حفرته الطاهرة دون بقية الحفر، فطُمست أعلامهم.

وذكر المفيد محمّد بن محمّد بن نعمان في الإرشاد - عند انصرام القرن الرابع ومستهل الخامس - أصحاب الحسين الذين قُتلوا معه، فإنّهم دُفنوا حوله، ولسنا نحصل لهم أجداثاً على التحقيق(1) والتفصيل إلاّ أنّا لا نشك أنّ الحائر محيط بهم. وصرّح في محلّين آخرين: وأنّهم كلّهم مدفونون قرب الحسين في مشهده، حفروا لهم حفرة وأكثر، واُلقوا فيها جميعاً وسوّي عليهم.

ولغاية الاختبار الذي قمت به عند تجديد تبليط الروضة الزاكية أحطت بموضع حفرتهم يتصل بالقسم الشرقي من الشبكة المباركة بغير ما انفصال، ولسماء حفرتهم أزج(2) رومي في ستة أمتار بعرض مترين، ولا بدّ من أن تكون حفرة الهاشميِّين داخل الشبكة المنسوبة لعلي بن الحسين (عليه السّلام)، فيما بين أجداث الشهداء والجدث الأقدس الحسيني.

كان نبث علم الذي علموا به جدث المصطفى (صلّى الله عليه وآله) برواية ابن سعد في الطبقات عن الإمام جعفر بن محمّد، عن أبيه، كان وجه الأرض شبراً.

____________________

(1) الأجداث: القبور، واحدها جدث.

(2) الأزج (بالتحريك): البيت يُبنى طولاً.


ووصف القاسم بن محمّد أنّه حصباء حمراء(1) كان لجدث أمير المؤمنين (سلام الله عليه)، علماً جرفه السيل برواية محمّد بن خالد، عن الإمام جعفر بن محمّد (عليه السّلام)، بين الذكوات البيض على ما رواه ابن طاووس في الفرحة.

ولم تجرِ العادة آنذاك باتّخاذ أبنية (أضرحة) على الأجداث إلاّ للمصطفى (صلّى الله عليه وآله)؛ لدفنه في حجرته الطاهرة الذي أقامه بنفسه (صلّى الله عليه وآله) حال حياته لإيوائه(2) .

بطبيعة الحال كان مظللاً فاعتزلته السيدة عائشة إلى ما يجاوره...

وفضلاً عمّا كان يحيط بنو أسد، ولورود لفظ الجميع من الممكن أن شاركوهم أهل قرية نينوى، وكلاهما تقريباً يتساويان في البُعد عن الحائر الأقدس، ولهذا العلم الذي رفعوه على الأجداث الطاهرة، وعندئذ أشار السجاد (عليه السّلام) في خبر زائدة.

مع ما كان من المقتضي لدفع الشبهات عن أنفسهم أن يساووا وجه الأجداث عند الدفن من غير ما أيّ علامة بارزة؛ إبقاءً على حياتهم، إلاّ أنّ استبسالهم على سبيل التضحية بعثهم على أن يعلموا علماً.

ولتماسك تسوية العلم كان المصطفى (صلّى الله عليه وآله) أمر لجدث ولده إبراهيم بن مارية القبطية بقربة ماء أتاه بها أحد الأنصار(3) رش العلم، وكذلك رشّ على علم جدثه الأقدس (صلّى الله عليه وآله) بعد دفنه(4) ، فلا بدّ من أنّ بني أسد آخر عمل قاموا به بعد دفن الأشلاء أن رشّوا أعلام الحفر بماء عند انصرافهم؛ لتتماسك التربة، وكان ذلك خاتمة عملهم في كلّ ما قاموا به.

____________________

(1) الطبقات الكبرى - لابن سعد 4 / 807 ط القاهرة سنة 1358، و2 / 306 ط بيروت.

(2) الطبقات الكبرى 4 / 812 ط القاهرة، و2 / 292 ط بيروت.

(3) الطبقات الكبرى 1 / 123 ط القاهرة، و1 / 141 ط بيروت.

(4) الطبقات الكبرى 4 / 122 ط القاهرة، و2 / 306 ط بيروت.


تاريخ بناء المشهد الحسيني

«كأنّي بالقصور وقد شُيّدت حول قبر الحسين، وكأنّي بالأسواق قد حفّت حول قبره، فلا تذهب الليالي والأيام حتّى يُسار إليه من الآفاق، وذلك عند انقطاع ملك بني مروان». السجاد علي بن الحسين (عليه السّلام).

كان أوّل بناء أُقيمت معالمه في الحائر على الرمس الأقدس الحسيني والعمران الذي أحاطه ولم تتطاول إليه يد العدوان بالهدم ليومنا هو الذي أمر به الخليفة محمّد المنتصر سنة سبع وأربعين ومئتين هجرية.

وأوّل مَنْ اتّخذ الحائر وطناً ودار إقامة من العلويِّين، ولم يتحوّلوا منها - كما مرّ آنفاً - هو تاج الدين إبراهيم المجاب بأعقابه، من ولده محمّد الثاني الحائري في شوال سنة (247) هجـ(2) حتّى يومنا هذا.

وأمّا معرفة أوّل بناء أُقيم على الرمس الأقدس بعد شهادته (سلام الله عليه)، ومَنْ قام به، وفي أيّ تاريخ، وصورة البناء لم يتحقّق خبره؛ لِما لم يصرّح به في مصدر ثقة يعوّل عليه.

وقد حدّثني المتغمد بالرحمة السيد حسن الصدر الكاظمي نقلاً عن تسلية المجالس لمحمد بن أبي طالب أنّه اتخذ على الرمس الأقدس لعهد الدولة المروانية مسجداً، إلاّ أنّني لم أقف ليومي هذا على أي أثر لهذا الكتاب(3) .

____________________

(1) مزار بحار الأنوار - للمجلسي 22 / 110 طبع كمبني.

(2) مدينة الحسين للسيد حسن الكليدار نقلاً عن الجنات الثمانية للسيد محمّد باقر بن مرتضى.

(3) وقد أحالني السيد المار ذكره الوقوف على هذا المصدر بوجوده عند أحد الأفاضل، فنفى ذلك الفاضل فضلاً عن رؤيته [ أو ] حتّى العلم بخبره. راجع نزهة الحرمين - للسيد الصدر / 28.


والمستفاد من خبر الحسين بن أبي حمزة الثمالي ثابت بن دينار عند ما قصد زيارة الحسين (عليه السّلام) قادماً من الكوفة لأواخر عهد الدولة الاُمويّة ذكر باب الحائر وكرّر لفظه، بينما ابن اُخته الحسين اقتصر على ذكر القبر دون إيراد لفظ الباب(1) .

ومن الممكن إن لم يكن يقصد بالباب حدود حومة الحائر وجود بناء على سبيل الإجمال على التربة الطاهرة، وكلاهما يصرّخان إنّهما كانا على خوف ووجل من القتل، وصرح ابن الثمالي بوجود المسلحة المطوّقة للحفرة الطاهرة من الجند الاُموي للحيلولة دون مَنْ يؤم قصده.

كان لحركة الشيعة في استعراضهم لجند الشام بعين الوردة بزعامة سليمان بن صرد الخزاعي واستماتتهم بطلب ثأر الحسين (عليه السّلام)، وإعادتهم الكرّة تحت لواء إبراهيم الأشتر، واستقصائهم للجندي الاُموي مع زعيمهم ابن زياد، مستهونين غير محتفين بكلّ ما سامهم معاوية من خطوب وخسف، وما أذاقهم من مرّ العذاب وصنوف التنكيل بغارات بسر بن أرطأة، وصلب وقتل وسمل في ولاية زياد بن أبيه وسمرة بن جندب وابن زياد، ممّا خلف أثراً عميقاً سيئاً في نفوس آل مروان ودويّاً هائلاً.

فبعد أن تسنّى لعبد الملك بن مروان وصل حلقات فترة الحكم الذي دهم دور حكم آل أمية بموت يزيد بإقصائه آل الزبير عن منصّة الحكم والإمرة، أراد أن يستأصل الثورة من جذورها؛ لذلك اتّبع سياسة القسوة والشدّة تجاه أهل العراق، وضغط ما لا مزيد عليه لمستزيد، خصوصاً في ولاية الحجاج بن يوسف.

ونهج خلفاؤه عين خططه دون أيّ شذوذ مع تصلّب بالغ؛ كابن هبيرة،

____________________

(1) يقول في خبر طويل بعد أن نزل الغاضرية وقد أدركه الليل، وهدأت العيون ونامت، أقبل بعد أن اغتسل يريد القبر الشريف يقول: حتّى إذا كنت على باب الحير... وساق في خبره وقد كرّر لفظ الباب حيث يقول بعد ذلك: فلمّا انتهيت إلى باب الحائر... (إقبال الأعمال - لابن طاووس / 28)، ومجلد المزار من بحار الأنوار 22 / 120.


وخالد بن عبد الله القسري، ويوسف بن عمر.

فترى ممّا تقدّم أنّ من المستحيل إفساحهم المجال بأن يُشيّد بناء على قبر الحسين (عليه السّلام)، ويكون موضعاً للتعظيم والتقدير؛ ممّا يتنافى وسياستهم المبنية على الكراهية لآل البيت (عليهم السّلام) والتنكيل بشيعتهم.

وإن سلّمنا بتحقق خبر الحسين بن أبي حمزة الثمالي على سبيل استدراك الورود لفظ الباب، من الممكن أن نقول: أي وجود بناء في الفترة بين سنة أربع وستين لإحدى وسبعين، ونلتزم بتغاضي المروانيين من التعرّض لهم، وبقائه ليوم ورود الحسين ابن بنت أبي حمزة الثمالي لزيارة الضريح الأقدس.

وورد خبر لا يوثق به ولا يعوّل عليه من أنّ المختار بن أبي عبيدة الثقفي بنى على القبر الشريف وأقام حوله قرية(2) .

وقيل: إنّ سكينة بنت الحسين (عليه السّلام) أقامت بناء على الرمس الأقدس أمد اقترانها بمصعب في ولايته للكوفة، ففي أمد الفترة لسنة ست وستين عندما أمَّ التوّابون (عند مسيرهم للتلاقي مع جند عين الوردة) التربة الزاكية، وازدحموا على القبر

____________________

(1) جاء في مزار بحار الأنوار - للمولى محمّد باقر المجلسي / 120 ما نصه: (عن الحسين ابن بنت أبي حمزة الثمالي قال: خرجت في آخر زمان بني مروان إلى قبر الحسين (عليه السّلام) مستخفياً من أهل الشام حتّى انتهيت إلى كربلاء، فاختفيت في ناحية القرية، حتّى إذا ذهب من الليل نصفه أقبلت نحو القبر، فلمّا دنوت منه... حتّى كاد يطلع الفجر أقبلت... فقلت له عافاك الله، وأنا أخاف أن أصبح فيقتلوني أهل الشام إن أدركوني ها هنا... وصلّيت الصبح وأقبلت مسرعاً مخافة أهل الشام.

(2) ذكر هذا القبر صاحب كنز المصائب دون إسناد، وفضلاً عن ذلك فإنّ هذا الكتاب لا يُعتمد عليه كثيراً؛ لِما حُشي متنه من الأخبار الغير واردة.

وقد ذكر هذا الخبر عند سرده لما دار بين المختار ومصعب بن الزبير، وعدد المواقع التي دارت بينهم والتي انتصر في جميعها المختار، =


كازدحام الناس على الحجر الأسود(1) .

لم يكن حينذاك ما يظلل قبره الشريف أيّ ساتر، واستقصوا أمد البقية من الفترة، المختار بن أبي عبيدة الثقفي، ومصعب، وابن أخيه حمزة؛ فالأخبار الواردة في زيارة الحسين (عليه السّلام) عن السجّاد علي، والباقر(2) محمّد بن علي (عليه السّلام) (لكونهما قضيا حياتهما في الدولة المروانية) يشفان عن خوف ووجل.

وممّا يؤيد وجود بناء بسيط (بل له بعض الشأن) على القبر الشريف في زمن ورود الحسين ابن بنت أبي حمزة للزيارة، ما جاء من الألفاظ في الزيارات الواردة عن الصادق (سلام الله عليه) لجدّه الحسين (عليه السّلام)(3) ، حيث يقول في خبر: «... بعد الغسل بحيال قبره الشريف في الفرات، فتتوجه إلى القبر حتّى تدخل الحير من جانبه الشرقي، وتقول:...، ثمّ إذا استقبلت القبر...، ثمّ اجلس عند رأسه الشريف...، ثمّ تحوّل عند رجليه...، ثمّ تحوّل عند رأس علي بن الحسين...، ثمّ تأتي قبور الشهداء»(4) .

وفي خبر المفضل بن عمر عن الصادق (سلام الله عليه): «إذا أتيت باب الحير

____________________

= وهزيمة مصعب، إلى أن تمكّن مصعب من المختار آخر الأمر.

وإذ لم ترد مثل هذه الأخبار في الكتب التأريخية - والمعروف بل المحقّق أنّه لم يكن بين المختار ومصعب من مواقف سوى ما كان بالمذار، ثمّ تحصّن المختار بقصر إمارة الكوفة إلى أن قُتل -؛ لذا قلّ الاعتماد على ما ورد في هذا الكتاب من قيام المختار بتشييد قبر الحسين (عليه السّلام)، وإن كان المحلّ مناسب لإعطاء مثل هذه النسبة له.

كيف لا وقد قام المختار بأخذ ثأر الحسين (عليه السّلام)، وقتل قاتليه وصلبهم، وأحرق بعضهم بالنار؟ فلا يبعد من أن يقوم بتشييد قبره الشريف، إلاّ أنّنا نحكم بوقوع مثل هذا الأمر وجداناً لا استناداً على ما ورد في هذا الكتاب؛ للأسباب السالفة.

(1) تاريخ الطبري 7 / 70، وكان ذلك سنة 65 هـ.

(2) مجلد المزار 22 / 110.

(3) فقد توفي الصادق (عليه السّلام) سنة 148، والثمالي توفي في زمن المنصور.

(4) مجلد المزار / 145.


فكبر الله أربعاً، وقل:...»(1) .

وفي خبر ابن مروان عن الثمالي عند آخر فصول الزيارة يقول: ثمّ تخرج من السقيفة وتقف بحذاء قبور الشهداء وتومئ إليهم، وتقول:...(2) .

وفي خبر صفوان الجمّال عن الصادق (عليه السّلام) يقول: «فإذا أتيت باب الحائر فقف... وقل:... ثمّ تأتي باب القبة وقف من حيث يلي الرأس، وقل:...، ثمّ اخرج من الباب الذي عند رجلي علي بن الحسين (عليه السّلام) وقل:...، ثمّ توجه إلى الشهداء وقل:...»(3) .

وفي خبر آخر عن صفوان يقول: «فإذا أتيت الباب فقف خارج القبة وارم بطرفك نحو القبر وقل:...، ثمّ ادخل رجلك اليمنى القبر وأخّر اليسرى، ثم ادخل الحائر وقم بحذائه وقل:...»(4) . وهذا ما يدلّك على أنّ له باباً شرقيّاً وغربيّاً.

فخلاصة القول: إنّ المستفاد من هذه الزيارات هو وجود بناء ذو شأن على قبره في عصر الصادق (سلام الله عليه).

ومع هذا فقد كان الاُمويّون يقيمون على قبره المسالح لمنع الوافدين إليه من زيارته، ولم يزل القبر بعد سقوط بني اُميّة وهو بعيد عن كلّ انتهاك؛ وذلك لانشغال الخلفاء العباسيِّين بإدارة شؤون الملك، ولظهورهم بادئ الأمر مظهر القائم بإرجاع سلطة الهاشميِّين، وهو غير خفي أنّ القائمين بالدعوة كانوا من أهل خراسان، وأكثر هؤلاء إن لم نقل كلّهم كانوا من أنصار آل البيت (عليهم السّلام).

ولمّا رسخت قدم العباسيِّين في البلاد، وقمعوا الثورات جاهروا بمعاداة شيعة علي (عليه السّلام)، ولكنّها كانت خفيفة الوطأة أيام السفّاح، فتوارد الزائرون

____________________

(1) المصدر نفسه / 148.

(2) المصدر نفسه / 105.

(3) المصدر نفسه / 159.

(4) المصدر نفسه / 179.


لقبر الحسين (عليه السّلام) من شيعته عند سنوح هذه الفرصة جهاراً، واشتدّت الوطأة أيام المنصور بوقيعته بوجوه آل الحسن(1) ، وخفّت ثانية في أيام المهدي والهادي.

فلمّا كانت أيام الرشيد(2) ، وكانت قد استقرّت الأوضاع، وثبتت دعائم الحكم، وقضت على ثورات العلويِّين بما دبّرته من طرق الغدر والخيانة، فأرغمت أنوفهم الحمية، وأخمدت نفوسهم الطاهرة، فأرادت القضاء عليهم في محو قبور أسلافهم، فسلكوا سلوك بني اُميّة؛ إذ أمر الرشيد بهدم قبره الشريف ومحو أثره، فأخذت الشيعة الوسائط بالاهتداء إلى تعيين موضع القبر، وتعيين محلّ الحفرة منها السدرة، فبلغ الرشيد ذلك فأمر بقطعها(3) ، ثمّ وضع المسالح على حدوده إلى أن انتقل إلى طوس ومات فيها.

فلم يتتبع الأمين ذلك لِما كان منشغلاً باللهو والطرب وصنوف المجون والبذل، فاغتنموا الحال وبادروا إلى تشييد قبره الشريف، وقد اتخذوا عليه بناءً عالياً.

ولمّا جاء دور المأمون وتمكّن من سرير الخلافة تنفس الشيعة الصعداء، واستنشقوا ريح الحرية، ولم يتعرّض لذلك، وكان المأمون يتظاهر بحبّه لآل البيت (عليهم السّلام) حبّاً جمّاً حتّى إنّه استعاض بلبس السواد - وهو شعار العباسيِّين - بلبس الخضرة - وهو شعار العلويِّين -، وأوصى بالخلافة من بعده لعلي الرضا

____________________

(1) مروج الذهب - للمسعودي 2 / 171.

(2) الظاهر إنّ الرشيد لم يتعرّض لقبر الحسين (عليه السّلام) إلاّ في اُخريات أيامه، ولعل سبب ذلك غضبه ممّا كان يشاهد من إقبال الناس لزيارة الحسين (عليه السّلام) وتعظيمه والسكنى بجواره، وكان قبل ذلك يجري ما أجرته أمّ موسى من الأموال على الذين يخدمون قبر الحسين في الحير. انظر الطبري 10 / 118. (عادل)

(3) روى ذلك محمّد بن الحسن الطوسي في أماليه / 206 طبع إيران، بسنده إلى جرير بن عبد الحميد، وذكر أنّه عندما سمع جرير بالخبر رفع يديه قائلاً: الله أكبر! جاءنا فيه حديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «لعن الله قاطع السدرة» ثلاثاً. فلم نقف على معناه حتّى الآن.


ابن موسى الكاظم (عليه السّلام)، ولعل ذلك كيد منه، وكان هذا الوقوع بعد قتل أخيه الأمين، واسترضاء لمناصريه الخراسانيين.

وقد زعم البعض أنّه هو الذي شيّد قبره الشريف، وبنى عليه لهذه الفترة(1) ، وفي ورود أبي السرايا بن السري بن المنصور إلى قبر الحسين (عليه السّلام) أيام المأمون عام تسعة وتسعين بعد المئة حين قام ببيعة محمّد بن إبراهيم بن إسماعيل طباطبا بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن السبط، دليل على تشييد قبر الحسين(2) بعد مضي الرشيد إلى طوس.

وبقي الحال على هذا المنوال والشيعة في حالة حسنة حتّى قام حول قبره الشريف سوقاً، واتخذت دوراً حوله، وأخذ الشيعة بالتوافد إلى قبره للسكنى بجواره، إلى أن كان من المغنّية الشهيرة التي قصدت من سامراء في شعبان زيارة قبره الشريف، وكانت تبعث بجواريها إلى المتوكّل قبل أن يلي الخلافة يغنين له إذا شرب، وقد بعث إليها بعد استخلافه فأخبر بغيبتها، فأسرعت بالرجوع عندما أبلغها الخبر بطلب المتوكّل لها، فبعثت إليه بجارية وكان يألفها، فقال لها: أين كنتم؟

قالت: خرجت مولاتي إلى الحج وأخرجتنا معها.

فقال: إلى أين حججتم في شعبان؟

قالت: إلى قبر الحسين (عليه السّلام).

فاستطير غضباً(3) ، وفيه من بغض آل أبي طالب ما هو غني عن البيان، فبعث بالديزج بعد أن استصفى أملاك المغنّية - وكان الديزج يهودياً قد أسلم - إلى قبر الحسين (عليه السّلام)، وأمره بحرث قبره الشريف ومحوه، وهدم كلّ ما حوله من الدور والأسواق، فمضى لذلك وعمل بما أمر به، وقد حرث نحو مئتي جريب من جهات القبر، فلمّا بلغ الحفرة لم يتقدّم

____________________

(1) نزهة الحرمين - للعلاّمة السيد حسن الصدر (مخطوط) نقلاً عن تسلية المجالس.

(2) انظر مقاتل الطالبيِّين - لأبي الفرج الإصبهاني / 341 ط النجف.

(3) المصدر نفسه / 386.


إليه أحد، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه، وأجرى الماء عليه(1) ، فحار الماء عند حدود قبره الشريف(2) ، ثمّ وكّل به المسالح بين كلّ مسلحتين ميل، ولا يزوره أحد إلاّ وأخذوه ووجهوا به إلى المتوكّل(3) ، فحصل للشيعة من ذلك كرب عظيم لِما طرأ على قبره من الجور، ولم يعهد مثله إلى هذا الحد.

فضاق بمحمد بن الحسين الأشناني بعد طول عهده بالزيارة، فوطّن نفسه على المخاطر، وساعده رجل من العطّارين، فخرجا يمكثان النهار ويسيران الليل حتّى بلغا الغاضرية، وخرجا منها نصف الليل، فسارا بين مسلحتين وقد ناموا حتّى دنا من القبر الشريف، فخفى عليهما موضعه، فجعلا يتحرّيان موضع القبر حتّى أتياه وقد قُلع الصندوق الذي كان عليه واُحرق، وفي الموضع اللبن قد خُسف وصار الخندق، فزاراه وانكبّا عليه، وقد شمّا من القبر رائحة ما شمّا مثلها قطّ من الطيب.

فقال الأشناني للعطّار: أي رائحة هذه؟

فقال: والله ما شممت مثلها بشيء من العطر.

فودّعاه وجعلا حوله علامات في عدّة مواضع، وبعد قتل المتوكّل حضر مع بعض الطالبيِّين والشيعة فأخرجوا العلامات وأعادوا القبر إلى ما كان عليه أوّلاً.

وقد نالت الشيعة شيء من الحرية على عهد المنتصر، وكان هذا محبّاً لآل البيت (عليهم السّلام)، مقرّباً لهم، رافعاً مكانتهم، معظّماً قدرهم، ومن حسناته إليهم أنّه شيّد قبر الحسين (عليه السّلام)، ووضع ميلاً عالياً يرشد الناس إليه(4) ، وذلك في عام السابع والأربعين بعد المئتين.

ولم يُهدم بناء المنتصر ظلماً؛ لعدم تعرّض أخلافه له؛ لِما ظهر من الوهن في دولتهم، وانحلال أمرهم، وتسلّط الأتراك عليهم، وانشغالهم بأنفسهم.

وفي خلافة المسترشد ضاقت الأرض على رحبها على الشيعة؛ وذلك عندما أمر بأخذ جميع ما اجتمع من هدايا

____________________

(1) المصدر نفسه / 386.

(2) المصدر نفسه / 386.

(3) المصدر نفسه / 387.

(4) فرحة الغري - لعبد الكريم بن طاووس.


الملوك والأمراء والوزراء والأشراف من وجوه الشيعة من الأموال والمجوهرات في خزانة الروضة المطهّرة، وأنفقه على العسكر، واعتذر بأنّ القبر لا يحتاج إلى الخزانة(1) ، إلاّ أنّه لم يتعرّض للبناء ولم يمسّه؛ لقصور يده، وضعف شأنه لا لشيء آخر.

وكان البناء الذي شيّد في عهد المنتصر قد سقط في ذي الحجة سنة ثلاث وسبعين ومئتين(2) ، فقام إلى تجديده محمّد بن زيد القائم بطبرستان في خلافة المعتضد بالله العباسي(3) لسنة ثلاث وثمانين ومئتين(4) ، وقد أخذ حال القبر الشريف منذ تشييد المنتصر إيّاه بالعروج إلى مدارج العمران يوماً بعد يوم حيث أمن الناس من إتيانه واتخاذ الدور عند رمسه.

وقد زار القبر عضد الدولة بن بويه سنة (370 هـ) بعد أن بالغ في تشييد الأبنية حول الضريح وزخرفتها(5) ، وكان آل بويه يناصرون الشيعة.

وقد استحفل التشيّع على عهدهم حتّى إنّ معزّ الدولة أمر سنة 352 بإقامة المآتم في عاشوراء، وكان ذلك أوّل مأتم أُقيم في بغداد.

____________________

(1) المناقب - لابن شهر آشوب، وكان ذلك سنة 511 هـ.

(2) فرحة الغري / 61.

(3) جاء في بحر الأنساب (العائد لخزانة المرحوم الشيخ عبد الحسين شيخ العراقيين الطهراني) عند ذكره لنسب المعتضد بالله العباسي بقوله: وأمر بعمارة مشهد الغري بالكوفة ومشهد كربلاء، وافتقد الخزائن بدار الخلافة، فأخرج منها ما وجده من نهب الواثق من مال مشهد الحسين بن علي (عليه السّلام) وأعاده إليه.

(4) فرحة الغري، وكان محمّد بن زيد هذا دائم التصدّق على العلويِّين في المشاهد؛ فقد بعث في خلافة المعتضد بالله اثنين وثلاثين ألف دينار لمحمد بن ورد ليفرّقها على العلويِّين. (انظر الكامل 6 / 80، والطبري 12 / 346).

(5) تسلية المجالس - لمحمد المجدي (بالفارسية)، طبع حجر.


(وعندما عفا عضد الدولة عن عمران بن شاهين البطائحي بنى الرواق المشهور برواق عمران بن شاهين في المشهدين الشريفين الغروي والحائري (على مشرفهما السّلام»(1) .

وفي سنة سبع وأربعمئة هجـ احترق الحرم الشريف إثر اندلاع حريق عظيم كان سببه إشعال شمعتين كبيرتين سقطتا في الليل على التأزير واحترق، وتعدّت النار بعد الحرق القبة إلى الأروقة(2) ، فكان البناء على القبر الشريف بعد وقوع هذا الحريق ما وصفه الطنجي في رحلته، إلاّ أنّي لم أقف على خبر مَنْ شيّد هذا البناء، وفي أيّ تاريخ كان ذلك(3) ، ولعله كان قد تبقى شيء من البناء الذي

____________________

(1) فرحة الغري / 67.

(2) الكامل - لابن الأثير 9 / 110 ط ليدن، و7 / 295 من ط القاهرة، والمنتظم - لابن الجوزي 7 / 283، البداية - لابن كثير 12 / 4، والنجوم الزاهرة - لابن تغري بردى 4 / 241.

(3) ذكر كلّ من العلاّمة السيد حسن الصدر الكاظمي في نزهة الحرمين / 35، والعلامة السيد محسن الأمين العاملي في أعيان الشيعة 4 / 302، ومن أخذ عنهما، أنّ أبا محمّد الحسن بن الفضل بن سهلان وزير سلطان الدولة البويهي هو الذي جدّد بناء الحائر بعد وقوع هذا الحريق، لكن المصادر التي عوّلوا عليها لم تنسب إلى ابن سهلان هذا سوى بناء سور الحائر وليس تجديد بنائه، كما في المنتظم 7 / 283، والبداية والنهاية 12 / 16، ومجالس المؤمنين / 211، والنجوم الزاهرة 4 / 259.

هذا فضلاً عن أنّ ابن سهلان بدأ ببناء سور الحائر في سنة 400 هـ، أيّ قبل وقوع الحريق بسبعة أعوام، وهي نفس السنة التي أمر ببناء سور على مشهد أمير المؤمنين(عليه السّلام). (الكامل 7 / 249. ط القاهرة).

فقد ورد في المنتظم 7 / 246: وفي جمادى الأولى (سنة 400 هجـ) بدأ ببناء السور على المشهد بالحائر، وكان أبو محمّد الحسن بن الفضل بن سهلان قد زار هذا المشهد، وأحبّ أن يؤثر فيه مؤثراً، ثمّ ما نذر لأجله أن يعمل عليه سوراً حصيناً مانعاً؛ لكثرة مَنْ يطرق الموضع من العرب، وشرع في قضاء هذا النذر، ففعل وعمل السور، وأحكم وعرض، ونصبت عليه أبواب وثيقة وبعضها حديد، وتمّم وفرغ منه، وتحسّن المشهد به، وحسن الأثر فيه. (عادل).


شيّده عضد الدولة، إلى أن شيّد عليه البناء الموجود اليوم على القبر الشريف، أو إنّه قد جدّده بعد الحريق أخلاف عضد الدولة؛ إذ كانت دولتهم قائمة عند وقوع الحريق.

هذا وكان إكمال بناء الحرم في سنة سبع وستين وسبعمئة، وقد أمر بتشييده السلطان أويس الإيلكاني، وأتمّه وأكمله ولده السلطان حسين(1) .

____________________

(1) زينة المجالس - لمحمد المجدي (مخطوط) باللغة الفارسية / 84، والمجدي من معاصري الشيخ البهائي، وقد صنّف كتابه هذا سنة 1004 هجـ، فقد جاء فيه: إلى أن أمر السلطان أويس الإيلكاني، وابنه السلطان حسين ببناء عمارة عالية.

وللسيد المؤلّف (عبد الحسين) ملاحظة مهمة في هذا الخصوص، خطر لي أن أثبتها هنا، يقول: ذكر سماحة السيد محسن الأمين العاملي في المجلد 3 / 593، من أعيان الشيعة، قال فضيلته عن آخر كتاب الأماقي في شرح الإيلاقي لعبد الرحمن العتايقي الحلّي المجاور بالنجف الأشرف، في نسخته المخطوطة في خزانة العلوية الذي تمّت كتابته في محرّم سنة 755 هجـ، قال: (في هذه السنة احترقت الحضرة الغروية (صلوات الله على مشرّفها)، وعادت العمارة وأحسن منها في سنة 760 سبعمئة وستون). انتهى.

أقول: هذا الحريق هو الذي ذكره ابن مهنا الداودي في العمدة / 5، ولكنّه لم يذكر اسم المجدّد للبناء الذي شيّد على الروضة المطهّرة الحيدرية، حيث المدّة تقارب زمن البناء الذي قام به السلطان أويس، وولده السلطان حسين الإيلكانية في سنة (767) على قبر الحسين (سلام الله عليه) الموجود اليوم على الروضة الطاهرة.

من المقتضي أن يكون السلطان حسين الإيلكاني هو منفرداً أقام البناء على الروضة الطاهرة الحيدرية، وبالخاصة لموقع قبورهم التي ظهرت في سنة الخامس عشر بعد الثلاثمئة والألف هـ وسط الصحن الشريف ما يلي باب الطوسي، أحد أبواب الصحن الشريف، في القسم الشمالي من الروضة الزاكية؛ إذ ظهر سرب فيه ثلاثة قبور على أحدهم في القاشاني مرقوم (توفي الشاهزاده الأعظم معزّ الدين عبد الواسع في 15 جمادى الأوّل سنة 790)، وعلى لوح القبر الثاني (هذا ضريح الطفل الصغير سلالة السلاطين الشاهزادة ابن الشيخ أويس (طاب ثراه). توفي يوم الأربعاء حادي عشر محرّم الحرام سنة إحدى وثلاثين وثمانمئة).

وعلى لوح القبر الثالث (هذا قبر الشاهزادة سلطان بايزيد (طاب ثراه). توفي في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين وثمانمئة هلالية)، وعلى قبر آخر (هذا قبر المرحومة السعيدة بايندة السلطان).

وقد ابتدأ حكم الأسرة الإيلكانية الجلائرية في بغداد وآذربايجان بعد موت أبي سعيد بن أولجياتو محمّد خدابنده بقليل بالشيخ حسن الكبير، تقريباً بين سنة تسع وثلاثين وسبعمئة، أو سنة الأربعون، وكانت وفاته سنة 757 هـ، ثمّ تلاه في الحكم ولده السلطان أويس سنة 757 هـ، وتوفي سنة 776 هـ، ثمّ تلاه ولده السلطان حسين من سنة 776 هـ، إلى أن توفي في سنة 784 هـ، ثمّ تلا السلطان حسين أخوه السلطان أحمد الجلائري ابن أويس، إلى أن قُتل في تبريز بين سنة ثلاث عشرة وثمانمئة وأربع عشرة، وبه تقريباً انتهت أيامهم.


وكان تاريخ هذا البناء موجوداً فوق المحراب الذي موضعه اليوم الرخام المنعوت بنخل مريم(1) فيما يلي الرأس الشريف، وقد شاهد ذلك التأريخ بنفسه محمّد بن سليمان بن زوير السليماني، وذكره في كتابه المسمّى بـ (الكشكول).

وقد كان إنزال هذا التاريخ سنة السادس عشر بعد المئتين والألف (1216)، ومن موضعه، عند عمل المرايا والتزيينات للحرم الشريف بأمر محمّد علي خان القواينلو كما تشير إلى ذلك الكتابة

____________________

(1) جاء في كتاب (دلائل الدين) تأليف عبد الله ابن الحاج هادي ما ترجمته: روى عن السجّاد (عليه السّلام): أنّ الله تعالى ذكر في القرآن أنّ السيدة مريم (عليها السّلام) عندما أرادت أن تلد ابنها المسيح ابتعدت عن قومها، وذهبت إلى كربلاء - بصورة معجزة - بجنب نهر الفرات، وقد ولد المسيح قرب مكان ضريح الحسين (عليه السّلام)، وفي نفس الليلة عادت السيدة مريم إلى دمشق.

ومصداق هذا الخبر ما ورد عن الباقر (عليه السّلام) - على ما أتذكر - أنّ صخرة على مقربة من قبر الحسين نُصبت في الحائط قد أجمع ساكنوا هذا المقام على أنّ الرأس الشريف قد حزّ على هذه الصخرة، ويقولون أنّ المسيح قد ولد على نفس تلك الصخرة أيضاً.


الموجودة في أعلى الباب الثالث من أبواب الحرّم المقابل للشبكة المباركة: (واقفه محمّد علي خان القواينلو سنة 1216) هـ.

وكذلك هذا التأريخ موجود بعينه في الكُتيبة القرآنية داخل القبّة على الضريح المقدّس، وفي سنة 920 هـ أهدى الشاه إسماعيل الصفوي صندوقاً(1) إلى القبر الشريف،

____________________

(1) عندما دخل الشاه إسماعيل الصفوي الأوّل - مؤسس الدولة الصفوية في إيران والذي يرتقي نسبه إلى الإمام السابع موسى بن جعفر (عليه السّلام) - بغداد فاتحاً سنة 914 هـ كان همّه الأول هو التبرّك بزيارة أجداده الأئمّة المعصومين (عليهم السّلام)، فقصد زيارة مرقد الحسين (عليه السّلام)، وعمل ثوباً حريرياً لقبره الشريف، وعلّق اثنى عشر قنديلاً من الذهب أطراف القبر، وفرش تلك الحضيرة القدسية بالبسط، وجلّله بأنواع الحرير والإستبرق، وبذل الأموال الكثيرة لللائذين بقبره الشريف، ثمّ خرج قاصداً النجف الأشرف. (وقد ترجم النص المتقدّم العلاّمة المؤلّف عن (حبيب السير) لخواند مير بالفارسية - مخطوط في 3 مجلدات في مكتبة المؤلّف سنة 1008 هـ).

