مفهوم التقية في الفكر الاسلامي
التجميع مفاهيم عقائدية
الکاتب السيد هاشم الموسوي
لغة الکتاب عربی
سنة الطباعة 1404

مفهوم التقية في الفكر الاسلامي

تأليف

السيد هاشم الموسوي



مفهوم التقية في الفكر الاسلامي



بسم الله الرحمن الرحيم



تصدير

( اتَّبعُوا مَآ أُنزِلَ إِليكُم مِّن رَّبِّكُم وَلاَ تتَّبعُوا مِن دُونِهِ أَوليَاءَ قَليلاً مَّا تَذَكَّرونَ ) (1) .

إن دراسة الفكر الإسلامي ومفردات العقيدة دراسة علمية أمينة وفق منهج قرآني دقيق توصلنا إلى معرفة الحقيقة، وتكوين رؤية تشريعية وفكرية

____________________

(1) سورة الأعراف: آية 3.


نقية تساهم في الفكر العقيدي والسياسي والاجتماعي الإسلامي. وتعمل على توحيد المسلمين وإغناء الحياة التشريعة والتربوية في المجتمع الإسلامي.

ومن الواضح لدى كل باحث ومتتبع لحركة الفكر الإسلامي وتطوراته أن هذا الفكر الحضاري قد مر بمراحل عديدة، وأن السياسة والصراع السياسي وسوء الفهم قد تدخلا في توظيف الرؤى العلمية لصالح السلطة الحاكمة ضد القوى المعارضة لها، بغضّ النظر عن صوابها وقيمتها العلمية.

ومن تلك الرؤى التي تدخلت السياسة الذرائعية في تشويهها وشن حملة على الاتجاه المعارض لهذه السياسة بسبب العمل بتشريع إسلامي هو تشريع (التقية) أو قل تشريع الضرورة والدفاع


السلبي تجاه الإرهاب الفكري والسياسي.

لذا ارتأى مركز (الغدير للدرسات الإسلامية) تقديم دراسة تعريفية في مفهوم التقية في الفكر الإسلامي لإزالة الغموض الذي اكتنف هذه المفردة الفكرية، وتوضيح الرؤية والفهم العملي في مدرسة أئمة أهل البيت - مدرسة الشيعة الإمامية - لمفهوم التقية، وقطع الطريق على من يتربصون بوحدة المسلمين الدوائر ويكرِّسون جهدهم في إثارة الشبهات، وتفريق الصف.

سائلين المولى القدير أن يسدّد جهدنا في خدمة الفكر الإسلامي والمساهمة في التعريف به إنه سميع مجيب.

مركز الغدير للدرسات الإسلامية



تقديم

( لا يَتَّخِذِ المُؤمِنُونَ الكافِرِينَ أَوليَاءَ مِن دُونِ المُؤمِنينَ وَمَن يَفعَل ذلكَ فَلَيسَ مِنَ اللهِ فِي شَيءٍ إِلاَّ أن تَتَّقُوا مِنهُم تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفسَهُ وَإلى اللهِ المَصِيرُ ) (1) .

( وَقَالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِن آلِ فِرعَونَ يَكتُمُ إِيمَانَهُ... ) (2) .

____________________

(1) سورة آل عمران: آية 28.

(2) سورة المؤمن (غافر): آية 28.


( مَن كَفَرَ باللهِ مِن بَعدِ إيمانِه إِلاَّ مَن اُكرِهَ وَقَلبُهُ مُطمَئِنٌّ بالايمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَح بالكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عذابٌ عظيمٌ ) (1) .

إنّ من المفاهيم العقيدية التي اتفق المسلمون جميعاً على ورودها في القرآن الكريم والسنّة المطهّرة هو مفهوم التقية، كما يتبين لنا ذلك من قوله تعالى:( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) وقوله:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) وقوله:( يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ) .

ومن سيرة الرسول العملية في موقفه من عمّار ابن ياسر، ومع هذا الوضوح والبيان، فإن هذا المصطلح العقيدي، قد اُسيء فهمه، وحاول بعض المغرضين والمسَخَّرين لتفريق الصف الإسلامي أنْ يثير الشبهات ويحاول أن يصوّره نفاقاً فكرياً،

____________________

(1) سورة النحل: آية 106.


وازدواجية غامضة قد أولدها الفكر المتبنى في مدرسة أهل البيتعليهم‌السلام عندما لجأ أتباع هذه المدرسة إلى التقية في مراحل الإرهاب والاضطهاد السياسي المرير.

ولايضاح هذا المفهوم وبيان مجالات العمل به سنضعه في دائرة الضوء؛ لتبديد صورة الغموض والشبهة العالقة به.


