كربلاء
الثورة والمأساة
الطبعة الأولى 1418هـ - 1997م
كربلاء
الثورة والمأساة
المحامي أحمد حسين يعقوب
الغدير للدراسات الإسلاميّة
بيروت - لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المركز
مثلت ثورة كربلاء في التاريخ الإسلامي منذ أن قامت، ولا تزال تمثل، نهجاً في معرفة حقيقة النظام الخارج على تعاليم الإسلام، وفي مواجهته والسعي إلى تغييره، فكانت تأسيساً لهجرة تتجدد في مسار الزمن كما ضوء الشمس، هجرة تتبع خطى خاتم الأنبياءصلىاللهعليهوآله التي واصلها سبطه سيد الشهداءعليهالسلام ، ويمضي في هديها المسلمون الأتقياء.
وللهجرة المتجددة دروب من بينها الكتابة؛ تبياناً للحق، وكشفاً للزيف، وهدياً للحائرين الباحثين عن يقين.
ينتمي هذا الكتاب ( كربلاء الثورة والمأساة ) إلى هذا النوع من الكتابة، فهو يهدف إلى محاكمة نظام جائر انقلب على الإسلام وحكم باسمه ليفرغه من جوهره، ويبقي على شكليات يتوسلها ليسوغ استبداده بالاُمّة، فكانت كربلاء ثورة على هذا الارتداد المفضي إلى الاستبداد.
يعود المؤلف في محاكمته الموضوعية إلى التاريخ، ويستقي من كتبه حقائقه ويقدّمها مجردة؛ فيوضح عدة قضايا نشير في هذا المقام إلى أهمِّها:
- تعريف الفئتين اللتين تواجهتا في كربلاء: قيادة وأركاناً وعدداً ومواقف وأهدافاً.
- بيان دور الأمة الإسلاميّة في كربلاء، ومواقفها من هذا الحدث، وبدا لافتاً سكوت الأكثرية، وسعي المقاتلين في جيش يزيد إلى الارتزاق، إلى الفضة والذهب والمناصب على الرغم من معرفتهم أن من يقاتلونه هو خير الناس.
ما يجعل الضوء يتركز على أمرين:
أولهما: موقف الأقلية، الصفوة التي تبيّنت الحقَّ.
وثانيهما: الحقائق التي كشفتها أخبار السماء.
* البحث في أسباب ثورة كربلاء، وفي رؤية الإمام الحسينعليهالسلام إلى الواقع القائم وضرورة تغييره وسبل ذلك.
* تتبع مسار هذه السبل، أو الهجرة؛ رحلة الشهادة والبحث في وقائعها ونتائجها.
وبهذا يمثل هذا الكتاب دراسة موضوعية تتحرى من خلال تبيين الحقيقة وقائع مجردة جلية رضوانَ الله تعالى، وهذا هو رجاء كل مسلم تقي في هذه الحياة.
مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة - بيروت
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة
نحمد الله ونشكره كما يستحقه وكما هو أهله، ونصلّي ونسلم ونبارك على محمّد رسول ربِّ العالمين وخاتم النبيين وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين اصطفى من عباده.
أمّا بعد، فقبل بضع سنين دعيت لحضور مؤتمر في طهران، كنت يومذاك قد استوعبت المقاطع والكليات الأساسية لقضية أهل بيت النبوة العادلة، ولم أكن قد تعرّفت بعد على تفاصيلها الدقيقة، وكنت أعرف بالضرورة أن مذبحة كربلاء هي جرح غائر في قلوب أهل بيت النبوة وأوليائهم، وأن تلك المذبحة قد أصابت من الإسلام ومن أهل بيت النبوة مقتلاً، وأنها قد فضحت نظام الخلافة السياسي التاريخي وأظهرته على حقيقته، ولكني كنت أجهل تفاصيل تلك المذبحة، ومقدمتها ودقائقها.
كان من برنامج الدعوة زيارة ضريح الإمام الخميني بمناسبة الذكرى السنوية لوفاته، وفي صبيحة هذا اليوم ذهبنا لزيارة الضريح. فوجئت بعدد لا يقل عن ثلث مليون رجل وامرأة متحلقين حول ذلك الضريح، وهم يرفعون قبضات أيديهم في الهواء ويرددون باللغة الفارسية شعارات لها نغم يشق طريقه بيسر إلى القلب.
قلت لمرافقي: ترجم لي حرفياً ما يقوله هذا الجمع. فقال الفتى: إنهم يقولون: «لن نكون كالذين تركوا إمامهم وحيداً، نحن معك يا إمام».
فانفجرت بالبكاء، وعرفت أن الإمام الذي تُرك وحيداً ليقاتل جيش الخلافة وحده هو الإمام الحسينعليهالسلام .
في ذلك اليوم بالذات نبتت في ذهني وقلبي فكرة الكتابة عن مذبحة
كربلاء، وتكوّنت لدي القناعة بضرورة الوقوف على تفاصيل تلك المذبحة، ونذرت جزءاً من وقتي لهذا الموضوع، وبدأت أقرأ، وأجمع، وأخزن لهذه الغاية، وكلما زرت مقام السيدة زينب في ضواحي مدينة دمشق كنت استعرض صور المأساة، وتتعمق وتتأصل وتتجدد فكرة الكتابة عن كربلاء.
وكلما طرحت الفكرة أمام بعض العلماء الأفاضل الذين أحبهم واثق بدينهم وعمق ولائهم لأهل بيت النبوة، والذين عرفوني وأطلعوا على مؤلفاتي وجدت التشجيع على ذلك، وقالوا: إن ثقافتي في مجال الفكر السياسي ستجعل من كتابتي في هذا الموضوع عملاً فريداً مميزاً.
وعندما طبع كتابي التاسع (مساحة للحوار)(1) استعنت بالله، وشمرت عن ساعدي، وبدأت كتابة هذا البحث بلغة العصر وروحه. وكانت فترة كتابته من أقسى وأكثر فترات عمري حزناً على الإطلاق؛ فقد كنت انفعل مع الأحداث وأبكي مرات عديدة يومياً، وأي إنسان لا تبكيه فصول مأساة كربلاء؟!
وقد دخلت إلى البحث من أربعة جهات، وسميت كل جهة باباً، ثمَّ فتحت من كل جهة مجموعة من المسارب والطرق سميتها فصولاً.
ففي الباب الأوّل حشدت بمنهجية علمية كلَّ المعلومات التي تعرف القارئ الكريم بالفئتين اللتين تواجهتا في كربلاء، من هما، عددهما، قادتهما، أركان قيادتهما، والمواقف النهائية لكل فئة، وذلك من خلال أربعة فصول.
في الباب الثاني، فقد بينت دور الأمة وموقفها من مذبحة كربلاء من خلال أربعة فصول، غطت بالكامل كل ما يتعلق بهذا الموضوع.
وفي الباب الثالث عالجت الأسباب التي أدت لانتفاضة الإمام الحسينعليهالسلام وثورته، وقادت لمذبحة كربلاء، وذلك عبر خمسة فصول.
أمّا الباب الرابع فتحدثت فيه عن المواجهة العسكرية في كربلاء، والنتائج
____________________
(1) مساحة للحوار من أجل الوفاق ومعرفة الحقيقة. ط مركز الغدير للدراسات الإسلاميّة - بيروت / 1418هـ - 1997م.
المؤلمة لهذه المواجهة من خلال ستة فصول.
فجاء الكتاب جديداً بشكله ومضمونه ومنهجيته، ومميزاً بتفرّده بالشكل والمضمون والمنهجية؛ فهو ليس مقتلاً من المقاتل المألوفة، ولا تاريخاً من التواريخ المخطوطة، ولا وصفاً أدبياً حزيناً لمأساة من أكثر المآسي البشرية إيلاماً للنفس، وإنما كان محاكمة موضوعية وعادلة - وبلغة العصر - لنظام حكم همجي جائر جاء بالقوة والقهر، وحكم باسم الإسلام، ثمَّ انقلب على الإسلام، ورفعه عملياً من واقع الحياة بعد أن انتهك حرماته كلها، وقتل رموزه المقدسة، وأباد المخلصين للإسلام إبادة تامة، ثمَّ جرد الإسلام من مضمونه ومحتواه، وأبقى على القشور التي تخدم ذلك النظام وتظهره بمظهر الحكم الديني وشكله.
ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن، وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء، وتعلم أنا ما قصدنا إلاّ رضوانك ووجهك الكريم، أسألك يا مولاي بجدِّ الحسين، ووالد الحسين، ووالدة الحسين، وأهل بيت الحسين، وأصحابه أن تجعل عملي هذا خالصاً لوجهك الكريم، وهدية خالصة لمحمّدصلىاللهعليهوآله ولأهل بيته الطاهرين، تجلب لي بها الخير والنعمة، وصدقة تطفئ بها خطاياي، إنك أنت الودود الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المحامي: أحمد حسين يعقوب
الأردن - جرش ص. ب 363
10 / محرم الحرام / 1418 هـ
16 / آيار / 1997 م
الباب الأوّل
الفئتان المتواجهتان في كربلاء
الفصل الأوّل: قائدا الفئتين
الفصل الثاني: أركان قيادة الفئتين
الفصل الثالث: عدد الفئتين
الفصل الرابع: المواقف والأهداف النهائية لقيادتي الفئتين
الفصل الأوّل
قائدا الفئتين
لا خلاف بين اثنين من المسلمين على الإطلاق بأنّ مواجهة ضارية ودموية قد حدثت بين فئتين من «المسلمين» في كربلاء:
الفئة الأولى: وتتألف من آل محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وذوي قرباه الذين لا تجوز صلاة المسلم بغير الصلاة عليهم(1) ، والذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً(2) ، وافترض مودتهم ومحبتهم على كلِّ مسلم(3) ، ومن اُولئك الذين نصروهم ووقفوا معهم حتّى نهاية المجابهة(4) .
الفئة الثانية: وتتألف من أركان دولة الخلافة الإسلاميّة وجيشها الجرار الذي اشترك فعلياً بالقتال، وصنع بسيوفه وسهامه وسنابك خيله مذبحة كربلاء بصورتها المأساوية الدامية.
قائدا الفئتين
قائد الفئة الأولى: الإمام الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام .
قائد الفئة الثانية: « خليفة المسلمين » يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
____________________
(1) راجع على سبيل المثال مسند الإمام أحمد 6 / 327، وكنز العمال للمتقي الهندي 7 / 103، والمستدرك على الصحيحين للحاكم 7 / 143، والدر المنثور للسيوطي في تفسير آية التطهير.
(2) راجع فضائل الخمسة من الصحاح الستة 1 / 270، وقد أورد أكثر من 60 مرجعاً من المراجع المعتمدة عند أهل السنة.
(3) راجع على سبيل المثال تفسير الطبري 25 / 16 - 17، وحلية الأولياء 3 / 201، والدر المنثور للسيوطي في تفسير آية المودة في القربى، والمستدرك على الصحيحين 3 / 172، ومجمع الزوائد للهيثمي 9 / 146، واُسد الغابة لابن الأثير 5 / 367، والصواعق المحرقة لابن حجر / 101 - 102.
(4) هم الذين قاتلوا مع الامام الحسينعليهالسلام حتّى استشهدوا أو جعل الله لهم مخرجاً.
قائد الفئة الاُولى
الإمام الحسين بن علي كالشمس المتألقة في رابعة السماء، يعرفه أهل الأرض وأهل السماء، وهو ابن رسول الله بالحكم الشرعي؛ فقد أعلن الرسولصلىاللهعليهوآله بأمر من ربه بأنه لن تكون له ذرّية من صلبه، وأن ذرّيته ستكون من صلب ابن عمه وزوج ابنته البتول علي بن أبي طالبعليهالسلام (1) .
وأعلن بالمقام نفسه أن كلّ بني اُنثى ينتمون إلى عصبتهم إلاّ ولد فاطمة فهو أبوهم وهو عصبتهم(2) ، وأعلن الرسولصلىاللهعليهوآله بنشوة عارمة مرات ومرات أمام المسلمين أنّ هذا ابني الحسن، أو هذا ابني الحسين، أو هذان ابناي. لقد صارت اُبوة النبي للحسن والحسين من المسلمات العامة التي لا يختلف فيها اثنان.
وأعلن الرسول بأمر من ربه أن الحسن والحسين سبطا هذه الاُمّة(3) ، وأنهما سيّدا شباب أهل الجنّة(4) ، وأنهما ريحانتاه من هذه الاُمّة(5) . ولطالما قال لفاطمة الزهراءعليهاالسلام : « ادعي ابنيَّ ». فيشمّهما ويضمّهما(6) .
ثمَّ أعلن النبيصلىاللهعليهوآله بأنهما عضوان من أعضائه(7) ، وأنهما أحب أهل بيته إليه(8) ، وأنّه حرب لمن حاربوا، وسلم لمن سالموا(9) .
لقد كانت هذه الإعلانات النبوية معلومة بالضرورة
____________________
(1) راجع على سبيل المثال كنز العمال 6 / 152، الحديث 5210، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة / 241.
(2) راجع على سبيل المثال المستدرك للحاكم 3 / 164، والصواعق لابن حجر / 12، وقد اخرجه الطبراني.
(3) راجع كنز العمال 2 / 88، و6 / 221. وأخرجه الطبراني وأبو نعيم، ومرقاة المفاتيح لعلي بن سلطان 5 / 602، وذخائر العقبى للطبري / 44 و135.
(4) راجع صحيح الترمذي 2 / 306 - 307، وصحيح ابن ماجة 3 / 167 - فضائل أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله ، والمستدرك على الصحيحين 3 / 167، ومسند أحمد 3 / 3 و 62 و 82، وخصائص النسائي / 36.
(5) راجع مسند الإمام أحمد بن حنبل 6 / 399.
(6) راجع صحيح الترمذي 2 / 306، ومجمع الزوائد 9 / 175.
(7) راجع كنز العمال 6 / 221، ومجمع الزوائد 9 / 184.
(8) راجع صحيح الترمذي 2 / 306، وفيض القدير للمناوي 1 / 148، وقال في الشرح: أخرجه أبو يعلى. وكنوز الحقائق / 5، ومجمع الزوائد 9 / 175، والإصابة لابن حجر 2 / 11.
(9) صحيح الترمذي 2 / 319، والمستدرك على الصحيحين للحاكم 3 / 149، ومسند أحمد 2 / 442.
من كل سكّان الجزيرة العربية أو رعايا دولة النبيصلىاللهعليهوآله ؛ المسلم، واليهودي، والنصراني على السواء؛ فقد سمع الجميع بواقعة المباهلة(1) ، وبواقعة التطهير(2) ، وبواقعة المودة في القربى(3) ، وبواقعة جعل الصلاة على آل محمّد جزءاً من الصلاة المفروضة على العباد(4) .
ثمَّ إنّ الحسين هو الإمام الشرعي، فلم ينتقل الرسولصلىاللهعليهوآله إلى جوار ربه إلاّ بعد أن ترك الاُمة على المحجة البيضاء، وبيّن لها الأئمة الشرعيين الذين اختارهم الله ليتعاقبوا تباعاً على قيادة الاُمة من بعده، وحدّدهم باثني عشر إماماً؛ أوّلهم علي، وثانيهم الحسن، وثالثهم الحسين، وتسعة من ولد الحسين سمّاهم الرسول بأسمائهم قبل أن يولدوا؛ كدليل على صدقه بتبليغ ما اُوحي إليه من ربّه(5) .
أبوه علي بن أبي طالبعليهالسلام
ووالد الإمام الحسين هو الإمام علي بن أبي طالب، شمس المشارق والمغارب، يعرفه الثقلان، ولا يخفى على مبصر من أهل الأرض وأهل السماء. ابن عم النبي الشقيق، وأخوه، ووالد سبطيه، وعضده، وفارس الإسلام الأوحد، وحامي حماه. أعلنه الرسولصلىاللهعليهوآله بأمر من ربه سيداً للعرب، وسيداً لكافة المسلمين(6) ،
____________________
(1) راجع صحيح مسلم - فضائل الصحابة - فضائل علي، وصحيح الترمذي 2 / 166، وفضائل الخمسة / 290 وما بعدها.
(2) راجع صحيح مسلم - فضائل أهل البيت، والمستدرك على الصحيحين للحاكم 2 / 149، وصحيح الترمذي 2 / 29 و 209 و 319.
(3) راجع تفسير الطبري 5 / 16 - 17، وحلية الأولياء 3 / 20، والدر المنثور للسيوطي - تفسير آية المودة.
(4) راجع مسند أحمد 6 / 296 و 323، والمستدرك على الصحيحين 3 / 108 و 147، وكنز العمال 7 / 92 و 217.
(5) إكمال الدين للشيخ الصدوق 1 / 365، إلزام الناصب للحائري 1 / 55، ينابيع المودة للقندوزي / 495. وانظر أيضاً صحيح البخاري 4 / 175.
(6) راجع المعجم الصغير للطبراني 2 / 88، والمناقب للخوارزمي الحنفي، وشرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد 9 / 170، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة / 231 حيث ستجد العشرات من المراجع.
ووليا للمؤمنين(1) ، وهو صاحب التاريخ الشخصي الحافل بالأمجاد التي لا تضاهيها أمجاد، والفضائل التي تتضائل دونها كلّ الفضائل إلا فضائل النبيين والرسل. لقد كان جمعاً بذاته، وجيشاً بمفرده، وينبوع علم لدنّي بمكنونه.
وقد أعلن النبيصلىاللهعليهوآله أمام الأكثرية الساحقة من المسلمين التي اشتركت في غزوة تبوك مكانة علي المميزة التي لا تدانيها مكانة، فقال له أمام ذلك الجمع الحاشد: « أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي ».
لقد خصّه الله تعالى بكافة المنازل التي كانت لهارون، ولم يستثن من تلك المنازل والاختصاصات إلاّ منزلة النبوة. وقد أجمعت الاُمّة على صحة هذا الحديث، وعلى صحة صدوره من النبيصلىاللهعليهوآله (2) .
أبو طالب جد الحسينعليهالسلام لأبيه
وأبو طالب هو والد الإمام عليعليهالسلام ، وهو عمّ النبي الشقيق لأبيه عبد الله؛ فعبد الله والد الرسولصلىاللهعليهوآله ، وأبو طالب والد عليعليهالسلام إخوة أشقاء، فهو أقرب الناس لرسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ولمّا مات جد الرسول عبد المطلب كفله عمه أبو طالب وكان عمر الرسول آنذاك 8 سنوات، وبقي الرسول في بيت عمه مدة 17 عاماً يأكل مما يأكل منه أولاد أبي طالب، ويشرب مما يشربون، ويلبس مما يلبسون، بل إنّ الرسولصلىاللهعليهوآله كان أحب إلى عمّه أبي طالب وإلى زوجة عمّه من أبنائهما. وكان مفضلاً عندهما على كل الأبناء.
ويوم ماتت فاطمة بنت أسد وصف النبي الكريم طبيعة علاقته بتلك الاُم الصالحة فقال: « اليوم ماتت اُمي، إنها كانت اُمي، وإنها كانت لتجيع صبيانها وتشبعني، وتشعثهم وتدهنني، وكانت اُمي »(3) .
وبقي الرسولصلىاللهعليهوآله في بيت عمّه محاطاً
____________________
(1) راجع كتاب نظرية عدالة الصحابة / 247 وما بعدها ستجد أكثر من 70 مرجعاً من عيون المراجع المعتمدة عند أهل السنة، وكتاب المواجهة / 350 وما بعدها ستجد التأهيل التاريخي والشرعي لفكرة الولاية، وكتاب الوجيز في الإمامة والولاية.
(2) راجع على سبيل المثال صحيح البخاري - كتاب بدء الخلق، غزوة تبوك، وصحيح مسلم - فضائل علي، وصحيح الترمذي 2 / 30، ومسند أحمد بن حنبل 1 / 185 و 309، وخصائص النسائي / 14 - 16، وفضائل الخمسة 1 / 347 وما بعدها.
(3) راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 14.
بأنبل العواطف من عمه وزوجته وأبناء عمّه حتّى بلغ الخامسة والعشرين، عندئذ خطب له عمه خديجة بنت خويلد فتزوجها، واستقل الرسولصلىاللهعليهوآله في بيت خاص به.
ولما شرّف الله نبيه بالرسالة كان لأبي طالب الدور البارز في قيادة جبهة الإيمان؛ فهو الذي أرسى قواعد التحالف بين بني هاشم وبني المطلب، وكوّن من البطنين جبهة واحدة وقفت برجولة أمام بطون قريش الـ 23 التي اتحدت ضد محمّد ودعوته.
وهو الذي رعى أوّل اجتماع للبطنين المتحالفين، وتصدّى لخصوم محمّد في ذلك الاجتماع ولجمهم(1) ، وهو الذي أعلن أمام بطون قريش بأنها إذا قتلت محمّداً فإن الهاشميِّين والمطّلبين سيقاتلونها حتّى الفناء التام(2) ، وهو نفسه الذي طالما خاطب النبيصلىاللهعليهوآله أمام بطون قريش: يابن أخي، إذا أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا حتّى نخرج معك بالسلاح(3) .
وهو نفسه الذي كان يستقبل وفود بطون قريش ويسمع لمطالبها، وينقل رد النبي عليها(4) ، وهو الذي شجّع بنيه على التضحية بأرواحهم دفاعاً عن ابن عمّهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله (5) ، وهو الناطق الرسمي باسم النبيصلىاللهعليهوآله عندما أكلت دابة الأرض صحيفة المقاطعة التي تعاقدت عليها بطون قريش، وهو الذي قاد عملية رجوع الهاشميِّين والمطّلبيين إلى مكّة بعد ثلاث سنين من حصار بطون قريش لهم(6) ، وهو شاعر النبيصلىاللهعليهوآله وحامي حماه(7) .
ومن هنا نفهم معنى قول الرسولصلىاللهعليهوآله عندما مات أبو طالب: « ما نالت منّي قريش حتّى مات أبو طالب »(8) ؛ ولهذا سمى رسول اللهصلىاللهعليهوآله العام الذي توفي فيه أبو طالب وماتت فيه زوجته بـ ( عام الحزن )، وعد موت الاثنين مصيبتين، وعبّر الرسول عن ذلك بقوله: « اجتمعت
____________________
(1) راجع كتابنا المواجهة / 51 وما بعدها تجد التوثيق والمراجع.
(2) راجع كتابنا المواجهة / 51، والطبقات لابن سعد 1 / 186.
(3) راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 27.
(4) راجع الغدير للعلامة الأميني 7 / 400.
(5) راجع سيرة ابن هشام 1 / 215، وتاريخ الطبري 2 / 214، وكتابنا المواجهة / 52.
(6) راجع كتابنا المواجهة / 52 وما فيه من المراجع.
(7) راجع الغدير في الكتاب والسنة والأدب للأميني 7 / 371 - 409 تجد بعض أشعاره التي تطفح بأنبل العواطف وبأصدق المشاعر الدينية نحو الإسلام ونبيّه.
(8) راجع تاريخ ابن الأثير 2 / 21.
مع هذه الاُمّة في هذه الأيام مصيبتان، لا أدري بأيهما أنا أشد جزعاً! »(1) .
والخلاصة: إنّ أبا طالب كان أحد أركان جبهة الإيمان، وقد استغل مكانته الاجتماعية لصالح الرسولصلىاللهعليهوآله ولصالح الإسلام، وكان ساعد النبي الأيمن طوال حياته المباركة. ويوم مات أبو طالب لخّص النبيصلىاللهعليهوآله هذه المواقف النبيلة بقوله: « يا عمّ، ربّيت صغيراً، وكفلت يتيماً، ونصرت كبيراً، فجزاك الله عنّي خيراً »(2) .
ومن المثير للدهشة حقاً أنّ أعداء أهل بيت النبوة الذين استولوا على مقاليد الاُمور بالقوة، وسيطروا على مناهج التربية والتعليم عندما لم يقووا على إنكار هذه المواقف أشاعوا بأن أبا طالب مات على الشرك، فهو في ضحضاح من النار على حد تعبير المغيرة بن شعبة المشهور بحقده على بني هاشم كما يقول علامة المعتزلة ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عند مناقشته لإسلام أبي طالب.
قائد الفئة الثانية
القائد الفعلي لجيش الخلافة الجرار في كربلاء هو يزيد بن معاوية بن صخر المكنّى بأبي سفيان؛ فهو المهندس الفعلي لمجزرة كربلاء وصانعها، وما كان عبيد الله بن زياد، ولا عمر بن سعد بن أبي وقاص، ولا بقية أركان القتل والإجرام في كربلاء إلاّ مجرد جلاوزة أو عبيد يأتمرون بأمر سيدهم يزيد بن معاوية، وينفّذون توجيهاته العسكرية بدقة كاملة، أو مجرد أدوات أو دمى يحرّكها حيثما يشاء، وكيفما يشاء، ومتى يشاء.
ولِم لا؟! فهو « أمير المؤمنين، وخليفة رسول الله على المسلمين! » بيده مفاتيح خزائن الدولة « الإسلاميّة »، وتحت إمرته تعمل كافة جيوشها الجرارة. والأكثرية الساحقة من رعايا دولته تصفق له رغبة أو رهبة، متأملة باستمرار وصول « الأرزاق » إليها من خليفتها، ووجلها من أن يغضب فيقطع عنها « الأرزاق » فتموت جوعاً!
____________________
(1) راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 35.
(2) المصدر نفسه.
ضرورات البحث العلمي
قبل قليل عرّفنا القارئ الكريم بشخصية الإمام الحسين بن عليعليهالسلام الذي قاد الفئة الأولى في كربلاء، وبشخصية أبيه عليعليهالسلام ، وجدّه عبد مناف بن عبد المطلب المكنى بأبي طالب؛ ونزولاً عند ضرورات البحث العلمي سنعرف القارئ بشخصية يزيد بن معاوية بن صخر المكنى بأبي سفيان؛ بوصفة قائد الفئة الثانية في كربلاء.
فمَن هو يزيد؟
هو يزيد بن معاوية بن صخر المكنى بأبي سفيان، جدته لأبيه هند التي لاكت كبد حمزة عم النبيصلىاللهعليهوآله في معركة اُحد. نشأ نشأة مترفة في بيت أبيه معاوية الذي تربّع على ولاية الشام قرابة عشرين عاماً، وعاش حياة الملوك المترفين.
وهيّأ معاوية لابنه كل أسباب التعليم للمعارف المشهورة في عصره؛ لأن معاوية كان يعدّ العدة للانقضاض على منصب الخلافة، ويهيّئ الأسباب لتمويل الخلافة إلى ملك ينحصر في ذرّية أبي سفيان أو البيت الاُموي، وكان يرجو أن يكون ابنه يزيد هو الملك الثاني بعد أبيه!
إلاّ أنّ الولد يزيد نشأ جانحاً ميّالاً للعبث واللهو، مستهتراً وخليعاً، مدمناً على الصيد وشرب الخمر، مولعاً بالكلاب والقرود، ملحداً في قرارة نفسه، حاقداً على النبي محمّدصلىاللهعليهوآله وعلى آله وأهل بيتهعليهمالسلام خاصة، وعلى الهاشميِّين عامة بعد أن عرف طبيعة الصراع الدامي الذي جرى بين رسول الله وآله والهاشميِّين من جهة وبين أبيه وجده وآل أبي سفيان والبيت الأموي من جهة اُخرى.
وبعد أن عرف أن علياً وحمزة والهاشميِّين قتلوا أعمامه وأجداده وأقاربه، ولكن يزيد كان من الذكاء بحيث إنه قد عرف بأن النبوة قد صارت طريقاً للملك، وأن الدين قد صار وسيلة لاستقرار هذا الملك؛ فجاهر بعصيانه وعبثه واستهتاره وادعائه بأنه مسلم، وكتم إلحاده وكفره، ثمَّ انكشفت حقيقته من زلات لسانه لما شاهد الرؤوس تُحمل إليه، قال:
نعب الغرابُ فقلت قل أو لا تقلْ |
فقد اقتضيت من الحسين ديوني |
ومن هنا فقد حكم ابن الجوزي، والقاضي أبو يعلى، والتفتازاني، وجلال الدين السيوطي بكفره ولعنه(1) ، وقد قال ابنه معاوية عندما مات والده واصفاً إيّاه بقوله:... ومن أعظم الاُمور علينا علمنا بسوء مصرعه، وبؤس منقلبه وقد قتل عترة الرسول، وأباح الخمر وخرب الكعبة...(2) .
ثمَّ إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد لعن يزيد باسمه فقال: « يزيد! لا بارك الله بيزيد، نُعي إليَّ الحسين، واُوتيت بتربته، واُخبرت بقاتله... وآها لفراخ آل محمّد من خليفة مستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف »(3) . ولعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالوصف، فقال: « سبعة لعنتهم، وكلُّ نبي مجاب الدعوة... والمستحل من عترتي ما حرّم الله »(4) .
وأخرج الواقدي عن عبد الله بن حنظلة الغسيل، قال: والله، ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نُرمى بالحجارة من السماء؛ إنه رجل ينكح اُمهات الأولاد، والبنات، والأخوات، ويشرب الخمر، ويدع الصلاة. تجد ذلك في الصواعق المحرقة لابن حجر / 137.
وقال الذهبي: ولما فعل يزيد ما فعل بأهل المدينة مع شربه الخمر، وإتيانه المنكرات، اشتد عليه الناس. وجاء في المستدرك على الصحيحين للحاكم إنّ يزيد رجل يشرب الخمر، ويزني بالحرم. راجع فضائل الخمسة 3 / 390.
هذه طبيعة يزيد الذي قاد جيش الخلافة في كربلاء، وصنع مجزرتها
____________________
(1) راجع روح المعاني للآلوسي 26 / 73 آية « فهل عسيتم إن توليتم»، وقال: إنّما قتل بما قتله الرسول يوم بدر كجدّه وخاله، وهذا كفر صريح، ومثله تمثّله بقول ابن الزبعرى قبل إسلامه: ليت أشياخي ببدر شهدوا. وراجع تذكرة الخواص لابن الجوزي 2 / 148، وفتوح أن أعثم 5 / 241.
(2) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر / 134.
(3) راجع كنز العمال 6 / 39، قال: أخرجه الطبراني. وراجع مجمع الزوائد للهيثمي 9 / 189، وأخرجه ابن عساكر ورواه عن أبي نعيم والديلمي.
(4) راجع الصواعق المحرقة / 143، وميزان الاعتدال للذهبي 2 / 119، وكنز العمال 6 / 46، و 8 / 191 - 192، والمستدرك على الصحيحين للحاكم 1 / 36، و 2 / 525، و 4 / 90 و 464 و487.
الرهيبة؛ فذبح آل محمّد وأهل بيته ومَن والاهم، وأخذ بنات النبيصلىاللهعليهوآله سبايا بعد أن مثّل بضحاياه شر تمثيل.
وقد ولي الحكم ثلاث سنوات؛ ففي السنة الأولى من حكمه قتل أولاد النبي وأحفاده، وبني عمومته ومَن والاهم بمذبحة كربلاء، وفي السنة الثانية استباح المدينة، وفضّ جيشه ألف عذراء، وقتل عشرة آلاف مسلم بيوم واحد وهو « يوم الحرة »، ختم أعناق الصحابة، وأخذ البيعة على أنهم خول وعبيد « لأمير المؤمنين » يتصرف بهم تصرف السيد بعبيده.
أمّا في السنة الثالثة فقد هدم الكعبة وأحرقها. وهذه اُمور قد أجمعت الأمة على صحة وقوعها وتوثيقها.
مَن هو والد يزيد وجدّه؟
معاوية هو والد يزيد، وصخر بن اُمية المكنى بأبي سفيان هو جد يزيد، وكلاهما طليق، ومن المؤلفة قلوبهم، وكلاهما من أئمة الكفر بإجماع الأمة؛ فالثابت بالإجماع أن الاثنين قد استسلما يوم فتح مكة، فأعلنا إسلامهما بعد أن أغلقت أمامهما كل الأبواب.
والثابت كذلك أن الرجلين قد قاوما رسول اللهصلىاللهعليهوآله ودينه بكل أساليب المقاومة، وحارباه بكل فنون الحرب، وكاداه بكل طرق الكيد طوال فترة 21 عاماً، وهي المدة الممتدة بين إعلان النبوة وفتح مكة.
وهذه حقائق لا ينكرها إلاّ تافه مريض؛ فأبو سفيان من أكابر تجّار مكة، وهو الوارث لمنصب قيادة البطون. وبعد موت أبي جهل صار أبو سفيان زعيم جبهة الشرك بلا منازع، فهل يعقل أن تتّحد بطون قريش الـ 23 ضد محمّدصلىاللهعليهوآله ودينه، وضد بني هاشم دون علمه وعلم أولاده حنظلة ويزيد ومعاوية وهم سادات مجتمع الكفر؟!
وهل يعقل أن تجري عمليات تعذيب المستضعفين قبل الهجرة دون علم وموافقة أبي سفيان وبنيه؟!
وهل يعقل أن تهدد بطون قريش بقتل محمّد دون علم أبي سفيان وموافقته؟!
ومَن يصدق بأن بطون قريش الـ 23 المتحدة قد أجمعت على حصار النبي وبني هاشم ومقاطعتهم ثلاث سنين في شعب أبي طالب دون علم قائدها أبي سفيان وموافقته؟!
وهل يعقل بأن تجري البطون اتصالات مع زعماء الطائف ليردوا النبي رداً مؤلماً دون علم أبي سفيان ومباركته؟! ومن يصدّق بأن بطون قريش قد أرسلت وفداً إلى النجاشي ليرد المهاجرين دون علم أبي سفيان وبنيه وموافقتهم؟! وهل يعقل أن تتآمر بطون قريش الـ 23 على قتل النبيصلىاللهعليهوآله ليلة هجرته، وأن تختار منها مئة رجل ليضربوا النبيصلىاللهعليهوآله ضربة رجل واحد دون علم أبي سفيان ومباركته؟!
ألم يخرج أولاد أبي سفيان لقتال النبي في بدر؟ ألم يُقتل بكره حنظلة هنالك؟ أليس هو قائد المشركين في أحد؟ ألم تخرج عائلة أبي سفيان كلها مع جيش المشركين في أحد؟ أليست زوجته هند هي التي بقرت بطن حمزة عم النبيصلىاللهعليهوآله وأخرجت كبده لتأكله من كيدها وحقدها؟ أليس أبو سفيان هو الذي جمع الأحزاب وقادها، وأنسحب بها بعد الهزيمة؟ وأين كان بنوه؟
لقد أعلن أبو سفيان في داخل الكعبة كما يروي الواقدي، وهو الذي قال لوفد اليهود: إنّ أحب الناس إلينا مَن أعاننا على عداوة محمّد(1) ! هذه عقيدة أبي سفيان وعقيدة بنيه؛ كره بلا حدود، وحقد بلا حدود، وحسد بلا حدود.
كانت أفعال أبي سفيان وبنيه وبني عمومته واضحة في أذهان الجميع من سكان الجزيرة؛ المسلم والمشرك، واليهودي والنصراني، كانت جرائم أبي سفيان وبنيه جراحات دامية في قلب النبي وآله وبني هاشم، وفي قلوب الذين آمنوا، فمن الطبيعي أن يلعنهم الرسولصلىاللهعليهوآله وأن يدعوا عليهم لكشف حقيقتهم للأمة.
فلعنه الرسولصلىاللهعليهوآله في سبعة مواطن(2) ، ولعنه رسول الله في الركعة الثانية من صلاة
____________________
(1) راجع المغازي للواقدي 2 / 442، وكتابنا المواجهة / 184.
(2) الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي / 134.
الصبح(1) .
وقال السيوطي: وأخرج أحمد، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، والبيهقي أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد قال يوم أحد: « اللّهمَّ إلعن أبا سفيان... »(2) .
ويروي نصر بن مزاحم عن البراء بن عازب، قال: أقبل أبو سفيان ومعه معاوية، فقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « اللّهمَّ العن التابع والمتبوع، اللّهمَّ عليك بالأقيعس ». فقال البراء لأبيه: مَن الأقيعس؟ قال: معاوية(3) .
وأخرج نصر بن مزاحم، قال: نظر رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلى أبي سفيان وهو راكب، ومعاوية وأخوه أحدهما قائد والآخر سائق، فلما نظر رسول الله إليهم قال: « اللّهمَّ العن القائد والسائق والراكب ». قلنا: أنت سمعت رسول الله؟ قال: نعم، وإلاّ فصمّتا اُذناي كما عميتا عيناي(4) .
وشاعت حقيقة أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد لعن أبا سفيان وبنيه، قال الإمام عليعليهالسلام في خطبة له يوم صفّين: «... طليق وابن طليق، وحزب من الأحزاب، لم يزل لله ولرسوله عدواً هو وأبوه حتّى دخلا في الإسلام مكرَهَين »(5) .
وقال مرة: « سيروا إلى بقية الأحزاب، قتلة المهاجرين والأنصار.. ». وقال مرة اُخرى: « إنّما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء، ومَن أسلم كرهاً، وكان لرسول الله حرباً »(7) .
وخاطب الإمام عليعليهالسلام معاوية قائلاً: « وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لله ولرسوله »(8) .
قال أيوب الأنصاري لعليعليهالسلام : يا أمير المؤمنين، إن معاوية كهف المنافقين...
وكتب قيس بن سعد بن عبادة أمير الخزرج
____________________
(1) المستدرك على الصحيحين 1 / 36.
(2) الدر المنثور للسيوطي 2 / 71. وانظر صحيح البخاري 5 / 35 و 171، وكتابنا المواجهة / 66.
(3) وقعة صفّين لنصر بن مزاحم المنقري / 712.
(4) وقعة صفّين / 220، وآراء علماء المسلمين للسيد مرتضى الرضوي / 74 - 76.
(5) وقعة صفّين / 227، وتاريخ الطبري 6 / 4، وجمهرة الخطب 1 / 161، والغدير في الكتاب والسنة والأدب 10 / 191.
(6) وقعة صفّين / 105، وجمهرة الخطب 1 / 142.
(7) الإمامة والسياسة 1 / 113، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 37، 1 / 113.
(8) مقاتل الطالبيِّين / 29، وشرح ابن أبي الحديد 4 / 12، وجمهرة الرسائل 2 / 49.
(9) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 280.
مخاطبا معاوية: فإنما أنت وثن وابن وثن، دخلت الإسلام كرهاً، وخرجت منه طوعاً، لم يقدم إيمانك، ولم يحدث نفاقك(1) .
وكتب له الإمام السبطعليهالسلام : « وأنت ابن حزب من الأحزاب، وابن أعدى قريش لرسول الله ولكتابه »(2) .
وكتب محمّد بن أبي بكر إلى معاوية: وأنت اللعين ابن اللعين، ثمَّ لم تزل أنت وأبوك تبغيان الغوائل لدين الله، وتجهدان على إطفاء نور الله، وتجمعان على ذلك الجموع، وتبذلان فيه المال، وتحالفان فيه القبائل، على ذلك مات أبوك، وعلى ذلك خلفته. والشاهد على ذلك من يأوي إليك من بقية الأحزاب، ورؤؤس النفاق والشقاق لرسول الله(3) .
ومع أن أبا سفيان وأولاده قد أسلموا مكرهين بعد أن اضطروا للاستسلام بعد حرب دامت بينهم وبين رسول الله وآله 23 عاماً، إلاّ أنّ إسلامهم لم يغير حقيقة مشاعرهم نحو آل النبي على الأقل؛ فهم يحقدون على آل محمّدعليهمالسلام ، وقد بينت هند اُم معاوية طبيعة هذا الحقد عندما حاولت أكل كبد حمزة عم النبيصلىاللهعليهوآله .
ولمّا آلت الاُمور إلى عثمان دخل أبو سفيان عليه يوماً بعدما ذهب بصره، فقال: أها هنا أحد؟ فقالوا: لا. فقال أبو سفيان: اللّهمَّ اجعل الأمر أمر جاهليّة، والملك ملك غاصبيّه، واجعل أوتاد الأرض لبني اُميّة(4) .
ورأى أبو سفيان الناس يوماً يتهافتون على النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال في نفسه: لو عاودت الجمع لهذا الرجل. فكشف الله لرسوله ما حاك أبو سفيان في صدره، عندئذ ضرب الرسول في صدر أبي سفيان وقال له: « إذن يخزيك الله »(5) .
وعلى الرغم من أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد بسط سلطانه على العرب إلاّ أن أبا سفيان لم ييأس من النيل من رسول الله؛ فقد كمن لرسول الله ومعه أحد عشر فرداً بعد
____________________
(1) الغدير في الكتاب والسنة والأدب للعلامة الأميني 10 / 194.
(2) مقاتل الطالبيِّين / 22، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 12، وجمهرة الرسائل 2 / 49.
(3) راجع كتابنا المواجهة / 63 تجد التوثيق والمراجع لهذا النص وما سبقه.
(4) تاريخ ابن عساكر 6 / 407.
(5) راجع الإصابة لابن حجر 2 / 179 ترجمة « صخر بن حرب »، رقم 4066.
عودته من غزوة تبوك لينفروا ناقة الرسول فيسقط عنها بالعقبة ويموت كما يروي علامة المعتزلة ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة(1) .
لقد وصلتنا مثل هذه الأنباء عن سيرة الرجلين على الرغم من أنّ الاُمويِّين قد حكموا ألف شهر، سيطروا خلالها على وسائل الإعلام ومناهج التربية والتعليم، فلو لم تكن حقيقة الرجل من الشيوع والعموم لما وصلتنا مثل هذه الأنباء.
صحيح أن سلطان الدولة التاريخيّة على المناهج التربوية والتعليمية واضح وله بصمات. خذ على سبيل المثال صحيح البخاري، فأهل السنة بعتبرونه بعد القرآن بالصحة، ومع هذا يروي في صحيحه(2) أنّ الرسول كان يقول إذا رفع رأسه من الركعة الأخيرة: « اللّهمَّ العن فلاناً وفلاناً وفلاناً بعدما يقول: سمع الله لمَن حمده ».
من المؤكد أن الرسول الكريم سمّى الفلانات الثلاثة بأسمائها الملعونة، ومن المؤكد أن البخاري يعرف أسماء الفلانات الثلاثة، لكنه استعاض عن كل اسم بكلمة فلان، فلو ذكر البخاري أسماء الفلانات الثلاثة لما صار لصحيحه أية قيمة، ولهاجت الغوغاء وماجت، ولَجنّ جنون الجموع المسلمة التي اُشربت ثقافة التاريخ والمناهج التربوية والتعليمية لدولة الخلافة التاريخية.
إلى أي بطن ينتمي يزيد؟
ينتمي يزيد وأبوه معاوية وجدّه صخر إلى البطن الأموي المشهور بحقده وحسده وكراهيته لبني هاشم عامة، ولآل محمّد وأهل بيت النبوةعليهمالسلام خاصة. ففي معركة بدر قتل أهل بيت النبوة أحد عشر رجلاً من بني اُميّة دفعة واحدة، منهم: حنظلة بن أبي سفيان شقيق معاوية وعم يزيد، وعتبة بن ربيعة جد معاوية، والوليد بن عتبة خال معاوية، وشيبة بن عتبة شقيق جد معاوية وعم اُمّه، والعاص بن سعيد، وعقبة بن معيط وهم القرابة القريبة لعثمان بن عفان بن أبي العاص بن اُميّة بن عبد شمس(3) ؛
____________________
(1) 2 / 102 - 103.
(2) 3 / 24.
(3) راجع المغازي للواقدي 1 / 147 - 148.
لهذا كله امتزج الكره والحسد والحقد في قلوب الاُمويِّين ونفوسهم فانحرفوا انحرافاً مهلكاً.
وقد نبه النبيصلىاللهعليهوآله الأمة إلى حقيقة المشاعر الأمويّة، فقال: « إنّ أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلاً وتشريداً، وإنّ أشد قومنا لنا بغضاً بنو اُميّة، وبنو المغيرة، وبنو مخزوم »(1) .
وعندما بيّن رسول اللهصلىاللهعليهوآله آية( أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً ) ، قال: « هما الأفجران من قريش؛ بنو اُميّة وبنو المغيرة؛ فأمّا بنو المغيرة فقطع الله دابرهم يوم بدر، وأمّا بنو اُميّة فمتعوا إلى حين »(2) .
لقد عبّرت جويرية بنت أبي جهل عن الوضع النفسي لبطون قريش، فعندما صعد بلال على ظهر الكعبة وأذّن وسمعت الأذان، قالت بعفوية: قد لعمري رفع لك ذكرك؛ أمّا الصلاة فسنصلي. والله لا نحب مَن قتل الأحبة أبداً(3) .
لقد عاش البطن الأموي رهينا لسلسلة من العقد؛ لماذا يكون النبي من بني هاشم؟ كيف يثأرون من الهاشميِّين وبالذات آل محمّد وأهل بيته لقتلاهم في بدر؟ كيف يستعيدون حقهم بقيادة بطون قريش؟ وكيف يوفقون بين الإسلام وبين هذه العقد المميتة؟
____________________
(1) راجع المستدرك على الصحيحين 4 / 487، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال 6 / 50، وقال: أخرجه نعيم بن حماد في الفتن.
(2) راجع كنز العمال 1 / 253، وقال: أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني في الجامع الصغير، وذكره السيوطي في الدر المنثور، وقال: أخرجه الطبراني في الأوسط، والحاكم، وصححه وقال: أخرجه ابن مردويه.
(3) راجع المغازي للواقدي 2 / 846.
الفصل الثاني
أركان قيادة الفئتين
قلنا: إنّ الإمام الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام كان هو القائد الأعلى لمنتسبي الفئة الأولى التي تجمعت والتفت حوله، وقاتلت معه ببسالة خارقة حتّى اُبيدت وقتلت عن بكرة أبيها في كربلاء.
وقلنا أيضاً: إنّ « الخليفة » يزيد بن معاوية بن أبي سفيان كان أيضاً هو القائد الأعلى لمنتسبي الفئة الثانية « جيش الخلافة »، وأركان دولة الخلافة الذين نفّذوا أوامره بدقة، فقتلوا آل محمّد وأهل بيته وذوي قرباه ببرودة، صانعين مذبحة كربلاء، تلك المذبحة البشعة التي يترفع همج ما قبل التاريخ وعبدة الشيطان عن تلويث أيديهم بكلّياتها وتفاصيلها المخزية والمخجلة حقاً.
ما معنى أركان القيادتين؟
يقصد بأركان القيادتين تلك العناصر البشرية المهمة أو البارزة التي شاركت القيادتين بالتخطيط والتدبير والتنفيذ؛ فنفّذت الأولى أوامر الحسينعليهالسلام بالدفاع المشروع عن الدين والنفس، ونفّذت الثانية أوامر يزيد بن معاوية، فأشبعت رغبته بالعنف والتنكيل بخصومه، وقتلهم وتعذيبهم أحياء وميّتين استجابة لأهوائه.
أركان قيادة الإمام الحسينعليهالسلام
1 - الهاشميّون من ذرّية أبي طالب
لا خلاف بأن ذرّية أبي طالب قد خرجت مع الإمام الحسينعليهالسلام ، وهم شباب آل محمّد، وزهرة أهل بيت النبوة، وذوو قربى النبي، تخرجوا من مدرسة النبوة فكانوا فراقد متألقة، ونماذج بشرية لن تتكرر، وأفضل فتية على وجه الأرض، وشوقهم الفائق للجنة، وطلبهم الحثيث للموت، وسعيهم الدؤوب له، وصبرهم العجيب على مكاره السفر.
واستماتتهم بالدفاع عن شيخ آل محمّد يعكس طبيعة وفاء اُولئك الفتية، ونوعية
إيمانهم، ومعدن أصالتهم.
لقد كانوا نماذج بشرية تفوق كل مجالات وآفاق التصور والتصديق؛ فكان اُولئك الفتية هم أبرز أركان قيادة الإمام الحسينعليهالسلام ، وضعهم بالصورة الكاملة قبل خروجه من المدينة المنورة، ووافقوه على كل ما فعل خطوة خطوة، ونفّذوا أوامره برضا خاطر؛ فما من أحد منهم إلاّ وقد قال للحسينعليهالسلام : ائذن لي يابن رسول الله لأدافع عنك، واُقتل بين يديك.
وما من أحد منهم إلاّ وأثلج خاطر الحسينعليهالسلام صولة وجولة، حتّى إذا ما قضي نحبه صار جرحاً غائراً في قلب الحسين، وانهدم ركنٌ عصي من أركان قيادته؛ ففتية آل محمّد كانوا هم ناصية أركان قيادة الحسينعليهالسلام .
فلمّا وقعت الواقعة تقدّموا وقاتلوا بين يديه، وسقطوا فرقداً إثر فرقد حتّى خلت السماء تماماً من فراقدها، عندئذ كسر ظهر الإمام الحسينعليهالسلام ، وأمتلأ قلبه بالجراح النازفة، واضطر الحسين أن يحمل قلبه المثخن بالجراح وأن يقاتل جيش الخلافة وحيداً بعد أن تهدّمت أركان قيادته.
إنّ الكواكب التي انتثرت وتساقطت تباعاً من سماء كربلاء أمام الحسينعليهالسلام لهي ظاهرة قيادية كونية نادرة، وإن تعجب لأراك الدهر عجباً، فاعجب كيف بقي للحسين قلب! وكيف انصرف ليقاتل وحده جيشاً يزيدُ على عشرين ألف مقاتل بعد أن فقد أركان قيادته!
واعجب لنفسية أفراد هذا الجيش المرتزق الذي أصرّ على قتال الحسين وحيداً، وبعد حملات هذا الجيش وصولاته على الإمام الوحيد قتلوه، ولم يكتفوا بقتل الإمامعليهالسلام إنّما مثّلوا به أشنع تمثيل، وبعد أن أكملوا المذبحة ذهبوا وصلّوا، وقالوا في صلاتهم كما أمرهم الله: « اللّهمَّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد »، وهم قبل قليل آبادوا آل محمّد وذبحوا شيخهم كما تُذبخ الأضاحي!
2 - أركان قيادة الإمام الحسينعليهالسلام من غير بني هاشم
الذين أتبعوا الإمام الحسينعليهالسلام من غير بني هاشم هم نخبة الاُمة الإسلاميّة، ولقد وصفهم أحد قادة الجيش الاُموي بقوله للجيش: أتدرون من تقاتلون؟! إنما تقاتلون فرسان العصر، وأهل البصائر، وقوماً مستميتين(1) .
وقال عنهم الإمام عليعليهالسلام : « ليس مثلهم إلاّ شهداء بدر »(2) .
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 5 / 435.
(2) راجع اُسد الغابة لابن الأثير 1 / 123 و 349، والإصابة لابن حجر 1 / 68، وكنز العمال 6 / 223، =
فالذين اتّبعوا الإمام الحسينعليهالسلام من غير بني هاشم واستشهدوا بين يديه في كربلاء كانوا على علم بما يجري، وبالدوافع الذاتية لقادة فريقي المواجهة؛ فهم يعرفون طبيعة الخلافة، وطبيعة نظام دولته، وطبيعة أركان هذه الدولة، وطبيعة الجيش « الإسلامي » الجرّار الذي يأتمر بأمر الخليفة، وطبيعة الحالة التي آلت إليها نفسية الأمة.
فمن غير المحتمل على الإطلاق أن يخاطر أي فرد من أغلبية الرعية بقطع « الأرزاق » أو الاُعطيات الشهرية التي يقدمها الخليفة لعبيده، أو يجاهر بعصيانه ليخسر دنياه، ويخسر حياته، ويهدم داره.
فالذين اتّبعوا الإمام الحسينعليهالسلام ونالوا شرف الشهادة بين يديه نماذج بشرية عجيبة حقاً، حلّلت واقعها تحليلاً دقيقاً، وأصغت لنبيِّها وهو يأمرها بنصرة الإمام الحسينعليهالسلام فاختارت ما اختارت بقلوب راضية مطمئنة، وبأعصاب هادئة، وبرضا تام، وساروا إلى الموت بخطى ثابتة، كلما فرّ الموت من أمامهم لاحقوه بلا كلل ولا ملل.
لقد صار الموت مطلبهم وغايتهم ونشوتهم العظمى، ولم لا؟! فهم أنصار الحسين، والحسين مقتنع قناعة نهائية لا تقبل المراجعة أن الموت خير من الحياة تحت حكم الظالمين، بل إنه كان يرى الموت سعادة والحياة مع الظالمين برماً.
إنّ أنصار الحسين على خطه تماماً، رافقوه وتداولوا الأمر معه، ثمَّ نفّذوه بدقة وتفان. فلما وقعت الواقعة افتدوه، وافتدوا أهل بيت النبوة الكرام، وقاتلوا بين يديه حتّى قتلوا. لقد كانوا جبالاً حقيقية اندكت تباعاً بين يدَي الحسينعليهالسلام .
أركان قيادة يزيد في كربلاء
قهر معاوية الاُمّة، وتملّك أمرها بالقوة والتغلب، ودانت له البلاد والعباد رغبة بما في يديه من مال ونفوذ، أو رهبة من بطشه وجبروته. ولكن معاوية بدهائه مدرك أن الجمر في كثير من المواقع ما زالت تحت الرماد. لقد حصر معاوية الخطر على ملكه بمصدرين، أحدهما: آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، وأهل بيت النبوة الذين لا ينفكون عن القول بأنهم أصحاب الحق الشرعيين بقيادة الاُمّة، وأنّ معاوية
____________________
= وقال: أخرجه البغوي وابن السكن والبارودي وابن مندة وابن عساكر، وذكره الطبري في ذخائر العقبى / 146، وقال: أخرجه الملا في سيرته. راجع فضائل الخمسة من الصحاح الستة / 347 و 348.
وأمثاله غاصبون لهذا الحق.
وثاني هذين الخطرين: أهل المدينة المجمعون على أن معاوية طليق وابن طليق لا تحلّ له الخلافة، وأنّه غاصب لها. ولكن أهل المدينة منقسمون إلى شيع، تبع كل شيعة أحد غراس عمر بن الخطاب « أصحاب الشورى »، أو تبع ابنه في حالة وفاة أبيه.
خطة معاوية
لقد أغرق معاوية أهل المدينة بالأموال والعطايا، وسلّط كل شيعة على الاُخرى، فاستقامت له اُمور جميع الشيع إلى حين، وهكذا حيد معاوية هذا الخطر بسلاح المال.
وتفرغ بكل قوة الدولة لمواجهة مصدر الخطر الآخر المتمثل بآل محمّد، أهل بيت النبوة ومَن والاهم؛ ففرض على كل المسلمين أن يسبّوا علياً وأهل بيت النبوة في كلِّ صلاة، وبالعشي والإبكار، وأصدر سلسلة من مراسيمه الملكية تقضي بأن يُمحا من ديوان العطاء كلُّ من يوالي علياً وأهل بيته، ثمَّ تُهدم داره، ثمَّ يُقتل(1) .
ثمَّ ولى زياداً ابن أبيه على العراق لأنه كان يعرف شيعة أهل البيت؛ ففتك بهم فتكاً ذريعاً، وصفّاهم من دون رحمة(2) . وبكلِّ قوة الدولة قاد معاوية حملة اختلاق الأحاديث على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ لتمييع النصوص الشرعية المتعلقة بالخلافة من بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، وخلط الأوراق(3) ، وتوّج خطته بدس السم إلى الإمام الحسنعليهالسلام وقتله(4) .
وهكذا هيّأ معاوية كل الظروف لتحويل الخلافة رسمياً إلى ملك، ولحصر هذا الملك في ذرّيته وفي البيت الاُموي، أشد البيوت عداء لله
____________________
(1) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد 3 / 595 وما بعد.
(2) المصدر السابق نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) قال ابن سعد في طبقاته: سمّه معاوية. وقال الواقدي مثل ذلك، راجع تاريخ ابن كثير 8 / 43، ومروج الذهب للمسعودي 2 / 50، ومقاتل الطالبيِّين لأبي الفرج الأصفهاني / 29، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 16 - 17، والاستيعاب لابن عبد البر 1 / 141، وتذكرة الخواص لابن الجوزي / 121، وترجمة الإمام الحسن من تاريخ دمشق لابن عساكر 4 / 228 - 241، الأحاديث 367 - 392، والإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 144، والعقد الفريد لابن عبد ربه 2 / 298، وتاريخ الخميس 2 / 394، والغدير للعلامة الأميني 11 / 26 - 39، وكتابنا المواجهة / 237 - 238.
ولرسوله(1) .
وهكذا نجح معاوية بتحويل الدين رسمياً إلى مجرد طريق للملك، والمحافظة عليه، ونجح بتفريغ الإسلام سياسياً من محتواه، وصار الخليفة فعلياً مجرد رجل « ميكافيلي » لا همّ له إلاّ البقاء في ملكه، والمحافظة على هذا الملك بأي وسيلة كانت شرعية أو غيرها.
يزيد بن معاوية: وعملاً بنظام الملك والوراثة ورث يزيد بن معاوية عن أبيه مملكة مترامية الأطراف كانت بمثابة ضيعة كبرى لأبيه، وورث مع الأقاليم قيادة اُمّة هرمت شبابها وذلّت فاستذلت حتّى صارت الأغلبية الساحقة من جماعاتها وأفرادها بمثابة عبيد أو أقنان لمعاوية وورثته.
يزيد يكمل خطة والده
بعد أن حمل ولاة الأقاليم البيعة ليزيد، وبعد أن انتهت مراسيم تتويج الملك الجديد اُحيط الملك يزيد علماً بنقطتين هامتين:
أولاهما: إنّ شيخ آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، الحسين بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، لم يبايع، وأنه قد خرج وأهل بيت النبوة من المدينة إلى مكّة تهرّباً من إعطاء البيعة، ومن المؤكد أنه سيلجأ إلى العراق وإلى الكوفة بالذات عاصمة دولة الخلافة في عهد أبيه عليعليهالسلام .
وثانيهما: إنّ أهل المدينة وشيعها السياسية متلكِّئون بإعطاء البيعة، ويتأهبون للشغب.
عزم يزيد وإصراره
يزيد بطبيعته رجل جنس ولهو، ورجال الجنس واللهو بالضرورة يعشقون العنف. لقد قرر أن يضرب خصومه وبمنتهى الوحشية والقسوة، وأن يقطع دابر معارضيه وإلى الأبد؛ فبدأ من حيث انتهى أبوه، واستفاد من خبرة أبيه بالقمع
____________________
(1) راجع المستدرك على الصحيحين 4 / 487، ومجمع الزوائد 10 / 71، وكنز العمال 1 / 252 و 6 / 50 و 68، والسيوطي في الدر المنثور تفسير آية( أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً ) .
والإرهاب، ومن اُولئك الذين نفذوا سياسة أبيه بهذين المجالين.
مَن ينفّذ المهمتين؟
مَن يبيد آل محمّد وأهل بيت النبوة، ومَن يقتل شيخهم؟ مَن يضع حداً نهائياً لتمرد أهل المدينة ويقصم ظهورهم إلى الأبد؟ هذا ما كان يشغل ذهن يزيد بن معاوية.
سرجون ومعاوية
استشار يزيد سرجون مولاه وكاتبه، ونديمه وأنيسه. وسرجون هذا نصراني دخل في خدمة معاوية(1) ، فقال سرجون ليزيد: عليك بعبيد الله بن زياد. قال يزيد: لا خير فيه. فقال سرجون: لو كان معاوية حيّاً وأشار عليك به أكنت توليه؟ قال يزيد: نعم. فقال سرجون: هذا عهد معاوية إليه بخاتمه، ولم يمنعني أن اُعلمك به إلاّ معرفتي ببغضك له(2) .
عندئذ قرّر يزيد اختيار عبيد الله بن زياد لإنجاز النقطة أو المهمة الأولى المتمثلة بقتل الإمام الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام ، وبوصية من أبيه كما يقول الدينوري في « الإمامة والسياسة ».
قرر يزيد اختيار مسلم بن عقبة لإنجاز النقطة أو المهمة الثانية المتمثلة بوضع حد نهائي لتمرد أهل المدينة. وما يعنينا هو المهمة الأولى التي أوكل تنفيذها لعبيد الله بن زياد.
لقد استجاب يزيد لنصيحة سرجون، ونفّذ العهد الذي كتبه معاوية حال حياته، فعزل بشير بن النعمان وعيّن بدلاً منه عبيد الله بن زياد ليتولى تنفيذ المهمة القذرة.
____________________
(1) راجع الإسلام والحضارة العربية لمحمد كرد علي 2 / 158.
(2) راجع تاريخ الطبري 2 / 99 - 201، والإسلام والحضارة العربية 2 / 158، ومقتل الحسين لعبد الرزاق الموسوي المقرم / 148.
مرسوم التعيين
كتب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد قائلاً: أمّا بعد، فإن الممدوح مسبوب يوماً، وإن المسبوب يوماً ممدوح، وقد سُمي بك إلى غاية أنت فيها كما قال الأوّل:
رُفعتَ وجاوزت السحاب وفوقَه |
فما لك إلاّ مرقبُ الشمس مقعدُ |
وأمره بالاستعجال على الشخوص إلى الكوفة ليطلب ابن عقيل مندوب الحسينعليهالسلام فيوثقه أو يقتله أو ينفيه(1) .
وتلاحظ أن يزيد قد بيّن لعبيد الله بأنه بالذات هو وحده المؤهّل للقيام بهذه المهمة، وأن يزيد قد أطلق يد قائده عبيد الله وأعطاه كافة الصلاحيات للتعامل مع مندوب الإمام الحسين مسلم بن عقيل.
وتشير المصادر إلى أن يزيد قد كتب لعبيد الله بن زياد رسالة اُخرى قال فيها: إنه قد بلغني أن حسيناً قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به أنت من بين العمال، وعندها تُعتق، أو تعود عبداً كما تعتبد العبيد(2) .
فأنت تلاحظ أن هذه الرسالة مليئة بالتحريض والتهديد، والتذكير بنعمة آل أبي سفيان على عبيد الله وأبيه زياد؛ فقد كان زياد عبداً من أبوين عبدين، وهما: عبيد وسمية، فمنَّ عليه معاوية وألحقه بالاُمويِّين؛ زاعماً أن أبا سفيان قد زنى بسمية سراً، وأنها حملت زياداً من تلك الزنية، وأن أبا سفيان هو الوالد الحقيقي لزياد وليس عبيداً كما كان شائعاً في المجتمع.
وعلاوة على « شرف » الإلحاق ولاّه معاوية العراقين يتصرف فيهما تصرف السيد مع عبيده، وها هو يزيد يتمّ نعمته على حفيد سمية فيوليه العراقين أيضاً. بمعنى أن
____________________
(1) مقتل الحسين - السيد المقرم / 148 - 149 دار الأضواء - بيروت.
(2) راجع تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 344، وتاريخ ابن كثير 8 / 165.
عبيد الله إن لم ينجح بالتصدي لشيخ آل محمّد وأهل بيت النبوة سيعود عبداً بلا حسب ولا نسب ولا مكانة.
وما يعنينا هو أن عبيد الله بن زياد عُيّن رئيساً لهيئة الأركان المكلّفة بأخذ البيعة من شيخ آل محمّد وأهل بيت النبوة وهم صاغرون، أو قتلهم والتمثيل بهم لوضع حد لخطرهم.
عمر بن سعد
لما جاء مسلم بن عقيل مندوب الحسين إلى الكوفة، ورأى عمر بن سعد بن أبي وقاص إقبال الناس عليه أحرق الحسد والكره قلبه، فكتب سراً إلى يزيد بن معاوية بذلك.
فمن الطبيعي أن يسر ذلك يزيد(1) ، ومن الطبيعي أن يطلب من عبيد الله تعيين عمر بن سعد بن أبي وقاص قائداً للقوات العسكرية المكلّفة بقتل شيخ آل محمّد وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ، ومن الطبيعي أيضاً أن يعده الخليفة وعبيد الله بن زياد بولاية الري إن هو نجح بالمهمة الموكولة إليه.
وهكذا كان، إذ عُين عمر بن سعد قائداً عاماً للقوات العسكرية المكلفة بقتال أهل بيت النبوة وقتلهم والتمثيل بهم، أمّا لماذا اختار عمر بن سعد بن أبي وقاص ليقود المرتزقة في كربلاء؟ فإننا لا نعلم على وجه التحديد، ربما لأنّ عمر كتب له بقدوم مسلم وإقبال الناس عليه، وربما لأنه يعرف أن عمر بن سعد بن أبي وقاص من الكارهين لآل محمّد والحاقدين عليهم، وربما لإشعار الناس بأن أولاد سعد بن أبي وقاص معه؛ استغلالاً لسمعة سعد كأحد الذين رشّحهم عمر بن الخطاب للخلافة، وربما لضرب بطون قريش ببعضها حتّى يكون هو الحكم.
شمر بن ذي الجوشن
ومن أركان قيادة يزيد بن معاوية شمر بن ذي الجوشن، ويبدو أنه كان يتمتّع بمكانة خاصة عند عبيد الله، وفي قلوب أفراد عشيرته، وأنه كان وجيه هذه العشيرة، وقائد أفرادها في كربلاء، بدليل أن أكثر المؤرّخين يجمعون عند ذكر
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 99 - 201.
قطع رؤوس الشهداء بأن هوازن جاءت بكذا رأس من رؤوس الشهداء مع صاحبهم شمر بن ذي الجوشن(1) ، ومن المؤكد أن ابن ذي الجوشن هذا كان قائداً للقوات الراجلة تحت إمرة سعد، ومن المؤكد أيضاً أن ابن ذي الجوشن هذا كان نائباً لعمر بن سعد بن أبي وقاص، فعندما كان عمر يفاوض الإمام الحسينعليهالسلام كانت أوامر عبيد الله بن زياد أن قاتل أو سلّم الإمارة لشمر بن ذي الجوشن(2) .
ويبدو واضحاً للعيان أن شمر بن ذي الجوشن لا يكره محمداً وآل محمّد فحسب، بل يحقد عليهم حقداً، وعملاً بالمبدأ السائد « صارت النبوة طريقاً للملك »، فمن المؤكد أن شمراً هذا قد قرأ التاريخ وفهم تفاصيل معركة حُنين، والمواجهة بين قبيلته هوازن وبين النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله (3) ، فامتلأت نفسه بالكره والحقد على محمّد وآله (صلوات الله عليهم أجمعين)؛ ولأنه لا يستطيع أن يجهر بحقده على النبيصلىاللهعليهوآله فقد جهر بكراهيته وحقده على آل النبيعليهمالسلام ، ولقد تجلى هذا الحقد بأبشع صوره في معركة الطفِّ.
وما يعنينا هو أنه كان الرجل الثالث في تلك القيادة المجرمة.
أركان القيادة الأقزام
وساعد الثلاثة في القيادة مجموعة من أركان القيادة الأقزام الذين لم تكن لهم مكانة الثلاثة الاُول، إلاّ أنهم لعبوا دوراً بارزاً في قيادة الجند الذين اشتركوا بمذبحة كربلاء، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: الحصين بن نمير التميمي، وشبث بن ربعي، وكعب بن طلحة، وحجار بن أبجر، ونصر بن حرشة، ومضاير بن رهينة(4) .
ومن الذين قادوا قبائلهم: قيس بن الأشعث، وهلال بن الأعور، وغيهمة بن أبي زهير، والوليد بن عمرو...(5) .
____________________
(1) راجع على سبيل المثال تاريخ الطبري / 467 - 468، والأخبار الطوال للدينوري / 259.
(2) راجع تاريخ ابن الأثير 4 / 23، وتاريخ الطبري 6 / 236.
(3) يمكن الإطّلاع على تفاصيل هذه المواجهة في كتاب المغازي للواقدي 2 / 846، وراجع كتابنا المواجهة / 329.
(4) راجع ابن شهر آشوب 2 / 215.
(5) راجع الأخبار الطوال للدينوري / 259.
القبائل التي اشتركت بالمذبحة
نذكر منها على سبيل المثال:
1 - كندة
2 - هوازن
3 - تميم
4 - بنو أسد
5 - مذحج(1)
6 - الأزد
7 - ثقيف(2)
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 5 / 467 - 468.
(2) الأخبار الطوال / 259.
الفصل الثالث
عدد الفئتين
عدد فئة الإمام الحسينعليهالسلام
لا نعرف بالتحديد وعلى وجه الدقة واليقين عدد الفئة الأولى التي كان يقودها الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء؛ لأن هذه الفئة مرّت بسلسلة من الظروف والأحوال أثّرت على عددها زيادة ونقصاناً حتّى استقرت نهائياً في العشر الأوائل من شهر محرم.
ولكن بالاستقراء العلمي للمصادر التاريخيّة، والمقاتل، وكتب الزيارات، وروايات الذين توثقت علاقاتهم بآل محمّدصلىاللهعليهوآله وكانوا لهم شيعة، وبحصر الذين نجوا من مذبحة كربلاء، وبإعمال مناهج الاستقراء والاستدلال، والاستنباط والمقارنة، بهذا كله يمكن أن نقف على حقيقة العدد اليقيني.
عدد الناجين من المذبحة
تجمع كافة المصادر التي أشرنا إليها على أن كافة الذكور الذين تتكون منهم الفئة الأولى التي قادها الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء قد قتلوا عن بكرة أبيهم، ولم ينجُ منهم غير ستة؛ ثلاثة من بني هاشم وهم:
1 - الإمام علي بن الحسين، زين العابدينعليهالسلام ، فقد كان طريح الفراش ولا يقوى على الحركة.
2 - الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب.
3 - عمر بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فقد كانا(*) طفلين(1) .
ونجا من المذبحة ثلاثة من أنصار الحسينعليهالسلام من غير الهاشميِّين، وهم:
1 - الضحاك بن عبد الله المشرقي، عاهد الحسينعليهالسلام بالقتال معه ما كان القتال
____________________
(*) إنّ هذا التعليل يمكن أن يرد على عمر ابن الإمام الحسنعليهالسلام ، أمّا على أخيه الحسن المثنى فإنّه غير واردٍ؛ إذ الحسن هذا قد اشترك مع عمّه الحسينعليهالسلام في المعركة إلاّ أنه جُرج حينها، فأخذه خاله أسماء بن خارجة - الذي كان مع الجيش الاُموي - وداواه فشُفي بعد ذلك.(موقع معهد الإمامين الحسنين)
(1) راجع على سبيل المثال تاريخ الطبري 5 / 466.
نافعاً، فإن لم يجد مقاتلاً معه كان في حلٍّ من العهد. وقد انسحب هذا الرجل عندما لم يعد قتاله مجدياً.
2 - عقبة بن سمعان مولى الرباب زوجة الإمام الحسينعليهالسلام الذي قال لعمر بن سعد عندما وقع بين يديه: أنا عبدٌ مملوك. فتركه.
3 - المرفع بن ثمامة الأسدي، جاء وقومه بالمراحل الأخيرة من القتال، وهو يقاتل عندما لم يك القتال مجدياً، فأعطوه الأمان وأخذوه معهم(1) .
وقد أجمعت كافة المصادر على أنه عندما قُتل كافة أنصار الإمام الحسينعليهالسلام من غير بني هاشم، وبعد أن قُتل ذكور آل محمّد وأهل بيت النبوة، ركب الحسينعليهالسلام جواده، وامتشق حسامه، وأخذ يقاتل جيش الخليفة وحيداً، ولمّا عقروا جواده قاتل جيش الخلافة راجلاً، واستمر بالقتال وحيداً حتّى أثخنته الجراح وقُتل.
وبقتله، وبقطع رؤوس الشهداء، وبالدوس على جثثهم بسنابك الخيل، وأخذ ملابسهم التي كانوا يرتدونها غنائم للقتلة، وبالتمكن من بنات النبيصلىاللهعليهوآله وأخذهن سبايا أخذت مذبحة كربلاء صورتها النهائية، بمعنى أن الإمام الحسينعليهالسلام عملياً كان يدير القتال والعمليات العسكرية، ولم يقاتل قتالاً فعلياً إلاّ بعدما اُبيدت فئته وأصبح وحيداً أمام جيش القتلة.
رؤوس الشهداءعليهمالسلام
يمكن أن نستدل على عدد الفئة التي كان يقودها الإمام الحسينعليهالسلام بعدد رؤوس شهداء هذه الفئة التي حزّها وقطعها القتلة بعد قتل الشهداء؛ لينالوا بهذه الرؤوس الحظوة عند الخليفة وأركان دولة الخلافة، ويثبتوا رجولتهم وشجاعتهم لعل الخليفة يرضى منهم ويأمر لهم ببعض المال.
ويبدو أن هنالك أتفاقاً على عدد رؤوس الشهداء، قال الطبري بروايته عن شاهد عيان من جيش الخلافة: « فقطف رؤوس الباقين، فسرّح باثنين وسبعين رأساً »(2) .
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 5 / 389 و 418 و 444 و 445 و 454.
(2) راجع تاريخ الطبري 5 / 455 - 456.
وقال الدينوري: « وحملت الرؤوس على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين رأساً »(1) .
وقال الشيخ المفيد: « وسرّح عمر بن سعد... برأس الحسين، وأمر برؤوس الباقين من أصحابه وأهل بيته فقُطعت، وكانوا اثنين وسبعين رأساً »(2) .
وقال المجلسي في بحار الأنوار: « إنّ رؤوس أصحاب الحسين وأهل بيته كانت ثمانية وسبعين رأساً »(3) .
عدد الشهداءعليهمالسلام
يبدو أن عدداً من الشهداء لم تُقطع رؤوسهم؛ ومتابعة لاستقصائنا عن عدد الفئة الأولى التي كان يقودها الإمام الحسينعليهالسلام نذكر طائفة من الروايات التي تحدثت عن عدد القتلى من فئة الإمام الحسينعليهالسلام .
قال المسعودي: « وكان جميع من قتل مع الحسين في يوم عاشوراء بكربلاء سبعة وثمانين، منهم ابنه علي بن الحسين »(4) .
وقال الطبري في رواية له: « فقتل من أصحاب الحسين 72 رجلاً »(5) .
وقال الطبري في رواية اُخرى: « أقبل زحر بن قيس حتّى دخل على يزيد بن معاوية، فقال: ما وراءك، وما عندك؟ فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره؛ ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته، وستين من شيعته، فأحطنا بهم حتّى أتينا على آخرهم »(6) .
عدد الفئة الأولى
قال الطبري في رواية له عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين، الإمام
____________________
(1) الأخبار الطوال / 259.
(2) الإرشاد / 243.
(3) بحار الأنوار 45 / 62.
(4) راجع مروج الذهب للمسعودي 3 / 71.
(5) راجع تاريخ الطبري 5 / 455.
(6) راجع تاريخ الطبري 5 / 459 - 460.
الباقرعليهالسلام ....: « فلمّا رأى ذلك عدل إلى كربلاء، فنزل وضرب ابنيته، وكان أصحابه خمسة وأربعين فارساً ومئة راجلاً »(1) .
وفي رواية ثانية للطبري: « وإنهم لقريب من مئة رجل، فيهم لصلب علي بن أبي طالب خمسة، ومن بني هاشم ستة عشر... »(2) .
وروى الطبري أيضاً: « وعبأ الحسين أصحابه، وصلّى بهم الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً »(3) .
قال الدينوري: « وعبأ الحسين أيضاً أصحابه، وكانوا اثنين وثلاثين فارساً وأربعين راجلاً »(4) .
وقال اليعقوبي: « وكان الحسين في اثنين وستين أو اثنين وسبعين رجلاً من أهل بيته وأصحابه »(5) .
وقال الخوارزمي: « ولما أصبح الحسين عبأ أصحابه، وكان معه اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً »(6) .
القول الفصل
قال الشيخ محمّد مهدي شمس الدين في كتابه « أنصار الحسين »، والذي اعتمدنا عليه في هذه الناحية: « نلاحظ قبل أن نذكر تقديرنا الخاص في المسألة أن عدد أصحاب الحسين لم يكن ثابتاً في جميع المراحل، منذ الخروج من مكة إلى ما بعد ظهر اليوم العاشر من المحرم في كربلاء، وإنما كان العدد متقلّبا عند الخروج من مكة بالعدد الذي ذكره الخوارزمي « 82 »، ثمَّ ازداد العدد كثيراً في الطريق، ثمَّ تقلّص حتّى عاد إلى العدد الأوّل « 82 » رجلاً.
وربما يكون قد نقص
____________________
(1) تاريخ الطبري 5 / 389.
(2) تاريخ الطبري 5 / 392 - 393.
(3) تاريخ الطبري 5 / 422 و436.
(4) الأخبار الطوال / 256.
(5) تاريخ اليعقوبي 2 / 230.
(6) مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي 2 / 4.
عنه قليلاً أو ازداد بنسبة صغيرة قبل المعركة؛ نتيجة لقدوم بعض الأنصار، وتحول بعض جنود الجيش الاُموي إلى معسكر الحسين.
وتقديرنا الخاص نتيجة لما انتهى إليه البحث هو أن أصحاب الحسين الذين نقدّر أنهم استشهدوا معه في كربلاء من العرب والموالي يقاربون مئة رجل أو يبلغونها، وربما زادوا قليلاً عن المئة. ولا نستطيع أن نعيّن عدداً بعينه؛ لأنه لا بدّ من افتراض نسبة من الخطأ تنشأ عن تصحيف الأسماء، ومن عدم دقة الرواة الذين نقلوا الأحداث، وأسماء رجالها، ولكن نسبة الخطأ المفترضة ليست كبيرة قطعاً »(1) .
وأي باحث يستعمل مناهج الاستقراء والاستدلال، والاستنباط والمقارنة يصل إلى شبه يقين بأن عدد الفئة الأولى التي كان يقودها الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء كان أكثر قليلاً من المئة، أو أقل قليلاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنه كان عند الحسينعليهالسلام عشرة من الموالي، وعند ابنه علي اثنان منهم. فالموالي - وكما قال عقبة بن سمعان ( مولى الرباب ) - عبيد(2) ، وفي عداد الممتلكات.
عدد الفئة الثانية
في ست خلون من المحرم تكامل عند عمر بن سعد بن أبي وقاص قائد جيوش « الخليفة » في كربلاء قرابة عشرين ألف مقاتل؛ فمع شمر أربعة آلاف، ومع يزيد بن الركاب ألفان، ومع الحصين بن نمير أربعة آلاف، ومع شبث بن ربعي ألف، ومع كعب بن طلحة ثلاثة آلاف، ومع حجار بن أبجر ألف، ومع مضاير بن رهينة المازني ثلاثة آلاف، ومع نصر بن حرشة آلفان.
ولم يزل عبيد الله بن زياد يرسل العساكر إلى عمر بن سعد حتّى تكامل عنده ثلاثون ألفاً(3) قبل أن ينشب القتال.
____________________
(1) راجع « أنصار الحسين ».
(2) راجع تاريخ الطبري 5 / 454.
(3) راجع مقتل الحسينعليهالسلام - عبد الرزاق الموسوي المقرم / 200، نقلاً عن الأخبار الطوال للدينوري / 253، ومقتل العوالم / 15 و 45، وابن شهر آشوب 2 / 215.
ويؤكد هذا العدد « ثلاثين ألفاً » ما رواه أبو عبد الله الصادقعليهالسلام ، من أنّ الحسينعليهالسلام دخل على الحسنعليهالسلام في مرضه الذي استشهد فيه، فلما رأى ما به بكى، فقال له الحسنعليهالسلام : « ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ ».
فقال: « أبكي لما صُنع بك ».
فقال الحسنعليهالسلام : « إنّ الذي اُوتي إليَّ سمٌّ اُقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله؛ وقد أزدلف إليك ثلاثون ألفاً يدعون أنهم من اُمّة جدنا محمّد، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك »(1) .
ومن المؤكّد بأنّ الأئمة الكرامعليهمالسلام إذا حدّثوا فإنما يحدّثون عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ورسول اللهصلىاللهعليهوآله لا ينطق عن الهوى، فكافة المعلومات التي يثبت صدورها عن أئمة أهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله هي معلومات يقينية من جميع الوجوه.
قال أبو الفداء في تاريخه(2) : إنّ عمر بن سعد بن أبي وقاص خرج في أربعة آلاف، وإنّ الحر قد خرج في ألفين، فمن المعروف أن عمر بن سعد هو القائد العام للعمليات الحربية في كربلاء، والمكلف بقيادتها وتوجيهها حسب الأوامر التي يتلقاها من عبيد الله بن زياد، ومن الخليفة يزيد بن معاوية.
ومن المعروف أن القوة التي قادها الحر هي قوة مهمتها الاستطلاع وتقييد حركة الإمام الحسينعليهالسلام حتّى يتكامل جيش الخلافة، ومن المؤكد أن مجموعة من القبائل ككندة، وهوازن، وتميم، وبني أسد، ومذحج قد لبّت نداء ابن زياد، وخرجت للقتال بقيادة المتوجّهين من رجالاتها كقيس بن الأشعث، وشمر بن ذي الجوشن، وهلال بن الأعور.. إلخ.
ومن الطبيعي جداً أن تنظّم هذه القبائل لبقية جيش الخليفة، وأن تضع نفسها تحت تصرف القائد العام عمر بن سعد بن أبي وقاص، وأن تأتمر بأمره ليشركها في الغنائم، ولينقل لأسياده بطولة الوجوه وقبائلهم فينالوا حظوة الأسياد.
ووردت روايات بأنّ العدد أكثر من ذلك؛ ففي هامش « تذكرة الخواصّ » لسبط ابن الجوزي رواية تفيد أن عدد الفئة الثانية « جيش الخليفة » كان مئة ألف،
____________________
(1) راجع أمالي الصدوق / 71 مجلس 30.
(2) تاريخ أبي الفداء / 190.
وفي « تحفة الأزهار » لابن شدقم إن عددها كان ثمانين إلفاً.
ولكن الأقرب إلى الحقيقة أن عدد جيش الخلافة كان يتراوح بين عشرين ألفاً وثلاثين ألفاً، وأن ابن زياد لم يتوقّف عن إرسال المدد إلى عمر بن سعد حتّى تمّت المذبحة؛ بدليل ما أجمع المؤرّخون على قول ابن زياد لعمر بن سعد: « إني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال، لا تمسِ ولا تصبح إلاّ وخبرك عندي غدوة وعشية ».
بتعبير العصر: لقد أعلنت التعبئة العامة في دولة الخلافة عامة، وفي أقاليم العراق خاصة، يحشدون الخيل والرجال ويرسلونها إلى جبهة القتال في كربلاء.
وكانت الشعوب تواقة « للجهاد »، لا حباً بالله أو برسوله، ولكن طمعاً بالمغانم، وابتغاء لمرضاة الخليفة الذي بيده الأموال والنفوذ يعطي ما يشاء لمن يشاء، بلا حسيب ولا رقيب.
وبهذا المناخ فكأني بطلاب الدنيا يتهافتون تهافتاً على وجهاء قبائلهم وعرفائهم، وعلى الوالي وأركان ولايته، طالبين السماح لهم بـ « نيل شرف » قتال الإمام الحسين وآل محمّدعليهمالسلام ، وأهل بيت النبوة، وذوي قربى النبيصلىاللهعليهوآله ، ومَن والاهم.
وكأني بالخليفة والولاة وأركان دولة الخلافة وقد استغلوا هذا الانحراف أبشع استغلال ليعمّقوا الهوة بين الاُمّة وقيادتها الشرعية المتمثلة بآل محمّد وأئمة أهل بيت النبوة الأطهارعليهمالسلام .
قال البلاذري في « أنساب الأشراف »: إن عبيد الله بن زياد خطب وقال: فلا يبقين رجل من العرفاء والمناكب، والتجار والسكان إلاّ خرج فعسكر معي؛ فأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن العسكر برئت منه الذمة(1) .
____________________
(1) راجع معالم المدرستين 3 / 82 للعسكري.
الفصل الرابع
المواقف والأهداف النهائية لقيادتي الفئتين
موقف الإمام الحسينعليهالسلام
منذ اللحظة التي تأكّد فيها الإمام الحسينعليهالسلام من هلاك معاوية، ومن استخلافه رسمياً لابنه يزيد من بعده قرّر الإمامعليهالسلام وصمّم تصميماً نهائياً على عدم مبايعة يزيد بن معاوية مهما كانت النتائج.
أساس الموقف
عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله للإمام الحسينعليهالسلام بالإمامة والقيادة الشرعية للاُمّة، كما عهد بها من قبل لأبيه علي ولأخيه الحسنعليهماالسلام ، فهو موقن أنه:
1 - إمام زمانه بعهد من الله ورسوله. وباستخلاف معاوية لابنه وتجاهله للإمام الحسين يكون معاوية قد غصب حق الإمام الشرعي بقيادة الاُمّة، تماماً كما فعل هو والذين من قبله بأبيه وأخيهعليهماالسلام .
هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الاُمّة هي اُمّة محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ؛ فمحمد هو الذي كون الاُمّة وأسس دولتها، والإمام الحسين كأبيه وأخيهعليهمالسلام أولى المسلمين بمحمد رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
ومن جهة ثالثة فإن آل محمّد وذوي قرباه هم الذين احتضنوا النبيصلىاللهعليهوآله ودينه، وضحوا بأرواحهم لتكون الاُمّة وتكون الدولة، بالوقت الذي حاربه فيه الاُمويّون وناصبوه العداء. فهل من العدل أن يتقدم أعداء الله ورسوله على أولياء الله ورسوله، والمؤهلين لقيادة الاُمّة قيادة شرعية؟
2 - لما تمكن معاوية من هزيمة الاُمّة، والاستيلاء على أمرها بالقوة والقهر والتغلب، قطع على نفسه عهد الله أن يجعل الأمر من بعده شورى بين المسلمين ليختاروا بمحض إرادتهم من يريدون. واستخلاف معاوية ليزيد بهذه الحالة هو نقض لعهد الله.
3 - الاُمّة كلها تعلم حال يزيد؛ فهو مستهتر، تارك للصلاة، شارب للخمر، وزانٍ، ثمَّ إنه يجاهر بفجوره ويجاهر حتّى بكفره(1) ، ومن غير الجائز شرعاً أن يتولى أمر المسلمين من كانت هذه حاله وفيهم ابن النبي المعهود إليه بالإمامة من الله ورسوله. ولا ميزة ليزيد بن معاوية سوى أنه قد ورث ملكاً مغصوباً حصل عليه وأبوه بالقوة والقهر والتغلب.
4 - إن الاُمّة كلها تعرف الإمام الحسينعليهالسلام ، وتعرف قرابته القريبة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأنه المعهود إليه بإمامة الاُمّة وقيادتها، وتعرف الاُمّة كلها علمه ودينه، ومكانته الدينية المميزة. فعندما يضع الإمام الحسينعليهالسلام يده المباركة بيد يزيد القذرة النجسة ويبايعه خليفة لرسول الله على المسلمين فإن الإمام الحسين يصدر فتوى ضمنية بصلاحية يزيد للخلافة، وبشرعية غصبه لأمر المسلمين، ويتنازل ضمنياً عن حقه الشرعي بقيادة الاُمّة، وفي ذلك مس بالدين والعقيدة.
5 - إنّ من واجب الإمام الحسينعليهالسلام أن يرشد الاُمّة إلى الطريق الشرعي، فإن سلكته الاُمّة وأخذت به فقد اهتدت، وإن تنكبت عنه فلا سلطان للحسين عليها ولا قدرة له، بل ولا ينبغي له إجبارها على الحق وجرها إليه جرّاً؛ فعاجلاً أو آجلاً ستدفع الاُمّة ضريبة تنكبها عن [الطرق] الشرعية وتهاونها بأمر الله.
6 - وبهذه الحالة فإن أقصى ما يتمناه الإمام الحسينعليهالسلام أن لا يُجبر على البيعة، وأن يُترك وشأنه حتّى يستبين الصبح للاُمّة.
موقف قيادة أركان الحسينعليهالسلام
أتباع الحسين - أهل بيت النبوة الكرام وأنصاره من غير بني هاشم - استناروا ببصيرة الحسين، حللوا واقعهم تحليلاً دقيقاً، وانتهوا إلى ذات الموقف النهائي الذي صمم الحسين عليه؛ فهو إمامهم وهو وليهم، وقد أمروا بنصرته واتّباعه والدفاع عنه، فإن بايع الإمام بايعوا، وإن رفض الإمام البيعة رفضوا، فما يجري على الإمام يجري عليهم.
____________________
(1) راجع المراجع التي وثقناها قبل قليل تحت عنوان « مَن هو يزيد بن معاوية ».
الموقف النهائي ليزيد
بعد أن تمت مراسيم التتويج العملية ليزيد ملكاً على المسلمين بعد أبيه، والافتراء بصياغة تقارير تفيد أن شيخ آل محمّد، الحسين بن عليعليهالسلام ، قد امتنع عن البيعة، وامتنع أهل بيت النبوة عن البيعة أيضاً تبعاً لامتناع شيخهم، وحتّى لا يكرهوا على البيعة خرجوا من المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى العراق.
وخلفه تقارير رسمية تفيد بأن أهل المدينة يتململون، وأنهم غير راضين عنه. وبعد أن تأكدت هذه التقارير صمم يزيد بن معاوية نهائياً على ( قتل شيخ آل محمّد وإبادة أهل بيت النبوة إبادة تامّة؛ ليضع حداً نهائياً لخطرهم الدائم على دولته ) تحت مظلة امتناعهم عن البيعة، وخروجهم على « خليفة المسلمين ».
وتحقيقاً لهذا الهدف استجاب لنصيحة أبيه؛ فعيّن عبيد الله بن زياد الذي ورث عداوة أهل بيت النبوة ومَن والاهم من أبيه، وهو ابن المجرب بالقمع والإرهاب والتنكيل، وتنفيذ الرغبات الآثمة لأبيه معاوية، وابن الذي نجح بتركيع أهل العراق وإذلالهم وتحويلهم إلى أقنان وعبيد لمعاوية.
ومن الواضح أن يزيد بن معاوية أمر عبيد الله بأن يولي عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن على القوة الضاربة المعدة لقتل الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه، وكلاهما ناصبي وموتور، وكاره وحاقد على آل محمّد وأهل بيت النبوة، وكلاهما رجل دنيا، طامع ببعض مما في يد يزيد.
ومن المؤكد بأن يزيد كان على اتصال دائم بأركان قيادته. إنّ أركان قيادته كانوا يأتمرون بأمره وينفذون توجيهاته بدقة بالغة كأنها وحي إلهي؛ إنه قد بيّن لهم ما يريده تماماً، فلا يعقل أحد في الدنيا أن يعطي عبيد الله بن زياد أوامر خطية بقتل سبط الرسول الإمام الحسينعليهالسلام ، وإبادة أهل بيت النبوة، وقتل من معهم والتمثيل بهم، ومنع الماء عنهم حتّى يموتوا عطشاً دون علم ومباركة يزيد بن معاوية قائده الأعلى؛ فابن زياد أقل وأذل وأحقر من أن يفعل ذلك من تلقاء نفسه.
انظر إلى كتاب ابن زياد الذي وجهه لعمر بن سعد، وجاء فيه مايلي:
«... فإن نزل حسين وأصحابه على حكمي فابعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم؛ فإن قتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره.... فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخلِّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر فإنّا قد أمرناه بذلك »(1) .
وقد روى الطبري أن عبيد الله بن زياد كتب إلى عمر بن سعد: « أمّا بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة كما صُنع بالتقي الزكي المظلوم، أمير المؤمنين عثمان بن عفان »(2) . فهل يعقل أن يعطي عبيد الله بن زياد أوامر خطية بهذه الخطورة دون علم ومباركة سيده وقائده الأعلى يزيد بن معاوية؟!
ثمَّ هل يعقل بأن يعلن ابن زياد التعبئة العامة في ولاية مثل العراق دون علم «الخليفة» يزيد بن معاوية ومباركته؟! قال البلاذري في « أنساب الأشراف »: إنّ ابن زياد جمع الناس وخطبهم قائلاً: فلا يبقين رجل من العرفاء والمناكب، والتجار والسكان إلاّ خرج فعسكر معي، وأيما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن العسكر برئت منه الذمة.
وروى البلاذري أيضاً أن ابن زياد رتّب بينه وبين عسكر عمر بن سعد خيلاً مضمرة مقدمة، فكان خبر ما قبله يأتيه في كل الأوقات(3) .
فإذا كان بإمكان عبيد الله بن زياد أن يجعل بينه وبين عمر بن سعد خيلاً مضمرة تأتيه بأخباره في كل وقت، أليس بإمكان الخليفة أن تكون له مثل هذه الخيل بينه وبين عمر بن سعد؟ ثمَّ إن كُتب يزيد بن معاوية إلى عبيد الله بن زياد التي سبقت الإشارة إليها تفصح عن حقيقة موقفه النهائي.
ثم إنه بعد انتهاء المجزرة في كربلاء لم يوجّه يزيد بن معاوية لعبيد الله بن زياد كلمة لوم واحدة، بل على العكس أثنى عليه ومكّن له في الأرض.
____________________
(1) راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير 4 / 23.
(2) راجع معالم المدرستين 3 / 86 كما نقلها عن الطبري.
(3) راجع انساب الأشراف للبلاذري - ترجمة الحسينعليهالسلام .
وأبسط ما يفعله قادة الدول مع الذين يرتكبون أعمالاً أقل وحشية من مجزرة كربلاء أن يحيلونهم على التقاعد، أو يعفونهم من مناصبهم؛ احتراماً لمشاعر المجتمعات التي يحكمونها، لكن يزيد لم يفعل ذلك، بل ولم يسمح لأحد بأن ينتقد عبيد الله بن زياد.
روى الطبري في تاريخه قال: لما وضعت الرؤوس - رأس الحسين وأهل بيته وأصحابهعليهمالسلام - بين يدي يزيد بن معاوية قال يزيد:
يفلقن هاماً من رجالٍ أعزةٍ |
علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما |
فقال يحيى بن الحكم، أخو مروان:
لهامٌ بجنب الطفِّ أدنى قرابةً |
من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغلِ |
|
سمية أمسى نسلُها عددَ الحصى |
وبنتُ رسول الله ليس لها نسلُ(*) |
فضرب يزيد في صدر يحيى وقال له: اسكت.
فيزيد لا يسمح حتّى لابن عمه أن ينتقد فعل عبيد الله في كربلاء، أو أن ينتقد عبيد الله، لسبب بسيط هو أن ما فعله عبيد الله كان تنفيذاً حرفياً لمشيئة يزيد وموقفه النهائي القاضي بقتل آل محمّد وقتل مَن يواليهم.
ثمَّ إنّ يزيد قد اعترف أمام وفده الذي أرسله إلى ابن الزبير، إذ قال: « لن يكون أعظم من الحسين، ولا الزبير أعظم من علي... »(1) .
عيد في عاصمة يزيد
قال الخوارزمي الحنفي بروايته عن سهل بن سعد: خرجت إلى بيت المقدس حتّى توسطت الشام، فإذا أنا بمدينة مطردة الأنهار، كثيرة الأشجار، قد علّقوا الستور والحجب والديباج، وهم فرحون مستبشرون وعندهم نساء يلعبن بالدفوف والطبول، فقلت في نفسي: لعل لأهل الشام عيداً لا نعرفه نحن! فرأيت قوماً يتحدثون، فقلت: يا هؤلاء، ألكم بالشام عيد لا نعرفه نحن؟ قالوا: يا شيخ، نراك غريباً. فقلت: أنا سهل بن سعد، قد رأيت رسول الله وحملت حديثه... ثمَّ أخبروه قائلين: هذا رأس الحسين عترة رسول الله يُهدى من أرض
____________________
(*) لا يخفى اختلاف حركة حرف الروي فيما بين البيتين.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)
(1) راجع تاريخ الإسلام للذهبي 2 / 344، وتاريخ ابن كثير 8 / 165.
العراق إلى الشام.
فقلت: واعجباً! أيهدى رأس الحسين والناس يفرحون...(1) .
موقف أركان قيادة يزيد
عبيد الله بن زياد، وعمر بن سعد، وشمر بن ذي الجوشن، وبقية طواقم الإجرام في كربلاء هم أركان قيادة يزيد بن معاوية، وهم مجرد عبيد، ينفّذون أوامر سيدهم، ويتبنون موقفه؛ مصيباً كان أم مخطئً. فهل يعقل أن يكون - مثلاً - لرجل مثل عمر بن سعد، المتردد المريض المهزوز، موقف ينبع من قناعاته الخاصة.
معرفة الإمام الحسينعليهالسلام بالنتائج سلفاً
قبل أن يخرج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة إلى مكة قال لأخيه محمّد بن الحنفية: « يا أخي، لو كنت في جحر هام من هوام الأرض لاستخرجوني منه حتّى يقتلونني »(2) .
واقترح عليه أحد إخوته أن يبايع؛ لأنه سمع بأن الحسين سيقتل، فأجابه الإمام الحسينعليهالسلام : « حدثني أبي أن رسول الله أخبره بقتله - أي الإمام الحسينعليهالسلام (*) - وقتلي، وأن تربتي تكون بقرب تربته، فتظن أنك علمت ما لم أعلمه؟! وإنه لا اُعطي الدنية من نفسي أبداً، ولتلقين فاطمة أباها شاكية ما لقيت ذرّيتها من اُمّته، ولا يدخل الجنة أحد آذاها في ذرّيتها »(3) .
وقبل خروجه من المدينة أتته اُمّ سلمة، فقالت: يا بني، لا تحزني بخروجك إلى العراق؛ فإني سمعت جدك يقول: « يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق، في أرض يقال لها: كربلاء ».
فقال لها الإمام الحسينعليهالسلام : « يا اُمّاه، أنا والله أعلم ذلك، وأني مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بد. إني والله لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه، وأعرف مَن يقتلني، وأعرف البقعة التي اُدفن فيها، وإني أعرف مَن يُقتل من أهل بيتي، وقرابتي،
____________________
(1) راجع مقتل الخوارزمي الحنفي 2 / 60 - 61.
(2) راجع تاريخ الطبري 3 / 271، وأعيان الشيعة 1 / 888، ووقعة الطف / 85.
(*) هكذا ورد، ولعل هناك خطأً وقع أثناء النسخ؛ إذ الضمير هنا عائد على الإمام عليٍّعليهالسلام وليس على الحسينعليهالسلام .(موقع معهد الإمامين الحسنَين)
(3) اللهوف / 12.
وشيعتي، وإن أردت يا اُمّاه أريك حفرتي ومضجعي... »(1) .
ولما خرج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة دعا بقرطاس وكتب فيه ما يلي: « بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم. أما بعد، فإنّ مَن لحق بي منكم استشهد، ومَن تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح. والسّلام »(2) .
هذه النماذج من النصوص تدل دلالة قاطعة على أن الإمام الحسينعليهالسلام كان يعلم علم اليقين نتائج امتناعه عن البيعة سلفاً، وكان يعلم علم اليقين بأنه سيُقتل وسيُقتل مَن معه. وليلة العاشر من محرم - أي ليلة المذبحة - أخبر أصحابه بأنه سيُقتل، وأهل بيته سيقتلون معه.
معرفة يزيد بالنتائج سلفاً
إنّه لا يخفى على ذي بصيرة بأن دولة الخلافة كانت من الدول العظمى، وقبل أن يموت معاوية وطّد الأمر لابنه يزيد، وروّض له العباد، وسلّمه عملياً مفاتيح خزائن الدولة وقيادة جيوشها؛ فهو ملك ومالك حقيقي للدولة ومواردها.
فخلال أيام معدودة يستطيع يزيد بن معاوية أن يجنّد نصف مليون جندي، وأن يزوّدهم بما يحتاجونه من مال وسلاح؛ ليقفوا على أهبة الاستعداد لحرب الإمام الحسينعليهالسلام ، بل ولحرب رسول اللهصلىاللهعليهوآله نفسه لو بُعث حياً.
أمّا الإمام الحسينعليهالسلام فهو مجرد عملياً من كافة سلطاته وصلاحياته، وبالرغم من مكانته المعظمة إلاّ أنه لا يملك من الموارد التي تساعده على تجنيد بضعة عشر جندياً، وليس له عملياً إلاّ أهل بيته والقلة القليلة التي اختارت الآخرة على الدنيا.
فيزيد يعلم أنه سيجنّد ثلاثين ألف مقاتل ليواجه الحسين وأهل بيته وأنصاره الذين لا يتجاوز عددهم المئة رجل. فعندما يكون المؤمنون مئة يغلبون ألفاً،
____________________
(1) راجع بحار الأنوار 44 / 331، والعوالم / 17 - 18، وينابيع المودة / 405.
(2) بصائر الدرجات - حديث 5، واللهوف / 28، والمناقب لابن شهر آشوب، وبحار الأنوار 4 / 33 و 42 و 45 و 84.