وقد جاء أيضاً في (عالم آراى عباسي) لإسكندر منشي جـ 2 عن زيارة هذا الشاه ما ترجمته: توجه الشاه من بغداد إلى تربة كربلاء بعد إخلاص النيّة، وتشرّف بزيارة مرقد الحسين المنوّر وشهداء كربلاء، وقد زيّن الروضة وأنعم على المجاورين، ثمّ توجه من هناك إلى زيارة علي المرتضى (عليه السّلام) عن طريق الحلّة. راجع أيضاً فارسنامه ناصري 1 / 93.

وزار كربلاء أيضاً الشاه عباس الأول الصفوي، فقد جاء في فارسنامه ناصري ما ترجمته: غادر الشاه عباس الأول الصفوي أصفهان في سنة 1033 هجري متجهاً نحو بغداد، وفي غرّة ربيع الأوّل من نفس السنة دخل بغداد فاتحاً...، ثمّ توجه إلى النجف الأشرف في محرّم الحرام، وعلى بعد (30) كيلو متر ترجّل عن فرسه وخلع نعله، وأنعم على كافة سكنة النجف، وتوجه بعد ذلك مسروراً فرحاً إلى زيارة كربلاء وطاف بالبقعة الطاهرة، ثمّ أقفل راجعاً إلى بغداد وزار الإمامين الكاظمين وسامراء.

وفي ربيع هذه السنة أعاد الكرّة لزيارة كربلاء والنجف الأشرف، وقبل أعتاب هاتين الحضرتين أدّى لوازم الزيارة، وأهدى من الصناديق القيمة والطنافس الحريرية المطرّزة والديباج الشيء الكثير، ورجع مقفلاً إلى بغداد، وأعاد الزيارة مرّة أخرى إلى الروضة الحسينيّة.

وانظر أيضاً =


ولم يرد ما يهمّ خبره من أخلافه الصفوية إلاّ الإقدام بأمور طفيفة لا مجال لذكرها، إلاّ أنّه بلغني - ولم أتثبّت من ذلك أنّ الشاه سليمان الصفوي قام ببناء القسم الشمالي من الصحن المطهّر، والإيوان الكبير الذي فيه المسمّى (بصافي صفا) نسبة إلى الصفويِّين، وليس اليوم في هذا الإيوان دليل على ذلك سوى إنّ الكاشي المعرّق الموجود في سقف هذا الإيوان، والزخارف المعمولة من البورق فيه يستدل منها أنّ بناء هذه الجهة أقدم بناء من الجهات الثلاث للصحن الشريف، فضلاً عن أنّ نقوش الكاشي المعرّق وصنعتها تشبه إلى حدّ كبير نقوش الكاشي المعرّق الموجود في روضة الجوادين (سلام الله عليهما)، وحرم حضرة الرضا (عليه السّلام)، ومقبرة خواجه ربيع، والقدم كاه.

وقد كان في حواشي الكاشي المعرّق الموجود في جنبتي هذا الإيوان - الشرقي والغربي - كُتيبة تنص على اسم الباني وتأريخ بنائه، ولكن مع مرور الزمن تلف واندرس أثره، ومع شديد الأسف لم يسعَ أحد بعد

____________________

= عالم آراي عباسي، وهناك مصدر لا بدّ من الإشارة إليه في هذا الخصوص هو (تاريخ دهامر الألماني) الذي تُرجم من اللغة الفرنسية إلى الفارسية باسم: سلطان التواريخ، في تاريخ سلاطين آل عثمان، يقع في ثلاث مجلدات ضخام، تحتوي على 72 باباً، ينتهي به مؤلفه إلى آخر عهد عبد الحميد الأول العثماني، بعد حرب الروس والأتراك وعقد معاهدة (كنارجة).

وفي سنة 1034 هـ أعاد السلطان مراد الرابع العثماني العراق إلى حوزة دولته، وفي 27 جمادى الأولى سنة 1039 هـ احتل بغداد مرّة أخرى الشاه صفي حفيد الشاه عباس الأول، وزار كربلاء في سنة 1048 هـ في يوم عيد، فقبّل أعتاب ضريح سيد الشهداء وأخيه العباس بعد أن أنذر النذور، وأكرم ذوي الحاجة. (روضة الصفاي ناصري المجلد الثامن).

وفي سنة 1156 هـ توجه نادر شاه من النجف الأشرف إلى تقبيل أعتاب الحسين (عليه السّلام) الذي حرمه مطاف ملائكة الرحمن، وقدّمت زوجته رضية سلطان بيكم كريمة الشاه سلطان حسين الصفوي عشرين ألف نادري لتعمير جامع الحرم الشريف (التاريخ النادري).


ذلك لإرجاع هذا النص التأريخي المهم إلى موضعه.

وعندما أرادوا دفن ميرزا موسى الوزير فيه(1) عملوا موضعية الكُتيبة

____________________

(1) وقد شيّد هذا الإيوان الكبير في سنة 1281 هـ من قبل المرحوم ميرزا موسى وزير طهران، لتكون مقبرة له ولعائلته، وقد جدّد المرايا والكُتيبة القرآنية، وزوّق جدرانها الداخلية بالكاشي النفيس.

وقد نظم الشاعر (قلزم) الذي كان من الشعراء الشهيرين في تلك الفترة، هذه القصيدة بالمناسبة:

اي نمودار حريمت حرم عرش برين

ظـل دركـاهت خـركه زده بر عليين

قـدسيان بسته بفرمان تو از عرش كمر

آسمان سوده در ايوان تو بر فرش جبين

بـوده دارلـت شـاهنشه اقـليم شهود

بـيشكا رانـت فـرمان ده سرحد يقين

ظل خركاه تو را قبله كند روح القدس

خاك دركاه تو را سجده برد حور العين

از ازل تـاج شـهادة جه نهادي بر سر

شـد ترا ملك شفاعت همه در زير نكين

از بـهاي كـهر باك تو اين توده خاك

كعبه دين شود وشد سجده كه أهل زمين

إلى أن يقول:

قـصة طـور كـليم الله فاخلع نعليك

هـمه از خاك درت مظهر آيات مبين

عكس از شمسه ايوان تو شد شمس فلك

بر تو اوبر همه كون مكان كشت مكين

سـاكـنان حـرم وجـلال مـلكوت

هـه بـرخاك رهـت بايد خاك نشين

=


الموجودة اليوم من المرايا، رُقمت بهذه الآية:( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً

____________________

=

بـهر فـراشي حجابت هر شام وسحر

قيصر أز روم كمر بندى وفقفور أز جين

إلى أن يقول:

اين هـمان وادى دوروا تـش شـوق

صـه جـه موسى باميد قبسي خاك نشين

انـدرين عـهد هـمايون از فـو ظـفر

رايـت دولـت اسـلام بر از جرخ برين

شـاه شـاهان جهان ظل خدا كهف زمان

خـسرو مـلك مـلل بـادشاه دولت ودين

شـهـر بـازيكه زأواز كـوي سـخطش

تـااب درشـده در جـحمه كـوه طـنين

مـير فـرخنده نـزادى زد راوكـه بـود

افـتـاب فـلك ورفـعت كـوه وتـمكين

داشـت جـون كوهري آراسته نور صفا

كـرد ايـن صـفه ايـوان صفارا ترين

دولت نـاصرى وسـعى امـام مـلت

أنـدرين عـهد بـود مـحيي آثار جنين

افـتـخار فـضلا قـبله أربـاب فـلاح

بـيشواى دو جـهان بـادشاه شرع مبين

انـكه از بـندكي صـاحب روضـه باك

شـده بـرخا جـكي علم ازل صدر تشين

جون زفيض كف موسى شد اين طور صفا

..........................................

كـلك قـلزم بي تاريخ سخنور شده وكفت

بـا كـف مـوسى آراسـته طـور سنين


وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ... ) .

هذا وقام السلطان مراد الرابع العثماني سنة ثمان وأربعين وألف بتعمير وتجديد القبّة السامية، وجصّصها من الخارج(1) .

وفي سنة 1135 هـ نهضت زوجة نادر شاه وكريمة حسين الصفوي إلى تعمير المسجد المطهّر، وأنفقت على ذلك عشرين ألف نادري.

وقام أغا محمّد خان (الخصي) مؤسس الدولة القاجارية في إيران بتذهيب القبّة السامية للسنة السابعة بعد المئتين والألف الهجرية(2) .

وقد نظم بهذه المناسبة الميرزا سليمان خان المشهور بصباحي الشاعر، مؤرّخاً هذا التذهيب بقوله:

كلك صباحي از اين تاريخ أونوشت

در كبند حسين علي زيب بافت زر

1207 هـ

____________________

(1) لم نعثر على مصدر هذا الخبر، ولكنّه قد جاء في كلشن خلفاء (ص 102 وجه) لنظمي زاده بالتركية: أنّ الوالي علي باشا الوند زادة، بأمر من السلطان مراد الثالث العثماني قد جدّد بناء جامع الحسين وقبّته المنوّرة، وذلك سنة 984 هـ.

وقد أرّخ هذا البناء أحد الشعراء المشهورين بأبيات مطلعها:

بـحمد الله كه از عون الهي

نـموده خـدمت شاه شهيدان

شه كشور ستان خاقان اعظم

مـراد بن سليم ابن سليمان

وقد وهم الأستاذ حسن الكليدار في كتابه (مدينة الحسين / 38) إذ ذكر أنّ هذه الأبيات قد قيلت بمناسبة تشييد القبّة من قبل مراد الرابع العثماني، إلاّ أنّ الصحيح ما ذكرناه. (عادل)

(2) مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ - للسان الملك سبيهر / 33 سنة 1206 هـ.


وفي أوائل القرن التاسع عشر (1214هـ) أهدى فتح علي شاه القاجاري - أحد ملوك إيران - شبكة فضية(1) ، وهي إلى اليوم موجودة على القبر الشريف، وحوالي هذا التاريخ أمرت زوجته بتذهيب المأذنتين حتّى حدّ الحوض.

وفي سنة 1259 هـ قام محمّد علي شاه - ملك أود - سلطان الهند بتذهيب الإيوان الشريف وصياغة بابه بالفضة.

ويوجد اليوم على الفردة اليمنى من باب الفضة في إيوان الذهب: (هو الله الموفّق المستعان، قد أمر بصنع هذا الباب المفتوح لرحمة الملك المنان، وبإتمام تذهب هذا الإيوان الذي هو مختلف ملائكة الرحمن، وبحفر الحسينيّة وبناء قناطرها التي هي معبر أهل الجنان).

وعلى الفردة الثانية، الجانب الأيسر تتمته: (وتعمير بقعة قدوة الناس مولانا وسيدنا أبو الفضل العباس، السلطان ابن السلطان، والخاقان ابن الخاقان، السلطان الأعظم والخاقان الأكرم، سلطان الهند، محمّد على شاه (تغمّده الله بغفرانه، وأسكنه فسيح جناته)، وكان ذلك في سنة 1259 هـ ألف ومئتين وتسعة وخمسين).

وقام بعد ذلك أمراء الأكراد البختيارية إلى تزيين المسجد والأروقة، وقد وسع الضلع الغربي من الصحن الشريف، وجدّد بناءه المتغمّد برحمته المرحوم الشيخ عبد الحسين الطهراني(2) (شيخ العراقين) من قبل شاه

____________________

(1) مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ / 63.

(2) جاء في مستدرك الوسائل - للعلاّمة النوري 3 / 397 في ترجمة الشيخ عبد الحسين الطهراني: (شيخي وأستاذي ومَنْ إليه في العلوم الشرعية استنادي، أفقه الفقهاء، وأفضل العلماء، العالم الرباني، الشيخ عبد الحسين الطهراني... حتّى يقول: وجاهد في الله في محو صولة المبتدعين، وأقام أعلام الشعائر في العتبات العاليات، وبالغ مجهوده في عمارة القباب الساميات).

وقد توفي في الكاظمية في 22 شهر رمضان سنة 1286 هـ، ونُقل إلى كربلاء، ودُفن في إحدى حجرات الصحن الحسيني.


إيران ناصر الدين شاه القاجاري سنة 1275 هـ، وشيّد إيوانه الكبير وحجر جهتيه.

وقد أنشد الشيخ جابر الكاظمي الشاعر الكبير مؤرّخاً لهذا البناء بالفارسية يقول:

بـنائي ناصر الدين شاه بنا كرد

زخـاك أوست بائين كاخ خضرا

نه صحن وكنبدي جرخي مكوكب

زنـور أو مـنور روي غـبرا

بـراي كـشوار عـرش يـعني

حـسين بـن عـلي دلبند زهرا

بـناي سـال أو جابر همي كوي

أز ايوان شـكست كـسرى

بكو تأريخ ايوانش مؤرخ 1275 هـ

وله تأريخ بالعربية:

لـله إيوانٌ سما رفعةً

فطاول العرشَ به الفرشُ

قال لسانُ الغيب تأريخه

أنت لأملاك السما عرشُ

ولم يحدث بعد ذلك ما يهمّ ذكره سوى ما جدّدت إنشاءه إدارة الأوقاف في العهد الأخير، في القسم الغربي من الصحن؛ لظهور الصدع فيه.

وفي المشهد الحسيني عدّة نقوش وكتابات تدلّ على تواريخ إصلاحه والزيارات فيه؛ ففي أعلى عمود وسط الضلع الجنوبي من شبكة الفولاد المنصوبة على قبر الحسين (عليه السّلام) ما يقابل الوجه الشريف، هذه العبارة: (مَنْ بكى وتباكى على الحسين فله الجنّة صدق الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سنة 1185 هـ).

وما يقابل الزوايا الأربعة من القبر الشريف عبارة: (واقفه الموفّق بتوفيقات الدارين، ابن محمّد تقي خان اليزدي محمّد حسين سنة 1222 هـ).


ويوجد في الإيوان الخارج من جدار الرواق الغربي المقابل للشبكة المباركة في الكاشي، فوق الشباك: (عمل أوسته أحمد المعمار سنة 1296 هـ).

ويستفاد من أبيات منظومة بالفارسية فوق شباك المقبرة الشمالية المقابلة للضريح أنّه بمباشرة الحاج عبد الله ابن القوام على نفقة الحاج محمّد صادق التاجر الشيرازي الأصفهاني الأصل، قد قام بتكميل تعمير سرداب الصحن الحسيني، وتطبيق الأروقة الثلاثة الشرقي والشمالي والغربي بالكاشي في سنة ألف وثلاثمئة الهجرية.

إيضاح ما يوجد في خارطة كربلاء من المواقع

أنهار كربلاء

(النهرين): فرعان يشتقان من عمود الفرات، ويتصلان ببعضهما في قرية نينوى في جوار الحاير الحسيني، ويتجهان إلى الشمال الشرقي إلى الكوفة معاً على سبيل توحيد وتفرد؛ وللفارق يعرفان بنهري كربلاء، يتوضّح على ضوء ما سرده أبو الفرج في المقاتل(1) ، ونورد بين قوسين ما تفرّد بإيراده صاحب الدرّ النظيم(2) :

قال أبو الفرج: لمّا قُتل زيد بن علي دفنه ابنه يحيى، تفرّق عنه الناس ولم يبقَ معه إلاّ عشرة نفر. قال سلمة بن ثابت: قلت له: أين تريد؟

قال: أريد النهرين. ومعه الصياد العبدي.

قلت: إن كنت تريد النهرين فقاتل ها هنا حتّى تُقتل.

قال: اُريد نهري كربلاء (وظننت أنّه يريد أن يتشطط الفرات)، فقلت له: النجاء قبل الصبح. فخرجنا فلمّا

____________________

(1) مقاتل الطالبيِّين / 61 ط القاهرة.

(2) الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم - لجمال الدين الشامي جـ 2 خط.


جاوزنا الأبيات سمعنا الأذان، فخرجنا مسرعين، فكلّما استقبلني قوم استطعمتهم فيطعموني الأرغفة، فأطعمه إيّاها وأصحابي حتّى أتينا نينوى، فدعوت سابقاً فخرج من منزله ودخله يحيى، ومضى سابق إلى الفيوم فأقام به.

(فلمّا خرجنا من الكوفة سمعنا أذان المؤذنين فصلّينا الغداة بالنخيلة، ثمّ توجهنا سراعاً قبل نينوى، فقال: اُريد سابقاً مولى بشر بن عبد الملك. فأسرع السير إلى أن انتهينا إلى نينوى وقد أظلمتنا، فأتينا منزل سابق فاستخففت الباب فخرج إلينا).

وذكر ابن كثير في البداية(1) عن محمّد بن عمرو بن الحسن قال: كنّا مع الحسين بنهري كربلاء. وأورد ابن شهر آشوب في المناقب: مضى الحسين قتيلاً يوم عاشوراء بطفّ كربلاء بين نينوى والغاضرية من قرى النهرين(2) .

قال الطبري(3) بعد مهادنة أهل الحيرة لخالد بن الوليد في مفتتح الفتح، وخضوع الدهاقين لأداء جزية وضريبة، وزع بينهم العمال؛ ولتمهيد الأمن أقام مخافر عهد بعمالة النهرين إلى بشر بن الخصاصية، فاتخذ بشر الكويفة ببابنورا قاعدة لعمالته.

وذكر عند حوادث سنة 278 هـ(4) ابتداء أمر القرامطة: وردت الأخبار بحركة قوم يعرفون بالقرامطة بسواد الكوفة، فكان ابتداء أمرهم قدوم رجل من خوزستان، ومقامه بموضع يُقال له: النهرين، يظهر الزهد والتقشّف، ويسفّ الخوص ويأكل من كسبه، ويكثر الصلاة.

إذا قعد إليه إنسان ذكّره أمر الدين، وزهده في الدنيا، وأعلمه أنّ الصلاة المفروضة

____________________

(1) ج 8 / 188.

(2) المناقب 4 / 83، ط بمبي.

(3) ج 4 / 17، ط ليدن.

(4) ج 8 / 159، ط الاستقامة.



على الناس خمسون صلاة في كلّ يوم وليلة حتّى أفشى ذلك عنه بموضعه.

نهر العلقمي

ذكر المسعودي في التنبيه والإشراف(1) : وكاتب البريد ابن خرداذبة في المسالك(2) : إذا جاز عمود الفرات هيت والأنبار (يقابل الثاني الأوّل في الضفة الغربية)، فيتجاوزهما فينقسم قسمين، منها قسم يأخذ نحو المغرب قليلاً المسمّى (بالعلقمي) إلى أن يصير إلى الكوفة.

وآثار العلقمي الباقي منه اليوم - على ما وقفت عليه - إذا انتهى إلى شمال ضريح عون اتجه إلى الجنوب حتّى يروي الغاضرية لبني أسد - والغاضرية على ضفته الشرقية - وبمحاذاة الغاضرية شريعة الإمام جعفر بن محمّد (عليه السّلام) على الشاطئ الغربي من العلقمي، وقنطرة الغاضرية تصل بينه وبين الشريعة.

ثمّ ينحرف إلى الشمال الغربي فيقسم الشرقي من مدينة كربلاء بسفح ضريح العباس (عليه السّلام)؛ إذ استشهد ما يلي مسناته، فإذا جاوزه انعطف إلى الجنوب الشرقي من كربلاء ماراً بقرية نينوى، وهناك يتصل النهران (نينوى والعلقمي) فيرويان ما يليهما من ضياع وقرية شفيه، فيتمايلان بين الجنوب تارة والشرق اُخرى.

حتّى إذا بلغا خان الحماد - منتصف الطريق بين كربلاء والغري - اتجها إلى الشرق تماماً، وقطعا شط الهندية بجنوب برس أو حرقه - وأثرهما هناك مرئي ومشهود -

____________________

(1) ص 47 من ط القاهرة.

(2) المسالك والممالك / 233 ط ليدن، وجاء أيضاً في (نهاية الأرب في فنون الأدب - للنويري 1 / 267) ما نصه:... فإذا جاوزهما (يعني إذا جاوز الفرات الأنبار وهيت) قسم يأخذ نحو الجنوب قليلاً، وهو المسمّى بالعلقم، ينتهي إلى بلاد سورى، وقصر ابن هبيرة، والكوفة والحلّة.


حتّى يسقيان شرقي الكوفة.

ذكر أنّ مجراه في العصور القديمة كان يتصل ببطائح البصرة، وأنّ سابور ذي الأكتاف اتخذ حافّتيه قاعدة للذب عن غزو العرب لتخوم المملكة، وشمل بعناية أخلافه من ملوك الساسانية لموقعه الدفاعي.

بلغ من ازدهار العمران الذي حفّ بجانبيه شأواً حتّى [أنهم] ذكروا: اُفلتت سفينة وانحدرت مع جري الماء يومين، فامتلأت بأنواع صنوف أثمار حافيته.

ذكر هارفي بوتر في التاريخ القديم أنّ بخت نصر الملك البابلي حفر نهراً من أعالي الفرات حتّى أوصله إلى البحر؛ لتقارب الوصف.

من الممكن أن يكون هذا النهر هو (العلقمي)(1) ، ولنفس الغاية لبعد أمد جريه اختار فوهته من أعالي الفرات لارتفاع مستوى الماء هناك - المتدفق وسرعة الجري - ولبعد عمود الفرات عن إرواء آخر حدود الريف في العصور القديمة من التاريخ في الدور البابلي أو الكلداني؛ إذ كان مجراه يشقّ عاصمتهم بابل، وكان بطبيعة الحال حفر مثل هذا النهر من الضروري، وممّا لا مناص منه؛ لنطاق مدى العمران.

والعلقم - بالفتح والسكون - يطلق على كلّ شجر مرّ (الحنظل)، وما عداه من غير فارق، والعلقمة المرارة.

يخال لي لشدّة ما كان العرب يكابدون من مرارة ماء آبار الجزيرة حتّى تخوم الجزيرة، ومياه عيون

____________________

(1) يعتقد الدكتور أحمد سوسه في مؤلفه (وادي الفرات 2 / 87) أنّ العلقمي قد أخذ مجرى نهر مارسس القديم الذي كان قد اضمحل فاُعيد إحياؤه زمن العرب. (عادل)


الطفّ، ثمّ ينهلون عذب نمير هذا النهر؛ فلبعد شقة البين بالضد أطلقوا عليه اسم (العلقمي)(1) .

أُطلقت على جملة الضياع التي اتخذت على النهرين العلقمي ونهر نينوى في الدور الإسلامي من مبتدأ فوهة، أو صدر (العلقمي) ما يلي هيت بـ (الفلوجة العليا)، فإذا انحدر مجراه لحدود كربلاء (الفلوجة الوسطى)، ولحدود اتصاله بالكوفة بـ (الفلوجة السفلى)، وهذه الفلاليج الثلاثة كلّ واحد منها في الدور الكسروي متمماً لأستان بهقباذات الثلاثة، ففيما بين نهري دجلة والفرات أستان بهقباذ الأعلى، ثمّ الأوسط، ثمّ الأسفل.

كان قسط هذا النهر من التفقّد والعناية قد بلغ نصاب الكفاية، يتمايل بنشوة نظارة العمران، وساكني حافتيه في هناء ورغد عيش حتّى أن انتكست الخلافة العباسيّة وحلّ بكيانها الضعف والوهن؛ لشغب الأتراك وتلاعبهم بنصب وخلع وقتل ثلاثة من الخلفاء، وهم المستعين والمعتز والمهتدي.

وانحل نظام الأمن وسادت الفوضى أنحاء البلاد؛ لقيام الفتن والثورات وتعاقبها واحدة تلو الاُخرى دون أيّما انفكاك، وقد بلغ الضعف بالدولة إلى درجة أن أصبح من المستحيل إمكان قضائها على ثورة الزنج، ولم تتمكّن من إخماد ثورتهم إلاّ بعد خطوب، وتكبد خسائر فادحة ما يقارب الثلاث

____________________

(1) جاء في قمر بني هاشم - للسيد عبد الرزاق المقرّم / 121 ما نصه: (... نعم، لم يعرف السبب في التسمية به - أي العلقمي - وما قيل في وجهها إنّ الحافر للنهر رجل اسمه علقمة، بطن من تميم، ثمّ من دارم جدّهم علقمة بن زرارة بن عدس لا يعتمد عليه؛ لعدم الشاهد الواضح.

ومثله في ذكر السبب: كثرة العلقم حول حافتي النهر، وهو كالقول بأنّ عضد الدولة أمر بحفر النهر ووكله إلى رجل اسمه علقمة؛ فإنّها دعاوى لا تعضدها قرينة، على أنّك عرفت أنّ التسمية كانت قبل عضد الدولة). (عادل)


آقا محمّد شاه القاجاري (راجع ص 76)

عشرة سنة(1) استنزفت من الضحايا والأموال ما يفوت الحصر إحصاؤه،

____________________

(1) استمر القتال مع الزنج من حين تولّي المعتمد الخلافة سنة ست وخمسين وثلاثمئة إلى سنة سبعين. وذكر الصولي أنّه قُتل من المسلمين =


إلاّ أنّ سياسة الخليفة المعتضد الحازمة وولده المكتفي قد أعادا للخلافة بعض ما فقدته من هيبة ورفعة شأن، إلاّ أنّه كان آخر وميض نور من حياة عزّ الدولة العباسيّة؛ إذ تلتها النكسة التي لا قيام بعدها من جرّاء سيرة المقتدر؛ لضعف نفسه، وركونه إلى حياة اللهو والمجون استهلك في سبيل رغائبه - على ما يحدث به الأستاذ ابن مسكوية في تجاربه(1) - بسرد مفردات نيف وسبعين مليون ديناراً من العين، فضلاً عمّا تلاعبته الأيدي بما تحويه الخزائن من النفائس النادرة والأحجار القيّمة.

وقد قلّده الجند في أساليب الدعة حتّى أضاع قيمته، وأصبح ضعيف النفس، منخوب القلب، بلغ الضعف به درجة أنّه عجز مع كامل عدّته وعديده عن صدّ حملة عدّة ضئيلة من قرامطة هدّدوا بغداد من ناحية الأنبار، ولو لم يبادروا لهدم قنطرة زبارا على نهر عيسى للحيلولة دون عبورهم لأصبحت العاصمة عرضة لخطر ويلات وثبور.

والقرامطة يحصدون بالسيف رقاب الوافدين أثناء سيرهم إلى الحج، وفي نفس الحرم والكعبة ارتكبوا من فضائع القتل والنهب والاستهانة بقدسية البيت ما بلغ صداه عالم الأكوان(2) ؛ فأبانت هذه الحوادث عن مدى ضعف الدولة، وعن أقصى مراتب عجزها؛ وذلك لدوران محور سياستها على رأي النساء والحاشية خدم دار الخلافة، فكان أن تمزّقت وحدة الإمبراطورية الشاسعة المترامية

____________________

= ألف ألف وخمسمئة ألف آدمي، وقُتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمئة ألف (من تاريخ الخلفاء - للسيوطي / 243 ط القاهرة).

(1) انظر تجارب الأمم - لابن مسكوية 5 / 238 - 239، وذلك عام 320 هـ.

(2) راجع بشأن هذه الحادثة المروعة تاريخ الخلفاء - للسيوطي / 376.


الأطراف(1) ، ولم يقتصر الحال على ذلك بل حتّى أصبح شخص الخليفة وعاصمته محكومين لأمير الأمراء الذي اتخذ قاعدة حكمه في مقابل دار الخلافة في دار المملكة.

كان الإسلام منذ رفع مناره وأخذ بالتوسّع والفتوح على عهد الراشدين والأمويِّين والعباسيِّين شامخ الذرى، منيع الجانب عزيزاً... يجيب الرشيد قيصر على ظهر كتابه: الجواب ما تراه(2) .

وعندما طرق سمع المعتصم تهكّم العلج على المتأوّهة بنا معتصماه في حصن عمورية، فيخرج لفوره دون أيّ توان على رأس حملة بينها سبعون ألف فارس على خيل بلق، ويدك دكاً بسنابكها برّ الأناضول، ويهدّد منيع أركان حصن عمورية لإغاثتها(3) .

والواثق يعمل السيف في سكّان الجزيرة وأحيائها، وينقل أسراهم

____________________

(1) جاء في تجارب الأمم - لابن مسكوية 5 / 366 ط مصر: فصارت الدنيا في أيدي المتغلّبين، وصاروا ملوك طوائف، وكل مَنْ حصل في يده بلد ملكه، ومُنح ماله؛ فواسط والبصرة والأهواز بأيدي البريديين، وفارس في يد علي بن بويه، وكرمان في يد أبي علي بن أياس، وأصفهان والري والجبل في يد أبي علي الحسن بن بويه، وبدر شمكير يتنازعوها بينهما.

والموصل وديار ربيعة وديار بكر في أيدي بني حمدان، ومصر والشام في يد محمّد بن طغج، والمغرب وأفريقية في يد أبي تميم، والأندلس في يد الاُموي، وخراسان في يد نصر بن أحمد، واليمامة والبحرين وهجر في يد أبي طاهر بن أبي سعيد الجنابي، وطبرستان وجرجان في يد الديلم، ولم يبقَ في يد السلطان وابن رائق (أمير الأمراء) غير السواد والعراق.

وجاء في ص 237 منه... وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة.

(2) راجع مآثر الأنافة - للقلقشندي 1 / 196، وفي صبح الأعشى 5 / 399، راجع أيضاً تأريخ الخلفاء - للسيوطي / 191.

(3) راجع المصدر نفسه السابقة 1 / 211، و3 / 267.


إلى عاصمته سامراء، بينما استحال على أيّ فاتح وطئ أدنى حدود الجزيرة فضلاً عن التوغّل في متاهاتها منذ أقدم عصور التاريخ؛ فبسقوط عظمة الدولة العباسيّة وتمزّق أمبراطوريتها قُضي على حياة عزّ الإسلام أبدياً.

وفي الحديث الذي أخرجه الإمام أبي داود في كتاب السنن(1) : «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة كلّهم من قريش»، ختم بقطع النيابة الخاصة بالسفير الرابع علي بن محمّد السمري عن الإمام الثاني عشر المهدي محمّد بن الحسن العسكري (عليه السّلام)(2) .

____________________

(1) سنن أبي داود / ك 35 ج 1، وقد أخرج هذا الحديث كلّ من البخاري / ك 35 ب 51، وصحيح مسلم / ك 33 ج 5 - 10، الترمذي / ك 21 ب 46، مسند ابن حنبل / ك ص 298 - 406 خامس ص 86 و ص 87 و ص 88.

(2) إنّ السفراء الأربعة للإمام المهدي (صلوات الله عليه) في زمن الغيبة الصغرى (... - 334 هـ) أوّلهم نصّبه الإمامان الهادي والعسكري (عليهما السّلام)، وهو الشيخ الموثّق أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (السمّان).

قال عنه الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (عليه السّلام) في جوابه لأحد يسأل عمّن يمتثلون لأوامره في حالة غيابهم عنه، يجيبهم: «هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي، وثقتي في الحياة والممات، فما قاله فعنّي يقوله، وما أدّى إليكم فعنّي يؤدّيه». (الغيبة - للشيخ الطوسي / 229. ط تبريز، البحار 51 / 344)، وتوفي ببغداد، وموضع قبره بالجانب الغربي من مدينة السّلام في شارع الميدان بدرب جبلة.

فلمّا مضى عثمان بن سعيد قام ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان بنصّ أبيه عليه بأمر القائم (عليه السّلام)، وكان كأبيه ثقة وأمانة، وكانت وفاته سنة 305 هـ (الكامل - لابن الأثير 8 / 41)، وقبره في شارع باب الكوفة من مدينة السّلام (الغيبة / 228)، وأوصى من بعده لأبي القاسم الحسين بن روح (قدّ سرّه)، وكان لأبي القاسم مقام عظيم عند الشيعة والسنة على السواء؛ لفضله وعلمه، وله أنصار في بلاط المقتدر، وله مكانة عظيمة عند الخليفة المقتدر، وعند السيدة اُمّ المقتدر. (البحار 51 / 356).

وقد جرت بينه وبين الوزير حامد بن =


كان هذا النهر لِما يحاذي صحراء الجزيرة عرضة لمشاغبة خوارج العرب والقرامطة، ومسرحاً لحركاتهم العسكرية مع الدولة، فضلاً عمّا أصابه من الإهمال؛ فعلى أثر نضوب المال، وعدم كفايته لسدّ عوز أرزاق الجند أخذ الأمراء يحيلونهم على استغلال الضياع.

يقول ابن الأثير في الكامل: إنّ الذي أخذوه ازداد خراباً فردّوه، وطلبوا العوض فعوّضوا، وترك الأجناد الاهتمام بمشارب القرى وتسوية طرقها فهلكت، وبطل الكثير منها فقط على ما يرويه أحمد بن سهل في صور الأقاليم(1) كما هو مبيّن ممّا اُصبن من عبث الكوارث المبيرة ولم يصبه العطب.

____________________

= العباس خطوب، وقبض عليه وسُجن خمسة أعوام، وأُطلق لمّا خلع المقتدر من السجن (ذيل تجارب الأمم 5 / 299، نقلاً عن تاريخ الإسلام - للذهبي، وفي صلة عريب / 141 ط ليدن).

وقد توفي سنة 329 هـ، وموضع قبره في النوبختية النافذ إلى التل وإلى درب الآجر وإلى قنطرة الشوك. (الغيبة / 252).

ووصّى من بعده إلى السفير الرابع علي بن محمّد السمري، فقام بما كان إلى أبي القاسم، فلمّا حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده وسألته عن الموكّل بعده، ولمَنْ يقوم مقامه، فقال: لله أمر هو بالغه. فالغيبة التامّة هي التي وقعت بعد مضي السمري.

وكانت وفاته سنة 329 هـ، وقبره في شارع البلخي من ربع باب المحول، قريب من شاطئ نهر أبي عتاب (الغيبة / 358).

وللعلاّمة المؤلف تعقيب على مواضع قبور السفراء الأربعة وجدناه على جلد كتاب الغيبة، ما نصه: فقبور هؤلاء السادة (سلام الله عليهم) اليوم في الصحراء من غرب دجلة تقريباً، على أوّل المعلومة، وعلى يد مَنْ، وفي أيّ تاريخ كان ذلك على فرض تقدير قيمة لمحال قبورهم المعلومة اليوم.

بينما يذكر المؤلف (ص 239) - ويعني بذلك الشيخ الطوسي - الموضع الذي كانت دوره ومنازله فيه، وهو الآن في وسط الصحراء لسنة سبع وأربعين وأربعمئة في أواسط عمر الدولة العباسيّة، فضلاً عمّا دهى بغداد من الدمار والخراب على يد التتر. (عادل)

(1) ص 52 وجه، (مخطوط في مكتبة المؤلف).


المنطقة(*) فيما بين بغداد والكوفة، الجزيرة بين الرافدين.

وبقيت محافظة على عمرانها إلى القرن السادس على غرار وصف أبي زيد البلخي بأنّه سواد مشبك، وشهود ابن جبير له كما أورده في رحلته إلى المشرق، حتّى دمرّتها عواصف حملة التتر سنة ستة وخمسين وستمئة.

فبطبيعة الحال لتوالي الفتن والمحن، وتخلّي القرى الآهلة من قاطنيها على حافتي هذا النهر والفروع المتشعبة منه، أنّ العناية بهذا النهر، وتفقده(**) ما كان ينتابه من عوارض متتالية حتّى أصبح العامر من ضياعه في حكم الموات كما أعرب عن وصفه الوصّاف بعد قرنين في (تاريخ الحضرة).

ولمّا كان العلقمي يروي كربلاء، وساكنيه وجوه الأشراف من العلويِّين والمنقطعين في جوار الحسين (عليه السّلام)، ولم تبقَ وسيلة للاهتمام بشأنه غير تبرّع أهل الفضل بالبذل، ولا بدّ من أنّ بني بويه في القرن الرابع لتشيّعهم وعنايتهم بشؤون المشاهد المشرفة كانوا السبب الوحيد لبقاء حياة هذا النهر حتّى منتصف القرن الخامس؛ إذ إنّ الإمام ابن الجوزي يحدّثنا في (المنتظم)(1) ، في حوادث سنة 451 فيقول: خرج البساسيري إلى زيارة المشهد بالكوفة على أن ينحدر من هناك إلى واسط، واستصحب معه غلّ في زورق العمال في حفر النهر المعروف بالعلقمي، ويجريه إلى المشهد بالحائر وفاء بنذر كان عليه.