التقية في اللغة

«الوقاية: حفظ الشيء مما يؤذيه ويضرّه، يقال وقيتُ الشيء أقيه وقاية ووقاء...»(1) .

«ووقى الشيء وقياً ووقاية وواقية: صانه عن الأذى وحماهُ... والتقية الخشية والخوف.

والتقية - عند بعض الفرق الإسلامية -: «اخفاء الحق ومصانعة الناس في غير دولتهم تحرّزاً من التلف»(2) .

«تقاة» أصله وقاة، فأُبدلت الواو المضمومة تاء استثقالاً لها، لأنهم يفرّون منها إلى الهمزة تارة، وإلى التاء تارة اُخرى...

ووزن تقاة فُعَلَة، مثل تُؤَدة، وتخمة ونكأة وهي مصدر اتقى تقاة، وتقية، وتقوى، واتقاء»(3) .

____________________

(1) الراغب الاصفهاني / المفردات في غريب القرآن.

(2) المعجم الوسيط.

(3) الطوسي / التبيان في تفسير القرآن 2: 434.


وهكذا يتضح لنا معنى التقية في اللغة: وهو حفظ الشيء ووقايته من الضرر.



التقية في الاصطلاح

إن مصطلح التقية، هو مصطلح إسلامي قد نطق به الوحي لفظاً ومعنى، مقترناً بحادثة مُفسرة. قال تعالى:

( لا يَتَّخِذِ المؤمنونَ الكافرينَ أولياءَ مِن دونِ المؤمنينَ ومَنْ يفعلْ ذلكَ فليسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إلاّ أنْ تَتَّقوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وإلى اللهِ المصيرُ ) (1) .

عند تفسير الشيخ الطوسي لهذه الآية قال: «روى

____________________

(1) سورة آل عمران: آية 28.


الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقال لأحدهما أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، ثمّ دعا بالآخر فقال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، فقال له: أفتشهد أنّي رسول الله؟ قال: إني أصم - قالها ثلاثاً، كل ذلك تقية - فتقوّلَ ذلك، فضرب عنقه فبلغ ذلك(1) فقال: أما هذا المقتول فمضى على صدقه وتقيته، وأخذ بفضله فهنيئاً له، وأما الآخر فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه»(2) .

ثمّ علّق الشيخ الطوسي على هذه الرواية قائلاً: «فعلى هذا، التقية رخصة، والإفصاح بالحق فضيلة.

____________________

(1) يعني بلغ النبيَّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(2) الطوسي / التبيان في تفسير القرآن 2: 435.


وظاهر أخبارنا يدل على أنها واجبة، وخلافها خطأ»(1) .

أما القرطبي فقد فسّر آية التقية بقوله: «( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) . قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جِدّة الإسلام قبل قوّة المسلمين؛ فأما اليوم فقد أعزّ الله الإسلام أن يتقوا من عدوّهم. قال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يُقتل ولا يأتي مَأْثَماً. وقال الحسن: التقية جازئة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل. وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك:( إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ) وقيل: إن المؤمن إذا كان قائماً بين الكفّار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبُه مطمئن بالإيمان. والتقية لا تحِلّ إلاّ مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم. ومن أُكره على الكفر فالصحيح أنّ له أن يتصلّب ولا يجيب إلى

____________________

(1) المصدر السابق.


التلفظ بكلمة الكفر؛ بل يجوز له ذلك على ما يأتي بيانه في النحل»(1) .

حيث فسّر قوله تعالى:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) (2) بقوله: «هذه الآية نزلت في عمّار بن ياسر في قول أهل التفسير؛ لأنه قارب بعض ما ندبوه إليه. قال ابن عباس: أخذه المشركون وأخذوا أباه وأمَّه سُمَيّة وصُهَيباً وبلالاً وخَبّاباً وسالماً فعذّبوهم، ورُبطت سُمَية بين بعيرين ووُجِئَ قُبُلها بحربة، وقيل لها إنك أسلمت من أجل الرجال؛ فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام. وأما عَمَّار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مُكْرَهاً، فشكا ذلك إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «كيف تجد قلبك»؟ قال: مطمئن بالإيمان. فقال رسول

____________________

(1) القرطبي / الجامع لأحكام القرآن 4: 38.

(2) سورة النحل: آية 106.


اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «فإن عادوا فَعُدْ».

وروى منصور بن المُعْتَمِر عن مجاهد قال: أول شهيدة في الإسلام أم عمار، قتلها أبو جهل، وأوّل شهيد من الرجال مِهْجعٍ مولى عمر.