ولكن لا طاقة لمئة مؤمن بأن يغلبوا ثلاثين ألفاً، فيزيد يعلم بأن المواجهة محسومة لصالحه، وبكل الموازين، ويعلم كذلك بأن هذه المواجهة ستسفر عن قتل الإمام الحسينعليهالسلام وإبادة أهل بيت النبوة وأصحاب الحسين. وليس من المستبعد بأن يكون يزيد قد سمع بخبر مستفيض عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله مفاده أن الحسين وأهل بيت النبوة سيُقتلون في كربلاء.
الباب الثاني
دور الاُمّة الإسلاميّة في مذبحة كربلاء
الفصل الأوّل: حالة الاُمّة وقت خروج الحسينعليهالسلام وموقفها منه
الفصل الثاني: الموقف النهائي لأكثرية الاُمّة الإسلاميّة من مذبحة كربلاء
الفصل الثالث: الأقلية التي وقفت مع الإمام الحسينعليهالسلام أو تعاطفت معه
الفصل الرابع: أخبار السماء عن مذبحة كربلاء
الفصل الأوّل
حالة الاُمّة وقت خروج الحسينعليهالسلام وموقفها منه
أين كانت الاُمّة؟
أين كانت الاُمّة الإسلاميّة عندما وقعت مذبحة كربلاء؟ أين كان المسلمون؟ وأين كان عقلاء الاُمّة ووجهاؤها؟ هل كانوا بالحج فشغلوا بمناسكه، أم كانوا غزاة يجاهدون في سبيل الله، أم كانوا نياماً وقد استغرقوا في نومهم فلم يسمعوا صرخات الاستغاثة، ولا قرقعة السيوف ووقع سنابك جيش « الخليفة »؟!
الأدلة القاطعة تشير بأنهم لم يكونوا بالحج، ولا كانوا غزىً، ولا كانوا مستغرقين بالنوم، بل جرت أمامهم فصول المذبحة فصلاً فصلاً، وبالتصوير الفني البطيء، وأنهم تابعوا وشاهدوا وقائع المذبحة البشعة في كربلاء بنظرات ساكنة، وأعصاب باردة، تماماً كما يشاهدون فلماً من أفلام الرعب على شاشة التلفاز.
وكان دور الأكثرية الساحقة من الاُمّة الإسلاميّة، ودور وجهائها وعقلائها مقتصراً على المتابعة والمشاهدة، باستثناء بعض التعليقات أو الانفعالات الشخصية المحدودة التي أبداها بعضهم همساً وهو يتابع ويشاهد المذبحة.
كان بإمكان عقلاء الاُمّة الإسلاميّة ووجهائها، وكان بإمكان أكثرية تلك الاُمّة على الأقل أن يحجزوا بين الفئتين المتنازعتين قبل وقوع المذبحة؛ فالوجهاء والعقلاء الذين لا دين لهم يحجزون بمثل هذه الحالات.
كان بإمكانهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، فيقولون للخليفة الطاغية مثلاً: إن قتل ابن بنت النبي وآل محمّد، وأهل بيت النبوة منكر، وحاشا لمثلك يا « أمير المؤمنين » أن يقع فيه.
يمكنهم أن يقولوا للخليفة الطاغية بأن تعبئة ثلاثين ألف مقاتل وزجّهم في المعركة لمقاتلة ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأهل بيت النبوة ومواليهم، وهم لا يتجاوزون المئة رجل، أمر لا يليق بشرف العسكرية الإسلاميّة التي يمثلها جيش الخليفة.
وكان بإمكانهم أن يقولوا للخليفة
الطاغية: وإن كنت فاعلاً يا « أمير المؤمنين » فأعط أوامرك لجيشك الجرار بأسر ابن بنت النبي وآل النبي وأهل بيت النبي، فليست هنالك ضرورة عسكرية لقتلهم.
كان بإمكان الأكثرية ووجهاء الاُمّة وعقلائها على الخصوص أن يقولوا للخليفة: إن ابن بنت النبي عالم ورث علم النبوة، أو على الأقل أحد علماء الإسلام، وليس مناسباً لـ « أمير المؤمنين » أن يقتل عالماً مهما كان جرمه. إنها لَوصمة عار في جبين الجيش الإسلامي إن قتل حبراً يهودياً، أو راهباً نصرانياً، فكيف يا أمير المؤمنين بوارث علم النبوة الإمام الحسين؟!
كان بإمكانهم أن يتداعوا من كل حدب وصوب ويقولوا لـ « خليفة المسلمين »: نرجوك يا « أمير المؤمنين »، إن الحسين وأهل بيته هم آل محمّد الذين فرض الله على كلِّ مسلم أن يصلّي عليهم في صلاته، وأنهم ذوو قربى النبي الذين أوجب الله على المسلمين مودتهم. وقتلهم بهذه الطريقة إحراج لكم ولنا ولديننا أيضاً.
كان بإمكان الوجهاء والعقلاء وأكثرية الاُمّة المسلمة أن تقول للخليفة الطاغية: يا « أمير المؤمنين »، إنّ محمداً رسول الله نفسه لم يكره أحداً من الناس على بيعته، ثمَّ إن بيعة الإمام الحسين وأهل بيت النبوة لا تزيد في ملك مولانا « أمير المؤمنين »، وإن عدم بيعتهم له لا تؤثّر عملياً في ملكه.
كان بإمكان وجهاء الاُمّة وعقلائها وأكثريتها أن تقول للخليفة الطاغية: نرجوك يا صاحب الجلالة، ونستوهبك روح الحسين وآل محمّد، وأهل بيت النبوة وذوي قربى محمّد. نحن عبيدك وعبيد أبيك من قبلك، وعلى طاعتك، فهبهم لنا؛ إنك إن قتلتهم أيها الملك فأي شيء مقدّس يبقى لدينا!
لو قال وجهاء وعقلاء المسلمين ذلك ليزيد بن معاوية لما وقعت مذبحة كربلاء، ربما كانت قلوبهم مليئة بالرعب، وكان عسيراً عليهم أن يجتمعوا ويقولوا ذلك للخليفة. وربما أن الوجهاء قد أدركوا بثاقب عيون مصالحهم الضيقة أن الحسين وأهل بيت النبوة عائق أمام مطامعهم المستقبلية بالرئاسة، فأدركوا أن فعل يزيد بن
معاوية يصبّ في النهاية بحوض مطامعهم الضيّقة، فاستحسنوا فعله، وعبّروا عن هذا الاستحسان بالسكوت؛ « لأن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان » كما يقول ذلك علماء البلاغة.
ليفخروا بالمنكر ولا فخر به
ليفخر وجهاء وعقلاء الاُمّة الإسلاميّة وأكثريتها الساحقة بأنهم لم يأمروا بمعروف، ولا نهوا عن منكر، ولا سمعوا من الفئتين فحدّدوا مَن هي الباغية؟ ولا حتّى حجزوا، وإنما شاهدوا المذبحة وتابعوها من أوّلها إلى آخرها دون أن يحرّكوا ساكناً، أو يوجّهوا كلمة لوم واحدة للخليفة الطاغية، بل مضوا في طاعته! ألا بعداً لهذه الوجاهة الفارغة، ولتلك الأكثرية الجاهلة كما بعدت ثمود!
حالة الاُمّة وقت خروج الحسينعليهالسلام
عندما خرج الإمام الحسين من المدينة أو اُخرج منها كان واضحاً لجميع رعايا دولة الخلافة أن عاصفة مدمرة تتجمع بالاُفق وتتحفز للانطلاق والانفجار، وأن مواجهة عنيفة وضاربة ستنشب لا محالة بين الخليفة وأركان دولته وجيشه المطيع الجرار من جهة، وبين ابن النبي الإمام الحسين وآل محمّد وأهل بيت النبوة والقلة القليلة التي انضمت إليهم مختارة الآخرة على الدنيا.
مثلما كان واضحاً لرعايا دولة الخلافة بأن هذه المواجهة ليست متكافئة، فالخليفة يستطيع أن يجنّد خلال اُسبوع واحد نصف مليون مقاتل، وهل بإمكان الحسين ومَن معه وهم لا يزيدون عن المئة أن يقاتلوا نصف مليون جندي؟!
ومن جهة ثانية، فقد كان واضحاً لرعايا دولة الخلافة أن الخليفة المتغلب وأركان دولته يملكون بأيديهم مفاتيح المال والجاه، والسلطان والنفوذ، فلا يدخل الجيوب درهم إلاّ بإذن الدولة، ولا يخرج من الجيوب درهم إلاّ بأمرها؛ فالخليفة سلطان اقتصادي قبل أن يكون سلطاناً سياسياً، سلطاناً عسكرياً.
إقليم دولة الخلافة كله ما هو في حقيقته إلاّ ضيعة للخليفة وأقاربه بالدرجة
الأولى، وأركان دولته بالدرجة الثانية. ورعايا دولة الخلافة ما هم في الحقيقة إلاّ أقنان يعملون جميعاً في « ضيعة الخليفة »، وعبيد يأتمرون بأمر الخليفة، ويعتمدون هم وعائلاتهم في حياتهم اليومية في معيشتهم على ما يقدّمه لهم الخليفة.
فالخليفة يقدّم عطاءً شهرياً لأفراد جيشه، وعطاء واُعطيات لرعايا دولته، بمعنى أن جميع أفراد رعايا دولة الخلافة يتلقّون رزقاً أوعطاءً شهرياً مباشراً أو غير مباشر من الخليفة، والخليفة الملك لا يعطي مجاناً؛ فهو يعتبر مال الدولة ماله الخاص؛ لذلك فإنه يقدّم الأرزاق والعطايا لجيشه ولرعاياه ليبقوا دائماً على طاعته، فلا يعمل أحد منهم إلاّ بما يرضي الخليفة، ولا يتكلم إلاّ بما يسرّ الخليفة.
فإذا خرج أحد من الرعية عن طاعة الخليفة، أو عمل عملاً يغضب الخليفة، أو تكلّم بكلام لم يسرّ الخليفة، فأول إجراء يتعرض له هذا « المواطن » هو قطع الرزق والعطاء الشهري عنه وعن أفراد عائلته، ويتبع ذلك ما يسمى « برئت منه الذمة »، أي يُهدر دمه، ومع دمه قد تهدر دماء أولاده وعائلته؛ جزاء وفاقاً لعصيانه « لخليفة رسول الله »؛ لأن الخروج على طاعة الخليفة من جرائم الخيانة العظمى.
ومع الأيام تروض أفراد الرعية، وتسابقوا لإشباع جوعهم للمال والجاه والنفوذ، وكان ميدان السباق الأرحب هو « التفنن » بطاعة الخليفة، وابتغاء رضوانه ومرضاته بأي وسيلة.
ثمَّ إنّ الناس قد خرجوا قبل قليل من حرب أهلية أشعلها معاوية بن أبي سفيان بخروجه على إلامام الشرعي، وإصراره على تحويل نظام الخلافة إلى الملك، وانتزاع هذا الملك بالقوة والقهر والغلبة، وبأي وسيلة تلزم لتحقيق غاياته، بغض النظر عن شرعيتها أو عدم شرعيتها، إنسانيتها أو وحشيتها.
وقد طالت الحرب الأهلية، ودفعت الرعية أغلى الأثمان، واستسلمت في النهاية، وتنازلت لمعاوية عن كل شيء من دون قيد ولا شرط، فما حرّمه معاوية فهو الحرام، وما أحله معاوية فهو الحلال؛ فقد أمر معاوية المسلمين بأن يسبوا علي بن أبي طالب وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ، فاستجابت الرعية على الفور، وتعبّدت بسب علي وأهل بيت النبوة.
وقال معاوية: أضفوا هالة القداسة على كلِّ مَن صحب النبي ورآه. فاستجابت الرعية، ورددت خلف معاوية بأن كل الصحابة بمَن فيهم معاوية وأبوه ومروان بن الحكم عدول لا يصدر منهم إلاّ حقاً وصواباً.
لقد ملّت الاُمّة فكرة المقاومة والدفاع عن الحق، وقررت أن تطلب الحياة والسلامة والعافية ولو بالقيود والأغلال. فضلاً عن ذلك فإن المناهج التربوية والتعليمية والسلوك العام للخلفاء وأركان دولتهم كان منصبّاً بالدرجة الأولى على إنكار أيّ حق لأهل بيت النبوة بقيادة الاُمّة، وعلى تصغير مكانة أهل بيت النبوة.
وتأويل النصوص الشرعية التي نجت من حصار الخلفاء تأويلاً يخرجها عن معناها، وعلى محاصرة أهل بيت النبوة ومَن والاهم، وإظهارهم بمظاهر الطامعين بالسلطة، والمنازعين لأمر أهله، وبمظهر المتربّصين بوحدة الاُمّة، والمتأهبين لشق عصا الطاعة، والخروج على الجماعة.
لقد نجحت دولة الخلافة بإرساء هذه المفاهيم الظالمة في نفوس الأكثرية الغافلة من رعاياها. فضلاً عن ذلك فإن عامة ابناء بطون قريش الـ 23، والبطن الأموي خاصة صاروا هم ومَن والاهم أركاناً لدولة الخلافة من بعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله وحتّى عهد يزيد وما بعده. وهذه البطون هي نفسها التي حاربت محمداًصلىاللهعليهوآله وحاربت دينه طوال الـ 21 عاماً، ولم تسلم إلاّ مكرهة؛ ونتيجة معاناة الحرب التي استمرت 21 عاماً كرهت محمداً وبني هاشم، وأضمرت الحقد لهم.
ولما انتصر الإسلام وصار له ملك ودولة صار الدين طريق ملك؛ فأدّعت البطون حبها لمحمد وقرابتها منه، وأعلنت اعترافها بالنبوة، وتفاخرها بهذه النبوة لغاية توطيد ملكها على العرب وعلى العالم.
وبالوقت نفسه الذي أبقت فيه بطون قريش كراهيتها وحقدها على آل محمّد خاصة والهاشميِّين عامة، وأخذت هذه البطون حذرها التام من كل من يواليهم ويحبهم من المسلمين، وجردت الهاشميِّين ومَن والاهم عملياً من كافة حقوقهم السياسية.
وبالوقت نفسه الذي تزعم فيه البطون إسلامها وإيمانها، وتحكم الناس باسم الدين إسلاماً وإيماناً؛
مجموعة هذه الاُمور أماتت الشعور بالانتماء للاُمّة، والإحساس العام، وخلقت حالة من التقوقع على الذات، ومن الشعور بالانفصال العملي التام عن المجتمع؛ فانتصارات المجتمع العسكرية تُقابل بالفتور، وهزائمه تُقابل بقليل من الأسف.
صحيح أن الاُمّة كانت تعرف الحق من الباطل، ولكن لا حوافز لديها ولا رغبة بنصرة الحق أو محاربة الباطل، إنها تتمنى أن ينتصر الحق وأن يُهزم الباطل، ولكن ليست لدى أي فرد من أفراد الرعية العزيمة والرغبة للاشتراك بنصرة الحق أو هزيمة الباطل وهو مقتنع أن في يوم من الأيام سيأتي غيره فينصر الحقَّ أو يهزم الباطل دون ان يكلّفه عناء المواجهة.
كان هذا الشعور بالتواكل سائداً عند الرجال والنساء، ولكن بنسب متفاوتة. قال الطبري في تاريخه: إنّ المرأة كانت تأتي ابنها وأخاها فتقول: انصرف، الناس يكفونك. ويجيء الرجل إلى ابنه وأخيه فيقول: غداً يأتيك أهل الشام(1) .
بهذا المناخ المعقد مات معاوية، وخلفه يزيد، وامتنع الإمام الحسينعليهالسلام عن البيعة فاضطر حفاظاً على حياته وموقفه للخروج.
موقف الاُمّة الإسلاميّة من خروج الحسينعليهالسلام
موقف الأكثرية الساحقة
لم يقف يزيد بن معاوية وحده في وجه الإمام الحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ، إنما وقفت مع يزيد ابن معاوية واستنكرت موقف الإمام الحسين وأهل بيت النبوة مجموعة من القوى الكبرى التي كانت تكوّن رعايا دولة الخلافة أو ما عرف باسم « الاُمّة الإسلاميّة ».
وهذه القوى هي:
1 - بطون قريش الـ 23 وأحابيشها وموالوها، وهي القوة نفسها التي كذبت النبيصلىاللهعليهوآله وقاومته وتآمرت على قتله، وحاربته 21 عاماً حتّى أحاط بها النبيصلىاللهعليهوآله فاستسلمت واضطرت مكرهة لإعلان إسلامها وهي تخفي في صدورها غير الإسلام.
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 5 / 370.
ويزيد بن معاوية ليس غريباً على البطون؛ فجدّه أبو سفيان هو الذي قاد البطون ووحّدها للوقوف ضد محمّدصلىاللهعليهوآله لمحاربة محمّد، ومعاوية والد يزيد هو الذي قاد البطون ووحّدها لحرب عليعليهالسلام . ثمَّ إن يزيد موتور، شأنه شأن كل واحد من أبناء البطون، وتشترك بطون قريش الـ 23 بكراهية آل محمّد والحقد عليهم، ورفضها المطلق لقيادتهم وإمامتهم وخلافتهم.
2 - ووقف المنافقون من أهل المدينة وممن حولها من الأعراب، ومن خبث من ذرّياتهم، ومنافقوا مكة ومَن حولها جميعاً مع يزيد بن معاوية، لا حباً بيزيد، ولا حباً ببطون قريش، ولكن كراهية وحقداً على محمّد وآل محمّد، وطمعاً بهدم أساسيات الدين بيد معتنقيه، وقد اعتقدوا أن الفرص قد لاحت لإبادة آل محمّدعليهمالسلام إبادة تامة؛ لذلك أيدوا يزيد بن معاوية.
3 - ووقفت المرتزقة من الأعراب مع يزيد أيضاً، وقد وجدت ظاهرة الارتزاق جنباً إلى جنب مع ظاهرة النفاق، ومات النبيصلىاللهعليهوآله وبقيت الظاهرتان، والمرتزقة قوم لا مبادئ لهم إلا مصالحهم، مهنتهم اقتناص الفرص، وتأييد المواقف، وترجيح الكفّات، والانقضاض على المغلوب، وهم على استعداد لمناصرة من يدفع لهم أكثر كائناً من كان. ولا فرق عندهم سواء أيّدوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله أم أيدوا الشيطان، فهم يدورون مع النفع العاجل حيث دار.
انظر إلى قول سنان بن أنس - قاتل الإمام الحسينعليهالسلام - لعمر بن سعد بن أبي وقاص عندما جاءه طالباً المكافأة على قتل الحسينعليهالسلام :
اِملأ ركابي فضة أو ذهبا |
إني قتلتُ السيد المحجبا |
|
وخيرهم من يذكرون النسبا |
قتلتُ خير الناس اُمّاً وأبا(1) |
فاللعين يعرف الإمام الحسينعليهالسلام ، ويعرف مكانته العلية، ولكن ما يعني هذا التافه هو المال. أعطه المال وكلّفه بقتل نبي يقتله مع علمه بأنه نبي، أو كلّفه بقتل الشيطان يقتله إن رآه، وبأعصاب باردة، لا فرق عنده بين الاثنين.
لقد أدركت المرتزقة بأن الإمام الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام سيُغلَبون، وأنّ يزيد
____________________
(1) مقتل الإمام الحسينعليهالسلام - السيد المقرم / 304، دار الأضواء - بيروت / 1979 م.
سينتصر وسيعطيهم بعض المال؛ لذلك أيّدوا يزيد بن معاوية.
4 - الأكثرية الساحقة من الأنصار وقفت مع يزيد بن معاوية؛ فقد بايعته أو قبلت به، أو تظاهرت بقبوله، فليس وارداً على الإطلاق أن تقف مع الإمام الحسينعليهالسلام ، وليس وارداً أن تعصي أمر يزيد بن معاوية.
فلو طلب منها يزيد أن تميل على الإمام الحسين وأهل بيت النبوة فتحرق عليهم بيوتهم وهم أحياء لأجابته أكثرية الأنصار إلى ذلك؛ فللأنصار تاريخ بالطاعة؛ فالسرية التي أرسلها الخليفة الأوّل وقادها الخليفة الثاني لحرق بيت فاطمة بنت محمّد على مَن فيه - وفيه علي، والحسن والحسين، وفاطمة بنت محمّد، وآل محمّد (صلوات الله عليهم جميعاً) - كانت من الأنصار(1) ؛ لذلك يمكنك القول وبكل ارتياح: إن أكثرية الأنصار كانت سيوفهم مع يزيد وتحت تصرفه، وكانوا عملياً من حزبه، ومن حزب خلفاء البطون، أو على الأقل ليسوا من حزب أهل بيت النبوة.
5 - المسلمون الجدد الذين دخلوا في الإسلام على يد جيش الخلفاء الفاتح كانوا بأكثريتهم الساحقة مع يزيد بن معاوية؛ لأنهم فهموا الإسلام على طريقة قادة البطون وأبنائها، وتلقّوا تعليمهم في مدارس البطون، وأكثريتهم لا يعرفون أهل بيت محمّد، ولا ذوي قرباه، ويجهلون تاريخهم الحافل بالأمجاد؛ لأن الخلفاء وأبناء بطون قريش الـ 23 تعمّدوا تجهيل الناس بذلك.
بل وأبعد من ذلك فإنّ أكثريتهم يعتقدون أن علي بن أبي طالبعليهالسلام قاتل مجرم « حاشاه »، وأنه وأهل بيت النبوة ينازعون الأمر أهله، وأنهم أعداء للدين، وإلاّ فلماذا فرض « الخليفة معاوية » سبه ولعنه على رعايا الدولة؟! ولماذا أصدر الخليفة معاوية أمراً بقتل كل من يوالي علياً وأهل بيته(2) ؟! لذلك وقفت الأكثرية الساحقة من المسلمين الجدد مع يزيد بن معاوية.
6 - ووقف مع يزيد بن معاوية أبناء وبطون وشيع الخمسة الذين عرفوا
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 2 / 443 - 444، وشرح نهج البلاغة 1 / 130 - 134 لتجد أسماء الأنصار الذين اشتركوا بعملية التحريق.
(2) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 595، تحقيق حسن تميم.
« بأهل الشورى »، ويكفي أن تعلم بأن مذبحة كربلاء قد نُفّذت على يد عمر بن سعد بن أبي وقاص، وكان أبوه أحد الخمسة الذين اختارهم عمر بن الخطاب لمنافسة علي بن أبي طالبعليهالسلام صاحب الحق الشرعي بالإمامة من بعد النبيصلىاللهعليهوآله .
7 - كذلك وقف مع يزيد بن معاوية أبناء الخلفاء الذين استولوا على مقاليد الاُمور من بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، ووقفت معهم أيضاً بطون الخلفاء وشيعهم، ويكفي أن تعلم بأن عبد الله بن عمر بن الخطاب كان من أكثر المتحمسين لبيعة يزيد بن معاوية، ومن أكثر المشجعين على هذه البيعة، وهو نفسه الذي امتنع عن مبايعة علي بن ابي طالبعليهالسلام !
الأكثرية مع يزيد
مَن يصدّق أن أكثرية الاُمّة الإسلاميّة وقفت مع يزيد بن معاوية وضد الإمام الحسينعليهالسلام ، والأقلية هي التي وقفت مع الإمام الحسين ضد يزيد بن معاوية! مَن يصدق ذلك! لقد تتبعنا كافة الشواهد، واستقرأنا حقيقة تلك الفترة فصدمتنا هذه الحقيقة المرة.
التاريخ الحافل بالمخازي
من يقرأ تاريخ الاُمم والشعوب يستنتج أن الأكثرية الساحقة من كلِّ اُمّة من اُمم الأرض، وكلّ شعب من شعوبها قد اتخذت دائماً مواقف مخجلة يصعب الدفاغ عنها؛ لأنها مكللة بالخزي والعار حقاً؛ فالأكثرية الساحقة من كل اُمّة من اُمم الأرض، وكلّ شعب من شعوبها وقفت وقفة رجل واحد مع طاغوتها ضد نبيها، معاندة له، ومكذبة به، ورافضة الحق الذي جاء به!
لقد ساق القرآن الكريم كماً هائلاً من الأمثلة على تلك المواقف المخجلة لتلك الأكثريات، قال تعالى:( كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ * وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الأَحْزَابُ * إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ) (سورة ص / 12 - 14 ).
وبين القرآن الكريم بعض صفات الأكثرية في كلِّ اُمّة وشعب، وكشف حقيقة هذه الأكثرية بكم وكيف هائل من الآيات، فقال تعالى بهذا
المجال( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ ) ( سورة البقرة / 243 )،( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) ( سورة الأنعام / 116 )،( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يعلمون ) ( سورة الأعراف / 187 )،( وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يؤمنون ) ( سورة هود / 17 )،( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ) ( سورة الأسراء / 89 )،( مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمْ الْفَاسِقُون ) ( آل عمران / 110 ).
فالأكثريّة الساحقة من الاُمّة المصرية وقفت مع فرعونها الذي فرض نفسه عليها بالقوة والقهر والغلبة، وتخلّت هذه الأكثريّة عن موسى وهارون وخذلتهما، ووافقت هذه الأكثريّة على الانخراط بالجيش الذي أعدّه فرعون لقتل موسى وهارون ومَن آمن معهما، وسارت الأكثريّة بالفعل لارتكاب مذبحة على شاكلة مذبحة كربلاء، ولكن المذبحة لم تحدث؛ لسبب لا يد لهذه الأكثريّة فيه.
والأكثريّة الساحقة من رعايا دولة نمرود وقفت مع نمرودها الطاغية وقفة رجل واحد ضد إبراهيم الخليلعليهالسلام ، واشتركت بجمع الحطب، وشهدت عملية إحراق إبراهيم، تلك العملية التي فشلت لسبب سماوي. لم تخجل تلك الأكثريّة عندما أجمعت كلها على مواجهة رجل واحد، وعندما اجتمعت لتتلذذ برؤية إبراهيم وهو يحترق!
ما هي مصلحة أكثريّة اُمّة فرعون واُمّة نمرود لتفعل ما فعلت؟ إنه لا مصلحة لاُمّة بقتل من يحاول إنقاذها بن براثن العبودية. وما ارتكبت كل اُمّة من الأمم السابقة مخازيها إلاّ مجاراة لطاغيتها، وابتغاء لمرضاته، وانسياقاً أهوج مع التيار تحت دعاوى الدفاع عن مصالحها الموهومة وقيمها الفاسدة.
المواقف المخجلة لماذا؟
الأكثريّة الساحقة من كلِّ اُمّة من اُمم الأرض ليست شيعة واحدة كما يتصور بعض القراء، أو حزباً واحداً، إنما تتكون تلك الأكثريّة من مجموعة كبيرة من الشيع أو الأحزاب التي تحالفت مع بعضها، ومع طاغوتها، وأقامت نظام الحكم الذي يقوده ويرمز لوحدته طاغوتها، وبالتالي فهي منتفعة من بقاء هذا النظام، وتعتقد أن لا مصلحة لها بتغييره؛ فهي تعتقد أن تغيير النظام يؤدي لضياع مكتسباتها
وحصتها بالسلطة، ومنافعها الحاصلة والمأمولة.
وتنظر هذه الأكثريّة إلى النبي - أي نبي - أو المصلح - أي مصلح - على أساس أنه جاء ليسلبها مكتسباتها بدعاوى موهومة، وربما كانت هذه الأسباب وراء المواقف المخجلة لكل أكثريّة من أكثريات الأمم التي كذبت أنبياءها ورسلها، والمصلحين المشفقين عليها، ووقفت مع طاغيتها ضدهم، علاوة على حالة القسر الاجتماعي التي يخلقها الانسياق أو التوجه العام.
الأقليّة ومواجهة الأكثريّة
الذين آمنوا من كل اُمّة أقلية، حقاً أقلية لا يتجاوزون أصابع اليدين، فماذا عسى هذه الأقلية أن تفعل لمواجهة أكثريّة تتكون من الآلاف أو عشرات الآلاف أو مئات الآلاف؟
إنّ مواجهة مسلحة تسعى إليها القلة المؤمنة هي بمثابة انتحار حقيقي ستؤدي إلى قتل النبي وإبادة الذين آمنوا معه؛ لتخلو الساحة كلياً، وتبقى للأكثريّة المجرمة. من هنا ابتعد كل نبي من الأنبياء، وكل رسول من الرسل، وكل أقلية من الأقليات التي آمنت بكلِّ واحد منهم عن المواجهة المسلحة مع الأكثريّة الفاسدة.
وبالوقت نفسه الذي بقي فيه كل نبي متمسكاً بالإعلان عن عدم شرعية نظام الأكثريّة، وفساد قيم هذه الأكثريّة، مع الاستمرار بحملة الإصلاح، وأقتصر دور الأقلية على تصديق الرسول أو النبي، والإيمان به وموالاته، والسعي السري لنشر مبادئه لمن يتقبلها.
الله في مواجهة الأكثريّة
عندما وقفت الأكثريّة من كل اُمّة ضد نبيها ومَن معه، وكذبته وعزلته عزلاً اجتماعياً كاملاً، ونفرت منه، وقاومت دعوته لإصلاح الفساد المتفشي في أوساط تلك الأكثريّة، وحالت بينه وبين كشف الحقائق.
عندما فعلت كل ذلك فقد أجرمت حقاً، ولا بدّ من أن ينال المجرم عقابه العاجل؛ لذلك فإن الله سبحانه وتعالى تولى أمر مواجهتهم بوسائله وجنوده؛ فأهلك الأكثريّة الفاسدة من قوم نوح، وعاد، وفرعون، وثمود، وقوم لوط، وأصحاب الأيكة، وبالطرق التي بيّنها
القرآن الكريم تفصيلاً. وكانت عمليات الإهلاك تتم بعد تجاوزهم للمدى، وبعد اليأس من صلاحهم.
الفصل الثاني
الموقف النهائي لأكثريّة الاُمّة الإسلاميّة من مذبحة كربلاء
الامتناع عن البيعة
أصل المذبحة ونواتها أن الإمام الحسينعليهالسلام امتنع عن بيعة يزيد بن معاوية، وتبعاً لامتناعه امتنع آل محمّد وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ؛ لأن الإمام الحسين قد قدّر بأن بيعته ليزيد تتناقض تماماً مع الشرع، ومع الحقيقة، ومع معتقداته، وخط الكمال الإسلامي الذي يمثله.
وأن بيعته ليزيد ستكون بمثابة اعتراف بشرعية خلافة غير شرعية، وفتوى ضمنية بأهلية يزيد للخلافة وهو الرجل الذي يجاهر بفسقه ومجونه وحتّى بكفره. والإمام الحسينعليهالسلام على علم يقيني بحقيقة الأوضاع كلها، وأنه لا طاقة له ولا لأهل بيته بالدخول بمواجهة مسلحة مع الخليفة وأركان دولته.
كان هم الإمام الحسينعليهالسلام منصباً بالدرجة الأولى على العثور على مكان آمن يستطيع فيه أن يحافظ على نفسه وأهل بيت النبوة وعلى موقفه، وعلى فئة من الناس تجيره وتجير أهله وتجير موقفه، وتمكنه من بيان الأسباب التي دعته للامتناع عن بيعة يزيد؛ ليكون هذا البيان صرخة لإيقاظ النائمين، ومحاولة جدّية لإصلاح هذه الاُمّة. لقد حلل الإمام الحسين واقع الاُمّة تحليلاً دقيقاً.
الامتناع عن بيعة الخليفة حالة معروفة عند الاُمّة
1 - امتناع الإمام عليعليهالسلام عن بيعة أبي بكر
لقد امتنع علي بن أبي طالبعليهالسلام عن بيعة أبي بكر، الخليفة الأوّل، وقال له: « أنا أحقُّ منك بهذا الأمر »؛ وتبعاً لامتناع الإمام عليعليهالسلام امتنع بنو هاشم كلهم عن البيعة، ولم يبايعوا إلاّ بعد ستة أشهر، وبعد أن بايع عليعليهالسلام (1) .
____________________
(1) راجع تيسير الوصول 2 / 46، قال: ولا أحد من بني هاشم. وراجع تاريخ الطبري 2 / 448، وصحيح البخاري - كتاب « المغازي » - باب « غزوة خيبر » 3 / 38، وصحيح مسلم 1 / 72، وابن =
2 - امتناع بعض كبار الصحابة عن بيعة أبي بكر
كان قسم كبير من كبار الصحابة يعتقدون أن علي بن أبي طالب هو أولى بالخلافة من أبي بكر؛ لذلك لم يبايعوا أبا بكر، نذكر منهم: فروة بن عمرو(1) ، وخالد بن سعيد الأموي، وقد أسلم قبل إسلام أبي بكر(2) ، والبراء بن عازب، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، وأبو ذر الغفاري(3) ... إلخ.
3 - في خلافة أمير المؤمنينعليهالسلام
وعندما تولّى علي بن أبي طالب الخلافة، ووفق النمط الذي اخترعه قادة البطون امتنعت مجموعة من الناس عن بيعته، مثل: سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة... إلخ.
ولم يكرههم الإمامعليهالسلام على البيعة، بل غادر الإمام وجيشه المدينة وتركهم وأمثالهم دون التعرض لهم. ولم يزد الإمام عليعليهالسلام بعد أن أقام الحجة عليهم على القول: « أمّا ابن عمر فضعيف، وأمّا سعد فحسود، وذنبي إلى محمّد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم خيبر »(4) « مرحب اليهودي ».
الامتناع عن البيعة والقتل
صحيح أن الخليفة الأوّل قد هدد الإمام علياًعليهالسلام بالقتل إن لم يبايع(5) ، ولكنه لم يقتله بالرغم من أنه امتنع عن البيعة ستة أشهر كما وثّقنا قبل قليل، وصحيح أيضاً أن الخليفة الأوّل ومَن يأتمر بأوامره همّوا بإحراق بيت فاطمة بنت محمّد على من
____________________
= كثير 5 / 285 - 286، والاستيعاب لابن عبد البر 2 / 244، حيث قال: « إن الإمام علي لم يبايع إلاّ بعد موت فاطمة ». وفي اُسد الغابة 3 / 222 بترجمة أبي بكر، قال: « كانت بيعتهم بعد ستة أشهر على الأصح ». وقال اليعقوبي في 2 / 105 من تاريخه: « لم يبايع علي إلاّ بعد ستة أشهر ».
(1) الموفقيات / 590 للزبير بن بكار.
(2) المعارف لابن قتيبة / 128، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 13.
(3) تاريخ الخميس 1 / 188، والعقد الفريد لابن عبد ربه 3 / 64، وتاريخ أبي الفداء 1 / 156.
(4) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري 1 / 54.
(5) المصدر نفسه / 13.
فيه، وفيه علي بن أبي طالب والهاشميّون، ونفر ممّن تعاطف معهم بسبب عدم مبايعتهم له(1) ، ولكنهم توقفوا عن عملية إحراق البيت بعد أن خرج الموالون لعلي وبايعوا. وصحيح أيضاً أن عمر بن الخطاب قد أصدر أمراً بقتل سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة؛ لامتناعه عن البيعة، ولكن الأمر لم ينفذ، ولم يُقتل سعد إلاّ في ما بعد، وخفية.
قتل سعد بن عبادة بسبب امتناعه عن البيعة
هنالك حادثة قتل بسبب الامتناع عن البيعة مكشوفة ولا يمكن إنكارها، وهي حادثة قتل سعد بن عبادة سيد الخزرج. وكان قتل سعد بعد صبر طويل، وبعد أن ضاق الخليفة عمر بن الخطاب ذرعاً بعناد سعد بن عبادة؛ إذ إن عمر بن الخطاب بوصفه نائباً للخليفة الأوّل قد أصدر أمراً لأتباعه في سقيفة بني ساعدة بقتل سعد بن عبادة؛ لامتناعه عن البيعة(2) ، ولكن لأسباب أمنية، وبناء على نصيحة أحد أصفياء دولة البطون رُئي عدم قتل سعد في حينها(3) ، ومات الخليفة الأوّل ولم يبايع سعد.
وآلت الخلافة إلى عمر بن الخطاب ولم يبايعه سعد أيضاً، وحدث حوار بالصدفة بين سعد وعمر بن الخطاب انتهى برحيل سعد عن المدينة إلى الشام(4) ، فأرسل عمر بن الخطاب في أثره رجلاً من الأنصار ليطلب البيعة منه، وأمره أن يقتله إن أبى البيعة، ولحق الرجل، وعرض عليه البيعة فأبى سعد، فرماه مبعوث عمر بسهم فقتله(5) .
وقيل: إن الذي أرسله عمر لقتل سعد هو
____________________
(1) العقد الفريد لابن عبد ربه 3 / 64، وتاريخ أبي الفداء 1 / 156، وأنساب الأشراف للبلاذري 1 / 586، وكنز العمال 3 / 140، والرياض النضرة للطبري 1 / 167، وتاريخ ابن شحنة / 113 بهامش الكامل لابن الأثير 11، ومروج الذهب للمسعودي 2 / 100، وتاريخ اليعقوبي 2 / 105، ومعالم المدرستين للعسكري 1 / 127.
(2) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 10.
(3) المصدر نفسه.
(4) راجع الرياض النضرة للطبري 1 / 168، والطبقات الكبرى لابن سعد 3 ق 2 / 145، وابن عساكر بترجمة ابن سعد من التهذيب، وكنز العمال 3 / 134 حديث 2296، والسيرة الحلبية 3 / 367.
(5) راجع أنساب الأشراف للبلاذري 1 / 589، والعقد الفريد لابن عبد ربه 3 / 64 - 65.
محمد بن مسلمة(1) ، وقتل سعد بطريقة سرية من دون إعلام(2) ، وقد قُتل سعد وهو جالس يتبول في نفق(3) .
إذا استثنينا حالة سعد بن عبادة الذي قُتل بالطريقة التي وصفناها باختصار قبل قليل، فإن الخلفاء الثلاثة الاُول من أبناء البطون نادراً ما قتلوا من يمتنع عن بيعتهم، إنما كان القتل عندهم إجراء احتياطياً، من قبيل: وآخر الدواء الكي.
وكانوا يتخذون سلسلة من الإجراءات بحق الممتنعين عن البيعة، فيعزلونهم اجتماعياً، وينفرون الناس منهم، ويحرمونهم من الحقوق المقررة لهم، ومن الوظائف العامة، ويضيقون عليهم أسباب المعيشة والرزق، ولا يستخدمونهم لأي أمر من الاُمور العامة.
هذه الإجراءات كانت كافية لعقاب الممتنعين عن البيعة، وحافزاً لهم لإعادة النظر بقرار الامتناع عن البيعة. وغالباً ما كانت هذه الإجراءات ناجحة؛ إذ تجعل مَن يمتنع عن البيعة عبرة لغيره، وتقتله ولكن ببطء، ودون حاجة لسلِّ السيف وإراقة الدماء وإحراج الخليفة وأركان دولته.
موقف الخليفتين
لم ينفّذ الخليفة الأوّل ونائبه تهديدهما بقتل الإمام علي إن لم يبايع، وأوقفوا مشروعهما بحرق البيت على مَن فيه بعد أن شرعوا بالحريق فعلاً. لقد اكتشف الخليفتان أن هنالك إجراءات تغني عن القتل وعن الإحراق، وأنه من غير اللائق بمكانتهما أن يحرقوا ابن عم صهرهما محمداً وطفليه، وابنته الزهراء، وأقاربه الهاشميِّين؛ لأن هذا سيسبب لهما ولمَن والاهما حرجاً بالغاً.
وهنالك من الوسائل ما يغنيهما عن القتل والإحراق، وينالا بها العافية؛ فاتخذ الخليفة ونائبه سلسلة من القرارات الاقتصاديّة التي مسّت الإمام علياًعليهالسلام ، وأهل بيت النبوة خاصة والهاشميِّين عامة.
____________________
(1) راجع معالم المدرستين للسيد العسكري 1 / 133.
(2) العقد الفريد لابن عبد ربه 4 / 259 - 260.
(3) الطبقات الكبرى لابن سعد 3 ق 2 / 145، وابن قتيبة في المعارف / 113.
1 - لقد قرر الخليفة ونائبه حرمان أهل بيت النبوة من إرث النبيصلىاللهعليهوآله (1) .
2 - وقررا حرمان أهل بيت النبوة من المنح التي أعطاها لهم النبيصلىاللهعليهوآله ، ومصادرة هذه المنح(2) .
3 - وقررا أيضاً حرمان أهل بيت النبوة والهاشميِّين من الخمس الوارد في القرآن الكريم، والمخصص لهم كحق ثابت(3) .
ولمّا ضجّ أهل بيت النبوة من قسوة هذه القرارات الموجعة وتساءلوا: كيف نعيش؟ وماذا نأكل؟ تبرع الخليفة ونائبه أن يعولوا وينفقوا على أهل بيت النبوة، ومن كان النبي ينفق عليهم(4) ، بمعنى أن الخليفة الأوّل والثاني استعاضا عن القتل والإحراق بوسائل أكثر تحضّراً وتهذيباً، وأنهما كانا حتّى على استعداد فعلي لتقديم الطعام والنفقة لمن امتنعوا عن البيعة.
كان الممتنعون عن البيعة آمنين على أرواحهم ودمائهم وأبنائهم، ولم يقل أحد إن القتل هو الوسيلة المألوفة للحصول على بيعة الرعية أو بيعة كبار الشخصيات.
أمر مستهجن
البيعة في عهد رسول اللهصلىاللهعليهوآله سواء للدخول في الدين أو القبول بولايته وقيادته
____________________
(1) راجع صحيح الترمذي 7 / 111، وتاريخ ابن الأثير 5 / 286، وكنز العمال 5 / 365، وطبقات ابن سعد 3 / 315 و 5 / 77، ومسند أحمد 1 / 4 ح 14 و 10 ح 60، وسنن أبي داود 3 / 50، وتاريخ ابن كثير 5 / 389، وتاريخ الذهبي 1 / 346، وشرح نهج البلاغة 4 / 81 نقلاً عن الجوهري في كتابه السقيفة.
(2) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 2 / 34 - 35، وشرح نهج البلاغة 4 / 81 نقلاً عن الجوهري، وتاريخ الإسلام للذهبي 1 / 347، وكنز العمال 5 / 367، وراجع التفصيل في كتابنا المواجهة / 541.
(3) المصدر نفسه(*).
(4) راجع صحيح البخاري 2 / 200 باب « مناقب قرابة الرسول »، وسنن الترمذي 7 / 111، وسنن أبي داود 3 / 49 كتاب « الخراج »، وسنن النسائي 2 / 179، ومسند أحمد بن حنبل 1 / 6 - 9.
____________________
(*) هكذا ورد في الأصل، ولا نعلم هل أن مراد المؤلِّف هو المصادر السابقة كلّها أو خصوص كتابه الأخير المسمى المواجهة.(موقع معهد الإمامين الحسنين)
كانت من الاُمور الرضائية البحتة؛ لأن البيعة عقد بين طرفين، ولا عقد دون الرضا التام؛ فلم يصدف بتاريخ النبوة المحمدية أن أجبر رسول الله أحداً من الناس ليبايعه للدخول في الدين أو القبول بولايته وقيادته.
إنّ كل الذين بايعوه على الدخول في الدين أو القبول بولايته وقيادته بايعوا بمحض اختيارهم ورضاهم التام من دون إكراه. تلك حقيقة مطلقة وثابتة لا يماري فيها إلاّ جاهل(1) .
وبعد وفاة النبيصلىاللهعليهوآله توصّل الخلفاء الثلاثة إلى قرار استبعاد القتل للحصول على بيعة القبول بقيادتهم، وجعل القتل وسيلة احتياطيّة، لا يصار إليها إلاّ عند الضرورة القصوى. واستعاض الخلفاء الثلاثة عن القتل بوسائل اُخرى، سقنا قبل قليل أمثلة منها.
ومن هنا فإن ملاحقة الإمام الحسينعليهالسلام ومطاردته، والإصرار على ضرورة مبايعته ومن معه أو قتلهم أمر في غاية الغرابة والاستهجان، فلو ترك الإمام الحسينعليهالسلام وشأنه لما جاء منه خطر يذكر على دولة بني اُميّة؛ لأن الأكثريّة الساحقة من الاُمّة كانت سادرة ولاهية عنه بدنياها.
معاوية أول مَن سنَّ القتل والإرهاب
للاستيلاء على منصب الخلافة وأخذ البيعة
حب القيادة والدفاع عنها
كانت قيادة بطون قريش في الجاهليّة لأبي سفيان بلا خلاف، وعندما أعلن النبيصلىاللهعليهوآله نبأ النبوة والرسالة أدرك أبو سفيان بأن قيادته في خطر، وأدركت بطون قريش الـ 23 أن الصيغة السياسية الجاهليّة القائمة على اقتسام مناصب الشرف بين البطون قد أصبحت في خطر أيضاً، وأن النبوة مؤامرة هاشميّة على أبي سفيان
____________________
(1) راجع محاسن التأويل للقاسمي 16 / 5776، وراجع صحيح البخاري كتاب البيوع، وصحيح مسلم كتاب الأقفية، والتفسير الحديث عن عزة دروزه 2 / 24 - 25 و 29 وج 15 / 5401 و 5416 من محاسن التأويل، وسيرة ابن [هشام] 1 / 432 و 433 و 441 و 446 و 449 لنرى بعض نماذج من بيعة المسلمين لرسول اللهصلىاللهعليهوآله .
والاُمويِّين خاصة، وعلى بطون قريش الـ 23 عامة.
فشمّر أبو سفيان عن ساعده، ووحّد بطون قريش الـ 23، وشكّل منها وممن والاها من العرب جبهة قوية واحدة، وتولّى هو وأبناؤه الثلاثة: حنظلة ويزيد ومعاوية قيادة هذه الجبهة؛ لتقف وقفة رجل واحد ضد النبيصلىاللهعليهوآله ، وضد البطن الهاشمي الذي احتضن النبي، وضد الدين الذي جاء به الرسول الكريمصلىاللهعليهوآله .
وقاد الثلاثة موجات العداوة لمحمد ولبني هاشم، وللدين الذي جاء به محمّد طوال الفترة التي قضاها النبي في مكة قبل الهجرة والتي استمرت 15 عاماً. ولمّا علم الثلاثة بعزم النبيصلىاللهعليهوآله على الهجرة خططوا لقتل النبي، وشرعوا بالقتل بالفعل، ولكن المؤامرة فشلت لأسباب لا يد للثلاثة فيها.
الحقد الأسود وضرورة الثأر
لما استقر النبيصلىاللهعليهوآله في يثرب جيّش أبو سفيان وأولاده الثلاثة الجيوش، وخاضوا مع النبي حرباً دموية دامت ثماني سنوات؛ قتل خلالها حنظلة بن أبي سفيان، وعتبة جد معاوية، وشقيق عتبة عم هند اُم معاوية، والوليد خال معاوية، وبضعة عشر رجلاً من عمومة معاوية(1) ، وقرابة ستين رجلاً من صناديد بطون قريش الـ 23.
وأكثرهم قد قتل بيد علي بن أبي طالبعليهالسلام ابن عمّ النبيصلىاللهعليهوآله ، وبيد حمزة عم النبي، فتأججت نيران الحقد في قلوب أبي سفيان وابنيه معاوية ويزيد، وأبناء بطون قريش الـ 23، واستقرت في قلوبهم نهائياً فكرة الثأر وهواجسه، ومبررات دوام العداء.
الإدمان على العنف والتسلّط
طوال 23 عاماً وأبو سفيان وأبناءه يزيد ومعاوية يقودون موجة العداء ضد النبيصلىاللهعليهوآله ، ويؤذونه بكل وسائل الإيذاء، ويقاومونه بكل طرق المقاومة، ويحاربونه بكل فنون الحرب.
لقد اكتسب الثلاثة خبرة هائلة بتلك المجالات، ونشؤوا نشأة عدوانية حربية أساسها العنف، وصورت لهم فكرة الثأر من قتلة « الأحبة » ملايين
____________________
(1) راجع المغازي للواقدي 1 / 147 - 148، وكتابنا المواجهة / 165.
الصور المليئة بالرعب والعنف، فأدمنت عائلة أبي سفيان على العنف والأذى؛ إنهم لا يرحمون ضحاياهم ومَن يقع بين أيديهم، ولا يتورعون عن استعمال أية وسيلة للتنكيل بخصومهم. قد يصبرون ولكنهم لا ينسون أبداً. إنهم يكرهون خصمهم حياً وميتاً.
خذ على سبيل المثال اُمّ معاوية هند بنت عتبة، وهي امرأة، والمرأة على الغالب ترمز للرحمة، وتجنح للموادعة، لكنّ هنداً لم تكتف بأن يخرج زوجها وأبناؤها لمعركة اُحد، بل أصرت على الخروج بنفسها، وحملت نساء البطون على الخروج لتشهد العنف والدم على الطبيعة.
لقد تيقنت من قتل حمزة عم النبي، لكنها لم تكتفِ بقتله، بل سارت بخطى ثابتة حتّى وقفت بجانب جثته، وبأعصاب باردة شقّت بطن حمزة وهو ميت واستخرجت كبده، وحاولت أن تأكله، ثمَّ قطعت أذنيه وأنفه ومثّلت به أشنع تمثيل. فإذا كانت المرأة منهم تفعل بضحيتها هكذا، فكيف يفعل أبو سفيان ومعاوية وذرّيتهم بضحاياهم؟!
هذه هي البيئة الدموية التي تربّى فيها يزيد بن معاوية، مهندس مذبحة كربلاء؛ فأبوه معاوية، وجده أبو سفيان، وجدته هند، لقد ورث العنف والتنكيل بخصومه كابراً عن كابر.
بعد 23 عاماً من قيادة أبي سفيان وابنيه يزيد ومعاوية لجبهة الشرك فوجئوا بجيوش النبيصلىاللهعليهوآله وهي تدخل مكة دخول الفاتحين، فاستسلم الثلاثة، وباستسلام الثلاثة استسلمت جبهة الشرك كاملة. وتلفّظ أئمة الكفر وقادة الشرك الثلاثة بالشهادتين مكرهين، وتبعاً لهم تلفّظ أفراد وجماعات جبهة الشرك بالشهادتين، وتظاهروا جميعاً بالإسلام، وأبطنوا قناعات الشرك كاملة، وتركة صراع بينهم وبين النبيصلىاللهعليهوآله دام 23 عاماً مثلما أبطنوا فكرة الثأر.
الثلاثة ينقسمون إلى قسمين
بعد موت النبيصلىاللهعليهوآله صمّمت قيادة البطون على صرف الأمر عن صاحب الحق الشرعي علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فوقفت بطون قريش الـ 23 ضد علي تماماً كما وقفت ضد النبيصلىاللهعليهوآله . واغتنم الثلاثة الفرصة؛ فوقف يزيد بن معاوية في صف البطون،
وتظاهر أبو سفيان بالوقوف مع عليعليهالسلام ، لا حبّاً بعلي؛ فعلي هو قاتل ابنه حنظلة والأكثريّة من قتلى بني اُميّة، ولكن رغبة بتسخين وضع ابنيه في الجهة المقابلة، وتجزيلاً لنصيبه من الغنيمة.
وعلى الفور تركت له قيادة البطون ما جمع من الصدقات، وولّت ابنه يزيد قائداً لجيوش الشام، وعينت ابنه الثاني معاوية نائباً لأخيه ليحل محله إذ مات، وهكذا رضي الثلاثة، وأيقنوا بأنهم قد وضعوا حجر الأساس للملك الأموي.
وما زالت ولاية معاوية تتوسع حتّى شملت سوريا كلها بحدودها الطبيعية، وتركه الخلفاء الثلاثة الاُول واليا على الشام عشرين عاماً، يجمع كما يشاء، ويدخر ما يشاء، ويعطي من يشاء، ويحرم من يشاء بلا حسيب ولا رقيب.
لقد كان ملكاً حقيقياً، وسلطة الخلافة عليه سلطة إسمية، وكأن تولية يزيد بن أبي سفيان ووراثة معاوية ليزيد أخيه وبقاءه واليا على الشام جزء من صفقة وحدة البطون ضد عليعليهالسلام . كان عمر يحاسب كل ولاته على الكثير والقليل، ويعزلهم سريعاً، ولكن لا أحد في الدنيا يخبرنا متّى حاسبه، وعلى أي شيء، ولماذا لم يعزله؟! إنه يعد معاوية لأمر عظيم!
معاوية يطالب بخلافة المسلمين
آلت الخلافة إلى علي بن أبي طالبعليهالسلام بالطريقة نفسها التي اخترعها قادة البطون، وكان عثمان الأموي قد قُتل لتوه، وكانت دولة الخلافة اُمويّة من جميع الوجوه، فلا تجد مصراً من الأمصار إلاّ وواليه اُموي أو من المخلصين لبني اُميّة.
لقد نجح عثمان قبل موته بجعل دولة الخلافة اُمويّة بالفعل، لو كان غير الإمام عليعليهالسلام لسلّم فور تسلمه للخلافة، ولما حكم ستة أيام. وعلى كل فقد جاءت بيعة كل الأقاليم إلا ولاية الشام؛ فقد رفض معاوية بيعته متذرعاً بقتلة عثمان.
لقد كان بإمكانه أن ينصر عثمان وهو حي، ولكنه تخلّى عن عثمان كجزء من خطته الرامية إلى استيلائه على منصب الخلافة بالقوة والتغلب والقهر، وتحويلها إلى ملك يتوارثه الاُمويّون، واستعمال سيف الخلافة للتنكيل بخصوم بني اُميّة.
إنّ الفرصة مؤاتية له بالفعل ليحقق كامل أحلامه؛ فخزائن الشام مليئة بالأموال التي ادّخرها وأعدّها لهذه الغاية.
من وسائل معاوية
خلال مدة ولاية معاوية على الشام بنى جيشاً منظّماً يدين له شخصياً بالطاعة العمياء، ولا يعرف هذا الجيش من الإسلام إلاّ القشور؛ فمعاوية نفسه لا يعرف الإسلام؛ فهو طليق ابن طليق، ومن المؤلفة قلوبهم، فكان هذا الجيش من أعظم وسائل معاوية التي استعملها للاستيلاء على منصب الخلافة وقهر أعدائه.
كان هذا الجيش بيد معاوية كالخاتم بالإصبع يحركه كيفما يشاء، فلو أمره معاوية أن يهدم الكعبة لهدمها عن طيب خاطر، وقد هدمها في زمن يزيد، وهدمها في زمن عبد الملك. ولو أمره معاوية أن يستبيح المدينة المنورة، فيقتل رجالها، وينهب أموالها لفعل، وقد فعل ذلك في زمن يزيد بن معاوية؛ إذ قتل عشرة آلاف بيوم واحد، واغتصب جيشه ألف عذارء.
وقد حارب معاوية بهذا الجيش أمير المؤمنين علياًعليهالسلام ، وأرسل فرقة من هذا الجيش مع بسر بن أرطأة، وأمره أن يسير إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، ومن مكة إلى صنعاء؛ فيقتل كلَّ من كان في طاعة عليعليهالسلام ، وينهب أموال كلّ مَن ليس في طاعة معاوية، وأمره بأن ينشر الرعب أينما حل، وأن يخوف عباد الله ويأخذهم أخذاً أليماً.
ونفّذ بسر بن أرطأة أوامر مولاه معاوية بدقة، فكان يقتل الرجال والنساء والأطفال. لقد قتل طفلَي عبيد الله بن العباس، وعاد بسر إلى الشام بعد أن أخذ البيعة لمعاوية بالعنف والإرهاب.
الأنصاري واُمّ سلمة يصفان اُسلوب معاوية
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: قال جابر بن عبد الله الأنصاري: لما خفت بسراً وتواريت عنه، قال لقومي: لا أمان لكم عندي حتّى يحضر جابر. فأتوني وقالوا: ننشدك لما انطلقت معنا فبايعت، فحقنت دماءنا ودماء قومك؛ فإنك إن لم تفعل قُتلت مقاتلينا، وسبيت ذرارينا.
فاستنظرتهم الليل، فلما أمسيت دخلت على اُمّ سلمة - إحدى زوجات الرسولصلىاللهعليهوآله - فأخبرتها الخبر، فقالت: يا بني، انطلق فبايع؛ احقن دمك ودماء قومك، فإني قد أمرت ابن أخي أن
يذهب فيبايع، وإني لأعلم أنها بيعة ضلالة(1) .
قال ظافر القاسمي في كتابه « نظام الحكم في الشريعة والتاريخ »، بعد بحث دقيق ومستفيض: نعم، لقد حصل معاوية على البيعة بالتقتيل والتدمير والتحريق، وشتم أنصار الرسول(2) .
ولم يكتفِ معاوية بسلاح الإرهاب والقتل والتدمير، بل استعمل سلاح المال؛ فخلال ولايته على الشام التي دامت عشرين عاماً جمع من الأموال ما أمكنه جمعه؛ استعداداً لليوم الموعود. ولما جاء ذلك اليوم سخّرها في سبيل الملك بعد أن أخرجها عن مصارفها المشروعة التي أمر بها القرآن، واعتبر بيت مال المسلمين خزانة خاصة له يأمر بانفاق ما فيها حسب هواه(3) ، ويشتري بتلك الأموال ضمائر بعض الناس ودينهم وولاءهم.
ومن أساليب معاوية الوعد بالولاية مدى الحياة كما فعل مع عمرو بن العاص؛ إذ اتّفق معه أن يعطيه ولاية مصر له ولعقبه مقابل أن يبايعه خليفة ويقف معه ضد الخليفة الشرعي علي بن أبي طالبعليهالسلام ، فقبل عمرو وبايع معاوية ووقف معه، ولولا عمرو لانتهت قصة معاوية في صفّين، ولتغير مجرى التاريخ، وكما فعل مع قيس بن سعد الذي رفض عرض معاوية(4) .
ومن أساليب معاوية تزوير الكتب، ونشر الشائعات، ودس الوقيعة بين جماعة عليعليهالسلام ، ولم يأل جهداً في هذا المضمار.
ومن أساليب معاوية وسننه أن رتّب عطاءً مخصوصاً اسمه رزق البيعة، يعطى للجند حينما يأتي الخليفة الجديد(5) .
____________________
(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 157.
(2) راجع نظام الحكم لظافر القاسمي / 284.
(3) المصدر نفسه.
(4) راجع تاريخ الطبري 4 / 550.
(5) راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي / 383.
البيعة والخضوع التام
إذا بايع المسلم معاوية فلا تقفل دائرة الإرهاب، بل يتوجب على المسلم أن يكون بحالة تبعية وخضوع تامّين لمعاوية، فإذا أحس معاوية بأي تراخٍ بهذه التبعية وذلك الخضوع التامّين عندئذ يصدر أوامره بقتل هذا المتراخي بالتبعية والخضوع. وما فعله مع حجر بن عدي وأصحابه الصادقين، ومع عمرو بن الحمق، وهم من خيرة الصحابة، لهو خير دليل على ذلك.
التنكيل بعد الموت
لقد انتقل علي بن أبي طالبعليهالسلام إلى جوار ربه، وآل الملك إلى معاوية بالقوة والقهر، وكان من المفترض أن يسدل معاوية الستار على تلك الفترة، ولكن معاوية أصدر سلسلة من مراسيمه الملكية فرض فيها على كل فرد من أفراد رعايا دولة الخلافة أن يلعن علي بن أبي طالبعليهالسلام على كلِّ منبر، وفي كل صلاة(1) !
وأبعد من ذلك فإن معاوية اعتبر محبة علي وأهل بيت النبوةعليهمالسلام من جرائم الخيانة العظمى، وأباح دم من يواليهم ويحبهم، وأمر ولاته بأن يقتلوا على الفور كلَّ من يحب علياً وأهل بيت النبوة، وأن يهدموا داره(2) .
الموت مصير المعارضين لمعاوية
لقد تنازل الإمام الحسن بن عليعليهالسلام عن الخلافة لمعاوية؛ بقياً منه على القلة المؤمنة حتّى لا يقتلها معاوية وتخلو الأرض من المؤمنين. ولزم الإمام الحسنعليهالسلام بيته؛ ولأن معاوية قد أدرك بأن منيته قد دنت، وأن وجود الإمام الحسينعليهالسلام على قيد الحياة من بعده قد يعيق مشاريعه الرامية إلى تحويل الخلافة إلى ملك، وحصر هذا الملك في بيت أبي سفيان خاصة، وفي البيت الأموي عامة، وتعويق الإمام
____________________
(1) راجع العقد الفريد لابن عبد ربه 4 / 366، وشرح نهج البلاغة 1 / 356، وج 2 / 220 وج 3 / 258 وج 4 / 56، واُسد الغابة لابن الأثير 3 / 144، وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 3 / 127 ح 1449، ومعاوية بن أبي سفيان في الميزان للعقاد / 16.
(2) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد 3 / 595 - 596.
الحسن لمشاريع معاوية، كل ذلك احتمال وارد؛ لذلك قرر معاوية أن يقتل الإمام الحسنعليهالسلام ليزيحه من درب مشاريعه. وبالفعل استعان معاوية بشياطينه، ودس السم للإمام الحسنعليهالسلام فقتله(1) ، وهو يعلم أنه ابن بنت رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وسيد شباب أهل الجنة، وريحانة النبي من الاُمّة.
لكن الإمام الحسنعليهالسلام بالوقت نفسه هو ابن علي بن أبي طالب الذي قتل حنظلة شقيق معاوية؛ فقتلُ معاوية للإمام الحسنعليهالسلام يحقق له غايتين، أولهما: يمهد الطريق لمرور مشاريع معاوية، وثانيهما: الثأر لأخيه وجده وخاله وأبناء عمومته الذين قُتلوا في بدر، والأهم أنه يشبع روح معاوية المتعطشة للدم والعنف(2) .
معاوية يخرج المجرمين
إنّ الأكثريّة الساحقة من المجرمين العتاة الذين ظهروا في تاريخ دولة الخلافة، وأشاعوا الهلع والرعب في قلوب رعايا دولة الخلافة، وأمعنوا في عباد الله تقتيلاً وتشريداً، وتعذيباً ونهباً، وأذلوا من نجا من القتل إذلالاً لم يشهد التاريخ البشري له مثيلاً، وتركوا بصماتهم الملطّخة بالدم على كل شيء لامسوه، أكثرهم تخرّج من مدرسة معاوية، وتتلمذ على يديه، وتلقى أقسى وأبشع تعليماته بالعنف، ومنهم:
1 - بسر بن أرطأة
من السفاكين المجرمين العتاة، الذي لم ير في التاريخ البشري مثله شراسة. جهّز له معاوية جيشاً وطلب منه أن يسير من شمال الجزيرة إلى جنوبها؛ تبوك، المدينة، مكّة. والعودة في رحلة الشر التي بعثه بها معاوية ليحصل له على البيعة من أهل الجزيرة، وبالطريقة التي رواها الصحابي جابر بن
____________________
(1) حياة الإمام الحسنعليهالسلام لباقر شريف القرشي 2 / 278.
(2) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر / 134، وتاريخ ابن الأثير 8 / 48، ومروج الذهب للمسعودي 2 / 50، ومقاتل الطالبيِّين لأبي الفرج الأصفهاني / 29، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 4 / 11 - 17، والاستيعاب لابن عبد البر 1 / 141، وتذكرة الخواصّ لابن الجوزي / 121، وترجمة الإمام الحسنعليهالسلام من تاريخ دمشق لابن عساكر 4 / 228 - 241 الأحاديث 367 - 393، والعقد الفريد لابن عبد ربه 2 / 298، وتاريخ الخميس 2 / 294، وراجع الغدير للأميني 11 / 26 - 32، وكتابنا المواجهة / 638.
عبد الله الأنصاري، والتي أيدتها اُمّ سلمة زوجة الرسولصلىاللهعليهوآله ، والتي سقناها قبل قليل.
لقد بلغت الوحشية ببسر بن أرطأة وجيشه أن سمحوا لأنفسهم حتّى بقتل الأطفال الرضّع الأبرياء كما فعلوا بطفلي عبيد الله بن عباس(1) ، فمن يصدق أن عبداً تافهاً مثل بسر بن أرطأة يمكن أن يفعل هكذا أفعال دون أوامر صريحة من سيّده واُستاذه معاوية! لقد أمره معاوية وبكل صراحة بكل ما فعل.
ومما وصل إلينا من أوامر معاوية أنه خاطب بسر بن أرطأة قائلاً: وانهب أموال كل من أصبت له مالاً ممن لم يكن دخل في طاعتنا(2) . وأمره معاوية أن يقتل كل من كان في طاعة علي؛ فقتل خلقاً كثيراً، وقتل فيمن قتل ابنَي عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكانا غلامين صغيرين(3) .
2 - زياد بن عبيد، المعروف بـ « زياد ابن أبيه »
ولد من أبوين عبدين هما: عبيد وسمية. كان في خدمة الإمام عليعليهالسلام ، ومن المتظاهرين بنصرته. وخلال وجود زياد مع جماعة علي بن أبي طالبعليهالسلام تعرّف زياد وعرف المخلص منهم والمنافق.
كان معاوية بحاجة إلى رجل يعرف أصحاب عليعليهالسلام معرفة دقيقة حتّى يتمكن منهم معاوية، ويبيدهم عن بكرة أبيهم، ويقضي على أي ناصر لعلي في الأرض.
وقدّر معاوية أن هذا الرجل بالذات زياد بن عبيد، أو زياد ابن أبيه، هو بغيته المطلوبة، واكتشف معاوية أن زياد هذا يخفي مواهب جرمية حبيسة، وإذا اُتيح لتلك المواهب أن تنطلق فقد يفوق زياد بسر بن أرطأة، ومسلم بن عقبة، وغيرهما من طاقم الإجرام؛ لذلك كله كاتبه معاوية وتودد إليه، وليجعل لزياد مصلحة في ملكه، ووعده بولاية العراق، وزعم معاوية لزياد أنه أخوه.
وتفصيل ذلك: يزعم معاوية أنّ أبا سفيان زنى يوماً بسمية اُم زياد، فحملت سمية من تلك الزنية، فزياد على هذا
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 5 / 139.
(2) المصدر نفسه.
(3) راجع تاريخ الطبري 6 / 157، والكامل لابن الأثير 4 / 209، وتاريخ ابن كثير 8 / 130، وتاريخ الإسلام للذهبي 2 / 344.
الأساس هو ابن صخر، وهو أخو معاوية. وأعلن معاوية مضامين هذا الزعم، وادّعى بأن زياداً أخاه وابن أبي سفيان بالفعل. وصدّق زياد هذه المزاعم، أو تظاهر بالتصديق، واُلحق بخدمة معاوية.
وبدأت مهمة زياد بقتل كل من أحب علياً وأولادهعليهمالسلام ؛ فتفقدهم زياد «ابن أبي سفيان» واحداً واحداً فقتلهم عن بكرة أبيهم(1) ، وروع أهل العراق وأذلّهم حتّى صاروا أذل من العبيد. وتنكر أهل العراق لعليعليهالسلام وتبرؤوا منه لينجوا بأنفسهم. ولم يخفِ معاوية الحقيقة، لقد أصدر سلسلة من المراسيم أباح فيها لزياد ولغيره قتل كل من أحب علياًعليهالسلام أو والاه، وهدم داره.
3 - مسلم بن عقبة
من أصفياء معاوية، وموضع ثقته، وهو من أعظم المجرمين الذين اصطفاهم معاوية لنفسه، وأعدّهم للعظيم من اُموره. أدرك معاوية أنه هالك وميت لا محالة، وأنّ أهل المدينة سيتمرّدون ويثورون على ابنه وخليفته من بعده يزيد بن معاوية. ومساعدة لابنه، واستمراراً لمخططه الرامي إلى تفريغ الأرض من المؤمنين الصادقين أوصى معاوية ابنه يزيد قائلاً: إن رابك منهم ريب، أو انتقض عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرة مسلم بن عقبة(2) .
ولمّا ثار أهل المدينة بعد موت معاوية دعاه يزيد، وكان مسلم مريضاً منهوكاً، فعرض عليه قيادة الجيش بناء على وصية أبيه، ولما رأى حاله قال له يزيد: إن شئت أعفيتك.
فجن جنون المجرم وقال ليزيد: نشدتك الله أن لا تحرمني أجراً ساقه الله إليَّ!
من أفعال مسلم بن عقبة
قال الطبري: « وأباح مسلم المدينة ثلاثاً، يقتلون الناس ويأخذون الأموال»(3) .
____________________
(1) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد - تحقيق حسن تميم 3 / 595.
(2) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري 1 / 209.
(3) تاريخ الطبري 7 / 11، وابن الأثير 3 / 47، وابن كثير 8 / 220.
قال اليعقوبي: « فلم يبق فيها كثير أحد إلاّ قتل. وأباح حرم رسول الله حتّى ولدت الأبكار لا يُعرف من أولدهن »(1) .
قال ابن كثير: « قُتل يوم الحرة سبعمئة رجل من حملة القرآن، وكان قتل بشر كثيراً حتّى كاد لا يفلت أحد من أهلها »(2) .
وروي عن هشام قال: « ولدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرة من غير زوج »(3) .
وروي عن الزهري أنه قال: « كان القتلى سبعمئة من وجوه المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي، وممن لا أعرف من حر أو عبد وغيرهم عشرة آلاف »(4) .
وقال السيوطي: « وكانت وقعة الحرة بباب طيبة، قُتل فيها خلق كثير من الصحابة، ونهبت المدينة، واُفتض فيها ألف بكر »(5) .
قال الدينوري والذهبي: قال: رأيت أبا سعيد الخدري ولحيته بيضاء، وقد خفّ جانبها وبقي وسطها، فقلت: يا أبا سعيد، مال لحيتك؟
فقال: هذا فعل ظلمة أهل الشام يوم الحرة؛ دخلوا على بيتي، فانتهبوا ما فيه حتّى أخذوا قدحي الذي كنت أشرب فيها الماء، ثمَّ خرجوا، ودخل عليَّ بعدهم عشرة نفر وأنا قائم اُصلي، فطلبوا البيت فلم يجدوا فيه شيئاً، فأسفوا لذلك، فاحتملوني من مصلاي وضربوا بي الأرض، وأقبل كل رجل منهم على ما يليه من لحيتي فنتفه، فما ترى منها خفيفاً فهو موضع النتف، وما تراه عافاً فهو ما وقع في التراب فلم يصلوا إليه، وسأدعها كما ترى حتّى اُوافي ربي(6) .
____________________
(1) راجع تاريخ اليعقوبي 6 / 251.
(2) تاريخ ابن كثير 6 / 234.
(3) المصدر نفسه 8 / 22.
(4) المصدر نفسه.
(5) راجع تاريخ الخلفاء للسيوطي / 209، وراجع تاريخ الخميس 2 / 302.
(6) راجع الأخبار الطوال للدينوري / 269، وتاريخ الإسلام للذهبي 2 / 357.
هذه بعض أفعال مسلم بن عقبة الذي ادخره معاوية لذلك اليوم، وأوصى ابنه يزيد بأن يسلمه قيادة الجيش، وهذه أفعال جيش « الإسلام » الذي بناه معاوية، فهل يعقل أن يتصرف تافه مثل مسلم بن عقبة هذه التصرفات التي لم يعرف بشاعتها التاريخ دون علم ومباركة سيده ومولاه وصفيه؟!
يزيد يأمر بمذبحة المدينة
كتب مسلم بن عقبة بعد مذبحة الحرة رسالة إلى « أمير المؤمنين يزيد بن معاوية » جاء فيها: فما صليت الظهر إلاّ في مسجدهم بعد القتل الذريع، والانتهاب العظيم. وأوقعنا بهم السيوف، وقتلنا من أشرف لنا منهم، وأتبعنا مدبرهم، وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناها ثلاثة كما قال أمير المؤمنين(1) !
قال الطبري: إن يزيد بن معاوية أمر مسلم بن عقبة قائلاً: ادع القوم ثلاثاً، فإن أجابوك وإلا فقاتلهم، فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثاً، فما فيها من مال أو ورقة أو سلاح أو طعام فهو للجند...
وقال المسعودي: أمره يزيد... وإذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها أو نصب لك حرباً فالسيف السيف، ولا تبقِ عليهم، وانتهبهم ثلاثاً، وأجهز على جريحهم، واقتل مدبرهم...(2) .
بعد أن نفذ صفي معاوية وموضع ثقته مسلم بن عقبة وجيشه البطل أوامر الملك، ونفذوا المذبحة الرهيبة في مدينة رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، أمر مسلم بن عقبة القلة الذليلة من أهل المدينة التي نجت من المذبحة بأن تبايع لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية.
قال الطبري وغيره: فدعا الناس للبيعة على أنهم خول ليزيد بن معاوية، يحكم في دمائهم وأموالهم ما شاء(3) .
____________________
(1) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري 1 / 218.
(2) راجع التنبيه والإشراف للمسعودي / 263، ومروج الذهب 3 / 68 - 69.
(3) راجع تاريخ الطبري 7 / 13.
قال المسعوي: « وبايع من بقي من أهل المدينة على أنهم قن ليزيد »(1) .
قال الدينوري: « فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبة فدعاهم للبيعة، فكان أول من أتاه يزيد بن عبد الله، وجدته اُمّ سلمة زوج النبي، فقال له مسلم: بايعني. قال: اُبايعك على كتاب الله وسنة نبيه. فقال مسلم: بل بايع على أنك فيء لأمير المؤمنين يفعل في أموالكم وذراريكم ما يشاء. فأبى أن يبايع على ذلك، فضُربت عنقه »(2) .
واُتي بيزيد بن وهب بن زمعة، فقال له مسلم: بايع. فقال: اُبايعك على سنة عمر. فقال مسلم: اقتلوه. فقُتل(3) .
بيعة الحسينعليهالسلام ودور معاوية بمذبحة كربلاء
نجح معاوية بن أبي سفيان بالاستيلاء على منصب الخلافة بالقوة، وبقهر يفوق التصور، وبأساليبه المتعددة التي أشاعت الرعب في قلوب المسلمين، وأدت لإبادة الأكثريّة الساحقة من القلة المؤمنة التي حاربته وأباه على الشرك 23 عاماً، وقامت دولة النبوة على أكتافها. وبنجاح أساليب معاوية أرسى قواعد باستخدام العنف بالتعامل مع الرعية، وإخضاعها بالقوة والإرهاب.
بعد هذا النجاح الساحق قرر معاوية أن يمضي قدماً في مخططه، وأن يحوّل الخلافة إلى ملك على شاكلة ملك كسرى وقيصر، ولكن بجبة ولحية إسلاميّة؛ على اعتبار أن الإسلام هو طريق الملك، وإنه دين أغلبية الرعية. وقرر معاوية أن يحصر هذا الملك في بيت أبي سفيان خاصة، والبطن الأموي عامة؛ لذلك اختار ابنه يزيد بن معاوية ليكون ولياً لعهده، وخليفة من بعده.
صحيح أن معاوية قد أباد القلة المؤمنة ولم ينجُ منها إلاّ القليل، وصحيح أيضاً أن معاوية قد أرهب الرعية وأذلّها حتّى صارت أذلّ من الذليل، ولكن قراره باختيار يزيد غير معقول وغير منطقي؛
____________________
(1) التنبيه والإشراف / 264، ومروج الذهب 3 / 71 للمسعودي.
(2) تاريخ الطبري 7 / 11 - 12.
(3) الأخبار الطوال للدينوري / 265.
فيزيد يجهر بعصيانه وحتّى بكفره، وبتركه للصلاة، وبإدمانه على الزنى، وتلك اُمور يصعب على الرعية الذليلة استيعابها وهضمها. وبأساليب معاوية نجح بتنصيب يزيد، وحصل على موافقة الرعية. ويبدو أن ثلاثة قد تمنعوا عليه أحدهم الإمام الحسين بن عليعليهالسلام (1) ؛ وكاُسلوب من أساليب معاوية تجاهلهم، وأوحى لأهل الشام خاصة وللرعية عامة أن الكل قد قبل بيزيد ولياً للعهد، وخليفة من بعد معاوية(2) .
ومن المؤكّد أن الابن وأباه قد اتفقا على كليات وتفاصيل مؤامرة قتل الحسينعليهالسلام ، لا طمعاً ببيعته؛ فإنما هو مجرد رجل، ولكن رغبة بقتل الحسينعليهالسلام ؛ لأن مجرد وجود الحسين يشكّل خطراً على دولة يزيد.
وتقدير معاوية وأركان دولته أن الحسين إن بقي حياً سيكون بمثابة مركز تجمّع لمعارضي الملك الأموي، ولا مجال لمقارنة يزيد بن معاوية بالحسين شرفاً وعلماً وتاريخاً ومنزلة؛ وعلى هذا الأساس تمّ التركيز على ضرورة مبايعة الإمام الحسينعليهالسلام ، ليكون رفض الحسين لمبايعة يزيد مبرراً لقتله؛ لأن الحسين برأي معاوية ويزيد وأركان الدولة هو أخطر خصومهم.
لذلك كانت أول مشاريع يزيد بن معاوية أن أمر واليه على المدينة أن يأخذ بيعة الحسين، وأمره أن يضرب عنق الحسين إن هو امتنع عن البيعة كما رأينا قبل قليل، ولكن الإمام الحسينعليهالسلام كان قد خرج من المدينة؛ فراراً بدينه وأهل بيته وموقفه.
تقدير معاوية للموقف
قدّر معاوية وأركان دولته أن الإمام الحسين لن يبايع يزيد، ولن يقبل به خليفة حتّى لو قطعه إرباً إرباً، وقدّر أيضاً أن الأكثريّة من آل محمّد وأهل بيت النبوة لن يبايعوا حتّى يبايع الحسين، وقدّر أيضاً بأن الحسين سيكتشف أنه ليس له في المدينة من يحميه ويحمي أهل بيت النبوة، وأن والي المدينة سيقتله ويقتل أهل بيت النبوة إن بقي في المدينة، ولن يجد فيها من يدافع عنه بيد ولا بلسان؛
____________________
(1) الإمامة والسياسة لابن قتيبة / 189 - 190.
(2) المصدر نفسه.
فهو لن يكون أعظم من أبيهعليهالسلام ، ولا له المكانة المقدّسة نفسها التي كانت لاُمّه، ومع هذا هُدّد أبوه بالقتل، وشرعت السلطة بحرق بيت فاطمة على مَن فيه، وصادرت السلطة تركة الرسول، وحرمت ورثته من إرثهم، وحرمت ذوي قربى النبي من سهمهم، ولم يجد أهل بيت النبوة في المدينة رجلاً واحداً يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر؛ لذلك توصّل معاوية وأركان دولته إلى نتيجة مفادها بأن الحسينعليهالسلام سيغادر المدينة هو وأهله، وعلى الأغلب إلى مكّة من حيث المبدأ.
وقدّر معاوية أن مغادرة الحسين للمدينة أمر ترغبه سلطة الخلافة؛ لأن أهل المدينة يعرفون الحسين معرفة عميقة، ويعرفون قربه للنبي ومكانته العلمية. صحيح أنهم لن يحرّكوا ساكناً إن قُتل الإمام الحسين وأهل بيته أمامهم، ولن يأمروا بمعروف أو ينهوا عن المنكر عملياً، لكن قتل رجل وأهل بيته بحجم الحسين وأهل بيت النبوة أمام معارفهم سيثير شيئاً من مشاعر استياء أهل المدينة؛ لذلك كان خروج الإمام الحسينعليهالسلام خطوة تمنّتها السلطة.
ولو أرادت دولة الخلافة أن تلحق بالإمام الحسينعليهالسلام للحقته بكل سهولة؛ لأن الحسين قد أصر على سلوك الطريق التي يسلكها الناس عامة عند ذهابهم إلى مكّة. وعندما نصحه ابن عمه مسلم بن عقيل أن يعدل عن الطريق رفض الحسين ذلك قائلاً: « والله يابن عمي، لا فارقت هذا الطريق أبداً أو أنظر إلى أبيات مكّة، أو يقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى »(1) .
وقال الطبري: إنّ الحسين قد رد على من اقترح عليه مجانبة الطريق قائلاً: « والله لا اُفارقه حتّى يقضي الله ما هو أحب إليه »(2) . وهكذا ذكر الشيخ المفيد(3) .
وفي رواية أنّ الحسين خرج من المدينة وركب الجادة العظمى، فقال له أهل بيته: لو سلكت الطريق الأفرع لكان أصح.
فقال الحسينعليهالسلام : « أتخافون الطلب؟ ».
قالوا: أجل.
فقال الحسينعليهالسلام : « لن أحيد الطريق حذر الموت »(4) .
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 24، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 189، وينابيع المودة 2 / 4 إلى قوله أبداً.
(2) راجع تاريخ الطبري 3 / 276.
(3) راجع الإرشاد للشيخ المفيد 2 / 2.
(4) راجع مقتل الحسين لأبي مخنف / 25، وينابيع المودة 2 / 4.
بمعنى أن دولة الخلافة كانت تعلم بخروج الحسين، وكان بإمكانها اللحوق به؛ فهو يسير على الطريق العام، ولكنها لم تلحق به لأن خروجه من المدينة كان جزءاً من خطتها لقتله بعيداً عمن يعرفونه معرفة حقيقية.
وقدّر معاوية وأركان دولته أن الحسين سيصل إلى مكّة بالضرورة، ولا خطر على دولة معاوية من وصول الحسين إلى مكّة؛ لأن أكثريّة سكانها من أبناء بطون قريش الـ 23 ومواليهم وأحابيشهم، وهي الأكثريّة نفسها التي كانت مشركة، واضطرت مكرهة لإعلان إسلامها، وهي تعرف تاريخ الصراع وحصيلته، وهي موتورة، ومن المحال أن تقف مع الإمام الحسينعليهالسلام .
ووصل الحسينعليهالسلام بالفعل إلى مكّة. صحيح أن مكّة لن تقف معه، ولكن وجود الحسين في مكّة ومعرفة وفود الحجيج سنوياً بوجوده يشكّل خطراً؛ لذلك يتوجّب إبعاده عن مكّة حسب خطة معاوية، وبالتالي يجب قتله وأهل بيته في مكان ناءٍ بعيداً عن معارفه الذين يعرفونه معرفة حقيقية، والذين يعرفونه معرفة سطحية.
وليس من المستبعد بأن معاوية الذي يشرف على مخابرات دولة عظمى، وتأتيه كل أنبائها، على علم بأن الحسين وأهل بيت النبوة سيُقتلون في كربلاء؛ وطمعاً بأن يقتلوا في كربلاء رتّب مع ابنه وأركان دولته جر الحسين وأهل بيته من مكّة إلى كربلاء.
لقد كان أمير دولة البطون على مكّة على علم بوجود الحسينعليهالسلام ، وعلى علم بامتناع الحسين عن المبايعة، وعلى علم بمشاعر أكثريّة سكان مكّة نحو الحسين. كان بإمكانه أن يجهّز جيشاً قوامه ألف مقاتل بمدة لا تتجاوز يومين، وكان بإمكانه أن يقتل الحسين وأهل بيت النبوة، ولكنه لم يفعل، ولم يتعرض للحسين إلاّ تعرضاً بسيطاً.
قال الطبري، وابن الأثير، وابن كثير، والبلاذري: فاعترضته رسل الوالي من قبل يزيد عمرو بن سعيد، وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط، وامتنع الحسين وأصحابه منهم امتناعاً قوياً(1) .
ودليل آخر على صحة ما ذهبنا إليه أن الإمام الحسينعليهالسلام عندما خرج من
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 217 - 218، وابن الأثير 4 / 17، وابن كثير 8 / 166، وأنساب الأشراف / 164.
المدينة ردّد قول الله تعالى عن موسى:( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (سورة القصص / 21 )(1) .
ولما وصل الإمام الحسينعليهالسلام إلى مكّة قرأ:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل ) (سورة القصص / 22 )(2) .
ولما سأل عبد الله بن مطيع الإمام الحسينعليهالسلام قائلاً: جعلت فداك! أين تريد؟
فقال الحسينعليهالسلام : « أما الآن فمكّة، وأمّا بعد فإني أستخير الله »(3) .
فحال الحسينعليهالسلام عندما اضطر للخروج من المدينة كحال موسى الذي اضطر لمغادرة عاصمة ملك فرعون، وكانت حال الحسين عندما وصل إلى مكّة كحال موسى عندما وصل إلى مدين؛ فموسى ينتظر التوجيه الإلهي، وليس عنده علم عن المكان الآخر أو المرحلة اللاحقة، كذلك فإن الحسين خرج من المدينة إلى مكّة « مدين » وليس لديه علم عن المكان الآخر أو المرحلة، وإنه سينتظر التوجيه الإلهي.
مكيدة الرسائل والكتب
دولة الخلافة يمكنها أن تقتل الإمام الحسين وأهل بيته في المدينة المنورة، وهي واثقة أنه لن يعيقها أحد؛ فلدى دولة الخلافة القوة والقدرة على إبادة كل سكان المدينة.
وعندما خرج الإمام الحسين كان بإمكان دولة الخلافة أن ترسل قوة ضاربة على خيول سريعة مطهّمة وتلحق بالإمام الحسين قبل وصوله إلى مكّة، فتقتله وأولاده وأهل بيته شر قتلة؛ فالإمام الحسينعليهالسلام كان يسير على الطريق العام إلى مكّة، ورفض رفضاً قاطعاً الخروج عن الطريق.
وعندما وصل الإمام الحسين وأهل بيت النبوة إلى مكّة كان بإمكان دولة الخلافة أن تتلقاه وأهل بيته بقوة ضاربة، وأن تقطعهم إرباً إرباً؛ فالخليفة يزيد له والٍ وجيش في المدينة، وله والٍ وجيش في مكّة، وله عيون وجواسيس على طول
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 273، والكامل لابن الأثير 2 / 521، وينابيع المودة 2 / 4، وأعيان الشيعة 1 / 588.
(2) الإرشاد للشيخ المفيد 2 / 4، وبحار الأنوار 44 / 332، والعوالم 17 / 181، والكامل لابن الأثير 2 / 531، وتاريخ الطبري 3 / 272، وأعيان الشيعة 5 / 25.
(3) راجع تاريخ الطبري 6 / 196 - 197.
الطريق المؤدية من مكّة إلى المدينة، ولكن لا والي المدينة لحق بالحسين، ولا والي مكّة وضع حداً لمسيرة الحسين؛ لأن هنالك خطة عامة لاستدراج الإمام الحسين وأهل بيته وأنصاره القلة إلى كربلاء، وأن هذه الخطة قد رسمت في زمن معاوية، وبحضور ابنه وأركان دولته.
لقد تستّرت دولة الخلافة لأسباب أمنية على نبأ هلاك معاوية، ولكن انتشر النبأ. فلما دعي الحسينعليهالسلام إلى مجلس والي المدينة قال: « قد ظننت أن طاغيتهم قد هلك، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر »(1) .
فرتبت مخابرات دولة معاوية بالاتفاق المسبق مع معاوية وابنه وأركان دولته لتزوير مجموعة من الكتب على ألسنة علية القوم في الكوفة تدعو الحسينعليهالسلام للشخوص من مكّة إلى العراق؛ فمعاوية وجهاز دولته مهرة بتزوير الكتب، وليس من المستبعد أن تكون دولة الخلافة قد اتفقت مع مَن تراهم وجوه المجتمع ليكتبوا للحسين ثمَّ يتنكرون له في ما بعد، وينكرون أنهم كتبوا.
وليس من المستبعد أيضاً أن يكون بعض الصادقين من موالي أهل بيت النبوة في الكوفة قد كتبوا للحسينعليهالسلام ، ثمَّ اكتشفوا في ما بعد أن كثيراً من أهل الكوفة قد كتب، وأن موضوع الكتب والرسائل مجرد مكيدة من مكائد الدولة؛ فغزا الرعب قلوب بعض الموالين، وأضمرت أن تتنكر للكتابة وهي واثقة بأن الرسائل قد وصلت للحسينعليهالسلام ، ومن المحال أن يشي بها الحسين.
وليس من المستبعد أن بعض مَن كتب عندما عرف بمكيدة الكتب والرسائل، وأن وراءها الدولة ادّعى بأنه إنما كتب استجابة لتوجهات الدولة، وعملاً بتوجيهها.
وليس من المستبعد أن بعضهم قد ادّعى ولاء للخليفة، وحاول أن يقوم ببعض الأعمال الشائنة إثباتاً لهذا الولاء.
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 270، والكامل لابن الأثير 2 / 529، والبداية والنهاية 8 / 157، وكتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 11، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 182.
وصول الكتب إلى الحسينعليهالسلام في مكّة
من المؤكّد أن موالي أهل بيت النبوة في الكوفة قد اجتمعوا عندما سمعوا بهلاك معاوية، وأنهم قد رأوا الفرصة مناسبة للتخلص من طغيان بني اُميّة بعد هلاك الطاغية على حدِّ تعبير الإمام الحسينعليهالسلام ، ومن المؤكد أنهم قد كتبوا للحسين كتاباً يدعونه للقدوم إليهم، وهم لا يعرفون أن دولة الخلافة كانت تقود حملة كتابة الرسائل والكتب.
كذلك فإن شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، وعزرة بن قيس، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن عمر المعروفين بولائهم للخليفة قد كتبوا أيضاً للإمام الحسينعليهالسلام يدعونه للقدوم إلى الكوفة.
فأولياؤه كتبوا إليه، وأولياء معاوية كتبوا إليه أيضاً، وهم سادة مجتمع الكوفة؛ فقدّر الإمام أن الجميع قد اكتووا بظلم الظالمين، وأن موت معاوية أعطاهم الفرصة للخروج من الظلم الذي يمثله معاوية وبطانته إلى العدل الذي يمثله أهل بيت النبوة. وقرر الإمام الحسينعليهالسلام أن يبعث مسلم بن عقيل، وأن يتوجّه بالفعل إلى الكوفة. وبالفعل توجّه إلى الكوفة.
اكتشاف المكيدة
توجّه الإمام وأهل بيت النبوة ومَن والاهم إلى العراق لمّا وصلتهم الرسائل والكتب، وتأملوا أن يجدوا في العراق قوماً يجيرونهم، أو قوة تحميهم. وفي ما بعد اكتشف الإمام الحسينعليهالسلام مكيدة الكتب والرسائل، فقال لأصحابه في كربلاء: «.... إنما القوم يطلبونني، وقد وجدوني، وما كانت كتب من كتب إلي - فيما أظن - إلاّ مكيدة لي، وتقرباً إلى ابن معاوية بي »(1) .
لقد وصل رسول الإمام الحسينعليهالسلام قبله ليمهد لوصوله(2) ، وبمدة وجيزة
____________________
(1) راجع أنساب الأشراف للبلاذري 3 / 185، وموسوعة كلمات الإمام الحسينعليهالسلام / 397.
(2) راجع تاريخ الطبري 6 / 198.
وخيالية بايعه ثمانية عشر ألفاً(1) ، فكتب مسلم إلى الإمام يطلب منه الإسراع بالقدوم، مؤكّداً له أن الناس كلهم معه(2) . وفي رواية « بايع مسلم بن عقيل خمسة وعشرون ألفاً، وفي رواية اُخرى أربعون ألفاً »(3) .
ولما بدأت ملامح المعركة، وجاء ابن زياد، تخلّى الناس كلهم عن مسلم بن عقيل، ولم يجد من الأربعين ألفاً رجلاً واحداً يأويه أو يدلّه على الدرب إلاّ هاني بن عروة، وبسرعة تمّ إلقاء القبض على مسلم وهاني بن عروة؛ فقطع الوالي الجديد رأسيهما وأرسل الرأسين إلى الخليفة يزيد بن معاوية(4) .
فليس معقولاً أن يبايع أربعون ألفاً اليوم ويتنكروا غداً لبيعتهم فلا يثبت أحد منهم على الإطلاق! والمعقول الوحيد أن البيعة قد كانت بالاتفاق مع دولة الخلافة مقابل جعل للمبايعين، وإنّ تنصّل المبايعين من بيعتهم قد تمَّ أيضاً بالاتفاق مع دولة الخلافة، وهو ما يعرف بلغة المخابرات المعاصرة بالاختراق؛ حيث ينظم إلى التنظيم المراد اختراقه مجموعة من العيون تتظاهر بعضويتها لهذا التنظيم، وتنقل ما تسمعه، أو تتدخل بمشاريعه.
لقد اكتشف أهل الكوفة مكيدة الكتب والرسائل التي أرسلت للإمام الحسينعليهالسلام ، وأنها من تدبير الدولة لغايات استدراج الإمام إلى المكان الذي تريده. ثمَّ إنه لن يجرؤ أحد منهم على الإعلان عن عدم موالاته لدولة الخلافة؛ لأن هذا الإعلان يؤدي لقطع العطاء، ويؤدي للموت أيضاً.
ولن يجرؤ أحد منهم على الإعلان عن ولائه لعلي بن أبي طالب أو لأحد من أهل بيتهعليهمالسلام ؛ لأن عقوبة هذا الإعلان هي الموت، وهدم الدار، وهذه العقوبة كانت سارية قبل قدوم مسلم وبعد موته؛ مما يؤكد أن فكرة البيعة أيضاً كانت من تدابير دولة الخلافة.
إنّ أهل الكوفة أقل وأذل من أن يجرؤوا على البيعة وعلى تحدي سلطة
____________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 211، ومثير الأحزان / 21، واللهوف / 10، وموسوعة كلمات الحسين / 53.
(2) راجع تاريخ الطبري 6 / 211.
(3) راجع تاريخ ابن عساكر ح 649.
(4) راجع تاريخ الطبري 6 / 199 - 215، والإرشاد / 199 - 200.
الخلافة بعد سني حكم معاوية التي أذلتهم وأرهقتهم، واجتثت من نفوسهم كل نخوة وشرف ودين. وما يعنينا أن الإمام الحسينعليهالسلام وجد نفسه في كربلاء في مقابلة جيش الخلافة البالغ عدده ثلاثون ألف مقاتل.
المطلوب رأس الإمام ورؤوس أهل بيت النبوةعليهمالسلام
عندما خرج الإمام الحسين من مكّة متوجهاً إلى العراق بعد وصول الكتب والرسائل لم تعد دولة الخلافة مهتمة ببيعته أو بيعة الذين معه، فحتّى لو أعطى الإمام الحسينعليهالسلام البيعة - وهذا مستحيل - فإنها لن تقبل منه ذلك قبل أن تذلّه إذلالاً لم يذله أحد قط. فالبيعة لا تعني دولة الخلافة، إنما يعنيها بالدرجة الأولى والأخيرة قتل الحسين، وإبادة أهل بيت النبوة إبادة تامة حتّى يختفي خطرهم إلى الأبد.
وقد عبّر عبيد الله بن زياد عن ذلك خير تعبير؛ فقد كتب له عمر بن سعد رسالة جاء فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسول فسألته عما أمامه، وما يطلب ويسأل، فقال: كتب إليَّ أهل هذه البلاد، وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت؛ فأما إذا كرهوني، فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم فأنا منصرف عنهم.
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال:
الآن إذ علقت مخالبُنا به |
يرجو النجاة ولاتَ حين مناصِ(1) |
فعبيد الله يعترف أن لدولة الخلافة مخالب كالوحوش تماماً، وأن الحسين وأهل بيت النبوة قد وقعوا في مخالبها بالفعل، وأن هذه المخالب قد علقت به بالفعل، وأن نجاة الحسين بهذه الحالة مستحيلة، ومع هذا فأنه كتب إلى عمر بن سعد: أما بعد، فقد بلغني كتابه وفهمت ما ذكرت، فأعرض على الحسين أن يبايع
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 232 - 270، وابن الأثير / 19 - 38، وابن كثير 8 / 172 - 198، والأخبار الطوال للدينوري / 253 - 261، وأنساب الأشراف / 176 - 227، والإرشاد للمفيد / 210 - 236 لتقف على تفاصيل نزول الحسينعليهالسلام ومفاوضاته مع عمر بن سعد.
ليزيد بن معاوية هو وأصحابه، فإن فعل ذلك رأينا رأينا، والسّلام.
فالبيعة لا تنهي المشكلة، ولا تضمن عودة الإمام الحسينعليهالسلام ، إنما يتبعها ما هو أمرّ من العلقم؛ وذلك بأن يرى ابن مرجانة رأيه في ابن محمّد وأهل بيت النبوة.
عودة لما كنّا بصدده
قلنا في الفصل الأوّل من هذا الباب: إنّ القسم الأعظم والأكثر وقف مع الخليفة يزيد بن معاوية ضد الإمام الحسينعليهالسلام ، وقلنا: إنّ هذا القسم مكوّن من بطون قريش الـ 23 ومَن والاها من العرب، وهي الفئة نفسها التي وقفت ضد النبيصلىاللهعليهوآله وقاومته وحاربته 23 عاماً حتّى اُحيط بها، فاستسلمت وتظاهرت بالإسلام، وبإسلامها شكلت أكثريّة الاُمّة الإسلاميّة.
وبالإضافة إلى المنافقين، والمرتزقة من الأعراب، وأبناء وعشائر وشيع الخمسة الذين سمّاهم عمر للشورى، بالإضافة إلى مسلمة الفتح الذين دخلوا في الإسلام على يد جيش الخلفاء الفاتح، وخضعوا للبرامج التربوية والتعليمية التي وضعها الخلفاء وأولياؤهم.
حجتهم في ذلك أن يزيد بن معاوية هو الخليفة والمالك الفعلي لمقاليد الاُمور، ومن بيده المال والجاه والنفوذ، وقيادة البلاد والعباد الفعلية، وبالتالي ما كان ينبغي على الإمام الحسينعليهالسلام الامتناع عن بيعته أو الخروج عليه.
قال النووي في شرحه على مسلم: وقال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل الخليفة بالفسق والظلم وتعطيل الحدود، ولا يُخلع، ولا يجوز الخروج عليه...(1) !
وقال أيضاً: وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين(2) !
قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتابه التمهيد: قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال،
____________________
(1) راجع صحيح مسلم شرح النووي 12 / 229، وسنن البيهقي 8 / 158 - 159.
(2) المصدر نفسه.
وضرب الأبدان، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه(1) .
وقد استندت هذه الفتاوى على سلسلة من الأحاديث التي رواها أولياء الخلفاء ونسبوها إلى رسول اللهصلىاللهعليهوآله .
القرار النهائي
بعد التداول والإثبات، وتقليب الاُمور على وجوهها المختلفة، قرر « خليفة رسول الله » يزيد بن معاوية بن أبي سفيان أن يقتل الإمام الحسين ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأن يقتل آل محمّد، وأهل بيت النبوة، وذوي قربى النبي، وأن يقتل معهم كل مَن والاهم ووقف معهم من المسلمين.
وقرر أن يمثّل بهم أشنع تمثيل بعد القتل، وأن يقطع رؤوسهم لتحمل في البلاد، وليراها العباد، وقرر أيضاً أن يبيح لجيشه الإسلامي أن ينهب أموالهم بما فيه ملابس القتلى، وأن يسوق نساءهم حفايا وعلى الأقتاب من الكوفة إلى دمشق عاصمة ملكه السعيد، وقرّر تكليف أركان دولة الخلافة بتنفيذ هذه القرارات في كربلاء بأسرع وقت ممكن، بجرم امتناعهم عن البيعة وخروجهم على خليفة المسلمين.
أركان دولة الخلافة ينفذون قرارات الخليفة حرفياً
1 - فقد قتلوا الإمام الحسينعليهالسلام أشنع قتلة، وقطعوا رأسه، وبعد قتله أخذوا سراويله، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته، وأخذ رجل سيفه، وأخذ آخر نعليه... ولا خلاف بين أحد من المؤرّخين على هذه الوقائع.
2 - قتلوا آل محمّد، وأهل بيت النبوة، وذوي قربى النبي، ولم ينجُ منهم إلاّ علي بن الحسين « زين العابدينعليهالسلام »؛ فقد كان مريضاً، طريح الفراش، ولا يقوى على الحركة. والحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وعمرو بن الحسن بن
____________________
(1) راجع التمهيد - باب « ذكر ما يوجب خلع الإمام وسقوط فرض طاعته ».
علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وكانا طفلين صغيرين(*) ، ولم يشاهدهما القتلة، ولم ينتبهوا لهما إلاّ بعد انتهاء المجزرة(1) .
3 - وقتلوا كافة الذين وقفوا مع الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام من غير بني هاشم، ولم ينجُ منهم إلاّ ثلاثة وبالصدفة، وهم: عبد الله المشرقي(2) ، وعقبة بن سمعان(3) ، والمرقع بن ثمامة الأسدي(4) .
4 - وقتلوا حتّى الأطفال؛ فقد قتلوا الطفل علي بن الحسين(5) ، والطفل أبا بكر بن الحسين، وغلاما من آل الحسين، وطفلاً للإمام الحسن(6) .
5 - وقتلوا حتّى النساء كأم وهب بن عبد(7) .
6 - وانتهبوا كلَّ شيء، قال أبو مخنف: ومال الناس على الدرس والحلل والإبل فانتهبوها، ومال وحال الناس على نساء الحسين وثقله ومتاعه، وإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتّى تغلب عليه فيذهب بها منها(8) .