ويقول مؤلف تاريخ آل سلجوق في حوادث سنة 479 هـ: وصل عماد الدولة سرهنك ساوتكين إلى واسط، ومنها إلى النيل في شهر رمضان، وزار المشهدين الشريفين، وأطلق بهما للأشراف مالاً جزيلاً، وأسقط

____________________

(*) هكذا ابتدأت الصفحة بهذه العبارة المربكة والتي تنبئ عن وجود حلقة مفقودة بينها وبين ما سبقها وبين ما تلاها؛ لذا اضطررنا إلى تركها على حالها، ونكتفي بمجرد الإشارة إليها.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(**) لا يخفى السقط المخل في ابتداء هذه العبارة؛ بل حتّى في ما يليها.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)

(1) ج 8 / 202.


خفارة الحاج، وحفر العلقمي وكان خراباً من دهر، وقدم بغداد(1) .

ويحدّثنا السيد الطقطقي في الآداب السلطانية ص 301، عند ذكر مؤيد الدين ابن العلقمي وزير الخليفة المصتعصم بالله: وقيل لجدّه: العلقمي؛ لأنّه حفر النهر المسمّى بالعلقمي، وهو النهر الذي برز الأمر الشريف السلطاني لحفره، وسمّي الغازاني؛ فعليه قاوم العلقمي كوارث الأعفاء والدروس حتّى آخر القرن السابع، ثمّ أصبح أثراً بعد عين.

وفي خبر كان يحدّثنا العلاّمة الحسن بن يوسف في الخلاصة ص 58 عند ذكر عبد الغفار يقول: (هو من أهل الجازية(2) ، قرية من قرى النهرين). وقفت بنفسي على دارس رسوم هذه القرية قبيل الحرب العالمية لسنة 1914 م، وموقعه يقع في الشمال الشرقي من مدينة كربلاء على آخر حدود ضيعة الوند.

يشاهد بظهر طلولها خزف، وبعض زجاج مبعثر، وفيما يليه آثار حصن على التقريب ينوف أبعاد أعلامه المئة متر في مثله منسوب لبني أسد، وبلغني أنّ آجر هذا الحصن ذراع بغدادي مربع، وبين طلول الجازية والحصن أثر مجرى نهر دارس، لم أبحث هل هو نفس العلقمي أو أحد شعبه.

ويخال لي أنّ [الكارثة] التي وقعت لقاضي القضاة على ما بسطه التنوخي في الفرج بعد الشدّة، كانت بجوار هذا الحصن.

يقول أبو السائب: فلمّا انصرفت من الزيارة اُريد قصر ابن هبيرة قيل: إنّ الأرض مسبعة، واُشير عليّ أن ألحق قرية فيها حصن سمّيت لي كي آوي إليها قبل المساء، وكنت ماشياً فأسرعت، وأتعبت نفسي إلى أن لحقت القرية، فوجدت باب

____________________

(1) ص 71.

(2) ورد في مقاتل الطالبيِّين ط القاهرة / 542: مضى أبو السرايا نحو القصر، فلمّا صار بالرحب صار هرثمة إليه، فلحقه هناك، فقاتله قتالاً شديداً؛ فهُزم أبو السرايا وقُتل أخوه. ومضى لوجهه حتّى نزل (الجازية)، وأتبعه هرثمة، واجتمع رأيه على سدّ الفرات عليه ومنعهم الماء، وصبّه في الأجان والمفايض التي في شرق الكوفة، وانقطع الماء من الفرات.


الحصن مغلقاً، فدفعته فلم يفتح لي، وتوسلت للقائمين بحراسته بمَنْ قصدت زيارته، فقالوا: قد أتانا منذ أيام مَنْ ذكر مثل ما تذكر، فأدخلناه وآويناه فكان عيناً علينا لللصوص، وفتح الباب ليلاً وأدخلهم فسلبونا، ولكن الحق بذلك المسجد وكن فيه؛ لئلاّ تُمسي فيأتيك السبع.

فصرت إلى المسجد، فدخلت بيتاً كان فيه، فلم يكن بأسرع من أن جاء رجل على حمار منصرفاً من الحائر فدخل المسجد، وشدّ حماره في حلق الباب، ودخل إليّ ومعه كرز فيه خرج، فأخرج سراجاً فأصلحه، وقدحاً فأوقدها، وأخرج خبزه وأخرجت خبزي واجتمعنا على الأكل، فلم نشعر إلاّ والسبع قد دخل في المسجد، فلمّا رآه الحمار دخل إلى البيت الذي كان فيه، فدخل السبع وراءه، فخرج الحمار وجذب باب البيت بالرسن فأغلقه علينا وعلى السبع، وصرنا محبوسين فيه.

وقدّرنا أنّ السبع لا يفترسنا بسبب السراج، وأنّه إذا انطفأ أخذنا وأكلنا، وما طال الأمر أن فني ما كان في السراج من الدهن وطفئ، وصرنا في الظلمة والسبع معنا، فما كان عندنا من حاله شيء إلاّ إذا تنفس فكنا نسمع نفسه، وراث الحمار من فزعه فملأ المسجد روثاً.

مضى الليل ونحن على حالنا، وقد كدنا أن نتلف فزعاً، ثمّ سمعنا صوت الآذان من داخل الحصن، وجاء المؤذن ودخل المسجد، فلمّا رأى ما فعله الحمار لعن وشتم وحلّ رسن الحمار، فمرّ يطير في الصحراء، وفتح المؤذن باب البيت لينظر مَنْ فيه، فوثب السبع إليه فدقّه وحمله إلى الأجمة، وقمنا نحن وانصرفنا سالمين.

وقاضي القضاة أبو السائب هذا هو عتبة بن عبيد الله بن موسى بن عبيد الله الهمداني، كان أبوه تاجراً يؤم بمسجد همدان، فاشتغل هو بالعلم، وغلب عليه في الابتداء التصوّف والزهد، وسافر فلقي الجُنيد والعلماء، وعني بفهم القرآن، وكتب الحديث وتفقّه للشافعي، ثمّ دخل مراغة واتصل بأبي القاسم بن أبي الساج، وتولّى قضاء مراغة، ثمّ تقلد قضاء آذربايجان كلّها، ثمّ تقلد قضاء همدان، ثمّ سكن بغداد واتصل بالدولة، وعظم شأنه إلى أن ولي قضاء القضاة بالعراق سنة 338 هـ على عهد


معزّ الدولة أحد ملوك الديلم، وتوفي سنة 355 هـ في بغداد، وله ستة وثمانون سنة، وهو أوّل مَنْ ولي قضاء القضاة في العراق من الشافعيّة(1) .

نهر نينوى

نهر نينوى كان يتفرّع من عمود الفرات ما يقارب الحصاصة وعقر بابل، وموقعه اليوم - على التقريب - بين شمال سدّة الهندية وجنوب قضاء المسيّب من نهر سورى، ثمّ يشقّ ضيعة اُمّ العروق، ويجري جنوب كرود أبو حنطة (أبو صمانة)، وتقاطع مجراه باقياً ليومنا هذا، ويُعرف بـ (عرقوب نينوى).

ومن المحتمل أنّ البابليِّين هم الذين حفروا نهر نينوى مع تشكيل قرية نينوى باسم عاصمة الآشوريين في أدوار حضارتهم، ولعدم ورود ذكر هذا النهر حتّى عرضاً يخال لي توغّل دثوره في مستهل أيام الشغب.

النهر الغازاني

غازان خان هو من آل جنكيز، والخامس من ملوك التتر الذين حكموا العراق بعد أن أسقطوا الخلافة العباسيّة.

قطع عليه الأمير نوروز عهداً - أحد الأمراء الكبار ووالي إقليم خراسان - قبيل تسنّمه العرش بأن يشدّ أزره ويعضده لارتقاء سدّة الخلافة، ولكن بشرط أن يعتنق الدين الإسلامي، فأعلن غازان اعتناقه للدين الإسلامي بعد أن تمهّد له الأمر مع مَنْ اتبعوه من المغول لسنة أربع وتسعين وستمئة للهجرة، وعلى أثر (رؤياه) بعد إسلامه الذي آخا

____________________

(1) نقلاً عن تاريخ الإسلام - للذهبي.


النبي (صلّى الله عليه وآله) بينه وبين ابن عمّه علي (عليه السّلام) أخذ يعطف على العلويِّين ويتفقّدهم، ويبالغ في إكرامهم، وأمر لهم في كافة أنحاء المملكة ببناء دور لإيوائهم على غرار أربطة المجاهدين وخانقاه الصوفية، أطلق عليها اسم (دار السيادة) فضلاً عمّا أبداه من الاهتمام بشؤون المشاهد المشرّفة وتعاهد زيارتها.

يقول مؤلّف (الحوادث الجامعة)(1) : في سنة ثمان وتسعون وستمئة توجه السلطان غازان إلى الحلّة، وقصد زيارة المشاهد الشريفة، وأمر للعلويين والمقيمين بمال كثير، ثمّ أمر بحفر نهر من أعلى الحلّة، فحفر وسمّي الغازاني، وتولّى ذلك شمس الدين صواب الخادم السكورجي وغرس الدولة.

ويقول مؤلّف (تاريخ المغول)(2) في الوصاف: اهتزّ اللواء الملكي المؤيد بالنصر يوم الخميس، وانتهز اجتياز طفّ الفرات على الطريق الذي هو من مستحدثات أيام الدولة الغازانية.

وضياعه الموات فيما مضى كان يطلق عليه بالعلقمي؛ ولاستحداثه وجريان الفرات فيه لنضارة خضرته (طغى نطاق الفكر في التقدير، جرى الوادي فطم على القرى)(*) ، وحاز اللواء الملكي زيارة حائر الحسين المقدّس، ثمّ اتجه على طريق الفرات إلى الأنبار وهيت.

اجتاح ملوك المغول الوثنيون (أسلاف غازان) العراق فحلّوا بها الخراب والدمار، وأحالوا نضارة مروجها الخضراء إلى فيافي قاحلة جرداء، وأخليت معالمها من المتعاهدين الذين أبادتهم بربرية المغول، وأصبح العمران أثراً بعد عين، وتُركت منظومة الري، واُهملت المجاري لعدم وجود مَنْ يبذل الجهود ويهمّه استمرار بقائها لإرواء المدن العطشى، وعلى الأخص لمثل نهر العلقمي لطول مجراه؛ لذلك أمر غازان بتجديد نهر

____________________

(1) الحوادث الجامعة - لابن الفوطي / 497.

(2) تاريخ وصاف الحضرة - لعبد الله بن فضل الله / 401.

(*) هكذا وردت هذه العبارة التي اضطررنا إلى وضعها بين قوسين، وهي بيّنة الإرباك.(موقع معهد الإمامين الحسنين)


العلقمي، وتقريب مأخذه من الفرات، فتبروا أعالي مجرى النهر وأوصلوا القسم الآخر بالنهر الذي حفره غازان من فرات الحلّة، ولم يستسيغوا بقاء اسم العلقمي على هذا النهر، لا سيما وقد طرأ عليه الكثير من التغيير والتبديل؛ فأطلقوا عليه اسم (الغازاني)؛ تخليداً لذكرى حافره غازان(1) .

وكان العمود المنحصر بالفرع للفرات على أثر اضمحلال الفروع التي كانت تأخذ منه وتصب في دجلة، كنهر عيسى، وفوهته من الصقلا، وبه تقريباً مع نهر السراط الذي كان يتفرّع منه، فبعد أن كانا يرويان دار السلام أو مدينة المنصور والأراضي المحيطة بهما يصبان في دجلة داخل بغداد.

ثمّ نهر صرر ينصب إزاء المدائن، ونهر الملك ويصب فيما بين النعمانية والمدائن، ثمّ نهر سورى الذي انحصر به المجرى وأصبح المندفع الأعظم لمائه، وكان موقع جسره نفس قضاء المسيّب الحالي.

وفي الشرقي منه على بعد ميلين كان موقع قصر ابن هبيرة - على ما رواه ابن واضح في البلدان(2) - على فرع يأخذ مائه من الفرات سمّي بنهر النيل أو صراط، وآثار هذا القصر باقية إلى يومنا هذا في الجزيرة، في نفس القضاء بمقربة من ضريح ابن القاسم، يطلق عليه بتل هبيرة.

ويتفرّع من نهر سورى أو شط الحلّة، نهر النيل الذي حفره

____________________

(1) قد أسدى المغول - على اختلاف طوائفهم - خدمات عظيمة للمشاهد المشرفة كما تقدم، ويجدر بنا في هذا المقام أن نذكر ما قام به تيمور منهم من مساعي حميدة؛ فقد أورد في (تزوكه / 115 ط لندن) الذي كتبه بيده ما ترجمته: إنّ أوّل ما أوقفت على روضة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب محال الحلّة والنجف، وللروضة المنوّرة الحسينيّة، وسائر المشايخ والأكابر من رؤساء الدين الذين هم ببغداد، كلّ على قدر مرتبته محال كربلاء وبغداد، وللروضة الجوادية والكاظمية، وروضة سلمان الفارسي المحال من مزارع والجزائر الواردة من المدائن. (عادل)

(2) ص 72 من ط النجف.


الحجاج بن يوسف الثقفي أبان عهد الدولة الاُمويّة، وفوهته اليوم تقريباً تحاذي موقع الحجمة من شط الحلّة. وكان نهري سورى والنيل يحدثان عند افتراق مجراهما واتصالهما شبه جزيرة بيضوية الشكل، ثمّ يصبّان في بطائح أو أهوار الكوفة.

ولم يزل عمود الفرات على جريانه صوب شط الحلّة حتّى بعد الألف ومئتين وثمانية الهجرية؛ إذ حفر نهر الهندية بتبرّع المتغمد بالرحمة آصف الدولة، ملك أود الهندي، بقصد إرواء ساحة الغري الأقدس، وقد صادف الماء مستوى أخفض من مجراه الطبيعي(1) ،

____________________

(1) راجع حول نهر الهندية مسير طالبي - لأبي طالب الأصفهاني، وتحفة العالم - لمير عبد اللطيف الشوشتري / 32 ط الهند، وراجع (ماضي النجف وحاضرها - للشيخ جعفر محبوبة / 131).

ولم تكن هذه أولى المحاولات لجلب الماء إلى الغري الأقدس، فقد سبقتها محاولات كثيرة، فكان ممّن حظي بشرف ذلك ملكشاه السلجوقي عند زيارته للمشاهد المقدّسة سنة 479 هـ، إذ أمر باستخراج نهر من الفرات يطرح الماء إلى النجف فبدأ فيه. (المنتظم 9 / 29).

كذلك ولده سنجر أراد القيام بنفس العمل ولكنّه لم يوفّق إلى ذلك كما جاء في كامل ابن الأثير، حتّى إن وفّق الحظ الصاحب عطا ملك بن محمّد الجويني صاحب ديوان الدولة الإيلخانية، وأجرى الماء إليها سنة ستة وسبعين وستمئة. (فرحة الغري / 60).

وعند زيارة الشاه إسماعيل الأوّل الصفوي للنجف سنة 914 لم يغفل من تجديد وكري النهر الذي كان مشرفاً على الاضمحلال، وقد كلّفه ذلك حوالي 200000 تومان - من نقود تلك الأيام - وأطلق عليه اسم (النهر الشريف). (فارسنامه ناصري 1 / 13).

وفي سنة 1022 هـ جدّد وعمّر مجرى النهر (الشريف) الشاه عباس الأوّل الصفوي، وكان يروم إلى حفر قنوات تحت الأرض من مسجد الكوفة إلى النجف، ثمّ يوصلها إلى بحر النجف، وكان ذلك سنة 1033 هـ. (فارسنامه ناصرى 1 / 141).

وفي سنة 1041 هـ بسعي =


فعندها غيّر مجراه إلى هذا المستوى المنخفض حتّى كاد أن يقضي أبدياً على فرات الحلّة لولا تدارك وعناية المغفور له السلطان عبد الحميد الثاني العثماني؛ إذ كلّف شركة جاكسن الإنكليزية بتدارك ذلك فشيّدت الشركة المذكورة السدّة القائمة اليوم، وكان قد عجز قبل ذلك ولاة بغداد - وكبّدهم الكثير من الخسائر - من تشييد السدود لنفس الغاية؛ فعلى أثر تشييد السدّة الموجودة اليوم ارتوت أراضي الحلّة وكربلاء، واستمر بها جري الماء طول أيام السنة.

النهر السليماني (الحسينيّة)

حتّى ورد العراق سليمان القانوني العثماني فاتحاً إبّان حكم الشاه طهماسب الصفوي الأوّل سنة إحدى وأربعين وتسعمئة.

قال نظمي زادة في (كلشن خلفاء)(1) : في 28 جمادي الأوّل سنة 941 هـ قصد الملك المحمود الصفات لزيارة العتبات العاليات، واتجه نحو كربلاء والنجف، وزار مرقد سيد الشهداء المنوّر، ونال قصب سبق مرامه،

____________________

= الشاه صفي الصفوي شقّ نهراً من فرات الحلّة إلى مسجد الكوفة، وأمرره قرب قصر الخورنق، ثمّ أوصل الماء إلى بحر النجف؛ ولغرض خزن مياه هذا النهر شيّد خزان كبير في وسط البحر، ثمّ بواسطة قناة تحت الأرض أوصلوا الماء إلى داخل سور النجف. (روضة الصفاى ناصرى المجلد الثامن).

وقد أرّخ هذا العمل المجيد بعض شعراء الفرس بقصيدة مطلعها:

شاه اقبال قرين خسرودين شاه صفي

انكه خاك قد مش زبور أفسر امد

(عادل)

فارس نامه ناصري 1 / 145.

(1) باللغة التركية، مخطوطة في مكتبة المؤلّف (ص 97 وجه)، وقد ترجم المؤلّف هذا النص من التركية.


وأمر بحفر نهر كبير من عمود الفرات لإرواء ساحة كربلاء، فأصبحت نمونة من سلسبيل الفردوس الأعلى، ووهب مجموع حاصلات ضياعه للمجاورين والخَدَمة الساكنين.

كان على مرّ العواصف تملأ النهر من ما تراكم في قعره من الصخور يزاحم تطهيره السادات الكرام(*) ، ويكبّدهم زحمات كثيرة، وعلى أثر جريه أحاطت بالحرم - الذي الملائكة أمناؤه - حدائق وبساتين حتّى حاكى الجنان، وأجلى عن قلوب ساكنيه التكليف؛ لِما اجتمع لهم من أسباب الراحة ورغد العيش.

على أثر تحقيق أرباب التاريخ في الماضي، [فإنّ] بعض المهندسين البارزين، [وبحسب] أقيستهم(1) الهندسية، [قد أظهر] انخفاض مستوى الفرات وارتفاع قصبة كربلاء، وكان من المستحيل جريان الماء فيه؛ فمن كرامة الإمام ويمن إقبال الملك العالي المقام جرى الماء بسهولة، ممّا سبب إقحام المهندسين واستوجب تحسين الملأ الأعلى.

أُطلق على هذا النهر حسب منطوق الوثائق القديمة لبعض الحدائق

____________________

(1) وقد جاء في أربعة قرون من تأريخ العراق الحديث - تأليف لونكريك، وترجمة الأستاذ جعفر الخياط / 24 - عن زيارة سليمان القانوني لكربلاء ما يلي:

كانت عنايته الثانية أن يزور العتبات المقدّسة في الفرات الأوسط، وأن يفعل هناك أكثر ممّا فعله الزائر الصفوي في العهد الأخير، فوجد كربلاء المقدّسة حائرة في حائرها بين المحل والطغيان؛ إذ كان الفرات الفائض في الربيع يغمر الوهاد التي حول البلدة بأجمعها من دون أن تسلم منه العتبات نفسها.

وعند هبوط النهر كانت عشرات الاُلوف من الزوار يعتمدون على الري من آبار قذرة شحيحة لرفع مستوى (روف السليمانية)، وهي سدّة لا تزال نافعة لوقاية البلدة من الفيضان، ثمّ وسع الترعة المعروفة بالحسينيّة، وزاد في عمقها لكي تأتي بالماء باستمرار الخالية المغبرة حولها بساتين وحقول قمح.

وصارت هذه الترعة تنساب في أرض كان الجميع يظنونها أعلى من النهر الأصلي، فاستبشر الجميع للمعجزة، واقتسم الحسين الشهيد والسلطان التركي جميع الثناء والإعجاب.

(*) ما في العبارة من تخبط يغني القارئ اللبيب عن الإشارة إليه.(موقع معهد الإمامين الحسنين)


بالنهر (الشريف السليماني).

وفي سنة 1217 هـ عندما أراد أن يقيس أبو طالب في رحلته (مسير طالبي)(1) عرض شط الهندية، قال: هو على غرار نهر الحسينيّة، الاسم الذي يُعرف به اليوم مع ما طرأ على عدوتيه من تغيير وتبديل، هو اليوم عين النهر الموجود يروي ضياع كربلاء وبساتين ضواحيها باسم نهر الحسينيّة.

كان منفذه الرئيس ينتهي إلى هور السليمانية الواقع في القسم الشرقي من البلاد على مسافة بضع أميال، والفرع الذي اختص لإرواء السكنة والمجاورين كان يطوّق المدينة من ثلاث جهات؛ حيث الشمال والغرب ثمّ ينعطف نحو الجنوب ويتجه شرقاً حتّى يصل إلى منفذه الرئيس في هور السليمانية.

أنفق السيد كاظم الرشتي من فضله مصرف تجديد إنشاء المسجد الواقع في القسم الشرقي من الصحن الحسيني، وبتبرّع زوجة محمّد شاه القاجاري ملك إيران أنفذ (نهر الرشتية) إلى الرزازة وبطيحة، أو هور أبو دبس.

ولتبرّع أحد المحسنين من رجال حاشية الشاه عباس الأوّل الصفوي إبّان احتلال الدولة الصفوية للعراق (1033 - 1042 هـ) جدّد صدراً لهذا النهر.

____________________

(1) كتاب مسير طالبي هو من تأليف أبو طالب بن محمّد الأصفهاني، دوّن فيه مشاهداته وملاحظاته عن البلدان التي مرّ بها في رحلته؛ فقد بدأ رحلته من الهند وسافر إلى انكلترا ومنها إلى فرنسا، ثمّ عبر البحر الأبيض قاصداً إسلامبول، ومن إسلامبول شدّ رحاله إلى بغداد عن طريق برّ الأناضول، ومنها إلى سامراء ثمّ إلى كربلاء.

ثمّ سافر إلى الغري عن طريق الحلّة، ثمّ عاد بعد ذلك مقفلاً إلى بغداد، ثمّ رحل منها إلى البصرة، ومنها إلى بومبي، وفي بومبي لاقى السيد عبد اللطيف الشوشتري قريب المرحوم السيد نعمة الله الجزائري صاحب كتاب (تحفة العالم)، ثمّ ختم رحلته بعودته إلى كلكته.


وقد قام حسن باشا والي بغداد(1) لسنة 1329 هـ على الخلل الذي طرأ على مجرى هذا النهر فحفر له صدراً آخر.

ويوجد اليوم في شمال قضاء المسيّب جانب البو حمدان في ضيعة هور حسين ترعة يُطلق عليها بصدر الحسينيّة العتيق، وكان لها قنطرة قائمة متينة على محاذاة خان الوقف الذي هُدم حديثاً؛ لغرض فتح الشارع المقابل للجسر الثابت الذي أنشأ لربط جانبي القضاء.

قد يكون هذا الصدر أحد تينك الصدرين اللذين مرّ ذكرهما، وعلى ما أتخطر هُدمت القنطرة السالفة الذكر؛ لاستعمال أنقاضها في بناء الناظم الذي أُقيم على صدر الحسينيّة، القائم ليومنا هذا، أي في سنة 1324 هـ.

وعلى أثر التغيير الذي طرأ على مجرى عمود الفرات بأحداث الهندية بأمر آصف الدولة الهندي(2) أُشكل علينا معرفة الفوهة الأصلية لنهر الحسينيّة، وكذلك موقعه الذي اختير له من الفرات عند حفره بأمر سليمان القانوني سنة 941 هـ، ومن المحتمل أن تكون فوهته بمقربة من مأخذ وفوهة نهر نينوى القديم على التقريب.

____________________

(1) كلشن خلفاء خط / 241 وجه.

(2) جاء في تحفة العالم - لمير عبد اللطيف الشوشتري. ط الهند / 348 عن آصف الدولة ما ترجمته: آصف الدولة بهادر يحيى خان من أحفاد سعادت مندخان برهان الملك الذي هو من أعاظم أمراء محمّد شاهي. وفي التاريخ النادري مجمل من أحواله مسطور فيه.

كان من أعاظم نيشابور، وآصف الدولة سواء في الرئاسة، أو ضبط المملكة وتنسيق الأمور لم يكن كما ينبغي، ولكنّه كان حاتم زمانه في السخاء والكرم الفطري، وكان قد بنى رباطاً كبيراً لجهة الزائرين وسكنة العتبات العاليات، وكان دائماً غاصاً بعدد كبير من الزائرين، وكان الزائرون من يوم ورودهم إلى هذا الخان حتّى خروجهم منه يصرف لهم مقداراً من المال كلّ على قدره ومرتبته.

ومن آثاره الخيرية هي جلبه الماء إلى أرض الغري الذي كان أُمنية السلاطين العظام، وقد عجزوا عن إقحامه... وقد شيّد قرب داره في الهند مسجداً وداراً لإقامة مجالس التعزية الحسينيّة فيها، وقد كلّفه ذلك الأموال الجزيلة، وقد توفي سنة 1310 هـ برواية الشيخ عبد العزيز الجواهري في كتابه آثار الشيعة الإمامية جـ 4. (عادل)


الطفّ

الطف (بالفتح والفاء المشدّدة): ما أشرف من الجزيرة على ريف العراق.

يحدّث الأصمعي: يطف لك، أي ما دنا وأمكن، وطفّ الفرات: الشاطئ منه(1) ، مع شمول لفظة لكلّ ساحل ماء، وجمعه طفوف(2) . اُطلق على سبيل العلمية على الساحل الغربي من عمود الفرات حتّى آخر حدود الريف ما يُتاخم الجزيرة عرضاً من الأنبار حتّى بطائح البصرة طولاً، ويضاف إليه في بعض مواقعه طفّ كربلاء، ونينوى، وشقران(3) ، وسفوان(4) .

وعلى أثر تعاقب مَنْ حكموا العراق من ملوك مختلفين في اللغة كالكلدانية الأولى والثانية، وملوك الفرس الأعاجم، والعرب في الدور الجاهلي ثمّ الإسلامي، حسب لغتهم أطلقوا على المدن والقرى والضياع والأنهار في كلّ دور وطبقة أسماء، أو تحوير لأسمائها الأصلية بحسب

____________________

(1) معجم البلدان - لياقوت الحمودي 6 / 51، ومراصد الاطلاع - لعبد الحق البغدادي.

(2) لسان العرب - لابن منظور 11 / 125.

(3) شعراء النصرانية جـ 2 - للويس شيخو اليسوعي، ط بيروت سنة 1890.

(4) العقد الفريد - لابن عبد ربّه الأندلسي 3 / 114.


اللهجة واللغة.

وإبّان حكم المسلمين للعراق كانت الأسماء الدراجة على موقعها خليط من قبطية وكلدانية وآرمية فارسية وعربية، كباروسيما بانقيا، بورسيبا، بابل، نينوى: (كلداني).

استان، بهقباذ الأعلى، الأوسط، الأسفل. صراط جاماسب ضيزن آباد نيرس، (آري فارسي). طف، حيرة، غري، قادسية، عذيب خفان، سنداد، قطقطانة، قصر بني مقاتل، أنبار، عين التمر، عربي لدور التنوخيين آل نصر المناذرة ملوك الحيرة.

والمسلمون بدورهم أطلقوا أقساس مالك، كوفة، بصرة، سوق حكمة، سواد، جرف، حاير، غاضرية، حزن غاضرة، حصاصة، طسوج النهرين على المواقع التي اشتهرت به. وعلى بعض الأسماء الدراجة بتعريب، أو تخفيف كبرس لبورسيبا (قصر اللغات)، ومن الممكن لكربلاء من كور بابل.

وقد اقتصر ابن النديم في فهرسته على اللغة البابلية أو الكلدانية(1) : (النبطي أفصح من السرياني، والذي يتكلّم به أهل القرى سرياني مكسور وغير مستقيم اللفظ، وقيل: الذي يستعمل في الكتب أو القراءة هو الفصيح) من غير أن يلمّ بصور مفردات حروفه.

ومن الممكن أنّ رسم خط الأسفيني البابلي والهيرغلوفي المصري اُهملا وانقرضا على أثر سقوط بابل ومصر على أيد داريوس من ملوك الطبقة الثانية الكلدانية.

وعند تحرّي الجغرافيين لتدوين أسماء المواقع اقتصروا على وجوه الاشتقاقات على اللغة العربية دون العطف على المعاني للغات الأدوار الغابرة،

____________________

(1) ص 18 ط القاهرة.


كما ذهبوا إلى تحليل لفظ العراق من اشتقاقه من عراق القربة، ولفظ بغداد من تعريب باغ داد (أي حديقة العدل)، أو العطية، مع اختلاف في ضبط لفظته بسبعة وجوه.

ومع قناعة لسترانج في اشتقاقه من بغ (الله) و (داد) تأسيس(1) يشير إلى وجود مدينة في العهود الغابرة في موقع بغداد يُقارب هذا الاسم. ومن الممكن لوجود حرف الباء في أوّل لفظ بغداد أن يكون بابليا، أو آشوريا لديهم في الاستهلال به في الأسماء المطلقة لأدوارهم بالنبطية، كبانقيا، وباروسيما، وبابنورا، وبريسما، ونور سيبا.

ذكر اللغويون أنّ عدد المئة في اللغة النبطية يعبّر عنه بحرف الباء.

الحائر

الحاير - بعد الألف ياء مكسورة وراء - هو في الأصل حوض طبيعي لانخفاضه يجتمع فيه مياه الأمطار فيركد فيه لمّا لا يرى مخرجاً أخفض من مستواه، وعند هبوب الرياح يتحرّك الماء بطبيعة الحال، إذ يرجع أقصاه إلى أدناه، ينتهي إلى المحلّ الذي ابتدأ منه أوّلاً فيتحيّر فيه، أو بالهبوب يتحرّك بحركة دورية على نفسه مطمئن الوسط مرتفع الجوانب.

وذكروا في جمعه حوران، ونفى أبو القاسم برواية الحموي في المعجم من أن يكون له جمع، على أنّه اسم علم لموضع قبر الحسين (عليه السّلام)(3) . وليومنا لم يطرأ على وضعه الطبيعي الذي وضعوه أيّ تغيير سوى ارتفاع مستواه وقاعدته عمّا كان عليه يوم ضمّت تربتها أجداث الجثث

____________________

(1) بغداد في عهد الخلافة العباسيّة - لليسترنج، راجع معجم البلدان 2 / 230 ط القاهرة.

(2) راجع لسان العرب - لابن منظور 4 / 223، وتاج العروس - للزبيدي 3 / 164، والصحاح 2 / 640.

(3) معجم البلدان 3 / 203.


الطاهرة، فإذا قصد الوارد إلى الروضة الزاكية ينحدر إلى الصحن الشريف من كافة جهاته مع اختلاف في الارتفاع الذي كان الجرف لنفس الحوض.

ومن الممكن أن يكون سبيل مصبّ المياه فيه كان من قسمه الشرقي؛ لِما ورد عن الإمام الصادق (عليه السّلام) في ترتيب آداب الزيارة منه الدخول إلى مستوى هذا الحوض، أي الحائر، ولتوالي الأبنية التي كانت تُقام للروضة الطاهرة بحكم الضرورة، والتجديد في أدوار متعاقبة تكون بالتدرّج ارتفاع مستواه(1) .

بلغني عند تبليط الصحن الأقدس وبناء أسرابه في العقد العاشر من خاتمة القرن الثالث عشر الهجري، شوهد في القسم الجنوبي قطعة من حصن قائم لأحد أدوار تطوّر البناء يُقارب شرفاته مستوى التبليط تقريباً.

____________________

(1) جاء في مجلد المزار من بحار الأنوار، ط تبريز سنة 1301 هـ ص 76 ما نصه: اختلف الأصحاب في حدّ الحاير، فقيل: إنّه القبّة الشريفة فحسب، وقيل: هي مع ما اتصل بها من العمارات كالمسجد والمقتل والخزانة وغيرها، والأوّل أظهر؛ لاشتهاره بهذا الوصف بين أهل المشهد آخذين عن أسلافهم، ولظاهر كلمات أكثر الأصحاب.

قال ابن إدريس في (السرائر): المراد بالحائر ما دار عليه سور المشهد والمسجد عليه. قال: لأنّ ذلك هو الحاير حقيقة، لأنّ الحاير في لسان العرب الموضع المطمأن. لسان العرب 4 / 223 الذي يُحار فيه الماء.

وذكر الشهيد في (الذكرى) أنّ في هذا الموضع حار [ الماء ] لمّا اُمر بإطلاقه على قبر الحسين (عليه السّلام) ليعفيه، فكان لا يبلغه.

وذكر السيد الفاضل أمير شرف الدين علي الشولستاني المجاور بالمشهد الغروي (قدّس الله روحه)، وكان من مشايخنا: أنّي سمعت من كبار الشاميين من البلدة المشرّفة أنّ الحاير هو السعة التي عليها الحصار الرفيع من القبلة واليمين واليسار، وأمّا الخلف ما ندري له حدّ. وقالوا: هذا الذي سمعناه من جماعة من قبلنا. انتهى.

وفي شموله لحجرات الصحن إشكال لا يبعد أن يكون ما انخفض من هذا الصحن الشريف يكون داخلاً في الحاير دون ما ارتفع منها، وعليه أيضاً شواهد من كلمات الأصحاب.


شاهدت بنفسي عند أخذ أساس الضلع الغربي من الصحن بأمر المغفور له عبد الحميد الثاني العثماني لتجديد البهو الكبير وغرفه الشمالية في مستهلّ القرن الرابع عشر، والطابق الأوّل من دور ما لا يقلّ انخفاضه عن مستوى التبليط بأقل من خمسة أمتار تقريباً.

لم يغب عن ذاكرة الحسين (عليه السّلام) مع حراجة موقفه وتكابده لأهوال غير مستطاعة من عطف النظر حتّى إلى ما بعد مصرعه؛ لئلاّ يدع سبيلاً لغرض الأشلاء إلى الضياع والتلف. اختار مركزاً في وسط مستوى هذا الحوض وعلّمه بفسطاط يُقاتلوا أمامه، ولنقل الأشلاء من مصارعهم في ساحة المعركة إليه أمر فتيانه بحمل ولده (علي) من مصرعه حتّى وضعوه بين هذا الفسطاط، وحمل بنفسه الزكية جسد ابن أخيه القاسم وألقاه مع ولده وحوله القتلى من أهل بيته الهاشميِّين بجانب دون جانب أنصاره.

ولولا عطفه كان من المستحيل تمايزهم خاصة بعد أن اقتطفت الرؤوس من الأجساد ورفعت على الرماح، وأمام هذا الفسطاط في نفس الحوض شاهده عبد الله بن عمّار البارقي بمفرده وهو راجل، فشدّ عليه رجّالة من يمينه وشماله، فحمل عليهم أن يذعروا، قال: ما رأيت مكسوراً - وقيل: مكثوراً - قط قُتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً، ولا أمضى جانباً، وأجرأ مقداماً قبله ولا بعده مثله! وكانت الرجّالة تنكشف عنه يميناً وشمالاً انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب.

وفي عين المحال برزت السيدة زينب تقول: (ليت السماء تطابقت)، وأشارت إلى ابن سعد: أيُقتل أبوعبد الله وأنت تنظر إليه؟! فسالت دموعه على خدّه ولحيته، وأدار طرفه وهو يتّقي الرمية، ويفترس العورة، ويشدّ على الخيل حتّى ضربه زرعة بن شريك على حبل عاتقه وكفّه اليسرى، وانفرجوا عنه فصار ينوء ويكبو أن بلغ مقتله من محلّ مصرعه.


القرى التي كانت تحف بكربلاء يوم ورود الحسين (عليه السّلام) لها

نينوى، والغاضرية

كان محلّ موقفه الذي انتهى إليه (سلام الله عليه) غداة الخميس الثاني من محرّم مستهلّ سنة إحدى وستين قارن ورود كتاب ابن زياد إلى الحرّ أن يجعجع به ويجبره بالنزول على غير ماء.