وروى منصور أيضاً عن مجاهد قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسولُ اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأبو بكر، وبلال، وخَبّاب، وصهيب، وعمّار، وسُميّة أمّ عمار. فأما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذوا الآخرين فألبسوهم أدراع الحديد، ثمّ صَهَروهم في الشمس حتى بلغ منهم الجهد كل مبلغ من حرّ الحديد والشمس، فلما كان من العشيّ أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يَسُبُّهم ويوبخهم، وأتى سُمَيّة فجعل يسبّها ويَرْفُث، ثمّ طعن فرجها حتى خرجت الحربة من فمها فقتلها؛ (رضي الله عنها).


قال: وقال الآخرون ما سُئلوا؛ إلاّ بلالاً فإنه هانت عليه نفسه في الله، فجعلوا يعذّبونه ويقولون له: ارجع عن دينك، وهو يقول أَحَدٌ أحد؛ حتى ملّوه، ثمّ كتّفوه وجعلوا في عنقه حبلاً من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أَخْشَبَيْ مكة حتى ملّوه وتركوه، قال: فقال عمّار: كلنا تكلم بالذي قالوا - لولا أن الله تدارَكنا - غير بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله، فهان على قومه حتى ملّوه وتركوه. والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالاً فأعتقه.

وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد أن ناساً من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله بالمدينة: أن هاجروا إلينا؛ فإنا لا نراكم منّا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة حتى أدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم فكفروا مكرهين، ففيهم نزلت هذه الآية. ذكر الروايتين عن مجاهد


إسماعيل بن إسحاق.

وروى الترمذيّ عن عائشة قالت: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «ما خُبِّرَ عَمّار بين أمرين إلاّ اختار أرشدهما» هذا حديث حسن غريب. وروي عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : «إن الجنّة تشتاق إلى ثلاثة عليّ وعمّار وسلمان بن ربيعة». قال الترمذيّ: هذا حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث الحسن بن صالح.

الثالثة : لما سمح الله (عزّ وجلّ) بالكفر به وهو أصل الشريعة عند الإكراه ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، فإذا وقع الإكراه عليها لم يؤاخذ به ولم يترتب عليه حكم؛ وبه جاء الأثر المشهور عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرِهوا عليه» الحديث. والخبر وإن لم يصح سنده فإن معناه


صحيح باتفاق من العلماء؛ قاله القاضي أبو بكر بن العربيّ. وذكر أبو محمد عبد الحق أن إسناده صحيح، قال: وقد ذكره أبو بكر الأصيلي في الفوائد وابن المنذر في كتاب الإقناع.

الرابعة : أجمع أهل العلم على أن من أُكرِه على الكفر حتى خَشِيَ على نفسه القتل، أنه لا إثم عليه إن كفر وقلبُه مطمئن بالإيمان، ولا تَبِين منه زوجته ولا يحكم عليه بحكم الكفر»(1) .

وهكذا يتضح لنا أنّ القرآن الكريم قد تحدّث عن التقية وأوضح أنها للمكرَه، ولمن تلجئه الضرورة للدفاع عن النفس والمال والعرض، بعد أن نهى عن موالاة الكفّار وأعداء الإسلام وأخبر بقطع العلاقة بين الله سبحانه وبين مَنْ يوالي أعداءه.

____________________

(1) القرطبي / الجامع لأحكام القرآن 10: 119.


وعندما عُرّض عمّار بن ياسر وبعض الصحابة إلى التعذيب والأذى اضطر إلى الاستجابة إلى أعداء الله والنطق بما أرادوا من الثناء على آلهتهم وذكر الرسول بسوء، فجاء وذكر ما حدث له للرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فأقرّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على فعله، وقال له: فإن عادوا فعد.

وقد قرأنا ما ذكره المفسرون في سبب نزول الآية الكريمة:( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) وعرفنا إقرار الرسول للتقية جرياً على إجازة القرآن الكريم لهذا الموقف الاضطراري.

وكما تحدّث الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله عن التقية، وأقرّها للمكرَه والمضطر بشكل واضح وصريح، نجد عذراً ضمنياً باستعمال التقية للمكرَه والمضطر في حديث الرفع المشهور بين المسلمين جميعاً، فقد روي عن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله


قوله: «رفع عن أُمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا اليه، والحسد، والطيرة، والتفكر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطق بشفة»(1) .

وكما يثبّت هذا الحديث الشريف قاعدة عامة برفع المسؤولية عن المضطر والمكرَه نجد كذلك في قول الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا ضرر ولا ضرار»، حكماً في رفع الضرر عن النفس والمال والعرض، إذا كان الواقع يمكن رفعه بإظهار التوافق مع الوضع السياسي أو الفكري وأمثالهما، الذي يشكّل خطراً حقيقياً على النفس والمال والعرض ما زال القلب مطمئناً بالحق، وثابتاً على الإيمان والإخلاص لإرادة الله سبحانه.