7 - وكان القتلة قبل قتل الجميع قد منعوا الماء عن الإمام الحسين ومن معهعليهمالسلام ، حيث كتب ابن زياد إلى عمر بن سعد: أما بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة(9) .
القرار النهائي للأكثريّة الساحقة
بطون قريش الـ 23، والمنافقون، والمرتزقة من الأعراب، وأبناء بطون
____________________
(*) قد مرّ التعليق على هذه الفقرة في هامش الصفحة 37 من هذا الكتاب.(موقع معهد الإمامين الحسنين)
(1) راجع تاريخ الطبري 5 / 469 على سبيل المثال.
(2) راجع تاريخ الطبري 5 / 18 و 444 و 445.
(3) تاريخ الطبري 5 / 454.
(4) المصدر نفسه.
(5) مقتل الخوارزمي 2 / 32، وتاريخ الطبري 2 / 360، وتاريخ ابن كثير 8 / 188.
(6) راجع تاريخ الطبري 2 / 363 « غلامان من أهله ».
(7) راجع تاريخ الطبري 5 / 429 - 430 و 436 و 438، وانظر الطريقة الوحشية التي قتلت فيها تلك السيدة.
(8) راجع معالم المدرستين 3 / 136 للعسكري.
(9) راجع معالم المدرستين 3 / 84 نقلاً عن الطبري.
وشيع الخمسة الذين رشّحهم عمر للخلافة وسماهم أهل الشورى.
والمسلمون الجدد الذين دخلوا بالإسلام على يد جيش الخلفاء الفاتح أيّدوا قرارات الخليفة يزيد بن معاوية مثلما أيّدوا تنفيذ أركان دولة الخلافة لهذه القرارات، وباركوا مذبحة كربلاء التي ارتكبها جيش الخلافة، وباركوا قتل الإمام الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام ونهب أموالهم، وقتل أطفالهم، وحرمانهم من الماء، والتمثيل بهم بعد موتهم؛ وذلك لأن عقيدة هذه الأكثريّة تحرم الخروج على الخليفة، ولا تجوّز عدم بيعته(1) .
إنّهم وإن لم يصرّحوا فهم ضمنياً يرون أن امتناع الإمام الحسينعليهالسلام وذوي قرباه « غير جائز »، ويرون أن خروجهم على يزيد بن معاوية « حرام »(2) وفق المفهوم الديني لهذه الأكثريّة. ذلك المفهوم الذي لم ينزل به الله سلطاناً، إنما هو من تعاليم مدارس الخلفاء الذين قصروا مهمة الدين على أنه طريق ملك، ومنهج للمحافظة على هذا الملك.
تلك المدارس خصّصت المنافقين للإفتاء والمرجعية وجعلتهم سادة، وخيّرت آل محمّد بين القبول بفتاوى ومرجعية المنافقين أو الموت، فاختاروا الموت عن طيب خاطر.
والأكثريّة الساحقة من الاُمّة الإسلاميّة كانت بين مؤيّد ومنفّذ؛ فجيوش الخلفاء مع الخليفة بما فيه الجيش الذي نفّذ مذبحة كربلاء، ولم يدع أحد للآن أن تلك الجيوش ليست من الاُمّة الإسلاميّة.
والذين لم ينخرطوا بجيش الخليفة كانوا تحت السلاح، فلو لزم الأمر لجنّدهم الخليفة كلهم؛ فهم يتقاضون منه عطاءهم الشهري، ومَن يوالي غيرهم أو يطع غيره فلا عطاء له. لم يأمره أحد بمعروف، ولم ينههه أحد عن منكر.
لقد اعتبرت الأكثريّة التي أشرنا إليها قتل ابن النبي وأهل بيت النبي ومَن والاهم فتحاً مبيناً؛ إذ مَن يدلني على رجل وأحد من الأكثريّة التي وقفت مع الخليفة أنه قال له: هذا منكر يا أمير المؤمنين، ما كان ينبغي لك قتل ابن النبي وإبادة أهل بيت النبوة لأي سبب؟ كانت الأكثريّة تبارك لأمير المؤمنين « بنصر الله والفتح ».
____________________
(1) راجع صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 229، وسنن البيهقي 8 / 158 - 159، والتمهيد للباقلاني - باب « ذكر ما يوجب خلع الإمام ».
(2) المصدر نفسه.
متى ندمت هذه الأكثريّة؟ لقد ندمت فقط عندما ندم الخليفة، واكتشفت أنها أجرمت بحق الله وبحق رسوله عندما اكتشف الخليفة فظاعة جرمه.
خرج علي بن الحسينعليهالسلام ذات يوم، فجعل يمشي في أسواق دمشق، واستقبله المنهال بن عمرو الصحابي، فقال له: كيف أمسيت يابن رسول الله؟
قال: « أمسينا كبني إسرائيل في آل فرعون؛ يذبّحون أبناءهم، ويسحيون نساءهم. يا منهال، أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمداً منهم، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمداً منها، وأمسينا أهل بيت محمّد ونحن مغصوبون مظلومون، مقهورون مقتولون، مبتورون مطرودون، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون »(1) .
تماماً كما فعلت الأكثريّة الساحقة من مجتمع فرعون بموسى وبني إسرائيل فعلت الأكثريّة الساحقة من مجتمع يزيد بن معاوية بالحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام .
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 247 - 249، ومقتل الخوارزمي 2 / 69 - 71.
الفصل الثالث
الأقلّية التي وقفت مع الإمام الحسينعليهالسلام أو تعاطفت معه
ما من اُمّة من الاُمم السابقة لاُمّة محمّد إلاّ ووقفت أكثريتها الساحقة مع طاغيتها وضد نبيها، والأقلّية القليلة من كل اُمّة من الأمم القبلية هي التي اختارت بمحض إرادتها أن تقف مع نبيها.
ولم يكن النبي بدعاً مع الرسل؛ إذ وقفت معه الأقلّية القليلة، ووقفت ضده الأكثريّة الساحقة من العرب، وحتّى عندما فرض سلطانه على العرب وحوّلهم من دين إلى دين، وقبيل وفاته لمّت الأكثريّة شملها، ووقفت ضده وهوعلى فراش الموت، وحالت بينه وبين كتابة ما أراد كما بيّنا.
بمعنى إن مواقف الأكثريّة والأقلّية من كل اُمّة هي حالة من التواصل والامتداد الطبيعي لموقف الأكثريّة والأقلّية من كل اُمّة من الأمم السابقة؛ فالأكثريّة تقف مع مصالحها المرتبطة بنظام المجتمع السائد في زمنها، والأقلّية تقف دائماً مع مبادئها.
ويبدو واضحاً أن موقف الأكثريّة والأقلّية ظاهرة من ظواهر الاجتماع البشري الثابتة؛ فأقدم الأمم اُمّة نوح، وأحدث الاُمم اُمّة محمّد، فكل اُمّة من الاُمم الواقعة ما بين الاُمّة الأقدم والأحدث وقفت أكثريتها مع الباطل أو ما نسميه: مصالحها، ووقفت أقليتها مع الحق أو ما نسميه: المبادئ.
فأكثريّة الاُمّة الإسلاميّة التي وقفت مع يزيد بن معاوية وأركان دولته حفظاً لمصالحها هي امتداد وتواصل طبيعي لموقف الأكثريّة من كل اُمّة من الاُمم السابقة التي اختارت الوقوف إلى جانب طاغوتها ونظامه السائد ضد النبي أو المصلح الذي جاء لإنقاذها.
والأقلّية من الاُمّة الإسلاميّة التي اختارت الوقوف إلى جانب الإمام الحسينعليهالسلام ضد يزيد بن معاوية وأركان دولته هي أيضاً حالة من التواصل والامتداد الطبيعي لأقلّيات الاُمم السابقة التي اختارت الوقوف مع أنبيائها ومبادئهم.
التعتيم الرسمي
السلطة - أي سلطة - بما فيها دولة الخلافة كانت وما تزال تملك السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام، وتملك سيطرة فعلية غير معلنة على كتابة التاريخ؛ فهي التي تقدر عملياً ما ينبغي أن يكتب وما لا ينبغي، وما ينبغي أن ينشر ويعلم به العامة وما لا ينبغي فيبقى سراً، ويظل العلم بتفاصيله حصراً على السلطة وأركان دولتها.
وكان إعلام الدول من القدرة بحيث أنه يستطيع أن يصوّر الأسود بصورة الأبيض، وأن يقدم الأسود بصورة الأبيض، وأن يبرز الباطل لرعايا الدولة على أساس أنه الحق المبين، وأن يصوّر أركانه ودعاته على أساس أنهم النماذج البشرية الفذة التي اختارتها قوى غيبية ومقدسة خاصة لقيادة المجتمع وتوجيهه مثلما كانت له القدرة على تقديم الحق لرعايا الدولة بصورة الباطل الزهوق، وتقديم دعاته باحتقار بالغ وتصويرهم بصور الحثالة أو الأراذل الذين خرجوا على مجتمعهم الموحد، وحاولوا أن يشقوا صفوفه، وأن يفرقوا جمعه.
إنه إعلام قذر، مسلح بالكفر الصراح، لا يجد حرجاً ولا غضاضة من استعمال أيّة وسيلة لإقناع الجميع بما خطط له وأراد. وغني عن البيان أنّ السلطة أو الدولة في كل اُمّة تملكها أو تدعي ملكيتها الأكثريّة في هذه الاُمّة أو تلك؛ لذلك فإن إعلام كل دولة مسخّر ليكون الناطق الرسمي باسم تلك الأكثريّة. والتاريخ المكتوب لكل اُمّة ما هو إلاّ تسجيل لانتصاراتها وإنجازاتها وقدرتها على سحق الأقلّية وازدرائها.
ومن هنا، وهذا هو السر في عدم معرفتنا بأشخاص الأقليات من كل اُمّة، وسيرهم الشخصية، وتفاصيل الموقف المشرف الذي اتّخذه كلّ فرد من أفراد تلك الأقليات؛ لأن تاريخ الاُمم وإعلامه تعمّد التعتيم على كافة جوانب العزِّ والعظمة التي تميّز بها كلُّ فرد من أفراد تلك الأقلّيات.
لقد حوّل إعلام الدول عز الأقلّية إلى هوان، وكبرياءها إلى ذل، وحصافتها إلى جنون، وعزمها على التغيير إلى عبث بوحدة المجتمع، ومحاولة لبعثرة جمعه.
أنباء الأقلّية التي وقفت مع الإمام الحسينعليهالسلام
إنّ دولة الخلافة كانت تملك السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام، وعلى كتابة التاريخ وتوثيق ظاهراته، وهذه الدولة كانت جماع مصالح الأكثريّة، أو أن تلك الأكثريّة كانت تتصور ذلك، أو أن تلك الأكثريّة كانت المنتفع الرئيس من دولة الخلافة؛ فبيد الخليفة وأركان دولته مفاتيح مال الدولة وجاهها ونفوذها، والولاء للخليفة ودولته أو التظاهر بهذا الولاء أو التطرف فيه هو الطريق الأوحد للحصول على نصيب من مال الدولة وجاهها ونفوذها؛ لذلك ارتبطت مصالح الأكثريّة مع مصلحة الدولة فصارت دولة نفعية، وصارت الأكثريّة نفعية أيضاً.
وعمق الإحساس بالمصلحة المشتركة والنفعية أن الأكثريّة المسلمة كانت هي الأكثريّة المشركة التي قاومت النبي بكلِّ وسائل المقاومة، وحاربته بكلِّ فنون الحرب طوال 23 عاماً حتّى أحاط بها النبي فاضطرت للاستسلام، وأعلنت إسلامها مكرهة بالوقت الذي كانت تخفي فيه كامل قناعات الشرك، فصارت الأكثريّة المشركة بالأمس هي الأكثريّة المسلمة اليوم.
لقد تظاهر معسكر الشرك كله بالإسلام أو أعلن إسلامه، وبإسلامهم اختلّت تركيبة المجتمع الإسلامي كلّه، وضاعت بهذا البحر البشري الأقلّية المؤمنة التي وقفت مع الرسولصلىاللهعليهوآله وقفة رجل واحد، وقامت على أكتافها الدولة والاُمّة معاً، وأصبحت الأقلّية المؤمنة كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود على حد تعبير معاوية بن أبي سفيان.
لقد كان واضحاً أن أي هزة في المجتمع الإسلامي ستقلب موازين القوى فيه رأساً على عقب، وكان رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو الثقل الذي يحول دون رجفان الأرض من تحت أقدام الذين أمنوا على حد تعبير البتول فاطمة الزهراءعليهاالسلام ، وكان واضحاً بأن الأكثريّة التي كانت مشركة بالأمس وأصبحت اليوم مسلمة قد أعادت ترتيب أوراقها، وقررت أن تستفيد من الدين الجديد، وأن تجعله طريق ملك، واُسلوباً للمحافظة على هذا الملك.
واستطاعت تلك الأكثريّة أن تستخفي نفراً من الذين كانوا محسوبين على النبيصلىاللهعليهوآله ، وعلى القلة المؤمنة التي أخلصت له. وكان واضحاً أن تلك الأكثريّة والنفر الذين استخفتهم يقفون على أهبة الاستعداد وينتظرون بفارغ الصبر موت النبيصلىاللهعليهوآله
للاستيلاء على الخلافة من بعده، وليعيدوا ترتيب الأوراق من جديد.
كان النبيصلىاللهعليهوآله على علم بما يجري، ولما مرض أراد أن يوثّق توجهاته النهائية ويكتبها ليجنب الاُمّة الشر المستطير والعاصفة التي تنتظر موته. وانتبه النفر الذي استخفته الأكثريّة، فداهموا بيت النبيصلىاللهعليهوآله وحالوا بينه وبين كتابة وتوثيق توجيهاته النهائية، وقالوا له مواجهة: أنت تهجر، ولا حاجة لنا بكتابك ولا بوصيتك؛ لأن القرآن عندنا وهو يكفينا(1) .
ومات النبي الأعظمصلىاللهعليهوآله كسير الخاطر، واستولت الأكثريّة على السلطة، ولكن بقيادة رمز من المحسوبين على رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وعهد الأوّل للثاني، وعهد الثاني للثالث. وفي عهد الخليفة الثالث استولت الأكثريّة على السلطة، وصار الخليفة الثالث مجرد واجهة، وقبض الذين كانوا بالأمس من أشد أعداء الله ورسوله على مقاليد الاُمور.
ثمَّ جاء معاوية وأنهى حكم الخليفة الرمز، وأعلن وبكلِّ صلف عودة الملك لمعدنه على حدِّ تعبيره، فصارت دولة الخلافة تماماً بيد الأكثريّة التي كانت بالأمس مشركة، وصارت اليوم مسلمة، وعادت القيادة لأبي سفيان وهو الرجل نفسه الذي قاد وأولاده جبهة الشرك طوال 23 سنة. وهكذا استردت الأكثريّة كامل مواقعها التي خسرتها أثناء حربها مع الرسولصلىاللهعليهوآله .
ومات معاوية، وانتقلت القيادة لابنه يزيد تماماً كما انتقلت القيادة لأبي سفيان من أبيه اُميّة، ولكن بالمراسم الإسلاميّة.
هذه النقلات التكتيكية والإيدلوجية المتتابعة ألهمت إعلام دولة الخلافة إلهاماً لم يحظَ به إعلام من قبل. لقد أفرز إعلام دولة الخلافة من العجائب والغرائب ما لم يفرزه أي إعلام في التاريخ؛ فإذا كان إعلام دول الكفر كانت له القدرة على تصوير الأسود بصورة الأبيض، فقد كان لإعلام دولة الخلافة القدرة الكاملة على تصوير الأسود بصورة كل الألوان، وإظهار الباطل بمظهر الحق،
____________________
(1) راجع صحيح البخاري 1 / 37 وج 2 / 16 وج 4 / 31 وج 5 / 75 وج 7 / 9 وج 11 / 95 (بشرح النووي)، ومسند الإمام أحمد 1 / 355 وج 4 / 356 ح 2992، وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي / 21، وتذكرة الخواصّ لابن الجوزي / 62، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة / 287، وكتابنا المواجهة مع رسول الله وآله / 306 لتجد عشرات المراجع وتحليلنا العلمي.
وحفز الأكثريّة على القتال دفاعاً عنه، مثلما كانت له القدرة على تصوير الحق بصورة الباطل المذموم، وحفز الأكثريّة على القتال بالسلاح الأبيض دفاعاً عنه، وارتكاب المجازر والمذابح قرباناً إليه.
وكانت له القدرة الفائقة على تقديم المجرمين العتاة بصورة أولياء الأتقياء، الأنقياء، الذين يثخنون في الأرض لتوطيد حكم الله، مثلما كانت له القدرة على تصوير أولياء الله الذين اختارهم الله ورسوله لقيادة الاُمّة وتوجيهها بصورة المجرمين الشاقّين للطاعة، والمفرّقين للجمعة والجماعة، مثلما كانت له القدرة على تصوير المخازي المخجلة بصورة المغازي.
نماذج من إعلام دولة خلافة يزيد
تمت مذبحة كربلاء بالصورة المرعبة الرهيبة التي أمر بها الخليفة يزيد بن معاوية، ونفذها جيشه بقيادة عمر بن سعد بن أبي وقاص، وتحت الإشراف المباشر لواليه على العراق عبيد الله بن زياد.
وساق الجيش « الإسلامي » بنات النبي وحريم آل محمّدصلىاللهعليهوآله أسارى، وحمل معه الغنائم التي سلبها من الشهداء، ومن جملتها الملابس والأحذية التي نهبوها من الشهداء وهم أموات(1) ، ورفعوا فوق رؤوس رماحها رؤوس الشهداء التي قطعوها بعد قتلهم، ودخلوا الكوفة دخول المنتصرين، ونادى رسول ابن زياد: « الصلاة جامعة، الصلاة جامعة »!
فاجتمع الناس في المسجد الأعظم، وصعد ابن زياد المنبر، وارتجل الكلمة التالية: الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذاب ابن الكذاب الحسين بن علي وشيعته(2) .
فأنت ترى أن يزيد بن معاوية الذي لعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بالاسم والوصف، ولعن أباه وجده بالاسم والوصف كما وثّقنا صار بقدرة قادر يمثل الحق وأهله، وبقدرة قادر صار ابن النبي، وسبطه وريحانته وسيد شباب أهل الجنة وإمام الاُمّة بالنص الحسين بن علي صار كذّاباً، وصار أبوه الإمام، والوالي
____________________
(1) راجع معالم المدرستين 3 / 136 (نقلها عن الطبري)، واللهوف / 73، ومقتل الخوارزمي 2 / 38 و103، والكامل لابن الأثير 4 / 32، والمناقب 2 / 224.
(2) راجع تاريخ ابن الأثير 1 / 34، وروى ذلك الطبري عن حميد بن مسلم.
لكل مؤمن مؤمنة، ومَن قاتل والد يزيد وجده وقتلهم على الإسلام صار كذّاباً! لست أدري مَن يصدّق الطغام؟ هل يصدّقون رسول الله أم يصدقون عدو الله؟! إنّ ما يعنينا بالدرجة الأولى هو قدرة إعلام دولة الخلافة على قلب الحقائق رأساً على عقب بصورة لم يعرف التاريخ البشري لها مثيلاً.
عندما تمّت مذبحة كربلاء أقبل زحر بن قيس حتّى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد الذي كان يترقّب أنباء مذبحة كربلاء بلهفة: ويلك! ما وراءك وما عندك؟
فقال زحر: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره؛ ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته، وستّين من شيعته، فأحطنا بهم من كلِّ ناحية حتّى أتينا على آخرهم...(1) . فزحر هذا يسمّي قتل آل محمّد وأهل بيت النبوة، وذوي قربى النبي نصر الله والفتح! فالقوم يستعملون المصطلح نفسه الذي استعمله القرآن الكريم عند فتح مكّة!
وعندما أقبل موكب رؤوس الشهداء، وبنات الرسول الأسارى شاهده الخليفة، فقال على الفور:
نعب الغرابُ فقلت صح أو لا تصحْ |
فلقد قضيتُ من الغريم ديوني(2) |
ولما وُضعت رؤوس الشهداء بين يدي الخليفة تمثّل بأبيات ابن الزبعري التي افتخر فيها بانتصار المشركين على المسلمين في اُحد، واستيفاء ثأرهم عن قتلاهم في بدر:
ليت أشياخي ببدر شهدوا |
جزعَ الخزرج من وقع الأسلْ |
|
لأهلّوا واستهلوا فرحاً |
ثمَّ قالوا يا يزيد لا تشلْ |
|
قد قتلنا القومَ من سادتهمْ |
وعدلنا ميل بدر فاعتدلْ(3) |
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 5 / 459 - 460.
(2) راجع تذكرة الخواصّ لابن الجوزي 2 / 148.
(3) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 241، ومقاتل الطالبيِّين لأبي الفرج الأصفهاني / 120، وتذكرة الخواصّ لابن الجوزي / 148 وتاريخ ابن كثير 8 / 204.
وقال ابن الجوزي في تذكرة الخواصّ: « المشهور عن يزيد في جميع الروايات أنه لمّا حضر الرأس بين يديه جمع أهل الشام، وأخذ ينكث عليه بالخيزران، ويقول أبيات ابن الزبعري ».
ومعنى هذا بكل وضوح أن « خليفة رسول الله » ينتقم من الرسول ويثأر منه؛ جزاء وفاقاً لقتله أشياخ يزيد في بدر.
قال ابن أعثم: ثمَّ زاد عليها يزيد:
لستُ من عتبة إن لم أنتقمْ |
من بني أحمدَ ما كان فعلْ |
وقال الشعبي: وزاد عليها يزيد:
لعبت هاشمُ بالملك فلا |
خبرٌ جاء ولا وحي نزلْ |
وهذا يعني أننا أمام مشرك وكافر، ولكنه يرتدي الزي الإسلامي للمحافظة على ملكه. هذا الذي يعمل هذه الأفعال يزعم بأنه « خليفة رسول الله »! إنه إعلام دولة الخلافة الذي لم يشهد التاريخ إعلاماً بقدرته على قلب الحقائق.
وفي تاريخ الطبري أن يزيد بن معاوية قال لعلي بن الحسينعليهالسلام : « أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت ». فكانت قيادة الاُمّة حقاً خالصاً لأبي سفيان، ولمعاوية وليزيد! وهو يردد هذه المزاعم أمام ابن النبي وحفيده علي الذي قاتل أباه وجده، وقتل أشياخه في بدر على الشرك، إنها تجارة قلب الحقائق.
الجرائم قربان من الله
عندما انتهى مسلم بن عقبة من مذبحة المدينة التي تحدثنا عنها سابقاً، قال: اللّهمَّ إني لم أعمل عملاً قط بعد شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله أحب إليَّ ولا أرجى عندي في الآخرة(1) ! وفي لفظ ابن كثير: أحب إليَّ من قتل أهل المدينة وأجزى عندي في الآخرة، وإن دخلت النار بعد ذلك أني لشقي. ثمَّ مات(2) .
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 7 / 14، وابن الأثير 2 / 49، وابن كثير 8 / 295.
(2) راجع تاريخ ابن كثير 8 / 215.
وفي تاريخ اليعقوبي أنه قال: اللّهمَّ إن عذبتني بعد طاعتي لخليفتك يزيد بن معاوية، وقتل أهل الحرة فإني إذاً لشقي(1) .
وفي كتاب الفتوح لابن أعثم أنه قال: اللّهمَّ إنّي لا أعمل عملاً أرجو به النجاة إلاّ ما فعلت بأهل المدينة(2) .
نحن أمام إعلام مجنون ومفترس، امتهن قلب الحقائق ففاق بقدرته حد التصور والتصديق؛ ففي الوقت نفسه الذي يقوم فيه جيش الخليفة بهدم الكعبة على رؤوس المسلمين وإحراقها، وبالوقت الذي يقتل فيه المسلمين وبالآلاف يومياً، فإن هذا الجيش يتلطف حتّى لا يقتل حمام الحرم(3) ! هذه هي طبيعة الجيش الذي ارتكب مذبحة كربلاء، وتلك هي طبيعة الإعلام الذي غطى المذبحة.
نموذج أخير من إعلام دولة الخلافة
عندما وُضع رأس الإمام الحسين بين يدي عبيد الله بن زياد أخذ العبد ينكث بقضيب خيزران ثنايا الحسينعليهالسلام ، فقال له زيد بن أرقم العماني، الجليل، المعروف: اعلُ بهذا القضيب عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله على هاتين الشفتين يقبّلهما. ثمَّ انفجر الصحابي بالبكاء، فغضب ابن زياد وقال: أبكى الله عينيك، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك(4) .
فالأمر بالمعروف جريمة، والنهي عن المنكر جريمة، والتذكير برسول اللهصلىاللهعليهوآله جريمة أيضاً تستوجب القتل. هذه الصالحات برهان قاطع على الخرف وذهاب
____________________
(1) راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 251.
(2) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 301.
(3) تاريخ الطبري 7 / 16 - 17 في ذكر حوادث سنة 65.
(4) راجع معالم المدرستين للعسكري 3 / 149 كما رواها عن الطبري، وراجع الصواعق المحرقة لابن حجر / 118، وتاريخ الطبري 6 / 262، والبداية والنهاية لابن كثير 8 / 90، ومجمع الزوائد للهيثمي 6 / 195، وتاريخ ابن عساكر 4 / 340.
العقل، تلك هي عبقرية إعلام دولة الخلافة، وهذا سر عجائبه.
رأينا نماذج من الأفعال الهمجية والتي تعتبر جرائم بشعة، وفق معايير كل الشرائع الأهلية والوضعية يستحق فعلتها المجرمون المقت والخزي والموت، وسخط الخالق والمخلوق معاً.
ومن المثير للدهشة إن إعلام دولة الخلافة يعتبر هذه الأفعال بطولات وقربات إلى الله، ويعتبر المجرمين الذين ارتكبوها أبطالاً ومجتهدين لهم الأجر عليها؛ فبسر بن أرطأة من عتاة المجرمين، ويقال: إنه صحابي. وبما أنه صحابي فهو مجتهد ومأجور على كلِّ جرائمه حسب إعلام دولة الخلافة.
قال ابن تيمية في رده على المثالب: « وأكثر هذه الاُمور لهم فيها معاذير تخرجها عن أن تكون ذنوباً، وتجعلها من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فيها فله أجران، وإن أخطأ فله أجر »(1) !
وقال ابن حجر في ترجمة أبي الغادية: « والظن بالصحابة في كلِّ تلك الحروب أنهم كانوا فيها متأوّلين، وللمجتهد المخطئ أجر... »(2) !
وقال ابن حزم في « المحلى »، وابن التركماني في « الجوهر النقي »، واللفظ للأوّل: ولا خلاف بين أحد من الاُمّة في أن عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل علي بن أبي طالب إلاّ متأولاً مجتهداً مقدّراً أنه على صواب(3) !
فقاتل علي بن أبي طالب مجتهد مأجور أجراً واحداً! وحتّى يزيد بن معاوية صار بقدرة إعلام دولة الخلافة « ذاك إمام مجتهد »(4) .
والخلاصة: فإنَّ كلَّ المجرمين العتاة الذين نكلوا باُمّة محمّد مجتهدون، مأجورون أجراً واحداً على جرائمهم البشعة. هذه هي طبيعة إعلام دولة الخلافة، وتلك عجائبه! وحتّى يزول العجب ألبسوا إعلامهم جبة الدين.
أمّا ضحايا الحرة وكربلاء، ورفاق حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، فهم نكرات لا يلتفت إليهم إعلام دولة الخلافة؛ لأنهم خانوا الأكثريّة، وخرجوا من صفوف الجماعة.
____________________
(1) منهاج السنة 3 / 19.
(2) راجع الإصابة 4 / 151.
(3) راجع ابن حزم في المحلى 10 / 484، والجوهر النقي بذيل سنن البيهقي 8 / 58 - 59.
(4) راجع معالم المدرستين للعسكري 2 / 75 كما نقلها عن أبي الخير الشافعي المتوفّى سنة 590 هـ.
بهذه الصورة من المناخ الإعلامي لدولة الخلافة سنحاول أن نتعرّف على الأقلّية التي وقفت مع الإمام الحسينعليهالسلام . فكما تجاهلت الأكثريّة الفاسدة من كل اُمّة من اُمم الأرض التي كذبت أنبياءها الأقلّية المؤمنة تجاهلاً إعلامياً كاملاً؛ فلم تعنَ بأشخاصهم، ولا بقدارتهم المميزة، ولا بسيرهم العطرة، بل تجاهلتهم تجاهلاً كاملاً، واعتبرتهم كأوراق شجرة تتساقط بالخريف، كذلك فعلت الأكثريّة الساحقة من الاُمّة الإسلاميّة؛ إذ تجاهلت الأقلّية المؤمنة التي وقفت مع الإمام الحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام وقفة عز وشرف، وقاتلت بين يديه.
لم يضيع إعلام دولة الخلافة وقته، ولم يبعثر جهده لإعطاء الأجيال لمحة عن تلك الشخصيات البارزة التي اختارت الآخرة على الدنيا، والموت بشرف على الحياة الذليلة تحت حكم الطغاة الظالمين. تجاهلهم إعلام دولة الخلافة بالوقت الذي أعطى فيه الكثير من اهتمامه لتغطية كفاح أبي سفيان وأولاده ضد النبيصلىاللهعليهوآله وضد الإسلام طوال 23 عاماً من المواجهة بين جبهة الشرك التي كان يقودها أبو سفيان وأولاده، وبين جبهة الإيمان التي كان يقودها محمّد وآلهعليهمالسلام .
الأقلّية التي أيّدت ثورة الإمام الحسينعليهالسلام
الأقلّية المؤمنة التي أيّدت ثورة الإمام الحسينعليهالسلام تنقسم إلى فئتين أيضاً:
الفئة الأولى: وهي الفئة التي خرجت مع الإمام الحسينعليهالسلام ، فرافقته دربه، وشاطرته قناعاته وتحليلاته، وأيّدت موقفه، ونالت شرف الدفاع عنه، وقاتلت بكلِّ قواها حتّى قُتلت بين يديه، وهم بتعبير أدق شهداء مذبحة كربلاء، ومَن نجا منهم بعذر شرعي.
الفئة الثاني: وهم فئة مؤمنة، أحبوا الإمام الحسينعليهالسلام بالفعل، وتفهّموا شرعية وعدالة موقفه، ولكنهم قدّروا أن الحسين ومَن معه لا طاقة لهم بمواجهة الخليفة وأركان دولته والأكثريّة التي تؤيده.
وقد اكتفت هذه الفئة بالتعاطف القلبي مع الإمام الحسينعليهالسلام ، وتصعيد خالص الدعاء لله لحفظه وسلامته، وتابعت أنباءه بشغف بالغ، ولكنها فضلت حياتها على الوقوف معه ومناصرته. ولما استشهد الإمام
الحسينعليهالسلام بكت هذه الفئة عليه بصدق وحرقة، وندمت على موقفها، وتمنّت لو ماتت دونه بعد أن تيقنت أن الإمام الشرعي قد قُتل، وأن قمر العز والأمل قد اختفى نهائياً من سماء العالم الإسلامي.
وأفراد هذه الفئة كلهم من ذرّية أبي طالبعليهالسلام ، وهو الذي كفل النبيصلىاللهعليهوآله يتيماً، وربّاه صغيراً، ونصره كبيراً، ووقف معه وقفة عز وبطولة، ولم يتخلّ عنه حتّى الموت. وبالوقت الذي فيه تخلّى عن النبيصلىاللهعليهوآله كل الناس، ورمته بطون قريش كلّها بسهم واحد وقف معه أبو طالب وأولاده، وقال للنبيصلىاللهعليهوآله : « يابن أخي، إذا أردت أن تدعو إلى ربك فأعلمنا حتّى نخرج معك بالسلاح »(1) .
وقد عبّر النبيصلىاللهعليهوآله عن عرفانه وامتنانه لأبي طالب وأولاده يوم مات أبو طالب، فقال النبيصلىاللهعليهوآله والحزن يملأ قلبه الشريف: « يا عم، ربّيت صغيراً، وكفلت يتيماً، ونصرت كبيراً، فجزاك الله عني خيراً »(2) . واعتبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله أنّ موت أبي طالب مصيبة أصابت الاُمّة الإسلاميّة، وسمى العام الذي مات فيه أبو طالب بعام الحزن(3) .
لقد وقفت عائلة أبي طالب مع النبيصلىاللهعليهوآله ولم تتخل عنه، حتّى الاُم أو زوجة أبي طالب وقفت مع النبي وقفة عز وشرف؛ فقد كانت بمثابة الاُم لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ، الاُم الحقيقية أحبت الرسول أكثر من أولادها، وعبّر الرسول عن عميق عرفانه لها يوم ماتت فقال: « اليوم ماتت اُمّي، إنها كانت اُمّي، إنها كانت لتجيع صبيانها وتشبعني، وتشعثهم وتدهنني، وكانت اُمّي »(4) .
وباختصار، كما تفردت عائلة أبي طالب؛ الرجل والمرأة والأولاد بالوقوف مجتمعين مع النبيصلىاللهعليهوآله في أيام المحنة يوم رمى العرب النبيَّ بسهم واحد، كذلك انفرد أحفاد أبي طالب، وأحفاد المرأة الصالحة زوجته بالوقوف وقفة رجل واحد مع ابن النبي الإمام الحسينعليهالسلام يوم رمته الأكثريّة الساحقة من الاُمّة « الإسلاميّة » بسهم واحد. وهذا شرف لم تنله أية جماعة مسلمة.
لقد كان أحفاد أبي طالب الذين وقفوا مع الإمام الحسينعليهالسلام جماعة، وكان عددهم عشرين على الأقل، قُتل منهم بين يديه
____________________
(1) راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 27.
(2) المصدر نفسه 2 / 36.
(3) المصدر نفسه 2 / 35.
(4) المصدر نفسه 2 / 14.
سبعة عشر فتى من خيرة فتية الأرض(1) كما أجمع على ذلك الطبري في تاريخه، وأبو الفرج الأصفهاني في « مقاتل الطالبيِّين » والخوارزمي في « مقتل الحسين »، والشيخ المفيد في « الإرشاد ».
1 - فأحفاد أبي طالب هم الجماعة الوحيدة التي وقفت مع الإمام الحسينعليهالسلام من بين جماعات الاُمّة الإسلاميّة كلها.
2 - نعم، لقد جرت محاولة لجذب جماعة إسلاميّة اُخرى، ولكنها لم تنجح. وملخّص ذلك أن حبيب بن مظاهر أحد أنصار الحسينعليهالسلام قال للحسين: يابن رسول الله، ها هنا حي من بني أسد بالقرب منّي، أتأذن لي أن أدعوهم إلى نصرتك؟
فقال الحسينعليهالسلام : « أذنت لك ».
فذهب حبيب، ونجح بجمع تسعين رجلاً، ولما علم عمر بن سعد بذلك أرسل قرابة 400 فارس لملاقاتهم والحيلولة دون وصولهم إلى معسكر الحسينعليهالسلام ، وأدرك بنو أسد أنه لا طاقة لها بالقوم، فانهزم التسعون(2) .
3 - جماعة من الأنصار
المعلومات القليلة المتوفرة لديَّ تشير أن جماعة من الأنصار عددهم خمسة وقفت مع الإمام الحسينعليهالسلام ، وهم: جنادة بن الحارث الأنصاري(3) ، وعبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي(4) ، وعمرو بن جنادة بن الحارث الأنصاري(5) ، وعمر بن فرضة بن كعب الأنصاري(6) ، ونعيم بن عجلان الأنصاري(7) ، ولكن يبدو واضحاً أنهم لم يقفوا مع الحسينعليهالسلام كجماعة، ولم يلتحقوا به كجماعة تمثّل الأنصار، إنما انطلقوا كأفراد.
وعلى أي
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 5 / 459 - 460، وكتاب الشيخ محمّد مهدي شمس الدين القيّم ( أنصار الحسين ).
(2) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 100، وفتوح الأنوار 44 / 386، والعوالم 17 / 237، وموسوعة كلمات الإمام الحسينعليهالسلام / 384.
(3) المناقب لابن شهر آشوب 4 / 104، والخوارزمي 2 / 21، وبحار الأنوار 45 / 28.
(4) تاريخ الطبري 5 / 423، وبحار الأنوار 45 / 1، واللهوف لابن طاووس / 40.
(5) المناقب 4 / 104، ومقتل الخوارزمي 2 / 21، والبحار 45 / 28.
(6) تاريخ الطبري 5 / 413، والمناقب 4 / 105، والبحار 45 / 23، والخوارزمي 4 / 23.
(7) المناقب 4 / 113.
حال فإنّ هذه الأقلّية من الأنصار إنما كانت من قبيل الامتداد الطبيعي للأقلّية التي وقفت مع الإمام عليعليهالسلام بعد موت النبيصلىاللهعليهوآله ، واتحاد بطون قريش الـ 23 ضده.
4 - وجماعة من قوم أبي ذر الغفاري، وعددهم أربعة، وهم: جون مولى أبي ذر الغفاري(1) ، وعبد الرحمن بن عروة الغفاري(2) ، وعبد الرحمن بن عزرة بن حران الغفاري(3) ، وكان جده حران من أصحاب أمير المؤمنين عليعليهالسلام ، وعبد الله بن عزرة بن حران الغفاري، قرة بن أبي قرة الغفاري(4) .
وهذه النخبة من قوم أبي ذر الغفاري جديرة بهذا الموقف؛ فقد عرفوا حق النبيصلىاللهعليهوآله ، وحق الولي من بعده، وحق الإمام الحسين من بعد أبيه، وموقفهم هذا حالة من التواصل والامتداد لموقف الصحابي المؤمن أبي ذر الغفاري.
النخبة والصفوة
بيّنا قبل قليل أن الجماعات التي وقفت مع الإمام الحسينعليهالسلام محصورة:
1 - بأحفاد أبي طالب
2 - بخمسة من الأنصار
3 - بأربعة من قوم أبي ذر الغفاري
أما بقية الذين وقفوا مع الإمام الحسينعليهالسلام وقاتلوا بين يديه حتّى قتلوا، فهم مجرد أفراد، أو نخبة، أو صفوة من العرب والموالي، ومن عرب الشمال وعرب الجنوب، ومن الشيوخ والشبان حللوا واقعهم تحليلاً دقيقاً وأيقنوا أن الإمام الحسينعليهالسلام على الحق المبين، وأيقنوا أنه من العار وفق مقاييسهم الصادقة النقية أن يتركوا الإمام الحسينعليهالسلام وحده.
وتوصلوا إلى ذات النتيجة التي توصل لها الإمام الحسينعليهالسلام ، وهي أن الموت خير من حياة الذل تحت حكم الظالمين؛ فشمروا عن سواعدهم، ووقفوا مع الإمام الحسينعليهالسلام ، ولاحقوا الموت كلما فر منهم، حتّى
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 232 وج 2 / 19، وتاريخ الطبري 5 / 20، والمناقب 4 / 103.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 92، وبحار الأنوار 45 / 28.
(3) تاريخ الطبري 5 / 442، والبحار 45 / 21 و 29، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 23.
(4) راجع المناقب لابن شهر آشوب 4 / 102، ومقتل الحسين للخوارزمي 3 / 18، والبحار 45 / 23.
إذا بدأت المعركة، وأمرهم الإمام الحسينعليهالسلام بالقتال قاتلوا بشجاعة تفوق حدّ التصور والوصف حتّى قُتلوا عن بكرة أبيهم بين يديه؛ دفاعاً عنه وعن أهل بيتهعليهمالسلام .
ونحن لا نعلم الكثير عن السيرة الشخصية لكلِّ واحد منهم، لكن العقل والنقل والوجدان يشير إلى أنهم نخبة، وصفوة، وقلة مؤمنة لا يدانيها بالعظمة والإيمان إلاّ شهداء بدر. وقد وصفهم أحد قادة جيش عمر بن سعد بن أبي وقاص في معرض نهيه عن قتال المبارزة قائلاً لجنوده: ويلكم يا حمقاء! مهلاً! أتدرون مَن تقاتلون؟ إنما تقاتلون فرسان المصر، وأهل البصائر، وقوماً مستميتين(1) .
فهذه شهادة من عدوهم، فهو يشهد أن النخبة التي وقفت مع الإمام الحسينعليهالسلام هم فرسان البلاد، وكانت الفروسية أعظم مفاخر ذلك العصر. ويشهد أيضاً بأن النخبة التي قاتلت مع الحسينعليهالسلام هم أهل البصائر في البلاد، وأهل البصائر: [وهو] مصطلح يطلق على مَن بلغوا قمة الوعي والثقافة الإنسانية، أي أنهم الحكمة.
ويشهد عدوهم بأنهم مستميتون، أي يقاتلون قتال مَن يريد الموت، ولا يقاتل مثل هذا القتال إلاّ الصفوة التي امتحن الله قلوب أفرادها للإيمان، والمحسنون الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، ويشتاقون للموت طمعاً بالجنة ورضوان الله.
إنهم نماذج بشرية فريدة من نوعها، عاشوا حياتهم بشرف وعزٍّ، وتركوها بقمة العز والشرف، ولولاهم لكُلّل جبين الاُمّة الإسلاميّة أمام الاُمم بالخزي والعار، ولقالت الاُمم: أية اُمّة تلك الاُمّة التي يُقتل ابنُ نبيّها وآله الذين يذكرونهم في صلاتهم ولم ينصره أحد من أفرادها؟!
القلّة التي تعاطفت مع الإمام الحسينعليهالسلام ولكنها لم تقف معه
بيّنا أنّ القلة أو الأقلّية من الاُمّة الإسلاميّة التي أيّدت الإمام الحسينعليهالسلام فئتان:
إحداهما: وقفت وقفة عز مع الحسين، فقاتلت معه ودونه حتّى قُتلت عن بكرة أبيها؛ دفاعاً عنه وعن آل محمّد وأهل بيت النبوةعليهمالسلام .
وثانيهما: تعاطفت معه، وتمنّت نصره، ولكنها قعدت عن نصرته، ومع هذا فقد تأثّرت تأثراً بالغاً لمّا تناهت إلى
____________________
(1) راجع الطبري 5 / 435
أسماعها أنباء مذبحة كربلاء، وبكت على الشهداء بكاءً مراً.
جماعات هذه القلّة
أوّلاً: الهاشميّون
أ - الرجال الهاشميّون
عندما خرج الإمام الحسينعليهالسلام أو اُخرج لم يطلب من الهاشميِّين أن يخرجوا معه، لكنه لمّا عزم الخروج كتب كتاباً إلى بني هاشم، هذا نصه: « بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم. أمّا بعد، فمَن لحق بي منكم استشهد، ومَن تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح. والسّلام »(1) .
فالإمام الحسينعليهالسلام وضعهم أمام الواقع والمحتمل، وخيّرهم بين الالتحاق به وإدراك الشهادة، وبين التربص على نفس الحالة. لم يقل الرسول للهاشميِّين قاتلوا معي، أو أخرجوا معي عندما هاجر، أو احموني من بطون قريش الـ 23، إنما أخذ أبو طالب المبادرة وجمع الهاشميِّين والمطّلبيِّين وتولوا حمايته من تلقاء أنفسهم.
ووجه الإمام علياًعليهالسلام وجعفراً أخاه إلى حيث أراد؛ لأنهم وضعوا أنفسهم تحت تصرفه، وكلّف علياًعليهالسلام وحمزة وعبيد الله بالخروج للمبارزة؛ لأنهم وضعوا أنفسهم تحت تصرفه، فماذا عسى (الإمام الحسين) أن يقول للهاشميِّين؟
هل يقول لهم: أخرجوا معي؟ وماذا يكون الموقف لو رفضوا الخروج معه بعد دعوتهم للخروج؟ إنّ في ذلك إحراجاً له ولهم أمام العرب والشامتين من بطون قريش الـ 23، وسيكون قول الإمام وتكليفه لهم بالخروج حجة عليهم يوم القيامة. لقد قال الحسينعليهالسلام في رسالته التي وجّهها إلى بني هاشم ما ينبغي أن يقال بلا زيادة ولا نقصان.
لم يخرج مع الحسينعليهالسلام من بني هاشم إلاّ ذرّية أبي طالب، ولم يخرج معه أي شخص من ذرّية أعمام النبي الثمانية، ولا أي شخص من ذرّية أي هاشمي إلاّ
____________________
(1) راجع بصائر الدرجات / 481 حديث 5، واللهوف / 28، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 76، ومثير ألأحزان / 39، وبحار الأنوار 42 / 81 حديث 12، وج 44 / 330، وج 45 / 84، والعوالم 17 / 179، وموسوعة كلمات الإمام الحسينعليهالسلام / 296.
أحفاد أبي طالب. لقد اختار الهاشميّون البقاء في المدينة.
محمد ابن الحنفيّة
لمّا عرف محمّد ابن الحنفيّة أن الإمام الحسينعليهالسلام سيخرج من المدينة فراراً بموقفه ودينه وأهله، ذهب إلى منزل الإمامعليهالسلام وقال له: يا أخي، أنت أحبّ الخلق إليَّ، وأعزهم علي، ولست والله أدخر النصيحة لأحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك؛ لأنك... وكبير أهل بيتي، ومَن وجبت طاعته في عنقي؛ لأن الله قد شرّفك عليَّ وجعلك من سادات أهل الجنة... إلخ.
ونصحه بأن يذهب إلى اليمن، أو يلتحق بالرمال وشعب الجبال، ويجتاز من بلد إلى بلد حتّى ينظر ما يؤول إليه أمر الناس.
فقال له الإمام الحسينعليهالسلام : « يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية ». وأنهى الإمام الحسينعليهالسلام الحديث معه قائلاً: « يا أخي جزاك الله خيراً، لقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكّة، وقد تهيّأت لذلك أنا وإخوتي، وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري، ورأيهم رأيي. وأمّا أنت فلا عليك أن تقيم في المدينة فتكون لي عيناً عليهم، لا تخف عنّي شيئاً من اُمورهم »(1) .
وصية الإمام الحسينعليهالسلام لمحمد ابن الحنفيّة
« بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمّد المعروف بابن الحنفيّة، إن الحسين يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأن محمّداً عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور.
وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جديصلىاللهعليهوآله ؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومَن ردّ عليَّ هذا
____________________
(1) كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 23، ومقتل الحسين للخوارزمي1 / 188، وبحار الأنوار 44 / 329، والعوالم 17 / 178، وأعيان الشيعة 1 / 188.
أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين. هذه وصيتي يا أخي إليك، وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه اُنيب ». ثمَّ طوى الحسينعليهالسلام الكتاب ودفعه إلى أخيه محمد(1) .
ويبدو أن الإمام الحسينعليهالسلام قد أدرك بأنّ أخاه غير مقتنع بخروجه، وأنه محب ومشفق وناصح بالفعل، فلم يطلب منه الخروج معه بغير قناعة، فأذن له أن يبقى في المدينة طالما أنّه على طاعة الإمام وولايته؛ ولأنه الوحيد المتبقّي من ذرّية أبي طالبعليهالسلام .
وبالضرورة سيسأله المسلمون عن الحسينعليهالسلام ؛ لذلك ترك له تلك الوصية ليطلع الناس عليها، وهي جامعة لأسباب خروجه. ونحن نميل إلى القناعة التامة بأنّ الإمام الحسينعليهالسلام لو كلّف محمّد بن الحنفيّة بالخروج لخرج معه، ولكن الحسينعليهالسلام يريد مَن رأيه على رأيه وأمرَه على أمره(2) .
ثانياً: العباسيّون
كان العباسيّون كثرة وعلى رأسهم عبد الله بن عباس، ولكن لم يخرج منهم أحد. لقد وقف العباس مع عليعليهالسلام بعد موت النبيصلىاللهعليهوآله وقفة عز وشرف، ورفض إغراءات دولة الخلافة بأن يجعلوا له ولعقبه شيئاً من الأمر مقابل أن يتخلّى عن الإمام عليعليهالسلام (3) ، ولكنه رفض العرض بإباء وبقي إلى جانب الإمام عليعليهالسلام حتّى انتقل إلى جوار ربه.
وبعد موت العباس وقف عبد الله بن العباس إلى جانب الإمام عليعليهالسلام فولاّه الإمام البصرة، ولما آلت الاُمور إلى الإمام الحسنعليهالسلام كلّف عبيد الله بن العباس بإمارة جيش أعده على عجل لمحاربة معاوية، وبعد مفاوضات سرّية بين رسل معاوية وعبيد الله بن العباس التحق بمعاوية مقابل مبلغ من المال، واستمال
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 34، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 188، والبحار للمجلسي 44 / 329، وهي بلفظه، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 89، والعوالم 17 / 179.
(2) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 23، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 188، وبحار الأنوار 44 / 329، وأعيان الشيعة 1 / 588.
(3) راجع على سبيل المثال الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 15، والنص في كتاب السقيفة للجوهري كما رواها ابن أبي الحديد، راجع معالم المدرستين للعسكري 1 / 124.
معه أكثر من ثلث جيش الإمامعليهالسلام (1) .
وفيما قرّر الإمام الحسينعليهالسلام الخروج إلى العراق أخبر بذلك عبد الله بن عباس، لكنه نصحه أن يبقى في الحجاز، وأن لا يذهب إلى العراق، وإن كان لا بدّ من ترك الحجاز فليذهب إلى اليمن. ونصحه أن لا يسير بنسائه وصبيته، فشكره الإمام الحسين ولم يأخذ بنصائحه(2) .
وببالغ الاختصار فأنه لم يخرج مع الحسينعليهالسلام إلاّ أحفاد أبي طالب، أما بقية بني هاشم فقد كانوا من المتعاطفين.
ب - نساء بني هاشم
لما علمت نساء بني عبد المطلب بعزم الإمام على المسير والخروج اجتمعن للنياحة، ومشى الحسينعليهالسلام إليهن وناشدهن الله على أن لا يفعلن ذلك، فقلن له: فلمَن نستبقي النياحة والبكاء؟ فهو عندنا (يوم خروجك) كيوم مات رسول الله، وعلي، وفاطمة، ورقية، وزينب، واُمّ كلثوم، فننشدك الله - جعلنا الله فداك - من الموت، فيا حبيب الأبرار من أهل القبور(3) .
وجاءته عمّته اُم هانئ، فهشّ لها وبشّ، وسألها عن سبب قدومها، فقالت: وكيف لا آتي وقد بلغني أن كفيل الأرامل ذاهب عني! ثمَّ انتحبت باكية، ثمَّ قالت: سيدي، وأنا متطيرة عليك من المسير؛ لهاتف سمعت البارحة يقول:
وإنّ قتيل الطفِّ من آل هاشم |
أذلّ رقـاباً مـن قريشٍ فذلّتِ |
|
حبيبُ رسول الله لم يكُ فاحشاً |
أبنت مصيبتك الاُنوف وجلّتِ |
فقال لها الحسينعليهالسلام : « يا عمّة، لا تقولي من قريش، ولكن قولي: أذلّ رقاب المسلمين فذلّت ». ثمَّ قال: « يا عمّة، كل الذي مقدّر فهو كائن لا محالة ».
فخرجت اُمّ هانئ من عنده وهي باكية وتقول:
وما اُمّ هاني وحدها ساء حالَها |
خـروجُ حسينٍ عن مدينةِ جدّه |
____________________
(1) راجع سيرة الرسول وأهل بيته 2 / 30 لمؤسسة البلاغ، والفتنة الكبرى لطه حسين، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي / 161، والإرشاد للشيخ المفيد / 189، وكتابنا المواجهة / 632 - 635.
(2) راجع تأريخ الطبري 6 / 216 - 217، وابن الأثير 4 / 16، والأخبار الطوال / 24.
(3) راجع بحار الأنوار 45 / 88، وأعيان الشيعة 1 / 588، ومقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم / 152.
ولـكنما القبرُ الشريف ومَن به |
ومنبرُه يبكون من أجل فقده(1) |
ولا أخال نساء بني عبد المطلب يرفضن دعوة الإمام الحسينعليهالسلام لو دعاهن للخروج معه، ولا أخاله يدعوهن لذلك.
ومن المؤكد أن خروج الإمام الحسينعليهالسلام قد فجع قلوب الشيوخ الطاعنين من الصحابة الصادقين، وفجع قلوب الذين أحبوه، ولكن لم يرتقوا إلى مستوى الوقوف معه؛ فعند خروجه لقيه عبد الله بن مطيع ونصحه أن لا يخرج، وختم نصيحته بالقول: فوالله، لئن هلكت لنسترق من بعدك(2) .
المتعاطفون: البكاء والألم
لمّا وُضع الرأس الشريف بين يدي ابن زياد أخذ ينكث بقضيبه ثنايا الحسينعليهالسلام ، فقال له زيد بن أرقم: ارفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله إلاّ هو لقد رأيت شفتي رسول الله على هاتين الشفتين تقبّلهما. ثمَّ انفجر الصحابي بالبكاء، وهمّ بقتله لولا أنه شيخ خرف وذهب عقله كما قال(3) .
وتكرّرت الحادثة أمام الخليفة، إذ أخذ الخليفة ينكث بثنايا الحسين والرأس أمامه، فقال له صحابي يقال له: أبو برزة الأسلمي: أتنكث بقضيبك في ثغر الحسين! أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً لربما رأيت رسول الله يرشفه...(4) .
وفي كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي ومقتل الخوارزمي وغيرهما: وساق
____________________
(1) معالي السبطين 1 / 214، وموسوعة كلمات الحسينعليهالسلام / 296.
(2) راجع تاريخ الطبري 6 / 190 وما بعدها، وكتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 25، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 189، وأنساب الأشراف 3 / 155.
(3) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر / 18، وتاريخ الطبري 2 / 262، والبداية والنهاية لابن الأثير 8 / 90.
(4) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 241، ومعالم المدرستين 3 / 160 كما رواها عن الطبري.
القومُ حرم الرسول كما تساق الأسارى، حتّى إذا بلغوا بهم الكوفة، خرج الناس ينظرون إليهم، وجعلوا يبكون ويتوجعون. قال ابن أعثم والخوارزمي: إنه بعد خطبة زينبعليهاالسلام رأيت الناس يومئذ حيارى كأنهم سكارى، يبكون ويحزنون ويتفجعون، وقد وضعوا أيديهم على أفواههم، ونظرت إلى شيخ من أهل الكوفة كان واقفاً بجنبي قد بكى حتّى اخضلّت لحيته بدموعه، وهو يقول: صدقتِ بأبي واُمّي! كهولكم خير الكهول، وشبابكم خير الشباب، ونساؤكم خير النسوان(1) !
ولمّا بلغ أهل المدينة أن علي بن الحسين مع عماته وأخواته قد رجعوا إلى المدينة، لم يبق في المدينة مخدرة ولا محجبة إلاّ برزن من خدورهن، وهن بين باكية ونائحة، فلم يُرَ يوم أمرّ على أهل المدينة منه.
وألقى الإمام علي بن الحسين كلمة جاء فيها: «... أيها الناس، أصبحنا مطرودين مشرّدين، مذودين شاسعين، كأنا أولاد ترك أو كابل، من غير جرم أجرمناه، ولا مكروه ارتكبناه، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأوّلين، إن هذا إلاّ اختلاق. والله، لو أن النبي تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاية بنا لما زادوا على ما فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون ».
فقام إليه صوحان بن صعصعة فاعتذر إليه، فقبل عذره، وشكر له وترحّم على أبيه(2) .
عقاب عاجل لأهل المدينة
بعد مدة يسيرة من مذبحة كربلاء جاء دور الذين لم يمنعوا الإمام الحسينعليهالسلام ويحموه، والذين خذلوا الحسين وتركوه يخرج وحيداً بأهله؛ فأرسل إليهم يزيد بن معاوية جيشاً بقيادة مسلم بن عقبة الذي اختاره يزيد بناء على نصيحة (رهين الرمس) أبيه معاوية، ليأخد البيعة من أهل المدينة.
وبعد أربعة أيام على
____________________
(1) تاريخ ابن أعثم الكوفي 5 / 221 - 226، ومقتل الخوارزمي 2 / 40 - 42.
(2) راجع مثير الأحزان / 90 - 92، واللهوف / 76 - 77.
وصول الجيش « الإسلامي » تمكّن مسلم بن عقبة وجيشه من قتل أحد عشر ألف مسلم من أهلها(1) ، ونهب كلّ الأموال الموجودة فيها(2) ، وأخذ البيعة ممّن تبقّى من سكانها على أنهم عبيد وأقنان لـ « أمير المؤمنين » يزيد بن معاوية يتصرف بهم كما يشاء(3) .
لو أن الأنصار من سكان المدينة على الأقل جاؤوا إلى الإمام الحسينعليهالسلام وقالوا له: إنّ جدك رسول الله قد أخذ منا البيعة على أن نحميه ونحمي أهل بيته كما نحمي ذرارينا، ونحن ملزمون بحمايتك. ابقَ يابن الرسول ولا تخرج فنحن جندك، وأنت أولى بالبيعة من هذا الفاجر.
لو قالوا هذا أو ما هو على شاكلته ودخلوا بحرب طويلة مع يزيد تحت قيادة الإمام الحسينعليهالسلام لما خسرت المدينة نصف معشار ما خسرته بأربعة أيام.
لقد حارب الأنصار بطون قريش ثماني سنوات ولم يزد عدد قتلاهم في تلك الحرب على مئة قتيل، فكأن ما أصاب المدينة عقوبة عاجلة لأهلها، وصفقة على حساب عقوبات مقبلة، وأصاب مكّة ما أصاب المدينة.
____________________
(1) راجع تاريخ ابن كثير 8 / 22، والإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 215.
(2) راجع تاريخ ابن كثير 8 / 220، وابن الأثير 3 / 47، وتاريخ الطبري 7 / 14.
(3) راجع تاريخ الطبري 7 / 11، والتنبيه والإشراف للمسعودي / 264، ومروج الذهب للمسعودي 3 / 71، وتاريخ الطبري 7 / 14 - 22، وكتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 306، والأخبار الطوال للدينوري / 265، والعقد الفريد لابن عبد ربه 4 / 390.
الفصل الرابع
أخبار السماء عن مذبحة كربلاء
عندما حدثت مذبحة كربلاء لم تكن مفاجأة للاُمّة الإسلاميّة؛ فالاُمّة وطغاتها كانوا على علم بالمذبحة قبل وقوعها. فقبل وقوع المذبحة بأكثر من نصف قرن أخبر رسول اللهصلىاللهعليهوآله الاُمّة بأن فئة من أعداء الله ورسوله المتستّرين بالإسلام سيخططون لمذبحة كبرى يقتلون فيها بشناعة بالغة أحب الخلق إلى قلبه الحسين بن علي ابن بنته البتول فاطمة الزهراءعليهاالسلام الذي ولد حديثاً، وأن المذبحة ستتم على أرض العراق، وبالتحديد على ضفة شط نهر الفرات، وبمكان يقال له: كربلاء.
وكانت العراق يومئذ تحت حكم الفرس، وكان مجرد التصور بأن المسلمين سيفتحون العراق، وسيدخل أهله بالإسلام ضرباً من ضروب الأحلام وفق مقاييس بعض المسلمين. وأبعد من ذلك فإنّ الرسول قد أخبرهم بأن المذبحة ستتم بزمن خليفة مسرف مستهتر محسوب عليه، يقال له: يزيد، وبأيدي اُناس يزعمون الانتماء لاُمّته.
كان الرسولصلىاللهعليهوآله يتحدّث بيقين عن اُمور ستقع بعد ستّين سنة، وكأنها واقعة بالفعل. وبالرغم من عظمته وتميّزه إلاّ أنهصلىاللهعليهوآله بكى بكاءً مرّاً أمام المسلمين وهو يخبرهم بهذه الأنباء، وكان لبكائه شهيق، موصياً المسلمين أن القتلة إن نجحوا بفعلتهم سيصيبون منه مقتلاً.
النبيصلىاللهعليهوآله يستنصر للحسينعليهالسلام
إنّ القتل أبشع الجرائم التي عرفها الجنس البشري، وهو عين الظلم. والله تعالى لا يأمر بالقتل ولا يفرضه على العباد، ولا يقوي القتلة على القتل إن وجدوا قوة تحول بينهم وبين تنفيذ جريمتهم؛ لذلك ومن هذا المنطلق كرر رسول اللهصلىاللهعليهوآله تحذيراته من وقوع المذبحة، وأمر المسلمين وكلّفهم بأن يقفوا إلى جانب ابنه
الحسينعليهالسلام ، وأن يدافعوا عنه بكل قواهم، وإن ماتوا وهم يدافعون عنه فهم شهداء، وبشّرهم بالجنة، إن ماتوا دفاعاً عنه فهم شهداء ولهم أجر شهداء الأرض.
وحذّر الرسولصلىاللهعليهوآله اُمّته من مغبة التخلي عن نصرة الحسينعليهالسلام ؛ لأنهم إن فعلوا ذلك فإن عذاب الله سيصيبهم، وسيكون هذا العذاب فريداً من نوعه، وسيقتل فوق ذلك من الاُمّة بالحسين وصحبهعليهمالسلام مئات الأضعاف، وفوق ذلك فإن الاُمّة ستضل ولن تبلغ الهدى إلاّ قليلاً.
وتناقل المسلمون هذه الأنباء التي سمعوها وشاعت بين الناس كما شاع غيرها من أخبار النبيصلىاللهعليهوآله .
التندّر والعجب من هذه الأخبار
المنافقون والذين اتّبعوا الرسولصلىاللهعليهوآله ؛ ليقينهم أن محمّداً سينجح بتكوين ملك فاتّبعوه طمعاً بهذا الملك المرتقب. اعتبروا هذه الأنباء مثاراً للتندر؛ فابن ابنته ولد لتوّه، والعراق تحت حكم الأكاسرة، وما معنى الخليفة يزيد، وأين هو، ومن سيخلف، ومن الذي ضمن لمحمد أن ابن ابنته سيعيش لستّين عاماً؟ أليس من الممكن أن يُقتل أو يموت قبل أن يبلغ السن؟
المئات من الأسئلة خطرت بأذهان المنافقين من المدينة ومَن حولهم من الأعراب، وأخالهم قد اعتبروها وفق مقاييسهم الفاسدة شطحة من شطحات محمّد كشطحة الإسراء والمعراج.
أما القلة المؤمنة الصادقة فقد آمنت بأن رسول اللهصلىاللهعليهوآله لا ينطق عبثاً، ولا عن الهوى، بل يتبع ما يوحى إليه من ربه، ويبلّغ الناس ما اُمر بتبليغه، وأن لابنه الحسين هذا شأناً عظيماً وإلاّ لما اهتمت السماء بأخبار تتعلق به وتقع بعد ستّين عاماً. لقد أثارت تلك الأنباء المتعلقة بمذبحة كربلاء عجبهم بعظمة نبيّهم وابن ابنته، ومكانتهما عند الله تعالى.
وعلى أي حال فالمنافقون والمتربصون بالملك والمؤمنون على حدٍّ سواء اُحيطوا علماً بأنباء مذبحة كربلاء.
الذبيح المرتقب
استقطاباً للمسلمين، وحشداً لتأييدهم ومناصرتهم لابنه الذبيح المرتقب
أخبرهم رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأن الله سبحانه جعل ذرّيته من صلب عليعليهالسلام ، فلن تكون له ذرّية إلاّ من ولد فاطمة؛ فهو أبوهم وهو عصبتهم(1) ؛ وعلى هذا الأساس فالحسن ابنه، والحسين ابنه أيضاً، وهما هبة الله لمحمّدصلىاللهعليهوآله وللاُمّة.
وقد اشتهر هذا الأمر بين المسلمين حتّى صار معروفاً عند الجميع، وعرف الجميع أنهما أحب الخلق إليه(2) ، فكانا يثبان على ظهره وهو يصلّي فلا يمنعهما(3) ، وإذا حضرا وهو يخطب على المنبر بالمسلمين يقطع خطبته وينزل ويحمل ابنيه(4) ؛ ليشعر المسلمين بأهميّة هذين الطفلين، وبقربهما له، وحبّه لهما، وليركّز في أذهان المسلمين أنباء المذبحة وحوافز تأييدهم للحسينعليهالسلام .
ثمَّ أعلن مراراً وتكراراً بأن ابن عمه علي بن أبي طالبعليهالسلام هو وليّه وخليفته من بعده(5) ، وهو سيد العرب،(6) ، وسيد المسلمين(7) ، وأنّ ابنته فاطمة هي سيدة نساء العالمين(8) ، وأن رسول اللهصلىاللهعليهوآله هو سيد ولد آدم(9) ؛ فالحسن والحسينعليهماالسلام سليلا الأسياد.
وأعلن رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن هؤلاء الأربعة؛ علي وفاطمة والحسن والحسين هم أهل بيت النبوة الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً(10) ، وهم آل محمد(11) الذين جعل الله الصلاة عليهم جزءاً من الصلاة المفروضة على العباد، وهم ذوو قربى النبيصلىاللهعليهوآله الذين افترض الله مودتهم على كلِّ مسلم(12) .
وجاءت واقعة المباهلة لتعمم هذه الإعلانات التاريخيّة على كافة
____________________
(1) راجع كنز العمال 1 / 152 الحديث2510، والصواعق المحرقة لابن حجر / 112، والمستدرك على الصحيحين 3 / 164.
(2) راجع سنن البهيقي 2 / 263، والمستدرك على الصحيحين 3 / 167.
(3) المصدر نفسه.
(4) راجع صحيح الترمذي 2 / 306، ومسند أحمد 5 / 354، وسنن البهيقي 3 / 218.
(5) راجع كتابنا المواجهة تجد فيه مئات المراجع، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة.
(6) راجع حلية الأولياء، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 251.
(7) راجع المعجم الصغير للطبراني 2 / 88، وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 2 / 257.
(8) الاستيعاب لابن عبد البر بهامش الإصابة 4 / 377 - 378، واُسد الغابة 5 / 437.
(9) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 3 / 251.
(10) راجع صحيح مسلم 2 / 368، وج15 / 194 بشرح النووي، وصحيح الترمذي 5 / 30.
(11) راجع مسند أحمد 6 / 323، والمستدرك على الصحيحين 3 / 108، و ج3 / 147.
(12) راجع المستدرك على الصحيحين للحاكم 3 / 172، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 1 و57، والدر المنثور 6 / 7.
سكان الجزيرة العربية ومن مختلف الملل(1) .
وواقعة المباهلة من القوة بحيث أنها مدعومة بآية محكمة، ومن الوضوح بحيث يتعذّر تأويلها.
وفي غدير خم عندما عاد الرسولصلىاللهعليهوآله من حجة الوداع بلّغ غاية الأحكام عندما أعلن في غدير خم أنه بعد عودته للمدينة سيمرض، وسيموت في مرضه، وإن أراد أن يلقي القول معذرة للناس، وأنه سيترك للناس بعد موته الثقلين؛ كتاب الله وعترته أهل بيته(2) ، وأنهما لن يفترقا(3) ، ويوم القيامة سيسأل المسلمين عن الاثنين معاً(4) .
ثمَّ أخذ بيد علي بن أبي طالبعليهالسلام وقال: « مَن كنت وليّه فهذا وليّه(5) ، ومن كنت مولاه فهذا مولاه(6) ، ومن كنت الأولى به فعلي هو الأولى به(7) ». وتفرّق المسلمون على هذا الأساس.
وكان المسلمون يرسلون كافة هذه الحقائق إرسال المسلمات، تماماً كطلوع الشمس من المشرق. ولمّا استولت بطون قريش على منصب الخلافة بالقهر والغلبة، وأخّرت الذين قدّمهم الله، وقدّمت الذين أخّرهم الله، قاد الخلفاء بأنفسهم وبمساعدة أوليائهم حملات التشكيك بمكانة الأربعة؛ ليبرّروا تقدم الخلفاء وتأخّر آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، وليخفوا آثار جريمة غصب السلطة والولاية.
وقد سقنا عند التعريف بقادة فئتي كربلاء نماذج من النصوص النبوية التي أعلنها النبيصلىاللهعليهوآله ، والتي تضمّنت قول النبيصلىاللهعليهوآله بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وريحانتاه من هذه الاُمّة، وأنهما سبطاه، وأن حربهما حربه، وسلمهما سلمه، وأن عدوهما عدوه، وحبيبهما حبيبه. ووثقنا ذلك في حينه.
وبيّن الرسولصلىاللهعليهوآله
____________________
(1) راجع صحيح مسلم 2 / 360، وج7 / 120 بشرح النووي، والمستدرك على الصحيحين 3 / 15.
(2) رجع صحيح مسلم بشرح النووي 2 / 362، و ج15 / 179 - 180.
(3) راجع صحيح الترمذي 5 / 328 ح3874، وكنز العمال 1 / 154 على سبيل المثال.
(4) راجع اُسد الغابة لابن الأثير 3 / 147، ومجمع الزوائد 5 / 195.
(5) راجع كتابنا المواجهة / 400 وما بعدها تجد أكثر من مئة مرجع، وكتاب نظرية عدالة الصحابة، وكتاب الوجيز في الإمامة والولاية.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.
أن الحسن والحسين أحب الناس إلى قلبه(1) .
ماذا على الرسولصلىاللهعليهوآله أن يفعل؟
ماذا بوسع الرسول الأعظم أن يفعل غير ذلك، وماذا بوسعه أن يعلن غير ما أعلن، أو يحتاط غير ما احتاط به، أو يوصي غير الذي أوصاه؟ لقد ذُبح الحسين بعد موت جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولو كان الرسول حياً لفدى حسيناً وأهل بيته بملك الدنيا كلها، ولفداهم حتّى بروحه الطاهرة، ولقاتل دونهم، ولذهبت نفسه حسرات على ما أصابهم، ولكن الرسول في رحاب الله، وبينه وبين المجرمين برزخ.
أزمة تصديق الرسولصلىاللهعليهوآله
القلة المؤمنة الصادقة هي التي كانت تصدّق النبيصلىاللهعليهوآله وتعتبره متّصلاً بالله، ولا ينطق عن الهوى، وأنه يقول كل ما يؤمر بقوله، ومع هذا فإن هذه القلة متفاوتة بإيمانها ودرجات تصديقها؛ لأنها تتعرض لموجات من التشكيك في ما تسمعه من رسول اللهصلىاللهعليهوآله من الأكثريّة الكافرة التي تحيط بها وتعيش معها.
أضف إلى ذلك معقولية ما يسمعونه؛ فالخارق ممن يسمعونه من الرسولصلىاللهعليهوآله يخضعونه لمقاييسهم وتحاليلهم العقلية، كأن يقولون: أيعقل هذا؟!
وغالباً تقف عقولهم عاجزة عن الإجابات؛ فالرسول يتكلم بيقين بالغ عن اُمور تحدث خلال عشرات أو مئات السنين، وهم مندهشون من هذا اليقين، لكن عقولهم لا تستطيع مجاراته، وقلة نادرة من المسلمين هي التي جارت وسايرت وواكبت يقين النبيصلىاللهعليهوآله .
الرسولصلىاللهعليهوآله يبلغ ويقيم الحجة
لقد بلّغ الرسولصلىاللهعليهوآله للمسلمين ما أمره الله تعالى بتبليغه، وكشف لهم كافة الجوانب المتعلقة بمذبحة كربلاء، وكانوا يعرفون تماماً درجة القرابة بين النبيصلىاللهعليهوآله وبين الحسين والطيبين الذين استشهدوا معه.
وقد بلّغهم الرسول المكانة الدينية التي
____________________
(1) راجع على سبيل المثال صحيح الترمذي 2 / 306، وذخائر العقبى للطبري / 122، والإصابة لابن حجر 2 / 11.
أعطاها الله لأهل بيت النبوة، ولآل محمّد وذوي قرباه. وسواء صدّقوا أو لم يصدّقوا فقد سمعوا البلاغ، واُحيطوا علماً بمكانة الإمام الحسينعليهالسلام عند النبيصلىاللهعليهوآله ، وسمعوا النبي وهو يأمرهم ويكلّفهم بنصرة الإمام الحسينعليهالسلام ، وسمعوه وهو ينذرهم بالعذاب والشر المستطير إن لم ينصروا الحسينعليهالسلام ، ومعنى ذلك أنّ الحجة قد اُقيمت عليهم تماماً بعد أن بيّنها الرسولصلىاللهعليهوآله بكل وسائل البيان.
اُسلوب الأكثريّة الساحقة من الاُمّة الإسلاميّة
بإطاعة رسول الله، ونصرة الحسين، وحفظ أهل بيت النبوة
أمّا عليعليهالسلام فقد سلبوه حقّه، وأخّروه وهو المتقدم، وأذلّوه وهو العزيز، ثمَّ قتلوه وهو صائم.
وأمّا فاطمةعليهاالسلام فقد غصبوها إرثها وممتلكاتها، وهمّوا بإحراق بيتها عليها وعلى زوجها عليعليهالسلام ، وعلى طفليها يوم ذاك الحسن والحسينعليهماالسلام ، فماتت كمداً وهي شانئة للقوم.
وأمّا الحسنعليهالسلام فقد جرعوه كؤوس العذاب، وطعنوه ونهبوا رحله ثمَّ قتل مسموما بتخطيط من معاوية.
وأمّا الحسينعليهالسلام ذبيح كربلاء فقد ساموه سوء العذاب، وذبحوا أمامه أولاده وإخوته، وأولاد إخوته وأبناء عمومته، ثمَّ توّجوا المذبحة بقتل الحسينعليهالسلام أشنع قتلة.
وقبل أن يقتلوهم بأيام منعوا عنهم ماء الفرات وهو متاح للحيوان والطير والوحش، فمات الحسينعليهالسلام وأهل بيت النبوة عطشى وظمأى، ولم يكتفوا بذلك، بل أوطؤوا الخيل صدورهم وهم أموات، ثمَّ قاموا بقطع رؤوسهم.
وحملها جيش الخلافة على رؤوس الرماح نشوة وافتخاراً بالمذبحة بعد أن سلبوهم كل ما معهم، وسلبوا حتّى ملابس الشهداء ونعالهم، وبعد ذلك ساقوا بنات الرسول أسارى من بلاد العراق إلى بلاد الشام، وسمّوا المذبحة « بنصر الله والفتح »!
عندما عاد علي بن الحسينعليهالسلام إلى المدينة قال في مقطع من خطبة ألقاها بمستقبليه ومعزّيه من أهل المدينة: « والله، لو أن النبي تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم بالوصاة بنا لما زادوا على ما فعلوا، فإنا لله وإنا إليه راجعون »(1) .
الملك والجيش والاُمّة والمذبحة
قد يتصوّر بعض الناس أن ملك الفرس، أو ملك الروم، أو ملك التتار هو الذي أمر بالمذبحة. لا إنه ملك المسلمين يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. والجيش الذي ارتكب المذبحة ليس جيش الفرس، ولا جيش الروم، ولا جيش التتار، ولكنه جيش الخلافة الإسلاميّة. وقائد الجيش الذي أشرف على تنفيذ المذبحة هو عمر بن سعد بن أبي وقاص، يعاونه أركان قيادته المسلمة. والاُمّة التي شهدت المذبحة لم تكن اُمّة التتار، ولا اُمّة السكسون، ولا الهنود الحمر، إنما كانت الاُمّة الإسلاميّة!
جريمة مع التعمد والإصرار
المجرمون الذين ارتكبوا مذبحة كربلاء كانوا يعلمون علم اليقين أن المذبحة أشنع جريمة، وأن النبيصلىاللهعليهوآله قد حذّرهم منها بكل وسائل التحذير. وكانوا يعلمون علم اليقين أنهم يقتلون آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، وأهل بيتهعليهمالسلام . وكانوا يعلمون علم اليقين أن مذبحة كربلاء تصيب من النبي مقتلاً، وتفجعه بأحب الخلق إليه، ولكنّ القتلة؛ ملكاً وجيشاً وقيادةً مع سبق الإصرار والترصد نفذوا جريمتهم النكراء بوحشية بالغة وعدم مبالاة.
والأكثريّة الساحقة من الاُمّة الإسلاميّة كانت تعلم علم اليقين أن الذين اُخرجوا إلى كربلاء هم آل محمّد وأهل بيته وذوو قرباهعليهمالسلام ، وكانت تعرف مراتبهم العليّة ودرجاتهم السنيّة. وقد سمعت من النبيصلىاللهعليهوآله أنباء المذبحة قبل وقوعها بستّين
____________________
(1) راجع مثير الأحزان / 90، 92، واللهوف / 76، 77.
عاماً، وسمعت أوامر النبيصلىاللهعليهوآله بضرورة نصرة الحسينعليهالسلام والدفاع عنه مثلما سمعت نذر النبي من مغبة التخلي عنه. ومع هذا تجاهلت كل ذلك، وكانت بين مشارك للقتلة بالمذبحة، أو مؤيد لهم، أو متفرّج عليهم، فكانت أفعال هذه الأكثريّة مشاركة جرمية مع جميع الوجوه، وكأفعال القتلة تماماً، وهي سلسلة جرائم ولكن مع سبق الترصد والإصرار.
لقد سمع العالم كله بخروج الحسين من المدينة إلى مكّة إلى العراق، وكانت فترة كافية للتجمّع ونصرته، ولكن الأكثريّة تخلّت عنه. ألا بُعداً لهم كما بعدت ثمود!
من أخبار السماء عن مذبحة كربلاء
النموذج الأوّل: روت اُمّ الفضل بنت الحارث أنها وفي يوم من الأيام بعد ولادة الحسينعليهالسلام حملته ووضعته في حجر النبيصلىاللهعليهوآله ، فإذا عينا رسول الله تهريقان من الدموع، فلما سألته عن سبب بكائه قال لها النبيصلىاللهعليهوآله : « أتاني جبريل فأخبرني أن اُمّتي ستقتل ابني هذا ».
قالت: فقلت: هذا؟
فقال: « نعم، وأتاني بتربة من تربته حمراء »(1) .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين.
النموذج الثاني: قالت أسماء بنت عميس، والصحيح كما قال العسكري: سلمى بنت عميس زوجة سيد الشهداء حمزة(2) : لمّا ولد الحسينعليهالسلام أمرني النبيصلىاللهعليهوآله أن آتيه به، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذّن في اُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ثمَّ وضعه في حجره وبكى، ولما سألته عن سبب بكائه قال النبيصلىاللهعليهوآله : « على ابني هذا ».
فقالت سلمى: إنه ولد الساعة!
قال النبيصلىاللهعليهوآله : « تقتله الفئة الباغية، لا أنالهم الله شفاعتي ». ثمَّ قال لها: « لا تُخبري فاطمة بهذا؛ فإنها قريبة عهد بولادته »(3) .
____________________
(1) راجع المستدرك على الصحيحين 3 / 76، ورواه مختصراً في ص 179، وراجع تاريخ ابن عساكر ح631، وقريب منه في ح630، ومجمع الزوائد 6 / 179، ومقتل الخوارزمي 1 / 159 و 162، وابن كثير 6 / 230، و 8 / 199، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي / 145، والصواعق لابن حجر / 115، وكنز العمال 6 / 223، وراجع معالم المدرستين للعسكري / 28، وفضائل الخمسة 3 / 336.
(2) راجع ترجمتهما في اُسد الغابة / 479.
(3) راجع مقتل الحسين للخوارزمي 6 / 87 - 88، وذخائر العقبى للطبري / 119، ومعالم المدرستين للعسكري 1 / 17.
النموذج الثالث: قالت زينب بنت جحش: بينما كان الرسولصلىاللهعليهوآله في بيتي دخل الحسينعليهالسلام ، فقام النبي فصلّى، فلما قام احتضن الحسين إليه، فإذا ركع أو جلس وضعه، ثمَّ جلس فبكى، ثمَّ مدّ يده، فسألته حين قضى الصلاة قائلة: يا رسول الله، إني رأيتك اليوم صنعت شيئاً ما رأيتك صنعته؟
قال النبيصلىاللهعليهوآله : « إنّ جبريل أتاني أنّ هذا تقتله اُمّتي. فقلت: أرني تربته. فأتاني بتربة حمراء»(1) .
النموذج الرابع: قالت اُمّ سلمة: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله رقد ذات ليلة، فاستيقظ مضطرباً، ثمَّ اضطجع فرقد فاستيقظ مضطرباً، ثمَّ اضطجع فرقد واستيقظ وفي يده تربة حمراء يقلّبها، فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟
قال النبيصلىاللهعليهوآله : « أخبرني جبرئيل أن هذا (أي الحسين) يُقتل بأرض العراق، فقلت لجبرئيل: أرني تربة الأرض التي يُقتل بها. فهذه تربتها »(2) .
النموذج الخامس: قالت اُمّ سلمة: دخل الحسينعليهالسلام يوماً حتّى جلس في حجر النبيصلىاللهعليهوآله ، فقال جبرئيل للنبي: إنّ اُمّتك ستقتل ابنك هذا. فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « يقتلونه وهم مؤمنون بي؟! ». قال: نعم. فتناول جبرئيل تربة فقال: بمكان كذا وكذا.
فخرج رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد احتضن حسيناً؛ كاسف البال، مغموماً، فظنت أنه غضب من دخول الصبي عليه؛ لأنه كان قد أمر أن لا تدع أحداً يدخل عليه، فقالت معتذرة: يا رسول الله، قلت لنا: « لا تبكوا هذا الصبي »، وأمرتني أن لا أدع أحداً يدخل عليك، فجاء فخليت عنه.
فلم يرد عليها الرسولصلىاللهعليهوآله ، وخرج إلى أصحابه وهم جلوس، فقال لهم: « إنّ اُمّتي يقتلون هذا »، وفي القوم أبو بكر وعمر، وفي آخر الحديث أراهم تربته(3) .
____________________
(1) راجع تاريخ ابن عساكر ح629، ومجمع الزوائد 6 / 188، وكنز العمال 13 / 112، وتاريخ ابن كثير 8 / 199، ومثير الأحزان / 7 - 10، واللهوف / 7 - 9.
(2) راجع المستدرك على الصحيحين 4 / 398، والمعجم الكبير للطبراني ح55، وتاريخ ابن عساكر ح619 - 621، وترجمة الحسينعليهالسلام من الطبقات الكبرى لابن سعد ح267، وتاريخ الإسلام للذهبي 3 / 11، وسير أعلام النبلاء 3 / 194ـ195، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 158 - 159، وذخائر العقبى للطبري / 148 - 149، وتاريخ ابن كثير 6 / 230، وكنز العمال 16 / 266، ومعالم المدرستين 3 / 31، وفضائل الخمسة من الصحاح الستة 3 / 337.
(3) راجع تاريخ ابن عساكر ح618، وتهذيبه 4 / 325، وتاريخ الأسلام للذهبي 3 / 10، وسير =
النموذج السادس: قالت اُمّ سلمة: سمعت نشيج النبي يبكي، فاطّلعت فإذا حسين بحجره والنبي يمسح جبينه وهو يبكي، فاعتذرت اُمّ سلمة قائلة: والله، ما علمت حين دخل؛ لأن الرسولصلىاللهعليهوآله أمرها أن لا تدخل عليه أحداً.
فقال النبيصلىاللهعليهوآله : « إن جبرئيل كان معنا في البيت، فقال أتحبه؟ قلت: أما من الدنيا فنعم. قال: إنّ اُمّتك ستقتل هذا بأرض يقال لها: كربلاء ». فتناول جبرئيل من تربتها فأراها النبيصلىاللهعليهوآله ، فلما اُحيط بالحسين قال: « ما اسم هذه الأرض؟ ».
قالوا: كربلاء.
قال: « صدق الله ورسوله، أرض كرب وبلاء »(1) .
النموذج السابع: قالت اُمّ سلمة: كان الحسن والحسينعليهماالسلام يلعبان بين يدي النبي في بيتي، فنزل جبرئيل فقال: يا محمّد، إن اُمّتك تقتل ابنك هذا من بعدك، فأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول اللهصلىاللهعليهوآله ووضعه إلى صدره، ثمَّ قال رسول الله: « وديعة عندكِ هذه التربة ».
فشمها رسول الله وقال: « ويح كرب وبلاء ».
قالت: وقال رسول الله: « يا اُمّ سلمة، إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي أنّ ابني قد قُتل ».
قالت: فجعلتها في قارورة، ثمَّ جعلت أنظر إليها كل يوم قائلة: إنّ يوماً تتحولين دماً لَيوم عظيم(2) !
النموذج الثامن: قالت اُمّ سلمة: دخل الحسينعليهالسلام على النبيصلىاللهعليهوآله ففزع، فقلت: ما لك يا رسول الله؟
قال: « إن جبرئيل أخبرني أن ابني هذا يُقتل، وأنّه اشتد غضب الله على مَن يقتله »(3) .
____________________
= النبلاء 3 / 10، ومجمع الزوائد 9 / 189، ومعالم المدرستين 3 / 30، وفضائل الخمسة 3 / 341 - 342.
(1) راجع معجم الطبراني ح53 / 125، ومجمع الزوائد 9 / 188 - 189، وكنز العمال 16 / 265، وذخائر العقبى / 147، ونظم دررالسمطين للزرندي / 215، ومعالم المدرستين للعسكري 3 / 31 - 32.
(2) راجع معجم الطبراني ح51 / 124، وتاريخ ابن عساكر ح622، وتهذيبه 4 / 325، وذخائر العقبى للطبري / 147، ومجمع الزوائد 9 / 189، والخصائص الكبرى للسيوطي 2 / 152، وجوهرة الكلام / 120.
(3) راجع تاريخ ابن عساكر ح623، وتهذيبه 4 / 325، وكنز العمال 23 / 112، ومعالم المدرستين للعسكري 3 / 33.
النموذج التاسع: قالت اُمّ سلمة: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « يُقتل الحسين بن علي على رأس ستّين من مهاجري(1) حين يعلوه القتير »(2) .
النموذج العاشر: قالت اُمّ سلمة: كان النبيصلىاللهعليهوآله نائماً، فجاء الحسينعليهالسلام فأمسكته مخافة أن يوقظ النبي، ثمَّ غفلت عنه فدخل الحسين فقعد على بطن النبي، فسمعت نحيب رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وجئت لأعتذر، فقال النبي: « إنما جائني جبرئيل وهو على بطني قاعد، فقال: أتحبه؟ فقلت: نعم. قال: إن اُمّتك ستقتله. ألا أريك التربة التي يُقتل بها؟ ».
قال: « فقلت: بلى ».
قال: « فضرب بجناحه فأتى بهذه التربة ».
قالت: وإذا بيده تربة حمراء وهو يبكي ويقول: « يا ليت شعري! مَن يقتلك بعدي! ».
النموذج الحادي عشر: قالت اُمّ سلمة: قلت: يا نبي الله، أمرتني أن لا يلج عليك أحد، وإن ابنك جاء فذهبت أتناوله فسبقني، فلما طال ذلك تطلّعت من الباب فوجدتك تقلّب بكفّيك شيئاً، ودموعك تسيل والصبي على بطنك.
قال النبيصلىاللهعليهوآله : « نعم، أتاني جبرئيل فأخبرني أنّ اُمّتي يقتلونه، وأتاني بالتربة التي يُقتل عليها، فهي التي اُقلب بكفّي »(4) .
النموذج الثاني عشر: قال أنس بن مالك: جاء الحسين فاقتحم، ففتح الباب فجعل النبي يلتزمه ويقبّله، فقال الملك الذي كان عنده: أتحبه؟
قال: « نعم ».
قال: إنّ اُمّتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يُقتل فيه.
فقبض قبضة من
____________________
(1) راجع تاريخ ابن عساكر ح634، وتهذيبه 4 / 325، ومجمع الزوائد 9 / 189، ومقتل الخوارزمي 1 / 161، ومعالم المدرستين 3 / 33.
(2) راجع ترجمة الحسين من معجم الطبراني ح42 / 121.
(3) راجع تاريخ ابن عساكر ح626، وذخائر العقبى للطبري / 147، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي / 154، وتذكرة الخواصّ لابن الجوزي / 142، ومعالم المدرستين 3 / 33.
(4) راجع ترجمة الحسينعليهالسلام في المعجم الكبير للطبراني ح54 / 124، وطبقات ابن سعد ح268، ومقتل الخوارزمي 1 / 158، وكنز العمال 16 / 226، وأخرجه ابن شيبة في المصنف ح12.
المكان الذي قُتل فيه فأراه، فجاء بسهلة أو تراب أحمر، فأخذته اُمّ سلمة فجعلته في ثوبها(1) .
النموذج الثالث عشر: قالت عائشة: إنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله أجلس حسيناً على فخذه، فجاء جبرئيل فقال: هذا ابنك؟ قال: « نعم ». قال: إنّ اُمّتك ستقتله بعدك. فدمعت عينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فقال جبرئيل: إن شئت أريتك الأرض التي يُقتل فيها؟ قال: « نعم ». فأراه جبرئيل تراباً من تراب الطف...(2) .
النموذج الرابع عشر: قالت عائشة: دخل الحسين على رسول اللهصلىاللهعليهوآله وهو يُوحى إليه، فنزى على رسول الله وهو منكب، ولعب على ظهره، فقال جبرئيل لرسول الله: أتحبه يا محمّد؟ قال النبيصلىاللهعليهوآله : « يا جبرئيل، وما لي لا اُحبّ ابني؟ ». قال: فإنّ اُمّتك ستقتله من بعدك. فمد جبرئيل يده وناوله تربة، وذهب جبرئيل من عند النبي والتربة في يده وهو يبكي، فقال النبي لعائشة: « إنّ جبرئيل أخبرني أن الحسين ابني مقتول في أرض الطف، وأن اُمّتي ستُفتن بعدي ».
ثمَّ خرج إلى أصحابه، فيهم: علي وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر، وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟
فقال: « أخبرني جبرئيل أنّ ابني الحسين يُقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة وأخبرني أن فيها مضجعه »(3) .
النموذج الخامس عشر: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إنّ معاذ بن جبل أخبره أن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد خرج علينا متغير اللون، فقال: « أنا محمّد، اُوتيت فواتح
____________________
(1) راجع مسند أحمد 3 / 243 و 265، وتاريخ ابن عساكر ح615 و 617، وترجمة الحسين من المعجم الكبير للطبراني ح47، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 160 - 162، وتاريخ الإسلام للذهبي 3 / 100، وسير أعلام النبلاء 3 / 194، وذخائر العقبى / 146 - 147، ومجمع الزوائد 9 / 187 و 190، وتاريخ ابن كثير 6 / 229 و ج8 / 199، والمواهب اللدنية للعسقلاني 2 / 195، والخصائص للسيوطي 2 / 25.
(2) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد ح269، وتاريخ ابن عساكر بترجمة الحسين ح627، ومقتل الخوارزمي 1 / 159، ومجمع الزوائد 9 / 187، وكنز العمال 13 / 108، والصواعق المحرقة لابن حجر / 115، وخصائص السيوطي 2 / 125 - 126.
(3) راجع ترجمة الحسين من معجم الطبراني ح48 / 123، ومجمع الزوائد 9 / 187، وراجع أعلام النبوّة للماوردي / 83، ومعالم المدرستين للعسكري 3 / 34.
الكلام وخواتمه، فأطيعوني ما دمت بين أظهركم، فإذا ذهبت فعليكم بكتاب الله عزّ وجلّ؛ أحلوا حلاله، وحرموا حرامه. أتتكم الموتة بالروح والراحة، أتتكم فتن كقطع الليل المظلم، كلما ذهب رسل جاء رسل، تناسخت النبوة فصارت ملكاً... أمسك يا معاذ وأحصِ ».
فلما بلغت خمساً قال النبيصلىاللهعليهوآله : « يزيد، لا بارك الله في يزيد! ». ثمَّ ذرفت عيناه، ثمَّ قال: « نُعي إليّ حسين، واُتيت بتربته، واُخبرت بقاتله. والذي نفسي بيده لا يُقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلاّ خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعاً ».
ثمَّ قال: « وآهاً لفراخ آل محمّد من خليفة يستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف! »(1) .
النموذج السادس عشر: قال سعيد بن جمهان: إنّ النبيصلىاللهعليهوآله أتاه جبرئيل بتراب من تراب القرية التي يُقتل بها الحسينعليهالسلام ، فقال: اسمها كربلاء، فقال رسول الله: « كرب وبلاء »(2) .
النموذج السابع عشر: قال ابن عباس: ما كنّا نشك أهل البيت وهم متوافرون أن الحسين بن علي يُقتل بالطفِّ (3) .
نماذج اُخرى
لأنّ علياًعليهالسلام هو الولي الشرعي من بعد النبي، وهو المخول بأن يبيّن للاُمّة ما أختلفت فيه من بعد النبيصلىاللهعليهوآله (4) ، فلرواياته أهمية خاصة، وأن الحسينعليهالسلام ابنه، وأن علياًعليهالسلام كان يسكن مع الرسولصلىاللهعليهوآله في بيت واحد طوال حياته المباركة، وكان يتبعه اتّباع الفصيل لأثر اُمّه على حد تعبير الإمامعليهالسلام .
النموذج الثامن عشر: صعد الإمامعليهالسلام على منبر الكوفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ
____________________
(1) راجع معجم الطبراني ح95 / 140، ومقتل الخوارزمي / 160 - 161، وكنز العمال 6 / 39 و ج13 / 113، وراجع مجمع الزوائد للهيثمي 9 / 189.
(2) راجع تاريخ ابن عساكر ح632، وتاريخ الإسلام للذهبي 3 / 11، وتاريخ ابن كثير 8 / 200.
(3) مقتل الخوارزمي 1 / 16.
(4) راجع ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق لابن عساكر 2 ح448، 1008، 1009، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 86، والمناقب للخوارزمي أيضاً / 236، وينابيع المودة للقندوزي / 1872.
قال: « كيف أنتم إذا نزل بذرّية نبيكم بين ظهرانيكم؟ ».
قالوا: إذاً نبلي الله فيهم بلاءً حسناً.
فقال: « والذي نفسي بيده، لينزلن بين ظهرانيكم، ولتخرجنّ إليهم فلتقتلنّهم ».
ثمَّ أقبل يقول:
هـم أوردوهم بالغرور وغرّدوا |
أجيبوا دعاه لا نجاةً ولا عذرا(1) |
النموذج التاسع عشر: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ الله حرّم الجنة على مَن ظلم أهل بيتي، أو قاتلهم، أو أغار عليهم ».
النموذج العشرون: قال الإمام عليعليهالسلام لأصحابه يوماً: « يُقتل الحسين بن علي قتلاً، وإني لأعرف تربة الأرض التي يُقتل بها؛ يُقتل بقرية قريبة من النهرين »(2) .
النموذج الحادي والعشرون: لمّا سار الإمام عليعليهالسلام إلى صفّين نزل في كربلاء، فقال لابن عباس أمام أصحابه: « أتدري ما هذه البقعة؟ ».
قال: لا. قال عليعليهالسلام : « لو عرفتها بكيت بكائي ». ثمَّ بكى بكاءً شديداً ثمَّ قال: « ما لي ولآل أبي سفيان! ». ثمَّ التفت إلى الحسينعليهالسلام وقال: « صبراً يا بُني، فقد لقي أبوك منهم مثل الذي تلقى بعده»(3) .
النموذج الثاني والعشرون: وقف الإمام عليعليهالسلام في كربلاء، فقيل له: يا أمير المؤمنين، هذه كربلاء؟
قال الإمام عليعليهالسلام : « ذات كرب وبلاء ».
ثمَّ أومأ بيده إلى مكان، فقال: « ها هنا موضع رحالهم، ومناخ ركابهم ».
وأومأ إلى موضع آخر فقال: « ها هنا مهراق دمائهم »(4) .
النموذج الثالث والعشرون: عندما ذهب الإمام عليعليهالسلام إلى صفّين، ونزل وصلّى عند شجرة، ثمَّ قال: « يُقتل ها هنا شهداء هم خير الشهداء غير الصحابة،
____________________
(1) راجع معجم الطبراني ح57 / 128، ومجمع الزوائد 9 / 191، وأنساب الأشراف للبلاذري / 38.
(2) راجع معجم الطبراني ح57 / 128، وتاريخ الإسلام للذهبي 3 / 11، وسير أعلام النبلاء 3 / 195، ومعجم الزوائد 9 / 190، وكنز العمال 6 / 379.
(3) مقتل الحسين للخوارزمي الحنفي 1 / 162.
(4) راجع وقعة صفّين لنصر بن مزاحم / 142، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 278.
يدخلون الجنة بغير حساب ». وأشار إلى مكان هنالك، فعلموه بشيء، فقُتل فيه الحسينعليهالسلام (1) .
النموذج الرابع والعشرون: لمّا جاء عليعليهالسلام إلى نينوى وهو منطلق إلى صفّين نادى عليعليهالسلام : « صبراً أبا عبد الله، صبراً أبا عبد الله بشط الفرات ».
قيل له: وماذا؟
قال: « دخلت على رسول الله ذات يوم وعيناه تفيضان، قلت: يا نبي الله، أغضبك أحد؟ ما شأن عينيك تفيضان؟ قال: بل قام من عندي جبرئيل فحدّثني أن الحسين يُقتل بشط الفرات. قال: فقال: هل لك أن أشهدك من تربته؟ قال: نعم. فمدّ فقبض قبضة من تراب فأعطانيها، فلم أملك عيني أن فاضتا »(2) .
النموذج الخامس والعشرون: في كربلاء أخذ الإمام عليعليهالسلام يشير بيده ويقول: « ها هنا، ها هنا ».
فقال له رجل: وما ذلك يا أمير المؤمنين؟
قال: « ثقل لآل محمّد ينزل ها هنا، فويل لهم منكم، وويل لكم منهم! ».
فقال الرجل: ما معنى هذا الكلام يا أمير المؤمنين؟
قال: « ويل لهم منكم تقتلونهم، وويل لكم منهم يدخلكم الله النار بقتلهم »(3) .
النموذج السادس والعشرون: وقال الإمام عليعليهالسلام مرة بعد أن رُفع إليه من تربة كربلاء فشمّها: « واهاً لك أيّتها التربة! لَيُحشرن منك قوم يدخلون الجنة بغير حساب ».
قال الراوي ساخراً ومندهشاً: وما علمه بالغيب(4) ؟!
النموذج السابع والعشرون: قال ميمون بن شيبان بن مخرم، وكان عثمانياً يبغض علياًعليهالسلام :
____________________
(1) راجع تاريخ ابن كثير 8 / 199 - 200، ومجمع الزوائد 9 / 191.
(2) راجع مسند أحمد بن حنبل 1 / 85، وقال بالهامش: إسناد صحيح. ومعجم الطبراني ح45 / 126، وتاريخ ابن عساكر ح611 - 613، وتهذيبه 4 / 325، ومجمع الزوائد 9 / 187، وتاريخ الإسلام للذهبي 3 / 10، وسير أعلام النبلاء 3 / 193، وتاريخ ابن كثير 8 / 199، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 170، والصواعق المحرقة لابن حجر / 115، وخصائص السيوطي 2 / 126.
(3) راجع وقعة صفّين لنصر بن مزاحم.
(4) راجع التفصيل في وقعة صفّين لنصر بن مزاحم / 140 - 141، وتاريخ ابن عساكر 636 و 638.
رجعنا مع علي إلى صفّين، فانتهينا إلى موضع، فقال: « ما سمي هذا الموضع؟ ».
فقلنا له: كربلاء.
قال: « كرب وبلاء ».
قال: ثمَّ قعد على دابته وقال: « يُقتل ها هنا قوم أفضل شهداء على ظهر الأرض... ».
قال: قلت: بعض كذباته وربِّ الكعبة.
قال: فقلت لغلامي، وثمة حمار ميّت: جئني برجل هذا الحمار. فأوتدته في المقعد الذي كان فيه قاعداً، فلما قُتل الحسين قلت لأصحابنا: انطلقوا ننظر. فانتهينا إلى المكان فإذا جسد الحسين على رجل الحمار، وإذا أصحابه ربضة حوله(1) .
النموذج الثامن والعشرون: قال أنس بن الحارث: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله يقول: « إنّ ابني هذا - يعني الحسين - يُقتل بأرض يقال لها: كربلاء، فمَن شهد ذلك فلينصره ». فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقُتل بها مع الحسينعليهالسلام (2) .
النموذج التاسع والعشرون: عن هيثم بن الأسود النخعي الكوفي قال: كان أبي يتبرّى فينزل قريباً من الموضع الذي كان فيه معركة الحسين، فكنا لا نبدو إلاّ وجدنا رجلاً من بني أسد هناك، فقال له أبي: إني أراك ملازماً هذا المكان؟
قال: بلغني أن حسيناً يُقتل ها هنا، فأنا أخرج لعلّي اُصادفه فاُقتل معه.
فلما قُتل الحسين قال أبي: انطلق ننظر هل الأسدي في مَن قُتل. وأتينا المعركة فطوّفنا فإذا الأسدي مقتول(3) .