طلب (سلام الله عليه) أن يسمح له نزول نينوى، أو الغاضرية، أو شفيه، وهو مستقبل بوجهه الأقدس على بعد يُقارب الغلوة، وعن يمينه شفيه على ما يُقارب الثلاثة أميال، ويساره الغاضرية إزاء نينوى، وموقع نينوى والغاضرية من الحائر الأقدس يكاد أن يكون شكلاً مثلثاً متساوي الأضلاع تقريباً، وموقع نينوى على أغلب الظن كان في حديقة الشديدية يعود اليوم ملاكتها لآل السيد طالب السيد عاشور من خدمة الروضة الطاهرة.

بلغني فيما مضى من منذ قرن كان يستخرج من نفس ساحة الحديقة طابوق مفخور على غرار طابوق أطلال بابل، وطلول الغاضرية(1) اليوم قاربت على الاندثار لتحويله إلى حدائق، وموقعه في الشمال الشرقي من مقام أو شريعة الإمام جعفر بن محمّد (عليه السّلام) على ما روى عنه الثمالي أبو حمزة في آداب الزيارة أنّها تتخذ مأوى ومحلّ لوضع رحل الوافدين.

وذكر العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي في رجاله(2) عند ذكر حميد بن زياد أنّه من أهل نينوى قرية إلى جانب الحائر.

____________________

(1) قال في المعجم 6 / 261 (الغاضرية منسوبة إلى غاضرية من بني أسد، وهي قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء).

(2) رجال العلاّمة الحلّي / 59 ط النجف.


شفية

وشفية (بفتح أوّله وكسر ثانيه) منسوب إلى الشفا(1) .

من الممكن أن يكون اليوم موقعه على ضوء ما ذكره الطبري(2) عن الضحاك عبد الله المشرفي بعد أن استأذن الحسين للانصراف، قال: استويت على متن فرسي، وضربتها حتّى إذا قامت على السنابك رميت بها عرض القدوم، فخرجوا إليّ وأتبعني منهم خمسة عشر رجلاً حتّى انتهيت إلى شفية قرية قريبة من شاطئ الفرات، كان الفرات يحول دون إفلاته منهم إن قصد الميمنة أو القلب؛ لجريه في ظهورهم، فلم يبقَ أمامه سبيل إلاّ الميسرة؛ وليبعد نفسه عن خطر الجيش مطارديه أوغل إلى أن انتهى إلى شفية.

من منذ سنين مضت عندما كنت أتحرّى عن موقع شفية وقفت على تلّ جنوب سدّة أراضي الفريحة، ما يُقارب الحصوة على محاذاة السليمانية، يُقارب القطع أن يكون شفية.

العقر

بفتح العين وسكون القاف، القصر الذي يكون معتمداً لأهل القرية. قال لبيد يصف ناقته:

كعقر الهاجريّ إذا ابتناه

بأشباهٍ حذين على مثالِ

____________________

(1) معجم البلدان 5 / 280.

(2) تاريخ الرسل والملوك - لابن جرير الطبري.

(3) مراصد الاطلاع - لعبد الحق الحنبلي، ولسان العرب - لابن منظور.

(4) تاريخ الطبري 6 / 232 ط مصر، ومعجم البلدان - لياقوت 6 / 149.


وعقر بابل قرية قريبة من البلدة المشرفة، ولا يُعرف موقعها بالضبط.

والدليل على قربها من كربلاء ما ذكره الطبري عند ورود الحسين (عليه السّلام) أرض الطفّ، وعندما جعجع الحرّ بن يزيد بالحسين (عليه السّلام) في النزول على غير ماء تقدم زهير بن القين قائلاً: سر بنا إلى هذه القرية حتّى ننزلها؛ فإنّها حصينة، وهي على شاطئ الفرات - وأشار إلى العقر - فإن منعونا قاتلناهم؛ فقتالهم أهون علينا من قتال مَنْ يجيء بعدهم.

سأله الحسين (عليه السّلام): «وأيّة قرية هي؟».

قال: العقر.

فقال الحسين (عليه السّلام): «اللّهمّ إنّي أعوذ بك من العقر».

قُتل بها في مبدأ القرن الثاني الهجري يزيد بن المهلّب بن أبي صفرة. قال الكلبي: نشأت والناس يقولون: ضحّى بنو اُميّة بالدين يوم الطفّ، وبالكرم يوم العقر.

والعقر: آخر أثر للبابليين، بقعة مصونة من تطاول يد الزمن لتروي لنا عن أخبار جبروت أهلها.

ولم تخلو العقر من السكان إلاّ بعد سقوط الدولة الفارسية وقيام الدولة الإسلاميّة؛ إذ أهمل المسلمون شأنها لمّا أمكنهم الله من الأسرة والتيجان، وصاروا يتكئون على أرائك، ويتراوحون على أبراج قصور عاصمة الفرس (المدائن).

وكان آخر أيام عزّها يوم أقبل عليها عظماء الدولة الفارسية لأخذ (شيري بن ابرويز) لكي يقيموه مقام والده المخلوع ابرويز الملك، وذلك عندما طغى وتجبّر. وكان شيري مع إخوته، وقد وكّل بهم مؤدّبون يؤدّبونهم، وأساورة يحولون بينهم وبين براحها(1) .

وبعد أن تركها شيري اُهملت، إلاّ أنّها لم تفقد ميزتها كقلعة حصينة تحمي مَنْ يلوذ برحابها، ويكون فيها أمنع من عقاب الجو على مَنْ يروم دخولها.

هذا ومع مرور الليالي والأيام وما فعلته عوادي الزمان

____________________

(1) تاريخ الطبري 4 / 1043 طبعة ليدن.


في إخفاء موقعها عنّا بحيث لا يمكننا اليوم الوقوف بالقطع على بقايا هذا الأثر التاريخي النفيس، إلاّ أنّه بعد شدّة التحرّي والتنقيب - على ضوء ما ورد في تاريخ الطبري - أمكنني العثور على أثرين تاريخيين على مدّ أثر هذا النهر - أي العلقمي - فيهما أطلال وبقايا أنقاض؛ أحدهما في الحديقة المسمّاة بالشديدية، يخال لي أنّها نفس موقع العقر، والأثر الثاني في أراضي كربلة في (حكيمة) باصطلاح اللغة الدارجة (حجيمة)، وأغلب الظنّ أنّها موقع قرية شفية.

النواويس

مقابر، ومفردة: ناووس على وزن فاعول، هذا إن كانت اللفظة عربية.

موقع هذا القطعة على ما يُذكر في القسم الشرقي من كربلاء، ما يلي بطيحة، أو هور السليمانية، في براز - على وزن فعال - وتمتد حدوده حتّى النهر الكبير فرساتبق الفراشية والجنكنة، واليوسفية داخلة في حدوده.

يوجد بهذه القطعة بعض تلال، ويستخرج بعضاً من أماكن، منها أكواب خزف ضعيف الفم، يوجد في أسفله تراب أصفر اللون عندما تمسّه النار تفوح منه روائح نتنه.

من الممكن أنّ هذا التراب الأصفر اللون أن يكون من رمم أجداث السومريين؛ إذ كان هؤلاء يدفنون موتاهم في المدينة تحت دور منازلهم، أو تحت أرض الغرف، وكثيراً ما كانوا يضعون الميتة على التراب مباشرة بلا تابوت ولا شريح ولا جهاز للآخرة، إلاّ أنّهم كانوا أحياناً يضعون معه جرّتين كبيرتين من فخار فم الواحة منها يُقابل الأخر، فيقومان مقام التابوت.

وكانوا أحياناً يضعون الجثة في قعر رمس مستطيل الشكل، قائم


الزوايا، بطن بالطوب، شبيه بعقد أو قبر بسيط(1) .

____________________

(1) قد جاء في نفس الرحمن في فضائل سلمان - للعلاّمة ميرزا حسين النوري الطبرسي: (والنواويس: مقابر للنصارى كما في حواشي الكفعمي في عودة يوم الجمعة، وسمعنا أنّها في المكان الذي فيه مزار الحرّ بن يزيد الرياحي من شهداء الطفّ، وهو ما بين الغرب وشمال البلد).

ويقول المؤلّف في تعقيب له على هذا النص: إنّ النواويس ليس موقعها بما يلي قبر الحرّ بن يزيد الرياحي، بل الذي على بعد ميلين أو ثلاثة أميال من قبر الحرّ هو موضع (كربلاء)، وموضع النواويس براز الواقع في هور السليمانية (كما ذكر أعلاه).

(2) قد استوفى المؤلّف الكلام عن جميع المواقع التي وردت على خارطة كربلاء خلا موقع المخيّم؛ لعدم توفّر معلومات يمكن الوثوق إليها عن هذا المكان، سنكتفي بما أورده أبو طالب الأصفهاني في رحلته الشهيرة (مسير طالبي)، قال: وعلى بعد ربع ميل خارج المدينة قرية المخيّم ومقام زين العابدين (عليه السّلام)، شيّدت عليه بسبب وفاة آصف الدولة.

(وقد ورد في مدينة الحسين / 15 - حسب تحرّياته الخاصة - إلاّ أنّ السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض هو الذي شيّد بناء المخيّم عند تشييده لسور كربلاء بعد غارة الوهابيّين سنة 1216 هـ). (عادل).



المصادر التي عول عليها المؤلّف في الشجرة

سرّ السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري، (مخطوط) في مكتبة العلاّمة الحاج شيخ علي الشيخ محمّد رضا بالنجف الأشرف.

وأمّا محمّد بن موسى الكاظم فعقبه ابن واحد اسمه إبراهيم الضرير الكوفي. ولإبراهيم الضرير أبناء أربعة: محمّد قسوة، وأبو الحسن علي، وموسى الأرجاني - أرجان قرية من فارس وخوزستان - وأحمد، كلّهم بالسيرجان...

وأحمد المجدور، وإبراهيم المجاب، والحسن أبو علي يُقال له: الحاير، مشهد الحسين بكربلاء. بما إنّ النسخة مستنسخة حديثاً كانت كثيرة الأغلاط، قليلة الفائدة.

المجلد الثالث من تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمّة الأطهار - لمؤلّفه السيد ضامن بن شدقم المدني(1) .

قال السيد في الشجرة: فأبو إبراهيم محمّد خلف ابنين؛ تاج الدين أبا محمّد إبراهيم الضرير يُعرف بالمجاب، وأبا جعفر محمّد الزاهد.

____________________

(1) عن نسخة خطية بيد المؤلّف (عبد الحسين)، يقول في آخرها: ينتهي ضامن بن شدقم الحسين المدني في المجلد الثالث من مجموعته في النسب (تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمّة الأطهار، في عقب وآل محمّد العابد ابن الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليه» بآل أبي عبد الله الحسين شبثي، ويقتصر على ذكرهم.

نقلت هذه الأوراق كما وجدتها من النسخة التي كتبها بخطّه المرحوم السيد حسن البراقي النجفي، وكان على تولّعه بالنسخ والتأليف اُمّياً. وفي هذه النسخة من الأغلاط ما فيها لمَنْ تدبّر، وكنت وقفت قبل سني الحرب العالمية الأولى في النجف على النسخة التي نقل عنها المرحوم السيد البراقي، إلاّ أنّي لا أستحضر أنّها كانت نسخة الأصل أم غيرها.

فالنتيجة لمَنْ تدبّر في نكانة المؤلّف ضامن بن شدقم لا يجد فيه استحقاق أهلية هذا العلم فقط، بل يقدّر له مرتبة الجمع والتدوين.


فأبو محمّد إبراهيم المجاب خلف أربع بنين؛ أبا جعفر أحمد الزاهد، وأبا الحسين محمّد الحائري، وأبا الحسن عليّاً، وأبا الغنايم محمّد الحائري.

وعقبهم أربعة فنون:

الفن الأوّل: عقب أبي جعفر أحمد الزاهد بن أبي أحمد إبراهيم المجاب، أُمّه خديجة بنت... علي بن أحمد الورع ابن الإمام موسى، كان سيداً جليلاً، متيناً ديّناً خيّراً، جعله الله وجيهاً، له ولد منتشر بالحاير وغيره يُعرفون ببني أحمد، وقد صاهر بعضهم أبا القاسم بن نعيم رئيس سقي الفرات، ثمّ انتقل إلى عكبرا لحاله دون أهله.

الفن الثاني: عقب علي بن أحمد المذكور، فعلي خلف طعمة، وفي نسخة اُخرى أنّ طعمة هو ابن أبي جعفر أحمد طراس المذكور من غير واسطة، والله أعلم.

ويُقال لولده: آل طعمة، سادات أجلاء ذو أهل ورياسة ونقابة، وعظمة وجلالة بالحائر، فكعمّه خلف ثلاث بنين؛ شرف الدين، وعليّاً، وقاسم الأسود.

أمّا شرف الدين خلف أربعة بنين: ضياء الدين يحيى، وعلم الدين، وطعمة، ومساعد.

وعقبهم أربع عماير:

العمارة الأولى: عقب ضياء الدين يحيى بن شرف الدين المذكور، فضياء الدين خلف خمسة بنين؛ شرف الدين، ومحمد، وعليّاً، ومشعلاً، ومنديلاً. أمّا شرف الدين خلّف طعمة، ثمّ طعمة خلّف ابنين؛ جعفراً وعلم الدين.

وعقبهما بيتان:

البيت الأوّل: عقب جعفر بن طعمة المذكور، فجعفر خلف ستة بنين؛ شرف الدين، وموسى، ومنافاً، وحارثاً، وتماماً، وجميلاً.

البيت الثاني: عقب علم الدين بن طعمة المذكور، فعلم الدين خلف ثلاثة بنين؛ جميلاً، وحسناً، وطعمة.

وعقبهم ثلاثة أحزاب:


الحزب الأوّل: عقب جميل بن علم المذكور، فجميل خلف موسى، ثمّ موسى خلف ابنين؛ ناصراً وحسيناً. أمّا ناصراً خلف منصوراً.

الحزب الثاني: عقب حسن بن علم الدين المذكور، فحسن خلف كاظماً، ثمّ كاظم خلف عليّاً.

الحزب الثالث: عقب طعمة بن علم الدين المذكور، فطعمة خلف أربع بنين؛ شرف الدين، ونعمة الله، وحيدراً، وطاهراً.

أمّا شرف الدين فخلّف مساعداً، ثمّ مساعد خلّف محمداً، ثم محمّد خلّف أربع بنين؛ منصوراً، وبدر الدين، وغياث الدين، ومساعد.

وعقبهم أربعة ثمرات:

الثمرة الأولى: عقب منصور.

أخذت هذه الصورة من خطّ جناب السيد محمّد حسن ابن السيد محمّد كاظم (الروضة خوان) عبد الحسين ابن السيد علي ابن السيد جواد ابن السيد حسن ابن السيد سليمان ابن السيد درويش ابن السيد طعمة ابن السيد علم الدين الموقوف عليه فدان السادة 1025 هت ابن السيد طعمة ابن السيد شرف الدين ابن السيد طعمة ابن السيد أبو جعفر أحمد ابن السيد يحيى ابن السيد جعفر محمّد ابن السيد أحمد، يُقال له: إنّه ناظر رأس العين.

إلى هنا فصاعداً من كتاب عدّة الطالب في أنساب آل أبي طالب. عمدة الطالب للداودي طبع بمبي سنة 1318 هـ، وص 192.

والعقب من محمّد العابد ابن الإمام موسى الكاظم (عليه السّلام) في إبراهيم المجاب وحده، ومنه ثلاثة رجال؛ محمّد الحائري(1) ، وأحمد بقصر ابن هبيرة، وعلي بالسيرجان من كرمان، والبقية لمحمد الحائري ابن إبراهيم المجاب.

____________________

(1) أورد السيد محمّد حسن الكليدار في شجرة أنساب آل طعمة، مدينة الحسين (عليه السّلام)، من محمّد أبي الفائز إلى إبراهيم المجاب ثلاثة عشر أباً، وللمؤلّف (عبد الحسين) تعقيب على ذلك هذا نصه: (فمن محمّد أبي الفائز إلى المجاب بنصّ صاحب عمدة الطالب ثمانية آباء كما ذكره؛ فعليه هذا السرد المطبوع يحتاج إلى دقّة لمعرفة صحته بمدارك ثابتة).


كذا قال الشيخ تاج الدين.

وأعقب محمّد الحائري من ثلاثة رجال، وهم: الحسين شبثي، وأحمد، وأبو علي الحسن بنو محمّد الحائري؛ فأعقب الحسين شبثي من رجلين؛ أبي الغنائم محمّد، وميمون السخي القصير.

فمن عقب أبي الغنائم محمّد بن الحسين الشبثي آل شبثة، وآل فخار، ومنهم الشيخ علم الدين المرتضى علي ابن الشيخ جلال الدين عبد الحميد ابن الشيخ شمس الدين فخار بن معد بن فخار بن أحمد بن محمّد بن أبي الغنائم المذكور له عقب. وآل نزار وهم بنو نزار ابن علي بن فخار بن أحمد المذكور.

ومن عقب ميمون القصير بن الحسين شبثة آل وهب، وهم: بنو وهب بن باقي بن مسلم بن باقي بن ميمون المذكور، وآل باقي ومنهم بنو باقي بن محمود بن وهب المذكور وآل الصوال وهو علي بن مسلم بن وهب.

وأعقب أحمد بن محمّد الحائري - ويُقال لولده: بنو أحمد - من علي المجدور وحده؛ فأعقب علي المجدور من رجلين؛ هبة الله، وأبي جعفر محمّد الخير العمال.

فمن ولد الخير العمال ابن علي المجدور آل أبي الفائز بالحائر، وهو محمّد بن محمّد بن علي بن أبي جعفر محمّد المذكور ابن علي المجدور ابن أحمد بن محمّد الحائري بن إبراهيم المجاب.


ترجمة الأعلام التي وردت أسماؤهم في الشجرة

(1) محمد العابد

محمد الأوّل الشهير بالعابد دفين شيراز بجوار روضة أخيه أحمد شاه جراغ.

ذكر علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمّة(1) عن إرشاد المفيد محمّد بن النعمان عند ذكر أولاد الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليه) قال: أحمد ومحمد وحمزة لأُمّ ولد. روى أنّ محمّد بن موسى صاحب وضوء وصلاة، وكان ليله كلّه يتوضأ ويصلّي، فيسمع سكب الماء والوضوء، ثمّ يصلّي ليلاً، ثمّ يرقد سويعة، ثمّ يقوم فيسمع سكب الوضوء، فلا يزال كذلك حتّى يصبح.

مزار محمّد العابد في شيراز

قال الراوي: وما رأيته قط إلاّ ذكرت قوله تعالى:( كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ) .

____________________

(1) كشف الغمة / 249 ط إيران سنة 1294 هـ، وفي الإرشاد / 303 ط النجف.


ذكر صاحب شدّ الإزار في حطّ الأوزار عن زوار المزار(1) عند ذكر أخيه أحمد بن موسى: السيد الأمير أحمد بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي المرتضى (رضوان الله تعالى عليهم)، قدم شيراز فتوفي بها أيام المأمون بعد وفاة أخيه الرضا (عليه السّلام) بطوس، وكان أجودهم جوداً، وأرقّهم نفساً، قيل: أعتق ألف رقبة من العبيد والإماء في سبيل الله تعالى.

قيل: استشهد ولم يوقف على قبره حتّى ظهر على عهد الأمير مقرب الدين مسعود بن بدر فبنى عليه بناء. وقيل: وجد في قبره كما هو صحيحاً، طري اللون لم يتغيّر، وعليه قاضة سابغة، وفي يده خاتم نقش عليه: (العزّة لله، أحمد بن موسى) فعرفوه به.

ثمّ بنى عليه الأتابك أبو بكر بناء أرفع منه، ثمّ إنّ الخاتون تاشي - وكانت خيّرة ذات تسبيح وصلاة - بنت عليه قبّة رفيعة، وبنت بجنبها عمارة عالية، وجعلت مرقدها بجواره في سنة خمسين وسبعمئة (رحمة الله عليهم أجمعين).

ثمّ ذكر محمّد العابد فقال: السيد محمّد بن موسى، يُقال: إنّه أخوه، وهو مزار مبارك(2) ، يسكن فيه السادة الأخيار، والصلحاء الأبرار،

____________________

(1) ص 100 نسخة خطية تأليف معين الدين جنيد الشيرازي.

(2) جاء في كتاب جامع الأنساب - للروضاتي 1 / 109 نقلاً عن تحفة العالم 2 / 231 عن مزار محمّد العابد ما نصه: «... وكيف كان فمرقده في شيراز معروف بعد أن كان مختفياً إلى زمن أتابك بن سعد بن زنكي، فبنى له قبّة في محلّة باب قتلغ، وقد جُدّد بناؤه مرّات عديدة؛ منها في زمان السلطان نادر خان. وفي سنة 1296 هـ رمثة النواب آويس ميرزا ابن النواب الأعظم الفاضل الشاه زاده فرهاد ميرزا القاجاري.

ومزاره اليوم في محلّة بازار مرغ (أي سوق الدجاج) في مدينة شيراز معروف ومشهور، (وبين مزاره ومزار أخيه أحمد مسافة لا تقل عن مئة ذراع). راجع عن هذا المزار أيضاً شيرازنامه / 148 لأبي العباس أحمد بن أبي الخير، ونزهة القلوب - للمستوفي، وآثار العجم / 448، وتنقيح المقال - للمقاماتي 3 / 192، وروضات الجنات - للخوانساري تحقيق الروضاتي 1 / 100. (عادل)


يعقد عليه النذور، وفيه لرجال الغيب حضور وحبور، وتاريخه يُعلم من تاريخ أخيه، مَنْ يتبعه ويبتغيه (رحمة الله عليهم).

أقول: بينما يتردد في خبر شهادتهم أو الوفاة يقول عن مشهد ابن أخيهم علي بن حمزة عند ذكر مقابر المصلّى ص 120: أتى السيد علي بن حمزة ابن الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليهم) ونفر من أقاربه في سنة عشرين ومئتين إلى شيراز متنكّرين، فأقاموا في كهف من جبالها، وهي المغارة التي اتخذها ابن كوية بعدهم لانزوائه وخلوته، وكانوا يجمعون الحطب في أيام ثمّ يبيعونه في يوم على درب اصطخر فيعيشون به.

أنفذ العباسيون في آثارهم جواسيس لاستطلاع أخبارهم، ولمّا قدر الله له الشهادة هبط يوماً من الجبل وعلى ظهره المباركة حزمة حطب، فامتد عين بعض أعوان الظلمة إليه فعرفه، وأنهى خبره إلى خصي كان [من] قِبلهم، فركب الخصي في فرسانه حتّى وقف على رأسه، وكان به شامة على جبينه، فلمّا رآه الخصي قوي ظنّه، فقال له: ما اسمك؟

فقال علي.

قال: ابن مَنْ؟

قال: حمزة.

قال: يُقال: إنّ السيد قام وأخذ رأسه بيده ومشى إلى موضع تربته الطيبة، فسقط على جنبه، وبقى أياماً يسمعون منه: لا إله إلاّ الله، ثمّ دفنوه.

كان لمحمد الأوّل العابد وجاهة ومقام عند أبيه الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليهم)، يكاد لا ينفك منه أو يفارقه.

ذكر الخطيب أبو بكر(1) عن إدريس بن أبي رافع، عن محمّد بن موسى قال: خرجت مع أبي إلى ضياعه بساية - واد من حدود الحجاز، فيه مزارع برواية الحمودي - فأصبحنا في غداة باردة وقد دنونا منها، وأصبحنا

____________________

(1) تاريخ بغداد 13 / 27.


على عين من عيون ساية، فخرج إلينا من تلك الضياع عبد زنجي مستذفر بخرقة، على رأسه قر فخار يفور، فوقف على الغلمان فقال: أين سيّدكم؟

قالوا: هو ذاك.

قال: أبو مَنْ يُكنّى؟

قالوا: أبو الحسن.

قال: فوقف عليه، فقال: يا سيدي يا أبا الحسن، هذه عصيدة أهديتها إليك.

قال: ضعها عند الغلمان. فأكلوا منها.

قال: ثمّ ذهب - فلم نقل: بلغ - حتّى خرج على رأسه حزمة حطب حتّى وقف، فقال له: يا سيدي، هذا حطب أهديه إليك.

قال: ضعه عند الغلمان، وهب لنا ناراً. فذهب فجاء بنار.

قال: وكتب أبو الحسن اسمه، فخرجنا حتّى وردنا مكة، فلمّا قضى أبو الحسن عمرته دعا صاعداً، فقال: اذهب فاطلب لي هذا الرجل، فإذا علمت بموضعه فأعلمني حتّى أمشي إليه؛ فإنّي أكره أن أدعوه والحاجة إليّ.

قال لي صاعد: فذهبت حتّى وقفت على الرجل، فلمّا رآني عرفني، وكنت أعرفه، وكان يتشيّع، فلمّا رآني سلّم عليّ وقال: أبو الحسن قدم؟

قلت: لا.

قال: فأيش أقدمك؟

قلت: حوائج. وقد كان علم بمكانه بساية فتبعني، وجعلت أتقصى منه ويلحقني بنفسه، فلمّا رأيت أنّي لا أنفلت منه مضيت إلى مولاي، ومضى معي حتّى أتيته، فقال: ألم أقل لك لا تعلمه؟

فقلت له: جعلت فداك! لم أعلمه. فسلّم عليه، فقال له أبو الحسن: غلامك فلان تبيعه؟

قال له: جعلت فداك! الغلام لك والضيعة وجميع ما أملك.

قال: أمّا الضيعة فلا أحبّ أن أسلكها، وقد حدّثني أبي يعرضها عليه مدلاً بها؛ فاشترى أبو الحسن الضيعة والرقيق منه بألف دينار، وأعتق العبد ووهب له الضيعة.

قال (الراوي) إدريس بن أبي رافع: فهو ذا ولده في الصرافين بمكة.


(2) تاج الدين إبراهيم المجاب

وقفت في مكتبة جامع السبة سالار ميرزا حسين خان في طهران على مشجر في النسب، يقول مؤلّفه في الخاتمة: تمّ على يد الفقير المحتاج إلى رحمة الله الملك القوي محمّد هادي الحسين الحسيني الطباطبائي النسّابة (أصلح الله أحواله)، قال عند ذكر المجاب: إبراهيم الضرير الكوفي المجاب برد السلام.

يقول الشاعر من ولده:

من أين لـلـناسِ مـثـلُ جدّي

موسى أو ابنه المـجـابْ

إذ خاطبَ السبطَ وهو رمسٌ

جاوبهُ أكرم الجوابْ

ذكر الشيخ شرف العبيدلي النسّابة في مشجره الذي وقفت عليه في مكتبة حرم الرضا بخراسان البيتين: (من أينَ للناسِ مثلُ جدّي).

ووقفت عند كتابدار مكتبة حرم الرضا المرحوم الشيخ عماد فلي نسخة عمدة الطالب بخطّ النسّابة حسين الكتابدار لروضة مولانا أمير المؤمنين (سلام الله عليه) في الغري الأقدس سنة 1095، ألف وخمسة وتسعون، يُعلّق في الهامش عند ذكر بعض البطون من إملائه على الأصل يقول عند ذكر المجاب: (سيد جليل القدر، وسبب تسميته بالمجاب على ما قيل: إنّه سلّم على جدّه الحسين (عليه السّلام)، فخرج له الجواب من الضريح المقدس، وهو مدفون في الحائر، وله قبّة وصندوق ملصقة بحايط حرم جدّه الحسين، وقبره معروف يُزار).

أقول: كانت تربة المجاب حتّى سنة 1217 سبعة عشر وألف ومئتين - على ما ذكره أبو طالب بن محمّد الإصبهاني في رحلته مسير طالبي - في


الصحن الشريف، وعندما حلّق بالروضة الطاهرة - الأروقة الثلاثة الشرقي والغربي والقسم الشمالي - أصبح عندئذ ضريحه في الرواق الغربي، حيث الشمال كما هو عليه اليوم.

وذكر ابن شدقم في الجزء الثالث من مبسوطه تحفة الأزهار في نسب السادة الأطهار: (قال السيد في الشجرة: فأبو إبراهيم محمّد (العابد) خلّف ابنين؛ تاج الدين أبا محمّد إبراهيم الضرير يُعرف بالمجاب، وأبا جعفر أحمد الزاهد).

أقول الشجرة لتاج الدين محمّد بن معية الحسني النسّابة.

وورد في أصل المشجر المؤلّف للشاه طهماسب الصفوي، وكان من محتويات مكتبة المرحوم الشيخ عبد الحسين الطهراني في كربلاء عند ذكر المجاب: (المكفوف وهو المجاب، وقبره مشهور بمشهد الحسين (عليه السّلام) في تربة العلويِّين معروف، وعليه قبّة).

وقال السيد تاج الدين بن محمّد بن حمزة بن زهير الحسيني نقيب حلب في (غاية الاختصار في أخبار البيوتات العلوية المحفوظة من الغبار، طبع مصر سنة 1310): وبنو المجاب إبراهيم، قالوا: سمّي المجاب بردّ السّلام؛ وذلك إنّه دخل إلى حضرة أبي عبد الله الحسين بن علي (عليه السّلام) فقال: السّلام عليك يا أبي.

فسمع صوت: «وعليك السّلام يا ولدي»، والله أعلم.

انتزع الرشيد هارون الخليفة العباسي الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليهما) من معتكفه ومحراب عبادته بجوار جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله) طيبة من غير أيّ جرم أتاه؛ ليذيقه صنوف العذاب، ويدفنه في غيابات السجون إلى

____________________

(1) ذكره ابن مهنا الداودي في عمدة الطالب / 149.


البصرة، ثمّ إلى بغداد، من ظُلَمٍ مطمورة إلى ظلم مطمورة حتّى أزهق نفسه وقضى عليه بالسمّ في رجب سنة 183 في حبس السندي بن شاهك، ودفن بوصية منه مع الأغلال التي صفد بها آماد حبسه في مقابر قريش في القسم الشمالي من مدينة المنصور ما يلي السور، حذاء قطيعة أمّ جعفر ببغداد.

قصد محمّد العابد مع شقيقه الأمير أحمد - الذي اشتهر عندما وقفوا على ضريحه بشاه جراغ - أخاهما علي بن موسى الرضا (عليهما السّلام) على أثر بيعة المأمون العباسي له بولاية عهد الخلافة؛ ليتصلا به في مرو من بلاد خراسان، وقد قضى المأمون على الرضا بالسمّ في صفر سنة 203 في طوس، وأمر باستئصال شأفة الطالبيِّين.

ذكروا أنّه حرّج على هذين السيدين عن الخروج من شيراز أمداً، ثمّ نفّذوا فيهما ما أمروا له، فاُرمسوا فيها، ولهما اليوم مزار مشهور له من الشأن قيمة لا يُستهان بها، وسدنة وقوام.

كان إبراهيم تاج الدين كما سلف ينقل المبسوطات والمشجرات ممتحناً في نفسه، ضريراً مكفوف البصر، أحاطت به الخطوب والأرزاء بصفوف ضروبه، ومُزّق هو والأدنون من أهله شرّ ممزّق؛ لا يقرّ لهم قرار ولا يقلّهم سقف آر، وانتشروا كأيدي سبأ؛ إذ أصبح القتل والتشريد لهم عادة، إلاّ أنّ الذي دهم الطالبيِّين يومئذ لم يقتصر فقط على إزهاق نفوس الأحياء منهم أن شمل التعرّض حتّى لحفر أجداث الماضين من الأسلاف، وعقد مجالس الخلاعة واللهو للسخرية والاستخفاف بهم.

أورد الطبري(1) في حوادث سنة 236 هـ أنّ المتوكّل أمر بهدم قبر الحسين بن علي (عليه السّلام)، وهدم ما حوله من المنازل والدور، وأن يحرث ويبذر ويسقي موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه، فذكر أنّ عامل الشرطة نادى في الناحية:

____________________

(1) جـ 11 / 44.


مَنْ وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبق. فهرب الناس وأقلعوا من المسير إليه، وحرث ذلك الموضع وزرع ما حواليه.

وذكر أبو الفرج الإصبهاني في المقاتل(1) أنّ المتوكّل بعث بالديزج - وهو يهودي النحلة، وأسلم - إلى قبر الحسين (عليه السّلام)، وأمره بكراب قبره ومحوه، وإخراب كلّ ما حوله، فمضى وهدم البناء، وكرب نحو مئتي جريب، فلمّا بلغ قبره لم يتقدّم إليه أحد، فأحضر قوم من اليهود وأجرى الماء حوله.

وأورد الطوسي في أماليه(2) عن الديزج هذا، فقال: بعثني المتوكّل وكتب معي إلى جعفر بن محمّد بن عمّار القاضي: أُعلمك أنّي بعثت بالديزج إبراهيم إلى نبش قبر الحسين، فقف على الأمر حتّى تعرف فَعَل أو لم يفعل.

فقلت: ما أمرت به، وأخبرت ابن عمّار أنّي ما وجدت شيئاً، فقال لي: أفلا عمّقته؟ قلت: وما رأيت.

وقال أبو علي العماري: سألت الديزج عن صورة الأمر، فقال لي: أتيت في خاصة غلماني ونبشت، فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسين، ووجدت منه رايحة المسك، تركت البارية على حالها وأمرت بطرح الشراب، وأطلقت الماء والبقر لتمخره وتحرثه، فلم تطأه، وكانت إذا جاءت إلى الموضع رجعت عنه.

قال أبو الفرج الأصفهاني(3) : حدّثني الأشناني محمّد بن الحسين قال: بعُدَ عهدي بالزيارة خوفاً، ثمّ عملت على المخاطرة بنفسي، وساعدني رجل من العطارين على ذلك، فخرجنا زائرين نكمن النهار ونسير الليل حتّى أتينا نواحي الغاضرية، وخرجنا منها نصف الليل، فسرنا بين مسلحتين وقد قاموا حتّى أتينا القبر، فخفي علينا، فجعلنا نتنسّمه(4) ونتحرّى جهته حتّى

____________________

(1) ص 380.

(2) ص 307.

(3) مقاتل الطالبيِّين / 386، ط النجف سنة 1353 هـ.

(4) في طبعة القاهرة المحقّقة (نشمّه) / 598.


أتيناه وقد قُلع الصندوق الذي كان حواليه واُحرق، واُجري الماء عليه فانخسف موضع اللبن وصار كالخندق، فزرناه وأكببنا عليه، فشممنا منه رائحة ما شممت مثلها قطّ من الطيب، فقلت للعطار الذي كان معي: أي رائحة هذه؟

فقال: لا والله ما شممت مثلها بشيء من العطر. فودّعناه وجعلنا حول القبر علامات في عدّة مواضع، فلمّا قُتل المتوكّل اجتمعنا مع جماعة من الطالبيِّين والشيعة حتّى صرنا إلى القبر، فأخرجنا تلك العلامات وأعدناه إلى ما كان عليه.

وأورد الطوسي في الأمالي(1) عن عبد الله بن دانية الطوري قال: حججت سنة 247 سبع وأربعين ومئتين، فلمّا صدرت من الحج وصرت إلى العراق زرت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) على حال خيفة من السلطان، ثمّ توجهت إلى زيارة الحسين (عليه السّلام) فإذا هو قد حُرث أرضه، وفُجّر فيها الماء، وأُرسلت الثيران والعوامل في الأرض.

فبعيني وبصري كنت أرى الثيران تُساق في الأرض فتنساق لهم، حتّى إذا حاذت القبر حادت عنه يميناً وشمالاً، فتضرب بالعصي الضرب الشديد فلا ينفع ذلك، ولا تطأ القبر بوجه، فما أمكنني الزيارة، فتوجهت إلى بغداد وأنا أقول:

تا اللهِ إن كانت اُمية قد أتتْ

قتلَ ابن بنتِ نبيِّها مظلوما

فـلقد أتـاهُ بنو أبيهِ بمثلِهِ

هـذا لـعمرك قبرهُ مهدوما

أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا

في قتلهِ فتتبّعوهُ رميما

ذكر ابن الأثير في الكامل(2) : كان المتوكّل شديد البغض لعلي بن أبي طالب ولأهل بيته، يقصد مَنْ يبلغه عنه أنّه يتولّى علياً وأهله بأخذ المال والدم، ومن ندمائه عبادة المخنّث، [كان] يشدّ على بطنه تحت ثيابه مخدّة، يكشف

____________________

(1) ص 209.