____________________

(1) الشيخ الصدوق / الخصال: ص 417 « باب 9».


وعلى أساس كتاب الله وسنُّة نبيه الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله التزم أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وفقهاؤهم بمبدأ التقية في المجال السياسي والفكري عندما أصابهم الظلم والاضطهاد والتقتيل والتعذيب والتشريد الذي أخبرهم به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله: «إنا أهلُ بيتٍ اختار الله لنا الآخرة على الدُنيا. وإنّ أهل بيتي سيلقونَ بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً...»(1) دفاعاً عن النفس، وحماية لذلك الكيان الفكري والسياسي الأصيل، الذي كان يقوده أئمة أهل البيتعليهم‌السلام كقوة معارضة للحكمين الأموي والعباسي، اللذين عُرفا بالعداء والتنكيل بأئمة أهل البيت وأتباعهم وفكرهم المعبّر عن الوعي الأصيل، والفهم العميق، والموقف الرافض لتسلّط الحاكم الظالم، وقد أوضح علماء أهل البيت مجال

____________________

(1) سنن ابن ماجة 2: 1366 / ح 4082.


انطباق التقية وتوظيفها.

روي عن الإمام الباقرعليه‌السلام : «التقية في كلّ ضرورة، وصاحبها أعلم بها حين تنزل به»(1) .

وروي عنه قولهعليه‌السلام : «إنما جُعِلَتْ التقية ليُحقَنَ بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقية»(2) .

وروي عنه قولهعليه‌السلام : «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم، فقد أحلّه الله له»(3) .

وهكذا يوضح الإمام الباقرعليه‌السلام أن التقية هي موقف دفاعي في حالة الضرورة والاضطرار وحفظ النفس.

فالتقية كما اتضح لنا ليست من اجتهاد الفكر

____________________

(1) الكليني / الاُصول من الكافي 2: 219.

(2) المصدر السابق: ص 220.

(3) المصدر السابق.


الشيعي، إنما هي نص إسلامي نطق به القرآن، وأقرّه الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ومارسه الصحابة وأوضحه المفسّرون من مختلف الاتجاهات والآراء كما قرأنا آنفاً؛ لرفع الضرر ومعالجة الضرورة، ولحقن الدماء، كما أوضح الإمام محمد الباقرعليه‌السلام ذلك.

وتأسيساً على هذا المبدأ أقتى فقهاء الإمامية بوجوب التقية، فللمسلم أن يُبْطِنَ الحق من عقيدة وموقف سياسي وقناعة تشريعية وعبادية ويظهر خلافها دفاعاً عن النفس والمال والعرض، كما أجاز له القرآن والسنّة ذلك.

قال الشيخ الطوسي: «والتقية - عندنا - واجبة عند الخوف على النفس، وقد روي رخصة في جواز الإفصاح بالحق عندها»(1) .

____________________

(1) الطوسي / التبيان في تفسير القرآن 2: 435.


وعرَّف الشيخ المفيد التقية بقوله: «التقية: كتمان الحق، وستر الاعتقاد فيه، ومكاتمة المخالفين، وترك مظاهرتهم بما يعقب ضرراً في الدين أو الدنيا، وفرض ذلك إذا علم بالضرورة، أو قوي في الظن، فمتى لم يعلم ضرراً بإظهار الحق، ولا قوي في الظن ذلك، لم يجب فرض التقية، وقد أمر الصادقونعليهم‌السلام جماعة من أشياعهم بالكف والإمساك عن إظهار الحق والمباطنة والستر له عن أعداء الدين والمظاهرة لهم بما يزيل الريب عنهم في خلافهم وكان ذلك هو الأصلح لهم، وأمروا طائفة اُخرى من شيعتهم بمكالمة الخصوم ومظاهرتهم ودعائهم إلى الحق لعلمهم بأنّه لا ضرر عليهم في ذلك، والتقيّة تجب بحسب ما ذكرناه ويسقط فرضها في مواضع اُخرى على ما قدّمناه»(1) .

____________________

(1) الشيخ المفيد / شرح عقائد الصدوق: ص 241.



لماذا التقية


ونستطيع أن نتفهم ظروف التقية السياسية والفكرية إذا فهمنا محنة أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم في العهدين الأموي والعباسي، بسبب معارضتهم الفكرية والسياسية للظلم السياسي والعبث بأموال الأُمة وانحراف الحكّام والولاة عن السلوكية الإسلامية.

فقد نقل المؤرخون صوراً مروّعة من سياسة البطش والإرهاب والقتل والسجن، ابتداءً من عهد معاوية بن أبي سفيان الذي قتل عدداً من أتباع الإمام علي وولديه الحسن والحسينعليهم‌السلام


أمثال الصحابي الجليل حجر بن عدي الذي وصفه الحاكم في المستدرك بقوله: «إنه راهب أصحاب محمد»(1) ، وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن شداد الشيباني وعمرو بن الحمق الخزاعي ورشيد الهجري وعبد الله بن يحيى الحضرمي وعبد الرحمن بن حسّان العنزي وعشرات أمثالهم.