النموذج الثلاثون: في ترجمة الحارث بن نبيه، وكان من أصحاب النبيصلىاللهعليهوآله من أهل الصُفّة، قال: سمعت رسول اللهصلىاللهعليهوآله - والحسين في حجره - يقول: « إنّ ابني هذا يُقتل في أرض يقال لها: العراق، فمَن أدركه فلينصره »(4) .
____________________
(1) راجع كامل الزيارات - باب 23 / 71 - 72، وراجع اُسد الغابة لابن الأثير 1 / 123، وفضائل الخمسة 3 / 347.
(2) راجع ترجمة أنس بن الحارث في الجرح والتعديل للرازي 1 / 287، وتاريخ البخاري الكبير 1 / 30، رقم الترجمة 1583، وابن عساكر ح680، وتهذيبه 4 / 338، واُسد الغابة 1 / 123، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 159 - 160، وتاريخ ابن كثير 8 / 199.
(3) راجع ترجمة الحسين في طبقات ابن سعد ح280، وتاريخ ابن عساكر ح666.
(4) راجع اُسد الغابة 1 / 349 ترجمة الحارث بن نبيه، والإصابة لابن حجر 1 / 68، قالصلىاللهعليهوآله : =
النموذج الواحد والثلاثون: قال الرسول: « نُعي إليّ الحسين، واُوتيت بتربته، واُخبرت بقاتله »(1) .
النموذج الثاني والثلاثون: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « سبعة لعنتُهم، وكل نبي مجاب الدعوة... والمستحل من عترتي ما حرّم الله »(2) .
النموذج الثالث والثلاثون: قال عبد الله بن مسعود: أتينا رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، فخرج إلينا مستبشراً يُعرف السرور في وجهه، فما سألنا عن شيء إلاّ أخبرنا، ولا سكتنا إلاّ ابتدأنا، حتّى مرّت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسينعليهماالسلام ، فلمّا رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه؟
فقال: « إنّا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنّه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريداً وتشريداً في البلاد »(3) .
النموذج الرابع والثلاثون: قال أبو سعيد الخدري: قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ أهل بيتي سيلقون من بعدي من اُمّتي قتلاً وتشريداً، وإنّ أشد قومنا لنا بغضاً بنو اُميّة، وبنو المغيرة، وبنو مخزوم ».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد.
النموذج الخامس والثلاثون: قال النبيصلىاللهعليهوآله : « يجيء يوم القيامة المصحف والمسجد والعترة، فيقول المصحف... ويقول المسجد... وتقول العترة:
____________________
= « إنّ ابني هذا يُقتل في أرض يقال لها: العراق، فمَن أدركه فلينصره ».
وراجع كنز العمال 6 / 223، وقال: أخرجه البغوي، وابن السكن، والبارودي، وابن منده، وابن عساكر، وذكره الطبري في ذخائر العقبى / 146، وقال: خرّجه الملا في سيرته. راجع فضائل الخمسة 3 / 347 - 348.
(1) راجع كنز العمال 6 / 223، وقال: أخرجه الديلمي. راجع فضائل الخمسة 3 / 339.
(2) اُسد الغابة لابن الأثير 4 / 107، وكنز العمال 8 / 191 - 192، وقال: أخرجه الطبراني. وراجع فضائل الخمسة من الصحاح الستة 3 / 349 - 350 تجد الكثير من المراجع.
(3) المستدرك على الصحيحين 4 / 464، وراجع صحيح ابن ماجة / 309 باب خروج المهدي، وفضائل الخمسة للفيروز آبادي 3 / 350.
(4) راجع المستدرك على الصحيحين 4 / 487، وكنز العمال 6 / 40، وقال: أخرجه نعيم بن حماد في الفتن. راجع فضائل الخمسة 3 / 351.
طردونا وقتلونا وشرّدونا. وأجثو بركبتي للخصومة، فيقول الله: ذلك إليّ وأنا أولى بذلك ». وأخرجه الديلمي عن جابر وأحمد بن حنبل، والطبري وسعيد بن منصور عن أبي اُمامة(1) .
النموذج السادس والثلاثون: قال النبيصلىاللهعليهوآله : « إنّا أهل البيت، اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي أثرة وشدة وتطريداً في البلاد، حتّى يأتي قوم من ها هنا - وأشار بيده نحو المشرق - أصحاب رايات سود »(2) .
النموذج السابع والثلاثون: قالت اُمّ سلمة: إنّها وضعت التربة في قارورة، فلمّا كانت ليلة مقتل الحسينعليهالسلام سمعت قائلاً يقول:
أيّـها القاتلون جهراً حسيناً |
أبـشروا بالعذابِ والتنكيلِ |
|
قد لُعنتم على لسان ابنِ داو |
دِ ومـوسى وحـاملِ الإنجيلِ |
قالت: فبكيت، وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دماً(3) .
النموذج الثامن والثلاثون: قالت سلمى: دخلت على اُم سلمى وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت: رأيت رسول الله في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: « شهدت قتل الحسين آنفاً ».
النموذج التاسع والثلاثون: رأى ابن عباس النبيَّصلىاللهعليهوآله في المنام أشعث أغبر، ومعه قارورة فيها دم، ولما سأله عنها قال: « هذا دم الحسين ». واُحصي ذلك اليوم فوجدوه اليوم الذي قُتل فيه الحسينعليهالسلام (5) .
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
____________________
(1) راجع كنز العمال 6 / 446، وفضائل الخمسة 3 / 351.
(2) راجع ذخائر العقبى للطبري / 17، وفضائل الخمسة 3 / 351.
(3) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر / 115، وفضائل الخمسة 3 / 355.
(4) راجع صحيح الترمذي 2 / 306 مناقب الحسن والحسينعليهماالسلام ، والمستدرك على الصحيحين 4 / 19 في ذكر اُمِّ المؤمنين اُمّ سلمة، وتهذيب التهذيب لابن حجر 2 / 356، وذخائر العقبى للطبري / 148، وقال: خرّجه البغوي في الحسان.
(5) راجع المستدرك على الصحيحين 4 / 397، ومسند أحمد 1 / 242، وتاريخ بغداد 1 / 142، واُسد الغابة لابن الأثير 2 / 22، والاستيعاب لابن عبد البر 1 / 144 في ترجمة الحسينعليهالسلام ، والإصابة لابن حجر 2 / 17.
النموذج الأربعون: وناحت الجنّ على الحسينعليهالسلام . قالت اُمّ سلمة إنها سمعت الجن تنوح على الحسينعليهالسلام (1) ، ومما قالت الجن:
ألا يـا عين فاحتفلي بجهدي |
ومَن يبكي على الشهداء بعدي |
|
عـلى رهـطٍ تقودهمُ المنايا |
إلـى متجبّرٍ في ملكِ عبدِ(2) |
النموذج الواحد والأربعون: لما قُتل الإمام الحسينعليهالسلام كُسفت الشمس كسفة بدت الكواكب بنصف النهار حتّى ظننا أنها هي، وقد ظهرت مجموعة من العجائب(3) .
النموذج الثاني والأربعون:
1 - قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « إنّ أهل بيتي سيلقون من بعدي من اُمّتي قتلاً وتشريداً، وإنّ أشد قومنا لنا بغضاً بنو اُميّة، وبنو المغيرة، وبنو مخزوم ».
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد(4) .
2 - قال علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وعمر بن الخطاب: « إنّ الذين بدلّوا نعمة الله كفراً هما الأفجران من قريش؛ بنو المغيرة، وبنو اُميّة »(5) .
3 - قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « يزيد، لا بارك الله في يزيد! نُعي إليَّ الحسين، واُوتيت تربته، واُخبرت بقاتله. والذي نفسي بيده لا يُقتل بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلاّ خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلّط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعاً. وآهاً لفراخ آل محمّد من خليفة مستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف! »(6) .
____________________
(1) راحع الإصابة لابن حجر 2 / 17، وتهذيب التهذيب 2 / 355، ومجمع الزوائد 9 / 199، وذخائر العقبى للطبري / 150، وقالوا: رواه الطبراني، ورجال الصحيح، وأخرجه ابن الضحاك. راجع فضائل الخمسة 3 / 359.
(2) راجع سنن البهيقي 3 / 337، ومجمع الزوائد 9 / 197، وتهذيب التهذيب 2 / 354.
(3) راجع فضائل الخمسة 3 / 361 - 369 تجد عشرات المراجع، والكثير من العجائب.
(4) راجع المستدرك على الصحيحين 4 / 487، وكنز العمال 6 / 40، وقال: أخرجه نعيم بن حماد في الفتن.
(5) راجع كنز العمال 1 / 252، قال: أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وابن مردويه وابن أبي حاتم، والطبراني في الجامع الصغير، وراجع فضائل الخمسة 3 / 377 - 378.
(6) راجع كنز العمال 6 / 39، ومجمع الزوائد للهيثمي 9 / 189، وقال المتقي الهندي: أخرجه =
وقال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « لا بارك الله في يزيد الطعّان اللعان! أما إنه نُعي إليّ حبيبي حسين واُوتيت بتربته، ورأيت قاتله. أما إنه لا يُقتل بين ظهراني قوم فلا ينصرونه إلاّ عمّوا بعقاب ».
4 - قال عليعليهالسلام لعمر بن سعد: « كيف أنت إذا قمت [مقاماً] تخيّر فيه بين الجنّة والنار »(2) .
5 - قال عمر بن سعد للحسينعليهالسلام : إنّ قوماً من السفهاء يزعمون أني أقتلك! فقال الحسينعليهالسلام : « ليسوا سفهاء ». ثمَّ قال: « والله، إنك لا تأكل بر العراق بعدي إلاّ قليلاً »(3) .
6 - قال رسول اللهصلىاللهعليهوآله : « كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي »(4) .
قال محمّد بن عمرو بن حسين: كنّا مع الحسين بنهر كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال: « صدق رسول الله، كأني أنظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي ». وكان شمر أبرص(5) .
7 - أمّا معاوية بن أبي سفيان فقد تطرّقنا إلى بعض النصوص التي وردت عن النبيصلىاللهعليهوآله في حقّه وحق أبيه وأخيه، وعالجنا هذا الموضوع في بداية البحث تحت عنوان «مَن هو والد يزيد؟»، فارجع إليه إن شئت.
____________________
= الطبراني عن معاذ، وذكره المناوي في فيض القدير باختصار، وقال في المتن: أخرجه ابن عساكر عن سلمة بن الأكوع، وقال في الشرح: ورواه عنه أبو نعيم والديلمي.
(1) راجع كنز العمال 6 / 223، وقال: أخرجه ابن عساكر عن ابن عمر.
(2) راجع كنز العمال 7 / 111، وقال: أخرجه ابن عساكر.
(3) راجع تهذيب التهذيب 7 / 451.
(4) راجع كنز العمال 6 / 223، وقال: أخرجه ابن عساكر، وذكره المناوي في كنوز الحقائق / 103، وقال: أخرحه الديلمي.
(5) راجع كنز العمال 7 / 110، وقال: أخرجه ابن عساكر. راجع فضائل الخمسة 3 / 390 - 391.
الباب الثالث
بواعث رحلة الشهادة ومحطّاتها الاُولى
الفصل الأوّل: التناقض الصارخ بين الواقع والشرعيّة
الفصل الثاني: اقتراحات المشفقين
الفصل الثالث: الإمام الحسينعليهالسلام يشخّص أمراض الاُمّة المزمنة
الفصل الرابع: رحلة الإمام الحسينعليهالسلام للشهادة في سبيل الله
الفصل الخامس: محطات رحلة الشهادة من مكّة إلى كربلاء
الفصل الأوّل
التناقض الصارخ بين الواقع والشرعيّة
لمّا هلك معاوية آلت خلافته لابنه بحكم الكيد والمكر والوراثة. كان الخليفة الجديد على يقين بأن أخطر خصومه هو الإمام الحسين بن عليعليهالسلام ؛ لذلك انصبَّ اهتمامه على أخذ البيعة من الحسينعليهالسلام .
وكان أول مراسيمه الملكية أن كتب كتاباً إلى واليه على المدينة جاء فيه: « خذ البيعة على أهل المدينة عامة، وخاصة على الحسين، فإن أبى عليك فاضرب عنقه ».
وجاء في تاريخ الطبري: « أما بعد، فخذ حسيناً، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتّى يبايعوا. والسّلام »(2) . فالخليفة الجديد مصمم على أخذ البيعة من الحسينعليهالسلام ، ومصمم على قتل الحسين إن أبى بيعته.
ولما شعر يزيد بن معاوية أن الحسين ممتنع عن البيعة صمم نهائياً على قتل الإمام الحسينعليهالسلام أشنع قتلة؛ ليجعله عبرة لغيره، وليتخلص نهائياً من وجوده ومن خطره المحتمل على الملك الاُموي. وحجته العلنية ووسيلته إلى ذلك منحصرة بامتناع الحسين عن البيعة.
تواصل لتاريخ أسود
ليس جديداً إصرار يزيد بن معاوية على تجاهل حق أهل بيت النبوةعليهمالسلام ، وعلى إرغام أنف الحسينعليهالسلام وأخذ البيعة منه راغماً أو قتله أشنع قتلة؛ فهذا الموقف الاعتباطي الأرعن امتداد لموقف أبيه وعمّه وجده، والبطن الأموي وبطون قريش الـ 23 التي تشكّل بمجموعها حلقات تاريخيّة متّصلة، وأدواراً متّفقاً عليها تماماً.
فأبو سفيان ومعاوية يقودان جبهة الشرك 23 عاماً، ثمَّ ينخرطان في مؤامرة
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 10، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 180 - 185، ومثير الأحزان / 14 - 15، واللهوف / 9 - 10.
(2) راجع تاريخ الطبري 6 / 188 باب بيعة يزيد بن معاوية.
بطون قريش الـ 23 ويحصلان على ولاية الشام، ثمَّ يترك معاوية بهذه الولاية 20 عاماً، ثمَّ يستولي بالقوة على منصب الخلافة، ثمَّ يجعل الخلافة ملكاً، ويحصر هذا الملك في بيت أبي سفيان، ويكون ابنه يزيد بن معاوية أول ملك أموي يرث أباه.
ولا يترك معاوية الاُمور تجري على مسارها الطبيعي، بل يمهد لابنه ويعيّنه ولياً لعهده، وخليفة من بعده، ويأخذ بيعة الرعية، ويحاصر - وبغير رحمة - أهل بيت النبوة، أصحاب الحق الشرعيين بخلافة النبيصلىاللهعليهوآله ؛ فيوجب على الرعية لعنهم، ويحرم محبتهم، ويعتبر موالاتهم من جرائم الخيانة العظمى.
ثمَّ يتوّج معاوية سلسة أعماله « البطولية » بقتل الإمام الحسنعليهالسلام عن طريق السم؛ ولمواجهة امتناع الحسينعليهالسلام عن البيعة عهد معاوية بولاية العراق إلى عبيد الله بن زياد، واتفق على اُسلوب التعامل مع الحسين إن امتنع عن البيعة، وكلّف معاوية ابنه يزيد أن يرسل مسلم بن عقبة إلى أهل المدينة إن أثاروا عليه، واتفق معاوية على اُسلوب التعامل مع أهل المينة.
وبعد هذه الإنجازات الرائعة هلك معاوية، وجاء ابنه يزيد ليسير سيرة سلفه ووالده، وليحافظ على الملك الذي ورثه منه بالأساليب والأنماط نفسها التي استعملها أبوه من قبله؛ فأعمال يزيد بن معاوية سلسلة من حلقات متكاملة ومتّفق عليها بين الابن وأبيه؛ ومن هنا نعرف سر إصرار يزيد بن معاوية على أن يعطي الحسينعليهالسلام بيعته أو يُقتل أشنع قتلة، والبيعة ما هي إلاّ ستار كقميص عثمان الذي استعمله أبوه.
لقد صالح الإمام الحسنعليهالسلام معاوية بن أبي سفيان حقناً للدماء، وبقياً منه على مَن تبقّى من المؤمنين، فهل حال هذا الصلح دون إصرار معاوية على قتله؟ ولو بايع الإمام الحسينعليهالسلام يزيد بن معاوية وصالحه وصفى له، فالبيعة والصلح لن يحولا دون قتل الحسين؛ لأن وجه الخلافة لن يصفو لمعاوية مع وجود الإمام الحسنعليهالسلام ، ولن يصفو وجهها ليزيد مع وجود الإمام الحسينعليهالسلام .
ثمَّ إنّ معاوية موتور، ويزيد موتور، فقتل الإمام الحسن والإمام الحسين « سيدي شباب أهل الجنة »(1) ، و « ريحانتي النبيصلىاللهعليهوآله
____________________
(1) راجع على سبيل المثال صحيح الترمذي 2 / 306 و 307، وصحيح ابن ماجة 3 / 167، والمستدرك على الصحيحين 4 / 139.
من هذه الاُمّة »(1) يحقق لمعاوية وابنه يزيد والبيت الاُموي مطلبين معاً:
أولهما: يصفى لهم وجه الخلافة.
وثانيهما: يشفي ما في صدورهم من غلِّ وحقد على آل محمّد.
ويؤكّد هذا أنه لمّا وُضع رأس الإمام الحسينعليهالسلام بين يدي يزيد بن معاوية شعر أنه قد ثأر لشيوخه الذين قتلوا في بدر؛ لذلك تمثّل بأبيات من قصيدة ابن الزبعرى:ليت أشياخي ببدر شهدوا... (2) ، الشعور نفسه الذي راود والده معاوية عندما سمع بموت الحسنعليهالسلام (3) .
كان الإمام الحسنعليهالسلام آمناً مطمئناً يوم جاءته رسل الموت التي أرسلها معاوية لسمّه وقتله، وكان الإمام الحسينعليهالسلام آمناً مطمئناً يوم أبلغه والي يزيد بن معاوية على المدينة بكتاب يزيد الذي يطلب منه فيه أخذ البيعة من الإمام الحسينعليهالسلام ، ويأمره بضرب عنقه إن أبى(4) . فيزيد بن معاوية يضع الإمام الحسينعليهالسلام أمام خيارات محدودة وصعبة ومرّة، أحلاها أمرّ من العلقم.
كان الإمام الحسينعليهالسلام على يقين بأن يزيد بن معاوية يخطّط لقتله عاجلاً أم آجلاً، بايع أو لم يبايع، ولكن يزيد يريد أن يستفيد من الحسين ما أمكن قبل الإقدام على قتله، تماماً كما فعل أبوه مع الإمام الحسنعليهالسلام ؛ فمعاوية ويزيد والبيت الاُموي خاصة، والأكثريّة الساحقة من أبناء بطون قريش الـ 23 لا يدعون لأحد من أهل بيت النبوة إلاً ولا ذمّة؛ لأن الحقد أتلف أي مظهر من مظاهر الإنسانيّة لديهم. لقد نزع الله الرحمة من قلوبهم.
____________________
(1) راجع صحيح ابن ماجة 3 / 167، ومسند أحمد 3 / 62 و82، وصحيح الترمذي 2 / 306 وما بعد.
(2) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 241، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 58، ومثير الأحزان / 80، ومقاتل الطالبيِّين لأبي الفرج الأصفهاني / 120، وتذكرة الخواصّ لابن الجوزي / 148، والأمالي لأبي علي القالي 1 / 142.
(3) قال ابن قتيبة في الإمامة والسياسة 1 / 144: إنّ معاوية لمّا أتاه خبر موت الحسن أظهر فرحاً وسروراً حتّى سجد وسجد مَن كان معه. وجاء في العقد الفريد لابن عبد ربه 2 / 298: لما بلغ معاوية موت الحسن خرّ ساجداً...
(4) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 10، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 180 - 185، ومثير الأحزان / 14 - 15، واللهوف / 9 - 10.
الإمام الحسينعليهالسلام والخيارات المتاحة
خيار البيعة ليزيد
كان الإمام الحسينعليهالسلام على يقين من ربّه بأن القيادة من بعد النبيصلىاللهعليهوآله كانت حقاً خالصاً لأبيه علي بن أبي طالبعليهالسلام ؛ فقد اختاره الله تعالى لهذا المنصب، وأهّله، وأعده لذلك، وأمر رسول اللهصلىاللهعليهوآله أن يعلن هذا الاختيار للاُمّة فأعلنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله بكلِّ وسائل الإعلان المعروفة حتّى اُحيطت الاُمّة كلها علما بهذا الاختيار.
وحتّى معاوية وهو الطليق ابن الطليق، ومن المؤلفة قلوبهم، والذي أعلن إسلامه متأخراً كان يعلم ذلك علم اليقين؛ فقد قال برسالة وجهها إلى محمّد بن أبي بكر: « كنّا وأبوك معاً في حياة من نبيّنا نرى حقَّ ابن أبي طالب لازماً لنا، وفضله مبرزاً علينا، فلما اختار الله لنبيّه ما عنده... فكان أبوك وفاروقه أول من ابتزّه وخالفه، على ذلك اتفقا واتّسقا... »(1) . وحتّى الذين غصبوه هذا الحق يعلمون ذلك علم اليقين.
لقد صرح عمر بن الخطاب ذات يوم قائلاً بأن الأمر كان لعلي بن أبي طالب، فزحزحوه عنه لحداثة سنه، وللدماء التي كانت عليه(2) . وكيف ينسى عمر والخلفاء ذلك وهم الذين قدموا التهاني لأمير المؤمنينعليهالسلام في غدير خمٍّ (3) ؟
وحسب يقين الإمام الحسينعليهالسلام فإنه هو الإمام والقائد والخليفة الشرعي، وليس يزيد بن معاوية؛ فيزيد بن معاوية غاصب لحق الحسينعليهالسلام تماماً كما كان أبوه غاصباً لحق الإمام الحسنعليهالسلام ، وباغياً على الإمام عليعليهالسلام ، وبالتالي فالأولى بيزيد بن معاوية أن يبايع للإمام الحسين وليس العكس.
لكن ابن معاوية لا يكتفي بغصب
____________________
(1) راجع نص رسالة معاوية لمحمد بن أبي بكر في مروج الذهب للمسعودي 3 / 11، وفي وقعة صفّين لنصر بن مزاحم / 118 - 119.
(2) راجع الطبقات الكبرى لابن سعد 3 / 130، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 20، وكتابنا المواجهة مع رسول الله وآله / 472 وما بعد.
(3) راجع ترجمة الإمام عليعليهالسلام من تاريخ دمشق لابن عساكر الشافعي 2 / 548 و 449 و 550، والمناقب للخوارزمي الحنفي / 94، ومسند أحمد بن حنبل 4 / 281، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي / 24، وتاريخ الإسلام للذهبي 2 / 197، وتذكرة الخواصّ لابن الجوزي / 29.
حق الإمام الحسينعليهالسلام ، بل يريد من الإمام الحسينعليهالسلام أن يشهد بالزور بأن يزيد هو صاحب الحق الشرعي، ويريد من الحسين أيضاً أن يقرّ ضمناً بأنه لا حق له بالخلافة، وهذا منتهى الظلم الذي ينفر الإمام الحسينعليهالسلام بطبيعته وتكوين نسيجه النفسي.
هذا على صعيد الشرعيّة الإلهية، أمّا على صعيد العقل والمنطق فإن الإمام الحسينعليهالسلام هو ابن فاطمة الزهراء ( عليها السّلام) بنت النبيصلىاللهعليهوآله ، ومن صلب علي بن أبي طالبعليهالسلام ابن عم النبي، والاُمّة هي اُمّة النبي، والملك هو ملك النبي الذي بناه حجراً فوق حجر، والإمام الحسينعليهالسلام أولى بقيادة جده، وبملك جدّه من يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، هذا هو أبسط مظاهر العدل الذي يفهمه الإنسان بالفطرة والضرورة.
أمّا على صعيد التاريخ، فعلي بن أبي طالبعليهالسلام ابن عم النبي عاش في كنفه طوال حياته، وكان أول من صدّقه وآمن به، وكان عضده وفارسه الأعظم طوال فترة الصراع المسلح الذي نشب بين الرسول وبين بطون قريش؛ فهو بطل بدر بلا منازع، وهو بطل أحد بلا منازع، وهو بطل الخندق بلا منازع، وهو حامل راية الرسول في كل زحف(1) ، وجده أبو طالب كان حامي النبي ودينه طوال حياته(2) ، وهو الذي كفل النبي وربّاه يتيماً، ونصره كبيراً، وكانت زوجته بمثابة الاُم الحقيقية للنبيصلىاللهعليهوآله (3) .
أما أبو سفيان جد يزيد، ومعاوية والد يزيد بن أبي سفيان فهما الّذان وحّدا بطون قريش الـ 23 ومن والاهم ضد النبي ودينه، وهما الّذان قادوا جبهة الشرك التي قاومت النبيصلىاللهعليهوآله وحاربته طوال 23 عاماً، ورموا رسول اللهصلىاللهعليهوآله بكل سهم في كناناتهما حتّى أحاط النبيصلىاللهعليهوآله بهما، فاضطروا للاستسلام واُكرهوا على إعلان الإسلام.
____________________
(1) راجع على سبيل المثال شرح نهج البلاغة 1 / 15، وخصائص النسائي / 3، والحاكم في مستدركه 3 / 136، وتاريخ بغداد 2 / 81، والصواعق المحرقة لابن حجر / 72، وتاريخ دمشق لابن عساكر 1 / 76، واُسد الغابة لابن الأثير 5 / 287، وميزان الاعتدال للذهبي 2 / 417، والطبقات لابن سعد 2 / 23، وكنز العمال 3 / 154، وتاريخ الطبري 2 / 197، وفضائل الخمسة / 357 - 360.
(2) راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 35.
(3) راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 14.
وأمّا على الصعيد الشخصي، فالإمام الحسينعليهالسلام ابن النبي وحفيده، وسيد شباب أهل الجنة، وسبط النبي وريحانته من الاُمّة، وهو الإمام الذي اختاره الله لقيادة الاُمّة من بعد أخيه الحسنعليهالسلام ، وهو التقي، النقي، الطاهر، المؤهل للإمامة(1) .
أمّا يزيد فهو ابن معاوية بن أبي سفيان، وهو الأشد عداوة لله ولرسوله، وقد لعنه رسول اللهصلىاللهعليهوآله قبل أن يولد(2) . فأيهما الأولى بخلافة النبي؟ ابنه الحسين التقي، النقي، المؤهل للإمامة، أم يزيد بن معاوية شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة، والمشكوك حتّى بدينه؟
القرار
بعد أن قلّب الإمام الحسينعليهالسلام الاُمور على مختلف الوجوه، وزانها بميزان الشرع الحنيف، رأى بيقين أنه الإمام الشرعي، وأن معاوية مغتصب للخلافة؛ لذلك نراه يقول: « إنما كان الأمر لي من بعد أخي الحسن، فصنع معاوية ما صنع، وحلف لأخي الحسن أنه لا يجعل الخلافة لأحد من بعده، وأن يردها للحسين إن كان حيّاً. فطالما أنّ معاوية لم يفِ لي ولا لأخي الحسن بما كان ضمن لنا، فقد والله أتانا ما لا قوام لنا به... »(3) .
لهذا كله فإن الحسينعليهالسلام كان يعتقد أنه الأولى بالبيعة من يزيد، وأن من واجب يزيد بن معاوية، وواجب الاُمّة الإسلاميّة أن يبايعوا الحسينعليهالسلام وليس العكس.
وطالما يزيد هو المالك الفعلي للخلافة، ومن بيده مفاتيح القوة والمال والنفوذ، فلا يملك الإمام الحسينعليهالسلام من حيث المبدأ إلاّ الامتناع عن البيعة، وقرر عدم مبايعة يزيد مهما كلّف الثمن، وبعد ذلك أعلن قراره.
قال عبد الله بن الزبير لما علم بهلاك معاوية:... فما ترى أن تصنع إن
____________________
(1) مع أنّ كلَّ ما ذكرناه معلوم بالضرورة إلاّ أننا وثّقناه أكثر من مرة في الفصول السابقة.
(2) راجع كنز العمال 6 / 39، وقال: أخرجه الطبراني، ومجمع الزوائد للهيثمي 9 / 189، وقال: رواه الطبراني. وذكره المناوي في فيض القدير، وقال: أخرجه ابن عساكر. ورواه أبو نعيم والديلمي، وراجع كنز العمال 6 / 223، وقال: أخرجه ابن عساكر.
(3) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 11، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 182.
دُعيت إلى بيعة يزيد يا أبا عبد الله؟
فقال له الحسينعليهالسلام : « أصنع، أني لا اُبايع له أبداً... »(1) .
ولما دُعي الإمام الحسينعليهالسلام لمقابلة والي المدينة بعد موت معاوية، وطلب منه أن يبايع ليزيد بن معاوية، قال الإمام الحسينعليهالسلام : « أيها الأمير، إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومحل الرحمة؛ بنا فتح الله، وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب للخمر، قاتل للنفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع لمثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننتظر وتنتظرون أيّنا أحق بالخلافة والبيعة »(2) .
وجد الإمام الحسينعليهالسلام مروان بن الحكم في طريقه ذات يوم، فقال له مروان: يا أبا عبد الله، إني لك ناصح، فاطعني ترشد وتسدد.
فقال له الحسينعليهالسلام : « وما ذلك حتّى أسمع؟ ».
فقال له مروان: أقول: إني آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد؛ فإنّه خير لك في دينك ودنياك.
فاسترجع الإمام الحسينعليهالسلام وقال: « إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد ابتُليت الاُمّة براع مثل يزيد! ». ثمَّ أقبل الإمام الحسينعليهالسلام على مروان وقال له: « ويحك! أتأمرني في بيعة يزيد وهو رجل فاسق؟! لقد قلتَ شططاً من القول يا عظيم الزلل. لا ألومك على قولك؛ لأنك اللعين الذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص، فإن من لعنه رسولُ الله لا يمكن له ولا منه إلاّ أن يدعو إلى بيعة يزيد ».
ثمَّ قال: « إليك عنّي يا عدو الله، فإنّا أهل بيت رسول الله، والحق فينا، وبالحق تنطق ألسنتنا، وقد سمعت رسول الله يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان، وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري، فابقروا بطنه. فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما اُمروا به، فابتلاهم الله بابنه يزيد، زاده الله في النار عذاباً »(3) .
فغضب مروان من كلام الحسينعليهالسلام ، ثمَّ قال: والله، لا تفارقني أو تبايع ليزيد بن
____________________
(1) راجع النص الكامل لجواب الإمام الحسينعليهالسلام بالمرجعين السابقين، الفتوح والمقتل بنفس الصفحتين.
(2) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 14، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 184، ومثير الأحزان / 24، وبحار الأنوار 44 / 325، والموسوعة / 283.
(3) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم 5 / 17، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 184، والموسوعة / 285.
معاوية صاغراً؛ فإنكم آل أبي تراب قد مُلئتم كلاماً، واُشربتم بغض آل بني سفيان.
فقال له الحسين: « ويلك يا مروان! فإنك رجس، وإنّا أهل بيت الطهارة الذين أنزل الله على نبيّه محمّد( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) »(سورة الأحزاب/33 ).
فنكس مروان رأسه لا ينطق بشيء، فقال له الحسينعليهالسلام : « أبشر يابن الزرقاء بكلِّ ما تكره من رسول الله، يوم تقدم على ربك فيسألك جدي عن حقّي وحق يزيد ». فمضى مروان مغضباً حتّى دخل على الوليد بن عتبة، فأخبره بما سمعه من الحسين بن عليعليهالسلام (1) .
والتحق الحسينعليهالسلام بقبر جدّه يبكي، تماماً كما فعل أبوه علي بن أبي طالبعليهالسلام عندما هدّدته زعامة بطون قريش بالقتل إن لم يبايع، فالتحق بقبر النبيصلىاللهعليهوآله يبكي ويتلو الآية الكريمة:( ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي ) (2) .
وبكى الإمام الحسينعليهالسلام أمام قبر جدّه بكاءً مراً، ونام بعد ذلك، فرأى جدّه في المنام يضمّه إلى صدره، ويقبّله ويقول له: « يا بُني يا حسين، كأنك عن قريب أراك مقتولاً مذبوحاً بأرض كرب وبلاء، من عصابة من اُمّتي، وأنت في ذلك عطشان لا تُسقى، وظمآن لا تُروى، وهم في ذلك يرجون شفاعتي يوم القيامة! فما لهم عند الله من خلاق. حبيبي يا حسين، إنّ أباك واُمّك وأخاك قد قدموا علي، وهم إليك مشتاقون، وإنّ لك في الجنّة درجات لن تنالها إلاّ بالشهادة... »(3) .
وانتبه الإمام الحسينعليهالسلام من نومه، وودّع قبر جده وقال: « بأبي أنت واُمّي يا رسول الله، لقد خرجت من جوارك كرهاً، وفُرّق بيني وبينك، حيث إني لم اُبايع ليزيد بن معاوية شارب الخمور، وراكب الفجور، وها أنا خارج من جوارك على الكراهية، فعليك مني السّلام »(4) .
وقال له عبد الله بن عمر بن الخطاب: وأنا أشير عليك أن تدخل في صلح ما دخل فيه الناس، واصبر كما صبرتَ لمعاوية؛ فلعلّ الله يحكم بينك وبين
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 18، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 185.
(2) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 13.
(3) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 20، ومقتل الخوارزمي 1 / 186، وبحار الأنوار 44 / 328، والعوالم 17 / 177، والموسوعة / 287.
(4) راجع المنتخب للطريحي / 410، وناسخ التواريخ 2 / 14، وينابيع المودة / 401، والموسوعة / 289.
القوم الظالمين.
فقال له الإمام الحسينعليهالسلام : « أبا عبد الرحمن، أنا اُبايع يزيد وأدخل في صلحه وقد قال النبي فيه وفي أبيه ما قال؟! ».
وبعد حوار بين الإمام الحسينعليهالسلام وابن عباس وابن عمر، قال الإمام الحسينعليهالسلام لابن عمر: « أسألك بالله، أنا عندك على خطأ من أمري هذا؟ فإن كنت عندي على خطأ فردّني؛ فإني أخضع وأسمع واُطيع ».
فقال ابن عمر: اللّهمَّ لا، ولم يكن الله تعالى يجعل ابن بنت رسوله على خطأ، وليس مثلك من طهارته وصفوته من الرسول على مثل يزيد بن معاوية لعنه الله باسم الخلافة، ولكني أخشى أن يضرب وجهك هذا الحسن الجميل بالسيوف، وترى من هذه الاُمّة ما لا تحب، فارجع معنا إلى المدينة، وإن لم تحب أن تبايع فلا تبايع أبداً(1) .
فقال الحسينعليهالسلام : « هيهات يابن عمر، إنّ القوم لا يتركوني وإن أصابوني، وإن لم يصيبوني فلا يزالون حتّى اُبايع وأنا كاره أو يقتلوني... اتّقِ الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدع نصرتي... »(2) .
والخلاصة: إنّه كان على الحسين أن يتّخذ قراره، وأن يختار أحد خيارين لا ثالث لهما؛ فإمّا أن يبايع ليزيد بن معاوية ليكون « خليفة لرسول الله، وأميراً للمؤمنين، ومرجعاً لهم »، وإمّا أن يمتنع عن البيعة فيُقتل في النهاية.
لقد اتّخذ الإمام الحسينعليهالسلام قراره النهائي بالامتناع عن بيعة يزيد، وأعلن هذا القرار بكلِّ وسائل الإعلان المعروفة في زمانه، وهذا القرار لم يكن اعتباطياً، إنما بُني على قناعات دينية يقينية، وحقائق تاريخيّة وعقلية وفطرية معلومة بالضرورة، وقد أشرنا إليها في هذا البيان.
الحسينعليهالسلام ومغادرة المدينة المنورة
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام يمثّل قمة الوعي الديني والسياسي؛ فهو إمام. ومصطلح الإمام شرعاً يعني الأفهم، والأقرب إلى الله، وأفضل الموجودين. فالإمام
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 26، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 19، ومثير الأحزان / 41.
(2) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 26، ومقتل الخوارزمي 1 / 19، ومثير الأحزان / 41 والموسوعة / 307 - 309.
الحسينعليهالسلام يعلم بالضرورة أنّ الامتناع عن مبايعة الخليفة الطاغية يعني المواجهة؛ لأنّ عدم البيعة بمفاهيم الخلفاء الطغاة تعني الخروج على الطاعة وإعلان الحرب.
ثم إنّ الإمام الحسينعليهالسلام رجل منطق وعقل؛ فهو يعلم علم اليقين أن معاوية قبل أن يهلك سلّم ابنه يزيد مفاتيح بيوت الأموال، فصارت أموال الدولة بيده، ويعلم الإمام الحسينعليهالسلام أن معاوية قبل أن يهلك أيضاً سلّم ابنه قيادة الجيوش المدربة على الطاعة، والتي تتقاضى رواتبها من بيوت الأموال التي يملك يزيد بن معاوية مفاتيحها.
ويعلم الإمام الحسينعليهالسلام أن اُمراء الأقاليم لهم ضلع بالمؤامرة، وهم ليسوا أكثر من موظّفين يتقاضون رواتبهم من يزيد بن معاوية، ويعلم أن الناس مع من غلب، وأن الجيوش التي يقودها يزيد لا تعرف من الدين إلاّ قشوره؛ فهي مجهلة ومعدّة إعداداً كاملاً لتكون درعاً لدولة الخلافة وللخليفة، وعصا بيده يضرب بها مَن يشاء.
ويعلم الإمام الحسينعليهالسلام أنه بنظر الناس مجرد ابن النبي المغضوب عليه هو وأهل بيته من قبل الخلفاء خاصة معاوية الذي فرض مسبّة أبيه على الرعية، واعتبر محبّة أهل بيت النبوة وموالاتهم من جرائم الخيانة العظمى.
وما زالت قوانين معاوية سارية المفعول؛ فقد هلك قبل أيام، ولم يقم أحد بإلغاء تلك القوانين، وليس مع الإمام الحسينعليهالسلام عملياً إلاّ أهل بيت النبوة وبضعة عشر رجلاً من المؤمنين، ولا قدرة لأهله ولا للقلة المؤمنة على حمايته وحماية موقفه إذا حدثت أية مواجهة بينه وبين والي المدينة وجيش الخليفة في المدينة، وسيتمكن جيش الخليفة من القضاء عليه وعلى أهل بيته بصمت ودون أن يشعر به أحد من المسلمين خارج المدينة.
أين المهاجرون والأنصار؟
الأكثريّة الساحقة من المهاجرين - والنبيصلىاللهعليهوآله على فراش الموت - قد اتّحدت مع اُخوانها من أبناء بطون قريش الـ 23، أمّا الأقلّية المؤمنة منهم والتي لم تتّحد فقد ماتت، وهوى أبناء الأكثريّة من المهاجرين هوى بطون قريش، فلا أمل للإمام الحسينعليهالسلام بنصرتهم له، ولا بدفاعهم عنه وعن موقفه.
ثمَّ [إنَّ] الإمام الحسينعليهالسلام لن يكون
أعظم من أبيه عليعليهالسلام ، ومع هذا هُدّد أبوه بالموت إن لم يبايع(1) أمام المهاجرين، ولم يحرّكوا ساكناً، وهمّ الخليفة الأوّل ونائبه بإحراق بيت فاطمة بنت محمّد (صلوات الله عليهما) على مَن فيه، وفيه علي والحسن والحسينعليهمالسلام ، وشرعوا بإحراق البيت بالفعل.
ولم يعترض أحد من المهاجرين على هذا العمل الفظيع، واكتفى المهاجرون بالتفرج على ما يحدث، أو شاركوا بما يحدث، وبالتالي لا ينبغي للإمام الحسينعليهالسلام أن يتأمّل بسكان المدينة من المهاجرين أكثر مما أمّل أبوه وأكثر مما أمّلت اُمّه(2) .
أمّا بالنسبة لسكان المدينة من الأنصار، فالإمام الحسينعليهالسلام يذكر تجربة أبيه معهم. صحيح أنّ الأنصار أو بعض الأنصار قد قالوا في سقيفة بني ساعدة: لا نبايع إلاّ علياً. وعلي غائب(3) ، وصحيح أيضاً أنّ المنذر بن الأرقم قد قال في سقيفة بني ساعدة: وإن فيهم رجلاً لو طلب هذا الأمر لم ينازعه فيه أحد. وهو يعني علي بن أبي طالب...(4) .
وإن نسي الحسين فلن ينسى يوم حَمَلَ أبوه علي اُمّه فاطمة الزهراءعليهماالسلام على حمار، وقاد الحسن والحسينعليهماالسلام وطاف على بيوت الأنصار بيتاً بيتاً يسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنتَ رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو كان ابنُ عمك سبق إلينا أبا بكر ما عدلنا به.
فكان عليعليهالسلام يقول لهم: « أفكنتُ أترك رسول الله ميتاً في بيته لم اُجهّزه، وأخرج إلى الناس اُنازعهم في سلطانه؟! ». وكانت البتول الزهراءعليهاالسلام تقول: « ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم عليه »(5) .
وقد أشار معاوية إلى هذه الواقعة قائلاً: وأعهدك أمس تحمل قعيدة
____________________
(1) راجع الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1 / 13.
(2) راجع العقد الفريد لابن عبد ربه 3 / 64، وأبو الفداء 1 / 156، وأنساب الأشراف 1 / 586، وكنز العمال 3 / 140، والرياض النضرة للطبري 1 / 167، والسقيفة للجوهري برواية ابن أبي الحديد 1 / 132 و ج6 / 2، وتاريخ الخميس 1 / 178، وتاريخ ابن شحنة بهامش الكامل ح11، ومروج الذهب 2 / 100، وتاريخ اليعقوبي 2 / 105.
(3) راجع تاريخ الطبري 3 / 208، وتاريخ ابن الأثير 2 / 123 الذي قال: إنّ الأنصار قد قالت ذلك بعد أن بايع عمر لأبي بكر.
(4) راجع تاريخ اليعقوبي 2 / 103، والموفقيات للزبير بن بكار / 579.
(5) أبو بكر الجوهري في كتابه السقيفة برواية ابن أبي الحديد في كتابه شرح نهج البلاغة 6 / 78، =
بيتك ليلاً على حمار، ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين يوم بويع لأبي بكر...(1) .
فالأنصار لم تنصر أهل بيت النبوة بعد يوم واحد من وفاة النبيصلىاللهعليهوآله ، فهل يعقل أن تستجيب الأنصار للحسينعليهالسلام وحده؟! ثمَّ إنّ الأنصار قد سمعت بموقف الإمام الحسينعليهالسلام وتجاهلت الأمر، وتظاهرت كأنها لم تسمع.
وإن نسي الإمام الحسينعليهالسلام فلن ينسى يوم حُرمت اُمّه من ميراث أبيها، وصودرت المنح التي اُعطيت لها حال حياة أبيها، ومُنعت الخمس المخصص لذوي القربى، وطالبت بحقها أمام المهاجرين والأنصار فلم يدعمها أحد ولو بكلمة واحدة. إنما وقف الجميع يتفرجون على صراع السيدة مع الخليفة وأركان دولته، وكان بوسعهم أن يأمروا على الأقل بالمعروف وينهوا عن المنكر باللسان، وهذا أبسط ما على الإنسان.
والخلاصة: إنّ الإمام الحسينعليهالسلام كان واثقاً ثقة مطلقة بأن أهل المدينة لن يحموه، ولن يحموا موقفه، ولن يحموا أهل بيت النبوة، وأن الخليفة يزيد بن معاوية لو كلّفهم بحرق بيت الحسينعليهالسلام على مَن فيه لأطاعته الطائفة التي كلّفها بالحرق، ولبقيت الطائفة الاُخرى تتفرج؛ لهذه الأسباب مجتمعة ومنفردة قرر الإمام الحسينعليهالسلام أن يترك المدينة وجوار جده العظيم وهو كاره.
انظر إلى قوله ومناجاته لجدهصلىاللهعليهوآله : « وأنا خارج من جوارك وعلى الكراهية، فعليك مني السلام »(2) .
كان الإمام الحسينعليهالسلام يشعر أنه في قوم فرعون، وتحت حكم شبيه بحكمه. انظر إليه وهو يردد الآية نفسها التي ردّدها موسى عندما خرج من عاصمة فرعون، وخرج الإمام الحسينعليهالسلام ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب سنة ستّين ببنيه وإخوته وبني أخيه، وجُلِّ أهل بيته إلاّ محمّد بن الحنفيّة، وهو يتلو هذه الآية:( فخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (سورة القصص / 21 )(3) .
وتابع الحسينعليهالسلام حالة التمثل بموسىعليهالسلام ، فلمّا وصل إلى مكّة قرأ آية:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ
____________________
= والإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري 1 / 12.
(1) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 67، ووقعة صفّين لنصر بن مزاحم / 182.
(2) راجع منتخب الطريحي / 410، وينابيع المودة / 401.
(3) أشار إلى قرائته للآية المفيد في الأرشاد، والطبري في تاريخه 3 / 272، والكامل لابن الأثير 2 / 531، والعوالم 17 / 181، وينابيع المودة / 402، وأعيان الشيعة 1 / 588.
عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل ) (سورة القصص / 22 )(1) .
فالحسينعليهالسلام على يقين أن فرعون حقيقي يلاحقه، وأنه يتنقل ضمن مملكة فرعون بني اُميّة، وأنه وأهل بيته يمثلون الشرعيّة الإلهية والحق الذي كان يمثله موسى.
لا يعني امتناع سكان المدينة عن حماية الإمام الحسينعليهالسلام وحماية أهله وموقفه أن اُولئك السكان خاصة الأنصار يكرهون الإمام الحسينعليهالسلام ، فليس بالحسين ما يُكره، بل على العكس هم يحبون الإمام الحسينعليهالسلام ، وعندما سمعوا في ما بعد بقتله بكت القلة المؤمنة على الحسين دموعاً من دم.
ويكمن السر بامتناع الأنصار عن حماية الإمام الحسينعليهالسلام ونصرته، والدفاع عن موقفه بأنهم لا يريدون مواجهة مع الخليفة، ولا مع أركان دولته؛ لأنه لا طاقة لهم بهذه المواجهة، ولا مصلحة لهم فيها.
فليس عند الإمام الحسينعليهالسلام ما يطمعون به، وكل ما يريدونه موجود لدى الخليفة وأركان دولته: المال، النفوذ، الجاه، الدنيا كلها بيد الخليفة، فما هي مصلحة أكثريّة الأنصار ليتخلوا عن الدنيا من أجل الإمام الحسينعليهالسلام ؟
ثمَّ إنّ الإحساس بالانتماء الاجتماعي، والانتماء لمثله العليا قد مات بالفعل، أو تحوّل إلى كلمات جامدة ليس أمامها أي فرصة للتطبيق والتفعيل، استقرت نهائياً روح التواكل في مجتمع المدينة وغيره من المجتمعات الإسلاميّة.
صحيح لقد كانت هنالك عناصر ثائرة على خلق التواكل الذي ساد المجتمعات الإسلاميّة، لكنها سرعان ما تغرق في محيط التواكل. قال الطبري يصف هذه الحالة: إن المرأة كانت تأتي ابنها وأخاها، فتقول: انصرف، الناس يكفونك. ويجيء الرجل إلى ابنه فيقول: غداً يأتيك أهل الشام...»(2) .
فالأنصار يتمنون قلبياً أن ينتصر الإمام الحسينعليهالسلام ، وأن تنتصر مبادئه، ويتمنون أن يهزم يزيد وأتباعه، ويرجون أن ييسّر الله للإمام الحسينعليهالسلام مَن ينصره ويحميه،
____________________
(1) راجع هذا التمثل بالإرشاد / 202، وبحار الأنوار 4 / 332، والعوالم 17 / 181، والكامل لابن الأثير 2 / 31، وتاريخ الطبري 3 / 274، والفتوح لابن أعثم 5 / 25، وأعيان الشيعة 1 / 88، ووقعة الطفِّ / 86، والموسوعة / 305.
(2) راجع تاريخ الطبري 2 / 371.
لكنهم ليسوا على استعداد إطلاقاً للمساهمة بأي شكل من الأشكال بنصرة الحسين أو حمايته.
لقد تعودوا أن يقفوا ساكنين أمام أي مواجهة بين فريقين، فإذا انتصر أحدهما وقفوا مع الغالب، وسلموا له تسليماً كاملاً، فإذا ظهر على المسرح فارس جديد يريد أن يغلب غالب الأمس فإنهم يتمسكون بغالب الأمس، لا حباً به، ولكن خوفاً منه، كأن إنسانيتهم قد اُصيبت بالشلل فعلاً.
لمّا قال أمير المدينة إن الخليفة في دمشق أمره أن يأخذ البيعة من الحسين، وإن أبى فعليه أن يضرب عنقه، يمكن لعقلاء الأنصار التدخل بهذه الحالة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاقتراح على الأمير أن يعطي الإمام الحسينعليهالسلام فرصة لإعادة النظر في موقفه.
يمكنهم أن يقولوا للأمير: رجاءً أن تبلغ الخليفة في دمشق أن الإمام الحسينعليهالسلام هو ركن آل محمّد، وأهل بيته وذوي قرباه، وهو ابن رسول [الله]، وقتل هذا الرجل يسبب حرجاً للجميع. ولكن أهل المدينة ليسوا على استعداد حتّى لمثل هذه التضحية البسيطة؛ فقلوبهم مسكونة بالرعب.
فقد يظن الخليفة أو أميره على المدينة أنهم يوالون أهل بيت النبوة، وقد بيّنا أن موالاة أهل البيت كانت من جرائم الخيانة العظمى، وعقوبتها التنكيل وهدم الدار(1) . وقد يظن الخليفة أن أهل المدينة يحبون أهل البيت، وحب أهل بيت النبوة أيضاً من جرائم الخيانة العظمى، وعقوبتها شطب ومحو اسم ( المجرم ) من ديوان العطاء، وتجريده من الحقوق المدنية، بحيث لا تُقبل له شهادة(2) .
فمَن له بهذه الحالة مصلحة ليأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر؟ فتقدير أهل المدينة أن الإمام الحسينعليهالسلام سيقدّر أوضاعهم، وسيلتمس لهم عذراً! إن الفراعنة أنفسهم لم يذلّوا رعاياهم لهذه الدرجة التي أذل فيها معاوية وابنه وخلفاء بني اُميّة رعاياهم، لقد كان حكمهم أكثر بشاعة وقبحاً وظلماً من حكم الفراعنة.
والخلاصة: وأمام هذه السلبيات القاتلة فإنه لا ينبغي للإمام الحسينعليهالسلام أن يأمل بنصرة ومنعة أهل المدينة له ولموقفه، ولآل محمّد وذوي قرباه، فلو أمرهم الخليفة أن يصلبوا الإمام الحسينعليهالسلام في جذوع النخل أو أن يحرقوه حياً لنفّذوا أمر الخليفة
____________________
(1) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة 3 / 595 - 596 تحقيق حسن تميم.
(2) المصدر نفسه.
بأيديهم، بالوقت الذي تكون فيه عيونهم تسيل دماً حزناً على الحسين، وقلوبهم تنفطر أسىً جزعاً لما فعلوا بالحسينعليهالسلام .
لقد خالف الله ما في صدورهم عمّا في ألسنتهم، لقد جعل الله باطنهم شيئاً وظاهرهم شيئاً آخر، وهذا أحدثُ فنٍّ من فنون العذاب، ومسخ إنسانيّة الإنسان.
وأقصى ما فعله الأنصار للإمام الحسينعليهالسلام أن خرج معه خمسة منهم رافقوه بكلِّ المراحل، ولم يتخلوا عنه، وقاتلوا برجولة نادرة بين يديه حتّى قتلوا(1) .
وعذر أنصار المدينة أنهم ضاعوا وسط الأكثريّة التي كانت على الشرك ثمَّ أسلمت، وصارت أكثريّة مسلمة، واستولت على الخلافة بالقوة، فصار حاكم الأنصار هو عدوها الذي حاربته بالأمس تحت قيادة الرسول وآله، فكانت عيون الأكثريّة الحاكمة مفتوحة على كل حركة وسكنة للأنصار.
وكان الأنصار بنظر الأكثريّة الحاكمة موضع شبهة بموالاة آل محمّدصلىاللهعليهوآله الذين قادوا الحرب ضد تلك الأكثريّة عندما كانت على الشرك، وكان الأنصار وأولادهم إذا ما أرادوا الحياة أن يثبتوا لبطون قريش الـ 23 أنهم ليسوا مع آل محمّدصلىاللهعليهوآله .
فضلاً عن ذلك فإنّ الأنصار صاروا قلة قليلة جداً وسط الكثرة التي كانت مشركة ثمَّ أسلمت، ووسط الكثرة الوافدة من البلاد المفتوحة، وبالتالي قلّت أهمية الأنصار، وتضاءلت فعاليتهم. لكل هذه الأسباب اضطّر الإمام الحسينعليهالسلام ليخرج من المدينة كارهاً.
أهداف الإمامعليهالسلام المرحلية
وفق التحليلات الدقيقة للإمام الحسينعليهالسلام - والتي أشرنا [إليها] قبل قليل - رأى أن مبايعته ليزيد بن معاوية جريمة كبرى، وبكل المعايير الدينية والتاريخيّة والمنطقية؛ لذلك امتنع عن بيعة يزيد بن معاوية، وأعلن هذا الامتناع بكل وسائل الإعلان.
الامتناع عن البيعة في عرف الخلفاء وأركان دولتهم يُعتبر خروجاً على طاعة الخليفة الغالب، وعدم القبول بخلافته. ووفق قوانين دولة الخلافة السائدة
____________________
(1) راجع المناقب لابن شهر آشوب 4 / 104، والخوارزمي 2 / 21، وتاريخ الطبري 5 / 423، وبحار الأنوار 4 / 28، وتاريخ الطبري 4 / 413، وقد وثّقناه تحت عنوان «جماعات وأفراد الفئة الأولى».
فإن هذا الامتناع بمثابة إعلان حرب، وهو من جرائم الخيانة العظمى التي يعاقب مرتكبها بالموت كائناً مَن كان.
ومن الطبيعي أنّ الخليفة وأركان دولته قد سمعوا بامتناع الإمام الحسينعليهالسلام عن البيعة، وأنهم بوقت يطول أو يقصر سيرسلون قواتهم المسلحة لتجر الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته بالقوة، وتجبرهم على البيعة وهم صاغرون، أو تقتلهم أشنع قتلة، ولن تأخذ الخليفة ولا أركان دولته بهم رحمة أبداً، ولن يرعوا فيهم إلاً ولا ذمة.
فالحسينعليهالسلام موقن أنه أمام فرعون وجنوده، ولكن فرعون المسلمين مسلح بالدين؛ فهو يلبس قفازات بيض، ويتظاهر بالإسلام والطهارة والبراءة، ويده ملطخة بدماء الجريمة. والحسينعليهالسلام بشر مزوّد فسيولوجياً بالطاقة على الهروب ممّا يؤذيه، وعلى البحث عما يأويه ويحميه.
فالحسينعليهالسلام يريد فئة من الناس تحميه وتحمي أهل النبوة، وتنصرهم من فرعون وجنوده إذا ما جاؤوا يوماً - وهم قادمون لا محالة - لجرِّ الحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام إلى البيعة وهم صاغرون أو قتلهم، هذا بالضبط ما يريده الإمام الحسينعليهالسلام .
إصلاح الاُمّة
خلال فترة امتناع الحسينعليهالسلام عن البيعة، وخلال فترة المطاردة سيسمع كل المسلمين بواقعة امتناع الحسين عن المبايعة، وبواقعة مطارة الفرعون وجنوده، وسيسمعون بالأسباب التي دعت الإمام الحسينعليهالسلام للامتناع عن البيعة.
فالحسينعليهالسلام ليس رجلاً من عامة الناس؛ فالمسلمون يعرفونه على أنه عميد آل محمّد الذين يصلّون عليهم في صلاتهم، وعميد أهل بيت النبوة الذين طهّرهم الله، وعميد ذوي القربى الذين افترض الله مودتهم على العباد؛ لذلك فمن المعروف بالضرورة أن المسلمين سيتابعون مآل امتناع الإمام عن البيعة، وعاقبة هذا الامتناع، ويتابعون أيضاً أنباء المطاردة، ويتابعون بالضرورة تصريحات الإمام الحسينعليهالسلام خلال فترة المطاردة، وهذا بالضبط ما أراده الإمام الحسينعليهالسلام .
وسيعرف المسلمون في النتيجة أن خليفتهم ليس هو خليفة رسول الله كما يدّعي، إنما هو رجل غاصب للسلطة، استولى عليها بالقوة، وفرض نفسه على المسلمين بالقهر، وحكمهم بالطريقة التي يحكم بها أئمة الكفر رعاياهم، وخاصة وأن المسلمين جميعاً يعرفون
السيرة الشخصية النتنة لهذا الرجل الذي يزعم أنه خليفة رسول الله.
ولقد ركّز الإمام الحسينعليهالسلام على هذه الناحية تركيزاً خاصاً خلال فترة المطاردة، فبيّن للمسلمين حقيقة هذه الاُمور. ففي كتابه لأهل البصرة ذكّر الناس برسول اللهصلىاللهعليهوآله وما فعل، ثمَّ قالعليهالسلام : «... ثمَّ قبضه الله إليه، وقد نصح لعباده، وبلّغ ما اُرسل به، وكنّا أهله وأولياءه، وأوصياء ورثته، وأحقَّ الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا، وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحقّ بذلك الحق المستحق علينا ممّن تولاّه... ».
ثم قالعليهالسلام : « وقد بعثت إليكم رسولي بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ فإنّ السنة قد اُحييت، وأن البدعة قد اُحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد »(1) .
ومثل ذلك كتابه إلى أهل الكوفة، فقد جاء فيه: « فقوموا مع ابن عمّي وبايعوه، وانصروه ولا تخذلوه؛ فلعمري ليس الإمام العامل بالكتاب والعادل بالقسط كالذي يحكم بغير الحق، ولا يهدي ولا يهتدي »(2) . فالإمام الحسينعليهالسلام يحثّهم على المقارنة، ويبيّن لهم الحقيقة الشرعيّة، ويُيئسهم من صلاح يزيد بن معاوية.
ومثل قوله في خطبة له أمام جند الحر الذي جاء ليستطلع أمر الإمام الحسينعليهالسلام ، وليحبسه ريثما يكتمل جند الخليفة: «... يا أيها الناس، أنا ابن بنت رسول الله، ونحن أولى بولاية هذه الاُمور عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالظلم والعدوان؛ فإن تثقوا بالله وتعرفوا الحقّ لأهله فيكون ذلك لله رضا، وإن كرهتمونا وجهلتم حقّنا، وكان رأيكم على خلاف ما
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 280، ومثير الأحزان / 27، وبحار الأنوار 44 / 34 وأعيان الشيعة 1 / 590، ووقعة الطف / 107، والموسوعة / 315 - 316.
(2) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 35، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 195.
جاء في كتبكم، وقدمت به رسلكم، انصرفت عنكم »(1) .
ثمَّ انظر إلى مناجاته لأصحابه ذات مرة، حيث خطب فيها فقال: «... وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكرت، وأدبر معروفها، ولم يبقَ منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون إلى الحقِّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقّاً حقّاً؛ فإني لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً »(2) .
وانظر إلى قولهعليهالسلام : «... ما أهون الموت على سبيل نيل البر وإحياء الحقِّ. ليس الموت في سبيل العز إلاّ حياة خالدة، وليست الحياة مع الذل إلاّ الموت الذي لا حياة معه... إنّ في نفسي لأكبر، وهمتي لأعلى من أحمل الضيم خوفاً من الموت... مرحباً بالقتل في سبيل الله... وهل تقدرون على أكثر من قتلي؟... ولكنكم لا تقدرون على هدم مجدي ومحو عزّي وشرفي »(3) .
ثمَّ انظر إلى وصية الإمام الحسينعليهالسلام التي كتبها إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة، فابن الحنفيّة هو الوحيد من إخوان الإمام الحسينعليهالسلام الذي لم يخرج معه، وبالضرورة ستأتي رسل الفرعون وتسأل محمّد بن الحنفيّة عن أخبار الحسينعليهالسلام وأقواله، وبالضرورة سيأتي أهل المدينة ويسألونه أيضاً، وبالضرورة سيسأله كل المشفقين على مصير الحسينعليهالسلام ؛ لذلك اختاره الإمام الحسينعليهالسلام ، وكتب له وصية بيّن فيها أسباب خروجه.
فقال بعد أن ركّز على فكرة الحق تركيزاً خاصاً: «... وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدي؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحقِّ، ومَن رد عليّ هذا
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 87، وتاريخ الطبري 3 / 306، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 232، والعوالم 17 / 227، والموسوعة / 357.
(2) راجع تاريخ الطبري 3 / 307، وتاريخ ابن عساكر - وترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 214، ومثير الأحزان / 440، وبحار الأنوار 44 / 381 و78 و116، وينابيع المودة / 406، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 237.
(3) راجع أعيان الشيعة 1 / 581، والموسوعة / 359 - 360، وإحقاق الحقِّ 11 / 601.
اصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين... »(1) .
فالوصية مصاغة ومعدّة لتكون بمثابة رسالة خاصة لكلِّ واحد من أبناء الاُمّة تبيّن له وبمنتهى الإيجاز الغاية من خروج الإمام الحسينعليهالسلام ، وهي بمثابة سؤال موجّه لكلِّ فرد من أفراد الاُمّة مفاده: هل تقبل هذا الحقَّ أو تردّه على صاحبه؟ وهي بمثابة دعوة لكل من بلغ لينصر هذا الحقّ.
وهذه الوصية التي سمعت بها الاُمّة بالضرورة هي بمثابة الحجة التي يقيمها الإمام الحسينعليهالسلام على الاُمّة. ولم يتوقف الإمام الحسينعليهالسلام عند الوصية، بل كشف للاُمّة حقيقة الخليفة ونظامه، فأعلن أمام الاُمّة أنّ الخليفة ومن والاه قوم لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد في الأرض، وأبطلوا الحدود، وشربوا الخمور، واستأثروا في أموال الفقراء والمساكين(2) .
وصعّد الإمامعليهالسلام هجومه على النظام؛ إمعاناً بكشف زيفه وإظهاره على حقيقته، فقال في خطبة له: «... فبعداً وسحقاً لطواغيت هذه الاُمّة، وبقية الأحزاب، ونبذة الكتاب، ومطفئ السنن، ومؤاخي المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين، وعصاة الإمام، وملحقي العهرة بالنسب، ولبئس ما قدّمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون!... »(3) .
ثمّ كشف ابن النبي حال الخليفة وأركان دولته، فقال أمام فرقة من فرقهم: «... لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتبّاً لكم ولما تريدون! فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم، فبُعداً للقوم الظالمين!... »(4) .
وطلب الإمامعليهالسلام من الاُمّة أن ترجع إلى نفسها أبجديات الفهم، فقال:
____________________
(1) بحار الأنوار 44 / 329، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 89، والعوالم 17 / 179، وأشار إلى بعض الوصية ابن أعثم الكوفي [في] الفتوح 5 / 23، وراجع الموسوعة / 361.
(2) راجع تذكرة الخواصّ / 217، والموسوعة / 326.
(3) الاحتجاج / 336، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 11 مختصراً، وبحار الأنوار 45 / 83.
(4) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 251، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 100، وبحار الأنوار 45 / 5، والعوالم 17 / 249.
«... فلعمري ليس الإمام العامل بالكتاب، والعادل بالقسط كالذي يحكم بغير الحق، ولا يهدي ولا يهتدى »(1) .
لقد استغل الإمامعليهالسلام فترة مطاردة دولة الخلافة له أحسن استغلال، وكل ليلة قضاها الإمام الحسينعليهالسلام مطارداً، وكل تصريح أدلى به ما هو إلاّ صرخة مدويّة لتستفيق الاُمّة من غفوتها وترهّلها ونومها العميق، ولوناً من ألوان الحجة البالغة التي أمر الإمام الحسينعليهالسلام على إقامتها كاملة على الاُمّة.
مضمون وصية الإمام الحسينعليهالسلام التي كتبها لأخيه محمّد بن الحنفيّة قد عرف من العامة والخاصة على السواء، وعرفته دولة الخلافة، وعرفته رعايا دولة الخلافة بالضرورة؛ فهو يبرر امتناع الإمام الحسينعليهالسلام عن البيعة، ويبرر أسباب خروجه من جوار جدهصلىاللهعليهوآله .
وكل فرد من أفراد الاُمّة عرف بالضرورة أن الخليفة وأركان دولته يطاردون الإمام الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام ليقبضوا عليهم، ويُكرهونهم على البيعة أو يقتلونهم.
وكل فرد من أفراد الاُمّة كان يعلم علم اليقين أنّ الإمام الحسينعليهالسلام يبحث عمّن ينصره، ويحميه ويحمي أهل بيته، ويحمي دعوة الحق التي ينادي بها.
وكل فرد من أفراد الاُمّة سمع بكل التصريحات التي أدلى بها الإمام الحسينعليهالسلام ، وهي تصريحات واضحة لا تحتاج إلى توضيح، وهي تفيض بأنبل مشاعر الإخلاص للإسلام وقضيّته، وتضع بين يدي أفراد الاُمّة قراءة موضوعية لواقع دولة الخلافة المناقض تماماً للشرع الحنيف.
وكل الاُمّة كانت تعرف بأن الإمام الحسينعليهالسلام لن يتراجع عن موقفه لنصرة الحق، وأنّه بانتظار المخلصين من الاُمّة ليشاركوه نصرة الحق.
وانتظر الإمام الحسينعليهالسلام اُولئك المخلصين مدة طويلة، وصمد من شهر رجب حتّى العاشر من محرم بوجه مطاردة دولة عظمى في زمانها، وطال انتظاره ولم يأتِ المخلصون، واخترقت نداءاته القدسية طبلة اُذن كل فرد من أفراد الاُمّة.
وتجاهلت الاُمّة نداءات الإمامعليهالسلام ، وخذلته الاُمّة بالفعل. كان الإمام سلفاً يعلم بأن الاُمّة ستخذله وستضيعه، ولن تحفظه، بدليل شكواه أمام قبر جده رسول اللهصلىاللهعليهوآله قبل خروجه من المدينة، حيث قال: « السلام عليك يا رسول الله، أنا الحسين بن فاطمة، أنا فرخك وابن
____________________
(1) كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 35، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 195.
فرختك، وسبطك في الخلف الذي خلّفت على اُمّتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم خذلوني وضيّعوني، وأنهم لم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك »(1) .
فقبل أن يخرج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة كان يعلم علم اليقين أن الاُمّة ستخذله وستضيعه، ولن تحفظه، وستتفرج على الفرعون وجنوده وهم يطاردون آل محمّد وأهل بيته وذوي قرباه، وستشترك بالمطاردة، ولكن الإمام يريد أن يقيم الحجة عملياً عليها. يريدها أن تكتشف ذات يوم بأنه قد ضحّى بروحه الطاهرة، وبأرواح آل البيت وأهل البيت وذوي القربى ليخرج من هذه المذبحة دوي هائل يجبر الاُمّة على الصحوة من نومها.
أراد الإمام الحسينعليهالسلام أن يكون دمه ودم أهل البيت زيتاً يضيء الدرب أمام الاُمّة ذات يوم عندما تكتشف كم فرّطت في جنب الله يوم خذلت الإمام وأهل بيتهعليهمالسلام . ونجح الإمام الحسينعليهالسلام بالفعل بإقامة الحجة على الاُمّة، فاتّبعه أقل من مئة رجل، وخذلته البقية منها مع سبق الترصد والإصرار.
لقد جرت العادة على أن يقاتل أبناء الاُمم والشعوب الأقل أهمية أمام السادات الأكثريّة أهمية؛ دفاعاً عنهم وعن قيم وشرف تلك الشعوب والاُمم التي يمثّلها اُولئك السادات.
وجاء الإمام الحسينعليهالسلام ، وكان من المفترض أن يتقدّم أبناء الاُمّة ويقاتلوا بين يديه دفاعاً عن ابن النبي، وآل النبي، وأهل بيت النبي وذوي قرباه. كان المفترض أن يموت الألف المؤلفة من أبناء الاُمّة قبل أن يضطرّوا الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته للقتال، لكن أبناء الاُمّة لم يفعلوا ذلك؛ فقد أجبروا الإمام وأهل بيتهعليهمالسلام على القتال بين يدي الاُمّة دفاعاً عن الإسلام ورموزه الخالدة.
وطالما أن أبناء الاُمّة لم يقاتلوا بين يدي الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيت النبوة رموز الإسلام الخالدة، ليتهم لم يقاتلوهم على الأقل، ليتهم وقفوا يتفرجون، لكان ذلك أقل عاراً وأخف غباراً.
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 19، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 186، والعوالم 17 / 177، والموسوعة 286.
وباختصار، لقد نالت الاُمّة من الحسينعليهالسلام وأهل بيت النبوة ونالوا منها، وما أشبه هذا القول بقول الإمام عليعليهالسلام : « فويل لهم منكم، وويل لكم منهم »(1) .
لقد قامت الحجة على الاُمّة بالفعل ولم تنصر الإمام الحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ، إنما خذلتهم مع سبق الإصرار وبعد قيام الحجة. واكتشف الإمام الحسينعليهالسلام أن أفراد اُمّة جده والأكثريّة الساحقة جداً منهم كاره للموت وقيمه بالحياة، حتّى إنهم ليكادون أن يموتوا من الرعب حذر الموت؛ لذلك صمم وبكلِّ قواه أن يكسر حاجز الخوف، وأن يعطي الاُمّة دروساً من الموت وعن الموت ليشفيها من مرضها القاتل «الرعب من الموت».
فسار الإمام الحسينعليهالسلام أمام أفراد الاُمّة كلها في رحلة الموت، ثمَّ خاض بحار الموت شرقاً ومغرباً على حدِّ تعبيره، وطارد الموت مطاردة ساخنة حثيثة، وكلمّا مر منه الموت لاحقه، حتّى ليخال الناظر - وهو مصيب - بأن الآية قد انقلبت، وأنّ الموت صار يخشى الإمامَ وأهل بيته ومن والاهم بدلاً من أن يخشونه.
وبدأ الإمام رحلة الموت ومطاردة الموت أمام الاُمّة، وبخطوات واثقة متّزنة كأنها بالتصوير الفني البطيء ليحررهم من عقدة الخوف من الموت؛ فالإمام مصرٌّ إصراراً بالغاً على أن يكشف حقيقة نظام يزيد للعالم، فهو بالظاهر والادّعاء خليفة رسول الله، وفي الحقيقة والممارسة هو الفرعون وجنوده.
وكما أنّ الإمام مصرٌّ على إقامة الحجة على الاُمّة، هو مصرٌّ أيضاً على تحريرها من عقدة الخوف، ومصرٌّ على إجبارها على معرفة الواقع، ومقارنته بالشرعيّة الإلهية لتعرف البون الشاسع بين النقيضين.
لقد توصّل الإمام الحسينعليهالسلام إلى نتيجة مفادها أن أهل المدينة لن ينصروه، ولن يحموه، بل سيسلمونه للفرعون وجنوده، وأنّ الاُمّة ستخذله؛ لذلك كلّه قرر أن يكشف هذا الغيب للاُمّة، وأن يترجمه إلى وقائع، وأن يبدأ رحلة الموت والشهادة بمغادرة المدينة وترك جوار جدهصلىاللهعليهوآله كارهاً.
إلى أين يابن رسول الله؟
فأقاليم دولة الخلافة المترامية الأطراف هي عبارة عن ضيعات كبيرة يملكها
____________________
(1) أوردنا النص كاملاً، ووثّقناه وبيّنا معناه في الفصول السابقة.
الخليفة، ويتصرّف بها كما يتصرّف الأقطاعي بممتلكاته الخاصة.
وسكان تلك الأقاليم ليسوا أكثر من أقنان أو عبيد للخليفة يعملون لديه في ضيعاته مقابل جُعل أو عطاء شهري، واُمراء تلك الأقاليم ليسوا أكثر من موظفين وكبراء عمال يتقاضون رواتبهم شهرياً مقابل الطاعة والإشراف على تنفيذ رغبات الخليفة وأوامره.
والجيوش المجنّدة تحت تصرف الخليفة يتقاضى أفرادها وقادتها رواتبهم الشهرية من الخليفة مقابل الولاء له، وحفظ الأمن في أرجاء الأقاليم، وتنفيذ أوامر الخليفة بالقوة، أو تحقيق أمجاد الخليفة الشخصية إن رغب بالفتوحات.
فأنت يا مولاي تسير في مملكة الفرعون، وعلى مرأى من فرعون وجنوده، فإلى أين عساك أن تذهب يابن رسول الله إن خرجت من المدينة وتركت جوار جدك العظيم؟ ولكن ما هو البديل؟ هل يجلس الحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام في بيوتهم وينتظرون فرعون وجنوده حتّى يأتوا فيذبحونه كما تُذبح الأضاحي؟ أو يجبرونه على البيعة كأقنان « لأمير المؤمنين » يزيد؟
مثل الحسينعليهالسلام ، ومثل أهل بيت النبوة لن يقبلوا هذا الخيار المرّ، ولا نواميس الكون تُقِرّ مثل هذا التوجه، فعلى الإمام الحسينعليهالسلام أن يتحرك سريعاً، وأن يخرج من المدينة فاراً بدينه وموقفه وأهله من فرعون وجنوده، ولكن إلى أين؟ هذا هو السؤال الكبير!
الفصل الثاني
اقتراحات المشفقين على الإمام الحسينعليهالسلام
الاقتراح الأوّل
لما شعر محمّد بن الحنفيّة أن الحسينعليهالسلام مصمم على الخروج من المدينة اقترح عليه « تخرج إلى مكّة؛ فإن اطمأنت بك الدار فذاك، وإن تكن الاُخرى خرجت إلى بلاد اليمن؛ فإنهم أنصار جدك وأبيك، وهم أرأف الناس عليك، وأرقهم قلوباً؛ فإن اطمأنت بك الدار وإلاّ لحقت بالرمال وشعوب الجبال، وجزت من بلد إلى بلد حتّى تنظر ما يؤول إليه أمر الناس، ويحكم الله بيننا وبين القوم الفاسقين ».
فقال الحسينعليهالسلام : « يا أخي، والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية ».
فقطع محمّد بن الحنفيّة الكلام وبكى، فبكى معه الحسينعليهالسلام ساعة... ثمَّ قال الحسينعليهالسلام : « أنا عازم على الخروج إلى مكّة »(1) .
الاقتراح الثاني
لما سار الحسينعليهالسلام إلى مكّة لقيه عبد الله بن المطيع العدوي، وقال له:... غير أني أشير عليك بمشورة فاقبلها مني.
فقال له الحسينعليهالسلام : « وما هي يابن مطيع؟ ».
فقال:... الزم الحرم، فأنت سيد العرب في دهرك هذا، فوالله لئن هلكت ليهلكن أهل بيتك(2) .
فقال له الحسينعليهالسلام : « أمّا الآن فمكّة، وأمّا بعد فإني استخير الله »(3) .
____________________
(1) راجع الفتوح 5 / 23، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 188، وبحار الأنوار 44 / 329، والعوالم 17 / 178، وأعيان الشيعة 1 / 588، والموسوعة / 289.
(2) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 25، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 189، وأنساب الأشراف 3 / 155.
(3) راجع تاريخ الطبري 3 / 276، والكامل في التاريخ 2 / 533، وأعيان الشيعة 1 / 588، ووقعة الطف / 87، والموسوعة / 302.
الاقتراح الثالث
قال عبد الله بن عمر بن الخطاب:... وارجع إلى المدينة، ولا تغب عن وطنك وحرم جدك رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، ولا تجعل لهؤلاء الذين لا خلاف لهم على نفسك حجةً وسبيلاً(1) .
الاقتراح الرابع
قال أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام:... يابن عم، لا أدري كيف أنا عندك بالنصيحة؟
فقال الحسينعليهالسلام : « يا أبا بكر، ما أنت ممّن يُستغش ولا يُتّهم فقل ».
فقال: قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا، فياقتلك مَن قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممّن ينصره(2) !
وقال له ابن عياش: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك، وطعنوا أخاك(3) ؟ !
الجهة التي قرّر الإمامعليهالسلام التوجّه إليها
إنّي أميل إلى القناعة التامة أنه لم تكن في ذهن الإمام الحسينعليهالسلام جهة معينة عندما خرج من المدينة، إنه يشعر بأنه مطارد مطاردة تامّة من الخليفة وأركان دولته، وبوقت يطول أو يقصر، وإن بني اُميّة يلاحقونه ويريدون قتله.
فغاية ما يطلبه الإمام الحسينعليهالسلام مكان يأويه وأهل بيت النبوة ومَن خرج معهم، وجماعة من الناس تنصرهم وتحميهم من بني اُميّة، وليس مهمّاً أين يكون هذا المكان، ولا من هي تلك الجماعة التي ستتولّى نصره وأهله ومَن معه وحمايتهم.
لقد كان شعور الإمام الحسينعليهالسلام حقيقياً وعميقاً بأن فرعون «المسلمين» وجنوده يطلبونه حثيثاً، وأنه يتنقّل داخل مملكة الاُمويِّين، وكان عنده بصيص من الأمل في قلّة من قوم فرعون تكتم إيمانها، ولكنه لا يدري أين هي تلك القلّة.
والدليل على ذلك
____________________
(1) راجع الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 26، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 19، ومثير الأحزان / 41، والموسوعة / 309.
(2) راجع تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 202.
(3) راجع تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 200، والموسوعة / 304.
هو تمثّله بما تمثّل به موسى عند خروجه من المدينة؛ إذ تلا قوله تعالى:( فخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (القصص/21 )(1) .
فالقوم الظالمون الذين عناهم موسىعليهالسلام هم فرعون وجنوده ومن أطاعهم، والقوم الظالمون الذين عناهم الإمام الحسينعليهالسلام هم الخليفة وجنوده ومن أطاعهم، وهذا معلوم بالضرورة، وكلاهما كان مطارداً، وكلاهما يريد النجاة، وكلاهما يمثل الشرعيّة الإلهية في مجتمعَين أدارا ظهرهما بالكامل لهذه الشرعيّة.
فعندما خرج موسى فراراً بدينه وبحياته لم يكن يعلم أين سيتّجه؛ فهو طالب للمأوى والمأمن والمنعة من فرعون وجنوده، أينما وجد المأوى، وأينما وجد المنعة. كذلك فإني أجزم بأن الحسينعليهالسلام لم يكن يعلم إلى أين سيتّجه، ولا بأي جهة سيجد المأوى والأمن والمنعة له ولأهل البيت ومَن معهم، بدليل قول الإمام الحسينعليهالسلام لابن مطيع: « أمّا في وقتي هذا اُريد مكّة، فإن صرت إليها استخرت الله في أمري بعد ذلك »(2) .
وقد أكمل الإمام الحسينعليهالسلام رسم الصورة كاملة، فلما وصل إلى مكّة أخذ يتلو قوله تعالى:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل ) (القصص / 22 )(3) . فالحسينعليهالسلام موقن أن مكّة له بمثابة مَدين بالنسبة لموسى، وكما أدرك موسى الهدى الرباني فإن الله سيهدي حسيناً إلى الجهة التي ينبغي المسير إليها.
فأقام في مكّة باقي شعبان ورمضان وشوال وذي القعدة، خلال هذه المدة هداه ربّه إلى السبيل الواجب اتّباعه، والجهة التي ينبغي الذهاب إليها.
____________________
(1) راجع وقعة الطف / 85، والإرشاد للمفيد / 202، وتاريخ الطبري 3 / 272، والكامل لابن الأثير 2 / 531، والعوالم 17 / 181، وينابيع المودة / 402، وأعيان الشيعة 1 / 588.
(2) راجع الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 25، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 189، وأنساب الأشراف 3 / 155.
(3) راجع الإرشاد للمفيد / 202، وبحار الأنوار 44 / 332، والعوالم 17 / 181، والكامل لابن الأثير 2 / 531، وتاريخ الطبري 3 / 272، والفتوح لابن أعثم 5 / 25، وأعيان الشيعة 1 / 588، ووقعة الطفِّ / 86.
الجهة التي صمّم الإمام الحسينعليهالسلام على الذهاب إليها
قلنا: إنّ الإمام الحسينعليهالسلام يريد مكاناً يأويه وأهلَ بيته ومن معهم، ويريد جماعة من الناس تلتزم بحمايته ونصرته، ولا فرق عنده أين يقع هذا المكان، وأين تكون هذه الجماعة؛ فهو لا يريد أن يبقى مكشوفاً من دون أمن ولا حماية حتّى لا يُكره على ما لا يريد، وحتّى لا يُذبح هو وأهل بيته في مكانهم دون أن يأخذ بالأسباب.
بهذا الوقت بالذات كتب له جماعة من أهل الكوفة كتاباً جاء فيه: الحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد - يعنون موت معاوية - الذي انتزى على هذه الاُمّة، فابتزها وغصبها فيأها، وتأمر عليها بغير رضاً منها، ثمَّ قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعداً له كما بعدت ثمود!
وقالوا: إنه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا. وبيّنوا أنهم لا يجتمعون مع واليهم النعمان بن بشير؛ لا في جمعة ولا في عيد، وأكّدوا له أنه إن بلغهم أنه سيأتي إليهم فسيخرجون الوالي من الكوفة.
وجاءت رسالة اُخرى من بعض شخصيات الكوفة جاء فيها: أمّا بعد، فحي هلاّ، فإن الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل، والسّلام.
وجاءته رسالة ثالثة: أمّا بعد، فقد أخضرّ الجنان، وأينعت الثمار، وطم الجمام، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجنّدة.
ولما وصلت هذه الرسائل وأمثالها كتب الإمام الحسينعليهالسلام رسالة جاء فيها: « إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين. أمّا بعد، فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليّ بكتبكم، وكانا آخر مَن قدم عليّ من رسلكم، وقد فهمت كلَّ الذي اقتصصتم وذكرتم، وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم؛ فإن كتب إليّ أنه قد أجمع رأي ملتكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم، وقرأت في كتبكم أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله »(1) .
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 278، والكامل لابن الأثير 2 / 524، وبحار الأنوار - باب «ما جرى على الحسينعليهالسلام بعد بيعة الناس ليزيد» 44 / 334، والعوالم 17 / 183.
وقال ابن أعثم الكوفي: إنّ الإمام كتب لهم « فإن كنتم على ما قدمت به رسلكم، وقرأت كتبكم، فقوموا مع ابن عمي وانصروه ولا تخذلوه... »(1) .
ثم طوى الكتاب، وقال لمسلم: « إني موجهك إلى أهل الكوفة، وهذه كتبهم... وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامض على بركة الله... »(2) .
وهكذا عثر الإمام الحسينعليهالسلام على المكان الذي يأوي إليه، والجماعة التي ستنصره وتحميه وتمنعه؛ فقد بايع أهل الكوفة مسلم بن عقيل حتّى أحصى ديوانه ثمانية عشر ألفاً(3) ، وقيل: خمساً وعشرين ألفاً(4) ، وقيل: أربعين ألفاً(5) .
فكتب مسلم بن عقيل إلى الحسينعليهالسلام مع عابس بن شبيب الشاكري يخبره باجتماع أهل الكوفة على طاعته، وانتظارهم لقدومه، وجاء في كتاب مسلم: الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي(6) .
تقويم الاقتراحات والمكان الذي اختاره الإمامعليهالسلام
عرفنا أربعة نماذج من اقتراحات المشفقين على الحسينعليهالسلام للبحث عن المأوى والحماية، فبعضهم نصح الإمام بالبقاء بالمدينة، وبعضهم نصحه بالبقاء في مكّة، وبعضهم الآخر نصحه بالذهاب إلى اليمن، وبعضهم حذّره من الذهاب إلى العراق.
وقد أصغى الإمامعليهالسلام لأصحاب المقترحات الأربعة، وشكرهم دون الإفصاح عن رأيه بتلك المقترحات، وقد رأينا بالدليل القاطع أن البقاء في المدينة بمثل ظروفها كارثة؛ فإن أهل المدينة لن يحموا الحسينعليهالسلام .
____________________
(1) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 35، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 195.
(2) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 36، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 196.
(3) راجع تاريخ الطبري 6 / 211، وتذكرة الخواصّ / 138.
(4) راجع المناقب لابن شهر آشوب 2 / 240.
(5) راجع ابن نما / 11.
(6) راجع تاريخ الطبري 6 / 210، ومقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم / 468.
وأمّا البقاء في مكّة فغير معقول أيضاً؛ فالحسين ليس أعظم من النبيصلىاللهعليهوآله ، ومع هذا أخرجته مكّة، وحاربه سكانها 23 عاماً، فمكّة ليست المأوى ولا المقام الآمن لسيد شباب أهل الجنةعليهالسلام .
كذلك فإنّ فكرة الذهاب إلى اليمن فكرة غير معقولة، ولا تصلح أن تكون المأوى والمقام الآمن، وما فعله بسر بن أرطأة خير دليل.
معقولية قرار الإمام الحسينعليهالسلام
لقد سمعت جماعات الاُمّة الإسلاميّة كلها بامتناع الإمام الحسينعليهالسلام عن البيعة، وبخرجونه من المدينة، وباستقراره مؤقتاً في مكّة، وعرفت كذلك أنّ الإمام الحسينعليهالسلام يبحث عن مأوى ومكان آمن، وجماعات تحميه وتحمي أهل بيت النبوة من الاُمويِّين وأذنابهم، فأغمضت كلَّ تلك الجماعات عيونها، وأغلقت آذانها، وتجاهلت بالكامل محنة الإمام الحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام .
وأهل الكوفة هم وحدهم الذين كتبوا للإمام الحسينعليهالسلام وأرسلوا له رسلاً، ودعوه لا ليحموه فحسب، بل دعوه ليكون إماماً وقائداً لهم. وليس في ذلك غرابة؛ فالكوفة كانت عاصمة دولة الخلافة في زمن الإمام عليعليهالسلام ، والأكثريّة الساحقة من أهل الكوفة عرفوا فضل عليعليهالسلام خاصة وأهل بيت النبوة، وقارنوا بين حكم الإمام عليعليهالسلام وسيرته وبين حكم الجبابرة وسيرهم، وأدركوا البون الشاسع بين هذين الخطين من الحكم.
فليس عجيباً بعد أن هلك معاوية أن يدركوا أنّ الفرصة مؤاتية لإعادة الحق إلى أهله، خاصة بعد أن سمعوا بامتناع الحسينعليهالسلام عن البيعة وخروجه من المدينة، وبحثه عن المأوى الآمن له ولأهل بيته، فالمعقول أن يصدقهم الناس، والمعقول أيضاً أن يصدقهم الإمام الحسينعليهالسلام .
ثمَّ إنه ليس أمام الحسينعليهالسلام أي خيار آخر، فإلى أين عساه أن يلجأ، وممّن سيطلب الحماية والمنعة؟ والأهم أن ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة قد بايعوه، فإن كانوا صادقين بالفعل فإنّ قائداً مثل الإمام الحسينعليهالسلام له القدرة على أن يفتح بهم العالم كله.
وفكرة المؤامرة بإرسال الرسل والكتب، وفكرة الاختراق الاُموي لعملية إرسال الرسل والكتب لم تكن ببال عاقل.
إذاً فإن اختيار الإمام الحسينعليهالسلام للكوفة كان اختياراً معقولاً في مثل ظروف الحسينعليهالسلام وخياراته المحدودة.
الحسينعليهالسلام وتصديق أهل الكوفة
لقد رأينا من كتاب مسلم بن عقيل أن ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة قد بايعوه، ومسلم بن عقيل صادق في ما قال، وهذا يعادل 181 ضعفاً للعدد الذي بايع الرسول في العقبة؛ وبناءً على تلك البيعة هاجر الرسولصلىاللهعليهوآله وأهله من مكّة إلى المدينة.
لقد تعهّد الذين بايعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله في العقبة حماية الرسول وأهله كما يحمون إزرهم، فلم يطلب رسول اللهصلىاللهعليهوآله غير ذلك، ولم يطلب ضمانات؛ لأنّ فكرة طلب الضمانات في مثل هذه الحالات غير معقولة.
ثمَّ ما نوع تلك الضمانات؟ قد يقال: إن أهل المدينة ليسوا كأهل العراق أو كأهل الكوفة، لكن هذا القول ليس علمياً؛ فقد شرع الخلفاء بإحراق بيت فاطمة بنت محمّد على مَن فيه، وفيه الحسن والحسينعليهماالسلام طفلان، وعلي وفاطمةعليهماالسلام ، أمام سمع أهل المدينة وبصرهم كما وثّقنا.
ولم يروِ لنا مؤرّخ قط بأن أحداً من أهل المدينة استنكر ذلك، أو نهى عنه، بل كان أهل المدينة يتفرّجون وكأن الأمر لا يعنيهم، مع أنهم بايعوا رسول اللهصلىاللهعليهوآله على أن يحمونه ويحمون أهل بيته كما يحمون أنفسهم وذراريهم. فتصديق الحسينعليهالسلام لأهل الكوفة وتعامله مع ظاهر الاُمور هو المتّفق مع المنطق والمعقول والمنقول.
الحسينعليهالسلام وحمل أطفاله وأهل بيته
قال أبو الفرج الأصفهاني: بعد خروج الحسين أمر عمرو بن سعيد بن العاص صاحب شرطته على المدينة أن يهدم دور بني هاشم، وبلغ منهم كل مبلغ(1) .
لقد وصلنا هذا الخبر المختصر بالرغم من سيطرة دولة الخلافة على وسائل الإعلام وكتابة التاريخ، وحرصها على أن لا يسمع الناس إلاّ بما تعتزّ به، ولا يظهر عن جرائمها أي دليل.
وعملية هدم دور بني هاشم والبلوغ منهم كل مبلغ عمل خطير جداً، ومن غير المعقول أن يتولّى أمير المدينة القيام به على
____________________
(1) راجع الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني 4 / 155.
مسؤوليته، مما يجعلنا نقطع بأن أمير المدينة قد تلقّى أمراً مباشراً من يزيد في دمشق.
فإذا كان الخليفة وأركان دولته يهدمون دور الهاشميِّين الذين بقوا في المدينة، فماذا عسى يزيد وجنوده أن يفعلوا بإخوة الحسين، وأبناء الحسين، وبنات الرسول لو ظفروا بهم؟ فمن المؤكد أنه سيذبح الرجال والأبناء، ويستحي النساء.
ويزيد وأبوه اخترعا هدم الدور كفنٍّ من فنون التنكيل بخصومهم، وقد رأينا أنّ معاوية أصدر أمراً لكلِّ ولاة أقاليم مملكته جاء فيه، وبالحرف: «من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم - يعني أهل بيت النبوة - فنكّلوا به واهدموا داره»(1) . بمعنى أن الحسينعليهالسلام إن ترك ذرّيته وأطفاله خلفه فإنّ كلّ الاحتمالات الرهيبة واردة.
ثمَّ إنّ الشخص من عامة الناس لا يقبل أن ينجو بنفسه وأن يترك أولاده من خلفه تحت رحمة عدوه، فكيف بالإمام الحسينعليهالسلام الذي يحمل أكبر القلوب وأنبل العواطف، كيف يتركهم تحت رحمة الاُمويِّين وأتباعهم؟!
وما الذي يمنعهم من أن يهدّوا دار الحسينعليهالسلام ودور إخوته على رؤوس من فيها وهم أحياء؟! وما الذي يمنع يزيد من أن يعلن بأنه سيقتل كل يوم واحداً من أبناء الحسين أو إخوته أو أبناء إخوته ما لم يأت الحسين صاغراً ويسلّم نفسه؟! وما الذي يمنعه من أن يسبي بنات الرسول؟!
فكل شنيع، وكل قبيح، وكل رذيلٍ من الأعمال محتمل جداً من الطاغية وجنوده؛ فيزيد مدمن بالعنف وبالرعب، تربى في بيئة الإدمان على العنف والرعب. إنك لا تستطيع أن تتصور أن آكلة لحوم البشر يمكن أن يفعلوا كما فعلت هند جدته، بمعنى أنهم رضعوا الإدمان على العنف والقتل والرعب فصار هذا الإدمان مظهراً عادياً من مظاهر حياتهم.
ثمَّ أي عار في الدنيا يمكن أن يلحق بمَن يتخلّى عن فلذات كبده وأحب الناس إلى قلبه لينجو بنفسه؟ وكيف يتقوّل الناس عندما يعلمون أنّ ابن بنت
____________________
(1) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد 3 / 595 - 596 نقلاً عن كتاب الأحداث للمدائني.
رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، والإمام الشرعي الذي اختاره الله، وابن عليعليهالسلام ، وحفيد أبي طالب (رض) قد ترك إخوته وأبناءه وأبناء إخوته تحت رحمة عدوه وعدوهم ونجا بنفسه! إن نفسه القدسية الشريفة وعواطفه العميقة النبيلة تترفع عن مجرّد تصوّر هذا.
ثمَّ إنّه ليس في الدنيا كلِّها عاقل واحد يمكن أن يترك ذرّية خلفه تحت رحمة خصمه، وفي ظروف كظروف الحسينعليهالسلام ، وخيارات محدودة كخياراته. فكان قراره بإخراج ذرّيته معه قراراً حكيماً ومنطقياً، وفطرياً ومنسجماً مع طبيعة تركيبة النفس البشرية، ومع الفطرة النقية السليمة التي لم تمسّها تعقيدات الحياة، ولم يدنسها مرض المكر والالتواء والأنانية.
ثمَّ إن ذرّيته الطيبة كنفسه التي بين جنبيه؛ يصونها ويحميها بكل وسائل الحماية التي ألهمه الله إياها، فأينما حلّت تلك النفس الزكية تحلّ تلك الذرّية الطاهرة، وأينما رحلت ترحل؛ يغدق عليها أقدس عواطفه، ويحبوها بعظيم رعايته، ومَن ساواك بنفسه ما ظلمك.
عندما خرج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة إلى مكّة ومعه إخوته وذراريهم، وأبناء عمومته وذراريهم، قال له أهل بيته: لو سلكت الطريق الأقرع لكان أصلح.
فقال لهم الإمام الحسينعليهالسلام : « أتخافون الطلب؟ ».
قالوا: أجل.
قال الإمام الحسينعليهالسلام : « لن أحِد الطريق حذر الموت ». وأنشأ يقول:
إذا المرء لا يحمي بنيه وعرضَهُ |
وعـترتَه كان اللئيمَ المسبّبا(1) |
هذه طبيعة الرجل الذي خرج وأخرج ذرّيته معه.
وأخال إخوته وأبناء عمومته قد حلّلوا الموقف كما حلّله الإمام الحسينعليهالسلام ، وتوصّلوا إلى ذات النتائج التي توصّل إليها الإمام الحسينعليهالسلام .
وأخال النسيج النفسي لكل واحد منهم يتشابه مع النسيج النفسي لذات الإمام الحسينعليهالسلام . ولِمَ لا؟ فهم أحفاد شيخ البطاح أبي طالب، وأبناء فارس الإسلام، وسيد العرب والعجم والمسلمين عامة عليعليهالسلام (2) .
____________________
(1) راجع مقتل الحسين لأبي مخنف / 25، وينابيع المودة / 402، والموسوعة / 300.
(2) راجع تاريخ دمشق لابن عساكر - ترجمة الإمام علي 2 / 772، والرياض النضرة للطبري 2 / 234، =
ثمَّ من جهة اُخرى فإن الرسولصلىاللهعليهوآله نفسه عاش هذه المحنة، فليلة هجرته تآمرت بطون قريش الـ 23 على قتله، وشرعت بتنفيذ المؤامرة، وكان النبيصلىاللهعليهوآله يعرف أنها ستطارده إن نجا من الموت؛ ومن هذا فإن النبيصلىاللهعليهوآله أمر علي بن أبي طالبعليهالسلام بأن يحمل ذرّيته ويلتحق به في اليوم التالي لهجرته.
ثمّ إنّ الإمام الحسينعليهالسلام يريد من الاُمّة أن تستفيق من غفوتها القاتلة، وأن تصحو، ويريد أن يقيم الحجة عليها. وخروج الإمام بأهل بيته وذرّيته كلها أبلغ بالحجة وأعمق تأثيراً؛ فعندما تسمع الاُمّة وتعلم بأن عميد أهل بيت النبوة، وأهل البيت، وآل محمّد قد أُخرجوا؛ كبيراً وصغيراً، ذكراً واُنثى.
وأنّ الخليفة قد خيّرهم بين الموت أو البيعة، وأنه وجنوده في أثرهم يطاردونهم، وأن أهل بيت النبوة يبحثون عمّن ينصرهم ويحميهم فلن يبقى أمامها إلاّ أن تستجيب، أو تغلق أسماعها، وتغمض عيونها، وتتابع سباتها المذل، وتتجاهل نداء إمامها الشرعي، وتعيش بذل تحت حكم يزيد الظالم، وتفعل ذلك مع سبق الترصد والإصرار، وبعد إقامة الحجة القاطعة عليها.
لماذا لم ينسحب الإمام الحسينعليهالسلام ؟
من المؤكد أن الإمام الحسينعليهالسلام قد تلقّى رسالة من ابن عمّه مسلم بن عقيل أخبره فيها أن ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة قد بايعوه(1) ، ومن المؤكد أن مئات الكتب والرسائل قد وصلته من أهل الكوفة تدعوه للقدوم، وتعد بالنصرة والحماية والمنعة(2) . ومن المجمع عليه أن العديد من الرسل جاؤوه وطلبوا منه القدوم إلى الكوفة(3) .
ولا خلاف بأن الإمام الحسينعليهالسلام قد وعدهم بالقدوم عليهم؛ وعلى هذا
____________________
= وكنز العمال 5 / 157 ح443، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 9 / 70، واُسد الغابة 1 / 19 و3 / 116، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي / 107، وكنز العمال 15 / 126.
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 116، وتذكرة الخواصّ / 138، والمناقب لابن شهر آشوب 2 / 240.
(2) راجع تاريخ الطبري 6 / 210، ومقتل الخوارزمي / 468.
(3) راجع تاريخ الطبري 3 / 278، والكامل لابن الأثير 2 / 524، وبحار الأنوار 44 / 324، والعوالم 17 / 183.
الأساس أرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل ليأخذ له البيعة عليهم، وعلى هذا الأساس توجّه الإمام الحسينعليهالسلام إلى العراق؛ لأنه يقدم على جند مجندة له كما وصف أحدهم في رسالته(1) .
ونسفُ كلِّ هذه الاُمور المجمع على صحتها، وتجاهل وقوعها أمر غير معقول؛ فلم يثبت للإمام الحسينعليهالسلام أن ثمانية عشر ألفاً الذين بايعوا مسلم بن عقيل قد نكثوا بيعتهم إلاّ يوم المذبحة عندما اكتشف أنه لا ناصر له منهم ولا معين! ولو أنه تراجع قبل تأكّده من ذلك لكان ملوماً.
وعلى هذا الأساس رفض الإمام الحسينعليهالسلام عرض الطرماح بن عدي عندما قال له: فإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك الله به حتّى ترى من رأيك، ويستبين لك ما أنت صانع، فسِر حتّى اُنزلك مناع جبلنا الذي يُدعى أجا، امتنعنا والله به من ملوك غسّان وحِمير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر.
والله، ما إن دخل علينا ذلٌّ قط، فأسير معك حتّى اُنزلك القرية، ثمَّ نبعث إلى الرجال ممن بأجأ وسلمى من طيء، فوالله لا يأتي عليك عشرة أيام حتّى تأتيك طيء رجالاً وركباناً، ثمَّ أقم فينا ما بدا لك؛ فإن هاجمك هيج فأنا زعيم لك بعشرين ألف طائي يضربون بين يديك بأسيافهم...
فقال له الحسينعليهالسلام : « جزاك الله خيراً، إنّه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قولٌ لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري على ما تنصرف بنا وبهم الاُمور في عاقبة »(2) .
ثمّ إنّ الطرماح بن عدي ليس أكثر من رجل واحد، ومن المحال أن تكون له القدرة على جمع عشرين ألفاً بعشرة أيام، ومن جهة اُخرى فإن قومه قد علموا بخروج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة، وبامتناعه عن البيعة منذ أكثر من شهرين، فما الذي منعهم خلال هذه المدة من الالتحاق بالحسينعليهالسلام ومن نصره وحمايته؟!
فلو وقف من عشرين ألف الطرماح ألفين مع الإمام الحسينعليهالسلام لكان بإمكان الحسين أن
____________________
(1) وقعة الطف / 89، والموسوعة / 312.
(2) راجع مصادر لقاء الإمام الحسينعليهالسلام مع الحر في تاريخ الطبري 6 / 237، وابن الأثير 4 / 9 - 21، وابن كثير 8 / 172 - 174، والأخبار الطوال للدينوري / 348 - 253، وأنساب الأشراف / 169 - 176، وإرشاد المفيد / 305 - 310.