(2) ج 7 ص 21.


رأسه وهو أصلع، يرقصه بين يديه، والمغنّون يغنّون: أقبل الأصلع البطين، خليفة المسلمين.

يحكي بذلك علياً، والمتوكّل يشرب ويضحك، ففعل ذلك يوماً والمنتصر حاضراً، فأومأ إلى عبادة يتهدّده فأمسك من صنيعه، فتنبّه المتوكّل لذلك، فقال له المنتصر: يا أمير المؤمنين، الذي يحكيه هذا الكلب ويضحك منه الناس هو ابن عمّك، وشيخ أهل بيتك، وبه فخرك، فكل أنت لحمه، ولا تُطعم هذا وأمثاله.

فأمر المتوكّل المغنين أن يغنّوا جميعاً:

غارَ الفتى لابن عمّه

رأس الفتى في حر امّه

ومن ندمائه علي بن الهجم الشامي الشاعر، وعمر بن فرج الرخجي، وأبو السمط من ولد مروان بن أبي حفصة من موالي بني اُميّة، وعبد الله بن محمّد بن داود الهاشمي المعروف بابن أترجه.

قال أبو الفرج الإصبهاني: كان الفتح بن خاقان يحسن له القبيح في معاملته (للطالبيّين). استعمل على المدينة ومكة عمر بن فرج فمنعهم من التعرّض لمسألة الناس، [وكان لا يبلغه أن أحداً أبرّ أحداً منهم بشيء] وإن قلّ إلاّ أنهكه عقوبة، وأثقله غرماً، حتّى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلّين فيه واحدة بعد واحدة، ثمّ يرفعنه ويجلسن على مغازلهنَّ عوارى حواسر.

كان لمجرى هذه الكوارث الجافة الخشنة في سلسلة متصلة الحلقات من غير انقطاع ما يقارب الأحد عشر سنة، يقرع خبر وقعه المتتالي مسامع تاج الدين إبراهيم أعظم من الصواعق المحرقة المبيدة، وهو في مخبئه رهين بيت المحبسين في أحد زوايا الكوفة، فكأنّه أصبح شأن كلّ ما حلّ ببيته وأحاط بالأدنين من أهله، وما به من شكوى لضرّ ونأي الدار لا قيمة له إزاء ما داهمه.

والسلوى الوحيدة لتخفيف تلك الفجائع القاصمة بطبيعة الحال الوصول إلى الحفرة الطاهرة، وأنّى ذلك له؛ لضخامة السياج المحيط بجهات ساحة الرمس الأقدس بالجند المسلّح المزوّد بكامل العدّة والعتاد


لمنع وصول الوافدين إليه، وإن تسنّى للأشناني كان على سبيل الصدف، فضلاً عن أنّه كان في غنى لا يحتاج إلى مَنْ يقوده، ولا هو علوي تحيطه الرقابة أثر كلّ خطوة.

مع ما كان من بعد أمد للخلف وشقة البين محمّد المنتصر لِما هو مجبول عليه بما ينطوي بين جوانحه من التعلّق بعلي والطالبيِّين، مع المهيمن الحاكم بأمره أبوه المتوكّل جعفر، والحاشية المحيطة بسدّة الخلافة من ندماء ومغنين، وأرباب مجون وخلاعة على صورة ملائمة دون توتر، حتّى يوم تهديد عبادة في تقليده لعلي.

وأمر المتوكّل بالقيان في فصول الغناء كما سلف، قلب الحاشية للمنتصر ظهر المجن، وأعرضوا من احتشامه؛ لِما يجمعهم مع الخليفة من النصب والشنآن لعلي (عليه السّلام)، فصاروا يتوسّلون بكلّ ما يخصّ ولاة العهود من الاستخلاف في إمامة صلوات الأعياد، يحبّذون تقديم المعتزّ ويطرونه بالثناء البالغ حتّى يودعه ولاية العهد.

حتّى ظهر بجميع معنى الكلمة ما غرسوه نامياً في نفس المتوكّل، فأخذ مرّة يشتم المنتصر، ومرّة يسقيه فوق طاقته، ومرّة يأمر بصفعه، وتارة يهدّده بالقتل، ويقول بمشهد من رجال الدولة والحاشية: اشهدوا أنّي قد خلعت المستعجل، سمّيتك المنتصر فسمّاك الناس المنتظر، ثمّ صرت الآن المستعجل. ويأمر الفتح بن خاقان بلطمه والمنتصر يتذلّل ولا يجديه.

وبلغ أن عزم المتوكّل على قتل ولده المنتصر، فاتفق مع الفتح بن خاقان أن يصيّرا غداءهما لخمس خلون من شوال عند عبد الله بن محمّد البازيار، وهناك يقضي على حياة المنتصر مع وصيف وبغا وعدّة من قواد الأتراك؛ لأجل إحالة إقطاعتهم إلى الفتح.

والقواد الأتراك هم القوّة التي كانت ترتكز عليها حياة الإمبراطورية بشايع حدودها المترامية الأطراف، مهيمنة على شؤون الدولة، حتّى أنفاس الخليفة كانت منوطة برعاية حياتهم.


فلمّا أصبحت حياتهم مع المنتصر على شفا جرف الانهيار بين عشية أو ضحاها أجمعوا لدرء ما يهدّدهم بسنة تنازع البقاء معاجلة المتوكّل ليلاً قبل أن يباكرهم نهاراً.

وكان المتوكّل أصبح لثلاث خلون من شوال نشيطاً مسروراً فرحاً، دعا الندماء لمجلسه، وأخذ في الشراب واللهو، ولم يزل في قصفه حتّى مضى من الليل شطراً، وأمسى ثملاً، حيث بلغ ما احتساه وتجرّعه من الخمرة أربعة عشر رطلاً.

دخل عليه بغا الصغير وأمر الندماء بالانصراف، فلم يبقَ سوى الفتح وعثعث وبعض الخدم، وأبواب دار الخلافة موصدة إلاّ مدخل الشط، فأقبل بغلون وباقر وموسى بن بغا وهارون بن صوارتكين وبغا الشرابي بأيديهم السيوف المسلولة فابتدره بغلون بضربة على كتفه واُذنه، فأراد المتوكّل الوثوب، واستقبل السيف بيده فأبانها، وشركه باقر، فرمى الفتح بن خاقان بنفسه على المتوكّل ليقيه بعجة هارون بسيفه، واعتوره هارون وموسى بن بغا بأسيافهما وقطّعاه.

قضى المتوكّل دور شبابه قبل أن يلي الخلافة كأقرانه من أعضاء البيت المالك على حياة ترف، بجانب من قصف وولع بخلاعة بالغة أن نقم أخوه الواثق عليه وأطرحه، ورفع إليه أنّه يتظاهر بزي المخنّثين، فأمر بأخذ شعر قفاه ويُرمى بوجهه لتطرّفه المشين.

والسبب الذي ساق إليه الخلافة إنكار وصيف على حداثة ابن محمّد بن الواثق؛ لعدم جواز الاقتداء به للصلاة، والمتوكّل آنئذ في سروال وقميص جالس بين أبناء الأتراك غير مكترث به.

قرأ عليه علي بن يحيى المنجم بين يديه في كتب الملاحم قبل قتله بأيام أنّ العاشر يُقتل في مجلسه بحذف لفظ الخليفة، فقال المتوكّل: ليت شعري! مَنْ هذا الشقي المقتول؟!

ولم يقتصر لخلاعته واستهتاره ما جناه على نفسه أن قضت عليه بسبيل انتحار فقط أن هوى بعظمة حياة الخلافة، وما كان لها من شموخ


ورفعة من خالق إلى أحط دركات الحفيض بما تمهّد للأتراك بعد قتله من التلاعب بمصير مَنْ تعاقبوه من الخلفاء من العزل والنصب والقتل ما شاؤوا وأرادوا، دون أيّ مانع ورادع. وأخذت وحدة المملكة إلى الانحلال والتجزؤ، مستهلاً بآل الصفار، وتمخّض بظهور صاحب الزنج، وبه قارن انهيار كيان الدولة أبدياً وسقوطها على قاب قوسين.

ذكر ابن الأثير(1) في حوادث سنة 248: كان المنتصر عظيم الخلق، راجح العقل، عزيز المعروف، راغباً في الخير، جواداً كثير الإنصاف، حسن العشرة، أمر الناس بزيارة قبر علي والحسين، وأمّن العلويِّين وكانوا خائفين أيام أبيه، وأطلق وقوفهم، وردّ فدكاً على ولد الحسين، وعزل صالح عن المدينة واستعمل علياً، فلمّا دخل عليه ليودّعه قال له: يا علي، اُوجّهك إلى لحمي ودمي - ومدّ ساعده إلى هذا - اُوجّهك فانظر كيف تكون للقوم وتعاملهم؟ يعني آل أبي طالب.

قال: أرجو أن أمتثل أمر أمير المؤمنين إن شاء الله.

قال له: إذن، تسعد عندي.

وورد أنّه أمر بالبناء على قبر الحسين (عليه السّلام)، ويُقام على البناء علماً كالميل عالياً ليستدلّ به على موضعه لوافديه.

بوغت تاج الدين إبراهيم بخبر إلغاء المنع، وانهيار قواعد السياج، وإطلاق حرية كلّ مَنْ يشاء زيارة الحسين، وقصد حائره دون أيّ تعرّض، فكان في طليعة الرعيل الأوّل ممّن قصدوا كربلاء من الكوفة(2) ، ولما نال

____________________

(1) الكامل 7 / 44.

(2) أتذكر أنّي وقفت في النجف الأشرف بين كتب النسب الخطية عند ذكر إبراهيم المجاب، قال: هو أوّل مَنْ خرج من الكوفة وسكن الحائر.

أقول: لعل هذا الكتاب هو (النفخات العنبرية في أنساب آل خير البرية) لمؤلّفه السيد أبي فضل محمّد الكاظم بن أبي الفتوح الحسيني، المخطوط سنة 891؛ إذ جاء في تاريخ كربلاء (1 / 37 المخطوط) - للمتغمد بالرحمة السيد عبد الرزاق الوهاب، نقلاً عن (النفحات): السيد إبراهيم المجاب أوّل مَنْ هاجر من الكوفة إلى كربلاء بعد حادثة المتوكّل، فسكن فيها حتّى توفي ودُفن فيها. (عادل).


من صنوف الإنكار، وما أوتيه من إطلاق حرية الإرادة أخذ يبثّ لجدّه الحسين لمّا بلغ ساحة كربلاء ما تكابد من محن وأرزاء مع أدائه لوجائب التحية والسّلام؛ فلتسليته والترحيب به أجابه السبط بردّ السّلام، فاختار تمضية بقيّة أيامه في جواره، واتخذه لنفسه ولأعقابه من ولده محمّد الثاني - الذي اشتهر بالحائري - وطناً ودار إقامة وسكناً من منذ بقيته الباقية من سنة 247 ليومنا هذا سنة 1369 هـ.

فلسلالته ألف ومئة واثنان وعشرون سنة لم يزالوا حائزين لشرف الجوار على أثر قصد جدّهم المجاب تاج الدين إبراهيم.

(3) أبو الفائز محمّد الخامس(1)

ذكر ابن بطوطة في رحلته(2) قال: (ثمّ سافرنا منها - الحلّة - إلى مدينة كربلاء مشهد الحسين بن علي (عليهما السّلام) وهي مدينة صغيرة تحفّها حدائق النخيل، ويسقيها ماء الفرات، والروضة المقدّسة داخلها، وعليها مدرسة عظيمة، وزاوية كريمة، فيها الطعام للوارد والصادر، وعلى أبواب

____________________

(1) جاء في مناهل الضرب - للأعرجي (المخطوط) عن ترجمة أبي الفائز: كان أبو الفائز محمّد في الحائر سيداً وجيهاً، جليل القدر، شهماً غيوراً عفيفاً، ورعاً تقياً، نقي السريرة، يمتاز على سائر العلويِّين الساكنين في الحائر، ويتبعه أكثر من نصف سكّانه.

كان بينه وبين الوجيه المعاصر له السيد محمّد من ذرية محمّد بن الحنفيّة - يعتقد السيد حسن الكليدار أنّه محمّد بن يحيى زحيك - خصومات ومناوشات قبلية من أجل زعامة الحائر ونقابتها، ويقول بعد ذلك: اصطفى مع خصمه العنيد، وزجر نقيب الحائر شهاب الدين أحمد الحسيني وعزله، ونصب نفسه نقيباً للحائر خلفاً للنقيب المعزول. (عادل).

(2) ص 139.


الروضة الحجّاب والقومة، لا يدخل أحد إلاّ عن إذنهم؛ فيقبّل العتبة الشريفة، وهي من الفضة، وعلى الضريح المقدّس قناديل الذهب والفضة، وعلى الأبواب أستار الحرير.

وأهل هذه المدينة طائفتان؛ أولاد زحيك، وأولاد فائز، وبينهما القتال أبداً(1) ، وهم جميعاً إمامية يرجعون إلى أب واحد؛ ولأجل فتنتهم تخرّبت هذه المدينة...).

ومن الغريب أنّه لم يتكتّل لأبي الفائز من أعقاب كثيرة عندئذ؛ إذ كان أبو الفائز من رجال القرن السابع وابن بطوطة زار كربلاء في أوّل القرن الثامن، إلاّ أنّنا نقول: لشخصيته البارزة كان ينضمّ ويلتحق لآله بنو عمومتهم من آل المجاب، وعددهم لا يُستهان به على ما أورد أسماءهم ابن شدقم في مبسوطه نقلاً عن مشجر ابن معية الحسني النسّابة.

(4) السيد أحمد الثاني

(يُقال عنه: إنّه كان ناظر رأس العين).

قال ابن عتبة الداودي في العمدة / 308: (كان السيد شمس الدين حسين ابن السيد تاج الدين هو المتولّي لنقابة العراق، وفيه ظلم وتغلّب؛ فأحقد

____________________

(1) في منتصف القرن الثامن الهجري وقعت في كربلاء حوادث جسام كادت أن تؤدّي بها وبساكنيها؛ وذلك من جرّاء نشوب القتال بين آل فائز وآل زحيك، فاستغلّت الحال قبيلة بني مهنا العلوية فأغارت على كربلاء وحجّتها أن تتدخل في حلّ النزاع، فتدخلت بشؤون كربلاء، ونصبت شمس الدين محمّد الحائري سادناً.

وقد أخطأ السيد حسن الكليدار (في مدينة الحسين 2 / 140) بقوله معقّباً على النصّ المتقدّم: وتولّى عميد آل فائز محمّد نقابة الحائر ثانية، وتولّى عميد آل زحيك السدانة، فأمنت كربلاء غائلة الفتن سنة 756 هـ انتهى.

ووجه الخطأ هنا هو إنّ السيد محمّد أبا الفائز الآنف الذكر بالقطع لم يكن من رجال القرن الثامن، بل كان محمّد أبو الفائز من رجال القرن السابع (راجع ترجمة أبي الفائز في النص). (عادل).


سادات العراق بأفعاله، فتوصّل الرشيد الطبيب(1) واستمال جماعة من السادات، وأوقعوا في خاطر السلطان من السيد تاج الدين وأولاده حكايات ردية، فلمّا كثر على السلطان استشار الرشيد الطبيب في أمره، وكان به حفيّاً، فأشار عليه أن يدفعه إلى العلويِّين، وأوهمه أنّه إذا سلّمه إليهم لم يبقَ لهم طريق في الشكاية والتشنيع، وليس على السيد تاج الدين من ذلك كثير ضرر.

فطلب الرشيد الطاهر جلال الدين الفقيه، وكان سفّاكاً جريّاً على الدماء، وقرّر معه أن يقتل السيد تاج الدين وولديه، ويكون له حكم العراق نقابة وقضاء وصدارة؛ فامتنع السيد جلال الدين من ذلك، وقال: إنّي لا أقتل علويّاً قطّ.

ثمّ توجه من ليلته إلى الحلّة، فطلب الرشيد (السيد ابن أبي الفائز الموسوي الحائري) وأطمعه في نقابة العراق على أن يقتل السيد تاج الدين وولديه، فامتنع من ذلك، وهرب إلى الحائر من ليلته.

أقول: اقتصر بالتعبير عنه بلفظ السيد مشدّداً دون التسمية يعرب

____________________

(1) هو فضل الله رشيد الدين وزير الجياتوخان المغولي، ولد في همدان سنة 638 هـ، وتوفي سنة 718 هـ. وقد اشتغل رشيد الدين في بادئ أمره بالطبّ واشتهر به، وهو مؤلّف كتاب (جامع التواريخ) بالفارسية.

أمّا بشأن هذه الواقعة التي يرويها صاحب العمدة فقد شكّك بها (كاترمير)، بل اعتبرها مختلقة وملفّقة، وذلك في مقدّمته القيمة لكتاب رشيد الدين - جامع التواريخ 2 / 34 من الترجمة العربية - ويدعم رأيه هذا بحجج غاية في القوّة والإقناع.

ولكن مع تقديرنا لهذا الرأي نرى أنّنا مدفوعون بعدم التسليم بصحة تسليمنا كليّاً؛ لأنّ كاترمير ليس لديه دليل مادي يدعم به رأيه سوى ما يمليه عليه التحقيق العلمي الذي لا يسلّم بالنصوص التاريخية المخالفة للعقل والمنطق السليم، ومن المعلوم أنّ هذا وحده لا يكفي لتكذيب واقعة تاريخية وتنفيذها.

ثمّ إنّنا لا نرى سبباً معقولاً يدفع مؤلّف كابن مهنا الداودي إلى إدانة رشيد الدين وزجّه في هذه الحادثة ما لم تكن صحيحة؛ فرشيد الدين كان معروفاً بتشيّعه وإخلاصه لآل علي، فلذلك ولِما تقدّم لا نستطيع أن نفنّد كلّ ما جاء في العمدة ونسلّم برأي كاترمير. (عادل)


عن بعد صيت قيّم وشهرة فائقة لابن أبي الفائز، يضاف إلى جملة اسمه في المشجرات والمبسوطات التذكارية التي عند آله وسلالته (ناظر رأس العين)، ويزعمون أنّ الضريح المشيد المشهور بأحمد بن هاشم في الشمال الغربي من شفاثا بمقربة من الرحالية قبره، وابن هاشم عزوة لعمرو العلا هاشم بن عبد المناف جدّ الرسول (صلّى الله عليه وآله)، وليس باسم لأبيه.

ويعنون برأس العين ماء شفاثا، ولفظ رأس العين على سبيل العلمية لم يطلق على هذا العين كما تحكيه المعاجم الجغرافية العربية(1) ، وإن ذكروا رأس العين أرادوا به عين الوردة الواقع بين جسر منبج وبلد خلف الموصل.

في أواخر العقد الخامس من القرن الرابع عشر الهجري قصدت زيارة أحمد بن هاشم - وله مكانة عظيمة في نفوس البدو، يقدّمون له النذور - وبحثت جهد المستطاع على درك أيّ أثر أتوصل به إلى كشف هويته، مع شديد الأسف لم أقم على أيّ طائل رغماً عن شدّة التحرّي الذي بذلته، فقط أرشدوني على بعض أمتار على قبّة مبنية على رمس أخبروني قوامه أنّه قبر أخيه.

وانتهى الداودي عند ذكره لهذه السلالة من آل المجاب إلى جملة (آل أبي الفائز محمّد بالحائر)، ولم يذكر له أخاً أو إخوة ليتسنّى على ضوئه طريقاً للاستدلال - ما يشفي الغليل - على أثر هذا الضريح الذي على مقربة منه.

أمّا ناظر رأس العين إن اعتمدناه فلا بدّ أنّه ولي النظر بشؤون ولاية عين الخابور في الدولة المغولية، ولأوانئذ كان لهذا

____________________

(1) راجع معجم البلدان - للحموي، ومختصر كتاب البلدان - لابن الفقيه الهمداني / 134 ط ليدن، وأحسن التقاسيم - للمقدسي / 137، وصور الأقاليم - للبلخي / 93 (مخطوط)، ورحلة ابن جبير / 221 ط سنة 1908 القاهرة.


العين وتوابعه من العمران شأن من قيمة وتقدير ما لا يُستهان به.

وعندما هوت الخلافة العباسيّة من شاهق عزّها، وأصبح الحكم لملوك بني بويه في القرن الرابع الهجري، أخذ الطالبيون يشغلون جانباً من وظائف الدولة، فضلاً عن النقابة على آلهم وإمارة الحج، والنظر في المظالم والقضاء.

وفي القرن الخامس أُحيل لأبي تميم معد الموسوي مع النظر في نقابة الطالبيِّين الأشراف على المخزن - وزير المالية - مع ما كان له من مكانة رفيعة عند أبي العباس أحمد الناصر لدين الله، ولداره(1) الذي كان يقيم فيه ببغداد في المقتدرية قيمة أن اتخذه الخلفاء بعده محلاً للوافدين من الملوك إلى سدّة الخلافة.

وأبو تميم معد بن الحسين بن معد الموسوي هو الذي قام بأمر الناصر إلى تجديد معالم سرداب سامراء، وعلى باب صفة السرداب أعلام مباشرته وإنجازه في سنة ست وستمئة.

ومن أشراف آل المختار نقباء الغري؛ منهم تاج الدين الحسن، كان عارض الجيش(2) في الدور المستنصري، وتاج الدين محمّد بن صلايا العلوي، صدر أربل(3) للدور المستعصمي حتّى أن اتصل بالدور المغولي.

ولم ينفكّوا من إشغال المناصب في الدولة المغولية، وأشغل عزّ الدين ابن الموسوي العلوي نيابة رئاسة الشرطة، وتاج الدين الطقطقي صدرية الحلّة(4) سنة 667 هـ.

وتقف عند اسم السيد أبو جعفر محمّد الثالث الملقّب بخير العمال،

____________________

(1) راجع الحوادث الجامعة / 165.

(2) انظر الحوادث الجامعة - لابن الفوطي / 133، وقد جاء في مجالس المؤمنين / 69 ما ترجمته: (سادات بني المختار كانت لهم في عهد بني العباس أمارة الحج، وتولية المشهدين المقدّسين في كربلاء والنجف كانت بعهدتهم، وبعد ذلك رحلوا إلى سبزوار، وكانوا هناك دائماً مرجعاً ومآباً لآهالي خراسان).

(3) الحوادث الجامعة / 337.

(4) الحوادث الجامعة / 362.


وفي التسلسل بين ناظر رأس العين وتاج الدين المجاب لفظ خير العمال، من الممكن إطلاق هذه اللفظة على أثر أشغاله لنظارة أو صدارة أو إشراف أو ما قاربها.

(5) السيد طعمة الأوّل

قال ضامن بن شدقم الحسيني المدني في المجلد الثالث من (تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمّة الأطهار) عند ذكر لعقب تاج الدين إبراهيم المجاب، عند ذكره لطعمة: (وفي نسخة اُخرى أنّ طعمة هو ابن أبي جعفر أحمد (أبو طراس) المذكور من غير واسطة، والله تعالى أعلم، ويقال لولده: آل طعمة، سادات أجلاء ذو أهل ورياسة ونقابة، وعظمة وجلالة بالحائر)(1) .

(6) السيد طعمة الثاني

راجع المنقول من وقفية بستان ضوي، لفظ الواقف، يقول: هو يحيى ابن السيد طعمة النقيب؛ فعليه ينبغي أن يكون طعمة الثاني هو نقيب الأشراف.

يقول في ورقة وقفية بستان ضوي، خارج باب بغداد الواقع للخارج من الباب في جانب اليمين: الواقف سيد يحيى ابن سيد طعمة النقيب على ولده السيد ضياء الدين وعلى أولاده ومن بعدهم لمصالح الحضرة الحسينيّة (عم) سنة 1214.

في المتن: مجموع البستان الواقعة قريباً

____________________

(1) عن نسخة خطية بيد المؤلّف (عبد الحسين).


من حواش القضية في محلّة آل فائز(1) من محلات قصبة كربلاء... والحدود... والحدّ الرابع طريق بغداد وفيه الباب.

(7) السيد طعمة الثالث

العالم الكامل كما في ورقة وقفية الفدان. [ خلاصة وقفية الفدان: يُستفاد من الورقة أنّه في ملكية سيد طعمة (الثالث) ابن سيد علم الدين مملكة إلى الشيخ أحمد ابن الشيخ علي النحوي حتّى يوقفه الشيخ أحمد النحوي على المولى العالم الكامل السيد طعمة ابن المرحوم المبرور السيد علم (دام فضله وأفضاله) (عين ما في الوقفية).

وتأريخ الوقفية 15 شهر رمضان سنة 1025 ألف وخمسة وعشرون، ومن فدان السادة فدان يختصّ بالسيد خليفة ابن السيد نعمة ابن السيد طعمة الواقف للفدان ].

(8) السيد نعمة الله

وقفت على فرمان - والفرمان عند السيد مجيد ابن المرحوم السيد سلمان، والسيد نعمة الله الحلقة السابعة منه - صادر من السلطان مصطفى

____________________

(1) كانت كربلاء قديماً تقسّم إلى ثلاثة أطراف؛ يُدعى الطرف الأوّل منها بمحلّة آل فائز، والطرف الثاني بمحلّة آل زحيك، والطرف الثالث بمحلّة آل عيسى نسبة إلى الأقوام العلويِّين الذين كانوا يسكنون هذه الأطراف. وعندما أتمّ صاحب الرياض بناء السور استبدل أسماء تلك الأطراف بأسماء أبواب السور. (انظر مدينة الحسين 1 / 15). (عادل).


الثالث العثماني في الخامس من شهر ربيع الآخر سنة 1187 سبعة وثمانين وألف من إسلامبول، يبحث عن شؤون مزرعة وعوائد خطيّة للسيد عباس ابن السيد نعمة الله، يعبّر عن نعمة الله وآله السيد عباس بهذه العبارة: (نقيب الأشراف نعمة الله، أو علي سيد عباس).

(9) السيد يحيى الثاني ضياء الدين (نقيب الأشراف)

وقفت في النجف الأشرف على نسخة من عمدة الطالب(1) بخطّ حسين بن مساعد بن حسن بن مخزوم بن أبي القسم بن عيسى الحسيني الحائري، فرغ من نسخه تاسع عشر ربيع الأوّل سنة 893 ثلاث وتسعين وثمانمئة.

ويظهر في الصفحة الأولى مدرج سواد شهادة بصحة نسب السادة الحجوج، من الشهود: (ضياء الدين يحيى طعمة الحسيني النقيب الحائري)، والتاريخ التحريري لعقد عشر وألف ومئة سنة 1109.

وعند ذكر عقب وآل أحمد ابن الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليهم) في الهامش الأيسر يقول ما هذا لفظه: (وقد ذكر صاحب الشجرة القديمة التي هي الآن عند بعض سادات آل طعمة في مشهد كربلاء، التاريخ سنة 1164 أربعة وستين بعد المئة والألف، التي انتخب منها شيخنا أبو الحسن مدرس الغري (قدس الله رمسه) مشجره).

أقول: من الممكن على سياق التاريخ سنة 1109، وسنة وفاة المنتخب سنة 1138 أنّ أصل المشجر القديم كان في حيازة ضياء الدين يحيى الثاني النقيب، أو عند ولده الذي خلفه

____________________

(1) توجد هذه النسخة في مكتبة الشيخ عبد الرضا آل الشيخ راضي (النجف)، وقد طبعه في النجف الأشرف سنة 1918.


في النقابة السيد نعمة الله(1) ، أو عند أعقابه الآخرين انتقل منه إليهم.

وقفت قبل أعوام مضت، وأظنّني في الغري الأقدس، على نسخة هذا المختصر: مشجر مجرّد من كلّ تعليق، بسيط للغاية، يكاد لا يُستفاد منه سوى تسلسل الأسماء المدرجة فيه، مع صغر حجم.

والظاهر هو للشيخ المتغمد بالرحمة محمّد مهدي(2) الفتوني المتوفّى سنة 1138، مؤلّف كتاب (ضياء العالمين) في أجزاء بقطع كبير، وهو من أوقاف مكتبة المرحوم

____________________

(1) أخبرني المرحوم السيد سلمان السيد محمّد علي السيد وهاب بأنّه جرى بينه وبين المرحوم السيد محسن ابن السيد عباس ابن السيد محسن من آل دراج نقباء الحائر كلام في النقابة، نفى السيد محسن تخصيصها في كربلاء لأحد غير سلالتهم.

قال السيد سلمان: (أنكرت عليه زعمه، ولإثبات صحة إنكاري أتيته بنفس الفرمان الصادر من ملوك آل عثمان في توديع النقابة لعهدة السيد يحيى ضياء الدين).

ولم أتقصَ عندئذ لرؤية هذا الفرمان؛ حيث لم يدر بخلدي تدوين شأن سلالة آل طعمة. وبعد وفاة المرحوم بالفرمان لأثبت صورته هنا بعد مراجعته(*) قال: إنّه لم يعثر عليه.

(2) لم يُنسب كتاب (ضياء العالمين) هذا إلى محمّد مهدي الفتوني العاملي المتوفّى سنة 1183 هـ بل يُنسب إلى عالم آخر يحمل نفس اللقب هو أبي الحسن بن محمّد طاهر الفتوني النباطي العاملي المتوفّى سنة 1138 هـ كما في مستدرك الوسائل - للعلاّمة الأجل النوري 3 / 385، والذريعة إلى تصانيف الشيعة - للعلاّمة المحقّق آقا بزرك الطهراني، المجلد الخامس، وما أكّده لي شفوياً صاحب الذريعة (مدّ الله في عمره).

والأغلب أنّ المؤلّف قد اشتبه في ذكر الاسم لتطابق اللّقبين، والذي يرجع هذا أنّه قد ذكر سنة وفاة أبي الحسن الفتوني؛ وعليه يكون مؤلّف المشجر المذكور هو أبي الحسن الفتوني، ولعل المشجر هو (حدائق الألباب في معرفة الأنساب)، رآه السيد حسن الصدر الكاظمي في كربلاء، وفيه مشجرات آقا بزرك الطهراني في الذريعة 2 / 371.

وذكر أنّ الوصول إلى المراد منه غير يسير، فطلب البعض من الشيخ أبي الحسن أن يؤلّف فيه كتاباً يسهل الوصول إليه؛ فألّف كتاب (الأنساب). (عادل).

(*) لا يخفى على القارئ ما في العبارة الأخيرة من إرباك مخلٍّ في المعنى، والذي يدل على السقط الحاصل إثناء النسخ.(موقع معهد الإمامين الحسنين)


الشيخ عبد الحسين الطهراني.

اطلعت على صفحات جزء من هذا المؤلّف الجليل فبان لي ما يتمتّع به المؤلّف من منيع مكانة في النقد والتحليل باُسلوب غاية في المتانة، مؤيدة بحجج قوية دامغة، ويعوّل ويستند على مؤلّفات فريدة قيّمة تُفصح بما كان لمكتبة الروضة العلوية من النفائس والذخائر الأثرية النادرة.

كانت المكتبة آنذاك تضاهي خزانتها اليوم بما تحويه من الأعلاق النفسية والأحجار الثمينة، ما حدّث عنه ولا حرج.

(10) السيد درويش(1)

كان السيد درويش وإخوته: السيد مصطفى، والسيد محمّد، والسيد جواد(2) ، وابن عمّهم السيد محمّد علي الكليدار أحياء في سنة ألف ومئتين واثنين وأربعين أيام ولاية داود باشا لبغداد خلال سني محاصرة كربلاء بأمر داود باشا بزعامة المناخور التي ابتدأت من سنة ألف ومئتين وأربعين إلى سنة أربع وأربعين، والمحاصرة بينها فترات.

(11) السيد علي الثالث(3)

كان (رحمه الله) برّاً تقيّاً، عابداً زاهداً، قد سمعت منه (طاب ثراه)

____________________

(1) جاء في مناهل الضرب في أنساب العرب (مخطوط ص 565 في مكتبة العلاّمة آقا بزرك الطهراني) عن السيد درويش ما نصّه: وأمّا السيد درويش بن أحمد بن يحيى فكان سيداً جليلاً ديّناً، حج بيت الله الحرام ماشياً، وكان في أغلب أوقاته لا يُفارق الروضة المقدّسة؛ لا ليلاً ولا نهاراً، وكان لا يفتر عن العبادة. (عادل).

(2) أسماء هؤلاء الإخوة تطلق اليوم على أفخاذ آل طعمة خلا السيد محمّد؛ إذ يعرفون سلالته بـ (آل شروفي).

(3) في الحقيقة إنّ هذه الترجمة لم تنسق هكذا، وإنّما قد جمعتها ممّا كتبه المؤلّف عن والده.


أنّه ولد سنة جلوس ناصر الدين شاه على العرش الفارسي، وذلك سنة 1264هجري.

وكان قد تقلّد مقام أبيه في سنة 1309 هـ، وقد طالت أيام سدانته للروضة الحسينيّة تسعة أعوام قضى معظمها داخل الحضرة الزاكية مشغولاً بالصلاة والدعاء.

وكان كثيراً ما يتصدّق على الفقراء والأيتام، وتوفي يوم الخميس ثالث محرّم الحرام سنة 1318 هجري، وكان يوم وفاته حسن الأحوال، وقد التفّ حوله أعمامه ينقلون له الأخبار، وكنت في الصحن الشريف وقتئذ، ولمّا خرج أعمامه أراد أن يدخل الحرم فوقع مغشياً عليه، فما قام بعد ذلك أبداً.

ودفن عند قدمي عمّه العباس (عليه السّلام) في حجرة من حجر الرواق؛ ولاستشهاره بالأعمال الخيرية، والإحسان للفقراء صار ملاذ الشعراء، ومدار البلغاء يذكرونه في كلّ مناسبة تدعو لذاك.

وللمرحوم الشيخ محمّد سعيد خلف الشيخ محمود سعيد نائب كليدار الروضة الحيدرية الأسبق (وكان من سكنة كربلاء وأحد شعرائها)، مهنّئاً المغفور له والدي السيد علي عند قدومه من حج بيت الله الحرام لسنة إحدى وثلاثمئة بعد الألف الهجرية 1301 هـ:

بـشراً فـقُمريّ الـتهاني غرّدا

وعـندليب الـبشرِ بـالشعر شدا

بـشّر فـي مـقدمِ مقدام وطأ

أقـدامُ عـلياهُ الـسهى والفرقدا

ذاك العليُّ ذو العلى مَنْ لم يزل

يـرقى من العليا إلى أعلى مدى

خـيرُ سـريٍّ قـد سرى بعزمِه

يـفري الأكـامَ حـدّها والفدفدا

نـودي من أمّ القرى إلى القرى

فـأمّـها مـلـبّياً ذاك الـنـدى

قـلّ ردى أحـرامَه أهـلُ ردى

أيّ فـتى أحـرم من ذاك الردى

أحـرم في ذاك الردى طود تقى

في التقى أحرم مَنْ بالنسك ارتدى(1)

وهـل درى الـبيت بأيّ ناسك

طـافَ بـهِ وساقَ للهدى الفدى

لـقد زهت مناسكُ البيتِ بمَنْ

بنسكهِ ذو النسكِ والتقوى اقتدى

سـليلُ مَـنْ قواعدُ البيتِ بهمْ

قـامت وفـيهم ركنهُ قد شُيّدا

____________________

(1) في المصراع الثاني خلل عروضي واضح.(موقع معهد الإمامين الحسنين)


كـم وثـنٌ لـلشركِ فيه نكثوا

وقـوّموا لـلدين فـيهِ عـمدا

وبـيت ربّـي قسماً لولا هُمُ

مـا كان ربّ البيتِ يوماً عُبِدا

ومـذ أتـمّ الـحجَ فرضاً سنّه

أكّده بـما بـهِ قـد أكّـدا

فـطافَ مـن طيبة في مراقدٍ

فـي مـهدها سرّ الوجودِ اُلحدا

بأشرفِ الرسلِ استطالت شرفاً

وآلـهِ الأشـراف أعلامُ الهدى

عـليهمُ الصلاة تترى ما سرى

لـلبيتِ ركبٌ وبهِ الحادي حدا

فـلتهنأ الأشراف في أسنى هنا

بـخيرِ فـذٍ قـد تزكّى محتدا

لـلناسكِ الأوّاهِ عـبد الله كـم

رعـى زمـامَ عـهد ودٍ عقدا

بـبرّه الأبـرارُ راحت تقتني

إثْـراً لـهُ قـد اتخذ البرّ ردا(1)

وخـصّ مـنها بالنُّهى خيرَ آبٍ

لـقد أبـى إلاّ العُلا والسؤددا

ذاك الـجواد مَـنْ يـجودُ كفّه

صـيّر أجـواد الـبرايا أعبدا

سـادَ قـبيل مـجدهِ وقد غدى

فـيهم بـأقليد الـعلا مـقلّدا

طويلُ باعٍ في العلا قد قصرت

عـنهُ ذوو العليا وإن طالَ اليدا

لا غـرو أن ألـقت لهُ قيادها

فـالدهرُ قـد ألقى إليهِ المقودا

قـلّد فـي أقليد أسنى روضة

يـودّ رضـوانٌ بـهِ لـو قُلّدا

فـكان خـيرَ سـادنٍ مـؤتمنٍ

لـكعبةِ الـكعبةِ كـعبة الهدى

الـكعبة الـقدس التي تفضلها

قـدماً على الكعبةِ أرضاً وردا

كـعبة قـدس في ثرى أعتابها

ترى الملوكَ الصيدَ خرّوا سُجّدا

مـختلفُ الأملاك إنْ يهبط بها

فـوجٌ فـمنها مـثله قد صعدا

تضمّنت سبطَ النبيِّ المصطفى

مَـنْ قـد دُعـي للشهداءِ سيّدا

ريـحانة الهادي فكم قد روّحت

بـروحها لـلطهرِ طـه كـبدا

ولـيهن مـنه خـير عمّ علم!