وحين ولي السلطة ابنه يزيد أقدم على أفدح جريمة في تاريخ الإسلام ضد أهل بيت النبوة وصحابة الرسول (صلّى الله عليه وآله) والتابعين لهم بإحسان، حيث جرت مذبحة كربلاء المروّعة التي قتل فيها الإمام الحسين بن علي وسبعة عشر رجلاً من أهل بيته، وستون من أصحابه، وهم كل الذين كانوا برفقته، ثمّ ديس جسد الحسين الطاهر بحوافر

____________________

(1) الحاكم / المستدرك على الصحيحين 3: 468.


الخيل تشفيّاً وانتقاماً... تلك المذبحة التي لم يقف فيها العدوان عند حدّ قتل المقاتلين، وسلب أموالهم، بل ذبح الأطفال ومنعوا شرب الماء، وأُحرقت خيام آل محمد، وسيقت نساؤهم سبابا من العراق إلى الشام وحُملت رؤوس الشهداء إلى دمشق الشام على رؤوس الأعواد والرماح.

وحين امتد الصراع بين طلائع المسلمين والمعارضين للحزب الأموي وانتفضت مدينة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله على سلطة يزيد بقيادة عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة، بعد شهادة الإمام الحسين بن عليعليهما‌السلام فزحف الجيش الأموي على المدينة في واقعة الحرّة فسفك الدماء، وانتهك الحرمات، وهتك الأعراض، ونهب الأموال.

وقد نقل ابن قتيبة الدينوري صورة من تلك المأساة بقوله: «وذكروا أنه قُتل يوم الحرّة من


أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمانون رجلاً، ولم يبق بدريّ بعد ذلك، ومن قريش والأنصار سبعمائة، ومن سائر الناس من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف، وكانت الوقعة في ذي الحجة لثلاث بقين منها، سنة ثلاث وستين»(1) .

ويستمر الحزب الأموي في الإرهاب وسفك الدماء على امتداد مراحل وجوده في السلطة، فيسجل لنا التاريخ حوادث اُخرى تحكي أبشع صور الإرهاب والاستخفاف بقيم الحق والعدل أيام عبد الملك بن مروان وقتله سعيد بن جبير. وقد جاء في كتاب عبد الملك بن مروان الذي ولّى فيه خالد بن عبد الله القسري:

«اما بعد: فاني وليت عليكم خالد بن عبد الله

____________________

(1) ابن قتيبة الدينوري / الإمامة والسياسة 1: 185.


القسري، فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن أمرؤ على نفسه سبيلاً، فإنما هو القتل لا غير، وقد برئت الذمّة من رجل آوى سعيد بن جبير، والسلام، ثمّ التفت اليهم خالد، وقال: والذي نحلف به، ونحج إليه، لا أجده في دار أحد إلاّ قتلته، وهدمت داره، ودار كل من جاوره، واستبحت حرمته. وقد أجّلت لكم فيه ثلاثة أيام...»(1) .

ثمّ يلقى القبض على سعيد بن جبير الذي كان من طلائع الموالين لآل البيت النبوي، ويُسلّم إلى الحجاج السّفاح الشهير في تاريخ الإسلام الذي قتل عشرات الآلاف من معارضي السلطة فيقتله.

وتستمر سياسة التعسف والاضطهاد لجماهير الأُمّة وطلائع المعارضة العلوية وتتراكم المحن

____________________

(1) المصدر السابق 2: 42.


وممارسة الإرهاب، فينطلق زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بثورته سنة (121 هجري) ويقتل في نفر من أصحابه في خلافة هشام بن عبد الملك فيحرق جسده الطاهر ويذرّ في الفرات والبساتين، ويرتد أَثَرُ هذه الثورة على أخيه الإمام الباقر محمد بن علي وولده الصادقعليهم‌السلام فتفرض الرقابة عليهما ويسلط الإرهاب والملاحقة لتطويق حركتهما السياسة والفكرية في تلك المرحلة.

وقد حفظ لنا التاريخ نصاً لأحد قادة المعارضة الموالية لأهل البيت يصوّر عمق المأساة والكوارث التي حلّت بالحزب العلوي وبأتباع آل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقد خاطب هذا الرجل أصحابه يدعوهم إلى الثبات والاستمرار على حمل راية المعارضة والموالاة لآل محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله قائلاً: «إنكم كنتم تُقتلون، وتقطع أيديكم وأرجلكم،


وتُسمّل أعينكم، وترفعون على جذوع النخل في حب أهل بيت نبيكم، وأنتم مقيمون في بيوتكم وطاعة عدوكم»(1) .