يهزم جيش الفرعون، وأن يغيّر موازين القوى وحركة التاريخ، وهذا ما يؤكّد لنا بأن أقوال الطرماح ليست أكثر من تصورات شاعر، وما كان ينبغي للإمام الحسينعليهالسلام أو لأي عاقل مقامه أن يترك ما بينه وبين القوم ويتبع تلك التصورات النظرية دون أن يعرف عاقبة أو مآل ما تمّ عليه الاتفاق بينه وبين أهل الكوفة.
ومع هذا فإن الإمام الحسينعليهالسلام لم يتجاهل هذه الناحية، بل كانت محور حجته؛ فقد خطب الإمام بجيش الخليفة الذي كان يقوده الحر قائلاً: « إنها معذرة إلى الله وإلى مَن حضر من المسلمين، إنّي لم أقدم على هذا البلد حتّى أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم أن اقدم إلينا. فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم؛ فإن تعطوني ما يثق به قلبي من عهودكم ومن مواثيقكم دخلت معكم إلى مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم كارهين لقدومي انصرفت إلى المكان الذي أقبلت منه عليكم »(1) .
ومثل قول الإمام الحسينعليهالسلام مخاطباً بعض القتلة: «... فإنكم إن تتّقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمّد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، وإن أبيتم إلاّ الكراهية لنا والجهل بحقنا، وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت به علي رسلكم انصرفت عنكم »(2) .
ومن الواضح أيضاً أن الإمام الحسينعليهالسلام قد قال لعمر بن سعد بن أبي وقاص قائد جيش الفرعون نفس الذي قاله للحر وجيشه، بدليل أن عمر بن سعد بن أبي وقاص قد كتب إلى عبيد الله بن زياد ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عمّا أمامه، وماذا يطلب ويسأل، فقال: «كتب إليَّ أهل هذه البلاد، وأتتني رسلهم، فسألوني القدوم ففعلت؛ فأمّا إذ كرهوني فبدا لهم غير ما أتتني به رسلهم، فأنا منصرف عنهم».
فلما قرأ الكتاب على ابن زياد قال:
____________________
(1) راجع الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 85، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 231، والإرشاد للمفيد / 224، وانظر النص في الطبعة المحققة من تاريخ الطبري 5 / 406، ط دار المعارف - مصر، ومقتل الحسينعليهالسلام للمقرم / 187.
(2) راجع الإرشاد للمفيد / 224، والكامل لابن الأثير 2 / 552، وأعيان الشيعة 1 / 596، وبحار الأنوار 44 / 377، ووقعة الطف / 170، والموسوعة / 350.
الآن إذ عـلقت مـخالبنا بـه |
يرجو النجاةَ ولات حين مناصِ |
وكتب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإن فعل ذلك رأينا رأينا، والسلام.
أنت تلاحظ أن عبيد الله بن زياد قد أجاب عمر بن سعد بغير ما صمّم عليه، وأنّه كلّف عمر بأخذ البيعة من الإمام الحسينعليهالسلام ومَن معه، ثمَّ يرى رأيه في الحسين، فلو كان الحسين يريد بيعة يزيد لبايعه في المدينة، ولكان في غنى عن رحلته المليئة بالمكاره والمتاعب. ولو أراد أن ينزل على حكم لنزل على حكم الفرعون نفسه يزيد بن معاوية بدلاً من النزول على حكم عبد تافه من عبيده كابن زياد.
مثلما نلاحظ بأن الإمام الحسينعليهالسلام لو اقتنع بالعاقبة المفجعة بينه وبين القوم وأراد الانسحاب والرجوع لما وجد إلى ذلك سبيلاً؛ فجيش الفرعون لن يسمح له بذلك؛ إنه مصمم على ارتكاب المذبحة.
انظر إلى قول عبيد الله بن زياد: «يرجو النجاةَ ولات حين مناصِ»، ويؤكد ذلك ما رواه الطبري عن أبي مخنف؛ لإنّ عبيد الله بن زياد بعث برسالة إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص جاء فيها: أمّا بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكفّ عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شفيعاً.
انظر، فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليَّ سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثّل بهم؛ فإنهم لذلك مستحقون. فإن قُتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره... وإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا وخلِّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر؛ فإنّا قد أمرناه بأمرنا، والسّلام(2) .
والخلاصة: إنّه لما قامت البيّنة الشرعيّة على نكث القوم وغدرهم صار انسحاب الحسينعليهالسلام ورجوعه من أعظم المستحيلات؛ لأنّ يزيد وجنوده قد خطّطوا للمذبحة، وخططوا لتنفيذها. ولم تعد بيعة الإمام الحسينعليهالسلام مهمة، بل الأهم منها
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 235 وما بعدها.
(2) راجع تاريخ الطبري 6 / 238 وما بعد.
هو القتل، والمذبجة لإبادة أهل بيت النبوةعليهمالسلام ، ومَن تجرّأ على إعلان ولايته لهم، ووضع حدٍّ لخطرهم على دولة الخلافة.
الموت هو الخيار الوحيد للإمام الحسينعليهالسلام
عندما أمر يزيد واليه على المدينة أن يأخذ بيعة الإمام الحسينعليهالسلام ، وإن أبى يضرب عنقه(1) ، وعندما أعلن الإمام الحسينعليهالسلام أنّه لن يبايع ليزيد أبداً(2) ، انحصرت كلّ الخيارات أمام الحسينعليهالسلام بخيار واحد هو الموت، بمعنى أنّ على الإمام الحسينعليهالسلام أن يستعد للموت؛ فالمواجهة مع يزيد وجنوده آتية لا ريب فيها؛ وبما أنه لا طاقة له بمواجهة جيش الخلافة لذلك فإنهم سيقتلونه. أما متى يموت؟ وكيف يموت؟ فهذا الذي لا يعرفه أحد.
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام بذل جهده لحماية نفسه وإخوته وذراريهم، وحماية موقفه، واغتنم الفسحة المتبقية فأقام الحجة البالغة على الاُمّة التي تدّعي الإسلام، وناداها لتفيق من غفلتها، ولتنفض عن هامات رجالها غبار الذل والهوان، وتستعيد انسانيتها وكرامتها المهدورة.
لقد اختار الإمام الحسينعليهالسلام وصمّم على الموت بعزٍّ وكبرياء، فهو يقول لأهل بيته:
ومـن دون ما ينعى يزيد بنا غداً |
نخوض بحار الموت شرقا ً ومغربا |
|
ونـضرب ضرباً كالحريقِ مقدّماً |
إذا مـا رآه ضـيغمٌ فـرَّ مهربا |
فالإمام الحسينعليهالسلام لن تكون ميتته إلاّ بشرف، وبرونق خاص يليق بمقام النبوة والإمام. فقبل أن يموت على يد يزيد غداً فإنه يريد أن يخوض بحار الموت شرقاً ومغرباً، ويضرب أو لا ضرباً كأنه الحريق، إذا ما رأته العمالقة الأبطال فرّت هاربة.
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 10، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 180 - 185، ومثير الأحزان / 14 - 15، واللهوف / 9 - 10.
(2) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 14 و23، ومقتل الإمام الحسينعليهالسلام للخوارزمي 1 / 184، ومثير الأحزان / 24، وبحار الأنوار 44 / 325، والموسوعة / 283، ومقتل الحسينعليهالسلام 1 / 188، وبحار الأنوار 44 / 329، والعوالم 17 / 178، وأعيان الشيعة 1 / 588.
حتمية مقتل الحسينعليهالسلام
كان الإمام الحسينعليهالسلام قبل امتناعه عن البيعة بعشرات السنين على علمٍ يقينٍ بكافة أخبار السماء عن مذبحة كربلاء، وقد تلقّى هذه الأخبار من أبيه عليعليهالسلام عن جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وتلقّاها من أخيه الحسنعليهالسلام عن جدّه رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وتلقّاها من رسول اللهصلىاللهعليهوآله مباشرة.
وكان يعلم أنه سيموت بالعراق، وعلى شط الفرات، وفي مكان يقال له: كربلاء، أو كرب وبلاء.
وكان يعلم أنه سيُقتل في زمن خليفة مترف مستهتر يقال له: يزيد، وبإشراف عمر بن سعد بن أبي وقاص، وبالاشتراك الفعلي من رجل أبقع «أبرص» عرفه في ما بعد بأنه شمر بن ذي الجوشن.
وكان يعلم أن الاُمّة المحسوبة على جدّه هي التي ستقتله؛ فهي بين مشارك بالقتل، أو مؤيد له، أو خاذل ومتفرّج عليه. كان يعلم كلَّ ذلك بالرواية الصادقة اليقينيّة الموثوقة، وهو كان يسعى إلى قتل مشرّف ينال به أعلى درجات الشهادة، ضمن إطار المعقول المنقول من نظرية الابتلاء الإلهية( خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (الملك /2 )،( إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ) (الكهف /7 ).
قال الإمام الحسينعليهالسلام لأخيه محمّد بن الحنفيّة: « يا أخي، لو كنتُ في بطن صخرة لاستخرجوني منها فيقتلونني »(1) ، وقال: « والله، لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض لاستخرجوني منها حتّى يقتلونني »(2) .
وقالت له اُمّ سلمة قبل خروجه من المدينة: إني سمعت جدك يقول: « يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق، في أرض يقال لها: كربلاء ».
فقال لها الإمامعليهالسلام : « يا اُمّاه، وأنا والله أعلم ذلك، وإني مقتول لا محالة، وليس لي من هذا بد. وإني والله لأعرف اليوم الذي اُقتل فيه، وأعرف مَن يقتلني، وأعرف البقعة التي اُدفن فيها،
____________________
(1) ينابيع المودة / 402 - 404.
(2) بحار الأنوار 44 / 99.
وإنّي لأعرف مَن يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردتِ يا اُمّاه أريك حفرتي ومضجعي»(1) .
قالت له عمّته اُم هانيء: سيدي، أنا متطيّرة عليك من هذا المسير؛ لهاتف سمعته البارحة يقول:
وإنّ قتيلَ الطفِّ من آل هاشمٍ |
أذلّ رقـاباً من قريشٍ فذلّتِ |
لم يندهش الإمامعليهالسلام من رؤى عمته، بل اقترح عليها أن تعدّل عجز البيت الأوّل فتقول: «أذلّ رقابَ المسلمين فذلّت»، ثمَّ قال الإمام بعد هذا الاقتراح:
ومـا هم بقومٍ يغلبون ابنَ غالبِ |
ولكن بعلم الغيبِ قد قُدّر الأمرُ(2) |
ثمّ انظر إلى كتاب الإمامعليهالسلام لبني هاشم عندما خرج من المدينة، وهذا الكتاب يفيض باليقين، وهذا نصه: « بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم. أمّا بعد، فإنّ مَن لحق بي منكم استشهد، ومَن تخلّف لم يبلغ مبلغ الفتح، والسّلام »(3) .
وعندما اقترح عليه بعضُ أهله أن يسلك طريقاً جانبياً خوفاً من جلاوزة بني اُميّة، قال الإمامعليهالسلام بيقين الواثق: « لا سبيل لهم عليّ، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي »(4) .
وعندما اقترح عليه عبد الله بن عمر بن الخطاب العودة إلى المدينة قال له الإمامعليهالسلام : « هيهات يابن عمر! إن القوم لا يتركوني إن أصابوني، وإن لم يصيبوني فلا يزالون حتّى اُبايع ويقتلونني »(5) .
____________________
(1) راجع بحار الأنوار 44 / 331، والعوالم 17 / 180، وينابيع المودة / 405، والموسوعة / 392.
(2) معالي السبطين 1 / 241، والموسوعة / 296.
(3) بصائر الدرجات / 481 حديث 5، واللهوف / 28، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 76، ومثير الأحزان / 39، وبحار الأنوار 44 / 330 و 45 / 84 و 42 / 81، والعوالم 17 / 139.
(4) بحار الأنوار 44 / 330، والعوالم 17 / 180.
(5) راجع الفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 36، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 196.
وبالثقة واليقين نفسها قال لابن عباس عندما ألحّ عليه وحاول منعه من الذهاب إلى العراق: « يابن عباس، أما علمت إن منعتني من هنالك، فإنّ مصارع أصحابي هناك؟ ».
فقال له ابن عباس: « أنّى لك ذلك؟ ».
فقال الإمامعليهالسلام : « بسرٍّ سُرّ لي، وعلمٍ اُعطيته »(1) .
وعندما اقترح عليه ابن عباس أن يدخل في صلح القوم، قال له الإمامعليهالسلام : « هيهات هيهات يابن عباس! إنّ القوم لن يتركوني، وإنّهم يطلبونني أين كنت حتّى اُبايعهم كرهاً ويقتلونني... إلى أن قال: وإني ماضٍ في أمر رسول الله حيث أمرني، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون »(2) .
وقال الإمام الحسينعليهالسلام يوماً للواقدي وزرارة، وقبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام، وبعد أن أراهما آية كبرى: « لولا تقارب الأشياء، وحبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء «الملائكة»، ولكني أعلم يقيناً أن هناك مصرعي، ومصرع أصحابي، ولا ينجو منهم إلاّ ولدي علي »(3) .
ولمّا عزم الإمامعليهالسلام على الخروج إلى العراق قام في أصحابه خطيباً وقال: «... خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات... إلى أن قال: ولا محيص عن يومٍّ خُطّ بالقلم ».
وأثناء اجتماع الإمامعليهالسلام مع وفود الجنِّ المؤمن، وعندما قالت له الجن: «يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا بأمرك وما تشاء، فلو أمرتنا بقتل كلِّ عدوٍّ لك وأنت بمكانك لكفيناك». فجزاهم الإمام الحسينعليهالسلام خيراً وقال لهم: « أوَما قرأتم كتاب الله المنزل على جدّيصلىاللهعليهوآله ( أيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) (النساء / 78 )،
____________________
(1) راجع دلائل الإمامة / 74، والموسوعة / 321.
(2) راجع معالي السبطين 1 / 246، والموسوعة / 321.
(3) دلائل الإمامة / 74، ومثير الأحزان / 39، وبحار الأنوار 44 / 364، والعوالم 17 / 213.
وقال سبحانه وتعالى:( لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) (آل عمران / 154 )؟
وإذا أقمت بمكاني فبماذا يُبتلى هذا الخلق المتعوس، وبماذا يُختبرون؟ ومَن ذا يكون ساكن حفرتي وقد اختارها الله تعالى يوم دحا الأرض، وجعلها معقلاً لشيعتنا، ويكون لهم أمناً في الدنيا والآخرة؟ ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشوراء الذي في آخره اُقتل، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي، وإخوتي وأهل بيتي، ويُسار برأسي إلى يزيد لعنه الله »(1) .
فقالت الجن: «نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لولا أنّ أمرك طاعة، وأنه لا يجوز لنا مخالفتك، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك».
فقال الإمامعليهالسلام لهم: « نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) »( الأنفال / 42 )(2) .
ثمَّ انظر إلى قول الإمامعليهالسلام لأبي هرّة: « يا أبا هرّة، إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت. وأيمُ الله يا أبا هرة، لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسهم الله ذلا ً شاملاً... »(3) .
ويحدد الإمامعليهالسلام الاُمور بدقة متناهية فيقول: « هذه كتب أهل الكوفة إليّ، ولا أراهم إلاّ قاتلي، فإن فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلاّ انتهكوها، فيسلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرم الاُمّة »(4) .
وانظر إلى قول الإمامعليهالسلام لأحد محدّثيه: « يا عبد الله، ليس يخفى عليَّ الرأي، ولكنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره. والله، لا يدعونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة
____________________
(1) راجع نص حوار الإمامعليهالسلام مع وفود الجن في بحار الأنوار 44 / 330، والعوالم 17 / 179، واللهوف / 78.
(2) المصدر السابق.
(3) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 79، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 226، ومثير الأحزان / 46، وبحار الأنوار 44 / 368، وأعيان الشيعة 1 / 595.
(4) تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 211.
من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الاُمم »(1) .
فالإمام الحسينعليهالسلام يتكلّم عن حتمية مقتله بيقين النبيين والصدّيقين والشهداء، ويتعامل مع وقائع لم تخرج بعدُ إلى حيّز الوجود وكأنها حقائق ثابتة، وينظر نظرة شمولية، ويتكلّم عن الوقائع التي ستحصل وهي في عالم الغيب وملفّات القضاء الإلهي في سياق صميم نواميس الكون، ومقتضيات الابتلاء الإلهي، كلام العارف البصير بكنهها، ومداخلها ومخارجها، ومنابعها الخفية.
انظر إلى قول الإمامعليهالسلام أمام وفود الجن « فبماذا يُبتلى هذا الخلق المتعوس، وبماذا يُختبرون، ومَن ذا يكون ساكن حفرتي؟ ».
إنّ الإمامعليهالسلام بهذه التساؤلات يبرز بيسر وسهولة أخطر وأجل قوانين الحياة، وتلك لغة النبيين والصدّيقين والشهداء، ويقين الإمام الحسينعليهالسلام عين يقينهم، ويزيد وجنوده يجهلون تلك اللغة، ولا يفهمون هذا اليقين.
____________________
(1) راجع الإرشاد للشيخ المفيد / 223، والكامل لابن الأثير إلى قوله: «لا يُغلب على أمره»، وبحار الأنوار 44 / 375، والعوالم 17 / 22، وأعيان الشيعة 1 / 595.
الفصل الثالث
الإمام الحسينعليهالسلام يشخّص أمراض الاُمّة المزمنة
تحديد أمراض الاُمّة
مَن تتبع تصريحات الإمام الحسينعليهالسلام ، والوقوف على حقيقة تلك التصريحات، يتبيّن أن الإمام الحسينعليهالسلام شخّص أخطر الأمراض التي ابتُليت بها الاُمّة، وحصرها في ثلاثة:
1 - الخروج على الشرعيّة الإلهية.
2 - نظام الخلافة بصورته الراهنة.
3 - الإدمان على حب الحياة وكراهية الموت.
وقدّر الإمامعليهالسلام أنّ يقينه المميز وشهادته الفريدة ستشفي الاُمّة من أمراضها، أو على الأقل ستعطيها مناخ الشفاء، أو تصدمها صدمة عنيفة تستفيق من نومها المذل العميق.
1 - الخروج من الشرعيّة الإلهية
لقد قدّر الإمامعليهالسلام أن أول مرض أنشب أظافره في الاُمّة هو الخروج على الشرعيّة الإلهية. والشرعيّة الإلهية تتكون من ثقلين؛ أحدهما كتاب الله المنزل، وثانيهما نبي الله المرسل، وهما متكاملان لا يُغني أحدهما عن الآخر.
فلو قال أحدهما: إنه يؤمن بالقرآن الكريم، ولكنه لا يؤمن برسوله الكريم، ولا بولايته، أو ادّعى أن القرآن وحده يكفي المسلمين، فهو ليس مؤمناً، ولا متمسكاً بالشرعيّة الإلهية، إنما هو خارج منها من أوسع الأبواب، وداخل التيه تماماً.
فهذا الثنائي (القرآن والنبي) هما عصمة الشرعيّة الإلهية، وملاذها خلال عهد النبوة. ولأن النبي بشر، وآخر الرسل، وخاتم النبيِّين، ولأن دينه هو الدين الذي ارتضاه الله نهائياً
لعباده، فقد أمر الله تعالى نبيّه أن يعلن للناس أن نظام الثقلين مستمر إلى يوم الدين.
فخلال حياة النبوة يشكّل القرآن ثقلاً، ويشكّل النبي الثقل الآخر، وبعد موت النبي يبقى القرآن هو الثقل الأكبر، ويكلّف أهل بيت النبوة بأن يكونوا الثقل الأصغر القائم مقام النبي؛ بالولاية والقيادة والمرجعية إلى يوم الدين.
وقد بيّن الرسولصلىاللهعليهوآله أنّ الله تعالى هو الذي اختار الثقلين وحدّدهما، وما رسول الله إلاّ عبدٌ يُؤمر فيطيع، ويُوحى إليه فيتّبع، وأنه سبحانه وتعالى كما أهّل النبي وأعدّه، أهّل بيت النبوة وأعدّهم؛ فهم الاُمناء على سنة الرسول بفروعها الثلاثة، وهم الذين يعرفون النص الشرعي في كل مسألة من المسائل معرفة قائمة على الجزم واليقين، وهم الأعلم والأفهم والأصلح في كل زمان، وحديث الثقلين من أصح الآثار، وقد وثّقناه في الفصول السابقة.
ويبدو واضحاً بالضرورة أن المقصود بأهل بيت النبوة كثقل هو عميدهم وإمامهم المؤهّل إليها؛ بدليل قول الرسولصلىاللهعليهوآله لعليعليهالسلام : « أنت الولي من بعدي، وأنت أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمَّ ابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمَّ ابني الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم »(1) .
والخلاصة: إنّ النبي الكريم قد أكّد بأن الشرعيّة الإلهية لا تتحقق في حياته إلاّ بالتمسّك بالثقلين؛ القرآن والنبي معاً، وبعد حياته لن تتحقق إلاّ بالتمسك بالثقلين؛ بالقرآن وبأهل بيت النبوة، وجزم بأن الهدى لا يدرك إلاّ بالاثنين معاً، والضلالة لا يمكن تجنّبها إلاّ بالاثنين معاً، فمَن تمسك بالقرآن وترك أهل بيت النبوة، أو ادّعى أنه متمسك بأهل بيت النبوة وترك القرآن، أو تمسك بالقرآن ورفض ولاية وقيادة أهل بيت النبوة، وفضّل عليها ولاية أو قيادة اُخرى فهو خارج من إطار الشرعيّة الإلهية.
والنصوص الشرعيّة التي وصلت إلينا بالرغم من محلات التبديل والتعليل، والتحريف والتجهيل كافية للجزم بالأحكام الشرعي لهذه الناحية، وأبرز النصوص: آية التطهير، وآية المودة في القربى، وآية المباهلة، والأمر بالصلاة على النبي بالصيغة التي بيّنها النبيصلىاللهعليهوآله ، بالإضافة إلى حديث الثقلين الذي لا يختلف عليه وبه عاقلان مسلمان.
____________________
(1) راجع كتابنا الوجيز في الإمامة والولاية تجد فيه تغطية كاملة لهذا الموضوع.
ومع سبق الترصد والإصرار خرجت الأكثريّة الساحقة من الاُمّة الإسلاميّة من الشرعيّة الإلهية بمفهومها الآنف، حتّى والرسول على قيد الحياة. فعندما أراد الرسولصلىاللهعليهوآله أثناء مرضه أن يكتب توجيهاته النهائية ليجنّب الاُمّة العاصفة التي تنتظر موته، قالت زعامة بطون قريش للنبي وجهاً لوجه، وفي منزله: أنت تهجر، ما باله إنه هجر، استفهموه إنه يهجر، ولسنا بحاجة لكتابك ولا لتوجيهاتك النهائية؛ لأن القرآن عندنا وهو يكفينا(1) !
هذا الكلام الخطير أخرج زعامة بطون قريش الـ 23 من إطار الشرعيّة والمشروعية الإلهية تماماً وأدخلها في التيه، وبعد ساعة واحدة من وفاة النبيصلىاللهعليهوآله تمكّنت زعامة بطون قريش التي واجهت النبيصلىاللهعليهوآله وقالت له ما قالت من الاستيلاء على منصب الخلافة بالقهر والغلبة وكثرة الأتباع. وكانت أوّل مشاريع تلك الزعامة منصبّة على تحجيم أهل بيت النبوة وإذلالهم وإجبارهم على الاعتراف سياسياً بالأمر الواقع المناقض تماماً للشرعية الإلهية.
ففي اليوم الذي مات فيه النبيصلىاللهعليهوآله جهّزت زعامة البطون التي استولت على منصب الخلافة بالقوة حملة عسكرية مهمتها إجبار أهل بيت النبوة على الخروج والمبايعة، والاعتراف بالأمر الواقع، وإن أبوا ذلك فعلى قادة الحملة وعناصرها أن يحرقوا بيت أهل بيت محمّد على مَن فيه، وفيه فاطمة بنت النبي، وعلي الولي الشرعي وابن عم النبي، وطفلاه الحسن والحسين حفيدا النبي (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين).
وشرعت الحملة العسكرية بالفعل بإحراق البيت على مَن فيه(2) ؛ إذ خلال اُسبوع واحد من وفاة الرسولصلىاللهعليهوآله حرموا أهل بيت النبوة من ميراث الرسول وتركته(3) ، وصادروا المنح التي أعطاها الرسولصلىاللهعليهوآله
____________________
(1) هذه واقعة ثابتة رواها البخاري ومسلم وابن حنبل، وقد ذكرنا المراجع ووثّقناها، وحلّلناها في كتابنا نظرية عدالة الصحابة / 287 وما بعد، وفي كتابنا المواجهة، فارجع إليهما.
(2) راجع العقد الفريد لابن عبد ربه 34 / 64، وأبو الفداء 1 / 156، وأنساب الأشراف 1 / 586، وكنز العمال 3 / 140، والرياض النضرة / 167، وكتاب السقيفة برواية ابن أبي الحديد 1 / 132، و6 / 2، وتاريخ الخميس 1 / 178، وتاريخ ابن شحنة / 113 بهامش الكامل، ومروج الذهب 2 / 100، وتاريخ اليعقوبي 2 / 105.
(3) راجع صحيح الترمذي 7 / 111باب « ما جاء في باب تركة الرسول »، ومسند أحمد 1 / 10 ح60، وسنن الترمذي 7 / 109، وطبقات ابن سعد 5 / 77، وتاريخ ابن الأثير 5 / 286، وكنز العمال 5 / 365، والطبقات 2 / 315.
لأهل بيته خلال حياته(1) ، وحرموا ذوي قربى النبي من السهم المخصّص لهم بآية محكمة(2) . وهكذا تمكّنت دولة البطون من تحطيم أحد ركني الشرعيّة الإلهية تحطيماً كاملاً، وزيادة في الاحتياط، وحتّى لا يحتج أهل بيت النبوة بأحاديث الرسولصلىاللهعليهوآله .
وحتّى لا تكتشف الأجيال اللاحقة جريمة زعامة البطون ومسؤوليتها عن تدمير الشرعيّة الإلهية منعت هذه الزعامة كتابة ورواية أحاديث الرسولصلىاللهعليهوآله (3) ، وأحرقت المكتوب منها(4) ، وشكّكت بكل ما تعارض مع مصالحها من أحاديث الرسولصلىاللهعليهوآله (5) . وكيف تعجز عن فعل هذا وهي التي واجهت النبيصلىاللهعليهوآله شخصياً وقالت له: أنت تهجر، وحسبنا كتاب الله(6) !
بهذه الأحداث والوقائع الأليمة تحطّمت الشرعيّة الإلهية تحطماً كاملاً، ولم يعد لها عملياً إلاّ ثقل واحد، ولم يبق للشرعية غير الاسم، والذين حطموها هم الذين قبضوا على مقاليد الاُمور، وسخّروا موارد الدولة وكلّ إمكانياتها لإثبات صحة ما ذهبوا إليه، وماعملوه، ولإقناع الناس بأنه لا توجد شرعية إلاّ شرعية ما فعلوه.
2 - نظام الخلافة أو الخليفة الحاكم بأمره
عملياً كان الخليفة مَن غلب أو عهد إليه الخليفة الغالب. تلك حقيقة لا
____________________
(1) راجع فتوح البلدان للبلاذري 2 / 34 - 35.
(2) راجع تاريخ الإسلام للذهبي 1 / 347، وكنز العمال 5 / 367، وشرح نهج البلاغة 4 / 81 نقلاًس عن الجوهري.
(3) راجع تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 2 - 3.
(4) راجع طبقات ابن سعد 5 / 140 بترجمة محمّد بن أبي بكر.
(5) راجع سنن أبي داود 2 / 126، وسنن الدارمي 1 / 125، ومسند أحمد 2 / 162 و207 و216، والمستدرك على الصحيحين للحاكم 1 / 105 و 106، وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر 1 / 85.
(6) راجع صحيح البخاري 7 / 9، وج4 / 31، وج1 / 37، وج5 / 137، وج2 / 132، وج4 / 65 - 66، وصحيح مسلم 2 / 16، وج5 / 75، وج11 / 94 - 95 بشرح النووي، ومسند أحمد 1 / 955، وتاريخ الطبري 2 / 193، وتذكرة الخواصّ لابن الجوزي / 62، وسر العالمين وكشف ما في الدارين لأبي حامد الغزالي / 21 لتعرف مَن هم زعامة بطون قريش، وراجع كتابنا الموجهة / 260 وما بعدها، وكتابنا نظرية عدالة الصحابة / 287 وما بعدها.
يجادل بها إلاّ جاهل.
هذا الخليفة الغالب أو الذي عهد إليه غالبٌ صار يتمتع بكافة الصلاحيات الهائلة؛ بوصفه اسمياً على الأقل ( خليفة رسول الله ). ولمّا رست أجرانه في الأرض، وانقادت إليه الرعية صارت كل أموال الدولة تحت تصرفه، ومفاتيحها بيديه وبيد أوليائه ينفقون منها ما يشاؤون لمن يشاؤون، ويدّخرون منها ما يشاؤون بلا حسيب ولا رقيب؛ فهي بمثابة مال خاص للخليفة، ولا رقابة عليه إلاّ من ضميره، وكل نفوذ الدولة وجاهها بقبضة يديه، وكل القوة العسكرية تحت تصرفه، وكل أقاليم الدولة عملياً ملكه الخاص.
هذه الإمكانيات والطاقات الهائلة والصلاحيات الفضفاضة جعلت من الخليفة وأركان دولته الذين يوالونه ويشاطرونه اُطره وقناعاته، أو يتظاهرون بذلك قوةً رهيبة ليس مثلها على وجه الأرض قوة؛ ولأن الخليفة اسمياً هو ( خليفة رسول الله ) فقد تسلّحت تلك القوة بالدين ولبست لبوسه، وسخّرت تلك القوة الرهيبة كامل إمكانيات دولة الخلافة للمحافظة على تفرّدها بمنصب الخلافة، وعلى نظام الخلافة نفسه.
فصار الولاء للخليفة ونظامه وأعوانه، أو التظاهر بهذا الولاء، وصار تمجيد أفعال الخليفة والقبول بها أو التظاهر بذلك هو الأساس لعز الفرد، وهو الطريق لمكانة الفرد في المجتمع، وهو الاُسلوب الأنجع ليحصل الفرد على نصيب من مال الخليفة أو نفوذه أو جاهه، وليتجنّب كارثة الاصطدام بقوته الرهيبة.
فالخليفة يقدم عطاءً شهرياً لأفراد الرعية، ويستعمل عمالاً لأقاليمه وكوره، وقادة لجيشه، وموظفين لإدارته، وجنوداً لأمنه وفتوحاته، والدخول بهذه المجالات متاح لكل الذين يوالونه ويوالون نظامه، ويقبلون بما يفعل، أو يتظاهرون بذلك والخليفة يكتفي بالتظاهر.
فإذا ثبت للخليفة أو لأركان دولته أن هذا أو ذاك لا يواليه، ولا يوالي نظامه، ولا يقبل بأفعاله، فالعقوبة الآلية هي الحرمان من العطاء والرزق الشهري، وإغلاق مؤسسات الدولة بوجهه؛ فلا مكان له لا بالجيش ولا بالإدارة، ووضعه في قائمة أعداء الخليفة، أو قائمة مَن يحب ويوالي أعداء الخليفة.
وتلك جريمة من جرائم الخيانة العظمى، وعقوبتها الموت في قوانين دولة الخلافة، ولكنها مسربلة بغطاء ديني؛ فيقتله الخليفة باعتباره شاقاً لعصا الطاعة، أو خارجاً على الجماعة، أو مفرّقاً لوحدة الاُمّة بعد الاجتماع كما فعل
معاوية مع حجر بن عدي ورفاقه؛ فقد قتلهم معاوية صبراً بتهمة عدم موالاتهم له، وموالاته لعدو أمير المؤمنين معاوية، وعدو الإسلام أبي تراب علي بن أبي طالب(1) !
وقد أوجد الخليفة له بطانة من علماء السوء مهمتهم أن يبرّروا أفعال الخليفة وتصرفاته، وأن يختلقوا على رسول اللهصلىاللهعليهوآله الأحاديث التي تبرّر طاعة الخليفة، وتنفر الرعية من معصية الخليفة، أو عدم القبول بأفعاله المرذولة.
وتعددت مزاعمهم بهذا المجال، فقالوا: إن رسول الله قد قال: «سيكون من بعدي أئمة خلفاء، لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب شياطين في جثمان إنس». وعندما سأل الراوي: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ فقال له الرسول: «تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع»(2) .
وسخّرت دولة الخلافة كلَّ مواردها الضخمة وإعلامها العجيب لتعميم مثل هذه الأحاديث على الرعية، وإقناع الرعية بصحة صدورها عن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وأدخلتها دولة الخلافة في مناهجها التربوية والتعليمية، وأشربتها لكل أفراد الرعية، فصارت بحكم العادة والتكرار.
وتبني دولة الخلافة تياراً غلاّباً، وقناعة مطلقة ترثها جموع الأكثريّة كما ترث المتاع، وترسلها إرسال المسلمات التي لا تحتاج إعادة نظر. قال النووي في شرحه على صحيح مسلم - باب « لزوم طاعة الأمراء في غير معصية »: قال جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: « لا ينعزل الخليفة بالفسق، والظلم، وتعطيل الحدود، وتضييق الحقوق، ولا يُخلع، ولا يجوز الخروج عليه... ثم قال: أما الخروج عليهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين »(3) ! !
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 157، والكامل لابن الأثير 4 / 209، وتاريخ ابن كثير 8 / 130، ومحاضرات الراغب 2 / 214.
(2) راجع صحيح مسلم 6 / 20 - 22 باب «الأمر بلزوم الجماعة»، وأنت تلاحظ أن هذا الحديث مفصّل ليتّسع لجرائم رجال قلوبهم قلوب الشياطين؛ كمسلم بن عقبة، وبسر بن أرطأة، وابن زياد، والحجاج، وأمثالهم من جنود الفرعون.
(3) راجع صحيح مسلم بشرح النووي 12 / 229، وسنن البهيقي 8 / 158 - 159.
قال القاضي أبو بكر محمّد بن الطيب الباقلاني ما ملخّصه: قال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الإمام ( الخليفة ) بفسقه وظلمه بغصب الأموال، وضرب الأبشار، وتناول النفوس المحرمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجوز الخروج عليه(1) .
هذا نموذج من القناعات الخاطئة التي رسّخها إعلام دولة الخلافة، وأرساها المنهج التربوي والتعليمي الذي فرضته دولة الخلافة بالنفوذ والقوة على رعاياها.
لقد نجحت وسائل إعلام دولة الخلافة بإقناع الأكثريّة الساحقة من المسلمين على أنّ محبة الخليفة وطاعته عبادة، بل من أفضل العبادات والقربات التي يتقرّب بها المسلم إلى الله، وأنه في سبيل هذه الطاعة يحلّ كل جرم مهما كانت بشاعته.
كان شمر بن ذي الجوشن يقعد حتّى يصبح ثمَّ يصلّي الصبح، ويقول في دعائه: اللّهمَّ اغفر لي. فقيل له: كيف يغفر لك وقد خرجت إلى ابن بنت الرسول فأعنت على قتله؟! فقال: ويحك! فكيف نصنع؟ إنّ أمراءنا هؤلاء أمرونا فلم نخالفهم، ولو خالفناهم كنّا شرّاً من هذه الحمر.
وكان كعب بن جابر ممن حضر قتال الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء، يقول في مناجاته: يا ربِّ، إنّا قد وفينا فلا تجعلنا يا رب كمَن غدر(2) ! فشمر الذي أعان على قتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وكعب بن جابر الذي قاتل الإمام الحسينعليهالسلام يعتقدان طاعة الخليفة واجب مفروض حتّى لو أمر بقتل ابن النبي وأهل بيته!
ودنا عمرو بن الحجاج يوم عاشوراء من أصحاب الحسينعليهالسلام ونادى: يا أهل الكوفة، الزموا طاعتكم وجماعتكم، ولا ترتابوا في قتل من مَرق من الدين وخالف الإمام(3) ! فمَن خالف الخليفة فهو مجرم كائناً مَن كان، وقتله واجب على الرعية قبل أن يكون واجباً على الخليفة.
لقد حاولت وسائل إعلام الدولة أن تجعل من الخليفة خليفة لله وليس
____________________
(1) راجع كتاب التمهيد لأبي بكر الباقلاني - باب « ما يوجب خلع الإمام » طبعة القاهرة 1366 هـ.
(2) راجع تاريخ الإسلام للذهبي 3 / 18 - 19، وكتابنا الخطط السياسية / 119.
(3) المرجع السابق.
خليفة لرسوله؛ لأن خلافة الله أليق بجناب الخليفة من خلافة الرسول؛ فقد كتب مروان بن محمّد - وكان والياً على أرمينيا - إلى الوليد بن يزيد بن عبد الملك المشهور بفسقه، والذي همّ بأن يمارس اللواط مع أخيه، والذي همّ بأن يشرب الخمر على ظهر الكعبة، كتب له مروان يبارك له بخلافة الله على العباد(1) ، ولما قيل عنه في مجلس الخليفة العباسي المهدي: إنه كان زنديقاً، قال الخليفة العباسي: خلافة الله عنده أجلّ من أن يجعلها في زنديق(2) .
وخطب الحجاج يوماً بالحج فقال: اسمعوا وأطيعوا لخليفة الله وصفيه عبد الملك بن مروان(3) .
واشتطّ إعلام دولة الخلافة شططاً آخر، فحاول أن يقنع المسلمين بأن الخليفة أعظم من النبي! قال الحجاج في خطبة له: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته على أهله(4) ؟
وروي أنه كتب لعبد الملك يعظّم أمر الخلافة، فزعم أن السماوات والأرض ما قامتا إلاّ بالخلافة، وأنّ الخليفة عند الله أفضل من الملائكة المقرّبين والأنبياء المرسلين... إلخ(5) ! وكان يعتبر مَن يتّبع الخليفة مؤمناً، ومَن يعارض الخليفة كافراً(6) !
فنحن أمام حملة منظمة تدعمها دولة الخلافة بكل طاقاتها ومواردها لقلب كلِّ الحقائق وتزويرها؛ لإظهار عدو الله بصورة ولي الله، وإظهار ولي الله بصورة الشيطان الرجيم! إنها حملة منظّمة لتزوير وتحريف كلِّ شيء في الإسلام يقوون على تحريفه. وكان لهذه الحملة المجنونة ضحاياها من الغافلين السذّج.
____________________
(1) راجع تاريخ ابن كثير 10 / 4.
(2) راجع تاريخ ابن كثير 10 / 7 و 8.
(3) راجع سنن أبي داود 4 / 210 الحديث 4645 - باب «في الخلفاء».
(4) راجع سنن أبي داود 4 / 209 الحديث 4642، والمسعودي في مروجه 3 / 147، والعقد الفريد لابن عبد ربه 5 / 52.
(5) راجع العقد الفريد 5 / 51.
(6) راجع سنن أبي داود 4 / 209، والعقد الفريد 5 / 51، وكتابنا الخطط السياسية / 121.
3 - الإدمان على حب الحياة مع الذلّ وكراهية الموت
لم يغتصب الخليفة منصب الخلافة بالقوة والقهر فحسب، إنما اغتصب أيضاً كافة موارد الدولة وأموالها واعتبرها بمثابة خزانة مالية خاصة به، واغتصب أيضاً إمكانيات الدولة وإمتيازاتها وطاقاتها الهائلة، وسخّر كل ذلك لتثبيت ملكه وتوطيد سلطانه.
فالخليفة المتغلّب يستعمل عمالاً لأقاليم دولته وكورها، وقادة وجنوداً لجيشه المخصص عملياً لحفظ الأمن الداخلي لدولته، وتحقيق المجد الشخصي له من فتوحاته، ويستعمل موظفين لإدارته، وبالوقت نفسه يقدّم عطاء ورزقاً شهرياً لأفراد رعيته، ورواتب لمستخدميه.
وهي صلاحيات كانت تقوم بها دولة الرسول الأعظمصلىاللهعليهوآله تحت رقابة النبي المعصوم عن الوقوع في الزلل أو الانحراف وراء هوىً؛ فكان المواطن المسلم أو المتظاهر بالإسلام يأخذ عطاءه ورزقه من دون منّة ولا شروط.
وكان الرسول يضع الرجل المناسب بالمكان المناسب عندما يستعمله، ومن دون خلفيات أو أفكار مسبقة؛ فمعايير النبيصلىاللهعليهوآله بالتعيين في الوظائف العامة مبنية على القوة والأمانة؛ فحيث ما وجد صاحب القوة والأمانة استعمله، بمعنى أن النبيصلىاللهعليهوآله كان يعطي الناس بالسوية من مال الله (مال الدولة )؛ لتشابه الحاجات الأساسية عند بني البشر.
وكان يستعمل القوي الأمين القادر على تحقيق الغاية الشرعيّة من استعماله، وفي التوزيع والاستعمال كان النبي يستند على معايير موضوعية وشرعيّة، وكان الناس سعداء زمن دولة الرسول؛ فالإمام الرسول (رئيس الدولة) يعيش هو وأفراد اُسرته بتواضع، وكأي فرد في المجتمع.
وعلى الرغم من قلّة موارد بلاد العرب التي كانت تحكم دولة الرسول إلاّ أن هذه الموارد موزّعة بصورة عادلة؛ فالشعور بالرضا والسعادة كان يغمر غالبية رعايا دولة النبيصلىاللهعليهوآله ؛ فكثير من الأجلاف من العرب، بل ومن قدماء الصحابة كان يحرج النبيصلىاللهعليهوآله ، وينتقد بعض أعمال النبي علناً، ويجهر بعدم موافقته عليها، أو يتّخذ موقفاً مناقضاً لموقف النبيصلىاللهعليهوآله .
ولكن لم يصدّق على الإطلاق أن قطع النبيصلىاللهعليهوآله عن هذا المواطن أو ذاك رزقه أو عطاءه الشهري؛ لأن هذا الرزق أو العطاء منحة إلهية، وحق ثابت للمسلم، وليس من صلاحية النبي أن يصادر هذا
الحق، كذلك فإن استعمال القوي الأمين للوظائف العامة ترتيب إلهي لا يملك الرسول حق إلغائه أو تبديله أو تعديله.
لقد كانت دولة الرسول دولة شرعية تتصرف وفق قواعد شرعية، لا يملك رئيس الدولة بحكم الشرع أن يخضعها لميوله أو توجّهاته أو هواه الشخصي.
وجاء الخليفة ليحل بالقوة والتغلب والقهر محلّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وليقوم مقامه، ويمارس صلاحياته واختصاصاته. والمؤهل الوحيد لهذا القاهر المتغلب هو الغلبة، والغاية الوحيدة لهذا المتغلب هي المحافظة على الملك الذي غصبه، وتسخير موارد الدولة وإمكانياتها الضخمة لدوام هذا الملك خالصاً لشخصه واُسرته، أو مواليه وخاصته.
واستدعى هذا أن يخترع الخليفة معايير وموازين لم ينزل بها الله سلطاناً؛ فصار العطاء أو الرزق الشهري، وصار الدخول بالجيش والوظائف العامة مرهوناً بالولاء المطلق للخليفة والقبول بأفعاله مهما كانت، وطاعته حتّى على الكبائر، وعدم الخروج على طاعته مهما كانت الأسباب.
وتوضيحاً لموقف الأكثريّة لنفترض أن الخليفة رأى أن من مصلحة دولته إحراق بيت أهل بيت النبوة على أهله وهم أحياء. هذا الفعل جريمة وفق كل الشرائع الإلهية والوضعية، فإذا قال أحد المسلمين للخليفة: يا أمير المؤمنين، هذه جريمة، ولا يحلّ لك فعل هذا، فاتّقِ الله.
فأول ما يفعله الخليفة هو قطع العطاء والرزق الشهري الذي كان يتقاضاه ذلك الذي وصف فعل الخليفة بـ (أنه جريمة)، وثاني ما يفعله الخليفة هو حرمانه من وظائف الدولة، وثالث ما يفعله الخليفة هو وضعه في قائمة المشبوهين الذين لا يوالون دولة الخليفة ويوالون أعداءها.
هذه القرارات الثلاثة لا تشمل الرجل وحده، بل تشمل زوجته وأولاده، وقد تؤثر على بطنه وعشيرته فتحرق حاضر الجميع ومستقبلهم. وقد يستبد الغضب بالخليفة أو بعامله فيقتل هذا المعترض على ما فعله، ويهدم داره، ففي مثل هذه الأحوال مَن يجرؤ على الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر؟ ومَن يجرؤ على قول كلمة «لا»؟ فحياة كل فرد، وحياة كل اُسرة، وحياة كل بطن وكل عشيرة عملياً بيد الخليفة وأركان دولته؛ فقد تزهق روح الفرد قبل أن يرتد إليه طرفه.
ورزق الجميع؛ مجتمعين ومنفردين بيد الخليفة وأركان دولته، وقد يكون الرزق أو العطاء الشهري هو الدخل الوحيد للأكثريّة الساحقة من أفراد رعايا دولة الخلافة.
صحيح أن هنالك من الناس لا يتجاوز عددهم المئة، يملك كل واحد منهم الملايين بل المليارات من الدنانير الذهبية؛ كعبد الرحمن بن عوف، وطلحة والزبير، ولكن بقية أفراد الاُمّة يحصلون على رغيفهم المجبول بالذل والهوان يوماً بيوم بعد أن يدفعوا أعلى الضرائب؛ دينهم وشرفهم وكرامتهم ثمناً لهذا الرغيف. ومن الطبيعي بأن تكون على كلِّ واحد منهم التزاماته الخاصة لمحبيه، وأطفاله الذين يحبهم، ورغبته الجامحة بأن يبقى إلى جانبهم ليحميهم ويطعمهم.
في هذا المناخ ذلّت رقاب المسلمين ذلاً لم تذق اُمّة من اُمم الأرض مرّ ذلٍّ كذل المسلمين، ومات عندهم الشعور العام، وتخدّرت كافة أحاسيسهم فاستمرؤوا الذلّ، واستمرؤوا الحياة مع الذلّ، وأدمنوا بحبها، وارتاحوا إلى القول بأن هذا قضاء الله وقدره، وأن الصبر نصف الإيمان، وأن طاعة الخليفة واجبة كطاعة الرسول.
من يتتبع تاريخ دولة الخلافة يجد أن أكبر الكبائر، بل وكل الكبائر كانت قد ارتكبت في مجتمع دولة الخلافة من قِبل الخليفة وأركان دولته، وبأعصاب باردة، ودون أن يحسبوا أي حساب لأحد.
ونادراً ما تجد رجلاً واحداً قد أنكر هذه الكبيرة أو تلك، لماذا؟ لأنّ كلَّ فرد مقيد اقتصادياً بغُلٍّ لا مثيل له، ومقيد اجتماعياً وسياسياً، فهو قنٌّ وعبد مملوك بذاته وحاضره ومستقبله، يتصرف الخليفة تصرف المالك بعبيده!
قد يندهش بعض القرّاء ويرى أن في كلامنا شيئاً من المبالغة، لكن ما قلناه هو الحقيقة بعينها؛ فقد يأمر الخليفة ولاته بأن يأخذوا البيعة له من المسلمين على أنهم أقنان وعبيد له بالفعل، يتصرف بهم تصرف المالك بأقنانه وعبيده؛ فقد أخذ مسلم بن عقبة البيعة من أهل المدينة على أنهم فيءٌ لأمير المؤمنين يفعل في أموالهم وذراريهم ما يشاء(1) ، فإذا قال أحد من المسلمين: بل اُبايعك على كتاب
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 7 / 11 - 20.
الله وسنة رسوله. يعتبرها الخليفة غلطة كبرى ويضرب عنقه(1) .
قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: قال جابر بن عبد الله الأنصاري: لما خفت بسر بن أرطأة تواريت عنه، فقال لقومي: لا أمان لكم عندي حتّى يحضر جابر. فأتوني وقالوا: ننشدك الله لما انطلقت معنا فبايعت، فحقنت دماءنا ودماء قومك؛ فإنك إن لم تفعل قُتلت مقاتلينا، وسُبيت ذرارينا.
فاستنظرتهم الليل، فلما أمسيت دخلت على اُمّ سلمة (إحدى زوجات الرسول) فأخبرتها الخبر، فقالت: يا بُني انطلق، احقن دمك ودم قومك، فإني قد أمرت ابن أخي أن يذهب فيبايع، وإني لأعلم أنها بيعة ضلالة(2) .
هذه الواقعة تدلك بوضوح على طبيعة تعامل الخليفة وأركان دولته مع المسلمين، وعلى استهتاره بحياتهم ووجودهم وكرامتهم الإنسانيّة، فإن تغيّب فرد من أفراد العشيرة أو الجماعة عن تنفيذ أمر الخليفة فليس ما يمنع الخليفة من أن يقتل المقاتلة ويسبي الذرّية.
فأنت أمام حالة من الإرهاب والقمع لا مثيل لها في التاريخ، لقد ضاعت الأقلّية المؤمنة وذلّت، وشلّت حركتها شللاً كاملاً، وخرج كلُّ فرد من أفرادها باجتهادٍ مفاده أن الصبر أولى، والحياة خير من الموت.
وطارت الأكثريّة خلف مصالحها الدنيوية كلّ مطار، وضحّت من أجل تلك المصالح بنعمة الحرية التي كانت تتمتع بها حتّى في الجاهليّة، وضحّت بالكرامة، وبالكثير من القيم الإنسانيّة التي كانت تفخر بها حتّى في الجاهليّة، مثل: النخوة، والشهامة، والإباء، وإغاثة الملهوف.
لقد اختلطت الأوراق اختلاطاً عجيباً، فالاُمّة كلها تقف مع الخليفة الغالب أو تتظاهر بالوقوف معه، والاُمّة كلّها تخشى الخليفة وأركان دولته خشية الموت. لقد مات إحساسها، ولا فرق عندها أأصاب الخليفة أم أخطأ، أكان على الحق أو على الباطل، تماماً كقوم فرعون!
وما يميز قوم فرعون عن رعية الخليفة أنه كان في قوم فرعون رجال يكتمون إيمانهم، وينصحون فرعون وقومه علناً، ويخوّفون
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 7 / 11 - 20.
(2) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 157.
من عاقبة السوء، أمّا رعايا دولة الخلافة فلا تكاد تحسّ أن فيهم رجلاً واحداً يكتم إيمانه، وإن وُجد مثل هذا الرجل فهو مصاب بالخرس فلا ينطق، وأعمى فلا يرى، ويداه مقطوعتان فلا يقوى حتّى على الإشارة كما يفعل.
لقد نجح الخلفاء بإذلال المسلمين إذلالاً تاماً، وفي مناخ الذل أدمن المسلمون بالحياة مع الذل وتعوّدوا عليها؛ فيمكن للخليفة أن يهدم الكعبة، وقد هدمها بالفعل مرتين، ويمكن أن يدوس أقدس المقدسات، وأن يقتل حتّى أهل بيت النبوة ولا يجرؤ أحد من الناس أن يقول له كلمة «اُفٍّ»؛ لأنه لا عطاء ولا رزق ولا مكان في دولة الخلافة لمن يقول للخليفة أو لأركان دولته: لا.
لقد سيطرت دولة الخلافة على وسائل الإعلام، ووضعت مناهج التربية والتعليم التي تخدم غاياتها، وفرضت تلك المناهج على الرعية، وشكّلت الفهم العام عن الإسلام، ثمَّ فرضت كلَّ ذلك على المسلمين بقوّتها ونفوذها، وعبر إعلامها ومناهجها التربوية والتعليمية. وبتعبير أدق فإن الغاية عند دولة الخلافة تبرر الوسيلة، فأي وسيلة تخدم الخليفة ودولته وتساعده على الاحتفاظ بملكه وما في يديه مباحة بغض النظر عن شرعيتها أو عدم شرعيتها!
ولقد عمل الخليفة جاهداً على تجهيل رعيته بالإسلام الحقيقي، وحرص كلّ الحرص على أن لا يفهموا من الإسلام الحنيف إلاّ قشوره، وقدّمت وسائل إعلام دولة الخلافة الرجال الذين وقفوا مع النبيصلىاللهعليهوآله وأقاموا الدولة والاُمّة على أكتافهم بصورة أعداء الله، وقدّمت تلك الوسائل اُولئك الأشرار الذين حاربوا النبيصلىاللهعليهوآله وجمعوا عليه الجموع وألّبوا العرب عليه بصورة الملائكة الأخيار!
لقد قلبت دولة الخلافة الدين والتاريخ والجغرافيا رأسا على عقب مع سبق الترصد والإصرار، وجهلت الرعية تجهيلاً كاملاً، وسخّرت كلّ موارد الدولة وطاقاتها وإعلامها لفرض مفاهيمها المعكوسة عن الإسلام، وجعل تلك المفاهيم مقدّسة، ومن المسلّمات التي لا داعي لإعمال العقل فيها.
قدرٌ لا مفر منه
قاد الخلفاء الدين والاُمّة والدولة إلى نفق مظلم، إذا أخرجت يدك منه لم تكد تراها.
لقد خلط خلفاء البطون كلَّ الأوراق خلطاً عجيباً، فخلطوا الإسلام مع الشرك، والإمامة الشرعيّة مع الملك، والظلم مع العدل، والحق مع الباطل، والذلّ مع العز، والطاعة مع المعصية، وفرضوا على المسلمين بالقهر والقوة أن يتناولوا هذه المتناقضات معاً، وخيّروهم بين تناولها والحياة، أو بين رفضها والموت، فاختار المسلمون الحياة مع تناول هذه المتناقضات.
لقد غيّر الخلفاء مكان كل شيء ووضعوه في غير موقعه، لقد استدعت الضرورة إلى انتفاضة أو ثورة من نوع خاص لتنقذ ما تبقّى من الإسلام، ولتوقظ المسلمين من سباتهم العميق، وترفع الخلط الذي أوجده الخلفاء، وتفتح أمام الاُمّة أبواب التحرر والأمل والخلاص من الذلّ.
الدواعي الملحّة لإنتفاضة الإمام الحسينعليهالسلام وثورته
رأينا أنّ بطون قريش الـ 23 التي قاومت النبيصلىاللهعليهوآله وحاربته 23 عاماً بقيادة أبي سفيان وولديه: يزيد ومعاوية حتّى اضطرها الرسول للاستسلام، وأعلنت يوم استسلامها إسلامها مكرهة، رأيناها قد تمكّنت من إلغاء الترتيبات الإلهية المتعلقة بمنصب الإمامة أو الخلافة من بعد النبيصلىاللهعليهوآله ، وأنها قد تمكّنت من الاستيلاء على هذا المنصب بالقوة والقهر، فصارت الخلافة الشرعيّة ملكاً لمَن غلب، أو لمَن يعهد إليه ذلك الغالب.
وعموماً فإن الخليفة الغالب كان غير مؤهّل للقيادة؛ فهو طليق أو ابن طليق، أو اُلعوبة بيد الطلقاء الذين لا يعرفون من الدين إلاّ اسمه أو قشوره.
وباستيلاء بطون قريش الـ 23 على منصب الخلافة استولت تبعياً على موارد الدولة وسلطاتها وطاقاتها ونفوذها، وحازت كل شيء حيازة تامة، وسخّرت كلّ موارد الدولة للمحافظة على هذا الملك الذي غصبته، وتوسيع رقعته، وحرمان أهل بيت النبوة ومَن والاهم من الصحابة المخلصين من هذا الملك ومن منافعه، أو من المشاركة؛ بحجة أن النبي من بني هاشم، وقد أخذ الهاشميّون النبوة، وهي تكفيهم؛ فتكون الخلافة حقاً خالصاً للبطون، وتشترك مع أوليائها في منافع الدولة وامتيازاتها على سبيل التفّرد والاختصاص!
وفي البداية أعلنت دولة الخلافة ضمنياً أنها لن تعطي لأي مسلم أيّ حقٍّ من حقوقه، ولن تستعمله لعملها،
ولأي وظيفة من وظائفها إلاّ إذا كان موالياً للخليفة وأركان دولته، ومعادياً لأعداء الخليفة وأعداء دولته.
ومع أنّ عصر الخلفاء الثلاثة الاُول عصر ذهبي وراشد إذا ما قيس بعصور الخلفاء الذين جاؤوا من بعد الأربعة، ومع هذا لم يصدف أن استعمل أي خليفة منهم رجلاً واحداً موالياً لأهل بيت النبوة، أو كارها للخلفاء الثلاثة إلاّ شخصاً واحداً استعملاه للدعاية.
ولما آلت مقاليد الحكم والخلافة إلى معاوية أعلن وبكلِّ صراحة وخطياً بسلسلة من مراسيمه الملكية بأنه لا عطاء ولا مكان بدولته لأي إنسان لا يواليه ولا يطيعه، ولا عطاء ولا مكان بدولته لأي إنسان يحب علي بن أبي طالب وأهل البيت، ومن ثبتت موالاته لعلي وأهل بيت النبوة فيتوجب على ولاة معاوية أن ينكلوا به ويهدوا داره(1) ، وإذا جهر مواطن من رعايا دولة الخلافة بهذا الحب، وامتنع عن مسبة علي بن أبي طالب فإنّ عقوبته حسب قوانين دولة البطون هي الموت صبراً.
وما فعله معاوية بالصحابي الجليل حجر بن عدي وأصحابه المخبتين الصالحين دليل قاطع على ذلك؛ فقد قتلهم صبراً بتهمة رفضهم الشتم ولعن عدو الخليفة علي بن أبي طالب. ولا مانع لدى الخليفة من نهب أموال الذين لا يوالونه، وقتل أطفالهم كما فعل بسر بن أرطاة.
ولم تكتف دولة الخلافة بذلك، بل فرضت على رعاياه أن يعلنوا رضاهم بكل ما يفعله الخليفة وأركان دولته، وأن يعرفوا بأنه لا حق لهم بالاعتراض على فعل من أفعال الخليفة.
وجاءت وسائل إعلام هذه الدولة ومَن سار في ركابها من علماء السوء، فألقوا بروع الناس أنّ محبة الخليفة وطاعته، وعدم معصيته، وعدم الخروج عليه، والقبول بأعماله كلها واجبات دينية مفروضة على كلِّ ذكر واُنثى من رعايا دولة الخلافة.
وأن الخليفة ليس مسؤولاً أمام أحد؛ فبإمكانه أن يظلم، وأن يعطل الحدود، ويضيق الحقوق، ويغصب الأموال، ويضرب الأبشار، ومع هذا تبقى طاعته فرضاً مقضياً على كلِّ فرد من أفراد الرعية، ولا يجوز الخروج عليه، والخروج عليه حرام بإجماع علماء دولة الخلافة(2) .
ثمَّ إنه لا علاقة لأحد من
____________________
(1) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد نقلاً عن المدائني في كتابه الأحداث 3 / 595 تحقيق حسن تميم.
(2) راجع صحيح مسلم 6 / 20 - 22 باب «الأمر بلزوم الجماعة» و12 / 229 بشرح النووي، وسنن البهيقي 8 / 158 - 159، وكتاب التمهيد لأبي بكر الباقلاني - باب «ما يوجب خلع الإمام» طبعة القاهرة 1366.
الرعية بالمسلك الشخصي للخليفة؛ فإن كان الخليفة فاسقاً فتجب طاعته، ولا علاقة لأحد بفسقه(1) .
لقد خُلق الخليفة الغالب ليطاع، وليحكم، وخلقت الرعية لتطيعه وتقبل بحكمه إن أرادت السلامة في الدنيا والجنة في الآخرة، وإذا رفض فرد من أفراد الرعية ذلك فلا عطاء له ولا رزق، ولا مكان له في دولة الخلافة ولا في المجتمع «الإسلامي». ويتولى الخليفة وأركان دولته قتله بتهمة شق عصا الطاعة، ومفارقة الجماعة، ويوم القيامة يدخل النار جزاء وفاقاً لمعصيته لخليفة البطون.
وأمام هذه الآلية المحكمة من إرهاب الدولة اقتصر دور الرعية على الطاعة والقبول بأفعال الخليفة مهما كانت. نحن أمام نظام يرفع شعار الدين ويقوم بعمل المجرمين، نحن أمام نظام الفراعنة، ولكنه يلبس لباس الدين؛ نظام يديره اُولئك الذين حاربوا رسول الله ودينه بكل وسائل الحرب حتّى اُحيط بهم، فاستسلموا وتظاهروا بالإسلام.
وبعد موت النبيصلىاللهعليهوآله استولوا على منصب الخلافة بالقوة والغصب، وحكموا الاُمّة باسم الإسلام الذي لا يعرفونه، وهم كانوا بالأمس من أشد أعدائه؛ فكمموا الأفواه، وصادروا الحريات، وغصبوا الحقوق والأموال، وقتلوا النفوس المحرمة، وأذلوا عباد الله، وزيفوا الدين وحرفوه، وسخّروه مطية لمطامعهم وأهوائهم، وعاثوا في الأرض فساداً على سنة من آل فرعون؛ فذلت الاُمّة واستذلت أكثريتها، واختارت الحياة مع الذل، والعافية على الموت. وكانت الاُمم الكافرة تتفرج عليها وهي تتآكل من الداخل، وتتعجب كيف تمكن الخلفاء من قلب كل شيء هذا الانقلاب المريع!
لقد أدرك الإمام الحسينعليهالسلام بوصفه الإمام الشرعي، وبوصفه الوارث الوحيد للنبيصلىاللهعليهوآله أن الاُمّة تعيش أخطر مراحل حياتها، وأنه لا بدّ للإسلام من منقذ، ولا غنى للاُمّة عمن يوقظها من سباتها العميق، وإن تُركت الاُمّة على ما هي عليه فقد تعتقد الاُمم الاُخرى أن الإسلام في حقيقته ما هو إلاّ الإسلام الذي تمارسه دولة الخلافة، والنظم التي تتبناها دولة الخلافة وإن كانت إسلاميّة في ظاهرها، ولكن لا
____________________
(1) راجع المراجع السابقة.
علاقة الإسلام بجوهرها ومحتواها.
ثمَّ ترك الأمر وشأنه؛ فقد تنجح دولة الخلافة بفرض مفهومها السطحي والسقيم للإسلام، وإجبار الاُمّة على تبنيه. ومع العادة والتكرار وضغط وسائل إعلام دولة البطون يصبح إسلام الخليفة وأركان دولته هو الإسلام، ولا إسلام غيره بعد أن تنجح دولة الخلافة بتحريف الكلم عن مواضعه، وتبديل مضامين دين الله الحنيف، وتحريفه بعدما اعتدل.
لكلِّ هذه الأسباب كان الإمام الحسينعليهالسلام موقناً أنه لا بدّ من انتفاضة، وثورة من نوع خاص تعيد الإسلام لمساره الصحيح، وتقدمه للعالم بوجهه المشرق، وتنقذ الاُمّة من ذلها، وتفضح خزعبلات وألاعيب دولة الخلافة ومتاجرتها بالدين.
ولكن الإمام الحسينعليهالسلام موقن أيضاً بأن الأمر ليس بهذه السهولة؛ فدولة النبي حكمت الجزيرة وأهلها سنتين، ودولة الخلفاء حكمت بضعاً وخمسين سنة، وخلال مدة حكمها الطويل أوجدت سنناً ورسختها أكثر من سنن رسول اللهصلىاللهعليهوآله نفسه.
مَن يجرؤ على الانتفاضة؟
الكلمة العليا في المجتمع الإسلامي كله كانت للخليفة وأركان دولته؛ فالخليفة وأركان دولته هم وحدهم من الناحية الرسمية والفعلية والأعداد الصحيحة يقولون ويفعلون، وما عداهم كسور. فالقلة المؤمنة اختفت نهائياً عن مسرح التأثير على الحياة، وقررت أن تكتم إيمانها كما فعل المؤمنون في المجتمعات الكافرة للاُمم السابقة، والأكثريّة الساحقة من الاُمّة سلّمت ويئست من المقاومة بعد أن أدركت أن الخليفة لا يُقهر.
وإنّ أُمة ألقت وسائل إعلامها بروع الناس أن رضا الله من رضا الخليفة، وبعد أن اكتشفت أن مفاتيح كل شيء بيد الخليفة فلا شيء يمنعه من أن يقتل أياً كان، أو أن يترك أياً كان؛ إنه الطاغية القاهر فوق الرعية، فمَن يخطر بباله مثل هذه الظروف أن ينتفض أو أن يثور؟! ومَن يجرؤ على قيادة الثورة؟ ومن يجرؤ على تأييد الثورة أو الالتحاق في صفوفها؟
ثمَّ لنفترض أن أحدهم قد ثار، فإنّ الخليفة وأركان دولته سيخمدون الثورة قبل أن يسمع بها أحد، وسيصوّرون الثائر إعلامياً بصورة الكافر الشاق لعصا الطاعة، والمفارق للجماعة، العاصي والخارج على «أمير المؤمنين وخليفة رسول رب
العالمين»! ثمَّ يقوم الخليفة بتقطيع الثائر إرباً إرباً أمام الاُمّة، وستتفرج الاُمّة عليه وهو يُقطّع أوصال ضحيته دون أن تقوى على أن تقول: «لا»؛ لأن كلمة لا حُذفت عملياً من قواميس اللغة.
إنّ الإمام الحسينعليهالسلام هو المؤهل الوحيد للقيام بانتفاضة وقيادة ثورة؛ فهو في قاموس الشرعيّة الإلهية الإمام الشرعي من بعد أبيه وأخيهعليهمالسلام ، ثمَّ إنه الوحيد من ذرّية النبيصلىاللهعليهوآله ، فليس في بلاد الإسلام مَن هو أقرب للنبي منه؛ فهو ابنه، وهو حفيده وحبيبه، وسيد شباب أهل الجنة، وكلّ المسلمين وعلى رأسهم الخليفة يعلمون ذلك علم اليقين.
ولنترك المجال للإمام الحسينعليهالسلام ليعرف نفسه بالمزايا التي تفرد بها واختص بها عن غيره. قال الإمام الحسينعليهالسلام مخاطباً القتلة من جيش الخليفة: « أمّا بعد، فانسبوني، فانظروا مَن أنا، ثمَّ ارجعوا إلى أنفسكم فعاتبوها، فانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟! ألستُ ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه، وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه؟!
أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟! أوَ ليس جعفر الطيار ذو الجناحين عمي؟! أوَ لم يبلغكم قول مستفيض فيكم أن رسول الله قال لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟! فإن صدّقتموني بما أقول - وهو الحق - فوالله ما تعمدت كذباً...، ولإن كذبتموني فإن فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم.
سلو جابر بن عبد الله الأنصاري، أو سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك يخبروكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟!
فإن كنتم في شكٍّ من هذا القول أفتشكّون أثراً ما أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة... »(1) .
وقال الإمام الحسينعليهالسلام لرجل من أهل الكوفة: « والله، لو لقيتك بالمدينة
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 318، والإرشاد للمفيد / 234، والكامل لابن الأثير 2 / 561، وبحار الأنوار 45 / 6، والعوالم 17 / 250، وأعيان الشيعة 1 / 601، ووقعة الطف / 206، والموسوعة / 419 - 421.
لأريتك أثر جبريل من دارنا، ونزوله على جدّي بالوحي. يا أخا الكوفة، مستسعى العلم من عندنا، أفَعلموا وجهلنا؟! هذا لا يكون »(1) . فعلم الحلال والحرام، والصواب والخطأ، والفيصل بين الشرع والهوى هو قول الإمام الحسينعليهالسلام ؛ لأنه الإمام المؤهّل لقيادة الاُمّة، ووارث علم النبوة والكتاب.
ثمّ إنّ العرب كلها تعرف الإمام الحسينعليهالسلام ؛ فهو العالم الفذ الذي لا يدانيه عالم، والشخص الفريد من نوعه الذي واجه جيشاً وبرباطة جأش، وببأس لا مثيل له، وهو الرجل الشامخ المقام الذي واجه محنة تهد الراسيات بأعصاب فولاذية، ولم يهن ولم يستسلم، وهوالذي أقدم بمحض اختياره على تقديم روحه دفاعاً عن الحق.
فالإمام الحسينعليهالسلام كان أوحد زمانه؛ لأنه الإمام الشرعي؛ فهو الأعلم، وهو الأتقى، وهو الأفضل. كان متألقاً كالشمس الطالعة في النهار، وكالبدر في ظلمات الليل، فكان هو الوحيد المؤهل ليبعث انتفاضته، وليقود ثورة من نوع خاص؛ فلن يقوى الخليفة وإعلام دولته على التشكيك بدين الإمام، أو النيل من مكانته، أو إقناع المسلمين بخزعبلات ودعايات إعلام دولة الخلافة التي يسمون بها عادة أعداء الخليفة ودولته.
مَن هم المنتفضون والثوّار؟
لقد قرر الإمام الحسينعليهالسلام أن يستجيب لنداء الواجب ولدوره التاريخي، لقد قرر أن ينتفض وأن يكون أول ثائر، وعزم على تحمل مسؤولية قيادة الانتفاضة المباركة وقيادة الثورة.
ولكن في ذلك المناخ الذليل مَن يجرؤ على الانتفاضة، ومَن يجرؤ على الثورة، ومَن يجرؤ على تأييد قائد الثورة الإمام الحسينعليهالسلام ، ومَن يجرؤ على الالتفاف حوله والسير معه إلى نهاية الشوط؟! بل ومَن يستطيع أن يصافح الإمام الحسينعليهالسلام أو يجتمع معه؟! فعمّ الذل والإرهاب في ذلك المجتمع، وأماتا فيه كل قيم الإسلام وقيم النخوة والإباء.
يبدو أن الإمام الحسينعليهالسلام قد أراد المنتفضين
____________________
(1) بصائر الدرجات 11 ح1، والكافي 1 / 398 ح3، وبحار الأنوار 6 / 157 و 45 / 93، والموسوعة / 347.
والثوار من نوعية خاصة ليتمكّنوا من القيام بانتفاضة وثورة من نوع خاص؛ فمنذ اليوم الأوّل لإعلان موقف الإمام الحسينعليهالسلام :
1 - نهض آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، وأهل بيت النبوة، وذوو القربى، وأعلنوا إنضواءهم تحت راية الحسينعليهالسلام وتأييدهم له، ومباركتهم لخطواته، واستعدادهم للمضي معه قدماً حتّى الشهادة في سبيل الله؛ وتبعاً لهم انضمت نساؤهم وذراريهم، وهكذا تكوّنت الخلية الأولى من خلايا الانتفاضة والثورة، وهذه الخلية عبارة عن آل البيت، وأهل البيت، وذوي القربى مع نسائهم وأطفالهم.
إنّ هذه الخلية الأولى تتكوّن من أولاد الرسول وأحفاده وبناته، ومن أبناء عمومة الرسول وأحفادهم، وهذه فئة يعرفها كل المسلمين بما فيهم الخليفة وأركان دولته، ولا يخفى شرفها ومكانتها على أحد من الناس؛ إنهم عائلة الرسول، وحرمة الرسول؛ فهم أحد الثقلين الذي أمر رسول الله بالتمسك بهما، وهم آل محمّد الذين لا تجوز صلاة عبد إن لم يصلِّ عليهم، وهو أهل المودة في القربى الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم ومسلمة، وهم أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
فماذا عسى الخليفة أن يقول عنهم؟ وبماذا يمكن لوسائل إعلام دولته أن تصفهم؟ فقول الخليفة وأركان دولته مقابل قول الله ورسوله، فهل في الدنيا كلها عاقل واحد يمكنه أن يكذّب الله ورسوله ويصدق الخليفة وأركان دولته؟!
ثمَّ إنّ هذه الفئة المباركة هي سنام القدسية في المجتمع الإسلامي، فهل يعقل أن يدوس الخليفة على قدسية هذه الفئة أمام كلِّ المسلمين؟! وإن داس عليها علناً فما الذي يبرّر وجوده وشرعيّة هذا الوجود كحاكم للمسلمين إذا داس على أقدس مقدّساتهم وهو آل محمّد وأهل بيته وذوو قرباهعليهمالسلام .
صحيح أن الخليفة وأركان دولته يمكنهم أن يهدموا الكعبة المشرفة إذا اقتضت مصلحتهم ذلك، وقد هدموها بالفعل، ولكن هل يعقل أن يقتلوا ابن النبي الوحيد في مشارق الأرض ومغاربها، وأحفاد النبي، وبني عمومته، وأن يسبوا بنات النبي وبنات عمومته؟!
إنّ فرعون مصر وهامانه، ونمرود ووزراءه أسمى وأجل من أن يفكّروا بذلك، فهل [يُعقل] أن يفعل (خليفة المسلمين) ما يخجل فرعون ونمرود عن فعله؟! وهل يُعقل أن يفعل أركان دولة الخليفة ما يستحيي هامان
ووزراء نمرود عن فعله؟! فإن فعل الخليفة وأركان دولته ذلك فما هم إلاّ كفرة ملحدون، يتسترون بلفظ الشهادتين ومظاهر الإسلام وقشوره؛ ليحكموا مجتمعاً يدين أفراده بدين الإسلام!
ثمَّ إن فعل الخليفة وأركان دولته ذلك فما هو المتبقي من التبريرات لسكوت الاُمّة وخنوعها وهي تشاهد الخليفة وأركان دولته وهم يدوسون على آخر ما تبقّى لهم من مقدّسات، خاصة وأن انتفاضاتهم سلمية، وثورتهم قائمة على الدين والمنطق والحوار، ولا يطلبون إلاّ الحق، فما الذي يمنع الخليفة من إعطائهم هذا الحق، ومن رفع ظلاماتهم والاستماع لمطالبهم في ملأ من الناس؟!
2 - وأيد انتفاضة الإمام الحسينعليهالسلام وثورته أيضاً بالإضافة لآل محمّدصلىاللهعليهوآله مجموعة من نخبة الاُمّة الإسلاميّة، وهم أهل البصائر، وأهل النخوة والإيمان والتضحية طمعاً برضوان الله وجنته، وقد وصفهم أحد القادة الموالين للخليفة بقوله لجنوده:... أتدرون مَن تقاتلون؟ إنما تقاتلون فرسان المصر، وأهل البصائر، وقوماً مستميتين...(1) . هذه شهادة عدوهم بهم.
صحيح أن هذا العدو لا أخلاق له ولا دين، ولا يمكن الاعتداد بشهادته؛ لفساد دينه وخلقه وتردّي إنسانيته، لكن الظروف التي جرت فيها الشهادة، والأسباب الدافعة لتلك الشهادة، وسماع المئات لها دون أن ينفي صحتها أحد منهم، مع أنه يثاب على النفي ولا يعاقب، كل هذا يجعلنا نجزم بصحة هذه الشهادة.
فالذين وقفوا مع الحسينعليهالسلام من أبناء الاُمّة الإسلاميّة وأيّدوه هم نخبة في قمة الإباء والرجولة؛ فهم فرسان وفي قمة الوعي؛ لأنهم أهل بصائر، ومن الملحدين بثقافة الهوان والذل؛ لأنهم طلاب موت لا طلاب حياة، وأن شرفهم وتفوّقهم وتميزهم مستمد من أعمالهم، وأصيل في نفوسهم.
وقد أثبتت مجاري الأحداث طبيعة تلك النخبة التي اختارها الله تعالى لتقف مع الإمام الحسينعليهالسلام ، ومع آل محمّد، وأهل بيت النبوة، وذوي القربى؛ فقد تحملوا مشاق رحلة الشهادة فلم يهنوا ولم يحزنوا، وليلة المذبحة طلب منهم الإمام الحسينعليهالسلام أن ينسحبوا في جنح الليل وستره، وأن يتركوه وحده ليواجه
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 5 / 435.
مصيره؛ لأن القوم إنما يطلبونه، فإن ظفروا به (ذهلوا عن غيره)، وبيّن لهم الإمام بأنه ليس له في أعناقهم بيعة ولا عليهم ذمّة، وأنه راضٍ منهم، لكن أهل بيت النبوة والنخبة التي التحقت به من أبناء الاُمّة الإسلاميّة رفضت ذلك رفضاً قاطعاً، ورأت أن ذلك عار الدنيا وشنارها إذا تركت إمامها وحيداً للوحوش الكاسرة.
وفي صبيحة المذبحة أراد شباب أهل بيت النبوة أن يتقدّموا للقتال، فأبت تلك النخبة المباركة وأصرّت على أن تقاتل بين يدي الإمامعليهالسلام وأهل بيت النبوة حتّى تفديهم وتموت دونهم.
اُولئك هم أصحاب الحسينعليهالسلام ، واُولئك هم الرجال الذين اختارهم الله من اُمّة كاملة ليموتوا بين يدي الإمام الحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ، ولينالوا شرف الشهادة دفاعاً عن الحق وأهله، وهم قلة لا يتجاوز عددهم التسعين رجلاً. ومن المدهش حقاً أن فيهم عرباً وموالي، وفيهم من عرب الشمال وعرب الجنوب، وفيهم الشباب وفيهم الشيوخ!
الناجون الراشدون
قال الإمام الحسينعليهالسلام : « وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمَن أطاعني كان من المرشدين، ومَن عصاني كان من المهلكين »(1) . فالذين اتبعوا الإمام الحسينعليهالسلام كانوا من الناجين الراشدين، والذين لم يتبعوه كانوا من الهالكين؛ لأن الإمام الحسينعليهالسلام كان كما كان جده وأبوه المعيار الموضوعي بين الحق والباطل، وبين النجاة والهلاك.
حزب الله وحزب الشيطان
قال الإمام الحسينعليهالسلام لأصحابه: « أصحابي، إن القوم قد استحوذ عليهم الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون ». وأنشد يقول:
تعدّيتمُ يا شرَّ قومٍ ببغيكمْ |
وخالفتمُ فينا النبيَّ محمّدا |
____________________
(1) راجع مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 6، وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 206، وبحار الأنوار 45 / 8، والعوالم 17 / 251، والموسوعة / 424.
أما كان خيرُ الرسل أوصاكم بنا |
أمـا كان جدي خيرة الله أحمدا |
|
أما كانت الزهراءُ أمي ووالدي |
عليٌّ أخا خير الأنام المسددا(1) |
والثابت أن حزب أهل بيت النبوة هو حزب الله، وأن مَن يخالفهم من حزب إبليس(2) .
والخلاصة: إنّ الذين وقفوا مع الإمام الحسينعليهالسلام هم حزب الله، وهم صفوة الله من خلقه في زمانهم، وهم الفئة المؤمنة حقاً، وهم أحباب الرسولصلىاللهعليهوآله ، أمّا الذين خذلوا حسيناً وأهل بيت النبوة، ولم ينصروهم، بل وقفوا مع عدوهم وقاتلوهم فهم حزب الشيطان حقاً، وهم الخاسرون، وهم الفئة الباغية(3) ؛ لأن رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد أخبر الاُمّة بأن الفئة الباغية هي التي تقتل الإمام الحسينعليهالسلام .
ثمَّ إذا لم يكن قتلة الإمام الحسينعليهالسلام ومبيدوا آل محمّد وأهل بيته [هم] الفئة الباغية، فمن تكون هذه الفئة إذاً؟! وإذا لم يك قتلة الإمام الحسينعليهالسلام وأعداء الحسين هم حزب الشيطان، فمن يكون حزب الشيطان إذاً؟! وإذا لم يكن الذين أيّدوا الإمام الحسينعليهالسلام ووقفوا معه ودافعوا عنه وماتوا دفاعاً عنه وعن آل محمّد هم حزب الله في زمانهم، فمن يكن حزب الله؟!
____________________
(1) معالي السبطين 1 / 348، بحار الأنوار 45 / 41، والعوالم 17 / 283، والموسوعة / 426 - 427.
(2) راجع الصواعق المحرقة لابن حجر / 91 و140، وإحياء الميت للسيوطي بهامش الإتحاف / 114، ومنتخب الكنز بهامش مسند الإمام أحمد 5 / 93، وينابيع المودة للقندوزي الحنفي / 298.
(3) راجع مقتل الإمام الحسينعليهالسلام للخوارزمي 1 / 87 - 88، وذخائر العقبى للطبري / 119، انظر إلى وصف الإمام الحسنعليهالسلام لهم بالفئة الباغية الفتوح 5 / 79، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 26، ومثير الأحزان / 46، وأعيان الشيعة 1 / 595.
الفصل الرابع
رحلة الإمام الحسينعليهالسلام للشهادة في سبيل الله
الطريق إلى الموت
يوم امتنع الإمام الحسينعليهالسلام عن مبايعة يزيد كان موقتاً أنه قد سلك الطريق إلى الموت، وأن يزيد وجنوده سيقتلونه، وسيقتلون أهل بيت النبوة إن عاجلاً أم آجلاً، وأن مسألة قتلهم مسألة وقت ليس إلاّ.
وقد خصصنا بحثاً في الفصول السابقة بعنوان «يقين الإمام الحسين» أثبتنا فيه أن الإمامعليهالسلام كان يعرف أين يُقتل، وكيف يُقتل، ومَن يُقتل معه، ومتى يُقتل، ومَن هم القتلة.
كان موقناً أن المنايا يرصدنه ليبقى دائماً على طريق الموت لا يحيد عنها قيد أنملة، وكان الإمام دقيقاً إلى درجة التصوير الفني عندما تمثّل بقول يزيد بن المفرّع الحميري وهو يدخل لوداع جده العظيم:
يوم اُعطى مخافة الموت ضيماً |
والمنايا ترصدنني أن أحيدا(1) |
ومع يقين الإمامعليهالسلام أنه يسلك هو وأهل بيته الطاهرين وأصحابه الصادقين الطريق إلى الموت، وأن الفرعون وجنوده سيطاردونهم حتّى يظفروا بهم، وأنهم سيقتلونهم أشنع قتلة، إلاّ أن الإمام قد صمم بأن يكون موته وموت أهل بيته وأصحابه الصادقين موتاً من نوع خاص يليق بعظمة الإمام وطهر أهل بيت النبوة، وجلال وشموخ الصادقين من أصحابه؛ موتاً ينالون به أعظم درجات الشهادة عند الله تعالى، وهكذا وصّاه الجد العظيم يوم جاء الحسينعليهالسلام لوداعه(2) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 271، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 186، وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 195، ووقعة الطف / 83، والموسوعة / 286.
(2) راجع الفتوح 5 / 20، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 186، وبحار الأنوار 44 / 328، والعوالم 17 / 177، والموسوعة / 287.
يريده الإمام موتاً بحجم عظمة المهمة والأهداف التي خرج لتحقيقها، موتاً يكشف حقيقة الفرعون وجنوده.
استغلال فترة المطاردة
مثلما صمّم الإمام الحسينعليهالسلام على أن يكون موته وأهل بيته وأصحابه من نوع خاص، كذلك صمم الإمام على استغلال فترة مطاردة الاُمويِّين له، وما تبقّى له من حياة أحسن استغلال؛ لتسمع الاُمّة كلها بخروجه، ولإقامة الحجة عليها، وليكشف الاُمويِّين على حقيقتهم البشعة، ولفضح يزيد ونظامه، وليعلن باسم الله ورسوله وباسم الاسلام الذي يمثّله بطلانَ الخلافة، وعدم شرعيتها، وبطلان كافة الفتاوى الفارغة التي كانت تضفي هالة من القداسة الزائفة على الخليفة الجبّار المتغلب، وتُحرّم معصيته والخروج عليه.
وليظهر الخليفة المتغلب بصورته الحقيقية كغاصب ما ليس له، وجالس بالقهر بالمكان الذي خصصه الله لغيره(1) ، وكمدّع لما ليس له(2) ، وكمطيع للشيطان، وتارك للرحمن، ومبطل للحدود، وشارب للخمور، ومستأثر بأموال المسلمين(3) ، وكمفسد كبير في ثوب مصلح، وكقائد لحزب الشيطان(4) ، وكإمام فاسق يحكم بالجور والعدوان(5) .
والإمام يريد من الاُمّة ومن العالم كله أن يتساءل: كيف يمكن التوفيق بأن ادّعاء الخليفة أنه «خليفة رسول رب العالمين»، وبين أعماله الإجراميّة المنبثقة عن سلوكه الشخصي القذر، ومسيرته الإرهابيّة كحاكم مستهتر بالأموال والأرواح،
____________________
(1) راجع الفتوح 5 / 11، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 182، وانظر إلى قول الإمام برسالته لأشراف البصرة « وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه، وورثته وأحق الناس بمقامه... » في تاريخ الطبري 3 / 280، ومثير الأحزان / 27، وبحار الأنوار 44 / 340، وأعيان الشيعة 1 / 590، ووقعة الطف / 107.
(2) الإرشاد للمفيد / 224، والكامل لابن الأثير 2 / 552، واللهوف / 24، وأعيان الشيعة / 596، وبحار الأنوار 44 / 377.
(3) راجع تذكرة الخواصّ / 217، والموسوعة / 326.
(4) معالي السبطين 1 / 348، وبحار الأنوار 45 / 41، والعوالم 17 / 283.
(5) الفتوح 5 / 35، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 195، والموسوعة / 313، وراجع المراجع في البند الثاني لتر تركيز الإمامعليهالسلام على جورهم وعدوانهم.
وبأحكام الدين، وطويته الفاسدة التي تضمر الحقد والبغض للبقية من آل الرسولصلىاللهعليهوآله (1) ؟ !
والإمامعليهالسلام يريد من الاُمّة أن تستفيق من غفلتها ومن نومها العميق، ومن تطرّفها وحبها للحياة مع الذل؛ فالعيش كالمرعى الوبيل هو خسة؛ فالحق لا يُعمل به، والباطل لا يُتناهى عنه، والموت للخلاص من هذه الحياة ما هو إلاّ شهادة، والحياة مع الظالمين ليست إلاّ برماً (2) .
ويريد الإمام الحسينعليهالسلام من الاُمّة أن ترجع لدينها وتعرف مَن هم الذين اختارهم الله ولاة لأمرها فتلتفّ حولهم، وتتخلّى عن طاعة بني اُميّة؛ فإنها إن فعلت ذلك فإن يزيد سيسقط تلقائياً.
لقد تمكّن الإمام خلال فترة المطاردة، وبوسائل محدودة، ومن خلال تصريحاته وخطبه ومقابلاته التي كانت تفيض بالصدق واليقين، وأنبل المشاعر نحو الدين والاُمّة من أن يوصل ما أراد إيصاله للاُمّة، ومن إقامة الحجة عليها وعلى الاُمويِّين معاً.
وتمكّن خلال الفترة المتبقّية له من الحياة من أن يضرب المثل الأعلى بالشجاعة والتضحية والإقدام، والإقبال على الموت بنفس مطمئنة راضية في سبيل نصرة الحق، ولا يخفى ما لذلك من أثر في بعث الحياة باُمّة أذلها الاُمويِّون فذلّتِ، وما لذلك من أثر في تحجيم بني اُميّة وجنودها كعصاة وكأعداء لله ولرسوله، وكقتلة مجرمين لا همّ لهم إلاّ مصالحهم الأنانية الضيّقة.
والأهم أنه مزّق وبمنتهى القوة كافة البراقع والمظاهر الزائفة التي كانوا يتسترون بها، وعرّاهم وكشفهم للاُمّة وللعالم كله حقيقتهم البشعة.
الحوار بين لغة الدين والمنطق، ولغة المخالب والأنياب
لقد ترك الإمام الحسينعليهالسلام جوار جدّه العظيم وهو كاره، وخرج وهو كاره، وتمنّى لو اُتيحت له الفرصة ليبقى في المدينة، ويتنقل في بلاد الإسلام، ويدخل
____________________
(1) راجع الفتوح 5 / 11، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 182.
(2) تاريخ الطبري 3 / 307، وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 214، ومقتل الخوارزمي 1 / 237 على سبيل المثال.
مع يزيد وجنوده في حوار بلغة الدين والمنطق، ويقنعهم أنه الأولى بسلطان النبي وميراثه، والأحق، وأنه الإمام الشرعي المؤهل إلهياً لهذا المنصب، وأنه الأولى بمبايعتهم لهم، وأن يزيد الذي يصر على أخذ البيعة من الإمام الحسينعليهالسلام أو أن يضرب عنقه ليس مؤهلاّ للخلافة والقيادة؛ لا في سلوكه، ولا في سيرته، ولا في علمه، ولا في تاريخ أبيه وجده الدموي المتميز بعداوة صارخة لله ولرسوله؛ فصدور يزيد وجنوده أضيق من أن تتسع بذلك، وأسماعهم أضعف من أن تطيق سماع ذلك.
لقد اتّسع فرعون مصر على جبروته بموسى وهارون، وأتاح لهما الفرصة ليدليا بما عندهما، وسمع منهما حجتهما كاملة، بل وأتاح لهما الفرصة ليثبتا صحة هذه الحجة على مرأى ومسمع من الشعب المصري كله.
وكان موسى آمناً خلال فترة طرحه لما جاء به، ولم يتعرض له فرعون بسوء، وعندما التقى موسى بالسحرة على مشهد من الناس ليثبت صحة ما جاء به، كان موسى آمناً لم يتعرض له فرعون ولا جنوده بالسوء، وعندما نجح موسى بهزيمة السحرة أمام الناس لم يتعرض له، ولم يقتله، بل اتهمه والسحرة بالمكر، وتركهم أحياء، وتركهم طلقاء.
ليت فرعون - يزيد - المسلمين قد تخلّق بأخلاق فرعون مصر وأتاح للإمام الحسينعليهالسلام ما أتاحه فرعون مصر لموسى! ليته منح الإمام الحسينعليهالسلام الفرصة والحرية التي منحها فرعون مصر لموسى! ليته سمع حجة الإمام الحسينعليهالسلام كاملة وأتاح له الفرصة ليثبت صحة ما جاء به، وما عنده، وأعطاه الحرية والأمن إلى حين على الأقل لما كان هنالك داع للخروج، ولما كانت هنالك ضرورة لنثر شمل أهل بيت النبوة وتشتيتهم في البلاد، ومطاردتهم بهذه الهمجية والوحشية التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً!
إنّ فرعون مصر لم يطلب من موسى أن يبايعه، ولم يطلب منه أن يعترف بشرعيّة حكمه؛ لأنه يدرك بأن طلبه غير معقول وغير منطقي.
إنّ فرعون مصر لم يخيّر موسى بين الاعتراف بشرعيّة حكمه أو بالموت كما فعل يزيد عندما أمر واليه
على المدينة أن يأخذ البيعة من الحسين وإن أبى أن يضرب عنقه(1) ، أو أن يأخذه أخذاً شديداً ليست فيه رحمة حتّى يبايع(2) .
فيزيد ابن معاوية يسوم الإمام الحسينعليهالسلام عمداً وبغضاً، ويعامله معاملة السوقة، ويتصرف بالمغصوب تصرف المالك، ويريد من صاحب الحق أن ينسى حقه، وأن يبارك للغاصب ما غصب.
يريد من ابن النبي وأهل بيت الطهارة أن يصفقوا للماجن على مجونه، وللخليع على خلاعته، وللفاسق على فسقه، وإن لم يفعلوا ذلك فلا داعي لأن يسمع الخليفة كلامهم؛ فيزيد أقل وأذل من أن يرتقي إلى مستوى فرعون مصر ليعطي الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته من الفرص والأمان ما أعطاه فرعون لموسى.
فالطاغية لا يجد ولا يعرف أصلاً لغة الحوار بالدين والمنطق، إنه وجنوده يعرفون ويجيدون لغة المخالب والأنياب والإرهاب، والبطش والقسوة، فلو ظفر وجنوده بالإمام الحسين وأهل بيت النبوة لقطعوهم إرباً إرباً وبمنتهى الوحشية والهمجية، ولما سمع بمقالتهم وحجتهم أحد، ولأشاعت وسائل إعلام دولة الخلافة أن الإمام وأهل بيت النبوة قد انتحروا، أو أكلوا طعاماً مسموماً فماتوا.
وليس من المستبعد ان يتظاهر الاُمويِّين بالحزن على الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته، وأن يتظاهروا بالبراءة، ويلبسون القفازات البيض وأيديهم ملطخة بدماء الجريمة، وكل هذا يفرض على الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيت النبوة أن يخرجوا في جنح من الليل، وأن لا يمكنوا جيش الطاغية من إلقاء القبض عليهم.
طبيعة رحلة الشهادة
عندما امتنع الإمام الحسينعليهالسلام عن بيعة يزيد بن معاوية كان موقناً أن المواجهة قد بدأت بينه وبين يزيد تماماً كما بدأت بين موسى وفرعون مصر. وعندما خرج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة المنورة كان لديه الإحساس العميق بأنه يفر من يزيد وجنوده تماماً كما فر موسى من فرعون مصر وجنوده.
كان الإمام
____________________
(1) راجع كتاب الفتوح لابن أعثم 5 / 10، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 180 - 185، واللهوف / 9 - 10، ومثير الأحزان / 14 - 15.
(2) راجع تاريخ الطبري 6 / 188 باب «بيعة يزيد بن معاوية».
الحسينعليهالسلام موقناً أنه وأهل بيته وأصحابه غرباء تماماً، يسيرون في مملكة بني اُميّة بلا ناصر ولا معين، بين قوم قلوبهم غلف لا يعون ولا يرحمون.
وقد أثبتت الوقائع بالفعل في ما بعد؛ لأن فرعون مصر وجنوده كانوا بمنتهى الرحمة والخلق إذا ما قيست أفعالهم بأفعال جيش الاُمويِّين، فعندما غادر الإمام المدينة المنورة تلا قوله تعالى:( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (القصص /21)(1) ، وهو عين ما قاله موسى عندما فرّ من فرهون مصر وجنوده.
والإمام الحسينعليهالسلام الذي اختاره الله إماماً، وأعدّه وأهّله لا يلقي الكلام على عواهنه، إنما يبرز بكلامه ومقارنته أدق المخفيات بصيغة يفهمها المكلفون فهماً كاملاً؛ لتقوم الحجة عليهم وفق موازين الحق ومعاييره.
ولمّا وصل الإمام الحسينعليهالسلام إلى مكّة تلا قوله تعالى:( وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيل ) (القصص /22)(2) ، وهو عين ما قاله موسى عندما ابتعد نسبياً عن الخطر، وعندما أشرف على مدين.
فالتمثّل بقول موسى في مكانين مختلفين، وفي فترتين زمنيتين متباعدتين يعكس بوضوح وحدة المحنة بين النبي موسى والإمام الحسينعليهماالسلام ، ووحدة الجو النفسي بينهما، والتشابه بالحالتين، والتطابق في طبيعة الخصمين، ووحدة المعاناة؛ وإبرازاً لهذا فإن الإمام الحسينعليهالسلام يستعين بإعجاز القرآن ليضع الاُمّة معه في موقفه وطبيعة معاناته، وليستصرخ لا شعورها لنصرته.
الخارطة الجغرافية والإعلاميّة لرحلة الشهادة
من المدينة إلى مكّة
قبل أن يخرج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة إلى مكّة بادئاً رحلة الشهادة كتب الرسالة التي وجهها إلى بني هاشم، والتي تحدثت عن اُمور غيبية لم تحدث بيقين
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 272، والكامل لابن الأثير 2 / 531، والإرشاد / 202، ووقعة الطفِّ / 85، والعوالم 17 / 181، وينابيع المودة / 402، وأعيان الشيعة 1 / 588، والموسوعة / 299.
(2) راجع الإرشاد للمفيد / 202، وبحار الأنوار 44 / 332، والعوالم 17 / 181، والكامل لابن الأثير 2 / 531، وتاريخ الطبري 3 / 272، والفتوح 5 / 25، وأعيان الشيعة 1 / 588، ووقعة الطف / 586، والموسوعة / 305.
قاطع أثارت فضول أهل المدينة، وعرفوا مضمونها، وجاء فيها: « بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم. أمّا بعد، فإنَ مَن لحق بي منكم استشهد، ومَن تخلّف لم يبلغ الفتح. والسّلام »(1) .
ثمّ إنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد اجتمع مع نساء بني هاشم عندما اجتمعن للنياحة والبكاء لمّا سمعن بعزم الإمام على الخروج، وتكلّمت النسوة مع عمته اُمّ هانيء، واجتمع معها الإمام الحسينعليهالسلام . ومن خلال المعلومات التي وصلت إلينا يبدو واضحاً أن الإمام الحسينعليهالسلام قد استشرف أمامهن رحلة الشهادة، وأحاطهن علماً بمآل هذه الرحلة، واُمّ هانيء التي روت للإمام الحسينعليهالسلام تفاصيل الهاتف الذي سمعته(2) .
ومن الطبيعي أن يكون حديث الإمام الحسينعليهالسلام مع الهاشميات قد انتشر بين نساء المدينة خلال يومين أو ثلاثة من اجتماع الإمام بهن. ثمَّ هل يعقل أن تجتمع الهاشميات للنياح والبكاء، وينحن ويبكين، ولا تسأل نساء المدينة عن السبب؟!
وقد أفضى الإمام الحسينعليهالسلام بتصريحات أمام ابن الزبير(3) ، والمسور بن مخرمة(4) ، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام(5) ، وعبد الله العدوي(6) .
ثمَّ إنّ الإمام الحسينعليهالسلام كتب لأخيه محمّد بن الحنفيّة كتاباً سمّاه «الوصية» بيّن فيه الغاية من خروجه، جاء فيه: « وإني لم أخرج أشراً ولا بطراً، ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدي؛ اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق
____________________
(1) بصائر الدرجات 481 ح5، واللهوف / 28، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 76، ومثير الأحزان / 39، وبحار الأنوار 44 / 330 و42 / 81، والعوالم 17 / 179.
(2) راجع بحار الأنوار 55 / 88، وأعيان الشيعة 1 / 888، ومقتل الحسين للمقرم / 152، ومعالي السبطين 1 / 214، والموسوعة / 295 - 296.
(3) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 11، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 182، وتاريخ الطبري 3 / 270، والكامل لابن الأثير 2 / 530، ووقعة الطف / 80.
(4) راجع تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 202، والموسوعة / 288.
(5) راجع تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 202، والموسوعة / 289.
(6) أنساب الأشراف 3 / 155، والفتوح لابن أعثم 5 / 25، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 189.
فالله أولى بالحق، ومَن ردّ عليَّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين... »(1) .
ثمّ إنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد أجرى حواراً موسّعاً مع أخيه محمّد بن الحنفيّة، وأذن له بالبقاء في المدينة، وشاع بين سكان أهل المدينة أن الإمام قد كتب وصيته وسلّمها لمحمد بن الحنفيّة، فمن الطبيعي أن يسأل أهل المدينة ابن الحنفيّة عمّا جرى، وعن مضمون الوصية، بل ومن الطبيعي أن يسأله أمير المدينة وأركان إمارته أن يبعثوا ليزيد بن معاوية بكل ما سمعوه من أخبار الإمام الحسينعليهالسلام .
ولم يخرج الإمام الحسينعليهالسلام من المدينة إلاّ بعدما أقام الحجة كاملة على أهلها، وبعدما يئس من نصرتهم له. ولو كان عند الإمام الحسينعليهالسلام أي أمل بنصرة أهل المدينة وحمايتهم له ولأهل بيته لما خرج منها.
ولقد عبّر الإمامعليهالسلام عن شعوره بالمرارة وخيبة الأمل فيهم، وعن غضبه منهم بأكثر من مناسبة؛ فقد شكا أمام قبر جدهصلىاللهعليهوآله قائلاً: « أنا فرخك وابنُ فرختك، وسبطك في الخلف الذي خلفت على اُمّتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني وضيّعوني، وأنهم لم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتّى ألقاك »(2) .
ومثل قول الإمامعليهالسلام : «... وقد سمعت رسول الله يقول: الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان، وعلى الطلقاء أبناء الطلقاء، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه. فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما أمروا به، فابتلاهم الله بابنه يزيد زاده الله في النار عذاباً »(3) .
ومثل قول الإمامعليهالسلام مناجياً رسول الله أمام قبره الشريف: « لقد خرجت من جوارك كرهاً، وفرّق بيني وبينك حيث إني لم اُبايع ليزيد بن معاوية شارب الخمور، وراكب الفجور، وها أنا خارج من جوارك على الكراهة، فعليك مني السلام »(4) .
وغاية الإمام الحسينعليهالسلام من الخروج منصبّة على البحث عن مأوى آمن
____________________
(1) بحار الأنوار 44 / 329، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 89، والعوالم 17 / 179.
(2) راجع الفتوح 5 / 19، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 186، والعوالم 17 / 177.
(3) الفتوح لابن أعثم 5 / 17، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 184، والموسوعة / 285.
(4) المنتخب للطريحي / 410، وناسخ التواريخ 2 / 14، وينابيع المودة / 401، والموسوعة / 288.