عـمّ الورى فضلاً وذكراً وندا

أحـدهـم خـلائقاً فـحقّ أن

سـمّي بـاسم خـيرِ جدٍّ أحمدا

____________________

(1) لا يخفى الخلل العروضي البيّن في المصراع الثاني من البيت.(موقع معهد الإمامين الحسنين)


شـقيق مـجدٍ قـد زهت رياضُه

حـيث بـهِ خـد لـلمعالي ورّدا

أوفى أخٍ ما زال في صدقِ الإخا

يـحـفظُ مـنهُ عـهدهُ الـمؤكّدا

مـا عـدّ بـطش عاضدٍ كفَّ أخٍ

حـيث غـدا سـاعدَها والعَضدا

مـا زال يقفو في المعالي إثره

مـقـتدياً مـنهُ فنـِعْمَ الـمقتدى

ذو راحـةٍ يحك سحبَ جودها

جـونَ الـسحابِ مبرقاً ومرعدا

فـذاك يـهمي وابـلاً إذا هـمى

وتـلك يـوم الجودِ تهمي عسجدا

ولـتهن مـنهُ خـير اُسرة سرى!

لـهـا الـفخار مـتهماً ومـنجدا

مـن تـلق منهم تلق شهماً باسلاً

مـوطّداً لـفخرها مـا أصـيدا

غـيث الندى إن أمحل العامُ وإن

عـرى مـلم تـلقه غـيث الندا!

قـل لامـرئ يـمّم غـير يمِّهم

هل في السرابِ يرتجه بردُ الصدا

يـا سـادةً ما برحت تسمو إلى

شمّ الـمعالي سـيّداً فـسيّدا

لا زلـتموا تأوون في ظلّ حمى

أبـى عـليّ محتمي مدى المدى

مـحـمد فـرقـد اُفـقه الـذي

طـاول فـي اُفق السماء الفرقدا

دونـكمو غـراءَ نـظمٍ نُضّدتْ

تـزرى بـنظم العقد مهما نضّدا

ولا يـزال فـي بـيوتات العلا

بـيـوتكم لـحن الـهنا مـردّدا

وفي تاريخ الحجّة يقول:

حـجُّ علي للبيت مبرورُ

والأجرُ عند إلاله موفورُ

قد شكر اللهُ سعي منتسكٍ

لـلنسك برد عليه مزورُ!

لـذلك منشى الثناء أرّخه

مسعى علي للبيت مشكورُ


أخبار عن الحائر وزائريه في العصر العباسي(1)

(الأمالي للطوسي)

كرب الرشيد لقبر الحسين

عن علي بن محمّد بن مخلد الجعفي الدهان بالكوفة قال: حدّثنا أحمد بن ميثم بن أبي نعيم(2) ، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني(3) ، أملاه علي في منزله قال: خرجت أيام ولاية موسى بن عيسى الهاشمي في الكوفة(4) من منزلي، فلقيني أبو بكر بن عياش(5) ، فقال لي: امض بنا يا يحيى إلى هذا.

فلم أدر مَنْ يعني، وكنت أجلّ أبا بكر عن مراجعته، وكان راكباً حماراً له، فجعل يسير عليه وأنا أمشي مع ركابه، فلمّا صرنا عند الدار المعروفة بدار عبد الله بن حازم التفت إلي فقال لي: يابن الحماني،

____________________

(1) أثبت المؤلّف هنا بعض الأخبار والحكايات النادرة عن المشهد الحسيني وزائريه في العصر العباسي، وقد ضرب صفحاً عن ذكر الأخبار المعروفة والتي سبق أن تعرّض لها غيره. ويعتبر هذا الفصل ذيلاً ومكملاً لتأريخ الحائر الحسيني، وتفصيل لبعض النصوص التي وردت فيه بصورة مقتضبة.

(2) وصفه الطوسي في الفهرست / 25 بقوله: كان من ثقات أصحابنا الكوفيين وفقهائهم، وله مصنفات. ثمّ عدد أسماء مصنفاته.

(3) ذكره الشيخ الطوسي في الفهرست / 177.

(4) كانت ولاية موسى بن عيسى العباسي للكوفة من سنة 169 هـ إلى سنة 171 هـ (برواية الطبري أبو جعفر).

(5) ترجمته في معجم الأدباء - لياقوت الحموي 7 / 90. وقد توفّي في سنة ثلاث وتسعين ومئة، في السنة التي مات فيها الرشيد، وهو من طبقة الفقهاء الأدباء.


إنّما جررتك معي وحشمتك مع أن تمشي خلفي لأسمعك ما أقول لهذا الطاغية.

قال: فقلت له: مَنْ هو يا أبا بكر؟

قال: هذا الفاجر الكافر موسى بن عيسى.

فسكتُّ عنه، ومضى وأنا أتبعه، حتّى إذا صرنا على باب موسى بن عيسى وبصر به الحاجب، وكان الناس ينزلون عند الرحبة، فلم ينزل أبو بكر هناك، وكان عليه يومئذ قميص وإزار، وهو محلول الأزرار.

قال: فدخل على حماره وناداني: تعال يابن الحماني. فمنعني الحاجب، فزجره أبو بكر وقال له: أتمنعه يا فاعل وهو معي؟! فتركني، فما زال يسير على حماره حتّى دخل الأبواب، فبصر بنا موسى وهو قاعد في صدر الإيوان على سريره، وبجنبي السرير رجال مسلّحون، وكذلك كانوا يصنعون، فلمّا رآه موسى رحّب به وأقعده على سريره، ومُنعت أنا حين وصلت إلى الإيوان أن أجوزه.

فلمّا استقر أبو بكر على السرير التفت فرآني حيث أنا واقف، فناداني: تعال ويحك! فصرت إليه ونعلي في رجلي، وعليّ قميص وإزار، فأجلسني بين يديه، فالتفت إليه موسى فقال: هذا رجل تكلّمنا فيه؟

قال: لا، ولكن جئت به شاهداً عليك. قال: في ماذا؟ قال: إنّي رأيتك وما صنعت بهذا القبر. قال: أيّ قبر؟ قال: قبر الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

وكان موسى قد وجه إليه مَنْ كربه وكرب جميع أرض الحاير، وحرثها وزرع الزرع فيها، فانتفخ موسى حتّى كان أن يتّقد، ثمّ قال: وما أنت وذا؟

قال: اسمع حتّى اُخبرك؛ اعلم أنّي رأيت في منامي كأنّي خرجت إلى قومي بني غاضرة، فلمّا صرت بقنطرة الكوفة أعرضني خنازير عشرة، فأعانني الله برجل كنت أعرفه من بني أسد فدفعهم عنّي، فمضيت لوجهي.

فلمّا صرت إلى شاهي(1) ظللت الطريق، فرأيت هناك عجوزاً،

____________________

(1) شاهي: موضع قرب القادسية. (معجم البلدان 5 / 224)، وقد جاء في مقاتل الطالبيِّين / 218 أنّ يحيى بن عمر بن =


فقالت لي: أين تريد أيها الشيخ؟ قلت: أريد الغاضرية(1) . قالت لي: تبطن هذا الوادي، فإنّك إذا أتيت آخره اتّضح لك الطريق. فمضيت فلمّا صرت إلى نينوى(2) إذ أنا بشيخ كبير جالس هناك، فقلت: من أين أنت أيّها الشيخ؟ فقال لي: أنا من أهل هذا القرية.

فقلت: كم تعد من السنين؟ فقال: ما أحفظ ما مضى من سني عمري، ولكن أبعد ذكرى أنّي رأيت الحسين بن علي (عليهما السّلام) ومَنْ كان معه من أهله، ومَنْ تبعه يُمنعون الماء الذي تراه، ولا يمنع الكلب ولا الوحوش شربه! فاستعظمت ذلك، وقلت له: ويحك! أنت رأيت هذا؟!

قال: أي والذي سمك السماء، لقد رأيت هذا أيّها الشيخ وعاينته، وإنّك وأصحابك هم الذين يعينون على ما قد رأينا ممّا أقرح عيون المسلمين إن كان في الدنيا مسلم.

فقلت: ويحك! وما هو؟ قال: حيث لم تنكروا ما أجرى سلطانكم إليه. [قلت: ما أجرى إليه؟] قال: أيكرب قبر ابن النبي وتُحرث أرضه؟! قلت: وأين القبر؟ قال: ها هو ذا أنت واقف [في أرضه]؛ فأمّا القبر فقد عمي عن أن يُعرف موضعه.

قال أبو بكر بن عياش: وما كنت رأيت القبر قبل ذلك الوقت قط، ولا أتيته في طول عمري، فقلت: مَنْ لي بمعرفته؟! فمضى معي الشيخ حتّى وقف

____________________

= يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين (عليه السّلام)، عندما أراد الخروج بدأ فزار قبر الحسين (عليه السّلام)، وأظهر لمَنْ حضره من الزوار ما أراده، فاجتمعت إليه جميعة من الأعراب، ومضى فقصد (شاهي) فأقام بها الليل، ثمّ دخل الكوفة ليلاً، وذلك في خلافة المستعين بالله العباسي.

(1) الغاضرية: من نواحي الكوفة قريبة من كربلاء. (مراصد الإطلاع - لابن عبد الحق الحنبلي). راجع ص 106 من الكتاب.

(2) نينوى (بالكسر ثمّ السكون، وفتح النون والواو): بوزن طيطوى... وبسواد الكوفة ناحية يُقال لها نينوى، منها كربلاء التي قُتل فيها الحسين (مراصد الإطلاع). راجع ص 106 من الكتاب.


على(1) حير له باب وآذن، وإذا بجماعة كثيرة على الباب، فقلت للآذن: أريد الدخول على ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله).

فقال: لا تقدر على الوصول في هذا الوقت.

قلت: ولِمَ؟

قال: هذا وقت زيارة إبراهيم خليل الله، ومحمد رسول الله، ومعهما جبرائيل وميكائيل في رعيل من الملائكة كثير.

قال أبو بكر بن عياش: فانتبهت وقد دخلني روع شديد وحزن وكآبة.

ومضت بي الأيام حتّى كدت أن أنسى المنام، ثمّ اضطررت إلى الخروج إلى بني غاضرة لدَين كان لي على رجل منهم، فخرجت وأنا لا أذكر الحديث، حتّى صرت بقنطرة الكوفة لقيتني عشرة من اللصوص، فحين رأيتهم ذكرت الحديث، ورعبت من خشيتي لهم، فقالوا لي: القِ ما معك وانجُ بنفسك - وكانت معي نُفيقة - فقلت: ويحكم! أنا أبو بكر بن عياش، وإنّما خرجت في طلب دَين لي، والله الله لا تقطعوني عن طلب ديني وتضروا بي في نفقتي؛ فإنّي شديد الإضافة.

فنادى رجل منهم: مولاي، وربّ الكعبة لا تعرض له. ثمّ قال لبعض فتيانهم: كن معه حتّى تصير به إلى الطريق الأيمن.

قال أبو بكر: فجعلت أتذكّر ما رأيته في المنام وأتعجّب من تأويل الخنازير حتّى صرت إلى نينوى، فرأيت - والله الذي لا إله إلاّ هو - الشيخ الذي كنت رأيته في منامي بصورته وهيئته، رأيته في اليقظة كما رأيته في المنام سواء، فحين رأيته ذكرت الأمر والرؤيا، فقلت: لا إله إلاّ الله، ما كان

____________________

(1) جاء في تاج العروس - للزبيدي 3 / 164 عن الحير ما لفظه: (الحير: مخففة من) الحائر بطرح الألف كما عليه أكثر الناس وعامّتهم، كما يقولون لعائشة: عيشة. قيل: هو خطأ، وأنكره أبو حنيفة أيضاً.

وجاء في 3 / 166 منه: والحير (بفتح فسكون):... ومنه مشهد الحسين بكربلاء كما في الصحاح واللسان، ومنه المثل من اعتمد على حير جاره. أورده الميداني.


هذا إلاّ وحياً! ثمّ سألته كمسألتي إيّاه في المنام، فأجابني، ثمّ قال لي: امضِ بنا. فمضيت، فوقفت معه على الموضع وهو مكروب، فلم يفتني شيء في منامي إلاّ الآذن والحير؛ فإنّي لم أرَ حيراً، ولم أرَ آذناً؛ فاتقِ الله أيّها الرجل؛ فإنّي قد آليت على نفسي ألاّ أدع إذاعة هذا الحديث، ولا زيارة ذلك الموضع وقصده وإعظامه؛ فإنّ موضعاً يأتيه إبراهيم ومحمد وجبرائيل وميكائيل لحقيق بأن يرغب في إتيانه وزيارته؛ فإنّ أبا حصين حدّثني أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، قال: «مَنْ رآني في المنام فإيّاي رأى؛ فإنّ الشيطان لا يشتبه بي».

فقال له موسى: إنّما أمسكت عن إجابة كلامك لأستوفي هذه الحمقة التي ظهرت منك، وبالله لئن بلغني بعد هذا الوقت أنّك تتحدّث بهذا لأضربن عنقك وعنق هذا الذي جئت به شاهداً عليّ.

فقال أبو بكر: إذن، يمنعني الله وإيّاه منك؛ فإنّي إنّما أردت الله بما كلّمتك به.

فقال له: أتراجعني يا عاض! وشتمه.

فقال له: اسكت أخزاك الله وقطع لسانك!

فأرعد موسى على سريره، ثمّ قال: خذوه. فاُخذ الشيخ عن السرير، واُخذت أنا، فوالله لقد مرّ بنا من السحب والجرّ والضرب ما ظننت أنّنا لا نكثر الأحياء أبداً، وكان أشدّ ما مرّ بي من ذلك أنّ رأسي كان يجرّ على الصخرة، وكان بعض مواليه يأتيني فينتف لحيتي، وموسى يقول: اقتلوهما بني كذا وكذا، لا يُكني.

وأبو بكر يقول له: امسك، قطع الله لسانك وانتقم منك! اللّهمّ إيّاك أردنا، ولولد وليك غضبنا، وعليك توكّلنا.

فصيّرنا بنا جميعاً في الحبس، فما لبثنا إلاّ قليلاً، فالتفت أبو بكر ورأى ثيابي قد خرقت، وسالت دمائي، فقال: يا حماني، قد قضينا لله حقّاً، واكتسبنا في يومنا هذا أجراً، ولن يضيع ذلك عند الله ولا عند رسوله.

فما لبثنا إلاّ مقدار غذائه ونومه حتّى جاءنا رسوله فأخرجنا إليه، وطلب حمار أبي بكر فلم يوجد، فدخلنا عليه، فإذا هو في سرداب له يشبه الدور سعة وكبراً، فتعبنا في المشي إليه تعباً شديداً، وكان أبو بكر إذا تعب في مشيه جلس


يسيراً، ثمّ يقول: اللّهمّ إنّ هذا فيك فلا تنسه.

فلما دخلنا على موسى وإذا هو على سرير له، فحين بصر بنا قال: لا حيّا الله ولا قرّب من جاهل أحمق يتعرّض لما يكره. ويلك يا دعي! ما دخولك فيما بيننا معشر بني هاشم؟

فقال له أبو بكر: سمعت كلامك والله حسبك.

فقال له: اخرج قبّحك الله! والله لئن بلغني أنّ هذا الحديث شاع أو ذُكر عنك لأضربنّ عنقك.

ثم التفت إليّ فقال: يا كلب! وشتمني، وقال: إيّاك أن تظهر هذا؛ فإنّه إنّما خُيّل لهذا الشيخ الأحمق شيطان يلعب به في منامه، اخرجا عليكما لعنة الله وغضبه.

فخرجنا، وقد يئسنا من الحياة، فلمّا وصلنا إلى منزل الشيخ أبي بكر وهو يمشي، وقد ذهب حماره، فلمّا أراد أن يدخل منزله التفت إليّ وقال: احفظ هذا الحديث وأثبته عندك، ولا تحدّثنّ هؤلاء الرعاع، ولكن حدّث به أهل العقول والدين.


(زهر الآداب للحصري)

زيارة منصور النمري

وأخبرني مَنْ رأى منصور النمري(1) على قبر الحسين بن علي (رض) ينشد قصيدته التي يقول فيها:

فما وجدتْ على الأكتافِ منهم

ولا الأقـفاء آثـارُ الـنصولِ

ولـكنّ الـوجوه بـها كـلومٌ

وفوقَ حجورهم مجرى السيولِ

اُريـق دمُ الحسين ولم يراعوا

وفـي الأحياء أموات العقولِ

فـدت نفسي جبينك من جبينٍ

جـرى دمـهُ عـلى خدٍّ أسيلِ

أيـخلوا قـلب ذي ورع ودينٍ

مـن الأحـزان والألم الطويلِ

وقـد رشـقت رماحُ بني زيادٍ

بـريٍّ من دماء بني الرسولِ

بـيثرب كـربلاء لـهم ديارٌ

نـيامُ الأهـل دارسة الطلولِ

بـأوصال الحسين ببطنِ قاعٍ

مـلاعبُ لـلدبور ولـلقبولِ

تـحـياتٌ ومـغـفرةٌ وروحٌ

عـلى تـلك المحلّة والحلولِ

بـرئنا يـا رسـول الله ممّن

أصـابك بالأذية والذحولِ(2)

ذكر الخطيب في تاريخ بغداد 3 / 68 عن محمّد البيذق، وكان أحسن الناس إنشاداً، وكان إنشاده أحسن من الغناء.

قال: دعاني الرشيد في عشية يوم وبين يديه طبق، وهو يأكل ممّا فيه، ومعه الفضل بن الربيع،

____________________

(1) ترجمته في نسمة السحر في ذكر مَنْ تشيّع وشعر 2/ 162 - لضياء الدين يوسف الصنعاني، المتوفّى سنة 1121 هـ، (مخطوط في خزانة كتب المؤلّف).

(2) زهر الآداب - للحصري، هامش العقد الفريد 2 / 272.


فقال الفضل: يا محمّد، أنشد أمير المؤمنين ما يستحسن من مديحه.

فأنشدته (للنمري)، فلمّا بلغت إلى هذا الموضع:

أي امرئ باتَ من هارونَ في سخطٍ

فـليس بـالصلوات الخمس ينتفعُ

ان الـمكارمَ والـمعروف أوديـةٌ

أحـلّك اللهُ مـنها حـيث تـجتمعُ

اذا رفـعـت امـرأً فالله رافـعه

ومَـنْ وضعت من الأقوام متّضعُ

نـفسي فـداؤك والأبـطال معلمةٌ

يـوم الوغى والـمنايا بينهم قرعُ

قال: فأمر، فرُفع الطعام، وصاح وقال: هذا والله أطيب من أكل الطعام ومن كلّ شيء. وأجاز النمري بجائزة سنية.

قال محمّد البيذق: فأتيت النمري فعرّفته أنّي كنت سبب الجائزة، فلم يعطني شيئاً، وشخص إلى رأس عين فأحفظني وأغاظني، ثمّ دعاني الرشيد يوماً آخراً، فقال: أنشدني يا محمّد. فأنشدته:

شاءٌ من الناس راتع هاملِ

يـعللون الـنفس بالباطلِ

فلمّا بلغت إلى قوله:

ألا مساعير يغضبون لها

بسلة البيض والقنا الذابلِ

قال: أراه يحرّض عليّ، ابعثوا إليه مَنْ يجيئني برأسه. فكلّمه الفضل بن الربيع فلم يغنِ كلامه شيئاً، فوجّه الرسول إليه، فوافاه في اليوم الذي مات فيه وقد دفن، فأراد نشره وصلبه، فكُلّم في ذلك فأمسك عنه. (ثمّ ذكر في سبب غضب الرشيد عليه وجه آخر).


(تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي)

زيارة ابن الهبارية

أنشدنا أبو عبد الله محمّد البندنجي البغدادي قال: أنشدنا بعض مشايخنا أنّ ابن الهبارية(1) الشاعر اجتاز بكربلاء، فجلس يبكي على الحسين (عليه السّلام) وأهله، وقال بديهاً:

أحـسين والمبعوث جدّك بالهدى

قسماً يكون الحقّ عنه مسائلي(2)

لـو كنت شاهدَ كربلا لبذلت في

تـنفيس كـربكَ جهد بذل الباذلِ

وسـقيتُ حدّ السيفِ من أعدائكمْ

عـللاً وحـدّ الـسمهري الذابلِ

لـكنّني أُخّـرت عـنكَ لشقوتي

فـبلابلي بـين الـغري وبـابلِ

هبني حُرمت النصرَ من أعدائكمْ

فـأقلّ من حزنٍ ودمع سايلِ(3)

ثمّ نام مكانه، فرأى رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المنام، فقال له: «يا فلان، جزاك الله عنّي خيراً، أبشر فإنّ الله قد كتبك ممّن جاهد بين يدي الحسين (عليه السّلام) »(4) . انتهى.

____________________

(1) ابن الهبارية (بفتح الهاء وتشديد الموحّدة وبعد الألف راء): هذه النسبة إلى هبار، وهو جدّ أبي يعلى محمّد بن محمّد بن صالح الهاشمي من سلالة الأمير عيسى بن موسى. ولد في بغداد حوالي منتصف القرن الخامس الهجري، وقد توفي سنة 509 هـ - برواية سبط ابن الجوزي - بكرمان.

وقال السمعاني في (الأنساب): توفي بعد سنة ستين وأربعمئة. راجع ترجمته في دائرة المعارف الإسلاميّة - لجماعة من المستشرقين 1 / 291.

(2) نسب الحموي في معجم البلدان 6 / 51 هذا البيت والقصيدة إلى أبي دهبل الجمحي في رثائه للحسين (عليه السّلام).

(3) الشطر الأوّل في البحار 45 / 265: إذ لم أفز بالنصر من أعدائكم.

قد أورد المجلسي هذه الأبيات أيضاً في بحار الأنوار 45 / 256، الطبعة الأخيرة، نقلاً عن مناقب ابن شهر آشوب، لكنّه نسب هذه الأبيات إلى أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي.

(4) تذكرة خواص الأمّة في معرفة الأئمّة - تأليف يوسف سبط أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي / 154، طبعة طهران سنة 1285 هـ.


وابن الهبارية هو الشريف أبو يعلى الهاشمي، ترجمته في ابن خلكان.

(الأمالي للطوسي)

هدم المتوكّل لقبر الحسين (عليه السّلام)

حدّثني محمّد بن إبراهيم أبي السلاسل الأنباري الكاتب، قال: حدّثني أبو عبد الله الباقطاني، قال: ضمّني عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى هارون المعري، وكان قائداً من قوّاد السلطان، أكتب له، وكان بدنه كلّه أبيض شديد البياض حتّى يديه ورجليه كانا كذلك، وكان وجهه أسود شديد السواد كأنّه القير، وكان يتفقّأ مع ذلك مدة منتنة.

قال: فلمّا أنس بي سألته عن سواد وجهه فأبى أن يخبرني، ثمّ إنّه مرض مرضه الذي مات فيه، فعدت فسألته، فرأيته كان يحبّ أن يُكتم عليه، فضمنت له الكتمان.

فحدّثني قال: وجّهني المتوكّل أنا والديزج لنبش قبر الحسين (عليه السّلام) وإجراء الماء عليه، فلمّا عزمت على الخروج والمسير إلى الناحية رأيت رسول الله في المنام، فقال: «لا تخرج مع الديزج، ولا تفعل ما اُمرتم به في قبر الحسين».

فلمّا أصبحنا جاؤوا يستحثّوني على المسير، فسرت معهم حتّى وافينا كربلاء، وفعلنا ما أمرنا به المتوكّل، فرأيت النبي (صلّى الله عليه وآله) في المنام فقال: «ألم آمرك ألاّ تخرج معهم، ولا تفعل فعلهم فلم تقبل حتّى فعلت ما فعلوا؟!». ثمّ لطمني وتفل في وجهي فصار وجهي مسودّاً كما ترى، وجسمي على حالته الأولى(1) .

... قال: حدّثنا محمّد بن سليمان، قال: حدّثنا عمي، قال: لمّا خفنا

____________________

(1) الأمالي - للطوسي / 207.


أيام الحجاج خرج نفر منّا من الكوفة مستترين، وخرجت معهم، فصرنا إلى كربلاء وليس بها موضع نسكنه، فبنينا كوخاً على شاطئ الفرات، وقلنا: نأوي إليه، فبينا نحن فيه إذ جاءنا رجل غريب، فقال: أصير معكم في هذا الكوخ الليلة؛ فإنّي عابر سبيل؟

فأجبناه وقلنا: غريب منقطع به.

فلما غربت الشمس وأظلم الليل أشعلنا، وكنا نشعل بالنفط، ثمّ جلسنا نتذاكر أمر الحسين بن علي (عليهما السّلام) ومصيبته، وقتله ومَنْ تولاه، فقلنا: ما بقي أحد من قتلة الحسين إلاّ رماه الله ببلية في بدنه.

فقال ذلك الرجل: فأنا قد كنت فيمَنْ قتله، والله ما أصابني سوء، وإنّكم يا قوم تكذبون.

فأمسكنا منه، وقلّ ضوء النفط، فقام ذلك الرجل ليصلح الفتيلة بإصبعه، فأخذت النار كفّه، فخرج ينادي حتّى ألقى نفسه في الفرات يتغوّص به، فوالله لقد رأيناه يدخل رأسه في الماء والنار على وجه الماء، فإذا أخرج رأسه سرت النار إليه فتغوصه إلى الماء، ثمّ يخرجه فتعود إليه، فلم يزل ذلك دأبه حتّى هلك(1) .

____________________

(1) الأمالي - للطوسي / 101.


ديوان الأبله البغدادي

قال: وكتب إلى قاضي القضاة علاء الدين الزينبي(1) يسأله عارية فرس يمتطيها إلى مشهد الحسين (عليه السّلام):

قـل لـعلاء الـدين يـا

أكـرم مَـنْ فـوق الثرى

ومَـنْ يـرى عند النوا

لِ ضـاحـكـاً مـسـتبشرا

غـداً نـجدُّ ركـبنا

إلى الحسين فـي الـسُّرى

قد ركـبـوا وغيبوا الـ

ـخيل الـعتاقَ الضمّرا

ولـيس لـي غير كعا

بي إن أردت السفـرا

فـانـعم ونـقّـد عـاجلاً

لـي الـجواد الأشـقرا

عـاريـة مردودة

إليـك فـأفعل مـا تـرى

فـلست أرجـو نـيلَ مَنْ

يحب أن يُعطى الكرا(2)

____________________

(1) هو القاضي علاء الدين أبو نصر القاسم بن علي بن الحسين الزينبي البغدادي، أقضى القضاة. قال عنه ابن الفوطي في مجمع الآداب (ج4 ق 2) نقلاً عن تأريخ ابن القطيعي: (ولي أقضى القضاة في أيام المستنجد، ثمّ ولي الحسبة - انظر المنتظم - لابن الجوزي 10 / 200 - فلم تحمد سيرته، وعزل عن الحسبة.

ولم يزل على القضاء إلى أن مات، واستناب عنه في الحكم بمدينة السلام أبا الخير مسعود بن الحسين اليزدي... وله رسائل فصيحة، وقفت له على رسالة في الصيد وأحكامه، وكانت وفاته في ثالث المحرّم سنة ثلاث وستين وخمسمئة).

وقد ذكره أيضاً القرشي في الجواهر المضيئة نقلاً عن تأريخ ابن النجار. (عادل).

(2) ديوان الأبله البغدادي (محمّد بن بختيار)، مخطوط.


نشوار المحاضرة للتنوخي(1)

زيارة الحائر في الربع الأوّل من القرن الرابع

حدّثني أبي قال: خرج إلينا يوماً أبو الحسن الكاتب، فقال: أتعرفون ببغداد رجلاً يُقال له: ابن أصدق؟

قال: فلم يعرفه من أهل المجلس غيري، فقلت: نعم، فكيف سألت عنه؟

فقال: أيّ شيء يفعل؟

قلت: ينوح على الحسين (عليه السّلام).

قال: فبكى أبو الحسن وقال: إنّ عندي عجوزاً ربّتني من أهل كرخ جدان، عفيطة اللسان، الأغلب على لسانها النبطية، لا يمكنها أن تقيم كلمة عربية صحيحة فضلاً أن تروي شعراً، وهي من صالحات نساء المسلمين، كثيرة الصيام والتهجّد، وإنّها انتبهت البارحة في جوف الليل ومرقدها قريب من موضعي، فصاحت بي: يا أبا الحسن.

فقلت: ما لكِ؟

فقالت: الحقني. فجئتها فوجدتها ترعد، فقلت: ما أصابك؟

فقالت: إنّي كنت قد صلّيت وردي فنمت، فرأيت الساعة في منامي كأنّي في درب من دروب الكرخ، فإذا بحجرة نظيفة مليحة الساحة مفتوحة الباب، ونساء وقوف عليه، فقلت لهم: مَنْ مات، أو ما الخبر؟

فأومؤوا إلى داخل الدار، فدخلت فإذا بحجرة نظيفة في نهاية الحسن، وفي صحنها امرأة شابة لم أرَ قط أحسن منها، ولا أبها ولا أجمل، وعليها ثياب حسنة بياض مروي لين، وهي ملتحفة فوقها بإزار أبيض جدّاً، وفي حجرها رأس رجل يشخب دماً، فقلت:

____________________

(1) هو المحسن بن علي بن محمّد بن داود بن الفهم التنوخي أبو علي القاضي، مات سنة أربع وثمانين وثلاثمئة، ومولده سنة تسع وعشرين وثلاثمئة، وهو صاحب كتاب (الفرج بعد الشدّة) في مجلدين، ونشوار المحاضرة، وقد اشترط فيه أنّه لا يضمنه شيئاً نقله من كتاب، في أحد عشر مجلد.


مَنْ أنتِ؟

فقالت: «لا عليكِ، أنا فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وهذا رأس ابني الحسين (عليه السّلام)، قولي لابن أصدق عنّي ينوح:

لم اُمرّضه فأسلوا

لا ولا كان مريضا»

فانتبهت فزعة.

قال: وقالت العجوز: (لم أمرّطه) بالطاء؛ لأنّها لا تتمكن من إقامة الضاء، فسكنت منها إلى أن نامت، ثمّ قال لي: يا أبا القاسم، مع معرفتك الرجل قد حملّتك الأمانة، ولزمتك أن تبلغها له.

فقلت: سمعاً وطاعة لأمر سيّدة نساء العالمين.

قال: وكان هذا في شعبان، والناس إذ ذاك يلقون جهداً جهيداً من الحنابلة؛ إذ أرادوا الخروج إلى الحاير، فلم أزل أتلطّف حتّى خرجت فكنت في الحاير ليلة النصف من شعبان، فسألت عن ابن أصدق حتّى رأيته، فقلت له: إنّ فاطمة (عليها السّلام) تأمرك بأن تنوح بالقصيدة:

لم اُمرّضه فأسلوا

لا ولا كان مريضا

وما كنت أعرف القصيدة قبل ذلك.

قال: فانزعج من ذلك، فقصصت عليه وعلى مَنْ حضر الحديث، فأجهشوا بالبكاء، وما ناح تلك الليلة إلاّ بهذه القصيدة، وأوّلها:

أيها العينان فيضا

واستهلاّ لا تغيضا

وهي لبعض الشعراء الكوفيين، وعدت إلى أبي الحسن فأخبرته بما جرى.

قال أبي وابن عياش: كانت ببغداد نائحة مجيدة حاذقة تُعرف بخلب، تنوح بهذه القصيدة، فسمعناها في دور بعض الرؤساء؛ لأنّ الناس إذ ذاك لا يتمكنون من النياحة إلاّ بعزّ سلطان، أو سرّاً لأجل الحنابلة، ولم يكن النوح إلاّ مراثي الحسين وأهل البيت (عليهم السّلام)


فقط، من غير تعريض بالسلف. قال: فبلغنا أنّ البربهاري(1) قال: بلغني أنّ نائحة يُقال لها خلب تنوح اطلبوها فاقتلوها(2) .

الفرج بعد الشدّة للتنوخي

قال: وجدت في دفتر عتيق عن بعضهم، قال: خرجت إلى الحاير أيام الحنبلية(3) أنا وجماعة مختفين، فلمّا صرنا في أجمة بر (كذا وأظن أنّها برس) قال لي رفيق لي منهم: يا فلان، إنّ نفسي تحدّثني أنّ السبع يخرج فيفترسني من بين الجماعة، فإن كان ذلك فخذ حماري وما عليه فأدّه إلى عيالي في منزلي.

فقلت له: استشعار يجب أن تتعوّذ بالله منه، وتضرب عن الذكر فيه.

قال: فما مضى على هذا الأمر إلاّ يسيراً حتّى خرج الأسد، فحين رآه الرجل سقط عن حماره يتشهّد، وقصده الأسد من بين الجماعة فأخذه ودخل به الأجمة، وسقت الحمار وأسرعت مع القافلة، وبلغت الحائر وزرنا، ورجعنا إلى بغداد واسترحت في بيتي يوماً أو يومين، ثمّ أخذت الحمار وجئت به إلى منزله لأسلّمه إلى عياله، فدققت الباب فخرج إليّ الرجل بعينه، فعانقني وبكى وبكيت، وقلت: حديثك؟

فقال: إنّ السبع ساعة أخذني وجرّني إلى الأجمة وأنا لا أعقل أمري، سمعت

____________________

(1) راجع عن أخبار أبي محمّد البربهاري هذا في تجارب الأمم 5 / 322، والكامل 6 / 248، التكملة - للهمداني / 91، وانظر أيضاً في حوادث سنة 323 في جميع المصادر التأريخية، وقد توفي البربهاري سنة 329. (التكملة - للهمداني / 121 والأوراق / 212).

(2) نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة، طبعة مرجليوث الإنكليزي / 218.

(3) اشتدّت الوطئة على زائري الحائر في عصر الراضي بالله العباسي (في سنة 323 هـ) من قبل أبي محمّد البربهاري وأتباعه من الحنابلة، حيث أنكر هؤلاء زيارة قبور الأئمّة، ومنعوا الناس من زيارتها.