وفي العهد العباسي لاقى أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم ألوان المآسي والقتل والتشريد الذي تصاغر أمامه الإرهاب الأموي.

وكان الإمام الصادقعليه‌السلام يوضع تحت المراقبة والرصد والملاحقة وتحصى عليه أنفاسه.

وفي عهد الإمام موسى بن جعفر، الكاظمعليهما‌السلام تضطر الممارسات السلطوية والإرهاب العباسي - ضد آل البيت وأتباعهم - الحسين بن علي بن الحسن فينطلق في ناحية فخ في ثورة عارمة عام (168 هجري) ضد الحاكم العباسي موسى الهادي، وتحلّ

____________________

(1) تاريخ الطبري 7: 104 حوادث سنة 65.


الفاجعة بآل البيت النبوي، ويُقتل الحسين الثائر ويقتل معه نفر من أصحابه، فيصف الإمام محمد الجواد هذه المأساة بقوله، «لم يكن لنا بعد الطف(1) مصرع أعظم من فخ»(2) .

ثمّ يُزج الإمام موسى بن جعفر في سجون الرشيد الرهيبة سنين عديدة، حتى يستشهد في سجن السندي بن شاهك مدير شرطة الرشيد مسموماً معذباً في الخامس والعشرين من شهر رجب عام (183 هجري).

ولم تقف معاناة أئمة أهل البيت وأتباعهم من الحكّام العباسيين عند هذا الحدّ، بل تستمر بأشد صورها فيلاقي الإمامان علي الهادي وولده الحسن

____________________

(1) الطف: هو اسم من أسماء أرض كربلاء التي قُتل فيها الإمام السبط الحسين بن عليعليه‌السلام .

(2) العّلامة المجلسي / بحار الأنوار 48: 165.


العسكريعليهما‌السلام من بعده أشد المعاناة من الحكام العباسيّين الذين عاصروهما.

ولنا أن نقرأ بعضاً من نصوص التاريخ في العهد العباسي لنعرف أساليب الاضطهاد والإرهاب الموجهة ضد أئمة أهل البيت فنفهم جانباً من حياة الاضطهاد والتعسف والإرهاب التي اضطرت أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم إلى الالتزام بالتقيّة في تلك المرحلة.

فقد وصف علي بن ابراهيم أحد أصحاب الإمام الحسن العسكري جانباً من تلك المعاناة بقوله: «اجتمعنا بالعسكر، وترصَّدنا لأبي محمدعليه‌السلام يوم ركوبه، فخرج توقيعه، ألا لا يُسلِّمَنَّ عليَّ أحد، ولا يُشر إليّ بيده، ولا يُومِئ؛ فإنكم لا تأمنون على أنفسكم»(1) .

____________________

(1) المصدر السابق 50: 269.


ورى أبو هاشم الجعفري عن داود بن الأسود وقّاد حمام أبي محمدعليه‌السلام قال: دعاني سيدي أبو محمد، فدفع إليّ خشبة، كأنها رجل باب مدورة طويلة، ملء الكف، فقال: صِرْ بهذه الخشبة إلى العمري، فمضيت، فلمّا صرت إلى بعض الطريق عرض لي سقّاء معه بغل، فزاحمني البغل على الطريق، فناداني السّقاء: صح على البغل، فرفعت الخشبة التي كانت معي، فضربت البغل، فانشقّت، فنظرت إلى كسرها فإذا فيها كتب، فبادرت سريعاً فرددت الخشبة إلى كُمي، فجعل السقاء يناديني ويشتمني، ويشتم صاحبي، فلما دنوت من الدار راجعاً، استقبلني عيسى الخادم عند الباب، فقال: يقول لك مولاي لِمَ ضربت البغل، وكسرت رجل الباب، فقلت له: يا سيدي، لَمْ أعلم ما في رجل الباب، فقال: ولِمَ احتجت أن تعمل عملاً تحتاج أن


تعتذر منه، إيّاك بعدها أن تعود إلى مثلها، وإذا سمعت لنا شاتماً فامض لسبيلك التي اُمرت بها، وإياك أن تجاوب من يشتمنا، أو تعرّفه من أنت، فاننا ببلد سوء، ومصر سوء، وامضِ في طريقك، فان أخبارك وأحوالك ترد الينا، فاعلم ذلك»(1) .