يأوي إليه وأهل بيته، فلو كان الإمام واثقاً أن المدينة هي المأوى الآمن، وأن أهلها سيمنعونه ويحمونه لما كانت هنالك ضرورة لرحلة الشهادة؛ فأهل المدينة أعرف بالإمام وبمكانته من غيرهم، ويعرفون أنه المظلوم وصاحب الحق الشرعي مثلما يعرفون تاريخ يزيد ومعاوية وأبي سفيان، وهو تاريخ أسود.
ومع هذا، ومع سبق الترصد والإصرار خذل أهل المدينة الإمام الحسينعليهالسلام خذلاناً تاماً، وتجاهلوا خروج الإمامعليهالسلام ، وتجاهلوا العهد والموثق الذي قطعوه على أنفسهم أمام رسول اللهصلىاللهعليهوآله بأن يحموه ويحموا أهله كما يحمون أنفسهم وذراريهم.
والخلاصة: إنّ الإمام الحسينعليهالسلام لم يغادر المدينة إلاّ بعدما كان موقناً بأن أهلها خاذلوه لا محالة، ومع هذا لم يغادر المدينة إلاّ بعدما أسمع حجته لرجالها ونسائها، ولشيوخها وشبابها، وبعدما أقام الحجة كاملة عليهم، وعلى أركان دولة الخلافة في المدينة المنورة. ولما تيقّن الإمامعليهالسلام أنه قد فعل ذلك كله غادر المدينة متوجّها إلى مكّة، وكان ذلك في ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب من سنة ستّين للهجرة.
خرج الإمام الحسينعليهالسلام ببنيه وإخوته وجلّ أهل بيت النبوة إلاّ محمّد بن الحنفيّة(1) من المدينة نهائياً إلى مكّة المكرمة، وهو يتلو قوله تعالى:( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (القصص/21)(2) .
وفي رواية ثانية أن الإمامعليهالسلام قد خرج من المدينة يريد مكّة بجميع أهله، وذلك لثلاث ليال مضين من شهر شعبان في سنة ستّين للهجرة، وهو يتلو الآية...(3) .
وأثناء مسيرته إلى مكّة لزم الطريق الأعظم، وأبى أن يحيد عنها، وقال لمسلم بن عقيل الذي أشار عليه بالعدول عن الطريق: « والله يابن عمي، لا فارقت هذا الطريق أبداً أو أنظر إلى أبيات مكّة، أو يقضي الله في ذلك ما يحب ويرضى »(4) .
____________________
(1) الموسوعة / 299.
(2) تلاوته للآية في تاريخ الطبري 3 / 274، والكامل لابن الأثير 2 / 531، والعوالم 17 / 181، وأعيان الشيعة 1 / 888.
(3) اللهوف / 13، والفتوح لابن أعثم، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 181.
(4) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 189، وينابيع المودة / 402، والموسوعة / 299، وتاريخ الطبري 3 / 276.
فالإمام الحسينعليهالسلام لا يخفى خروجه على أحد؛ فهو يسلك الطريق العام علناً، بل هو يجهد نفسه ليعلم كل المسلمين بخروجه، ولتكون أسباب الخروج معروفة عند كل مسلم ومسلمة بمن فيهم يزيد وأركان دولته؛ لأن الإمامعليهالسلام لا يطلب ملكاً كابن الزبير، ولا يتلبّد لملك كابن عمر، إنما هو صاحب حق، وصاحب رسالة معني من كل الوجوه بإبلاغ مضامين تلك الرسالة إلى كافة المكلّفين من حاكمين ومحكومين على السواء.
في مكّة المكرمة
لو أخذنا بالرواية الاُولى التي تقول: إن الإمام الحسينعليهالسلام قد خرج من المدينة المنورة متوجهاً إلى مكّة المكرمة في اليوم الثالث من شهر شعبان، لقدّرنا أن الإمام قد وصل إلى مكّة المكرمة في منتصف شهر شعبان.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الإمام أدّى العمرة وخرج من مكّة قبل إتمام الحج؛ كراهية منه أن تستباح به حرمة البيت الحرام(1) ، فمعنى هذا أن الإمام الحسينعليهالسلام قد بقي في مكّة قرابة أربعة أشهر تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً.
هذه المدة الكافية أتاحت له فرصة للاجتماع مع أهل مكّة، ومع وفود الحجيج التي جاءت من مختلف البلاد الإسلاميّة، ومن الطبيعي أن يطلعهم الإمامعليهالسلام على خروجه وعلى أسباب هذا الخروج، وأن يبيّن لهم حاجته إلى مأوى آمن يأوي إليه، وإلى قوم يمنعونه وأهل بيته بطريقة مهذّبة لا تخدش كبرياء الحق الذي يمثله.
ومن الطبيعي أن يتوافد المسلمون عليه للإسلام، وتقديم الاحترام لابن النبي الوحيد المتبقي على وجه الأرض، وطمعاً بالبركة، وتقرباً للنبيصلىاللهعليهوآله .
ومن المؤكد أنهم أصغوا إليه، وأنه قد ملكهم بحديثه المميز؛ فقد أسر حديثه حتّى خصومه، وأخالهم قد استمعوا إليه بشغف بالغ، وعزّ عليهم ما يعانيه الإمام وأهل بيت النبوة في محنتهم تلك، وأخالهم قد ودّعوه وقبّلوا يده وعيونهم تفيض بالدمع، وألسنتهم ترجوه الدعاء لهم، ثمَّ اختفوا ليمارسوا عادات العبادات.
وهكذا أقام عليهم الحجة كاملة غير منقوصة، وشهدوا على أنفسهم من حيث لا يشعرون بأن ابن النبي وأهل بيت النبوة قد استنصروا فلم يُنصَروا، وطلبوا
____________________
(1) ابن نما / 89، وتاريخ الطبري 6 / 177، ومقتل الحسينعليهالسلام للمقرم.
الدعم فلم يُدعموا، واستحموا فلم يحمهم أحد، وبيّنوا الحق وطلبوا من المسلمين اتباعه فأعرض المسلمون عنهم، وهذا قمة ما هو مطلوب من الإمام؛ فالإمام ملزم ببذل عناية لا بتحقيق غاية، مكلف بأن يبيّن الحق ويقيم الحجة على الناس، لكنه ليس مكلفاً بأن يجبر الناس إجباراً على اتّباع الحق.
ويبدو مؤكداً أن الإمام الحسينعليهالسلام قد اجتمع في مكّة مع عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب(1) ، وقد حببا إليه البقاء والعودة معهما إلى المدينة، وخوّفاه من سيف يزيد بن معاوية وجنده، وقال له ابن عمر: ارجع إلى المدينة، وإن لم تحب أن تبايع فلا تبايع أبداً.
فقال له الإمام الحسينعليهالسلام : « هيهات يابن عمر! إنّ القوم لا يتركوني إن أصابوني، وإن لم يصيبوني فلا يزالون حتّى اُبايع وأنا كاره أو يقتلوني ». وقال له الإمام الحسينعليهالسلام أيضاً: « اتقِ الله يا ابا عبد الرحمن ولا تدعنّ نصرتي ».
ثمّ أقبل الإمام الحسينعليهالسلام على عبد الله بن العباس فقال: « يابن عباس، إنك ابن عمِّ والدي... فإني مستوطن بهذا الحرم ومقيم فيه أبداً ما رأيت أهله يحبّوني وينصروني، فإذا هم خذلوني استبدلت بهم غيرهم... واستعصمت بالكلمة التي قالها ابراهيمعليهالسلام يوم اُلقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل ».
فبكى ابن عمر وابن عباس بكاءً شديداً، والحسين يبكي معهما ساعة، ثمَّ ودّعهما وعاد ابن عمر وابن عباس إلى المدينة(2) .
ويبدو واضحاً أن الإمامعليهالسلام قد قابل عبد الله بن الزبير، ويبدو واضحاً أن ابن الزبير قد شجّع الإمام على الخروج من مكّة إلى الكوفة، ومن المؤكد أن الإمام يعرف ابن الزبير ومطامعه بدليل قول الإمامعليهالسلام : « ها إنّ هذا ليس شيئاً يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق، وقد علم أنه ليس له من الأمر
____________________
(1) راجع تاريخ ابن عساكر ح645 و 646، وتهذيبه 4 / 329، وأنساب الأشراف ح21 / 163، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 192 - 193، والفتوح لابن أعثم 5 / 42 - 43، ومثير الأحزان / 29، وتاريخ الطبري 6 / 216.
(2) راجع الفتوح 5 / 26، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 19، ومثير الأحزان / 41، والموسوعة / 206 - 209.
معي شيء، وأن الناس لا يعدلوه بي، فَودّ أني خرجت منها لتخلو له »(1) . هذه نماذج من مقابلة الإمام لبعض ملأ القوم في مكّة.
ويبدو واضحاً أنّ عبد الله بن عباس مشفق وناصح، وصادق العاطفة نحو الإمام الحسينعليهالسلام ، ولكن شيخوخته وطعنه في السن إلى جانب مرضه وفقدانه لبصره قد منعاه من الخروج معه.
أمّا عبد الله بن عمر فهو يطمع بالخلافة ذات يوم، ولم لا؟ فهو ابن عمر الذي قاد بطون قريش الـ 23، وواجه النبي نفسه، وعيّن الخليفة الذي أراد، ثمَّ ورث دولة مستقرة بعد موت الخليفة الأوّل، وبقدرة قادر صار حبيب الجماهير وفاتنها.
لقد ورث ابن عمر تاريخاً، لكنه لا يريد أن يخرج كما خرج الإمام الحسينعليهالسلام ، فلو خرج مع الإمام الحسينعليهالسلام لكان خروجه لمصلحة غيره، ولدخل في مقامرة قد تنجح ويأخذ ثمرتها غيره، أو لا تنجح فيدفع ضريبة هو في غنى عنها، والأفضل له أن يصافح الخليفة وأركان دولته، وأن يجاملهم، بل ويساعدهم ويشجّع الناس على بيعتهم تحت شعار الدخول في الصلح ووحدة المسلمين، فيتجنب شر الخليفة وأركان دولته، وينال نصيباً وافراً مما في أيديهم، فيبقى هو العلم بوصفه ابن الخليفة، وهو الرقم الصحيح من رعية كلِّها أصفار أو كسور؛ لذلك اختار ابن عمر أن يكون دائماً مع الغالب!
وهو صاحب النظرية الشهيرة التي صارت في ما بعد مبدأً دستورياً من مبادئ دولة الخلافة «نحن مع مَن غلب»(2) ، ومع هذا فإن ابن عمر لم يقطع صلته بالمعارضة؛ فهو يبكي أمام الإمام الحسينعليهالسلام ، ويوحي له بأنه متعاطف معه ومشفق عليه، ويرى ما لم يره الإمام، ويتمنى على الإمام أن يدخل في صلح يزيد وأن يبايع يزيد، وأن يعود إلى المدينة ليصبح مطيعاً كرعية يزيد!
من الطبيعي أنّ يزيد وأركان دولته سيسمعون بكلِّ ما قاله عبد الله بن عمر، وسيرتاحون لموقفه، ويغدقون عليه الصلات والعطايا باعتباره حكيماً من حكماء دولة الخلافة، وهكذا يقنع عبد الله بن عمر نفسه بأنّه مع
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 294، والكامل لابن الأثير 2 / 546، والبداية والنهاية 8 / 172، وأعيان الشيعة 1 / 593، ووقعة الطف / 148، والموسوعة / 319.
(2) راجع الأحكام السلطانيّة لقاضي القضاة أبي يعلى، المتوفّى سنة 458 هـ / 7 - 8 و 20 - 23.
الجميع، وأنه حبيب الجميع، وليس من المستبعد أن يعهد له أحد الخلفاء في ما بعد بالخلافة.
وحتّى تأتي تلك اللحظات السعيدة يعيش ابن عمر آمناً مرفّهاً ونجماً متألّقاً، وعالماً مشهوراً من علماء دولة الخلافة؛ يفتي بضرورة البيعة، ويفتي بالصلاة خلف كلِّ بر وفاجر، وتقديم الطاعة لمَن غلب كائناً مَن كان... إلخ.
أمّا عبد الله بن الزبير، فقد صدق عمر بن الخطاب عندما وضع الزبير بوزن الإمام عليعليهالسلام ، ووضع أبناء أصحاب الشورى بوزن أبناء الرسولصلىاللهعليهوآله ، فهو في قرارة نفسه يعتقد أنّ أباه أولى بالخلافة من عليعليهالسلام ، وأنه أولى بالخلافة من أولاد عليعليهالسلام ، ولكن حجمه ووزنه يقصران به عن منافسة الإمامعليهالسلام .
لكنه يتمنى كبقية أبناء الخمسة الذين اختارهم عمر لمنافسة الإمام عليعليهالسلام ، واختار ابناءهم لمنافسة أبناء الإمام عليعليهالسلام . نعم، يتمنّى أن تبتلع الأرض ذرّية الرسول ليخلو له وجه الخلافة، وليتألق في غيابهم كما يحلو له.
فلو أن الثلاثة وقفوا مع الإمام الحسينعليهالسلام ونصروه، لخلقوا تياراً هائلاً من التأييد للإمام الحسينعليهالسلام في المدينة، ولوقف مَن تبقّى من الصحابة وأبناء الصحابة وقفة واحدة خلف الإمام الحسينعليهالسلام ، ولكان عسيراً على يزيد وأركان دولته أن يفعلوا ما فعلوا بعباد الله، لكن لكل واحد من الثلاثة ملف خاص، وحسابه الخاص به.
قصة الأمان والرغبة بإدانة الإمام الحسينعليهالسلام
تتحدث بعض الروايات أن عبد الله بن جعفر قد كتب إلى الإمام الحسينعليهالسلام كتاباً جاء فيه: أمّا بعد، فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي؛ فإني مشفق عليك... وإن هلكت اليوم طفئ نور الأرض؛ فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين...
وأنّه قد طلب من عمرو بن سعيد بن العاص عامل يزيد على مكّة أن يكتب أماناً للحسين، وأن يمنّيه البر والصلة، ويبعثه إليه... وبالفعل كتب عمرو بن سعيد بن العاص الأمان للحسينعليهالسلام ، إلاّ أن الإمام الحسينعليهالسلام قد رفض هذا الأمان(1) .
ونصحه الحكماء كعبد الله بن
____________________
(1) تاريخ ابن عساكر ح 653، وتقريب التهذيب 2 / 601، وتاريخ الطبري 6 / 219، وكامل ابن الأثير 4 / 17، والبداية والنهاية لابن الأثير 2 / 163.
عمر(1) ، وعبد الله بن العباس(2) ، وعبد الله العدوي(3) ، والواقدي، وزرارة(4) ، وحتّى الحكيمات المسلمات كعمرة بنت عبد الرحمن كتبن إليه يعظمن ما يريد الإمام أن يصنعه، ويأمرنه بالطاعة ولزوم الجماعة، ويخبرنه أنه يساق إلى مصرعه(5) .
ويروي الرواة أنّ ابن عمر كان يقول: غلبنا حسين بن علي بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، ورأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس؛ فإنّ الجماعة خير(6) .
ويروي بعض المؤرّخين أنّ عبد الله بن عمر قال للإمام الحسينعليهالسلام : لا تخرج؛ فإنّ رسول الله خيّره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنّك بضعة منه، فلا تعاطها - يعني الدنيا -... فاعتنقه وودّعه...(7) .
وحتّى مروان بن الحكم بن العاص الملعون ابن الملعون على لسان رسول اللهصلىاللهعليهوآله ينصح الإمام الحسينعليهالسلام قائلاً: يا أبا عبد الله، إنّي ناصح فأطعني تُرشد وتُسدد.
فقال له الإمام الحسينعليهالسلام : « وما ذلك؟ قل حتّى أسمع ».
فيقول له مروان: إني آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد؛ فإنه خير لك في دينك ودنياك(8) !
ويذهب بعض من المؤرّخين إلى أن الإمام الحسينعليهالسلام قد خرج من المدينة متوجّهاً إلى العراق...
فطاعة الخليفة وفق هذه الثقافة فرض على كلِّ مسلم ومسلمة؛ لأنه قد خُلق ليُطاع، والقبول بأفعال الخليفة واجب على كلِّ مسلم ومسلمة، ومعصية الخليفة جرم بحق الله وبحق رسوله قبل أن يكون جرماً بحقِّ الخليفة، والخارج على الخليفة هو شاق لعصا الطاعة، وخارج على الجماعة قبل أن يكون خارجاً
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 249، والفتوح لابن أعثم 5 / 72.
(2) الفتوح لابن أعثم 5 / 26، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 19.
(3) أنساب الأشراف 3 / 155.
(4) دلائل الإمامة / 74، ومثير الأحزان / 39، وبحار الأنوار 44 / 364.
(5) تاريخ ابن عساكر ح 653 وما بعده، وتقريب التهذيب 2 / 607.
(6) راجع الكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 531، والبداية والنهاية 8 / 158.
(7) تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 200.
(8) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 17، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 184.
على الخليفة، وبالتالي فإنّ الخروج على الخليفة حرام (بإجماع المسلمين)، وجريمة من جرائم الخيانة العظمى بغض النظر عن شخصية الخارج؛ لأنّ الخروج على الخليفة مهما كان دينه أو خلقه أو أفعاله حرام بإجماع أهل القبلة!
تلك هي الثقافة الفاسدة لدولة الخلافة، فالإمام الحسينعليهالسلام بالنسبة لقواميس هذه الثقافة خارج على الطاعة، مفارق للجماعة، ومتولٍّ لغير ما تولّى المؤمنون، ولكن نظراً لمكانة الإمام الحسينعليهالسلام ، وقربه من رسول الله يتمايل إعلام دولة الخلافة وعلماء الخلفاء، ويسلكون الطرق الملتوية لإفهام العامة بذلك، وبطرق غير مباشرة.
هم لا يقولون بصراحة ذلك عن الإمام الحسينعليهالسلام ، ولكنهم يصرحون بذلك عبر أساليب ملتوية، وبطرق غير مباشرة. قال يزيد بن معاوية لعلي بن الحسينعليهالسلام بعد مذبحة كربلاء: أبوك - يعني الإمام الحسينعليهالسلام - الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت. (كما قال الطبري ذلك في تاريخه).
فيزيد موقن وفق ثقافة دولة الخلافة أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قد جهل حقّ يزيد بالطاعة، ونازعه سلطانه الذي أعطاه الله له، وبالتالي فإنّ العقوبة من جنس العمل وحجمه.
فالمؤرّخون يتبنّون النظرية الرسميّة لدولة الخلافة، والفتاوى الرسميّة لعلماء دولة الخلافة المتعلقة بقضية الخروج، ولكنهم يتمايلون لإيصال مضامين هذه النظرية بطرق غير مباشرة. ومن وسائلهم الاختلاق وخلط الأوراق، وخلط المتناقضات خلطاً يتعذر معه الوقوف على الحقائق الموضوعية المجردة.
ثمّ كيف يبرّر علماء دولة الخلافة ومؤرّخوها خذلان «حكماء القوم» ومَن تبقّى من المهاجرين والأنصار للإمام الحسينعليهالسلام ، وسماحهم بحدوث المذبحة وبالصورة البشعة التي حدثت بها؟! بل وكيف تتفق واقعة المذبحة مع تفاصيل نظرية عدالة كلِّ الصحابة التي اخترعها معاوية وأركان دولة الخلافة؟!
لقد رأوا أنه من الأنسب تخطئة الإمام الحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام على تخطئة حكماء القوم وأبناء المهاجرين والأنصار. وليضفوا على أنفسهم رداء الحياد والموضوعية أطالوا الطريق، والتفّوا حول الحقائق؛ طمعاً بطمسها وتزويرها أو التشكيك بها.
ثمّ هل يعقل أن تسمح دولة الخلافة للمؤرّخين والعلماء بتأريخ أو بفتاوى تدينها؟! فالدولة في كل عصر هي الرقيب الصارم على المطبوعات والنشر
والفتاوى، وصاحبة السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام.
ثمَّ كيف تبرّر دولة الخلافة وأشياعها عملاً ببشاعة مذبحة كربلاء أمام الاُمم الاُخرى، ومعتنقي الرسالات الاُخرى؟! فرأت أنّ التضحية بالإمام الحسين وبأهل بيت النبوةعليهمالسلام أولى من التضحية بالخليفة وأركان دولته وطواقم مؤيديه؛ لهذا كلّه دسّوا من الروايات ما اعتقدوا بأنها تدين الإمامعليهالسلام وتشوه نهضته المباركة.
ولست أدري بأي منطق صارت نصائح «حكماء القوم»، وفتاوى علماء دولة الخلافة، وخزعبلات أعلامها صواباً، وصارت تصريحات الإمام الحسينعليهالسلام وفتاويه خطأً؟!
ومَن الذي شهد لهم بذلك؟ فلماذا لا يكون الإمام مصيباً وهم مخطئون مثلاً؟ ثمَّ مَن هو الأولى بالاتّباع؛ الإمام الحسينعليهالسلام ، أم حكماء القوم وعلماء دولة الخلافة؟!
فهل حكماء القوم وعلماء دولة الخلافة هم الثقل الأصغر؟! وهل هم أهل بيت النبوة المشهودة لهم بالطهارة؟! وهل هم آل محمّد، أو ذوو القربى؟! بل هل هم الأعلم؟! فكل علم يدعونه ينتهي إلى الرسولصلىاللهعليهوآله ، فأيّهما أولى بعلم الرسول وصوابه؛ ابنه المقيم وإيّاه تحت سقف واحد، والمُعدّ للإمامة إلهيّاً، أم اُولئك الذين لم يروا رسول اللهصلىاللهعليهوآله إلاّ لماماً؟!
فهل يعقل أن يعلم «حكماء القوم وعلماء دولة الخلافة»، ويجهل إمام أهل بيت النبوة؟! هذا أمر لا يكون بالفعل.
وهل المطلوب حتّى يكون الإمامعليهالسلام مصيباً أن يسلّم عنقه ليزيد حتّى يبايع أو يُقتل؟!
إنّ أوامره واضحة: «خذ البيعة من الحسين، وإن أبى فاضرب عنقه»(1) ، أو «خذه أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتّى يبايع»(2) .
فإذا كنّا لا نرى استهجاناً في حكماء القوم وعلماء دولة الخلافة ليزيد بن معاوية، أو لغيره من أئمة الجور ومن فراعنة الاُمّة، فلا يمكن لعاقل أن يصدّق أنّ رجلاً بعظمة الإمام الحسينعليهالسلام ، وبيقينه
____________________
(1) مثير الأحزان / 14 - 15، واللهوف / 9 - 10، والفتوح لابن أعثم 5 / 10، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 180 - 185.
(2) تاريخ الطبري 6 / 188، باب «خلافة يزيد بن معاوية».
من ربه، وفئة بعظمة أهل بيت النبوة يمكنها أن تبايع رجلاً منحرفاً فاسداً كيزيد بن معاوية. فلا أنا ولا أنت ولا أي إنسان لديه إحساس بالكرامة وبالانتماء لدين الإسلام يقبل ذلك.
وقد جرت العادة في عالم الإجرام أن يتنصّل المجرمون من جرائمهم، فيحمّلون الضحية وزر الجريمة، أو يطمسون الأدلة التي تثبت الجريمة، أو يقلبون الحقائق أو يزوّرونها في غياب الضحية، لكن القتلة الذين نفّذوا فصول الجريمة فصلاً فصلاً يعرفون وقائعها، ويعيشون حياتهم ملاحقين بالأشباح، غارقين بالدمويّة.
أمان عمرو بن سعيد بن العاص
قال الواقدي في مغازيه: إنّ عمر بن الخطاب قال لسعيد بن العاص: إنّي لأراك معرضاً، تظن أنّي قتلتُ أباك، والله ما قتلته(1) .
فعمر بن الخطاب بهذه الطريقة الذكية يريد أن يذكّر سعيد بن العاص بأنّ علي بن أبي طالبعليهالسلام هو قاتل أبيه، وعمرو هذا هو ابن سعيد. ومعنى ذلك أن والد الإمام الحسينعليهالسلام قد قتل جد عمرو بن سعيد، وقتل أعمام عمرو، فكيف ينسى عمرو قاتل جدّه وأعمامه، وكيف يتجاهل ذلك وهو الموتور ابن الموتور، وكيف يتحول من حاقد على علي بن أبي طالب وذرّيته إلى محبٍّ ومشفق عليهم، يتبرع بإعطاء صكوك الأمان لهم؟!
عندما قُتل الحسينعليهالسلام أرسل ابن زياد عبدَ الملك بن الحارث السلمي، فقال له: انطلق حتّى تقدم المدينة على عمرو بن سعيد بن العاص فبشّره بمقتل الحسين. وإنّ عمرو هذا أمير المدينة يومئذ.
قال عبد الملك: فدخلت على عمرو بن سعيد، فقال: ما وراءك؟
فقلت: ما سرّ الأمير؛ قُتل الحسين بن علي.
فقال: نادِ بقتله.
فناديت، فلم أسمع والله واعية قط مثل واعية نساء بني هاشم في دورهن على الحسين، فقال عمرو بن سعيد ضاحكاً:
عجّت نساءُ بني زيادٍ عجةً |
كعجيج نسوتِنا غداةَ الأرنبِ |
____________________
(1) راجع مغازي الواقدي 1 / 92، وكتابنا الموجهة / 169 - 171.
ثمَّ قال: هذه واعية بواعية عثمان بن عفان. هذا ما رواه الطبري في تاريخه عن عوانة بن الحكم.
وقال أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني»: بعد خروج الحسين أمر عمرو بن سعيد بن العاص صاحب شرطته على المدينة أن يهدم دور بني هاشم، ففعل، وبلغ منهم كل مبلغ(1) .
لست أدري، كيف نوفّق بين أفعال عمرو بن سعيد وحقده وبين إشاعة إعطائه الأمان للإمام الحسينعليهالسلام ، ورفض الإمام لهذا الأمان؟! إلاّ إذا اعتبرنا أن عمرو بن سعيد قد أعطى كتاب الأمان كخدعة ليلقي القبض على الإمام الحسينعليهالسلام ، وعمرو هذا مؤهل لذلك، والإمام الحسين أهل لأن يكشف مثل هذه الخدع.
ثمَّ إنّ يزيد بن معاوية وهو رأس الدولة وفرعونها يأمر واليه على المدينة بأن يأخذ البيعة من الإمام الحسينعليهالسلام ، وإن أبى أن يضرب عنقه، فهل يملك عمرو بن سعيد أن يتجاهل أوامر الذي عيّنه أميراً وأن يعطي الأمان للحسين؟!
يبدو أن أركان الخلافة لا يتقنون الكذب! ثمَّ إنّ أولاد عبد الله بن جعفر خرجوا مع الإمام الحسينعليهالسلام بمحض اختيارهم، ومباركة أبيهم وعلمه، واستشهدوا معه.
ويروي الطبري في تاريخه أنه لما بلغ عبد الله بن جعفر مقتل ابنيه مع الحسينعليهالسلام دخل عليه بعض مواليه والناس يعزونه، فقال: هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين! فحذفه عبد الله بن جعفر بنعله، ثمَّ قال: يابن اللخناء! أللحسين تقول هذا! والله لو شهدته لأحببت أن لا اُفارقه حتّى اُقتل معه. والله إنه لما يسخي بنفسي عنهما، ويهوّن عليّ المصاب بهما أنهما اُصيبا مع أخي وابن عمي، مواسين له، صابرين معه.
ثمَّ أقبل على جلسائه فقال: الحمد لله، عزّ عليّ بمصرع الحسين أن لا يكن آست حسيناً يدي فقد آساه ولَدَي.
هذه طبيعة عبد الله بن جعفر، وطبيعة محبته للإمام، فهل يمكن لمثل هذا الرجل أن يقع في ألاعيب عمرو بن سعيد بن العاص، وأن يغفل عن مكر يزيد وبني اُميّة ثانية؟! يبدو أن أركان دولة الخلافة لا يتقنون حتّى صنع الكذب
____________________
(1) الأغاني 4 / 155.
وإحكامه؛ فغايتهم إدانة الضحية، ووضع أكاليل الغار على المجرم، وتتويجه بالزور والبهتان فاتحاً مع الماجدين.
الإمام الحسينعليهالسلام في مكّة، والعراق في مخاض
لأن العراق كان مركز الخلافة في عهد الإمام عليعليهالسلام ، فقد صار محطة لمن هبّ ودب من الناس. كان أهل العراق مع الإمام عليعليهالسلام ، وكان أهل الشام مع معاوية، وانتهت الحرب عملياً بهزيمة معسكر الإمام وانتصار معسكر معاوية.
ومع أن أهل العراق قد عجلوا بهزيمة معسكرهم، وساعدوا معاوية طمعاً بأمواله، إلاّ أن معاوية عاملهم معاملة المهزومين، وتصرّف معهم تصرف الفاتح؛ فقتل أخيارهم، وأبقى شرارهم، وهدم دورهم، وأذلهم أيّما إذلال. وقارنوا بين حكم الإمامعليهالسلام وحكم معاوية، ونظام الإمامعليهالسلام ونظام معاوية، وولاة الإمامعليهالسلام وولاة معاوية، وعرفوا الفروق النوعية بين الرجلين وبين النظامين، فندموا ولات حين مندم.
وكان معاوية قد ملكهم بالفعل، وملك أموالهم وذرّياتهم، وحكمهم حكماً جبرياً، وأدركوا أنه لا يقوى أحد على معاوية إلاّ الله، وأنه لا خلاص منه إلاّ بانتهاء أجله. فلما مات معاوية رقصت قلوب العراقيّين فرحاً، ولكن على استحياء وبخفية؛ لأن معاوية ألقى الرعب في قلوبهم؛ فهم يخافونه بحياته، وبموته يخافون صورته، ويخافون شبحه، ومع هذا لمّا هلك معاوية غالب العراقيون خوفهم وكتبوا إلى الإمام الحسينعليهالسلام مجموعة من الكتب.
كتب الشيعة
اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي، فخطبهم قائلاً: إنّ معاوية قد هلك، وإنّ حسيناً قد تقبّض على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكّة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه؛ فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه، وإن خفتم الوهل والفشل فلا تضرّوا الرجل من نفسه.
فقالوا: لا بل نقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه.
قال: فاكتبوا إليه.
فكتبوا إليه الرسالة التالية: بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، من سليمان بن صرد، والمسيب
ابن نجبة، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مظاهر، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك. أمّا بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الاُمّة فابتزها، وغصبها فيأها، وتأمّر عليها بغير رضاً منها، ثمَّ قتل خيارها، واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعداً له كما بعدت ثمود! إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحق.
وأرسلوا الكتاب مع عبد الله بن سبع الهمداني، وعبد الله بن وأل التميمي، وبالفعل سلّما الكتاب للإمام الحسين في العاشر من شهر رمضان، وبعد يومين أرسلوا قيس بن مسهر الصيداوي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبي، وعمارة بن عبيدة السلولي فحملوا معهم قرابة 150 صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة، وبعد يومين آخرين أرسلوا هاني بن هاني السبيعي، وسعيد بن عبد الله الحنفي، وكتبوا: أمّا بعد، فحي هلا، فإنّ الناس ينتظرونك، ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل.
وكتب شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن يزيد، وعزرة بن قيس، وعمرو بن الحجاج الزبيدي، ومحمد بن عمر التميمي: أمّا بعد، فقد أخضرّ الجنان، وأينعت الثمار، وطم الجمام، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجندة(1) .
فجمع الحسينعليهالسلام رسل أهل الكوفة وقال لهم: « إنّ رسول الله أمرني بأمر وأنا ماضٍ له... »(2) .
وكتب رسالة إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين... إلى أن قال: « وقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم... فإن كنتم على ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم، فقوموا مع ابن عمي وبايعوه وانصروه، ولا تخذلوه... »(3) .
____________________
(1) وقعة الطف / 89.
(2) الفتوح لابن أعثم 5 / 33، ومثير الأحزان / 26، وأعيان الشيعة 1 / 881.
(3) الفتوح لابن أعثم 5 / 35، ومقتل الخوارزمي 1 / 995، وراجع تاريخ الطبري 3 / 278.
وكتب الإمام الحسينعليهالسلام إلى رؤوس الأخماس بالبصرة، وإلى أشرافها؛ مالك بن مسمع البكري، والأحنف بن قيس، والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، وعمرو بن عبيد الله بن معمر كتاباً جاء فيه: « أمّا بعد، فإن الله اصطفى محمداً على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثمَّ قبضه إليه... وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه، وورثته وأحق الناس بمقامه، فاستأثر علينا قومنا بذلك، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه... وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيّه؛ فإن السنة قد اُميتت، وإن البدعة قد اُحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد »(1) .
النتائج
أقبلت الشيعة على مسلم بن عقيل يبايعونه حتّى أحصى ديوانه 18 ألفاً(2) ، وقيل: 25 ألفاً، وكتب مسلم بن عقيل إلى الإمامعليهالسلام : أمّا بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله:
1 - وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفاً، فعجّل الإقبال حين يأتيك كتابي؛ فإنّ الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى. والسّلام(3) .
2 - جمع يزيد بن مسعود بني تميم، وبني حنظلة، وبني سعد وقال لهم: إنّ معاوية مات، فأهون به والله هالكاً ومفقوداً، ألا وإنه قد انكسر باب الجور والإثم، وتضعضعت أركان الظلم... إلى أن قال: وقد قام ابنه يزيد شارب الخمور، ورأس الفجور، يدّعي الخلافة على المسلمين، ويتأمّر عليهم بغير رضاً منهم؛ قصر حلم، وقلة علم، ولا يعرف من الحق موطئ قدمه، فاُقسم بالله
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 280، ومثير الأحزان / 27، وبحار الأنوار 44 / 340، وأعيان الشيعة 1 / 590، ووقعة الطفِّ / 107، والموسوعة.
(2) تاريخ الطبري 6 / 199، و6 / 211، و6 / 224، وبحار الأنوار 10 / 185.
(3) راجع تاريخ الطبري 6 / 212.
قسماً مبروراً لَجهاده على الدين أفضل من جهاد المشركين.
وهذا الحسين بن علي ابن بنت رسول الله، ذو الشرف الأصيل، والرأي الأثيل، له فضل لا يُوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى بهذا الأمر؛ لسابقته وسنّه، وقدمه وقرابته؛ يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعية، وإمام قومه، وجبت لله به الحجة، وبلغت به الموعظة، فلا تعشوا عن نور الحق، ولا تسكعوا في وهدة الباطل؛ فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل فاغسلوها بخروجكم إلى ابن بنت رسول الله ونصرته.
وكتب إلى إلى الإمام الحسينعليهالسلام كتاباً جاء فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فقد وصل إليَّ كتابك، وفهمت ما ندبتني إليه، ودعوتني له من الأخذ بخطي من طاعتك، والفوز بنصيبي من نصرتك، وإنّ الله لم يُخلِ الأرض قط من عامل عليها بخير، أو دليل على سبيل نجاة، وأنتم حجة الله على خلقه، ووديعته في أرضه؛ تفرعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها.
فاقدم سعدت بأسعد طائر؛ فقد ذلّت لك أعناق بني تميم، وتركتهم أشد تتابعاً في طاعتك من الإبل الظماء لورود الماء يوم خمسها وكظها، وقد ذلّت لك رقاب بني سعد، وغسلت درن صدورهم بماء سحابة مزن حين استهل برقها فلمع(1) .
فلما قرأ الإمام الحسينعليهالسلام الكتاب سُرّ سروراً عظيماً، وقال: « آمنك الله يوم الخوف، وأعزّك وأرواك يوم العطش ».
أمّا المنذر بن جارود فإنه جاء بالكتاب وبالرسول إلى عبيد الله بن زياد؛ لأن المنذر خشي أن يكون الكتاب دسيساً من عبيد الله.
تصميم الإمام الحسينعليهالسلام على الخروج إلى العراق
لما وصلت كتب أهل الكوفة مع رسلهم، وكتاب يزيد بن مسعود من البصرة، أرسل ابن عمه مسلم بن عقيل لأخذ البيعة من القوم، فلما جاءه كتاب مسلم صمّم الإمامعليهالسلام على المسير إلى العراق؛ لأنه كان قد وعد أهل العراق بالقدوم
____________________
(1) مثير الأحزان / 13، واللهوف / 21.
إليهم إن هم بايعوا رسوله مسلم بن عقيل، وما الذي يمنع من مسيرته طالما أنّ أهل الكوفة قد أعطوه البيعة، وطالما أنّ له طائفة كبيرة من الأنصار والمؤيدين في البصرة؛ فالكوفة والبصرة عملياً هما العراق في تلك الأيام.
من مكّة إلى العراق
مكث الإمام الحسينعليهالسلام في مكّة أربعة أشهر استطاع خلالها أن يبسط قضيته العادلة أمام الخاصة والعامة من سكان مكّة ومن حولها، وأن يقيم الحجة عليهم، وشهد أهل مكّة ومَن حولها على أنفسهم من حيث لا يشعرون، وخلال هذه الفترة التقى الإمام الحسينعليهالسلام مع زوار بيت الله الحرام من معتمرين وحجاج، فأحاطهم علماً بواقعه وطموحاته الشرعيّة وحاجته منهم.
واستجاب الإمامعليهالسلام لمنطق الاُمور؛ فطاف وسعى، وأحل إحرامه وجعل حجه عمرة؛ لأنه لم يتمكّن من إتمام الحج مخافة أن يُقبض عليه(1) .
وبعد ذلك جمع الإمام أهل بيته وأصحابه، وخطب فيهم قائلاً: « الحمد لله، ما شاء الله، ولا قوة إلاّ بالله، وصلّى الله على رسوله. خُطّ الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، ما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات... لا محيص عن يوم خُط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفّينا أجر الصابرين... »(2) .
وبعد ذلك أمر أهله وأصحابه بالاستعداد للمسير إلى العراق حسب القراءة الموضوعية؛ فإنّ الإمامعليهالسلام سيقدم على جند مجندة له، وإنّ أكثريّة أهل العراق معه، وحسب هذا الظاهر فما كان ينبغي للإمام أن يكون بهذه الحالة من التشاؤم؛ فهو يركز تركيزاً عجيباً على فكرة الموت، وحتمية الموت، وأنه قدرٌ خُط بالقلم.
ويبدي آلام حنينه وأشواقه إلى لقاء الخالدين من أسلافه، بل وأبعد من ذلك فإنه
____________________
(1) مثير الأحزان / 38.
(2) مثير الأحزان / 41، واللهوف / 26، وكشف الغمة 2 / 29، وبحار الأنوار 44 / 366، والعوالم 17 / 216، وأعيان الشيعة 1 / 593، والموسوعة / 328.
يضع لقطة فنّية أمام مستمعيه، فيصوّر نفسه مقتولاً، ويتصور الذئاب تتسابق إلى جثمانه الطاهر فتقطّعه لتطعم صغارها والجياع من عائلتها.
ويتبرم الإمام من الحياة، ويخرج بقناعة ويقين أنّ الموت خير من الحياة؛ فالإمام يتعامل مع خطين:
1 - خط الظاهر الذي يعرفه الناس كلهم. ففي هذا الخط خطة من العناية والسعي، وكأنه الخط الوحيد.
2 - وخط الحقيقة والباطن، ويمثّل مآلات الاُمور، ومنتهيات حركات المخلوقات، إنه يرى بعين البصر والبصيرة، وينبئ بوقوع الحوادث قبل وقوعها، فتأتي الحادثات في ما بعد بالصورة والكيفية التي أخبر بها الإمامعليهالسلام .
إنه يتحدث عن اُمور لم تقع أو ستقع بعد سنين بالثقة واليقين الذي يتحدث به عن اُمور وقعت قبل دقيقة، إنه بفضل الله ومنّته سابق لحركة الموجودات، ومحيط بمآلاتها تماماً؛ فبالوقت الذي كان فيه أصحابه سعداء برسل الكوفة وكتبها، وبأخبار بني تميم وبني سعد وبني مرة في البصرة، أثار مسألة الموت، وصوّر أدق اُمورها أمام سامعيه، ثمَّ عرض لقطة خاصة به وهو مقتول، وجثته متروكة بالعراء، وذئاب البرية تحوم حولها لتسد سغبها.
وما يعنينا بالدرجة الأولى هنا أن الإمام أصدر أوامره بالتأهب للمسير إلى العراق، فتأهّب أهل بيته وأصحابه، وهموا بالمسير إلى العراق، وكان ذلك يوم الثلاثاء الثامن من ذي الحجة، فاعترضه رسل الوالي، وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط، وامتنع الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه عنهم امتناعاً قوياً، ومضى وأصحابه سائرين إلى العراق.
وتقول روايات دولة الخلافة: إنّ رسل الوالي نادوه: يا حسين، ألا تتقي الله؛ تخرج من الجماعة، وتفرق بين هذه الاُمّة!
وتقول هذه الروايات نفسها: إنّ حسيناً تأوّل قوله تعالى:( لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) (1) (يونس / 41 ).
فالرواية تصف جماعة الوالي بأنهم رسل، بالوقت الذي تؤكد فيه تدافع الفريقين وتضاربهم بالسياط، وتؤكد امتناع الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه امتناعاً قوياً، ولكن الرواية لا تبيّن لي عدد اُولئك الرسل، وهل من صلاحية الرسل أن يمنعوا بالقوة تحرك من
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 217 - 218، وتاريخ ابن الأثير 8 / 166، وأنساب الأشراف / 164.
اُرسلوا إليه؟
ثمَّ أظهرت الرواية الرسل بصورة ( الحكماء ) المشفقين على الجماعة والاُمّة، وبالوقت نفسه الذي أظهرت فيه الإمامعليهالسلام بصورة الخارج على الجماعة والمفرق للاُمّة!
الخروج من مكّة إلى العراق
يبدو واضحاً أن دولة الخلافة كانت تتابع بكلِّ اهتمام كامل اجتماعات وتحركات وتصريحات الإمام الحسينعليهالسلام ، ويبدو واضحاً أن تلك الدولة قد ضاقت ذرعاً بالحسين واجتماعاته وتصريحاته، وأنها قد صممت نهائياً على الفتك به فتكاً يجعله عبرة لمَن يعتبر، ولكنها تريده فتكاً بأقلّ التكاليف الممكنة، ودون أن يكون له تأثير يذكر على أمنها وانقياد رعيتها.
ويبدو واضحاً بأن أنباء تحركات وتصريحات الإمامعليهالسلام واجتماعاته كانت تنقل إلى يزيد بن معاوية بصورة مستمرة، وبالتالي فإن قرار الفتك بالإمام الحسينعليهالسلام لا ينبغي عقلاً أن يصدر إلاّ من أعلى مرجع في الدولة وهو الخليفة؛ فالإمام الحسين ليس من عامة الناس، إنّما هو العالم في زمانه؛ فهو معروف أكثر من الخليفة يزيد، وأكثر من معاوية والد يزيد.
ثمَّ إنّ آل معاوية ليسوا مجرد جماعة من الناس، بل هم جزء بارز من الدين، ومعلوم بالضرورة لكل مسلم ومسلمة، وليس من المستبعد أنّ يزيد قد فكّر بردة فعل هائلة من المسلمين في حالة الفتك بالإمام الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام ؛ لذلك ركزت وسائل إعلام الدولة لإظهار الإمام الحسين وأهل بيته بمظهر الخارجين على الجماعة، والشاقين لعصا الطاعة، والمفرّقين لوحدة الاُمّة كما رأينا قبل قليل.
مثلما ركّزت وسائل الإعلام على سعة صدر الخليفة وأركان دولته وتحملهم لعدوانية الحسين وأهل بيته، وبذلهم كلما وسعهم من حلم ونصيحة، ولكن الحسين ماضٍ قدماً بأعماله التي تشكّل جرائم بحق الاُمّة وبحق الدين قبل أن تشكّل جريمة بحق الخليفة الذي يمثل الاُمّة والدين معاً.
ويبدو واضحاً أن الجماهير الغارقة بالهوان والذل وقعت ضحية لهذا الإعلام المضلل الفاسد، وأن الخليفة قد أمن ردة فعل المسلمين في ما لو أراد قتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وإبادة أهل بيت النبوة إبادة كاملة؛ ومن هنا وبعد أن أصدر يزيد مرسوماً ملكياً عيّن بموجبه قريبه الموتور عمرو بن
سعيد بن العاص أميراً على الحاج، وولاه أمر موسم الحج، وأمره بأن يفتك بالإمام الحسين أينما وجد(1) .
ولأن الإمام الحسينعليهالسلام يكره كراهية مطلقة أن تستباح به حرمة البيت(2) ، فقد طاف وسعى، وأحلّ من إحرامه وجعل حجه عمرة؛ لأنه لم يتمكّن من إتمام الحج مخافة أن يُقبض عليه، وأن يضطرّ لمواجهة يزيد وأتباعه وقتالهم بمنطقة الحرم.
ثمَّ إن كتاب مسلم بن عقيل قد وصل إليه يدعوه للقدوم، وهو مكلّف حسب تسلسل الأحداث ومنطق الظاهر أن يذهب إلى العراق؛ ومن هنا أصدر أوامره بالتأهب للرحيل، وخطب في أهل بيته وأصحابه قبل بدء المسير، ثمَّ نجح بالتخلص من عسكر عمرو بن سعيد بن العاص كما أسلفنا(3) .
من مكّة إلى كربلاء
في الثامن من ذي الحجة عام 60 للهجرة تحرك ركب الإمام من مكّة متوجها إلى العراق، فوصل إلى كربلاء باليوم الثاني من شهر محرم.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ طلائع جيش بني اُميّة كانت تتربص به في منطقة شراف، وأنها أعاقت حركته خلال مسيرته من شراف إلى كربلاء. وإذا أخذنا بعين الاعتبار وسائل النقل، ووجود نساء وأطفال في ركب الحسينعليهالسلام ، فإن المدة التي استغرقتها رحلة الشهادة من مكّة إلى كربلاء تكاد أن تكون فريدة، خاصة وأن الإمام الحسينعليهالسلام قد حرص على إقامة الحجة، وتوضيح أهدافه لكل من وجده في طريقه إلى العراق.
____________________
(1) المنتخب / 3 و 4، ومقتل المقرم.
(2) مثير الأحزان / 28.
(3) راجع تاريخ الطبري 6 / 217 - 218، وتاريخ ابن الأثير 8 / 166، وأنساب الأشراف / 164.
الفصل الخامس
محطّات رحلة الشهادة من مكّة إلى كربلاء
خرج الإمام الحسينعليهالسلام من مكّة قاصداً العراق، والكوفة بالذات، إلاّ أنه لم يتمكّن من دخول الكوفة، إنما وصل إلى كربلاء، وحُصر فيها حتّى تمت المذبحة.
وخلال رحلة الشهادة من مكّة إلى كربلاء توقّف الإمام الحسينعليهالسلام في عدة أماكن «محطات»؛ إمّا للراحة، أو للتزود بالماء، أو للقيام بواجب إقامة الحجة، أو لاستقطاب الأعوان.
وقد توقّف الإمام في ثلاث عشرة محطة، كان خلالها حر الحركة والتوقف، لا يخشى إلاّ الدرك من خلفه. وفي المحطة الثالثة عشر وجد بانتظاره طليعة الجيش الاُموي، فسايرته تلك الطليعة، وما زالت تماشيه حتّى لا يحيد حتّى حصرته في منطقة كربلاء؛ حيث حطت رحاله، وسفكت دماؤه.
وسنستعرض سريعاً المحطات التي توقّف عندها ركب الإمامعليهالسلام ، ونبرز التصريحات التي أدلى بها الإمام، وبعد ذلك سنستعرض المحطات التي توقّف عندها الإمام أثناء مسايرة طليعة جيش الفرعون له.
المحطات الستة عشر
الاُولى: التنعيم
عندما خرج الإمام الحسينعليهالسلام من مكّة مرّ بمنطقة التنعيم(1) ، وفي تلك المنطقة وجد الإمام بالصدفة عيراً تحمل حللاً مرسلة من والي اليمن إلى يزيد بن معاوية، فقال الإمام لأصحاب الإبل: « مَن أحبّ منكم أن ينصرف معنا إلى العراق وفيناه كراءه وأحسنّا صحبته، ومَن أحبّ المفارقة أعطيناه من الكراء على ما قطع من
____________________
(1) منطقة تقع على بعد فرسخين من مكّة، راجع معجم البلدان 2 / 446، وسمّيت بالتنعيم لوجود جبل على يمينها يسمّى نعيم، وآخر من شماله اسمه ناعم، ومرور وادي بقربها يسمى نعمان.
الأرض ». ففارقه بعضهم ومضى معه مَن أحب صحبته(1) .
الثانية: الصفاح
وسار الإمامعليهالسلام من منطقة التنعيم حتّى انتهى إلى منطقة الصفاح(2) ، وفي هذه المنطقة لقي الإمام الحسينعليهالسلام الفرزدق الشاعر المعروف، فسأله عن خبر الناس، فقال الفرزدق: قلوبهم معك، والسيوف مع بني اُميّة، والقضاء ينزل من السماء.
فقال الإمامعليهالسلام : « صدقت، لله الأمر، والله يفعل ما يشاء، وكلّ يوم ربنا في شأن؛ إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجال فلم يعتد مَن كان الحق نيّته، والتقوى سريرته ». وسأله الفرزدق عن نذور ومناسك، وافترقا(3) .
الثالثة: ذات عِرق
اندفع الإمامعليهالسلام من الصفاح ولم يتوقف إلاّ عند ذات عرق(4) ، فلقي فيها بشر بن غالب الأسدي وسأله عن أهل الكوفة، فقال له بشر: السيوف مع بني اُميّة، والقلوب معك.
فقال الإمامعليهالسلام : « صدقت »(5) .
وسأل الإمامعليهالسلام : ما أنزلك في هذه الأرض القفراء والتي ليس فيها ريف ولا متعة؟
فأجاب الإمامعليهالسلام : « إنّ هؤلاء أخافوني، وهذه كتب أهل الكوفة، وهم قاتلي، فإن فعلوا ذلك ولم يدعوا لله محرماً إلاّ انتهكوه بعث الله إليهم مَن يقتلهم حتّى يكونوا أذلّ من فرام الأمة ».
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 218، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 220، والبداية والنهاية لابن الأثير 8 / 166، ومثير الأحزان / 21، والإرشاد للشيخ المفيد، وراجع مقتل الحسين للمقرم / 202.
(2) الصفاح في معجم البلدان: مكان بين حنين وأنصاب الحرم على يسار الداخل إلى مكّة.
(3) راجع تاريخ الطبري 6 / 218، وابن الأثير 4 / 16، والإرشاد للمفيد / 201، وابن كثير 8 / 168، وأنساب الأشراف / 165 - 166، وفي تذكرة الحفاظ للذهبي 1 / 338 إنّ الإمام التقى الفرزدق في ذات عرق.
(4) بين ذات عرق ومكة مرحلتان، وذات عرق هي ميقات أهل المشرق. (البحر الرائق لابن نجيم 2 / 317).
(5) البداية والنهاية لابن الأثير 8 / 169، ومقتل الحسينعليهالسلام للمقرّم / 205.
وقال الأسدي: يابن رسول الله، أخبرني عن قوله تعالى:( يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (الإسراء / 71)، فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « يا أخا بني أسد، هم إمامان؛ إمام هدى دعا إلى الهدى، وإمام ضلالة دعا إلى ضلالة، فهدى من أجابه إلى الجنّة، ومن أجابه إلى الضلالة دخل النار »(1) .
وفي رواية الصدوق بإسناده إلى أبي عبد اللهعليهالسلام قال: « وإمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، وإمام ضلالة دعا إلى ضلالة فهدى من أجابه إلى النار، وهو قوله عز وجل:( فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) ( الشورى /7 ) »(2) .
الرابعة: الحاجز
سار الإمامعليهالسلام من ذات عرق حتّى وصل إلى الحاجز(3) ، وفي الحاجز كتب الإمام رسالة إلى أهل الكوفة موجهة من الحسين إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين في الكوفة؛ جواباً على كتاب مسلم بن عقيل، وجاء فيها: « أمّا بعد، فقد ورد كتاب مسلم بن عقيل يخبرني باجتماعكم على نصرنا والطلب بحقّنا، فسألت الله أن يحسن لنا الصنع، ويثيبكم على ذلك أعظم الأجر. وقد شخصت إليكم من مكّة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدّوا؛ فإني قادم عليكم في أيامي هذه »(4) .
ثمّ طوى الكتاب وأرسله مع قيس بن مسهر الصيداوي، وفي الطريق لقيه الحصين بن تميم فأرسله إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله: اصعد إلى القصر وسب الكذاب ابن الكذاب، يعني الإمام الحسينعليهالسلام .
فصعد رسول الحسينعليهالسلام ، ثمَّ قال: أيّها الناس، إنّ هذا الحسين بن علي خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله، وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجز فأجيبوه. ثمَّ لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلي بن
____________________
(1) الفتوح لابن أعثم 5 / 77، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 221، ومثير الأحزان / 42، واللهوف / 30، وبحار الأنوار 44 / 367، والعوالم 17 / 217.
(2) راجع أمالي الصدوق / 131، والموسوعة / 338.
(3) مكان على طريق أهل العراق لمكة، وهو منزل لأهل البصرة إن أرادوا المدينة، وفيه يجتمع أهل الكوفة وأهل البصرة. راجع معجم البلدان 4 / 290 و 2 / 269، وتاج العروس.
(4) الأخبار الطوال للدينوري / 245.
أبي طالبعليهالسلام ، فأمر عبيد الله أن يُرمى به من فوق القصر، ورُمي بالفعل وتقطّع ومات(1) ، ولكن بعد أن بلّغ رسالة الحسينعليهالسلام ، وأقام الحجة على الناس هنالك.
الخامسة: ماء من مياه العرب
تحرك الإمام الحسينعليهالسلام من الحاجز متابعاً سيره نحو الكوفة، وانتهى به المسير إلى ماء من مياه العرب. وتتحدّث الروايات بأنّ عبد الله بن المطيع كان هناك، وأنّه قد فوجئ برؤية الإمام الحسينعليهالسلام ، فقام إليه وقال له: بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله! ما أقدمك؟
واحتمله فأنزله، فقال له الإمامعليهالسلام : « كان من موت معاوية ما بلغك، وكتب إليَّ أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم ».
فيقول ابن مطيع: اُذكّرك الله يابن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك، اُنشدك الله في حرمة قريش، اُنشدك الله في حرمة العرب، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني اُميّة ليقتلونك، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحداً أبداً. والله، إنها لحرمة الإسلام تُنتهك، وحرمة قريش، وحرمة العرب، فلا تفعل، ولا تأتِ الكوفة، ولا تعرّض نفسك لبني اُميّة.
وتنتهي الرواية بالجملة التقليدية التي اعتاد الطبري وابن الأثير على ترديدها: فأبى الحسين إلاّ أن يمضي(2) .
انظر بربِّك إلى حوار بشير بن غالب الأسدي مع الإمام، وانظر إلى العدوي كيف يعتبر الإمام الحسينعليهالسلام حرمة الإسلام، وحرمة قريش، وحرمة العرب، ومع أنه موقن بأن هذه الحرمات ستنتهك، ومع هذا يكتفي بوعظ الإمام الحسينعليهالسلام وإرشاده، وعلى الإمام الحسينعليهالسلام أن يسمع توجيهاته!
روى الفرزدق أنه بعدما تحدّث مع الإمام الحسينعليهالسلام قال: ثمَّ مضيت فإذا بفسطاط مضروب في الحرم، وهيبته حسنة، فأتيته فإذا هو لعبد الله بن عمرو بن
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 301، والإرشاد للمفيد / 220، ومثير الأحزان / 42، والبداية والنهاية لابن الأثير 8 / 181، وبحار الأنوار 44 / 369، والعوالم 17 / 219، وينابيع المودة / 409، ووقعة الطفِّ / 159، والأخبار الطوال / 145.
(2) راجع تاريخ الطبري 3 / 301، والإرشاد للمفيد / 221، وبحار الأنوار 44 / 370، والعوالم 17 / 221، وأعيان الشيعة 1 / 594، ووقعة الطفِّ / 160، والأخبار الطوال / 246.
العاص، فسألني فأخبرته بلقاء الحسين بن عليعليهالسلام ، فقال لي: ويلك! فهلاّ اتبعته؟! فوالله سيملكن، ولا تجوز السلاح فيه ولا في أصحابه.
قال: فهممت والله أن ألحق به، ووقع في قلبي مقاله، ثمَّ ذكرت الأنبياء وقتلهم فصدني ذلك عن اللحاق بهم(1) .
أنت تلاحظ أنّ الثلاثة قد أقاموا الحجة على أنفسهم، وشهدوا عليها من حيث لا يشعرون، وعبد الله بن المطيع العدوي كان في ما بعد رأس قريش يوم الحرة، وأمره الزبير على الكوفة، ثمَّ قُتل معه سنة 73، وقد روى أحاديث أخرجها البخاري ومسلم(2) لست أدري كيف كان خروج ابن الزبير صحيحاً ومناسباً وخروج الإمام الحسينعليهالسلام غير مناسب؟! ولا كيف نصر الأوّل وخذل الثاني مع أن الإمام أولى بالنصر؟!
أنت تلاحظ أن خاصة القوم وعامتهم يعرفون الحق، ويعرفون أنّ الإمامعليهالسلام على حق، ومع هذا يخذلونه مع سبق الإصرار، ويشهدون على أنفسهم بهذا الخذلان، مكتفين بإلقاء المواعظ على الإمامعليهالسلام .
السادسة: الخزيمية
سار الإمام الحسينعليهالسلام حتّى وصل إلى الخزيمية(3) ، فأقام فيها يوماً وليلة، وفي صباح تلك الليلة جاءته اُخته زينب وقالت له: سمعت البارحة هاتفاً يقول:
ألا يـا عـين فاحتفلي بجهدِ |
ومَن يبكي على الشهداء بعدي |
|
عـلى قـومٍ تـسوقهمُ المنايا |
بـمقدارٍ إلـى إنجاز وعدي |
فقال لها الإمامعليهالسلام : « يا اُختاه، المقضي هو كائن ». وفي بعض المراجع: « كلُّ الذي قُضي فهو كائن »(4) .
السابعة: زرود
مشى الإمام الحسينعليهالسلام من الخزيمية قاصداً الثعلبية، فمرّ في طريقه
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 218 - 219.
(2) راجع تقريب التهذيب 1 / 452.
(3) نسبة إلى خزيمة بن خازم، تقع بعد زرود للذاهب من الكوفة إلى مكّة.
(4) الفتوح لابن أعثم 5 / 87، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 225، وبحار الأنوار 44 / 372.
بـ (زرود)(1) ، فنظر الإمامعليهالسلام إلى فسطاط مضروب، فسأل عنه فقيل: هو لزهير بن القين، ولما قابل زهير الإمامعليهالسلام اقتنع به، فلحق بالإمامعليهالسلام وصار أحد رجاله.
وبهذا المكان جاء رجل من أهل الكوفة أسدي، فأخبر اثنين من عشيرته أنه لم يخرج من الكوفة حتّى قُتل مسلم بن عقيل وهانيء بن عروة، وقال: إنه رآهما وهما يُجرّان بالأسواق من أرجلهما.
الثامنة: الثعلبيّة
ترك الإمامعليهالسلام زرود وتوجه إلى الثعلبيّة(2) ، فجاءه الأسديان اللذان عرفا بمقتل مسلم وهانيء فسلّما وقالا له: يرحمك الله! إنّ عندنا خبراً؛ فإن شئت حدّثناك علانية، وإن شئت سرّاً.
فنظر الإمامعليهالسلام إلى أصحابه وقال: « ما دون هؤلاء سر »(3) .
فأخبراه بما سمعاه من الأسدي عن مقتل مسلم وهانيء، فقال: « إنّا لله وإنّا إليه راجعون، رحمة الله عليهما »، وردد ذلك مراراً، عندئذ ناشده الأسديان الانصراف؛ لأنه ليس له بالكوفة ناصر ولا شيعة(4) .
قال الأسديان: فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب وقالوا: لا والله لا نبرح حتّى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق أخونا. قالا: فنظر إلينا الحسينعليهالسلام فقال: « لا خير في العيش بعد هؤلاء ». قال: وفي السحر أمر فتيانه وغلمانه بأن يتزودوا من الماء، فاستقوا وأكثروا(5) .
وفي الثعلبيّة وضع الإمام الحسينعليهالسلام رأسه فأغفى، ثمَّ انتبه من نومه باكياً، فقال له ابنه علي بن الحسين: ما لك يا أبتِ لا أبكى الله لك عينا؟! فقال الحسينعليهالسلام : « يا بُني، إنها ساعة لا تكذب فيها الرؤيا، فاُعلمك أني خفقت برأسي خفقة، فرأيت فارساً على فرس وقف علي فقال: يا حسين، إنكم تسرعون المسير، والمنايا بكم تسرع إلى الجنة، فعلمت أن أنفسنا نُعيت إلينا ».
فقال له ابنه علي: يا
____________________
(1) محطة مشهورة في طريق حاج بغداد بين الثعلبيّة والخزيمية، راجع معجم البلدان 4 / 327.
(2) الثعلبيّة: من منازل طريق مكّة - الكوفة، بين الثعلبيّة والخزيمية ثلاثة وعشرون ميلاً.
(3) تاريخ الطبري 3 / 302، والإرشاد للمفيد / 222، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 228، والكامل لابن الأثير 2 / 549، واللهوف / 30، والبداية والنهاية 8 / 182، وبحار الأنوار 44 / 373، وأعيان الشيعة 1 / 595، ووقعة الطفِّ / 164.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه.
أبتِ، أفلسنا على الحق؟
فقال الإمامعليهالسلام : « بلى يا بني والذي إليه مرجع العباد ».
فقال ابنه علي: إذاً لا نبالي الموت.
فقال الحسينعليهالسلام : « جزاك الله عنّي يا بُني خير ما جزى به ولد عن والد »(1) .
ولما أصبح الإمام الحسينعليهالسلام وإذا برجل من الكوفة يُكنّى أبا هرّة الأزدي، فسلّم على الإمامعليهالسلام ثمَّ قال: يابن بنت رسول الله، ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدك محمّدصلىاللهعليهوآله ؟
فقال الإمامعليهالسلام : « يا أبا هرّة، إنّ بني اُميّة أخذوا مالي فصبرت، وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت. وأيم الله يا أبا هرّة، لتقتلني الفئة الباغية، وليلبسهم الله ذلاً شاملاً، وسيفاً قاطعاً، وليسلطن الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من قوم سبأ؛ إذ ملكتهم امرأة منهم، فحكمت في أموالهم وفي دمائهم »(2) .
وسأله أحدهم: بأبي أنت واُمّي يابن رسول الله! ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟!
فقال: « هذه كتب أهل الكوفة إليّ، ولا أراهم إلاّ قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدَعوا لله حرمة إلاّ انتهكوها، فيسلّط الله عليهم من يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ من فرم الأمة »(3) .
التاسعة: بطان
رحل الإمام الحسينعليهالسلام من الثعلبيّة، وتابع سيره حتّى وصل إلى بطان(4) .
العاشرة: الشقوق
وتابع الإمام الحسينعليهالسلام المسير حتّى وصل إلى الشقوق(5) .
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 226، والفتوح 5 / 79، وبحار الأنوار 44 / 367، و61 / 181، وأعيان الشيعة 1 / 595.
(2) الفتوح لابن أعثم 5 / 79، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 226، ومثير الأحزان / 56، وبحار الأنوار 44 / 368، وأعيان الشيعة 1 / 595، والموسوعة / 345.
(3) تاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 211.
(4) بطان: منزل بطريق الكوفة يبعد عن الثعلبيّة تسعة وعشرين ميلاً.
(5) منزل بطريق الكوفة، وبين الشقوق وبطان اثنان وعشرون ميلاً.
الحادية عشر: زُبالة
وتابع الإمامعليهالسلام الحركة دون توقف حتّى وصل إلى زُبالة(1) ، وفي زُبالة وصله خبر لأخيه في الرضاعة عبد الله بن يقطر، فأخرج للناس كتاباً ونادى: « بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد، فقد أتانا خبر فظيع؛ قتل مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منّا ذمام »(2) . فتفرّق الناس عنه ولم يبقَ معه إلاّ الذين جاؤوا من المدينة(3) .
وقال القندوزي: إنّ الإمام الحسينعليهالسلام قال في زُبالة: « أيها الناس، فمن كان منكم يصبر على حدِّ السيف، وطعنِ الأسنة فليقم معنا، وإلاّ فلينصرف عنّا »(4) .
وتوارت أنباء مقتل مسلم وهانيء وعبد الله، ووصلته رسالة محمّد بن الأشعث بهذا الخصوص، فقال الإمامعليهالسلام : « كلّ ما حمّ نازل، وعند الله نحتسب أنفسنا وفساد اُمّتنا »(5) .
ويبدو أن هلال بن نافع لقي الإمام الحسينعليهالسلام أيضاً، فأكّد له أنباء مقتل الثلاثة، وقال له: إنّ قلوب الأغنياء مع ابن زياد، وأمّا باقي قلوب الناس فإليك.
فقال الإمامعليهالسلام « اللّهمَّ اجعل الجنّة لنا ولأشياعنا منزلاً كريماً إنك على كل شيء قدير »(6) .
ويرسل الرواة لقاء الإمام الحسينعليهالسلام مع الفرزدق إرسال المسلمات، وقول الفرزدق للإمام: يابن رسول الله، كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته؟! وكذلك قول الإمامعليهالسلام : « رحم الله مسلماً! فلقد صار إلى
____________________
(1) منزل معروفة بطريق الكوفة إلى مكّة، ومن زُبالة إلى الشقوق واحد وعشرون ميلاً.
(2) تاريخ الطبري 3 / 303، والإرشاد / 223، واللهوف / 32، والبداية والنهاية 8 / 182، وبحار الأنوار 44 / 374، والعوالم 17 / 225، وأعيان الشيعة 1 / 600، ووقعة الطفِّ / 166.
(3) المصدر السابق.
(4) ينابيع المودة / 406.
(5) بحار الأنوار 44 / 374.
(6) ينابيع المودة / 405.
رَوح الله وريحانته، وجنته ورضوانه، ألا إنّه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا »، ثمَّ أنشأ يقول:
فـإن تـكن الـدنيا تُـعدُّ نـفيسةً |
فـدارُ ثـواب الله أعـلى وأنـبلُ |
|
وإن تـكن الأبـدانُ للموت اُنشئتْ |
فقتل امرئٍ بالسيف في الله أفضلُ |
|
و إن تـكن الأرزاقُ قـسماً مقدّراً |
فقلةُ حرص المرء في الرزق أجملُ |
|
وإن تـكن الأمـوالُ للترك جمعها |
فما بالُ متروكٍ به الحرُّ يبخلُ(1) |
وقال لابنة مسلم: « يا ابنتي، أنا أبوك، وبناتي أخواتك »(2) .
الثانية عشر: القاع
ثمَّ سار الإمام الحسينعليهالسلام إلى القاع(3) .
الثالثة عشر: العقبة
ومن القاع سار الإمامعليهالسلام إلى العقبة(4) ، وفي القاع لقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمرو بن لوذان، فسأل الإمامعليهالسلام : أين تريد؟
فقال الإمامعليهالسلام : « الكوفة ».
فقال له الشيخ: اُنشدك الله لما انصرفت؛ فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنة، وحد السيوف، وإنّ هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال، ووطؤوا لك الأشياء فقدمت عليهم، كان ذلك رأياً، فأمّا على هذه الحال التي تذكر فإني لا أرى لك أن تفعل.
فقال الإمامعليهالسلام : « يا عبد الله، ليس يخفى عليّ الرأي، ولكنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره». ثمَّ قال: « والله، لا يدعونني حتّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم مَن يذلّهم حتّى يكونوا أذلّ فرق الاُمم »(5) .
____________________
(1) بحار الأنوار 44 / 374، وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 163، ومثير الأحزان / 45، واللهوف / 32، والعوالم 17 / 214، وأعيان الشيعة 1 / 605.
(2) مثير الأحزان / 45.
(3) القاع: منزل بطريق مكّة يبعد عن زبالة ثمانية عشر ميلاً.
(4) العقبة: منزل في طريق مكّة.
(5) الإرشاد / 223، والكامل لابن الأثير 2 / 549 إلى قوله: (على أمره)، وبحار الأنوار 44 / 375، والعوالم 17 / 226، وأعيان الشيعة / 598.
ولما صعد الإمام الحسينعليهالسلام عقبة البطن قال لأصحابه: « ما أراني إلاّ مقتولاً ». قالوا: وما ذلك يا أبا عبد الله؟ قال: « رؤى رأيتها في المنام ». قالوا: وما هي؟ قال: « رأيت كلاباً تنهشني، أشدّها عليَّ كلبٌ أبقع »(1) .
الرابعة عشر: واقصة - القرعاء
وسار الإمامعليهالسلام من العقبة قاصداً واقصة(2) ، وسار من واقصة حتّى انتهى إلى القرعاء(3) ، ثمَّ سار إلى مغيثة(4) ولم ينلها، وتابع سيره حتّى وصل إلى شراف.
الخامسة عشر: شراف
لما وصل الإمام الحسينعليهالسلام إلى شراف نزل فيها، وأمر فتيانه وغلمانه أن يستقوا من الماء، فاستقوا وأكثروا، ثمَّ ساروا حتّى انتصف النهار، فقال رجل: الله أكبر! فقال الحسينعليهالسلام : « الله أكبر! ممّا كبرت؟ ». قال: رأيت النخل. فقال الأسديان؛ عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل: إنّ هذا المكان ما رأينا به نخلة قط. فقال الحسينعليهالسلام : « فما تريانه رأى؟ ». فقالا: نراه رأى هوادي الخيل، أي رؤوسها. فقال الإمامعليهالسلام : « وأنا والله أرى ذلك ». ثمَّ قال الإمامعليهالسلام : « ما لنا من ملجأ نلجأ إليه فنجعله في ظهورنا، ونستقبل القوم بوجه واحد؟ ».
فقال الأسديان: بلى، هذا ذو حسم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك، فإن سبقت إليه فهو كما تريد.
فأخذ إليه ذات اليسار وملنا معه، فما كان أسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل، فتبيّناها فعدلنا، فلما رأونا عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا(5) .
____________________
(1) بحار الأنوار 45 / 87 ح24.
(2) منزل دون زُبالة بمرحلتين.
(3) منزل على الطريق بين القرعاء وواقصة ثمانية فراسخ.
(4) منزل في طريق مكّة بعد العذيب، وبينهما وبين القادسية أربعة وعشرون ميلاً.
(5) تاريخ الطبري 3 / 305، والإرشاد / 223، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 229، والكامل لابن الأثير 2 / 551، والبداية والنهاية 8 / 168، وبحار الأنوار 44 / 375، والعوالم 17 / 225، وأعيان الشيعة 1 / 597، ووقعة الطفِّ / 167.
السادسة عشر: ذو حسم، وطليعة جيش بني اُميّة
لما وصل الإمام الحسينعليهالسلام إلى ذي حسم(1) وأمر بأبنيته، فضُربت خيمة، وجاء القوم وهم قرابة ألف فارس بقيادة الحر بن يزيد التميمي حتّى وقف وخيله مقابل الحسينعليهالسلام في حرِّ الظهيرة، فقال الإمام الحسينعليهالسلام لفتيانه: « اسقوا القوم، وأرووهم من الماء، ورشّفوا الخيل ترشيفاً»(2) .
وهكذا كان، ثمَّ سألهم الإمام الحسينعليهالسلام قائلاً: « أيّها القوم، مَن أنتم؟ ». قالوا: نحن أصحاب الأمير عبيد الله بن زياد. فقال الحسينعليهالسلام : « ومَن قائدكم؟ ». قالوا: الحر بن يزيد الرياحي. فناداه الحسينعليهالسلام : « ويحك يابن يزيد! ألنا أم علينا؟ ». فقال الحر: بل عليك يا أبا عبد الله. فقال الحسينعليهالسلام : « لا حول ولا قوة إلاّ بالله »(3) .
ويبدو أنّ مهمة طليعة هذا الجيش تنحصر في مراقبة تحركات الإمامعليهالسلام والحيلولة بينه وبين الوصول إلى الكوفة، أو بينه وبين الرجوع إلى المدينة.
نهاية المرحلة الأولى من رحلة الشهادة
عندما التقت طليعة الجيش الاُموي مع الإمامعليهالسلام وصحبه في شراف، وبالتحديد بمنطقة جبل ذي حسم، انتهت المرحلة الأولى من رحلة الشهادة، وبدأت المرحلة الثانية من تلك الرحلة الخالدة.
وخلال المحطات التي وقف بها الإمامعليهالسلام أو مرّ منها كان الناس يتبعونه عند كلِّ محطة، تحت شعار التعاطف مع قضية الإمام العادل، وتحت شعار نصرة ابن النبي وسلامة وإسلاميّة موقفه.
ويمكنك القول بكل ارتياح: إنّ عدداً كبيراً من الناس قد اتّبع الإمامعليهالسلام ، وسارت معه تلك الجموع حتّى وصلت إلى زُبالة، وعندما توقّف الإمامعليهالسلام في زبالة وتيقّن من قتل مسلم بن عقيل، وهاني بن عروة، وعبد الله بن يقطر، أذاع الإمامعليهالسلام هذا النبأ، وأطلع الجموع التي التحقت به عند كلِّ محطة على
____________________
(1) موضع في طريق مكّة بينه وبين الهجانات ثلاثة وثلاثون ميلاً.
(2) الأخبار الطوال / 248.
(3) الفتوح لابن أعثم 5 / 85، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 230، واللهوف / 33، وأعيان الشيعة 1 / 598.
حقيقة الموقف؛ لأنّ أهل بيت النبوة لا يخدعون، ولا يطلبون النصر بأي وسيلة، إنما يلزمون أنفسهم بالوضوح وبالوسائل الشرعيّة.
وأحاط الإمامعليهالسلام الجموع التي التحقت به علماً بأنهم مقبلون على ضرب السيوف، وحدِّ الأسنة، فلما عرفت تلك الجموع بأنّ الكفة راجحة مع بني اُميّة، وأنه لا أمل لها بالمغانم، انفضّت من حول الإمامعليهالسلام وتفرّقت عنه ذات اليمين وذات الشمال، وبقيت معه الفئة التي خرجت معه من المدينة.
وكانت خطوة الإمامعليهالسلام بتوضيح الاُمور أمراً في غاية النبل والشرف، ومن جهة ثانية فإنه يريد أن يصحبه فقط اُولئك الذين يريدون مواساته والموت معه(1) . وخلّصهم الإمامعليهالسلام من أي شعور محتمل بالحرج عندما قال لهم: « فمن أحبَّ منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منّا ذمام »(2) .
ثمَّ إنّ القوم قد اتبعوه أصلاً طمعاً بالغنائم والمغانم المرتقبة، وعلى تقدير أن الإمامعليهالسلام سيكون هو الغالب، وستكون أموال المغلوبين غنيمة لمَن سارعوا بالانضمام للإمام. وفكرة نصرة الحق، ومحاربة الباطل ما هي إلاّ تغطية لأهداف المرتزقة، والمرتزقة على استعداد أن ينقضّوا على من يقع ويأكلونه وينهبونه؛ فليس للمرتزقة دين ولا أخلاق ولا مبادئ.
ألم ترَ أنّ جيش الخليفة قد استباح مدينة الرسول، ونهب أموالها، وهتك أعراضها، وأخذ البيعة ممن تبقّى من سكان المدينة على أنهم أقنان وعبيد لـ (أمير المؤمنين) يتصرّف بهم تصرف المالك بعبيده؟!
إنّها أخلاق المرتزقة نفسهم الذين انضموا للإمام الحسينعليهالسلام عند مروره أو توقّفه عند محطات رحلة الشهادة، حتّى إذا قدّر المرتزقة أن الإمامعليهالسلام لن يغلب انفضّوا من حوله وتركوه وحيداً! وهكذا عندما عرفوا حاجته للعون والنصرة، وشاهدوا باُمِّ أعينهم ابن النبي وآل النبي وأهل بيته وذوي قرباه قاب قوسين أو أدنى من الموت، تركوهم للموت وخذلوهم مع سبق الإصرار.
ويلاحظ أيضاً أن الإمام الحسينعليهالسلام قد ابتُلي بطائفة من الوعاظ الذين لا يجيدون إلاّ الوعظ، ولو أن اُولئك الوعاظ قد التحقوا بالإمام الحسينعليهالسلام وواسوه
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 303، والإرشاد للمفيد / 223، والبداية والنهاية 8 / 182، وبحار الأنوار 44 / 374.
(2) راجع المراجع السابقة نفسها.
لكان من الممكن أن تتغير نتيجة المعركة.
ويلاحظ أيضاً أن بعض الذين انضموا للإمام في محطات رحلات الشهادة قد انضموا من باب (الوجاهة)، حتّى يقولوا في ما بعد: إنهم رافقوا الحسين، وإنهم كانوا موضع ثقته، ومن خُلّص مستشاريه، وليس من المستبعد أنهم قد أقاموا اتصالات مع أولياء عبيد الله بن زياد.
وهكذا أظهروا أنفسهم بمظاهر البطولة والمغامرة، وهم لا يدرون أنهم أقاموا الحجة عليها، وشهدوا على أنفسهم من حيث لا يشعرون، وتخلّقوا بأخلاق المنافقين فقالوا للإمام: إنا معك، أو أوحوا بذلك، وقالوا لجنود الطاغية: إنا معكم، أو أوحوا لهم بذلك،( وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ) (البقرة/ 14).
ويلاحظ أيضاً أنّ بعض الوعاظ الذين تثاقلوا عن نصرة الإمام وأهل بيت النبوة، وخذلوهم وهم بأمس الحاجة إليهم، صاروا في ما بعد ثواراً ونصروا ابن الزبير، وقاتلوا الجيش الاُموي في المدينة كما فعل ابن مطيع العدوي؛ فقد ترأس قريش يوم الحرة، وانضم إلى ابن الزبير، وقاتل معه، وتولّى له الكوفة!
المرحلة الثانية من رحلة الشهادة
بدأت هذه المرحلة من اللحظة التي اكتشف فيها الإمامعليهالسلام وجود طليعة لجيش بني اُميّة تسايره، وتراقب حركاته وسكناته، وبالتحديد بجبل ذي حسم يوم تقابل الإمامعليهالسلام وصحبه مع طليعة هذا الجيش، فلم يعد الإمامعليهالسلام حرّاً بحركته، إنما عليه أن يدرس رد فعل طليعة هذا الجيش على هذه الحركة.
انظر إلى قول الإمامعليهالسلام لأصحابه: « احملوا النساء ليركبوا حتّى ننظر ما الذي يصنعه هذا وأصحابه ».
قيل: فركب أصحاب الحسين، وساقوا النساء بين أيديهم، فقدمت خيل الكوفة حتّى حالت بينهم وبين المسير، فضرب الحسينعليهالسلام يده إلى سيفه ثمَّ صاح بالحرِّ: « ثكلتك اُمّك! ما الذي تريد أن تصنع؟ ».
فقال الحرّ: لا بدّ أن أنطلق بك إلى عبيد الله بن زياد.
فقال له الحسينعليهالسلام : « إذاً والله لا أتبعك أو تذهب نفسي ».
فقال الحرّ: إذاً والله لا اُفارقك أو تذهب نفسي وأنفس أصحابي.
ترتيبات المسير
قال الحرّ: أبا عبد الله، إني لم اُؤمر بقتالك، وإنما اُمرت أن لا اُفارقك أو أقدم بك على ابن زياد، وأنا والله كاره... ولكن يا أبا عبد الله، لست أقدر الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا، ولكن خذ عني هذا الطريق وامضِ حيث شئت حتّى أكتب إلى ابن زياد أنّ هذا خالفني في الطريق فلم أقدر. وأنا اُنشدك الله في نفسك.
فقال الحسينعليهالسلام : « كأنك تُخبرني أني مقتول؟ ».
فقال الحرّ: أبا عبد الله، نعم ما أشك في ذلك إلاّ أن ترجع من حيث جئت.
فقال الحسينعليهالسلام : « لا أدري ما أقول، ولكنّي أقول كما قال أخو الأوس:
سأمضي وما بالموت عارٌ على الفتى |
إذا مـا نـوى خـيراً وجاهد مُسلما |
|
وواسـى الـرجالَ الصالحين بنفسه |
وفـارقَ مـذموماً وخـالف مُجرما |
|
اُقدّم نـفـسي لا اُريـد بـقاءَها |
لـتلقى خـميساً في الوغاء عرمرما |
|
فإن عـشتُ لـم اُلم وإن مُت لم أذم |
كـفى بك ذلاً أن تعيش مُرغّما »(1) |
وعلى أي حال، وبعد عدة اجتماعات بين الإمامعليهالسلام وبين قائد طليعة هذا الجيش حدث نوع من الاتّفاق غير المعلن؛ فقد تابع الإمامعليهالسلام سيره بهذه الظروف، وقام الحرّ وأصحابه بمسايرة الإمامعليهالسلام ومراقبته، وما زالوا كذلك [فقد] استقر الإمامعليهالسلام نهائياً في كربلاء، أو أن الحر قال: خذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة تكون بيني وبينك نفقاً حتّى أكتب للأمير.
وقائع ما حدث في ذي حم
قلنا: إن الإمامعليهالسلام قد عرف أنّ الحر وأصحابه الذين يبلغون ألف فارس هم طليعة جيش بني اُميّة، وأن مهمتهم منحصرة في مراقبة الإمامعليهالسلام ومسايرته، ومنعه من العودة إلى المدينة، ومنعه من دخول الكوفة، وليس هنالك ما يمنع تلك الطليعة من أن تقتاد الإمامعليهالسلام إلى عبيد الله بن زياد إن استطاعت إلى ذلك سبيلاً، فإن
____________________
(1) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 87، ومقتل الحسين للخوارزمي في 1 / 232، وبحار الأنوار 45 / 238.
لم تستطع تبقى مهمتها منحصرة بالمراقبة والمسايرة، والحيلولة بين الرجوع إلى المدينة أو الدخول إلى الكوفة.
صلاة الظهر
أمر الحسينعليهالسلام الحجاج بن مسروق بالأذان قائلاً: « أذّن رحمك الله، وأقم الصلاة حتّى نصلي ». فأذّن الحجاج، فلما فرغ من أذانه قال الحسينعليهالسلام : « يابن يزيد، أتريد أن تصلّي بأصحابك واُصلّي بأصحابي؟ ».
فقال الحرّ: بل تصلّي بأصحابك ونصلّي بصلاتك.
وبالفعل صلّى الإمامعليهالسلام بالمعسكرين، فلما فرغ من صلاته وثب قائماً؛ فاتّكأ على سيفه، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: « أيها الناس، إنها معذرة إلى الله وإلى مَن حضر من المسلمين. إنّي لم أقدم على هذا البلد حتّى أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم أن اقدم إلينا، إنه ليس علينا إمام، فلعلّ الله أن يجمعنا بك على الهدى. فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم، فإن تُعطوني ما يثق به قلبي من عهودكم ومواثيقكم دخلت معكم إلى مصركم، وإن لم تفعلوا وكنتم كارهين لقدومي عليكم انصرفت إلى المكان الذي أقبلتُ منه إليكم ».
فسكت القوم ولم يجيبوا بشيء(1) .
ويبدو أن الإمامعليهالسلام قد خطب بأصحابه خاصة قبل أن يخطب بالجميع بعد الصلاة، فقال في خطبته أمام أصحابه: « إنّه قد نزل من الأمر ما ترون، وإنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت، وأدبر معروفها، واستمرت جدا، ولم يبق منها إلاّ صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون إلى الحقِّ لا يُعمل به، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه؟ ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقاً حقاً؛ فإني لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ برماً »(2) .
وقال المجلسي: إنّ الإمامعليهالسلام أضاف إلى ما سبق: « إنّ الناس
____________________
(1) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 85، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 231، وقريب منه في الإرشاد للمفيد، وبحار الأنوار 44 / 376، وأعيان الشيعة 1 / 596.
(2) تاريخ الطبري 3 / 307، وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 214، ومثير الأحزان / 44، واللهوف / 79، وينابيع المودة / 406.
عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معائشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديانون »(1) .
ومن الطبيعي أن يسمع الحر وأصحابه ما قاله الإمام الحسينعليهالسلام ؛ فهم يراقبونه مراقبة دقيقة، ويتابعون أوامره لأصحابه، ومن الطبيعي جداً أن يكتبوا لعبيد الله بن زياد أو أن ينقلوا له كلّ ما قاله الإمامعليهالسلام أو صرّح به؛ لأن هذا من صميم مهامهم.
التهيؤ للرحيل
أمر الحسينعليهالسلام أن يتهيّؤوا للرحيل ففعلوا، ثمَّ أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام، فصلّوا جميعاً خلفه، وبعد الصلاة انصرف بوجهه إليهم، ثمَّ قال: « أمّا بعد، أيها الناس، فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله تكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمّد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم، والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أبيتم إلاّ الكراهية لنا والجهل بحقنا، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم، وقدمت به عليّ رسلكم انصرفت عنكم »(2) .
فقال الرجل: أبا عبد الله، لسنا من القوم الذين كتبوا إليك، وقد اُمرنا إن لقيناك ألاّ نفارقك حتّى نأتي بك على الأمير(3) .
فتبسم الحسينعليهالسلام ثمَّ قال: « الموت أدنى إليك من ذلك »(4) .
قال الحرّ: يا حسين، إني اُذكّرك الله في نفسك؛ فإني أشهد لئن قاتلت لتُقتلنّ.
إنّ نظام التخويف جزء من الخطط العسكرية العربيّة، وقد مارسها العرب؛ فاستأجروا طوال التاريخ أصحاب الألسن لتخويف أعدائهم. ويبدو أن أكثريّة
____________________
(1) بحار الأنوار للمجلسي 78 / 116، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 227.
(2) الإرشاد للمفيد / 224، والكامل لابن الأثير 2 / 552، واللهوف / 34، وأعيان الشيعة 1 / 596، وبحار الأنوار 44 / 377، ووقعة الطف / 170.
(3) الفتوح 5 / 87، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 232، وبحار الأنوار 45 / 238.
(4) المصدر السابق.
الناصحين الذين خوّفوا الإمام الحسينعليهالسلام جزء من قوة تعمل لصالح دولة الخلافة.
وأمام تركيز الحر على هذه الناحية؛ طمعاً بتحطيم روح المقاومة لدى الإمام الحسينعليهالسلام ، لعلّه ينجح بجر الحسين معه إلى ابن زياد فتكون مفخرة له ولرجاله.
وكانت فرصة أمام الإمام الحسينعليهالسلام ليعرفهم بطبيعته المحصنة أمام هكذا حملات، فقال الحسين: « أفبالموت تخوّفني؟ وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني؟! وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه... »، وردد الإمامعليهالسلام الشعر الذي أوردناه قبل قليل(1) .
وفي رواية أنه قال: « ليس الموت في سبيل العز إلاّ حياة خالدة، وليست الحياة مع الذل إلاّ الموت الذي لا حياة معه، أفبالموت تخوفني؟ هيهات! طاش سهمك، وخاب ظنك، لستُ أخاف الموت؛ إنّ نفسي لأكبر، وهمّتي لأعلى من أن أحمل الضيم خوفاً من الموت. وهل تقدرون على أكثر من قتلي؟! مرحباً بالقتل في سبيل الله، ولكنكم لا تقدرون على هدم مجدي، ومحو عِزّي وشرفي، فإذاً لا اُبالي بالقتل »(2) .
ثمّ أقبل الإمامعليهالسلام نحو أصحابه وقال: « هل فيكم أحد يخبر الطريق على غير الجادة؟ ».
فقال الطرماح بن عدي: يابن رسول الله، أنا اُخبر الطريق.
فقال الحسينعليهالسلام : « سر بين أيدينا ».
وسار فاتّبعه الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه.
إقامة الحجة على طليعة جيش الخلافة
كل ما ينبغي أن يقال قاله الإمامعليهالسلام لطليعة الجيش الاُموي، لقد أقام عليهم الحجة، وعرفوا أنه على الحق، وأن الواجب الديني يدعوهم لنصرته وحمايته وأهل بيته، ولكنهم خذلوه مع سبق الإصرار، وأخلصوا لطاغيتهم كما أخلص المؤمنون الصادقون لله أو خوفاً منه.
إنّ قلوبهم غلف تماماً، ويبدو أن قائدهم هو الرجل الوحيد الذي تأثر بما قاله الإمام الحسينعليهالسلام ، ولكن بعد فوات الأوان! ولو أن وعي الحر قد كان مبكراً، ولو أنه تعاون مع الإمام الحسينعليهالسلام ربما كان بالإمكان
____________________
(1) الإرشاد للمفيد / 225، وتاريخ الطبري / 63، والعوالم 17 / 228.
(2) أعيان الشيعة 1 / 581، وإحقاق الحقِّ 11 / 601.
إقناع الأكثريّة الساحقة من رجال الطليعة، ولو تم ذلك لربما تغيّر مجرى التاريخ، ولكن وحسب تعبير الإمامعليهالسلام : « لقد حال القضاء دون الرجاء ».
وما يعنينا أن الإمام الحسينعليهالسلام قد أسمع صوت الحق لقائد طليعة جيش بني اُميّة، ولمنتسبي تلك الطليعة، وأقام الحجة كاملة عليهم، وشهدوا لذلك على أنفسهم من حيث لا يشعرون، فعصوه وهم يعلمون أن طاعتهم هي الأولى، وخذلوه وهم يعلمون أن الله تعالى فرض عليهم نصرته، فجاء عصيانهم وخذلانهم بعد إقامة الحجة، ومع سبق الترصد والإصرار.
ولم ييأس الإمام الحسينعليهالسلام ، إنما تابع جهده لكسب هذه الطليعة، وللتضييق عليها؛ إمعاناً بإقامة الحجة أثناء مسيرته.
البيضة
سار الحسينعليهالسلام بأصحابه في ناحية، وسار الحر بطليعة جيش الفرعون بناحية اُخرى حتّى وافوا البيضة(1) ، وفي البيضة عاود الإمام الحسينعليهالسلام المحاولة، فخطب في أصحابه وأصحاب الحرِّ قائلاً: « أيها الناس، إنّ رسول الله قال: مَن رأى منكم سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله. ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرموا حلاله، وأنا أحق مَن غيّر.
قد أتتني كتبكم، وقدمت عليّ رسلكم ببيعتكم؛ إنكم لا تسلموني، ولا تخذلوني، فإن تممتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم؛ فأنا الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله، نفسي مع أنفسكم، وأهلي مع أهليكم، فلكم فيّ اُسوة.
وإنْ لم تفعلوا ونقضتم عهدكم، وخلعتم بيعتي من أعناقكم، فلعمري ما هي لكم بنكر؛ لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي مسلم، والمغرور من اغترّ بكم، فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم،( فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا
____________________
(1) البيضة: موضع بين العذيب وواقصة من ديار بني يربوع. معجم البلدان 1 / 532.
يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ ) (الفتح / 10 )، وسيغني الله عنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته »(1) .
ولمّا فرغ الإمامعليهالسلام من خطبته قام إليه أصحابه وتكلموا، وأجمعوا لنصرته، فجزاهم الإمامعليهالسلام خيراً. وخرج ولد الحسين وإخوته وأهل بيته حين سمعوا الكلام، فنظر إليهم، وجمعهم عنده وبكى، ثمَّ قال: « اللّهمَّ إنّا عترة نبيك محمّد صلواتك عليه، قد اُخرجنا واُزعجنا وطُردنا عن حرم جدّنا، وتعدّت بنو اُميّة علينا، اللّهمَّ فخذ لنا بحقنا، وانصرنا على القوم الظالمين »(2) .
أمّا الحرّ وطليعة جيش الفرعون فقد سمعوا كلَّ ما قاله الإمامعليهالسلام ، وشاهدوه وهو يبكي، فلم تتأثر نفوسهم؛ لا من قريب ولا من بعيد. وأخالهم قد كتبوا لابن زياد كلَّ ما سمعوه، ولم يفرحوا بكلمة مما قاله الإمامعليهالسلام ، وكأني بهم وقد أخذوا يتندرون ببعض ما قاله الإمامعليهالسلام ؛ إنهم قوم فقدوا دينهم وشرفهم ونخوتهم.
عذيب الهجانات
رحل الإمام الحسينعليهالسلام من موضعه المسمّى بالبيضة إلى العذيب(3) ، والحرّ يسايره، وبينما هم يسيرون إذ أقبل أربعة نفر من الكوفة، فلما انتهوا إلى الإمام الحسينعليهالسلام أنشدوه هذه الأبيات:
يا ناقتي لا تذعري من زجري |
و شـمّري قبل طلوع الفجرِ |
|
بـخير ركـبانٍ وخـير سفرِ |
حتّى تـحلّي بـكريم النجرِ |
|
الـماجدِ الحرِّ رحيب الصدرِ |
أتـى بـه الله لـخير أمـرِ |
ثـمـة أبـقاه بـقاء الـدهرِ
فقال الحسينعليهالسلام : « أما والله، إنّي لأرجو أن يكون خيراً ما أراد الله بنا، قُتلنا أم ظفرنا ».
ولما رآهم الحرُّ جاء إلى الإمام الحسينعليهالسلام وقال له: إنّ هؤلاء النفر الذين
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 306، وابن الأثير 2 / 552، ووقعة الطف / 172.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 236، وبحار الأنوار 44 / 383 يوم عاشوراء.
(3) العذيب: ماء ما بين القادسية والمغشية، ويبعد عن القادسية أربعة أميال، وعن المغشية اثنين وثلاثين ميلاً.
من أهل الكوفة ليسوا ممن أقبل معك، وأنا حابسهم أو رادّهم.
فقال له الحسينعليهالسلام : « لأمنعهم ممّا أمنع منه نفسي، إنما هؤلاء أنصاري وأعواني، وقد كنتَ أعطيتني أن لا تعرض لي بشيء حتّى يأتيك كتاب من ابن زياد ».
فقال الحرّ: أجل، ولكن لم يأتوا معك.
فقال الحسينعليهالسلام : « هم أصحابي، وهم بمنزلة مَن جاء معي، فإن تمّمت عليّ ما كان بيني وبينك وإلاّ ناجزتك ».
فكفّ عنهم الحرّ (1) .
فقال الإمام الحسينعليهالسلام للأربعة: « أخبروني خبر الناس وراءكم؟ ».
فقال مجمع بن عبد الله العائذي: أمّا أشراف الناس فقد اُعظمت رشوتهم، ومُلئت غرائرهم، يُستحال ودهم، ويُستخلص به نصيحتهم، فهم ألب واحد عليك؛ وأمّا سائر الناس بعدُ فإنّ أفئدتهم تهوي إليك، وسيوفهم غداً مشهورة عليك.
قال الإمامعليهالسلام : « أخبروني فهل لكم برسولي إليكم؟ ».
قالوا: من هو؟
قال الإمامعليهالسلام : « قيس بن مسهر الصيداوي ».
قالوا نعم، أخذه الحصين بن تميم فبعث به إلى ابن زياد، فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلّى عليك وعلى أبيك، ولعن ابن زياد وأباه، ودعا إلى نصرتك، وأخبرهم بقدومك، فأمر به ابن زياد فاُلقي به طمار القصر.
فترقرقت عينا الحسينعليهالسلام ولم يملك دمعه، ثمَّ قال: «( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) (الأحزاب / 23)، اللّهمَّ اجعل لنا ولهم الجنّة نزلاً، واجمع بيننا وبينهم في مستقر رحمتك، ورغائب من مذخور ثوابك »(2) .
ودنا الطرماح بن عدي من الحسينعليهالسلام فقال له: إنّي والله لأنظر فما أرى معك أحداً، ولو لم يقاتلك إلاّ هؤلاء الذين أراهم ملازميك لكان كفى بهم، وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة اليوم وفيه من الناس ما لم ترَ عيناي في صعيد واحد
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 307، والكامل لابن الأثير 2 / 552، والبداية والنهاية لابن الأثير 8 / 178، وأعيان الشيعة 1 / 587، والموسوعة / 362، ووقعة الطفِّ / 173.
(2) تاريخ الطبري 3 / 308، والكامل لابن الأثير 2 / 553، والبداية والنهاية 8 / 188، وأعيان الشيعة 1 / 597، ووقعة الطفِّ / 174.
جمعاً أكثر منه، فسألنا عنهم فقيل: اجتمعوا ليُعرَضوا ثمَّ ليُسرّحوا إلى الحسين. فأنشدك إن قدرت أن لا تقدم عليهم شبراً إلاّ فعلت، وإن أردت أن تنزل بلداً يمنعك فسر حتّى أنزلك مناع جبلنا الذي يدعى أجأ.
فقال له الإمام الحسينعليهالسلام : « جزاك الله وقومك خيراً، إنه قد كان بيننا وبين هؤلاء القوم قول لسنا نقدر معه على الانصراف، ولا ندري علام تنصرف بنا وبهم الاُمور في عاقبة »(1) .
فودّعه الطرماح لإرسال الميرة إلى أهله، وإعطائهم نفقة، وودّعه بأن يعود بعد ذلك ليكون من أنصاره، فقال الإمامعليهالسلام : « فإن كنت فاعلاً فعجّل يرحمك الله ».
وقال ابن نما: إنّ الإمام الحسينعليهالسلام قال للطرماح عندما اقترح عليه أن يذهب إلى جبل (أجأ): « إنّ بيني وبين القوم موعداً أكره أن أخلفهم، فإن يدفع الله عنّا فقديما ما أنعم علينا، وإن يكن ما لا بدّ منه ففوز وشهادة إن شاء الله ».
قال الطرماح: ثمَّ حملتُ الميرة ورجعت، فلقيني سماعة بن زيد النبهاني فأخبرني بقتله فرجعت(2) .
أقساس مالك والرهيمة
ثم سار الإمامعليهالسلام إلى أقساس مالك(3) ، ومنها إلى الرهيمة(4) ، والحرُّ وطليعة جيش الفرعون يسيرون إلى جانبه.
قصر مقاتل
رأى الإمام الحسينعليهالسلام فسطاطاً مضروباً في قصر مقاتل(5) ، فسأل الحسينعليهالسلام : « لمَن هذا الفسطاط؟ ».
فقيل: لرجل يقال له: عبيد الله بن الحر الجعفي.
فأرسل الحسينعليهالسلام له
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 308، والكامل لابن الأثير 1 / 554، والبداية والنهاية 8 / 188، وأعيان الشيعة 1 / 597، ووقعة الطفِّ.
(2) مثير الأحزان / 39.
(3) أقساس مالك: قرية بالكوفة.
(4) الرهيمة: وهي ضيعة قرب الكوفة.
(5) قصر مقاتل قرب القطقطانة، وهو منسوب إلى مقاتل بن حسان. معجم البلدان 4 / 364.
الحجاج بن مسروق، ولما دخل الحجاج الفسطاط سلّم، فرد السّلام، وقال له: ما وراءك؟
فقال الحجاج: والله، ورائي يابن الحر، والله قد أهدى الله إليك كرامة إن قبلتها.
قال: وما ذاك؟
فقال: الحسين بن علي يدعوك إلى نصرته، فإن قاتلت بين يديه اُجرت، وإن متّ فإنك استشهدت.
فقال عبيد الله: والله، ما خرجت من الكوفة إلاّ مخافة أن يدخلها الحسين وأنا فيها فلا أنصره؛ لأنه ليس له في الكوفة شيعة ولا أنصار إلاّ وقد مالوا إلى الدنيا إلاّ من عصم الله منهم، فارجع إليه وخبّره بذلك.
فأخبر الحجاج الإمام الحسينعليهالسلام بما جرى، فقام الحسين ثمَّ صار إليه في جماعة من إخوانه، فلما دخل وسلّم وثب عبيد الله بن الحر من صدر المجلس، وجلس الإمام الحسينعليهالسلام ، فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: « أمّا بعد يابن الحر، فإنّ مصركم هذه كتبوا إليّ وخبروني أنهم مجتمعون على نصرتي، وأن يقوموا دوني، ويقاتلوا عدوي، وأنهم سألوني القدوم فقدمت، ولست أدري القوم على ما زعموا؛ لأنهم قد أعانوا على قتل ابن عمي مسلم بن عقيلرحمهالله وشيعته، وأجمعوا على ابن مرجانة عبيد الله بن زياد يبايعني ليزيد بن معاوية.
وأنت يابن الحرّ، فاعلم أنّ الله (عزّ وجلّ) مؤاخذك بما كسبت وأسلفت من الذنوب في الأيام الخالية، وأنا أدعوك في وقتي هذا إلى توبة تغسل بها ما عليك من الذنوب، وأدعوك إلى نصرتنا أهل البيت، فإن اُعطينا حقّنا حمدنا الله على ذلك وقبلناه، وإن مُنعنا حقّنا وركبنا بالظلم كنتَ من أعواني على طلب الحق ».