صوت شيء، ورأيت السبع قد خلاني ومضى، ففتحت عيني فإذا الذي سمعته صوت خنزير، وإذا السبع لمّا رآه عنّ له أن يتركني، ومضى فصاده وبرك عليه يفترسه، وأنا اُشاهده إلى أن فرغ منه، ثم رجع السبع من الأجمة وغاب [عن عيني، فسكنت، وتأملت حالي فوجدت مخالبه قد وصلت إلى فخذي قليلاً ]، وقوتي قد عادت، فقلت: لأيّ شيء جلوسي؟!

فقمت اتسحّب في الأجمة أطلب الطريق، فإذا بجيف ناس وبقر وعظام بالية، وأثر من افترسهم الأسد، فما زلت أتخطاها حتّى انتهيت إلى رجل قد أكل الأسد بعض جسده وبقى أكثره، وهو طري، وفي وسطه هميان قد تخرّق بعضه وظهرت منه دنانير، فتقدّمت فجمعتها، وقطعت الهميان وأخذت جميع الدنانير، وتتبعتها حتّى لم يفتني منها شيء.

وقويت فضل قوّة، فأسرعت في المشي وطلبت الجادة فوقفت عليها، وأقمت أمشي إلى بعض القرى، واستأجرت حماراً وعدت إلى بغداد، ولم أمضِ إلى الزيارة؛ لأنّي خشيت أن يسبقوني ويذكرون خبري فيصير عند عيالي مأتم، فسبقتكم وأنا اُعالج فخذي، وإذا مَنّ الله عزّ وجل بالعافية عدت إلى الزيارة.

وحدّثني بهذا الحديث غير واحد من أهل بغداد(1) .

نشوار المحاضرة للتنوخي

حدّثني أبو الحسين بن عياش قال: أخبرني صديق لي أنّه خرج إلى الحاير ليزور، فأجتاز في طريقه بموضع قريب من الأعراب وهم نزول، فحطّ رحله ونزل وجلس يأكل هو وغلمانه، فوقف به بعض الأعراب يستطعم.

قال: فقلت له: اجلس حتّى نأكل وندفع إليك نصيباً. فجلس قريباً منّا، فإذا بغراب قد طار قريباً منه وصاح صياحاً متتابعاً،

____________________

(1) الفرج بعد الشدّة - للتنوخي 2 / 75، وقد أورد التنوخي حكاية اُخرى عن زيارة الحائر، راجعها في (ص 91 - 92 من الكتاب).


فقام الأعرابي يرجمه ويقول: كذبت يا عدو الله.

قال: فقلنا له: ما الخبر يا أعرابي؟

قال: فقال: يقول الغراب: إنّكم ستقتلونني وأنتم تريدون أن تطعموني، فكذّبته في خبره.

قال: فاستحمقناه، وتممنا أكلنا، وكان في السفرة سكين بزماورد عظيمة حادة أنسياناها في السفرة، فجمعنا السفرة بما فيها وقلنا للأعرابي: خذها وفرّغ ما فيها وأردد السفرة. فجمعها بما فيها وشالها، فضرب بها ظهره بحمية من فرحه بتمكيننا إياه من جميع ما فيها، فخرجت السكين بحدّتها فدخلت بين كتفيه فخر صريعاً يصرخ: صدق الغراب (لعنه الله)، متّ وربّ الكعبة.

فخشينا أن يصير لنا مع الأعراب قصة، فتركنا السفرة وقمنا مبادرين، فاختلطنا بالقافلة حتّى لا نعرف، وتركناه يتشحط في دمائه، ولا نعلم هل عاش أو مات(1) .

إرشاد الأريب لياقوت

ورود تابوت أبي العباس الملقّب بالكافي الأوحد

وورد تابوت أبي العباس إلى بغداد مع أحد حجّابه، وكتب ابنه إلى أبي بكر الخوارزمي شيخ أصحاب أبي حنيفة يعرّفه أنّه وصى بدفنه في مشهد الحسين بن علي (رضي الله عنهما)، ويسأله القيام بأمره، وابتياع تربة له؛ فخاطب الشريف أبو طاهر أبا أحمد في ذلك، وسأله أن يبيعهم تربة بخمسمئة دينار.

فقال: هذا رجل التجأ إلى جوار جدّي ولا آخذ لتربته ثمناً، وكتب نفس الموضع الذي طلب منه، وأخرج التابوت إلى براثا، وخرج الطاهر أبو أحمد ومعه الأشراف والفقهاء وصلّى عليه، وأصحب خمسين رجلاً من رجاله حتّى أوصلوه ودفنوه هنالك.

وقد مدحه مهيار بقصائد، منها:

____________________

(1) نشوار المحاضرة - للتنوخي / 266، طبعة مرجليوث.


أجـيراننا بـالفوز والركب منهمُ

أيـعلمُ خـالٌ كـيف بـات المتيمُ

رحـلتم وعـمر الـيلِ فينا وفيكمُ

سـواءٌ ولـكن سـاهرونَ ونـوّمُ

فـيا أنـتم مـن ظاعنين وخلّفوا

قلوباً أبت أن تعرف الصبرَ عنهمُ

تفوق الوجوهُ الشمس والشمس فيهمُ

ويـسترشدونَ الـنجمَ والنجمُ منهمُ

اُنـاشدُ نـعمانَ الأحـايين عـنهمُ

كـفى حيره مستفصح وهو أعجمُ

ولـمّا دنـا الـتوديعُ ممّن اُحبّه

ولم يـبقَ إلاّ نـظرة تـتعثّمُ

بـكيتُ على الوادي فحرّمتُ ماءَه

وكـيف يـحلّ الـماءُ أكـثرهُ دمُ

ونـفّرت بـالأنفاسِ عنّي حدوجهمْ

كـأنّ مـطاياهم لـهنّ توسّمُ(1)

وهو أبو العباس الملقّب بالكافي الأوحد، الوزير بعد الصاحب أبي القاسم بن عبّاد لفخر الدولة أبي الحسن علي ابن ركن الدولة ابن بويه. مات في صفر سنة 399 ببروجرد من أعمال بدر بن حسنويه.

قصيدة الصابي بتهنئة عضد الدولة عند عودته من الزيارة

أنفذ الصابي أبو إسحاق إبراهيم بن هلال من السجن بقصيدته اللامية بالتهنئة عن قدوم عضد الدولة من الزيارة، عرضت عليه في وقت كان عبد العزيز بن يوسف غير حاضر فيه، فقرأها ثمّ رفع رأسه إليّ وإلى عبد الله بن سعد، وكنت آمنه عليه، وأعلم أنّ اعتقاده يوافق اعتقادي فيه، فقال: قد طال حبس هذا المسكين ومحنته.

فقبّلت أنا وهو الأرض عند ذلك، فقال لنا: كأنّكما تؤثران إطلاقه؟

قلنا: إنّ من أعظم حقوقه علينا وذرائعه عندنا أن عرفناه في خدمتك، وخالطناه في أيامك.

قال: فإذا كان هذا رأيكما فيه فأنفذا وأفرجا عنه، وتقدّما إليه عنّا بملازمة منزله إلى أن يرسم مَنْ يمثله.

والقصيدة الذي هنأه بها عند عودته من الزيارة:

____________________

(1) إرشاد الأريب - لياقوت الحموي 1 / 67.


أهلاً بـأشرف أوبـة وأجـلّها

لأجلّ ذي قـدم يلاذ بـنعلِها

شـاهـنشاه تاج مـلته الـتي

زيـدت بـه فـي قـدرها ومحلِّها

يـا خـير مَنْ زهت المنابر باسمه

فـي دولـة عـلقت يـداه بـحبِّها

وأقـمـت فـينا سـيرة عـضدية

هـيهات لا تـأتي الـملوك بمثلِها

يـردى غـويٌّ فـاجرٌ فـي بأسها

ويـعيش بـرٌّ صـالح في فضلِها

مـولاي عـبدك حـالفٌ لك حلفةً

يـعيى مـناكب يـذبل عن حملِها

لـقد انـتهى شوقي إليك إلى التي

لا أسـتـطيع أقـلها مـن ثـقلِها

طـوبى لـعينٍ أبصرتك ومَنْ لها

بـغبارِ دارك جـازياً عـن كحلِها

لـو بـعتني بـجميع عمري لفظةً

أو لـحظة بـالطرف لـم أستغلها

اتـرى أمـرّ بـخطرة مـن بالها

أتـرى أعـود إلـى كـثافة ظلِّها

لـي ذمـةٌ مـحفوظةٌ فـي ضمنها

ووثـائقٌ مـحروسة فـي كـفلِها

وإذا رأيت سـحائباً لـك ثـرّة

تـروي الـنفوس الحائمات بهطلِها

لا فـي الـرجال الـناقعين بوبلها

كـلاّ ولا فـي الـقانعين بـطلِّها

قـابلت بـالزفرات هـبةَ ريـحها

وحـكيت بـالعبرات درّة سـجلِها

فـلو اَنّ عـيني راهـنت بدموعها

يمناك في السقيا لفزت بخصلِها(1)

حديث الناشئ

كان الناشئ(2) (علي بن عبد الله بن وصيف الحلاء) قليل البضاعة في الأدب، قؤماً بالكلام والجدل، يعتقد الإمامة ويناظر عليها بأجود عبارة، فاستنفد عمره في مديح أهل البيت حتّى عرف بهم، وأشعاره فيهم لا تُحصى

____________________

(1) إرشاد الأريب - لياقوت الحموي 1 / 336.

(2) ذكره الشيخ الطوسي في رجاله / 89 بقوله: (كان متكلّماً شاعراً مجوداً، وله كتب، وكان يتكلّم على مذهب أهل الظاهر، وفي النقد). وذكره النجاشي أيضاً في رجاله، وابن النديم.


كثرة. ومولده سنة 271 ومات لخمس خلون من صفر سنة 365، تتبّع ابن بقية وزير بختيار بن معزّ الدولة الديلمي جنازته ماشياً، وأهل الدولة كلّهم، ودُفن في مقابر قريش، وقبره هناك معروف.

قال الناشئ: أدخلني ابن رائق على الراضي بالله، وقال لي: أنت الناشئ الرافضي؟

فقلت: خادم أمير المؤمنين الشيعي. فقال: من أيّ الشيعة؟ قلت: شيعة بني هاشم. فقال: هذا خبث وحيلة. فقلت: مع طهارة مولد. فقال: هات ما معك.

فأنشدته، فأمر أن يُخلع عليّ عشر قطع ثياباً، وأعطى أربعة آلاف درهم، فأخرج إلى ذلك وتسلّمته، وعدت إلى حضرته وقبّلت الأرض وشكرته، وقلت: أنا ممّن يلبس الطيلسان. فأمر لي به مع عمامة خزّ.

فقال: أنشدني من شعرك في بني هاشم. فأنشدته:

بني العباس إنّ لكم دماءً

أراقـتها اُمـيّةُ بالذحولِ

فليس بهاشميٍّ مَنْ يوالي

اُمـيّة واللعينَ أبا زبيلِ

وكان يعمل الناشئ الصفر ويخرمه، وله فيه صنعة بديعة، قال: ومن عمله قنديل بالمشهد بمقابر قريش مربع غاية في حسنه.

(الناشئ) قال: كنت بالكوفة في سنة 325 وأنا أملي شعري في المسجد الجامع بها، والناس يكتبونه عنّي، وكان المتنبي إذ ذاك يحضر معهم، وهو بعد لم يُعرف ولم يلقّب بالمتنبي، فأمليت القصيدة التي أوّلها:

بآل محمّد عُرف الصوابُ

وفي أبياتهم نزل الكتابُ

قلت فيها:

كـأنّ سـنانَ ذابله ضميرٌ

فليس عن القلوب له ذهابُ

وصـارمه كـبيعته بـخمٍّ

مقاصدُها من الخلقِ الرقابُ

فلمحته يكتب هذين البيتين.

حدث الخالع قال: كنت مع والدي في سنة 346 وأنا صبي في


مجلس الكبوذي في المسجد الذي بين الوراقين والصاغة، وهو غاص بالناس، وإذا رجل قد وافى وعليه مرقعة، وفي يده سطيحة وركوة، ومعه عكاز، وهو شعث، فسلّم على الجماعة بصوت يرفعه، ثمّ قال: أنا رسول فاطمة الزهراء (صلوات الله عليها).

فقالوا: مرحباً بك وأهلاً. ورفعوه، فقال: أتعرفون لي أحمد المزوّق النائح؟

فقالوا: ها هو جالس.

فقال: رأيت مولاتنا (عليها السّلام) في النوم فقالت لي: «امضِ إلى بغداد واطلبه، وقل له: نح على ابني بشعر الناشئ الذي يقول فيه:

بـني أحـمدٍ قلبي لكم يتقطّعُ

بمثل مصابي فيكمُ ليس يسمعُ»

وكان الناشئ حاضراً، فلطم لطماً عظيماً على وجهه، وتبعه المزوق والناس كلّهم، وكان أشدّ الناس في ذلك الناشئ، ثمّ المزوّق، ثم ناحوا بهذه القصيدة في ذلك اليوم إلى أن صلّى الناس الظهر، وتقوّض المجلس، وجهدوا بالرجل أن يقبل شيئاً منهم.

فقال: والله لو أعطيت الدنيا ما أخذتها؛ فإنّني لا أرى أن أكون رسول مولاتي (عليها السّلام) ثم آخذ عن ذلك عوضاً. وانصرف ولم يقبل شيئاً.

قال: ومن هذه القصيدة، وهي بضعة عشر بيتاً:

عـجبتُ لـكم تفنون قتلاً بسيفكمْ

ويسطو عليكم مَنْ لكم كان يخضعُ

كـأنّ رسـولَ الله أوصى بقتلكمْ

وأجـسامكمْ في كلّ أرض توزّعُ

وحدّث الخالع قال: اجتزت بالناشئ يوماً وهو جالس في السراجين، فقال لي: قد عملت قصيدة، وقد طُلبت، واُريد أن تكتبها بخطّك حتّى أخرجها.

فقلت: أمضي في حاجة وأعود. وقصدت المكان الذي أردته، وجلست فيه، فحملتني عيني، فرأيت في منامي أبا القاسم عبد الغزيز الشطرنجي النائح، فقال لي: أحبّ أن تقوم فتكتب قصيدة الناشئ البائية؛ فإنّا قد نحنا بها البارحة بالمشهد.

وكان هذا الرجل قد توفّي وهو عائد من الزيارة، فقمت ورجعت إليه، وقلت: هات البائية حتّى أكتبها.

فقال: من أين


علمت أنّها بائية وما [ذاكرت] بها أحداً؟!

فحدّثته بالمنام، فبكى وقال: لا شك أنّ الوقت قد دنا.

فكتبتها، فكان أوّلها:

رجـائي بـعيدٌ والـمماتُ قريبُ

ويخطئ ظنّي والمنون تُصيبُ(1)

____________________

(1) إرشاد الأريب - لياقوت 5 / 335.


الملاحق والمستدركات

1 - ملحق رقم (1) تعميرات الحائر.

2 - ملحق رقم (2) تعريف بالمصادر الفارسيّة.

3 - ملحق رقم (3) تعريف بالمصادر العربية المخطوطة.

4 - ملحق رقم (4) المستدركات والفهارس.


ملحق رقم (1)

تعميرات الحائر الحسيني من أواخر القرن الثالث عشر إلى الوقت الحاضر

1 - قام السيد كاظم الرشدي بتجديد المسجد الواقع في القسم الشرقي من الصحن الحسيني.

2 - وفي سنة 1281 هـ قامت والدة السلطان عبد الحميد العثماني بتشييد خزّان لشرب الماء في الجهة الجنوبية الشرقيّة من الصحن الحسيني.

وقد أرّخ هذا البناء أحد الشعراء بقوله:

سـلسبيل قـد أتـى تأريخه

اشرب الماء ولا تنسى الحسينْ

وهناك خزّانان آخران للماء في الصحن الحسيني، أنشأ إحدى تينك الخزّانين الحاج حبيب الحافظ مقابل الخزان السالف الذكر، والآخر شُيّد في مدخل باب القبلة سنة 1322 هـ.

3 - وفي سنة 1296 هـ غُطّي الجدار الغربي من الحضرة المطل على الصحن بالقاشاني النفيس، ويوجد تأريخ إتمام العمل في الإيوان البديع الخارج منه المقابل للضريح المقدّس.

وهذا الإيوان آية من آيات الفن المعماري الإسلامي، يزدان بعقد بديع تتدلّى منه المقرنصات ذات الأشكال الهندسية الرائعة، وفي أسفلها في القاشاني صورة تاج محلّى بالزبرجد والياقوت، وأسفل هذه توجد قصيدة عصماء للشاعر الكبير الشيخ محسن أبو الحبّ (المتوفّى سنة 1305 هـ)، كُتبت على القاشاني بخطّ فارسي بديع، مطلعها:

الله أكـبر مـاذا الحادث الجللُ

لقد تزلزل سهلُ الأرض والجبلُ

هـذه الزفراتُ الصاعدات أسىً

كـأنّها شُـعلٌ تـرمى بها شعلُ

كأنّ نفحةَ صورِ الحشر قد فجئتْ

فالناس سكرى ولا خمرٌ ولا ثملُ


قامت قيامةُ أهل البيت وانكسرتْ

سـفنُ الـنجاةِ وفيها العلم والعملُ

جـلّ الإلـه فـليس الحزنُ بالغَهُ

لـكنّ قـلباً حـواه حـزنه جـللُ

مَـنْ الـتجا فـيه يسلم في المعاد ومَن

يجحده يندم ولم يرتع له عملُ

قـف عـنده وأعتبر ما فيه إنّ به

ديـنَ الإله الذي جاءت به الرسلُ

حتّى يقول:

مـهلاً اُمـية إنّ الله مدرك ما

أدركـتموه فـلا تغرركمُ المهلُ

هـناك يعلم مَنْ لم يدرِ حاملها

أيّ الـفريقين منصور ومنخذلُ

فيه الحسينُ الذي لا خلق يعدلُه

وفيه نوحٌ ومَنْ حنّت له الإبلُ

موسى وعيسى وإبراهيمُ قبلهما

وهل تعادل بالرضراضة الحبلُ

4 - في سنة 1297 قام السيد جواد السيد حسن آل طعمة (سادن الروضة الحسينيّة) بفتح نوافذ من قاعة القبة التي على الضريح الأقدس بقصد إضاءة وتهوية الحرم.

5 - وفي سنة 1309 تبرّع تاجر من أهالي شيراز يُدعى عبد الجبار بإكساء النصف الأعلى من المئذنة الشرقيّة، وجميع المئذنة الغربيّة بالذهب الإبريز.

6 - في 28 - 11 - 1931 م جرى تعمير مخزن الأمانات (الخزنة).

7 - وفي 15 - 12 - 1931 م جرى تذهيب القسم الأسفل من المئذنة الشرقيّة من قبل أحد المتبرّعين الهنود.

8 - سنة 1936 م هدمت مئذنة العبد. راجع الفصل الخاص بوصف المشهد الحسيني.

9 - وفي سنة 1945 م قام السيد محمّد آقا الإيراني بتجهيز المرمر اليزدي لجدران الحرم الشريف (الإزارة)، وفي نفس السنة جرى


دفن جميع السراديب في أروقة الحرم والإيوان القبلي بالأسمنت، ومنع الدفن بها رسميّاً.

10 - وفي سنة 1946 م جرى توسيع مداخل الحرم الشريف، وبناء أسس القبة بالأسمنت المسلّح، وكذلك تجديد توازير جميع جدران الحرم والأروقة بالطابوق والأسمنت.

11 - سنة 1947 م جرى تجديد قسم من مرايا السقوف داخل الحرم بواسطة لجنة التعميرات.

12 - وفي سنة 1948 م جرى تبليط أرضية الحرم الشريف بالرخام البلجيكي من قبل السيد طاهر سيف الدين.

13 - في سنة 1948 م جرى تجديد الكُتيبة القرآنية بالكاشي داخل الحرم.

ترميم صندوق الخاتم

14 - وفي سنة 1365 هـ قام المتبرّع المرحوم محمّد فولاد زري الإيراني بترميم وإصلاح الجزء المحروق من صندوق الخاتم الذي على الرمس الطاهر، وبنصب الألواح الزجاجية داخل إطارات مصنوعة من خشب الساج المطعّم بخشب النارنج، وقد جرى عند إتمامه احتفال عظيم.

وأصل هذا الصندوق هو هدية من كريمة السلطان حسين الصفوي - زوجة نادر شاه - سنة 1133 كما تشير إليه الكُتيبة الموجودة على الصندوق في الجهة الأمامية، ولا يثمّن هذا الصندوق لنفاسته؛ فقد زخرف بأشكال هندسية غاية في الروعة، مطعّمة بالعاج.


وعلى أثر غارة الوهابيّين سنة 1216، أصاب الصندوق خدوش

واحتراق في بعض جوانبه؛ فكُسي بطبقات نحاسية وفضية، وبُرقع بستائر حريرية، وبقى محفوظاً حتّى سنة 1365. ويوجد في أسفل الصندوق قرب الباب كُتيبة بخطّ صالح الكلكاوي تشير إلى ذلك.

ترميم الجبهة الشرقيّة من الصحن

15 - وفي سنة 1948 بمناسبة فتح شارع الحائر المحيط بالصحن الشريف من قبل متصرّف كربلاء السيد عبد الرسول الخالصي، تشكّلت لجنة برئاسة السادن السيد عبد الصالح السيد عبد الحسين الكليدار، وعضوية كلّ من السيد محمّد حسن ضياء الدين سادن الروضة العباسيّة، والسيد حسن نقيب أشراف كربلاء، والسيد عبد الرزاق الوهاب، والحاج محمود القنبر، والسيد أحمد وفي الرشدي، والحاج محمّد الشيخ علي لجمع تبرّعات بمبلغ 20000 دينار؛ لغرض توسيع الصحن من الجهة الشرقيّة؛ بضم الأملاك التي استملكتها البلدية إلى الصحن الشريف بسعر بدل


الاستملاك. وقد تمّ ذلك فعلاً نتيجة للجهود والمساعي الحميدة التي بذلها المتصرّف الآنف الذكر لهذه الغاية.

أبواب الصحن الحسيني

16 - تمّ في سنة 1948 م فتح ثلاثة أبواب جديدة للصحن الشريف.

ويجدر بنا قبل الكلام عن هذه الأبواب ذكر أبواب الصحن الحسيني القديمة لاسيما وإنّ المؤلّف لم يتعرّض لذكرها، فنقول: إنّ للصحن الحسيني ستة أبواب قديمة مصنوعة كلّها من الأخشاب الفاخرة، وتعلو كلّ منها عقادة من القاشاني البديع المزخرف تزوقها آيات قرآنية أو أبيات شعرية.

وتقع على جانبي مداخلها مقابر بعض العلماء والسادات، وهي:

1 - باب القبلة: ويقع في الوجه القبلي للحضرة في منتصف الضلع الجنوبي منه، ويبلغ طول برج مدخلها 15 م، وعرض قاعدتها 8 م. أمّا الباب فيبلغ ارتفاعها حوالي 5 / 5 م، وعرضها ثلاثة أمتار ونصف متر، ويعتبر بناؤها من أقدم الأبواب الأخرى في الحائر. وقد رُفعت هذه الباب حديثاً، ونصب في محلّها باب جديدة ضخمة مزخرفة بالحفر البارز، وتحيط إطاراتها زخارف نباتية معمولة من الخشب، وقد زُوّقت أعلاها بأبيات شعر بالفارسيّة نُقشت بالميناء والفضة.

وهذه الباب أكبر من سابقتها، وقد نُصبت في النصف من شعبان سنة 1385 هـ، وهي مُهداة من قبل خالق زادكان.

2 - باب الزينبيّة: ويقع في الجهة الغربيّة من الصحن. وقد سمّي بهذا الاسم؛ لأنّه يؤدّي بالخارج من الصحن إلى (تل الزينبيّة).

3 - باب السلطانيّة: ويقع في الجهة الغربيّة أيضاً؛ وقد سمّي بهذا الاسم نسبة إلى مشيّدها أحد سلاطين آل عثمان، وتقارب أبعادها أبعاد باب الزينبيّة.


4 - باب السدرة: ويقع في زاوية الصحن المطهّر من الجهة الشماليّة الغربيّة، وقد نُقلت لها مؤخّراً باب القبلة ونصب في مدخلها، وهي مُهداة من قبل خالق زادكان.

5 - بابي الصحن الصغير: وكانتا قبل فتح الشارع المحيط بـ (الحائر) من الجهة الشرقيّة، وقد بقت منه باب واحدة فقط المسمّاة بـ (باب الشهداء).

وقد خطّ في الكاشي الذي فوق الباب من الخارج هذه الأبيات:

أبا الشهداء حسبي فيك منجى

يـقيني شـرّ عادية الزمانِ

إذا ما الخطب عبّس مكفهراً

وجـدتُ ببابك العالي أماني

وها أنا قد قصدتك مستجيراً

لأبـلغ فـيك غايات الأماني

فـلا تـردد يديَّ وأنت بحرٌ

يـفيض نداه بالمنن الحسانِ

6 - باب قاضي الحاجات: ويقع في الجهة الشرقيّة للصحن الشريف - في مقابل سوق العرب - وهي من الأبواب القديمة، تُحلّي جبهتها الخارجيّة زخارف من القاشاني النفيس.

أمّا الأبواب التي نحن بصددها، فهي:

7 - باب الرأس الشريف: ويقع بين باب الزينبيّة وباب السلطانيّة في الضلع الغربي من الصحن الشريف. وقد أنفذ هذا الباب من الإيوان الناصري أو الحميدي، وهو إيوان معقود بديع الشكل، جميل الزخرفة، يحليه القاشاني المقرنص، وتحيطه كتائب قرآنية وأبيات شعرية اُرخت بسنة 1309. ويبلغ ارتفاعه حوالي 15 متراً، وطول قاعدته السفلى 8 م، وعرضها 5 م، وهناك ساعة دقّاقة كبيرة فوق برج الباب.

8 - باب الكرامة: يقع في الزاوية الشماليّة الشرقيّة من الصحن الشريف، وهي معقودة بالقاشاني الجميل أيضاً، وعليها كتائب قرآنية وأشعار فارسيّة.


9 - باب الرجاء: ويقع في الزاوية الجنوبيّة من الصحن الشريف.

10 - وفي سنة 1960 م قامت لجنة التعميرات بفتح باب جديدة للروضة الشريفة باسم (باب الصالحين) في الجهة الشماليّة من الصحن الشريف، ويقع هذا الباب في إيوان ميرزا موسى الوزير، ويجري الآن تغليف جدرانها الداخلية وعقودها بالكاشاني النفيس.

17 - وفي سنة 1949 م تبرّع الحاج محمّد حسين الكاشاني بـ (23) طن من الرخام اليزدي المصقول لجدران الحرم والأروقة.

18 - وفي سنة 1949 م جُدّدت بعض أبواب الحرم الشريف، وجميع أبواب حجرات الصحن بالخشب الصاج الفاخر من قبل لجنة تعميرات الروضة.

19 - وفي سنة 1950 م قام السيد صبري الخطّاط بكتابة الكُتيبة القرآنية على الكاشي في الحرم الشريف ومسجد الحرم.

20 - وفي سنة 1950 أيضاً جرى بناء الجبهة الشرقيّة التي أُضيفت للروضة وبناء الأواوين وعقدها بالكاشاني النفيس.


21 - وفي سنة 1951 م رُفعت القطع المذهّبة من القبة لغرض إعادة بنائها بصورة متقنة، فوجدت اللجنة أنّ القبة في حالة تصدّع، ويلزم رفعها لإعادة بنائها مجدّداً؛ فجرى رفعها حتّى الكُتيبة القرآنية، واُعيد بناؤها وإكساؤها بنفس تلك القطع الذهبيّة بعد تجديد القسم المستهلك منها.

22 - وفي سنة 1953 م جرى تجديد مرايا سقوف الحرم الشريف والأروقة بأكملها.

23 - في سنة 1953 م عقدت مقاولة مع السيد حسين السيد عبد الرحيم الأصفهاني بتجهيز كاشي من أصفهان إلى الروضتين الحسينيّة والعباسيّة، بعد أن ظهر لللجنة أنّ الكاشي الموضوع محلياً لا يبقى على نقائه وثبات ألوانه بسبب الأملاح الموجودة في التربة.

24 - وفي سنة 1953 م جرى تذهيب القسم العلوي من الإيوان القبلي للروضة الشريفة بواسطة لجنة التعمير.

25 - وفي سنة 1963 قامت لجنة التعميرات بجلب الرخام الإيطالي


لإكساء الجدران الخارجيّة المحيطة بالحرم الشريف من جهة الصحن.

26 - وفي سنة 1964 قامت لجنة التعميرات بتعلية الأواوين المعقودة في الجهة الشماليّة من الصحن؛ لكي تكون بمستوى أواوين الجهة الشرقيّة، وقد غلّفت بالقاشاني الإيراني البديع.

27 - وفي سنة 1964 حضر المتبرّع قنبر رحيمي متعهد معادن إيران، وأظهر رغبته بتقديم أعمدة من الرخام الفاخر بقطعة واحدة للإيوان القبلي الكبير (الذهب)، وكذلك رخام لجبهة الإيوان المطلة على الصحن؛ حيث إنّ الإيوان القبلي مسقّف بالخشب، وقد أثّرت فيه حشرة الأرضة والرطوبة، وسوف تقوم لجنة التعميرات برفعه وتجديده حالما تصل أعمدة المرمر إلى كربلاء، ولتبليط أرضيته مجدّداً بالمرمر الإيراني، وكذلك إكساء جدران المذبح بالمرمر.

عبد الصالح الكليدار

سادن الروضة الحسينيّة


ملحق رقم (2)

تعريف بالمصادر الفارسيّة التي اعتمد عليها المؤلّف

رأينا تعميماً للفائدة أن نعرّف تعريفاً (خاطفاً) بالمصادر الفارسيّة التي عوّل عليها المؤلّف في كتابه التي استفاد منها قليلاً أو كثيراً، وقد عوّلت في عرضي لها على ما كتبه المؤلّف عنها، وعلى الموسوعات القاموسية التي تبحث في الكتب والكتاب، وفي طليعتها موسوعة الشيعة الكبرى (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)، ثمّ كشف الظنون لحاجي خليفة، وتأريخ الأدب في إيران لبراون (الترجمة الفارسيّة - المجلد الرابع)، ودائرة المعارف الإسلاميّة (الترجمة العربية)، وغيرها كثير.

1 - تأريخ جهان كشاي الجويني

تأليف علاء الدين عطاء ملك بن محمّد الجويني، مؤرّخ ووال من ولاة الفرس، وكتابه هذا تأريخ للمغل والسلاطين الخوارزمشاهية، والملاحدة والإسماعيلية، وباقي الوقائع إلى سنة 656، ثمّ يضيف لها تكملة تأريخ المغل حتّى القضاء على الحشاشين، ومعظم مضانّه في التكملة مفقودة اليوم.

ويعدّ تأريخ الجويني مثالاً فريداً في اُسلوبه، ومن أعظم مصادر تأريخ المغل، وقد طبع الميرزا محمّد خان القزويني الجزء الثالث منه مع ذيل الخواجة نصير الدين في ليدن، ثمّ أعاد السيد جلال الطهراني في طهران، وقد اعتمد المؤلّف على الطبعة الثانية.

2 - تأريخ وصاف

تأليف عبد الله بن فضل الله المعروف بـ (وصاف الحضرة). ألّفه في حدود سنة 712 هـ، ويعتبر ذيلاً لتأريخ جهانكشاي الجويني، وهو في تأريخ المغل أيضاً، إلاّ أنّ اُسلوبه قديم وغير جيد، وأقل بكثير من اُسلوب الجويني، وقد استفاد المؤلّف من النسخة المطبوعة في بومبي.


3 - نزهة القلوب

تأليف حمد الله المستوفي القزويني، من أشهر مؤرّخي وجغرافيي إيران في القرن الثامن، ويزعم أنّ نسبه يرتقي إلى الحرّ بن يزيد الرياحي. وكتابه هذا في المسالك والممالك، وهو إلى الجغرافية أقرب منه إلى الكتب التي يكتبها الرحّالون في وصف ما يشاهدون. ألّفه سنة 740، والنسخة التي أفاد منها المؤلّف هي النسخة التي طُبعت سنة 1310 طبع حجر في بومبي، وهي طبعة سقيمة كثيرة الأغلاط.

4 - تزوكات تيموري

ويُعرف أيضاً بـ (واقعات تيموري)، وهو بقلم شخص يُدعى أبا طالب الحسيني التربتي، ويدّعي التربتي هذا أنّ أصل الكتاب باللغة التركية (جغتائي)، وأنّها مذكّرات تيمورلنك المغولي كتبها بنفسه، ودوّن فيها حروبه، وكيفية إدارة أمور الدولة وشؤونه الخاصة، بيد أنّ المحققين يُجمعون اليوم على أنّ الكتاب ليس من تأليف تيمور أو إنشائه، سواء وجد الأصل التركي الذي يدّعي أبو طالب بوجوده أم لا. ومن المحتمل جدّاً أنّه من تأليف أبي طالب نفسه.

إنّ النسخة التي عوّل عليها المؤلّف هي التي طُبعت في طهران سنة 1358 هـ طبع حجر، باهتمام رضاقلي خان هدايت (صاحب روضة الصفاي)، وكان قد طُبع لأوّل مرّة في إكسفرد مع الترجمة الإنكليزية للميجر ديوي، وقد أُعيدت هذه الطبعة مؤخّراً في طهران بالأوفست. (راجع المقدّمة القيمة التي أُلحقت بالطبعة الأخيرة).

5 - حبيب السير

تأليف غياث الدين ابن خواجه همام الدين ابن خواجه جلال الدين الشيرازي. ولد سنة 1475 م، وهو تأريخ من أقدم الأزمنة إلى ما يُقارب من نهاية الشاه إسماعيل الأوّل الصفوي، وبدأ عام 1521 م، وانتهى


منه سنة 1523 م. وقد أطلق عليه هذا الاسم تيمّناً بمولاه حبيب الله من رجال دولة الشاه إسماعيل الصفوي.

والنسخة التي اعتمد عليها المؤلّف هي مخطوط يقع في ثلاث مجلدات ضخام، كُتبت بالخط الفارسي البديع، وقد استنسخه سنة 1008 هـ، وهي في خزانة كتب المؤلّف.

6 - روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء

تأليف محمّد مير خواند شاه، وهو تأريخ كبير يقع في ستة مجلّدات أضاف إليه مجلداً آخر خواند مير صاحب حبيب السير، وقد توفي سنة 903، ويشتمل أيضاً على أحوال الأئمّة الاثني عشر (عليهم السّلام). طُبع في بومبي سنة 1271، وقد تُرجم إلى التركية أيضاً.

7 - زينة المجالس

تأليف الأمير مجد الدين محمّد الحسيني المتخلص بـ (مجدي)، يبحث في تواريخ شتى، ألّفه سنة 1004 باسم الشاه طهماسب الصفوي، مرتّباً على تسعة أجزاء، وكلّ جزء في عشرة فصول.

وقد ألحق في النسخة المطبوعة فصلان؛ أحدهما في تواريخ المغل، والآخر في الدولة الصفويّة. وقد طبعه سنة 1270 هـ طبع حجر بدون ترقيم، وقد طبعه قبل ذلك في سنة 1262 هـ.

8 - دبستان المذاهب

لم يُذكر فيه اسم المؤلّف، إلاّ أنّ من المرجح أنّه محسن الكشميري المتخلص في شعره بـ (فاني). وهو يبحث في الملل والنحل، طُبع ببومبي سنة 1262 هـ، مرتّب على اثني عشر تعليماً.

9 - تأريخ عالم آراي عباسي

تأليف اسكندر بيك منشئ، في تأريخ الدولة الصفويّة في إيران. شرع في تأليفه سنة 1025 هـ، وختمه بوفاة الشاه عباس الأوّل سنة


1038 هـ، وهو مرتّب على مقدّمة واثني عشر مقالة وخاتمة، في ثلاث مجلدات. طُبع في إيران سنة 1313 هـ أو 1314 هـ.

10 - سلطان التواريخ

وهو اسم الترجمة الفارسيّة لكتاب (تأريخ الدولة العثمانيّة) ليوسف فون هامر (بورجستال)، المستشرق النمساوي الكبير (1774 - 1865 م)، والكتاب مؤلّف عظيم لا نظير له، وما زال ذا أهمية وقيمة إلى الآن؛ لأنّه يحوي أخبار لا توجد في مؤلّفات أخرى، لكنّ اُسلوبه صعب جدّاً، كثير التشبيهات، يشبه اُسلوب المؤرّخين العثمانيِّين.