وروى محمد بن عبد العزيز البلخي، قال: «أصبحت يوماً فجلست في شارع الغنم، فذا بأبي محمدعليه‌السلام قد أقبل من منزله، يريد دار العامة، فقلت في نفسي: تُرى إن صحت أيها الناس هذا حجة الله عليكم فاعرفوه يقتلوني؟ فلمّا دنا مني، أومأ بإصبعه السبابة على فيه: أن اسكت، ورأيته تلك الليلة يقول: إنما هو الكتمان أو القتل، فاتق الله على نفسك»(2) .

____________________

(1) ابن شهرآشوب / مناقب آل أبي طالب 4: 427 - 428.

(2) علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي / كشف الغمة في معرفة الأئمة 3: 218 - 219.


ولعل من أهم الوثائق التاريخية المهمة التي تحكي مأساة آل البيت النبوي واضطهاد السلطات الأموية والعباسية لهم هو كتاب مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الاصفهاني الذي عاش ما بين (284 - 356 هجري) وقد بلغ حجم الكتاب (460) صفحة من القطع الكبير كرّسها للحديث عن محنة أهل البيت وثوراتهم وسجونهم وأساليب قتلهم. وفي هذا الكتاب تحدّث أبو الفرج سطوراً عن موقف المتوكل العباسي من آل البيت فقال: «وكان المتوكل(1) شديد الوطأة على آل أبي طالب، غليظاً على جماعتهم، مهتماً بأمورهم، شديد الغيظ والحقد عليهم، وسوء الظن والتهمة لهم، واتفق له أن عبيد الله بن يحيى بن خاقان وزيره يسيء الرأي فيهم، فحسّن له القبيح في معاملتهم،

____________________

(1) عاصر المتوكل العباسي الإمام علياً الهاديعليه‌السلام .


فبلغ فيهم ما لم يبلغه أحد من خلفاء بني العبّاس قبله، وكان من ذلك أن كرب قبر الحسينعليه‌السلام وعفّى آثاره ووضع على سائر الطرق مسالح له، لا يجدون أحداً زاره إلاّ أتوه به، فقتله أو أنهكه عقوبة... وكان قد بعث برجل من أصحابه يقال له الديزج، وكان يهودياً فأسلم، إلى قبر الحسين، وأمره بكرب قبره ومحوه وإخراب كل ما حوله، فمضى إلى ذلك وخرّب ما حوله وهدم البناء وكرب ما حوله نحو مائتي جريب، فلما بلغ إلى قبره لم يتقدم إليه أحد، فأحضر قوماً من اليهود فكربوه، وأجرى الماء حوله، ووكَّل به مسالح، بين كل مسلحتين ميل، لا يزوره زائر إلاّ أخذوه ووجهوا به إليه...

ثمّ قال: واستعمل على المدينة ومكّة عمر بن الفرج الرخّجي فمنع آل أبي طالب من التعرض لمسألة الناس، ومنع الناس من البرّ بهم، وكان لا يبلغه


أن أحداً أبر أَحداً منهم بشيء، وإن قلّ، إلاّ أنهكه عقوبةً، وأثقله غرماً، حتى كان القميص يكون بين جماعة من العلويات يصلين فيه، واحدةً بعد واحدة، ثمّ يرقّعنه، ويجلسن على مغازلهن عواري حواسر، إلى أن قُتل المتوكل، فعطف المنتصر عليهم، وأحسن اليهم»(1) .

وتحدّث في مورد آخر عن إحدى حالات القتل والتعذيب التي مارسها أبو جعفر المنصور ضد آل علي بن أبي طالب فقال: «أتى بهم أبو جعفر فنظر إلى محمد بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب فقال: أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم.

قال: أما والله لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحداً من أهل بيتك، ثمّ أمر باسطوانة مبنية فَفُرِقَت، ثمّ

____________________

(1) أبو الفرج الاصفهاني / مقاتل الطالبيين: ص 470 - 478.


أُدخلَ فيها، فبنيت عليه، وهو حي»(1) .

إنّ إلقاء نظرة تحليلية وقراءة موضوعية أمينة في تلك النصوص والعيّنات التاريخية التي لا تساوي إلاّ جزءاً يسيراً من سياسة الاضطهاد والتقتيل والسجون والإرهاب والتشريد والملاحقة التي مارسها الأمويون والعباسيون ضد أئمة هل البيت وأنصارهم والمتأثرين بتيارهم الفكري والسياسي، تكشف لنا بوضوح كامل لماذا التزم أئمة أهل البيتعليهم‌السلام وأتباعهم بالتقية، أو الكتمان وإخفاء الموقف الفكري والسياسي المعارض لسياسة السلطة ومتبنياتها.

ولعلنا ندرك بصورة أوضح موجبات التقية الفكرية والسياسية إذا تجاوزنا أحداث التاريخ الماضية وانتقلنا إلى المعارضة الفكرية والسياسية المعاصرة

____________________

(1) ابو الفرج الاصفهاني / مقاتل الطالبيين: ص 181.