فقال عبيد الله بن الحر: والله يابن رسول الله، لو كان لك بالكوفة أعوان يقاتلون معك لكنتُ أنا أشدّهم على عدوك، ولكني رأيت شيعتك بالكوفة وقد لزموا منازلهم خوفاً من بني اُميّة ومن سيوفهم، وهذه فرسي ملجمة، والله ما طلبت عليها شيئاً إلاّ أذقته حياض الموت، ولا طُلبتُ وأنا عليها فلحقت، وخذ سيفي هذا.
فقال الإمامعليهالسلام : « يابن الحر، ما جئنا لفرسك وسيفك، إنما أتينك لنسألك النصرة، فإن كنتَ قد بخلت علينا بنفسك فلا حاجة لنا في شيء من مالك. ولم أكن بالذي اتّخذ المضلين عضداً؛ لأني سمعت رسول الله يقول: من سمع داعية
أهل بيتي ولم ينصرهم على حقهم إلاّ أكبه الله على وجهه في النار ». ثمَّ سار الحسين من عنده ورجع إلى رحله(1) .
وفي قصر مقاتل لتقى الإمامعليهالسلام مع عمرو بن قيس المشرفي وابن عمه، فقال لهما الإمامعليهالسلام : « جئتما لنصرتي؟ ».
فقال عمرو: إنّي رجل كبير السن، كثير الدَّين، كثير العيال، وفي يدي بضائع للناس، ولا أدري ما يكون، وأكره أن اُضيّع أمانتي.
وقال له ابن عمه مثل ذلك، فقال الإمامعليهالسلام لهما: « فانطلقا فلا تسمعا لي واعية، ولا تريا لي سواداً؛ فإنّه مَن سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا ولم يغثنا كان حقاً على الله (عزّ وجلّ) أن يكبّه على منخريه في النار »(2) .
وروي عن علي بن الحسينعليهالسلام قال: « خرجنا مع الحسين، فما نزل منزلاً ولا ارتحل منه إلاّ ذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يوماً: ومن هوان الدنيا على الله أنّ رأس يحيى بن زكريا اُهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل »(3) .
وقال علي بن الحسينعليهالسلام : إنّ الإمام قد قال له: « يا ولدي، والله لا يسكن دمي حتّى يبعث الله المهدي، فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة والفسقة سبعين ألفاً »(4) ، وهو العدد الذي قُتل حتّى سكن دم يحيى بن زكريا.
وتساير الحر بن يزد مع ركب الحسين حتّى وصلوا إلى نينوى(5) ، فإذا راكب على نجيب له مقبلاً، فوقفوا جميعاً ينتظرونه، فلما انتهى إليهم سلّم على الحر وأصحابه ولم يسلّم على الحسين وأصحابه، ودفع إلى الحرّ كتاباً من عبيد الله بن زياد، فإذا فيه: أمّا بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي هذا ويقدم
____________________
(1) الفتوح 5 / 83، وكنز الدقائق 6 / 69.
(2) راجع تاريخ الطبري 2 / 309، والإرشاد للمفيد / 226، والكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 554، وبحار الأنوار 44 / 379، والعوالم 17 / 229، ووقعة الطفِّ / 176.
(3) الإرشاد / 251، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 85، وبحار الأنوار 45 / 89، وكنز الدقائق 6 / 162، والموسوعة / 370.
(4) المناقب لابن شهر آشوب 4 / 85، وبحار الأنوار 45 / 229، والعوالم 17 / 608.
(5) نينوى: قرية يونس بن متى بالموصل، ناحية بسواد الكوفة يقال لها: نينوى، ومنها كربلاء. راجع معجم البلدان 5 / 339، والموسوعة / 372.
عليك رسولي، ولا تنزله إلاّ بالعراء في غير خضر، ولا غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتّى يأتيني بإنفاذك أمري. والسّلام. فلما قرأ الكتاب، قال لهم الحر: هذا كتاب الأمير عبيد الله يأمرني أن اُجعجع بكم في المكان الذي يأتيني كتابه، وهذا رسوله وقد أمره أن لا يفارقني حتّى أنفذ أمره فيكم. فنظر يزيد بن مهاجر الكندي إلى رسول ابن زياد فعرفه، فقال له: ثكلتك اُمّك! ماذا جئت فيه؟ فقال: أطعت إمامي، ووفيت ببيعتي. فقال له ابن مهاجر: بل عصيت ربك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك، وكسبت العار والنار، بئس الإمام إمامك! قال تعالى:( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ يُنصَرُونَ ) (القصص / 41 )، فإمامك منهم.
وأخذهم الحرّ بالنزول في ذلك المكان على غير ماء، ولا في قرية، فقال له الحسينعليهالسلام : «دعنا - ويحك! - ننزل في هذه القرية أو هذه - يعني نينوى والغاضرية - أو هذه، يعني شفيّه».
فقال الحرّ: لا والله لا أستطيع ذلك، هذا رجل قد بُعث لي عيناً عليّ.
فقال له زهير بن القين: إني والله لا أرى أن يكون بعد الذي ترون إلاّ أشد مما ترون يابن رسول الله، إنّ قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال مَن يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قِبل لنا به. فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « ما كنت لأبدأهم بالقتال ». ثمَّ نزل الإمام الحسينعليهالسلام وكان ذلك اليوم هو يوم الخميس الثاني من محرم سنة إحدى وستّين(1) .
وأقبل الإمام الحسينعليهالسلام على أصحابه فقال: « الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الديّانون ». ثمَّ قال: « أهذه كربلاء؟ ». قالوا: نعم يابن الرسول. فقال: « هذا موضع كرب وبلاء، ها هنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا ». فنزل القوم، وأقبل
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 309، والإرشاد للمفيد / 226، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 96، والكامل لابن الأثير 2 / 552، وبحار الأنوار 44 / 380، والعوالم 17 / 230، والأخبار الطوال / 252، وينابيع المودة 2 / 407، والموسوعة / 373.
الحرّ حتّى نزل حذاء الحسين في ألف فارس، ثمَّ كتب إلى ابن زياد بنزول الحسين في كربلاء(1) .
وفي رواية: قال زهير: سر بنا إلى هذه القرية حتّى ننزلها؛ فإنها حصينة، وهي على شاطئ الفرات... فقال الإمامعليهالسلام : « وما هي؟ ».
قالوا: هي العقر.
فقال: « اللّهمَّ إني أعوذ بك من العقر »(2) .
وتذكّر الإمام الحسينعليهالسلام ، فقال: « ولقد مرَّ أبي بهذا المكان عند مسيره إلى صفّين وأنا معه، فوقف فسأل عنه، فاُخبر باسمه، فقال: ها هنا محط ركابهم، وها هنا مهراق دمائهم، فسُئل عن ذلك، فقال: ثقلٌ لآل محمّد ينزلون ها هنا ».
وقبض قبضة منها فشمّها وقال: « هذه والله هي الأرض التي أخبر بها جبرئيل رسول الله إنّني اُقتل فيها ».
وقال الإمامعليهالسلام لأصحابه: « أرض كرب وبلاء ». ثمَّ قال: « قفوا ولا ترحلوا منها، فها هنا والله مناخ ركابنا، وها هنا والله سفك دمائنا، وها هنا والله هتك حريمنا، وها هنا والله قتل رجالنا، وها هنا والله ذبح أطفالنا، وها هنا والله تُزار قبورنا، وبهذه التربة وعدني جدي رسول الله، ولا خلف لقوله »(3) .
كتاب ابن زياد إلى الإمام الحسينعليهالسلام
كتب ابن زياد إلى الإمام الحسينعليهالسلام كتاباً قد جاء فيه: أمّا بعد يا حسين، فقد بلغني نزولك بكربلاء، وقد كتب إليّ أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسّد الوثير، ولا أشبع من الخمير أو اُلحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية. والسلام.
فلما ورد الكتاب على الإمام الحسينعليهالسلام وقرأه رماه من يده، ثمَّ قال: « لا يُفلح قوم آثروا مرضاة أنفسهم على مرضاة الخالق ».
فقال الرسول: جواب الكتاب أبا عبد الله.
فقال الإمامعليهالسلام : « ما له عندي
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 234، وبحار الأنوار 44 / 383، والعوالم 17 / 224.
(2) الكامل لابن الأثير 2 / 552، ووقعة الطفّ / 179، والأخبار الطوال / 252.
(3) الدمعة الساكبة 4 / 256، وناسخ التواريخ 2 / 168، وذريعة النجاة / 67، وراجع ينابيع المودة / 406، وإثبات الهداة 5 / 202.
جواب؛ لأنّه قد حقّت عليه كلمة العذاب ». فرجع الرسول إليه فأخبره بذلك، فغضب أشد الغضب(1) .
المحطة الأخيرة من رحلة الشهادة
عندما وصل الإمام الحسينعليهالسلام إلى كربلاء انتهت رحلة الشهادة تماماً، وكانت كربلاء هي المحطة الأخيرة من محطات رحلة الشهادة؛ لذلك لزمها الإمامعليهالسلام واستقر بها، ولم تعد له الرغبة بالتنقل والرحيل.
لقد كانت نهاية رحلة الشهادة، وآخر محطّة من محطّات تلك الرحلة الطويلة المضنية. لقد حطّت الرحال نهائياً في كربلاء، كأن الرواحل قد اُقعدت؛ فالكرة الأرضيّة على رحابتها بقعتان: البقعة التي ولد فيها الإمامعليهالسلام ، والبقعة التي تجشّم الرحلة للوصول إليها لتكون مستقره النهائي ومضجعه.
لمّا نزل الإمامعليهالسلام في كربلاء كتب إلى أخيه محمّد بن الحنفيّة وجماعة من بني هاشم: « أمّا بعد، فكأن الدنيا لم تكن، وكأن الآخرة لم تزل »(2) .
لقد تمّت كلمة ربك على الوجه الذي أراد، فخرج الإمام وأهل بيت النبوة والصحب الصادقون من بيوتهم، وقطعوا كامل محطات رحلة الشهادة، وبرزوا إلى مضاجعهم. إنّ القضاء يخرج من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، ويتشكّل أو يأخذ شكله في عالم الشهادة، ولكن بالتصوير الفني البطيء.
____________________
(1) الفتوح 5 / 85، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 229، وبحار الأنوار 46 / 382، والعوالم 17 / 234.
(2) كامل الزيارات لابن قولويه / 75 باب 23، وراجع الأغاني 8 / 105.
الباب الرابع
استعدادات الخليفة وأركان دولته لمواجهة الإمامعليهالسلام
الفصل الأوّل: المواجهة
الفصل الثاني: خطط الخليفة لقتل الإمام الحسينعليهالسلام وإبادة أهل بيت النبوةعليهمالسلام
الفصل الثالث: الإمامعليهالسلام يقيم الحجة على جيش الخلافة
الفصل الرابع: الإمامعليهالسلام يأذن لأصحابه بالانصراف وتركه وحيداً
الفصل الخامس: الاستعدادات النهائية واتخاذ المواقع القتاليّة
الفصل السادس: مصرع الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام
الفصل الأوّل
المواجهة
يقين الخليفة وأركان دولته
كان الخليفة يزيد بن معاوية موقناً بأن الإمام الحسينعليهالسلام هو أخطر خصومه على الإطلاق؛ فالطليعة المؤمنة موقنة بأن رسول الله قد عهد إليه بالإمامة من بعد أخيه الحسنعليهالسلام ، وكلّ المسلمين يعلمون علم اليقين أن الحسين هو ابن علي، وابن فاطمة الزهراء، وحفيد النبي وحبيبه، وكلّ المسلمين يعلمون علم اليقين أنّ الإمام الحسينعليهالسلام هو عميد آل محمّد، وأهل بيته، وذوي قرباه؛ فهو السنام الذي لا يعلو عليه أحد؛ فهو نسب وشرف ودين، وسجلّ حافل بالأمجاد لا يدانيه بهذه الأمجاد مسلم قط، وهو المؤهّل الوحيد في زمانه لإمامة المسلمين وخلافة النبي الشرعيّة.
وابن معاوية يعلم علم اليقين أنّ أمجاده، وأمجاد أبيه معاوية، وجده أبي سفيان مرتبطة بتاريخ الشرك، ومستمدة من الدفاع عن الشرك، ومن قيادتهم لجبهة الشرك، ومن شهرتهم بعداوتهم لرسول اللهصلىاللهعليهوآله ولدينه طوال 23 عاماً، وهي أفعال لم تعد أمجاداً في العرف الإسلامي، بل فضائح ومخازٍ يتستر منها أصحابها، ويفرون من ذكرها.
وابن معاوية يعلم علم اليقين أنّ مؤهله الوحيد، ومؤهل والده من قبله للخلافة هو القوة والقهر والغلبة، وهي مؤهلات لا تصلح للدخول في حوار منطقي وشرعي مع الخصوم. واليقين الوحيد الذي استقر في قلب يزيد بن معاوية هو أن أباه معاوية قد نجح بهزيمة الشرعيّة، وبهزيمة جوهر الإسلام، ونجح في قهر الاُمّة، ونجح في التآمر عليها دون رضاها، ونجح بإقامة ملك اُموي، وبعد موت معاوية صار ابنه يزيد هو الوارث الوحيد لهذا الملك العريض الذي أسسه وبناه والده معاوية.
إمكانيات الخليفة وأركان دولته
قبل أن يهلك معاوية سلّم ابنه يزيد مفاتيح خزائن أموال الدولة ليتصرّف بها كأنها أمواله الخاصة، وليستعين بها على تثبيت ملكه، وتأليف قلوب الرعية
من حوله، وليجعلها أحد الأسلحة التي يحارب بها خصومه.
وقبل أن يهلك معاوية أيضاً سلّم ابنه قيادة جيوش مدربة على طاعته، وتتقاضى رواتبها من خزانته، وأوصاها معاوية أن طاعة ابنه كطاعته؛ فبالطاعة تدوم الرواتب والمعايش والمنافع، وإن انعدمت الطاعة تزول النعم كلها، وفوق ذلك يتعرض العاصي للقتل.
وقبل أن يهلك معاوية أيضاً أخذ البيعة لابنه من كافة عماله على أقاليم مملكته بعد أن اختارهم من خاصته ومن الموالين للعرش الاُموي، وقبل أن يهلك معاوية استقرّت القوانين التي أوجدها، وهي أن العطاء والرزق الشهري سيصل باستمرار لكلِّ رعايا الدولة المخلصين للخليفة، والمطيعين له، والقابلين بأعماله، والمعادين لأعدائه.
فإذا ثبت ولو بالظنّ أن أحد أفراد الرعية غير مخلص للخليفة، أو غير مطيع له، أو غير قابل بأعماله، أو موالٍ لأعدائه، فلا رزق له ولا عطاء، ولا مكان له في أعمال الدولة أو إدارتها أو جيشها، وبالتالي فهو عضو فاسد في المجتمع يجب أن يُقتل وأن تُهدم داره حتّى لا ينشر عدوى العصيان؛ فهو مريض معدٍ (1) .
وقبل أن يهلك معاوية عرّف ابنه على أقطاب إعلام دولته الذين اصطفاهم لنفسه، وخرّجهم من مدرسته، فصارت لهم القدرة على جعل الحق يبدو بصورة الباطل، وجعل الباطل يبدو بصورة الحق، مثلما مهروا بتحريف الكلم عن مواضعه، والمهارة على قلب الألوان وتبديلها، فلهم القدرة على جعل الأبيض أسودَ، وتحويل الأسود إلى أبيض.
والخلاصة: إنّ يزيد بن معاوية ورث دولة مستقرة، وأُمّة ذليلة خاضعة، وديناً سياسياً لا يحمل من الإسلام إلاّ اسمه وقشوره، وورث إمكانيات وطاقات دولة عظمى، بل من أعظم دول العصر في زمانها من حيث إمكانياتها وطاقاتها،
____________________
(1) راجع شرح نهج البلاغة لعلامة المعتزلة ابن أبي الحديد 3 / 595 - 596، تحقيق حسن تميم، واقرأ نص المراسيم الملكية التي أصدرها معاوية وعمّمها على كافة عمال أقاليمه ليعملوا بها، وليعتبروها قانوناً يعلو فوق أي قانون.
وورث الآلية أو المكنة التي تساعده وبكلِّ يسر على تسخير كلِّ موارد الدولة وطاقاتها لتثبيت دعائم عرشه ودوام ملكه، وسحق خصومه سحقاً لا رحمة فيه. بهذا المناخ المملوء بالرهبة والرعب، والإرهاب والذل امتنع الإمام الحسينعليهالسلام عن البيعة وخرج.
وتوالت خطبه وتصريحاته المملوءة بأنقى الأفكار الدينية وأنبل المشاعر الإسلاميّة، وأعلن الإمامعليهالسلام عدم شرعية خلافة يزيد، وبطلانها، وبطلان كافة الفتاوى الصادرة عن علماء دولة الخلافة، وفساد إعلام تلك الدولة، وتهدم الأساس الذي قامت عليه، وعدم شرعيته كما أسلفنا.
واستمع المسلمون إلى كل ما صدر عن الإمامعليهالسلام من خطب وتصريحات، وهم بين مصدق ومَن يكذب، وفركوا أعينهم، وتأكدوا أنها مفتوحة، وأنهم ليسوا بحلم! لقد جنّ جنونهم بالفعل؛ فمَن يجرؤ على انتقاد الخليفة، ومَن يجرؤ على عصيانه أو الامتناع عن طاعته، ومَن يجرؤ على المخاطرة برزقه وعطائه الشهري، ومَن يجرؤ على انتهاك هيبة الخليفة وجلاله، بل ومَن يجرؤ على المغامرة بمستقبله وحياته، وحياة من يحبهم، ومَن يجرؤ على مواجهة الخليفة وأركان دولته؟! إن هذا لأمر عجاب!
لقد تصور المسلمون لطول الذل وعمقه أن الخليفة قد خُلق ليُطاع، ووجدت أعماله ليقبل الناس بها، بل لقد وُجد الناس أنفسهم خصيصاً لطاعته، وها هو ابن النبي الإمام الحسينعليهالسلام يخرج فجأة ليعلن بطلان كل شيء، وفساد كل الاعتقادات السابقة، ويدعو إلى مراجعة ذاتية شاملة.
والمثير حقاً أن يشارك الإمام الحسينعليهالسلام بكل هذا أهل بيت النبوة، وآل محمّد، وذوي قرباه، فهل يعقل أن يكون الخليفة مخطئاً؟! وكيف يكون مخطئاً وعنده مفاتيح ملك دولة الخلافة، وتحت إمرته كلّ رعايا الدولة؛ يغضبون لغضبه ويرضون لرضاه؟! الخليفة الذي قدّمته وسائل إعلام دولته كقدّيس، وكخليفة لرسول الله، بل وكخليفة لله تعالى نفسه؟! إنّ هذا أمر لا يصدق!
ومن جهة اُخرى فهل يعقل أن يخطأ الإمام الحسينعليهالسلام ؟! فالصفوة الباقية من الصحابة تؤكّد أنّ رسول اللهصلىاللهعليهوآله قد عهد إليه بالإمامة من بعد أخيه الحسنعليهالسلام ، وكل الناس يعرفون أنه ابن فاطمة الزهراء ابنة النبي، وأنه حفيد النبي، وعميد الآل والأهل وذوي القربى.
كيف يخطأ مَن جعله الله ثقلاً ملازما للقرآن؟! وإن أخطأ فهل يعقل أن
يخطأ آل محمّد والناس يذكرونهم في الصلاة؟! وهل يعقل أن يخطأ أهل البيت الذين شهد الله لهم بالطهارة، وهم أهل المباهلة؟! وهل يعقل أن يجمع على الخطأ أيضاً ذوو القربى الذين أوجب الله على كلِّ مسلم مودتهم؟!
إنّ الشرعيّة الإلهية ورموزها تتواجه إعلامياً مع واقعية دولة الخلافة ورموزها. الشرعيّة الإلهية ورموزها لا يملكون إلاّ الحجة، والواقعية لا تملك الحجة، ولكنها تملك القوة والنفوذ والسلطان والإعلام.
فمن يغلب من؟ كيف يفعل الخليفة وأركان دولته بابن النبي وآل النبي وأهل بيت النبي وذوي قرباه؟ وهل لابن النبي وآله الطاقة والقدرة على مواجهة الخليفة وأركان دولته؟ تلك نماذج لفيض الأسئلة التي طرحتها انتفاضة الإمام وأهل بيت النبوةعليهمالسلام .
الجموع الذليلة تنتظر رد فعل الخليفة، وتتوقع المواجهة، وهي بشوق بالغ لتتفرّج على هذه المواجهة، ولترى مَن هو الفائز بهذه المواجهة غير المتكافئة، وليس مهمّاً عندها على مَن تدور الدائرة؛ فالجماهير مهيّأة نفسياً لتصفّق للغالب كائناً مَن كان، ولتنهب المغلوب وتأكله كائناً من كان، وهي بتربيتها الذليلة مؤهّلة لإرجاء حساباتها، ولترشيح الخليفة وأركان دولته للغلبة.
إنّ الجماهير الذليلة ليست في عجلة من أمرها لتتفرّج أولاً على المواجهة؛ فالإمام الحسين يخطب ودّها ولكن بالحجة، ومن المحزن حقاً أنه لا يدفع لها مالاً ولا يعدها إلاّ بالجنة ورضوان الله ورسوله، وهذه مكافآت لا تشبع البطون ولا الفروج، ولا تملأ الجيوب. والخليفة يطلب ودّها أيضاً، ويدفع بلا حساب؛ فيشبع بطونها، ويملأ جيوبها من (أمواله) الطائلة التي (لا تنفذ)، وحبيب الجماهير من ينفعها في الدنيا.
والسؤال الكبير الذي بقي مطروحاً بإلحاح هو: ما هو رد فعل الخليفة على امتناع الحسين عن البيعة، وعلى خروجه، وعلى تصريحاته الملتهبة التي هتكت هيبة دولة الخلافة، وشكّلت سابقة خطيرة من رعاياها؟
قرار الخليفة بقتل الإمامعليهالسلام وإبادة أهل بيت النبوة
عندما تيقّن ابن معاوية من امتناع الحسين عن البيعة، وبخروجه بأهل بيته ومَن والاه، قرّر الخليفة قراراً نهائياً لا رجعة فيه بأن يقتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وأن يبيد أهل بيت النبوة إبادة كاملة، وأن يبطش بهم بطشة كبرى لا تقوم لهم قائمة من بعدها.
ما هو دليلنا على هذا القرار؟
1 - كتاب عبيد الله بن زياد للإمام الحسينعليهالسلام ، وجاء فيه: أمّا بعد يا حسين، فقد بلغني نزولك في كربلاء، وقد كتب إليَّ أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير، ولا أشبع من الخمير أو اُلحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية. والسّلام(1) .
2 - كتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص، وجاء فيه: أمّا بعد، فإنّي لم أبعثك إلى حسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنّيه السلامة والبقاء، ولا لتقعد له عندي شفيعاً. انظر فإن نزل حسين وأصحابه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتّى تقتلهم وتمثل بهم؛ فإنهم لذلك مستحقون. فإن قُتل حسين فأوطئ الخيل صدره وظهره؛ فإنه عاق مشاق، قاطع ظلوم...(2) .
3 - كتاب عبيد الله بن زياد للحر قائد طليعة جيش الخليفة، إذ جاء فيه: أمّا بعد، فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي هذا، ويقدم عليك رسولي، ولا تنزله إلاّ بالعراء، وعلى غير ماء...(3) .
____________________
(1) الفتوح 5 / 95، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 239، وبحار الأنوار 10 / 189، والعوالم / 76، ومقتل المقرّم / 236، والموسوعة / 276.
(2) راجع تاريخ ابن الأثير 2 / 23، وتاريخ الطبري 6 / 236، ومعالم المدرستين 3 / 89 كما نقلها عن الطبري 6 / 225، وابن الأثير 4 / 27، والدينوري / 247 باختصار، وابن كثير 8 / 168 وما بعد.
(3) راجع تاريخ الطبري 3 / 309، والإرشاد / 226، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 96، وباختصار في الكامل لابن الأثير 2 / 552، وبحار الأنوار 44 / 38، و17 / 230، والأخبار الطوال / 252، وينابيع المودة للقندوري 2 / 407، والموسوعة / 372 وما بعدها، ومقتل الحسين للمقرّم / 228.
4 - كتاب عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد الذي يأمره فيه بما يلي: أمّا بعد، فحُل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة...(1) . فهل يتجرأ عبد تافه سليل عُبيد على مثل هذه الأفعال والتصريحات ما لم يكن مفوّضاً بالفعل تفويضاً كاملاً من سيده يزيد بن معاوية؟!
لقد أطلق يزيد يد عبيد الله بن زياد في العراق وجعل منه طاغوتاً مستكبراً، يحكم حكماً مطلقاً، ويسخّر كل موارد العراق وطاقاته وإمكاناته لغاية قتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وإبادة أهل بيت النبوة، وهذا أمر من الوضوح بحيث أنه لا يحتاج إلى إثبات.
5 - ثمَّ انظر إلى كتاب يزيد بن معاوية إلى واليه على المدينة فيه - وبالحرف - بأخذ البيعة على أهل المدينة عامة وخاصة على الحسين، ويقول في الكتاب: «فإن أبى عليك فاضرب عنقه»(2) . لقد أصدر هذا المرسوم الملكي قبل أن يمتنع الإمام الحسينعليهالسلام عن البيعة، وقبل أن يخرج، وقبل أن يدلي بتصريحاته التي فضحت الخليفة ونظامه.
وقال الطبري: إن يزيد قد كتب إلى واليه على المدينة: أمّا بعد، فخذ حسيناً و... أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتّى يبايعوا. والسّلام(3) . فإذا كان يزيد بن معاوية يأمر بقتل الحسين إن امتنع عن البيعة، وقبل أن يمتنع، فمن باب أولى أن يأمر بقتله إذا امتنع بالفعل، وخرج عليه بالفعل، وخرج بما صرّح به بالفعل.
وإذا أمر بقتل الإمام الحسينعليهالسلام وهو عميد أهل بيت النبوة وآل محمّد وذوي قرباه، فأهون عليه الأمر بقتل مَن سواه ممن هم دونه.
6 - وبعد أن تمّت المذبحة بالصورة المأساوية البشعة، لم يوجه الخليفة
____________________
(1) برواية الطبري عن حميد بن مسلم، راجع معالم المدرستين 3 / 84، وتاريخ الطبري 3 / 311، والإرشاد / 228، والكامل لابن الأثير 2 / 552، وبحار الأنوار 44 / 389، والعوالم 17 / 240.
(2) مثير الأحزان لابن نما / 14 - 15، واللهوف في قتلى الطفوف / 9 - 10، والفتوح لابن أعثم الكوفي 5 / 10، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 180 - 185.
(3) تاريخ الطبري - باب «خلافة يزيد بن معاوية » 6 / 188.
كلمة لوم واحدة لعبيد الله بن زياد، بل عبّر له عن كل شكره ومننه، وسلّمه ولاية كل العراق، وكافأه بألف ألف درهم؛ فبنى عبيد الله لنفسه قصرين بهذه الأموال يشتي بأحدهما، ويصيف بالآخر، وعلا أمر هذا العبد وانتشر ذكره، ومدحه الشعراء طمعاً برضاه(1) .
7 - بل وأبعد من ذلك فإن عبيد الله بن زياد صار صاحب السر والأمانة عند يزيد، وصار نديمه، وأعلن أمام أركان دولته قائلاً لعبيد الله: «لقد وجبت محبتكم يا بني زياد على آل أبي سفيان». وترجم هذه المشاعر الحميمة شعراً عندما كان يشرب الخمر مع ابن العبيد عبيد الله بن زياد، فقال:
اسقني شربةً تروّي عظامي |
ثمَّ ملْ فاسقِ مثلها ابنَ زيادِ |
|
صاحبَ السر والأمانة عندي |
ولـتسديد مـغنمي وجهادي |
ثم أمر مغنّيه فغنوا به(2) .
قال السبط ابن الجوزي: استدعى يزيد بن زياد واليه وأعطاه أموالاً كثيرة وتحفاً عظيمة، وقرّب مجلسه، ورفع منزلته، وأدخله على نسائه، وسكر ليله وقال للمغني: غنِّ. ثمَّ قال يزيد على البداهة: اسقني شربة تروي...(3) .
8 - وبعد أن انتهت المذبحة بالصورة الرهيبة التي نُفّذت بها، وبعد أن قُطع رأس الحسين ورؤوس الشهداءعليهمالسلام ، ووُضعت بين يدي يزيد، كانت مشاعره بالزهو والسعادة والانتصار واضحة.
قال الطبري: لمّا وُضعت الرؤوس بين يدي يزيد؛ رأس الحسين وأهل بيته وأصحابه، قال يزيد:
نـفلّق هاماً من رجالٍ أعزّةٍ |
علينا وهم كانوا أعقَّ واظلما |
فقال يحيى بن الحكم أخو مروان:
لـهامٌ بـجنب الـطفِّ أدنـى قرابةً |
من ابن زيادِ العبدِ ذي الحسبِ الوغلِ |
____________________
(1) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 252.
(2) راجع مروج الذهب للمسعودي 3 / 67.
(3) تذكرة خواص الاُمّة للسبط ابن الجوزي / 164.
سـميةُ أمـسى نسلُها عددَ الحصى |
وليس لآل المصطفى اليومَ من نسلِ |
فضرب يزيد في صدر يحيى وقال: اسكت.
وفي تاريخ الطبري قال يزيد لعلي بن الحسين: أبوك الذي قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت(1) .
ولمّا جاءت رؤوس الشهداء كان يزيد في منظرة على رُبى جيرون، فأنشد لنفسه:
لـما بـدت تلك الحمولُ وأشرقت |
تـلك الـشموسُ على رُبا جيرونِ |
|
نعب الغراب فقلت صـح أو لا تصحْ |
فـلقد قضيتُ من الغريم ديوني(2) |
9 - ثمَّ إنّ عاصمة دولة الخلافة قد تزيّنت وأظهرت مظاهر العيد والانتصار يوم علمت بمقتل الإمام الحسين وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ، ويوم قدمت رؤوس الشهداء من العراق إلى الشام، كل ذلك بأوامر وتعليمات من الخليفة يزيد.
____________________
(1) راجع معالم المدرستين 3 / 158، وتذكرة الخواصّ / 149، واللهوف / 79، ومثير الأحزان / 78.
(2) تذكرة الخواصّ للسبط ابن الجوزي 2 / 148.
الفصل الثاني
خطط الخليفة وعبيد الله بن زياد لقتل الإمام الحسينعليهالسلام
وإبادة أهل بيت النبوة
لمّا تأكّد الخليفة وعبيد الله بن زياد أن الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيت النبوة والقلة التي والتهم ساروا من مكّة في طريقهم إلى العراق، وضع الخليفة بالتشاور مع عبيد الله بن زياد مجموعة من الخطط العسكرية المتكاملة والتي قدّروا أنها بالنتيجة ستؤدي إلى مقتل الحسين وإبادة أهل بيت النبوة والقلة التي والتهم، وتعذيبهم قبل القتل، والتمثيل بهم بعد القتل.
الخطة الاُولى
1 - قرّر عبيد الله بن زياد إرسال ألف فارس من المعروفين بموالاتهم المطلقة للنظام الاُموي، ويبدو أنهم بأكثريتهم من جيش الشام الذي دربه معاوية على الطاعة العمياء، وجهّله جهلاً مطبقاً باُمور الدين، وأسند قيادة هذه القوة إلى فارس شهير وهو الحر بن يزيد الرياحي(1) .
ومهمة هذه القوة العسكرية أن تتحرك، وأن تلاقي الإمام الحسينعليهالسلام قبل أن يصل إلى العراق، وتراقب حركاته وسكناته، وأن تمنعه من دخول الكوفة، وتمنعه من الرجوع إلى المدينة(2) .
وبالفعل تحرّكت هذه القوة، ووجدها الإمام الحسينعليهالسلام في منطقة بانتظاره، وأينما تحرك الإمام كانت تسايره وتتحرك قبالته في الجانب الآخر من الطريق. ورافقت هذه القوة الإمام من
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 305، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 229، والبداية والنهاية لابن كثير 8 / 186، وبحار الأنوار 44 / 375، وأعيان الشيعة 1 / 597، ووقعة الطف / 167، والأخبار الطوال / 248، والفتوح لابن أعثم 5 / 85، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 230، واللهوف / 33.
(2) الإرشاد للمفيد / 225، وتاريخ الطبري 3 / 306، والعوالم 17 / 228، والموسوعة / 359.
منطقة شراف حتّى أوصلته إلى كربلاء، وأجبرته على النزول فيها.
ومن مهمات هذه القوة أن تمنع أي واحد من أهل العراق من الانضمام إلى الحسينعليهالسلام ، بحيث يبقى الإمام وحده مع الذين جاؤوا من الحجاز(1) .
وبقيت هذه القوة قبالة الإمام الحسينعليهالسلام وأهله وأصحابه كطليعة لجيش الفرعون، حتّى إذا تلاحقت فيالق الجيش «الإسلامي» واجتمعت على صعيد واحد، اشتركت هذه القوة مع بقية الجيش الإسلامي بقتال الإمام وأهل بيت النبوةعليهمالسلام .
الخطة الثانية
وكانت خطة يزيد وعبيد الله بن زياد أن يعذّبوا الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيت النبوة ومن والاهم قبل أن يقتلوهم، وأعظم عذاب هو أن يحرموهم من الماء، وأن يمنعوه عنهم وعن أطفالهم ونسائهم حتّى يشرفوا على الموت من العطش، عندئذ يسهل على جيش بني اُميّة أن يبطش بطشته الكبرى بابن النبي وأهل بيت النبوة.
وبالفعل كتب عبيد الله بن زياد كتاباً إلى عمر بن سعد: أمّا بعد، فحل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة...
وعلى الفور أرسل عمر بن سعد بن أبي وقاص قوة عسكرية قوامها خمسمئة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيت النبوة وأطفالهم ونسائهم وبين الماء، وكانت تلك القوة بقيادة بطل «إسلامي» اسمه عمرو بن الحجاج، وقد استماتت تلك القوة بالفعل للحيلولة بين الإمام وصحبه وبين الماء، ونفذت بمنتهى الدقة أمر القيادة العليا(2) .
ولقد خاض العباس بن علي ملحمة حقيقية حتّى ملأ بعض
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 307، والكامل لابن الأثير 2 / 553، والبداية والنهاية لابن كثير 8 / 187، وأعيان الشيعة1 / 597 مع اختلاف واختصار في الثلاثة الأخيرة، ووقعة الطفِّ / 173، والموسوعة / 362.
(2) راجع تاريخ الطبري 3 / 311، والإرشاد / 228، والكامل لابن الأثير 2 / 556، وبحار الأنوار 44 / 389، والعوالم 17 / 240، ودلائل الإمامة / 78، والدمعة الساكبة 4 / 344، وتاريخ الطبري 3 / 313، واللهوف / 38، والعوالم 17 / 239، والأخبار الطوال / 255، ووقعة الطفِّ / 191.
القرب. ولقد ركّز عبيد الله بن زياد تركيزاً خاصاً على هذه الناحية.
الخطة الثالثة
خصص عبيد الله بن زياد خمسمئة فارس وأعطى قيادتهم لزجر بن قيس الجعفي، ومهمة هذه القوة أن تقيم بجسر الصراة لمنع مَن يخرج من أهل الكوفة يريد الحسينعليهالسلام .
فمر ابن عامر بن أبي سلامة بن عبد الله بن عرار الدلاتي، فقال له زجر: قد عرفت حيث تريد فارجع. فحمل عليه وعلى أصحابه فهزمهم، ومضى وليس أحد منهم يطمع في الدنو منه حتّى وصل كربلاء، وانضم إلى الحسينعليهالسلام وقاتل معه حتّى قُتل بين يديه(1) .
الخطة الرابعة
جمع ابن زياد الناس في جامع الكوفة، فقال: إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه؛ حسن السيرة، محمود الطريقة، محسناً إلى الرعية، يُعطي العطاء في حقه... يكرم العباد ويُغنيهم بالأموال، وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة، وأمرني أن اُوفّرها عليكم، وأخرجكم إلى حرب عدوه الحسين فاسمعوا له وأطيعوا. ونزل ووفّر العطاء بالفعل، وهكذا دخل سلاح المال المعركة، وهو سلاح أجاد معاوية استعماله، وورث هذه الإجادة يزيد ابنه.
لقد عرف معاوية وابنه نقطة الضعف عند بعض النفوس الضعيفة؛ فهذا يزيد يعطي عشرة آلاف، فماذا يعطي الحسينعليهالسلام ؟ فلو أن الحسين أعطاهم عشرة آلاف ونصف درهم لباعوا يزيد، وباعوا عبيد الله بن زياد بنصف الدرهم، ولكن الإمام الحسينعليهالسلام لا يتعامل مع المرتزقة، ولا يتّخذهم عضداً له.
ومن جهة اُخرى فإنه لا يملك المال، ولو ملك المال بالفعل لشعر أن هذه الأموال للمسلمين، وفيها حق الفقراء والمساكين وابن السبيل، وأنه ليس من حقّه أن يخرج هذه الأموال عن مصارفها الشرعيّة، وأن يخصصها لتثبيت ملك، ولترفّع الإمامعليهالسلام عن فعل ذلك.
لكنّ الاُمويِّين لا يعرفون هذه اللغة؛ فكافة أموال
____________________
(1) الإكليل للهمداني 10 / 87 و 101، ومقتل الحسين للمقرّم / 240.
الدولة عندهم هي ملك للخليفة، ومفاتيح خزائنها في يده، ينفق منها ما يشاء لمن يشاء بغير حسيب ولا رقيب، وهكذا فعل الفراعنة والجبابرة في الأرض طوال التاريخ البشري.
الخطة الخامسة
بعدما وفّر عبيد الله بن زياد العطاء وزاد مئة مئة أمر أهل الكوفة قائلاً: لا يبقين رجل من العرفاء، والمناكب، والتجار، والسكان إلاّ خرج فعسكر معي. وأيّما رجل وجدناه بعد يومنا هذا متخلفاً عن العسكر برئت منه الذمة(1) .
فقدم النخيلة في جمع مَن معه، وبدأت الرعايا الذليلة بالالتحاق في معسكر الهوان، وطافت الخيل بالكوفة لتتأكد من خروج أهلها، فوجدوا رجلاً من همدان فقتلوه(2) ، ولم يبقَ بالكوفة محتلم إلاّ خرج إلى المعسكر بالنخيلة.
الخطة السادسة
دعا ابن زياد كثير بن شهاب الحارثي، ومحمد بن الأشعث بن قيس، والقعقاع بن سويد بن عبد الرحمن المنقري، وأسماء بن خارج الفزاري وقال لهم: طوفوا في الناس فمروهم بالطاعة والاستقامة، وخوّفوهم عواقب الاُمور والفتنة والمعصية، وحثّوهم على العسكرة.
فخرجوا وداروا بالكوفة، وبعد ذلك لحقوا به إلاّ كثير بن شهاب؛ فإنه كان مبالغاً يدور بالكوفة، ويأمر الناس «بالجماعة»، ويحذّرهم الفتنة، ويخذّل عن الحسين.
قال البلاذري في «أنساب الأشراف»: وضع ابن زياد المناظر على الكوفة لئلاّ يجوز أحد من العسكر؛ مخافة لأن يلحق بالحسين، ورتّب المسالح حولها، وجعل على حرس الكوفة زجر بن قيس الجعفي(3) .
____________________
(1) راجع أنساب الأشراف للبلاذري ح33 - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام ، ومعالم المدرستين للعسكري 3 / 81 - 82.
(2) راجع المرجع السابق.
(3) راجع معالم المدرستين للعسكري 3 / 81 - 83 نقلاً عن أنساب الأشراف. «المناظر: جمع منظرة، القوم يصعدون إلى أعلى الأماكن ينظرون ويراقبون. والمسالح: جمع مسلحة، قوم ذوو السلاح يحرسون ويراقبون».
الخطة السابعة
كان عمر بن سعد قد تأمّر على أربعة آلاف في مهمة تتعلق بخروج الديلم، فلما كان من أمر الحسين ما كان طلب منه عبيد الله بن زياد أن يتوجّه إلى الحسينعليهالسلام :
1 - بجيشه؛ لأن قتال الإمام الحسينعليهالسلام أولى من قتال أهل الديلم الخارجين على الخليفة.
2 - وسرّح ابن زياد أيضاً حصين بن تميم في أربعة آلاف، وأمره أن يلحق بعمر بن سعد.
3 - ووجّه حجار بن أبجر العجلي في ألف.
4 - ووجّه شبث بن ربعي في ألف أيضاً.
5 - ووجّه يزيد بن يزيد بن رويم في ألف أو أقل(1) .
6 - ومضاير بن رهينة المازني في ثلاثة آلاف(2) .
7 - ونصر بن حرشة في ألفين.
وتكامل عند ابن سعد لست خلون من المحرم عشرون ألفاً، ولم يزل ابن زياد يرسل العشرين والثلاثين والخمسين غدوة وضحوة، ونصف النهار وعشية من النخيلة يمدّ بهم عمر بن سعد حتّى تكامل عنده ثلاثون ألفاً.
وروى الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام أنّ الحسينعليهالسلام دخل على أخيه الحسنعليهالسلام في مرضه الذي استشهد فيه، فلما رأى ما به بكى، فقال له الإمام
____________________
(1) راجع معالم المدرستين للعسكري 3 / 81 - 82 كما نقلها عن الطبري، وراجع تاريخ الطبري 6 / 233 - 270، وتاريخ ابن الأثير / 19 - 38، وابن كثير 8 / 172 - 198، والأخبار الطوال للدينوري / 253 - 261، وأنساب الأشراف للبلاذري / 176 - 227، والإرشاد للمفيد / 210 - 236، وأعلام الورى / 231 وما بعدها.
(2) اللهوف، ومقتل الحسين للمقرّم / 242.
الحسنعليهالسلام : « ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ ».
فقالعليهالسلام : « أبكي لما صُنع بك ».
فقال الحسنعليهالسلام : « إنّ الذي اُوتي إليَّ سمٌّ اُقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، وقد ازدلفت إليك ثلاثون ألفاً يدعون أنهم من اُمّة جدنا محمّد، وينتحلون دين الإسلام؛ فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك، فعندها تحلّ ببني اُميّة اللعنة، وتمطر السماء دماً، ويبكي عليك كلُّ شيء حتّى الوحوش في الفلوات، والحيتان في البحار »(1) .
وكتب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد: إني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال، فانظر لا تُمسِ ولا تُصبح إلاّ وخبرك عندي غدوة وعشية. وكان يستحثه على الحرب لست خلون من محرم.
الإمام الحسينعليهالسلام وجهاً لوجه مع جيش دولة عظمى
كانت دولة الخلافة دولة عظمى بالفعل؛ فقد هزمت الدولتين العظيمتين في زمانها: فارس في الشرق، وروما في الغرب، وحلّت محلهما، واستولت على كافة مكتسباتهما.
وكان مجتمع الخلافة مجتمعاً عسكرياً، بمعنى أن الالتحاق بجيش الخلافة هو المهنة المألوفة لغالبية رعايا دولة الخلافة، وهي مصدر رزق هذه الغالبية.
ومن المفارقات أنّ أهل العراق كانوا يمثّلون الشرعيّة الإلهيّة ويدافعون عنها، وفي سبيل الدفاع عن هذه الشرعيّة دخلوا مع أهل الشام بحرب دموية مريرة، وانتهت هذه الحرب بهزيمة الشرعيّة، وبهزيمة أهل العراق، وبانتصار القوة والواقع، وبتتويج معاوية ملكاً على المسلمين كثمرة طبيعية لانتصار القوة وهزيمة الشرعيّة.
وعلى الرغم من الهزيمة الساحقة التي حلّت بأهل العراق وقلبت كامل المعادلة، إلاّ أن هذا البلد كان مصدر إزعاج دائم للخليفة الاُموي؛ مما اضطّره أن يختار عامل العراق دائماً من المجرمين العتاة؛ كابن زياد، وعبيد الله، والحجاج...
ومما فرض على العراق وضع فرقة مسلّحة كبيرة من جيش الشام
____________________
(1) أمالي الصدوق / 71 مجلس 30، وفي هامش تذكرة الخواصّ أنهم مئة ألف، راجع مقتل الحسين للمقرم / 242 - 243.
تحت إمرة ذلك العامل الطاغية ليضمن السيطرة على بلاد العراق، وليؤمّن طاعة أهل العراق له وخضوعهم لحكمه.
وجيش الشام درّبه معاوية على الطاعة العمياء، وجهّله باُمور الدين تجهيلاً كاملاً، فصار جيشه لا يعرف من الدين إلاّ الخليفة وطاعة الخليفة؛ فطاعة الخليفة هي طاعة الله وطاعة الرسول والتزام بأحكام الدين، ومعصية الخليفة هي معصية لله ومعصية للرسول وخروج عن أحكام الدين.
وانتشرت هذه العقيدة العسكرية الغريبة في مجتمع دولة الخلافة، وترسّخت بانتصار معاوية وبانتصار جيش الشام.
ركب الإمامعليهالسلام في كربلاء
كان في العراق فرقة كبيرة من جيش الشام، وهذا معلوم بالضرورة، وكانت العقيدة العسكرية التي رسخها معاوية هي المسيطرة، وبلوغها كان هدفاً لعشّاق العسكرية ومنتسبي جيش الخلافة.
واستطاع عبيد الله بن زياد بدعم الخليفة وتأييده أن يضع كافة طاقات وإمكانات دولة الخلافة تحت تصرفه؛ لإنجاز المهمة الخطيرة الموكولة والمتمثّلة بقتل الإمامعليهالسلام ، وإبادة أهل بيت النبوة إبادة تامة للقضاء على خطرهم الدائم الذي يحدق بالملك الاُموي.
وفي هذا السياق استطاع عبيد الله أن يجنّد كل القادرين على حمل السلاح من العراقيّين، وأن يحشرهم مع فرقة جيش الشام الموجودة في العراق، فجمع جيشاً قوامه ثلاثون ألف مقاتل تدعمه طاقات وإمكانات وموارد دولة الخلافة، ومشرّب بكل علوم وفنون وعقائد عسكرية الخلافة. ومهمة هذا الجيش محصورة بنقطة واحدة «قتل الإمام الحسينعليهالسلام وإبادة أهل بيت النبوة».
وليجعل الخليفة وأركان دولته لهذا الجيش مصلحة في تلك الحرب القذرة أعطى كلَّ فرد من أفراد هذا الجيش مئة مئة، وهذا مبلغ ضخم في المقاييس الاقتصاديّة لذلك العصر. ومقابل هذا المبلغ لا يجد أي عنصر من عناصر ذلك الجيش غضاضة ولا حرج لو قتل النبيَّ نفسَه.
ثمَّ إنّ هنالك فوائد مؤكدة اُخرى؛ حيث ستتاح الفرصة لهذا الجيش بنهب رحل الإمام الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام ، وذلك الجيش قد تعوّد أن ينهب المهزوم، وأن يأكل المغلوب كائناً مَن كان ولو كان النبيَّ نفسَه.
ووفق المعتقدات التي غرسها معاوية
في ذلك الجيش فلا مانع لدى أي فرد من أفراده بأن يقدم على جثّة أي قتيل فينزع عنه ثوبه الملطّخ بالدم، ويحمله كغنيمة ليغسله في ما بعد ويلبسه، أو يبيعه فينتفع بثمنه. وقد حدث هذا بالفعل.
وقد يهبط الجندي إلى أدنى المستويات فيأخذ حذاء المقتول «نعله»، قال أبو مخنف: وسُلب الحسين ما كان عليه؛ فأخذ سراويله بحر بن كعب، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته، وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له: الأسود، وأخذ سيفه رجل من بني نهشل بن دارم.
وقال أبو مخنف: وجاء الناس على الورس والحلل والإبل فانتهبوها(1) .
جاء أحد عسكر الخليفة إلى فاطمة بنت الحسين فانتزع خلخالها وهو يبكي، فقالت له: ما لك؟ فقال: كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟ قالت له: دعني! قال الجندي: أخاف أن يأخذه غيري(2) !
هذه طبيعة دين فرعون المسلمين وجنوده، وتلك عقيدتهم العسكرية، وهذه هي أخلاق «الجيش الإسلامي» الذي واجه الإمام الحسينعليهالسلام وحاربه في كربلاء.
ولأجل قتل الإمام الحسينعليهالسلام ، وإبادة أهل بيت النبوة جمع عبيد الله ثلاثين ألف مقاتل وسيّرهم إلى كربلاء بعد أن عيّن عمر بن سعد بن أبي وقاص قائداً لهذا الجيش، وعيّن شمر بن ذي الجوشن مساعداً له.
ووصل «الجيش الإسلامي» إلى كربلاء، وعلى رمالها ألقى عصاه، واتّخذ مواضعه القتالية، ورفعوا درجة استعدادهم إلى الدرجة القصوى، وانتظروا بفارغ الصبر أوامر دولة الخلافة ليبدؤوا القتال، وينفّذوا المهمة القذرة.
____________________
(1) راجع معالم المدرستين 3 / 136، وراجع الكامل لابن الأثير 4 / 52 «انتهبوا ما في الخيام»، وتاريخ الطبري 6 / 160، ومثير الأحزان / 40.
(2) راجع سير أعلام النبلاء للذهبي 3 / 204.
الفصل الثالث
الإمامعليهالسلام يقيم الحجة على جيش الخلافة
الإحاطة التامة
أحاط «الجيش الإسلامي» بمعسكر الإمام الحسينعليهالسلام إحاطة تامّة، وأشرفوا عليه إشرافاً كاملاً، فما من حركة يتحرّكها الإمام أو أحد في معسكره إلاّ ويشاهدها جيش الخلافة كله بوضوح تام، وما من كلمة يتلفّظ بها الإمام أو أحد من معسكره إلاّ ويسمعها جيش الخلافة. إنها حالة من الإحاطة التامة.
وكمثال على ذلك نسوق بعض ما رواه الطبري في تاريخه:
أقبل زجر بن قيس أحد قادة جيش الخليفة البارزين في كربلاء حتّى دخل على يزيد بن معاوية، فقال له يزيد: ويحك! ما وراءك وما عندك؟
فقال زجر: أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره؛ ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته، وستّين من شيعته، فأحطنا بهم من كل ناحية حتّى أتينا على آخرهم...(1) .
وما يعنينا من هذه الرواية هو شهادة هذا القائد أمام الخليفة بأن جيش الخلافة قد أحاط بمعسكر الإمام الحسينعليهالسلام من كل ناحية، ويؤيد هذه الشهادة أن الإمام الحسينعليهالسلام قد قال لأصحابه: « قوموا فاحفروا لنا حفرةً حول عسكرنا هذا شبه الخندق، وأجّجوا فيه النار حتّى يكون قتال القوم من وجه واحد »(2) .
وأسرّ الحسينعليهالسلام لأهل بيته ولأصحابه بأن يقرّب بعضهم بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد،
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 459 - 460.
(2) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 107، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 248، والموسوعة / 393.
والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وشمائلهم...(1) .
الوضع الأمثل لإقامة الحجة قبل بدء القتال
إنه وإن كان ذلك الوضع من الناحية العسكرية كارثة محقّقة على الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيت النبوة، ومَن والاهم وأقام في معسكرهم، إلاّ أنه من ناحية ثانية هو الوضع الأمثل لإقامة الحجة على القوم قبل القتال، فإذا تكلم الإمام الحسينعليهالسلام بذلك الوضع فإنّ بإمكان جيش الخلافة كله أن يسمع كلامه؛ فالجيش يحيط به من كل جانب، ولا يبعدون عنه إلاّ بضع عشرات من الأمتار، فكأن الله سبحانه وتعالى قد جمعهم على هذه الصورة ليمكّن الإمام الحسينعليهالسلام من إقامة الحجة عليهم؛ تمهيداً لإنزال العذاب بهم.
فلو لم يخرج الإمام الحسينعليهالسلام ويصل إلى كربلاء لحلف الذين أجرموا من أهل العراق لله وبالله أنه لو جاءهم الإمام الحسينعليهالسلام لنصروه، فالله سبحانه وتعالى يعلم أنهم لكاذبون، ولكن وفق مقتضيات العدل الإلهي يجب أن يقع الفعل، ويجب أن تقوم الحجة حتّى تحق كلمة العذاب على الذين أجرموا.
وها هو يزيد، وعبيد الله بن زياد، وأركان دولة الخلافة يحشرون جيش العراق وأهل الكوفة عن بكرة أبيهم، وفيلقاً من فيالق جيش الشام، ودون أن يدروا، ليتمكّن الإمام الحسينعليهالسلام من إقامة الحجة عليهم، وليشهدوا على أنفسهم من حيث لا يشعرون.
إقامة الحجة على أهل الكوفة خاصة
لأن أهل الكوفة هم الذين كتبوا له، وأرسلوا له الرسل، وبايع مسلم بن عقيل منهم ثمانية عشر ألفاً؛ لأنه بناءً على هذا كله توجّه الإمام الحسينعليهالسلام إلى العراق؛ فقد ركّز الإمام تركيزاً خاصاً على إقامة الحجة كاملة على أهل الكوفة؛ فهم يعرفون الإمامعليهالسلام ، ويعرفون كراماته، وقربه من النبي، وعظيم مكانته، ويعرفون
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 217، والإرشاد / 232، والكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 560، والعوالم 17 / 246، ووقعة الطفِّ / 201.
أنّ الإمام الحسينعليهالسلام على حق، وأنه الممثل الشرعي لهذا الحق، ويعرفون والده الإمام عليعليهالسلام ، ومكانته العالية، وعدله، وصبره، ورحمته بالعباد، والتزامه الصارم بالشرعيّة الإلهية. وهم يعرفون أيضاً بني اُميّة، وتاريخهم الدموي الأسود، وظلمهم الذي جاوز المدى، وبشاعة حكمهم، ومعاداتهم الصارمة للشرعية الإلهية، وجهلهم بها، وتجاهلهم لها.
ويبدو أنّ الإمامعليهالسلام لم يقطع الرجاء بنصرة أهل الكوفة له حتّى بعد أن وصل إلى كربلاء، فهل يعقل أن يبايعه ثمانية عشر ألفاً ولا يفي له منهم بهذه البيعة مئة؟!
كان بإمكان الإمام أن يرجع من الطريق قبل أن يلقاه الحرّ ومعه طليعة جيش الخلافة، لكنه رأى أنه ملزم أخلاقياً ودينياً بالقدوم إلى الكوفة من أجل الذين كتبوا له، وأرسلوا له الرسل، ومن أجل الثمانية عشر ألفاً الذين بايعوا ابن عمه مسلم بن عقيل، فهل يعقل أن يتخلى عنه أهل الكوفة بهذه السهولة وأن يتركوه وحيداً؟!
ثمَّ ما الذي أجبرهم على كتابة كتب الدعوة وإرسال الرسل؟! تلك اُمور لا تُصدق بالفعل. وهل قضية الكتب والرسل مؤامرة من معاوية وابنه كما أسلفنا ووثّقنا؟ فإذا كانت الكتب والرسل أجزاء من مؤامرة وفصول فيها، فما هو موضوع بيعة الثمانية عشر ألفاً الذين شهد مسلم بن عقيل بأنهم قد بايعوه؟ وهل يعقل أن تكون فصلاً من المؤامرة، وأنها نوع من الاختراق، أو تغلغل مخابرات دولة الخلافة؟
وما يعنينا هو أن الإمام الحسينعليهالسلام قد ركّز تركيزاً خاصاً على إقامة الحجة على أهل الكوفة من خلال رسائله التي أشرنا إلى بعضها، وسنشير إلى بعض آخر منها، ومن خلال تصريحاته، ومن خلال خطبه التي انتهت كلها إلى أسماع أهل الكوفة وإلى أسماع جيش الخلافة.
تقريع الإمامعليهالسلام لأهل الكوفة
عبَّأ عمر بن سعد جيش دولة الخلافة لمحاربة الإمام الحسينعليهالسلام ، ورتّبهم في مراتبهم، وأقام السرايا في مواضعها. وعبّأ الإمام الحسينعليهالسلام أصحابه في الميمنة والميسرة، فأحاطوا بالحسين من كل جانب حتّى جعلوه في مثل الحلقة، فخرج الحسينعليهالسلام من أصحابه حتّى أتى الناس فقال لهم: « ويلكم! ما عليكم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من الراشدين،
ومَن عصاني كان من المهلَكين، وكلكم عاصٍ لأمري، غير مستمع لقولي، قد انخزلت اُعطياتكم من الحرام، ومُلئت بطونكم من الحرام، فطُبع على قلوبكم. ويلكم! ألا تنصتون، ألا تسمعون؟ ».
فتلاوم أصحاب عمر بن سعد وقالوا: أنصتوا له.
ربما تصوروا أن الإمامعليهالسلام سيعلن استسلامه، فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « تبّاً لكم أيتها الجماعة وترحاً! أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين، فأصرخناكم مؤدّين مستعدين، سللتم علينا سيفاً في رقابنا، وحششتم علينا نارَ الفتنة التي جناها عدوكم وعدونا، فأصبحتم إلباً على أوليائكم، ويداً عليهم لأعدائكم، بغير عدلٍ أفشوه بكم، ولا أمل أصبح لكم فيهم، إلاّ الحرام من الدنيا أنالوكم، وخسيس عيشٍ طمعتم فيه، من غير حدث كان منّا، ولا رأي تفيّل لنا!
فهلاّ - لكم الويلات! - إذ كرهتمونا وتركتمونا، تجهزتموها والسيف لم يشهر، والجأش كامن، والرأي لم يستحصف، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الدّبا، وتداعيتم إليها كتداعي الفراش، فقبحاً لكم! فإنما أنتم من طواغيت الاُمّة، وشذّاذ الأحزاب، ونبذة الكتاب، ونفثة الشيطان، وعصبة الآثام، ومحرفي الكتاب، ومطفئ السنن، وقَتلة أولاد الأنبياء، ومبيري عترة الأوصياء، وملحقي العهار بالنسب، ومؤذي المؤمنين، وصراخة أئمة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين.
وأنتم ابن حرب وأشياعه تعتمدون، وإيّانا تخذلون؟! أجل والله، الخذل فيكم معروف، وشجت عليكم عروقكم، وتوارثته اُصولكم وفروعكم، ونبتت عليه قلوبكم، وغشيت صدوركم، فكنتم أخبث شيء سنخاً للناصب، وأكلة للغاصب، ألا لعنة الله على الناكثين الذين نقضوا الأيمان بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً، فأنتم والله هم.
ألا إنّ الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين؛ بين القلة والذلة، وهيهات ما آخذ الدنية! أبى الله ذلك ورسوله، وجدود طابت، وحجور طهرت، واُنوف حمية، ونفوس أبية لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام. ألا قد اُعذرت وأنذرت.
ألا إنّي زاحف بهذه الاُسرة على قلّة العتاد وخذلة الأصحاب ».
ثمَّ أنشد يقول:
« فإن نهزِم فهزّامون قدماً |
وإن نُهزم فغيرُ مُهزّمينا |
|
وما إنْ طبّنا جبنٌ ولكن |
مـنايانا ودولةُ آخرينا |
أما إنه لا تلبثون بعدها إلاّ كريث ما يُركب الفرس حتّى تدور بكم دور الرحى؛ عهد عهده إليّ أبي عن جدي،( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ) فكيدوني جميعاً ثمَّ لا تنظرون، إنّي( تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) .
اللّهمَّ احبس عنهم قطر السماء، وابعث عليهم سنين كسني يوسف، وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة فلا يدع فيهم أحداً؛ قتلة بقتلة، وضربة بضربة، ينتقم لي ولأوليائي، ولأهل بيتي وأشياعي منهم، فإنهم غرّونا وكذبونا وخذلونا، وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير ».
ثمَّ قال: « أين عمر بن سعد؟ ادعوا لي عمر ».
فدعي له، وكان كارهاً لا يحب أن يأتيه، فقال: « يا عمر، أنت تقتلني؟! تزعم أن يولّيك الدعي ابن الدعي بلاد الري وجرجان؟ والله لا تتهنّأ بذلك أبداً؛ عهداً معهوداً، فاصنع ما أنت صانع؛ فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأني برأسك على قصبة قد نُصب بالكوفة يتراماه الصبيان، ويتّخذونه غرضاً بينهم »(1) .
الإمامعليهالسلام يقيم الحجة على جيش الخليفة وقيادته
بعث عمر بن سعد بن أبي وقاص قرة بن قيس الحنظلي فقال له: ويحك يا قرة! ألقِ حسيناً فسله ما جاء به وماذا يريد؟
وجاء قرة وأبلغه رسالة عمر بن سعد إليه، فقال الحسينعليهالسلام : « كتب إليَّ أهل مصركم أن اقدم، فأمّا إذ كرهوني فأنا أنصرف عنهم »(2) .
وروى الخوارزمي أن الإمامعليهالسلام قال: « يا هذا، أبلغ أصاحبك عني أنّي لم أرد هذا البلد، ولكن كتب إليَّ أهلُ مصركم هذا أن آتيهم فيبايعونني، ويمنعونني، وينصروني ولا يخذلوني، فإن كرهوني انصرفت عنهم من حيث جئت »(3) .
____________________
(1) راجع مقتل الإمام الحسينعليهالسلام للخورازمي 2 / 6، وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 216، وبحار الأنوار 45 / 8، والعوالم 17 / 251، والموسوعة / 422 - 424.
(2) راجع تاريخ الطبري 3 / 310، والإرشاد / 227، والفتوح 5 / 97، والكامل لابن الأثير 2 / 556، وبحار الأنوار 44 / 384، والعوالم 17 / 235، وأعيان الشيعة 1 / 599، ووقعة الطف / 184، والموسوعة / 383.
(3) راجع مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 241.
وروى الدينوري أنّ الإمام الحسينعليهالسلام قال: « أبلغه عنّي أن أهل هذا المصر كتبوا إليّ يذكرون أن لا إمام لهم، ويسألونني القدوم عليهم، فوثقت بهم، فغدروا بي بعد أن بايعني منهم ثمانية عشر ألف رجل، فلما دنوت علمت غرور ما كتبوا به إليّ، أردت الانصراف إلى حيث أقبلت فمنعني الحر بن يزيد حتّى جعجع بي في هذا المكان، ولي بك قرابة قريبة ورحم ماسة، فأطلقني حتّى أنصرف »(1) .
وأحاط رسول ابن سعد بن أبي وقاص بكل كلمة قالها الإمام الحسينعليهالسلام ، وتولّى ابن سعد نقل كل ما قاله الإمام الحسينعليهالسلام إلى عبيد الله بن زياد، فأجابه ابن زياد: أعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه، فإن فعل ذلك رأينا فيه رأينا.
فأرسل عمر بن سعد كتاب ابن زياد إلى الحسين، فقال الإمام الحسينعليهالسلام للرسول: « لا اُجيب ابن زياد بذلك، فهل هو إلاّ الموت فمرحباً به »(2) .
ومن الطبيعي أن يسمع الجيش المتمركز في كربلاء بكل ما قاله الإمامعليهالسلام ، وكل ما قاله عمر بن سعد، وكل ما قاله عبيد الله بن زياد؛ فالجيش مشدود كالوتر، ويترقب الأمر ببدء القتال ثانية بثانية.
وأرسل الإمامعليهالسلام إلى عمر بن سعد: « إنّي اُريد اُكلمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك ».
والتقى الاثنان، فقال له الإمام الحسينعليهالسلام : « ويلك يابن سعد! أما تتقي الله الذي إليه معادك؟! أتقاتلني وأنا ابن مَن علمت؟! ذر هؤلاء القوم وكن معي فإنه أقرب لك إلى الله تعالى ».
فقال ابن سعد: أخاف أن تُهدم داري.
فقال الحسينعليهالسلام : « أنا أبنيها لك ».
فقال ابن سعد: أخاف أن تُؤخذ ضيعتي.
فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « أنا أخلف عليك خيراً منها من مالي بالحجاز ».
فقال ابن سعد: أنا لي عيال وأخاف عليهم. ثمَّ سكت، فانصرف عنه الإمام الحسينعليهالسلام وهو يقول: « ما لك؟! ذبحك الله على فراشك، ولا غفر لك يوم حشرك. فوالله إني لا أرجو أن لا تأكل
____________________
(1) الأخبار الطوال للدينوري / 252.
(2) الأخبار الطوال / 253، والموسوعة / 382.
من بُر العراق إلاّ يسيراً ».
فقال ابن سعد مستهزئاً من قول الإمامعليهالسلام : في الشعير كفاية عن البر(1) .
وعندما نزل الإمام الحسينعليهالسلام في كربلاء كتب له عبيد الله بن زياد كتاباً مليئاً بالغرور والغطرسة، طلب منه في نهايته أن ينزل على حكمه وحكم يزيد بن معاوية، وأرسل عبيد الله ابن زياد هذا الكتاب مع رسول من خواصه، فلما قرأه الإمام الحسينعليهالسلام رماه أمام الرسول، فطلب منه الرسول جواباً على كتاب عبيد الله بن زياد، فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « ما له عندي جواب؛ لأنه قد حقّت عليه كلمة العذاب ».
فعاد الرسول وأخبر عبيد الله بن زياد بما قاله الإمامعليهالسلام ، فجُنّ جنونه من الغضب(2) .
وتقدّم الإمامعليهالسلام حتّى وقف بإزاء القوم، ونظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة، فقال الإمام: « الحمد لله الذي خلق الدنيا فجعلها دار فناء وزوال، متصرفة بأهلها حالاً بعد حال، فالمغرور من غرّته، والشقي مَن فتنته، فلا تغرنّكم هذه الدنيا؛ فإنها تقطع رجاء مَن ركن إليها، وتخيب طمع من طمع فيها.
وأراكم قد اجتمعتم على أمر قد أسخطتم الله فيه عليكم، وأعرض بوجهه الكريم عنكم، وأحلّ بكم نقمته، وجنبكم رحمته، فنعم الرب ربنا، وبئس العبيد أنتم! أقررتم بالطاعة، وآمنتم بالرسول محمّدصلىاللهعليهوآله ، ثمَّ إنكم زحفتم إلى ذرّيته وعترته تريدون قتلهم! لقد استحوذ عليكم الشيطان فأنساكم ذكر الله العظيم، فتباً لكم ولما تريدون! إنّا لله وإنا إليه راجعون، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبعداً للقوم الظالمين! ».
فقال عمر بن سعد: ويلكم كلموه!
فتقدم شمر بن ذي الجوشن فقال: يا حسين، ما هذا الذي تقول؟ أفهمنا حتّى نفهم.
____________________
(1) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 102، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 245، والبداية والنهاية لابن كثير 8 / 189، وبحار الأنوار 44 / 388، والعوالم 17 / 239، وأعيان الشيعة 1 / 599.
(2) راجع الفتوح لابن أعثم 5 / 95، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 239، وبحار الأنوار 44 / 383، والعوالم 17 / 234، والموسوعة / 377.
فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « اتقوا الله ربكم ولا تقتلوني؛ فإنه لا يحلّ لكم قتلي، ولا انتهاك حرمتي؛ فإنّي ابن بنت نبيكم، وجدتي خديجة زوجة نبيكم، ولعلّه قد بلغكم قول نبيكم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة »(1) .
ودنا الجيش (الإسلامي) من معسكر الإمام، فدعا الإمام براحلته فركبها، ونادى بأعلى صوته: « أيها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتّى أعظكم بما لَحقٌ لكم عليَّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم؛ فإن قبلتم عذري، وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليَّ سبيل، وإن لم تقبلوا عذري، ولم تُعطوا النصف من أنفسكم( فأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ ) (يونس / 71)،( إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) (الأعراف / 196) ».
لما سمعت أخواته وبناته كلام الإمامعليهالسلام صحن وبكين، وارتفعت أصواتهن، وسمع الجيش (الإسلامي) نحيب بنات الرسول وبكاءهن، فأرسل الإمام أخاه العباس بن علي وعلياً ابنهعليهمالسلام ، وقال لهما:« اسكتاهنّ، فلعمري ليكثرن بكاؤهن ».
وبعد ذلك حمد اللهَ الإمامُ ربَّه وشكره، وصلّى على نبيه وآله، ثمَّ قال: « أمّا بعد، فانسبوني فانظروا مَن أنا، ثمَّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يحلّ لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألستُ ابنَ بنت نبيكمصلىاللهعليهوآله ، وابنَ وصيه وابنِ عمه، وأولِ المؤمنين بالله، والمصدّقِ لرسوله بما جاء به من عند ربه؟ أوَ ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أوَ ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي؟
أوَلم يبلغكم قول مستفيض فيكم أنّ رسول الله قال لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدّقتموني بما أقول، وهو الحق، فوالله ما تعمدت كذباً مُذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضرّ به مَن اختلقه. وإن كذّبتموني، فإنّ فيكم من إن سألتموه عن ذلك أخبركم.
سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، أو أبا سعيد الخدري، أو سهل بن سعد الساعدي، أو زيد بن أرقم، أو أنس بن مالك
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 252، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 100، وذكر بعض الخطبة، وبحار الأنوار 45 / 5، والعوالم 17 / 249، والموسوعة / 416، 417.
يخبرونكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول اللهصلىاللهعليهوآله لي ولأخي، أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟! ».
فقال شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول.
وتابع الإمامعليهالسلام قوله: « فإن كنتم في شكٍّ من هذا القول، أفتشكّون أثراً ما أني ابن بنت نبيكم؟ فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابن بنت نبيكم خاصة. أخبروني، أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال استهلكته، أو بقصاص من جراحة؟ ».
ونادى الإمامعليهالسلام : « يا شبث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار، واخضرّ الجناب، وطمت الجمام، وإنّما تقدم على جند مجندة فأقبل؟ ».
فقالوا له: لم نفعل.
فقال الإمامعليهالسلام : « سبحان الله! بلى والله لقد فعلتم ».
ثمّ قال: « أيها الناس، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني من الأرض ».
فقال له قيس بن الأشعث: أوَلا تنزل على حكم بني عمك، فإنهم لن يروك إلاّ ما تحب، ولن يصل إليك منهم مكروه؟
فقال له الحسينعليهالسلام : « أنت أخُ أخيك محمّد بن الأشعث! أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل؟ لا والله لا اُعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقرّ إقرار العبيد. عباد الله،( وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ) (الدخان / 20)،( إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لاَ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) (غافر /27) ».
ولمّا وصل الإمامعليهالسلام إلى هذا الحدِّ أناخ راحلته، وأمر عقبة بن سمعان يعقلها. وأقبل الجيش (الإسلامي) يزحف نحوه(1) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 318، والإرشاد للمفيد / 234، والكامل لابن الأثير 2 / 561، وبحار الأنوار 45 / 6، والعوالم 17 / 250، وأعيان الشيعة 1 / 602، ووقعة الطفِّ / 206 مع اختلاف ببعض الألفاظ.
أصحاب الإمامعليهالسلام يساعدونه بإقامة الحجة
تقدّم الإمام الحسينعليهالسلام نحو القوم وبين يديه برير بن خضير، فقال له الإمام: « كلّم القوم ».
فتقدّم برير، فقال: يا قوم، اتقوا الله، فإن ثقل محمّد قد أصبح بين أظهركم، هؤلاء ذرّيته وعترته، وبناته وحرمه، فهاتوا ما عندكم، وما الذي تريدون أن تصنعوا بهم؟
فقالوا: نريد أن نمكّن منهم الأمير ابن زياد فيرى رأيه فيهم.
فقال لهم برير: أفلا تقبلون منهم أن يرجعوا إلى المكان الذي جاؤوا منه؟ ويلكم يا أهل الكوفة! أنسيتم كتبكم وعهودكم التي أعطيتموها وأشهدتم الله عليها؟! يا ويلكم! أدعوتم أهل بيت نبيكم وزعمتم أنكم تقتلون أنفسكم دونهم، حتّى إذا أتوكم أسلمتموهم إلى ابن زياد، وحلأتموهم عن ماء الفرات! بئسما خلفتم نبيكم في ذرّيته! ما لكم لا سقاكم الله يوم القيامة، فبئس القوم أنتم!
فقال له نفر منهم: يا هذا، ما تدري ما تقول؟
فقال برير: الحمد لله الذي زادني فيكم بصيرة. اللّهمَّ إني أبرأ إليك من فعال هؤلاء القوم. اللّهمَّ ألقِ بأسهم بينهم حتّى يلقوك وأنت غضبان.
فجعل القوم يرمونه بالسهام، فرجع برير إلى ورائه(1) .
وبلغ العطش من الحسينعليهالسلام وأصحابه، فدخل عليه أحد رجاله (يزيد بن الحصين الهمداني) فقال: يابن رسول الله، أتأذن لي فأخرج إليهم فاُكلّمهم؟
فأذن له، فخرج إليهم فقال: يا معشر الناس، إنّ الله (عزّ وجلّ) بعث محمّداً بالحقِّ بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها، وقد حيل بينه وبين ابنه.
فقالوا: يا يزيد، فقد أكثرت الكلام فاكفف، فوالله لَيعطشنّ الحسين كما عطش مَن كان قبله.
فقال الحسينعليهالسلام : « اقعد يا يزيد ».
فلما سمع الحسينعليهالسلام التفت إلى أصحابه وقال: « أصحابي، إنّ القوم قد
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 252، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 100، وبحار الأنوار 45 / 5، والعوالم 17 / 249، والموسوعة / 415 - 416.
استحوذ عليهم الشيطان، ألا إنّ حزب الشيطان هم الخاسرون ». وأنشد يقول:
تعديتمُ يا شرَّ قومٍ ببغيكمْ |
وخالفتمُ فينا النبيَّ محمّدا |
|
أما كان خيرُ الخلق أوصاكم بنا |
أما كان جدي خيرة الله أحمدا |
|
أما كانت الزهراءُ اُمّي ووالدي |
عليٌّ أخا خير الأنام المسددا(*)(1) |
خطب زهير بن القين ودعا القوم إلى نصرة ابن بنت رسول الله، فسبوه وأثنوا على عبيد الله بن زياد، فقال زهير: إنّ ولد فاطمة (سلام الله عليها) أحق بالود والنصرة. فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال له: اسكت. ثمَّ أقبل زهير على الناس وقال: عباد الله، لا يغرّنكم من دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه. فناداه رجل فقال له: إنّ أبا عبد الله يقول لك: «أقبل؛ فلعمري لئن كان مؤمن آل فرعون نصح قومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ»(2) .
الحرُّ بن يزيد يساعد الإمامعليهالسلام بإقامة الحجة
توبة الحرِّ
رأينا أنّ الحر بن يزيد كان هو قائد طليعة جيش بني اُميّة، تلك الطليعة المكلّفة بمنع الإمامعليهالسلام من العودة إلى المدينة أو الدخول إلى الكوفة، والمكلّفة بمسايرة الإمامعليهالسلام ومرافقته ومراقبته، وإنزاله وصحبه بمكان عراء ليس فيه خضرة ولا ماء ولا ملجأ. وقد التقى الحر وقواته مع الإمامعليهالسلام في منطقة شراف، وبالتحديد في جبل ذي حسم كما أسلفنا، وقام الحر وقواته بالمهمة الموكولة لهم على الوجه الذي أراده عبيد الله بن زياد. روى الطبري أنه لما زحف عمر بن سعد قال له الحر: أمقاتل أنت هذا الرجل؟ فقال عمر: إي والله قتالاً أيسره أن تسقط الرؤوس وتطيح الأيدي. فقال له الحرّ:
____________________
(*) وردت الأبيات في الأصل بهذا النحو:
تـعديتمُ يا شرَّ قوم ببغيكمْ |
وخالفتم فـينا النبيَّ محمد |
|
أما كان خيرُ الرسل أوصاكم بنا |
أما نحن من نجلِ النبيِّ المسدد |
|
أما كانت الزهراء اُمّي ووالدي |
علي أخا خير الأنام المسدد |
وفيها ما فيها من الإقواء الواضح، فعمدنا إلى تثبيتها من كتاب موسوعة كلمات الإمام الحسينعليهالسلام / 516.(موقع معهد الإمامين الحسنَين)
(1) معالي السبطين 1 / 348، وبحار الأنوار 45 / 41، والعوالم 17 / 283، والموسوعة / 427. =
أفما لكم في واحدة من الخصال التي عرض عليكم رضا؟
قال عمر بن سعد: أما والله، لو كان الأمر بيدي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى ذلك.
عندئذ صمم الحر أن ينضمّ إلى الإمام الحسينعليهالسلام ؛ فوقف أمام الناس وادّعى أنه يريد أن يسقي فرسه، وانطلق حتّى أتى الإمامعليهالسلام ، فقال له: جُعلت فداك يابن رسول الله! أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع، وسايرتك في الطريق، وجعجعت بك في هذا المكان. والله الذي لا إله إلاّ هو، ما ظننت أنّ القوم يردّون عليك ما عرضت عليهم أبداً، ولا يبلغون منك هذه المنزلة.
فقلت في نفسي: لا اُبالي أن اُطيع القوم ببعض أمرهم، ولا يرون أني خرجت من طاعتهم، وأمّا هم فسيقبلون من حسين هذه الخصال التي يعرض عليهم. والله، لو ظننت أنهم لا يقبلونها منك ما ركبتها منك. وإنّي قد جئتك تائباً مما كان منّي إلى ربي، ومواسياً لك بنفسي حتّى أموت بين يديك، أفترى ذلك لي توبة؟ قال الإمامعليهالسلام : « نعم يتوب الله عليك، ويغفر لك. ما اسمك؟ ».
قال: أنا الحر بن يزيد. قال الإمامعليهالسلام : « أنت الحرُّ كما سمّتك اُمّك، أنت الحرّ إن شاء الله في الدنيا والآخرة. انزل». قال الحرّ: أنا لك فارساً خيرٌ منّي راجلاً؛ اُقاتلهم على فرسي ساعة وإلى النزول ما يصير آخر أمري. قال الإمامعليهالسلام : « فاصنع يرحمك الله ما بدا لك ».
موعظة الحرِّ لأهل الكوفة
سكان الكوفة كانوا يشكّلون نسبة عالية من جيش الطاغية، وها هو بعض السر في تركيز الإمام عليهم. والحر كواحد من أبرز قادة هذا الجيش الفرعون كان يعرف هذه الحقيقة، فلما تاب وهداه الله أراد أن يعلن ذلك؛ فعندما يعلم جيش الدولة أن أبرز قادته وأذكاهم قد تركهم والتحق بالإمام، فإنّ ذلك سيكون له أثر عظيم.
واستهل الحر بسؤال وجيه ومنطقي وجّهه إلى هذا الجيش، فقال: أيّها القوم، ألا تقبلون من حسين خصلة من الخصال التي عرض عليكم؛ فيعافيكم الله من حربه وقتاله؟
قال الجيش: هذا الأمير عمر بن سعد فكلّمه. فكلّمه الحرّ بمثل ما كلّمه به من قبل.
قال عمر بن سعد: قد صرّحت، لو وجدت إلى ذلك سبيلاً فعلت.
____________________
= (2) تاريخ الطبري 3 / 320، ووقعة الطفِّ / 213، واللهوف / 37، وأعيان الشيعة 1 / 599، وبحار الأنوار 44 / 318، والموسوعة / 429.
فقال الحرّ: يا أهل الكوفة، لاُمكم الهبل والعبر! إذ دعوتموه، حتّى إذا أتاكم أسلمتموه! وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثمَّ عدوتم عليه لتقتلوه! أمسكتم بنفسه، وأخذتم بكظمه، وأحطتم به من كلِّ جانب، فمنعتموه التوجّه في بلاد الله العريضة حتّى يأمن ويأمن أهل بيته، وأصبح في أيديكم كالأسير؛ لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع ضراً.
وحلأتموه ونساءه، وأحبّته وأصحابه عن ماء الفرات الذي يشربه اليهودي والمجوسي والنصراني، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم قد صرعهم العطش، بئسما خلفتم محمداً في ذرّيته! لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عمّا أنتم عليه من يومكم هذا، في ساعته هذه.
فحملت عليه رجالة الجيش ترميه بالنبل، فأقبل حتّى وقف أمام الإمام الحسينعليهالسلام (1) .
____________________
(1) معالم المدرستين 3 / 99 -100 نقلاً عن الطبري.
الفصل الرابع
الإمامعليهالسلام يأذن لأصحابه بالانصراف وتركه وحيداً
تيقّن الإمامعليهالسلام من أن بني اُميّة سيهجمون عليه بين لحظة واُخرى، وأنّ الحرب واقعة لا مفرّ منها، وهي حرب غير متكافئة من جميع الوجوه، وأن مصيره ومصير مَن يبقى معه سيكون القتل لا محالة. ورأى الإمام أنّ واجبه أن يرفع الحرج عن نفسه، وأن يعطي أصحابه الفرصة لإعادة النظر في مواقفهم النبيلة قبل أن يبدأ القتال.
وفي مساء اليوم السابق ليوم عاشوراء جمع الإمامعليهالسلام أصحابه وخطب فيهم الخطبة التالية: « اُثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء. اللّهمَّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلّمتنا القرآن، وفقّهتنا في الدين، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة، ولم تجعلنا من المشركين.
أمّا بعد، فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عنّي خيراً. ألا وإنّي لأظن يوماً لنا من هؤلاء، ألا وإنّي قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعاً في حلٍّ، ليس عليكم حرج مني ولا ذمام. هذا الليل غشيكم فاتخذوه جملاً... »(1) .
وقال ابن أعثم الكوفي: إنّ الإمامعليهالسلام قد قال: « إنّي لا أعلم أصحاباً أصح منكم ولا أعدل، ولا أفضل أهل بيت، فجزاكم الله عنّي خيراً. فهذا الليل قد أقبل فقوموا فاتخذوه جملاً، وليأخذ كلُّ واحد منكم بيد صاحبه، أو رجل من إخوتي، وتفرّقوا في سواد الليل، وذروني وهؤلاء القوم؛ فإنهم لا يطلبون غيري، ولو
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 315، والإرشاد للمفيد / 231، والكامل في التاريخ 1 / 556، والعوالم 17 / 243، وأعيان الشيعة 1 / 600، ووقعة الطف / 197.
أصابوني وقدروا على قتلي لما طلبوكم »(1) .
وقال المجلسي: إنّ الإمامعليهالسلام قد قال: « اللّهمَّ إني لا أعرف أهل بيت أبرّ ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي، ولا أصحاباً هم خير من أصحابي، وقد نزل بي ما ترون، وأنتم في حلٍّ من بيعتي، ليست في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمة. وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً، وتفرّقوا في سواده؛ فإن القوم إنما يطلبوني، ولو ظفروا بي لذُهلوا عن طلب غيري »(2) .
وفي رواية عن الإمام علي بن الحسين زين العابدينعليهالسلام أن الإمام الحسينعليهالسلام قد قال: « إنّ هؤلاء يريدوني دونكم، ولو قتلوني لم يُقبلوا إليكم، فالنجاة النجاة! وأنتم في حلٍّ؛ فإنكم إن أصبحتم معي قُتلتم كلكم »(3) .
وفي رواية اُخرى: عرض الإمام الحسينعليهالسلام على أهله ومَن معه أن يتفرّقوا عنه، ويجعلوا الليل جملاً، وقال: « إنّ القوم يطلبونني وقد وجدوني، وما كانت كتبُ مَن كتب إليَّ إلاّ مكيدة لي، وتقرباً إلى ابن معاوية بي »(4) .
وفي رواية أنّ الإمامعليهالسلام قد قال: « اعلموا أنكم خرجتم معي لعلمكم أني أقدم على قوم بايعوني بألسنتهم وقلوبهم، وقد انعكس الأمر؛ لأنهم قد استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. والآن ليس يكن لهم مقصدٌ إلاّ قتلي وقتل مَن يجاهد بين يدي، وسبي حريمي بعد سلبهم.
وأخشى أنكم لا تعلمون، أو تعلمون وتستحيون، والخداع عندنا أهل البيت محرّم؛ فمَن كره منكم ذلك فلينصرف، فالليل ستير، والسبيل غير خطير، والوقت ليس بهجير، ومَن واسانا بنفسه كان معنا غداً في الجنان، نجيّاً من غضب الرحمن، وقد قال جدي: ولدي حسين يُقتل بطفِّ كربلاء غريباً وحيداً، عطشانَ فريداً، مَن نصره فقد نصرني ونصر ولده القائم، ولو نصرنا بلسانه فهو في حزبنا يوم القيامة ».
____________________
(1) الفتوح لابن أعثم 5 / 105، وتاريخ الطبري 3 / 315، والكامل لابن الأثير 2 / 559، وأعيان الشيعة 1 / 600، ووقعة الطفِّ / 197.
(2) راجع بحار الأنوار للمجلسي 44 / 315.
(3) بحار الأنوار 45 / 89.
(4) أنساب الأشراف 3 / 185.
قالت سكينة: فوالله ما أتمَّ كلامه إلاّ وتفرّق القوم من عشرة وعشرين، فلم يبق معه إلاّ واحد وسبعون رجلاً، فنظرت إلى أبي منكساً رأسه، فخنقتني العبرة، فخشيت أن يسمعني، ورفعت طرفي إلى السماء وقلت: اللّهمَّ إنهم خذلونا فاخذلهم... فرأتني عمتي اُمّ كلثوم وقالت: ماذا دهاك يا بنتاه؟!
فأخبرتها الخبر، فصاحت: وا جداه! وا عليّاه! وا حسناه! وا حسيناه! وا قلة ناصراه! أين الخلاص من الأعداء؟ ليتهم يقنعون بالفداء...
فسمع أبي ذلك، فأتى إلينا يعثر في أذياله ودموعه تجري، وقال: « ما هذا البكاء؟ ».
فقالت: يا أخي، ردّنا إلى حرم جدنا.
فقال الإمامعليهالسلام : « يا اُختاه، ليس إلى ذلك سبيل ».
قالت: أجل، ذّكرهم محل جدك وأبيك وأخيك.
فقال الإمامعليهالسلام : « ذّكرتهم فلم يذكروا، ووعظتهم فلم يتّعظوا، ولم يسمعوا قولي، فما لهم غير قتلي سبيلاً، ولا بدّ أن تروني على الثرى جديلاً، لكن اُوصيكنّ بتقوى الله ربّ البرية، والصبر على البلية، وكظم نزول الرزية، وبهذا وعد جدُّكم، ولا خُلف لما وعد. ودّعتكم إلهي الفرد الصمد »(1) .
وروى البحراني أنّ الإمامعليهالسلام قد قال: « يا أهلي وشيعتي، اتخذوا هذا الليل جملاً لكم، وانجوا بأنفسكم؛ فليس المطلوب غيري، ولو قتلوني ما فكّروا فيكم، فانجوا رحمكم الله، وأنتم في حلٍّ وسعة من بيعتي، وعهدي الذي عاهدتموني »(2) .
وقال الإمام الحسينعليهالسلام : « يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم، اذهبوا أذنت لكم ».
____________________
(1) الدمعة الساكبة 4 / 271، وأسرار الشهادة / 268، وناسخ التواريخ 2 / 160، والموسوعة / 399 - 400.
(2) الموسوعة / 401.
جواب الأهل
قال العباس بن علي: لِم نفعل ذلك؟! ألِنبقى بعدك! لا أرانا الله ذلك أبداً. وبمثل هذا أجابه إخوته وأبناؤه، وبنو أخيه الحسن، وابنا عبد الله بن جعفر محمّد وعبد الله.
وقال بنو عقيل: فما يقول الناس؟! يقولون: إنّا تركنا شيخنا وسيدنا، وبني عمومتنا خير الأعمام، ولم نرمِ معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا. لا والله لا نفعل، ولكن نفديك أنفسنا وأموالنا وأهلونا، ونقاتل معك حتّى نرد موردك؛ فقبّح الله العيش بعدك.
جواب الأصحاب(1)
قام مسلم بن عوسجة الأسدي فقال: أنحن نخلّي عنك ولمّا نعذر الله في أداء حقك؟! أما والله حتّى أكسر في صدورهم رمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولا اُفارقك، ولو لم يكن معي سلاح اُقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتّى أموت معك.
وتكلّم زهير بن القين وبقية الأصحاب بكلام مشابه(2) .
الإمامعليهالسلام يطلعهم على النتائج
قال الإمامعليهالسلام : « إنكم تُقتلون غداً، لا يفلت منكم رجل »(3) .
فقالوا: الحمد لله الذي أكرمنا بنصرك، وشرّفنا بالقتل معك.
فقال الإمامعليهالسلام : « جزاكم الله خيراً ». ودعا لهم بخير، فأصبح وقُتل وقُتلوا معه أجمعون كما قال.
وهكذا جعل الإمامعليهالسلام أهل بيته وأصحابه على بيّنة من الأمر،
____________________
(1) الإرشاد للمفيد، وتاريخ الطبري 3 / 315، والكامل في التاريخ 2 / 559، والعوالم 17 / 244، ووقعة الطفِّ / 198.
(2) الإرشاد / 231، وتاريخ الطبري 3 / 315، والكامل في التاريخ 2 / 559، والعوالم 17 / 244، ووقعة الطفِّ / 198.
(3) بحار الأنوار 44 / 298.
ووضع الاُمور بنصابها الصحيح؛ فأماط الحرج عن نفسه، وأتاح الفرصة أمام الإيمان العجيب لأهله وأصحابه ليتألّق ببهاء.
ودخل الإمامعليهالسلام خيمة اُخته زينب، فقالت له: [هل] استعلمت من أصحابك نياتهم؛ فإنّي أخشى أن يسلموك عند الوثبة؟
فقال الإمامعليهالسلام : « والله، لقد بلوتهم، فما وجدت فيهم إلاّ الأشوس الأقعس، يستأنسون بالمنية استئناس الطفل إلى محالب اُمّه »(1) .
____________________
(1) الدمعة الساكبة / 325.
الفصل الخامس
الاستعدادات النهائيّة واتخاذ المواقع القتاليّة
جيش الفرعون
برز الجيش الاُموي واتّخذ مواقعه القتالية، وهو مؤلّف من ثلاثين ألف مقاتل، ومقسّم إلى أربعة فرق:
1 - فرقة أهل المدينة، ويقودها عبد الله بن زهير بن سليم الأزدي.
2 - فرقة مذحج وأسد، ويقودها عبد الله بن سبرة الحنفي.
3 - فرقة ربيعة وكندة، ويقودها قيس بن الأشعث.
4 - فرقة تميم وهمدان، ويقودها الحر بن يزيد الرياحي الذي تركها قبل القتال بقليل والتحق بالحسينعليهالسلام .
والقائد الميداني العام لهذا الجيش هو عمر بن سعد بن أبي وقاص، حيث كان همزة الوصل بين الجيش وبين عبيد الله بن زياد، وبين يزيد بن معاوية.
جعل عمر بن سعد على ميمنة جيشه عمرو بن الحجاج الزبيدي، وسلّم قيادة الميسرة لشمر بن ذي الجوشن العامري، وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجّالة شبث بن ربعي، وأعطى الراية لمولاه ذويد(1) .
واتّخذت الفرق والتشكيلات العسكريّة مواقعها الميدانية القتالية، وهي تنتظر على أحرّ من الجمر الأمر بالقتال؛ لتنقضّ على عدوها اللدود ابن رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وآل محمّد وأهل بيت النبوة وذوي القربىعليهمالسلام .
الحسين وأهل البيت وأصحابهمعليهمالسلام
لما أيقن الإمام الحسينعليهالسلام أن القتال قدر لا مفر منه، وأنه صار قاب قوسين أو أدنى، رتّب أصحابه وصفّهم للحرب، وكانوا مئة، أقل بقليل أو أكثر بقليل؛ فجعل على ميمنة رجاله زهير بن القين، وسلّم قيادة الميسرة لحبيب بن مظاهر، وثبت هو وأهل بيته في القلب، وأعطى الراية لقمر بني هاشم العباس بن علي بن
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 241.
أبي طالبعليهالسلام ، أخيه.
وكان الإمام الحسينعليهالسلام قد أمر أصحابه بحفر حفرة على هيئة خندق، وأمر أن تشعل فيها النيران(1) ، مثلما أمر أن يقرّب بعضهم بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت حتّى يستقبلوا القوم من وجه واحد، والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وشمائلهم(2) .
والعلة في ذلك تكمن في أن جيش بني اُميّة يحيط بمعسكر الإمامعليهالسلام إحاطة السوار بالمعصم، فلو لم يفعل الإمامعليهالسلام ذلك لما استطاع وصحبه أن يصمدوا أكثر من دقيقتين، ولتمكّن جيش الخلافة من اجتياح معسكر الإمامعليهالسلام بسهولة؛ إذ لم يصدف في التاريخ العسكري كله أن تجمّع جيش بهذه الكثرة والضخامة ليحارب فئة محدودة بهذه القلة!
وما يعنينا هنا أن أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام أصرّوا على أن يقاتلوا بين يدي الإمام وأهل بيت النبوةعليهمالسلام حتّى يموتوا جميعاً عن بكرة أبيهم، وبعد ذلك لا لوم عليهم إن اضطرّ أهل بيت النبوة للقتال.
والخلاصة: إنّ الإمام وأهل بيته وأصحابهعليهمالسلام أخذوا مواقعهم الدفاعية وهم ينتظرون بين لحظة واُخرى وقوع العدوان. هم على أهبة الاستعداد للتصدّي للمعتدين، والقتال حتّى الموت، وهذا أقصى ما يمكن لهم أن يفعلوه.
وتفصيل ذلك أن الإمامعليهالسلام جمع إخوته وبني إخوته وبني عمومته وخطب فيهم، ثمَّ سألهم في النهاية إذا كان الصباح فما يقولون، فقالوا بلسان واحد: الأمر إليك، ونحن لا نتعدّى لك قولك.
فقال العباس: إنّ هؤلاء - يعني الأصحاب - قوم غرباء، والحمل الثقيل لا يقوم به إلاّ أهله، فإذا كان الصباح فأوّل مَن يبرز للقتال أنتم، نحن نقدمهم للموت؛ لئلاّ يقول الناس: قدّموا أصحابهم، فلما قُتلوا عالجوا الموت بأسيافهم ساعة بعد ساعة.
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 459 - 460، والفتوح لابن أعثم 5 / 107، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 248، والموسوعة / 393.
(2) راجع تاريخ الطبري 3 / 217، والإرشاد / 232، والعوالم 17 / 246، ووقعة الطفِّ / 201، وراجع ما كتبناه تحت عنوان (الإمامعليهالسلام يقيم الحجة على الفرعون وجنوده).
فقامت بنو هاشم وسلّوا سيوفهم في وجه العباس، وقالوا: نحن على ما أنت عليه.
وفي خيمة اُخرى اجتمع الأصحاب، فقال لهم حبيب بن مظاهر: يا أصحابي، لِم جئتم إلى هذا المكان، أوضحوا كلامكم رحمكم الله؟ فقالوا بلسان واحد: أتينا لننصر غريب فاطمة. فقال لهم: لِم طلّقتم حلائلكم؟ فقالوا: لذلك. قال حبيب: فإذا كان الصباح فما أنتم قائلون؟ فقالوا: الرأي رأيك، ولا نتعدى قولاً لك. قال حبيب: فإذا صار الصباح فأوّل مَن يبرز إلى القتال أنتم، نحن نقدمهم القتال، ولا نرى هاشمياً مضرّجاً بدمه وفينا عرق يضرب؛ لئلاّ يقول الناس: قدّموا ساداتهم للقتال وبخلوا عليهم بأنفسهم.
فهزوا سيفهم على وجهه وقالوا: نحن على ما أنت عليه.
قالت الراوية زينبعليهاالسلام : فلقيت الحسين بعد ذلك، فسكنت نفسي، وتبسّمت في وجهه، فقال: « اُخيّة ». قلت: لبيك يا أخي. فقال: « يا اُختاه، منذ رحلنا من المدينة ما رأيتك مبتسمة! أخبريني ما سبب تبسّمك؟ ». قالت: فقلت له: رأيت من فعل بني هاشم والأصحاب كذا وكذا...
فقال الإمامعليهالسلام : « يا اُختاه، اعلمي أنّ هؤلاء أصحابي من عالم الذرّ، وبهم وعدني رسول الله، هل تحبين أن تنظري إلى ثبات أقدامهم؟ ». قالت: نعم. قال: « عليك بظهر الخيمة ». ثمَّ ناداهم وعرض عليهم أن ينصرفوا في سواد الليل فأبوا(1) .
دعاء الإمام الحسينعليهالسلام
عندما رأى الإمام الحسينعليهالسلام جمع جيش الخلافة كأنه السيل، ورأى الخيل تتأهب للانطلاق نحوه، رفع الإمامعليهالسلام يديه وقال: « اللّهمَّ أنت ثقتي في كلِّ كرب، وأنت رجائي في كلِّ شدة، وأنت لي في كلِّ أمر نزل بي ثقة وعدة. كم من همٍّ يضعف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو أنزلته بك، وشكوته إليك؛ رغبة منّي إليك عمّن سواك، ففرّجته عنّي وكشفته؛ فأنت وليِّ كلِّ نعمة، وصاحب كلِّ حسنة، ومنتهى كلِّ رغبة »(2) .
____________________
(1) راجع الموسوعة / 408 - 410.
(2) الإرشاد للمفيد / 233، وتاريخ الطبري 3 / 318، وتاريخ ابن عساكر - ترجمة الإمام الحسينعليهالسلام / 214، والكامل لابن الأثير 2 / 561، وبحار الأنوار 45 / 4، والعوالم 17 / 248، ووقعة الطفِّ / 205، والموسوعة / 414.
تجاوز حدّ التصوّر والتصديق
عندما تستعرض بذهنك صور كثرة جيش الخلافة، وصور عدّته واستعداداته، وإمكانيّاته وطاقات الدولة التي تدعمه، ومكانتها في العالم السياسي المعاصر لها كدولة عظمى، وتستعرض صورة الجمع الآخر الذي كان يضم الإمام الحسين وآل محمّد وذوي قرباهعليهمالسلام ، والقلة القليلة التي أيّدتهم ووقفت معهم، فإنك لا تستطيع أن تصدّق أن مواجهة عسكرية يمكن أن تحدث بين هذين الجمعين، وإنّ احتمال حدوث مواجهة عسكرية أمر يفوق حد التصوّر والتصديق.
فجيش الخلافة بغنى عن هذه المواجهة؛ لأنه ليست له على الإطلاق ضرورة عسكرية، وليست هنالك ضرورة لتعذيب الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيت النبيصلىاللهعليهوآله ، وذوي قرباه وصحبه، وأطفالهم ونسائهم وهم أحياء، والحيلولة بينهم وبين ماء الفرات الجاري، ومنعهم من الماء حتّى يموتوا عطشاً في صيف الصحراء الملتهب.
ثمَّ إنّ جيش الخلافة لو حاصرهم يومين آخرين فقط لماتوا من العطش من دون قتال، ولما كانت هنالك ضرورة لتلك المواجهة العسكرية المخجلة.
إنّ أي إنسان يعرف طبيعة الإمام الحسينعليهالسلام ، وطبيعة آل محمّدصلىاللهعليهوآله وذوي قرباه يخرج بيقين كامل بأنهم أكبر وأعظم من أن يعطوا الدنية مخافة الموت؛ لأنّ الموت بمفاهيمهم العلوية الخالدة اُمنية، وخروج من الشقاء إلى السعادة المطلقة.
ثمَّ لو أنّ جد الإمام الحسينعليهالسلام كان رجل دين لأي ملّة من الملل لوجد الجيش - أيّ جيش، حتّى جيوش المشركين - حرجاً كبيراً لمجرد التفكير في قتله، ولكان وضعه الديني حاجزاً لذلك الجيش عن سفك دمه، فكيف بابن بنت رسول الله محمّدصلىاللهعليهوآله ، وبإمام كالإمام الحسينعليهالسلام ؟!
ثمَّ إنّ قتل الرجل وأولاده وأهل بيته دفعة واحدة يثير بالإنسان - أي إنسان، حتّى إنسان العصور الحجرية - شعوراً بالاشمئزاز والاستياء؛ لأنه عمل يعارض الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، فكيف برجل كالإمامعليهالسلام ، وبأهل بيت كأهل بيت النبوة؟!
ويظهر لنا أن تصرفات الخليفة وأعماله، وأعمال أركان دولته، ما هي في الحقيقة
إلاّ انعكاس لقلوب مملوءة بالحقد على النبي وعلى آل محمّدصلىاللهعليهوآله ، ومسكونة بشبح الوتر والثأر كما بيّنا.