ويقع في عشر مجلدات ضخام، وقد صنّف بورجستال لها خلاصة في أربعة مجلّدات (راجع ص 73 من الكتاب)، انظر أيضاً في كتاب المستشرقون لنجيب العقيقي 2 / 628.

11 - التأريخ النادري

تأليف ميرزا مهدي خان بن محمّد رضا المنشي النوري المازندراني، يبحث في تأريخ نادر شاه أفشار، من تأريخ انفراده بالسلطة سنة 1245 هـ إلى يوم مصرعه في ليلة الأحد 11 جمادي الأولى سنة 1160، ويُعرف أيضاً بـ (الدرّة النادرية). وقد طُبع مرّات عديدة أوّلها بطهران.

12 - مجالس المؤمنين

تأليف السيد نور الله المرعشي الشوشتري، أحد أعاظم فقهاء الإماميّة ومجتهديهم في القرن الحادي عشر الهجري، وكان قاضياً لمدينة لاهور، وقد استشهد سنة 1019 ضرباً بالسياط بأمر من جهانكير.

وكتابه مجالس المؤمنين مجموعة سير مدعمة أوفى تدعيم بالوثائق عن أكابر شهداء الإماميّة والصوفية في الإسلام، وقد تمّ طبعه سنة 1073 في مدينة لاهور، وطُبع بعد ذلك مرّات عديدة.


13 - دلائل الدين

تأليف الحاج المولى عبد الله بن محمّد هادي ظهر الهرندي، من علماء أصفهان، أصله من قرية هرند من توابع أصفهان، كان فقيهاً فاضلاً، توفي في سنة 1256، ودُفن في إمامزادة إسحاق في هرند.

وكتابه هذا يقع في ثلاث مجلّدات، يوجد ثانيها في مكتبة السيد محمّد مولانا (الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة 2 / 791)، وقد ألّف الكتاب حوالي أواخر القرن الثاني عشر الهجري.

14 - تحفة العالم

تأليف السيد عبد اللطيف خان ابن السيد أبي طالب ابن السيد نور الدين ابن المحدّث الجزائري التستري، المولود سنة 1172. وعندما توفي والده هاجرها إلى العتبات المقدّسة في العراق سنة 1202، ثمّ سافر إلى الهند، وكتب سوانحه ومشاهداته في البلدان التي مرّ بها، والفصل الخاص بالعراق قد كتبه حوالي سنة 1216، وهو ملحقٌ وذيلٌ لكتابه، وقد طُبعت في حيدر آباد سنة 1312 مع الذيل. (انظر: الكرام البررة في القرن الثالث بعد العشرة - للعلاّمة المحقّق الشيخ آقا بزرك الطهراني 2 / 792).

15 - تأريخ كيتي كشا

تأليف الميرزا محمّد صادق الموسوي الملقّب بـ (نامي) مع ذيلين آخرين، وقد طُبع بتصحيح ومقدّمة الأستاذ العلاّمة سعيد نفيسي سنة 1317 ش هـ، وتنتهي حوادثه مع الذيلين بسنة 1208 هـ، ويبحث في الدولة الزندية في إيران.

16 - فوائد الصفويّة

تأليف أبو الحسن بن إبراهيم القزويني، وألّفه في الهند باسم


محمد ميرزا الصفوي في حدود سنة 1211، وهو مؤلّف قيّم في تاريخ الدولة الصفويّة. وقد اعتمد المؤلّف على النسخة الخطّية التي في مكتبة أغا ملك التجار في طهران، وهو كتاب قيّم ومفيد جدّاً؛ إذ ينفرد بكثير من الأخبار والحوادث لاسيما عن أواخر العصر الصفوي.

17 - مسير طالبي

تأليف أبو طالب خان بن حاجي محمّد بك خان. تركي الأصل (بواية دائرة المعارف الإسلاميّة)، ولد في لكنهو عام 1752 م، قام برحلته عام 1799 م إلى أوروبا وآسيا، وبقى في رحلته حتّى عام 1802.

ووصف هذه الرحلة بعد عودته إلى كلكتّه سنة 1803، وقد توفّي سنة 1806، وطُبع كتابه بكلكته سنة 1812 م بعناية ولده ميرزا حسين علي ومير قدرت علي بعنوان (مسير طالبي في بلاد إفرنجي).

وظهرت في لندن بعد ذلك بعامين كما ظهرت سنة 1827 م في كلكته نسخة مختصرة منه، وترجمه إلى الفرنسية، وقد زار كربلاء سنة 1217 هـ، أي بعد حادثة الوهابيّين بعام واحد.

18 - روضة الصفاي ناصري

تأليف أمير الشعراء الميرزا رضا قلي خان بن محمّد هادي الطبرستاني المتخلص في شعره بـ (هدايت)، ويقع في ثلاثة مجلّدات، ويُعتبر ذيلاً وتكملة لروضة الصفا، وقد طُبع عدّة مرّات؛ طبع في بمبي سنة 1291 هـ على الحجر، وآخر طبعة له في طهران سنة 1374 في ثلاث مجلّدات.

والكتاب ذا قيمة عظيمة؛ لأنّه يعتمد على مصادر شرقية كثيرة لم ينشر معظمها، ويشمل الكتاب علاوة على الأحداث السياسية كثيراً من المعلومات الجغرافية والأدبية.

19 - فارسنامه ناصري

تأليف ميرزا حسين خان الطبيب الفسوي الحسيني الفارسي، المولود


سنة 1237، والمتوفّى في رجب سنة 1316 هـ، وهو حفيد علي خان المدني صاحب (السلافة).

وقد قسّم كتابه إلى قسمين؛ أوّلهما يختص بأمراء فارس وملوكها من صدر الإسلام حتّى سنة 1310 هـ، وثانيهما في تأريخ شيراز وخصوصياتها، وقد طُبع الكتاب سنة 1313 هـ.

20 - مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ (تأريخ قاجار)

تأليف ميرزا محمّد تقي الكاشاني، الأديب والمؤرّخ الفارسي، المتخلص بـ (سبهر)، الذي ارتفع قدره عند الملوك القاجارية في إيران وصار مدّاحهم الخاص. وقد خلع عليه ناصر الدين شاه لقب (لسان الملك) في عام 1272 هـ، وقد توفي سنة 1878 م (1296 هـ).

ومؤلّفه هذا الموسوم بـ (ناسخ التواريخ) الذي ينمّ عنوانه عن الغرور والادّعاء (انظر: دائرة المعارف الإسلاميّة 1 / 268) يتألّف من 14 جزءاً، وقف المؤلّف في آخرها عند الإمام محمّد الباقر (عليه السّلام).

وهذا الذي نحن بصدده - أي تأريخ قاجار - هو المجلد الخامس من هذا التأريخ الضخم، وضمنه التأريخ الرسمي لأسرة قاجار الحاكمة، وهو يشتمل على ثلاثة أجزاء، ويستغرق الجزء الأوّل منه لسلطنة محمّد خان قاجار، والثاني في تأريخ محمّد شاه قاجار، والثالث في تأريخ ناصر الدين شاه القاجاري. (عادل).

21 - زنبيل فرهاد

تأليف الشاهزادة معتمد الدولة فرهاد ميرزا ابن عباس ميرزا ابن فتح علي شاه القاجاري المتوفّى سنة 1305، وقد طُبع في إيران سنة 1329 هـ في 457 صفحة، جمعه الميرزا محمّد حسين المنشي العلي آبادي المازندراني.

ذكر في أوّله أنّه جمعه من خطوط الشاهزادة المذكور أيام كونه (فرمان فرما) بشيراز، ووالياً على فارس في سنة 1293 هـ، وهو يشبه الكشكول في تنوّع


22 - رياض السياحة

تأليف الحاج زين العابدين ابن مستعلي شاه ابن اسكندر تمكين الشيرواني صاحب (بستان السياحة). ترجم فيه نفسه مختصراً، وأنّه ولد سنة 1194، وأحال تفصيل أحواله إلى هذا الكتاب المطبوع بطهران سنة 1329 في 347 صفحة.

وقد عمّر كثيراً حتّى أن أدركه بعض مَنْ عاصرهم الحجة الشيخ آقا بزرك الطهراني. (الذريعة إلى تصانيف الشيعة 11 / 327).

23 - ترجمة فتوح ابن أعثم الكوفي

إنّ هذا الكتاب كما يبدو عنوانه هو الترجمة الفارسيّة التي قام بها أحمد بن محمّد المتوفي الهروي في سنة 596 لكتاب الفتوح لأبي محمّد بن أعثم الكوفي الأخباري، المتوفّى في حدود سنة 314 هـ.

ترجم له ياقوت في معجم الأدباء 2 / 230، وذكر من كتبه الفتوح المنتهي إلى أيام الرشيد، وكتاب التأريخ المبدوء بأيام المأمون. وقد طُبعت هذه الترجمة في بمبي سنة 1304 بمباشرة ميرزا محمّد الشيرازي ملك الكتاب، إلاّ أنّه ناقص، وقد تُرجم أيضاً إلى لغة (أردو)، ويسمّى بـ (تأريخ أعثم). راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة 3 / 220.

24 - الكامل البهائي

تأليف عماد الدين الحسن بن علي الطبرسي، يبحث في مقتل الحسين (عليه السّلام)، منه نسخة مخطوطة في مكتبة شيخ الإسلام ميرزا فضل الله الزنجاني في زنجان، وقد طُبع في طهران.


ملحق رقم (3)

التعريف ببعض المخطوطات العربيّة التي أخذ منها المؤلّف

1 - سر السلسلة العلوية

تأليف أبو نصر البخاري (كان حياً عام 341 هـ). إنّ النسخة التي أفاد منها المؤلّف هي من محتويات مكتبة العلاّمة الشيخ علي ابن الحجّة المرحوم الشيخ محمّد رضا ابن العلاّمة الفقيه الشيخ هادي آل كاشف الغطاء، وقد انتهى ناسخها من كتابتها سنة 967 هـ، لكنّها كما ذكر المؤلّف (في ص 112) كثيرة الأغلاط، قليلة الفائدة.

توجد منها نسخة اُخرى في مكتبة العلاّمة السيد حسن الصدر الكاظمي في الكاظمية، ويرجع تأريخ كتابتها إلى سنة 984، والكتاب مطبوع.

2 - المجدي

تأليف الشريف النسابة السيد أبو الحسن نجم الدين علي بن أبي الغنائم محمّد بن علوي العمري. انتهى إليه علم النسب في زمانه، وصار قوله حجّة من بعده.

قد انتقل من البصرة إلى الموصل في سنة (423)، ترجم له السيد علي خان المدني في الدرجات الرفيعة / 484، من ط النجف، وتوجد اليوم نسختين نفيستين من هذا الكتاب؛ إحداهما في مكتبة الشيخ محمّد باقر الفت في طهران، والثانية في مكتبة كاشف الغطاء في النجف.


3 - مشجر الشيخ شرف العبيدلي النسابة

مؤلّف هذا المشجر هو النسابة شيخ الشرف أبو الحسن محمّد بن أبي جعفر العبيدلي الحسيني النسابة، من شيوخ العمري صاحب المجدي، وقد توفي العبيدلي هذا سنة 435 هـ، والمشجر من محتويات مكتبة حرم الرضا بخراسان.

4 - ديوان الأبله البغدادي

إنّ صاحب الديوان هذا هو أبو عبد الله محمّد بن بختيار المعروف بالبغدادي، المتوفّى سنة 580 هـ.

قال عنه ابن خلكان: جمع في شعره من الصناعة والرقّة، وديوانه كثير بأيدي الناس، ومديحه جيد، ومخالصه من الغزل إلى المديح في غاية الحسن، قلّ مَنْ يلحقه فيه(1) .

توجد منه نسخة خطية في دار الكتب الوطنية في القاهرة بخطّ علي بن محمود بن أحمد العزي، مؤرّخة بسنة 599 هـ (مجلة معهد المخطوطات م 3 ج 1)، ومنه أيضاً نسخة خطّية قديمة في مكتبة العلاّمة محمّد السماوي بالنجف الأشرف.

5 - الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم

تأليف الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي، تلميذ المحقّق الحلّي الذي توفي سنة 667، وهو كتاب جليل في بابه، ينقل فيه عن (مدينة العلم) للشيخ الصدوق، وكتاب (النبوّة) له أيضاً، وكانت نسخة من هذا الكتاب عند المجلسي، ينقل عنه في البحار، ويوجد منه ثلاث نسخ، لكن جميعها متفقات في النقص،

____________________

(1) جاء ذكر هذا الديوان أيضاً في كشف الظنون 1 / 763، وفي الذريعة ج 9 ق 1 ص 17، وفي الأعلام - للزركلي 6 / 274.


وتوجد نسختين منها في كربلاء؛ إحداهما كانت من محتويات مكتبة الشيخ عبد الحسين الطهراني، وهي التي نقل منها المؤلّف، وتوجد الأخرى في مكتبة الشيخ محمّد حسن ابن الشيخ محسن أبو الحبّ. (الذريعة إلى تصانيف الشيعة).

6 - شدّ الإزار في حطّ الأوزار عن زوار المزار

ويُسمّى أيضاً بـ (المزارات)، أو بـ (مزارات شيراز)، من تأليف معين الدين أبي القاسم جنيد الشيرازي، من وعّاظ وشعراء شيراز، قام على تأليف الكتاب في حدود سنة 791 هـ، وقد ألّفه ليكون دليلاً لزائري قبور الأولياء والأصفياء في شيراز.

وقد قسّم الكتاب إلى سبع أقسام أو (نوبات)، بعدد أيام الأسبوع؛ لكي يسهل مهمة الزائرين في زيارة هؤلاء الأولياء., وقد طُبع هذا الكتاب مؤخّراً باعتناء المرحوم العلاّمة محمّد القزويني، وقد اعتمد في تحقيقه للكتاب على ثلاث نسخ؛ أوّلها - وهي نسخة الأم - من محتويات مكتبة المتحف البريطاني، تحت رقم (667) بخط نسخ، والثانية من محتويات مكتبة المجلس الملي في طهران، وهي نسخة قديمة، والنسخة الثالثة منه هي التي بحوزة الدكتور تقي سهرابي في طهران، وهي أصح من النسختين الاُخريتين.

واعتقد أنّ النسخة التي أفاد منها المؤلّف هي نسخة مكتبة المجلس الملي(1) ، أو نسخة أخرى تطابقها، وقد اتضح لي ذلك بعد أن قابلت ما اقتبسه المؤلّف من كتاب شدّ الإزار. انظر ص 117 من هذا الكتاب بما يقابله من النسخة المطبوعة.

7 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب

تأليف السيد النسّابة جمال الدين أحمد بن علي بن الحسين بن علي

____________________

(1) انظر المقدّمة القيمة التي ألحقها الدكتور عباس إقبال بالنسخة.


ابن المهنا الحسني بن عنبة الأصغر، المتوفّى بكرمان سنة 828 هـ.

قد اعتمد المؤلّف (عبد الحسين) في هذا الكتاب على نسختين خطّيتين من عمدة الطالب؛ إحداهما بخطّ النسّابة حسين بن محمّد علي، الخادم الذي كان خازناً للمكتبة الغروية في مشهد أمير المؤمنين (عليه السّلام) سنة 1095هـ.

وقد وقف المؤلّف على هذه النسخة في مكتبة حرم الرضا بخراسان، أما النسخة الأخرى فهي بخطّ حسين بن مساعد بن حسن بن مخزوم... الحسيني الحائري، استنسخها عن نسخة الأصل التي هي بخطّ المؤلّف، وهي نسخة ثمينة عليها حواشي قيّمة من الكاتب، وقف المؤلّف على هذه النسخة في مكتبة الشيخ عبد الرضا آل الشيخ راضي بالنجف.

8 - تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمّة الأطهار

تأليف السيد ضامن بن زين الدين علي ابن السيد حسن النقيب ابن علي بن شدقم بن ضامن بن محمّد الحسيني الشدقمي الخمري المدني، وقد كان حيّاً في سنة 1088 هـ، والكتاب في ثلاث مجلّدات، يبحث في أنساب السادة الحسنّيين والحسينيّين.

منه المجلد الأوّل والثالث في مكتبة الشيخ علي ابن الشيح محمّد رضا بالنجف الأشرف، وتوجد منه نسخة كاملة في مكتبة آقا ضياء النوري في طهران، وتوجد منه نسخة كذلك في مكتبة العلاّمة المرعشي النجفي في قم، ويوجد منها المجلد الثالث فقطّ في مكتبة المتحف العراقي نقل سنة 1346 هـ عن نسخة النجف.


ملحق رقم (4)

1 - الاستدراكات

في هذا الملحق تكميل للروايات والملحوظات والشروح التي في الكتاب، وفيه أيضاً تثبيت لما سقط من كلام المؤلّف من النسخة المطبوعة.

صفحة 36، في الهامش

1 - أضف إلى المصادر التي أوردتها عن حادثة الوهابيّين المراجع التالية؛ دوحة الوزراء، تأليف رسول حاوي أفندي الكركوكي، وعنوان المجد في أخبار بغداد والبصرة ونجد لابن بشر الحنبلي، والنخبة الجليلة في أحوال الوهابية، تأليف السيد حسون البراقي النجفي (مخطوط في مكتبة المرحوم العلاّمة محمّد الحسين كاشف الغطاء)، وراجع أيضاً دائرة المعارف الإسلاميّة، انظر فيها مادتي سعود، كربلاء.

2 - يذكر العلاّمة السيد جواد العاملي الغروي في آخر كلّ مجلّد من مجلّدات كتابه (مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلاّمة) في الفقه الجعفري بعض الحوادث المهمّة التي وقعت عند اشتغاله بالتأليف، فيذكر في آخر إحدى مجلّدات مفتاح الكرامة أنّه في سنة 1222 هـ أعاد سعود الوهّابي الغارة على كربلاء للمرّة الثانية.

ويذكر أيضاً أنّه في جمادى الآخر من سنة 1223 هـ أغار سعود الوهّابي بـ 20000 مقاتل على النجف، فعلم النجفيون بالأمر فاحتاطوا له، فلم يتمكّن سعود منها، فتحوّل إلى كربلاء وأغار عليها، فحاصرهم حصاراً شديداً، فثبتوا له خلف السور، وقد قتل منهم وقتلوا منه ورجع خائباً.

وذكر في آخر كتاب الوكالة في سنة 1225 قد أحاط الوهابيّون بالنجف ومشهد الحسين، وقد قطعوا الطرق، ونهبوا زوار الحسين (عليه السّلام) بعد منصرفهم من زيارة نصف شعبان، وقد قتلوا منهم جمعاً غفيراً،


وأكثر القتلى من العجم، وربّما قيل: إنّهم مئة وخمسون، وقيل أقل...

وذكر السيد في آخر كتاب الصدقة والهبة من مفتاح الكرامة أنّه في سنة 1226 أنزل عسكر الوهابيّين بلاءً شديداً في أطراف العراق كالحلة والمشهدين، وقد قتلوا كثيراً من الزوار، وحرقوا الزرع.

ص 73 هامش

وقد زار كربلاء من الصفويّين السلطان حسين الثاني الصفوي، ولخبر وروده إلى كربلاء والإقامة بها، ثمّ المناداة باسمه ملكاً على إيران قصة طريفة تفرّد بذكرها أبو الحسن بن إبراهيم القزويني في كتابه فوائد الصفويّة، المخطوط الذي وقف عليه المؤلّف عبد الحسين في خزانة كتب آقا ملك التجار في طهران.

فقد جاء فيه في ذيل ذكر الشاه طهماسب الثاني أنّ شخصاً يدعى حسن السبزواري كان مدّة ساكناً في خراسان، وفي سنة 1190 هـ شدّ رحاله إلى العتبات المقدّسة، وقد ادّعى هذا في أيّ مكان كان يحلّ فيه أنّه ابن الشاه طهماسب.

ومن المصادفات الغريبة أنّه لمّا وصل كربلاء كانت شقيقة السلطان طهماسب الثاني قد توفيت عن قريب بدون وارث يرث تركتها الطائلة، فادّعى هذا أنّه الوارث الحقيقي، وبقوّة علماء العتبات والحكومة العثمانيّة آلت جميع تركة المرحومة إلى حسن سبزواري.

(وكلّما بعد ذلك طالب الصفويّون من أصفهان الوالي سليمان باشا بإنصافهم لم يعرهم التفاتاً. سلطان حسين الثاني ابن الشاه طهماسب الثاني الذي ولد في الأيام الأخيرة من سجن والده في سبزوار)(*) .

وكتاب فوائد الصفويّة هذا أُلّف باسم ولده محمّد ميرزا الصفوي أثناء مكوث الأخير بالهند، وعندما قتل والده كان عمره يناهز الستة أشهر، والأعداء أبوا أن يسلّموا بأنّ للشاه طهماسب ولد غير عباس الثالث.

____________________

(*) اضطررنا إلى وضع هذه العبارة المربكة بين هذين القوسين، والتي تنبئ عن فقدان حلقات منها أثناء النسخ.(موقع معهد الإمامين الحسنين)


منوجهر بيك الكرجي أخذ هذا الطفل إلى آذربايجان، وفي عهد نادر شاه حمل إلى داغستان، وبعد مقتل نادرشاه توجه إلى زيارة العتبات المقدّسة ووصل إلى بغداد، واتفق أنّه في ذلك الوقت إنّ مصطفى قلي خان بيكدلي شاهلو كان قد ذهب في سفارة لنادر شاه إلى إسطنبول، وعند عودته من إسطنبول وصل إلى سمعه في بغداد خبر مجيء حسين ميرزا الصفوي، فخفّ إلى لقائه بكلّ تعظيم وإجلال.

وليثبت حسين ميرزا للخان صحة نسبه أراه ورقة عقد زواج والدته من الشاه طهماسب الممهور بمهر مصطفى قلي خان، مع خنجر مرصّع بالأحجار الكريمة، فتحقّق للخان الذي كان من كبار أمراء إيران آنذاك صحة ذلك.

عرض الخان على الميرزا خدماته لاسترجاع العرش، ولكنّ الميرزا لم يعره أذناً صاغية وتوجه إلى كربلاء. وكان من المجاورين في كربلاء آنذاك زوجة نادر شاه التي هي ابنة الشاه حسين الصفوي، وكذلك شقيقة الشاه طهماسب الثاني، وقد بلغهما خبر ورود حسين ميرزا إلى كربلاء.

طلبوه في الحرم، ومن وراء الستار الذي يفصل بينهما طلبوا منه إبراز يده لهما، فشاهدتا بين كلّ أصبع وأصبع من يده غشاء لحمي مثل الطيور المائية، وعندما شاهدتا ذلك وقعتا مغشياً عليهما، ثمّ أخذوه إلى الحرم وألصقوا رأسه إلى صدورهم، وأخذوا بالبكاء والنوح على ذكرى أبيهم وأخيهم.

علي مراد خان البختياري، وإسماعيل خان الفيلي فرّوا إلى بغداد بعد انكسار جيشهم أمام كريم خان الزند، فاجتمعوا في بغداد مع مصطفى قلي خان، وقرر هؤلاء الثلاثة المناداة بحسين ميرزا ابن الشاه طهماسب الثاني ملكاً على عرش إيران، فطلبوه من كربلاء، وجمعوا تحت لوائه جماعة من الآلوار والأتراك من العراق، وعزموا على تسخير إيران، وقد ضربوا السكّة باسمه في المدن، وخطبوا له على المنبر.

في مدينة (قلمرو عليشكر) التقوا مع جيش كريم خان الزند، ودارت بينهم رحى


معركة ضارية انتصر فيها كريم خان الزند.

السلطان شاه إسماعيل الصفوي الذي أجلسه على العرش الفارسي محمّد حسين القاجار، وقد ضرب باسمه السكة، وخطب له على المنابر، ولما انتصر كريم خان على محمّد حسين قاجار أقرّ سلطنه الشاه إسماعيل وسمّى نفسه بـ (وكيل السلطنة).

سمع بخبر مناداة السلطان حسين ملكاً، ولإظهار الحجة جاء بالشاه إسماعيل مع جيشه ليقابل الشاه سلطان حسين، وقد انتهت المعركة بهزيمة جيش السلطان.

هرب السلطان حسين الثاني مع علي مردان خان البختياري، وتوارى عند البختيارية، وقد أظهر البختيارية له كثيراً من الاحترام والتقدير، ولكنّ علي مردان خاف من منافسه السلطان له على رئاسة عشيرته، فسمل عينيه، وكانت مدّة حكم السلطان حسين الثاني سبعة أشهر.

وكان نقشة خاتمه هذا البيت:

دارد زشـاه مـردان فرمان حكم راني

فرزند شاه طهماسب سلطان حسين ثاني

وقد أمضى بقية حياته بالعبادة والرياضة، وكان عزيز النفس لم يقبل معونة أحد، وكان يوصي دائماً بأن يلبس ولده محمّد ميرزا بعده خرقة الدراويش. [ ومحمد ميرزا هذا هو نفسه الذي ألّف هذا الكتاب باسمه، وفي أواخر سنة 1205 هـ غادر من طريق شيراز إلى مسقط بعزم حج بيت الله الحرام، ثمّ بعد ذلك شدّ رحاله إلى ديار الهند ]. انتهى.

ازداد في أواخر العهد الصفوي عدد الزائرين الفرس إلى العتبات المقدّسة لاسيما إلى كربلاء، إلاّ أنّ العثمانيِّين كانوا يضعون العراقيب أمام مجيء هؤلاء بين حين وآخر؛ إذ يحدّثنا الفون هامر في كتابه (تأريخ الدولة العثمانيّة، المجلد الثالث ص 683 الباب الواحد والستون من الترجمة


الفارسيّة للكتاب) أنّ في أيام سلطنة مصطفى الثاني العثماني (1695 - 1703 م) خان خانان ميرزا محمّد مؤمن خان(1) قد بعث رسالة إلى الصدر الأعظم في إسطنبول مشفعة بالتحف والهدايا، كانت الهدايا كلّها بعدد التسعة من كلّ صنف؛ لأنّ التتر والأتراك يحبّون هذا العدد.

وكان مطلب الخان في هذه الرسالة من الصدر الأعظم هو أنّ بعض علماء إيران يرغبون في مجاورة العتبات في النجف الأشرف وكربلاء، ويلتمس منه أن يسمح بإعطاء إذن إلى مجاورة هؤلاء؛ وبما أنّ قباب العتبات المقدّسة قد أصابها الخراب أراد الإذن بالسماح لأن ترمم هذه القباب بأموال الإيرانيين، وكان جواب الصدر الأعظم على ذلك بأنّ زوار النجف وكربلاء سوف يعاملون مثل حجاج بيت الله الحرام من رعاية وحماية.

أمّا من جهة مجاورتهم للعتبات، وتعمير القباب من أموالهم فذلك ما لا يجب الكلام فيه؛ إذ إنّ الدولة قد تصالحت مع الدول الأجنبية، وتوقّفت الحروب، وساد البلاد الاستقرار؛ فلذا ستنصرف عناية الدولة إلى تعمير وإصلاح هذه المراقد.

ص 158 س 12

شاعت في العصر العباسي والمغولي عادة نقل جثث الموتى إلى المشاهد المقدّسة، ومنها المشهد الحائري، وتكملة للبحث الذي ورد في الصفحة المشار إليها سنورد بعض ما نقله المؤلّف من أخبار عن نقل جثث بعض الأمراء والعلماء والأدباء إلى الحائر؛ فقد جاء في أخبار سنة 329 هـ من كتاب أخبار الراضي بالله والمتقي بالله المستل من كتاب الأوراق للصولي: « ومن أهل الشرف والفضل توفي ابن

____________________

(1) جاء في كتاب تذكرة هفت إقليم (مخطوط، وقف عليه المؤلّف في خزانة كتب الحاج حسين آقا ملك التجار في طهران): محمّد بيرم خان الملقّب بـ (خان خانان) وزير الهند، كان من أعاظم طوائف التركمان القراقوينلو، وله في مدح أمير المؤمنين هذه القصيدة [ التي مطلعها ]:

شـهيكه بكذرد أزنه سبهر أفسر أو

أكر غلام علي نيست خاك برسو أو


الفدان العلوي يوم الأحد لسبع خلون من شعبان، وحمل فدفن بالحير، وقبل موته بأيام مات البربهاري، فسبحان مَنْ سرّ المؤمنين بموته وفجعهم بموت ابن الفدان، وهو في وقته من أكرم الأشراف وأسمحهم كفاً »(1) .

وممّن حمل إلى المشهد الحائري أيضاً الشريف أبو أحمد الموسوي، والد الشريفين، وكان ذلك سنة 400 هجـ(2) .

وقد جاء في كتاب مجالس المؤمنين للقاضي نور الله الشوشتري: « مجد الملك أبو الفضل أسعد بن محمّد بن موسى البرادشاني القمي، وزير بركياروق بن ملك شاه السلجوقي، من جملة توفيقاته أنّه بعد أن حاز على درجة الشهادة دُفن بجوار فايض الأنوار الإمام الحسين (عليه السّلام) »(3) .

وقد جاء في حوادث سنة 501 من المنتظم وكامل ابن الأثير: « صدق بن منصور بن دبيس بن مزيد أبو الحسن الأسدي، الملقّب بسيف الدولة، كان كريماً ذا زمام(4) ، عفيفاً من الزناء والفواحش... وحمل ودُفن في مشهد الحسين (عليه السّلام) ».

وجاء في الجامع المختصر لابن الساعي: « أبو الفتوح نصر بن علي بن منصور النحوي الحلّي المعروف بابن الخازن، كان حافظاً للقرآن المجيد، عارفاً بالنحو واللغة العربية، قدم بغداد واستوطنها مدّة، وقرأ على ابن عبيده وغيره، وسمع الحديث علي أبي الفرج... توفي شاباً بالحلّة في ثالث

____________________

(1) أخبار الراضي بالله والتقي بالله من كتاب الأوراق - للصولي / 212.

(2) الكامل - لابن الأثير ج 9، والمنتظم 7 / 247.

(3) مجالس المؤمنين / 229.

(4) المنتظم 9 / 158، وراجع أيضاً الكامل 8 / 245.


عشر جمادى الآخر من سنة ستمئة، ودفن في مشهد الحسين (عليه السّلام)(1) ».

وممّن حمل إلى المشهد أيضاً جمال الدين المخرمي في سنة 646 هـ، وقد رثاه أخوه فخر الدين بقصيدة، منها هذين البيتين:

فإن حال ما بيني وبينك تربةٌ

مـجاورةُ السبط الإمام المكرمِ

إلـيك تراني قد حثثت مطيتي

وعن كثبٍ يأتي البشير بمقدمي

وقد أوصى أن يُدفن في تل قريب من مشهد الحسين (عليه السّلام)(2) .

وقد جاء في الجامع المختصر لابن الساعي: « فلك الدين آقسنقر بن عبد الله التركي الوزيري، مملوك نصير الدين بن ناصر بن مهدي العلوي، توفي في يوم الأحد خامس عشر جمادى الأولى من سنة أربع وستمئة، وصلّى عليه بالمدرسة النظامية، وشيّعه خلق كثير، وحُمل إلى مشهد الحسين (عليه السّلام) فدُفن هناك »(3) .

والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين

____________________

(1) الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير - لابن الساعي 9 / 128.

(2) الحوادث الجامعة المنسوب لابن الفوطي / 356.

(3) الجامع المختصر 9 / 248.


الفهرس

مقدّمة المؤلّف 3

تأريخ كربلاء منذ القدم إلى القرن الثالث عشر5

كربلاء في القرن الثالث عشر23

الدور الثاني:26

الدور الثالث:31

حادثة المناخور41

حادثة نجيب باشا44

فتنة علي هدلة45

كربلاء في القرن الرابع عشر47

وقعة الزهاوي للعجم47

حادثة حمزة بك 48

ثورة العشرين 48

يوم ورود الشعرات النبوية الشريفة إلى كربلاء49

وصف الحائر الحسيني 51

دفن بني أسد للجثث الطاهرة56

تاريخ بناء المشهد الحسيني 60

إيضاح ما يوجد في خارطة كربلاء من المواقع 79

أنهار كربلاء79

نهر العلقمي 82

آقا محمّد شاه القاجاري 85

نهر نينوى 93

النهر الغازاني 93

النهر السليماني (الحسينيّة)97

الطفّ 101


الحائر103

القرى التي كانت تحف بكربلاء يوم ورود الحسين (عليه السّلام) لها106

نينوى، والغاضرية106

شفية107

العقر107

النواويس 109

المصادر التي عول عليها المؤلّف في الشجرة112

ترجمة الأعلام التي وردت أسماؤهم في الشجرة116

(1) محمد العابد 116

مزار محمّد العابد في شيراز116

(2) تاج الدين إبراهيم المجاب 120

(3) أبو الفائز محمّد الخامس 129

(4) السيد أحمد الثاني 130

(5) السيد طعمة الأوّل 134

(6) السيد طعمة الثاني 134

(7) السيد طعمة الثالث 135

(8) السيد نعمة الله 135

(9) السيد يحيى الثاني ضياء الدين (نقيب الأشراف)136

(10) السيد درويش 138

(11) السيد علي الثالث 138

أخبار عن الحائر وزائريه في العصر العباسي 142

(الأمالي للطوسي)142

كرب الرشيد لقبر الحسين 142

(زهر الآداب للحصري)148

زيارة منصور النمري 148


(تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي)150

زيارة ابن الهبارية150

(الأمالي للطوسي)151

هدم المتوكّل لقبر الحسين (عليه السّلام)151

ديوان الأبله البغدادي 153

نشوار المحاضرة للتنوخي 154

زيارة الحائر في الربع الأوّل من القرن الرابع 154

الفرج بعد الشدّة للتنوخي 156

نشوار المحاضرة للتنوخي 157

إرشاد الأريب لياقوت 158

ورود تابوت أبي العباس الملقّب بالكافي الأوحد 158

قصيدة الصابي بتهنئة عضد الدولة عند عودته من الزيارة159

حديث الناشئ 160

الملاحق والمستدركات 164

ملحق رقم (1)165

تعميرات الحائر الحسيني من أواخر القرن الثالث عشر إلى الوقت الحاضر165

ترميم صندوق الخاتم 167

ترميم الجبهة الشرقيّة من الصحن 168

أبواب الصحن الحسيني 169

ملحق رقم (2)174

تعريف بالمصادر الفارسيّة التي اعتمد عليها المؤلّف 174

1 - تأريخ جهان كشاي الجويني 174

2 - تأريخ وصاف 174

3 - نزهة القلوب 175


4 - تزوكات تيموري 175

5 - حبيب السير 175

6 - روضة الصفا في سيرة الأنبياء والملوك والخلفاء176

7 - زينة المجالس 176

8 - دبستان المذاهب 176

9 - تأريخ عالم آراي عباسي 176

10 - سلطان التواريخ 177

11 - التأريخ النادري 177

12 - مجالس المؤمنين 177

13 - دلائل الدين 178

14 - تحفة العالم178

15 - تأريخ كيتي كشا178

16 - فوائد الصفويّة178

17 - مسير طالبي 179

18 - روضة الصفاي ناصري 179

19 - فارسنامه ناصري 179

20 - مجلد القاجارية من ناسخ التواريخ (تأريخ قاجار)180

21 - زنبيل فرهاد180

22 - رياض السياحة181

23 - ترجمة فتوح ابن أعثم الكوفي 181

24 - الكامل البهائي 181


ملحق رقم (3)182

التعريف ببعض المخطوطات العربيّة التي أخذ منها المؤلّف 182

1 - سر السلسلة العلوية182

2 - المجدي 182

3 - مشجر الشيخ شرف العبيدلي النسابة183

4 - ديوان الأبله البغدادي 183

5 - الدرّ النظيم في مناقب الأئمّة اللهاميم183

6 - شدّ الإزار في حطّ الأوزار عن زوار المزار184

7 - عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب 184

8 - تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمّة الأطهار185

ملحق رقم (4)186

1 - الاستدراكات 186