التي تخوضها الحركات الإسلامية المعارضة والتزامها بالسرّية والتنظيم السري، والتكتم على خططها ومتبنياتها لحماية نفسها من الظلم والتعسف، فما من حركة إسلامية معارضة على امتداد التاريخ الماضي منه والمعاصر تريد تغيير الأوضاع وإصلاح السلطة والمجتمع إلاّ وتتبنى التقية السياسية والتكتم على أفكارها المعارضة لمتبنيات السياسة الظالمة والمنحرفة عن منهج القرآن وسيرة النبوة الخالدة.

وذلك منطق العقل المتوافق مع حكم الشريعة وإقرارها لمبدأ التقية كما قرأنا في الكتاب والسنّة وآراء الفقهاء.

من ذلك كله نفهم أن التقية وسيلة دفاعية ضد الظلم والإرهاب، ومن أجل حماية الحق والحفاظ على الموقف الشرعي السليم.



التقية ومسؤولية الاصلاح


قد يتبادر إلى أذهان البعض ممن لا يستوعب المفاهيم القرآنية وتنظيم الشريعة للعلاقة بين الأحكام والمواقف والأمر الواقع، أن التقية فكرة تحول المسلم إلى إنسان متعايش مع الأمر الواقع مع ما فيه من ظلم وفساد وانحراف، وأنها تربية تفرز الازدواجية واصطناع التوافق، فتقود إلى النفاق، والرضا بكل ما يحيط بها فتنصرف عن مواجهة الظلم ومحاربة الفساد والانحراف تحت ستار الخوف على المال والنفس والكرامة، غير أن هدف التقية هو معاكس لهذا الفهم تماماً، إذ هي شرعت لتمكّن


المسلم الذي يعيش في ظروف القهر والإرهاب الفكري وأجواء الانحراف المسلطة عليه بالقوة، شرعت لتمكنه من المقاومة والعمل على التغيير بشكل بعيد عن أعين القوى المتحكمة والمتسلطة، فمفهوم التقية، هو مفهوم التكتم والسرية في العمل السياسي والفكري الذي لا يروق للحكام المنحرفين والقوى المعادية للاتجاه السليم.

ومفهوم التقية لا يلغي فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يتحول عمل الفرد والجماعة التي ترى الفساد السياسي والفكري ولا تستطيع الإعلان عن مواجهته، يتحول العمل عندها إلى عمل سري، وإعداد بعيد عن أنظار المتسلطين، فإذا توفرت القدرة على التغيير، تم الإعلان عن المواجهة المكشوفة والصراع الواضح لتغيير البناء السياسي والفكري والاجتماعي على أساس منهج القرآن


ودعوته.

وعندما تكون التضحية بالمال والنفس مجدية للدفاع عن الحق وإقامة الإسلام، تجب التضحية عندئذٍ، ولا تقية في ذلك، فإن من أهداف الجهاد بالمال والفكر والنفس والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو مواجهة الأوضاع غير الطبيعية في المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان المسلم، لذلك حرّم الفقة الإسلامي التعاون مع الحاكم الظالم الفاسق، إذ كان في هذا التعاون وتولّي الوظائف للسلطة هدم الإسلام وسفك للدماء، ولو كلف الإنسان دمه وماله.

لذلك جاء في قول الإمام الباقرعليه‌السلام : «فإذا بلغ الدم فلا تقية» أي أن من حق المسلم المضطهد والمكرَه أن يستجيب للأوضاع الاجتماعية، ولإرهاب السلطة ويتعاون معها في


حدود دفع الضرر الأعظم عن نفسه بالموازنة بين أهون الضررين، فإذا نتج عن تجاوبه وتعاونه مع السلطة الـمُكْرهَةِ له سفك دماء الآخرين وهدم الإسلام، فلا يجاز له التعاون مع الطغاة والظلمة، ولو أدى رفضه إلى قتله وسفك دمه، ومصادرة أمواله.

وهكذا يتضح لنا من خلال التعريف بمفهوم التقية أنه تشريع إسلامي شُرِّع في عهد الدعوة، وفيه نص من الكتاب والسنة، وله دواعيه وموجبات العمل به في مسيرة الحياة البشرية مما دعا أئمة أهل البيت وحركتهم التغييرية إلى العمل بهذا المبدأ لمواجهة السياسة الظالمة والانحراف عن منهج القرآن وقيمه، وليس هو من مبتكرات الفكر الشيعي ولا من مختصاته كما قد يتصور البعض من الناس.

(وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين)


الفهرس

تصدير7

تقديم 11

التقية في اللغة14

التقية في الاصطلاح 17

لماذا التقية32

التقية ومسؤولية الاصلاح 50