وسيظهر بهذا التحليل أنّ الذين وقفوا على أهبة الاستعداد لقتال الإمام الحسينعليهالسلام وقتله، وإبادة أهل بيت النبوة لم يكونوا بشراً، إنما كانوا وحوشاً مفترسة ضارية، ولكن على هيئة البشر.
لم يعرف التاريخ البشري جيشاً بهذا الخُلق والانحطاط، ولا حاكماً بتلك الجلافة والفساد والحقد، إنها نفوس مريضة نتنة، وتغطّي على مرضها ونتنها بالادّعاء الزائف بالإسلام، والإسلام بريء منهم؛ فلقد دخلوه مكرهين، وخرجوا منه طائعين، ألا بُعداً لهم كما بعدت ثمود!
وما يعنينا هنا أنّ الجمعين بحالة التأهّب القصوى، وأنّ كلمة سوء واحدة تخرج من فم عمر بن سعد ستشعل نار الحرب.
بعد أن صلّى عمر بن سعد بن أبي وقاص بالجيش الإسلامي صلاة العصر، وصلّوا جميعاً على محمّد وآل محمّد، نادى عمر بن سعد بأعلى صوته قائلاً: يا خيل الله اركبي وأبشري. ثمَّ زحف نحو الحسين وأصحابهعليهمالسلام .
وجاء العباس بن عليعليهالسلام ، وقال للإمام: يا أخي، أتاك القوم.
فنهض الإمام الحسينعليهالسلام وقال: « يا عباس، اركب - بنفسي أنت يا أخي! - حتّى تلقاهم فتقول لهم: ما لكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم ».
فاستقبلهم العباس في عشرين فارساً، فيهم زهير بن القين، وحبيب بن مظاهر، فقال لهم العباس: ما بدا لكم؟ وما تريدون؟
قالوا: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم.
قال العباس: فلا تعجلوا حتّى ارجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم.
فوافقوا، ووقف أصحاب العباس يخاطبون القوم بالوقت الذي انطلق فيه العباس ليخبر الإمامعليهالسلام ، وأخبره العباس بما سمع، فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « ارجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخّرهم إلى غدوة وترفعهم عنّا العشية؛ لعلّنا نصلّي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره؛ فهو يعلم أني كنت اُحب الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار »(1) .
وأقبل العباس بن عليعليهالسلام
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 3 / 314، والإرشاد للمفيد / 230، ومقتل الحسين للخوارزمي 1 / 249، والبداية والنهاية 8 / 190، وبحار الأنوار 44 / 391، والعوالم 17 / 242، ووقعة الطفِّ / 193.
يركض على فرسه حتّى انتهى إليهم، فقال: يا هؤلاء، إنّ أبا عبد الله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتّى ينظر في الأمر؛ فإنّ هذا أمر لم يجرِ بينكم وبينه فيه منطق، فإذا أصبحنا التقينا إن شاء الله؛ فإمّا رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه، أو كرهناه فرردناه. وهدفه أن يردهم تلك العشية.
فقال عمر بن سعد: يا شمر، ما ترى؟
قال شمر: أنت الأمير والرأي رأيك.
وأقبل عمر بن سعد على الناس فقال: ما ترون؟
قال عمرو بن الحجاج الزبيدي: سبحان الله! والله، لو كانوا من أهل الديلم ثمَّ سألوك هذه المنزلة لكان ينبغي لك أن تجيبهم إليها. فأجابهم عمر بن سعد.
وروى الطبري عن الضحاك بن عبد الله المشرفي قال: فلمّا أمسى حسين وأصحابه، قاموا الليل كلّه يصلّون ويستغفرون، ويدعون ويتضرعون، وتمرّ بنا خيل لهم تحرسهم، وإنّ حُسيناً ليقرأ:( وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ ِلأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ ) (آل عمران / 178 - 179)، فسمعه رجل من تلك الخيل التي كانت تحرسنا، فقال: نحن ورب الكعبةِ الطيبون مُيّزنا منكم...(1) .
وكانت تلك الليلة هي ليلة العاشر من محرم.
القتال الضاري في كربلاء
مَن الذي بدأ القتال؟
القتال بطبيعته كره وشرّ على الغالب، ومَن يبدأ القتال يلج ما تكرهه النفس، ويفتح أبواب الشر المغلقة. وطوال عهد النبوة الزاهر لم يصدف على الإطلاق أن بدأ النبيصلىاللهعليهوآله القتال مع أعدائه؛ فكان المشركون هم الذين يبدؤون بالقتال، ولم يصدف أن أمر أحد رجاله أو أولياءه بالخروج للمبارزة بدءاً، وكان أعداؤه هم الذيم يخرجون أولاً بعض رجالهم للمبارزة، وبعد ذلك ينتدب النبيصلىاللهعليهوآله من أوليائه مَن يبارزهم.
كان يتجنب دائماً أن يبدأ خصومه بالقتال، فإذا بدأ خصمه بالقتال عندئذ
____________________
(1) راجع معالم المدرستين 1 / 92 نقلاً عن الطبري من 6 / 232 - 270.
كان النبيصلىاللهعليهوآله يقاتل القوم بعد أن يبلغهم الحجة، وكذلك فعل الإمام عليعليهالسلام ، فطوال عهده الرائد لم يبدأ أعداءه بالقتال، وكان أعداؤه هم الذين يبدؤون.
والإمام الحسينعليهالسلام هو الإمام الشرعي، وهو الوارث لعلم الشرعيّة الإلهية وأخلاقياتها، وهو الملتزم بسنة جدهصلىاللهعليهوآله ، ومسلك أبيهعليهالسلام ؛ سواء في ما يتعلق ببدأ القتال، أو بأخلاقيات هذا القتال.
فعندما أجبرتهم طليعة جيش بني اُميّة أن ينزلوا في كربلاء بعراء، وبغير خضرة ولا ماء، وقبل أن يحضر الجيش قال له زهير بن القين: إنّي والله لا أرى أن يكون بعد الذي ترون إلاّ أشد مما ترون. يابن رسول الله، إنّ قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال مَن يأتينا من بعدهم؛ فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قِبل لنا به. فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « ما كنت لأبدأهم بالقتال »(1) .
ويوم المذبحة نادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته: يا حسين، استعجلت النار في الدنيا قبل يوم القيامة! فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « مَن هذا، كأنه شمر بن ذي الجوشن؟ ».
فقالوا: نعم أصلحك الله هو هو. فقال الإمامعليهالسلام : « يابن راعية المعزى، أنت أولى بها صليّاً». فقال له مسلم بن عوسجة: يابن رسول الله، جعلت فداك! ألا أرميه بسهم؛ فإنه قد امكنني، وليس يسقط سهم مني؛ فالفاسق من أعظم الجبارين. فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « لا ترميه؛ فإني أكره أن أبدأهم »(2) .
ولم يفكر الإمامعليهالسلام بقتالهم إلاّ بعد إعذارهم وإقامة الحجة عليهم، وقتال الإمامعليهالسلام دفاعي من جميع الوجوه.
كيف بدأ القتال؟
أصبح الإمامعليهالسلام يوم عاشوراء، وصلّى الصبح بأصحابه، ثمَّ وقف بينهم فحمد الله وأثنى عليه، ثمَّ قال: « أذن الله تعالى بقتلي وقتلكم في هذا اليوم، فعليكم بالصبر والقتال ».
ثمَّ صفّهم للحرب الدفاعية؛ فجعل زهير بن القين في الميمنة،
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 309، والإرشاد / 236، والمناقب لابن شهر آشوب 4 / 96، وبحار الأنوار 44 / 380، والعوالم 17 / 230، والأخبار الطوال / 452، والموسوعة / 373.
(2) تاريخ الطبري 3 / 318، والإرشاد للمفيد / 233، والكامل لابن الأثير اختصاراً 2 / 561، وبحار الأنوار 45 / 5، والعوالم 17 / 248، ووقعة الطفِّ / 204، والموسوعة / 415.
وحبيب بن مظاهر في الميسرة، وثبت وأهل بيته في القلب، وأعطى رايته لأخيه العباس بن عليعليهالسلام ، واتّخذوا مواقعهم أمام بيتهم وانتظروا.
بهذا الوقت بالذات، وفي صبيحة العاشر من محرم صلّى عمر بن سعد بن أبي وقاص صلاة الصبح، وصلّى بصلاته جيش بني اُميّة البالغ ثلاثين ألف مقاتل، ولم ينسَ ابن سعد ولا أي فرد من أفراد جيشه الصلاة الإبراهيمية؛ لقد صلّوا على محمّد وآل محمّد بالوقت الذي صمّموا فيه على قتل ابن بنت النبي وإبادة آل محمّد!
بهذا الوقت بالذات تقدّم عمر بن سعد بن أبي وقاص على فرسه، وأشرف على الجيش كله، وعلى معسكر الحسينعليهالسلام ، ثمَّ نادى بأعلى صوته: اشهدوا لي عند الأمير أني أوّل مَن رمى. فرمى سهماً، وتبعاً له رمى جيش الخلافة(1) .
وسقطت السهام [على] معسكر الإمام الحسينعليهالسلام مثل زخات المطر، فلم يبق من أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام أحد إلاّ أصابه من سهامهم(2) .
ولا عجب من ذلك؛ فإنّ جيش الخلافة جيش دولة عظمى، وهو مسلح تسليحاً كاملاً، والسهم من الأسلحة الضرورية، فلك أن تتصور ثلاثين ألفاً أو عشرين ألفاً وهم يطلقون معاً سهامهم بوقت واحد ومن مكان واحد!
قال الإمام الحسينعليهالسلام لأصحابه: « قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بدّ منه؛ فإنّ هذه السهام رسل القوم إليكم ».
المبارزة
جرت العادات الحربية على أن تستهل الحرب بمبارزة، وهو ما تمّ في بدر، وما تمّ في اُحد والخندق. وفي كربلاء برز من جيش الخلافة يسار مولى زياد (ابن أبي سفيان)، وسالم مولى عبيد الله بن زياد، فقالا: مَن يبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم.
فوثب حبيب بن مظاهر وبرير بن خضير، فقال لهما الإمام الحسينعليهالسلام : « اجلسا ».
____________________
(1) الخطط والآثار للمقريزي 2 / 287.
(2) اللهوف / 56.
فقال عبد الله بن عمير الكلبي: أبا عبد الله، أتأذن لي لأخرج إليهما؟
فرآه الإمام الحسينعليهالسلام رجلاً طويلاً، شديد الساعدين، بعيد ما بين المنكبين، فقال الإمامعليهالسلام : « إنّي لأحسبه للأقران قتّالاً، اخرج إن شئت ».
فخرج إليهما، فقالا له: مَن أنت؟
فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك، ليخرج إلينا زهير بن القين، أو حبيب بن مظاهر، أو برير بن خضير.
فقال الكلبي ليسار: يابن الزانية، وبك رغبة عن مبارزة أحد من الناس! وما يخرج إليك أحد من الناس إلاّ هو خير منك. ثمَّ شد الكلبي عليه فضربه بسيفه، فبينما هو منشغل به يضربه بسيفه شهر عليه سالم مولى عبيد الله، فصاح به أصحاب الحسينعليهالسلام : قد رهقك العبد. فلم يأبه له حتّى غشيه، فبدره الضربة فاتّقاه الكلبي بيده اليسرى، فأطاح أصابع كفّه اليسرى، ثمَّ مال عليه الكلبي فضربه حتّى قتله.
فأقبل الكلبي وقد قتل الاثنين، فأخذت إمرأته اُمّ وهب عموداً ثمَّ أقبلت نحو زوجها تقول له: فداك أبي واُمّي! قاتل دون الطيبين ذرّية محمّد. ورجته أن تقاتل إلى جانبه لتموت معه، وتعلّقت بأثوابه، فناداها الإمام الحسينعليهالسلام قائلاً: « جُزيتم من أهل بيت خيراً، ارجعي - يرحمك الله - إلى النساء فاجلسي معهنّ؛ فإنّه ليس على النساء قتال ». فانصرفت إليهن(1) .
أخذ أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام يبرزون؛ اثنين اثنين وأربعة أربعة، فيبرز لهم من جيش الخلافة أعداد مماثلة، وفي كل مرة كان أصحاب الحسين يقتلون أندادهم من جيش الخلافة، ويفتكون بمَن يجدوه في طريقهم من ذلك الجيش فتكاً ذريعاً.
واكتشف قادة جيش الخلافة خطورة المبارزة على الجيش، فصاح عمر بن الحجاج بأصحابه: أتدرون مَن تقاتلون؟! إنكم تقاتلون فرسان المصر، وأهل البصائر، وقوماً مستميتين، لا يبرز إليهم أحد منكم إلاّ قتلوه على قلّتهم. والله لو لم ترموهم إلاّ بالحجارة لقتلتموهم.
فقال عمر بن سعد: صدقت، الرأي ما رأيت، أرسل في الناس مَن يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم، ولو خرجتم
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 321، والكامل لابن الأثير 2 / 564، وبحار الأنوار 45 / 17، والعوالم 17 / 260، وأعيان الشيعة 1 / 603، ووقعة الطفِّ / 217، والطبري 6 / 245، وابن الأثير 4 / 37.
إليهم وحدانا لأتوا عليكم(1) .
لقد كان عمر بن سعد دقيقاً بتكييفه للواقع العسكري؛ فجيشه كثرة، وأصحاب الإمام الحسينعليهالسلام نوعية، ولو اُعطيت النوعية الفرصة كاملة لتمكّنت من هزيمة الكثرة.
كان قتل الواحد من أصحاب الإمامعليهالسلام يبين فيهم بوضوح؛ لقلّتهم، بينما قتل المئات من جيش الخلافة لا يظهر؛ لكثرتهم.
الهجوم الشامل
أمام تلك المعطيات التي نجمت عن المبارزة؛ ولأنّ عمر بن سعد مهزوز، ولا يثق بنفسه ولا بجيشه، ولا بعواقب الاُمور، وبعد التشاور [مع] أركان حربه منع أي واحد من جيشه من الخروج لمبارزة أي واحد من أصحاب الحسين كما أسلفنا، وبالوقت نفسه أصدر أوامره لتنفيذ الهجوم الشامل على معسكر الإمام الحسينعليهالسلام .
فزحفت ميمنة جيش الخلافة بقيادة عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الإمامعليهالسلام ، فلما دنت تلك الميمنة من معسكر الحسينعليهالسلام جثا أصحاب الإمام على الركب، وأشرعوا الرماح، فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع فرشقتهم ميمنة الحسينعليهالسلام بالنبل؛ فقتلوا فريقاً، وجرحوا فريقاً، وانسحب فريق ثالث.
ثمَّ حملت خيل الحسين (32 فارساً) حملات موفّقة، فما حملت على جانب من خيل أهل الكوفة إلاّ وكشفته، فلما رأى عزرة بن قيس أنّ خيله تنكشف من كل جانب؛ نتيجة حملات خيل الحسين، بعث عبد الرحمن بن حصن إلى عمر بن سعد ليصف له ما لاقت خيله من خيل الحسين، وليبعث له رماة ليعقروا خيل الحسينعليهالسلام .
فقال عمر بن سعد لشبث بن ربعي: ألا تقدم إليهم؟
فقال: سبحان الله! تعمد إلى شيخ مصر وأهل المصر عامة تبعثه في الرماة! لم تجد من تندب لهذا ويجزي عنك غيري؟!
فدعا عمر بن سعد الحصين بن تميم، فبعث معه المجففة وخمسمئة من الرماة، فأقبلوا حتّى دنوا من الإمام الحسينعليهالسلام وأصحابه، ورشقوهم
____________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 249، و5 / 435.
بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا كلَّ خيولهم، فصاروا رجالة.
ولما قُتل مسلم بن عوسجة قال شبث بن ربعي لمَن حوله: ثكلتكم اُمّهاتكم! أبقتل مثل مسلم تفرحون؟! رأيته يوم أذربيجان وقد قتل ستة من المشركين قبل أن تنام خيول المسلمين!
قال أبو زهير العبسي: لقد سمعته يقول: لا يعطي الله أهل هذا المصر خيراً أبداً، ولا يسدّدهم لرشد. ألا تعجبون أنّا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين، ثمَّ عدونا على ابنه، وهو خير أهل الأرض، نقاتله مع آل معاوية وابن سمية الزانية! ضلال يا لك من ضلال!
وقال عمر بن الحجاج لأصحابه: قاتلوا مَن مرق عن الدين، وفارق الجماعة.
فصاح به الإمام الحسينعليهالسلام : « ويحك يا حجاج! أعليّ تحرض الناس؟! أنحن مرقنا من الدين وأنتم تقيمون عليه؟! ستعلمون إذا فارقت أرواحُنا أجسادَنا مَن أولى بها صليّاً »(1) .
وحمل عمرو بن الحجاج، واقتتل الفريقان، وقُتل مسلم بن عوسجة، فمشى إليه الإمام الحسينعليهالسلام ومعه حبيب بن مظاهر، فقال له الإمامعليهالسلام : « رحمك الله يا مسلم،( فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ) »(الأحزاب / 23)(2) .
وقال له حبيب بن مظاهر: عزّ عليَّ مصرعك يا مسلم، أبشر بالجنّة.
فقال بصوت خافت: بشّرك الله بخير.
قال حبيب: لو لم أعلم أنّي في الأثر لأحببت أن توصي إليَّ بما أهمّك.
فقال مسلم: اُوصيك بهذا - وأشار إلى الحسينعليهالسلام - أن تموت دونه.
فقال حبيب: أفعل وربِّ الكعبة. ثمَّ فاضت روحه الطاهرة.
وبالوقت الذي هجمت فيه ميمنة جيش الخلافة على ميمنة أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام ، هجمت فيه ميسرة ذلك الجيش بقيادة شمر بن ذي الجوشن على ميسرة أصحاب الإمامعليهالسلام ، وثبتت ميسرة الإمام الحسينعليهالسلام ثباتاً بطولياً خارقاً.
وقاتل عبد الله بن عمير الكلبي قتالاً رهيباً؛ فقتل تسعة عشر فارساً، واثني عشر راجلاً، فشدّ عليه هاني بن ثبيت الحضرمي فقطع يده اليمنى، وقطع بكر بن حي ساقه، فأخذه
____________________
(1) البداية والنهاية لابن الأثير 8 / 182.
(2) راجع تاريخ الطبري 3 / 324، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 15، وبحار الأنوار 45 / 19، والعوالم 17 / 263.
الجيش أسيراً، فمشت إليه زوجته حتّى جلست عند رأسه تمسح عنه التراب، وتقول له: هنيئاً لك الجنّة. فقال شمر بن ذي الجوشن لغلام له يقال له: رستم: اضرب رأسها بالعمود. فضرب رأسها فشدقه، فماتت في مكانها(1) ، فكانت أوّل امرأة قُتلت من أصحاب الحسينعليهالسلام .
وبعد أن قتلوا امرأة الكلبي جاؤوا إلى زوجها الجريح ويمناه مقطوعة، وساقه مبتورة، فذبحوه وقطعوا رأسه ورموه إلى جهة معسكر الإمام الحسينعليهالسلام ، فأخذت اُمّه الرأس ومسحت الدم عنه، ثمَّ أخذت عمود خيمة وبرزت للأعداء، فردّها الإمام الحسينعليهالسلام وقال لها: « ارجعي فقد وُضع عنك ».
فرجعت وهي تقول: اللّهمَّ لا تقطع رجائي. فقال لها الإمامعليهالسلام : « لا يقطع الله رجاكِ »(2) .
وحمل الشمر حتّى طعن فسطاط الحسينعليهالسلام بالرمح، وقال: عليَّ بالنار لأحرقه على أهله.
فتصايحت النساء، وخرجن من الفسطاط، وناداه الحسينعليهالسلام : « يابن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي! أحرقك الله بالنار »(3) .
وقال له شبث بن ربعي: أمرعباً للنساء صرت؟! ما رأيت مقالاً أسوأ من مقالك، وموقفاً أقبح من موقفك! فاستحى التافه وانصرف، وحمل على جماعته زهير بن القين في عشرة من أصحاب الإمامعليهالسلام حتّى كشفوهم عن البيوت(4) .
أبو الشعثاء أعظم الرماة
كان يزيد بن زياد المعروف بأبي الشعثاء مع ابن سعد، فلما ردّوا على الإمامعليهالسلام شروطه انضمّ له، وجثا على ركبتيه بين يدي الإمامعليهالسلام ، ورمى بمئة سهم، والحسينعليهالسلام يقول: « اللّهمَّ سدد رميته، واجعل ثوابه الجنّة ».
فلما نفذت سهامه قام وهو يقول: لقد تبيّن لي أنّي قتلت منهم خمسة(5) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 251.
(2) تظلّم الزهراء / 103، ومقتل الحسينعليهالسلام للمقرم.
(3) تاريخ الطبري 3 / 324، والكامل لابن الأثير 2 / 565، ووقعة الطفِّ / 223.
(4) تاريخ الطبري 6 / 251.
(5) تاريخ الطبري 6 / 225، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 25، والكامل لابن الأثير 2 / 569، ووقعة الطفِّ 237.
ثمّ حمل على القوم فقتل منهم تسعة وقُتل(1) .
مقتل الحرّ بن يزيد الرياحي
لما لحق الحرّ بن يزيد بالإمام الحسينعليهالسلام قال يزيد بن سفيان من بني شفرة، وهم من بني الحارث أحد بطون تميم: أما والله لو أنّي رأيت الحر بن يزيد حين خرج لأتبعنه السنان. وبينما الناس يتجاولون ويقتتلون، والحرُّ يحمل على القوم متمثلاً بقول عنترة:
ما زلتُ أرميهم بثغرةِ نحرِه |
ولـبانِه حتّى تسربل بالدمِ |
فقال الحصين بن تميم - وكان على شرطة عبيد الله - ليزيد بن سفيان: هذا الحر بن يزيد الذي كنت تتمنى.
فخرج إليه، وقال له: هل لك يا حر بن يزيد في المبارزة؟
قال: نعم، قد شئت. فبرز له، وبعد قليل قتله الحرّ.
ورموا سهماً فعقروا فرس الحر، فوثب عنه وجعل يقاتل راجلاً حتّى قتل نيفاً وأربعين، ثمَّ شدّت عليه الرجّالة فقتلته، وحمله أصحاب الحسينعليهالسلام ووضعوه أمام الفسطاط الذي يقاتلون دونه(2) ، ووضعوه بين يدي الحسينعليهالسلام وبه رمق، فجعل الحسين يمسح وجهه ويقول: « أنت الحرّ كما سمّتك اُمّك، وأنت الحرّ في الدنيا، وأنت الحر في الآخرة »(3) .
أربعة من أصحاب الإمامعليهالسلام قُتلوا معاً
قال الطبري: وبرز عمر بن خالد، وجابر بن الحارث السلماني، وسعد مولى عمر بن خالد، ومجمع بن عبد الله الصائدي، فانقضّوا على جيش الخلافة، وتوغّلوا بالصفوف، فأحاط بهم جيش الخلافة وقطعوهم عن أصحابهم، فحمل العباس بن عليعليهالسلام فاستنقذهم وهم جرحى، فلما دنا منهم الجيش شدّوا بأسيافهم
____________________
(1) أمالى الصدوق / 7 مجلس 30.
(2) راجع تاريخ الطبري 6 / 252، والبدلية والنهاية 8 / 183، و6 / 248، و250 من تاريخ الطبري.
(3) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 11، واللهوف / 104، وبحار الأنوار 45 / 14، والعوالم 17 / 257، والموسوعة / 440.
وقاتلوا معاً حتّى قُتلوا معاً في مكان واحد(1) .
مقتل برير بن خضير
روى الطبري عن عفيف بن زهير بن أبي الأخنس قال: خرج يزيد بن معقل من بني عميرة بن ربيعة فقال: يا برير بن خضير، كيف ترى الله صنع بك؟ قال: صنع الله - والله - بي خيراً، وصنع الله بك شراً. قال: كذبت، وقبل اليوم [ما] كنت كذّاباً. هل تذكر وأنا اُماشيك في بني لوذان وأنت تقول: إنّ عثمان كان على نفسه مسرفاً، وإنّ معاوية بن أبي سفيان ضال مضلّ، وإنّ إمام الهدى والحق علي بن أبي طالب؟ قال برير: أشهد أنّ هذا رأيي وقولي. فقال له يزيد بن معقل: فإني أشهد أنك من الضالين. فقال له برير بن خضير: فهلاّ باهلتك، ولندع الله أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المبطل، ثمَّ اخرج فلاُبارزك. فخرجا، فرفعا أيديهما إلى الله يدعوان أن يلعن الكاذب، وأن يقتل المحقُّ المبطلَ. فضربه برير بن خضير ضربة قدّت المغفر وبلغت الدماغ، وبعد أن قتل برير يزيدَ بن معقل حمل عليه رضي بن منقذ العبدي فاعتركا ساعة.
ثمَّ إنّ برير قعد على صدر العبدي، فاستغاث العبدي جيش الخلافة، فسمعه كعب بن جابر بن عمرو الأزدي وركض نحوه، فقال: إنّ هذا برير بن خضير القارئ الذي كان يقرئنا القرآن في المسجد.
ثمَّ رفع رمحه ووضعه في ظهره، ولما أحس برير بوقع الرمح برك على يزيد فعضّ وجهه وقطع طرف أنفه، فطعنه كعب، وما زال به حتّى ألقاه، ثمَّ أخذ يضربه بالسيف حتّى قتله، فلما رجع كعب بن جابر قالت له امرأته أو اُخته: أعنت على ابن فاطمة، وقتلت سيد القراء! لقد أتيت عظيماً من الأمر! والله لا اُكلمك أبداً.
وقال شعراً جاء فيه:
فـابلغ عبيدَ الله إمّا لقيته |
بـأني مطيعٌ للخليفة سامعُ |
|
قتلتُ بريراً ثمَّ حمّلت نعمةً |
أبا منقذٍ لما دعا من يماصعُ |
فردّ عليه رضي بن منقذ بشعر جاء فيه:
لقد كان ذاك اليوم عاراً وسبّةً |
تـعيرهُ الأبناء بعد المعاشرِ |
____________________
(1) معالم المدرستين 3 / 102 نقلاً عن الطبري، وتاريخ الطبري 6 / 248.
فـياليت أنّي كنتُ من قبل قتلِه |
ويومَ حسينٍ كنتُ في رمسِ قابرِ |
مقتل عمرو بن قرظة الأنصاري
كان بقرب الإمام الحسينعليهالسلام ، لا يأتي الحسين سهمٌ إلاّ اتّقاه بيده، ولا سيف إلاّ تلقّاه بمهجته، ولمّا اشتدّ الوطيس استاذن الإمام الحسينعليهالسلام فأذن له، فقاتل قتالاً خارقاً حتّى قتل خلقاً كثيراً، واُثخن بالجراح، فالتفت إلى الإمام الحسينعليهالسلام وقال له: يابن رسول الله، أوفيت؟
قال له الإمامعليهالسلام : « نعم أنت في الجنّة، فاقرأ رسول اللهصلىاللهعليهوآله منّي السّلام وأعلمه أني في الأثر »(2) . وفاضت روح عمرو المباركة في عالم الملكوت.
مقتل نافع بن هلال
كانت لنافع خطيبة، ولما رأت أنّ نافعاً قد برز تعلّقت بأذياله وبكت بكاءً شديداً، وقالت: إن تمضِ فعلى من اعتمد بعدك؟
فسمع الحسينعليهالسلام بذلك، فقال: « يا نافع، إنّ أهلك لا يطيب لها فراقك، فلو رأيت أن تختار سرورها على البراز ».
فقال نافع: يابن رسول الله، لو لم أنصرك اليوم فبماذا اُجيب رسول الله غداً؟!
وبرز فقاتل قتالاً شديداً(3) ، وكان يرتجز ويقول:
أنـا الـغلامُ اليمنيُّ الجملي |
ديني على دينِ الحسين وعلي |
|
إن اُقـتل الـيومَ فـهذا أملي |
وذاك رأيـي واُلأقـي عملي |
ولم يزل يقاتل حتّى قتل ثلاثة عشر رجلاً من جيش الخلافة(4) ، وفنيت نباله، فجرّد سيفه وأخذ يضربهم به، فأحاطوا به، ورموه بالحجارة والنصال حتّى كسروا عضديه، وأخذوه أسيراً(5) .
فقال لهم: لقد قتلتُ منكم اثني عشر سوى مَن جرحت،
____________________
(1) راجع تاريخ الطبري 6 / 248.
(2) اللهوف / 46، ومثير الأحزان / 61، وبحار الأنوار 45 / 22، والعوالم 17 / 265، وأعيان الشيعة 1 / 605.
(3) أدب الحسين / 210، معالي السبطين 1 / 384، وناسخ التواريخ 2 / 277.
(4) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 20 - 21.
(5) مقتل الحسين للخوارزمي 1 / 21.
وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضدي ما أسرتموني(1) .
وجرّد شمر بن ذي الجوشن سيفه، فقال له نافع: والله يا شمر، لو كنتَ من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه. ثمَّ قدّمه شمر وضرب عنقه صبراً(2) .
ميمنة وميسرة وقلب جيش الخلافة البالغ ثلاثين ألفاً يهجمون هجوماً واحداً مركّزاً على معسكر الحسينعليهالسلام الذي فيه أهله، وقرابة مئة من أهل بيته وأنصاره. واستعمل جيش الخلافة كامل عدّته وعتاده أثناء هجومه المركّز على ثلاثة محاور، ومع هذا صمد الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته وأنصاره، وهم لا يتجاوزون المئة، وقاتلوا قتالاً يفوق حدّ الوصف والتصوّر من بُعيد صلاة الفجر حتّى منتصف النهار.
ووصف الطبري قتالهم بأنه أشد قتال خلقه الله.
وفشل جيش الخلافة باختراق معسكر الحسينعليهالسلام ، أو الوصول إلى خيامه بعد أن خسر ذلك الجيش المئات إن لم يكن الآلاف من أفراده القذرين الذين لا خلاق لهم. ولم يقدر هذا الجيش على قتال الإمام الحسينعليهالسلام وأهله وأصحابه إلاّ من جهة؛ وذلك لاجتماع أبنيتهم، وتقارب بعضها من بعض كما وصف ذلك الطبري في تاريخه.
صلاة الظهر
أخذ أصحاب الإمامعليهالسلام يتساقطون كالفراقد؛ واحداً واحداً، واثنين اثنين، وأربعة أربعة، وضيّق جيش الخلافة الخناق على الإمامعليهالسلام ، واقتربوا منه، فقال أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي: يا أبا عبد الله، نفسي لك الفداء! إني لأرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتّى اُقتل دونك، واُحبّ أن ألقى ربي وقد صلّيت هذه الصلاة التي دنا وقتها.
فرفع الإمامعليهالسلام رأسه ثمَّ قال: « ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلّين الذاكرين. نعم هذا أوّل وقتها »، ثمَّ قال: « سلوهم أن يكفّوا عنّا حتّى نصلّي ».
فنادى منادي أصحاب الحسين بذلك، فقال الحصين بن تميم: إنّها لا تُقبل.
فقال له حبيب بن مظاهر: زعمت أنّ الصلاة من آل رسول الله لا تُقبل
____________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 253.
(2) العوالم / 91، وأبصار العين.
وتُقبل منك يا حمار(1) !
وفي رواية للطبري، قال أبو مخنف: فأذّن الحسين بنفسه، فلما فرغ من الأذان نادى: « يا ويلك يا عمر بن سعد! أنسيت شرائع الإسلام؟! ألا تقف عن الحرب حتّى نُصلّي وتصلّون ونعود إلى الحرب؟ ».
فلم يجبه، فنادى الحسينعليهالسلام : « استحوذ عليهم الشيطان »(2) .
وأمام رفض جيش الخلافة التوقّف عن القتال، ولأداء الصلاة قيل: إنه صلّى فيهم صلاة الخوف(3) .
ولما فرغ الإمامعليهالسلام من الصلاة حرّض أصحابه على القتال، فقال: « يا أصحابي، إنّ هذه الجنّة قد فتحت أبوابها، واتّصلت أنهارها، وأينعت ثمارها، وزيّنت قصورها، وتألّقت ولدانها وحورها، وهذا رسول الله والشهداء الذين قُتلوا معه، وأبي واُمّي يتوقعون قدومكم، ويتباشرون بكم، وهم مشتاقون إليكم، فحاموا عن دين الله، وذبّوا عن حرم رسول الله ».
وصاح الإمامعليهالسلام بأهله ونسائه، فخرجن مهتكات الجيوب، وصحن: يا معشر المسلمين! يا عصبة المؤمنين! الله الله! حاموا عن دين الله، وذبّوا عن حرم رسول الله، وعن إمامكم، وابن بنت نبيكم؛ فقد امتحنكم الله بنا، فأنتم جيراننا في جوار جدنا، والكرام علينا، والله فرض مودتنا، فدافعوا بارك الله فيكم عنّا.
وصاح الحسينعليهالسلام : « يا اُمّة القرآن، هذه الجنّة فاطلبوها، وهذه النار فاهربوا منها ».
وسمع الجميع صياح النساء، ولم يرمش لأحد من جيش الخلافة رمش؛ لأنّ قلوبهم غلف، بل على العكس استبشروا (بالنصر) على ابن بنت محمّد، وآل محمّد!
وأمّا أصحاب الإمامعليهالسلام فأجابوا: لبّيك يا حسين، لبّيك يابن رسول الله. وضجّوا بالبكاء والنحيب(4) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 326، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 17، وبحار الأنوار 45 / 21، والعوالم 17 / 267، وأعيان الشيعة 1 / 606، ووقعة الطفِّ / 229.
(2) أسرار الشهادة / 294، ومعالي السبطين 1 / 361.
(3) الدمعة الساكبة 4 / 301، وأعيان الشيعة 1 / 606، والخلاف 1 / 231.
(4) معالي السبطين 1 / 361، والدمعة الساكبة 4 / 302، وناسخ التواريخ 2 / 287، وأسرار الشهادة / 295، والموسوعة / 446.
شهامة عمر بن سعد وجيش الخلافة
لأن عمر بن سعد هو القائد الميداني لجيش الخليفة، وهو رمز أخلاقيّات وعقائد ذلك الجيش؛ فقد تأثّر عندما سمع بكاء بنات النبيصلىاللهعليهوآله واستغاثتهن.
وعندما شاهدهنّ واقفات باكيات أمام أبنية الحسينعليهالسلام وخيمه، ولمّا شاهد أنّ جيشه الجرّار البطل لا يقوى على قتال الإمامعليهالسلام وأصحابه إلاّ من جهة واحدة؛ لأنّ هذه الأبنية والخيام متماسكة ومتداخل بعضها في بعض، وتعيق حركة جيش الخلافة.
ولأنّ عمر بن سعد يريد أن يحسم الحرب سريعاً لصالحه، ولكلِّ هذه الأسباب أرسل عمر بن سعد رجالاً وكلّفهم بتقويض تلك الأبنية والخيام؛ وتشجيعاً لرجاله الأشاوس أباح لهم أن ينهبوا ما في تلك الأبنية والخيام!
ووصل رجال جيش الخليفة المكلّفين بمهمة تقويض الأبنية والخيام، واكتشف الإمامعليهالسلام وأصحابه ذلك؛ فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام يتخللون البيوت كما قال الطبري، فيشدّون على الرجل وهو يقوّض وينهب فيقتلونه ويرمونه من قريب، وهكذا أفشلوا إحدى المشاريع الإجراميّة لعمر بن سعد بن أبي وقاص.
لمّا اكتشف عمر بن سعد بن أبي وقاص ما حلّ برجاله الذين أرسلهم لتقويض خيام الإمامعليهالسلام وأبنيته جنّ جنونه، وفقد صوابه، فقال: أحرقوها بالنار، ولا تدخلوا بيتاً ولا تقوّضوه.
فجاؤوا بالنار وأخذوا يحرقون الخيام والأبنية، فقال الإمامعليهالسلام لأصحابه: « دعوهم فليحرقوها، فإنهم لو قد حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوها إليكم ».
وحمل شمر بن ذي الجوشن حتّى طعن فسطاط الحسينعليهالسلام برمحه، ونادى: عليَّ بالنار حتّى أحرق هذا البيت على أهله.
فصاحت النساء وخرجن من الفسطاط، وصاح الحسين: « يابن ذي الجوشن، أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي! أحرقك الله بالنار ».
وروى الطبري، عن حميد بن مسلم قال: قلت لشمر بن ذي الجوشن: سبحان الله! هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين؛ تُعذب بعذاب
الله، وتقتل الولدان والنساء؟! والله، إنّ في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك.
قال حميد: فقال: مَن أنت؟
قال: قلتُ: لا اُخبرك مَن أنا، وخشيت والله لو عرفني أن يضرّني عند السلطان.
وجاءه رجل كان أطوع له مني؛ شبث بن ربعي، فقال: ما رأيت مقالاً أسوأ من مقالك، ولا موقفاً أقبح من موقفك! أمرعباً للنساء صرت؟!
قال حميد: فاستحيا شمر، فذهب وانصرف. وبهذا الوقت حمل عليه زهير بن القين فكشفه وأصحابه وانصرفوا، ونجت الخيام من الحريق إلى حين.
مقتل أبي ثمامة الساعدي
قاتل أبو ثمامة شأنه شأن كلّ واحد من أصحاب الإمام دون الإمامعليهالسلام قتالاً عجيباً، وأخيراً قال للإمام: إنّي قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلّف وأراك وحيداً من أهلك قتيلاً.
فقال له الإمام الحسينعليهالسلام : « تقدّم فإنّا لاحقون بك عن ساعة ».
فتقدم أبو ثمامة وقاتل حتّى قُتل(1) .
تقويم الموقف والاستعجال بطلب الموت والشهادة
استذكار خطّة الإمامعليهالسلام وأصحابه
بيّنا أنّ الإمام الحسينعليهالسلام عندما قدر أن المواجهة بينه وبين الفرعون وجنوده لا مفرّ منها، وأنّ القتال سيحدث لا محالة، أعدّ للأمر عدته، واستثمر إمكانياته المحدودة أحسن استثمار:
1 - فقد أمر بحفر خندق حول معسكره من ثلاث جهات؛ اليمين واليسار والخلف، وأمر بأن يملأ بالحطب حتّى إذا ما بدأ القتال أشعلوا النار فيه.
2 - أمر أصحابه وأهل بيته بأن يقرّبوا بيوتهم بعضهاً من بعض، وأن يدخلوا بعضها في بعض بحيث يتعذّر على جيش الفرعون أن يتخللها أو يجوس خلالها.
3 - إنّ الخندق بمثابة سور يحول بين جيش الخلافة وبين الوصول إلى داخل المعسكر، وكان تداخل الأبنية والخيام ببعضها سوراً آخر.
____________________
(1) الموسوعة / 428، ويوم الطف / 91.
4 - حقّقت هذه الترتيبات حماية منيعة لمعسكر الإمام، وللإمام وأهل بيته وصحبهعليهمالسلام بحيث حمتهم من أيمانهم وشمائلهم ومن خلفهم، وحمت الذّرّية.
5 - فرضت هذه الترتيبات على جيش الخلافة فرضاً بأن يواجهوا الإمامعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه من جهة واحدة، وفوّتت على الجيش الفائدة التي توخّاها من توزيع قوّاته على شكل دائرة، أو حلقة محيطة بالإمامعليهالسلام وعسكره، واضطر هذا الجيش أن يُعيد تجميع قواته لتهاجم الإمامعليهالسلام وأهله وصحبه من جهة واحدة.
6 - وبالوقت نفسه قسّم الإمامعليهالسلام أهل بيته وأصحابه إلى ثلاثة أقسام؛ ميمنة وميسرة، وثبت هو وأهل بيته في القلب.
7 - عندما بدأ هجوم جيش الخلافة الشامل على ثلاثة محاور؛ ميمنة وميسرة وقلب، تلقّت ميمنة وميسرة وقلب جيش الإمامعليهالسلام جيش الطاغية يزيد.
8 - وبالرغم من التفوّق العددي الهائل لجيش الخلافة، ومن التفوق بالعدة والعتاد إلاّ أن الإمام الحسينعليهالسلام وأهل بيته وصحبه قد نجحوا نجاحاً ساحقاً بالصمود وبالتصدي، والأهم من ذلك أنّهم قد أفشلوا الموجة الاُولى من الهجوم، واضطروا قادة وجيش الخلافة للتراجع وتنظيم صفوفهم وإعادة خططهم.
9 - خلال فترة التراجع أخذ فرسان الحسينعليهالسلام من الميمنة والميسرة والقلب يشنّون هجمات ساحقة على ميمنة وميسرة وقلب جيش الخلافة، وأمعنوا قتلاً وجرحاً بكلِّ مَن طالت أيديهم.
إنّه وإن لم تتوفّر لدينا إحصائيات إلاّ أن منطق الأشياء ونوعية الرجال الذين كانوا حول الإمامعليهالسلام تؤكّد أن جيش الخلافة قد خسر المئات إن لم يكن الآلاف خلال المواجهة الاُولى من الهجوم، وخلال الهجمات الساحقة التي قام بها أصحاب الإمامعليهالسلام .
10 - هذه النتائج المذهلة التي حقّقها الإمامعليهالسلام وجماعته هزّت قيادة جيش الخلافة هزة عنيفة؛ فاستعملت تلك القيادة كامل قواتها لعقر خيول الإمامعليهالسلام ، وبذلت جهودها لتقويض ابنية وخيم الإمامعليهالسلام ، وأصدرت أمراً بحرق معسكر الإمامعليهالسلام
وخيمه بالفعل، ولو استطاعت تنفيذ هذا الأمر لنفّذته؛ لأنه لا قيادة جيش الخلافة ولا جيشه لديهم أيّ ذرة من الدين أو الخلق ليرعوا في مؤمن إلاّ ولا ذمة.
11 - لقيادة جيش الخلافة هدف محدد وواضح، وهو قتل الإمام الحسينعليهالسلام وإبادة أهل بيت النبوة، وهذه القيادة على استعداد لقتل كلّ مَن يحول بينها وبين تحقيق هذا الهدف؛ فقادة الجيش وأفراده مندفعون نحو هدفهم كالوحوش الكاسرة، وقد طلّقوا دينهم وأخلاقهم وإنسانيّتهم طلاقاً بائناً لا رجعة فيه، وهم مصمّمون على تحقيق هدفهم، فكلّما رُدّوا عادوا.
12 - وهدف الإمامعليهالسلام ، وأهل بيت النبوة، وأصحاب الإمام منحصر بالدفاع عن دينهم، وعن حرمات الإسلام، وعن أنفسهم، ونيل رضوان الله بجهاد أعدائه الذين يحكمون باسم الإسلام، ويتاجرون به وهم أعداؤه.
وأغلى ما يملكه الإمامعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه الحياة، وقد صمّموا على تركها، وعلى لقاء الله؛ لأن الحياة تحت حكم الظالمين ذل وشقاء، والموت في سبيل الله سعادة مطلقة.
ولكن قبل أن يموت الإمامعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه يتوجّب عليهم أن يذيقوا الذين أجرموا وبال أمرهم، وأن يرغموا اُنوفهم، ويمرغوا كبرياءهم القذر، ويجاهدوا في الله حق جهاده، وكان عليهم أن يخوضوا بحار الموت شرقاً ومغرباً كما وعد الإمامعليهالسلام ، وأن يضربوا ضربات كالحريق، تولي الضياغم من هولها مدبرة.
13 - خلال الكر والفرّ والهجمات المتكررة من الجانبين قُتل أكثر أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام ، فمن بُعيد الفجر إلى صلاة العصر، وأقل من مئة يتصدّون لجيش دولة عظمى قوامه ثلاثون ألف مقاتل.
وحسب المقاييس والموازين الموضوعية كان من المفترض أن يتمكّن الجيش من سحق الإمامعليهالسلام وأهل بيته وأصحابه خلال ربع ساعة من الزمن، ومن دون خسائر تُذكر في صفوفه. لقد بدأ القتال بُعيد صلاة الفجر، وجاءت صلاة الظهر، وجاء العصر والوطيس في أوجه، فأيّ قائد أنت يا مولاي! وأي رجال رجالك!
قتْلُ مَن تبقّى من الأصحاب
لا نعرف على وجه التحديد عدد الأصحاب، ولا الكثير من سيرهم
الشخصية؛ لأن السجلاّت الرسمية كانت بيد دولة الخلافة، وهذه الدولة تعتبر الإمامعليهالسلام ، وأهل بيت النبوة، وآل محمّد، وذوي قرباه، ومَن والاهم (فئة مجرمة) - حاشاهم -؛ لذلك تعمّدت طمس أخبارهم والتعتيم عليهم، ومنعت أولياءها من ذكرهم، وحاولت أن تشوّه قدسية عدالة قضيتهم.
لكن الباحث تكاد تتوفر لديه القناعة المطلقة ليجزم بأن أهل البيت وأصحاب الإمامعليهمالسلام الذين خاضوا غمار الحرب في كربلاء كانوا مئة رجل، ينقصون قليلاً أو يزيدون قليلاً؛ فكل مراجع دولة الخلافة رسمياً تتطابق على أنّ العدد أقل من المئة، ومراجع أهل بيت النبوة تجزم بأنه ربما كان أقل من المئة قليلاً أو أكثر قليلاً.
فإذا أخرجنا من العدد ثمانية عشر مقاتلاً ( الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام )، فإنّ عدد أصحاب الحسين سيكون 82 رجلاً، ينقصون قليلاً أو يزيدون قليلاً، فإذا عرفت إصرار اُولئك الأصحاب على أن يفدوا الإمامعليهالسلام بمهجهم وأرواحهم، وأن يحولوا بين جيش الخلافة وبين الاقتراب من الإمامعليهالسلام .
وإذا أخذنا بعين الاعتبار عدد جيش الفرعون وعدته، وفساد عقيدة قادته وأفراده، وانعدام الخلق عندهم. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ المعركة مستمرة من بُعيد الفجر وحتّى العصر، وكانت وما زالت مستمرة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام كانوا كما وصفهم عدوهم (فرسان المصر، وأهل البصائر، وقوماً مستميتين...)، فإنّنا نكاد نجزم أنه لم يقترب وقت العصر ومن أصحاب الإمامعليهالسلام على قيد الحياة إلاّ عدد لا يتجاوز العشرة كانوا متحلّقين حول الإمام وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ، يدافعون عنهم دفاع المستقتل المستميت.
وكان دورهم دفاعياً مقتصراً على البقاء في مكان واحد، والذبّ عن الإمام الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام ، بالوقت الذي كانت تتدفّق فيه نحو مكان الإمامعليهالسلام الآلاف من جيش الخلافة، ولا غاية لتلك الآلاف إلاّ قتل الإمامعليهالسلام ، وإبادة أهل بيت محمّد وذوي قرباه.
طريقة للاستعجال بالشهادة: الخروج
جيش الخلافة يقترب من الإمام وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ، وما تبقّى من الأصحاب عاجز عن مواجهة الجموع المتدفقة نحو موقع الإمام وأهل بيت النبوةعليهمالسلام ، ولا بدّ من خروج عناصر لتعترض سبيل جند الخلافة فتعيق حركته إنْ لم تستطع أن تغيّر مجراه.
ما تبقّى من الأصحاب
يجالد بين يدي الإمام وأهل بيت النبوةعليهمالسلام
زهير بن القين وابن عمه
قال سلمان بن مضارب البجلي، ابن عم زهير بن القين: ائذن لي بالخروج يابن رسول الله. فأذن له الإمامعليهالسلام ، فقاتل الجموع الزاحفة نحو الإمامعليهالسلام حتّى قُتل، واستأذن بعده زهير بن القين، ووضع يده على منكب الإمامعليهالسلام وقال مستأذناً:
أقـدم هُديت هادياً مهديّا |
فـاليوم ألقى جدّك النبيّا |
|
وحـسناً والمرتضى عليّا |
وذا الجناحين الفتى الكميّا |
وأسـدَ الله الشهيد الحيّا
فقال الحسينعليهالسلام : « وأنا ألقاهم على إثرك ».
فحمل زهير على القوم وقتل منهم مئة وعشرون، وكان يقول في حملاته:
أنـا زهيرٌ وأنا ابنُ القينِ |
أذودكم بالسيفِ عن حسينِ |
وتربّص به كثير بن عبد الله الصمي، والمهاجر بن أوس فقتلاه، فوقف الحسينعليهالسلام وقال: « لا يبعدنك الله يا زهير، ولعن قاتليك لعن الذين مُسخوا قردة وخنازير »(1) .
حبيب بن مظاهر
واستأذن حبيب بن مظاهر، وقاتل قتال الأبطال، وتربّص به رجل من بني تميم يقال له: بديل بن صريم، فطعنه فوقع، وحاول حبيب أن ينهض فضربه الحصين بن تميم على رأسه بالسيف فوقع نهائياً، ونزل إليه التميمي فاحتزّ رأسه.
قال أبو مخنف: لمّا قُتل حبيب بن مظاهر هدّ ذلك حسيناً، وقال: « [عند الله] احتسب نفسي وحماة أصحابي »(2) .
____________________
(1) بحار الأنوار 45 / 26، والعوالم 17 / 269، وأعيان الشيعة 1 / 606، وتاريخ الطبري 6 / 253، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 20.
(2) تاريخ الطبري 3 / 327، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 19، والكامل في التاريخ لابن الأثير 2 / 567، وأعيان الشيعة 1 / 606، والبداية والنهاية 8 / 198، وبحار الأنوار 45 / 27، والعوالم 17 / 270.
عبد الله وعبد الرحمن ابنا عزرة الغفاريان
جاءا إلى الإمام الحسينعليهالسلام فقالا: يا أبا عبد الله، عليك السّلام، حازنا العدو إليك فأحببنا أن نُقاتل بين يديك؛ نمنعك وندافع عنك.
قال الإمامعليهالسلام : « مرحباً بكما، ادنوا منّي ». فدنوا منه وقاتلا بين يديه قتالاً شديداً حتّى قُتلا(1) .
وورد أنهما بكيا، ولمّا سألهما الإمامعليهالسلام قالا: والله، ما نبكي على أنفسنا، ولكن نبكي عليك؛ نراك قد اُحيط بك ولا نقدر على أن ننفعك...(2) .
أبناء العم الجابريان
جاء الفتيان الجابريان سيف بن الحارث بن سريع، ومالك بن عبد بن سريع، وهما ابنا عم، وأخوان لاُمٍّ، إلى الإمام الحسينعليهالسلام وهما يبكيان، فقال لهما الإمامعليهالسلام : « أي ابنيَ أخي، ما يبكيكما؟ فوالله أنا لأرجو أن تكونا قريرَي العين بعد ساعة ».
قالا: لا، جُعلنا فداك! لا والله ما على أنفسنا نبكي، ولكن نبكي عليك؛ نراك قد اُحيط بك ولا نقدر على أن ننفعك.
فقال الإمامعليهالسلام : « فجزاكما الله يابنَي أخي بوجدكما من ذلك، ومواساتكما إيّاي بأنفسكما أحسن جزاء المتّقين ».
والتفت الجابريان إلى الإمام الحسينعليهالسلام فقالا: السّلام عليك يابن رسول الله.
فقال الإمامعليهالسلام : « وعليكما السّلام ورحمة الله ». وقاتلا حتّى قُتل.
حنظلة بن أسعد الشبامي
قام بين يدي الإمامعليهالسلام ونادى بأعلى صوته:( يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 328، ووقعة الطفِّ 234، والبداية والنهاية 8 / 200.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 23، والكامل لابن الأثير 2 / 568، والبحار 45 / 29، والعوالم 17 / 273.
(3) تاريخ الطبري 3 / 328، وأعيان الشيعة 1 / 701، ووقعة الطفِّ / 234، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 24، وبحار الأنوار 45 / 31، والعوالم 17 / 274.
للعبادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) ( غافر / 30 - 33 )، يا قوم، لا تقتلوا حسيناً( فيسحتكمْ بعذابٍ وقد خاب مَن افترى ) (طه / 61 ).
فقال الإمام الحسينعليهالسلام : « يابن أسعد، رحمك الله، إنهم قد استوجبوا العذاب حيث ردّوا عليك ما دعوتهم إليه من الحق، ونهضوا إليك ليستبيحوك وأصحابك، فكيف بهم الآن وقد قتلوا اُخوانك الصالحين؟! ».
قال: صدقت جُعلت فداك! أنت أفقه منّي وأحق بذلك، أفلا نروح إلى الآخرة ونلحق باُخواننا؟
فقال الإمامعليهالسلام : « رح إلى خير من الدنيا وما فيها، وإلى ملك لا يبلى ».
فقال: السلام عليك أبا عبد الله، صلّى الله عليك وعلى أهل بيتك، وعرّف بيننا وبينك في جنته.
فقال الإمامعليهالسلام : « آمين آمين ».
فتقدم حنظلة وقاتل حتّى قُتل(1) .
عمرو بن خالد الصيداوي
قال عمرو بن خالد الصيداوي: يا أبا عبد الله، جُعلت فداك! قد هممت أن ألحق بأصحابي، وكرهت أن أتخلف وأراك وحيداً من أهلك قتيلاً.
فقال له الحسينعليهالسلام : « تقدّم فإنّا لاحقون بك عن ساعة ».
فتقدّم فقاتل حتّى قُتل(2) .
أسلم بن عمرو مولى الإمام الحسينعليهالسلام
غلام تركي، كان قارئاً للقرآن، ومجيداً للغة العربية، خرج فصال وجال،
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 329، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 24، والكامل لابن الأثير 2 / 568 ذكر إلى قوله: «الصالحين»، واللهوف / 47، وبحار الأنوار 45 / 23، والعوالم 17 / 267، وأعيان الشيعة 1 / 605، ووقعة الطفِّ / 235.
(2) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 24، واللهوف / 47، ومثير الأحزان / 64، وبحار الأنوار 45 / 23، والعوالم 17 / 266.
وتحاشاه القوم، فتربّصوا به وقتلوه، فجاء الحسينعليهالسلام ووضع خدّه على خدّه، ففتح عينه ورآه فتبسم، وفارق الحياة(1) .
شهد بدر وحنين وصفّين واستشهد في كربلاء
عروة الغفاري، صحابي جليل، وشيخ كبير، شهد بدراً وحنين، وقاتل مع الإمام عليعليهالسلام في صفّين. استأذن الإمامعليهالسلام في الخروج للقتال، فقال له الإمام: «شكر الله أفعالك يا شيخ»(2) ، وأذن له، فقاتل الشيخ بين يدي الإمامعليهالسلام حتّى قُتل.
معرفة أصحاب الإمامعليهالسلام من غير أهله، والذين قُتلوا معه في كربلاء
في الدراسة العلمية القيمة التي قام بها الشيخ محمّد مهدي شمس الدين بعنوان «أنصار الحسين»، تمّ تحديد وتعيين كافة أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام من غير أهله الذين قُتلوا معه في كربلاء.
ومن خلال مجموعة من الجداول مستقاة من كافة المراجع بيّن الشيخ في دراسته أسماءهم، وساق كافة المعلومات التي وردت عنهم، فمن أراد الوقوف على أسماء كل اُولئك الأبطال فعليه بذلك الكتاب. وقد أوردنا من أسماء الشهداء ومواقفهم في هذه الدراسة ما رأينا أنه يفي بالغرض الذي توخّيناه.
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 24، وبحار الأنوار 45 / 30، والعوالم 17 / 273، وأعيان الشيعة 1 / 607.
(2) ينابيع المودة / 412، وأدب الحسين / 214، والموسوعة / 458.
الفصل السادس
مصرع الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام
تمكّن جيش بني اُميّة من قتل وإبادة أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام إبادة تامة كما رأينا، ومَن قُطعت يده أو رجله منهم وسقط بينهم، ووقع أسيراً بأيديهم ذبحوه صبراً كما تُذبح الأضاحي، وجزّوا رأسه.
والجرم الذي ارتكبه أصحاب الإمامعليهمالسلام أنهم بذلوا كلَّ جهودهم للحيلولة بين جيش بني اُميّة وبين هدفه الرامي إلى قتل الإمام الحسين بن فاطمة بنت محمّد رسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وإلى إبادة آل محمّد وأهل بيته وذوي قرباه.
أمّا وقد قُتل أصحاب الإمام الحسينعليهالسلام عن بكرة أبيهم فإنّ الجيش الاُموي وجد نفسه وجهاً لوجه أمام الإمام الحسين وأهل بيتهعليهمالسلام الذين صمّموا تصميماً نهائياً على أن يخوضوا لُجج المنايا؛ جهاداً في سبيل الله، وإعلاء لكلمته، وطمعاً برضوانه.
علي الأكبر أوّل البارزين للقتال
كان أوّل البارزين للقتال من أهل بيت الحسينعليهالسلام بعد مقتل أصحابه ابنه الأكبر علي، وكان له من العمر يومئذ سبع وعشرون سنة، وكان من أكثر أهل البيت شبهاً برسول اللهصلىاللهعليهوآله ، وكان شجاعاً مهاباً، وجواداً معدوداً في أسخياء العرب، وكانت داره موئلاً للضيوف وأصحاب الحاجات.
يقول الشاعر في مدحه:
لم تـرَ عينٌ نظرت مثلَه |
من محتفٍ يمشي ومن ناعلِ |
يـغلي بـنيء الـلحمِ حتّى إذا |
أُنـضج لـمْ يـغلِ عـلى الآكلِ |
|
كان إذا شـبّـت لـه نـارُه |
أوقـدهـا بـالـشرفِ الـقـابلِ |
|
كـيـما يـراها بـائسٌ مُـرملٌ |
أو فردُ حـيٍّ لـيس بالآهلِ |
|
لا يـؤثـر الـدنيا عـلى ديـنهِ |
و لا يـبيع الـحقَّ بـا لـباطلِ |
|
أعني ابنَ ليلى ذا الندى والسَّدى |
أعـني ابنَ بنت الحسب الفاضلِ |
وبعد أن أذن له الإمامعليهالسلام بالخروج، تقدّم صوب العدو وهو يرتجز قائلاً:
أنـا عليُّ بنُ الحسين بن علي |
نـحنُ و بيتِ الله أولى بالنبي |
|
واللهِ لا يـحكم فينا ابنُ الدعي |
أضربُ بالسيفِ اُحامي عن أبي |
ضـربَ غُـلامٍ هاشميٍّ علوي
ولمّا رآه الإمام الحسينعليهالسلام رفع شيبته نحو السماء وقال: « اللّهمَّ اشهد على هؤلاء القوم، فقد برز إليهم غلامٌ أشبه الناس خَلقاً وخُلقاً برسولك محمّدصلىاللهعليهوآله ، وكنّا إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه. اللّهمَّ امنعهم بركات الأرض، وفرّقهم تفريقاً، ومزّقهم تمزيقاً، واجعلهم طرائقَ قِدداً، ولا تُرضِ الولاة عنهم أبداً؛ فإنهم دعونا لينصرونا، ثمَّ عدوا علينا يقاتلوننا ».
وصاح الإمام الحسينعليهالسلام بأعلى صوته: « يا عمر بن سعد، ما لك؟! قطع الله رحمك، ولا بارك الله لك في أمرك، وسلّط عليك من يذبحك بعدي على فراشك كما قطعت رحمي، ولم تحفظ قرابتي من رسول الله ».
ولمح الإمامعليهالسلام ابنه عليّاً وهو يصول ويجول، فرفع الحسينعليهالسلام صوته بقوله تعالى: «( إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) »(آل عمران / 33 - 34 ).
ورجع علي بن الحسين إلى أبيهعليهالسلام فقال: يا أبتِ، العطش قد قتلني، وثقل الحديد أجهدني، فهل إلى شربة من ماء سبيل أتقوّى بها على الأعداء؟
فبكى الإمام الحسينعليهالسلام ، ثمَّ قال: « يا بُني، يعزّ على محمّد، وعلى علي، وعلى أبيك أن تدعوهم فلا يُجيبونك، وتستغيث بهم فلا يغيثونك! يا بُني، هات لسانك ».
فأخذ بلسانه فمصّه، ودفع إليه خاتمه وقال: « خذ هذا الخاتم في فيك وارجع إلى قتال
عدوك؛ فإنّي أرجو أنك لا تُمسي حتّى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً »(1) .
وقال أبو الفرج الأصفهاني: إنّ أوّل قتيل من ولد أبي طالب مع الحسين ابنه عليعليهالسلام .
وقال: لما برز علي بن الحسين إليهم أرخى الحسين عينيه وبكى، وقال: « اللّهمَّ أنت الشهيد عليهم، فقد برز إليهم غلامٌ أشبه الخلق برسول الله ». فجعل يشدّ عليهم، ثمَّ يرجع إلى أبيه فيقول: يا أبه، العطش! فيقول له الحسينعليهالسلام : « اصبر حبيبي؛ فإنك لا تمسي حتّى يسقيك رسول الله بكأسه ».
وجعل يكرّ كرّة بعد كرة حتّى رُمي بسهم في حلقه فمزّقها، وأقبل يتقلّب في دمه، ثمَّ نادى: يا أبتاه! عليك السّلام، هذا جدي رسول الله يُقرئك السّلام ويقول: « عجّل القدوم علينا ». ثمَّ شهق ومات(2) .
قال الطبري: قال حميد بن مسلم: فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور، وتقول: وا حبيباه! يا ثمرة فؤاداه! يا نور عيناه! فسألت عنها، فقيل: هي زينب بنت علي. وجاءت وانكبّت عليه، فجاء الحسينعليهالسلام وأخذ بيدها إلى الفسطاط، وأقبل على فتيانه وقال: « احملوا أخاكم ». فحملوه من مصرعه، فجاؤوا به حتّى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه(3) .
قال أبو مخنف: ثمَّ إنه وضع ولده في حجره، وجعل يمسح الدم عن ثناياه، وجعل يلثمه ويقول: « أمّا أنت فقد استرحت من همِّ الدنيا وغمِّها وشدائدها،
____________________
(1) راجع الفتوح 5 / 13، ومقتل الخوارزمي 2 / 30، وأعيان الشيعة 1 / 607، وبحار الأنوار 45 / 42، والعوالم 17 / 285، ومثير الأحزان / 69، واللهوف / 49، والفتوح لابن أعثم 5 / 131، والموسوعة / 460 - 461.
(2) مقاتل الطالبيِّين / 115 لأبي الفرج الأصفهاني، وبحار الأنوار 5 / 45، وأعيان الشيعة 1 / 907، والموسوعة / 462.
(3) تاريخ الطبري 3 / 331، والإرشاد / 239، وذريعة النجاة / 128، ومقتل الحسين لأبي مخنف / 129، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 31، وبحار الأنوار 45 / 43، والعوالم 17 / 285، ووقعة الطفِّ / 241، والبداية والنهاية 8 / 201، ومثير الأحزان / 69 واللهوف / 49، وأعيان الشيعة 1 / 607.
وصرت إلى رَوحٍ وريحان، وبقي أبوك، وما أسرع اللحوق بك »(1) .
قال القندوزي: إنّ الإمامعليهالسلام قال: « لعن الله قوماً قتلوك يا ولدي، ما أشدّ جرأتهم على الله، وعلى انتهاك حرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله ! ». وأهملت عيناه بالدموع، وصرخت النساء فسكتهنّ الإمامعليهالسلام (2) ، وقال: « اسكتن؛ فإنّ البكاء أمامكنّ »، وفي رواية اُخرى أنّ الإمامعليهالسلام لما رأى ولده الشهيد قال: « يا ثمرة فؤاداه! يا قرّة عيناه! »(3) .
القاسم بن الحسنعليهالسلام
وخرج من بعد علي الأكبر ابن الحسين القاسمُ بن الحسن، وهو غلام صغير لم يبلغ الحلم، فلما نظر إليه الإمام الحسينعليهالسلام اعتنقه، وجعلا يبكيان حتّى غُشي عليهما، فاستأذن الغلام، فأبى الحسينعليهالسلام أن يأذن له، فلم يزل الغلام يقبّل يديه ورجليه حتّى أذن له. فخرج الغلام ودموعه تسيل على خديه، وهو يقول:
إن تـنكروني فأنا ابنُ الحسنْ |
سبطِ النبي المصطفى والـمُؤتمنْ |
|
هـذا حـسينٌ كالأسير الـمُرتهنْ |
بين اناس لا سُقوا صوب الـمُزنْ |
وكان وجهه كفلقة القمر، فقاتل قتالاً شديداً، وقتل خمسة وثلاثين رجلاً.
قال حميد بن مسلم: كنت في عسكر ابن سعد، فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص وإزار، ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنسى أنه اليسرى، فقال عمرو بن سعد الأزدي: والله، لأشدن عليه. فقلت: سبحان الله! وما تُريد بذلك؟! والله، لو ضربني ما بسطت إليه يدي، يكفيه هؤلاء الذين احتوشوه. فقال: والله لأفعلنّ. فشدّ عليه وضرب رأسه بالسيف، ووقع الغلام لوجهه ونادى: يا عمّاه! فجاء الحسينعليهالسلام كالصقر المنقضّ، فتخلل الصفوف، وشدّ شدة الليث وضرب عمراً قاتله بالسيف، فاتقاه بيده فقطعها من المرفق، وحملت خيل الكوفة ليستنقذوا عمراً من الحسين، فاستقبلته بصدورها، وجرحته بحوافرها، ووطأته حتّى مات.
فانجلت الغبرة وإذا بالحسينعليهالسلام قائم على رأس الغلام، وهو يفحص برجليه، فقال
____________________
(1) الدمعة الساكبة 4 / 331.
(2) ينابيع المودة / 415.
(3) ناسخ التواريخ 2 / 355، والموسوعة / 461 - 463.
الحسينعليهالسلام : « عزّ والله على عمّك أن تدعوه فلا يُجيبك، أو يُجيبك فلا يُعينك، أو يُعينك فلا يُغني عنك. بُعداً لقوم قتلوك! »(1) . ثم احتمله حتّى ألقاه بين القتلى من أهل بيته.
ثمَّ رفع الإمامعليهالسلام يده إلى السماء وقال: « اللّهمَّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً. صبراً يا بني عمومتي، لا رأيتم [هواناً] بعد هذا اليوم أبداً »(2) .
مقتل آل عقيل بن أبي طالب
1 - استأذن عبد الله بن مسلم بن عقيل الإمامَ ليخرج للقتال، فقال له الإمامعليهالسلام : « أنت في حلٍّ من بيعتي، حسبك قتل أبيك مسلم، خذ بيد اُمّك واخرج من هذه المعركة »(3) .
فقال عبد الله: لستُ ممن يؤثر دنياه على آخرته. وما زال بالإمامعليهالسلام حتّى أذن له، فخرج وقاتل حتّى قُتل، فلما نظر إليه الإمامعليهالسلام قال: « اللّهمَّ اقتل قاتلَ آل عقيل ». ثمّ قال: « احملوا عليهم، بارك الله فيكم، وبادروا إلى الجنّة التي هي دار الإيمان »(4) .
2 - وبرز جعفر بن عقيل بن أبي طالب فقاتل حتّى قُتل(5) .
3 - وبرز عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب فقاتل حتّى قُتل(6) .
____________________
(1) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 27، وبحار الأنوار 45 / 35، والعوالم 17 / 278، والدمعة الساكبة 4 / 317.
(2) مقاتل الطالبيِّين / 88، وتاريخ الطبري 3 / 331، والإرشاد / 239، والكامل لابن الأثير 2 / 570، والبداية والنهاية 8 / 202، واللهوف / 50، ومثير الأحزان / 69، وأعيان الشيعة 1 / 608.
(3) معالي السبطين 1 / 402، وناسخ التواريخ 2 / 317، والموسوعة / 469.
(4) ينابيع المودة / 412، ومعالي السبطين 1 / 403، والموسوعة / 469.
(5) ذكره الطبري في تاريخه، والمفيد في الإرشاد، والأصفهاني في المقاتل، والخوارزمي في مقتل الحسين. (انظر في كتاب أنصار الحسين / 133).
(6) ذكرهم الطبري، والمفيد، والأصفهاني، والخوارزمي، والمسعودي (انظر أنصار الحسين / 130).
4 - وبرز عبد الله بن عقيل بن أبي طالب فقاتل حتّى قُتل(1) .
5 - وبرز محمّد بن سعيد بن عقيل بن أبي طالب فقاتل حتّى قُتل(2) .
مقتل آل جعفر بن أبي طالب
1 - برز محمّد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقاتل حتّى قُتل(3) .
2 - وبرز عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فقاتل حتّى قُتل(4) .
مقتل أولاد الحسن بن علي بن أبي طالبعليهمالسلام
1 - برز أبو بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فقاتل حتّى قتله عبد الله بن عقبة الغنوي، أو عقبة الغنوي(5) .
2 - وبرز القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فقاتل حتّى قتله عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي(6) . 3 - وبرز عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فقاتل حتّى قُتل، وكان عمره إحدى عشرة سنة، قتله حرملة بن كاهل الأسدي(7) .
مصرع العباس بن علي وسائر إخوة الحسينعليهمالسلام
استشهد في كربلاء خمسة من إخوة الحسينعليهالسلام ، وهم: العباس، وعبد الله، وجعفر، وعثمان، ومحمّد الأصغر.
وكان العباس أكبر هؤلاء الأبرار الذين ضربوا أروع الأمثال في
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه.
(6) المصدر نفسه.
(7) المصدر نفسه.
التضحية والفداء، لا من منطلق صلة الرحم والقرابة القريبة التي تربطهم بأخيهم فحسب، بل من منطلق نصرة الحق ومقاومة الطغيان والباطل في المقام الأوّل.
وقد كان للعباس يومئذ من العمر أربعة وثلاثون سنة، وكان - كما يقول صاحب مقاتل الطالبيِّين - رجلاً وسيماً، يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطّان في الأرض، وكان يقال له: قمر بني هاشم. وكان لواء الحسينعليهالسلام معه يوم قُتل، وكان آخرَ مَن قُتل من إخوته لاُمّه وأبيه(1) .
وقد ضم ديوان بطولات العباسعليهالسلام ومواقفه الكريمة الشجاعة في واقعة كربلاء صفحات كثيرة مضيئة، لكن أكثرها إضاءة وشهرة مواساته لأخيه الحسينعليهالسلام بنفسه؛ إذ أبى أن يذوق الماء، وقد كان واقفاً في لجّته، وكبده تتلظى من العطش؛ لآن الحسينعليهالسلام وعياله عطاشى لم يذوقوا قطرة منه منذ أيام.
وقد شهد له بهذه المواساة الإمام جعفر بن محمّد الصادقعليهالسلام حينما وقف على قبره وقال: « أشهدُ لقد نصحت لله ولرسوله ولأخيك، فنعم الأخ المواسي ».
كما شهد له بها الإمام محمّد بن الحسن المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) في الزيارة المعروفة عنه بزيارة الناحية: « السّلام على أبي الفضل العباس، المواسي أخاه بنفسه، الآخذ لغده من أمسه، الواقي له، الساعي إليه بمائه، المقطوعة يداه ».
وقد روى أصحاب المقاتل في كيفية مصرعه: إنه لم يستطع صبراً على البقاء بعد استشهاد صحبه وأهل بيته، وطلب الأذن من الحسينعليهالسلام ، فأمره الحسينعليهالسلام أن يطلب الماء للأطفال، فذهب إلى القوم ووعظهم وحذّرهم غضب الجبار، فلم ينفع.
ثمَّ رجع إلى أخيه يخبره، فسمع الأطفال يتصارخون من العطش، فلم تتطامن نفسه على هذه الحال، وثارت به الحمية الهاشميّة، وركب جواده وأخذ القربة، فأحاط به أربعة آلاف مقاتل ورموه بالنبال، فلم ترعه كثرتهم، وأخذ يطردهم، ونزل إلى الفرات مطمئناً، ولما اغترف من الماء
____________________
(1) المصدر السابق / 84.
ليشرب تذكّر عطش الحسينعليهالسلام ومَن معه، فرمى الماء وأبى أن يشرب؛ مواساةً لأخيه الحسينعليهالسلام .
ثمَّ ملأ القربة وركب جواده وتوجّه نحو المخيم، فقُطع عليه الطريق، وجعل يضرب حتّى أكثر القتل فيهم، وكشفهم عن الطريق، فكمن له عدوّ من الأعداء من وراء نخلة فضربه على يمينه فبراها، فقال عندئذ:
واللهِ إن قـطعتموا يميني |
إنّي اُحامي أبداً عن ديني |
|
وعن إمامٍ صادقِ اليقيني |
نجلِ النبي الطاهر الأمينِ |
فلم يعبأ بيمينه بعد أن كان همّه إيصال الماء إلى أطفال الحسينعليهالسلام وعياله، لكن حكيم بن طفيل كمن له من وراء نخلة، فلما مرّ به ضربه على شماله فقطعها، وتكاثروا عليه، وأتته السهام كالمطر؛ فأصاب القربة سهم واُريق ماؤها، وسهم أصاب صدره، وضربه رجل بالعمود على رأسه ففلق هامته، وسقط على الأرض ينادي: عليك منّي السّلام أبا عبد الله.
فأتاه الحسينعليهالسلام وقال عند مصرعه: « الآن انكسر ظهري، وقلّت حيلتي ».
1ـ برز عبد الله بن علي بن أبي طالب، فقاتل حتّى قتله هاني بن الحضرمي(1) .
2 - وبرز جعفر بن علي بن أبي طالب، فقاتل حتّى قُتل وعمره 19 سنة، وقتله قاتل أخيه عبد الله نفسه(2) .
3ـ وبرز عثمان بن علي بن أبي طالب، وكان عمره 21 عاماً، فقاتل حتّى رماه خولي بن يزيد الأصبحي بسهم فأضعفه، ثمَّ شدّ عليه رجل من بني أبان بن دارم فقتله(3) .
____________________
(1) ذكره الطبري، والمفيد، والأصفهاني، والخوارزمي. ( انظر أنصار الحسين / 13).
(2) المصدر نفسه.
(3) المصدر نفسه.
4 - وبرز محمّد «الأصغر» ابن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وقاتل حتّى قتله رجل من تميم من بني أبان بن دارم(1) .
5 - العباس بن علي بن أبي طالبعليهالسلام ، وهو حامل اللواء، وأكبر إخوة الإمامعليهالسلام ، وسنفرد له بحثاً(2) .
نداء مؤثّر، ومصرع طفل الحسين الرضيع
ولما فُجع الإمام الحسينعليهالسلام بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير النساء والأطفال، وغير ولده المريض، أشرف على جيش بني اُميّة، ونادى بأعلى صوته: « هل من ذابٍّ يذبّ عن حرم رسول الله؟ هل من موحّد يخاف الله فينا؟ هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا؟ هل من مُعين يرجو ما عند الله في إعانتنا؟ ».
سمع جيش الفرعون كله هذه الاستغاثات، وعلى إثرها ارتفعت أصوات الأطفال بالعويل، وكان جيش الخلافة يسمع ويرى كل شيء.
ثمّ بعد ذلك دعا ابنه عبد الله ( الرضيع )، فجعل يقبّله وهو يقول: « ويلٌ لهؤلاء القوم إذا كان جدّك محمّد المصطفى خصمهم! ». وكان الصبي في حجر أبيه الحسينعليهالسلام ، وكان جيش الخلافة وقادته يتفرّجون، فأراد أحدهم أن يثبت للجيش دقته بالرماية، وهو حرملة بن كاهل الأسدي، فسدّد سهماً إلى رقبة الصبي فذبحه وهو في حجر أبيه الحسينعليهالسلام ، فتلقّى الحسينعليهالسلام دمه حتّى امتلأت كفّه، ثمَّ رمى به إلى السماء، ثمَّ قال: « هوّن عليَّ ما نزل بي أنه بعين الله ».
قال الإمام محمّد الباقرعليهالسلام : « فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض ».
قالوا: ثمَّ قال: « لا يكون أهون عليك من فصيل ناقة صالح. اللّهمَّ إن كنت حبست عنّا النصر فاجعل ذلك لما هو خير لنا »(3) .
وقالوا: إنه قال: « اجعل ذلك لما هو خير، وانتقم لنا من هؤلاء
____________________
(1) المصدر نفسه.
(2) المصدر نفسه.
(3) بحار الأنوار 45 / 46، والعوالم 17 / 288، واللهوف / 116.
الظالمين(1) ، واجعل ما حلّ بنا في العاجل ذخيرة لنا في الآجل. اللّهمَّ أنت الشاهد على قومٍ قتلوا أشبه الناس برسولك محمّد... »(2) .
مصرع طفل مذعور، ونموذج من أخلاق جيش بني اُميّة
روى الطبري في تاريخه عن هانيء بن ثبيت الحضرمي، قال: كنت ممّن شهد قتل الحسين. قال: فوالله، إنّي لواقف عاشر عشرة ليس من رجل إلاّ على فرس، وقد جالت الخيل وتضعضعت، إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية، عليه إزار وقميص، وهو مذعور يتلفّت يميناً وشمالاً، فكأني أنظر إلى درّتين في اُذنيه تذبذبان كلّما التفت، إذ أقبل رجل يركض حتّى إذا دنا منه مال عن فرسه، ثمَّ اقتصد الغلام فقطعه بالسيف.
قال الراوي: هانيء بن ثبيت هذا هو الذي قطع الغلام بالسيف، فلما عتب عليه كنّى عن نفسه.
مقتل الإمام الحسينعليهالسلام
تقدّم الإمام الحسينعليهالسلام نحو القوم مصلتاً سيفه، آيساً من الحياة، ودعا جيش الخلافة إلى المبارزة، فلم يزل يقتل كلَّ مَن برز إليه حتّى قتل جمعاً كثيراً(3) ، ثمَّ حمل الإمامعليهالسلام على ميمنة القوم وهو يقول:
الموتُ أولى من ركوبِ العارِ |
والعارُ أولى من دخولِ النارِ(4) |
ثمَّ حمل على الميسرة وهو يقول:
أنـا الـحسينُ بـنُ علي |
آليـت ألاّ أنـثـنـي |
|
أحـمـي عـيالاتِ أبـي |
أمضي على دينِ النبي(5) |
قال عبد الله بن عمار بن يغوث: ما رأيت مكثوراً قط قد قُتل ولده، وأهل
____________________
(1) تاريخ الطبري 3 / 331، والكامل لابن الأثير 2 / 570، ووقعة الطفِّ / 245 والإرشاد للمفيد / 240، ومثير الأحزان / 70.
(2) مقتل الحسين للمقرّم / 343، وحياة الحسين 3 / 276، والموسوعة / 476.
(3) العوالم / 97، ومثير الأحزان / 37.
(4) في البيان والتبيين للجاحظ 3 / 171 طُبع تحت عنوان «كلام في الأدب».
(5) المناقب لابن شهر آشوب 2 / 223.
بيته وصحبه أربط جأشا منه، ولا أمضى جناناً، ولا أجرأ مقدماً! ولقد كانت الرجال تنكشف بين يديه إذا شدّ فيها، ولم يثبت له أحد(1) .
صاح عمر بن سعد بن أبي وقاص بجيشه قائلاً: هذا - يعني الحسينعليهالسلام - ابن الأنزع البطين - يعني عليّاًعليهالسلام - هذا ابن قتّال العرب، احملوا عليه من كلِّ جانب.
فأتته أربعة آلف نبلة(2) ، وحال الرجال بينه وبين رحله.
صيحة الحسينعليهالسلام
فصاح الإمام الحسينعليهالسلام بجيش الخلافة قائلاً: « يا شيعة آل أبي سفيان، إنْ لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحراراً في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إنْ كُنتم عُرباً كما تزعمون ». فناداه شمر بن ذي الجوشن: ما تقول يابن فاطمة؟ فأجابه الإمامعليهالسلام : « أنا الذي اُقاتلكم، والنساء ليس عليهنّ جناح، فامنعوا عتاتكم من التعرّض لحرمي ما دمت حيّاً ».
فقال شمر بن ذي الجوشن: لك ذلك.
استمرار القتال، ومحاولة لشرب الماء
وقصد جيش الخلافة الإمامَعليهالسلام ، واشتد القتال، الجيش «الإسلامي» كلّه يواجه رجلاً واحداً وهو ابن بنت الرسولصلىاللهعليهوآله ، وقاتل الإمامعليهالسلام بقدرة خارقة، واشتد به العطش؛ لأنّ جيش الفرعون منع عنه وعن أهل بيته وأصحابه الماء منذ قرابة اُسبوع، فحمل الإمامعليهالسلام من نحو نهر الفرات على عمرو بن الحجاج، وكان في أربعة آلاف، فكشفهم من الماء.
ولغ الفرس ليشرب، قال الإمامعليهالسلام : « أنت عطشان وأنا عطشان، فلا أشرب حتّى تشرب أنت ». فرفع الفرس رأسه كأنه قد فهم كلام الإمامعليهالسلام ، ولمّا مدّ الإمام يده ليشرب قال له رجل: أتلتذّ بالماء وقد هُتكت حرمُك؟
فرمى الماء ولم يشرب، وقصد الخيمة(3) .
____________________
(1) تاريخ الطبري 6 / 259
(2) مناقب ابن شهر آشوب 2 / 223.
(3) البحار 10 / 104، ومقتل العوالم / 98، ونفس المهموم / 188، والخصائص الحسينية / 46، باب «خصائص الحيوانات»، ومقتل المقرّم / 347.
الإمامعليهالسلام يودّع أهله ثانية
ودّع الإمامعليهالسلام عياله ثانية، وأمرهم بالصبر، وطلب منهم أن يستعدّوا للبلاء، وقال: « اعلموا أنّ الله تعالى حاميكم وحافظكم، وسينجيكم من شرِّ الأعداء، ويجعل عاقبة أمركم إلى خير، ويعوّضكم عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة، فلا تشكوا، ولا تقولوا بألسنتكم ما يُنقص من أقداركم ».
عمر بن سعد يصدر أمراً عسكرياً جديداً، ودعاء للإمامعليهالسلام
قال عمر بن سعد: ويحكم! اهجموا عليه ما دام مشغولاً بنفسه وحرمه، والله إن فرغ لكم لا تمتاز ميمنتكم عن ميسرتكم.
فحملوا عليه يرمونه بالسهام حتّى تخالفت السهام بين أطناب الخيم، فحمل عليهم الإمامعليهالسلام كالليث الغضبان، فلا يلحق أحداً إلاّ بعجه بسيفه فقتله، والسهام تأخذه من كلِّ ناحية، وهو يتّقيها بصدره ونحره، ثمَّ رجع إلى مركزه وأكثر من قول: « لا حول ولا قوة إلاّ بالله العظيم ».
وطلب في هذه الحال ماءً، فقال شمر بن ذي الجوشن: لا تذوقه حتّى ترد النار. وناداه رجل: يا حسين، ألا ترى الفرات كأنه بطون الحيات، فلا تشرب منه حتّى تموت عطشاً.
فقال الحسينعليهالسلام : « اللّهمَّ أمته عطشاً ». فكان ذلك الرجل يطلب الماء، فيُؤتى به حتّى يخرج من فيه، وما زال كذلك إلى أن مات عطشاً(1) .
ورماه أبو الحتوف الجعفي بسهم في جبهته، فنزعه وسالت الدماء على وجهه، فقال الإمام: « اللّهمَّ إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللّهمَّ أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً، ولا تغفر لهم أبداً ».
وصاح الحسينعليهالسلام بأعلى صوته: « يا اُمّة السوء، بئسما خلفتم محمّداً في عترته! أما إنكم لا تقتلون رجلاً بعدي فتهابون قتله، بل يهون عليكم ذلك عند قتلكم إيّاي. وأيم الله، إنّي لأرجو أن يكرمني الله بالشهادة، ثمَّ ينتقم لي منكم من
____________________
(1) مقاتل الطالبيِّين لأبي الفرج الأصفهاني / 47.
حيث لا تشعرون ».
فقال الحصين: وبماذا ينتقم لك منا يابن فاطمة؟
قال الإمامعليهالسلام : « يلقي بأسكم بينكم، ويسفك دماءكم، ثمَّ يصبّ عليكم العذاب صبّاً »(1) .
ووقف الإمامعليهالسلام عن القتال، ووقف يستريح، فرماه رجل بحجر على جبهته فسال دمه، فأخذ الثوب ليمسح دمه عن عينيه، وجاءه سهم له ثلاث شعب فوقع على قلبه، فقال الإمامعليهالسلام : « باسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله ». ورفع رأسه إلى السماء: « إلهي، إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره ».
وجاءه سهم في قفاه فأخرجه، وانبعث الدم كالميزاب(2) ، فوضع يده الشريفة تحت الجرح، فلما امتلأت رمى بها نحو السماء وقال: « هوّن عليَّ ما نزل بي أنه بعين الله ». فلم تسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض(3) ، ثمّ ملأ يده بالدم ولطخ به رأسه ووجهه ولحيته، وقال: « هكذا أكون حتّى ألقى الله وجدّي رسول الله وأنا مخضّب بدمي... »(4) .
نداء الحسينعليهالسلام للأصحاب
نظر الإمام الحسينعليهالسلام يميناً وشمالاً فلم يرَ أحداً من أهله وأصحابه وأنصاره، فنادى: « يا مسلم بن عقيل، ويا هاني بن عروة، يا حبيب بن مظاهر، يا زهير بن القين، يا يزيد بن مظاهر... »، وسمّى الكثير من أصحابه، ثمَّ قال: « يا علي بن الحسين، يا أبطال الصفا، ويا فرسان الهيجاء، ما لي اُناديكم فلا تجيبون، وأدعوكم فلا تسمعون؟ أنتم نيّام؟ أرجوكم تنتبهون، أم حالت مودّتكم عن إمامكم فلا تنصرونه؟ فهذه نساء الرسول لفقدكم قد علاهنّ النحول، فقوموا من نومتكم أيها الكرام، وادفعوا عن حرم رسول الله الطغاة اللئام... ».
ثمَّ أنشأ يقول:
قـومٌ إذا نـودوا لدفعِ ملمةٍ |
والخيلُ بين مدعّس ومكردسِ |
____________________
(1) مقتل العوالم / 98، ونفس المهموم / 189، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 24.
(2) نَفَس المهموم / 189، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 24، واللهوف / 18.
(3) تهذيب ابن عساكر.
(4) مقتل الحسين للخوارزمي / 34، واللهوف / 70.
لـبسوا القلوبَ على الدروعِ وأقبلوا |
يـتهافتون عـلى ذهـاب الأنـفسِ |
|
نـصروا الـحسينَ فيا لهم من فتيةٍ |
عافوا الحياةَ و اُلبسوا من سندسِ(1) |
قبل أن يُقتل الإمامعليهالسلام
قال أبو مخنف: إنّ حميد بن مسلم قال: سمعته يقول قبل أن يُقتل، وهو يقاتل على رجليه قتال الفارس الشجاع؛ يتّقي الرمية، ويفترص العورة، ويشد على الخيل وهو يقول: « أَعلى قتلي تحاثون؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله أسخط عليكم لقتله منّي. وأيم الله، إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثمَّ ينتقم لي منكم ».
أوامر قيادة جيش بني اُميّة
صاح شمر بن ذي الجوشن بجيش بني اُميّة: ويحكم! ماذا تنتظرون بالرجل؟ اقتلوه ثكلتكم اُمّهاتكم! فحمل عليه جيش الخلافة من كل جانب؛ فضُربت كفه اليسرى ضربةً ضربها شريك التميمي، وضُرب على عاتقه، ثمَّ انصرفوا عنه.
وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس بن عمرو النخعي فطعنه بالرمح حتّى وقع، ونادت زينب بنت علي بن أبي طالبعليهماالسلام : وا أخاه! وا سيّداه! وا أهل بيتاه! ليت السماء انطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل(2) .
وانتهت نحو الحسينعليهالسلام ، وقد دنا منه عمر بن سعد في جماعة من أصحابه، والحسينعليهالسلام يجود بروحه الطاهرة، فصاحت زينب: أي عمر، أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه؟! فصرف بوجهه عنها ودموعه تسيل على لحيته(3) .
وقالت السيدة زينب: ويحكم! أما فيكم مسلم؟! فلم يجبها أحد(4) .
____________________
(1) ناسخ التواريخ 2 / 277، ومعالي السبطين 2 / 19، ومقتل الحسين لأبي مخنف / 223، والموسوعة / 483 - 484.
(2) اللهوف / 73.
(3) الكامل لابن الأثير 4 / 32.
(4) الإرشاد للمفيد / 6، ومقتل العوالم / 10، ومقتل الحسين للخوارزمي 2 / 37، وراجع معالم المدرستين 3 / 132 وما فوق، ومقتل الحسينعليهالسلام للمقرم / 350 وما فوق.
ثمّ صاح ابن سعد بجيش بني اُميّة: انزلوا إليه وأريحوه. فبدر إليه شمر بن ذي الجوشن وضربه بالسيف اثني عشرة ضربة، واحتزّ رأسه المقدّس.
سلب الإمام بعد موته
وأقبل جيش بني اُميّة ليسلبوا الإمام القتيل؛ فأخذ إسحاق بن حويه قميصه، وأخذ الأخنس بن مرثد بن علقمة الحضرمي عمامته، وأخذ الأسود بن خالد نعليه، وأخذ سيفه جميع بن الخلق الأوردي، ويقال: إنّ الذي أخذ السيف رجل من بني تميم اسمه الأسود بن حنظلة.
ورأى أحدهم الخاتم في إصبع الإمامعليهالسلام والدماء عليه، فقطع إصبعه، وأخذ قيس بن الأشعث قطيفته(1) ، وسمي لذلك بقيس قطيفة(2) .
وحاول جيش الخلافة أن ينهب سروال الإمامعليهالسلام ويتركوه عارياً، ولكنهم فشلوا بمعجزة(3) .
قاتل الإمام يطلب الجائزة!
قال الناس لسنان بن أنس: قتلت الحسين بن علي، وابن فاطمة بنت رسول الله أعظم العرب خطراً، جاء إلى هؤلاء يريد أن يزيلهم عن ملكهم، فأتِ اُمراءك فاطلب ثوابك منهم، إنهم لو أعطوك بيوت أموالهم في قتل الحسين كان قليلاً!
فأقبل على فرسه، وكان [سجّاعاً] وبه لوثة حتّى وقف على باب فسطاط عمر بن سعد، ثمَّ نادى بأعلى صوته:
أوقر ركابي فضةً أو ذهبا |
أنـا قتلتُ الملكَ المحجبا |
|
قتلتُ خيرَ الناس اُمّاً وأبا |
وخيرهمْ إذ يُنسبون نسبا |
فقال عمر بن سعد: أشهد أنك لمجنون، ما صححت قط! أدخلوه عليَّ.
____________________
(1) اللهوف / 73.
(2) مقتل الحسين 2 / 38، والكامل لابن الأثير 4 / 32.
(3) مقتل الحسين للخوارزمي 2 / 102.
فلما اُدخل حذفه بالقضيب، ثمَّ قال: يا مجنون، أتتكلم بهذا الكلام! أما والله لو سمعك ابن زياد لضرب عنقك(1) . لقد انصب اعتراض ابن سعد على مدح القاتل للحسينعليهالسلام .
جيش بني اُميّة يسلب وينهب ذرّية الرسولصلىاللهعليهوآله
لمّا قُتل الإمام الحسينعليهالسلام مال الجيش على ثقله ومتاعه، وانتهبوا ما في الخيام(2) ، وأضرموا النار فيها، وتسابق القوم على سلب حرائر الرسول؛ ففرّت حرائر الزهراءعليهاالسلام حواسرَ مسلباتٍ باكيات(3) ، وإنّ المرأة لتُسلب مقنعتها من رأسها، وخاتمها من إصبعها، وقرطها من اُذنها، والخلخال من رجلها(4) !
وساق رجال جيش بني اُميّة النساء بأكعاب رماحهم، وهنّ يلذن بعضهن ببعض(5) ، وأقبل ابن سعد، فبكت النساء، وكان القوم قد أخذوا كلَّ ما معهنّ، ولم يردّوا عليهنّ شيئاً(6) .
الخيل توطئ صدر الإمامعليهالسلام وظهره وهو ميّت
نادى ابن سعد: ألا مَن يُنتدب إلى الحسين فيوطئ الخيل صدره وظهره؟
فقام من الجيش عشرة(7) فداسوا بخيولهم جسد الإمامعليهالسلام ، وأقبل العشرة على ابن زياد يرتجزون:
نحن رضضنا الصدرَ بعد الظهرِ |
بـكلِّ يـعبوبٍ شـديد الأسـرِ |
____________________
(1) راجع معالم المدرستين 3 / 135 - 136 نقلاً عن أبي مخنف.
(2) الكامل لابن الأثير 4 / 32.
(3) تاريخ الطبري 6 / 160.
(4) مثير الأحزان لابن نما / 40.
(5) سير أعلام النبلاء للذهبي 3 / 204.
(6) الكامل لابن الأثير 4 / 32.
(7) تاريخ الطبري 6 / 161، والكامل لابن الأثير 4 / 33، ومروج الذهب للمسعودي 2 / 91، والخطط للمقريزي 2 / 281، والبداية والنهاية لابن كثير 8 / 189، وتاريخ الخميس 3 / 333، ومناقب ابن شهر آشوب 2 / 224.
فأمر لهم بجائزة(1) .
قطع رؤوس الشهداء، واقتسام قبائل العرب لهذا الشرف!
بعد ذلك أمر ابن سعد بقطع رأس الإمام الحسينعليهالسلام ورؤوس الشهداء من أهل بيته وأصحابه(2) ، وأخذت كلُّ قبيلة من قبائل العرب رؤوس ضحاياها.
قال أبو مخنف: فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً، وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً، وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً، وجاءت بنو أسد بستة رؤوس، وجاءت مذحج بسبعة رؤوس، وجاء سائر الجيش بسبعة رؤوس(3) .
وحمل جيش بني اُميّة المنتصر الرؤوس على أطراف الرماح(4) .
وساقوا حرم الرسولصلىاللهعليهوآله كما تُساق الاُسارى
قال ابن أعثم في الفتوح، والخوارزمي في مقتل الحسينعليهالسلام وغيرهما: وساق القوم حرم رسول الله كما تُساق الاُسارى، حتّى إذا بلغوا الكوفة خرج الناس ينظرون إليهم، وجعلوا يبكون ويتوجعون، وعلي بن الحسين مريض مغلول، مكبّل بالحديد، قد نهكته العلة، فقالعليهالسلام : « ألا إنّ هؤلاء يبكون ويتوجعون من أجلنا، فمَن قتلنا إذاً؟! ».
خطبة السيدة زينبعليهاالسلام في أهل الكوفة
لمّا وصلت ركب اُسارى آل محمّد إلى الكوفة، خرج أهل الكوفة يتفرّجون ويبكون، فوقفت السيدة زينب وألقت كلمة جاء فيها: يا أهل الكوفة، يا أهل الختل والخذل والغدر، أتبكون؟!... أتدرون أيَّ
____________________
(1) اللهوف / 75، ومثير الأحزان / 41، ومقتل الخوارزمي 2 / 39.
(2) راجع تاريخ الطبري 5 / 455 - 456، ومثير الأحزان / 65، والأخبار الطوال / 259، والإرشاد للمفيد / 43، وبحار الأنوار 45 / 62، واللهوف / 60.
(3) تاريخ الطبري 5 / 467 - 468.
(4) الأخبار الطوال / 259.
كبد لرسول الله فريتم، وأيَّ دمٍّ له سفكتم، وأيَّ كريمة له أبرزتم، وأيَّ حريم له أصبتم، وأيَّ حرمة له انتهكتم؟!( لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً ) ! أفعجبتم أن مطرت السماء دماً! ولعذاب الآخرة أشدّ وأخزى وأنتم لا تُنصرون...
قال بشير: فوالله، لقد رأيت الناس يومئذ حيارى، كأنهم كانوا سكارى؛ يبكون ويحزنون، ويتفجّعون ويتأسّفون، ونظرت إلى شيخ من أهل الكوفة كان واقفاً إلى جانبي قد بكى حتّى اخضلّت لحيته بدموعه، وهو يقول: صدقتِ بأبي واُمّي! كهولكم خير الكهول، وشبّانكم خير الشبان، ونساؤكم خير النساء، ونسلكم خير نسل(1) .
خطبة فاطمة بنت الحسينعليهماالسلام
ثمَّ وقفت فاطمة بنت الحسين وألقت كلمة في أهل الكوفة، جاء فيها:... فكذّبتمونا، ورأيتم قتالنا حلالاً، وأموالنا نهباً، كأنّا أولاد ترك أو كابل، فلا تدعونكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا، ونالت أيديكم من أموالنا، فكأن العذاب قد حلّ بكم، ألا لعنة الله على الظالمين(2) .
إرسال الاُسارى إلى (خليفة المسلمين) بغير وطاء
روى الطبري أنّ عبيد الله أمر بنساء الحسينعليهالسلام وصبيانه فجُهّزن، وأمر بعلي بن الحسين فغُلّ بغلٍّ إلى عنقه، ثمَّ سرح بهم.
وقال ابن أعثم: دعا ابن زياد زحر بن قيس الجعفي فسلّم إليه رأس الحسين بن علي، ورؤوس إخوته، ورأس علي بن الحسين، ورؤوس أهل بيت النبوة، ورؤوس شيعة الإمام الحسين، ودعا علي بن الحسين فحمله وحمل إخوته، وعماته وجميع نسائهم إلى يزيد بن معاوية، وسار القوم بحرم رسول اللهصلىاللهعليهوآله من
____________________
(1) الفتوح لابن أعثم 5 / 221 - 226، ومقتل الخوارزمي 2 / 40 - 41.
(2) مثير الأحزان / 66 - 69.
الكوفة إلى بلاد الشام، على محامل بغير وطاء، من بلد إلى بلد، ومن منزل إلى منزل كما تُساق اُسارى الترك والديلم(1) .
ووضعت الرؤوس بين يدي (أمير المؤمنين)!
ولما وُضعت رؤوس الشهداء بين يدي (أمير المؤمنين وخليفة رسول ربِّ العالمين) يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، جعل يتمثّل بأبيات ابن الزبعرى:
ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا... إلخ(2)
وظهر يزيد بن معاوية على حقيقته، وتجاهلت الجموع الذليلة عفوية يزيد بإظهار حقيقة مشاعره، وتابعت سيرها على درب الطاعة لتضمن استمرار العطاء والرزق الشهري الذي يصلها من خزائن دولة الخلافة. واستُجيبت دعوة الإمامعليهالسلام ، وسقط نظام الخلافة، وصارت الاُمّة أذلّ أمم الأرض.
والحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسّلام على محمّد وآله الطاهرين
____________________
(1) الفتوح لابن أعثم 5 / 236.
(2) تقدّم ذكر هذه الأبيات في الفصل الخامس من الباب الثالث.
الفهرس
كلمة المركز5
مقدّمة7
الباب الأوّل: الفئتان المتواجهتان في كربلاء11
الفصل الأوّل: قائدا الفئتين 13
الفصل الثاني: أركان قيادة الفئتين 27
الفصل الثالث: عدد الفئتين 37
الفصل الرابع: المواقف والأهداف النهائية لقيادتي الفئتين 45
الباب الثاني: دور الاُمّة الإسلاميّة في مذبحة كربلاء53
الفصل الأوّل: حالة الاُمّة وقت خروج الحسين عليهالسلام وموقفها منه55
الفصل الثاني: الموقف النهائي لأكثريّة الاُمّة الإسلاميّة من مذبحة كربلاء67
الفصل الثالث: الأقلّية التي وقفت مع الإمام الحسين عليهالسلام أو تعاطفت معه99
الفصل الرابع: أخبار السماء عن مذبحة كربلاء121
الباب الثالث: بواعث رحلة الشهادة ومحطّاتها الاُولى141
الفصل الأوّل: التناقض الصارخ بين الواقع والشرعيّة143
الفصل الثاني: اقتراحات المشفقين على الإمام الحسين عليهالسلام 167
الفصل الثالث: الإمام الحسين عليهالسلام يشخّص أمراض الاُمّة المزمنة187
الفصل الرابع: رحلة الإمام الحسين عليهالسلام للشهادة في سبيل الله 211
الفصل الخامس: محطّات رحلة الشهادة من مكّة إلى كربلاء237
الباب الرابع: استعدادات الخليفة وأركان دولته لمواجهة الإمام عليهالسلام263
الفصل الأوّل: المواجهة265
الفصل الثاني: خطط الخليفة وعبيد الله بن زياد لقتل الإمام الحسين عليهالسلاموإبادة أهل بيت النبوة273
الفصل الثالث: الإمام عليهالسلام يقيم الحجة على جيش الخلافة281
الفصل الرابع: الإمام عليهالسلام يأذن لأصحابه بالانصراف وتركه وحيداً295
الفصل الخامس: الاستعدادات النهائيّة واتخاذ المواقع القتاليّة301
الفصل السادس: مصرع الحسين وأهل بيته عليهمالسلام 327